بهجه الفقیه

اشارة

سرشناسه : بهجت، محمدتقی، - 1294

عنوان و نام پديدآور : بهجه الفقیه/ محمدتقی البهجه

مشخصات نشر : قم: شفق، 1382.

شابک : 964-90359-5-811000ریال:(ج.1)

مندرجات : ج. 1. کتاب الصلاه.-

موضوع : فقه جعفری -- قرن 14

موضوع : فتواهای شیعه -- قرن 14

رده بندی کنگره : BP183/5 /ب83ب9 1382

رده بندی دیویی : 297/342

شماره کتابشناسی ملی : م 83-15217

المقدمه

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

بهجة الفقيه

شيخ الفقهاء و المجتهدين آية اللّٰه العظمى محمد تقى البهجة (دامت بركاته)

المقدّمة الاولى في أعداد الصلوات

اشارة

رب وفّق و سهّل

بهجة الفقيه، ص: 7

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّٰه ربّ العالمين و الصلاة علىٰ سيّد أنبيائه محمد و آله الطاهرين و اللعن علىٰ أعدائهم أجمعين.

أعداد الصلوات

و من المفروضة، صلاة اليوم و الليلة؛ و منها: الجمعة الواجبة، و صلاة العيدين، و الآيات، و الطواف الواجب، و صلاة الأموات، و الواجبة بنذر أو عهد أو يمين، و الإجارة من الوصي أو الولي، أو المتبرّع بالاستيجار للقضاء، و من العاجز لصلاة الطواف عنه، و ممّن يستأجر غيره لصلاة ليلة الدفن، و الجامع للنذر و ما بعده ما كان بحدوث سبب لوجوب غير الواجب لولا حدوثه، لعدم كونه واجباً أصليّاً.

و المسنون ما عداها، و المفروض في اليوم و الليلة خمس صلوات، و هي سبعة عشرة ركعة في الحضر، و يسقط من كل رباعيّة ركعتان في السفر.

و الظهر هي الوسطى التي هي أفضل و الظاهر تعدّد جهات وسطيّتها.

النوافل و ما يسقط منها في السفر

و النوافل في الحضر في العدد، ضِعف الفريضة؛ فالمجموع إحدىٰ و خمسون ركعة.

و تسقط في السفر نوافل الظهرين.

و في سقوط الوتيرة تأمّل؛ و استحباب فعلها برجاء

بهجة الفقيه، ص: 8

المطلوبيّة موافق للاحتياط لولا ثبوت الاستحباب من روايات لا تخلو إحداها من اعتبار، أعني رواية «الفضل» «1»، و خبر «العيون» «2»، و «الرضوي» «3»، و قد عمل بها «الشيخ» في «النهاية» و بعض من تأخّر. و ما دلّ علىٰ سقوط نافلة المقصورة منصرف عنها للمخالفة في الكمّ و الكيف، و بالإضافة إلىٰ الليل، و إلى غير الرواتب و أنّها لتكميل العدد. و ما دلّ علىٰ أنّ ما لا تتمّ فيه الفريضة لا تصلح فيها النافلة، إنّما يدلّ على السقوط في نقصان القصر عن النافلة دون العكس؛ فالعمومات قابلة

للتخصيص، و الشهرة لا تفيد في ما بأيدينا مداركها لولا انصراف كلماتهم عنها.

مع أنّه نسب التردّد إلىٰ جماعة نسبوا السقوط إلىٰ الأصحاب؛ و صرّح «الشيخ» و بعض من تأخّر بعدم السقوط؛ و عن «الأمالي» أنّه لا يسقط من نوافل اللّيل شي ء، و نسبه إلىٰ دين الإماميّة؛ فإنّه يشمل الوتيرة و نافلة المغرب و غيرهما.

و بالجملة فدعوى انصراف العمومات في النصوص و الفتاوىٰ إلىٰ ما يخالف نوافل النهار في العدد، و في الكيفيّة من التقدّم على الفريضة، و في احتمال عدم كونها من الرواتب و إنّما هي تكميل لعدد النوافل، و في الأقليّة من عدد المحذوف في الفريضة المقصورة، و من البدليّة عن وتر الليل لمن فاته صلاة الليل و إلى خصوص الرواتب النهاريّة، كما وقع التصريح به في بعض الأخبار «4» غير بعيدة؛ كما أنّه علىٰ تقدير العموم، فارتكاب التخصيص بسبب روايات المقام «5» متّجهة، و إن كان الخروج عن الشبهة بالإتيان بها برجاء المطلوبيّة، أولىٰ و أحوط.

ثمّ أنه يرتبط سقوط النوافل بسقوط أخيرتي الفرائض، و ثبوتها بثبوتها، فهل المرتبط به شرعيّة السقوط و التماميّة، أو التقصير خارجاً و الإتمام خارجاً؟ و علىٰ

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب أعداد الفرائض، الباب 29، ح 3.

(2) الوسائل 3، أبواب أعداد الفرائض، الباب 21، ح 8.

(3) فقه الرضا عليه السلام، ص 100.

(4) الوسائل 3، أبواب أعداد الفرائض، الباب 21، ح 5.

(5) الوسائل 3، أبواب أعداد الفرائض، الباب 29.

بهجة الفقيه، ص: 9

الأوّل فهل هو التحتّم للسقوط، أو الثبوت؛ أو جواز الإسقاط فيسقط النافلة لجواز التقصير؛ أو الإثبات فيثبت النافلة لجواز الإتمام؛ أو يجوزان معاً لجواز الوجهين من التقصير و الإتمام في الأصل، و لازمه الرجحان الغير المتأكّد؟

و قد نسب

في «المفتاح» إلىٰ «الذكرى»، و «مجمع البرهان»، و «المدارك» عدم السقوط في الأماكن الأربعة.

و عن «ابن نما» عن «ابن إدريس» عدم الفرق بين أن يتمّ الفريضة أوْ لٰا، و لا بين أن يصلّي الفريضة خارجاً عنها و النافلة فيها، أو يصلّيهما معاً فيها.

و يمكن أن يقال: إنّ مقتضىٰ الاعتبار، تبعيّة السقوط للسقوط في كيفيّة السقوط، و تبعيّة الثبوت للثبوت في كيفيّته؛ فإن كان سقوط أخيرتي الفريضة أو ثبوتهما على الحتم، فالسقوط و الثبوت في النافلة كذلك؛ و إن كان على التخيير فكذلك النافلة؛ لكن التخيير في الفريضة بين القصر و الإتمام، يعني وظيفتي التاعب و المستريح و في النافلة بين وظيفتهما، و لازمه الفرق بين وظيفتهما، كأنّه يخيّر بين عمل التاعب بالترك و المستريح بالفعل؛ و نتيجته عدم تأكّد استحباب النافلة في حقه كتأكّد المستريح، و عدم سقوطها عنه كالسقوط عن التاعب بسفره، و لم ينقل الاستثناء للسقوط عمّن تقدّم حتى من يقول بالتخيير في الأماكن الأربعة.

و من لوازم الارتباط المذكور، عدم سقوط النوافل عمّن هو بحكم الحاضر، ككثير السفر و المقيم عشراً، كما حكىٰ عن «الغنية» الإجماع عليه في الأوّل، و سقوطها عن المقصّر و لو كان غير مسافر، كما في صلاة الخوف، و عن «الدروس» التصريح به.

و من لوازم الارتباط بالحكم لا بالفعل، عدم السقوط عمّن دخل وقت الفريضة عليه و هو حاضر، و إن نوى القصر حين الخروج و عمل عليه، و يمكن استظهار ذلك من الموثّق عن الإمام الصادق عليه السلام

سُئلَ عن الرجل إذا زالت الشمس و هو في منزله

ثم يخرج في السفر، فقال: يبدأ بالزّوال فيصلّيها، ثم يصلّي الاولىٰ بتقصير ركعتين «1».

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب أعداد الفرائض، الباب 23،

ح 1.

بهجة الفقيه، ص: 10

[مسألة] النوافل ركعتان إلّا ما يستثني

اشارة

مسألة: النوافل كلّها ركعتان بتشهّد و تسليم إلّا ما يذكر استثناؤه، أعني «الوتر» و «صلاة الأعرابي» و «صلاة الاحتياط»؛ و عن «إرشاد الجعفريّة» الإجماع عليه؛ و في رواية أبي بصير عن الإمام الباقر عليه السلام

و افصل بين كلّ ركعتين من نوافلك بالتسليم «1»

، و في رواية «علي بن جعفر» المرويّة عن «قرب الإسناد»،

سأل أخاه عليه السلام عن الرجل يصلّي النافلة، أ يصلح له أن يصلّي أربع ركعات لا يسلّم بينهن؟ قال: لا إلّا أن يسلّم بين كل ركعتين «2»

، دلالة علىٰ ذلك، أي علىٰ عموم الحكم.

و يدلّ عليه ارتكاز ذلك في أذهان المتشرعة، بحيث إنّ المحتاج إلى البيان، خلاف ذلك؛ و لذا لم يذكر ذلك أعني الفصل بين النوافل بالتسليم بعد الركعتين في كثير من النوافل المذكورة في الأخبار؛ و هذا الارتكاز يكفي في تنزيل الإطلاقات علىٰ ما يوافقه، بعد فهم أنّه ليس بمحدث بعد زمان صدور الإطلاقات؛ و علىٰ تقدير عدمه، فمقتضىٰ الإطلاقات هو عدم اعتبار تعدّد الركعة، فضلًا عن أزيد من التسليمة الواحدة في مثل ثمان ركعات.

و الفرق بينهما بعدم إحراز الصلاتيّة في ركعة واحدة غير فارق، لعدم الطريق إلىٰ الإحراز إلّا ثبوت النظير؛ و إلّا فكيف تحرز صلاتيّة الثمان؟ مع أنّها مبنيّة في الروايات بما ليس فيه تعدّد الركعة؛ و في ما يحتمل اعتباره في جميع الصلوات، كيف تحرز صلاتيّة الفاقد على القول بالصحيح؟ بل معنى الصلاة عند المتشرعة غير مختفية، فغيرها مبتدعة عندهم بحسب ارتكازاتهم. و دعوىٰ عدم إحراز البيان في المطلقات، مدفوعة بالمنع من عدم البيان الأعمّ ممّا في مجلس واحد جامع بين المطلق و القيود؛ و كفاية عدم الأعمّ في التمسّك بالإطلاق،

مع

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب أعداد الفرائض، الباب 15، ح 3.

(2) الوسائل 3، أبواب أعداد الفرائض، الباب 15، ح 2.

بهجة الفقيه، ص: 11

كفاية الأصل لنفي اعتبار الشرطيّة، لولا الإطلاق في الموردين المذكورين بلا فرق فيهما؛ فما أفاده في «المصباح»، قابل للمناقشة بما مرّ؛ و قد بيّنّا اتجاه التمسّك بالإطلاق المقامي على القول بالصحيح، إن رجع فيه الشك في الاشتراط إلى الشكّ في تحقّق الصلاة بدون المشكوك شرطيّته.

و نذر «الوتر» و «صلاة الأعرابي»، لا إشكال في صحّته؛ و النذر المطلق لا إشكال في انطباقه علىٰ كلّ منهما؛ و نذر الوتر في غير الصلاتين لا يصحّ إلّا علىٰ كفاية الرجحان الآتي من قبل النذر، كما التزموا به في نذر الإحرام قبل الميقات، و فيه تأمّل.

و عبارة المجمع لا تخلو عن إبهام مع الإشكال، و ذكر «السيّد» في حاشية «المفتاح» بعد نقلها: «كذا وجدناها».

لزوم التسليم بين الشفع و الوتر

ثمّ إنّ مقتضىٰ الإجماعات المنقولة في عدّة كتب، أنّ الشفع مفصولة عن الوتر بالتسليم؛ فالركعتان شفع، و الواحدة وتر، لا أنّ الوتر ثلاث بتسليمةٍ واحدة؛ بل لو حملتا على الركعات المعهودة، لم يكن للجمع بين العبارتين أثر ظاهر، و هو الذي يستفاد من أكثر الروايات الكثيرة الموردة في «الجواهر» «1»، و جلُّها من غير الكتب الأربعة؛ و هي بعد استفاضتها، بل انجبارها بالفتاوىٰ أيضاً لولا الاستفاضة كافية في الدلالة علىٰ ما مرّ، و إن كان بعض ما أورده في «الجواهر» «2» قابلًا للمناقشة في الاستدلال به، كقوله صلى الله عليه و آله و سلم

صلاة الليل مثنى مثنى، و إذا خفت الصبح، فأوتر بواحدة «3»

، لاحتمال الوتر بجعل آخر المثاني ثلاثاً توتر بسبب ضمّ الركعة الواحدة، مع أنّ الشفع خصوص آخر الصلوات قبل

الوتر، لا كلّ شفع من صلاة الليل؛ فلعلّه يريد عدم تأخير الوتر عن الليل

______________________________

(1) جواهر الكلام 7، ص 56 58.

(2) الجواهر 7، ص 58.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 46، ح 11.

بهجة الفقيه، ص: 12

بالإتيان به قبل الصبح؛ أمّا أنّه بالوصل أو بالفصل، فلا يفهم من هذه الرواية وحدها.

و كذا ما في الأُخرىٰ من قوله عليه السلام

يسلّم بين كل ركعتين و يوتر بواحدة «1»

؛ فإنّه مغاير لأن يقال: يسلّم بعد كل ركعتين؛ فليس الوتر مجموع الثلاث التي ليس فيها بحيث يكون قبل الواحدة ممّا يسلّم فيه بين كل ركعتين.

تعيين المعنى الشرعي للوتر

ثمّ إنّ الظاهر نقل الوتر في عرف الشارع المكشوف بعرف المتشرّعة عن المعنى المعهود اللغوي الغير المختصّ بالصلاة؛ كما أنّ الظاهر وقوع الاستعمالات الكثيرة للوتر في الروايات من كلّ من الركعة الواحدة» «2» و الثلاث المفصولة بالتسليم «3». و الاستعمال في المعنيين [في] جُلّ الموارد لولا كلّها، مع القرينة، إلّا أنّ التحديد للوتر بالركعة أو بالثلاث، زيادة علىٰ الاستعمال؛ بل يمكن استظهار الحقيقة الشرعيّة من كل من التحديدين، و أنّ الوضع، لكل منهما في عرف الشارع و لو كان بحسب كثرة الاستعمال البالغة حدّ الاستغناء عن القرينة.

و في هذا المقام فالأظهر أنّ الوضع و لو كان تخصّصاً للركعة بشرط لا عن الانضمام إلى الغير و لو مع الفصل بالتسليم، لا يحتاج إلىٰ غاية، لأنّه الكامل في الفرديّة؛ و غيره إنّما يكون وتراً بسبب الاشتمال علىٰ هذه الركعة المنفردة؛ فأصل وتريّة الغير تجوّز، و الوضع التخصّصي له بسبب كثرة الاستعمال إلىٰ حدّ الاستغناء عن القرينة.

و عليه فالوضع للواحدة متيقّن؛ و للأزيد المشتمل عليها، مشكوك، و استكشافه بالروايات المحدّدة «4» موافقة لظهورها؛ و عليه فالوضع

للبشرط شي ء و للبشرط لا،

______________________________

(1) سنن البيهقيّ، 2، ص 486.

(2) تفسير علي بن إبراهيم، و تفسير الصافي، الفجر، 2.

(3) الوسائل 3، أبواب أعداد الفرائض، الباب 14، ح 2 و 15، ح 9.

(4) تفسير علي بن إبراهيم، و تفسير الصافي، الفجر، 2.

بهجة الفقيه، ص: 13

يكون ثانياً، و لازمه احتياج كلا المعنيين إلىٰ قرينة التعيين.

و يمكن في هذا المقام أن يقال: لا منافاة بين الاشتراك اللفظي، و بين عدم تساوي المعنيين، بحيث يحتاج إرادة غير الباكية من العين إلىٰ قرينة التعيين دون الباكية، بل الأمر هنا آكد، للأصالة المتقدّمة و السببيّة السابقة.

لكنه يندفع بأنّ الاحتياج إلى القرينة علامة التجوّز، إذ يمنع كونها قرينة التعيين إلّا بعد إحراز الاشتراك اللفظي الذي لا دليل عليها إلّا اشتراك المعنيين بحسب كثرة الاستعمال و بحسب وقوع التحديد؛ لكن التبادر عند المتشرّعة و هو علامة خاصّة للحقيقة الخاصّة، أعني الركعة الواحدة زائدة علىٰ ذلك؛ فلا يخلو ترجيح الحقيقة فيها علىٰ الاشتراك اللفظي من قرب، فعند الإطلاق يحمل علىٰ ذلك.

و أمّا احتمال الاشتراك المعنوي بأن يكون الموضوع له الجامع بين الفردين، أعني اللّابدية بشرط من الضميمة و عدمها، المعتبر وجودها في فرد و عدمها في الآخر فلا يناسب التحديد المستظهر من الروايات في كلّ منهما؛ كما أنّ عرف المتشرّعة أحد الطرق إلى كشف عرف الشارع في الوضع للركعة الواحدة بشرط لا عن الضميمة، يعني في الوتريّة.

و إنّما نحتاج في الوضع للمشتمل عليها، إلى الروايات المحدّدة للوتر بالثلاث «1» في قبال المحدّدة له بالواحدة «2»، و طريق الجمع بينهما الوضع لخصوص كلّ منهما، لو لا إمكان الجمع بالحمل علىٰ الاشتراك المعنوي؛ فإنّه لا يخلو عن مخالفة للظهور في الطائفتين.

ثم إنّه مع الشكّ في

مطلوبيّة كلّ من الشفع و الوتر بنفسه بلا دخالة الانضمام، فيمكن التمسّك بالإطلاق، لولا دعوى الانصراف إلىٰ صورة الانضمام.

و أمّا ما دلّ علىٰ مطلوبيّة الوتر بلا قرينة، فقد مرّ وجه الحمل على الركعة الواحدة من

______________________________

(1) تقدّم آنفاً.

(2) تفسير علي بن إبراهيم و تفسير الصافي، الفجر، 2.

بهجة الفقيه، ص: 14

دون مداخلة للضميمة في صدق الوتر، إلّا أنّه لا ينافي دعوى انصراف ما دلّ على المطلوبيّة إلىٰ صورة وجود الضميمة، كانصراف دليل مطلوبيّة الشفع إلىٰ ما كان معه وتر. و لعلّه يوجد في بعض الروايات «1» ما دلّ علىٰ مطلوبيّة جعل بعض صلاة الليل وتراً بهذا الانضمام، إذا خشي الصبح، كما روي عنه صلى الله عليه و آله و سلم أنّه قال

صلاة الليل مثنى مثنى، و إذا خفت الصبح فأوتر بواحدة «2»

؛ لكنّ الانصراف المذكور يمنع عن الإطلاق لو تمّ، لا أنّه يمنع عن التمسّك بالأصل لنفي شرطيّة الضميمة في صحّة الوتر.

و أمّا احتمال كون الثلاث موصولة و لو علىٰ سبيل التخيير بين الفصل بالتسليم و عدمه فيدفعه جميع ما دلّ علىٰ أنّ الوتر واحد، و ما دلّ علىٰ أنّه الثلاث مع الفصل.

و أمّا ما دلّ علىٰ أنّه الثلاث بلا فرض للفصل، فيقيّد، أو يشرح بما دلّ على الفصل بالتسليم.

و ما دلّ علىٰ الأمر بالوصل، لا يتعيّن حمله علىٰ ترك التسليم، بل يحمل بشارحيّة غيره، على الوصل الزماني بلا فاصل من زمان معتدّ به أو زمانيّ، و كذا ما دلّ علىٰ جواز التكلّم و عدمه بين الركعتين و الثالثة؛ كما أنّ ما دلّ على التخيير بين التسليم و تركه، يحمل على المتبادر من التسليم، و هو قولُ «السلام عليكم»، لا مطلق التسليم، حتى ما

لعلّه يختصّ هنا من الخروج بقول: «السلام علينا و علىٰ عباد اللّٰه الصالحين»؛ و ذلك بعد شارحيّة الروايات الأُخَر «3» الموافقة للمذهب، متعيّن. و لا يتعيّن الحمل على التقيّة، حتّى يقال بعدم انحصارها في وجود القائل بالتخيير عندهم، إلّا أن يجعل هذا أيضاً نوعاً من التقيّة، بلا إناطة بوجود القائل بالتخيير فيهم.

و ممّا قدّمناه في وجه الحقيقة في خصوص الركعة الواحدة الغير الجاري في الاشتراك اللفظي بين الكلّ و الجزء يظهر وجه الفصل بالتسليم، إذ لا معنى للتبادر

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 46، ح 2.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 46، ح 11.

(3) تقدّم في ص 8، الهامش 2.

بهجة الفقيه، ص: 15

بدون ذلك؛ مع أنّ مقابلة الوتر بالشفع كالنص في وحدة ركعة الوتر، لا الوتر المشتمل في خصوص رواية المقابلة «1».

استحباب القنوت في الشفع

و كذا استحباب القنوت في الثانية لا يحتاج إلى البيان بأزيد من الفصل بالتسليم، مضافاً إلىٰ ثبوت القنوت في الثالثة؛ فإنّ القنوت في الركعتين الموصولتين غير معهود، حيث يحتاج إلى البيان؛ كما أنّ فقدان الثانية في صورة الفصل للقنوت غير معهود، و يحتاج إلى البيان المفقود.

و ما دلّ من الصحيح «2» لو سلّم صحّته علىٰ ما هو ظاهر في عدمه في ثانية الثلاثة، محمول بقرينة ما مرّ على الموافقة للقائل منهم بالوصل مع ثبوت القنوت في الثالثة، فلا محلّ له في الثانية؛ و لعلّه مراد «البهائي قدس سره» المستند إلى الصحيح المذكور، المحجوج بما نقل عن الإمام الرضا عليه السلام «3» من القنوت في الركعتين، إلّا أن يحمل علىٰ نفي التأكّد الثابت في الركعة الأخيرة. و بالجملة، جميع ما مرّ من الفصل بالتسليم، و القنوت في الثانية و الثالثة، متّحد ثبوتاً

و إثباتاً، مشترك في الدليل و المدلول.

استثناء صلاة الأعرابي

فأمّا «صلاة الأعرابي» فهي مرسلة «الشيخ» في «المصباح» «4» عن «زيد بن ثابت» و فيها توصيفها بمثل صلاة الصبح بعدها الظهران. و في آخر الرواية ما يشهد بمطلوبيّتها

______________________________

(1) انظر الوسائل 4، أبواب المواقيت، الباب 44.

(2) الوسائل 4، أبواب القنوت، الباب 3، ح 2.

(3) الوسائل 3، أبواب أعداد الفرائض، الباب 13، ح 24.

(4) الوسائل 3، أبواب أعداد الفرائض، الباب 46، ح 2، و الباب 15، ح 9 و 10، و أبواب المواقيت الباب 44، ح 1 و 4 و 6 و 8 و 10، و مصباح المتهجّد، ص 222.

بهجة الفقيه، ص: 16

في كلّ جمعة، و لو لم تقع بدلًا عن صلاة الجمعة، و إن كان موردها صورة عدم القدرة علىٰ إتيان الجمعة.

و يكفي في استحبابها ثبوت الرواية المعمول بها علىٰ ما فيها من الخصوصيّات، لنسبتها إلى الشهرة، و عن «المفتاح» إلىٰ استثناء جمهور الأصحاب «1»، فيكفي نقل مثله الخبر بذلك في الخبر المذكور، فتكون الرواية كالصحيحة؛ مع أنّه لو فرض عدم الحجيّة، كان عموم «من بلغ» كافياً في استحباب الإتيان برجاء المطلوبيّة، كما قدّمناه في محلّه.

فالأظهر عدم استقامة جعل الاحتياط في الترك. و المناقشات في المسلكين، يتّضح بالتأمّل، اندفاعها. و الظاهر عدم الحاجة في بيان صلاة مستحبّة إلىٰ بيان أزيد من الجهات المختصّة بها؛ فالتشهّد بعد الاثنين كعدم قراءة السورة في الأخيرتين ممّا لا يحتاج إلى البيان إلّا عدم ثبوتها، لا أنّ ثبوتهما فيها محتاج إلى البيان حتى يتمسّك بالإطلاق في عدمهما.

______________________________

(1) مفتاح الكرامة، 2، ص 12 ط: مؤسسة آل البيت، و جواهر الكلام 7، ص 69.

بهجة الفقيه، ص: 17

المقدّمة الثانية في المواقيت

اشارة

بهجة الفقيه، ص: 19

الفصل الأوّل أوقات الفرائض

[مسألة] وقت صلاة الظهرين

مسألة: ما بين زوال الشمس إلىٰ غروبها، وقت للظهرين، و يختص الظهر من أوّله بقدر أدائها؛ و العصر، من آخره بقدر أدائها؛ و ما بينهما مشترك بينهما على المشهور، كما ستعرفه.

روايات الباب و الجمع بينها و أمّا ما دلّ علىٰ أنّ

وقت الظهر ذراع، و وقت العصر ذراعان

، أو

قدمان و أربعة

، أو

المثل و المثلين

، أو

في الظهر إلى الثلثين

، أو

في الظهر قدمان، و في العصر الشطر

، أو

القدم و القدمين «1»

، فلا بدّ بملاحظة العرض على عمل المسلمين من المبادرة إلى الظهر بعد التنفّل بعد الزوال؛ و أنّه لا يمكن أن يكون مرجوحاً غير واضح مرجوحيّته و بما في نفس هذه الروايات من الشهادة علىٰ أنّ هذه التحديدات للجمع بين فضيلتي النفل و الفرض؛ فمن لا أمر له بالنفل كما في الجمعة أو السفر لا تحديد في حقّه؛ و أنّ الانتظار إلى الحدّ ليس إلّا للانتظار للنشاط في التنفّل؛ فتكون

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8.

بهجة الفقيه، ص: 20

فضيلة الجمع بين النافلة و الفريضة، أفضل من فضيلة المبادرة في أوّل الحدود للفضيلة؛ ففي الحقيقة يكون التوقيت، للنافلة، و أنّه يجوز تأخير الفريضة لأجل فعل النافلة إلىٰ هذا الحدّ دون ما بعده؛ فإنّه حينئذٍ يبدأ بالفريضة؛ كما أنّ توقيت الفريضة بآخر الحدّ، بمعنى أنّه لا يصلّي النافلة حينئذٍ. فما في صحيح «الفضلاء» عن الإمام الباقر عليه السلام من أنّ

وقت الظهر بعد الزوال قدمان، و وقت العصر بعد ذلك قدمان «1»

إن أُريد منها الانتظار لآخر القدمين للظهر و الأربعة للعصر، فالمراد بقرينة غيرها الانتظار للجمع بين النافلة و الفريضة، و في هذا الاحتمال لا يتعيّن إرادة

آخر القدمين و الأربعة، بل يمكن إرادة تمام القدمين و الأربعة لمريد الجمع المذكور.

و ما في صحيح «زرارة» عن الإمام الباقر عليه السلام

سألته عن وقت الظهر، فقال: ذراع من زوال الشمس، و وقت العصر ذراعان من وقت الظهر، فذاك أربعة أقدام من زوال الشمس «2»

، يمكن أن يراد به أنّ وقت تعيّن الظهر بحسب الفضيلة، هو آخر الحدّ المذكور، بحيث لا يصلّى فيه النافلة، كما لا تصلّى الظهر قبله في أثناء الحدّ المذكور إلّا بعد النافلة؛ فالظهر بلا نافلة، ثابتة في آخر الحدّ، و منفيّة قبل الآخر، إلّا أن تكون بلا فضيلة. و إنّما أطلق الوقت و لم يُقيّد بالفضل، لما يستفاد من بنائهم و عمل المسلمين من شدّة الاهتمام بوقت الفضيلة، حتى جعلوه وقت الصلاة، و بالجمع بين النفل و الفرض، حتّى جعلوه أفضل من رعاية أوّل الوقت المذكور للفضل.

و أمّا ما في خبر «إسماعيل الجعفي»

كان رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم إذا كان في ء الجدار ذراعاً، صلّى الظهر، و إذا كان ذراعين، صلّى العصر «3»

، فيمكن حمله علىٰ ما لا يحمل عليه سائر التحديدات، حتّى ما فيه التحديد بالذراع، لأنّه حكاية عمله صلى الله عليه و آله و سلم، و من البعيد

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8، ح 1.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8، ح 3.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8، ح 10.

بهجة الفقيه، ص: 21

انتظاره صلى الله عليه و آله و سلم بعد النافلة إلى الذراع في صلاة فريضة الظهر، مع عدم وضوح ذلك للكلّ؛ و كذا استعلامه للفي ء بين النافلة و الفريضة؛ و كذا تطويله النافلة إلى الذراع، و في الجماعة

من لا يطوّل، بل ينتظر الخروج بعد الفريضة. فيمكن أن يراد أنّه كان إذا فرغ من النافلة و الفريضة كان قد بلغ في ء الجدار ذراعاً حينئذٍ، و هذا ليس بكلّ البعيد بعد ملاحظة عدم انتفاء الظل في المدينة، و هي التي قد ورد فيها حكاية تحديد الجدار للمسجد؛ مع أنّه لو أُريد بلوغ الذراع قبل الفريضة، كان ذلك مخالفاً لما دلّ علىٰ أحبيّة النصف، إلّا أن يحمل قوله

كان

، علىٰ الاتّفاق للتجوّز لا علىٰ الاستمرار، لأنّه السنة، و يكون مخالفاً لما دلّ علىٰ أفضليّة أوّل الوقت، مع شرحه بإرادة التعجيل المنافي لإرادة الأوّل الذي ينبغي الانتظار له بعد الزوال، و لما دلّ بعد نقل صلاة رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم على أنّ جعل الذراع لمكان الجمع، فلا يمكن أن يكون المنقول من عمله شيئاً آخر لا ربط له بالجمع.

و يشهد لما قدّمناه ما في خبر «أبي بصير» المعبّر بأنّ

الصلاة في الحضر ثماني ركعات، إذا زالت الشمس ما بينك و بين أن يذهب ثلثا القامة، فإذا ذهب ثلثا القامة بدأت بالفريضة «1»

، فإنّ ظاهره أنّ التحديد للنافلة لا للفريضة، و أنّ آخر الحدّ للفريضة علىٰ أيّ حال بحسب الفضل، و أنّ الجمع غير مطلوب بعد بلوغ الظلّ الثلثين.

و أمّا ما وقع من الاستثناء في خبر «إسماعيل بن عبد الخالق» «2»، فهو الشاهد لما قدّمناه من الوقت للنافلة فلا تحديد في ما لا نافلة فيه، فيفهم منه أن لا تحديد مع فعل النافلة بحيث يطلب منه الانتظار في فعل الفريضة إلىٰ مضيّ القدم، و إن كان يمكن شاغليّة النافلة لوقت القدم، و لازمه أنّ تارك النافلة إذا بادر إلى الفريضة، يكون قد

أدّاها في غير وقت فضيلتها مضافاً إلىٰ تركه للنافلة.

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8، ح 23 و 11.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8، ح 23 و 11.

بهجة الفقيه، ص: 22

و أمّا ما في خبر «ابن بكير» «1»، فالظاهر أنّ المراد أنّ حدّ الإبراد بالتأخير الذي لا يفوت معه الفضل هو المثل، فيمكن عدم إفادته لوقت الفضيلة لولا الإبراد؛ إلّا أن يجمع ما دلّ علىٰ أنّه وقت الفضيلة، كخبر «أبي بصير» في القامة و القامتين، فيحمل علىٰ أنّ حدّ الإبراد هو آخر حدّ الفضيلة، و هو المثل علىٰ حسب بعض الروايات المختلفة هنا، المحمولة علىٰ مراتب الفضل في تأخير الفريضة لأجل فعل النافلة و الفراغ لها، لا أنّه يسنّ الانتظار إلى المثل لمن صلّى النافلة، أو تركها و يريد تركها متعمّداً.

و يوضح ما قدّمناه ما في خبر «زرارة» المعلّل لجعل الذراع لمكان النافلة

لك أن تتنفّل من زوال الشمس إلىٰ أن يمضي ذراع، فإذا بلغ فيؤك ذراعاً من الزوال بدأت بالفريضة «2».

و يمكن أن يكون من هذا الباب، التفريق بين الفريضتين؛ فإنّه للتسهيل و الترغيب في فعل الفريضتين بنوافلهما التي هي في رديف الفرائض، كما يظهر من حديث المراجعة في المعراج «3»؛ فإنّ مشقّة الجمع مع الإقبال و النشاط بين الفرائض و النوافل، غير خفيّة.

تلخيص البحث و بالجملة: فالأمر بالتعجيل؛ و ما دلّ علىٰ أفضليّة أوّل الوقت معلّلًا بالتعجيل؛ و التعليل الواقع في الروايات بإرادة الجمع المفيد، لأنّ التأخير لمكان النافلة التي تحتاج إلىٰ زمان، و أنّه لمكان إدراك فضيلة الجمع، التي هي أعلىٰ من فضيلة التعجيل؛ فما فيه الفضيلة الكاملة هو الجمع، لا نفس الوقت أعني الذراع مثلًا و لو لم يرد

فعل النافلة، أو قد صلّاها؛ مع ما في التحديدات من الاختلاف المرشد إلىٰ أنّ الجمع أفضل من تركه إلىٰ آخر المثل، و أنّ أفضل الجمع قدم، و دونه القدمان، و دونه ثلثا القامة، و دونه المثل؛ و كذا معلوميّة عمله على المبادرة في فعل الظهر بعد نافلتها، كما يرشد إليه

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8، ح 33.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8، ح 3 و 4.

(3) الوسائل 3، أبواب أعداد الفرائض، الباب 2، ح 5 و 10.

بهجة الفقيه، ص: 23

جريان سيرة المسلمين إلىٰ يومنا هذا عليه في الظهر و المغرب، و أنّه لو كان عمله صلى الله عليه و آله و سلم علىٰ خلاف ذلك لظهر و اشتهر؛ و أنّ انكشاف الذراع بعد الظهر بنافلتها أمر عادي، بخلاف الانكشاف بين النفل و الفرض؛ و أنّه يحتاج إلىٰ استعلام و إخبار لو كان لبٰان؛ و كذا ما دلّ علىٰ استثناء السفر و الجمعة المفيد لاستثناء فعل النافلة، و العازم علىٰ تركها رأساً، بقرينة ما دلّ علىٰ أنّه بعد الزوال يحبسه إلّا السّبحة، و ما فيه الأمر بتخفيف النافلة، و ما فيه التخيير بين تطويلها و تقصيرها، و أنّه لا ينتظر للفريضة إلّا الفراغ من النافلة، و ما فيه التخيير بين تطويلها و تقصيرها، و أنّه لا ينتظر للفريضة إلّا الفراغ من النافلة مطوّلة أو مقصّرة، ممّا يتعيّن حمل ما ظاهره أنّ وقت الفضيلة بعد الذراع مثلًا، علىٰ إرادة ما فيه إدراك فضيلة الجمع، و أنّه لا ينبغي ترك النافلة إلى المثل، أو إلىٰ حدّ لو فرغ من الظهر بعد نافلتها بلغ المثل، فقهراً يكون فضيلة العصر بعد المثل إلى المثلين علىٰ حسب

هذا الحمل.

و أمّا أنّ التفريق بين الظهرين بإيقاع الظهر في المثل، و العصر بعد المثل، مع الفصل بالنافلة أو مطلقاً، راجح أو لا، فهو أمرٌ آخر غير محلّ البحث.

و الذي يفهم ممّا ورد في المقام من الروايات في حكم فضيلة العصر «1»، أنّ الأفضل تأخيرها لإرادة الجمع بين نافلتها و الفريضة إلىٰ آخر المثلين؛ و أنّ غير مريد الجمع، فالأفضل له الإيقاع في أوّل وقت فضيلتها الذي قد يكون أوّل المثلين، و قد يكون مقدّماً عليه، و قد يكون مؤخّراً عن ذلك، فلا بدّ و أن يكون بعد نافلتها الواقعة بعد فعل الظهر، حتى يدرك فضيلة الجمع بين الفرض و النفل.

و أمّا الجامع بين الفريضتين بلا فصل النافلة، فهو قد فات منه الفضل لا لمكان الجمع، بل لمكان ترك النفل؛ كما أنّ عدم الاكتفاء بفصل النافلة يحتاج إلىٰ دليل؛ فإن ثبت أنّ عمله صلى الله عليه و آله و سلم في الأغلب على التفريق، يلتزم بأفضليته لغير المعذور، و لغير الأوقات المستثناة للجمع، بخلاف ما إذا لم يثبت الغلبة؛ مع إمكان المناقشة

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8.

بهجة الفقيه، ص: 24

في الاستدلال بهذه الغلبة؛ فإنّ رجحان تأخير كلّ من الظهر و العصر إلىٰ آخر الحدّ لفعل النافلة لعلّه هو الذي رجّح التأخير له صلى الله عليه و آله و سلم، للعصر عن المثل لا لرجحان الفصل الزماني بين الفريضتين، و فعله صلى الله عليه و آله و سلم للنافلة قبل ذلك ليس يغني عن فعل غيره لها. و بالجملة، فتلك مسألة أُخرى غير ما نحن فيه، و إن أمكن إرجاعها إلىٰ مسألتنا بالتقريب المتقدّم.

بعض الروايات الدالّة على المختار و يدلّ علىٰ ما اخترناه

في بيان المراد من هذه الروايات «1»، ما في رواية «ابن مسكان» عن ثلاثة من أصحابنا جميعاً: قالوا: كنّا نقيس الشمس بالمدينة بالذراع، فقال أبو عبد اللّٰه عليه السلام

ألا أن أُنبّئكم بأبين من هذا؟ إذا زالت الشمس، فقد دخل وقت الظهر، إلّا أنّ بين يديها سُبحة، و ذلك إليك إن شئت طوّلت، و إن شئت قصّرت «2».

فإنّه جُعل فيها التحديد بفعل السبحة على النحو الأعمّ من الطويلة و القصيرة أبين من التحديد بالذراع الذي هو تحديد بزمان معلوم؛ فهل يمكن أن يرجع إليه التحديد بالسبحة [سواء] كانت طويلة أو قصيرة، أو أنّه يرجع التحديد بالذراع في سائر الروايات «3» المعلومة لدى هؤلاء الأصحاب إلىٰ فعل النافلة، و أنّه ليس بذلك الرجحان التنفّل بعد الذراع، بل الأفضل الاشتغال بالنافلة قبله، و الجمع بينهما قبله و بين الفريضة بعده أو في آخر، فيكون الذراع تحديداً للأفضل في وقت النافلة التي يكون الاشتغال بها قبله أفضل؟

فهذه الرواية وزانها وزان رواية التعليل لجعل الذراع بأنّه

لك أن تتنفّل إلى الذراع، فإذا بلغ الذراع تركت النافلة، و بدأت بالفريضة «4».

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 5، ح 1.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8، ح 3 و 10.

(4) نفس المصدر.

بهجة الفقيه، ص: 25

و صرّح في الرواية الأُخرىٰ لصفوان عنهم بقوله

و إن كنت خفّفت، فحين تفرغ من سبحتك؛ و إن طوّلت، فحين تفرغ من سبحتك «1»

، فكأنّه عليه السلام نفى التحديد بالذراع، و جعله معرّفاً لفعل النافلة طويلة أو قصيرة.

و لذا لم يذكر في رواية «ذريح» «2» في ترتيب الصلاتين، إلّا فعلهما بعد نوافلهما على الترتيب، و مثلها رواية «مسمع» «3».

و قوله

عليه السلام في رواية «يزيد بن خليفة»

فإذا صار الظلّ قامة، دخل وقت العصر «4»

، يريد به الدخول بنحو يكون تأخير الظهر إليه مرجوحاً حتّى لمريد النفل، لا أنّ تقديم العصر عليه مرجوح حتّى لمن يتنفّل للظهر و صلّى الظهر، بقرينة ما تقدّم و يأتي.

و قوله عليه السلام في رواية «عيسىٰ بن أبي منصور»

إذا زالت الشمس فصلّيت سُبحتك، فقد دخل وقت الظهر «5»

يريد الدخول الذي لا رجحان في التأخير، لأنّ المفروض فعل النافلة الذي هو المرجّح للتأخير إليه؛ فإن دخول وقت الظهر بالزوال و عدم وجوب النفل معلوم للكلّ.

و أمّا رواية «زرارة» فليس فيها ما ينافي ما مرّ، إلّا ما في قوله عليه السلام

و لكنّي أكره لك أن تتّخذه وقتاً دائماً «6»

، فيحتمل إرادة الدوام في السنة في قبال الإبراد الذي حدّده له في الرواية الأُخرىٰ بالمثل و المثلين في الصيف «7»؛ و يحتمل إرادة رجحان التفريق، و ذلك أيضاً يحتمل فيه مطلوبيّة التفريق في وقتين بنفسه.

و يحتمل إرادة لازم التفريق من النشاط لفعل النافلة و التأخير لأجل ذلك؛ فإذا

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 5، ح 2.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 5، ح 3 و 4.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 5، ح 3 و 4.

(4) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 5، ح 6.

(5) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 5، ح 8 و 10.

(6) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 5، ح 8 و 10.

(7) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8، ح 33.

بهجة الفقيه، ص: 26

كان الوقت مجرّد زوال الشمس دائماً متّخذاً بالاعتياد، لزم ذلك فوت النافلة في كثير من الأوقات؛ فقوله

أن تتّخذ ذلك

إن كان مع فعل النافلة المفروض

في الرواية، فمطلوبيّة الفرق يمكن أن يكون لمطلوبيّة الإبراد في الصيف، و إلّا احتمل أن يكون لفعل النافلة.

لكن هذه الرواية مشتركة مع رواية «معاوية بن ميسرة» «1» في عدم ارتضاء الجمع بين الظهرين بعد زوال الشمس مع الاختلاف في فرض فعل النوافل، و في الابتداء بالمجموع حين زوال الشمس هنا و عدم فرضها في رواية «معاوية»، و جعل الجمع في طول النهار بعد زوال الشمس، و الاختلاف بالكراهة لاتّخاذه وقتاً هنا، و بقوله عليه السلام

ما أحبّ أن يفعل ذلك كلّ يوم «2»

؛ فإنّ الجمع بلا فرض النوافل، ليس من الراجح، خصوصاً مع عدم الوقوع في أوّل الزوال، و أمّا هذه الرواية ففيها ما ذكرناه؛ مع احتمال إرادة الموافقة مع القوم، المعلوم منهم التفريق المقرون باعتقاد عدم جواز الجمع، خلافاً لما روَوْهُ في الصحيح «3» من الجمع بلا عذر، و لعلّه لذا قال

أكره لك أن تتّخذه وقتاً دائماً «4»

، و إلّا كانت مخالفة لصريح الروايات الدالة علىٰ عدم منع غير السبحة، كما في رواية «ذريح» «5» و غيرها «6» المصرّح بنفي التحديدات كلّها.

و مثله الكلام المتقدّم في صلاة رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم في الذراع و الذراعين «7»؛ إلّا أنّه لا يجري فيه احتمال التأخير لفعله النافلة، بل لفعل غيره لها؛ كما يمكن أن يكون التفريق، لما في الجمع من المشقّة، خصوصاً في الصيف، فناسب التأخير و المخالفة في

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 4، ح 15.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 4، ح 15.

(3) صحيح مسلم 1، كتاب صلاة المسافر، الباب 6، ح 1 و 6.

(4) تقدّم في ص 21، الهامش 3.

(5) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 5،

الحديث 12.

(6) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 5.

(7) تقدّم في ص 16، الهامش 2 و 3.

بهجة الفقيه، ص: 27

اليومين، مع بيان أنّ ما بينهما وقت، و لو فرض فعل النافلة في الوقتين، فيكون التسهيل في التأخير. كما أنّ التسهيل علىٰ بعض في عكس ذلك بالجمع، لصعوبة التهيّؤ في وسط الاشتغال بأُمور الدنيا مرّتين؛ و لذا وقع هذا التسهيل منه صلى الله عليه و آله و سلم في الرواية «1» الحاكية لجمعه من غير علّة بين الظهرين، الظاهر لولا العمل على التفريق في اتّفاق ذلك، لا أنّه ممّا كان يستمرّ عليه؛ و لذا ورد الأمر بالجمع بهذا الترتيب، أي بفعل النافلة بعد الزوال، ثمّ الفريضة، ثمّ فعل النافلة بعدها، ثمّ فريضة العصر في رواية «سماعة بن مهران» «2»؛ فإنّه يجمع بينه بحسب ظهوره في عدم فوت شي ء من الفضيلة بهذا النحو من الجمع، و بين ما مرّ من قوله عليه السلام «3»

أكره لك

بوجه من الوجوه المتقدّمة، و كذا بين قوله

لا يحبسك إلّا سبحتك، تُطيلها أو تقصّرها

في رواية «ذريح» «4»، و بين ما مرّ من صلاته في الذراع و الذراعين «5»، بعد فهم أن نسبة الذراع إلى الظهر متحدة مع نسبة الذراعين إلى العصر، بحسب مبدء الفضل و منتهاه، و جهة الفضل للنفل أو لمجرّد التفريق.

و ما في رواية «محمّد بن أحمد بن يحيىٰ» «6» النافية للتحديدات مطلقاً، صريحة في عدم العبرة بغير النوافل و لوازمها من التأخير للطويلة و القصيرة؛ و أنّه لا يفوت الفضل بذلك؛ و أنّ التحديدات كلّها كناية عن المواظبة على النوافل؛ فهي كالمشتملة علىٰ تعليل «7» الذراع بالتأخير للنفل، و أنّ المانع هي السبحة، حتى أنّ تفريقه صلى الله عليه

و آله و سلم لم يكن إلّا للتسهيل على المتنفّلين، لما في الجمع بين الفريضتين و نوافلهما في وقت واحد

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 32.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 5، ح 11.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 5، ح 10، 12.

(4) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 5، ح 10، 12.

(5) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8.

(6) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 5، ح 13.

(7) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8، ح 3.

بهجة الفقيه، ص: 28

من الصعوبة الواضحة، حتى أنّ من أراد التسهيل بالجمع يغلب عليه ترك بعض النوافل.

المتحصل من البحث و الإشارة إلى الروايات الأُخر و بالجملة، فلو أمكن شرح أخبار التحديد بأخبار التعليل بالتنفّل و ما هو بمنزلة التعليل من الحبس «1» المؤيّد بروايات التعجيل «2» المذكور في فضل أوّل الوقت، كما جعل في بعض الروايات «3» تحرّي الجمع بين النافلة و الفريضة أبين من قياس الشمس، كما ذكرنا وجه ذلك، فهو؛ و إلّا كان مع المعارضة بين الطائفتين الترجيح مع روايات المحافظة على النوافل، و أنّها الغرض من التحديد، لتأيّدها بالعمل المستمرّ من النّبي صلى الله عليه و آله و سلم و من بعده في الاشتغال بعد الزوال بالنوافل و وصلها بالفريضة، دون الانتظار للذراع أو المثل أو القدم.

و يظهر منه الحال في المثلين مثلًا للعصر، فإن وقع الظهر في آخر [ه] أو ما بينهما المثل، كان الحال فيهما واحداً، و إلّا كان المثلان زماناً واحداً.

و ممّا يشهد لذلك رواية «قرب الاسناد» حيث ورد فيها الجمع بين الأمر بالظهر بعد السّبحة بعد الزوال «4»؛ ثمّ الأمر في مقام بيان وقت العصر بمثل هذا البيان بعد فعل الظهر بعد نافلتها

بعد القدمين من الزوال؛ ففيها الدلالة علىٰ أنّ ذكر القدمين لمكان سبحة الظهر للموافقة بين الصدر و الذيل، و الأمر بالظهر بعد الذراع بلا ذكر نافلتها، ثم العمل في العصر بمثل العمل في الظهر في صدر الحديث، و كذا قوله عليه السلام في رواية «زرارة»

و صلاة العصر في يوم الجمعة في وقت الاولىٰ في سائر الأيام «5».

و كذا

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 5، ح 12.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 3، ح 10.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 15، ح 1.

(4) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 5، ح 14.

(5) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 4، ح 2.

بهجة الفقيه، ص: 29

ما في رواية «زرارة» عن أبي جعفر عليه السلام النافية للحدّ المعروف بين الظهر و العصر، و ظاهرها انتفاء الحدّ الزماني بين الصلاتين، و لا يتمّ إلّا بأن يكون الفاصل الشرعي للفصل زمانيّاً و هو النافلة، لا زماناً و هو الذراع أو المثل.

و أمّا رواية «عبيد بن زرارة» «1» فهي من المطلقات التي ليس فيها بعد زوال لشمس إلّا الترتيب بين الظهرين عملًا لا زماناً، حتى أن ما في مرسلة «داود بن فرقد» «2» من الوقت الاختصاصي للظهرين، مقيّد لما في تلك الرواية، فيكون التحديد حتّى ما يكون للفضل الغير الثابت شرعاً لوقتيهما علىٰ خلاف هذا الإطلاق.

و كذا قوله عليه السلام في رواية «الجهني» قال

سألت أبا عبد اللّٰه عليه السلام عن وقت الظهر؟ فقال: «إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين «3»

، من المطلقات في هذا الباب، و مثلها في ذي الحاجة رواية «محمّد بن مسلم» «4»، و مثلها رواية «معاوية بن وهب»

قال: سألته عن رجل صلّى الظهر حين زالت

الشمس، قال: لا بأس به «5»

؛ فإثبات توقّف الظهر علىٰ أزيد من النفل، يحتاج إلىٰ دليل.

و ما في رواية «صفوان» «6» المعيّن لوقت العصر في ثلثي قدم بعد الظهر، يحتمل إرادة الزوال من الظهر لا الصلاة؛ و عليه يكون الباقي للظهر و نافلتها و لنافلة العصر، ثلثي القدم، و يكون وقت مجموع الصلاتين و نافليتهما قدماً واحداً، و هو مخالف للتحديد حتّى بالقدم و الشبر في فضيلة الظهر، بل لا يناسبه إلّا أن يكون التحديد بالنوافل لا غيرها.

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 4، ح 5.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 4، ح 2 و 5 و 7 و 11.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 4، ح 11، 13، 12، 14.

(4) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 4، ح 11، 13، 12، 14.

(5) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 4، ح 12.

(6) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 4، ح 12.

بهجة الفقيه، ص: 30

قال السيّد في «المفتاح»: «و يبقى الكلام في ما إذا فرغ من النافلة قبل الذراع، فهل يبادر إلى الفريضة، أو ينتظر الذراع؟ كما قيل مثل ذلك في العصر بالنسبة إلى المثل كما يأتي إن شاء اللّٰه الظاهر أنّه يعني من فرغ من النافلة قبل الذراع يبادر إلى الفريضة يعني لا ينتظر الذراع قدّمه، كما تدلّ عليه الأخبار الكثيرة كأخبار السبحة «1» و غيرها «2» و عموم ما دلّ علىٰ أفضليّة أوّل الوقت «3»، و لم نجد من خالف في ذلك سوىٰ ظاهر «الكاتب»، حيث قال في ما نقل عنه: «يستحبّ للحاضر أن يقدّم بعد الزوال شيئاً من التطوّع إلىٰ أن تزول الشمس قدمين» و تبعه علىٰ ذلك صاحب «الكفاية»، حيث قال: «و الأقرب استحباب

تأخير الظهر إلىٰ أن يصير الظلّ قدمين» و هو مذهب «مالك» «4». و في «الخلاف» و «المنتهىٰ»: «لا خلاف في استحباب تعجيل الظهر».

و في «المدارك»: «إنّ مقتضىٰ صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام «5» استحباب تأخير الظهر إلىٰ أن يصير الفي ء علىٰ قدمين من الزوال»، لكنّه قبل ذلك بأوراق متعدّدة، اختار المبادرة و قال: «إنَّ مذهب «ابن الجنيد» قول مالك «6» انتهىٰ.

و تقدّم أنّ ما فيه التعليل من الروايات يدلّ علىٰ تأويل التحديدات، و أنّها للنافلة لا للفريضة، و إن أمكن جعله لهما باعتبار أولويّة الفريضة بما بعد المثل، و النافلة بما قبل المثل، فمن أخّر الفريضة عمّا بعد المثل فقد فات منه فضيلة الفريضة، [سواء] أتى بالنافلة قبل المثل أو لم يأتِ بها؛ و أنّ اتخاذ الأوّل وقتاً دائماً يؤدّي إلى ترك النوافل في كثير من الأوقات؛ و أنّها لا تجري في المتنفّل قبل الحدّ، و التارك لها بعد الحدّ، فضلًا عمّا

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 5، ح 3.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 5، ح 3.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 5، ح 3.

(4) المدوّنة الكبرى، 1، ص 55.

(5) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8، ح 1.

(6) مفتاح الكرامة، 2، ص 15 و 16.

بهجة الفقيه، ص: 31

قبله؛ فإنّ تعليل جعل الذراع بوقت النافلة «1» يشهد بصحّة التحديدات، و بإرادة الملازمة للمواظبة على النوافل، و لذا قال عليه السلام في رواية أُخرى

صواب جميعاً «2»

؛ فإنّ صوابيّة ذلك لا تنافي صوابيّة دخول الوقتين بالزوال، و إدراك الفضلين مع النافلتين؛ و كذا جعل ذلك أبين من التحديدات في رواية أخرى «3» مع أن الحدّ الزماني أبين من التحديد بالزمانيّات، و لا

يتم ذلك إلّا بما قدّمناه.

و لعلّ عمل النبي صلى الله عليه و آله و سلم على التفريق و من بعده، لمكان إدراك الغالب فضل التنفّل الشاق مع الجمع بين الفريضتين و نوافلهما، فلا ينافي فضل المبادرة، بل أفضليّتها لمن لا تشقّ عليه، و ينشط للجمع بين الفرائض و النوافل، بحيث لا يزاحم سائر الشواغل الدنيويّة. و ندرة ذلك في الناس غير خفيّة.

و قد وقع التعليل للذراع بالتنفّل عن أبي جعفر عليه السلام «4» بعد نقل حكاية صلاة رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم إذا بلغ الفي ء ذراعاً.

و هاهنا وجه آخر للمخالفة في البيان في الروايات بالتحديد بالزمان و الزماني، و قد مرّت الإشارة إليه، و هو إرادة الموافقة مع القوم في الجملة، و هو ما فيه قوله عليه السلام

أنا أمرتُهم بهذا لو صلّوا على وقت واحد عرفوا فأخذوا برقابهم «5»

، حيث شاهد الراوي فعل بعض أصحابنا الظهر و بعضهم العصر في وقت الظهر بدون انتظار لوقت العصر، و لعلّ مصلّي الظهر كان ينتظر وقت العصر، بل مجرّد فعلهما من شخصين في وقت الظهر يدلّ علىٰ اختلافهما عملًا في فعل العصر في وقت الظهر في الجملة؛ فإنّ التوقيت لبعضهم بالتنفّل، و لبعضهم بالزمان «6» يقتضي هذا الاختلاف.

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8، ح 30.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 5، ح 1.

(4) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8، ح 27 و 28.

(5) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 7، ح 3.

(6) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 5 و 8.

بهجة الفقيه، ص: 32

[مسألة] الوقت الاختصاصي للظهرين

اشارة

مسألة: يدخل وقت الظهرين بالزوال و يخرج بالغروب. و يعتبر الترتيب بينهما في

العمد مطلقاً، لا في السهو في الجملة. و يختصّ الظهر بأوّل الوقت، بمقدار أدائه مع الشروط المفقودة، و العصر بآخره كذلك؛ فلا تصحّ العصر في وقت الظهر الاختصاصي و لو سهواً، كما لا تصحّ الظهر في الوقت المختصّ بالعصر و لو سهواً.

و يدلّ عليه مرسلة «داود بن فرقد» «1» المشهورة عملًا، بل عن «الشيخ نجيب الدّين»: أنّه نقل الإجماع عليه جماعة، و لعلّهم اطّلعوا على فتوى «الصدوق»، بالوفاق في غير ما اقتصر فيه على نقل المطلق. و في قبالها الإطلاقات «2»، و في بعضها الدلالة على الترتيب دون بعضها، لكنّ إطلاقها المقتضي لصحّة العصر في المختصّ بالظهر، و الظهر في المختصّ بالعصر ليس بتلك القوّة، خصوصاً مع بيان الترتيب في بعضها غيرَ مقيّدٍ بعدم السهو، فهي قابلة للتقييد بما في المرسلة «3» المشهورة، المتأيّدة بروايات طُهر الحائض «4» و نسيان الظهر إلى عند غروب الشمس «5»، و تأخير الظهر حتى يدخل وقت العصر أنّه يبدء بالعصر «6»، و توقيت العشاء بفعل المغرب «7».

و الظاهر أظهريّة المرسلة في إفادة الوقت المختص بالفرائض الأربعة من المطلقات المقتضية للخلاف؛ و لا شبهة في جواز الجمع بين المطلقات و المرسلة في الكلام الواحد، و تعيّنِ ارتكاب التقييد حينئذٍ؛ و لو كانتا من المتنافيين، لم يجز الجمع بينهما في كلام واحد، فكذا الحال في ما وقع من الانفصال بين البيانين، فيجمع بينهما

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت الباب 4، ح 7.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت الباب 4، ح 7.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت الباب 4، ح 7.

(4) الوسائل 2، أبواب الحيض، الباب 49، ح 3 و 5.

(5) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 4، ح 18 و 17.

(6) الوسائل 3، أبواب

المواقيت، الباب 4، ح 18 و 17.

(7) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 19.

بهجة الفقيه، ص: 33

بعد اعتبار المرسلة بالشهرة بالتقييدِ المرسومِ في ما لا يحصى من موارد بيان الأحكام، المفصولة مقيّداتها عن مطلقاتها بكثير من الأزمنة، و ليس المقام ممّا يعمّ به البلوى حتّى لا يمكن ارتكاب التّقييد، بل وقوع العصر في أوّل الزوال سهواً، و الظهر في قريب الغروب كذلك، ممّا يندر اتّفاقه.

و مع الغمض عنه، فالمرسوم من مبلّغي الشريعة، التدريج في بيان الأحكام و قيودها. و لو فرضت المعارضة بالتكافؤ بعد حفظ العمل الجابر للمرسلة، يمكن الترجيح بالأشهريّة البالغة إلىٰ حكاية الإجماع على النحو المتقدّم.

و يظهر من «المصباح» الميل إلى عدم الاختصاص في ما لا يفيد الاشتراك خلاف الترتيب، مع حكمه بتعيّن العصر في آخر الوقت لو لم يبقَ إلّا مقدار إحداهما، مع أنّه لا وجه له إلّا الاختصاص. و شرطيّة الترتيب إن كانت محفوظة هنا، فهي إلىٰ عدم تعيّن العصر، بل إلى تعيّن الظهر أقرب.

و الإجماع المحكي ليس إلّا للاختصاص، و هو مدلول رواية «الحلبي» «1» في الفرض، و مرسلة «داود» «2» مطلقاً.

الميزان في الوقت الاختصاصي و كيفيّة تقديره

ثمّ إنّ الظاهر، أنّ المراد من أربع ركعات في المرسلة، هو وظيفة الظهر المختلفة باختلاف المكلّفين من الحضر و السفر، و الحاجة إلىٰ تحصيل الشروط و عدمها؛ فهل ينتهي الأمر إلى تسبيحتين بدل الركعتين في شدّة الخوف، فلا يلزم الصبر في العصر و صحّة الانتظار إلى انقضاء وقت صلاة المختار، في فعل العصر عمداً بعد الظهر، و نسياناً قبلها؛ و كذا لو كان بحيث يفتقر لتحصيل الشروط و إزالة الموانع، إلى زمان طويل يقرب من الحدّ، فلا يصحّ عصره سهواً قبل ظهره، لأنّ الوقت المختصّ في

حقّه، من الزوال

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 4، ح 18 و 7.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 4، ح 18 و 7.

بهجة الفقيه، ص: 34

إلىٰ ما بعد وقت الظهر؛ أو أنّ المرجع، المتعارف المختار في الصورتين، فينتظر في الصورة [الأُولىٰ]، و تصحّ العصر في الثانية؟ احتمالان. يمكن ترجيح الثاني فيهما، لأنّ المفهوم، الكناية عن وظيفة المختار على الوجه المتعارف بمثل التعبير بأربع ركعات. و لو نسي بعض الأجزاء الغير الركنيّة ممّا لا يتدارك كالقراءة، أمكن ترجيح عدم الانتظار لمضيّ مقدار المنسي؛ و أمّا ما يتلافىٰ كالسجدة و التشهّد المنسيّين، فمع اعتبار الوحدة و الارتباط بينه و بين الصلاة بإبطال مبطلات الصلاة، يلزم التأخير إلىٰ مضيّ وقت القضاء و التلافي؛ و كذا الكلام في صلاة الاحتياط؛ فإنّه لا يتحقّق الاحتياط مع المعاملة عمل النافلة، بل الاحتياط من حيث العمل، عمل الركعة من الفريضة، بخلاف سجدتي السهو، لأنّ وجوب المبادرة فوراً ففوراً، ليس توقيتاً؛ و كذلك الحال في السرعة و البطؤ.

و يقدّر وقت الاختصاص، بالمتعارف المتوسّط من عمل المختار، و لا يقدّر بأقلّ الواجبات، و لا بجميع ما كان يعتاده من المستحبّات على كثرتها؛ فإنّ التقدير بالأقلّ، فيه من المشقّة ما لا يخفىٰ، و لا يفهم من الإطلاقات؛ و كذلك في ما كان يفعله من المستحبّات الكثيرة؛ فالمتوسّط المتعارف الغير الشاقّ هو المحمول عليه الإطلاق.

و في كفاية الوقت التقريبي في تعيين المختصّ و المشترك، وجه، لتعسّر التحقيق.

و لو شك في بلوغ المشترك حال الصلاة، فمقتضىٰ الاستصحاب عدمه، فتفسد، إلّا أن يعارض بأصالة عدم الفعل إلى البلوغ، فتصحّ؛ إلّا أنّ الثانية لا تخلو من إثبات؛ و مع قطع النظر عنه؛ فلو كان التاريخ معلوماً بأمارة

مشكوكة التحقّق حال الصلاة، جرىٰ استصحاب عدم المجهول إلىٰ زمان المعلوم لو سلّم من الإثبات.

و على أيّ، فالصلاة عصراً في الوقت المختصّ بالظهر، فاسدة و لو كانت سهواً، لعدم جريان السهو في الوقت، بخلاف الوقت المشترك؛ فإنّها فاقدة للترتيب المعتبر في حال العمد لا مطلقاً.

بهجة الفقيه، ص: 35

العدول إلىٰ الأُخرىٰ في الوقت الاختصاصي و لو ذكر في أثناء الفريضة، فللعدول إلى الظهر وجه، كما عن «البيان»، و «المقاصد العليّة»، لعدم لزوم الوقت لما سبق عصراً، حتّى يقال: «لا يصحّ ما سبق.»، و إنّما المقصود الصحّة ظهراً، و وقته حاصل، و إنّما المفقود نيّة الظهر في ما سبق. و المعتبر في موارد العذر، الأعمّ من النيّة في الابتداء و الأثناء، كما يظهر من موارد العدول في المشترك.

و مثله ما لو شرع في العصر بالظنّ المعتبر، ثمّ انكشف الخلاف في الأثناء بدخول المشترك في الأثناء؛ فإنّه يعدل إلى الظهر، لأنّ المصحّح الوقت للظهر مع نيّته، لا صحّة العصر لدخول وقته في الأثناء، كالصلاة قبل الوقت الداخل في الأثناء، إذا كان الدخول بأمارة شرعيّة.

و لو ظنّ الضيق عن غير العصر فصلَّاها ثم انكشفت السعة بمقدار ركعة أو أربع، فالظّاهر مع اعتبار الظنّ صحّة العصر، بناء على اغتفار الترتيب فيه كما في السهو، و حينئذٍ يصلّي الظهر بعدها أداءً، لأنّ الاختصاص بالعصر لمن لم يؤدّها صحيحة، لا مطلقاً على الأظهر.

اختصاص عدم جواز الإتيان في الوقت الاختصاصي، بالشريكة و لو بقي من آخر الوقت مقدار خمس ركعات، جمع بينهما في الأداء بتخصيص الأربع بالظهر، لوقوع ركعة منه في المشترك، و تخصيص ركعة بالعصر يؤدّي بها عصره الواقع ثلاث ركعات منه في خارج الوقت. و لا يضرّ ذلك من جهة

اختصاص ذلك الوقت بالمغرب، لأنّ لازم الاختصاص عدم صحّة الشريكة فيه، لا كلّ فريضة واجبة، و ليس ذلك، لأنّ وقت الاختصاص لمثل هذا الشخص، بعد ثلاث العصر؛ فإنّ ثلاث العصر و إن كانت واجبة عليه، لكنّها ليست من شروط المغرب و مقدّماتها، و ليس كلّ واجب داخلًا في وقت الاختصاص، يعني بحيث يكون وقت الاختصاص ما بعد ذلك الواجب، و إنّما هو في شروط الفريضة المختصّة بذلك الوقت، و لذا نلتزم بصحّة العشاء

بهجة الفقيه، ص: 36

لو وقعت سهواً بعد ثلاث العصر المذكورة، لأنّ ما بعده ليس من المختصّ بالمغرب، فليتدبّر. الوقت الاختصاصيّ و الاشتراكي للعشائين و يجري في العشائين، مثل ما ذكرناه في الظهرين من وقتي الاختصاص و الاشتراك، للاشتراك في الدليل حتّى نقل الإجماع؛ فيختصّ بالمغرب بعد غيبوبة الشمس مقدار أداء ثلاث ركعات مع الشروط، و بالعشاء مقدار أربع قبل الانتصاف للمختار، و ما بينهما مشترك بين العشائين. و يجري اختصاص آخر الوقت لغير المختار على القول به قبل الفجر بالعشاء، كما يجري لوازم الاختصاص و الاشتراك على ما مرّ في الظهرين.

و يبقى القول المحكيّ عن «الشيخين»، و «ابن أبي عقيل»، و «سلّار» من أنّ «أوّل وقت العشاء ذهاب الشفق المغربي في الاختيار»، و لا يخلو بعض الروايات «1» من دلالة عليه؛ لكنّ الروايات المستفيضة «2» النافية للبأس عن العشاء قبل ذهاب الشفق، قابلة لحمل المخالف على ابتداء وقت فضيلة في حال الاختيار، دون العذر المسوّغ للجمع بين العشائين مطلقاً.

وقت صلاة الصبح و أوّل وقت صلاة الصبح، طلوع الفجر الصادق المعترض المنتشر في الأُفق المبان به الخيطان، دون الكاذب الصاعد. و هذا بحسب الفتوىٰ و النصوص «3» من المسلّمات، فلا تترتّب الأحكام

المعهودة من الصلاة و الصوم قبل ذلك.

عدم اختلاف طلوع الفجر باختلاف أيّام البيض و نحوها و الظاهر أنّ الطلوع، له وقت مخصوص زماني، كالزوال و الغروب، لا يختلف باختلاف الأيّام، إلّا الاختلاف المعهود المضبوط لدى المحاسبين. و ذلك الزمان لا يختلف باختلاف

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 10.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 22.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 27.

بهجة الفقيه، ص: 37

أيّام البيض و غيرها، و لا بوجود المانع من الغيم و نحوه و عدمه، إلّا أنّ يتأخّر إحراز الطلوع و تبيّنه، لا نفس المتبيَّن بالفتح فله حدٌّ زماني غير مختلف، و المختلف هو العلم به فقد يتأخّر، و قد لا يتأخّر و لو حصل المانع، و لا فرق بين مانعيّة ضوء القمر أو الغيم عن الإحراز أحياناً.

فجعل التبيّن في الآية الشريفة «1» غاية، لمكان أنّ غايتيّة المتبيَّن ملزوم غالبي لغايتيّة التبيّن، فهو طريق محض، لا مأخوذ في الموضوع و لو طريقاً. و لا فرق بين كون المانع من سنخ البياض، كضوء القمر، أو غيره، كالغيم؛ فانضباط الوقت الخاصّ بالآلات المستحدثة و القديمة، يغني عن مشاهدة الأُفق الممتاز فيه خطّ البياض عن خطّ السواد.

فدعوى اعتبار التبيّن في موضوع الأحكام خارجة عمّا يفهمه العرف في المقام، و كيف يكون للتبيّن الموضوعيّة للحكم مع القطع بإرادة التبيّن، أو تحقّق زمانٍ بعد التبيّن و قبل الطلوع و لو كان قليلًا؟ و كيف يكون للتبيّن الفعلي، الموضوعيّة المتقدّمة مع عدم حدّ معروف غيره غير التبيّن التقديري؟ لأنّه كلّما قرب إلى الطلوع للشمس يزول السواد تدريجاً، لا أنّه يتبيّن الخيطان مع أوسعيّة البياض.

فلا بدّ من غايتيّة الاحمرار مع عدم التبيّن، و هو كما ترى يعدّ من وقت

صلاة الصبيان، مع أنّه بلا دليل؛ مع أنّ التفكيك بين مانعيّة الغيم و القمر، لاتّفاقيّة الأوّل، و دائميّة الثاني في الشهر.

و جعل الوقت زماناً خاصّاً في الأوّل دون الثاني، و التفكيك بين وقت الصبح و الظهرين و العشائين ممّا لا يخفى وضوح فسادهما.

ثمّ إنّه يأتي الكلام إن شاء اللّٰه في أنّ اعتبار ذهاب الحمرة المغربيّة في وقت المغرب على القول، به و بملازمة بقاء الحمرة مع عدم الغروب، لا يقتضي كشف الحمرة المشرقيّة

______________________________

(1) البقرة، 187.

بهجة الفقيه، ص: 38

عن الطلوع، و ملازمةَ حدوث الحمرة لحدوث الطلوع، لأنّ المقابلة بين الافقين تقتضي الملازمة المذكورة، على القول بها، و أماريّة الذهاب على الاستتار، على القول الآخر؛ و أمّا حدوث الحمرة فإنّما يكشف عن قرب الطلوع، لا خروج الشمس فوق أُفق المشرق، كما لا يخفى.

علائم معرفة الزوال
العلامة الأُولىٰ: ظهور الظلّ مشرقاً للشاخص

و يعلم الزوال بظهور الظلّ في ناحية المشرق للشاخص، كان قبل ذلك في نهاية النقص في جانب المغرب، أو منعدماً للمسامتة الواقعة مرّة في السنة في حدّ الميل الأعظم، و مرّتين في السنة في ما بين الميلين.

و أمّا ما في خبر «عبد اللّٰه ابن سنان»

تزول الشمس في النصف من حزيران، على نصف قدم، و في النصف من تموز، علىٰ قدم و نصف

إلى مثل الأوّل في النصف من حزيران «1»، فإنّما تتمّ دعوى المخالفة مع الاعتبار في صورة العلم بمخالفة النسبة المذكورة فيها بين البروج للواقع، و إلّا فالزوال في النصف من حزيران على نصف قدم، لا يعمّ جميع الأمكنة المختلفة قطعاً في النقص و الزيادة و لو في برج واحد، كما هو المعلوم في ما تجاوز الميل من الأمكنة؛ و في ما لم يتجاوز، فالمكان التي تزول فيه في النصف من

«حزيران» على نصف قدم، إذا زالت فيه في «تموز» علىٰ غير القدم و النصف، تتحقّق المخالفة بين الخبر و الاعتبار، لا بمجرّد عدم الزوال في بعض البلاد في «حزيران» علىٰ نصف قدم.

و حُكي عن بعض علمائنا، اختصاص ما في الخبر بالعراقي، و هو المناسب لعرض «العراق»، و لكون الراوي عراقيا. و قيل: «يختصّ بالمدينة»، و هو لا يناسب مقارنتها لحدّ الميل الأعظم؛ فإنّها حينئذٍ موضع المسامتة كما يدّعىٰ هذه المخالفة، كما يظهر ممّا

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 11، ح 3.

بهجة الفقيه، ص: 39

في «الحدائق» في ما بين النصف من أيلول، حيث جعل فيها الزوال على ثلاثة أقدام و نصف؛ و النصف من «تشرين الأوّل»، حيث جعل الزوال على خمسة أقدام و نصف. و المناسب لما سبق أربعة أقدام و نصف، و كذا المناسب سبعة في النصف من «تشرين الأوّل»، على ملاحظة النسب مع فرض الخمسة و النصف في ما سبق.

و لا تكفي ملاحظة الأبعديّة الموجبة لأطوليّة الظلّ، و أكثريّة الإقدام في البلاد الشماليّة في الخريف و الشتاءِ منها في الربيع و الصيف، لكفاية النسبة في البعد مع استواء السير في جميع أزمنة السنين.

و يمكن الحمل علىٰ وقوع الاشتباه في النقل من بعض من توسّط من رواة الحديث، مع أنّ جعل الإقدام أمارةً، موقوف على تعيين القدم الحقيقي للنوع؛ فلو أمكن بلا عسر كما في رواية الأشبار في الكرّ «1» كان مغنياً عن الانتظار للأخذ في الزيادة، و إلّا فتحقيق تمام القدم يتوقّف علىٰ تحقّق الأخذ في الزيادة و العلم به، فلا يناسب جعل الإقدام أمارة مستقلّة.

القول بعدم بظهور زيادة الظلّ إلّا بعد ساعة و المناقشة فيه ثم إنّه حكي عن «المقاصد العليّة»:

«أنّ زيادة الظلّ بعد نهاية النقص، لا تظهر إلّا بعد ساعة زمان

______________________________

(1) الوسائل 1، أبواب الماء المطلق، الباب 10.

بهجة الفقيه، ص: 40

السير في دقيقة مثلًا بمقدار من الظلّ لو كان؛ فعدمه و تحقّق الركود في تلك الدقيقة، يكشف عن الزوال، و إلّا لما توقّف عن السير و لوازمه و لو في الحسّ.

و علىٰ أيٍّ، فما في الروايات «1» هو الاقتصار على الزيادة بعد النقيصة. و لو كان ذلك متأخّراً بساعة من الزوال، لما اقتصر الإمام عليه السلام علىٰ ذلك، إلّا أن يحمل على مطلوبيّة احتياط المصلّي، كمطلوبيّة الاستبانة في الفجر.

العلامة الثانية: ميل ظلّ الشمس إلىٰ جانب المشرق

و ممّا يعلم به الزوال، «ميل ظلّ الشمس إلىٰ جانب المشرق»، و قد سبق طريق استعلام هذا الميل مع ما مرّ من دعوى الاحتياج إلى زمان طويل.

و أمّا أنّ الظلّ عند وصول الشمس إلى دائرة نصف النهار يقع علىٰ خطّ نصف النهار، و عند ميل الشمس إلىٰ جانب المغرب يميل الظلّ إلىٰ جانب المشرق، فلا يخلو عن مناقشة؛ فإنّ الظلّ في ما تجاوز الميل من البلاد الشماليّة، لا يقع في الزوال على الخطّ، بل يتجاوز عنه، كما مرّ في الأقدام، و إلّا كان ظاهراً في طرف المشرق، و منعدماً حين الزوال.

العلامة الثالثة: ميل الشمس إلى الحاجب الأيمن

و ممّا يعلم به الزوال، «ميل الشمس إلى الحاجب الأيمن» لمن استقبل القبلة الواقعة على نقطة الجنوب، كما هو في بعض بلاد العراق. نسبت هذه العلامة إلى فتوى الأصحاب، و قد وردت الرواية «2» المفسرة لما كان من زوال الشمس بكونها على الحاجب الأيمن. و عليه، فإنّ هذه العلامة تحتاج إلىٰ تشخيص نقطة الجنوب باستخراج نصف النهار بالدائرة الهنديّة، أو بالآلة المائلة إلى القطب، بعد تعيين مقدار المخالفة مع القطب المتصل بالجدي. و مع هذا، فيحتاج

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 11.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 10، ح 12.

بهجة الفقيه، ص: 41

الإحساس بتيامن الشمس عن الوسط خصوصاً إذا أُريد تيامن تمام القرص إلى مضيّ مدّة، فيكشف التيامن عن سبق الزوال.

و لعلّه لا مفهوم لما بُيّن فيه العلامات من النصوص، و إنّما المراد بها الثبوت عند الثبوت فقطّ؛ أو المراد بيان الأوّل تقريباً عرفيّاً تحقيقاً دقيقاً؛ كما أنّ مقتضى الدقّة، ما في «الجواهر» «1» من أنّ الزيادة حدوث الزائد بعد أن لم يكن، فهو كالحدوث بعد الانعدام، لا أنّ أحدهما زيد الظلّ

و الآخر حدوثه، كما أنّ الجامع بين الأمرين كما في «المسالك» ظهور الظلّ في ناحية المشرق.

[مسألة] أوّل وقت صلاة المغرب، غروب الشمس

اشارة

مسألة: غروب الشمس، أوّل وقت صلاة المغرب، بالإجماع المحكيّ عن «التذكرة» و غيرها؛ و الخلاف في ما به الغروب؛ فعن جماعة أنّه استتار القرص، و يدلّ عليه روايات كثيرة «2»، فيها الصحاح و نحوها من المعتبرة. و عن المشهور، أنّه ذهاب الحمرة المشرقيّة؛ و يدلّ على ذلك روايات كثيرة «3» ينجبر ضعف بعض ما فيها بالاشتهار العملي.

الجمع بين الروايات الدالّة علىٰ الاستتار و الدالّة علىٰ ذهاب الحمرة لكنّ الكلام في وجه الجمع بين الطائفتين إذا لم يكن المسألة إجماعيّة، كما عن «السرائر» دعوى الإجماع علىٰ ما هو المشهور، مع وقوع الظفر بالفتوى علىٰ طبق الصحاح من جماعة كالمحكيّ عن «الكاتب»، و «علل الصدوق»، و ظاهر «الفقيه»، و «ابن أبي عقيل»، و «المرتضىٰ» و «الشيخ»، و «سلّار»، و «القاضي»، و «سيّد المدارك»، و «الخراساني»، و «الكاشاني»، و تلميذه، و «الأستاذ الأكبر».

______________________________

(1) جواهر الكلام، 7، ص 101.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16.

بهجة الفقيه، ص: 42

حمل روايات الاستتار على التقيّة و المناقشة فيه و لا يخفى: أنّ وجه الجمع من «الجواهر» «1» و «المصباح» هو حمل روايات الاستتار على التقيّة، لموافقتها لما عليه العامّة، حتّى أنّ العامّة يعرفون ذلك من الشيعة.

لكن في الاكتفاء بذلك في الجمع، مناقشة واضحة؛ فإنّ الحمل على التقيّة فرع وصول النوبة إلى العلاج، المتوقّف علىٰ عدم العلاج العرفي، و لذا لا تردّ رواية واحدة معتبرة بمجرّد الموافقة للعامّة؛ كما أنّ المعهود من العامّة عدم رواية ذهاب الحمرة و عدم العمل به، و روايتهم للخلاف، و معرفتهم لوجود جماعة من الشيعة

علىٰ هذا العمل الموافق لروايات ذهاب الحمرة، مع عدم معلوميّة مستندهم في العمل، و أنّه الموضوعيّة أو المعرِّفيّة، مع عدم معلوميّة أنّه قول جميع الشيعة، فكيف يحتجّ بمعرفتهم لمذهبنا و لا يمكننا استعلام مذهبنا منهم؟ مع أنّ في الروايات ما يدلّ على العمل علىٰ طبق الاستتار عند المخالف لذلك، بل عند الشيعة المخالفين لذلك أيضاً.

الجمع بحمل المجمل على المبين و ما فيه و قد يجمع بالتفسير و الشرح و حمل المجمل على المبين، و دعوى الحكومة في الروايات الشارحة.

و أنت خبير بأنّه لا إجمال في شي ء من الزوال و الغروب، فالثابت من الروايات بيان المعرِّف للموضوع المجهول تحقّقه، لا المجهول مفهومه، [و] لا بيان ما به الزوال و الغروب، بل ما يعرف به الزوال و الغروب، كما لم يحتمل ذلك في الزوال، مع أنّ العلامات المبيّنة قد سبق تأخّرها عن أوّل وقت الزوال.

مع أنّ في روايات ذهاب الحمرة ما ينصّ على العلامتيّة «2»، و على أنّه احتياط، مع ظهوره في الاحتياط الموضوعي لا الحكمي؛ فيحمل ما لم ينصّ فيه على العلامتيّة،

______________________________

(1) جواهر الكلام، 7 ص 115 121.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16؛ و فقه الرضا عليه السلام، ص 104.

بهجة الفقيه، ص: 43

على المنصوص و يدلّ علىٰ تبيّن الغروب مفهوماً ما فيه أنّه

إذا نظرت إليه فلم تره «1»

، و لا أصرح من ذلك في أنّه لا وقع للسؤال عن الواضحات.

الجمع العرفيّ بين تلك الروايات و من المعهود عن الدليلين إذا أمكن العمل بواحد منهما مع عدم إلغاء الآخر، يقدّم ذلك على العمل بما لو عمل به لغي الآخر؛ فإذا عمل برواية استتار القرص، حمل رواية الذهاب على المعرِّفيّة في صورة الجهل، و علىٰ

استحباب التأخير مع عدم اليقين للاحتياط، بخلاف العمل بالعكس، فلا محلّ لروايات الاستتار إلّا الطرح، و الحمل على التقيّة.

مع أنّ تقييد موضوع الاستتار الواضح منه إرادة الاستتار من الأُفق، المستوي بزمان يقرب من ذهاب الحمرة على الموضوعيّة، كأنّه تكلّم بالكناية بلا داعٍ إليه لمخالفة التعبيرين للعامّة.

مع أنّه لا يمكن الجمع بين إجماعيّة التحديد بالغروب و خلافيّة ما به الغروب، بعد تبيّن الغروب مفهوماً كالزوال؛ فيقال: إنّه زوال الشمس، لكن بقيد ازدياد الظلّ بعد النقص، قاصداً زماناً يظهر فيه الازدياد على نحو الموضوعيّة لا المعرّفيّة.

مع أنّه لا يمكن الجمع بين عدم جواز تأخير الظهرين عمداً إلىٰ ما بعد الاستتار عن الأُفق المستوي، و بين مبدئيّة ذهاب الحمرة لوقت المغرب. و الالتزام بالجواز مخالف لمرتكزات الكلّ قطعاً، و ثبوت وقت لا يصحّ فيه شي ء من الظهرين و المغرب ذلك.

و الاعتماد على اشتهار الحكم، مع أنّ فيه تبعيّة للنصوص المبنيّة على الاحتياط في هذا المهمّ مع غلبة الاستيلاء بالغيم و الجبال في إثبات الحكم اللزومي، كالكشف بذلك عن ثبوت حجّة لديهم غير واصلة إلينا، مع كثرة روايات الطرفين و وضوح مداليلها، كما ترى.

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16 ح، 25

بهجة الفقيه، ص: 44

و كذا الكشف عن استقرار المذهب عملًا عليه، و إن خفي علىٰ جماعة يعتدّ بهم، فمن يقدّم رواية أوّليّة الزوال للظهرين «1»، مع تحديد كثير من الروايات بالذراع و الذراعين «2»، كيف يسوَّغ له نسيان ذلك في المقام؟ مع وضوح استفادة المعرّفيّة من روايات المقام، و منها ما اشتمل على التعليل «3»، كاستفادة الجمع من التعليل في ذلك المقام.

و أمّا مرسل «ابن أبي عمير» «4»، ففيه جعل سقوط القرص منوطاً بمجاوزة الحمرة، و لا

يكون ذلك إلّا مع الجهل بالسقوط. و إرادة مرتبة عالية من السقوط حمل على الكناية، كما مرّ؛ مع أنّه لو تمّ عدم معهوديّة ذهاب الحمرة لدى العامّة، كان بيان الأئمّة عليهم السلام لذلك كاشفاً عن كونه من أسرارهم، كما وقع مثله في أمثاله، كالبيان للمميّز للحيض عن البكارة «5»، و من المعلوم أنّه لا يكشف عن التكليف المولوي، بل عن التنبيه على المغفول عنه عند العامّة، كما في المثال المذكور، و هذا يكفي لتصدّيهم لبيانه مكرّراً.

و بالجملة، فالناظر في وضع البيان في الطائفتين، لا يكاد يرتاب في تعيّن الجمع بالحمل علىٰ أنّ الموضوع هو الاستتار عن الأُفق المستوي، و أنّه في موارد الجهل به معرَّف بذهاب الحمرة، لا أنّ الاستتار مقيَّد بمضيّ زمان مقارن لذهاب الحمرة تعبّداً.

و يؤيّد ذلك ما يظهر من الروايات من جعل حدّ التأخير في بعضها إلى رؤية كوكب، كصحيح «بكر بن محمّد» «6»، و في بعضها إلى رؤية ثلاثة، كصحيح «زرارة» «7»، و في بعضها ظهور النجوم، كصحيح «إسماعيل بن همام» «8»، و في كثير منها إلىٰ ذهاب الحمرة

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 4 و 8.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 4 و 8.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16 ح 3 و 4.

(4) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16 ح 3 و 4.

(5) الوسائل 2، أبواب الحيض، الباب 2.

(6) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 6.

(7) الوسائل 7، أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك، الباب 52، ح 3.

(8) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 19، ح 9.

بهجة الفقيه، ص: 45

المشرقيّة؛ و من الواضح اختلاف هذه التحديدات زماناً، و عدم إمكان الجمع بين ذلك و بين

التقييد التعبّدي إلّا بطرح ما عدا الأخير.

القول بالملازمة بين علامتيّة ذهاب الحمرة و علامتيّة بدوها و ما فيه و قد يقال: إنّ مقتضى جعل العلامة ذهاب الحمرة، فلازمه علامتيّة ظهور الحمرة في المغرب لطلوع الشمس، فلا يجوز تأخير الصبح إلى بدوّ الحمرة، كما لا يجوز تقديم المغرب علىٰ ذهابها عن المشرق.

و فيه: أنّه لا تعبّد بالتقييد في الصبح، و إن وقع علىٰ قول في المغرب. و أمّا على العلامتيّة المحضة؛ فزوال الحمرة المغربيّة علامة سبق الاستتار عن الأُفق المستوي، و لازمه أن يكون زوال الامتياز بين الأُفق المغربي و غيره علامة علىٰ سبق طلوع الشمس علىٰ أُفق المستوي، مع الجهل بغيم أو جبل في المشرق، لا أن يكون ظهور الحمرة علامة ذلك، بل علامة لقرب الطلوع.

و تقيّد الصلاة بذلك الزمان غير ثابت، و لم ينقل في ما أعلم الالتزام به من أحدٍ تقدّم علىٰ «كاشف اللثام»، حيث حُكي استظهاره لذلك، بناء على العلامتيّة في صلاة المغرب، و إن وافقه ما عن «فقه الرضا» عليه السلام «1» و «الدعائم» «2»، إلّا أنّه لا بدّ من حملهما علىٰ مرجوحيّة التأخير إلىٰ ظهور الحمرة في المغرب.

ذكر محامل للروايات الدالّة علىٰ اعتبار ذهاب الحمرة و أمّا ما روي من صلاة الإمام الرضا عليه السلام المغرب حين ظهرت النجوم، كما في صحيح «إسماعيل بن همام» «3»؛ أو إذا أقبلت الفحمة من المشرق، كما في خبر «محمّد بن علي» «4»،

______________________________

(1) فقه الرضا عليه السلام، ص 104.

(2) دعائم الإسلام 1، ص 139.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 19، ح 9.

(4) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 8.

بهجة الفقيه، ص: 46

فيمكن أن يكون ذلك لاستحباب التّأخير إلىٰ وقت الاستبانة المطلقة، كما

روي مثله في تأخير صلاة الصبح «1»، مع أنّ الثاني في السفر، و هو من الأعذار كما هو ظاهر، و الأوّل لا دلالة فيه علىٰ الاستمرار، بل علىٰ وقوعه مرّة.

مع أنّ استمرار عمل الشيعة لو كان علىٰ عمل، لا يدلّ علىٰ وجوبه، فإنّهم يلتزمون بكثير من المستحبّات، كالقنوت الذي هو شعار الشيعة، و هو من المستحبّات لديهم.

مع أنّ التوقيت في الظهرين كما مرّ وارد بالذراع و الذراعين، و قد رفع اليد عنه بما دلّ علىٰ علّة التوقيت، كما ورد التحديد و التوقيت هنا بذهاب الحمرة مطلقاً، و ورد التعليل بأنّه لإحراز سبق الاستتار علىٰ ما يستفاد ممّا دلّ عليه.

