الامام الحسين عليه السلام في مكه المكرمه ، مع الركب الحسينى

اشارة

سرشناسه : طبسي، نجم الدين، - 1334

عنوان و نام پديدآور : الامام الحسين عليه السلام في مكه المكرمه/ تاليف نجم الدين الطبسي

مشخصات نشر : قم : سپهر انديشه ، 1427ق=1385.

مشخصات ظاهري : ص 480

فروست : (مع الركب الحسيني من المدينه الي المدينه؛ الجزآ الثاني)

شابك : 964-7935-51-x

وضعيت فهرست نويسي : فهرستنويسي قبلي

يادداشت : عربي

يادداشت : فهرست نويسي براساس اطلاعات فيپا

يادداشت : كتابنامه: ص. 472 - 455؛ همچنين به صورت زيرنويس

موضوع : حسين بن علي (ع)، امام سوم، 61 - 4ق. -- سرگذشتنامه

موضوع : واقعه كربلا، ق 61

موضوع : مكه -- تاريخ -- قرن ق 1

رده بندي كنگره : BP41/4/م 63 ج. 2، 1385

رده بندي ديويي : 297/953

شماره كتابشناسي ملي : م 85-11105

الجزء الأول

اشارة

سرشناسه : طبسي، نجم الدين، - 1334

عنوان و نام پديدآور : الامام الحسين عليه السلام في مكه المكرمه/ تاليف نجم الدين الطبسي

مشخصات نشر : قم : سپهر انديشه ، 1427ق=1385.

مشخصات ظاهري : ص 480

فروست : (مع الركب الحسيني من المدينه الي المدينه؛ الجزآ الثاني)

شابك : 964-7935-51-x

وضعيت فهرست نويسي : فهرستنويسي قبلي

يادداشت : عربي

يادداشت : فهرست نويسي براساس اطلاعات فيپا

يادداشت : كتابنامه: ص. 472 - 455؛ همچنين به صورت زيرنويس

موضوع : حسين بن علي (ع)، امام سوم، 61 - 4ق. -- سرگذشتنامه

موضوع : واقعه كربلا، ق 61

موضوع : مكه -- تاريخ -- قرن ق 1

رده بندي كنگره : BP41/4/م 63 ج. 2، 1385

رده بندي ديويي : 297/953

شماره كتابشناسي ملي : م 85-11105

مع الركب الحسيني من المدينة الى المدينة (الجز الاول)

اشارة

الامام الحسين (ع) في المدينة المنوره

المقالة الاولى: حركة النفاق ... قراءة في الهويّة والنتائج ..... ص : 35

اشارة

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 36

(ما لم نعرف ولو على سبيل الاجمال ما صنعته حركة النفاق في حياة الاسلام والامّة الاسلاميّة طوال نصف قرن أي منذ رحلة النبىٍّ الاكرم محمّد (ص) حتّى أواخر سنة ستّين للهجرة لايكون بإمكاننا أن نعرف أدنى ما يمكن معرفته من عظمة عاشوراء، ولا أن نفقه معنى الفتح في قيام الامام الحسين (ع). ولذا كان لابدّ من هذه القراءة ...).

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 37

المقالة الاولى: حركة النّفاق ... قراءة في الهويّة والنتائج

التعريف: ..... ص : 37

النفاق: هو استظهار الايمان واستبطان الكفر والتستّر عليه. فالمنافق: هو الانسان الذي يستبطن الكفر ويستره ويستظهر الايمان، وهو مصطلح إسلامي لم تعرفه العرب قبل الاسلام بالمعنى المخصوص به، وإ ن كان اءصله في اللغة معروفا. «1»

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 38

المشهور الخاطي عن البداية والنهاية: ..... ص : 38

اءمّا متى بداءت حركة النفاق الدخول في (الوسط الاسلامي)؟ وهل كانت ثمّة نهاية لهذه الحركة في تأريخ حياة المسلمين!؟

هناك نظرة مشهورة تقول: إنّ حركة النفاق بداءت بدخول الرسول الاكرم (ص) المدينة المنوّرة حين هاجر إليها، حيث أسّس الدولة الاسلاميّة، كما تقول هذه النظرة: إنّ هذا الحركة استمرّت إلى قرب وفاة النبىٍّ (ص)!

لقد اعتمدت هذه النظرة عامل (الخوف) من شوكة الاسلام والمسلمين وسطوتهم فقط كدافع يدفع (الكافر حقيقة) إلى أن ينافق، فيستظهر الايمان بدخوله الاسلام ويستبطن الكفر، وهذا الحصر يؤدّي بالضرورة إلى القول بأنّ النفاق لايكون في الوسط الاسلامي إلّا حيث تكون للا سلام شوكة وحاكميّة وغلبة وقهر.

غير أنّ التأمّل يسيرا يكشف عن أنّ هناك دافعا قويّا آخر للنفاق هو (الطمع)، فالطمع ب (مستقبل الاسلام) مثلا لم يكن وليد المدينة المنوّرة، بل كان مع الاسلام منذ أوّل أيّامه في مكّة المكرّمة، إذ كان في العرب رجال أهل خبرة ومعرفة بحقائق السنن الاجتماعيّة، وسنن الصراع، وقراءة المستقبل، فكانوا يعرفون أنّ دعوة هذا النبىٍّ (ص) المستضعف في مكّة آنئذٍ هي التي ستنتصر، وأنّ كلمة هذا النبىٍّ (ص) ستكون هي الكلمة العليا.

ولايجد المتتبع في وقائع تأريخ الدعوة الاسلاميّة والسيرة النبويّة صعوبة في العثور على مصاديق لهذه الحقيقة ... لقد عبّر عن ذلك رجل من بني عامر بن صعصعة بقوله:

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 39

(واللّه لو أنّني أخذت هذا الفتى من قريش لا كلت به العرب). «1»

ثمّ قال للنبىٍّ (ص): (أرأيت إن نحن

بايعناك على أمرك ثمّ أظهرك اللّه على من خالفك أيكون لنا الامر من بعدك؟)

قال: (الامر للّه يضعه حيث يشاء.)

قال: فقال له: (أفتهدف نحورنا للعرب دونك فإ ذا أظهرك اللّه كان الامر لغيرنا!؟ لا حاجة لنا بأمرك. فأبوا عليه). «2»

وكما كان في العرب أذكياء توسّموا منذ البدء أنّ هذا الدين سيكون له شأن عظيم في المستقبل، كذلك كان هناك في العرب رجال لهم علاقات وطيدة باليهود والنصارى الذين كانوا يتوارثون أخبار الملاحم والفتن وأنباء المستقبل، ويخبرون الناس أنّ عصرهم آنئذٍ عصر ظهور النبىٍّ الخاتم (ص)، بل كانوا يعرفون النبىّ (ص) بصفاته البدنيّة والمعنويّة معرفة يقينيّة (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم) «3»، وكانوا يحدّثون الناس بأنّه هوالرسول الخاتم الفاتح (ص).

فلمّا آن أوان ظهوره أخبروا بعض العرب بذلك، وأكّدوا لهم أنّ المستقبل لهذا النبىٍّ (ص) ولدعوته الجديدة!

لقد كان النظر إلى مستقبل هذا الدين دافعا قويّا إلى الانضوأ تحت رايته والانتماء إليه، وكان أكثر العرب في قضايا العقائد ومستقبل الاحداث يعتمدون رأي أهل الكتاب.

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 40

لقد استدلّ بعض أفراد قبيلة كندة مثلا على صدق دعوة الرسول (ص) بأنّ أهل الكتاب قد قالوا: إنّه سوف يظهر نبيّ من الحرم قد أظلّ زمانه. «1»

ويذهب وفد قبيلة بني عبس إلى يهود فدك يساءلونهم عن رسول اللّه (ص) بعد أن عرض دعوته عليهم. «2»

وفي رواية أن أبابكر كان في تجارة له بالشام، فأخبره راهب بوقت خروج النبىٍّ (ص) من مكّة، وأمره باتّباعه، فلمّا رجع سمع رسول اللّه (ص) يدعو إلى اللّه فجاء فأسلم. «3»

وأمّا عثمان بن عفّان فيقول: إنّه سمع عند مداخل الشام من كاهنة أنّ أحمد (ص) قد خرج، ثمّ انصرف فرجع إلى مكّة فوجد رسول اللّه (ص) قد

خرج بمكّة يدعو إلى اللّه عزّ وجلّ. «4»

وعن إسلام طلحة بن عبيداللّه يقولون: إنّه كان في بصرى، فسمع خبر خروج نبىٍّ إسمه أحمد (ص) في ذلك الشهر من راهب، فلمّا قدّم مكّة سمع الناس يقولون: تنبّاء محمّد بن عبداللّه (ص)، فاءتى إلى أبي بكر فساءله فاءخبره، ثمّ أدخله على رسول اللّه (ص) فاءسلم ... «5»

ولقد ظلّ بعض الصحابة حريصين على هذه الصلة الوطيدة باليهود والنصارى والاستمداد من فكرهم إلى درجة الجرأة والجسارة على عرض صحائف من التوراة وقرأتها على رسول اللّه (ص) وإيذائه بذلك ايذاءً شديدا.

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 41

ففي الاثر: (جاء عمر بن الخطّاب فقال: يا رسول اللّه، إنّي مررت باءخٍ لي من يهود (من قريضة) فكتب لي (وكتب لي) جوامع من التوراة، قال: أفلا أعرضها عليك!؟ (قال): فتغيّر وجه رسول اللّه (ص)، فقال عبداللّه: مسخ اللّه عقلك، ألا ترى ما بوجه رسول اللّه (ص)!؟ فقال عمر: رضيت باللّه ربّا، وبالا سلام دينا، وبمحمّدٍ رسولًا. قال فسرِّي عن النبىٍّ (ص)، ثمّ قال:

(والذي نفسي بيده لو أصبح فيكم موسى فاتّبعتموه وتركتموني لظللتم، إنّكم حظّي من الامم وأنا حظّكم من النبيّين). «1»

كما ظلّت هذه العلاقة وهذا التاءثّر باءهل الكتاب يؤ ذيان الرسول (ص) حتّى في بيته، فقد روي (أنّ حفصة زوج النبىٍّ (ص) جاءت إلى النبىٍّ (ص) بكتاب من قصص يوسف في كتف، فجعلت تقرأ عليه والنبيّ (ص) يتلوّن وجهه، فقال:

) والذي نفسي بيده لو أتاكم يوسف وأنا فيكم فاتّبعتموه وتركتموني لظللتم.) «2»

كما ظلّ بعض الصحابة حريصا على هذه العلاقة الوطيدة باليهود والنصارى، يدّخرها للا ستفادة منها عندما تحلّ بالمسلمين هزيمة قاصمة أو حينما تبدو في الافق ملامح ضعفهم وأفول القوّة عنهم وإنكسار شوكتهم:

قال السدّي:

لمّا أصيب النبىٍّ

(ص) باءحد قال عثمان: لا لحقنّ بالشام، فإن لي به صديقا من اليهود، فلا خذنّ منه أمانا، فإني أخاف أن يدال علينا اليهود. وقال طلحة

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 42

بن عبيداللّه: لا خرجنّ إلى الشام، فإ نّ لي به صديقا من النصارى، فلا خذنّ منه أمانا، فإ ني أخاف أن يدال علينا النصارى. قال السدّي: فاءراد أحدهما أن يتهوّد، والاخر أن يتنصّر ...). «1»

ويمكننا أن نتصوّر مراتب الطمع في دخول المنافقين الاسلام إلى:

1- الطمع في الوصول إلى الزعامة والحكم والسيطرة إشباعا للنزعة السلطويّة في النفس، يقول العلّامة الطباطبائي (ره):

(فكثيرا ما نجد في المجتمعات رجالا يتّبعون كلّ داع ويتجمعّون إلى كلّ ناعق ولايعباءون بمخالفة القوىٍّ المخالفة القاهرة الطاحنة، ويعيشون على خطر مصرّين على ذلك رجاء أن يوفّقوا يوما لا جرأ مرامهم ويتحكّموا على الناس باستقلالهم بإ دارة رحى المجتمع والعلوّ في الارض ...). «2»

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 43

و هذا النوع من المنافقين يحرص في العادة على مصالح الاسلام ما وافقت مصالحه الخاصّة المنشودة، يقول العلّامة الطباطبائي (ره):

(... والاثر المترتّب على هذا النوع من النفاق ليس هو تقليب الامور وتربّص د الدوائر على الاسلام والمسلمين وإفساد المجتمع الديني، بل تقويته بما أمكن وتفديته بالمال والجاه لتنتظم بذلك الامور وتتهيّاء لاستفادته منها واستدرارها لنفع شخصه.

نعم، يمكر مثل هذا المنافق بالمخالفة والمضادّة فيما إذا لاح من الدين مثلا ما يخالف أمنيّة تقدّمه وتسلّطه، إرجاعا للا مر إلى سبيل ينتهي إلى غرضه الفاسد). «1»

إنّ التدبّر الكافي في تأريخ السيرة النبويّة الشريفة خاصّة وتأريخ صدر الاسلام عامّة يضع عددا مهمّا من مشاهير الصحابة في قفص الاتّهام بجرم الدخول في الاسلام طمعا لا إيمانا، ذلك لا نّ تحليل إشارات ودلالات وقائع وأحداث تلك الفترة يكشف

بوضوح عن انطباق مواصفات (المنافق) على أولئكم الصحابة!!

2- الطمع في الوصول إلى موقع معنوي في قلوب الحكّام أو في قلوب المسلمين من أجل (التخريب من الداخل)، ومصداق ذلك: الذين دسّهم أهل الكتاب في الصفّ الاسلامي كمثل (كعب الاحبار) اليهودي، وكمثل (تميم الداري) النصراني.

3- الطمع في الوصول إلى أهداف وغايات أخرى أقلّ أهمّية كالحصول على

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 44

مغانم أو تنمية مصالح وتوسعتها في ظلّ نماء مصالح الاسلام، أو انتصارا لعصبيّة أو حميّة، أو غير ذلك.

ومن مصاديق أهل هذا النوع من الطمع جميع (النفعيّين) وهم كثير.

يضاف إلى ذلك أنّ بعض من دخل الاسلام مؤ منا في البدء قد يرتاب في دينه خلال طريق المعاناة نتيجة هزّات عظمى وصدمات كبرى أو شبهات مضلّة مثلا، كاءن يرتاب في نبوّة النبىٍّ (ص)، فيرتدّ عن دينه لكنّه يكتم ارتداده طمعا أو خوفا فيكون منافقا مادام يستبطن ريبته وكفره.

وهذه الحالة ممكنة الوقوع في مكّة المكرّمة قبل الهجرة إلى المدينة، كما هي ممكنة الوقوع بعد الهجرة وقيام الدولة الاسلاميّة في المدينة المنوّرة وما حولها.

ممّا مر يتّضح بجلاء أنّ حركة النفاق لم تبدأ بدخول الرسول الاكرم (ص) المدينة المنوّرة، بل بدأت بدخول الصفّ الاسلامي منذ أوائل حياته في مكّة المكرّمة.

نعم، لم تتّخذ حركة النفاق شكل الظاهرة الاجتماعيّة الخطيرة إلّا في المدينة المنوّرة بعد قيام الدولة الاسلاميّة.

هذا من حيث البداية، أمّا من حيث النهاية فإ نّ هذه النظرة المشهورة الخاطئة تدّعي أنّ حركة النفاق استمرّت إلى قرب وفاة النبىٍّ الاكرم (ص)!!

وهذه الدعوى أيضا لايصدّقها التاءريخ الحقّ، ذلك لا نّنا ينبغي أن نفرّق أوّلًا بين أمرين:

أحدهما: انقطاع الاخبار عن نشاط حركة المنافقين الظاهر في مواجهة الاسلام والمسلمين وعدم ظهور ما كان يظهر منهم من أعمال مضادّة

وآثار معاكسة ومكائد ودسائس مشؤ ومة.

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 45

والاخر: هو انتهاء هذه الحركة بالفعل وانحلالها وزوالها من خريطة العمل السياسيّ والاجتماعي.

نعم، انقطع الخبر عن المنافقين وعن أعمالهم المضادّة بعد موت النبىٍّ (ص) مباشرة وانعقاد السقيفة وانتشار الخبر عن نتائجها، فلم يعد يظهر منهم ما كان يظهر قبل رحلة النبىٍّ (ص)، واختفت هذه الحركة الهائلة عن ظاهر الحياة السياسية والاجتماعيّة فجاءةً!!

هذه الحركة التي بلغت من القوّة والفعل يوما أن سحبت ثلث الجيش الاسلامي عن ساحة معركة أحد قبل نشوب الحرب، أي ثلاثماءئة رجل من جيش مؤ لّف من تسعمائة أو ألف «1»، ولها مواقف مشينة مخزية كثيرة في مواقع أخرى، ومابرحت دسائسها ومكائدها ومواقفها المضادّة ظاهرة بيّنة إلى أخريات أيّام الرسول الاكرم (ص).

فما علّة اختفائها وانقطاع خبرها!!؟

هناك احتمالات ثلاثة:

الاوّل: أنّ جميع أفرادها أو رموزها الفعّالة أو أعضائها النشطين قد أبيدوا وقتّلوا تقتيلا قبل رحلة النبىٍّ (ص)، الامر الذي يعني أنّه قد تمّ القضاء على هذه الحركة قضاءً مبرما، أو أنّها قد شلّت نتيجة ذلك شللا تامّا.

وتأريخ السيرة النبويّة لايصدّق هذا الاحتمال بل يرفضه رفضا تامّا!

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 46

الثاني: أنّ المنافقين بعد رحلة النبىٍّ (ص) مباشرة قد أخذتهم هزّة مصيبة فقده ورحلته (ص) ماءخذا عظيما، وتاءثّروا لذلك تاءثّرا بالغا، فتابوا إلى اللّه جميعا وأخلصوا الايمان عن آخرهم وحسن بذلك اسلامهم!

وهذا الاحتمال أيضا يرفضه تأريخ ما بعد موت النبىٍّ (ص) رفضا باتا.

الثالث: اءّن حركة النفاق نفسها تسلّمت زمام الامور بعد رحلة النبىٍّ (ص)، اءو أنّها على الاقلّ كانت قد صالحت أولياء الحكومة بعد رحلة النبىٍّ (ص) على ترك المضادّة والمشاغبة مصالحة سرّيّة قبل الرحلة أوبعدها بشرط أن يسمح لها تحقيق ما فيه أمنيّتها، أو أنّ حركة المسلمين وحركة

النفاق بعد رحلة النبىٍّ (ص) وبعد السقيفة كانتا قد وقعتا في مجرى واحد واتّجاه واحد وتصالحتا مصالحة عفويّة بلا تكلّف عقد وعهد، فارتفع التصاك والتزاحم والمضادّة والمعارضة بينهما!!

ولا شك أنّ التدبّر الكافي والتاءمّل العميق في حوادث آخر عهد النبىٍّ (ص) والفتن الواقعة بعد رحلته مباشرة يرشد حتما إلى أنّ ما وقع لايخرج عن إطار محتويات الاحتمال الثالث، هذا إذا كان المتدبّر والمتاءمّل في تلك الحوادث خارجا من سلطان القداسة الكاذبة التي إبتدعها التضليل الاعلاميّ السياسيّ الامويّ لمشاهير الصحابة بعد رحيلهم عن دار الدنيا.

فصائل حركة النفاق: ..... ص : 46
حزب السلطة: ..... ص : 46

يكفي هنا لا ثبات انتماء مجموعة من الصحابة إلى دائرة النفاق أن نثبت أنّهم صدّوا عن رسول اللّه (ص) صدودا في أمر قضى به، وذلك لقوله تعالى: (وإذا

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 47

قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل اللّه وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدّون عنك صدودا) «1»

ويستمرّ انتماؤ هم إلى دائرة النفاق ما أصرّوا على ذلك الصدود ولم ينتهوا عنه.

والصدُّ: الاعراض والامتناع والمنع «2»

ذلك لانّ الايمان لايكون إلّا بالطاعة المطلقة لرسول اللّه (ص) في كلّ ما جاء به وعدم التحرّج ممّا قضى به والتسليم لا مره، وهذا من الحقائق القرآنيّة الكبيرة التي لاتحتاج في وضوحها إلى نافلة بيان.

فما بالك بمجموعة من الصحابة لم تعرض ممتنعة عن قبول الامر الالهي النازل على رسول اللّه (ص) فحسب، بل سعت في صدّها عن رسول اللّه (ص) لتمنع من تحقّقه وتحول دون تنفيذه!!؟

وما بالك إذا كان هذا الامر الالهي في أخطر وأهمّ قضيّة من قضايا الاسلام وهي قضيّة الولاية والخلافة!؟

كان قياديو هذا الحزب قبل الاسلام رجالا مغمورين في قريش، لايشار إليهم بالبنان عند شدّة أو خطر أو شاءن ذي بال، وكانت تشكيلة المواقع القيادية في تركيبة قريش قبل

الاسلام متسالما عليها حيث يتسنّم تلك المناصب رجال مرموقون من بطون محدّدة من قريش، وليس لرجال قيادة هذا الحزب أىٍّ حظّ في ذلك لا كما اختلق لهم الاعلام الامويّ المضلّ بعد ذلك من أهمّية موهومة وشاءنيّة كاذبة حيث ادّعى باءنّ اللّه تعالى قد أعزّ دينه بإ سلامهم!! بل كان أهمّ رجلين في قيادة هذا الحزب من (أقلّ حيين) من قريش على حدّ تعبير أبي سفيان بن حرب رأس الحزب الامويّ الذي دخل في

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 48

تحالف معهم بعد ذلك.

فقيادة هذا الحزب تعلم علما يقينا أن لا أمل لها في زعامة ورئاسة خارج إطار الحالة الاسلاميّة ... وهي التي دخلت الاسلام ناظرة إلى مستقبله الذي سمعت عنه كثيرا من أهل الكتاب الذين توارثوا اخبار الملاحم والفتن أملا في أن تمتطي صهوة الحكم بعد رحلة رسول اللّه (ص).

إذن فمن مصلحة قيادة هذا الحزب في ظرفها الراهن اَّنذاك بقاء الاسلام بكلّ تشريعاته إلّا ما يتعلّق منها بموضوع الخلافة وشخص الخليفة بعد النبىٍّ (ص).

ومع أنّ قيادة هذا الحزب كانت تعيش مشكلة كبيرة فيما يواجهها من البيّنات والهدى ممّا بيّنه اللّه تعالى في كتابه المجيد فيما يتعلّق بالولاية والخلافة وشخص د الخليفة من بعد رسول اللّه (ص)، وأنّ الخلافة كالنبوّة إختيار إلهي ليس للناس د إختيار فيه، لكنّ قيادة هذا الحزب كانت ترى مشكلتها الكبرى في مواجهة البيان النبويّ في هذا الصدد ذلك لا نّ البيان النبويّ هو الكاشف عن دلالة البيان القرآني، هذا أوّلا.

وثانيا لا نّ البيان النبويّ كان قد ركز منذ البدء على تعيين أشخاص الخلفاء من بعد رسول اللّه (ص) حتّى قيام الساعة في مواصفات عامّة وأخرى خاصّة وحدّدهم باءسمائهم، كما ركز على شخص الخليفة الاوّل اميرالموءمنين

علىٍّ (ع) بما لايقبل التاءويل أو الانكار.

لقد أعلن البيان النبوىٍّ عن الولاية والخلافة في نفس الساعة التي أعلن فيها عن النبوة، وحدّد في نفس تلك الساعة شخص الوليّ والخليفة بعد رسول اللّه (ص)، وذلك في حديث الدار يوم الانذار، ذلك الحديث المتواتر الذي رواه الفريقان، والذي قال فيه (ص) بعد أن أنذر عشيرته الاقربين مشيرا إلى

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 49

اميرالمومنين علىٍّ (ع):

(إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا.) «1»

ومنذ ذلك اليوم لم يرد عنه (ص) ما يلغي هذا التنصيب الالهي، بل توالت البيانات النبويّة في التاءكيد على أنّ أئمّة أهل البيت (ع) وأوّلهم علىٍّ (ع) هم خلفاء النبىٍّ (ص)، ومن أهمّ تلك البيانات المقدّسة حديث الثقلين، وحديث السفينة، وباب حطّة، وحديث النجوم «2» وحديث المنزلة، وبيان يوم الغدير، وآخرها الكتاب المانع من الضلال الذي أراد الرسول (ص) ان يكتبه للا مّة قبيل رحلته. «3»

هاهنا كانت المشكلة الكبرى التي عانت منها قيادة حزب السلطة.

ومن هنا كان لابدّ من المواجهة مع رسول اللّه (ص)!!

ولكن على أيّ صعيد تكون هذه المواجهة وهذا الصدود!؟

لا شك أنّه لم يكن أمامهم في حياة الرسول (ص) إلّا التشكيك بعصمة الرسول (ص) سرّا وعلانية ما وسعت الفرصة والمجال، ومحاصرة البيانات النبويّة عامّة والمتعلّقة منها بالولاية والخلافة خاصّة.

لقد بثّ هذا الحزب في صفوف المسلمين مقولة:

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 50

(رسول اللّه بشر يتكلّم في الرضا والغضب!!)

ولايخفى على الواعي اللبيب أنّ مؤ دّى هذه المقولة هوأنّ رسول اللّه (ص) قد يثني على إنسانٍ ما في الرضا فوق ما هو أهل له ويمنحه منزلة أكبر ممّا يستحقّ!! كما قد يذمّ انسانا ما في الغضب فوق ما هو أهل له!! فهو ينطق عن الهوى في الرضا والغضب لا

عن وحي يوحى!! والعياذ باللّه ومن الوثائق الكاشفة عن هذا البثّ التشكيكي ما رواه عبداللّه بن عمرو بن العاص قال:

(كنت أكتب كلّ شي أسمعه من رسول اللّه (ص) أريد حفظه، فنهتني قريش (!!) وقالوا أتكتب كلّ شي تسمعه!؟ ورسول اللّه (ص) بشر يتكلّم في الغضب والرضا!، فاءمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول اللّه (ص)، فاءوماء باءصبعه إلى فيه فقال: أكتب، فو الذي نفسي بيده مايخرج منه إلّا حقُّ). «1»

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 51

كانت قيادة هذا الحزب ورأ هذا البثّ التشكيكي في الصد عن رسول اللّه (ص)، تلك القيادة التي ابتدعت شعار: (لاتكون النبوّة والخلافة في بني هاشم «1» «22 (وتحالفت تحت هذا الشعار مع العديد من خصوم الاسلام من بطون قريش الذين دخلوا في الاسلام كارهين وأنوفهم راغمة.

والدليل على صدور هذا النهي وهذا البثّ التشكيكي عن قيادة هذا الحزب، وأنّ هذا الفعل من متبنياتها، هو أنّ هذه القيادة بعد رحلة رسول اللّه (ص)

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 52

على امتداد عهودها الثلاثة كانت قد واصلت ضرب حصار حديديّ لاتراخي فيه على البيانات النبويّة، إذ كان أوّل ما فعله الخليفة الا

اوّل هو أنّه جمع الاحاديث التي كتبها هو شخصيّا فاءحرقها، وقد روت ذ لك ابنته عائشة «1»

ثمّ جمع الناس وقال لهم: (إنّكم تحدّثون عن رسول اللّه (ص) أحاديث تختلفون فيها، والناس بعدكم أشدّ اختلافا، فلاتحدّثوا عن رسول اللّه شيئا (!!)، فمن ساءلكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب اللّه). «2»

وكان من مشاريع الخليفة الثاني أن طلب من الناس أن ياءتوه بما عندهم من أحاديث النبىٍّ (ص)، فاءتوه بها، فاءمر بإ حراقها كلّها «3»، كما فرض الاقامة الجبريّة على رواة الاحاديث النبويّة في المدينة مادام حيّا «4»، ونهى جيوشه عن التحديث عن رسول

اللّه (ص). «5»

وأمّا الثالث فقد بادر إلى إصدار مرسوم منع فيه رواية أيّ حديث لم يسمع به في عهدي أبي بكر وعمر. «6»

لقد كانت الغاية الحقيقيّة من كلّ ذلك النهي والمنع والصد هي إبطال فاعلية البيانات النبويّة المتعلّقة بالولاية والخلافة وشخص الخليفة بعد النبىٍّ (ص)، وبالموقع المميّز لا هل بيت النبوّة في حياته (ص) وبعد وفاته، وكان لابدّ لقيادة هذا الحزب أن تتستّر على هذه الغاية الحقيقيّة بذرائع واهية كذريعة مخافة (الاختلاف بين الناس!!) وغيرها التي هي أوهن من بيت العنكبوت

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 53

عند محك الدليل والبرهان.

حتّى إذا مرّت الايّام بالدواهي العظام، وثنيت الوسادة لمعاوية بن أبي سفيان وارث قيادة هذا الحزب وامتدادها الطبيعي كشف بجرأة تامّة عن الغاية الحقيقيّة لكلّ ذلك المنع والنهي والصد المتطاول حيث أصدر في السنة العجفاء التي أسموها بعام الجماعة مرسوما صريحا أعلن فيه أن:

(برئت الذمة ممّن روى شيئا من فضل أبي تراب وأهل بيته). «1»

ولقد بلغت قيادة هذا الحزب ذروة الجرأة في الصد عن رسول اللّه (ص) حينما منعت البيان النبويّ الاخير (المانع من الضلال والاختلاف) «2» عن الصدور في جسارة على رسول اللّه (ص) ما بعدها جسارة، حيث اتّهمته ب (الهجر) أي الهذيان ورفعت بوجهه علنا شعار (حسبنا كتاب اللّه)، وفوجي ء الحاضرون من غير هذا الحزب وذهلوا لهول ما سمعوا!! وتنازعوا مع تيّار الصد عن رسول اللّه (ص)، لكنّ زبانية هذا الحزب كانوا هم الاكثر في الظاهر، فتنادوا بقوّة وتصميم وضجيج وقالوا ما قال عمر!! حتّى حالوا بين رسول اللّه (ص) وبين أن يكتب ذلك البيان الاخير فكانت الرزيّة!! وما أعظمها من رزيّة!؟ على حدّ تعبير ابن عبّاس. ويعترف الخليفة الثاني عمر بن الخطّاب في

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص:

54

محاورة مع عبداللّه بن عبّاس باءنّ قول رسول اللّه (ص) عنده لايثبت حجّة ولايقطع عذرا، وأنّه (ص) في مرضه أراد أن يصرّح في بيانه الاخير باسم اميرالموءمنين علىٍّ (ع)، كما يقرّر الخليفة الثاني أنّه الناطق الرسمي باسم قريش!! الحاكي عن مشاعرها!! الممثّل لها في الصد عن رسول اللّه (ص) صدودا. ورد كلّ هذا في أوّل خلافته وهو يحاور عبداللّه بن عبّاس ويسائله عن علىٍّ (ع) ... قائلا:

(يا عبداللّه، عليك دماء البدن إن كتمتنيها، هل بقي في نفسه شي من أمر الخلافة؟

قلت: نعم.

قال: أيزعم أنّ رسول اللّه (ص) نصّ عليه؟

قلت: نعم، وأزيدك، ساءلت أبي عمّا يدّعيه فقال صدق.

فقال عمر: لقد كان من رسول اللّه (ص) في أمره ذرو من قول لايثبت حجّة ولايقطع عذرا، ولقد يربع في أمره وقتا ما، ولقد أراد في مرضه أن يصرّح باسمه، فمنعت من ذلك إشفاقا وحيطة على الاسلام، لا وربّ هذه البنية لاتجتمع عليه قريش د ابدا، ولو وليّها لانتقضت عليه العرب من أقطارها، فعلم رسول اللّه (ص) أنّي علمت ما في نفسه فاءمسك، وأبى اللّه إلّا إمضاء ما حتم). «1»

ولقد يعزّ ويشقّ كثيرا على بعض المؤ رّخين والمفكّرين الاسلاميّين ممّن قد تحرّر من وهم القداسة الكاذبة التي اختلقها التضليل الامويّ لبعض

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 55

مشاهير الصحابة أن يذعن لحقيقة أنّ قيادة هذا الحزب كانت قد دخلت الاسلام طمعا في مستقبل الاسلام ورغبة في أن يكون لها نصيب في مواقع الحكم في حياة رسول اللّه (ص) وبعد وفاته، لا إيمانا بهذا الدين وحقائقه، فيميل إلى القول باءنّ قيادة هذا الحزب قد دخلت في الاسلام مؤ منة به لكنّها لم تستطع الانعتاق والتحرر من (حبّ الشهرة والسيطرة والحكم) التي تحكّمت في كثير

من تصرّفاتها، وهذا من (مرض القلب) الذي قد يعتري كثيرا من المؤ منين ولايخرجهم عن دائرة الايمان.

ويدعم هذا المفكّر رأيه باءنّ القرآن الكريم قد جعل (المنافقين) و (الذين في قلوبهم مرض) في صفّ واحد في أكثر من خطاب قرآنىٍّ، «1» لكنّه ميّز بينهما في التعريف كما لايخفى، إذ كلّ منافق في قلبه مرض، وليس كلّ من في قلبه مرض د منافقا. «2»

وهذا الرأي صحيح لو أنّ صحابيّا كان قد دخل الاسلام مؤ منا لكنّ مرضه القلبيّ مرتبط بشهوة أو أكثر من شهوات الدنيا كشهوة الحكم أو شهوة النساء أو الشهرة أو المال مثلا، فإ ذا تهيّاءت الفرصة السانحة لا شباع شهوته واغتنمها واستوفى لذّته منها، حرص بعد ذلك بسسب إيمانه أن يجري أمر الاسلام على ما فرض اللّه ورسوله (ص)، أو أنّه على الاقلّ لاياءبى بعد ذلك أن يجري أمر الاسلام على المحجّة البيضاء التي أرادها اللّه ورسوله (ص).

أمّا أن يكون هذا الصحابي مع كلّ اعترافاته باءخطائه وجهله وقلّة فقهه

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 56

مصرّا الى آخر لحظات حياته على أن يجري أمر الاسلام في قضيّة الاستخلاف على ما تعاهدت عليه قيادة حزبه لا على ما أراد اللّه ورسوله، فهذا ممّن ليس (في قلبه مرض) فحسب، والعلّة الاقوى إذن علّة أخرى ليست هي من شهوات مرض د القلب التي قضى منها وطره، بل هي اعتقاد آخر مضمر وخطّة مسبّقة مدروسة قامت على معصية اللّه ورسوله (ص) عمدا، وحرص هذا الصحابي على تنفيذها حتّى الممات!!

يحدّثنا ابن الاثير قائلا:

(إنّ أبابكر أحضر عثمان بن عفّان خاليا ليكتب عهد عمر.

فقال له أكتب، (بسم اللّه الرحمن الرحيم، هذا ما عهد أبوبكر بن أبي قحافة إلى المسلمين. أمّا بعد:) ثمّ أغمي عليه.

فكتب عثمان:

(أمّا بعد فإ نّي قد استخلفت عليكم. عمر بن الخطّاب ولم آلكم خيرا).

ثمّ أفاق أبوبكر فقال: إقرأ عليَّ.

فقرأ عليه، فكبّر أبوبكر وقال: أراك خفت أن يختلف الناس إن متّ في غشيتي؟

قال: نعم.

قال: جزاك اللّه خيرا عن الاسلام وأهله!!). «1»

سبحان اللّه!! أين كان هذا الحفّاظ وهذه الخشية من الاختلاف يوم حالت قيادة هذا الحزب دون أن يكتب الرسول (ص) للا مّة كتابه الاخير المانع من

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 57

الضلال والاختلاف!؟ وهل يصدّق العقل أنّ رجال قيادة هذا الحزب أشدّ حرصا وغيرةً على حال الامّة من رسول اللّه (ص)!؟

وقد تمنّى عمر بن الخطّاب أن لو كان أبوعبيدة بن الجرّاح حيّا لاستخلفه «1»، تذكرة الحفّاظ، وأبوعبيدة هذا ثالث ثلاثة في قيادة هذا الحزب، كما تمنّى أن لو كان خالد بن الوليد الذي آزرهم بقوّة في أيّامهم الصعبة حيّا لاستخلفه، «2» وكذلك أن لو كان سالم مولى أبى حذيفة حيّا لاستخلفه، «3».

وكاءنّ سالما هذا كان رابع أربعة في تلك القيادة، ولايخفى أنّ استخلاف سالم معارض لمبدأ هذا الحزب في أنّ الخلافة لاتكون إلّا في قريش، وهو المبدأ الذي رفعته قيادة هذا الحزب في وجه الانصار في السقيفة!!، كما أنّ عمر تمنّى أيضا أن لو كان معاذ بن جبل حيّا لاستخلفه «4»،. ومعاذ هذا من الانصار!!

ثمّ إنّ التامّل في حقائق الشورى التي خطّط لها عمر بن الخطّاب يهدي كما سوف ياءتي بيانه إلى أن الخليفة الثاني قد عيّن عثمان تعيينا ضمن إخراج فنّيّ خاصّ، هذا فضلا عن تمهيده للحكم الملكيّ الامويّ بإ طلاقه يد معاوية في الشام يفعل ما يحلو له وكما يشاء، فالخليفة الصارم في المدينة قد أغمض عينيه عمدا عن الشام لفتى قريش وكسرى العرب!!

ممّا مضى يتاءكّد بما لايقبل

الشك أنّ هؤ لاء الصحابة كانوا قد أصرّوا على الصدّ عن رسول اللّه (ص) الصدود الكبير فيما جاء به من الامر الالهيّ المتعلّق

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 58

بالخلافة من بعد رسول اللّه (ص) وبشخص الخليفة المعيّن من قبل اللّه تبارك وتعالى، وواصلوا هذا الصدود حتّى الممات.

وحزب السلطة أشد فصائل حركة النفاق أثرا في حياة الاسلام والمسلمين، لا نّه هوالذي شقّ مجرى الانحراف الرئيس الذي تفرّعت عنه جميع فروع الانحرافات الاخرى التي كانت ولم تزل حياة الاسلام والمسلمين تعاني منها أمرّ الويلات والنكبات، وقيادة هذا الحزب تتحمّل على ظهرها أوزارها وأوزار ما نتج ولايزال ينتج عن يوم السقيفة إلى قيام الساعة.

منافقو أهل الكتاب: ..... ص : 58

إنّ لا هل الكتاب مع الاسلام والنبىٍّ الاكرم محمّد (ص) قصّة مؤ سفة ينبغي لكلّ مؤ من ألّايغفل عن الاتّعاظ بها في انتظاره الامام المهديّ المنتظر عجّل اللّه تعالى فرجه.

كان أهل الكتاب بعد عهد المسيح عيسى بن مريم (ع) ينتظرون خروج خاتم الانبياء (ص) ويترقّبون حلول أوانه، ذلك لا نّهم توارثوا البشارات بظهوره عن أنبيائهم وأوصياء أنبيائهم (ع)، وتوارثوا معرفة صفاته البدنيّة والمعنويّة، فكانوا يعرفون أسماءه وألقابه وكناه ويعرفون شخصه معرفة تفصيليّة يقينيّة كما يعرفون أبناءهم.

وقد أكّد القرآن الحكيم هذه الحقيقة في قوله تعالى: (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم). «1»

كما كانوا يعرفون شخصيّته في سيرته المعلومة عندهم ممّا توارثوه من الانباء

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 59

عنه في كتبهم ورواياتهم، فكانوا يعرفون ما ينبغي عنده من الفعل وما لاينبغي، ويعرفون حتّى سننه، في القعود والقيام، واليقظة والمنام، والصمت والكلام، وسوى ذلك (الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل ...) «1» وكانوا يعرفون صفات من معه والامثال المضروبة في أحوالهم: (ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الانجيل ...) «2»،

بل كانوا يعرفون خصائص أوصيائه (ع) كما ورد ذلك في روايات كثيرة.

وكانت جماهير من اليهود ينتظرون النبىٍّ الخاتم (ص) إنتظارا جادّا مقرونا بكلّ مستلزماته العمليّة، حتّى لقد حملهم هذا الانتظار الجاد على ترك ديارهم والهجرة إلى المنطقة التي سيهاجر إليها النبيّ المنتظر (ص) كما هوعندهم في الاخبار التي توارثوها جيلا بعد جيلٍ، وعانوا من أجل ذلك الكثير، تقول الرواية: (كانت اليهود تجد في كتبها أنّ مهاجر محمّد (ص) ما بين عيرٍ واءُحدٍ، «3» فخرجوا يطلبون الموضع فمرّوا بجبل يسمّى حدادٍ فقالوا:

حدادٌ واءُحد سواء، فتفرّقوا عنده فنزل بعضهم بتيماء وبعضهم بفدك وبعضهم بخيبر، فاشتاق الذين بتيماء إلى بعض إخوانهم، فمرّ أعرابىٍّ من قيس فتكاروا منه، وقال لهم: أمرّ بكم ما بين عيرٍ واءُحد. فقالوا: إذا مررت بهما ف آذنّا بهما، فلمّا توسّط بهم أرض المدينة قال لهم: ذاك عيرٌ وهذا أحد.

فنزلوا عن ظهر إبله، وقالوا قد أصبنا بغيتنا فلا حاجة لنا في إبلك فاذهب حيث شئت. وكتبوا إلى إخوانهم الذين بفدك وخيبر: أنّا قد أصبنا الموضع فهلمّوا إلينا. فكتبوا إليهم: أنّا قد استقرّت بنا الدار واتّخذنا الاموال

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 60

، وما أقربنا منكم، فإ ذا كان ذلك فما أسرعنا إليكم. فاتّخذوا باءرض المدينة الاموال، فلمّا كثرت أموالهم بلغ تُبَّعا فغزاهم، فتحصّنوا منه فحاصرهم، وكانوا يرقّون لضعفاء أصحاب تبّعٍ فيلقون إليهم بالليل التمر والشعير، فبلغ ذلك تبّعا فرقّ لهم وآمنهم، فنزلوا إليه فقال لهم: إنّي قد استطبت بلادكم ولاأراني إلّا مقيما فيكم. فقالوا له: إنّه ليس ذاك لك، إنّها مهاجر نبىٍّ وليس ذلك لا حد حتّى يكون ذلك. فقال لهم: إنّي مخلّف فيكم مِن أسرتي مَن إذا كان ذلك ساعده ونصره، فخلّف حيّين الاوس د والخزرج، فلمّا كثروا

بها كانوا يتناولون أموال اليهود، وكانت اليهود تقول لهم: أما لو قد بعث محمّد ليخرجنّكم من ديارنا وأموالنا، فلمّا بعث اللّه عزّ وجلّ محمّدا (ص) آمنت به الانصار وكفرت به اليهود، وهو قول اللّه عزّ وجلّ:

(وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلمّا جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة اللّه على الكافرين «1»). «2»

تُرى لماذا كانت نتيجة هذا الانتظار الجادّ نتيجة خاسرة!!؟

كانت نتيجة انتظار اليهود خاسرة لا نّهم كانوا ينتظرون النبىٍّ الاكرم (ص) بشرط ألّا يساويهم مع غيرهم من الناس، وألّا يكون غيرهم الافضل عنده، وألّا ياءخذ منهم ما كانوا يتمتّعون به من مواقع اجتماعيّة ماديّة ومعنويّة، وألّا وألّا ... فهم كانوا ينتظرونه (بشرط لا). فلمّا وجدوا الناس عند رسول اللّه (ص) سواسية كاءسنان المشط في الحقوق والواجبات، وأنّ أكرمكم عنداللّه أتقاكم ... نكسوا على رؤ وسهم وانقلبوا على أعقابهم وآثروا إتّباع أهوائهم وكفروا بما عرفوه من الحقّ ... فكانت الخسارة وما أعظمها من خسارة!

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 61

ولو أنّهم انتظروه (لا بشرط) يشترطونه عليه، بل بتسليم تامّ لا مره وطاعة مطلقة وامتثال لكلّ ما يشترطه هو عليهم لكانت نتيجة انتظارهم هي الفوز المبين، وقد فاز المسلّمون. «1»

ولمّا رفض اليهود بعد انتظارهم الجادّ الطويل ان يسلّمو للّه ولرسوله (ص)، ويدخلوا في الاسلام بلا شرط كما دخل الناس، صاروا أشدّ الناس عداوة للّذين آمنوا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبيّن لهم الحقّ، وانضمّوا في مناوئتهم الدعوة الجديدة إلى صفوف أعدائها، ولقد واثقوا النبىٍّ (ص) ثمّ نقضوا ميثاقهم غير مرّة، حتّى هزمهم اللّه وأخرجهم من ديارهم أذلّاء خاسئين.

ولمّا قويت الدعوة المحمّديّة واشتدّ ساعدها، وتحطّمت أمامها كلّ قوّةٍ تنازعها، لم ير من كانوا يقفون أمامها ويصدّون عن

سبيلها إلّا أن يكيدوا لها من طريق الحيلة والخداع بعد أن عجزوا عن النيل منها بالقوّة والنزاع.

والمكر اليهودىٍّ أظهر من كلّ مكر آخر في أسلوب (التخريب من الداخل)،

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 62

ولليهود تاءريخهم الطويل الممتدّ إلى يومنا الحاضر في هذا المجال، ولعلّنا لانجانب الصواب إذا قلنا إنّ اليهود لا تأريخ لهم يذكر في مجال التبليغ المباشر بديانتهم، بعكس ما لهم من تأريخ أسود معروف في مجال التخريب على الاخرين من الداخل، وشواهد ه ذه الحقيقة كثيرة مبثوثة في الحياة الانسانيّة منذ أيّامهم الاولى وإلى يومنا هذا.

وقد حاكى النصارى في التخريب من الداخل منهج اليهود في ذلك، ونجحوا نجاحا كبيرا، وكان لهم تاءريخهم الخاصّ في هذا المجال أيضا، وكان ولم يزل تاءثيرهم بالغا وخطيرا في حياة المسلمين إلى اليوم.

ظلّ أهل الكتاب يرصدون تطوّر حركة الاسلام في عهد النبىٍّ (ص) وقلوبهم ياءكلها الحسد الشديد، ولم تكن هذه المراقبة مراقبة من كفّ يده عن التدخل والتاءثير في مجرى الاحداث، بل مراقبة من يتمنّى الفرصة السانحة للتدخّل من أجل حرف المسيرة الاسلاميّة عن المحجّة البيضاء.

ومع أنّهم كانوا يعتمدون كثيرا ويعوّلون بشكل كبير في تسريب تاءثيرهم على علاقاتهم القديمة الوطيدة بعناصر كثيرة دخلت الاسلام وصارت من الصحابة، إلّا أنّهم لم يكتفوا بذ لك، بل أدخلوا في الاسلام عناصر (معلومة أسماؤ هم) «1» من علمائهم المتمرسين في التخريب الفكريّ والعلميّ، ليشكّلوا فصيلا من فصائل حركة النفاق داخل المسيرة الاسلاميّة، وليقوم هذا الفصيل بتقديم إسناد قوىٍّ مؤ ثّر لخطّ الانحراف، والصد عن رسول اللّه (ص)، لكنّ أبرز هذه العناصر المخرّبة من اليهود كان (كعب الاحبار)، ومن النصارى

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 63

(تميم الداري)، وجاء بعدهم من تلاميذهم آخرون شكّلوا شبكة خطيرة من مستشاري الخلفاء وكتّابهم

وخدمهم وحواشيهم.

ومثيرٌ للعجب أن يدخل كعب الاحبار الاسلام في زمن الخليفة الثاني عمر بن الخطّاب خاصّة دون زمن النبىٍّ (ص) وزمن خلافة أبي بكر!!، مع أن أستاذه الذي كان يُدعى (أبا السموءل) قد أظهر إسلامه في زمن الخليفة الاوّل أبي بكر!! «1»

ولمّا ساءل العبّاس بن عبدالمطّلب كعب الاحبار عن علّة تاءخّر إسلامه إلى وقت عمر! اعتذر باءنّ أباه أخفى عنه حقيقة صفة محمّد (ص) وأمّته في كتاب ختمه الاب وأمره ألّايفضّ الختم عنه، حتّى فتحه كعب في زمن الدولة العمريّة فجاء مسلما!! «2» هذا مع أنّ التاءريخ يقول إنّ كعبا هذا كان من أكبر علماء اليهود!!

بدأ كعب الاحبار حياته تحت عنوان الاسلام مقرّبا من الخليفة الثاني، ياءنس به ويستشيره ويتاءثّر بفكره، ويعود إليه في القضايا التي لاتروقه أجوبة العلماء من الصحابة فيها فيساءله عنها!!

فقد قيل إنّ الخليفة الثاني ساءل سلمان (ر) ذات مرّةٍ قائلا: (أ ملك أنا أم خليفة!؟) فقال سلمان (ر) (إن أنت جبيت من أرض المسلمين درهما أو أقلّ أو أكثر، ثمّ وضعته في غير حقّه فاءنت ملك غير خليفة). «3»

وكاءنّ الخليفة الثاني لم يجد ما يحبّ في إجابة سلمان (ر) فساءل كعبا الذي يحسن صناعة الاجابات المحبّبة قائلا: (أنشدك باللّه، أتجدني خليفة أم ملكا؟ قال: (بل خليفة). فاستحلفه عمر، فقال: (خليفة واللّه من خير الخلفاء،

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 64

وزمانك خير الازمان)!! «1»

وقد رافق كعب عمر بن الخطّاب في زيارة القدس بعد فتحها، وفي بيت المقدّس د لما أراد الخليفة الثاني أن يصلّي ساءل كعبا: (أين ترى أن أصلّي؟)!! «2»

وحينما أراد بناء المسجد ساءله أيضا: (أين ترى أن نجعل المسجد؟)!! «3»

وساءله ذات مرّة: (أخبرنا عن فضائل رسول اللّه (ص) قبل مولده!!) «4»

وساءله في مرّة

أخرى: (حدّثني يا كعب عن جنّات عدن؟)!! «5»

وظلّ كعب بعد الخليفة الثاني مستشارا مقرّبا عند الخليفة الثالث عثمان، يتاءذّى لا ذاه ويهيج لنصرته ...

فقد (روي أنّ عثمان قال يوما: أيجوز للا مام أن ياءخذ من المال فإ ذا أيسر قضى؟

فقال كعب الاحبار: لا باءس بذلك!

فقال أبوذر (ر): يا ابن اليهوديّين، أتعلّمنا ديننا!؟

فقال عثمان: قد كثر أذاك لي وتولّعك باءصحابي، إلحَق بالشام.

فاءخرجه إليها). «6»

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 65

وفي الوقت الذي واصل الخليفة الثاني ضرب الحصار الحديديّ على الاحاديث النبويّة ومنع انتشارها كان قد فتح الباب واسعا أمام منافقي أهل الكتاب ليدسّوا في أذهان المسلمين ما ليس من عقائد الاسلام المحمّدي الخالص، وذلك من خلال القصّ، فراجت بين المسلمين بعض دفائن كتب اليهود والنصارى وكثير من مخترعات ومفتريات القصّاصين أنفسهم ممّا يحرف الامّة المسلمة عن دينها الحقّ.

ولقد (كان أوّل من قصّ تميم الداري، إستاءذن عمر بن الخطّاب أن يقصّ على الناس قائما فاءذن له عمر!!) «1»

ثمّ عظمت الماءساة بدخول كعب ساحة القصّ، وحتّى بعد أن التحق كعب بمعاوية في الشام أمره معاوية بالقصّ في الشام أيضا، ولكعب تلاميذ من سنخه ولهم تلاميذ كذلك في سلسلة تخريبيّة متواصلة.

لقد تعاظم تاءثير القصّ في حياة المسلمين في الوقت الذي حيل بينهم وبين الاحاديث النبويّة حتّى أصبح القصّ الصحيفة اليوميّة الوحيدة التي تؤ ثر في حياة المسلمين وتصبغ أذهانهم بالصبغة التي تريدها.

ولقد اعتنى الامويّون عناية فائقة بالقصّ كوسيلة إعلاميّة سياسيّة يرفعهم بها القصّاصون في أعين الناس باختلاق فضائل مكذوبة لهم ولبعض مشاهير الصحابة ممّن مهّد لهم السبيل بعد أن لم يكن لهم فضل يرفعهم على عهد النبىٍّ (ص).

وعلى هذا الدرب اخترعت الاحاديث الكثيرة، واختلطت الحقيقة بالخيال،

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 66

وتراكم كمُّ هائل من

الموهومات ممّا ابتدعه الوضّاعون واخترعه القصّاصون حتّى صار على مَرِّ السنين جزءً من التراث الديني الذي يتعبّد به كثير من المسلمين، وصار من الصعب المستصعب على كثير من المحقّقين أن يمتلكوا الجرأة على نقد ورفض الغثّ الكثير الذي دخل على هذا التراث رغم ما يقفون عليه من وثائق دامغة تثير الشك في الاذهان أوتسلّط الضوء على الحقائق المعاكسة.

ولا عجب إذا كان القصّاصون في عهد بني أميّة يذكرون عليّا وولده (ع) بما يشينهم لا طفاء نورهم وكتم فضائلهم، ذلك لا نّ فصيل منافقي أهل الكتاب يرى أنّ غاية وجوده وعلّة تاءسيسه هي دعم خطّ الانحراف عن أهل البيت (ع)، وتكفي نظرة عابرة على سيرة أمثال كعب الاحبار، وتميم الداري، ووهب بني منبّه، ونافع بن سرجس مولى عبداللّه بن عمر، وسرجون مستشار معاوية ويزيد، وأبى زبيد مستشار الوليد بن عقبة، وغيرهم دليلا على منهج هذا الفصيل.

ومن طريف ما يذكر التاءريخ عن ابن عبّاس:

أنّ الخليفة الثاني عمر بن الخطّاب كان قد تبرّم بالخلافة في آخر أيّامه وخاف العجز وضجر من سياسة الرعية فكان لايزال يدعو اللّه باءن يتوفّاه!.

فقال لكعب الاحبار (!) يوما وأنا عنده: إنّي قد أحببت أن أعهد إلى من يقوم بهذا الامر، وأظنّ وفاتي قد دنت، فما تقول في عليٍّ؟ أشر عليّ في رأيك، واذكر لي ما تجدونه عندكم فإ نّكم تزعمون أنّ أمرنا هذا مسطور في كتبكم.

فقال: أمّا من طريق الرأي فإ نّه لايصلح، إنّه رجل متين الدين، لايُغضي على عورة، ولايحلم عن زلّة، ولايعمل باجتهاد رأيه، وليس هذا من سياسة الرعية في شي، وأمّا ما نجده في كتبنا فنجده لايلي الامر ولا ولده، وإن وليه كان هرج شديد.

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 67

قال: وكيف ذاك؟

قال: لا

نّه أراق الدماء، ومن أراق الدماء لايلي الملك، إنّ داود لمّا أراد أن يبني حيطان بيت المقدس أوحى اللّه إليه: إنّك لاتبنيه لا نّك أرقت الدماء، وإنّما يبنيه سليمان.

فقال عمر: أليس بحقٍّ أراقها!؟

قال كعب: وداود بحقٍّ أراقها يا اميرالموءمنين ...). «1»

يا للمضحك المبكي!! ... لقد أراد هذا المنافق الكبير أن يشين سيّد الاوصياء (ع) فمدحه وهو لايشعر، وكذب على داود (ع) غافلا عن أنّ اللّه تبارك وتعالى صرّح بخلافته في قوله:

(يا داود إنّا جعلناك خليفة في الارض فاحكم بين الناس بالحقّ ...). «2»

بقي أن نقول: إنّ فصيل منافقي أهل الكتاب كان يقوم بدوره في ظلّ الفصائل الاخرى من حركة النفاق، فقد عمل في ظلّ دور فصيل منافقي أهل المدينة من الاوس والخزرج في عهد رسول اللّه (ص)، وعمل في ظلّ حزب السلطة طيلة عهوده الثلاثة، وعمل في ظلّ الحزب الامويّ، على امتداد أيّامه الطويلة، كما عمل في ظلّ الحزب العباسي.

وشواهد هذه الحقيقة ظاهرة ومتعدّدة، فإ نّ المتاءمّل في المؤ امرة المعقّدة المتعدّدة الاطراف لقتل الامام علىٍّ (ع) يجد أثر اليد اليهوديّة قويّا فيها، وفي رواية أنّ اميرالموءمنين عليّا (ع) قال لولده الحسن (ع) بعد أن أصيب في محرابه:

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 68

(قتلني ابن اليهوديّة عبدالرحمن بن ملجم المرادي!) «1»

كما لايخفى على مطّلع دور (سرجون النصراني) مستشار معاوية ويزيد في السياسة الامويّة وتدبير أمورها، ودوره في التخطيط للقضاء على ثورة الامام الحسين (ع) أظهر من أن يخفى. وهذا المتوكّل العبّاسى يكرب قبر الامام الحسين (ع) على يد (إبراهيم الديزج) اليهودي بمعونة جمع من اليهود ... «2»

وتخفّى هذا الفصيل من فصائل حركة النفاق في ثياب كثير من الطواغيت والحكومات الظالمة التي تعاقبت على الامّة الاسلاميّة المنكوبة في أكثر

أقطارها حتّى يومنا الحاضر، وكان ومايزال لليهود والنصارى أثرهم البالغ في المصائب التي حلّت باءمّتنا الاسلاميّة، فقد كان هؤ لاء أوّل من بادر إلى إشاعة المظاهر اللاإسلاميّة والمنكرات في مجتمعات المسلمين، وعلى أيديهم أولا تاءسّست وانتشرت الافكار والاحزاب اللاإسلاميّة الكافرة في عالمنا الاسلامي كالا حزاب الشيوعيّة والاشتراكيّة والقوميّة، كما كان هؤ لاء أصل ومنشاء الحركات المتطرّفة المحسوبة على العنوان الاسلامي، والتي كفّرت المسلمين عامّة والشيعة منهم خاصّة.

منافقو أهل المدينة: ..... ص : 68

ويتشكّل هذا الفصيل من منافقي الاوس والخزرج الذين أبت قلوبهم قبول الاسلام لكنّهم أظهروا إسلامهم خوفا من قوّة الشوكة الاسلاميّة بعد أن أقبل جلّ أهل المدينة من الاوس والخزرج على الاسلام ودخلوا فيه وأعلنوا عن استعدادهم التامّ للتضحية في سبيله، ورئيس هذا الفصيل هو عبداللّه بن اءُبَيّ بن سلول العَوفي

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 69

(كان قومه قد نظموا له الخرز ليتوِّجوه ثمّ يملّكوه عليهم، فجاءهم اللّه تعالى برسوله (ص) وهم على ذلك، فلمّا انصرف قومه عنه إلى الاسلام ضغن، ورأى اءّن رسول اللّه (ص) قد استلبه ملكا، فلمّا راءى قومه قد اءبوا إلّا الاسلام دخل فيه كارها مصرّا على نفاق وضغن). «1»

وقد تميّز هذا الرجل وفصيله بعلانية القول والعمل ضدّ الاسلام وضدّ الرسول (ص)، وكان اليهود عامّة ومنافقوا اليهود خاصّة يدعمون هذا الفصيل دعما قويّا ويسندونه إسنادا مؤ ثّرا والعكس صحيح أيضا، فقد ألحّ عبداللّه بن اءُبيّ على رسول اللّه (ص) في اءن يحسن إلى يهود بني قينقاع بعد انكسارهم أثر محاصرة الرسول (ص) لهم، إلى درجة أنّه كان قد أدخل يده في درع رسول اللّه (ص) (ذات الفضول) ولم يرسله إلى أن أجابه الرسول (ص) إلى ذ لك. «2»

كما أنّ اليهود و منافقيهم كانوا قد انضمّوا في تعبئة الرسول

(ص) لموقعة اءُحد إلى القوّة العسكريّة التي شكلها فصيل منافقي اءهل المدينة بقيادة عبداللّه بن اءُبيّ، وقيل إنّ هذه القوّة كانت ثلث الجيش الاسلاميّ وتعدادها ثلاثمائة رجل، وكان عبداللّه بن اءُبيّ قد رجع بهذه الكتيبة إلى المدينة قبل القتال تخذيلا للمسلمين بدعوى (لونعلم قتالا لاتّبعناكم) «3» وقيل إنّ النبىٍّ (ص) أمرهم بالا نصراف لكفرهم وإنّ عددهم كان ستّمائة رجل.

تقول الرواية:

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 70

انّ النبىٍّ (ص) خرج يوم اءُحد، حتّى إذا جاوز ثنيّة الوداع فإ ذا هو بكتيبة حسناء.

فقال: من هؤ لاء؟

قالوا: عبداللّه بن اءُبيّ في ستّمائة من مواليه من اليهود من بني قينقاع.

فقال: وقد أسلموا؟

قالوا: لا، يا رسول اللّه.

قال: مروهم فليرجعوا، فإ نّا لانستعين بالمشركين على المشركين). «1»

لقد دأب هذا الفصيل من حركة النفاق على تعويق تقدّم مسيرة الاسلام وتخذيل المسلمين وإيذأ الرسول (ص) والمكر به لقتله، وكانت غزوات الرسول (ص) وحروبه شاهدة على كلّ ذلك، والمتتبّع لا حداث السيرة النبويّة لايجد صعوبة في رؤ ية هذه الحقيقة الظاهرة، لكنّ أعمال ومكائد هذا الفصيل لم تثمر شيئا للمنافقين سوى الخيبة والخزي طيلة السنوات العشر التي عاشها الرسول (ص) في المدينة.

ولقد عامل الرسول (ص) قائد هذا الفصيل وأتباعه وواجه أعمالهم ومكائدهم بما تقتضيه مصلحة الاسلام وحركة تقدّمه إلى الامام، فكان (ص) يصبر ويتحمّل ويصفح أو يغلظ ويعاقب حسب ظرف الاسلام ومقتضيات الحكمة الربانية التي لاتخطي.

وكانت لهذا الفصيل ولقائده عبداللّه بن اءُبيّ علاقات حسنة خفيّة بفصائل النفاق الاخرى، وقد يكتشف المتتبّع هذه العلاقات في الربط بين دلالات

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 71

بعض د الروايات وقرأة ما ورأ السطور فيها، ففي موقعة أحد مثلا لمّا شاع بين الناس أنّ النبىٍّ (ص) قد قُتل قال بعض الذين استزلّهم الشيطان ففرّوا يُصعدون

ولايلوون على أحد: (ليت لنا رسولا إلى عبداللّه بن اءُبيّ لياءخذ لنا أمانا من أبي سفيان، يا قوم إنّ محمّدا قد قتل فارجعوا إلى قومكم قبل أن ياءتوكم فيقتلوكم). «1»

وقال بعضهم: (لو كان نبيّا ما قتل فارجعوا إلى دينكم الاوّل)، «2»

وقال آخرون: (نلقي إليهم باءيدينا فإ نّهم قومنا وبنو عمّنا). «3»

قال صاحب كتاب السيرة الحلبيّة: (وهذا يدلّ على أنّ هذه الفرقة ليست من الانصار بل من المهاجرين). «4»

ولا شك أنّ هذه المتون تشير إلى أنّ هناك علاقة غير ظاهرة بين منافقي قريش د هؤ لاء وبين عبداللّه بن اءُبيّ بن سلول وبين اءبي سفيان راءس الكفر في مواجهة الاسلام والذي تحوّل بعد ذلك إلى رأس النفاق الامويّ (وكان كهفا للمنافقين) «5» ولا شك أنّ قيادة حزب السلطة كانت ممّن رقى صخرة الجبل فرارا، تثبت هذا أدلّة تاءريخيّة خاصّة، «6» ويؤ كّد ذلك أيضا أنّ من الثابت تاءريخيّا أنّ جميع المهاجرين سوى اميرالموءمنين عليّ (ع) كانوا قد فرّوا عن رسول اللّه (ص) في اءُحد، وفي الاثر اءنّ اءنس بن النضر قبل استشهاده في تلك المعركة استنهض الخليفة عمر بن الخطّاب مع آخرين من

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 72

الفارّين الذين ألقوا باءيديهم، ودعاهم إلى الجهاد والشهادة فلم ينهضوا.

تقول الرواية:

(إنتهى أنس بن النضر، عمّ أنس بن مالك، إلى عمر بن الخطّاب وطلحة بن عبيداللّه في رجال من المهاجرين والانصار وقد ألقوا باءيديهم.

فقال: ما يجلسكم!؟

قالوا: قتل رسول اللّه (ص).

قال: فماذا تصنعون بالحياة بعده!؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول اللّه (ص).

ثمّ استقبل القوم فقاتل حتّى قتل ...) «1»

والرواية مشعرة باءنّهم لم ينهضوا معه!

إنّ الانقلاب على الاعقاب الناشي عن الارتياب بنبوّة النبىٍّ (ص) لم ينحصر وقوعه من بعض الصحابة في موقعة

اءُحد فقط، بل كان يتكرّر عند كلّ شدّة أو انكسار وعند جريان الرياح بما لاتشتهي الامنيّة، هذا الخليفة الثاني عمر بن الخطّاب أيضا يحدّثنا عن تكرّر حالة الارتياب هذه عنده يوم الحديبيّة ولكن بصورة أشدّ إذ دعته إلى التفكير بالتمرّد على رسول اللّه (ص) والخروج عليه، فيقول: (ارتبت ارتيابا لم أرتبه منذ أسلمت إلّا يومئذٍ، ولو وجدت ذلك اليوم شيعة تخرج عنهم رغبة عن القضيّة لخرجت!!). «2»

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 73

ومن المضحك المبكي أنّ هذه المزايدات من هؤ لاء الصحابة كانت لاتظهر إلّا إذا ذهب الخوف وأمن الروع حيث تنشط الالسنة الحداد، وكان رسول اللّه (ص) إذا ضاق ذرعا بمزايداتهم الكاذبة وأراد أن يسكتهم ذكّرهم بجبنهم كما فعل يوم الحديبيّة إذ قال لهم:

(أنسيتم يوم اءُحدٍ إذ تصعدون ولاتلوون على اءَحَد، واءنا اءدعوكم في اءُخراكم!؟ اءنسيتم يوم الاحزاب إذ جاؤ كم من فوقكم ومن اءسفل منكم وإذ زاغت الابصار وبلغت القلوب الحناجر!؟ أنسيتم يوم كذا!؟ ...). «1»

الحزب الامويّ: ..... ص : 73

كان فتح مكّة المكرّمة منعطفا من منعطفات تأريخ الاسلام الرئيسة، فقد تحوّل المسلمون بعده من عصابة ثائرة إلى قوّة مركزيّة قاهرة ودولة ظافرة ظاهرة، وتحوّل المشركون بعده من تجمّع مركزىٍّ مؤ ثّر في الاحداث إلى شتات ضعيف فاشل.

وكان قد أدرك دهاة النفعيّين من قريش هذه النتيجة قبل حصولها باءشهر، أمثال عمرو بن العاص وخالد بن الوليد فدخلوا في الاسلام حين أيقنوا أنّه لابدّ من الدخول فيه.

أما الامويّون فقد أصرّت غالبيتهم على المكابرة والعناد حتّى حلّت بساحتهم رايات الفتح الاسلامي، فكانوا من الطلقاء.

دخل الامويّون الاسلام مقهورين بالفتح، وقلوبهم تتجرّع الاسلام ولاتكاد تسيغه، وحقيقة نفاقهم وإصرارهم على الكفر من حقائق التاءريخ التي لايشك منصف فى ثبوتها، وشواهد هذه الحقيقة أمنع في ظهورها

من أن تخضع لتاءويلات يتكلّفها مجانبو الحقيقة وأعدأ الحقّ.

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 74

هاهو أبوسفيان يدخل على عثمان حين صارت الخلافة إليه فيقول له:

(صارت إليك بعد تيم وعدي فاءدرها كالكرة، وأجعل أوتادها بني أميّة، فإ نّما هو الملك ولاأدري ما جنّة ولا نار). «1»

وهاهو معاوية يخلو به المغيرة بن شعبة فيقول له بعد أن استقامت الامور لمعاوية:

(إنّك قد بلغت مناك يا أميرالمؤ منين، فلو أظهرت عدلا وبسطت خيرا، فإ نّك قد كبرت، ولو نظرت إلى إخوتك من بني هاشم فوصلت أرحامهم، فواللّه ما عندهم اليوم شي تخافه ...). «2»

فيثور معاوية ويكشف عن كفره وجاهليّته قائلا:

(هيهات، هيهات، ملك أخو تيم فعدل، وفعل ما فعل، فواللّه ما عدا أن هلك فهلك ذكره، إلّا أن يقول قائل أبوبكر، ثمّ ملك أخو عديّ فاجتهد وشمّر عشر سنين، فواللّه ما عدا أن هلك فهلك ذكره، إلّا أن يقول قائل عمر، ثمّ ملك أخونا عثمان فملك رجل لم يكن أحد في مثل نسبه، فعمل ما عمل (وعمل به)، فواللّه ماعدا أن هلك فهلك ذكره، وذكر ما فعل به، وإنّ أخا هاشم يُصرخ به في كلّ يوم خمس مرّات: أشهد أنّ محمّدا رسول اللّه (ص)، فاءيّ عمل يبقى بعد هذا لا أمّ لك؟ واللّه إلّا دفنا دفنا ...). «3»

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 75

وهاهو يزيد يصرّح بكفره وكفر آبائه ومعبّرا عن تشفّيه بقتل سيّدالشهدأ (ع) في تمثّله باءبيات ابن الزبعرى:

ليت أشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الاسل

لا هلّوا واستهلّوا فرحا ثّم قالوا يا يزيد لاتشل

قد قتلنا القوم من ساداتهم وعدلناه ببدر فاعتدل

لعبت الهاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل «1»

دخل الامويّون الاسلام مقهورين بالفتح، وأعينهم تراقب مجرى حركة الاحداث لعلّ الامر بعد رسول اللّه

(ص) ينحرف عن مساره المرسوم فيرجع القهقرى، ويتجدّد لهم الامل والرجاء في أن يعود لهم سابق شاءنهم في الجاهليّة، فيمتطون صهوة الزعامة من جديد ولكن بثوبها الاسلامي، وقد عبّر أبوسفيان عن هذا الرجاء في محضر عثمان قائلا: (يا بني أميّة، تلقّفوها تلقّف الكرة، فوالذي يحلف به أبوسفيان مازلت أرجوها لكم ولتصيرنّ إلى صبيانكم وراثة)، «2» وفي نصّ آخر: (يا معشر بني أميّة، إنّ الخلافة صارت في تيم وعدي حتّى طمعت فيها، وقد صارت إليكم، فتلقّفوها بينكم تلقّف الكرة، فواللّه ما من جنّة ولا نار). «3»

يقول عبداللّه العلايلي في كتابه (الامام الحسين (ع):

(وفي قوله (ما زلت أرجوها لكم) ما يشعرنا باءنّ الحزب الامويّ كان موجودا من قبل، وكان يعمل تحت ستر الخفاء، ويحيك في الظلماء، وإلّا فباءىٍ

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 76

سبب كان يرجوها لهم؟ وليسوا باءهل سابقة في الاسلام ولا أيادي لهم معروفة سوى المظاهرة ضدّ اللّه ورسوله). «1»

ولا شك أنّ التفاتة العلايلي في أنّ الحزب الامويّ كان موجودا من قبل هي التفاتة في محلّها، لكنّ تساؤ له عن سبب رجاء أبي سفيان في أن تكون الخلافة لبني أميّة تساؤ ل في غير محلّه، ذلك لا نّ اغتصاب الخلافة من أهلها المنصوص عليهم ودفعهم عن مقامهم وصيرورتها في (أقلّ حيين) من قريش على حدّ تعبير أبي سفيان نفسه هوالذي أطمع الامويّين فيها، وقد صرّح أبوسفيان بهذا السبب (إنّ الخلافة صارت في تيم وعدي حتّى طمعت فيها)، وذلك لا نّ الامويّين يرون أنفسهم أشرف عشيرة وأعزّ نفرا وأكثر علما وخبرةً ودهاءً من الاوّل والثاني، فلماذا لايطمعون بها وقد تهافت أمرها وتدانى شاءنها!؟

دخل الامويّون الاسلام ظاهرا بعقليّة (الحزب)، وتحسّسوا في البدء من الفصائل الاخرى المماثلة التي تعمل في دائرة

الصد عن رسول اللّه (ص) ليقيموا معها أواصر التعاون في ظلال الهويّة الاسلاميّة الساترة بعد ما كانوا قد تعاونوا معها وهم تحت راية الكفر السافرة. «2»

وقد يسّرت العلاقات القديمة سبل التعاون الجديدة بين الحزب الاموىّ وفصائل النفاق الاخرى، وقد يصعب على المتتبّع أن يعثر على دلائل كاشفة عن التعاون الجديد بين الامويّين بعد الفتح وبين فصائل النفاق الاخرى الى وقت رحلة النبىٍّ الاكرم (ص)، أللّهم إلّا بعض الاشارات الكاشفة عن حالة

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 77

نفسيّة مساعدة في اتّجاه التعاون كمثل هذا الرواية التي رواها مسلم:

(أنّ أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال في نفر

فقالوا: واللّه ما أخذت سيوف اللّه من عنق عدوّاللّه ماءخذها!

فقال أبوبكر: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيّدهم!؟

فاءتى النبىٍّ (ص) فاءخبره.

فقال: يا أبابكر، لعلّك أغضبتهم؟ لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربّك ...). «1»

لكنّ المتتبّع لايجد صعوبة تذكر في العثور على دلائل التعاون الجديد بعد أن استقرّت نتائج السقيفة لصالح حركة النفاق، وهذه الدلائل كثيرة جدّا، ولايقدح فيها الموقف المؤ قّت الذي وقفه أبوسفيان في طلبه من اميرالموءمنين علىٍّ (ع) في أن يمدّ يده ليبايعه، وفي تنكّره بادئ ذي بدء لنتائج السقيفة، فإ نّ هذا الموقف أملته على أبي سفيان أمنيّته المكبوتة في أن يبطش بالا سلام البطشة الكبرى بعد رحلة الرسول (ص) مباشرة من خلال إيقاع الاقتتال بين المسلمين على الخلافة وإسقاط الدولة الاسلاميّة وإعادة الناس إلى الجاهليّة وإلى قريش بزعاماتها السابقة، ولم تخف نيّة أبي سفيان في موقفه هذا على اميرالموءمنين علىٍّ (ع) فنهره وأغلظ له قائلا: (واللّه إنّك ما أردت بهذا إلّا الفتنة، وإنّك واللّه طالما بغيت للا سلام شرا ...). «2»

لقد كان الصحابة كلّهم أو جلّهم يعلمون أنّ بني أميّة هم الشجرة

الملعونة

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 78

في القرآن، ذلك ممّا علّمهم رسول اللّه (ص) وصرّح به، «1» وهذه المعلومة جزء من معلومات ملفّ الملاحم والفتن المقبلة التي كشف عنها الرسول (ص) كشفا تامّا للا مّة إقامة للحجّة عليها في تشخيص المحجّة البيضاء ومعرفة خلفائه من بعده، يقول حذيفة بن اليمان (ر) (واللّه ما أدري أنسي أصحابي أم تناسوا!؟ واللّه ما ترك رسول اللّه (ص) من قائد فتنة إلى أن تنقضي الدنيا يبلغ من معه ثلثمائة فصاعدا إلّا قد سمّاه لنا باسمه واسم أبيه واسم قبيلته). «2»

إذن فقيادة حزب السلطة وهي من الصحابة كانت تعلم جيّدا من هم بنوأميّة، ومن الادلّة على ذلك أيضا أنّ:

(الخليفة الثاني عمر لمّا ساءل كعب الاحبار اليهودىٍّ عمّا يجدونه في كتبهم في قضيّة (إلى من يفضي الامر؟) قال كعب الاحبار: نجده ينتقل بعد صاحب الشريعة والاثنين من أصحابه إلى أعدائه الذين حاربهم وحاربوه وحاربهم على الدين. فاسترجع عمر مرارا وقال: أتسمع يا ابن عبّاس؟ أما واللّه لقد سمعت من رسول اللّه ما يشابه هذا، سمعته يقول: ليصعدنّ بنوأميّة على منبري، لقد أريتهم في منامي ينزون عليه نزو القردة، وفيهم اءُنزل: (وما جعلنا الرؤ يا التي أريناك إلّا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن). «3»

وقد روى الزبير بن بكّار في الموفقيّات ما يناسب هذا عن المغيرة بن شعبة، قال: قال لي عمر يوما: يا مغيرة هل أبصرت بهذه عينك العورأ منذ

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 79

اءُصيبت؟ قلت: لا. قال: اءما واللّه ليعورنّ بنواءميّة الاسلام كما اءعورت عينك هذه، ثمّ ليعمينّه حتّى لايدري أين يذهب ولا أين يجي ...). «1»

لكنّ قيادة حزب السلطة مع كلّ هذه الدراية كانت قد تعاونت مع الحزب الامويّ تعاونا وثيقا في إطار علاقة

صميميّة أساسها الصد عن رسول اللّه (ص).

وملفتٌ للا نتباه (أنّ أكثريّة الامرأ والولاة كانوا من بني أميّة في أزمان أبي بكر وعمر وعثمان)، «2» في الوقت الذي منعت قيادة حزب السلطة الهاشميّين منعا باتا من تسلّم أىٍّ مسؤ وليّة من إمارة أو ولاية أو دون ذلك، ويعلّل عمر لابن عبّاس د هذا الموقف المتشدّد في منع الهاشميّين من ذلك باءنّ الهاشميّين إذا ما تولّوا منصبا في إدارة شؤ ون الامّة دعوا الناس إلى الالتفاف حول أهل الخلافة الحقيقيّين من بني هاشم وبصّروا الناس باءهل الصدّ عن رسول اللّه (ص)، وهذا ما لايمكن أن تسمح به قيادة حزب السلطة أبدا.

يقول عمر مخاطبا ابن عبّاس في هذه المساءلة:

(يابن عبّاس، إنّ عامل حمص هلك، وكان من أهل الخير، وأهل الخير قليل، وقد رجوت أن تكون منهم، وفي نفسي منك شي لم أره منك، وأعياني ذلك، فما رأيك في العمل؟

قال: لن أعمل حتّى تخبرني بالذي في نفسك.

قال: وما تريد إلى ذلك؟

قال: أريده فإن كان شي أخاف منه إلى نفسي خشيتُ منه عليها الذي

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 80

خشيتَ، وإن كنت بريئا من مثله علمت أنّي لست من أهله، فقبلت عملك هنالك، فإ نّي قلّما رأيتك طلبت شيئا إلّا عاجلته.

فقال: يا ابن عبّاس، إنّي خشيتُ أن ياءتي عليَّ الذي هو آت وأنت في عملك فتقول: هلمّ إلينا، ولاهلمّ إليكم دون غيركم ...). «1»

فالخليفة الثاني إذن لاياءبى فقط أن تعود الخلافة إلى أهلها المنصوص عليهم من قبل اللّه تبارك وتعالى، بل ياءبى حتّى أن يتمكّن الهاشميّون من الدعوة إلى أنفسهم ولو بعد موته. هذا في الوقت الذي سعى حزب السلطة منذ أوائل أيّام تسلّمهم الحكم إلى تمهيد الامور للحزب الامويّ ليتسلّم زمام الامور

بعد قيادة حزب السلطة، لا نّ هذه القيادة رأت في الامويّين امتدادها الفكري والعملي، والضمانة الاكيدة في استمرار وجود قوّة حاقدة على أهل البيت (ع)، تواصل مواجهتهم وعزلهم وحرمانهم من حقّهم في التصدي لا مور المسلمين.

فبعد أن استقرّت نتيجة السقيقة لحزب السلطة، كانت ظاهرة استمالة هذا الحزب للا مويّين على صعيد التعاون الجديد معهم في المواجهة السافرة مع أهل البيت (ع) من الظواهر الواضحة في تأريخ المسلمين بعد الرسول (ص).

وتكفي دليلا على هذه الحقيقة العلاقة الخاصّة جدّا بين الخليفة الثاني عمر بن الخطّاب ومعاوية بن أبي سفيان الطليق الذي لعنه الرسول (ص) مرارا على رؤ وس د الاشهاد، وأمر المسلمين بقتله إذا رأوه على منبره. «2»

كانت للخليفة الثاني خلوات بمعاوية منذ أوائل الايّام ...

يحدّثنا التاءريخ بواقعة من وقائع طفولة الامام الحسين (ع) في أوائل أيّام

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 81

حكم عمر بن الخطّاب عن لسان الامام الحسين (ع) أنّه قال:

(صعدتُ إلى عمر بن الخطّاب، فقلت له: إنزل عن منبر أبي واصعد منبر أبيك! قال: فقال: إنّ أبي لم يكن له منبر. قال فاءقعدني معه، فلمّا نزل ذهب بي إلى منزله، فقال لي: أي بنىٍّ، من علّمك هذا؟ قال: قلت: ما علّمنيه أحد! قال: أي بنىٍّ لو جعلت تاءتينا وتغشانا؟ قال: فجئت يوما وهو خال بمعاوية!! وابن عمر بالباب ولم ياءذن له، فرجعتُ، فلقيني بعدُ فقال لي: يا بنىٍّ لم أرك تاءتينا؟ فقلت: قد جئت وأنت خال بمعاوية، فرأيت ابن عمر رجع فرجعتُ.

فقال: أنت أحقّ بالا ذن من عبداللّه بن عمر، إنّما أنبت في رؤ وسنا ما نرى اللّه ثمّ أنتم!! ...). «1»

وذُكر معاوية عند عمر فقال:

(دعوا فتى قريش وابن سيّدها!! إنّه لمن يضحك في الغضب ولاينال منه

الّا على الرضا، ومن لاياءخذ من فوق رأسه إلّا من تحت قدميه). «2»

يقول هذا فيمن لعنه رسول اللّه (ص) ولعن أباه ولعن ابنه!

وكان معاوية يتذلّل لعمر ويتملّقه، وإذا جاوز رضاه في قضيّة من القضايا خاطبه بلسان المتذلّل الخاضع:

(يا أميرالمؤمنين، علّمني أمتثل.) «3»

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 82

ومعاوية في ذلك إنّما يمثّل الدور الذي رسمه له أبوه أبوسفيان منظّر الحزب الامويّ حين أوصاه قائلا:

(يا بُنىٍّ إنّ هؤ لاء الرهط من المهاجرين سبقونا وتاءخّرنا ... فصاروا قادة وسادة، وصرنا أتباعا، وقد ولّوك جسيما من أمورهم فلاتخالفهم، فإ نّك تجري إلى أمد فنافس فإن بلغته أورثته عقبك). «1»

والامويّون لايتردّدون في الاعتراف باءنّهم امتداد لحزب السلطة، بل هم يحاجّون من يُنكر عليهم قبائحهم ممّن هم من نسل أبي بكر أو عمر باءنّ الاوليين إن كانا قد أحسنا فإ نّا احتذينا بهما! وإن كانا قد أساءا فهما أولى بالذم والمعابة!

يقول معاوية في رسالة جوابيّة بعث بها إلى محمّد بن أبي بكر (ر):

(... وقد كنّا وأبوك معنا في حياة نبيّنا صلّى اللّه عليه، نرى حقّ ابن أبي طالب لازما لنا، وفضله مبرّزا علينا، فلمّا اختار اللّه لنبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم ما عنده، وأتمّ له ما وعده، وأظهر دعوته وأفلج حجّته، قبضه اللّه إليه، فكان أبوك وفاروقه أوّل من ابتزّه وخالفه، على ذلك اتّفقا واتّسقا ... فخذ حذرك يا ابن أبي بكر، فسترى وبال أمرك، وقسْ شبرك بفترك، تقصر عن أن تساوي أو توازي من يزن الجبال حلمه، ولاتلين على قسر قناته، ولايدرك ذومدى أناته، أبوك مهّد مهاده، وبنى ملكه وشاده، فإن يكن ما نحن فيه صوابا فاءبوك أوّله، وإن يك جورا فاءبوك أسّسه، ونحن شركاؤ ه، وبهديه أخذنا، وبفعله اقتدينا، ولولا ما

سبقنا إليه أبوك ماخالفنا ابن أبي طالب وأسلمنا له، ولكنّا رأينا أباك فعل ذلك فاحتذينا بمثاله، واقتدينا بفعاله، فَعِب أباك ما بدا لك أودع ...). «2»

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 83

ولمّا قتل الحسين (ع) كتب عبداللّه بن عمر إلى يزيد بن معاوية:

(أمّا بعد، فقد عظمت الرزيّة وجلّت المصيبة، وحدث في الاسلام حدث عظيم، ولا يوم كيوم قتل الحسين!)

فكتب إليه يزيد:

(أمّا بعد يا أحمق، فإ نّا جئنا إلى بيوت مجدّدة وفرش ممهّدة ووسادة منضّدة، فقاتلنا عنها، فإن يكن الحقّ لنا فعن حقّنا قاتلنا، وإن كان الحقّ لغيرنا فاءبوك أوّل من سنّ هذا واستاءثر بالحقّ على أهله!). «1»

أمّا علاقة الحزب الامويّ بفصيل منافقي أهل المدينة فيمكن أن نتحسّس د جذورها في موقعة أحد لمّا تمنّى الفارّون من أصحاب صخرة الجبل وفيهم قيادة حزب السلطة طبعا أن يجدوا رسولا إلى عبداللّه بن اءُبيّ بن سلول ليتوسّط لهم عند أبي سفيان في العفو عنهم، الامر الذي يكشف عن العلاقة الخاصّة بين ابن سلول وأبي سفيان آنذاك.

وأمّا علاقة الحزب الامويّ بفصيل منافقي أهل الكتاب فاءوضح من أن تحتاج إلى بيان، وذ لك لا نّ بطانة السوء التي اتّخذها الامويّون من منافقي اليهود والنصارى من ظواهر التاءريخ الامويّ التي لاتخفى على من له أدنى معرفة بهذا التاءريخ، ويكفي ذكر هذه الاسماء: كعب الاحبار، نافع بن سرجس، سرجون، ابن أثال، أبوزبيد، دليلا على ذلك.

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 84

ويفوق الحزب الامويّ كلّ فصائل حركة النفاق في مستوى الاضرار الشديدة التي ألحقها بالا سلام والمسلمين، فكرّيا وعمليّا، كمّا وكيفا، تلك الاضرار التي لازال العدد الكبير من المسلمين إلى اليوم تحت تاءثير عوالقها التي اءُلصقت بالا سلام وهي ليست منه، بل هي ممّا ابتدعه الامويّون على صعيد الحديث

والفقه والتفسير والتاءريخ.

ومع هذا فإ نّ الحزب الامويّ يبقى فيما استطاع أن يصل إليه من التحكّم في رقاب هذه الامّة وتشويه نظريّتها وتاءريخها وتدمير حياتها ناتجا من نواتج حزب السلطة وسيّئة من سيّئاته إلى يوم القيامة.

منافقون نفعيّون: ..... ص : 84

بقي أن نقول: إنّ في دائرة النفاق أفرادا لم يشكّل وجودهم فصيلا ذا خطّ محدّد مُلتزَم، بل كانت مطامعهم الدنيويّة ترسم اتّجاه مواقفهم المتذبذبة في السخط والرضا، أمثال: عمرو بن العاص، وخالد بن الوليد، والمغيرة بن شعبة، وأبى موسى الاشعري، وسمرة بن جندب، وأبى هريرة وغيرهم.

والدنيا التي يريدها هؤ لاء ويطمعون بها لايجدونها في صفّ علىٍّ وآل علىٍّ (ع)، من هنا فإ نّ هؤ لاء عموما لم يخرجوا طيلة حياتهم عن خطّ خدمة حزب السلطة أو الحزب الامويّ، ولذا لم نفصّل القول في قرأة مواقف هؤ لاء النفعيّين في هذه المقالة.

المنعطفات الاساسيّة ونتائجها: ..... ص : 84
السقيفة: ..... ص : 84

يهمّنا من السقيفة هنا نتائجها، غير أنّ من الجدير بالذكر أن ننبّه قبل ذلك إلى أنّ هناك دلائل تاءريخيّة تشير إلى أنّ مؤ تمر السقيفة لم يكن قد انعقد

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 85

انعقادا عفويّا كما تصوّر ذلك أكثر كتب التاءريخ، بل تشير هذه الدلائل إلى أنّ حزب السلطة نفسه كان قد خطّط لعقد مؤ تمر كهذا تخطيطا دقيقا بطريقة (التحفيز والاثارة)، وقد أعدّت قيادة هذا الحزب ما يمكّنها لتكون هي الفائزة فيه. ومن الدلائل على ذلك:

: (كان عامّة المهاجرين وجلّ الانصار لايشكّون أنّ عليّا هو صاحب الامر بعد رسول اللّه (ص)، «1» وذلك لقرب عهدهم بواقعة الغدير وببيان النبىٍّ (ص) فيها، الذي نصب فيه عليّا وليّا للا مر من بعده، والبيانات النبويّة الاخرى الكثيرة المماثلة التي كانت لاتزال حيّة في ذاكرة المهاجرين والانصار خاصّة والامّة عامّة، لكنّ إنتشار نباء مواجهة قيادة حزب السلطة لرسول اللّه (ص) علنا في مرضه قبيل موته، وصدّه عن كتابة بيانه الاخير المانع من الضلال والاختلاف، واتّهامه بالهجر، كان قد أشعر الناس عمليّا باءنّ هناك احتمالا قويّا لوقوع انقلاب على الشرعية

الالهيّة سوف ينفّذ مباشرة بعد موت رسول اللّه (ص)، وأنّ قريشا سوف تمنع أهل البيت (ع) عن حقّهم في الامر، فكان هذا أوّل الحوافز التي دفعت الانصار للتفكير بكيفيّة مواجهة الحالة الجديدة.

كان حزب السلطة قد اخترق الانصار فضمّ إليه جماعة منهم، وجعل من بعضهم جواسيس وعيونا له ترصد اتّجاه تفكير الانصار ورأيهم وطريقة تحرّكهم ومواقيتها، الامر الذي ساعد حزب السلطة كثيرا في بثّ المحفّزات المطلوبة لتحريك عقليّة الانصار بالا تّجاه الذي يريده.

فاءُسَيد بن حضير الذي تحدّثت عنه وسائل إعلام حزب السلطة على أنّه سيّد الاوس، كان من أعوان قيادة هذا الحزب المقرّبين، وقد تفانى في خدمتهم، وكان ممّن اشترك مع عمر في مهمّة إحراق بيت فاطمة (س)

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 86

وإخراج علىٍّ (ع) كرها من بيته للبيعة بالقوّة.

ومعاذ بن جبل الذي كان عضوا كبيرا من اعضاء حزب السلطة وشريكا لقيادة هذا الحزب في التوقيع على الصحيفة السريّة التي أبرموا أمرها في مكّة، وتعاهدوا فيها على عزل علىٍّ (ع) عن الخلافة إذا مات النبىٍّ (ص).

وبشير بن سعد الخزرجي، الذي كان يبغض عليّا (ع) فتعاون مع حزب السلطة، وحسد سعد بن عبادة ونفس عليه منزلته في الانصار فكان أوّل من بادر من الانصار فبايع أبابكر في السقيفة.

وعويم بن ساعدة الذي آخى الرسول (ص) بينه وبين عمر في المؤ اخاة بن المهاجرين والانصار، كان هو ومعن بن عدىٍّ الانصاري من جواسيس وعيون قيادة حزب السلطة لمراقبة الانصار ورصد تحرّكاتهم، وهما اللذان أفسدا على سعد بن عبادة أمره في السقيفة وأشاعا الوهن في نفوس الانصار حين خاطبهم عويم قائلا: (يا معشر الخزرج إن كان ه ذا الامر فيكم دون قريش فعرّفونا ذلك وبرهنوا حتّى نبايعكم عليه، وإن كان لهم دونكم

فسلّموا إليهم ...)، «1» وهما اللذان أسرعا إلى أبي بكر وعمر بخبر انعقاد السقيفة ليحضراها ومن معهما في الوقت المحدّد (وكان معن بن عدىٍّ يشخّصهما إشخاصا ويسوقهما سوقا عنيفا إلى السقيفة مبادرة إلى الامر قبل فواته). «2»

باءمثال هؤ لاء من الانصار استطاعت قيادة حزب السلطة أن تدبّر تنفيذ خطّتها جيّدا لتوقع الانصار في فخّ مصيدتها. «3»

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 87

: (توفّي رسول اللّه (ص) وأبوبكر بالسنح وعمر حاضر)، «1» وقد صدر نباء موته (ص) عن بيته، فلوكان ثمّة احتمال أن يصدر عن بيته الشريف مثل هذا النباء كذبا أو خطاءً!! فإ نّ بإ مكان عمر أن يتيقّن من موته (ص) كما فعل أبوبكر حينما جاء من السنح حيث كشف عن وجه رسول اللّه (ص) فتيقّن، وبهذا يكون عمر قد قطع الشك باليقين كما يفعل أيّ عاقل في مثل هذا الحال، لكنّ عمر وهو ينتظر مجي ء أبي بكر على أحرّ من الجمر ظلّ يذهل الناس عن أيّ تفكير أو تحرّك وهو يزبد ويرعد قائلا:

(إنّ رجالا من المنافقين!! يزعمون أنّ رسول اللّه (ص) توفّي، وإنّ رسول اللّه واللّه ما مات ولكنّه ذهب إلى ربّه كما ذهب موسى بن عمران فغاب عن قومه أربعين ليلة ثمّ رجع بعد أن قيل قد مات، واللّه ليرجعنّ رسول اللّه فليقطعنّ أيدي رجال وأرجلهم يزعمون أنّ رسول اللّه مات). «2»

فلمّا جاء أبوبكر وأسكته بالا ية القرآنيّة: (وما محمّد إلّا رسول قد خلت من قبله الرسل أ فإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ...) «3» توقّف عمر عن أدأ ذلك الدور واندفع يؤ دّي دورا آخر فقال:

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 88

(أيّها الناس، هذا أبوبكر وذو شيبة المسلمين فبايعوه) «1»

مُطلِقا بذلك إشارة البدء بتنفيذ

الخطّة عمليّا في الانقلاب على الشرعيّة الالهيّة، وذلك قبل السقيفة، فعندها تيقّن الانصار من وقوع الانقلاب، وتسارعوا متحفّزين يجمعون شملهم لمواجهة الحالة الطارئة، فحملوا سعد بن عبادة مريضا إلى السقيفة واجتمعوا فيها.

