منهاج الفقاهه: التعليق علي مكاسب الشيخ الاعظم

اشارة

سرشناسه : روحاني، محمدصادق ، شارح.

عنوان قراردادي : المكاسب. شرح.

عنوان و نام پديدآور : منهاج الفقاهه: التعليق علي مكاسب الشيخ الاعظم/ محمدصادق الروحاني.

مشخصات نشر : قم:انوار الهدي ، 1428ق. = 2007م. = 1386.

مشخصات ظاهري : 6 ج. در 3 مجلد.

شابك : ج.1 : 9789648812602 ؛ ج. 2 : 9789648812619 ؛ ج. 3 : 9789648812626 ؛ ج. 4 : 9789648812633 ؛ ج. 5 : 9789648812640 ؛ 15000 ريال (بهاي هر جلد) : ج. 6 : 9789648812657 ؛ 15000 ريال(بهاي هر جلد)

وضعيت فهرست نويسي : فيپا

يادداشت : عربي.

يادداشت : جلد پنجم اين كتاب قبلا توسط انتشارات سپهر منتشر شده است.

يادداشت : كتابنامه.

مندرجات : ج. 1 و 2 المكاسب المحرمه .--ج. 3 و 4. بيع .--ج. 5 و 6. خيارات.

عنوان ديگر : التعليق علي مكاسب الشيخ الاعظم.

موضوع : انصاري، مرتضي بن محمد امين، 1214 - 1281ق. المكاسب -- نقد و تفسير.

موضوع : معاملات (فقه).

شناسه افزوده : انصاري، مرتضي بن محمد امين، 1214 - 1281ق. المكاسب. شرح.

رده بندي كنگره : BP190/1 /الف 8م 7034 1386

رده بندي ديويي : 297/372

شماره كتابشناسي ملي : 1128879

الجزء الاول

[مقدمة المؤلف]

«بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ»

الحمد لله علي ما أولانا من التفقه في الدين و الهداية إلي الحق.

و الصلاة و السلام علي أشرف النفوس القدسية و أزكي الذوات المطهرة الملكية محمد المصطفي و عترته المرضية هداة الخلق و أعلام الحق.

و بعد فهذا هو الجزء الاول من كتابنا (منهاج الفقاهة) و يليه خمسة أجزاء أخر و هي شرح لكتاب (المكاسب) للشيخ الاعظم، خاتمة الرعيل الاول من المجتهدين، و أفضل المتأخرين آية الله العظمي الشيخ مرتضي الانصاري قدس سره الذي أصبح اليوم منتجع العلم و محور الدراسة في الحوزات العلمية.

إذ كانت مباحث هذا الكتاب فتحة عهد جديد مبارك في الدراسات الفقهية و التتبع و التحقيق، تقتضي مزيدا من العناية بشرحها و تيسير الاطلاع عليها- و هذا ما توخيناه

في هذا الكتاب- و الله من وراء القصد.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 7

[المكاسب المحرمة]

و ينبغي أولا التيمن بذكر بعض الاخبار الواردة

اشارة

علي سبيل الضابطة الكلية للمكاسب من حيث الحل و الحرمة (1) فنقول مستعينا بالله تعالي (2)

[رواية تحف العقول]

روي في الوسائل و الحدائق عن الحسن بن علي بن شعبة في كتاب تحف العقول (3) عن مولانا الصادق (صلوات الله عليه) حيث سئل عن معايش العباد.

______________________________

(1) كر المصنف قدس سره بعنوان الضابطة روايات أربع، خبر تحف العقول و ما عن فقه الرضا، رواية عن دعائم الاسلام و رواية نبوية عامية.

و ستعرف أن شيئا من هذه النصوص لا يصلح دليلا في المسائل الآتية.

(2) هذه أولي الروايات الاربع و هي رواية طويلة رواها المصنف عن الوسائل «1»

و الحدائق «2» و لكن المتن الموجود فيهما يختلف عما في تحف العقول «3»

(3) لا كلام في ان الحسن بن علي مؤلف كتاب تحف العقول جليل القدر عظيم المنزلة، و كتابه هذا جليل و انه معتمد عليه عند الاصحاب كما صرح بذلك كله ائمة الفن، الا انه، لم يرو هذا الخبر مسندا، بل ارسله عن الامام الصادق عليه السلام فلا تشمله ادلة حجية خبر الواحد.

و استدل لحجيته بوجوه.

الاول قيام القرينة علي اعتبار الرواة المحذوفين، و وثاقتهم.

و فيه: ان المراد بها ان كان نقل هذا الشيخ الجليل عنهم، فيرد عليه ان جلالة قدره تمنع عن كذبه لاعن نقله عن غير الثقة، و إن كان غير ذلك فغير ظاهر علينا.

الثاني: انجبار ضعفه بعمل المشهور.

و فيه: ان عمل المتقدمين من الاصحاب به الذي هو الجابر لضعف السند غير ثابت و عمل المتأخرين غير نافع بل يمكن منع عملهم به أيضا، فإن فتاوي جلهم في المسائل المتفرقة لا تطابق بعض جمل الخبر و ذلك: لان بعض جمله يدل علي حرمة بيع النجس

______________________________

(1) الوسائل، باب 2، من ابواب ما

يكتسب به كتاب التجارة، حديث 1.

(2) الحدائق ج 8 ص 67.

(3) تحف العقول ص 331.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 8

فقال: جميع المعايش (1) كلها من وجوه المعاملات فيما بينهم مما يكون لهم فيه المكاسب أربع جهات (2) و يكون فيها حلال من جهة و حرام من جهة.

______________________________

مطلقا، مع أنه يفت به الاكثر، و بعضها يدل علي حرمة التقلب فيه و إمساكه مع أنه لم يفت به احد.

الثالث: موافقة مضمونه لمضمون جملة من الروايات الصحيحة المعتبرة.

و فيه: ان الخبر الضعيف لا يصير حجة و معتبرا بالموافقة لما هو الحجة.

الرابع: ان آثار الصدق منه ظاهرة.

و فيه: انه لم يظهر لي معني آثار الصدق في مثل هذا الخبر سوي اضطراب متنه و تكرار جمله و هو كما تري.

فتحصل: ان الاقوي عدم حجية هذا الخبر، فلا يصح جعله في صدر الكتاب و اخذه مدركا للاحكام الآتية، بل لا بد في كل مسألة من ملاحظة مدركها بالخصوص.

(1) (قوله عليه السلام جميع المعيش … الخ) المراد بها ما يحتاج اليه العباد في بقاء نوعهم او شخصهم من المأكولات و الملبوسات و المناكح، و الظاهر ان المقصود بالسؤال هو ان تلك الاشياء من اي سبب يحل تحصيل و من اي سبب لا يحل، كي يجوز تناولها في الاول و لا يجوز في الثاني، لا السؤال عن حكم المسببات من حيث هي الذي هو مذكور في كتاب الاطعمة و الاشربة.

(2) (قوله عليه السلام اربع جهات.. الخ) اورد علي الحديث بعدم انحصار طرق المعاش في الاربع، فإن فيها الحيازات و الهبات و الاوقاف و احياء الموات و إجراء القنوات و نحوها.

و اجيب عنه: تارة: بدخول جملة منها في الاجارات كالجعالات و العمل للغير بمجرد

الاذن و حق الوكالة و النظارة و الوصاية، و جملة منها في التجارات كالهبات و الصدقات، و جملة منها في الصناعات كإحياء الموات و الحيازات و نحوهما.

و اخري: بأن الرواية مسوقة لبيان حصر المعاملات في الاربع حصر كلية طرق المعاش فيها.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 9

فأول هذه الجهات الاربع: الولاية، ثمّ التجارة، ثمّ الصناعات، ثمّ الاجارات (1) و الفرض من الله تعالي علي العباد. في هذه المعاملات الدخول في جهات الحلال و العمل بذلك و اجتناب جهات الحرام منها، فاحدي الجهتين من الولاية، ولاية ولاة العدل الذين أمر الله بولايتهم علي الناس، و الجهة الاخري: ولاية ولاة الجور،

فوجه الحلال من الولاية ولاية الوالي العادل، و ولاية ولاته بجهة ما أمر به الوالي العادل بلا زيادة و نقيصة، فالولاية له و العمل معه و معونته و تقويته حلال محلل.

______________________________

و فيهما نظر:

أما الاول: فلان كون المراد من الصناعة كل فعل من الشخص يكون سببا لتعيشه كي تشمل ما ذكر غير معلوم، بل قوله عليه السلام في آخر الخبر: و أما تفسير الصناعات فكل ما يتعلم … الخ يدل علي عدم كون المراد بها ذلك، و منه يظهر ما في دعوي شمول الاجارات للجعالات و التجارات للاباحات.

و أما الثاني: فلان الظاهر أن المراد من هوله عليه السلام وجوه المعاملات لا سيما بقرينة كون السؤال عن حكم جميع الطرق ليس هي المعاملة المصطلحة بل المعني اللغوي الشامل لجميع المذكورات.

فالصحيح أن يجاب عنه: بأن الحصر إضافي، و انه عليه السلام في مقام بيان الافراد الغالبة لا جميع الافراد.

(1) (قوله عليه السلام فاول هذه الجهات الولاية ثمّ … الخ) الفرق بين الولاية و الاجارة ان الولاية منصب مجعول من طرف الغير

بالانفراد و لا يعتبر فيها القبول و الرضا ممن جعلت له و يترتب علي جعلها استحقاق مال، و هذا بخلاف الاجارة.

فمحصل الاقسام المذكورة معايش العباد كما نبه عليه بعض أعاظم المحققين قدس سره ان سبب المعيشة إما أن يكون من قبل الغير بالانفراد فهو الولاية، أو يكون من قبل نفسه بالانفراد فهو الصناعة، أو يكون بينه و بين الغير و هو إن كان بنقل الاعيان فهو البيع، و إن كان بنقل المنفعة فهو الاجارة.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 10

و أما وجه الحرام من الولاية، فولاية الوالي الجائر و ولاية ولاته، فالعمل لهم و الكسب معهم بجهة الولاية لهم حرام معذب فاعل ذلك علي قليل من فعله او كثير، لان كل شي ء من جهة المئونة له معصية كبيرة من الكبائر، و ذلك ان في ولاية الوالي الجائر دروس الحق كله فلذلك حرم العمل معهم و معونتهم و الكسب معهم إلا بجهة الضرورة نظير الضرورة الي الدم و الميتة. (1) و أما تفسير التجارات في جميع البيوع و وجوه الحلال من وجه التجارة التي يجوز للبائع ان يبيع مما لا يجوز له، و كذلك المشتري الذي يجوز له شرائه مما لا يجوز له (2).

______________________________

و قد يستشكل في عد الصناعات من المعاملات بانها ان اعتبرت من حيث انفسها مع قطع النظر عن اخذ اجرة عليها فليس تلك من المعاملة في شي ء و ان اعتبرت من حيث انه يعملها للغير و يأخذ الاجرة عليها فهي داخلة في الاجارة و ان اعتبرت من حيث انه يعملها ثمّ يبيعها فهي داخلة في البيع فكيف عدت قسما من المعاملات.

و فيه: الظاهر ان الصناعة و بعبارة اخري عمل الصنعة بنفسه مال مكتسب، فان

السرير قبل ان يعمل كان له مقدار من المالية و قد ازدادت بهذا العمل كما هو واضح،

فتحصل تلك الزيادة اكتساب.

(1) (قوله عليه السلام الا بجهة الضرورة … الخ) و الذي يدل عليه هذه الجملة من الحديث انما هو عدم حرمة العمل و الولاية في حال الضرورة، و انه يحل له التصرف فيما يأخذه من العوض، و أما كون ذلك من جهة جواز التكسب بالولاية في حال الضرورة حتي بالنسبة الي الحكم الوضعي او كون اخذ الاجرة تقاصا عن المنفعة المفوتة، فالخبر ساكت عن بيانه، فاستظهار الاول مما لا شاهد له، فتأمل.

(2) (قوله عليه السلام و كذلك المشتري … الخ) يحتمل ان يكون بصيغة الفاعل، فيكون معناه: و كذلك تفسير وجوه الحلال من البيوع بالنسبة الي المشتري، و يحتمل ان يكون عبارة عن البيع، و يكون الفرق بين الجملتين انه اريد بالاولي تمييز البيع الجائز عن غيره بنفسه، و بالثانية تمييز المبيع الذي يجوز بيعه عما لا يجوز.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 11

فكل مأمور به (1) مما هو غذاء للعباد، و قوامهم به في امورهم في وجوه الصلاح الذي لا يقيمهم غيره مما يأكلون و يشربون و يلبسون و ينكحون و يملكون و يستعملون من جميع المنافع التي لا يقيمهم غيرها، و كل شي ء يكون لهم فيه الصلاح من جهة من الجهات، فهذا كله حلال بيعه، و شراؤه، و امساكه، و استعماله و هبته و عاريته.

و أما وجوه الحرام: من البيع و الشراء، فكل امر يكون فيه الفساد مما هو منهي عنه (2) من جهة اكله، و شربه، او كسبه، او نكاحه (3) او ملكه، او امساكه،

او هبته، او عاريته، او شي ء يكون فيه وجه من

وجوه الفساد، نظير البيع بالربا او بيع الميتة، او الدم، او لحم الخنزير او لحوم السباع من صنوف سباع الوحش.

______________________________

(1) (قوله عليه السلام: فكل مأمور به … الخ) الظاهر ان المراد من قوله مأمور به هو المرخص فيه، و ان المراد من وجه الصلاح عدم الفساد، فلا يكون الخبر ساكتا عن حكم ما لا يكون فيه الفساد و لا الصلاح.

(2) (قوله عليه السلام: فكل امر يكون فيه الفساد مما هو منهي عنه … الخ).

… الظاهر من هذه الجملة و ما بعدها و ان كان حرمة بيع ما فيه الفساد بقول مطلق،

و ما فيه وجه من وجوه الفساد و ان كان فيه جهة الصلاح و لازم ذلك وقوع التزاحم بين هذه الجملة و بين ما قبلها من الجملة الدالة علي جواز بيع ما فيه الصلاح، الا انه من جهة ان الظاهر و لا أقل من المحتمل كون المشار اليه بقوله عليه السلام فهذا كله حرام محرم هو بيع المذكورات و قد علل هذا الحكم علي هذا بحرمة جميع التقلبات و التصرفات فيها، فيكون المستفاد حينئذ ان علة المنع هي حرمة جميع التصرفات، فيقيد بهذه الجملة اطلاق الجملة المتقدمة لان العلة تعمم و تخصص، و لا ينافي ذلك قوله عليه السلام: من جهة اكله … الخ فانه علي ذلك يحمل علي ارادة ما كان فائدته العقلائية منحصرة في الاكل كاللحم فتأمل.

(3) (قوله عليه السلام: او نكاحه … الخ) الظاهر ان تذكير الضمير باعتبار لفظ ما و ان المراد به الوطء، بعنوان الملك، فيكون المراد به ان المرأة التي يحرم نكاحها علي من انتقلت اليه لكونها ممن تنعتق عليه لا يجوز بيعها و يفسد لعدم استقرار ملكه لها

و انعتاقها عليه.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 12

او الطير، او جلودها او الخمر او شي ء من وجوه النجس، فهذا كله حرام محرم لان ذلك كله منهي عن اكله و شربه و لبسه و ملكه و التقلب فيه، فجميع تقلبه في ذلك حرام، و كذلك كل مبيع ملهو به، و كل منهي عنه مما يتقرب به لغير الله

عز و جل او يقوي به الكفر و الشرك في جميع وجوه المعاصي، او باب يوهن به الحق،

فهو حرام محرم بيعه، و شراؤه، و امساكه، و ملكه، وهبته، و عاريته، و جميع التقلب فيه الا في حال تدعو الضرورة فيه الي ذلك.

و أما تفسير الاجارات: فاجارة الانسان نفسه، او ما يملك او يلي امره، من قرابته، او دابته او ثوبه بوجه الحلال، من جهات الاجارات ان يؤجر (1) نفسه او داره او ارضه او شيئا يملكه، فيما ينتفع به من وجوه المنافع، او العمل بنفسه، و ولده، و مملوكه، و اجيره، من غير ان يكون وكيلا (2) للوالي او وليا للوالي، فلا باس ان يكون اجيرا (3) يؤجر نفسه، او ولده، او قرابته او ملكه او

______________________________

(1) (قوله عليه السلام ان يؤجر نفسه او داره الخ) الظاهر انه اريد بذلك الاجارة لمطلق منافعه و يكون الخيار بيد المستأجر في صرفه فيما يريد و أريد بقوله عليه السلام او العمل الخ العمل بمجرد الاذن بلا اجراء صيغة الاجارة، و اريد بقوله: او يؤجر نفسه في عمل الخ الاجارة لمنفعة خاصة.

(2) (قوله عليه السلام: من غير أن يكون وكيلا … الخ) يحتمل أن يكون راجعا إلي الجميع، يعني يعتبر في حلية إجارة نفسه او ولده او ما يملكه أن لا يكون الموجر

واليا للوالي او وكيلا للوالي، فإن الاجارة حينئذ إنفاذ لولاية الوالي الجائر، و يحتمل ان يكون قيدا لخصوص اجيره، يعني يجوز اجارته لاجيره اذا لم تكن اجيريته له من جهة كون الموجر وكيلا للوالي، فإنه حينئذ يكون اجيرا للوالي فلا يجوز اجارته لنفسه، و ايضا فهو حينئذ أجير للوالي باجارة فاسدة، فلا سلطنة له عليه في الواقع.

(3) (قوله عليه السلام: اجيرا … الخ) المراد به الموجر، و اطلاقه عليه باعتبار أن الموجر نفسه يصير أجيرا.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 13

وكيله في إجارته (1) لانهم وكلاء الاجير من عنده ليس هم بولاة الوالي نظير الحمال الذي يحمل شيئا معلوما بشي ء معلوم، فيجعل ذلك الشي ء (2) الذي يجوز له حمله بنفسه او بملكه او دابته او يؤجر نفسه في عمل يعمل ذلك بنفسه او بمملوكه او قرابته او بأجير من قبله، فهذه وجوه من وجوه الاجارات حلال لمن كان من الناس ملكا،

او سوقة، او كافرا او مؤمنا، فحلال اجارته و حلال كسبه من هذه الوجوه:

فأما وجوه الحرام من وجوه الاجارة نظير: أن يؤاجر نفسه علي حمل ما يحرم أكله أو شربه، أو يؤاجر نفسه في صنعة ذلك الشي ء او حفظه، او يؤاجر نفسه في هدم المساجد ضرارا او قتل النفس بغير حق، او عمل التصاوير و الاصنام و المزامير و البرابط و الخمر و الخنازير و الميتة و الدم او شي ء من وجوه الفساد الذي كان محرما عليه من غير جهة الاجارة فيه، و كل امر منهي عنه، من جهة من الجهات، فمحرم علي الانسان إجارة نفسه فيه (3) او له أو شي ء منه او له الا لمنفعة من استأجرته،

كالذي يستأجر له الاجير له الاجير ليحمل الميتة

ينحيها عن أذاه أو أذي

______________________________

(1) (قوله عليه السلام: أو وكيله في اجارته … الخ) سوق العبارة يشهد بأنه معطوف علي نفسه، و المراد به: انه يوجر موكله في الاجارة أو انه يؤجر أجيره، و لا تبعد دعوي أظهرية الثاني.

و علي اي تقدير يكون قوله عليه السلام لانهم وكلاء الاجير، راجعا الي الموجر باعتبار انه متعدد في المعني و الغرض منه ان هذه الاجارة ليست من جانب الوالي بل هو وكيل له من عند نفس الاجير، لانه باختياره جعله وكيلا لنفسه.

(2) (قوله عليه السلام: فيجعل ذلك … الخ) الظاهر انه من غلط النساخ، و الصحيح فيحمل كما ان الاظهر ان عمل التصاوير غلط لعدم صحة حمل الخنازير و الميتة و الدم عليها، و الصحيح كما في بعض النسخ حمل التصاوير.

(3) (قوله عليه السلام: فيجعل ذلك … الخ) و الفرق بين الاجارة في الشي ء و للشي ء ان ذلك الشي ء في الاول هو مورد الاجارة و في الثاني موردها المنفعة لتحصيل ذلك الشي ء.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 14

غيره، و ما اشبه ذلك الي ان قال: و كل من اجر نفسه او ما يملك او يلي امره، من كافر او مؤمن، او ملك او سوقة علي ما فسرنا مما يجوز الاجارة فيه، فحلال محلل فعله و كسبه.

قال- و أما تفسير الصناعات فكلما يتعلم العباد او يعملون غيرهم من اصناف الصناعات مثل الكتابة و الحساب و التجارة و الصياغة و السراجة و البناء و الحياكة و القصارة و الخياطة و صنعة صنوف التصاوير ما لم يكن مثل الروحاني و انواع صنوف الآلات التي يحتاج اليها العباد منها منافعهم و بها قوامهم و فيها بلغة جميع حوائجهم فحلال فعله و تعليمه

و العمل به و فيه لنفسه او لغيره، و ان كانت تلك الصناعة و تلك الآلة قد يستعان بها علي وجوه الفساد و وجوه المعاصي و

تكون مقوية علي الحق و الباطل فلا باس بصناعته و تعليمه، نظير الكتابة التي هي علي وجه من وجوه الفساد تقوية و معونة لولاة الجور كذلك السكين و السيف و الرمح و القوس و غير ذلك من وجوه الآلة التي تصرف الي جهات الصلاح و جهات الفساد و تكون آلة و معونة عليهما فلا باس بتعليمه و تعلمه واخذ الاجر عليه و العمل به و فيه لمن كان له فيه جهات الصلاح من جميع الخلائق، و محرم عليهم فيه تصريفه الي جهات الفساد و المضار، فليس علي العالم و المتعلم اثم و لا وزر لما فيه من الرجحان في منافع جهات صلاحهم و قوامهم و بقائهم، و انما الاثم و الوزر علي المتصرف بها في وجوه الفساد و الحرام، و ذلك انما حرم الله الصناعة التي هي حرام كلها التي يجئ منها الفساد محضا نظير البرابط و المزامير و الشطرنج و كل ملهو به و الصلبان و الاصنام و ما اشبه من ذلك من صناعات الاشربة الحرام، و ما يكون منه و فيه الفساد محضا و لا يكون منه و لا فيه شي ء من وجوه الصلاح فحرام تعليمه و تعليمه و العمل به واخذ الاجر عليه و جميع التقلب فيه من جميع وجوه الحركات كلها الا ان تكون صناعة قد تتصرف الي جهات الصنائع و ان كان قد يتصرف بها و يتناول بها وجه من وجوه المعاصي فلعلة ما فيه من الصلاح حل تعلمه و تعليمه و العمل به، و

يحرم علي من صرفه الي غير وجه الحق و الصلاح.

فهذا تفسير بيان وجه اكتساب معائش العباد و تعليمهم في جميع وجوه اكتسابهم.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 15

و حكاه غير واحد (1) عن رسالة المحكم و المتشابه للسيد قدس سره، و في الفقه المنسوب (2) الي مولانا الرضا عليه السلام: اعلم رحمك الله ان كل ما هو مأمور به علي العباد، و قوام لهم في امورهم من وجوه الصلاح الذي لا يقيمهم غيره مما يأكلون و يشربون و يلبسون، و ينكحون، و يملكون، و يستعملون، فهذا كله حلال بيعه و شراؤه وهبته و عاريته، و كل امر يكون فيه الفساد مما قد نهي عنه من جهة اكله، و شربه، و لبسه، و نكاحه، و امساكه، بوجه الفساد، مثل: الميتة و الدم و لحم الخنزير و الربا و جميع الفواحش و لحوم السباع و الخمر، و ما اشبه ذلك، فحرام ضار للجسم و فساد للنفس، انتهي.

______________________________

(1) منهم صاحب الوسائل في الوسائل ج 12، ص 57 و منهم صاحب الحدائق فيها، ج 18، ص 70.

(2) الظاهر ان تلك الرسالة لا يعتمد عليها، و ذلك لانها تفسير النعماني المعروف و صاحبه و ان كان شيخا من اصحابنا الابرار الا انه لا يعتمد عليه لان من جملة رواته احمد ابن يوسف و حسين بن علي بن ابي حمزة و اباه، و هم من الضعفاء.

مع ان الموجود في ذلك الكتاب ان معايش الخلق علي خمسة اوجه، باسقاط الصناعات و اضافة العمارات و الصدقات و الاحكام المذكورة فيه المترتبة علي هذه الاقسام غير ما في خبر تحف العقول، و عليه فلا مورد لقوله قدس سره و حكاه غير واحد الخ.

فقه الرضا عليه السلام

(3) قد

استدل لاعتباره بوجوه عمدتها ما نشير اليه:

الاول: ان اول من اطلع علي هذا الكتاب هو الثقة الفاضل السيد امير حسين طاب ثراه، و هو اخبر بكون هذا الكتاب للامام عليه السلام فيصدق في اخباره لكونه ثقة.

و فيه: انه لا شبهة في كون الرجل من الثقات و لكن خبره هذا غير مشمول لأدلة حجية خبر الواحد، لان اخباره اما ان يكون مستندا الي القرائن من الخطوط الموجودة فيه للامام عليه السلام و نحوها الموجبة لحصول العلم العادي له، او الي اخبار ثقتين عدلين من اهل قم للسيد بكون الكتاب للامام عليه السلام.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 16

______________________________

و شي ء من الطريقين لا يصلح لإدراج الخبر، في الاخبار المعتبرة.

اما الاول: فلان المخبر عنه عليه يكون من الامور الحدسية التي ليس بينها و بين

اسبابها ملازمة عادية بحيث يلزم من العلم بها العلم بها، لان حصول العلم للسيد بكون الكتاب للامام عليه السلام انما كان من القرائن التي لا توجب العلم المزبور عادة، و انما اوجبت العلم لخصوصه، فانه من اي طريق يحرز كون الخطوط للامام عليه السلام غير طريق الحدس الشخصي، فلا تشمل ادلة حجية خبر الواحد لاخباره لانها مختصة بالاخبار الحسية و الحدسية التي تكون بين الاسباب و مسبباتها ملازمة عادية.

و أما الطريق الثاني: فلان اخبار هذين العدلين اما ان يكون لحصول العلم لهما من القرائن فالكلام فيه حينئذ هو الكلام في اخبار السيد، و أما ان يكون لسماعهما من غيرهما،

فغاية ما يكون حينئذ هو كون الخبر من الاخبار المرسلة غير المعتبرة كما تقدم، مع ان الذي حكي المجلسي الاول عنهما انهما قالا: ان هذه النسخة قد اتي بها من قم الي مكة المشرفة و عليها خطوط العلماء

و اجازاتهم و خط الامام عليه السلام في عدة مواضع، و اين هذا من اخبارهما بكون الكتاب للامام عليه السلام.

الثاني: انه فيه عبارات تنطق بكونه للامام عليه السلام مثل ما في اول الكتاب يقول:

عبد الله علي بن موسي الرضا عليه السلام، و في بعض كلماته: نحن معاشر اهل البيت، و غير ذلك من العبارات.

و فيه: ان هذه العبارات لو سلم انه لا يصح صدورها عن غير الامام عليه السلام، لكن مجرد ذلك لا يوجب صدورها عنه بعد انفتاح باب الوضع و الجعل و الافتراء، مع انه يمكن ان يكون المؤلف رجلا علويا.

الثالث: موافقة تاريخه لزمان الرضا عليه السلام و هو كما تري.

الرابع: موافقة الكتاب لرسالة علي بن بابويه الي ولده الصدوق و فتاوي ولده الصدوق من دون تغيير او مع تغيير يسير في بعض المواضع، و هذه كاشفة عن اعتمادهما

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 17

و عن دعائم الاسلام للقاضي نعمان المصري (1) عن مولانا الصادق عليه السلام: ان الحلال من البيوع كلما كان حلالا من الماكول و المشروب و غير ذلك، مما هو قوام للناس، و يباع لهم الانتفاع و ما كان محرما اصله منهيا عنه، لم يجز بيعه و لا شراؤه،

(انتهي).

______________________________

عليه في الفتوي و ان لم يسميا به.

و فيه: انه من الممكن اخذ مؤلف الفقه الرضوي من تلك الرسالة التي يتعامل الفقهاء معها معاملة متون الاخبار عند اعوزاز النصوص، بل هذا الاحتمال اقوي من الاول المستلزم لإسناد ابن بابويه كتاب الرضا عليه السلام الي نفسه من دون ان ينبه عليه.

الخامس: عمل جمع من الاساطين به كالمجلسيين و غيرهما.

و فيه: ان مستندهم في العمل هي الوجوه المذكورة التي عرفت ما فيها.

فتحصل: انه لا دليل علي

اعتبار هذا الكتاب، بل الظاهر كونه رسالة عملية لفقيه ذكرت فيها الفتاوي و الروايات بعنوان الافتاء، لان اكثر رواياته انما هي بعنوان: روي، و نحوه، او نقل عن الرواة، و لما صرح به المحدث النوري قدس سره بان فيه احكاما متناقضة و ما يخالف مذهب الشيعة بكثير، و حمل ذلك علي التقية مع ان فيه ما يخالفها، و تكذيب العامة و الازراء عليهم في المتعة كما تري.

دعائم الاسلام

(1) هذا الخبر «1» غير معتبر لوجهين:

الاول: ان مؤلف هذا الكتاب و هو ابو حنيفة النعمان بن محمد بن منصور قاضي

مصر و ان تبصر عن كونه مالكيا و صار اماميا بلا شبهة كما صرح بذلك ائمة الرجال الا ان كونه اثني عشريا و ثقة غير ثابتين، لعدم تصريح القوم بشي ء منهما.

الثاني: انه مرسل، غير مجبور بشي ء.

______________________________

(1) المستدرك باب 2، من ابواب ما يكتسب به، حديث 2.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 18

و في النبوي المشهور: (1) ان الله اذا حرم شيئا حرم ثمنه …

______________________________

و دعوي انه علي فرض وثاقته لا يضر ارسال الخبر بحجيته لقوله في اول كتابه: اني اقتصر فيه علي الثابت الصحيح مما رويناه عن الائمة من اهل بيت رسول الله صلي الله عليه و آله، فيكون هذا توثيقا اجماليا للرواة المحذوفين، مندفعة بان ثبوت الصحة عنده لا يلازم ثبوتها عندنا،

لاحتمال استناده الي القرائن الموجبة لعلمه بالصحة، غير الموجبة عندنا للعلم لو اطلعنا عليها.

النبوي المشهور

(1) الظاهر ان هذا النبوي «1» و ان كان مشهورا الا انه لا أصل له في اصول العامة و الخاصة، فان الموجود في اصول العامة انما هو هكذا: ان الله اذا حرم علي قوم اكل شي ء حرم عليهم ثمنه «2» مع اضافة لفظ اكل فهو لم يثبت كونه رواية.

و أما ما هو الموجود في اصولهم فلضعف سنده و عدم انجباره بشي ء لا يعتمد عليه،

مع ان عمومه علي هذا لم يعمل به احد، فان كثيرا من الامور التي حرم اكلها يجوز بيعها.

بل الظاهر: انه لو كان الموجود في كتب الحديث هو ما اشتهر في ألسنة الاصحاب لما كان يعتمد عليه لضعف السند، و عدم الانجبار بالشهرة اذ، و ان كانت فتاويهم

علي وفق مضمونه حينئذ الا انه لم يثبت استنادهم اليه في الفتوي.

بل الظاهر انهم استندوا في افتائهم بذلك الي اعتبارهم المالية في العوضين المتوقفة علي كون الشي ء ذا منفعة محللة، و انما يذكرون النبوي للتاييد، هذا بناء علي ان يكون المراد من تحريم الشي ء تحريم جميع منافعه.

و ان كان المراد به تحريم بعض منافعه فعدم عملهم به اوضح: فانهم افتوا بجواز البيع.

______________________________

(1) أورده العامة و الخاصة في كتبهم الاستدلالية راجع مستند احمد، ج 1، ص 322 و البحار، ج 23، ص 17- و الخلاف، ج 1، ص 225- و الغنية و غيرها.

(2) مسند احمد، ج 1، ص 247 و ص 293- السنن الكبري، ج 6، ص 13.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 19

اذا عرفت ما تلوناه و جعلته في بالك متدبرا لمدلولاته فنقول: قد جرت عادة غير واحد علي تقسيم المكاسب الي محرم و مكروه و مباح مهملين للمستحب و الواجب بناء علي عدم وجودهما في المكاسب. مع امكان التمثيل للمستحب بمثل الزراعة و الرعي مما ندب اليه الشرع. و الواجب بالصناعة الواجبة كفاية خصوصا اذا تعذر قيام الغير به، فتأمل (1).

______________________________

اقسام المكاسب

فتحصل ان شيئا من هذه الاخبار لا يكون دليلا في المسائل الآتية بل لا بد في كل مسألة من ملاحظة مدركها بالخصوص.

(1) المكاسب جمع مكسب، و هو مصدر ميمي بمعني الكسب او التكسب، و هو تارة يلاحظ بما انه فعل المكلف مع ما يطرأ عليه من العناوين الثانوية، و اخري يلاحظ من حيث هو مع قطع النظر عن تلك العناوين، لا كلام في انه ينقسم بالاعتبار الاول الي خمسة اقسام كما لا يخفي.

انما الكلام في انه بالاعتبار الثاني هل ينقسم الي قسمين، المكروه كبيع

الاكفان، و المباح كبيع الاشياء المباحة، كما اختاره بعض المحققين قدس سرهم، ام الي ثلاثة، و هي ما تقدم باضافة المحرم كبيع الخمر مثلا كما لعله المشهور، ام الي اربعة و هي ما تقدم بضميمة المستحب، ام الي خمسة كما اختاره المصنف قدس سره.

الظاهر ان القول الاول ضعيف لوجود المكاسب المحرمة كما سيمر عليك، اللهم الا ان يقال ان حرمتها التكليفية انما تكون من جهة انطباق احد العناوين المحرمة كعنوان تقوية الكفر و نحوها عليها، لا انها محرمة من حيث الاكتساب و لذا يحرم هبتها ايضا عندهم.

و أما المكاسب الواجبة فقد مثل المصنف قدس سره لها بالصناعات الواجبة كفاية اذا وجد القائم بها اكثر من واحد، وعينا اذا لم يوجد الا واحد.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 20

______________________________

و فيه: ان الواجب في الصناعات الواجبة انما هو التصدي لتلك الصنعة لا التكسب

بها، مع ان وجوبها انما يكون من جهة وجوب اقامة النظام، لا انها واجبة من حيث هي.

و بذلك يظهر اندفاع ما اورد علي الوجه الاول.

و حاصله: انه قد يجب التكسب بها، و هو ما اذا افضي التصدي لها مجانا الي اختلال النظام، فيكون وجوبه نظير التكسب بالنذر، او اليمين، او العهد.

و قد مثل بعض مشايخنا المحققين قدس سرهم للتكسب الواجب ببيع العبد المسلم علي مولاه الكافر، و بيع المصحف علي الكافر.

و فيه: ان الواجب انما هو رفع سلطنته عنهما باي نحو كان و لذا لو رفعت سلطنته بالهبة و شبهها لا يجب البيع.

و أما التكسب المستحب: فقد مثل له الشيخ الاعظم بالزراعة و الرعاية للنصوص الدالة علي استحباب الرعي و الزرع.

كخبر الواسطي عن الامام الصادق عليه السلام عن الفلاحين فقال عليه السلام هم الزارعون كنوز الله

في ارضه، و ما في الاعمال شي ء احب الي الله من الزراعة، و ما بعث الله نبيا الا زارعا الا ادريس فانه كان خياطا «1».

و خبر ابن عطية قال سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول ان الله عز و جل اختار لأنبيائه الحرث و الزرع كيلا يكرهوا شيئا من قطر السماء «2» و خبر عقبة الآتي «3» و نحوها غيرها.

و فيه: ان غاية ما يستفاد من هذه النصوص، كونهما مستحبين في انفسهما و لو فعل الرعي مجانا او في غنم نفسه و زرع بذر الغير في ملكه مجانا، و لا يكونان مستحبين

______________________________

(1) الوسائل، الباب 10، من ابواب مقدمات التجارة، حديث 3.

(2) الوسائل، الباب 3، من كتاب المزارعة و المساقاة، الحديث 4.

(3) الوسائل، الباب 3 من كتاب المزارعة و المساقاة.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 21

و معني حرمة الاكتساب حرمة النقل و الانتقال بقصد ترتب الاثر المحرم. و اما حرمة اكل المال في مقابلها فهو متفرع علي فساد البيع لانه مال الغير وقع في يده بلا سبب شرعي و ان قلنا بعدم التحريم. لان ظاهر ادلة تحريم بيع مثل الخمر منصرف الي ما لو اراد ترتيب الآثار المحرمة. اما لو قصد الاثر المحلل فلا دليل علي تحريم المعاملة الا من حيث التشريع (1).

______________________________

بعنوان التكسب، و ما دل علي ثبوت البركة في الغنم لا يدل علي استحباب التكسب بها. و انما يدل علي وجودها في نفسها، و مما يدلنا علي استحبابهما في انفسهما الحكم المذكورة في الاخبار «1» لذلك فانه ذكر فيها في وجه استحباب الزراعة انها توجب التوكل، و في وجه استحباب الرعاية انها موجبة لاستكمال النفس و التمرين علي ادارة شئون الرعية.

ففي رواية عقبة عن

الامام الصادق عليه السلام ما بعث الله نبيا قط حتي يسترعيه الغنم و يعلمه بذلك رعية الناس «2».

فتحصل ان الاظهر انها تنقسم الي اقسام ثلاثة او الي قسمين.

معني حرمة الاكتساب

(1) و قد افيد في معني حرمة الاكتساب تكليفا وجوه:

الاول ما في المتن و حاصله: ان معني حرمة الاكتساب حرمة النقل و الانتقال مقيدة بقصد ترتب الاثر المحرم عليه كبيع الخمر للشرب.

و استدل له: بانصراف الادلة الي صورة قصد ترتب الاثر المحرم.

و فيه: اولا: انه قدس سره لا يلتزم بذلك في المباحث الآتية، حيث انه يلتزم بحرمة بيع الصليب و الصنم و آلات القمار مطلقا، و كذلك يلتزم بحرمة بيع السلاح لأعداء الدين و ان لم يقصد البائع تقويتهم علي المسلمين.

______________________________

(1) الوسائل، باب 3، من كتاب المزارعة و المساقاة.

(2) البحار، ج 11، ص 65، من الطبع الجديد.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 22

______________________________

و ثانيا: ان دعوي الانصراف ممنوعة جدا، و عليه فلا وجد لتقييد ما دل علي

حرمة البيع بالقصد المذكور لكونه تقييدا بلا موجب، نعم اذا كان دليل الحرمة هو ما دل علي حرمة الاعانة علي الاثم صح ما ذكره بناء علي اعتبار قصد ترتب الاثر في صدق الاعانة و سيجي ء تنقيح القول فيه.

الثاني: ان المراد من حرمة الاكتساب حرمة النقل و الانتقال بقصد ترتب امضاء من بيده الامر عليه.

و فيه: ان تقييد ما دل علي حرمة الاكتساب بذلك تقييد بلا موجب.

الثالث: ما افاده المحقق الايرواني قدس سره و هو: ان معني حرمة الاكتساب هو حرمة انشاء النقل و الانتقال بقصد ترتب اثر المعاملة و هو التسليم و التسلم للمبيع و الثمن.

و فيه: ان حرمة المعاملة ان كانت من جهة تعلق النهي التحريمي بنفس المعاملة فلا بد من

الالتزام بان المحرم انما هو الاعتبار النفساني المبرز بمبرز خارجي سواء تعلق به الامضاء من الشرع او العرف ام لا، فان هذا هو حقيقة المعاملة كالبيع مثلا علي ما سياتي تحقيقه في اول البيع، و ليس المحرم هو الاعتبار النفساني المجرد و لا الإنشاء الساذج، و لا يعتبر فيه شي ء آخر غير ذلك، و ان كانت الحرمة متعلقة بها لأمر خارج عن حقيقتها المنطبق عليها كعنوان تقوية الكفر المنطبق علي بيع السلاح للاعداء علي اشكال في المثال،

فلا بد من ملاحظة انه هل ينطبق علي خصوص المعاملة ام عليها مع تسليم المثمن، ام ينطبق علي خصوص التسليم؟ فعلي الاول تحرم المعاملة، و علي الثاني يكون المركب من المعاملة و التسليم متعلقا لها، و علي الثالث لا تحرم المعاملة، و هذا هو الضابط في المقام.