مع أنّ صحيح «بكر بن محمّد» المحدّد للأوّل برؤية الكوكب علىٰ ما يستظهر منه موقّت للآخر بغيبوبة الشفق، و كما أنّ هذا وقت الفضيلة، فليكن ما فيه من بيان أوّل الوقت للفضيلة. و الإنصاف أنّ الجمع بين الطائفتين بالحمل علىٰ بيان العلامة لمرتبة من السقوط، مع وضوح السقوط عرفاً، و وضوح الاستتار عن الأُفق المستوي، ممّا لا يرضىٰ به صاحب الذوق السليم في فهم الروايات المحكيّة عن جماعة هم أفصح الكلّ؛ بل نفس روايات الذهاب بعد شرح بعضها لبعضها بما فيه التنصيص على العلامتيّة، من أدلّة كون الموضوع نفس الغروب و الاستتار؛ و أنّه لا فرق في الموضوع بين الفجر و الزوال و الغروب في الموضوعيّة؛ و أنّ الاختلاف و التّأخير في الأدلّة على هذه الأوقات.

و الظاهر من الذاهبين إلىٰ الانضمام من المتأخّرين، هو رؤية الغلبة في المفتين من الصدر الأوّل بذلك، حتى حُكي الإجماع عليه مؤيّدة باستمرار العمل علىٰ ذلك بين الشيعة.

و هذا لو سلّم، ليس فيه حجّة على شي ء؛ فإنّ الفتوىٰ، على طبق النصوص حملًا

لها

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 27، ح 5 و 6.

بهجة الفقيه، ص: 47

علىٰ ما فيها من الشرح، و قد عرفت أنّ روايات الشرح أيضاً بين شارح و مشروح؛ فالعبرة بما فيه نصوصيّة على العلامتيّة، فلا يمكن الاعتماد على فتاويهم في الواضحات.

و أمّا العمل، فهو مع موافقته للاحتياط علىٰ ما مرّ لا يكشف عن اللزوم، لإمكان أن يكون هذا من شعار الشيعة في قبال غيرهم؛ كما أنّ القنوت في مطلق الصلوات في المحلّ المخصوص شعار لهم، مع أنّه غير واجب.

و أمّا رواية رؤية الكوكب بعد جنّ الليل في مصحّح «بكر بن محمّد»، عن أبي عبد اللّٰه «1» عليه السلام، فلعلّ المشار إليه في الجواب هو الجنّ، أو الرؤية بعد الجنّ، لا مطلق الرؤية، و لا مطلق الليل؛ و هو مع مخالفته لذهاب الحمرة لا يعلم أنّ تحقّق بدوّ الظلمة بنفس الاستتار، و في زمانه، أو في زمان الذهاب؛ فإنّه تدريجي الحصول إلىٰ ما بعد الذهاب أيضاً، لأنّه إضافي. و أمّا خبر «أبان» عن الإمام الصادق عليه السلام في وتر رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم و أنّه علىٰ مثل مغيب الشمس إلىٰ صلاة المغرب «2»، فيحتمل أن يراد به أنّه صلى الله عليه و آله و سلم ما كان يقدّم الوتر بمعنى الثلاث ركعات علىٰ مقدار صلاة المغرب؛ و ما كان يؤخَّر فصلاة المغرب، يراد بها حينئذٍ تمام الصلاة زماناً، لا زمان الشروع فيها، فيكون موافقاً لخلاف المشهور. و احتمال هذا مانعٌ عن الاستدلال، أو يحمل على الفضل على أحد الاحتمالين في ما فيه الفضل؛ كما أنّ أصل هذا الوقت للوتر ندبي، و لو علىٰ من وجب عليه الوتر.

و أمّا

مرسل «ابن أشيم» «3» المعلِّل بكون المشرق مطلًّا على المغرب، فالظاهر أنّ المراد أنّ موضع الحمرة في المشرق مشرف على موضع الغروب من الأُفق غير محاذ له؛ فالذهاب من الموضع العالي يكشف عن سبق الذهاب من الموضع الداني الموازي للأُفق، و ليس فيه أنّ حدوث الحمرة فيه ملازم لعدم الغروب عن الأُفق المستوي؛ كما

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 6 و 5 و 3.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 5.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 3.

بهجة الفقيه، ص: 48

أنّ حدوث الحمرة في المغرب مع وجود الإشراف على الوجه المتقدّم، ليس كاشفاً عن الطلوع علىٰ الأُفق المستوي، و إنّما يقتضي المقابلة الموجبة للاحمرار مع النازل عن الأُفق المستوي من الشمس؛ كما أنّ المقابلة للحمرة المغربيّة مع النازل من الشمس عن الأُفق المستوي في المغرب كذلك، و يمكن أن يكون هذا من إرشاداتهم المختصّة بأهل البيت عليهم السلام.

و ممّا يؤيّد القول بالاستتار أنّ لازم القول المنسوب [إلىٰ] الشهرة على خلاف ما يفيده كلام «الشرائع» «1» من أنّه الأشهر، و أنّ مختاره غيره، و أنّه أشهر غير مشهور يقابله النادر أن يكون الاعتبار بأمر آخر غير غروب الشمس ينضمّ إلى غروبها، حتى أنّ ذلك ليس لاستبانته كما في الفجر؛ و هذا باعتبار مخالفته للمرتكزات، و مخالفته لما عليه المعظم، لو كان مذهباً لأهل البيت عليهم السلام لكانوا ينادون به و يفهمون خواصّه، و قد علمنا أنّهم لم يفهموا إلّا علامتيّة الذهاب للغروب المحسوس؛ [و] تقدم ذلك علىٰ زمان ذي العلامة في الأُفق المستوي و العلامتيّة لمرتبة من الغروب، هو عبارة عن التعبّد بالتقييد بالانضمام، و هو محتاج إلىٰ تصريح مفقود،

بل مفقود فيه ظهور، لمحكوميّة الظهور في التوقيت للظهور في التعليل بالأماريّة بل النصوصيّة، كما لا يخفىٰ على المنصف المتأمّل.

و على الرجوع إلى التقييد، يرجع التعارض بين خبرين:

أحدهما قوله عليه السلام

مسّوا بالمغرب قليلًا، فإنّ الشمس تغيب من عندكم قبل أن تغيب من عندنا «2»

و الآخر قوله عليه السلام للموافق عملًا للذهاب بالتعليل المتقدّم بأنّه

إنّما عليك مشرقك و مغربك «3»

بعد صلاته بمجرّد الغيبوبة.

و لا جمع أحسن هنا من أن يكون قوله عليه السلام

مسّوا

موافقاً للواقع، و يكون

______________________________

(1) جواهر الكلام، 7 ص 109 106.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 13.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 20، ح 2.

بهجة الفقيه، ص: 49

التعليل للتقيّة، لبيان الواقع بأنّه على خلاف الواقع بقوله عليه السلام

إنّما عليك مشرقك و مغربك ..

و الحمل على التقيّة في الأخبار بالثاني لملاحظة المستمعين لها، مع التقيّة في إخباره عن عمله عليه السلام علىٰ خلاف الواقع الفرضي، كما ترى، يتأدّى التقيّة بأخفّ الضرورتين؛ فإنّ الأصل الجهتي يؤخذ به ما لم يظهر خلافه بشواهد على الخلاف، و ليس مطلق المخالفة لما عليه العامّة شاهداً يؤخذ به، و إلّا لما بقي للأصل محلّ، كما هو واضح.

و أمّا خبر «الشحّام» «1» في صعود «جبل أبي قبيس»، و رؤية الشمس خلف الجبل في زمان اشتغال الناس بالصلاة، فهو و إن دلّ ذيله علىٰ الاعتبار بمشرق المصلّي و مغربه إذا لم ترَه خلف الجبل كما ذكره في الصدر، إلّا أنّه لا بدّ من شرحه بإرادة الغروب عن الأُفق المستوي، و كفاية حدس ذلك بالغيبوبة عن النظر؛ فإنّه يحدس منها الغيبوبة عن الأُفق المستوي بعد زمان، فيعتدّ بهذا الحدس القطعي ما لم ينكشف خلاف قطعه؛ فلا

بدّ من حمل قوله عليه السلام

إذا لم تَرها خلف الجبل «2»

على إلحاق العلم بالاحتمال، لكونه خلف الجبل، مع عدم القطع بسبب الغيبوبة السابقة على الغيبوبة عن أسفل الجبل أيضاً؛ و علىٰ أيٍّ، فهو من أدلّة القول بالاستتار، لعدم اعتبار الذهاب فيه؛ بل من المعلوم بُعْد التقييد بزمان منتظر في روايات الاستتار؛ مع عموم البلوىٰ و طول الزمان، حتى أنّ الراوي رأى صلاة الإمام عليه السلام مع عدم ذهاب الشعاع، و ذكر لراوٍ أنّه يصلّيها قبل الذهاب.

مع أنّ الجمع بين العلامتيّة و سقوط القرص في بعض الروايات كالمنقول عن «فقه الرضا» عليه السلام «3» نصّ في إرادة العلامة مع الجهل، لا في إرادة حد آخر مع الاستتار غير مربوط بالنظر إلى الأُفق، بل متأخّر عن الغيبوبة عن النظر بكثير.

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 20، ح 2.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 20، ح 2.

(3) فقه الرضا عليه السلام، ص 103 104.

بهجة الفقيه، ص: 50

و المحتمل في عبارة «فقه الرضا» عليه السلام علىٰ ما حكي، و هي «أوّل وقت المغرب سقوط القرص إلىٰ مغيب الشفق» إلى أن قال: «و الدليل علىٰ غروب الشمس ذهاب الحمرة من جانب المشرق، و في الغيم سواد المحاجر، و قد كثرت الروايات في وقت المغرب، و سقوط القرص، و العمل من ذلك علىٰ سواد المشرق إلى حدّ الرأس» «1» أن يكون قوله: «و قد كثرت الروايات» من كلام الجامع، لا من كلامه عليه السلام، و قد عثرنا في هذا الكتاب، على بعض الشواهد علىٰ عدم كون الكلّ من عبارات الإمام عليه السلام؛ فإنّ روايتهم عليهم السلام عن غيرهم ليست بتلك الكثرة التي يحمل عليها المشكوك؛ مع أنّه لو كان

من كلامه عليه السلام، فلا يحمل على معنىٰ ينافي صدر كلامه الجامع بين السقوط و الدليل.

و غاية ما فيه و في أمثاله من الروايات الموقّتة بالذهاب، مطلوبيّة التأخير من باب الاحتياط من الشارع، دون المكلّفين الواقع في قطعيّاتهم الخطأ الكثير؛ لكن المطلوبيّة لو كانت ملزمة، كانت مطلقات سقوط القرص خالية عن الفائدة غير التقيّة التي لا يحمل عليها الرواية إلّا بسبب المعارضة المفقودة مع الجمع الواضح العرفي، حيث نصّ في بعضها على العلامتيّة و الدليليّة، فيحمل عليه ما فيه التوقيت الظاهر في التحديد و الاعتبار في الموضوع، و كون السقوط جزءً للموضوع.

فما في «المفتاح» «2» من ورود عشرة دالّة، و اعتبار خمسة منها بحسب ما أورده من كلام المصحّحين لها، و حكاية مذهب المعظم، و نحو ذلك من الأصحاب، بل الإجماع عن «السرائر»، إنّما يفيد إذا لم تكن الشهرة معلومة المدرك، الواضح فيه الجمع بين المختلفات.

و أمّا ما روى «يعقوب بن شعيب» في خبر عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام من قوله عليه السلام

______________________________

(1) تقدم آنفاً.

(2) مفتاح الكرامة، 2 ص 25 26.

بهجة الفقيه، ص: 51

مسّوا بالمغرب قليلًا. «1»

، فهو من أدلّة الاستحباب، إذ لا حدّ للتسمية، فتصدق بأقلّ من دقيقة؛ فإنْ حمل علىٰ من كان بلده في شرق المدينة، فيكون الغروب فيه قبل الغيبوبة فيها، لزم ملاحظة ذلك في جميع البلاد، و هي المنفيّة في رواية «2»، بل مخالفة للضرورة، لتفاوت وقت الغروب بحدّ لا يمكن ملاحظتها لأهل الأرض.

و لو حمل على وجود الجبل في بلد السائل دون الإمام عليه السلام أي في غربيتهما، فالتقيّة واضحة، و الملاحظة متعيّنة، و هو المناسب لتعليل الأمر بالتسمية قليلًا، و لا ربط لها بذهاب الحمرة، كما

هو واضح؛ فهو كما دلّ علىٰ رؤية الكوكب أو النجوم أو ذهاب الحمرة أو مجاورتها إلى المغرب من جهة أنّ الاختلاف هنا و في نظائره من شواهد الاستحباب، مع أنّ في بعضها كخبر «جارود» «3» أنّه أمر بالتسمية إلىٰ ذهاب الحمرة، فجعلها الخطاب ذهاب الشفق، فخالفهم الإمام عليه السلام عملًا بالصلاة حين الاستتار. و هل تتمّ المخالفة بالصلاة قبل الوقت؟ كما في ذلك الخبر، حيث قال

فأنا الآن أصلّيها إذا سقط القرص

و هل لا يكون ذلك كاشفاً عن أنّ أمره السابق كان استحبابيّا؟

كما أنّ حمل ما روي «4» من صلاته عليه السلام في الطريق قبل ذهاب الشعاع، على التقيّة، من أعجب الأمور؛ فإنّه لا داعي إلى التقيّة إلى هذا الحدّ في الطريق الذي هو معذور عن الصلاة في أوّل الوقت فيه قطعاً، ثم إنّه بعد صلاته يتّقي عن أصحابه الذين صلّوا معه، و تعجّبوا من صلاته أيضاً ببيان أنّه أول الوقت، و أصحابه كيف اقتدوا به مع اعتقادهم عدم دخول الوقت، لو لم يكن اعتقادهم أنّه وقت مخالف للفضل، ثم إنّهم يسألونه عن صلاته في هذه الساعة، فيجيبهم و هم من أصحابه بكفاية غيبوبة الشمس في دخول الوقت.

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 13.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 20، ح 2.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 15 و 23.

(4) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 15 و 23.

بهجة الفقيه، ص: 52

و كذا لا وجه لحمل مخالفته مع المؤخّر للمغرب، و الصبح بعكسه عليه السلام، في رواية «عبيد بن زرارة»؛ فإنّ التقيّة بعد المخالفة مخالفة ثانية في موافقته، ثم بيان أنّ المدار علىٰ مشرق المصلي و مغربه، فيكون الاستتار

عن أُفق المصلّي و نظره أوّل الوقت، و من الواضح أنّ تقديم الصلاة على وقتها غير ترك الأفضل، بل إنّما يسوّغه ما يسوّغ الحرام تقيّة مع البناء الظاهر منه علىٰ عدم الإعادة في السفر.

و أمّا صحيحة «يعقوب بن شعيب» «1»، فمع أنّ التعليل بظهوره مدفوع بالضرورة بمخالفته لما في رواية «عبيدة بن زرارة»

إنّما علينا أن نصلّي إذا وجبت الشمس عنّا. «2»

، يمكن حملها على القبليّة لوجود الجبل و نحوه في طرف المغرب من بلادهم، بخلاف بلده عليه السلام إن كان الواقع هكذا، و لعلّه الموافق لمطلق التمسية المأمور بها فيها، و في خبر «جارود»

قلت لهم: مسّوا بالمغرب قليلًا «3».

و أمّا رواية صعود الجبل و هو صحيح حريز «4» في زمان صلاة الناس للمغرب، فيمكن أن يستفاد منها أنّ الغيبوبة عن الأُفق في نظر المصلّي تكفي، و تكون أمارة الغروب ما لم يرَ القرص بالصعود، أو يعلم ذلك بقياس الوقت، و إنّما لا تكفي في ما لو كانت الغيبوبة بالغيم المساوي لما قبل الغروب و ما بعده.

و مثلها رواية الحائطة و هي مكاتبة «عبد اللّٰه بن وضّاح» «5» الظاهرة في الاستحباب إذا حمل على الحمرة فوق الجبل و على الجبل، لا الحمرة المشرقيّة التي لا يناسبها ذكر الجبل؛ فإنّها ظاهرة مع الجبال و عدمها، لكنّ تأخّرها عن إقبال الليل في الرواية و التعبير بالحُمرة دون الشعاع، ربّما يرجّح الموافقة لأخبار المشهور. و الشعاع هو الذي

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 13.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 22.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 13.

(4) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 20، ح 2.

(5) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16،

ح 14.

بهجة الفقيه، ص: 53

عبّر به في رواية صلاة الإمام الصادق عليه السلام في الطريق

و نحن ننظر إلىٰ شعاع الشمس «1»

، إلّا أن يكون من إطلاق الشعاع على الحمرة، و ليس كإطلاق الحمرة على الشعاع.

و هذا و إن كان غير محلّ البحث، إلّا أنّ الالتزام بكفاية السقوط عن الحسّ في الأُفق المستوي، و إن بقي الشعاع المرئي في المواضع المرتفعة من الجبال و غيرها مشكل، للزوم الاستتار عن جميع المكان الواحد، حتى من كان على الجبل الواقع في المغرب أو المشرق، و إن أمكن الاكتفاء بالسقوط حسّا في الأُفق المستوي مع عدم الارتفاع في سطح ذلك المكان بجبل أو نحوه؛ فمقتضى الاحتياط بل هو الأظهر، هو التأخير مع المشاهدة للشعاع، و لعلّ الذمّ في الرواية على الصعود، لمكان عدم الاكتفاء بالأمارة، مع انتهاء الصعود إلى الحرج على النوع.

هل الراجح انتظار الذهاب، أو المبادرة إلى الصلاة؟

و هل الراجح مع الغيبوبة عن الحسّ في الأُفق المستوي بلا اختلاف للسطح في مكان المصلي بطرفيه شرقاً و غرباً هو الانتظار للذهاب، اللازم مع الغيم و نحوه من الحائل، فيكون مع عدمه أيضاً راجحاً، لقوله عليه السلام

مسّوا، فإنّ الشمس تغيب عندكم.

و لقوله عليه السلام

غابت الشمس من شرق الأرض و غربها «2»

، و لا ينافيه قوله عليه السلام

إنّما عليك مشرقك و مغربك. «3»

، لأنّه للوقت، و الأوّل للرجحان؟ أو الصلاة بمجرّد الغيبوبة عن الحسّ في الفرض المذكور؟ كما يستفاد ممّا حُكي صلاة رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم بالناس، و الناس يرون مواضع نبلهم «4».

______________________________

(1) تقدم آنفاً.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 1.

(3) تقدم تخريجها في ص 51 الهامش 3.

(4) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 18، ح

5.

بهجة الفقيه، ص: 54

و نحوه رواية «صفوان بن مهران»، و فيها

إذا غاب القرص فصلّ المغرب، فإنّما أنت و مالُك للّٰه. «1».

و ما روي من صلاة الإمام الرضا عليه السلام «2»، مع مخالفته لما روي من صلاة الإمام الصادق عليه السلام «3»، و وقوع الصلاتين في الفعلين في السفر، المطلوب فيه السير مع عدم الظلمة، فلا يكون التقديم إلّا لدخول [الوقت]، و عدم رجحان التأخير. كما أنّ استمرار العمل منه صلى الله عليه و آله و سلم على الصلاة في ذلك الوقت، لا يكون إلّا للرجحان؛ مع أنّ أوّل الوقت و المبادرة أفضل للصلاة، و الحمل على التقيّة في الموافقة في بيان الحديث النبوي، أي في الكذب عليه صلى الله عليه و آله و سلم، قد مرّ ما فيه.

و الظاهر أنّ صدور كثير من التكلّفات في روايات الاستتار، منشأ [ه] ملاحظة الشهرة، مع أنّ من المقطوع به عدم اختلاف المشهور معنا إلّا في فهم الروايات، لا في شي ء آخر وصل إليهم دوننا، مع أنّه قد عبّر في «الشرائع» «4» عنه بأنّه الأشهر، إن أراد الفتوىٰ كما هو الأظهر، دون الرواية؛ فلا وجه لدعوى الانجبار مع عدم الفرق إلّا في الفهم و الدلالة التي لا تنجبر بالشهرة، نعم دعوى الصحّة و التصحيح، لا بأس بها في جملة من روايات المقام، فيأتي ما ذكرناه في الدلالة.

نتيجة المباحث السابقة

و الحاصل أنّ روايات الذهاب بعد التأمّل فيها قابلة للجمع العرفي بين التعابير الواقعة فيها أوّلًا، و بَعد هذا الجمع، للجمع المتحصّل من جمع ما فيها، بين ما دلّ على الاستتار؛ بل يمكن الاستدلال ببعضها علىٰ أنّ الموضوع هو السقوط و لو لم تكن

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب

18، ح 24.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 8 و 23.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 8 و 23.

(4) شرائع الإسلام 1، ص 51، ط: إسماعيليان قم.

بهجة الفقيه، ص: 55

روايات السقوط؛ كما وقع في بعضها من التصريح بالعلامة الظاهرة قويّاً في أنّ الموضوع للحكم هو ذو العلامة لا العلامة، و لا المنضمّ إليها.

إشارة إلىٰ بعض الروايات الدالّة علىٰ كفاية الاستتار و أمّا مرسل «ابن أشيم» «1»، ففيه الاستدلال على الحكم بالمرتكز عند الراوي، و من الواضح أنّ التعليل لا يكون بأمر يدخل فيه التعبّد، و من الواضح أنّ التعليل لا يستقيم بناءً علىٰ مداخلة الذهاب بنحو يفهمه العرف من قبل أنفسهم، بأن يكون علامة عن السقوط إلى درجة خاصّة متأخّرة عن السقوط الحسّي؛ فلا يكون الذهاب إلّا علامة على سبق تحقّق الموضوع الذي هو نفس سقوط القرص.

و كذا التعليل في الرواية الأُخرى «2» بتقدّم الغيبوبة في أُفق الراوي عليها في أُفق الإمام عليه السلام، بعد معلوميّة عدم لزوم توافق زمان الغيبوبة في الأرض، بل عدم إمكانه، و عدم مناسبة التمسية القليلة مع الذهاب، فيحمل على ما قدّمناه، أو على الاستحباب احتياطاً من الشارع، لتخلّف اعتقاد المصلّين كثيراً، و لئلّا يقعوا في إعادة الصلاة بعد كشف الخلاف، و في قضاء الصوم.

و هذا الاحتياط من قبل الشارع يحتمل في ما فيه التوقيت بذهاب الحمرة أيضاً؛ فإنّه لا يخلو من أن يكون الملحوظ احتياط المصلّي لزوماً، أو احتياط الشارع الملاحظ لاعتقادات المصلّين ندباً. و على تقدير عدم محمل آخر غير ما قدّمناه، يتعيّن ما ذكرناه في وجه التقدّم في الغيبوبة، مع أنّه غير ما هو المنسوب إلى المشهور. و كيف كان، فهذه الرواية

مصرّحة بأنّ الموضوع هو الغيبوبة، و معلّلة للتأخير بالقبليّة الغير اللازم مراعاتها قطعاً؛ فالروايتان، من أدلّة القول بالاستتار.

كما أنّ العمل من الإمام الرضا عليه السلام «3» لا يدلّ على الصلاة بلا جبل أو حائل أو غيم

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 3.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 13.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 8.

بهجة الفقيه، ص: 56

بعد سواد المشرق، كما أنّ عمله في البلد كذلك؛ مع أنّ عمل النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم في البلد لا يحمل فيه الصلاة قبل الوقت، و هو حجّة على كفاية الإحراز للسقوط و لو في البلد؛ و كذلك عمل الإمام الصادق عليه السلام ما رأوه و ما حكاه عليه السلام من صلاة نفسه بالغروب و الغيبوبة.

مسألة عدم جواز تأخير الظهرين عن الاستتار و ما يستفاد منها

و أمّا تقوية عدم جواز تأخير الظهرين عن الاستتار، فلازمه الجزم بعدم وجوب الظهرين قبل الذهاب إذا أخّره لعذر أو بدونه، و هو لا يناسب احتمال عدم صحّة المغرب في هذا الوقت. و الاحتياط اللزومي بتأخيره عن الذهاب؛ بل الموافق للمرتكزات و لما دلّ عليه روايات سقوط القرص، هو عدم جواز تأخير الظهرين، و عدم وجوب فعلهما قبل الذهاب، و صحّة المغرب قبل الذهاب. و الاحتياط في تأخير المغرب للذهاب، هو الموجب للاحتياط في عدم تأخير الظهرين عن الاستتار، و عدم تأخيرهما لو أخّرهما عنه إلى الذهاب.

فالاحتياط في تأخير المغرب لاحتمال عدم دخول وقته، يلازم احتمال وجوب الظهرين، لاحتمال بقاء وقتهما؛ و عدم جواز تأخيرهما، لاحتمال خروج وقتهما بالاستتار؛ فلا يمكن الجزم بعدم بقاء وقت الظهرين بعد الاستتار و عدم الجزم بصحّة المغرب حينئذٍ قبل الذهاب، لأنّ نهاية الظهرين بداية العشائين على

حسب ما هو المرتكز بين المسلمين؛ فلا يمكن الاحتياط في تأخير المغرب، لاحتمال عدم دخول الوقت؛ و عدم الاحتياط في فعل الظهرين لو أخّرهما، لاحتمال عدم خروج الوقت؛ و عدم الاحتياط في تأخيرهما، لاحتمال خروج وقتهما، بل يجزم بالخروج المخالف لاستصحاب البقاء، كموافقة عدم دخول وقت المغرب لاستصحاب عدمه؛ كما أنّه مع الجزم بالانتهاء و عدم جواز التأخير للظهرين، يجزم بعدم وجوب فعلها بين الاستتار و الذهاب، و بجواز المغرب في ما بين هذين الحدّين؛ فالتفكيك بين المتلازمين بالجزم بأحدهما دون الآخر، ممّا يجزم بالخلاف. و احتمال التعبّد في خصوص المغرب بدخل

بهجة الفقيه، ص: 57

زمان في الموضوع، منافٍ لتصديق الكل بأنّ الموضوع هو الغروب، و الاختلاف في ما يعرف به، مع معلوميّة مورد هذا الاختلاف.

و بالجملة: فحمل أخبار الاستتار على التقيّة، من أعجب الأمور؛ و تقييد إطلاقاتها الموافقة للعمل في بعضها مع عموم البلوىٰ بالمطلقات الموافقة للمرتكزات، أيضاً عجيب.

و أمّا عمل الأصحاب على طبق ذهاب الحمرة، فلا يكشف إلّا عن استعلامهم بهذه العلامة، العامّ وقوعُ الحاجة إليها في البلدان و في الصحاري مع الجبال في المغرب، لا فيه و في المشرق بنحو الحيلولة عمّا فوق الأُفق من الحمرة، و في الغيم في جميع المواضع إذا لم يعمّ المشرق، مع عدم هذه الساعات المتداولة التي فيها ما يعرف الغروب عن الأُفق المستوي دقيقاً.

مع أنّ هذه العلامة من اختصاصاتنا المخزونة عند الأئمّة عليهم السلام، حيث إنّ العامّة لا يذكرونها في ما ظفرت به. نعم، أرسل في «المعتبر» عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم، أنّه قال

إذا أقبل الليل من هيهنا و أدبر النّهار من هيهنا و غربت الشمس، أفطر الصائم «1»

و احتياجه

إلى شارحيّة رواياتنا المعهودة معلوم؛ فذكرها في المقام مِن أفيَد شي ء، و هو لا ينافي كونه احتياطاً في الموضوع، أو استحباباً يكون احتياطاً من الشارع في عدم الوقوع للمصلّين بسبب اعتقاداتهم للغروب في خلاف الواقع.

تتميم و فائدة في بيان وقت صلاه المغرب

إشارة إلى آراء العلماء في وقت المغرب

لا يخفى أنّ الروايات الواردة في الاعتبار في وقت المغرب و الإفطار، بزوال الحمرة

______________________________

(1) المعتبر، ص 140.

بهجة الفقيه، ص: 58

المشرقية، كما هو المشهور، كما عن عدّة كتب بل عن «السرائر»: «إنّه إجماع»، و عن «المعتبر»: «إنّه عليه عمل الأصحاب»، و عن «التذكرة»: «إنّه عليه العمل»، و عن «الشرائع» و «الذكرى»: «إنّه أشهر»، و عن «كشف اللثام»: «إنّه مذهب المعظم»، و عن «المنتهىٰ» و «جامع المقاصد» و «المدارك» و «المفاتيح»: «إنّه مذهب الأكثر»، و عن «الاستبصار» و «الصدوق» في الرسالة و «المقنع»: اختياره؛ أو بغيبوبة الشمس، كما عن «المرتضى» و «ابن الجنيد» و عن «المبسوط» و «الحدائق» و صاحب «المنتقى» و تلميذه في شرحه و صاحبي «الكفاية» و «المفاتيح» و هو محتمل «الهداية»، كما أنّه مختار صاحبه في «العلل» و «سلّار» و «السيد» في «الميافارقيّات» و هو محكي عن ظاهر «القاضي» في «المهذب» و شرح الجمل و كذا عن «أبي على»، كما عن «كشف اللثام» و عن صاحب «مجمع البرهان» و «المدارك» تقويته و عن «الحبل المتين» نفي البعد عنه و استظهر اختياره في حاشية الوحيد و عن «الكافي» و جماعة ممّن تأخّر أنّه ينبغي التأخير إلى ذهاب الحمرة من ربع الفلك المشرقي، أي ذهابها من الأُفق إلى أن تجاوز سمت الرأس.

و قال في «المبسوط»: «و وقت المغرب غيبوبة الشمس و آخره غيبوبة الشفق و هو الحمرة من ناحية المغرب و علامة غيبوبة الشمس هو أنّه إذا رأى الآفاق

و السماء مضحيّة و لا حائل بينه و بينها و رآها قد غابت عن العين علم غروبها. و في أصحابنا من يراعي زوال الحمرة من ناحية المشرق و هو الأحوط؛ فأمّا على القول الأوّل إذا غابت الشمس عن البصر و رأى ضوأها على جبل يقابلها أو مكان عالٍ، مثل منارة إسكندرية أو شبهها؛ فإنّه يصلّي و لا يلزمه حكم طلوعها بحيث طلعت و على الرواية الأخرى لا يجوز ذلك حتى تغيب في كلّ موضع تراه و هو الأحوط.

و قال في «الجمل و العقود»: «و أوّل وقت المغرب غيبوبة الشمس و آخره غيبوبة الشفق و هو الحمرة من ناحية المغرب».

و قال في «النهاية»: «و أوّل وقت صلاة المغرب، عند غيبوبة الشمس و علامته

بهجة الفقيه، ص: 59

سقوط القرص و علامة سقوطه عدم الحمرة من ناحية المشرق».

و قال في «الغنية»: «فإذا غربت الشمس، خرج وقت العصر و دخل وقت المغرب».

و قال في «المراسم»: «و وقت المغرب عند غروب الشمس و عبّر عنه في وقت العصرين بقوله: «إلى أن يبقى إلى مغيب الشمس مقدار أداء ثمان». و قال في «الوسيلة»: «و وقت المغرب غروب الشمس و علامته زوال الحمرة من ناحية المشرق؛ و قال في «الناصريات» بعد قول الناصر للمغرب وقتان كسائر الصلوات عندنا: «إنّ أوّل وقت المغرب مغيب الشمس و آخر وقتها مغيب الشفق الذي هو الحمرة».

و قال في «الخلاف»: «أوّل وقت المغرب، إذا غابت الشمس و آخره إذا غاب الشفق و هو الحمرة. و ذكر في الدليل أنّ ما اعتبرناه مجمع عليه بين الفرقة المحقّة أنّه من الوقت و إنّما اختلفوا في آخره».

قال في «المنتقى»: «و قد دلّت الأخبار الكثيرة على أنّ أوّل وقتها للإجزاء

سقوط القرص و مرّ منها جملة في الصحيح الواضح و يأتى في الحسان منها خبر» إلى أن قال: «و لا بأس بإيراد نبذة من الأخبار الدالّة على أنّ أوّل الوقت المغرب للإجزاء سقوط القرص و أنّ التأخّر عنه للفضيلة و ليست على أحد الوصفين، إذ فيها ما هو قويّ الإسناد، فهو نصّ بالوجه الذي ذكرناه و يشهد بقربه كما قلناه»؛ ثم أورد رواية «جارود» «1» و رواية «زيد الشحام» «2» و رواية «عبيد بن زرارة» «3» و رواية «يعقوب بن شعيب» «4»، ثم ذكر التعويل للقول الآخر على روايات بعضها قاصرة عن إفادة ذلك متناً و كلّها غير ناهضةٍ بإثباته طريقاً و قابلة للحمل على الفضيلة جمعاً و ذكر روايات

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 15.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 18، ح 1 و 8.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 24 و الباب 17، ح 11.

(4) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 13.

بهجة الفقيه، ص: 60

«بريد بن معاوية» «1» و «ابن أشيم» «2» و «محمد بن على صاحب الرضا عليه السلام» «3» و «عمار الساباطي» «4» و «عبد اللّٰه بن وضّاح» «5»، ثم قال: «و من العجيب ادّعاء بعض المتأخّرين دلالة الأخبار الصحيحة على هذا القول و الحال أنّ الصحّة غير محقّقة في شي ء من الأخبار التي يظنّ دلالتها عليه؛ ثم ذكر توهّم العلّامة صحّة الأوّل مع أنّ جهالة «القاسم بن عروة» غير خفية. ثم إنّهم حملوا أخبار غيبوبة القرص على إرادة الغيبوبة التي علامتها ذهاب الحمرة و ليس يخاف أنّ الخروج عن ظاهر الأخبار المعتمدة مع فقد ما ينهض للمعارضة و قرب ما يتخيّل ذلك فيه

إلى الحمل على إرادة الفضيلة، دخول في ربقة المجازفة.

قال في «المعتبر» بعد ما قدّمه في مسألة أُخرى من أوّل وقت المغرب غروب الشمس و هو إجماع العلماء.

و يعرف الغروب بذهاب الحمرة المشرقية و في هذا روايتان إحداهما استتار القرص و أومى إليه في «المبسوط» قال: «إذا غابت عن العين علم غروبها.»

قال: «و من أصحابنا من يراعي زوال الحمرة من المشرق و هو أحوط» رواه جماعة منهم «عمر بن أبي نصر» عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام، قال: «إذا توارى القرص كان وقت الصلاة و أفطر «6».» و روى «إسماعيل بن الفضل الهاشمي» عنه عليه السلام قال: كان رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم يصلّي المغرب حين تغرب الشمس حين يغيب حاجبها» «7» و في رواية «حريز» عن «أبي أسامة» أو غيره قال

________________________________________

گيلانى، فومنى، محمد تقى بهجت، بهجة الفقيه، در يك جلد، انتشارات شفق، قم - ايران، اول، 1424 ه ق

بهجة الفقيه؛ ص: 60

صعدت مرّة جبل أبي قبيس و الناس يصلّون المغرب،

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 1، 7، 11.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 3.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 8.

(4) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 10.

(5) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 14.

(6) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 30.

(7) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 27.

بهجة الفقيه، ص: 61

فرأيت الشمس لم تغب و إنّما توارت بالجبل فأخبرت أبا عبد اللّٰه عليه السلام فقال:

بئس ما صنعت إنّما تصلّيها إذا لم ترها خلف الجبل غابت حين تغيب الشمس حيث يغيب حاجبها «1»

و رواية أبي أُسامة الشحّام «2»

بضميمة ما ورد من أنّه يبدو ثلاثة أو غارت و رواية صلاته صلى الله عليه و آله و سلم ثلاثة أنجم مع غروب الشمس، فيكون سقوط القرص في قبال استبانة النجوم، فلا يمكن دعوى ملازمة ذهاب الحمرة لاستبانة النجوم و إن كان لا يخلو عن تأمّل من جهة رمي الخطّابية الظاهر في إرادة اشتباك النجوم بذهاب الحمرة الغربية.

و رواية «عمر بن أبي نصر» في تواري القرص «3»، فإنّ الحمل لمثله و لمثل سقوط القرص على ما يقارن الذهاب لا لعلامتيته مع الجهل، لا يخلو بعده جدّاً.

و بالجملة، فنفي التصريح في روايات الغروب، كما في «الوسائل» كما ترى و مثله ما صنعه العلّامة الأنصاري قدس سره.

و ليس على الناس أن يبحثوا و الثانية إذا ذهب الشفق المشرقي و هو اختيار الشيخ و عليه عمل الأصحاب و رواه جماعة عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام منهم «محمد بن شريح» «4»

وقت المغرب إذا تغيّرت الحمرة في الأُفق و ذهبت الصفرة و قبل أن تشتبك النجوم.

و في رواية ابن أشيم عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام، قال: سمعته يقول

وقت المغرب إذا ذهبت الحمرة من المشرق، قال: ثمّ إنّ المشرق مطل على المغرب هكذا و رفع يمينه فوق يساره فإذا غابت الشمس من هنا، ذهبت الحمرة من هنا «5».

و «ابن أشيم» ضعيف و الرواية مرسلة، لكنّها مطابقة للأحاديث الكثيرة يعضدها عمل الأصحاب و الاعتبار.

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 20، ح 2.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 18، ح 18 و 16.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 30.

(4) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 12.

(5) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 3.

بهجة

الفقيه، ص: 62

و قد روى عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم أنه قال

إذا أقبل الليل من هنا و أدبر النهار من هنا و غربت الشمس، أفطر الصائم «1».

و إن كثرت من الجانبين و صحّت و اتضح دلالتها على القولين فقد عدّ السيد قدس سره في «المفتاح» خمسة من الصحاح و عشرة من غيرها من الصراح بعد أن حكى عن «المنتقى» إنكار خبر صحيح يدلّ على المشهور و عن الشيخ نجيب الدين في شرح الرسالة: «أنّ الأخبار الدالّة عليه قليلة على ضعفها» و تعجَّب من صاحب «التنقيح» حيث قال: «إنّ الروايات به كثيرة».

طريق الجمع العرفي في النتيجة ممّا لا يصحّ إلقاؤها مع عموم البلوى بها مع إرادة التقييد لها احتياطيّاً؛ فإنّه ليس من القبيح تأخير مثل هذا البيان عن وقت الحاجة، مع أنّ أخبار الاعتبار بالغروب، كالنص في عدم اعتبار شي ء آخر.

و روايات زوال الحمرة، غاية ما فيها الظهور في اعتبار الزوال و كون الموضوع زوال الشمس عن أُفق المصلّي و ما جاوره من الآفاق، و النص يحكم على الظاهر، فيحمل على استحباب مراعاة الآفاق المجاورة.

و يؤيد ما ذكرناه الجمع في الرواية بين سقوط القرص و وجوب الإفطار و زوال الحمرة؛ فإنّه لا يظهر وجهه إلّا بالحمل على مرتبة من سقوط القرص أُشير إليها في رواية التعليل لِلأمر بالتسمية قليلًا بسبق المغيب عند طائفة عليه عند اخرى.

و في رواية التذييل لزوال الحمرة بغيبوبة الشمس في شرق الأرض و غربها مع الدلالة في رواية أُخرى على عدم وجوب رعاية غير أُفق المصلّي نفسه و ما دلّ على أنّهم رأوه يصلّي و نحن نرى الشعاع.

و قوله عليه السلام في أخرى: «فأنا أُصلّيها إذا

سقط القرص» أو على الاحتياط الموضوعي لبيان ما هو المعرِّف لسقوط القرص عند الشك فيه.

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 20.

بهجة الفقيه، ص: 63

و يؤيّد الأخير ما وقع من التصريح في الرواية بأنّ الحكم برعاية زوال الحمرة كان احتياطاً.

و ما في التعبير بسقوط القرص فإنّ جعل العلامة على مرتبة منه مع التعبير به بعيد، بخلاف التعبير بالغيبوبة من شرق الأرض و غربها.

و بالجملة، فكثير من روايات زوال الحمرة، صريحة أو ظاهرة في جعل العلامة المنحصر في صورة الجهل بذي العلامة؛ و بعضها ظاهرة في مطلوبيّة التأخير حتى مع العلم بالغروب، كما ورد في تأخير الرضا عليه السلام في سفره الطويل «1».

و ما ورد من الأمر بالتسمية مع التعليل المتقدّم و لا يأبى عن الحمل على ذلك بعض أخبار الزوال مثل ما فيه الغيبوبة عن شرق الأرض و غربها مع ما في دلالته على أصل الاعتبار زيادة على الغروب العرفيّ من عدم معلوميّة الكبرى فيها لو أُريد الاعتبار حيث لم يعلم لزوم رعاية الغيبوبة من الشرق و الغرب الملازمة لرعاية الآفاق المجاورة، بل المعلوم رعاية أُفق المصلّي الملازمة لاعتبار الغيبوبة عن النظر، كما في الخبر الآخر؛ فإنّ ما ذكر يكشف عن تحقّق ملاك المطلوبية في التأخير، مؤيّدة بروايات النجم أو النجوم إلّا أنّها قابلة للحمل على الفضل في رعاية الذهاب عن الآفاق المجاورة لُافق المصلّي الملازم لغيبوبة الشمس بتمام آثارها المشرقيّة، لما في روايات الغروب في قوّة الظهور في كفاية مجرّده مؤيّدة بما فيه قوله عليه السلام

فإنا أُصلّيها إذا سقط القرص «2»

و رؤيته عليه السلام يصلّي و هم يرون الشعاع.

حاصل الجمع العرفي و الحاصل أنّ العمل على ظهور روايات زوال الحمرة لو

سلّم ظهورها في اعتبار أمر زائد على الغروب تعبّداً لا أمارة على المجهول، يوجب الحمل على ما يشبه اللغوية

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 8.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 15، مع اختلاف يسير.

بهجة الفقيه، ص: 64

في روايات الغيبوبة، بخلاف العكس، فإنّ تأخير بيان مكمّلات الفرائض و ما فيه الاحتياط لها، لا بأس به؛ بل الاعتبار بالغروب بما له من الظهور في الغيبوبة عن النظر ممّا لا يحتاج إلى البيان؛ فالتصدّي لبيانه تقريراً لما هو المرتكز في الأذهان في مواقيت الصلوات الخمس؛ فإنّ المرتكز هو هذا المتبادر من الغروب كالمتبادر من الزوال كما لا يخفى في قوّة التنصيص على جواز العمل على المعهود المألوف لولا بيان زوال الحمرة.

فانظر إلى صحيح «زرارة» «1»؛ فإنّه يدلّ على أنّ الحكم في العشائين مثله في الظهرين، إلّا أنّ مبدأه الزوال، في الثاني؛ و غيبوبة الشمس، في الأول؛ فهل يمكن ارتكاب النقص في هذا البيان و ارتكاب التقييد بأيّ لسان كان إلى مقام آخر و لراو آخر مع عموم الابتلاء و تأكّد الحكم المتبيّن بالتسوية في كون كلّ من الزوال و الغيبوبة تمام الموضوع.

و مثله ما أرسله «الصدوق» من قوله عليه السلام

إذا غابت الشمس، فقد حلّ الإفطار و وجبت الصلاة. «2».

و مثلهما «مرسلة داود بن فرقد»، و مثل الأوّل في قوة الدلالة صحيح «عبد اللّٰه بن سنان» حيث إنّ فيه

إذا غربت الشمس، فغاب قرصها «3».

و مثله صحيح زرارة

وقت المغرب إذا غاب القرص «4».

و ما أرسله الصدوق

وقت المغرب إذا غاب القرص «5»

، و مثله ما أسنده إلى جابر عن أبي جعفر عليه السلام «6».

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 10، ح

3.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 19.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 16.

(4) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 17.

(5) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 18.

(6) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 20.

بهجة الفقيه، ص: 65

و رواية عبيد اللّٰه بن زرارة و فيها

و كنت أنا أُصلّي المغرب إذا غربت الشمس «1»

في مقابل عمل الغير كان يمسّي بالمغرب؛ فإنّه يصدق التمسية بذهاب الحمرة المشرقيّة.

و رواية «أبان بن تغلب» في صلاته عليه السلام في زمان نظرهم إلى شعاع الشمس المتأكّد بقوله على طبق عمله

إذا غابت الشمس فقد دخل الوقت «2»

؛ ففي هذا الطرف الظهور الإطلاقي القويّ من جهة تأكّد التعبير بعبارات متقاربة و موافقة العمل للقول و مخالفة العمل للمخالف مع التصريح في تصحيح العمل بأنّ كلّ مصلّ يراعي أُفق نفسه من جهة عموم البلوى بالحكم المانع عن كلّ تصرّف مخالف.

و في الطرف الآخر ظهورات قابلة لرفع اليد و الحمل على الندب أو على الاحتياط في الشبهة الموضوعيّة، كرواية بريد بن معاوية عن أبي جعفر عليه السلام «3»؛ فإنّ الكبرى غير مذكورة، فيمكن أن تكون ما يفيد الندب؛ و يمكن أن يكون حصول الاحتياط؛ و أنّه لا يتوقّف معه لشي ء و الداعي إلى بيان المواظبة على ذهاب الحمرة متأكّد في الأمصار و في ما يكشف به الجبال الغربيّة من الأراضي كما يمكن كون الداعي مجموع الأمرين، أعني الاحتياط الموضوعي و التعبّد الندبي؛ و لعلّ هذا أقرب، لثبوت المواظبة من الإمام الرضا عليه السلام في السفر «4»؛ و لما نراه من كثرة مواقع الشبهة الموضوعيّة مع التصريح بالاحتياط في بعض الروايات؛ و بالأمر بالتسمية قليلًا في بعضها

«5»؛ كما يمكن ارادة الوجوب التعبّدي باعتبار الغيبوبة عن جميع الأراضي المتجاورة. و على أيّ، يمكن التوفيق و الحمل على ما يوافق الظهور الأقوى الذي هو بمنزلة النصّ.

و مثلها رواية أبي ولّاد «6» المعلّلة بالإطلال القابلة للحمل على الأمارية في صورة

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 22.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 23.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 7.

(4) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 8.

(5) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 13.

(6) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 2.

بهجة الفقيه، ص: 66

الجهل و للحمل على الندب في إضافة الوقت إلى المغرب و في ما ينتبه إطلال المشرق على المغرب الظاهر بقرينة الوقوع في مقام تعليل الحكم السابق في عدم التعبّد به و في بقائه على ارتكازيته؛ و لازمه عدم التعبّد في المعلَّل به، فافهم.

و من هذا القبيل ما ورد في وقت الإفاضة من عرفات، كموثّقة «يونس بن يعقوب» المروية في الكافي، قال

قلت لأبي عبد اللّٰه عليه السلام: متى الإفاضة من عرفات؟، قال عليه السلام: إذا ذهبت الحمرة «1»

يعني من الجانب المشرق.

و مثله رواية ابن أبي عمير «2»؛ فإنّه إن أُريد منها سقوط القرص بما له من المعنى الظاهر عند العرف، تعيّن الحمل على الاحتياط في الموضوع المجهول حيث ليس لسقوط القرص خفاء إلّا عند الشك فيه تحققاً؛ و إن أُريد مرتبةٌ منه، ملازمة لذهاب الحمرة من قمّة الرأس فلا بدّ من بيانه. و لو فرض صحة الاكتفاء بهذا القدر، منعنا عدم قبول الحمل على الندب، بل يمكن أن يكون التعبير بوجوب الإفطار إيماءً إلى أنّه قد يجوز و قد يجب.

و رواية «أبان

بن تغلب» «3»؛ فإنّها قابلة للحمل على فضل التفاوت بين مغيب الشمس و صلاة المغرب مع جواز العدم، و كذا أورد أنّه صلى الله عليه و آله و سلم كان يصلّي إذا غابت الشمس و لا ينافيه ما في رواية «أبان»، لعدم ذكر عمله صلى الله عليه و آله و سلم فيها، كما هو ظاهر و يؤيّد الحمل المذكور ما في رواية «بكر بن محمد» «4» في الصحيح عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام و رواية «شهاب»؛ فإنّه لو كان الحكم ندبياً فتفاوت مراتب الفضل بطول الزمان و قصره أو كون أمر التفاوت تقريباً أمر كثير النظير في المندوبات؛ فلذا يمكن استحباب رؤية كوكب حين الصلاة؛ و مثله ما في رواية «شهاب بن عبد ربّه» «5» في

______________________________

(1) الوسائل 10، أبواب إحرام الحج و الوقوف بعرفة، الباب 22، ح 3.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 4.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 5.

(4) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 6.

(5) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 9.

بهجة الفقيه، ص: 67

الحسن و صحيح «زرارة» عن أبي جعفر عليه السلام فيه

حتى يبدو لك ثلاثة أنجم «1»

، بخلاف ما لو كان الأمر على الوجوب؛ فلعلّه لا قائل باعتبار رؤية الكوكب؛ و مثلها ما يقاربها في الدلالة على ما يغاير مدلول الطائفتين المتقدّمتين؛ فإنّها من شواهد الحمل على الاستحباب، كما في نظائر المقام من موارد اختلاف مراتب التنزّه أو الفضل.

و أمّا رواية عمل الإمام الرضا عليه السلام في السفر، فلا تدلّ على أزيد من الفضل. و موثقة «عمار» مشتملة على الأمر القابل للندب مع التذييل في رواية أُخرى بما يعيّن الندب؛ و

كذا رواية «محمد بن شريح» إذا تغيّرت الحمرة في الأرض و ذهبت الصفرة؛ فإنّ وقت المغرب يصدق مع الفضيلة و لا يلزم بيان عدم الوجوب في ما يطلب منه الانبعاث إلى الأفضل، كما في نظائر المقام؛ فلا مانع من تأخير قرينة المجاز و ليس يقاس بتأخير قرينة التقييد في روايات غيبوبة الشمس، حيث إنّ الوقوع في خلاف الواقعي غالبي فيها و نادر في روايات غيبوبة الشمس، حيث إنّ الوقوع في خلاف الواقعي غالبي فيها و نادر في روايات ذهاب الحمرة في جهة ترك التقييد المتصل. و أمّا الندب في موثقة «يعقوب بن شعيب»، فظاهر في نفسها و بملاحظة غيرها، كما مرّ كظهور الاحتياط أو الفضل في رواية «عبد اللّٰه بن وضٰاح». تدقيق في جهة إنكار صحة روايات الزوال أو كثرتها ثم إنّ إنكار صحّة روايات الزوال لعلّه مبنيّ على اختلاف الآراء في الصحّة؛ و أمّا إنكار كثرتها على ضعفها، فلعلّه لمكان إخراج ما فيه الدلالة على العلامة و الاحتياط و الغيبوبة عن جميع الأرض من أدلّة الاعتبار بزوال الحمرة، كما تقدّم منّا مع احتمال إرادة أنّ غيبوبة أرض المصلّي، حاصلة في ضمن الغيبوبة عن الأراضي الغربيّة ممّا دلّ

______________________________

(1) الوسائل 7، أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك، الباب 52، ح 3.

بهجة الفقيه، ص: 68

عليه من الرواية؛ فلو أمكن إخراج ما دلّ على العلامة من الروايات من أدلّة المقام، فإنّها شارحة لما لم يعبّر بالعلاميّة و لم يشر إليها من الروايات.

بل يمكن أن يقال: إنّ الفتاوى المعبّرة بالعلامتيّة، تابعة لهذه النصوص المعبّرة بالعلاميّة، لا يستفاد منها القيديّة و لسانها تغاير لسان التعبّد بالقيدية؛ و هل يحتاج المعلوم إلى العلامة و هل ينتظر للعلامة

إلّا مع الجهل و هل يضرّ بالعلاميّة كون العلامة أخصّ من ذيها، بل الغالب فيها الأخصّية نعم، بعض الروايات لا يجري فيها الحمل على العلامة على المجهول، بل يتعيّن التصرّف فيها بالحمل على الفضيلة، كما فيه محبّة رؤية كوكب أو ثلاثة أنجم؛ فإنّها ظاهرة في الندب، فيحمل ما يساوقه في التعبير و لا ظهور له في الندب عليه و مثل موثقة «يعقوب بن شعيب»

مسّوا بالمغرب قليلًا. «1»

، فإنّ عدم تعيين الحدّ و التعليل بالمرتكز المعلوم عدم دخالته في حكم إلزامي، يوجب الحمل على الندب لو سلّم ظهورها في غيره، خصوصاً بعد ورود رواية عبد اللّٰه بن المغيرة «2» الناصّة على عدم اللزوم، أي عدم لزوم رعاية المغيب عن غير أُفق المصلّي المؤيّدة بالاعتبار الصحيح في كرؤيّة الأرض حيث لا يمكن فيها مراعاة المغيب عن جميع الأرض و لا حدّ للمجاور و لم يعيّن ذهاب الحمرة في الموثقة و في هذه الرواية. و يؤيّد ذلك رواية «أبان بن تغلب» «3» في صلاته عليه السلام قبل ذهاب الشعاع مؤيّداً بقوله و تصريحه بكفاية الغروب. و ضعف الإسناد لا يضرّ بتقوية المطلقات الصحيحة الذي تقدم إباؤها عن التقييد بالمخالف مع ما في ما أوردناه إشارة من شواهد الصدق؛ فالأظهر أنّ الأمر في روايات ذهاب الحمرة، متردّد بين الأماريّة على المجهول الغالب وقوع الابتلاء بها في الأمصار و في الأراضي المشتملة على الجبال الغربيّة و بين زيادة

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 13.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 22.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 23.

بهجة الفقيه، ص: 69

القيد الغير اللزومي، فبعضها يعطي الجهة الأُولى و بعضها يفيد الجهة الثانية.

و أقربية

حمل هذه الأخبار على أحد الأمرين بالنسبة إلى إرادة التقييد من المطلقات ممّا لا يخفى؛ فإن أريد تصحيح ذلك بالقرائن المنفصلة فعموم البلوى يمنعه؛ و إن أريد صحّة الإطلاق في نفسه لانتهاء الأمر بالآخرة إلى موضوعية الغروب و لو بمرتبة منه، فيدفعه عدم الإجمال في الغروب و إلّا لما عمل بإطلاقه و أنّ الإطلاق و إرادة حدّ خاصّ بنفسه لا سبيل إليه؛ فانظر إلى عبارة يدلّ إطلاقها على كفاية الغروب مع كون المراد الغروب الحاصل بعد سبع دقائق مثلًا من الغروب الحسّي فإنّ ذلك لا يصحّ و لو بتسمية المنفصل شرحاً لا تقييداً.

لازم الجمع بين وقتيّة الغروب و علامتيّة الزوال و ممّا قدّمناه ظهر: أنّ الجمع بين وقتية الغروب و علامتية الزوال لا يوهن القول بالاكتفاء بالغروب، بل يوهن القول بقيدية الزوال؛ و لا أقلّ من الشك في إرادة القيدية و متابعة النصوص توجب الإيكال إلى المفهوم لنا من تلك النصوص و أنّ الترجيح بالشهرة أو مخالفة التقيّة لا محلّ له مع الجمع العرفيّ و أنّ التعبير بالشرح و التفسير لا يسوّغ الإحالة إلى القيود المنفصلة أو الشروح المنفصلة في ما تعمّ به البلوى و الإجمال في ما في ظاهر الدليل و أنّ الصريح في الاكتفاء بحيث لا يمكن حمله على إرادة الزوال لا ينحصر في مرسلة «عليّ بن الحكم» «1».

نعم، يمكن أن يكون من أصرح ما في الباب من روايات الغروب و في وزانها صلاته مع الشعاع مع ذكر الاكتفاء بالغروب. و رواية صلاته عليه السلام قبل التمسية مع ذكر كفاية الغروب في ما نقل عن «أبان».

و رواية قوله

أنا الآن أُصلّيها إذا سقط القرص

في قبال قوله

فيها قلت لهم

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت،

الباب 16، ح 25.

بهجة الفقيه، ص: 70

مسّوا بالمغرب قليلًا «1»

، فيمكن أن يكون الصراح من المستفيضة لا من الآحاد، مع إمكان دعوى الاكتفاء بإرسال مثل «عليّ بن الحكم».

و ممّا ذكرناه سابقاً و آنفاً يظهر وجه النظر في ما أفاده الشيخ الأنصاري في المقام.

و أمّا ما أشار إليه في المعتبر من الاعتبار فلعلّه ما ارتكز في الأذهان من الفرق بين صلاة الليل و النهار بالاسوداد المعتبر عند العرف في الليل.

و يشهد له رعاية ما بين الفجرين في صلاة الصبح التي هي من صلاة النهار، لكنه ليس بحدّ يوجب ضعف إطلاقات الغروب؛ مع أنّ السواد يحصل على التدريج الذي أوّله استتار القرص.

فقد ظهر ممّا مرّ: أنّ روايات ذهاب الحمرة و ما يسانخه في التعبير، بين ما يصرّح بالعلامتية الدالّة على أنّ الموضوع ذو العلامة و هو الغروب، و بين ما ذكر الزوال أو ما يقاربه، كما يذكر في موضوع الحكم، كرواية «محمد بن شريح» و ما على وزانها من أخبار العرفات و جعل المصرّح بالعلامتية شرحاً لمثل هذه الرواية، أولى من تأويل تلك الأخبار بما يوافق ظهورها. و من هذا القبيل، ما دلّ على مطلوبية التأخير قليلًا، كرواية «أبان بن تغلب» في التنظير بصلاة الوقت ما في الأصل من الشهادة على الفضيلة.

و ما في الموثقة لِ «يعقوب بن شعيب» من الأمر بالتسمية قليلًا مع كمال المناسبة لهذا التعبير مع الاستحباب مضافاً إلى ما فيها من التعليل المذكور، خلافه في رواية «عبيد بن زرارة» و «صحيحه بكر بن محمد» في بيان أوّل الوقت و أنّه رؤية الكوكب مع شهادة حسنة معتبرة «شهاب بن عبد ربّه» بالاستحباب المفهوم من المحبّة الغير المناسبة للوجوب، فيمكن شهادته لإرادة الاستحباب من

جميع ما ظاهره الوجوب، كصحيح «زرارة» و تأخير بيان الاستحباب، لا محذور فيه، كما يرد في تأخير بيان الإيجاب لرعاية قيد زائد؛ فشواهد الندب في روايات التأخير عن الغروب، كثيرة

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 15.

بهجة الفقيه، ص: 71

متأكّدة بالإطلاقات القويّة للاعتبار بنفس الغروب؛ و روايات العلامتيّة محلّها صورة الجهل و هي موافقة للاستصحاب أو الاحتياط و الفضل واقعاً.

ثمّ إنّه قد يقع بعض ما تقدّم مورد الاستشكال بما رواه في العلل مسنداً عن «الليث» عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام قال

كان رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم لا يؤثّر على صلاة المغرب شيئاً إذا غربت الشمس حتى يصلّيها «1»

؛ فإنّه كيف يجتمع المفهوم من هذا البيان أعني التعجيل في الصلاة بعد تحقّق الغروب الحسّي مع المفهوم من الأخبار الكثيرة المحمولة على الفضيلة من أنّ أوّل وقتها زوال الحمرة المشرقية، فإن صحّ حمل الاولى على الغروب الخاص المعلوم بالذهاب، صحّ حمل غيرها من روايات الغروب.

و يمكن أن يقال: إنّه حيث كان عمله صلى الله عليه و آله و سلم في الغالب على طبق عمل غيره عملًا بالأسباب و الأمارات، ففيما إذا كان لا مانع من الاطلاع على الغروب عن الحسّ من جبل أو بناء أو غيرهما كان تحقّق الغروب عنده كغيره بالغيبوبة عن الحسّ و إذا كان هناك مانع كان تحقق الغروب بذهاب الحمرة و كان إذا تحقّق الغروب عنده و عند غيره بأيّ وجه، لم يكن بعد ذلك يؤخّر صلاة المغرب و إن كان زمان فعلها مختلفاً في الموردين؛ و العمل برجحان التمسية حاصل في الصورة الثانية دون الأوّل.

و أمّا في الصورة الأولى فيجري في ما بين

هذه الروايات و روايات التحديد بذهاب الحمرة بعد حمل الطائفتين على مراتب الفضيلة، ما يجري في ما بين روايات المبادرة و المسارعة إلى الصلاة في أوّل وقتها و ما دلّ على أوقات الفضل على التفصيل.

و يمكن الجمع في موارد تحقق شروط المعارضة المبنيّة على استحباب كلّ من الفعل و الترك بحسب الدليلين بأنّ المتحصّل منهما ثبوت ملاك الاستحباب في كلّ من المبادرة و الانتظار لوقت خاصّ؛ فغير المنتظر و هو المشغول بفعل مبائن آخر غير عبادي، تارك للفضيلتين؛ فلا يرجع الأمر إلى استحباب النقيضين، بل الضدّين اللذين لهما ثالث، فتدبّر.

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 18، ح 9 عن ليث.

بهجة الفقيه، ص: 72

بقي الكلام في ما نسب إلى البعض من كفاية زوال الحمرة عن المشرق و إن لم تجز عن قمّة الرأس كما نسبه في كتاب شيخنا الأنصاري قدس سره و دفعه بأنّ إطلاق الأخبار مقيّد بما دلّ عليه رواية «سهل» «1»، بل صحيحة «بكر بن محمد» «2» حيث إنّ جنان الليل لا يتحقّق إلّا بعد جواز الحمرة عن قمّة الرأس بعد أن نسب في أوّل كلامه إلى ظواهر عباراتهم الاختلاف في كفاية الزوال أو اعتبار الجواز عن قمّة الرأس؛ و عن بعضهم أنّ الأخبار موجودة في كلّ من المشهور و هو ذهاب الحمرة المشرقية و وصولها إلى قمّة الرأس و بارتفاع الحمرة من الأُفق الشرقي و بسقوط القرص من الأُفق الحسّي ثم رجّح الوسط. أقول: الأخبار المطلقة كثيرة، و لا يمكن ارتكاب التقيد فيها بغير النادر، نعم إذا كان التفاوت قليلًا زماناً جاز الإيكال إلى المنفصل.

بل يمكن أن يقال: إنّ ذهاب مراتب الحمرة من المشرق ملازم لتحقّق مرتبة من الحمرة في المغرب؛ فلا

فرق بين المطلق و المقيّد، بل ما اشتمل على التعليل و ما اشتمل على أنّ الغيبوبة عن المشرق مستلزم للغيبوبة عن الشرق و الغرب، كالنصّ على الإطلاق. و دعوى ثبوت مثل ما كان في المغرب في ما يقابله بحده، كما ترى بلا دليل.

[تذنيب] إعراض المشهور عن روايات الغروب و عدمه

تذنيب: هل يكون ذهاب المشهور إلى العمل بروايات زوال الحمرة إعراضاً منهم عن روايات الغروب و كاشفاً عن الخلل فيها صدوراً أو جهتاً أو لا؟

وجه العدم أنّه لا بدّ من القطع بأن منشأ تركهم العمل بروايات الغروب أمر كاشف عن الخلل فيها بوجه واصل إليهم غير واصل إلينا حتى نرفع اليد بسبب ذلك

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 4.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 6.

بهجة الفقيه، ص: 73

القطع عن معلوم الحجّية لولا هذا القطع؛ مع أنّ من المظنون لولا أنّه المقطوع أنّه لا منشأ لترك العمل بها إلّا نفس روايات زوال الحمرة و ما فيها من الدلالة بعد ضمّ بعضها إلى بعض إلى موضوعية الغروب و معرّفية زوال الحمرة و رؤيتهم إيّاها شارحة لأخبار الغروب و نحن لا نرى لهذا الشرح هنا محلا بعد وضوح الغروب مصداقاً و مفهوماً؛ و أنّه ينحصر الحمل في أخبار الزوال على الاحتياط في موارد الحاجة و الجهل لمانع و على الاستحباب، و لذا عبّر بعض من تقدّم بأنّه ينبغي التأخير إلى الزوال، و قد ذكرنا أنّ اختلاف التعبير بالزوال و رؤية نجم أو ثلاثة و التمسية قليلًا من شواهد الاستحباب.

و أمّا احتمال السيرة العملية على رعاية الزوال فيدفع تأثيرها على تقدير القطع، فضلًا عن الاحتمال بالأعمّية من اللزوم و بأنّه لو كانت على نحو يوجب القطع بالوجوب، لما اختفى ذلك

على مثل «الصدوق» و «السيد» و بعض أمثالهما؛ و أنّ احتمال التقيّة مع اشتمال بعض روايات الغروب على ما لا يقول به العامّة من دخول وقت الصلاتين بنفس الغروب، شي ء لا يضرّ بحجّية الرواية المعتبرة لولا المعارضة إلّا مع عدم إمكان الجمع العرفي و وصول النوبة إلى العلاج الصدوري؛ فيرجّح أخبار الزوال بموافقة الشهرة أوّلًا و مخالفة العامّة ثانياً، مع أنّ الروايات في الطرفين كادت أن تبلغ حدّ القطع بالصدور؛ فلا معارضة بينهما في الصدور حتى يشخص الصادر عن غيره بالمرجّحات الصدورية التي أوّلها على ما في الروايتين العلاجيتين الشهرة.

و يشهد لما ذكرناه عدم وجود رواية مصرّحة بالإعادة لو صلّى قبل ذهاب الحمرة مع أنّه السنة المعروفة في ما يعاد لأجله الصلاة، كما لا يخفى على أهله و أنّ إضافة الصلاة إلى الوقت الخاصّ كإضافتها إلى الظهر و الصبح ممّا لها مفاهيم معلومة لدى العصر صارت بحيث صحّ إطلاق المغرب على صلاته؛ و هذه الأوقات معروفة لدى العرف و إنّما تحتاج إلى العلائم في صورة الجهل و الاشتباه و هذا ممّا يقوّي الإطلاقات و يمنع عن رفع اليد عنها إلّا بالأقوى.

بهجة الفقيه، ص: 74

و قد مرّ غير ما ذكرنا هنا من الشواهد على تحكيم روايات الغروب على روايات الزوال؛ فهو الأقرب و إن كانت رعاية الزوال أفضل و أحوط و اللّٰه العالم.

[تتمّة موضحة] نقل كلام صاحب الجواهر قدس سره و الجواب عنه

تتمّة موضحة: ممّا قدّمناه يظهر الجواب عما أورده في «الجواهر» غير ما ذكرناه من الاستدلال بالضرورة و البداهة حتى أنّه يقع بالعمل بالمشهور امتحان الشيعة عن غيرهم. و فيه أنّه أعمّ من الوجوب إذ كثير من مستحبات الفريقين ممّا يمتحن به الإمامي و غيره مع ما في كلامه في الجواب عن الأخبار

المستفيضة التي تدلّ على الاستحباب بالظهور في بعضها و النصوصية في غيره من المناقشة الواضحة؛ و كذا ما في الجواب عن النقض بأمارية الحمرة المغربية للطلوع من الإشكال؛ فإنّ زوال الحمرة المشرقية إن كان ملازماً للغروب من حينه، فعدمه ملازم لعدم الغروب في زمان البقاء، أي يكون بقاء الحمرة ملازماً للطلوع؛ و بعد وضوح عدم الفرق بين جهتي الشرق و الغرب بالنسبة إلى طلوع الشمس و غروبها في ما في ناحية و في المقابل، يظهر أنّ حدوث الحمرة المغربية ملازم للطلوع من حينه و أنّه لا يكون عدم حدوث الطلوع إلّا قبل حدوث الحمرة في مقابل المشرق، و هذا أمر مفهوم من رواية الإطلال و غيرها عند المتأمل، لا يحتاج إلى التصريح و الالتزام بأنّ حدّا واحداً من كون الشمس منسوباً إلى أُفقها و إلى الأُفق المقابل من النهار واقعاً و اعتباراً في بقاء النهار دون حدوث النهار، كما ترى.

و هذا و إن دلّ عليه بعض الأخبار، أي على الاعتبار في صلاة الفجر إلّا أنّه لا يظهر قائل به ممّن تقدّم عدا ما عن فقه الرضا عليه السلام إن كان من الفتاوى، فكيف يحمل أخبار الوجوب في المغرب و الفتوى على طبقها دون ملازمها على غير تبعية المنصوص و على غير الاستحباب و كيف يجمع بين كثرة روايات المشهور سنداً و وضوحها دلالة مع الاعتذار عن إخفائهم لداعي التقية؟ و كيف يكون موافقة العامّة عذراً في رفع اليد عن المتواتر؟ مع أنّه يلوح شواهد الاستحباب و الاحتياط من نفس

بهجة الفقيه، ص: 75

هذه الأخبار الموافقة للمشهور في الجملة.

و الحاصل: أنّ القول باعتبار زوال الحمرة و إن كان قويّاً قولًا بالإضافة، لكنّه ضعيف دليلًا كذلك؛

و لا عبرة بقوّة الحكم قولًا إذا صادف ضعفه دليلًا و لم ينعقد الإجماع عليه و إلّا كان هو الدليل في ما لم يكن مدركه غير صالح للمدركية لدينا.

[مسألة] آخر وقت العشائين

مسألة: الظاهر امتداد وقت العشائين من الغروب إلى نصف الليل في حال الاختيار، مع اختصاص أوّل الحدّ بالمغرب، و آخره بالعشائين. و الروايات «1» الواضحة الدلالة المعتبرة المؤيّدة بالشهرة دالّة عليه، و موجبة لحمل ما جعل الحدّ فيه ربع الليل، أو ثلث الليل، كما جعَل المبدأ بعد سقوط الشفق للعشاء، و ما جعل الحدّ، السقوط المذكور للمغرب، على الفضيلة؛ فإنّ الشهرة و إن لم تكن حجّة إلّا إذا كانت بحيث تكشف الحجّة عند من اطّلع عليها، لكنّها يبعد الخطأ فيها جدّاً في ما يلحق بالواضحات و الضروريّات، كأوقات الفرائض، العامّ بها البلوىٰ بحيث يؤدّيها الكل كلّ يوم خمس مرّات؛ فإنّ الضروري و إن كان وجوبها و كميّتها و بعض كيفيّاتها و أوقاتها الإجمالية، إلّا أن حدّ الوجوب لا يمكن خفاؤه على المشهور من العلماء، و إن أمكن خفاؤه في الجملة على عوام الناس؛ بل نفس الروايات المختلفة إذا بلغ المحدّد بالأبعد عن المبدأ حدّ الحجية، فالظاهر تعيّن الأخذ به، و حمل ما قبله على الفضيلة.

لكن المشهور كون النصف حدّا لزوميّا، و ظاهر بعض الروايات «2» امتداد وقت المضطرّ إلى الطلوع. و مقتضى الجمع حمل الفتوىٰ كروايات النصف «3» على الاختيار. و لا ينافي ذلك ذكر المشهور خصوص النصف، لأنّ إخراج وقت المضطرّ علىٰ نحو إخراج الوقت الاختصاصي، ليس مخالفاً للإطلاق، لا للمطلق. و المصحّح لكلا

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 10.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 62، ح 4.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 10،

ح 4، و الباب 16، ح 24.

بهجة الفقيه، ص: 76

الأمرين تبعيّة النصوص المعمول بها المعتبرة في ترك التقييدين، و إنْ ذكر الاختصاص في بعضها الموافق للعمل أيضاً، مع ترك الذكر في غالب النصوص، و كثير من الفتاوى.

و بالجملة، فالعمل على المشهور في عدم انقضاء الوقت قبل النصف، متعيّن في المقام.

[مسألة] نهاية وقت الظهرين

مسألة: قيل بأنّ ما بين الزوال إلى أن يصير ظلّ كلّ شي ء مثله، وقت للظهر، و للعصر من حين يمكن الفراغ من الظهر حتى يصير ظلّ كلّ شي ء مثليه. و نسبه في «الجواهر» «1» بعد التقييد بالاختيار في الفرضين إلى «المبسوط»، و محكيّ «الخلاف»، و «الجُمل» و «المراسم» و «الوسيلة» و «القاضي».

و ظاهر هذه النسبة أنّ وقت الفضيلة للظهرين، وقت اختياري لهما، لا يجوز التأخير عنه إلّا لعذر. ثمّ ذكر الاستدلال بروايات «2» لا دلالة لبعضها إلّا على حكم التأخير عن أوّل الوقت، و هو غير المفهوم من النسبة، و بعضها و إن [دلّ على أنّه] بين القامة و القامتين، و المثل و المثلين «3» للظهرين، إلّا أنّه ليس فيه أنّه للفضل، أو للاختيار، و لا بدّ من الجمع بينها و بين ما مرّ.

و [دعوى] كون النتيجة الحمل الموافق للنسبة المذكورة، ممنوعة جدّاً. و بعضها المشتمل على الأوّل و الآخر، يمكن حمله على أوّل الوقت المعهود و آخره، أعني ما بين الزوال و الغروب، فلا يوافق النسبة أيضاً.

و كلام «الشيخ» في «التهذيب في أول الوقت و أفضليّته، و في «المبسوط» في أفضليّته من الوسط و الآخر، مع أنّ الحكم فيهما ندبي عنده، لا يوافق النسبة المتقدّمة، مع أن «السيّد»؛ في محكيّ «المصابيح» ادّعىٰ الإجماع على الأداء للمؤخّر، و أنّه ليس بقضاء و إن أشعر

ما في محكيّ «الخلاف» بالقائل بالقضاء.

______________________________

(1) جواهر الكلام، 7، ص 130.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 3، ح 4 و 16 و 17.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8، ح 13.

بهجة الفقيه، ص: 77

[مسألة] وقت فضيلة الظهرين

مسألة: وقت فضيلة الظهر أوّل الزوال بعد أداء النوافل و يمتدّ إلى الذراع، أعني القدمين، بمعنى أنّ التأخير لأجل النافلة مطلوب.

و روايات الذراع و الذراعين للظهرين، أو القدمين و الأربعة لهما «1»، متواترة ظاهرة في إرادة المساحة من غير نسبة إلى مقياس خاصّ و شاخص مخصوص. و هناك روايتان ظاهرتان في التحديد بالمثل للشاخص و المثلين، إحداهما «2» خاصّة بالصيف، و الأُخرى «3» عامّة غير قابلة للحمل علىٰ معنى آخر، لما فيه من توصيف آخر المثلين بالمساء، و هو لا يستقيم في الأربعة أقدام.

و أمّا روايات القامة و القامتين، فجميعها قابلة للحمل علىٰ ما فيه

في كتاب علي عليه السلام القامة ذراع «4»

، معلّلًا في بعضها المعتبر به ب

أنَّ قامة رحل رسول اللّٰه كانت ذراعاً «5»

، و لو لا أنّ العبرة بمساحة الذراع، لا معنى للتبديل و نقله؛ فإنّ القامة كما تصادف الذراع إذا كان الشاخص رحلًا، تزيد ظاهراً على الذراعين إذا كان الشاخص حائطاً بقدر قامة الإنسان، و لذا وقع الاختلاف [في] نقل صلاته صلى الله عليه و آله و سلم بتعليم جبرئيل بين القامة، و الذراع، و القدمين «6»، مع أنّه كان يصلّي الظهر بحسب روايات الأقدام إذا بلغ في الحائط ذراعاً، و العصر إذا بلغ ذراعين؛ و لا يناسب ذلك التعليم المتقدّم إلّا إذا قيست القامة فيه إلى الرحل، المصادفة حينئذٍ لمساحة الذراع، مع فهم العبرة بالذراع، و إلّا خلا النقل و التبديل عن الفائدة؛ فيكون

ما فيه المثل، بياناً لنهاية وقت الفضيلة في

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8 ح 33.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 10، ح 1.

(4) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8 ح 26 و 16.

(5) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8 ح 26 و 16.

(6) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 10، ح 6 و 7.

بهجة الفقيه، ص: 78

غير الصيف، و هو الذي وصفه بالمساء في رواية «1»، و عبّر عمّا بعده إلى الغروب

بأنّه تضييع

في رواية «2».

و أمّا رواية توصيفه بالمساء، فليس فيها دلالة علىٰ وقت الفضيلة، و لعلّ مدلولها شدّة كراهة التأخير عن القامة و القامتين.

و أمّا رواية «زرارة» في المثل و المثلين «3»، فلعلّها لعذريّة الصيف المطلوب فيها للنوع، و في الشرع علىٰ رواية الإبراد بالتأخير «4» كما يدلّ عليه ملاحظة سؤاله و جواب الإمام عليه السلام بالواسطة للعالم بعموم الذراع، و الجاهلِ بحدّ الإبراد في الصيف، مع احتمال إرادة الموافقة مع القوم، كما يظهر من رواية جعله الاختلاف في ما بين الشيعة في الأوقات لئلّا يعرفوا فيؤخذوا برقابهم «5».

و رواية نفي تأثير «6» الأعذار لو تمّت تدلّ على أنّ الرخصة عامّة لغير المعذور و لا هلاك فيه، لا نفيه مطلقاً، و لذا يثبت تأثير العذر في غيرها. و في عمل القوم و رواياتهم، ما يشهد بإرادة الموافقة معهم في العبرة بالمثل و المثلين.

و أمّا اعتبار المماثلة بين الباقي و الزائد، فلا وجه له سوى تخيّل أنّ التعبير بالذراع يناسب المماثلة بين هذين، المنتهية إلى الذراع أحياناً، و هو كما ترى.

و ليس في الروايات التعبير بالمثل بلا بيان طرفي المماثلة لقوله عليه السلام

إذا صار ظلّك

مثلك و مثليك «7»

و قوله في الأُخرىٰ

قامة «8»

مع القرينة علىٰ إرادة المساحة المعهودة؛ فكيف يصار إلى المماثلة بين الباقي و الزائد مع تتميمه بالباقي في الأغلب،

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 10 ح 1.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8 ح 32.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8 ح 33.

(4) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8 ح 5 و 6.

(5) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 7، ح 3.

(6) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 7، ح 7.

(7) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8، ح 13 و 33.

(8) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8، ح 12 و 29.

بهجة الفقيه، ص: 79

و هو غير موارد انعدام الظلّ، مع انتهاء التحديد إلى ما يختلف جدّاً في الأزمنة و الأمكنة المختلفة.

و قد أشرنا إلى الروايتين المفيدتين للمثل مع الاختلاف في تعيين الصيف و عدمه.

و أمّا ما اعتبر فيه الأقدام أو الذراع، فروايات يبلغ عددها أربعة عشر من رواية في الباب الثامن من «الوسائل» «1»، و ما جمع بين القامة و الذراع فأربع روايات في الباب الثامن، و الثامنة من الباب العاشر «2».

فلو وجد غير ما ذكر من روايات الاعتبار بالمثل أو القامة بحيث يمكن حمله على الذراع، بمعنى الاعتبار بقامة الرحل الموافق للذراع، و أنّ الملاك في الموضوع نفس مساحة الذراع، لا الحدّ الزماني الذي يبلغ الظلّ إليه في خصوص ما إذا كان المقياس بقدر الذراع، يتعيّن الحمل على الموافقة للعامّة في ما هم أشدّ اهتماماً به من المثل و المثلين، حتى حكي عن «أبي حنيفة»: «أن المثلين أوّل وقت العصر» في رواية عنه؛ أو علىٰ مرجوحيّة التأخير عن المثل و المثلين و شدّة الكراهة؛ كما ورد مثله

في ما بين الذراع و الذراعين أيضاً في رواية عن «منهال»

سألت أبا عبد اللّٰه عليه السلام عن الوقت الذي لا ينبغي لي إذا جاء الزوال، قال: الذراع إلىٰ مثله «3»

، بمعنى أنّ فعل الظهر بعد الذراع إلى ذراعين مرجوح بالإضافة إلىٰ فعله قبل الذراع، أو أنّ الجمع بين النفل و الفرض بعد الذراع إلى الذراعين أقلّ ثواباً منه قبل الذراع؛ أو على الصيف طلباً للإبراد بكونه عذراً، أو علىٰ سائر الأعذار.

[مسألة] نهاية وقت فضيلة صلاة المغرب

مسألة: أوّل وقت المغرب غيبوبة الشمس، كما مرّ؛ و آخر وقت فضيلتها، ذهاب الحمرة المغربيّة و تبدلها بالبياض.

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8 و 10.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8 و 10.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 36، ح 4.

بهجة الفقيه، ص: 80

و ما ذكر فيه وحدة وقت المغرب من الروايات كالرواية الإحدى عشرة من الباب الثمانية عشر «1» يراد بها قصر الوقت، فكأنّه واحد؛ و لذا جمع بين الوحدة و استثناء المغرب من الصلوات و بين سقوط الشفق؛ و أنّه وقت فوتها في رواية «زرارة» «2» مع معلوميّة بقاء الإجزاء إلى الانتصاف، قبل فوت العشاء، كما يدلّ عليه رواية «داود بن فرقد» «3»، و غيرها، و في رواية

أنّه صلى الله عليه و آله و سلم أتاه جبرئيل في الوقت الثاني قبل سقوط الشفق.

«4» وقت العشاء و أمّا العشاء، فأوّل وقتها بعد صلاة المغرب في أوّل الوقت، و في كثير من الروايات «5» «أنّ أوّل وقتها ذهاب الشفق» المفسّر بالحمرة، و أنّه لو كان هو البياض كان إلى ثلث الليل، كما في رواية «6»؛ و آخر وقتها الانتصاف.

و اختلاف الروايات «7» في التحديد بالربع و الثلث و النصف، يُحمل

على الأخير، و مراتب الفضل في الأوّل، لا علىٰ أنّه الأوّل للمختار، و ما بعده للمعذور بحسب مراتب العذر الثابت في الثلث، أو النصف مثلًا. و أمّا رواية تأخيره صلى الله عليه و آله و سلم العشاءَ إلى الثلث «8» أو النصف لولا المشقّة على الأُمّة، فهي مرويّة علىٰ الاختلاف في التعبير. و يمكن وقوع التعدّد في الأصل، و ظاهرها أنّه لم يؤخّر إليهما، إن رخّص إليه، و إلى النصف في روايتين.

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 18، ح 11 و 2.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 18، ح 11 و 2.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 17، ح 4.

(4) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 18، ح 13 مع اختلاف يسير.

(5) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 23.

(6) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 23، ح 2.

(7) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 21.

(8) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 21، ح 2 و 5 و 1.

بهجة الفقيه، ص: 81

و هل المراد التأخير قولًا تحديداً لوقت الفضيلة و أنّه التأخير، أو التأخير العملي ليتّسع الوقت علىٰ الأُمّة؟ الأظهر ملاحظة أفضليّة الأوّل في كلّ صلاة دخل وقتها، و أنّ الثاني إنّما لم يفعله لما فيه من المشقّة أيضاً.

و لعلّه لغاية الاتّساع المذكور رُوي: «أنّه صلى الله عليه و آله و سلم أخّر ليلة، فناداه بعض الصحابة «نام الصبيان.» «1»، و قد جمع بين التحديد بالنصف و التضييع الظاهر في عدم العذر في رواية «الحلبي» «2»، مع اشتماله علىٰ ما هو ظاهر في التخيير بين الثلث و النصف؛ و ظهوره في عدم العذر بذلك أيضاً، واضح و في التحديد بالنصف بلا تقييد بالعذر و كذا في رواية «عبيد» «3»، و

رواية اخرى «4».

و بالجملة: فروايات التحديد بالنصف، مقدّمة بحسب الدلالة و السند و العمل على المحدّدة بما قبل النصف؛ كما أنّ بعض هذه الروايات دالّة على اشتراك الصلاتين إلى النصف؛ فلا يمكن تحديد العشاء بالنصف، و المغرب بما قبل النصف. نعم، يختصّ في ما تقدّم من الروايات، آخر الوقت بمقدار أربع بالعشاء، و الظاهر منه عدم صحّة الشريكة فيه و لو سهواً، و إلّا لما افترق عن الوقت المشترك.

نعم، تصحّ الشريكة فيه إدامة إذا أدرك ركعة منها في المشترك، لتزاحم أصل الفريضة السابقة مع وقوع ما زاد على حدّ الأداء من اللاحقة، و المقدّم مقدّم.

و لازم ما ذكرناه من عدم صحّة الشريكة إذا لم يبق قبل نصف الليل أو الفجر إلّا مقدار أربع أو خمس في الوقت المختصّ بغير الإدامة مع إدراك ركعة منها في الوقت المشترك لزوم إدراك خمس ركعات في كلّ من الظهرين و العشائين، و هو الظاهر

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 17، ح 9.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 17، ح 9.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 17.

(4) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 17.

بهجة الفقيه، ص: 82

من تنظير «الشيخ» حكمَ العشائين بحكم الظهر في ما ذكره من إدراك خمس لا أقلّ من ذلك في محكيّ «الخلاف».

لكن المحكي عن «المبسوط» أنّه: «إذا أدرك قبل نصف الليل بمقدار ما يصلّي فيه أربع ركعات، يجب أن يصلّي المغرب و العشاء؛ و إذا أدرك مقدار الخمس قبل طلوع الفجر، صلّي العشاء، و صلّى المغرب معها استحباباً»، فيسئل عن الفرق بين الوقتين، بناءً على أنّ طلوع الفجر وقت للمضطرّ، كما عليه مبناه في «المبسوط»، حيث أوجب الجمع في النصف في وقت الأربع، و استحبّ

الجمع في ما قبل الفجر في وقت الخمس؛ مع [أنّ] اقتضاء القاعدة على التوقيت بالفجر، هو الوجوب في الخمس و مع التوقيت بالنصف، هو الوجوب بالخمس أيضاً و عدم شي ء من الوجوب و الاستحباب في إدراك وقت الأربع في كل من الحدّين على القول به، لما قدّمناه من عدم جواز الشروع في الشريكة في الوقت المختصّ بالآخر؛ فلو جاز، لما اختصّ ما قبل الوقت بأربع بالعشاء، كما في الروايات المتقدّم إليها الإشارة، لأنّ مُدرِك الأربع، عليه الجمع بين العشائين فرضاً، فكيف يختصّ الوقت بالعشاء بحيث لا تصحّ المغرب فيه سهواً أيضاً؟ و لما انحصر حدّ الجمع في مُدرِك الخمس، كما يستفاد من إطلاق كلماتهم الظهرين و العشائين.

مع أنّه في إدراك الخمس قبل الفجر، كيف يستحبّ ترك بقيّة العشاء في خارج الوقت لأجل إدراك مصلحة غير لزوميّة في المغرب؟

امتداد وقت العشائين لذوي الأعذار، إلى الفجر ثم إنّ امتداد وقت العشائين لذوي الأعذار، مدلول صحيح «ابن سنان» «1»، و «ابن مسكان» «2»، و مؤيّداً بما دلّ عليه في طُهر الحائض من آخر الليل، كخبر «عبد اللّٰه بن

______________________________

(1) الوسائل 2، أبواب الحيض، الباب 49، ح 10.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 62، ح 4.

بهجة الفقيه، ص: 83

سنان»، و خبر «الزجاجي» «1»، و «عمر بن حنظلة» «2»، و خبر «عبيدة بن زرارة «3» في تحديد صلاة النهار بغيبوبة الشمس، و صلاة الليل بطلوع الفجر، و صلاة الفجر بطلوع الشمس.

و الإشكال في دلالتها، أو حملها بسبب ما دلّ علىٰ الانتصاف علىٰ محامل بعيدة، ليس في محلّه.

و حكي عن ظاهر «الفقيه»، و عن «الخلاف»، و «المبسوط»، مع شي ء من الاختلاف فيهما، و عن «المدارك»، و «المفاتيح» الموافقة.

و يبقى الصارف

عن الروايات «4» المؤيّدة بالصحيح «5» مورداً للتّأمّل؛ فإنّ الشهرة على التحديد بالانتصاف، لعلّه لعدم بناء المتقدّمين علىٰ تفصيل أحكام ذوي الأعذار؛ و لبنائهم على تبعيّة النصوص المقتصرة على ذلك «6» مع عدم الإباء عن التقييد بعدم الضرورة و العذر. و الإعراض لا يتّضح مع نقل «الشهيد» في «الذكرى» عن «الخلاف» الاتفاقَ علىٰ أنّ المُدرِك لركعة قبل الفجر، عليه العشاء، و نقل حكاية «المبسوط» له عن بعض الأصحاب، و قال: «إنّه يظهر من «الصدوق» في الفقيه»»، كما تقدم.

فما يستفاد من هذه الأخبار الكثيرة المؤيّدة بالصحيح من امتداد وقت العشائين إلى الفجر، لا يخلو عن وجه. و لازمه أنّ مُدرِك الخمس يجمع بينهما قبل الفجر؛ و أمّا مدرك الأربع، فهو كمدرِك الأربع قبل النصف على القول بالتحديد به مطلقاً، لا لخصوص

______________________________

(1) الوسائل 2، أبواب الحيض، الباب 49، ح 11 و 12.

(2) الوسائل 2، أبواب الحيض، الباب 49، ح 11 و 12.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 10، ح 9.

(4) الوسائل 2، أبواب الحيض، الباب 49.

(5) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 62، ح 4.

(6) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 17.

بهجة الفقيه، ص: 84

المختار. و الوجه، ما مرّ من اختصاص مقدار الأربع بالعشاء في روايات النصف، «1» مع أنّ القاعدة تلزم بالجمع إذا أمكن، لجريان الدليل المذكور في الخمس فيه أيضاً إلّا أن لا يكون الشروع في وقت الاختصاص في الشريكة جائزاً.