كانت قيادة حزب السلطة قد استقدمت أعدادا كبيرة من مرتزقة الاعراب بعد الاتّفاق معهم على أن يحضروا المدينة حيث ينعقد المؤ تمر وفي وقت محدّد، ليكثر بهم سواد حزب السلطة في مؤ تمر الاغتصاب، وليضعف بإ زائهم صوت الانصار، تقول المصادر: (إنّ أسلم أقبلت بجماعتها حتّى تضايق بهم السكك) «2» و (جاءت أسلم فبايعت، فقوي أبوبكر بهم، وبايع الناس د بعدُ)، «3» وتعليق عمر على أثر حضور هذه القبيلة دليل على استقدامها من قبل حزب السلطة، كان يقول: (ما هو إلّا أن رأيت أسلم فاءيقنت بالنصر). «4»

كان هذا سببا كبيرا من أسباب انكسار الانصار وانتصار حزب السلطة في سقيفة بني ساعدة، حيث ضعف صوت الانصار إلى درجة أن لم تنفعهم حتّى مناداتهم أواخر الامر: (لانبايع إلّا عليّا!!) «5»

كان الهمّ الاكبر لحزب السلطة في خطّة الاغتصاب هو أن ينحصر النزاع

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 89

والتخاصم في مؤ تمر السقيفة بين الانصار بما لهم من فضل وبين المهاجرين بما لهم من فضل، بمعزل عن ذكر (الوصيّ الشرعىٍّ) وذكر فضائله، ذلك لا نّ قيادة حزب السلطة إذا ضمنت إخراج علىٍّ (ع) من دائر النزاع والتخاصم على الخلافة، واطماءنّت إلى عدم ذكره في أيّ احتجاج، فإ نّها وهي تتحدّث باسم المهاجرين تكون قد أحرزت الفوز حتما لا نّ حجّة المهاجرين هي الاقوى في حال عزل أهل البيت (ع) عن دائرة الاحتجاج (إذ هم الثمرة إذا احتُجّ بالشجرة!).

لكن ماذا تصنع قيادة هذا الحزب والامّة قريبة عهد بواقعة الغدير التي شهدها جلّ

الصحابة وسمع بها القاصي والداني!؟ حيث نصب فيها رسول اللّه (ص) عليّا (ع) وليّا للا مر بعده، في بيان نبوىٍّ رواه من الصحابة في التاءريخ المدوّن فقط مائة وعشرة، «1» وكيف ستواجه قيادة حزب السلطة من يعترض عليها بحديث الغدير وبيعته!؟ فضلا عن البيانات النبويّة الاخرى الكثيرة المتعلّقة بولاية علىٍّ (ع) وخلافته!؟

ليس بإ مكان أحد من الصحابة عامّة والمهاجرين والانصار خاصّة أن ينكر واقعة الغدير آنذاك، ولذا لم يكن أمام قيادة حزب السلطة في مواجهة هذه المشكلة إلّا أن تدّعي أنّ النبىٍّ (ص) قد نسخ بيان الغدير والبيانات النبويّة الاخرى المتعلّقة بخلافة علىٍّ (ع)، وتدّعي على لسان النبىٍّ (ص) أنّ اللّه سبحانه منع اجتماع النبوّة والخلافة لاهل البيت (ع)، والقضيّة لاتحتاج إلّا إلى مدّعٍوشهود!!

وهكذا كان، فقيادة حزب السلطة إضافة إلى مواصلتها لعمليّة تحفيز الانصار باتّجاه منازعة المهاجرين على الامارة لا نفسهم بعيدا عن التوجّه الى (الوصىٍّ الشرعىٍّ) كانت تردّ على كلّ معترض عليها بواقعة الغدير أنّ الامر قد

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 90

نُسخ، والامر يحدث بعده الامر!! ويبدو أنّ قيادة حزب السلطة لم تكن تردّ بهذا فقط، بل كانت تبادر الى إشاعة دعوى النسخ هذه في صفوف الانصار بواسطة عملائها منهم، ولايبعد أنّها روّجت هذا الادّعاء قُبَيل وفاة النبىٍّ (ص) بقليل أو بعد وفاته مباشرة لخلق حالة ذهنيّة ونفسيّة عامّة تتقبّل إنحصار النزاع بين الانصار والمهاجرين بعيدا عن علىٍّ (ع).

وهكذا كان فقد نجحت قيادة حزب السلطة في استغفال كثير من جماهير الانصار وأوقعتهم في فخّ مصيدتها، فلما انقضت (الفلتة) إنتبهوا من غفلتهم أواخر الامر (فقالت الانصار أو بعض الانصار لانبايع إلّا عليّا)، «1» ويقول التاءريخ أيضا إنّه:

(لمّا بويع أبوبكر واستقرّ أمره ندم قوم كثير من الانصار على

بيعته، ولام بعضهم بعضا، وذكروا علىٍّ بن أبي طالب وهتفوا باسمه ...) «2»

ولات حين فائدة!!

ومن الدلائل على أنّ قيادة حزب السلطة لجاءت إلى دعوى النسخ في مواجهة من يعترض عليها بواقعة الغدير، ما رواه التاءريخ أنّ بريدة الاسلمي قال لعمر: (يا عمر، ألستما الذين قال لكما رسول اللّه (ص): انطلقا إلى عليّ فسلّما عليه بإ مرة المؤ منين. فقلتما: أعن أمراللّه وأمر رسوله!؟

فقال: نعم.؟

فقال أبوبكر: قد كان ذلك يا بريدة، ولكنّك غبت وشهدنا، والامر يحدث بعده الامر! ...). «3»

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 91

ولمّا حاجّهم أميرالمؤ منين عليُّ (ع) في المسجد حينما أحضروه كرها وقهرا للبيعة فخاطبهم قائلا:

(يا معشر المسلمين والمهاجرين والانصار، اءُنشدكم اللّه اء سمعتم رسول اللّه (ص) يقول يوم غدير خم كذا وكذا، فلم يدع (ع) شيئا قاله فيه رسول اللّه (ص) علانية للعامّة إلّا ذكرهم إيّاه.

قالوا: نعم.

فلمّا تخوّف أبوبكر أن ينصره الناس وأن يمنعوه بادرهم فقال: كلّما قلتَ حقّ، قد سمعناه ب آذاننا ووعته قلوبنا، ولكن قد سمعتُ رسول اللّه يقول بعد هذا:

إنّا أهل بيت اصطفانا اللّه وأكرمنا واختار لنا الاخرة على الدنيا، وإنّ اللّه لم يكن ليجمع لنا أهل البيت النبوة والخلافة.

فقال علي (ع): هل أحد من أصحاب رسول اللّه (ص) شهد هذا معك!؟

فقال عمر: صدق خليفة رسول اللّه، قد سمعته منه كما قال!

وقال ابوعبيدة وسالم مولى أبي حذيفة ومعاذ بن جبل: قد سمعنا ذلك من رسول اللّه.

فقال علي (ع): لقد وفيتم بصحيفتكم التي تعاقدتم عليها في الكعبة: إن قتل محمّد أو مات لتزونّ هذا الامر عنّا أهل البيت.

فقال أبوبكر: فما علمك بذلك!؟ ما أطلعناك عليها.

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 92

فقال (ع): أنت يا زبير، وأنت يا سلمان، وأنت يا أباذر، وأنت يا مقداد! أساءلكم باللّه

وبالا سلام، أما سمعتم رسول اللّه (ص) يقول ذلك، وأنتم تسمعون، إنّ فلانا وفلانا حتّى عدّهم هؤ لاء الخمسة، قد كتبوا بينهم كتابا وتعاهدوا فيه وتعاقدوا على ما صنعوا؟

فقالوا: أللّهمّ نعم، قد سمعنا رسول اللّه (ص) يقول ذلك لك إنّهم قد تعاهدوا وتعاقدوا على ما صنعوا، وكتبوا بينهم كتابا إن قُتِلْتُ أو متُّ أن يزووا عنك هذا يا علىٍّ ...). «1»

نتائج السقيفة: ..... ص : 92
اشارة

أفرز مؤ تمر السقيفة نتائج كثيرة جدّا في جميع مجالات حياة الامّة المسلمة، هي ذات النتائج الناشئة عن انقلاب أمّة على أعقابها «2» ورجوعها القهقرى عن المسار المعصوم الذي أراده اللّه تعالى لها تحت ظلّ قيادة حججه على العباد وخلفائه في البلاد بعد رحلة النبىٍّ الاكرم (ص).

وهذه النتائج على كثرتها منها ما ظهر فورا وأثّر تاءثيرا مباشرا في حياة الامّة، ومنها ما شرع بالنشوء والتكون، ويهمّنا هنا ملاحظة النتائج التي كان لها تاءثير في التمهيد للتطوّرات الكبرى التي أدّت إلى سيطرة الحزب الامويّ على زمام الامور، وأهمّ هذه النتائج:

1 (إقصاء (الوصىٍّ الشرعىٍّ (ع) عن مقامه ..... ص : 92

: إقصاء (الوصىٍّ الشرعىٍّ) عن

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 93

مقامه الذي فرضه اللّه تعالى له، وقهره على البيعة بعد تهديده بالقتل إن لم يبايع، وبعد أن هجموا على داره «1» التي كان جبرئيل الامين (ع) يستاءذن كلّما أراد الدخول إليها، وأضرموا النار على بابها «2» وعصروا فاطمة الزهرأ (س) وديعة الرسول (ص) بين الحائط والباب حتّى اءُسقط جنينها وكُسر ضلعها ... «3» لقد كانت تلك الجسارة على أهل البيت (ع) فاتحة كلّ الجسارات التي توالت عليهم بعد ذلك.

2 (التضييق على أهل البيت (ع) ..... ص : 93

: التضييق على أهل البيت (ع) اجتماعيّا وسياسيّا واقتصاديّا، فلقد أظهر القوم التذمّر من كثرة بكاء فاطمة (س) على أبيها (ص) حتّى بنى اميرالموءمنين علي (ع) لها بيت الاحزان بعيدا عن مسامعهم التي كانت تستشعر لغة الاحتجاج السياسيّ في بكائها، كما مارس القوم رقابة أمنيّة مشدّدة على أبي الحسن (ع) خشية من قيامه باءيّ تحرّك ضدّهم، ومنعوا فاطمة (س) إرثها، وأخذوا فدكا منها وهي نحلتها من أبيها (ص) «4» كما منعوهم وبني هاشم حقّهم في الخمس، كلّ ذلك من أجل ألّايجد أهل البيت (ع) في سعة الحال قدرة على التبليغ بحقّهم في الامر والقيام والنهضة.

3 (منع بني هاشم من تولّي المناصب الحكوميّة ..... ص : 93

: منع بني هاشم من تولّي أيّة مناصب حكوميّة، خصوصا المناصب الاداريّة والعسكريّة والماليّة، خشية من أن يدعوا بنوهاشم إلى حقّ أهل البيت (ع) بالا مر كما صرّح بذلك

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 94

عمر لعبداللّه بن عبّاس (كما مرّ في رواية سابقة).

4 (بسط يد الامويّين في تولّي المناصب الحكومية ..... ص : 94

: بسط يد الامويّين في تولّي الامارات والولايات والمناصب الحكوميّة الاخرى بمقتضى التعاون الجديد بين الحزب الحاكم والحزب الامويّ بعد أن استقرّ الامر لا بى بكر، فقد شكلت نسبة عدد الامويّين من مجموع عمّال أبي بكر وولاته وأمرأ جنده حوالي الثلث، «1» الامر الذي أحيا أمل الحزب الامويّ في الاستحواذ على السلطة.

لقد كان حزب السلطة يرى امتداده الفكريّ والعمليّ في الحزب الامويّ، وكان الحزب الامويّ بعد استتباب الامر لا بى بكر يرى نفسه هوالفائز بفوز حزب السلطة الرافع لشعار الخلافة لقريش دون بني هاشم.

يقول عبداللّه العلايلي في هذه النقطة:

(... فلم يفز بنو تيم بفوز أبي بكر بل فاز الامويّون وحدهم، ولذلك صبغوا الدولة بصبغتهم، وأثّروا في سياستها وهم بعيدون عن الحكم، كما يحدّثنا المقريزي في رسالته (النزاع والتخاصم).

ومن تأريخ هذا الفوز الانتخابي بدأت سعاية بني أميّة لتهيئة الاسباب إلى الانقلاب الذي سيفضي في نهايته إلى استحواذهم على السلطة، وأىٍّ ناظر في حركات أبي سفيان لايشك باءنّه بدأ يعمل بهمّة لاتعرف الكلل لتعبيد الامور على ما يريد ...). «2»

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 95

5 (انتعاش الروح القبلية وانبعاثها من جديد ..... ص : 95

: انتعاش الروح القبليّة وانبعاثها فعّالة من جديد بعد أن أخمدها الاسلام بتعاليمه الساميّة وتربيته الرفيعة، ذلك لا نّ منطق السقيفة قام على أساس التنابز بالا لقاب والمفاضلة القبليّة بعيدا عن المقياس الاسلامي: (إنّ أكرمكم عند اللّه أتقاكم). لقد كانت الروح القبليّة ظاهرة بيّنة في المنطق الذي ساد النزاع بين المهاجرين والانصار في السقيفة، فقد ذكّر أبوبكر كُلّا من الاوس والخزرج بالا حقاد والاحن التي كانت بينهم قبل الاسلام، وأغراهم بها حين تحدّث عمّا كان بينهما من القتلى والم آسي.

وكان خطيب الانصار الحباب بن المنذر يهيج الانصار ويؤ جج عزائمهم بنَفَس د جاهلي بحت.

وكان عمر

بن الخطّاب يفصح عن لسان قريش بهذه الروح القبليّة قائلا:

(من ينازعنا سلطان محمّد ونحن أولياؤ ه وعشيرته!!).

هذه الروح القبليّة التي اندلعت كالنار من تحت الرماد يوم السقيفة، فتحت على المسلمين بابا كبيرا من أبواب التمزّق والفتنة، إذ سرعان ما تجرّأ بعض د القرشيّين من الطلقاء والمنافقين النفعيّين أمثال سهيل بن عمرو وعكرمة بن أبى جهل وعمرو بن العاص والوليد بن عقبة وغيرهم بالتعرض للا نصار وهجائهم والدعوة إلى قتالهم بعد أن أغاضهم اعتزال الانصار على أثر السقيفة، فردّ عليهم الانصار دفاعا عن أنفسهم، وتعاظم الخطب، ولولا تدخّل أمير المؤ منين علىٍّ (ع) وبعض المهاجرين ودفاعهم عن الانصار لوقعت مصيبة عظمى أخرى في تأريخ الامّة الاسلاميّة آنذاك. «1»

ولقد استثمرت حركة النفاق عامّة والحزب الامويّ منها خاصّة تاءجيج روح التناحر القبلىٍّ في تمزيق كيان الامّة، وتاءليب بعضها على بعض، من أجل اقتيادها بعد ذلك بسهولة على طريق تحقيق أهداف حركة النفاق في

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 96

طمس حقائق ومعالم الاسلام المحمّديّ الخالص.

6 (محاصرة السنّة النبويّة علنا ..... ص : 96

: سبق فيما قدّمنا أن قلنا إنّ قيادة حزب السلطة كانت أيّام حياة النبىٍّ (ص) تنهى سرّا عن كتابة البيان النبوىٍّ بدعوى أنّ النبىٍّ (ص) بشرٌ يتكلّم في الغضب والرضا!!، كما كشف عن ذلك عبداللّه بن عمرو بن العاص، وقلنا إنّ غاية تلك المحاولة هي محاصرة البيانات النبويّة عامّة والمتعلّقة بالخلافة وشخص الخليفة من بعد النبىٍّ (ص) خاصّة.

أمّا بعد رحلة النبىٍّ (ص)، وبعد أن تمخّض مؤ تمر السقيفة عن فوز حزب السلطة بالحكم، فإ نّ السريّة في مواجهة تلك البيانات النبويّة كانت قد فقدت مسوّغاتها، وصار الصد عن البيان النبوىٍّ علنا ولكن تحت غطاء خشية انتشار الاختلاف في الامّة!! فقد جمع أبوبكر الناس وقال لهم:

(إنّكم تحدّثون عن

رسول اللّه (ص) أحاديث تختلفون فيها، والناس بعدكم أشدّ اختلافا، فلاتحدّثوا عن رسول اللّه شيئا!!، فمن ساءلكم فقولوا:

بيننا وبينكم كتاب اللّه!). «1»

وفضلا عن ملاحظة التحول من التكتّم في المواجهة إلى الاعلان عنها، نلاحظ أيضا أنّ قوله (فلا تحدّثوا عن رسول اللّه شيئا) يعني المنع المطلق عن البيان النبوىٍّ مطلقا!! وضرب حصار تامّ شامل على كلّ ما ورد عنه (ص)!.

لقد أدركت قيادة هذا الحزب أنّ ما يقلقها وتخشى من انتشاره ليست البيانات النبويّة المتعلّقة بمقام علىٍّ (ع) ومنزلته وأحقّيّته بالخلافة فحسب، بل هناك

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 97

البيانات المتعلّقة بالا مر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأخرى في أوصاف (الائمّة المضلّين) وضرورة القيام ضدّهم، وأخرى تشخّص الشجرة الملعونة في القرآن، وأخرى تتحدّث في الفتن وقادتها، وأخرى في فضائل بعض الصحابة الذين يضيق الحزب الحاكم ذرعا بهم، ولايسرّه بل يسوءه انتشار عبير فضائلهم، وأخرى وأخرى ... فكان لابدّ من تعميم المنع وإطلاقه!!.

وكما ذكرنا في مامضى، فقد طُبِّق هذا المنع بصرامة وشدّة في عهد عمر، ومنع عثمان رواية أي حديث لم يُروَ في عهدي أبي بكر وعمر. ونتيجة لكثرة الفتوحات ودخول كثير من الشعوب في الاسلام وتباعد الايّام عن عهد النبىٍّ (ص)، ولتوهّم الناس أنّ الخلفاء الثلاثة الذين حكموا بعد النبىٍّ (ص) امتداد له، فقد اختلط الامر على أكثر الامّة التي لم تعرف عن سنّة النبىٍّ (ص) إلّا نزرا يسيرا، وصار أكثر الناس د يرى السنّة في سنّة عمر (وهي مجموعة البدع التي خالف فيها سنّة النبى (ص)، حتّى إذا اءَلَفُوها اءصرّوا عليها واءبوا أن يتحوّلوا عنها حتّى وإن ذكّروا باءنّ ذلك خلاف سنّة النبىٍّ (ص).

فقد ساءل أهل الكوفة (وهي عاصمة البلاد الاسلاميّة يومئذٍ) اميرالموءمنين عليّا (ع) أن ينصب لهم إماما

يصلّي بهم نافلة شهر رمضان، فزجرهم، وعرّفهم أنّ ذلك خلاف السنّة، فتركوه واجتمعوا لا نفسهم، وقدّموا بعضهم، فبعث إليهم ابنه الحسن (ع)، فدخل المسجد ومعه الدرّة، فلمّا رأوه تبادروا الابواب وصاحوا: واعمراه! «1» وفي بعض المصادر أنّهم قالوا: يا أهل الاسلام غيّرت سنّة عمر. «2»

وهنا يتّضح أمام المتتبّع وجه من أوجه الصعوبات الكبيرة التي واجهها الامام

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 98

عليّ (ع) في إرجاع الامور إلى أصولها الصحيحة، يقول (ع):

(قد عملت الولاة قبلي أعمالا خالفوا فيها رسول اللّه (ص) متعمّدين لخلافه، ناقضين لعهده، مغيّرين لسنّته، ولو حملت الناس على تركها، وحوّلتها إلى مواضعها وإلى ما كانت في عهد رسول اللّه (ص) لتفرّق عنّي جندي حتّى أبقى وحدي أو قليل من شيعتي الذين عرفوا فضلي وفرض إمامتي من كتاب اللّه عزّ وجلّ وسنّة رسول اللّه (ص) ...). «1»

7 (نشوء حالة الشلل النفسي في الامّة ..... ص : 98

: ويلاحظ المتتبّع لنتائج السقيفة أيضا نشوء حالة روحيّة ونفسيّة جديدة في الامّة بعد السقيفة، هي حالة (شلل نفسىٍّ) لم تكن في الامّة أيّام النبىٍّ (ص)، ويمكن تعريفها باءنّها حالة سكوت المسلم عن أمرٍ يعتقد أنّه باطل ومخالف لا مراللّه ورسوله (ص)، وهذه الحالة واحدةٌ من النتائج السيئة التي تنشاء عن ترك الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي إذا تعاظمت في المجتمع أدّت في النهاية إلى نتائج سيّئةٍ مريرةٍ كثيرةٍ، أسوأها (انقلاب الرؤ ية) حيث ينتكس المسلم فيرى الباطل حقّا والحقّ باطلا.

وهذه الحالة الخطيرة كان رسول اللّه (ص) قد حذّر الامّة منها إذا ما تركت الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولك أن تتاءمّل في ترابط محتوى هذا الحديث النبويّ الشريف لتعرف كيف تصل حالة الامّة في التداعي من سىٍ ءٍ إلى أسوأ حتّى تصل في انتكاسها إلى درجة (انقلاب الرؤ ية)،

فعن أبي عبداللّه الصادق (ع)، عن رسول اللّه (ص) أنّه قال:

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 99

(كيف بكم إذا فسدت نساؤ كم وفسق شبابكم ولم تاءمروا بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر!؟

فقيل له: ويكون ذلك يا رسول اللّه!؟

فقال: نعم، وشرُّ من ذلك، كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف!؟

فقيل له: يا رسول اللّه، ويكون ذلك!؟

قال: نعم، وشرُّ من ذلك، كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكرا والمنكر معروفا!؟) «1»

ويمكن رصد بداية نشوء ظاهرة الشلل النفسي في الامّة بعد السقيفة مباشرة حيث اعتزل جلّ الانصار في المدينة وبعض المهاجرين اعتراضا على نتيجة السقيفة وندما وتاءسّفا على التفريط بحقّ (الوصيّ الشرعىٍّ) (ع)، «2» لكنّهم مع ذلك لم ينهضوا مع الوصيّ الشرعي (ع) حين استنهضهم للقيام معه لتغيير الوضع الخاطي المخالف لا مر اللّه ورسوله (ص)، إستنادا إلى أصل أنّ البيعة في الاعناق أوّلا كانت لعلىٍّ (ع) يوم الغدير. «3»

والروايات في تثاقلهم عن نصرته عديدة، تقول واحدة منها:

(فلم يدع أحدا من أهل بدرٍ من المهاجرين ولا من الانصار إلّا أتاه في منزله، فذكّرهم حقّه ودعاهم إلى نصرته، فما استجاب له منهم إلّا أربعة وأربعون

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 100

رجلا، فاءمرهم أن يُصبحوا بُكرةً محلّقين رؤ وسهم معهم سلاحهم ليبايعوا على الموت، فاءصبحوا فلم يوافِ منهم أحدٌ إلّا أربعة. فقلت لسلمان: من الاربعة؟ فقال: أنا وأبوذر ومقداد والزبير بن العوّام. ثمّ أتاهم علىٍّ (ع) من الليلة المقبلة فناشدهم فقالوا: نُصبحك بكرةً. فما منهم أحدٌ أتاه غيرنا، ثمّ أتاهم الليلة الثالثة، فما أتاه غيرنا، فلمّا رأى غدرهم وقلّة وفائهم له لزم بيته ...). «1»

وقد اشارت الصديقة الكبرى مولاتنا فاطمة الزهرأ (س) في ثنايا خطبتها في المسجد إلى تعجّبها من هذا الشلل النفسي في مخاطبتها الانصار حيث

قالت:

(... يا معشر الفتية وأعضاد الملّة وحضنة الاسلام، ما هذه الغميزة في حقّي والسِّنة عن ظلامتي!؟ أما كان رسول اللّه (ص) أبي يقول: (المرء يحفظ في ولده؟) سرعان ما أحدثتم وعجلان ذا اهالة، ولكم طاقة بما أحاول، وقوّة على ما أطلب وأزاول ... إيها بني قيلة، «2» أ أهضم تراث أبي وأنتم بمرأى ومسمع، ومنتدى ومجمع، تلبسكم الدعوة، وتشملكم الخبرة، وأنتم ذووالعدد والعدّة، والاداة والقوّة، وعندكم السلاح والجُنّة، توافيكم الدعوة فلاتجيبون، وتاءتيكم الصرخة فلاتغيثون، وأنتم موصوفون بالكفاح، معروفون بالخير والصلاح، والنخبة التي انتخبت والخيرة التي اختيرت لنا

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 101

أهل البيت قاتلتم العرب وتحمّلتم الكدّ والتعب، وناطحتم الامم وكافحتم البُهم، فلانبرح وتبرحون ناءمركم فتاءتمرون، حتّى إذا دارت بنا رحى الاسلام، ودرَّ حلب الايّام، وخضعت نعرة الشرك، وسكنت فورة الافك، وخمدت نيران الكفر، وهدأت دعوة الهرج، واستوسق نظام الدين، فاءنّى جرتم بعد البيان، وأسررتم بعد الاعلان، ونكصتم بعد الاقدام، وأشركتم بعد الايمان، بؤ سا لقوم نكثوا أيمانهم وهمّوا بإ خراج الرسول وهم بدؤ كم أوّل مرّة أتخشونهم!؟ واللّه أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤ منين ...). «1»

ولا كثر من سبب بعد السقيفة ظلّ هذا الشلل النفسي يتفشّى أكثر فاءكثر في الامّة ويتعاظم خطره حتّى استحكم التناقض بين ظاهر الانسان المسلم وباطنه في أكثر أبناء الامّة، واستحوذ الشيطان على السواد الاعظم منهم، وبلغ هذا الدأ العضال أقصى مداه في هذه الامّة يوم خرجت لقتال ابن بنت نبيّها الامام الحسين (ع) بقلوب معه وسيوف عليه!! فقتلته وهي تعلم أنّه ليس على الارض أحدٌ أفضل منه!!

وفي متابعتنا هذه سنشير إلى العلل الاخرى التي كانت ورأ تعاظم هذا المرض فى الامّة والى مظاهره في المواضع المناسبة التي تحسن فيها الاشارة

إلى ذلك.

خلافة عمر بن الخطّاب: ..... ص : 101
اشارة

وجاء عمر بن الخطّاب خليفة بعد أبي بكر بتعيين منه، فجرى على ما كان قد

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 102

جرى هو وأبوبكر عليه أيّام خلافة أبي بكر من مواصلة التضييق الاجتماعيّ والسياسىٍّ والاقتصاديّ على أهل البيت (ع) خاصّة وبني هاشم عامّة، وبسط يد الامويّين في تولّي الامارات والولايات، وزاد على أبي بكر في ذلك، ويكفي في الدلالة على هذا أنّه أطلق معاوية بن أبي سفيان واليا على الشام على سيرة الملوك يجمع كيف يشاء ويتصرّف كيف يشاء بلا رقيب ولا حسيب، فإ ذا ذكره المعترضون عند عمر ردّهم بقوله (دعوا فتى قريش وابن سيّدها!! ...)، «1» وكان يقول فيه (تذكرون كسرى وقيصر ودهاءهما وعندكم معاوية!)، «2» حتّى أنّ عمر بن الخطّاب ليعتبر الممهّد للحكم الامويّ، بل هوالمؤ سّس له.

وزاد في شدّة الحصار المضروب على السنّة النبويّة حتّى لقد فرض الاقامة الجبريّة في المدينة على رواة الاحاديث النبويّة مادام حيّا، ونهى جيوشه عن التحديث عن رسول اللّه (ص)، في الوقت الذي قرّب منافقي اليهود والنصارى ككعب الاحبار وتميم الداري، وفتح لهم الابواب واسعة ليمارسوا القصّ على الناس ويبثّوا ماشاؤ ا من أباطيل كتبهم ومخترعاتهم ممّا يعارض د عقائد الاسلام المحمّديّ الخالص.

ويهمّنا هنا أن نركّز على عملين من أعماله شكّلا في أهميتهما منعطفين أساسيّين في حياة الامّة الاسلاميّة بما ترتّب عليهما من الاثار البالغة الخطورة، وهذان العملان هما:

أ) مبدأ عمر في العطاء ..... ص : 102

: كان النبىٍّ (ص) قد ساوى بين المسلمين في العطاء فلم يفضّل أحدا منهم على أحد، وجرى أبوبكر على مبدا التسوية هذا مدّة حكمه، (وأمّا عمر فإ نّه لمّا ولي الخلافة فضّل بعض الناس على بعض،

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 103

ففضّل السابقين على غيرهم، وفضّل المهاجرين من قريش على غيرهم من المهاجرين، وفضّل

المهاجرين كافّة على الانصار كافّة، وفضّل العرب على العجم، وفضّل الصريح على المولى). «1» (وفرض لا هل اليمن في أربعمائة، ولمضر في ثلاثمائة ولربيعة في مائتين) «2» وفضّل الاوس على الخزرج. «3»

فلئن كان منطق السقيفة قد قام على أساس التنابز بالا لقاب والمفاضلة القبليّة فاءنعش بذلك روح التعصب القبلىٍّ التي كان قد أخمدها الاسلام، فإ نّ مبدأ عمر في العطاء قد أطلق روح التعصّب من عقالها، فولّدت أسوء الاثار في الحياة الاسلاميّة: (حيث إنّه وضع أساس تكوّن الطبقات في المجتمع الاسلامىٍّ، وجعل المزية الدينيّة من سبل التفوّق المادّيّ، وزوَّد الارستقراطيّة (الطبقة المترفة) القرشيّة التي مكّنت لنفسها من جديد بتمكّن أبي بكر من الحكم بمبرّر جديد للا ستعلاء والتحكّم بمقدّرات المسلمين، فجميع اعتبارات التفضيل تجعل القرشيّين أفضل في العطاء من غير القرشيّين، وهذا يعني أنّ قريشا هي أفضل الناس لا نّها قريش! وكفى بهذا مبررّا للتحكّم والاستعلاء.

وقد كوّن هذا المبدأ سببا جديدا من أسباب الصراع القبلىٍّ بين ربيعةٍ ومضر، وبين الاوس والخزرج، بما تضمّن من تفضيل سائر مضر على سائر ربيعة، وتفضيل الاوس على الخزرج. ونظنّ أنّ هذا المبدأ قد أرسى أوّل أساس من أسّس الصراع العنصرىٍّ بين المسلمين العرب وغيرهم من المسلمين بما جرى عليه عمر من تفضيل العرب على العجم والصريح على

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 104

المولى). «1»

ولم يطل الوقت حتّى رأى عمر نفسه خطورة الاثار الضارة التي أوجدها هذا المبدأ في حياة الامّة الاسلاميّة، حيث تسرّبت روح التحزب والانقسام إلى المجتمع، وتعاظم الشعور بالا متياز والتفرد لدى قريش، وتفشّى الحنق والحسد والكراهيّة والتفتيش عن المثالب بين القبائل، فكان هذا من العوامل المهمّة التي مهّدت للفتنة بين المسلمين.

وهنا تجدر الاشارة إلى أنّ مبدأ عمر في العطاء

كان انحرافا واضحا عن سيرة الرسول (ص) في العطاء والتي جرى عليها أبوبكر أيضا، فكان الاولى بالا مّة أن تقف بوجهه وتمنعه من هذا الانحراف على أساس النصيحة والامر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإ ذا امتنع وأبى قوّمته بالسيوف. غير أنّ التاءريخ لم يحدّثنا عن أيّ إنكار على عمر من قبل الامّة، وهذا مؤ شر من مؤ شرات تفشّي حالة الشلل الروحي والنفسي الذي أصيبت به الامّة نتيجة السقيفة.

ب) الشورى ..... ص : 104

: يهمّنا في هذه القضيّة الحديث في نتيجة هذا المنعطف الاساس د وآثاره الكبيرة في حياة هذه الامّة، إلّا أنّه لابدّ من التاءكيد قبل ذلك أنّ هذه الشورى المدّعاة لم تحمل من الشورى إلّا اسمها، وأمّا حقيقتها فإ نّ عمر كان قد خطّط لها بدقّةٍ بحيث يكون فوز عثمان فيها أمرا محتّما، فعنوانها إذن شورى وحقيقتها تعيين، وهي بذاتها دليل على أنّ الخليفة الثاني عمر بن الخطّاب كان يصرّ إصرارا لايتزعزع على إبعاد الخلافة عن بني هاشم باءيّ صورة حتّى بعد موته، وهذا منتهى الصدّ.

كما أنّ الخليفة الثاني بتعيينه لعثمان خليفة من بعده يكون قد أسّس

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 105

الحكم الامويّ بالفعل فضلا عن تمهيده له من قبل.

قال الخليفة الثاني: (ادعوا لي أبا طلحة الانصاري، فدعوه له، فقال: انظر يا أباطلحة إذا عدتم من حفرتي فكن في خمسين رجلا من الانصار، حاملي سيوفكم، فخذ هؤ لاء النفر بإ مضاء الامر وتعجيله، واجمعهم في بيتٍ، وقِف باءصحابك على باب البيت ليتشاوروا ويختاروا واحدا منهم، فإن اتّفق خمسة وأبى واحد فاضرب عنقه، وإن اتّفق أربعة وأبى اثنان فاضرب أعناقهما، وإن اتّفق ثلاثة وخالف ثلاثة فانظر الثلاثة التي فيها عبدالرحمن فارجع إلى ما قد اتّفقت عليه، فإن أصرّت الثلاثة الاخرى

على خلافها فاضرب أعناقها ...). «1»

كان عمر ذا دراية تامّة بميول الرجال الستة الذين اختارهم لهذه الشورى، فهو يعلم يقينا أنّ عثمان وسعدا وعبدالرحمن ميلٌ واحدٌ في انحرافهم عن علىٍّ (ع)، ويعلم أنّ طلحة لايميل إلى عليّ (ع)، والاحتمال الاقوى أنّه سيعطى رأيه إلى عثمان، وتحسّبا من المفاجاءة في تحقّق الاحتمال الاضعف وهو ميل طلحة إلى عليٍّ (ع) والزبير، حيث تتساوى الكفّتان ثلاثة وثلاثة، تدخّل عمر ليحسم النزاع لصالح عثمان بترجيح الكفّة التي فيها عبدالرحمن بن عوف.

فاءيّة شورى هذه!؟

هذا فضلا عن السيوف التي جرّدها أبوطلحة الانصاري ورجاله الخمسون باءمر عمر لحماية الرأي الحرّ!!

ولقد أدرك أميرالمؤ منين علىٍّ (ع) هذه الخدعة المعلومة النتيجة ...

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 106

فقال لعمّه العبّاس: (عُدِلَت عنّا!

فقال: وما علمك!؟

قال: قرن بي عثمان وقال كونوا مع الاكثر، فان رضي رجلان رجلا ورجلان رجلا فكونوا مع الذين فيهم عبدالرحمن بن عوف، فسعدٌ لايخالف ابن عمّه عبدالرحمن، وعبدالرحمن صهر عثمان لايختلفون، فيولّيها عبدالرحمن عثمان أو يولّيها عثمان عبدالرحمن، فلو كان الاخران معي لم ينفعاني، بَلْهَ إنّي لاأرجو إلّا أحدهما). «1»

ج (نتائج الشورى ..... ص : 106
اشارة

: ومن نتائج الشورى نستطيع أن نذكر الموارد التالية.

1- مواصلة إقصاء (الوصيّ الشرعي) ..... ص : 106

: مواصلة إقصاء (الوصيّ الشرعي) استمرارا في الصدّ عن رسول اللّه (ص) فيما بلّغ عن اللّه تبارك وتعالى بشاءن علىٍّ (ع).

2- استيلاء الحزب الامويّعلى الحكم ..... ص : 106

: استيلاء الحزب الامويّ ممثلا في شخص د عثمان على الحكم، الامر الذي كانت قد خطّطت له ونفّذته قيادة حزب السلطة التي كانت ترى في الحزب الامويّ امتدادا لها على خطّ مواجهة أهل البيت (ع).

3- أثر الشورى نفسياً على الانصار ..... ص : 106

: تركت الشورى أسوأ الاثر في نفسيّات الانصار، فبعد أن كانوا قد وعدوا في السقيفة باءنّهم سيكونون وزرأ وشركاء في الحكم، وجدوا أنّ عمر في خطّة الشورى قد حرمهم حتّى من حقّ المشورة، ولم يمنحهم إلّا دور حرّاس الابواب المسلّحين.

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 107

4 الطمع المفتوح في الخلافة ..... ص : 107

: فتحت الشورى باب الطمع في الخلافة لمن لم يكن يطمع فيها يوما ما، ذلك لا نّ عمر أدخل في الشورى في مواجهة علىٍّ (ع) من لم يكن ياءمل أن يكون خليفة من قبل، فصار بعدها يرى نفسه أهلا لذلك، الامر الذي دفع بهؤ لاء إلى ركوب الفتن بعدها.

كما أنّ الشورى فتقت الفتق الكبير في التنافس والاختلاف بين كلّ القبائل طمعا في الخلافة، وذلك لا نّ رجالا غير رجال الشورى من قريش رأوا أنّ بعض من رشّحهم عمر لايفضلونهم في شيٍ، بل ربما امتازوا هم على أولئك في أشياء كثيرة!

إذن فعمر في خطّة الشورى كان قد أطلق للجميع نفسيّا أن يرغبوا في الامارة والخلافة وأن يتحرّكوا عمليّا باتّجاهها على طريق الاهوأ الملغومة بكلّ أنواع الاختلاف!

حتّى أنّ معاوية بن أبي سفيان وهو من دهاة العرب كان يصرّح باءنّ الشورى هي أشدّ منعطفات الانحراف أثرا في تشتيت أمر المسلمين، فقد نقل ابن عبد ربّه في كتابه العقد الفريد:

إنّ معاوية قال لابن حصين: (أخبرني، ما الذي شتّت أمرالمسلمين وفرّق أهوأهم وخالف بينهم؟

قال: نعم، قتل الناس عثمان.

قال: ما صنعت شيئا.

قال: فمسير عليّ إليك وقتاله إيّاك.

قال: ما صنعت شيئا.

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 108

قال: فمسير طلحة والزبير وعائشة وقتال عليّ ايّاهم.

قال: ما صنعت شيئا.

قال: ما عندي غير هذا يا اميرالموءمنين.

قال: فاءنا أخبرك، إنّه لم يشتّت بين المسلمين ولا فرّق أهوأهم ولا خالف بينهم إلّاالشورى التي جعلها عمر إلى ستّة

نفر ... فلم يكن رجل منهم إلّا رجاها لنفسه، ورجاها له قومه، وتطلّعت إلى ذلك نفسه، ولو أنّ عمر استخلف عليهم كما استخلف أبوبكر ما كان في ذلك إختلاف.) «1»

5 تعاظم منطق السقيفة القَبَل ..... ص : 108

: يلاحظ أنّ المفاضلة في السقيفة كانت بين الانصار وبين المهاجرين (من قريش)، غير أنّ المفاضلة التي دارت في أجوأ الشورى أكّدت تعاظم منطق السقيفة القبلي وازدياد التباعد والانحراف عن منطق الاسلام، إذ صارت المفاضلة بين المسلمين ككل بدلا من الانصار، وبين قريش بما هي قريش بدلا من المهاجرين منها، ففي الجدل الذي دار في مسجد النبي (ص) في أجوأ الشورى بدا واضحا أنّ قريشا اعتبرت الخلافة شاءنا من شؤ ونها الخاصّة وامتيازا من امتيازاتها، وليس لا حد من المسلمين أن يتقدّم برأي في الخلافة يتنافى مع رغباتها.

ولاينقضي العجب من أن تتدهور الحال إلى درجة أن يتجرّأ عدوّاللّه وعدوّ رسوله (ص)، عبداللّه بن أبي ربيعة المخزومي فيقول للمقداد (ر) الحوارىّ الجليل الذي عزّ نظيره في الصحابة:

(يابن الحليف العسيف، ومتى كان مثلك يجترئ على الدخول في أمر قريش). «2»

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 109

أو يرّد لئيم آخر من بني مخزوم على عمّار بن ياسر (ر) قائلا:

(لقد عدوت طورك يا بن سميّة، وما أنت وتاءمير قريشٍ لا نفسها). «1»

إنّ حلول كلمة (قريش) بدلا من (المهاجرين) في جدل المفاضلة التي جرت في أجوأ الشورى يعني رفع الحظر عن الطلقاء في أن يتسنّموا منصب الخلافة، بعد أن رفعت عنهم الحظر من قبلُ قيادة حزب السلطة وعيّنتهم أمرأ وولاة، ومن هنا تكون قد انفتحت حتّى شهية الطلقاء أمثال معاوية في تسنّم منصب الخلافة، ومنذ ذلك الوقت كان معاوية قد سعى سعيه نحوها.

خلافة عثمان: ..... ص : 109
اشارة

إبتدأ الحكم الامويّ عهده الاوّل منذ اليوم الاوّل لخلافة عثمان، فسرعان ما تبيّن للمسلمين أنّهم حين بايعوا عثمان قد سلّموا الحكم عمليّا إلى آل أميّة، وأنّ عثمان ليس إلّا واجهة يكمن خلفها الحزب الامويّ، وسرعان ما أكّدت الايّام هذه الحقيقة

للا مة، ذلك لا نّ عثمان أسند الولايات الكبرى آنذاك وهي البصرة والكوفة ومصر والشام إلى ذويه، وهذه الولايات ذات المنزلة العظيمة في الحرب والاقتصاد والاجتماع كانت مركز الثروة الماليّة والزراعيّة لدولة الخلافة، فمنها تحمل الاموال والاقوات، وهي مركز تجمّع الجيوش الاسلاميّة الوافدة من كلّ أنحاء البلاد، كما أنّها مراكز عمليّات الفتح الكبرى آنذاك.

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 110

وقامت إنتفاضة الامّة على عثمان نتيجة تفسّخ حكمه عن فساد كبير في الادارة والمال، والاستخفاف علنا باءحكام الشريعة، وسكوته عن فضائح ولاته ودفاعه عنهم، ونفيه وتعذيبه لصلحاء الامّة لا لشي إلّا لا نّهم أنكروا المنكر وأمروا بالمعروف، وانقياده لغلمان بني أميّة عامّة ولمروان بن الحكم خاصّة، وامتناعه عن الاستجابة لشكاوى الامّة وتظلّمها من ولاته الذين يصلّون بالناس وهم سكارى، ويرون السواد بستانا لهم، وأنّ الفي لهم أوّلا ثمّ لمن شاؤ وا!!

وركب موجة الانتفاضة على عثمان بعد اندلاعها النفعيّون الساخطون عليه مثل عمرو بن العاص، ومترفون يحلمون بالخلافة من بعده مثل طلحة والزبير وكانوا يؤ لّبون الجماهير ضدّه ويحرّضون في الخفاء على قتله، هذا فضلا عن الدور الكبير الذي لعبته عائشة في التاءليب عليه والدعوة إلى قتله!! «1» وفي كلّ ذلك كان ابوالحسن (ع) يسفر ناصحا للا سلام والامّة بين عثمان والثوّار، لكنّ عثمان كان ينكل ولايفي بما يعد به من الاستجابة لمطالب الثوّار لاستحواذ مروان عليه.

وما برحت الفتنة تتاءجّج وتجد ما يزيدها اشتعالا، حتّى انفلت زمام الامور، وبلغت الماءساة ذروتها بمقتل عثمان.

وتفاصيل قصّة هذه الفتنة معروفة في كتب التاءريخ ...

نتائج عهد عثمان ..... ص : 110
اشارة

: أمّا نتائج عهد عثمان التي أثّرت في مسار حياة الامّة فيما بعد، فاءهمّها:

1 اتساع الهوّة في الفروق الطبقية ..... ص : 110

: اتّسعت الهوّة في الفروق الطبقية التي كانت قد نشاءت نتيجة مبدأ عمر في العطاء، ذلك لا نّ عثمان أغدق الهبات

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 111

الضخمة على أعيان قريش من بني أميّة وغيرهم، وعلى بعض أعضاء الشورى خاصّة، وسار عمّال عثمان في أنحاء البلاد على نهجه في المدينة فاءنفقوا بيوت المال المحليّة على ذويهم وأنصارهم والمقرّبين إليهم، وقام عثمان باجرأ ماليّ فتح به للطّبقة الثريّة أبوابا من النشاط الماليّ حين أباح للناس أن ينقلوا فيئهم من الارض د إلى حيث أقاموا، فسارع الاثرياء إلى الاستفادة من هذا الاجرأ فاشتروا باءموالهم المكدّسة أراضي في البلاد المفتوحة واستثمروها فنمت ثرواتهم نموّا عظيما، وازدادت هذه الطبقة الطامحة إلى الحكم والتسلّط قوّة إلى قوّتها حتّى صارت غلّة طلحة من العراق كلّ يوم ألف دينار أوأكثر، وبلغ ربع ثمن مال عبدالرحمن بن عوف أربعة وثمانين ألفا أي أنّ ما يملكه مليونان وستمائة وثمانية وثمانون ألفا، وكان الزبير قد خلّف خمسين ألف دينار وألف فرس وألف عبد وأمة، وخلّف زيد بن ثابت من الذهب ما كان يكسر بالفؤ وس عدا ما خلّف من الاموال والضياع بقيمة ألف دينار، «1» وسوى هؤ لاء كثيرون ...

وقد وجدت إلى جانب هذه الطبقة المترفة المتسلّطة طبقة أخرى كبيرة وفقيرة لاتملك أرضا ولا مالا تلك هي طبقة الجنود المقاتلين وأهليهم، وقد تكوّنت هذه الطبقة نتيجة استئثار عثمان وعمّاله بالفي والغنائم لا نفسهم والمقرّبين منهم وحرمان المقاتلين وبقيّة الامّة منها.

إنّ إنتشار أعلام قريش في البلاد الاسلاميّة بسمعتهم الدينيّة (صحابة رسول اللّه (ص) وازدياد ثرواتهم دفع كثيرا من أهل تلك البلدان إلى التجمّع حولهم والتحزّب لمطامعهم

السياسيّة تهالكا على الدنيا، فانتشرت لذلك حالة (الانتهازيّة) في نفوس كثيرٍ من الناس، حيث صار ولاؤ هم لمن عطاؤ ه أكثر والدنيا معه، وصاروا لايعباءون بالمانع الشرعي الحائل دون وصولهم إلى غاياتهم الدنيويّة، فزاد هذا من حالة الاستخفاف بالشريعة وبحرمة أحكامها،

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 112

وهي حالة شاهدتها الامّة أوّلا في تصرّفات عثمان وولاته كالوليد بن عقبة وغيره.

ينقل الطبري في هذه النقطة أنّه (كان عمر بن الخطّاب قد حجر على أعلام قريش د من المهاجرين الخروج في البلدان إلّا باءذن وأجل ... فلمّا ولي عثمان لم ياءخذهم بالذي كان ياءخذهم به عمر فانساحوا في البلاد، فلمّا رأوها ورأوا الدنيا ورآهم الناس، انقطع من لم يكن له طَولٌ ولا مزية في الاسلام فكان مغمورا في الناس، وصاروا أوزاعا إليهم، وأمّلوهم، وتقدّموا في ذلك فقالوا يملكون فنكون قد عرفناهم وتقدّمنا في التقرب والانقطاع إليهم، فكان ذلك اوّل وهن دخل على الاسلام، وأوّل فتنة كانت في العامّة ليس إلّا ذ لك. «1»

2 انفتاح باب القتل والقتال على هذه الامة إلى يوم القيامة ..... ص : 112

: إنّ عمليّة اغتيال عمر بن الخطّاب التي أدّت إلى مقتله كانت محدودة الاثر إذ كان القاتل شخصا معلوما وإن كان عبيداللّه بن عمر قد تجاوز فقتل عدّة أبرياء لمقتل أبيه، أمّا مقتل عثمان بالكيفيّة التي قتل فيها فقد كان ذا أثر وسيع ممتدّ في حياة الامّة الاسلاميّة بعده، إذ قد فتح عليها باب القتل والقتال فيما بينها، وقد حذّره أميرالمؤ منين علىٍّ (ع) في نصحه أيّاه من هذا المقتل قائلا:

(وإنىٍّ أنشدك اللّه ألّا تكون إمام هذه الامّة المقتول، فإ نّه كان يقال: يقتل في هذه الامّة إمام يفتح عليها القتل والقتال إلى يوم القيامة، ويلبس أمورها عليها، ويبثّ الفتن فيها، فلايبصرون الحقّ من الباطل، يموجون فيها موجا،

ويمرجون فيها مرجا ...). «2»

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 113

ولقد حصل هذا بالفعل، فكانت المطالبة بدم عثمان ذريعة أهل الجمل التي أضلّوا بها شطرا من الامّة في نكثهم البيعة وخروجهم على الامام (ع)، وألبسوا على الناس د الامور، وبثّوا الفتنة في الامّة، حتّى كانت وقعة الجمل، التي كانت أولى المعارك التي اقتتل فيها المسلمون فيما بينهم، وانتهت بهزيمة جيش عائشة وطلحة والزبير الذين كان لهم دور كبير في التحريض على قتل عثمان.

وأمّا معاوية الذي تلكّاءَ عن نصرة عثمان عمدا، «1» فقد صنع أضعاف ما صنع أهل الجمل فيما ادّعاه بهذه الذريعة، حتّى لقد أضلّ الشطر الكبير من هذه الامّة وألبس عليهم الامور فاستبسلوا في مواجهة عليّ (ع) استبسالا مريرا في صفّين، الوقعة التي كاد الطرفان أن يهلكا فيها جميعا، والتي تركت أسوأ الاثار في حياة الامّة إلى يومنا هذا.

3 ارتفاع درجة الشلل النفسي في الامّة: ..... ص : 113

ويلاحظ هنا أيضا استمرار ارتفاع مؤ شّر الشلل النفسي في الامّة، إذ قد رأت من عثمان فضلا عن انحرافه حتّى عن سيرة أبي بكر وعمر بطشه بجماعة من أعيان الصحابة لا لشي إلّا لا نّهم أمروه بالمعروف ونهوه عن المنكر، كاءبي ذر وعمّار بن ياسر وعبداللّه بن مسعود، فلم تتحرّك الامّة أثناء ذلك حتّى في المدينة على كثرة من فيها من الصحابة لمنعه من التعدي عليهم أو لا نكار ذلك عليه على الاقلّ، ومع معرفة الصحابة بمنزلة أبي ذرّ (ره) فلم يخرج منهم لتوديعه إلى منفاه في الربذة إلّا عليّ والحسنان (ع) وعقيل وعبداللّه بن جعفر وعمّار، بل لقد قاطعت الامّة أباذرّ امتثالا لا وامر عثمان!!

وقد أشار عمّار بن ياسر إلى هذا الوهن الذي أصاب الامّة حينما خاطب

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 114

أباذرّ وهو يودّعه إذ قال:

(... وما منع الناس

أن يقولوا بقولك إلّا الرضا بالدنيا والجزع من الموت ...). «1»

ويلاحظ هنا أيضا أنّه حتّى الانتفاضة الجماهيريّة التي قامت تنكر على عثمان مجموع انحرافاته لم تقم إلّا في سنة 35 للهجرة أي بعد حوالي ثلاث سنين من وفاة أبى ذرّ (ره) في الربذة سنة 32 للهجرة، كما أنّ هذه الانتفاضة لم تقع إلّا بعد عامين من نفي عثمان أفاضل أخيار الكوفة والبصرة إلى الشام.

عهد معاوية: ..... ص : 114
اشارة

تسلّم معاوية بن أبي سفيان ولاية الشام بعد موت أخيه يزيد الذي كان واليا عليها، فاصطنعها معاوية لنفسه لايحاسب في أمرها على شي من أعماله، كلّ ذلك بتدبير من الخليفة الثاني الذي كان يردّ على التقارير المرفوعة إليه عن مخالفات معاوية بقوله الشهير: (دعوا فتى قريشٍ وابن سيّدها!!).

وازدادت سيطرة معاوية على الشام رسوخا في عهد عثمان، واستقرّ له أهلها نفسيّا وسياسيا، ولم يجد ما ينغّص عليه هناءة حكمه إلّا قيام اميرالموءمنين عليّ (ع) بالا مر خليفة لرسول اللّه (ص)، الذي دانت له كلّ أقطار العالم الاسلامي بالطاعة إلّا الشام، حيث امتنع معاوية عن الطاعة لعليّ (ع) متشبّثا بذريعة الطلب بقتلة عثمان، الامر الذي جرّ في النهاية إلى معركة صفّين التي كادت أن تنتهى بالنصر الحاسم لصالح اميرالموءمنين (ع)، لكنّ حيلة رفع المصاحف التي ابتدعها عمروبن العاص د وأنجحها غباء

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 115

الخوارج وتحجّرهم العقليّ أدّت في النتيجة إلى مهزلة التحكيم، لتنتهي المواجهة بذلك نهاية غير حاسمة.

ثمّ قتل اميرالموءمنين عليّ (ع) وقام الامام الحسن (ع) بالا مر، لكنّ المواجهة بينه وبين معاوية لم تطل إلّا أشهرا كشفت الامّة فيها عن نفورها من مواصلة الحرب وميلها إلى دنيا معاوية وتنكّرها لا هل الحق (ع)، فاضطرّ الامام (ع) إلى الصلح وتسليم الامر إلى معاوية

...

فاتّسقت لمعاوية الامور وسيطر على العالم الاسلاميّ كلّه، وبذلك استعادت حركة النفاق هيمنتها على كلّ بلاد الاسلام من جديد في شخص أكبر قادتها دهاءً وأشدّهم عداوة للا سلام وهو معاوية بن أبي سفيان.

نتائج عهد معاوية ..... ص : 115
اشارة

: ولعهد معاوية الطويل نتائج كثيرة جدّا أثّرت تاءثيرا بالغا على الاسلام والامّة الاسلاميّة، ومن أهمّ ه ذه النتائج:

1 تحوّل شكل الحكم من الخلافة إلى الملك ..... ص : 115

كان معاوية منذ تسلّمه ولاية الشام قد تصرّف فيها كملك مطلق اليد، يفعل ما يشاء وينفق كيف يشاء بلا رقيب أو حسيب، معتمدا في ذلك على غضّ الطرف من قبل الخليفة الثاني الذي استقبله معاوية في الشام في موكب عظيم، فعجب عمر من تلك الابّهة وساءله عن ذلك، فاءجابه معاوية:

(يا اميرالموءمنين، إنّا باءرضٍ جواسيس العدوّ فيها كثيرة، فيجب أن نظهر من عزّ السلطان ما يكون فيه عزُّ للا سلام وأهله ويرهبهم به! فإن أمرتني فعلت! وإن نهيتني انتهيت!!)، «1»

فقال له عمر في ختام ردّه عليه: (لاآمرك ولاأنهاك!)، «2» وكان يشبّه

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 116

معاوية بكسرى وقيصر قائلا: (تذكرون كسرى وقيصر ودهاءهما وعندكم معاوية!؟) «1» ولمّا بلغ معاوية إخبار النبىٍّ (ص) عن الملك العضوض د قال:

مستهزئا (رضينا بها ملكا). «2»

وقال يخاطب أهل الكوفة شامتا بهم:

(يا أهل الكوفة، أترونني قاتلتكم على الصلاة والزكاة والحجّ؟ وقد علمت أنّكم تصلّون وتزكّون وتحجّون، ولكنّي قاتلتكم لا تاءمّرَ عليكم وأليَ رقابكم ...)، «3»

وكان يقول: (أنا أوّل الملوك!). «4»

وبذلك تحوّل الحكم إلى ملك عضوض يرثه فاجر عن فاجر ...

2 التعتيم الكامل على فضائل أهل البيت (ع) واختلاق مثالب لهم: ..... ص : 116

لم يكتف معاوية بمواصلة الحصار المضروب على البيانات النبويّة منذ عهد أبي بكر وعمر وعثمان، بل كشف عن غاية هذا الحصار بعد الصلح حين خضعت له جميع البلاد، حيث أصدر بيانا عاما إلى جميع عمّاله جاء فيه:

(أن برئت الذمة ممّن روى شيئا من فضائل أبي تراب وأهل بيته)، «5» ..... ص : 116

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 117

فقامت الخطباء في كلّ كورة وعلى كلّ منبر يلعنون عليّا ويبرؤ ن منه ويقعون فيه وفي أهل بيته. «1»

وزاد على سنّة سبّ الامام (ع)، إذ استخدم جماعة من نفعيّي حركة النفاق من صحابة وتابعين مثل عمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وأبى هريرة، وسمرة بن جندب، وعروة بن الزبير، وغيرهم، للكذب على رسول اللّه (ص) في اختلاق أحاديث تطعن باءهل البيت (ع)، كما سخّر معاوية الوعّاظ في جميع بلاد الاسلام ليحوّلوا القلوب عن أهل البيت (ع) ويذيعوا الاضاليل في انتقاصهم دعما للحكم الامويّ، كما ألقى معاوية إلى معاهد التعليم ومعلّمي الكتاتيب أن يغذّوا الشباب والصبيان ببغض أهل البيت (ع) لخلق جيل جديد معادٍ لهم بافترأ أحاديث تنتقصهم، وقد تعلّم الصبيان ذلك كما تعلّموا القرآن وحفظوه!

وكان معاوية على سبيل المثال لا الحصر قد أعطى سمرة بن جندب أربعمائة ألف درهم على أن يخطب في أهل الشام ويروي لهم أنّ هذه الاية الشريفة: (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهداللّه على ما في قلبه وهو ألدّ الخصام، وإذا تولّى سعى في الارض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل، واللّه لايحبّ الفساد) نزلت في عليّ (ع)، ففعل سمرة ذلك. «2»

وافترى عمرو بن العاص على النبىٍّ (ص) أنّه قال: (إنّ آل أبي طالب ليسوا لي باءولياء، إنّما وليّي اللّه وصالح المؤ منين). «3»

و (لمّا قدم أبوهريرة العراق مع معاوية عام الجماعة (!) جاء إلى مسجد الكوفة فلمّا رأى

كثرة من استقبله من الناس جثا على ركبتيه، ثمّ ضرب صلعته مرارا، وقال:

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 118

يا أهل العراق، أتزعمون أنّي أكذب على اللّه وعلى رسوله وأحرق نفسي بالنار، واللّه لقد سمعت رسول اللّه (ص) يقول: (إنّ لكل نبيّ حرما، وإنّ حرمي بالمدينة ما بين عيرٍ إلى ثور، فمن أحدث فيها حدثا فعليه لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين) وأشهد باءنّ عليّا أحدث فيها. فلمّا بلغ معاوية قوله أجازه وأكرمه وولّاه أمارة المدينة.) «1»

وفي محاورة جرت بين معاوية وابن عبّاس ...

(... قال: فإ نّا كتبنا في الافاق ننهى عن ذكر مناقب علىٍّ وأهل بيته، فكفّ لسانك يا ابن عبّاس واربع على نفسك.

قال: فتنهانا عن قرأة القرآن؟

قال: لا.

قال: فتنهانا عن تاءويله؟

قال: نعم!

قال: فنقرأه ولانساءل عمّا عنى اللّه به؟

قال: نعم!

قال: فاءيّما أوجب علينا قرأته أوالعمل به؟

قال: العمل به.

قال: فكيف نعمل به حتّى نعلم ما عنى اللّه بما أنزل علينا؟

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 119

قال: سل عن ذلك ممّن يتاءوّله على غير ما تتاءوّله أنت وأهل بيتك!

قال: إنّما أنزل القرآن على أهل بيتي، فاءساءل عنه آل أبي سفيان وآل أبي معيط واليهود والنصارى والمجوس!!؟

قال: فقد عدلتنابهم!؟

قال: لعمري ما أعدلك بهم إلّا إذا نهيت الامّة أن يعبدوا اللّه بالقرآن وبما فيه من أمر أو نهيٍ أو حلال أو حرام أو ناسخ أو منسوخ أو عامّ أو خاصّ أو محكم أو متشابه، وإن لم تساءل الامّة عن ذلك هلكوا واختلفوا وتاهوا!

قال معاوية: فاقرأوا القرآن ولاترووا شيئا ممّا أنزل اللّه فيكم، وممّا قال رسول اللّه (ص)، وارووا ما سوى ذلك!

قال ابن عبّاس: قال اللّه تعالى في القرآن: (يريدون أن يطفئوا نور اللّه باءفواههم وياءبى اللّه إلّا أن يتمّ نوره ولو كره الكافرون).

قال معاوية: يا ابن

عبّاس اكفني نفسك، وكفّ عنّي لسانك، وإن كنت لابدّ فاعلا فليكن سرّا، ولاتسمعه أحدا علانية ... «1»

وروي أنّ قوما من بني أميّة قالوا لمعاوية: يا اميرالموءمنين، إنّك قد بلغت ما أمّلت فلو كففت عن لعن هذا الرجل. فقال:

(لا واللّه حتّى يربو عليها الصغير ويهرم عليها الكبير ولايذكر له ذاكرٌ فضلا). «2»

وفي موازاة ذلك، عمد معاوية أيضا عن طريق مرتزقة الافترأ على رسول اللّه (ص) إلى نشر فضائل ومناقب مكذوبة لعثمان والخليفتين الاوّلين

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 120

وصحابة آخرين في جميع البلاد الاسلاميّة، كلّ ذلك ليدحض حجّة أهل البيت (ع) في أنّه ليس لا حد سهم كسهمهم في الفضائل والمناقب!

لنقرأ هذا النصّ التاءريخي:

(وكتب معاوية إلى عمّاله في جميع الافاق ألّايجيزوا لا حدٍ من شيعة عليٍّ وأهل بيته شهادة، وكتب إليهم أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبّيه وأهل ولايته والذين يروون فضائله ومناقبه فاءدنوا مجالسهم وقرّبوهم وأكرموهم واكتبوا لي بكلّ ما يروي كلّ رجل منهم واسمه واسم أبيه وعشيرته، ففعلوا ذلك حتّى أكثروا في فضائل عثمان ومناقبه لما كان يبعثه إليهم معاوية من الصلات والكساء والحباء والقطائع ويفيضه في العرب منهم والموالي، فكثر ذلك في كلّ مصر وتنافسوا في المنازل والدنيا، فليس يجي أحدٌ مردودٌ من الناس عاملا من عمّال معاوية فيروي في عثمان فضيلة أو منقبة إلّا كتب اسمه وقرّبه وشفّعه، فلبثوا بذلك حينا، ثمّ كتب إلى عمّاله أنّ الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كلّ مصر وفي كلّ وجه وناحية فإ ذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الاوّلين، ولاتتركوا خبرا يرويه أحدٌ من المسلمين في أبي تراب إلّا وأتوني بمناقص له في الصحابة مفتعلة، فإ نّ هذا أحبّ

إلىٍّ وأقرّ لعيني وأدحض لحجّة أبي تراب وشيعته وأشدّ إليهم من مناقب عثمان وفضله، فقرئت كتبه على الناس، فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها، وجدّ الناس في رواية ما يجري هذا المجرى حتّى أشادوا بذكر ذلك على المنابر، وألقي إلى معلّمي الكتاتيب فعلّموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع وحتّى رووه وتعلّموه كما يتعلّمون القرآن، وحتّى علّموه بناتهم ونساءهم وخدمهم وحشمهم فلبثوا بذلك ماشاءاللّه ...). «1»

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 121

حتّى لقد قال ابن عرفة المعروف بنفطويه وهو من أكابر المحدّثين وأعلامهم:

(إنّ أكثر الاحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة افتعلت في أيّام بني أميّة تقرّبا إليهم بما يظنّون أنّهم يرغمون به أنوف بني هاشم). «1»

إنّ هذا التعتيم المطبق على فضائل أهل البيت (ع) إضافة إلى اختلاق روايات الطعن بهم، وتسخير جميع أجهزة الحكم لهذا الغرض، كان قد أثّر مع مرور حوالي عشرين عاما تاءثيرا بالغا في أن يجهل معظم هذه الامّة موقع أهل البيت (ع) وأن يتنكّروا لهم ... حتّى اضطرّ الامام الحسين (ع) قبل موت معاوية بسنةٍ أن يعقد مؤ تمرا في منى جمع فيه بني هاشم رجالا ونساءً ومواليهم وجمعا غفيرا بلغ سبعمائة رجل، فيهم مائتان من الصحابة وعامّتهم من التابعين، فما ترك شيئا ممّا أنزل اللّه في أهل البيت من القرآن إلّا تلاه وفسّره، ولا شيئا ممّا قاله رسول اللّه (ص) في أبيه وأخيه وأمّه وفي نفسه وأهل بيته إلّا رواه، وأشهد الحاضرين عليه، وطلب منهم أن يحدّثوا من يثقون بهم من الناس بذلك، «2» في محاولة منه (ع) لكسر ذلك الحصار ولاختراق ذلك التعتيم الذي مارسه معاوية لطمس د فضائلهم (ع).

3 انخداع جلّ الامةّ بالتضليل الدينيّ الاموي ..... ص : 121

: كان الهمّ الاكبر لمعاوية بعد أن استتبّ الامر

له هو اكتساب الاطار الديني والشرعيّة لحكمه، ومزج الامويّة

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 122

بالا سلام في عقل الامّة مزجا لايمكن بعده الفصل بينهما.

ومعاوية يعلم أنّه لايكفي من أجل ذلك التعتيم على فضائل أهل البيت (ع) وحجب الامّة عنهم، في وقت لايملك هو أيّة قدسيّة في ضمير الامّة، وله من تصرّفات الملوك الطغاة وسلوكهم ما يجعله هدفا لكثير من الاحاديث النبويّة الداعية إلى القيام بوجه الظلم والحاكم الظالم، لذا فقد عمد من خلال عمل إعلامي واسع ومركّز إلى تضليل الامّة في هذه النقطة على ثلاثة أصعدة:

أ) إختلاق قداسة دينيّة لشخصه من خلال افتعال أحاديث نبويّة في فضله، واخفاء ما اءُثر عن النبىٍّ (ص) في ذمّه، ولم يجد معاوية صعوبة في ذلك مادام يبذل الكثير، ومادام مرتزقة الافترأ على النبىٍّ (ص) يحوطونه وينتظرون أمره فيما يشتهي من الرواية المفتراة على رسول اللّه (ص)!

فشاع في كلّ بلاد الاسلام الكثير من الاحاديث المكذوبة في فضل معاوية، منها: أنّه (ص) قال:

(ومعاوية بن أبي سفيان أحلم أمّتي وأجودها.) «1»

وقال:

(وصاحب سرّي معاوية بن أبي سفيان.) «2»

وقال عن لسان جبرئيل (ع):

(يا محمّد أقري ء معاوية السلام واستوص به خيرا، فإ نّه أمين اللّه على

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 123

كتابه ووحيه ونعم الامين.) «1»

أو:

(الامناء ثلاثة: جبرئيل وأنا ومعاوية.) «2»

أو:

(أللّهمّ اجعله هاديا مهديا واهد به.) «3»

وغير هذا كثير من الاحاديث الموضوعة التي لم تزل حتّى اليوم تضلّ كثيرا من أبناء هذه الامّة.

ب) منع الامّة باسم الدين عن التذمر من الحاكم الظالم والثورة عليه:

سعى معاوية إلى تخويف الامّة من الثورة على الظلم والجور، وزيّن لها الرضوخ للحاكم وإن كان جائرا، وشهر في وجه كلّ من يفكّر بالقيام والثورة تهمة جرم تفريق أمر هذه الامّة، التي جزاؤ ها القتل، كلّ ذلك

باسم الدين من خلال أحاديث كثيرة افتعلتها أجهزته الاعلاميّة لتخدير الامّة وإذلالها، ومنها على سبيل المثال:

أنّه (ص) قال:

(من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه، فإ نّه من فارق الجماعة فمات مات ميتة جاهليّة ...). «4»

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 124

ويساءل أبوهريرة العجّاجَ قائلا: ممّن أنت؟

قال: قلت من أهل العراق.

قال: يوشك أن ياءتيك بُقعان أهل الشام فياءخذوا صدقتك، فإ ذا أتوك فتلقّهم بها، فإ ذا دخلوها فكن في أقاصيها وخلّ عنهم وعنها، وإيّاك أن تسبّهم، فإ نّك إن سببتهم ذهب أجرك وأخذوا صدقتك، وإن صبرت جاءتك في ميزانك يوم القيامة). «1»

وغير هذه أحاديث كثيرة موجودة في الكتب الحديثيّة لابناء العامّة لازال بعض د هذه الامّة يتاءثّر بها مصدّقا بها إلى اليوم.

ج) واللون الاخر من ألوان التضليل الديني الذي استخدمه معاوية وبرع في استخدامه هو تاءسيس فرق دينيّة سياسيّة تقدّم للناس تفسيرات دينيّة تخدم سلطة الامويّين وتبرّر أعمالهم، كما هو الحال في مذهب الجبر ومذهب الارجاء ...

يقول أبوهلال العسكري في الاوائل: إنّ معاوية أوّل من زعم أنّ اللّه يريد أفعال العباد كلّها. «2»

ولمّا اعترض عليه عبداللّه بن عمر في نصب ولده يزيد خليفة من بعده قال معاوية:

(... وإنّي أحذّرك أن تشقّ عصا المسلمين وتسعى في تفريق ملا هم وأن تسفك دماءهم، وإنّ أمر يزيد قد كان قضاء من القضاء وليس للعباد خيرة من

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 125

أمرهم). «1»

وأجاب عائشة أيضا بمثل هذا الجواب عندما نازعته في هذا الاستخلاف. «2»

فطغى مذهب المجبّرة واتّسع انتشاره على يد معاوية وبني أميّة واضطُهِدَ القول باختيار الانسان في أفعاله حتّى كان يُقتل من يقول به!

كما انتشرت في العهد الامويّ فرقة المرجئة التي ترى الاكتفاء في الايمان بمجرّد الاعتقاد والاقرار باللسان بلا جانب العمل، وسمّوا

المرجئة لا نّهم أرجاءوا العمل أي أخّروه، وعند هذه الفرقة أنّه:

(لاتضرّ مع الايمان معصية كما لاتنفع مع الكفر طاعة)

وقالوا:

(إنّ الايمان، الاعتقاد بالقلب وإن أعلن الكفر بلسانه، وعبد الاوثان، ولزم اليهوديّة أو النصرانيّة في دار الاسلام وعبد الصليب وأعلن التثليث، ومات على ذلك فهو مؤ من كامل الايمان عند اللّه عزّ وجلّ، ولىٍّ للّه عزّ وجلّ، من أهل الجنّة). «3»

إنّ النتيجة المنطقيّة لمذهب المجبّرة هنا هي أنّ الامويّين لايعترض على حكمهم ولا على أعمالهم لا نّ اللّه أرادهم لذلك وأراد أعمالهم، وتسلّطهم من قضاء اللّه الذي لايردّ، وهم على مذهب المرجئة مؤ منون مهما ارتكبوا من كبائر المعاصي!!

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 126

وينطلق وعّاظ السلاطين ومحدّثوهم في كلّ البلاد الاسلاميّة ينفثون هذه السموم في قلوب الناس وعقولهم ليلجموهم عن التذمر والثورة بلجام ينسبونه إلى الدين والدين منه برأ، وليقعدوهم بها عن الاحتجاج على سياسة العسف والظلم، ويحجزوهم عن أيّة محاولة للقيام من أجل تحسين أحوالهم!

وبمرور حوالي عشرين عاما من حكم معاوية على كلّ بلاد الاسلام، وبتاءثير هذا التضليل الدينيّ الذي نجح مع الاغرأ والارهاب أيّما نجاح، صدّق جلّ هذه الامّة بشرعيّة الحكم الامويّ وانحدعوا به، وامتزجت في عقولهم الامويّة بالا سلام، وصار في تصوّرهم أنّ القيام ضدّ الحكم الامويّ قيام ضدّ الاسلام!

لذا كان لابدّ لفصل الامويّة عن الاسلام في عقول الناس وقلوبهم، من أن يُراق دمٌ مقدّسٌ عند جميع المسلمين غاية القداسة، على مذبح المواجهة مع الحكم الامويّ، وهذا الدم ليس إلّا دم ابن رسول اللّه (ص) سيّد شباب أهل الجنّة أبي عبداللّه الحسين (ع). الامر الذي كان يدرك أثره معاوية تمام الادراك، فكان يتحاشاه قدر استطاعته.

4 اضطهاد الشيعة: ..... ص : 126

عمد معاوية بعد التحكيم إلى الاغارة على البلاد التي تمثل أطراف

الارض التي تقع تحت سيطرة اميرالموءمنين عليّ (ع)، فنكّل بها، وقد صرّح باءهدافه لقادته العسكريّين الذين بعثهم في تلك المهمّات، فقد قال لبسر بن أرطاة:

(لاتنزل على بلدٍ أهله على طاعة عليٍّ إلّابسطت عليهم لسانك حتّى يروا أنّهم لا نجاء لهم وأنّك محيط بهم، ثمّ اكفف عنهم وادعهم إلى البيعة لي، فمن أبى فاقتله، واقتل شيعة عليٍّ حيث كانوا). «1»

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 127

فسار بسر وأغار على المدينة ومكّة، فقتل ثلاثين ألفا عدا من أحرق بالنار!

ودعا معاوية بالضحاك بن قيس الفهري وأمره بالتوجّه ناحية الكوفة، وقال له:

(فمن وجدته من الاعراب في طاعة عليٍّ فاءغر عليه)، فاءقبل الضحاك فنهب الاموال وقتل من لقي من الاعراب، وأغار بالثعلبيّة على الحاجّ، وقتل فيمن قتل عمروبن عميس بن مسعود الذهلي ابن أخي عبداللّه بن مسعود وناسا من أصحابه. «1»

ووجّه سفيان بن عوف الغامدي إلى جانب الفرات باتّجاه هيت ثمّ الانبار ثمّ المدائن، وممّا قاله له:

(إنّ هذه الغارات يا سفيان على أهل العراق ترعب قلوبهم، وتفرح كلّ من له هوىً فينا منهم، وتدعو إلينا كلّ من خاف الدوائر، فاقتل كلّ من لقيته ممّن هو ليس د على مثل رأيك، وأخرب كلّ ما مررت به من القرى، وأحرب الاموال فإ نّ حرب الاموال شبيه بالقتل وهو أوجع للقلب). «2»

واستمرّ معاوية على هذه السياسة بعد استشهاد الامام عليٍّ (ع)، بصورة أكثر عنفا وشمولا وتنظيما، ثمّ اشتدّ البلاء على الشيعة في الامصار كلّها بعد معاهدة الصلح، وكان أشدّ الناس بليّة أهل الكوفة لكثرة من بها من الشيعة، واستعمل عليها زيادا، ضمّها إليه مع البصرة، وجمع له العراقين، وكان يتّبع الشيعة وهو بهم عالم، لا نّه كان منهم وقد عرفهم وسمع كلامهم أوّل شي، فقتلهم تحت

كلّ كوكب وتحت كلّ حجر ومدر، وأجلاهم وأخافهم، وقطّع الايدي والارجل منهم، وصلبهم على جذوع النخل، وسمّل أعينهم، وطردهم وشرّدهم حتّى انتزعوا عن العراق فلم يبق بها أحد منهم إلّا مقتول

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 128

أو مصلوب أو طريد أو هارب، وكتب معاوية إلى قضاته وولاته في جميع الارضين والامصار أن لاتجيزوا لا حد من شيعة عليّ ولا من أهل بيته ولا من أهل ولايته الذين يرون فضله ويتحدّثون بمناقبه شهادة. «1»

وكان قد كتب بيانا واحدا إلى عمّاله في جميع البلاد:

(انظروا من قامت عليه البيّنة أنّه يحبّ عليّا وأهل بيته فامحوه من الديوان، وأسقطوا عطاءه ورزقه). «2»

ثمّ شفع ذلك ببيان آخر:

(من اتّهمتوه بموالاة هؤ لاء القوم فنكّلوا به واهدموا داره). «3»

فضاقت الاحوال بالشيعة إلى حدّ الاختناق حتّى أنّ الرجل من شيعة عليٍّ (ع) لياءتيه من يثق به فيدخل بيته فيلقي إليه سرّه، ويخاف من خادمه ومملوكه ولايحدّثه حتّى ياءخذ عليه الايمان الغليظة ليكتمنّ عليه. «4»

ولقد بلغ الارهاب حدّا لايطاق حتّى صار الرجل يفضّل أن يقال عنه أنّه زنديق أو كافر ولايقال عنه أنّه من شيعة عليٍّ (ع). «5»

ومن أعيان الشيعة الذين قتلهم معاوية: حجر بن عدي وجماعته، و رشيد

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 129

الهجري، وعمرو بن الحمق الخزاعي، وأوفى بن حصن، وعبداللّه الحضرمي وجماعته، وجويريّة بن مسهر العبدي، وصيفي بن فسيل، وعبدالرحمن العنزي.

ومن أعيان الشيعة الذين اضطهدهم معاوية وضيق عليهم تضييقا شديدا:

عبداللّه بن هاشم المرقال، وعدي بن حاتم الطائي، وصعصعة بن صوحان، وعبداللّه بن خليفة الطائي.

كما روّع كوكبة من النساء المؤ منات ولم يرع لهنّ حرمة المرأة.

هذا فضلا عن سياسة الابعاد، حيث أبعد زياد خمسين ألفا من الشيعة في الكوفة إلى خراسان، من أجل إضعاف المعارضة الشيعيّة فيها. «1»

والظاهر

أنّ معاوية كان يسعى من ورأ ذلك فضلا عن أهداف أخرى كثيرة إلى إضعاف الوجود الشيعي إلى درجة أنّ أىٍّ قائد من قادتهم إذا أراد القيام بوجه الحكم الامويّ فسوف لن يجد في أحسن الحالات إلّا عصابة قليلة يمكن القضاء عليها بسرعة وسهولة.

5 تمزّق الامّة الاسلاميّة قبليا وطبقيا ..... ص : 129

من الاسس الكبيرة التي أشاد معاوية عليها استقرار حكمه سياسة الاستكبار المعروفة في الامم المستضعفة وهي (فَرِّقْ تَسُدْ). فالعصبيّة التي أماتها الاسلام كان معاوية قد أطلق لها العنان لتمزّق شمل الامّة، وفجر التناحر القبلي تفجيرا شديدا، واحتقر الموالي واضطهدهم، وأذلّ الفقرأ، وفرّق بين البلدان الاسلاميّة في العطاء والمنزلة، كما فرّق بين أشراف القبيلة الواحدة وبين عامتها، كلّ ذلك من أجل أن تجد الامّة نفسها في حال تمزّقها وتناحرها مضطرّة إلى التقرّب إليه بالطاعة والانقياد لا وامره، وكان أبرع ولاته في تنفيذ خططه التمزيقيّة هذه

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 130

زياد ابن أبيه الذي ادّعاه معاوية لا بيه.

وشواهد هذه الحقيقة المرّة كثيرة في المتون التاءريخيّة، لكنّنا هنا نكتفي في الدلالة عليها من خلال فقرات منتخبة من كتاب سرّي بعثه معاوية إلى زياد جاء فيه:

(أمّا بعدُ، فإ نّك كتبتَ إليّ تساءلني عن العرب، من أكرم منهم ومن أهين، ومن اءُقرّب ومن اءُبعد، ومن آمن منهم ومن اءحذر؟ ... واءنا يا اءخي اءعلم الناس بالعرب، انظر هذا الحيّ من اليمن فاءكرمهم في العلانية وأهنهم في السرّ، فإ نّي كذلك أصنع بهم ... وانظر ربيعة بن نزار فاءكرم أمرأهم وأهن عامّتهم فإ نّ عامّتهم تبع لا شرافهم وساداتهم، وانظر إلى مضر فاضرب بعضها ببعض، فانّ فيهم غلظة وكبرا ونخوةً شديدة، فإ نّك إذا فعلت ذلك وضربت بعضهم ببعض كفاك بعضهم بعضا ... وانظر إلى الموالي ومن أسلم من الاعاجم

فخذهم بسنّة عمر بن الخطّاب، فإ نّ في ذلك خزيهم وذلّهم: أن تنكح العرب فيهم ولايُنكحهم، وأن تقصر بهم في عطائهم وأرزاقهم، وأن يُقدّموا في المغازي، يصلحون الطريق ويقطعون الشجر، ولايؤ مُّ أحدٌ منهم العرب في صلاة، ولايتقدّم أحد منهم في الصفّ الاوّل إذا حضرت العرب إلّا أن يتمّوا الصفّ، ولاتولّ أحدا منهم ثغرا من ثغور المسلمين ولا مصرا من أمصارهم، ولايلي أحد منهم قضاء المسلمين ولا أحكامهم فإ نّ هذه سنّة عمر فيهم وسيرته، وجزاه عن أمّة محمّد وعن بني أميّة خاصّة أفضل الجزأ! فلعمري لولا ما صنع هو وصاحبه وقوّتهما وصلابتهما في دين اللّه!! لكنّا وجميع هذه الامّة لبني هاشم الموالي، ولتوارثوا الخلافة واحدا بعد واحدٍ ...

فإ ذا جاءك كتابي هذا فاءذلّ العجم وأهنهم وأقصهم ولاتستعن باءحدٍ منهم ولاتقض لهم حاجة ... وحدّثني ابن أبي معيط أنّك أخبرته أنّك قرأت كتاب عمر إلى أبي موسى الاشعري وبعث إليه بحبل طوله خمسة أشبار وقال له:

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 131

أعرض من قبلك من أهل البصرة فمن وجدت من الموالي ومن أسلم من الاعاجم قد بلغ خمسة أشبار فقدّمه فاضرب عنقه، فشاورك ابوموسى في ذلك فنهيته وأمرته أن يراجع فراجعه، وذهبت أنت بالكتاب إلى عمر، وإّنما صنعت ما صنعت تعصّبا للموالي وأنت يومئذٍ تحسب أنّك عبد ثقيف، فلم تزل بعمر حتّى رددته عن رأيه، خوّفته فرقة الناس فرجع، وقلت له: ما يؤ منك وقد عاديت أهل هذا البيت أن يثوروا إلى عليٍّ فينهض بهم فيزيل ملكك، فكفّ عن ذلك، وما أعلم يا أخي وُلِدَ مولود من أبي سفيان أعظم شؤ ما عليهم مثلك حين رددت عمر عن رأيه ونهيته عنه ... فلوكنت يا أخي لم تردّ عمر

عن ذلك لجرت سنّةً، ولاستاءصلهم اللّه وقطع أصلهم، وإذن لاستنّت به الخلفاء بعده ... فماأكثر ما قد سنّ عمر في هذه الامّة بخلاف سنّة رسول اللّه (ص) فتابعه الناس عليها وأخذوا بها، فتكون هذه مثل واحدة منهنّ .... «1»

وكان من نتائج إثارة التناحر القبلي أن شُغل زعماء القبائل بالسعي عند الامرأ الامويّين للوقيعة بخصومهم من زعماء القبائل الاخرى، وتودّدوا إلى هؤ لاء الامرأ وتملّقوهم، الامر الذي وحّدهم في طاعة حكم معاوية الذي أشعل الفتنة بينهم وهم لايشعرون، وقد دفعهم هذا الوضع أيضا إلى أن يقفوا دائما مع الحاكمين ضدّ الثائرين حفاظا على الامتيازات والعطايا الممنوحة لهم، وكانوا يقفون في وجه كلّ محاولة للثّورة ويخذّلون الناس عنها، ويتسابقون في استخدام أقصى ما يملكونه من نفوذ ودهاء في هذا السبيل للتاءكيد على ولائهم التامّ للسلطة، وفي قصّة اقتسام القبائل رؤ وس شهدأ

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 132

كربلاء دليل واضح على هذه الحالة المزرية التي وصلت إليها قبائل العرب نتيجة المنافسة بينها والتناحر والمفاخرة الجاهليّة التي ما برحت تتعاظم فيهم منذ يوم السقيفة بعد ما أماتها الاسلام.

6 الانتكاس الروحي والنفسي في الامّة: ..... ص : 132

نتيجة لمجموع سياسات معاوية التضليليّة على كلّ المستويات الفكريّة والاجتماعيّة والسياسيّة والنفسية كانت الامّة قد هوت إلى الحضيض في الجانب النفسي والروحي، وتفشى في كيانها الوهن المتمثّل بحبّ الدنيا وكراهية الموت، وطغى هذا الشلل الذي كان قد بدأ التسرّب إلى حياتها منذ يوم السقيفة حتّى أقعدها عن نصرة كلّ قضيّة من قضايا الحق، وساءت أخلاقيّتها إلى درجة أنّ الرجل الوجيه في قومه لايتورّع في انقياده إلى الدنيا من أن يبيع دينه لمعاوية صراحة، فقد روي أنّه:

(وفد على معاوية جماعة من أشراف العرب، فاءعطى كلّ واحد منهم مائة ألف، وأعطى الحتّات عمّ الفرزدق سبعين

ألفا، فلمّا علم الحتّات بذلك رجع مغضبا إلى معاوية.

فقال له: فضحتني في بني تميم، أمّا حسبي فصحيح، اءَولستُ ذا سن؟

ألستُ مطاعا في عشيرتي؟

قال: بلى.

قال: فما بالك خسست بي دون القوم، وأعطيتَ من كان عليك أكثر ممّن كان لك؟

قال: إنّي اشتريت من القوم دينهم، ووكلتك إلى دينك! ورأيك في عثمان (وكان عثمانيّا).

قال: وأنا فاشتر منيّ ديني.

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 133

فاءمر له بإ تمام جائزته. «1»

وشاعت الانتهازيّة والوصوليّة بين الناس، فصار جلّ سعيهم في التزلّف إلى السلطان والتقرّب منه والتملّق إليه طمعا في دنياه، حتّى صاروا أطوع له من يده، وبذلك ضمن معاوية انقياد جلّ هذه الامّة له، ممّن لا بصيرة لهم في أحنائهم ولا همّ لهم إلّا دنياهم!

وامّا أولئك الذين لم تنطل عليهم أضاليل الامويّين وأكاذيبهم، فقد آل الامر باءكثرهم أيضا إلى أخطر ظاهرة في حياة الانسان المسلم وهي الازدواجيّة في الشخصيّة حيث يتعارض ظاهر الانسان مع باطنه، ذلك لا نّ سياسة معاوية في الترغيب بالمال والجاه والدنيا، وأسلوبه الوحشي في التنكيل باءعدائه علّما الناس د على الدجل والنفاق والسكوت عن الحق، والتظاهر بخلاف ما يعتقدون، وهذا الوضع الشاذّ الذي فرض عليهم أن يخفوا دوما ما يعتقدونه حقّا، وأن يتظاهروا بما تريده السلطة منهم مع علمهم باءنّه الباطل، ولّد عندهم حالة ازدواج الشخصيّة، هذا الازدواج الذي كان يعمل عمله في فضّ أعوان الثورة عنها، أو إفشاء أسرارها، أوالقضاء عليها، بتاءثير ظاهر الشخصيّة الخاضع لا وامر السلطة الحاكمة والمنسجم معها، خلافا لباطن هذه الشخصيّة المؤ يّد للثّورة والمقدّس لقيادتها والراغب في نصرتها والانتماء إليها.

هذا الازدواج الذي صوّره الفرزدق للا مام الحسين (ع) حيث عبّر عن حال أهل الكوفة قائلا: (قلوبهم معك وسيوفهم عليك).

ولم تختلف عمليّا حال المزدوجين عن

حال المضلَّلين بالباطل الامويّ، ذلك لا نّ الحكم الامويّ استطاع أن يجنّد الصنفين معا تحت رايته فاءسرجوا

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 134

وألجموا وتنقّبوا للقضاء على كلّ الثورات التي قامت تدعو إلى الحقّ!

وظلّ كثيرا ممّن عرفوا الحقّ وأهله أسارى الشلل النفسي المتعاظم منذ يوم السقيفة، فخذلوا الحقّ عمليّا ولم ينصروه مع علمهم بعاقبة من يخذله ولم ينصره عند اللّه!

هذا عبداللّه بن عمر يقول إنّه سمع رسول اللّه (ص) يقول:

(حسين مقتول، ولئن قتلوه وخذلوه، ولن ينصروه ليخذلهم اللّه إلى يوم القيامة). «1»

ومع هذا فلم ينصره بل قعد عن ذلك، بل أمره بمبايعة يزيد!!

وأولئك الذين أشاروا على أبي عبداللّه (ع) بعدم الخروج ونصحوه باءلّايعرّض د نفسه للقتل، وقعدوا عن نصرته، وهم يعلمون عن لسان رسول اللّه (ص) أنّه مقتول، وأنّه:

(لايُقتل بين ظهراني قوم فلا يمنعونه إلّا خالف اللّه بين قلوبهم وألسنتهم.) «2»

وهذا شريك بن الاعور وجماعة معه ممّن كانوا شيعة لعليّ، يصحبون عبيداللّه بن زياد من البصرة إلى الكوفة، فيتساقطون في الطريق متظاهرين بالعياء لعلّ ابن زياد يتاءخّر من أجلهم فيسبقه الحسين (ع) إلى الكوفة ويستقرّ له أمرها. «3»

أنظر إلى الشلل النفسي كيف يقيّد حركة المصاب به! فشريك وجماعته يتمنّون لو أنّ الامور تستتبّ للا مام (ع)، لكنّهم بدلا من تعويق ابن زياد أو قتله في البصرة أو الطريق باءلف حيلة وحيلة، يكتفون فقط بالتساقط في الطريق

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 135

رجاء أن يتاءخّر ابن زياد عن الوصول إلى الكوفة في الوقت المناسب!!؟

وهذا عبيداللّه بن الحرّ الجعفي يدعوه الامام (ع) إلى نصرته، فيجيب معترفا بشلله النفسيّ قائلا:

(واللّه إنّي لا علم أنّ من شايعك كان السعيد في الاخرة، ولكن ما عسى أن اءُغني عنك ولم اءخلّف لك بالكوفة ناصرا؟، فاءنشدك اللّه اءن تحملني

على هذه الخطّة، فإ نّ نفسي لم تسمح بعدُ بالموت! ولكن فرسي هذه (الملحقة) واللّه ما طلبت عليها شيئا قطّ الّا لحقته، ولا طلبني وأنا عليها أحد إلّا سبقته، فخذها فهي لك!) «1»

فيقرّعه الامام (ع) مبيّنا أنّه لا حاجة له بمشلول في نفسه، قائلا:

(أمّا إذا رغبت بنفسك عنّا فلا حاجة لنا إلى فرسك). «2»

وروى الطبرى عن سعد بن عبيدة أنه رأى في وقعة كربلاء أشياخا من أهل الكوفة واقفين على التلّ يبكون ويقولون: أللّهم أنزل نصرك (أي على الحسين (ع)!) فقال لهم سعد: يا أعدأ اللّه! ألاتنزلون فتنصرونه!!؟ «3»

إن الشلل النفسيّ يسوّغ للا نسان أن يخادع حتّى نفسه، وكلّ ما قدمناه من الامثلة يحكي في الواقع عن مخادعة الانسان نفسه في التعامل مع الحقيقة، ولنختم هذه الامثلة بهذه القصّة المؤ سفة حقّا: قال هرثمة بن سليم:

(غزونا مع على بن أبي طالب غزوة صفّين، فلمّا نزلنا بكربلا صلّى بنا صلاة فلمّا سلّم رفع إليه من تربتها فشمّها ثمّ قال: واها لك أيّتها التربة، ليُحشرنّ

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 136

منك قوم يدخلون الجنّة بغير حسابٍ.

فلمّا رجع هرثمة من غزوته إلى إمرأته وهي جردأ بنت سمير، وكانت شيعة لعليّ فقال لها زوجها هرثمة: ألاأعجّبك من صديقك أبي الحسن؟ لمّا نزلنا كربلاء رفع إليه من تربتها فشمّها فقال: واها لك يا تربة، ليحشرنّ منك قوم يدخلون الجنّة بغير حسابٍ، وما علمه بالغيب!؟ فقالت: دعنامنك أيّها الرجل، فإ نّ اميرالموءمنين لم يقل إلّا حقّا.