و به يظهر ما في كلمات المحقق المذكور و سائر الاعلام فلا حاجة الي اطالة الكلام في ذلك.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 23

______________________________

حرمة المعاملة لا تستلزم فسادها

و لا بد في المقام من امر يبتني عليه كثير من الفروع الآتية، و هو ان حرمة المعاملة، هل تستلزم فسادها كما لعله المشهور، أم تستلزم صحتها كما عن أبي حنيفة، أم لا تستلزم شيئا منهما بل لا بد في إثبات صحتها أو فسادها من التماس دليل آخر.

و تنقيح القول في المقام ان النهي المتعلق بالمعاملة تارة يكون ارشاديا، و أخري يكون تحريميا و ثالثة يكون تشريعيا.

و علي الثاني قد يتعلق النهي بالآثار و التصرف في الثمن او المثمن كقوله عليه السلام ثمن العذرة سحت و قد يتعلق بنفس المعاملة او بعنوان منطبق عليها.

لا ريب في دلالة القسم الاول علي الفساد، و كذلك القسم الثاني إذ لا وجه للمنع عن

التصرف في الثمن او المثمن، سوي عدم صحة المعاملة و بقائه علي ملك مالكه، نعم دلالة القسم الاول عليه تكون بالمطابقة و دلالة الثاني بالالتزام.

و أما القسم الثالث و هو النهي التحريمي المتعلق بالمعاملة فهو قد يتعلق بالاعتبار النفساني القائم بالمتعاملين و قد يتعلق بابرازه بمبرز خارجي.

توضيح ذلك: ان في المعاملة كالبيع اربعة أمور:

احدها اعتبار الملكية القائم بالمتبايعين.

ثانيها اعتبارها القائم بالعقلاء.

ثالثها الاعتبار القائم بالشارع الاقدس.

رابعها إظهار المتبايعين اعتبارهما النفساني بمظهر خارجي، من لفظ او غيره.

أما الاعتبار القائم بالشارع فهو غير قابل لتعلق النهي به، و ذلك لانه من الافعال الاختيارية للمولي و خارج عن تحت قدرة المكلف، مع انه إذا كان مبغوضا له فلأي جهة يوجده.

و أما الاعتبار القائم بالعقلاء الذي يعبر عنه في كلماتهم بالمسبب العرفي أي إمضاء

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 24

______________________________

العقلاء اعتبار المتبايعين فهو ايضا غير قابل لتعلق النهي به لكونه خارجا عن تحت قدرة

المتبايعين، و ليست نسبته إلي فعلهما نسبة المسبب التوليدي إلي سببه كي يصح النهي عنه للقدرة علي سببه.

و بذلك يظهر فساد ما افاده المحقق النائيني قدس سره حيث التزم بأن متعلق النهي هو المسبب العرفي.

و علي ذلك فيتعين تعلق النهي اما بالاعتبار القائم بالمتبايعين، او بما يكون مظهرا له في الخارج، و علي كل تقدير لا يدل النهي علي الفساد.

أما علي الثاني: فواضح سواء تعلق النهي بذات ما هو مظهر كانشاء البيع باللفظ اثناء الاشتغال بالفريضة او به بما له مظهر للاعتبار المزبور.

و أما علي فرض تعلقه بالاعتبار النفساني: ما قيل في دلالة علي الفساد وجهان: الاول: ما افاده المحقق النائيني قدس سره و هو: انه يعتبر في صحة المعاملة امور ثلاثة:

احدها: كون كل من المتعاملين مالكا للعين

او بحكمه. ثانيها: أن لا يكون محجورا عن التصرف فيها من جهة تعلق حق الغير بها او غير ذلك من اسباب الحجر ليكون له السلطنة الفعلية علي التصرف فيها.

ثالثها: أن توجد المعاملة بسبب خاص و آلة مخصوصة، فاذا تعلق النهي بالمسبب، أي الاعتبار النفساني، و بعبارة اخري: بالملكية المنشأة كما في النهي عن بيع المصحف من الكافر، كان النهي معجزا مولويا للمكلف عن الفعل و رافعا لسلطنته عليه، فيختل بذلك الشرط الثاني المعتبر في صحة المعاملة، و يترتب عليه فسادها.

و بالجملة: يعتبر في المعاملة السلطنة الفعلية علي التصرف في العين و منع المولي يوجب رفع السلطنة فلا محالة تفسد المعاملة.

و فيه: ان توقف نفوذ المعاملة و صحتها علي السلطنة الوضعية بديهي، و أما كون

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 25

______________________________

النهي موجبا لسلب هذه السلطنة فهو أول الكلام: نعم، النهي يوجب رفع السلطنة

التكليفية و نفوذ المعاملة غير متوقف عليها.

و بالجملة: المعتبر في صحة المعاملة إنما هي السلطنة الوضعية، و الحرمة إنما توجب رفع السلطنة التكليفية، لا السلطنة الوضعية، إذا لا منافاة بين حرمة شي ء و نفوذه وضعا الوجه الثاني: الروايات الواردة في نكاح العبد بدون إذن سيده، الدالة علي صحته مع اجازته لا بدونها، معللة بانه لم يعص الله و إنما عصي سيده، فإذا أجاز، جاز.

كصحيح زرارة عن الامام الباقر عليه السلام سأله عن مملوك تزوج بغير إذن سيده فقال:

ذاك إلي سيده إن شاء اجازه و إن شاء فرق بينهما، قلت: اصلحك الله ان الحكم بن عتيبة و ابراهيم النخعي و أصحابهما يقولون ان أصل النكاح فاسد و لا تحل إجازة السيد له فقال ابو جعفر عليه السلام: انه لم يعص الله و إنما عصي سيده، فإذا

أجازه فهو له جائز «1».

و صحيحه الآخر عنه عليه السلام: ساله عن رجل تزوج عبده امرأة بغير إذنه فدخل بها ثمّ اطلع علي ذلك مولاه قال عليه السلام: ذلك لمولاه إن شاء فرق بينهما و إن شاء أجاز نكاحهما- إلي ان قال- فقلت لابي جعفر عليه السلام فانه في أصل النكاح كان عاصيا؟ فقال أبو جعفر عليه السلام إنما اتي شيئا حلالا و ليس بعاص لله، إنما عصي سيده و لم يعص الله تعالي، إن ذلك ليس كإتيان ما حرم الله عليه من نكاح في عدة و اشباهه «2» و نحوهما غيرهما.

و تقريب الاستدلال بها: انها تدل علي ان النكاح لو كان مما حرمه الله تعالي عليه كان فاسدا.

______________________________

(1) الوسائل باب 24، من ابواب نكاح العبيد و الاماء، حديث 1.

(2) الوسائل باب 24، من ابواب نكاح العبيد و الاماء، حديث 2.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 26

______________________________

و فيه: إن محتملات المراد من العصيان في الجملتين أربعة:

الاول: أن يراد به فيهما العصيان الوضعي.

الثاني: أن يراد به فيهما العصيان التكليفي.

الثالث: أن يراد بالعصيان في الاولي: التكليفي منه، و في الثانية: الوضعي منه.

الرابع: عكس ذلك.

و الاحتمالان الاخيران يدفعان بوحدة السياق، فيدور الامر بين الاولين، و الظاهر هو الاول، و ذلك لوجهين:

الاول: إن إنشاء البيع او التزويج ليس تصرفا عرفا كي يكون حراما، و لذا لو أنشأ البيع العبد لغير نفسه لما توقف علي اجازة سيدة بلا كلام.

الثاني: إن عصيان السيد حرام شرعا، فمعصيته تكون معصية للّٰه تعالي، فكيف يتصور ان يكون فعل معصية للسيد و لا يكون معصية لله، فلا محالة يكون المراد منه العصيان الوضعي، أعني عدم النفوذ.

فالمتحصل حينئذ: أنه لا توقف في نفوذ النكاح من قبل الله

تعالي، و ليس نكاحا غير مشروع في نفسه، بل التوقف في نفوذه إنما هو من قبل السيد لاعتبار رضاه فيه،

فيدور عدم الصحة مدار عدم رضا السيد حدوثا و بقاء، فاذا أجاز، جاز. لا يقال:

ان العصيان الوضعي للسيد مستلزم لعصيان الله تعالي ايضا، لان عدم امضاء السيد، موجب لعدم امضاء الله تعالي.

فإنه يقال: ان عصيان السيد و مخالفته حرام شرعا، و المحرم الشرعي ليس علي قسمين، و بعبارة اخري: بالاجازة و الرضا البعدي لا ينقلب ما وقع معصية عما وقع عليه،

و هذا بخلاف عدم الامضاء، فإن عدم امضاء الشارع الاقدس لما لم يمضه السيد عدم امضاء مادامي اي ما دام لم يجز السيد، فتدبر فإنه دقيق.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 27

______________________________

و يؤيد ما ذكرناه من كون المراد من العصيان فيهما العصيان الوضعي: تمثيله عليه السلام

لعصيان الله تعالي في الصحيح الثاني بالنكاح في العدة و اشباهه.

فتحصل: انه لا دليل علي دلالة النهي التحريمي علي الفساد.

و مما ذكرناه ظهر انه لا يدل النهي عن المسبب علي الصحة ايضا، لانه قد استدل لذلك بوجهين: الاول: انه يعتبر في متعلق النهي القدرة، و لا يكاد يقدر علي المسبب الا فيما كانت المعاملة مؤثرة صحيحة.

الثاني: النصوص المتقدمة، بتقريب انها صريحة في ان عصيان السيد لا يستلزم بطلان النكاح، و بما ان عصيان السيد يستلزم عصيانه تعالي، يستفاد منها ان عصيانه تعالي لا يستلزم الفساد، و أما عصيانه تعالي المستلزم للفساد بمقتضي مفهوم قوله عليه السلام لم يعص الله فلا بد ان يراد به العصيان الوضعي.

و كلاهما فاسدان،

أما الاول: فلانه يتم لو كان متعلق النهي الاعتبار القائم بالشارع، و قد عرفت عدم معقولية ذلك، و إنما المتعلق له الاعتبار القائم بالمتبايعين و

هو مقدور و ان لم يكن صحيحا.

و أما الثاني: فلتوقفه علي ان يكون المراد من العصيان في كل من الموردين معني يغاير ما يراد منه في الآخر، و قد عرفت فساد ذلك ايضا.

فتحصل: ان النهي التحريمي عن المعاملة لا يستلزم فسادها و لا صحتها، و لا بد من الحكم بأحدهما من التماس دليل آخر.

و أما القسم الرابع: و هو النهي التشريعي فملخص القول فيه: إنه إن تعلق نهي بمعاملة خاصة فهو لا محالة يكون دالا علي فسادها و عدم مشروعيتها و أما المعاملة التي لا يعلم مشروعيتها و لا دليل عليها إذا أتي بها بما أنها مشروعة فمقتضي عموم النهي عن التشريع حرمتها، و مقتضي اصالة عدم الانتقال هو البناء علي الفساد ما لم ينكشف كونها ممضاة، و إنما الكلام فيما لو انكشف كونها مشروعة.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 28

و كيف كان،

فالاكتساب المحرم أنواع

اشارة

نذكر كلا منها في طي مسائل ثمان:

الاولي:

[النوع الأول] الاكتساب بالأعيان النجسة عدا ما استثني.
و فيه مسائل:
الأولي: يحرم المعاوضة علي بول غير مأكول اللحم بلا خلاف ظاهر،
اشارة

لحرمته و نجاسته و عدم الانتفاع به منفعة محللة مقصودة (1) فيما عدا بعض أفراده كبول الابل

______________________________

فعلي المختار من عدم دلالة النهي النفسي المتعلق بالمعاملة علي الفساد صحت هذه المعاملة، و أما علي ما اختاره المحقق النائيني تبعا للمشهور من دلالة علي الفساد فلا بد له من الالتزام بالفساد بناء علي ان المحرم في المقام، إذا لا فرق بين تعلق نهي خاص بمعاملة خاصة و بين انطباق عنوان عام محرم عليها، فإن المبغوضية إن استلزمت الفساد فهو في الموردين، و الا فكذلك، و بذلك ظهر أن اختيار المحقق النائيني قدس سره الصحة في الفرض، و عدم دلالة النهي التشريعي علي الفساد لا ينطبق علي مسلكه، فليكن ما أطلنا الكلام فيه و حققناه في المقام علي ذكر منك لانه ينفع في كثير من الفراغ الآتية.

المعاوضة علي أبوال ما لا يؤكل لحمه

(1) لا يخفي ان المصنف قدس سره خلط في المقام بين الحرمة التكليفية و الحرمة الوضعية كما صنع ذلك في المباحث الآتية، و ظاهر كلامه كون كل من الحرمة و النجاسة و عدم الانتفاع دليلا علي كلا الحكمين و عليه، فلا بد من التعرض لكلا الحكمين، و ما ذكر مدركا لهما.

و الكلام يقع اولا في الدليل علي الحرمة التكليفية.

ثمّ في ما استدل به علي الحرمة الوضعية.

أما المقام الاول: فقد استدل لها بوجوه:

الاول: انه نجس و يحرم بيع النجس كما دل علي ذلك قوله عليه السلام في خبر تحف العقول او

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 29

______________________________

شي ء من وجوه النجس فهذا كله حرام محرم لان ذلك كله منهي عن اكله و شربه و لبسه و

ملكه و امساكه و التقلب فيه فجميع

تقلبه في ذلك حرام «1».

و فيه اولا: ما تقدم من انه ضعيف السند غير مجبور بعمل الاصحاب.

و ثانيا: ان الخبر مختص بمقتضي التعليل المذكور فيه، بما اذا لم يكن للنجس منفعة محللة، و ستعرف ان للبول منفعة محللة فلا يشمله الخبر.

و دعوي انه لا يجوز الانتفاع بالنجس بجميع منافعه، ستعرف ما فيها عند تعرض الشيخ للمسألة.

الثاني: انه حرام و لا يجوز بيع الحرام لقوله صلي الله عليه و آله في النبوي المشهور: ان الله اذا حرم شيئا، حرم ثمنه «2».

و فيه: انه ان اريد بذلك حرمة بعض منافعه كالاكل و الشرب فالحرمة لا تستلزم عدم جواز البيع لعدم الدليل عليه، و النبوي مختص بما حرم بجميع منافعه، و لو فرض وجود دليل عليه لا بد من رفع اليد عنه و الا لزم تخصيص اكثر افراده المستهجن.

و ان اريد به حرمة جميع منافعه فهي و ان استلزمت عدم جواز البيع وضعا كما سيمر عليك الا انه لا دليل علي كونها موجبة للحرمة التكليفية، و النبوي مضافا الي ضعف سنده، دال علي عدم الجواز الوضعي لتعلق الحرمة بالتصرف في الثمن، و قد مر ان مثل ذلك دليل علي الفساد الوضعي مضافا الي انه ستعرف انه لا دليل علي حرمة جميع منافع ابوال ما لا يأكل لحمه.

الثالث: عدم جواز الانتفاع به فلا يجوز بيعه.

و فيه: ما تقدم من جواز بعض الانتفاعات به اولا.

و ان ذلك يستلزم فساد البيع كما سيمر عليك لا الحرمة التكليفية ثانيا.

______________________________

(1) الوسائل باب 2، من ابواب ما يكتسب به، حديث 1.

(2) قد تقدم مصدر هذا الحديث في ص 18.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 30

الجلالة او الموطوءة. (1) فرعان: الاول: ما عدا بول الابل من

ابوال ما يؤكل لحمه المحكوم بطهارتها عند المشهور ان قلنا بجواز شربها اختيارا (2) كما عليه جماعة من القدماء.

______________________________

الرابع: الاجماع المحكي عن غير واحد من الاعاظم.

و فيه: انه من المحتمل لو لم يكن هو الظاهر استناد المجمعين الي ما تقدم من الوجوه.

فالاجماع علي فرض ثبوته لا يكون تعبديا، فلا يصلح للاعتماد عليه.

و أما المقام الثاني: فقد استدل علي الحرمة الوضعية بوجوه: الاول: نجاسته و قد عرفت ما فيه.

الثاني: حرمته و قد مر ما يمكن ان يورد عليه.

الثالث: عدم جواز الانتفاع به، فان حرمة الانتفاع به تستلزم نفي ماليته التي لا بد منها في تحقق البيع، و سيجي ء ان بول ما لا يؤكل لحمه ينتفع به ببعض المنافع.

و أما الايرادات التي اوردها الاستاذ الاعظم فسيجي ء الكلام فيها في النوع الثالث مما يحرم التكسب به.

الرابع: حرمة بيعه تكليفا، فان حرمة المعاملة تستلزم فسادها.

و فيه: مضافا الي ما تقدم من منع الحرمة التكليفية، انه قد عرفت ان حرمة المعاملة.

لا تستلزم فسادها.

فتحصل: ان الاقوي جواز بيع بول ما لا يؤكل لحمه وضعا و تكليفا.

و منه يظهر جواز بيع بول ما يؤكل لحمه، من دون فرق بين اقسامه.

(1) الظاهر انه استثناء من قوله: و عدم الانتفاع به، و المراد ان بول ما لا يؤكل لحمه ليس له منفعة محللة معتد بها الا بول الابل الجلالة، فان له منفعة محللة ظاهرة.

(2) و فيه ان مجرد جواز الشرب بعد تنفر الطباع عن شربها لا يوجب فرقا بينها و بين ابوال ما لا يؤكل لحمه لانه حينئذ لا يعد من المنافع الظاهرة، و العجيب: انه قدس سره يعترف فيما يأتي بان الاكل لا يعد من منافع الروث فلا فرق بين بول ما يؤكل

لحمه و بول ما لا يؤكل لحمه، و عرفت ان الاظهر جواز بيعهما.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 31

و المتأخرين بل عن المرتضي دعوي الاجماع عليه، فالظاهر جواز بيعها (1).

______________________________

نعم لو فرضنا عدم وجود منفعة معتد بها لشي ء منهما لا يجوز بيعه وضعا بناء علي ما سيجي ء في النوع الثالث مما يحرم التكسب به من ان ما لا نفع له لا يجوز بيعه. فانتظر.

يحرم شرب ابوال ما يؤكل لحمه

(1) و لا بأس تبعا للشيخ الاعظم من التعرض لحكم فرع في المقام، و ان كان غير مربوط بما وضع الكتاب له، و هو انه: هل يجوز شرب ابوال ما يؤكل لحمه اختيارا كما عن جماعة، بل عن السيد المرتضي، دعوي الاجماع عليه، ام لا يجوز، ام يفصل بين بول الابل و غيره فيجوز في الاول خاصة؟ و قد استدل للاول: بالاصل، و بما عن قرب الاسناد: عن ابي البختري، عن جعفر،

عن ابيه: ان النبي صلي الله عليه و آله قال: لا بأس ببول ما اكل لحمه «1».

و لكن يرد علي الاول: انه انما يرجع اليه بعد فقد الدليل.

و يرد علي الثاني: مضافا الي ضعف سنده لان في طريقه وهب بن وهب الذي قال النجاشي في حقه: انه كان كذابا، انه لا ظهور له في جواز الاكل، بل الظاهر و لا أقل من المحتمل ان المراد منه طهارته و عدم نجاستة، مع انه لو سلم دلالته علي ذلك يتعين تقييده بما دل علي الجواز في حال الضرورة.

و استدل للثاني بقوله تعالي: (و يحرم عليهم الخبائث «2» بدعوي البول مطلقا من الخبائث، و بخبر سماعة، عن مولانا الصادق عليه السلام عن شرب الرجل أبوال الابل و البقر و الغنم ينعت له من الوجع

هل يجوز له ان يشرب؟ قال عليه السلام نعم لا بأس به «3».

______________________________

(1) الوسائل، باب 59 من أبواب الاطعمة و المباحة، حديث 2.

(2) سورة الاعراف، آية 158.

(3) الوسائل، باب 59 من أبواب الاطعمة المباحة، حديث 7.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 32

و إن قلنا بحرمة شربها كما هو مذهب جماعة أخري لاستخباثها ففي جواز بيعها قولان:

من عدم المنفعة المحللة المقصودة فيها، و المنفعة النادرة لو جوزت المعاوضة لزم منه جواز معاوضة كل شي ء و التداوي بها لبعض الاوجاع لا يوجب قياسها علي

______________________________

و فيهما نظر: أما الاول: فلانه لم يثبت كون المراد من الخبيث هو ما تتنفر عنه الطبائع، بل الثابت خلافه، فإن كثيرا من الاشياء التي تتنفر عنها الطبائع يجوز شربها و ان لم يكن للتداوي، و قد اطلق الخبيث علي العمل القبيح الذي لا تتنفر عنه الطبائع في الآية الشريفة، بل الظاهر ان المراد بالخبيث هو ما فيه مفسدة و رداءة، و لم يثبت كون الابوال منه بهذا المعني.

و أما الثاني: فلان التقييد إنما هو في كلام السائل، مع انه لو كان في كلام الامام عليه السلام لما كان يدل عليه الانباء علي حجية مفهوم القيد.

فالصحيح أن يستدل له بمفهوم موثق عمار عنه عليه السلام: انه سئل عن بول البقر يشربه الرجل؟ قال عليه السلام: إن كان محتاجا إليه يتداوي به يشربه، و كذلك أبوال الابل و الغنم «1».

و استدل للاخير، أي الجواز في خصوص بول الابل: بخبر الجعفري، قال سمعت ابا الحسن موسي عليه السلام: يقول: أبوال الابل خبر من ألبانها، و يجعل الله الشفاء في ألبانها «2».

و فيه: اولا: انه ضعيف السند لبكر بن صالح.

و ثانيا: انه يدل علي ثبوت الخير في بولها،

و هو اعم من الجواز التكليفي، إذ يمكن ان يكون ذلك من جهة كونه دواء لكثير من الامراض.

و أما ما ذكره بعض مشايخنا المحققين قدس سره في الجواب عنه من انه إنما سيق لبيان مضرية ألبانها، فغير تام، فإن ذلك ينافي ما في ذيل الخبر، و يجعل الله الشفاء في ألبانها.

و ما في سائر النصوص من انها دواء من كل داء و عاهة.

______________________________

(1) الوسائل، باب 59 من أبواب الاطعمة المباحة، حديث 1.

(2) الوسائل باب 59 من أبواب الاطعمة المباحة، حد

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 33

الادوية و العقاقير، لانه يوجب قياس كل شي ء عليها للانتفاع به في بعض الاوقات (1) و من ان المنفعة الظاهرة و لو عند الضرورة المسوغة للشرب كافية في جواز البيع و الفرق بينها و بين ذي المنفعة الغير المقصودة حكم العرف بانه لا منفعة فيه و سيجي ء الكلام في ضابطة المنفعة المسوغة.

______________________________

الاكتساب بالابوال

(1) توضيح ما أفاده، انه قد يقال بعدم جواز بيعها لعدم المنفعة المحللة المقصودة

فيها، و المنفعة النادرة لو جوزت المعاوضة لزم منه جواز معاوضة كل شي ء.

و اورد عليه: بانه يتداوي بها لبعض الاوجاع، و هذه فائدة مترتبة عليها، فهي نظير الادوية و العقاقير.

لانه يوجب قياس كل شي ء عليها للانتفاع به في بعض الاوقات.

و اورد عليه: بأن هذا في بادئ النظر، جواب نقضي و لذا قال بعضهم: ان هذا جواب لا يليق أن يذكر، إذ علي الفقيه أن يدفع قياس كل شي ء عليها.

و قال الاستاد الاعظم: إن التداوي بها لبعض الاوجاع يجعلها مصداقا لعنوان الادوية، و انطباق الكلي علي أفراده غير مربوط بالقياس.

و لكن: يمكن ان يقال: ان مراده قدس سره بذلك ان أبوال ما يؤكل لحمه بعد فرض انحصار

فائدتها بالتداوي لبعض الاوجاع علي ما هو مفروض الكلام، بما انها مبتذلة و لا ينحصر التداوي بها غالبا، بل قل ما يتفق الاحتياج إليها الموجب ذلك لعدم تعلق الغرض بحفظها لا تكون عند العرف من الاموال و لا يعدون ذلك من منافعها، و لا يعتنون بمثل هذه الفائدة في ابتذال المال بازائها، و هذا بخلاف الادوية و العقاقير، و لذا تري أنها تجلب من أقاصي البلاد و يكون بيعها و شرائها من التجارات المهمة، و الشاهد علي ذلك انهم عند الاحتياج إليها يعدونها من الاموال و يعاملون عليها.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 34

نعم يمكن أن يقال: قوله صلي الله عليه و آله و سلم إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه، و كذلك الخبر المتقدم عن دعائم الاسلام، يدل علي أن ضابطة المنع تحريم الشي ء اختيارا، و إلا فلا حرام الا و هو محلل عند الضرورة و المفروض حرمة شرب الابوال اختيارا،

و المنافع الاخر غير الشرب لا يعبأ بها جدا، فلا ينتقض بالطين المحرم أكله، فإن المنافع الاخر للطين اهم و اعم من منفعة الاكل المحرم، بل لا يعد الاكل من منافع الطين، فالنبوي دال علي انه إذا حرم الله شيئا بقول مطلق، بأن قال يحرم الشي ء الفلاني حرم بيعه، لان تحريم عينه إما راجع إلي تحريم جميع منافعه او الي تحريم اهم منافعه الذي يتبادر عند الاطلاق، بحيث يكون غيره غير مقصود منه، و علي التقديرين يدخل الشي ء لاجل ذلك، فيما لا ينتفع به منفعة محللة مقصودة، و الطين لم يحرم كذلك بل لم يحرم إلا بعض منافعه الغير المقصودة منه و هو الاكل بخلاف الابوال، فانها: حرمت كذلك، فيكون التحريم راجعا إلي شربها

و غيره من المنافع في حكم العدم. و بالجملة فالانتفاع بالشي ء حال الضرورة منفعة محرمة في حال الاختيار لا يوجب جواز بيعه (1).

______________________________

و بالجملة: بعد كون مناط المالية رغبات الناس بلحاظ حاجاتهم إليها علي حسب الحالات و الازمنة، الفرق بين الابوال و الادوية و العقاقير واضح.

(1) و قد يستدل لعدم جواز بيعها: بان النبوي المتقدم: انه إذا حرم الله شيئا حرم ثمنه. يدل علي عدم جواز بيع ما حرم اختيارا و الا فلا حرام إلا و هو محلل عند الضرورة،

و المفروض حرمة شرب الابوال اختيارا.

و لكن قد عرفت ضعف سند النبوي و عدم صلاحيته للاعتماد عليه، فلا بد من الرجوع إلي القواعد، و هي تقتضي فساد بيع ما لا يكون له منفعة محللة، و صحة بيع ما له منفعة كذلك كما سيأتي تنقيح القول في ذلك في النوع الثالث مما يكتسب به، و عليه فيجوز بيع كل ماله منفعة جائزة حين جوازها و لو كان ذلك حين الاضطرار، إذا أهل العرف يرونه في حال الاضطرار مالا لرغبتهم إليه بلحاظ الحاجة و يبذلون المال بإزائه.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 35

و لا ينتقض ايضا بالادوية المحرمة في غير حال المرض لاجل الاضرار (1) لان حلية هذه في حال المرض ليست لاجل الضرورة بل لاجل تبدل عنوان الاضرار بعنوان النفع.

______________________________

و أما ما ينتفع به في حال الاضرار، و لا ينتفع به حال الاختيار، فهل يجوز بيعه في حال الاختيار مطلقا، ام لا يجوز كذلك، ام يفصل بين الموارد؟ وجوه: اقواها الاخير، اذ لو كان للشي ء منافع محرمة في حال الاختيار، او لم تكن له منفعة، و منفعة محللة في حال الاضطرار، و كان الاحتياج اليه قليلا، و كان

ذلك الشي ء مبتذلا لا يعد ذلك في حال الاختيار مالا عرفا، لا سيما اذا احتاج الي مئونة، و أما اذا كانت منفعته المحللة في حال الاضطرار شائعة بان كثرت الحاجة الي التداوي به، او كانت نادرة و لكن عز وجوده و قل كلحم الافعي فيصح بيعه، لان اهل العرف يعدون ذلك الشي ء مالا و يبذلون المال بازائه قبل زمان الاضطرار للتداوي به عند الابتلاء به او بيعه من المريض.

(1) محصل النقض انه كما ان الادوية محرمة الاستعمال في غير حال الصحة لإضرارها بالنفس، و مع ذلك يجوز بيعها لاستعمالها حال المرض. كذلك الابوال بناء علي حرمة شربها في حال الصحة و الاختيار فانه لجواز استعمالها حال المرض يجوز بيعها.

و اجاب عن ذلك المصنف قدس سره بقوله: ان حلية هذه في حال المرض ليست لاجل الضرورة بل لاجل تبدل عنوان الاضرار بعنوان النفع.

و فيه: ان عنوان الاضرار من العناوين الثابتة لاستعمال كل شي ء من المشروبات و المأكولات زائدا عن حده، و في غير محله، حتي الخبز اذا اكل الانسان في حال الشبع و انطباقه علي الادوية ايضا يكون كذلك، فهذا لا يصلح جعله مناطا للحرمة و علة لعدم جواز البيع اذ عليه لا يجوز بيع شي ء من المشروبات و المأكولات.

و مع الاغماض عن ذلك، ما ذكره من الفرق غير فارق، اذ علي فرض صحة سند النبوي و دلالته علي ان ما حرم في حال الاختيار لا يجوز بيعه، لا وجه للفرق بين كون الحرمة ثابتة له بعنوانه الاولي او بعنوان الاضرار.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 36

و مما ذكرنا يظهر ان قوله عليه السلام: في رواية تحف العقول المتقدمة، و كل شي ء يكون لهم فيه الصلاح من

جهة من الجهات، يراد به جهة الصلاح الثابتة حال الاختيار (1) دون الضرورة و مما ذكرنا يظهر حرمة بيع لحوم السباع دون شحومها فان الاول من قبيل الابوال، و الثاني من قبيل الطين، في عدم حرمة جميع منافعها المقصودة منها، و لا ينافيه (2) النبوي: لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم،

فباعوها (1) و اكلوا ثمنها، لان الظاهر ان الشحوم كانت محرمة الانتفاع علي اليهود بجميع الانتفاعات، لا كتحريم شحوم غير مأكول اللحم علينا.

______________________________

(1) و فيه ان مقتضي اطلاقه صحة بيع ما فيه جهة الصلاح حين وجودها من غير فرق بين حالتي الاختيار و الاضطرار، و ايضا من غير فرق بين كون تلك الجهة شائعة ام

بيع شحوم ما لا يؤكل لحمه

(2) وجه التنافي هو توهم دلالته علي ان استحقاق اليهود للعن انما هو من جهة بيعهم ما حرم اكله، و لو لا الملازمة بين حرمة الاكل لما كان وجه لذلك.

و اجاب عنه المصنف قدس سره بان الظاهر ان الشحوم كانت محرمة الانتفاع علي اليهود بجميع الانتفاعات لا كحرمة شحوم غير الماكول علينا.

و اورد عليه الاستاذ الاعظم: بانه لا منشأ لهذا الظهور لا من الرواية و لا من غيرها.

و يرد عليه: ان منشأ استظهاره اسناد الحرمة الي الشحوم انفسها لا إلي اكلها اذ الظاهر من اسناد الحرمة الي شي ء بقول مطلق حرمة جميع منافعه.

فالصحيح ان يورد عليه: بان استظهار ذلك مع عدم كون الكلام مسوقا لبيان حرمة الشحوم في غير محله.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 37

و لكن الموجود من النبوي في باب الاطعمة عن الخلاف ان الله اذا حرم أكل شي ء حرم ثمنه و الجواب عنه مع ضعفه (1) و عدم الجابر له سندا و دلالة لقصودها لزوم تخصيص الاكثر الثاني

بول الابل يجوز بيعه إجماعا علي ما في جامع المقاصد و عن إيضاح النافع اما لجواز شربه اختيارا (2) كما يدل عليه قوله عليه السلام في رواية لجعفري أبوال الابل خير من ألبانها «1»

______________________________

و لكن يصح الجواب عن الاستدلال: بانه يحتمل ذلك اي كون الشحوم محرمة الانتفاع علي اليهود بجميع الانتفاعات لعدم معلومية كيفية حرمة الشحوم عليهم، فلا يمكن رفع اليد عن الادلة الاخر بهذا الخبر.

(1) الظاهر زيادة كلمة (مع) و مراد المصنف قدس سره ان الخبر ضعيف السند.

و الدلالة، للزوم تخصيص الاكثر، لا انه مضافا إلي ضعفه سندا و دلالة يلزم تخصيص الاكثر كي يورد عليه بانه لا وجه لضعف الدلالة سوي ذلك فتدبر.

ثمّ إن حمل الخبر علي إرادة حرمة الاكل من المأكولات أعني ما يقصد للاكل دون ما حرم أكله مطلقا، فلا يلزم منه تخصيص الاكثر، كما عن المحقق الايرواني قدس سره حمل تبرعي لا يصار إليه مع عدم القرينة.

بيع بول الابل

(2) و فيه أولا انه ضعيف السند لبكر بن صالح.

و ثانيا: انه يدل علي ثبوت الخير في بولها، و هو اعم من الجواز التكليفي، إذ يمكن ان يكون ذلك من جهة كونه دواء لكثير من الامراض.

و أما ما ذكره بعض مشايخنا المحققين قدس سره في الجواب عنه، من انه إنما سيق لبيان مضرية ألبانها.

فغير تام فإن ذلك ينافي ما في ذيل الخبر و يجعل الله السفاء في ألبانها و ما في ساير النصوص من أنها دواء من كل داء و عاهة.

______________________________

(1) الوسائل باب 59 من أبواب الاطعمة المباحة، حدي

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 38

و أما لاجل الاجماع المنقول لو قلنا بعدم جواز شربها إلا لضرورة الاستشفاء كما يدل عليه (1) رواية سماعة

قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن بول الابل و البقر و الغنم ينتفع به من الوجع هل يجوز أن يشرب؟ قال عليه السلام: نعم لا بأس «1» و موثقة عمار عن بول البقر يشربه الرجل قال إن كان محتاجا إليه يتداوي بشربه فلا بأس به كذلك بول الابل و الغنم «2» لكن الانصاف أنه لو قلنا بحرمة شربه اختيارا (2) أشكل الحكم بالجواز إن لم يكن اجماعيا كما يظهر من مخالفة العلامة في النهاية.

______________________________

و ثالثا أبوال الابل بما انها مبتذلة و لا ينحصر التداوي بها غالبا بل قل ما يتفق الاحتياج اليها، بعد فرض انحصار فائدتها بالتداوي لبعض الاوجاع، الموجب ذلك لعدم تعلق الغرض بحفظها لا تكون عند العرف من الاموال و لا يعدون ذلك من منافعها، و لا يعتنون بمثل هذه الفائدة في ابتذال المال بإزائها.

و بالجملة بعد فرض كون مناط المالية المصححة لجواز البيع رغبات الناس بلحاظ حاجاتهم إليها علي حسب الحالات و الازمنة عدم جواز بيع الابوال واضح.

(1) و فيه اولا ان التقييد في كلام السائل لا في كلام الامام عليه السلام.

و ثانيا انه لو كان في كلام الامام عليه السلام لما كان يدل عليه الا بناء علي حجية مفهوم القيد.

نعم موثق عمار يدل عليه بمفهوم الشرط.

(2) و يرد عليه انه لو كان للشي ء منافع محرمة في حال الاختيار او لم تكن له منفعة،

و منفعة محللة في حال الاضطرار و كانت تلك المنفعة شائعة بأن كثرت الحاجة إلي التداوي به او كانت نادرة و لكن عز وجوده و قل كلحم الافعي يصح بيعه في حال الاختيار لان أهل العرف يعدون ذلك الشي ء مالا و يبذلون المال بإزائه قبل زمان الاضطرار

للتداوي به عند الابتلاء به او بيعه من المرض نعم ما أفاده يتم في بول الابل كما مر

______________________________

(1) الوسائل باب 59 من أبواب الاطعمة المباحة، حديث 7.

(2) الوسائل باب 59 من أبواب الاطعمة المباحة، حديث 1.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 39

و ابن سعيد في النزهة قال (1) في النهاية: و كذلك البول يعني يحرم بيعه و ان كان طاهرا للاستخباث كأبوال البقر و الابل و ان انتفع به في شربه للدواء لانه منفعة جزئية نادرة فلا يعتد به (انتهي) أقول: بل لان (2) المنفعة المحللة للاضطرار و إن كانت كلية لا يسوغ البيع كما عرفت.

الثانية يحرم بيع العذرة من كل حيوان علي المشهور
اشارة

(3) بل في التذكرة كما عن الخلاف الاجماع علي تحريم بيع السرجين النجس و يدل عليه مضافا إلي ما تقدم من الاخبار رواية يعقوب بن شعيب ثمن العذرة من السحت، نعم في رواية محمد بن مضارب لا بأس ببيع العذرة.

______________________________

(1) لا ظهور لكلام العلامة قدس سره في عدم جواز البيع علي تقدير حرمة شربه اختيارا خاصة، بل يحتمل أن يكون مراده عدم الجواز حتي مع جواز شرابه، لما ذكرناه من ان جواز الشرب ليس مناط المالية فراجع.

(2) الصحيح ما ذكره العلامة قدس سره كما يظهر لمن راجع ما ذكرناه في بعض الحواشي السابقة ضابطا لجواز البيع فراجع.

حكم بيع العذرة

(3) هذا هو المشهور بين الاصحاب شهرة عظيمة بل عن صريح غير واحد كالعلامة و صاحب الجواهر و غيرهما، و ظاهر آخرين، دعوي الاجماع عليه.

و أما النصوص الواردة في المقام فهي علي طائفتين:

الاولي: ما تدل علي عدم جواز البيع و كون ثمن العذرة من السحت، كخبر يعقوب بن شعيب عن الامام الصادق عليه السلام ثمن العذرة من السحت «1».

الثانية: ما تدل علي

الجواز: كحسن محمد بن مضارب عنه عليه السلام قال: لا بأس ببيع العذرة «2».

و أما موثق سماعة قال: سال رجل أبا عبد الله عليه السلام و أنا حاضر فقال: إنّي رجل أبيع

______________________________

(1) الوسائل باب 40 من أبواب ما يكتسب به، حديث 1.

(2) الوسائل، باب 40 من أبواب ما يكتسب به، حديث 2.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 40

و جمع الشيخ بينهما (1) بحمل الاول علي عذرة الانسان و الثاني علي عذرة البهائم، و لعله لان الاول نص في عذرة الانسان ظاهر في غيرها، بعكس الخبر الثاني، فيطرح ظاهر كل منهما بنص الآخر.

______________________________

العذرة فما تقول؟ قال عليه السلام حرام بيعها و ثمنها، و قال: لا بأس ببيع العذرة «1».

فالظاهر أنه خبران، جمع الراوي بينهما و ذلك لوجهين: الاول: تكرار كلمة (قال) و لو كان خبرا واحدا صادرا عن المعصوم في مجلس واحد لما كررها.

الثاني: أنه لو كان خبرا واحدا لكان للمعصوم عليه السلام ذكر المضمر موضع المظهر و كان يقول لا بأس ببيعها، فما ذكره بعض من ان روايات الباب علي طوائف في غير محله.

بل هي طائفتان: مانعة، و جوزة.

و قد ذكر الاساطين في مقام الجمع بين الطائفتين وجوها:

(1) الاول: ما نقله المصنف قدس سره عن شيخ الطائفة و هو حمل خبر المنع علي عذرة الانسان و خبر الجواز علي عذرة البهائم.