و دعوىٰ إرادة عدم جواز تأخير المغرب اختياراً، فلا ينافي الأداء مع التأخير لإمكان إدراك وقت الأداء بضميمة إعمال «من أدرك» «2»، مدفوعة بأنّ وقت الاختصاص يفيد الوضع، و أنّه منفيّ في المختصّ للشريكة، و المتيقّن الشروع فيها فيه لا التكليف؛ مع أن لازمه أنّ

هذا القدر وقت تكليفيّ للعشاء رأساً، فتؤدّىٰ بعده قبل الفجر و إن لم يجز التأخير إليه، ثمّ يلتزم بمثله في ما قبل الفجر الذي ليس فيه ذكر الأربع، إلّا المفهوم من الفتاوىٰ، لو لم يكن الظاهر من كلماتهم لزومُ الخمس في الجمع، من دون فرق بين الظهرين و العشائين.

و استدلّ في «الذكرى» بالنصّ علىٰ أنّه لو بقي أربع من آخر الوقت، اختصّت العشاء به، بعد أن صرّح في أوّل البحث بلزوم الأخيرة، و عدم لزومهما معاً في الظهرين و العشائين في ما أدرك من آخر الوقت فيهما قدر أربع فما دون، و لو أدرك خمساً وجبت أداءً و قدّم الظهر و المغرب.

و أمّا نسبة هذا القول إلى الأربعة فغير ثابت، لأنّ «مالكاً» و «الشافعي» منهم، بين الثلث و النصف في آخر العشاء، يعني أنّ «الشافعي» على الثلث، و هو المشهور من مذهب «مالك»، و حكي عنه القول بالنصف. و نسب الثلث في البداية إلى «أبي حنيفة»، و إن قال في آخر المسألة: «و أحسب أنّه به قال أبو حنيفة» أي بالامتداد إلىٰ طلوع الفجر. و نسب القول بطلوع الفجر إلى «داود»، و في «المعتبر» و «المفتاح» نسبه جزماً إلىٰ «أبي حنيفة». و نسب في «المفتاح» النصف إلىٰ «الشافعي» في أحد قوليه، و إلى «الثوري» و «أحمد» في القول الآخر؛ فما عن «الروض» من «اتفاق الأربعة على

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 17.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 30.

بهجة الفقيه، ص: 85

الامتداد إلى طلوع الفجر، و إن اختلفوا في أنّه وقت اختيار أو اضطرار، لم نظفر به في الكتب المتقدّمة، إلّا ما عن «الذكرى» عن «الخلاف» من اتفاق أهل العلم علىٰ أنّ الفجر حدّ

أصحاب الأعذار في العشاء.

[خاتمة فيها أبحاث]

[البحث الأول] تقوية الأدلّة الدالّة على اعتبار الذراع و الذراعين للظهرين

أمّا تفصيل ما تقدّم تبعاً «للجواهر» «1»، فيمكن تقوية ما مرّ في تحديد الفضيلة للظهرين بالذراع و الذراعين، بما دلّ علىٰ خلاف أنّ الفضل في التأخير للمثل أو المثلين، مثل ما دلّ علىٰ أنّ أوّل الوقتين أفضلهما «2»، فلا يكون التّأخير بعنوانه أفضل. و ما دلّ على المثل أو القامة، فلا يدلّ على الفضل للتأخير و إن كان بعنوان وقت الظهرين، لإمكان إرادة تمام الوقت بتمام المثل، أو نهاية الفضل مع النقص في التأخير في الجملة، لا ما يفيد الفضل في بلوغ المثل، و أبعد منه القول بالفضل في العصر في بلوغ المثلين.

و روايات المثل و القامة علىٰ قلّتها جدّاً كما مرّ تحمل علىٰ روايات التفسير بالذراع علىٰ ما مر.

و خصوص روايات تعليم جبرئيل «3»، محمولة علىٰ تعليم آخر وقت الفضيلة، لبيان أنّ ما بينهما وقت، لا لبيان أوّل الفضل؛ فإنّه علىٰ خلاف العمل مطلقاً في الظهر، و ينافي العصر بمعنى رجحان تأخيره إلىٰ أوّل المثلين، أو أوّل البلوغ للمثل، أو آخر المثلين. و يشهد لحمل روايات المثل أو القامة في ما لا يقبل الحمل على الذراع على التقيّة، قوله عليه السلام

و لكنّي أكره لك أن تتّخذه (يعني الجمع بين نوافلهما و فرائضهما في أوّل الزوال متّصلًا) وقتاً دائماً «4»

؛ فإنّه من جهة أنّ «زرارة» من أعلام الإماميّة، فصلاتهم تبعاً لصلاته موجبة لمعروفيّتهم بهذا الوقت، و لذا أخّره إلى المثل و المثلين في

______________________________

(1) جواهر الكلام، 7، ص 162.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 3، ح 4.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 10، ح 5 و 12.

(4) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 5، ح 10.

بهجة الفقيه، ص: 86

رواية الإبراد

«1» الجائز، أو المستحبّ بعنوانه، لا بعنوان وقتيّة المؤخّر، حتّى أنّه عُرف في إخوانه بذلك، ثم أرسل إليه الإمام الصادق عليه السلام «2» و لعلّه بعد زوال ما خاف منه له، أو لإرادة الاختلاف في فعل «زرارة» أيضاً، المانع عن المعروفيّة بوقت خاصّ لو كان موافقاً لهم فيه كان مخالفاً للواقع، و لو كان مخالفاً فيه، كان مع أصحابه يعرف به-: بأنّ يصلّي في مواقيت أصحابه، المعلوم بما تقدّم منه العلم به، و هو الذراع و الذراعين، فيكون مشابهاً لما عن الإمام الكاظم عليه السلام مع «علي بن يقطين» في الوضوء «3».

كما أنّ عمل النبي صلى الله عليه و آله و سلم على التفريق في المثل «4»، أي مثل الحائط و القامة لو كان مسلّماً، فإنّما هو لإرادة الجمع بين النوافل و الفرائض و الجماعة، الذي يصعب علىٰ كثير بدون ذلك على التقريب؛ و لذا نقل عنه صلى الله عليه و آله و سلم في روايتنا «5»: أنّه مع هذا التعليم في أوّل الوقت، كان يصلّي الظهر إذا بلغ في ء الحائط ذراعاً، و العصر إذا بلغ ذراعين، و لا يكون ذلك إلّا إرادة التوسعة في التعليم المتقدّم، و أنّه لتعليم وقتيّة ما بين الأوّل و المثل، لا لبيان أنّ الوقت هو المثل، كما هو ظاهر. و مثله المثل و المثلان للعصر للتسعة بداية و نهاية، لا لرجحان التأخير حتّى يكون الجمع مكروهاً.

و يشهد لعدم رجحان التّأخير بعنوانه في الظهرين مع استواء المقدّم و المؤخّر في ضمّ النوافل و العدم، و الجماعة و العدم، و طلب الإبراد و العدم، و الأرفقيّة و الأسهليّة، و مزاحمة سائر الضرورات و العدم ارتكازُ الفرقة المحقّة، فإنّ رجحان التّأخير عندهم

أمر منكر.

و أمّا عملهم على الجمع لمن هو أسهل لديه فاعلًا للنفل و تاركاً له فلا يستدلّ به، لمعلوميّة عدم اتّصال عملهم بعمل النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم مستمرّاً، و إن كان عمل النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم قد مرّ

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8، الحديث 13 و 33.

(3) الوسائل 2، أبواب الوضوء، الباب 32، ح 3.

(4) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 10، ح 5 و 12.

(5) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8 ح 3 و 4.

بهجة الفقيه، ص: 87

الكلام فيه. و ليس الاستدلال بالسيرة العمليّة، ليدفع بالانقطاع، بل لمكان معلوميّة فضل المبادرة برعاية الأوّل فالأوّل لديهم مع التساوي في سائر جهات الفضل.

و عمل النبيّ بتعليم «جبرئيل» قد مرّ وقوع الاختلاف في نقله بالقامة، و المثل، و الذراع و القدمين، و روايات الأخير كثيرة، و روايات الأوّل قليلة؛ فإمّا أن يحمل علىٰ الأخير مع الإمكان و لو بالكشف عن قرينة الصدور؛ و إمّا أن يحمل على الموافقة في النقل لغيرنا مع التزامهم به، كأنّه بيان للوقت اللزومي؛ و إمّا أن يحمل على مراتب الفضل. و كيف يكون ظاهر النقل الأوّل محقّقاً، و يكون عمله صلى الله عليه و آله و سلم علىٰ ذراع من في ء الحائط للظهر، و ذراعين منه للعصر؟

و يؤيّد ما مرّ، قولهم عليهم السلام

إلّا أنّ بين يديها سبحة، و ذلك إليك إن شئت طوّلت. «1»

، و قولهم

أوّل الوقت أفضله «2»

، و قوله لأبي بصير

خفّف (يعني الثماني ركعات) ما استطعت» «3»

، فلا يصار إلىٰ أنّ الأفضل في العصر تأخيره إلى المثل، و أنّ نهاية فضيلته

المثلان، كما أنّ نهاية فضيلة الظهر، المثل؛ بل المفهوم من تعليل القدمين «4» أيضاً أنّ التأخير للظهرين بهذا القدر للنافلة، و ليس مثل التعليل المذكور موجوداً في روايات المثل و المثلين، و من البعيد جريانه فيهما بعد الأمر بترك النافلة بعد الأربعة أقدام.

رفع الإشكال عن حمل روايات المثل و القامة على التقيّة فلا يقال مع إمكان الجمع العرفي بين روايات الذراع و القامة بمراتب الفضل-: لا تصل النوبة إلى الحمل على التقيّة، بل الاستدلال، كما يكون بالروايات المنقولة، يكون أيضاً بعمل الشيعة، الكاشف عن خلاف هذا المدّعى؛ فهو أيضاً ممّا يكشف الكاشف

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 5، ح 1.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 3، ح 13 و 9.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 3، ح 13 و 9.

(4) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8، ح 35.

بهجة الفقيه، ص: 88

عن اعتقادهم بشي ء، أو عدم اعتقادهم بشي ء، الكاشف عن المذهب الحقّ عندهم؛ كما أنّ عمل المخالفين في مواقع الاختلاف ممّا يكشف عن خلاف الواقع، كما نبّه عليه في روايات العلاج «1» ممّا يفهم به الحكم المخصوص بالعلاج، فتدبّر جيّداً.

و يشهد للحمل على التقيّة في روايات المثل و المثلين قولُه عليه السلام «لزرارة»

أكره لك أن تتّخذه وقتاً دائماً

«2»؛ فإنّ التخصيص به، لمكان معروفيّته و أصحابه، بالوقت المخالف لوقتهم، و الموافق للواقع، كما أنّ إرساله إليه بالمثل و المثلين «3» أي بتأخير الظهر إلى المثل، و العصر إلى المثلين، المقطوع بأنّه لأجل أن لا يعرف الشيعة بما يعتقدون من الوقت؛ فإنّ التأخير إلى المثل في الظهر مخالف لعمل العامّة أيضاً، مع تحقّق العدول عن هذا لمثله بإرساله «4» ثانياً «بأن يصلّي في مواقيت أصحابه»

المعلوم في الرواية الأُخرىٰ «5» «أنّ زرارة كان يعتقد الذراع و الذراعين و أنّه وقت أصحابه» و إن لم يعدل زرارة بالإرسال ثانياً عن عمله بعد الإرسال الأوّل.

مع أنّ وقوع الاختلاف في نقل صلاته صلى الله عليه و آله و سلم «6» بالمثل و القامة و الذراع و القدمين يشهد لإرادة الأمر الواحد، و لا يكون ذلك إلّا في قامة الذراع، و قامة الرحل، و هو المعبّر عنه بالذراع في الفي ء «7»، و القدمين في الفي ء، لا قامة الظلّ؛ و كون الظلّ مثل القامة حتّى لا يفرّق بين كون ذي الظلّ حائطاً، أو مقياساً قدر ذراع كالرحل بحسب زمان المماثلة مع ذي الظلّ.

______________________________

(1) الوسائل 18، أبواب صفات القاضي، الباب 9.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 5، ح 10.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8، الحديث 13 و 33.

(4) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 9، ح 14.

(5) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8 ح، 3 و 4.

(6) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 10 و 8.

(7) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8.

بهجة الفقيه، ص: 89

و الشاهد الآخر لهذه الوحدة، المذكور في النقل «المختلف «، وقوع عمله صلى الله عليه و آله و سلم على الذراع و الذراعين من في ء الحائط، و لا يكون ذلك إلّا بالوحدة المذكورة؛ فيكون رواية المثل الغير القابلة لهذا الجمع مع الروايات الأُخر مورداً لترجيح المقابل المتواتر المشهور رواية و عملًا، الواضح دلالة، على الشاذّ الموافق للعامّة.

الجمع بين الروايات بالحمل على مراتب الفضيلة، و الخدشة فيه و أمّا الجمع بالحمل علىٰ مراتب الفضيلة و أنّ مبدأها للظهر من الزوال إلى القدمين إلى المثل بعد استثناء القدمين لنافلته؛ و للعصر بعد فعل الظهر

إلى الأربعة أقدام إلى المثلين بعد استثناء الأربعة لنافلته، بعد الظهر بعد نافلته، مع اشتراك الوقت في كلّ من مبدئه إلىٰ منتهاه المذكورين علىٰ فضيلة زائدة على ثواب أصل الصلاة مفقودة في ما بعد المثل للظهر، بعد المثلين للعصر، مع وقوع الاختلاف في كل بأنّ ما قرب إلى الزوال أفضل ممّا بعُد منه، فيمكن الخدشة فيه بأنّ ما بعد المثل و المثلين أيضاً مشتمل علىٰ ثواب أصل الصلاة، و المتأخّر في ما بعدهما أيضاً، مفضول بالنسبة إلى المتقدّم في ما بعدهما أيضاً، فلا بدّ من الالتزام بالزيادة علىٰ فضيلة أصل الصلاة في ما بعدهما أيضاً، فلا فارق بين ما بعد المثلين و المثلين.

إلّا أن يقال: مراتب الفضل فيهما مختلفة بالزيادة و النقصان كمّاً و كيفاً بالنسبة إلى الفضيلة الزائدة علىٰ فضيلة الصلاة؛ و أمّا بعدهما فالفضيلة مفقودة زائدة على فضيلة أصل الصلاة، و الموجود بعدهما فضيلة أصل الصلاة المختلفة بحسب الكيف فقط في ما بعدهما، و المشتركة بحسب الكمّ بعدهما، لفرض أنّ كميّة ما بعدهما لازمة لأصل الصلاة بلا تخصّص بكيفيّة خاصّة، بل تتخصّص بكيفيّة مشتركة بين ما يكون قبلهما و بعدهما إلى الغروب، و تختلف قرباً و بعداً هذه الكيفيّة في مراتبها المقيسة إلى الزوال الذي هو مبدأ وقت الصلاتين.

بهجة الفقيه، ص: 90

نتيجة البحث فتحصّل ممّا مرّ: أنّ روايات الذراع و القدمين «1»، بل القدم «2»، و السبحة «3»، و التعبير بالبُعَيْد بالتصغير في اليومين «4»، و قوله عليه السلام «5»

خفّف ما استطعت في الثماني ركعات

بضميمة عدم الفصل بين ذراع الظهر و المثل، و ذراعي العصر و المثلين في رجحان الانتظار، أو المبادرة، و قوله عليه السلام في عدّة روايات ما ينافي رجحان

التأخير للعصر إلى المثل، في قبال الجمع بين الظهرين و نوافلهما بعد الزوال على الاتصال، تقرب من التواتر، و متأيّدة بعمل أهل الإيمان في الجهة المقصودة، موافقة لعمله صلى الله عليه و آله و سلم في الذراع و الذراعين من في ء حائط المسجد الذي كان قامة «6» و في هذه الطائفة تفسير للقامة بالذراع، و أنّها قامة الرحل لا الحائط يعني حدّ نفس الرحل، لا ظلّه حتى يساوي المثل المتّحد في موارد اختلاف ذي الظلّ.

فإمّا أن لا يصحّ النقل للقامة، و المثل في تعليم «جبرئيل» في اليومين «7»، أو يكون نقله موافقة للقوم بما فهموه، و هو المناسب لظهور روايات المثل و القامة، و خصوص رواية «يزيد بن خليفة» «8» من جهة التعبير بالقامة و دخول وقت العصر بعدها، و تحقّق المساء بعد القامتين لولا الحمل بسبب الجمع علىٰ دخول الوقت المختصّ بفضيلة العصر، و لا يمكن فيها حمل القامة على الذراع.

كما يرشد إليه اختلاف النقل في طرقنا عن ذلك؛ و أنّ عمله صلى الله عليه و آله و سلم بخلاف هذا

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 5، ح 8 و 10.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 5، ح 8 و 10.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 5، ح 13 و 14.

(4) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 10، ح 8.

(5) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 3، ح 9.

(6) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8.

(7) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 10، ح 5 و 12.

(8) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 5، ح 6 و 13.

بهجة الفقيه، ص: 91

التعليم؛ و أنّ ذا القامة، الرجل، لا حائط المسجد؛ و أنّ المدار، على مساحة الرحل، لا ظلّه،

يعني علىٰ أنّ القامة منتهى فضيلة الظهر، و القامتين، منتهىٰ فضيلة العصر.

كما يدلّ عليه قوله عليه السلام بعد القامتين

و ذلك المساء

، في خبر «يزيد بن خليفة»،

و ظلّ مثلك

في رواية أُخرى «1» و

حتّى صار ظلّ كلّ شي ء مثله و مثليه.

كما عن «العلّامة» مرسلًا «2»، فيكون المختصّ بفضيلة العصر، أوّل المثلين، و لا فضيلة للظهر فيه، أو في ما بعد أوّله لخصوص من لم يصلِّ الظهر؛ و أمّا المصلّي للظهر، ففضيلة العصر تبتدئ بعد فعل الظهر و لو في أوّل وقته.

فمعنى ذلك، أنّ فضيلة العصر لا تتحقّق قبل المثل إلّا لمن صلّى الظهر؛ و أنّ فضيلة الظهر، تنتهي إلى المثل أو إلىٰ أزيد منه بقدر أدائه؛ و أنّ التفريق بين الصلاتين، بنحو يدرك فضيلتهما، فغايتُه الإتيان بالظهر في آخر المثل و بالعصر في آخر المثلين، و هذا أقلّ فضلًا فيهما؛ و أنّ الأفضل في هذا التفريق رعاية الذراع و الذراعين، و لا استبعاد في التفريق مع قلّة الفضل، كما وقع مثله في المغرب، في ما بين الغروب و ذهاب الشفق المغربي، كما وجّهناه.

و قوله عليه السلام في رواية

و أوّل وقت العصر قامة «3»

؛ فإنّه كالتعبير بالدخول في ما سبق، و عبّر أيضاً بأنّ آخر وقت الظهر قامة إلّا النافلة للحمل على الذراع، فيكون محمولًا علىٰ مراتب الفضل، و فيها تعليل بالنافلة، يعني أنّ اقتطاع الذراع و الذراعين من أوّل الوقت علىٰ الاتصال إنّما هو لتحديد التنفّل، و يكون التحديد بالمثل و المثلين لغير هذه الجهة.

و عليه، فظهور الثمرة، في تأخير العصر إلى المثل؛ فإنّه أوّل وقت الفضيلة على حسب ما يتراءى من روايات المثل و المثلين، مع أنّه الأوّل لمن صلّى الظهر في آخر

وقت

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 5، ح 6 و 13.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 9، ح 14.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8، ح 29.

بهجة الفقيه، ص: 92

فضيلته، و إلّا فبعد الظهر و نوافل العصر يكون المبادرة إلى العصر أفضل من التأخير إلى المثل، بل إلى الأربعة أقدام أيضاً على الاعتبار بها في وقت العصر للفضيلة، و يكون الحاصل أنّه لا حدّ لمريد الجمع إلّا الوصل بالظهر مع النوافل إن لم يخرج وقتها؛ و غيره ليس فيه إلّا أنّه إن أخّر الظهر عن الأوّل، فلا يؤخّره إلى الأربعة؛ و إن أخّر فلا يؤخّره إلى المثل؛ و إن أخّر العصر، فلا يؤخّره عن الأربعة بغير أربع ركعات؛ و إن أخّر فلا يؤخّره عن المثلين. و الأقرب إلىٰ الأوّل الحقيقي، أفضل. و يجري في تأخير المجموع، ما ذُكر في تأخير كلّ منهما؛ و في قبال ذلك ما عليه القوم من أنّ أول وقت العصر، المثل، أو آخر المثلين، فالثاني عن «أبي حنيفة»، و الأوّل عن «مالك» و جماعة. تقريب آخر للجمع بين روايات المقام و ممّا قدّمناه يظهر تقريب آخر للجمع، بأنّه لا بدّ عندنا من حمل جميع روايات المقام علىٰ اختلافها على بيان وقت الفضيلة، لدلالة الروايات المعتبرة المعمول بها عند المشهور علىٰ إجزاء الظهرين بين الحدّين، مع استثناء الأربع في الأوّل و مثله في الآخر فيبقى الكلام في الفضل و أنّه، علىٰ حسب أخبار المثل و المثلين أو الذراعين. و ذلك بعد استثناء ما كان من أخبار المثل قابلًا للحمل على الذراع كما مرّ، و ليس إلّا قليلًا من روايات القامة و المثل، مع القرينة في بعض القسم الأوّل، أعني ما

نقل عن بعض أئمّتنا عليهم السلام علىٰ إرادة مثل الشخص «1»، لا مثل مساحة الرحل و وقوع الاختلاف في ما بين رواياتنا في نقل تعليم «جبرئيل»، و رجحان ما فيه الذراع بحكاية عمله صلى الله عليه و آله و سلم في رواياتنا، علىٰ رواية المثل الموافقة لرواياتهم، أعني العامّة.

و بعد ذلك يقال: إنّه لو عمل بروايات الذراع، أمكن حمل روايات المثل على مراتب

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8، ح 13 و 33.

بهجة الفقيه، ص: 93

الفضيلة على النحو المتقدّم قريباً؛ و لو عمل بروايات المثل على ظاهرها، يلغو روايات الذراع المتواترة، لدلالة الأُولىٰ على عدم الفضل قبل تمام المثل للعصر، و الثانية على إدراك فضيلته بعد الذراع.

إلّا أن يقال: إنّ ذلك للمتنفّل فقد حصّل فضيلة النفل الراجحة على فضيلة وقت العصر في المثل، فيجاب بما في بعضها من خروج وقت العصر بعد الأربعة و الذراعين، و بأنّ ظاهرها إدراك فضل الوقت، لا فضل آخر يوازي فضل الوقت. و أمّا القطع بأنّها للفضل المختلف فيه بين الذراع و المثل، فهو لمكان القطع بالإجزاء في ما بين الحدّين، مخالفاً لاتّفاق معظمهم علىٰ أنّ الوقت الموسّع في قبال المرغّب فيه للعصر ما بعد المثل، مع اختلافهم في حدّه أيضاً. و قد مرّ أنّ روايات الذراع أيضاً، مع ما في بعض الروايات من التعبير بالقدم في الظهر، و الشبر بعد ذراع الظهر، منفيّة ببعض المعاني في رواية «السبحة»، الّتي يستفاد منها أنّ أفضل أوقات الفرضين هو الشروع بعد الزوال في نافلة الظهر، ثم في الظهر، ثمّ في نافلة العصر، ثمّ في العصر، من دون انتظار لشي ء من التحديدات التي ربّما تتأخّر عن الوصل المذكور بين الفرضين و

النفلين. و أقلّ النفي، الحمل علىٰ نفي أفضليّة راية هذه التحديدات المبتدئة من القدم إلىٰ آخر المثلين، و المنتهية إلى آخر المثلين أو إلى الغروب. مع مساواة الصلوات في السهولة و الرفق، و الجماعة، و سائر المرجّحات؟ و عدمها؛ فيكشف ذلك عن أنّ إلقائها لمصالح و حكم أُخَر يمكن معرفتها بملاحظة أعمال المسلمين و أحوالهم.

فتحديد فضل العصر بالمثل «1» على الإطلاق مع مخالفته للتحديد بالذراع، لا يجتمع مع كون المؤخّر إلىٰ ستّة أقدام مضيّعاً، كما في رواية «2»، و كذا الأمر بصلاة العصر

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8، ح 13.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 9، ح 2، 5، 6.

بهجة الفقيه، ص: 94

علىٰ قدر ثلثَي قدم بعد الظهر في رواية «1»، و قوله

آخر وقت العصر ستّة أقدام و نصف.

في رواية «2».

فبعد البناء على الثابت عندنا من أنّ حدّ الإجزاء ما بين الحدّين للصلاة، مع استثناء الأوّل للأُولىٰ، و الأخير للأخيرة لا يكون الاختلاف إلّا في الفضل.

فقد مرّ: أنّ الأوّل أفضل على الوجه المتقدّم فيكون ما بعده إلىٰ آخر المثلين مراتب الفضل بالنحو المتقدّم؛ فروايات الباب مختلفة في التحديدات، و ليست جامعة لها، دالّة علىٰ أنّها مراتب، بل ضرورة الجمع بين المختلفات تدعو إلىٰ ذلك. و هي مع اختلافها في بيان حدّ الفضيلة، مختلفة في قابليّة حمل بعضها، لما فيه من القامة بالذراع، و إن كان الحمل على المراتب أقرب من هذا الحمل، إلّا أن يكون المراد من روايات التفسير اقتران الأصل بقرينة الصدور. و بعضها غير قابلة لذلك، كما دلّ علىٰ دخول وقت العصر بعد المثل الذي يخرج به وقت الظهر، و أنّ ما بعد العصر المساء «3»؛ فلا بدّ فيه

من الحمل علىٰ بعض ما مرّ من أنّه حدّ خروج وقت الفضيلة للظهر، و وقت دخول الوقت المختصّ بفضيلة العصر. و مثل ما دلّ على التحديد بصيرورة ظلّ كلِّ مثله و مثليه «4»، كما رواه «العلّامة» قدس سره في ما حُكي عنه، موافقاً لما رواه العامّة مع الاختلاف الآخر في كون المثل حدّ التوسعة للظهر عندهم، و المثلين آخره، أو أوّله حدّ التوسعة للعصر، فيخرج وقت الظهر بالمثل، و يدخل به عندهم وقت العصر، أو لا يدخل أيضاً إلّا بعد المثلين، فيكون ما يقبل الحمل للمثل على الذراع محمولًا عليه؛ و ما لا يقبله، لكنّه يمكن حمله على مراتب الفضيلة، يُحمل عليها على النحو المتقدّم؛ و ما لا يقبل ذلك أيضا أو يستبعد فيه ذلك، يحمل علىٰ إرادة الموافقة مع القوم في بيان الوقت بالمثل و المثلين؛ و إن كان المراد بحسب الإجزاء و الفضل علىٰ الاختلاف في ما بين الفريقين؛ و ما لا يقبل هذا أيضاً كالقدم في الأوّل، و ذراع و نصف في العصر، و القدم للظهر، و القدمين للعصر في قوله عليه السلام

النصف من ذلك أحبّ إليّ «5»

و ثلثا القامة لنافلة الظهر في رواية «6»، فهي في المخالفة لما عندهم كالذراع و الذراعين حيث ليس في ما بينهم من الأقوال المعروفة، فمثل ذلك لا يأبىٰ عن الحمل على مراتب الفضل.

حمل بعض الروايات على التقيّة فإن كان بعض التحديدات آبياً عن الحمل المذكور بخصوصيّات في عبارات الروايات، فلا بدّ من الحمل على التقيّة التي لا يعتبر فيها وجود القول به من المخالفين، كما يدلّ عليه ما في الرواية «7» من الأمر بالصلاة علىٰ الاختلاف لئلّا يعرفوا بوقت خاصّ، مع إمكان الحمل على

التقيّة الموافقة لأقوال أكثرهم؛ فإنّ روايات المثل و المثلين موافقة لفتاوىٰ أكثرهم و لعملهم، حتّى أنّ أمر «زرارة» موافق لآخر وقتي الظهرين عند أكثرهم، و لآخر وقت الظهر و أوّل وقت العصر عند «أبي حنيفة» و أصحابه، لكنّه ليس بحيث لا يكون موافقاً للواقع رأساً؛ فإنّ هذا العمل المذكور في غير أمر «زرارة»، موافق لما هم عليه من وقت الإجزاء، لما نحن عليه في وقت الفضيلة، مع مخالفة أُخرى في القول دون العمل، و هو أنّ أوّل تمام المثل وقت دخول إجزاء العصر عند أكثرهم، و ليس إلّا من وقت فضيلة العصر عندنا، لا الإجزاء و لا دخول فضيلة العصر.

فالحمل على المراتب في بعضها، و على التقيّة بهذا النحو المذكور في بعضها الآخر، لعلّه أقرب أنحاء الجمع.

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 9، ح 2، 5، 6.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 9، ح 2، 5، 6.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 10، ح 1.

(4) مستدرك الوسائل، أبواب المواقيت، الباب 9، ح 14.

(5) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8، ح 22 و 23.

(6) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8، ح 22 و 23.

(7) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 7، ح 3.

بهجة الفقيه، ص: 96

و ليس الحكم الواقعي عندنا انتظار المثل للعصر، أي لدخول فضيلة العصر، كما حُكي التصريح به عن جماعة منّا، منهم «المفيد» في «المقنعة»؛ فإنّه علىٰ خلاف روايات السبحة، و الذراع، و غيرهما ممّا يخالف ما عليه العامّة. و في بعض هذه التعبير بالتضييع قبل المثل فلا يكون الفضل في الانتظار؛ و في بعضها التحديد بالقدم و القدمين، يعني الشطر من الذراع و الذراعين؛ و في بعضها تمام الأربعة أقدام للظهر، و

بعدها للعصر إلى الغروب كرواية «الكرخي» «1».

مفاد رواية التعليم و أمّا رواية التعليم، فإن كانت على الذراع و الذراعين، كما هو إحدى الروايتين المختصّة بنا، فهو؛ و إلّا فهو لتعليم حدَّي الفضيلة لمن أراد إدراك الفضيلة مع التفريق؛ فليس فعل العصر في اليوم الأوّل لمكان أنّه أوّل فضيلة العصر، بل لمكان أنّه آخر فضيلة الظهر، و أنّ غاية التفريق الذي يدرك به فضيلة العصر وقوعه في ما بين هذين الحدّين، يعني أنّ ما بين العصرين في اليومين وقت يدرك به الفضيلة للعصر، مع حفظ نسبة التفريق في اليومين، لا أنّ ما قبلهما ليس بوقت فضيلة للعصر.

كما أنّ ما بين الظهرين في اليومين وقت للظهر يدرك به فضيلة الظهر، و القرب إلى الزوال فيهما موجب لمزيد الفضل فيهما بما أنّه قرب للزوال فيهما، لا بما أنّه قرب للمثل في العصر.

و يدلّ علىٰ أن وقتي التعليم لأجل ذلك لو كان النقل كذلك، وقوع عمله صلى الله عليه و آله و سلم بعد ذلك علىٰ ما بين الحدّين في اليوم الأوّل علىٰ نقل المثل، لا علىٰ ما بين الحدّين في اليوم الثاني علىٰ نقل المثل، و هذا هو الموافق لروايات الذراع و الذراعين.

و يشهد لرجحان الأخذ بروايات الذراع، ما فيها من التعليل بأنّ اقتطاع هذا المقدار للنافلة، و أنّه بعد الذراع تعيّن الظهر، و بعد الذراعين تعيّن العصر؛ فلا يبقىٰ محلّ للتقدير

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8، ح 32.

بهجة الفقيه، ص: 97

للفرضين بالمثل و المثلين، إلّا أضعف الفضل لا أقواه.

و يشهد له أيضاً عمل الشيعة علىٰ ترك الانتظار، كما هو معلوم من السيرة المستمرّة، و يدلّ على قوله عليه السلام في إرساله ثانياً إلىٰ «زرارة»

فليصلّ في مواقيت أصحابه «1»

بعد معلوميّة أنّ المعهود لدى «زرارة»، الذراع و الذراعين، كما يعلم من روايته الأُخرىٰ «2». و قد مرّ استفادته من سائر الروايات المتقدّم إليها الإشارة.

[البحث الثاني] وقت العشائين

و قد مرّ أنّ العشائين وقتهما من الغروب إلى النصف، مع اختصاص الأوّل بالأُولىٰ و الأخير بالأخيرة. و قد مرّ أنّ المدار في الغروب، الاستتار، و أنّ الأحوط الأفضل، الانتظار إلى ذهاب الحمرة. و الظاهر أنّ المراد به من الروايات، ذهاب الحمرة من جانب المشرق؛ ففي بعضها

إذا غابت الحمرة من هذا الجانب يعني من المشرق «3»

؛ و في بعضها

إذا ذهبت الحمرة من المشرق «4»

؛ مع التعليل في آخره؛ و في بعضها

أن تقوم بحذاء القبلة، و تتفقّد الحمرة التي ترتفع من المشرق

، فإذا جازت قمّة الرّأس (يعني أعلاه) إلى ناحية المغرب، فقد وجب الإفطار، و سقط القرص» «5»، و ما سبق ظاهره في زوال الحمرة من جانب المشرق رأساً.

و الأخير يحتمل فيه إرادة ارتفاعها عن محاذاة رأس المقيم، و يمكن استفادته من رواية التعليل علىٰ أن يراد أنّ الغيبوبة في كلّ حدّ في المغرب تلازم الذهاب من حدّ في المشرق.

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 9، ح 14.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8، ح 33.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8، ح 1 و 2 و 3.

(4) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8، ح 1 و 2 و 3.

(5) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8، ح 1 و 2 و 3.

بهجة الفقيه، ص: 98

و أمّا كون الجواز إلىٰ ناحية المغرب، فيمكن أن يكون ذلك من أوائل ظهور الحمرة في المغرب، و هو بخلاف ما إذا علّق الأمر على الذهاب من المشرق و

ظهورها في المغرب؛ فإنّه يتّضح الذهاب و الظهور في زمان واحد.

و الظاهر أنّ قوله عليه السلام

أن تقوم. «1»

لاستعلام موضع الحمرة و تعيين المشرق، لا لتعرّف حدّ القائم و الجواز عن سمت رأسه. و على احتماله فللغروب مراتب الاستتار، و الجواز عن حدّ رأس الواقف، و ذهاب الحمرة عن جانب المشرق، كما في المطلق، و الذهاب إلى المغرب عن ربع الفلك، كما في التحديد للآخر؛ و أنّ فضيلة المغرب، إلىٰ سقوط الشفق المغربي، و فضيلة العشاء، بعد سقوط الشفق المغربي إلى الربع، و الثلث علىٰ مراتب الفضل. و جواز تأخير المغرب عن سقوط الشفق بلا عذر، كجواز تقديم العشاء عن سقوطه بلا عذر بعد صلاة المغرب؛ و أنّ الوقت الاضطراري للعشائين إلى الفجر علىٰ ما مرّ.

[البحث الثالث] وقت الصبح

و أنّ وقت الصبح، طلوع الفجر الصادق، و آخر فضله، الإسفار، و هو الموافق لشهود ملائكة الليل و النهار، و أثبتت مرّتين، لأنّ الوقت مع طلوع الفجر الذي مبدأ النهار شبيه بالليل لظلمته، فله أجر صلاة الليل، و أجر صلاة النهار بما أنّها صلاة الوقت المذكور.

و ما عن الدعائم من

أنّ أوّل وقت صلاة الفجر اعتراض الفجر في أُفق المشرق، و أنّ آخر وقتها أن يحمرّ أُفق المغرب، و ذلك قبل أن يبدو قرن الشمس من أُفق المشرق بشي ء، و لا ينبغي تأخيرها إلى هذا الوقت لغير عذر، و أوّل الوقت أفضل

، «2» موافق لما عن «الرضوي» «3» المصرّح بتغاير الحدّين المذكورين، و أنّ طلوع الشمس حدّ العليل

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، ح 4.

(2) دعائم الإسلام 1، ص 139.

(3) فقه الرضا عليه السلام، ص 104

بهجة الفقيه، ص: 99

و المسافر و المضطرّ، و فيه شرح لما

في «الدعائم»؛ كما أنّ

لا ينبغي

في «الدعائم» شرح للرضوي في إرادة الاستحباب؛ و التعبير بآخر الوقت مع إرادة الفضيلة غير قليل.

كما أنّ الظاهر موافقة هذا التحديد لمثله في المغرب علىٰ ما شرحنا به قولهم فيه

لأنّ المشرق مطلّ على المغرب «1»

، فتكون الحمرة المغربيّة كاشفة عن مرتبة من طلوع الشمس يكون إيقاع الصلاة فيها مرجوحاً لغير المعذور؛ كما أنّ الأقرب إلى الفجر أفضل. و غاية الفضيلة، الإسفار، كما ربّما يوافقه ما عن الأصحاب من التحديد بالحمرة المشرقيّة؛ فيكون التحديد بالمغربيّة، آخر المرجوحيّة، لأنّه أبعد من طلوع الفجر و أقرب إلى طلوع الشمس.

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 16، الحديث 3.

بهجة الفقيه، ص: 101

الفصل الثاني أوقات النوافل

وقت نوافل الظهرين

اشارة

و أمّا نوافل الظهرين، ففي «الشرائع» «1»: أنّ وقتها، الذراع للظهر و الذراعان للعصر. و قيل: بالمثل و المثلين، و بالامتداد إلىٰ آخر وقت الفريضة، و أنّ الأشهر، الأوّل.

و يدلّ عليه ما في الروايات «2» من التحديد لوقت الفريضة بالأقدام و الذراع، معلّلة في بعضها بأنّ جعل الذراع و الذراعين، لمكان النافلة «3»؛ و أنّه إذا بلغ الذراع، ترك النافلة و بدأ بفريضة الظهر، و كذا في العصر بالنسبة إلى الذراعين.

و ظاهر ذلك أنّ اقتطاع هذا القدر من أوّل وقت الفريضة لأولويّة النافلة به و أولويّة الفريضة بما بعده، فيترك النافلة في ما بعد الذراع لفريضة الظهر، و نافلة العصر بعد الذراعين لفريضة العصر، فلا يزاحم النافلة الفريضة بعد هذين الحدّين على التوزيع.

و إليه يرجع ما في الرواية من قوله عليه السلام

لئلا يكون تطوّع في وقت الفريضة «4»

؛

______________________________

(1) شرائع الإسلام، 1، ص 52.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8، ح 3 و 28.

(4) الوسائل

3، أبواب المواقيت، الباب 8، ح 3 و 28.

بهجة الفقيه، ص: 102

فلو لم يكن هذا التحديد، لكان كلّ تطوّع في وقت الفريضة، و بالعكس؛ و إنّما الامتياز، لمكان الاقتطاع للحدّ المذكور، بل ظاهر هذا التعليل هو هذا المعنى.

و إليهما يرجع ما في الثالثة من التعليل

بأنّه لمكان الفريضة، لئلّا يؤخذ من وقت هذه و يدخل في وقت هذه «1»

؛ فإنّ ظاهرها أنّه لميز الفريضة عن النافلة وقت، لئلّا يؤخذ من وقت الفريضة فيعطىٰ للنافلة، بأن يؤخّر النافلة و لو بالتطويل إلى أن يتجاوز الذراع و الذراعين. و لو أراد الميز بين وقتَي الفريضتين لقال: «لمكان الفريضتين».

و لو سلّم ذلك، دلّت الروايتان علىٰ أنّ جعل الذراع لكلّ فريضة لئلّا يزاحمها النافلة، فلا ينافي أن يكون أصل الحدّين للفريضة، و سعة كلّ حدّ للنافلة. لكن ظهور وحدة المعلّل في وحدة المراد من التعليل، و أنّه الميز بين الفريضة و النافلة وقتاً، فتكون الروايتان المتقدّمتان شارحتين لهذه.

و عليه، فما دلّ علىٰ نفي التحديدات للفريضة بالقدم و القدمين، يراد به أنّ التحديد للفريضة بما بين الحدّين، و أنّه إنّما يمنع عنهما سبحتهما؛ فمن سبّح في أوّل الزوال و وصل الفريضتين المسبوقتين بنوافلهما، لم يفته فضيلة الفريضتين.

و تدلّ هذه الروايات في أنّ أفضل تحصيل فضيلة الفرضين بنوافلهما أن يخصّ ما بعد الذراع بالظهر، و الذراع بنافلته، و أن يخصّ ما بعد الذراعين بالعصر، و ما بينهما بعد الظهر إلى الذراعين بنوافل العصر على اختلاف بينهما في تقديم الظهر على الذراع و العصر على الذراع، كما يفهم من قوله

و أُحبّ أن يكون فراغك من الفريضة و الشمس على قدمين «2»

أو بعد الذراع و الذراعين، كما فيه ذلك روايةً و

حكايةً عن صلاة النّبي صلى الله عليه و آله و سلم.

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8، ح 21 و 31.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8، ح 21 و 31.

بهجة الفقيه، ص: 103

و لا ينافي التحديد المذكور قوله

خفّف ما استطعت «1»

و قوله

طالت أو قصرت «2»

، يعني السبحة؛ فإنّه تحديد للتخفيف و الإطالة؛ فالمخفّف يتأكّد في حقّه الأقلّ من الذراع، و المطوّل يقصّر في إطالته من الذراع. التعبيرات الثلاثة في الروايات و مقتضى الجمع فهاهنا تعبيرات ثلاثة:

أحدها

إن شئت طولت، و إن شئت قصّرت «3»

، ثانيها

خفّف ما استطعت

، و ثالثها

الذراع و الذراعان.

و ظاهر الثاني، الوصل بالزوال مع التخفيف المقدور، و لا يبلغ إلى الذراع قطعاً في المتعارف، و الترخيص في الإطالة مع محبوبيّة التخفيف بقدر الاستطاعة، كما يدلّ عليه قوله

و أُحبّ أن يكون فراغك من الفريضة و الشمس علىٰ قدمين «4»

يحمل علىٰ رجحان التخفيف في أقلّ من ذراع أيضاً، كما في كلّ دليل علىٰ أمر بشي ء مع الدليل على الترخيص في تركه.

و مقتضى الجمع أنّ الإطالة لا تتجاوز عن الذراع، و التّخفيف أرجح من البلوغ إلى ذراع، و ذلك لمعلوميّة أولويّة قرب الفريضة بأوّل الوقت، كما يستفاد من روايات أفضليّة أوّل الوقت «5»، و أنّه ليس المسوّغ إلّا تحصيل فضيلة التنفّل الحاصلة بأقلّ مسمّى الصلاة و الاشتغال بذلك، مع أنّه اشتغال صلاتي حاصل في الفريضة بالنحو الأكمل، مفوت للفريضة عن اللحوق بالأوّل، فالأوّل بحسب القرب من أوّل الوقت.

نعم، يمكن أن لا يستفاد من هذه الروايات سوىٰ أولويّة الفريضة بالوقت بعد الذراع، و النافلة به قبل الزوال عند المزاحمة لا مطلقا، كما هو معلوم في السفر، و في يوم

______________________________

(1)

الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 15.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 5، ح 3.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 5 ح 4.

(4) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8، ح 31.

(5) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 3.

بهجة الفقيه، ص: 104

الجمعة، و كذلك غير المتنفّل؛ كما يفهم ذلك من أنّ المانع عن تعجيل الفريضة النفل، المفروض عدمه بالاختيار مطلقا، فهو المفوّت على نفسه فضيلة النافلة، و لا وجه له لتفويت فضيلة الفريضة في القرب إلىٰ الأوّل، لا بالنحو الأكمل الحاصل بالجمع بين الفريضة و النافلة؛ فيمكن الأخذ بإطلاق ما دلّ علىٰ تقديم النفل على الفريضة «1»، و إن كان التقديم مع الجمع إلى الذراعين و الذراع بل أقرب إلىٰ أوّل الوقت، أفضل.

مستندات القول بالمثل و المثلين و الملاحظة فيها و أمّا ما يمكن الاستناد إليه في الامتداد للمثل و المثلين، فأُمور:

منها: أن تحديد وقت الفريضة بالمثل مع ما دلّ علىٰ تقدّم النفل على الفرض، يقتضي في صورة عدم تحديد للنفل امتداد النفل بامتداد الفرض، المفروض أنّه المثل؛ و أمّا التحديد بالذراع، فإمّا لا يختار هذا القائل بالمثل في الفرض، أو يختار الحمل على الفضل، فلا ينافي بقاء الوقت ببقاء وقت الفرض. و إن كان كالفرض مرجوحاً بالإضافة إلى الإيقاع قبل الذراع و الذراعين؛ فإنّ ما دلّ على الذراع معيّن لوقت أولويّة الفرض و النفل، فلا يكون في أحدهما للفضل، و في الآخر للتوقيت الحتمي.

[و] منها: ما دلّ علىٰ أنّ السبحة بين يديِ الفرض إن شئت طوّلت؛ و إن شئت قصّرت. و مقتضى الإطلاق ثبوتها مع الزيادة بالتطويل عن الذراع و الذراعين؛ و أمّا الزيادة على المثل و المثلين، فخارجة عن المتعارف في تطويل النافلة بهذا المقدار،

و ليس مثله الذراع و ما زاد عليه، كما لا يخفى.

أو يقال: إنّ هذه الروايات، تدلّ علىٰ أنّ السبحة مقدّمة على الفرض؛ فما دلّ علىٰ أنّ انتهاء الفرض المثل، يدلّ بضميمة هذه الروايات علىٰ امتداد النفل وقتاً إلىٰ ما قبل الفرض حيث يذهب، و هو المثل؛ إلّا أنّ المفهوم من روايات السبحة اتصالها بالزوال، و المتعارف في تطويلها لا يزيد على الذراع الذي يقرب من عشرين دقيقة،

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب أعداد الفرائض و نوافلها، الباب 13.

بهجة الفقيه، ص: 105

كما يحسب؛ فيكون الإطلاق لما بعد الذراع المقتطع من أوّل الوقت للنفل ضعيفاً. نعم، لا بأس به في تقدير عدم القول بالذراع رأساً، أو حمله على ظلّ الذراع كي يوافق المثل. و ورد في روايات «السبحة»، ما ينفي جميع التحديدات؛ و المراد نفي موضوعيّتها بحيث يستلزم رجحان الانتظار و لو بعد التنفّل، لا مطلقاً حتّى المعرّفيّة لما هو وقت النافلة بما أنّه وقتها لمن لم يأتِ بتمامها إلىٰ ذلك الوقت، و هو الذي لا يناسبه الانتظار بعد إتمامها؛ و لذا ورد تصويب نقل الإقدام في مكاتبة «عبد اللّٰه بن محمد» «1»؛ فالثابت، المعرفيّة؛ و المنفيّ، الموضوعيّة. و لذا لم يُجب عن الاختلاف في الانتظار و فضله، و في عدم الإجزاء رأساً، و إنّما أجاب عن الذراع و نفيه.

و منها: ما دلّ علىٰ أن

كان حائط مسجد رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم قامة، فإذا مضي من فيئه ذراع، صلّى الظهر، و إذا مضى من فيئه ذراعان، صلّى العصر «2»

، بناءً علىٰ أنّ الحائط كان ذراعاً لما دلّ علىٰ أنّ القامة الذراع؛ فنصوص القامة و القامتين، مطلقاً كذلك، كما عن «المعتبر».

و يمكن دفعه بأنّ

الحائط و الجدار كما وقع التعبير بكلّ منهما في حائط المسجد عرفاً لا يصدقان على ما مساحته ذراع، خصوصاً مع التعبير بأنّه

كان حائط مسجد رسول اللّٰه قبل أن يظلّل قامة «3»

؛ فإنّه يغاير التعبير ب «قبل أن يرفع للتظليل» مع أنّ القامة بحسب ما يفهمه العرف قامة الإنسان، و التفسير بالذراع لا يوجب الحمل في جميع ما ورد فيه لفظ القامة مع احتمال عدم إرادة التفسير، بل تبديل اللفظ و العبارة بمناسبة قامة الرحل مع نقل آخر بعبارة منه لا من فيئه، و الأوّل أظهر في التبعيض من نفس الحائط، و أنّ الذراع و الذراعين في نفس الحائط.

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8، ح 30 و 27 و 7.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8، ح 30 و 27 و 7.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8، ح 30 و 27 و 7.

بهجة الفقيه، ص: 106

مع أنّ السؤال و الجواب عن اختلاف الجدار «1»، لا يناسب إرادة الذراع من القامة، لأنّ المثل متّحد في الجميع و قد مرّ أنّ التعقيب بالمساء «2» ظاهر، بل صريح في إرادة قامة الإنسان. مع أنّ الواقع في رواية «يعقوب بن شعيب»: «ذراعاً من فيئك» «3» و كذا الرواية الثانية من الباب الثامن. و هو أيضاً صريح في إرادة مثل الشخص لا الذراع.

مع أنّ الاستدلال لا يتم إلّا بضميمة أنّ وقت النافلة يمتدّ بامتداد فضيلة الفريضة، و حيث أنّ فضيلة الفريضة المثل، فكذا النافلة قبل الفريضة لا يفوت فضلها قبل الفرض.

مع أنّ الرواية الثالثة عشر من الباب الخامس «4» ينفي جميع التحديدات التي منها الذراع، و منها ظلّ مثلك، مع تواتر مجموعها؛ فالمنفيّ هو ثبوت الموضوعيّة لهذه

التحديدات، لا المعرفيّة للفراغ من النوافل؛ فيفهم ثبوت جميعها علىٰ هذا الوجه، لا أنّ مطلق ما ذكر فيه المثل كان مخالفاً للواقع و إنّما صدر تقيّة، و لازمه الحمل علىٰ مراتب الفضل في جهة المعرّفية علىٰ ما قدّمناه.

و أمّا التفسير بالقامة، فإنّما يراد منه أنّ ما وقع فيه التعبير بالقامة، يراد منه الذراع حيث لا قرينة على الخلاف، و قد وقع مع القرينة على الخلاف، و ورد ما يغني عن القامة من قوله عليه السلام

إذا صار ظلّ كلّ شي ء مثله «5»

، كما نقل عن «العلّامة» موافقاً لما نقله القوم، و إن اختلف الفهم في بيان نهاية الفضيلة للفريضتين فقط، أو بدايته و نهايته فيهما.

و لازم هذا الجمع المقابل لحمل خصوص ما دلّ على المثل و المثلين على التقيّة،

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8، ح 10.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 5، ح 6.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8، ح 18.

(4) تقدم تخريجها آنفاً.

(5) مستدرك الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 9، ح 14.

بهجة الفقيه، ص: 107

امتداد وقت النفل بامتداد الفريضة، لأنّهما معاً موقّتان بالزوال و الغروب، ففي أيّ حدّ وقع الفرض في أيّة مرتبة من الفضل، كان فضل النفل في ما قبله محفوظاً، إلّا أن يقوم دليل علىٰ خلافه، و قد دلّ على المرجوحيّة بالإضافة في ما بعد الذراع و الذراعين، يعني أنّ الجمع بتقديم الفرض بعد الزوال أفضل من الجمع بتقديم النفل، كالعكس في ما قبل الزوال للظهر، و في ما بعد الزوال لنافلة العصر و فريضته.

و لكن مجرّد الأولويّة لا يقتضي إلّا المرجوحيّة بالإضافة، لا خروج وقت النافلة بحيث تكون قضاءً قدّمه على الفرض بعد الذراع، أو أخّره عنه بعد

الذراع، بل رجحان الظهر بعد الذراع بلا نافلة رأساً علىٰ ما كان بعد النافلة المؤخّرة عن الزوال غير معلوم، و إنّما الثابت رجحان ما تأخّر نفله علىٰ ما تقدّم نفله، كما يدلّ عليه قوله عليه السلام

بدأت بالفريضة «1»

أي ثنّيت بالنافلة، و الأولويّة لا تدلّ إلّا علىٰ عدم المزاحمة، لا عدم الوقتيّة؛ فيكون التحديد في كلّ من الفرض و النفل للفضل، لا للتّوقيت.

الملازمة بين النوافل و الفريضة في امتداد الوقت و ممّا ذكرنا يظهر وجه امتداد النفل بامتداد الفرض وقتاً في مراتب الفضل و الإجزاء، من الزوال إلى الغروب في الظهرين، على المعنى المتقدّم الذي ينحفظ فيه المرجوحيّة بالإضافة في ما بعد الذراع لتقديم النفل على الفرض في قبال فعل الفريضة قبل النافلة، دون فعل الفرض بلا نفل أصلًا في ما بين الحدّين.

و أمّا ما دلّ علىٰ أنّ النافلة بمنزلة الهديّة «2»، فلا ينافي توقيت النافلة، بل على تعدّد المطلوب فيها بالنسبة إلى إيقاعها في الوقت و قبله، كما دلّ الأمر بقضائها «3» على التعدّد

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8، ح 23.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 37.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 57.

بهجة الفقيه، ص: 108

من حيث الإيقاع في الوقت و بعده. نعم، لا دلالة لشي ء من الطائفتين علىٰ امتداد الوقت المعيّن بالتوقيت.

و يمكن الاستدلال بإضافة الراتبة إلى الفريضة الخاصّة، في أنّ وقتهما متّحد بعد ثبوت التوقيت فيهما، و أنّه لا اختلاف إلّا في الفرض و النفل، و السبق و اللحوق، فلا يكون فعلها بعد المثلين قضاءً، بل في وقتها المفضول بالإضافة؛ و كذا ما دلّ علىٰ عدم فوت صلاة حتّى يدخل وقت الأُخرىٰ، لعمومه للنفل؛ و ما دلّ علىٰ خلافة

الليل و النهار الدال علىٰ بقاء وقت النفل بقاء الليل في الليليّة و النهار في النهاريّة، إلّا ما علم خروجه.

و أمّا ما في موثّق «سماعة» من قوله عليه السلام

و الفضل إذا صلّى الإنسان وحده، أن يبدء بالفريضة، إذا دخل وقتها ليكون فضل أوّل الوقت للفريضة و ليس بمحظور عليه أن يصلّي النوافل من أول الوقت إلى قريب من آخر الوقت «1»

فصدره محمول علىٰ وقت الفضيلة للفريضة، فيكون دالّاً علىٰ مرجوحيّة النافلة المبدوّ بها في وقت فضيلة الفريضة إلى آخر وقت الفضيلة، و هو علىٰ خلاف التحديد بالمثل لو كان هو وقت فضل الفريضة، و بالأقدام لو كان العبرة بها فيه. و يحتمل التفكيك، فيكون الأوّل للفضل و الآخر للإجزاء، فيكون موافقاً للقول الثالث.

و أمّا إعراض المشهور عن روايات الهديّة و تقديمها و تأخيرها، فلا ينبغي الحمل علىٰ عدم الوثوق بالصدور أو جهته؛ فقد عمل «الشيخ» قدس سره بمقيّداتها بالعذر، و يُوجد في إسنادها حتّى المطلقات جماعة من فقهاء المحدّثين، بل لعلّه، من حيث عدم بنائهم لذكر جميع الفروض و الفروع، مع استفاضة هذه الروايات، و شهادة بعض ما فيها بالجمع؛ و أنّ الأفضل المواظبة علىٰ الأوقات، و غلبة مصادفة الأوقات الفاضلة للموانع، و سهولة الشريعة.

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 35، ح 1.

بهجة الفقيه، ص: 109

فالأخذ بما فيها و لو في صورة عدم العذر إلّا احتمالًا مع جعل عدم النشاط عذراً في النافلة، هو الأقرب؛ كما عن «الشهيد» في «الذكرى» اختياره اختياراً، و حُكي موافقة جماعة من المتأخّرين له، و حُكي اختياره في «المستند» حاكياً لاختيار جماعة، منهم والده قدس سره في «المعتمد»، و حكاه عن «الحلبي»، و عن ظاهر «المبسوط»، و «الإصباح»،

و «الدروس»، و البيان».

فيكون مفاد هذه الروايات معيّناً لكون التوقيت بما بين الحدّين للفرض الذي يتبعه النفل الموقّت بالإضافة إلى الفرض، بحيث يعلم بأنّ إيقاع النفل قبل الزوال مقدّم على وقته، و أنّ إيقاع النفل بعد الغروب تأخير له عن وقته، و إنّما يؤتى به قضاءً؛ فيكون مبيّناً لتعدّد المطلوب في دليل التوقيت من حيث المبدء، كما أنّ دليل القضاء يفيد تعدّده من حيث المنتهىٰ.

و قد مرّ عدم إفادة أدلّة توقيت الفضل و النفل كان بالذرع أو المثل، إلّا مرجوحيّة الجمع بتقديم النفل على العكس، بخلاف وقت الفضيلة علىٰ أحد الاختيارين، لا توقيت إجزاء النفل بأحد الحدّين. و يرشد إليه الأمر بالنافلة بعد الفريضة في أوّل وقت فضيلتها و مثله الأمر بالبدء بالفرض المفهوم منه التثنية بالنفل.

حكم نافلة من دخل في الجماعة بترك النافلة و حينئذٍ فإذا أُقيمت الجماعة في القريب من أوّل وقت الفرض، فدخل فيها تارك النفل طلباً لفضل الجماعة؛ فإنّه يأتي بنوافل الظهرين بعد الظهر و قبل العصر أداءً؛ فإذا لم يتمكّن إلّا من إحدى النافلتين، فقد فاتته نافلة الظّهر؛ أعني سبقها على الظهر، و بقي أنّه يؤخّرها عن الظهر، و لا يلزم وصلها بالظّهر؛ فإنّه على ما مرّ أداء في وقت إجزائها؛ فلو اشتغل بنوافل العصر، أدرك وقتها و فضل سبقها على الفرض، فإذا أتى بنوافل الظهر بعد العصر لم يفته وقتها لما مرّ، و إنّما فاته السبق الفائت بمجرّد فعل الظهر، فلا أثر لفعل نوافل العصر في ذلك؛ ففعل نوافل الظهر في البين و تأخير نوافل العصر

بهجة الفقيه، ص: 110

إلى ما بعد العصر، موجب لتفويت السبق في كلتا الفريضتين، مع التمكّن من حفظه في فريضة العصر.

مسألة مزاحمة النافلة للفريضة و تخفيفها

و قال

في «الشرائع»: «فإن خرج وقت النافلة و قد تلبس منها و لو بركعة زاحم بها الفريضة، أتمّها مخفّفة؛ و إن لم يكن صلّىٰ شيئاً، بدأ بالفريضة» «1».

و يمكن أن يريد من وقت النافلة، ما اختاره من القدمين و الأربعة، المنصوص أنّهما وقت النافلة، و أنّ الذراع و الذراعين، لمكان النافلة «2»، الراجع إليه قوله عليه السلام

لمكان الفريضة

في رواية «3».

و يمكن جريان ذلك في وقت نافلة العصر بناءً على أنّ فضيلته، بعد المثل إلى المثلين؛ و أنّ وقت نافلته قبل تمام المثل بالنسبة إلىٰ بقاء ركعة، و عدم الصلاة إلىٰ وقت الفضيلة و هو تمام المثل على الفرض، لكن المدرك للحكم و هو موثّق «عمار» «4» إنّما ذكر القدمين و الأربعة.

و يمكن الاستدلال للتخفيف بما في الرواية من قوله عليه السلام

خفّف ما استطعت في الثمانية بعد الزوال «5»

؛ فإنّه ليس إلّا لإعطاء الفضيلة بالفريضة، فلا فرق بين التمام و الإتمام، و يكون التخفيف بما لا يعتبر لأصل النافل بل لكمالها، كالسورة و القنوت. و ما زاد علىٰ ذلك فيبتني علىٰ عدم الوجوب، أو على التنفل في خصوص موارد التخفيف، و لم يذكر في موثّق «عمّار» في صدره فعل النصف من صلاة الزوال مثلًا،

______________________________

(1) شرائع الإسلام، 1، ص 52.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8، ح 3 و 20.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8، ح 3 و 20.

(4) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 40، ح 1.

(5) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 15.

بهجة الفقيه، ص: 111

و يمكن فهم اللحوق بعدم الصلاة؛ فإنّه بالنسبة إلىٰ ما لم يؤت به من عدم الصلاة، فيؤخّر إلىٰ ما بعد الفريضة.

كما أنّ التحديد بنصف قدم بعد الظهر و بقدم

بعد العصر بعد فهم التقارب بينهما زماناً، يفيد تأخير البقيّة عن الفريضة إلى نصف قدم بعد الاولى و قدم بعد الثانية، و يفيد إرادة التخفيف في النافلة تماماً و إتماماً بملاك مشترك، و هو إبقاء وقت الفضيلة للفريضة. و ليس فيه ترجيح نافلة العصر في ما بين القدمين و الأربعة على نوافل الاولىٰ، بل صرّح بجواز نافلة الاولىٰ إلى الأربعة، فكأنّها لقربها إلى وقتها الأصلي، تشارك نافلة العصر في هذا الوقت؛ فإن عمل به من هذه الجهة، فهو؛ و إلّا فقد مرّ وجه ترجيح نافلة العصر في هذا الوقت مع المزاحمة لولا ما في هذه الموثّقة إلّا على رواية «المعتبر» «1» من تبديل الاولىٰ بالعصر.

و يمكن شرح الرواية بما يرفع الإجمال من هذه الجهة و غيرها، بأنّ المذكور في صدرها: أنّ صلاة الزوال يمتدّ وقتها من زوال الشمس إلىٰ قدمين. و إن بقي من ركعات الزوال واحدة، أتمّها بعد القدمين؛ و إن بقي أزيد قبل القدمين، صلّى الأزيد، و هذا مرجع العطف «بأو».

و يمكن أن يريد أنّه مع بقاء ركعة بعد القدمين أو أزيد من ركعة و قد صلّىٰ قبل القدمين، فيتمّ جميع نوافل الظهر، كما صرّح به في نوافل العصر بمجرّد إتيان ركعة قبل الأربعة، علىٰ حسب ما في «المعتبر» موافقاً للاعتبار المرعىٰ في غير هذه الرواية، بناء على أنّ المراد من نوافل الاولىٰ في ما في «الوسائل» نوافل الظهر، لا نوافل العصر بعد الظهر، كما احتمله في «الجواهر» «2». و إن مضى القدمان قبل أن يصلّي ركعة، بدأ بالفريضة و صلّى الزوال بعدها ما بين الاولىٰ إلىٰ أربعة أقدام، و بعد الأربعة لا يصلّي

______________________________

(1) المعتبر، ص 142.

(2) جواهر الكلام، 7، ص 181.

بهجة

الفقيه، ص: 112

النوافل إلّا بعد فريضة العصر، إلّا أن تبقى ركعة، كما مرّ في القدمين.

________________________________________

گيلانى، فومنى، محمد تقى بهجت، بهجة الفقيه، در يك جلد، انتشارات شفق، قم - ايران، اول، 1424 ه ق

بهجة الفقيه؛ ص: 112

و إطلاق امتداد صلاة الزوال بعد الظهر إلى الأربعة بناء على العبارة المحكيّة في «الوسائل» يتقيّد في فضله بما ذكره في الذيل من التحديد بنصف قدم، فلا يؤخّر صلاة الزوال و تمامها عن نصف قدم بعد الأُولىٰ، أي بعد حضور الاولىٰ في قدمين، و كذا نوافل العصر بعد الأربعة يتمّها بعد التلبّس بركعة قبل الأربعة إلىٰ قدم، ثمّ يصلّي العصر. و القدم فيه مساوٍ تقريباً لنصف قدم بعد وقت فضيلة الظهر.

و هذا أعني أنّ النوافل إذا تلبّس بركعة منها قبل القدمين، يتمّها ثمّ يصلّي الظهر؛ و إذا تلَبّس بركعة من نوافل العصر قبل الأربعة، يتمّها بعد الأربعة، مع رعاية التقييد بنصف قدم في الظهر و قدم في العصر، أو لا من متفرّدات رواية «عمّار»، و لا يستفاد من غيرها.

و قد مرّ منّا توجيه الامتداد للنوافل بامتداد الفريضة؛ و عليه لا إشكال في المستفاد من هذه الرواية؛ فالرواية و إن أثبتت بعض ما ليس في غيرها، إلّا أنّها لا إجمال فيها كما قيل؛ كما أنّ إتمام نوافل الاولىٰ بعد فعل العصر، ففضله في عدم التّأخير عن العصر بقدم يساوي نصف قدم في ما بعد الظهر لتزايد سرعة الفي ء بعد الظهر، حتّى أنّ الاختلاف يكون على النصف تقريباً.

المزاحمة في ظهر الجمعة و أما مزاحمة الركعة من النافلة لفضيلة الفريضة، فهي منتفية في يوم الجمعة في صلاتها لمكان وجوب الاشتغال بالفرض، فلا يزاحمه الندب؛ و أمّا نفس الظهر يوم الجمعة، فانتفاء

المزاحمة غير واضحة، لأنّ الزوال يكون كالذراع في غير يوم الجمعة في أنّه أوّل وقت الفضيلة، و قد تثبت فيه المزاحمة في الندبين. و تحديد صلاة الجمعة في خبر

بهجة الفقيه، ص: 113

«زرارة» بالزوال «1» لا ينافي ما في خبر «إسماعيل» «2» و «سماعة» «3» من تحديد الظهر يوم الجمعة بالزوال، و محلّ المزاحمة مشترك فيهما و في ما بعد الذراع في غير يوم الجمعة، إلّا أنّ صلاة الجمعة لا مزاحمة فيه للنفل مع الفرض؛ فيبقىٰ غيرها من الفروض للظهر و للعصر، كما مرّ.

وقت نافلة المغرب

[مسألة] المناقشة في تحديد آخر نافلة المغرب بذهاب الحمرة
اشارة

مسألة: [وقت] نافلة المغرب، بعدها. و نسب إلى المشهور أنّ آخره ذهاب الحمرة المغربيّة. و استدلّ عليه بما ورد في «المزدلفة» من الجمع بأذان و إقامتين، و أنّه يؤخّر النافلة إلىٰ ما بعد العشاء «4»؛ و بما دلّ على النهي عن التطوّع في وقت الفريضة «5».

و يرد علىٰ الأوّل بأنّ الترك لمكان أولويّة الفرض بالوقت، كما بعد الذراع في الظهر، و لا يدلّ علىٰ خروج الوقت، مع أنّه روي

أنّ الرضا عليه السلام ترك النافلة في ما بين الفريضتين في المزدلفة في سنة، و أتى بها بينهما في سنة أُخرى «6».

و ظاهر الفعل أنّه كالفعل في غير «المزدلفة» بنحو الأداء. و مرجوحيّة القضاء بين الفريضتين أشدّ من مرجوحيّة الأداء بينهما بالإضافة إلى الجمع بتأخير النافلة عن النافلة، مع حاجة تجويز الأداء بينهما إلى البيان، بخلاف تجويز القضاء بينهما و إلّا كان عمله عليه السلام للتجويز راجحاً علىٰ أيّ حال.

______________________________

(1) الوسائل 5، أبواب صلاة الجمعة، الباب 8، ح 3 و 7 و 8.

(2) الوسائل 5، أبواب صلاة الجمعة، الباب 8، ح 3 و 7 و 8.

(3) الوسائل 5، أبواب صلاة الجمعة،

الباب 8، ح 3 و 7 و 8.

(4) الوسائل 10، كتاب الحج، أبواب الوقوف بالمشعر، الباب 6، ح 2 و 4.

(5) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 61.

(6) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 6، ح 5، و الرواية عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام.

بهجة الفقيه، ص: 114

و أمّا النهي عن التطوّع في وقت الفريضة، فظاهره ما كان وقتاً مختصّاً بالفريضة، لا مشتركاً بينه و بين النفل، و البحث في اشتراك الوقت، فلا يحرز شمول النهي له.

مع أنّ الظاهر بعد مسلّميّة التوقيت أوّلًا و آخراً بالغروب و نصف اللّيل احتياج التحديد في البين للآخر إلى البيان المفقود، و ليس روي «1» إلّا أولويّة الفرض بما بعد ذهاب الحمرة و النفل بما قبله، و هذا غير التوقيت، كما مرّ في الظهرين، و يؤيّده ما روي: «أنّ الرضا عليه السلام كان يطوّل التعقيب ما شاء اللّٰه، ثمّ يتنفّل» «2»، و ظاهره عدم المبالاة بذهاب الحمرة و عدمه، و لازمه عدم التوقيت.

إذا صلى شيئاً من النافلة أو لم يصلّ و ذهبت الحمرة

ثمّ إنّه إذا ذهبت الحمرة المغربيّة و لم يصلّ شيئاً من نوافل المغرب، بدأ بالعشاء، أمّا على التحديد بالذهاب فواضح؛ و أمّا علىٰ عدمه، فيمكن استفادة مطلوبيّة البدء بالفريضة، ممّا ورد في الظهرين، و بالروايات في المُفيض من «عرفات» إلى «المشعر» «3».

أمّا إذا صلّىٰ شيئاً، فعن «ابن إدريس» أنّه يتمّ الأربع؛ و عن «الشهيدين» أنّه يتمّ الركعتين، أوّلتين كانتا أو أخيرتين؛ و عن بعضهم: أنّه يتمّ الأربع إذا صلّىٰ قبل الذهاب ركعة من الأربع، و قوّىٰ ذلك في «الجواهر» «4».

أمّا القول الأوّل، فيتوقّف علىٰ استفادته من موثّق «عمّار» «5» مع إلغاء الخصوصيّة بعد عدم الفرق في المزاحمة لفضيلة الفرضِ المزاحَم، بين فريضة النافلة و فريضة اخرى؛ و

أمّا ما دلّ على الإدراك بسبب ركعة، فلا يناسب إلّا القول الأخير، لا كفاية صلاة شي ء من النافلة.

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 10.

(2) الوسائل 3، أبواب أعداد الفرائض، الباب 13، ح 24.

(3) الوسائل 10، أبواب الوقوف بالمشعر، الباب 6.

(4) جواهر الكلام، 7، ص 190.

(5) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 40.

بهجة الفقيه، ص: 115

و أمّا القول المحكي عن «الشهيدين» و غيرهما، فيستدلّ له بالنهي عن إبطال العمل بناء علىٰ عمومه للنافلة و أنّه للتحريم حتّى في النافلة، مع أنّ خروج الوقت في الأثناء موجب لبطلان الموقّت أداء إلّا بدليل مفقود.

و في المحكي من الرياض أنّه «إذا لم نقُل بالعموم للتحريم، يستشكل في الاستثناء المذكور عن الشهيدين بما دلّ علىٰ تحريم النافلة في وقت الفريضة، إلّا أن يقال، بأنّ المنهي عنه الشروع، لا مطلقاً».

و في هذا التقدير يستحسن ما قاله «الشهيدان» لما اختاره من عموم النهي عن الإبطال للنوافل.

و منه يظهر عدم تماميّة ما أورده عليه في «الجواهر» «1» من حصول التعارض، فإنّ الكلام في تقدير عدم عموم النهي عن التطوّع «2» لغير الشروع في التطوّع.

و أمّا ما أورده علىٰ تقدير عدم العموم من عدم الفرق بين حرمة الإبطال للنافلة و كراهته، فيمكن المناقشة فيه بأنّه علىٰ تقدير الحرمة يكون الإتمام للركعتين واجباً، لا علىٰ تقدير كراهة الإبطال، كما ذكره بعد ذلك في تحقيقه؛ و أمّا علىٰ عدم اختيار ذلك و عدم شمول النهي عن التطوّع و عدم شمول النهي عن الإبطال؛ فلا وجه لاستحسان القول المذكور، بل يكون جائز الإبطال و الإتمام، لعدم المنع عن شي ء منهما، لكنه بعد البناء علىٰ الصحّة إذا أتمّها مع ما مرّ من البطلان بالاختلال بالوقت.

لكنه قد مرّ توسعة

الوقت، و أنّ التحديد كما لا يفيد في العشاء إلا فضيلة، فكذا في النوافل بعد المغرب، و كذلك في ذراع العصر؛ كما أنّ وقتيّته للفريضة ندبيّة، فكذا وقتيّة ما قبله للنافلة ندبيّة لا تحديديّة، و لذا يجوز هنا تقديم العشاء و تأخير المغرب، فكذا يجوز الإتيان بالنافلة بينهما، كما وقع من الإمام الصادق عليه السلام في «المزدلفة» «3».

______________________________

(1) جواهر الكلام 7 ص 189.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 61.

(3) الوسائل 10، أبواب الوقوف بالمشعر، الباب 6، ح 5.

بهجة الفقيه، ص: 116

ذكر احتمالين لعبارة «الشرائع» و الملاحظة في بيان «الجواهر» قال في الشرائع: «فإن بلغ ذلك و لم يصلّ النوافل أجمع، بدأ بالفريضة» «1». و المحتمل فيه أمران:

أحدهما: إرادة عموم السلب، يعني لم يصلّ شيئاً من النوافل، فيكون مفهومه أنّ الشروع في النوافل يسوّغ إلحاق الباقي، قد ذكره في نوافل الظهرين مع تقييد الشروع بركعة، و يؤيّده اشتراك الدليل في المقام، أعني «من أدرك» «2»، و ما يوافقه كموثّق عمّار «3»، بعد إلغاء الخصوصيّة في نوافل الظهرين، لكنّه لا يعمّ «من أدرك» مجرّدَ الشروع، و لا يتقيّد الموثّق بركعة إلّا على ارتكاب التقييد في متن الرواية، كما مرّ.

و ثانيهما: إرادة سلب العموم، أعني عدم مجموع النوافل، فلا يلحق الباقي إذا بقي ركعة خاصّة. و هذا علىٰ طبق القاعدة، إذا لم يكن مثل «من أدرك» و نحوه، لحصول البطلان بخروج الوقت. و لا يخلو عن شبهة، لإمكان اجتماع الأداء و القضاء في صلاة واحدة مع تحقّق النية و القربة، و قد مرّ اختيار عدم القضاء، و أنّ المستفاد وقت الفضيلة قبل الذهاب؛ فلا مانع من ابتداء النوافل بعد الذهاب، و إن كان الأفضل، الجمع بين نافلة

المغرب قبل الذهاب، و فريضة العشاء بعد الذهاب.

و يمكن أن يكون كلام «الجواهر» حيث عطف علىٰ ما نقل عن «الشرائع» قوله

و لا ركعة منها، بل و لا ابتدأ بها، تركها و بدأ بالفريضة «4»

، شرح كلام المصنف بإرادة عموم السلب؛ فيكون المفهوم كفاية الابتداء بها، كما ذكره في الظهرين، مع ما ذكرناه من التقييد بركعة. لكنّه بعد ذلك حيث ردّ ما عن «ابن إدريس» من أنّه مع الشروع في ركعة يتمّ الأربع، قال حاكياً عن «الذخيرة»: «أنّ المشهور علىٰ خلافه، و إن

______________________________

(1) شرائع الإسلام، 1، ص 52.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 30.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 40، ح 1.

(4) شرائع الإسلام، 1، ص 52.

بهجة الفقيه، ص: 117

اختلفوا في إطلاق ذلك، كما هنا و كتب «الفاضل»؛ أو تقييده بما إذا لم يكن شرع في ركعتين منها، و إلّا فيكملهما خاصّة» «1». و ظاهر ذلك حمل كلام المصنّف علىٰ عدم تأثير الشروع في إلحاق الأربع، بل و لا الركعتين و هو مناسب لاستفادة سلب العموم من العبارة السابقة، أعني عدم صلاة مجموع النوافل و لو بقي ركعة منها، و إن كان قابلًا لإخراج صورة إتمام ركعة منها، كما قوّاه في «الجواهر» «2». لكنّه غير مقيّد في المتن هنا، بخلاف نوافل الظهرين؛ فالجمع في «الجواهر» «3» بين الكلامين، الظاهر في اختلاف النسبة إلى المصنّف، مورد للمناقشة المذكورة.

و قد مرّ منّا إمكان القول بامتداد وقت النافلة بوقت الفريضة في الظهرين، و اشتراك الوجه مع العشائين و نوافلهما، و هو المتّجه؛ و علىٰ تقدير عدمه، فالقول بكفاية التلبّس في إتمام الكلّ، مبنيّ على المستفاد من رواية «عمّار» «4»؛ و علىٰ تقدير عدم العمل به، يتمّم

بأحاديث «البلوغ» «5»؛ و علىٰ تقدير الإغماض عنه، [يتمّم بروايات «من أدرك» في ما بعد إدراك ركعة، أمّا لتمام النوافل، أو لخصوص ركعتين منها.

وقت نافلة العشاء

قال في «الشرائع»: «و الركعتان من جلوس بعد العشاء، يمتدّ وقتهما بامتداد الفريضة» «6».

و لا يخفىٰ أنّ «البعديّة» مقابلة للقبليّة الثابتة في الظهرين، و لا تفيد أزيد من ذلك

______________________________

(1) جواهر الكلام 7، ص 189 و 190.

(2) جواهر الكلام 7، ص 188 و 190.

(3) جواهر الكلام 7، ص 188 و 190 و 191.

(4) تقدم آنفاً.

(5) الوسائل 1، أبواب مقدّمة العبادات، الباب 18.

(6) شرائع الإسلام 1، ص 52.

بهجة الفقيه، ص: 118

بحيث يؤخذ بإطلاقها لصورة إيقاع الفريضة في آخر وقتها؛ كما أنّ «امتداد وقتهما بامتداد الفريضة» لا إطلاق لها لصورة إيقاع الفريضة في آخر الوقت، فيكون وقت النافلة بعدها، فيكون أوسع من وقت الفريضة بمقدار فعلها بل ظاهر «البعديّة» هو التأخّر في قبال التقدّم و ظاهر «امتداد وقتهما» صلاحيّة الوقت تماماً لفعلهما؛ فمريد الجمع إنّما يأتي في آخر وقتهما بالفريضة في زمان يدرك الوتيرة بعدها في آخر الوقت، لا في خارج وقت الفريضة، إذ لا دليل علىٰ الامتداد بهذا الوجه، و إنّما الدليل علىٰ تحديد الفريضة أوّلًا و آخراً، و تحديد النافلة التابعة بوقت المتبوع من حيث الوقتيّة و بصفة التأخّر، أعني البعديّة.

فما شرح به في «الجواهر» عبارة المتن في قوله: «حتّى لو وقعت في آخر وقتها» «1»، محلّ المناقشة المذكورة.

كما أنّ اعتبار الاتصال في البعديّة، لا وجه له. و مشروعيّة الصلوات في ما لا يحصىٰ من الليالي مع استحباب الوتيرة بعدها، علامة عدم اعتبار الاتصال، لا اغتفار الاشتغال بالنوافل. و لا يتقيّد بما لا يخرج عن البعديّة العرفيّة، كما في «الجواهر».

و

أمّا البيتوتة علىٰ وتر، فلا يعتبر فيه النوم بعده، و لا السهر تمام الليل؛ بل البيتوتة عبارة عن الكون في زمان أو مكان أو عمل في الليل إلىٰ أن يصبح، و هو الذي يقال بعكسه في «ظَلَّ»، أعني الكون في النهار إلى الليل في زمان أو مكان أو عمل في النهار حتّى يُمسي؛ و استحباب الوتيرة بعد العشاء و الوتر بعد صلاة الليل، معلوم.

و تأكّد الوتيرة المستفاد ممّا دلّ علىٰ اشتراط الإيمان بها، من جهة عدم العلم بالفعل في آخر الليل، حتّى يصبح علىٰ وتر بعد صلاة الليل، فلذا يتأكّد الإتيان بالوتيرة بعد صلاته الشفعيّة التي يوفّق لها حتّى يعلم بأنّه يصبح علىٰ وتر بهذه الوتيرة، أو بالوتر بعد صلاة الليل.

و منه يعلم وجه الاستفادة من الروايات لجعلهما بعد نوافل الشخص، كقوله عليه السلام

______________________________

(1) جواهر الكلام، 7، ص 190.

بهجة الفقيه، ص: 119

فلا يبيتنّ إلّا بوتر «1»

و قوله عليه السلام في خبر «زرارة»

و ليكن آخر صلاتك وتر ليلتك «2»

و ما في المحكيّ عن «المدارك» من عدم الدلالة على المدّعىٰ.

وقت صلاة الليل

اشارة

قال في «الشرائع»: «وقت صلاة الليل انتصافه» «3». و لا ينبغي التوقّف في خروج الوقت بانقضاء الليل، للإضافة إلى الليل، لكنّه لا يزيد على الصلوات النهاريّة في هذه الجهة، فيمكن كفاية إدراك ركعة أو أربع لإدراك وقت البقيّة، و أدائها.

[و هنا فروع]
[الفرع الأول] التقييد بالانتصاف يفيد الأفضليّة

و أمّا أنّ أول الوقت الانتصاف، فيدلّ عليه مضافاً إلىٰ الإجماع المحكيّ دعواه عن «المعتبر»، و «المنتهىٰ» ما دلّ على التحديد أوّلًا بالانتصاف، أو ما بين النصف إلىٰ آخره، كمرسلة «الصدوق» «4»، و ما دلّ علىٰ أنّهما عليهما السلام كانا لا يصلّيان بعد العتمة شيئاً حتّى ينتصف الليل «5»؛ فإنّ المرجوحيّة إلىٰ هذا الحدّ الموجب للالتزام بالترك، لا يناسب إطلاق وقتيّة الليل، بل ظهوره في التوقيت بالانتصاف ظاهر.

و قد مرّ في نوافل النهار، أنّ التوقيت لا ينافي تعدّد المطلوب المصرّح به هنا، و في نوافل النهار، لو ادّعىٰ الإعراض عمّا دلّ عليه في الفتاوىٰ، يكتفي بروايات البلوغ «6»، مع التأيّد بمطلوبيّة الإقبال في النواقل المقتضية لاغتنام الفرصة لها بالنشاط، مع غلبة عدم تعيّن الانتصاف على المتنبه في أثناء الليل، فكان التوقيت الصرف معرّضاً للنوافل

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب أعداد الفرائض، الباب 29.

(2) الوسائل 5، أبواب بقيّة الصلوات المندوبة، الباب 42، ح 5.

(3) شرائع الإسلام، 1، ص 52.

(4) الفقيه 1، ص 477، و الوسائل 3، الباب 43، ح 2.

(5) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 36، ح 5 و 6.

(6) تقدم قريباً.

بهجة الفقيه، ص: 120

للفوت، خصوصاً مع اختلاف النشاط و الكسل، فربّما أدّى إهمال النشاط الفعلي المعلوم للمؤخّر المجهول.

فالداعي إلى التوسعة في نوافل النهار أوّلًا، أقوى منه في نوافل اللّيل و لو لم يكن عذر و ضرورة خاصة، نظراً إلىٰ عموم الضرورة في الغالب؛ فقوله عليه

السلام في الموثّق «1»

لا بأس بصلاة اللّيل في ما بين أوّله إلى آخره، إلّا أنّ أفضل ذلك، بعد انتصاف اللّيل

، كاد أن يكون صريحاً في غير المعذور، و إلّا فلا فضل لتأخير المختار علىٰ تقديم المعذور، كما هو واضح.

و قوله عليه السلام في خبر «محمّد بن عيسىٰ» «2» في جواب المكاتبة الناقلة عن الرواية عن جدّه عليه السلام

لا بأس بأن يصلّي الرجل صلاة الليل في أوّل الليل

يكفي في إثبات تعدّد المطلوب من أوّل الوقت.

و استشكال «الجواهر» «3» هنا كالمختار له في ما سبق في نوافل النّهار قد مرّ وجه المناقشة فيه.

و أمّا المكاتبة المصرّحة بالأفضليّة عند النصف «4»، و الدلالة بالمفهوم علىٰ عدم الجواز مع عدم الفوت عند النصف، المحمول علىٰ إرادة الأعمّ من خوف الفوت بقرينة قوله عليه السلام

فأوّله و آخره جائز

، فمحمولة بقرينة ظهور المنطوق بل صراحته في الفضيلة، علىٰ عدم الجواز عن الأفضل؛ فلا ينافي الجواز بدون الفضيلة، يعني مع خفّتها للكراهة بمعنى أقليّة الثواب بالنسبة إلىٰ الأفضل، و لا يتصرّف في الأفضليّة بسبب المفهوم كما هو واضح؛ فانّ آخر الليل وقت قطعاً، و هو محكوم بالجواز فيه، فلا يكون الأوّل و هو رديف الآخر في الرواية إلّا في غير الوقت الأفضل، لا للمعذور عن التأخير.

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 44، ح 9 و 14.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 44، ح 9 و 14.

(3) جواهر الكلام، 7، ص 194.

(4) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 44، ح 13.

بهجة الفقيه، ص: 121

و أمّا ما في رواية «أبي الجارود» من قوله عليه السلام

ما جاء نبيّ بصلاة الليل في أوّل الليل «1»

، فيمكن أن يراد به التوقيت بأوّل الليل، و

المدّعى التوقيت بالانتصاف. و تعلّق الطلب بنفس المأتيّ به في الليل أيضاً، كالمطلوبيّة في النهار قضاءً.

و أمّا الآية الشريفة في «المزمّل» «2»، فيمكن أن يكون المراد منها الأمر بالقيام للصلاة الّتي منها صلاة الليل بعد القيام في الليل غير القليل، ثم أبدل بالبعض من الكلّ و أمر بالقيام في النصف، و هو بعض الليل غير القليل، ثمّ أمر بالأقلّ من النصف، ثم أمر بالزيادة على النصف الّتي هي أيضاً بعض الليل إلّا القليل؛ فيكون أطرافُ التخيير في المندوب، الليل غير القليل منه، و النصف تماماً، و النصف مع زيادة، و النقيصة من النصف. و في الأوّل و الثالث تجويز الصلاة قبل الانتصاف و هو المطلوب؛ فهذا موافق لظهور الآية حتّى يثبت خلافه من نصّ، أو أظهر غير معارَض.

[الفرع الثاني] أفضل الأوقات لصلاة اللّيل

ثمّ إنّه بعد محدوديّة صلاة الليل بالانتصاف و الفجر، فهل يكون الأفضل التفريق؛ أو أنّ الأقرب إلى الفجر أفضل، كما حُكي الإجماع عليه؛ أو يفرّق بين الوتر في ما بين الصبحين و غيره؟

يمكن أن يقال بأنّ الأفضل في ثلاث الوتر هو ما بين الفجرين، كما دلّ عليه صحيح «سعد» عن الإمام الرضا عليه السلام «3» و غيره، و أمّا التفريق فالدليل علىٰ أفضليّته، التأسّي. و يمكن أن يكون الأفضل التفريق الموافق لتفريق رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم في إطالة الصلوات، و قراءة السور الطوال فيها «4»، فلا ينافي الأخذ بمقتضىٰ حكاية الإجماع من أنّه: «كلّما قرب إلى الفجر، كان أفضل» مع أن التفريق بأداء غير الوتر في ما بين النصف إلى

______________________________

(1) تفسير علي بن إبراهيم. المزمل.

(2) المزّمل، 2.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 54، ح 4.

(4) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 53.

بهجة

الفقيه، ص: 122

الثلث الباقي موافقاً لصحيح «عمر بن يزيد» «1»، مشتمل علىٰ إدراك وقت الفضيلة منضمّا إلى التأسّي، أو أنّه عمله صلى الله عليه و آله و سلم كان لأنّه وقت الفضيلة.

و قد مرّ أنّ ما حُكي عليه الإجماع لم نقف علىٰ رواية دالّة عليه بخصوصه، و إن كان نقل الإجماع كنقل الرواية، إلّا أنّه لا يتعيّن في الفضيلة، فله التأسي به صلى الله عليه و آله و سلم في الوقت المتقدّم بعد النصف في غير الوتر، و له رعاية الأقربيّة إذا لم يفرّق، أو مطلقاً علىٰ حسب نقل الإجماع.

و استدلّ عليه في «المعتبر» بعد نقل الإجماع علىٰ ما يشمله بما دلّ علىٰ فضل الاستغفار في الأسحار؛ و ما دلّ علىٰ أنّ أفضل ساعات الليل، الثُّلث الباقي؛ و بما دلّ علىٰ الأمر بصلاة الليل في آخر الليل. و لعلّه فهم من «الآخر» بالإضافة إلىٰ ما قبله، فيعمّ كلّ آخر بالإضافة إلىٰ ما سبق بعد الانتصاف.

و عن «المقنعة»: «كلّما قرب الوقت من الربع الأخير، كان أفضل». و كذا عن «الكافي». و الاتّفاق علىٰ أفضليّة الأقرب إلى الفجر منقول عن «الخلاف» و ظاهر «التذكرة» و «حاشية الإرشاد»، و هو مذهب الأصحاب، كما عن «جامع المقاصد»، و «الغريّة» و «إرشاد الجعفريّة»، و عن «مجمع البرهان» «أنّه لا خلاف فيه»، و في «المفاتيح»: «أنّه المشهور»، و قد سبق نقل الخلاف عن «المقنعة»، و «الكافي».