فلمّا بعث عبيداللّه بن زياد البعث الذي بعثه إلى الحسين بن عليّ وأصحابه، قال: كنت فيهم في الخيل التي بُعث إليهم، فلمّا انتهيت إلى القوم وحسينٍ وأصحابه عرفتُ المنزل الذي نزل بنا عليُّ فيه والبقعة التي رفع إليه من

ترابها، والقول الذي قاله، فكرهت مسيري، فاءقبلت على فرسي حتّى وقفت على الحسين، فسلّمت عليه، وحدّثته بالذي سمعت من أبيه في هذا المنزل، فقال الحسين: معنا أنت أو علينا؟ فقلت: يابن رسول اللّه! لا معك ولا عليك! تركت أهلي وولدي، أخاف عليهم من ابن زياد. فقال الحسين: فولّ هربا حتّى لاترى لنا مقتلا، فو الذي نفس د محمّدٍ بيده لايرى مقتلنا اليوم رجلٌ ولايُغيثنا إلّا أدخله اللّه النار. قال: فاءقبلت في الارض هاربا حتّى خفي عليّ مقتله. «1»

تاءمّل! كيف يخادع الانسان نفسه بسبب الشلل النفسيّ في أعماقه!!؟

وبعدُ: فلم يبق في أواخر عهد معاوية من هذه الامّة من لم ينخدع بالضلال الامويّ أولم تزدوج شخصيّته أو لم يقعد به الشلل النفسي عن نصرة الحقّ إلّا

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 137

أقلّ القليل، بين طريد وشريد وسجين ومتخفٍّ مترقّب، ومن هذا القليل كانت الصفوة التي نصرت سيّد الشهدأ (ع).

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 139

المقالة الثانية: بين يدي الشهيد الفاتح ..... ص : 139
اشارة

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 141

المقالة الثانية: بين يدي الشهيد الفاتح!

--- حدثٌ ماءلوف في تأريخ دين اللّه على الارض منذ عهد آدم (ع)، ويبقى ماءلوفا إلى عصر الوصيّ الخاتم (ص)، أن يُقتل المؤ من في سبيل اللّه فيكون شهيدا.

ومشهدٌ كان ولايزال ماءلوفا على مسرح الصراع أن تُحسّ هذه الارض وطاءة الانسان الفاتح وتسمع ركزه، منذ خرجت حياة الجماعة البشريّة عن موازين فطرة اللّه التي فطر الناس عليها، فكان الاختلاف والصراع، وكان النصر والهزيمة.

والمؤمن المجاهد في سبيل اللّه لايحقّ له الانهزام في المواجهة، مادام شاريا الحياة الدنيا بالا خرة، فهو في المواجهة إمّا أن (يُقتل أو يَغلب).

يُقتل ويكون شهيدا، فيؤ تيه اللّه (أجرا عظيما).

أو يَغلب، فيؤ تيه اللّه ذلك الاجر العظيم أيضا!

إذ قد وعد اللّه تعالى المؤ من المجاهد في سبيله

شهيدا أو غالبا أجرا عظيما، وما لم (يُقتل) أو (يَغلب) فهو دون حظوة ذلك الاجر العظيم وإن كان ماءجورا.

وقدّم اللّه تعالى الشهيد على الغالب في الحديث عن ذلك الاجر العظيم الذي وعدهما إيّاه، لا نّ الشهيد لايُخشى عليه بعد قتله من فقدان الاجر بسبب اجتراح سيّئة أو انحراف عن الصراط يحبط الاجر، إنّه قد ضمن أجره ولا خوفٌ عليه ولا هو يحزن!

لكنّ الغالب وإن كان له أيضا ذلك الاجر العظيم كما للشهيد، غير أنّ نوال هذا

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 142

الاجر مشروط بدوام الاستقامة على الصراط وعدم اجتراح ما يحبط الاجر.

الغالب إذن على خطر! حتّى يُنهى شوط الدنيا مستقيما على الصراط السويّ إلى الاخرة!

هذا من بعض عطاءات الاية الكريمة:

(فليقاتل في سبيل اللّه الذين يشرون الحياة الدنيا بالا خرة، ومن يقاتل في سبيل اللّه فيُقتل أو يَغلب فسوف نؤ تيه أجرا عظيما). «1»

عادة الامر إذن أن يكون الشهيد غير الغالب، وإن مهّد الشهدأ للنصر بدمائهم الزاكية.

غير أنّ الفتح أخصّ من الغلبة، إذ كم من غلبة لم تثمر فتحا! هذا إذا عنينا بالفتح نوعا من الغلبة يثمر تغييرا وتحوّلا حاسما ومنعطفا رئيسا لصالح أهداف الفاتح.

ومن هنا كان صلح الحديبيّة فتحا مبينا كما قرّر القرآن الحكيم، لا نّه أنتج تغييرا وتحوّلا حاسما لصالح الاسلام والمسلمين لم تنتجه معركة بدر، على عظمة النصر فيها!، ذلك لا نّ قريشا في هذا الصلح قد اعترفت بالمسلمين رسميّا كقوّة عدوّة تكافئها، فوقّعت معها معاهدة تحترمها وترعاها.

وقد أنزل اللّه تعالى: (إنّا فتحنا لك فتحا مبينا ...) في واقعة صلح الحديبيّة التي كانت قبل فتح مكّة بعامين! «2»

إذن فكلُّ فاتح غالب، وليس كلّ غالب فاتحا!

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 143

وعادة الامر إذن أن يكون الشهيد غير الفاتح، وإن

مهّد الشهدأ للفتح بدمائهم الزاكية.

لكن، هل خرج هذا الامر عن مجرى عادته مرّة!؟

وهل كان إنسانٌ شهيدا فاتحا معا ...!؟

وإذا كانت صفة (الشهيد الفاتح) من الخصائص ... فمن هو هذا الانسان الوتر في الخالدين، والاوحد في الربّانيّين ...؟

من أجل قرأة إنسانٍ فذٍّ فريد كهذا ... لابدّ لنا أن ندع مطالعة الماءلوف والقاعدة ... ونقرأ في سفر الخصائص والاستثناءات!

«الشهيد الفاتح» من الخصائص الحسينيّة: ..... ص : 143

شهادة هي عين الفتح ... ومصرع هو عين الانتصار والغلبة!!

شهيد فاتح معا ... إنّها خصوصيّة من خصائص الامام أبي عبداللّه الحسين (ع)، لم تكن لا حد قبله من أنبياء اللّه (ع) ولا لا حد من أوليائه ... ذلك لا نّ التاءريخ العام لم يحدّثنا أنّ أحدا من رجال دين اللّه تعالى قُتل فكانت شهادته عين الفتح لا هدافه والغايات التي يجاهد في سبيلها.

والتاءريخ القرآني لم يقصَّ علينا أنّ أحدا من أنبياء اللّه تعالى ممّن قُتل في سبيل اللّه وما أكثر الانبياء الشهدأ كانت شهادته عين الفتح لبقاء دين اللّه وانتشاره!

نعم، كان هناك أنبياء فاتحون، وأولياء فاتحون ... وكان هناك أنبياء شهدأ، وأولياء شهدأ ...، ولكنّنا نتاءمّل في صفة (الشهيد الفاتح)!

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 144

ولو أنّ هذه الصفة كانت لا حدٍ من أنبياء اللّه تعالى وأوليائه (ع) فيمن كانوا قبل نبيّنا الاكرم (ص)، لكان لقصّته موضوع متميّز في التاءريخ القرآنيّ، ولحظي ذكره بعناية فائقة في هذا التاءريخ الالهي، كما حظي بذلك إبراهيم وموسى ويوسف (ع) مثلا، ذلك لا نّ التاءريخ القرآني الذي اهتمّ بالمقاطع والمنعطفات واللقطات التاءريخيّة ذات العبرة والعظة التربويّة، والذي سجّل لنا حتّى اللقطة التاءريخيّة لحديث نملة لما في حديثها من درس وعبرة، لم يكن ليعرض صفحا عن ذكر صفة (شهيد فاتح) على ما في هذه الصفة من

عبرة تربويّة وتاءريخيّة عظمى!

وفي مقطع حياة رسول اللّه (ص)، كان هناك أكثر من انتصار وأكثر من فتح ...

ولم يكن حتّى شهدأ بدر فاتحين ... ذلك لا نّ بدرا كانت غلبةً ونصرا ولم تكن فتحا والقرآن الحكيم لم يسمّها فتحا كما أنّ التحولات الحاسمة لصالح الاسلام بعد بدر لم تكن لشهادة شهدأ بدرٍ الابرار 1 بل لوجود النبىٍّ الاكرم (ص) ولسيف عليّ (ع) والسيوف الصادقة الاخرى التي كانت مع هذا السيف الفريد في أهمّ مواقع الاسلام المصيريّة!

نعم، كان لدماء شهدأ بدر الزاكية وللشهدأ الاخرين أثر وتمهيد للفتح فيما بعد ... ولكنّ كلامنا هنا في شهادة هي عين الفتح!

وفي تأريخ الخمسين سنة من بعد رسول اللّه (ص)، أي إلى نهاية سنة ستّين للهجرة لم يحدّثنا التاءريخ عن شهادة هي عين الفتح! حتّى دخلت سنة إحدى وستّين ... فتحقّقت تلك الخصوصيّة التي كانت مكنونة في مطاوي الزمان لصاحبها الامام أبي عبداللّه الحسين (ع) ذلك الوتر في الخالدين ... ثمّ امتنعت عن سواه إلى قيام الساعة!

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 145

وأمّا أنّها لاتكون لا حد بعد الحسين (ع)، فذلك لا نّ عاشورأ قد كشفت عن وحدة وجوديّة لا انفكاك لها بين الاسلام المحمّديّ الخالص وبين الحسين (ع)، فصارت الدعوة إلى هذا الاسلام هي عين الدعوة إلى الحسين (ع)، وبالعكس، وصارت مواجهة هذا الاسلام ومعاداته هي عين مواجهة الحسين (ع) ومعاداته، وبالعكس، وصار بقاء هذا الاسلام بعد كربلاء ببقاء عاشورأ الحسين (ع)، حتّى لقد قيل وما أصدقه من قول: (الاسلام محمّديّ الوجود حسينيّ البقاء). «1»

لقد امتدّ النهج الحسيني بعد عاشورأ فهيمن على كلّ مساحة الزمان والمكان في انبعاث كلّ قيام إسلاميّ حقّ إلى قيام الساعة، لقد غدا الحسين (ع) قدوة كلّ مسلم

ثائر للحقّ وبالحقّ، وغدت كلّ نهضة إسلاميّة حقّة تجد نفسهاامتدادا لنهضة الحسين (ع)، حتّى نهضة المهدي (ع) تجد نفسها امتدادا لنهضة الحسين (ع) وتؤ كّد هذا الامتداد بشعار: (يا لثارات الحسين).

وغدا كلّ طاغية من أعدأ الاسلام بعد عاشورأ يجد نفسه في مواجهة الحسين (ع)، فهو يذعر من ذكر الحسين (ع)، بل ويخاف من قبر الحسين (ع)، وقد كان ولايزال هذا القبر المقدّس يتعرّض في الماضي والحاضر لا شرس د الهجمات ومحاولات الطمس من قبل الطغاة، فلا يزداد إلّا علوّا وشموخا! يقول اميرالموءمنين عليُّ (ع) مشيرا إلى هذه الخصوصيّة الحسينيّة في وصف منزلة شهدأ كربلاء (ع):

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 146

(... ومصارع عشّاق شهدأ، لايسبقهم من كان قبلهم، ولايلحقهم من بعدهم). «1»

إنّ في (لايسبقهم من كان قبلهم) و (لايلحقهم من بعدهم) إشارة إلى هذا التفرّد الناشي عن تلك الخصوصيّة!

وهنا قد يقول قائل: إذن فاءنصار أبي عبداللّه الحسين (ع) من أهل بيته وصحبه الكرام الذين استشهدوا بين يديه شهدأ فاتحون أيضا!

نعم، ولكنّ هذا الاشتراك لايقدح في أصل أنّ هذه الصفة من خصائص د الحسين (ع)، ذلك لا نّ في ظلّ هذا الامتياز الحسيني الخاصّ كان أنصار أبي عبداللّه (ع) من أهل بيته وصحبه الكرام الذين استشهدوا بين يديه شهدأ فاتحين أيضا، وتسنّموا هذا المقام الذي لم يسبقهم إليه سابق ولايلحق بهم إليه لاحق، لا عن استقلاليّة منهم بذلك، بل تبعا لصاحب هذا الاختصاص أصالة، إذ لو لم يكن الامام أبوعبداللّه الحسين (ع) صاحب كربلاء، لما كان شهدأ الطفّ الاخرون على ما هم عليه من هذه المرتبة في السمو والشرف التي ينحدر عنها السيل ولايرقى إليها الطير، ولما كانت كربلاء التي نعرف، ولا عاشورأ التي تاءخذ بمجامع قلوب المؤ منين

خاصّة وأحرار العالم عامّة.

انّ قداسة الامام الحسين (ع) (المثل الاعلى) في ضمير ووجدان الامّة هي التي أسبغت على عاشورأ كلّ هذه القداسة وهذه الرمزيّة في الزمان (كلّ يوم عاشورأ)، وهي التي نشرت كربلاء على كلّ الارض عنوانا لميدان انتصار دم الحقّ على سيف الباطل، فكانت (كلّ أرض كربلاء)، ولولاه (ع) لكانت واقعة الطفّ بكلّ ما غصّت به من فجائع أليمة: ماءساة يذكرها الذاكر فياءسف لها كما ياءسف لكثير من وقائع التاءريخ الاليمة الاخرى المقيّدة بحدود الزمان والمكان.

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 147

إنّ واقعة كربلاء بعظمتها الفريدة من كلّ جهة، وبكلّ أبطالها وبطولاتها، إنّما استمدّت خصائصها من الخصائص المنحصرة بصانع ملحمتها الامام أبي عبداللّه الحسين (ع)، فكانت الحدث التاءريخي الذي لايرقى إليه أيّ حدث تاءريخيّ آخر في مستوى تاءثيره ...

منطق الشهيد الفاتح: ..... ص : 147

إنّ الفترة الزمنية الممتدّة من يوم إعلان الامام الحسين (ع) رفضه البيعة ليزيد بن معاوية أمام الوليد بن عتبة والي المدينة آنئذٍ، إلى اليوم الذي وصل فيه كتاب عبيداللّه بن زياد إلى الحرّ بن يزيد الرياحي (ر)، والذي جاء فيه: (أمّا بعدُ: فجعجع بالحسين حين يبلغك كتابي ويقدم عليك رسولي، فلا تنزله إلّا بالعرأ في غير حصن ولا ماء، وقد أمرت رسولي أن يلزمك ولايفارقك حتّى ياءتيني بإ نفاذك أمري، والسلام)، «1» تعتبر فترة التعريف بنهضة الامام الحسين (ع)، كما يمكن اعتبارها أهمّ مقطع من مقاطع هذه الثورة المقدّسة لما حوته من محاورات ومراسلات وخطب ووصايا ضبطها لنا التاءريخ، فهي أغنى مقاطع هذه الثورة بالنصوص المعرّفة بها والكاشفة عن هويّتها ممّا ورد عن الامام الحسين (ع).

كما أنّ هذه الفترة تعتبر أيضا أهمّ مقاطع هذه الثورة المقدّسة بمنظار التحليل التاءريخي، من ناحية عدد الاختيارات التي كان يملكها الامام الحسين

(ع) في هذه الفترة، ومن ناحية موقف الامام (ع) إزأ كلّ من هذه الاختيارات، ثمّ من ناحية نوع الاختيار الذي أصرّ إليه الامام (ع) منذ البدء.

لكنّ الاستفادة من نصوص هذه الفترة المهمّة في الوصول إلى تعريف صحيح تامّ لهذا الثورة المقدّسة لم تسلم في الغالب من عثرات القصور والخطأ في

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 148

الاستنتاج في كثير ممّا كتب حول هذه الثورة، ويكفي التاءمّل اليسير في كثير من الكتب والدراسات التي تناولت البحث في حقيقة قيام الامام الحسين (ع) دليلا لا ثبات ما قلناه والامثلة تاءتي ولعلّ مرّد ذلك بالا ساس إلى عدم الانتباه إلى النقاط الثلاث التالية:

1 معرفة هويّة المخاطَب في تلك النصوص.

2 النظر إلى هذه النصوص كوحدة في مجموعها.

3 ردّ المتشابه منها إلى المحكم.

انّ معرفة هويّة المخاطَب من العناصر المهمّة في فهم واستيعاب روايات أهل البيت (ع)، لا نّهم صلوات اللّه عليهم إنّما يخاطبون الناس على قدر عقولهم ومستوى بصيرتهم ودرجة ولائهم لهم ونوع علاقتهم باءعدائهم، وهذه نقطة مهمّة يجب حضورها دواما في ذهن الباحث المتاءمّل في النصوص الواردة عنهم (ع).

ولا شك أنّ الامام الحسين (ع) كان قد خاطب أخاه محمّد بن الحنفيّة في محاوراته معه ووصاياه إليه خطابا مختلفا عن خطابه مع أخيه عمر الاطرف الذي كان قد أشار على الامام (ع) قائلا: (فلو لا ناولت وبايعت!!). «1»

كما أنّه (ع) يخاطب أمَّ سلمة رضوان اللّه عليها خطابا يختلف عن ردّه على كتاب عمرة بنت عبدالرحمن التي عظّمت عليه ما يصنع وأمرته بالطاعة ولزوم الجماعة!!

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 149

وخاطب (ع) الشاعر الفرزدق في محاوراته معه بمنطق اختلف عن منطقه مع عبداللّه بن مطيع العدوي الذي كان همّه الاكبر أن يكون ماء بئره عذبا وكثيرا!

ويحاور (ع) عبداللّه

بن جعفر وابن عبّاس حوارا يختلف كثيرا عن حواره مع عبداللّه بن عمر صاحب الموقف والرأي المريب! الذي كان لايرى إلّا:

(أن تدخل في صلح ما دخل فيه الناس، واصبر كما صبرت لمعاوية من قبل). «1»

حتّى ضاق الامام (ع) ذرعا به وباقتراحاته المريبة فقال له:

(أفٍّ لهذا الكلام أبدا مادامت السموات والارض ...). «2»

وإذا تاءمّل الباحث في جميع نصوص هذه الفترة المهمّة لوجد أثر نوع المخاطب في نوع كلّ منها بيّنا جليّا، وممّن انتبه إلى هذه النقطة المهمّة المؤ رّخ المحقّق السيّد المقرّم حيث قال:

(وإنّما لم يصارح بما عنده من العلم لكلّ من رغب في إعراضه عن السفر إلى الكوفة لعلمه باءنّ الحقائق لاتفاض لا يّ متطلّب بعد اختلاف الاوعية سعة وضيقا وتباين المرامي قربا وبُعدا، فلذلك (ع) يجيب كلَّ أحد بما يسعه ظرفه وتتحمّله معرفته وعقليّته، فإ نّ علم أهل البيت (ع) صعب مستصعب لايتحمّله إلّانبيّ مرسلٌ أوملك مقرّبٌ أومؤ منٌ امتحن اللّه قلبه بالا يمان). «3»

كما أنّ تاءثير نوع المخاطب على درجة صراحة ووضوح محتوى النصّ يفرض أن تؤ خذ مجموعة هذه النصوص كوحدة في مجموعها، لا نّ النظر إلى بعض هذه النصوص وقد تكون مبهمة ومتشابهة أوغير صحيحة دون البعض الاخر قد يؤ دّي بالباحث إلى استنتاج نظرة تكون في الغالب قاصرة

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 150

أو خاطئة.

كما لو نظر الباحث فقط إلى مثل هذا المقطع من المحاورات الواردة بين الامام (ع) وبين الشاعر الفرزدق حين ساءله: (ما أعجلك عن الحجّ!؟) «1»

حيث أجابه (ع): (لو لم أعجل لا خذت). «2»

أو مثل هذه المحاورة الواردة بين الامام (ع) وبين أبي هرّة الازدي في منطقة الثعلبيّة، تقول الرواية:

(فلمّا أصبح الحسين وإذا برجل من الكوفة يكنّى أبا هرّة الازدي،

أتاه فسلّم عليه

ثمّ قال: يا ابن بنت رسول اللّه، ما الذي أخرجك عن حرم اللّه وحرم جدّك محمّد (ص)!؟

فقال الحسين: يا أباهرّة، إنّ بني أميّة أخذوا مالي فصبرتُ، وشتموا عرضي فصبرتُ، وطلبوا دمي فهربتُ، وأيم اللّه يا أباهرّة لتقتلنّي الفئة الباغية، وليلبسهم اللّه ذلٍّا شاملا وسيفا قاطعا، وليسلّطنّ اللّه عليهم من يُذلّهم حتّى يكونوا أذلَّ من قوم سباء إذ ملكتهم إمرأة منهنّ فحكمت في أموالهم ودمائهم). «3»

إنّ ظاهر مثل هذه النصوص يوحي باءنّ الامام (ع) كان همّه الاكبر النجاة بنفسه!! فقد صبر على أخذ ماله وشتم عرضه، وحين أرادوا قتله هرب لينجو

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 151

بنفسه!! هذه حدود مظلوميّته لا أكثر!! وكاءنّه ليس هناك رفض بيعة لا طلب اصلاح وأمر بمعروف ونهي عن منكر، ولا قيام!!

ولقد انطلى هذا الاستنتاج الخاطي على بعض الناس، فتوهّموا أنّ أساس حركة الامام (ع) هوطلب النجاة والفرار من الاغتيال والقتل!!

كذلك إذا اقتصر نظر الباحث على مثل ردّه (ع) على المسور بن مخرمة حينماكتب إليه ألّايغترّ بكتب أهل العراق حيث قال الامام (ع): (أستخير اللّه في ذلك). «1»

وقوله (ع) لا خيه محمّد بن الحنفيّة: (يا أخي، ساءنظر فيما قلت). «2»

أو قوله (ع) لعبداللّه بن مطيع العدوي: (أمّا في وقتي هذا اءُريد مكّة، فإ ذا صرت إليها استخرتُ اللّه تعالى في أمري بعد ذلك). «3»

أو قوله (ع) لعبداللّه بن عبّاس حين حذّره من التوجّه إلى العراق: (وإنّي أستخير اللّه، وأنظر ما يكون). «4»

أو قوله (ع) لعبداللّه بن الزبير: (واللّه لقد حدّثت نفسي بإ تيان الكوفة، ولقد كتب إليّ شيعتي بها وأشراف أهلها، وأستخير اللّه). «5»

ذلك لا نّ ظاهر مثل هذه النصوص يوحي باءنّ الامام (ع) لم تكن لديه خطّة على الارض في مسار

النهضة منذ البدء، ولا علم له بما هو قادم عليه في مستقبل أيّامه من مصير، بل كانت تُوجّه حركته بوصلة الاستخارة!

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 152

الامر الذي يعارض وينافي كثيرا من النصوص الواردة عنه (ع) في نفس ه ذه الفترة، فضلا عن منافاته للا عتقاد الصحيح بعلم الامام (ع)!

كذلك الحال إذا اقتصر نظر الباحث مثلا على النصوص المتعلّقة برسائل أهل الكوفة إلى الامام (ع)، خصوصا النصوص الواردة عنه (ع) في ذلك، لا نّ نتيجة مثل هذا النظر ستكون اعتبار رسائل أهل الكوفة هي سبب قيام الامام (ع)، وهذا من أشهر الاشتباهات الحاصلة في مجرى النظر إلى قيام الامام الحسين (ع)!

وكذلك لايكون الاستنتاج سديدا إذا اقتصر مثلا على النصوص المتعلّقة بالرؤ يا التي رأى فيها الامام (ع) جدّه رسول اللّه (ص) وأمره فيها باءمرٍ لابدّ أن يمضي إليه!

وكذلك لايكون الاستنتاج سديدا إذا اقتصر مثلا على النصوص التي توحي باءنّه (ع) كان ياءمل النصر والنجاح وتسلّم زمام الامور، وأنّه كان يتوقّع ذلك ويرجوه، وأنّه لم يكن يعلم المصير!.

كلّ تلك النتائج القاصرة أوالخاطئة إنّما تنشاء نتيجة الاخذ الجزئي المفكّك، أمّا أخذ جميع النصوص المتعلّقة بهذه الفترة كمجموعة واحدة أخذا كليّا موحّدا فهو أحد عناصر عصمة الاستنتاج من القصور والخطأ.

هذا، وكما يُردُّ متشابه القرآن إلى محكمه، كذلك يردّ متشابه قول أهل البيت (ع) إلى محكم قولهم.

وفي مجموعة هذه النصوص هناك متشابهات لايتجلّى معناها الحقّ للنظرة

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 153

الاولى، ويؤ دّي الاقتصار عليها في النظر إلى نتائج قاصرة أو خاطئة أيضا.

كما لو اقتصر النظر مثلا على مثل قوله (ع) لعمرو بن لوذان حينما أشار عليه بعدم التوجّه إلى الكوفة لا نّ أهلها لم يتحرّكوا عمليّا لنصرته ولم يغيّروا شيئا من أمورهم استقبالا

لمقدمه، حيث قال (ع): (يا عبداللّه، ليس يخفى عليَّ الرأي، ولكنّاللّه تعالى لايُغلب على أمره). «1»

أو إلى مثل قوله (ع) بعد أن قرأ كتاب عمرة بنت عبد الرحمن، وكانت في كتابها هذا (تعظّم عليه ما يريد أن يصنع، وتاءمره باالطاعة ولزوم الجماعة، وتخبره أنّه إنّما يُساق إلى مصرعه، وتقول: أشهد لحدّثتني عائشة أنّها سمعت رسول اللّه (ص) يقول: (يقتل حسين باءرض بابل)، حيث قال (ع): (فلابدّ لي إذن من مصرعي!). «2»

وإلى مثل إجابته (ع) حين أشار عليه عمر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي بعدم التوجّه إلى العراق، حيث قال (ع): (جزاك اللّه خيرا يا ابن عمّ، فقد واللّه علمت أنّك مشيت بنصح وتكلّمت بعقل، ومهما يقض من أمرٍ يكن، أخذتُ برأيك أو تركته!). «3»

أو إلى مثل قوله (ع) لا مّ سلمة رضي اللّه عنها: (يا اءُمّاه، قد شاءاللّه عزّ وجلّ أن يراني مقتولا مذبوحا ظلما وعدوانا، وقد شاء أن يرى حرمي ورهطي ونسائي مشرّدين، وأطفالي مذبوحين مظلومين ماءسورين مقيّدين، وهم يستغيثون فلا يجدون ناصرا ولا معينا ...). «4»

وإلى مثل قوله (ع) لعمّته اءُمّ هاني رضي اللّه عنها: (يا عمّة، كلّ الذي مقدّر

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 154

فهو كائن). «1»

وإلى قوله (ع) للا وزاعي: (مرحبا بك يا أوزاعي، جئت تنهاني عن المسير، وياءبى اللّه إلّاذ لك!). «2»

وإلى قوله (ع) لا خته زينب (س): (يا أختاهُ، المقضيُّ هو كائن). «3»

ذلك لا نّ هذه النصوص تنطوي على إبهام وتشابه يوحي للنظرة الاولى باءنّ هناك جبرا وقهرا لم يكن الامام (ع) إزأه يملك أيَّ اختيار في كلّ ما جرى عليه! وهذا خلاف واقع الحال، وخلاف الاعتقاد الصحيح!

إنّ من لم يطّلع على معنى القدر والقضاء وأقسام القضاء بما ورد عنهم

(ع) لايؤ مَنُ عليه من الوقوع في مزالق الفهم الخاطي ء لمعاني مثل هذه النصوص د المتشابهات.

إنّ فهم الاشارات الكامنة في مثل هذه النصوص يفرض على الباحث أن يعرض د متشابهات هذه النصوص على محكمات براهين الاعتقاد الحقّ، وعلى نظائرها من النصوص الاخرى المحكمة حتّى يتجلّى له معناها الحقّ تماما.

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 155

ممّا سبق تتجلّى لنا هذه الحقيقة وهي: أنّ قرأة معمّقة للنصوص الواردة عن الامام الحسين (ع) في هذه الفترة، قرأة واعية لحقائق هذه النقاط الثلاث التي قدّمناها، لابدّ أن تصل إلى هذه النتيجة وهي:

أنّ الامام الحسين (ع) كان قد تعامل في العمق مع كلّ قضيّة في مسار النهضة المقدّسة بمنطق (الشهيد الفاتح)، وخاطبها بلغة الشهادة التي هي عين الفتح، وإن كان في نفس الوقت قد تعاطى مع ظواهر القضايا بمنطق الحجج الظاهرة ولا منافاة بين المنطقين بل هما في طول بعضهما البعض.

فكان صحيحا مثلا أنّ الامام (ع) أراد أن (ينجو) من أن يُقتَل في المدينة أوفي مكّة خاصّة، قتلة يُقضى بها على ثورته في مهدها، وتُهتك بها حرمة البيت: (يا أخي، قد خفت أن يغتالني يزيد بن معاوية في الحرم، فاءكون الذي يستباح به حرمة هذا البيت). «1»

حيث يتمكّن الامويّون في كلّ ذلك أن يدعّوا أنّهم بريئون ممّا جرى على الامام (ع) سوأ في المدينة أو في مكّة أو في الطريق، فيحافظو بذلك على الاطار الديني لحكمهم، أو أن تزداد المصيبة سوءً حين يطالبون هم بدم الامام (ع) ويقتلون من أمروه بقتله، فيخدعون الناس بادّعائهم أنّهم أصحاب دمه الاخذون بثاءره، فيزداد الناس انحداعا بهم ومحبّة لهم وتصديقا بما يستظهرون من التدين والالتزام، فتكون المصيبة على الاسلام والامّة الاسلاميّة أدهى وأمرّ!

وصحيح في العمق أيضا

أنّ الامام (ع) كان قد تحرّك على علمٍ منذ البدء نحوالمصرع المختار على الارض المختارة التي تنفرج وقائع المصرع في ساحتها عن الفتح المنشود:

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 156

(وخِيرَلي مصرعٌ أنا لاقيه). «1»

(الموعد حفرتي وبقعتي التي أستشهد فيها وهي كربلا). «2»

(لا سبيل لهم عليّ ولايلقونى بكريهة أو أصل إلى بقعتى). «3»

(ولكن أعلم يقينا أن هناك مصرعي ومصرع أصحابي ...). «4»

فحيث إن لم يبايع (ع) يُقتل، فقد سعى (ع) ألّايقتل في ظروف زمانيّة ومكانيّة وبكيفيّة يختارها ويخطّط لها ويعدّها العدوّ، وسعى (ع) بمنطق الشهيد الفاتح أن يتحقّق مصرعه الذي لابدّ منه على أرض يختارها هو، لايتمكّن العدوّ فيها أن يعتّم على مصرعه، فتختنق الاهداف المرجوّة من ورأ هذا المصرع الذي سيهزّ الاعماق في وجدان الامّة ويحرّكها بالا تّجاه الذي أراده الحسين (ع)، كما سعى (ع) أن تجري وقائع الماءساة في وضح النهار لا في ظلمة الليل، ليرى جريان وقائعها أكبر عدد من الشهود، فلايتمكّن العدوّ من أن يعتّم على هذه الوقائع الفجيعة ويغطّي عليها، وهذا هو الهدف المنشود من ورأ العامل الاعلامي والتبليغي في طلب الامام (ع) عصر تاسوعاء أن يمهلوه إلى صبيحة عاشورأ!

وكان صحيحا مثلا أنّ رسائل أهل الكوفة كانت حجّة لهم على الامام (ع)، وحجّة له عليهم وعلى الامّة في وقت معا، وكانت حجّة هذه الرسائل تقضي أن يتوجّه الامام (ع) بعدها إلى الكوفة، خصوصا بعد أن كتب إليه مسلم بن

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 157

عقيل (ر) يخبره باءنّه قد بايعه منهم ثمانية عشر ألفا ويطلب منه القدوم. «1»

وذلك وفاءً بالوعد الذي قطعه لهم الامام الحسين (ع) على نفسه:

(... فإن كتب إليّ أنّه قد أجمع رأي ملئكم وذوي الفضل والحجى منكم على مثل ما قدمت عليّ به رسلكم

وقرأت في كتبكم، أقدم عليكم وشيكا إن شاءاللّه ...). «2»

ولو لم يتوجّه الامام (ع) إلى الكوفة بعد هذه الرسائل لقال التاءريخ والناس إلى يومنا هذا إنّه (ع) قد أخلف الوعد، وإخلاف الوعد قبيح! وضيّع الفرصة التي لاتُعوَّض د وفوّتها تفويتا، وفرّط في الامر خلافا للحنكة السياسيّة!

لكنّ حجّة أهل الكوفة على الامام (ع) كانت قد انتفت بالفعل بعد انقلاب الكوفة على مسلم بن عقيل (ع) وخذلان أهلها له، ونكولهم عن نصرته والوفاء ببيعته، وتفرّق بقيّة المخلصين من الشيعة وهم قليل جدّا تحت جنح التستّر والتخفّي خوفا من بطش ابن زياد بهم، بعد أن سجن جمعا منهم، ووصول الخبر بذلك إلى الامام (ع).

فلم يعد في الظاهر ثمّة إلزام يقضي بضرورة مواصلة التوجّه إلى الكوفة.

فلماذا لم ينثنِ الامام (ع) عن المسير إليها والتوجّه نحوها!؟

لعلّ هناك من يتصوّر أنّ إصرار الامام (ع) على التوجّه إلى الكوفة كان بسبب إصرار بني عقيل على الاخذ بثاءر مسلم (ع) بعد وصول خبر مقتله، كما هو ظاهر الرواية الواردة عن عبداللّه بن سليمان والمنذر بن المشمّعل

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 158

الاسديّين الذين نقلا خبر مقتل مسلم (ع) عن طريق أسديّ آخر شهد مقتله في الكوفة، ثمّ قالا للا مام (ع): (ننشدك اللّه في نفسك وأهل بيتك إلّا انصرفت من مكانك هذا، فإ نّه ليس لك بالكوفة ناصر ولا شيعة، بل نتخوّف أن يكونوا عليك ...). «1»

تقول الرواية:

(فنظر إلى بني عقيل فقال: ما ترون، فقد قتل مسلم (ع)؟ فقالوا: واللّه لانرجع حتّى نصيب ثاءرنا أو نذوق ما ذاق. فاءقبل علينا الحسين (ع) وقال: لا خير في العيش د بعد ه ؤلاء!). «2»

معنى ذلك أنّ الامام (ع) أصرّ على التوجّه إلى الكوفة نتيجة لا صرار بني عقيل

على الاخذ بثاءر مسلم (ع)!! وإلّا لكان الامام (ع) قد رجع من حيث أتى. أو كان قد انصرف عن وجهته، وما كانت لتقع عاشورأ!!

وهذا ما تاءباه ماهيّة النهضة الحسينيّة وياءباه تاءريخها الوثائقي.

فممّا يدلّ على أنّ القضيّة عند الامام (ع) هي قضية نجاة الاسلام التي هي أكبر من دم مسلم (ع) ومن كلّ دم. قول الامام (ع) لمسلم (ع) وهو يودّعه، موجّها إيّاه إلى الكوفة ومبشّرا إيّاه بالشهادة:

(إنّي موجّهك إلى أهل الكوفة، وهذه كتبهم إليّ، وسيقضى اللّه من أمرك ما يحبّ ويرضى، وأنا أرجو أن أكون أنا وأنت في درجة الشهدأ، فامض على بركة اللّه ...). «3»

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 159

وقوله (ع) للفرزدق حين ساءله: (كيف تركن إلى أهل الكوفة وهم الذين قتلوا ابن عمّك مسلم بن عقيل وشيعته!؟) «1»

حيث قال (ع):

(رحم اللّه مسلما، فلقد صار إلى روح اللّه وريحانه وجنّته ورضوانه، أما إنّه قد قضى ما عليه وبقي ما علينا ...). «2»

وفي إطار نقطة الانتباه إلى نوع المخاطب في معرفة المراد من النصوص الواردة عن أهل البيت (ع)، يحسن هنا أن نذكّر باءنّ الرجلين الاسديين الذين رويا تلكم القصّة والرواية تاءتي في موضعها من هذا الكتاب لم يكونا ممّن عزم على نصرة الامام (ع) والالتحاق بركبه!!

كلّ ما في أمرهما هو أنّ الفضول دفعهما إلى معرفة مايكون من أمر الامام (ع) فقط هذا باعترافهما كما في الرواية وقد تخليّا عنه أخيرا وفارقاه!!

والمتتبّع لمّا ورد في هذه الفترة من نصوص محاورات الامام (ع) خاصّة، يجد أنّ الامام (ع) كان لايخاطب هذا النوع من الرجال بمُرّ الحقّ وصريح القضيّة، بل كان (ع) يسلك إلى عقولهم في الحديث عن مراميه سبلا غير مباشرة يعرض فيها سببا أو أكثر من الاسباب

التي تقع في طول السبب الرئيس بما يناسب المقام والحال.

فقوله (ع) صدقٌ وحقٌ: (لا خير في العيش بعد هؤ لاء!).

لكنّ هذا لايعني أنّ مواساة بني عقيل كانت هي السبب الرئيس في إصرار

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 160

الامام على التوجّه إلى الكوفة.

يضاف إلى ذلك أنّ الامام (ع) لم يعلّل في أيّ موقع أونصٍّ آخر إصراره على التوجّه إلى الكوفة بطلب الثاءر لمسلم (ع)! بل كان يعلّل ذلك في أكثر من موقع ونصّ بحجّة رسائل أهل الكوفة وببيعتهم، وظلّ (ع) يؤ كّد التزامه بالوفاء بالعهد وبالقول الذي كان بينه وبين أهل الكوفة حتّى بعد أن منعه جيش الحرّ بن يزيد الرياحي عن الكوفة وحال بينه وبينها (وعن الرجوع إلى المدينة على بعض د الروايات). «1»

فقد قال (ع) للطّرمّاح الذي عرض عليه اللجوء إلى جبل (أجاء) المنيع بعد مضايقات جيش الحرّ:

(جزاك اللّه وقومك خيرا، إنّه قد كان بيننا وبين هؤ لاء القوم قول لسنا نقدر معه على الانصراف ...). «2»

وفي نصٍّ آخر:

(إنّ بيني وبين القوم موعدا أكره أن اءُخلفهم، فإن يدفع اللّه عنّا فقديما ما أنعم علينا وكفى، وإن يكن ما لابدّ منه ففوز وشهادة إن شاء اللّه). «3»

كما خاطب (ع) جيش الحرّ بن يزيد الرياحي بهذه الحجّة أيضا حيث قال:

(أيّها الناس، إنّي لم آتكم حتّى أتتني كتبكم وقدمت عليّ رسلكم أن أقدم

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 161

علينا فإ نّه ليس لنا إمام، لعلّ اللّه أن يجمعنا بك على الهدى والحقّ ...). «1»

وما فتاء الامام (ع) يحتجّ بذلك على أهل الكوفة ويذكّر به حتّى استشهد!

وعلى ضوء مثل هذه النصوص، يكون صحيحا القول: إنّ الامام (ع) واصل التزامه بالوفاء بهذا الموعد والقول، وأصرّ على التوجّه إلى الكوفة لا لا نّ لا هل الكوفة

حجّة باقية عليه في الواقع، بل لا نّه (ع) لم يشاء أن يدع أىّ مجال لا مكان القول باءنّه (ع) لم يفِ تماما بالعهد لو كان قد انصرف عن التوجّه إلى الكوفة في بعض د مراحل الطريق، حتّى بعد أن أغلق جيش الحرّ دونه الطريق إليها، ذلك لا نّ الامام (ع) مع تمام حجّته البالغة على أهل الكوفة أراد في المقابل بلوغ تمام العذر وعلى أكمل وجه فيما قد يُتصوَّر أنّ لهم حجّة باقية عليه، بحيث لايبقى ثمّة مجال للطّعن في وفائه بالعهد!

هذا، وإذا انتبهنا إلى أنّ الامام (ع) بعد أن أختار موقفه المبدئي برفض البيعة ليزيد وبالقيام، كان يعلم منذ البدء أنّه مقتول لامحالة، خرج إلى العراق أو لم يخرج، وهذا ما تؤ كّده كثير من النصوص الواردة عنه (ع)، منها:

(إنّي واللّه مقتول كذلك، وإن لم أخرج إلى العراق يقتلونني أيضا ..) «2»

لوكنت في جحر هامّة من هو امّ الارض لاستخرجونى منه حتّى يقتلونى «3»

إتّضح لنا أنّ من الحكمة أن يختار الامام (ع) لمصرعه أفضل الظروف الزمانيّة والمكانيّة والنفسية والاجتماعيّة المساعدة على كشف مظلوميّته

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 162

وفضح أعدائه ونشر أهدافه، وأن يتحرّك باتّجاه تحقيق ذلك ما وسعته القدرة على التحرك.

وبما أنّ الامام (ع) كان يعلم منذ البدء أيضا أنّ أهل الكوفة لايفون له بشي من عهدهم وبيعتهم وأنّهم سوف يقتلونه:

(هذه كتب أهل الكوفة إليّ ولاأراهم إلّا قاتليَّ ...). «1»

إذن فهو (ع) بمنطق الشهيد الفاتح كان يريد العراق ويُصرّ على التوجّه إليه لا نّه أفضل أرض للمصرع المختار، ذلك لما ينطوي عليه العراق من استعدادات للتاءثّر بالحدث العظيم (واقعة عاشورأ) والتغيّر نتيجةً لها.

وذلك لا نّ الشيعة في العراق آنئذٍ أكثر منهم في أيّ إقليم إسلامي آخر ولا

نّ العراق لم ينغلق إعلاميّا ونفسيّا لصالح الامويّين كما هو الشام، بل لعلّ العكس د هوالصحيح.

وهذه الحقيقة أكّدتها الوقائع التي تلت واقعة عاشورأ، وأثبتت أيضا صحّة هذا المنطلق، ولعلّ هذا هوالسرّ المستودع في قوله (ع) لمّا ساءله عبدالله بن عيّاش: أين تريد يا ابن فاطمة؟ حيث أجاب (ع): (العراق وشيعتي). «2»

وقوله (ع) بعبدالله بن عبّاس (رض): (لابدّ من العراق). «3»

وعلى ضوء هذا يُفسَّر رفض الامام (ع) اقتراحات في المدينة طلبت إليه عدم التوجّه إلى العراق، وأن يتوجّه إلى اليمن أو إلى شعاب الجبال الامنة (وذلك

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 163

قبل رسائل أهل الكوفة إليه)، كان قد اقترحها عليه مثل محمّد بن الحنفيّة (ر) وأمّ سلمة وغيرهم.

وفي هذا الاتّجاه أيضا يمكن أن نفسّر رفض الامام (ع) لاقتراح الطرمّاح عليه باللجوء إلى جبل (أجاء) المنيع بعد اللقاء بجيش الحرّ بن يزيد الرياحي.

وكذلك إعراض الامام (ع) عن استثمار الفرصة التي أتاحها له الحرّ (ر) ليرجع من حيث أتى أو يمضي إلى حيث شاء كما في الرواية الاتية وإصراره على التوجه إلى الكوفة، وذلك قبل وصول الرسالة الصارمة التي بعث بها عبيداللّه بن زياد إلى الحرّ والتي أمره فيها أن يجعجع بالا مام (ع).

ففي الاثر أنّ حوارا ساخنا دار بين الامام (ع) وبين الحرّ بن يزيد الرياحي: فقال الامام (ع): (فذر إذن أصحابك وأصحابي، وابرز إليّ، فإن قتلتني حملت رأسي إلى ابن زياد، وإن قتلتك أرحت الخلق منك!

فقال الحرّ: إنّي لم أؤ مر بقتالك، وإنّما أمرت أن لاأفارقك أو أقدم بك على الامير، وأنا واللّه كاره أن يبتليني اللّه بشيٍ من أمرك، غير أنّي أخذت ببيعة القوم وخرجت إليك، وأنا أعلم أنّه ما يوافي القيامة أحدٌ من هذه الامّة إلّا وهو

يرجو شفاعة جدّك، وإنّي واللّه لخائف إن أنا قاتلتك أن أخسر الدنيا والاخرة، ولكن أمّا أنا يا أباعبداللّه فلستُ أقدر على الرجوع إلى الكوفة في وقتي هذا، ولكن خذ غير الطريق وأمضِ حيث شئت، حتّى أكتب إلى الامير أنّ الحسين خالفني الطريق فلم أقدر عليه ...). «1»

فالحرّ على ضوء هذه الرواية كان قد سمح للا مام (ع) عدا الكوفة أن

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 164

(... وأنا أدعوكم إلى كتاب اللّه وسنّة نبيّه (ص)، فإ نّ السنّة قد أميتت، وإنّ البدعة قد أحييت، وإن تسمعوا قولي وتطيعوا أمري أهدكم سبيل الرشاد ...). «1»

وصحيح في العمق أيضا بمنطق الشهيد الفاتح أنّ الامام (ع) كان يعلم أنّ النصر الظاهري وتسلّم الحكم حتّى لوتحقّق له على فرض الاحتمال فإ نّه قد يتحقّق في إقليم (العراق مثلا) أو أكثر من إقليم على أحسن إحتمال، لكنّ الشام وما تبعها من الاقاليم الاخرى تبقى آنئذٍ في يد الحكم الامويّ، ويعود الصراع بين الحقّ والباطل إلى سابق حلباته ومعاركه غير الحاسمة، في مثل (صفّين) مرّةً أخرى، وتبقى قدرة الامويّين على تضليل الامّة كما هي، وتبقى ماءساة الاسلام على حالها، ويبقى الامر دون مستوى الفتح المنشود.

فلابدّ إذن من (واقعة حاسمة) تفصل تماما بين الحقّ والباطل، وتحيل شلل الامّة ومواتها حركة وحياة، وتشلّ الباطل فلا تبقى له بعدها أيّة قدرة على التلبّس بلباس د الحقّ وتضليل الناس على الصعيد الديني والنفسي والسياسي والاعلامي.

(واقعة حاسمة) تنتهي بكل نتائجها لصالح الحقّ ولو بعد حين، فلا تنتهي كما انتهت صفّين مثلا!

(واقعة حاسمة) تكتب بمداد من الدم المقدّس كلّ البلاغات والبيانات اللّازمة في طريق الكمال الانساني على هدي الاسلام المحمّدي الخالص!

(واقعة حاسمة) تمنح مبدأ الامر بالمعروف والنهي عن المنكر (قيمة إثباتيّة)

عليا تضاف إلى قيمته الثبوتيّة العالية في الشريعة المقدّسة!

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 166

(واقعة حاسمة) لايكون بعدها الاصلاح في الامّة إلّا في ظلّها وببركتها وتحت شعارها!

(واقعة حاسمة) تمتدّ في الزمان فيكون كلّ يوم يومها، وتمتدّ في المكان فتكون كلّ أرض أرضها!

وحيث إنّ كلّ منطق آخر غير منطق الشهيد الفاتح لايؤ دّي آنئذٍ إلى هذا الحسم المنشود، من هنا رأينا الشهيد الفاتح (ع) يرفض كلّ نصر دون مستوى ذلك الحسم، ويختار لقاء اللّه تعالى شهيدا فاتحا!

وفي هذا البعد بعد منطق الشهيد الفاتح يكون بإ مكاننا أن نفهم السر في الرواية القائلة إنّه: (لمّا التقى الحسين (ع) وعمر بن سعد لعنه اللّه وقامت الحرب، اءُنزل النصر حتّى رفرف على راءس الحسين (ع)، ثمّ خُيِّر بين النصر على أعدائه وبين لقاء اللّه تعالى، فاختار لقاء اللّه تعالى). «1»

وه ذا البعد أيضا أحد الابعاد التي يمكن على ضوئها أن نفهم سرّ عدم إذنه (ع) للملائكة والجنّ الذين أظهروا له استعدادهم لنصرته أن ينصروه فعلا، فقال للملائكة:

(الموعد حفرتي وبقعتي التي استشهد فيها وهي كربلا)

وقال للجنّ:

(أما قرأتم كتاب اللّه المنزل على جدّي رسول اللّه (ص) في قوله: (قل لوكنتم

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 167

في بيوتكم لبرز الذين كُتب عليهم القتل إلى مضاجعهم). «1»

وعلى ضوء هذا المنطق منطق الشهيد الفاتح نفهم أيضا سرّ موقف الامام الحسين (ع) من الاقتراحات والمشورات الصحيحة والنصائح الصائبة (بمقياس هدف النصر الظاهري وتسلّم الحكم) التي اقترحها عليه كلُّ من محمّد بن الحنفيّة، وعمر بن عبدالرحمن وعبداللّه بن عبّاس وعمربن لوذان ...

فقد قال له أخوه محمّد:

(أخرج إلى مكّة، فإن اطماءنّت بك الدار فذاك الذي تحبّ وأحبّ، وإن تكن الاخرى خرجت إلى بلاد اليمن، فإ نّهم أنصار جدّك وأخيك وأبيك، وهم أرأف الناس،

وأرقّهم قلوبا، وأوسع الناس بلادا، وأرجحهم عقولا، فإن اطماءنّت بك أرض اليمن وإلّا لحقت بالرمال وشعوب الجبال، وصرت من بلد إلى بلد لتنظر ما يؤ ول إليه أمر الناس، ويحكم بينك وبين القوم الفاسقين). «2»

وقد أقرّ الامام (ع) أنّ هذه النصيحة صواب! إذ قال له:

(... جزاك اللّه يا أخي عنّي خيرا، ولقد نصحت وأشرت بالصواب ...). «3»

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 168

وقال له عمر بن عبدالرحمن:

(... قد بلغني أنّك تريد العراق، وإنّي مشفق عليك، إنّك تاءتي بلدا فيه عمّاله وأمراؤ ه ومعهم بيوت الاموال، وإنّما الناس عبيد الدنيا والدرهم، فلا آمن عليك أن يقاتلك من وعدك نصره، ومن أنت أحبّ إليه ممّن يقاتلك معه). «1»

وقد أثنى الامام (ع) على رأيه هذا، إذ قال له:

(جزاك اللّه خيرا يا ابن عمّ، فقد واللّه علمت أنّك مشيت بنصح وتكلّمت بعقل ...). «2»

وفي هذا المجرى قال له ابن عبّاس أيضا:

(أخبرني رحمك اللّه، أتسير إلى قوم قد قتلوا أميرهم وضبطوا بلادهم ونفوا عدوّهم!؟ فإن كانوا قد فعلوا ذلك فَسِر إليهم، وإن كانوا إنّما دعوك إليهم وأميرهم عليهم قاهرٌ لهم، وعمّاله تجبي بلادهم، فإ نّهم إنّما دعوك إلى الحرب والقتال، ولاآمن عليك أن يغرّوك ويكذّبوك ويخالفوك ويخذلوك، وأن يُستنفروا إليك فيكونوا أشدّ الناس عليك). «3»

وقال له عمرو بن لوذان في هذا الاتّجاه أيضا:

(أنشدك اللّه لما انصرفت، فواللّه ما تقدم إلّا على الاسنّة وحدّ السيوف، وإنّ هؤ لاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفوك مؤ نة القتال، ووطّاءوا لك الاشياء،

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 169

فقدمت عليهم كان ذلك رأيا، فاءمّا على هذه الحال التي تذكر فإ نّي لاأرى لك أن تفعل). «1»

ويجيبه الامام (ع):

(يا عبداللّه، ليس يخفى علىّ الرأى، ولكنّ اللّه تعالى لايغلب على أمره). «2»

وفي هذا

الاجابة إقرار بعقلائيّة هذا الرأي وصوابه!

لكنّ الامام (ع) مع إقراره بصحّة وصواب تلكم النصائح والاقتراحات كان يؤ كّد لكلٍّ من هؤ لاء الرجال بطريقة تتناسب ونوع المخاطب أنّه لابدّ له من عدم الاخذ بتلكم النصائح والاقتراحات!!

وذلك لا نّ منطق هؤ لاء وإن كان صحيحا بمقياس حدود الظاهر إلّا أنّه لايتعدّى التفكير بالسلامة والمنفعة الذاتيّة والنصر الظاهري وإن كان جزئيّا وعلى نحوالاحتمال!

في حين أنّ الاسلام كان آنئذٍ يمرُّ بمنعطف حرجٍ حاسم النتيجة في أن يبقى أو لايبقى، وقد لخّص الامام (ع) حال الاسلام الحرجة هذه بقوله لمروان بن الحكم:

(وعلى الاسلام السلام إذ قد بليت الامّة براعٍ مثل يزيد!). «3»

كان الاسلام آنئذٍ في حالة كما المريض الذي لاينفع في علاجة إلّا الكَيُّ! وقديما قيل في المثل: (آخر الدوأ الكَيُّ)، لما يترتّب عليه من علاج حاسم.

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 170

حال الاسلام آنئذٍ لم يكن ينفع في علاجها منطق السياسة والمعاملة السياسيّة، والدهاء السياسي ورعاية المصالح الذاتيّة، والتفكير بالسلامة، وحسابات الاستفادة والمنفعة والربح والخسارة الشخصيّة، ومنطلقات التخطيط للسيطرة على الحكم!

حال الاسلام آنئذٍ ماكانت لتصل إلى علاجها الحاسم وتبلغ الشفاء التامّ إلّا بمنطق الشهيد الفاتح الذي جاء من قلب (المدينة) يسعى، يحدو به الشوق إلى المصرع المختار:

(وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف). «1»

في ركب من العشّاق (ومصارع عشّاق شهدأ ...) «2» لاتثنيهم عن الغاية عقلائيّة عقلاء الظاهر، ولا نصائحهم، ولا ملامة المحجوب عن المحبوب.

حتّى إذا قيل: هذه كربلاء!

تنفّس الشهيد الفاتح الصعدأ!

فهاهنا: أرض المصرع المختار وبقعة الفتح!

آفاق الفتح الحسيني: ..... ص : 170
اشارة

يحدّثنا التاءريخ في واحدة من روائع وثائقه (المعتبرة): أنّ الامام أباعبداللّه الحسين (ع) بعث بهذه الرسالة إلى أخيه محمّد بن الحنفيّة ومن قبله من بني هاشم:

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 171

(بسم اللّه الرحمن الرحيم)

(من الحسين

بن علّي إلى محمّد بن علّي ومن قبله من بني هاشم. أمّا بعد: فانّ من لحق بي استشهد، ومن لم يلحق بي لم يدرك الفتح. والسلام.) «1»

يقول المحقّق السيّد المقرّم (ره) مشيرا إلى هذه الرواية:

(كان الحسين (ع) يعتقد في نهضته أنّه فاتح منصور لما في شهادته من إحياء دين رسول اللّه (ص)، وإماتة البدعة وتفظيع أعمال المناوئين، وتفهيم الامّة أنّهم (ع) أحقّ بالخلافة من غيرهم، وإليه يشير في كتابه إلى بني هاشم:

من لحق بنا منكم استشهد، ومن تخلّف لم يبلغ الفتح. فانّه لم يرد بالفتح إلّا ما يترتّب على نهضته وتضحيته من نقض دعائم الضلال وكسح أشواك الباطل عن صراط الشريعة المطهّرة وإقامة أركان العدل والتوحيد، وأنّ الواجب على الامّة القيام في وجه المنكر.

وهذا معنى كلمة الامام زين العابدين لا براهيم بن طلحة بن عبيداللّه لمّا قال له حين رجوعه إلى المدينة: من الغالب!؟

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 172

فقال السجّاد (ع): إذا دخل وقت الصلاة فاءذّن وأقم تعرف الغالب! «1»

وقال المتتبّع باقر شريف القرشي تعليقا على الرواية نفسها:

(لقد أخبر (ع) الاسرة النبويّة باءنّ من لحقه منهم سوف يظفر بالشهادة، ومن لم يلحق به فإ نّه لاينال الفتح، فاءيّ فتح هذا الذي عناه الامام؟

إنّه الفتح الذي لم يحرزه غيره من قادة العالم وأبطال التاءريخ، فقد انتصرت مبادؤ ه، وانتصرت قيمه وتاءلّقت الدنيا بتضحيته، وأصبح اسمه رمزا للحقّ والعدل، وأصبحت شخصيّته العظيمة ليست ملكا لا مّةٍ دون أمّة ولا لطائفةٍ دون أخرى، وإنّما هي ملك للا نسانيّة الفذّة في كلّ زمان ومكان، فاءيّ فتح أعظم من هذا الفتح، وأيّ نصر أسمى من هذا النصر؟؟) «2»

ويمكننا هنا أن ننظر إلى أهّم آفاق الفتح الحسيني- بما تتّسع له صفحات هذه المقالة-

في المقاطع الزمانيّة الثلاثة التالية:

مقطع عصر عاشورأ: ..... ص : 172
اشارة

وفي هذا المقطع هناك آفاق فتح حسينيّ عديدة، أهمّها:

أ) الفصل بين الامويّة والاسلام ..... ص : 172

: مرّ بنا في المقالة الاولى من مدخل هذا الكتاب: كيف أنّ معاوية بن أبي سفيان (الذي انتهت إليه قيادة حركة النفاق آنذاك) قد أضلّ جلّ هذه الامّة إضلالا بعنوان الدين نفسه! حيث عتّم على ذكر أهل البيت (ع) وعلى ذكر فضائلهم تعتيما تامّا، وافتعل من خلال وضّاع الاحاديث- افتراءً على النبىٍّ (ص) قداسة مكذوبة له ولبعض من مضى من الصحابة الذين قادوا حركة النفاق أو ساروا في ركابها، وت آزروا على غصب أهل البيت (ع) حقّهم الذي فرضه اللّه لهم، وخدّر معاوية بن أبي سفيان الامّة

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 173

المسلمة عن القيام والنهوض د ضدّ الظلم من خلال تاءسيس فرق دينيّة تقدّم للناس تفسيرات دينية تخدم سلطة الامويّين وتبرّر أعمالهم، كما في مذهب الجبر ومذهب الارجاء وأعانه على ذلك ما بذله من جهدٍ كبير في تمزيق الامّة قبليّا وطبقيّا، وفي اضطهاد الشيعة اضطهادا كبيرا.

ومع طول مدّة حكمه، انخدع جلّ هذه الامّة بالتضليل الديني الاموىٍّ، واعتقدوا أنّ حكم معاوية حكم شرعيّ، وأنّه امتداد للخلافة الاسلاميّة بعد رسول اللّه (ص)، وأنّ معاوية إمام هذه الامّة، وأنّ من ينوب عنه في مكانه إمام لهذه الامّة وامتداد لا ئمتها الشرعيّين!! ومن المؤ سف حقّا أنّ جلّ هذه الامّة خضع خضوعا أعمى له ذا التضليل وانقادله، فلم يعد يبصر غيره، بل لم يعد يصدّق أنّ الحقيقة شي آخر غير هذا!

هذا ابن زياد يخطب في الناس في خطبته التي خذّلهم فيها عن مسلم بن عقيل (ع) فيقول فيها:

(إعتصموا بطاعة اللّه وطاعة أئمّتكم!!). «1»

وهذا مسلم بن عمرو الباهلي يخاطب مسلم بن عقيل (ع) مفتخرا بضلاله قائلا:

(أنا ابن من عرف الحقّ إذ أنكرته!، ونصح لا

مامه إذ غششته!، وسمع وأطاع إذ عصيته وخالفت!) «2»

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 174

و هذا عمروبن الحجّاح الزبيدي- من قادة الجيش الامويّ في كربلاء- صاح يحرّض أهل الكوفة على الامام الحسين (ع) وأنصاره قائلا:

(يا أهل الكوفة، إلزموا طاعتكم وجماعتكم، ولاترتابوا في قتل من مرق من الدين وخالف الامام!) «1»

هذا في الكوفة والعراق! أمّا في الشام فقد كان أهل الشام يرون أنه ليس د لرسول اللّه (ص) قرابة ولا أهل بيت يرثونه غير بني أميّة!! «2»

وكان الحكم الامويّ حريصا كلّ الحرص في الحفاظ على هذا الاطار الدينيّ الذي تلبّس به عن طريق الجهد الطويل في المكر والخداع ..

ولقد كان أضمن السبل لتحطيم هذا الاطار الديني هو أن يثور عليه رجلٌ ذو مركز دينيّ مسلَّمٌ به عند الامّة الاسلاميّة، فثورة مثل هذا الرجل كفيلة باءن تفضح الزخرف الديني الذي يتظاهر به الحكّام الامويّون، وأن تكشف هذا الحكم على حقيقته، وجاهليّته، وبُعده الكبير عن مفاهيم الاسلام، ولم يكن ه ذا الرجل إلّا الحسين (ع)، فقد كان له في قلوب الاكثريّة القاطعة من المسلمين رصيد كبير من الحبّ والاجلال والتعظيم.

وكان معاوية منتبها لهذه الحقيقة، فكان يتحاشى أيّة مواجهة علنيّة مع الامام الحسين (ع)، وكان يجتهد في الحيلولة دون قيام الامام (ع) بالمراقبة الشديدة والمداراة، وكان عازما على الصفح (في الظاهر طبعا) عن الامام (ع) إذا قام ثمّ ظفر به- على ما في بعض الروايات، كما سوف ياءتي في متن هذا الكتاب- ذلك لا نّ معاوية يُدرك جيّدا أنّ سفك مثل هذا الدم المقدّس حماقة كبرى تُعرّي الحكم الامويّ عن كلّ الزيف الذي تلبّس به.

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 175

لكنّ يزيد بن معاوية ارتكب هذه الحماقة الكبرى!! لا سباب عديدة منها افتقاره إلى الدهاء

والحنكة السياسيّة اللذين كان يتمتّع بهما أبوه معاوية!

وفي عاشورأ كربلاء لم يرض الجيش الامويّ من الامام الحسين (ع) إلّا بالقتل، قتله وقتل أنصاره من أهل بيته وأصحابه الكرام في وضح نهار ذلك اليوم، بعد منعهم عن الماء، حتّى مضوا عطاشى وفيهم حتّى الطفل الرضيع!، ثمّ ما فعلوه بعد ذلك من رضّ أجسادهم بحوافر الخيل، وسبي بنات النبوة على الوجه المعروف، حاسرات بلا غطاء ولا وطاء، ونقل رؤ وس القتلى مع السبايا من كربلاء إلى الكوفة وإلى الشام ...

كلّ ذلك جرّد الامويّين من كلّ صبغة دينيّة وانسانيّة، بل أظهرهم على حقيقتهم المضادّة للدّين والانسانيّة. لقد كانت الرؤ وس والسبايا، وأحاديث الجنود العائدين دلائل حيّة، بليغة الادأ، قوّضت كلّ ركيزة دينيّة موهومة للحكم الامويّ في نفوس المسلمين.

ولقد زاد الامام الحسين (ع) موقف الامويّين حراجة إذ لم يصّر على القتال ولم يبدأهم به، وقد أعطاهم (ع) الفرصة ليتّقوا بها ارتكاب قتله وقتل آله وصحبه، ولكنّهم أبوا إلّا ارتكاب قتلهم وأصرّوا على ذلك، فزادهم ذلك فضيحة في المسلمين.

لقد عمي الجيش الامويّ في حماقته الكبرى في كربلاء يوم عاشورأ عن أنّه يقاتل شخص رسول اللّه (ص) في شخص الحسين (ع).

هذه الحقيقة التي فطن لها- في من فطن- الحرّ بن يزيد الرياحى رضوان اللّه تعالى عليه، فتعذّب بها العذاب الاكبر، حتّى دفعته في يوم عاشورأ إلى اختيار الجنّة على النار، فتحوّل إلى صفّ الامام (ع) واستشهد بين يديه!

لقد تحوّل الجيش الامويّ في إصراره على قتل الامام الحسين (ع) إلى متمرّد

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 176

على الاسلام نفسه! وقد استغلّ الامام الحسين (ع) إصرارهم على قتله وامتناعهم عن الاستجابة لاقتراحاته استغلالا رائعا في احتجاجاته يوم عاشورأ، لفضحهم ولكشف عدائهم للا سلام نفسه! فاءظهر لكلّ

مشاهد من ذلك الملا الكبير الحاضر على أرض الواقعة حقيقة نفاق الامويّين، ثمّ انتشرت بعد ذلك أنباء فجائع وقائع يوم عاشورأ في كلّ الامّة، ليتحقّق بذلك هذا الافق الكبير من آفاق الفتح الحسيني في فصل الامويّة عن الاسلام.

ولو لم تكن واقعة كربلاء لكان الامويّون قد واصلوا حكم الناس باسم الدين حتّى يترسّخ في أذهان الناس بمرور الايّام والسنين أنّه ليس هناك إسلام غير الاسلام الذي يتحدّث به الامويّون ويؤ خذ عنهم!! وعلى الاسلام السلام!

لو لم تكن واقعة عاشورأ لما كان بالا مكان فصل الاسلام والامويّة عن بعضهما البعض، ممّا يعني أن زوال الامويّة يوما ما كان سيعني زوال الاسلام أيضا!، ولكانت جميع الانتفاضات والثورات التي قامت على الظلم الامويّ تقوم حين تقوم على الاسلام نفسه! لكنّ الفتح الحسيني في عاشورأ هو الذي جعل كلّ هذه الانتفاضات والثورات التي قامت بعد عاشورأ إنّما تقوم باسم الاسلام على الامويّة!. «1»

وعند هذه النقطة- فصل الامويّة عن الاسلام- تكون عاشورأ قد أعادت مساعي حركة النفاق- منذ وفاة النبىٍّ (ص) حتّى سنة ستّين للهجرة- إلى نقطة الصفر! فلو لم تكن عاشورأ لتمكّنت حركة النفاق المتمثّلة بالحزب

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 177

الامويّ آنئذٍ من القضاء على الاسلام المحمّديّ الخالص تماما، ولمّا بقي منه الّا عنوانه!

فاءىُّ أفق في الفتح أوضح وأكبر من أفق الحفاظ على الاسلام المحمّديّ الخالص د من خلال فصل الامويّة بكلّ عوالقها عن هذا الاسلام!؟

ب)- عاشورأ، بداية نهاية الحكم الامويّ ..... ص : 177
اشارة

: لقد أثارت واقعة عاشورأ موجة رهيبة من الانكار والرفض والقلق النفسي والشعور بالا ثم، وقد سيطرت هذه الموجة على نفوس المسلمين أفرادا وجماعات، ودفعتهم إلى العمل السياسي والتكتّل الاجتماعي للا طاحة بالحكم الامويّ.

ومنذ عاشورأ إلى سقوط الحكم الامويّ حفل تأريخ الامّة الاسلاميّة بانتفاضات وثورات، فرديّة

وجماعيّة، قامت ضدّ الحكم الامويّ، وكان لثورة الامام الحسين (ع) أثر مباشر أو غير مباشر في كلٍّ منها.

وبذلك تكون عاشورأ قد رسمت بداية نهاية الحكم الامويّ.

ومن الانتفاضات والثورات التي كان لثورة الامام الحسين (ع) أثرها المباشر فى اندلاعها:

1- إنتفاضة عبداللّه بن عفيف الازدي (رض) ..... ص : 177

وقد قام هذا المؤ من المجاهد في وجه ابن مرجانة انتصارا لا هل البيت (ع)، وأحال نشوة ابن مرجانة بالنصر الظاهري إلى غصّة بانكسار أليم حينما ردّ عليه وعنّفة منكرا عليه سوء ما فعل بذريّة النبىٍّ (ص) ففضحه أمام الملا العام، وكان للمواجهة السافرة بينه وبين ابن مرجانة أثر بالغ في كسر حاجز الخوف في قلوب الناس، وتشجيعهم على التمّرّد، وياءتي ذكر هذه الانتفاضة الشجاعة في موقعها من

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 178

هذا الكتاب.

وهناك انتفاضة فرديّة أخرى ضبطها التاءريخ، إذ رُوي أنّ رجلا من بكر بن وائل يقال له جابر كان حاضرا في مجلس ابن زياد، وحينما عرف أنّ الرأس الذي بين يدي ابن زياد هو رأس ابن بنت رسول اللّه (ص) انتفض وهو يقول مخاطبا ابن زياد:

(للّه عليّ أن لاأصيب عشرة من المسلمين خرجوا عليك الّا خرجتُ معهم.). «1»

2- ثورة المدينة: ..... ص : 178

وهي من أحداث سنة ثلاث وستّين للهجرة، حيث انتفض أهل المدينة فيها وأخرجوا عنها عامل يزيد بن معاوية فيها وهوعثمان بن محمّد بن أبي سفيان، وأظهروا خلع يزيد بن معاوية، في قصّة مفصّلة انتهت بوقعة الحرّة الاليمة على يد مسلم بن عقبة المرّي الذي أباح المدينة ثلاثة أيّام وقتل من أهلها خلقا كثيرا، ناف عدد ما اءُحصي منهم على الاربعة آلاف، حتّى لُقّب هذا المريّ اللعين ب (مسرف)! وكان لهذه الفاجعة أيضا أثر بالغ في تاءجيج مشاعر الناس ضدّ الحكم الامويّ.

والذي أجّج شعلة هذه الثورة أسباب كان أهمّها مقتل الامام الحسين (ع) فإ نّ زينب بنت علي (ع) دأبت بعد وصولها إلى المدينة على العمل للثّورة، وعلى تعبئة النفوس لها وتاءليب الناس على حكم يزيد، وقد تعاظم أمر نشاطها وتاءثيرها في أهل المدينة حتّى خاف والي المدينة

آنذاك عمرو بن سعيد الاشدق من انفلات الامر وانتقاضه عليهم فشكاها إلى يزيد، وأتاه

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 179

كتاب يزيد باءن يفرّق بينها وبين الناس. «1»

3- ثورة التوّابين ..... ص : 179

: وكانت هذه الثورة ردّ فعل خالصا لثورة الامام الحسين (ع)، إذ لم يكن لغير ثورة الامام الحسين (ع) أثر فيها، وقد انبعثت نتيجة الشعور بالا ثم والندم والحسرة على عدم نصرة الامام الحسين (ع)، وقد رأى الثوّار فيها أنّه لايغسل عارهم والاثم عنهم إلّا قتل من قتل الامام (ع) أوالقتل في هذا الامر، وكان زعيم هذه الثورة سليمان بن صرد الخزاعي، وقد ابتدأ الاعداد لهذه الثورة اجتماعيّا وعسكريّا بعد عاشورأ سنة إحدى وستّين للهجرة، وكان هذا الاعداد سرّيا حتّى مات يزيد، فخرجوا بعد موته من السر إلى العلن، فتوجّهوا سنة خمس د وستّين للهجرة إلى قبر الامام الحسين (ع)، فلمّا وصلوا إليه صاحوا صيحةً واحدةً، فما رُئِىٍّ أكثر باكيا من ذلك اليوم، وكان من قولهم عند تربته:

(أللّهمّ ارحم حسينا الشهيد ابن الشهيد، المهديَّ بن المهديِّ، الصدّيقَ بن الصدّيقِ، أللّهمّ إنّا نشهدك أنّا على دينهم وسبيلهم، وأعدأ قاتليهم وأولياء محبّيهم، أللّهمّ إنّا خذلنا ابن بنت نبيّنا (ص)، فاغفرلنا ما مضى منّا وتب علينا، وارحم حسينا وأصحابه الشهدأ الصدّيقين، وإنّا نشهدك أنّا على دينهم وعلى ما قتلوا عليه، وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننّ من الخاسرين. «2»

ثمّ توجّهوا إلى الشام، والتحموا مع كتائب الجيش الامويّ في منطقة (عين الوردة) في وقعة دمويّة رهيبة هزّت نتائجها الفادحة أركان الحكم الامويّ هزّا عنيفا!

(ولقد اعتبر التوّابون أنّ المسؤ ول الاوّل والاهمّ عن قتل الحسين (ع) هو النظام وليس الاشخاص، وكانوا مصيبين في هذا الاعتقاد، ولذا نراهم توجّهوا

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 180

إلى الشام، ولم يُلقوا بالا إلى

من في الكوفة من قتلة الحسين (ع). «1»

ولقد شهد المجتمع الاسلامي في هذه الثورة ظاهرة جماعيّة جديدة انبعثت بعد خمودٍ طويل، وهي ظاهرة روحيّة الفدأ والتضحية وطلب الموت، بعد وهن غامر تمثّل في حبّ الدنيا وكراهية الموت، هذا الوهن الذي جثم على قلب هذه الامّة نتيجة الافساد الامويّ المتعمّد.

انّ من يتاءمّل في خطب قادة ثورة التوّابين يكتشف بوضوح كيف أنّ ثورة الامام الحسين (ع) كانت قد عصفت بكلّ ركام معاني العجز والوهن والانهيار والتلوّن، وأحلّت محل ذلك الرغبة في الاستقامة والتحرّر والاستشهاد.

4- ثورة المختار (ره) ..... ص : 180

: وفي سنة ستّ وستّين للهجرة ثارالمختار بن أبي عبيدة الثقفي بالعراق طالبا ثاءرالحسين (ع). وقد نال تاءييدا جماهيريّا واسعا في العراق، فقد أقبل الناس عليه وأدبروا عن ابن الزبير الذي لم يحقّق لهم ما كانوا ياءملونه منه في الانتقام لمظلوميّة الحسين (ع)، والاصلاح الاجتماعيّ.

لقد أخرج ابن الزبير الامويّين عن سلطانهم في العراق، لكنّ سلطانه لم يكن خيرا من سلطان الامويّين بالنسبة إلى أهل العراق لا نّ قتلة الامام الحسين (ع) ظلّوا مقرّبين إلى سلطة بن الزبير كما كانوا في العهد الامويّ، مثل شمر بن ذي الجوشن، وشبث بن ربعي، وعمر بن سعد، وعمرو بن الحجّاج، وغيرهم. كما أنّه لم يحقّق لهم العدل الاجتماعيّ الذي كانوا يطلبونه، فقد كانوا يريدون سيرة عليّ أبى طالب (ع) فيهم، تلك السيرة التي كانوا لازالوا يذكرونها ويحنّون إليها، في حين أنّ عبداللّه بن مطيع العدوي عامل ابن الزبير على الكوفة كان يريد أن يسير فيهم بسيرة عمر وعثمان، الامر الذي كانوا لايريدونه. «2»

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 181

كان هذا سببا في إدبار الناس عن ابن الزبير، وتاءييدهم لثورة المختار الذي نادى بشعار: (يا لثارات الحسين (ع).

وقد تتبّع المختار قتلة

الامام الحسين (ع) وآله وصحبه الكرام، فقتل جلّ ه ؤ لاء القتلة، حتّى أنّه قتل منهم في يوم واحد مائتين وثمانية وأربعين رجلا، «1» ولم يفلت من قادتهم وزعمائهم أحد.

5- قيام زيد بن علي ..... ص : 181

ولم يؤ دّ القضاء على ثورة المختار من قبل ابن الزبير إلى خمود الروح الثوريّة عند الشيعة، فلقد قامت بعده ثورات أخرى، كثورة زيد بن علي (ر) في سنة مائة واثنتين وعشرين للهجرة، وقيام ابنه يحيى بن زيد (ر) من بعده.

ولم يزل يتّسع الخرق على الحكم الامويّ ويزداد ضعفا على ضعف حتّى أطاحت جيوش أبي مسلم الخراساني بالحكم الامويّ إطاحة تامّة في سنة مائة واثنتين وثلاثين للهجرة.

من كلّ ما مضى تتجسّد لنا حقيقة أنّ واقعة عاشورأ كانت بداية نهاية الحكم الامويّ، بل لنا أن نقول: إنّ عاشورأ هي التي قضت على الحكم الامويّ حيث نجحت نجاحا تامّا في فصل الامويّة عن الاسلام!

وأمّا الثورات التي لم يكن لثورة الامام الحسين (ع) أثر مباشر فيها، كثورة

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 182

عبداللّه بن الزبير، وثورة مطرف بن المغيرة، وثورة عبدالرحمن بن محمّد بن الاشعث، فلم تخلُ من أثر غير مباشر لثورة الامام (ع) فيها، إذ إنّها استمّدت الجرأة على الحكم الامويّ من جرأة قيام الامام (ع)، ولم تجد لها متنفّسا للقيام إلّا بعد أن نجحت عاشورأ في فصل الامويّة عن الاسلام، ومزّقت عن الحكم الامويّ إطاره الديني الموهوم، الامر الذي مكّن مثل ه ذه الثورات أن تجد في هذه الامّة مددا جماهيرا لقيامها.

مقطع ما بعد عاشورأ إلى عصر الظهور: ..... ص : 182
اشارة

وفي هذا المقطع يتجلّى لنا أفق مبين من آفاق الفتح الحسيني وهو:

الاسلام حسينيّ البقاء ..... ص : 182

: قلنا فيما مرّ- تحت عنوان الشهيد الفاتح من الخصائص د الحسينيّة- إنّ عاشورأ قد كشفت عن وحدة وجوديّة لا انفكاك لها بين الاسلام المحمّديّ الخالص وبين الحسين (ع)، فصارت الدعوة إلى هذا الاسلام بعد عاشورأ هي عين الدعوة إلى الحسين (ع)، وبالعكس، وصارت مواجهة الحسين (ع) ومعاداته بعد عاشورأ هي عين مواجهة هذا الاسلام ومعاداته، وبالعكس، وصار بقاء هذا الاسلام بعد كربلاء ببقاء عاشورأ الحسين (ع)، فالا سلام محمّديّ الوجود حسينيّ البقاء.

ذلك لا نّ نهضة الامام الحسين (ع) في هدفها وشعارها ورسائلها وبياناتها وأخلاقيّاتها هي عين نهضة الاسلام المحمّديّ الخالص للتحرّر من كلّ رواسب الجاهليّة التي علقت به نتيجة (السقيفة) التي مكّنت حركة النفاق من التحكم في رقاب المسلمين!

ونتيجة لهذه الوحدة الوجوديّة بين الحقيقة الاسلاميّة والحقيقة الحسينيّة امتّدت عاشورأ في الزمان فكان (كلّ يوم عاشورأ) وانتشرت كربلاء في

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 183

المكان فكانت (كلّ أرض كربلاء).

وغدت كلّ نهضة إسلاميّة حقّة بعد عاشورأ تجد في ثورة الحسين (ع) نبراسها وتجد نفسها إمتدادا لتلك الثورة المقدّسة.

كما غدت كلّ نهضة تدعو إلى الضلال السفيانيّ تجد نفسها عدوّة للحسين (ع) وعدوّة للا سلام المحمّديّ الخالص، وفي التاءريخ الماضي والحاضر شواهد على ه ذه الحقيقة!

وفي إطار هذه الوحدة الوجوديّة بين الاسلام المحمّديّ الخالص وبين الحسين (ع) يتجلّى لنا سرُّ كبيرٌ من أسرار تركيز أئمّة أهل البيت (ع) على عاشورأ وعلى تثبيت دعائمها ونشر آفاقها ما وسعتهم الفرصة وتراخى عن منعهم الظرف الخانق، وذلك بتوجيه الامّة توجيها مركّزا وشدّها شدّا محكما إلى سيّد الشهدأ الامام أبي عبداللّه الحسين (ع)، من خلال تاءكيداتهم المتواصلة على (عزأ الحسين (ع) وعلى (زيارة

الحسين (ع).

سرُّ تاءكيد الائمة (ع) على عزأ الحسين (ع) وزيارته ..... ص : 183

: إنّ العناية الفائقة التي خصّ أئمتنا (ع) بها عزأ الحسين (ع)، وتاءكيداتهم المتلاحقة على زيارة قبره المقدّس د لايصحّ تفسيرها بلحاظ المثوبات العظيمة الموعودة عليها كعمل تعبّديٍّ فقط- وإن كان لسان جلّ الروايات المتعلّقة بهذه المساءلة يقتصر على ذكر المثوبة فقط- بل لابدّ في تفسيرها من النظر أيضا إلى الاثار الاخرى المترتّبة على عزائه (ع) وعلى زيارته. «1»

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 184

ومن أهمّ تلك الاثار: الاثر التربويّ المنشود من ورأ العزأ والزيارة خاصّة، ومن ورأ الشعائر الحسينيّة الاخرى عامّة، إذ إنّ صناعة (الانسان الحسينيّ):

المؤ من الحرّ الابيّ البصير القاطع الصلب المتاءسيّ بمناقبية الامام الحسين (ع) وأنصاره الكرام لاتكون إلّا في (مصنع عاشورأ).

ومن تلك الاثار: الاثر السياسي والاجتماعي، والتغيّر الفكري والروحي في الامّة الناشي عن العزأ والزيارة خاصّة وعن الشعائر الحسينيّة الاخرى عامّة، خصوصا في فترة ما بين مقتله (ع) إلى أيّام الغيبة الصغرى، حيث كان العزأ والزيارة مثلا يعنيان في بعض مقاطع تلك الفترة رفض الناس للسلطات الحاكمة آنذاك، وإعلان البرأة منها، والخروج عليها والتصديّ لا نواع نكالها وبطشها، إذ صار (... أهل السواد يجتمعون باءرض نينوى لزيارة قبر الحسين (ع)، فيصير إلى قبره منهم خلق كثير ...) «1»

ثمّ صاروا يصرّون على زيارته (ع) ويقولون:

(.. لو قتلنا عن آخرنا لما أمسك من بقي منّا عن زيارته، ورأوا من الدلائل ما حملهم على ما صنعوا ... حتّى كثر جمعهم، وصار لهم سوق كبير ....)، «2»

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 185

الامر الذي هال الحكّام الطغاة وأفزعهم خوفا ورعبا من آثاره، فمنعوا الزيارة بعد أن تحوّلت إلى ظاهرة سياسيّة اجتماعيّة خطيرة، واعتدوا على القبر المقدّس نفسه غير مرّة، فقد كربه والي الكوفة موسى بن عيسى الهاشميّ في زمن

هارون العبّاسي، «1» كما كربه المتوكلّ العبّاسي على يد إبراهيم الديزج اليهودي بمعونة جمع من اليهود، «2» أملا من الطغاة في اندراس هذا القبر المقدّس ومحو وجوده، وهو لايزداد إلّا علوّا وإشراقا!

وفي الازمان الاخيرة أيضا هوجم قبر الامام الحسين (ع) عدّة مرّات، ففي سنة 1216 ه. ق هجم الجيش الوهابيّ المكوّن من اثني عشر ألف مقاتل بقيادة سعود بن عبدالعزيز بإ يعاز من أبيه على مدينة كربلاء المشرّفة، فباغتها صبيحة يوم الغدير على حين غفلة من أهلها، فاءباحوا القتل فيها سبع ساعات من النهار، وقتلوا سبعة آلاف من أهلها، وهتكوا حرمة القبر الشريف وحرمة هذه المدينة المقدّسة. «3»

وفي سنة 1222 ه. ق تكرّرت هذه الفعلة أيضا فقد هجم الجيش الوهابي المكوّن من عشرين ألف مقاتل بقيادة سعود بن عبدالعزيز نفسه على النجف وكربلاء. «4»

وفي سنة 1258 ه. ق تكرّرت هذه الفعلة الشنيعة أيضا على يد نجيب باشا والي بغداد في عهد السلطان العثماني عبد المجيد، حيث هاجم نجيب هذا مدينة كربلاء المقدّسة وهتك حرماتها وقتل من أهلها مقتلة عظيمة! «5»

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 186

وفي سنة 1411 ه. ق هجم حسين كامل أحد أشرس أعوان صدام التكريني حاكم العراق على مدينة كربلاء وضرب القبر المقدّس بالمدفعيّة وقتل من أهلها مقتله عظيمة!

وما خوف الطغاة ورعبهم من صاحب هذا القبر (ع) إلّا لوحدة الحقيقة بينه وبين الاسلام المحمّديّ الخالص، الذي صار بقاؤ ه رهين بقاء عاشورأ الحسين (ع)، النبراس والقدوة لكلّ إنتفاضة إسلاميّة حقّة.

مقطع عصر الظهور: ..... ص : 186
اشارة

وفي هذا المقطع يتجسّد الفتح الحسينيّ في عاشورأ مبينا لاريب فيه، من خلال الوحدة الصميميّة بين قيام الامام الحسين (ع) وقيام الامام المهدي (ع)، وبين الفتح الحسيني والفتح العالمي!

قيام المهدي (عج) هو الفصل الاخير من قيام عاشورأ ..... ص : 186

: يبدو للمتاءمّل في الروايات التي تتناول العلاقة بين هذين القيامين العظيمين وكاءنّ قيام الامام الحسين (ع) في مجموع أحداثه يتاءلّف من ثلاثة فصول:

الفصل الاوّل منها: كان قد تمّ بوقوع فاجعة عاشورأ وعودة الركب الحسينيّ إلى المدينة بقيادة الامام زين العابدين (ع).

والفصل الثاني: يمتدّ في الفترة ما بعد ذ لك إلى قيام الامام المهدي (ع)، وهو فصل الحفاظ على الاسلام وبقائه.

والفصل الثالث: يتحقّق بقيام الامام المهديّ (ع) ثائرا للحسين (ع) ومظهرا

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 187

لهذا الدين على الدين كلّه.

ويرى المتاءملّ في هذه الروايات الشريفة بوضوح أنّ قيام الامام المهديّ (ع) امتداد حقيقيّ لقيام الامام الحسين (ع)، وأنّ عاشورأ سنة إحدى وستّين للهجرة كانت المعركة الاولى من معارك الامام الحسين (ع)، وإن كان قد استشهد فيها، وأنّ الفترة ما بين عاشورأ وبين الظهور فترة مليئة بمواجهات ومعارك عديدة أخذ الامام الحسين (ع) فيها بخناق جميع طواغيت تلك الفترة لا بخناق يزيد بن معاوية وحده! وأنّ العالم إنّما يشهد في عصر الظهور الفصل الاخير من قيام الامام الحسين (ع) بقيادة ابنه الامام المهديّ (ع)، الذي يقتل ذراري قتلة الامام الحسين (ع) في كلّ فترة ما بين عاشورأ والظهور لرضاهم بفعال آبائهم!، وأنّ الفتح العالمي هو الحلقة الاخيرة من حلقات الفتح الحسينيّ في عاشورأ.

دلائل روائية ..... ص : 187

: وإثباتا لكلّ ما قدّمناه هنا، نتبرّك بذكر بعض هذه الروايات الشريفة على سبيل المثال لا الحصر:

صاحب الفتح العالميّ من ذريّة الحسين (ع):

قال رسول اللّه (ص):

(ومن ذرّيّة هذا- وأشار إلى الحسين (ع) رجل يخرج في آخر الزمان يملا الارض د عدلا كما ملئت ظلما ووجورا ...). «1»

وقال الامام الحسين (ع):

(منّا إثنا عشر مهديّا، أوّلهم اميرالموءمنين علي بن أبي طالب، وآخرهم

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 188

التاسع من ولدي،

وهوالقائم بالحقّ، يحي اللّه به الارض بعد موتها، ويظهر به دين الحقّ على الدين كلّه ولوكره المشركون ...). «1»

امتداد المواجهة في فصول بين أهل الحقّ وأهل الباطل:

قال الامام الصادق (ع):

(إنّا وآل أبي سفيان أهل بيتين تعادينا في اللّه، قلنا: صدق اللّه. وقالوا: كذب اللّه. قاتل أبوسفيان رسول اللّه (ص)، وقاتل معاوية عليّ بن أبى طالب (ع)، وقاتل يزيد بن معاوية الحسين بن عليّ (ع)، والسفيانىّ يقاتل القائم (ع). «2»

المهدي (عج) الثائر للحسين (ع):

قال الامام الصادق (ع):

(لمّا ضُرب الحسين بن علىٍّ (ع) بالسيف ثمّ ابتُدِر ليُقطع رأسه نادى منادٍ من قبل ربّ العزّة تبارك وتعالى من بطنان العرش فقال: ألا أيّتها الامّة المتحيّرة الظالمة بعد نبيّها، لا وفّقكم اللّه لا ضحى ولا فطرٍ. قال: ثمّ قال أبوعبداللّه (ع): لاجرم واللّه ماوفّقوا ولايوفّقون أبدا حتّى يقوم ثائر الحسين (ع). «3»

وقال الامام الباقر (ع):

(لمّا قُتل جدّي الحسين (ع) ضجّت الملائكة إلى اللّه عزّ وجلّ بالبكاء والنحيب، وقالوا: إلهنا وسيّدنا، أتصفح عمّن قتل صفوتك وابن صفوتك وخيرتك من خلقك؟ فاءوحى اللّه عزّ وجلّ إليهم قُرّوا ملائكتي، فوعزّتي

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 189

وجلالي، لا نتقمنّ منهم ولو بعد حين. ثمّ كشف اللّه عزّ وجلّ عن الائمّة من ولد الحسين (ع) للملائكة، فسُرَّتِ الملائكة بذلك، فإ ذا أحدهم قائم يصلّي، فقال تعالى: بذلك القائم أنتقم منهم.). «1»

القائم (عج) الطالب بدم المقتول في كربلاء:

وعن الامام الصادق (ع) في تفسير قوله تعالى: (أذن للّذين يقاتلون باءنّهم ظلموا وإنّ اللّه على نصرهم لقدير)

(إنّ العامّة يقولون نزلت في رسول اللّه (ص) لمّا أخرجته قريش من مكّة، وإنّما هي للقائم (ع) إذا خرج يطلب بدم الحسين (ع)، وهوقوله: نحن أولياء الدم، وطُلّاب الدِّية ...). «2»

خروج القائم (عج) يوم

عاشورأ!:

قال الامام الباقر (ع): (يخرج القائم (ع) يوم السبت، يوم عاشورأ، يوم الذي قتل فيه الحسين (ع). «3»

وشعارهم: (يالثارات الحسين):

قال الامام الرضا (ع): (يابن شبيب، إن كنت باكيا لشي فابك للحسين بن علىٍّ ابن أبي طالب (ع) فإ نّه ذبح كما يذبح الكبش، وقتل معه من أهل بيته ثمانية عشر رجلا مالهم في الارض شبيهون، ولقد بكت السموات السبع والارضون لقتله، ولقد نزل إلى الارض من الملائكة أربعة آلاف لنصره، فوجدوه قد قتل،

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 190

فهم عند قبره شعثٌ غبرٌ إلى أن يقوم القائم فيكونون من أنصاره، وشعارهم: يا لثارات الحسين.) «1»

القائم (عج) يقتل ذراري قتلة الحسين (ع) لرضاهم بفعال آبائهم:

عن عبد السلام بن صالح الهرويّ قال: (قلت لا بي الحسن علىٍّ بن موسى الرضا (ع): يا ابن رسول اللّه، ما تقول في حديث رُوي عن الصادق (ع) أنّه قال: إذا خرج القائم قتل ذراري قتلة الحسين (ع) بفعال آبائها؟ فقال (ع): هو كذلك. فقلت: فقول اللّه عزّ وجلّ (ولاتزر وازرة وزر أخرى) ما معناه؟ فقال:

صدق اللّه في جميع أقواله، لكنّ ذراري قتلة الحسين يرضون أفعال آبائهم ويفتخرون بها، ومن رضي شيئا كان كمن أتاه، ولو أنّ رجلا قتل في المشرق فرضي بقتله رجل في المغرب لكان الراضي عند اللّه شريك القاتل، وإنّما يقتلهم القائم إذا خرج لرضاهم بفعل آبائهم ...). «2»

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 193

الفصل الاول: الامام الحسين) ع) بعد اخيه الامام الحسن) ع) ..... ص : 193
مكانة الامام الحسين (ع) في الامّة: ..... ص : 193

--- امتاز الحسنان (ع) بمكانتهما السامية وقداستهما الخاصّة في وجدان هذه الامّة الاسلاميّة منذ عهد جدّهما الرسول الاكرم (ص) وإلى يوم تقوم الساعة.

فهما من أهل آية المباهلة وآية التطهير وآية المودّة وآية الابرار ...

وهما ريحانتا رسول اللّه (ص)، والامامان إن قاما وإن قعدا، وسيّدا شباب أهل الجنّة، وهما السبطان، وهما

إبنا رسول اللّه (ص). «1»

وفي البيانات النبويّة الكثير في الدعوة إلى حبّهما والتحذير من بغضهما .. وقد عرف لهما الصحابة موقعهما الخاصّ من قلب رسول اللّه (ص)، فعظم عند المخلصين من الصحابة قدرهما وتنافسوا في تكريمهما وتقديسهما ..

اعترض مُدرك بن زياد على ابن عبّاس، وقد أمسك ابن عبّاس للحسن والحسين بالركاب وسوّى عليهما

قائلا: أنت أسنّ منهما تمسك لهما بالركاب؟!

فقال: يالُكَع، وتدري من هذان؟ هذان ابنا رسول اللّه (ص)، أوليس ممّا أنعم

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 194

اللّه به عليّ أن أمسك لهما واءُسوّىٍّ عليهما؟! «1»

وبلغ من تعظيم المسلمين وتكريمهم لهما، أنّهما لمّا كانا يحجّان إلى بيت اللّه الحرام ماشيين والنجائب تقاد بين أيديهما، يترجّل كلُّ راكبٍ يجتاز الطريق عليهما إكبارا لهما وتعظيما لشاءنهما، حتّى شقّ المشي على كثير من الحجّاج، فكلّموا أحد أعلام الصحابة، وطلبوا منه أن يعرض عليهما الركوب أو التنكّب عن الطريق، فعرض عليهما ذلك، فقالا: (لانركب، قد جعلنا على أنفسنا المشي إلى بيت اللّه الحرام على أقدامنا، ولكنّا نتنكّب عن الطريق.) «2»

(وكانا إذا طافا بالبيت يكاد الناس يحطمونهما ممّا يزدحمون عليهما للسلام عليهما ..) «3»

ومابرح الحسنان (ع) فرقدَي سماء هذه الامّة، تتطلّع إليهما قلوب المؤ منين حبّا وإكبارا وتقديسا، حتّى غاب أبومحمّد الحسن المجتبى عن هذه الدنيا منتقلا إلى جوار ربّه تبارك وتعالى وجدّه (ص) وأمّه وأبيه (ع) ...