و فيه: أولا ان حمل الظاهر علي نص إنما يكون جمعا عرفيا فيما إذا كانت النصوصية باقتضاء نفس الدليل كما في أفعل و لا بأس بتركه، حيث ان الثاني نص بنفسه في عدم الوجوب، لا فيما إذا كانت من جهة تيقن اندراج فرد أو أفراد في الدليل من جهة مناسبة الحكم و الموضوع أو غيرها، إذ

أهل العرف لا يرون مثل هذا النص قرينة علي التصرف في الظاهر.

و إن شئت قلت: ان النص الذي يكون قرينة هو النص في تمام المدلول لا في بعضه كما في المقام، و ذلك فإن جعل احد الدليلين في أمثال المقام قرينة علي التصرف في ظاهر الآخر،

اما أن يكون باعتبار معناه الظاهر، أو باعتبار بعض مدلوله الذي هو نص فيه، لا سبيل إلي توهم الاول، فإن ظاهر كل منهما ينافي صدور الآخر و يستدعي عدم صدوره لا حمله علي بعض مدلوله.

و أما بالاعتبار الثاني فإن ادعي كونه قرينة بذلك الاعتبار قبل تخصيصه به فهو كما

______________________________

(1) الوسائل، باب 40 من أبواب ما يكتسب به، حديث 3.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 41

و يقرب هذا الجمع (1) رواية سماعة قال سأل رجل ابا عبد الله عليه السلام و انا حاضر عن بيع العذرة فقال اني رجل ابيع العذرة فما تقول؟ قال: عليه السلام حرام بيعها و ثمنها و قال لا بأس ببيع العذرة، «1» فان الجمع بين الحكمين في كلام واحد لمخاطب واحد يدل علي ان تعارض الاولين ليس الا من جهة الدلالة فلا يرجع فيه الي المرجحات السندية او الخارجية.

______________________________

تري، و ان ادعي كونه قرينة بعده فهو دور واضح، مثلا جعل ثمن العذرة سحت، قرينة لحمل لا بأس ببيع العذرة علي عذرة غير الانسان لا يصح قبل تخصيصه بعذرة الانسان كما هو واضح، و لا بعده، فان تخصيصه بها لا وجه له سوي لا بأس ببيع العذرة الذي لا يكون قرينة علي ذلك الا بعد تخصيصه بعذرة غير الانسان المتوقف علي قرينية ثمن العذرة سحت، فتدبر فانه دقيق.

و ثانيا: لا نسلم نصوصية لا بأس ببيع العذرة، في عذرة

غير الانسان كما لا نسلم نصوصية ثمن العذرة سحت في عذرة الانسان اذ جواز البيع و عدمه لا يكونان تابعين للطهارة و النجاسة، بل انما يكونان تابعين لوجود المنفعة المحللة و عدمها، و لا أقل من احتمال ذلك، و عليه فبما ان منفعة عذرة الانسان تكون ازيد للانتفاع بها في التسميد و نحوه،

و لا اقل من التساوي، لا تصح دعوي النصوصية المذكورة كما لا يخفي.

و ثالثا: انه لو صح الحمل المذكور كان مقتضاه جواز بيع عذرة مأكول اللحم، و عدم جواز بيع عذرة غير مأكول اللحم، لا خصوص الانسان و البهائم.

و رابعا: الظاهر ان العذرة لا تطلق علي خرء البهائم بل هي حقيقة في خصوص عذرة الانسان و لقد خرجنا في المقام عما يقتضيه الادب و الله تعالي مقيل العثرات.

(1) و فيه اولا: انه لو تم ذلك فانما هو لو ثبت صدورهما من المعصوم عليه السلام في مجلس واحد لا فيما اذا صدرا عنه عليه السلام في مجلسين و الراوي جمع بينهما، و قد عرفت ان الاظهر هو الثاني.

______________________________

(1) الوسائل، باب 40، من ابواب ما يكتسب به، حديث 3.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 42

و به يدفع ما يقال من ان العلاج في الخبرين المتنافيين علي وجه التباين الكلي هو الرجوع الي المرجحات الخارجية ثمّ التخيير او التوقف (1) لا إلغاء ظهور كل منهما و لهذا طعن علي من جمع بين الامر و النهي بحمل الامر علي الاباحة و النهي علي الكراهة و احتمل السبزواري حمل خبر المنع علي الكراهة و فيه ما لا يخفي من البعد.

______________________________

و ثانيا: لا يتم ذلك و ان صدرا منه عليه السلام في مجلس واحد، إذ لو لم تكن إحدي الجملتين

قرينة علي التصرف في الاخري لا مناص عن الحكم بالاجمال و سقوطهما عن الاعتبار.

و دعوي ان دليل التعبد بالخبر الذي فيه الجملتان يقتضي معاملة الصادر معهما المستلزمة للعمل بما و لهما.

مندفعة بأن غاية ما يدل عليه دليل التعبد صدورهما، و أما حمل كل من الجملتين علي معني لا تكون ظاهرة، فبه أو الحكم بالاجمال فهو اجنبي عنه، و لزوم اللغوية من التعبد بخبر محكوم بالاجمال لا يوجب العمل بمأولهما بعد كون دليل التعبد هي الادلة العامة،

بل يستلزم عدم شموله له لعدم الاثر.

و ثالثا: ان الجمع بينهما في رواية واحدة لو سلم كونه مقتضيا للعمل بمأولهما فإنما يقتضي وجود الجمع بينهما، لا تعيين خصوص ما ذكره الشيخ قدس سره بعد كونه في نفسه جمعا تبرعيا كسائر طرق الجمع.

(1) يعني إذا وقعت الجملتان في خبر واحد يكون مفادهما خاصا فيه يقيد إطلاق كل من الخبرين الشاملين لهما منعا و ترخيصا.

الثاني: ما عن كفاية السبزواري قدس سره و هو حمل خبر المنع علي الكراهة.

و أجاب عنه المصنف قدس سره بقوله و لا يخفي ما فيه من البعد.

و ذكر بعضهم في وجه استبعاد المصنف قدس سره ان خبر يعقوب صريح في المنع إذ السحت لا يستعمل في الكراهة بل هو في اللغة علي ما صرح به أئمة الفن، عبارة عن الحرام.

و فيه: انه قد اطلق السحت في جملة من النصوص علي ثمن ما يجوز بيعه و لكنه مكروه كثمن جلود السباع كخبر الجعفريات عن الامام علي عليه السلام حيث عد من السحت

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 43

و أبعد منه ما عن المجلسي من احتمال حمل خبر المنع علي بلاد لا ينتفع به و الجواز علي غيرها (1)

______________________________

ثمن جلود السباع

«1» و نحوه غيره.

و كسب الحجام، كموثق سماعة عن الامام الصادق عليه السلام: السحت أنواع كثيرة: منها كسب الحجام «2» و نحوه غيره.

و قبول الهداية مع قضاء الحاجة كخبر العيون عن الامام الرضا عليه السلام عن آبائه عن سيدنا علي عليه السلام في قوله تعالي (أكالون للسحت) هو الرجل يقضي لاخيه الحاجة ثمّ يقبل هديته. «3» إلي غير ذلك من الموارد التي يجوز فيها البيع علي ما ثبت في مواردها فليكن المقام من تلك الموارد.

فالاولي ان يقال في وجه بعد هذا الجمع- مضافا إلي أن الالتزام بكراهة التصرف في الثمن مع جواز بيع العذرة مخالف للاجماع المركب لا يمكن المصير إليه- إن موثق سماعة صريح في الحرمة لا يصح حمله علي الكرامة.

(1) الثالث: ما عن المجلسي قدس سره احتماله و هو حمل خبر المنع علي بلاد لا ينتفع بها، و حمل خبر الجواز علي بلاد ينتفع بها.

و فيه: انه جمع تبرعي لا شاهد له، و كونها في بلاد لا ينتفع بها، لا يوجب سلب ماليتها بعد الانتفاع بها في بلاد اخر، فلا يصح جعله قرينة لهذا الحمل، اللهم الا ان يقال انها لابتذالها و كثرتها لا تنقل من بلد الي آخر، فتدبر. مع ان الظاهر ورود الاخبار المانعة و المجوزة سؤالا و جوابا في صورة كون البيع سفهيا.

الرابع: حمل خبر المنع علي عدم الجواز الوضعي، و خبر الجواز علي الجواز التكليفي، فيكون بيع العذرة فاسدا غير محرم.

______________________________

(1) المستدرك باب 5 من ابواب ما يكتسب به، حديث 1.

(2) الوسائل، باب 5 من ابواب ما يكتسب به، حديث 2.

(3) الوسائل، باب 5 من ابواب ما يكتسب به، حدي

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 44

و نحوه حمل خبر المنع

علي التقية لكونه مذهب اكثر العامة (1).

______________________________

و فيه: ان هذا الجمع ان صح بين خبري يعقوب و ابن مضارب، لا يصح في موثق سماعة، اذ قوله عليه السلام حرام بيعها، ظاهر في الحرمة التكليفية، و قوله حرام ثمنها، ظاهر في الحرمة الوضعية علي ما عرفت في ضابط دلالة النهي علي الفساد.

الخامس: ما عن العلامة المامقاني من حمل خبر الجواز علي الاستفهام الانكاري و هو كما تري.

فتحصل: ان الطائفتين متعارضتان لا يمكن الجمع بينهما.

فحينئذ، قد يقال: ان خبر المنع و هو خبر يعقوب ضعيف السند. للارسال، و لجهالة علي بن مسكين.

و فيه اولا: ان العلامة و ان ارسله في المنتهي، الا انه مروي في كتب الاحاديث مسندا، نعم ابن مسكين مجهول الا انه يمكن دعوي جبر ضعف السند بالشهرة.

و دعوي ان ابتناء الشهرة في المقام ثابتة مع بنائهم علي جواز الانتفاع بها في التسميد و نحوه، و الشهرة الثابتة في مطلق النجاسات انما هي فيما لا ينتفع به منفعة محللة، فيستكشف من ذلك ثبوت الشهرة في خصوص بيع العذرة، و يؤيده تصريحهم بذلك و دعوي جماعة منهم الاجماع علي المنع عن بيع العذرة خاصة.

و ثانيا: انه قد مر عدم اختصاص خبر المنع به، بل موثق سماعة ايضا دال عليه و علي الحرمة التكليفية.

(1) و قد يقال: انه يحمل خبر المنع علي التقية.

و اورد عليه: بان المنع و ان كان مذهب اكثر العامة الا انه لا يفيد، مع كون فتوي معاصر الامام الذي صدر عنه خبر الجواز و هو امامنا الصادق عليه السلام هو الجواز، فان ابا حنيفة افتي بالجواز.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 45

و الاظهر ما ذكره الشيخ لو اريد الترع بالحمل لكون اولي من الطرح

و الا فرواية الجواز لا يجوز الاخذ بها من وجوه لا تخفي (1).

______________________________

و فيه: ان ابا حنيفة من المفتين بالمنع في العذرة غير المختلطة بالتراب، و انما افتي بجواز بيع المختلط و بيع السرجين و بيع البعر كما يظهر لمن راجع فقه المذاهب الاربعة.

و لكن يرد علي هذا الحمل: ان مخالفة العامة انما هي من المرجحات بعد فقد جملة من المرجحات لا مطلقا.

و التحقيق ان يقال: انه بناء علي ان المرجح الاول انما هي الشهرة الفتوائية، و انه مع وجودها لا يرجع الي المرجحات الاخر و لا يعارضها غيرها، يتعين في المقام تقديم خبر المنع لكونه مشهورا، و أما بناء علي ان المرجح هي الشهرة الروائية لا الفتوائية، فحيث انهما معا مشهوران، و موثقا سماعة لا مرجح لاحدهما علي الآخر من حيث صفات الراوي، فيتعين تقديم خبر الجواز لكونه مخالفا للعامة.

(1) الظاهر ان الوجوه المشار اليها انما هي: مخالفتها للمشهور، و للإجماعات المنقولة، و لفتوي ابي حنيفة، و للروايات العامة المتقدمة، و ما عن المجلسي قدس سره من ضعف سند خبر الجواز.

اما الاول: فقد عرفت انه يوجب تقديم خبر المنع.

و أما الثاني: فالاجماع المنقول غير التعبدي لا يكون من المرجحات و التعبدي حجة مستقلة، و أما المخالفة لفتوي ابي حنيفة فقد مر ما فيها فراجع.

و أما ضعف سند خبر الجواز، فالظاهر ان منشأ تخيله خلط ابن مضارب بابن مصادف، حيث ان الاول مجهول الحال، و الثاني الذي هو الراوي حسن، و في كتب الحديث روي الخبر عن الثاني، و أما الروايات العامة فقد تقدم ما فيها، مضافا الي ما سيجي ء من انها انما تدل علي عدم جواز بيع النجس الذي لا ينتفع به منفعة محللة،

و لا تشمل ما له نفع كذلك كما في العذرة فانه ينتفع بها في التسميد كما دل عليه خبر ابي البختري المجبور ضعفه

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 46

______________________________

بعمل الاصحاب، مع ان العام الفوق لا يوجب ترجيح موافقه علي مخالفه في المتعارضين، بل لو

قدم مخالفه يخصص به.

تتميم

و للمحقق النائيني قدس سره كلام لا بأس بذكره و حاصله: انه بناء علي كون النجاسة مانعة عن صحة البيع مستقلا لا يمكن الجمع بين المتعارضين، فيتساقطان و يرجع الي عموم ما دل علي عدم جواز بيع النجس، و أما بناء علي ان النجاسة مانعة عن صحة البيع إذا توقف الانتفاع بالشي ء علي طهارته و الا فلا، فيمكن الجمع بين المتعارضين باختلاف البلاد للمناسبة بين الحكم و الموضوع، التي هي من القرائن المكتنفة بالكلام الموجب ذلك لخروج الجمع بينهما عن الجمع التبرعي، او التورعي.

و في كلامه قدس سره مواقع للنظر:

الاول: فيما ذكره بناء علي مانعية النجاسة بنفسها من تساقط المتعارضين و الرجوع إلي عموم ما دل علي عدم جواز بيع النجس: فإنه يرد عليه انه عند تعارض الخبرين، و عدم امكان الجمع بينهما يتعين الرجوع الي المرجوع الي المرجحات، و عند فقدها يتخير في الاخذ بأيهما شاء، و ستعرف ان الترجيح مع خبر المنع فلا وجه للرجوع إلي ذلك العموم.

الثاني: ما ذكره بناء علي عدم مانعية النجاسة من الجمع بينهما باختلاف البلاد لمناسبة الحكم و الموضوع: فإنه يرد عليه، ان المناسبة إن اوجبت ظهور كل من المتعارضين فيما عليه الذي لازمه الحمل عليه حتي مع عدم المعارض فلا كلام، و إلا فالجمع يكون تبرعيا كما يظهر لمن راجع ما ذكرناه في الحشية السابقة هذا كله مضافا الي ما عرفت

من أن مورد خبر المنع ايضا هو بيع العذرة في بلد ينتفع بها فيه فيدبر جيدا.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 47

ثمّ إن لفظ العذرة في الروايات إن قلنا إنه ظاهر في عذرة الانسان كما حكي التصريح به عن بعض أهل اللغة، فثبوت الحكم في غيرها بالاخبار العامة المتقدمة و بالاجماع المتقدم علي السرجين النجس و استشكل في الكفاية في الحكم تبعا للمقدس الاردبيلي إن لم يثبت الاجماع و هو حسن إلا أن الاجماع المنقول هو الجابر لضعف سند الاخبار العامة السابقة.

______________________________

بيع السرجين النجس

قوله قدس سره ثمّ ان لفظ العذرة في الروايات ان قلنا انه ظاهر في عذرة الانسان.

بناء علي جواز بيع عذرة الانسان يجوز بيع السرجين النجس مطلقا.

و أما بناء علي القول بالمنع فيها كما اخترناه، فهل يجوز بيع السرجين النجس مطلقا أم لا، قولان: قد استدل للاول بصدق العذرة عليه فيدل علي المنع ما دل علي المنع عن بيعها، و بالاخبار العامة المتقدمة، و بالاجماع المدعي في محكي الخلاف و التذكرة علي المنع،

و بآية تحريم الخبائث، بدعوي أنها تدل علي حرمة جميع الانتفاعات و منها البيع.

و في الجميع نظر.

أما الاول: فلانه بعد تصريح من اللغويين باختصاصها بعذرة الانسان لا يبقي وثوق بالصدق، و معه لا وجه للتمسك بما دل علي عدم جواز بيع العذرة.

و أما الثاني: فلما عرفت في أول الكتاب من أنها ضعيفة السند لا تصلح أن يعتمد عليها في الحكم.

و ما ادعاه المصنف قدس سره من أن الاجماع المنقول هو الجابر لضعف سندها، غير تام، إذ لم يحرز استناد الاصحاب إليها كي يكون ذلك جابرا للضعف، إذ مجرد موافقة فتواهم لها لا تكون جابرة، مع انك قد عرفت، و سيأتي تنقيحه ان تلك

الاخبار لا تشمل ما ينتفع به منفعة محللة.

و أما الثالث: فلان الاجماع المنقول في المقام علي فرض ثبوته لا يكون اجماعا تعبديا إذ لا أقل من احتمال استنادهم إلي بعض ما تقدم.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 48

و ربما يستظهر من عبارة الاستبصار القول بجواز بيع عذرة ما عدا الانسان،

لحمله أخبار المنع علي عذرة الانسان و فيه نظر. (1) فرع: الاقوي جواز بيع الارواث الطاهرة التي ينتفع بها منفعة محللة مقصودة (2) و عن الخلاف نفي الخلاف فيه. و حكي أيضا عن المرتضي قدس سره الاجماع عليه.

______________________________

و أما آية تحريم الخبائث فقد مر ان الخبيث عبارة عما فيه مفسدة و دنائة، لاما يتنفر الطبع منه فصدقه علي السرجين غير معلوم.

مضافا الي ما نبه عليه المصنف من أن المراد منها تحرمها أكل الخبائث لا مطلق الانتفاعات بها.

فالاظهر جواز بيعه، لعموم ادلة حل البيع إلا أن يستدل لعدم الجواز بما تقدم من خبر المنع في العذرة بضميمة الاولوية او بتنقيح المناط.

(1) إذ لعله أراد بالحمل علي عذرة الانسان الحمل علي عذرة غير مأكول اللحم،

بل هذا هو الظاهر، كما يشهد له قوله في محكي المبسوط، فلا يجوز بيع العذرة و السرجين مما يؤكل لحمه، و في محكي الخلاف فالسرجين النجس محرم بالاجماع فوجب ان يكون بيعه محرما.

و أما ما ذكر المحقق التقي، في وجه النظر من أن الجمع التبرعي لا يقتضي ثبوت القول بالجواز و تبعه تلميذه المحقق.

فغير سديد إذ الشيخ قدس سره لا يري ذلك تبرعيا بل يكون ما ذكره عنده جمعا مقبولا كما لا يخفي.

بيع الارواث الطاهرة

(2) هذا هو المشهور بين الاصحاب علي ما نسب إليهم.

و يشهد له العمومات الدالة علي حلية البيع.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 49

و

عن المفيد حرمة بيع العذرة و الابوال كلها إلا بول الابل و حكي عن سلار ايضا و لا أعرف مستندا لذلك إلا دعوي ان تحريم الخبائث في قوله تعالي (و يحرم عليهم الخبائث) يشمل تحريم بيعها و قوله عليه الصلاة و السلام إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه و ما تقدم من رواية دعائم الاسلام و غيرها، و يرد علي الاول ان المراد بقرينة مقابلته لقوله تعالي (يحل لهم الطيبات) الاكل لا مطلق الانتفاع (1) و في النبوي و غيره ما عرفت من ان الموجب لحرمة الثمن حرمة عين الشي ء بحيث يدل علي تحريم جميع منافعه أو المنافع المقصودة الغالبة الروث ليست هي الاكل المحرم فهو كالطين المحرم كما عرفت سابقا.

______________________________

و قد استدل للمنع بما دل علي عدم جواز بيع العذرة بدعوي صدقها عليها، و بالاخبار العمة، و بآية تحريم الخبائث.

و قد عرفت في الفرع المتقدم ما في جميع ذلك.

(1) أورد عليه المحقق الارواني قدس سره بأن آية حل الطيبات كآية تحريم الخبائث و لا قرينة تخصصها بالاكل لتكون قرينة علي هذه ايضا.

و أجاب هو قدس سره عن هذا الوجه بأن البيع ليس انتفاعا بالمبيع و لا تصرفا فيه حتي يقدر عند نسبة الحرمة إليه.

و يرد علي ما ذكره أولا أن آية حل الطيبات بقرينة صدرها و ذيلها ظاهرة في حلية خصوص الاكل كما يظهر لمن لاحظ الآية الشريفة.

و يرد علي ما ذكره ثانيا، أي ما ذكره في الجواب عن الاستدلال: انه لو سلم ان آية تحريم الخبائث تشمل جميع المنافع يكون لازم ذلك عدم جواز البيع إذ ما لا يكون له منفعة محللة مقصودة لا يجوز بيعه، مع انه لو سلم عموم الحرمة

لغير الاكل فيما ان المقدر ليس هو الانتفاع بالعين كي يصح دعوي عدم شموله للبيع، بل كل فعل متعلق بها و من جملة تلك الافعال بيعها، فلا مناص عن تسليم شمول الآية للبيع ايضا.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 50

الثالثة: يحرم المعاوضة علي الدم بلا خلاف،
اشارة

بل عن النهاية و شرح الارشاد لفخر الدين و التنقيح الاجماع عليه (1) و يدل عليه الاخبار السابقة.

______________________________

حكم بيع الدم

(1) الظاهر: أنه لا إشكال في فساد البيع إذا لم يكن له منفعة محللة، إنما الكلام فيما إذا فرضت له منفعة محللة كالصبغ و التسميد لبعض النباتات.

و قد استدل للفساد في هذا الفرض بوجوه: الاول: الاخبار العامة المتقدمة الدالة علي عدم جواز بيع النجس.

و هو فاسد من وجوه: الاول: انه ليس في شي ء من النصوص المتقدمة ما يمكن الاستدلال به في المقام إلا ما في خبر تحف العقول، و هو قوله عليه السلام أو شي ء من وجوه النجس … الخ «1». و أما البقية فقد اعترف هو قدس سره باختصاصها بما إذا لم يكن للمبيع منفعة محللة مقصودة.

الثاني: ما تقدم من أن الاخبار المتقدمة كلها ضعيفة السند لا يمكن الاستدلال بشي ء منها.

الثالث: ما تقدم منا، و سيعترف هو قدس سره به من أن التعليل فيه لمنع بيع شي ء من وجوه النجس بكونه منهيا عن أكله و شربه إلي آخر ما ذكر فيه يدل علي ان المانع حرمة الانتفاع لا النجاسة من حيث هي فمع فرض ترتب منفعة محللة علي النجس يجوز بيعه، مع انه لو سلم ظهوره في عدم جواز بيع النجس مطلقا يقع التعارض في أمثال المقام مما ينتفع به منفعة محللة، بين هذه الجملة منه و بين قوله عليه السلام و كل شي ء يكون لهم

فيه الصلاح من جهة من الجهات المقتضي للصحة، و بما ان التعارض ليس بين روايتين بل جملتين من رواية واحدة، لا سبيل إلي الرجوع إلي المرجحات، بل تتساقطان و يرجع الي عموم ما دل علي جواز البيع.

______________________________

(1) الوسائل، باب 2، من أبواب يكتسب به، حديث 1.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 51

______________________________

الثاني: ان بيع الدم إعانة علي الاثم فيكون محرما.

و فيه: مضافا الي ما سيجي ء من عدم حرمة الاعانة علي الاثم، و إلي ما تقدم من عدم ملازمة الحرمة للفساد، ان النسبة بين بيع الدم و بينها عموم من وجه، إذ قد يشتري الدم لغير الاكل بل للتسميد و نحوه.

الثالث: ما دل من الكتاب و السنة علي حرمة الدم كقوله تعالي (إنما حرم عليكم الميتة و الدم «1» بضميمة النبوي: إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه.

فيه: مضافا الي ما تقدم من ضعف سند النبوي، ان المراد من حرمة الدم حرمة اكله خاصة و قد مر عدم الملازمة بين تلك و بين الفساد.

الرابع: مرفوع ابي يحيي الواسطي قال: مر امير المؤمنين عليه السلام بالقصابين فنهاهم عن بيع سبعة اشياء من الشاة، نهاهم عن بيع الدم … الخ «2».

و اورد عليه الاستاذ الاعظم: بانه ضعيف السند، و باختصاصه بالدم النجس، و بان الظاهر منه ارادة عدم جواز البيع للاكل فقط- تكليفا او وضعا ايضا- كما نبه علي ذلك العلامة الانصاري قدس سره.

و الجميع نظر:

اما الاول: فلان ضعفه مجبور بعمل الاصحاب و افتائهم بعدم الجواز، فعن النهاية و المبسوط و المراسم: ان المشهور بين الاصحاب شهرة عظيمة حرمة بيع الدم النجس، و عن التذكرة: دعوي الاجماع علي عدم بيع نجس العين.

و أما الثاني: فلانه لا محذور في الالتزام

بذلك. بل ظاهر الفتاوي ايضا كالنص هو ذلك.

و أما الثالث: فلانه لا وجه لهذه الدعوي سوي دعوي الانصراف و مناسبة سياق اخواته، و كلتا الدعويين كما تري.

______________________________

(1) سورة البقرة، آية 174.

(2) الوسائل، باب 31، من ابواب الاطعمة المحرمة، حديث 2.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 52

فرع: و أما الدم الطاهر

اذا فرضت له منفعة محللة كالصبغ و قلنا بجوازه ففي جواز بيعه وجهان: اقواهما الجواز. لانها عين طاهرة ينفع بها منفعة محللة. (1) و أما مرفوعة الواسطي المتضمنة لمرور امير المؤمنين عليه السلام بالقصابين و نهيهم عن بيع سبعة: بيع الدم و الغدد و اذان الفؤاد و الطحال، الي آخرها (2) فالظاهر ارادة حرمة البيع للاكل، و لا شك في تحريمه لما سيجي ء من ان قصد المنفعة المحرمة في المبيع موجب لحرمة البيع بل بطلانه (3) و صرح في التذكرة بعدم جواز بيع الدم الطاهر لاستخباثه. و لعله لعدم المنفعة الظاهرة فيه غير الاكل المحرم.

______________________________

فتحصل: ان الاظهر عدم جواز بيع الدم النجس، هذا في غير دم الانسان.

و أما دم الانسان فالكلام فيه محرر في (المسائل المستحدثة).

و أما الدم الطاهر: فالخبر لا يدل علي المنع عن بيعه، فلو فرض له منفعة محللة كالصبغ علي القول بجوازه يجوز بيعه بمقتضي العمومات.

و لكن قد يقال بعدم جوازه، و لا وجه له سوي توهم انه مما تقتضيه آية تحريم الخبائث و قد مر ان الخبيث عبارة عن ما فيه مفسدة و دنائة، و ليس المراد به ما يتنفر منه الطبع، مضافا الي ما تقدم ايضا من اختصاصها بالاكل.

و قد يقال: انه علي القول بجوازه لا يجوز البيع، و غاية ما قيل في وجه عدم الجواز مضافا الي ما تقدم الذي عرفت ما فيه: ان

الصبغ و كذا ما شابهه ليس من المنافع الشائعة للدم، فيصح ان يقال: انه شي ء لا ينتفع به منفعة محللة فيشمله النبوي: ان الله اذا حرم شيئا حرم ثمنه. لكنك عرفت ان النبوي ضعيف السند، و القواعد تقتضي صحة بيع كل ما له منفعة شائعة كانت ام نادرة. فالاظهر جواز بيعه.

(1) قد ظهر مما مر منا عدم الفرق بين النجس و الطاهر بعد وجود المنفعة المحللة الموجبة للمالية عرفا.

(2) قد مر من حمل الدم في المرفوعة علي الدم النجس.

(3) سيجي ء البحث في ذلك في مسألة بيع العنب بقصد ان يجعل خمرا.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 53

الرابعة: لا إشكال في حرمة بيع المني

لنجاسته و عدم الانتفاع به اذا وقع في خارج الرحم (1).

______________________________

بيع المني

(1) تنقيح القول في المقام يستدعي البحث في شقوق بيع النطفة التي عنونها المصنف في الكتاب و هي ثلاثة:

الاول: بيع المني اذا وقع في خارج الرحم.

الثاني: في بيعه بعد ما اريق في الرحم الذي يسمي بالملاقيح.

الثالث: في بيع عسيب الفحل و هو ما في الصلب من الماء و يسمي بالمضامين.

اما الموضع الاول: و هو بيع المني اذا خرج و وقع في خارج الرحم و المصنف قدس سره حكم بحرمته لنجاسته، و عدم الانتفاع به.

و لكن يرد علي الوجه الاول ما قد تقدم مرارا و يعترف به المصنف في بيع الميتة ان النجاسة من حيث هي ليست مانعة عن صحة البيع.

و يرد علي الوجه الثاني ان المراد من عدم الانتفاع ان كان حرمة الانتفاع بالنجس مطلقا كما عن التنقيح الاجماع عليها فهي ممنوعة كما مر.

و ان اريد به عدم الانتفاع خارجا فلا يكون مالا فلا يصح بيعه.

فهو غير تام في هذا العصر حيث انه يمكن ان ينتفع بالمني الواقع

في خارج الرحم في الظروف الخاصة في المصانع الحديثة او بالتركيب مع نطفة الانثي فتصير بذلك مالا يرغب فيه و يبذل بازائه المال و قد شبعنا الكلام في ذلك في كتابنا المسائل المستحدثة.

نعم اذا القيت النطفة في خارج الرحم في مكان و زمان خاص لم يكن الانتفاع بها لا يصح بيعها لعدم جواز بيع ما ليس له منفعة و لو نادرة.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 54

و لو وقع فيه فكذلك لا ينتفع به المشتري، لان الولد نماء الام في الحيوانات عرفا و للأب في الانسان شرعا. (1) لكن الظاهر ان حكمهم (2) بتبعيته الام متفرع علي عدم تملك المني و الا لكان بمنزلة البذر المملوك يتبعه الزرع. فالمتعين التعليل بالنجاسة. (3) لكن قد منع بعض من نجاسته اذا دخل من الباطن الي الباطن.

______________________________

(1) هذا هو الموضع الثاني في المسألة، و هو بيع المني بعد ما وقع في الرحم.

فقد استدل لعدم جواز بيعه بوجوه:

الاول: انه لا ينتفع به المشتري، اذ الولد نماء الام في الحيوانات عرفا، فبمجرد وقوع المني في الرحم يصير ملكا لمالك الانثي بالتبعية، فلا يجوز بيعه لا من صاحب الام و لا من غيره.

(2) و فيه: مضافا الي ما ذكره المصنف من انه بناء علي تملك المني يكون هو كالبذر المغروس في ارض الغير يتبعه الذرع.

انه لو سلم كون الولد نماء الام في غير الانسان، يمكن تصحيح شراء صاحب الانثي بانه لا وجه لعدم جوازه سوي كونه نماء ملكه و هو انما يمنع عن شرائه بعد الاستقرار في الرحم لا قبله، لانه يكفي في المنفعة حصول الولد في ملك المشتري فتدبر.

كما يمكن تصحيح شراء غيره بان يشتري من صاحب الانثي لا من صاحب

الفحل، او منه مع اجازة صاحب الانثي.

(3) الثاني: انه نجس فلا يجوز بيعه.

و فيه: اولا: لا نسلم نجاسته اذا دخل من الباطن الي الباطن كما هو المفروض.

و ثانيا: انه قد تقدم مرارا- و يعترف به الشيخ ره في بيع الميتة- ان النجاسة من حيث هي ليست مانعة عن صحة البيع.

الثالث: الجهالة، و المراد بها هو الجهل بالحصول و صيرورته ولدا لا الجهل بالكم، و عليه فالايراد علي هذا الوجه كما عن جمع من المحققين كالمحقق الايرواني و الاستاذ الاعظم

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 55

و قد ذكر العلامة من المحرمات بيع عسيب الفحل و هو ماؤه قبل الاستقرار في الرحم (1).

______________________________

و غيرهما من أن الجهالة إنما توجب المنع فيما كان المطلوب فيه الكم و تختلف القيمة باختلاف الكم و الكيف دون مثل المقام، في غير محله.

الرابع: عدم القدرة علي التسليم.

و يرد عليه: ما أوردوه من ان تسليم كل شي ء بحسب حاله، و هو في المني وقوعه في الرحم و هو حاصل في الفرض.

و يشهد لعدم جواز البيع- مضافا إلي الجهالة- ما عن الصدوق في معاني الاخبار روايته بسند متصل عن النبي صلي الله عليه و آله و سلم انه نهي عن المجر و هو ان يباع البعير او غيره بما في بطن الناقة، و نهي عن الملاقيح و المضامين، فالملاقيح ما في البطون و هي الاجنة، و المضامين ما في أصلاب الفحول، و كانوا يبيعون الجنين الذي في بطن الناقة و ما يضرب الفحل في عام أو أعوام «1».

و مصحح محمد بن قيس عن مولانا الباقر عليه السلام لاتبع راحلة عاجلة بعشر ملاقيح من أولاد جمل في قابل «2».

و عن العلامة قدس سره: ان النبي صلي

الله عليه و آله و سلم نهي عن بيع الملاقيح و المضامين.

و بما ان النهي عن المعاملة ظاهر في الفساد لا الحكم التكليفي فلا يستفاد من هذه النصوص إلا بطلان البيع.

فتحصل: ان الاظهر عدم جواز بيعه.

(1) هذا هو الموضع الثالث و يشهد لعدم جواز بيعه امور: الاول: جهالته، بالمعني المتقدم.

______________________________

(1) الوسائل، باب 10، من أبواب عقد البيع و شروطه، حديث 2.

(2) الوسائل، باب 10 من أبواب عقد البيع و شروطه، حديث 3.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 56

______________________________

و الايراد عليه بأنه إنما يعتبر العلم بعوضي المعاملة من جهة الغرر المرتفع بالعلم

بالطروقة و الاجتماع فلا تضر الجهالة كما عن الاستاذ الاعظم. في غير محله إذ الغرض المهم المترتب علي عسيب الفحل الموجب لصيرورته مالا إنما هو صيرورته ولدا، لا مجرد الطروقة و الاجتماع، فمع الجهل بذلك لا ريب في صدق الغرر.

الثاني: عدم القدرة علي التسليم، إذ الموجود في أصلاب الفحول غير مقدور علي تسليمه، فتدبر، فإن ذلك لا يخلو عن إشكال.

الثالث: جملة من النصوص: كالموثق المروي عن الجعفريات عن سيدنا علي عليه السلام و قد عد من السحت ثمن اللقاح و عسب الفحل و جلود السباع «1».

و مصحح محمد بن قيس المتقدم و نحوهما غيرهما.

و أورد علي الاستدلال بها: ان في المقام طائفة اخري من النصوص تدل علي جواز إكراء التيوس و نفي البأس عن أخذ أجورها: كموثق معاوية عن مولانا الصادق عليه السلام- في حديث- قال: قلت له: أجر التيوس؟ قال: ان كانت العرب لتعاير به و لا بأس «2».

و خبر حنان بن سدير قال: دخلنا علي ابي عبد الله عليه السلام و معنا فرقد الحجام فقال له:

إن لي تيسا أكريه فما تقول في كسبه؟ قال

عليه السلام كل كسبه فإنه لك حلال «3».

و الجمع بين الطائفتين يقتضي حمل الطائفة الاولي المانعة علي الكراهة.

و فيه: ان الطائفة المجوزة إنما تدل علي جواز الاجارة و المانعة تمنع عن البيع، و لا دليل علي اتحاد حكمهما، بل مقتضي القاعدة هو الالتزام بالمنع عن البيع و جواز الاجارة،

كما لعل هذا هو المشهور بين الاصحاب.

______________________________

(1) المستدرك باب 5 من أبواب ما يكتسب به، حديث 1.

(2) الوسائل باب 12 من أبواب ما يكتسب به، حديث 2.

(3) الوسائل باب 12 من أبواب ما يكتسب به، حدي

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 57

كما أن الملاقيح هو ماؤه بعد الاستقرار، كما في جامع المقاصد و عن غيره (1) و علل في الغنية بطلان بيع ما في أصلاب الفحول بالجهالة و عدم القدرة علي التسليم (2).

______________________________

و أما الايراد علي موثق الجعفريات بأنه في نفسه ظاهر في الكراهة لاشتماله علي جلود السباع التي لا إشكال في جواز بيعها.

ففي غير محله لما حققناه في محله من أن ثبوت الترخيص في بعض الامور التي نهي عنها لا يصلح دليلا علي الجواز فيما لم يدل دليل علي الترخيص فيه.

و حمل الطائفة المانعة علي التقية، مضافا إلي انه لا وجه له، إذ موافقة العامة من مرجحات إحدي الحجتين علي الاخري بعد فقد جملة من المرجحات لا من مميزات الحجة عن اللاحجة، ان المسألة محل الخلاف بين العامة أيضا.

(1) قال في جامع المقاصد في مسألة بيع العسيب: و الفرق بينه و بين الملاقح أن المراد بها النطفة بعد استقرارها في الرحم. و العسب هي قبل استقرارها و المجر أعم من كل منهما الظاهر أن المقصود ببيع الملاقيح و المضامين بيع ما تكون أو يتكوّن أو يولد حيوانا

من هذا الفحل أو من هذه الناقة لا بيع النطفة و الماء المبحوث عنه هنا.

(2) قال في الغنية: و لما ذكرنا من الشرطين نهي أيضا عن بيع حبل الحبلة و هو نتاج النتاج، و عن بيع الملاقيح و هو ما في بطون الامهات و عن بيع المضامين و هو ما في أصلاب الفحول، لان ذلك مجهول غير مقدور علي تسليمه.

و أنت تري أن محط نظر الغنية بيع الملاقيح و المضامين، و قد عرفت أنهما غير بيع النطفة المبحوث عنه هنا.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 58

المعاوضة علي الميتة

الخامسة: يحرم المعاوضة علي الميتة و أجزائها التي تحلها الحياة
اشارة

من ذي النفس السائلة (1) علي المعروف من مذهب الاصحاب و في التذكرة كما عن المنتهي و التنقيح الاجماع عليه. و عن رهن الخلاف الاجماع علي عدم ملكيتها.

(2) و يدل عليه- مضافا إلي ما تقدم من الاخبار- ما دل علي أن الميتة لا ينتفع بها، منضما إلي اشتراط وجود المنفعة المباحة في المبيع لئلا يدخل في عموم النهي عن أكل المال بالباطل.

______________________________

(1) لا خلاف بين الاصحاب في حرمة بيع الميتة و أجزائها التي تحلها الحياة من ذي النفس السائلة بل عن التذكرة، و المنتهي، و التنقيح الاجماع عليها و عن الخلاف، و التذكرة، و المستند دعوي الاجماع علي حرمة بيعها وضعا و تكليفا.

و استدل لها بوجوه: الاول الاجماع.

و فيه: انه ليس إجماعا تعبديا بل الظاهر ان مدرك المجمعين هو الوجوه المذكورة التي ستمر عليك ان شاء الله تعالي.

الثاني: الاخبار العامة المتقدمة.

و فيه: ما تقدم من أنها ضعيفة السند لا يعتمد علي شي ء منها، و لم يحرز استناد الاصحاب إليها في المقام كي ينجبر ضعفها.

(2) الثالث: ما ذكره المصنف قدس سره قال: ما دل علي ان الميتة لا يتنفع

بها منضما إلي اشتراط وجود المنفعة المباحة في المبيع.

فالكلام في موردين: الاول: حكم الانتفاع بالميتة. الثاني حكم بيعها.

أما المورد الاول فقد استدل لعدم جواز الانتفاع بالميتة مضافا إلي الاجماع و الاخبار العامة المتقدمة الذين عرفت ما فيهما بوجهين.

1- ما دل من الآيات و الروايات علي عدم جواز الانتفاع بالنجس.

و يرده ما سيأتي عند تعرض المصنف لتلك المسألة.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 59

______________________________

2- النصوص الدالة علي ان الميتة لا ينتفع بها.