إلّا أنّ يقال بإمكان جريان الأفضليّة بالأقربيّة علىٰ ما مرّ في ما قبل الربع و بعده أيضاً؛ و يمكن التفصيل بين من لم يصعب عليه التفريق الموافق لعمل النبي صلى الله عليه و آله و سلم، فالأفضل له الشروع بعد النصف؛ و تحري السّدس بعده

في غير الوتر الذي يؤخّره غير المعذور و غيره كما هو الغالب، فالأفضل له وصل الجميع بالوتر، و وقته و هو آخر الليل من السحر. و لعلّ هذا موافق لما حُكي عن «الحدائق» احتماله؛ و يمكن التحرّي المرجّح بخوف فوت صلاة الليل فيقدّم، و بحصول الإقبال، فيأتي بما يزيد إقباله فيه بشخصه، لما علم من أنّ عمدة المطلوب في النوافل أصلًا و عدداً و وقتاً مراتب الإقبال

______________________________

(1) الوسائل 4، أبواب الدعاء، الباب 26، ح 1.

بهجة الفقيه، ص: 123

و الحضور فيها، بل أذنوا في الاقتصار على الفرائض عند إدبار الروح «1».

[الفرع الثالث] تقديم صلاة الليل للمعذور و غيره و مسألة القضاء

و أمّا المعذور عن الصلاة بعد النصف، فله التقديم عليه، بل قد مرّ احتمال التوقيت بالليل.

و أمّا غير المعذور إذا دار أمره بين التقديم و القضاء، ففي الروايات «أفضليّة القضاء»، و فيها: «أنّ التعنون بعنوان قضاء غير المفروض ممّا يباهي به اللّٰه تعالىٰ» «2»؛ لكنّه في صورة الفوت المطلق، فلا ينافي مساواة التقديم، بل لعلّه مع ثبوت المطلوبيّة للطبيعة كذلك، من حيث إنّه مبادرة إلىٰ غير المفروض، بل فيه ما مرّ من التوقيت بالليل، و أنّ الانتصاف وقت الفضل؛ فأفضليّة القضاء حينئذٍ، يكون للطريقيّة إلى التوفيق لما هو الأفضل من الأداء بعد الانتصاف.

و في ما حُكي عن «الذكرى» روايته من المكاتبة «3» التصريح بمساواة تقديم المسافر لتأخير غيره. و فيها

فإذا اهتممت بقضائها بالنهار، استنبهت «4»

، ففيه جهتا الفضيلة، فيكون القضاء أفضل من تقديم غير المعذور؛ لكنّه مع خوف فوت القضاء أو الضعف عنه، فالتقديم مشتمل على الفضل أيضاً بلا معارض معلوم.

ثمّ لا فرق بين الأعذار المسوِّغة للتقديم، كما أنّ خوف الفوات لعارض خاصّ أيضاً من المسوِّغات، و لا فرق أيضاً بين الشباب

و الشيخوخة، فإنّهما يختلفان في الموارد؛ فربّ شابّ قويّ، و ربّ شابّ ضعيف عن القيام عن النوم. و مثلهما قصر الليل، و البرد، و احتمال الجنابة و لو كانت اختياريّة؛ فيكون تقديم المعذور، كتأخير غيره في الفضل و لو قلنا بعدم التوقيت بالليل، بل بالانتصاف لما في ذلك من النص و الفتوىٰ.

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب أعدد الفرائض، الباب 16، ح 8 و 11.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 57، ح 15.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 44، ح 19.

(4) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 45، ح 6.

بهجة الفقيه، ص: 124

بل يمكن استفادة التوقيت للمعذور من بعض الروايات، فيكون وقتاً اضطراريّاً، و لا فضيلة حينئذٍ للقضاء علىٰ هذا التقديم إلّا بعنوان ثانويّ، كدفع اعتياد التقديم الموجب لفوت فضيلة الانتصاف، أو إيجاب القضاء و ما له من الاهتمام للاستيقاظ في وقت الفضيلة.

و شي ء من ذلك لا يجري في المعذور و وقتيّة الليل له، و إنّما يتّجه في غيره إن قلنا بأوسعيّة الوقت اختياراً بجواز التقديم له أيضاً، و إن كان مرجوحاً بالإضافة إلى القضاء. و المباهاة بالقضاء تحتمل حرمانها في التعجيل المندوب إن كان سائغاً أيضاً.

[الفرع الرابع] آخر وقت صلاة الليل، و طلوع الفجر في أثناء صلاة الليل

و آخر وقت صلاة الليل أعني الأحد عشر ركعة طلوع الفجر الثاني؛ فإن طلع و لم يصلّ شيئاً، أو صلّى دون الأربع ركعات، بدأ بركعتَيِ الفجر، إلّا أن نقول بكفاية صلاة شي ء في الوقت في إتمام النوافل، كما يستفاد من موثّق «عمّار» في نوافل الظهرين «1»؛ أو يقال بكفاية إدراك ركعة في إتمام تلك الصلاة أو جميع الموقّت بوقت الركعة؛ أو ينوي القضاء و قلنا بعدم حرمة التطوّع في وقت الفريضة. و إلّا قطع من حيث طلع الفجر، لعدم مصادفة

الوقت و الأمر بالموقّت. و يحتمل جواز نيّة القضاء في ما بقي إذا قصد الأمر الفعلي المتعلّق واقعاً بما يقصر عن الأداء، بناء علىٰ ما مرّ.

و يدلّ علىٰ انتفاء الأمر بالإتمام في ما لم يتلبّس بالأربع ركعات، مفهوم خبر «مؤمن الطاق» «2» المنجبر بالعمل. و ما في خبر «المفضّل بن عمر»

و إذا أنت قمت و قد طلع الفجر، فابدأ بالفريضة، و لا تصلّ غيرها «3»

، و مفهومه «إذا لم يقم في حال الطلوع و إن قام قبله، لم يبدأ بالفريضة، [و] صلّىٰ ما دون الأربع أو الأربع»، يمكن تقييده بما دلّ علىٰ عدم البدء مع صلاة أربع قبل الفجر؛ فإنّه يتمّ، بخلاف المصلّي دون الأربع، لأنّ العجز

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 40، ح 1.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 47، ح 1.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 48، ح 4.

بهجة الفقيه، ص: 125

في خصوص من قام قبل الفجر فصلّى الأربع في فرض المنطوق، و لم يصلّها في المفهوم، و في قبال ذلك العموم لمن صلّى القليل أو الكثير «1». و ذلك بعد تقيّد منطوقه بما دلّ على البدء بركعتي الفجر قبل الفريضة «2» و إن كان غير معمول به.

و خبر «يعقوب» الآمر بالوتر بعد الأربع و قضاء البقيّة في صدر النهار مع تخوّف الفجر بعد الأربع «3»، يمكن حمله علىٰ جواز إعطاء وقت أداء البقيّة للفريضة مع قضاء البقيّة في النهار، و أنّه ينجبر فوتُ فضيلة أداء النوافل علىٰ قضاء مع عذريّة ما كان، بإعطاء الوقت للفريضة، فلا ينافي مشروعيّة الإتمام أداءً و مساواته لما في هذا الخبر. و لعلّ صحيح «محمّد بن مسلم» الآمر بالوتر مع خشية الصبح «4»، يحمل

علىٰ مثل ذلك.

الجمع بين روايات الباب و يمكن أن يجمع بين الروايات في هذا الباب أنّ رواية «مؤمن» التي حُكي أنّ عليها عمل الأصحاب من «المنتهىٰ»، و «الذخيرة» واردة في المتلبّس بالأربع، و أنّه يؤدّي البقيّة و إن طلع الفجر، و رواية «يعقوب البزّاز» «5» واردة في المصلّي بعد الأربع إذا خاف طلوع الفجر من الإتمام للبقيّة، و أنّ الأفضل هو إعطاء هذا الوقت للوتر أو للأربع قبل الوتر، فلا ينافي أفضليّة الإيتار في الليل الحقيقي من أداء الجميع في الوقت التنزيلي لما عدا مقدار الوقت؛ فإنّ وقوع البعض في الليل بلا مانع، فليكن ذلك الوتر مقدّماً على البقيّة، و يمكن تأديتها و إن عبّر ب «القضاء في صدر النهار» و إنّما فات الترتيب، و القضاء يعبّر به عن الفعل، و الصدر يمكن إرادة أوّل اليوم بعد الفجر منه.

أمّا صحيحة «محمد بن مسلم»، فهي في ما قبل الصلاة إذا خشي مفاجاة الصبح،

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 47.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 47.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 47.

(4) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 46، ح 2.

(5) تقدم تخريجها في ص 86، الهامش 5.

بهجة الفقيه، ص: 126

و لم يفرض فيها اليقين بإتيان الأربع قبل الصبح، بل الإتيان بالوتر يمكن مصادفته لما قبل الفجر، فقدّم الوتر المتعقّب بقضاء البقيّة بعد الفجر، أو بأدائها إذا لم يطلع الفجر، و إن كان مخوفاً طلوعه قبل إتمامها.

و بالجملة فما يثبته رواية «مؤمن الطاق»، لا ينفيه هاتان الروايتان المثبتتان لما لا ينافيه رواية «مؤمن».

و يمكن الحمل على التخيير بعد خوف طلوع الفجر من الأوّل، أو بعد الأربع و عدم إحراز أزيد من الوتر وقتاً، بين أداء البقيّة على

الترتيب، أو البدء بالوتر و الإتيان بعده بالبقيّة، مع أفضليّة الإيتار في الليل من حفظ الترتيب في صلاة الليل، أو مع التساوي، لجوازِ العمل بالاستصحاب مع الخوف، أو عدمِ جوازه للمستفاد من هاتين الروايتين، و لو كان المفاد مخصوصاً بخشية تأخّر الوتر عن الليل الحقيقي.

و عن «الشيخ» و «المحقّق الثاني» و تجويز «الذكرى» أفضليّة الاقتصار بعد الأربع على الوتر و تأخير بقيّة الركعات إلى القضاء، و نسبه في الأخيرين إلى رواية «البزّاز»، و يبتني بعد الكلام في تغاير الموضوع في الروايات الثلاث علىٰ أفضليّة تقديم الفريضة علىٰ الإتيان بصلاة الليل أداءً تنزيليّا؛ كما لعلّه يستفاد من أفضليّة القضاء على التقديم علىٰ الانتصاف، مع احتمال كون التقديم أداءً، أو استظهار ذلك من التعبير بالقضاء في صدر النهار، مع عدم معهوديّة تأخير الفريضة لغير نافلتها. و في «الجواهر» «1» حمل رواية «مؤمن» علىٰ ما بعد الطلوع؛ و غيرها، علىٰ خشية الطلوع. أقول: الأُولىٰ «2» مطلقة، و يمكن تقييدها بما في الثانية «3» من الخشية الحادثة قبل صلاة الليل أو بعد الأربع بالنسبة إلىٰ تقديم الوتر؛ و أمّا الإتيان ببقيّة الركعات بعد الطلوع أداءً، أو بعد الفريضة، أو بعد طلوع الشمس أداءً أو قضاءً، فشي ء لا يستفاد

______________________________

(1) جواهر الكلام 7، ص 213 و 214.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 47، ح 1.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 46، ح 2.

بهجة الفقيه، ص: 127

إلّا من رواية «البزّاز»، و العمل بها في ذلك مبنيّ علىٰ ما مرّ.

و أمّا كون الإتمام بعد التلبّس بالأربع مخفّفاً، كما في «الشرائع» «1»، فلعلّه لما يستفاد ممّا دلّ علىٰ أفضليّة أوّل الوقت للفريضة، و أولويّتها بالأوّل من نافلتها بنحو أُمر فيها بالتخفيف، كما

ورد في الثمان ركعات قبل الظهر من قوله عليه السلام

خفّف ما استطعت «2»

، مع كون المقام في مزاحمة غير نافلة الفريضة لها؛ و إن كانت الأدائيّة محفوظة في الأصل و الفرع؛ فالاختلاف للفريضة و عدمه، موجب للأولويّة.

و أمّا خبر «إسماعيل بن جابر»، أو «عبد اللّٰه بن سنان» في خوف الصبح بعد القيام، من الأمر بالعجلة بقراءة الحمد «3»، فلعلّه لإدراك جميع الصلوات، و فيها الوتر في الليل الذي هو مطلوب، و أفضل من الاقتصار علىٰ الأربع مطوّلة، لا لإعطاء أوّل وقت الفريضة و ما هو الأقرب إليه للفريضة، و يتوقّف على التعجيل و التخفيف في نافلة الليل حتى ينفع في المقام، لأولويّة ما بعد الفجر ممّا قبله في إعطاء الوقت للفريضة.

تفصيل لصور عدم درك تمام الوقت و تفصيل الكلام أن المتنفّل إن قام في آخر الليل، إمّا أن يتمكّن من إتمام النافلة مخفّفة، فالأفضل له الاقتصار عليه و إعطاء أوّل وقت الفريضة لها و لنافلتها.

و إمّا أن يخاف فوت ما عدا الوتر في الليل، فالأفضل له الوتر و الإتيان بالبقيّة قضاءً، كما يستفاد من صحيح «محمّد بن مسلم» «4».

و إن دار أمره بحسب ما يحرزه بين الوتر و الأربع، احتمل التخيير. و يمكن أن يستفاد من خبر «يعقوب البزّاز» «5» ترجيح الوتر؛ فإنّه إذا كان بعد الأربع راجحاً

______________________________

(1) شرائع الإسلام، 1، ص 52.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 15.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 46، ح 1.

(4) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 46، ح 2.

(5) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 47، ح 2.

بهجة الفقيه، ص: 128

مع كون البقيّة أداءً، فكونه راجحاً قبل الأربع علىٰ الاشتغال بالأربع أولىٰ.

و إن صلّىٰ باعتقاد السعة ثمّ

انكشف طلوع الفجر قبل إتمام النوافل، فإن صلّى الأربع أتمّها؛ و إن صلّىٰ دون ذلك، أتمّ ما تلبّس به بعد إتمام ركعة منه أداءً إن عمّمنا التنزيل للنافلة، و قضاءً مع عدم إتمام الركعة، أو عدم العموم إن قصد الوظيفة الفعليّة.

و إن صلّىٰ شاكّاً مع احتمال إدراك الجميع، ثم طلع الفجر في الأثناء، أتمّ ما صلّاهُ وتراً، كما في خبر «المفضّل بن عمر» «1»، إذا لم يُحمل على الشكّ في أوّل الفجرين و طلوع أوّلهما في أثناء ما تلبّس به، بحيث يقع الوتر بين الفجرين.

و أما صحيحة «ابن وهب» «2» فظاهرها بيان أقلّ ما يدرك به ثواب صلاة الليل من الوقت، و أنّه مقدار أداء الوتر في ما لا يسع الوقت أكثر منه، و لا دخل له بظنّ السعة أو الضيق، أو الشك.

كما أنّ صحيح «محمّد بن مسلم» في صورة الدوران بين الوتر و غيره من الركعات مع خشية الصبح. و أمّا العمل بما في النصوص بعد تبيّن ما أُريد به في كلّ منها فلا بأس به، إلّا أنّ الكلام في تعيين ما هو الأفضل، و قد مرّ ما يرجع إليه.

[الفرع الخامس] حكم الإعادة إذا أوتر بظنّ الضيق و انكشفت السعة

و لو ظنّ الضيق فأوتر ثمّ انكشفت السعة، فصلّى صلاة الليل، فهل يعيد الوتر أو لا؟

و لا إشكال في الإعادة بناءً علىٰ عدم إجزاء الأمر الظاهري، أو قيل بالإجزاء و خروج المورد بالدليل بمثل قوله عليه السلام في رواية «علي بن الحكم» قال

فصلّ صلاة الليل «3»

إذا لم تحمل علىٰ غير الوتر من الثمانية ركعات، كما هو المناسب؛ فإنّ إعادة الوتر المقدّم محتاج إلى بيان لو كانت موظّفة، بعد بيان فعله مقدّماً لخوف الفجر.

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 48، ح 2.

(2) الوسائل 3،

أبواب المواقيت، الباب 46، ح 3.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 46، ح 8 و 4.

بهجة الفقيه، ص: 129

و أمّا مرسلة «إبراهيم بن عبد الحميد» «1» فظاهره أنّ إضاءة الصبح بالفجر الأول، و أنّه كان الإيتار موظّفاً بحسب ظنّه.

و أمّا انكشاف السعة فهو الموجب لضمّ الركعة إلى الوتر بعد الفراغ منه، و ذلك لأنّ القصد تعلّق بصلاة الليل، و إنّما قصد الوتر لظنّه عدم سعة الوقت و أنّ الوقت للوتر فقطّ؛ فلمّا سلّم، علم بقاء الليل، و أنّ وظيفته الشفع، و أن التسليم وقع في غير محلّه؛ فإنّه يتمّ صلاته على هذا و يختم بالوتر؛ و إلّا كان مخالفاً لما يقتضي عدم جواز العدول بعد الفراغ.

ثم إنّه لو بني علىٰ تطبيق العمل بواحد ممّا في النصوص المعتبرة الغير المعرض عنها و غير المعارض بالأقوىٰ، أمكن الجواز، لمكان عدم الداعي إلى التقييد في المستحبّات، خصوصاً مع عموم البلوىٰ و تأخّر المقيّد و انفصاله. و في العمل بما دلّ علىٰ الإيتار بعد الفجر مع الحمل على الصادق تردّد. و المرويّ في رواية «المفضّل بن عمر»: ذلك للمصلّي شاكّاً في الفجر؛ و لو قدّم الوتر بظنّ الصبح، ثمّ نظر فرأى أنّ عليه ليلًا، فالمرويّ «2» العدول من الوتر المأتيّ به إلى الشفع، ثمّ الوتر بعد صلاة الليل. و يحتمل إجزاء الوتر إذا قدّمه عن الإعادة، و أن يكون الإعادة بعد انكشاف السعة أفضل.

و يمكن حمل العدول بعد الفراغ، على الصلاة وتراً بقصد الوظيفة الفعليّة المظنون أنّها الوتر؛ فكشف الخلاف يكشف عن وقوع السلام و التشهّد في أثناء الوظيفة بلا عدول.

و لا بأس بالعمل بما في روايات المقام برجاء المطلوبيّة، و إن كان الأولىٰ رعاية ما عليه العمل

بين الأصحاب.

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 46، ح 8 و 4.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 46، ح 4.

بهجة الفقيه، ص: 130

وقت نافلة الصبح

مسألة: وقت نافلة الفجر أوّلًا، كوقت صلاة الليل
اشارة

حتّى إذا قدّم صلاة الليل لعذر أو بنىٰ علىٰ جوازه اختياراً، يدسّ ركعتا الفجر فيها، كما في رواية «أبي جرير القمي» عن أبي الحسن موسى عليه السلام.

و يمكن أن يكون الأفضل إيقاعهما في السدس الأخير، أو بين الفجرين، و لعلّ الثّاني أولىٰ، لأنّه وقت الوتر المتقدّم علىٰ ركعتَيِ الفجر ترتيباً، و هو أيضاً من السدس الأخير، و تفاضل أبعاضه لا بأس به، كما تؤدّىٰ إلى الحمرة المشرقيّة.

و ما دلّ علىٰ أنّهما من صلاة الليل، و أنّه يخشىٰ بهما صلاة الليل، كالمستفيضة الّتي منها صحيحة «أحمد بن محمّد بن ابي نصر» «1»؛ و ما دلّ علىٰ أنّهما قبل الفجر تصلّيان بلا تقييد بصلاة الليل و أنّ الوقت بعد الفجر للفريضة، و قبلها لهما، كما في حسنة «زرارة» «2» عن أبي جعفر عليه السلام؛ و ما دلّ علىٰ أنهما تؤدّيان بعد الفجر و معه، من المستفيضة «3»، لا يمكن العدول عنها في التوقيت من حيث الأوّل و الآخر، و إن اختلفت الأوقات في الفضل، و يتصرّف بسببها لما فيها من الاستفاضة، و وضوح الدلالة، و الموافقة للعمل في ما دلّ علىٰ أنّهما تصلّيان بعد الفجر، كصحيحة «عبد الرحمٰن الحجّاج» «4»، و «يعقوب بن سالم» «5»، فتحملان على التقيّة بشهادة رواية «أبي بصير» «6»، أو على الترخيص المستفاد من الطائفة الثانية «7» الناصّة على التخيير بين ما قبل الفجر و معه بعده.

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 50، ح 6.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 50، ح 7.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 52،

ح 3.

(4) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 51، ح 5 و 6.

(5) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 51، ح 5 و 6.

(6) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 50، ح 2.

(7) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 50.

بهجة الفقيه، ص: 131

استحباب إعادة نافلة الصبح في فرض تقديمه على الفجر الأوّل

ثمّ إنّه نسب إلىٰ «الشيخ»، و جماعة أنّ الأفضل إعادة ركعتي الفجر بعده إذا قدّمه علىٰ طلوع الفجر الأوّل.

و يمكن الاستناد في الجملة إلى موثّقة «زرارة» «1» الموافقة تقريباً لصحيحة «حمّاد» «2»، و يمكن جعل الأُولىٰ شارحة لما في الثانية من اختلاف النُّسخ؛ و المتحصّل حينئذٍ أنّ العبرة بما في «الموثّقة»، و المتيقّن من حاصلها، أنّه مع تقديم ركعتي الفجر علىٰ آخر وقتهما و هو المتّصل بالفجر إذا كان التقديم مع فاصل زمانيّ معتدّ به، و تحقّق النوم في ضمنه، ثمّ استيقظ، فالأفضل إعادة ركعتَيِ الفجر؛ فمراعاة الفضل تكون بعدم الفاصل بمعتدّ به الوسيع، أو معه مع عدم النوم في البين، أو بالإعادة بعد الفصل عن الفجر مع النوم في الفاصل؛ و في غير الصورة الّتي ذكرنا فيها الإعادة المستفادة من الموثقة، يؤخذ بإطلاق ما دلّ علىٰ أولويّة وقت الفريضة بها لمن صلّىٰ ركعتَي الفجر.

[مسألة] نهاية وقت نافلة الصبح

مسألة: يمتدّ وقت نافلة الفجر إلىٰ طلوع الحمرة المشرقيّة، كما عن المشهور.

و يمكن الاستدلال للامتداد بمعنى مطلوبيّة البدء بالفريضة بعد طلوع الحمرة بصحيح «علي بن يقطين» قال

سألت أبا الحسن عليه السلام عن الرجل لا يصلّي الغداة حتّى يسفر و تظهر الحمرة، و لم يركع ركعتي الفجر، أ يركعهما أو يؤخّرهما؟ قال: يؤخّرهما «3»

؛ فلو لم يكن دليل علىٰ جواز أداء الركعتين بعد ظهور الحمرة، حمل الأمر بالتأخير علىٰ اللزوم و انقضاء وقت الأداء، لا علىٰ أولويّة الوقت بالفرض.

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 51، ح 9 و 8.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 51، ح 9 و 8.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 51، ح 1 و 7 و 4.

بهجة الفقيه، ص: 132

و بها يرفع الإجمال لو كان،

في مرسلة «إسحاق بن عمّار» حيث عبّر فيها بقوله

ما بينك و بين أن يكون الضوء حذاء رأسك، فإن كان بعد ذلك فأبدء بالفجر «1»

و يقيّد بها إطلاق الأمر بالسجدتين بعد التنوير بالغداة في رواية «الحسين بن أبي العلاء» «2»؛ فإنّه كالأسفار أعمّ من ظهور الحمرة، مع موافقة الصحيحة للمشهور، و المحكيّ عليه الإجماع عن «السرائر» و «الغُنية».

أعميّة الإسفار عن طلوع الحمرة و الأظهر إنّ الأسفار أعمّ من ظهور الحمرة و أنّه له مراتب، فيقيّد التنوير و الإسفار بظهور الحمرة في مطلوبيّة تأخير الركعتين. و يمكن أن يتعين بذلك أحد المحتملين في محاذاة الضوء للرأس في مرسل «إسحاق بن عمّار» بأن يكون المراد ظهور الحمرة و ارتفاعها إلى حدّ رأس الواقف، كما أنّه علىٰ تقدير إرادة ما يعمّ ذلك يقيّد بما فيه ذلك في التحديد. و علىٰ أيّ، فحيث إنّ التّوقيت بما بعد الفجر يعمّ جميع ما قبل الطلوع، حُمل التحديد بظهور الحمرة على الفضيلة، و أنّه يتأكّد إعطاء الوقت معه للفريضة، بل يتأكّد قبل ذلك أيضاً، كما في رواية «إسحاق بن عمّار» حيث حدّده بقول المؤذّن

قد قامت الصلاة «3»

، فيرجّح إدراك الجماعة كاملة على البدء بالنافلة.

و يمكن حملُ الأمر مع التنوير، و بالتأخير مع ظهور الحمرة بناء على المنازعة على التخيير. و إثبات الفضل في التأخير بدليل آخر، دلّ علىٰ أفضليّة إعطاء الوقت بعد الفجر مطلقاً، أو في الجملة للفريضة.

[خاتمة فيها مسائل]

[المسألة الأولى] إتيان الفائتة في وقت الفريضة

مسألة: يجوز قضاء الفرائض في كلّ وقت، ما لم يتضيّق وقت الفريضة الحاضرة،

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 51، ح 1 و 7 و 4.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 51، ح 1 و 7 و 4.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 52،

ح 5.

بهجة الفقيه، ص: 133

و مع الضيق لا يجوز تكليفاً ترك الاشتغال بالحاضرة المفروضة، لكنّه مع الترك لا بأس بالصحّة بناءً علىٰ الأصحّ من الترتّب الجاري في جميع العبادات حتى المندوبة غير الشريكة التي لا تبقىٰ وقتها في وقت الاختصاص بشريكتها؛ فالبطلان، لعدم الشرط لأدائها، لا لعدم الأمر بالواجدة للشرط حتّى الوقت.

[المسألة الثانية] التطوّع وقت الفريضة

اشارة

و أما فعل النافلة أداءً أو قضاءً في وقت دخول وقت الفريضة، فالأشهر كما عن «الدروس» جوازه الموافق للعمومات؛ مع أن المسألة من الابتلاء بحدّ لو كان المنع تحريميّاً، لبٰان و اشتهر غاية الشهرة، و لم يكن بحدّ يقال: إنّ الأشهر الجواز كما عن «الدروس»، و إن عارضه المحكيّ عن المعتبر من نسبة المنع إلىٰ علمائنا.

أدلّة المنع

و استدلّ للمنع بروايات منها: صحيحة «زرارة» في ركعتي الفجر، و فيها أوّلًا أنّهما من صلاة الليل فيكون وقتها قبل الفجر، و بعداً «القياس» بصوم التطوع في شهر رمضان، و أخيراً أنّه

إذا دخل عليك وقت الفريضة، فابدأ بالفريضة «1».

و يمكن أن يكون المستفاد منها، أنّ وقت الفريضة المضاف إليها، بأولويّتها بإضافة الوقت إليها بحيث لا يضاف إلى النافلة، إمّا لعدم توقيتها، أو لتسويتها مع ذلك الوقت و غيره، أو لأنّ وقتها قد مضى، أو لتحقّق الإضافة بالعرض بسبب الجماعة؛ ففي جميع ذلك يبدأ بالفريضة و تؤخّر النافلة، و أنّه أفضل من العكس علىٰ حسب الجمع بينها و بين غيرها. و أمّا «القياس» فلا مانع من التعبير به، بعد ثبوت المطلب بالأدلّة الشرعيّة، فيكون القياس مؤكّداً تقريبيّاً.

و يمكن حملها على التقيّة، لموافقتها لما عن العامّة في وقت ركعتَيِ الفجر، و لما فيها من

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 50، ح 3.

بهجة الفقيه، ص: 134

التعبير بالقياس النادر وقوعه منهم بلا تقيّة؛ و ذلك لما دلّ عليه الروايات المستفيضة «1» من بقاء وقتهما إلىٰ ما بعد الفجر، و أنّه يدعهما إذا قال المؤذّن: «قد قامت الصلاة» كما في بعض هذه الروايات «2».

فيمكن أن يكون المراد أنّ الدسّ في صلاة الليل و البدء بعد الفجر بالفريضة، أفضل من تأخيرها إلى

الفجر. و يؤيّد ذلك أنّ الكبرى في مراقبة أوّل الوقت و إعطاؤه للفريضة بعينها و بعبارة متحدة ثابتة في الظهر؛ و مع ذلك، فغاية المراقبة لذلك فيها، الأمر بتخفيف الثمان ركعات «3»، و مثله هنا الأمر بالدسّ في صلاة الليل؛ فلا ينافي ذلك بقاء وقت النافلة إلىٰ أزيد من ذلك. و مرجع ذلك إلىٰ أنّ المفهوم ملاحظة الأقرب بأوّل الوقت مهما أمكن؟؟؟؟؟؟؟ فالأوّل.

و نتيجة ذلك أنّ إضافة الوقت إلى الفريضة إن كانت لزوميّة، فالمنع لزوميّ، لرجوعه إلى المنع عن ترك الفريضة في آخر وقتها؛ و إن كانت للفضل، فالمنع تنزيهيّ، لتفويت الفضل، سواء كان لخروج وقت فضيلة النافلة، أو لعدم كونها موقّتة، أو لإدراك فضيلة الجماعة.

و علىٰ أيّ، تستفاد مطلوبيّة رعاية إضافة الوقت إلى الفريضة بحدّ لا إضافة فيه إلى النافلة بتلك المرتبة من الإضافة.

و يشهد لهذا الجمع ما دلّ عليه روايات الجمع «4»، فلا يستفاد التحريم المطلق، فضلًا عن الشرطيّة و التحريم الغيري؛ و لو سلّم التكافؤ في الدلالة و عدم إمكان الجمع، فالأخذ بروايات الجواز «5» لازم التخيير في المتعارضين. و ما عن «المعتبر» لا يعيّن

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 52.

(2) تقدم تخريجها.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 15.

(4) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 33.

(5) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 52.

بهجة الفقيه، ص: 135

روايات المنع «1» بصدق ما حكاه بالاشعار، الملائم مع الأشهريّة المحكيّة عن «الدروس»، مع أنّ المسألة ليست ممّا يكفي فيها سوى التصريح.

تفصيل الكلام في أدلّة الجواز و الجمع بين الروايات

و استدلّ للجواز مضافاً إلى العمومات و الأصل بما في تعريض صلاة الاحتياط بين النفل و التمام من الإشعار بالجواز. و يمكن دعوى أنّ البحث في ما لم يثبت أمر خاصّ بالجواز من التطوّع في

وقت الفريضة، مع أنّه في التطوّع الاحتمالي، فلا يجري في المعلوم. و مثل ذلك، الأوامر الخاصّة بالنوافل الخاصّة في أوقات خاصّة هي من أوقات الفرائض الخاصّة، و لا يجري حكم الرواتب علىٰ طبق الأمر بها في أوقاتها في سائر النوافل المطلوبة على العموم.

نعم، يمكن استفادة الجواز ممّا فيه التعليل للتحديد، بأن لا يكون تطوّع في وقت الفريضة «2»، بعد مشروحيّة روايات التحديد، بعدم كونه لزوميّا و أنّ فعل النافلة في بعض هذه الحدود الواقع فيها الاختلاف و بعدها سائغ، و إن كان الفضل في إعطاء الوقت للفرض بعد أقلّ زمان يدرك فيه الرواتب. و لو كان المنع عن التطوّع في وقت الفريضة تحريميّاً، لكان الميز بين الوقتين لزوميّا، لا ندبيّاً.

و بأنّه من المستبعد جدّاً أن لا يكون ترك العبادتين ممنوعاً أبداً، و يكون ترك إحداهما الخاصّة ممنوعاً لزوماً.

و بما في موثّق «سماعة» «3»، حيث قابل بين الوقت الحسن و خوف فوت الفريضة؛ فإن شارحيّة هذا الذيل للوقت الحسن و أنّه الذي لا يخاف فيه فوت الفريضة، أولىٰ من شارحيّة الصدر للذيل، بأن يحمل علىٰ خوف فوت الفضيلة. و ما بعد ذلك فيه شاهد لذلك؛ فإنّ المنع التحريمي لا ينبغي إهمال بيانه بالاكتفاء بوقت الفريضة،

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 50.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8، ح 28.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 35، ح 1.

بهجة الفقيه، ص: 136

و خوف فوتها الظاهر في نفسه في وقت الإجزاء؛ و كذلك قوله

إلىٰ قريب من آخر الوقت «1»

؛ مع أنّ الترديد بين الصورتين في المنع و العدم يقتضي إلحاق الصورة الثانية بصورة عدم المنع؛ فإنّ المنع أحوج إلى البيان من عدمه قطعاً؛ فإهمال بيان الثالثة يقتضي

الإلحاق بصورة عدم المنع.

و في صحيح «عمر بن يزيد» «2» شارحيّة لروايات المنع بما يرشد إلىٰ ما قدّمناه؛ فإنّ المستفاد منه أنّ المراد من التنزيه بما يدلّ عليه هو الجامع بين المراتب؛ فإنّه إذا كان لا ينبغي تفويت الجماعة بسبب التطوّع، استفيد منه حكم تفويت الإجزاء بسبب التطوّع، و كذا تفويت وقت الفضيلة كما بعد الذراع بسبب التطوّع. و في غير ذلك، فالتطوّع بالراتبة ليس في وقت الفريضة بنحو من النحوين، بل هو مكمّل للفريضة و غير الراتبة مؤخّر للفريضة عن أوّل وقتها بغير مكمّلها؛ فيستفاد منه الإحالة إلى المعلوم في وقت الفضيلة و أنّه المعلوم أولويّة الفريضة بذلك الوقت و إلّا كانت للصحّة أو الكمال لا إلى بدل؛ فيمكن فهم سائر موارد التنزية الجامع بين التحريم و غيره بالفحوىٰ، أو إلغاء الخصوصيّة من هذا الصحيح.

و يشرح ما مرّ في موثّق «إسحاق بن عمّار»

قلت: أُصلّي في وقت فريضة نافلة؟ قال: نعم، في أوّل الوقت إذا كنت مع إمام تقتدى به؛ فإذا كنت وحدك، فابدأ بالمكتوبة «3»

؛ فإن المستفاد منه أنّه إذا كان مع الإمام و يرى الاقتداء به؛ فإنّه يفوته شي ء من الفضل بسبب النافلة و إن كانت غير الراتبة، بخلاف المنفرد؛ فإنّه يلاحظ أداء الفريضة في أوّل وقتها و من مراتبه الفريضة كمالًا تقديم الراتبة عليها، و إلّا كانت الراتبة غير مشروعة بعد دخول وقت الفريضة، و هذا شي ء لا يحتمله مطّلع علىٰ ما قرّره الشارع، و لا يحتمل حمل هذه الأخبار علىٰ كثرتها، علىٰ ما ينافي وضع

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 35، ح 1.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 35، ح 9.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 35، ح 2.

بهجة

الفقيه، ص: 137

الرواتب، الّتي هي بمنزلة الفرائض و أبدال عن الفرائض الأصليّة قبل التخفيف.

و ما في موثّق «أبي بصير» «1» الآمر بقضاء التطوّع في أوقات أغلبها في وقت الفريضة، و فيه التسوية من هذه الجهة بين تلك الأوقات التي ليس بعضها في وقت الفريضة؛ فإنّه ظاهر في أنّ الوقت من حيث هو صالح لقضاء التطوّع، فلا اشتراط في التوقيت، بل و لا منع للتحريم؛ فيبقىٰ ملاحظة سائر جهات الرجحان و المرجوحيّة بالتفويت للفضيلة، أو لأصل الفريضة، فيكره تارة، و يحرم اخرى لمقارنته مع ترك الفريضة المحرّم.

و كذلك في إفادة التسوية في قضاء صلاة النهار، المراد منها التطوّع، لا ما يعمّ الفرض المقدّم علىٰ أيٍّ على الحاضرة، و التسوية بين ما بعد المغرب و ما بعد العشاء، صحيحُ «ابن مسلم» «2»؛ فإنّه ظاهر في صلاحيّة الوقت، و أنّه لا اشتراط و لا تحريم، فلا يبقىٰ إلّا ملاحظة سائر المرجّحات.

في المرويِّ عن «قرب الاسناد»: أنّ المتذكّر لنسيان صلاة اللّيل في أثناء صلاة النهار يعني نافلة الظهر يبتدئ بالظهر، ثمّ يصلّي صلاة الليل ما بينه و بين العصر، أو متى أحبّ «3»؛ فإنّه ظاهر في أنّ القضاء في وقت التذكّر يوجب فوت وقت فضيلة الظهر، بخلاف القضاء بعد الظهر، و أنّ القضاء بعد الظهر إلى العصر يساويه القضاء متى أحبّ، الذي يكون القضاء بعد العصر من المتيقّن منه؛ و أنّ ذلك، لمكان عدم المحذور في القضاء قبل الظهر، و هو تفويت فضيلة الفريضة، و إن اختلفا في التطوّع في وقت الفريضة و عدمه، و أنّه ليس هو المحذور في الأمر بالبدء بالظهر في ما تقدّم.

و أمّا صحيح «سليمان بن خالد» في انعقاد الجماعة في أثناء صلاة المنفرد،

فليصل

______________________________

(1)

الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 57، ح 10.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 39، ح 6.

(3) أصل الرواية موجودة في الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 49.

بهجة الفقيه، ص: 138

ركعتين، ثم ليستأنف الصلاة مع الإمام، و ليكن الركعتان تطوّعاً «1»

، فهو من التطوّع المشروع بالدليل الخاصّ في وقت الفريضة؛ و يمكن أن يكون خارجاً تخصّصاً من المنع عن التطوّع في وقت الفريضة، إذ هو محافظة على الفريضة، و التطوّع في الصورة إنّما هو للمحافظة علىٰ كمال الجماعة، فليس مقوّماً، بل سبب لإدراكها على الوجه الأكمل، فيكون كالتطوّع قبل الذراع. و هذا بناء على شمول المنع لمطلق التطوّع حتّى ما كان عدولًا عن الفريضة الناقصة إلى الكاملة.

و أمّا في الصحيح في المسافر الداخل مع الحاضرين في الجماعة

فإن كانت الاولىٰ، فليجعل الفريضة في الركعتين الأوّلتين «2»

، فما في الأوّل موافق لما مرّ في الصحيح المتقدّم مبنيّاً على المحافظة علىٰ أوّل وقت انعقاد الجماعة الذي هو بحسب الغالب في وقت فضيلة الفريضة، و يكون نفل الثانية في الأخيرتين للإعادة المستحبّة إن كانت مشروعة و دلّ عليه الصحيح، مع إمكان المنع، لعدم التصريح إلّا بجعل الأوّلتين فريضة، بخلاف التصريح الواقع في العصر.

و ما في الثانية فلعلّ المراد بيان ما يدرك به فضيلة الجماعة في تمام صلاة القوم، و إنّما يكون بإعادة ما صلّاهُ ظهراً في الأوّلتين، ابتداء فريضة العصر في الأخيرتين، لا بالابتداء بفريضة العصر و الانتهاء بإعادتها؛ لأنّ الأوّل يشتمل علىٰ إدراك الجماعة في الظهرين بخلاف الثّاني. و مثله إعادة الظهر بعد العصر وحدها لو كان مشروعاً؛ و علىٰ ذلك، فالتنفّل فيهما في وقت الفريضة، بناء علىٰ عموم التطوّع للمعادة الّتي هي في الأصل فريضة.

و أمّا رواية

«زرارة» المرويّة عن «حبل المتين و غيره، و الموصوفة بالصحّة،

قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام أُصلّي نافلة و عليَّ فريضة، أو في وقت فريضة؟ قال: لا، إنّه لا يصلّى نافلة في وقت فريضة، أ رأيت لو كان عليك صوم من شهر رمضان، أ كان لك

______________________________

(1) الوسائل 5، أبواب صلاة الجماعة، الباب 56، ح 1.

(2) الوسائل 5، أبواب صلاة الجماعة، الباب 18، ح 4.

بهجة الفقيه، ص: 139

أن تتطوّع حتى تقضيه؟ قال: قلت لا، قال: فكذلك الصلاة، قال: فقايسني و ما كان يقايسني

، «1» فهي موافقة لصحيحته الأُخرىٰ في ركعتي الفجر حيث قال عليه السلام في ذيله

أ تريد

أن تقايس لو كان عليك من شهر رمضان، أ كنت تتطوع؟ إذا دخل عليك وقت الفريضة، فابدأ بالفريضة «2».

و المستفاد منهما بعد ملاحظة الأصل فيهما و أنّه لا تزاحم فيه بين الندب و الفرض، أنّ المراد بالتطوّع في وقت الفريضة، و التطوّع لمن عليه فريضة واحدة في الصلاة و الصوم، و أنّه لا تزاحم بين الواجب و الندب فيهما، و حيث إنّه كذلك تكليفاً و وضعاً في الأصل، فهو كذلك في الفرع. و الجامع الذي فيه الملاك، أهمّية الفرض من النفل؛ لكنّها قابلة للحمل على الجامع بين الحتم و الندب، و الاشتراط و العدم، بأن يكون الأصل علىٰ سبيل الحتم و الاشتراط، بخلاف الحكم في الفرع؛ أو يكون الحكم في الفرع أيضاً مختلفاً بحسب تفويت أصل فريضة الصلاة، أو كمالها بتفويت الجماعة مثلًا، أو لمضيّ وقت فضيلة النافلة، فيقدّم الفرض الذي لا بدل له، على النفل الذي له البدل بالقضاء بعد الفريضة.

و هذا بعد ورود الدليل عليه، الأظهر في الندب أو النصّ فيه، يمكن دعوى انصراف مثل هذين

الصحيحين «3» عن النافلة المكمِّلة للفريضة، كما في الأصل لا تكميل فيه في المندوب عن الصوم المفروض قضاءً؛ فإنّ لحاظ أهمّية الفريضة لا يوجب إلّا الاشتغال بها و بمكملاتها الّتي منها الراتبة و الأذان و الإقامة في خارجها و تطويل السور و الأذكار في داخلها، لا رفع اليد عنها مع عدم مضيّ وقتها و عدم مفوّتيّتها لفضيلة الفريضة من جهة أُخرى كالجماعة.

______________________________

(1) المستدرك، أبواب المواقيت، الباب 46، ح 3.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 50، ح 3.

(3) المستدرك، أبواب المواقيت، الباب 46، ح 3، و الوسائل 3، أبواب المواقيت الباب 50، ح 3.

بهجة الفقيه، ص: 140

و وجه الانصراف، وضوح شرع النوافل النهارية قبل الفرائض، فيحتاج عموم منع التطوّع في وقت الفريضة «1» لما هو الواضح مشروعيّته، إلىٰ نصّ مبيّن، و إلّا فوضوحه قرينة الصدور بالنسبة إلى هذه العمومات و أنّها غير مرادة، لا أنّ التخصيص يرتكب فيها بالأدلّة المنفصلة.

و في القياس الواقع في كلام الإمام عليه السلام «2» إشارة مع كونه في الواقع مؤكّداً للحجّة، لا أنّه الحجّة عندنا إلىٰ أنّ الملاك الجامع أهميّة الدَّين الواجب من الفرض، و هذا لا يجري في مكمِّلات الفرض، بل في خصوص ما هو أجنبيّ عنه، و ليس فيه إلىٰ تعدّد الطلبين اللذين أحدهما إيجابيّ، و الآخر ندبيّ.

و أمّا ما في موثّق «ابن مسلم» في السؤال عن ترك تطوّعه عليه السلام في ما بين الأذان و الإقامة كما يصنع الناس، و قوله عليه السلام

إنّا إذا أردنا أن نتطوّع، كان تطوّعنا في غير وقت فريضة؛ فإذا دخلت الفريضة، فلا تطوّع «3»

، فقد مضي مثلها في الدلالة علىٰ أهمية الفرض جماعة و أولويّته بالوقت، و أنّ التنفّل بعد حضور

الجماعة في معرض تفويت الجماعة بعضها أو كلّاً؛ مع أنّ الجماعة مستحبّة، فإذا جاز تركها، جاز الاشتغال بالنفل؛ فلا يلزم من التنفّل إلّا ترك الجماعة المستحبّة في الجملة، بل عدول من الأفضل إلى المفضول بالإضافة، و كيف يفيد مثل هذا السياق التحريم، أو الشرطيّة و البطلان، و ممّا يؤيّد ما مرّ أنّ روايات الرواتب «4» ناظرة بما فيها من التعليل إلىٰ روايات المنع عن التطوّع، بلا عكس؛ و هذا يوجب التقدّم و لو لم يكن شي ء آخر.

و دعوىٰ أنّ التقديم بالأعمِّ من التخصيص، مسلّم، مدفوعة بأنّ النظر يفيد الحكومة

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 35، ح 2.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 50، ح 3.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 35، ح 3.

(4) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 8.

بهجة الفقيه، ص: 141

لما هو آبٍ عن التخصيص، لما فيه من الإرشاد إلى المرتكز العقلي، و أنّه لا يفيد، للخروج من مصلحة أقوى من مصلحة أوّل الوقت، و منها فضيلة الجماعة، و منها ما عبّر عنه بصلاة الأوّابين، الّتي فيها مع ذلك أنّها مكمّلة للفريضة، فهي رعاية لها، لا إلغاء لها و عدول عنها؛ مع أنّ العمل المستمرّ المعهود في ما بين السائلين و المجيب قرينة متّصلة أقوى من المذكورة.

فكما لو قال: «في غير الرواتب»، لفظاً في روايات المنع «1»، لا ينعقد لها ظهور عمومي حتّى يحتاج إلى التخصيص بدليله المنفصل، فكذا ما هو أقوى من التلفّظ، فلا يستفاد منها إلّا المنع الأعمّ الجامع للحرمة في تفويت المصلحة اللزوميّة في آخر الوقت، و الكراهةِ و المرجوحيّة في تفويت المصلحة المهمّة الغير اللزوميّة، كالجماعة و أوّل وقت الفضيلة؛ فلا يكون شي ء من ذلك في التنفّل في

وقت النافلة الراتبة، أو تنفّل منتظر الجماعة انقضىٰ وقت فضيلة النافلة.

و أمّا حمل روايات الجواز «2» على استفاضتها و صحّة بعضها على التقيّة، لموافقة الجواز لعملهم، كما مضى في وقت ركعتَيِ الفجر في خبر «أبي بصير» «3» و التنفّل بين الأذان و الإقامة في موثّق «ابن مسلم» «4»، و تعليل المنع بالقياس «5» لإفحامهم علىٰ مذهبهم و أنّه يقتضي المنع لا الجواز الذي هم عليه، فإنّما يصار إليه مع وصول النوبة في العلاج إليه، و الجمع العرفي مقدّم علىٰ علاج المتعارضين صدوراً و جهةً؛ و الشهرة بعد ذلك قابلة للمنع، لما مرّ عن «الشهيد» أنّ الجواز أشهر؛ مع أنّها إرشاديّة كما يظهر من «المعتبر».

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 35.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 61.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 50، ح 2.

(4) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 35، ح 3.

(5) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 50، ح 3.

بهجة الفقيه، ص: 142

[المسألة الثالثة] جواز التطوّع لمن عليه فريضة فائتة

و أمّا جواز التطوّع لمن عليه فريضة فائتة، فقد حُكي أنّ الأصحاب لم يفرّقوا بين المسألتين، يعني الحاضرة و الفائتة، كما يرشد إليه البناء على المضايقة؛ و أمّا على المواسعة فلا يشمله ما دلّ على التطوّع في وقت الفريضة، و إنّما يشمله مثل المرسل «1»

لا صلاة لمن عليه صلاة

؛ و هو و إن لم يبلغ سنداً حدّ الحجيّة، إلّا أنّ المحكي عن «فخر الدين» سؤالًا و جواباً عدم الخلاف، معلّلًا بهذا المرسل، و يستظهر منه مقبوليّة المرسل. و مفاده: أنّه لا يتطوّع مَن عليه فريضة، لأنّ الصلاة له لا يكون في مقابل الصلاة عليه إلّا التطوّع مع الفرض، و لا يمكن تعميم الصلاة عليه للندب، و لا يمكن إرادة ما يعمّ

الاختراع من الصلاة له الغير الجائز على الكلّ.

إلّا أنّه مع معارضته بالصحيح علىٰ ما سيأتي إن شاء اللّٰه تعالى في عمل النبي صلى الله عليه و آله و سلم «2» و بثبوت الجواز في وقت الحاضرة مع أولويّتها على المواسعة من الفائتة، لأنّ فيه تفويتاً لأوّل الوقت في الجملة، يمكن حمله على نفي الكمال، كما في نظائر هذا التركيب، و على الإرشاد إلى المرتكز في الأذهان من أولويّة الدَّين الواجب على الندب بصرف الوقت فيه.

و يمكن أن يكون الاستدلال بالمرسل، لفهم شي ء متوسّط بين ترتّب الحاضرة على الفائت، لأنّهما صلاتان على المكلّف، فلا بدّ من إفادة أولويّة إحداهما، كما أنّ المرجوح التطوّع في وقت الفريضة، لا التطوّع ممّن عليه الفرض، و هو المناسب للمقام، و لروايات القياس «3»، فلا يكون ما نحن فيه المختصّ فيه إحداهما بكونها صلاة للمكلّف و الأُخرى بكونها عليه، لا بكونها في وقتها؛ فلا يكون المنفيّ إلّا التطوّع، و لا يكون المثبت إلّا الفائتة المفروضة.

______________________________

(1) المستدرك، أبواب المواقيت، الباب 46، ح 2.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 61، ح 6.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 50، ح 3.

بهجة الفقيه، ص: 143

و هو الموافق لما في روايات القياس، أعني ما في ذيل بعضها

و لا يتطوّع بركعة حتى يقضي الفريضة كلّها «1»

دون ما فيه التعبير مضافاً إلى القياس المذكور-

بأنّه لا يصلّي نافلة في وقت فريضة

؛ فيكون مفاد المرسل مؤيّداً بالصحيحين المشتملين على القياس.

إلّا أنّ ما عن «الرياض» من عدم الفرق بين المسألتين مع وجود الخلاف في التطوّع في وقت الفريضة، و ما نقل عن جماعة من التصريح بالجواز هنا، ربّما يوهن عدم الخلاف المنقول عن كلام «الفخر».

مع أنّ دعوى أنّ الملحوظ

في صحيح القياس المعبّر بوقت الفريضة أمران أحدهما: أولويّة دفع المفسدة من جلب المنفعة، و الأُخرى: تحصيل فضل أوّل الوقت مهما أمكن. و الملحوظ في المرسل هو الأمر الأوّل؛ فيكون التطوّع في الوقت أولىٰ بعدم الخلاف من التطوّع لمن عليه الدَّيْن؛ كما أنّه أولىٰ بالحكم ثبوتاً غير بعيدة. نعم، على المضايقة، فالأولويّة بالعكس، لأنّ الفوريّة بمنزلة التوقيت المضيّق، و لا فوريّة للحاضرة في سعة وقتها.

و أمّا خبر «يعقوب بن شعيب»، فالسؤال فيه عن صلاة المستيقظ حين تبزغ الشمس و أنّه يصلّي فيه، أو ينتظر انبساط الشمس، فقال عليه السلام

يصلي حين يستيقظ «2»

، فكان السؤال عن كراهة الصلاة في ذلك الوقت، و الجواب عن أنّه في غير الفائتة أو في الفائتة المفروضة؛ و لعلّ السؤال الثاني، عن أنّه يقضي النافلة الفائتة أو الفريضة؟ فقال عليه السلام

يبدأ بالفريضة «3»

، و لا وجه له إلّا التنفّل لمن عليه الفريضة الفائتة.

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 61، ح 3 و 4.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 61، ح 4 و 3.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 61، ح 4 و 3.

بهجة الفقيه، ص: 144

و يعارضه و جميعَ ما يفيد مفاده، صحيح «زرارة» «1» في قضاء النبي صلى الله عليه و آله و سلم و أصحابه النافلة الفائتة قبل الفريضة. و لا أثر للاختلاف في زمان الاستيقاظ من قرب طلوع الشمس و بُعده مع عدم كون النافلة مبتدأة؛ و لا لكون ركعتَيِ الفجر من صلاة الليل الواجبة عليه صلى الله عليه و آله و سلم أداءً و قضاءً لو سلّم ذلك، لأنّه أمرهم بذلك أيضاً في ما عن بعض نصوص الحكاية؛ و لا لانتظار الجماعة، كما يستفاد

من الأمر المذكور، فيصرف بنصوصيّة الصحيحة في الجواز، عن ظهور ما يعارضها جملةً في المنع، و يحمل على الكراهة المختلفة مراتبها بل أصلها وجوداً و عدماً، باختلاف المرجّحات، التي منها بيان جواز التأخير الخاصّ بلا كراهة؛ و ما في بعض هذه الروايات من قوله عليه السلام

أَ لٰا أخبرتهم

، (يعني الحكم و أصحابه)، أنّه، يعني النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم، قد فات الوقتان جميعاً، و أنّ ذلك كان قضاءً من رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم «2»؛ و أنّ العبرة في المنع بحضور وقت الفريضة و كونها أداءً؛ فأداء النافلة، مورد للمنع، فضلًا عن قضائها، بخلاف الفريضة الفائتة، فلا كراهة في قضاء النافلة فضلًا عن أدائها.

و مثل هذه الأخبار، خبر «أبي بصير»: سأل الإمام الصادق عليه السلام عن

رجل نام عن الغداة حتى طلعت الشمس، فقال: يصلّي ركعتين، ثمّ يصلّي الغداة «3»

، لكنّها معارضة في موردها بصحيح «يعقوب بن شعيب» حيث قال

بل يبدأ بالفريضة

، لكنّه لا يخلو من الإجمال؛ فإنّ صلاة الركعتين إن كانت فريضة، فما وجه إهمال ركعتَيِ الفجر؟ و إن كانت نافلة، فما وجه الترديد؟ لأنّ الترديد، بين التنفّل و الفرض، لا بين النافلتين؛ و علىٰ الأخير يكون الجواب نفي شقَّيِ الترديد معاً.

و علىٰ ايٍّ، فترك ما سوى الفريضة مطلوب في الجواب، مع مطلوبيّة فعل النافلة في

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 61، ح 6.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 61، ح 6.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 61، ح 2.

بهجة الفقيه، ص: 145

الموثّقة «1» قبل الفريضة الفائتة، و الوقت أيضاً متّحد فيهما؛ كما أنّ الراتبة المثبتة في الموثّقة منفيّة علىٰ ظاهر البدء في

الصحيح؛ إلّا أن يقال: علىٰ تقدير إرادة الفريضة لا مطلق التنفّل. و الفرق أنّ نافلة الفريضة مكمّلة لها أداءً و قضاءً، كما يستفاد من غير هذه الصحيحة؛ فلا ملازمة بين نفي مطلق التطوّع و نفي الرواتب في القضاء، كما وقع الفصل في الرجحان في الأداء؛ كما أنّه علىٰ تقدير إرادة النافلة يمكن أن يكون حاصل السؤال أنّه يقضي جميع النوافل أو خصوص ركعتَيِ نافلة الصبح، و الجواب أنّ المقضيّ نافلة الفريضة؛ فإنّه من البدء بالفريضة من غيرها، بخلاف قضاء الوتر و ما بعده.

و علىٰ أيٍّ، فالمعارض لموثّقة «أبي بصير» و ما يفيد مفادها، ليس بتلك القوّة حتّى لا يقبل الحمل علىٰ ما يجامع مفاد الموثّقة و ما يفيد مفادها. و علىٰ تقدير المكافاة، فيمكن الجمع بينهما بالتخيير جمعاً في الدلالة أو الصدور، أو بأفضليّة تقديم الراتبة بشهادة صحيح النوم «2»، فيحمل الأمر بالبدء على الجواز المجامع للمرجوحيّة، بمعنى أقليّة الثواب إذا لم نقل بأنّ ركعتي الفجر من صلاة الليل في الوجوب على النبي صلى الله عليه و آله و سلم و الندب من غيره؛ و إلّا خرج ما في الصحيح عن البحث.

و يحتمل في الصحيح إرادة تأخر الوقت عن الكراهة، بخلاف ما تقدّم. و كون الراتبة مكمّلة للفريضة أداءً و قضاءً مع فواتهما، يرجّح حمل الأمر بالبدء على الجواز مطلقاً، أو في ما كان البدء مبالغة في الاهتمام بالفريضة.

و يحتمل علىٰ تقدير عدم العمل بصحيح النوم و تساقط الروايتين في قضاء ركعتَيِ الفجر، الرجوع إلىٰ عموم قوله

و لا يتطوّع بركعة حتى يقضي الفريضة كلّها «3»

لو لم يعارض بغيره أيضاً، كروايتي عمّار «4»، و زرارة «5».

______________________________

(1) تقدم آنفاً.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 61، ح

6.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 61، ح 3.

(4) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 61، ح 5 و 6.

(5) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 61، ح 5 و 6.

بهجة الفقيه، ص: 146

ثمّ إنّ الصحيح الحاكي عن نوم النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم و قضائه نقل عن «الذكرى»: «أنّه لم يقف علىٰ رادّ له من جهة المنافاة للعصمة»، و لعلّه لما فيه من الحكمة الواضحة، فلا يقايس بالواقعة غيرها، أو لأنّه يمكن عدم التكليف لخصوصه صلى الله عليه و آله و سلم بالفرض في فريضة خاصّة، كما أنّهم لا تكليف عليهم في جميع موارد المغلوبيّة.

و ما ورد من أنّه صلى الله عليه و آله و سلم قال

تنام عيني و لا ينام قلبي «1»

فلا ينافي عدم التكليف بترتيب الأثر على اليقظة الخاصّة و الالتفات الخاصّ، كما في كثير من موارد اطّلاع المعصومين عليهم السلام بما هو الغائب عن غيرهم؛ مع أنّ العمل منهم كان كعمل غير العالم في الظاهر.

لكنّه حكىٰ في «الحدائق» عن «المفيد»، ردّ الخبر بالمنافاة لما ثبت في المذهب، و يمكن إبداء الاحتمال بأنّه لا طريق لنا إلىٰ أنّه صلى الله عليه و آله و سلم لم يصلّ في الوقت بحيث لم يطّلع علىٰ صلاته غيره لنومهم، و يشعر به قوله: «نُمتم» «2» بالخطاب؛ لكنّ الإعادة بعد الوقت و لو جماعة تحتاج إلىٰ دليل على المشروعيّة التي لا يصار إليها بهذه الروايات، مع إمكان التخلّص بنحو آخر لا محذور فيه.

ثم إنّ الظاهر من صحيح «زرارة» «3» المشتمل على القياس، انتزاع الجامع بين النافلة في وقت الفريضة و التطوّع لمن عليه الفريضة، المناسب للصوم الذي هو الأصل في القياس المذكور. و

حمل القياس على التقيّة لو تمّ لا ينافي كون الحكم واقعيّاً، و إن كان الاستدلال تقيّة مع إمكان تعليم الاستدلال مع العامّة المجوّزين؛ لكنّ الظاهر من صحيحه الآخر الحاكي للنوم «4» الفرق بين المسألتين، و أنّ التطوّع ممّن عليه الفريضة. و لعلّ الأقرب هو حمل المنع على الكراهة، و القياس لاستفادة الجامع بين

______________________________

(1) البحار 76، ص 189، الباب 43، ح 18.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 61، ح 1.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 50، ح 3.

(4) الوسائل 3، أبواب أعداد الفرائض، الباب 17.

بهجة الفقيه، ص: 147

الحرمة و الكراهة. و أمّا رواية «زرارة» المحكيّة عن «كتاب الغياث» «1» فمقتضاها جواز التنفّل في ضيق وقتها ممّن عليه القضاء، و لازمها عدم عموم المنع عن التطوّع عمّن عليه الفريضة.

و أمّا استفادة عموم الجواز بحيث يشمل غير الموقّتات، المخوف فوت أوقاتها، فلا يخلو عن تأمّل، إلّا أن يتمّم ذلك بموافقة سائر الروايات.

[المسألة الرابعة] الاستيجار للصلاة لا يمنع عن التطوّع

ثم إنّه إذا كانت الفريضة نيابةً عن الغير مستأجراً عليها، فهل يجري حكم التطوّع لمن عليه تلك الفريضة؟

مفاد الروايات، «2» عدم الجريان في غير فرائض المتطوّع الواجبة عليه بالأصالة، و مقتضى المرسل «3» الظاهر من «الفخر» و حكايته، العمل به الجريان في كلّ صلاة على المتطوّع بالصلاة؛ و الحاجة في المنع إلى الوضوح مع عموم البلوىٰ، تجري في هذا الفرع أيضاً، و مثل الإجارة سائر الموجبات للصلاة. و يقوى الإشكال في الرواتب المزاحمة للفرائض الأصليّة أداءً، بل قضاءً أيضاً علىٰ وجه. و لازم التعميم أن تكون المزاحمة، مع فرائضها، كما هو المعلوم، لا مع سائر الواجبات الصلاتيّة، و لا الرواتب في غير أوقات فضيلتها، و إن قيل بعدم القضاء بعد فعل الفريضة، و إنّ

فعلها قبلها، مرجوح بعد الذراع و الذراعين.

و لعلّ الخروج عن الارتكازات الدينيّة، و مطلوبيّة الصلوات المندوبة بنحو العموم، و خصوص ذوات الأوقات و الأمكنة الخاصّة، مع عمومها لمن عليه الصلاة، يغني عن الاستدلال بغير ذلك.

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 61، ح 9.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 35.

(3) المستدرك، أبواب المواقيت، الباب 46، ح 2.

بهجة الفقيه، ص: 148

و ما دلّ عموماً على المنع عن ذوات الأسباب، يدلّ على المنع عن المبتدأة عموماً أو بالفحوىٰ، بخلاف الدليل على الجواز في ذوات الأسباب؛ فإنَّه علىٰ تقدير عدم العموم، لا أولويّة للمبتدأة في الجواز، و إنّما جواز المبتدأة يفيد جواز ذوات الأسباب بالفحوىٰ لو لم يكن عموم.

فتحصل ممّا مرّ: أنّ الأقوىٰ جواز التطوّع في وقت الفريضة، و ممّن عليه الفائتة المفروضة، كان التطوّع من ذوات الأسباب أو لا، و إن كان الأحوط ترك المبتدأة مطلقاً، و ترك الكلّ في وقت الفريضة إلّا مع الدليل الخاصّ، فتنتفي المرجوحيّة أيضاً.

لو نذر التطوّع بلا تقيّد، خرج عن النفل و صار مفروضاً و خرج عن محلّ البحث؛ و لو قيّده بوقت الفريضة، أو بأن يكون عليه الفائتة، بطل النذر بناء على المضايقة في الأخير، أو على التحريم في التطوّع لمن عليه الفائتة، أو في وقت الفريضة؛ و كذا لو لم يقيّد و كان ممّن عليه القضاء، و لا يمكنه القضاء قبل الوفاء بالنذر.

بهجة الفقيه، ص: 149

الفصل الثالث أحكام الأوقات

[مسألة] ميزان وجوب القضاء على ذوي الأعذار

اشارة

مسألة: إذا حصل أحد الأعذار المانعة من التكليف كالحيض و الجنون و الإغماء بعد مضيّ مقدار من الزمان يتمكّن فيه من أقلّ الواجب الصلاتي مع التطهّر و سائر الشروط، مع عدم الأداء، وجب القضاء، و لا يجب القضاء مع إدراك الأقلّ من ذلك

على المشهور؛ و الأحوط مع العلم بطروّ العذر الإتيان بصلاة العاجز في الكميّة و الكيفيّة، و التنزّل إلى البدل في ما له بدل لا يطول وقته، و إسقاط ما يسقط بالضرورة و العجز، و كذا القضاء مع عدم الأداء المذكور. و لا فرق في ذلك بين أن يكون زمان التمكّن أوّل الوقت، أو وسطه، أو آخره في غير ما يذكر.

[و ينبغي الإشارة إلى أمور]
[الأول] لزوم نية الأداء مع إدراك ركعة من الوقت

و لو زال العذر في آخر الوقت بحيث يتمكّن من الصلاة مع الشّروط، فإن أدرك ركعة من الشروط، وجب الأداء تماما، و مع الترك القضاء.

و يدلّ عليه بعد نقل إجماع الأصحاب عليه عن «المدارك»، و نفي الخلاف فيه بين أهل العلم عن «المنتهىٰ» ما روي عنه صلى الله عليه و آله أنّه قال

من أدرك ركعة من الصلاة،

بهجة الفقيه، ص: 150

فقد أدرك الصلاة «1»

و عنه صلى الله عليه و آله أيضاً

من أدرك ركعة من العصر قبل أن يغرب الشمس، فقد أدرك الشمس «2»

، و من طريق الأصحاب ما رواه «الشيخ» عن «الأصبغ بن نباتة» قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام

من أدرك من الغداة ركعة قبل طلوع الشمس، فقد أدرك الغداة تامّة «3»

و في الموثّق عن «عمّار الساباطي» عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام أنّه قال

فإن صلّىٰ ركعة من الغداة ثمّ طلعت الشمس، فليتمّ الصلاة، و قد جازت صلاته «4».

و الضعف في السند في بعض ما مرّ، مجبور بعمل الأصحاب بالنسبة إلى الدالّ منها؛ مع إمكان استفادة إلغاء الخصوصيّة ممّا في «المعتبر» بالنسبة إلى الغداة، و إن اختصّ البيان بها لأغلبيّة الابتلاء بعدم إدراك تمام الصلاة فيها كما لا يخفىٰ بالنسبة إلى سائر الصلوات. و يخرج ما مرّ شاهداً علىٰ الإلغاء المذكور

بحيث لا يرجع إلى القياس.

هذا، مضافاً إلى ما استند في «المعتبر» «5» إليه من قوله عليه السلام

من أدرك ركعة من الوقت، فقد أدرك الوقت

، و فيه زيادة الدلالة علىٰ أدائيّة الكلّ بوقوع ركعة في الوقت؛ و أنّ شرط المكلّف به أعمّ من وقت الركعة فما زاد بنحو تعدّد المطلوب؛ فوقت الركعة شرط و الزائد واجب فقطّ. و علىٰ الاشتراك يقتصر علىٰ فعل الظهر أو المغرب لاشتراط الأخيرة بالأُولىٰ بلا عكس، مع اشتراك الوقت فرضاً، فيقتصر علىٰ غير المشروط بالأُخرى.

[الثاني] إذا أدرك قبل الغروب أو انتصاف الليل أقل من وقت الفريضتين

و لو أدرك قبل الغروب مقدار أربع، تعيّن الوقت للعصر علىٰ الاختصاص المختار، و اشتغل بالأُولىٰ علىٰ الاشتراك. و لو أدرك مقدار الأربع قبل الانتصاف، فكذلك

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 30، ح 4.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 30، ح 5

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 30، ح 2 و 3

(4) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 30، ح 2 و 3

(5) المعتبر، ص 139.

بهجة الفقيه، ص: 151

يشتغل بالعشاء على المختار، و بالمغرب قبل العشاء علىٰ الاشتراك.

و يتعيّن الأداء و القضاء في ما يختصّ به الوقت، و هو الأخيرة في الفرضين؛ فكما لا أداء لغيرها، لا قضاء في غيرها المصادف للعذر من جنون أو حيض أو إغماء علىٰ ما ذكر في محلّه. و دعوىٰ إمكان الجمع علىٰ الاختصاص بإعطاء مقدار الثلاث للمغرب و ركعة للعشاء، يمكن دفعها بأنّ مقتضى الاختصاص عدم صحة الشريكة أداءً و لو بغير الاختيار، كالساهي و المعذور إذا لم يؤدّ العشاء بنحو صحيح في الوقت المشترك سهواً و غفلةً؛ و إن كان لو فعل ذلك، صحّ العشاء الواقع ركعة منها في الوقت، و قضى المغرب لعدم صحّتها، كما لو

أخّر العشاء عصياناً أو عن غفلة.

و أمّا ما في «الشرائع» من قوله: «و لو أدرك قبل الغروب أو قبل انتصاف اللّيل إحدى الفريضتين، لزمته تلك لا غير» «1»، فالظاهر ابتناؤه علىٰ الاختصاص كما يفيده المقابلة مع إدراك خمس ركعات، فلا يكون في الأقلّ إدراك الوقت الاختياري لواحدٍ معيّن إلّا مع الاختصاص، إذ مع الاشتراك يمكن الجمع بين المغرب و العشاء في وقتهما الاضطراري بالنسبة إلى العشاء الاختياري للمغرب؛ فالقصر على الواحدة المعيّنة، كما يفيده قوله: «تلك» و إلّا كفىٰ أن يقول: «لزمته لا غير»، يبتني علىٰ الاختصاص. و يؤيّده موافقة ذلك لاختياره الاختصاص في ما مرّ.

و النتيجة أنّ إدراك مقدار الأربع إدراك للعصر، و للعشاء فقطّ، و ذلك منصوص في مرسلة «داود بن فرقد» «2».

أدائيّة الفريضتين لو أدرك خمس ركعات

و إذا أدرك خمس ركعات، لزمته الفريضتان، لإدراكه من كلّ منهما ركعة فما زاد،

______________________________

(1) شرائع الإسلام، 1، ص 53.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 4، ح 7، و الباب 17، ح 4.

بهجة الفقيه، ص: 152

و إدراك الركعة في كلّ منهما بناء علىٰ الاختصاص وجدانيّ. و أمّا عدم إدراك تمام الركعات، فهو أيضاً كذلك بالنسبة إلى الأُولىٰ، لاختصاص مقدار الأربع بالأخيرة؛ و أمّا الأخيرة، فإدراك جميع الركعات لها متوقّف علىٰ عدم وجوب صرف الزائد على الركعة في الأُولىٰ، و هو متوقّف على إدراكه بالفعل لتمام الأخيرة، فيلزم الدور. مع أنّ الأخيرة متوقّفة في الصحّة علىٰ تقديم الاولىٰ مهما أمكن، و عدم إمكانه متوقّف علىٰ تعيّن تمام وقت الأربع للأخيرة بالفعل، و هو موقوف علىٰ عدم الترتّب بالفعل، فيلزم الخلف. و الاختصاص إنّما يمنع عن صحّة تمام الشريكة في ذلك علىٰ أيّ حال مع عدم أداء ذي الوقت، و عن الشروع

في الشريكة، لا عن إتمامها، لأنّه لا يزيد على خروج وقت الشريكة.

[لمسألة] وجوب إتمام الصلاة على الصبي لو بلغ في أثناء الصلاة

مسألة: الصبيّ المتطوّع بوظيفة الوقت بناء علىٰ شرعيّة عباداته، إذا بلغ بما لا يبطل الطهارة و الوقت باقٍ، فهل يستأنف صلاته كما حكي عن «المدارك» النسبة إلى «الخلاف» و أكثر الأصحاب، أو يمضي فيها؟

وجه الأوّل [أنّ] الإيجاب أمر جديد لا يجزي عنه المندوب تماماً و لا بعضاً، [و] وجه الثاني أنّ الأمرين المتعاقبين لا فاصل بينهما في الزمان؛ فمطلوبيّة الصلاة مستمرّة في حقّ البالغ في الأثناء و متّصلة، بل باقية لا بحدّها؛ فما سبق، واقع علىٰ صفة المطلوبيّة الاستحبابيّة الانحلاليّة، و اللّاحق يقع علىٰ صفة الإيجاب الانحلالي، و الأمر بالصلاة قبلها ينحلّ إلىٰ أوامر أوّلها الأمر بالتكبير، و آخرها الأمر بالتسليم، سواء استمرّ الأمر الاستحبابي أو الوجوبي، أو تعاقب الأمران، لا فرق في الانحلال بينها؛ كما أنّ الأمر استحبابيّاً كان أو وجوبيّاً، انحلاليّاً كان أو واحداً متعلّقاً بتمام المركّب إنّما يتعلّق بمن لم يصلّ، فإن صلّىٰ صلاة مأموراً بها، فلا أمر، لأنّه طلب الحاصل، أو بعضها فلا أمر إلّا بالإتمام، لا بالاستئناف، لأنّه بالنسبة إلى السابق طلب الحاصل. و الانقطاع بالبطلان يستلزم مبطليّة البلوغ، و كونه كالحدث، و لا دليل عليه، بل الدليل

بهجة الفقيه، ص: 153

و الأصل علىٰ خلافه. و التعبّدي كالتوصّلي في حصول الغرض المسقط للأمر بالفعل، إلّا أنّه في الأوّل منوط بقصد القربة المفروض حصوله، و عدم اعتبار الوجه و عدم تأثيره في شي ء. و منه يظهر وجوب الإتمام، و أنّه مقتضىٰ إيجاب البقيّة، لا أنّه لمكان تحريم الإبطال حتّى يقال: لا دليل عليه في النافلة.

إذا بقي من الوقت أقلّ من مقدار ركعة كما يظهر الوجه في عدم إناطة

وجوب الإتمام ببقاء وقت الركعة؛ فإنّه إنّما يلزم لاختيار الاستيناف؛ و مع عدم هذا الوقت علىٰ هذا المبنىٰ، فلا يلزم شي ء من الأداء و القضاء، بخلاف ما ذكرنا وجهه؛ فإنّه يرجع إيجاب الصلاة على المتلبّس إلىٰ إيجاب البقيّة؛ فما دام يمكن الإتمام واجباً و لو بفعل جزئه الأخير، وجب و لا يجوز تركه، فإن ترك، فعليه القضاء، فافهم؛ و عليه تجديد نيّة الفرض في ما بقي؛ بخلاف القول بوجوب القطع و الاستيناف؛ فإنّه حينئذٍ لا قطع عليه، بل يحرم القطع إن قيل بعموم الحرمة للنافلة، و إلّا فالإدامة للنافلة مندوبة كالشروع فيها مع القول بشرعيّتها.

و أمّا احتمال البطلان رأساً لمكان المصادفة مع ضيق الوقت المعتقد عدمه في صورة إمكان الاستئناف بناء على وجوبه، فيمكن المناقشة فيه، لمكان أنّ الاختصاص يقتضي عدم صحّة الشريكة مع عدم أداء المختصّ به، لا أيّ واجب أو نفل، إلّا في التكليف بالقطع و الاستئناف لما هو أهمّ من واجب آخر؛ فلو غفل و صلّى واجباً غير الشريكة، أو نفلًا، كما هنا علىٰ هذا القول، اتّجهت الصحّة، لعدم انكشاف الوقوع في غير الوقت. و كذا صلاة المشتبه إذا انكشف الضيق في الأثناء، فعليه قطع النافلة، لا أنّها لا تصحّ مطلقاً و لو من غير الملتفت إلى الضيق.

و أمّا علىٰ وجوب الاستئناف و عدم الاجتزاء بالإتمام أو التمام، فمع سعة الوقت لا مانع من الإتمام نافلةً؛ و مع ضيقة بحيث يدرك تمام الفريضة أو ركعة منها مع القطع لا بدونه، فلا إشكال في رجحان إيجاب الصلاة علىٰ تحريم القطع بناءً علىٰ عمومه للنافلة؛ و على فرض عدم الرجحان، تقع المزاحمة بين رعاية تحريم القطع، و إيجاب

بهجة الفقيه، ص: 154

الصلاة. و

النتيجة التخيير الجاري في المتزاحمين، كانا إيجابيّين، أو تحريميّين، أو علىٰ الاختلاف كما هنا.

ثم، إنّه لا وجه لملاحظة وقت الطهارة في إدراك الركعة المستأنفة بناء على الشرعيّة، و مع تطهّره سابقاً من الحدث الأصغر؛ فإنّ الطهارة المندوبة مجزية للدخول في الواجبات و رافعة للحدث مطلقاً، لا من خصوص المكلّفين. نعم لو قيل بالتمرينيّة، اتّجهت الإعادة و الملاحظة المذكورة. و لعلّه لذا حُكي عن جماعة لزوم ملاحظتها و إن كان متطهّراً من الحدث، كما هو المفروض من البلوغ في أثناء النافلة.

[مسألة] جواز التعويل على الظنّ في دخول الوقت و عدمه

اشارة

مسألة: لا إشكال في جواز العمل بالظنّ عند تعذّر تحصيل العلم بدخول الوقت؛ فإنّه المتيقّن من الروايات المستفيضة «1» المعمول بها.

و أمّا مع إمكان تحصيل العلم، فمقتضىٰ روايات الاعتماد علىٰ أذان المؤذّنين «2» المتأيّدة بالسيرة المستمرّة على الاعتماد عليها، هو الجواز بلا قيد.

لكنّه نسب إلى المشهور عدم الجواز، بل عن «المدارك» أنّه يعني عدم الجواز مع إمكان تحصيل العلم مذهب الأصحاب؛ و أنّه لا نعلم الخلاف فيه؛ و إن ردّه في «الحدائق» بمخالفة ظاهر «المقنعة»، و «النهاية»، و «المبسوط» بحسب إطلاق ما فيها الفتوى المؤيّد بإطلاق النصوص، كرواية «إسماعيل بن رياح» «3» في دخول الوقت في أثناء الصلاة، لدعوىٰ الإجماع.

و حيث إنّ السيرة، على العمل، فلا فرق في الظنّ بين النوعيّ المعتبر، كالبيّنة، و غيره، كأذان العارف الصادق، بل المعتبر مرتبة الظنّ الواقع علىٰ طبقها العمل. و دعوى لزوم تحصيل العلم، أو أنّ الحاصل من أذان العارف، العلم، لا ينبغي المصير إليها.

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 14 و 59.

(2) الوسائل 4، أبواب الأذان و الإقامة، الباب 3.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 25، ح 1.

بهجة الفقيه، ص: 155

و ما في بعض الروايات كما

رواه «الشيخ» عن علي بن جعفر عليه السلام «1» ممّا يدلّ علىٰ عدم إجزاء غير العلم محمول علىٰ عدم الإجزاء عن الفضل الموافق للاحتياط لا مطلقاً.

و أمّا إيجاب تحصيل العلم مع الإمكان، ففيه من العسر و الحرج في هذا الحكم العامّ به البلوىٰ بحيث يحتاج إليه كلّ يوم مرّات ما لا يخفىٰ على المنصف.

الجمع بين الروايات و بينها و بين الفتاوىٰ و يمكن أن يقال: إنّ الطريق الجامع بين الروايات في أنفسها، و بينها و بين الفتاوىٰ، أنّ الظنّ الاطمئناني هو الداخل في روايات الجواز «2»، و المتيقّن من إطلاقاتها، و هو الموافق للسيرة المستمرّة و تقييدها في ذلك بعدم التمكّن من العلم الوجداني مخالف للسيرة و لا ملزم إليه. و أمّا مطلق الظنّ فمقتضىٰ نقل الإجماع كما ذكره في «الرياض» و «الجواهر» «3»، هو التقييد المذكور.

كما أنّ جواز العمل بالظنّ مع عدم التمكّن من تحصيل العلم و لا ما هو بمنزلته من الظنّ الاطمئناني، هو المستفاد من الروايات «4» المتأيّدة بالسيرة أيضاً علىٰ عدم انتظار المحبوس و الأعمىٰ إلى زمان اليقين و اكتفائهما بالظنون العقلائيّة، و كذا من كان بمنزلته في عدم التمكّن المذكور.

و دخول هذا الصنف في روايات الجواز التي منها روايات الاعتماد علىٰ أذان المؤذنين حتى المخالفين منهم «5»، و منها رواية «أبي الصباح الكناني» «6»، و صحيحة «زرارة»

وقت المغرب إذا غاب القرص. «7»

و صحيحته الأُخرىٰ

أنّه قال لرجل

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 58، ح 4.

(2) تقدّم آنفاً.

(3) جواهر الكلام، 7، ص 265.

(4) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 14 و أبواب الأذان و الإقامة، الباب 3.

(5) الوسائل 4، أبواب الأذان و الإقامة، الباب 3.

(6) الوسائل 7، أبواب ما يمسك عنه

الصائم و وقت الإمساك، الباب 51، ح 3.

(7) الوسائل 7، أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك، الباب 51، ح 1 و 2.

بهجة الفقيه، ص: 156

ظنّ أنّ الشمس قد غابت، فأفطر ثمّ أبصر الشمس. «1»

، و موثّقة «ابن بكير» في صلاة الظهر في يوم غيم.» «2»، و الصحيح عن «أبي عبد اللّٰه الفرّاء» «3» عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام في ارتفاع أصوات الطيور و تجاوبها، و المرسل «للحسين بن مختار» «4» في صياح الديك ثلاثة أصوات ولاءً.

و يمكن الاستفادة أيضاً من رواية «سماعة» «5» في الاجتهاد للقبلة، لأنّ عدم القرينة على التخصيص بالاستقبال هو الأظهر منها. و ذكر القبلة لا يقتضي التخصيص، بل لأنّه يفيد المعرفة بالوقت أيضاً. و مقتضى الجهة المذكورة في السؤال، الحاجة في كلّ من الشرطين إلى ما يعمل به، و إن كان يمكن الاستدلال بالقبلة على الوقت في الجملة. و فيها التصريح بالغيم و نحوه من موجبات عدم التمكّن من العلم في أوّل الوقت. و في الجواب تجويز العمل بالظنّ، و عدم إيجاب الصبر إلى اليقين، و هو الموافق للمشهور أيضاً، و إن حُكي الخلاف عن، «ابن الجنيد».

و بالجملة: فالأظهر من الروايات الواقع علىٰ طبقها الفتاوىٰ، الاكتفاء بمطلق الظنّ في صورة عدم إمكان تحصيل العلم و ما بمنزلته، و عدم الاكتفاء بغير الاطمئناني منه للتمكّن من تحصيل العلم أو الاطمئنان. و السيرة موافقة للتجويز إثباتاً و نفياً في الصورتين. و يؤيّد ما مرّ: أنّ التأخير تعريض للفوت لمحدوديّة وقت التمكّن غالباً، و أنّه لو كان واجباً لكان متّضحاً. و عدم التعرّض لإيجابه في الروايات المكتفية بالظنّ مع إمكان الاستعلام بالتأخير مطلقاً، يدلّ علىٰ عدم الوجوب.

______________________________

(1) الوسائل 7، أبواب

ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك، الباب 51، ح 1 و 2.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 4، ح 16.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 14، الحديث 5.

(4) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 14، ح 2.

(5) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 6، ح 2.

بهجة الفقيه، ص: 157

و يستفاد من التعليل في روايات الأذان «1»، الاكتفاء بأذان الموثوق به أو إخباره بدخول الوقت؛ بل القول بالاكتفاء بإخبار الثقة، هو الموافق للسيرة الغير المردوعة إلّا في مقام الدعاوي و الخصومات، فيعتبر العدالة و التعدّد، إلّا في ما يُكتفىٰ بشاهد و يمين، كما لا يكفي الاثنان في بعض المقامات.

و نفي اعتبار ما عدا البيّنة في رواية «مسعدة» «2» مع إمكان منع الظهور في التعدّد مع العدالة، و أنّ المتيقّن ذلك من إطلاقها بحيث يكون التنزّل كالزيادة، محتاجين إلى الدليل مع عموم الاستبانة فيها لما نحن فيه.

و اعتبار الخبرويّة في الحدسيات، لعدم الوثوق النوعي بدونها فيها، لا لعدم كفاية الواحد الموثوق به، بل يشكل التعدّد و العدالة مع عدم الخبرويّة في الحدسيّات أيضاً.

و لو لا هذه الروايات المتقدّم إليها الإشارة، المشهورة عملًا حتّى عن «التنقيح» الإجماع على اعتبار مطلق الظنّ لغير المتمكّن من العلم، و المعتبر من الظنون، لكان حكم مطلق الظنّ، حكم الشكّ في أنّه مع الظنّ بدخول الوقت، يستصحب عدمه و عدم وجوب الصلاة، كما يستصحب بقاء النهار في الصوم و وجوب الإمساك، و عدم دخول الليل و عدم جواز الإفطار.

و الظاهر أنّ المتمكّن من تحصيل الظن القويّ بغير التأخير، لا يكتفي بالضعيف، لأنّه مقتضىٰ الأمر بالاجتهاد، يعني بذل الجهد؛ فلا يتوقّف عن بذل الجهد إلّا المطمئنّ، أو من قام عنده أمارة معتبرة شرعاً، كالبيّنة،

و لو قيل بكفاية أذان الثقة و إخباره.

انكشاف فساد الظنّ أو القطع

ثمّ، إنّه إن انكشف فساد الظنّ و وقوع تمام الصلاة قبل الوقت، أعاد إجماعاً، و منصوصاً في صحيحة «لا تعاد.» «3» و ما في عبارة «الشرائع» من قوله: «فإن انكشف له فساد

______________________________

(1) الوسائل 4، أبواب الأذان و الإقامة، الباب 3.

(2) الوسائل 12، أبواب ما يكتسب به، الباب 4، ح 4.

(3) الوسائل 4، أبواب الركوع، الباب 10، ح 5.

بهجة الفقيه، ص: 158

الظنّ قبل دخول الوقت، استأنف» «1» فلعلّ المراد منه «إن انكشف له فساد الظنّ الواقع به تمام العمل» و لا يكون كذلك إلّا إذا كان المنكشف وقوع تمام العمل قبل الوقت، «استأنف»، في قبال قوله: «و إن كان الوقت دخل و هو متلبّس، لم يعد علىٰ الأظهر» «2» و الدليل في الثاني رواية «إسماعيل» «3» المنجبر ضعفها باشتهار العمل بها بين الأصحاب.

و أمّا من دخل عليه الوقت و هو متلبّس بالصلاة، فالمشهور صحّة الصلاة إذا كان الدخول مع الظنّ المسوّغ للدخول؛ و أمّا إذا كان مع القطع، فيمكن التصحيح لشمول رواية «ابن رياح» «4»، و قوله

و أنت ترى

و التعبير بالظنّ في الفتاوىٰ، للتوسعة إلى الظنّ المسوّغ، كما هو الغالب يتعقّب بانكشاف الخلاف لا للتضييق.

مع أنّ المقام ليس من اعتبار الظنّ في متعلّق التكليف حتى يكون الحكم من إجزاء الأمر الظاهري، بل من الظنّ بأصل التكليف المستتبع للظنّ بمتعلّقه؛ فالظنّ المخالف للواقع ليس فيه إلّا العذر في مقام العمل، و هو مشترك بين جميع موارد العذر التي منها القطع، و لا يكون فيها إلّا تقييد صحيحة «لا تعاد» بما في رواية «إسماعيل» و حاصله صحّة الصلاة مع دخول الوقت في الأثناء و تحقّق العذر المسوّغ

للدخول المحقّق للتقرّب بالعمل.

لكن مقتضىٰ ذلك صحّة الصلاة مع نسيان الموضوع أو الحكم، أو الجهل بالموضوع أو الحكم، [أو] الغفلة، لتحقّق التقرّب في الجميع، و وجود العذر، طريق إلى تحقّق التقرّب. و الإثم في صورة الجهل مع التقصير، لا ينافي تحقّق القربة المعتبرة في أفعال كثير من المسامحين في شروط العبادات و موانعها.

و بالجملة: لا بدّ من تنقيح مفاد دليل الصحّة؛ فإنّ الإجزاء على قاعدة الأمر

______________________________

(1) شرائع الإسلام، 1، ص 54.

(2) شرائع الإسلام، 1، ص 54.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 25.

(4) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 25.

بهجة الفقيه، ص: 159

الظاهري، لا يناسب مقام عدم الأمر، بل مقام عدم المأمور به إلّا ظاهراً. كما لا محلّ للإجزاء في ما سبق العمل تماماً على الوقت، و ليس دليل الصحّة دالّاً علىٰ توسعة الوقت المعتبر لما صادف بعض العمل؛ فكون البطلان مع عدم التقرّب في ما سبق شرط آخر، لا للوقت، لما مرّ من أنّ وقت تمام العمل شرط الأمر لا المأمور به فقطّ.

إلّا أن يقال بالتعليق في الأمر و أنّ متعلّقه ما وقع في الوقت، و أنّ مفاد دليل الصحّة كفاية الوقوع بعضاً في الوقت؛ فالفرق بين الدخول بعد العمل و في الأثناء بعد الدليل، عدم التوسعة الوقتيّة في الأوّل دون الثاني، مع تحقّق الأمر في الجميع.

و التعليق و إن كان علىٰ خلاف القاعدة، إلّا أنّه لا بأس بالالتزام به في موارد وقوع الدليل بنفسه أو بلوازمه، و منها المقام، فيدور الأمر مدار الاستفادة من دليل المقام.

و يمكن أن يقال: إنّ دليل اعتبار الظنّ على الوجه المجوّز للدخول به في العمل، هو الظنّ بدخول الوقت حال العمل؛ فإن كان، يقتضي الإجزاء، فلا إناطة له

بالدخول في الأثناء؛ فإنّه غير المظنون بالظنّ الذي دخل معه في العمل، فالإجزاء ليس للظنّ السابق على الوقت، بل لأنّ شرط العمل بهذا الدليل الأعمّ من وقت البعض، فيكون البطلان في غير المتيقّن صحّته لمكان سائر الشروط.