وبقي الامام أبوعبداللّه الحسين (ع) وحده ...

فصارت الامّة ترى فيه فضلا عن قدسيّته الخاصّة بقيّة أهل الكساء وآية التطهير وآية المودّة وآية الابرار وأهل البيت وتذكار الرسول وعليٍّ وفاطمة والحسن صلوات اللّه عليهم أجمعين، فكان (أعظم الخلف ممّن مضى) كما عبّرت عن ذلك إحدى رسائل التعزية التي وصلته من الكوفة. «4»

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 195

وكان محلّه من الناس

محلّ جدّه النبىٍّ (ص)، تجد فيه الارواح الحائرة القلقة ما تشتهي من طماءنينة وسكينة، حتّى النفوس المنحرفة عن هدى أهل البيت (ع) لم تكن تملك أمام أبي عبداللّه (ع) إلّا أن تُجلَّه وتظهر له فائق الاكبار وتعترف له بسمّو القدر والمنزلة.

تقول الرواية: (.. أعيى الحسين (ع) فقعد في الطريق، فجعل أبوهريرة ينفض د التراب عن قدميه بطرف ثوبه ...

فقال الحسين (ع): يا أباهريرة، وأنت تفعل هذا!؟

قال أبوهريرة: دعني، فواللّه لو يعلم الناس منك ما أعلم لحملوك على رقابهم.) «1»

وكان (ع) في المدينة الشمس التي تفيض على الناس نورا وهدىً وأمنة وطماءنينة، وكان (ع) إذا خطب في مسجد جدّه (ص) أوتحدّث إلى حضّاره انبهرت له القلوب وتسمّرت إلى محيّاه الاعين، وكاءنّ على رؤ وس الناس الطير.

هذا معاوية العدوّ اللدود يقول لرجل من قريش:

(إذا دخلت مسجد رسول اللّه (ص) فرأيت حلقة فيها قومٌ كاءنّ على رؤ وسهم الطير، فتلك حلقة أبي عبداللّه، مؤ تزرا على أنصاف ساقيه، ليس فيها من الهزيلى «2» شئٍّ «3»

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 196

ويجتاز الامام الحسين (ع) في مسجد جدّه رسول اللّه (ص) على جماعة فيهم عبداللّه بن عمرو بن العاص، فيسلّم الامام عليهم، فيردّون عليه السلامَ، ثمّ ينبري عبداللّه بن عمرو بن العاص فيردّ السلام بصوت عالٍ، (.... ثمّ أقبل على القوم.

فقال: ألاأخبركم باءحبّ أهل الارض إلى أهل السماء؟

قالوا: بلى.

قال: هو هذا المُقْفي، واللّه ماكلّمته كلمة ولاكلّمني كلمة منذ ليالي صفّين، واللّه لا ن يرضى عنّي أحبّ إليّ من أن يكون لي مثل اءُحُد! ...). «1»

وكان (ع) سيّد أهل الحجاز وسيّد العرب في دهره، وسيّد المسلمين ...

قال ابن عبّاس في إحدى محاوراته مع الامام (ع): (إنّ أهل العراق قوم غدرٌ فلاتقربنّهم، أقم بهذا

البلد فإ نّك سيّد أهل الحجاز ..). «2»

وممّا قال له عبداللّه بن مطيع العدويّ وهو يحذّره ألّايغرّه أهل الكوفة: (فالزم الحرم فإ نك سيّد العرب في دهرك هذا ..). «3»

وكان هذا العدويّ يعلم أنّ أباعبداللّه الحسين (ع) من مساكن بركة اللّه ووسائط فيضه، فقال للا مام (ع): (إنّ بئري هذه قد رشحتها، وهذا اليوم أوان ما خرج إلينا في الدلو شي من ماء، فلو دعوت اللّه لنا فيها بالبركة!!

فقال له الامام (ع): (هات من مائها).

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 197

فاءتى من مائها في الدلو، فشرب منه ثمّ تمضمض ثمّ ردّه في البئر فاءعذب وأمهى. «1»

وأقام (ع) بمكّة المكرّمة (فعكف الناس على الحسين يفدون إليه ويقدمون عليه، ويجلسون حواليه، ويستمعون كلامه، حين سمعوا بموت معاوية وخلافة يزيد، وأمّا ابن الزبير فإ نّه لزم مصلّاه عند الكعبة، وجعل يتردّد في غبون ذلك إلى الحسين في جملة الناس، ولايمكنه أن يتحرّك بشي ممّا في نفسه مع وجود الحسين، لما يعلم من تعظيم الناس له وتقديمهم إيّاه عليه ...

بل الناس إنّما ميلهم إلى الحسين لا نّه السيّد الكبير، وابن بنت رسول اللّه (ص)، فليس على وجه الارض د يومئذٍ أحد يساميه ولايساويه ...). «2»

وفي فقرات رسائل أهل الكوفة إليه ما يكشف عن مكانته (ع) في قلوبهم، كمثل قولهم:

(إنّه ليس علينا إمام، فاءقبل لعلّاللّه أن يجمعنا بك على الهدى). «3»

وقولهم (أمّا بعد: فحيَّ هلّا، فإ نّ الناس ينتظرونك، ولا رأي لهم في غيرك، فالعجل العجل، والسلام عليك). «4»

وقام يزيد بن مسعود النهشلي (ره) وهومن أشراف البصرة خطيبا في جموع بني تميم وبني حنظلة وبني سعد في البصرة، يدعوهم إلى نصرة الحسين (ع)، فكان ممّا قاله لهم في التعريف بمكانة الامام (ع):

(.. وهذا

الحسين بن علي، إبن بنت رسول اللّه (ص) ذوالشرف الاصيل،

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 198

والرأي الاثيل، له فضل لايوصف، وعلم لاينزف، وهو أولى بهذا الامر لسابقته وسنّه وقدمته وقرابته، يعطف على الصغير ويحنو على الكبير، فاءكرم به راعي رعيّة، وإمام قوم وجبت للّه به الحجّة، وبلغت به الموعظة ..). «1»

ولم تخل قلوب بعض بني أميّة من استشعار حرمة ومكانة أبي عبداللّه الحسين (ع)، ويبدو أنّ قلب الوليد بن عتبة والي المدينة عند موت معاوية كان من تلك القلوب، فقد قال لمروان بن الحكم الذي أشار عليه بحبس الحسين (ع) حتّى يبايع أو تضرب عنقه:

(ويحك إنّك أشرت عليّ بذهاب ديني ودنياي، واللّه ما اءُحبّ اءنّ ملك الدنيا باءسرها لي وأننّي قتلت حسينا، واللّه ما أظنّ أحدا يلقى اللّه بدم الحسين (ع) إلّا وهو خفيف الميزان، لاينظر اللّه إليه ولايزكّيه وله عذاب أليم). «2»

وهذا يحيى بن الحكم أخو مروان يعترض مستنكرا قتل الامام الحسين (ع) في بلاط يزيد قائلا:

لهامٌ بجنب الطفّ أدنى قرابة من ابن زياد العبد ذي الحسب الوغل

سميّة امسى نسلها عددالحصى وليس لال المصطفى اليوم من نسل) «3»

ولمّا استشعر المجرمون سخط الامّة لقتل الامام (ع) حتّى في بيوتهم، حاولوا التهرّب من مسؤ وليّة قتله، وصار بعضهم يُلقي بالمسؤ وليّة على بعض! فهذا

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 199

الطبري يروي أنّه لمّا وضع رأس الامام (ع) بين يدي يزيد، وسمعت بذلك زوجة يزيد هند بنت عبداللّه بن عامر، تقنّعت بثوبها فخرجت ..

(وقالت: يا اميرالموءمنين، أرأس الحسين بن فاطمة بنت رسول اللّه!؟

قال: نعم، فاعولي عليه، وحُدِّي على ابن بنت رسول اللّه (ص) وصريخة قريش، عجّل عليه ابن زياد فقتله، قتله اللّه!!!). «1»

وأراد عبيداللّه بن زياد بعد قتل الامام (ع) أن ياءخذ من عمر

بن سعد الكتاب الذي أمره فيه بقتل الامام (ع) ..

فقال: (يا عمر! أين الكتاب الذي كتبت به إليك في قتل الحسين!؟

قال: مضيتُ لا مرك، وضاع الكتاب.

قال: لتجيئنَّ به!

قال: ضاع.

قال: واللّه لتجيئنَّ به!

قال: تُرِك واللّه يُقرأ على عجائز قريش إعتذارا إليهنّ بالمدينة! أما واللّه لقد نصحتك في حسين نصيحة لو نصحتها أبي سعد بن أبي وقّاص كنت قد أدّيتُ حقّه.

قال عثمان ابن زياد أخو عبيداللّه: صدق، واللّه لوددت أنّه ليس من بني زياد رجلٌ إلّا وفي أنفه خِزامةٌ إلى يوم القيامة وأنّ حسينا لم يقتل ...). «2»

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 200

الاخبار بمقتله (ع): ..... ص : 200

و من أبعاد مكانته في الامّة، بُعد معرفتها باءنّه سيّد الشهدأ الذي يقتل مظلوما مع كوكبةٍ من أهل بيته وأصحابه عند شاطئ الفرات في أرض كربلاء من العراق، وأنّ شفاعة النبىٍّ (ص) لاتنال قتلة الحسين (ع)، وكانت الامّة تعرف أيضا أيَّ طاغية ياءمر بقتل الامام (ع)، ومن يتولّى قيادة الجيوش التي تخرج لقتاله، وتعرف أيضا كثيرا من تفاصيل تلك الفاجعة المرتقبة!!

وقد عرفت الامّة كلّ ذلك لما شاع فيها من الاخبارات الكثيرة عن رسول اللّه (ص) وعن علي (ع) وعن الحسين نفسه (ع) حول مصرعه ومصرع أنصاره وزمان ومكان ذلك.

فلقد نعى رسول اللّه (ص) سبطه الحسين (ع) منذ يوم ولادته، وأقام عليه العزأ فبكى وأبكى من حوله في مناسبات متعدّدة، وكذلك كان اميرالموءمنين عليّ (ع) يَبكي ويُبكي من معه كلّما تذكّر ما يجري على مولانا الحسين (ع).

فكان الامام الحسين (ع) الشهيد الحىَّ فى الامّة، تتطلّع إليه أعين المؤ منين، وقلوبهم المنشدَّة إليه يعتصرها الاسى حسرة عليه وحزنا لمصابه وعظمة رزيّته، ويَغمر أرواحهم خشوع الاجلال والاكبار لمقام سيّد الشهدأ (ع) ومقام أنصاره الذين لايسبقهم سابق ولايلحق بهم لاحق.

وقد

وردت هذه الاخبارات في كتب الخاصّة والعامّة، ننتقي هنا نماذج منها:

(.. قالت أسماء: فلمّا ولدت فاطمة الحسين (ع) نفّستها به، فجاءني النبىٍّ فقال: هلمّ ابني يا أسماء. فدفعته إليه في خرقة بيضاء، ففعل به كما فعل بالحسن، قالت: وبكى رسول اللّه، ثمّ قال: إنّه سيكون لك حديث. أللّهمّ العن قاتله. لاتُعلمي فاطمة بذلك.

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 201

قالت أسماء: فلمّا كان في يوم سابعه جاءني النبىّ فقال: هلمّي ابني. فاءتيته به، ففعل به كما فعل بالحسن وعقّ عنه كما عقّ عن الحسن ... ثمّ وضعه في حجره ثمّ قال: يا أباعبداللّه، عزيزٌ عليَّ، ثمّ بكى.

فقلت: باءبى أنت وأمّي، فعلت في هذا اليوم وفي اليوم الاوّل فما هو؟ قال:

أبكي على ابني هذا تقتله فئة باغية كافرة من بني أميّة لعنهم اللّه، لاأنالهم اللّه شفاعتي يوم القيامة، يقتله رجل يثلم الدين ويكفر باللّه العظيم ...). «1»

ولمّا بلغ عمر الحسين (ع) عامين (خرج النبي إلى سفر فوقف في بعض الطريق، واسترجع ودمعت عيناه، فسُئِل عن ذلك فقال: هذا جبرئيل يخبرني عن أرضٍ بشطّ الفرات يقال لها كربلاء يُقتل فيها ولدي الحسين، وكاءنّي أنظر إليه وإلى مصرعه ومدفنه بها، وكاءنّي أنظر إلى السبايا على أقتاب المطايا، وقد اءُهدي راءس ولدي الحسين إلى يزيد لعنه اللّه، فواللّه ما ينظر اءحد إلى رأس الحسين ويفرح إلّا خالف اللّه بين قلبه ولسانه وعذّبه اللّه عذابا أليما.

ثمّ رجع من سفره مغموما مهموما كئيبا حزينا، فصعد المنبر وأصعد معه الحسن والحسين، وخطب ووعظ الناس، فلمّا فرغ من خطبته وضع يده اليمنى على رأس د الحسن، ويده اليسرى على رأس الحسين، وقال: أللّهمّ إنّ محمّدا عبدك ورسولك، وهذان أطائب عترتي وخيار أرومتي وأفضل ذريّتي ومن اءُخلّفهما في

اءمّتي، وقد اءخبرني جبرئيل اءنّ ولدي هذا مقتول بالسمّ، والاخر شهيد مضرّج بالدم، أللّهمّ فبارك له في قتله، واجعله من سادات الشهدأ، أللّهمّ ولاتبارك في قاتله وخاذله، وأصلِه حَرَّ نارك واحشره في أسفل درك الجحيم.

قال: فضجّ الناس بالبكاء والعويل، فقال لهم النبيّ: أيّها الناس، أتبكونه

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 202

ولاتنصرونه، أللّهمّ فكن أنت له وليّا وناصرا ...). «1»

(ولمّا اشتدّ برسول اللّه (ص) مرضه الذي مات فيه، وقد ضمّ الحسين (ع) إلى صدره، يسيل من عرقه عليه، وهو يجود بنفسه، ويقول: مالي وليزيد، لا بارك اللّه فيه، أللّهمّ العن يزيد. ثمّ غشي عليه طويلا وأفاق وجعل يقبّل الحسين وعيناه تذرفان، ويقول: أما إنّ لي ولقاتلك مقاما بين يدي اللّه عزّ وجلّ). «2»

وعن اءُمّ سلمة قالت: قال رسول اللّه (ص): (يُقتل الحسين راءس ستّين من مهاجري). «3»

وعن عائشة أنّ رسول اللّه (ص) قال لها: (يا عائشة إنّ جبرئيل أخبرني أنّ ابني حسينا مقتول في أرض الطف، وأنّ أمّتي ستفتن بعدي ثمّ خرج إلى أصحابه فيهم عليُّ، وأبوبكر، وعمر، وحذيفة، وعمّار، وأبوذرّ، وهويبكي، فقالوا: ما يبكيك يا رسول اللّه!؟ فقال: أخبرَني جبرئيل (ع) أنّ ابني الحسين يُقتل بعدي باءرض الطفّ، وجاءني بهذه التربة، وأخبرني أنّ فيها مضجعه). «4»

وعن ابن عبّاس قال: (كنتُ مع اميرالموءمنين (ع) في خرْجته إلى صفّين، فلمّا نزل بنينوى وهو بشطّ الفرات قال باءعلا صوته: يا ابن عبّاس، أتعرف هذا الموضع؟ قلت له: ماأعرفه يا اميرالموءمنين. فقال (ع): لوعرفته كمعرفتي لم تكن تجوزه حتّى تبكي كبكائي. قال: فبكى طويلا حتّى اخضلّت لحيته،

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 203

وسالت الدموع على صدره، وبكينا معا وهو يقول: أوّه أوّه، مالي ولا ل أبي سفيان؟ مالي ولا ل حرب، حزب الشيطان وأولياء الكفر!؟

صبرا يا أباعبداللّه، فقد لقي أبوك مثل الذي تلقى منهم). «1»

و (روي عن أبي جعفر عن أبيه (ع) قال: مرّ عليّ (ع) بكربلاء فقال لمّا مرّ به أصحابه وقد أغرورقت عيناه يبكي ويقول: هذا مناخ ركابهم، وهذا مُلقى رحالهم، هاهنا مراق دمائهم، طوبى لك من تربة عليها تراق دماء الاحبّة.

وقال الباقر (ع): خرج عليُّ يسير بالناس حتّى إذا كان بكربلاء على ميلين أو ميل تقدّم بين أيديهم حتّى طاف بمكان يقال لها المقذفان، فقال: قُتل فيها مائتا نبيّ ومائتا سبط كلّهم شهدأ، ومناخ ركاب ومصارع عشّاق شهدأ لايسبقهم من كان قبلهم ولايلحقهم من بعدهم). «2»

وعن حذيفة قال: (سمعت الحسين بن عليٍّ يقول: واللّه ليجتمعنّ على قتلي طغاة بني أميّة، ويقدمهم عمر بن سعد. وذلك في حياة النبىٍّ (ص)!

فقلت: أنباءك بهذا رسول اللّه؟

قال: لا.

فاءتيتُ النبىٍّ فاءخبرته فقال: علمي علمه، وعلمه علمي، وإنّا لنعلم بالكائن قبل كينونته). «3»

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 204

ويقول ابن عبّاس: (ماكنّا نشكُّ، وأهل البيت متوافرون، أنّ الحسين بن علىّ يقتل بالطفّ). «1»

وروى عبداللّه بن شريك العامري قال: (كنت أسمع أصحاب عليّ (ع) إذا دخل عمر بن سعد من باب المسجد يقولون: هذا قاتل الحسين بن علي (ع).

وذلك قبل أن يقتل بزمان). «2»

وروي أنّ عمر بن سعد قال للحسين (ع): يا أباعبداللّه، إنّ قِبَلَنا ناسا سفهاء يزعمون أنيّ اءَقتلك.

فقال له الحسين (ع): إنّهم ليسوا بسفهاء، ولكنّهم حلماء، أما إنّه تقرّ عيني أن لاتاءكل من برّ العراق بعدي إلّا قليلا!). «3»

وعُنِّف ابن عبّاس على تركه الحسين فقال: (إنّ أصحاب الحسين لم ينقصوا رجلا ولم يزيدوا رجلا، نعرفهم باءسمائهم من قبل شهودهم!!) «4»

وقال محمّد بن الحنفيّة: (وإنّ أصحابه عندنا لمكتوبون باءسمائهم وأسماء آبائهم!!). «5»

إنّ أخبار الملاحم والفتن

الماءثورة عن أهل بيت العصمة (ع) عامّة وعن

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 205

رسول اللّه (ص) خاصّة فضلا عن أنّها تؤ كّد على أنّ علم هؤ لاء المصطفين الاخيار (ع) علمٌ لدنّيٌ ربّانيُّ كاشف عن مكانتهم الالهيّة الخاصّة المنصوص عليها من قبل اللّه تعالى، تؤ كّد أيضا على مدى حرصهم الكبير على رعاية هذه الامّة وإنقاذها من هلكات مدلهمّات الفتن التي أحاطت بها منذ بداية التيه في يوم السقيفة.

لقد كان رسول اللّه (ص) يعلم مدى الانحراف الذي سيصيب الامّة من بعده ويلقي بها في متاهات تنعدم فيها القدرة على الرؤ ية السديدة إلّا على قلّة من ذوي البصائر، ويصعب فيها تشخيص الحقّ من الباطل إلّا على من تمسّك بعروة الثقلين، وكان (ص) يعلم خطورة حالة الشلل النفسي والازدواجية في الشخصيّة التي ستتعاظم في الامّة من بعده حتّى لايكاد ينجو منها إلّا أقلّ القليل.

لذا لم ياءلُ (ص) جهدا في تبيان سبل الوقاية والنجاة من تلك الهلكات، ومن جملة تلك السبل سبيل إخبار الامّة بملاحمها وبالفتن التي ستتعرّض لها إلى قيام الساعة، فكشف لها (ص) عن كلّ الملاحم والفتن وأوضح لها مزالق وعثرات الطريق إلى أن تنقضي الدنيا، يقول حذيفة بن اليمان (ره): (.. واللّه ما ترك رسول اللّه (ص) من قائد فتنة إلى أن تنقضي الدنيا بلغ من معه ثلثمائة فصاعدا إلّاقد سمّاه لنا باسمه واسم أبيه واسم قبيلته). «1»

وذلك لكي لاتلتبس على الامّة الامور، ولاتقع في خطاء الرؤ ية أو انقلابها فترى المنكر معروفا والمعروف منكرا، إضافة إلى ما يتضمّنه بيان الملاحم للا مّة من دعوة إلى نصرة صفّ الحق وخذلان صفّ الباطل بعد تشخيص كلٍّ من الصفين.

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 206

وعلى هذا النهج، ولهذه الغاية أيضا، كانت أخبار

الملاحم والفتن التي وردت عن أئمّة أهل البيت (ع).

وقد اختُصّ قتل الحسين (ع) بنصيب وتركيز أكبر في الاخبارات الواردة عن النبىٍّ (ص) وعن اميرالموءمنين (ع)، وذلك لعظيم حرمة الامام الحسين (ع)، ولنوع مصرعه المفجع ومصارع أنصاره، ولشدّة مصابهما بتلك الوقعة الفظيعة والرزيّة العظيمة، ولا همّية واقعة عاشورأ بلحاظ ما يترتّب عليها من حفظ الاسلام وبقائه، ولا هميّة المثوبة العظيمة والمنزلة الرفيعة المترتّبة على نصرة الحسين (ع)، واللعنة الدائمة والعقوبة الكبيرة التي تلحق من يقاتله ويخذله.

ولعلّ قرب عاشورأ الزمني من عهد النبىٍّ (ص) وعليّ (ع) عامل أيضا من عوامل هذا التركيز، لا نّ النبيّ (ص) ووصيّه (ع) يعلمان أنّ جماعة غير قليلة من الصحابة والتابعين سوف يدركون يوم عاشورأ، فالتركيز على الاخبار بمقتله (ع) ومخاطبة هؤ لاء مخاطبة مباشرة بذلك يؤ ثّران التاءثير البالغ في الدعوة إلى نصرته (ع)، والتحذير من الانتماء إلى صفّ أعدائه، مع ما في ذلك من إتمام الحجّة على هؤ لاء الناس آنئذٍ.

ولذا كان رسول اللّه (ص) يخاطب الباكين معه لبكائه على الحسين (ع) خطابا مباشرا، فيقول لهم: (أيّها الناس، أتبكونه ولاتنصرونه!؟). «1»

ويخاطب عليّ (ع) البراءَ بن عازب قائلا: (يا براء، يُقتل ابني الحسين واءنت حيّ لاتنصره.). فلمّا قتل الحسين (ع) كان البرأ بن عازب يقول: صدق واللّه عليّ بن أبي طالب، قتل الحسين ولم أنصره، ثمّ أظهر على ذلك الحسرة والندم. «2»

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 207

وفي المقابل فقد انتفع بهذا الاخبار جمع من أهل الصدق والاخلاص من الصحابة والتابعين، فقدروى الصحابيّ الجليل أنسُ بن الحارث رضوان اللّه تعالى عليه عن النبيّ (ص) أنّه قال: (إنّ ابني هذا- وأشار إلى الحسين- يُقتل باءرض د يقال لها كربلاء، فمن شهد ذلك منكم فلينصره.). ولمّا

خرج الامام الحسين (ع) إلى كربلاء خرج معه الصحابي الجليل أنس بن الحارث رضوان اللّه تعالى عليه، واستشهد بين يدي الحسين (ع). «1»

ولعلّ سرّ التحوّل في موقف زهير بن القين رضوان اللّه تعالى عليه ما كان يحفظه من قول سلمان الفارسيّ رضوان اللّه تعالى عليه وإخباره عن بشرى نصرة الامام الحسين (ص)، يقول زهير: (ساءحدّثكم حديثا، إنّا غزونا البحر، ففتح اللّه علينا، وأصبنا غنائم، فقال لنا سلمان الفارسيّ (ره): أفرحتم بما فتح اللّه عليكم وأصبتم من الغنائم؟

فقلنا: نعم.

فقال: إذا أدركتم سيّد شباب آل محمّد (ص) فكونوا أشدَّ فرحا بقتالكم معهم ممّا أصبتم اليوم من الغنائم). «2»

و (قال العريان بن الهيثم: كان أبي يتبدّى «3»، فينزل قريبا من الموضع الذي كان فيه معركة الحسين، فكنّا لانبدو إلّا وجدنا رجلا من بني أسد هناك.

فقال له أبي: أراك ملازما هذا المكان!!؟

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 208

قال: بلغني أنّ حسينا يقتل هاهنا، فاءنا أخرج إلى هذا المكان لعلّي أصادفه فاءقتل معه!!

قال ابن الهيثم: فلمّا قتل الحسين قال أبي: انطلقوا بنا ننظر هل الاسديّ فيمن قتل مع الحسين؟

فاءتينا المعركة، وطوّفنا، فإ ذا الاسديُّ مقتول!!). «1»

زوبعة اليوم الاوّل: ..... ص : 208

لم ينطوِ معاوية إلّا على الخيانة ونقض العهد من اليوم الاوّل للصّلح بل منذ أن فكّر في الصلح، وقد أعلن عن غدره في الايّام الاولى بعد الصلح، ولا أوضح من قوله في خطبته الاولى بعد الصلح:

(ألا وإنّ كلّ شي أعطيته الحسن بن عليّ تحت قدميَّ هاتين لا أفي به!!). «2»

وقوله:

(يا أهل الكوفة، أترونني قاتلتُكم على الصلاة والزكاة والحجّ، وقد علمت أنّكم تصلّون وتزكّون وتحجّون؟ ولكنّي قاتلتُكم لا تاءمّر عليكم وألِيَ رقابكم، وقد آتاني اللّه ذلك وأنتم كارهون!، ألا إنّ كلّ دمٍ أصيب في هذه الفتنة مطلول، وكلّ

شرط شرطته فتحت قدميّ هاتين!!). «3»

ومع أنّ معاوية لم يفِ باءيّ بندٍ من بنود المعاهدة، لكنّه لم يجد الراحة

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 209

والاستقرار في نفسه والاطمئنان على مستقبل خلافة يزيد من بعده وهو يرى أبامحمّدٍ الحسن (ع) حيّا، فمكر لقتله مرارا لكنّه لم ينجح في ذلك إلّا أخيرا على يد جعدة بنت الاشعث بن قيس الكندىٍّ التي سمّت الامام (ع) طمعا في الزواج من يزيد بعد أن أغراها معاوية بذلك وخطّط لها المكيدة.

وانتقل الامام المظلوم أبومحمّد الحسن المجتبى إلى جوار ربّه وجدّه وأبيه وأمّه بعد أن كابد مرارة السم وآلامه أربعين يوما، وكانت شهادته في السابع من صفر سنة خمسين، أوفي آخر صفر سنة تسع وأربعين للهجرة. «1»

فابتدأت في ذلك اليوم إمامة سيّد الشهدأ (ع) ...

وكانت زوبعة اليوم الاوّل من امامته (ع) مشكلة دفن أخيه الحسن (ع)، تلك المشكلة التي أثارتها عائشة بتخطيط وتحفيز من مروان بن الحكم.

وفي قصّة هذه الزوبعة روايات كثيرة متفاوتة رواها الفريقان، ننتقي هنا هذه الرواية منها، وفيها أنّ الحسن (ع) قال لا خيه الحسين (ع):

إذا متُّ فغسّلني، وحنّطني، وكفّنّي، وصلّ عليَّ، واحملني إلى قبر جدّي حتّى تُلحدني إلى جانبه، فإن مُنعتَ من ذلك فبحقّ جدّك رسول اللّه (ص) وأبيك اميرالموءمنين وأمّك فاطمة، وبحقّي عليك إن خاصمك أحدٌ ردّني إلى البقيع، فادفنّي فيه ولاتهرق فيَّ محجمة دم.

فلمّا فرغ من أمره، وصلّى عليه، وسار بنعشه يريد قبر جدّه رسول اللّه (ص) ليلحده معه، بلغ ذلك مروان بن الحكم طريد رسول اللّه (ص)، فوافى مسرعا على بغله، حتّى دخل على عائشة ...

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 210

فقال لها: يا أمّ المؤ منين، إنّ الحسين يريد أن يدفن أخاه الحسن عند قبر جدّه، وواللّه لئن دفنه معه

ليذهبنّ فخر أبيك وصاحبه عمر إلى يوم القيامة.

فقالت له: فما أصنع يامروان؟

قال: إلحقي وامنعيه من الدخول إليه.

قالت: فكيف ألحقه؟

قال: هذا بغلي فاركبيه والحقي القوم قبل الدخول.

فنزل لها عن بغله، وركبته، وأسرعت إلى القوم، وكانت أوّل امرأة ركبت السرج هي، فلحقتهم وقد صاروا إلى حرم قبر جدّهما رسول اللّه (ص)، فرمت بنفسها بين القبر والقوم.

وقالت: واللّه، لايُدفن الحسن هاهنا أو تحلق هذه وأخرجت ناصيتها بيدها.

وكان مروان لمّا ركبت بغله جمع من كان من بني أميّة وحثّهم، فاءقبل هو وأصحابه وهو يقول: يارُبّ هَيْجا هيَ خيرٌ من دِعَة. أيُدفن عثمان في أقصى البقيع ويدفن الحسن مع رسول اللّه؟! واللّه، لايكون ذلك أبدا وأنا أحمل السيف.

و كادت الفتنة تقع!!

وعائشة تقول: واللّه لايدخل داري من أكره.

فقال لها الحسين (ع): هذه دار رسول اللّه (ص)، وأنتِ حشيّة من تسع حشيّاتٍ خلّفهنّ رسول اللّه (ص)، وإنّما نصيبك من الدار موضع قدميك.

فاءراد بنوهاشم الكلام وحملوا السلاح!

فقال الحسين (ع): اللّه اللّه، لاتفعلوا فتضيعّوا وصيّة أخي.

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 211

وقال لعائشة: واللّه، لولا أنّه أوصى إليّ ألّا اءُهرق فيه محجمة دم لدفنتُه هنا ولو رغم لذلك أنفك.

وعدل به إلى البقيع فدفنه مع الغرباء!

وقال عبداللّه بن عبّاس: يا حميرأ، كم لنا منكِ!؟ فيوم على جمل، ويوم على بغل!

فقالت: إن شاء أن يكون يوم على جمل ويوم على بغل، واللّه ما يدخل الحسن داري ..). «1»

وروي أنّ الامام الحسين (ع) حاجَّ عائشة هكذا:

(قديما هتكتِ أنتِ وأبوك حجاب رسول اللّه (ص)، وأدخلتِ بيته من لايحبّ رسول اللّه (ص) قربه وإنّ اللّه سائلك عن ذلك يا عائشة.

إنّ أخي أمرني أن اءُقرّبه من اءبيه رسول اللّه (ص) ليحدث به عهدا، واعلمي أنّ أخي أعلم الناس باللّه ورسوله، وأعلم بتاءويل كتابه

من أن يهتك على رسول اللّه (ص) ستره، لا نّ اللّه تبارك وتعالى يقول: (يا أيّها الذين آمنوا لاتدخلوا بيوت النبيّ إلّا أن يؤ ذن لكم)، وقد أدخلتِ أنتِ بيت رسول اللّه (ص) الرجال بغير إذنه.

وقد قال اللّه عزّ وجلّ: (يا أيّها الذين آمنوا لاترفعوا أصواتكم فوق صوت النبيّ)، ولعمري لقد ضربتِ أنتِ لا بيك وفاروقه عند أذنِ رسول اللّه (ص) المعاول!

وقال اللّه عزّ وجلّ: (إنّ الذين يغضّون أصواتهم عند رسول اللّه أولئك

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 212

الذين امتحن اللّه قلوبهم للتقوى)، ولعمري لقد أدخل أبوك وفاروقه على رسول اللّه (ص) بقربهما منه الاذى، وما رعيا من حقّه ما أمرهما اللّه به على لسان رسول اللّه (ص)، إنّ اللّه حرّم على المؤ منين أمواتا ما حرّم منهم أحياء.

وتاللّه يا عائشة لو كان هذا الذي كرهتيه من دفن الحسن عند أبيه صلوات اللّه عليهما جائزا فيما بيننا وبين اللّه لعلمت أنّه سيدفن وإن رغم معطسك ...). «1»

وروى ابن عساكر أنّ مروان كان قد راسل معاوية باءخبار الامام الحسن (ع) وما آلت إليه حالته الصحيّة عند ما ثقل عليه السمُّ. «2»

وروي أيضا أنّ معاوية بلغه ما كان قد أراد الامام الحسين (ع) في دفن أخيه الحسن (ع) إلى جوار جدّه (ص)، فقال: (ما أنصفتنا بنوهاشم حين يزعمون أنّهم يدفنون حسنا مع النبيّ (ص) وقد منعوا عثمان أن يُدفن إلّا في أقصى البقيع.

إن يك ظنّي بمروان صادقا لايخلصون إلى ذلك.

وجعل يقول: ويها مروان! أنت لها!) «3»

إذن فهذا الموقف الامويّ الذي قام بتنفيذه مروان في قضيّة دفن الامام الحسن (ع) كان رسالة موجهة إلى الامام الحسين (ع) في وقت مبكّر، هذه الرسالة تتضمّن رسم الحدود المسموح بها له والحدود الممنوعة عليه

من قبل معاوية، فكاءنّ الامويّين أرادوا أن يقولوا له منذ البدء: لك أن تتكلّم كما

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 213

تحبّ، وليس لك أن تقوم باءي فعل لانرضاه، وإلّا فالسيف!

نظرة الامام الحسين) ع) إلى صلح أخيه) ع) مع معاوية ..... ص : 213
القيام عند أهل البيت (ع): ..... ص : 213

إنّ لا ئمة أهل البيت (ع) دورا عامّا يشتركون جميعا في السعي إلى تحقيقه بالرغم من تفاوت الظروف السياسيّة والاجتماعيّة التي يمرّون بها، كمثل مسؤ وليّتهم في الحفاظ على الرسالة الاسلاميّة وتحصينها من كلّ ما يشوبها من عوالق لا إسلاميّة، ومسؤ وليّتهم في الحفاظ على الامّة ووقايتها من الاخطار التي تهدّدها، وتبيين الاحكام الشرعيّة والحقائق القرآنيّة، وإنقاذ الدولة الاسلاميّة من كلّ تحدٍّ كافر، وتعريف الامّة بفضل أهل البيت (ع) وأحقّيّتهم بالا مر ما سنحت الفرصة واتّسع المجال، وإلى غير ذلك من مصاديق دورهم العام المشترك.

ولكلٍّ منهم أيضا دور خاصّ به، تحدّده طبيعة الظروف السياسيّة والاجتماعيّة التي يعيشها كلُّ من الاسلام والامام والامّة. وقد تتشابه الادوار الخاصّة لبعضهم نتيجة تشابه تلك الظروف، كما هي الحال في الظروف التي عاشها كلّ من الباقر والصادق (ع) أوالهادي والعسكريّ (ع). وقد تتعارض الادوار الخاصّة لبعضهم نتيجة التغاير بين تلك الظروف، كما هي الحال في مهادنة الامام الحسن (ع) مع معاوية والثورة التي قام بها الامام الحسين (ع) ضدّ يزيد بن معاوية.

ومن الدور العامّ المشترك لا ئمة أهل البيت (ع) أصل القيام بوجه الحاكم الظالم إذا توفرّت (العدّة) اللّازمة للقيام بكلّ أبعادها لا في بُعد العدد فقط، ويمكن استفادة هذه الحقيقة أوهذا الهدف من أهداف دورهم العام المشترك من مجموعة روايات وردت عنهم (ع)، فاءمير المؤ منين عليّ (ع) بعد السقيفة

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 214

كان قد حرّض د البدريّين من المهاجرين والانصار على القيام والثورة، فلم يدع أحدا منهم إلّا أتاه في منزله، يذكّرهم

حقّه ويدعوهم إلى نصرته، فما استجاب له منهم إلّا أربعة وأربعون، فاءمرهم أن يصبحوا بكّرة محلّقين رؤ وسهم معهم السلاح ليبايعوا على الموت، فما وافاه في الصباح منهم إلّا أربعة، ثمّ أتاهم أيضا في الليلة التالية فناشدهم فقالوا: نصبحك بكرة، فما أتاه غير أولئك الاربعة، وكانت النتيجة نفسها أيضا في غداة اليوم التالي، فلمّا رأى غدرهم وقلّة وفائهم له لزم بيته. «1»

ولم يقل اميرالموءمنين (ع) قوله المشهور: (.. وواللّه، لا سلمنّ ما سلمت أمور المسلمين ولم يكن فيها جور إلّا عليَّ خاصّة ..) «2» إلّا بعد أن ظهرت نتيجة مؤ امرة الشورى واءُعطِيت الخلافة لعثمان، وزويت عنه للمّرة الثالثة، وهو يرى الامّة في غمرتها تغطُّ في غفلة عميقة عن حقّه المغتصب، فما صبر على ما صبر إلّا لعدم توفّر عدّة القيام حتّى فيما بعد الشورى. «3»

ويستفاد هذا الاصل أيضا من قصّة سدير الصيرفي مع الامام الصادق (ع)، التي قال له الامام (ع) في آخرها:

(واللّه يا سدير، لوكان لي شيعة بعدد هذه الجدأ ما وسعني القعود!) «4»

وكان عدد هذه الجدأ سبعة عشر!.

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 215

كما يستفاد من رواية ماءمون الرقّي في قصّة الصادق (ع) مع سهل بن حسن الخراساني الذي اعتذر للا مام (ع) عن امتثال أمره في دخول التنّور المسجور، ودخله هارون المكّي (ره)، فقال (ع) للخراساني: (كم تجد بخراسان مثل هذا؟) فقال: واللّه ولا واحدا، فقال (ع):

(لا واللّه ولا واحدا، أما إنّا لانخرج في زمانٍ لانجد فيه خمسة معاضدين لنا، نحن أعلم بالوقت). «1»

وكان هذا الاصل أيضا عند الامام الحسن (ع)، إذ كان أوّل ما فعله بعد اميرالموءمنين (ع) هو مواصلة التعبئة العامّة لقتال معاوية في حرب مصيريّة، ولولا الخيانات الكبرى والخذلان الخطير والوهن

المتفشّي في عسكره وما أشبه ذلك من أسباب أجبرته على ترك الحرب لما آل الامر إلى صلح مع معاوية، وكان الامام الحسن (ع) قد ابتلى الناس في عزمهم على الجهاد قبل المهادنة فما وجد فيهم إلّاالخَور والضعف وحبّ السلامة والدنيا، حين صعد المنبر فخطبهم قائلا:

(.. ألا وإنّ معاوية دعانا إلى أمرٍ ليس فيه عزّ ولا نصفة، فإن أردتم الموت رددناه عليه (وحاكمناه إلى اللّه عزّ وجلّ بضُبا السيوف)، وإن أردتم الحياة قبلناه، وأخذنا لكم الرضا.)

فناداه القوم (من كلّ جانب): البقية! البقية!، (فلمّا أفردوه أمضى الصلح). «2»

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 216

ولمّا أن شكى إليه الصحابيّ البطل الشهيد حجر بن عديّ (ره) مرارة الحال بقوله: (خرجنا من العدل ودخلنا في الجور، وتركنا الحقّ الذي كنّا عليه ودخلنا في الباطل الذي كنّا نذمّه، وأعطينا الدنيّة ورضينا بالخسيسة، وطلب القوم أمرا وطلبنا أمرا، فرجعوا بما أحبّوا مسرورين، ورجعنا بما كرهنا راغمين) أجابه الامام الحسن (ع):

(يا حجر، ليس كلّ الناس يحبّ ما أحببت، إنّي قد بلوت الناس، فلو كانوا مثلك في نيّتك وبصيرتك لا قدمت). «1»

الخيارات المتاحة للا مام الحسن (ع): ..... ص : 216
اشارة

لقد وقف الامام الحسن (ع) من هذه المحنة المحيّرة الموقف المعصوم الذي لايعتوره خطاء في فكرٍ أو قولٍ أو عملٍ، هذا ما يفرضه اعتقادنا الحقّ بإ مامة مولانا أبي محمّد الحسن المجتبى (ع)، لكنّنا في معرض تحليل ورصد الخيارات التي كانت متاحة له (ع) يمكن أن نحدّدها تاءريخيّا كما يلي:

1 (بقاء الحالة القائمة ..... ص : 216

: وهي حالة اللّاسلام واللّاحرب، وكان الامام (ع) يعلم أنّ بقاء هذه الحالة أمر غير ممكن آنذاك، وذلك لتزايد الوهن في أهل الكوفة وخذلانهم له، وكثرة الخيانات ممّن حوله، ولا نّ معاوية ياءبى حالة المتاركة هذه بسبب إصراره على مدّ سلطانه على كلّ البلاد طوعا أوكرها. فإ ذن لابدّ من حالة حرب أو حالة سلم.

2 (حالة الحرب واحتمالاتها ..... ص : 216

: لم يكن للا مام (ع) أىّ أمل في نصر مؤ زّر حاسم على ضوء الحالة النفسيّة والروحيّة لجيشه المكوّن من أخلاط وأهوأ

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 217

مختلفة وهممٍ هامدة، كما أنّ الامل ضعيف جدّا في أن تنتهي الحرب مع معاوية كما انتهت صفّين إلى حالة اللاحسم وذلك لا نّ ميزان القوى قد تغيّر تغيّرا ملحوظا لصالح معاوية.

إذن لم يبق إلّا احتمال هو أقرب إلى اليقين منه إلى الظنّ، وهو احتمال الهزيمة المنكرة للا مام (ع) والنصر الحاسم لمعاوية.

وعندها فإ مّا أن يُقتل الامام (ع) وأهل بيته وأصحابه فينتهي الصفّ الاسلامي تماما، ويخسر الاسلام قادته ومن معهم دون أيّة استفادة، ذلك لا نّ معاوية لِمابلغ به من تضليل الناس ولِما يملكه من دهاء وحنكة وقدرة على قلب الحقائق، كان يستطيع أن يُلقي على مقتلهم ألف حجاب وحجاب.

وإمّا أن يؤ سر الامام (ع) فيُقتل ومن معه صبرا أو يمنّ عليهم معاوية ويطلقهم في ذلٍّ مقابلة ليوم فتح مكّة، فتكون سُبّة على بني هاشم، ومنّة لبني أميّة عليهم، باقية إلى آخر الدهر. وقد صرّح الامام (ع) بذلك حيث قال:

(فواللّه، لئن أسالمه وأنا عزيز خير من أن يقتلني وأنا أسير، أو يمنّ عليّ فتكون سُبّة على بني هاشم إلى آخر الدهر، ومعاوية لايزال يمنّ بها وعقبه على الحيّ منّا والميّت). «1»

3) الصلح ..... ص : 217

: وهذا ما اقتضت حكمة المعصوم (ع) القبول به، وإن كان قذىً في العين وشجىً في الحلق وأمرَّ من العلقم، لا نّه الخيار الوحيد الذي يحفظ للا سلام بقاءه وبقاء رجاله، ويعرّي حقيقة نفاق معاوية وجاهليّته وكفره، ذلك لا نّه إذا استتبّ له الامر بلامنازع تخلّى عن تحفّظاته وكشف تماما عن عدائه للا

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 218

سلام. هذا وتجدر الاشارة

هنا إلى أنّ الامام الحسن (ع) لم ينظر إلى الصلح على أنّه نهاية القضيّة مع معاوية، بل كان ينظر إليه كمتاركة مؤ قّتة حتّى ياءتي الوقت المناسب للقيام ضدّ معاوية في حربٍ أخرى، فها هو يجيب حجربن عدي الكندي بقوله:

(إنّي رأيت هوى عظم الناس في الصلح، وكرهوا الحرب، فلم أحبّ أن أحملهم على ما يكرهون، فصالحت بقيا على شيعتنا خاصّة من القتل، فرأيت دفع هذه الحروب إلى يومٍ ما، فإ نّ اللّه كلّ يومٍ هو في شاءنٍ). «1»

صدق أبومحمّد (ع) ..... ص : 218

كان الامام الحسين (ع) قد وقف من كلّ قرارات ومواقف الامام أبي محمّد الحسن (ع) موقف الشريك المعاضد والنصير المؤ ازر، هذا ما تؤ كّده المتابعة التاءريخيّة للعلاقة بينهما طيلة فترة إمامة الحسن (ع)، فضلا عن أنّ الاعتقاد الحقّ بإ مامتهما وعصمتهما يفرض القطع باءنّ كلّا منهما يصدّق الاخر في القول والفعل والتقرير. وفيما يتعلّق باءمر الصلح مع معاوية كان الامام الحسين (ع) قد أكّد دعمه التامّ للقرار الحسني، وعبّر عن اشتراكه مع أخيه في موقفه، وعن امتثاله لا مره كإ مام مفترض الطاعة في أكثر من مناسبة. فقد قال له عديّ بن حاتم (ره): (يا أباعبداللّه، شريتم الذلّ بالعزّ، وقبلتم القليل وتركتم الكثير، اءَطِعنا اليوم واعصِنا الدهر، دعِ الحسن وما راءى من هذا الصلح، واجمع إليك شيعتك من أهل الكوفة وغيرها، وولّني وصاحبي (يعني عبيدة بن عمر) هذه المقدّمة، فلايشعر ابن هند إلّا ونحن نقارعه بالسيوف).

فاءجابه الحسين (ع): (إنّا قد بايعنا وعاهدنا، ولا سبيل لنقض بيعتنا). «2»

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 219

ولمّا طلب منه حجر بن عديّ (ره) مثل ذلك أجابه الامام الحسين (ع) أيضا:

(إنّا قد بايعنا، وليس إلى ما ذكرت سبيل). «1»

كما أظهر تصديقه لا خيه في

الالتزام بالمعاهدة ولوازمها عمليّا في جوابه لعليّ بن محمّد بن بشير الهمداني حين ذكر له امتناع الامام الحسن (ع) من إجابة من دعاه إلى الثورة بعد الصلح قائلا: (صدق أبومحمّد، فليكن كلّ رجل منكم حلسا من أحلاس د بيته مادام هذا الانسان حيّا). «2»

وعبّر (ع) عن امتثاله التامّ لا مر الامام الحسن (ع) في هذا الموقف لمّا دعاهما معاوية ومن معهما من أصحاب عليّ (ع) للبيعة في الشام، وكان معهم قيس بن سعد بن عبادة الانصاري، فلمّا أتوه دعا معاوية الحسن (ع) للبيعة فبايعه، ثمّ دعا الحسين (ع) أيضا فبايعه، فلمّا طلب من قيس بن سعد البيعة التفت قيس د إلى الحسين (ع) ينظر ما ياءمره، فقال الحسين (ع): (يا قيس إنّه إمامي). يعني الحسن (ع). «3»

ولاينافي هذه الحقيقة ما ورد في مجموعة أخرى من النصوص أنّه (ع) كان كارها لتلك البيعة، كمثل قوله لبعض الشيعة:

(قد كان صلح، وكانت بيعة كنت لها كارها، فانتظروا مادام هذا الرجل حيّا، فإن يهلك نظرنا ونظرتم). «4»

ذلك لا نّ هذا الصلح كان أبغض الاختيارات أمام الامام الحسن (ع)، وقد

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 220

اضطرّ إليه اضطرارا حرصا على مصالح إسلاميّة كبرى، ولاشك أنّ رعاية هذه المصالح قد تفرض على الامام في ظروف صعبة غير مساعدة أن يقدم على أمرٍ هو عند الامام أمرّ من العلقم، وأشدّ من السمّ، وأفجع من الموت.

ولا تفاوت في كراهيّة هذا الصلح عند الحسن والحسين (ع)، كما أنّ التعبير عن الكراهيّة لا مرٍ لايعني التعبير عن عدم الرضا بفعله. ذلك لا نّ الرضا بهذا الصلح بلحاظ ما يترتّب عليه من نتائج مرجّوةٍ أمرٌ آخر.

ولا تفاوت في الرضا به أيضا عند الحسن أوالحسين أو أيّ إمام آخر من

أئمّة أهل البيت (ع)، ولقد عبّر الامام الباقر (ع) عن نظرة الرضا بهذا الصلح قائلا:

(واللّه، للّذي صنعه الحسن بن عليّ (ع) كان خيرا لهذه الامّة ممّا طلعت عليه الشمس ...). «1»

ومع اعتقادنا باءنّ الموقف الذي يتّخذه الامام المعصوم هو الافضل في ظرفه، أي أنّ كلًّا من صلح الحسن (ع) وقيام الحسين (ع) كان هوالافضل في ظرفه، صحّ لنا إذن أن نقطع باءنّ إمامة الحسين (ع) لوكانت قبل إمامة الحسن (ع) لصالح معاوية كما فعل الحسن (ع) في ظرفه، ولوكانت إمامة الحسن (ع) بعد إمامة الحسين (ع) لثار الحسن (ع) كما فعل الحسين (ع) في ظرفه.

أمّا ما ورد في مجموعة أخرى من الروايات أنّ الامام الحسين (ع) قال لا خيه الامام الحسن (ع) حينما عزم على الصلح: (يا أخي، أعيذك باللّه من هذا) «2» اعتراضا عليه، أو أنّه قال: (نشدتك اللّه أن تصدّق أحدوثة معاوية وتكذّب اءُحدوثة عليّ!). «3» اءو (اءنشدك اللّه اءن تكون اءوّل من عاب

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 221

أباك وطعن عليه ورغب عن أمره!) فاءجابه الامام الحسن (ع): (إنّي لاأرى ما تقول، واللّه لئن لم تتابعني لا سندتك في الحديد، فلاتزال فيه حتّى أفرغ من أمري!) «1» أو أنّه (ع) قال: (أعيذك باللّه أن تكذّب عليّا في قبره وتصدّق معاوية!)، فيجيبه الامام الحسن (ع): (واللّه ما أردت أمرا قطّ إلّا خالفتني إلى غيره، واللّه لقد هممت أن أقذفك في بيت فاءُطيّنه عليك حتّى أقضي أمري!). «2» فإ نّ هذه الروايات كلّها عاميّة، مردودة لايمكن القبول بها، لا نّها تعارض الاعتقاد الحقّ بمعنى الامامة وحقائقها والادب الرفيع الذي يتعامل به حجج اللّه تعالى فيما بينهم، وهي من افتعال الخيال السنّي المتاءثّر بالتضليل الامويّ الذي عمد إلى

تشويه صورة الامام الحسن (ع) بشكل خاصّ ليظهره بمظهر الموادع الذي يحبّ السلامة والراحة والنساء والمال، وأنّه لا عزم له على حرب ولا شدّة، كلّ ذ لك ليجرّده في أذهان الناس عن أهليّته للخلافة. ومن المؤ سّف حقّا أنّك قد لاتجد في تواريخ العامّة كتابا لم يتاءثّر بهذا التضليل الظالم!!

مواصلة الامام (ع) الالتزام بالهدنة ..... ص : 221

آثر الامام (ع) مواصلة الالتزام بالهدنة، وحرص (ع) في حياة الامام الحسن (ع) على تهدئة ثائرة الشيعة، وأمرهم بالصبر والترقّب، وأوصاهم بالتخفّي عن أعين السلطة، وبالا نتظار، وواصل السير على هذا الخطّ أيضا بعد شهادة الامام الحسن (ع)، فقدروى البلاذري: أنّه لما توفّي الحسن بن عليٍّ اجتمعت الشيعة، ومعهم بنوجعدة بن هبيرةبن أبي وهب المخزومي وأمّ جعدة أمّ هاني بنت أبي طالب، في دار سليمان بن صرد، وكتبوا إلى الحسين كتابا بالتعزية، وقالوا في كتابهم: إنّ اللّه قد جعل فيك أعظم الخلف ممّن

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 222

مضى، ونحن شيعتك المصابة بمصيبتك، المحزونة بحزنك، المسرورة بسرورك، المنتظرة لا مرك.

وكتب إليه بنوجعدة يخبرونه بحسن رأي أهل الكوفة فيه وحبّهم لقدومه وتطلّعهم إليه، وأن قد لقوا من أنصاره وإخوانه من يُرضى هديه ويُطماءنّ إلى قوله، ويعرف نجدته وباءسه، فاءَنضَوا إليهم ما هم عليه من شن آن ابن أبي سفيان والبرأة منه، ويساءلونه الكتاب إليهم برأيه.

فكتب الحسين (ع) إليهم:

(إنّي لا رجو أن يكون رأي أخي رحمه اللّه في الموادعة ورأيي في جهاد الظلمة رشدا وسدادا، فالصقوا بالا رض، وأخفوا الشخص، وأكتموا الهوى، واحترسوا من الاضاء مادام ابن هند حيّا، فإن يحدث به حدثٌ وأنا حيّ ياءتكم رأيي إن شاءاللّه). «1»

وكذلك نقل الشيخ المفيد (ره) عن الكلبي والمدائني وغيرهما من أصحاب السيرة أنّهم قالوا: (لمّا مات الحسن (ع) تحرّكت الشيعة بالعراق، وكتبوا

إلى الحسين (ع) في خلع معاوية، والبيعة له، فامتنع عليهم، وذكر أنّ بينه وبين معاوية عهدا وعقدا لايجوز له نقضه حتّى تمضي المدّة، فإ ذا مات معاوية نظر في ذلك). «2»

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 223

موقف معاوية من الامام الحسين) ع) ..... ص : 223
دعوى) الدم المضنون في بني عبد مناف (وحقيقتها ..... ص : 223

روى ابن عساكر أنّ الوليد بن عتبة أغلظ للا مام الحسين (ع) في القول، فشتمه الامام (ع) وأخذ بعمامته فنزعها من رأسه ...

فقال الوليد: إن هجنا باءبى عبداللّه إلّا أسدا!

فقال له مروان أو بعض جلسائه: أقتله.

قال الوليد: إنّ ذلك لدم مضنون في بني عبد مناف!!. «1»

لاشك أنّ الوليد بن عتبة وهو والي المدينة يومئذٍ لم ينطق عن رأيه الشّخصيّ، بل نطق عن الرأي الرسمي للحكم الامويّ الذي كان معاوية بن أبي سفيان على رأسه آنئذٍ. والدم المضنون في بني عبد مناف معناه الدم الذي يعزّ على القتل ولايجوز سفكه، فهل كان دم الامام الحسين (ع) كذلك فعلا في عهد معاوية؟ وما هي حدود الحقيقة في هذه الدّعوى!؟

لقد كتب معاوية إلى واليه سعيد بن العاص على المدينة قبل الوليد بن عتبة بصدد الموقف من الامام الحسين (ع) قائلا:

(... وأنظر حسينا خاصّة فلايناله منك مكروه، فإ نّ له قرابة وحقّا عظيما لاينكره مسلم ولا مسلمة، وهو ليث عرين، ولست آمنك إن شاورته أن لاتقوى عليه ...). «2»

إذن فمشكلة معاوية في موقفه من الامام الحسين (ع) هي في قرابة الامام

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 224

الحسين (ع) الخاصّة من رسول اللّه (ص)، إنّه ابن فاطمة الزهرأ (س)، وهذه الصلة الخاصّة قد فرضت له (ع) حقّا عظيما على كلّ مسلم ومسلمة، وقد عرفت الامّة كلّها هذا الحقّ العظيم فهي لاتنكره.

من هنا فإ نّ أيّة مواجهة علنيّة بين النظام الامويّ وبين الامام (ع) لاتكون في مصلحة هذا النظام الحريص

على التظاهر بالزيّ الديني.

لكنّ هذا الموقف الامويّ في عدم مسّ الامام (ع) بمكروه هو محدّد غير مطلق، ويلتزم به الحكم الامويّ في حال عدم قيام الامام (ع) ضدّ هذا الحكم، وقد صرّح الوليد بن عتبة للا مام الحسين (ع) بحدود الموقف الامويّ الرسمي منه حينما عنّفه الامام (ع) على منعه أهل العراق من اللقاء به، فقال الوليد يخاطب الامام (ع):

(ليت حلمنا عنك لايدعو جهل غيرنا إليك، فجناية لسانك مغفورة لك ما سكنت يدك، فلاتخطر بها فتخطر بك ...). «1»

أي لك أن تقول ما شئت وكما تحبّ مادمت لم تقم ضدّنا ولم تخرج علينا، وأمّا إذا تحرّكت عمليّا ضدّنا وخرجت علينا فلا غفران ولا أمان، ولايكون بيننا وبينك عندها إلّا السّيف والقتل. هذا هوالخطّ الاحمر المرسوم للدّم المضنون في بني عبدمناف! وعليه ألّايتجاوزه حتّى لايطاله القتل فيسفك كاءيّ دم آخر غير مضنون!

هذا هو الموقف الامويّ الرسمي بحدوده وأبعاده سافرا في تصريح الوليد بن عتبة، ولقد بلّغ الامويّون الامام الحسين (ع) بهذا الموقف وأشعروه بهذه

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 225

الحدود أيضا قبل ذلك في زوبعة اليوم الاوّل من إمامته (ع) في المواجهة التي أثاروها لمنع دفن الامام الحسن (ع) قرب جدّه (ص).

إذن فدم الامام الحسين (ع) دم مضنون في بني عبدمناف عند الحكم الامويّ ما لم يخرج الامام (ع) على هذا الحكم، وهو دم مظنون لا عن إيمان بحقّه العظيم وقداسته، بل لا نّ سفك هذا الدم المقدّس يمزّق الاطار الديني الذي يتشبّث به الحكم الامويّ.

وظلّ معاوية مدّة بقيّة حياته يهتمّ باءمر الامام الحسين (ع) اهتماما فائقا، ويحسب له حسابا خاصّا، في موازنة دقيقة بين عدم التحرّش به وتحاشي إثارته وبين مراقبته ليل نهار مراقبة دقيقة متواصلة للحيلولة دون

خروج فكرة القيام والثورة عند الامام (ع) من مكنون النيّة إلى حيّز التطبيق والتنفيذ العملي، خشية من مواجهة الخيارات الحرجة التي يسبّبها لمعاوية قيام الامام (ع) في حال تمكّنه من تنفيذ هذا القيام عمليّا.

الرقابة المشدّدة على الامام (ع) ..... ص : 225

ولذا فلانعجب إذا شدّد معاوية الرقابة على الامام (ع)، ورصد عليه الصغيرة والكبيرة من سكناته وحركاته في حياته الخاصّة والعامّة، وفي حِلّه وترحاله.

وكان معاوية يتعمّد تحسيس الامام (ع) وإشعاره بهذه المراقبة، وإعلامه باءنّ الصغيرة والكبيرة من مجريات حياته مرفوعة إليه آنا ف آنا بلا انقطاع بواسطة جواسيسه، لعلّ ذلك ينفع في ردع الامام (ع) عن الفكرة بالخروج والقيام!!

والامثلة على هذه الحقيقة كثيرة، ننتقي منها هذا المثال الدال على أنّ معاوية كان قد رصد على الامام حتّى شؤ ونه الخاصّة في منزله، يقول التاءريخ: (وكان لمعاوية بن أبي سفيان عين بالمدينة يكتب إليه بما يكون من

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 226

أمور الناس وقريش، فكتب إليه: أنّ الحسين بن علي أعتق جارية له وتزوّجها، فكتب معاوية إلى الحسين:

من اميرالموءمنين معاوية إلى الحسين بن عليّ:

أمّا بعدُ: فإ نّه بلغني أنّك تزوّجت جاريتك، وتركت أكفاءك من قريش، ممّن تستنجبه للولد، وتمجّد به في الصهر، فلا لنفسك نظرت، ولا لولدك انتقيت.

فكتب إليه الحسين بن علي (ع):

(أمّا بعد: فقد بلغني كتابك، وتعييرك إيّاي باءنّي تزوّجت مولاتي، وتركت أكفائي من قريش، فليس فوق رسول اللّه منتهى في شرف، ولا غاية في نسب، وإنّما كانت ملك يميني خرجت عن يدي باءمرٍ التمست فيه ثواب اللّه تعالى، ثمّ ارتجعتها على سُنّة نبيّه (ص)، وقد رفع اللّه بالا سلام الخسيسة، ووضع عنّا به النقيصة، فلا لوم على امرىٍ مسلم إلّا في أمر ماءثم، وإنّما اللوم لوم الجاهليّة).

فلمّا قرأ معاوية كتابه نبذه إلى يزيد، فقرأه

وقال: لشدّما فخر عليك الحسين! قال: لا، ولكنّها ألسنة بني هاشم الحداد التي تفلق الصخر، وتغرف من البحر! «1»

ولاريب أنّ الامام (ع) وإن اقتصر في ردّه على معاوية بالاحتجاج عليه فيما يتعلّق بموضوع هذه الجارية، إلّا أنّه قد أدرك مراد معاوية الخفيّ من ورأ هذه الرسالة، وهو أنّني على علم بكلّ ما تفعله حتّى شؤ ونك الخاصّة في داخل منزلك! فمابالك بعلاقاتك الاجتماعيّة وشؤ ونك السياسيّة العامّة!؟ فاحذر

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 227

ولاتتجاوز تربّصك بنا إلى القيام بفعلٍ لاتكون عاقبته إلّا وقوع السيف بيننا!

لقد كانت الموازنة دقيقة وحسّاسة جدّا في المتاركة القائمة بين الامام الحسين (ع) وبين معاوية، لكنّ بعض الامويّين ممّن كانت قلوبهم تغلي بنار الحقد على أهل البيت (ع)، وليس لهم دهاء معاوية، كانوا يستعجلون معاوية في تقاريرهم التي يبعثونها بالا خذ على يد الامام (ع) أخذا شديدا أو التخلّص منه قبل أن تستفحل الامور وتستعصي معالجتها على بني أميّة!

وأشدّ هؤ لاء الامويّين حقدا على أهل البيت (ع)، وأكثرهم عجلة وخرقا، كان مروان بن الحكم الذي كانت تقاريره تتوالى على معاوية، وتشعُّ بالا ندفاع والاستعجال، فقد كتب إلى معاوية ذات مرّة (يعلمه أنّ رجالا من أهل العراق قدموا على الحسين بن عليّ (ع)، وهم مقيمون عنده، يختلفون إليه، فاكتب إليَّ بالذي ترى). «1»

وقال البلاذري: (وكان رجال من أهل العراق وأشراف أهل الحجاز يختلفون إلى الحسين يجلّونه ويعظّمونه، ويذكرون فضله، ويدعونه إلى أنفسهم، ويقولون إنّا لك عضدٌ ويدٌ، ليتّخذوا الوسيلة إليه، وهم لايشكّون في أنّ معاوية إذا مات لم يعدل الناس بحسينٍ أحدا.

فلمّا كثر إختلافهم إليه أتى عمرو بن عثمان بن عفّان مروان بن الحكم وهو إذ ذاك عامل معاوية على المدينة فقال له: قد كثر

اختلاف الناس إلى حسينٍ، واللّه إنّي لا رى أنّ لكم منه يوما عصيبا.

فكتب مروان ذلك إلى معاوية ...). «2»

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 228

وكتب إليه أيضا: (إنّي لست آمن أن يكون حسين مرصدا للفتنة، وأظنّ يومكم من حسين طويلا!). «1»

لكنّ معاوية الذي كان يرى أنّ من مصلحته أن يبقى الامام الحسين (ع) ملتزما بالهدنة ولو ظاهرا، لم يكن ليرغب في الخروج عن حال المتاركة مع الامام (ع)، فكان يردّ مروان عن تجاوز هذه المتاركة، وياءمره بالصبر وينهاه عن الخرق والعجلة، فقد كتب إليه:

(اترك حسينا ما تركك ولم يظهر لك عداوته ويُبدِ صفحته، واكمن عنه كمون الثرى إن شاء اللّه، والسلام). «2»

ومع هذا فإ نّ مروان الذي كان أشدّ ولاة المدينة الامويّين على أهل البيت (ع) لم يكن ليطيق وجود الامام الحسين (ع) في المدينة وهويري التفاف الامّة حوله وانشدادها إليه، فاقترح على معاوية إبعاد الامام عن المدينة وفرض الاقامة الجبريّة عليه في الشام، لينقطع بذلك اتصاله باءهل العراق، لكنّ معاوية رفض هذا الاقتراح أيضا، وردّ عليه قائلا:

(أردت واللّه أن تستريح منه وتبتليني به، فإن صبرتُ عليه صبرتُ على ما أكره، وإن أساءتُ إليه قطعتُ رحمه). «3»

وفوق الرقابة المشدّدة على الامام (ع) كان بعض ولاة المدينة الامويّين يتدخلون عمليّا فيمنعون وفود الامّة من لقاء الامام (ع) خوفا من تطوّر الامور عمليّا لصالح الامام (ع)، فقد روى البلاذري عن العتبي أنّ الوليد بن عتبة

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 229

حجب أهل العراق عن الامام الحسين (ع).

فقال الحسين (ع): يا ظالما لنفسه، عاصيا لربّه، علامَ تحول بيني وبين قوم عرفوا من حقّي ما جهلته أنت وعمّك!؟

فقال الوليد: ليت حلمنا عنك لايدعو جهل غيرنا إليك، فجناية لسانك مغفورة لك ما سكنت يدك، فلاتخطر بها

فتخطر بك، ولوعلمت ما يكون بعدنا لا حببتنا كما أبغضتنا!!). «1»

وإضافة إلى ما قدّمناه قبل ذلك في أن تصريح الوليد هذا كاشف عن حقيقة ما يعنيه الحكم الامويّ في دعوى (الدم المضنون)، نلفت هنا الانتباه إلى أنّ قول الوليد (ولو علمت ما يكون بعدنا لا حببتنا كما أبغضتنا) ربّما كان إشارة إلى أنّ هذه المتاركة الموزونة بيننا وبينك سوف لن تتحقّق في غير عهد معاوية، وأنّ يزيد الذي سيخلف أباه شخصيّة أخرى، لاترى في التعامل معك غير الشدّة والصرامة، وسوف تضيق عليك الارض بما رحبت، وعندها إذا التفتَّ إلى ورأ ستذكر أيّامنا وعفونا وسماحتنا!! فكاءنّه يمنّ على الامام (ع) بهذه المتاركة الموزونة التي هي في نفعهم هم أوّلا وأساسا!!

الخطّ العامّ في رسائل معاوية إلى الامام (ع) ..... ص : 229

لعلّ أوّل ما يلفت انتباه المتاءمّل في رسائل معاوية إلى الامام الحسين (ع) هو المكر الظاهر في الموازنة بين الترغيب والترهيب، ولاتكاد تخلو واحدة من رسائل معاوية إلى الامام (ع) من النهج المتوازن بين الترغيب والترهيب.

وهذه الظاهرة إنعكاس واضح لما يتبنّاه معاوية من مبدأ الحفاظ على حالة

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 230

المتاركة مع الامام (ع)، وهذه الرسائل نفسها برهان على تبنّي معاوية هذا المبدأ أيضا.

ولننتق هنا أمثلة من هذه الرسائل ...

(كان مالٌ حُمل من اليمن إلى معاوية، فلمّا مرّ بالمدينة وثب عليه الحسين بن علي (ع) فاءخذه وقسّمه في أهل بيته ومواليه، وكتب إلى معاوية:

(من الحسين بن عليّ إلى معاوية بن أبي سفيان.

أمّا بعد: فإ نّ عيرا مرّت بنا من اليمن تحمل مالا وحلالا وعنبرا وطيبا إليك، لتودعها خزائن دمشق وتعلُّ بها بعد النهل بني أبيك، وإنّي احتجت إليها فاءخذتها، والسلام).

فكتب إليه معاوية:

(من عند عبداللّه معاوية اميرالموءمنين إلى الحسين بن عليّ سلام عليك ...

أمّا بعد: فإ نّ كتابك

ورد عليّ تذكر أنّ عيرا مرّت بك من اليمن تحمل مالا وحلالا وعنبرا وطيبا إليَّ، لا ودعها خزائن دمشق، وأعلّ بها بعد النهل بني أبي، وأنّك احتجت إليها فاءخذتها.

ولم تكن جديرا باءخذها إذ نسبتها إليّ، لا نّ الوالي أحقّ بالمال ثمّ عليه المخرج منه، وأيمُ اللّه لو تركت ذلك حتّى صار إليّ لم أبخسك حظّك منه، ولكنّي قد ظننت يا ابن أخي أنّ في رأسك نزوة، وبودّي أن يكون ذلك في زماني فاءعرف لك قدرك، وأتجاوز عن ذلك، ولكنّي واللّه أتخوّف أن تبتلى بمن لاينظرك فُواق ناقة). «1»

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 231

ولايخفى أنّ معاوية في هذه الرسالة مع إظهاره المسامحة والتجاوز كان قد هدّد الامام (ع) بمن ياءتي بعده، يعني يزيد.

كما كتب إليه نتيجة التقارير الكثيرة التي كانت تبعث بها عيونه إليه عن حركة الامّة وحركة الامام (ع):

(أمّا بعد: فقد انتهت إليَّ أمور أرغب بك عنها، فإن كانت حقّا لم أقارّك عليها، ولعمري) إنّ من أعطى اللّه صفقة يمينه وعهده لجدير بالوفاء. (وإن كانت باطلا، فاءنت أسعد الناس بذلك، وبحظّ نفسك تبدأ، وبعهد اللّه تفي، فلاتحملني على قطيعتك والاساءة بك، فإ نّي متى أنكرك تنكرني، وإنّك) متى تكدني أكدك. وقد اءُنبئتُ اءنّ قوماً من اءهل الكوفة قد دعوك إلى الشقاق، (فإ تّق شقّ عصا هذه الامّة، وأن يرجعوا على يدك إلى الفتنة). وأهل العراق من قد جرّبت، قد أفسدوا على أبيك وأخيك، (وقد جرّبت الناس وبلوتهم، وأبوك كان أفضل منك، وقد كان اجتمع عليه رأي الذين يلوذون بك، ولاأظنّه يصلح لك منهم ما كان فسد عليه). فاتّق اللّه، واذكر الميثاق، (وانظر لنفسك ودينك، ولايستخفّنّك الذين لايوقنون). «1»

فكتب إليه الامام (ع) جوابا على رسالته هذه كان بمثابة

الصاعقة التي نزلت على رأس معاوية الذي ارتبك وتاءثّر بشدّة من حدّتها إلى درجة أن كان يشكو إلى مقرّبيه من قوّة جواب الامام (ع)، وقد أوردت كتب التاءريخ والتراث ه ذا الجواب كاملا، وسنورده في محلّه من هذا الكتاب.

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 232

لماذا لم يثر الامام الحسين (ع) على معاوية!؟ ..... ص : 232

كان رأي أهل بيت العصمة (ع) هو رفض أن يكون معاوية حاكما ولو لمدّة سواد ليلة واحدة رفضا تامّا، ولم يساوم اميرالموءمنين عليّ (ع) على هذا المبدأ قيد أنملة، ورفض كلّ نصيحة تدعو إلى المداهنة في ذلك، وخاض حرب صفّين الطاحنة لتحقيق هذا الرفض، ثمّ لم يتزعزع عن هذا الرأي حتّى قتل (ع).

وواصل الامام الحسن (ع) الاصرار على هذا الرأي، ولم ياءل جهدا في الاعداد لتحقيق ذلك، لكنّ نكد الدهر وانقلاب الامور اضطرّه في الختام إلى القبول باءَمَرِّ اختيار، وحسبك من أمرين أحلاهما مُرّ!، فسلّم الامر إلى معاوية مؤ جّلا الحرب ضدّه إلى يوم آخر قد ياءتي به مستقبل الايّام (فرأيت دفع هذه الحروب إلى يوم ما، فإ نّ اللّه كلّ يوم هو في شاءنٍ) «1»، وانطوى على ذلك حتّى مضى شهيدا (ع).

فمسوّغات الثورة على معاوية ودواعيها كانت قائمة وموجودة منذ أوّل يومٍ من أيّام ولايته على الشام، لكنّ دواعي الثورة عليه ودوافعها تكاثرت وتعاظمت بعد شهادة الامام الحسن (ع)، وكان الامام الحسين (ع) يعلم ذلك ويشخّص أبعاده، ويصرّح به لثقاته، بل وقد صرّح به لمعاوية نفسه في الكتب والمحاورات التي كانت بينهما، ومن هذه التصريحات على سبيل المثال:

(وهيهات هيهات يا معاوية، فضح الصبح فحمة الدجى، وبهرت الشمس أنوار السُّرُج، ولقد فضّلتَ حتّى أفرطتَ، واستاءثرتَ حتّى أجحفتَ، ومنعتَ حتّى بخلتَ، وجُرتَ حتّى جاوزتَ، وما بذلت لذي حقّ من أتمّ حقّه بنصيب، حتّى أخذ

الشيطان حظّه الاوفر، ونصيبه الاكمل ...). «2»

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 233

وممّا خاطبه به في رسالةٍ أخرى:

(... وقلتَ فيما قلتَ: لاتردَّ هذه الامّة في فتنة، وإنّي لاأعلم لها فتنة أعظم من إمارتك عليها، وقلتَ فيما قلتَ: انظر لنفسك ولدينك ولا مّة محمّد، وإنّي واللّه ما أعرف أفضل من جهادك، فإن أفعل فإ نّه قربة إلى ربّي وإن لم أفعله فاءستغفراللّه لديني وأساءله التوفيق لما يحبّ ويرضى ...). «1»

وهنا يفرض هذا السؤ ال نفسه على مجرى البحث وهو: لماذا لم يثر ولم يقم الامام الحسين (ع) على معاوية أيّام إمامته مع توافر جميع الدواعي والدوافع للقيام بالثورة!؟

وفي الاجابة عن هذا السؤ ال لابدّ في البدء من تحديد الهدف المنشود من الثورة، فما هو هدف الامام الحسين (ع) من الثورة على معاوية؟

لاشك أنّ هدفه (ع) هوذات الهدف الذي أعلن عنه في قيامه ضدّ يزيد بن معاوية، وهو طلب الاصلاح في أمّة جدّه (ص) بالا مر بالمعروف والنهي عن المنكر بما يتضمّن ذلك من إزالة الحكومة الفاسدة وإقامة الحكومة الحقّة، من خلال قيام الامّة مع الامام (ع) لتحقيق نصر حاسم يتوفّر في ظلِّه هذا الهدف.

اوتعريض الامّة لصدمة مروّعة في الوجدان وصعقة كبرى في الضمير من خلال ملحمة بطوليّة وفاجعة ماءساوية تنتهي بمقتله (ع) ومقتل أنصاره من أهل بيته وصحبه الابرار الذين هم صفوة أخيار هذه الامّة، في إطار عمل

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 234

إعلامي وتبليغي كبير ناجح يتكشّف نتيجة له كلّ الزيف الذي تستّر به معاوية، وتتراجع كلّ خطط وآثار حركة النفاق الحاكمة منذ يوم السقيفة إلى نقطة الصفر، ويعود الاسلام المحمّدي الخالص خالصا من كلّ شائبة، وتتحرّر الامّة روحيّا ونفسيّا من كلّ آثار التضليل والافساد الذي تعرّضت له بعد غياب النبيّ

الاكرم محمّد (ص) وتتمزّق الغشاوة عن بصيرتها فتعرف الحقّ وأهله وتنهج على هدي نوره.

فهل كان بإ مكان الامام الحسين (ع) أن يحقّق أحد هذين الاختيارين في زمن معاوية؟

أمّا الاختيار الاوّل، وهو طريق الانتصار العسكريّ الحاسم على معاوية، فكان لابدّ فيه من تعبئة شطر من الامّة كافٍ على الاقلّ لتحمّل تبعات ومقتضيات حرب طاحنة حتّى النصر، فهل كانت الامّة آنئذٍ تنطوي على مثل هذا الاستعداد الكبير نفسيّا وعمليّا!؟

لنقرأ هذا المقطع الذي يصوّر فيه صاحب كتاب (ثورة الحسين ظروفها الاجتماعيّة وآثارها الانسانيّة) حال الامّة آنئذٍ، يقول: (لقد كانت حروب الجمل وصفّين والنهروان، والحروب الخاطفة التي نشبت بين القطع السوريّة وبين مراكز الحدود في العراق والحجاز واليمن بعد التحكيم قد ولّدت عند أصحاب الامام (ع) حنينا إلى السلم والموادعة، فقد مرّت عليهم خمس سنين وهم لايضعون سلاحهم من حرب إلّا ليشهروه في حرب أخرى، وكانوا لايحاربون جماعات غريبة عنهم، وإنّما يحاربون عشائرهم وإخوانهم بالا مس، ومن عرفهم وعرفوه ... وما نشك في أنّ هذا الشعور الذي بدأ يظهر بوضوح في آخر عهد عليّ (ع) إثر إحساسهم بالهزيمة أمام مراوغة خصمهم في يوم التحكيم أفاد خصوم الامام من زعماء القبائل ومن إليهم ممّن إكتشفوا أنّ سياسته لايمكن أن تلبّي مطامحهم التي تؤ ججها سياسة معاوية في المال والولايات، فحاولوا إذكاء هذا الشعور والتاءكيد عليه، وقد ساعد على تاءثير هؤ لاء الزعماء ونفوذهم في أوساط المجتمع الروح القبليّة التي استفحلت

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 235

في عهد عثمان بعد أن أطلقت من عقالها بعد وفاة النبيّ (ص)، فإ نّ الانسان ذا الروح القبليّة عالمه قبيلته، فهو ينفعل بانفعالاتها، ويطمح إلى ما تطمح إليه، ويعادي من تعادي، وينظر إلى الامور من الزاوية التي تنظر

منها القبيلة، وذلك لا نّه يخضع للقيم التي تخضع لها. وتتركّز مشاعر القبيلة كلّها في رئيسها، فالرئيس في المجتمع القبلي هوالمهيمن والموجّه للقبيلة كلّها ... وقد عبّر الناس عن رغبتهم في الدعة وكراهيتهم للقتال بتثاقلهم عن الخروج لحرب الفرق السوريّة التي كانت تغير على الحجاز واليمن وحدود العراق، وتثاقلهم عن الاستجابة للا مام (ع) حين دعاهم للخروج ثانية إلى صفّين.

فلمّا استشهد الامام عليّ (ع) وبويع الحسن (ع) بالخلافة برزت هذه الظاهرة على أشدّها، وبخاصّة حين دعاهم الحسن (ع) للتجهز لحرب الشام، حيث كانت الاستجابة بطيئة جدّا. وبالرغم من أنّ الامام الحسن (ع) قد استطاع بعد ذلك أن يجهّز لحرب معاوية جيشا ضخما إلّا أنّه كان جيشا كتبت عليه الهزيمة قبل أن يلاقي العدوّ بسبب التيارات المتعدّدة التي كانت تتجاذبه، فقد: (خفّ معه أخلاط من الناس: بعضهم شيعة له ولا بيه، وبعضهم محكّمة أي خوارج يؤ ثرون قتال معاوية بكلّ حيلة، وبعضهم أصحاب فتن وطمع في الغنائم، وبعضهم شكّاك، وأصحاب عصبيّة اتبعوا رؤ ساء قبائلهم). وقد كان رؤ ساء القبائل هؤ لاء قد باعوا أنفسهم من معاوية الذي كتب إلى كثير منهم يغريهم بالتخلّي عن الحسن (ع) والالتحاق به، وأكثر أصحاب الحسن (ع) لم يستطيعوا مقاومة هذا الاغرأ، فكاتبوا معاوية واعدين باءن يسلّموا الحسن (ع) حيّا أو ميّتا. وحين خطبهم الامام الحسن (ع) ليختبر مدى إخلاصهم وثباتهم هتفوا به من كلّ جانب: البقية، البقية، بينما هاجمته طائفة منهم تريد قتله، هذا في الوقت الذي أخذ الزعماء يتسلّلون تحت جنح الليل إلى معاوية بعشائرهم!

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 236

ولمّا رأى الامام الحسن (ع) أمام هذا الوقع السّي ء أنّ الظروف النفسيّة والاجتماعيّة في مجتمع العراق جعلت هذا المجتمع عاجزا

عن النهوض بتبعات القتال وانتزاع النصر، ورأى أنّ الحرب ستكلّفه استئصال المخلصين من أتباعه بينما يتمتّع معاوية بنصر حاسم، حينئذٍ جنح إلى الصلح بشروط منها ألّايعهد معاوية لا حد من بعده، وأن يكون الامر للحسن (ع)، وأن يُترك الناس ويؤ منوا ... ولقد كان هذا هوالطريق الوحيد الذي يستطيع الحسن (ع) أن يسلكه باعتباره صاحب رسالة قد اكتنفته هذه الظروف الموئسة ...). «1»

تُرى هل بقيت الامّة في العراق خاصّة على هذه الحال بعد ذلك، أم أنّها قد تغيّرت نحو الاحسن إلى درجة أن صار بالا مكان أن يعتمد عليها الامام الحسن (ع) في حياته أو الامام الحسين (ع) بعده في تعبئة عامّة لحرب طاحنة حتّى النصر الحاسم على معاوية!؟

صحيح أنّ الناس الذين كرهوا الحرب لطول معاناتهم منها، ورغبة منهم في الدنيا والسلامة والدعة، وطاعة لرغبات زعماء قبائلهم، كانوا قد اكتشفوا بعد مدّة مدى الخطاء الذي وقعوا فيه بضعفهم عن القيام بتبعات القتال وخذلان الامام (ع)، بعد ما عرفوا طبيعة حكم معاوية وذاقوا طعم واقعيّته، وما يقوم به من اضطهاد وإرهاب، وتجويع وحرمان، ومطاردة مستمرّة، وخنق للحرّيات واستهزأ بالشريعة واستخفاف بالقيم، وإنقاص من أعطياتهم ليُزاد في أعطيات أهل الشام، وحمل معاوية إيّاهم على محاربة الخوارج، الامر الذي لم يُتح لهم أن ينعموا بالسلم الذي كانوا يحنّون إليه والدعة التي يتمنّونها ... فندموا على ما فرّطوا في جنب أهل البيت (ع)، (وقد جعل أهل العراق يذكرون حياتهم أيّام عليّ فيحزنون عليها، ويندمون على ما كان من تفريطهم في جنب خليفتهم ويندمون كذلك على ما كان من الصلح بينهم

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 237

وبين أهل الشام، وجعلوا كلّما لقي بعضهم بعضا تلاوموا فيما كان، وأجالوا الرأي فيما يمكن أن يكون،

ولم تكد تمضي أعوام قليلة حتّى جعلت وفودهم تفدُ إلى المدينة للقاء الحسن (ع)، والقول له والاستماع منه ...). «1»

وصحيح أنّ كثيرا من الناس، وعامّة أهل العراق بنوع خاصّ، صاروا يرون بغض د بني أميّة وحبّ أهل البيت (ع) دينا لهم، نتيجة ظلم معاوية وجوره وبُعده عن الاسلام، لكنّ هذه العاطفة لم تستطع أن تخترق حاجز الازدواجيّة في الشخصيّة عند أكثر هؤ لاء، بل ظلّت تعشعش في إطارها في باطن الشخصيّة الرافض لا ل أميّة ولحكمهم خلافا لظاهر الشخصيّة المطيع لكل أوامرهم، فهم في إزدواج الشخصيّة كما وصفهم اميرالموءمنين عليّ (ع) في ظلّ ظلم بني أميّة حيث قال:

(واللّه لايزالون حتّى لايدعوا للّه محرّما إلّا استحلّوه، ولا عقدا إلّا حلّوه ...

وحتّى يقوم الباكيان يبكيان: باك يبكي لدينه، وباك يبكي لدنياه، وحتّى تكون نصرة أحدكم من أحدهم كنصرة العبد من سيّده، إذا شهد أطاعه، وإذا غاب اغتابه ...). «2»

فالوصف العام للا مّة آنئذٍ هو أنّ جُلَّها خاضع لا رادة الحكم الامويّ طائع لا مره، سوأ الذين عُمِّي على بصيرتهم تحت تاءثير التضليل الامويّ، فتوهّموا أنّ الاسلام متمثّل بحكم معاوية، أو ضعاف النفوس الذين قادهم حبّ الدنيا

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 238

فباعوا دينهم بدنيا غيرهم، أو الذين عرفوا الحقّ وأهله فاءحبّوهم في الباطن وتنكّروا لهم في الظاهر خوفا من الارهاب الامويّ، وفي القليل المتبقّي كثير ممّن يمنعه الشلل النفسي عن نصرة الحقّ والالتحاق بركبه مع معرفته باءهل الحقّ (ع)!

هذا الوصف العام ظلّ منطبقا على هذه الامّة حتّى بعد موت معاوية!! إذن فالا مّة لم تتاءهّل لكي يعتمد عليها الامام الحسين (ع) في التخطيط لحرب طاحنة تقصر أو تطول حتّى النصر الحاسم على معاوية، وشواهد هذه الحقيقة في الوصف العام للا

مّة كثيرة جدّا مرّ بنا بعضها في المدخل.

بقي الاختيار الثاني المتاح أمام الامام الحسين (ع) في الثورة على معاوية، وهو تعريض الامّة لصدمة مروّعة في وجدانها وصعقة كبرى يهتزّ لها ضميرها، من خلال ملحمة بطوليّة ماءساويّة تنتهي بمصرعه ومصرع أنصاره، مقرونة بعمل إعلامي وتبليغي كبير ينجح في كشف الزيف الامويّ، وينهي الاثار العمليّة الناشئة عنه.

وهذا الاختيار الذي كُتب له النجاح التام أيّام حكم يزيد، كان محكوما عليه بالفشل التام في حياة معاوية، وسرّ ذلك يكمن في شخصيّة معاوية، وأسلوبه الخاص في معالجة الامور، فإ نّ معاوية لم يكن من الجهل بالسياسة بالمثابة التي يُتيح فيها للحسين (ع) أن يقوم بثورة مدوية، بل الراحج أنّه كان من الحصافة بحيث يُدرك أن جهر الحسين (ع) بالثورة عليه وتحريضه الناس على ذلك كفيل بزجّه في حروب تعكّر عليه بهاء النصر الذي حازه بعد صلح الحسن (ع)، إن لم يكن كافيا لتفويت ثمرة هذا النصر عليه، لا نّه عارف ولا ريب بما للحسين (ع) من منزلة في قلوب المسلمين.

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 239

وأقرب الظنون في الاسلوب الذي يتبعه معاوية في القضاء على ثورة الحسين (ع) لوثار في عهده هو أنّه كان يتخلّص منه بالسمّ قبل أن يتمكّن الحسين (ع) من الثورة، وقبل أن يكون لها ذلك الدويّ الذي يموّج الحياة الاسلاميّة التي يرغب معاوية في بقائها هادئة ساكنة.

والذي يجعل هذا الظنّ قريبا ما نعرفه من أسلوب معاوية في القضاء على من يخشى منافستهم له في السلطان، أوتعكير صفو السلطان عليه، فإ نّ الطريقة المثاليّة عنده في التخلّص منهم هي القضاء عليهم باءقلّ ما يمكن من الضجيج. ولقد مارس معاوية هذا الاسلوب في القضاء على الحسن بن عليّ (ع)، وسعد بن

أبي وقّاص، ومارسه في القضاء على الاشتر لمّا توجّه إلى مصر، ومارسه في القضاء على عبدالرحمن بن خالد بن الوليد لمّا رأى افتتان أهل الشام به. وقد أوجز هو أسلوبه هذا في كلمته الماءثورة (إنّ للّه جنودا من العسل).

والذي يرتفع بهذا الظنّ إلى مرتبة الاطمئنان ما نعلمه من أنّ معاوية كان قد وضع الارصاد والعيون على الحسين (ع) وعلى غيره ممّن يخشاهم على سلطانه، وأنّهم كانوا يكتبون إليه بما يفعل هؤ لاء، ولايغفلون عن إعلامه باءيسر الامور وأبعدها عن إثارة الشك والريبة)، «1» كمثل ما كتبوا إليه في أمر جارية كان الحسين (ع) قد أعتقها ثمّ تزوّجها. «2»

(فلو تحفّز الحسين (ع) للثّورة في عهد معاوية، ثمّ قضي عليه بهذه الميتة التي يفضّلها معاوية لا عدائه، فماذا كانت تكون جدوى فعله هذا الذي لم يخرج عن حدود الفكرة إلى أن يكون واقعا يحياه الناس بدمائهم

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 240

وأعصابهم، وما كان يعود على المجتمع الاسلامي من موته وقد قضى كما يقضي سائر الناس بهدوء وبلا ضجيج؟ إنّه لن يكون حينذاك سوى علويّ مات حتف أنفه، يثير موته الاسى في قلوب أهله ومحبّيه وشيعة أبيه إلى حين ثمّ يطوي النسيان ذكراه كما يطوي جميع الذكريات). «1»

وقد صرّح معاوية للا مام (ع) بهذا التهديد بقوله: (... فإ نّك متى تنكرني أنكرك، ومتى تكدني أكدك، فاتّق شقّ عصا هذه الامّة ...). «2»

ولو قُدّر للا مام (ع) أن يخترق حصار جواسيس وعيون معاوية، ويقوم بالثورة عمليّا، فيخرج مع صفوة أنصاره في جيش قليل العدّة والعدد، ويتّجه إلى العراق مثلا، فهل كان سينجح في صنع ملحمة بطوليّة ماءساويّة يهتزّلها ضمير الامّة كما صنع ذلك بالفعل أيّام يزيد؟

وهل كان العمل الاعلاميّ والتبليغي المطلوب

في مثل هكذا نهضة أن ينجح في عهد معاوية كما نجح بالفعل في زمن يزيد؟

لا شك أنّ معاوية في مثل هذا الفرض سيواجه ماءزقا عمليّا صعبا، لكنّ معاوية من الدهاء والخبرة في معالجة الم آزق بما يمكّنه من استيعاب هذا الماءزق المحرج، والمتوقّع أنّه سيحاصر جيش الامام الصغير، وسيحرص على سلامة الامام (ع) وسلامة بني هاشم خاصّة، ويعفو عنهم بطريقة فنيّة مقرونة بعملٍ إعلاميّ كبير، تكون نتيجته سقوط الامام (ع) في عين الامّة وتجريده من قداسته الدينيّة، وقد يحجزه ومن معه بعد ذلك في الشام في إقامةٍ جبريّة لاتنتهي إلّا بموته الذي قد يكون بالسمّ أيضا ... ويخرج معاوية من هذا الماءزق في النهاية بمظهر من عفا بعد المقدرة، وقابل الاساءة بالا

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 241

حسان، والقطيعة بالصلة، فيكسب قلوب الناس د ويزدادون حبّا له ويزداد هو شاءنا وعظمةً، وعندها لايتحقّق للا مام الحسين (ع) ما كان يؤ مِّله في هذا التحرّك من أثرٍ إيجابيٍّ فضلا عن ما سيلحقه من آثار سلبيّة بسبب دهاء معاوية.

ولقد صرّح معاوية للا مام (ع) بهذا النهج حين كتب إليه على أثر قضيّة الاموال المحمولة إليه التي أخذها الامام (ع) قائلا: (ولكنّني قد ظننت يا ابن أخي أنّ في رأسك نزوة، وبودّي أن يكون ذلك في زماني فاءعرف لك قدرك، وأتجاوز عن ذلك، ولكنّني واللّه أتخوّف أن تبلى بمن لاينظرك فواق ناقة). «1»

ولايبعد أنّ معاوية يتمنّى لو يوفّق لمثل موقف العفو هذا، فيطلق أسارى بني هاشم في منّة يقابل بها منّة الرسول (ص) على الطلقاء في مكّة، فيكونون سوأ في حلبة المفاخرة، وهذا ما كان يحذره الامام الحسن (ع) كما مرّ بنا، ولاشك أنّ هذا الامر لم يكن ليغيب عن بال الامام

الحسين (ع) أيضا.

وعلى فرض أنّ معاوية لوثار عليه الامام (ع) قد يضطرّ إلى قتل الامام (ع) ومن معه من أنصاره، فإ نّ في مسحة الدين التي كان معاوية يحرص على إسباغها على سلوكه وسائر تصرّفاته أمام العامّة وفي صفة الشرعيّة التي أفلح في أن يسبغها على منصبه لدى جانب كبير من الرأي العام الاسلامي ما يمكّنه من إطفاء وهج مصارع هؤ لاء الثوّار، وإثارة الناس عليهم لا لهم، ذلك (لا نّ الجواب الذي كان سيقدّمه معاوية وأعوانه للناس حين يتساءلون عمّا حمل الحسين (ع) على الثورة، أو يجيب به الناس أنفسهم، هو أنّ الحسين طالب ملك! ولو قُتل الحسين في سبيل ما توهّمه الناس هدفا من ثورته لما أثار قتله استنكارا، ولما عاد قتله بشي على مبادئه ودوافعه الحقيقيّة للثورة، بل ربّما

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 242

عدّه فريق من الناس مستحقّا للقتل! ولن يُجدي الحسين (ع) وأنصاره أن يُعلنوا للناس أنّ ثورتهم لحماية الدين من تحريف وتزييف معاوية وإنقاذ الامّة من ظلمه، فلن يصدّقهم الناس لا نّهم لايرون على الدين من باءس، ولم يُحدِث معاوية في الدين حدثا ولم يجاهر بمنكر، بل سيرى الناس أنّ مقالتهم هذه ستار يخفي مقاصدهم الحقيقيّة). «1»

وعلى كلّ الفروض، فإ نّ معاوية كان سيستثمر في سبيل تشويه ثورة الحسين (ع) لو ثار في عهده قضيّة الميثاق الذي كان نتيجة صلح الحسن (ع) مع معاوية، فلقد عرف عامّة الناس أنّ الحسن والحسين (ع) قد سلّما الامر إلى معاوية وعاهداه على السكوت عنه، فلوثار الامام (ع) لا مكن معاوية أن يصوّره بصورة الخائن الناقض لبيعته وميثاقه الذي أعطاه!