كموثق سماعة سألته عن جلود السباع أ ينتفع بها فقال: إذا رميت و سميت فانتفع بجلده و أما الميتة فلا «1».

و خبر علي بن مغيرة قلت لابي عبد الله عليه السلام الميتة ينتفع منها بشي ء قال: لا.

(الحديث) «2» و نحوهما غيرهما.

و قد يقال إن هذه النصوص و ان دلت علي عدم جواز الانتفاع بها مطلقا، إلا انه يختص بما يعد استعمالا عرفا كما عن كاشف الغطاء قدس سره.

و أورد عليه الشيخ: أنه ليس في النصوص ما ينهي عن خصوص الاستعمال حتي يقال باختصاص تلك النصوص بقرينة إضافة الاستعمال إلي الميتة بالاستعمال فيما يكون المقصود منه، فالايقاد بالميتة وسد ساقية الماء بها و إطعامها لجوارح الطير غير مشمولة لها،

و بعبارة اخري: انصراف الاستعمال إلي الاستعمال المعهود المتعارف من كل شي ء بل المنهي عنه ما يكون انتفاعا بها.

نعم يمكن ان يقال: إن مثل هذه الاستعمالات اي غير المعهودة من كل شي ء لا تعد انتفاعا تنزيلا لها منزلة المعدوم.. فالمنهي عنه هو الانتفاع بالميتة بالمنافع المقصودة التي تعد عرفا غرضا من تملك الميتة لو لا كونها ميتة.

أضف إليه أن الانتفاع المنفي في الميتة و ان كان مطلقا في حيز النفي إلا ان اختصاصه بما ادعيناه من الاغراض المقصودة من

الشي ء دون الفوائد المترتبة من دون ان تعد مقاصد ليس من جهة انصرافه إلي المقاصد حتي يمنع انصراف المطلق في خبر النفي بل من جهة التسامح، و الادعاء العرفي تنزيلا للموجود منزلة المعدوم، فإنه يقال للميتة مع وجود تلك الفوائد فيها أنها مما لا ينتفع به.

______________________________

(1) الوسائل باب 34 من أبواب الاطعمة المحرمة، حديث 4.

(2) الوسائل باب 34 من أبواب الاطعمة المحرمة، حدي

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 60

______________________________

و فيه انه لا ريب في ظهور النهي عن الانتفاع بعنوان من العناوين في ان المنهي عنه

هو ما يقصد منه من المصارف لاما يقصد من المادة المشتركة، إلا ان ما يقصد من العنوان أيضا علي قسمين: الاول المنافع الشائعة.

الثاني المنافع النادرة.

و الثاني: أيضا علي قسمين: الاول ما لا يعد منفعة له من جهة مزاحمته مع ما هو أهم منه كإطعام اللحم للطيور،

فإنه منفعة للحم إلا انه لاجل مزاحمته مع الاكل لا يحسب من منافعه.

الثاني: ما لا يعد منفعة له في نفسه و لو مع عدم المزاحم، و ما ذكره قدس سره يتم في القسم الثالث و لا يتم في القسم الثاني إذ لا وجه له فيه الا الانصراف الذي لا يصلح للتقييد لكونه بدويا زائلا بأدني التفات.

و أما قوله قدس سره (حتي يمنع انصراف المطلق.. الخ) فقد اورد عليه بعض الاعاظم بان الوقوع في حيز النفي لا يمنع الانصراف في المنفي، اذ شان أداة النفي إفادة العموم فيما المنفي ظاهر فيه، سواء كان الظهور بالوضع أو الانصراف أو القرائن.

و فيه: ان ما ذكره قدس سره يتم بناء علي عدم كون النكرة الواقعة في حيز النفي ظاهرة في العموم وضعا كما هو الحق، او علي توقف دلالة أداة العموم

عليه علي اجراء مقدمات الحكمة في مدخولها، و إلا فلا يتم كما لا يخفي.

و لكن يرد عليه: ان المطلق في المقام واقع في حيز النهي و عليه فلا فرق بين كون الحكم تحريميا أو وجوبيا في اختصاصه بما ينصرف إليه المتعلق.

و أما قوله: (و الادعاء العرفي … الخ) فليس مراده بذلك المسامحة في تطبيق المفهوم علي المصداق حتي يقال بأن المسامحات العرفية في المورد تضرب علي الجدار، بل مراده ان الانتفاع بمثل المنافع المذكورة ليس انتفاعا، و بعبارة اخري: مفهوم الانتفاع بحسب المتفاهم العرفي لا يشمل حقيقة أمثال هذه الانتفاعات، فلا وجه للايراد عليه.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 61

و خصوص عد ثمن الميتة من السحت في رواية السكوني (1).

______________________________

و لكن بما انه وردت في الميتة روايات «1» دالة علي جواز بعض الانتفاعات بها،

كإذابة الالية و الاسراج بها و الاستقاء بجلدها و غير ذلك من ما ورد فيه النص يتعين حمل ما تضمن انه لا ينتفع بالميتة علي ارادة المنع عن استعمالها فيما يشترط بالطهارة دون مطلق الاستعمال.

و أما المورد الثاني فقد استدل لعدم جواز البيع بما دل علي ان الميتة لا ينتفع بها.

و فيه ان الاستدلال بهذه النصوص، ان كان من جهة اثبات عدم حلية الانتفاع بها اللازمة في صحة البيع، فيرد عليه: ان الكلام في المقام فرع جواز الانتفاع بها، و ان كان من جهة ان النصوص كما تدل بالدلالة المطابقية علي عدم جواز الانتفاع بها تدل بالدلالة الالتزامية علي عدم جواز بيعها لاشتراط صحة البيع بكون المبيع ذا منفعة محللة،

و لو دل الدليل علي جواز بعض الانتفاعات بها كما هو المفروض فانما يوجب ذلك التخصيص في الدلالة المطابقية فتبقي الدلالة الالتزامية علي حالها،

فيرد عليه ما حققناه في محله من ان الدلالة الالتزامية كما تكون تابعة للدلالة المطابقية وجودا كذلك تكون تابعة لها حجية.

و ان شئت قلت: انها تدل علي عدم جواز بيعها لعدم المنفعة، فمع فرض وجودها لا تكون هذه الدلالة منها باقية.

(1) الرابع: النصوص الخاصة كخبر السكوني عن مولانا الصادق عليه السلام (السحت ثمن الميتة) «2».

______________________________

(1) الوسائل، باب 34، من ابواب الاطعمة المحرمة و باب 30 من ابواب الذبائح.

(2) الوسائل، باب 34، من ابواب الاطعمة المحرمة، حديث 1.)*)

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 62

نعم قد ورد بعض ما يظهر منه الجواز، مثل رواية الصقيل، قال: كتبوا الي الرجل: جعلنا الله فداك انا قوم نعمل السيوف و ليست لنا معيشة و لا تجارة غيرها و نحن مضطرون اليها. و انما غلافها من جلود الميتة من البغال و الحمير الاهلية لا يجوز في اعمالنا غيرها. فيحل لنا عملها و شراؤها و بيعها و مسها بايدينا و ثيابنا و نحن نصلي في ثيابنا؟ و نحن محتاجون الي جوابك في المسألة يا سيدنا لضرورتنا اليها.

فكتب عليه السلام: (اجعلوا ثوبا للصلاة) (حديث) (1) و نحوها رواية اخري بهذا المضمون و لذا قال في الكفاية و الحدائق ان الحكم لا يخلو عن اشكال.

______________________________

و لا وجه للخدشة في سنده: اذ ليس في سنده من يمكن القول بعدم حجية خبره سوي النوفلي و السكوني- و هما ثقتان علي الاظهر-، و ان قيل ان الاول صار غاليا في آخر عمره و الثاني عامي.

و ما رواه الصدوق باسناده عن جعفر بن محمد عن آبائه عليهم السلام في وصية النبي صلي الله عليه و آله لعلي عليه السلام: يا علي (من السحت ثمن الميتة) «1».

و موثق الجعفريات عن

سيدنا علي عليه السلام: (من السحت ثمن الميتة) «2».

و مرسل ابن بابويه: (و ثمن الميتة سحت) «3».

و لا يبعد دعوي كون هذه الروايات رواية واحدة مروية بطرق متعددة.

و تدل علي المنع- مضافا الي ذلك- النصوص الدالة علي المنع عن بيع اليات الغنم المقطوعة كصحيح البزنطي عن مولانا الرضا عليه السلام عن الرجل يكون له الغنم يقطع من الياتها و هي احياء أ يصلح له ان ينتفع بما قطع؟ قال عليه السلام: نعم يذيبها و يسرج بها و لا يأكلها، و لا يبيعها «4». و نحوه خبر ابن جعفر عن اخيه عليه السلام «5».

(1) و بازاء هذه النصوص خبر الصيقل و ولده «6» الذي توهم دلالته علي الجواز

______________________________

(1) الوسائل، باب 38، من ابواب ما يكتسب به، حديث 4.

(2) الوسائل، باب 5، من ابواب ما يكتسب به، حديث 9- 8.

(3) المستدرك باب 5 من ابواب ما يكتسب به، حديث 1.

(4) الوسائل، باب 5، من ابواب ما يكتسب به، حديث 9- 8.

(5) الوسائل، باب 6، من ابواب ما يكتسب به، حديث 6.

(6) الوسائل، باب 6، من ابواب ما يكتسب به، حديث 6.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 63

و يمكن ان يقال: ان مورد السؤال عمل السيوف و بيعها و شراؤها لا خصوص الغلاف مستقلا و لا في ضمن السيف علي ان يكون جزء من الثمن في مقابل عين الجلد.

فغاية ما يدل عليه جواز الانتفاع بجلد الميتة بجعله غمدا للسيف و هو لا ينافي عدم جواز معاوضته بالمال (1) و لذا جوز جماعة منهم الفاضلان في النافع و الارشاد علي ما حكي عنهما الاستقاء بجلد الميتة لغير الصلاة و الشرب مع عدم قولهم بجواز بيعه مع ان الجواب لا ظهور

فيه في الجواز الا من حيث التقرير الغير الظاهر في الرضا خصوصا في المكاتبات المحتملة للتقية (2).

______________________________

المذكور في المتن.

و قد ذكروا في بيان الجمع بينه هذه النصوص و بيان المراد من خبر الصيقل وجوها:

(1) و

(2) ما في المكاسب من عدم دلالة خبر الصيقل علي الجواز، فلا معارض لنصوص المنع بدعوي ان مورد السؤال عمل السيوف و بيعها و شرائها لا خصوص الغلاف مستقلا و لا في ضمن السيف، مع ان الجواب لا ظهور له في الجواز الا من حيث التقرير غير الظاهر في الرضا خصوصا في المكاتبات المحتملة للتقية.

و لكن الاظهر فساد كلتا الدعويين:

اما الاولي: فلان الظاهر من السؤال هو السؤال عن حكم بيع الاغماد، اذ الظاهر رجوع ضمير عملها الي جلود الميتة، و كذلك و مسها، كما لا يخفي و هذا يوجب ظهور رجوع ضمير و شرائها، و بيعها اليها، لا إلي السيوف، فالجواب يكون ظاهرا في جواز بيعها.

مع ان هذا لو تم فنما هو في هذه المكاتبة، و لا يتم في مكاتبته الاخري قال:

كتبت الي الرضا عليه السلام: اني اعمل اغماد السيوف من جلود الحمر الميتة فيصيب ثيابي فاصلي فيها؟ فكتب عليه السلام: (اتخذ ثوبا لصلاتك) «1».

و دعوي انه لم يذكر فيها البيع و الشراء، مندفعة بان الظاهر ان المسئول عنه هو

______________________________

(1) الوسائل، باب 38، من ابواب ما يكتسب به، حديث 4

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 64

______________________________

بعينه ما كان سال عنه في تلك المكاتبة كما يشهد له سؤاله ثالثا عن الامام التقي عليه السلام كما

سيمر عليك مع ان عمل الاغماد ليس الا للبيع او الاصلاح.

و أما الثانية: فلان التقرير بنفسه يكفي في مقام بيان الحكم، و مجرد احتمال التقية لا يمنع عن العمل

بالخبر، و الغريب انه قدس سره مع ذلك قوي الجواز بعد ما بين اختصاص النصوص المتقدمة بالنجس الذي لا ينتفع به منفعة محللة بناء علي جواز الانتفاع بجلد الميتة منفعة مقصودة، اذ لم يظهر لي وجه عدم عمله قدس سره بنصوص المنع التي هي اخص من تلك الادلة العامة.

(3) ما ذكره المحقق النائيني قدس سره و هو: ان الاخبار الواردة في حرمة بيع جلد الميتة قابلة للحمل علي بيعه لما تتوقف الطهارة عليه، فتكون ارشادا لعدم قابلية الانتفاع.

و فيه: ان قابليتها لذلك لا توجب حملها عليه ما لم يكن عليه شاهد كما في المقام.

(4) ما ذكره بعض اعاظم المحشين للمكاسب (ره) و هو: ان المنع عن البيع انما يكون بمناط الانتفاع بها فيما يحرم الانتفاع به و لو من اجل حصول التلويث بها، ثمّ عدم المبالاة في اتيان ما يشترط بالطهارة في تلك الحالة و الجواز بمناط الصرف في الحلال انتهي.

و فيه: ان هذا الجمع جمع تبرعي لا شاهد له، و تعليل المنع عن الانتفاع باليات الغنم بالاسراج بذلك لا يصلح شاهدا لحمل النصوص الواردة في البيع علي ذلك كما لا يخفي.

(5) ما ذكره بعض مشايخنا المحققين (ره) و هو: ان رواية السكوني و ما بمضمونها مخصصة بمكاتبة الصيقل لأخصيتها منها، و نصوص اليات الغنم لو لم يحتمل اختصاصها بالمنع محمولة علي صورة عدم الاعلام بالنجاسة حتي يسرج بها.

لنصوصية مكاتبة الصيقل في صورة علم المشتري، بقرينة قوله: (و لا يجوز في اعمالنا غيرها).

هذا بناء علي جواز الاسراج بها، و الا فتحمل نصوص المنع علي صورة عدم وجود المنفعة المحللة و الجواز علي صورة وجودها.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 65

______________________________

و فيه: ان مكاتبة الصيقل و ان

كانت اخص من رواية السكوني و ما بمضمونها

لاختصاصها بما ينتفع به منفعة محللة، الا انها ليست اخص من نصوص اليات الغنم

لدلالتها علي عدم جواز البيع في خصوص هذا المورد.

و أما نصوص اليات الغنم، فلا يصح حملها علي ما ذكره لوجهين:

الاول: عدم ظهور المكاتبة في الاختصاص بصورة علم المشتري لان عدم صلاحية غير جلد الميتة لا يوجب علم المشتري الذي ليس من اهل هذا الفن بكون المبيع من جلد الميتة، مع انه تدل المكاتبة علي الجواز حتي لو فرض وجود مشتر غير عالم بذلك. و ان شئت قلت: ان غلبة علم المشتري بذلك لا تصلح دليلا لاختصاص دليل الجواز بهذه الصورة بعد كونه مطلقا.

الثاني: الظاهر ان الصيقل اراد بقوله: (و لا يجوز في اعمالنا غيرها) انه لا بد لنا في بيع السيوف من عمل الغلاف من الجلود و بيعه معها، و لذا في سؤاله عن امامنا التقي عليه السلام قال: فصرت اعملها من جلود الحمر الوحشية الذكية.

(6) اختصاص المكاتبة بصورة الاضطرار.

و فيه: ان الضمير في قوله: و نحن مضطرون اليها يرجع الي السيوف لا الجلود كما هو واضح.

و التحقيق يقتضي ان يقال: عدم دلالة المكاتبة علي الجواز، فلا معارض لنصوص المنع، اذ الظاهر ان الصيقل لم يفهم من جواب الامام الكاظم عليه السلام حكم بيع الغلاف الذي هو من جلود الميتة، و لذا سال هذه المسألة عن الامام الرضا عليه السلام، و قد تقدمت تلك المكاتبة ايضا، و حيث انه عليه السلام اجابه بمثل جواب ابيه عليه السلام و كان مجملا لا يفهم منه شي ء كتب الي الامام التقي عليه السلام هذا السؤال بعينه.

قال: كتبت الي ابي جعفر الثاني عليه السلام اني كتبت الي ابيك بكذا

و كذا فصعب علي فصرت اعملها من جلود الحمر الوحشية.

الذكية فكتب عليه السلام الي كل اعمال البر بالصبر يرحمك الله فان كان ما تعمل وحشيا ذكيا فلا باس «1».

______________________________

(1) الوسائل، باب 34، من ابواب النجاسات، حديث 4.)*)

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 66

هذا و لكن الانصاف انه اذا قلنا بجواز الانتفاع بجلد الميتة منفعة مقصودة كالاستقاء بها للبساتين و الزرع اذا فرض عده مالا عرفا (1) فمجرد النجاسة لا تصلح علة لمنع البيع لو لا الإجماع علي حرمة الميتة بقول مطلق (2) لان المانع حرمة الانتفاع في المنافع المقصودة لا مجرد النجاسة. (3) و ان قلنا: ان مقتضي الادلة حرمة الانتفاع بكل نجس، فان هذا كلام آخر سيجي ء ما فيه بعد ذكر حكم النجاسات.

لكنا نقول: اذا قام الدليل الخاص علي جواز الانتفاع منفعة مقصودة بشي ء من النجاسات فلا مانع من صحة بيعه، لان ما دل علي المنع عن بيع النجس من النص و الاجماع ظاهر في كون المانع حرمة الانتفاع.

فان رواية تحف العقول المتقدمة قد علل فيها المنع عن بيع شي ء من وجوه النجس بكونه منهيا عن اكله و شربه، الي آخر ما ذكر فيها.

______________________________

و يظهر من هذه المكاتبة ان الصيقل لم يفهم من جواب الامامين الكاظم و الرضا عليهما السلام جواب مسالته من جواز بيع ما كان يعمل و لذا ترك استعماله حتي سال عن الامام الجواد عليه السلام فبين الحق من غير اجمال و تقية. و جوابه عليه السلام ظاهر في عدم جواز البيع.

و لو تنزلنا عن ذلك و سلمنا دلالتها علي الجواز و حيث انها معارضة مع نصوص المنع و لا يمكن الجمع بينهما، فيتعين الرجوع الي المرجحات، و هي تقتضي تقديم نصوص

المنع للاشهرية و غيرها من المرجحات.

فتحصل: ان الاقوي عدم جواز بيع الميتة.

(1) مع فرض وجود المنفعة المحللة لا محالة بعد مالا عرفا فلا وجه للترديد.

(2) و فيه ان الاجماع، مضافا الي عدم ثبوته، لا يكون تعبديا بل يحتمل كونه مدركيا، اضف الي ذلك انه لا إطلاق له، و المتيقن من مورده ما لو بيع علي نحو ما يباع المذكي للاكل و نحوه.

(3) و قد مر الكلام فيه و عرفت ان النجاسة من حيث هي لا تكون مانعة عن صحة المعاملة.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 67

و مقتضي رواية دعائم الاسلام المتقدمة أيضا إناطة جواز البيع و عدمه بجواز الانتفاع و عدمه. (1) و أدخل ابن زهرة في الغنية النجاسات فيما لا يجوز بيعه من جهة عدم حل الانتفاع بها.

و استدل أيضا علي جواز بيع الزيت النجس بأن النبي صلي الله عليه و آله و سلم أذن في الاستصباح به تحت السماء قال: و هذا يدل علي جواز بيعه لذلك (انتهي).

فقد ظهر من أول كلامه و آخره ان المانع من البيع منحصر في حرمة الانتفاع و انه يجوز مع عدمها، و مثل ما ذكرناه عن الغنية من الاستدلال كلام الشيخ في الخلاف في باب البيع حيث ذكر النبوي الدال علي إذن النبي صلي الله عليه و آله و سلم في الاستصباح ثمّ قال و هذا يدل علي جواز بيعه (انتهي)، و عن فخر الدين في شرح الارشاد و الفاضل المقداد في التنقيح الاستدلال علي المنع عن بيع النجس بأنه محرم الانتفاع و كل ما كان كذلك لا يجوز بيعه.

نعم، ذكر في التذكرة شرط الانتفاع و حليته بعد اشتراط الطهارة و استدل للطهارة بما دل علي وجوب الاجتناب

عن النجاسات و حرمة الميتة. و الانصاف إمكان إرجاعه إلي ما ذكرنا فتأمل. (2) و يؤيده أنهم أطبقوا علي بيع العبد الكافر و كلب الصيد، و علله في التذكرة بحل الانتفاع به. ورد من منع عن بيعه لنجاسته بأن النجاسة غير مانعة، و تعدي إلي كلب الحائط و الماشية و الزرع، لان المقتضي و هو النفع موجود فيها.

______________________________

(1) رواها عن الامام الصادق عليه السلام قال: الحلال من البيوع كل ما هو حلال من المأكول و المشروب و غير ذلك مما هو قوام للناس و صلاح و مباح لهم الانتفاع به و ما كان محرما أصله و منهيا عنه لم يجز بيعه و لا شراؤه «1».

(2) ففي الغنية في ذكر شرائط البيع قال و قيدنا بكونها مباحة تحفظا من المنافع المحرمة و يدخل في ذلك كل نجس لا يمكن تطهيره إلا ما أخرجه الدليل.

______________________________

(1) دعائم الاسلام، ج 2، ص 18، كتاب البيوع، فصل 2، حديث 23.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 68

و مما ذكرنا من قوة جواز بيع جلد الميتة لو لا الاجماع إذا جوزنا الانتفاع به في الاستقاء يظهر حكم جواز المعاوضة علي لبن اليهودية المرضعة بأن يجعل تمام الاجرة او بعضها في مقابل اللبن فإن نجاسته لا تمنع عن جواز المعاوضة عليه. (1)

فرعان:
الأول: انه كما لا يجوز بيع الميتة منفردة كذلك لا يجوز بيعها منضمة إلي مذكي.

(2) و لو باعها فإن كان المذكي ممتازا صح البيع فيه و بطل في الميتة كما سيجي ء في محله.

و إن كان مشتبها بالميتة لم يجز بيعه أيضا لانه لا ينتفع به منفعة محللة بناء علي وجوب الاجتناب عن كلا المشتبهين، فهو في حكم الميتة من حيث الانتفاع، فأكل المال بإزادة أكل المال بالباطل (3) كما أن أكل من المشتبهين في حكم أكل

الميتة.

______________________________

(1) ما ذكره مبني علي نجاسة أهل الكتاب نجاسة ذاتية و لكن الاقوي طهارتهم.

حكم بيع الميتة منضمة الي المذكي

(2) في المسألة أقوال، عدم جواز بيع الميتة منضمة إلي المذكي مطلقا، جوازه كذلك، التفصيل بين البيع علي مستحلي الميتة فالجواز و غيره فعدمه، جوازه بقصد بيع المذكي.

لا كلام فيما إذا امتازت الميتة من المذكي، و انه يصح البيع في المذكي خاصة، إذ انضمام كل منهما إلي الآخر لا يغير حكمه.

إنما الكلام في صورة الاشتباه و عدم الامتياز، و الكلام في هذه الصورة يقع تارة علي القول بوجوب الاجتناب في الشبهة المحصورة، و أخري علي القول بعدم الوجوب و جواز ارتكاب احدهما.

(3) أما علي القول بالوجوب فقد يقال كما في المتن بأن مقتضي القواعد العامة هو عدم جواز البيع، و ذلك لانه لا ينتفع بشي ء منهما منفعة محللة، لوجوب الاجتناب عن كل منهما فكل منهما في حكم الميتة فلا يجوز بيعهما.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 69

و من هنا يعلم أنه لا فرق في المشتري بين الكافر المستحل للميتة و غيره لكن في صحيحة الحلي و حسنته (إذا اختلط المذكي بالميتة بيع ممن يستحل الميتة) و حكي نحوهما عن كتاب علي بن جعفر و استوجه العمل بهذه الاخبار في الكفاية و هو مشكل (1).

______________________________

و فيه: ان الاظهر جواز الانتفاع بالميتة كما حقق في محله، فالعلم الاجمالي بكون احدهما ميتة لا يوجب لزوم الاجتناب عنهما كي يمنع من صحة البيع، مع انه لو تم ذلك فلا يقتضي فساد البيع لو اشتري برجاء زوال الاشتباه و لم يكن مأيوسا منه، أو اشتري ثمّ اتفق زواله، مضافا إلي أنه لو بيع من شخصين لما وجب الاجتناب كما لا يخفي، فالصحيح أن

يستدل للفساد، بأن المبيع مجهول مردد بين شيئين، و هو يضر بصحة البيع هذا بحسب القواعد.

و أما النصوص الخاصة، فيشهد للجواز إذا بيع من المستحل للميتة موثق الحلبي عن مولانا الصادق عليه السلام إذا اختلط الذكي و الميتة باعه ممن يستحل الميتة و يأكل ثمنه «1».

و حسنه عنه عليه السلام: انه سأل عن رجل كان له غنم و بقر و كان يدرك الذكي منها فيعزله و يعزل الميتة، ثمّ ان الميتة و الذكي اختلطا كيف يصنع؟ قال: يبيعه ممن يستحل الميتة و يأكل ثمنه فإنه لا بأس به «2».

و أجاب المصنف قدس سره عنهما بوجهين:

(1) الاول: ما ذكره بقوله و هو مشكل، و الظاهر ان جهة توهم إعراض

الاصحاب عنهما الموجب لوهنهما و سقوطهما عن الحجية، فلا يقاومان العمومات المانعة.

و ما ذكره بعض مشايخنا قدس سرهم من أن العموم المانع عن بيع الميتة لا يشمل بيعه من المستحل للانصراف، و إمكان المنع عن صدق الاكل بالباطل عرفا مع امضاء ملكيتهم للميتة في الجملة.

______________________________

(1) الوسائل، باب 7، من أبواب م يكتسب به، حديث 1.

(2) الوسائل، باب 7، من أبواب ما يكتسب به، حديث 2.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 70

______________________________

غير سديد، إذا الانصراف ممنوع، و إمضاء ملكيتهم لها أعم من جواز البيع.

و لكن الاظهر حجية الروايتين و عدم الاعراض عنهما، إذ مضافا إلي أن جماعة منهم الشيخ

في محكي النهاية و ابن حمزة أفتوا بمضمونهما، و جماعة آخرين من المحققين كالمحقق و العلامة و الشهيد ذكروا لهما محامل، الكاشف ذلك عن عدم طرحهم الخبرين، و إنما لم يفتوا بمضمونهما لما توهموا من مخالفتهما للقواعد، و قد ادعي في محكي مجمع البرهان: ان المشهور بين الاصحاب هو العمل بما تضمناه

و الافتاء به.

و مع ذلك كله، دعوي إعراض الاصحاب عنهما و طرح الخبرين الواجدين لشرائط الحجية كما تري. هذا من حيث السند.

و أما من حيث الدلالة فقد حملهما المحقق في الشرائع علي البيع بقصد المذكي تخلصا عما المستحل أيضا، مع أن هذا مستلزم للتخالف في القصد الموجب للفساد الا مع قصد المشتري أيضا ذلك، مع ان قصد المذكي يجب كون المبيع مجهولا.

و لعله لذلك قال العلامة قدس سره في محكي المختلف: انهما يحملان علي كون ذلك استنقاذ المال المستحل، لا بيعا.

و لكن يرد عليه: ان المستحل ربما يكون محترم المال كالذمي مع انه مناف للظهور.

و منه يظهر ضعف ما قيل من ان المراد بالبيع في الخبرين مطلق النقل الذي يكون بالصلح و الهبة المعوضة و نحوهما مما لا يشترط فيه المعلومية.

و أما ما ذكره المصنف قدس سره من حملهما علي صورة قصد البائع المسلم أجزائها التي لا تحلهما الحياة، و تخصيص المشتري بالمستحل، لان الداعي له الانتفاع باللحم أيضا،

و لا يوجب ذلك فساد البيع لعدم وقوع العقد عليه.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 71

مع أن المروي عن أمير المؤمنين عليه السلام: أنه يرمي بهما (1).

______________________________

فيرد عليه: أولا: ان مجرد قصد البائع لا يفيد بل يوجب الفساد لتخالف القصد،

فلا بد من التقييد بقصدهما معا.

و ثانيا: انه لو كان الداعي للانتفاع باللحم بالاكل المحرم علي المستحل أيضا بناء علي ما هو الحق من ان الكفار مكلفون بالفروع لزم فساد البيع بناء علي مختاره قدس سره من أن الاشتراء بداعي الحرام فاسد، هذا كله مضافا إلي ان جميع هذه المحامل تبرعية لا يصار إلي شي ء منها بلا دليل و حجة.

فالصحيح في الجواب عن الحلي: ان الانتفاع بالميتة جائز علي

الاقوي، مع انه لو سلم عدم الجواز لا بد من تخصيص ما دل عليه الموجب لفساد البيع بهذين الخبرين لأخصيتهما منه، فلا وجه لرفع اليد عن ظهورهما.

الجواب الثاني الذي ذكره المصنف قدس سره ما ذكره بقوله

(1) مع ان المروي عن أمير المؤمنين عليه السلام …

هذه الرواية مروية في الجعفريات عن جعفر بن محمد عن أبيه عن سيدنا علي عليه السلام انه سال عن شاة مسلوخة و اخري مذبوحة عن عمي علي الراعي او علي صاحبها فلا يدري الذكية من الميتة قال عليه السلام يرمي بهما جميعا إلي الكلاب «1».

و لكنها لا تعارض الخبرين، إما لكون الرمي كناية عن عدم الانتفاع بهما بما يتوقف علي الطهارة، أو لانهما علي فرض عمومه لجميع أنحاء التقلبات حتي البيع أخصان منها فتخصص بهما، كما انهما لا يعارضان مع ما دل علي ان اللحم المشتبه غير المعلوم انه مذكي أم ميتة يعرف بالعرض علي النار فان انقبض فهو ذكي و كلما انبسط فهو ميت «2». بل يعمل بالجميع، فما عن الدروس من الميل إلي تعرفه بالنار و عدم جواز بيعهما من المستحل، ضعيف.

______________________________

(1) المستدرك، باب 7، من أبواب ما يكتسب به، حديث 1.

(2) الوسائل، باب 37، من أبواب الاطعمة المحرمة.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 72

و جوز بعضهم البيع بقصد بيع المذكي، و فيه أن القصد لا ينفع بعد فرض عدم جواز الانتفاع بالمذكي لاجل الاشتباه.

نعم لو قلنا بعدم وجوب الاجتناب في الشبهة المحصورة و جواز ارتكاب أحدهما جاز البيع بالقصد المذكور. (1) لكن لا ينبغي القول به في المقام، لان الاصل في كل واحد من المشتبهين عدم التذكية. غاية الامر العلم الاجمالي بتذكية أحدهما و هو غير قادح في العمل

بالاصلين. و إنما يصح القول بجواز ارتكاب أحدهما في المشتبهين إذا كان الاصل في كل منهما الحل و علم إجمالا بوجود الحرام، فقد يقال هنا بجواز ارتكاب أحدهما اتكالا علي أصالة الحل و عدم جواز ارتكاب الآخر بعد ذلك حذرا عن ارتكاب الحرام الواقعي و إن كان هذا الكلام مخدوشا في هذا المقام أيضا لكن القول به ممكن هنا بخلاف ما نحن فيه لما ذكرنا، فافهم.

______________________________

فتحصل: ان الاظهر جواز بيعهما من المستحل. هذا بناء علي القول بوجوب الاجتناب في الشبهة المحصورة، و أما علي القول بعدمه فمن حيث النصوص الخاصة الحكم هو ما تقدم من جواز البيع من المستحل: لاحظ موثق الحلبي و حسنه المتقدمين.

و أما من حيث القواعد العامة: فقد قال المصنف قدس سره بعد بنائه علي أنها تقتضي عدم الجواز في الفرض الاول:

(1) جاز البيع بالقصد المذكور … الخ.

و لكن: البيع بقصد المذكي لا يصح و ذلك لان البيع مجهول و مردد بين شيئين،

مع أنه بناء علي عدم جواز الانتفاع بالميتة لا يصح هذا البيع من جهة اخري و هي عدم الانتفاع بالمبيع، لا لما أشار إليه قدس سره من جريان أصالة عدم التذكية في كل من الطرفين،

لان حرمة الانتفاع من آثار الميتة و هي لا تثبت بأصالة عدم التذكية الا علي القول بالاصل المثبت بناء علي ما هو الصحيح من أن الموت أمر وجودي لا عدم التذكية كما حققناه في محله.

بل لان جواز ارتكاب بعض أطراف العلم الاجمالي لا يوجب إلا جواز الانتفاع بأحدهما، و لا يعلم ان الذي يختاره للانتفاع هل هو المبيع المذكي أم غيره، فلا يصير البيع مما ينتفع به بجريان أصالة الحل في أحدهما.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص:

73

______________________________

اللهم الا ان يقال: ان اعتبار جواز الانتفاع بالمبيع انما يكون من جهة اعتبار

المالية المتوقفة عرفا علي وجود منفعة محللة في المبيع، و عليه فبما ان من فوائد البيع و

ملك المذكي هو جواز ارتكاب احدهما يعتبرون العقلاء له المالية و هذا يكفي في صحة البيع، و هذا هو الوجه في صحة هذا البيع من هذه الجهة.

لا ما ذكره بعض اعاظم المحشين من ان جواز الانتفاع ببعض الاطراف يكون داعيا عقلائيا لشراء المذكي.

كي يرد عليه ما ذكره من انه لو صح البيع جاز كل بيع محرم اي فاسد لعدم المالية اذا حصل هناك غرض صحيح.

و قد يقال: انه بناء علي عدم وجوب الاجتناب عن جميع الاطراف في الشبهة المحصورة يجوز بيع احدهما معينا، اذ باصالة الحل يرتفع المانع عن الجواز.

و فيه: انه لو كان المانع هو عدم جواز الانتفاع بالميتة صح ما ذكر، و لا يصغي الي ما قيل من ان المانع هو عدم جواز الانتفاع واقعا، و هو لا يرتفع بجريان اصالة الحل، اذ قد عرفت ان اعتبار جواز الانتفاع بالمبيع انما هو ليصير مالا، لا لخبر الدعائم و نحوه كما تقدم، و لا يفرق في ذلك بين الجواز الواقعي، و الظاهري، الا ان المانع عن الصحة هو الموت، و عليه فبما انه لا يثبت باصالة الحل ان موردها ليس بميتة، فيتعين الرجوع الي اصالة الفساد.

و بما ذكرناه انقدح انه في مقام التسليم يكفي تسليم احدهما لو باع بقصد المذكي بناء علي عدم وجوب الاجتناب في الشبهة المحصورة عن الطرفين، اذ وجوبه انما يكون مقدمة للانتفاع و المفروض عدم جواز انتفاعه الا باحدهما، و ليس وجوبه تعبديا كي يقال انه لا بد من تسليمهما كي

يحرز تسليم المبيع المذكي.

و قد نقل المصنف خبر البزنطي المتقدم الصريح في المنع عن بيع اليات الغنم المقطوعة منها و هي احياء.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 74

و عن العلامة حمل الخبرين علي جواز استنقاذ مال المستحل للميتة بذلك برضاه و فيه ان المستحل قد يكون ممن لا يجوز الاستنقاذ منه الا بالاسباب الشرعية كالذمي و يمكن حملهما علي صورة قصد البائع المسلم اجزائها التي لا تحلها الحياة من الصوف و العظم و الشعر و نحوها و تخصيص المشتري بالمستحل لان الداعي له علي الاشتراء اللحم ايضا، و لا يوجب ذلك فساد البيع ما لم يقع العقد عليه و في مستطرفات السرائر عن جامع البزنطي سألته عن الرجل يكون له الغنم يقطع من الياتها و هي احياء، أ يصلح ان ينتفع بها؟ قال: نعم يذيبها و يسرج بها و لا يأكلها و لا يبيعها «1»، و استوجه في الكفاية العمل بها تبعا لما حكاه الشهيد عن العلامة في بعض اقواله. و الرواية شاذة، ذكر الحلي بعد ايرادها: (انها من نوادر الاخبار، و الاجماع منعقد علي تحريم الميتة و التصرف فيها علي كل حال الا اكلها للمضطر معللا بقوله عليه السلام اما علمت انه يصيب الثوب و اليد و هو حرام «2» و مع الاغماض عن المرجحات.

______________________________

و اشكل عليه بعض مشايخنا المحققين: بان ذلك غير مرتبط بما سبق، فانه قدس سره انتقل عن حكم بيع المختلط الي جواز الانتفاع بالميتة، ثمّ قال: و علي اي حال فلم يعلم وجه للاضافة التي ذكرها بقوله، مع ان الصحيحة صريحة في المنع.

و يمكن دفع هذا الاشكال، بانه قدس سره لما بني جواز بيع الميتة و عدمه علي جواز الانتفاع بها

و عدمه، ثمّ قال: لا يجوز بيع الميتة منضمة الي المذكي، و علله بانه لا ينتفع بالمذكي ايضا للعلم الاجمالي كان ذلك كاشفا عن بنائه علي عدم جواز الانتفاع بالميتة،

ثمّ ذكر صحيح البزنطي ايرادا علي نفسه، حيث انه يدل علي جواز بعض الانتفاعات،

فلازمه جواز البيع، فاجاب عنه: اولا: باعراض الاصحاب، ثمّ بمعارضته بما دل علي المنع في مورده، ثمّ بانه صريح في المنع عن البيع.

و لكن الظاهر ان الايراد المذكور لا يندفع بشي ء مما افيد.

______________________________

(1) السرائر، ج 3، ص 573.

(2) الوسائل، باب 32، من ابواب الاطعمة المحرمة، حديث 1، و فيه (اما تعلم).

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 75

اقول: مع انها معارضة بما دل علي المنع من موردها معللا بقوله عليه السلام اما علمت انه يصيب الثوب و اليد و هو حرام «1» و مع الاغماض عن المرجحات يرجح الي عموم ما دل علي المنع عن الانتفاع بالميتة مطلقا «2»، مع ان الصحيحة صريحة في المنع عن البيع الا ان يحمل علي ارادة البيع من غير الاعلام بالنجاسة.

الثاني: ان الميتة من غير ذي النفس السائلة يجوز المعاوضة عليها

اذا كانت مما ينتفع بها او ببعض اجزائها كدهن السمك الميتة للاسراج و التدهين، لوجود المقتضي و عدم المانع، لان ادلة عدم الانتفاع بالميتة مختصة بالنجسة. (1) و صرح بما

ذكرنا جماعة، و الظاهر انه مما لا خلاف فيه.

______________________________

اما كون الرواية شاذة فلانه يرده ان حكم المشهور بعدم جواز الانتفاع لا يكون كاشفا عن اعراضهم عن الخبر، اذ لعله مستند الي ما استدل به لذلك الذي ذكرناه مع جوابه في الجزء الثالث من هذا الشرح مفصلا، فالاعراض غير ثابت، فلا وجه لرفع اليد عن الخبر الجامع لشرائط الحجية.

اما معارضته بما دل علي المنع في مورد فلان الخبر المذكور ظاهر

في عدم حرمة الاسراج في نفسه، بل حرمة ما يلازمه في الاستعمال المتعارف من تلويث اليد و اللباس. و مقتضي ذلك عدم حرمة الاسراج مع عدم تلويثهما.

و أما صراحته في المنع عن البيع من شواهد ما اخترناه من ان الموت مانع تعبدي عن الصحة لا بلحاظ عدم جواز الانتفاع.

ميتة ما ليس له دم سائل

(1) و استدل له: بوجود المقتضي، و هو الانتفاع بها بالمنافع المحللة، و عدم

______________________________

(1) الوسائل، باب 32، من ابواب الاطعمة المحرمة، حديث 1، و فيه (اما تعلم).

(2) الوسائل، باب 34، من ابواب الاطعمة المحرمة.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 76

السادسة: يحرم التكسب بالكلب الهراش و الخنزير البريين (1) اجماعا
اشارة

علي الظاهر المصرح به في المحكي عن جماعة، و كذلك اجزاؤهما.