و علىٰ هذا، فلا وجه للتحفّظ على الظنّ في قبال القطع مع عسر التفكيك، بل القطع عرفاً ظنّ مع الزيادة، و لا إناطة للمجوّز بالظنّ الحاصل من الأمارات المعتبرة؛ بل قد يكون المعتبر مطلق الظنّ لفاقد الأمارة المعتبرة و عدم تمكّنه منها إلّا بالتأخير فقطّ، مع أولويّة القطع بكونه رؤية من الظنّ، و قوّة احتمال إرادة الأصحاب التوسعة من التعبير بالظنّ دون التضييق، كما مرّ. و حينئذٍ يبقىٰ وجه الصحّة مع النسيان، و الجهل في الموضوع، أو الحكم، حيث إنّ الظنّ و القطع منتفيان في أكثر مواردها. و قد مرّ أنّ الظنّ لا يجدي في مقام الإجزاء، و لا في مقام بدليّة المظنون للواقع هنا، فيقوىٰ احتمال عدم لزوم سوىٰ ما يتحقّق به القربة، المفروض وقوعها في الجميع مع واقعيّة الوقت في بعض العمل. و تحقّق الإثم

بهجة الفقيه، ص: 160

لا ينافي الصحّة، كالتأخير للصلاة عمداً إلى أن يبقىٰ ركعة من الوقت، بل يمكن دعوى صدق الرؤية حيثما تحقّقت القربة، و هذا بخلاف العمل برجاء المطلوبيّة مع مصادفة الوقت للبعض؛ فإنّه لا يدخل إلّا بنيّة الإعادة مع انكشاف الخلاف، و قد يؤثّر في عدم الإعادة مع انكشافه مطلقاً، أو في بعض العمل.

و لو صلّىٰ بالتقليد فتخلّف الإخبار، فذلك من الصلاة بالظنّ، و إن كان من إخبار الثقة و معتبراً، أو من غيره مفيداً للظنّ و كان معتبراً عند عدم التمكّن من العلم و الحجّة الأُخرىٰ.

فالتخلّف في الأثناء لا

يبطل كما عن «الذكرى»، بخلاف ما بعد الفراغ. و في المعارضة بأخبار غيره بعدم الدخول، يمكن ترجيح الأوّل إذا كان مدرك الثاني الاستصحاب، و إلّا فبالترجيح بالقوة بناء علىٰ حجيّة الأخبار بالعدم أيضاً، كما يفهم من التعليل بشدّة المواظبة، و بأنّهم أُمناء «1».

و الأظهر جريان الحكم باعتبار الظنّ، بل بصحّة العمل في المتخلّف في الأثناء في النافلة، للأولويّة ممّا في النصوص «2» أو يتبادر منها من الفريضة؛ مع أنّ التسهيل في النافلة أقرب بحسب المعهود من الشرع، و اعتبار الشروط فيها أخفّ.

و كما أنّ الإخبار و الأذان يقطع بهما استصحاب عدم الدخول، يقطع بهما استصحاب بقاء الوقت، فلا يستصحب إلّا مع عدم الظنّ لو كان معتبراً، بخلاف صوره عدم الاعتبار.

و لو دخل بالظنّ فصادف الخروج، لا عدم الدخول، صحّ حيث يصحّ القضاء، لأنّ المفقود نيّة القضاء بدل الأداء، و هو غير ضائر بعد قصد الأمر الفعليّ الذي طبّقه علىٰ الأداء.

______________________________

(1) الوسائل 4، أبواب الأذان و الإقامة، الباب 3.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 25.

بهجة الفقيه، ص: 161

و كذا لو دخل بظنّ الخروج فصادف بقاء الوقت في ركعة أو ما زاد؛ فإنّ المفقود نيّة الأداء، سواء ظهر التخلّف في الفرعين في الأثناء، أو بعد الفراغ، و إن عدل في الأوّل إلى نيّة الواقع.

[مسألة] كراهة النوافل المبتدأة في الأحوال الخمسة و المراد منها

مسألة: يكره النافلة المبتدأة عند الطلوع، و الغروب، و القيام، و بعد صلاتي الصبح، و العصر.

و يدلُّ علىٰ الأوّلين صحيح «ابن مسلم» «1» و المرسل الموافق له «2»، و حديث المناهي «3» المرويّ عن «المجالس» فيهما و في الثالث، و كذا ما روى «الصدوق» «4» عن النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم في خصوص الطلوع، و ما عن «العلل» عن

الرضا عليه السلام في الطلوع «5»، و ما روي عن «المجازات النبويّة» في الطلوع و الغروب «6».

و في خبر «الحلبي» «7» التعبير عن المورد بما بعد الفجر إلى الطلوع، و ما بعد العصر إلى الغروب مع التعليل بالنبوي، ليس موافقاً للمعلَّل، إلّا أن يحمل علىٰ ما يقرب الطلوع و الغروب نظراً إلىٰ أنّ العلّة تضيّق إذا لم يحمل هذا الاختلاف علىٰ أنّ منشأ ذكر الأصل، التقيّة عمّن يحرّمون الصلاة مستدلّين بالنبوي.

و يوافقه في غير التعليل خبر «ابن عمّار» «8» عن الإمام الصّادق عليه السلام، و ما في الجعفي

______________________________

(1) الوسائل 2، أبواب صلاة الجنازة، الباب 20، ح 2.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 38، ح 4 و 6.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 38، ح 4 و 6.

(4) الوسائل، 3، أبواب أعداد الفرائض، الباب 2، الحديث 7.

(5) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 38، ح 9.

(6) مستدرك الوسائل، أبواب المواقيت، الباب 30، ح 2.

(7) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 38، ح 2.

(8) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 38، ح 1.

بهجة الفقيه، ص: 162

عن الإمام الصّادق عليه السلام، لكنّه بعبارة الكراهة من طلوع الشمس إلىٰ الارتفاع، و بعد العصر إلى الغروب.

و عن «المنتهىٰ»: «إنّ الكراهة في الأوّلين مذهب أهل العلم» و في خبر «الحسين بن أسلم» «1» ذكر الثلاثة، أعني الطلوع و الغروب و القيام بعبارة: «ذرت، و كبدت، و غربت» و عن التوقيع «2» ما ربّما يقتضي نفي الكراهة.

و يمكن أن يقال بعد التسامح في الكراهة، فلا حاجة في جميع الأحوال الخمسة إلى الرواية الصحيحة-: إنّ المستفاد ممّا دلّ على الكراهة مع التعليل في بعضها المحمول عليه غيره، و بعد نفي الحرمة و البطلان عندنا

قطعاً، و إلّا لتبيّن و اتّضح، بل يمكن قيام الإجماع علىٰ نفي الحرمة و البطلان، و بعد الحمل علىٰ أقليّة الثواب في الكراهة في العبادة أنّ رجحانها بمعنى غلبة مصلحة فعلها علىٰ تركها، و مرجوحيّتها بمعنى غلبة مصلحة البدل الزمانيّ علىٰ مصلحته، فلا داعويّة لهذه الأوقات إلى الصلاة، بل الامتياز و الداعوية لغيرها، و لا صارفية لها عن الصلاة، لكفاية رجحان الفعل على الترك.

________________________________________

گيلانى، فومنى، محمد تقى بهجت، بهجة الفقيه، در يك جلد، انتشارات شفق، قم - ايران، اول، 1424 ه ق

بهجة الفقيه؛ ص: 162

كما أنّ الصلاة بداعي المشابهة لعُبّاد الشمس محرّمة، و بداعي إرغام أنف الشيطان الآمِر بالصلاة لغير اللّٰه، راجحة علىٰ الإطلاق.

و النذر المتعلّق بالصلاة في هذه الأوقات، يكفي فيه راجحيّة الفعل على الترك فيها، و النذر المطلق يوفىٰ بالفعل فيها، لعدم لزوم الامتياز عن الإبدال في الرجحان.

فإنّ الأمر في التوقيع الشريف هو المناسب للترخيص في العبادات المكروهة، و ربّما يكون الأمر بالإرغام كاشفاً عن ارتفاع الكراهة بالقصد المذكور حتى إذا تعلّق بالخصوصيّة، بخلاف صورة عدم هذا القصد، فإنّ اللازم للعباديّة عدم الفرق القصدي

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 39، ح 8 و 3.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 39، ح 8 و 3.

بهجة الفقيه، ص: 163

بين الأبدال. و قصد الخصوصيّة لا يخلو عن قصد المشابهة مع العابدين للشمس بأمر الشيطان، بخلاف ما إذا قصد الإرغام بالخصوصية؛ فإنّه يمكن إزالته للكراهة أيضاً.

و أمّا نفي التحريم فهو و إن وقع الاختلاف فيه، إلّا أن المحكيّ عن «كشف الرموز» الاتفاق علىٰ نفي التحريم. و يمكن ترجيح هذا النقل بأنّ الحرمة لو كانت، لبانت مع عموم البلوىٰ، فتدبّر.

و يمكن أن يقال في تقريب

الجمع و لو بحسب النتيجة: أنّ روايات المنع عن الصلاة عند الطلوع و الغروب منضمّة إلىٰ ما فيه الثالث، و هو عند قيام الشمس معلّلة بأنّها تطلع و تغرب بين قرني الشيطان، و هذه العلّة أيضاً لا تخلو عن إبهام. و تفسيره في الجملة قوله عليه السلام في المرسل، و فيه قال

نعم، إنّ إبليس لعنه اللّٰه اتّخذ عرشاً بين السماء و الأرض، فإذا طلعت الشمس و سجد في ذلك الوقت الناس، قال إبليس لشياطينه: إنّ بني آدم يصلّون لي «1»

و حيث إنّ كلام إبليس هذا، مبنيّ على الكذب و المبالغة، و اكتفاء بسجود بعض [بني] آدم و مشابهة غير ذلك البعض بهم في وقت الصلاة و السجود، فيعلم من هذا أنّ فتوى الأصحاب بالكراهة، لما في الصلاة في هذه الأوقات التي هي أوقات العبادة عند عبّاد الشمس من المشابهة الصوريّة بهؤلاء الكفّار، و لذا وقع التعبير بقوله عليه السلام

لا ينبغي

في الرضوي «2».

و من الظاهر أنّ الأوقات الثلاثة، أعني الطلوع و الغروب و الانتصاف، أوقات احترام أولئك الكفّار، فهي المناسبة عندهم لتعبّدها، و المناسبة للكراهة علينا، بمعنى أقليّة الثواب الغير المنافية للترخيص اللازم للرجحان في العبادة، خصوصاً إذا كان بقصد إرغام أنف الشيطان فيمن ينوي للعبادة، و في جهة القبلة اللازمة للصلاة؛ فيمكن نفي الأقلّية بهذا القصد للثواب، كما يستفاد من التوقيع الشريف، و إلّا فالتقدّم

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 38، ح 4 و 9.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 38، ح 4 و 9.

بهجة الفقيه، ص: 164

علىٰ هذه الأوقات أو التأخّر أكثر ثواباً من مقارنتها في الصلاة؛ و أمّا الصلاة بعد الفجر، و العصر، و بعد الطلوع إلى الزوال، فكراهتها

بملاك آخر، لا بهذا الملاك، كما هو ظاهر.

و ممّا قدّمناه، ظهر أنّ الصلاة ليست ممّا يُصرف عن مطلوبيّتها بأيّ عموم أو إطلاق، و كيف و هي غاية العبوديّة في الأعمال الظاهرة و القلبيّة الباطنة؟

[مسألة] استثناء نافلة الجمعة و ذوات الأسباب عن الكراهة

مسألة: و عليه، فنوافل يوم الجمعة ما كان منها في الانتصاف، و ما كان قبل ذلك ممّا بعد الفجر، و ما كان بعد الطلوع إلى الانتصاف، بل الصلاة الواردة فيها و في الأيّام الشريفة من ذوات الأسباب و الأولى من الرواتب، غير داخلة في عموم المنع «1» حتى تحتاج إلى الاستثناء، و كذا صلاة «جعفر» رضوان اللّٰه تعالى عليه التي أفضل أوقاتها صدر النهار.

مع أنّ السيرة مستمرّة علىٰ عدم المبالاة في ذوات الأسباب بخصوصيّات هذه الأوقات، بل مرّ أنّ الكراهة بمعنى أفضليّة البدل، لا رجحان الترك على الفعل. و مجرّد كون المعارضة عموماً من وجه، لا يوجب التوقّف في الترجيح، مع لزوم حمل الأمر علىٰ موارد نادرة يكون الالتزام بها في غاية الصعوبة، المستلزمة لترك هذه المستحبّات الأكيدة.

بل ملاحظة السيرة توجب القطع بالتقديم، و لا حاجة إلىٰ ملاحظة الشهرة الفتوائيّة و نحوها لو لم تكن مستندة إلى السيرة و نحوها؛ بل كثير من هذه واردة في ما بعد الفجر و العصر، فليست النسبة فيهما عموماً من وجه، بل ملاحظة ما قدّمناه في معنى الكراهة هنا، تسهّل الخطب جدّاً؛ فإنّ غاية ما في أدلّة المنع، أنّ التطوّع المبتدأ إذا اتي به في غير هذه الأوقات فهو أفضل من الإتيان فيها، إلّا أن يقصد في الأوقات

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 38.

بهجة الفقيه، ص: 165

إرغام أنف الشيطان، و هذا القصد أمر اختياري، فالكراهة بهذا المعنى المتقدّم أيضاً، في قوّة العدم، للتعليق

علىٰ عدم أمر اختياري جدّاً.

و يمكن الاستدلال بالمكاتبة «1» في قضاء النافلة بين الطلوعين، و من بعد العصر إلى الغيبوبة، بناء علىٰ أنّ عدم الجواز لغير المقتضي معناه للمتنفّل الغير المقتضي، لأنّ المقتضي، من ذوات الأسباب، لا من ذوات الأوقات المفروض خروجها.

و كذا ما في «العلل» «2» من أنّ صلاة الجنازة، من ذوات العلل و الأحداث، لا من ذوات الأوقات الممتاز فيه بعضها عن بعضها، فيعمّ كلّ ما كانت الإناطة بغير الوقت و إن لم يكن واجباً؛ ففي صلاة الجنازة جهتان لنفي الكراهة: الوجوب، و التعلّل بالحدث دون الوقت؛ بل فيها جهة ثالثة، و هي أنّها ليس فيها الركوع و السجود، كما يظهر ممّا في «العلل» «3».

و يمكن الاستشهاد برواية «العلل» «4» علىٰ ما يشرح به ما في صحيح «ابن عمّار» «5» من ذكر الخمس و أنّها تصلّى علىٰ كلّ حال، و ما في صحيح «زرارة» «6» من الأربع و أنّها تصلّى في الساعات كلّها، و ما في خبر «أبي بصير» «7» في الخمس مع ذكر ما بعد الفجر و العصر في آخره، إن لم يكن مخصوصاً بالآخر، و أنّ المدار في ذلك كلّه علىٰ كون الصلاة من ذوات الأسباب، و إن لم يكن أصل الوجوب منافياً لكراهة بعض الأوقات، أو الأمكنة كالصلاة في الحمّام، كما لا فرق بين كون السبب اختياريّاً كصلاة الطواف و الإحرام و الزيارات، أو لا، كصلاة الكسوف و الجنازة و القضاء في الجملة.

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 38، ح 3.

(2) الوسائل 2، أبواب صلاة الجنازة، الباب 20، ح 4.

(3) الوسائل 2، أبواب صلاة الجنازة، الباب 21، ح 7.

(4) الوسائل 2، أبواب صلاة الجنازة، الباب 20، ح 4.

(5) الوسائل، ج

3، أبواب المواقيت، الباب 39، الحديث 4 و 1.

(6) الوسائل، ج 3، أبواب المواقيت، الباب 39، الحديث 4 و 1.

(7) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 39، الحديث 5.

بهجة الفقيه، ص: 166

ميزان تشخيص ذات السبب و الظاهر أنّ تشخيص ذات السبب من طريق ارتكاز المتشرّعة و السيرة القائمة أولىٰ، حيث لا يعتنون في ما له سبب بخصوصيّات الأوقات الغير المزاحمة للفرائض؛ و عليه، فإدراج الصلاة بعد التطهّر و لو كان التطهّر في بعض هذه الأوقات في ذات السبب كما عن «الشهيد» و غيره أولىٰ، و كذا ما صرّح فيه في الروايات بالتعميم، صدق عليه ذات السبب، أو لا؛ بل لعلّ خروج ما له اسم مخصوص و هيئة خاصّة من الصلاة كصلاة «جعفر» رضوان اللّٰه تعالى عليه و صلوات الأئمّة عليهم السلام، و نحوها ممّا يعلم حالها بملاحظة السيرة علىٰ عدم المبالاة فيها بهذه الأوقات؛ فالمطلوب بما أنّه صلاة، لا بما أنّه صلاة خاصّة بسبب و وضع هو الداخل في المنع الذي قد عرفت رجوعه إلى أولويّة البدل، لا إلىٰ أولويّة الترك.

ثم إنّه لا وجه للمنع عن سوى الشروع في المبتدأة؛ فإنّ المحافظة على أوقات الأثناء أمر غير ميسور لا يحمل عليه الإطلاقات، مع ما في الإقبال علىٰ ما يدخل فيه المصلّي و الإطالة من الحثّ الشديد المعلوم.

كما لا وجه للمنع عن السجود و لو كان لا لسبب، لأنّه ليس صلاة مشتملة على السجود، و هو مورد المنع بعد ملاحظة المستفاد من تعليل «العلل» «1».

[مسألة] استحباب التعجيل في قضاء النوافل و أفضليّة انتظار المماثل

مسألة: ما يفوت من نوافل الليل أو النهار، يستحبّ قضاؤه معجّلًا، و لا يُنتظر بها المماثل من الزمان، و إن كان الانتظار أفضل.

أمّا مشروعيّة التعجيل و عدم التوقيت الشرطي للماثلة، فلما

يدلّ عليه الروايات المستفيضة «2» الوارد بعضها في تفسير الآية الشريفة «3»؛ و لا إشكال في دلالتها علىٰ

______________________________

(1) الوسائل 2، أبواب صلاة الجنازة، الباب 21، ح 7.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 57.

(3) الفرقان، 62.

بهجة الفقيه، ص: 167

مشروعيّة القضاء في غير المماثل، و المشهور العمل بها. و بذلك ينجبر الضعف في بعضها، لولا ملاحظة استفاضتها، و لو لا كفاية الاستناد إلى البلوغ في المستحبّات.

و أمّا أفضليّة انتظار المماثل لو لم تعارض بمرجّح آخر، كالإقبال، أو خوف الفوت، فلما يدلّ عليه صحيح «زرارة» «1»، و خبر «إسماعيل الجعفي» «2»، و خبر «الجعفي»، و «إسماعيل بن عيسىٰ» «3». و ما في خبر «الجعفي» من التصريح بالأفضليّة يشرح به أخبار الأمر بالقضاء في غير المماثل، لدلالته علىٰ شرعيّة المفضول أيضاً، فيحمل ما في بعض المقابل من التسوية، على التسوية في أصل المشروعيّة، دون مرتبة الفضيلة.

و ما دلّ علىٰ الأفضليّة، و إن كان من بعض أخبار الباب و غيره من الصحاح، لا تصريح فيه بالفضل، إلّا أنّه يستفاد منه، بعد معلوميّة المشروعيّة في المماثل، مع احتمال الشرطيّة التي حُكي عن البعض.

مع أنّ معهوديّة مطلوبيّة التعجيل تقتضي الترتيب و تأخير المماثل عمّا سبقه؛ كما يقتضي تقديم المماثل علىٰ ما لحقه من الغد، و هو مورد اجتماع التعجيل و المماثلة؛ كما [أنّ] افتراق التعجيل عن المماثلة، في صلاة النهار المقضية في الليل؛ و افتراق المماثلة عن التعجيل، في الانتظار؛ فلو لا أنّ المماثلة جهة مرجِّحة، لما اقتصر في البيان علىٰ الأمر بالقضاء في المماثل الذي كأنّه نفس الفائت.

مع أنّ جعل رواية «الجعفي» و إن لم تكن صحيحة عندهم شاهدة للجمع لا بأس به، كما هو المعهود في المستحبّات، فإنّ

الأفضليّة أيضاً زيادة الثواب، و هي شي ء من الثواب بَلَغَنا.

مع أنّ غاية المنع عنه جعل الروايتين دالّتين علىٰ استحباب الكلّ، لا ترجيح التعجيل علىٰ الإطلاق.

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 57، ح 11 و 7.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 57، ح 11 و 7.

(3) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 39، ح 18.

بهجة الفقيه، ص: 168

مع أنّ التأخير إلى المماثل، لا يظهر له وجه إلّا رعاية المماثلة و الأقربيّة إلى الفائت، بخلاف التقديم في النهار؛ فإنّه يحتمل فيه عدم خصوصيّة للتعجيل هنا، و أنّه إنّما يؤتىٰ به فيه لمكان عدم الصارف الذي هو النوم؛ فله في النهار الاشتغال بجميع ما يعنيه، و منه القضاء.

[مسألة] استحباب الإتيان بكلّ صلاة في أوّل وقتها، إلّا في بعض المواضع

مسألة: الأفضل في كلّ صلاة أن يؤتىٰ بها في أوّل وقتها، إلّا في مواضع تقع الإشارة إلىٰ بعضها، و ذلك لما ورد من

أنّ فضل الوقت الأوّل على الآخر، كفضل الآخرة على الدنيا «1»

، و

أنّ الأوّل رضوان اللّٰه، و آخره عفو اللّٰه «2».

و من تلك المواضع تأخير العشائين إلى المزدلفة للمُفيض من عرفات. و الظاهر أنّه لأهمّية الوصول في أوّل زمان الإمكان في الليل إلى المشعر، و لو انتهى التأخير إلىٰ ثلث الليل.

و قد مرّ الفضل في تأخير العشاء إلىٰ سقوط الشفق المغربي، بناء على المختار من جواز إيقاعه قبله.

و كذا المتنفّل يؤخّر الظهرين إلىٰ أدائها كما قدّمناه؛ فإنّه مقتضى الترغيب الأكيد في إيقاع النوافل قبل الفريضتين و بعد الزوال.

و المستحاضة الكبرى تؤخّر الظهرين إلى آخر الوقت لتأتي بهما فيه بغسل واحد. و الفضل فيه مختلف، فقد يكون، في التفريق و تعدّد الغسل؛ فالاستثناء من الأفضل، لعلّه لعدم اطّراد الأفضل فيها في أوّل الوقت.

ثمّ إنّهم ذكروا مواضع للاستثناء، أنهاها

في محكيّ «شرح النفليّة» إلىٰ خمسة و عشرين؛ و وجه الفضل في الاستثناء في الجلّ واضح و في بعضها قابل للخدشة.

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 3، ح 15 و 16.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 3، ح 15 و 16.

بهجة الفقيه، ص: 169

[مسألة] الاشتغال بالعصر قبل الظهر سهواً

مسألة: لو اشتغل بالعصر بظنّ فعل الظهر صحيحاً باعتقاد ذلك أو أمارة معتبرة عليه فانكشف في أثناء العصر أنّه لم يصلّ الظهر، أو لم يكن ظهره صحيحة، عدل بنيّته إلى الظهر إذا لم يفرغ من العصر المشتغل به.

و أمّا صحّتها عصرا مع عدم العدول، فهي مخالفة للإجماع علىٰ شرطيّة الترتيب الموافق لقوله عليه السلام في الرواية

إلّا أنّ هذه قبل هذه «1»

فإنّ اشتراط القبليّة للظهر ملازم لاشتراط البعديّة في العصر. و مقتضى الإطلاق و إن كان عدم الصحّة و لو مع السّهو إلى الفراغ، إلّا أنّ الدليل على الصحّة دلّ علىٰ عدم إطلاق الاشتراط.

و الظاهر بل المتعيّن أنّ اشتراط الترتيب كاشتراط الستر و الاستقبال، لا كاشتراط إباحة المكان منتزع عن مجرّد تنجّز التكليف بتقديم الظهر، و إن كان مع عصيان التكليف السابق قابلًا للصّحة بنحو الترتب، و غير قابل للصحّة مع التوبة من الغصب في الأثناء؛ فلا ينفع العدول في المقام إلّا بالدليل التعبّدي علىٰ كفاية النيّة في غير العمد قبل الفراغ.

و هل يفرّق بين الوقوع في الوقت المختصّ بالظهر، أو في الوقت المشترك؟

مقتضىٰ الإطلاق في دليل العدول «2» عدم الفرق. و يؤيّده أنّ الاختصاص بالظهر مقتضاه عدم صحّة الصلاة فيه عصراً، لا ظهراً صحّ بنيّة العصر المعدول عنها قبل الفراغ؛ فاللّازم تحقّق نيّة العصر بنحو صحيح عند الناوي، لا واقعاً، لعدم لزوم العصريّة و لوازمها واقعاً، فلا يلزم الوقوع

في وقتٍ لو لم يتذكّر في الأثناء صحّت عصراً؛ فالانصراف إلىٰ هذه الصورة بدويّ زائل بالتأمّل.

و مثله ما لو شرع في العصر قبل الوقت، فدخل الوقت في الأثناء، فتذكّر عدم

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 4.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 63.

بهجة الفقيه، ص: 170

الإتيان بالظهر فعدل إليها؛ فإنّ عدم الوقت مجبور بالدخول قبل الآخر، و عدم نيّة الظهر مجبور بالعدول عملًا بالإطلاق.

و عليه فكما لا يلزم الوقوع كلّاً في المشترك في أصل المسألة، لا يلزم دخول المشترك قبل آخر الصلاة في صحّة الظهر بالعدول.

و لو صلّىٰ بقصد الوظيفة و أخطأ في التطبيق، فالأظهر الصحّة بالعدول في الأثناء، و بانكشاف الخلاف بعد الفراغ مطلقاً.

و لو لم يتذكّر إلّا بعد الفراغ، فإن كان في الوقت المختصّ بطلت، و أعاد العصر بعد الظهر، و إلّا بأن كان كلّه أو بعضه في الوقت المشترك صحّت عصراً، و عليه فعلُ الظهر. و يدلّ عليه حسنة «الحلبي» «1»، و خبر «عبد الرحمٰن» «2». ما دلّ على الخلاف شاذّ معرض عنه.

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 63، ح 3 و 2.

(2) الوسائل 3، أبواب المواقيت، الباب 63، ح 3 و 2.

بهجة الفقيه، ص: 171

المقدمة الثالثة في القبلة

اشارة

مسألة في القبلة و وجوب الاستقبال في الصلاة و غيرها و في أحكام المستقبل بالكسر و تعيين المستقبَل بالفتح و هو المراد بالقبلة و في أحكام الخلل.

بهجة الفقيه، ص: 173

الفصل الأوّل تبيين القبلة

اشارة

«القبلة»، الكعبة عيناً أو جهةً علىٰ أحد القولين؛ أو الكعبة لمن في المسجد، و المسجد لمن في الحرم، و الحرم لمن خرج عنه.

و قال بكلّ جماعة يعتدّ بهم من الأصحاب، بحيث لا يستراب في الروايات «1» من جهة الصدور، مع اعتمادهم على الطائفتين منها على البدل.

و الظاهر أنّ كون الكعبة قبلة لمن في المسجد متّفق عليه بين الطائفتين؛ كما أنّ الأظهر التزام القائلين بالحرم للخارج بالجهة أيضاً للبعيد بما يخرج عن مساحة الحرم.

دلالة الروايات و يدلّ علىٰ أنّ القبلة الكعبة بلا تفصيلٍ، جميع الروايات المذكور فيها: «كون الكعبة قبلة، و تبديل القبلة الأُولىٰ بها» «2»، و في بعضها مضافاً إلىٰ ذلك ذكر الآية الشريفة «3». و منه يعرف ما نذكره في الجمع بين الطائفتين.

و علىٰ أيّ، فذكر الكعبة فقط في كثير من الروايات، لا يناسب ثبوت البدل له.

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 2 و 3.

(2) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 2 و 3.

(3) البقرة، 144.

بهجة الفقيه، ص: 174

و البدل العرضي غير محتمل، و إنّما المحتمل المقول به الطولي بحسب مراتب البعد عن الكعبة؛ فروايات التفصيل لها محمل يأتي؛ و روايات الإطلاق لا محمل لها في الأغلب من المواضع البعيدة، مع أنّ في بعضها التصريح بالكعبة مع بعد المكان كالمدينة.

و حمل روايات الكعبة علىٰ كثرتها على إفادة تبديل بيت المقدس بها، لا تعيّنها مطلقاً و بيان اختصاصها أو عمومها، مستلزم لحملها علىٰ الإهمال؛ مع استفادة التبديل من التفصيل أيضاً؛ و مع أنّ أوّل

صلاة صلّاها رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم و المسلمون، إنّما هي في المدينة و أطرافها البعيدة عن الحرم؛ فالمناسب الاقتصار كالآية الشريفة على المسجد أو على الحرم علىٰ تقدير ثبوت التفصيل. و سيأتي ما في الآية من الشرح. و كيف كان، فيدلّ علىٰ أنّ القبلة الكعبة بلا تفصيل، جملة من الروايات المستفيضة:

منها: ما في صحيح «الحلبي» أو حسنه. و فيه

حتّى حوّل إلى الكعبة «1»

، و في رواية «القمي»

حتّى وجّهه اللّٰه إلى الكعبة

و في آخره

و حوّله إلى الكعبة

و فيه ذكر الآية الشريفة في شطر المسجد الحرام، و في آخره

و ركعتين إلى الكعبة

، و مثله ما في رواية «الصدوق» في «الفقيه» في الخصوصيّات المذكورة، في خبر «أبي بصير»

أنّ نبيّكم صرف إلى الكعبة

و فيه

و جعلوا الركعتين الباقيتين إلىٰ الكعبة «2»

، و خبر «معاوية بن عمّار»

متى صرف رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم إلى الكعبة؟ قال: بعد رجوعه من بدر «3»

و في رواية «أبي البختري»

ثمّ صرف إلى الكعبة «4»

، و في «الاحتجاج» عن الإمام العسكري عليه السلام

فلمّا أمرنا أن نعبده بالتوجّه إلى الكعبة، أطعنا؛ ثمّ أمرنا بعبادته بالتوجّه نحوها في سائر البلدان التي تكون بها، فأطعنا «5»

و فيها زيادة الدلالة

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 2، ح 4.

(2) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 2، ح 2 و 3 و 17.

(3) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 2، ح 2 و 3 و 17.

(4) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 2، ح 2 و 3 و 17.

(5) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 2، ح 14 و 10.

بهجة الفقيه، ص: 175

على الجهة المستفادة من غيرها

بغير الدلالة اللفظيّة. و في رواية «عبد اللّٰه بن سنان»

و بيته الذي جعله قبلة للناس لا يقبل من أحدٍ توجّهاً إلىٰ غيره «1»

، و فيه زيادة شرح لآية القيام «2».

الروايات الدالّة على التفصيل و ذكر التفصيل في رواية «الحجال» «3»، و في رواية «بشر بن جعفر الجعفي» «4»، و في رواية «العلل» عن «أبي غرّة» «5»، و فيها زيادة مكّة بين المسجد و الحرام، و لا إشكال فيه بناء علىٰ ما سيجي ء في الجمع بين الطائفتين من كون الدوائر الصغيرة أمارات و معرفات بالنسبة إلى الدوائر الوسيعة بالإضافة و أهلها، فلا محلّ للرمي بالشذوذ، و كذا رواية التياسر «6».

الجمع بين الروايات و الفتوىٰ و يمكن الجمع بين الروايات «7» بما يجتمع به الأقوال الناشئة عن اختلاف التعابير في الروايات، بالحمل على الطريقيّة و المعرّفيّة في أخبار التفصيل «8»، مع وضوح شدّة الحاجة إلى الطريق و المعرّف في الأغلب البعيد عن الكعبة، فيحمل علىٰ لزوم التوجّه إلى المسجد للخارج عنه مثلًا بما يكون توجّهاً علماً أو ظنّاً أو احتمالًا إلى الكعبة، كما هو شأن الطرق من عدم الاعتبار مع العلم بالخلاف، كالتوجّه إلىٰ بعض زوايا المسجد

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 2، ح 14 و 10.

(2) المائدة، 97.

(3) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 3، ح 1 و 2 و 4.

(4) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 3، ح 1 و 2 و 4.

(5) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 3، ح 1 و 2 و 4.

(6) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 4.

(7) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 4، و الباب 2 و 3.

(8) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 4، و الباب 2 و 3.

بهجة الفقيه، ص:

176

ممّا يعلم بخروج الكعبة عن محاذاة المتوجّه إلى تلك الزاوية؛ مضافاً إلىٰ أنّ جواز التوجّه إلىٰ تلك الزاوية مع العلم بخروج الكعبة ملازم لبدليّة المسجد عن الكعبة، و ذلك مخالف للمرتكزات الشرعيّة، و لا يستفاد من روايات التفصيل قطعاً؛ فالاقتصار علىٰ ذكر الكعبة دالّ علىٰ أنّ موضوع الاستقبال هو الكعبة، و روايات التفصيل تدلّ علىٰ أنّ الطريق للبعيد في الدوائر المتّسعة هو التوجّه الطريقي إلى الدائرة الصغيرة القريبة بالإضافة إلى الكعبة.

و منه يظهر وجه الجمع بين الكلمات، فإنّ اختلاف الفتاوىٰ علىٰ حسب اختلاف الروايات. و الجمع بين الطائفتين بالحمل علىٰ موضوعيّة الكعبة و معرفيّة تلك الدوائر، هو المنساق المتبادر إلىٰ الأفهام منها، مضافاً إلىٰ اقتصار أهل الإسلام علىٰ ذكر الكعبة في بيان القبلة.

و أمّا صحّة صلاة الصفّ المستطيل، بل صحّة صلاة ناحية عظيمة بعلامة واحدة ممّا يقطع بخروج الكعبة و المسجد و الحرم عن بعض أهالي تلك الخطوط الوسيعة، فلمكان ما في الرأس من التدوير الذي بسببه يستقبل بين نصفي الدائرة بخروج خطّ ممّا بين الأُذنين إلى الكعبة. و لا ينافيه عدم جواز هذه التوسعة في العمد؛ فإنّ اختلاف مراتب الاستقبال باختلاف التمكّن من الأقرب و عدمه، لا مانع منه في الاستفادة من الأمر بالاستقبال، فيجوز لغير المتمكّن من الأقرب ما لا يجوز مثله للمتمكّن بحسب دليل واحد.

جمع آخر بين الروايات و يمكن الجمع بأن يقال: لا إطلاق في الطائفتين لصورة المخالفة، بل يحمل إطلاق ما دلّ علىٰ أنّ القبلة الكعبة، على التقيّد بالمتمكّن؛ و أنّ غيره له البدل ما لم يعلم بعدم الوصول إلى المبدَل، و أنّ القبلة الكعبة، أو المسجد بدلًا، أو الحرم بدلًا عن البدل لغير المتمكّن من الأصل و لغير

العالم، بخلاف التنزيل مع الأصل.

كما أنّ إطلاق المفصّل يحمل علىٰ ما إذا لم يعلم بمخالفة البدل مع المبدل الذي هو

بهجة الفقيه، ص: 177

الأصل؛ فلا بدليّة للمسجد عن الكعبة إذا علم بكون التوجّه إلى المسجد مخالفاً للتوجّه إلى الكعبة، و كذا في الحرم الذي هو بدل عن المسجد. و يراعي التمكّن و العدم، و العلم بالموافقة، أو الظنّ، أو الاحتمال مع عدم المرتبة السابقة، كما لا بدليّة للمسجد مع التمكّن من استقبال الكعبة بالمشاهدة، و إلّا صحّت صلاة من في إحدىٰ زوايا المسجد إلىٰ الأُخرىٰ بخطّ مستقيم بلا فصل الكعبة، و هو كما ترى.

و بالجملة، فيمكن الجمع بأحد النحوين المتّحدين بحسب النتيجة بين الطائفتين.

ذكر محامل لبعض الروايات و هناك بعض التعابير في الروايات المخالفة لما قدّمناه:

ففي بعضها: إنه

لا يقبل من أحد توجّها إلىٰ غيره «1»

، و يحمل على البيت أصلًا و طريقاً، أو التوجّه المعلوم أنّه إلىٰ غير البيت.

و في بعضها

أمرنا بعبادته بالتوجّه نحوها (الكعبة) في سائر البلدان «2»

، و فيه إشارة إلى [أنّه] لا بدّ من أن يلتزم به الفريقان، حتّى من قال بالتوجّه إلى الحرم للخارج عنه.

و في بعضها كرواية «المفضّل» المعتبرة علىٰ ما يظهر من «الوجيزة»

أنّ الحرم في يسار الكعبة أوسع منه في يمينها «3»

، (فالتّياسر لذلك مطلوب لئلّا يخرج من القبلة)»، و ظاهرها أنّ من كان موظّفا باستقبال الحرم، يرجّح التياسر على التيامن، لمكان أنّ احتمال التوجّه إلى الحرم الموافق للكعبة أرجح من احتماله في التيامن، لقلّة الأنصاب في اليمين بالإضافة إلى اليسار، و لا دلالة فيها على التوجّه إلى الحرم مخالفاً للتوجّه إلى الكعبة؛ فإذا أحرز الحرم في جهة مع بعده عنه، فالتياسر عن ذلك الخطّ

مطلوب وجوباً أو ندباً، لا أنّ التياسر مطلوب لكونه توجّهاً إلى الحرم في اليسار مخالفاً للتوجّه إلى المسجد و الكعبة.

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 2، ح 10 و 14.

(2) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 2، ح 10 و 14.

(3) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 4، ح 1 و 2.

بهجة الفقيه، ص: 178

[و ينبغي التنبيه على أمور]

[الأمر الأول] لزوم الانحناء في الصف المستطيل و عدمه

ثمّ لا يخفىٰ أنّ الدوائر المفروضة حول الكعبة، مختلفة في الصغر و الكبر، و يمكن فرض المسجد من بعضها، و الحرم من بعضها، و ما بينهما، و ما بعد الحرم؛ فإنّه إذا فرض المصلّي في يمين المسجد، و المصلّي الآخر في يساره، و الثالث في ما بينهما من طرف، و الرابع في ما بينهما من طرف آخر؛ فإنّه يشكّل دائرة محيطة بهؤلاء الأربعة؛ فإذا استطال صفّ بين كلّ قوسين منها؛ فإنّه يقع الاتصال بين الأربعة و جميع أفراد الصفّ في المحيط مع الانحناء المحسوس الواقع في كلّ قوس، و هكذا في الدوائر المتّسعة، حتى تصل إلى حدّ من استطالة الصفوف لا يكون الانحناء محسوساً إلّا مع الإحاطة الحسابيّة بين طرفي القوس الوسيع جدّاً؛ ففرض المساواة الحقيقيّة بين مواقف المصلّين في الدائرة العظيمة، مخالف لفرض استقبال الكلّ لمركز الدائرة، أو مستلزم لاغتفار الخروج بسبب استقامة خطّ المصلّين عن الاستقبال للمركز. و ذلك لا إطلاق له علىٰ ما سيجي ء إن شاء اللّٰه تعالى.

و علىٰ ما ذكرناه، فالانحناء للصفّ المستطيل لا بدّ منه، إلّا أنّه لا يظهر في الحسّ في الدائرة الوسيعة جدّاً، إلّا بعد الملاحظة الدقيقة في طرفي القوس مع وقوع الصفّ للمصلّين مع التدقيق في ملاحظة الدرجات في أماكنهم المتباعدة.

كما لا خفاء في صحّة ما قيل و اشتهر من: «أنّ الشي ء إذا

ازداد بعداً، ازدادات سعة محاذاته»؛ فإنّ الدائرة الصغيرة إذا شغلها مأة مثلًا، فالكبيرة يشغلها أكثر منها يقيناً علىٰ اختلاف الدوائر في القرب و البعد لبعضها من البعض، و لا يكون إلّا بمحاذاة الاثنين مثلًا في الكبيرة لواحد مثلًا في الصغيرة؛ و إن كانت الدقّة تقتضي عدم المساواة، بل واحد من الثلاث مثلًا يحاذي يمين الواحد، و واحد منهم يحاذي يساره، و ثالث يحاذي ما بين الكتفين من الواحد الواقع في الدائرة الصغيرة، و هكذا في سائر الدوائر. ثمّ إنّ الاستشكال بصحّة صلاة الصفّ المستطيل، وارد علىٰ كلّ من القول بكون القبلة الكعبة، أو الجهة، أو التفصيل بين من في المسجد و خارجه، و من في الحرم

بهجة الفقيه، ص: 179

و خارجه مع المصير إلى الجهة لغير المشاهدين في كلّ من المسجد و الحرم، للزوم العلم بخروج الكعبة عن محاذاة الصفّ، و كذا جهة الكعبة، للعلم بعدم اتصال الخطّ من المصلّي؛ فلا وجه للجهة الثابتة مع احتمال الاتصال.

و كذا الحال في القول الآخر بناء على المعرّفيّة و الطريقيّة؛ و أمّا بناء على البدليّة، فلا بدّ من فرض استطالة الصفّ بنحو يقطع بأوسعيّته من طول الحرم للخارجين عنه، و من طول المسجد للخارجين عنه.

و كذا الكلام في عدم نفع الجهة مع العلم بعدم الاتصال. و لا سند في تصحيح الصلاة إلّا حجيّة الأمارة الواحدة لناحية عظيمة؛ فإذا صحّت صلاة المتباعدين فرادى، صحّت صلاتهم جماعة.

كما لا ينبغي الإشكال في أوسعيّة صفوف الخارجين عن المسجد في الحرم من نفس المسجد مع عدم مشاهدة المسجد.

لكن يجري الإشكال مع عدم الانحناء، كما يشكل مع عدم الانحناء المطلق في داخل المسجد مع الخروج عن محاذاة الكعبة، و إن كان بعض الصفّ

المستطيل محاذياً لها، بل الظاهر البطلان لغير المحاذي فرادى و جماعة.

و اللازم مع العلم بخروج الكعبة أو بدلها عن المحاذاة، العلم ببطلان صلاة شخص الخارج عن المحاذاة إذا علم تفصيلًا أو إجمالًا؟ ببطلان صلاته، إمّا لأنّ الكعبة أو بدلها، في أحد الجانبين لهذا الصفّ، أو في الآخر، فيعلم من يتّصل بصفّ طويل ببطلان صلاته جماعة، إمّا لعدم استقباله للخروج عن المحاذاة، أو بخروج من يتّصل به من أبعاض الصفّ عن المحاذاة، فتبطل صلاة المتأخّر إمّا لعدم وجدان شرط الصلاة، و هو الاستقبال في صلاته، أو لعدم وجدان شرط الجماعة، لعدم استقبال من هو متّصل به إلىٰ الإمام. و يمكن الدفع بأنّه مع العلم التفصيلي بخروج نفسه عن محاذاة الكعبة أصلًا و بدلًا، يلتزم ببطلان صلاته عالماً عامداً؛ و مع العلم التفصيلي بترك الاستقبال، أو ترك

بهجة الفقيه، ص: 180

الأقرب إلىٰ الإمام، يمكن منع البطلان، لأنّ العلم التفصيلي بترك استقبال أحد الشخصين المستلزم للعلم بفاقديّة صلاته لشرط الصلاة أو لشرط الجماعة، مع كون كلّ من الأقرب و غيره معذوراً مراعياً للوظيفة مصلّياً بمقتضىٰ الأمارة، ممنوع تأثيره في العلم بالبطلان، لكفاية صحّة صلاة المصلّي باعتقاده في ترتيب الغير أثر الصحة علىٰ صلاته.

فيمكن أن يكون ذلك كاختلاف أهل الجماعة الواحدة في تشخيص القبلة بالعلامات المعتبرة لدى كلّ منهم؛ فإنّه تصحّ صلاتهم إلىٰ أن يقطع بالبطلان بالاستدبار من بعضهم عند بعض و نحوه، أعني ما كان إلى المشرقين، و إلّا اكتفي بصحّة الصلاة عند المصلّي في ترتيب مصلٍّ آخر أو شخص آخر أثرَ الصلاة بذلك.

و مثل ذلك صلاة واحدٍ ظُهره في أحد جانبي الناحية الوسيعة و العصر في الجانب [الآخر]، لا كصلاة واحد بالعلامة في أحد الجانبين و

صلاة مكلّف آخر فرادى في الجانب الآخر.

نعم، يخدش به في تشريع العمل بعلامة واحدة لأهل ناحية متّسعة طولًا، و المفروض أنّ كلّاً منهما عامل بالوظيفة الظاهريّة؛ فكون واقع الاستقبال مورداً للتكليف الفعلي المنجّز مع العذر لكلٍّ من العاملين في مخالفته قابل للمنع، و ذلك كعدول المصلّي ظهراً في عصره إلىٰ مجتهد آخر رأى أعلميّته من الأوّل، أو انكشف ذلك فصلّى مستعملًا لمحلّ اختلافهما في الصلاتين، حيث يقطع بمخالفة العصر للوظيفة الواقعيّة، إمّا لمخالفة الثاني للواقع في الفتوىٰ أو الأوّل، و لا يضرّ ذلك بعد عدم التنجيز للواقع في الصلاة الأُولىٰ للحجّة على الخلاف، و في الثانية كذلك، و إن اختلف المستند فيهما. مع أنّ صلاة الصف المستطيل مشمولة للإطلاق، و لا يُصرف بالإطلاق عن أدلّة الشروط. و تجويز ذلك في الأطول من الحرم للخارج عنه قابل للتّأمّل؛ و كذا في الخارج من المسجد بنحو يتجاوز طول المسجد بلا انحناء، فعليهم الانحناء إذا علموا الوقوف في الخطوط المتجاوزة.

مع إمكان الالتزام باتّصال بعض الخطوط إلى الكعبة أو المسجد، الغير المعلوم عدم

بهجة الفقيه، ص: 181

محاذاته في جهة المصلّي للكعبة بسبب ما ذكرنا سابقاً؛ كما نقل عن بعض المتأخّرين من أنّ تدوير رأس المستقبل يجوّز الاستقبال بين المشرقين، أعني نصف الدائرة.

و كذا الحال في المستطيل بلا انحناء في المسجد إذا تجاوز عن الكعبة، فيمكن الالتزام بأنّه لا تصحّ الجماعة إلّا مستديراً.

و أمّا الاكتفاء بصدق الاستقبال للبعيد بلا اتّصال للخطوط و لو احتمالًا، فكما ترى فإنّه يوجب الجمع بين الاستقبال و نقيضه في صلاة واحدة.

[الأمر الثاني] إشارة إلى ما يكتفي به في الاستقبال

و لا ينبغي الإشكال في أنّه لا بدّ من التمكّن من الاستقبال علماً أو ظنّاً أو احتمالًا لكلّ مصلٍّ، و أنّه لا يكون

الاستقبال إلّا باتّصال الخطّ من المصلّي إلى الكعبة أو إلى المسجد و الحرم طريقاً أو بدلًا.

و المتيقّن هو الأوّل؛ و هو الظاهر من الأدلّة، بل من بعض كلمات المفصّلين أيضاً، و من الاعتبار المناسب للبعيد أيضاً. و لا بأس أيضاً بوصول النوبة إلى ما بين المشرق و المغرب، و هو الموافق لما مرّ نقله من صدق الاستقبال باتّصال الخطّ في ما بين نصف الدائرة الموافق لتدوير الرأس.

[الأمر الثالث] المراد من الجهة و ميزان صدق الاستقبال للقريب و البعيد

قال في «الجواهر» في تفسير الجهة، اللازم استقبالها على البعيد، بعد نقله ما في «المعتبر»، و «كشف اللثام» مع ما فيهما من الاختلاف: «و قد يناقش، يعني في ما عن «الكشف»، بأنّه لا مدخليّة للاحتمال و القطع المزبورين في الجهة بالمعنى الذي ذكرناه، ضرورة حصوله مع القطع بخروج نفس الكعبة عن بعض الخطوط، كما في الصفّ المستطيل المتّصل بمحراب النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم بناء علىٰ أنّه منصوب على الميزاب؛ فإنّه لا ريب في حصول القطع بعدم كون الكعبة في خطوط مواقف المصلّين يزيد علىٰ مقدار الميزاب إلى الآخر. و من المعلوم ضرورة صحّة صلاة الجميع، و ليس هو إلّا لحصول

بهجة الفقيه، ص: 182

الاستقبال و المحاذاة للبعيد من حيث كونه بعيداً، الّتي قد عرفت عدم توقّف الصدق فيها علىٰ اتصال الخطوط» «1». انتهى.

و لم يذكر قدس سره هنا ميزان صدق الاستقبال بلا اتّصال، و لعلّه إحالة إلىٰ ما قدّمه من سعة المحاذاة للبعيد، لكنّه لا ينافي لزوم الانتهاء إلىٰ الانحناء في قوس الدائرة في قبال الاستطالة المطلقة في ما بين المشرق و المغرب. و قد مرّ وجه تصحيحها بالتدوير المقدّم للرأس.

لكنّه يمكن أن يقال: إنّ المستفاد من قوله عليه السلام

ضع الجدي في

قفاك «2»

هو أوسعيّة أمر استقبال البعيد، لأنّ استدبار الجدي علىٰ حدّ استقبال نجم يقابله، و من المعلوم أنّ اتّصال الخطّ على الموازاة لا يكون إلّا لواحد. و قد أمر أهل الناحية المتّسعة باستدبار هذا النجم المرئي كالنقطة.

فعليه، ينبغي القطع بأنّ المستفاد أنّ البعيد، عليه استقبال الكعبة أو طريقها أو بدلها رؤيةً لا واقعا، يعني أنّه لا بدّ و أن يرىٰ نفسه مستقبلًا، و يراه الناس مستقبلًا و إن علم بعدم اتصال الخطّ، أو عدم كفاية اتّصاله الخاصّ، و هذا شي ء يمكن حصوله لدى أهل ناحية متّسعة. و العلم بعدم اتصال الخطّ إمّا في استقباله أو استقبال الأقرب إلىٰ الإمام في الجماعة، لا يضرّ بعد تحقّق الاستقبال العلميّة بحسب القطع، أو الظنّ، أو الاحتمال في جميع أفراد الصفّ؛ فالشرط و هو الاستقبال رؤيةً محقّق، و إن كان استقبال عين الكعبة بالاتصال غير محتمل للعلم الإجمالي.

هذا في البعيد؛ فالاستقبال الوجداني المذكور مع عدم كونه في الواقع إلى اليمين أو اليسار، تمام وظيفة البعيد تكليفاً و وضعاً.

و لا ينبغي الاستشكال فيه بعد فهمه من جعل الجدي أمارة؛ فإنّه حيث كان بحسب الرؤية كنقطة بيضاء لا يقابله على التدقيق إلّا ما يرىٰ كنقطة، لا ما يرىٰ كجبل

______________________________

(1) جواهر الكلام، 7، ص 334 335.

(2) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 5، ح 1.

بهجة الفقيه، ص: 183

في سعته؛ كما أنّ الحرم علىٰ سعته يراه البعيد كالنقطة في آخر ما ينتهي إليه رؤيته له، و كذا كلّ جسم كبير يشاهده البعيد صغيراً؛ فهو في قوّة التصريح بأنّ استقبال نجم يقابل الجدي يحصل به استقبال الحرم بما أنّه استقبال الكعبة طريقاً أو بدلًا، فلا بدّ من فرض الحرم للبعيد كنجم يقابل الجدي

في استقبال النجم و استدبار الجدي، و يكون استقباله محصّلًا للواجب من استقبال الكعبة أو الحرم، و يمكن أن يتأيّد ما مرّ، بما في المساجد القديمة من الاختلاف الفاحش في ما بينها، و في ما بين كلّ منها مع الاعتبارات الهيئيّة.

و أمّا القريب فلا بدّ من الاستقبال باتصال الخطّ، بل معظم الخطوط الخارجة عن موقف المصلّي إلىٰ عين الكعبة، أو المسجد، أو الحرم، طريقاً أو بدلًا علىٰ ما مرّ؛ و لازمه لزوم الانحناء طلباً لاستقبال عين ما يلزم استقباله باتصال الخطوط.

[الأمر الرابع] عدم لزوم المداقّة في القبلة و كفاية الظن

و هذا الذي قدّمناه من جهة البعيد و شرحها، المفهوم من جعل الأمارة، مع مساعدة الاعتبار لجعل العلامة؛ و إن حصل الاختلاف في المواضع و في موضع المقابلة من ظهر المصلّي بحسب ما ذكره علماء الهيئة، إلا أنّه لا يلزم على الناس تعلّمها و تطبيق العمل عليها، بعد صعوبتها علىٰ أهل الخبرة بها فضلًا عن غيرهم، و بعد العلم بجريان أمر استقبال المصلّين في جميع القرى بلا حاجة إلىٰ هذه العلامات المبيّنة في عصر الإمام المسئول عنه، و لا طريق إلّا استفتاء الناس بحسب حاجتهم و ابتلائهم العمومي؛ لما مرّ من تواصل آحاد المصلّين في المواضع المتقاربة، و تكرّر العبور من الطرق المختلفة في الجهات المختلفة بحيث لا يرتابون في الاستقبال بالوجه الذي ذكرناه. و في إطلاق النصّ «1» في العلامة، شهادة علىٰ عدم لزوم المداقّة بأزيد ممّا يحصل من الظنّ بالأسباب الميسورة.

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 5.

بهجة الفقيه، ص: 184

و ممّا ذكرناه يظهر أنّ بطلان صلاة الصفّ المستطيل للمشاهد دون غيره، لانحلال الاستقبال الوجداني في المشاهد دون البعيد؛ و لا يلزم الانحناء و لو خرج عن حدّ الحرم؛ كما لا يلزم

الاختلاف تكليفاً و وضعاً في توجّه الشخصين فرادى في طرفي الناحية العظيمة؛ و أنّ استعمال القواعد الرصديّة ممّا يتغيّر به الاستقبال الوجداني؛ و أنّ هذا التغيير و الاستعمال غير لازمين على العموم؛ و إلّا اختلّت أمورهم إذا صرفوا الأوقات في القبلة بأزيد من صرف الوقت في نفس الصلاة و الطهور، و هو مخالف لسهولة الشريعة، بخلاف الحدّ الذي فيه السهولة النوعيّة و الشخصيّة. و في عدم التفصيل في النصّ المعتبر «1» دلالة عليه، مع إرشاده إلى الواضحات لديهم من غير هذه الطرق لعموم البلوىٰ، و الجري علىٰ ما سبق منهم بلا نكير من الأئمة عليهم السلام قد مرّ وجه معلوميّته لديهم.

و يظهر من «الجواهر» في نقله عن «شارح الإرشاد» حيث قال: «قلت: قد يحمل المحاذاة على الحسيّة، بل ذلك هو المتعارف علىٰ لسان أهل الشرع علىٰ نحو ما اشتهر بينهم من أهل العراق مثلًا، و إن طالت صفوفهم و استوت مواقفهم، يجعلون الجدي بحذاء المنكب علىٰ نحو واحد. و من المعلوم امتناع ذلك بحسب نفس الأمر لاختلاف أشخاصهم فيه، و إنّما يمكن تحقّقه بحسب الحسّ؛ فعلى هذا ليس البعد مخلّاً بظنّ المحاذاة، بل كلّما ازداد، اتّسع السمت الذي تظنّ هي فيه» «2» موافقت [- ه] له و لما قدّمناه.

و أمّا ما يلزم المشاهِد من حدّ الاستقبال، فالظاهر أنّ لزوم استقبال مجموع الكعبة بالمقاطرة و نحوها، من الأغلاط؛ و أنّ اللازم استقبال أيّ جزء منها، إلّا أنّ اللازم استقبال المصلّي، فلا بدّ من صدقه. و لا ينبغي إنكار الصدق مع استقبال معظم أبعاض البدن، بحيث لا يكون الخارج من حدّ الكعبة إلّا قليل من البدن، و لأجله قيل بعدم كفاية أماله البدن أو بعض المقاديم عن

القبلة في التخلّي في نفي الحرمة.

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 5.

(2) جواهر الكلام، 7، ص 339.

بهجة الفقيه، ص: 185

و إنّما الإشكال في الاستقبال بخصوص نصف البدن؛ فإنّه يصدق كلّ من الاستقبال و العدم. و الظاهر كفاية الاستقبال بالوجه، المستلزم لكونه؟ الخارج خصوص أحد طرفي الوجه، إلّا أنّه من الاستقبال بمعظم البدن؛ فيبقىٰ الاستقبال بنصف الوجه و ما يتصل به مورداً للإشكال، فضلًا عن الأقلّ من ذلك؛ بل الأقلّ بما أنّه خروج عن صدق استقبال المصلّي، لأنّ المعظم على الفرض، خارج عن الإشكال، و إنّما مورد الإشكال خصوص الاستقبال بنصف البدن؛ فإنّ عدم الصدق للاستقبال و إن كان لا أثر له في الجملة، إلّا أنّه حيث لا يكون مانعاً عن صدق استقبال المصلّي المنصرف إلى غير الفرض، فالاحتياط لا يترك في ذلك.

[الأمر الخامس] القبلة أعمّ من البناء و الفضاء

ثمّ إنّه لا خفاء في أنّ القبلة أعمّ من البناء و الفضاء؛ فلو زالت البنية بظُلم أو غيره، كفىٰ استقبال الفضاء؛ كما لو صلّىٰ مَن في جبل «أبي قبيس»، فقبلته ما يحاذيه من الفضاء الخاصّ المتّصل من تحته ببناء الكعبة. و مثله المصلّي في سرداب في «مكّة» أسفل من بناء الكعبة، فقبلته ما يحاذيه من الأرض المتّصل فوقها ببناء الكعبة.

و يمكن فهم ذلك من الإطلاقات من جهة أنّ استقبال كلٍّ في مكانه عالياً كان على الكعبة أو سافلًا عنها هو المطلوب منه، لا تغيير المكان حتى يساويها في موقفه؛ فلو كان ذلك واجباً، لزم بيانه.

و قد وقع بيان الخلاف في العالي الذي يساوي السافل في عدم المساواة مع البناء، و لا يمكن أن يكون وظيفته خارجة من العين، و الجهة التي لا تتصوّر إلّا باستقبال الفضاء الذي هو المقدور للمنخفض مكانه عن

بناء الكعبة، الكثير الوقوع في بعض الأمكنة في نفس «مكّة» و في أطرافها القريبة و البعيدة؛ فإنّ العين و الجهة مشتركتان في لزوم المساواة بين الموقف و البناء و عدم لزومه.

و إنّما الاختلاف في أوسعيّة حدّ استقبال البعيد بحسب الجانبين، و بحسب ما قدّمناه من الاستقبال الحسيّ الذي لا بدّ فيه من التحفّظ فيه أيضاً على العلم و مراتب الظنّ،

بهجة الفقيه، ص: 186

فلا يتنزّل إلى الضعيف مع التمكّن من القوي بلا حرج بالنسبة إلى الحرم طريقاً أو بدلًا بالنسبة إلى القريب. و أمّا العالي و السافل، ففيهما إشكال آخر مندفع بكون الفضاء قبلة.

[الأمر السادس] جواز الفريضة في جوف الكعبة

ثمّ إنّه يدلّ علىٰ جواز الفريضة في الكعبة اختياراً كما عن المشهور، موثّقة «يونس بن يعقوب»

قال: قلت لأبي عبد اللّٰه عليه السلام: حضرت الصلاة المكتوبة و أنا في الكعبة أ فأصلّي فيها؟ قال: صلّ «1».

و بها يحمل ما في صحيح «محمّد بن مسلم»

لا تصل المكتوبة في الكعبة «2»

علىٰ الكراهة. و أمّا صحيح «معاوية بن عمّار» «3» فدلالتها على المنع ضعيفة، لما فيها من الاستدلال بترك رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم الصلاة فيها إلّا مرّة نافلة.

و عن «الشيخ» رواية ما مرّ عن «محمّد بن مسلم» بعبارة

لا تصلح الصلاة المكتوبة جوف الكعبة «4»

، و في الموضع الآخر مثل ذلك بزيادة

و أمّا إذا خاف فوت الصلاة، فلا بأس أن يصلّيها في جوف الكعبة.

و يحتمل قريباً وحدة أصل روايات «محمّد بن مسلم»، إذ يبعد تعدّد الواقع و اختلاف العبائر، مع نقل المخالف للرواة عن «محمّد بن مسلم» بلا إشكال إلى التعبير الآخر في الواقعة الأُخرى.

و علىٰ أيّ، فإن كان الأصل واحداً و نهياً، يحمل على الكراهة كما

مرّ، و احتماله لغير

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 17، ح 6 و 1.

(2) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 17، ح 6 و 1.

(3) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 17، ح 3.

(4) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 17، ح 4 و 2.

بهجة الفقيه، ص: 187

النهي كالعبارة الأُخرى الظاهرة في الكراهة حيث لا يثبت معه المنع، فلا يحتاج إلى الجمع المذكور؛ فإن يثبت المنع، جُمع بما مرّ. و الحمل علىٰ الاضطرار و الجمع بالحمل عليه على التفصيل بعيد جدّاً، كما لا يخفىٰ.

ثمّ إنّ صدق الاستدبار على المصلّي في الكعبة، لا يضرّ بعد صدق الاستقبال أيضاً:

و زيادة الاحترام في الصلاة إليها عن الصلاة فيها و إن صلّىٰ إليها أيضاً، لا توجب تكليفاً نفسيّاً أو شرطيّاً.

و أمّا استقبال أيّ جدرانها شاء، فهو بمعنى عدم الاختصاص، أو في قبال توهّم لزوم كونها بين الأُسطوانتين كما فعله صلى الله عليه و آله و سلم، أو في قبال الصلاة إلىٰ أربع جوانب كما أرسله في «الكافي» «1» إذا حمل على الزوايا؛ و إلّا فيبعد إرادة التكرار، و يلغو الحمل علىٰ غير ذلك، إلّا ما قدّمنا من الزوايا، لمكان أنّها صلاة إلىٰ جهتين، أعني طرفي الزاوية، فتحمل على الندب.

[الأمر السابع] الاستقبال علىٰ سطح الكعبة

ثمّ إنّ المصلّي على السطح كالمصلّي في الجوف، يبرز بين يديه شيئاً من البناء أو الفضاء لو لم يكن بناء ليستقبله، فيكون الداخل كالخارج في هذه الجهة.

و أمّا الرواية في الاستلقاء على السطح للتوجّه إلى البيت المعمور «2» فمع شذوذها، و مخالفتها للإطلاقات الغير القابلة للحمل علىٰ ما فيها، و مخالفها للمشهور، أو المجمع عليه يمكن حملها لو ثبتت على التخيير، و إن كان الأحوط ردّ عملها إلىٰ أهلها.

[و هنا مسائل]

[المسألة الأولى] عودَة إلى حكم الصلاة في الصفّ المستطيل

مسألة: تبيّن ممّا مرّ أنّه لو استطال صفّ المأمومين في المسجد حتّى خرج بعضهم عن سمت الكعبة، بطلت صلاة ذلك البعض، و كذا في الصفّ الطويل الخارج عن سمت

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 17، ح 2.

(2) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 19، ح 2.

بهجة الفقيه، ص: 188

المسجد في خارج المسجد، و في الخارج عن محاذاة الحرم في خارج الحرم. و إنّما يختلف ذلك بحسب اختلاف الأخبار في بدليّة المسجد و الحرم و طريقيّتهما؛ فعلى البدليّة تصحّ الصلاة بمحاذاة المسجد سمتاً و إن خرجت عن سمت الكعبة، و كذا في الحرم الخارج عن سمت المسجد إذا حاذى الحرم فقطّ؛ بخلاف القول بالطريقيّة إلى الكعبة في كلّ من المسجد و الحرم، كما مرّ.

و القول بالبدليّة، مستنده روايات التياسر؛ و تعليله «بأنّ الحرم في يسار الكعبة أوسع منه في يمينها بالضِّعْف، لمكان إشراق نور الحجر الأسود» «1» و هذا علىٰ خلاف ما دلّ علىٰ أنّ القبلة الكعبة، و لا يقبل التوجّه إلىٰ غيرها «2». و حملها علىٰ من في خصوص المسجد الحرام كما ترى.

تدقيق في روايات التياسر و يمكن المناقشة الثبوتيّة في ما يستفاد من الرواية الدالّة على التياسر، و تعليله بما مرّ، بأنّ من كان

بعيداً عن الحرم بحدّ يميّز يمين الكعبة عن يسارها، فالميل عن الحدّ المسامت للكعبة إلى اليسار له في غاية البعد استحباباً، فضلًا عن اللزوم المستفاد من بعض كتب الفتوىٰ.

إلّا أنّ يقال بأنّه إذا تشخّص الحرم في مسافة وسيعة في قبال المصلّي بحيث له أن يصلّي في جميع هذه المسافة مستقبلًا لبعضها؛ فإنّه يختار يسار هذه المسافة بالنسبة إلى المستقبل لها علىٰ يمينها.

و فيه أنّ المميّز لكون الحرم في هذه المسافة على هذه الرواية، يميّز الكعبة في جهة كون الحرم بالنسبة إليها ثلثاه في طرف اليسار و ثلثها في طرف اليمين، فيكون المميّز للكعبة مطلوباً منه العدول عن مسامتة نفس الكعبة إلى مسامتة يسار الكعبة.

______________________________

(1) أصل الرواية موجود في الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 4، ح 2.

(2) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 2، ح 10.

بهجة الفقيه، ص: 189

و فيه ما مرّ من الاستبعاد فإنّه مضافاً إلىٰ ما فيه من البدليّة، مشتمل على أولويّة البدل، ندباً أو لزوماً عن الأصل، و إن كان البعد بحدّ لا يميّز اليمين للكعبة عن اليسار، بل يكون الحرم كلّاً عنده علىٰ مساحة نجم؛ فإنّه بمجرّد الميل يخرج عن الحرم كلّاً، كان في طرف اليمين أو اليسار؛ و لذا يكون الاستقبال الحسّي بعيد هكذا باستدبار الجدي مثلا، و استقبال ما يقابله بقدره في الفرض.

[المسألة الثانية] قبلة أهل العراق و من سامتهم
اشارة

مسألة: أهل العراق يجعلون الجدي خلف المنكب الأيمن و يدلّ عليه مرسلة «الصدوق»

إنّي أكون في السفر و لا أهتدي إلى القبلة باللّيل، فقال: أ تعرف الكوكب الذي يقال له جدي؟ قلت: نعم، قال: اجعله علىٰ يمينك، و إذا كنت في طريق الحجّ، فاجعله بين كتفيك «1»

، و خبر «محمّد بن مسلم» عن أحدهما عليهما السلام

سألته

عن القبلة، قال: ضع الجدي في قفاك و صلّ «2»

مع موافقة الاعتبار لهذه العلامة و نحوها ممّا ذكره الأصحاب في كتبهم.

و حيث إنّ هذه الروايات عمل بها الأصحاب، و عبّروا عمّا فيها بما يطابق قواعد الهيئة، فلا ينبغي التشكيك فيها سنداً أو دلالة؛ فإنّ من يجعل الجدي بين الكتفين هو العراقي، و نحوه الموافق له في طول البلد؛ فيكون في محلّ سكناه من العراقي الذي يختلف مع سائر البلد بهذا الحدّ، كالأطراف الغربيّة للعراق، فيوافق خبر «محمّد بن مسلم الكوفي» حيث جعل قبلته بين الكتفين للجدي.

و ما قد يقال: إنّه مقتضى التدقيق من جعله خلف الأذن اليمنى، فلعلّه تفاوت يسير مغتفر؛ و كذا قوله في خبر «إسماعيل بن زياد» في الجدي

لأنّه نجم لا يزول، و عليه

______________________________

(1) الفقيه، 1، ص 280/ 860، و الوسائل، 3، أبواب القبلة، الباب 5، ح 2.

(2) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 5، ح 1.

بهجة الفقيه، ص: 190

بناء القبلة «1»

يعني يكون المستقبل أينما كان متّصلًا بخطّ خاصّ إلى الجدي في طرف من دائرة موقفه.

و كذا قوله في الخبر الآخر، في الجدي

و عليه تبنى القبلة «2»

بالمعنى المذكور.

و منه يظهر: أنّ قوله عليه السلام في صحيح «زرارة» في جواب قوله: أين حدّ القبلة؟

ما بين المشرق و المغرب قبلة «3»

بمعنى جواز الصلاة إلىٰ ما بين المشرق و المغرب لمن كان قبلته الحسيّة بينهما اختياراً، لمن لم يتمكّن من تعيين الأضيق من هذا الحدّ في ما بينهما بالأمارات؛ و إلّا تعيّن التعيين بمقتضىٰ أدلّة لزوم استقبال العين للبعيد المتمكّن، كان عين الكعبة، أو عين الحرم أي سمتها، و لا وجه لتخصيصه بالصلاة الواقعة باعتقاد تشخيص القبلة مع انكشاف الخلاف.

[و هنا أمور]
[الأمر الأول] مراتب الاستقبال

و بالجملة، فمن تمكّن

من استعلام سمت الكعبة أو الحرم بنحو ينتهي إلى الاستقبال الحسّي برعاية قواعد الهيئة، و تحصيل مقدار الانحراف إلىٰ المغرب أو إلى المشرق بواسطة فهم طول البلد و عرضه مَقيسَيْن إلىٰ طول «مكّة» و عرضها بلا عسر شخصي، فعليه العمل بذلك، لما دلّ علىٰ لزوم الاستقبال إلى الكعبة، و أنّه لا يقبل التوجّه إلىٰ غيرها، و أنّ الحرم قبلة البعيد طريقاً أو بدلًا.

و مثله من عرف محلّ وضع الجدي بعد الاستعلام المتقدّم، و أنّه في بلده بين الكتفين، أو خلف أحد المنكبين.

فمن عرف ذلك بالحساب في تعيين أحد الأقسام الثمانية المتصوّرة في البلدين طولًا و عرضاً، أو لم يعرف، إلّا أنّه أخذه من أهل الخبرة بذلك المحاسبين لذلك، كان العمل

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 5، ح 1 و 3 و 4.

(2) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 5، ح 1 و 3 و 4.

(3) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 2، ح 9.

بهجة الفقيه، ص: 191

بذلك بدخالة الجدي و استعلام نقطة الشمال به، أو بغير ذلك من الآلات المستحدثة، فتكفي الأدلّة العامّة لتعيّن ذلك مع عدم العسر الشخصي. و كذا استعلام جهة الاستقبال الحسيّ من الأمارات من قبيل المساجد، و قبور المسلمين، و قبر المعصوم عليه السلام مع الاطمئنان بالبناء الأصلي. و كذا معرفة مصلّى العابرين من المسلمين مع رعاية الأقوى ظنا، و عدم التنزّل إلى الأضعف إلّا مع عدم التمكّن.

و من لم يعرف و لم يتمكّن من أزيد ممّا بين المشرق و المغرب، و أنّ سمت القبلة في بعض هذا المجموع بلا رجحان؛ فإنّه يصلّي إلىٰ بعض هذا المجموع المفيد للعلم بالصلاة إلىٰ سمت القبلة الحسيّة، أو ما لا يخرج عن ذلك السمت

إلى حدّ المشرق أو المغرب.

[الأمر الثاني] اختلاف الطول و العرض و تعيين القبلة بهما

و أمّا بحسب مقتضىٰ الاعتبار، فمحلّ الكلام فيه أنّ البلاد الشماليّة إنّما يختلف سمت القبلة فيها باختلاف الانحراف إلى المغرب أو المشرق بقدر اختلاف طول البلد عن طول «مكّة» شرّفها اللّٰه؛ فما كان من البلاد في غرب «مكّة» فانحرافه إلى المشرق، و ما كان في شرق «مكّة» فانحرافه الى المغرب، و ما سامتها في الطول فلا انحراف فيه عن نقطة الجنوب، كما لا ينحرف المسامت لها في البلاد الجنوبيّة، و الانحراف و قدره في البلاد الجنوبيّة علىٰ ما مرّ في الشماليّة. و ستعلم قدر اختلاف طول البلد مع طول «مكّة» ممّا سيجي ء إليه الإشارة، و من النقوش «1» الصحيحة المرسومة المبنيّة لنسب البلاد بعضها إلىٰ بعض من حيث الشرق و الغرب و الجنوب و الشمال.

و لا يخفىٰ أنّ الاختلاف الطولي إذا كان قليلًا فإنّه لا يوجب الانحراف، بل الصفّ المستطيل المستقيم تصحّ صلاتهم جماعة؛ فإنّ الانحراف لا يتبيّن في الظاهر إلّا في حال استبانة التقوّس الحسّي في محيط الدائرة. و الظاهر أنّه لا يستبين في أقلّ من ثُمن الدائرة، إلّا أنّ الدائرة الصغيرة ظهورُ التقوُّس فيها أسرع منه في الكبيرة جدّاً؛ فلعلّه

______________________________

(1) يراد منها الخرائط.

بهجة الفقيه، ص: 192

لا ينوط صحّة الصفّ المستطيل مستقيماً في الدوائر الكبار علىٰ عدم اعتبار أزيد من اتّصال خطّ من رأس المصلّي، الذي هو شبه الدائرة كما أفيد.

قال قدس سره في «الروض» «1» بعد تقسيم اختلاف البلاد مع «مكّة» المعظّمة في الطول و العرض إلى ثمانية-: «فإن تساوى الطولان و عرض البلد أكثر، فسمت القبلة نقطة الجنوب؛ و إن كان أقلّ فهو نقطة الشمال؛ و إن تساوى العرضان و طول البلد أكثر، فسمت

______________________________

(1)

روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان، الطبعة الحجرية ص 201.

بهجة الفقيه، ص: 193

القبلة نقطة المغرب؛ و إن كان أقلّ فهو نقطة المشرق. و معرفة السمت في هذه الأربعة سهل يتوقّف علىٰ إخراج الجهات الأربع علىٰ وجه الأرض بالدائرة الهنديّة أو غيرها لا غير.

و إن زادت مكّة على البلد طولًا و عرضاً، فسمت قبلة البلد بين نقطتي المشرق و الشمال؛ و إن نقصت فيهما، فهو بين نقطتي الجنوب و المغرب؛ و إن زادت عن البلد طولًا و نقصت عرضاً، فسمت قبلة البلد بين نقطتي الجنوب و المشرق؛ و إن انعكس، فبين نقطتي المغرب و الشمال. و هذه الأربعة تعلم من الجهات أيضاً إجمالًا.»

إلىٰ أن قال بعد ذكر قسمة كلّ قوس من الأربعة التي بين الجهات، بتسعين قسماً، لتصير الدائرة ثلاثمأة و ستّين قسماً، كما هو المفروض في قسمي الطول و العرض-:

«فإن كانت «مكّة» أطول من البلد المطلوب سمت القبلة فيه و عرضها أقلّ من عرضه، بأن يكون البلد غربيّاً شماليّاً من «مكّة» كبلدنا، تعدّ من محيط الدائرة الهنديّة مبتدءاً من نقطة الجنوب بقدر فضل ما بين الطولين إلى المشرق، و من نقطة الشمال مثله إلى المشرق أيضاً، و تصل ما بين النهايتين بخط مستقيم، ثمّ تعدّ من نقطة المشرق إلى الجنوب بقدر ما بين العرضين، و من نقطة المغرب مثله، و تصلّ ما بين النهايتين بخط مستقيم، فيتقاطع الخطّان لا محالة، ثمّ تخرج من مركز الدائرة خطّاً مستقيماً مارّاً بنقطة تقاطعهما و توصله إلىٰ محيط الدائرة؛ فذلك الخطّ سمت قبلة البلد. و القوس التي بين طرف الخط المنتهى إلى المحيط و نقطة الجنوب، هو قدر انحراف سمت القبلة في ذلك البلد عن نقطة الجنوب

نحو المشرق.

و إن كان طول «مكّة» و عرضها أقلّ من طول البلد المطلوب سمت القبلة فيه و عرضه، بأن يكون البلد شرقيّاً شماليّاً من «مكّة» كأكثر «العراق» و جميع «خراسان» و ما والاها، فعُدّ من الدائرة من نقطة الجنوب إلى المغرب بقدر فضل ما بين الطولين، و من نقطة الشمال مثله، و تصل ما بين النهايتين كما مرّ، ثمّ عدّ من نقطة المغرب إلى الجنوب بقدر ما بين العرضين، و من نقطة المشرق مثله، و تصل ما بين النهايتين أيضاً، و أخرِجْ من المركز خطّاً مارّاً بنقطة التقاطع إلى المحيط، فذلك سمت قبلته.

و إن زادت «مكّة» عن البلد طولًا و عرضاً، بأن كان غربيّاً جنوبيّا، فعدّ من نقطتي الجنوب و الشمال إلى المشرق، و من نقطتي المشرق و المغرب إلى الشمال، و تعمل كما مرّ. و إن كانت «مكّة» أعرض من البلد و هو أطول منها، بأن كان شرقياً جنوبيّا، فعدّ من نقطتي المشرق و المغرب إلى الشمال. و لا يخفىٰ عليك باقي العمل إذا تدبّرت ما أسلفناه.

و لنمثّل لقبلة بلدنا مثالًا، ليتّضح لك بالعيان، مرتّباً علىٰ ما قرّرنا من المقدّمات، و نتبعه بما استدركناه في الجهات، فنقول: طول «دمشق» من البحر الغربي 60 درجة، و عرضها ثلاث و ثلاثون و نصف، فهي أعرض من «مكّة»، و «مكّة» أطول منها، فهي إذن غربيّة شماليّة؛ فيكون سمتها خارجاً بين نقطتي الجنوب و المشرق. و طول وسط «العراق» ك «الكوفة»، و «بغداد» 79 درجة محدودة الدقائق، و عرضها 32، فهي إذن شرقيّة شماليّة فسمتها غربي جنوبي. و طول «البصرة» 75، و عرضها قريب من عرض الكوفة، فهي إذن محتاجة إلى زيادة تقريب، و اعتبر باقي البلاد بهذا

التقريب، و اللّٰه الموفّق.

[الأمر الثالث] استحباب التياسر لأهل العراق و ما فيه

و أمّا استحباب التياسر لأهل العراق كما حكىٰ عن المشهور، فقد مرّ وجه الإشكال الثبوتي فيه؛ فإن صح ما حُكي عن العراقيّين من العامّة أنّهم يتيامنون عن قبلة

بهجة الفقيه، ص: 194

المساجد المعروفة كمسجد الكوفة، و أنّ انحرافهم إلى اليمين ليس لوجه صحيح، فالمطلوب التياسر عن جهة تيامنهم، لا عن القبلة في العراق.

نعم، حيث يمكن الاعتذار عندهم بأنّ الحرم في يسار الكعبة ضِعْفَه في يمينها، فهو موافقة للواقع مع التقيّة في الاعتذار. و عدمُ وجوب ذلك مع أنّ اللازم، على ما ذُكر، الوجوب لا الندب لمكان عدم اطّراد الإمكان، فيكون كالصلاة لا متكتّفاً معتذراً بأنّه مالكي؛ لكن ظاهر الفتاوىٰ استحباب التياسر عن القبلة لا عن قبلتهم.

و مثل ذلك ما عن «المجلسي» قدس سره من: «أنّ مساجد العراق القديمة كمسجد الكوفة، و السهلة، و يونس، مبنيّة على التيامن عن القبلة بحسب ما ترشد إليه قواعد الهيئة، و البناء في زمن خلفاء الجور، فأمرنا بالتياسر للاستقبال بتعليل فيه التقيّة عن العلّة الواقعيّة».

و هذا مبني علىٰ تغيير بناء هذه المساجد عمّا كانت عليه في زمان أمير المؤمنين عليه السلام أو أنّه كان يتياسر فيها إلىٰ ما يقارب عشرين درجة، و كلاهما مستبعد جدّاً؛ و إن كان هذا الوجه لو صحّ مفيداً، و لعلّ التفاوت فيها ما يكون بين المنكب و خلف الاذن اليمنىٰ.

و يمكن للعامّة الاستناد في تيامنهم عن القبلة ببناء هذه المساجد علىٰ هذا الوضع مع كونه متّبعاً لديهم.

لكن لازم الوجهين الوجوب مع الإمكان و عدم التقيّة، لا الندب، فالعبرة بما تقتضيه القواعد، و إلّا فسائر الأمارات.

و الطريق الثاني: ما عن نصير الدين الطوسيّ قدس سره في محكيّ «التذكرة» «1». قال: «إنّ

الشمس تكون تارة بسمت رأس مكّة شرّفها اللّٰه تعالى حين كونها في الدرجة الثامنة من الجوزاء، و الدرجة الثالثة و العشرين من السرطان وقت انتصاف النهار. و الفضل بين نصف نهارها و نصف نهار سائر البلدان أن يكون بقدر التفاوت بين

______________________________

(1) جواهر الكلام 7، ص 382.

بهجة الفقيه، ص: 195

الطولين؛ فليؤخذ التفاوت، و يؤخذ لكل خمسة عشر جزءاً منه ساعة، و لكل جزء أربع دقائق؛ فيكون ما اجتمع، ساعاتِ البعد عن نصف النهار. و ليرصد في ذلك اليوم ذلك الوقت قبل نصف النهار إن كانت مكّة شرّفها اللّٰه تعالى شرقيّة، أو بعده إن كانت غربيّة، فسمت الظل حينئذٍ سمت القبلة» انتهىٰ.

و قد يستغنىٰ عن معرفة الطولين بما استحدث من سماع الأذان بمكّة بالآلات المستحدثة بعد معرفة التفاوت بين الانتصاف و الزوال، و الانحراف في ما بينهما إن كان محسوباً و لو في غير اليومين، ثمّ العمل علىٰ طبق ذلك في الأذان الواقع في أحد اليومين؛ فإنّ المستقبل للشمس حين مسامتتها لمكّة شرّفها اللّٰه مستقبل لمكّة أينما كان المصلّي في الشرق أو الغرب لمكّة شرّفها اللّٰه و تكون الشمس حينئذٍ في الجنوب الشمالي و في الشمال الجنوبي. و بعد وضع العلامة في ذلك اليوم في المكان الخاص يعلم قبلة ذلك المكان في كلّ زمان، و في ما وافقه في الطول و العرض.

بهجة الفقيه، ص: 197

الفصل الثاني أحكام الاستقبال

[الأول] جواز الأخذ بالظنّ بالقبلة

ثمّ إنّ العالم بالجهة و إن كان بعيداً، يعمل بعلمه؛ و هل له أن يعمل بالطرق الشرعيّة التي لا تفيد إلّا الظنّ، كالعمل بالجدي مع التوفيق بالاعتبارات الظنيّة الصناعيّة، حيث لا يلزم في العمل بها حصول العلم من الاعتبارات و إعمال القواعد، و إن كان تحصيل العلم ممكناً بلا

حرج، كما في سائر الأمارات الشرعيّة لسائر موضوعات التكاليف؟

الأظهر أنّ له ذلك، و أمّا العمل بالأمارات الشرعيّة الغير المحصّلة للظنّ المعتبر، فالظاهر توقّفه علىٰ عدم إمكان تحصيل الموافقة مع الظنّيات، أو إمكانه مع العسر الشخصي، كجعل الجدي في القفا لمن يحتمل ذلك في ناحية عظيمة من «العراق» و من وافقه، إلىٰ أن يعلم بعدم موافقة قبلته لقبلتهم.

و بالجملة، فغير العالم إذا حصّل الاطمئنان من الأمارات مع الاعتبارات أو من نفس الاعتبارات، فلا إشكال في عمله به؛ كما أنّه مع العسر في ذلك يعمل بالأمارات الشرعيّة مع رعاية الظنون الغير الاطمئنانيّة؛ و مع عدم إمكان ذلك أو حرجيّته، يعمل بمطلق الظن، و لا يتنزّل إلى المرتبة الضعيفة مع التمكّن من القويّة إلّا في العلم، فله العمل بالأمارات الشرعيّة في متيقّن مواردها من الموافقة للاعتبارات و إن كانت ظنّية.

بهجة الفقيه، ص: 198

دلالة الروايات و أمّا حجيّة مطلق الظن لغير العالم و مَن بحكمه، فهو المروي في صحيح «زرارة» «1»، و موثّق «سماعة» «2»، و ما عن «تفسير النعماني» «3» و عليهما العمل.

لا يعارضها مرسلة «خراش» «4» عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام الآمِرة بالصلاة إلى الأربع دون الاجتهاد، لموافقة الروايات المعتبرة «5» للمشهور.

توجيه تقدّم الاحتياط على الاجتهاد في الرواية و يمكن حملها علىٰ ردّ القوم في ما هم عليه من الرجوع إلى الظنّ الحاصل بالاجتهاد، أي بمطلق الاجتهاد حتى ما كان من القياس و الاستحسان في مطلق الأُمور الشرعيّة في أحكامها، و موضوعاتها التي ما نحن فيه منها، و أنّه لِمَ تنكرون أنّ المدار علىٰ الاجتهاد الذي ترجعون إليه أيضاً؟ فأجاب بأنّ اللازم تبعيّة النصّ، و الاجتهاد عند فقد النصوص، و منها العلامات الشرعيّة المنصوصة في

المقام و غير المراجع إلى النصوص لا بدّ له من الاحتياط مطلقاً، و هو في ما نحن فيه بالصلاة إلىٰ الأربع؛ و نحن إنّما نرجع إلى الاجتهاد مع فقد النصّ هنا، و أنتم ترجعون إليها بلا طلب و فحص عن النصّ، و ثبوت المنصوص؛ فمجرّد الاجتهاد بعد الفحص لا يكون موجباً لاشتراكنا معهم في شرعيّة الاجتهاد مطلقاً، فتأمّل تعرف.

و أمّا تقدّم الاجتهاد علىٰ الاحتياط هنا، فهو في ما احتمل تعيّن الأقلّ بُعداً من القبلة في ما يحصل بالاحتياط من التوجّه إلىٰ خطّ الاستقبال، أو ما لا يبعد عنه بأزيد من ثُمن الدائرة تقريباً، بناء علىٰ أنّه لا يجوز مع التمكّن اختيار هذا البعد بهذا

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 6، ح 1 و 2 و 4.

(2) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 6، ح 1 و 2 و 4.

(3) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 6، ح 1 و 2 و 4.

(4) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 8، ح 5.

(5) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 6.

بهجة الفقيه، ص: 199

الحدّ عن القبلة، التي عيّنها بالاجتهاد، و إنّما يجوز له مقدار عرض أربع أصابع القريبة من الدرجتين و ثلثي درجة كما عن «السيّد الشيرازي» قدس سره، أو أزيد إلىٰ ستّ أصابع، و هي قدر أربع درجات كما عن «المحقّق النائيني» قدس سره في «الوسيلة»، و لعلّه مبنيّ علىٰ تحقّق الاستقبال باتّصال خطّ يقرب من ربع الدائرة، الموافق تقريباً لما بين وسط الجبهة إلىٰ ما يحاذي الاذن، و يكون ذلك بقدر ستّ أصابع أو أزيد.

و يحتمل بعيداً أن لا يراد من الرواية المتقدّمة التسوية في نفي الاجتهاد حيث لا أمارة ظنّية، فيقتصر علىٰ مجرّد الاحتمال بصلاة واحد، فيجاب

بأنّه حينئذٍ يحتاط بالأربع و لا يقتصر مع الاختيار على الواحدة.

فهذا أيضاً فارق بين الشيعة و المخالفين بحيث لا اجتهاد بناء علىٰ مثاليّة قولهم: «أظلمَتْ» «1» و كونه كناية عن عدم الأمارة الظنّية مطلقاً، و توفيقاً بين الفريقين في هذه الصورة، فيجاب بالفرق باختيارنا للاحتياط.

فعلى هذا يتأخّر الاحتياط عن الاجتهاد. و علىٰ الأوّل فالاجتهاد المنصوص حجّيته في المقام يتقدّم علىٰ الاحتياط، و غيره لا يتقدّم عليه.

[الثاني] مرتبة الاجتهاد في تعيين القبلة

ثم إنّ الظاهر أنّه إذا كان أمارة معتبرة شرعاً، فهي كالعلم متقدّمة علىٰ الاجتهاد المحصّل لمطلق الظنّ؛ و إذا لم يكن علم و لا علميّ معتبر إلّا بهذا الدليل الآمر بالتحرّي، فلا بدّ من الاجتهاد.

و حينئذٍ فقول الغير مع العدالة و التعدّد، أو لا معهما في الإخبار عن علم و حسّ، أو لا معهما، إمّا أن يقال بحجيّته في هذا الموضوع من باب الخبرويّة، أو الشهادة الّتي لا يعتبر فيها التعدّد، أو يعتبر؛ فذلك من المتقدّم على الاجتهاد، لأنّه بمنزلة العلم،

______________________________

(1) تقدم قريباً.