ولايضرّ معاوية هنا أنّه كان قد نقض العهد قبل ذ لك ولم يف بشرط من شروطه، ولم

يعرف له حرمة ولم يحمل نفسه مؤ ونة الوفاء به ...

كما لايغيّر في النتيجة شيئا هنا أيضا سوأ أكان الحسن والحسين (ع) بايعا أو لم يبايعا معاوية بل سلّما له الامر تسليما مشروطاً. «2»

ذلك لا نّ وسائل معاوية الاعلاميّة المهيمنة على أذهان عامّة الناس هي الغالبة والمؤ ثّرة في ميدان التبليغ والدعاية، وباستطاعتها التضليل تماما على الرأي العام فيما تطرحه من إدانة دينيّة لقيام الامام (ع). ثمّ إنّ نفس المجتمع الذي لم يكن أهلا للقيام بالثورة، والذي كان يؤ ثر السلامة والعافية، كان يرى أنّ الامام (ع) قد بايع وعاهد، سوأ كما هوالواقع أو كما أشاع الاعلام الامويّ

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 243

فيه، فهو يرى أنّ على الامام (ع) أن يفي بالعهد وألّا ينقض البيعة. ..... ص : 243

إذن فشخصيّة معاوية بما انطوت عليه من دهاء وحيلة ومكر وغدر وطول ممارسة وتجربة في العمل السياسي الاجتماعي كانت العامل الاهمّ إن لم تكن العامل الوحيد الذي اضطرّ الامام (ع) إلى عدم القيام ضدّه.

ومن هنا نفهم سرّ حصر السبب بوجود معاوية في الاجوبة التي أفاد بها الامام (ع) ردّا على مطالب بعض شيعته بالنهضة والقيام، كمثل: (ليكن كلّ رجل منكم حلسا من أحلاس بيته مادام معاوية حيّا ... فإن هلك معاوية نظرنا ونظرتم ...) «1» أو (... فالصقوا بالا رض، واخفوا الشخص، واكتموا الهوى ... مادام ابن هند حيّا) «2» أو (... مادام هذا الانسان «3» حيّا).

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 245

الفصل الثانى: المعالم العامة لنهج الامام الحسين (ع) في عهد معاويه ..... ص : 245
اشارة

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 247

الفصل الثانى: المعالم العامة لنهج الامام الحسين (ع) في عهد معاويه

ضمن إطار موقفه العامّ في رعاية حالة الهدنة مع معاوية وعدم القيام ضدّه في الظروف الراهنة آنذاك، كان الامام الحسين (ع) يقوم بمهامّه في حياة الامّة الاسلاميّة كإ مامٍ لها من قبل اللّه تبارك وتعالى. ومن مهامّه ما كان في إطار الدور العامّ المشترك لجميع أئمّة أهل البيت (ع)، ومنها ما كان في إطار دوره الخاصّ الذي حدّدته طبيعة الظروف السياسيّة والاجتماعيّة التي كانت تحيط به وبالا سلام وبالا مّة الاسلاميّة. ويمكننا أن نتصوّر المعالم العامّة لنهجه صلوات اللّه عليه في عهد معاوية كما يلي:

الدعوة إلى الحقّ والدفاع عنه: ..... ص : 247
اشارة

في خضم تيّار التضليل الامويّ الديني والسياسي المهيمن على الرأي العامّ الاسلامي كان الامام الحسين (ع) يصارع هذا التيار ويحاول اختراقه في تبيين الحقّ والدعوة إليه والدفاع عنه، وكشف الضلال وزيفه عن ذهنيّة الامّة بإ يضاح الحجّة والدلالة على المحجّة البيضاء، وبالا مر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم الامّة وتربيتها من خلال حلقات الوعظ والارشاد التي كان يقوم بها في المدينة ومكّة، وكان الناس في حلقة الامام الحسين (ع) كاءنّ على رؤ وسهم الطير كما وصف ذلك معاوية نفسه، وذلك لسموّ مكانته، وعناية

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 248

الناس الفائقة بحديثه، ولقوّة انشدادهم إليه، ولا نّ حديثه الحقّ الفصل الذي (ليس فيه من الهُزيلى شي) على حدّ تعبير معاوية. ويمكننا أن نلحظ هذا الخطّ في الدعوة إلى الحقّ والدفاع عنه في المجالات التالية:

التعريف بمكانة أهل البيت (ع) وفضلهم ومعرفتهم: ..... ص : 248

وننتقي في هذا المجال النماذج التالية:

قيل لمعاوية: إنّ الناس قد رموا أبصارهم إلى الحسين (ع)، فلو قد أمرته يصعد المنبر ويخطب فإ نّ فيه حصرا أوفي لسانه كلالة.

فقال لهم معاوية: قد ظننّا ذلك بالحسن، فلم يزل حتّى عظم في أعين الناس د وفضحنا. فلم يزالوا به حتّى قال للحسين (ع): يا أباعبداللّه، لو صعدت المنبر فخطبت. فصعد الحسين (ع) المنبر، فحمد للّه وأثنى عليه، وصلّى على النبيّ (ص)، فسمع رجلا يقول: من هذا الذي يخطب؟ فقال الحسين (ع):

(نحن حزب اللّه الغالبون، وعترة رسول اللّه (ص) الاقربون، وأهل بيته الطيّبون، وأحد الثقلين اللذين جعلنا رسول اللّه (ص) ثاني كتاب اللّه تبارك وتعالى، الذي فيه تفصيل كلّ شي، لاياءتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والمعوَّل علينا في تفسيره، لايُبطينا تاءويله، بل نتّبع حقائقه، فاءطيعونا فإ نّ طاعتنا مفروضة، أن كانت بطاعة اللّه ورسوله مقرونة، قال

اللّه عزّ وجلّ:

(أطيعوا اللّه وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم، فإن تنازعتم في شيٍ فردّوه إلى اللّه والرسول)، وقال: (ولو ردّوه إلى الرسول وإلى أولى الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم، ولولا فضل اللّه عليكم ورحمته لاتّبعتم الشيطان إلّا قليلا). واءُحذّركم الاصغاء إلى هتوف الشيطان بكم، فإ نّه لكم عدوُّ مبين، فتكونوا كاءوليائه الذين قال لهم: (لا غالب لكم اليوم من الناس وإنّي جارٌ لكم،

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 249

فلمّا ترأت الفئتان نكص على عقبيه وقال إنّي بري منكم)، فتُلقَون بالسيوف ضربا، وللرّماح وردا، وللعُمُد حطما، وللسهام غرضا، ثمّ لايقبل من نفس إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا.)

قال معاوية: حسبك يا أباعبداللّه، قد بلغت. «1»

وقال الامام الحسين (ع) ذات مرّةٍ في مجلس معاوية:

(أنا ابن ماء السماء وعروق الثرى، أنا ابن من ساد أهل الدنيا بالحسب الناقب والشرف الفائق والقديم السابق، أنا ابن من رضاه رضا الرحمن وسخطه سخط الرحمن.

ثمّ ردّ وجهه للخصم فقال:

هل لك أبٌ كاءبي، أو قديم كقديمي؟ فإن قلت: لا، تُغلب، وإن قلت: نعم.

تُكذَّب.

فقال الخصم: لا، تصديقا لقولك. فقال الحسين (ع):

الحقّ أبلج، لايزيغ سبيله، والحقّ يعرفه ذوو الالباب). «2»

وعن الباقر (ع)، عن أبيه (ع) أنّه قال: (صار جماعة من الناس بعد الحسن إلى الحسين (ع)، فقالوا: يا ابن رسول اللّه، ما عندك من عجائب أبيك التي كان يريناها؟

فقال (ع): هل تعرفون أبي؟

قالوا: كلّنا نعرفه.

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 250

فرفع له سترا كان على باب بيت، ثمّ قال: (أنظروا في البيت).

فنظروا فقالوا: هذا اميرالموءمنين، ونشهد أنّك خليفة اللّه حقّا). «1»

وفي رواية أخرى: سئل الحسين بن عليّ (ع) بعد مضيّ اميرالموءمنين فقال لا صحابه: (أتعرفون اميرالموءمنين (ع) إذا رأيتموه)؟

قالوا: نعم.

قال: (فارفعوا هذا الستر).

فرفعوه، فاذاهم به

لايُنكرونه.

فقال لهم عليّ (ع): (إنّه يموت من مات منّا وليس بميّت، ويبقى من بقي منّا حجّة عليكم). «2»

وساءله حبيب بن مظاهر الاسدي (ر) قائلا: أيّ شي كنتم قبل أن يخلق اللّه عزّ وجلّ آدم (ع)؟

فقال الامام الحسين (ع): (كنّا أشباح نورٍ ندور حول عرش الرحمن، فنعلّم الملائكة التسبيح والتهليل والتحميد). «3»

وعن عقيصا وهو أبوسعيد دينار قال:

سمعت الحسين (ع) يقول: (من أحبّنا نفعه اللّه بحبّنا وإن كان أسيرا في الديلم، وإنّ حبّنا ليساقط الذنوب كما تساقط الريح الورق). «4»

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 251

وعن اسماعيل بن عبداللّه قال:

قال الحسين بن عليّ (ع): (لمّا أنزل اللّه تبارك وتعالى هذه الاية (وأولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب اللّه) ساءلت رسول اللّه (ص) عن تاءويلها.

فقال: واللّه ما عنى غيركم، وأنتم أولوا الارحام، فإ ذا متّ فاءبوك عليُّ أولى بي وبمكاني، فإ ذا مضى أبوك فاءخوك الحسن أولى به، فإ ذا مضى الحسن فاءنت أولى به.

قلت، يا رسول اللّه، فمن بعدي أولى بي؟

قال: إبنك عليّ أولى بك من بعدك، فإ ذا مضى فابنه محمّد أولى به من بعده، فإ ذا مضى محمّد فابنه جعفر أولى به وبمكانه من بعده، فإ ذا مضى جعفر فابنه موسى أولى به من بعده، فإ ذا مضى موسى فابنه عليّ أولى به من بعده، فإ ذا مضى عليّ فابنه محمّد أولى به من بعده، فإ ذا مضى محمّد فابنه عليّ أولى به من بعده، فإ ذا مضى عليّ فابنه الحسن أولى به من بعده، فإ ذا مضى الحسن وقعت الغيبة في التاسع من ولدك، فهذه الائمّة تسعة من صلبك، أعطاهم علمي وفهمي، طينتهم من طينتي، ما لقوم يؤ ذونني فيهم، لاأنالهم اللّه شفاعتي). «1»

وعن النضر بن

مالك قال: قلت للحسين بن عليّ بن أبي طالب (ع): يا أباعبداللّه، حدّثني عن قول اللّه عزّ وجلّ (هذان خصمان اختصموا في ربّهم).

قال: (نحن وبنوأميّة اختصمنا في اللّه عزّ وجلّ، قلنا: صدق اللّه. وقالوا: كذب اللّه. فنحن وإيّاهم الخصمان يوم القيامة) «2»

وعن أبي جعفر (ع) قال:

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 252

قال الحارث بن عبداللّه الاعور للحسين بن علي (ع): يا ابن رسول اللّه، جعلت فداك، أخبرني عن قول اللّه في كتابه: (والشمس وضحيها). قال: (ويحك يا حارث، ذلك محمّد رسول اللّه (ص).

قال: قلت: جعلت فداك، وقوله: (والقمر إذا تليها).

قال: (ذاك اميرالموءمنين عليّ أبي طالب (ع)، يتلو محمّدا (ص).

قال: قلت: (والنهار إذا جلّيها).

قال: (ذلك القائم (ع) من آل محمّد (ص)، يملا الارض عدلا وقسطا «1» (والليل إذا يغشيها) بنوأميّة). «2»

وقيل مرّ المنذر بن الجاورد بالحسين (ع) فقال: كيف أصبحت جعلني اللّه فداك يا ابن رسول اللّه؟

فقال (ع): (أصبحنا وأصبحت العرب تعتدُّ على العجم باءنّ محمّدا (ص) منها، وأصبحت العجم مقرّة لها بذلك، أصبحنا وأصبحت قريش يعرفون فضلنا ولايرون ذلك لنا، ومن البلاء على هذه الامّة أنّا إذا دعوناهم لم يُجيبونا، وإذا تركناهم لم يهتدوا بغيرنا). «3»

وفي رواية أخرى أنّه اجتاز به وقد اءُغضب، فقال (ع): (ماندري ما تنقم الناس منّا، إنّا لبيت الرحمة، وشجرة النبوّة، ومعدن العلم). «4»

وكان في خُلُقه العظيم دعوة مفتوحة للا قبال على الحقّ وتعريف رائع

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 253

باءهل الحقّ (ع).

فقد روي عن عصام بن المصطلق أنّه قال: دخلت المدينة فرأيت الحسين بن عليّ (ع)، فاءعجبني سمته ورواؤ ه، وأثار من الحسد ما كان يخفيه صدري لا بيه من البغض.

فقلت له: أنت ابن أبي تراب؟

فقال (ع): (نعم).

فبالغت في شتمه وشتم أبيه، فنظر إليّ نظرة عاطفٍ

رؤ وفٍ.

ثمّ قال: (أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم، خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين، وإمّا ينزغنّك من الشيطان نزغ فاستعذ باللّه إنّه سميع عليم، إنّ الذين اتّقوا إذا مسّهم طائفٌ من الشيطان تذكّروا فإ ذا هم مبصرون، وإخوانهم يمدّونهم في الغيّ ثمّ لايقصرون).

ثمّ قال (ع) لي: (خفّض عليك، أستغفر اللّه لي ولك، إنّك لو استعنتنا لا عنّاك ولو استرفدتنا لرفدناك، ولواسترشدتنا لا رشدناك).

قال عصام فتوسّم منّي الندم على ما فرط منّي.

فقال (ع): (لا تثريب عليكم اليوم يغفر اللّه لكم وهو أرحم الراحمين. من أهل الشام أنت؟)

قلت: نعم.

فقال (ع): (شِنشِنةٌ أعرفها من أخزم. «1» حيّانا اللّه وإيّاك، انبسط إلينا في

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 254

حوائجك وما يعرض لك، تجدني عند أفضل ظنّك إن شاء اللّه تعالى).

قال عصام: فضاقت عليَّ الارض بما رحبت، ووددت لو ساخت بي، ثمّ سللت منه لواذا وما على الارض أحبّ اليَّ منه ومن أبيه. «1»

وعن عبداللّه بن عمر قال:

سمعت الحسين بن عليّ (ع) يقول: (لو لم يبق من الدنيا إلّا يوم واحد لطوّل اللّه عزّ وجلّ ذلك اليوم حتّى يخرج رجل من ولدي، فيملا ها عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما، كذلك سمعت رسول اللّه (ص) يقول). «2»

وعن عبدالرحمن بن سليط قال:

قال الحسين بن عليّ بن أبي طالب (ع): (منّا إثنا عشر مهديّا، أوّلهم اميرالموءمنين عليّ بن أبي طالب (ع)، وآخرهم التاسع من ولدي، وهو القائم بالحقّ، يحيي اللّه به الارض بعد موتها، ويُظهر به دين الحقّ على الدين كلّه ولوكره المشركون، له غيبة يرتدُّ فيها أقوام ويثبت فيها على الدين آخرون، فيؤ ذَون ويقال لهم: (متى هذا الوعد إن كنتم صادقين)؟، أما إنّ الصابر في غيبته على الاذى والتكذيب بمنزلة المجاهد بالسيف

بين يدي رسول اللّه (ص). «3»

ومرّ الحسين (ع) على حلقةٍ من بني أميّة وهم جلوس في مسجد الرسول (ص).

فقال (ع): (أما واللّه لاتذهب الدنيا حتّى يبعث اللّه منّي رجلا يقتل منكم

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 255

ألفا، ومع الالف ألفا ومع الالف ألفا).

فقال له عبيداللّه بن شريك: جعلت فداك، إنّ هؤ لاء أولاد كذا وكذا، لايبلغون هذا.

فقال (ع): (ويحك، في ذلك الزمان يكون الرجل من صلبه كذا وكذا رجلا، وإنّ مولى القوم من أنفسهم). «1»

وقال رجلٌ للحسين (ع): يا ابن رسول اللّه أنا من شيعتكم.

قال (ع): (إتّق اللّه، ولاتدّعين شيئا يقول اللّه تعالى لك كذبت وفجرت في دعواك. إنّ شيعتنا من سلمت قلوبهم من كلّ غشٍّ وغلٍّ ودغلٍ، ولكن قل أنا من مواليكم ومحبّيكم). «2»

وعن يزيد بن رويان قال: دخل نافع بن الازرق المسجد الحرام، والحسين بن عليّ (ع) مع عبداللّه بن عبّاس جالسان في الحجر، فجلس إليهما.

ثمّ قال: يا ابن عبّاس، صف لي إلهك الذي تعبده.

فاءطرق ابن عبّاس طويلا مستبطئا بقوله.

فقال له الحسين (ع): (إليّ يا ابن الازرق المتورّط في الضلالة، المرتكن في الجهالة، أجيبك عمّا ساءلت عنه).

فقال: ما إيّاك ساءلت فتجيبني.

فقال له ابن عبّاس: مَهْ! عن ابن رسول اللّه، فإ نّه من أهل بيت النبوّة، ومعدن الحكمة.

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 256

فقال له: صف لي.

فقال (ع): (أصفه بما وصف به نفسه، وأعرّفه بما عرّف به نفسه، لايدرك بالحواس، ولايقاس بالناس، قريب غير ملتزق، وبعيد غير مقصٍ، يُوحَّد ولايتبعّض، لا إله إلّا هو الكبير المتعال).

قال فبكى ابن الارزق بكاء شديدا!

فقال له الحسين (ع): (ما يبكيك؟)

قال: بكيت من حسن وصفك.

قال (ع): (يا ابن الازرق، إنّي اءُخبرتُ اءنّك تُكفّر اءبي واءخي وتُكفّرني).

قال له نافع: لئن قلت ذاك لقد كنتم الحكّام ومعالم

الاسلام، فلمّا بدّلتم استبدلنا بكم.

فقال له الحسين (ع): (يا ابن الازرق، أساءلك عن مساءلةٍ، فاءجبني عن قول اللّه لاإله إلّا هو: (وأمّا الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنزٌ لهما) إلى قوله (كنزهما)، مَن حُفِظَ فيهما؟).

قال: أبوهما.

قال (ع): (فاءيّهما أفضل أبوهما أم رسول اللّه (ص) وفاطمة؟).

قال: لا، بل رسول اللّه وفاطمة بنت رسول اللّه (ص).

قال (ع): (فما حفظنا حتّى حال بيننا وبين الكفر).

فنهض ابن الازرق، ثمّ نفض ثوبه، ثمّ قال: قد نبّاءنا اللّه عنكم معشر قريش

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 257

أنتم قوم خصمون). «1»

وعن أبي عبداللّه (ع) قال:

(خرج الحسين بن عليّ (ع) على أصحابه فقال: (أيّها الناس، إنّ اللّه جلّ ذكره ما خلق العباد إلّا ليعرفوه فإ ذا عرفوه عبدوه، فإ ذا عبدوه استغنوا بعبادته عن عبادة ما سواه).

فقال له رجل: يا ابن رسول اللّه، باءبى أنت وأمّي، فما معرفة اللّه؟

قال: (معرفة أهل كلّ زمان إمامهم الذي يجب عليهم طاعته). «2»

وروى عبدالعزيز بن كثير: أنّ قوما أتوا إلى الحسين (ع).

وقالوا: حدّثنا بفضائلكم!

قال (ع): (لاتطيقون، وانحازوا عنّي لا شير إلى بعضكم، فإن أطاق ساءحدّثكم).

فتباعدوا عنه، فكان يتكلّم مع أحدهم حتّى دهش ووَلِهَ وجعل يهيم ولايجيب أحدا، وانصرفوا عنه. «3»

استثمار المناسبات الدينيّة لنشر الحقّ وكشف التضليل الامويّ ..... ص : 257

ومن الامثلة على ذلك ما رواه سليم بن قيس (ره)، قال:

(فلمّا مات الحسن بن عليّ (ع) لم تزل الفتنة والبلاء يعظمان ويشتدّان، فلم يبق وليُّ للّه إلّا خائفا على دمه (وفي رواية أخرى: إلّا خائفا على دمه أنّه

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 258

مقتول) وإلّاطريدا وإلّا شريدا، ولم يبق عدو للّه إلّا مظهرا حجّته غير مستترٍ ببدعته وضلالته، فلمّا كان قبل موت معاوية بسنة حجّ الحسين بن عليّ صلوات اللّه عليه وعبداللّه بن عبّاس وعبداللّه بن جعفر معه، فجمع الحسين

(ع) بني هاشم رجالهم ونساءهم ومواليهم من الانصار ممّن يعرفه الحسين (ع) وأهل بيته، ثمّ أرسل رسلا: لاتدعوا أحدا ممّن حجّ العام من أصحاب رسول اللّه (ص) المعروفين بالصلاح والنسك إلّا أجمعهم لي، فاجتمع إليه بمنى أكثر من سبعمائة رجل وهم في سرادقه، عامّتهم من التابعين ونحو من مائتي رجل من أصحاب النبيّ (ص)، فقام فيهم خطيبا فحمد اللّه وأثنى عليه. ثمّ قال:

(أمّا بعد: فإ نّ هذا الطاغية قد فعل بنا وبشيعتنا ما قد رأيتم وعلمتم وشهدتم، وإنّي أريد أن أساءلكم عن شيٍ، فإن صدقت فصدّقوني وإن كذبت فكذّبوني، وأساءلكم بحقّ اللّه عليكم وحقّ رسول اللّه (ص) وقرابتي من نبيّكم لما سيّرتم مقامي هذا، ووصفتم مقالتي ودعوتم أجمعين في أمصاركم من قبائلكم من آمنتم من الناس (وفى رواية أخرى بعد قوله فكذّبوني: اسمعوا مقالتي واكتبوا قولي ثمّ ارجعوا إلى أمصاركم وقبائلكم، فمن أمنتم من الناس) ووثقتم به فادعوهم إلى ما تعلمون من حقّنا، فإ نّي أتخوّف أن يدرس هذا الامر ويذهب الحقّ ويُغلَب، واللّه متمّ نوره ولو كره الكافرون).

وما ترك شيئا ممّا أنزل اللّه فيهم من القرآن إلّا تلاه وفسرّه، ولاشيئا ممّا قاله رسول اللّه (ص) في أبيه وأخيه وأمّه وفي نفسه وأهل بيته إلّا رواه.

وكلّ ذلك يقول أصحابه: أللّهمّ نعم، وقد سمعنا وشهدنا.

ويقول التابعي: أللّهمّ قد حدّثني به من أصدّقه وأئتمنه من الصحابة.

فقال: أنشدكم اللّه إلّا حدّثتم به من تثقون به وبدينه.

(قال سليم): فكان فيما ناشدهم الحسين (ع) وذكّرهم أن قال:

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 259

(أنشدكم اللّه، أتعلمون أنّ عليّ بن أبي طالب كان أخا رسول اللّه (ص) حين آخى بين أصحابه ف آخى بينه وبين نفسه وقال: أنت أخي وأنا أخوك في الدنيا والاخرة؟)

قالوا: أللّهمّ نعم.

قال:

(أنشدكم اللّه، هل تعلمون أنّ رسول اللّه (ص) اشترى موضع مسجده ومنازله، فابتناه ثمّ ابتنى فيه عشرة منازل، تسعة له وجعل عاشرها في وسطها لا بي، ثمّ سدّ كلّ باب شارع إلى المسجد غير بابه، فتكلّم في ذلك من تكلّم، فقال: ما أنا سددت أبوابكم وفتحت بابه، ولكنّ اللّه أمرني بسدّ أبوابكم وفتح بابه، ثمّ نهى الناس أن يناموا في المسجد غيره، وكان يجنب في المسجد ومنزله في منزل رسول اللّه (ص) فولد لرسول اللّه (ص) وله فيه أولاد؟)

قالوا: أللّهمّ نعم.

قال: (أفتعلمون أنّ عمر بن الخطّاب حرص على كوّةٍ قدر عينه يدعها في منزله إلى المسجد فاءبى عليه، ثمّ خطب فقال: إنّ اللّه أمرني أن أبنيَ مسجدا طاهرا لا يسكنه غيري وغير أخي وبنيه؟)

قالوا: أللّهمّ نعم.

قال: (أنشدكم اللّه أتعلمون أنّ رسول اللّه (ص) نصبه يوم غدير خمّ فنادى له بالولاية وقال: ليبلّغ الشاهد الغائب؟)

قالوا: أللّهمّ نعم.

قال: (أنشدكم اللّه أتعلمون أنّ رسول اللّه (ص) قال له في غزوة تبوك:

أنت منّي بمنزلة هارون من موسى، وأنت وليّ كلّ مؤ من بعدي؟)

قالوا: أللّهمّ نعم.

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 260

قال: (أنشدكم اللّه، أتعلمون أنّ رسول اللّه (ص) حين دعا النصارى من أهل نجران إلى المباهلة لم ياءت إلّا به وبصاحبته وابنيه؟)

قالوا: أللّهمّ نعم.

قال: (أنشدكم اللّه، أتعلمون أنّه دفع إليه اللوأ يوم خيبر، ثمّ قال: لَادفعه إلى رجل يحبّه اللّه ورسوله ويحبّ اللّه ورسوله، كرّار غير فرّار، يفتحها اللّه على يديه؟)

قالوا: أللّهمّ نعم.

قال: (أتعلمون أنّ رسول اللّه بعثه ببرائة، وقال: لايبلّغ عنّي إلّا أنا أو رجل منّي؟)

قالوا: أللّهمّ نعم.

قال: (أتعلمون أنّ رسول اللّه (ص) لم تنزل به شدّة قطّ إلّا قدّمه لها ثقة به، وأنّه لم يدعه باسمه قطّ إلّا يقول: يا

أخي، وادعوا لي أخي؟)

قالوا: أللّهمّ نعم.

قال: (أتعلمون أنّ رسول اللّه (ص) قضى بينه وبين جعفرٍ وزيدٍ، فقال: يا عليّ، أنت منّي وأنا منك، وأنت وليّ كلّ مؤ من بعدي؟)

قالوا: أللّهمّ نعم.

قال: (أتعلمون أنّه كانت له من رسول اللّه (ص) كلّ يوم خلوة وكلّ ليلة دخلة، إذا ساءله أعطاه، وإذا سكت أبداه؟)

قالوا: أللّهمّ نعم.

قال: (أتعلمون أنّ رسول اللّه (ص) فضّله على جعفر وحمزة حين قال لفاطمة (س): زوّجتك خير أهل بيتي، أقدمهم سلما، وأعظمهم حلما، وأكثرهم علما؟)

قالوا: أللّهمّ نعم.

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 261

قال: (أتعلمون أنّ رسول اللّه (ص) قال: أنا سيّد ولد بني آدم، وأخي عليّ سيّد العرب، وفاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة، والحسن والحسين إبناي سيّدا شباب أهل الجنّة؟)

قالوا: أللّهمّ نعم.

قال: (أتعلمون أنّ رسول اللّه (ص) أمره بغسله، وأخبره أنّ جبرئيل يعينه عليه؟)

قالوا: أللّهمّ نعم.

قال: (أتعلمون أنّ رسول اللّه (ص) قال: في آخر خطبة خطبها: إنّي تركت فيكم الثقلين كتاب اللّه وأهل بيتي، فتمسّكوا بهما لن تضلّوا؟)

قالوا: أللّهمّ نعم.

فلم يدع شيئا أنزله اللّه في عليّ بن أبي طالب (ع) خاصّة وفي أهل بيته من القرآن، ولا على لسان نبيّه (ص) إلّا ناشدهم فيه.

فيقول الصحابة: أللّهمّ نعم، قد سمعنا.

ويقول التابع: أللّهمّ قد حدّثنيه من أثق به، فلان وفلان.

ثمّ ناشدهم أنّهم قد سمعوه يقول: (من زعم أنّه يحبّني ويبغض عليّا فقد كذب، ليس د يحبّني ويبغض عليّا. فقال له قائل: يا رسول اللّه، كيف ذلك؟

قال: لا نّه منّي وأنا منه، من أحبّه فقد أحبّني، ومن أحبّني فقد أحبّ اللّه، ومن أبغضه فقد أبغضني، ومن أبغضني فقد أبغض د اللّه).

فقالوا: أللّهمّ نعم، قد سمعنا.

وتفرّقوا على ذلك ... «1»

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 262

وفي هذه الرواية دلالة بليغة على شدّة وشمول الحصار

الاعلاميّ والتعتيم الذي فرضه الحكم الامويّ على البيان النبويّ المتعلّق بفضائل أهل البيت (ع)، وتقادم الايّام على هذا الحصار والتعتيم المتواصل، الامر الذي اضطرّ الامام الحسين (ع) إلى عقد مثل هذا الاجتماع والمحفل الكبير ليذكّر بقيّة الصلحاء من الصحابة والاخيار من التابعين بفضائل أهل البيت (ع). وكاءنّه يذكّر باءمر يكاد يُنسى، ويُنفِّس د عن حقيقة تكاد تموت إختناقا من شدّة الحصار وطول مدّته!

هاهو (ع) يقول: (فإ نّي أتخوَّف أن يُدرس هذا الامر ويذهب الحقّ ويُغلَب ...)!

وهاهو (ع) يدعو إلى اختراق هذا الحصار فيقول لبقيّة الصحابة والتابعين:

(وأساءلكم بحقّ اللّه عليكم وحقّ رسول اللّه (ص) وقرابتي من نبيّكم لما سيّرتم مقامي هذا، ووصفتم مقالتي، ودعوتم أجمعين في أمصاركم من قبائلكم من أمنتم من الناس ووثقتم به، فادعوهم إلى ما تعلمون من حقّنا ...

أنشدكم اللّه إلّا حدّثتم به من تثقون به وبدينه).

كما أنّ في هذه الرواية دلالة بليغة على المجهود العظيم الذي كان يبذله الامام الحسين (ع) لاختراق ذلك الحصار والتعتيم، وعلى الصعوبة الكبيرة التي كان يواجهها في هذا السبيل، ذلك لا نّ أثر هذا الحصار والتعتيم بلغ أشدّه في زمانه (ع)، فلم يكن على هذه الشدّة في زمن الحسن (ع) ولا في زمن أمير المؤ منين (ع).

احتجاجه (ع) على العلماء ودعوتهم إلى نصرة الحقّ: ..... ص : 262

ومن كلام له (ع) في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر يخاطب به أهل العلم من الصحابة خاصّة والتابعين عامّة، يحتجّ عليهم فيه ويدعوهم إلى نصرة الحقّ وإتّخاذ الموقف المشرّف اللّائق باءهل العلم.

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 263

قال (ع): (اعتبروا أيّها الناس بما وعظ اللّه به أولياءه من سوء ثنائه على الاحبار إذ يقول (لولا ينهاهم الربّانيّون والاحبار عن قولهم الاثم) وقال: (لُعن الذين كفروا من بني إسرائيل إلى قوله لبئس ما كانوا

يفعلون)، وإنّما عاب اللّه ذلك عليهم لا نّهم كانوا يرون من الظلمة الذين بين أظهرهم المنكر والفساد فلاينهونهم عن ذلك رغبة فيما كانوا ينالون منهم ورهبة ممّا يحذرون، واللّه يقول: (فلا تخشوا الناس واخشونِ) وقال: (المؤ منون والمؤ منات بعضهم أولياء بعض ياءمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) فبدأ اللّه بالا مر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة منه، لعلمه باءنّها إذا اءُدّيت واءقيمت استقامت الفرائض كلّها، هيّنها وصعبها، وذلك أنّ الامر بالمعروف والنهي عن المنكر دعاء إلى الاسلام مع ردّ المظالم ومخالفة الظالم وقسمة الفي والغنائم وأخذ الصدقات من مواضعها ووضعها في حقّها.

ثمّ أنتم أيّتها العصابة، عصابة بالعلم مشهورة، وبالخير مذكورة، وبالنصيحة معروفة، وباللّه في أنفس الناس مهابة، يهابكم الشريف ويكرمكم الضعيف، ويؤ ثركم من لا فضل لكم عليه، ولا يد لكم عنده، تشفعون في الحوائج إذا امتنعت من طلّابها، وتمشون في الطريق بهيبة الملوك وكرامة الاكابر، أليس كلّ ذلك إنّما نلتموه بما يُرجى عندكم من القيام بحقّ اللّه، وإن كنتم عن أكثر حقّه تُقصّرون، فاستخففتم بحقّ الائمّة، فاءمّا حقّ الضعفاء فضيّعتم، وأمّا حقّكم بزعمكم فطلبتم، فلا مالا بذلتموه ولا نفسا خاطرتم بها للّذي خلقها، ولا عشيرة عاديتموها في ذات اللّه، أنتم تتمنّون على اللّه جنّته ومجاورة رسله وأمانا من عذابه!

لقد خشيت عليكم أيّها المتمنّون على اللّه أن تحلّ بكم نقمة من نقماته لا نّكم بلغتم من كرامة اللّه منزلة فُضّلتم بها، ومن يعرف باللّه لاتُكرِمون، وأنتم باللّه في عباده تُكرَمون، وقد ترون عهود اللّه منقوضة فلاتفزعون، وأنتم لبعض ذمم آبائكم تفزعون، وذمّة رسول اللّه (ص) محقورة، والعميُ والبكم والزُمنَّ في المدائن مهملة، لاترحمون ولا في منزلتكم تعملون، ولا من عمل فيها تُعينون، وبالا دهان والمصانعة

عند الظلمة تاءمنون، كلّ ذلك ممّا أمركم اللّه به من النهي والتناهي وأنتم عنه غافلون، وأنتم أعظم الناس مصيبة لما غلبتم عليه من منازل العلماء لو كنتم تشعرون، ذلك باءنّ مجاري الامور والاحكام على أيدي العلماء باللّه، الامناء على حلاله وحرامه، فاءنتم

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 264

المسلوبون تلك المنزلة، وما سلبتم ذلك إلّا بتفرّقكم عن الحقّ، واختلافكم في السنّة بعد البيّنة الواضحة، ولو صبرتم على الاذى وتحمّلتم المؤ ونة في ذات اللّه كانت أمور اللّه عليكم ترد وعنكم تصدر وإليكم ترجع، ولكنّكم مكّنتم الظلمة من منزلتكم واستسلمتم أمور اللّه في أيديهم، يعملون بالشبهات ويسيرون في الشهوات، سلّطهم على ذلك فراركم من الموت وإعجابكم بالحيوة التي هي مفارقتكم، فاءسلمتم الضعفاء في أيديهم، فمن بين مستعبَد مقهور وبين مستضعف على معيشته مغلوب، يتقلّبون في الملك ب آرائهم ويستشعرون الخزي باءهوأهم اقتدأ بالا شرار وجرأة على الجبّار، في كلّ بلد منهم على منبره خطيب يصقع، فالا رض لهم شاغرة وأيديهم فيها مبسوطة، والناس لهم خَوَل لايدفعون يد لامس، فمن بين جبّار عنيد، وذي سطوة على الضَّعَفة شديد، مطاع لايعرف المبدي ء المعيد.

فيا عجبا، وما لي لاأعجب، والارض من غاش غشوم ومتصدّق ظلوم وعامل على المؤ منين بهم غير رحيم، فاللّه الحاكم فيما فيه تنازعنا والقاضي بحكمه فيما شجر بيننا.

أللّهمّ إنّك تعلم أنّه لم يكن ما كان منّا تنافسا في سلطان ولا التماسا من فضول الحطام، ولكن لنُري المعالم من دينك، ونظهر الاصلاح في بلادك، وياءمن المظلومون من عبادك، ويعمل بفرائضك وسننك وأحكامك.

فإ نّكم إلّا تنصرونا وتنصفونا قوي الظلمة عليكم، وعملوا في إطفاء نور نبيّكم، وحسبنا اللّه وعليه توكّلنا وإليه أنبنا وإليه المصير). «1»

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 265

إحتجاجاته (ع) على معاوية وبني أميّة ..... ص : 265

لم يمنع التزام الامام (ع)

بالهدنة والمتاركة من إعلانه المتواصل عن اعتراضه على منكرات معاوية وعلى نقضه شروط الهدنة، واحتجاجه المتواصل عليه وعلى ولاته في انحرافهم عن الاسلام وظلمهم الامّة.

ومن أشمل احتجاجات الامام (ع) على معاوية ذلك الكتاب الذي بعث به إليه جوابا لكتاب دعا معاوية فيه الامام (ع) إلى رعاية الهدنة، وحذّره فيه من مغبّة الفتنة وشقّ عصا الامّة بزعمه.

وهذا نصّ جوابه (ع): (... أمّا بعدُ: فقد بلغني كتابك، تذكر أنّه قد بلغك عنّي أمور أنت لي عنها راغب، وأنا لغيرها عندك جدير، فإ نّ الحسنات لايهدي لها ولايسدّد إليها إلّا اللّه.

وأمّا ما ذكرت أنّه انتهى إليك عنّي، فإ نّه إنّما رقاه إليك الملّاقون المشّاؤ ون بالنميم، وماأريد لك حربا ولا عليك خلافا، وأيمُ اللّه إنّي لخائف للّه في ترك ذلك، وما أظنّ اللّه راضيا بترك ذلك ولا عاذرا بدون الاعذار فيه إليك، وفي أولئك القاسطين الملحدين حزب الظلمة وأولياء الشياطين.

ألست القاتل حجر بن عدي أخا كندة والمصلّين العابدين الذين كانوا ينكرون الظلم ويستعظمون البدع، ولايخافون في اللّه لومة لائم، ثمّ قتلتهم ظلما وعدوانا من بعد ما كنت أعطيتهم الايمان المغلّظة والمواثيق المؤ كّدة لاتاءخذهم بحدثٍ كان بينك وبينهم، ولا بإ حنة تجدها في نفسك. «1»

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 267

أولستَ قاتل عمرو بن الحمق 1 صاحب رسول اللّه (ص) العبد الصالح الذي أبلته العبادة، فنحل جسمه، وصفرت لونه، بعد ما أمنته وأعطيته من عهود اللّه ومواثيقه ما لو أعطيته طائرا لنزل إليك من رأس الجبل، ثمّ قتلته جرأة على ربّك واستخفافا بذلك العهد. «1»

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 268

أولست المدّعي زياد بن سميّة 1 المولود على فراش عبد ثقيف!؟ فزعمت أنّه ابن أبيك، وقد قال رسول اللّه (ص): (الولد للفراش وللعاهر الحجر)،

فتركت سنّة رسول اللّه تعمّدا وتبعت هواك بغير هدى من اللّه، ثمّ سلّطته على العراقين، يقطع أيدي المسلمين وأرجلهم، ويسمّل أعينهم، ويصلّبهم على جذوع النخل، كاءنّك لست من هذه الامّة، وليسوا منك!. «1»

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 269

أولست صاحب الحضرميّين «1» الذين كتب فيهم ابن سميّة أنّهم كانوا على دين عليٍّ صلوات اللّه عليه، فكتبت إليه: أن اقتل كلّ من كان على دين عليّ، فقتلهم ومثّل بهم باءمرك. ودين عليّ (ع) واللّه الذي كان يضرب عليه أباك ويضربك، وبه جلست مجلسك الذي جلست، ولولا ذلك لكان شرفك وشرف أبيك الرحلتين. «2»

وقلت فيما قلت: «3» (أنظر لنفسك ولدينك ولا مّة محمّد، واتّق شقّ عصا

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 270

هذه الامّة وأن تردّهم إلى فتنة)، وإنّي لاأعلم فتنة أعظم على هذه الامّة من ولايتك عليها، ولاأعلم نظرا لنفسي ولديني ولا مّة محمّد (ص) وعلينا أفضل من أجاهدك، فإن فعلتُ فإ نّه قربة إلى اللّه، وإن تركتُه فإ نّي أستغفر اللّه لديني (لذبني)، وأساءله توفيقه لا رشاد أمري.

وقلت فيما قلت: (إنّي إن أنكرتك تنكرني وإن أكدك تكدني)، فكدني ما بدا لك، فإ نّي أرجو أن لايضرّني كيدك فيّ، وأن لايكون على أحد أضرّ منه على نفسك، لا نّك قد ركبت جهلك، وتحرّصت على نقض عهدك، ولعمري ما وفيت بشرط، ولقد نقضت عهدك بقتلك هؤ لاء النفر الذين قتلتهم بعد الصلح والايمان والعهود والمواثيق، فقتلتهم من غير أن يكونوا قاتلوا وقتلوا، ولم تفعل ذلك بهم إلّا لذكرهم فضلنا، وتعظيمهم حقّنا، فقتلتهم مخافة أمرٍ لعلّك لو لم تقتلهم متَّ قبل أن يفعلوا أو ماتوا قبل أن يدركوا.

فاءبشر يا معاوية بالقصاص، واستيقن بالحساب، واعلم أنّ للّه تعالى كتابا لايغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلّا أحصاها، وليس

اللّه بناسٍ لا خذك بالظنّة، وقتلك أولياءه على التهم، ونفيك أولياءه من دورهم إلى دار الغربة، وأخذك الناس ببيعة ابنك، غلام حدث، يشرب الخمر، ويلعب بالكلاب.

لاأعلمك إلّا وقد خسرت نفسك وتبّرت دينك وغششت رعيتك وأخزيت أمانتك، وسمعت مقالة السفيه الجاهل، وأخفت الورع التقيّ لا جلهم، والسلام).

فلمّا قرأ معاوية الكتاب قال: لقد كان في نفسه ضبٌ ما أشعر به!

فقال يزيد: يا اميرالموءمنين، أجبه جوابا يصغّر إليه نفسه، وتذكر فيه أباه بشرّ فعله.

قال: ودخل عبداللّه بن عمرو بن العاص.

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 271

فقال له معاوية: أما رأيت ما كتب به الحسين؟

قال: وما هو؟

قال: فاءقرأه الكتاب.

فقال: وما يمنعك أن تجيبه بما يصغّر إليه نفسه؟ وإنّما قال ذلك في هوى معاوية.

فقال يزيد: كيف رأيت يا أميرالمؤمنين رأيي؟

فضحك معاوية، فقال: أمّا يزيد فقد أشار علىّ بمثل رأيك!

فقال عبداللّه: فقد أصاب يزيد.

فقال معاوية: أخطاءتما، أرأيتما لو أنّي ذهبت لعيب عليٍّ محقّا، ما عسيتُ أن أقول فيه!؟ ومثلي لايحسن أن يُعيب بالباطل وما لايُعرف، ومتى ما عبت به رجلا بما لايعرفه الناس لم يُحفل بصاحبه، ولايراه الناس شيئا وكذّبوه، وما عسيتُ أن أعيب حسينا، واللّه ما أرى للعيب فيه موضعا، وقد رأيتُ أن أكتب إليه أتوعّده وأتّهدّده، ثمّ رأيت أن لاأفعل ولاأمحكه). «1»

و (لمّا قتل معاوية حجر بن عديّ وأصحابه حجّ ذلك العامّ، فلقي الحسين بن عليّ (ع). فقال: يا أباعبداللّه، هل بلغك ما صنعنا بحجر وأصحابه وأشياعه، وشيعة أبيك؟

فقال (ع): وما صنعت بهم!؟

قال: قتلناهم، وكفنّاهم، وصلّينا عليهم!

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 272

فضحك الحسين (ع)، ثمّ قال: خصمك القوم يا معاوية، لكنّنا لو قتلنا شيعتك ما كفّناهم، ولا صلّينا عليهم، ولا قبرناهم. ولقد بلغني وقيعتك في عليٍّ، وقيامك ببغضنا، واعتراضك بني هاشم بالعيوب، فإ ذا

فعلت ذلك فارجع إلى نفسك ثمّ سلها الحقّ عليها ولها، فإن لم تجدها أعظم عيبا فما أصغر عيبك فيك، وقد ظلمناك يا معاوية فلاتوترنّ غير قوسك، ولاترمّينّ غير غرضك، ولاترمنا بالعداوة من مكان قريب، فإ نّك واللّه لقد أطعت فينا رجلا ما قدُم إسلامه، ولا حدث نفاقه، ولا نظر لك فانظر لنفسك أودع يعني (عمروبن عاص). «1»

وروي أنّ الامام الحسين (ع) كتب إلى معاوية كتابا يقرّعه فيه ويبكّته باءمور صنعها، كان فيه: (ثمّ ولّيت ابنك وهو غلام يشرب الشراب، ويلهو بالكلاب، فخُنت أمانتك وأخربت رعيّتك، ولم تؤ دّ نصيحة ربّك، فكيف تولّي على أمّة محمّد من يشرب المسكر!؟ وشارب المسكر من الفاسقين، وشارب المسكر من الاشرار، وليس شارب المسكر باءمين على درهم فكيف على الامّة!؟ فعن قليل ترد على عملك حين تُطوى صحائف الاستغفار). «2»

وكان معاوية يحيط علما بالكثير من حالات وأوضاع الامام الحسين (ع) لكثرة جواسيسه وعيونه الذين يرصدون الصغيرة والكبيرة من حياة الامام (ع) الخاصّة والعامّة، ولقد ضاقت ذات يد الامام (ع) لكثرة جوده وسخائه، فركبه الدين.

فاغتنم الفرصة معاوية، فكتب إلى الامام (ع) يريد أن يشتري منه (عين أبي نيزر) التي حفرها اميرالموءمنين عليّ (ع) بيده الشريفة، وأوقفها على فقرأ أهل المدينة وابن السبيل، وأرسل معاوية مع الكتاب مائتي ألف دينار.

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 273

فاءبى الامام الحسين (ع) أن يبيعها وقال: (إنّما تصدّق بها أبي ليقي اللّه بها وجهه حرّ النار! ولست بائعها بشي). «1»

وروي أنّه كان بين الامام الحسين (ع) وبين معاوية كلام في أرض للا مام (ع)، فقال له الامام الحسين (ع): (اختر خصلة من ثلاث خصال: إمّا أن تشتري منّي حقّي، وإمّا أن تردّه عليّ، أو تجعل بيني وبينك ابن الزبير

وابن عمر، والرابعة الصَّيلَم.

قال: وما الصيلم؟

قال: أن أهتف بحلف الفضول.

قال: فلا حاجة لنا بالصيلم). «2»

وروي عن محمّد بن السايب أنّه قال:

(قال مروان بن الحكم يوما للحسين بن عليّ (ع): لولا فخركم بفاطمةبم كنتم تفتخرون علينا!؟

فوثب الحسين (ع) وكان (ع) شديد القبضة فقبض على حلقه فعصره، ولوى عمامته على عنقه حتّى غشي عليه، ثمّ تركه.

وأقبل الحسين (ع) على جماعة من قريش، فقال: أنشدكم باللّه إلّا صدّقتموني إن صدقت، أتعلمون أنّ في الارض حبيبين كانا أحبّ إلى رسول اللّه (ص) منّي ومن أخي؟)

قالوا: أللّهمّ لا.

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 274

قال: وإنّي لاأعلم أنّ في الارض ملعون بن ملعون غير هذا وأبيه، طريدي رسول اللّه، واللّه ما بين جابرس وجابلق أحدهما بباب المشرق والاخر بباب المغرب رجلان مّمن ينتحل الاسلام أعدى للّه ولرسوله ولا هل بيته منك ومن أبيك إذا كان. وعلامة قولي فيك أنّك إذا غضبت سقط رداؤ ك عن منكبك!

قال: فواللّه ما قام مروان من مجلسه حتّى غضب، فانتفض وسقط رداؤ ه عن عاتقه). «1»

و (استعمل معاوية مروان بن الحكم على المدينة، وأمره أن يفرض لشباب قريش د ففرض لهم.

فقال عليّ بن الحسين (ع): فاءتيته.

فقال: ما اسمك؟

فقلت: عليّ بن الحسين.

فقال: ما اسم أخيك؟

فقلت: عليّ.

فقال: عليّ وعليّ! ما يريد أبوك أن يدع أحدا من ولده إلّا سمّاه عليّا!!

ثمّ فرض لي، فرجعت إلى أبي فاءخبرته.

فقال: ويلي على ابن الزرقاء دبّاغة الادُم، لو ولد لي مائة لا حببت أن لا أسمّي أحدا منهم إلّاعليّا). «2»

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 275

وروي أنّه (خطب الحسن (ع) عائشة بنت عثمان، فقال مروان: أزّوجها عبداللّه بن الزبير.

ثمّ إنّ معاوية كتب إلى مروان وهو عامله على الحجاز ياءمره أن يخطب أمّ كلثوم بنت عبداللّه بن جعفر لابنه يزيد،

فاءبى عبداللّه بن جعفر، فاءخبره بذلك، فقال عبداللّه: إنّ أمرها ليس اليَّ إنّما هو إلى سيّدنا الحسين وهو خالها.

فاءخبر الحسين بذلك فقال: أستخير اللّه تعالى، أللّهمّ وفّق لهذه الجارية رضاك من آل محمّد.

فلمّا اجتمع الناس في مسجد رسول اللّه أقبل مروان حتّى جلس إلى الحسين (ع) وعنده من الجلّة، وقال: إنّ اميرالموءمنين أمرني بذلك، وأن أجعل مهرها حكم أبيها بالغا ما بلغ، ومع صلح ما بين هذين الحيّين، مع قضاء دينه، واعلم أنّ من يغبطكم بيزيد أكثر ممّن يغبطه بكم، والعجب كيف يستمهر يزيد وهو كفو من لاكفو له، وبوجهه يستسقى الغمام، فرُدَّ خيرا يا أباعبداللّه!!

فقال الحسين (ع): الحمد للّه الذي اختارنا لنفسه، وارتضانا لدينه، واصطفانا على خلقه)، إلى آخر كلامه.

ثمّ قال: يا مروان قد قلت فسمعنا، أمّا قولك مهرها حكم أبيها بالغا ما بلغ، فلعمري لو أردنا ذلك ما عدونا سنّة رسول اللّه في بناته ونسائه وأهل بيته، وهو اثنتا عشرة أوقية يكون أربعمائة وثمانين درهما!

وأمّا قولك: مع قضاء دين أبيها، فمتى كنّ نساؤ نا يقضين عنّا ديوننا!؟

وأمّا صلح ما بين هذين الحيّين فإ نّا قوم عاديناكم في اللّه، ولم نكن نصالحكم للدّنيا، فلعمري فلقد أعيي النسب فكيف السبب!؟

وأمّا قولك: العجب ليزيد كيف يستمهر، فقد استمهر من هو خيرٌ من يزيد ومن أب يزيد ومن جدّ يزيد.

وأمّا قولك: إنّ يزيد كفو من لا كفوله، فمن كان كفوه قبل اليوم فهو كفوه اليوم، ما زادته إمارته في الكفاءة شيئا.

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 276

وأمّا قولك: بوجهه يستسقى الغمام، فإ نّما كان ذلك بوجه رسول اللّه (ص).

وأمّا قولك: من يغبطنا به أكثر ممّا يغبطه بنا، فإ نّما يغبطنا به أهل الجهل، ويغبطه بنا أهل العقل.

ثمّ قال بعد كلام:

فاشهدوا جميعا أنّي قد زوّجت أمّ كلثوم بنت عبداللّه بن جعفر من ابن عمّها القاسم بن محمّد بن جعفر على أربعمائة وثمانين درهما، وقد نحلتها ضيعتي بالمدينة، أوقال: أرضي بالعقيق، وإنّ غلّتها في السنة ثمانية آلاف دينار، ففيها لهما غنىً إن شاء اللّه.

قال: فتغيّر وجه مروان، وقال: أغدرا يا بني هاشم، تاءبون إلّا العداوة.

فذكّره الحسين (ع) خطبة الحسن عائشة وفعله ثمّ قال: فاءين موضع الغدر يا مروان!؟ ...). «1»

وروي أنّه (ع) كان جالسا في مسجد النبيّ (ص) فسمع رجلا من بني أميّة يقول ويرفع صوته ليسمع الامام (ع): إنّا شاركنا آل أبي طالب في النبوّة حتّى نلنا منها مثل ما نالوا منها من السبب والنسب، ونلنا من الخلافة ما لم ينالوا، فبم يفخرون علينا!؟ وكرّر هذا القول ثلاثا.

فاءقبل عليه الحسين (ع) فقال له: (إنّي كففت عن جوابك في قولك الاوّل حلما، وفي الثاني عفوا، وأمّا في الثالث فإ نّي مجيبك. إنّي سمعت أبي يقول:

إنّ في الوحي الذي أنزله اللّه على محمّد (ص): إذا قامت القيامة الكبرى حشر اللّه بني أميّة في صور الذرّ، يطاءهم الناس د حتّى يفرغ من الحساب، ثمّ يؤ

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 277

تى بهم فيحاسبوا، ويُصار بهم إلى النار).

فلم يُطقَ الامويّ جوابا وانصرف وهو يتميّز من الغيظ. «1»

رعاية الامام (ع) للا مّة عامّة وللشيعة خاصّة ..... ص : 277

من الدور العامّ المشترك لجميع ائمّة أهل البيت (ع) رعايتهم للا مّة الاسلاميّة عامّة وللشيعة منها خاصّة، فليس بدعا من أمر الامامة الحقّة أن يهتمّ الامام الحسين (ع) إهتماما فائقا باءمور هذه الامّة في جميع مجالات حياتها، وأن لاياءلو جهدا في الدفاع عنها وانقاذها من كلّ خطر وهلكة يحيقان بها، وهو الذي قدّم نفسه الزكيّة وأهل بيته وخاصّته وأصحابه قرابين مقدّسة على مذبح الهدف العام

من قيامه وخروجه وهو إصلاح هذه الامّة المنكوبة بعد ما شملها الفساد في كلّ أبعاد حياتها (... وإنّما خرجت لطلب الاصلاح في أمّة جدّي ...)

ولمّا كانت مصاديق رعايته لهذه الامّة في قضاياها العامّة قد وردت مبثوثة في ثنايا أبحاث الابواب والفصول الاخرى من هذا الكتاب، فإ نّنا نقتصر هنا على تقديم نماذج منتقاة من رعايته لا فراد هذه الامّة، تمثّل عفوه ورأفته وحنانه وكرمه وباقي سجاياه السامية، ثمّ نعرض بعدها نماذج من رعايته للشيعة خاصّة:

(جنى له غلام جناية توجب العقاب، فاءمر (ع) به أن يضرب.

فقال: يا مولاي، (والكاظمين الغيظ).

قال (ع): (خلّوا عنه!)

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 278

فقال: يا مولاي، (والعافين عن الناس).

قال (ع): (قد عفوتُ عنك!)

قال: يا مولاي، (واللّه يحبّ المحسنين).

قال (ع): (أنت حرّ لوجه اللّه، ولك ضعف ما كنت أعطيك.) «1»

و (خرج سائل يتخطّى أزقّة المدينة حتّى أتى باب الحسين بن عليّ (ع)، فقرع الباب وأنشاء يقول:

لم يَخبِ اليوم من رجاك ومن حرّك من خلف بابك الحلقه

فاءنت ذوالجود، أنت معدنُه أبوك قد كان قاتل الفسقه

قال: وكان الحسين بن عليّ (ع) واقفا يصلّي، فخفّف من صلاته، وخرج إلى الاعرابي فرأى عليه أثر ضُرٍّ وفاقة، فرجع ونادى بقنبر

فاءجابه: لبّيك يا ابن رسول اللّه (ص).

قال (ع): ما تبقّى معك من نفقتنا؟

قال: مائتا درهم، أمرتني بتفريقها في أهل بيتك.

فقال (ع): فهاتها، فقد أتى من هو أحقُّ بها منهم.

فاءخذها (من قنبر) وخرج فدفعها إلى الاعرابي، وأنشاء يقول:

خذها فإ نّي إليك معتذر واعلم باءنّي عليك ذوشفقه

لوكان في سيرنا الغداة عصا كانت سمانا عليك مندفقه

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 279

لكنّ ريب الزمان ذونَكَدٍ والكفُّ منّا قليلة النفقه

قال: فاءخذها الاعرابيّ وولّى، وهو يقول:

مطهَّرون نقيّاتٌ جيوبهم تجري الصلاة عليهم أينما ذكروا

وأنتم أنتم الاعلون، عندكم علم الكتاب وما

جاءت به السوَرُ

من لم يكنْ علويّا حين تنسبه فماله في جميع الناس مفتخرُ «1»

وفي رواية: (قال: فاءخذها الاعرابي وبكى.

فقال (ع) له: لعلّك استقللت ما أعطيناك؟

قال: لا، ولكن كيف ياءكل التراب جودك!؟). «2»

و (دخل الحسين (ع) على أسامة بن زيد وهو مريض، وهو يقول: واغمّاه.

فقال له الحسين (ع): ما غمّك يا أخي؟

قال: ديني، وهوستّون ألف درهم.

فقال له الحسين (ع): هو عليّ.

قال: إنّي أخشى أن أموت.

فقال له الحسين (ع): لن تموت حتّى أقضيها عنك.

فقضاها قبل موته). «3»

وروي أنّه (ع): (دخل المستراح، فوجد لقمة ملقاة، فدفعها إلى غلام له،

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 280

فقال: يا غلام، أذكرني بهذه اللقمة إذا خرجتُ.

فاءكلها الغلام.

فلمّا خرج الحسين بن عليّ (ع) قال: يا غلام أين اللقمة؟

قال: أكلتها يا مولاي.

قال: أنت حرّ لوجه اللّه تعالى.

قال له رجل: أعتقته يا سيّدي!؟

قال: نعم، سمعت جدّي رسول اللّه (ص) يقول: من وجد لقمة ملقاة فمسح منها أو غسل ما عليها ثمّ أكلها لم تستقرّ في جوفه إلّا أعتقه اللّه من النار. (ولم أكن أستعبد رجلا أعتقه اللّه من النار). «1»

و (مرّ الحسين بن عليّ (ع) بمساكين قد بسطوا كساءً لهم فاءلقوا عليه كِسَرا،

فقالوا: هلمَّ يا ابن رسول اللّه (ص)!

فثنّى وركه فاءكل معهم، ثمّ تلا: (إنّ اللّه لايحبّ المستكبرين).

ثمّ قال: قد أجبتكم فاءجيبوني.

قالوا: نعم يا ابن رسول اللّه (ص) ...

فقاموا معه حتّى أتوا منزله ...

فقال (ع) للرّباب: أخرجي ما كنت تدّخرين). «2»

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 281

(وجاءه رجل من الانصار يريد أن يساءله حاجة ...

فقال (ع): يا أخا الانصار صُن وجهك عن بذل المساءلة، وارفع حاجتك في رقعة، فإ نّي آتٍ فيها ما سارّك إن شاء اللّه.

فكتب: يا أباعبداللّه، إنّ لفلان عليّ خمسمائة دينار، وقد ألحّ بي، فكلّمه ينظرني إلى ميسرة.

فلمّا

قرأ الحسين (ع) الرقعة دخل إلى منزله فاءخرج صرّة فيها ألف دينار،

وقال (ع) له: أمّا خمسمائة فاقض بها دينك، وأمّا خمسمائة فاستعن بها على دهرك، ولاترفع حاجتك إلّا إلى أحد ثلاثة: إلى ذي دين أو مروّة أو حسب، فاءمّا ذو الدين فيصون دينه، وأمّا ذو المروّة فإ نّه يستحيي لمروّته، وأمّا ذو الحسب فيعلم أنّك لم تكرم وجهك أن تبذله له في حاجتك، فهو يصون وجهك أن يردّك بغير قضاء حاجتك). «1»

و (مرّ الحسين بن عليّ (ع) براعٍ، فاءهدى الراعي إليه شاة،

فقال له الحسين (ع): حرُّ أنت أم مملوك؟

فقال: مملوك.

فردّها الحسين (ع) عليه ..

فقال له المملوك: إنّها لي.

فقبلها منه، ثمّ اشتراه واشترى الغنم، فاءعتقه، وجعل الغنم له). «2»

و روي (أنّ الحسين (ع) كان جالسا في مسجد جدّه رسول اللّه (ص)، بعد

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 282

وفاة أخيه الحسن (ع)، وكان عبداللّه بن الزبير جالسا في ناحية المسجد، وعتبة بن أبي سفيان في ناحية أخرى، فجاء أعرابيّ على ناقة فعقلها باب المسجد ودخل، فوقف على عتبة بن أبي سفيان فسلّم فردّ عليه السلام

فقال له الاعرابي: إنّي قتلت ابن عمٍّ لي، وطولبت بالدية، فهل لك أن تعطيني شيئا؟

فرفع رأسه إلى غلامه وقال: إدفع إليه مائة درهم.

فقال الاعرابي: ما أريد إلّا الدية تماما!

ثمّ تركه وأتى عبداللّه بن الزبير، وقال له مثل ما قال لعتبة.

فقال عبداللّه لغلامه: إدفع إليه مائتي درهم.

فقال الاعرابيّ: ماأريد إلّا الدية تماما!

ثمّ تركه وأتى الحسين (ع)، فسلّم عليه

وقال: يا ابن رسول اللّه، إنّي قتلت ابن عمّ لي، وقد طولبت بالدية، فهل لك أن تعطيني شيئا؟

فقال (ع) له: يا اعرابي، نحن قوم لانعطي المعروف إلّا على قدر المعرفة.

فقال: سل ما تريد.

فقال له الحسين (ع): يا أعرابيّ، ما النجاة

من الهلكة؟

قال: التوكّل على اللّه عزّ وجلّ.

فقال (ع): وما الهمّة؟

قال: الثقة باللّه.

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 283

ثمّ ساءله الحسين (ع) غير ذلك وأجاب الاعرابيّ، فاءمر له الحسين (ع) بعشرة آلاف درهمٍ، وقال له: هذه لقضاء ديونك. وعشرة آلاف درهم أخرى، وقال:

هذه تلمّ بها شعثك وتحسّن بها حالك وتنفق منها على عيالك. فاءنشاء الاعرابيّ يقول:

طَرِبْت وما هاجَ لي مَعبقُ ولا لي مقام ولا مَعشقُ

ولكنْ طربتُ لا لِ الرسولِ فلذَّ لي الشعرُ والمنطقُ

هم الاكرمون، هم الانجبون نجومُ السماء بهم تُشرِقُ

سبقتَ الانام إلى المكرمات فقصّر عن سبقك السُّبَّقُ

بكم فتح اللّه باب الرشاد وباب الفساد بكم مغلق «1»

وفي رواية أنّه (وجد على ظهره (ع) يوم الطفّ أثر، فسئل زين العابدين (ع) عن ذلك، فقال: هذا ممّا كان ينقل الجراب على ظهره إلى منازل الارامل واليتامى والمساكين). «2»

وأمّا عنايته الخاصّة بالشيعة ورعايته لهم ...

فقد أولى الامام الحسين (ع) شاءن جميع أئمّة أهل البيت (ع) شيعته عناية فائقة ورعاية خاصّة، وحرص في ظرفه السياسي الاجتماعي الشديد الحسّاسيّة والخطورة على حفظهم من كلّ سوء، وعمل بما وسعه الامكان على إبقائهم بمناءى عن منال يد البطش الامويّ الهادف إلى محو الوجود الشيعي من خريطة المجتمع الاسلاميّ.

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 284

ويمكن أن نلحظ بوضوح تامّ حرص الامام (ع) على حفظ الشيعة في وصاياه العامّة لهم بعد الصلح مع معاوية في حياة الامام الحسن (ع) وبعد شهادته، كمثل قوله (ع): (... فالصقوا بالا رض، وأخفوا الشخص، واكتموا الهوى، واحترسوا ...). «1» وكقوله (ع): (... فليكن كلّ رجل منكم حلسا من أحلاس د بيته ...)، «2» كما يمكن أن نلحظ ذلك في استقباله وفود الشيعة من أقطار البلاد الاسلاميّة وحرصه على إخفاء هذه اللقاءات عن عيون الرصد الامويّ، وكان

صلوات اللّه عليه يحرص على توعية وفود الشيعة ووجهائهم على حقائق مجريات الامور في إطار التزامه بالهدنة مع معاوية، ويبثّ فيهم من هدي أهل البيت (ع) ما يركّز الايمان والمعرفة في قلوبهم، ويقوّي ارتباطهم بإ مامهم، ويزيد من صبرهم على المكاره، ويعرّفهم منزلتهم عند اللّه تعالى.

روي أنّه: (وفد إلى الحسين صلوات اللّه عليه وفدٌ

فقالوا: يا ابن رسول اللّه، إنّ أصحابنا وفدوا إلى معاوية، ووفدنا نحن إليك.

فقال: إذن أجيزكم باءكثر ممّا يجيزهم.

فقالوا: جعلنا فداك، إنّما جئنا لديننا.

قال فطاءطاء رأسه ونكت في الارض، وأطرق طويلا، ثمّ رفع رأسه ...

فقال: قصيرة من طويلة، من أحبّنا لم يحبّنا لقرابة بيننا وبينه ولا لمعروفٍ أسديناه إليه، إنّما أحبّنا للّه ورسوله، جاء معنا يوم القيامة كهاتين وقرن بين سبّابتيه). «3»

وروي عنه (ع) أنّه قال: (واللّه، البلاء والفقر والقتل أسرع إلى من أحبّنا من

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 285

ركض د البراذين، ومن السيل إلى صمره!). «1»

وعن حبّابة الوالبيّة قالت: (سمعت الحسين بن عليّ (ع) يقول: نحن وشيعتنا على الفطرة التي بعث اللّه عليها محمّدا (ص) وسائر الناس منها برأ). «2»

وكان صلوات اللّه عليه يحثّ أهل المعرفة والعلم من الشيعة ليكفلوا إخوانهم المحرومين من العلم، المنقطعين عن مواليهم، الذين هم يتامى آل محمّد (ص)، ويرشدوهم ويهدوهم ويخرجوهم من ظلمة الجهل.

وقد رويت عنه (ع) في ذلك نصوص كريمة منها: (فضل كافل يتيم آل محمّد المنقطع عن مواليه، الناشب في رتبة الجهل، يخرجه من جهله، ويوضّح له ما اشتبه عليه على فضل كافل يتيم يطعمه ويسقيه، كفضل الشمس على السُّها). «3»

و (من كفل لنا يتيما قطعته عنّا محنتنا باستتارنا، فواساه من علومنا التي سقطت إليه حتّى أرشده وهداه، قال اللّه عزّ وجلّ: يا أيّها العبد الكريم المواسي

لا خيه أنا أولى بالكرم منك، إجعلوا له يا ملائكتي في الجنان بعدد كلّ حرف علّمه ألف ألف قصر، وضمّوا إليها ما يليق بها من سائر النعيم). «4»

وكان صلوات اللّه عليه يحنو على أفراد الشيعة حنوّا خاصّا يفوق حنوّ الوالد على ولده، وقد رويت عنه (ع) في ذ لك أخبار كثيرة، اخترنا منها نماذج على

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 286

سبيل المثال:

روي عن صالح بن ميثم أنّه قال: (دخلتُ أنا وعباية الاسدي على حبّابة الوالبيّة.

فقال لها: هذا ابن أخيك ميثم.

قالت: إبن أخي واللّه حقّا، ألا أحدّثكم بحديث عن الحسين بن عليّ (ع).

فقلت: بلى.

قالت: دخلتُ عليه وسلّمت فردّ السلام ورحّب.

ثمّ قال (ع): ما بطّاءَ بك عن زيارتنا والتسليم علينا يا حبّابة؟

قلت: ما بطّاءني إلّا علّة عرضت.

قال: وما هي؟

قالت: فكشفتُ خماري عن برص.

قالت: فوضع يده على البرص، ودعا فلم يزل يدعو حتّى رفع يده، وكشف اللّه ذلك البرص، ثمّ قال: يا حبّابة، إنّه ليس أحدٌ على ملّة إبراهيم في هذه الامّة غيرنا وغير شيعتنا، ومن سواهم منها برأ). «1»

وعن يحيى بن أمّ الطويل قال: (كنّا عند الحسين (ع) إذ دخل عليه شابّ يبكي.

فقال له الحسين (ع): ما يبكيك؟

قال: إنّ والدتي توفّيت في هذه الساعة ولم توص، ولها مالٌ، وكانت قد

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 287

أمرتني ألّااءُحدثَ في اءمرها شيئا حتّى اءُعلمك خبرها.

فقال الحسين (ع): قوموا بنا حتّى نصير إلى هذه الحرّة.

فقمنا معه حتّى انتهينا إلى باب البيت الذي توفّيت فيه المرأة، وهي مسجّاة.

فاءشرف على البيت ودعا اللّه ليحييها حتّى توصي بما تحبُّ من وصيّتها، فاءحياها اللّه تعالى، فإ ذا المرأة جلست وهي تتشهّد، ثمّ نظرت الى الحسين (ع).

فقالت: أدخل البيت يا مولاي، ومرني باءمرك.

فدخل وجلس على مخدّة، ثمّ قال (ع) لها: وصّي،

يرحمك اللّه.

فقالت: يا ابن رسول اللّه، إنّ لي من المال كذا وكذا في مكان كذا وكذا، وقد جعلت ثلثه إليك لتضعه حيث شئت من أوليائك، والثلثان لابني هذا، إن علمت أنّه من مواليك وأوليائك، وإن كان مخالفا فخذه إليك، فلا حقّ للمخالفين في أموال المؤ منين.

ثمّ ساءلته أن يصلّي عليها وأن يتولّى أمرها، ثمّ صارت المرأة ميتة كما كانت). «1»

و (عن الحسن البصري قال: كان الحسين (ع) سيّدا زاهدا، ورعا، صالحا، ناصحا، حسن الخلق، فذهب ذات يومٍ مع أصحابه إلى بستان له، وكان في ذلك البستان غلام يقال له، صافي.

فلمّا قرب من البستان رأى الغلام يرفع الرغيف فيرمي بنصفه إلى الكلب وياءكل نصفه، فتعجّب الحسين (ع) من فعل الغلام، فلمّا فرغ من الاكل قال:

الحمد للّه ربّ العالمين، أللّهمّ اغفرلي ولسيّدي، وبارك له كما باركت على أبويه، يا أرحم الراحمين.

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 288

فقام الحسين (ع) ونادى: يا صافي.

فقام الغلام فزعا وقال: يا سيّدي وسيّد المؤ منين إلى يوم القيامة، إنّي ما رأيتك فاعفُ عنّي.

فقال الحسين (ع): إجعلني في حلٍّ يا صافي، دخلت بستانك بغير إذنك!

فقال صافي: بفضلك وكرمك وسؤ ددك تقول هذا!

فقال الحسين (ع): إنّي رأيتك ترمي بنصف الرغيف إلى الكلب وتاءكل نصفه، فما معنى ذ لك؟

فقال الغلام: يا سيّدي، إنّ الكلب ينظر إليّ حين آكل، فإ نّي أستحيي منه لنظره إليّ، وهذا كلبك يحرس بستانك من الاعدأ، وأنا عبدك، وهذا كلبك، ناءكل من رزقك معا.

فبكى الحسين (ع) ثمّ قال: إنْ كان كذلك، فاءنت عتيق للّه.

ووهب له ألف دينار!

فقال الغلام: إن أعتقتني فإ نّي أريد القيام ببستانك.

فقال الحسين (ع): إنّ الكريم إذا تكلّم بكلامٍ ينبغي أن يصدّقه بالفعل، البستان أيضا وهبتُه لك، وإنّي لمّا دخلت البستان

قلت: إجعلني في حلٍّ فإ نّي قد دخلتُ بستانك بغير إذنك، كنت قد وهبتُ البستان بما فيه، غير أنّ هؤ لاء أصحابي، لا كلهم الثمار والرطب فاجعلهم أضيافك وأكرمهم لا جلي، أكرمك اللّه يوم القيامة، وبارك لك في حسن خلقك ورأيك.

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 289

فقال الغلام: إن وهبت لي بستانك، فإ نّي قد سبلته لا صحابك). «1»

قاطعيّته) ع) في رفض الاقرار بولاية يزيد والبيعة له ..... ص : 289
مختصر قصّة البيعة ليزيد بولاية العهد ..... ص : 289

كان المغيرة بن شعبة وهو من رؤ وس جماعة النفعيّين في حركة النفاق، ومن دهاة العرب ومحترفي المكر والغدر، وممّن خدم معاوية طويلا قد بلغه أنّ معاوية يريد عزله عن ولاية الكوفة واستعمال سعيد بن العاص مكانه، فرأى أن يذهب إلى معاوية فيستعفي من منصبه عنده قبل صدور الامر بعزله، ليظهر للناس د بمظهر الكاره الولاية الزاهد فيها.

لكنّ تعلّقه الشديد حقيقة بمنصب الولاية دفعه إلى التفكير مليّا وهو في الطريق إلى الشام بحيلة تصرف معاوية عن عزله، فلم يرَ وهو الخبير بمعاوية من حيلة أفضل من إثارة أمنية معاوية الكبرى التي لم تساعده الظروف على التحرّك عمليّا لتحقيقها حتّى ذلك الوقت، وهي أمنيّته في عقد البيعة بالخلافة من بعده لابنه يزيد.

فقرّر المغيرة بن شعبة أن يعزف على أوتار هذه الامنيّة المكنونة في قلب معاوية، ويدعو إلى إثارتها وإظهارها، ويُبدي استعداده للخدمة من أجل تحقيقها، لعلّ معاوية ينصرف بذلك عن عزله فيبقيه واليا على الكوفة.

ورأى المغيرة أن يدخل أوّلًا على يزيد نفسه فيثير فيه خفّته إلى مثل هذا الامر، ليكون يزيد بعد ذلك مفتاح المدخل إلى قلب أبيه، (ومضى حتّى دخل على يزيد، وقال له: إنّه قد ذهب أعيان أصحاب النبىٍّ (ص)، وآله

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 290

وكبرأ قريش وذوو أسنانهم، وإنّما بقي أبناؤ هم، وأنت من أفضلهم وأحسنهم رأيا وأعلمهم بالسنّة

والسياسة!، ولاأدري ما يمنع اميرالموءمنين أن يعقد لك البيعة!؟

قال: اءَوَتَرى ذلك يتمُّ!؟

قال: نعم.

فدخل يزيد على أبيه وأخبره بما قال المغيرة، فاءحضر المغيرة ...

وقال له: ما يقول يزيد!؟

فقال: يا اميرالموءمنين، قد رأيت ما كان من سفك الدماء والاختلاف بعد عثمان، وفي يزيد منك خلف، فاعقد له فإ نْ حدث بك حادثٌ كان كهفا للناس، وخلفا منك، ولاتُسفَك دماء ولاتكون فتنة.

قال: ومن لي بهذا!؟

قال: أكفيك أهل الكوفة، ويكفيك زياد أهل البصرة، وليس بعد هذين المصرين أحدٌ يخالفك.

قال: فارجع إلى عملك وتحدَّث مع من تثق إليه في ذلك، وترى ونرى.

فودّعه ورجع إلى أصحابه، فقالوا: مه!؟

قال: لقد وضعتُ رِجل معاوية في غرزٍ بعيد الغاية على أمّة محمّد، وفتقت عليهم فتقا لايُرتق أبدا ...!!

وسار المغيرة حتّى قدم إلى الكوفة، وذاكَر من يثق إليه ومن يعلم أنّه شيعة لبني أميّة أمر يزيد، فاءجابوا إلى بيعته، فاءوفد منهم عشرة، ويقال أكثر من عشرة، وأعطاهم ثلاثين ألف درهم، وجعل عليهم ابنه موسى بن المغيرة،

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 291

وقدموا على معاوية فزيّنوا له بيعة يزيد ودعوه إلى عقدها.

فقال معاوية: لاتعجلوا بإ ظهار هذا، وكونوا على رأيكم.

ثمّ قال لموسى: بكم اشترى أبوك من هؤ لاء دينهم!؟

قال: بثلاثين ألفا.

قال: لقد هان عليهم دينهم ... «1»

وقوي عزم معاوية على البيعة ليزيد، فاءرسل إلى زياد يستشيره، لكنّ زيادا كتب إلى معاوية يشير عليه بالتريث وعدم العجلة حتّى ياءتي الوقت المناسب.

وهناك رأيٌ يقول إنّ معاوية كان قد أشار بالبيعة ليزيد في حياة الامام الحسن (ع) وعرّض بها، ولكنّه لم يكشفها ولا عزم عليها إلّا بعد موت الحسن (ع). «2» ويؤ يّد ذلك الرواية التاءريخيّة التي تقول إنّ معاوية سافر إلى المدينة سنة خمسين قبيل وفاة الامام الحسن (ع)، في محاولة

لجسّ نبض المدينة في قضيّة فكرة البيعة ليزيد، وعقد فيها اجتماعا مغلقا مع عبداللّه بن جعفر، وعبداللّه بن عبّاس، وعبداللّه بن الزبير، وعبداللّه بن عمر وطرح عليهم نيّته في عقد البيعة ليزيد، لكنّ هذا الاجتماع المغلق باء بالفشل الذريع لا نّ هؤ لاء العبادلة عارضوا هذه الفكرة بشدّة. فسكت معاوية عن ذكر البيعة ليزيد إلى سنة إحدى وخمسين، أي إلى ما بعد وفاة الامام الحسن (ع). «3» وتقول بعض المصادر التاءريخيّة إنّ معاوية لم يلبث بعد وفاة الامام الحسن (ع) إلّا يسيرا

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 292

حتّى بايع ليزيد في الشام، وكتب ببيعته إلى الافاق. «1» وقيل إنّه تريّث في ذلك حتّى مات زياد الذي لم يكن في الحقيقة يرجّح لمعاوية هذا التوجّه في عقد البيعة ليزيد. «2»

فلمّا مات زياد عزم معاوية على البيعة لابنه يزيد ... وكتب إلى مروان بن الحكم قائلا: (إنّي قد كبرتْ سنّي، ودقّ عظمي، وخشيت الاختلاف على الامّة بعدي!، وقد رأيت أن أتخيّر لهم من يقوم بعدي، وكرهتُ أن أقطع أمرا دون مشورة من عندك، فاءعرض ذلك عليهم وأعلمني بالذي يردّون عليك).

فقام مروان في الناس فاءخبرهم به ...

فقال الناس: أصاب ووفّق، وقد أحببنا، أن يتخيّر لنا فلا ياءلو!!

فكتب مروان إلى معاوية بذلك، فاءعاد إليه الجواب يذكر يزيد.

فقام مروان فيهم وقال: إنّ اميرالموءمنين قد اختار لكم فلم ياءل، وقد استخلف إبنه يزيد بعده ...). «3»

فقام إليه وجهاء المدينة فاءنكروا ذلك عليه وعلى معاوية، كالا مام الحسين (ع) وعبدالرحمن بن أبي بكر وابن الزبير وابن عمر.

وكان معاوية قد قام حينذاك بحملة إعلاميّة ودعائيّة كبيرة ليزيد، فقد كتب إلى عمّاله بتقريظ يزيد ووصفه بالا وصاف الحميدة التي تجعله في أعين الناس د أهلا للخلافة، كما

أمر عمّاله أن يوفدوا إليه الوفود من الامصار، ولم

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 293

يزل معاوية يعطي المقارب ويُداري المباعد ويلطف به حتّى استوثق له أكثر الناس وبايعوه على ذلك!!

وبقيت معضلة معاوية الكبرى في استعصاء المدينة بوجهائها، وتقول المصادر التاءريخيّة إنّ معاوية استشعر برودة موقف مروان وعدم اندفاعه في مشروع أخذ الناس بالبيعة ليزيد، فعزله وجعل محلّه سعيد بن العاص، الذي حاول أخذ الناس د في ذلك بالغلظة والشدّة، لكنّه لم يفلح في مسعاه، فكتب إلى معاوية قائلا: (أمّا بعد، فإ نّك أمرتني أن أدعو الناس لبيعة يزيد بن اميرالموءمنين، وأن أكتب إليك بمن سارع ممّن أبطاء، وإنّي اءُخبرك اءنّ الناس عن ذلك بطاء لاسيّما أهل البيت من بني هاشم، فإ نّه لم يجيبني منهم أحد، وبلغني عنهم ما أكره، وأمّا الذي جاهر بعداوته وإبائه لهذا الامر فعبداللّه بن الزبير، ولست أقوى عليهم إلّا بالخيل والرجال، أو تقدم بنفسك فترى رأيك في ذلك، والسلام). «1»

المواجهات الحادّة ..... ص : 293

فكتب معاوية إلى كلّ من الامام الحسين (ع) وعبداللّه بن عبّاس وعبداللّه بن جعفر وعبداللّه بن الزبير، وأمر سعيد بن العاص أن يوصلها إليهم ثمّ يبعث إليه بجواباتها، وأمره بالحزم والتصلّب مع الرفق وتجنّب الخرق، وكان ممّا أوصاه في التعامل مع الامام الحسين (ع) أن قال: (وانظر حسينا خاصّة، فلايناله منك مكروه، فإ نّ له قرابة وحقّا عظيما لاينكره مسلم ولا مسلمة، وهوليثٌ عرين، ولست آمنك إن شاورته أن لاتقوى عليه ...). «2»

وكان كتاب معاوية إلى الامام الحسين (ع): (أمّا بعدُ: فقد انتهت اليّ منك أ مور، لم أكن أظنّك بها رغبة عنها، وإنّ أحقّ الناس بالوفاء لَمن أعطى بيعته من

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 294

كان مثلك في خطرك وشرفك ومنزلتك التي أنزلك اللّه بها،

فلا تنازع إلى قطيعتك، واتّق اللّه ولاتردّنّ هذه الامّة في فتنة، وانظر لنفسك ودينك وأمّة محمّد، ولايستخفّنّك الذين لايوقنون). «1»

أمّا الامام الحسين (ع) فقد ردّ على معاوية الردّ الاحتجاجي الشامل الذي تضمّن إدانته معاوية بقتل حجر بن عديّ وأصحابه العابدين، وبقتل الصحابي الجليل عمرو بن الحمق، وبقتل عبداللّه بن يحيى الحضرمي، وباستلحاقه زياد بن عبيد الرومي ثمّ تسليطه على الامّة يبطش بها، وذكّره مغبّة سوء العاقبة وزوال الدنيا، وأنّ للّه كتابا لايغادر صغيرة ولا كبيرة إلّا أحصاها، وكانت الفقرة الختاميّة في هذا الردّ الشامل: (واعلم أنّ اللّه ليس بناسٍ لك قتلك بالظنّة وأخذك بالتهمة، وإمارتك صبيّا يشرب الشراب ويلعب بالكلاب، ما أراك إلّا وقد أوبقت نفسك وأهلكت دينك وأضعت الرعية، والسلام). «2»

يقول ابن قتيبة: (وذكروا أنّه لمّا جاوب القوم معاوية بما جاوبوه من الخلاف لا مره والكراهيّة لبيعته ليزيد، كتب إلى سعيد بن العاص ياءمره أن ياءخذ أهل المدينة بالبيعة ليزيد أخذا بغلظة وشدّة، ولايدع أحدا من المهاجرين والانصار وأبناءهم حتّى يبايعوا، وأمره ألّا يحرّك هؤ لاء النفر ولايهيجهم. فلمّا قدم عليه كتاب معاوية أخذهم بالبيعة أعنف ما يكون من الاخذ وأغلظه فلم يبايعه أحدٌ منهم. فكتب إلى معاوية أنّه لم يبايعني أحد، وإنّما الناس تبع له ؤلاء النفر، فلو بايعوك بايع الناس جميعا ولم يتخلّف عنك أحد. فكتب إليه معاوية ياءمره ألّا يحرّكهم إلى أن يقدم، فقدم معاوية المدينة حاجّا، فلمّا أن دنا من المدينة خرج إليه الناس د يتلقّونه ... حتّى إذا

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 295

كان بالجرف لقيه الحسين بن علي وعبد اللّه بن عبّاس، فقال معاوية: مرحبا بابن بنت رسول اللّه، وابن صنو أبيه، ثمّ انحرف إلى الناس فقال: هذان شيخا بني عبد

مناف، وأقبل عليهما بوجهه وحديثه، فرحبّ وقرّب، وجعل يواجه هذا مرّة ويضاحك هذا أخرى حتّى ورد المدينة، فلمّا خالطها لقيته المشاة والنساء والصبيان يسلّمون عليه ويسايرونه إلى أن نزل فانصرفا عنه ...). «1»

ثمّ إنّه أرسل إلى الامام الحسين (ع)، وعبداللّه بن الزبير، وعبداللّه بن عمر، وعبدالرحمن بن أبي بكر، كلٍّ على انفراد، ودعاهم إلى قبول البيعة ليزيد، لكنّه لم يحصل منهم على ما يريد ...

وفي اليوم الثاني، جلس مجلسه، وأمر حاجبه أن لاياءذن لا حد من الناس وإن قرب، (ثمّ أرسل إلى الحسين بن علي وعبداللّه بن عبّاس، فسبق ابن عبّاس، فلمّا دخل وسلّم عليه أقعده في الفراش على يساره فحادثه مليّا ...

حتّى أقبل الحسين بن عليّ (ع)، فلمّا رآه معاوية جمع له وسادة كانت على يمينه، فدخل الحسين وسلّم، فاءشار إليه فاءجلسه عن يمينه مكان الوسادة، فساءله معاوية عن حال بني أخيه الحسن وأسنانهم، فاءخبره ثمّ سكت.

قال: ثمّ ابتدأ معاوية فقال: أمّا بعدُ، فالحمد للّه وليّ النعم، ومنزل النقم، وأشهد أن لاإله إلّا اللّه المتعالي عمّا يقول الملحدون علوّا كبيرا، وأنّ محمّدا عبده المختصّ المبعوث إلى الجنّ والانس كافّة لينذرهم بقرآن لاياءتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيلٌ من حكيم حميد، فاءدّى عن اللّه وصدع باءمره وصبر عن الاذى في جنبه، حتّى أوضح دين اللّه وأعزّ أولياءه،

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 296

وقمع المشركين وظهر أمر اللّه وهم كارهون، فمضى صلوات اللّه عليه وقد ترك من الدنيا ما بُذل له واختار منها الترك لما سخّر له زهادة واختيارا للّه واءَنفة واقتدارا على الصبر بغيا لما يدوم ويبقى، فهذه صفة الرسول (ص).

ثمّ خلفه رجلان محفوظان وثالث مشكوك، وبين ذلك خوض طال ما عالجناه مشاهدة ومكافحة ومعاينة

وسماعا، وما أعلم منه فوق ما تعلمان.

وقد كان من أمر يزيد ما سُبقتم إليه وإلى تجويزه، وقد علم اللّه ما أحاول به من أمر الرعيّة، من سدّ الخلل ولمّ الصدع بولاية يزيد، بما أيقظ العين وأحمد الفعل، هذا معناي في يزيد، وفيكما فضل القرابة وحظوة العلم وكمال المروءة، وقد أصبت من ذلك عند يزيد على المناظرة والمقابلة ما أعياني مثله عندكما وعند غيركما، مع علمه بالسنّة وقرأة القرآن والحلم الذي يرجح بالصمّ الصلاب!!

وقد علمتما أنّ الرسول المحفوظ بعصمة الرسالة قدّم على الصدّيق والفاروق ومن دونهما من أكابر الصحابة وأوائل المهاجرين يوم غزوة السلاسل من لم يقارب القوم ولم يعاندهم برتبة في قرابة موصولة ولا سُنّة مذكورة، فقادهم الرجل باءمره، وجمع بهم صلاتهم، وحفظ عليهم فيئهم، وقال ولم يقل معه، وفي رسول اللّه (ص) أسوة حسنة.

فمهلا بني عبدالمطلّب، فإ نّا وأنتم شعبا نفعٍ وجدٍّ، وما زلت أرجو الانصاف في اجتماعكما، فما يقول القائل إلّا بفضل قولكما، فَرِدّا على ذي رحم مُستَعتِبٍ ما يحمد به البصيرة في عتابكما، وأستغفر اللّه لي ولكما.

قال: فتيسّر ابن عبّاس للكلام، ونصب يده للمخاطبة.

فاءشار إليه الحسين فقال: على رسلك، فاءنا المراد ونصيبي في التهمة أوفر!

فاءمسك ابن عبّاس، فقام الحسين فحمد اللّه وصلّى على الرسول، ثمّ قال:

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 297

(أمّا بعدُ يا معاوية فلن يؤ دّى القائل وإن أطنب في صفة الرسول (ص) من جميعٍ جزءا، وقد فهمت ما لبست به الخلف بعد رسول اللّه من إيجاز الصفة والتنكّب عن استبلاغ البيعة.

وهيهات هيهات يا معاوية، فضح الصبح فحمة الدجى، وبهرت الشمس أنوار السُّرُج، ولقد فضّلتَ حتّى أفرطتَ، واستاءثرتَ حتّى أجحفتَ، ومنعتَ حتّى بخلتَ، وجُرتَ حتّى جاوزتَ، ما بذلت لذي حقّ من اءَتمّ حقّه

بنصيب، حتّى أخذ الشيطان حظّه الاوفر ونصيبه الاكمل!!

وفهمت ما ذكرته عن يزيد، من اكتماله وسياسته لا مّة محمّد، تريد أن توهم الناس في يزيد، كاءنّك تصف محجوبا، أو تنعت غائبا، أوتخبر عمّا كان ممّا احتويته بعلم خاصّ.

وقد دلّ يزيد من نفسه على موقع رأيه، فخذ ليزيد فيما أخذ به من استقرائه الكلاب المُهارشة عند التحارش، والحمام السُّبَّق لا ترابهنّ، والقينات ذوات المعازف، وضروب الملاهي، تجده ناصرا.

ودع عنك ما تحاول، فما أغناك أن تلقى اللّه بوزر هذا الخلق باءكثر ممّا أنت لاقيه، فواللّه ما برحت تقدح باطلا في جور، وحنقا في ظلم، حتّى ملا ت الاسقية، وما بينك وبين الموت إلّاغمضة، فتقدم على عملٍ محفوظٍ في يومٍ مشهودٍ، ولات حين مناص.

ورأيتك عرّضت بنا بعد هذا الامر، ومنعتنا عن آبائنا تراثا، ولقد لعمرُاللّه أورثنا الرسول (ص) ولادة، وجئت لنا بها ما حججتم به القائم عند موت الرسول، فاءذعن للحجّة بذلك، وردّه الايمان إلى النصف، فركبتم الاعاليل وفعلتم الافاعيل، وقلتم كان ويكون، حتّى أتاك الامر يا معاوية من طريق كان قصدها لغيرك، فهناك فاعتبروا يا أولي الابصار.

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 298

وذكرت قيادة الرجل القوم بعهد رسول اللّه (ص) وتاءميره له، وقد كان ذ لك ولعمرو بن العاص يومئذٍ فضيلة بصحبة الرسول وبيعته له وما صار لعمرو يومئذٍ حتّى اءَنِفَ القوم اءمرته وكرهوا تقديمه وعدوّا عليه اءفعاله، فقال (ص): لا جرم معشر المهاجرين لايعمل عليكم بعد اليوم غيري. فكيف يُحتجّ بالمنسوخ من فعل الرسول في أوكد الاحوال وأولاها بالمجتمع عليه من الصواب!؟ أم كيف صاحبت بصاحب تابعا، وحولك من لايؤ مَن في صحبته ولايعتمد في دينه وقرابته، وتتخطاهم إلى مسرفٍ مفتون، تريد أن تلبس الناس د شبهة يُسعد بها الباقي

في دنياه وتشقى بها في آخرتك، إنّ هذا لهو الخسران المبين، وأستغفر اللّه لي ولكم.

قال: فنظر معاوية إلى ابن عبّاس، فقال: ما هذا يا ابن عبّاس!؟ ولما عندك أدهى وأمرُّ.

فقال ابن عبّاس: لعمراللّه، إنّها لذرّيّة الرسول، وأحد أصحاب الكساء، ومن البيت المطّهر، فَالْهَ عمّا تريد، فإ نّ لك في الناس مقنعا حتّى يحكم اللّه باءمره، وهو خير الحاكمين ...) «1»

وكان قد أرسل بعدهما إلى عبدالرحمن بن أبي بكر وعبداللّه بن الزبير وعبداللّه بن عمر، وطلب إليهم أن يبايعوا يزيد، وادعّى أنّها قضاء من قضاء اللّه الذي ليس د للعباد الخيرة فيه!، فردّ عليه عبدالرحمن بن أبي بكر بشدّة رافضا ذلك، وكذلك فعل ابن الزبير، ومع أن ابن عمر كان ليّنا في ردّه لقوله: (... ولكنّي إن استقام الناس د فساءدخل في صالح ما تدخل فيه أمّة محمّد) «2» لكنّ اجتماع معاوية بهؤ لاء الثلاثة قد انفضّ أيضا دون أيّة نتيجة يرجوها معاوية.