______________________________

المانع عنها لعدم ما يصلح للمانعية عن المعاوضة علي الميتة الطاهرة، اذ الروايات العامة ضعيفة السند، و الروايات الخاصة ظاهرة في الميتة النجسة.

و فيه: ان بعض النصوص و ان اختص بالنجسة الا انه لا مفهوم له كي يقيد اطلاق سائر النصوص المتضمنة ان ثمن الميتة من السحت الشاملة للطاهرة ايضا، و توهم اختصاص تلك النصوص بانفسها بالنجسة لا وجه له سوي الانصراف الممنوع اذ مضافا الي ان قلة افراد صنف بالنسبة الي غيره لا يكون منشأ للانصراف، لا نسلم قلة افراد الميتة الطاهرة لكثرة الميتات الطاهرة من السمك و غيرها.

حكم بيع الكلب

(1) تنقيح القول في المسألة يستدعي البحث في مقامات:

الاول في بيع الكلب.

الثاني: في بيع الخنزير.

الثالث: في بيع اجزائهما.

اما المقام الاول فالمشهور بين الاصحاب شهرة عظيمة عدم جواز بيعه، و عن بعض الاساطين دعوي الاجماع عليه.

و ملخص القول في المقام: ان الحرمة التكليفية لا دليل عليها، و ما عن التذكرة:

الكلب ان كان عقورا حرم بيعه عند علمائنا، ليس نقل اجماع تعبدي علي الحرمة كي يكون دليلا عليها، مع انه من المحتمل ارادة الحرمة الوضعية، و قوله عليه السلام في بعض النصوص و نهي عن ثمن الكلب «1» لا يدل عليها كما لا يخفي.

و أما الحرمة الوضعية: فتشهد لها جملة من النصوص كخبر السكوني عن مولانا الصادق عليه السلام السحت ثمن الميتة و ثمن الكلب «2».

______________________________

(1) الوسائل، باب 14، من أبواب ما يكتسب به، حديث 4.

(2) الوسائل، باب 5، من ابواب ما يكتسب به، حديث 5.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 77

______________________________

و موثق الجعفريات عن سيدنا علي عليه السلام و قد عد فيه من السحت ثمن الكلب «1»

و

نحوهما غيرهما، و قد تقدمت جملة من تلك النصوص.

و هذه النصوص و ان كانت مطلقة الا انها تقيد بالنصوص الدالة علي جواز بيع كلب الصيد.

و هذه النصوص مختصة بالبيع لعدم اطلاق الثمن علي العوض في غير البيع من المعاوضات، فعموم الحكم لسائر انحاء المعاوضات يبتني علي ثبوت عدم الفصل او الاجماع التعبدي، او عدم وجود المنفعة المحللة له الموجب لعدم ماليته.

حكم بيع الخنزير

و أما المقام الثاني فالمشهور بين الاصحاب: عدم جواز بيع الخنزير، بل لعل المجمع عليه بين الخاصة و العامة عدم جواز بيعه.

و أما النصوص الواردة في المقام فهي طوائف:

الاولي: ما تدل علي عدم الجواز اذا كان البائع مسلما، و الجواز اذا كان ذميا:

كموثق علي بن جعفر عن اخيه عليه السلام عن رجلين نصرانيين باع احدهما خمرا او خنزيرا الي اجل فاسلما قبل ان يقبضا الثمن هل يحل له ثمنه بعد الاسلام؟ قال عليه السلام: انما له الثمن فلا باس ان يأخذه «2» فانه كما يدل علي جواز بيعه قبل الاسلام يدل بمفهومه علي عدم جوازه بعد الاسلام كما هو واضح.

الثانية: ما تدل علي عدم جواز بيع المسلم الخنزير: كخبر معاوية بن سعيد عن الامام الرضا عليه السلام عن نصراني اسلم و عنده خمر و خنازير و عليه دين هل يبيع خمره

______________________________

(1) المستدرك، باب 5، من ابواب ما يكتسب به، حديث 1.

(2) الوسائل، باب 61، من ابواب ما يكتسب به.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 78

______________________________

و خنازيره فيقضي دينه؟ فقال عليه السلام لا «1».

الثالثة: ما تدل علي جواز بيع الذمي اياه: كموثق منصور قلت لابي عبد الله عليه السلام

لي علي رجل ذمي دراهم فيبيع الخمر و الخنزير و انا حاضر فيحل لي اخذها؟ فقال عليه السلام:

انما

لك عليه دراهم فقضاك دراهمك «2».

و موثق عمار عن الامام الصادق عليه السلام عن رجلين نصرانيين باع احدهما من صاحبه خمرا او خنازير ثمّ اسلما قبل ان يقبضا الدراهم قال عليه السلام: لا بأس «3».

الرابعة: ما تدل علي الجواز مطلقا كحسن زرارة عن مولانا الصادق عليه السلام في الرجل يكون لي عليه الدراهم فيبيع بها خمرا و خنزيرا ثمّ يقضي منها قال عليه السلام لا بأس. او قال: خذها «4» و نحوه غيره.

فان هذه الطائفة صريحة في جواز استيفاء الدين من ثمن الخنزير، و لازم ذلك.

صحة بيعه، و الا لزم استيفاء الدين من مال الغير، و هو اكل المال بالباطل.

الخامسة: ما تدل علي المنع مطلقا كخبر الجعفريات، حيث جعل الامام عليه السلام فيه من السحت ثمن الخنزير «5». و نحوه خبر دعائم الاسلام «6».

و الجمع بين النصوص يقتضي الالتزام بجواز بيع الذمي الخنزير و عدم جواز بيع المسلم، و ذلك لان الطائفة الاولي بمنطوقها تقيد اطلاق الطائفة الخامسة، و تعضدها في ذلك الطائفة الثالثة، و بمفهومها تقيد اطلاق الطائفة الرابعة المجبورة، و تعضدها في ذلك الطائفة الثانية.

هذا كله في الجواز الوضعي.

______________________________

(1) الوسائل، باب 57، من ابواب ما يكتسب به، حديث 1.

(2) الوسائل، باب 60، من ابواب ما يكتسب به حديث 1.

(3) الوسائل، باب 34، من ابواب الاشربة المحرمة، حديث 3.

(4) الوسائل، باب 60، من ابواب ما يكتسب به، حديث 3.

(5) المستدرك، باب 5، من ابواب ما يكتسب به، حديث 1.

(6) المستدرك، باب 5، من ابواب ما يكتسب به، حديث 5.)*)

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 79

______________________________

و أما من حيث الحكم التكليفي، فالظاهر هو الحرمة حتي فيما جاز البيع وضعا

كما يشهد له حسن ابن مسلم عن الامام

الباقر عليه السلام في رجل كان له علي رجل دراهم

فباع خمرا او خنزير و هو ينظر فقضاه فقال: لا بأس به اما للمقتضي فحلال و أما للبائع فحرام «1».

فانه صريح في الجواز الوضعي من جهة صراحته في جواز استيفاء الدين من ثمن الخنزير، و في الحرمة التكليفية.

البحث في اجزاء الكلب و الخنزير

و أما المقام الثالث، و هو البحث في حكم بيع اجزاء الكلب و الخنزير.

فملخص القول فيه ان موضوع النصوص هو الكلب و الخنزير، ففي كل مورد يحكم بعدم جواز البيع لا بد و ان يحرز صدق احد هذين العنوانين و الا فلا وجه للحكم به، و لا ريب في عدم صدق عنوان الكلب و الخنزير علي اجزائهما، و عليه فلا مورد لاستفادة حرمة بيعها من النصوص المتقدمة.

و دعوي ان المستفاد منها فساد بيع كل جزء من اجزائهما، اذ لو كان بيع بعض اجزائهما جائزا لما كان وجه لكون تمام الثمن سحتا، كما عن بعض المحققين.

مندفعة بان المستفاد من النصوص فساد بيع كل جزء من اجزائهما حتي الاجزاء التي لا تحلها الحياة الا ما يكون تبعا في البيع و لا يقع جزء من الثمن في مقابله.

و لكن ذلك في صورة الانضمام و صدق عنوان الكلب و الخنزير لا في صورة الافتراق، اللهم الا ان يدعي العلم بعدم دخل خصوصية الانضمام في هذا الحكم، و بعبارة اخري: بعد ما لا ريب في صدق عنوان الكلب و الخنزير علي الميتة منهما و لو بالمسامحة و العرفية، و دلالة تلك النصوص علي حرمة بيعها، دعوي العلم بعدم دخل خصوصية الاتصال في الحكم و كون تمام الموضوع بحسب المتفاهم العرفي في

______________________________

(1) الوسائل، باب 60، من ابواب ما يكتسب به، حديث 2.

منهاج الفقاهة (للروحاني)،

ج 1، ص: 80

نعم لو قلنا بجواز استعمال شعر الخنزير و جلده جاء فيه ما تقدم في جلد الميتة.

السابعة: يحرم التكسب بالخمر و كل مسكر مائع و الفقاع

اجماعا نصا و فتوي (1).

______________________________

جسد الكلب و الخنزير بلا دخل للاتصال فيه، قريبة جدا، و عليه فلا يجوز بيع اجزائهما التي لا تحلها الحياة بالتقريب المتقدم عن بعض المحققين. نعم في خصوص شعر الخنزير دلت النصوص علي جواز بيعه كموثق زرارة عن الامام الباقر عليه السلام:

قال: قلت له: ان رجلا من مواليك يعمل الحمائل بشعر الخنزير قال عليه السلام: اذا فرغ فليغسل يده «1». و نحوه غيره من النصوص المعتبرة.

و لو تنزلنا عما ذكرناه يدل علي عدم جواز بيع اجزائهما التي تحلها الحياة ما دل علي حرمة بيع الميتة الصادقة عليهما.

التكسب بالخمر و كل مسكر

(1) يحرم التكسب بما يزيل العقل كالخمر و كل مسكر مائع و الفقاع بلا خلاف

في شي ء من هذه الثلاثة، بل غير واحد: دعوي اجماع العلماء علي ذلك كله، بل عليها اجماع المسلمين.

و تنقيح القول في المقام بالبحث في كل واحد منها.

اما الخمر: فيشهد لعدم جواز بيعها وضعا جملة من النصوص كحسن محمد بن مسلم عن امامنا الصادق عليه السلام- في حديث- ان رجلا من ثقيف اهدي الي رسول الله صلي الله عليه و آله

روايتين من خمر فامر بهما رسول الله صلي الله عليه و آله فاهريقتا، و قال: ان الذي حرم شربها حرم ثمنها «2».

و خبر المدائني عن ابي عبد الله عليه السلام: من اكل السحت ثمن الخمر.

______________________________

(1) الوسائل، باب 55، من ابواب ما يكتسب به، حديث 1.

(2) الوسائل، باب 55، من ابواب ما يكتسب به، حديث 7.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 81

______________________________

و نحوهما غيرهما فلا اشكال في عدم صحة بيعها.

و يشهد لحرمة

بيعها تكليفا الخبر المشهور من ان رسول الله صلي الله عليه و آله لعن الخمر و

عاصرها و معتصرها و بائعها و مشتريها و ساقيها و آكل ثمنها و شاربها و حاملها و المحمولة اليه «1».

و في خبر ابي الجارود المروي عن تفسير القمي عن الامام الباقر عليه السلام: حرم الله الخمر قليلها و كثيرها و بيعها و شرائها و الانتفاع بها «2».

و ما ادعاه المحقق النائيني قدس سره من انه لا يستفاد من الاخبار الواردة في المقام التعبدية الصرفة بل ظاهرها كون عدم جواز بيعها لاجل كونها مما لا ينتفع به، و عليه فبناء علي جواز اقتناء الخمر للتخليل فبيعها لذلك جائز للمعلومات.

غير تام، اذ يرد عليه: ان هذا مخالف لظاهر النصوص، فان مقتضي ظاهر فساد بيعها بقول مطلق، اي و ان جاز اقتنائها.

و ظاهر بعض النصوص كحسني زرارة و محمد بن مسلم المتقدمتين في المسألة السابقة و ان كان جواز بيعها وضعا، الا ان الجمع بين النصوص يقتضي الالتزام بالجواز لو كان البائع ذميا، و عدم الجواز اذا كان مسلما، و ذلك لان في المقام طوائف من النصوص.

الاولي: ما تدل علي عدم الجواز مطلقا، و قد تقدمت.

الثانية: ما تدل علي الجواز كذلك كالحسنين.

الثالثة: ما تدل علي الجواز اذا كان البائع ذميا كموثق منصور عن الامام الصادق عليه السلام المتقدم في المسألة المتقدمة، فانه اخص من الطائفة الاولي فيقيد اطلاقها،

فتختص بالمسلم، فتقلب النسبة بذلك و تصير الطائفة المانعة اخص من المجوزة فيقيد اطلاقها.

______________________________

(1) الوسائل، باب 55، من ابواب ما يكتسب به.

(2) الوسائل، باب 1، من ابواب الاشربة المحرمة، حدي

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 82

و في بعض الاخبار: يكون لي علي الرجل دراهم فيعطيني خمرا قال:

(خذها و افسدها) (1) قال ابن ابي عمير: يعني اجعلها خلا و المراد به اما اخذ الخمر مجانا ثمّ تخليلها، او اخذها و تخليلها لصاحبها ثمّ اخذ الخل وفاء عن الدراهم.

______________________________

(1) و كما يدل بعض النصوص علي جواز تخليل الخمر و اقتنائها لذلك، كذلك يدل موثق ابن ابي عمير و علي بن حديد عن جميل قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام يكون لي علي الرجل الدراهم فيعطيني بها خمرا فقال: خذها ثمّ افسدها، قال علي عليه السلام:

و اجعلها خلا «1»، علي انها تملك و يجوز اخذها وفاء عن الدين للتخليل.

و قيل في بيان المراد من الخبر وجوه:

الاول: ما ذكره المحقق الايرواني قدس سره و هو: انه ليس في الخبر اشارة الي اخذ الخمر بدلا عن الدراهم، و اجتهاد الراوي لا يفيد، فيحكم ببقاء الدراهم في الذمة، و أما الخمر فيفسدها حسما لمادة الفساد و فيه: ان السائل انما سال عن اخذ الخمر وفاء للدين و الامام عليه السلام في مقام الجواب قال خذها و ظاهر ذلك اخذها بذلك العنوان الذي يعطيه صاحب الخمر.

و علي ذلك فظاهر الخبر ان الخمر مما يملك، و لازم ذلك جواز اقتنائها للتخليل كما دلت علي ذلك بعض النصوص الاخر، فقوله عليه السلام و افسدها ظاهر في ارادة التخليل،

فاجتهاد ابن حديد في محله.

(2) الثاني: ما في المتن و هو: ان المراد اخذ الخمر مجانا ثمّ تخليلها.

و فيه: ان لازم ذلك عدم سقوط الدين مع انه صريح في سقوطه، و بعبارة اخري:

ظاهره اخذ الخمر وفاء للدين.

(3) الثالث: ما في المتن ايضا، و هو اخذها و تخليها لصاحبها ثمّ اخذ الخل وفاء للدين.

______________________________

(1) الوسائل، باب 31، من ابواب الاشربة المحرمة، حديث 6.

منهاج

الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 83

______________________________

و فيه: ان ظاهره كون الخمر نفسها وفاء للدين مع انه علي هذا يحتاج اخذ الخل

وفاء الي اذن جديد من المالك لعدم اذنه في التملك، و لا ينافي ذلك عدم جواز

بيعها كي يقال انه يدل علي جواز البيع و الشراء بقصد التخليل فيقيد اطلاق ما دل علي المنع.

و أما غير الخمر من المسكرات المائعة، فان قلنا بصدق الخمر عليها حقيقة كما صرح بذلك جمع من اللغويين و نطقت به جملة من النصوص فلا كلام، و الا فيشكل الحكم بحرمة بيعها الا اذا قام اجماع تعبدي عليها او يدعي تنقيح المناط.

و استدل لها بوجوه: الاول: قوله عليه السلام في موثق علي بن يقطين عن الامام الكاظم عليه السلام: ان الله لم يحرم لاسمها و لكن حرمها لعاقبتها فما كان عاقبته عاقبة الخمر فهو خمر «1».

و نحوه قوله عليه السلام في خبره الآخر: فما فعل الخمر فهو خمر «2».

بدعوي انهما بعموم التنزيل يدلان علي ترتب جميع احكام الخمر علي كل مسكر، و منها حرمة البيع.

و فيه انهما بقرينة صدرهما ظاهر ان في ارادة التنزيل من حيث حرمة الشرب خاصة.

و الغريب ان الاستاذ الاعظم تمسك بهما لذلك بدعوي دلالتهما علي كون النبيذ المسكر خمرا واقعا اذ ينافي ذلك قوله عليه السلام ان الله لم يحرم الخمر لاسمها الذي هو كالصريح في عدم صدق الخمر علي كل مسكر.

و اغرب من ذلك دعواه اختصاص الخبرين بالنبيذ المسكر و عدم شمولهما

______________________________

(1) الوسائل، باب 19، من ابواب الاشربة المحرمة، حديث 1.

(2) الوسائل، باب 19، من ابواب الاشربة المحرمة، حديث 2.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 84

______________________________

للمسكرات الجامدة، اذ لم يظهر وجه ذلك مع كونهما مطلقين.

الثاني: حسن عمار بن مروان

عن الامام الباقر عليه السلام: و السحت انواع كثيرة، وعد

منها ثمن النبيذ و المسكر «1».

و فيه: اولا: انه لو ثبت هذا المتن لدلّ علي عدم الجواز الوضعي في جميع المسكرات جامدها و مائعها، و لا يدل علي الحرمة التكليفية.

و ثانيا: ان الحديث مروي في غير نسخة التهذيب مع اسقاط لفظ (واو) فيكون المسكر وصفا للنبيذ، فغاية ما يستفاد من الحسن عدم صحة بيع النبيذ المسكر.

الثالث: قوله صلي الله عليه و آله «2» في خبر عطاء: كل مسكر خمر. حيث ان الظاهر ترتيب جميع آثار الخمر علي كل مسكر.

و فيه: ان الخبر ضعيف السند لضعف عدة من رواته.

و بما ذكرناه ظهر حكم المسكر الجامد و ما يمكن ان يستدل به علي عدم جواز بيعه و ما يرد عليه.

و علي فرض التعدي الي كل مسكر مائع لا ينبغي التوقف في اختصاص الحكم بما كان المطلوب منه الشرب و الاسكار.

و أما المسكرات المستحدثة التي ليس الشرب منفعة مقصودة منها و لها منافع اخر، كتطهير القذارات العرفية، و قتل الجراثيم الهوائية، و غير ذلك من المصالح النوعية و الاغراض العقلائية، فلا يحرم بيعها لا وضعا و لا تكليفا، و ذلك اما بناء علي كون التعدي عن الخمر الاجماع و تنقيح المناط فواضح، و أما بناء علي كون المدرك الروايات الخاصة، فلانصرافها عنها كما لا يخفي وجهه.

______________________________

(1) الوسائل، باب 5، من ابواب ما يكتسب به، حديث 12.

(2) الوسائل، باب 15، من ابواب الاشربة المحرمة، حديث 5.)*)

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 85

الثامنة: يحرم المعاوضة علي الاعيان المتنجسة الغير القابلة للطهارة

إذا توقف منافعها المحللة المعتد بها علي الطهارة (1).

لما تقدم من النبوي: (إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه) «1» و نحوه المتقدم عن دعائم الاسلام «2» و أما

التمسك بعموم قوله عليه السلام في رواية تحف العقول (أو شي ء من وجوه النجس) ففيه نظر، لان الظاهر من وجوه النجس العنوانات النجسة لان ظاهر الوجه هو العنوان (2).

نعم يمكن الاستدلال علي ذلك بالتعليل المذكور بعد ذلك و هو قوله عليه السلام: (لان ذلك كله محرم أكله و شربه و لبسه) إلي آخر ما ذكر «3»

______________________________

حكم بيع المتنجس

(1) هذا هو المشهور بين الاصحاب بل عن بعضهم: دعوي الاجماع عليه.

و استدل له بقوله عليه السلام: في خبر تحف العقول: أو شي ء يكون فيه وجه من وجوه النجس.

(2) و أورد عليه المصنف: بأن الظاهر من وجوه النجس العناوين النجسة، لان ظاهر الوجه هو العنوان.

و قد استدل هو قدس سره لهذا الحكم فيما إذا كانت منافعه المعتد بها متوقفة علي الطهارة: بالنبوي المشهور، و خبر دعائم الاسلام المتقدمين، و بقوله عليه السلام في خبر تحف العقول: لان ذلك كله محرم أكله و شربه و لبسه … الخ.

و فيه: ما تقدم من ضعف سند النصوص فلا يعتمد عليها.

و أورد عليه الاستاذ الاعظم: بأن المراد من الحرمة فيها ان كان هو الحرمة

______________________________

(1) عوالي اللئالي، ج 2، ص 110، حديث 301.

(2) دعائم الاسلام، ج 2، ص 18، حديث 23.

(3) وسائل الشيعة، باب من أبواب ما يكتسب به، حديث 1.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 86

ثمّ اعلم أنه قيل بعدم جواز بيع المسوخ من أجل نجاستها و لما كان الاقوي طهارتها لم يحتج الي التكلم في جواز بيعها هنا. نعم لو قيل بحرمة البيع لا من حيث النجاسة كان محل التعرض له ما سيجي ء من أن كل طاهر له منفعة محللة مقصودة يجوز بيعه. و سيجي ء ذلك في ذلك في ذيل القسم الثالث

مما لا يجوز الاكتساب به لاجل عدم المنفعة فيه.

و أما المستثني من الاعيان المتقدمة فهي أربعة تذكر في مسائل أربع:
اشارة

______________________________

الذاتية فلا تشمل المتنجس، و إن كان هو الاعم منها و من الحرمة العرضية فلا وجه للفرق بين ما يقبل التطهير و ما لا يقبل.

و فيه: ان المراد هو الثاني، و وجه الفرق بين القسمين عدم صدق حرمة الشي ء بقول مطلق في الاول و صدقها في الثاني.

و أورد عليه المحقق الايرواني قدس سره بأن قبول الطهارة إن كان مسوغا للبيع يسوغ في الاعيان النجسة لانها قابلة للتطهير بالاستحالة و الاستهلاك.

و فيه أنه في هذين الموردين إنما يحكم بعدم بقاء النجاسة لارتفاع الموضوع و انعدام النجس و عليه فالفرق بين المتنجس القابل للطهارة و النجس انه في الاول بما انه قابل للطهارة فهذا الموجود مما له منفعة محللة فيجوز بيعه، و هذا بخلاف الثاني فإنه و إن فرض جواز الانتفاع بما استحيل اليه الا ان بيع شي ء و موجود خاص لاجل ما يترتب علي موجود آخر من المنافع لا يصح.

نعم هذا علي مسلك المصنف قدس سره و هو ان دليل فساد البيع فيما لا ينتفع به منفعة محللة مقصودة هو الاخبار العامة.

و أما بناء علي المختار من عدم صحة الاستدلال بها، و ان المدرك عدم صدق عناوين المعاملات علي ما لا نفع له، فالاظهر تمامية ما ذكره اذ لو فرضنا وجود منفعة محللة لما استحيل اليه العين النجسة يصدق عنوان البيع هو الاعطاء لا مجانا، و تجارة عن تراض، غيرهما من عناوين المعاوضات.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 87

الاولي يجوز بيع المملوك الكافر اصليا كان ام مرتدا مليا (1)

بلا خلاف ظاهر

بل ادعي عليه الاجماع و ليس ببعيد كما يظهر للمتتبع في المواضع المناسبة لهذه المسألة كاسترقاق الكفار (2) و شراء بعضهم من بعض، و بيع العبد الكافر اذا اسلم علي مولاه الكافر، و عتق الكافرة، و

بيع المرتد، و ظهور كفر العبد المشتري علي ظاهر الاسلام، و غير ذلك.

و كذا الفطري علي الاقوي (3) بل الظاهر انه لا خلاف فيه من هذه الجهة، و ان كان فيه كلام من حيث كونه في معرض التلف لوجوب قتله.

و لم نجد من تامل فيه من جهة نجاسته عدا ما يظهر من بعض الاساطين في شرحه علي القواعد، حيث احترز بقول العلامة: (ما لا يقبل التطهير من النجاسات) عما يقلبه و لو بالاسلام كالمرتد و لو عن فطرة علي اصح القولين. فبني جواز بيع المرتد علي قبول توبته. بل بني جواز بيع مطلق الكافر علي قبوله للطهر بالاسلام.

______________________________

(1) و يشهد له مضافا الي الاجماع، جملة من النصوص.

كموثق ابراهيم بن عبد الحميد عن ابي الحسن عليه السلام في شراء الروميات، قال عليه السلام:

اشترهن و بعهن «1».

و خبر اسماعيل بن الفضل عن الامام الصادق عليه السلام عن شراء مملوكي اهل الذمة قال اذا اقروا لهم بذلك فاشتر و انكح «2» و نحوهما غيرهما.

و الاستدلال لعدم الجواز بالاخبار العامة.

فاسد، من وجوه، تقدمت مع ان هذه النصوص اخص منها فتقدم عليها.

(2) جواز الاسترقاق لا يدل علي جواز البيع و انما يدل علي التملك، كما ان بيع العبد الكافر اذا اسلم علي مولاه الكافر لا يدل علي جواز بيعه و هو كافر.

(3) و الذي يظهر من مجموع كلماتهم في وجه عدم جواز بيع الفطري، وجوه:

الاول: كونه في معرض التلف لوجوب قتله.

و فيه: ان كونه في معرض التلف اعم من وجوب قتله من وجه و اخص منه.

______________________________

(1) الوسائل، باب 2، من ابواب بيع الحيوان، حديث 2.

(2) الوسائل، باب 1، من ابواب بيع الحيوان، حديث 2.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 88

و انت

خبير بان حكم الاصحاب بجواز بيع الكافر نظير حكمهم بجواز بيع

الكلب لا من حيث قابليته للتطهير نظير الماء المتنجس. و ان اشتراطهم قبول التطهير انما هو فيما يتوقف الانتفاع به علي طهارته ليتصف بالملكية لا مثل الكلب و الكافر المملوكين مع النجاسة اجماعا و بالغ تلميذه في مفتاح الكرامة فقال: (اما المرتد عن فطرة فالقول بجواز بيعه ضعيف جدا لعدم قبول توبته فلا يقبل التطهير). ثمّ ذكر جماعه ممن جوز بيعه- الي ان قال-: (و لعل من جواز بيعه بناه علي قبول توبته) انتهي. و تبعه علي ذلك شيخنا المعاصر.

______________________________

كذلك اذ مع وجود المتصدي للقتل يكون في معرض التلف و لو كان القتل عدوانا، و مع عدمه لا يكون كذلك و ان وجب قتله، و علي اي تقدير لا يوجب ذلك سلب المالية ما دام لم يقتل كي لا يجوز بيعه.

الثاني: ما يظهر من بعض الاساطين في شرحه علي القواعد و هو نجاسته.

و فيه: انه قد مر ان النجاسة لا تكون مانعة عن صحة البيع مضافا الي ما تقدم من دلالة جملة من النصوص علي جواز بيع الكافر و هي اخص مما دل علي مانعية النجاسة لو كان بناء علي ما هو المشهور من نجاسة اهل الكتاب.

و علي فرض مانعية النجاسة تعبدا لا وجه للحكم بالصحة فيمن يقبل التطهير بالاسلام اذ الاسلام لا يوجب رفع مانعية ما قبل تحققه، كما انه، علي القول بالعدم يجوز بيعه مع عدم الاسلام و عدم قبول توبته.

فالتفصيل بين من تقبل توبته و من لا تقبل توبته، في غير محله.

الثالث: تضاد الحكمين، و المراد بهما وجوب الوفاء بالعقد الموجب لحفظه و تسليمه، و وجوب اتلافه بالقتل.

و لكن يمكن الجواب عنه

بامور: الاول: ان وجوب الوفاء انما يوجب التسليم و هو لا ينافي وجوب القتل الممكن بعد الاقباض، الثاني: ان دليل وجوب الوفاء في المقام بيان الحكم الوضعي و دليل وجوب القتل متضمن للحكم التكليفي، الثالث: انه لو سلم كونهما معا في مقام بيان الحكم التكليفي و عدم امكان امتثالهما معا لا يكون

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 89

______________________________

ذلك مانعا عن صحة البيع اذ لازمه سقوط احد الحكمين، فلو سقط وجوب القتل فلا

كلام، و لو سقط وجوب الوفاء يكفي للحكم بالصحة، احل الله البيع، و غيره.

اقول: لا إشكال و لا خلاف في كون المملوك المرتد عن فطرة ملكا و مالا لمالكه، و يجوز له الانتفاع به بالاستخدام ما لم يقتل، و انما استشكل من استشكل في جواز بيعه من حيث كونه في معرض القتل بل واجب الاتلاف شرعا، فكان الاجماع منعقد علي عدم المنع من جهة عدم قابلية طهارته بالتوبة.

قال في الشرائع: و يصح رهن المرتد و ان كان عن فطرة، و استشكل في المسالك من جهة وجوب اتلافه و كونه في معرض التلف، ثمّ اختار الجواز لبقاء ماليته الي زمان القتل.

و قال في القواعد و يصح رهن المرتد و ان كان عن فطرة علي اشكال.

و ذكر في (جامع المقاصد) ان منشأ الاشكال انه يجوز بيعه فيجوز رهنه بطريق اولي و ان مقصود البيع حاصل.

و أما مقصود الرهن فقد لا يحصل بقتل الفطري حتما، و الآخر قد لا يتوب، ثمّ اختار الجواز.

و قال في (التذكرة): المرتد ان كان عن فطرة ففي جواز بيعه نظر ينشأ من تضاد الحكمين و من بقاء الملك، فان كسبه لمولاه، اما عن غير فطرة، فالوجه صحة بيعه لعدم تحتم قتله، ثمّ ذكر

المحارب الذي لا يقبل توبته لوقوعها بعد القدرة عليه و استدل علي جواز بيعه بما يظهر منه جواز بيع المرتد عن فطرة و جعله نظير المريض المأيوس عن برئه.

نعم منع في التحرير و الدروس عن بيع المرتد عن فطرة، و المحارب اذا وجب قتله للوجه المتقدم عن التذكرة، بل في الدروس ان بيع المرتد عن ملة ايضا مراعي بالتوبة.

و كيف كان فالمتتبع يقطع بان اشتراط قابلية الطهارة انما هو فيما يتوقف الانتفاع المعتد به علي طهارته.

و لذا قسم في المبسوط المبيع الي آدمي و غيره، ثمّ اشترط الطهارة في غير الآدمي، ثمّ استثني الكلب الصيود.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 90

الثانية: يجوز المعاوضة علي غير كلب الهراش في الجملة (1)
اشارة

بلا خلاف ظاهر

الا ما عن ظاهر اطلاق العماني، و لعله كإطلاق كثير من الاخبار بان ثمن الكلب سحت، محمول علي الهراش، لتواتر الاخبار و استفاضة نقل الاجماع علي جواز بيع ما عدا كلب الهراش (2) في الجملة، ثمّ ان ما عدا كلب الهراش علي اقسام:

احدها: كلب الصيد السلوقي و هو المتيقن من الاخبار و معاقد الاجماعات الدالة علي الجواز. (3) الثاني: كلب الصيد غير السلوقي و بيعه جائز علي المعروف من غير ظاهر اطلاق المقنعة و النهاية، و يدل عليه قبل الاجماع المحكي عن الخلاف و المنتهي و الايضاح و غيرها الاخبار المستفيضة.

______________________________

(1) هذا في الجملة مما قام عليه الاجماع و النصوص الكثيرة بل المتواترة المروية من الفريقين تشهد به، و ما نقله السيد العاملي في مفتاح الكرامة (4: 28) قال و لا مخالف سوي الحسن العماني علي ما حكي يتعين حمله علي ما افاده المصنف لو صح النقل.

(2) و الغرض هنا البحث فيما استثني من الكلاب و المتيقن من موارد المنع الكلب الذي لا

خاصية له و لا منفعة عقلائية توجب ماليته او تمحض منافعه في المحرمة، كما ان المتيقن من موارد كلب الصيد اذا كان سلوقيا، و الاقسام الاخر وقع الخلاف فيها و ستعرف ما هو الحق في المباحث الآتية.

(3) و تشهد له جملة من النصوص: كموثق محمد بن مسلم عن الامام الصادق عليه السلام: ثمن الكلب الذي لا يصيد سحت «1».

و خبر ابي بصير عنه عليه السلام: عن ثمن كلب الصيد قال عليه السلام: لا بأس بثمنه، و الآخر لا يحل ثمنه «2».

و خبر الوليد عنه عليه السلام: عن ثمن الكلب الذي لا يصيد فقال عليه السلام: سحت، و أما الصيود فلا باس «3». و نحوها غيرها.

______________________________

(1) الوسائل، باب 14، من ابواب ما يكتسب به، حديث 3.

(2) الوسائل: باب 14، من ابواب ما يكتسب به، حديث 5.

(3) الوسائل، باب 14، من ابواب ما يكتسب به، حديث 7.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 91

منها قوله عليه السلام في رواية القسم بن الوليد، قال: سالت ابا عبد الله عليه السلام عن ثمن

الكلب الذي لا يصيد، قال: سحت، و أما الصيود فلا باس به، و منها الصحيح عن ابن فضال عن ابي جميلة عن ليث قال: سالت ابا عبد الله عليه السلام عن الكلب الصيود يباع؟ قال: نعم، و يؤكل ثمنه.

و منها رواية ابي بصير قال: سالت ابا عبد الله عليه السلام عن كلب الصيد، قال: لا بأس به، و أما الآخر فلا يحل ثمنه.

و منها ما عن دعائم الاسلام للقاضي نعمان المصري عن امير المؤمنين عليه السلام انه قال: لا بأس بثمن كلب الصيد و منه مفهوم رواية ابي بصير عن ابي عبد الله عليه السلام قال:

قال رسول الله صلي

الله عليه و آله ثمن الخمر و مهر البغي و ثمن الكلب الذي لا يصطاد من السحت،

و منها مفهوم رواية عبد الرحمن بن ابي عبد الله عن ابي عبد الله عليه السلام، قال: ثمن الكلب الذي لا يصيد سحت، و لا بأس بثمن الهرة، و مرسلة الصدوق و فيها ثمن الكلب الذي ليس بكلب الصيد سحت، ثمّ ان دعوي انصراف هذه الاخبار كمعاقد الاجماعات المتقدمة الي السلوقي (1) ضعيفة، لمنع الانصراف لعدم الغلبة المعتد بها علي فرض تسليم كون مجرد غلبة الوجود من دون غلبة الاستعمال منشأ للانصراف، مع انه لا يصح في مثل قوله ثمن الكلب الذي لا يصيد او ليس بكلب (2)

______________________________

(1) و قد يتوهم اختصاص هذه النصوص بالسلوقي، بدعوي انصراف كلب الصيد اليه لكثرة وقوع الاصطياد به.

و فيه: اولا: ان الاصطياد، بغيره ايضا كثير، و ان كان بالنسبة اليه اقل.

و ثانيا: ان غلبة الوجود كغلبة الاستعمال لا تكون منشأ للانصراف الموجب

للتقييد.

(2) و اجاب المصنف (ره) عنه بجواب آخر و قال قدس سره مع انه لا يصح في مثل قوله:

ثمن الكلب الذي لا يصيد او ليس بكلب الصيد … الخ.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 92

الصيد لان مرجع التقييد الي ارادة ما يصح عنه سلب صفة الاصطياد، و كيف كان

فلا مجال لدعوي الانصراف بل يمكن ان يكون مراد المقنعة و النهاية من السلوقي مطلق الصيود، علي ما شهد به بعض الفحول من اطلاقه عليه احيانا، و يؤيد بما عن المنتهي حيث انه بعد ما حكي التخصيص بالسلوقي عن الشيخين، قال: و عني بالسلوقي كلب الصيد، لان سلوق قرية باليمن اكثر كلابها معلمة، فنسب الكلب اليها و ان كان هذا الكلام من المنتهي يحتمل لان

يكون مسوقا لاخراج غير كلب الصيد من الكلاب السلوقية، و ان المراد بالسلوقي خصوص الصيود لا كل سلوقي، لكن الوجه الاول اظهر.

______________________________

ما ذكر من منع الانصراف علي فرض التنزل و تسليم انصراف كلب الصيد الي السلوقي في المثال الاول تام، اذ الظاهر منه الكلب الذي لا يكون متصفا بصفة الاصطياد، و معلوم انه ليس في صفة الاصطياد انصراف الي اصطياد السلوقي، و لا يتم

في المثال الثاني، اذ المستثني هو الكلب الذي لا يكون كلب الصيد، و هو منصرف علي الفرض الي السلوقي، فالمستثني منه هو الكلب غير الصيود و غير السلوقي.

مع ان منع الانصراف في المثالين لا يضر بالاستدلال بانصراف سائر النصوص، اذ غاية ما يثبت بهما- بعد منع الانصراف- اختصاص المنع الثابت بدليلهما بالكلب الذي لا يصيد، و ليس لهما مفهوم كي يدلان علي جواز بيع كلب الصيد مطلقا.

و ربما يستدل علي الاختصاص بالسلوقي بوجه آخر و هو: ان الروايات المجوزة علي قسمين: الاول: ما دل علي جواز بيع الكلب المتصف بوصف الاصطياد سلوقيا كان ام لم يكن، و عدم جواز بيع غيره كالنصوص المتقدمة.

الثاني: ما دل علي جواز بيع كلب الصيد، و عدم جواز بيع غيره كخبر ابي بصير المتقدم، و الظاهر من كلب الصيد هو نوع كلب الصيد و ان لم يتصف بعض افراده بهذا الوصف لاما كان صيودا بالفعل، اذ في اضافة الموصوف الي وصفه لا يعتبر الاتصاف الفعلي، بل اضافة الموصوف الي وصف نوعه في غاية الكثرة.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 93

الثالث: كلب الماشية و الحائط، و هو البستان و الزرع و الاشهر بين القدماء

علي ما قيل المنع، و لعله استظهر ذلك من الاخبار الحاضرة لما يجوز بيعه في الصيود

المشتهرة بين المحدثين كالكليني و الصدوقين، و من تقدمهم بل و أهل الفتوي، كالمفيد و القاضي و ابن زهرة و ابن سعيد و المحقق، بل ظاهر الخلاف و الغنية الاجماع عليه،

نعم المشهور بين الشيخ و من تأخر عنه الجواز وفاقا للمحكي عن ابن الجنيد قدس سره حيث قال: لا بأس بشراء الكلب الصائد و الحارس للماشية و الزرع، ثمّ قال لا خير في الكلب فيما عد الصيود و الحارس و ظاهر الفقرة الاخيرة لو لم يحمل علي الاولي جواز بيع الكلاب الثلاثة و غيرها، كحارس الدور و الخيام و حكي الجواز أيضا عن الشيخ و القاضي في كتاب الاجارة:

______________________________

فالمتحصل من هذا القسم من الاخبار: ان الكلب السلوقي الذي هو في نوعه صيود يجوز بيعه و غيره لا يجوز بيعه، و النسبة بين هاتين الطائفتين عموم من وجه، و تتعارضان في السلوقي غير الصيود و الصيود غير السلوقي، و حيث ان دلالة كل منهما علي موردي التعارض بالاطلاق فيتساقط الاطلاقان و يرجع الي الطائفة الثالثة من النصوص و هي ما دل علي المنع عن بيع الكلب مطلقا.

و فيه أولا: ان ما تضمن من النصوص تجويز بيع كلب الصيد ضعيف السند.

و ثانيا: انه من المحتمل ان يكون المراد بكلب الصيد هو المعني الاعم من نوع كلب الصيد، و ما هو صيود بشخصه، لكفاية أدني الملابسة في صحة الاضافة، و علي هذا فالنسبة بينهما عموم مطلق و تكون النتيجة جواز بيع كلب الصيد سلوقيا كان أم لم يكن، و عدم جواز بيع غيره و لو كان سلوقيا، فتدبر فإنه دقيق.