بهجة الفقيه، ص: 200

و التحرّي إنّما أمر به من لا يعلم؛ و إن لم يكن حجّة شرعيّة فهو داخل في الاجتهاد. و إن صدق عليه التقليد لعدم العبرة إلّا بالظنّ الحاصل من قول الغير و ممّا حصّله باجتهاده من غير ذلك القول، فلا بدّ من عمله بالأقوىٰ من الظنّين المتخالفين، بل في الحقيقة يكون المظنون هو الأقوىٰ، و غيره يقابل المظنون فيكون مرجوحاً، و إنّما يكون راجحاً مظنوناً لو خلّي و نفسه، لا مع المخالف له.

فالمقابلة بين الاجتهاد و التقليد هنا في غير محلّه، و مقابلتهما في الأحكام الكليّة لا يقاس عليها المقابلة في الموضوعات المعتبر فيها مطلق الظنّ. فليلاحظ ما في كلماتهم هنا من المقابلة

مع الصواب.

ثمّ إنّ الظاهر أنّ قبلة بلد الإسلام أعني قبلة مساجد المسلمين القديمة في بلادهم، كقبورهم في مقابرهم القديمة أمارة علىٰ الأمارة الشرعيّة، لبُعد الاستناد في بنائهم علىٰ غير الأمارات الشرعيّة، مع تكرّر الصلاة من المسلمين في الأعصار كذلك و عدم تغييرهم في الجهة الّتي لا يغتفر الانحراف في حدّها عن القبلة.

فمع ثبوت الأمارة المعتبرة علىٰ الأمارة الشرعيّة، يكون ذلك كاستفادة المصلّي بنفسه تلك الأمارة و الاستعلام بسببها، فلا يسوغ له الاجتهاد في نفس الجهة؛ بل في الانحراف يميناً و شمالًا على الوجه المغتفر تخلّفه يسوغ الاجتهاد، و إن كان لا يلزم للأمارة، و إن كان لو اجتهد فظنّ بالمخالفة كذلك احتمل العمل بالاجتهاد.

و يظهر من إطلاق الأمر بوضع الجدي في القفا «1» و يتقيّد ذلك بموضع وضع الجدي على اليمين، مع وضوح التفاوت في ما بين الحدّين اغتفار التفاوت بين في ما بين الموضعين ممّا يكون الانحراف في ما بين الأمرين و يزداد لو أُريد من قوله عليه السلام

علىٰ يمينك «2»

، محاذي اليمين، لا خلف المنكب الأيمن، كما عبّر به الأصحاب؛ فإنّه إنّما يكون

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 5، ح 1.

(2) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 5، ح 2.

بهجة الفقيه، ص: 201

علىٰ يمين من قبلته نقطة المغرب كمن في مشرق «مكّة» الاعتدالي.

و بالجملة، فترك التقييد في إحدى الروايتين، و التقييد في الأُخرىٰ للوضع في القفا، يدلّ علىٰ اغتفار التفاوت في ما بين القفا و المنكب، مع أنّه يسع تمام الكتف عدا ما يسمّىٰ بالمنكب.

و يمكن أن يكون هو الوجه في اغتفار مقدار ستّ أصابع المساوي تقريباً لأربع درجات في دائرة يفرض قطرها المصلّي.

كما أنّ قوله

ما بين المشرق و المغرب

«1»

، يراد به ما يكون الانحراف عنه مبطلًا و صلاةً إلىٰ غير القبلة، و هو تمام رُبع الدائرة، بأن يفرض القبلة في الجنوب مثلًا، فالانحراف إلىٰ منتهى الربع من كلّ جانب مبطل، فيكون في الأزيد مبطلًا أيضاً، كما إذا كانت القبلة في منتصف أحد الربعين و كان الانحراف إلىٰ قريبٍ من منتهى الربع الآخر؛ فإذا كان المغتفر ما بين القفا و المنكب، يظهر سعة هذا القدر بحيث تصحّ صلاة الصفّ الطويل المستقيم بلا انحناء إلىٰ ما يبلغ ثُلث الربع أو أزيد.

و يمكن أن يكون ذلك لأجل أنّ أبعاض هذا الصفّ كلّهم يرون أنفسهم مستقبلين حسّا إلى نقطة مفروضة في ما يحاذي الجدي و يقابله.

و يمكن الأخذ بإطلاق قوله عليه السلام «2»

في قفاك

فإنّه مؤخّر العنق، و لا يختصّ بالخطّ الواقع بين الكتفين، فيكون دالّاً علىٰ اغتفار هذا المقدار؛ و كذا قوله عليه السلام

علىٰ يمينك

، بناء علىٰ أنّه الوضع خلف المنكب؛ فإنّ مجمع عظمي العضد و الكتف، لا يختصّ بخط واحد عرفاً، فهو أيضاً شاهد علىٰ اغتفار لازم.

نعم، لا يجب استعلام الأمارة الشرعيّة بالمباشرة، لجريان السيرة على الصلاة في تلك المواضع بلا فحص آخر؛ و إن كان لو استعلم بنفسه و أعمل الأمارات، فمع تبيّن

______________________________

(1) تقدّم قريباً.

(2) تقدّم قريباً.

بهجة الفقيه، ص: 202

الخطأ في أصل الجهة بما لا يغتفر فالظاهر تعيّن ما حصّله لانكشاف خلاف الأمارة علىٰ الأمارة الشرعيّة؛ فإنّه من ذي الإمارة، و لا يسوغ له تحصيل الأمارة علىٰ ما عنده بخلافها.

[الثالث] جواز تعويل الأعمىٰ على الغير

ثمّ، إنّ الأعمىٰ لا ينبغي الاستشكال في أنّه يعوّل علىٰ غيره، لأنّه غير عالم و وظيفته الاجتهاد، و المقدور منه له تحصيل الظنّ بقول الغير، و إن كان لو قدر علىٰ الاطمئنان

لا يتنزّل إلى الظنّ، و لا يتنزّل إلى الضعيف مع التمكّن من تحصيل القويّ في ما لا يغتفر حال العمد، و في ما لا يغتفر إلّا في حال عدم التمكّن من تحصيل الأقرب إلى القبلة.

و يدلّ علىٰ ذلك جريان السيرة عليه، و ثبوت العسر و الحرج في تكليفه، مع مساعدة عموم دليل التحرّي؛ فإنّ الأعمىٰ بحسب النوع، لا يتمكّن من أزيد من التحرّي بمراجعة الغير المختلف في إخباره عن علم، أو استناد إلىٰ الأمارة الشرعيّة، أو إلى اجتهاد المخبر و كذا يدلّ علىٰ ذلك روايات إمامة الأعمىٰ «1» بالدلالة الالتزاميّة؛ فإنّ صلاة الأعمىٰ معتمداً علىٰ توجيه الغير تسديده مفروغ عنه، و المدلول المطابقي في هذه الروايات جواز إمامة الأعمىٰ مع تسديد الغير، و أنّ المأموم لا بدّ له من الاطّلاع على التسديد كي يتطابق استقباله مع استقبال الإمام؛ فلو لم تجز صلاته بتسديد الغير لم تجز إمامته به؛ فإن جازت الإمامة بالتسديد، جازت الصلاة به بالأولويّة، لأنّ الجماعة صلاة فاضلة. و لا فرق في بيان هذا المدلول بين التعبير في خبر «السكوني» «2» من المنع عن إمامته في الصحراء إلّا مع التوجيه، و بين التعبير في صحيح «الحلبي» «3»، و حسن «زرارة» «4»

______________________________

(1) الوسائل 5، أبواب صلاة الجماعة، الباب 21.

(2) الوسائل 5، أبواب صلاة الجماعة، الباب 21.

(3) الوسائل 5، أبواب صلاة الجماعة، الباب 21.

(4) الوسائل 5، أبواب صلاة الجماعة، الباب 21.

بهجة الفقيه، ص: 203

من نفي البأس مع التوجيه و التسديد و هما كالشارح لرواية «السكوني»، و مقتضاها المنع الإرشادي المختلف موارده بحسب المبطل و غيره، في حال العذر، أو مطلقاً.

و ممّا مرّ يظهر أنّ الأعمىٰ لا يفترق عن البصير إذا انحصر وظيفته في الاجتهاد،

لعدم التمكّن من أعلىٰ منه إلّا مع العسر، أو لعدم وجوب التأخير و الفحص و جواز صلاته في الحال بالاجتهاد و تحصيل مطلق الظنّ، فهو مثل الأعمىٰ حينئذٍ في أنّه نوعاً لا يتمكّن من أزيد من الاجتهاد بالسؤال من الغير؛ فتسمية وظيفة الأعمىٰ بالتقليد، و وظيفة غيره بالتحرّي و الاجتهاد، لا تؤثّر في شي ء؛ كما أنّ ورود الدليل في خصوص الأعمىٰ، لا يدلّ علىٰ أنّه غير الموظّف من البصير بالاجتهاد في الوظيفة. و مجرّد التسمية في الكلمات لا يغيّر الوظيفة، إذ ليس لشي ء من الاجتهاد و التقليد حقيقة شرعيّة أو متشرّعية، و إنّما يختلفان في الاصطلاح.

و بالجملة: فكلّ من الأعمىٰ و البصير الذي لا يتمكّن من تحصيل الأمارات إلّا مع العسر و الحرج، و البصير الذي قصّر في تأخير الاستعلام إلىٰ زمان ضيق الوقت عنه، مشتركون في التوظيف بالاجتهاد و التحرّي و الاكتفاء بصلاة واحدة معيّنة عن ضمّ غيرها، علىٰ خلاف يأتي في الاحتياط. و المقصود أنّ الكلّ مشتركون في كون عملهم بغير الاحتياط اجتهاداً و تحصيلًا لمطلق الظن.

و أمّا أنّ معرفة القبلة في مراتبها التي لا يتنزّل عن العالية إلّا بعدم التمكّن، أو بعدم الوجوب كما يقال بالاغتفار في العمد في الانحراف الغير البالغ لأربع أصابع و سعة المنكب، أو ستّ أصابع، أو ما بين أوّل المنكب و وسط الكتفين، حيث تغيّرت الوظيفة في الكتفين و اليمين فيدلّ علىٰ اغتفار ما بينهما. أو ما يقال من صحّة صلاة الصف المستطيل إلى أن ينتهي إلى الانحراف الغير المغتفر؛ مع أنّه لو كان من عرضه إلىٰ الأدلّة أو ليس فيه سيرة معلومة و عدم المحدوديّة لمكان ندرة الفرض و عدم الابتلاء، لا

بهجة الفقيه، ص: 204

يثبت حكماً غير ثابت؛ فإن انتهىٰ إلى ما قدّمناه من كفاية الاستقبال الحسّي للنقطة المقابلة للجدي مثلًا أو لما ترشد إليه قواعد الهيئة أو نحو ذلك، فهو؛ و إلّا فلا بدّ فيه من إقامة الدليل كفائيّاً، أو علىٰ الأعيان، فالأظهر هو الثاني كسائر شروط الصلاة.

و مجرّد اتّحاد القبلة الواقعيّة اللازمة على الكلّ فيكفي تشخيصها من شخص واحد للكلّ، لا يكون دليلًا على الكفائيّة، بل الكلّ مكلّفون بالتحصيل بالعلم، أو الاطمئنان، أو الاستناد إلىٰ الأمارات الشرعيّة، ثمّ الاجتهاد المحصّل للظن؛ و وصول النوبة إلى الرجوع إلى المخبر العالم أو بحكمه، لا يجعل الواجب كفائيّاً، لأنّ لازم الكفائيّة أن تعيّن الغير يكفي لغيره و إن تمكّن من الاستعلام بالمباشرة بنحو أوثق من تعيين الأوّل، مع أنّ خلافه مقطوع في ما احتمل المخالفة الغير المغتفرة، كالمخالفة في أصل الجهة و أنّها تنحرف إلى الغرب أو الشرق مثلًا.

[الرابع] وجوب إرشاد الجاهل، إلى القبلة و عدمه

و أمّا أنّ من حصّلها بوجه من الوجوه بحيث تصحّح صلاة نفسه و من تبعه في تعيينه، هل يجب عليه بناء مسجد، أو تعيين القبلة للبلد بنحو يعمل به في زمانه و بعده لئلّا يقعوا في المخالفة الغير المغتفرة مطلقا، فهو مبنيّ علىٰ وجوب إرشاد الجاهل في الموضوعات، و إن لم تكن المخالفة للواقع من قبل الشخص المعيّن للقبلة، إلّا أنّه مع ترك الإخبار تقع المخالفة كثيراً قطعاً أو ظنّاً؛ أو يفرّق بين الإخبار بالعلم أو الإسناد إلىٰ الأمارات المعتبرة الشرعيّة أو الاطمئنان الحاصل بالقواعد، و بين الظنّ الحاصل بالاجتهاد، فيجب في الأوّل دون الثاني، مع أنّه غير فارق إذا أخبر عن الظنّ لا عن المظنون حتّى لا يقع غيره في الوهم، فيستغني عن الاستعلام بتخيّل الإخبار عن العلم، و لا

إشكال في المحبوبيّة هنا، و في كلّ موضوع لا يوجب وقوع الغير في الحرج، ففيه وجهان جاريان فيمن رأى من ينحرف في صلاته بما لا يغتفر في العمد أنّه يجب عليه إعلامه، أو لا؟

بهجة الفقيه، ص: 205

[الخامس] حكم الجاهل بالقبلة

ثمّ، إنّ مراتب الاستقبال بحسب العلم و غيره، قد مرّ أنّها مترتّبة بحسب العلم، و الاطمئنان، و الأمارات المعتبرة الشرعيّة، و الظن الحاصل بالتحرّي؛ [و] لا تصل النوبة إلى المرتبة الأخيرة إلّا بعد فقد المتقدّمة، أو عدم وجوب تحصيلها للعسر، أو للضيق و نحوه؛ فيبقى الكلام في فاقدها في الظنّ الذي تقدّم تقدّمه علىٰ الاحتياط، لا أنّهما في عرض واحد، أو يتقدّم الاحتياط عليه.

إشارة إلى الروايات المختلفة و الجمع بينها فقد روى تعيّن الاحتياط، و عمل به المشهور مع التمكّن بسعة الوقت و غيره، و ادّعي عليه الإجماع، و هي مذكورة في مرسل «خراش» «1» المتقدّم. و عن «الكافي»، و «الفقيه» «2» التعبير عنه بالرواية. و قد تقدّم وجه المناقشة في الاستدلال بمرسل «خراش»، إلّا أنّ دعوى الإجماع من جماعة، تكفي لحجيّة بعض هذه الروايات في لزوم الاحتياط.

و روى: أنّ المتحيّر يصلّي حيث يشاء، نقل ذلك عن «العمّاني»، و «الصدوق»، و الميل إليه في «المختلف» في «الذكرى»، و يدلّ عليه مرسل «ابن أبي عمير» عن «زرارة» «3»، و صحيح «زرارة» و «محمّد بن مسلم» «4».

و الظاهر أنّ الموضوع في هذه الروايات متّحد، و أنّه المتحيّر المطلق الذي لا يرجّح طرفاً و جهةً، فهذه الروايات للاجتزاء، أظهر في الجواز و التخيير، و الاكتفاء بواحدة من ظهور المتقدّمة في وجوب الاحتياط المؤدّي إلى اليمين بالصلاة إمّا إلىٰ خطّ القبلة، أو ما لا يبعد عنها بأزيد من ثُمن الدائرة.

______________________________

(1) الوسائل

3، أبواب القبلة، الباب 8، ح 5.

(2) الفقيه، 1، ص 278/ 854.

(3) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 8، ح 3 و 2.

(4) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 8، ح 3 و 2.

بهجة الفقيه، ص: 206

ما دلّ على أنّ ما بين المشرق و المغرب قبلة و الجمع بين الروايات و أمّا رواية «معاوية بن عمّار» «1» فالظاهر أنّها في المتحيّر الخاصّ في ما بين المشرقين، و أنّ الانحراف إلىٰ ما لا يبلغ النصف غير مبطل للمتحيّر في بعض النصف.

و يحتمل فيه إرادة كفاية الصلاة إلىٰ خطّ المشرق أو المغرب مع التحيّر أيضاً، كما يناسبه الاستدلال بالآية المطلقة «2». و لا ينافيه اختلاف النزول بحسب الرواية؛ فإنّ إحداهما، في النزول في المتحيّر في قبلة المصلّي للفريضة؛ و الأُخرى، في المتعمّد في النافلة إذ لم يكن في جميعها ذكر السفر المشعر بالتحيّر، و لا منافاة بينهما و النزول فيهما و إرادتهما مع بيان القرينة في وقت الإمكان، و لا امتناع في استعمال اللفظ فيهما علىٰ مختارنا، بل علىٰ غيره إذا أُريد في جميع الموارد، و إنّما خرج بالدليل العالمُ و من بمنزلته في خصوص الفريضة.

و يمكن أن يقال بأنّه يستفاد من صحيح «معاوية بن عمّار» علىٰ ما مرّ أنّه مع القطع بأنّ القبلة في نصف الدائرة، فالصلاة إلىٰ بعض هذا النصف كافية؛ فإذا كان ذلك مع القطع الفعلي، فهو كذلك مع القطع التقديري، أي علىٰ تقدير كون القبلة في النصف الآخر. و لازمه كفاية صلاتين للمتحيّر في النصفين في حصول الاحتياط، و لا يحتاج إلى أربع صلوات. لكنّه يدفعه: أنّ المستفاد منه كفاية الواحدة في مجموع أطراف الاحتمال. و حيث إنّ الاحتمال في النصف، فالواحدة تقع في

النصف؛ فإذا كان الاحتمال في التمام، أمكن كفاية الواحدة في التمام و عدم لزوم الاحتياط رأساً، و خصوصاً إذا فهم من الآية النصف الذي هو مشرق مع النصف الذي هو مغرب بالنسبة إلىٰ الأوّل، بتنصيف خطّ نصف النهار للأرض المبتدء من نقطة الجنوب إلىٰ نقطة الشمال، فالصلاة تقع في أحد النصفين بما لهما من الجهتين، و إلّا فهو حكم آخر في مسألة أُخرى غير الصلاة في النصف

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 10، ح 1.

(2) البقرة، 115.

بهجة الفقيه، ص: 207

المقطوع بكون القبلة فيه.

و يمكن أن يقال: إنّ المعارضة بين طائفتين من الروايات، إحداهما المكتفية بصلاة واحدة للمتحيّر، و الأُخرى الآمِرة بالأربع؛ و أمّا ما دلّ علىٰ أنّ ما بين المشرق و المغرب قبلة، فهي في التحيّر المنحصر في ما بينهما، لا التحيّر في تمام الدائرة؛ فإن كان المراد ممّا بين المشرق و المغرب، ما يشمل نفس المشرق و المغرب، فيراد منه نصف الدائرة، و يكون الصلاة الواحدة بعد تشخيص الجهتين، و طرفا المعارضة المتقدّم إنّما هما في صورة الدوران في تمام الدائرة.

و عليه، فمدلول الرواية «1» في العلم بالجهتين أنّ الصلاة في الوسط، بحيث تقع إمّا إلى القبلة أو ما لا يبعد عنها بأكثر من ربع الدائرة، فالصلاة في الخطّ المقابل أيضاً كذلك في صورة الدوران في تمام الدائرة، لكنّه بضميمة أنّ الصلاة إلىٰ الأربع جهات إنّما تجب للقطع بوقوعها إمّا إلى القبلة أو إلى ما لا يزيد علىٰ ثمن الدائرة، و لازمه إيقاع صلاتين في ما علم بأنّ القبلة في النصف الخاصّ من الدائرة، لا الاكتفاء بواحدة؛ فالاكتفاء بواحدة، لازمه عدم إضرار البُعد إلىٰ الأقلّ من ربع الدائرة، أو إلى قدر الربع

أيضاً؛ و لازم لزوم الأربع للمتحيّر المطلق، تحصيل اليقين بوقوع صلاة واحدة لا تبعد عن القبلة بأزيد من ثمن الدائرة في طرفي خطّ الصلاة. و أمّا علىٰ تقدير عدم شمول رواية كون ما بين المشرق و المغرب قبلة «2» لنفس الطرفين، فيلزم أقليّة الانحراف في طرفي الصلاة من ربع الدائرة؛ فلا ينفع في الاحتياط المستفاد من هذه الرواية صلاتان للمتحيّر المطلق، بل يلزم حتّى يتيقّن بوقوع واحدة منها إمّا إلى القبلة أو إلى ما لا يصل في الانحراف إلى قدر ربع الدائرة.

و أمّا المناقشة في الاستدلال، فقد مرّ دفعها و أنّه لا محذور في إرادة العموم مع

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 8.

(2) الوسائل، 3، أبواب القبلة، الباب 10، الحديث 1 و 2.

بهجة الفقيه، ص: 208

خروج العالم في الفريضة بآية تولية الوجه لشطر المسجد الحرام «1»، كما أنّ الرواية متعدّدة، و لا ينحصر في ما فسّر الآية الشريفة، و أنّ ما فيه التفسير مشتمل علىٰ تفسير جملتين، إحداهما قوله تعالى وَ لِلّٰهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ «2» و هذه هي المفسّرة بأنّ ما بينهما قبلة، أي للعالم بهما. و الثانية قوله تعالى فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا، فَثَمَّ وَجْهُ اللّٰهِ «3»؛ و هذه لا تنافي كفاية الواحدة للمتحيّر المطلق، كما في رواية اخرىٰ

أنّه يصلّي حيث يشاء «4»

، و لا يلزم رجوع التفسير المتقدّم إليهما حتى يقال بعدم مناسبة الاستدلال كما قيل.

و يمكن أن ينزّل قوله تعالى فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا على النافلة و على المتحيّر المطلق في الفريضة، و ينزّل قوله تعالى وَ لِلّٰهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ على الفريضة للمتحيّر في ما بين المشرقين.

نعم علىٰ ما مرّ، يكون المعارض للمكتفي بصلاة واحدة، طائفتين: إحداهما روايات الأربع، و الأُخرى،

رواية قِبليّة ما بين المشرقين، المستلزمة بالدلالة الالتزامية للاكتفاء باثنتين في المتحيّر المطلق علىٰ أحد الاحتمالين، أو بثلاث صلوات علىٰ الاحتمال الآخر.

فلو لم تكن الشهرة البالغة إلىٰ حدّ ادُّعي عليها الإجماع، لم يكن مناص عن تحكيم المكتفي بواحد، لأنّ ظهوره في الكفاية أقوى من ظهور المعارض له في وجوب التكرار إلىٰ أربع، أو إلى ثلاث، أو إلىٰ الاثنتين، خصوصاً مع أنّ المستفاد من رواية قِبليّة ما بين المشرقين كفاية الاثنين أو الثلاثة للمتحيّر المطلق، بالاستلزام لكفاية الواحدة في المتحيّر في ما بين المشرقين، فيتقدّم عليه ما دلّ علىٰ كفاية الواحدة أيضاً.

و حيث إنّ الصلاة إلىٰ أربع تشتمل علىٰ تعبّد بعدم إضرار البُعد بأقلّ من الثمن، فما

______________________________

(1) البقرة، 144.

(2) البقرة، 115.

(3) البقرة، 115.

(4) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 8، ح 3.

بهجة الفقيه، ص: 209

دلّ عليه لا ينطبق تماماً على المقدّمة العلميّة، لأنّ اغتفار أزيد من درجتين و ثلث الدرجة القريب من ستّ أصابع، شي ء غير ثابت إلّا بهذا التعبّد؛ فاللازم التكرار بأزيد من الأربع مع الإمكان و عدم العسر، كما أنّ العسر قد يقع في هذا القدر أيضاً.

و أمّا حكاية الإجماع، فبعد الظفر بالمخالف كما حُكي عن «العمّاني» و «الصدوق» و بعض من تأخّر، فلا تحمل علىٰ حقيقته، و إنّما يبقىٰ الإعراض بالشهرة.

و يمكن الحمل علىٰ الاحتياط المستحبّ في الفرض النادر من عدم تميّز المشرق، مع بُعد عدم العسر في هذا الفرض الذي لا يقع نوعاً إلّا في الأسفار؛ بل لا يخلو تعبير «الكافي»، و «الفقيه» في المحكيّ عنهما بالرواية عن إشعار بالترديد، أو أنّه إحدى الروايتين المتعارضتين، و لا يناسب الفتوىٰ إلّا لرواية، لا النسبة إلى الرواية.

تلخيص لما سبق و ترجيح كفاية صلاة

واحدة و بالجملة، فالمعارضة، بين الطوائف الثلاثة أعني ما دل علىٰ كفاية الواحدة، و ما دلّ علىٰ لزوم الأربع، و ما دلّ بالالتزام علىٰ كفاية صلاتين، أو ثلاث صلوات. و الجمع لولا الشهرة، إنّما يكون بالحمل علىٰ مراتب.

و قد مرّ وجه إمكان الاكتفاء بصلاة واحدة في روايةِ قِبليّة ما بين المشرق و المغرب ذاكرة لنزول الآية الشريفة أي بصدر الآية في المتحيّر بين المشرق و المغرب، و بذيلها في المتحيّر في جميع الجهات مع عدم العلم بالمشرق و المغرب.

و أمّا الإجماع المدّعىٰ فقد مرّ ما فيه؛ و أمّا الشهرة المدّعاة فيخرج منها «الكليني» و «الصدوق»، إذ لا مناسبة في «المُفتيٰ به» الذي هو حجّة «بالتعبير بالرواية» كما مرّ، و كذلك «العمّاني» كما حُكي عنه. و مثله ما عن «الشهيد» في «الذكرى»، و «الفاضل» في «المختلف» و غيره، و يؤيّده ارتكاز سهولة الشريعة المقتضية للقصر في متن الصلاة، فكيف يأمر وجوباً بالاحتياط في شروطها للمفروض الذي هو غالب في الأسفار و المفاوز الّتي لا يهتدي فيها للمشرق و المغرب؟

و مرسلة «خراش» قد مرّت الخدشة في دلالتها على المدّعىٰ، مع اختلاف العاملين

بهجة الفقيه، ص: 210

بها بين تقديم الاجتهاد عن الاجتهاد و تأخيره، و إمكان رجوع الجواب إلىٰ أنّا نعمل بالنصّ، أو الاحتياط و إن ورد النصّ هنا بالاجتهاد؛ و هم يعملون بالظنّ الاجتهادي لو لا العلم و لا يحتاطون، و مستندهم ذلك و إن ورد النصّ عندهم بالتحرّي؛ فالاستناد، إلى الظن لا إلى النصّ، لتسوية وجوده و عدمه عندهم هنا.

فالقول بكفاية الواحدة مستنداً إلىٰ مرسل «ابن أبي عمير» و صحيح «زرارة» و «محمد بن مسلم» «1» هو الأقرب؛ و إن كان الاحتياط في ما لا

يعسر من التكرار تحصيلًا للأقلّ انحرافاً عن القبلة الواقعيّة، في محلّه.

تفريعات على اعتبار الأربع و علىٰ تقدير اعتبار الأربع، فالظاهر كفاية العصر في الخطّ الذي صلّىٰ فيه الظهر مرّة و هكذا إلىٰ سائر الجوانب؛ و لا ينبغي الاستشكال فيه بعد عدم اعتبار الجزم بخصوص العمل المقرّب. و إن بقي من الوقت مقدار أربع صلوات، أمكن إعطاؤه لثلاث من الظهر، و الإتيان بواحدة للعصر؛ و ذلك لتقدّم الظهر في الأمر لاشتراط العصر بها، و المفروض أنّ المتمكّن منها بعد الاشتباه ثلاثة، فلا يمكن للعصر غير الواحدة.

و كذا لو لم يتمكّن من الاحتياط للظهر إلّا بإعطاء وقت ركعة للعصر، لأنّ الاحتياط مقتضى التكليف بالمتقدّم.

و لو كان الاحتياط بالجمع بين القصر و الإتمام

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 8، ح 3 و 2.

بهجة الفقيه، ص: 211

بتقدّم احتياط المتقدّم و هو الظهر علىٰ احتياط المتأخّر، فيجمع في الظهر إلىٰ أن يبقىٰ ما يدرك به صلاة واحدة، و لو كانت غير اختياريّة أداءً للعصر.

و لو كان ذلك في سعة الوقت، فليس له فعل العصر إلّا بعد احتياط الظهر بالجمع، أو أنّ كلّ عصر يتأخّر عن الظهر الموافق له في القصر و الإتمام.

و المحتاط بالجمع في الجمعة لا يصلّي العصر الواحدة إلّا بعد الجمع بين الظهر و الجمعة.

و إن ضاق الوقت عن الأربع، صلّى ما يتمكّن منه؛ فلو لم يبق إلّا مقدار صلاة واحدة، اكتفىٰ بها على القول بوجوب الأربع مع التمكّن و السعة.

و لازمه الالتزام بسقوط شرطيّة الاستقبال المتعذّر، كما يلتزم بسقوطه مع الجهل و لو لم يتعذّر الاحتياط، على القول بكفاية الواحدة في السعة، أو كفاية الاثنتين، أو الثلاثة علىٰ اختيار رواية

ما بين المشرق و المغرب

قبلة «1»

بناء علىٰ أنّ مدلولها قِبليّة ما بينهما لمن عرفهما. و لازمه كفاية ما ذكر لمن لم يعرفهما، لاستواء الانحراف عن القبلة قدراً في الصورتين.

و تنزيل ما دلّ على الأربع «2» علىٰ من لم يعرف المشرقين، و ما دلّ علىٰ كفاية الواحدة «3» على العالم بهما يعني في تقدير العلم بهما، المستلزم لكفاية الاثنتين أو الثلاثة عن غير العالم بهما، هو الوجه في ما بين الطائفتين؛ و أمّا ما دلّ علىٰ كفاية الواحدة مطلقاً، يعني في المتحيّر المطلق، فالجمع لا يكون إلّا بالحمل على الندب و نحوه.

و أمّا الالتزام بقضاء ما لا يبقىٰ وقته من احتياط العصر، نظراً إلىٰ مطلوبيّة الصلاة، و الصلاة في الوقت، و تعذّر الثاني لا يسقط الأوّل الذي بقي من احتياطاته مقدار ثلاث صلوات مثلًا، فيرد عليه أنّ المستفاد من دليل الأداء تقيّد الفرض، و من عدم سقوط الصلاة ما يجامع سقوط الشرطيّة، و من دليل القضاء ثبوته مع الفوت الغير المحرز بعد فعل واحدة في الوقت؛ فمتعلّق الأمر الأوّل بشرط شي ء بالنسبة إلى الوقت، و متعلّق الثاني بشرط لا بالنسبة إليه. و استصحاب عدم الإتيان بالفريضة لا يحقق الفوت، لأنّ عدم الإتيان في مجموع الوقت ليس له حالة سابقة متيقّنة في زمان حتّى يكون

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 2، ح 9.

(2) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 8، ح 1 و 4 و 5.

(3) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 8، ح 2 و 3.

بهجة الفقيه، ص: 212

كاستصحاب الفوت؛ فالمتّجه عدم ثبوت القضاء بعد واحدة للعصر في الفرض.

و دعوىٰ سقوط الاحتياط الموجب للعلم مع عدم القدرة، فلا دليل علىٰ وجوب الميسور بعد تعذّر الأربع صلوات، فتكفي الواحدة مع القدرة

على الثلاث، مدفوعة بأنّ العلم بوقوع الصلاة إلى القبلة، أو إلى ما لا ينحرف عنها بأزيد من ثمن الدائرة إذا تعذّر بتعذّر الأربع و تمكّن من الظنّ، تعيّن العمل به، و لا يمكن نفيه في الثلاثة بعد إثباته في الأربعة؛ و كذا في كلّ مورد تمكّن من تحصيل الظنّ و لم يتمكّن من تحصيل العلم، عمل بالظنّ، بل هذا أيضاً من التحرّي المأمور به، بعد الإجماع علىٰ كفاية الأربعة و عدم لزوم الزائد.

و قد عرفت أنّ هذا الاحتياط لا يخلو عن تعبّد، فهو كسائر الأمارات المعمولة شرعاً، مشتمل علىٰ اغتفار في الجملة، و إيصالٍ إلى الواقع في الجملة؛ و هذا له مرتبة اليقين و الظنّ؛ فإذا تعذّر الأوّل انتقل إلى الظن. و قد عرفت الانتقال في الظنّ أيضاً إلى الضعيف إذا لم يمكن القوي، إلّا أنّ ذلك في سائر الأمارات من غير ناحية التكرار، و هنا من جهته. و لا فرق بينهما في العمل بالاستقبال المعلوم أو المظنون في الصلاة في وحدتها تارة و تعدّدها اخرى؛ كما أنّ الأمارات إذا أرشدت إلىٰ طريقين إجمالًا؛ فإنّه إذا تمكّن من الصلاة إليهما، يتمكّن من الصلاة إلى القبلة المظنونة بظنّ قوي بالإضافة إلى الصلاة إلىٰ أحدهما خاصّة.

و بالجملة فعبارة «المقنعة» و ما بمثابتها، تحمل على المعلوم من أنّ المتمكّن من الاحتياط المذكور، يعمل بما تمكّن منه؛ و غيره يعمل بما يتمكّن منه علىٰ طبق القاعدة المتقدّمة.

و من هنا تعرف عدم الفرق بين التقصير و عدمه في التأخير إلّا في الإثم، و إلّا فالقضاء موضوعه الفوت، و هو غير محرز مع الإتيان بالواحدة كما مرّ، فتدبّر.

و أمّا مع ظهور الخطأ في ما اقتصر عليه مع التأخير الاختياري أو الغير

بهجة الفقيه، ص: 213

الاختياري، فحيث إنّ إيجاب الواحدة لمكان سقوط شرطيّة الاستقبال، فظهور الخطأ بعد الوقت لا يوجب انكشاف عدم الشرط. و مثله ما لو اقتصر على الواحدة اختياراً بناء علىٰ كفاية الواحدة اختياراً؛ فإنّ مرجعه إلىٰ سقوط الشرطيّة؛ فمع تجويز البدار لا وجه لوجوب الإعادة في الوقت، فضلًا عن انكشاف الخلاف بعد الوقت.

تردّد الظنّ بين جهتين و لو تردّد ظنّه بين جهتين، اقتصر عليهما، و لا يزيد الصلاة إلى غيرهما. و هل يأتي بصلاتين، أو تكفي الواحدة؟ فلو بني علىٰ كفاية الواحدة مع التردّد المطلق، فالظاهر كفاية الواحدة المخيّر فيها بين الطرفين و لو بني على لزوم الأربع في صورة التساوي في الاحتمال لزم التكرار إذا كان التفاوت أكثر من ثمن الدائرة المغتفر في تكرار المتحيّر المطلق؛ بل لو عمل بقبليّة ما بين المشرقين و كفاية الواحدة في ما بينهما، فمع عدم التجاوز في الطرفين عمّا بين المشرقين، فلا وجه للتكرار بمجرّد الزيادة علىٰ ربع الدائرة ما لم يبلغ نصفها؛ فإنّما يحتاج إلى التكرار لو حصر ظنّه في واحد من اليمين و اليسار، فيكرّر مراعياً لعدم وقوع المخالفة بالزيادة علىٰ ما بين المشرقين الحاصلة بالاقتصار على الواحدة.

[السادس] حكم الاستقبال على الراحلة

و لا فرق في وجوب الاستقبال بين الحاضر و المسافر، و هو واضح. و مقتضى العمومات عدم سقوط شي ء من الأجزاء و الشروط بمجرّد الركوب؛ فمع الاختيار لا بدّ من النزول إذا فات شي ء من الأجزاء أو الشروط بسبب الركوب. و أمّا خصوص الاستقرار فسيأتي البحث فيه، فإنّ الركوب مفوّت للاستقرار المطلق.

و ما قدّمناه مستفاد من العمومات، كما أنّ استفادة سقوط المتعذّر من الأجزاء أو الشروط ممّا دلّ علىٰ عدم سقوط الصلاة بحالٍ، و علىٰ عدم

سقوط الميسور بالمعسور، و علىٰ نفي العسر و الحرج، كذلك.

بهجة الفقيه، ص: 214

مع أنّ كلتا القضيتين أعني عدم سقوط الاعتبار في حال الاختيار، كسقوطه مع الضرورة الشديدة منصوصتان، مع الموافقة للإجماع المحكي على القضيّتين.

فمن النصوص قول الإمام الصّادق عليه السلام في صحيح «عبد الرحمن»

لا يصلّي على الدابّة الفريضة إلّا مريض يستقبل به القبلة. و يجزيه فاتحة الكتاب، و يضع بوجهه في الفريضة علىٰ ما أمكنه من شي ء و يومي في النافلة إيماءً «1».

و المستفاد منه بعد إلغاء الخصوصيّة في المريض و تخصيصه بالموجب للعجز أنّ العاجز عن بعض الأجزاء أو الشروط، الذي لا يتمكّن من النزول و الصعود إلّا بمشقّة، يجوز له الصلاة على الراحلة؛ و أنّ المتمكّن لا تجوز له؛ و أنّ الاستقبال حيث لا يحتاج إلى النزول لا يسقط عنه، كما لا يسقط سائر ما يتمكّن منه من الأجزاء و الشروط؛ فهو مشتمل على الحكمين في المستثنى منه و المستثنى.

و أمّا إجزاء فاتحة الكتاب، فلعلّه لمكان التخفيف على المريض و عدم وجوب الإطالة بالإضافة إلى الصحيح، كما أنّه مشتمل علىٰ أنّ التخفيف في النافلة أكثر منه في الفريضة في وضع الجبهة في السجود أو الإيماء. و سيأتي التكلّم فيه إنشاء اللّٰه تعالى.

و كذا موثّق «عبد اللّٰه بن سنان»

قلت لأبي عبد اللّٰه عليه السلام: أ يصلّي الرجل شيئاً من المفروض راكباً؟ فقال: لا، إلّا من ضرورة «2».

و الظاهر عمومه لما إذا لم يفت شي ء ممّا يعتبر في الصلاة إلّا الاستقرار.

و كذا ما في توقيعه عجّل اللّٰه تعالىٰ فرجه-

بعد السؤال عن أنّه هل يجوز أن يصلّي في المحمل، الفريضة؟ فقد فعلنا ذلك أيّاماً، فهل علينا في ذلك إعادة أم لا؟ فأجاب عليه

السلام: لا بأس به عند الضرورة و الشدّة «3»

و كذا ما عن توقيع «أبي الحسن» عليه السلام في مكاتبة

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 14، ح 1.

(2) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 14، ح 4.

(3) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 14، ح 1 و 4.

بهجة الفقيه، ص: 215

«عبد اللّٰه بن جعفر» «1» و السؤال عن الصلاة في المحمل في السفر

يجوز ذلك مع الضرورة الشديدة

فلو كان في بعض الخصوصيّات دليل علىٰ خلاف العمومات، تصلح هذه الروايات لمعارضتها، فلا بدّ من ملاحظتها جميعاً.

[السابع] حكم الاستقبال في النافلة المنذورة

و أمّا النافلة المنذورة مطلقاً، أو الإتيان بها على الراحلة، فالأظهر عدم تغيّر حكمها بالنذر؛ و ذلك لضعف دليل المنع و إطلاقه للفرض بالجعل.

و الشاهد عليه الاحتياج نوعاً إلىٰ تعدّد السؤال و الجواب، فيسئل أوّلًا عن الأصليّة، فإن أُجيب بالمنع اختياراً، يسأل عن الفرض بالجعل؛ فمع تردّدها بين الدخول في الفريضة أو النافلة لاحتمال العموم للفرض بالأصل، مع استلزامه اختلاف الإرادة في الفريضة و لو بالجعل فقط، و النافلة أصلًا و فعلًا في ما جمع فيه بين الفريضة و النافلة كرواية «منصور بن حازم» «2»؛ فعلى تقدير التردّد بينه و بين إرادة الفريضة ذاتاً و النافلة ذاتاً، يرجع إلى الخاصّ الوارد في الفريضة الجعليّة و النافلة الأصلية أعني النافلة المنذورة و رخّص فيها في الصلاة في المحمل، و هو ما روى عن «علي بن جعفر» عليه السلام عن أخيه موسى عليه السلام: قال

«سألته عن الرّجل: جعل للّٰه عليه أن يصلّي كذا و كذا، هل يجزيه أن يصلّي ذلك علىٰ دابّتَه و هو مسافر؟ قال: نعم «3».

و الجمع بالحمل على الضرورة، بلا شاهد، بل هو خلاف الظاهر منها. و أضعف منه

الخدشة في السند، مع أنّ رواية «الشيخ» بطريقه إلىٰ «عليّ بن جعفر» صحيح. و لو لا هذه الرواية، فمع فرض الدوران يرجع إلى ما دلّ علىٰ اعتبار الشروط و الأجزاء، و ما دلّ علىٰ اتّحاد النفل و الفرض في الأجزاء و الشروط إلّا في ما دلّ الدليل علىٰ خلافه، و لم يقم إلّا في النافلة الفعليّة.

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 14، ح 1 و 4.

(2) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 14، ح 10 و 6.

(3) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 14، ح 10 و 6.

بهجة الفقيه، ص: 216

و دعوى الإجماع على المنع، لا حجيّة فيه بعد احتمال الاستناد إلىٰ هذه الأدلّة المانعة؛ نعم يحسن الاحتياط مع هذه الدعوىٰ عن «التذكرة»، و «الذكرى»، خصوصاً مع عدم معلوميّة حال المسألة في الأدلّة.

[الثامن] حكم الاستقبال في بعض الصلوات

و أمّا صلاة الاحتياط، و صلاة غير البالغ و المعادة، فالأظهر أنّها كالفريضة؛ فإنّها بأجزائها و شروطها الاختياريّة، مستحبّة، أو يحتاط فيها في هذه الموارد، لا أنّ المستحب شي ء جديد غيرها، فأدلّة الشروط و الأجزاء بحالها؛ مع أنّ دليل المنع غير قاصر أيضاً إذا أُريد منه الفريضة أصلًا أو فعلًا، لا العموم بلحاظ الأصليّة الفعليّة، و الفعليّة الغير الأصليّة؛ فيخرج ما لم تكن فعليّة و إن كانت أصليّة، و لا الإطلاق بأن يراد الفعليّة، أصليّة كانت أو غير أصليّة، فإنّ المقام يخرج منه على التقديرين. ثمّ، إنّ الظاهر عموم المنع عن الصلاة على الراحلة في حال عدم السير إذا كان مفوّتاً لشي ء من الأجزاء أو الشروط، و كذا الجواز حال الضرورة من خوف اللصّ أو البرد، أو صعوبة النزول للمرض و نحوها.

و لا فرق بين صلاة الجنازة و الصلاة اليوميّة، لإطلاق ما دلّ

علىٰ لزوم المحافظة وضعاً علىٰ ما يعتبر في الصلاة، مع احتمال شمول الفرض لها و لو قيل بإرادة الفرض الأصليّ.

و في صورة الجواز أو الوجوب، بأن يكون نفس الكون الصلاتي بعد النزول حراماً لكونه تعريضاً للهلاك، لا مقدّمة و هو النزول، و لو قلنا بعدم جواز اجتماع الأمر و النهي في الكون الصلاتي، نظراً إلى عدم مقربيّة المبغوض، و قيل بشموله لصورة التمكّن من الطبيعة للمندوحة، و الركوب مع إمكان التقرّب بامتثال الأمر بالطبيعة، لا خصوص الفرد المحرّم، كانت صحّة صلاة النّازل مشكلة؛ لكنّ المبنىٰ، مخدوش في محلّه.

و كيف كان، فلا بدّ في الصلاة على الراحلة من استقبال القبلة، للزومه مع عدم

بهجة الفقيه، ص: 217

ارتباطه بمشقّة النزول. نعم الغالب عدم التمكّن منه في تمام الصلاة؛ فإن أمكن لزم و لو في بعض الصلاة إذا أمكن البعض خاصّة؛ فإن لم يتمكّن من الاستقبال إلّا في تكبيرة الإحرام، تعيّن و تقدّم علىٰ مثله من سائر الأفعال مع المزاحمة.

[التاسع] لزوم تحرّي الأقرب عند عدم التمكّن من الاستقبال على الراحلة

و إذا لم يتمكّن من الاستقبال، فهل يجب تحرّي الأقرب إليه، أو مطلقاً، أو في خصوص ما بين المشرقين، أو لا يجب؟ وجوه.

يمكن توجيه الثاني بأنّ قوله عليه السلام

ما بين المشرق و المغرب قبلة

خرج منه العالم المتمكّن و بقي غيره، و منه العالم الغير القادر. و الظاهر عدم تماميّة الاستدلال، لأنّه مع التمكّن من القرب لا يتباعد و لو في ما بين المشرقين، و لذا ينحرف في أثناء الصلاة لو علم بالقبلة، فكذا العالم الغير المتمكّن لا يتباعد عمداً إلىٰ أزيد ممّا لا يمكن له القرب، فإذا لزم القرب في ما بين المشرقين مع كونه قبلة كلّه فكيف يجوز له التباعد في المشرقين أو أزيد عمداً

اختياراً؟

إلّا أنّ يقال: ما بين المشرقين قبلة تنزيلًا لمن لا يتمكّن من الاستقبال الحقيقي و رعاية القرب لرعاية الأقرب إلىٰ الاستقبال الحقيقي؛ و أمّا الخارج عن ذلك فلا تنزيل فيه. و لازم جواز الصلاة حينئذٍ سقوط الاستقبال لو لم يجب الاحتياط، كما في المقام.

و يمكن دفعه بأنّ سقوط الاستقبال للتعذّر، يتقدّر بقدر الضرورة، بلا فرق بين ما بين المشرقين و الخارج، و قد فرضنا أنّ الخارج في مقامنا أيضاً تجوز الصلاة إليه، لكنّه لسقوط المتعذّر من الاستقبال لا لسقوط الاستقبال. و يكفي الشك في ذلك في اقتضاء الأدلّة عدم السقوط إلّا بقدر التعذّر، كما دلّ عليه لزوم رعاية ذلك في ما بين المشرقين. و الغرض أنّ المحافظة الممكنة مع كون البعيد قبلة إذا لزمت، فمع عدم كونه قبلة، تلزم بالأولويّة.

بهجة الفقيه، ص: 218

و هذا و إن كان قابلًا للمناقشة، لأنّ الانحراف في الأصل إلى القبلة، بخلاف الفرع، لكنّه قد وقع التعبير في الخارج أيضاً بقوله تعالى فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّٰهِ «1» مع التفسير له بالمتحيّر «2» فافهم. و قد ذكرنا ما فيه حمل الصدر على العالم بالمشرقين، و الذيل على المتحيّر المطلق.

و بالجملة: فالمفهوم من أدلّة الترخيصات في الموارد، عدم سقوط الشرط، بل الاكتفاء في تحقّق الشرط بالقرب منه في الجملة، كما هو كذلك في المتحيّر المطلق بناء علىٰ لزوم الأربع، لا الاكتفاء بواحدة و هذا هو المرتكز في أذهان المتشرّعة؛ و أنّ القرب مطلوب في ما لا يجوز التباعد فيه عمداً؛ فلزوم تحرّي قرب مطلقاً مع أنّه أحوط، هو الأقرب.

[العاشر] حكم الاستقبال في الصلاة ماشياً

ثم إنّ الصلاة ماشياً، كالصلاة على الراحلة، في عدم الجواز اختياراً و الجواز مع الضرورة، و لزوم الاستقبال مهما أمكن و لو

في تكبيرة الإحرام، و لزوم المحافظة علىٰ سائر الأجزاء و الشروط مع الإمكان. و مع الدوران بينهما يتقدّم الأقلّ تفويتاً للأجزاء.

و يمكن تقديم المشي على الركوب المفوّت للاستقرار أيضاً، لعدم جواز الركوب اختياراً، فالقيام الذي هو ركن محفوظ في المشي دون الركوب، و ذلك مع التساوي في سائر ما يعتبر شطراً أو شرطاً.

و مع جواز الصلاة ماشياً، فهل يجوز العَدْو لا لحاجة، أو يقتصر علىٰ الأقرب إلى الوقوف؟ مقتضىٰ الإطلاق في الآية الشريفة «3» الأوّل.

______________________________

(1) البقرة، 114.

(2) من لا يحضره الفقيه، 1 ص 276/ 848، ح 6.

(3) البقرة، 239.

بهجة الفقيه، ص: 219

[الحادي عشر] الصلاة على الراحلة و السفينة

مسألة: لا ينبغي الاستشكال في جواز الصلاة على البعير المعقول، و السفينة المشدودة بالساحل، و الراحلة الواقفة بلا تزلزل؛ و أما الراحلة السائرة فلا ينبغي الاستشكال في عدم الجواز في ما إذا استلزم حركتها حركة المصلي بالتبع لا بالعرض فقطّ، و أنّه لا يجوز إلّا مع الضرورة، كما استثناها في كثير من الروايات «1»، بعد ظهور ما تقدّم علىٰ الاستثناء في المتعارف الذي يفوت بعض الشروط و منها الاستقرار، دون الخالي عن ذلك.

و أمّا الراحلة المفروض فيها المحافظة علىٰ جميع الأجزاء و الشروط غير الاستقرار علىٰ الأرض، فهي كالسفينة.

و الروايات المجوّزة للصلاة فيها كثيرة: و في كثير منها

أ ترغب من صلاة نوح

و هو كالصريح في القدرة على الخروج؛ فإنّه مع عدم القدرة لا مجال للرغبة عنها.

و في بعضها «2» تحسين الخروج و عدمه، و هو نصّ في القدرة. و في بعضها «3» التصريح بقرب الشط، و المراد إمكان الخروج القريب زماناً.

و في طائفة أُخرى، «4» التفصيل بين القدرة، فالأمر بالخروج و المنع عن الصلاة، و عدم القدرة فيراعىٰ ما أمكن من

الأجزاء و الشروط التي منها الاستقبال الغير المطرد غالباً في السفن.

و لا يمكن الجمع إلّا بحمل الطائفة الثانية على المفوّت لبعض ما يعتبر، و الأولى علىٰ غير هذا الفرض ممّا لا يفوّت إلّا الاستقرار علىٰ الأرض؛ بل في روايات الأمر بالخروج

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 14.

(2) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 13، ح 5 و 11 و 3 و 8 و 14.

(3) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 13، ح 5 و 11 و 3 و 8 و 14.

(4) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 13، ح 5 و 11 و 3 و 8 و 14.

بهجة الفقيه، ص: 220

مع القدرة ما يشهد بإرادة المعرضيّة للتفويت، و إلّا لما عقّب الأمر بالخروج مع القدرة بأنّه مع عدم القدرة يصلّي بحسب استطاعته من القيام و القعود.

و أمّا المانعة بقول مطلق، فيمكن حمله علىٰ الاستحباب، أو على الغالب من عدم كون السفينة بحيث يتساوىٰ حال راكبها و الخارج عنها في أفعال الصلاة و شروطها، فيبقىٰ غير هذا الفرد داخلًا تحت إطلاق المجوّز للصلاة في السفينة مع القدرة على الخروج.

و منه يعلم أنّ المحمل إذا كان مثل السفينة في التفويت أو معرضيّته فهو بحكمها، و كذا في صورة عدم المعرضيّة للتفويت، و عدم فقدان شي ء ممّا في الصلاة علىٰ الأرض إلّا الحركة العَرَضيّة كما أنّه إذا كان موجباً للحركة بالتبع في المحمل، كما هو الغالب فيه، فهو من الخلل في الشروط، فلا تجوز مع القدرة على النزول، و تجوز مع عدمها، و حاله حينئذٍ حال الصلاة ماشياً، مع ما فيهما من حفظ القيام في المشي دون المحمل غالباً، و كون الحركة في المشي أكثر منها في المحمل؛ و

الظاهر أنّ المنع عن الصلاة في المحمل إلّا من ضرورة، لمكان معرضيّته للتفويت الغالب فيه.

و يشهد لما ذكرناه من اتّحاد المحمل و السفينة مع التساوي في الخصوصيّات ما في خبر «ابن عذافر» بعد تجويز الصلاة في المحمل مع الضرورة «هو بمنزلة السفينة»، يعني في حفظ مراتب القدرة في سائر الشروط. و الضرورة و المعرضيّة للتفويت و إن دلّ عليهما الخبر، إلّا أنّه يمكن الأخذ بعموم الوارد، و أنّ التنزيل بلحاظه مع التساوي في الخصوصيّات.

و المحكيّ عن «الذكرى» عن نقل كلام «أبي الصلاح»، و «ابن إدريس»: «أنّه من اضطرّ إلى الصلاة في سفينة فأمكنه أن يصلّي قائماً، لم يجزه غير ذلك؛ و إن خاف الغرق و انقلاب السفينة، جاز أن يصلّي جالساً». يريدان منه أنّ وظيفته القيام مع القدرة، و الجلوس مع عدم القدرة على القيام. و غير المضطرّ إلى الصلاة في السفينة، فانتفاء الحكم عنه بانتفاء الموضوع، لعدم المعرضيّة و الشأنيّة، للقدرة على القيام تارة و عدمها اخرى بسبب السفينة، لأنّه قادر على القيام بالقدرة على الخروج، مع أنّه

بهجة الفقيه، ص: 221

يكفي في المفهوم أنّ غير المضطرّ ينتفي فيه مجموع الحكمين بانتفاء الجلوس مع عدم القدرة على القيام.

و يمكن أن يقال: إنّ ما دلّ على المنع عن الصلاة في المحمل إلّا من ضرورة، بعد الحمل على المتعارف الغالب الذي يكون فاقداً لبعض ما يعتبر في الصلاة غير الحركة العرضيّة، و إلغاء خصوصيّة المحمل إلى السفينة المماثلة للمحمل في ذلك، أنّ إطلاقات تجويز الصلاة في السفينة اختياراً تتقيّد بغير ما يشتمل علىٰ فقد بعض ما يعتبر في الصلاة، موافقاً لما دلّ على المنع مع القدرة، مع المعرضيّة للتفويت كما قدّمناه في خصوص السفينة. و

الغرض موافقة المنع في خصوص السفينة مع التفويت أو معرضيّته لما دلّ على المنع في المحمل الغالب فيه الفقدان مع الاختيار، لاستثناء الضرورة بعد إلغاء الخصوصيّة كما ذكرناه.

و بالجملة، فمع إلغاء الخصوصيّة في كلّ من المحمل و السفينة يسري الحكم في كلّ منهما إلىٰ مماثلة في الخصوصيّات من الآخر و لو لم تكن رواية التنزيل المتقدّمة، فضلًا عن ثبوتها كما مرّ.

بهجة الفقيه، ص: 223

الفصل الثالث ما يُستقبل له

[مسألة] إشارة إلى شرطية الاستقبال في الصلوات المختلفة و عدمها

اشارة

مسألة: يجب الاستقبال في فرائض الصلاة مع الإمكان، و هو مجمع عليه مدلول الكتاب «1» و السنة «2»؛ و أمّا الواجب بالعارض كالنذر، فيمكن أن يقال بتبعيّته للقصد؛ فإنّ كون النافلة مع الاستقبال، بنحو تعدّد المطلوب، فلا مانع من تعلّقه بالأوّل.

و أمّا مثل صلاة العيد، و المعادة ندباً، فالظاهر وجوب الاستقبال شرطاً. و أمّا المعادة للاحتياط الندبي، فالظاهر عدم حصول الاحتياط إلّا بالاستقبال، و كذا المعادة لفضل الجماعة المطلوب فيها زيادة الفضيلة، فلا يمكن نقصان الفضل من جهة أُخرى، و الغرض فيهما لا يحصل إلّا بالاستقبال.

و أمّا صلاة الجنازة فلولا الدليل علىٰ لزوم الاستقبال فيها، أمكن المنع بسبب ما دلّ علىٰ أنّه دعاء لا يلزم الطهور؛ فإثبات سائر ما يلزم في الفريضة يحتاج إلى الدليل الموجود في القيام، و الاستقبال، و التكبير، كغيرها ما لا يلزم في الصلاة المفروضة.

______________________________

(1) البقرة، 144.

(2) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 1.

بهجة الفقيه، ص: 224

و الظاهر أنّ ركعات الاحتياط و المنسيّ يراعىٰ فيها ما يلزم في الأصل، إلّا التقدّم علىٰ تسليم الصلاة، بخلاف سجدتي السهو؛ فإنّه محتاج إلىٰ دليل آخر.

و الكلام في باقي ما يعتبر فيه الاستقبال موكول إلىٰ محلّه.

________________________________________

گيلانى، فومنى، محمد تقى بهجت، بهجة الفقيه، در يك جلد، انتشارات شفق، قم - ايران،

اول، 1424 ه ق

بهجة الفقيه؛ ص: 224

اشتراط النوافل بالاستقبال و عدمه

و هل يجب الاستقبال شرطاً في النوافل في غير الماشي و الراكب، أو لا؟ فيه خلاف، نسب الجواز إلى غير القبلة في محكيّ «الذكرى» إلى كثير، و العدم في «الجواهر» «1» إلى المشهور.

و يستدلّ للجواز بالأصل؛ فإنّه غير معتبر في الفرائض مع الضرورة و الشدّة، فضلًا عن النافلة، و في النافلة ماشياً أو راكباً، و يشكّ في الاعتبار في حال الاستقرار من غير ضرورة.

و بقوله تعالىٰ فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا إلىٰ آخره، بعد نقل نزولها في النافلة في السفر «2»، مع فرض الاستقرار في المقام، فيجري فيه بالأولويّة.

و بأنّ الإطلاقات لا يتقيّد في المندوبات، و أنّما يحمل المقيّد علىٰ تعدّد المطلوب.

و بما عن مسائل «عليّ بن جعفر» عليه السلام

سألته عليه السلام عن الرجل يلتفت في صلاته، هل يقطع ذلك صلاته؟ فقال: إذا كانت الفريضة و التفت إلىٰ خلفه، فقد قطع صلاته فيعيد ما صلّى و لا يعتدّ به؛ و إن كانت نافلة، لا يقطع ذلك صلاته، و لكن لا يعود «3»

؛ فإنّ الالتفات مستلزم لترك الاستقبال الذي لا يصدق إلّا مع تولية الوجه».

و أمّا الأصل المذكور، فهو و إن كان هو المختار في الاشتراط، إلّا أنّه مع عدم الدليل عليه، و يكفي دليلًا منكَريّة تعمّد ترك الاستقبال، أو ترك الاستقبال المبطل في الفريضة عند المتشرّعة؛ مع أنّ إطلاق أدلّة الأمر بالصلاة التي وردت في مقام البيان

______________________________

(1) جواهر الكلام، 8، ص 4.

(2) مجمع البيان، 1 ص 191: و في الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 15، ح 18.

(3) الوسائل 4، أبواب قواطع الصلاة، الباب 3، ح 8.

بهجة الفقيه، ص: 225

لخصوصيّات الاستقبال عند الجهل أو عدم التمكّن و في

غيرهما، يقتضي الجواز كلاميّاً علىٰ «الأعمّ»، و مقامياً علىٰ «الصحيح»، فلا تصل النوبة إلىٰ الأصل. و لا أثر للشهرة إن لم تكن حجّة في الشك في الشمول؛ مع أنّ التمسّك بالإطلاق، عند الشك الغير الموجب للإجمال المفروض عدمه.

و كذا أصالة المساواة بين الفريضة و النافلة في الأجزاء و الشروط بحيث يحتاج الفرق بينهما إلى البيان لا الاشتراك، لا ينبغي إنكارها، و أنّ المفهوم من الأدلّة الاعتبار في الصلاة، لا في الفريضة منها.

و كذا المرويّ من قوله عليه السلام

صلّوا كما رأيتموني أُصلّي «1»

؛ فإنّ مفاده لتكن صلاتكم كصلاتي في الأجزاء و الشروط، و ليست إيجاباً؛ و إلّا لوجب فعل صلاة منهم بعد هذا الأمر بركعتين، و هو كما ترى. و إنّما المقصود إيجاد التسوية في الصلوات المطلوبة علىٰ أيٍّ من الطلبين. و أهميّة الفريضة بحيث لا بدّ من بيان ما فيها، لا توجب التخصيص.

و أمّا رواية «علي بن جعفر»، فدلالتها بالإطلاق لغير السهو، و يمكن جعل الارتكاز المتقدّم إليه الإشارة مقيّداً لهذا الإطلاق، لما مرّ من أنّ الفرق و تجويز العمد محتاج إلى التصريح؛ مع أن تعمد الالتفات إلى الخلف كأنّه غير عقلائي لغير المحتاج؛ و مع ما في السند من الضعف في نفسه، و بملاحظة اشتهار المنع الموجب للوهن.

و كذا عموم الأمر بتولية الوجه في الآية الشريفة؛ فإنّ المحذوف المعهود هو الصلاة لا خصوص الفريضة أعني ما يعتبر فيه الاستقبال يتغيّر المستقبَل بالفتح علىٰ حسب العهد، إلّا أنّه إيجاب جديد للاستقبال بحسب غير المستقبَل بالفتح أعني المستقبَل فيه.

مع أنّ الفساد و إن كان عامّاً لغير الفريضة، إلّا أنّ الاستدلال له بالآية الشريفة الواقع فيه الأمر، الظاهر في الإيجاب النفسي المنحصر بالفريضة؛ فربّما كان ما

في

______________________________

(1) عوالي اللئالي، 1، ح 8.

بهجة الفقيه، ص: 226

صحيح «زرارة» من قول أبي جعفر عليه السلام في الفريضة «1»؛ لمكان أنّ الإيجاب مع الشرطيّة ينحصر بالفريضة، لا أنّ الشرطيّة أيضاً منحصرة بها، و حيث إنّ إيجاب التقييد بالاستقبال منشأ لإيجاب الاستقبال غيريّاً، يكفي ذلك في جعل الإيجاب كناية عن الإيجابين.

مع أنّ المفهوم، منحصر في صورة انحصار الفائدة فيه، و يكفي في عدم الحصر اختلاف النافلة في غير الضرورة بحسب الاشتراط و عدمها، كما في موارد الاستثناء. و مثل هذا الظهور الضعيف لا يقاوم الارتكاز القوي، فتدبّر.

و كذا قوله عليه السلام في الصحيح الآخر

لا صلاة إلّا إلى القبلة «2»

دالّ علىٰ عموم الشرطيّة؛ و لا يقيّده الأمر بالإعادة في الجواب عن السؤال الواقع بعد ذلك القول، مع عدم الظهور في إرادة العلم و العمد، كما يرشد إليه ذكر الوقت في يوم غيم؛ مع أنّ الأمر بالإعادة علىٰ حسب الأمر الابتدا [ئى] في كون المطلوبيّة إيجاباً أو ندباً، و الجامع البطلان، و جعل ما وقع كالعدم.

و كذا قوله

لا تعاد الصلاة إلّا من خمس «3»

، الذي يكون الإرداف بسائر الأركان شاهداً للعموم. و أنّ مطلوبيّة الإعادة علىٰ حسب مطلوبيّة البدء في كيفيّة المطلوبيّة، مع أنّ قضيّة المساواة المرتكزة الاتّحاد في ما يعاد و ما لا تعاد مع الاختلاف في كيفيّة المطلوبيّة.

و ذكر الوقت لا قرينيّة فيه على التخصيص، لأنّ في الفرائض أيضاً ما هو غير موقّت كذوات الأسباب، كما أنّ في النوافل ما هو موقّت كالرواتب.

و أمّا ما في التفسير من نزول الآية الشريفة في النافلة في السفر، و أنّه لا بدّ في الفريضة من الاستقبال، فإنّما يدلّ علىٰ اغتفار الترك في النافلة لا يغتفر

مثله في

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 9، ح 3 و 2 و 1.

(2) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 9، ح 3 و 2 و 1.

(3) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 9، ح 3 و 2 و 1.

بهجة الفقيه، ص: 227

الفريضة، كالركوب و المشي لا لضرورة بخلاف الفريضة؛ و أمّا الأزيد من ذلك، من ترك الاستقبال في حال الاستقرار مع التمكّن، فليس فيه إلّا ظهور ضعيف لا يقاوم وضوح المرتكزات المحتاج مخالفتها إلىٰ تصريح.

نعم، يمكن دعوى فهم إلغاء خصوصيّة الركوب و المشي في بعض ما وقع فيه في النافلة إلىٰ سائر موارد الحاجة، مع عدم التعدّي إلىٰ الاختيار في حال الاستقرار، كما وقع مثله في التعدّي من السفر إلى الحضر في النصّ؛ و أمّا التعدّي إلىٰ عدم الحاجة مع الاستقرار، فلا دليل عليه، مع غلبة الحاجة إلىٰ الركوب و المشي، بحيث يلزم من اعتبار الاستقبال المطلق فوت النوافل كثيراً، كما هو ظاهر.

و لو لا ورود التفسير بالنوافل «1»، أو بالمتحيّر المطلق «2» في الفرائض، أمكن دعوى الإجمال في الآية الشريفة، بأن يكون المراد أنّ الأطراف كلّها للّٰه، و التولية إليها إلىٰ اللّٰه، إنّما اللازم تبعيّة الأمر بالتوجّه إلىٰ جهة، و مع عدم الأمر فليس التوجّه إلىٰ غير اللّٰه، بل إليه بلا أمر؛ فالمحتاج إلى الشرع المصلحة و المفسدة الداعيتان إلىٰ الأمر، لا الطرف المتوجّه، فإنّ الأطراف متساوية في ما نعلم في أنّها للّٰه و تحت قدرته، و التخصيص أمر إلهي يعلمه اللّٰه تعالى؛ فلا فرق عندنا بين التخصيص السابق في دين اليهود و اللاحق في ديننا، إلّا ما وقع من النهي و الأمر بما يعلمه تعالى من المفسدة و المصلحة، كتخصيص المسجد من

الأرض، و «المسجد الحرام» من بين المساجد.

و أمّا تفسير «آية التولية» علىٰ ما في تفسير «علي بن إبراهيم» «3»، فهي معتبرة للسفر، و فيها الأمر بالصلاة نافلة حيث توجّهت، فيدلّ علىٰ عدم اعتبار الاستقبال في النافلة في السفر. و ظاهره اعتبار السير بالركوب أو المشي، و عدم اعتبار الاستقبال

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 15 و 8.

(2) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 15 و 8.

(3) تفسير القمي، 1، ص 59.

بهجة الفقيه، ص: 228

حينئذٍ رأساً؛ و كذا التفسير المحكيّ عن «مجمع البيان» «1»؛ و يمكن أن يكون اعتبار السفر لأنّه عذر، لا أنّه عذر خاصّ، كما يؤيّده ما ورد في تجويز النافلة للراكب في المصر حيث ما توجّهت به دابّته، كما في صحيح «عبد الرحمن بن الحجاج» «2».

و ما في رواية «إبراهيم الكرخي» «3» [من] نفي الضيق مع القدرة علىٰ الاستقبال في المحمل، فيدلّ علىٰ اعتبار الضيق الغالب المتعارف في المحمل المتعارف، و عدم لزوم الاستقبال معه رأساً في النافلة.

و يمكن أن يفهم منه اعتبار الضيق في السقوط في النافلة المشروعة، كان في الركوب في المحمل أو السفينة أو المشي، في السفر أو الحضر، و عدم الاغتفار بدون الضيق في أيّ واحد، حتّى أنّ السائر إلى القبلة ليس له الانحراف لا لحاجة، و إلّا لم يعتبر الضيق بل لم يؤثّر الضيق، و لجاز ترك الاستقبال للمستقرّ في الأرض.

و ما عن خبر «الحلبي» «4» فيه تجويز النافلة على البعير و الدابّة حيث كان متوجّهاً، و التنظير بفعل رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم. و يمكن إلغاء الخصوصيّة إلى السفينة، بل إلى السائر بالمشي مع جواز أصل التنفّل للماشي، كما في غير هذه

الرواية «5».

و ما في رواية «حمّاد بن عيسىٰ» «6» فيه الصلاة على الراحلة حيثما توجّهت، و أنّه يومي، مثله رواية «الحميري» «7»، و مثلهما ما عن «تفسير العيّاشي» «8» للآية الشريفة «9».

و أمّا الماشي فبعد إلغاء الخصوصيّة في الراكب، لا يبقىٰ إلّا ترك الاستقرار فيه.

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 15، ح 18.

(2) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 15، ح 1 و 2.

(3) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 15، ح 1 و 2.

(4) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 15، ح 6 و 7.

(5) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 16.

(6) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 15، ح 20.

(7) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 15، ح 22 و 23.

(8) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 15، ح 22 و 23.

(9) البقرة، 115.

بهجة الفقيه، ص: 229

و اغتفاره مستفاد من صحيح «يعقوب بن شعيب» «1»؛ كما أنّ المشي بحسب المتعارف لا ينحفظ فيه الاستقبال، فاعتباره يحتاج إلى البيان المفقود فيه.

و هو حجّة علىٰ الإطلاق، مع تعارف حرجيّة رعاية الاستقبال في المشي المحوجة إلىٰ لزوم البيان في ما له معرضيّة الابتلاء كثيراً؛ فلا يتقيّد الحكم بما في حسن «معاوية بن عمّار» «2» من ذكر الاستقبال في التكبير و الركوع و السجود و فعلهما، لا فعل بدلهما المصرّح به في صحيح «يعقوب»، و لا جمع بينهما إلّا بالحمل علىٰ تعدّد المطلوب، لا الإمكان و العدم، أو الاحتياج و العدم، لما عرفت من تعسّر ذلك في السائر للوصول إلى المقصد، فهو كالراكب و إن كان الراكب أبعد من التمكّن لضيق المحمل، إلّا أن الماشي يكون الاستقبال و فعل الأصل عليه أشدّ، لمكان مانعيّتها من السير، بخلاف الراكب الذي لا يسير إلّا مركوبة،

بل قد مرّ ذكر الضيق في الرواية «3» في الراكب الشامل للماشي أيضاً بعد إلغاء الخصوصيّة و بعد ثبوت الصحّة في صلاة الماشي، و إن كان المتيقّن منه موارد الحاجة، كما هو في الراكب، لولا بيان أنّه الضيق أي الالتزام بالاستقبال المقدور.

و مرسل «حريز» «4» أقوى في الإطلاق، لذكر عدم سوق الإبل من جهة أنّه فعل غير صلاتيّ؛ فلو كان شي ء شرطاً صلاتيّاً للصلاة ماشياً، لكان لا يهمله، كما يمكن منع إطلاق الحكم للخادم الماشي الذي شغله سوق الإبل، فلا يترك التنفّل بهذا البيان، لأنّه ضيق عليه، بخلاف من ليس محتاجا إليه؛ كما أنّ الضيق لا يعمّ السائر إلى القبلة، فلا ينحرف عن جهة سيره بلا حاجة، و إلّا لكان اغتفاراً بلا ضيق، و ينصرف عنه الإطلاقات «5» كالمستقرّ علىٰ الأرض.

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 16، ح 1.

(2) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 16، ح 1.

(3) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 15، ح 2.

(4) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 16، ح 5.

(5) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 1.

بهجة الفقيه، ص: 230

و كذا ترك التقييد في صلاة الماشي تطوّعاً في رواية «الحسين بن المختار» عن «أبي عبد اللّٰه عليه السلام

سألته عن الرجل يصلّي و هو يمشي تطوّعاً؟ قال: نعم «1»

؛ كما عن «المعتبر» عن كتاب «ابن أبي نصر».

و بالجملة، فعدم موافقة المشي و الركوب في الغالب المتعارف للاستقبال الشرطي، مع عدم بيانه في ما مرّت إليه الإشارة، يوجب مع الحاجة إلى البيان مطلقا حملَ ما فيه بيان الاستقبال و لو في التكبيرة علىٰ ذكر ما هو الأفضل، لا علىٰ ذكر الشرط، مؤيّداً بما في «الجواهر» «2» من نسبة إطلاق استثناء صلاة الماشي من

اعتبار الاستقبال إلى أكثر كتب الأصحاب.

و ما ورد من الاستقبال في التكبير في الماشي، ورد مثله في الراكب في صحيح «عبد الرحمن» «3» مع ما عرفت من التعبير بالضيق، و مخالفة فعل الرسول صلى الله عليه و آله و سلم في غيره «4» من الروايات.

و كذلك الحال في العموم للحضر، كما صرّح به في الراكب في بعض روايات المقام «5»، مع كفاية فهم إلغاء الخصوصيّة، و أنّ صلاة الماشي لا فرق في مكان المشي، و أنّه بعد تجويز الصلاة لا فرق في الاستقبال بين الماشي في الحضر و السفر.

و كذلك تعميم الحكم لراكب السفينة مع إلغاء الخصوصيّة و التنزيل في رواية المحمل «6»، و ما عن «تفسير العياشي» عن «زرارة» عن الإمام الصادق عليه السلام من قوله عليه السلام

أمّا في النافلة فلا، إنّما تكبّر إلىٰ غير القبلة

ثمّ قال

كلّ ذلك قبلة للمتنفّل «7».

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 16، ح 6.

(2) جواهر الكلام، 8، ص 10.

(3) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 15، ح 13، و 2 و 1.

(4) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 15، ح 13، و 2 و 1.

(5) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 15، ح 13، و 2 و 1.

(6) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 16، ح 13.

(7) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 13، ح 17.

بهجة الفقيه، ص: 231

و قد مرّ وجه العموم للمستقر، و أنّه يمنعه الارتكاز عند المتشرّعة، فضلًا عن العموم في المركوب و للماشي و في الحضر من سائر موارد الحاجة، دون غيرها من موارد الاختيار، و كذا ينصرف عن الماشي للصلاة إطلاق ما في رواية «ابن أبي نصر» «1».

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 16، ح 6.

بهجة

الفقيه، ص: 233

الفصل الرابع أحكام الخلل

[مسألة] استقبال الأعمىٰ و انكشاف الخطأ في الاجتهاد

اشارة

مسألة: قد مرّ أنّ الأعمىٰ يقلّد المبصر، و أنّ ذلك اجتهاد منه مأمور به؛ و أنّه يعمل على الظنّ الأقوىٰ عنده؛ فالفرق بينه و بين المبصر، أنّ اجتهاده من طريق الغير، بخلاف المبصر في الغالب؛ فإن عمل علىٰ اجتهاده فانكشف الخطأ، فإن كان يسيراً أو ما بين المشرق و المغرب؛ فإنّه لا يعيد، و إلّا أعاد كغير الأعمىٰ.

و ما دلّ علىٰ تفصيل المجتهد بذلك، يعمّ الأعمىٰ، إلّا أنّه يخصّه بعض الروايات في صلاة الأعمىٰ لغير الأعمىٰ «1»، و أنّه يعيد في الوقت، لا في خارجه. و هذا الحكم يدلّ علىٰ أنّ الموضوع المتحرّي.

فما دلَّ على التفصيل في المتحرّي بين الصلاة ما بين المشرقين و غيره، حيث يدل على الحكم في الأعمىٰ لأنّه أولىٰ بعدم الإعادة في ما صلّىٰ بين المشرقين، يقيّد إطلاق الأمر

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 11، ح 8 و 9.

بهجة الفقيه، ص: 234

بالإعادة في الوقت في صحيحة «عبد الرحمن بن أبي عبد اللّٰه» «1»، و خبر «أبي بصير» «2» بما إذا وقعت الصلاة في الأزيد انحرافاً ممّا بين المشرقين.

و يمكن دعوى الحكومة التي لا يضرّ إخراج العمد لو فرض عموم رواياته، و الالتزام بتقيّد الإعادة بالوقت بحسب هذه الروايات المفصّلة بعد تفسيرها بروايات الحكومة. و أمّا أنّه لا يقضي في هذا الموضوع أو ما يعمّه، فشي ء مخصوص بالأعمىٰ. و يمكن الالتزام به، لمكان أغلبيّة ابتلاء الأعمىٰ بمثل ذلك؛ فالقضاء مستلزم للعسر و الحرج في الأعمىٰ بما لا يستلزمه في المبصر؛ كما أنّ ما دلّ علىٰ إعادة الأعمىٰ إذا أمّ قوماً فصلّوا إلىٰ غير القبلة من باب أنّه غير متحرٍّ، فالإعادة في حقّه مع الانحراف في ما

بين المشرقين لعدم العمل علىٰ طبق الوظيفة و سيأتي الكلام فيه و عدمها في حقّهم، لمكان تحرّيهم و عدم الانحراف عمّا بين المشرقين.

و الحاصل أنّ النسبة بين روايات التفصيل بين ما بين المشرق و المغرب «3» و روايات التفصيل بين الوقت و خارجه «4»، و إن كانت كما عن «الحدائق» عموماً من وجه، لأنّ الأُولىٰ عامّة للتبيّن في الوقت و خارجه و خاصّة بالانحراف اليسير، و الثانية عامّة للانحراف الكثير و خاصّة بالتبيّن في الوقت، و ليس التفصيل في الحكم كما في «الجواهر» «5» علىٰ ما عرفت؛ إلّا أنّ لسان الاولىٰ هو الحكومة، و معها لا تلاحظ النسبة، بل تجري مع أخصّية المحكوم أيضاً. و لأجل معلوميّة هذا الجمع و عرفيّته، ذُكر الحكمان في كلام كثير من الأصحاب.

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 11، ح 8 و 9.

(2) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 11، ح 8 و 9.

(3) الوسائل، 3، أبواب القبلة، الباب 10.

(4) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 11.

(5) جواهر الكلام، 8، ص 26.

بهجة الفقيه، ص: 235

و ممّن جمع بين العبارتين و التفصيلين «المحقّق» في «المعتبر»، و لا يكون إلّا بفهم أنّ الصلاة في ما بين المشرقين صلاة إلى القبلة، و أنّ موضوع التفصيل بين وقت و خارجه، هو الصلاة إلىٰ غير القبلة.

[و ينبغي التنبيه على أمور]
[الأول] وجوب الإعادة خارج الوقت في صورة الاستدبار

إلّا أنّه يبقىٰ الإشكال في اقتضاء الجمع عدم الإعادة في خارج الوقت مع الصلاة إلى المشرق و المغرب و ما بعدهما حتّى الاستدبار الحقيقي، و هو مخالف للمفهوم من روايات جعل ما بين المشرقين قبلة «1»؛ و لإطلاق ما في صحيحة «لا تعاد»، و لا يضرّ إخراج غير الاستدبار الحقيقي بالدليل على التفصيل، و لا يستلزم إخراج الاستدبار أيضاً؛ و

لكونه المتيقّن من رواية «معمّر بن يحيىٰ» «2» الآمِرة بالإعادة بعد الوقت، كما لا يضرّه أيضاً إخراج غير الاستدبار بالدليل؛ و لما عن جماعة من المتأخّرين، فيهم «الشيخان» و «سلّار»، و إن كان خلافه أكثر قائلًا، بل عن «التنقيح» و «المنتهىٰ» ما يفيد حكاية الإجماع، بل استظهاره محكيّ عن «كشف اللثام»، و هو المحكيّ أيضاً عن «الخلاف» و «المدارك» و شرح «الشيخ نجيب الدين»، أعني حكايتهم الإجماع.

لكن يمكن تقويته بما رواه في «الناصريّات» و «الجمل»، و «الشيخ» في «النهاية»، و «العجلي» في «السرائر»، قالوا: أنّه روىٰ

أنّه إذا كان صلّى إلى استدبار القبلة ثمّ علم بعد خروج الوقت، وجب عليه إعادة الصلاة «3».

و من البعيد جدّاً فهمه ممّا لا نفهم منه ذلك.

و يؤيّده المستظهر من صحيح «لا تعاد» المردف له بغيره من الخمس، و خبر «معمّر»، مع أنّه المشهور كما عن «الروضة» و عليه عمل الأصحاب كما

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 10.

(2) الاستبصار، 1، ص 297، الرقم 1099.

(3) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 11، ح 10.

بهجة الفقيه، ص: 236

عن غيره و عليه العمل، مع أنّه أحوط، كما عن «نهاية الشيخ» بعد الرواية المذكورة، مع أفقه الحكم للمرتكزات، فهذا القول هو الأقرب.

[الأمر الثاني] ميزان تحقّق الاستقبال

يبقى الكلام في أنّ العبرة في الاستقبال، بما بين المشرق و المغرب، كما عبّر به «الشيخ» قدس سره، و جماعة ممّن تأخّر عنه علىٰ ما حُكي عنهم؛ أو بما بين اليمين و الشمال، كما عمّن تقدّم عليهم؟

يمكن توجيه الأوّل بأنّه المذكور في الروايات «1» التي هي الأصل في هذا الحكم تبعاً لما في الكتاب «2»؛ و أنّه إنّما ذكر الثاني في كلمات الأصحاب، لمكان فهمهم من «ما بين المشرق و المغرب»

إرادةَ ما لا يبلغ نصف الدائرة، لمكان أنّ الابتلاء يمكن وقوعه في البلاد الشرقيّة و الغربيّة و الجنوبيّة، و لا يمكن اختلاف وظيفتهم مع مَن في البلاد الشماليّة.

و دعوى عدم المعموريّة فيها، لا يعلم صحّتها، بل تدفع بما يقال من فرضه في شرق «مكّة» شرّفها اللّٰه تعالىٰ و غربها.

فالاعتبار باليمين و الشمال في مورد الافتراق عن المشرق و المغرب بالمعنى المذكور، لا مدرك له، إلّا ما سنذكره؛ كما أنّ الاعتبار بالمشرق الحقيقي و المغرب كذلك، مع عدم كون المجاوزة انحرافاً بقدر نصف الدائرة أيضاً، مخالف للمفهوم من الروايات، بعد ملاحظة الحكم في سائر الأرض و سكّانها كذلك.

لكن اغتفار ما لا يبلغ نصف الدائرة لغير العالم و للظانّ بالخلاف هنا، لازمه عدم لزوم الأربع للمتحيّر المطلق لكفاية الثلاث، و لا يبلغ الانحراف فيها النصف، مع لزوم الأربع فيه على القول بعدم كفاية الواحدة. و هذا أيضاً من شواهد إرادة اليمين و اليسار،

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب القبلة الباب 10.

(2) البقرة، 177.

بهجة الفقيه، ص: 237

التي لازمها أنّ المغتفر أنّما هو الأقلّ من ربع الدائرة.

و علىٰ أيٍّ، فالانحراف بقدر نصف الدائرة في مسألتنا، غير مضرّ علىٰ تقدير العبرة، بالمشرقين دون اليمين و اليسار، للظانّ بخلاف القبلة إذا صلّىٰ بظنّه المسوّغ له في الصلاة؛ كما أنّ المصلّي منحرفاً بقدر النصف فما زاد إلىٰ الاستدبار الحقيقي، أو بقدر الربع فما زاد إلى النقطة المقابلة للقبلة؛ بل إلىٰ أن يصير إلىٰ أوّل الربع الرابع آخذاً في الاستقبال، مورد التفصيل بين الوقت و خارجه، بخلاف المستدبر؛ فإنّه يعيد علىٰ الأظهر مطلقاً.

ثمّ إنّه يحتمل في رواية «عمّار»، إطلاق دبر القبلة على الصلاة في غير ما بين المشرق و القبلة، لما يقتضيه تثنية التقسيم،

و لأنّ الصلاة مع الانحراف بنصف الدائرة لا تكون على الدقّة إلّا استدباراً للقبلة، بل سيأتي ذلك في ربع الدائرة أيضاً، فإنه شروع في الاستدبار، كما يأتي إن شاء اللّٰه تعالىٰ، لأنّه الصلاة إلى المشرق مع كون القبلة في المغرب.

و إطلاق الأمر بالإعادة فيه و في أمثالها من الروايات مخالف لإطلاق رواية التفصيل، كصحيح «عبد الرحمن بن أبي عبد اللّٰه» «1» عن الإمام الصادق عليه السلام، و خبر «يعقوب بن يقطين» «2»، و صحيح «سليمان بن خالد» «3»، في الصلاة إلىٰ غير القبلة، لأنّ الصلاة إلىٰ غير القبلة هو الموضوع للحكم الإطلاقي و للتفصيل، فلا إشكال في التقييد بالتفصيل لولا المرسلة المتقدّمة «4»؛ أمّا معها فلا يخلو عن إشكال، لأنّ الصلاة إلىٰ غير القبلة لا تكون على الفرض إلّا خارجة عمّا بين المشرقين، و داخلة في الاستدبار الذي حكم فيه في «الموثق» «5» و أمثاله بالإعادة مطلقاً، و في «المرسلة» بالإعادة في خارج

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 11، ح 1 و 2 و 6 و 10.

(2) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 11، ح 1 و 2 و 6 و 10.

(3) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 11، ح 1 و 2 و 6 و 10.

(4) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 11، ح 1 و 2 و 6 و 10.

(5) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 10، ح 4.

بهجة الفقيه، ص: 238

الوقت و في روايات التفصيل بالتفصيل و لا اتّحاد كما قيل بين «المرسلة» و «الموثّق» الخالي عن ذكر العلم بالانحراف في خارج الوقت.

و مقتضى الجمع الحمل على الندب في «المرسلة»، و الجامع بين الوجوب و الندب في المطلق تحكيماً لروايات التفصيل، لأنّها أظهر في

نفي الوجوب، بناءً علىٰ أنّ الوجوب في «المرسلة» و لو كان بهذه العبارة بالمادّة، قابل للحمل على الندب، كما وقع في نظيره في الحقوق المسنونة و الزيارات المندوبة «1» المعبّر عنها في الروايات بالوجوب.

و بالجملة، «الموثّق» كما يفيد استقبال ما بين المشرقين، يفيد استدبار المشرقين، و لا إشكال في الأوّل الملحوظ مع روايات التفصيل؛ و أمّا الثاني فروايات التفصيل و إن كانت معبّرة بالصلاة إلىٰ غير القبلة المقيّدة بما بين المشرقين، فيكون الحكم فيها بالتفصيل لما خرج عمّا بين المشرقين، و هو المراد بالاستدبار في «الموثّق»، و بغير القبلة في ما يوافق «الموثّق» من مطلقات الأمر بالإعادة، فالموثق و «المرسلة» شريكان في حكم الاستدبار و أنّه الإعادة؛ إلّا أنّ المرسلة ناصّة في خارج الوقت، و المقابل مفصّل و نافٍ للوجوب في الخارج في جميع مراتب الاستدبار بعد التقييد بما بين المشرقين.

و مقتضى أظهريّة روايات التفصيل في نفي الوجوب إذا كان في خارج الوقت، و لزوم اللغويّة لها مع الالتزام بالوجوب في الوقت و خارجه لاشتراك الجميع في استدبار القبلة، و في كونها صلاة إلىٰ غير القبلة، و عدم الوجوب في ما كان بين المشرقين، فلا يبقىٰ مورد للتفصيل الموافق للنصّ و الفتوىٰ، مع وجود القائل الكثير لكلّ من القولين، هو الالتزام باستحباب الإعادة.

و يمكن أن يقال: إنّ ما دلّ علىٰ قِبليّة ما بين المشرق و المغرب و استدبار ما وراء ذلك، إن أُريد به مشرق المصلّي و مغربه، و أنّ القبلة إذا كان بينهما، فصلاته بينهما أينما كانت القبلة في ما بينهما و إلى أين وقعت صلاته باعتقاد القبلة، لا يعيدها. و لا ينافي

______________________________

(1) الوسائل 8، أبواب أحكام العشرة، الباب 122.

بهجة الفقيه، ص: 239

ذلك استفادة حكم الصلاة في غير البلاد الشماليّة بهذا المقياس، فإنّ القدر المغتفر من الانحراف عن القبلة لا يفرّق فيه بين البلاد الشماليّة و الجنوبيّة و الشرقيّة و الغربيّة. و بالجملة، فمفاده أنّه إنّما يبطل صلاته إذا وصل إلىٰ نصف الدائرة في الانحراف عن القبلة، لا في ما وصل إلىٰ الأقلّ منه. مع أنّه يمكن دعوى صدق الاستدبار بمجرّد الانحراف إلىٰ ربع الدائرة فما زاد منه، لأنّه يجعل شيئاً من ظهره إلى القبلة حتّى إذا وصل إلىٰ آخر هذا الربع و هو النصف، تمّ الاستدبار؛ و مع ذلك إذا انحرف لا يخرج عن الاستدبار بنصف ظَهره الآخر إلىٰ أن يبلغ آخر هذا الربع الثالث، فيكون متيامناً أو متياسراً، لا مستقبلا و لا مستدبراً. و هذا موافق للكناية بالمشرقين عن اليمين و اليسار، يعني إذا استقبل القبلة الواقعيّة؛ فالانحراف السابق في صلاته إلىٰ يمين هذا المستقبل أو إلىٰ يساره لا يضرّ، و الانحراف إلىٰ نفس اليمين أو اليسار و ما بعدهما أخذٌ في الاستدبار و يعدّ منه. و عليه، فالاستدبار لا يختصّ بالنقطة المقابلة لنقطة القبلة، بل يشرع من أوّل الربع، و يكمل في النصف، و ينتهي في منتهى الربع الثالث؛ فلو وجبت الإعادة في الخارج مع الاستدبار، لم يبق مورد للتفصيل المنصوص.