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 299

ثمّ إنّه (احتجب عن الناس ثلاثة أيّام لايخرج، ثمّ خرج فاءمر المنادي أن ينادي في الناس أن يجتمعوا لا مرٍ جامعٍ، فاجتمع الناس في المسجد، وقعد هؤ لاء حول المنبر. فحمداللّه وأثنى عليه، ثمّ ذكر يزيد وفضله وقرأته القرآن، ثمّ قال: يا أهل المدينة، لقد هممتُ ببيعة يزيد، وما تركت قرية ولا مدرة إلّا بعثت إليها ببيعته فبايع الناس جميعا وسلّموا، وأخّرت المدينة بيعته، وقلتُ بيضته وأصله ومن لاأخافهم عليه، وكان الذين أبوا البيعة منهم من كان أجدر أن يصله، وواللّه لو علمتُ مكان أحدٍ هو خيرٌ للمسلمين من يزيد لبايعت له!

فقام الحسين فقال: واللّه لقد تركت من هو خير منه أبا وأمّا ونفسا!

فقال معاوية: كاءنّك تريد نفسك؟

فقال الحسين: نعم، أصلحك

اللّه.

فقال معاوية: إذن أخبرك، أمّا قولك خيرٌ منه أمّا، فلعمري أمّك خير من أمّه، ولولم يكن إلّا أنّها امرأة من قريشٍ لكان لنساء قريش فضلهنّ، فكيف وهي ابنة رسول اللّه صلّى عليه وسلّم، ثمّ فاطمة في دينها وسابقتها، فاءمّك لعمرُ اللّه خير من أمّه، وأمّا أبوك فقد حاكم أباه إلى اللّه فقضى لا بيه على أبيك!

فقال الحسين: حسبك جهلك، آثرت العاجل على الاجل!

فقال معاوية: وأمّا ما ذكرت من أنّك خير من يزيد نفسا فيزيد واللّه خير لا مّة محمّد منك!!

فقال الحسين: هذا هو الافك والزور، يزيد شارب الخمر، ومشتري اللهو خير منّي!؟ «1»

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 300

وفي رواية أخرى ...

(فقال الحسين (ع): من خيرٌ لا مّة محمّد، يزيد الخمور والفجور!؟

فقال معاوية: مهلا أباعبداللّه، فإ نّك لوذكرت عنده لما ذكر منك إلّا حسنا.

فقال الحسين (ع): إن علم منّي ما أعلمه منه أنا فليقل فيَّ ما أقول فيه.

فقال له معاوية: أبا عبداللّه، إنصرف إلى أهلك راشدا، واتّق اللّه في نفسك، واحذر أهل الشام أن يسمعوا منك ما قد سمعته، فإ نّهم أعداؤ ك وأعدأ أبيك.

قال: فانصرف الحسين (ع) إلى منزله). «1»

وقدروى ابن أعثم الكوفي في كتابه الفتوح هذه القصّة بنحو آخر: (أنّه لما كان من الغد خرج معاوية وأقبل حتّى دخل المسجد، ثمّ صعد المنبر فجلس عليه، ونودي له في الناس فاجتمعوا إليه، وأقبل الحسين بن علي (ع)، وابن أبي بكر، وابن عمر، وابن الزبير، حتّى جلسوا إلى المنبر ومعاوية جالس، حتّى علم أنّ الناس قد اجتمعوا وثب قائما على قدميه، فحمد اللّه وأثنى عليه.

ثمّ قال: أيّها الناس، إنّا قد وجدنا أحاديث الناس ذات عوار، وإنّهم قد زعموا أنّ الحسين بن علي، وعبدالرحمن بن أبي بكر، وعبداللّه بن

عمر، وعبداللّه بن الزبير لم يبايعو يزيد، وهؤ لاء الرهط الاربعة هم عندي سادة المسلمين وخيارهم، وقد دعوتهم إلى البيعة فوجدتهم إذا سامعين مطيعين، وقد سلّموا وبايعوا وسمعوا وأجابوا وأطاعوا!

قال: فضرب أهل الشام باءيديهم إلى سيوفهم فسلّوها، ثمّ قالوا:

يا اميرالموءمنين، ما هذا الذي تُعظمه من أمر هؤ لاء الاربعة!؟ إئذن لنا أن

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 301

نضرب أعناقهم، فإ نّا لانرضى أن يبايعوا سرّا ولكن يبايعوا جهرا حتّى يسمع الناس أجمعون.

فقال معاوية: سبحان اللّه، ما أسرع الناس بالشرّ، وما أحلى بقائهم عندهم، إتّقوا اللّه يا أهل الشام ولاتسرعوا إلى الفتنة، فإ نّ القتل له مطالبة وقصاص.

قال: فبقي الحسين بن علي (ع)، وابن أبي بكر، وابن عمر، وابن الزبير، حيارى لايدرون ما يقولون، يخافون إن يقولوا: لم نبايع، الموت الاحمر تجاه أعينهم في سيوف أهل الشام أو وقوع فتنة عظيمة، فسكتوا ولم يقولوا شيئا، ونزل معاوية عن المنبر، وتفرّق الناس وهم يظنّون أنّ ه ؤلاء الاربعة قد بايعوا.

قال: وقُرّبت رواحل معاوية فمضى في رفاقه وأصحابه إلى الشام.

قال: وأقبل أهل مكّة إلى هؤ لاء الاربعة فقالوا لهم: يا هؤ لاء، إنّكم قد دعيتم إلى بيعة يزيد فلم تبايعوا وأبيتم ذ لك، ثمّ دعيتم فرضيتم وبايعتم!!

فقال الحسين (ع): لا واللّه ما بايعنا، ولكنّ معاوية خدعنا وكادنا ببعض ما كادكم به، ثمّ صعد المنبر وتكلّم بكلام، وخشينا إن رددنا مقالته عليه أن تعود الفتنة جذعا، ولاندري إلى ماذا يؤ ول أمرنا، فه ذه قصّتنا معه). «1»

روايات مكذوبة على سيرة الامام الحسين (ع) ..... ص : 301
اشارة

في التراث الروائي الاسلامي هناك الكثير من الروايات المفتريات، وفيما يتعلّق بتاءريخ حياة أهل بيت العصمة (ص) نصيب غير قليل من هذه الروايات المكذوبة.

ولم ينجُ تأريخ حياة سيّد الشهدأ (ع) من أن تعلق به مجموعة

من هذه

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 302

الروايات المفتريات.

والمؤ سف أنّ بعض الذين كتبوا في حياة الامام الحسين (ع) تلقّوا هذه الروايات المكذوبة تلقّي المسلّمات، وتناولوها بالشرح والتعليق، واستلهموا عظات موهومة منها، «1» ونذكر هنا من هذه الروايات المكذوبة أهمّ ما اعترضنا في متابعاتنا أثناء تحضيرنا لهذا البحث:

الرواية الاولى: ..... ص : 302

يقول ابن عساكر في مطلع ترجمته للا مام الحسين (ع):

(ووفد على معاوية، وتوجّه غازيا إلى القسطنطينيّة في الجيش الذي كان أميره يزيد بن معاوية). «2»

لاشك أنّ من له أدنى معرفة بشخصيّة الامام الحسين (ع) وحكمته وإبائه ومعرفته بزمانه وأهل زمانه ومنهم معاوية ويزيد خاصّة، لايحتاج في تفنيد هذه الرواية المكذوبة إلى تحقيق في سند ومناقشة في متن.

ومع هذا فإ نّنا نقول هنا: إنّ ابن عساكر تفرّد بهذا الادّعاء المُرسَل، ولم ياءتِ له حتّى بشاهدٍ واحدٍ، ولو بخبرٍ ضعيفٍ!

وقصّة غزوة القسطنطينية ذكرها ابن الاثير في (الكامل في التاءريخ) في أحداث سنة تسع وأربعين ه كذا: (في هذه السنّة، وقيل: سنة خمسين، سيَّرَ

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 303

معاوية جيشا كثيفا إلى بلاد الروم للغزاة، وجعل عليهم سفيان بن عوف، وأمر ابنه يزيد بالغزاة معهم، فتثاقل واعتلَّ، فاءمسك عنه أبوه، فاءصاب الناس في غزاتهم جوع ومرض د شديد، فاءنشاء يزيد يقول:

ما إن أبالي بما لاقت جموعهم بالفرقدونة من حُمّى ومن مومِ

إذا اتكاءتُ على الانماط مرتفقا بدَيْرِ مُرّانَ عندي أمُّ كلثومِ

وأمّكلثوم امرأته، وهي بنت عبداللّه بن عامر.

فبلغ معاوية شعره فاءقسم عليه ليلحقنّ بسفيان في أرض الروم، ليصيبه ما أصاب الناس، فسار معه جمع كثير أضافهم إليه أبوه، وكان في هذا الجيش ابن عبّاس د وابن عمر وأبوأيّوب الانصاري وغيرهم، وعبدالعزيز بن زرارة الكلابي ... ثمّ رجع يزيد والجيش إلى الشام، وقد توفّي أبوأيّوب الانصاري عند القسطنطينيّة

فدفن بالقرب من سورها ...). «1»

فالمتيقّن من نصّ ابن الاثير إذن: هو أنّ يزيد لم يكن قائد هذا الجيش وأميره، وأنّ الامام الحسين (ع) لم يكن في من حضر هذه الغزوة!

ويؤ كّد الطبري في تاءريخه عدم حضور الامام الحسين (ع) في هذه الغزوة، وإن ادّعى أنّ أميرها يزيد، قائلا: (وفيها: كانت غزوة يزيد بن معاوية الروم، حتّى بلغ القسطنطينيّة، ومعه ابن عبّاس وابن عمر وابن الزبير وأبوأيّوب الانصاري). «2»

أمّا اليعقوبي فيقول: (وأغزى معاوية يزيد ابنه الصائفة ومعه سفيان بن عوف الغامدي فسبقه سفيان بالدخول إلى بلاد الروم، فنال المسلمين في

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 304

بلاد الروم حمّى وجدري، وكانت أمّ كلثوم بنت عبداللّه بن عامر تحت يزيد بن معاوية، وكان لها محبّا ...) «1»

وأقوى الادلّة على عدم حضور الامام الحسين (ع) هذه الغزوة التي لم يكن يزيد أميرها أيضا، هو أنّ الفضل بن شاذان (ره) سئل عن أبي أيّوب الانصاري (خالد بن زيد) وقتاله مع معاوية المشركين، فقال (ره): (كان ذلك منه قلّة فقه وغفلة، ظنّ أنّه إنّما يعمل عملا لنفسه يقوّي به الاسلام ويوهي به الشرك، وليس عليه من معاوية شي كان معه أو لم يكن). «2» وهذا التصريح الصادر عن الفضل بن شاذان، وهو من أصحاب الائمة: الجواد والهادي والعسكري (ع)، وقيل إنّه من أصحاب الامام الرضا (ع) أيضا، وهو من أجلّ فقهاء الشيعة ومتكلّميهم في عصره، هذا التصريح كاشف عن عدم حضور الامام الحسين (ع) في هذه الغزوة، وذلك لا نّ الفضل لم يكن ليعيب على أبي أيّوب إشتراكه فيها مع علمه باشتراك الامام (ع) فيها.

ولايقال إنّ هناك احتمالا في أنّ الفضل بن شاذان علم باشتراك أبي أيّوب ولم يعلم باشتراك الامام (ع)، ذلك

لا نّ منزلة الفضل العلميّة تمنع من ذلك، خصوصا وهو من أصحاب مجموعة من أئمة الحقّ (ع)، ثمّ إنّه لايُتصوّر أنّ حضور أبي أيّوب الانصاري في واقعةٍ ما أشهر وأظهر من حضور الامام الحسين (ع) فيها بطبيعة الحال!!

هذا ولو أنّ الامام (ع) كان قد اشترك فعلا في هذه الغزوة، لصار ذلك الحدث من أشهر مسلّمات التاءريخ، لا نّ الاعلام الامويّ خاصّة في عهد

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 305

معاوية كان سيستثمر هذا الحدث أوسع الاستثمار في التبليغ والدعاية لصالح النظام الامويّ في كلّ أنحاء البلاد الاسلاميّة، الامر الذي يجعل من قضيّة اشتراك الامام في هذه الغزوة أشهر من أن تخفى على أحد، وأمنع من أن يرقى إليها شكّ!

من كلّ ما مضى يكون المتيقّن في قصّة هذه الغزوة أمران هما: عدم اشتراك الامام الحسين (ع) فيها، وثبوت اشتراك أبي أيّوب الانصاري (ره) فيها.

الرواية الثانية ..... ص : 305

قال ابن عساكر أيضا: أخبرنا أبومحمّد طاهر بن سهل بن بشر، أخبرنا أ بوالحسن عليّ بن الحسن ابن صصرى إجازة، أخبرنا أبومنصور طاهر بن العبّاس بن منصور المروزي العماري بمكّة، أخبرنا أبوالقاسم عبيداللّه بن محمّد بن أحمد بن جعفر السقطي بمكّة، أخبرنا إسحق بن محمّد بن إسحق السوسي، أخبرنا أبوعمر الزاهد:

أخبرنا عليّ بن محمّد بن الصائغ، حدّثني أبي: قال:

رأيت الحسين بن عليّ بن أبي طالب بعينيّ وإلّا فعميتا، وسمعته باءذنيّ وإلّا فصمتا، وفد على معاوية بن أبي سفيان زائرا فاءتاه في يوم جمعة وهو قائم على المنبر خطيبا

فقال له رجل من القوم: يا اميرالموءمنين إئذن للحسين بن عليّ يصعد المنبر.

فقال معاوية: ويلك، دعني أفتخر، فحمد اللّه وأثنى عليه، ثمّ قال: ساءلتك باللّه يا أباعبداللّه، أليس أنا ابن بطحاء مكّة؟

فقال الحسين (ع): إي والذي بعث جدّي بالحقّ بشيرا!

ثمّ

قال: ساءلتك باللّه يا أباعبداللّه، أليس أنا خال المؤ منين؟

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 306

فقال: إي والذي بعث جدّي نبيّا!

ثمّ قال: ساءلتك باللّه يا أباعبداللّه، أليس أنا كاتب الوحي؟

فقال: إي والذي بعث جدّي نذيرا!

ثمّ نزل معاوية، فصعد الحسين بن عليّ، فحمد اللّه عزّ وجلّ بمحامد لم يحمده الاوّلون والاخرون، ثمّ قال: حدّثني أبي، عن جدّي، عن جبرئيل (ع)، عن ربّه عزّ وجلّ: أنّ تحت قائمة كرسيّ العرش ورقة آسٍ خضرأ مكتوب عليها: لاإله إلّااللّه، محمّد رسول اللّه، يا شيعة آل محمّد، لاياءتي أحد منكم يوم القيامة يقول لاإله إلّااللّه إلّا أدخله اللّه الجنّة.

قال: فقال معاوية بن أبي سفيان: ساءلتك باللّه يا أباعبداللّه، من شيعة آل محمّد؟

فقال: الذين لايشتمون الشيخين أبابكر وعمر، ولايشتمون عثمان، ولايشتمون أبى، ولايشتمونك يا معاوية!

ثمّ قال ابن عساكر: هذا حديث مُنكَر، ولا أرى إسناده متّصلا إلى الحسين، واللّه أعلم). «1»

إضافة إلى هذا، فإ نّ عليّ بن محمّد الصائغ الراوي عن أبيه في سند هذه الرواية ممّن ضعفهم الخطيب أبوبكر على ما في (ميزان الاعتدال، 3: 153 رقم 5924 (وكذلك في (لسان الميزان، 4: 254 رقم 691 (.

وفي السند أيضا من هو مجهول مثل المروزي العماري (لا ترجمة له في كتب الرجال المعروفة).

فالرواية لايُعبَاء بها سندا ... أما متنها فيغني عن متابعة سندها لما فيه من

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 307

افترأ واضح على الامام (ع)، حتّى أنكره ابن عساكر نفسه الذي قد يغفل عن روايات منكرة كثيرة أو قد يغضّ الطرف عنها!

نعم، في متن هذه الرواية نصّ تؤ يّده وتسنده روايات أخرى عندنا، وهو:

(لاإله إلّااللّه، محمّدا رسول اللّه، يا شيعة آل محمّد، لاياءتي أحدٌ منكم يوم القيامة يقول لاإله إلّااللّه إلّا أدخله اللّه الجنّة).

غير أنّ صاحب الافترأ في هذه

الرواية نسج حول هذا النصّ الادعاءات الاخرى الكاذبة! المنافية للماءثور عن نهج وسيرة أبي عبداللّه (ع).

إنّ سيرة الامام الحسين (ع) شاهدة على أنّه ما خطب في محفل عام إلّا ونشر من فضائل أهل البيت (ع) وفضل شيعتهم ما تشرأبّ له الاعناق وتهفو له الارواح، وكشف عن نقائص ومثالب أعدائهم من بني أميّة وغيرهم ما تشمئزّ منه النفوس.

والعارف بمنسوجات الاعلام الامويّ ومفتعلاته من الروايات التي تصبّ في مجرى تنظيف سمعة معاوية وعثمان وبعض الصحابة ممّن ليس لهم منقبة تُذكر في حياة النبىٍّ (ص) يعلم من نسق المتن أنّ هذه الرواية من تلك المفتعلات المكذوبة والمنسوجات الموهومة.

الرواية الثالثة ..... ص : 307

(وقال عمر بن سُبينة: حجّ يزيد في حياة أبيه، فلمّا بلغ المدينة جلس على شراب له، فاستاءذن عليه ابن عبّاس والحسين فقيل له: إنّ ابن عبّاس إن وجد ريح الشراب عرفه، فحجبه وأذن للحسين، فلمّا دخل وجد رائحة الشراب مع الطيب.

فقال: للّه درُّ طيبك ما أطيبه! فما هذا؟

قال: هوطيب يصنع بالشام.

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 308

ثمّ دعا بقدح فشربه، ثمّ دعا ب آخر، فقال: إسق أباعبداللّه.

فقال له الحسين: عليك شرابك أيّها المرء لا عين عليك منّي!

فقال يزيد:

ألا يا صاح للعجب دعوتك ثمّ لم تجب

إلى الفتيات والشهوات والصهباء والطرب

وباطية مكلّلة عليها سادة العرب

وفيهنّ التي تبلت فؤ ادك ثمّ لم تتب

فنهض الحسين وقال: بل فؤ ادك يا ابن معاوية تبلت). «1»

إنّ عمر بن سُبينة أو (عمر بن سبيئة: كما في الكامل في التاءريخ: 317: 3 (إدارة الطباعة المنيريّة مصر الطبعة الاولى) أو عمر بن سمينة على إحتمال ثالث، ليس د له ترجمة في كتب الرجال المعروفة. أمّا احتمال كونه عمر بن سفينة فقد قال فيه الذهبي في ميزان الاعتدال: (لايُعرف ... وقال البخاري إسناده مجهول)

«2» وعلى احتمال كونه عمر بن شيبة؛ فقد قال فيه الذهبي أيضا في ميزان الاعتدال: (مجهول). «3»

أمّا من جهة محتواها فهو أيضا يغنينا في تكذيبها عن متابعة نوع سندها، ذلك لا نّه على فرض أنّ يزيد قد ذهب للحجّ فعلا، فقد ذهب في السنين الاواخر من عمر أبيه معاوية، والاقوى أن أباه دفعه إلى الحجّ بعد أو أثناء محاولاته لا خذ البيعة له بولاية العهد من بعده، لتشيع عنه مقالة الايمان والصلاح

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 309

والتقوى خدعة، ودلائل هذه الحقيقة عديدة منها أنّ معاوية لما أراد أن ياءخذ البيعة ليزيد من الناس، طلب من زياد أن ياءخذ بيعة المسلمين في البصرة، فكان جواب زياد له: (فما يقول الناس إذا دعوناهم إلى بيعة يزيد، وهو يلعب بالكلاب والقرود، ويلبس المصبّغ ويدمن الشراب، ويمشي على الدفوف، وبحضرتهم الحسين بن علي، وعبداللّه بن عبّاس، وعبداللّه بن الزبير، وعبداللّه بن عمر!؟

ولكن تاءمره ويتخلّق باءخلاق هؤ لاء حولا أو حولين، فعسانا أن نُمَوِّه على الناس!!). «1»

وهذا دليل على أنّ خدعة التخلّق بمظاهر التديّن في حياة يزيد إنّما كانت تمهيدا لا خذ البيعة له بولاية العهد، وما كان هذا إلّا بعد وفاة الامام الحسن (ع)، أي في العقد الاخير من حياة معاوية.

وقد نصّ اليعقوبي في تاءريخه أنّ يزيد وليَ الحجّ سنة إحدى وخمسين للهجرة، «2» وكذلك قال ابن الاثير في تاءريخه، «3» وكذلك قال الطبري في تاءريخه. «4»

وفي تلك الايّام، كان فسق وفجور يزيد أظهر من أن يخفى على أكثر الناس بدليل نفس نصّ جواب زياد لمعاوية! فكيف يخفى ذلك على الحسين (ع)!؟

في تلك الايّام خاطب الامام الحسين (ع) معاوية بصدد يزيد قائلا:

(وفهمت ما ذكرته عن يزيد من اكتماله وسياسته لا مّة

محمّد، تريد أن توهم الناس في يزيد كاءنّك تصف محجوبا أو تنعت غائبا أو تخبر عمّا كان

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 310

ممّا احتويته بعلم خاصّ! وقد دلّ يزيد من نفسه على موقع رأيه، فخذ ليزيد فيما أخذ به من استقرائه الكلاب المهارشة عندالتحارش، والحمام السُّبَّق لا ترابهنّ، والقينات ذوات المعازف، وضروب الملاهي، تجده ناصرا ودع عنك ما تحاول ...). «1»

وفي تلك الايّام قال (ع) لمعاوية أيضا:

(... هذا هو الافك والزور، يزيد شارب الخمر مشتري اللهو خير منّي ...!؟). «2»

إذا كان هذا، فكيف نصدّق أنّ الامام الحسين (ع) يستاءذن للدّخول على يزيد في المدينة، وهو على هذه المعرفة التامّة بفسق يزيد وفجوره!؟

أليس في دخوله عليه ومجالسته معنى التاءييد والدعم له!؟ وكيف يوافق هذا معارضة الامام (ع) الشديدة والصريحة لمعاوية في مساءلة البيعة ليزيد!؟ إنّ هذا ما لايفعله مؤ من عاديّ يدرك الاثر السياسي والاجتماعي لمثل هذا الفعل، فما بالك بالا مام الحسين (ع)!؟ وهو يعلم أنّ في كلّ حركة أو سكنة منه إشارة ذات معنى للا مّة.

ثمّ كيف يجسر يزيد على مثل هذا التصرّف بمحضر الامام (ع) على فرض أنّهما اجتمعا فعلا خصوصا وأن سفر يزيد إلى مكّة والمدينة كان لا ظهار تديّنه وصلاحه وإظهار لياقته للخلافة!؟

لقد علّق المؤ رّخ المصري الشيخ عبدالوهّاب النجّار في حاشية (الكامل في التاءريخ) على هذه الرواية قائلا:

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 311

(أعتقد أنّ هذه الابيات مصنوعة منحولة، فلم يكن يزيد من البلاهة بحيث يعرض د ذلك على الحسين ويوجد عليه مقالا، وإذا نظرنا من جهة أخرى إلى أنّ معاوية إنّما ولّى ابنه الحجّ لتشيع عنه قالة الخير، ويوصف بالدين والتقوى، فلانشك في أنّ يزيد كان في حجّه يتسمّت ويظهر التمسّك بالدين وهذا ينافي هذه

الرواية. وقد أحسن ابن جرير (الطبري) كلّ الاحسان في إهمالها ولعلّها اخترعت بعد زمانه!). «1»

الرواية الرابعة ..... ص : 311

(وأخبرنا محمّد بن أبي الازهر قال: حدّثنا الزبير قال: حدّثنا أبوزيد عمر بن شبّة قال: حدّثنا سعيد بن عامر الضبعي، عن جويريّة بن أسماء قال:

لمّا أراد معاوية البيعة ليزيد ولده كتب إلى مروان وهو عامله على المدينة، فقرأ كتابه وقال: إنّ اميرالموءمنين قد كبر سنّه ودقَّ عظمه، وقد خاف أن ياءتيه أمر اللّه تعالى فيدع الناس كالغنم لا راعي لها، وقد أحبّ أن يُعلِمَ عَلَما ويقيمَ إماما!

فقالوا: وفّق اللّه اميرالموءمنين وسدّده، ليفعل!

فكتب بذلك إلى معاوية، فكتب إليه: أن سمِّ يزيد!

قال: فقرأ الكتاب عليهم وسمّى يزيد، فقام عبدالرحمن بن أبي بكر (ر).

فقال: كذبت واللّه يا مروان وكذب معاوية معك! لايكون ذلك! لاتُحدِثوا علينا سنّة الروم! كلّما مات هرقل قام مكانه هرقل!

فقال مروان: إنّ هذا الذي قال لوالديه: اءُفٍّ لكما اءتعدانني اءن اءُخرج. قال:

فسمعت ذلك عائشة (رض) فقالت: ألا بن الصديق يقول هذا!؟ استروني.

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 312

فستروها، فقالت: كذبت واللّه يا مروان، إنّ ذلك لرجلٌ معروف نسبه.

قال: فكتب بذلك مروان إلى معاوية، فاءقبل، فلمّا دنا من المدينة استقبله أهلها، فيهم عبداللّه بن عمر وعبداللّه بن الزبير والحسين بن علي وعبدالرحمن بن أبي بكر رضوان اللّه عليهم أجمعين.

فاءقبل على عبدالرحمن بن أبي بكر فسبّه فقال: لا مرحبا بك ولا أهلا!

فلمّا دخل الحسين (ع) قال: لا مرحبا بك ولا أهلا، بَدَنَةٌ يترقرق دمها واللّه مهريقه!

فلمّا دخل ابن الزبير قال: لا مرحبا بك ولا أهلا، ضبُّ تلعة مدخلٌ رأسه تحت ذنبه!

فلمّا دخل عبداللّه بن عمر قال: لا مرحبا بك ولا أهلا وسبّه.

فقال: إنّي لست باءهل لهذه المقالة.

قال: بلى، ولما هو شرّ منها!

قال: فدخل معاوية المدينة

وأقام بها، وخرج هؤ لاء الرهط معتمرين، فلمّا كان وقت الحجّ خرج معاوية حاجّا.

فاءقبل بعضهم على بعض فقالوا: لعلّه قد ندم!

فاءقبلوا يستقبلونه. قال: فلمّا دخل ابن عمر قال: مرحبا بك وأهلا بابن الفاروق، هاتوا لا بي عبدالرحمن دابّة! وقال لابن أبي بكر: مرحبا بابن الصدّيق، هاتوا له دابّة! وقال لابن الزبير: مرحبا بابن حواريّ رسول اللّه، هاتوا له دابّة! وقال للحسين: مرحبا بابن رسول اللّه، هاتوا له دابّة!

وجعلت ألطافُه تدخل عليهم ظاهرة يراها الناس، ويُحسن إذنهم وشفاعتهم.

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 313

قال: ثمّ أرسل إليهم!

فقال بعضهم لبعض: من يكلّمه؟

فاءقبلوا على الحسين فاءبى!

فقالوا لابن الزبير: هات، فاءنت صاحبنا.

قال: على أن تعطوني عهد اللّه ألّا أقول شيئا إلّا تابعتموني عليه!

قال: فاءخذ عهودهم رجلا رجلا، ورضي من ابن عمر بدون ما رضي به من صاحبيه.

قال: فدخلوا عليه، فدعاهم إلى بيعة يزيد، فسكتوا!

فقال: أجيبوني. فسكتوا!

فقال: أجيبوني. فسكتوا!

فقال لابن الزبير: هات، فاءنت صاحبهم!

قال: إخترْ منّا خصلة من ثلاث!

قال: إنّ في ثلاث لمخرجا.

قال: إمّا أن تفعل كما فعل رسول اللّه (ص).

قال: ماذا فعل؟

قال: لم يستخلف أحدا!

قال: وماذا؟

قال: أو تفعل كما فعل أبوبكر.

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 314

قال: فعل ماذا؟

قال: نظر إلى رجل من عرض قريش فولّاه!

قال: وماذا؟

قال: أو تفعل كما فعل عمر بن الخطّاب.

قال: فعل ماذا!؟

قال: جعلها شورى في ستّة من قريش!

قال: ألاتسمعون!؟ إنّي قد عوّدتكم على نفسي عادة، وإنّي أكره أن أمنعكموها قبل أن أبيّن لكم، إن كنت لاأزال أتكلّم بالكلام فتعترضون عليّ فيه، وتردّون عليّ، وإنّى قائم فقائل مقالة، فإ يّاكم أن تعترضوا حتّى أتمّها، فإن صدقت فعليَّ صدقي، وإن كذبتُ فعليَّ كذبي، واللّه لاينطق أحدٌ منكم في مقالتي إلّا ضربتُ عنقه!

ثمّ وكّل بكلّ رجل من القوم رجلين يحفظانه لئلّا يتكلّم ...

وقام خطيبا

فقال: إنّ عبداللّه بن عمر وعبداللّه بن الزبير والحسين بن علي وعبدالرحمن بن أبي بكر قد بايعوا، فبايعوا.

فانجفل الناس عليه يبايعونه، حتّى إذا فرغ من البيعة ركب نجائبه فرمى إلى الشام وتركهم. فاءقبل الناس على الرهط يلومونهم!

فقالوا: واللّه ما بايعنا، ولكن فعل بنا وفعل). «1»

ورواها ابن الاثير مرسلة بتفاوت في كتابه الكامل في التاءريخ، «2» وفيها:

أنّ معاوية قال لابن الزبير أخيرا: هل عندك غير هذا!؟

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 315

قال: لا.

ثمّ قال: فاءنتم!؟

قالوا: قولنا قوله!

كما رواها ابن قتيبة مرسلة بتفاوت أيضا في الامامة والسياسة. «1»

ويكفي في مناقشة سندها أن نقول إنّ الراوي الذي ينتهي إليه سند هذه الرواية هو جويريّة بن أسماء الذي قال فيه الامام جعفر بن محمّد الصادق (ع): (وأمّا جويريّة فزنديق لايفلح أبدا). «2»

وأمّا أوّل رجل في سندها، وهو محمّد بن أبي الازهر فقد قال الذهبي في ترجمته: (يروي عن الزبير بن بكّار، فيه ضعف وقد تُرك، واتُّهم وقيل بل هو متّهم بالكذب. قال الخطيب: قد وضع أحاديث). «3»

فالرواية ساقطة سندا.

أمّا متنها فقد احتوى على ما تاءباه ساحة الحسين (ع) المقدّسة وتتنزّه عنه، من قبيل سكوته وهو صاحب شعار (هيهات منّا الذلّة) على الاهانة التي وجّهها إليه معاوية عندما لقيه على مشارف المدينة حيث قال له بزعم هذه الرواية:

(لا مرحبا بك ولا أهلا، بدنة يترقرق دمها واللّه مهريقه!).

ومن قبيل تفويض الامر لابن الزبير ليكون ناطقا باسم كبّار المعارضين، والامام الحسين (ع) يعلم من هو ابن الزبير وما هي دوافعه للمعارضة! ويعلم انحراف عقيدته! ويعلم رأيه في أهل البيت (ع) وفي قضيّة الخلافة بالذات التي

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 316

هي أساس المحاجّة مع معاوية!!

فكيف يمكن للا مام (ع) أن يُمضي قول ابن الزبير وادّعاءه أنّ رسول اللّه

(ص) قبض ولم يستخلف أحدا!؟

أليس إمضاء هذا القول إقرارا بالمغالطة الكبرى التي اءُغتُصبت بها الخلافة، وتنازلا عن مبدأ القول بالنصّ على خلافة عليّ (ع)!؟

هذا فضلا عن أنّ الامام (ع) لاتنقصه الجرأة والقدرة والبلاغة على مخاطبة معاوية بما هوالحقّ، وكلّ مواقف الامام (ع) مع معاوية شاهدة على جرأته في الصدع بالحقّ والامر بالمعروف والنهي عن المنكر!

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 317

الفصل الثالث: قصة بداية الثورة ..... ص : 317
اشارة

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 319

الفصل الثالث: قصة بداية الثورة

موت معاوية بن أبي سفيان: ..... ص : 319

حكم معاوية حوالي اثنين وأربعين سنة من عمره البالغ أكثر من سبعين سنة، منذ أن عيّنه عمر بن الخطّاب في السنة الثامنة عشرة من الهجرة واليا على دمشق خلفا لا خيه يزيد بن أبي سفيان الذي توفّي فيمن توفّي في طاعون عمواس، إلى أن توفي معاوية في سنة ستّين للهجرة.

منها سبع عشرة سنة تقريبا واليا في عهد كلّ من عمر بن الخطّاب وعثمان بن عفّان، وخمس سنوات تقريبا متمردا باغيا في عهد أميرالمؤ منين علىٍّ بن أبي طالب عليه السلام، ثمّ تسع عشرة سنة وبضعة أشهر ملكا على جميع البلاد الاسلاميّة، وهوالقائل:

) أنا أوّل الملوك ( «1» و) رضينابها ملكا ( «2».

ولو أغمضنا عن أهمّية وخطورة الدور الرئيس الذي قامت به قيادة حزب السلطة في تاءسيس الانحراف لرأينا معاوية بن أبي سفيان أهمّ الرجال خطرا وأثرا على الاسلام وعلى حياة المسلمين، وفيما مضى من هذا الكتاب أدلّة

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 320

عديدة كافية لا ثبات هذه الحقيقة.

ومعاوية بن أبي سفيان ليس بدعا من الطواغيت الذين تحكّموا في حياة الامم ومصائرها، واءُشربوا حبّ الدنيا في قلوبهم، وانقادوا لشهواتهم في كلّ لذائذها انقياد منهوم لايروى ولايشبع، إذا دنا منهم الاجل وأحسّوا بمرارة الفوت ولوعة الفراق وانتهاء المهلة، وأشرفوا على العذاب المقيم، تمنّوا أن لم يكونوا قد فعلوا ما فعلوا، (ولورُدّوا لعادوا لما نهوا عنه وإنّهم لكاذبون). «1»

قال المسعودي:

(وذكر محمّد بن إسحاق وغيره من نقلة الاثار: أنّ معاوية دخل الحمّام في بدء علّته التي كانت وفاته فيها، فرأى نحول جسمه، فبكى لفنائه وما قد أشرف عليه من الدثور الواقع بالخليقة، وقال متمثّلا:

أرى الليالي أسرعت في نقضي اءَخَذْنَ بعضي وتركن بعضي

حَنَيْنَ طولي وحَنَيْنَ

عرضي أقعدنني من بعد طول نهضي

ولمّا اءَزف اءمره، وحان فراقه، واشتدّت علّته، وآيس من بُرئِهِ، اءنشاء يقول:

فياليتني لم اءُعْنَ في الملك ساعة ولَمْاءك في اللذات اءعشى النواظر

وكنتُ كذِي طِمْرَين عاش ببُلْغَةٍ من الدهر حتّى زار أهلَ المقابر) «2»

وعلى كثرة جرائمه الموبقة التي لاتحصى، والدماء الزاكية المحرَّمة التي سفكها، والاعراض المصونة التي هتكها، قيل إنّه لمّا تناهبت جسمه العلّة، وشعر بدنوّ أجله، كان أشدّ ما يحزنه من تلك الجرائم التي اقترفها جريمته المنكرة في قتل حُجر بن عدىٍّ الكندي (ره) وأصحابه الميامين، فقد كان يقول:

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 321

(ويلي منك يا حجر) و (إنّ لي مع ابن عدىٍّ ليوما طويلا!) «1».

وكان معاوية أواخر أيّامه يستشعر ملل الامّة منه وسئمها من وجوده، حتّى لقد روي أنّه قد خطب قبل مرضه فقال: (إنّي كزرعٍ مستحصد وقد طالت إمرتي عليكم حتّى مللتُكم ومللتموني وتمنّيت فراقكم وتمنّيتم فراقي ...) «2»، كما كان معاوية يستشعر قبيل وفاته أنّ الناس شامتون به لقرب رحيله إلى دار الجزأ ولمصيره الاسود عند اللّه تعالى، فقد روي أنّه:

(لمّا ثقل معاوية، وحدّث الناس أنّه الموت، قال لا هله: احشوا عينىٍّ إثمدا وأوسعوا رأسي دهنا. ففعلوا وبرّقوا وجهه بالدهن، ثمّ مُهِّدَ له، فجلس وقال:

أسندوني، ثمّ قال: إئذنوا للناس فليسلّموا قياما ولايجلس أحدٌ، فجعل الرجل يدخل فيسلّم قائما فيراه مكتحلا مدهّنا، فيقول: يقول الناس هو لما به، وهو أصحّ الناس!!، فلمّا خرجوامن عنده قال معاوية:

وتجلّدي للشامتين أريهم أنّي لريب الدهر لاأتضعضع

وإذا المنيّة أنشبت أظفارها ألفيت كلّ تميمة لاتنفعُ

قال: وكان به النفاثات «3» فمات من يومه ذلك.). «4»

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 322

وهلك معاوية في النصف من رجب، وقيل: مات لهلال رجب، وقيل: لثمانٍ بقين منه. «1»

(ولولا هواي في يزيد لا بصرتُ

رشدي وعرفتُ قصدي ..) «2»

هذه العبارة من أقوال معاوية التي لايمكن لمؤ رّخ يتلمّس حقائق الامور في ماورأ السطور أن يمرَّ عليها مرور الكرام دون أن يتأ مّل في أبعاد دلالتها، ذلك لا نّها من نوع العبارات التي تصدر عن الطواغيت في حالة من حالات الاسترخاء والضعف النفسي التي تتكشف فيها الاعماق المكنونة وتظهر فيها المضمرات على فلتات اللسان.

تُرى ما هو هذا الرشد الذي عناه معاوية بقوله هذا!!؟

هل هو الايمان والاستقامة على الصراط المستقيم وردّ حقّ كلّ ذي حقٍّ إليه والانابة إلى اللّه تبارك وتعالى والتوبة إليه ..!؟

لاشك أنّ الرشد الذي عناه معاوية ليس هذا، لا نّ وجود يزيد وحبّ معاوية الشديد له وتعلّقه به لم يكن يوما ما عائقا عن نيل هذا الرشد والوصول إليه، بل العكس هوالمحتمل احتمالا قوّيا، وهو أنّ رشاد معاوية لو كان راشدا يحتمل احتمالا كبيرا أن يكون سببا في رشاد يزيد وهدايته.

وقد يتصوّر البعض أنّ معاوية كان على يقين باءنّ يزيد ليس أهلا لتولّي زمام

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 323

الحكم، وكان إصرار معاوية على استخلاف يزيد إصرارا على ذنب كبير متيقّن، كما صرّح معاوية بذلك ليزيد فيما نسب إليه: (ما ألقى اللّه بشيٍ أعظم من استخلافي إيّاك.) «1» وقد اقترف معاوية وزرا عظيما فيما جناه على الامّة بتحويل الخلافة إلى ملك عضوض لايُعنى فيه بإ رادة الامّة واختيارها!!

ولكن، متى كان الاب أهلا وصالحا حتّى يرى عدم تاءهّل إبنه وزرا!؟

وهل حكم الاب بإ رادة الامّة واختيارها حتّى يرى تحوّل الحكم إلى ملك عضوض وزرا كبيرا يلقى اللّه به!؟ والاب هو القائل: رضينا بها ملكا، وأنا أوّل الملوك، مستهزئا بالخلافة وباختيار الامّة!!

إنّ الرشد الذي عناه معاوية هو: تهيئة كلّ عوامل دوام الحكم الامويّ

وبقائه، واستمرار آثار ضلاله على الارض!!

وتوضيح ذلك: أنّ معاوية بما لديه من خبرة عميقة، وتجربة طويلة، ودهاء نادر، كان يعلم أنّ استمرار نجاح جهود حركة النفاق التي انتجت الحكم الامويّ الجاهلي المتستّر بالمظهر الاسلامي، يقتضي فيما يقتضيه أن ياءتي بعد معاوية حاكم آخر داهية أيضا يتصنّع الايمان والحكمة والحلم، ولايرتكب من الحماقات ما يفضح خطّة التستّر بلباس الدين، حتّى تستمرّ الخدعة إلى وقت لايبقى من الدين إلّا إسمه، ومن القرآن إلّا رسمه، ومن التشريع إلّا ما وافق الشرعة الامويّة .. هذا هوالرشد الذي عناه معاوية!!

ومعاوية يعلم أنّ هذه المتطلّبات لاتتوفر في يزيد، بل في يزيد من الرعونة والحماقة والافتضاح ما يكفي لهدم ما بنته حركة النفاق طيلة خمسين سنة

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 324

بعد رسول اللّه (ص) ...

لكنّ معاوية في حبّه لذاته وليزيد كامتداد وجودي ونسبي له كان قد أصرَّ على استخلاف يزيد انقيادا له ذا الهوى، وهذا هو معنى التعارض الذي عناه في عبارته:

ولولا هواي في يزيد لا بصرت رشدي .. ..... ص : 324

وقد ظنّ معاوية على ما يبدو أنّ نقاط الضعف في شخصيّة يزيد يمكن أن تعالج بوصايا تفصيليّة يوصى بها، وبإ حاطته بمستشارين أكفاء يحولون بينه وبين أن يرتكب حماقة كبرى لايجبر كسرها ولايرتق فتقها.

وهكذا كان، ومن أهمّ وصايا معاوية لابنه يزيد الوصية التي رسم له فيها كيفيّة التعامل مع روؤ س المعارضة، والتي ورد فيها:

(أنظر أهل الحجاز فإ نّهم أصلك، فاءكرم من قدم عليك منهم، وتعاهد من غاب، وأنظر أهل العراق فإ نْ ساءلوك أن تعزل عنهم كلّ يوم عاملا فافعل، فانّ عزل عامل أحبّ اليّ من أن تُشهر عليك مائة ألف سيف، وانظر أهل الشام فليكونوا بطانتك وعيبتك، فإن نابك شي من عدوّك فانتصر بهم، فإ ذا أصبتهم فاردد أهل الشام

إلى بلادهم، فإ نّهم إن أقاموا بغير بلادهم أخذوا بغير أخلاقهم.

وإنّي لست أخاف من قريش إلّا ثلاثة، حسين بن عليّ، وعبداللّه بن عمر، وعبداللّه بن الزبير، فاءمّا ابن عمر فرجلٌ قد وقذه الدين (!) فليس ملتمسا شيئا قبلك. وأمّا الحسين بن عليّ فإ نّه رجل خفيف (!) وأرجو أن يكفيكه اللّه بمن قتل أباه وخذل أخاه، وإنّ له رحما ماسّة وحقّا عظيما وقرابة من محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ولاأظنّ أهل العراق تاركيه حتّى يخرجوه، فإن قدرت

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 325

عليه فاصفح عنه، فإ نّي لو أنّي صاحبه عفوت عنه. وأمّا ابن الزبير فإ نّه خَبُّ ضبُّ، فإ ذا شخص لك فالَّبد له، إلّا أن يلتمس منك صلحا، فإن فعل فاقبل، واحقن دماء قومك ما استطعت). «1»

هذه الوصية مع ما أريد فيها من ثناء على ابن عمر وإساءة للا مام (ع) تنسجم تماما مع الخطّ العام لمنهج معاوية، خاصّة في نوع التعامل المطلوب مع الامام الحسين (ع)، ذلك لا نّ معاوية يدرك تماما أن قتل الامام الحسين (ع) في مواجهة علنيّة عموما وبالطريقة التي يختارها ويرسم حركة أحداثها الامام الحسين (ع) خصوصا سيقلب السحر على الساحر، وسيفصل الاسلام

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 326

عن الامويّة، ويمزّق الاطار الديني الذي يتشبّث به الحكم الامويّ، ويمنح الامّة روحا ثوريّة وتضحويّة جديدة خالصة من كلّ شوائب وآثار الشلل النفسي، وبذلك تتتابع الثورات ضدّ الحكم الامويّ، وعندها يبدأ العدّ التنازلي لعمر هذا الحكم حتّى يصل إلى نهايته المحتومة، فيمسي خبرا من أخبار تأريخ الامم، وحديثا من أحاديث الحضارات البائدة، ولن تجد لسنّة اللّه تبديلا.

من هنا .. يطمئنّ الباحث المتاءمّل إلى أنّ معاوية لهذه الاسباب لابدّ أن يوصي يزيد بالمتاركة مع الامام الحسين (ع)

وبعدم إثارته والتعرّض له بما يدفعه إلى التمرّد والخروج والثورة، وبالعفو عنه في حال المقدرة عليه.

وليس ذ لك من معاوية حبّا للا مام (ع)، بل حرصا على بقاء واستمرار الحكم الامويّ، وخوفا من النتائج الضارّة التي تفرزها المواجهة العلنيّة معه.

وقد رويت هذه الوصيّة في المصادر التاءريخيّة بصورة أخرى «1»، فيها أنّ معاوية تخوَّف على يزيد من أربعة لا من ثلاثة، والرابع هو عبدالرحمن بن أبي بكر، في حين أنّ هذا الاخير كان قد توفّي قبل معاوية، ممّا دفع ببعض د المحقّقين «2» الى رفض هذه الوصيّة والقول باءنّها مكذوبة، لهذا السبب ولا سبابٍ أخرى منها أنّه لايُعقل أن يوصي معاوية ابنه يزيد بالعفو عن الامام الحسين (ع) إن ظفر به!

إذ: (لم يكن معاوية بالذي يرعى لرسول اللّه (ص) حرمة أو قرابة حتّى يوصي إبنه برعاية آل محمّد، كلّا أبدا، فقد حارب الرسول في الجاهليّة حتّى أسلم كرها يوم فتح مكّة، ثمّ حارب صهر الرسول وخليفته وابن عمّه عليّا، ونزا على

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 327

خلافة المسلمين، وانتزعها قهرا، وسمَّ ابن بنت الرسول الحسن، فهل يُصدَّق بعد هذا كلّه أن يوصي بمثل ما أوصى به!؟) «1»

والمتامّل يرى أنّ استبعاد هذا المحقّق لهذه الوصيّة على أساس هذا السبب، إنّما نشاء عن الخلط بين المواجهة العلنيّة مع الامام (ع) والمواجهة السرية معه من حيث نوع الاثار والنتائج، أو عن تصوّر أنّ الامر منحصر في المواجهة السريّة التي يتمّ فيها قتل الامام (ع) بتدبير وتخطيط من الحكم الامويّ في ظروف زمانيّة ومكانيّة يختارها ويصنعها الحكم الامويّ نفسه.

نعم، في المواجهة السريّة يمكن لمعاوية أو يزيد أن يتوسّل لقتل الامام (ع) بوسائل متعدّدة، منها السمّ والاغتيال، وغير ذلك، ثمّ يُموِّهُ على مقتله باءكثر

من ادّعاء كاذب لتبرئة ساحته من تلك الجريمة، فتنطلي الحيلة على الامّة، ولايكون لمقتله (ع) في مثل هذه المواجهة تلك الاثار المحذورة التي تكون لمقتله في مواجهة علنيّة مكشوفة.

ولكنّ الامر ليس منحصرا في احتمال المواجهة السريّة، بل هناك احتمال حصول المواجهة العلنيّة التي يستطيع فيها الامام (ع) نفسه أن يختار ظروفها الزمانيّة والمكانيّة ويصنع أجوأها الاعلاميّة والتبليغيّة كما يريد هو لا كما يريد معاوية أو يزيد، فتكون كلّ آثارها ونتائجها في صالح الامام (ع) وفي ضرر الحكم الامويّ، كما حصل ذلك بالفعل في واقعة عاشورأ سنة إحدى وستّين للهجرة، الامر الذي كان يخشاه معاوية ويتحاشاه طيلة أيّام المواجهة بينه وبين الامام الحسين (ع).

لقد كان معاوية يعلم يقينا أنّه: في إطار مواجهة علنيّة وخصوصا المواجهة

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 328

التي تتمّ في ظروف زمانيّة ومكانيّة وعسكريّة وإعلاميّة بتخطيط من الامام (ع) يكون العفو عن الامام (ع) عملا إعلاميّا لصالح النظام الامويّ، ولذا فإ نّ هذه الوصيّة في هذه الحدود منطقيّة ومنسجمة مع دهاء معاوية ونمط تفكيره، ولايصحّ استبعادها.

وقال هذا الكاتب في الختام:

(ولو أنّ الوصيّة المزعومة كانت صحيحة لما كان يزيد لا همَّ له بعد موت أبيه إلّا تحصيل البيعة من الحسين وتشديده على عامله بالمدينة بلزوم إجبار الحسين على البيعة). «1»

و واضحٌ أنّه لاتلازم بين وجود الوصيّة وبين تنفيذها من قبل يزيد، فمن الممكن أن يوصي معاوية يزيد باءمور ثمّ لاينفّذها ولاياءخذ بها يزيد، وقد أوصى معاوية يزيد باءمور لم يطعه فيها أيّام حياته، منها مثلا عدم إظهار التهتّك، والتستّر عليه، والفارق بين الشخصيّتين واضح وكبير!

وقد يُقال:

إنّ هذه الوصيّة كانت في غياب يزيد، وقد حمّلها معاوية كلّا من الضحاك بن قيس د الفهري ومسلم بن عقبة المرّي ليوصلاها

إلى يزيد، ومن المحتمل أنّها لم تصل إليه!

وهذا أمر مستبعد، لم تحمل أيّة رواية تاءريخيّة إشارة ما إلى احتماله. ومع هذا فإ نّ من البعيد جدّا أيضا أنّ معاوية منذ أن عزم على استخلاف يزيد من

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 329

بعده لايكون قد شافه وطارح يزيد ب آرائه ووصاياه في كلّ القضايا المهمّة التي ستواجه يزيد أثناء حكمه، ولاشك أنّ هذه القضيّة هي الاهمّ.

نعم، يمكن أن يقال في ختام بحث هذه المساءلة:

إنّ معاوية بإ صراره على تنصيب يزيد من بعده، وأخذه الناس بالبيعة له بولاية العهد كان قد أمضى عمليّا قتل الامام الحسين (ع) من بعده، وذلك لا نّه يعلم أنّ يزيد سيرتكب هذه الجريمة الشنعاء من طريقين على الاقلّ هما:

أولا: كان قد انتشر في الامّة أن الامام الحسين (ع) يُقتل في أرض في العراق يقال لها كربلاء مع كوكبة من أهل بيته وأصحابه، وكان قد انتشر أيضا أنّ يزيد قاتله، بل كان عمر بن سعد إذا دخل مسجد الكوفه أشار الناس إليه قائلين:

هذا قاتل الحسين، حتّى شكا ذلك إلى الامام الحسين (ع) نفسه، كلُّ ذلك نتيجة ما تناقلته الامّة من الاخبارات الكثيرة بذلك، ماءثورة عن النبىٍّ (ص) وعن اميرالموءمنين والحسن والحسين (ع) وعن جمع من الصحابة.

فهل يُعقل أنّ معاوية لم يسمع بذلك، وهوالذي كان يتابع كلّ شاردة من أخبار الملاحم الماءثورة عن النبىٍّ (ص) وعن أميرالمؤ منين (ع) وخصوصا فيمايتعلّق بمستقبل بني أميّة وعدد حكّامهم وكم يحكمون وما إلى ذلك.

ثانيا: كان معاوية يتباهى أنّه أعرف الناس بالرجال عامّة وبقريش خاصّة، فهل يُتصوّر أنّه لم يعرف يزيد ابنه وهو منه على هذا القرب، من حيث التركيب النفسي والمؤ ثرات الحاكمة في شخصيّته والميول الطاغية عليه، وكيفيّة نظره في

الامور وطريقة معالجته المشاكل، بل وحقده وحنقه على الامام الحسين (ع) خاصّة، أليس د معاوية هو القائل في رسالة للا مام الحسين (ع): (ولكنّى قد ظننت يا ابن أخي أنّ في رأسك نزوة وبودّي أن يكون ذلك في زماني فاءعرف لك قدرك وأتجاوز عن ذلك، ولكنّي واللّه أتخوّف أن تُبتلى

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 330

بمن لاينظرك فواق ناقة ...) «1» يعني يزيد!؟

من هنا، فإ نّ النتيجة العمليّة الاولى لا صرار معاوية على استخلاف يزيد بعده هي قتل الامام الحسين (ع) على علم من معاوية بذلك، ولاينافي هذا أنّه حاول أن يحول دون تحقّق هذا الامر بالتاءكيدات والوصايا التي حثّ فيها يزيد على المسامحة مع الامام (ع) والعفو عنه إن ظفر به.

وهذا الاصرار من معاوية على استخلاف يزيد يعني أيضا أنّ معاوية الذي أشاد كيان الحكم الامويّ كان أوّل من أهوى بمعول الهدم على هذا الكيان بتنصيبه يزيد حاكما بعده.

وقد حقّ له أن يقول:

ولولا هواي في يزيد لا بصرت رشدي وعرفت قصدي!!

شخصية يزيد بن معاوية: ..... ص : 330

ولد يزيد بن معاوية في الشام سنة 25 أو 26 للهجرة، في قصر إمارة كثر فيه الترف وكثر العبيد والخدم، و (يبدو مستغربا بادئٍّ ذي بدء أن نعرف أنّ يزيد نشاء نشاءة مسيحيّة تبعد كثيرا عن عرف الاسلام، وتزيد بالقاري الدهشة إلى حدّ الانكار، ولكن لايبقى في الامر ما يدعو إلى الدهشة إذا علمنا أنّ يزيد يرجع بالا مومة إلى بني كلب، هذه القبيلة التي كانت تدين بالمسيحيّة قبل الاسلام، ومن بديهيّات علم الاجتماع أنّ إنسلاخ شعب كبير من عقائده يستغرق زمنا طويلا، بين معاودات نفسيّة ورجعات ضميريّة وذكريّات

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 331

وجدانيّة، وبالا خصّ إذا كانت عقيدة سيطرت على الافكار والعادات والعرف العام.

والتاءريخ يحدّثنا أنّ يزيد

نشاء فيها إلى طور الشباب، أو حتّى جاوز طور الطفولة. ومعنى هذا أنّه أمضى الدور الذي هو محطّ أنظار المربّين وعنايتهم، وبذلك ثبت على لون من التربية النابية تمازجها خشونة البادية وجفاء الطبع.

على أنّ طائفة من المؤ رّخين ترجّح ولايبعد أن يكون صحيحا أنّ من أساتذة يزيد بعض د نساطرة «1» الشام من مشارقة النصارى، وربّما شهد لهذا التقدير ما جاء في تأريخ الشام لابن عساكر (من أنّ يزيد كان يعرف طرفا من الهندسة) هذا الفنّ الذي كان مجهولا من العرب، ممّا يضعنا أمام الامر الواقع الذي يتّسق تفسيره على ه ذه الوجه، ولايخفى ما يكون لهذه التربية من أثرٍ سي فيمن سيكون وليَّ أمر المسلمين ... فقد كان يتزيّد في تقريب المسيحيّين ويستكثر منهم في بطانته الخاصّة، لما إنّه يقع بينهم على من يمتزج به وينسجم معه (على ما يقولون). ولقد اطماءنّ إليهم حتّى عهد بتربية ابنه إلى مسيحي على ما لا اختلاف فيه بين المؤ رّخين ...

إذا كان يقينا أو يشبه اليقين أنّ تربية يزيد لم تكن إسلاميّة خالصة، أو بعبارة أخرى كانت مسيحيّة خالصة، فلم يبق ما يُستغرب معه أن يكون متجاوزا مستهترا مستخفّا بما عليه الجماعة الاسلاميّة، لايحسب لتقاليدها واعتقاداتها أيّ حساب ولايقيم وزنا، بل الذي يُستغرب أن يكون على غيرذلك ...). «2»

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 332

وكان يزيد متهتّكا في معاصيه ومباذله وهواياته لاياءبه بالا عراف الاجتماعيّة ولايقيم لها وزنا، ولم يكن معاوية ينهاه عنها، بل كان يدعوه إلى التستّر عليها كي لايفتضح فيشمت به عدوُّ ويُساء به صديق، فقد قال له يوما:

(يا بنيّ ما أقدرك على أن تصل حاجتك من غير تهتّك يذهب بمروءتك وقدرك ويشمتُ بك عدوّك ويسي بك صديقك،

ثمّ قال: يا بنيّ إنّي منشدك أبياتا فتاءدّب بها واحفظها، فاءنشده:

انصب نهارا في طلاب العلا واصبر على هجر الحبيب القريب

حتّى إذا الليل أتى بالدجى واكتحلت بالغمض عين الرقيب

فباشر الليل بما تشتهي فإ نّما الليل نهار الاريب

كم فاسقٍ تحسبه ناسكا قد باشر الليل باءمرٍ عجيب

غطّى عليه الليل أستاره فبات في أمنٍ وعيشٍ خصيب

ولذّة الاحمق مكشوفة يسعى بها كلّ عدوٍّ مُريب «1»

وكاءنّ معاوية يحدّثه عن تجربته هو فيما يتستّر به في الليل!!

ولمّا أراد معاوية أن ياءخذ البيعة ليزيد من الناس، طلب من زياد أن ياءخذ بيعة المسلمين في البصرة، فكان جواب زياد له: (فما يقول الناس إذا دعوناهم إلى بيعة يزيد، وهو يلعب بالكلاب والقرود، ويلبس المصبّغ، ويُدمن الشراب، ويمشي على الدفوف ...). «2»

وفي هذا الخبر إشارة واضحة إلى أنّ يزيد كان مشهورا بذلك عند الناس، ويؤ

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 333

يّد ذلك قول الامام الحسين (ع) لمعاوية:

(كاءنّك تصف محجوبا أوتنعت غائبا عمّا كان ممّا احتويته بعلم خاصّ، وقد دلّ يزيد من نفسه على موقع رأيه، فخذ ليزيد في ما أخذ من استقرائه الكلاب المهارشة عند التحارش، والحمام السُّبَّق لا ترابهن، والقينات ذوات المعازف، وضروب الملاهي، تجده ناصرا ودع عنك ما تحاول ...). «1»

بل هناك عبارة لابن كثير في تاءريخه تصرّح باشتهار يزيد في ذلك:

(اشتهر بالمعازف وشرب الخمر والغناء والصيد، واتّخاذ الغلمان والقيان والكلاب، والنطاح بين الكباش والدباب والقرود، وما من يوم إلّا ويُصبح فيه مخمورا ...). «2»

بل عدّه بعض المؤ رّخين من الاوائل في ذلك:

(كان يزيد بن معاوية أوّل من أظهر شرب الشراب والاستهتار بالغناء، والصيد واتّخاذ القيان والغلمان، والتفكّه بما يضحك منه المترفون من القرود، والمعافرة بالكلاب والديكة). «3»

ومنذ أن فتح عينيه على الدنيا في قصر أبيه،

كانت كلّ طلباته مستجابة فورا، فما تعوّد أن يُردَّ له طلب، وكان هذا من الاسباب الذي جعلت شخصيّته ذات بُعدٍ واحد خلافا لشخصيّة أبيه المتعدّدة الابعاد، وجعلت منه قاصر النظر ضعيف الرأي لاينظر إلى أمرٍ ما إلّا من زاوية واحدة من زواياه، ولذا فقد عالج القضايا المستعصية التي واجهها بحسمٍ أرعن لايرتكز على أساسٍ من

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 334

حكمة ونضج وبصيرة، وكاءنّ الدنيا كلّها قصر أبيه المترف فلاينبغي لا حدٍ إلّا أن يخضع لا مره ورغبته (ولم يكن يزيد يحتمل أن يلتوي عليه أحدٌ بطاعة، وإنّما كان يرى أنّ طاعته حقُّ على الناس جميعا، فمن التوى بها عليه فليس له عنده إلّاالسيف). «1»

وكان قصور نظره وضعف رأيه وتشنّجه النفسي قد تجلّى في القضايا الكبرى كقضيّة مواجهة الامام الحسين (ع)، ومواجهة انتفاضة المدينة المنوّرة.

فقد كان يزيد هوالذي أمر بقتل الامام الحسين (ع)، إذ قد خيّر عبيداللّه بن زياد بين قتله أو قتل الامام (ع)، وبين أن يبقى حُرّا يحمل اللقب الامويّ أويعود عبدا روميّا كما هو حقيقة، يقول عبيداللّه بن زياد:

(أمّا قتلي الحسين فإ نّه أشار إليَّ يزيد بقتله أوقتلي فاخترتُ قتله ...). «2»

وروى اليعقوبي أنّ يزيد كتب إلى عبيداللّه بن زياد قائلا:

(قد بلغني أنّ أهل الكوفة قد كتبوا إلى الحسين في القدوم عليهم، وأنّه قد خرج من مكّة متوجّها نحوهم، وقد بُلىٍّ به بلدك من بين البلدان، وأيّامك من بين الايّام، فإن قتلته، وإلّا رجعت إلى نسبك وإلى أبيك عُبَيدٍ، فاحذر أن يفوتك). «3»

لكنّ بعض المؤ رّخين رووا هذه الرسالة بدون أمر يزيد الصريح بقتل الامام (ع)، كمثل ابن عساكر الذي رواها مخفّفة هكذا:

(إنّه قد بلغني أنّ حسينا صار إلى الكوفة، وقد ابتلي به زمانك من

بين الازمان،

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 335

وبلدك من بين البلدان، وابتليت به أنت من بين العمّال، وعندها تُعتقُ أو تعود عبدا كما تعتبدُ العبيد. فقتله ابن زياد وبعث برأسه إليه). «1»

وفي موضع آخر خفّف ابن عساكر من القضيّة تخفيفا أكثر فقال:

(وبلغ يزيد خروجه فكتب إلى عبيداللّه بن زياد وهو عامله على العراق، ياءمره بمحاربته وحمله إليه إن ظفر به، فوجّه اللعين عبيداللّه بن زياد الجيش إليه مع عمر بن سعد بن أبي وقّاص). «2»

والغريب أنّ الراوي في هذا النصّ الاخير يوجّه اللعن إلى عبيداللّه بن زياد ولايلعن يزيد الذي أمره بمحاربة الامام (ع)!!

يقول عبداللّه العلايلي:

(لذلك أعتمد رواية اليعقوبي المحقّقة (من أنّ يزيد أمر ابن زياد بقتل الحسين (ع)، وأشك في غيرها وأميل إلى أنّها «3» تنصّلٌ من يزيد لمّا رأى عِظم ما جنّت يداه، وإنّما إعتمدها المؤ رّخون المعتدلون تخفيفا لحمّى الماءساة). «4»

ولو لم يكن يزيد هوالامر بالقتل لما ترنّم حين رأى السبايا والرؤ وس المقدّسة على أطراف الرماح وقد أشرفوا على رُبى نهر جيرون قائلا:

لمّا بدت تلك الحمول وأشرقت تلك الشموس على رُبى جيرونِ

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 336

نعب الغرابُ فقلتُ صِحْ أو لاتصح فلقد قضيتُ من الغريمِ ديوني «1»

(ومن هنا حكم ابن الجوزي والقاضي أبويعلى والتفتازاني والجلال السيوطي بكفره ولعنه ...). «2»

ويعترف يزيد باءنّه قاتل الامام الحسين (ع) إقرارا، إذ لمّا (اءُتي براءس الحسين إلى يزيد بن معاوية بدمشق فنصب، فقال يزيد: عليّ بالنعمان بن بشير. فلمّا جاء:

قال: كيف رأيت ما فعل عبيداللّه بن زياد؟

قال: الحربُ دُوَلٌ.

فقال: الحمدللّه الذي قتله.

قال النعمان: قد كان اميرالموءمنين يعني به معاوية يكره قتله.

فقال: ذ لك قبل أن يخرج، ولو خرج على أميرالمؤ منين واللّه قتله إن قدر ...). «3»

فيزيد في ردّه

هذا يقرّ بتبنّي قتل الامام الحسين (ع) إذا خرج، وقد حمد اللّه على قتله، ثمّ هو ينسب ه ذا الموقف إلى أبيه معاوية خلافا لما ورد في بعض د الاخبار من طريق الفريقين «4» من أنّ معاوية قد أوصاه بالمسامحة مع الامام وبالعفو عنه، والتي هي أقرب إلى منهج معاوية في دهائه، ولايبعد أن يكذب يزيد على أبيه بعد أن أدرك عظم ما اجترح في هذه الماءساة، وهو الغرير الذي يفتقر حتّى إلى أبسط مسحة من الدهاء.

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 337

نعم قد يقدم معاوية على قتل الامام (ع)، خرج أو لم يخرج، إذا رأى أنّ بقاءه يشكّل خطرا عليه أو على الحكم الامويّ، ولكنّه لايقتله بهذه الطريقة المكشوفة التي فعلها يزيد، بل يقتله سرّا بالسم أو اغتيالا ثمّ ينسب الفعلة إلى غيره، ويطلب هو بدم الامام (ع) فيوهم الناس ويخدعهم ويزداد بذلك حبّا عند أكثر الناس.

ثمّ إنّ هناك فارقا واضحا بين موقف معاوية من الامام (ع) وموقف يزيد منه، وهو أنّ معاوية لم يشدّد على الامام في أمر البيعة ليزيد وإن كان قد أوهم الناس أنّ الامام (ع) قد بايع كما في بعض الروايات، أمّا يزيد فلم يرخصّ للا مام (ع) في ألّايبايع، بل ركز بين اثنتين: البيعة أو القتل.

وقد خرج يزيد عن طوره النفاقي فاءظهر كفره وعدأه السافر لرسول اللّه (ص)، وافتخر بانتمائه إلى جاهليّة أسلافه، وإلى حركة النفاق، حينما وضع رأس د الامام (ع) بين يديه فتمثّل متشفّيا باءبيات ابن الزبعرى التي مطلعها:

ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا جزع الخزرج من وقع الاسلْ

وقيل: إنّ يزيد قد أضاف إليها هذه الابيات من عنده:

لا هلّوا واستهلّوا فرحا ثمّ قالوا يا يزيد لاتُشَل

لست من عتبة إن لم أنتقم من

بني أحمد ما كان فعل

لعبت هاشم بالملك فلا خبرٌ جاء ولا وحيٌ نزل «1»

وهذا بنفسه كاشف عن شخصيّة يزيد ذات البعد الواحد والتي لاتتمتّع بشي ءٍ من الدهاء العادي فضلا عن دهاء أبيه.

وكاءنّ يزيد قد ظفر باءمنيّته الكبرى بقتل سيّد الشهدأ (ع)، وغمرت كيانه

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 338

نشوة الغلبة العاجلة والتشفّي، فقد (جلس ذات يوم على شرابه، وعن يمينه ابن زياد، ذلك بعد قتل الحسين (ع)، فاءقبل على ساقيه فقال:

إسقني شربة تروّي مُشاشي ثمّ مِلْ فَاسْقِ مثلَها ابنَ زيادِ

صاحب السرِّ والامانة عندي ولتسديد مغنمي وجهادي

ثمّ أمر المغنّين فغنّوا به ...). «1»

(وغلب على أصحاب يزيد وعمّاله ما كان يفعله من الفسوق. وفي أيّامه ظهر الغناء بمكّة والمدينة، واستعملت الملاهي، وأظهر الناس شرب الشراب.

وبالجملة، كان موفّر الرغبة في اللهو والقنص والخمر والنساء وكلاب الصيد حتّى كان يُلبسها الاساور من الذهب والجلال والمنسوجة منه، ويهب لكلّ كلبٍ عبدا يخدمه، وساس الدولة سياسة مشتقّة من شهوات نفسه، وكانت ولايته ثلاث سنين وستّة أشهر، ففي السنة الاولى قتل الحسين بن علي، وفي السنة الثانية نهب المدينة وأباحها ثلاثة أيّام، تمّ فيها قتل سبعمائة من المهاجرين والانصار، فلم يبق بدريُّ بعد ذلك، وقتل عشرة آلاف من الموالي والعرب والتابعين، وافتضاض ألف عذرأ). «2»

الخبر في المدينة: ..... ص : 338

اختلف شاءن مدينة رسول اللّه (ص) عن سائر مدن الاسلام الاخرى من حيث طريقة وصول خبر موت معاوية إليها، فقد وصل إليها هذا الخبر

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 339

بتخطيط خاصّ مدروس من قِبل يزيد في الشام، لا نّه أراد من واليه على المدينة وهو الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، على ما في أكثر التواريخ «1» أن ياءخذ البيعة له من الامام الحسين (ع) بالا ساس ومن عبداللّه بن الزبير ثانيا

قبل أن يعلم أهل المدينة بخبر موت معاوية.

هذا ما يستفاد من الرسالة الصغيرة التي وصفت كاءنّها أذن فاءرة والتي بعثها يزيد إلى الوليد بن عتبة مع رسالة النعي الكبيرة، وكانت تلك الرسالة الصغيرة على ما في رواية اليعقوبي:

(إذا أتاك كتابي هذا، فاءحضر الحسين بن علىٍّ (ع)، وعبداللّه بن الزبير، فخذهما بالبيعة لي، فإن امتنعا فاضرب أعناقهما، وابعث إليّ برؤ وسهما، وخذ الناس د بالبيعة، فمن امتنع فاءنفذ فيه الحكم، وفي الحسين بن عليّ وعبداللّه بن الزبير، والسلام). «2»

ويستفاد هذا أيضا من قول مروان بن الحكم حينما استشاره والي المدينة في كيفيّة أخذ البيعة من هؤ لاء الرجال، حيث أجاب قائلا:

(أرسل الساعة إلى هؤ لاء النفر فخذ بيعتهم، فإ نّهم إن بايعوا لم يختلف على يزيد أحدٌ من أهل الاسلام، فعجّل عليهم قبل أن يُفشى الخبر فيمتنعوا ...). «3»

وفي رواية الفتوح:

(فقال مروان: إبعث إليهم في هذه الساعة فتدعوهم إلى البيعة والدخول

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 340

في طاعة يزيد، فإن فعلوا قبلت ذلك منهم، وإن أبوا قدّمهم واضرب أعناقهم قبل أن يدروا بموت معاوية، فإ نّهم إن علموا ذلك وثب كلّ رجل منهم فاءظهر الخلاف ودعا إلى نفسه ...). «1»

إذن فقد كانت الخطة أن تؤ خذ البيعة من الامام الحسين (ع) ومن عبداللّه بن الزبير ومن عبداللّه بن عمر على ما في بعض الروايات قبل أن يفشو الخبر ويعلم أهل المدينة بموت معاوية.

وممّا يؤ كّد هذا أيضا:

أنّ رسول الوليد لمّا أتى إلى الامام الحسين (ع) وإلى عبداللّه بن الزبير يستدعيهما إلى الوليد، ووجدهما في المسجد، وأخبرهما بالا ستدعاء، قال عبداللّه بن الزبير يسائل الامام (ع):

(يا أباعبداللّه، إنّ هذه ساعة لم يكن الوليد بن عتبة يجلس فيها للناس، وإنّي قد

أنكرت ذلك وبَعْثَه في هذه الساعة إلينا ودعاءَه إيّانا لمثل هذا الوقت، أترى في أيٍّ طلبنا!؟

فقال له الحسين (ع):

إذا اءُخبرك اءبابكر، إنّي اءظنّ باءنّ معاوية قد مات، وذلك اءنّي راءيت البارحة في منامي كاءنّ منبر معاوية منكوس، ورأيت داره تشتعل نارا، فاءوّلتُ ذلك في نفسي أنّه مات. «2»

فلو كان خبر موت معاوية قد فشا وانتشر في المدينة ساعتئذٍ لكان ابن

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 341

الزبير قد علمه كما علم الناس.

والظاهر أنّ خبر موت معاوية ظلّ مكتوما عن عامّة أهل المدينة إلى ما بعد خروج الامام الحسين (ع) منها فلم ينتشر إلّا انتشارا ضعيفا، ولم يعلم به إلّا بعض خواصّ أهلها ممّن يحيط بالوالي من بني أميّة وبعض رجال السلطة، وممّن يحيط بالا مام الحسين (ع) من بني هاشم وبعض شيعته، وعبداللّه بن الزبير وإخوته وبعض من يحيطون بهم، وعبداللّه بن عمر وخاصّته.

ولعلّ هذا ما كانت تريده السلطة في المدينة بالذات، لعزل الامّة في المدينة عن حركة الامام (ع) سوأ بقي في المدينة أو خرج منها، إذ إنّ السلطة الامويّة على فرض بقائه ستواصل إحراجه منفردا لتذليل بيعته، ولن يطول ذلك أكثر من يومٍ أو يومين، فإ ذا بايع فلن يمتنع بعده أحدٌ من الامّة عن البيعة، وإذا أصرّ على الامتناع فلابدّ له من أن يحتال للخروج من المدينة مخافة الاغتيال، ولن يطول مكثه حتّى يخرج ثلاث ليال على الاكثر، فتخلو المدينة منه وممّن يتّبعه، وعندئذ تسهل عمليّة أخذ البيعة من أهل المدينة في غياب الامام (ع)، أمّا من عداه من وجهاء المدينة فلايتمتّع بمثل تلك المنزلة التي يتمتّع بها الامام (ع) في قلوب الناس وليس له تلك الاهمّية، فضلا عن أنّ بعضهم يتّسم بالميوعة والمسالمة في المواقف

ولا قاطعيّة له، كمثل عبداللّه بن عمر، الذي أشك بقوّةٍ أنّ بعض الروايات حشرته مع الامام (ع) وعبداللّه بن الزبير في وجهاء المدينة المعارضين للتغطية على ميله للحكم الامويّ.

وممّا يؤ كّد ما ذهبنا إليه في تعمّد سلطة المدينة عدم الاعلان عن موت معاوية إلى ما بعد انجلاء الموقف الحسينيّ، هوأنّ الامام (ع) طلب من الوالي الوليد بن عتبة أن يُدعى إلى البيعة بمحضر الناس فيكون الامر سوأ حيث قال (ع):

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 342

(إنّ مثلي لايعطي بيعته سرّا، وإنّما أحبّ أن تكون البيعة علانية بحضرة الجماعة، ولكن إذا كان من الغد ودعوت الناس إلى البيعة دعوتنا معهم فيكون أمرنا واحدا ...). «1»

فالعادة إذن أن ينعى الوالي الخليفة الميّت في الغد ويدعو الناس إلى بيعة من يخلفه، هذا ما تُشعر به عبارة الامام (ع):

(... ولكن إذا كان من الغد ودعوت الناس إلى البيعة ...).

والتاءريخ لم يحدّثنا أنّ الوليد بن عتبة قد جمع الناس في اليوم التالي للبيعة في المسجد كما العادة «2» ولا في اليوم الذي بعده، بل إنّ التاءريخ ليؤ كّد عكس ذ لك، إذ كتب الوليد إلى يزيد (يخبره بما كان من أهل المدينة وما كان من ابن الزبير وأمر السجن (حيث أخرج بنوعدي عبداللّه بن مطيع العدوي منه بالقوّة وأخرجوا كلّ من كان في السجن)، «3» ثمّ ذكر له بعد ذلك أمر الحسين بن عليّ (ع):

(أنّه ليس يرى لنا عليه طاعة ولا بيعة). «4»

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 343

فكتب إليه يزيد:

(من عبداللّه يزيد اميرالموءمنين إلى الوليد بن عتبة. أمّا بعدُ:

فإ ذا ورد عليك كتابي هذا فخذ البيعة ثانيا على أهل المدينة بتوكيد منك عليهم، وذر عبداللّه بن الزبير فإ نّه لن يفوتنا ولن ينجو منّا أبدا

مادام حيّا، وليكن مع جوابك إليّ رأس الحسين بن علي، فإن فعلتَ ذلك فقد جعلتُ لك أعنّة الخيل، ولك عندي الجائزة والحظّ الاوفر والنعمة واحدة، والسلام). «1»

فقوله: (فخذ البيعة ثانيا على أهل المدينة بتوكيد منك عليهم) كاشف عن أنّ الوليد لم يكن يستطيع أخذ البيعة من أهل المدينة بوجود الامام الحسين (ع)، وقوله: (البيعة ثانيا): يتضمّن الاشارة إلى البيعة الاولى التي أخذها معاوية بولاية العهد ليزيد من أهل المدينة في حياته خدعة. لا أنّ الوليد أخذ البيعة من أهل المدينة ليزيد ثمّ دعاه يزيد إلى أخذها مرّةً ثانية منهم بتوكيد عليهم.

وقوله: (وذر عبداللّه بن الزبير ...) كاشف عن عدم تمتّع ابن الزبير بالا همية التي يتمتع بها الامام (ع).

وقوله: (وليكن مع جوابك إليّ رأس الحسين بن عليّ (ع) كاشف عن أنّ وجود الامام (ع) بماله من منزلة ومكانة قدسيّة في الامّة هوالعقبة الكبرى في طريق البيعة التي يريدها يزيد من أهل المدينة خاصّة.

كما أنّ هذه الرسالة كاشفة بنوع محتواها عن نوع شخصيّة يزيد التي لاتتمتّع حتّى بذرّة من الحكمة والدهاء، وكاشفة عن سطحيّته وضحالته الظاهرة، فها هو أمام رغبته وغضبه لاينظر إلى حقائق الواقع السياسي

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 344

والاجتماعي ولايعباء بها، إنّه فيما ياءمر به متجاوزا هذه الحقائق كما ياءمر الطفل في تخيّلاته وألعابه خلافا لما تحكم به السنن الطبيعيّة والاجتماعيّة.

إنّ كتمان خبر موت معاوية عن أهل المدينة عموما عدّة أيّامٍ ربّما شكّل واحدا من أسباب تخلّف أهل المدينة عن نصرة الامام (ع) وفيهم آنئذٍ مئات من الصحابة وأكثر من ذلك من التابعين، لا نّ الظاهر أنّ جُلّهم لم يعلم حتّى بخروجه من المدينة، وما علموا بذلك إلّا بعد حين من مكثه في مكّة المكرّمة، مع

أنّ الذين التحقوا به من المدينة في مكّة بعد ذلك أفراد قليلون.

الاستدعاء والتشاور في المسجد: ..... ص : 344

لنعد إلى بداية القصّة في أحداث سنة ستّين للهجرة ...

تقول الرواية: (وفي هذه السنة بويع ليزيد بن معاوية بالخلافة بعد وفاة أبيه للنصف من رجب في قول بعضهم، وفي قول بعض لثمانٍ بقين منه ...

وقال هشام بن محمّد عن أبي مخنف:

ولي يزيد في هلال رجب سنة ستّين، وأمير المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، وأمير الكوفة النعمان بن بشير الانصاري، وأمير البصرة عبيداللّه بن زياد، وأمير مكّة عمرو بن سعيد بن العاص.

ولم يكن ليزيد همّة حين ولي إلّا بيعة النفر الذين أبوا على معاوية الاجابة إلى بيعة يزيد حين دعا الناس إلى بيعته وأنّه وليّ عهده بعده، والفراغ من أمرهم.

فكتب إلى الوليد:

بسم اللّه الرحمن الرحيم.

من يزيد اميرالموءمنين إلى الوليد بن عتبة. أمّا بعدُ: فإ نّ معاوية كان عبدا من

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 345

عباداللّه، أكرمه اللّه واستخلفه وخوّله ومكّن له، فعاش بقدر ومات باءجل، فرحمه اللّه، فقد عاش محمودا (!) ومات برّا تقيّا (!) والسلام.

وكتب إليه في صحيفة كاءنّها اءُذن فاءرة:

أمّا بعدُ: فَخُذ حسينا وعبداللّه بن عمر وعبداللّه بن الزبير بالبيعة أخذا شديدا ليست فيه رُخصة حتّى يبايعوا، والسلام). «1»

أمّا محتوى هذه الصحيفة الصغيرة التي كاءنّها أذن فاءرة على ما في رواية الفتوح فهو:

(أمّا بعدُ: فخذ الحسين بن علي (ع)، وعبدالرحمن بن أبي بكر، وعبداللّه بن الزبير، وعبداللّه بن عمر بن الخطّاب أخذا عنيفا ليست فيه رخصة، فمن أبى عليك منهم فاضرب عنقه وابعث إليّ برأسه). «2»

ويلاحظ على هذا النص أنّ عبدالرحمن بن أبي بكر مات في عهد معاوية، في نومة نامها، ويقال إنّ معاوية دسّ إليه سمّا فقتله.

ولم يروها ابن عساكر كصحيفة صغيرة

مخصوصة، بل رواها هكذا ككتاب عام: (وبايع الناس ليزيد يعني في الشام فكتب يزيد مع عبداللّه بن عمرو بن أويس د العامري من بني عامر بن لؤ يّ إلى الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وهو على المدينة: أن ادع الناس فبايعهم، وابدأ بوجوه قريش، وليكن أوّل من تبدأبه الحسين بن عليّ بن أبي طالب، فإ نّ أميرالمؤ منين رحمه اللّه عهد إليّ في أمره الرفق به واستصلاحه). «3»

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 346

ولم يروها اليعقوبي أيضا كصحيفة صغيرة مخصوصة، لكنّ محتوى الرسالة التي رواها يشهد على أنّها من الرسائل السرّية التي لايطّلع عليها سوى المسؤ ول المقصود بها، كما أنّ نصّها يبدو من أضبط النّصوص المرويّة بصددها، لا نّه ليس د فيه اسم عبداللّه بن عمر الذي لم يكن يشكّل في مساءلة بيعته ليزيد أيّة مشكلة بالفعل، إذ كان معروفا بالميوعة في مواقفه والمسالمة والدخول فيما دخل فيه الناس، كما أنّ نصّ اليعقوبي ينسجم تماما مع ضيق نظر يزيد وسرعة انفعاله ولا مبالاته بالسنن والقيم الاجتماعيّة، كما أنّ نمط الترتيب فيه كاشف عن دقّته.

ونصّ اليعقوبي هو:

(إذا أتاك كتابي هذا، فاءحضر الحسين بن علّي وعبداللّه بن الزبير، فخذهما بالبيعة لي، فإن امتنعا فاضرب أعناقهما، وابعث إليّ برؤ وسهما، وخذ الناس بالبيعة، فمن امتنع فاءنفذ فيه الحكم، وفي الحسين بن علي وعبداللّه بن الزبير، والسلام). «1»

لنعد إلى تسلسل القصّة، ولنقرأ ماذا صنع الوليد بن عتبة!؟ تقول الرواية:

(فلمّا أتاه نعيّ معاوية فظع به وكبر عليه، وبعث إلى مروان بن الحكم فدعاه وكان مروان عاملا على المدينة من قبل الوليد، فلمّا قدمها الوليد كان مروان يختلف إليه متكارها، فلمّا رأى الوليد ذلك منه شتمه عند جلسائه، فبلغ ذلك مروان فانقطع

عنه، فلم يزل مصارما له حتّى جاء نعيّ معاوية، فلمّا عظم على الوليد هلاكه وما اءُمِرَبه من بيعة هؤ لاء النفر استدعى مروان فلمّا قرأ الكتاب بموت معاوية استرجع وترحّم عليه، واستشاره الوليد كيف يصنع

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 347

؟ قال: أرى أن تدعوهم الساعة، وتاءمرهم بالبيعة، فإن فعلوا قبلت منهم وكففت عنهم، وإن أبوا ضربت أعناقهم قبل أن يعلموا بموت معاوية، فإ نّهم إن علموا بموته وثب كلّ رجل منهم بناحية وأظهر الخلاف ودعا إلى نفسه، أمّا ابن عمر فلايرى القتال ولايحبّ أن يلي على الناس إلّا أن يُدفع إليه هذا الامر عفوا.

فاءرسل الوليد عبداللّه بن عمرو بن عثمان وهو غلامٌ حَدث، إلى الحسين وابن الزبير يدعوهما، فوجدهما في المسجد وهما جالسان، فاءتاهما في ساعة لم يكن الوليد يجلس فيها للناس.

فقال: أجيبا الامير.

فقالا: انصرف، ألا ن ناءتيه.

وقال ابن الزبير للحسين: وما تراه بعث إلينا في هذه الساعة التي لم يكن يجلس د فيها!؟

فقال الحسين: أظنّ أنَّ طاغيتهم قد هلك، فبعث إلينا لياءخذنا بالبيعة قبل أن يفشو في الناس الخبر.

فقال: وأنا ماأظنّ غيره، فما تريد أن تصنع؟

قال الحسين: أجمع فتياني الساعة، ثمّ أمشي إليه، وأجلسهم على الباب وأدخل عليه.

فقال: فإ نّي أخافه عليك إذا دخلت!

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 348

فقال: لاآتيه إلّا وأنا قادر على الامتناع). «1»

وفي رواية أخرى أنّ ابن الزبير قال للا مام الحسين (ع):

(ظُنَّ يا أباعبداللّه فيما أرسل إلينا!؟).

فقال الحسين: لم يرسل إلينا إلّا للبيعة.

فقال؟ فما ترى؟

قال: آتيه، فإن أراد تلك امتنعت عليه). «2»

ويلاحظ في محاورة الامام (ع) مع ابن الزبير أنّ الامام (ع) كان واضحا تمام الوضوح في موقفه وفيما يريد أن يفعله، ولم يكتم شيئا عن ابن الزبير في معرض د الاستشارة، غير أنّ

ابن الزبير كان على عكس ذلك، فلم يكن همّه إلّا معرفة ما سيفعله الامام (ع)، ولم يفصح بشيٍ عمّا يريد هو أن يقوم به ويفعله!

وفي كتاب الفتوح عرض لهذا المقطع من القصّة لايمكننا الاعراض عنه لما فيه من تفصيلات مهمّة لم تاءت فيما ذكره ابن الاثير والطبري وابن قتيبة، فلنقرأ رواية هذا المقطع في الفتوح على ترتيبه:

قال ابن أعثم: (فلمّا ورد كتاب يزيد على الوليد بن عتبة وقرأه قال:

إنّا للّه وإنّا إليه راجعون، يا ويح الوليد بن عتبة، من أدخله في هذه الامارة؟ ما لي وللحسين بن فاطمة!؟

... ثمّ بعث إلى مروان بن الحكم، فاءراه الكتاب فقرأه واسترجع، ثمّ ... قال: يرحم اللّه اميرالموءمنين معاوية!

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 349

فقال الوليد: أشر عليّ برأيك في هؤ لاء القوم، كيف ترى أن أصنع!؟

فقال مروان: إبعث إليهم في هذه الساعة فتدعوهم إلى البيعة والدخول في طاعة يزيد، فإن فعلوا قبلت ذلك منهم، وإن اءَبَوا قدّمهم واضرب اءعناقهم قبل أن يدروا بموت معاوية، فإ نّهم إن علموا ذلك وثب كلّ رجل منهم فاءظهر الخلاف ودعا إلى نفسه، فعند ذ لك أخاف أن ياءتيك من قبلهم ما لا قبل لك به وما لايقوم له، إلّاعبداللّه بن عمر فإ نّي لاأراه ينازع في ه ذا الامر أحدا إلّا أن تاءتيه الخلافة فياءخذها عفوا، فذر عنك ابن عمر. «1»

وابعث إلى الحسين بن علي، وعبدالرحمن بن أبي بكر، وعبداللّه بن الزبير فادعهم إلى البيعة، مع أنّي أعلم أنّ الحسين بن علي خاصّة لايجيبك إلى بيعة يزيد أبدا ولايرى له عليه طاعة، وواللّه إن لو كنتُ في موضعك لم أراجع الحسين بكلمة واحدة حتّى أضرب رقبته كائنا في ذلك ما كان.

... فاءطرق الوليد بن عتبة

إلى الارض ساعة ثمّ رفع رأسه ...

وقال: يا ليت الوليد لم يولد ولم يكن شيئا مذكورا!

... ثمّ دمعت عيناه ...

فقال له عدوّاللّه مروان: أوّه أيّها الامير! لاتجزع ممّا قلتُ لك، فإ نّ آل أبي تراب هم الاعدأ في قديم الدهر ولم يزالوا، وهم الذين قتلوا الخليفة عثمان

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 350

بن عفّان، ثمّ ساروا إلى أميرالمؤ منين فحاربوه، وبعدُ فإ نّي لستُ آمن أيّها الامير! أنّك إن لم تعاجل الحسين بن علي خاصّة أن تسقط منزلتك عند اميرالموءمنين يزيد.

فقال له الوليد بن عتبة: مهلا! ويحك يا مروان عن كلامك هذا، وأحسن القول في ابن فاطمة فإ نّه بقيّة ولد النبيّين.

... ثمّ بعث الوليد بن عتبة إلى الحسين بن علي وعبدالرحمن ابن أبي بكر «1» وعبد اللّه بن عمر وعبداللّه بن الزبير فدعاهم، فاءقبل إليهم الرسول، والرسول عبداللّه بن عمرو بن عثمان بن عفّان، لم يُصب القوم في منازلهم، فمضى نحو المسجد فإ ذا القوم عند قبر النبيّ (ص)، فسلّم عليهم ثمّ قام وقال: أجيبوا الامير!

فقال الحسين: يفعل اللّه ذلك إذا نحن فرغنا عن مجلسنا هذا إن شاء اللّه.

... فانصرف الرسول إلى الوليد فاءخبره بذلك.

وأقبل عبداللّه بن الزبير على الحسين بن عليّ وقال: يا أباعبداللّه، إنّ هذه ساعة لم يكن الوليد بن عتبة يجلس فيها للناس، وإنّي قد أنكرتُ ذلك وبعثَه في هذا الساعة إلينا ودعاءه إيّانا لمثل هذا الوقت، أتُرى في أيٍّ طلبنا!؟

فقال له الحسين: إذا اءُخبرك اءبابكر، إنّي اءظنّ باءنّ معاوية قد مات، وذلك إنّي رأيت البارحة في منامي كاءنّ منبر معاوية منكوس، ورأيت داره تشتعل نارا، فاءوّلتُ ذلك في نفسي أنّه مات.

فقال له ابن الزبير: فاعلم يا ابن عليّ أنّ ذلك كذلك، فما ترى أن

تصنع إن

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 351

دعيتَ إلى بيعة يزيد أباعبداللّه!؟

قال: أصنع أنّي لااءُبايع له اءبدا، لا نّ الامر إنّما كان لي من بعد اءخي الحسن، فصنع معاوية ما صنع، وحلف لا خي الحسن أنّه لايجعل الخلافة لا حدٍ من بعده من ولده، وأن يردَّها إليَّ إن كنتُ حيّا، فإن كان معاوية قد خرج من دنياه ولم يفِ لي ولا لا خي الحسن بماكان ضمن فقد واللّه أتانا ما لا قوام لنا به.

أنظر أبابكر، أنّى أبايع ليزيد!؟ ويزيد رجل فاسق معلنُ الفسق، يشرب الخمر، ويلعب بالكلاب والفهود، ويبغض بقيّة آل الرسول! لا واللّه لايكون ذلك أبدا.

... فبينما هما كذلك في هذا المحاورة إذ رجع إليهما الرسول ... «1»

فقال: أباعبداللّه، إنّ الامير قاعد لكما خاصّة فقوما إليه.

... فزبره الحسين بن علي، ثمّ قال: إنطلق إلى أميرك لا أمَّ لك، فمن أحبَّ أن يصير إليه منّا فإ نّه صائرٌ إليه، وأمّا أنا فإ نّي أصير إليه الساعة إن شاء اللّه تعالى.

... فرجع الرسول أيضا إلى الوليد بن عتبة فقال: أصلح اللّه الامير، أمّا الحسين بن علي خاصّة فقد أجاب، وهاهو صائرٌ إليك في أثري.

فقال مروان بن الحكم: غدر واللّه الحسين!

فقال الوليد: مهلا! فليس مثل الحسين يغدر، ولايقول شيئا ثمّ لايفعل.

... ثمّ أقبل الحسين على من بحضرته فقال: قوموا إلى منازلكم فإ نّي صائرٌ إلى هذا الرجل فاءنظرُ ما عنده وما يريد.

فقال له ابن الزبير: جعلت فداك يا ابن بنت رسول اللّه (ص)، إنّي خائف عليك أن يحبسوك عندهم فلايفارقونك أبدا دون أن تبايع أو تقتل.

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 352

فقال الحسين: إنّي لستُ أدخل عليه وحدي، ولكن أجمع أصحابي إليَّ وخدمي وأنصاري وأهل الحقّ من شيعتي، ثمّ آمرهم أن ياءخذ كلّ

واحد سيفه مسلولا تحت ثيابه، ثمّ يصيروا بإ زائي، فإ ذا أنا أوماءتُ إليهم، وقلتُ: يا آل الرسول ادخلوا، دخلوا وفعلوا ما أمرتهم به، فاءكون على الامتناع، ولااءُعطي المقادة والمذلّة من نفسي، فقد علمتُ واللّه اءنّه جاء من الامر ما لا قوام به، ولكنّ قضاء اللّه ماضٍ فيّ، وهوالذي يفعل في بيت رسوله (ع) ما يشاء ويرضى). «1»

لقاء المناورة وإعلان رفض البيعة: ..... ص : 352
اشارة

نعود إلى متابعة القصّة وكيف تمّ اللقاء بين الامام (ع) وبين الوليد.