بيع كلب الماشية و الحائط

و قد استدل لجواز بيع كلب الماشية و كلب الزرع و كلب الحائط بوجوه:

الاول: ان ذلك مما يقتضيه

الجمع بين الاخبار المانعة عن بيع الكلب، و بين قوله عليه السلام في خبر تحف العقول: و كل شي ء يكون لهم فيه الصلاح من جهة من الجهات فهذا كله حلال بيعه و شرائه … الخ. الدال علي جواز بيع كل ما فيه جهة من جهات-

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 94

و عن سلار و أبي الصلاح و ابن حمزة و ابن إدريس و أكثر المتأخرين

كالعلامة ولده السعيد و الشهيدين و المحقق الثاني و ابن القطان في المعالم، و الصيمري و ابن فهد و غيرهم من متأخري المتأخرين عدا قليل وافق المحقق كالسبزواري، و التقي المجلسي، و صاحب الحدائق، و العلامة الطباطبائي في مصابيحه و فقيه عصره، في شرح القواعد و هو الاوفق بالعمومات المتقدمة المانعة،

إذ لم نجد مخصصا لها سوي ما أرسله في المبسوط (1) من انه روي ذلك، يعني جواز البيع في كلب الماشية و الحائط المنجبر قصور سنده و دلالته لكون المنقول مضمون

______________________________

الصلاح فان النسبة بينهما عموم من وجه، و الكلاب المزبورة من موارد الاجتماع لجواز الانتفاع بها في الحراسة و غيرها، و حيث ان دلالة خبر تحف العقول علي الجواز بالعموم دلالة تلك الاخبار علي المنع بالاطلاق، فيقدم عليها.

و أجيب عنه بجوابين:

الاول: ان الاخبار المقسمة للكلب الي كلب الصيد و غيره تكون أخص من خبر تحف العقول فيخصص بها.

و فيه: ان النسبة عموم من وجه، إذ الكلب الهراش و العقور ليس لهما جهة من جهات الصلاح، اللهم إلا ان يقال: ان حمل النصوص المانعة علي خصوص الكلب الهراش و العقور الذين يكفي في عدم جواز بيعهما عدم المنفعة المحللة لهما عبارة أخري عن القائها رأسا، و هذا بخلاف حمل خبر تحف العقول علي

غير الكلب، فيتعين ذلك كما لا يخفي.

الثاني: ان هذه الجملة من خبر تحف العقول لا يصح الاستدلال بها في نفسها لمعارضتها مع الجملة الاخري المتضمنة للمنع عن بيع النجس، و حيث ان دلالة كل منهما تكون بالعموم فتتساقطان في المقام.

و فيه: ما عرفت من ان الجملة المتضمنة للمنع عن بيع النجس مختصة بالنجس الذي لا يكون له منفعة محللة مقصودة فلا تشمل المقام، و لكن الذي يسهل الخطب ضعف سند خبر تحف العقول و عدم صحة الاستدلال به.

(1) الثاني: مرسل المبسوط، فإنه قال بعد الافتاء بجواز بيع كلب الصيد

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 95

الرواية لا معناها، و لا ترجمتها باشتهاره بين المتأخرين، بل ظهور الاتفاق المستفاد

من قول الشيخ في كتاب الاجارة (1) ان أحدا لم يفرق بين بيع هذه الكلاب و إجارتها، بعد ملاحظة الاتفاق علي صحة إجارتها، و من قوله قدس سره في التذكرة يجوز بيع هذه الكلاب عندنا و من المحكي عن الشهيد في الحواشي ان أحدا لم يفرق بين الكلاب الاربعة فيكون هذه الدعاوي قرينة علي حمل كلام من اقتصر علي كلب الصيد علي المثال لمطلق ما ينتفع به منفعة محللة مقصودة.

كما يظهر ذلك من عبارة ابن زهرة في الغنية حيث اعتبر أولا في المبيع ان يكون مما ينتفع به منفعة محللة مقصودة ثمّ قال: و احترزنا بقولنا ينتفع به منفعة محللة عما يحرم الانتفاع به، و يدخل في ذلك كل نجس إلّا ما خرج بالدليل من بيع

______________________________

المعلم و روي: ان كلب الماشية و الحائط مثل ذلك «1».

و لكن: الاستدلال بهذا المرسل علي الجواز يتوقف علي ثبوت أمرين: أحدهما:

جبر ضعف سنده، و ثانيهما: جبر قصور دلالته.

أما الاول: فلا رسالة، و أما الثاني:

فلان من المعلوم أنه لم يكن في كلام الامام عليه السلام اسم الاشارة فهو نقل مضمون كلامه عليه السلام لا ألفاظه و لا ترجمتها، و حيث ان نقل المضمون مشتمل علي اجتهاد الراوي و ليس هو حجة علينا، فالاستدلال به يتوقف علي إثبات حجية نقل هذا المضمون.

أما ضعف سنده فقد يقال بانجبار ضعف السند باشتهار القول بالجواز بين المتأخرين.

و أجيب عنه: بأنه لاعراض قدماء الاصحاب عنه و إفتائهم بالمنع لا يوجب ذلك الجبر.

و فيه: انه يمكن ان يكون افتائهم بالمنع لاجل عدم الظفر به لا للإعراض عنه،

فالصحيح ان يقال في مقام الجواب: ان الشهرة بين المتأخرين لا تكون جابرة، مع ان إفتائهم بالجواز يمكن ان يكون لما تقدم، او لبعض ما سيجي ء كما صرح به بعضهم، لا للمرسل، فالاعتماد غير ثابت.

(1) و قد يقال بانجباره بما عن الشيخ في كتاب الاجارة من أن أحدا لم يفرق بين

______________________________

(1) الوسائل، باب 14، من أبواب ما يكتسب به، حديث 9.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 96

الكلب المعلم و الزيت النجس للاستصباح تحت السماء، و من المعلوم بالإجماع و السيرة جواز الانتفاع بهذه الكتاب منفعة محللة مقصودة أهم من منفعة الصيد فيجوز بيعها لوجود القيد الذي اعتبره فيها و ان المنع من بيع النجس منوط بحرمة الانتفاع، فينتفي بانتفائها و يؤيد ذلك كله ما في التذكرة من ان المقتضي لجواز بيع كلب الصيد أعني المنفعة موجودة في هذه الكلاب (1).

______________________________

بيع هذه الكلاب و إجارتها، فإن المستفاد منه بعد ملاحظة الاتفاق علي صحة اجارتها الاتفاق علي جواز بيعها، و قد ادعاه العلامة و الشهيد.

و فيه: انه لا يعبأ بهذه الدعاوي بعد ملاحظة ذهاب أكثر المتقدمين إلي المنع، و دعوي الشيخ في

محكي الخلاف و ابن زهرة الاجماع علي المنع.

ثمّ انه ادعي الشيخ الأعظم (ره) في المقام جبر قصور الدلالة باشتهار الجواز بين المتأخرين.

و فيه: ان المعروف بين الأصحاب عدم جبر قصور الدلالة بالشهرة، و الظاهر ان وجهه عدم حجية اجتهاد القوم للمجتهد.

و دعوي انه فرق بين ما لو نقل الفاظ الإمام عليه السلام او ترجمتها، و عمل القوم بها، و لم

يكن لنا حجة علي ان مدلول الخبر هو الذي استفادوه و بين ما لو تقلوا مضمون خبر لم يصل إلينا ألفاظه و لا ترجمتها، فإنه في الاولين يجب علينا تحصيل الدلالة بأنفسنا، و في الأخير يمكن ان يقال: بأنه يحصل الوثوق بصدور هذا المضمون و هو المطلوب، و إن شئت قلت: ان جبر السند في الأخير يرجع إلي الوثوق بصدور المضمون.

و الفتوي و هو كاف في الحجية، كما عن بعض مشايخنا المحققين (ره) مندفعة بأن نقل القوم مضمون خبر انما يوجب الوثوق بصدور ألفاظ من الإمام عليه السلام التي استفادوا منها هذا المضمون، لا صدور هذا المضمون منه عليه السلام، فجبر السند فيه، لا يرجع الي الوثوق بصدور هذا المضمون.

فتحصل: انه لا يصح الاستدلال بالمرسل لقصور السند و الدلالة.

(1) هذا هو الوجه الثالث و حاصله انه إذا جاز بيع كلب الصيد، جاز بيع

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 97

و عنه قدس سره في مواضع أخر ان تقدير الدية لها يدل علي مقابلتها بالمال (1) و ان

ضعف الأول برجوعه إلي قياس (2) و الثاني بأن الدية لو لم تدل علي عدم التملك و إلا لكان الواجب القيمة كائنة ما كانت لم تدل علي التملك (3) لاحتمال كون الدية من باب تعيين غرامة معينة لتفويت شي ء ينتفع به لا

لإتلاف مال كما في إتلاف الحر،

و نحوهما في الضعف دعوي انجبار المرسلة بدعوي الاتفاق المتقدم عن الشيخ و العلامة و الشهيد قدس سرهم لو لوهنها بعد الإغماض عن معارضتها بظاهر عبارتي الخلاف و الغنية من الإجماع علي عدم جواز غير المعلم من الكلاب بوجدان الخلاف العظيم من أهل الرواية و الفتوي، نعم لو ادعي الإجماع أمكن منع وهنها بمجرد الخلاف و لو من الكثير بناء علي ما سلكه بعض متأخر المتأخرين في الإجماع من كونه منوطا بحصول الكشف من اتفاق جماعة و لو خالفهم أكثر منهم مع ان دعوي الإجماع ممن لم يصطلح الإجماع علي مثل هذا الاتفاق لا يعبأ بها عند وجدان الخلاف.

______________________________

باقي الكلاب الأربعة، و الأول ثابت اجماعا، فكذا الثاني، بيان الشرطية ان المقتضي للجواز هناك كون المبيع مما ينتفع به و ثبوت الحاجة الي المعاوضة، و هذان المعنيان ثابتان في صورة النزاع، فيثبت الحكم عملا بالمقتضي السالم عن المعارض.

(1) هذا هو الوجه الرابع أفاده العلامة قدس سره أيضا، و هو ان لها ديات منصوصة فيجوز المعاوضة عليها.

و فيه: ان العلامة قدس سره يدعي تنقيح المناط، فالصحيح في الجواب عنه: انه لم يحرز المقتضي للجواز في كلب الصيد و لعله غير جواز الانتفاع به، مع انه يمكن ان يكون ذلك في غير كلب الصيد مقرونا بالمانع، و لا وجه لدعوي تنقيح المناط إلا بعد إحراز المقتضي و عدم المانع.

(2) و أورد عليه المصنف قدس سره: بأنه يرجع الي القياس.

و عن الأستاذ الأعظم: انه قياس واضح.

(3) و أورد عليه المصنف بقوله: ان الدية لو لم تدل علي عدم التملك و إلا لكان الواجب القيمة كائنة ما كانت لم تدل علي التملك.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1،

ص: 98

و أما شهرة الفتوي بين المتأخرين فلا تجبر الرواية خصوصا مع مخالفة كثير من القدماء، و مع كثرة ظاهر عمومات الواردة في مقام الحاجة و خلو كتب الرواية المشهورة عنها حتي ان الشيخ لم يذكرها في جامعيه، و أما حمل كلمات القدماء علي المثال ففي غاية البعد، و أما كلام ابن زهرة المتقدم فهو مختل علي كل حال لأنه استثني الكلب المعلم عما يحرم الانتفاع به، مع ان الاجماع علي جواز الانتفاع بالكافر، فحمل كلب الصيد علي المثال لا يصحح كلامه إلا ان يريد كونه مثالا و لو للكافر أيضا، كما ان استثناء الزيت من باب المثال لسائر الادهان المتنجسة، هذا.

و لكن الحاصل من شهرة الجواز بين المتأخرين بضميمة أمارات الملك في هذه الكلاب يوجب الظن بالجواز حتي في غير هذه الكلاب مثل كلاب الدور و الخيام،

فالمسألة لا يخلو عن إشكال، و إن كان الأقوي بحسب الأدلة و الأحوط في العمل هو المنع فانهم.

______________________________

و فيه: أنه لا تدل الدية علي عدم التملك، إذ هي ثابتة في كلب الصيد الذي لا كلام

في انه يملك و يجوز بيعه.

نعم ما ذكره قدس سره من أنها لا تدل علي التملك في محله، لاحتمال أن يكون من قبيل ثبوت الدية في الحر من باب تعيين غرامة معينة لتفويت شي ء ينتفع به لا لإتلاف مال، مع ان التملك اعم من جواز البيع، فلو دل ثبوت الدية علي التملك لما كان دالا علي جواز البيع إلا من جهة شمول العمومات له و هي مخصصة بأخبار المنع عن بيع غير كلب الصيد.

فتحصل: ان شيئا مما استدل به علي الجواز لا يدل عليه و علي ذلك.

فالحق هو عدم الجواز كما هو المشهور للأخبار

«1» الخاصة الدالة علي المنع عن بيع غير كلب الصيد المخصصة لعموم ما دل علي جواز بيع كل ما فيه منفعة محللة.

______________________________

(1) الوسائل، باب 14، من أبواب ما يكتسب به. (*)

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 99

______________________________

و في الجواهر: ان تلك الأخبار علي قسمين: الأول: ما تضمن عد ثمن الكلب من

السحت. الثاني: ما تضمن تقسيم الكلب الي كلب الصيد و غيره. و شي ء منهما لا يتم الاستدلال به.

اما الأول: فلأنه لا يراد منه إلا قضية مهملة، بقرينة عدم استثناء كلب الصيد المتفق عليه منه، مع انه قد ذكر في بعض تلك النصوص ما علم ارادة الكراهة من السحت بالنسبة إليه معه كأجرة الحجامة و نحوها.

و أما الثاني: فلانه يحتمل ان يكون المراد به ما في الخلاف من التفصيل في كلب

الصيد بين المعلم منه و غيره، بل لعله الظاهر من لفظ الصيود و يصطاد و يصيد في تلك النصوص.

و في كلامه قدس سره مواقع للنظر:

الأول: ما ذكره من انه لم يرد بالنصوص المتضمنة عد ثمن الكلب من السحت الا قضية مهملة بقرينة عدم استثناء كلب الصيد.

فإنه يرد عليه: ان تخصيص العام و تقييد المطلق بدليل منفصل غير عزيز و لا سبيل الي توهم انهما يوجبان إجمالهما و الالتزام بكونهما مهملين كما حقق في الأصول في مبحث العام و الخاص.

الثاني: ما ذكره من تعيين حمل السحت علي إرادة الكراهة لضم ما اريد من السحت بالنسبة اليه الكراهة.

فانه يرد عليه: ما حققناه في محله من ان الكراهة و الحرمة خارجتان عن الموضوع له و المستعمل فيه. و انهما تنتزعان من الترخيص في الفعل و عدمه، و عليه فحيث انه ورد الترخيص في أكل أجرة الحجامة فيقال انه مكروه، و

لم يرد في ثمن الكلب، فلا بد من البناء علي حرمة أكله الموجب لفساد البيع.

الثالث: ما ذكره في الأخبار المفصلة، فانه يرد عليه اولا: انه خلاف الظاهر.

و ثانيا: ان ذلك لو تم فإنما يوجب دلالة تلك النصوص علي جواز بيع كلب الصيد المعلم، و عدم جواز بيع غيره مطلقا لا خصوص كلب الصيد غير المعلم، إذ

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 100

الثالثة: الأقوي جواز المعاوضة علي العصير العنبي إذا غلا و لم يذهب ثلثاه (1).

______________________________

ما جعل موضوعا في تلك النصوص هو الكلب لا خصوص كلب الصيد، فتدبر فانه دقيق.

فتحصل: ان الأظهر عدم جواز بيع تلك الكلاب، و لكن بما انه لا شبهة في جواز الانتفاع بها للإجماع و للصحيح لا خير في الكلاب الا كلب صيد او ماشية «1».

و عن عوالي اللئالي: ان النبي صلي الله عليه و آله أمر بقتل الكلاب في المدينة فجاء الوحي باقتناء الكلاب التي ينتفع بها، فاستثني كلاب الصيد و كلاب الماشية و كلاب الحرث و اذن في اتخاذها «2» فمقتضي القاعدة جواز المعاملات الاخر.

بيع العصير العنبي

(1) و تنقيح القول في المقام: ان العصير تارة يغلي بنفسه، و أخري بالنار، ففي الصورة الأولي ينجس و يحرم و لا يحل الا بصيرورته خلا، و في الثانية لا ينجس و يحرم، و حد الحرمة حينئذ ذهاب الثلثين كما حققنا في الجزاء الثالث من فقه الصادق مفصلا.

و عليه ففي الصورة الأولي لا يجوز بيعه لما ذكرناه في الخمر، و في الثانية يجوز لوجود المقتضي و هو وجود المنفعة و عدم المانع.

و دعوي انه قبل ذهاب الثلثين لا ينتفع به فلا يكون المقتضي موجودا.

مندفعة بأن عدم الانتفاع في الحالة المخصوصة التي تزول بنقصه لا يوجب سلب المالية عنه، أ لا تري ان اللحم ما لم يطبخ به

مع انه مال بلا كلام فالعصير يكون مثله.

______________________________

(1) الوسائل، باب 43، من أبواب أحكام الدواب، حديث 2، من كتاب الحج.

(2) المستدرك، باب 12، من أبواب ما يكتسب به، حدي

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 101

______________________________

و استدل لعدم الجواز بوجوه: الأول: ما ذكرت و قد عرفت ما فيه.

الثاني: انه نجس و لا يجوز بيع النجس.

و فيه: مضافا الي ما حققناه في محله من عدم النجس قد تقدم انها من حيث هي لا تكون مانعة عن صحة البيع، مع انك ستعرف ان ما ذكره الشيخ قدس سره في مقام الجواب تام فانتظر.

الثالث: خصوص بعض الأخبار كقوله عليه السلام في خبر أبي كهمس: و ان غلي فلا يحل بيعه «1».

2 و قوله عليه السلام في مرسل ابن الهيثم: إذا تغير عن حاله و غلي فلا خير فيه «2».

و قوله عليه السلام في خبر أبي بصير: إذا بعته قبل أن يكون خمرا و هو حلال فلا باس «3».

و فيه: أولا: أنها ضعيفة السند.- أما الأول فلأن أبا كهمس مجهول، و أما الثاني:

فلإرساله و أما الثالث: فلأن في طريقه قاسم بن محمد- و غير منجبرة بعمل الأصحاب فلا يعتمد عليها.

و ثانيا ان خبر بن منها و هما الأول و الأخير مختصان بالقسم الأول و هو ما إذا غلا بنفسه، أما الأخير فواضح، و أما الأول فلأن استناد الغليان الي العصير من دون ذكر السبب ظاهر في حدوثه فيه بنفسه، و يؤكد ذلك سؤاله: قال: سأل رجل أبا عبد الله عليه السلام عن العصير فقال: لي كرم و أنا اعصره كل سنة و اجعله في الدنان و أبيعه قبل ان يغلي.

قال عليه السلام: لا بأس و إن … الخ، فان هذا الخبر

و جوابا كالنص في ارادة ما إذا غلي بنفسه.

______________________________

(1) الوسائل، باب 59 من أبواب ما يكتسب به، حديث 6.

(2) الوسائل، باب 2، من أبواب الأشربة المحرمة، حديث 7.

(3) الوسائل، باب 59، من أبواب ما يكتسب به، حديث 2.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 102

______________________________

و أما الثاني: فالظاهر من نفي الخير فيه عدم ترتب الأثر المترقب منه و هو الشرب

عليه، و يشهد له- مضافا الي كنه ظاهر السؤال: قال سألته عن العصير يطبخ بالنار حتي يغلي من ساعته أ يشربه صاحبه؟ فقال عليه السلام: إذا تغير … الخ.

الرابع: إطلاق الخمر عليه في كلمات الخاصة و العامة، بل عن المذهب البارع: ان اسم الخمر حقيقة في عصير العنب إجماعا.

و فيه: ان كلمات الفقهاء انما تكون للإشارة الي ان المختار عندهم فيما وقع الخلاف فيه ان الخمر، هل هي اسم لخصوص مسكر خاص، و هو العصير الذي صار مسكرا، او كل مسكر، هو الأول، كما ان الإجماع المدعي إشارة الي ان العصير الذي أسكر، خمر علي كلا القولين، و لا تدل هذه الكلمات و الإجماع علي ان العصير الذي لم يسكر خمر، مع بداهة أخذ الإسكار في مفهوم الخمر.

الخامس: صحيح معاوية بن عمار: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل من أهل المعرفة بالحق يأتيني بالبختج و يقول قد طبخ علي الثلث و أنا أعرف انه يشرب علي النصف أ فأشربه بقوله و هو يشرب علي النصف؟ فقال عليه السلام: خمر لا تشربه. (الحديث) «1».

هكذا روي عن التهذيب، و مقتضي إطلاق التنزيل ثبوت عدم جواز البيع الذي هو من أحكام الخمر للبختج الذي هو العصير المطبوخ.

و فيه: أولا: ان الحديث مروي عن جميع نسخ الكافي و بعض نسخ

التهذيب خاليا عن لفظة خمر و لأجل كون الكليني أضبط، و المروي عن الشيخ مختلف و كثرة اختلال التهذيب لا مجال للاعتماد علي أصالة عدم الزيادة المقدمة علي أصالة عدم النقيصة عند التعارض بينهما كما لا يخفي.

______________________________

(1) الوسائل، باب 7 من أبواب الأشربة الحرمة، حديث 2.)

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 103

______________________________

و ثانيا: ان الظاهر من التنزيل بقرينة السؤالين و الجوابين المذكورين في الخبر

إرادة التنزيل من حيث الحرمة خاصة.

و ثالثا: انه لما يكون في مقام جعل الحكم الظاهري حيث ان ظاهره ان حرمة العصير قبل ذهاب الثلثين و حليته بعده كانتا معلومتين عنده، و السؤال انما كان عن صورة الشك، فليس في مقام بيان الحكم الواقعي حتي يتمسك بإطلاقه، و وجه التشبيه بالخمر ان العصير المطبوخ قبل ذهاب ثلثيه لو ترك يغلي بنفسه سريعا و يسكر فيكون خمرا، و هو الذي يسمي بالباذق، معرب (باده) من أسماء الخمر.

السادس: موثق عمر بن يزيد عن مولانا الصادق عليه السلام: عن الرجل يهدي إليه البختج من غير أصحابنا فقال عليه السلام: ان كان من يستحل العسكر فلا تشربه، و ان كان ممن لا يستحل فأشربه «1».

فان التعبير يذهب ثلثاه بكون من اهداه إليه للمسكر، يدل علي انه في حكم المسكر الذي لا يجوز بيعه، و إلا لما صح هذا التعبير الكنائي.

و فيه: انه يمكن ان يكون سر التعبير عنه بذلك ان العصير إذا لم يذهب ثلثاه يتسارع إليه الإسكار فيصير مسكرا لا انه بحكمه.

السابع: النصوص المتضمنة لنزاع آدم و نوح مع ابليس و ان الثلث لهما و الثلثين لابليس لعنه الله الواردة في أصل تحريم الخمر الدالة علي ان تلك الواقعة منشأ تحريم الخمر «2» فانها تدل علي ان

العصير إذا غلي حكمه حكم الخمر.

و فيه: ان دلالة تلك النصوص علي ان العصير إذا غلي يشارك الخمر في الحرمة، و ان حرمته حرمة خمرية و ان كانت لا تنكر.

إلا ان عدم جواز البيع التابع اسم الخمر لا لحرمتها، لا يثبت بها.

______________________________

(1) الوسائل، باب 7، من أبواب الأشربة المحرمة، حديث 1.

(2) الوسائل، باب 2، من أبواب الأشربة المحرمة.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 104

و إن كان نجسا لعمومات البيع و التجارة الصادقة عليها بناء علي أنه مال قابل للانتفاع به بعد طهارته بالنقص لأصالة بقاء ماليته (1) و عدم خروجه عنها بالنجاسة، غاية الأمر انه مال معيوب قابل لزوال عيبه.

______________________________

الثامن: إطلاق الخمر عليه في بعض النصوص: كصحيح عبد الرحمن بن الحجاج عن مولانا الصادق عليه السلام: قال رسول الله صلي الله عليه و آله: الخمر من خمسة:

العصير من الكرم … الخ «1».

و نحوه غيره.

و فيه: ان هذه النصوص انما تدل علي ان الخمر تؤخذ من العصير لا ان كل عصير خمر.

فتحصل من مجموع ما ذكرناه: ان العصير العنبي إذا غلي بنفسه لا يجوز بيعه، و إذا غلي بالنار يجوز ذلك.

(1) و قد استدل المصنف لجواز بيع العصير و ان كان نجسا بعمومات البيع و التجارة الصادقة عليه، بناء علي انه مال قابل للانتفاع به بعد طهارته بالنقص لأصالة بقاء ماليته.

و فيه: اما العمومات فلا يرجع إليها في المقام لما مر من ان العصير المغلي النجس يدل علي عدم جواز بيعه نصوص خاصة، و هي ما دل علي عدم جواز بيع الخمر، و معها لا مجال للرجوع الي العمومات كما لا يخفي. نعم العمومات تكلي لجواز بيع المغلي الذي لا يكون نجسا كما تقدم.

و أما أصالة بقاء

ماليته: فقد أورد علي الاستدلال بها بعض مشايخنا المحققين قدس سرهم

بان المالية المشكوكة هي المالية الشرعية، إذا المالية العرفية و سلب مالية الشي ء و تنزيله منزلة غير المال، و عليه فالشك في بقاء مالية العصير إذا غلا يرجع الي الشك في

______________________________

(1) الوسائل، باب 1، من أبواب الأشربة المحرمة، حدي

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 105

و لذا لو غصب عصيرا فأغلاه حتي حرم و نجس لم يكن في حكم التالف بل وجب عليه رده، و وجب عليه غرامة الثلثين (1) و أجرة العمل فيه حتي يذهب الثلثان كما صرح في التذكرة معللا لغرامة الأجرة بأنه رده معيبا و يحتاج زوال العيب الي خسارة و العيب من فعله فكانت الخسارة عليه.

______________________________

مجعول الشرع، و منشؤه الجهل بما له الحكم أي الموضوع المسلوب عنه المالية، فيكون من قبيل الشك في الحكم المسبب عن الشك في الموضوع الذي لا يجري فيه استصحاب الحكم و لا الموضوع، اما الأول: فللشك في بقاء موضوعه، و أما الثاني فلعدم الشك في الموجود الخارجي و استصحاب بقاء الموضوع بما انه موضوع يرجع الي استصحاب بقاء الحكم.

و فيه: مضافا الي ما حققناه في محله من جريان الاستصحاب في هذه الموارد: ان المقام ليس من ذلك القبيل، إذ موضوع المالية الشرعية ليس هو المالية العرفية بل ذات ما ثبت له المالية العرفية، إذ لا فرق بين الأحكام التأسيسية و الإمضائية من هذه الجهة، و عليه فالموضوع يكون باقيا، فلا مانع من استصحاب بقاء الحكم.

فالأولي ان يورد عليها: بان المالية الشرعية ليست بنفسها أمرا مجعولا شرعيا بل هي تنتزع من كون الشي ء ذا منفعة محللة بالفعل او بالقوة و هي بهذا المعني معلوم الثبوت في المقام، و ان

شئت قلت: انه لم يرد دليل متضمن لجعل المالية لشي ء او سلبها عن شي ء، بل هما ينتزعان من تجويز الشارع الانتفاع بشي ء و بيعه و عدمه، و علي ذلك فيكفي في المقام العمومات المتضمنة لحلية البيع لثبوت المالية الشرعية فلا تصل النوبة الي الاستصحاب.

(1) و قد أريد المصنف الأصل المزبور، بانه لو غصب عصيرا فأغلاه وجب عليه رده … الخ.

و فيه: ان العصير مثلي فيضمن الغاصب بمقدار التالف أو ما بحكمه، و ازدياد

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 106

نعم ناقشه (1) في جامع المقاصد في الفرق بين هذا و بين ما لو غصبه عصيرا فصار خمرا حيث حكم فيه بوجوب غرامة مثل العصير لأن المالية قد فاتت تحت يده فكان عليه ضمانها كما لو تلفت، لكن لا يخفي الفرق الواضح بين العصير إذا غلا و بينه إذا صار خمرا (2) فإن العصير بعد الغليان مال عرفا و شرعا، و النجاسة انما تمنع من المالية إذا يقبل التطهير كالخمر فإنها لا يزول نجاستها إلا بزوال موضوعها بخلاف العصير فإنه يزول نجاسته بنقصه نظير طهارة ماء البئر بالنزح.

______________________________

القيمة بعمله غير المحترم لا يقوم مقام ذلك.

و ما عن المبسوط من أنه لا يلزم ضمان لأنها نقيصة الرطوبة التي لا قيمة لها، إذ النار تعقد أجزاء العصير و لهذا تزيد حلاوته.

غير سديد، إذ لا تسلم كون الذاهب خصوص الأجزاء المائية، مع ان الواقع نقص محسوس في العين فيجب بدله، فالأظهر وفاقا لأكثر المتأخرين او جميعهم كما في الجواهر وجوب غرامة الثلثين.

(1) و قد ناقش المحقق الثاني فيه: بأنه ما الفرق بين هذا و بين ما لو غصب عصيرا فصار خمرا، حيث حكم فيه بوجوب غرامة مثل العصير، لأن المالية قد

فاتت تحت يده فكان عليه ضمانها كما لو تلفت.

(2) و أجاب عنه المصنف بقوله: لكن لا يخفي الفرق الواضح بين العصير إذا غلا،

.. الخ.

و يرد عليه: انه قد عرفت ان العصير النجس لا يطهر إلا بزوال موضوعه و لا يزول نجاسته بنقصه.

و أما ما أورده بعض أعاظم المحشين قدس سرهم بأن النجاسة ان ذهبت بالمالية ذهبت بها في المقامين و إلا لم يذهب بها فيهما.

فغير سديد، إذ لو سلم ان العصير العنبي إذا غلي بالنار ينجس و يطهر بذهاب

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 107

و بالجملة فالنجاسة فيه و حرمة الشرب عرضية تعرضانه في حال متوسط بين حالتي طهارته، فحكمه حكم النجس بالعرض القابل للتطهير فلا يشمله قوله عليه السلام في رواية تحف العقول او شي ء من وجوه النجس، و لا يدخل تحت قوله عليه السلام: اذا حرم الله شيئا حرم ثمنه (1) لأن الظاهر منهما العنوانات النجسة و المحرمة بقول مطلق لاما تعرضانه في حال دون حال فيقال يحرم في حال كذا و ينجس في حال كذا، و بما ذكرنا يظهر عدم شمول معقد إجماع التذكرة علي فساد بيع نجس العين للعصير لأن المراد بالعين هي الحقيقة و العصير ليس كذلك، و يكمن ان ينسب جواز بيع العصير الي كل من قيد الأعيان النجسة المحرم بيعها بعدم قابليتها للتطهير، و لم أجد مصرحا بالخلاف عدا ما في مفتاح الكرامة من ان الظاهر المنع للعمومات المتقدمة و خصوص بعض الأخبار مثل قوله عليه السلام و ان غلا فلا يحل بيعه.

______________________________

ثلثيه كما هو المفروض في هذا الجواب، تم ما ذكره الشيخ قدس سره فارقا لما تقدم منا و منه قدس سره من ان النجاسة من حيث هي

لا تكون مانعة عن صحة البيع، و انما توجب الفساد في الموارد التي يتوقف الانتفاع بالعين علي الطهارة، و عليه فإذا كان ارتفاع النجاسة بارتفاع الصورة النوعية يصح ان يقال ان هذا العين ليست لها منفعة محللة فلا يجوز بيعها، و وجود منفعة محللة للموجود الآخر و هو الذي استحيل إليه هذا الموجود لا يسوغ البيع، و أما إذا كان ارتفاعها بارتفاع بعض الخصوصيات أو نقص العين لا يصح أن يقال إن هذا الموجود ليس له منفعة محللة مقصودة فلا يشمله ما دل علي عدم جواز بيع النجس و المحرم.

(1) و الظاهر ان هذا هو مراد المصنف حيث قال: لأن الظاهر منهما العنوانات النجسة و المحرمة بقول مطلق لاما تعرضانه في حال دون حال.

و الإيراد عليه كما عن هذا المحشي قدس سره بأنه لو جاز بيع العصير لذلك لجاز بيع سائر المسكرات المائعة غير الخمر لدوران نجاستها مدار الإسكار الزائلة بزواله و إن بقيت الصورة النوعية.

غريب، إذ النجاسة لا تزول بزوال الإسكار فان المانع إذا تنجس لا يطهر بلا ورود مطهر عليه او استحالته و انقلابه.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 108

و رواية أبي بصير إذا بعته قبل أن يكون خمرا و هو حلال فلا بأس، و مرسل ابن هيثم إذا تغير عن حاله و غلا خير فيه بناء علي ان الخير المنفي يشمل البيع،

و في الجميع نظر، أما في العمومات فلما تقدم، و أما الأدلة الخاصة (1) فهي مسوقة للنهي عن بيعه بعد الغليان نظير بيع الدبس و الخل من غير اعتبار إعلام المكلف، و في الحقيقة هذا النهي كناية عن عدم جواز الانتفاع ما لم يذهب ثلثاه فلا يشمل بيعه بقصد التطهير مع إعلام

المشتري نظير بيع الماء النجس.

و بالجملة فلو لم يكن إلا استصحاب ماليته و جواز بيعه كفي، و لم أعثر علي من تعرض للمسألة صريحا عدا جماعة من المعاصرين، نعم قال المحقق الثاني في حاشية الإرشاد في ذيل قول المصنف: و لا بأس ببيع ما عرض له التنجيس مع قبوله التطهير بعد الاستشكال بلزوم عدم جواز بيع الاصباغ المتنجسة بعدم قبولها التطهير و دفع ذلك بقبولها له بعد الجفاف، و لو تنجس العصير و نحوه فهل يجوز بيعه علي من يستحله؟ فيه اشكال ثمّ ذكر ان الأقوي العدم لعموم (و لا تعاونوا علي الإثم و العدوان) (انتهي).

و الظاهر انه أراد بيع العصير للشرب من غير التثليث كما يظهر من ذكر المشتري و الدليل فلا يظهر منه حكم بيعه علي من يطهره.

______________________________

نعم في الخمر كلام، و هو انه لو زال سكرها و لم تنقلب خلا هل تطهر أم لا؟ و أما في غيرها فلا وجه له، مع انه لو تم ذلك نلتزم بجوازه لو لاما دل علي عدم جواز بيع المسكر، و معه يكون هو الفارق بين المقامين.

(1) ما ذكره قدس سره من التقييد او الحمل خلاف الظاهر. إذ لا منشأ له سوي دعوي الانصراف الممنوع كما تقدم.

فالصحيح في الجواب عنها ما ذكرناه عند بيان ما هو الحق عندنا.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 109

الرابعة: يجوز المعاوضة علي الدهن المتنجس
اشارة

علي المعروف من مذهب الأصحاب (1) و جعل هذا من المستثني عن بيع الأعيان النجسة مبني علي المنع من الانتفاع بالمتنجس إلا ما خرج بالدليل أو علي المنع من بيع المتنجس و ان جاز الانتفاع به نفعا مقصود محللا، و إلا كان الاستثناء منقطعا من حيث ان المستثني منه ما ليس فيه منفعة

محللة مقصودة من النجاسات و المتنجسات (2) و قد تقدم ان المنع عن بيع النجس فضلا عن المتنجس ليس إلا من حيث حرمة المنفعة المقصودة فإذا فرض حلها فلا مانع من البيع.

______________________________

المعاوضة علي الدهن المتنجس

(1) و النصوص به مستفيضة: كصحيح ابن وهب عن مولانا الصادق عليه السلام في جرذ مات في زيت ما تقول في بيع ذلك؟ فقال: بعه و بينه لمن اشتراه ليستصبح به «1».

و نحوه غيره.

و قد ذكر الشيخ قدس سره جملة منها، و ان كان بعضها لا يدل عليه كما لا يخفي علي الناظر، و ما دل علي المنع عن بيعه كقول الإمام علي عليه السلام في خبر الجعفريات: إن كان ذائبا فلا يؤكل، يسرج به و لا يباع «2».

و قول الإمام الكاظم عليه السلام في خبر اخيه: لا تدهن به و لا تبعه من مسلم «3». محمول علي البيع مع عدم الإعلام لا خصية جملة من نصوص الجواز المختصة بالبيع من الإعلام بالنجاسة عن ذلك.

(2) و أورد عليه: تارة بأن المستثني منه ان كان خصوص الأعيان النجسة،

فالاستثناء منقطع علي كل تقدير، و إن كان عاما شاملا للأعيان النجسة و المتنجسة فالاستثناء متصل كذلك، إذ النظر في اتصال الاستثناء و انقطاعه الي ظاهر عنوان الدليل في مقام الإثبات لا واقع ما يعرضه الحكم، فبما ان عنوان المستثني منه هو نفس النجس و المتنجس بلا دخالة قيد حرمة الانتفاع به في ذلك و ان كان هو دخيلا واقعا، فالاستثناء متصل.

______________________________

(1) الوسائل، باب 6، من أبواب ما يكتسب به، حديث 1.

(2) المستدرك، باب 6، من أبواب ما يكتسب به، حديث 1.

(3) الوسائل، باب 7، من أبواب ما يكتسب به، حديث 5.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1،

ص: 110

و يظهر من الشهيد الثاني في المسالك خلاف ذلك، و ان جواز بيع الدهن للنص لا لجواز الانتفاع به و إلا لاطرد الجواز في غير الدهن أيضا، و أما حرمة الانتفاع بالمتنجس إلا ما خرج بالدليل فسيجي ء الكلام فيه إن شاء الله و كيف كان فلا اشكال في جواز بيع الدهن المذكور و عن الاجماع عليه في الجملة و الأخبار به مستفيضة منها الصحيح عن معاوية بن وهب، عن أبي عبد الله عليه السلام قال:

قلت له: جرذ مات في سمن او زيت او عسل، قال: أما السمن و العسل فيؤخذ الجرذ و ما حوله و الزيت يستصبح به (1) و زاد في المحكي عن التهذيب انه يبيع ذلك الزيت و يبينه لمن اشتراه ليستصبح به (2) و لعل الفرق بين الزيت و اخويه من جهة كونه مائعا غالبا بخلاف السمن و العسل. و في رواية إسماعيل الآتية إشعار بذلك.

______________________________

و أخري: بأن الوجه الأول المذكور لتصحيح الاتصال لا يصححه لأن أصالة حرمة الانتفاع بالمتنجس ان سلمناها لا أثر لها في المقام الذي لا تقول بمقتضاها لما دل من النصوص علي جواز الانتفاع به.

و فيهما نظر: لأن المستثني منه ليس هو خصوص الأعيان النجسة كما يشهد له عد المعاوضة علي الأعيان المتنجسة من جملة المسائل الثمان. بل الأعم منها و من الدليل علي عدم جواز الانتفاع بالمتنجس، يكون الدهن المتنجس داخلا في المستثني منه، فبعد ورود الدليل علي جواز الانتفاع به و بيعه لا محالة يكون الاستثناء متصلا.

فتحصل: ان ما ذكره قدس سره ملاكا لكون الاستثناء متصلا او منقطعا متين جدا.

و قد أشار إلي فساد كلا المبنيين، أما المبني الثاني فبقوله و قد تقدم الخ.

و أما

المبني الأول فبقوله، و أما حرمة الانتفاع بالمتنجس الخ.

(1) هذا الصحيح لا يدل إلا علي جواز الإسراج و لا ربط له بالبيع.

(2) و ما في التهذيب انما هو إشارة الي صحيحة «1» الآخر.