و يمكن أن يجعل الانحراف عن اليمين مثلًا، أخذاً في الاستدبار؛ و أمّا نفس اليمين فاستقباله مورد تساوي الاستقبال و الاستدبار، فلذا الحق بالاستدبار. و مقتضى الكناية كون المغتفر ربع الدائرة، أي الأقلّ منه لا نصفها. و قِبْليّة ما بين اليمين و اليسار يوافق ما سبق استظهاره من رواية وضع الجدي على اليمين، و بين الكتفين «1» بلا فرض الجهل.

و أمّا ما في «الكشف»

من أنّ ملاحظة الآية «2» و الأخبار هو أنّ الانحراف إلى المشرق كثير و إن لم يبلغ اليمين مثلًا، و إليه يسير و إن تجاوز المشرق، يعني أنّ المدار في اليسير و الكثير علىٰ حيثيّة المشرق و المتجاوز عنه، لا حيثيّة اليمين و المتجاوز عنه

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 5، ح 2.

(2) البقرة، 177.

بهجة الفقيه، ص: 240

ففيه أنّ الداعي إلى الكناية في الآية و الأخبار هو كليّة الحكم، فلا يمكن الالتزام باغتفار انحراف في الشمال لا يغتفر قدره في غيره، و بإبطال انحراف فيه لا يبطل في غيره. و كون الاستدبار الخاصّ منكَراً إنّما يسلّم مع عدم اعتقاد الخلاف أو التحيّر المطلق، و لذا لا يعيد المتحيّر في خارج الوقت صلاته، الواحدة الواقعة في دبر القبلة علىٰ هذا الوجه.

و أمّا ما في «الكشف» من كون الانحراف إلىٰ ما لا يسامت القبلة استدباراً، أو إلى اليمين و اليسار، فإنّما يؤثّر لو لم يتّفق حكمهما، مع أنّه يمكن أن يكون تفصيلهم بين ما بين اليمين و اليسار و الاستدبار، لا بين اليمين و اليسار و الاستدبار، و لعلّ تفصيلهم مأخوذ ممّا في رواية «عمّار».

و في ملاحظة مدرك الحكم في الصُّوَر من غير ناحية المقابلة في كلماتهم، ما يعيّن الحكم و يرشد إلىٰ إرادتهم ما يستفاد من الأخبار. و قد عرفت تحقّق الاستدبار بمجرّد المجاوزة عن اليمين و اليسار؛ و وجه اتّحاد حكم الجميع؛ و أنّ نفس محاذاة اليمين و اليسار لا يكون استقبالًا و لا استدباراً، و لكنّه ملحق بالثاني علىٰ الأصل الذي لا يخرجه ما دلّ علىٰ قِبْليّة ما بين اليمين و اليسار. و أمّا عدم الإعادة في خارج الوقت فمفهوم بالفحوىٰ ممّا

دلّ علىٰ عدمها في أزيد من ذلك من الانحراف؛ كما أنّ الانحراف إلىٰ ما بين اليمينين استقبال بحسب النصوص و الفتاوىٰ.

و ظاهر التعبير بقوله

شمالًا

يعني اليمين و اليسار في تقدير إرادة الأعمّ من الاستدبار كلَّ انحراف إلىٰ ما بين اليمين و اليسار، لا ما فوقهما يعني الانحراف إلىٰ الاستدبار، خفاء الحكم في ما بين اليمين و اليسار عليه، و هو كما ترى.

و أما استفادة التوسعة في التنزيل بدون فرق بين المشرقين و غيرهما، و فيهما بين الاعتداليّين و غيرهما، فإنّما تتّجه بناء على الكناية عن مطلق اليمين و التياسر، أو إلغاء الخصوصيّة علىٰ ما مرّ من اتّحاد المَقرّ و غيره في الجوانب كلّها بحسب مقدار الانحراف. و التوسعة بغير أحد هذين النحوين، ممّا لا يستفاد من أدلّة المقام.

[الأمر الثالث] حكم انكشاف الخلاف للناسي و الغافل و الجاهل

ثم إنّ المستفاد من أدلّة الشرطيّة، البطلان بالانحراف مطلقاً، بحيث يوجب الإعادة و القضاء خرج منه في ما بين المشرقين، أعني اليمين و اليسار بالنص و الإجماع كما أنّ الخارج منه يعيد و لا يقضي إلّا في الاستدبار، و قد مرّ أنّه أيضاً لا يقضي معه و هو المعتمد أخيراً، لكنّ مورد التنزيل بلا شبهة إنّما هو الظنّ المعتبر بالقبلة، و كذا المتحيّر الموظّف بالصلاة إلىٰ ما يحتمل في آخر الوقت، أو مطلقاً.

و أمّا الناسي و الغافل و الجاهل المقصّر بالحكم، فيمكن دعوى عدم شمول دليل التنزيل لهم، و لو تمشّىٰ قصد القربة؛ لكن الناسي و الغافل يقوىٰ لحوقهما بالظانّ، للعذر شرعاً مع الموافقة في الانحراف في ما بين المشرقين، أعني اليمين و اليسار؛ و كذا الجاهل القاصر.

و أمّا المقصّر فهو في الإثم كالعامد، و إن فُرض تمشّي قصد القربة منه بأن قصد الفحص بعد الصلاة و

انكشاف الانحراف الموجب للإعادة، ثمّ انكشف أنّها في ما بين المشرقين، و لا يكون عاصياً إلّا مع التفويت العمدي، و لا يكون مفوّتاً مع شمول التوسعة له، فتقرّبه كالخيال؛ أمّا استفادته من استثناء المسألتين فقطّ في المقصّر، فيمكن الخدشة فيها؛ فإنّه لا مفهوم لبيان الحكم فيهما، أو لا دليل علىٰ هذا المفهوم المنتقض بكثير من المسائل في الحجّ.

و أمّا غيره فلا يبطله صحيح «زرارة» «1» الشامل للسهو، لمكان دليل التوسعة علىٰ ما عرفت الوجه في حكومته علىٰ أدلّة الاشتراط، فتذكّر.

و مثله ترك الاستفصال في الصحة في ما بين المشرق و المغرب في بعض أخبارها، بل قد مرّ شموله للعمد في لسانه، الموافق للمستظهر من أخبار بعض الأمارات «2» المتعرّضة لوضع «الجدي» على اليمين، إلّا في طريق الحجّ، فبين الكتفين؛ فإنّ التفاوت في ما بينهما تفاوت بين اليمين و اليسار، و معه أهمله في الرواية، مع عدم فرض السهو و الجهل و الظنّ بالخلاف. و لا يكون إلّا للاغتفار في ما لم يصلّ إلىٰ ربع الدائرة، فيوافق روايات قِبْليّة ما بين المشرق و المغرب، فيكون أوسع ممّا بنىٰ عليه بعض المتأخرين من جواز الانحراف العمدي إلىٰ ستّة أصابع، و هو قريب من أربع درجات؛ و كذا أولويّة جعل «الجدي» في «الكوفة» خلف الاذن اليمنىٰ، مع الأمر في الرواية للكوفي بجعله في القفا «3».

[الأمر الرابع] تبيّن الانحراف في أثناء الصلاة

إذا تبيّن الانحراف اليسير في أثناء الصلاة، استقام و صحّت صلاته، لإطلاق أدلّة قِبْليّة ما بين المشرق و المغرب، و خصوص موثّق «عمّار»، و لأنّ ما لا يفسد الكلّ فهو بأن لا يفسد البعض، أولىٰ؛ فإن كان من فقد الشرط فيفسدهما؛ و إن كان من وجود الشرط في غير العمد، فلا يفسدهما، و

هذا جيّد.

و أمّا الأولويّة، فيمكن تقريرها بأنّ عدم الفساد مع عدم الاستقبال الحقيقي رأساً يقتضي عدمه مع تحقّقه في البعض بالأولويّة، و إلّا فنفس عدم وجوب إعادة الكلّ لا يقتضي أولويّة عدم وجوب إعادة البعض.

و عليه ينزّل خبر «القاسم بن الوليد» بناء علىٰ عود الضمير في «يستقبلها» إلىٰ الأقرب، و هو القبلة، مع مشروحيّتها بروايات قِبْليّة ما بين المشرقين، و بخصوص موثّق «عمار»، و قد مرّ حكومة الطائفة الأُولىٰ علىٰ إطلاق الآمرة بالإعادة في الوقت دون خارجه.

و لو تبيّن الانحراف الكثير في الأثناء فإنّه يستأنفها، لعدم إمكان التصحيح.

[الأمر الخامس] لو تبيّن الانحراف في الأثناء و لا يسع الوقت للإعادة

و لو تبيّن الانحراف الموجب للإعادة في الوقت بعد خروج الوقت، و كان في أثناء الصلاة الواقعة بإدراك ركعة مثلًا من الوقت، و كان المصلّي في الركعات الخارجة عن الوقت، فعن «الذكرى»: أنّ فيه وجهين: من فحوى أخبار نفي القضاء؛ فإنّ نفي القضاء مع وقوع الكلّ منحرفاً يقتضي نفيه مع وقوع البعض منحرفاً بالأولويّة، لأنّ ما يفسد البعض يفسد الكلّ بالأولويّة، فعدم الثاني يقتضي عدم الأوّل بالأولويّة؛ و من إطلاق خبر «عمّار» لما إذا كان التبيّن للانحراف الكثير في أثناء الصلاة بعد خروج الوقت.

و إطلاقه لما بعد الوقت لا يخلو عن ضعف؛ مع أنّ إيجاب الانحراف الكثير في البعض للإعادة، لا يزيد علىٰ إيجاب الكثير لها في الكلّ، و قد مرّ أنّه مقيّد بما دلّ على التفصيل بين الوقت و خارجه؛ فكذا الانحراف في البعض يوجبها في الوقت لا في خارجه، مع أنّ روايات التفصيل «4» ورودها في التبيّن بعد العمل، و تنفي القضاء فيه. و إلحاق التبيّن في الأثناء مع كون الإعادة قضاءً متّجه، و هو أولىٰ من إلحاقه بصورة إمكان الإعادة في الوقت حتّى يثبتها

في خارجه.

و أمّا تأييد الوجه الثاني بالأدائية، فوجهه أنّ الصلاة الواقعة في الوقت يوجب الانحراف الكثير فيها، إذا تبيّن في الأثناء الإعادة، و هذه الصلاة واقعة في الوقت تنزيلًا، فالانحراف الكثير في أثنائها إذا تبيّن، يوجب الإعادة، و إن كانت متخصصة بالقضاء اتّفاقاً.

لكنّ التنزيل إنّما هو في الوجوب و نفي وجوب القضاء، لا في جميع أحكام الصلاة في الوقت التي منها الإعادة مع تبيّن الانحراف الكثير، أعني غير ما بين المشرقين في الأثناء. و أمّا ما عن «المبسوط» من نفى الخلاف في الاستدبار المكشوف في أثناء الصلاة في

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 9، ح 1.

(2) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 5، ح 2.

(3) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 5، ح 1.

(4) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 11.

بهجة الفقيه، ص: 244

كونه موجباً للإعادة، فهو مطلق من حيث التبيّن بعد الوقت أو فيه، فيكون كاشفاً عن مثل إطلاق موثق «عمّار»، و قد مرّ ما فيه.

و يمكن تأييد نفي القضاء بأنّ هذه الصلاة يدور الأمر فيها بين المحافظة على الوقت و الاستقبال، و الأوّل أهمّ و إن كان الوقت تنزيليّاً؛ فإنّه لا يكون قضاء، و يتقدّم على القضاء مستقبلًا؛ و كذا لو تبيّن الانحراف الكثير في الأثناء في الوقت لكنّه لا يتمكّن على تقدير القطع من الإتيان بركعة في الوقت؛ فإنّ الدوران و التقدّم جاريان هنا أيضاً، و الانحراف الكثير في التمام في هذا الوقت لا يوجب القضاء، ففي البعض بالأولويّة؛ و كذا لو كان تبيّن الانحراف الكثير بعد الوقت و قبل خروج الوقت مع عدم سعة الوقت لركعة؛ فإنّه أيضاً يلحق بالتبيّن في خارج الوقت في نفي القضاء، لعدم إمكان الإعادة حينئذٍ.

[الأمر السادس] لحوق الناسي و الغافل و القاصر و المتخيّل في الموضوع، بالظانّ

ثم إنّ

الأظهر لحوق الناسي و الغافل و القاصر و المتخيّل في الموضوع، بالظانّ المجتهد إذا أخطأ في حكمه في الأثناء و بعد العمل، و تبيّنه في الوقت أو بعده، و كون الانحراف يسيراً أو كثيراً؛ كما هو الموافق للارتكاز المفهم لاشتراك موارد العذر في الدخول في الصلاة و الإتيان بها.

أمّا الانحراف اليسير، فهو علىٰ طبق العموم في القبلة التنزيليّة علىٰ نحو لا يخرج عنها سوى العلم و العمد، كما هو لسان قِبْليّة ما بين المشرق و المغرب كلّه.

و أمّا الإعادة في الكثير في الوقت، فعلى طبق القواعد المقتضية لانتفاء المشروط بانتفاء الشرط.

و أمّا نفي القضاء في الخارج، فبترك الاستفصال في روايات التفصيل بين الوقت و خارجه في ما بين الظانّ و غيره، بل في بعضها الجواب الواحد للسؤال عن المتحرّي بجهده و غيره، كخبر «يعقوب بن يقطين» «1»، و هو الموافق للارتكاز متقدّم ذكره.

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب القبلة، الباب 11، ح 2.

بهجة الفقيه، ص: 245

[مسألة] وجوب استئناف الاجتهاد في الاستقبال و عدمه

اشارة

مسألة: إذا اجتهد لصلاة و قد دخل وقت أُخرى فإن تجدّد شكٌّ بحيث زال الظنّ الفعليّ الذي عليه كان المدار دخل في العمل بالظنّ السابق، أو لا للتأخير، استأنف الاجتهاد، إذ ليس المدار علىٰ الأمارات المعتبرة شرعاً من باب الظنّ النوعي، بل علىٰ فعليّة الظنّ. و كفاية الظنّ السابق المتبدّل إلى الشك أو ضعف درجته محتاجة إلى الدليل.

و الظاهر جريان ذلك في العمل الواحد أيضاً، لجريان احتمال التكليف بالاستقامة، الذي لا يدفعه سوى العسر و الحرج لو كانا في مورد، بخلاف صورة إمكان الاجتهاد في الأثناء بلا عسر و بلا إبطال للصلاة؛ فإذا لم يمكن، لم يتمكّن في شخص هذا العمل من سوىٰ الاجتهاد السابق على العمل.

مع إمكان المناقشة فيه

بأنّ إمكان تحصيل الاجتهاد للصلاة التامّة بظنّ الاستقبال، يوجب رفع اليد عن الصلاة المشروع فيها بالظنّ الزائل في الأثناء، و لا يكون إبطالًا بل إتمام الصلاة بلا حجّة في البقاء كالدخول فيها بلا حجّة في الحدوث.

إلّا أن يقال: إنّه مع الدخول علىٰ وجه سائغ، فالالتفات بالشك في الأثناء مع كونه شاكّاً قبل العمل بشكّ سعىٰ بالاجتهاد في رفعه حتى جاز له الدخول، مخالف للمرتكزات؛ و لعلّ السيرة تشهد بالخلاف وفاقاً لما عن كتب «العلّامة»، و حُكي عن «كشف اللثام»؛ مع أنّه ممّا ينشأ من أمثاله الوسوسة، المستبعد وجوب ما له المعرضيّة لها. و أمّا إن لم يتجدّد شكٌّ و علم بعدم تغيّر الأمارات و عدم حدوث غيرها، فلا إشكال في بقاء أثر الاجتهاد للصلوات المتأخّرة عنه. و أمّا إن علم بالتغيّر، أو حدوث الغير، أو احتمل ذلك و لم يزُل الظنّ السابق بأصله بل بتلك الدرجة، فإن احتمل الظنّ في ما بعدُ بالانحراف وقع عن القبلة بحيث يسقط الظنّ السابق، أو يكون أقوى ممّا سبق، أمكن إيجاب الاجتهاد ثانياً، إلّا في ما مرّ من أثناء العمل الواحد.

بهجة الفقيه، ص: 246

و أمّا إن لم يحتمل إلّا ترقّي الظنّ و عدمه، فالظاهر عدم الوجوب، كما لا يجب تحصيل العلم مع الأمارة الظنيّة. و لا يجب طلب الأقوىٰ من الظنون، إلّا إذا احتمل انكشاف الانحراف و لو بظنّ مساوٍ أو أقوى؛ فمع احتمال الظنّ بالخلاف، أو انتفاء الظنّ الموافق السابق يجتهد، و إلّا فلا دليل علىٰ وجوب الاجتهاد لمجرّد ترقّي الظن.

و الظاهر عدم الفرق بين العلم بالتغيّر و احتماله مع احتمال الظنّ بالانحراف، أو انتفاء الظنّ السابق بعد الاجتهاد الثاني؛ و هذا بخلاف ما لا يلزم فيه

بقاء صفة الظن بالفعل كالاجتهاد في الأحكام، و لا يجدّد بمجرّد عدم حضور الدليل في مقام العمل أو الإفتاء لما فيه من العسر الواضح المنفي قطعاً؛ فإنّه مفوّت للاجتهاد في ما لم يجتهد فيه ممّا يبتلىٰ به العموم.

و بالجملة، فما يعتبر فيه الظنّ الفعلي من الموضوعات، لا يجدّد إلّا مع احتمال زوال الظنّ بظنّ مساوٍ أو أقوى.

[و ينبغي التنبيه على أمور]
[الأول] حكم الانكشاف الظنيّ للخلاف بعد الاجتهاد الثاني

ثم إنّه لو اجتهد ثانياً بعد العمل، فظنّ بخلاف الأوّل، و أنّ العمل كان مع انحراف كثير، فلا إعادة عليه، بخلاف تبيّن الخطأ في الاجتهاد الأوّل كما مرّ، لأنّ الاجتهاد الثاني لا يؤثّر في ما مضى. و مقتضى حجيّة الظنّ الثاني لزوم العمل في ما بعد علىٰ وفقه، لا لزوم إعادة ما وقع سابقاً علىٰ خلافه. و مع الظنّ بخلاف الأوّل و وقوع العمل الأوّل مستدبراً، فمقتضىٰ أصالة الصحّة و قاعدة الفراغ الجاريتين مع الظنّ الشخصي بالخلاف، هو صحّة ما مضى و عدم لزوم إعادة في البراءة من تكليفه.

و حيث لا إعادة عليه قبل العمل بالثاني، فالعلم بوقوع الثاني مستدبراً أو بلا شرط، لترتّبه علىٰ ما فرض كونه مستدبراً فيه، لا يؤثّر في شي ء، للقطع التفصيلي بالتوظيف للثاني بالظنّ الثاني، و التعبّد بصحّة الأوّل، و لا ترتّب للثاني إلّا علىٰ ما هو

بهجة الفقيه، ص: 247

صحيح و لو بالتعبّد الشرعي المنتفي في ما تبيّن كون الأوّل استدباراً كما مرّ، لا بسبب الظن بذلك، لأنّ تأثير العلم إمّا في جعل الثاني بحكم الاستدبار و الحجّة علىٰ خلافه، أو بجعل الأوّل في حكم الاستدبار؛ و التعبّد الشرعي متعلّق بكونه لا يعاد منه و لو كان استدباراً في الواقع؛ فأخذ الاستدبارين في الواقع معذور منه بالحجّة، و الآخر كذلك لا

حكم فيه بالإعادة بسبب الاستدبار الواقعي المظنون حال العمل عدمه؛ فكلّ واحد منهما إمّا لا استدبار فيه واقعاً، أو لا حكم للاستدبار الواقعي فيه شرعاً. فهل يمكن إجراء ذلك في العمل الواحد المتبدّل فيه الظن في الأثناء، أو لا؟

وجه العدم أنّ العمل الواحد المعلوم خطأ أحد الاجتهادين و عدم إصابته الواقع، وقع مستدبراً في بعض أجزائه يقيناً، فلا يمكن تصحيحه بوقوع الجزء السابق بالظنّ السابق، و الجزء اللاحق بالظنّ الآخر، و كلّ منهما يوجب عدم إعادة ما أتى به مقارناً لظنّه، و أنّ الجزء اللاحق مترتّب على السابق الصحيح في موطن تحقّقه لا مطلقاً.

مع إمكان أن يقال: إنّ لزوم الإعادة ليس لواقعيّة الاستدبار بل للعلم به، و حيث إنّه غير مفروض في المقام الاستدبار الواقعي في الأثناء، و إنّما المفروض الاستدبار بالإضافة إلى التشخيص الظنّي المشترك بين الظنّين؛ فوقوع الصلاة مستدبراً واقعاً غير معلوم؛ و وقوع اللاحق بلا استقبال في نفسه أو في ما قبله بنحو ينافي صحّته التأهّليّة أيضاً غير معلوم، و إنّما هو مظنون بما لا دليل علىٰ تأثيره في العمل السابق عليه. و لو كان من أجزاء العمل الباقي فيه، فالصحّة التأهّليّة للأوّل مستصحبة، و مقتضاه كفاية إتباعه باللاحق الصحيح شرعاً.

و يمكن المناقشة في الفرعين أعني ترتّب الثاني علىٰ الأوّل كان ذلك في أثناء عمل واحد، أو قبل العمل المترتّب على السابق بأنّ المانع ليس هو العلم الإجمالي حتّى يقال بالعذر في ما سبق في حينه و في اللاحق من حينه، بل العلم التفصيلي بوقوع الثاني مع الاستدبار، أو مترتّباً علىٰ ما فيه الاستدبار بحيث يكون الإتيان بالثاني عملًا

بهجة الفقيه، ص: 248

بالظنّ الأوّل أيضاً؛ و هذا بخلاف العملين اللذين يعلم

إجمالًا بوقوع أحدهما مع الاستدبار؛ فإنّه لا يعيد إلّا مع انكشاف ذلك؛ فقبل الإتيان بالثاني، لا يعيد الأوّل و عليه الإتيان بالثاني، و لا يمكنه إلّا مع الظنّ الأخير، فهو عَلِم بتكليف يعذر في مخالفته علىٰ أيّ تقدير.

و أمّا منع حصول العلم فلا وجه له؛ فإنّ الظنّ الثاني و إن كان كالأوّل اجتهاداً لا تبيّناً، إلّا أنّه يعلم مع كون كلّ صلاة بالنسبة إلى الاجتهاد الآخر واقعة مستدبراً فيها، بأنّ إحداهما مستدبر فيها عن القبلة الواقعيّة أيضاً، إذ لا يمكن فرض ذلك إلّا مع الاستدبار الواقعي بناء علىٰ أعميّته من نفس اليمين و اليسار، فهذا العلم يمنع في صورة الترتّب لا مع عدمه، كما عرفت.

و من هنا يلزم الاحتياط بإعادة ما سبق بظنّه الأخير قبل الإتيان بالعمل اللاحق، لكنّه ليس لمكان الخروج من التكليف بالأوّل، و إلّا لزم ذلك مع عدم الترتّب و الاشتراط في العملين أيضاً، بل للخروج عن عهدة التكليف بالثاني أو اللاحق المعلوم فساده تفصيلًا لو اقتصر علىٰ الإتيان به وحده بظنّه الأخير.

[الأمر الثاني] أربع صلوات مترتّبة و غيرها مع أربع اجتهادات

و لو صلّىٰ أربع صلوات مع الترتّب بأربع اجتهادات، فقد ظهر الحكم ممّا مرّ، و مع عدم الترتّب، فلا يعيد إلّا مع كون تبيّن الخطأ بالعلم كما سبق؛ و لو بُني علىٰ الإعادة مع تبدّل الظنّ بالظنّ، فالظاهر لزوم إعادة ما عدا الأخير، للعلم الإجمالي بالاستدبار في الثلاثة المخالفة للاجتهاد الأخير، فيعلم بالاستدبار إمّا في الأخير أو في كلّ واحد من الثلاثة المتبيّن فيها خطأ الاجتهاد بالاجتهاد.

و قد مرّ عدم تأثير العلم الإجمالي مع وجود أصالة الصحّة في كلّ صلاة ماضية، و لزوم العمل بالظنّ الأخير الذي لم يتبدّل إلىٰ غيره، فلا موجب لإعادة شي ء؛ لكنّه علىٰ تقدير لزوم

الإعادة، فإعادة الأربع بلا وجه، و إعادة ما قبله متعيّنة.

بهجة الفقيه، ص: 249

و يمكن أن يقال: إنّ صلاتين من الثلاثة الأُوَل لا يجتمعان في عدم الاستدبار واقعاً، فحيث لا يتعيّنان فعليه إعادة الثلاثة بدون تعليق لحكم الاجتهاد علىٰ حكم العلم بالخطإ. و أصالة الصحّة في كلّ من الاثنتين في ضمن الثلاثة معارضة بها في غيره، للقطع بالمخالفة للواقع؛ نعم، العلم بالخطإ الكثير إذا كان في خارج الوقت لا يوجب القضاء و إن كان تفصيليّاً، فضلًا عمّا لو كان إجماليّاً.

و عن «الذكرى» ردّ القول بإعادة الجميع كما عن «نهاية الأحكام» بأنّه: لو وجبت الإعادة، لم يؤمر بالصلاة مع تغيّر الاجتهاد، و لعلّه يريد تعارض الاجتهادين مع عموم المتعلّق في كلّ منهما.

و يمكن الخدشة فيه مع عدم اختصاص الإيراد بالأوّل بأنّ المدار في صحّة العمل و عدم وجوب الإعادة، الظنّ الفعلي حال العمل، و عدم تبيّن الخطأ بعده في الوقت؛ فإن قلنا بأنّ الظنّ بالخلاف كتبيّن الخطا، فمقتضاه لزوم الإعادة في الوقت، لا عدم جواز الصلاة مع الظنّ الفعلي المتأخّر، بل الإعادة أيضاً علىٰ طبق الظنّ الفعلي حال الإعادة، و كيف يظنّ من يعلم تبدّل ظنّه بعد العمل؟ و كيف يتوقّف مع احتمال التبدّل عن العمل؟ ثم احتمل أخيراً بالاحتياط إلىٰ أربع، يعني في صلاته المتأخرة بعد التبدّل لمعارضة الظنّين، مع أنّه كيف يسقط الظنّ الثاني و لا يسقط الأوّل، حتى يحتاط في ما تأخّر، و لا يعيد ما تقدّم؟ كما في كلامه من التعليل بالدخول مشروعاً مع إمكان صحّته؛ إلّا أن يستند إلىٰ أصالة الصحّة، و فيه ما مرّ، مع إمكان الاستناد إلىٰ ما دلّ علىٰ كفاية التحرّي لما يأتي.

فلا وجه للزوم الصلاة إلىٰ أربع،

و كيف تتصوّر المعارضة بين الظنّين مع فعليّة الظنّ الأخير و كون الاعتبار بالظنّ الشخصي الفعلي حال العمل؟

و عن «الذكرى»: أنّه لو ظهر خطأ الاجتهاد بالاجتهاد، ففي القضاء أي إعادة ما صلّىٰ بالأوّل مطلقاً، أو بالوقت خاصّة، علىٰ حسب ما مرّ من وجوه الخطأ، إشكال.

بهجة الفقيه، ص: 250

قلت: تقدّم ما فيه في الانحراف الكثير، أو أنّه لا يعيد إلّا ما تبيّن الخطأ في الوقت مع عدم الترتّب بين الصلاتين؛ و تقدّم الإشكال مع الترتّب، كان في الأثناء. و لا ينافي ذلك اشتراط القبلة؛ فإنّه مقيّد بحسب الأدلّة بعدم الظنّ بالخلاف بالظنّ الذي لم يتعقّب بظهور الخطأ في ما بعده في الوقت، و إلّا أجزأ العمل بالظنّ؛ و أمّا معارضة الظنّين، فلا أثر لها في ما بعد العمل، كما مرّ.

[الأمر الثالث] بعض موارد العلم أو الظنّ بالاستدبار أو الشك

أمّا لو علم بالاستدبار في الوقت بعد العمل، و لكنّه لم يظنّ بالقبلة في جهة خاصّة و بقي متحيّراً في غير تلك الجهة، أعاد ما أتى به علىٰ حسب وظيفته الفعلي لو أُمر بالصلاة؛ فلو قلنا بالأربع على المتحيّر المطلق، كان علىٰ هذا الثلاث، أو قدر [ما] لا ينحرف عن القبلة إلّا بأقلّ من رُبع الدائرة كما مرّ في شرح قِبْليّة ما بين الشرقين؛ و لا إعادة في خارج الوقت كما لو اجتهد ثانياً، و كذا لو شك في اجتهاده بالأولويّة، لكنّه لا يعيد في الوقت أيضا لما مرّ من انحصار الإعادة بظهور الخطأ في الوقت.

و إن شكّ أو ظنّ الخطأ في الأثناء و أمكنه الاجتهاد في الأثناء، و أتمّ ما لم ينته إلى القطع بالاستدبار في السابق أو اللاحق بخلاف الانحراف اليسير، فلا مانع عنه؛ و إن لم يتمكّن من الاجتهاد في الأثناء، ففي

السعة يحتاط بالإتمام مع الاحتمال الغير المنتهى إلى القطع المذكور، ثمّ الإعادة بعد الاجتهاد؛ و في الضيق يتمّ بالاجتهاد الغير الموجب للعلم بالاستدبار، و ليس عليه الإعادة مع عدم التمكّن من صلاة في الوقت عن اجتهاد صحيح، و لو كان بركعة في الوقت بعد الاجتهاد.

نعم، يحتمل مع ضيق الوقت إتمام الصلاة علىٰ غير جهة الخطأ المتبيّن في الأثناء، و عدم شي ء من البطلان أو الإبطال؛ و ذلك لأنّه يُفهم من دليل إثبات الإعادة و نفي القضاء في الانحراف الكثير أنّه إذا لم يتمكّن من الإعادة في الوقت تصحّ صلاته و لو كان التبيّن في الوقت.

بهجة الفقيه، ص: 251

مضافاً إلىٰ دوران الأمر بين الاستقبال و الوقت في هذه الصلاة، و أهمّية الثاني معلومة، فيتمّها إلىٰ غير جهة الخطأ ممّا لا يقطع بالاستدبار في إحدى الجهتين.

و لو ظنّ بما فيه القطع بالاستدبار في واحد منهما؛ فإنّه يتمّ على الظنّ الأخير. و لا يضرّ القطع المذكور حيث لا يتمكّن من الصلاة المستأنفة بالاجتهاد الأخير و لو بركعة تامّة.

و أمّا كون تحريم القطع مانعاً عن الاجتهاد، فمخدوش بأنّه مع عدم إمكان تصحيح الصلاة بالاجتهاد السابق الزائل، فهو من البطلان لا الإبطال؛ كما لو شرع في الصلاة بالطهارة المستصحبة، ثم في الأثناء زال اليقين السابق، فلا دليل علىٰ تحريم القطع في مثل ذلك.

و لو بقي متحيّراً في الأثناء؛ فإنّه يعمل بالاحتياط مع السعة؛ فإن أتمّها بلا يقين بالاستدبار، فهو من أربعة الاحتياط علىٰ تأمّل، موجب للإعادة مع تبيّن الخطأ الكثير في الأثناء مع السعة، فالاحتياط في غير تلك الجهة بالتكرار المتقدّم.

[الأمر الرابع] حكم ائتمام شخص بالآخر مع الاختلاف في الاجتهاد

و أمّا ائتمام أحد المجتهدين بالآخر مع المخالفة بالانحراف الكثير كانت المخالفة في العلمين، أو الظنّين، أو مع

الاختلاف فحيث يرجع ذلك إلى العلم التفصيلي بوقوع صلاة المأموم مخالفة للواقع إمّا للمخالفة العرضيّة من جهة خطأ الإمام، أو الذاتيّة من جهة خطأ نفسه، و لا دليل علىٰ كفاية صحّة صلاة الإمام بحسب علمه أو اجتهاده في ترتيب الغير أثر الصحّة علىٰ تلك الصلاة، فهو متّحد في الحكم مع العلم بخطإ الإمام، أو الحجّة علىٰ خطائه، بحيث لا يجوز للمأموم أن يصلّي بمثل تلك الصلاة المخالفة للواقع علماً، أو ظنّاً معتبراً بحسب علم المأموم، أو ظنّه المعتبر، بحيث ليس فيه إلّا أنّ الصلاة بحسب اعتقاد المصلّي نفسه صحيحة مجزية.

بهجة الفقيه، ص: 252

و الحجّة القائمة على الطريقيّة و إن كانت مع المخالفة للواقع لا تكشف عن شي ء من المصلحة، فحجّة الإمام عند المأموم كالعدم، كالعكس؛ فلا بدّ من القول بحجيّة كلّ طريق لمن قام عنده و من يتّبعه، فليس للغير الائتمام بمن لا يتّبعه و هو عالم، أو ظانّ بعدم إصابة الإمام و عدم بدليّة ما في صلاته عن الواقع، كما هي لازمة للقول بالسببيّة.

فلا بدّ في القول بالإجزاء بعد انكشاف الخلاف في مورد، إلى الدليل الخاص كالإجماع و نحوه، الكاشف عن تقيّد الحكم الواقعي من الشرطيّة أو الجزئيّة، الكاشف عن المصلحة الواقعيّة بعدم الظنّ بالخلاف حين العمل بما يكون عذراً لدى المخالفة للواقع، و إلّا فالعدم على الطريقيّة على القاعدة.

و ليس من مورد البحث احتمال كون صلاة الشخص فاقداً للشرط مثلًا و لو كان معتقداً للصحّة أيضاً، أو احتمال وقوع الصلاة إلىٰ غير القبلة الواقعيّة عن اجتهاد، أو احتمال فقدان الصلاة على الميّت، الواقعة من الغير لبعض الشروط، أو احتمال فقدان الذبح لبعض الشرط لاعتقاد الصحّة، و كذا الجماعة الواقعة في الظلمة المحتمل

فيها مخالفة المأمومين للإمام في الجهة بالاختلاف الفاحش. فإنّها من موارد جريان أصالة الصحّة، و الكلام هنا في غير ذلك من موارد العلم بوقوع الصلاة فاقداً للشرط الثابت شرطيّة عند الغير معتمداً علىٰ اجتهاد الفاعل، كالغَسل الواقع للبول بالقليل مرّة باعتقاد الكفاية، و العقد الواقع بالفارسيّة باعتقاد الصحّة؛ فترتيب الغير أثر الصحّة علىٰ هذا العمل الذي هو فاسد بظنّ الغير أو عمله، يحتاج إلىٰ دليل كالسيرة أو لزوم العسر، و لو تمّ ذلك في مورد يقتصر عليه فيه.

بهجة الفقيه، ص: 253

المقدمة الرابعة في لباس المصلي

اشارة

بهجة الفقيه، ص: 255

الفصل الأوّل الصلاة في جلد الميتة و هنا أمور

[الأول] اعتبار التذكية و حكم الصلاة في مشكوك التذكية

لا تجوز الصلاة في شي ء من الجلود إلّا ما كان مذكّى، و لا تأثير للدبغ في غير المذكى عندنا.

و هل تجوز الصلاة في مشكوك التذكية؟

مقتضىٰ أصالة عدم التذكية علىٰ فرض عدم الدليل الاجتهادي علىٰ شي ء من الجواز و العدم، هو عدم الجواز.

و تقرير الأصل بأنّ الزهاق المحقّق كان مسبوقاً بعدم تحقّق السبب الوجودي المسمّى بالتذكية قبل الزهاق، فهو مستصحب إلىٰ زمان الزهاق و لا يعارضه أصالة عدم الزهاق حتف أنفه أو لسبب آخر غير التذكية؛ فإنّ الأثر للتذكية و عدمها، لا لأضداد التذكية إلّا أن يثبت استصحاب عدمها تحقّق التذكية. و هذا بخلاف استصحاب عدم التذكية، فيترتّب عليه رفع أثرها بلا إثبات.

و انتفاء التذكية و عدمها بانتفاء الزهاق الذي هو في قوّة الموضوع لهما، لا يستلزم إلّا انتفاء العدم المقابل للملكة لا انتفاء السلب المقابل للإيجاب، فيثبت حيث ينتفي الإيجاب.

و يبقى التأمّل في أنّ الاعتبار، بمجرّد عدم العلم بالتذكية في جواز الصلاة، كما هو

بهجة الفقيه، ص: 256

ظاهر إطلاق روايات مجوّزة للصلاة و نحوها بمجرّد عدم العلم بالميتة «1»؛ أو أنّ الاعتبار، بالأمارة على التذكية، و مع عدمها يحكم بعدم التذكية بالأصل الذي لا يجري إلّا مع عدم الدليل علىٰ أحد الطرفين؟

و يمكن أن يقال: إنّ لازم أصالة التذكية الموافقة للإطلاقات، عدم المحمل الصحيح لما أناط من الروايات «2» بيد المسلم، أو سوقه، أو أرضه، أو غلبة المسلم في الأرض.

[الأمر الثاني] أمارات التذكية و يد الكافر في أرض المسلمين

ثمّ إنّ ظاهر الروايات الاكتفاء بكلّ من اليد، و السوق للمسلمين، و الأرض الغالب فيها المسلمون في الحكم بالتذكية، فيؤخذ بمقتضىٰ الأماريّة في ما يحتمل فيه التذكية. و منه ما لو علم بمسبوقيّة يد المسلم بيد الكافر إذا احتمل الانتهاء إلى المسلم و يده.

و

هذا هو الوجه في الحكم الموافق لإطلاق دليل الأمارات المذكورة، لا أقوائيّة يد المسلم من يد الكافر و الترجيح بالأقوائيّة المذكورة، لعدم الدليل علىٰ الأقوائيّة.

فإنّ خبر «إسحاق» «3» المثبت للبأس مع عدم أغلبيّة المسلم في أرض الإسلام لا يدلّ علىٰ الأماريّة ليد الكافر، المكشوفة بعدم الغلبة المذكورة؛ فإنّه مع التساوي فضلًا عن غلبة الكافر، لا أماريّة ليد المسلم و ما يكشف عنها، لا أنّ أماريّتها معارضة بأماريّة يد الكافر و ما يكشف عنها، فيمكن أن يكون الموجب للبأس هو أصالة عدم التذكية مع عدم الأمارة عليها، لا ثبوت الأمارة علىٰ عدمها مع عدم أقوائيّة الأمارة علىٰ وجودها.

و كذا قوله

إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك

في خبر «إسماعيل» «4» لا يدلّ علىٰ أماريّة المشرك لعدم التذكية، و إلّا لم يكن وجه للسؤال مع الأمارة المعتبرة على العدم.

______________________________

(1) الوسائل 2، أبواب النجاسات، الباب 50.

(2) الوسائل 2، أبواب النجاسات، الباب 50.

(3) الوسائل 2، أبواب النجاسات، الباب 50، ح 5.

(4) الوسائل 2، أبواب النجاسات، الباب 50، ح 7.

بهجة الفقيه، ص: 257

كما أنّ الأمر في التبيّن في الآية الشريفة «1» ليس لأمارية إخبار الفاسق علىٰ خلاف الواقع، بل لعدم الأمارة علىٰ وفاق الواقع، فلا بدّ من الفحص عنها.

و بالجملة، فالمدار علىٰ الأصل المذكور أو الأمارة على التذكية؛ و منه يظهر أنّ يد الكافر لا حكم لها في أرض الإسلام و سوق المسلمين مع احتمال مسبوقيّتها بيد المسلم؛ فالكاشف عن يد المسلم لا دافع له، فهو كالمأخوذ من المسلم، المعلوم مسبوقيّة يده بيد الكافر، المحتمل مسبوقيّتها بيد المسلم.

و ما علّل به في محكيّ «الذكرى» من العمل الظاهر في الحكم بميتة ما في يد الكافر، لا يقتضي الأماريّة، لاحتمال العمل بالأصل، لا

بأماريّة يد الكافر؛ فإنّ ما في يد الكافر يعلم بعدم تذكية الكافر له، لأنّه ليس من أهلها.

و أمّا عدم التذكية من المسلم مطلقاً، فهو أمر محتمل؛ فيمكن انكشاف التذكية بأمارة سابقة من يد المسلم، أو بكاشف عن يده من أرض أو سوق للمسلمين.

و منه يظهر أنّ اشتراك اليدين لا يمنع عن أماريّة يد المسلم على التذكية و إن علم بسبق يد الكافر مستقلّة، إذا احتمل سبق يد المسلم على السابقة أيضاً.

فلا ينبغي الإشكال في المأخوذ من يد الكافر في أرض المسلمين مع احتمال تذكية المسلم و يده، و كذا المأخوذ من المسلم مع العلم بسبق يد الكافر مع احتمال سابقيّة يد المسلم على اليد السابقة أيضاً.

و منه يظهر ما في دعوى التعارض بين سوق المسلمين و يد الكافر بالعموم من وجه، و الجواب عنه، بالترجيح بالشهرة و الإجماع كما في «الجواهر» «2»؛ و بقوّة يد المسلم المسبوقة بيد الكافر في التعارض بين اليدين؛ فإنّ التعارض ساقط بعدم أماريّة يد الكافر علىٰ عدم التذكية رأساً، حتّى يجاب بأنّ التعارض هنا بين الدليلين لا بين

______________________________

(1) الحجرات، 6.

(2) جواهر الكلام، 8، ص 54.

بهجة الفقيه، ص: 258

المؤدّى فيهما، مع أنّ التعارض بين الدليلين فقطّ هو المسقط لهما، فيرجع إلىٰ الأصل، و لا أثر للأقوائيّة.

كما أنّ اليدين لا مزاحمة فيهما و لا معارضة لما مرّ؛ و أنّ التعدّد في الدليل ليس من المرجّحات المنصوصة «1»، و لعلّ المرجّح لا يرجّح بغير المنصوص مرجحيّته.

بل قد مرّ انحصار الدليل علىٰ أماريّة يد المسلم و أنّه الواضح دلالة الدليل عليه؛ كما أنّ أصالة الصحّة الواقعيّة لا فرق فيها بين المسلم و الكافر، و الاعتقاديّة في فعل المسلم لا تثبت الواقعيّة.

و لا

أصل لأصالة الفساد في فعل غير المسلم، و ليس فيها إلّا عدم جريان أصل الصحّة الاعتقاديّة للمسلم.

و يد المسلم كاشفة عن التذكية في يده أو سابقاً، و معه لا يتيقّن بعدم التذكية في زمان الوقوع في يد الكافر، حتّى يستصحب، حتّى يعارض الاستصحاب بالأمارة على التذكية.

مع أنّ الأمارة لا يفرّق فيها بين السابقة و غيرها، و لذا يحكم بالتذكيّة لما في يد الكافر إذا علم سبق يد المسلم علىٰ يده، و قد مرّ عدم الأماريّة إلّا ليد المسلم و ما يكشف عنها كأرض الإسلام مع علامة، كأثر الاستعمال المحمول علىٰ كون المستعمل مسلماً للغلبة، لا ما احتمل إلقاء الحيوان من فوق له.

و ممّا مرّ يظهر ما في تقديم حكم يد المسلم على الفعلي من يد الكافر، و أنّه من تقديم اليد علىٰ الأصل، أمّا يد الكافر علىٰ سوق المسلم و أرضه فقد مرّ كشفهما عن يد المسلم، و لا أماريّة ليد الكافر، فلا وجه للعكس؛ بل الظاهر أنّ الفحص عن أمارة التذكية من السؤال المأمور به في ما في يد الكافر، فلا محلّ لتقديم

______________________________

(1) الوسائل 18، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 9.

بهجة الفقيه، ص: 259

استصحاب حكم اليد على السوق و الأرض للمسلمين كما في «الجواهر» «1» الاستشكال فيه.

كما يظهر ممّا مرّ حال استصحاب حكم الأرض و السوق للمسلمين، و أنّه من استصحاب المكشوف بهما من التذكية، المستفادة من الأمارة علىٰ يد المسلم، و أنّه لا يدفعه أرض الكافر و سوقه الفعليّين، لعدم الأماريّة في يد الكافر فضلًا عن الأمارة عليها.

و قد استثنى القول بعدم أماريّة سوق الكافر و أرضه بنحو الاحتمال في أواخر كلامه في «الجواهر» هنا، مع أنّ يد الكافر كالأمارة

عليها في الاعتبار و عدمه، و أنّه لا أصل لغير أماريّة يد الكافر و الأمارة عليها. و استصحاب حكم أرض الإسلام لا حاجة إليه، بل اليد السابقة المكشوفة بأرض الإسلام أمارة غير مدفوعة بيد الكافر، فضلًا عن أرض الكفر و سوقه. و اليد كافية في قطع الأصل بناء علىٰ عدم الأماريّة كما ذكرناه.

و منه يظهر أنّ اشتراك الأرض كاشتراك اليد، و الأمارة يد المسلم و الأمارة عليها، لا يد الكافر و الأمارة عليها.

و أمّا ما عن «الكشف» من: «أنّه مع العلم بوجوده في السوقين فلا ينوط البناء على التذكية بالتاريخ»، فإنّما يتمّ علىٰ ما سلكناه من أنّ سوق المسلم أمارة علىٰ يد المسلم مع احتمال التذكية السابقة، و لا أمارة في قبالها؛ و أمّا مع أماريّة سوق الكفر علىٰ عدم التذكية، فلا وجه لاحتمال التذكية اللاحقة في سوق المسلمين، فينوط الحكم بالتذكية علىٰ عدم العلم بسبق الوجود في سوق الكفر.

إلّا أن يقال: إنّ السوق اللاحق أمارة على المحتمل من التذكية السابقة، و السوق السابق أمارة علىٰ عدم التذكية السابقة، و مع التعارض يقدّم الأقوىٰ.

______________________________

(1) جواهر الكلام، 8، ص 55 و 59.

بهجة الفقيه، ص: 260

و قد مرّ أنّ الأمارة واحدة، و معها فليس في السابق إلّا الأصل المقطوع بالأمارة، و لو كانت سابقة على التذكية السابقة، أي حال زهاق الروح.

و أمّا تقييد الحكم بالتذكية في الأرضين بسبق الكون في أرض الإسلام، فمع سبق أرض الكفر و العلم به لا محلّ لأماريّة أرض الإسلام إلّا علىٰ ما مرّ من الأماريّة على التذكية السابقة و عدم أماريّة أرض الكفر على العدم؛ و معه يتّحد الأرض و السوق في الحكم بمقتضىٰ الأمارة المتحدة. و اشتراك الأرض بين ثبوت

أثر الاستعمال و عدمه مشترك في الأرضين، كتعيّن التصرّف في السوق، المكشوف كون المتصرِّف فيه مسلماً في السوقين. و لا بدّ من تقييد ما في الأرض بعدم احتمال الوقوع بإطارة الريح أو إلقاء الحيوان مثلًا، بل المحتمل فقطّ إلقاء إنسان متصرِّف فيه، مكشوف كونه مسلماً بالغلبة.

و أمّا الاستشكال في الفرق بين السوق و الأرض في الإناطة بالعلم بالتاريخ، أي بسبق الإسلام في الثاني لا الأوّل، فيمكن أن يكون لعدم الإناطة في المقامين، لكشف الأمارة عن التذكية السابقة، فتقدّم علىٰ أمارة الخلاف.

و يمكن أن يكون للإناطة فيهما، لأنّ المكشوف هو التذكية في زمان الكون، فيضرّها العلم بسبق الكون في محلّ الأمارة علىٰ عدم التذكية فيه من سوق و أرض.

ثمّ إنّ زمان الترافع لا يتفرّق فيه الحكم بأماريّة اليد على التذكية، كانت أماريّته على الملك محفوظة أو لا، و الحكم بالملك ثابتا أو لا بمثل الكون في اليدين أو غيره. و استلزام ملك المسلم للتذكية الواقعيّة لا يثبت تحقّق الأمارة على الملك، لأنّ الحكم كالأصل، و مع الأمارة على التذكية لا ينتظر الملك.

ثمّ إنّه لا يجتمع البناء علىٰ أماريّة شي ء للتذكية، مع احتمال غير الكشف عن وقوع التذكية حال زهاق الروح، [سواء] سبق الحكم بعدم التذكية لأمارة أو غيرها، أو الحكم بالتذكية؛ بل الأمارة كاشفة عن التذكية في حال زهاق الروح و لو كان حدوث الأمارة بعد مدّة من زهاق الروح؛ مع أنّه لا نعلم أمارة تحكي عن الوجود السابق و تؤثّر في حين حدوثها.

بهجة الفقيه، ص: 261

كما أنّه لا تجتمع الأمارة، مع القول بأنّ الثابت حكم التذكية في ما تأخّر من الأزمنة، لا حقيقتها المتقدّمة بزمان؛ بل ما نحن فيه بالعكس من أصالة الصحّة و

قاعدة الفراغ حيث يحكم فيهما بصحّة اللاحق من الأفعال المنوطة بالتذكية دون السابق.

و قد عرفت: أنّه مع الأماريّة فلا بدّ من الالتزام بذلك هنا بمثله، لو كان المدرك أصالة الصحّة في موارد قاعدة الفراغ و قلنا بجريانها و أماريّتها في كلّ من فعل النفس و الغير.

و أمّا ما يحكم به على التذكية من يد، أو سوق، أو أرض للإسلام و أنّه أمارة أو أصل عملي؟ فيبعّد الأخير عدم معهود [يه] أصليّ عمليّ غير تنزيليّ يتقدّم علىٰ الأصل المحرز بدون خصوص دليل في مورد خاصّ، كما في مثل «قاعدة التجاوز» مع الاستصحاب لورود الأوّل في مورد الثاني.

مع أنّ ملاك الأماريّة و هي الغلبة الوجوديّة فيها في أيدي المسلمين و ما يكشف عنها، و أنّه طاهر يستعمل في ما ينوط بالطهارة في ما كان ذلك منفعته الظاهرة موجود في المفروض.

[الأمر الثالث] الأمارة تقتضي الصحّة الواقعية أو الاعتقادية؟

ثمّ إنّ المحكوم عليه باليد أو غيرها من الأمارات، هل هو الصحّة الواقعيّة أو الاعتقاديّة عند ذي اليد؟

يمكن أن يقال: إنّ المدرك إذا كان هو أصالة صحّة فعل المسلم، فما يكشف عنه فعل المسلم هو عدم كونه حراماً، لا كونه واجداً لشروط الوضع، بل المكشوف عنه هو عدم الحرمة باعتقاد ذي اليد؛ فإذا فرض اعتقاده للتذكية بالدباغ، فلا أثر للحمل على الصحّة، بخلاف ما إذا كان المدرك أصالة صحّة فعل العامل، و كونه بحيث يترتّب عليه الأثر المترتّب منه كسائر معاملاته؛ فالمحكوم بالصحّة هو لتصرّف المعاملي

بهجة الفقيه، ص: 262

المكشوف باليد البانية علىٰ ذلك التصرف؛ فلا بدّ من البناء على الصحة الواقعيّة و شروطها الواقعيّة.

و عليه، يعمل بأصالة عدم التذكية على التقدير الأوّل في جميع موارد الاختلاف في الاجتهاد، أو التقليد، أو اختلاف المذهب، أو الدين،

بخلاف التقدير الثاني الموافق عملًا لما هو المشهور، كما عن «الروض»، و عمل الأصحاب و فتواهم، كما عن «المدارك»، بل السيرة المعلومة التي هي فوق الإجماع كما في «الجواهر» «1». و اختلاط فِرَق المسلمين مع بناء كثير منهم على الطهارة بالدباغ، أمر غير منكر.

و عليه، فالمقام من موارد أصالة الصحّة في معاملات العقلاء، يعني «أصالة الصحّة في العمل» المنوط بالطهارة من المعاملة بالمعنى الأعمّ، المكشوفة باليد التي بنيت علىٰ الاتّخاذ لذلك.

فما يستفاد من خبر «أبي بصير» عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام في حكاية عمل الإمام السجّاد عليه السلام في صلاته و غيرها من التجنّب عن الفرو العراقي في الصلاة دون اللّبس «2»، لعلّه يحمل على التنزّه الذي هو أشدّ مطلوبيّة في الصلاة من غيرها، أو علىٰ جواز الانتفاع بالميتة في غير المشروط بالطهارة، فضلًا عن مشكوكها المحلّلة ظاهراً.

و دعوىٰ عدم معقوليّة الاحتياط في حقّ المعصوم عليه السلام عن الخطأ و الخطيئة، مدفوعة بعدم اطّراد عملهم بمقتضىٰ علومهم الغيبيّة في جميع الأُمور الظاهرة، فكيف يأمر بالتنزّه عن جلود «العراق» و هو يلبسها لعلمه بخصوصيّات أشخاص الجلود؟ إلّا أن يقال: إنّ العلم بالميتة واقعاً مانع عن الصلاة، دون اللبس و نحوه ممّا لا يشترط بالطهارة علىٰ وجه. مع ما يستفاد من النصوص من الإطلاق، حتى أنّه وقع السؤال عن الشراء في بيع المسلم الغير العارف، و الجواب بأنّ اللازم السؤال في بيع المشركين في خبر «إسماعيل

______________________________

(1) جواهر الكلام، 8، ص 58.

(2) الوسائل 3، أبواب لباس المصلّى، الباب 61، ح 2.

بهجة الفقيه، ص: 263

بن عيسى» «1»؛ و السؤال عن شراء الخفاف في السوق مع عدم العلم بالتذكية، و الجواب بقوله عليه السلام

نعم، أنا أشتري

الخف من السوق و يصنع لي و أُصلّي فيه و ليس عليكم المسألة.

في خبر «البزنطي» «2» عن الإمام الرضا عليه السلام. و لا يمكن حملها مع موافقتها للشهرة، علىٰ غير الجواز، بخلاف ما قابلها القابل للحمل على التنزّه.

و ما في خبر «عبد الرحمن» من قوله عليه السلام

استحلال أهل العراق الميتة «3»

إلىٰ آخره؛ فإنّه يحمل على المنع عن البيع علىٰ أنّها ذكيّة، لا عنه علىٰ شرط بائعه للتذكية؛ فلو لم يتمّ الحكم بالتذكية لما جاز الشراء ثمّ البيع و لو مع السكوت، بل حيث إنّ الإخبار بالتذكية عن علم، تدليس ممنوع عنه، أوجب المنع عن البيع علىٰ ذلك.

و بالجملة، فاليد من المسلمين من أمارات التذكية، و احتمال عدمها من المستحلّ للميتة بالدبغ لا أثر له في غير التنزّه، ضرورة ندرة التذكية عندهم بالدبغ بحيث تكون لاحقة بغير المحصور، و ليس قيام السوق بهذه الأشياء النادرة غير الغالبة.

و أمّا الإخبار من المستحلّ بالتذكية فلا أثر له، إذ مع أماريّة اليد عن التذكية الواقعيّة لا حاجة إلىٰ الإخبار، و مع عدمها فإخباره لا يثبت أزيد ممّا يعتقده تذكية، إلّا أن يخبر بالتذكية بالذبح و إن كان يعتقد التذكية بغيرها. و الممنوع في خبر «ابن الحجّاج» «4» منع الإخبار بالتذكية في اليد مستنداً إلىٰ إخبار البائع المستحلّ بالتذكية، لا إلىٰ إخباره بالتذكية بالذبح.

[الأمر الرابع] إذا سبقت يد الكافر على المسلم

و هل يمكن التمسّك باليد للمسلم، المسبوقة بيد الكافر إذا احتمل مسبوقيّتها بيد المسلم؟

______________________________

(1) الوسائل 2، أبواب النجاسات، الباب 50، ح 7 و 6.

(2) الوسائل 2، أبواب النجاسات، الباب 50، ح 7 و 6.

(3) الوسائل 2، أبواب النجاسات، الباب 61، الحديث 3.

(4) الوسائل 2، أبواب النجاسات، الباب 61، الحديث 4.

بهجة الفقيه، ص: 264

يمكن الأخذ

بأماريّة يد المسلم مع احتمال التذكية بناء علىٰ عدم أماريّة يد الكافر علىٰ عدمها.

إلّا أن يقال: ملاك الأماريّة في يد الكافر موجود كالسوق و الأرض لهم، و إلّا لاختلّ نظم أمورهم في ما كان هناك عندهم مذكّى و غير مذكّى، و طاهر و نجس، ممّا يقرّون عليه؛ فالأماريّة على التذكية عند المخالفة للتذكية عندنا، إخبار استلزاميّ عن عدم التذكية الواقعيّة، و هذا لا رادع له، و إن ناقشنا في دلالة الأخبار السابقة عليه.

لكنّه في ما كان أمارة عن تذكية خاصّة ملازمة لعدم التذكية الواقعيّة؛ فلو اختلفوا و كان فيهم مستحلّ الميتة مطلقاً بحيث يكون المحرّم ما يتنفّر الطبع عندهم، فلا أمارة؛ و كذا ما لم يطّلع علىٰ حال اليد و السوق السابقين في طريقتهم و أديانهم بعد التفحّص العادي.

[الأمر الخامس] شمول المنع لما لا تتمّ فيه الصلاة و المحمول

بقي الكلام في عموم المنع عن الصلاة في الميتة في ما لا تتمّ فيه الصلاة.

مقتضىٰ رواية «ابن أبي عمير»، أنّه لا تصلّى في الميتة و لا في شسع منه، «1» العموم؛ فإنّه كناية عن غاية القلّة و الحقارة، و قد حكىٰ في «الجواهر» «2» عدم الخلاف صريحاً فيه. فعليه، تخصيص العموم في ما لا تتمّ فيه الصلاة بالنسبة إلىٰ عموم الموانع «3»، و ما في أمر موسى عليه السلام بخلع النعلين «4»، لا يدلّ على الجواز في غير المقام، لاحتمال حدوث المنع في ذلك الزمان؛ مع أنّ الجواز للّبس غير تجويز الصلاة.

______________________________

(1) الوسائل، 3، أبواب لباس المصلي، الباب 1، الحديث 2.

(2) جواهر الكلام، 8، ص 61.

(3) الوسائل 2، أبواب النجاسات، الباب 31.

(4) طٰه، 12.

بهجة الفقيه، ص: 265

بل يمكن استفادة المنع في الصلاة من الأمر في «الوادي المقدّس»، مع أنّ الأمر يمكن ندبيّته بالنسبة إليه، مع

أنّ التفسير بكون النعل من جلد حمار ميّت «1» معارض بما دلّ علىٰ أنّ المراد الأمر بنزع حبّ الأهل من القلب.

و يمكن إلحاق المحمول بالملبوس، كما في سائر موارد الجواز و المنع، لا للقياس، بل للاشتراك في صدق الصلاة فيه، و أنّه ممّا تتمّ الصلاة فيه وحده أو لا، و أنّ ما لا يتمّ فيه الصلاة يفرّق فيه بين الميتة و غيرها.

و يؤيّد الإلحاق خبر الفأرة «2» و فيه التعليق بالذكاة، و خبر تقليد السيف «3» إن لم يكن غير المحمول، لصدق الصلاة فيه.

[الأمر السادس] اختصاص المنع بميتة ذي النفس

] ثم إنّه قد يدّعىٰ انصراف دليل المنع عن الصلاة في الميتة، إلىٰ ما له نفس سائلة، لأنّه الميتة النجسة التي ينصرف إليها الإطلاق، و هي التي كان يتّخذ منها الجلود و الألبسة و سائر ما يصلّى فيه.

و مع عدم إطلاقها يحكّم إطلاق الصلاة المأمور بها مع الشك في المانعيّة؛ كما أنّه مع المناقشة في هذا الإطلاق الذي قوّيناه على الوضع للصحيح أيضاً، يجري الأصل في الأقل و الأكثر الارتباطيّين.

و أمّا خبر «ابن مهزيار» المجوّز للصلاة في القرمز، فالاستدلال به مبنيّ علىٰ ثبوت المعنىٰ، و أنّه الموافق للعرف السابق باللغة، و هو محلّ التأمّل، و إن نقل محكيّ «القاموس»، و ذكره في «اللسان»، إلّا أنّه ذكر: «أنّه صبغ أرمني أحمر يقال إنّه من عصارة دود يكون في آجامهم»، و قال أيضاً: «و يقال إنّه حيوان تصبغ به الثياب فلا يكاد تنصل لونه»، و كذا نسبه إلى القائل في «البرهان»، و الرواية ذكرها في

______________________________

(1) الوسائل، 3، أبواب لباس المصلي، الباب 1، الحديث 2 4.

(2) الوسائل 3، أبواب لباس المصلّى، الباب 41.

(3) الوسائل 2، أبواب النجاسات، الباب 50، ح 4.

بهجة الفقيه، ص:

266

«الوسائل» «1» في تعداد ثلاثة، إحداها عن «علي بن مهزيار»، و الثانية عن «إبراهيم بن مهزيار» عن أبي محمّد عليه السلام، و الثالثة عن أبي جعفر عليه السلام مع اختلاف ما، و سند «الفقيه» إلىٰ «إبراهيم بن مهزيار» صحيح، و هي رواية «الفقيه» عن «إبراهيم بن مهزيار».

كما أنّ الإجماع المنقول في «الجامع» عن «المعتبر» علىٰ جواز الصلاة في ما لا نفس له و إن كان ميتة، غير معلوم، و إن لم يكن معلوم العدم، أعني عدم الدعوىٰ من «المعتبر» و علىٰ تقديره، فلعلّه استنباط منهم من السيرة علىٰ عدم الاجتناب عن نحو القمّل و البرغوث و البقّ.

إلّا أن يقال: إنّها ممّا يعسر الاجتناب عنه نوعاً، و ما كان كذلك لا منع فيه، فلا يتعدّىٰ إلىٰ غير مورد العسر نوعاً و شخصا، كما هو المبحوث عنه.

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب لباس المصلي، الباب 44 و الفقيه، 1، ص 263/ 810.

بهجة الفقيه، ص: 267

الفصل الثاني الصلاة في أجزاء ما لا يؤكل لحمه

مسألة: ما لا يؤكل لحمه ممّا يقبل التذكية، يجوز انتفاع به بعد التذكية، و لا تصحّ الصلاة فيه

اشارة

و قد حكي عليه الإجماع منّا، و دلّت عليه الروايات المستفيضة في السباع «1»، و رواية «ابن بكير» «2» و غيرها.

و أمّا الاستدلال بأنّ الموت إذا تحقّق بزهاق الروح في الحيوان يشمله المنع عن الانتفاع بالميتة، و تأثير الذباحة مع احتمال دخالة حلّية الأكل في التذكية غير معلوم، و الأصل عدم التذكية، و العلم بجواز الانتفاعات لا يتعدّىٰ به إلىٰ غير المعلوم، الداخل في عموم المنع يعني الصلاة، ففيه أنّ تأثير الذباحة في جواز الانتفاعات بغير المأكول مع عدم تأثير ما فيه إذا كانت لا على الوجه المشروع، يدلّ علىٰ تأثيرها في التذكية في مورد الجواز، و عدم التأثير في مورد المنع.

مع أنّ كون الميتة من المأكول إذا ذبحت لا على الوجه

المشروع، غير جائز الانتفاع؛

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب لباس المصلي، الباب 5 و 6.

(2) الوسائل 3، أبواب لباس المصلي، الباب 2، ح 1.

بهجة الفقيه، ص: 268

و كونها من غير المأكول إذا ذبحت على الوجه المشروع لولا الحرمة، جائز الانتفاع، أمر مستبعد جدّاً، مع عدم الالتزام بتأثير الذباحة في التذكية هنا دون الميتة من المأكول. نعم، لا بدّ من إثبات القابليّة في غير المأكول بدليل أو أصل، و إلّا كان كما إذا ثبتت القابليّة دون الذبح المشروع المعلوم.

كما أنّ ما يستظهر من رواية «ابن أبي حمزة» «1» من اعتبار حلّية الأكل في التذكية، مع احتمال إرادة الدخل في جواز الصلاة بالمذكّى، المتعيّن هذا الاحتمال بصراحة رواية «ابن بكير» «2» بالخلاف، حيث قال عليه السلام فيه

ذكّاه الذبح أو لم يذكّه.

كما أنّ الأصل مقطوع بما دلّ علىٰ كفاية التذكية في غير المأكول في سائر الانتفاعات غير الصلاة.

كما أنّ الميتة في الآية الشريفة «3» لعلّها الميتة العرفيّة، و إنّما يلحق بها غير المذكى شرعاً بالدليل المقتصر علىٰ مفاده في الأحكام، بل يمكن أن يراد بها حرمة الأكل فقطّ، و إنّما يتعدّىٰ عنها بالدليل، فلا يمكن أن يستفاد منها أنّ غير معلوم التذكية و منه غير المأكول، محرّم مطلقاً في سائر الانتفاعات التي منها الصلاة لكونه ميتة.

عموم المنع لذي النفس الذي له لحم ثم إنّه يمكن أن يقال بعموم المنع لغير ذي النفس أيضاً إذا كان له لحم، و لا عبرة بالانصراف إلىٰ ما يكون ميتة نجسة، و لذا يتعدّىٰ إلىٰ غير النجس من أجزاء الميتة النجسة من غير المأكول، [سواء] قيل بكون غير ذي النفس الخاصّ غير قابل للتذكية، أو أنّ تذكيته بالذبح أو بالإخراج؛ فإنّه علىٰ أيّ

تقدير داخل في ما يحلّ أكله، و منه السمك المحرّم أكله، و سائر الحيوانات البحريّة، و ما يعيش في البرّ و البحر

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب لباس المصلي، الباب 2، ح 2 و 1.

(2) الوسائل 3، أبواب لباس المصلي، الباب 2، ح 2 و 1.

(3) المائدة، 3.

بهجة الفقيه، ص: 269

ممّا ليس له نفس سائلة. و عدم تعارفها و عدم تعارف لبس المأخوذ منه لا يمنع عن الإطلاق.

نعم، موارد السيرة القطعيّة كالحرج الواضح ممّا يعسر التجنّب عنه على النوع و الأشخاص كالقمّل و البراغيث و أمثالها من المؤذيات، خارجة عن العمومات في ما لا يحلّ، لكنّ الظاهر أنّها حيث لا لحم لها فهي غير داخلة في تلك العمومات، و مثلها الزنبور و الجراد و الشمع و اللؤلؤ و الحرير الممتزج.

و المراد ممّا لا يحلّ في رواية «ابن بكير» «1» بشارحيّة التصريح فيه، و شارحيّة بعض ما فيها للبعض، هو ما لا يحلّ أكله بلا إطلاق لما لا لحم له يؤكل. و مقتضى الأصل مع عدم العموم هي البراءة في ما شكّ في مانعيّته.

و أمّا سائر الفضلات غير الشعر و الصوف من لحس الهرّة و نحوها، فالظاهر دخولها في العمومات المعبّرة ب «كلّ شي ء منه»؛ نعم، لو قيل بعدم المنع عمّا لا تتمّ فيه الصلاة و كان التلطّخ للبدن بهذه الفضلات من أوضح أفراد المانع، أمكن إخراجها.

و أمّا صحيح الخرز و اللؤلؤ «2» و عدم البأس عمّا في الفم منهما مع عدم المنع عن القراءة، فلا يدلّ [علىٰ] عدم المنع عمّا في الظاهر، لو عمّهما المانع بكون الأصل ذا لحم، أو عدم اعتبار اللحم كما مرّ.

و أمّا فضلات الإنسان [سواء] كانت للمصلّي أو غيره، فالظاهر انصراف

الأدلّة عنها، و لو كان السبب وقوع الابتلاء الكثير الذي لا يكفي في منعه العموم؛ بل العموم في أمثال ذلك ممّا يكثر الابتلاء و يستمرّ ما كان قبل صدور البيان إلىٰ ما بعده، محتاج إلى الدليل الصريح، بخلاف سائر الموارد المحتاج فيها التقييد إلى التصريح.

مع أنّ الصحيح «3» جوّز الصلاة في ثوب يكون فيه شعر الإنسان و أظفاره مع إلغاء

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب لباس المصلي، الباب 2، ح 1.

(2) الوسائل 3، أبواب لباس المصلي، الباب 60، ح 3.

(3) الوسائل 3، أبواب لباس المصلي، الباب 18، ح 2.

بهجة الفقيه، ص: 270

الخصوصيّة إلىٰ غيرهما من فضلات الإنسان، و مثله رواية «الريان بن الصلت» «1»، و خبر «الحسين بن علوان» في البزاق «2»، و في حمل المرأة ولدها و إرضاعه «3»، و خبر «سعد الإسكاف» في النكاح في القرامل «4»، و في جعل سنّ الميت مكان الساقط من سنّ الحيّ عن «المكارم» عن «زرارة» عن الإمام الصادق عليه السلام «5».

و لو نسج من الشعور لباساً، فالأظهر عدم المنع. و اعتبار كون ما يصلّى فيه ممّا يحلّ أكله تعبير عن مفهوم المنع عما لا يحلّ أكله، لا أنّه اشتراط زائد على المانعيّة، و من الواضح عدم اعتبار كون الثوب ممّا يحلّ الأكل في أصله.

و علىٰ أيّ تقدير، فموارد السيرة كموارد معلوميّة الحرج و أمثالها ممّا لا ينبغي الاستشكال في عدم المنع فيها.

[و هنا أمور]
[الأول] أدلّة جواز الصلاة و عدمه في ما لا تتمّ فيه الصلاة من غير المأكول

ثم إنّه وقع الخلاف في ما لا تتمّ فيه الصلاة من غير المأكول.

و المنع موافق لمدلول موثّقة «ابن بكير» «6»، لأنّ فيها ذكر الشعر و الوبر، و الألبان و الروث و البول و كلّ شي ء منه؛ و فيها التصريح بالفساد و لزوم الإعادة، و ليس

فيها مجرّد النهي القابل للاستعمال في الحقيقة و المجاز علىٰ وجه.

و كذلك مكاتبة «إبراهيم بن عقبة» علىٰ ما نقل عن «الشيخ» بإسناده في الصحيح عن «عن علي بن محمّد بن مهزيار» في الجوارب و التكك المعمولة من وبر الأرانب

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب لباس المصلي، الباب 18، ح 1.

(2) الوسائل 2، أبواب النجاسات، الباب 17، ح 6.

(3) الوسائل 4، أبواب قواطع الصلاة، الباب 24.

(4) الوسائل 14، أبواب مقدمات النكاح و آدابه، الباب 101، ح 2.

(5) الوسائل 3، أبواب لباس المصلي، الباب 31، ح 4.

(6) الوسائل 3، أبواب لباس المصلي، الباب 2، ح 1.

بهجة الفقيه، ص: 271

لا تجوز الصلاة فيها «1»

، و رواية «الريان بن الصلت» في الخفاف من أصناف الجلود، و أنّه لا بأس بهذا كلّه إلّا الثعالب «2». و كذلك المرويّ عن «أحمد بن إسحاق الأبهري» «3»، و رواية «إبراهيم بن محمد الهمداني»

قال كتبت إليه: يسقط علىٰ ثوبي الوبر و الشعر ممّا لا يؤكل لحمه، من غير تقيّة و لا ضرورة، فكتب: لا تجوز الصلاة فيه «4»

، و كذلك إطلاق رواية

محمّد بن إسماعيل «5».

و يدلّ على الجواز رواية «ابن أبي عمير» «6» في ما لا تجوز الصلاة وحده، و فيها التمثيل بالقلنسوة و الخفّ؛ فهي بعمومها تدلّ على الجواز لا تتمّ فيه الصلاة من غير المأكول، و يقوّي الأخذ بها نظرها إلىٰ مدلول أدلّة الموانع في ما لا يصلّى فيه، فلا تلاحظ النسبة بينهما.

لكنّه يمكن الخدشة فيه بأنّ مفادها أنّ ما لا تتمّ فيه الصلاة خارجة عن مدلول أدلّة الموانع، فلا تجري في ما ورد في ما لا تتمّ فيه الصلاة خاصّة من الحرير، و الميتة، و غير المأكول؛ فالاختصاص الغير

المضرّ بالحكومة، ما كان بنحوٍ لا يخالف مفاد الحاكم الذي هو تخصيص واقعاً، و إن كان يزيد عليه إثباتاً.

و مكاتبة «محمّد بن عبد الجبار» الصحيحة، و فيها في السؤال

هل يصلّى في قلنسوة عليها وَبر ما لا يؤكل لحمه، أو تكة حرير محض، أو تكة من وبر الأرانب؟ فكتب: لا تحلّ الصلاة في الحرير المحض، و إن كان الوبر ذكيّاً حلّت الصلاة فيه إن شاء اللّٰه «7».

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب لباس المصلي، الباب 14، ح 3.

(2) الوسائل 3، أبواب لباس المصلي، الباب 14، ح 5 و 3.

(3) الوسائل 3، أبواب لباس المصلي، الباب 14، ح 5 و 3.

(4) الوسائل 3، أبواب لباس المصلي، الباب 2، ح 4 و 7.

(5) الوسائل 3، أبواب لباس المصلي، الباب 2، ح 4 و 7.

(6) الوسائل 3، أبواب لباس المصلي، الباب 14، ح 2.

(7) الوسائل 3، أبواب لباس المصلي، الباب 14، ح 4.

بهجة الفقيه، ص: 272

لكن فيها اعتبار الذكاة في وبر ما لا يؤكل لحمه مع أنّه ممّا لا تحلّه الحياة، فلا مانع من حيث الميتة فيه، و المفروض عدم المنع من حيث عدم حلّ الأكل، فأيّ محمل للتعليق. و مثله وارد في رواية «التحف» «1» مع زيادة في رواية «التحف»، و هي قوله

من الميتة و غير الميتة

، و يمكن إرادة ذكاة الأصل، يعني عدم كونه نجس العين، أو يتعيّن الحمل عليه حيث يبتنىٰ الأخذ بها عليه.

و ما في «المستدرك» عن «فقه الرضا عليه السلام

«و قد تجوز الصلاة لم تنبته الأرض، و لم يحلّ أكله، مثل السنجاب و الفنك و السمور و الحواصل، إذا كان ممّا لا يجوز في مثله وحده الصلاة «2».

و جمع في «الحدائق» بين

الطائفتين بالحمل على التقيّة، و علّله باستفاضة الأخبار على المنع. و فيه أنّ الظاهر أنّه أي المنع المشهور.

علاج التعارض و ترجيح روايات المنع و لا يخفىٰ بُعد الجمع العرفي بين الطائفتين مع التصريح بالفساد في محلّ البحث في أحدهما، و بحلّية الصلاة في الآخر، فتصل النوبة إلىٰ علاج التعارض.

و حيث إنّ روايات المنع مستفيضة بالإضافة إلىٰ قليل من المعارض، و هي أشهر منها روايةً و فتوى، بناء علىٰ ما مرّ في محلّه من أنّ المرجّح الأشهريّة، و أمّا الشهرة فهي مميّزة للحجّة عن غير الحجّة؛ فلا تصل النوبة مع شهرة إحدى الطائفتين إلىٰ عمل التعارض بين الحجّتين الشأنيّتين.

كما أنّ روايات المنع مخالفة للعامّة المخالفين في أصل مانعيّة غير المأكول، و هي أيضاً

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب لباس المصلي، الباب 2، ح 8.

(2) مستدرك الوسائل 3، أبواب لباس المصلي، الباب 14، ح 1.

بهجة الفقيه، ص: 273

موافقة لعموم المنع من الصلاة في جلد غير المأكول، بعد عدم الفصل بين الجلد و غيره، و ثبوت العموم لما لا تتمّ فيه الصلاة.

فعموم السند ممّا يرجّح بموافقته أحد المتعارضين؛ كما أنّ عموم الكتاب كذلك في ما وقع فيه اشتراط، كما في قوله إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ، فَاغْسِلُوا «1» فإنّه يمكن الأخذ بعمومه الكلامي بناء علىٰ «الأعمّ»، و المقامي بناء علىٰ «الوضع للصحيح» حتّى يعلم المخصّص، و المفروض ابتلاء المخصّص هنا بالمعارض الموافق لعموم الكتاب و إطلاقه؛ كما أنّ الترجيح بأصدقيّة الراوي يفهم منه الترجيح براويين، لرجوع الأصدقيّة علىٰ ما ذكرنا في محلّه إلىٰ الإخبار بالجهة المختصّة، فهو في قوّة إخبارين من مخبرين. و بالجملة، فجميع المرجّحات المذكورة في روايات المنع.

و أمّا «الفقه الرضوي» فالظاهر ثبوت الكتاب مسنداً إلىٰ الإمام

الرضا عليه السلام بطريق موثوق به، و لا ينبغي إنكار ذلك، و يظهر ذلك بمراجعة ما ذكره المحدّث النوري نوّر اللّٰه مرقده الشريف، في خاتمة «المستدرك»، لكنّه إنّما يفيد الحجّة الشأنيّة، فلا بدّ من النظر في المعارض و ما به العلاج.

[الأمر الثاني] عدم اعتبار الدباغ في استعمال الجلد

ثم إنّ استعمال الجلد المحكوم بطهارته، لا يفتقر إلى الدباغ؛ فإنّه لا دخل له في الطهارة عندنا، فما يمكن دلالته علىٰ الافتقار، محمول على التقيّة، أو علىٰ إرادة الطهارة العرفيّة لدفع التنفّر، كنزح المقدّرات، و نقل الشهرة ضعيف بنقل أشهريّة الخلاف، كما عن صلاة «الإيضاح»، و طهارة «الروض».

[الأمر الثالث] ما لا تحلّه الحياة

ثمّ إنّ ما لا تحلّه الحياة من الميّت، محكوم بالطهارة، كالحي و المذكّى، فلا مانع من

______________________________

(1) المائدة 6.

بهجة الفقيه، ص: 274

الصلاة في الصوف و الشعر و نحوهما ممّا يؤكل لحمه، بل مع الجزّ لا يجب الغسل.

و مع القلع، فهل يجب غسل موضع الاتصال بالميّت و لو لم يستصحب شيئاً من أجزائه، كما هو ظاهر إطلاق خبر «حريز» حيث أمر بالغسل للصلاة مع الأخذ بعد الموت، أو لا يجب إلّا مع الاستصحاب بعد إزالة تلك الأجزاء الميتة، و لو أُخذت من الحيّ للحكم بالميتة بخلاف المأخوذ من المذكى، أو لا يجب مطلقاً كما عن «المحقّق الأردبيلي» احتماله؟ احتمالات.

و يمكن أن يكون نظر المحقّق المذكور أنّ الرطوبة لما يلاصق الشعر و الوبر ليست مؤثّرة في النجاسة، كما يظهر بمسّ ذلك المحلّ باليد؛ فإنّ الرطوبة يمكن أن لا تظهر في الملاقي، و يمكن وقوع الشك في بعض الموارد، و أمّا الإزالة لتلك الأجزاء الميتة أو المحكوم به إذا أُخذت بالقلع من الحيّ، فهي لازمة في الصلاة.

إلّا أن يمنع ذلك، فإنّ البثورات و ما يسقط بالتسريح محكومة بالطهارة، و قد فرض أنّ المأخوذ من الحي، بحكم الميتة، فهي ميتة طاهرة؛ و الأخذ من الميت لا يزيده نجاسة، و إنّما العارض ملاقاة بعضه للميتة النجسة، و قد سبق التأمّل في إيجابها لغسل الملاقي.

و الأمر بالغسل في خبر «حريز» الذي رواه

محمّد بن يعقوب عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن حمّاد عن حريز قال

قال أبو عبد اللّٰه عليه السلام لزرارة و محمّد بن مسلم، اللبن و اللباء و البيضة و الشعر و الصوف و القرن و الناب و الحافر، وكل شي ء يفصل من الشاة و الدابّة، فهو ذكيّ، و إن أخذته منه بعد أن يموت فاغسله و صلّ فيه «1»

يمكن حمله على الندب، كما يشهد به حليّة اللبن و نحوه من الملاقي برطوبة للميّت.

و الظاهر رجوع الضمير إلىٰ «كل شي ء يفصل»، يعني ما يقبل الغسل، و المراد من الصلاة ما يعمّ المشروط بالطهارة كالأكل و الشرب، كما أنّ المراد من «ما بعد الموت» ما يقابل التذكية و لو كان من الحيّ.

______________________________

(1) الوسائل 16، أبواب الأطعمة المحرّمة، الباب 33، الحديث 3.

بهجة الفقيه، ص: 275

[الأمر الرابع] ما لا تحله الحياة خارج عن موضوع الميتة

ثمّ إنّ الظاهر أنّ استثناء ما لا تحلّه الحياة من الميتة، لمكان أنّ الميتة ما ينجس بالموت، أي يحدث نجاسته بحدوث الموت؛ فما لا حياة له خارج عن الموضوع، لعدم تأثير الموت فيه شيئاً؛ فما دلّ علىٰ جواز الصلاة فيها يدلّ علىٰ أنّها ليست ممّا ينجس بالموت، إذ لا موت لها حادث بموت الحي.

و إطلاق ما دلّ «1» على النهي عن شسع من الميتة يقصد به الأعمّ من القليل لا الأعمّ ممّا لا حياة له، و يدلّ عليه ما في حسن «حريز» من قوله

و كلّ شي ء يفصل من الشاة و الدابّة فهو ذكيّ

، و كذا المفهوم من قوله عليه السلام

و إن أخذته منه بعد أن يموت فاغسله و صلّ فيه

؛ فتفصيل «الجواهر» «2» بين الطهارة و جواز الصلاة فيه لعلّه غير تامّ.

نعم لو لم يكن النصّ علىٰ الاستثناء

ربّما كان الظاهر نجاسة الأبعاض بنجاسة الكلّ بموته.

و عليه، فما كان نجساً في حال حياته فلا يؤثّر فيه الموت نجاسة، و كان في حياته محكوماً بالنجاسة العينيّة لا المقيّدة بالحياة، و ما ذاته نجسة فأبعاضه محكومة بالنجاسة، فلا يعمّها ما دلّ علىٰ جواز الصلاة في ما لا تحلّه الحياة من أبعاض الميّت.

و أما لا يحلّ أكله من الميّت و المذكّى من غير نجس العين، فلا فرق فيه بين الجلد و الوبر و نحوه، كما عن «المعتبر»، و «المنتهىٰ» من الإجماع علىٰ أنّ ما لا تجوز الصلاة في جلده لا تجوز في وبره أو شعره أو صوفه، إلّا ما استثنىٰ.

يدلّ عليه الموثّق المتقدّم «3»، و صحيح «العلل» «4» كان أبو عبد اللّٰه عليه السلام يكره الصلاة في

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب لباس المصلي، الباب 14، ح 6.

(2) جواهر الكلام، 8، ص 75.

(3) الوسائل 3، أبواب لباس المصلي، الباب 2، ح 1.

(4) الوسائل 3، أبواب لباس المصلي، الباب 2، ح 5.

بهجة الفقيه، ص: 276

وبر كل شي ء لا يؤكل لحمه بعد الحمل على الفساد بأظهريّة ما في الموثّق.

بل بتلك الأظهرية يحمل التعليل في خبر «محمد بن إسماعيل»

لأنّ أكثرها مسوخ «1»

على الحكمة، أو العلّية لجعل الحكم بالبطلان على النحو العامّ.

و كذا نسب إلى المشهور البطلان بالشعرات الملقاة على اللباس و إن لم تكن جزءاً منه؛ فإنّ ظهور «الموثّق» في عدم اعتبار اتخاذ اللباس، و مساواة الشعر و الوبر و الروث و كلّ شي ء منه، أقوى من ظهور «في» في الظرفيّة الحقيقيّة.

[الأمر الخامس] عودة البحث إلى ما لا تتمّ الصلاة فيه

و أمّا ما لا تتمّ فيه الصلاة من غير المأكول، فيدلّ علىٰ جواز الصلاة فيه على العموم رواية «ابن أبي عمير» «2»، و فيها بعد العموم

التمثيل بالخفّ الذي يعمّ ما كان من جلد غير المأكول؛ و كذا ما في خبر «الريان بن الصلت» «3»، و فيها

الخفاف من أصناف الجلود

، فإنّها تعمّ جلود غير المأكول، بل الميتة منه أيضاً. و لا يضرّ المنع عن الثعالب بعد جريان احتمال النجاسة، أو المنسوخيّة المانعة احتمالًا عن التذكية بعد إرادة المذكى ممّا سبق، أو غير ذلك من المحامل.

و أمّا المنع عنه في مكاتبة «إبراهيم بن عقبة» «4»، و فيها

الجوارب و التكك المعمولة من وبر الأرانب، فكتب: لا تجوز الصلاة فيها

، فهي معارضة بمكاتبة «محمّد بن عبد الجبّار» «5»، و فيها

قلنسوة عليها وبر ما لا يؤكل لحمه و تكة من وبر الأرانب

و في الجواب

و إن كان الوبر ذكيّاً حلّت الصلاة فيه

و لا محمل للمنطوق إلّا الجواز في ما لا تتمّ فيه الصلاة؛ و أمّا المفهوم من

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب لباس المصلي، الباب 2، ح 7.

(2) الوسائل 3، أبواب لباس المصلي، الباب 14، ح 2 و 5 و 3 و 4.

(3) الوسائل 3، أبواب لباس المصلي، الباب 14، ح 2 و 5 و 3 و 4.

(4) الوسائل 3، أبواب لباس المصلي، الباب 14، ح 2 و 5 و 3 و 4.

(5) الوسائل 3، أبواب لباس المصلي، الباب 14، ح 2 و 5 و 3 و 4.

بهجة الفقيه، ص: 277

الجملة الأخيرة؛ فلا بدّ للمجوّز للميتة في ما لا تتمّ فيه الصلاة كما مرّ، من حمله على الكراهة، أو إرادة المذكى بالذات في قبال نجس العين. و أمّا الحرير في ما لا تتمّ فيه الصلاة، فالمذكور في رواية «ابن أبي عمير» «1»

التمثيل بالتكة الإبريسم و القلنسوة و الزنّار يكون في السراويل

، فيحمل

المعارض كما في مكاتبة «محمّد بن عبد الجبار» على الكراهة.

و أمّا الميتة ممّا لا تتمّ فيه الصلاة، فيدلّ على المنع عنه رواية «ابن أبي عمير» «2»

لا تصلّ في شي ء منه و لا شسع

، و هي خاصّة بالنسبة إلىٰ روايته العامّة المجوّزة، و كذا مكاتبة «محمّد بن عبد الجبّار» حيث اعتبرت الذكاة من وبر ما لا يؤكل لحمه، مع عدم تماميّة الصلاة في القلنسوة و التكة المذكورتين فيها. و قد مرّ أنّ ما لا تحلّ فيه الحياة محكومة بالذكاة، لا مجرّد جواز الصلاة فيه.

و بالجملة، ففيما لا تتمّ فيه الصلاة من غير المأكول روايات متعارضة، و مقتضى «الموثّقة» «3» المنع، لبُعد التخصيص بما تتمّ فيه الصلاة، و يؤيّدها الرواية في الشعرات الملقاة على الثوب ممّا لا يؤكل لحمه «4».

و في قبالها مكاتبة «محمّد بن عبد الجبار» المصرّحة بالحلّية للصلاة كان من المذكى. و هي و إن كانت موافقة للرضوي «5»، إلّا أنّ فيها ما يحتمل التقيّة، للنهي عن الصلاة في الحرير المحض.

مع أنّ المورد ما لا تتمّ فيه الصلاة، و المنع عن المأخوذ من الميتة مع عدم المنع من حيث الموت في ما لا تحلّه الحياة كالوبر المذكور فيها، و لو قيل بالمنع عن الميتة في ما لا تتمّ فيه الصلاة، و حلّ الصلاة في وبر المذكى لا تتمّ فيه الصلاة، كما هو موردها.

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب لباس المصلي، الباب 14، ح 2 و 6.

(2) الوسائل 3، أبواب لباس المصلي، الباب 14، ح 2 و 6.

(3) الوسائل 3، أبواب لباس المصلي، الباب 2، ح 1 و 4.

(4) الوسائل 3، أبواب لباس المصلي، الباب 2، ح 1 و 4.

(5) المستدرك، أبواب لباس المصلي، الباب 14، ح 1.

بهجة

الفقيه، ص: 278

مع أنّ عدم حلّ الصلاة في الحرير منسوب إلىٰ «أحمد»، و منصوص خلافه في رواية «ابن أبي عمير»، و عدم الفرق بين الشعر من الميتة و غيره منسوب إلىٰ بعض العامّة، و حلّية الصلاة في غير المأكول مذهبهم. فحمل «المكاتبة» على التقيّة لا يخلو عن قرب. و الجمع بحمل المانع على ما تتمّ فيه الصلاة مستبعد، و لا يبقىٰ للجواز إلّا «الرضوي» في ما لا تتمّ فيه الصلاة من وبر غير المأكول. و الشهرة روايةً و فتوى مع رواية المنع، و كذلك الأبعديّة عن مذاهبهم.