يتابع ابن أعثم روايته قائلا:

(ثمّ صار الحسين بن علي إلى منزله، ثمّ دعا بماء، فلبس وتطهّر بالماء، وقام فصلّى ركعتين، ودعا ربّه بما أحبّ في صلاته، فلمّا فرغ من ذ لك أرسل إلى فتيانه وعشيرته ومواليه وأهل بيته وأعلمهم بشاءنه، ثمّ قال:

(كونوا بباب هذا الرجل فإ نّي ماضٍ إليه ومكلّمه، فإن سمعتم أنّ صوتي قد علا وسمعتم كلامي وصحتُ بكم، فادخلوا يا آل الرسول واقتحموا من غير إذنٍ، ثمّ اشهروا السيوف ولاتعجلوا، فإن رأيتم ما تكرهون فضعوا سيوفكم ثمّ اقتلوا من يريد قتلي.

ثمّ خرج الحسين (ع) من منزله وفي يده قضيب رسول اللّه (ص)، وهو في

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 353

ثلاثين رجلا من أهل بيته ومواليه وشيعته، حتّى أوقفهم على باب الوليد بن عتبة، ثمّ قال: أنظروا ماذا أوصيتكم فلاتتعدّوه، وأنا أرجو أن أخرج إليكم سالما إن شاءاللّه). «1»

أمّا الشيخ المفيد (ره) قد روى أنّ الامام (ع) قال لهم:

(إنّ الوليد قد استدعاني في هذا الوقت، ولستُ آمن أن يكلّفني فيه أمرا لاأجيب إليه، وهو غير ماءمون، فكونوا معي، فإ ذا دخلت إليه فاجلسوا على الباب، فإن سمعتم صوتي قد علا فادخلوا عليه لتمنعوه عنّي). «2»

لنعد إلى رواية ابن أعثم حيث قال:

(ثمّ دخل الحسين على الوليد بن عتبة فسلّم

عليه، فردّ عليه ردّا حسنا ثمّ أدناه وقرّبه ... ومروان بن الحكم هناك جالس في مجلس الوليد، وقد كان بين مروان وبين الوليد منافرة ومفاوضة).

فاءقبل الحسين على الوليد فقال: أصلح اللّه الامير، والصلاح خير من الفساد، والصلة خير من الخشناء والشحناء، «3» وقد آن لكما أن تجمتعا، فالحمد للّه الذي ألّف بينكما.

... فلم يجيباه في هذا بشيٍ ...

فقال الحسين: هل أتاكم من معاوية كائنة خبر، فإ نّه كان عليلا وقد طالت علّته، فكيف حاله الان؟

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 354

... فتاءوّه الوليد وتنفّس الصعدأ وقال: أباعبداللّه، آجرك اللّه في معاوية، فقد كان لك عمّ صدقٍ، وقد ذاق الموت، وهذا كتاب أميرالمؤ منين يزيد.

فقال الحسين: إنّا للّه وإنّا إليه راجعون، وعظّم اللّه لك الاجر أيّها الامير، ولكن لماذا دعوتني!؟

فقال: دعوتك للبيعة، فقد اجتمع عليه الناس.

فقال الحسين: إنّ مثلي لايعطي بيعته سرّا، «1» وإنّما اءُحبّ اءن تكون البيعة علانية بحضرة الجماعة، ولكن إذا كان من الغد ودعوتَ الناس إلى البيعة دعوتنا معهم فيكون أمرنا واحدا.

فقال له الوليد: أباعبداللّه، لقد قلت فاءحسنت في القول، وأحببت جواب مثلك، وكذا ظنيّ بك، فانصرف راشدا على بركة اللّه حتّى تاءتينى غدا مع الناس.

فقال مروان بن الحكم: أيّها الامير، إنّه إذا فارقك في هذه الساعة لم يبايع فإ نّك لن تقدر منه ولاتقدر على مثلها، فاحبسه عندك فلاتدعه يخرج أو يبايع وإلّافاضرب عنقه.

... فالتفت إليه الحسين وقال: ويلي عليك يا ابن الزرقاء! أتاءمر بضرب عنقي!؟ كذبت واللّه، واللّه لو رام ذ لك أحدٌ من الناس لسقيتُ الارض من دمه قبل ذلك، وإن شئت ذلك فرُم ضرب عنقي إن كنت صادقا.

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 355

ثمّ أقبل الحسين على الوليد بن عتبة وقال: أيّها الامير، إنّا أهل

بيت النبوّة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، ومحلّ الرحمةّ، وبنا فتح اللّه وبنا ختم، ويزيد رجل فاسق، شارب الخمر، قاتل النفس المحرّمة، معلنٌ بالفسق، مثلي لايبايع لمثله، ولكن نصبح وتصبحون، وننظر وتنظرون أيّنا أحقّ بالخلافة والبيعة.

... وسمع من بالباب الحسين فهمّوا بفتح الباب وإشهار السيوف، فخرج إليهم الحسين سريعا فاءمرهم بالا نصراف إلى منازلهم، وأقبل الحسين إلى منزله. «1»

فقال مروان بن الحكم للوليد بن عتبة: عصيتني حتّى انفلت الحسين من يدك، أما واللّه لاتقدر على مثلها أبدا، وواللّه ليخرجنّ عليك وعلى اميرالموءمنين فاعلم ذلك. «2»

فقال له الوليد بن عتبة: ويحك! أشرتَ عليّ بقتل الحسين، وفى قتله ذهاب دينى ودنياي، واللّه ما أحبّ أن أملك الدنيا باءسرها وأنّي قتلت الحسين بن عليّ، إبن فاطمة الزهرأ، واللّه ما أظنّ أحدا يلقى اللّه بقتل الحسين إلّا وهو خفيف الميزان عنداللّه يوم القيامة لاينظر إليه ولايزكّيه وله عذاب أليم.

... فسكت مروان!!) «3»

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 356

تاءمّلٌ و ملاحظات: ..... ص : 356
اشارة

إنّ التاءمّل في حوار الاستشارة بين الوليد بن عتبة وبين مروان بن الحكم قبل اللقاء بالا مام (ع)، وفي وقائع اللقاء بين الامام (ع) وبين والي المدينة الوليد بحضور الشيطان المريد مروان بن الحكم يؤ دّي إلى عدّة ملاحظات أهمّها:

1 (الخطّة العسكريّة للحفاظ على حياة الامام (ع) ..... ص : 356

: لقد احتاط الامام (ع) في توجّهه إلى لقاء الوليد بن عتبة بمجموعة كافية من رجاله المسلّحين (في ثلاثين رجلا من أهل بيته ومواليه وشيعته: على ما في رواية الفتوح) تحسّبا لمحاولة اغتياله من قبل السلطة الامويّة في مقرّ والي المدينة الوليد بن عتبة الذي وصفه الامام (ع) على ما في رواية الشيخ المفيد (ره) باءنّه (غير ماءمون)، خاصّة وأنّ الامويّين يعلمون أنّ الامام الحسين (ع) يتربّص بهم الظرف المناسب للخروج والثورة عليهم، «1» وأنّه إنّما آثر المتاركة المؤ قّتة بينه وبينهم لبقاء معاوية في الحياة، لا سباب تتعلّق بشخصيّة معاوية، كنّا قد فصّلنا القول فيها من قبل.

وقد كشف مروان بن الحكم في هذا اللقاء عن هذا العلم وهذه القناعة بقوله على ما في رواية الفتوح: (و واللّه ليخرجنّ عليك وعلى اميرالموءمنين) وقوله على ما في رواية الارشاد: (واللّه لئن فارقك الحسين الساعة ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها أبدا حتّى تكثر القتلى بينكم وبينه ...)

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 357

من هنا، كان الاحتمال قويّا في أن تقدم السلطة الامويّة على اغتيال الامام (ع) إجهاضا لحركة الثورة قبل اندلاعها والاعلان عنها، وقد سعت السلطة الامويّة إلى تنفيذ هذه المحاولة بعد ذلك في المدينة وفي مكّة كما سياءتي في ثنايا هذا البحث.

وبعد قتل الامام (ع) في مقرّ الوالي في الظلام بعد منتصف الليل على فرض نجاح عمليّة الاغتيال فإ نّ السلطة الامويّة تستطيع أن تفتعل قصّة مكذوبة

لقتله تتّهم بها بريئا لتضليل بني هاشم خاصّة والامّة عامّة، ثمّ تقوم هي بقتل ذلك البري ء في إطار مطاردة مسرحيّة مفتعلة، وتخرج منها السلطة الامويّة وكاءنّها المطالب بدم الامام (ع) والاخذ بثاءره، وفي الوقت نفسه تكون قد قضت على قائد الثورة قبل اندلاعها والاعلان عنها.

لذا فقد أراد الامام (ع) أن يفوّت هذه الفرصة المحتملة على السلطة الامويّة بإ عداد قوّة عسكريّة مكوّنة من ثلاثين من أهل بيته وشيعته ومواليه شاكين بالسلاح ليكونوا على الباب بانتظار الاشارة منه للتدخل في اللحظة المناسبة، وبذلك يكون الامام (ع) قادرا على الامتناع على أيّ محتمل من محتملات السوء في لقاء تلك الليلة مع الوليد.

2 (لماذا طلب الامام (ع) أن يدعى إلى البيعة علنا مع الناس!؟: ..... ص : 357

ويلاحظ أيضا في هذا اللقاء أنّ الامام (ع) باءسلوب الحكيم الواثق المطمئن قد أجاب الوالي حين طلب منه البيعة ليزيد قائلا على ما في رواية الفتوح:

(إنّ مثلي لايعطي بيعته سرّا، وإنّما أحبّ أن تكون البيعة علانية بحضرة الجماعة، ولكن إذا كان من الغد ودعوتَ الناس إلى البيعة دعوتنا معهم فيكون أمرنا واحدا)، ولا شك أن أيّ مطّلع يقطع باءنّ الامام الحسين (ع) لايبايع يزيد وإن حضر اجتماع الناس في المسجد للبيعة، أ ليس هو القائل

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 358

لاخيه محمّد بن الحنفيّة:

(يا أخي، واللّه لو لم يكن في الدنيا ملجاء ولا ماءوى لمابايعت يزيد بن معاوية؟).

إذن ما هوالهدف المنشود من ورأ هذا الطلب الذي عرضه الامام (ع)؟ هل كان السبب ورأ هذا الطلب هو أنّ الامام (ع) أراد أن يتخلّص من ضغط الاحراج في دعوة الوالي إيّاه لبيعة يزيد في هذا اللقاء، فسعى إلى تاءجيل ذلك رغبة في الحصول على مهلة أوسع للتخلّص من هذه الورطة!؟

إذا تذكّرنا أوّلا: أنّ الامام (ع) لايبايع يزيد لا سرّا

ولا علنا، وثانيا: أنّه (ع) قد احتاط لكلّ مكروه محتمل في هذا اللقاء وللا متناع على أيّ قهرٍ فيه بقوّة عسكريّة كافية لدى الباب، وثالثا: أنّه (ع) في ختام هذا اللقاء كان قد أعلن عن استحالة مبايعته ليزيد (مثلي لايبايع مثله)، بل أعلن عن خروجه وقيامه في نفس هذا اللقاء حين قال: (ولكنّ نصبح وتصبحون، وننظر وتنظرون أيّنا أحقّ بالخلافة والبيعة)، علمنا أنّ التاءجيل رغبة في الحصول على مهلة أوسع للتخلّص من ورطة إحراج المطالبة بالبيعة لم يكن السبب ورأ هذا الطلب.

إنّ ما أوصلنا إليه التاءمّل في هذه المساءلة هو: أنّ الامام الحسين (ع) أراد في إجابته على طلب الوالي منه البيعة ليزيد باءن يُدعى إليها علنا مع الناس:

إستثمار قوّة وسعة تاءثير العامل الاعلامي والتبليغي في الاجتماع الجماهيري العام الذي تدعى إليه الامّة في المدينة للبيعة عادة، ذلك لا نّه (ع) لو أعلن عن رفضه البيعة ليزيد أمام جماهير أهل المدينة، وفضح أمام هذه الجموع الحاشدة حقيقة يزيد في فسقه واستهتاره، وحرّضهم على رفض البيعة له، واستنهضهم للثّورة ضدّه، وأعلن أمامهم عن قيامه هو (ع)، وبيّن لهم ما هو عازم على النهوض به، ودعاهم بما هو ماءثور وشائع من الاخبار عن

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 359

رسول اللّه (ص) في حقّه إلى تاءييده ونصرته والخروج معه، لكان لهذا العمل أثرٌ كبيرٌ جدّا على أهل المدينة باتّجاه تعبئتهم لرفض البيعة ليزيد ولنصرة الامام (ع)، لوكان قد تحقّق للا مام (ع) بالفعل ما كان يرجوه من ورأ هذا الطلب.

ولكنّ مروان الخبيث كان قد فطن إلى خطورة نتائج هذا الطلب، فتدخّل ليحول دون نجاحه حيث طلب من الوليد أن يحبس الامام (ع) عنده حتّى يبايع أو يضرب عنقه، فاضطرّ الامام (ع)

إلى التعجيل بالكشف عن موقفه صراحة في رفض البيعة ليزيد، والاعلان عن ذلك في نفس اللقاء متخلّيا عمّا كان يرجوه في الاجتماع العامّ من أثر العامل الاعلاميّ والتبليغىٍّ في كسب التاءييد الجماهيري لنصرة قيامه (ع).

3 (مروان ... والغرض المزدوج ..... ص : 359

: كان مروان بن الحكم في محاورة الاستشارة قبل اللقاء وفي محاورة اللقاء شيطانا يسعى إلى ضرب عصفورين بحجرٍ واحد، إذ هو يتمنّى قتل الامام الحسين (ع) بغضا وعداوة لا هل البيت (ع)، ويتمنّى أن يرتكب الوليد هذه الجريمة لتشتعل فتنة كبرى في المدينة خاصّة وفي سائر بلاد الاسلام عامّة تكون أقلّ نتائجها عزل الوليد عن منصب الولاية في المدينة، كلّ ذلك حسدا وحنقا على الوليد الذي شغل منصب الولاية بدلا منه.

ولايعني هذا أنّ مروان قد خرج بهذا عن ولائه الامويّ، بل هو يرى أنّ هاتين الامنيّتين تصبّان في مجرى مصلحة الحكم الامويّ، إذ إنّ إحداهما تخلّص د الامويّين من أقوى أعدائهم وهو الامام الحسين (ع)، والثانية تخلّصهم من أمويٍّ ضعيف يفتقر إلى الحزم المطلوب في نظر مروان.

وقد أكدّ مروان ثباته على ولائه الامويّ في لقائه مع الامام الحسين (ع) في صباح اليوم التالي حيث عاود مطالبة الامام (ع) بالبيعة ليزيد، كما عاود تهديد

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 360

الامام (ع) إن لم يبايع.

تقول الرواية: (وأصبح الحسين من الغد خرج من منزله ليستمع الاخبار، فإ ذا هو بمروان بن الحكم قد عارضه في طريقه.

فقال: أباعبداللّه، إنّي لك ناصح، فاءطعني ترشدْ وتسدّدْ!!

فقال الحسين: وما ذلك!؟ قل حتّى أسمع!

فقال مروان: أقول إنّي آمرك ببيعة أميرالمؤ منين يزيد فإ نّه خَوَلُك في دينك ودنياك!!

فاسترجع الحسين وقال: إنّا للّه وإنّا إليه راجعون، وعلى الاسلام السلام إذ قد بليت الامّة براعٍ مثل يزيد!

ثمّ أقبل الحسين على مروان وقال:

ويحك! أتاءمرني ببيعة يزيد!؟ وهو رجل فاسق! لقد قلت شططا من القول يا عظيم الزلل! لاألومك على قولك لا نّك اللعين الذي لعنك رسول اللّه (ص) وأنت في صلب أبيك الحكم بن أبي العاص، فإ نّ من لعنه رسول اللّه (ص) لايمكن له ولا منه إلّا أن يدعو إلى بيعة يزيد.

ثمّ قال: إليك عنّي يا عدوّ اللّه، فإ نّا أهل بيت رسول اللّه (ص)، والحقّ فينا وبالحقّ تنطق ألسنتنا وقد سمعت رسول اللّه (ص) يقول: (الخلافة محرّمة على آل أبي سفيان وعلى الطلقاء أبناء الطلقاء، فإ ذا رأيتم معاوية على منبرى فابقروا بطنه)، فواللّه لقد رآه أهل المدينة على منبر جدّي فلم يفعلوا ما اءُمروا به فابتلاهم اللّه بابنه يزيد زاده اللّه في النار عذابا.

... فغضب مروان بن الحكم من كلام الحسين.

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 361

ثمّ قال: واللّه لاتفارقني أو تبايع ليزيد بن معاوية صاغرا، فإ نّكم آل أبي تراب قد ملئتم كلاما واءُشربتم بغض آل بني سفيان، وحقّ عليكم اءن تبغضوهم وحقّ عليهم أن يبغضوكم.

فقال له الحسين (ع): ويلك يا مروان! إليك عنّي فإ نّك رجسٌ، وإنّا أهل بيت الطهارة الذين أنزل اللّه عزّ وجلّ على نبيّه محمّد (ص) فقال:

(إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيرا).

... فنكس مروان رأسه لاينطق بشي ...

فقال له الحسين (ع): أبشر يا ابن الزرقاء بكلّ ما تكره من الرسول (ع) يوم تقدم على ربّك فيساءلك جدّي عن حقّي وحقّ يزيد.

... فمضى مروان مغضبا حتّى دخل على الوليد بن عتبة فخبّره بما سمع من الحسين بن علي). «1»

4 (شخصيّة الوليد بن عتبة ..... ص : 361

: وقد يلاحظ أيضا في ظاهر حوار الاستشارة بين الوليد بن عتبة وبين مروان ابن الحكم قبل الاجتماع مع الامام

(ع)، وفي حوار الوليد مع الامام (ع) أثناء اللقاء، أنّ الوليد بن عتبة شخصيّة أمويّة متميّزة تُكنُّ الحبَّ للا مام الحسين (ع) خاصّة ولا هل البيت (ع) عامّة!!

فقوله يخاطب نفسه بعد ما قرأ كتاب يزيد الاوّل الذي أمره فيه باءخذ الامام (ع) أخذا شديدا لا رخصة فيه بالبيعة: (إنّا للّه وإنّا إليه راجعون، يا ويح الوليد ابن عتبة، من أدخله في هذه الامارة!؟ مالي وللحسين بن فاطمة!؟) وقوله أمام مروان: (يا ليت الوليد لم يولد ولويكن شيئا مذكورا!) وقوله

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 362

لمروان: (فليس مثل الحسين يغدر، ولايقول شيئا ثمّ لايفعل). وقوله له أيضا:

(ويحك، أشرت عليّ بقتل الحسين، وفى قتله ذهاب ديني ودنياي، واللّه ماأحبّ أن أملك الدنيا باءسرها وأنّي قتلتُ الحسين بن علي، إبن فاطمة الزهرأ، واللّه ماأظنّ أحدا يلقى اللّه بقتل الحسين إلّا وهو خفيف الميزان عنداللّه يوم القيامة لاينظر إليه ولايزكّيه وله عذاب أليم). وقوله لمّا ورد عليه كتاب يزيد الثاني الذي أمره فيه أن يبعث إليه برأس د الامام (ع) مع الجواب:

(لا واللّه، لايراني اللّه قاتل الحسين بن عليّ، وأنا لاأقتل ابن بنت رسول اللّه (ص) ولو أعطانى يزيد الدنيا بحذافيرها). «1» وقوله لمّا ظنّ أنّ الامام (ع) خرج من المدينة: (الحمدللّه الذي لم يطالبني اللّه عزّ وجلّ بدمه). «2»

كلّ هذه الاقوال وأخرى نظائرها تدلّ في ظاهرها على أنّ عند الوليد بن عتبة معرفة بالا مام الحسين (ع) ومحبّة له، وتوحي أنّ ثمّة مسحة من التديّن في قلبه، كانت السبب في الصراع الباطني في أعماقه بين خوفه من اللّه وحبّه لا هل البيت (ع) وبين أن يمتثل لا وامر يزيد التي فيها ذهاب دينه ودنياه على حدّ قوله.

لكنّ هناك نصوصا أخرى تدلّ

دلالة مغايرة، وتؤ كّد على أنّ الوليد بن عتبة يخدم الحكم الامويّ بتمام الاخلاص له، حتّى لو فرضت عليه هذه الخدمة أن يُغلظ في القول للا مام الحسين (ع) ويُسي إليه (وقد كان الوليد أغلظ للحسين ...). «3» أو فرضت عليه هذه الخدمة أن يهدّد الامام الحسين (ع) بالقتل، كما حصل بالفعل حين منع الوليد أهل العراق عن لقاء الامام (ع) فوبَّخه الامام (ع) قائلا: (يا ظالما لنفسه، عاصيا لربّه، علامَ تحول بيني وبين قوم عرفوا من حقّي ما جهلته أنت وعمُّك!؟). فقال الوليد: (ليت حلمنا عنك

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 363

لايدعو جهل غيرنا إليك، فجناية لسانك مغفورة لك ما سكنت يدك، فلاتخطر بها فتخطر بك، ولو علمت ما يكون بعدنا لا حببتنا كما أبغضتنا). «1»

ومن كلّ ما تقدّم، ومن مجموع سيرة الوليد في منصب ولاية المدينة، يمكن أن نخلص إلى نتيجة عامّة هي: أنّ الوليد بن عتبة أمويُّ مخلصٌ كلَّ الاخلاص للحكم الامويّ عن وعيّ تام لانتمائه القبلى وحرص بالغ على تقديم بنى أميّة على من سواهم، وهذا لاينافي أنّه يرى لا هل البيت (ع) منزلة خاصّة عند اللّه تعالى، ففي الامويّين أفراد من هذه الشاكلة، ممّن يحرص على تقديم آل اميّة ويخدم مصلحة هذا الانتماء، وفي نفس الوقت يتمنّى ألّا يصطدم مع بني هاشم عامّة وأهل البيت (ع) خاصّة، ويطلب العافية من ذلك ويرجوها، والوليد من هذا النوع.

لكنّ هذه الشاكلة من الرجال تبقى غير ماءمونة في لحظات الحرج الشديد، فقد تقدم على تنفيذ أبشع الجرائم امتثالا لا وامر الحاكم الطاغية في حالة من حالات الضعف النفسي وطغيان حالة الازدواجية.

ولذا نجد الامام (ع) يصف الوليد بن عتبة باءنّه (غير ماءمون) لرجاله الذين أوقفهم عند باب الوليد

ليتدخّلوا إذا اقتضى الامر قائلا: (إنّ الوليد قد استدعاني في هذا الوقت، ولست آمن أن يكلّفني فيه أمرا لاأجيب إليه، وهو غير ماءمون ...). «2»

هذا ويمكن القول أيضا: إنّ الوليد لم يعانِ من مشكلة عمليّة تذكر في منصب الولاية أيّام معاوية، لا نّ معاوية كما الوليد كان يحبّذ معالجة الامور

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 364

المستعصية بالمرونة واللين والدهاء أوّلا وبالصبر عليها إذا اقتضى العلاج الصبر، لكنّ الوليد بعد موت معاوية مباشرة أصبح أمام مشكلة أساسيّة كبيرة في إدارة الامور، وهي أنّ أوامر يزيد وطريقة معالجته الامور، تتّسم بالعجلة والاعتساف والشدّة وعدم التروّي خلافا لسنن النجاح في الادارة والحكم، الامر الذي أحرج الوليد إحراجا شديدا في تنفيذ الاوامر المتشدّدة الصادرة إليه، وخصوصا في أصعب القضايا وهي أخذ البيعة من الامام الحسين (ع).

والظاهر من المتون التاءريخيّة أن الوليد عالج المشكلة على طريقته التي يراها بلون من الرفق والمرونة والدهاء لا كما أراد يزيد فلم يشدّد على الامام (ع)، كما احتال لا خفاء خبر موت معاوية عن عموم أهل المدينة حتّى خروج الامام (ع) منها في خطوة لعزل الامّة عن الامام (ع)، إذ لم يحدّثنا التاءريخ المعتبر أنّه عقد اجتماعا عامّا للبيعة في المدينة قبل خروج الامام (ع) منها كما بينّا ذلك من قبل، وهذه الطريقة التي سلكها الوليد خلافا للا وامر المحدّدة الشديدة التي أمره بها يزيد هي التي أثارت حنق يزيد عليه إذ سرعان ما عزله عن ولاية المدينة بعد خروج الامام الحسين (ع) منها، واستعمل عليها عمرو بن سعيد الاشدق بدلا منه.

وهنا لابدّ من تسجيل هذه الملاحظة التاءريخيّة المهمّة وهي:

أنّ طابع المرونة والرفق في تعامل الوليد مع الامام الحسين (ع) وتباعده عن إحراجه والتشدّد معه كان من

الاسباب التي ساعدت الامام (ع) على الخروج من المدينة في ركب من عياله وأهل بيته وبعض أصحابه دونما أيّة ممانعة أو مضايقة أو خطورة تذكر، فلو كان الوالي هو مروان بن الحكم مثلا لكان من المحتمل والمتوقّع بدرجة كبيرة أن يُقتل الامام (ع) غيلة أو لا أقلَّ من أن تفرض عليه إقامة جبريّة في المدينة ويمنع من مغادرتها، حيث تاءخذ السلطة لذلك كلّ الاحتياطات والاستعدادات اللّازمة، فلا يتسنّى للا مام (ع)

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 365

الانفلات من طوق الحصار، ولاتسنح له فرصة الخروج بالثورة إلى رحاب أوسع، فتختنق في مهدها، ويُلقى عليها ألف حجاب وحجاب من أباطيل الاعلام الامويّ ودعاياته الكاذبة!

لقد كان وجود الوليد بن عتبة واليا على المدينة آنذاك من الفرص السانحة التي ساعدت الثورة الحسينيّة على الانفلات من طوق الرصد الامويّ الذي كان يتوقّعها منذ موت الحسن (ع) ليخنقها في مهد انبعاثها.

5 (مع العامل الاوّل من عوامل الثورة الحسينيّة ..... ص : 365

: كان العامل الاوّل من العوامل المؤ ثّرة في قيام الثورة الحسينيّة المقدّسة وهو عامل رفض البيعة ليزيد قد أعلنه الامام الحسين (ع) في زمن معاوية أيّام سعيه إلى أخذ الامّة بالبيعة ليزيد بولاية العهد.

وكانت قاطعيّة الامام (ع) في رفض البيعة ليزيد منذ تلك الايّام وإلى أن صار يزيد حاكما هي هي لم تتذبذب ولم يعتورها ضعف أو فتور.

وكان معاوية قد أغمض عن موقف الامام (ع) الصارم في رفض البيعة ليزيد لا نّه كان يؤ ثّر الحفاظ على حالة المتاركة مع الامام (ع) ويحرص على عدم التحرّش به وإثارته لا سباب كنّا قد قدّمنا التفصيل فيها قبل ذلك.

ومع أنّ الامام (ع) كان قد أعلن عن رفضه القاطع للبيعة بولاية العهد ليزيد في زمن معاوية، فإ نّ عامل رفض البيعة لم يُشعل فتيل الثورة

الحسينيّة أيّام معاوية لا نّ الامام (ع) كان بدوره أيضا يؤ ثر آنذاك الصبر على حالة المتاركة مع معاوية وعدم القيام مادام معاوية حيّا لا سباب قدّمنا التفصيل فيها أيضا فيما مضى تحت عنوان: (لماذا لم يثر الامام الحسين (ع) على معاوية!؟)، ولا نّ يزيد آنذاك لم يكن قد صار بالفعل حاكما بعد أبيه.

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 366

على هذا، فالمواجهة بين الامام الحسين (ع) وبين الحكم الامويّ كانت معلنة من قبل الامام (ع) منذ ذلك الوقت، لكنّها كانت مؤ جّلة مادام معاوية في الحياة، ومادام يزيد لم يصبح حاكما بعده بالفعل.

وهنا قد يُثار هذا السؤ ال وهو:

لو أنّ يزيد بعد أن أصبح حاكما بعد أبيه بالفعل لم يكن قد طلب البيعة من الامام الحسين (ع)، وترك الامام الحسين (ع) وشاءنه، هل كان الامام (ع) سيسكت عن حكومة يزيد، ويؤ ثر القعود والمتاركة وعدم القيام!؟

وفي الاجابة عن هذا السؤ ال لابدّ من التذكير بهذه الحقيقة وهي:

أنّ التفكيك بين عامل رفض البيعة ليزيد وبين عامل طلب الاصلاح في الامّة والامر بالمعروف والنهي عن المنكر تفكيك إعتباريّ غير حقيقيّ، هذا التفكيك نتعاطاه في الذهن ولا حقيقة له في الخارج، إذ إنّ هذين العاملين ممتزجان في الحقيقة منذ البدء، فما رَفْضُ الامام (ع) لهذه البيعة إلّا كي لاتتحقّق المفسدة ويُقضى على الصلاح ويتلاشى المعروف ويستحكم المنكر، وما طلب الامام (ع) الاصلاح والتغيير في أمّة جدّه والامر بالمعروف والنهي عن المنكر إلّا كي يقضي على الفساد والمنكر الذي من أهمّ مصاديقه الحكومة الفاسدة التي على رأسها رجل متهتّك مثل يزيد.

والمتاءمّل في البيانات الاولى التي صرّح بها الامام (ع) يكتشف بوضوح حقيقة الامتزاج الذي لايقبل التفكيك بين هذين العاملين، إنّ رفض الامام

(ع) البيعة ليزيد في مجلس والي المدينة آنئذٍ الوليد بن عتبة كان قد امتزج منذ اللحظات الاولى بعامل طلب الاصلاح في الامّة وإقامة الخلافة الحقّة في احتجاجه (ع) حين قال للوليد بن عتبة:

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 367

(أيّها الامير، إنّا أهل بيت النبوّة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، ومحلّ الرحمة، وبنا فتح اللّه وبنا ختم، ويزيد رجل فاسق، شارب خمر، قاتل النفس د المحرّمة، ملعنٌ بالفسق، ومثلي لايبايع مثله، ولكنّ نصبح وتصبحون، وننظر وتنظرون أيّنا أحقّ بالخلافة والبيعة). «1»

كما يلحظ المتاءمّل أيضا حقيقة الامتزاج بين هذين العاملين في احتجاجات الامام الحسين (ع) على معاوية في قضيّة البيعة ليزيد بولاية العهد.

وامتزاج عامل رفض البيعة بعامل طلب الاصلاح والامر بالمعروف والنهي عن المنكر يعني أنّ الامويّين لو تركوا الامام الحسين (ع) وشاءنه، ولم يطالبوه بالبيعة لماتركهم وشاءنهم ولماكفّ عنهم.

ولايخفى أنّ قاطعيّة الامام الحسين (ع) في رفض البيعة ليزيد، والتي عبّر عنها الامام (ع) بقوله لا خيه محمّد بن الحنفيّة قائلا:

(يا أخي واللّه لو لم يكن في الدنيا ملجاء ولا ماءوى لمابايعتُ واللّه يزيد بن معاوية أبدا)، «2» لم تنشاء عن سبب شخصيٍّ، بل عن سبب مبدئيٍّ.

لقد آثر الامام الحسين (ع) أن يقتل ولايقبل بالبيعة ليزيد لا نّ خطر مبايعة يزيد كان موجّها للا سلام وليس لشخص الامام (ع)، أي أنّ هذا الخطر كان يهدّد النظام الكليّ للا سلام وفلسفة قيام الحكم الاسلامي، وهي ليست مساءلة جزئيّة أو فرعيّة تتحمّل التقيّة.

كانت بيعة الامام (ع) ليزيد تعني إضفاء المشروعيّة والمصادقة على تحوّل

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 368

شكل الحكم الاسلامي إلى ملك وراثىٍّ عضوض، وهذا يعني في جملة ما يعنيه بقاء الحكم والسلطة في البيت الامويّ، الامر الذي يعني بدوره أيضا بقاء الحكم والسلطة في

يد أخطر فصيل من فصائل حركة النفاق التي دأبت تسعى منذ رحلة النبيّ (ص) إلى القضاء التدريجي على الاسلام المحمّديّ الخالص.

ولمّا انتهى الامر إلى معاوية بن أبي سفيان، تمكّن هذا الرجل الداهية مع طول المدّة وعمق الحيلة وتعدّد الاساليب من أن يخدع جلّ هذه الامّة الاسلاميّة على كلّ الاصعدة، فلم يعد أكثر هذه الامّة يرى إلّا ما يطرحه الامويّون تحت عنوان الاسلام أو يرتضونه من الاسلام على صعيد الاعتقاد والتشريع والاخلاق، حتّى صار أكثر الناس لايعرفون إلّا (الاسلام الامويّ)، ولايرون فصلا بين الامويّة والاسلام، ولايدرون أنّ الحقيقة شي آخر غير هذا!!.

فلو أنّ الامام الحسين (ع) كان قد بايع يزيد، لكان بذلك قد صادق على اءُكذوبة عدم الفصل بين الامويّة والاسلام، وصادق على مشروعيّة وحقّانيّة (الاسلام الامويّ)، وصادق على مشروعيّة كلّ مبتدعات حركة النفاق، ووقّع معترفا بصحّة الانحراف وبمشروعيّة استمراره ... وهذا لايعني إلّا المصادقة على القضاء التامّ على الاسلام المحمّدي الخالص.

من هنا أكّد الامام الحسين (ع) على أنّ مبايعته ليزيد هي القضاء على الاسلام حين قال لمروان بن الحكم:

(إنّا للّه وإنّا إليه راجعون، وعلى الاسلام السلام إذ قد بُلِيت الامّة براعٍ مثل يزيد). «1»

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 369

ومن نافلة القول بعد هذا أن نذكّر باءنّ مبايعة الامام الحسين (ع) ليزيد كانت تعني أيضا فضلا عن القضاء التامّ على الاسلام إضفاء المشروعيّة والمصادقة على كلّ سوءات ومساءات الحكم الامويّ، ومنها سبّ الامام عليٍّ (ع) ولعنه، وهو ما كان قد شرع به في زمن معاوية.

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 371

الفصل الرابع بداية رحلة الفتح بالشهادة ..... ص : 372
اشارة

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 373

الفصل الرابع بداية رحلة الفتح بالشهادة

لماذا لم يبق الامام (ع) في المدينة المنوّرة؟ ..... ص : 373

لماذا عزم الامام الحسين (ع) على ترك المدينة المنوّرة وآثر الخروج منها؟

ألم يكن له فيها ماءمنٌ مع كثرة من فيها من بني هاشم والصحابة من مهاجرين وأنصار وكثرة من فيها من التابعين!؟

هل كان هناك من يستطيع أن يجسر على قتال الامام الحسين (ع) في المدينة ومواجهته فيها مواجهة عسكريّة علنيّة مع ما كان يتمتّع به الامام (ع) من قدسيّة خاصّة ومنزلة سامية وشاءن رفيع في قلوب أهل المدينة!؟

هل كان ثَمَّ احتمال لاغتيال الامام (ع) في المدينة!؟

وهل كان خروج الامام (ع) (خائفا يترقّب) خشية من تحقّق هذا الامر خوفا على نفسه الشريفة وعلى صفوة أنصاره من أهل بيته وأصحابه!؟

أم أنّ الامام (ع) أراد من ورأ كلّ ذلك أمرا آخر؟

لايخفى على متاءمّل أنّ احتمال وقوع مواجهة عسكريّة في المدينة بين الامام (ع) وأنصاره من جهة وبين قوّات السلطة الامويّة من جهة أخرى كان احتمالا قويّا بسبب رعونة يزيد بن معاوية التي تجسّدت في أوامره المشدّدة لوالي المدينة آنئذٍ الوليد بن عتبة بقتل الامام الحسين (ع) في حال رفضه

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 374

البيعة، خصوصا في رسالته الاخيرة إلى الوليد الذي ذكر له في رسالة بعد لقائه بالا مام (ع) وإعلان الامام (ع) رفضه المبايعة: (أنّه ليس يرى لنا عليه طاعة ولا بيعة)، «1» حيث غضب يزيد لذلك غضبا شديدا، وكان إذا غضب انقلبت عيناه فعاد أحول، وكتب إلى الوليد قائلا: (من عبداللّه يزيد اميرالموءمنين إلى الوليد بن عتبة. أمّا بعدُ: فإ ذا ورد عليك كتابي هذا، فخذ البيعة ثانيا على أهل المدينة بتوكيد منك عليهم، وذر عبداللّه بن الزبير فإ نّه لن يفوتنا ولن ينجو منّا أبدا مادام حيّا، وليكن

مع جوابك إليَّ رأس الحسين بن عليّ، فإ ذا فعلت ذلك فقد جعلت لك أعنّة الخيل، ولك عندي الجائزة والحظّ الاوفر والنعمة واحدة، والسلام). «2»

وعلى فرض أنّ والي المدينة الوليد بن عتبة لم يكن ليمتثل لا مر يزيد بقتل الامام (ع)، حيث يروي التاءريخ أنّه لمّا ورد عليه كتاب يزيد قال: (لا واللّه لايراني اللّه قاتل الحسين بن عليّ، وأنا لاأقتل ابن بنت رسول اللّه (ص) ولو أعطاني يزيد الدنيا بحذافيرها)، «3» فإن يزيد لن يُعدم أمويّين آخرين يُسارعون إلى تنفيذ أوامره بقتل الامام (ع)، من أمثال مروان بن الحكم وأضرابه، وحادثة المواجهة المسلّحة التي كادت أن تقع بين الامويّين بقيادة مروان بن الحكم وبين بني هاشم في يوم دفن الامام الحسن (ع) خير شاهد على ذلك.

لكنّ المتاءمّل يجد أنّ الامويّين أنفسهم لايرون هذا الاختيار أفضل من اختيار اغتيال الامام الحسين (ع) في صورة غامضة يمكنهم فيها الظهور بمظهر البُرَآء من دمه، بل ويمكنهم فيها تمثيل دور المطالب بدمه، فيتقرّبون بذلك

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 375

إلى قلوب الامّة ويفوزون بميلها إليهم.

إنّ من الامويّين نخبة من أهل الدهاء والتخطيط والتدبير، كما إنّ فيهم جماعة من الحمقى وذوي الخرق والاعتساف، ولا شك أنّ أهل الدهاء على منهج معاوية في التخلّص من أعدائه يرجّحون أسلوب الاغتيال على أسلوب المواجهة المسلّحة المكشوفة.

لقد كان احتمال الاغتيال هو الاحتمال الاكبر، وقد حسب له الامام الحسين (ع) حسابه الواقعي فاستبق الاحداث زمنيا تحسّبا من تحقّقه وخرج من المدينة.

وكفى برسائل يزيد إلى الوليد بن عتبة دليلا على عزم يزيد وتصميمه على اغتيال الامام (ع) بشكل غامض أو صريح، غير أنّ من الدلائل التاءريخيّة الاخرى على ذ لك ما ورد في رسالة ابن عبّاس إلى يزيد

حيث خاطبه فيها قائلا: (... وما أنسَ من الاشياء، فلستُ بناس اطّرادك الحسين بن علي من حرم رسول اللّه إلى حرم اللّه، ودسّك عليه الرجال تغتاله، فاءشخصته من حرم اللّه إلى الكوفة، فخرج منها خائفا يترقّب، وقد كان أعزّ أهل البطحاء بالبطحاء قديما، وأعزّ أهلها بها حديثا، وأطوع أهل الحرمين بالحرمين لوتبوّأ بها مقاما واستحلّ بها قتالا، ولكن كره أن يكون هو الذي يستحلّ حرمة البيت وحرمة رسول اللّه، فاءكبر من ذلك ما لم تكبر حيث دسست عليه الرجال فيها ليقاتل في الحرم ...)، «1» فهذا المقطع من رسالة ابن عبّاس كاشف عن أنّ يزيد سعى إلى اغتيال الامام (ع) في المدينة كما سعى إلى ذ لك في مكّة المكرّمة.

واستباقا لما هو متوقّع الحدوث، فقد خرج الامام (ع) بركبه من المدينة، إذ لم تعد مدينة رسول اللّه (ص) ماءمنا لابن بنت رسول اللّه (ص)!!

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 376

وصحيح أنّه (ع) كان قد خرج من المدينة خشية الاغتيال خوفا على نفسه الشريفة، وخوفا من أن تهتك حرمة حرم رسول اللّه (ص) بقتله غيلة أو في مواجهة مسلّحة، لكنّ الصحيح في العمق أيضا أنّ هذا الخوف كان يقع ضمن إطار خوفٍ أكبر، وهو خوفه (ع) من أن تخنق ثورته المقدّسة قبل اشتعالها بقتله غيلة في المدينة في ظروف زمانيّة ومكانيّة وملابسات مفتعلة يقوم بإ عدادها وإخراجها الامويّون أنفسهم، يستطيعون من خلالها الاستفادة حتّى من حادثة قتله لصالحهم إعلاميا فتبقى ماءساة الاسلام على ما هي عليه، بل تترسّخ المصيبة وتشتدّ!!

كان الامام (ع) حريصا على أن يتحقّق مصرعه الذي كان لابدّ منه ما لم يبايع في ظروف زمانيّة ومكانيّة يختارها هو (ع)، لايتمكّن العدوّ فيها أن يعتمّ على مصرعه، أو

أن يستفيد من واقعة قتله لصالحه، فتختنق الاهداف المنشودة من ورأ هذا المصرع الذي أراد منه (ع) أن تهتزّ أعماق وجدان الامّة لتتحرّك بالا تّجاه الصحيح الذي أراده (ع) لها.

فكان خروجه (ع) من المدينة وكذلك من مكّة في الاصل انفلاتا بالثورة المقدّسة من طوق الحصار والتعتيم الامويّ، إضافة إلى خوفه (ع) من أن تهتك حرمة أحد الحرمين الشريفين بقتله.

الليلة أو الليلتان الاخيرتان في المدينة: ..... ص : 376

لنعد إلى مجرى أحداث القصّة في المدينة المنوّرة بعد لقاء الامام الحسين (ع) بوالي المدينة الوليد بن عتبة، ذلك اللقاء الذي أعلن (ع) فيه رفضه للبيعة، كما أعلن فيه أنّه أحقّ الناس بالخلافة.

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 377

وقد يتساءل المتابع قائلا: كم بقي الامام الحسين (ع) في المدينة المنوّرة بعد ذلك اللقاء الساخن المشحون بالتوتّر؟

ولايقع المتابع في هذه المساءلة على جواب تاءريخيّ واحد، لا نّ المصادر التاءريخيّة قد اختلفت في الاجابة عن هذا السؤ ال، فالسيّد بن طاووس (ر) في كتابه اللهوف، يقول: (قال رواة حديث الحسين (ع) مع الوليد بن عتبة ومروان: فلمّا كان الغداة توجّه الحسين (ع) إلى مكّة لثلاث مضين من شعبان سنة ستّين ...). «1» وهذا يعني أنّ الامام (ع) لم يبق بعد ذلك اللقاء إلّا سواد تلك الليلة نفسها حيث خرج أوّل صبحها من المدينة!! وهذا لاينسجم من حيث سعة الوقت مع الاخبار التي تتحدّث عن ذهابه إلى زيارة قبر جدّه (ص) مرّتين، وذهابه إلى زيارة قبر أمّه وأخيه (ع)، ولقائه مع كلٍّ من أمّ سلمّة رضى اللّه عنها ومحمّد بن الحنفيّة (ر)، وعمر الاطرف، ونساء بني هاشم، ومروان بن الحكم وغيرهم ... فسواد تلك الليلة لايتّسع لكلّ ذلك، فضلا عن الوقت الذي يستلزمه الاعداد للرّحيل، فضلا عن أنّ لقاءه (ع) مع الوليد

بن عتبة كان في ساعة متاءخّرة من تلكم الليلة.

و تقول بعض المصادر الاخرى: (وخرج الحسين في الليلة الاتية باءهله وفتيانه، وقد اشتغلوا عنه بابن الزبير، فلحق بمكّة). «2»

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 378

وهذا يعني أنّ الامام (ع) قد خرج في الليلة التي تلت ليلة اللقاء مع الوالى، لكنّ هذا المصدر التاءريخي نفسه (تذكرة الخواصّ) ينقل بعد ذلك مباشرة هذا الخبر: (وقال أبوسعيد المقري: سمعت الحسين (ع) يتمثّل تلك الليلة وهو خارج من المسجد بقول ابن مفرغ: «1»

لا ذعرت السوام في غسق الصبح مغيرا ولا دعوت يزيدا

يوم اءُعطي من المهانة ضيما والمنايا يرصدنني اءن اءَحيدا

قال: فقلت في نفسي ما تمثّل بهذين البيتين إلّا لشيٍ يريده، فخرج بعد ليلتين إلى مكّة). «2»

ويستفاد من هذا الخبر أنّ الامام (ع) قد خرج بعد ليلتين من ليلة اللقاء بالوليد بن عتبة، كما يستفاد منه أيضا أنّه (ع) زار قبر جدّه (ص) زيارته الاولى في نفس ليلة اللقاء «3» في الساعات الاخيرة منها.

وهذا عموما يوافق المستفاد أيضا من سرد ابن أعثم الكوفي لمجريات أحداث القصّة في كتابه الفتوح. «4»

يقول التاءريخ:

(وخرج حسين بن عليّ من منزله ذات ليلة (وهى ذات ليلة اللقاء بالوليد

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 379

بن عتبة كما بيّنّا)، وأتى إلى قبر جدّه (ص) فقال:

السلام عليك يا رسول اللّه، أنا الحسين بن فاطمة، أنا فرخك وابن فرختك، وسبطك في الخلف الذي خلّفت على أمّتك، فاشهد عليهم يا نبيّ اللّه أنّهم قد خذلوني وضيّعونى، وأنّهم لم يحفظوني، وهذه شكواي اليك حتّى ألقاك صلّى الله عليك وسلّم.

ثمّ وثب قائما وصفّ قدميه، ولم يزل راكعا وساجدا ...

قال: وأرسل الوليد بن عتبة إلى منزل الحسين لينظر هل خرج من المدينة أم لا، فلم يصبه في منزله فقال: الحمدللّه

الذي لم يطالبني اللّه عزّ وجلّ بدمه، وظنّ أنّه خرج من المدينة.

قال: ورجع الحسين إلى منزله مع الصبح!) «1»

(قال: وأصبح الحسين من الغد، خرج من منزله ليستمع الاخبار، فإ ذا هو بمروان بن الحكم قد عارضه في طريقه ...). «2»

لنتابع ما حدث في الليلة الثانية ...

يقول صاحب الفتوح: (... فلمّا كانت الليلة الثانية خرج إلى القبر أيضا فصلّى ركعتين، فلمّا فرغ من صلاته جعل يقول:

أللّهمّ، هذا قبر نبيّك محمّد، وأنا ابن بنت محمّد وقد حضرني من الامر ما قد علمت، أللّهمّ وإنّي أحبّ المعروف وأكره المنكر، وأنا أساءلك يا ذا الجلال والاكرام بحقّ هذا القبر ومن فيه إلّا ما اخترت من أمري هذا ما هو لك

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 380

رضى.

قال: ثمّ جعل الحسين (ع) يبكي، حتّى إذا كان في بياض الصبح وضع رأسه على القبر فاءغفى ساعة، فرأى النبيّ (ص) قد أقبل في كبكبة من الملائكة عن يمينه وعن شماله ومن بين يديه ومن خلفه حتّى ضمّ الحسين إلى صدره وقبّل بين عينيه.

وقال: يا بنيّ يا حسين، كاءنّك عن قريب أراك مقتولا مذبوحا باءرض كرب وبلاء من عصابة من أمّتي، وأنت في ذلك عطشان لاتُسقى، وظم آن لاتروى، وهم مع ذلك يرجون شفاعتي، ما لهم!، لاأنالهم اللّه شفاعتي يوم القيامة! فما لهم عنداللّه من خلاق. حبيبي يا حسين، إنّ أباك وأمّك وأخاك قد قدموا عليّ، وهم إليك مشتاقون. وإنّ لك في الجنّة درجات لن تنالها إلّا بالشهادة.

قال: فجعل الحسين ينظر في منامه إلى جدّه (ص) ويسمع كلامه ..

وهو يقول: يا جدّاه، لا حاجة لي في الرجوع إلى الدنيا أبدا، فخذني إليك، واجعلني معك إلى منزلك.

قال: فقال له النبيّ (ص): يا حسين، إنّه لابدّ لك من الرجوع إلى

الدنيا حتّى ترزق الشهادة وما كتب اللّه لك فيها من الثواب العظيم، فإ نّك وأباك وأخاك وعمّك وعمّ أبيك تحشرون يوم القيامة في زمرة واحدة حتّى تدخلوا الجنّة). «1»

... وانتبه الامام (ع) وقصّ رؤ ياه على أهل بيته وبني عبدالمطلّب (فلم يكن

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 381

ذلك اليوم في شرق ولا غرب أشدّ غمّا من أهل بيت الرسول (ص) ولا أكثر منه باكيا ولا باكية.) «1»

ويقول صاحب الفتوح: (وتهيّاء الحسين بن علي (ع) وعزم على الخروج من المدينة ومضى في جوف الليل إلى قبر أمّه فصلّى عند قبرها وودّعها ثمّ قام عن قبرها وصار إلى قبر أخيه الحسن (ع) ففعل مثل ذلك، ثمّ رجع إلى منزله.

وفي وقت الصبح أقبل أخوه محمّد بن الحنفية). «2»

ومع أنّ ابن أعثم لم يحدّد أيّة ليلة كانت تلك الليلة التي زار فيها الامام (ع) قبر أمّه وقبر أخيه (ع)، إلّا أنّ القرينة في قوله: (وفي وقت الصبح أقبل إليه أخوه محمّد) كاشفة عن أنّ تلك الليلة هي الليلة التي سبقت ليلة السفر إلى مكّة، لا نّ لقاء أخيه محمّد معه (ع) كان في آخر نهار له (ع) في المدينة (على ما في الفتوح) كما سياءتي.

لقاءات الوداع في المدينة ..... ص : 381
اشارة

وفي غضون هذه الفترة الوجيزة هرع إلى الامام (ع) رجال ونساء من بني هاشم ومن غيرهم يودّعونه ويتزوّدون من رؤ يته قبل الفراق، وقد سجّل لنا التاءريخ بعض هذه اللقاءات المشحونة بالحزن والاسى والقلق والخوف على الامام (ع).

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 382

ونحن نذكر هنا من هذه اللقاءات ما هو متيقّن الحدوث في المدينة، وأمّا ما لم نقطع تحقيقا بحدوثه في المدينة، أو في مكّة، فسوف نذكره ضمن لقاءات الامام (ع) في مكّة لوجود قرينة تجعله مظنون الحدوث في

مكّة.

عزأ نساء بني عبدالمطّلب ..... ص : 382

عن الامام الباقر (ع) أنّه قال: (لمّا همّ الحسين (ع) بالشخوص عن المدينة أقبلت نساء بني عبدالمطّلب، فاجتمعن للنياحة حتّى مشى فيهنّ الحسين (ع) فقال: اءُنشدكنَّ اللّه اءن تُبدين هذا الامر معصية للّه ولرسوله.

قالت له نساء بني عبدالمطّلب: فَلِمَ نستبقي هذه النياحة والبكاء؟ فهو عندنا كيومٍ مات فيه رسول اللّه (ص) وعليّ (ع) وفاطمة (س) ورقيّة وزينب وأمّكلثوم، فننشدك اللّه، جعلنا اللّه فداك من الموت، فيا حبيب الابرار من أهل القبور.

وأقبلت بعض عمّاته تبكي وتقول: أشهد يا حسين لقد سمعت الجنّ ناحت بنوحك، وهم يقولون:

وإنّ قتيل الطفّ من آل هاشمٍ أذلّ رقابا من قريشٍ فذلّتِ

حبيب رسول اللّه، لم يك فاحشا أبانت مصيبتك الانوف وَجَلَّتِ

وقلن أيضا:

بكّوا حسينا سيّدا ولقتله شاب الشَّعَر ولقتله زُلزلتمُ ولقتله انكسف القمر

واحمرّت آفاق السماء من العشيّة والسحر وتغيّرت شمس البلاد بهم وأظلمت الكُوَر

ذاك ابن فاطمة المصاب به الخلائق والبشر أورثتنا ذُلّا به جَدْعُ الانوف مع الغرر «1»

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 383

وقد ذكر صاحب كتاب معالي السبطين: (ثمّ إنّ نساء بني هاشم أقبلن إلى أمّهاني عمّة الحسين (ع) وقلن لها: يا أمّ هاني، أنت جالسة والحسين (ع) مع عياله عازم على الخروج!؟

فاءقبلت أمّهاني، فلمّا رآها الحسين (ع) قال: أما هذه عمّتي أمّهاني؟

قيل نعم.

فقال: يا عمّة، ما الذي جاء بك وأنت على هذه الحالة!؟

فقالت: وكيف لاآتي، وقد بلغني أنّ كفيل الارامل ذاهب عنّي!؟

ثمّ إنّها انتحبت باكية، وتمثّلت باءبيات أبيها أبي طالب (ع):

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للا رامل

تطوف به الهلّاك من آل هاشم فهم عنده في نعمة وفواضل

ثمّ قالت: سيّدي وأنا متطيّرة عليك من هذا المسير لهاتف سمعتُ البارحة يقول:

وإنّ قتيل الطفّ من آل هاشم اءَذلَّ رقابا من قريش فذلّتِ

حبيب رسول اللّه،

لم يك فاحشا أبانت مصيبته الانوف وجلّتِ

فقال لها الحسين (ع): يا عمّة لاتقولي من قريش، ولكن قولي (أذلّ رقاب المسلمين فذلّت).

ثمّ قال: يا عمّة، كلُّ الذي مقدّر فهو كائن لامحالة.

وقال (ع):

وما هم بقومٍ يغلبون ابن غالب ولكن بعلم الغيب قد قُدِّرَ الامرُ

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 384

فخرجت أمّ هاني من عنده باكية وهي تقول:

وما أمُّ هاني وحدها ساء حالَها خروج حسينٍ عن مدينة جدّه

ولكنّما القبرُ الشريف ومن به ومنبره يبكون من أجله فقده «1»

عزأ امّ المومنين امّ سلمة (رض): ..... ص : 384

وروي أنّه: (لمّا عزم على الخروج من المدينة أتته أمّ سلمة رضي اللّه عنها فقالت: يا بنيّ لاتحزنّي بخروجك إلى العراق، فإ نّي سمعت جدّك يقول:

يُقتل ولدي الحسين باءرض العراق في أرض يُقال لها كربلا.

فقال لها: يا أمّاه، وأنا واللّه أعلم ذلك، وإنّي مقتول لامحالة، وليس لي من هذا بدُّ، وإنّي واللّه لا عرف اليوم الذي أقتل فيه، وأعرف من يقتلني، وأعرف البقعة التي اءُدفن فيها، وإنّي اءعرف من يُقتل من اءهل بيتي وقرابتي وشيعتي، وإن أردت يا أمّاه اءُريك حفرتي ومضجعي.

ثمّ أشار إلى جهة كربلاء فانخفضت الارض حتّى أراها مضجعه ومدفنه وموضع عسكره، وموقفه ومشهده.

فعند ذلك بكت أمُّ سلمة بكاءً شديدا، وسلّمت أمره إلى اللّه ...

فقال لها: يا أمّاه، قد شاء اللّه عزّ وجلّ أن يراني مقتولا مذبوحا ظلما وعدوانا، وقد شاء أن يرى حرمي ورهطي ونسائي مُشرَّدين، وأطفالي مذبوحين مظلومين، ماءسورين مقيّدين وهم يستغيثون فلايجدون ناصرا ولا معينا.

وفي رواية أخرى:

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 385

قالت أمّ سلمة: وعندي تربة دفعها إليَّ جدُّك في قارورة.

فقال: واللّه إنّي مقتول كذلك، وإن لم أخرج إلى العراق يقتلونني أيضا. ثمّ أخذ تربة فجعلها في قارورة، وأعطاها إيّاها.

وقال: إجعليها مع قارورة جدّي، فإ ذا فاضتا دما فاعلمي أنّي

قد قُتلت). «1»

امّ سلمة (رض) والودائع ..... ص : 385

وروي أنّه (لمّا توجّه الحسين (ع) إلى العراق دفع إلى أمّ سلمة رضي اللّه عنها زوج النبيّ (ص) الوصيّة والكتب وغير ذلك، وقال لها: إذا أتاك أكبر ولدي فادفعي إليه ما قد دفعت إليك.

فلمّا قُتل الحسين (ع) أتى علي بن الحسين (ع) أمَّ سلمة رضي اللّه عنها فدفعت إليه كلّ شي أعطاها الحسين (ع). «2»

وفي رواية أخرى: (وكتب الحسين (ع) وصيّة، وأودعها أمّ سلمة، وجعل طلبها منها علامةً على إمامة الطالب لها من الانام، فطلبها زين العابدين (ع). «3»

وهذا كاشف عن صدق ايمان أمّ المؤ منين (أمّ سلمة رضوان اللّه تعالى عليها) وجلالة شاءنها ومنزلتها الخاصّة عند أهل البيت (ع).

عمر الاطرف ومنطق المداهنة وحبّ السلامة!! ..... ص : 385

وروي عن عمر الاطرف بن الامام علىٍّ (ع) أنّه قال: (لمّا امتنع أخي

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 386

الحسين (ع) عن البيعة ليزيد بالمدينة دخلت عليه فوجدته خاليا.

فقلت له: جُعلت فداك يا أباعبداللّه، حدّثني أخوك أبومحمّد الحسن عن أبيه (ع) ...

ثمّ سبقتني الدمعة، وعلا شهيقي، فضمّني إليه.

وقال: حدّثك أنّي مقتول؟

فقلت: حوشيتَ يا ابن رسول اللّه!

فقال: ساءلتك بحقّ أبيك، بقتلي خبّرك؟

فقلت: نعم، فلو لا ناولت وبايعت!!

فقال: حدّثني أبي أنّ رسول اللّه (ص) أخبره بقتله وقتلي، وأنّ تربتي تكون بقرب تربته، فتظنُّ أنّك علمت ما لم أعلمه!؟ وإنّه لاأعطي الدنيّة من نفسي أبدا، ولتلقينّ فاطمة أباها شاكية ما لقيت ذرّيتها من أمّته، ولايدخل الجنّة أحدٌ آذاها في ذرّيتها!!). «1»

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 387

محمّد بن الحنفيّة ... النصيحة والوصيّة ..... ص : 387

في صباح آخر نهار للا مام الحسين (ع) في المدينة أقبل إليه أخوه محمّد بن الحنفيّة (ر)، وقد غلبه الاسى والحزن، وطغى عليه القلق والخوف على حياة الامام (ع)، وقد قلّب أوجه التفكير في الامر، ورأى أن يقدّم النصيحة بين يدي أخيه (ع)، فلمّا استقّر به المقام:

قال: (يا أخي أنت أحبُّ الناس إليّ، وأعزّهم عليّ، ولستُ أدّخر النصيحة لا حد من الخلق إلّا لك، وأنت أحقّ بها، تنحَّ ببيعتك عن يزيد بن معاوية وعن الامصار ما استطعت، ثمّ ابعث رسلك إلى الناس فادعهم إلى نفسك، فإن بايعك الناس د وبايعوا لك حمدت اللّه على ذلك، وإن اجتمع الناس على غيرك لن يُنقص اللّه بذلك دينك ولا عقلك ولاتذهب به مروّتك ولا فضلك، إنّي أخاف عليك أن تدخل مصرا من هذه الامصار، فيختلف الناس بينهم، فمنهم طائفة معك، وأخرى عليك، فيقتتلون، فتكون لا وّل الاسنّة غرضا، فإ ذا خير ه ذه الامّة كلّها نفسا وأبا وأمّا أضيعها دما وأذلّها

أهلا!!

فقال له الحسين (ع): فاءين أذهب يا أخي؟

قال: إنزل مكّة، فإن اطماءنّت بك الدار بها فسبيل ذلك، وإن نبت بك لحقت بالرمال وشعف الجبال، وخرجت من بلد إلى بلد، حتّى تنظر إلى ما يصير أمر الناس إليه، فإ نّك أصوب ما تكون رأيا حين تستقبل الامر استقبالا.

فقال: يا أخي، قد نصحت وأشفقت، وأرجو أن يكون رأيك سديدا

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 388

موفّقا. «1»

وفي رواية الفتوح: أخرج إلى مكّة، فإن اطماءنّت بك الدار فذاك الذي تحبُّ واءُحبُّ، وإن تكن الاخرى خرجت إلى بلاد اليمن، فإ نّهم اءنصار جدّك وأخيك وأبيك، وهم أرأف الناس وأرقّهم قلوبا، وأوسع الناس

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 389

بلادا، وأرجحهم عقولا، فإن إطماءنّت بك أرض اليمن وإلّا لحقت بالرمال وشعوب الجبال، وصرت من بلد إلى بلد، لتنظر ما يؤ ول إليه أمر الناس ويحكم بينك وبين القوم الفاسقين.

فقال له الحسين (ع): يا أخي، واللّه لو لم يكن في الدنيا ملجاء ولا ماءوى لما بايعتُ واللّه يزيد بن معاوية أبدا، وقد قال (ص): (أللّهمّ لاتبارك في يزيد).

قال: فقطع عليه محمّد بن الحنفيّة الكلام وبكى، فبكى معه الحسين ساعة ..

ثمّ قال: (جزاك اللّه يا أخي عنّي خيرا، ولقد نصحت وأشرتَ بالصواب، وأنا أرجو أن يكون إن شاء اللّه رأيك موفّقا مسدّدا، وإنّي قد عزمت على الخروج إلى مكّة، وقد تهيّاءتُ لذلك أنا وإخوتي وبنو إخوتي وشيعتي، وأمرهم أمري ورأيهم رأيي. وأمّا أنت يا أخي فلا عليك أن تقيم بالمدينة فتكون لي عينا عليهم، ولاتخف عليّ شيئا من أمورهم). «1»

(ثمّ دعا الحسين (ع) بدواة وبياض وكتب هذه الوصيّة لا خيه محمّد:

بسم اللّه الرحمن الرحيم

هذا ما أوصى به الحسين بن علىٍّ بن أبي طالب إلى أخيه محمّد المعروف بابن الحنفيّة: أنّ

الحسين يشهد أن لاإله إلّااللّه وحده لا شريك له، وأنّ محمّدا عبده ورسوله، جاء بالحقّ من عند الحقّ، وأنّ الجنّة والنار حقّ، وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها، وأنّ اللّه يبعث من في القبور، وإنّي لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا مفسدا ولا ظالما وإنّما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدّي (ص)، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدّي وأبي علىٍّ بن أبي طالب (ع)، فمن قبلني بقبول الحقّ فاللّه أولى بالحقّ، ومن ردَّ عليَّ هذا أصبر حتّى يقضي اللّه بيني وبين القوم بالحقّ وهو خير الحاكمين، وهذه

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 390

وصيّتي يا أخي إليك وما توفيقي إلّا باللّه عليه توكّلت وإليه اءُنيب.

قال: ثمّ طوى الحسين الكتاب وختمه بخاتمه، ودفعه إلى أخيه محمّد، ثمّ ودّعه وخرج في جوف الليل). «1»

تاءمّل وملاحظات: ..... ص : 390
الامام (ع) في المدينة يتحدّث عن مصرعه في العراق!! ..... ص : 390

ملفتٌ للا نتباه أنّ الامام الحسين (ع) مع قصده المرحلي في الخروج من المدينة إلى مكّة المكرّمة كان قد أعلن لا هل بيته وشيعته عن قصده النهائي في الخروج إلى أرض العراق وهو في المدينة لمّا يخرج عنها بعدُ، فها هي أمّ سلمة رضي اللّه عنها تقول له: (يا بنيّ لاتحزنّي بخروجك إلى العراق، فإ نّي سمعتُ جدّك يقول: يُقتل ولدي الحسين باءرض العراق في أرض يُقال لها كربلاء) فيقول (ع): (يا أمّاه وأنا، واللّه أعلم ذلك، وإنّي مقتول لامحالة ...)، ويقول (ع) لا خيه عمر الاطرف: (حدّثني أبي أنّ رسول اللّه (ص) أخبره بقتله وقتلي، وأنّ تربتي تكون بقرب تربته ...)، وهناك نصوص أخرى تؤ كّد هذه الحقيقة.

ويستفاد من هذه الحقيقة على صعيد التحليل التاءريخي إضافة إلى البعد الاعتقادي الحاكي عن أنّ الامام الحسين (ع) كان يعلم بكلّ تفاصيل ما يجري عليه

بعلمٍ إلهي موهبيّ لكونه إماما أنّ الامام الحسين (ع) على ضوء درايته السياسيّة الاجتماعيّة كان يرى أنّ العراق أفضل أرض يختارها مسرحا للمواجهة وللمعركة الفاصلة بينه وبين السلطة الامويّة، وأنّ العراق أفضل بقعة

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 391

يختارها للمصرع المحتوم (وإنّي مقتولٌ لامحالة)، وذلك لما في العراق من كمٍّ شيعىٍّ كبير، اءَو قُل كمّ كبير محبّ لا هل البيت (ع)، برغم ما في هذا الكمّ الكبير من مرض الازدواجيّة في الشخصيّة (قلوبهم معك وسيوفهم عليك)، ولا نّ العراق لم ينغلق لصالح الامويّين كما انغلقت الشام تماما، الامر الذي يجعل أرض العراق أفضل البقاع للتاءثّر بإ شعاعات الثورة الحسينيّة وفاجعة الطفّ.

ويؤ كّد التاءريخ في نصوص كثيرة أنّ الشيعة في العراق كانوا على اتّصال دائم بالا مام الحسين (ع) في زمن معاوية منذ عهد الامام الحسن (ع)، وكانوا يساءلونه القيام والخروج على الحكم الامويّ، ويبدون استعدادهم للنصرة والتضحية، غير أنّ الامام الحسين (ع) كان ياءمرهم بالصبر والاحتراس والترقّب مادام معاوية حيّا.

من هنا يستفاد أنّ نيّة التوجّه إلى العراق كانت منعقدة عند الامام (ع) منذ البدء على ضوء درايته السياسيّة الاجتماعيّة وعلى ضوء صلته وارتباطه باءهل العراق.

أي أنّ نيّة التوجّه إلى العراق لم تنعقد عند الامام (ع) بسبب رسائل أهل الكوفة بعد موت معاوية، بل كانت هذه النيّة وهذا العزم عند الامام (ع) قبل هذه الرسائل، على أساس منطق الشهيد الباحث عن أفضل أرض مختارة لمصرعه المحتوم، وما شكّلت رسائل أهل الكوفة إلّا حجّة ظاهرة لتاءكيد هذه النيّة وذلك التصميم.

مع العامل الاهمّ من عوامل الثورة الحسينيّة ..... ص : 391

في لقائه (ع) مع أخيه عمر الاطرف الذي قال للا مام (ع) (فلولا ناولتَ وبايعتَ!) جدّد الامام (ع) رفضه القاطع لمبايعة يزيد قائلا: (لااءُعطي الدنيّة

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 392

من نفسي أبدا)،

وأكّد (ع) لا خيه محمد بن الحنفية (ر) أيضاً على هذه القاطعية في رفض البيعة حيث قال: (يا أخي، واللّه لو لم يكن في الدنيا ملجاء ولا ماءوى لمابايعتُ واللّه يزيد بن معاوية أبدا ...).

وهذا الرفض القاطع لبيعة يزيد وهو العامل الاوّل من العوامل المؤ ثّرة في النهضة الحسينيّة لو كان منبعثا من سبب شخصي لكان الامام (ع) قد سكت عن الحكم الامويّ في حال سكوت هذا الحكم عن مطالبة الامام (ع) بالبيعة، ولكانت مشكلة هذا الحكم مع الامام (ع) قد انتهت عند هذه الحدّ!!.

لكنّ عامل رفض البيعة عند الامام (ع) كان منبعثا من سبب مبدئي تمثل في الخطر الماحق الذي يهدّد الاسلام في حال سكوت الامام (ع) عن حاكم مثل يزيد بن معاوية: (وعلى الاسلام السلام إذ بُليت الامّة براعٍ مثل يزيد)، وهذا السبب نفسه هو الذي جعل الامام (ع) وجها لوجه أمام مسؤ وليّة التحرّك والنهوض لطلب الاصلاح في أمّة جدّه (ص) والامر بالمعروف والنهي عن المنكر.

و هذا السبب المبدئي المشترك هو الذي مزج في الحقيقة بين عامل رفض البيعة وعامل الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما التفكيك بينهما في الحديث عنهما إلّا تفكيك إعتباري.

ونتيجة لهذا الامتزاج في الحقيقة، كان عامل رفض البيعة قد استمدَّ أهميّته الكبيرة الناشئة عن الاهمّية العليا التي يختصّ بها عامل الاصلاح والامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإلّا لكان من المحتمل أن ينتهي الامر بسكوت الامام (ع) حاشاه عن يزيد بسكوت يزيد عن مطالبته بالبيعة!!

فعامل الامر بالمعروف والنهي عن المنكر إذن هوالعامل الاهمّ في مجموعة العوامل المؤ ثّرة في النهضة الحسينيّة المقدّسة.

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 393

وفي الوصيّة التي أوصى بها الامام الحسين (ع) إلى أخيه محمّد بن الحنفيّة (ر) نجدُ

الامام (ع) يحصر العلّة في خروجه بهذا العامل وحده، إنّه (ع) لايعلّل الخروج في هذه الوصيّة بعامل رفض البيعة ولايتحدّث عنه فيها، كما لايعلّله بعاملٍ آخر من العوامل الاخرى المؤ ثّرة في نهضته المقدّسة كعامل رسائل أهل الكوفة مثلا، إنّه (ع) في هذه الوصيّة يتحدّث فقط عن طلب الاصلاح وضرورة تغيير الاوضاع الفاسدة من خلال الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا دليل واضح وقاطع على الاهمّية العليا لعامل الاصلاح والامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكاءنّ هذه الوصيّة تتحدّث عن ظهور التاءثير المستقلّ لهذا العامل الاهمّ.

في إطار عامل الامر بالمعروف والنهي عن المنكر نجدُ الامام (ع) هوالذي يقرّر المواجهة مع الحكم الامويّ ابتداءً، لا اءنّ دعوة اءهل الكوفة هي التي دفعته إلى المواجهة، ولا مطالبة الحكم الامويّ إيّاه بالبيعة ورفضه (ع) لهذه البيعة هوالذي دفعه إلى المواجهة، بل لا نّ تحوّل الحرام إلى حلال والحلال إلى حرام وتفشّي الفساد في حياة الامّة هو الذي وضع الامام (ع) أمام ضرورة المواجهة ووجوب القيام والنهضة.

ولايعني هذا أنّ الامام (ع) كان قد ترك أو تهاون في واجب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وطلب الاصلاح في الامّة في زمن معاوية، بل قد كان (ع) ينهض في زمن معاوية باءعباء هذا الواجب المقدّس باءشكال مختلفة ومناسبات متوالية، لكنّ أدأ هذا الواجب في إطار النظر إلى الاثار وحساب النتائج المترتّبة على ذلك آنئذٍ (عدم احتمال حصول النتائج المرجوّة) كان يقف دون حدّ الخروج على معاوية مادام حيّا.

وإذا كانت العوامل المؤ ثّرة في أيّة نهضة هي التي تمنحها القيمة والاهمّية

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 394

الجديرة بها، فإ نّ عامل الاصلاح والامر بالمعروف والنهي عن المنكر قد منح الثورة الحسينيّة قيمة أعلى بكثير ممّا منحتها العوامل

الاخرى المؤ ثّرة فيها، كعامل رفض د البيعة، وعامل رسائل أهل الكوفة مثلا، فلقد تمكّنت هذه الثورة المقدّسة استنادا إلى عامل طلب الاصلاح والامر بالمعروف والنهي عن المنكر أن تكون جديرة بالخلود والحياة، وأن تكون الثورة الاسوة.

وكما أنّ عامل الامر بالمعروف والنهي عن المنكر قد رفع من قيمة وأهمّية الثورة الحسينيّة، فإ نّ هذه الثورة المقدّسة بالمقابل قد رفعت من قيمة وأهمّية مبدأ وأصل الامر بالمعروف والنهي عن المنكر إثباتا لا ثبوتا.

وتوضيح ذلك: هوأنّ لمبدأ الامر بالمعروف والنهي عن المنكر قيمة محدّدة وأهميّة معيّنة ثبوتا، أي في واقع الامر، أو في نفس الامر، أو في متن الاسلام، هذه القيمة حدّدها اللّه تبارك وتعالى في متن التشريع الاسلامي، ويعلمها كما هي في الواقع اللّه تبارك وتعالى والراسخون في العلم محمّد وأهل بيته المعصومون صلوات اللّه عليهم أجمعين.

وهذا الامر ينطبق على كلّ الاصول والمبادي الاسلاميّة، فلكلٍّ منها حدُّ معيّن ومقام معلوم وأهمّية محدّدة في متن الاسلام في مقام الثبوت أي في الواقع أو في مقام الشئ بذاته.

وهذا غير مقام الاثبات، أي مقام الشي ء بالنسبة إلينا، حيث يمكن في هذا المقام أن نُخطي في النظر والتاءمّل والاستنتاج، فنقيّم الشي تقييما نبخسه فيه حقّه من القيمة والاهمية، أو نمنحه فوق ما يستحقّ منها.

إذن فمقام الاثبات يختلف عن مقام الثبوت، إذ إنّ هناك فرقا بين ما هو منظور بالنسبة إلينا وبين ما هو واقع الشي ء بنفسه.

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 395

وفي مقام الاثبات يلاحظ المتاءمّل أنّ علماء الاسلام مع إقرارهم باءنّ الامر بالمعروف والنهي عن المنكر من أسمى الواجبات الدينيّة وأعظمها، لكنّ قيمة هذا المبدأ ودرجة أهمية هذا الاصل الاسلامي والاولويّة الممنوحة له قضيّة تفاوتت فيها نظراتهم في تفصيلات الاحكام

المستنبطة في إطار مبحث هذا الاصل خصوصا بلحاظ قضيّة الضرر (المتيقّن أو المظنون أو المحتمل احتمالا يُعتدُّ به) المترتّب على القيام بهذا الواجب.

فتتصاعد القيمة والاهمية والاولويّة التي يتمتّع بها هذا الاصل الاسلامي في عالم الاستنباط: من النظرة الاجتهاديّة التي ترى أنّ من شرائط القيام بهذا الواجب: (أن لايلزم من الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ضررٌ في النفس أو في العرض أو في المال، على الامر أو على غيره من المسلمين، فإ ذا لزم الضرر عليه أو على غيره لم يجب شي ...)، «1» ثمّ لم تتحدّث عن أكثر من ذلك!.

إلى النظرة الاخرى التي تضيف إلى ما سبق فتقول: (... هذا فيما إذا لم يحرز تاءثير الامر أو النهي، وأمّا إذا اءُحرز ذلك فلابدّ من رعاية الاهمية، فقد يجب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر مع العلم بترتّب الضرر أيضا، فضلا عن الظنّ به أو احتماله). «2»

إلى النظرة الاخرى التي تعتمد في شرائط هذا الواجب شرط عدم حصول المفسدة، وترى في جملة ما ترى في إطار هذا المبحث:

(: لو وقعت بدعة في الاسلام، وكان سكوت علماء الدين ورؤ ساء المذهب أعلى اللّه كلمتهم موجبا لهتك الاسلام وضعف عقائد المسلمين يجب عليهم الانكار باءيّة وسيلة ممكنة، سوأ كان الانكار مؤ ثّرا في قلع الفساد أم لا،

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 396

وكذا لو كان سكوتهم عن إنكار المنكرات موجبا لذ لك، ولايلاحظ الضرر والحرج بل تلاحظ الاهمية.

: لوكان في سكوت علماء الدين ورؤ ساء المذهب أعلى اللّه كلمتهم خوف أن يصير المنكر معروفا أو المعروف منكرا يجب عليهم إظهار علمهم، ولايجوز السكوت ولو علموا عدم تاءثير إنكارهم في ترك الفاعل، ولايُلاحظ الضرر والحرج مع كون الحكم ممّا يهتمّ به الشارع الاقدس

جدّا.

: لوكان في سكوت علماء الدين ورؤ ساء المذهب أعلى اللّه كلمتهم تقوية للظالم وتاءييد له والعياذ باللّه يحرم عليهم السكوت، ويجب عليهم الاظهار ولو لم يكن مؤ ثّرا في رفع ظلمه). «1»

هذه النماذج التي أوردناها على سبيل المثال لا الحصر شاهدٌ على تفاوت النظر الاجتهادي في إطار مبحث الامر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وفي صدد ما نحن فيه: فليس قصدنا أنّ ثورة الامام الحسين (ع) قد غيّرت أو رفعت من القيمة والاهمية الواقعيّة الموضوعة في متن الاسلام لا صل الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، أي أهميته في مقام الثبوت.

يقول الشهيد آية اللّه الشيخ مرتضي مطهري في هذه النقطة:

(ما أقصده هو أنّ النهضة الحسينيّة إنّما رفعت من إمكانيّات الاستنباط والاجتهاد لعلماء الاسلام والمسلمين، بشكلٍ عامٍّ، في دائرة أصل الامر بالمعروف والنهي عن المنكر.

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 397

وعليه، فإ نّني عندما أقول باءنّ الحسين بن علي (ع) قد رفع من قيمة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإ نّ قصدي هوالقول باءنّه (ع) قد رفع هذه القيمة في عالم الاسلام، وليس في الاسلام.

ذلك أنّ الحسين بن علي (ع) قد بيّن للعالم أجمع أنّ مساءلة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر قد تصل إلى درجة يتطلّب فيها من الانسان أن يضحّي بنفسه وماله وكلّ ما يملك في سبيل هذا الاصل، ويتحمّل في سبيل ذلك كلّ أنواع اللوم والانتقاد، كما فعل الحسين نفسه.

فهل هناك أحد في الدنيا منح قيمةً لا صل الامر بالمعروف والنهي عن المنكر بمقدار ما أعطاه الحسين بن علي (ع)!؟

إنّ معنى النهضة الحسينيّة يفيد باءنّ الامر بالمعروف والنهي عن المنكر بالغ القيمة إلى الحدّ الذي يمكن فيه للمرء أن يضحّي في سبيله بكلّ شي). «1»

سيرة الاصلاح ..... ص : 397

في النصّ الذي نقله

ابن شهر آشوب (ره) لبعض الوصيّة التي كتبها الامام الحسين (ع) لا خيه محمّد بن الحنفيّة (ر)، «2» وكذلك في نصّها الذي نقله العلّامة المجلسي (ره) عن كتاب المقتل للسيّد محمّد بن أبي طالب الموسوي، والذي أوردناه من قبل، نجدُ الامام (ع) في تعليله لخروجه على الحكم الامويّ يقرن مع طلب الاصلاح في الامّة والامر بالمعروف والنهي عن المنكر قوله: (وأسير بسيرة جدّي وأبي عليّ بن أبي طالب (ع).

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 398

وممّا يستفاد من هذا الاقتران وهذا الحصر بهاتين السيرتين المقدّستين أمران:

الاوّل: هو أنّ الاصلاح العملي في الامّة من خلال تقديم الصورة الحيّة المثلى لهذا الصلاح، والدعوة العمليّة إلى كلّ معروف والنهي العملي عن كلّ منكر، إنّما يتحقّقان بالسير بهاتين السيرتين المقدّستين.

والثاني: هو أنّ الامام (ع) بذكره هاتين السيرتين فقط قد أعلن عن إدانته للسِّيَر الاخرى التي حكمت حياة المسلمين بعد رسول اللّه (ص)، وكانت السبب في مناشي ء الانحراف الذي تعاظم حتّى آلت الامور إلى حاكم مثل يزيد بن معاوية!.

ومعنى هذا أنّ الاصلاح في الامّة وتطبيق مبدأ الامر بالمعروف والنهي عن المنكر تحقيقا لحياة يحكمها الاسلام المحمّدي الخالص لايكون إلّا بالا عراض عن تلك السِّيَر الاخرى ورفضها.

ويبدو أنّ بعض الاقلام التي دوّنت سيرة الامام الحسين (ع) أو التي استنسخت بعض كتب التاءريخ قد انتبهت إلى قوّة إدانة الامام (ع) لهذه السير الاخرى في قوله: (وأسير بسيرة جدّي وأبي عليّ بن أبي طالب (ع) فقط، فاءضافت إليها عبارة (وسيرة الخلفاء الراشدين المهديين رضي اللّه عنهم) رفعا لهذه الادانة الحسينيّة لتلكم السير الاخرى.

يقول السيّد مرتضي العسكري وهو محقّق مرموق (إنّ الراشدين اصطلاح تاءخّر استعماله عن عصر الخلافة الامويّة، ولم يرد في نصٍّ ثبت وجوده قبل ذلك،

ويُقصد بالراشدين الذين أتوا إلى الحكم بعد رسول اللّه (ص) متواليا، من ضمنهم الامام علي (ع)، فلايصحّ أن يعطف الراشدين على اسم الامام،

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 399

كلّ هذا يدلّنا على أن الجملة اءُدخلت في لفظ الامام الحسين (ع). «1»

ولقد وردت هذه الاضافة في نصّ الوصيّة في رواية كتاب الفتوح لابن أعثم الكوفي وفي كتاب مقتل الحسين (ع) للخوارزمي نقلا عن الفتوح.

لماذا الخروج من المدينة ليلا!!؟ ..... ص : 399

تكاد المصادر التاءريخيّة تجمع على أنّ الركب الحسينيّ خرج من المدينة في جوف الليل، وإن كانت هذه المصادر قد إختلفت في الليلة التي كان الخروج فيها.

والظاهر من متون بعض الروايات أنّ ساعة الخروج من المدينة كانت من ساعات الليل المتاءخّرة، ممّا يوحي باءنّ الخروج كان بصورة سريّة وعلى خوف من طلب السلطة، خصوصا وأنّ الروايات تحدّثت أنّ الامام (ع) قد خرج وهو يقرأ قوله تعالى: (فخرج منها خائفا يترقّب قال ربّ نجّني من القوم الظالمين).

وظاهر أجوأ وقائع ما بعد لقاء الامام (ع) بوالي المدينة يثير مثل هذا التصوّر ولاينفيه، خصوصا وأنّ الامام (ع) كان حريصا على أن لايُقتل غيلة في المدينة، أو تقع مواجهة مسلّحة في المدينة، فتُهتك بذلك حرمة حرم رسول اللّه (ص)، فاستبق (ع) الزمن والاحداث كي لايقع كلّ ذلك المحذور، وخرج ليلا بتلك الصورة السريّة!

وقد تكرّر الامر نفسه مع الامام (ع) في مكّة المكرّمة أيضا، فخرج (ع) منها مستبقا الزمن والاحداث كي لايقع ذلك المحذور أيضا فتُهتك بذلك حرمة البيت، وكان (ع) قد خرج منها في السحر أو في أوائل الفجر كما في الروايات.

فيكون الدافع واحدا في المرّتين (مع أنّنا قدّمنا من قبل أنّ هذا المحذور يقع

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 400

عند الامام (ع) في إطار خوف أكبر، وهو خوفه من أن تخنق ثورته

في مهدها، سوأ في المدينة أو في مكّة ...).

غير أنّ ما يُلفت الانتباه ويثير التاءمّل هو أنّ الامام (ع) قبل خروجه من مكّة قام خطيبا وأعلن في خطبته عن موعد خروجه منها حيث قال فيما قال في تلك الخطبة:

(... من كان باذلا فينا مهجته، وموطّنا على لقاء اللّه نفسه فليرحل معنا فإ نّي راحلٌ مصبحا إن شاء اللّه تعالى) «1»

وبهذا يكون الامام (ع) قد كشف عن موعد ارتحاله أوائل الصباح كما في هذه الرواية، أي في الوقت الذي يعتبر أواخر الليل وتكون فيه بعدُ بقيّة من ظلام تصلح للستر والخفاء.

لكنّ كشفه (ع) عن موعد ارتحاله في تلك الساعة ينفي التعليل باءنّه (ع) خرج في ظلام السحر أو في بقيّة ظلام أوائل الصبح تستّرا من رقابة السلطة الحاكمة كي لايدركهُ الطلب!

هذا فضلا عن أنّه من المستبعد أن يخفى على السلطة خروج الركب الحسينيّ ساعة خروجه من المدينة (وهو ركب كبير نسبيّا) أو ساعة خروجه من مكّة (وقد كان أكبر)، إذا حرصت هذه السلطة على أن تعلم متى يخرج هذا الركب، خصوصا والمدن آنئذٍ تعتبر مدنا صغيرة قياسا إلى المدن المعروفة اليوم.

وهذا فضلا عن أنّ والي المدينة آنئذٍ الوليد بن عتبة كان متراخيا في الضّغط على الامام (ع)، وكان يتمنّى خروجه من المدينة وألّا يُبتلى بدمه! وهذا ليس د بخافٍ على الامام (ع) كما هو اعتقادنا وكما تشير إلى ذلك أدلّة

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 401

تاءريخيّة.

إنّ التعليل الذي اءَطمئنُّ له في هذه المساءلة هو اءنّ الامام (ع) لم يخرج في الظلام من المدينة أو من مكّة حذرا من أعين السلطة وخوف الطلب، بل خرج في الظلام من كلتا المدينتين وليس في النهار كي لاتتصفّح أعين الناس فيهما النساء في

الركب الحسيني، أو تنظر الاعين عن قربٍ كيف يركبن المطايا، الامر الذي تاءباه الغيرة الحسينيّة الهاشميّة!

ولو لم يكن هذا الامر هو العلّة التامّة لخروج الركب الحسينيّ في جوف الليل، فلاأقلّ من أن يكون العلّة المهمّة جدّا في مجموعة العلل الاخرى التي شكّلت العلّة التامّة لهذا الخروج في ظلمة الليل.

الاصرار على الطريق الاعظم! ..... ص : 401

وتقول الرواية التاءريخيّة وهي تصف الجادة التي سلكها الركب الحسينيّ بقيادة الامام الحسين (ع) عند خروجه من المدينة إلى مكّة المكرّمة:

(فسار الحسين (ع) إلى مكّة وهو يقرأ: (فخرج منها خائفا يترقّب قال ربّ نجّني من القوم الظالمين)، ولزم الطريق الاعظم.

فقال له أهل بيته: لو تنكّبت الطريق الاعظم كما فعل ابن الزبير كي لايلحقك الطلب.

فقال: (واللّه، لاأفارقه حتّى يقضي اللّه ما هو قاض!) «1»

وفي رواية الفتوح:

(فقال له ابن عمّه مسلم بن عقيل بن أبي طالب: يا ابن بنت رسول اللّه

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 402

(ص)، لو عدلنا عن الطريق وسلكنا غير الجادّة كما فعل عبداللّه بن الزبير كان عندي الرأي، فإ نّا نخاف أن يلحقنا الطلب!

فقال له الحسين (ع): (لا واللّه يا ابن عمّي، لا فارقت هذا الطريق أبدا أو أنظر إلى أبيات مكّة، أو يقضي اللّه في ذلك ما يحبّ ويرضى).

ثمّ جعل الحسين يتمثّل بشعر يزيد بن مفرغ الحميري وهو يقول:

لا سهرت السوام في فلق الصب ح مضيئا ولا دُعيتُ يزيدا

يوم اءُعطي من المخافة ضيما والمنايا يرصدنني اءن اءحيدا «1»

وهنا قد يتساءل المتاءمّل عن سبب إصرار الامام (ع) عن سلوك الطريق الاعظم إصرار من يرضى بمواجهة كلّ خطر محتسب وغير محتسب ولايرضى بالتخلّي عن سلوك هذا الطريق الرئيس!؟

هل هي الشجاعة الحسينيّة من ورأ كلّ هذا الاصرار؟

أم أنّ الامام (ع) أراد من ورأ ذلك أمرا إعلاميّا وتبليغيّا للتعريف بقيامه

ونهضته من خلال التقاء الركب الحسينيّ القاصد إلى مكّة بكلّ المارّة والقوافل على الطريق الاعظم، لا نّهم سيتساءلون عن سبب خروج الامام (ع) من مدينة جدّه (ص) مع جلّ بني هاشم ومَن معهم مِن أنصاره، ويتعرّفون من الامام (ع) مباشرة على أهدافه التي نهض من أجلها، فينضمُّ إليه من يوفّقه اللّه تعالى إلى نصرته، وينتشر أمر هذا القيام المقدّس بين الناس في مناطق عديدة، فيتحقّق بذلك عملٌ إعلامي وتبليغي ضروري لتوسيع رقعة هذا القيام المبارك وكسب الانصار له؟

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 403

لاشك أنّ تعليل إصراره (ع) على لزوم الطريق الاعظم بالشجاعة الحسينيّة تعليلٌ صحيحٌ في نفسه، وكذلك تعليله بالهدف الاعلامي والتبليغي للتعريف بقيام الامام (ع) ونهضته، ولا منافاة بين هذين التعليلين.

ولعل التعليل الاهمّ الذي يمكن أن يُضاف إليهما، هو أنّ الامام الحسين (ع) في إصراره على لزوم الطريق الاعظم أراد أن يُعلن للا مّة أنّه ليس من العصاة البغاة الخارجين على حكومة شرعيّة كانوا قد اعترفوا بها ثمّ تمرّدوا عليها، أولئك الذين يلوذون بالطرق الفرعيّة خوفا من رصد الحكّام وفرارا من قبضتهم.

أراد (ع) أن يُعلن للا مّة أنّه هو ممثّل الشرعيّة لا الحكم الامويّ، وأنّه هو صاحب الحقّ بالطريق الاعظم، وبالخلافة، وبكلّ شؤ ون الامّة، وأنّه هو الاصل الشرعي، وأنّ يزيد هو الشذوذ والخلاف والانحراف والمتمرّد على الشرعيّة.

وهذا البعد بعدٌ تبليغي وإعلامي ثابت في حركة الامام الحسين (ع)، وهو مفسّرٌ عامُّ لجميع تفاصيل حركة نهضته المقدّسة منذ حين قال لوالي المدينة:

(أيّها الامير، إنّا أهل بيت النبوّة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، ومحلّ الرحمة، وبنا فتح اللّه وبنا ختم، ويزيد رجل فاسق، شارب خمر، قاتل النفس المحرّمة، معلن بالفسق، مثلي لايبايع لمثله، ولكن نصبح وتصبحون، وننتظر وتنتظرون أيّنا

أحقّ بالخلافة.) «1» إلى ساعة استشهاده (ع) في كربلاء.

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 404

الركب الحسينىّ الخارج من المدينة: ..... ص : 404
بنو هاشم: ..... ص : 404

لم يرد في الكتب التاءريخيّة ذكر تفصيليّ لا سماء الهاشميّين في الركب الحسينيّ القاصد من المدينة إلى مكّة المكرّمة، بل ورد في أغلب هذه الكتب ذكر إجمالي لمن خرج من الهاشميّين مع الامام (ع) من المدينة، كمثل قول الشيخ المفيد (ره): (فخرج الحسين (ع) من تحت ليلته وهي ليلة الاحد ليومين بقيا من رجب متوجّها نحو مكّة ومعه بنوه وبنو أخيه وإخوته وجلّ أهل بيته إلّا محمّد بن الحنفيّة ...). «1»

وقال الدينوري: (فلمّا أمسوا وأظلم الليل مضى الحسين رضي اللّه عنه أيضا نحو مكّة، ومعه أختاه: أمّ كلثوم، وزينب، وولد أخيه، وإخوته أبوبكر وجعفر والعبّاس، وعامّة من كان بالمدينة من أهل بيته إلّا أخاه محمّد بن الحنفيّة ...). «2»

وقال ابن أعثم الكوفي: (وخرج في جوف الليل يريد مكّة بجميع أهله). «3»

وقال الطبري: (وأمّا الحسين فإ نّه خرج ببنيه وإخوته وبني أخيه وجلّ أهل بيته إلّامحمّد بن الحنفيّة). «4»

كما أشارت بعض المصادر التاءريخيّة الاخرى إلى أنّ الامام (ع) بعث إلى

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 405

المدينة (وهوفي مكّة) يستقدم إليه من خفّ من بني هاشم، فخفّ إليه جماعة منهم، وتبعهم إليه محمّد بن الحنفيّة، ولكنّها لم تحدّد من هؤ لاء! «1»

وعلى هذه الاجمال جرت المصادر التاءريخيّة الاخرى التي تعرّضت لهذا الحدث، ولم أعثر على رواية تتحدّث في تفصيلات قضايا هذا الركب وفي أشخاصه إلّا ما ورد في كتاب (أسرار الشهادة) في رواية ضعيفة جدّا: (عن عبداللّه بن سنان الكوفي، عن أبيه، عن جدّه) يصف فيها كيف أركب بعض بني هاشم محارمهم من النساء من عيالات أبي عبداللّه الحسين (ع) على محامل الابل، ثمّ كيف ركب بنوهاشم والامام

(ع). والرواية مصوغة باءسلوب هو أقرب إلى الاسلوب المنبري المعتمد على الاثارة العاطفيّة في الوصف، ومع هذا فالرواية غلب عليها الاجمال في ذكر من هم (بنوهاشم) في الركب، وكم كان عددهم. «2»

نعم، تشير الدلائل التاءريخيّة إلى أنّ محمّد بن الحنفيّة، وعمر الاطرف، وعبداللّه بن جعفر، وعبداللّه بن عبّاس لم يكونوا مع الركب الحسينيّ الخارج من المدينة.