______________________________

(1) الوسائل، باب 6، من أبواب ما يكتسب به، حديث 1- 4.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 111

و منها الصحيح (1) عن سعيد الأعرج عن أبي عبد الله عليه السلام في الفأرة و الدابة تقع في الطعام و الشراب فتموت فيه، قال: إن كان سمنا او عسلا او زيتا فإنه ربما يكون بعض هذا، فإن كان الشتاء فأنزع ما حوله و كله و ان كان الصيف فادفعه حتي يسرج به، و منها ما عن أبي بصير في الموثق عن الفأرة تقع في السمن او الزيت فتموت فيه، قال: ان كان جامدا فاطرحها فتطرحها و ما حولها و يؤكل ما بقي و ان كان ذائبا فأسرج به و أعلمهم إذا بعته «1».

و منها رواية إسماعيل بن عبد الخالق «2»، قال: سأله سعيد الأعرج السمان و انا حاضر، عن السمن و الزيت و العسل يقع فيه الفأرة فتموت كيف يصنع به، قال: اما الزيت فلا تبعه إلا لمن تبين له فيبتاع للسراج و أما الأكل فلا. (2) و أما السمن فإن كان ذائبا فكذلك و إن جامدا و الفأرة في أعلاه فيؤخذ ما تحتها و ما حولها ثمّ لا بأس به، و العسل كذلك ان كان جامدا إذا عرفت هذا فالإشكال يقع في مواضع:

(الأول) ان صحة بيع هذا الدهن هل هي مشروطة باشتراط الاستصباح به صريحا و يكفي قصد هما لذلك او لا يشترط أحدهما، ظاهر الحلي في السرائر الأول،

فإنه بعد ذكر جواز الاستصباح بالأدهان المتنجسة

جمع، قال: و يجوز بيعه بهذا الشرط عندنا، و ظاهر المحكي عن الخلاف الثاني حيث قال: جاز بيعه لمن يستصبح به تحت السماء دليلنا إجماع الفرقة و أخبارهم، و قال أبو حنيفة: يجوز مطلقا (انتهي).

و نحوه مجردا عن دعوي الإجماع عبارة المبسوط، و زاد انه لا يجوز بيعه الا لذلك و ظاهرة كفاية القصد و هو ظاهر غيره ممن عبر بقوله: جاز بيعه للاستصباح كما في الشرائع و القواعد و غيرها، نعم ذكر المحقق الثاني ما حاصله: ان التعليل راجع

______________________________

(1) و يرد عليه مضافا الي ما أورد علي سابقه من انه لا يدل إلا علي جواز الإسراج و لا ربط له بالبيع انه مروي عن الحلبي لا السعيد.

(2) لأنه عليه السلام فصل فيه بين السمن الذائب فجعله كالزيت و الجامد.

______________________________

(1) الوسائل، باب 43، من أبواب الأطعمة، حديث 4

(2) الوسائل، باب 6، من أبواب ما يكتسب به، حديث 4.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 112

الي الجواز يعني يجوز لأجل تحقق فائدة الاستصباح بيعه، و كيف كان فقد صرح جماعة بعدم اعتبار قصد الاستصباح (1) و يمكن ان يقال باعتبار قصد الاستصباح إذا كانت المنفعة المحللة منحصرة فيه، و كان من منافعه النادرة التي لا تلاحظ في ماليته كما في دهن اللوز و البنفسج و شبههما، و وجهه ان مالية الشي ء انما هي باعتبار منافعها المقصودة منه لا باعتبار مطلق.

______________________________

اشتراط الاستصباح في البيع.

(1) قد صرح جماعة بأن صحة بيع هذا الدهن مشروطة بكونه (للاستصباح به) و هم ما بين من اشتراط كونه صريحا، و من اكتفي بالقصد، و صرح آخرون بعدم الاعتبار

و مجموع اقوال المسألة او وجوهها ستة:

الأول: اعتبار اشتراط الاستصباح في صحة البيع.

الثاني: اعتبار قصد الاستصباح فيها.

الثالث: اعتبار عدم

قصد المنفعة المحرمة.

الرابع: اعتبار قصد المنفعة المحللة إذا لم تكن المنفعة المحللة شائعة.

الخامس: اعتبار الاستصباح الخارجي.

السادس: عدم اعتبار شي ء من هذه القيود فيها.

و الذي يختاره المصنف قدس سره في آخر كلامه هو الوجه الثالث.

و الأظهر منها هو الأخير.

و تحقيق القول في المقام يقتضي أن يقال: ان الدهن المتنجس علي أقسام أربعة:

من منافعه المقصودة باعتبار مزاحمة هذه المنفعة في الاستيفاء مع المنفعة الأخري و هي الأكل و هو أنفع منها بمراتب في العرف، بحيث لا تلاحظ منفعة الاستصباح في ماليته و لعل من هذه القسم ذهن اللوز إذ ماليته بعد كون فائدتي الأكل و الاستصباح لا يمكن استيفائهما معا، انما تكون في نظر العرف باعتبار الأكل لما فيه من فوائد و خواص مهمة لا يقوم غيره مقامه و لو بأضعاف قيمته بخلاف الاستصباح

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 113

______________________________

الثاني: ما تكون منفعته المقصودة التي هي مناط ماليته بنظر العرف هو الأكل، و لا يكون الاستصباح مناط ماليته لأجل كونه منفعة غير معتد بها عند العقلاء كما لو كان دهن لو استصبح بكثير منه يحترق في دقيقة واحدة مثلا.

الثالث: ما تشترك منافعه المقصودة بين الأكل و الاستصباح كالزيت.

الرابع: ما تختص منفعته المقصودة بالإسراج، كالنفط.

اما القسم الأول: فلو فرضنا ان الدهن تنجس و انتفت الفائدة المقصودة صح بيعه لأن المنفعة المرجوعة التي لم تكن مناط المالية لأكملية المنفعة الاخري و اتميتها تكون مناطا لماليته حينئذ، فهو مال فيصح بيعه و ان لم يقصد المنفعة المحللة بل و إن قصد المحرمة فإن المبادلة انما تكون بين المالين، و ليس طرف المبادلة المنفعة كي يقال إن دفع الثمن بإزاء المحرمة منها أكل المال بالباطل، بل نفس ما فيه المنفعة، و قصد

المنفعة المحرمة لا يوجب سلب المالية عنه حتي لا يصح لذلك.

و بعبارة أخري: وجود المنفعة الواقعية موجب لكون هذا الشي ء مالا و إن قصد البائع المنفعة المحرمة فيصح بيعه لذلك، نعم لو شرط استيفاء المنفعة المحرمة خارجا و إن لم يقصد تلك المنفعة بالقصد المعاوضي بطل البيع بناء علي ان الشرط الفاسد مفسد،

لكن هذا كلام آخر لا ربط له بالقمام، و ستعرف في محله فساده في نفسه، بل لو قصد المنفعة المحللة بالقصد المعاوضي بان دفع الثمن بإزائها بطل البيع لعدم كون المبيع عينا.

و ما ذكره المحقق النائيني قدس سره في وجه اعتبار قصد المنفعة المحللة من أن عناوين الأشياء تكون مناط ماليتها لا الجسم المطلق الذي هو المادة المشتركة بين ماله قيمة و ما لا قيمة له، فإذا فرضنا ان الشي ء لا مالية له إلا باعتبار منفعة خاصة، فكما يجب تعيين العنوان في المبيع و لا يصح بيع القدر المشترك بين الدهن و اللحم مثلا، فكذلك يجب تعيين العنوان الذي يكون الدهن مالا باعتباره بقصد المنفعة المحللة.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 114

______________________________

غير تام، إذ لا ريب في اعتبار كون المبيع أي ما يقابله الثمن مقصودا و معلوما و

مالا، و لذا لا يصح بيع القدر المشترك بين ما لا قيمة و ما له قيمة، فإن القدر المشترك لا مالية له، فان المالية منتزعة من وجود المنفعة المحللة و هي انما تترتب علي الصور النوعية لا القدر المشترك بين الأنواع، و يكفي في انتزاع المالية وجود المنفعة الواقعية، و عليه فبما ان المبيع هو العين، و المنفعة ليست مما يقابله الثمن فلا يعتبر زائدا علي قصد عنوان المبيع، و كونه ما لا قصد المنفعة، فإن ماليته

لا تتقوم بقصدها بل هي تابعة لوجودها الواقعي. فتدبر فإنه دقيق.

و بما ذكرناه ظهر حكم القسمين الآخرين.

و أما القسم الثاني: فإن كانت المنفعة النادرة موجبة لانتزاع المالية عند العرف فحكمه حكم سائر الأقسام، و إلا فلا يصح بيعه لعدم المالية، و لو فرض ورود دليل خاص علي جواز البيع في هذا الفرض لا بد من الالتزام بأحد أمرين: اما كونه بيعا حكيما لا حقيقيا، او ان الشارع تصرف في المبيع و جعله مالا.

هذا ما تقتضيه القواعد، و أما النصوص الواردة في المقام، فقد يتوهم دلالة قوله عليه السلام في خبر الأعرج فلا تبعه إلا ان تبين له فيبتاع للسراج، علي اعتبار قصد المنفعة المحللة، بدعوي انه يدل علي حصر جواز البيع بما اذا بيع للاسراج و قد اعتبر البيان مقدمة لذلك، فلو قصدا بلا بيان لم يحتج اليه، فاعتبار البيان انما يكون مقدميا، و المعتبر حقيقة هو قصد الإسراج.

و فيه: مضافا الي ضعف سنده لأن في طريقه محمد بن خالد الطيالسي الذي لم ينقل فيه توثيق: ان ظهوره في نفسه في ذلك لا ينكر، إلا انه لا بد من التصرف فيه بقرينة ان الإعلام واجب نفسي- كما ستعرف- و هو يمنع عن ظهور النهي عن البيع في الفساد.

و إن شئت قلت: انه لهذه القرينة يكون ظاهرا في ان اعتبار القصد المذكور انما

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 115

الفوائد الغير الملحوظة في ماليته (1) و لا باعتبار الفوائد الملحوظة المحرمة،

فإذا فرض أن لا فائدة في الشي ء محللة ملحوظة في ماليته فلا يجوز بيعه لا علي الإطلاق، لأن الإطلاق ينصرف الي كون الثمن بإزاء المنافع المقصودة

______________________________

يكون في الإقباض لا في البيع، و مآله الي حرمة التسبيب لوقوع الغير

في الحرام، و يؤيد ذلك ان ظاهره اعتبار قصد المشتري خاصة.

مع انه لو سلم دلالته علي اعتباره في البيع، يقع التعارض بينه و بين قوله عليه السلام في صحيح معاوية بن وهب المروي عن التهذيب: بعه و بينه لمن اشتراه ليستصبح به «1».

و قوله عليه السلام في موثق أبي بصير: و أعلمهم إذا بعته «2».

و لعل الجمع العرفي يقتضي حمل خبر الأعرج علي ما ذكره ناه.

و أما ما ورد «3» في تحريم شراء الجارية المغنية، فالظاهر كونه اجنبيا عن هذه المسألة: فإنه يدل علي فساد البيع فيما إذا كانت صفة محرمة في المبيع و قصدها البائع و المشتري، و لعل مقتضي القاعدة حينئذ هو الفساد، فان الصفات المتمولة الموجودة في المبيع اذا قصدها البائع و المشتري يقع مقدار من الثمن بإزائها.

و بعبارة اخري: تكون هي من عناوين المبيع، و هذا بخلاف هذه المسألة و هي ما لو قصد التصرف في المبيع علي الوجه المحرم الذي لا يوجب صفة في المبيع ليقع مقدار من الثمن بإزائها.

و الظاهر انه ليس في الأدهان لا سيما الأدهان الواقعة في مورد النصوص ما يكون الإسراج من منافعه النادرة غير الموجبة لماليته، فالنصوص الخاصة لا تنافي القاعدة.

(1) قد عرفت ان الفوائد غير الملحوظة علي قسمين أحدهما ما يكون عدم ملاحظة المنفعة المفروضة لأجل مزاحمتها مع ما هو أهم منها، الثاني ما يكون لأجل عدم اعتداد العقلاء بها و ما ذكره يتم في الثاني دون الأول كما عرفت.

______________________________

(1) الوسائل، باب 6، من أبواب ما يكتسب به، حديث 4.

(2) الوسائل، باب 6، من أبواب ما يكتسب به، حديث 3.

(3) الوسائل، باب 16، من أبواب ما يكتسب به.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 116

منه (1)

و المفروض حرمتها فيكون أكلا للمال بالباطل، و لا علي قصد الفائدة النادرة المحللة لأن قصد الفائدة النادرة لا يوجب كون الشي ء مالا، ثمّ إذا فرض ورود النص الخاص علي جواز بيعه كما فيما نحن فيه (2) فلا بد من حمله علي صورة قصد الفائدة النادرة (3) لأن أكل المال حينئذ ليس بالباطل بحكم الشارع، بخلاف صورة عدم القصد لأن المال في هذه الصورة مبذول في مقابل المطلق المنصرف الي الفوائد المحرمة، فافهم. (4) و حينئذ فلو لم يعلم المتبايعان جواز الاستصباح بهذا الدهن و تعاملا من غير قصد الي هذه الفائدة كانت المعاملة باطلة لأن المال مبذول مع الإطلاق في مقابل الشي ء باعتبار الفوائد المحرمة.

نعم لو علمنا عدم التفات المتعاملين الي المنافع أصلا أمكن صحتها لأنه مال

______________________________

(1) قد مر أن الثمن لا يقع بإزاء المنافع و إنما يقع بإزاء نفس العين مع انه لو سلم ذلك فانما هو اجنبي عما هو محل البحث، فان مرجع هذا الوجه الي جعل الثمن بإزاء حيثيات المنافع و ان لم يقصد الانتفاع بها بل و ان قصد الانتفاع المحرم، و محل البحث هو قصد الفعل الخارجي اي الانتفاع المحلل.

(2) فيه: ان الاسراج منفعة شائعة لكن دهن لا سيما ما هو مورد النصوص فدعوي ورود النص الخاص في الدهن الذي يكون الاسراج منفعته النادرة في غير محلها، هذا إذا اريد المنفعة غير الملحوظة لعدم الاعتداد بها عند العقلاء و ان اريد بها منفعة لم تلاحظ من جهة المزاحمة لما هو أهم، فدعوي عدم كون الشي ء مالا بلحاظها ممنوعة كما تقدم.

(3) قد عرفت انه لو ورد نص خاص علي جواز بيع ما لا منفعة له محللة مقصودة يتعين حمله علي

كونه بيعا حكميا، او ارادة جعل المالية للمبيع تعبدا، لا علي ما ذكره قدس سره لأنه إذا كان أكل المال في مقابله أكلا للمال بالباطل بدون القصد المزبور يكون كذلك معه لأنه لا يوجب صيرورته مالا.

(4) لعله اشارة الي ما ذكرناه من ان الثمن ليس بإزاء المنافع كي يدعي ان المال مبذول بازاء المطلق المنصرف الي الفوائد المحرمة.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 117

واقعي شرعا قابل لبذل المال بازائه و لم يقصد به ما لم يصح بذل المال بازائه من المنافع المحرمة، و مرجع هذا في الحقيقة الي انه لا يشترط الا عدم قصد المنافع المحرمة، فانهم. (1) و أما فيما كان الاستصباح منفعة غالبة بحيث كان مالية الدهن باعتباره كأدهان المعدة للاسراج فلا يعتبر في صحة بيعه قصده أصلا، لأن الشارع قد قرر ماليته العرفية بتجويز الاستصباح به و ان فرض حرمة سائر منافعه بناء علي أضعف الوجهين من وجوب الاقتصار في الانتفاع بالنجس علي مورد النص، و كذا إذا كان الاستصباح منفعة مقصودة مساوية لمنفعة الأكل المحرم كالألية و الزيت و عصارة السمسم، فلا يعتبر قصد المنفعة المحللة فضلا عن اشتراطه إذ يكفي في ماليته وجود المنفعة المقصودة المحللة، غاية الأمر كون حرمة منفعة الأخري المقصودة نقصا فيه يوجب الخيار للجاهل، نعم يشترط عدم اشتراط المنفعة المحرمة بأن يقول: بعتك بشرط أن تأكله و إلا فسد العقد بفساد الشرط، بل يمكن الفساد و ان لم نقل بإفساد فيكون أكل الثمن أكلا بالباطل لأن حقيقة النفع العائد الي المشتري بازاء ثمنه هو النفع المحرم، فافهم. (2) بل يمكن القول بالبطلان بمجرد القصد و ان لم يشترط في متن العقد.

و بالجملة فكل بيع قصد فيه منفعة

محرمة بحيث قصد أكل او بعضه بازاء المنفعة المحرمة كان باطلا كما يومئ الي ذلك ما ورد في تحريم شراء الجارية المغنية و بيعها (3) و صرح في التذكرة بأن الجارية المغنية إذا بيعت بأكثر مما يرغب فيها لو لا الغناء فالوجه التحريم. (انتهي).

______________________________

(1) بل مرجعه الي ما ذكرناه من انه لا يعتبر قصد عدم المنفعة المحرمة أيضا كما

لا يخفي و لعله اشار الي ذلك بقوله فافهم.

(2) قد مر ان الاشتراط اجنبي عن جعل الثمن بازاء المشروط و هي المنفعة المحرمة فلا يكون أكل الثمن الذي جعل في مقابل ما هو مال واقعا أكلا للمال بالباطل.

(3) و لكن قد مر ان مفاد تلك الأخبار الجنبي عن محل البحث و هو قصد المنفعة المحرمة.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 118

ثمّ ان الأخبار المتقدمة خالية عن اعتبار قصد الاستصباح لأن موردها مما يكون الاستصباح فيه منفعة مقصودة منها كافية في ماليتها العرفية و ربما يتوهم من قوله عليه السلام في رواية الأعرج المتقدمة: فلا تبعه الا لمن تبين له، فيبتاع للسراج اعتبار القصد و يدفعه ان الابتياع للسراج انما جعل غاية للإعلام (1) بمعني ان المسلم إذا الطلع علي نجاسته فيشتريه للسراج قوله عليه السلام في رواية معاوية بن وهب: بينه لمن اشتراه ليستصبح به.

(الثاني) ان ظاهر بعض الأخبار وجوب الإعلام (2) فهل يجب مطلقا أم لا (3) و هل وجوبه نفسي او شرطي بمعني اعتبار اشتراطه في صحة البيع الذي.

______________________________

و ما ذكره بعض أكابر المحققين قدس سرهم من ان ظاهرها حرمة الشراء مع ملاحظة صفة الغناء، و الظاهر ان ذلك لأجل كون تلك الصفة محرمة التحصيل، و حيث ان حرمة التحصيل الوصف انما تكون لأجل ترتب الحرام

عليه، فقصد نفس الفعل اولي بالتحريم.

فاسد لما عرفت من ان وجه التحريم في الجارية المغنية هو اعتبار وصف محرم في أحد العوضين و جعله عنوان المبيع، و هذا غير مربوط بما إذا التزم بفعل محرم الذي لا يقع شي ء من الثمن بازائه.

(1) لو كان متن الخبر ما ذكره هو قدس سره كان هذا الجواب في محله، و لكنه هكذا فلا تبعه الا لمن تبين له فيبتاع للسراج و عليه فلا يتم ما ذكره كما لا يخفي.

فالصحيح في الجواب عنه ما ذكرناه عند بيان ما هو الحق عندنا.

وجوب الإعلام بالنجاسة حين البيع

(2) مورد البحث في هذا الأمر هو وجوب الإعلام شرطيا أم نفسيا و عدمه سواء وقع البيع مع قصد الاستصباح او نفسه، أم لا، و موضوع البحث السابق اعتبار شرط الاستصباح او قصده سواء اعلم بالنجاسة أم لا.

ثمّ ان المراد من بعض الأخبار هو ما تضمن من النصوص الأمر بالإعلام و البيان كخبري أبي بصير و إسماعيل و صحيح وهب المتقدمة.

(3) المراد من الإطلاق هو إيجابه بعنوانه، بالوجوب الجامع بين النفسي

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 119

ينبغي أن يقال إنه لا إشكال في وجوب الإعلام، إن قلنا باعتبار اشتراط الاستصباح في العقد او تواطؤهما عليه من الخارج لتوقف القصد، علي العلم بالنجاسة و أما إذا لم نقل باعتبار اشتراط الاستصباح في العقد فالظاهر وجوب الإعلام وجوبا نفيسا قبل العقد، او بعده (1) لبعض الأخبار المتقدمة و في قوله عليه السلام

______________________________

و الغيري، و مراده بذلك ان الأمر دائر بين امور ثلاثة، عدم وجود الإعلام، و وجوبه بالوجوب الشرطي لصحة البيع، و وجوبه بالجواب النفسي.

و حيث ان ظاهر النصوص المتقدمة من جهة تضمنها الأمر هو الوجوب، فالقول بعدم الوجوب ضعيف، فالأمر

يدور، بين أمرين: كون وجوبه نفيسا، او شرطيا.

(1) محصل مراده من الشرطية الأولي: انه لو بنينا علي اعتبار الشرط السابق في صحة البيع، لا بد من القول باشتراط الصحة بالإعلام، لتوقف القصد علي العلم بالنجاسة.

و فيه: انه يمكن قصد الاستصباح بتواطيهما عليه خارج العقد من دون أن يعلمه البائع بالنجاسة، و اشتراطه في العقد، فاعتبار شرط الاستصباح او قصده لا يوجب ان يكون الإعلام واجبا شرطيا من باب توقف الشرط عليه.

و دعوي ان اشتراط الانتفاع ببعض المنافع خلاف مقتضي العقد و لا ينفذ، و عليه فليس للمشتري ان يشتري مع هذا الشرط الا مع علمه بالنجاسة.

مندفعة أولا: بان ذلك خلاف مقتضي إطلاق العقد لا نفسه فتشمله ادلة الشروط،

و لا مانع من نفوذه.

و ثانيا: ان البيع صحيح واقعا و ان كان المشتري جاهلا بصحته من جهة ان الاشتراط يكون اشتراطا للانتفاع بالمنافع المحللة لا ببعضها.

و أما ما أفاده في الشرطية الثانية، فليس مراده بالنفسي كون الإعلام أحد الواجبات و ان لم يقبض المبيع، بل مراده ما يقابل الشرطي لصحة العقد، غير المنافي لكونه شرطا لجواز الإقباض، و علي أي تقدير وجوبه لو ثبت فانما يكون في صورة الإقباض، و عليه فالنزاع في كونه في صورة الإقباض واجبا نفسيا، او كونه

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 120

يبينه لمن اشتراه ليستصبح به اشارة الي وجوب الإعلام لئلا يأكله فإن الغاية للإعلام ليس هو تحقق الاستصباح إذ ترتب بينهما شرعا و لا عقلا و لا عادة (1) بل الفائدة حصر الانتفاع فيه، بمعني عدم الانتفاع به في غيره، ففيه اشارة الي وجوب اعلام الجاهل بما يعطي اذا كان الانتفاع الغالب به محرما بحيث يعلم عادة وقوعه في الحرام لو لا

الإعلام فكانه قال: اعلمه لأن يقع في الحرام الواقعي بتركك الإعلام.

______________________________

شرطا لجواز الإقباض لا تترتب عليه ثمرة فالصفح عنه اولي.

إذا عرفت ذلك فاعلم: ان غاية ما قيل في وجه كون وجوب الإعلام شرطيا لصحة البيع ان قوله عليه السلام في خبر أبي بصير: و اعلمهم إذا بعته. يدل عليه.

و لكن يرد عليه: ان هذا الأمر يتعين حمله علي ارادة الوجوب النفسي لوجهين.

الأول: ظهور التعبير بالماضي في كون الإعلام بعد وقوع البيع و تحققه، و كونه بوجوده المتأخر شرطا مما لم يلتزم به أحد.

الثاني: ظهور سائر النصوص في الوجوب النفسي كقوله عليه السلام في خبر ابن وهب بعه و بينه لمن اشتراه ليستصبح به.

(1) و لكن يمكن ان يقال بثبوت الترتب العادي بعد ملاحظة الحكم الشرعي،

فانه لو اعلمه بالنجاسة بما ان العين لا تترك معطلة عادة و قد منع عن الانتفاع بها بالأكل،

فلا محالة ينتفع بها في الاستصباح، و لكن بما انه لا يحتمل كون الاستصباح واجبا فلا يصح جعله بنفسه غاية الواجب، إذ غاية للواجب، إذ غاية الواجب واجبة، بل من الواضح ان غرض الشارع عدم الانتفاع به بالمنافع المتوقف جوازها علي الطاهرة، و عليه فلو لم يكن عدم التسبيب الي صدور الحرام من الغير جهلا مطلوبا للشارع لما صح الأمر بالإعلام بالنجاسة.

حرمة التسبيب الي وجود الحرام الواقعي من الغير جهلا.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 121

و يشير الي هذه القاعدة كثير من الأخبار المتفرقة الدالة علي حرمة تغرير الجاهل بالحكم او الموضوع في المحرمات مثل ما دل ان من أفتي بغير علم لحقه وزر من عمل بفتياه (1) فإن اثبات الوزر للمباشر من جهة فعل القبيح الواقعي و حمله علي المفتي من حيث التسبيب و

التغرير و مثل قوله عليه السلام: ما من إمام صلي بقوم فيكون

______________________________

و إن شئت قلت: ان غاية الإعلام عدم وقوع المشتري في المحرم جهلا بتسبيب من البائع، فيستفاد من ذلك بعد الغاء الخصوصيات قاعدة كلية، و هي:

التسبيب إلي وجود الحرام من الجاهل

و قد يقال كما في المكاسب انه يمكن الاستشهاد لهذه القاعدة، مضافا الي ما مر من الأخبار بطوائف من النصوص:

(1) الاولي: ما تدل علي ان من افتي بغير علم لحقه وزر من عمل له، كصحيح أبي عبيدة الحذاء عن الإمام الباقر عليه السلام من أفتي الناس بغير علم و لا هدي لعنه ملائكة الرحمة و ملائكة العذاب و لحقه وزر من عمل بفتياه «1». و نحوه غيره، بدعوي ان ثبوت وزر العامل للمفتي و حمله عليه، انما يكون لأجل التسبيب و التغرير.

و فيه إن الإفتاء بغير علم حرام بنفسه أصاب الواقع أم أخطأ، عمله له الغير أم لم يعمل، و أما كون مقدار وزره وزر من عمل بفتياه في صورة العمل، فإما ان يكون بمعني انه في صورة الخطأ يثبت له مقدار اوزار العالمين لو كانوا معتمدين بالمعصية، او يكون بمعني ان عملهم إذا كان عن تقصير في الفحص عن أهلية المفتي يثبت للمفتي بمقدار اوزارهم من جهة الإعانة علي الحرام من دون ان ينقص من اوزارهم شي ء.

و علي كل تقدير يكون اجنبيا عن المقام أما علي الثاني: فواضح، و أما علي الأول فلأن ثبوت وزر محدود بذلك علي فعل محرم في نفسه أعم من صيرورته

______________________________

(1) الوسائل، باب 4، من أبواب صفات القاضي، حديث 1.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 122

في صلواتهم تقصير إلا كان عليه اوزارهم. (1) و في رواية أخري فيكون في صلاته و صلاتهم تقصير إلا

كان إثم ذلك عليه و

______________________________

حراما بعنوان آخر، و هو التسبيب الي وقوع الفعل القبيح الواقعي، نعم لو لم يكن الإفتاء بغير علم حراما في نفسه كان يستكشف من ذلك جعل الحرمة له بالملازمة فتدبر.

مع ان هذا انما يكون في التغرير بالحكم، و محل الكلام هو التغرير بالموضوع.

مع انه فرق آخر بين المقام و مورد هذه النصوص و هو ان فعل الحرام في المقام لا يكون مستندا الي البائع المسلط للمشتري علي المبيع النجس، لان المشتري لو فعل الحرام فانما يفعله استنادا الي الطهارة لا إلي فعل البائع او قوله، اما عدم استناده الي فعله فلعدم اشتراط البيع بالطهارة، و أما عدم استناده الي قوله فلعدم إخباره بها، و هذا بخلاف مورد النصوص فان عمل المستفتي انما يكون مستندا الي قول المفتي و لو لم يعتقد حجية قوله كان مقتضي الأصل عدم العمل بفتواه.

(1) الثانية: ما تدل علي ثبوت اوزار المأمومين علي الإمام في تقصير نشأ من تقصير الإمام و هو قوله عليه السلام: ما من إمام صلي بقوم فيكون في صلاتهم تقصير إلا كان عليه اوزارهم «1».

و قوله عليه السلام في خبر آخر: فيكون في صلاته و صلاتهم تقصير إلا كان إثم ذلك عليه «2».

و فيه: مضافا الي الفرق بين ما نحن فيه، و بين مورد هاتين الروايتين: لان في المقام لا يستند العمل الي البائع، بخلاف ذلك المورد فان المأموم انما يقتدي بالإمام اعتمادا علي صحة صلاته، ان المراد من قوله عليه السلام فيكون في صلاتهم تقصير ان كان هو التقصير الناشي من تقصير الإمام في صلاته، فهما منافيان لكثير من النصوص

______________________________

(1) البحار، ج 18، ص 613، من طبعة الكمباني.

(2) تحف العقول، باب ما

روي عن أمير المؤمنين عليه السلام كتابه الي اهل مصر.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 123

في رواية أخري لا يضمن الإمام صلاتهم إلا ان يصلي بهم جنبا (1).

______________________________

المعتبرة المعمول بها عند الأصحاب الدالة علي ان فساد صلاة الإمام، و ان كان عن تقصير لا يوجب فساد صلاة المأموم، و إن كان المراد هو التقصير الذي استقلوا به، فهو لا يكون وزره علي الإمام بلا كلام.

و علي ذلك فيتعين حملهما اما علي إرادة انه لو علم الإمام انه لو تصدي للإمامة يقتدي به الناس من غير فحص عن حاله فتصير صلاتهم باطلة، لا يجوز له ذلك، و لو فعل، يكون عليه مثل أوزارهم من دون ان ينقص من أوزارهم شي ء و أما علي ارادة ان الإمامة نحو رئاسة دينية و عليه فيكون وظيفة الإمام تصحيح صلاة من يقتدي به و لو كان في صلاتهم نقص تكون عليه اوزارهم.

و علي أي تقدير يكونان اجنبيين عن المقام أما علي الثاني: فواضح، و أما علي الأول: فلأنهما انما يدلان حينئذ علي حرمة الإعانة علي الإثم، و لا ربط لهما بالمقام.

(1) الثالثة: ما تدل علي ضمان الإمام صلاة المأمومين اذا صلي بهم جنبا و هي صحيحة معاوية بن وهب قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام أ يضمن الإمام صلاة الفرضية فإن هؤلاء يزعمون انه يضمن؟ فقال عليه السلام: لا يضمن أي شي ء يضمن الا ان يصلي بهم جنبا او علي غير ظهور «1».

و هي لا سيما بضميمة ما دل من النصوص المعمول بها علي ان الإمام لو كان جنبا او علي غير وضوء يعيد هو صلاته و هم لا يعيدون، و ما في صدره، اذ الظاهر ان المخالفين يعتقدون ان

المأمومين يكلون صلاتهم الي الإمام و يتابعونه في الأفعال من باب التبعية، ظاهرة في ارادة التعريض عليهم و ان الإمام لا يكون متحملا عنهم الصلاة،

و لا يكون متعهدا لشي ء سوي ان يصلي بهم صلاة صحيحة فلو صلي جنبا فقد أخل بذلك، فإن كان عالما أثم، و إلا فعليه الإعادة و لا شي ء عليه.

______________________________

(1) الوسائل، باب 36، من أبواب صلاة الجماعة، حديث 6.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 124

و مثل رواية أبي بصير (1) المتضمنة لكراهة ان يسقي البهيمة او يطعم ما لا يحل للمسلم أكله او شربه فإن في كراهة ذلك في البهائم إشعارا بحرمته بالنسبة الي المكلف و يؤيده ان أكل الحرام و شربه من القبيح و لو في حق الجاهل، و لذا يكون الاحتياط فيه مطلوبا مع الشك إذ لو كان للعلم دخل في قبحه لم يحسن الاحتياط، و حينئذ فيكون إعطاء النجس للجاهل المذكور إغراء بالقبيح و هو قبيح عقلا (1).

______________________________

و علي ذلك فما في الوسائل من ان الحكم بضمان الإمام في هذه الرواية يدل علي وجوب الإعادة عليه، و عدم وجوب الإعادة علي المأمومين، هو صحيح.

(1) الرابعة: ما تدل علي كراهة إطعام الأطعمة و الأشربة المحرمة للبهائم: كخبر أبي بصير عن مولانا الصادق عليه السلام المتضمن لكراهة ان تسقي البهيمة او تطعم ما لا يحل للمسلم أكله او شربه «1».

و موثق غياث عنه عليه السلام: ان أمير المؤمنين عليه السلام كره ان تسقي الدواب الخمر «2».

بتقريب انه اذا كان سقي البهيمة او إطعامها ما لا يحل للمسلم أكله او شربه مكروها فلا محالة يستشعر من ذلك حرمته بالنسبة الي المكلف.

و فيه: ان يمكن ان تكون كراهة ذلك لأجل كونه انتفاعا بالمتنجس، لا

لأجل كونه تسبيبا لحصول هذا الفعل من البهيمة و الكافر، و علي فرض التعدي يتعدي الي كل ما يكون انتفاعا به و لو كان ذلك ببيعه و تسليمه الي المشتري و يحكم بكراهته، و لا وجه لاستشعار الحرمة علي ذلك كما لا يخفي.

(2) و فيه: ان المراد من القبيح ان كان هو العقاب فهو مقطوع العدم لترخيص الشارع فيه، و ان كان هو المفسدة، و هي إن كانت موجودة الا ان دعوي قبح القاء الجاهل فيها المستلزم لحرمته ممنوعة، إذ المفسدة التي رخص الشارع في فعل ما تضمنها لا يكون الإلقاء فيها قبيحا، و إلا كان فعل الشارع المرخص في الفعل قبيحا و هو كما تري.

______________________________

(1) الوسائل، باب 10، من أبواب الأشربة المحرمة، حديث 5.

(2) الوسائل، باب 10، من أبواب الأشربة المحرمة، حديث

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 125

______________________________

و إن شئت قلت: ان الشارع تدرك تلك المفسدة لترخيصه فيه.

و دعوي انه يستكشف قبحه الفعلي من مطلوبية الاحتياط مع الشك، إذ لو كان للعلم دخل في قبحه لم يحسن الاحتياط.

مندفعة بان مطلوبية الاحتياط انما تكون لأجل حسن إحراز عدم الوقوع في المفاسد الواقعية، و إن كانت متداركة و إلا فإن لم يكن للعلم دخل في القبح كان اللازم إيجاب الاحتياط، كما هو واجب في موارد الشبهات قبل الفحص.

فإن قلت: ان عطاء الجاهل النجس تسبيب الي وجود مبغوض الشارع في الخارج اذا شربه و هو قبيح بحكم العلاء، أ لا تري انه لو نام المولي و نهي عبيدة عن الدخول في الدار، فكما ان دخول العبد كذلك تسبيبه لدخول الأخر، و بالملازمة تستكشف الحرمة.

قلت: ان شرب الجاهل لترخيص الشارع فيه لا يكون مبغوضا، فلا يكون الإعطاء تسبيبا الي

وجود المبغوض في الخارج، و ما ذكر من المثال الجنبي عن المقام،

فان المنهي عنه فيه هو تحقق الفعل في الخارج الذي هو معني اسم المصدر، و لم يلاحظ في تحقيقه، حيث الصدور من شخص و الانتساب اليه و في مثله لا ريب في انه يجب علي كل أحد ترك التعرض له، بل التسبيب لعدمه، فلا محالة يكون التسبيب الي وجوده قبيحا لكونه بنفسه مخالفة و عصيانا، و الظاهر ان الأبواب الثلاثة، أي الدماء و الفروج و الأموال من هذا القبيل، و أما في غيرها مما يكون المحرم هو مباشرة الفعل كشرب النجس فلا يتم ذلك.

و الاستاذ الأعظم بعد تسليمه دلالة الطوائف المتقدمة من النصوص علي هذه الكبري الكلية، استدل لها بطوائف أخر من النصوص:

منها: ما دل علي حرمة سقي الخمر للصبي و الكافر، كالنبوي المروي عن عقاب الأعمال و من سقاها، أي الخمر، يهوديا او نصرانيا او صبيا او من كان من

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 126

______________________________

الناس فعليه كوزر من شربها «1» و نحوه غيره.

بتقريب انه اذا كان التسبيب بالإضافة الي الصبي و الكفار حراما فهو اولي بالحرمة في غير الصبي و الكفار.

و فيه: مضافا الي ضعف سند هذه النصوص انه يمكن ان يقال: ان المستفاد من النصوص كون شرب الخمر من المحرمات التي يكون متعلق الزجر فيها تحقق الفعل في الخارج الذي هو معني اسم المصدر، و لم يلاحظ في تحققه حيث الصدور من شخص و الانتساب اليه، و قد عرفت ان مقتضي القاعدة في مثل ذلك وجوب ترك التعرض له لكل احد، بل التسبيب لعدمه، و هذا غير ما هو محل الكلام، و هو ما اذا كان المحرم هو مباشرة الفعل، و الذي

يشهد لما ذكرناه ذكر الصبي مع اليهود و النصاري، مع انه لا كلام في عدم كونه مكلفا، فالتسبيب لشربه ليس تسبيبا لوقوع الحرام.

و منها: الأخبار «2» الآمرة بإهراق المائعات المتنجسة.

و سيأتي لها في حكم الانتفاع بالمتنجس، و ستعرف ما يرد علي هذا الوجه.

و منها: الأخبار الدالة علي حرمة ارتكاب المحرمات، بدعوي انه لا فرق في ايجاد المحرم بين الايجاد بالمباشرة او بالتسبيب.

و فيه: ان الاستدلال بهذا الوجه من مثل هذا البحر المواج في غاية الغرابة، كيف و هو دام ظله ممن صرح في الأصول بان ظاهر التكاليف هو كون المتعلق مباشرة الفعل، بل لعل هذا في الجملة من البديهيات، أ لا تري انه لا يمكن لأحد التفوه لأن المأمور به في الصلاة اعم من صدورها بالمباشرة او بالتسبيب.

______________________________

(1) الوسائل، باب 10، من أبواب الأشربة المحرمة، حديث 7.

(2) الوسائل، باب 26، من أبواب الأشربة المحرمة و باب 38 من أبواب النجاسات.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 127

بل قد يقال بوجوب الإعلام و إن لم يكن منه تسبيب كما لو رأي نجسا في يده يريد أكله و هو الذي صرح به العلامة قدس سره في (أجوبة المسائل المهنائية) حيث سأله السيد المهنا عمن رأي في ثوب المصلي نجاسة، فأجاب: بأنه يجب الإعلام لوجوب النهي عن المنكر (1) لكن إثبات هذا مشكل (2).

______________________________

فتحصل: ان الكبري المزبورة بإطلاقها لا دليل عليها، نعم يمكن الاستدلال لها في موارد الجهل بالموضوع بنصوص الباب بعد إلغاء الخصوصية.

حكم الإعلام مع عدم التسبيب

و بعد ما عرفت حكم الإعلام مع التسبيب لوقوع الحرام الواقعي يقع الكلام في انه هل يجب الإعلام مع عدم التسبيب أم لا؟

(1) فعن العلامة قدس سره في المسائل المهنائية: التصريح بوجوب الإعلام، و استدل له:

بوجوب

النهي عن المنكر.

(2) و في المتن. لكن اثبات هذا مشكل.

لا اشكال في عدم شمول ادلة النهي عن المنكر للمقام، إذ المنكر الذي يجب النهي عنه لا يشمل الحرام الواقعي بل المحرم المنجز، و في المقام ليس كذلك لفرض جهل الفاعل بالواقع، و الأدلة أقاموها لوجوب الإعلام في الفرض السابق لا تشمل المقام.

فالمتعين هو البناء علي عدم الوجوب للأصل.

و يمكن ان يستدل له: بصحيح ابن سنان عن الإمام الصادق عليه السلام الدال علي عدم وجوب الإعلام في إحدي صغريات الباب قال: اغتسل أبي من الجنابة فقيل له: قد ابقيت لمعة في ظهرك لم يصبها الماء فقال عليه السلام له: ما كان عليك لو سكت: ثمّ مسح تلك اللمعة بيده «1».