إلّا أنّ الالتزام بالمنع في مثل الشعرات الملقاة على الثوب مع اختلاط بعض الحيوانات الأهليّة في البيوت، و كذا سائر المحمولات، لا يخلو عن بُعد عن سيرة متشرّعة.

[الأمر السادس] اللباس المشكوك كونه من غير المأكول

و أمّا الكلام في اللباس المشكوك كونه من غير المأكول، فعن المشهور المنع، و قيل بالجواز، و قيل بالتفصيل، و سيأتي إليها الإشارة و إلى أدلّتها.

أدلة جواز الصلاة: البراءة و أمّا الجواز فقد استدلّ له بالبراءة في الشبهات الموضوعيّة التحريميّة، كما تجري في التحريميّة النفسيّة الناشئة من الشبهة الموضوعيّة، أو الحكميّة، أو المفهوميّة.

و هذا ربّما يدّعىٰ وضوحه مع انحلال الطلب الغيري في الشروط العدميّة أو الموانع، إلىٰ وجودات مانعة أو إعدام معتبرة؛ فالمشكوك من العدم المعتبر أو الوجود المانع، يجري فيه البراءة، دون المعلوم بعد فرض عدم الارتباط بين الوجودات المانعة و الأعدام المعتبرة.

و أمّا علىٰ عدم الانحلال بدعوىٰ رجوع القيد إلى السلب الكليّ بحيث إذا خولف و لو للاضطرار فلا مانعيّة لسائر الوجودات، فقد يقال بجريان البراءة، لرجوع الشك إلىٰ جزئيّة الوجود المشكوك للمانع المركّب منها، المعتبر عدم تلك الموجودات المانع

بهجة الفقيه، ص: 279

مجموعها على الفرض. و

مثله مانعيّة صرف الوجود بمعنى الوجود الانبساطي الجامع لجميع الوجودات في قبال وجود الطبيعة المرسلة الملازم للاستغراق؛ فالبراءة تنوط بالأعمّ من الانحلال و من تركّب المانع، في قبال بساطة المانع، المانعة عن الاشتمال علىٰ معلوم المانعيّة و مشكوك المانعيّة، أعني الجزئيّة للمانع.

و يمكن أن يقال: إذا اعتبر مجموع الوجودات مانعاً في قبال مانعيّة كلّ وجود علىٰ الاستقلال، فاللازم عدم تحقّق المانع مع انتفاء بعض الوجودات المعلوم كونها من المانع، فلا حاجة إلىٰ إجراء الأصل في المشكوك مانعيّته.

نعم، إذا اعتبر مجموع الأعدام المضافة إلى الوقوع في ما لا يؤكل، احتمل انتقاض العدم بالمشكوك كونه ممّا لا يؤكل، و احتمل كون عدمه من العدم، المعتبر مجموعة لاحتمال إضافته إلىٰ ما لا يؤكل، و جرىٰ الأصل في كونه الواجب الضمني للشبهة المصداقيّة، كما يجري في الواجب النفسي لها.

مع إمكان منعه، لأنّه بخصوصيّته غير واجب، و بالشكِّ في تحقّق الواجب علىٰ أيّ نحوٍ شك في المحصّل، فلا بدّ من الإحراز، و لا يتمّ البراءة إلّا بالشك في موضوع التكليف بالمجموع، كما يأتي.

مع إمكان منع أنّه ظاهر [في] صورة الاضطرار، لأنّ المانع إنّما هو غير المضطرّ إليه، أعني المختار فيه، فبعض المضطرّ إليه كالعدم، فيكون الفرد اللاحق مانعاً علىٰ تقديري الاستغراق و المجموعيّة، فتدبّر.

و إذا اعتبر مجموع إعدام الوقوع في ما لا يؤكل، فالمانع المقابل له أيّ وجود، أو أوّل وجود بلا تخصّص، و هو مفاد العموم البدلي، ففي هذا الفرض لا يعقل البراءة بالشك في جزئيّة المشكوك لهذا المجموع؛ فإنّه لا تركّب من الخصوصيّات في مقام الجعل حتى المتيقّنة الجزئيّة، بل المعتبر إعدام الوقوع في ما لا يؤكل بإضافة الأعدام إلى الطبيعة، لا إلى الماهيّات الشخصيّة في غير صورة

العموم الاستغراقي كما هو المفروض، و قد فرض الشك في تحقّق مجموع الأعدام المضافة.

بهجة الفقيه، ص: 280

بل المدار علىٰ أنّ الشك في موضوع التكليف النفسي بمجموع الأعدام؛ ففيه يطّرد البراءة و عدم لزوم الفحص عن الموضوع، لمكان هذه الكليّة من البراءة العقليّة و الشرعيّة. و إذا كان التردّد في المتعلّق مصداقيّاً فمع الانحلال تجري البراءة، و مع عدمه يتعيّن الاحتياط في الشك في المحصّل الغير الناشئ عن الشك في التكليف؛ فالشك في الامتثال إذا نشأ عن الشك في التكليف فلا احتياط، و هذا يطّرد في الشك في موضوع التكليف، و إذا تبيّن التكليف فلا بدّ من الخروج عن التكليف المتبيّن بالاحتياط.

فمنه ظهر أنّ اعتبار العدم علىٰ الاستغراق أو المجموعيّة لا يفترق في جريان الشك في الشك في الموضوع، و إن كان ناشئاً عن الشبهة المصداقيّة.

و أمّا عدم اختصاص البراءة عقلًا و نقلًا في غير الشبهات المصداقيّة الموضوعيّة، فلمكان اشتراك حكم النقل بالتقبيح مع الشك في التكليف، و إن كان منشأه الأُمور الخارجيّة الغير المربوط بيانها بالشارع، و لذا بني المقام علىٰ جريانها في الشبهة المصداقيّة التحريميّة النفسيّة.

و دعوىٰ أنّ الشارع ليس وظيفته إعلام الموضوع، بل الحكم فقطّ، فلا عذر مع بيانه في عدم العلم بالموضوعات، فلا بدّ من الاحتياط عقلًا، مدفوعة بأنّ عدم كون البيان من وظيفة الشارع لا يجعل الاستعلام وظيفة للمكلّف، بحيث يجب عليه إشغال أوقاته في استعلام موضوعات التكليف؛ فإنّه لا يناسب احتمال التكليف بها في شريعة، فضلًا عن أسهل الشرائع.

نعم، في الاحتمالات المرتبطة بما هو أهمّ الحرمات و الواجبات، كما في الدماء و الأعراض و الأموال المساوية لها، لا بدّ من الفحص أو الاحتياط؛ كما أنّ الفحص واضح الوجوب عن

الأدلّة في ما ينحصر طريقه أي طريق العلم بالشارع و إبلاغاته، كالأحكام الشرعيّة وضعيّة و تكليفيّة، و الموضوعات المستنبطة الداخل فيها الجعل الشرعي، فلا ينبغي الإشكال في شي ء من البراءتين في الشبهات الموضوعيّة، و إن كانت تحريميّة، كانت نفسية أو غيريّة.

بهجة الفقيه، ص: 281

و أمّا الفرق بين القول بالشرطيّة أو المانعيّة، فيلزم العلم بحصول المقيّد علىٰ الأوّل دون الثاني، بل المقيّد مدفوع بالأصل حتى يعلم، فيمكن منعه أوّلًا: بعدم الأصل النافي للمانع إذا لم يستصحب عدمه، و ثانياً: بأنّ الفرق بينهما غير متّجه؛ فإنّ دليل المانعيّة الشرعيّة الجعليّة لا يمكن معه بقاء الإطلاق في دليل الأمر من حيث الاقتران بالمانع، فقهراً يكون عدمه قيداً للمأمور به، و يكون الدليل على المانعيّة و الإفساد، دليلًا على الشرطيّة، و المفروض جريان البراءة على الشرطيّة، مع الانحلال إلىٰ شرطيّة الأعدام المتعددة للواجب، المقتضي للانحلال إلىٰ معلوم الشرطيّة للعلم بالاندراج تحت الموضوع، و مشكوكها للشك في الاندراج المذكور، و لذا جمع بين المانعيّة و الإفساد و الشرطيّة للصلاة في المأكول مريداً به ضدّ غير المأكول في موثّقة «ابن بكير» «1»، فتحفّظ.

و منه يظهر أنّ الصحيح هو دوران الأمر بين شرطيّة عدم اللبس و نحوه، و بين مانعيّة اللبس و نحوه، و أنّ جعل المانعيّة جعل لشرطيّة العدم بالاستلزام؛ فالدوران بين جعلها بالمطابقة أو بالاستلزام. و علىٰ أيّ، فجعل المانعيّة و المفسديّة، لمكان أنّ المانع راسم عدم الشرط، لمساوقة عدم عدمه لوجود المانع تقريباً، فلا يستقيم جعل الدوران بين شرطيّة أحد الضدّين و مانعيّة الآخر، و جمع ما يترتّب عليه من الإشكال و الجواب، إذ لا مجال لتوهّم شرطيّة لبس المأكول مطلقاً، أو في خصوص ما كان من أجزاء،

و إنّما المراد من قوله عليه السلام في «الموثقة»

لا يقبل اللّٰه تلك الصلاة. «2»

شرح ما قدّمه من الحكم بالإفساد، لا تأسيس لبيان شرط آخر، و هذا من الوضوح بمكان.

و أمّا الشروط الوجوديّة فلزوم الاحتياط و عدم جريان البراءة فيها لمكان عدم الانحلال إلىٰ معلوم الشرطيّة و مشكوكها، كتردّد الطهارة بين الوضوء و الغسل، و تردّد الساتر بين الحاكي و غيره مع عدم إمكان الاطّلاع؛ بخلاف صورة الانحلال، مثل تردّد

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب لباس المصلي، الباب 2، ح 1.

(2) الوسائل 3، أبواب لباس المصلي، الباب 2، ح 1.

بهجة الفقيه، ص: 282

الساتر المعتبر بين أن يكون ثوباً، أو جواز الستر بالحشيش اختياراً، و تردّد التستّر المعتبر فرضاً بصورة وجود الناظر، كما في غير الصلاة بين وجود الناظر و عدمه، فتجري البراءة عن شرطيّته في الصلاة إن كانت مشكوكة، كما تجري البراءة عن لزومه النفسي في غير الصلاة.

المناقشة في جريان البراءة الشرعيّة في المقام ثمّ إنّ ما أفاده في رسالة «اللباس المشكوك» «1» في جريان البراءة الشرعيّة في فرض المنع عن العقليّة من أنّ اجتماع الارتباطيّة و الشبهة المصداقيّة لا يؤثّر في الإشكال في البراءة بعد البناء علىٰ عدم تأثير شي ء منهما منفرداً عن الآخر، فالارتباطيّة كالنفسيّة، و الشبهة المصداقية كالحكميّة و المفهوميّة علىٰ ما حرّرنا عبارته في المقام، يمكن أن يتأمّل فيه.

فإنّ الشك في الجزئيّة لما لا يؤكل بالشبهة المصداقيّة في المقام، ليس من الشك في متعلّق التكليف، كتردّده بين الأقلّ و الأكثر من جهة الشبهة المصداقيّة؛ و إنّما الشك في المتعلّق يتمّ في مثل الشك في مانعيّة مطلق الوقوع في الجزء، حتّى بإلقاء الشعر على الثوب، أو خصوص المتلبّس باللباس المتّخذ منه؛ لا

ما نحن فيه، فإنّ الشك فيه متعلّق بالموضوع و ليس من الارتباطي، بل الشبهة المصداقيّة لموضوع ما لا يؤكل الذي قبلَ الصلاة الواجبة بعدم وقوعها في جزء منه، كما إذا شك في الخمريّة المضاف إليها حرمة الشرب؛ فلا محلّ للارتياب في البراءة المقول بها في الشبهات الخارجيّة من دون توهّم ارتباط بين آحاد الموضوع.

و الشك في التكليف الارتباطي هنا ناشٍ عن الشك في موضوع التكليف. و التكليف المشكوك نفسيّاً كان أو غيريّاً، إذا كان منشأ الشك فيه في تحقّق موضوعه مجرى لأصل البراءة. و حيث يعلم بالاشتراط في تقدير الإضافة إلىٰ ما لا يؤكل،

______________________________

(1) رسالة «الصلاة في المشكوك» للمحقّق النائيني قدس سره ص 291 213، ط: مؤسسة أهل البيت عليهم السلام.

بهجة الفقيه، ص: 283

فالشك في التقدير يستلزم الشك في الاشتراط بالشبهة المصداقيّة، فيدفع بالأصل؛ لا أنّ الشك في زيادة الشرطيّة أو المانعيّة حتّى يدفع بالأصل.

و أمّا توجيه ما عن المشهور من المنع بجعلهم الشرط ما يتحصّل من مجموع إعدام الوقوع في ما لا يؤكل، علىٰ: ما حرّرنا به كلام «صاحب الرسالة»، فمرجعه إلىٰ أنّ المطلوب أمر بسيط لا ينحلّ إلىٰ معلوم و مشكوك، و إنّما التردّد في محصّله بين أن يكون مجموع إعدام تسعة أو عشرة.

و مثله ما نسب إلىٰ بعضهم من الاستدلال بأنّ الستر مقيّد بعدم الوقوع في ما لا يؤكل، و الشك في المقيّد تحقّقاً مجرى قاعدة الاشتغال. و قد مرّ أنّ الشرطيّة إنّما هي في موضوع ما لا يؤكل، فما لم يحرز الموضوع لم يحرز الاشتراط و التقيّد، فلا تصل النوبة إلىٰ بساطة القيد و تركّبه في موطن قيديّته، حتى يجري الأصل على الثاني دون الأوّل.

مقتضى أصالة الحلّ في المقام و

أمّا الكلام في جريان أصالة الحلّ في ما نحن فيه، فهو نفس الكلام في أصالة البراءة، بناءً علىٰ عموم الحلّية للوضعيّة، كما يناسبه التمثيل في موثّقة «مسعدة بن صدقة» «1».

و إلّا ففي جريان الأصل في المأخوذ منه الجزء، و إن تردّد أمره بين الحلال اللحم يقيناً و حرامه يقيناً، كتردّد ما في الكأس بين الأخذ من ماء مباح و آخر محرّم، كالجريان في المشتبه حكماً أو موضوعاً بين أن يكون حراماً أو حلالًا، وجه قريب.

إلّا أنّ إثبات جواز الصلاة بالحليّة الظاهريّة الثابتة بأصالة الحلّ في الشك السببي لا يخلو عن مناقشة. و ما في «إزاحة الشكوك» للآشتياني قدس سره «2» إخراج للصوف المأخوذ عن المشتبه

______________________________

(1) الوسائل 12، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 4، ح 4.

(2) إزاحة الشكوك ص 79.

بهجة الفقيه، ص: 284

حكماً عن النزاع بعد جريان أصالة الحلّ في ذلك المشتبه حكماً أو موضوعاً، مع العلم بحكم النوع الظاهر في أنّ الأصل السببي يثبت حكم الشك في المسبّب؛ فالصورتان خارجتان عن النزاع المخصوص بما لا مجرى لأصالة الحلّ في الشك السببي، كالمشكوك أخذه من حرام معلوم أو من حلال معلوم، و قد مرّ تقوية جريان الأصل المذكور في المأخوذ منه بهذا العنوان.

و ما أفاده في «الإزاحة» من تأثير الأصل في السبب، لازمه إلحاق التعبّد الثابت بالأصل و لو لم يكن غير محرز بالعلم، بالأخذ من الحلال المعلوم، المستلزم للعلم بجواز الصلاة في المأخوذ، كالعلم بالأخذ من الحرام المعلوم، المستتبع للعلم بعدم جواز الصلاة في المأخوذ.

فإنّه علىٰ تقدير كون موضوع الحكمين نفس الأنواع المحرمة ذاتاً، لا لعارض من قبيل عدم التذكية لحلال الأكل بالتذكية، المقابلة للمحلّلة كذلك كالأنعام، فلا ترتّب بين الحكمين

حتى يُثبت الأصل في أحدهما الحكم الآخر، و لا أصل فرضاً يثبت الموضوع لهما أو ينفيه.

و هذا هو المراد من الأدلّة، لا أنّ المراد الحرمة و الحلّية الفعليّتين و لو بالعارض، كعدم تذكية حلال اللحم، أو الاضطرار إلىٰ حرام اللحم، فتبطل الصلاة في شعر الأوّل، و تحلّ في شعر الثاني كما هو واضح؛ و لو فرض الترتّب فالتعبّد بالحليّة أو الحرمة لا يُثبت الحكم المترتّب على الحرمة و الحليّة الواقعيّتين، و ليس فيه التعبّد بزوال الشك إلّا علىٰ ما قدّمناه من تكفّل الأصل للحليّة الوضعيّة و معه لا حاجة إلى الترتّب.

و أمّا كون الموضوع لعدم جواز الصلاة معنوناً بعنوان الحرمة بحيث يكون حرمة الأكل عنواناً مشيراً، فلا يخلو عن تردّد، لعدم قرينيّة ذكر السباع علىٰ ذلك. و ظاهر

ما حرّم اللّٰه

و

ما أحلّل اللّٰه

دخالة الوصفين في المنع و الجواز، و لا حصلا بالعرض كالجلل و الوطي و شرب لبن الخنزيرة، لصدق «ما حرم اللّٰه» على الكلّ فيها، مع مزيد اعتناء باللبن و اللحم، فإنّهما معظم الانتفاع بالمأكول، بخلاف المغصوب المحرّم إمساكه،

بهجة الفقيه، ص: 285

و المضطرّ إليه المحرّم خصوصُ مورد الاضطرار فيه، بخلاف مثل الاضطرار و الغصب للاختصاص بخصوص الغاصب و المضطرّ.

و بالجملة، فأصالة الحلّ بغير استصحابه، و إن لم يترتّب عليها حليّة الصلاة، إلّا أنّ الدليل عليهما واحدة بناء على العموم للوضع، كما ذكرناه.

________________________________________

گيلانى، فومنى، محمد تقى بهجت، بهجة الفقيه، در يك جلد، انتشارات شفق، قم - ايران، اول، 1424 ه ق

بهجة الفقيه؛ ص: 285

و المناقشة في التمسّك بأصالة الحلّ: بأنّ موضوع جواز الصلاة عدم الحرمة الشأنيّة، و الثابت بأصالة الحلّ الحليّة الفعليّة، فإنّ صوف الغنم الميّت تجوز الصلاة فيه مع عدم الحليّة

الفعليّة، فيمكن دفعها بأنّ مفاد الأصل الحليّة المحتملة؛ فإن كانت الحلّية المحتملة مطلقة فهي مطلقة؛ و إن كانت علىٰ تقدير، فهي تُثبت الحليّة علىٰ ذلك التقدير، و جميع الحيوانات قبل التذكية محلّلة علىٰ تقديرها لا مطلقاً، و مشكوك الحلية علىٰ تقدير التذكية محكوم بالحليّة علىٰ ذلك التقدير، و المذكّى إذا شكّ في حلّيّته محكوم بالحليّة الفعليّة في شخصه، و علىٰ تقدير في نوعه؛ فلا مانع من إجراء أصالة الحل علىٰ تقدير التذكية، و إثبات جواز الصلاة المترتّب فرضاً على الحلال علىٰ تقدير التذكية لولا الإثبات، [و] لولا العموم للوضع و التكليف علىٰ ما قدّمناه.

المناقشة في ما أفاده بعض مشايخ العصر ثمّ إنّه ذكر بعض مشايخ عصرنا قدس سره «1»: أنّ الشك في مانعيّة المشتبه و هي التي استظهرها في المقام في قبال الشرطيّة يرجع إلى الشك في منع الشارع عن إيقاع الصلاة فيه أو ترخيصه، و جَعَلَه بمنزلة الصغرىٰ للكبرىٰ الآتية في كلامه؛ و أنّه عليه يبتنى التفرقة بين ما نحن فيه و بين الشك في تحقّق القيود الوجوديّة. و ذكر في بيان هذه المقدّمة: «أنّ الكلام تارة في رجوع الجهة المستتبعة للمانعيّة، إلى المنع الشرعي المولوي عن إيقاع الصلاة في آحاد ما ينطبق علىٰ عنوان المانع الخارج، و قد ظهر ممّا مرّ عدم استقامة الفرق بين الشرطيّة و المانعيّة في المقام؛ و أنّه يكشف

______________________________

(1) هو المحقّق النائيني قدس سره في رسالة «الصلاة في المشكوك» ط: مؤسسة أهل البيت عليهم السلام ص 350.

بهجة الفقيه، ص: 286

جعل المانعيّة عن تقييد الإطلاق من حيث وجود الشرط، أعني عدم ما هو مانع شرعاً؛ و أنّ المانع المعتبر عدمه سواء كان عبارة عن صرف الوجود، أو كلّ

وجود؛ فإنّه يضاف إلىٰ ما لا يؤكل، و هذا موضوعه، و الشك فيه يستلزم الشك في المانعيّة و اشتراط العدم».

و هذا أعني انحلال الموضوع إلىٰ وجوداته الواقعيّة المعلوم بعضها المجهول بعضها، هو ملاك الانحلال المفيد للبراءة هنا، كان انحلال المانع إلى الوجودات المانعة أو لا، لكون المانع صرف الوجود؛ و لذا فمثل هذا الانحلال المفيد إذا كان في ناحية الشرط الوجودي، جرت البراءة أيضاً؛ كما إذا فرض أنّ الشرط في الصلاة هو الواجب عن الستر في غير الصلاة؛ يعني [إذا كان] الشرط، الصلاة بالتستّر من الناظر، فشك في وجود الناظر، لم يجب التستّر مقدّمة لإحراز الستر الواجب، لأنّه ليس واجباً مطلقاً غيريّاً على الفرض، فتجري البراءة المختارة في كون الشرط مجموع إعدام الوقوع في ما لا يؤكل، أو مطلق العدم، أو عدم الصرف، و بين كونه كلّ عدم لكلّ وقوع في ما لا يؤكل بالنحو المقتضي للانحلال في نفس الشرط لا في موضوعه.

و إنّما يمنع عن البراءة في الشروط الوجوديّة، القطعُ بالشرطيّة، إمّا للقطع بوجود شرطها، أو لعدم مشروطيّتها، ثمّ شكّ في وجود ما هو الشرط، فشكّ في وجود الواجب المقيّد به، فمقتضىٰ قاعدة الاشتغال وجوب إحراز المقيّد بإحراز وجود قيده.

و ذكر في الكلام في الإطلاق من حيث الأضداد الوجوديّة، المقابلة للوقوع في ما لا يؤكل من الواقعة في ما يؤكل، أو في ما ليس من الحيوان: «أنّه لا مقيّد لغير جعل المانعيّة، و أنّ المستفاد كفاية الشكّ في حرمة الشي ء يعني و لو كانت غيريّة في تحقّق موضوع هذا الأصل، و لا يلزم إحراز الوقوع المضادّ للوقوع في ما لا يؤكل».

و قد ذكرنا أنّ الشرط عدم الوقوع في ما لا يؤكل، و الوقوع هو

المانع، و ليس الشرط ما يلازم عدم الوقوع في ما لا يؤكل ممّا ذكر، كما هو ظاهر «الموثّقة» «1».

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب لباس المصلي، الباب 2، ح 1.

بهجة الفقيه، ص: 287

و ذكر في شرح المقدّمة الثانية في كلامه، و هي عدم اختصاص ما يدلّ علىٰ اعتبار هذا الأصل، يعني المجوّز للصلاة مع الشك في المانع بما إذا كان المنع المشكوك نفسيّاً ناشئاً عن المبغوضيّة الذاتية، بل يعمّها و ما إذا كان من جهة القيديّة: «أنّ الحرام الوارد في عنوان الأدلة سواء أُريد به المعنى الوضعي العارض لذوات الأشياء الخارجيّة من حيث تعلّق أفعال المكلفين بها، أو الاقتضائي العارض لنفس الأفعال فليس هو إلّا عبارة عمّا منع عنه الشارع، و حرّم العباد عنه في عالم الجعل و التشريع، و لو باعتبار ما يتعلّق به من الأفعال كالصلاة فيه مثلًا فالجعل التشريعي المقتضي لذلك هو التحريم، و المجعول الشرعي المعبّر عنه باسم المصدر هو الحرمة، و معروضها هو الحرام، و الحلال ما يقابل ذلك، أما استناد المنع أو الترخيص المذكورين إلىٰ مبغوضيّة الشي ء في حدّ نفسه و عدم مبغوضيّته كذلك، أو استقلال الجعل المقتضي لذلك، فهو خارج عن مدلول اللفظ لغةً و عرفاً.» عبد و يشهد لذلك الاستعمالات الواردة في ما نحن فيه و أشباهه في لسان الرواة، و جواب الأئمّة عليهم أفضل الصلاة و السلام- «1»، بحيث يظهر منه أعميّة حاقّ مدلول اللفظ عن القسمين، لا لأجل التجوّز فيه» «2».

ثمّ سرد عدّة من الروايات الدالّة علىٰ ما استفاده من الأعميّة لمكاتبة «محمّد بن عبد الجبار» في الصلاة في قلنسوة حرير محض «3». و مرسلة الفقيه بما فيها من التعبير بقوله عليه السلام

و لم يحرم

لبسه و مسّه و الصلاة فيه «4».

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب لباس المصلي، الباب 14.

(2) رسالة «الصلاة في المشكوك» ص 359.

(3) الوسائل 3، أبواب لباس المصلي، الباب 14، ح 1.

(4) الوسائل 2، أبواب النجاسات، الباب 38، ح 13.

بهجة الفقيه، ص: 288

و رواية الخصال، و فيها

يجوز أن تتختّم بالذهب و تصلّي فيه، و حرّم ذلك على الرجال «1».

و رواية «الشيخ» عن «موسى بن أكيل»، و فيها

فحرّم على الرجال لبسه و الصلاة فيه «2»

و مكاتبة «محمّد بن عبد الجبّار» الأُخرىٰ، و فيها

لا تحلّ الصلاة في الحرير المحض. و إن كان الوبر ذكيّاً حلّت الصلاة فيه «3».

و ما رواه عن «عمّار الساباطي»، و فيها في السؤال

لا تحلّ الصلاة فيه «4»

أي في الثوب الواحد الذي ليس له سواه.

و التوقيع المروي في «الاحتجاج» «5»، و التوقيع الآخر المحكي عن «الخرائج»، و فيه

فحرام عليك و علىٰ غيرك الصلاة فيه «6».

انتهى المشار إليه.

و يمكن أن يقال: إنّ التعبير بالوضعي و الاقتضائي لا يخلو عن مسامحة، بل الحرمة العارضة للأعيان، باعتبار الأفعال المتعلّقة بها من التوصيف بحال المتعلّق؛ فالحرمة المنسوبة إلىٰ الأعيان و الأفعال، اقتضائيّة و بمعنىٰ فأرد، و في قبالها الحرمة الوضعيّة. و الميزان أنّ الفعل الذي يتسبّب به إلىٰ غيره تسبّباً اعتباريّاً، فحرمته بمعنى عدم حصول المسبّب به، لا ما ينشأ عن مفسدة في نفس السبب، بخلاف ما كان المقصود نفسه، أو ما يتولّد منه تكويناً، فالحرمة فيه تكليفيّة. و المقصود مغايرة الحرمتين، لا عدم إمكان اجتماعهما في ذات السبب بملاكين نفسي و غيري. و الحاصل أنّ أصالة الحلّ بدليلها العام تعمّ الحليّة النفسية التكليفيّة و الوضعيّة الغيريّة.

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب لباس المصلي، الباب 16، ح

6.

(2) الوسائل 3، أبواب لباس المصلي، الباب 30، ح 5.

(3) الوسائل 3، أبواب لباس المصلي، الباب 12، ح 4.

(4) الوسائل 2، أبواب النجاسات، الباب 45، الحديث 8.

(5) الوسائل 3، أبواب لباس المصلي، الباب 10، ح 15.

(6) المستدرك، أبواب لباس المصلي، الباب 3، ح 1.

بهجة الفقيه، ص: 289

و يؤيّده أنّ الحرمة التكليفيّة في الأمثلة المذكورة في رواية «مسعدة» «1» و هي من أدلّة الأصل المذكور تابعة للوضعيّة في البيع و النكاح، فلا تكون الوضعيّة الثابتة في السبب خارجة عن العموم الممثّل بما في تلك الموارد. و لا يمكن التحليل التكليفي في تلك الموارد إلّا بالتحليل الوضعي، كما لا يمكن التحريم التكليفي فيها مع التحليل الوضعي للأسباب.

مع أنّه قد مرّ كفاية أصالة البراءة في ما نحن فيه، لأنّ الشرطيّة المجهولة للجهل بموضوعها، شرعيّة قابلة للوضع و الرفع، فيشملها رفع المجهول في ضمن التسعة «2»، و كذلك البراءة العقليّة على الوجه المتقدّم تقريره.

فما قيل من: اقتضاء الشكّ في الامتثال إحرازه على اليقين لقاعدة الاشتغال، مزيّف بما في محلّه من أنّه كذلك إذا لم ينشأ عن الشك في أمر شرعي في الوضع و الرفع يشمله ما دلّ علىٰ رفع المجعول الشرعي إذا كان مجهولًا بأيّ سبب كان الجهل، و إلّا جرىٰ الإشكال في البراءة في الأقلّ و الأكثر الارتباطيّين.

و أمّا الكلام في استنتاج الصحّة في الظاهر من جريان الأصل في الشرطيّة أو المانعيّة، فشي ء لا يختصّ بالمقام، و يجري في الشبهات الحكميّة في دوران الواجب بين الأقلّ و الأكثر الارتباطيّين؛ فالشبهة الموضوعيّة، كالحكميّة بعد تسلّم جريان أصالتي البراءة و الحلّ فيهما معاً في استفادة الصحّة الظاهريّة الموقوفة علىٰ انطباق المأمور به على المأتيّ به. و بعد ضمّ ما

بالوجدان إلى التعبّد بعدم الشرطيّة المجهولة و المانعيّة المجهولة، كان الجهل في الحكم أو في موضوعه. و يمكن أن يستشهد له بمثل ما إذا شكّ في الاشتراط بالشبهة الحكميّة التي منشأها فقد النص، فهل يشكّ أحد في صحّة المأتيّ به في الظاهر بمثل هذا الشكّ؟ و الشكّ في الامتثال آتٍ هنا أيضاً. و القطع بالفراغ بالنسبة إلىٰ ما في قطع التكليف به في حيثيّة

______________________________

(1) الوسائل 12، أبواب ما يكتسب به الباب 4، ح 4.

(2) الوسائل 5، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الباب 30، ح 2.

بهجة الفقيه، ص: 290

القطع به مشترك بين الشبهة الموضوعيّة و الحكميّة. و الشك في الامتثال في المأتيّ به من حيث الشك في التكليف و بلحاظ ما يشكّ في أصل التكليف به أيضاً، مشترك بين المقامين.

و مقتضى تحليل الأمر إلى اليقين و الشكّ في التكاليف معاملة الاستقلال مع التكاليف الضمنيّة الانبساطيّة، فإن صحّ هذا التحليل، كان الشكّ في الامتثال ناشئاً عن الشك في تكليف زائد لو كان، كان ارتباطيّاً.

و حكم العقل بالاشتغال إنّما هو في ما تمحّض الشكّ في الامتثال من دون أن ينشأ عن الشك في التكليف؛ فلا يبقىٰ إلّا احتمال توقّف تحقّق معلوم الشرطيّة بما يعلم به الامتثال، و ذلك في تقدير شرطيّة المتحصّل من مجموع الوجودات، أو مانعيّة صرف الوجود؛ و ذلك لو تمّ، ففي معلوم الاشتراط لا مشكوكه، للشكّ في تقدير الاشتراط كما مرّ، فلا وقع لهذا الاحتمال.

مقتضى الأصل الموضوعيّ في المقام و أمّا الكلام في الأصل الموضوعي المتقدّم على الحكمي و إن كان استصحاباً، فضلًا عن البراءة الشرطية المشكوكة أو المانعيّة المشكوكة، و لو للشكّ في موضوعها، و هو كون الشي ء ممّا لا يؤكل، أو

وقوع ما لا يؤكل على المصلّي، فحاصله، أنّ المانع هو كون اللباس أو ما يلحق به ممّا لا يؤكل، و الشرط إنّما هو عدم تحقّق هذا المانع؛ فالشكّ في كون الحيوان ممّا لا يؤكل أو في وقوع جزء منه على المصلّي، بناءً علىٰ لحوقه باللبس، شكّ في تحقّق ما هو المانع و في تحقّق ما هو الشرط، و الأصل في المانع و الشرط اعتبار اجتماع المشروط مع الشرط و مع عدم المانع، أمّا اتصافه بعدم المانع فيحتاج اعتباره إلىٰ مزيد عناية في دليل الاشتراط؛ و إلّا فنفس مثل: «لا تصلِّ في غير المأكول»، أو «أنّها فيه فاسدة»، أو أنّه «حتّى يصلّيها في غيره» لا يفيد إلّا اعتبار اجتماع الصلاة زماناً مع عدم المانع.

فلا محلّ للإيراد بالإثبات في المستصحب، مع الاتصاف المطلوب من قضيّة

بهجة الفقيه، ص: 291

اشتراط الصلاة بعدم الوقوع في ما لا يؤكل، فيكفي تكفّل الأصل لعدم ما ثبت مانعيّته، أو لوجود ما ثبت شرطيّته مع الشكّ فيهما في زمان تحقّق الصلاة، بلا حاجة إلىٰ إثبات اتّصاف الصلاة بذلك الشرط، أو بعدم المانع؛ كما أنّ استصحاب الطهارة إلىٰ حين الصلاة و في أثنائها، يكفي في التعبّد بحصول الشرط، و إن لم يكن اتصاف الصلاة بالاقتران بالطهارة مجرى الاستصحاب، و لا ممّا يثبت باستصحاب الطهارة.

فعليه، فيمكن دعوى الاكتفاء بأنّ لبس المصلّي لما لا يؤكل، أو ما بحكم اللبس و هو المانع المفسد للصلاة لم يكن قبل الصلاة، فهو إلىٰ زمان الصلاة علىٰ ما كان؛ و كذلك عدم اللبس أو ما بحكمه كان قبل الصلاة، فهو علىٰ ما كان إلىٰ حين تحقّق الصلاة. و لا حاجة إلىٰ إثبات اقتران الصلاة بعدم اللبس من جهة مطلوبيّة

الاقتران بعدم المانع شرطاً، فيجاب بأنّ الاقتران بالحمل الشائع لا يُثبت الاقتران بالحمل الأوّلى؛ و لا إلىٰ إثبات أنّ المشكوك ليس ممّا لا يؤكل، بل يكفي إثبات عدم لبس غير المأكول تعبّداً.

و علىٰ تقدير استفادة اعتبار الاتصاف، فالمانع هو اتصاف الصلاة بالوقوع في ما لا يؤكل، و الشرط إنّما هو عدم المانع، لا الاتصاف بعدم الوقوع في ما لا يؤكل، و المانع و هو اتصاف الصلاة بالوقوع في ما لا يؤكل لم يكن قبل الصلاة، فهو علىٰ ما كان في زمان الصلاة، كما إذا شك في طروّ بعض المبطلات في أوّل أجزاء الصلاة. الفرق بين العدم المحمولي و النعتي في جريان الاستصحاب و المناقشة فيه و دعوىٰ أنّ استصحاب عدم الاتصاف محموليّاً لا يُثبت العدم النعتي، فإنّ استصحاب السالبة بانتفاء الموضوع، لا يثبت السالبة المنتفية بانتفاء المحمول، مدفوعة بأنّ العدمين لا فرق فيهما في أنفسهما، و إنّما الفرق في معروضهما و موضوعهما، المعدوم في ما مضى و المحقّق في ثاني الزمانين؛ فمرجع الاتصاف بالعدم مطلقاً إلىٰ عدم الاتصاف المضاف إلىٰ موضوع قبل وجوده أو بعده، فيكون كاستصحاب عدم القرشيّة في المرأة.

بهجة الفقيه، ص: 292

و عليه، فلا يستقيم ما عن «الشيخ الأنصاري» قدس سره «1» من الفرق بين ترتّب الأثر على العدم المقارن، أو على العدم النعتي، فلا يجري استصحاب عدم كريّة الماء و عدم حيضيّة العدم، و يجري في استصحاب عدم كون الشرط مخالفاً للكتاب من جهة الشك في كون الحكم الكتابي ممّا لا يقبل التغيّر بالشرط.

لابتنائه على الفرق بين العدمين في الاستصحابين في ما لهما من نفس الأمريّة، و إنّما الفرق بين الوجودين أعني المحمولي و النعتي من حيث إنّ استصحاب الوجود المحمولي

لا يثبت اتصاف الموضوع الخاصّ به، فلا يترتّب الأثر المفروض ترتّبه علىٰ اتصاف الموضوع بالوصف.

مع أنّ كلّاً من الصلاة و التلبّس بما لا يؤكل في حال الصلاة من عوارض بدن المصلّي، لا أنّ التلبّس من عوارض الصلاة، و صدق الصلاة في ما لا يؤكل إنّما هو بالعرض و بتوسّط كون المصلّي متلبّساً بما لا يؤكل، فليست الصلاة مع التلبّس بنحو من العرض و محلّه.

مع أنّ العرض و محلّه الشخصي إذا أُخذا في الموضوع للحكم، فإنّما يستفاد اعتبار الاتصاف الملازم للأخذ المذكور في الوجوديّات، أي في الشروط الوجوديّة؛ لا عدم التلبّس و هو الشرط، لأنّه عدم للمانع، و لا نعتيّة في الأعدام. بل تقسيمات الوجود الأربعة، لا تجري في الأعدام؛ فالوجود قد يكون لا ماهيّة له لقوّته، كالواجب تعالىٰ؛ أو لغاية ضعفه كالرابط، و يفترقان بالوجود «في نفسه بنفسه»، و «لا في نفسه و لا بنفسه»، و قد يكون «لنفسه» كالجوهر، و «لغيره» كالعرض. و أعدام هذه الوجودات المفروضة ليس لها هذه الشؤون.

و الفرق بين السالبة المحصّلة و الموجبة المعدولة المحمول، منطقي لا فلسفي حقيقي، و المرجع إلى عدم الاتصاف، لا الاتصاف بالعدم.

______________________________

(1) انظر رسالة «الصلاة في المشكوك» ص 404.

بهجة الفقيه، ص: 293

كما يظهر ذلك من ملاحظة صحّة السالبة بانتفاء الموضوع على النحو المفهوم من المنتفية بانتفاء المحمول، أعني النسبة السلبية، كما يقولون، لا سلب النسبة، كما نقول، و إنّما يلتزمون به في ورود السلب على النسبة بأن يقال «ليس زيد قائماً، لا في مثل «زيد ليس قائماً».

و يشهد لما ذكرنا عدم اعتبار وجود الموضوع في السالبة. و لو كانت المنتفية بانتفاء الموضوع غير حقيقيّة، لاعتبر في الحقيقيّة و لو كانت سالبة، كما يعتبر عندهم

في الموجبة المعدولة المحمول. و لو كانت النسبة مطلقاً متوقّفة علىٰ وجود الموضوع و لو لم تكن ثبوتيّة، لكانت متوقّفة علىٰ وجود المحمول أيضاً، و هو لا يجتمع مع السلب.

فمنه يظهر: أنّ النسبة السلبيّة نفسُ أمريّتها سلب النسبة الواردة علىٰ طرفين ثبوتيين، بل النسبة مطلقاً غير مستقلّة في الثبوت و نحوه، تابعة للمنتسبين فيهما حتّى في الموجبة، حي يصحّ أن يقال: «لا حيوان لا متحرّك بالإرادة». و حينئذٍ فمرجع أخذ الصلاة مع عدم التلبّس، إلى المقارنة الوجوديّة، أي إلىٰ أخذ المتقارنين في موضوع الحكم بالصحّة؛ فاستصحاب عدم التلبّس قبل الصلاة إلىٰ زمانها ممّا يتمّ به الموضوع بضمّ ما بالوجدان في أحد الجزئين إلىٰ ما بالأصل، و هذا الاستصحاب لا فرق فيه بين طروّ الشك و المشكوك في أثناء الصلاة، أو حدوثهما في أوّل الإجزاء، بناء علىٰ اعتبار هذه الشروط في الأكوان المتخلّلة، بل مطلقاً بناء علىٰ جريان الاستصحاب في أوّل أجزاء الصلاة.

و بالجملة، فمجرّد فرض الجزئين العرض و محلّه-، لا يمنع عن الاستصحاب، و لا يحدث الإثبات فيه، و سيأتي إن شاء اللّٰه مزيد إيضاح لذلك.

تحقيق في الفرق بين السالبة المحصّلة و الموجبة المعدولة المحمول ثم إنّ المحقّق صاحب الرسالة قدس سره بعد ما ذكر الإشكال في استصحاب العدم المحمولي لإثبات العدم النعتي في ضمن مقدّمتين، ذكر فيهما ما لا يخلو من التعبيرات عن مخالفة

بهجة الفقيه، ص: 294

اصطلاح أهل الفنّ في الرابط و الرابطي و غيرهما أورد علىٰ نفسه بما حاصله: صدق السالبة المحصّلة بانتفاء الموضوع، بخلاف الموجبة المعدولة المحمول، فلا فرق بين المستصحَب و المتعبّد به بالاستصحاب «1».

و أجاب عنه بعد الغضّ عن أنّ ذلك ينافي تسالمهم علىٰ رجوع العمل إلى التوصيف،

و أنّ السالبة المعدولة محمولة ك «زيد ليس بلا قائم»، تلازم الموجبة المحصّلة المفروض توقّفها علىٰ وجود الموضوع ك «زيد قائم» أنّ رجوع السلب المحصّل إلىٰ سلب الربط الصادق عند انتفاء الموضوع بخلاف ربط السلب في الموجبة المعدولة المحمول، مبني إمّا علىٰ عدم اشتمال السالبة على النسبة، و ورود السلب فيها على النسبة الثبوتيّة، و مرجعها إلى سلب الحمل و قطع الربط.

ثمّ زيّف هذا المبنىٰ بلزوم انقلاب المعنى الحرفي اسميّاً، فيكون السلب محموليّاً، أو يكون الرابط استقلاليّاً.

و لا يخفىٰ ما فيه، فإنّ المدّعى لذلك يُنكر كون المعنى الحرفي الذي هو النسبة

______________________________

(1) رسالة «الصلاة في المشكوك» ص 438.

بهجة الفقيه، ص: 295

المدلول عليها بالحروف، غالباً علىٰ قسمين ثبوتيّة و سلبيّة، بل هو وجود «لا في نفسه» و ليس نقيضه إلّا «عدمه»، لا «عدم لا في نفسه»؛ كما أنّ عدم الواجب تعالىٰ فرضاً «عدم ما بنفسه»، لا «عدم بنفسه». و لو لزم من سلب الربط اسميّة الربط و محموليّته اللازمة لمسلوبيّته، لزم من إثباته في الموجبة المعدولة المحمول الاسميّة أيضاً، لأنّه ربط السلب، و ليس ربطاً سلبيّاً كما يدّعىٰ في السالبة المحصلة.

و الذي يشهد علىٰ عدم الانقسام الذي يكون الأصل فيه مراجعة ما في الخارج، و تنزيل الحكم و الكلام عليه، لا العكس هو عدم الفرق الحقيقي بين قولك «لا ربط بين زيد و القيام» و «زيد ليس بقائم»، و «زيد لا قائم» إلّا تعبيرات مختلفة تحسّنها أدنىٰ مناسبة المقام.

و يشهد له أيضاً أنّ النسبة في الموجبة المعدولة المحمول ثبوتيّة؛ فلو كان النسبة المدلول عليها ثبوتيّة واقعاً كما هي كذلك في الحكميّة المدلولة للكلام لزم كون النسبة الثبوتيّة التي ليس ثبوتها في نفسها، بل في طرفيها،

محقّقة مع عدم أحد الطرفين، و هو لتحقّقها مع عدمهما، إذ المقوّم بالغير المكتفي بطرف واحد عرض لا نسبته، و المفروض أنّها قسم رابع للوجود.

و يشهد أيضاً لما ذكرنا أنّ تقسيمات الوجود لم يقل أحد بجريانها جميعاً في العدم، بحيث يكون الوجود الواجبي واجباً في نفسه لنفسه بنفسه، و العدم كذلك، و الجوهري وجوداً في نفسه لنفسه بغيره، و هناك عدم كذلك؛ بل ليس في العقل إلّا عدم الوجود الواجبي، و عدم الوجود الجوهري، و عدم الوجود الرابطي، لا عدم واجب، و عدم جوهري، و عدم عرضي، فمن أين صار عدم النسبة عدم سلبي نسبي ربطي؟

و ما أبْعَدَ ما بين هذا التقسيم و أجزائه في العدم في خصوص النسبة المنقسمة إلىٰ ثبوتيّة و سلبيّة، و بين إنكار المعنى الحرفي مغايراً للوجود الرابطي، و المصير إلىٰ أنّ المعنى الحرفي هو العرض الموجود لغيره، و لازمه إنكار القسم الرابع للوجود رأساً، و إنكار النسبة الثبوتيّة فضلًا عن السلبية في قبال العرض، و كلاهما خلاف ما ينتهي إليه البرهان، و يشهد به الوجدان. و قد كان بعض مشايخنا قدس سرهم، منبّهاً علىٰ قصر التقسيمات في الوجوديّة، و منكراً للنسبة السلبيّة الغير الراجعة إلىٰ سلب النسبة الثبوتيّة، و مع هذا ذكر في بحثه علىٰ ما في ظنّي بعض مجاري الأصل في الأعدام الأزليّة الإيراد على الجريان في خصوص ذلك المورد، بأنّ المفهوم من الدليل موضوعيّة العدم عن وجود الموضوع، لا مطلقاً، و هذا غير محرز في الاستصحاب، لعدم الحالة السابقة.

مع أنّ المستصحب نفس العدم الذي هو جزء للموضوع، و ليس أخذه في الموضوع إلّا بأن يؤخذ الجزء الآخر وجود الموضوع، و الكلام في إثبات أخذ الاتصاف بالعرض جزءً ثالثاً،

و هو النسبة اللازمة لأخذ العرض و محلّه الشخصي في الموضوع؛ و علىٰ تقديره فلا مانع من استصحاب عدم انتساب هذا الموجود إلى الوصف المتيقّن

بهجة الفقيه، ص: 296

قبل الموضوع إلىٰ زمان وجوده، و لا يلزم إثبات الاتصاف بالعدم، كما يلزم إثبات الاتصاف بالوجود في إثبات الحكم المرتّب علىٰ وجود الموضوع المتّصف بوجود العرض.

و استنتج في «الرسالة» للمحقّق النائيني قدس سره ممّا ذكره: «أنّ حديث سلب الربط من الشعريات، و أنّه ليس فارقاً بين السالبة المحصّلة و الموجبة المعدولة المحمول، و الفرق إنّما هو في ترتّب الثاني علىٰ الأوّل ترتّبَ العنوان الثانوي علىٰ محصِّله» «1».

و هذا أيضاً ليس بفارق في عدم جريان الأصل مع اعتبار وجود الموضوع في القضيّتين في المقام، و إنّما الفرق بين القضيّتين، في رجوع السالبة إلى الشك في التكليف و الشرطيّة، و في الموجبة إلى الشكّ في الامتثال، لأنّ الشك في تحقّق كون المصلّي، لا لابساً لغير المأكول، و هو المعتبر فرضاً، فلا بدّ من الاشتغال.

قلت: قد مرّ أنّ موضوع غير المأكول إذا كان مشكوكاً، فالشكّ في اعتبار كونه غير لابس للمشكوك، و إن كان المعتبر عدم اللابسيّة للشي ء من أفراد غير المأكول الواقعيّة، فإنّ كون المشكوك منها غير معلوم؛ فالشكّ في الدخول في موضوع الاعتبار يوجب الانحلال الذي هو موضوع البراءتين. و عليه، فليس في السالبة بانتفاء الموضوع إلّا حسن العبارة.

مع أنّ الربط في تحصّله إذا كان علىٰ قسمين ثبوتي و سلبي، فلا يتوقّف علىٰ قسمين ثبوتي و سلبي، فلا يتوقّف علىٰ طرفين ثبوتيّين، و إلّا لم تصحّ السالبة، فليكن غير متوقّف علىٰ طرف ثبوتي أيضاً، فتصحّ السالبة بانتفاء الموضوع أيضاً؛ فإنّ تحقّق العدم غير تحقّق الوجود و له

النفس الأمريّة فقطّ، فكيف يتوقّف علىٰ أزيد من نفس الأمر في الطرفين؟ و تعلّق الغرض العقلائي بسوق السالبة بانتفاء الموضوع، أمر اتفاقي لا كلّي.

ثم زيّف في الرسالة ثانيَ الشقّين المبنيّ علىٰ أحدهما الالتزام بسلب الربط و تربيع

______________________________

(1) رسالة الصلاة في المشكوك» ص 452.

بهجة الفقيه، ص: 297

أجزاء القضيّة و كون الجزء الرابع وقوع النسبة التقييديّة أو لا وقوعها بأنّه مستلزم لورود السلب علىٰ الإيجاب، أو ورودهما على الربط المشترك بينهما، مع أنّه لا يخرج عن حقيقتهما، فليس إلّا تثليث الأجزاء، يعني مع الترديد في الجزء الثالث المسلّم عندهم بين الثبوتي و السلبي.

و قد مرّ ما يظهر منه ما فيه، و أنّ النسبة الكلاميّة [و هي] الدالّة على الحكميّة، الحاكية عمّا في الواقع المنحصر بثبوت النسبة، المستلزمة لثبوت المنتسبين، و عدمها بعدمهما أو عدم أحدهما، و مفاد الموجبة الهوهويّة، و مفاد السالبة سلب الوحدة لا وحدة سلبيّة؛ فمفاد الإيجاب «هو هو»، و مفاد السلب و العدول «ليس هو هو»، لا أنّه «لا هو» بنحو من النحوين، أعني ربط السلب، أو ربط سلبي.

و منه يظهر الجواب عمّا دفع به إيراد استحالة ارتفاع النقيضين، فلا مانع من استصحاب عدم النعت، بأنّ التقابل بالمناقضة الموجبة لاستحالة الارتفاع في الوجود و العدم المحموليّين؛ و أمّا النعتيّان فالتقابل، بالعدم و الملكة، لاعتبار الصلاحية بوجود الموضوع، و ارتفاعهما بعدم الموضوع ممكن؛ فإنّه لا عدم نعتيّ حتى يقال لا يقين به، بل اليقين بعدمه قبل وجود الموضوع، و إنّما الموجود الوجود النعتي، و هو مرتفع بعدم الموضوع تارة، و بعدم المحمول اخرىٰ، فيستصحب عدم النعت أي عدم الوجود النعتي بين الطرفين بعدمها، إلىٰ زمان وجود الموضوع المركّب منه و من نعته موضوع

الحكم، و ينتفي الحكم المرتّب علىٰ هذا المجموع.

و أمّا استصحاب عدم إذن المالك مع الشك في كون الاستيلاء علىٰ مال الغير بإذنه، فلا محلّ لنعتيّة إذن المالك للاستيلاء؛ فأصالة الضمان بعد تنقيح الموضوع بالأصل المفيد لكون الاستيلاء علىٰ مال الغير مقارناً لعدم إذن المالك، محكّمة علىٰ أيّ تقدير.

و أمّا أصالة عدم القرشيّة بعد الخمسين في ما تراه المرأة المشكوك قرشيّتها، فيمكن الاستناد فيها إلىٰ الإلحاق بالغالب و أنّه أمارة معتبرة؛ كما يمكن أن تكون مستندة إلى استصحاب عدم الانتساب إلىٰ قريش في

بهجة الفقيه، ص: 298

ما تراه بعد الخمسين؛ و مثلها أصالة عدم الانتساب إلى الميّت مع الشكّ، فينتفي الإرث، أو المنع و الحجب عن الإرث المشكوك انتسابه إلّا في احتمال الأماريّة.

هذا كلّه في الشكّ في أوّل الشروع في الصلاة أنّها تقع في غير المأكول أو لا؟ و أمّا الشكّ في الأثناء في الواقع أو وقوع غير المأكول، فموضوع الاستصحاب فيه محرز بناء على الهيئة الاتصاليّة في ما بين أجزاء الصلاة، و هي التي يقطعها أُمور، و إلّا فالواقع في ضمن الجزء المنتفي بانتفاء شرطه لا يصدق معه القطع حقيقة، و كذا النقض و البطلان على الدقّة؛ فلا مانع من الاستصحاب حتى علىٰ نعتيّة عدم الوقوع في ما لا يؤكل، لأنّها كانت منعوتة بعدم الوقوع في ما لا يؤكل، فهي علىٰ ما كانت.

و يؤيّده لولا ما مرّ من عدم وصول النوبة إلىٰ الاستصحاب مع الأصل في السبب الغير الاختياري، الذي هو الوقوع في غير المأكول في الشكّ في الواقع دون الوقوع أنّه لا ينبغي أن ينسب إلىٰ فقيهٍ الحكم بالبطلان مع الشكّ في الوقوع في أيّ مانع، أو ما يشترط عدمه في الأثناء، لاستمرار

السيرة علىٰ عدم الاعتناء، بل على عدم الفحص في احتمال الوقوع قبل الصلاة أيضاً؛ و إن كان يجتمع ذلك مع عدم شرطيّة عدم الوقوع على المصلّي قصراً للشرطيّة علىٰ ترك اللبس.

و ممّا ذكرنا يظهر ما في التفصيل المذكور في «الرسالة» في جريان البراءة بين الشكّ في بول الخفّاش مثلًا في محلّ لو بال لأصاب المصلّي، أو في الإصابة لبوله المحقّق المعلوم، و جعل الأوّل من الشكّ في الشرطيّة الزائدة على الشرطية المعلومة فتجري البراءة، و الثاني من تحقّق الشرط المعلوم شرطيّته فيلزم الاحتياط.

فإنّ العلم بالصغرى في ما يشترط عدمه إن كان لازماً، ففي الصورتين؛ و إن كان العلم بالكبرى كافياً ففيهما؛ فالشكّ في الوقوع شكّ في تحقّق المانع الغير الاختياري المعتبر عدمه، كان ناشئاً عن الشكّ في أصل الوقوع، أي في وجود الواقع، أو في الوقوع على المصلّي مع العلم بأصل وجوده، فتجري البراءة عن الشرطيّة الزائدة و عن المانع الزائد المعتبر عدمه إمّا للشك في وجود المانع، أو مانعيّة الموجود.

بهجة الفقيه، ص: 299

كما أنّه علىٰ تقدير وصول النوبة إلىٰ الاستصحاب يقال: [إنّ] عدم المانع و هو الوقوع متيقّن، و الشكّ، في انقلابه إلى الوجود، مع أنّه لو وجد كان مفسداً، فمقتضىٰ الاستصحاب عدمه، كان الشكّ ناشئاً عن حرمة أكل الواقع، أو وجود جزء من المحرّم، أو إصابة الموجود منه للمصلّي، و يجمعها الشك في وقوع غير المأكول على المصلّي، أو وقوع صلاته في جزئه.

و قد مرّ أنّ النعتيّة للعدم و لو كانت مسلّمة في متعلّق التكليف التحريمي الغيري، فلا محلّ لها في موضوع التكليف المذكور، أعني الكون من أجزاء ما لا يؤكل، و مع الشكّ في الموضوع يشكّ في حكمه، فتجري أصالة البراءة

عن الشرطيّة، و أصالة الحلّ بمعنى حلّ الصلاة فيه.

مع أنّه لا يستفاد من الدليل اعتبار العدم النعتي، بمعنى أنّ الصلاة يعتبر فيها صدق أنّ الصلاة لم تقع في غير المأكول، بل مفاده أنّه يعتبر فيها عدم وقوعها في غير المأكول، أعني عدم النعت، أي عدم ما لو كان موجوداً كان ناعتاً، لا العدم النعتي، حتى يلزم الإثبات لولا دعوى خفاء الواسطة، أو مع عدم صحّتها بحسب الكبرى.

و هذا في استصحاب عدم الوقوع في غير المأكول بنحو ينقّح به الشرط دون الأصلين المذكورين، مع أنّ الشكّ في صحّة الصلاة ناشٍ عن الشكّ في الشرطية المدفوع بالأصلين؛ فلا محلّ لاستصحاب عدم الوقوع في ما لا يؤكل حتى يترتّب عليه صحّة الصلاة الواقعة في المشكوك كونه ممّا لا يؤكل، حيث يشكّ في وقوعها في ما لا يؤكل بذلك الشك.

جريان البراءة في الشك في سائر الموانع ثمّ إنّه لا يختصّ ما ذكرناه بالشك في غير المأكول، بل يعمّ سائر الموانع، فتجري البراءة عن الشرطيّة و المانعيّة المشكوكتين في الشبهات الموضوعيّة، بل الحكميّة مع عدم ارتفاع الشك المسبّبي بالحكم في الشكّ السببي، فيجري ما ذكر في الشكّ في الحرير و الذهب، بل الميتة أيضاً لولا اقتضاء الأصل في الشكّ السببي عدم التذكية، فلا يترتّب

بهجة الفقيه، ص: 300

على المشكوك تذكيته أثر المذكى من جواز استعماله في ما يشترط فيه الطهارة أو مطلقاً.

و الفرق بينه و بين ما لا يؤكل أن التعبّد بعدم التذكية تعبّد بالموضوع الذي من أحكامه عدم جواز الصلاة فيه في عرض عدم جواز الانتفاعات بالميتة، بخلاف التعبّد بحليّة الأكل ظاهراً؛ فإنّه يمكن مفارقته عن التعبّد بما لو كان للحليّة و الحرمة من الحكم، لصحّة التعبّد بنفس

حليّة اللحم، و إنّما يتعبّد بأحكامه بنفس التعبّد بالحلّية لو دلّ على التعبّد بكونه الحلال الواقعي، كما هو مفاد الأمارة، بل الظنّ الاطمئناني علىٰ وجه، بل الاستصحاب لو جرىٰ في مورد علىٰ وجه، هذا. و قد مرّ أنّ الحليّة المتعبّد بها في دليل الأصل تعمّ التكليفيّة و الوضعيّة، و أنّ التمثيل بما في رواية «مسعدة» «1» يناسب العموم الذي لا مانع عن الالتزام به، و لو لم يقع ذلك التمثيل.

و عليه، فلا يراد من إثبات الحلية التكليفيّة إثبات حكمها في المقام و هي الوضعيّة، حتّى يقال: «إنّها في موضوع الشكّ في الوضعيّة، و هو غير مرتفع وجداناً، و لا تعبداً بالتعبّد بالحلّية التكليفيّة التي هي ما متيقّن دليل أصالة الحل إلّا علىٰ الأصل المثبت».

بل يقال: إنّ الشكّين و إن كانا طوليّين، و التعبّد بحلّ الأكل أعمّ من التعبّد بآثاره الشرعيّة التي منها حلّ الصلاة، إلّا أنّ التعبّد بالحلّ بالمعنى العامّ يشمل الشكّين الطوليّين، كما يشمل العرضيّين لو كانا؛ فإنّ مفاده جواز أكل المشكوك حرمته، و جواز الصلاة في المشكوك جوازها فيه.

و دعوىٰ أنّ حمل رواية «مسعدة» علىٰ الأعمّ، و الالتزام بأصالة الحلّ الوضعيّة في جميع الأبواب، و في جميع الشروط و الموانع من العقود و الإيقاعات و المعاملات، لازمه تأسيس فقه جديد، مدفوعة بأنّه لا مانع من الالتزام [به] في غير موارد الإجماع، و فيها يكفي الإجماع دليلًا مانعاً عن العموم؛ كما في ما ثبت فيه إناطة الحلّ الوضعي بالعلم، أو

______________________________

(1) الوسائل 12، أبواب ما يكتسب به، الباب 4، ح 4.

بهجة الفقيه، ص: 301

ما يقوم مقامه بدليل اجتهادي؛ كما أنّ قاعدة الفراغ و أصالة الصحّة من التسهيلات على الشاكّ موافقة لعموم الحلّ للوضع

فيها.

و منه يظهر وجه الاكتفاء بأصالة البراءة، فإنّها تعمّ الحكم التكليفي و الوضعي. و لو لا هذا العموم، لما أمكن رفع الشرطيّة المجهولة بأصالة البراءة في ما لا محلّ للتكليف فيه، حتّى يرفع احتماله بها، كالشك في أخذ الشعر من هذا الحيوان المحلّل قطعاً، أو ذاك الحيوان المحرّم قطعاً، بل في ما يشك في التكليف فيه.

فإنّ رفع التكليف تعبّداً، لا يستلزم رفع الشرطية الموقوف علىٰ رفع الشك فيها، فكيف يتمسّك بالأصل في رفع الشرطيّة المجهولة للشعر بعموم دليل هذا الأصل، و لا يتمسّك به في المقام بمجرّد طوليّة الشكّين، و عدم تكفّل دليل الملزوم رفع حكم اللازم لعدم رفعه للشك فيه؟

و عليه، يكون الشكّ في غير المأكول موضوعاً أو حكماً، كالشك في الحرير و الذهب موضوعاً أو حكماً، في عدم ترتّب الوضع على التكليف في المشموليّة لدليل أصالة الحل أو البراءة الشرعيّة الجاريتين في الوضع المجهول، في عرض الشمول للتكليف المجهول، أو في ما ليس هناك تكليف مجهول مبتلىٰ به.

جريان البراءة في الدم المشتبه بين المعفوّ عنه و غيره ثمّ إنّ الطهارة من الخبث إذا كانت مشكوكة، مجرى أصالة الطهارة، و بها يحكم بجواز ترتيب آثار الطهارة على المشتبه التي منها جواز الصلاة فيه.

و أمّا خصوص الدم المشتبه بعد نجاسته علىٰ جميع التقادير بين المعفوّ عنه، كالأقلّ من الدرهم من غير الدماء الثلاثة، و دم القروح و الجروح و غيره، و لم يكن استصحاب ينقّح الموضوع، فهل القاعدة تحكم بالاشتغال لإحراز الصلاة مع الطهارة، أو البراءة؟

و يمكن أن يقال: إنّه حيث كانت المانعيّة للصلاة الموجبة لاعتبار العدم شرطاً في صحّتها لخصوص الدم البالغ قدر الدرهم و من غير الجروح، فمع الشكّ يكون مانعيّته

بهجة الفقيه،

ص: 302

مشكوكة، و مقتضى عدم المانعيّة و عدم اعتبار العدم شرطاً في الصحّة.

و لا فرق في الشك في المانعيّة، بين الشبهة الموضوعيّة أو الحكميّة، كما إذا شككنا في العفو عن دم خاصّ و لم يكن عموم يتمسّك به في عدم العفو مع الشكّ، و إنّما يمنع عن البراءة في ما إذا علم بالمانعيّة و شكّ في تحقّق المانع، أو الشرط للشك في تحقّق المشروط بلا أصل يعيّن الحال.

و مثله الشك في كون هذا الماء الملاقي للنجس من ماء الاستنجاء أو من غيره؛ فالشك في كون الصلاة مع المعفوّ عنه أو لا حيث كان منشأه الشكّ في التكليف الغيري الذي هو منشأ المانعيّة و الشرطيّة من الشك في الامتثال الناشئ عن الشكّ في التكليف، الذي هو مجرى أصالة البراءة دون الاشتغال، كما في سائر موارد الدوران بين الأقل و الأكثر.

دفع المنافاة بين الواجب و الحرام من ناحية الإحراز تنبيه: ربّما تتوهّم المنافاة بين الالتزام بلزوم إحراز تحقّق الواجب، فلا يكتفي بالمشكوك تحقّقه و لو للشك في الصدق، أو في تحقّق قيده مع العلم بتقيّده، إلّا أن يكون الشكّ بعد الفراغ، و بين ما هو المعروف من أنّه مع الشكّ في تحقّق الحرام و لو للشك في تحقّق قيده المعلوم تقيّده به، فلا عقوبة مع الارتكاب. و ذلك لرجوع التحريم إلىٰ طلب العدم، المشابه لطلب الوجود في الواجبات؛ فلما ذا يلزم إحراز الوجود في رفع العقاب، و لا يكفي احتماله في الواجبات، و لا يلزم إحراز العدم في المحرمات، و يكتفى باحتمال العدم في رفع العقاب؟

و الحلّ أنّ الأمر بالطبيعة تخييري في حصصها، و النهي عن الطبيعة تعييني في حصصها، و مقتضى الشك في كون شي ء

من حصص الطبيعة الواجبة، الشكّ في تعلّق الوجوب بها إلّا إلىٰ بدل، و لازمه عدم الاكتفاء بها عن الطبيعة الواجبة تعييناً، كانت مطلقة أو مقيّدة، و كان الشكّ في التحصّص للشك في تحقّق الطبيعة أو تحقّق قيدها.

و أمّا الشك في تحقّق الحرام الراجع إلى الشك في كون الشي ء من حصص الطبيعة

بهجة الفقيه، ص: 303

المنهي عنها، و مع هذا الشك، فيشك في تحريم الشي ء شمولياً عينيّاً، و تجري البراءة عنه، و التكليف بطلب ترك الطبيعة المحرّمة مطلقة كانت أو مقيدة بحاله، و فعليّة العلم بالصغرىٰ و التحصّص كما تتوقف على العلم بالكبرى في المقامين، فمقتضىٰ بقاء التكليف بالطبيعة في المقامين و عدم فعليّة التكليف الجزئي في مورد الشك في الموضوع و إن كان تخييريّاً في الواجب بالنسبة إلى الخصوصيّة تعيينيّاً في الحرام، يقتضي عدم الاكتفاء بالمشكوك في الخروج عن الإيجاب المعلوم على اليقين، و عدم التنزّه لزوماً عن المشكوك، و إن بقي التحريم المعلوم تعلّقه بمتعلّقه منجّزاً في صورة العلم بالكبرى و الصغرىٰ.

تنبيهات و تفريعات
[الأول] الصلاة في ما شكّ في كونه من الحيوان

منها: أنّه لو شكّ في كون شي ء كالدهن في الآلة المسمّاة بالساعة من الحيوان أو غيره، فأولىٰ بالجواز في ما لم يكن أصل موضوعي من صورة العلم بكونه من الحيوان، و الشك في كونه ممّا لا يؤكل بحسب الأُصول المذكورة.

[التنبيه الثاني] الصلاة مع الغفلة عن حال اللباس

منها: أنّه إذا صلّىٰ مع الغفلة عن لباسه و أنّه من غير المأكول أو لا، فمع عدم مسبوقيّة الغفلة بالشك، سواء كان مسبوقاً بالاعتقاد بأنّه من المأكول، أو بالشك في كونه من الحيوان مع الغفلة عن خصوصيّة الحيوان المحتمل بنحو يجوز معه الصلاة و لو لم يكن غافلًا، أمكن الصحّة، لقاعدة الفراغ بالشك بعد العمل، إلّا مع قصر القاعدة علىٰ احتمال الإحراز حال العمل للشرط، و لا تجري حينئذٍ مع القطع بالغفلة حال العمل لو لم يكن غافلًا [و] لم يكن معتقداً للصحّة و محرزاً لها.

و أولى بالإشكال ما لو شك في كونه من المأكول، ثم غفل و صلّى، ثم شكّ، فإنّ

بهجة الفقيه، ص: 304

الشك التقديري باقٍ في حال الغفلة، و الشك بعد الصلاة في قوّة بقاء ما كان من الشك السابق على الصلاة.

فاحتمال الصحّة بقاعدة الفراغ، يبتنىٰ علىٰ الأخذ بالإطلاقات في مثل

كلّ ما مضى من صلاتك و طهورك «1»

، و في خصوص ما ورد في الشك في الوصول للماء تحت الخاتم بعد الوضوء. «2» و الأخذ بالعموم المذكور لا يخلو عن وجه موافق لحرجيّة المحافظة علىٰ جميع الشروط و الموانع، و إحرازها وجوداً أو عدماً حال الصلاة الكثير شروطها و موانعها.

و يمكن التصحيح بعموم رفع السهو «3»، فإنّ عموم الشرطيّة لعدم الوقوع في غير المأكول يرفع اليد عنها بعموم الدليل في العناوين الثانويّة، و بعموم قاعدة «لا تعاد» «4» الجارية في

غير الخمسة في ما تبيّن بعد العمل أنّه من غير المأكول، فضلًا عن صورة الشك المفروضة، و المفروض وقوع العمل غفلة و قريباً.

و ممّا قدمناه يظهر الحال في ما لو صلّىٰ مع الغفلة، ثمّ التفت في الأثناء و تمكّن من نزع الملبوس و إلقاء المحمول بلا منافٍ لجريان أكثر الوجوه المتقدّمة في الالتفات بعد العمل، حتّى قاعدة التجاوز، لعدم الدليل علىٰ الاعتبار في الأكوان المتخلّلة كالحدث القاطع، خصوصاً مع عدم التمكّن، و مع السهو في اللبس، أو المصاحبة.

و كذا صحيح «لا تعاد»، بناء علىٰ عمومه للكلّ و البعض، أي لا تعاد أصل الصلاة بالخلل فيها و لو في بعضها و لو انكشف في الأثناء فلا يلزم قطعها كما إذا توقّف النزع على المنافي.

و كذا حديث رفع الخطأ و السهو «5». و لو لم يكف السهو في الفرد، لعدم إيجابه السهو

______________________________

(1) الوسائل 1، أبواب الوضوء، الباب 42، ح 6.

(2) الوسائل 1، أبواب الوضوء، الباب 41، ح 2 و 3.

(3) الوسائل 5، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الباب 30، ح 2.

(4) الوسائل 4، أبواب الركوع، الباب 10، ح 5.

(5) تقدّم تخريجها آنفاً.

بهجة الفقيه، ص: 305

عن الطبيعة المأمور بها، لم يكف السهو المستمرّ إلى الفراغ مع إمكان الإتيان بالطبيعة في آخر الوقت، و إنّما يكون سهواً عن الطبيعة حيث وقع السهو في العمل المأتيّ به في آخر الوقت، بل يمكن فهم الأولويّة في صورة الشك بعد تمام العمل، لاشتمال بعض العمل على الشرط، و إن كان لا يخلو عن تأمّل.

[التنبيه الثالث] العلم الإجمالي بكون أحد الثوبين من غير المأكول

منها: أنّه لو كان له ثوبان يعلم بأنّ أحدهما من غير المأكول و لم يتمكّن من التمييز و لا من التستّر بثالث، وجب التكرير.

و لو لم

يتمكّن منه و لو بكونه في آخر الوقت، فكما لم يكن ساتر؛ لأنّ الاحتمال هنا بمنزلة العلم.

و لو غفل عن علمه الاحتمالي و صلّى واحدة ثمّ التفت، فكما لو علم تفصيلًا ثمّ غفل و صلّى، فتصحّ بناء علىٰ جريان قاعدة الفراغ بمجرّد احتمال المصادفة للشرط بدون احتمال الالتفات؛ بل مع عدم احتمال أنّه لو كان حين العمل ملتفتاً لكان محرزاً للشرط كما لعلّه مدلول قوله عليه السلام

هو حين يتوضّأ أذكرُ منه حين يشك «1»

اتّجه الحكم بالصحّة الموافقة للإطلاقات المتقدّم إليها الإشارة.

منها: أنّه لو لم يكن له إلّا ثوب واحد مردّد بين المأكول و غيره، فعلى ما وجّهناه من الجواز ظاهراً في المشتبه، لا يجب الجمع بين الصلاة متستراً به و الصلاة عرياناً، بخلاف البناء علىٰ الاشتغال.

و علىٰ هذا المبنىٰ، لو لم يتمكّن من النزع لبرد أو لغيره، أمكن رفع المانعيّة بالاضطرار إلى اللبس في الصلاة، فلا يجب القضاء معه، و إن قيل بأصالة عدم الإتيان بالواجب و أنّه غير مثبت، لتحقّق الفوت الموجب للقضاء.

______________________________

(1) الوسائل 1، أبواب الوضوء، الباب 42، ح 7.

بهجة الفقيه، ص: 306

[التنبيه الرابع] في اعتبار مطلق الظنّ في الموضوعات

منها: أنّه لا ينبغي الإشكال في حجيّة الظنّ الاطمئناني بكون اللباس من المأكول أو غيره؛ فإنّه علم حكماً لا موضوعاً، و لا اضطراب للساكن حتّى يسأل عن اعتبار ظنّه القوي. و أمّا مطلق الظنّ ففي اعتباره في الموضوعات في غير ما ثبت فيه لزوم البيّنة كموارد الترافع و القضاء، نظراً إلىٰ حرجيّة اعتبار العلم في موضوعات التكاليف الشخصيّة، و لازمها اعتبار الظنّ الموجب اعتباره للتسهيل في العمل بالتكليف، فلا حرج في عدم اعتبار الظن بكون اللباس من غير المأكول، و إن كان اعتبار الظن بالعدم موجباً للتسهيل في

أداء الواجب.

و قد قيل باعتباره في كثير من الموضوعات. و نسب ذلك هنا إلىٰ «المحقّق الأردبيلي» قدس سره. و المستفاد من رواية «مسعدة» «1» اعتبار الاستبانة أو البيّنة، و ليس مطلق الظن منهما.

و سهولة أمر الشريعة خصوصاً الصلاة التي تعمّ الكل في التوظيف بها كلّ يوم خمس مرّات، المقتضية للتسهيل في الشروط و الموانع، تقتضي الاكتفاء بالظنّ بالموضوع في شروطها، لا في موانعها، و لا في شروط التكليف بها.

بل ذلك نافع في أصل مسألة اللباس المشكوك، فإنّ لزوم التجنّب عن مشكوك المانعيّة لا يناسب سهولة الشريعة في هذا الأمر الذي هو أهمّ الفرائض و أعمّها بحسب المكلّف و زمان التكليف، فلا يمكن إيقاع المكلّفين بمثل ذلك في هذا الحرج العظيم.

[التنبيه الخامس] جريان أصالة البراءة في سائر الشروط

منها: أنّ ما ذكرناه يطّرد في كلّ شرط واقعيّ لم يكن أمارة معتبرة علىٰ تحقّقه، و لا أصل موضوعي محرز لما هو الشرط، فإذا كان مشكوك الشرطيّة مشكوكاً كونه

______________________________

(1) الوسائل 12، أبواب ما يكتسب به، الباب 4، ح 4.

بهجة الفقيه، ص: 307

حراماً نفسيّاً، كما إذا شكّ في ملبوس أنّه من الحرير؛ فأصالة إباحة اللبس لا تثبت جواز الصلاة فيه، إلّا أنّ أصالة البراءة عن الشرطيّة للمشكوك كونه شرطاً واقعياً للصلاة كافية علىٰ ما ذكرناه؛ و أمّا على العدم فلا يخلو من إشكال، لأنّ أصالة عدم المنع من اللبس لا تثبت كونه الحلال الواقعي حتى يثبت جواز الصلاة.

[التنبيه السادس] في تحديد شمول أصالة عدم التذكية

منها: أنّ أصالة عدم التذكية في محلّ جريانها، لا تثبت عدم جواز الصلاة في الصوف مثلًا، لأنّ جواز الصلاة ليس حكماً للمذكّىٰ، بل للحلال علىٰ تقدير التذكية، و عدم جوازها ليس حكم غير المذكى، بل حكم الحرام علىٰ تقدير [عدم] التذكية المقبولة؛ فأصالة الحرمة من جهة الشك في التذكية، لا تثبت عدم جواز الصلاة، و لكن أصالة الحلّ علىٰ تقدير التذكية تثبت جواز الصلاة على التقريب المتقدّم.

نعم، القطعة من لحم المشكوك تذكيته محكومة بعدم جواز الصلاة فيها و في ما تحلّها الحياة، لكن عدم الجواز من حيث الميتة لا ينافي الجواز و عدم المنع من حيث كونه من غير المأكول. و أصالة الحلّ علىٰ تقدير التذكية و إن ثبت بها جواز الصلاة علىٰ تقدير التذكية، لكن أصالة عدم التذكية تنفي ذلك التقدير، فيثبت حكم الميتة لا حكم غير المأكول.

[التنبيه السابع] الاستصحاب الموضوعي في محله يثبت عدم جواز الصلاة

منها: أنّ الاستصحاب الموضوعي إذا جرىٰ في بقاء عنوان الحيوان المحرّم أكله، أو في بقاء حرمة المذكى منه؛ فإنّه يثبت عدم جواز الصلاة في أجزائه من دون لزوم إثبات، و إن كان المستصحَب نفس الحكم الذي هو موضوع لحكم شرعي آخر بلا وساطة أمر غير شرعي بينهما.

[التنبيه الثامن] كفاية ابتلاءٌ ما، في جريان أصالة الحلّ

منها: أنّ أصالة الحلّ، كانت استصحاباً له أو أصالة الإباحة، حيث إنّها جارية في

بهجة الفقيه، ص: 308

موضوع حلّ الصلاة في الأجزاء، فلا يعتبر فيها الابتلاء بنفس الحيوان بأكله مثلًا، و يكفي الابتلاء بصوفه للصلاة مثلًا؛ كما يكفي في الأصل الجاري في الموضوع، الابتلاء بحكمه، إذ لا فرق في الأصل الموضوعي بين التعلّق بالحكم المأخوذ في موضوع حكم آخر و تعلّقه بغير الحكم، بل في ما نحن فيه يمكن الاكتفاء بالتعبّد الظاهري بالحلّ علىٰ تقدير الابتلاء؛ فإنّه يثبت حلّ الصلاة فيه علىٰ تقدير الابتلاء بالصوف، لكنّه مشكل من جهة اعتبار القيد في حكم الموضوع المقيّد أيضاً.

[التنبيه التاسع] تحديد شمول أصالة الطهارة

منها: أنّه إذا دار أمر الصوف بين كونه من الغنم أو الكلب، فأصالة الطهارة تثبت حكمها و تنفي حكم النجاسة، و أمّا حكم غير المأكول فلا تثبته و لا تنفيه.

نعم، إذا أخبرت البينة عن واقع الطهارة ثبت لازمها الواقعي من عدم كونه من النجس، و لا من غير المأكول، لأنّ كونه طاهراً واقعاً ينافي كونه من نجس العين الذي هو غير المأكول واقعاً، و ليس مثله شأن قاعدة الطهارة.

[التنبيه العاشر] المناقشة في استصحابين لإثبات حليّة المشكوك

منها: أنّ استصحاب عدم حرمة اللحم قبل البلوغ، لا ينفع في المشكوك كونه من ذلك الحيوان، فإنّ عدم الحرمة تكليفاً قد تبدّل بالحرمة بعد البلوغ، و عدم المنع وضعاً الذي هو من آثار عدم الحرمة تكليفاً على النحو المتقدّم مشكوك قبل البلوغ أيضاً، لأنّ عدم الوضع من آثار عدم الحرمة ذاتاً و شأناً، الملازم لعدم كونه من السباع مثلًا، لا من آثار عدم الحرمة فعلًا بعدم التكليف بعدم البلوغ الذي هو من شروط التكليف، فتصحّ الصلاة في الجملة ممّن يقطع بعدم التكليف بعدم البلوغ.

و أمّا استصحاب عدم الحرمة الشخصيّة للحيوان المأخوذ منه هذا المشتبه قبل الشريعة، أو قبل تشريع حرمة المحرّمات، فيمكن أن يورد عليه بأنّ المتيقّن عدم التحريم للموضوع الكلّي و قد تبدّل بالتحريم؛ و أمّا الموضوعات فلا فرق بين معلومها

بهجة الفقيه، ص: 309

و مجهولها في عدم التحريم الاستقلالي، و كفاية الانطباق الواقعي فيها لو كان واقعاً؛ فلا شكّ إلّا في أنّ موضوع الحكم الكلّي المحقّق لموضوعه الكلّي منطبق على المشكوك أو لا؟ و هذا ليس أمر شرعيّاً. و الانطباق بين الكلّي الخاص و فرده لا حالة سابقة متيقّنة لوجوده و لا لعدمه.

نعم، لا يجري هذا البيان في الشبهة الحكميّة في التحريم، لعدم

بيان التحريم في زمان نزول آية «الحصر» «1» المبيّنة لعدمه عموماً في غير المذكورات فيها، فيستصحب الإباحة الملازمة لإباحة الصلاة المتيقّنة في ذلك الزمان المشكوكة في ما بعده، و كذا يستصحب عدم التحريم الشأني الذي [هو] موضوع عدم جواز الصلاة، و كذا يستصحب جواز الصلاة.

[التنبيه الحادي عشر] ذكر لوازم جريان تقسيمات الوجود في العدم لتبيين الاستصحاب

منها: أنّه لو فرض جريان تقسيمات الوجود في العدم، كما هو المعروف، فلازمه أن يكون عدم العرض كوجوده ناعتاً، كما أنّ عدم الجوهر كوجوده في نفسه؛ فعدم العرض قبل موضوعه و بعده سواء في أنّه لو كان موجوداً لكان ناعتاً لموضوعه، لا شأن له إلّا الناعتيّة؛ فالفرق بين العدم المحمولي قبل الموضوع و النعتي بعده، في عدم لحاظ الموضوع الذي لا يكون العرض معقولًا وجوده إلّا بالإضافة إليه، لا أنّ تحصّل العدم في الصورتين مغاير في ناحية المحمول كتغايرهما في ناحية الموضوع؛ فالعدم المقابل للوجود، الملحوظ معه وجود الموضوع الذي هو أمر واقعي لوحظ أوّلًا، عدم مقابل للوجود تقابل العدم و الملكة، و المقابل للوجود الغير الملحوظ معه الموضوع و إن كان أمراً واقعيّاً بحيث يتحصّل العدم قبل الموضوع أيضاً مقابل للوجود تقابل السلب و الإيجاب. و عليه، فالعدم في الصورتين لا مغايرة في تحصّلهما، كما أنّ مغايرة الموضوع

______________________________

(1) البقرة، 173.

بهجة الفقيه، ص: 310

بالوجود و العدم لا توجب المغايرة في نفس المحمول، فالفارق على القول المتقدّم وجود النسبة العدميّة في إحداهما في قبال النسبة الثبوتيّة، و عدم هذه النسبة لأنّها تتشخّص بالأطراف؛ فما فرض فيه وجود الموضوع نسبة مغايرة تحصّلًا للنسبة السابقة علىٰ وجود الموضوع، فإذا فرض في موضوع الحكم في ظرف البقاء النسبة الليسيّة فالمتيقن السابق علىٰ وجود الموضوع مغاير للمتعبّد ببقائه، و لازم لبقاء ما كان،

و الأصل فيه مثبت.

و عليه، فما هو المعروف من: «أنّ إثبات العدم النعتي باستصحاب العدم المحمولي مثبت» لا يستقيم، إلّا أن يؤوّل إلىٰ ما ذكرناه من المغايرة بين النسبتين السابقة و اللاحقة.

و قد ظهر ممّا قدمناه أنّ لازم اعتبار العدم للعرض في الموضوع ليس إلّا بمعنى اعتبار عدم الاتصاف بوجود العرض، لا باعتبار الاتصاف بالعدم؛ فإنّه ليس في نفس الأمر إلّا عدم الاتصاف، و هو كما يكون مع وجود الموضوع يكون مع عدمه أيضاً، و لو فرض تسلّم الاتصاف السلبي الملازم للنسبة السلبيّة، أو الإيجابيّة في معدولة المحمول، فلا بدّ في استفادة اعتباره من دليل عليه، و إلّا فمجرّد الانتساب حاصل في النسب الحكميّة التي تكون في الهليّة البسيطة، بل في الحمل الأوّلي، و لا تقتضي الاثنينيّة النفس الأمرية، و هي غير النسبة الحقيقيّة التي هي وجود لا في نفسه، و المفروض جريانها في العدم أيضاً.

فلا بدّ من استفادة عدم العرض عن موضوعه الموجود بنحو تخصّص القيد لا تقيّد الموضوع؛ فإنّه علىٰ الأوّل لا واقعيّة له في السالبة بانتفاء الموضوع، فلا حالة سابقة متيقّنة قبل الموضوع لتستصحب بخلاف الثاني. و قضيّة السالبة المحصّلة في غير ما ذكرناه من الصورتين أعني في الهليّة المركّبة السالبة و إن كان في صورة كون الموضوع وجوديّاً اعتبار وجود الموضوع في مثل

لا تصلّ في غير المأكول «1»

، لكنّه

______________________________

(1) الوسائل 3، أبواب لباس المصلّي، الباب 2.

بهجة الفقيه، ص: 311

في التعبّد بحكم الموضوع و ما ينضمّ إليه و لو بالاستصحاب، لا أنّه تخصيص لما في طرف المحمول أعني المسلوب، حتى لا يمكن استصحاب غير الموضوع، لعدم الحالة السابقة المتيقّنة لولا ما قدّمناه من مغايرة النسب بمغايرة الأطراف؛ فالمتيقّن غير

المشكوك المتعبّد به بالاستصحاب على الفرض تحقّق النسبة السلبيّة، و عدم رجوعها في نفس الأمر إلىٰ سلب النسبة.

[التنبيه الثاني عشر] تحكيم جريان البراءة و عدم لزوم إعادة الصلاة في المقام

منها: أنّه ظهر أنّ ملاك الجواز هنا المطّرد في جميع الصور في ما لا يكون أصل موضوعي مجوّز أو مانع عن جريانه، هو أصالة البراءة عن الشرطيّة و المانعيّة للمشكوك بالشبهة الموضوعيّة أو الحكميّة، كالشك في حليّة لحم حيوان خاصّ من دون الإناطة بخصوص المانعيّة؛ بل لو فرض أنّ الشرط ستر العورة عن الناظر المحترم، ففي الشكّ في الناظر أو في كونه محترماً كالصبي المميّز بالفرض تجري البراءة التي ملاكها انحلال الموضوع إلىٰ أفراده، بحيث إذا شكّ في الفرديّة شكّ في حكم الموضوع.

و أنّه لا فرق في جريان الأصل المذكور بين العلم بحيوانيّة الأصل و مجرّد احتمالها، و لا بين كون المشكوك في الأوّل الصلاة أو في أثنائها. نعم، قد يستغنىٰ عن هذا الأصل بالأصل الموضوعي الجاري علىٰ بعض الوجوه، النافع للمطلوب من صحّة الصلاة.

و أمّا إعادة الصلاة الواقعة في غير المأكول سهواً أو نسياناً، فمنتفية بحديث «لا تعاد» «1» في جميع موارد جريانه و شموله، و هو مخصّص لأدلّة الشروط و الموانع في الصلاة بحال العلم و العمد في غير الخمسة المذكورة فيها، و اللازم من تقديمها لغويّته بلا عكس، و ليس فيها في ما نحن فيه ما يخرجه عن النسبة المذكورة، كما يظهر بملاحظة بعض ما قدّمناه، و هو العالم المعلّم.

______________________________

(1) الوسائل 4، أبواب الركوع، الباب 10، ح 5.

بهجة الفقيه، ص: 312

و أمّا اشتهار المنع عن الأصحاب، فقد وقع الخلاف في العبارات فيه؛ فعن «مجمع البرهان»: أنّه يعني عدم جواز الصلاة في المجهول الظاهر من كلام بعض الأصحاب؛ و عن «الجعفريّة» و «شرحها»: أنّ

وجوب الإعادة مع الصلاة جهلًا إجماعي للأصحاب، و فيهما زيادة استظهار الإجماع، و لزوم الإعادة للصلاة الواقعة جهلًا؛ و عن «المنتهىٰ» الحكم بعدم الجواز مع التعليل بالشك في الشرط، يعني ستر العورة بما يؤكل لحمه؛ و مثله عن «البيان»، و «الهلاليّة» و «الشرائع» «1»، و «فوائد الشرائع»، و «الميسيّة»، و «المسالك».

و عن «المدارك» و «الشافية» نسبة المنع عند عدم العلم إلىٰ الأصحاب، ثمّ ردّه في «المدارك» بأنّ المنع غير معلوم مع الجهل بالحرمة، و تأيّد بصحيح «ابن سنان»

كل شي ء فيه حرام و حلال، فهو لك حلال أبداً، حتّى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه «2»

[ثم قال] و لا ريب أنّ التنزّه أحوط. انتهى.

و فيه الجمع بين النسبة إلىٰ الأصحاب، و الردّ على القاعدة، و زيادة التأيّد بالصحيح المبنيّ على العموم للحلّ الوضعي المشكوك بحسب الظاهر.

و في «المصباح» اختيار المنع على القاعدة في الشك في الشرط و هو الستر، و هو لبس النبات أو ما بحكمه تلخيصاً، يعني قاعدة الاشتغ