و تشير أيضا إلى أنّ الامام (ع) قد خرج بجميع أبنائه، وجميع أبناء أخيه الامام الحسن (ع)، وجميع بقيّة إخوته لا بيه عليه وعليهم السلام.

ومن المتيقّن أيضا أنّ مسلم بن عقيل (ع) كان قد خرج معه، أمّا ولداه عبداللّه ومحمّد فالا ظهر أنّهما كانا مع أبيهما مسلم في الخروج مع الامام الحسين (ع).

وأمّا ولدا عبداللّه بن جعفر، وهما عون ومحمّد، فإ نّ ظاهر القرائن التاءريخيّة يفيد أنّهما كانا مع أبيهما، ثمّ التحقا بالا مام (ع) وانضّما إليه بعد خروجه من مكّة، ويبقى الاحتمال واردا أنهما خرجا مع الامام (ع)، ثمّ صارا

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 406

مع أبيهما في مكّة، ثمّ عادا فالتحقا.

أمّا بقية الانصار من آل عقيل فالقرائن التاءريخيّة لاتفيد القطع في معرفة من منهم خرج مع الامام (ع) من المدينة، أو من منهم التحق به بعد ذ لك.

الانصار الاخرون: ..... ص : 406
اشارة

أمّا الانصار الاخرون غير الهاشميّين الذين خرجوا مع الامام (ع) من المدينة فقد لايجد المتتبّع تلك الصعوبة في معرفتهم، وقد أثبت التاءريخ الاسماء التالية:

1 (عبداللّه بن يقطر الحميري ..... ص : 406

: كانت أمّه حاضنة للامام الحسين (ع)، ولم يكن رضع عندها، لا نّه صحّ في الاخبار أنّ الحسين (ع) لم يرضع إلّا من صدر فاطمة (س) ومن إبهام رسول اللّه (ص) وريقه، لكنّ عبداللّه اشتهر في أنّه أخوالحسين (ع) من الرضاعة.

وقال ابن حجر في الاصابة: إنّه كان صحابيّا لا نّه لدة الحسين (ع). وكان الامام (ع) قد سرّحه إلى مسلم بن عقيل بعد خروجه من مكّة في جواب كتاب مسلم إلى الحسين (ع)، فقبض عليه الحصين بن تميم بالقادسيّة، وأرسله إلى عبيداللّه بن زياد، فساءله عن حاله فلم يخبره، فقال له: إصعد القصر والعن الكذّاب بن الكذّاب ثمّ انزل حتّى أرى فيك رأيي. فصعد القصر فلمّا أشرف على الناس قال: أيّها الناس، أنا رسول الحسين بن فاطمة بنت رسول اللّه (ص) إليكم لتنصروه وتوازروه على ابن مرجانة وابن سميّة الدعيّ بن الدعي، فاءمر به عبيداللّه فاءُلقي من فوق القصر إلى الارض، فتكسّرت عظامه، وبقي به رمق فاءتاه عبدالملك بن عمير اللخمي قاضي الكوفة وفقيهها فذبحه، فلمّا عيب عليه، قال إنّي أردت أن أريحه!! «1»

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 407

2 (سليمان بن رزين مولى الحسين (ع) ..... ص : 407

: وهو الذي أرسله الامام الحسين (ع) بكتاب إلى رؤ وس الاخماس وإلى الاشراف بالبصرة حين كان بمكّة، ومنهم المنذر بن الجارود، وكانت بحرية بنت الجارود زوجة لعبيداللّه بن زياد، فاءخذ المنذر سليمان بن رزين والكتاب وقدّمهما إلى عبيداللّه بن زياد، فلمّا قرأ الكتاب قتل سليمان، فكان من أنصار الحسين (ع) الذين قتلوا في البصرة. «1»

3 (أسلم بن عمرو مولى الحسين (ع) ..... ص : 407

: من شهدأ الطف، وقد ذكر أهل السير والمقاتل أنّ الامام الحسين (ع) اشتراه بعد وفاة أخيه الحسن (ع) ووهبه لابنه علي بن الحسين (ع)، وكان أبوه تركيّا، وكان أسلم كاتبا عند الحسين (ع) في بعض د حوائجه، فلمّا خرج الحسين (ع) من المدينة إلى مكّة كان أسلم ملازما له حتّى أتى معه كربلاء، فلمّا كان يوم العاشر وشبّ القتال استاءذن الامام (ع)، وكان قارئا للقرآن، فاءذن له، فجعل يقاتل ويرتجز حتّى قتل من القوم جمعا كثيرا، ثمّ سقط صريعا، فمشى إليه الحسين (ع) فرآه وبه رمق وهو يومي إلى الحسين (ع)، فاعتنقه الحسين (ع) ووضع خدّه على خدّه، ففتح عينيه فتبسّم وقال: من مثلي وابن رسول اللّه واضع خدّه على خدّي، ثمّ فاضت نفسه (ر). آ «2»

4 (قارب بن عبداللّه الدئلي مولى الحسين (ع) ..... ص : 407

: أمّه جارية للحسين (ع)، واسمها فكيهة، كانت تخدم في بيت الرباب زوجة الامام (ع)، تزوّجها عبداللّه الدئلي فولدت منه قاربا، فهو مولى للحسين (ع)، خرج معه من المدينة إلى

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 408

مكّة، ثمّ إلى كربلاء، وقتل في الحملة الاولى التي هي قبل الظهر بساعة. «1»

5 (منجح بن سهم مولى الحسين (ع) ..... ص : 408

: (حكي عن ربيع الابرار للزّمخشري أنّه قال: حسينيّة كانت جارية للحسين (ع) اشتراها من نوفل بن الحارث بن عبدالمطّلب، ثمّ تزوّجها سهم فولدت منه منجحا فهو مولى للحسين (ع).

(انتهي).

وقد كانت في بيت السجاد (ع)، فلمّا خرج الحسين (ع) إلى العراق خرجت معه ومعها ابنها منجح حتّى أتوا كربلاء، ولمّا تبارز الفريقان يوم الطفّ قاتل القوم قتال الابطال، وقُتل في أوائل القتال رضوان اللّه عليه. «2» وقيل: (كان منجح من موالي الحسن (ع)، خرج من المدينة مع ولد الحسن (ع) في صحبة الحسين (ع) فاءنجح سهمه بالسعادة وفاز بالشهادة). «3»

6 (سعد بن الحرث الخزاعي مولى علي (ع) ..... ص : 408

: (كان سعد مولى لعليّ (ع) فانضمّ بعده إلى الحسن (ع)، ثمّ إلى الحسين (ع)، فلمّا خرج من المدينة خرج معه إلى مكّة ثمّ إلى كربلاء، فقتل بها في الحملة الاولى)، «4» وقيل: (له إدراك صحبة النبىٍّ (ص)، وكان على شرطة اميرالموءمنين (ع) بالكوفة، وولّاه آذربيجان ...). «5»

7 (نصر بن أبي النيزر مولى عليّ (ع) ..... ص : 408

: (كان أبونيزر من ولد بعض ملوك العجم أو من ولد النجّاشي. قال المبرّد في الكامل: صحّ عندي أنّه من ولد

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 409

النجّاشي، رغب في الاسلام صغيرا، فاءُتي به رسول اللّه (ص) فاءسلم، وربّاه رسول اللّه (ص)، فلمّا توفّي صار مع فاطمة وولدها. وقال غيره: إنّه من أبناء ملوك العجم، اءُهدي إلى رسول اللّه (ص)، ثمّ صار إلى اءمير المؤ منين (ع)، وكان يعمل له في نخله ... ونصرُ هذا ولده، انضمّ إلى الحسين (ع) بعد عليّ والحسن (ع)، خرج معه من المدينة إلى مكّة ثمّ إلى كربلاء، فقتل بها، وكان فارسا فعقرت فرسه، ثمّ قتل في الحملة الاولى (ر). «1»

8 (الحرث بن نبهان مولى حمزة بن عبدالمطلّب (ع) ..... ص : 409

: (قال أهل السير: إنّ نبهان كان عبدا لحمزة، شجاعا فارسا، مات بعد شهادة حمزة بسنتين، وانضمّ ابنه الحرث إلى اميرالموءمنين (ع)، ثمّ بعده إلى الحسن (ع)، ثمّ إلى الحسين (ع)، فلمّا خرج الحسين (ع) من المدينة إلى مكّة خرج الحارث معه، ولازمه حتّى وردوا كربلاء، فلمّا شبّ الحرب تقدّم أمام الحسين (ع) ففاز بالشهادة (ر). «2»

9 (جون بن حوي مولى أبي ذرّ الغفّاري (ر) ..... ص : 409

: (كان جون منضّما إلى أهل البيت (ع) بعد أبى ذر، فكان مع الحسن (ع) ثمّ مع الحسين (ع)، وصحبه في سفره من المدينة إلى مكّة ثمّ إلى العراق ... فلمّا نشب القتال وقف أمام الحسين (ع) يستاءذنه في القتال. فقال له الحسين (ع): يا جون أنت في إذن منّي، فإ نّما تبعتنا طلبا للعافية، فلاتبتل بطريقتنا. فوقع جون على قدمَي أبي عبداللّه الحسين (ع) يقبّلهما ويقول: يا ابن رسول اللّه (ص)، أنا في الرخاء ألحسُ قصاعكم وفي الشدّة أخذلكم! إنّ ريحي لنتن، وإنّ حسبي للئيم، وإنّ لوني لا سود، فتنفّس عليّ في الجنّة ليطيب ريحي ويشرف حسبي ويبيضّ لوني، لا واللّه لاأفارقكم حتّى يختلط هذا الدم الاسود مع دمائكم. فاءذن له

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 410

الحسين (ع) ... ثمّ قاتل حتّى قتل ... فوقف عليه الحسين (ع) وقال: أللّهمّ بيّض وجهه، وطيّب ريحه واحشره مع الابرار، وعرّف بينه وبين محمّد وآل محمّد (ص). وروى علماؤ نا عن الباقر (ع)، عن أبيه زين العابدين (ع) أنّ بني أسد الذين حضروا المعركة ليدفنوا القتلى وجدوا جونا بعد أيّام تفوح منه رائحة المسك ...). «1»

10 (عقبة بن سمعان ..... ص : 410

: كان عقبة بن سمعان مولى للرّباب بنت امري القيس الكلبيّة زوجة الامام الحسين (ع)، وكان في الركب الحسينيّ الخارج من المدينة إلى مكّة ثمّ إلى العراق. وقال الطبري في تاءريخه: (وأخذ عمر بن سعد عقبة بن سمعان وكان مولى للرّباب بنت امرئ القيس الكلبيّة وهي أمّ سكينة بنت الحسين (ع) فقال له: ما أنت؟ قال: أنا عبدٌ مملوك. فخلّى سبيله). «2»

وقد نقل الشيخ عبّاس القمي (ره) في نفس المهموم «3» ذلك عن الطبري والجزري. وقال المامقاني (ره) في تنقيح المقال: (وقد ذكره الطبري

وغيره من مؤ رّخي الواقعة، ويفهم ممّا ذكروه أنّه كان عبدا لرباب زوجة الحسين (ع)، وأنّه كان يتولّى خدمة أفراسه وتقديمها له، فلمّا استشهد الحسين (ع) فرّ على فرس د فاءخذه أهل الكوفة فزعم أنّه عبد للرّباب بنت أمرئ القيس الكلبيّة زوجة الحسين (ع) فاءُطلق، وجعل يروي الواقعة كما حدثت، ومنه اءُخذت أخبارها ...). «4»

لكنّ بعض علمائنا ذهب إلى القول باستشهاد عقبة بن سمعان في زمرة

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 411

شهدأ الطفّ (رضى) إستنادا إلى ورود التسليم عليه في زيارة الحسين (ع) (أوّل يوم من رجب وليلته، وليلة النصف من شعبان)، «1» ومن هؤ لاء العلماء السيّد أبوالقاسم الخوئي (ره) في معجم رجال الحديث حيث قال: (من أصحاب الحسين (ع) ... واستشهد بين يدي الحسين (ع)، ووقع التسليم عليه في الزيارة الرجبيّة، وعن بعض المؤ رّخين من العامّة أنّه فرَّ من المعركة ونجا). «2»

ومنهم الشيخ علي النمازي في مستدركات علم رجال الحديث حيث قال:

(عقبة بن سمعان ... من أصحاب الحسين (ع)، وكان معه في كربلاء، واستشهد معه يوم عاشورأ كما ذكره السيّد في عداد الشهدأ في الزيارة الرجبيّة ...). «3»

لقاءات في الطريق ..... ص : 411
اشارة

ومع أنّ الامام الحسين (ع) لزم الطريق الاعظم من المدينة إلى مكّة المكرّمة لكنّ الرواية التاءريخيّة لم تحدّثنا عن كثير من تفاصيل هذا السفر، بل لعلّ ما ورد في التاءريخ من ذلك يعتبر نزرا قليلا جدّا، ومنه:

لقاوه (ع) باءفواج من الملائكة ومؤ مني الجنّ ..... ص : 411
اشارة

نقل العلّامة المجلسي (ره) في بحاره عن كتاب المقتل للسيّد محمّد بن أبي طالب الموسوي قوله: (وقال شيخنا المفيد بإ سناده إلى أبي عبداللّه (ع) قال: لمّا سار أبوعبداللّه من المدينة لقيه أفواج من الملائكة المسوّمة في

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 412

أيديهم الحراب على نجب من نجب الجنّة، فسلّموا عليه وقالوا: يا حجّة اللّه على خلقه بعد جدّه وأبيه وأخيه، إنّ اللّه سبحانه أمدَّ جدّك بنا في مواطن كثيرة، وإنّ اللّه أمدّك بنا.

فقال لهم: الموعد حفرتي وبقعتي التي أستشهد فيها وهي كربلاء، فإ ذا وردتُها فاءتوني.

فقالوا: يا حجّة اللّه، مُرنا نسمع ونطع، فهل تخشى من عدوٍّ يلقاك فنكون معك؟

فقال: لا سبيل لهم عليّ ولايلقوني بكريهة أو أصل إلى بقعتي.

وأتته أفواج مسلمى الجنّ ...

فقالوا: يا سيّدنا، نحن شيعتك وأنصارك، فمرنا باءمرك، وما تشاء، فلو أمرتنا بقتل كلّ عدوٍّ لك وأنت بمكانك لكفيناك ذلك.

فجزّاهم الحسين خيرا وقال لهم: اءَ وَما قراءتم كتاب اللّه المنزل على جدّي رسول اللّه (ص): (أينما تكونوا يدرككم الموت ولوكنتم في بروجٍ مشيّدة)، وقال سبحانه: (لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم)، وإذا أقمت بمكاني فبماذا يُبتلى هذا الخلق المتعوس؟ وبماذا يختبرون؟ ومن ذا يكون ساكن حفرتي بكربلاء؟ وقد اختارها اللّه يوم دحا الارض، وجعلها معقلا لشيعتنا، ويكون لهم أمانا في الدنيا والاخرة؟ ولكنّ تحضرون يوم السبت، وهو يوم عاشورأ الذي في آخره أقتل، ولايبقى بعدي مطلوب من أهلي ونسبي وإخوتي وأهل بيتي، ويُسار برأسي إلى يزيد لعنه

اللّه.

فقالت الجنّ: نحن واللّه يا حبيب اللّه وابن حبيبه، لولا أنّ أمرك طاعة وأنّه لايجوز لنا مخالفتك، قتلنا جميع أعدائك قبل أن يصلوا إليك!

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 413

فقال صلوات اللّه عليه لهم: نحن واللّه أقدر عليهم منكم، ولكن ليهلك من هلك عن بينّة ويحيى من حيّ عن بيّنة). «1»

«اشارة»: ..... ص : 413

لنوع المخاطب أثر في نوع خطاب أهل البيت (ع) مع الغير، وهذه الحقيقة من الحقائق اللّازم استذكارها لفهم وإدراك متون خطاباتهم (ع).

وعلى قدر درجة المخاطب من العقل والايمان واليقين بهم (ع) والتسليم لهم تكون درجة مخاطبتهم (ع) الغير بصريح القضيّة ومُرِّ الحقّ.

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 414

وفي هذه الرواية نجدُ المخاطب من الملائكة ومؤ مني الجنّ، من شيعة أهل البيت (ع) ومن أهل الصدق والاخلاص في الاهبة والنصرة، وعلى درجة عالية جدّا من المعرفة بمنزلة الامام (ع) ومن اليقين والتسليم لا مره، كما هو واضح في متن المحاورة في هذه الرواية.

ولذا نجد الامام (ع) يجيبهم بصريح القضيّة ووضوح تام، إنّه (ع) في هذه المحاورة بمنطق العمق، منطق الشهيد الفاتح يؤ كّد أنّه ماضٍ إلى مصرعه المختار (الموعد حفرتي) على الارض المختارة (بقعتي التي أستشهد فيها وهي كربلاء). ويؤ كّد (ع) أنّ الامر لابدّ منه تحقيقا للا رادة الالهيّة في اختبار (هذا الخلق المتعوس) حتّى يتشخّص لهم بوضوح تامّ طريق السعادة من متاهات الشقاء والتعاسة، وليمتاز الحقّ من الباطل تماما بلا شائبة اختلاط وشبهة، حين يتحقّق بذ لك المصرع وعلى تلك البقعة فصل الاسلام المحمّدي الخالص عن الامويّة المتلبّسة بمسوح الاسلام، وهذا من أهمّ أبعاد الفتح الحسينيّ المبين، المتواصل على امتداد الزمان، بركة من بركات مصرع (الذبح العظيم)، وفيضا من فيوضات ذلك القبر المقدّس الذي اختاره اللّه يوم دحا الارض

مركزا لا شعاع ذلك الفتح، ومعقلا للشيعة الحسينيّين على مرّ الايّام وأمانا لهم في الدنيا والاخرة.

ويؤ كّد (ع) أيضا أنّ الامر لابدّ من جريان وقائعه في إطار الاسباب العادية بعيدا عن خوارق العادة من أسباب ما فوق العادة، ولو كانت الغاية نصرا ظاهريّا عاجلا ولا سبيل إلى تحقيقه إلّا بالخوارق فإ نَّ الامام (ع) بولايته التكوينيّة العامّة بإ ذن اللّه تبارك وتعالى أقدر من الملائكة والجنّ على تحقيق ذلك (نحن واللّه أقدر عليهم منكم، ولكن ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيى من حيَّ عن بيّنة ...).

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 415

أنصار آخرون يلتحقون بالركب من منازل جهينة ..... ص : 415

ويروي لنا التاءريخ من وقائع الطريق من المدينة إلى مكّة أيضا أنّ جماعة من الاعراب كانوا يلتحقون بالركب الحسيني عند مروره بمنازلهم، ومن تلك المنازل منازل جهينة (مياه جهينة)، وقد التحق بالا مام (ع) منها جماعة، منهم ثلاثة رجال لم ينفضّوا عنه فيمن انفضّ من الاعراب عنه بعد ذلك، بل أقاموا معه ولازموه ولم يتخلّوا عنه حتّى فازوا باءسمى مراتب الشرف في الدنيا والاخرة حيث استشهدوا بين يديه في الطفّ يوم عاشورأ، وهم:

1 مجمع بن زياد بن عمرو الجُهَني (ر).

2 عبّاد بن المهاجر بن أبي المهاجر الجهني (ر).

3 عقبة بن الصلت الجهني (ر). «1»

هل لقي الامام (ع) ابن عبّاس وابن عمر في الطريق إلى مكّة؟ ..... ص : 415

قال ابن الاثير في الكامل: (وقيل إنَّ ابن عمر كان هو وابن عبّاس بمكّة فعادا إلى المدينة، فلقيهما الحسين وابن الزبير فساءلاهما: ماورأ كما!؟

فقالا: موت معاوية وبيعة يزيد!

فقال ابن عمر: لاتفرّقا جماعة المسلمين). «2»

أما الطبري فقال: (فزعم الواقدي أنّ ابن عمر لم يكن بالمدينة حين ورود نعي معاوية وبيعة يزيد على الوليد، وأنّ ابن الزبير والحسين لمّا دعيا إلى البيعة ليزيد أبيا، وخرجا من ليلتهما إلى مكّة، فلقيهما ابن عبّاس وابن عمر جائيين

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 416

من مكّة فساءلاهما: ما ورأكما ...) «1» إلى آخر خبر ابن الاثير بتفاوت يسير.

وأمّا ابن كثير في تاءريخه «2» فقال: (وقال الواقدي ...) ثمّ أورد نفس رواية الطبري بتفاوت يسير.

والظاهر أنّ هذه الرواية لم يروها أحدٌ من المؤ رّخين غير هؤ لاء الثلاثة إضافة إلى الواقدي الذي نسبها إليه إثنان منهما!

وقول ابن الاثير في تصدير الرواية: (وقيل)، وقول الطبري: (فزعم الواقدي)، يشعران بعدم اطمئنانهما إلى هذا الزعم وبضعف هذه الرواية، خاصّة وأنّهما قد رويا في تاءريخيهما أنّ عبداللّه بن عمر كان في المدينة حينما كان الامام

الحسين (ع) فيها قبل خروجه منها. «3» كما أنّ هذه الرواية مخالفة لما هو مشهور من أنّ عبداللّه بن عبّاس خاصّة كان في مكّة حينما دخلها الامام الحسين (ع)، ومن روايات هذا المشهور قول الدينوري في الاخبار الطوال:

(وأمّا عبداللّه بن عبّاس فقد كان خرج قبل ذلك باءيّام إلى مكّة)، «4» وقول ابن أعثم الكوفي وقد نقله عنه الخوارزمي: (وأقام الحسين بمكّة باقي شهر شعبان، وشهر رمضان، وشوّال، وذي القعدة، وبمكّة يومئذٍ عبداللّه بن عبّاس د وعبداللّه بن عمر بن الخطّاب ...). «5»

هذا فضلا عن أنّ هذه الرواية مخالفة لما ذهب إليه جلّ المؤ رّخين من الفريقين من أن عبداللّه بن الزبير خرج إلى مكّة قبل الامام الحسين (ع)، إذ

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 417

خرج ابن الزبير في سواد نفس الليلة التي استدعاه إلى البيعة فيها الوليد بن عتبة، فيكون الفارق الزمني بين مسيره إلى مكّة ومسير الامام (ع) ليلتين أو ليلة على الاقلّ، هذا فضلا عن أنّ ابن الزبير تنكّب عن الطريق الاعظم الذي أصرّ الامام الحسين (ع) على السير عليه، ممّا يدلّ على أنّهما لم يجمعهما منزل من منازل الطريق، خصوصا وأنّ ابن الزبير قد جدّ في السير إلى مكّة كما يجدّ الهارب حتّى أنّ واحدا وثمانين راكبا من موالي بني أميّة طلبوه فلم يدركوه ورجعوا. «1»

إذن فكيف يصحّ ما في هذه الرواية من أنّهما كانا معا حتّى لقيهما ابن عبّاس وابن عمر!؟

هذه الرواية إذن مخالفة للحقيقة التاءريخيّة فضلا عن إرسالها وضعفها. «2» أمّا مارواه ابن عساكر في تاءريخه حيث قال: (وخرج الحسين وعبداللّه بن الزبير من ليلتهما إلى مكّة، وأصبح الناس وغدوا إلى البيعة ليزيد وطُلب الحسين وابن الزبير فلم يوجدا ... ولقيهما عبداللّه بن

عمر، وعبداللّه بن عيّاش بن أبي ربيعة بالا بوأ منصرفين من العمرة، فقال لهما ابن عمر: أذكّركما اللّه إلّا رجعتما فدخلتما في صالح ما يدخل فيه الناس، وتنظرا، فإن اجتمع الناس د عليه لم تشذّا عنهم، وإن افترق الناس عليه كان الذي تريدان ... وقال له ابن عيّاش: «3» أين تريد يا ابن فاطمة!؟ قال: العراق وشيعتي. فقال: إنّي لكاره لوجهك هذا، أتخرج إلى قوم قتلوا أباك، وطعنوا أخاك حتّى تركهم سخطة

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 418

ومَلَّةً لهم!؟ أذكّرك اللّه أن تغرر بنفسك ...). «1»

فهذه الرواية كتلك مخالفة للحقيقة التاءريخيّة أيضا على ضوء المناقشة التاءريخيّة التي قدّمناها في ردّ الرواية الاولى، هذا فضلا عن ضعفها سندا «2» على الاقلّ بجويرية بن أسماء الذي قال فيه الامام الصادق (ع): (وأمّا جويريّة فزنديق لايفلح أبدا). «3»

ولو فرضنا صحّة وقوع المحاورة الاخيرة في رواية ابن عساكر بين ابن عيّاش د وبين الامام (ع)، فإ نّ الدلائل التاءريخيّة تشير إلى أنّ مثل هذه المحاورات التي تحدّث فيها الامام (ع) بصراحة عن توجّهه إلى العراق وشيعته هناك لم تقع إلّا في مكّة أثناء إقامته فيها أو قبيل خروجه منها، لا نّ الامام (ع) لم يكشف عن نيّة عزمه على التوجّه إلى العراق لكلّ محاور إلّا في مكّة، وأمّا في المدينة وفي الطريق منها إلى مكّة فلم يكشف الامام (ع) عن هذه النيّة إلّا لمن يثق بهم كاءمّ سلمة رضي اللّه عنها ومحمّد بن الحنفيّة (ر) مثلا، أمّا عبداللّه بن مطيع العدوي وأمثاله فكان (ع) لايكشف لهم إلّا عن توجّهه إلى مكّة.

وعبداللّه بن عيّاش «4» هذا لم يعرف له قرب من أهل البيت: أو ولاء لهم، بل

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 419

الظاهر من نصّ هذه

المحاورة التي رواها ابن عساكر هو أنّ عبداللّه هذا على فرض حصول هذه المحاورة لم يكن يُحسن حتّى مراعاة الادب مع الامام (ع) فضلا عن معرفة إمامته إذ يقول له: (أذكرّك اللّه أن تغرر بنفسك!)، فهو من نوع عبداللّه بن مطيع العدوي بل هو أسوأ منه لا نّ هذا الاخير على الاقلّ كان يحسن مراعاة الادب مع الامام (ع) والتودّد إليه في محاوراته معه.

لقاؤه (ع) مع عبداللّه بن مطيع العدوي ..... ص : 419

يروي لنا التاءريخ لقائين لعبداللّه بن مطيع العدوي مع الامام الحسين (ع)، الاوّل في الطريق من المدينة إلى مكّة، والثاني على ما في رواية المفيد في الارشاد لمّا أقبل الامام الحسين (ع) من الحاجز يسير نحو العراق فانتهى إلى ماء من مياه العرب. «1»

وتهمّنا في هذا المقطع من تأريخ حركة الركب الحسينيّ قصّة اللقاء الاوّل، تقول الرواية التاءريخيّة في متابعتها حركة الامام الحسين (ع) على الطريق من المدينة إلى مكّة: (فبينما الحسين كذ لك بين المدينة ومكّة إذ استقبله عبداللّه بن مطيع العدوي، فقال: أين تريد أباعبداللّه جعلني اللّه فداك؟

قال: أمّا في وقتي هذا أريد مكّة فإ ذا صرتُ إليها استخرتُ اللّه تعالى في أمري بعد ذلك.

فقال له عبداللّه بن مطيع: خار اللّه لك يا ابن بنت رسول اللّه فيما قد عزمت عليه، غير أنّي أشير عليك بمشورة فاقبلها منّي!

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 420

فقال له الحسين: وما هي يا ابن مطيع؟

قال: إذا أتيتَ مكّة فاحذر أن يغرَّك أهل الكوفة، فيها قُتل أبوك، وأخوك بطعنة طعنوه كادت أن تاءتي على نفسه، فالزم الحرم فاءنت سيّد العرب في دهرك هذا، فواللّه لئن هلكتَ ليهلكنّ أهل بيتك بهلاكك، والسلام.

قال فودّعه الحسين ودعا له بخير). «1»

وفي رواية الدينوري في الاخبار الطوال أنّ ابن مطيع قال للا

مام (ع): (إذا أتيت مكّة فاءردت الخروج منها إلى بلد من البلدان فإ يّاك والكوفة، فإ نّها بلدة مشؤ ومة، بها قتل أبوك، وبها خذل أخوك، واغتيل بطعنة كادت تاءتي على نفسه، بل الزم الحرم، فإ نّ أهل الحجاز لايعدلون بك أحدا، ثمّ ادع اليك شيعتك من كلّ أرض د فسياءتونك جميعا.

قال له الحسين (ع): يقضي اللّه ما اءَحبَّ. «2»

أمّا ابن عساكر فروى قصّة هذا اللقاء على النحو التالي:

(لمّا خرج الحسين بن عليّ (س) من المدينة يريد مكّة مرّ بابن مطيع وهو يحفر بئره، فقال له: أين فداك أبي وأمّي؟

قال: أردت مكّة.

قال وذكر له أنّه كتب إليه شيعته بها.

فقال له ابن مطيع: أين فداك أبي وأمّي؟ متّعنا بنفسك ولاتسر إليهم! فاءبى الحسين (ع)، فقال له ابن مطيع: إنّ بئري ه ذه قد رشحتها، وهذا اليوم أوان ما

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 421

خرج إلينا في الدلو شي من ماء، فلو دعوت اللّه لنا فيها بالبركة!

قال: هاتِ من مائها.

فاءتى من مائها في الدلو، فشرب منه، ثمّ تمضمض، ثمّ ردّه في البئر، فاءعذب وأمهى). «1»

من هو عبداللّه بن مطيع العدوي؟ ..... ص : 421

ها نحن في محضر الامام الحسين (ع) في الطريق إلى مكّة مع مخاطبٍ آخر من نوع آخر، هو عبداللّه بن مطيع العدوي، رجل من قريش، همّه العافية والمنفعة الذاتية، وحرصه على مكانة قريش والعرب أكبر من حرصه على الاسلام، وهو ليس من طلّاب الحقّ ولا من أهل نصرته والدفاع عنه، وكاذب في دعوى مودّة أهل البيت (ع) مع معرفته بمنزلتهم الخاصّة عنداللّه تبارك وتعالى، والامام الحسين (ع) يعرفه تمام المعرفة!

ولذا نراه (ع) يمرُّ به مرور الكرام ولايعباءُ به، ولايحدّثه بصريح قضيّة النهضة ولايكشف له عن تفاصيل مستقبلها كما حدّث بذلك أمّ سلمة رضي اللّه عنها

ومحمّد بن الحنفيّة، (ر) والملائكة، ومؤ مني الجنّ مثلا، بل حدّثه فقط عن مقصده المرحلىٍّ (مكّة)، ولم يكشف له عن شئ بعد ذلك إلّا (فإ ذا صرتُ إليها استخرتُ اللّه تعالى في أمري بعد ذلك!)، أو (يقضي اللّه ما اءَحبَّ!).

في محاورته مع الامام (ع) في لقائه الثاني به (على ما في رواية الارشاد) نجد أكبر همّ ابن مطيع هو ألّا تنهتك (حرمة العرب وحرمة قريش)، ونجده هنا أيضا يخاطب الامام (ع) قائلا: (فاءنت سيّد العرب في دهرك هذا!) ممّا يكشف عن قوّة النزعة العرقيّة (القوميّة) في عقله ونفسيته!

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 422

ونراه مع معرفته بمنزلة الامام (ع) في الاسلام وفي الامّة، ومع علمه بحقّانيّة خروج الامام (ع) لايندفع إلى نصرة الامام (ع) والانضمام إليه، بل يبقى همّه في ماء بئره كيف يكثر ويحلو! وببركة الامام (ع)!!

لقد فوّت عليه حبّ العافية والمنفعة الذاتيّة فرصة العمر النادرة بمرور الامام (ع) به في عدم اغتنامها بنصرته والالتحاق به والفوز بشرف الدنيا والاخرة في الاستشهاد بين يديه، وتسافل بهمّه إلى درجة أن انحصر في كثرة ماء البئر وعذوبته!

ونرى ابن مطيع هذا يكشف عن كذبه في دعوى حبّه للا مام (ع) بعد مقتل الام «1» ام (ع)، حين انضمَّ إلى ابن الزبير، وصار عاملا له على الكوفة، (فجعل يطلب الشيعة ويخيفهم)، «2» وقاتلهم في مواجهته لحركة المختار، واستعان عليهم بقتلة الامام الحسين (ع) أنفسهم، أمثال شمر بن ذي الجوشن وشبث بن ربعي وغيرهم!!

وفي أوّل خطبة له في الكوفة أعلن عن عزمه على تنفيذ أمر ابن الزبير في السير باءهل الكوفة بسيرة عمر بن الخطّاب وسيرة عثمان بن عفّان، لكنّه فوجئ بحنين أهل الكوفة إلى سيرة عليّ (ع) ورفضهم للسِّيَر الاخرى، حين

قام إليه السائب بن مالك الاشعري فقال له: (أمّا حملُ فيئنا برضانا فإ نّا نشهد أنّا لانرضى أن يُحمل عنّا فضلُه، وأن لايُقَسَّم إلّا فينا، وألّا يُسار فينا إلّا بسيرة علىٍّ بن أبي طالب (ع) التي سار بها في بلادنا هذه حتّى هلك، ولا حاجة لنا

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 423

في سيرة عثمان في فيئنا ولا في أنفسنا، ولا في سيرة عمر بن الخطّاب فينا، وإن كانت أهون السيرتين علينا ...). «1»

هل وصلت إلى الامام (ع) رسائل قُبَيْلَ رحيله عن المدينة؟ ..... ص : 423

من الطبيعي أن تكون للا مام الحسين (ع) في زمن معاوية مراسلات بينه وبين شيعته في العراق والحجاز وباقي مناطق العالم الاسلامي آنئذٍ.

لكنّ سؤ النا التحقيقي في هذا المجال حول ما إذا كانت هناك رسائل قد وصلت إلى الامام (ع) في غضون اليومين أو الثلاثة قبيل سفره عن المدينة، أي منذ أن جاء نباء موت معاوية، وطلب منه أن يبايع يزيد، وإلى أن ارتحل (ع) عن المدينة المنوّرة.

هناك ثلاث روايات يوحي ظاهرها بحصول هذا الامر:

الاولى: وهي الرواية التي مرّت بنا عن ابن عساكر في قصّة اللقاء الاول لعبدالله بن مطيع مع الامام (ع)، حيث ورد فيها بعد أن أجاب الامام (ع) ابن مطيع أنّه يريد مكّة قول الراوي إنّ الامام (ع) (ذكر له أنّه كتب إليه شيعته بها).

والمتبادر من ظاهرها أنّ للا مام الحسين (ع) شيعة في مكّة قد كتبوا إليه! وهذا ممكن إذا كانت هذه الرسائل قد كتبت وأرسلت قبل يوم وصول نباء موت معاوية إلى المدينة باءيّام، فوصلت إليه (ع) في غضون اليومين أو الثلاثة أيّام قبيل سفره عن المدينة، لا نّ المسافة بين مكّة والمدينة في السفر العاجل تقتضي زمانيّا ثلاثة أيّام على الاقلّ. وأمّا إذا كانت هذه الرسائل قد كتبت واءُرسلت

إليه (ع) بعد خبر موت معاوية، فلا شك اءنّها لاتصل إليه في غضون ما قبيل سفره، بلى، قد تصل إليه وهو في الطريق إلى مكّة وقد فصل

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 424

بعيدا عن المدينة، هذا في أحسن الفروض.

لكنّ المتاءمّل في بقيّة الرواية يجد ابن مطيع بعد ذلك مباشرة يقول للا مام (ع): (أين فداك أبي وأمّي؟ متعنّا بنفس ولاتسر إليهم!).

ولا شك أنّ ابن مطيع لم ينه الامام (ع) عن مكّة، بل نهاه عن الكوفة! ممّا يدلّ على أنّ ه ذه الرسائل المذكورة كانت من الكوفة وليست من مكّة! وهنا يظهر لنا الخلط في متن هذه الرواية بين لقاء ابن مطيع الاوّل ولقائه الثاني مع الامام (ع)، حيث كان الامام (ع) في اللقاء الثاني قد حدّث ابن مطيع عن رسائل أهل الكوفة، ولم يحدّثه عنها في اللقاء الاوّل، لا نها لم تصل إليه إلّا في مكّة، ولا نه لم يكن قد وصل إلى مكّة بعدُ.

الثانية: وهي أوضح في الخلط بين وقائع اللقائين من رواية ابن عساكر، وقد رواها صاحب العقد الفريد، وجاء فيها: (... ومرَّ حسين حتّى أتى على عبداللّه بن مطيع وهو على بئر له، فنزل عليه، فقال للحسين: يا أباعبداللّه، لا سقانا اللّه بعدك ماءً طيّبا، أين تريد؟ قال: العراق!. قال: سبحان اللّه! لِمَ؟ قال: مات معاوية، وجاءني أكثر من حمل صحف. قال: لاتفعل أباعبداللّه، فواللّه ما حفظوا أباك، وكان خيرا منك، فكيف يحفظونك؟ وواللّه لئن قتلت لا بقيت حرمة بعدك إلّا استحلّت! فخرج حسين حتّى قدم مكّة ...). «1»

وهذه الرواية مغايرة للرّوايات الكثيرة التي تحدّثت عن وقائع اللقاء الاوّل، لقاء ما بعد المدينة، حيث حكت هذه الروايات أنّ الامام (ع) لم يصرّح لابن مطيع فيه

إلّاأنّه يريد مكّة، ولم يحدّثه أنّه يريد العراق!

ثمّ كيف يُتصوّر أنّ حملا من الرسائل يصل إلى الامام وهو في المدينة من

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 425

أهل الكوفة بعد انتشار نباء موت معاوية!؟ والثابت تاءريخيّا أنّ أهل الكوفة علموا بموت معاوية بعد وصول الامام (ع) إلى مكّة بفترة، ثمّ كتبوا إليه يدعونه إليهم.

فالرّاوي لهذه الرواية على فرض صحّتها يكون قد خلط بين مجريات اللقائين خلطا ظاهرا من حيث يعلم أو لايعلم! والمقطوع به تاءريخيّا أنّ رسائل دعوة أهل الكوفة للا مام (ع) لم تصل إليه في المدينة، بل في مكّة.

الثالثة: وهي الرواية التي حكاها صاحب (أسرار الشهادة) عن بعض (الثقات الادباء الشعرأ من تلامذتي من العرب) حسب قوله، وأنّ هذا الثقة قد ظفر بها في مجموعة كانت تنسب إلى (الفاضل الاديب المقري) فنقلها عنها، وهذه الرواية أنّه: (قد روى عبداللّه بن سنان الكوفي، عن أبيه، عن جدّه، أنّه قال:

خرجت بكتاب من أهل الكوفة إلى الحسين (ع) وهو يومئذٍ بالمدينة، فاءتيته فقرأه وعرف معناه، فقال: أنظرني إلى ثلاثة أيّام. فبقيت في المدينة، ثمّ تبعته إلى أن صار عزمه بالتوجّه إلى العراق، فقلت في نفسي أمضي وأنظر إلى ملك الحجاز كيف يركب وكيف جلا

له و شانه «1» ثم يصف ..... ص : 425

الراوي كيف أركب الهاشميّون محارمهم من عيالات الامام الحسين (ع) على محامل الابل، ثمّ كيف ركب بنوهاشم والامام (ع).

وهذه الرواية على د فرض صحّتها (وهي ليست كذلك) «2» هي الرواية الوحيدة التي تخبر عن وصول رسالة من أهل الكوفة إلى الامام (ع) وهو في المدينة في أيّام ما بعد رفضه البيعة ليزيد بعد موت معاوية، أو قبل ذلك بيوم!

ولا شك أن هذه الرسالة تعتبر من رسائل أهل الكوفة إلى الامام (ع) في فترة ما ..... ص : 425

مع الركب الحسينى(ج 1)، ص: 426

قبل علم أهل الكوفة بموت معاوية، لا نّ نباء موت معاوية من قرائن تاءريخيّة عديدة لم يصل إلى أهل الكوفة إلّا بعد وصول الامام (ع) إلى مكّة المكرّمة، أو وهو في الطريق إليها.

من كلّ ما قدّمناه في هذه القضيّة نستنتج:

أنّه لم تصل إلى الامام (ع) وهو في المدينة في غضون أيّام إعلانه رفض البيعة ليزيد إلى حين خروجه عنها أيّة رسالة من أهل الكوفة تُنبي عن علمهم بموت معاوية، وعن دعوتهم الامام (ع) إليهم، ولا من مكّة أيضا، ولا من سواهما.

على مشارف مكّة المكرّمة: ..... ص : 426

وتواصل رواية الفتوح متابعة مسار الامام الحسين (ع) بركب الشهادة من المدينة إلى مكّة حتّى مشارفها من بعيد حيث تبدو جبالها للناظر، فتقول:

(وسار حتّى وافى مكّة، فلمّا نظر إلى جبالها من بعيد جعل يتلو هذه الاية:

(ولمّا توجّه تلقاء مدين قال عسى ربّي أن يهديني سوأ السبيل). «1»

وتقول رواية الاخبار الطوال:

(ثمّ أطلق عنانه ومضى حتّى وافى مكّة، فنزل شِعبَ عليٍّ ...). «2»

وتقول رواية ابن عساكر:

(فنزل الحسين دار العبّاس بن عبدالمطّلب ...). «3»

الجزء الثاني

الجزء الثالث

الجزء الرابع

الجزء الخامس

الجزء السادس

اشارة

سرشناسه : طبسي، نجم الدين، - 1334

عنوان و نام پديدآور : الامام الحسين عليه السلام في مكه المكرمه/ تاليف نجم الدين الطبسي

مشخصات نشر : قم : سپهر انديشه ، 1427ق=1385.

مشخصات ظاهري : ص 480

فروست : (مع الركب الحسيني من المدينه الي المدينه؛ الجزآ الثاني)

شابك : 964-7935-51-x

وضعيت فهرست نويسي : فهرستنويسي قبلي

يادداشت : عربي

يادداشت : فهرست نويسي براساس اطلاعات فيپا

يادداشت : كتابنامه: ص. 472 - 455؛ همچنين به صورت زيرنويس

موضوع : حسين بن علي (ع)، امام سوم، 61 - 4ق. -- سرگذشتنامه

موضوع : واقعه كربلا، ق 61

موضوع : مكه -- تاريخ -- قرن ق 1

رده بندي كنگره : BP41/4/م 63 ج. 2، 1385

رده بندي ديويي : 297/953

شماره كتابشناسي ملي : م 85-11105

الجزء الثاني

اشارة

سرشناسه : طبسي، نجم الدين، - 1334

عنوان و نام پديدآور : الامام الحسين عليه السلام في مكه المكرمه/ تاليف نجم الدين الطبسي

مشخصات نشر : قم : سپهر انديشه ، 1427ق=1385.

مشخصات ظاهري : ص 480

فروست : (مع الركب الحسيني من المدينه الي المدينه؛ الجزآ الثاني)

شابك : 964-7935-51-x

وضعيت فهرست نويسي : فهرستنويسي قبلي

يادداشت : عربي

يادداشت : فهرست نويسي براساس اطلاعات فيپا

يادداشت : كتابنامه: ص. 472 - 455؛ همچنين به صورت زيرنويس

موضوع : حسين بن علي (ع)، امام سوم، 61 - 4ق. -- سرگذشتنامه

موضوع : واقعه كربلا، ق 61

موضوع : مكه -- تاريخ -- قرن ق 1

رده بندي كنگره : BP41/4/م 63 ج. 2، 1385

رده بندي ديويي : 297/953

شماره كتابشناسي ملي : م 85-11105

مع الركب الحسيني من المدينة الى المدينة (الجز الثاني)

مقدمة مركز الدراسات الإسلاميّة التابع لممثليّة الولي الفقيه في حرس الثورة الإسلامية ..... ص : 3

اشارة

الحمد للَّه الذي جعل الحمد مفتاحاً لذكره و دليلًا على نعمه و آلائه، والصلاة والسلام على أشرف الخلائق محمّد وآله الطيبين الطاهرين.

و بعدُ: فهذا الكتاب هو الجزء الثاني من سلسلة أجزاء الدراسة التأريخية التفصيلية (مع الركب الحسيني من المدينة الى المدينة)، و يختص هذا الجزء بالمقطع الثاني من مقاطع هذه الدراسة، و هو مقطع «الأيّام المكيّة من عمر النهضة الحسينية»، أي الأيام التي أقام الإمام الحسين عليه السلام فيها بمكّة المكرمة بعد إعلانه عن رفضه مبايعة يزيد بعد موت معاوية بن أبي سفيان.

و فترة الأيام المكيّة من عمر النهضة الحسينية من أصعب أيام هذه النهضة المباركة على صعيد المتابعة التاريخيه، لأنها أقلّ مقاطع هذه النهضة المقدّسة من حيث كميّة الوثائق التأريخية التي تحدّثت عنها، مع أنّ هذه الفترة هي أطول مقاطع النهضة الحسينية إذ بلغت ما يقارب مائة و خمسة و عشرين يوماً، و لا شكّ أنها كانت مليئة بالمهم من وقائع حركة الإمام عليه السلام لأنّ مكّة المكرّمة في تلك الأيام

كانت محطّ و ملتقى جموع المعتمرين والحجّاج.

مع الركب الحسينى (ج 2)، ص: 4

ولذا فقد عمد مؤلّف هذا الكتاب- من أجل سدّ ثغرة قلّة وثائق هذه الفترة- إلى دراستها من خلال متابعات ثلاث: الأولى هي متابعة حركة الإمام عليه السلام، والثانية متابعة حركة السلطة الأموية في مواجهة حركة الإمام عليه السلام، والثالثة هي متابعة حركة الأمّة إزاء قيام الإمام عليه السلام.

فجاءت هذه الدراسة غنيّة و جديدة بمعنى الكلمة من حيث النظم والمحتوى، والإلتفاتة البكر، والإستنباط الذكيّ الرائع، والتبويب المغني عن عناء المتابعات المرهقة.

و مؤلف هذا البحث هو سماحة الشيخ المحقّق الأستاذ نجم الدين الطبسي، صاحب الخبرة الطويلة في ميدان التحقيق العلمي والتأريخي، إذ هو أحد محقّقي موسوعة: «معجم أحاديث المهدي عليه السلام»، و من مؤلفاته القيّمة: كتاب «موارد السجن في النصوص والفتاوى»، و كتاب «النفى والتغريب»، و كتاب «الوهابية:

دعاوى و ردود».

ولا يسعنا هنا إلّاأن نتقدّم الى شيخنا المحقّق مؤلف هذا الكتاب بالشكر الجزيل على ما بذله من جهد متواصل و عناء كبير من أجل إنجاز هذا البحث القيّم، داعين له بمزيد من الموفقية والنجاح في ميدان خدمة الحقّ والحقيقة و نصرة دين اللَّه تعالى.

كما نتقدّم بالشكر الجزيل إلى الأخ الأستاذ المحقّق علي الشاوي الذي آزر مؤلّف الكتاب مؤازرة صميمية، و بذل جهداً كبيراً مشكوراً في مراجعة و نقد و تنظيم هذا البحث القيّم، داعين له بمزيد من الموفقية في ميدان التحقيق و مؤازرة المحقّقين، و في مواصلة عنايته الكبيرة في خدمة الأجزاء الباقية من هذه الدراسة القيّمة.

مركز الدراسات الإسلاميّة

لممثليّة الولي الفقيه في حرس الثورة الإسلامية

مع الركب الحسينى (ج 2)، ص: 7

مقدمة المؤلف (الأيّام المكيّة من عمر النهضة الحسينية) ..... ص : 7
اشارة

ارتحل الإمام الحسين عليه السلام عن المدينة المنوّرة سنة ستين للهجرة إلى مكّة المكرّمة بعد موت معاوية بن أبي سفيان

على أثر إعلانه رفض البيعة ليزيد، وكان عليه السلام قد أقام في مكّة المكرّمة منذ اليوم الثالث من شعبان الى اليوم الثامن من ذي الحجة من نفس السنة، أي ما لايقلّ عن مائة وخمسة وعشرين يوماً، وهي فترة طويلة نسبياً في إطار حساب عمر النهضة الحسينيّة المباركة، غير أن هذه الفترة برغم طولها تعتبر الفترة المجهولة من عمر هذه النهضة المباركة إذا قورنت مع فتراتها الأخرى من حيث الوقائع والأحداث التي سجلها التاريخ عنها، ذلك لأن كتب التأريخ مرّت على هذه الفترة المكيّة مرور الكرام، فعدا وقائع أيّام ما قبيل خروج الإمام عليه السلام من مكة التي حظيت بنوع من العناية التأريخيّة التفصيلية، نلاحظ أنّ التأريخ لم يسجّل عن بقيّة هذه الأيام المكيّة الطويلة إلّا ملاحظات عامة هي أقرب إلى الغموض منها إلى الوضوح.

هذا مع أنّ دراسة النهضة الحسينيّة واستيعاب أبعادها وفهم أسرارها منال لا يبلغ منه المحقق أقصى غايته بمعزل عن معرفة مجريات وقائع هذه الأيام المكيّة ودراسة الأجواء والتحركات المؤيّدة والمضادة التي كانت تعايشها النهضة الحسينيّة والإمام عليه السلام في مكّة.

وتتزاحم في ذهن المتأمل في هذه الفترة المكيّة أسئلة كثيرة، قد يكون أوّلها

مع الركب الحسينى (ج 2)، ص: 8

هو السؤال عن علّة ارتحال الإمام عليه السلام من المدينة المنورة إلى مكّة المكرّمة لا إلى سواها. هل أراد الإمام عليه السلام أن يتّخذ من مكّة مركزاً لانطلاق الثورة على الحكم الأمويّ!؟ أم كان عليه السلام يريد استثمار أشهر الحج في مكّة المكرّمة لإيصال صوت هذه النهضة المباركة والتعريف بأهدافها الى كلّ العالم الإسلامي آنذاك؟

وكان يمكن للمتأمّل أن يجيب بالإيجاب على محتوى الشقّ الأوّل من السؤال، أو يتبنّى الجمع بين محتوى الشقّين الأوّل والثاني معاً لو كان

في مكّة المكرّمة قاعدة شعبية كبيرة موالية لأهل البيت عليهم السلام، ولكن هل كانت هذه القاعدة الشعبية الموالية موجودة فعلًا آنذاك!؟

من المؤسف أنّ مثل هذه القاعدة الشعبية الموالية لم تتوفر للإمام الحسين عليه السلام ولا لأخيه الإمام الحسن عليه السلام من قبله ولا لأبيهما الإمام أميرالمؤمنين عليه السلام من قبلهما، بسبب ما تركته معارك الإسلام الأولى كبدرٍ وأُحدٍ وغيرهن في قلوب بطون قريش من أحقادٍ على أميرالمؤمنين عليّ عليه السلام خاصة وعلى أهل البيت عليهم السلام فأضبّت على عداوتهم وأكبّت على منابذتهم، ذلك لأنها لا تنسى عليّاً عليه السلام الذي ناوش ذؤبانها وقتل صناديدها، وكيف تنساه «وهو صاحب لواء رسول اللَّه صلى الله عليه و آله والمهاجرين» «1»!؟ كيف تنسى قريش علياً عليه السلام وقد أورد أوّلها النار وقلّد آخرها العار على حدّ قول الإمام زين العابدين عليه السلام وابن عبّاس «2»!؟ كيف تحبّه وقد قتل في بدرٍ وأُحد من ساداتهم سبعين رجلًا تشرب أنوفهم الماء قبل شفاههم؟ هكذا قال ابن عمر لأميرالمؤمنين عليّ عليه السلام الذي ردَّ عليه قائلًا:

مع الركب الحسينى (ج 2)، ص: 9

ماتركتْ بدرُ لنا مُذيقا ولا لنا من خلفنا طريقا «1»

عن عليّ بن الحسن بن فضّال، عن أبيه، عن أبي الحسن عليه السلام، قال: سألته عن أميرالمؤمنين عليه السلام كيف مال الناس عنه الى غيره، وقد عرفوا فضله وسابقته ومكانه من رسول اللَّه صلى الله عليه و آله!؟ فقال عليه السلام:

«إنّما مالوا عنه الى غيره وقد عرفوا فضله لأنه قد كان قتل من آبائهم وأجدادهم وإخوانهم وأعمامهم وأخوالهم وأقربائهم المحادّين للَّه ولرسوله عدداً كثيراً، وكان حقدهم عليه لذلك في قلوبهم فلم يحبّوا أن يتولّى عليهم، ولم يكن في قلوبهم على غيره مثل ذلك، لأنه

لم يكن له في الجهاد بين يدي رسول اللَّه صلى الله عليه و آله مثل ما كان له، فلذلك عدلوا عنه ومالوا إلى سواه». «2»

وقد مارس ساسة السقيفة ومؤيدوهم عملًا إعلامياً مدروساً ومتواصلًا لتأجيج ثائرة قريش على عليّ عليه السلام ولترسيخ حقدها عليه، فهاهو عمر بن الخطّاب مثلًا ينظر الى سعيد بن العاص فيقول له: «مالي أراك كأنّ في نفسك عليَّ شيئاً، أتظنّ أنّي قتلت أباك؟ واللَّه لوددت أنّي كنت قاتله! ولو قتلته لم أعتذر من قتل كافر، ولكنّي مررت به في يوم بدر فرأيته يبحث للقتال كما يبحث الثور بقرنه، وإذا شدقاه قد أزبدا كالوزغ، فلمّا رأيت ذلك هبته ورغتُ عنه! فقال: إلى أين يابن الخطّاب!؟ وصمد له عليٌ فتناوله، فواللَّه ما رمت مكاني حتى قتله». «3»

وكان عليُ عليه السلام حاضراً في المجلس فقال:

مع الركب الحسينى (ج 2)، ص: 10

«اللّهُمَّ غفراً، ذهب الشرك بما فيه، ومحا الإسلام ما تقدّم، فمالك تُهيِّج الناس عليَّ!؟». «1»

وقد لخّصت سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليها السلام علّة كراهية قريش لعليّ عليه السلام أمام نساء المهاجرين والأنصار اللواتي جئن لعيادتها في مرضها قبل شهادتها حيث قالت عليها السلام:

«وما الذي نقموا من أبي الحسن!؟ نقموا منه واللَّه نكير سيفه، وقلّة مبالاته بحتفه، وشدّة وطأته، ونكال وقعته، وتنمّره في ذات اللَّه». «2»

وما برح أمير المؤمنين عليّ عليه السلام بعد رسول اللَّه صلى الله عليه و آله يشكو الى اللَّه ما فعلت به قريش من غصب حقّه وتصغير عظيم شأنه حتى مضى شهيداً، ومن شكايا بثّه الى اللَّه تعالى في هذا قوله عليه السلام:

«مالنا ولقريش!؟ وما تنكر منّا قريش غير أنّا أهل بيت شيّد اللَّه فوق بنيانهم بنياننا، وأعلى فوق رؤوسهم رؤوسنا، واختارنا اللَّه

عليهم، فنقموا على اللَّه أن اختارنا عليهم، وسخطوا مارضي اللَّه، وأحبّوا ماكره اللَّه، فلمّا اختارنا اللَّه عليهم شركناهم في حريمنا، وعرّفناهم الكتاب والنبوّة، وعلّمناهم الفرض والدين، وحفّظناهم الصحف والزبر، وديّناهم الدين والإسلام، فوثبوا علينا، وجحدوا فضلنا، ومنعونا حقّنا، وأَلتونا «3» أسباب أعمالنا وأعلامنا، اللّهم فإنّي أستعديك على قريش فخذ لي بحقّي منها، ولا تدع مظلمتي لديها، وطالبهم- ياربّ- بحقّي، فإنّك الحكم العدل، فإنّ قريشاً

مع الركب الحسينى (ج 2)، ص: 11

صغّرت عظيم أمري ...». «1»

ويقول عليه السلام في نفثة أخرى وهو يدعو اللَّه تعالى على قريش:

«فأَجزِ قريشاً عني بفعالها، فقد قطعت رحمي، وظاهرت عليَّ، وسلبتني سلطان ابن عمّي ..». «2»

ويجيب عليه السلام أخاه عقيلًا في كتاب إليه: «فدع عنك قريشاً وتركاضهم في الضلال، وتجوالهم في الشقاق، وجماحهم في التيه، فإنّهم قد أجمعوا على حربي كإجماعهم على حرب رسول اللَّه صلى الله عليه و آله قبلي، فجزت قريشاً عنّي الجوازي، فقد قطعوا رحمي، وسلبوني سلطان ابن عمي ..». «3»

ويلخّص عليه السلام موقفه في صبره على الطامّة الكبرى في انحراف الأمّة عن وصيّة رسول اللَّه صلى الله عليه و آله وغصب قيادة السقيفة حقّه الإلهي في الخلافة:

«ما رأيت منذ بعث اللَّه محمّداً صلى الله عليه و آله رخاءً، والحمد للَّه، واللَّه لقد خفت اللَّه صغيراً وجاهدت كبيراً، أقاتل المشركين وأعادي المنافقين حتى قبض اللَّه نبيّه صلى الله عليه و آله فكانت الطامّة الكبرى، فلم أزل حذراً وجلًا أخاف أن يكون ما لا يسعني معه المقام، فلم أرَ- بحمد اللَّه- إلّا خيراً، واللَّه مازلت أضرب بسيفي صبياً حتى صرت شيخاً، وإنّه ليصبّرني على ما أنا فيه أنّ ذلك كلّه في اللَّه ...». «4»

مع الركب الحسينى (ج 2)، ص: 12

مكّة المكرّمة والتركيبة القبلية فيها ..... ص : 12

إنّ تركيبة مكّة المكرّمة

الإجتماعية آنذاك تركيبة قبلية، فهي بيوتات وعشائر وبطون، وتتألف قريش من خمسة وعشرين بطناً، «1» و «ما أن أعلن النبي صلى الله عليه و آله نبوّته رسمياً، واختياره لوليّ عهده، حتى وقفت قريش وقفة رجل واحد بقيادة البيت الأموي، وأعلنت رفضها المطلق للنبوّة والكتاب وولاية العهد، وصرّحت بأنها ستجنّد كلّ طاقاتها الماديّة والمعنوية لصدّ أهل مكّة خاصة والعرب عامة عن إتباع محمد صلى الله عليه و آله والدخول في دينه، وانقسم المجتمع المكي الى قسمين:

الأوّل: وهو الأكثر عدداً ومدداً ظاهرياً، ويتألّف من ثلاثة وعشرين بطناً من بطون قريش ومن والاهم من الموالي والأحابيش.

الثاني: وهو الأقلّ عدداً، ويتألّف من رسول اللَّه محمد صلى الله عليه و آله ومن بطنه الهاشمي وبطن بني المطّلب بن عبد مناف، ومن والى هذين البطنين من الموالي والأحابيش، مضافاً إليهم الذين اعتنقوا الدين الإسلامي». «2»

وقد «قرّرت البطون استعمال كلّ الوسائل لعزل محمد صلى الله عليه و آله عن الهاشميين، فإن هم أصرّوا على عدم التخلّي عنه فلابدّ من عزل الهاشميين أنفسهم عن البطون، وفرض محاصرتهم ومقاطعتهم، فإن لم تُجدِ هذه الوسائل تعيّن على البطون أن تختار رجالًا منها يشتركون جميعاً في قتل محمد صلى الله عليه و آله فيضيع دمه بين البطون، ولا يقوى الهاشميون على المطالبة بدمه، وإن لم تنجح محاولة القتل، وجب ملاحقة محمد صلى الله عليه و آله، ومحاربته حتى يتمّ القضاء التام عليه وعلى دعوته». «3»

مع الركب الحسينى (ج 2)، ص: 13

لكنّ هذه البطون المناوئة للدعوة المحمّدية أحسّت بالخيبة وبقوّة الصدمة وشدّة النكسة وهول ما أصابها من بني هاشم عامة ومن عليّ بن أبي طالب عليهما السلام خاصة بعد تعاظم أمر رسول اللَّه صلى الله عليه و آله واشتداد

شوكته، خصوصاً بعد معركة بدر الكبرى التي عبّأت فيها قريش كلّ قواها، إذ «مابقي أحد من عظماء قريش إلّا أخرج مالًا لتجهيز الجيش، وقالوا: من لم يخرج نهدم داره»، «1» ويرى أبوسفيان أنّ لوازم المواجهة مع رسول اللَّه صلى الله عليه و آله تقتضي العداء الى آخر الدهر، هاهو يخاطب الرجل الجهني وهو يستقصيه أخبار جيش النبي صلى الله عليه و آله قبيل وقعة بدر الكبرى قائلًا:

«واللات والعُزّى لئن كتمتنا أمر محمّد لا تزال قريش لك معادية آخر الدهر، فإنّه ليس أحد من قريش إلّا وله شي ء في هذا العير». «2»

لقد ترسّخ حقد قريش على بني هاشم عامة وعلى أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب عليهما السلام خاصة منذ انجلت بدر الكبرى عن انكسار قريش واندحارها، وإنها لتعلم أنّ علياً عليه السلام هو السبب الرئيس في انهزامها وخسارتها المفجعة، فهو الذي قتل الوليد ثم شرك في قتل عتبة وشيبة، ولقد تفرّد عليه السلام بقتل خمسة وثلاثين رجلًا ببدر- على ما أثبتهُ رواة العامة والخاصة معاً- سوى من اختلفوا فيه، ومن شرك أميرالمؤمنين عليه السلام غيره في قتله. «3»

وهو عليه السلام صاحب الموقف الفذ الفريد في الشجاعة والثبات يوم أحد، وكشاهد على هذا الموقف العُجاب ننقل من ميدان موقعة أحد هذه اللقطة: «قد كانت راية قريش مع طلحة بن أبي طلحة العبدري من بني عبد الدار، فبرز ونادى:

مع الركب الحسينى (ج 2)، ص: 14

يامحمّد، تزعمون أنكم تجهّزونا بأسيافكم الى النار ونجهّزكم بأسيافنا الى الجنّة، فمن شاء أن يلحق بجنّته فليبرز إليَّ. فبرز إليه أميرالمؤمنين عليه السلام وهو يقول:

ياطلحُ إنْ كنتم كما تقول لكم خيول ولنا نصولُ

فاثبت لننظر أيّنا المقتول وأيّنا أولى بما تقولُ

فقد أتاك الأسدُ الصؤول بصارم ليس به

فلولُ

ينصره القاهر والرسولُ

فقال طلحة: من أنت ياغلام؟

قال: أنا عليّ بن أبي طالب.

قال: قد علمتُ ياقضم «1» أنه لايجسرُ عليَّ أحدٌ غيرك!.

فشدَّ عليه طلحة فضربه، فاتّقاه أميرالمؤمنين عليه السلام بالحجفة، ثمّ ضربه أميرالمؤمنين عليه السلام على فخذيه فقطعهما جميعاً فسقط على ظهره، وسقطت الراية، فذهب عليّ عليه السلام ليجهز عليه فحلّفه بالرحم فانصرف عنه، فقال المسلمون: ألا

مع الركب الحسينى (ج 2)، ص: 15

أجهزت عليه؟ قال: قد ضربته ضربة لايعيش منها أبداً.

ثم أخذ الراية أبوسعيد بن أبي طلحة، فقتله عليّ عليه السلام، وسقطت رايته الى الأرض. فأخذها عثمان بن أبي طلحة فقتله عليّ، وسقطت الراية الى الأرض.

فأخذها مسافع بن أبي طلحة، فقتله عليّ عليه السلام، وسقطت الراية الى الأرض.

فأخذها الحارث بن أبي طلحة فقتله عليّ عليه السلام، وسقطت الراية الى الأرض.

فأخذها عُزير بن عثمان فقتله عليّ عليه السلام، وسقطت الراية الى الأرض. فأخذها عبداللَّه بن جميلة بن زهير فقتله عليّ عليه السلام وسقطت الراية الى الأرض. فقتل أمير المؤمنين التاسع من بني عبدالدار وهو أرطأة بن شرحبيل مبارزة، وسقطت الراية إلى الأرض. فأخذها مولاهم صوأب فضربه أميرالمؤمنين عليه السلام على يمينه فقطعها، وسقطت الراية الى الأرض، فأخذها بشماله، فضربه أميرالمؤمنين عليه السلام على شماله فقطعها، فسقطت الراية إلى الأرض، فاحتضنها بيديه المقطوعتين ثم قال: يابني عبدالدار، هل أُعذرت فيما بيني وبينكم؟ فضربه أميرالمؤمنين عليه السلام على رأسه فقتله، وسقطت الراية الى الأرض ...». «1»

فبنو عبدالدار يعادون بني هاشم عامة وعلياً وآل عليّ عليهم السلام خاصة ويبغضونهم الى يوم الدين، حتى وإن عرفوا أنّ علياً «أحد الأربعة الذين أمر اللَّه نبيّه أن يُحبّهم»، «2» أو سمعوا أنّه يقول فيه: «لا يحبّه إلّا مؤمن ولا يبغضه إلّا منافق»، «3»

أو أنه «أحبّ

الخلق إلى اللَّه»، «4»

أو أنه «وليُّ النبيّ صلى الله عليه و آله في الدنيا والآخرة». «5»

مع الركب الحسينى (ج 2)، ص: 16

ولبطون قريش الأخرى نصيبها من القتلى الذين مضوا الى جهنم بسيف أميرالمؤمنين عليه السلام في بدر وأحد ومعارك الإسلام الأخرى، هذا فضلًا عمّن قُتل منهم في حربي الجمل وصفّين، وأولاء عدا من حدّه عليّ عليه السلام لفسقه، أو فرَّ من طائلة عدل عليّ عليه السلام وقصاصه.

لذا فقد كان أهل مكّة وكثير من أهل الحجاز لايميلون الى بني هاشم عامة والى عليّ وآل عليّ عليهم السلام خاصة، ومالوا الى قيادة السقيفة ثمّ إلى بني أميّة بعدهم، يقول الإمام علي بن الحسين عليهما السلام كاشفاً عن تلك الحقيقة:

«ما بمكّة والمدينة عشرون رجلًا يحبّنا ..». «1»

ويقول أبوجعفر الإسكافي في هذا الصدد: «أمّا أهل مكّة فكلّهم كانوا يبغضون علياً قاطبة، وكانت قريش كلّها على خلافه، وكان جمهور الخلق مع بني أميّة عليه». «2»

لقد كان لحركة النفاق بجميع فصائلها دور مدروس ومخطّط وذو أثر بالغ في تأجيج ضغائن الجاهلية ضد أهل البيت عليهم السلام عامة وضد أميرالمؤمنين عليّ عليه السلام خاصة، ولمّا تسلّم الحزب الأموي قيادة حركة النفاق بزعامة معاوية بن أبي سفيان الذي مابرح يبكي على قتلى مشركي قريش في بدر حتى لحظات احتضاره، «3» كان الهمّ الأكبر للأمويين هو فصل الأمّة عن أمير المؤمنين علي عليه السلام حتىّ على الصعيد الوجداني، فأمر معاوية بسبّه ولعنه والبراءة منه، واضطهد محبّيه معيشياً وسياسياً

مع الركب الحسينى (ج 2)، ص: 17

اضطهاداً رهيباً. «1»

من كلّ ما مضى تتأكد لنا حقيقة أنّ أهل البيت عليهم السلام لم تكن لهم قاعدة شعبية في مكة المكرّمة خاصة، قاعدة شعبية واسعة تتولاهم وتدعم مواقفهم وتنصرهم، أو تحبّهم على الأقلّ، والأمر

كما وصفه الإمام السّجاد عليه السلام:

«ما بمكّة والمدينة عشرون رجلًا يحبّنا»!!

ومن هنا أيضاً تتأكّد لنا حقيقة أنّ الإمام الحسين عليه السلام لم يقصد من توجّهه الى مكّة المكرّمة أهل هذه المدينة بالأساس، بل كان قصده الرئيسي في التوجّه إليها هو إبلاغ وفود العالم الإسلامي من المعتمرين والحجّاج بقيامه ونهضته للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، طلباً للنصرة وإتماماً للحجّة على الناس.

ومن هنا نرجّح أنّ ماورد في بعض الروايات من أنّ أهل «2» مكّة فرحوا بالإمام عليه السلام فرحاً شديداً، أو عكف الناس بمكّة يفدون إليه، ويجلسون حواليه، ويستمعون كلامه، وينتفعون بما يسمعون منه، ويضبطون مايروون عنه ... ليس المراد بذلك جلّ أهل مكّة بالذات بل المراد بذلك هم جموع الوافدين على مكّة من معتمرين وحجّاج ونزر قليل جداً من المكيّين الذين استوطنوا مكّة بعد فتحها وبعد انتشار الإسلام ومما يؤكّد ماذهبنا إليه أن التأريخ لم يحدّثنا أنّ أحداً من المكيين قد التحق بالإمام عليه السلام وسار معه الى العراق.

والأيام التي قضاها الإمام أبو عبداللَّه الحسين عليه السلام في مكّة المكرّمة تشكّل

مع الركب الحسينى (ج 2)، ص: 18

المقطع الأطول من عمر النهضة الحسينيّة المقدّسة، ولاشك أنّ ما يقارب المائة وخمسة وعشرين يوماً مساحة زمنية حفلت ثناياها بكثير من الإتصالات واللقاءات والمحاورات والمراسلات وأنشطة أخرى متعدّدة غيرها كان الإمام أبوعبداللَّه الحسين عليه السلام قد قام بها، ولو كان التأريخ قد سجّل لنا جميع تلك الوقائع وتفاصيلها، لكان أغنى المؤرخين والمتتبّعين المحققّين بمادة تأريخية مهمة، ولأعانهم عوناً كبيراً على كشف كثير من الغموض المحيط ببعض الأحداث والمواقف الواقعة في إطار تأريخ هذه النهضة المباركة.

لكنّ المؤسف فعلًا- كما قلنا في بداية هذه المقدّمة- أنّ التأريخ لم يسجل لنا عن هذه الأيام المكيّة

إلّا ملاحظات عامّة غضّت الطرف وأغمضته عن كثير من التفاصيل التأريخية اللازمة في الإجابة على كثير من التساؤلات التي تنقدح في ذهن المتأمل حول تلك الفترة وما جرى فيها وبعدها.

ويمكن للمتتبع أن يحدّد المحاور العامة التي سجلها التأريخ لهذه الفترة المكيّة بما يأتي:

1- إنشداد الناس في مكّة الى الإمام عليه السلام واحتفاؤهم به، وتضايق عبداللَّه بن الزبير والسلطة الأموية المحلّية في مكّة لذلك.

2- محاولات بعض وجهاء الأمّة لثني الإمام عليه السلام عن التوجّه الى العراق في إطار لقاءات ومحاورات النصح والمشورة وبعض المكاتبات في هذا الصدد.

3- رسائل أهل الكوفة الى الإمام عليه السلام، ورسائل الإمام عليه السلام إليهم والى أهل البصرة.

4- إرسال الإمام عليه السلام مسلم بن عقيل عليه السلام إلى أهل الكوفة.

5- خطب الإمام عليه السلام قبيل مغادرة مكّة، والمحاولات الأخيرة لثنيه عن التوجّه

مع الركب الحسينى (ج 2)، ص: 19

الى العراق.

ومجموع الروايات التأريخية الواردة في إطار هذه المحاور تعتبر نزراً قليلًا جداً إذا قيست إلى ما يمكن أن تتضمّنه فترة لا تقلّ عن مائة وخمسة وعشرين يوماً من وقائع وأحداث، خصوصاً في مدينة مكّة المكرّمة وفي أيّام كانت هذه المدينة قد غصّت بجموع غفيرة من معتمرين وحجّاج وفدوا إليها من شتى أنحاء العالم الإسلامي، وفيهم شخصيات مهمة كثيرة يستبعد المتأمّل ألا تكون لها لقاءات كثيرة وطويلة مع الإمام الحسين عليه السلام الذي هو آنذاك الرمز الديني والروحي لهذه الأمّة.

ومن أجل جبران هذا النقص في المادّة التأريخية لفترة الأيام المكيّة من عمر النهضه الإسلامية رأينا أن نتابع وقائع وأحداث هذه الفترة من خلال الزوايا الثلاث التالية:

1- حركة الإمام الحسين عليه السلام في هذه الفترة.

2- حركة السلطة الأموية في مواجهة الإمام عليه السلام.

3- حركة الأمّة إزاء قيام الإمام

عليه السلام.

وقد حاولنا- فضلًا عن الروايات المبذولة في إطار هذه الزوايا الثلاث- أن نلتقط كلّ الشوارد والإشارات التأريخيّة المتفرّقة في كتب التأريخ والتراجم وغيرها ونجمعها في متجهاتها كيما نزيح بأضواء جديدة بعض الغموض الجاثم على مساحة كبيرة من تلك الفترة، لنكون بذلك قد قدّمنا جديداً في إطار هذه الدراسة التأريخية التحليلية النقدية.

تُرى هل وفّقنا الى ذلك؟

التقييم في ذلك متروك الى القارى ء الكريم.

مع الركب الحسينى (ج 2)، ص: 20

وفي الختام: ..... ص : 20

أود أن أتقدم بالشكر والتقدير الفائق إلى صاحب الفضيلة الأستاذ المحقّق علي الشاوي المحترم حيث أتحفنا بملاحظات قيمة، مع بذل غاية جهده في تنظيم وترصين هذا الجهد المتواضع: كتاب «الإمام الحسين عليه السلام في مكّة المكرّمة» فله الفضل عليَّ والأيادي.

واستميح سيّدي الوالد المرحوم آية الله الطبسي عذراً إذ لم أوفّق حتّى الآن لتنفيذ ما أوصى به إلينا من تحقيق وطبع ونشر مؤلّفه القيّم- المخطوط- مقتل الإمام الحسين عليه السلام، وعسى أن يكون هذا الجهد المتواضع بداية خير لإنجاز ما طلبه منّا في قريب عاجل إن شاء الله تعالى.

نجم الدين الطبسي

قم المقدّسة

19/ محرّم الحرام/ 1421 ه. ق

مع الركب الحسينى (ج 2)، ص: 23

الفصل الأول ..... ص : 23

اشارة

حركة الإمام أبي عبدالله الحسين عليه السلام في مكّة

الفصل الأوّل: حركة الإمام أبي عبدالله الحسين عليه السلام في مكّة ..... ص : 23
ورود الإمام الحسين عليه السلام مكّة المكرّمة ..... ص : 23
اشارة

سار الإمام عليه السلام بالركب الحسينيّ من المدينة المنورة حتى وافى مكّة المكرّمة، فلمّا نظر إلى جبالها من بعيد جعل يتلو هذه الآية الكريمة: «ولمّا توجّه تلقاء مدين قال عسى ربّي أن يهديني سواء السبيل»، «1» وذلك ما قاله رسول اللَّه موسى بن عمران عليه السلام حينما خرج من مصر إلى مدين.

وقيل: إنه لمّا قدم مكّة قال: «اللّهمَّ خِرْ لي واهدني سواء السبيل». «2»

وقد دخل عليه السلام مكّة ليلة الجمعة لثلاث مضين من شعبان. «3» أو دخلها عليه السلام يوم الجمعة، «4» ومكث فيها أربعة أشهر وخمسة أيّام.

الإستقبال الحافل والحفاوة البالغة ..... ص : 23

قال ابن كثير: «وعكف الناس بمكّة يفدون إليه، ويجلسون حواليه،

مع الركب الحسينى (ج 2)، ص: 24

ويستمعون كلامه، وينتفعون بما يسمعون منه، ويضبطون ما يروون عنه». «1»

وقال الشيخ المفيد قدس سره: «فأقبل أهلها يختلفون إليه، ومن كان بها من المعتمرين وأهل الآفاق ...». «2»

وقال ابن الصباغ: «فأقبل الحسين حتى دخل مكّة المشرّفة ونزل بها، وأهلها يختلفون إليه ويأتونه، وكذلك من بها من المجاورين والحجاج والمعتمرين من سائر أهل الآفاق». «3»

وذكر بعض المؤرّخين أنّ أهل مكّة فرحوا به عليه السلام فرحاً شديداً، وجعلوا يختلفون إليه بكرة وعشيّاً. «4»

ويبدو أنّ بعض المتتبعين المعاصرين- كباقر شريف القرشيّ- قد استفاد من مجموع مثل هذه النصوص أنّ المكيّين أنفسهم هم الذين احتفوا بالإمام عليه السلام وكانوا يختلفون إليه بكرة وعشياً، فأطلق القول هكذا: «وقد استقبل الإمام عليه السلام استقبالًا حافلًا من المكيّين، وجعلوا يختلفون إليه بكرة وعشيّاً، وهم يسألونه عن أحكام دينهم وأحاديث نبيّهم». «5»

لكننا نرجّح- كما قدّمنا في مقدمة الكتاب- أنّ الذين احتفوا بالإمام الحسين عليه السلام وكانوا يفدون إليه، ويجلسون حواليه، ويستمعون كلامه، وينتفعون بما يسمعون منه، ويضبطون مايروون عنه، هم أهل الأقطار

الأخرى من

مع الركب الحسينى (ج 2)، ص: 25

المعتمرين والحجاج المتواجدين آنذاك في مكّة، وفيهم من المكيين القليل ممن ليسوا من بطون قريش، ممن سكن مكّة بعد الفتح وبعد انتشار الإسلام في الأرض، ذلك لأنّ قريشاً توارثت العداء لعليّ وآل عليّ عليهم السلام، والظاهر أنّ جلّ المكيّين آنذاك هم من قريش، ولا ننسى قول الإمام السجاد عليه السلام:

«ما بمكّة والمدينة عشرون رجلًا يحبّنا ...». «1»

منزل الإمام الحسين عليه السلام بمكّة ..... ص : 25

صرّح الذهبي بأنّ الإمام الحسين عليه السلام «نزل بمكّة دار العبّاس»، «2» وكذلك قال المزّي، «3» ومن قبلهما ابن عساكر، «4» غير أنّ بعضاً آخر من المؤرخين ذكروا أنه عليه السلام «نزل في شِعب عليّ عليه السلام»، «5» ولامنافاة بين القولين و لأنّ دارالعبّاس بن عبدالمطلب كانت فى شعب عليّ عليه السلام.

لكن السؤال الذي قد يفرض نفسه هنا هو:

لماذا اختار الإمام الحسين عليه السلام دار العبّاس بن عبدالمطّلب؟

هل هناك غرض سياسي أو اجتماعي أو تبليغي من وراء ذلك؟ أم أنه عليه السلام لم يُرد أن يكون لأحدٍ عليه منّة بذلك؟ أو أنّه عليه السلام خشي أن ينزل على أحدٍ فيكلّف المنزول به ثمناً باهضاً وحرجاً شديداً، لأنّ السلطة الأموية بعد ذلك سوف تضطهد صاحب المنزل بأشدّ عقوباتها؟ أو أنه عليه السلام لم يُرد أن يمنح رجلًا من أهل

مع الركب الحسينى (ج 2)، ص: 26

مكّة بنزوله عنده اعتباراً اجتماعياً ومنزلة في قلوب الناس لا يستحقّها أو يستثمرها بعد ذلك لمنافعه الخاصة؟

أم أنّ الإمام عليه السلام لم ينزل من دور بني هاشم في مكّة إلا دار العباس بن عبدالمطلب لأنّ بني هاشم لم تبق لهم دار في مكّة إلّا دار العبّاس، ذلك لأنّ عقيل ابن أبي طالب كان قد باع دور المهاجرين من بني هاشم خشية أنّ

تستولي عليها قريش وتصادرها، لأنّ قريشاً عمدت حينذاك الى مصادرة منازل المهاجرين من المسلمين الى المدينة انتقاماً وإرهاباً، ولم يكن العبّاس بن عبدالمطلب قد هاجر آنذاك على فرض إسلامه حين هجرة النبي صلى الله عليه و آله- فسلمت داره من المصادرة.

يقول الواقدي: «قيل للنبي: ألا تنزل منزلك من الشعب؟ قال: فهل ترك لنا عقيل منزلًا؟ وكان عقيل قد باع «1» منزل رسول اللَّه صلى الله عليه و آله ومنزل إخوته من الرجال والنساء بمكّة». «2»

ويعلل السيد علي خان الشيرازي هذه المصادرة قائلًا: «كان عقيل قد باع دور بني هاشم المسلمين بمكّة، وكانت قريش تعطي من لم يُسلم مال من أسلم، فباع دور قومه حتى دار رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، فلما دخل رسول اللَّه صلى الله عليه و آله مكّة يوم الفتح قيل:

ألا تنزل دارك يارسول اللَّه صلى الله عليه و آله؟ فقال: وهل ترك لنا عقيل من دار؟». «3»

أمّا الشيخ الطوسي فيعلّل هذه المصادرة بسبب الهجرة لا بسبب الإسلام فقط حيث يقول: «.. قول النبي صلى الله عليه و آله يوم فتح مكّة وقد قيل له: ألا تنزل دارك؟ فقال:

مع الركب الحسينى (ج 2)، ص: 27

وهل ترك لنا عقيل من ربع؟ لأنه كان قد باع دور بني هاشم لمّا خرجوا الى المدينة ..». «1»

وفي الإجابة عن السؤال المثار حول سبب اختيار الإمام عليه السلام دار العبّاس بن عبدالمطّلب نقول: مما لاشك فيه أنّ سبب هذا الإختيار لاينحصر في كون دار العبّاس هي الدار السانحة آنذاك، وذلك لأنّ الإمام عليه السلام كان مقتدراً ذا سعة، وكان بإمكانه بل من اليسير عليه أن يهيأ داراً أو أكثر من دار في مكة له ولغيره من أفراد الركب

الحسينيّ، ونرى ألا منافاة بين جميع الدواعي المعقولة لهذا الإختيار، سواء التي ذكرناها في معرض التساؤل أو التي لم نذكرها، فمن الممكن أن يجتمع السبب السياسي مع السبب الاجتماعي مع السبب التبليغي مع الأسباب الأخرى وتتعاضد جميعها في متّجه واحد لتشكّل العلّة التامّة لهذا الإختيار.

رسائل الإمام عليه السلام إلى الولايات الأخرى ..... ص : 27
رسالته عليه السلام إلى البصرة ..... ص : 27

كانت الشيعة بعد استشهاد الإمام الحسن المجتبى عليه السلام على صلة بالإمام أبي عبداللَّه الحسين عليه السلام رغم الإضطهاد والإرهاب والمراقبة الشديدة من قبل الحكم الأمويّ على محبّي أهل البيت عليهم السلام، فكانت الشيعة في أنحاء البلاد الإسلامية تبعث الى الإمام الحسين عليه السلام المكاتيب وتسأله عمّا يهمّها من أمور دينهم، وكان للبصرة نصيبها من الصلة بالإمام عليه السلام، وقد أثبت التأريخ بعض رسائل شيعتها إليه، كالرسالة التي بعثوا بها إلى الإمام عليه السلام يسألونه فيها عن معنى الصمد، وبعث إليهم

مع الركب الحسينى (ج 2)، ص: 28

بجوابها ... «1»

لكنّ الملفت للإنتباه في الرسالة التي بعث بها الإمام عليه السلام إلى اشراف البصرة ورؤساء الأخماس «2» فيها هو أنَّ الإمام عليه السلام كان البادي ء بالمكاتبة، وقد دعا فيها أولئك الأشراف والرؤساء ومن يتبعهم من أهل البصرة إلى نصرته، في وقت لم يكن أحدٌ من أولئك قد بعث من قبل إلى الإمام عليه السلام بكتاب يدعوه فيه إلى القيام والنهضة ضد الحكم الأموي، كما فعل أشراف الكوفة ووجهاؤها وكثير من أهلها الذين كانت رسائلهم تنهال على مكّة حتى بلغت في يوم واحدٍ ستمائة رسالة!

فما هي علّة مبادرة الإمام عليه السلام الى الكتابة إلى أشراف البصرة ورؤسائها؟

لايشك مطّلع على التأريخ الإسلامي بالأهمية الخاصة التي كانت تتمتع بها كلٌ من ولايتي الكوفة والبصرة وأثرهما البالغ على حركة أحداث العالم الإسلامي آنذاك، خصوصاً وأنّ هاتين الولايتين المهمتين

لم تنغلقا لصالح الحكم الأموي كما انغلق الشام تماماً لصالحه آنذاك، فمحبّو أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم في كلّ من هاتين الولايتين برغم الإرهاب والقمع الأمويّ كانت لهم اجتماعاتهم ومنتدياتهم السريّة، وتطلّعاتهم الى يوم الخلاص من كابوس الحكم الأمويّ.

نعم، هناك فارق واضح بين الكوفة والبصرة من حيث تأريخ كلّ منهما في نصرة أمير المؤمنين عليه السلام، ومن حيث عدد الشيعة في كلّ منهما، ومن حيث درجة

مع الركب الحسينى (ج 2)، ص: 29

تحفّزهم للتحرّك ضد الحكم الأمويّ.

ويُضافُ الى ذلك أنّ البصرة آنذاك كانت تحت سيطرة والٍ قويّ وإرهابي مستبدّ هو عبيداللَّه بن زياد الذي كان قد هيمن على إدارة أمورها، وأحكم الرقابة الشديدة على أهلها، في وقت كانت الكوفة قد تراخت أزمّة أمورها بيد والٍ ضعيف يميل الى العافية والسلامة هو النعمان بن بشير، فكان الشيعة في الكوفة أقدر على الحركة والفعل من الشيعة في البصرة عموماً، مما قد يفسّر سبب مبادرة أهل الكوفة وبهذا الكمّ الكثير إلى المبادرة في الكتابة إلى الإمام عليه السلام ودعوته إليهم، في وقت لم تصل إلى الإمام عليه السلام رسالة من أهل البصرة يدعونه فيها إليهم أو يظهرون فيها استعدادهم لنصرته. «1»

فبادر الإمام عليه السلام إلى الكتابة إلى أهل البصرة عن طريق أشرافها ورؤساء الأخماس فيها، لأنَّ أهلها- عدا خُلَّص الشيعة منهم- لايتجاوزون أشرافهم في اتخاذ موقف وقرار، فكان لابدَّ من مخاطبتهم عن طريق أشرافهم ورؤساء الأخماس، وإن كان بعض هؤلاء ممّن يميل إلى بني أميّة، وبعضهم ممن لا يؤتمن، وبعضهم ممن لا تتسق مواقفه باتجاه واحد ..

ولعلّ الإمام عليه السلام أراد إلقاء الحجّة على الجميع، «2» مع ما قد تثمره رسالته من صدّ

مع الركب الحسينى (ج 2)، ص: 30

المتردّد من الأشراف ورؤساء الأخماس عن

الإنضمام إلى أيّ فعل مضاد لحركة الإمام عليه السلام، وما تثمره هذه الرسالة أيضاً من إعلام البصريين الراغبين في نصرته بأمر نهضته وتعبئتهم لذلك من خلال أشرافهم الموالين لأهل البيت عليهم السلام كمثل يزيد بن مسعود النهشلي وأمثاله.

نصّ رسالة الإمام عليه السلام إلى أهل البصرة ..... ص : 30

قال الطبري: «قال أبومخنف: حدّثني الصقعب بن زهير، عن أبي عثمان النهدي، قال: كتب الحسين مع مولىً لهم يُقال له سليمان، وكتب بنسخة إلى رؤوس الأخماس بالبصرة وإلى الأشراف، فكتب إلى مالك بن مسمع البكري، وإلى الأحنف بن قيس، وإلى المنذر بن الجارود، وإلى مسعود بن عمرو، وإلى قيس بن الهيثم، وإلى عمرو بن عبيداللَّه بن معمر.

فجاءت منه نسخة واحدة إلى جميع أشرافها:

أمّا بعد، فإنّ اللَّه اصطفى محمّداً على خلقه وأكرمه بنبوّته، واختاره لرسالته، ثم قبضه اللَّه إليه، وقد نصح لعباده وبلّغ ما أرسل به، وكنّا أهله وأولياءه وأوصياءه وورثته وأحقَّ الناس بمقامه في الناس، فاستأثر علينا قومنا بذلك، فرضينا وكرهنا الفرقة، وأحببنا العافية، ونحن نعلم أنّا أحقّ بذلك الحقّ المستحقّ علينا ممن تولاه، وقد أحسنوا وأصلحوا وتحرّوا الحقّ، فرحمهم اللَّه وغفر لنا ولهم. «1»

مع الركب الحسينى (ج 2)، ص: 31

وقد بعثتُ رسولي إليكم بهذا الكتاب، وأنا أدعوكم إلى كتاب اللَّه وسنّة نبيّه، فإنّ السنّة قد أميتت، وإنّ البدعة قد أُحييت، وإن تسمعوا قولي وتطيعوا أمري أهدكم سبيل الرشاد، والسلام عليكم ورحمة اللَّه». «1»

وقد نقل ابن نما الكتاب باختصار واختلاف قائلًا:

«كتب عليه السلام كتاباً إلى وجوه أهل البصرة، منهم الأحنف بن قيس، وقيس بن الهيثم، والمنذر بن الجارود، ويزيد بن مسعود النهشلي.

وبعث الكتاب مع زرّاع السدوسي، وقيل مع سليمان المكنّى بأبي رزين، فيه:

«أدعوكم إلى اللَّه وإلى نبيّه، فإنّ السنّة قد أُميتت، فإن تجيبوا دعوتي وتطيعوا أمري أهدكم سبيل الرشاد».

«2»

نماذج من أشراف البصرة الذين كتب إليهم الإمام عليه السلام ..... ص : 31
اشارة

من هم أولئك البصريون الذين كتب إليهم الإمام عليه السلام رسالته؟ هل كانوا جميعاً من محبّي أهل البيت عليهم السلام أو شيعة لهم؟ أم كانوا جميعاً على هوى واحد لبني أميّة؟ أم كانوا مختلفين في الميل والهوى؟

يحسن منا هنا أن نلقي ضوءً- وإن كان يسيراً- يكشف لنا عن هوية نماذج من هذه الشخصيات ومتجهات ميولها، لعلّنا بذلك نتعرّف على حقيقة الوضع النفسي والإجتماعي لولاية البصرة آنذاك، كما يساعدنا ذلك على معرفة سبب كون رسالة

مع الركب الحسينى (ج 2)، ص: 32

الإمام عليه السلام بذلك النصّ بالتحديد، لأنّ نوع المخاطَب مؤثّر في نوع الخطاب، فمن هذه الشخصيات المؤثرة في حياة المجتمع البصري آنذاك:

11- مالك بن مسمع: ..... ص : 31

كان رأيه مائلًا إلى بني أميّة، وكان مروان بن الحكم قد لجأ إليه يوم الجمل، وكان مالك بن مسمع يأمر الناس بعد واقعة الطف وقتل الإمام الحسين عليه السلام بتجديد البيعة ليزيد بن معاوية. «1»

2- الأحنف بن قيس: ..... ص : 31

قيل إنّه ولد في عهد النبيّ صلى الله عليه و آله ولم يدركه، ومات عام 67 ه، وقد روى فضائل عليّ عليه السلام عن أبي ذر، وعندما قرأ ابن عبّاس كتاب عليّ عليه السلام على أهل البصرة كان الأحنف أوّل رجل أجابه وقال: نعم، واللَّه لنجيبنّك ... وهو الذي اقترح على أميرالمؤمنين عليه السلام أن يجعله حكماً، وقد وجّهه عليّ عليه السلام إلى الخوارج.

وهو الذي بعث إلى عليّ قائلًا: إن شئتَ أتيتك في مائتي فارس فكنت معكَ، وإن شئتَ اعتزلت ببني سعد فكففت عنك ستّة آلاف سيف. فاختار عليّ عليه السلام اعتزاله. «2»

وعلى ضوء هذه المواقف يراه الرجالي المعروف المامقانيّ حسناً. «3»

ويقول رجاليّ آخر وهو النمازي: «يظهر منه كماله وحكمته ورضاية أميرالمؤمنين عليه السلام به، وأنه من السفراء الفصحاء». «4»

ولكن أليس الأحنف بن قيس هو القائل بعد أن دعاه الإمام أبوعبداللَّه الحسين

مع الركب الحسينى (ج 2)، ص: 33

إلى نصرته ولم يجبه: «قد جرّبنا آل أبي الحسن فلم نجد عندهم إيالة للملك ولا جمعاً للمال ولا مكيدة للحرب». «1»

أليس الأحنف بن قيس هو الذي ساعد مصعب بن الزبير على قتل المختار، «2» وكان على خمس تميم في قتل المختار. «3»

أليس هو القائل في صفين- وهو مع عليّ عليه السلام- «هلك العرب». «4»

وفي هذا مؤشّر على ضعف اعتقاد الأحنف بأميرالمؤمنين عليه السلام وبالحسنين عليهما السلام، إذ لو كان له اعتقاد راسخ بهم عليهم السلام لكان سلماً لمن سالمهم وحرباً لمن حاربهم، ولما همّه بعد ذ