نعم إذا كان الفعل من الأمور المهمة- اي من أحد الأبواب الثلاثة- وجب علي كل أحد التسبيب إلي عدم حصوله و ان كان الفاعل غير ملتفت.

______________________________

(1) الوسائل، باب 40، من أبواب الجنابة، حديث 1.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 128

و الحاصل ان هنا أمورا أربعة:

(احدها): أن يكون فعل الشخص علة تامة لوقوع الحرام في الخارج كما إذا أكره غيره علي المحرم، و لا إشكال في حرمته و كون وزر الحرام عليه (1) بل اشد لظلمه. (2) (و ثانيها): ان يكون فعله سببا للحرام (3) كمن قدم إلي غيره محرما و مثله ما نحن فيه.

______________________________

(1) و فيه: أنه إن كان المحرم هو تحقق في الخارج و لم يلاحظ فيه حيث الانتساب كقتل المؤمن، او كان المحرم عنوانا شاملا للتسبيب كإتلاف مال الغير، لا ريب في حرمة ذلك، إذ فعل الشخص في الموردين بنفسه معصية و مخالفة للنهي.

و أما إذا كان المحرم عنوانا لا يعم التسبيب، و كان المتعلق للنهي

هو مباشرة الفعل كشرب النجس و غيره من المحرمات، فلا وجه للحرمة حتي مع علم الشارب بالحكم و الموضوع، فضلا عن صورة الجهل لأحدهما، إذ دليل حرمة ذلك العنوان لا يقتضي حرمة فعل السبب، اذ لا يصدق انه شرب النجس، و حيث ان الفعل يصدر من المباشر من غير اختيار فلا يصدر منه منكرا و إثما كي يحرك التسبيب لأجل دليلي وجوب النهي عن المنكر و حرمة الإعانة علي الإثم، او البرهان العقلي المتقدم، و نصوص الاستصباح مختصة بصورة صدور الحرام من الشخص جهلا بالموضوع و لا تشمل المقام الذي يصدر الفعل من المباشر غير محرم عليه لعدم الاختيار، فاستدلال بعض مشايخنا المحققين بها في المقام،

في غير محله.

(2) فيه انه ربما يكون المجبور راضيا بذلك، مع ان مقتضي هذا الوجه حرمة الإجبار علي فعل المباح، بل المستحب او الواجب و هو كما تري.

(3) و المراد بالسبب في مقابل الشرط، و عدم المانع هو تهيئة الموضوع، فالفرق بين هذا القسم و لاحقيه واضح، كمن قدم إلي غيره محرما.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 129

و قد ذكرنا ان الأقوي فيه التحريم (1) لأن استناد الفعل الي السبب أقوي فنسبة فعل الحرام إليه أولي (2) و لذا يستقر الضمان علي السبب دون المباشر الجاهل،

بل قيل: انه لا ضمان ابتداء الا عليه.

(الثالث): ان يكون شرطا لصدور الحرام و هذا يكون علي وجهين:

(احدهما): ان يكون من قبيل ايجاد الداعي علي المعصية، إما لحصول الرغبة فيها كترغيب الشخص علي المعصية، و إما لحصول العناد من الشخص حتي يقع في المعصية، كسب آلهة الكفار الموجب لإلقائهم في سب الحق عنادا او سب آباء الناس الموقع لهم في سب أبيه، الظاهر حرمة القسمين. (3)

و قد ورد في ذلك عدة من الأخبار.

(و ثانيهما): ان يكون بإيجاد شرط آخر غير الداعي كبيع العنب ممن يعلم انه يجعله خمرا و سيأتي الكلام فيه.

______________________________

(1) للنصوص الخاصة- الواردة في ما نحن فيه بعد الغاء الخصوصيات، و لما ذكرناه في خصوص ما إذا كان العنوان المحرم شاملا للتسبيب، و ما اذا كان هو تحقق العفل في الخارج الذي هو معني السم المصدر، و كل ذلك مختص بصورة الجهل بالموضوع، و لا يكون شاملا لصورة العلم بالحكم و الموضوع، و في تلك الصورة تتوقف الحرمة علي شمول دليل وجوب رفع المنكر او دليل حرمة الإعانة علي الإثم للمقام، و هو محل تأمل بل منع كما سيأتي تنقيح القول في ذلك في مسألة بيع العنب ممن يعمله خمرا.

و دعوي استفادة الحرمة في هذه الصورة من نصوص الاستصباح بالأولوية.

ممنوعة كما لا يخفي، فالأظهر عدم الحرمة.

(2) هذا يتم فيما اذا كان المحرم عنوانا شاملا للتسبيب كالإتلاف و لا يشمل ما اذا كان المحرم خصوص ما يصدر من المباشر، مع انه مختص بصورة الجهل و لا يعم صورة العلم بالحكم و الموضوع.

(3) و لكن يتم ذلك فيما اذا كان الشخص ذلك الشخص عالما بالحكم او جاهلا مقصرا الذي

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 130

الرابع: ان يكون من قبيل عدم المانع، و هذا يكون تارة مع الحرمة الفعلية في حق الفاعل كسكوت الشخص عن المنع من المنكر و لا إشكال في المحرمة بشرائط النهي عن المنكر، و اخري مع عدم الحرمة الفعلية بالنسبة إلي الفاعل كسكوت العالم عن إعلام الجاهل كما فيما نحن فيه، فإن صدور الحرام منه مشروط بعدم إعلامه فهل يجب رفع الحرام بترك السكوت أم لا؟ و فيه

إشكال (1) إلا إذا علمنا من الخارج وجوب دفع ذلك لكونه فسادا قد أمر بدفعه كل من قدر عليه كما لو الطلع علي عدم إباحة دم من يريد الجاهل قتله او عدم اباحة عرضه له او لزم من سكوته ضرر مالي، قد أمرنا بدفعه عن كل احد فانه يجب الإعلام و الردع لو لم يرتدع بالإعلام أما فيما تعلق بغير الثلاثة من حقوق الله فوجوب رفع مثل هذا الحرام مشكل، لأن الظاهر من أدلة النهي عن المنكر وجوب الردع عن المعصية، فلا يدل علي وجوب اعلام الجاهل بكون فعله معصية، نعم وجب ذلك فيما إذا كان الجهل بالحكم لكنه من حيث وجوب تبليغ التكاليف ليستمر التكليف إلي آخر الأبد بتبليغ الشاهد الغائب فالعالم في الحقيقة مبلغ عن الله ليتم الحجة علي الجاهل و يتحقق فيه قابلية

______________________________

و ملحق بالعالم، و بالموضوع، و لا يتم في ما اذا كان جاهلا قاصرا بالحكم، او كان جاهلا بالموضوع، كما لو رغبه علي شرب النجس مع كونه جاهلا بالنجاسة، فان تلك الإخبار و الآية الشريفة الواردة في بعض مصاديقه مختصة بصورة العلم بهما كما يظهر لمن راجعها، و في غيرها لا دليل علي الحرمة.

و نصوص الاستصباح مختصة بصورة التسبيب، أي تهيئة الموضوع غير الشاملة للمقام، اللهم الا ان يقال: انها و ان اختصت بها موردا الا ان المناط معلوم، و هو عدم استناد الحرام الواقعي إلي الشخص، و هذا المناط يقتضي الحرمة في المقام اذا كان يترتب الحرام علي ايجاد الداعي عادة، نعم فيما اذا لم يكن كذلك لا وجه للحرمة.

(1) بل الظاهر عدم وجوب رفع الحرام الا اذ علمنا من الخارج وجوب دفع ذلك

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 131

الإطاعة

و المعصية، ثمّ ان بعضهم استدل علي وجوب الإعلام بأن النجاسة عيب خفي فيجب إظهارها (1) و فيه مع ان وجوب الإعلام علي القول به ليس مختصا بالمعاوضات (2) بل يشتمل مثل الإباحة من المجانيات ان كون النجاسة عيبا ليس الا لكونه منكرا واقعيا و قبيحا (3) فإن ثبت ذلك حرم الالقاء فيه مع قطع النظر عن مسألة وجوب إظهار العيب و الا لم يكن عيبا، فتأمل.

______________________________

لكونه فسادا قد أمر بدفعه كل من يقدر عليه كما في باب الدماء و يظهر وجهه مما تقدم.

و لا يتوهم التنافي بين كلماتنا التابعة لكلمات الشيخ، حيث عددنا المقام سابقا من الأمر الثاني و هنا عددناه من الأمر الرابع: فان ما جعلناه من الأمر الرابع هو نفس عدم الإعلام، مع قطع النظر عن تحقق التسبيب منه، و ما جعلنا من الأمر الثاني هو نفس التسليط بلا إعلام.

(1) هو المحقق الأردبيلي قدس سره في مجمع الفائدة (ج 8، ص 36).

(2) و يرد علي ما أفاده: انه لو ثمّ هذا الدليل لا بد من الالتزام به في المعاوضات، و ان ثبت عدم الفصل بينها و بين غيرها ثبت هذا الحكم في غيرها، و الا فلا مانع من الفصل،

نعم يتم الإيراد علي المستدل بناء علي الثاني بان الدليل أخص من المدعي.

(3) فيه: انه قد مر عدم كونه منكرا واقعيا و قبيحا، الا ان يكون مراده من القبيح ما فيه المفسدة، و عليه فقوله: ان ثبت ذلك حرم الالقاء فيه، لا يتم، إذ المفسدة المتداركة بالمصالحة الموجبة الموجبة لجعل الأمارة أو الأصل لا يحرم الإلقاء فيها.

و منه يظهر عدم كون ذلك موجبا لكون النجاسة الواقعية عيبا كي يجب إظهارها.

و دعوي ان النجاسة قدارة

معنوية و هي تكون عيبا.

مندفعة بان النجاسة ليست من الأمور الواقعية كما حققناه في الجزء الثالث من فقه الصادق.

فإن قلت: انه لا كلام في ثبوت الخيار لمن انتقل لو تبينت النجاسة و ظهرت، و من ذلك يستكشف كونها عيبا في حال العقد، و ان لم يعلم لها المشتري كما في سائر العيوب.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 132

الثالث: المشهور بين الأصحاب وجوب كون الاستصباح تحت السماء (1) بل في السرائر ان الاستصباح به تحت الظلال بغير خلاف.

و في المبسوط انه روي أصحابنا انه يستصبح به تحت سماء دون السقف.

______________________________

قلت: انه يمكن ان يكون منشأ الحكم بالخيار انه ان ظهرت النجاسة للمشتري فلا ريب في كونها عيبا حينئذ، و حيث ان مبدأ هذا العيب كان من قبل العقد فلا محالة يثبت الخيار، و نظير ذلك ما اذا باع حيوانا و قد أكل قبل البيع ما أوجب نقصا فيه بعد البيع الذي لا كلام في ثبوت خيار العيب، فليكن المقام من هذا القبيل.

فتحصل: عدم تمامية هذا الاستدلال لوجوب الإعلام.

الاستصباح تحت الظلال

(1) الثالث: المشهور بين الأصحاب وجوب كون الاستصباح تحت السماء.

أصل جواز الاستصباح بالدهن المتنجس متفق عليه نصا و فتوي.

انما الكلام في اعتبار كونه تحت السماء و جواز كونه تحت الظلال.

و قد استدل للأول: بالإجماع، و بمرسل الشيخ قدس سره روي اصحابنا انه يستصبح تحت السماء «1». و بأن الاستصباح تحت الظلال يوجب تنجس السقف و هو حرام.

و في الجميع نظر:

أما الأول فلعدم ثبوته، كيف و قد أفتي جماعة من الأساطين بالجواز، مع انه يمكن ان يكون مدرك حكمهم هذا ما سنشير إليه، فعلي فرض ثبوته ليس إجماعا تعبديا.

و أما الثاني: فلأنه لإرساله و عدم احراز استناد الأصحاب اليه لا

يعتمد عليه.

و أما الثالث: فلأن تنجيس السقف لا دليل علي حرمته، مع ان دخل النجس ليس بنجس للاستحالة، مضافا إلي أخصية الدليل عن المدعي.

______________________________

(1) المبسوط كتاب الأطعمة، ج 6، ص 283.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 133

لكن الأخبار المتقدمة علي كثرتها و ورودها في مقام البيان ساكتة عن هذا القيد و لا مقيد لها من الخارج عدا ما يدعي من مرسلة الشيخ المنجبرة بالشهرة المحققة و الإنفاق المحكي (1) لكن لو سلم الانجبار فغاية الأمر دورانه بين تقييد المطلقات المتقدمة او حمل الجملة الخبرية علي الاستحباب أو الإرشاد لئلا يتأثر السقف بدخان النجس الذي هو نجس بناء علي ما ذكره الشيخ من دلالة المرسلة علي نجاسة دخان النجس، إذ قد لا يخلو من اجزاء لطيفة دهنية تتصاعد بواسطة الحرارة.

و لا ريب ان مخالفة الظاهر في المرسلة خصوصا بالحمل علي الإرشاد اولي خصوصا مع ابتناء التقييد، اما علي ما ذكره الشيخ من دلالة الرواية علي نجاسة الدخان المخالفة للمشهور.

و أما علي كون الحكم تعبدا محضا و هو في غاية البعد و لعله لذلك أفتي في المبسوط بالكراهة مع روايته المرسلة، و الإنصاف ان المسألة لا يخلو عن إشكال من حيث ظاهر الروايات البعيدة عن القيد لإبائها في أنفسها عنه، و إباء المقيد عنه و من حيث الشهرة المحققة و الاتفاق المنقول، و لو رجع إلي أصالة البراءة حينئذ.

______________________________

(1) و محصل ما ذكره قدس سره في وجه عدم رفع اليد عن المطلقات وجوه:

الأول: عدم تسليم انجبار المرسلة بالشهرة المحققة و الاتفاق المحكي.

الثاني: إباء المطلقات عن التقييد.

الثالث: إباء المرسلة عن تقييد المطلقات.

أما الأول: فالظاهر انه كذلك، إذ لم يثبت استناد المفتين بعدم جواز الاستصباح تحت الظلال إليها، لان جماعة

منهم عللوه بأنه ينجس السقف لنجاسة الدخان، و لذا فصل العلامة قدس سره بين ما لو علم بتصاعد شي ء من أجزاء الدهن و عدمه، و جماعة غيرهم و ان لم يعللوا بذلك إلا ان اكثر هم لو لا كلهم من القائلين بعدم جواز الانتفاع بالمتنجس، فيمكن

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 134

______________________________

ان يكون إفتائهم بالمنع استنادا إلي الأدلة التي استدلوا بها علي تلك الكبري الكلية بعد

بنائهم علي عدم كون مطلقات الباب الدالة علي جواز الاستصباح في مقام البيان، فلا يصح التمسك بإطلاقها، و ما ذكرناه بضميمة ان المشهور بين المتأخرين جواز الاستصباح تحت الظلال يوجب عدم الوثوق بصدور المرسلة و عدم انجبارها بفتوي أكثر القدماء و أما الثاني: فقد استدل له المصنف قدس سره بكثرة المطلقات، و ورودها في مقام البيان، و شي ء منهما لا يصلح لذلك، إذ الكثرة بنفسها لا توجب اباء كل واحد منها عن التقييد، و بعبارة اخري لا توجب اقوائية دلالة كل واحد منها في الدلالة علي العموم بنحو يأبي عن التقييد، مع ان الكثرة ممنوعة كما يظهر لمن راجع نصوص الباب.

و ورودها في مقام البيان من المقدمات ثبوت الإطلاق لا انه يوجب آبائه عن التقييد.

و بعبارة اخري: التقييد انما يكون فيما اذا كان المطلق في مقام البيان، و الا فلا مورد له، مع ان من تدبر في النصوص يري انها في مقام بيان مصرف الدهن، و انه الإسراج دون الأكل، و ليست في مقام بيان كيفية الإسراج، فلا إطلاق لها، مضافا الي انه قد مر منا و من المصنف قدس سره ان المراد من قولهم عليهم السلام في تلك النصوص ليستصبح، عدم الانتفاع به بالمنافع المتوقف جوازها علي الطهارة، و لازم

ذلك عدم كونها في مقام بيان حكم الاستصباح من حيث هو، و عليه فليس في النصوص ما يمكن التمسك بإطلاقه.

و أما الثالث: فقد علله بان كون المرسلة موجبة للتقييد يبتني علي الالتزام بكون الحكم تعبديا محضا، او القول بنجاسة الدخان و بتنجس السقف و الأول بعيد غايته، و الثاني مخالف للمشهور و أبعد.

و فيه: انه يمكن ان يقال: ان الاستصباح تحت الظلال مستلزم لاجتماع الدخان في الألبسة التي يصلي فيها و الأمتعة و المأكول، و هو علي فرض طهارته يمكن القول بنجاسته بعد الاجتماع، لا سيما مع اشتماله علي الأجزاء الدهنية و ليس في ذلك بعد مع مساعدة الدليل.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 135

لم يكن إلا بعيدا عن الاحتياط و جرأة علي مخالفة المشهور (1) ثمّ ان العلامة في المختلف فصل بين ما إذا علم بتصاعد شي ء من أجزاء الدهن و ما إذا لم يعلم فوافق المشهور في الأول، و هو مبني علي علي ثبوت حرمة تنجيس السقف و لم يدل عليه دليل و ان كان ظاهر كل من حكم بكون الاستصباح تحت السماء تعبدا لا لنجاسة الدخان معللا بطهارة دخان النجس التسالم علي حرمة التنجيس، و الا لكان الأولي تعليل التعبد به لا بطهارة الدخان كما لا يخفي.

______________________________

و يؤيده قوله عليه السلام في خبر الوشاء: اما علمت انه يصيب الثوب و البدن و هو حرام مع ان الالتزام بالتعبد ليس ببعيد، كيف و قد التزم المشهور بعدم جواز تدهين السفن به، و جواز الاستصباح به.

و لو جاز ذلك جاز التفكيك في الاستصباح بين كونه تحت الظلال او تحت السماء.

فالمتحصل من ما ذكرناه: انه لو تم سند المرسلة لزم العمل بمضمونها، و لكن قد مر

انها ضعيفة السند، كما عرفت عدم وجود ما يدل بإطلاقه علي جواز الاستصباح و المتيقن من النصوص الاستصباح تحت السماء و عليه فالاستصباح تحت الظلال يبتني جوازه و منعه علي القول بجواز الانتفاع بالمتنجس و عدمه سيجي ء تنقيح القول في ذلك فانتظر.

(1) مراده انه بعد فرض إباء المطلقات عن التقييد، و حجية المرسلة، يقع التعارض بيتهما فيتساقطان فيرجع الي أصالة البراءة عن حرمة الإسراج تحت الظلال.

و فيه: مضافا الي ما تقدم، انه لو سلم تعارضهما فلا بد من الرجوع الي المرجحات و حيث ان شهرة الفتوي و الرواية مع المطلقات فتقدم هي، و كذلك مقتضي المرجحات الاخر تقديمها، و علي فرض التكافؤ الحكم و هو التخيير لا التساقط، و علي فرض التساقط يرجع الي عموم ما دل علي جواز الانتفاع بما في الأرض لو لم يدل دليل علي عدم جواز الانتفاع بالمتنجس و الا فإليه.

و علي أي تقدير لا تصل النوبة الي الرجوع البراءة.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 136

الرابع: هل يجوز الانتفاع بهذا الدهن في غير الاستصباح بأن يعمل صابونا او يطلي به الاجرب او السفن (1) قولان مبنيان علي ان الأصل في المتنجس جواز الانتفاع الا ما خرج بالدليل كالأكل و الشرب و الاستصباح تحت الظل، او ان القاعدة فيه المنع عن التصرف الا ما خرج بالدليل كالاستصباح تحت السماء و بيعه ليعمل صابونا علي رواية ضعيفة تأتي (2) و الذي صرح به في مفتاح الكرامة هو الثاني (3) و وافقه بعض مشايخنا المعاصرين (4) و هو ظاهر جماعة من القدماء كالشيخين و السيدين و الحلي، و غيرهم، قال في (الانتصار) و مما انفردت به الإمامية ان كل طعام عالجه اهل الكتاب و من

ثبت كفرهم بدليل قاطع لا يجوز أكله و لا الانتفاع و اختلف باقي الفقهاء في ذلك (5) و قد دللنا علي ذلك في كتاب الطهارة حيث ذللنا علي ان سؤر الكفار نجس، و قال في المبسوط، في الماء المضاف انه مباح التصرف فيه بأنواع التصرف ما لم يقع فيه نجاسة، فإن وقعت فيه نجاسة لم يجز استعماله علي حال و قال في حكم الماء المتغير بالنجاسة انه لا يجوز استعماله الا عند الضرورة للشرب لا غير (6) و قال في النهاية و ان كان ما حصل فيه الميتة مائعا لم يجز استعماله علي حال و وجب إهراقه (انتهي) (7).

______________________________

حكم الانتفاع بالمتنجس

(1) و حيث ان عمدة المدرك لهذه المسألة هي الادلة التي اقيمت علي جواز الانتفاع بالمتنجس و عدمه، فالأولي البحث في هذه الكبري الكلية.

(2) و هي ما عن الراوندي عن الإمام موسي بن جعفر عليه السلام عن الشحم يقع فيه شي ء له دم فيموت قال عليه السلام تبيعه لمن يعمله صابونا.. (الخبر) راجع المستدرك باب 6 من أبواب ما يكتسب به.

(3) مفتاح الكرامة ج 4، ص 13.

(4) جواهر الكلام، ج 22، ص 15.

(5) في المصدر و قد خالف الانتصار، ص 193.

(6) المبسوط، ج 1، ص 5 و 6.

(7) النهاية، ص 588.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 137

و قريب منه عبارة المقنعة (1) و قال في الخلاف في حكم السمن و البذر و الشيرج و الزيت إذا وقعت فيه فأرة إنه جاز الاستصباح به و لا يجوز أكله و لا الانتفاع به بغير الاستصباح.

و به قال الشافعي: و قال قوم من أصحاب الحديث لا ينتفع به بحال لا باستصباح و لا بغيره، بل براق كالخمر، و قال ابو

حنيفة: يستصبح به و يباع أيضا،

و قال ابن داود: إن كان المائع سمنا لم ينتفع به بحال، و إن كان ما عداه من الأدهان لم ينجس بموت الفأرة فيه و يحل أكله و شربه لأن الخبر ورد في السمن فحسب دليلنا اجماع الفرقة و أخبارهم. (2) و في السرائر في حكم الدهن المتنجس انه لا يجوز الأدهان به و لا استعماله في شي ء من الأشياء عدا الاستصباح تحت السماء (انتهي (. (3) و ادعي في موضع آخر ان الاستصباح به تحت الظلال محظور بغير خلاف، و قال ابن زهرة بعد أن اشترط في المبيع أن يكون مما ينتفع به منفعة محللة، قال: و شرطنا في المنفعة ان تكون مباحة تحفظا من المنافع المحرمة و يدخل في ذلك كل نجس لا يمكن تطهيره عدا ما استثني من بيع الكلب المعلم للصيد، و الزيت النجس للاستصباح به تحت السماء و هو إجماع الطائفة، ثمّ استدل علي جواز بيع الزيت بعد الإجماع بأن النبي صلي الله عليه و آله اذن في الاستصباح به تحت السماء قال: و هذا يدل علي جواز بيعه لذلك (انتهي ((4).

______________________________

(1) المقنعة: 582.

(2) الخلاف كتاب الأطعمة، المسألة 19.

(3) السرائر، ج 3، ص 121- 122.

(4) الغنية (الجوامع الفقهية) ص 525.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 138

هذا و لكن الأقوي وفاقا لأكثر المتأخرين جواز الانتفاع الا ما خرج بالدليل و يدل عليه أصالة الجواز و قاعدة حل الانتفاع بما في الأرض و لا حاكم عليها سوي ما يتخيل من بعض الآيات و الأخبار و دعوي الجماعة المتقدمة الإجماع علي المنع و الكل غير قابل لذلك، أما الآيات فمنها قوله تعالي: (إنما الخمر و الميسر و الأنصاب و

الأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه (1) «1» دل بمقتضي التفريع علي وجوب اجتناب كل رجس.

______________________________

(1) و قيل بيان كيفية الاستدلال بالآية الشريفة لا بأس ببيان ما هو المراد منها بحسب الظاهر.

فأقول: ليس المراد من الرجس النجس، إذ مضافا الي انه لا يوافق عليه العرف و لم يذكر ذلك أحد معانيه في كتب اللغة، لا يناسب مع المذكورات في صدر الآية الشريفة التي جعل الرجس خبرا لها او للفعل المتعلق بها كما لا يخفي.

و دعوي ان الآية علي طريقة اللف و النشر المرتبين فكان الرجس محمولا علي الخمر و عمل الشيطان محمولا علي البقية، فلا مانع من إرادة النجس من الرجس.

مندفعة بأنه مضافا الي كونه خلاف الظاهر، انه ان قدر في صدر الآية الانتفاع فلا 2 معني لحمل الرجس بهذا المعني علي الانتفاع بالخمر أيضا، و الا فلا يلائم ذلك مع أفراد الضمير في قوله (فاجتنبوه) إذ بعد ما لا يمكن إرجاعه الي المذكورات علي هذا التقدير، و الا كان اللازم الاتيان بضمير الجمع يتعين الاتيان بضمير المثني، كما لا يخفي.

كما انه ليس المراد به القذر المعنوي إذ نفس الازلام مثلا- و هي السهام الخاصة- ليست من القذرات المعنوية، و الانتفاع بها بالتفؤّل حرام لا قذر كما هو واضح، فالمراد به العمل القبيح، إما باستعماله فيه بناء علي كونه مشتركا لفظيا بين ما ذكر له من المعاني، او بإرادته منه بناء علي كونه مشتركا معنويا، و حمله حينئذ علي المذكورات إما أن يكون من باب إطلاق العمل علي ما يقع عليه العمل، او مع تقدير الانتفاع في ابتداء الآية ليكون هو المبتدأ.

______________________________

(1) سورة المائدة، 91.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 139

و فيه: ان الظاهر من الرجس

ما كان كذلك في ذاته لاما عرض له ذلك فيختص بالعناوين النجسة (1) و هي النجاسات العشر مع انه لو عم المتنجس لزم أن يخرج عنه أكثر الأفراد.

______________________________

و أما قوله تعالي (من عمل الشيطان) فأريد به كون ذلك من مخترعاته و مبتدعاته او انه من اغوائه.

فالمتحصل من الآية: ان الانتفاع بالخمر و الميسر و ما بعدهما عمل قبيح من اغواء الشيطان او من مبتدعاته، فيجب ان يكون الإنسان علي جانب منه، أي في ناحية، و علي ذلك فهي اجنبية عن المقام بالمرة.

ثمّ علي فرض التنزل و تسليم كون الرجس بمعني النجس.

(1) شموله للمتنجس غير ثابت كما في المتن فلا وجه للاستدلال بها في المقام.

اذا عرفت ذلك فاعلم: انه كان الرجس هو النجس بالمعني الشامل للمتنجس،

الاستدلال بها في المقام علي عدم جواز الانتفاع بقول مطلق الا ما خرج بالدليل انما يكون بأحد وجهين:

الأول: ان موضوع الحكم بحسب لسان الدليل هي المذكورات في صدر الآية، و الرجسية علة تامة لثبوت ذلك الحكم، و الحكم هو وجوب الاجتناب المطلق الشامل لجميع الانتفاعات، و حيث ان العلة تعمم و تخصص- و بعبارة اخري الحكم يدور مدارها- فيستفاد من الآية عدم جواز الانتفاع بكل ما يصدق عليه الرجس، و منه المتنجس علي الفرض.

الثاني: ان تمام الموضوع للحكم لسان الدليل هو الرجس، و قوله (من عمل الشيطان) علة لثبوت الحكم و ليس من الجهات التقييدية، فانه علي ذلك يكون المستفاد منها ان كل رجس- و منه المتنجس- يجب الاجتناب عنه بقول مطلق.

و في كليهما نظر:

اما الأول فلأن موضوع الحكم ليس هي المذكورات و إلا كان اللازم الإتيان بضمير الجميع، مع ان كون الرجس علة تامة محل نظر لما ذكره المصنف قدس

سره من

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 140

فإن أكثر المتنجسات لا يجب الاجتناب منه (1) مع ان وجوب الاجتناب ثابت فيما كان رجسا من عمل الشيطان يعني من مبتدعاته فيختص وجود الاجتناب المطلق بما كان من عمل الشيطان سواء كان نجسا كالخمر او قذرا معنويا مثل المسير.

______________________________

ان قوله تعالي (من عمل الشيطان) قيد له، فالعلة هي مجموع الأمرين، فكل متنجس ان ثبت انه من عمل شيطان يثبت له هذا الحكم، و هو اول الدعوي ان اريد (من عمل الشيطان) ما صدر باغوائه لتوقفه علي اثبات ان الانتفاع بالمتنجس غير جائز حتي يكون صدوره باغواء الشيطان كسائر المعاصي، و معلوم العدم. ان اريد به انه من مبتدعات الشيطان و مخترعاته.

و دعوي ان كلا من الرجسية و الكون من عمل الشيطان علة تامة مستقلة لوجوب الاجتناب من جهة ان الكون من عمل الشيطان علة مستقلة علي كل حال ان كان رجا او لم يكن فليكن الرجس أيضا كذلك.

مندفعة بأنه ان ثبت كون الرجس علة يتم ذلك، لكنه غير ثابت، إذ يمكن ان يقال ان الآية حينئذ متكلفة لبيان أمرين: الأول: اثبات ان المذكورات رجس، الثاني: وجوب الاجتناب عنها من جهة كونها من عمل الشيطان فقوله (رجس) حكم مجعول لا انه علة لثبوت وجوب الاجتناب.

و دعوي: ان الآية علي طريقة اللف و النشر المرتبين فكان الرجس محمولا علي الخمر و عمل الشيطان محمولا علي البقية، قد عرفت ما فيها.

و أما الثاني: فلأن الظاهر من الآية و ان كان ان الموضوع هو الرجس، إلا أن الكون من عمل الشيطان من الجهات التعليلية و علة لثبوت الحكم، محل نظر، فان الظاهر منها كون (من عمل الشيطان) قيدا للموضوع، مع انه لو

ثبت كونه علة فالعلة كما تعمم تخصص، و عليه فثبوت الحكم يتوقف علي إحراز كون المتنجس من عمل الشيطان، و قد عرفت ما في ذلك آنفا. فراجع.

(1) و فيه: ان خروج جميع أفراد المتنجس لا يوجب تخصيص الأكثر، إذ بما ان الآية تكون من القضايا الحقيقة، و ما اخذ موضوعا فيها عنوان عام شامل للأعيان

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 141

و من المعلوم ان المائعات المتنجسة كالدهن و الطين، و الصبغ و الدبس إذا تنجست ليست من أعمال الشيطان، و ان اريد من عمل الشيطان عمل المكلف المتحقق في خارج باغوائه ليكون المراد بالمذكورات استعمالها علي النحو الخاص،

فالمعني ان الانتفاع بهذه المذكورات رجس من عمل الشيطان، كما يقال في سائر المعاصي انها من عمل الشيطان، فلا تدل أيضا علي وجوب الاجتناب عن استعمال المتنجس الا إذا ثبت كون الاستعمال رجسا و هو اول الكلام و كيف كان فالآية لا تدل علي المطلوب و من بعض ما ذكرنا يظهر ضعف الاستدلال (1) علي ذلك بقوله تعالي: (و الرجز فاهجر) بناء علي ان الرجز هو الرجس.

______________________________

النجسة و المتنجسة، و شموله للمتنجسات انما يكون بعنوان واحد و هو عنوان ملاقي النجس و هو واحد، و باقي العناوين عشرة، فخروج جميع أفراد المتنجسات لا يوجب تخصيص الأكثر، فضلا عن أكثرها.

و أضعف من هذا الإيراد ما أورده بعض أعاظم المحشين قدس سره علي الاستدلال بها و هو: ان (فاجتنبوه) ظاهر في عدم الانتفاع بالمنافع الظاهرة التي في كل شي ء بحسبه، لا مطلق المنافع.

فإنه يرد عليه: ان الاجتناب المطلق الذي امر به ظاهر في عدم الانتفاع بجميع المنافع، مع ان مقتضي ما ذكره دلالة الآية علي حرمة جميع المنافع الظاهرة حتي غير

المشروطة بالطهارة كاتخاذ النعل من جلد الميتة كما اعترف به، و عليه فبضميمة عدم الفصل يثبت الحكم في الجميع.

(1) و منها قوله تعالي (و الرجز فاهجر) «1».

و يرد علي الاستدلال بهذه الآية الشريفة بعض ما أوردناه علي الآية السابقة و هو عدم كون الرجز بمعني النجس بالمعني الشامل للمتنجس، و لكن لو تم ذلك و ثبت صح الاستدلال بها، و لا يرد عليه شي ء مما أورد علي الاستدلال بالآية المتقدمة.

______________________________

(1) المدثر

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 142

و أضعف من الكل الاستدلال بآية تحريم الخبائث (1) بناء علي ان كل متنجس خبيث، و التحريم المطلق يفيد تحريم عموم الانتفاع إذ لا يخفي ان المراد هنا حرمة الأكل (2) بقرينة مقابلته بحلية الطيبات.

و أما الأخبار فمنها ما تقدم من رواية تحف العقول حيث علل النهي عن بيع وجوه النجس بأن ذلك كله محرم أكله و شربه و إمساكه و جميع التقلب فيه. فجميع التقلب في ذلك حرام (3) و فيه ما تقدم من ان المراد بوجوه النجس عنواناته المعهودة لأن الوجه هو العنوان، و الدهن ليس عنوانا للنجاسة، و الملاقي للنجس و ان كان عنوانا للنجاسة لكنه ليس وجها من وجوه النجاسة في مقابلة غيره (4) و لذا لم يعدوه عنوانا في مقابل العناوين النجسة مع ما عرفت من لزوم تخصيص الأكثر لو اريد به المنع عن استعمال كل متنجس.

______________________________

(1) و هي قوله تعالي (و يحرم عليهم الخبائث) «1».

(2) و قد تقدم في مسألة بيع الأرواث تمامية ذلك و عدم ورود شي ء مما أورد عليه.

مضافا الي ما تقدم في مسألة شرب أبوال ما يؤكل لحمه من أن المراد بالخبيث هو ما فيه مفسدة و رداءة، و لم يثبت

كون المتنجس منه بهذا المعني.

و فيه: اولا انه ضعيف السند لا يعتمد عليه كما تقدم في اول الكتاب.

و ثانيا: انه يمكن ان يقال: ان ملاقي النجس ليس من وجوه النجس، فانه جهة تعليلية و واسطة في الثبوت.

و ثالثا: لو اغمض عن ذلك و سلم كون ملاقي النجس منها يرد عليه ما ذكره المصنف قدس سره

(4) و حاصله: ان ملاقي النجس ليس في عرض سائر العناوين، بل هو في طولها، و ظاهر الوجوه هي العنوانات التي يكون بعضها في عرض بعض.

______________________________

(1) سورة الأعراف،

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 143

و منها ما دل علي الأمر بإهراق المائعات الملاقية للنجاسة و القاء ما حول الجامد من الدهن و شبهه و طرحه (1) و قد تقدم بعضها في مسألة الدهن و بعضها الآخر متفرقة مثل قوله يهريق المرق و نحو ذلك، و فيه ان طرحها كناية عن عدم الانتفاع بها في الأكل فإن ما امر بطرحه من جامد الدهن و الزيت يجوز الاستصباح به اجماعا فالمراد اطراحه من ظرف الدهن و ترك الباقي للأكل.

______________________________

(1) و هي طوائف.

منها- الاخبار الآمرة بإهراق المتنجس، كخبر زكريا بن آدم «1» اذ لو جاز الانتفاع به بإطعام الصبي و نحوه لما امر عليه السلام بالإهراق، و بضميمة عدم القول بالفصل يتم المطلوب.

و فيه: ان فائدة المرق الذي يكون بمقدار القدر تنحصر في الأكل، و إطعام الصبي انما يعد فائدة له اذا كان المرق قليلا، و علي ذلك فدلالته علي عدم جواز الانتفاع بالمرق مطلقا لا تنافي جواز الانتفاع بالمتنجس.

و منها: ان النصوص الدالة علي أنه ماتت الفأرة في السمن تطرح الفأرة و ما يليها من السمن «2». اذ لو جاز الانتفاع به لما امر عليه

السلام بطرحه، و بضميمة عدم القول بالفضل يتم المطلوب.

و فيه: ان الظاهر منها هو الطرح من الظرف المعد للأكل، فيكون كناية عن حرمة أكله خاصة، و يؤيده انه يجوز الاستصباح به بلا كلام، مع انه يمكن ان يقال ان الأمر بالطرح كناية عن عدم امكان الانتفاع به لقلته، كما تؤمي الي ذلك النصوص مفصلة بين ما اذا كان ذلك في شتاء فيطرح، و بين ما اذا كان في الصيف فيسرج به، و ليس لذلك وجه الا ما ذكرناه، فانه في الصيف يكون المتنجس كثيرا يمكن الانتفاع به في الاستصباح و نحوه بخلاف ما اذا كان في الشتاء.

______________________________

(1) الوسائل، باب 26، من أبواب الأشربة المحرمة، حديث 1.

(2) الوسائل، باب 6، من أبواب ما يكتسب به.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 144

و أما الإجماعات (1) ففي دلالتها علي المدعي نظر يظهر من ملاحظتها، فان الظاهر من كلام السيد المتقدم ان مورد الاجماعات هو نجاسة ما باشره اهل الكتاب (2) و أما حرمة الأكل و الانتفاع فهي من فروعها المتفرعة علي النجاسة لا ان معقد الاجماع حرمة الانتفاع بالنجس، فإن خلاف باقي الفقهاء في اصل النجاسة في أهل الكتاب لا في احكام النجس.

و أما اجماع الخلاف فالظاهر ان معقده ما وقع الخلاف فيه بينه و بين من ذكر من المخالفين (3) إذ فرق بين دعوي الاجماع علي محل النزاع بعد تحريره و بين

______________________________

و منها: النصوص الآمرة بإهراق الماء المتنجس «1».

و فيه: ان ذلك كناية عن عدم جواز التوضي به كما لا يخفي علي الناظر فيها، و بذلك يظهر ما في الاستدلال بالخبرين الوارد بين في الإنائين المشتبهين الأمرين بإهراقهما و التيمم «2».

(1) و قد استدل لعدم جواز الانتفاع بالاجتماع.

و

لكن الاجماع المحصل غير حاصل، و المنقول منه ستعرف حاله.

(2) و ما أفاده بين فإن محل الخلاف بيننا و بين باقي الفقهاء هي نجاسة أهل الكتاب لا أحكام النجس، فلا محالة يكون المراد من ذكر خلافهم بيان ما هم يخالفون فيه، لا بيان ما ليسوا مخالفين فيه، فيكون المراد من ما نسبه الي الامامية أيضا هو ذلك، و انما عبر عن النجاسة بعدم جواز الانتفاع لاعتقاده الملازمة بينهما.

و يدل عليه مضافا الي ذلك قوله بعد ذلك: و قد دللنا علي ذلك في كتاب الطهارة حيث دللنا علي ان سؤر الكفار نجس.

و بهذا التقريب ظهر اندفاع ما أورده بعض أعاظم المحشين علي هذا الاستظهار بقوله: كلام السيد صريح في ان معقد الاجماع هو الانتفاعات، و خلاف العامة في أصل النجاسة لا يوجب رفع اليد عنه بعد خلافهم في حرمة الانتفاعات.

(3) توضيحه: ان المصنف قدس سره ذكر أحكاما ثمّ نقل الخلاف في بعضها و لم ينقل عن أحد الخلاف في حرمة الانتفاع بها بغير الاستصباح.

______________________________

(1) الوسائل، باب 8، من أبواب الماء المطلق.

(2) الوسائل، باب 8، من أبواب الماء المطلق.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 145

دعواه ابتداء علي الاحكام المذكورة في عنوان المسألة، فإن الثاني يشمل الاحكام كلها، و الاول لا يشمل الا الحكم الواقع مورد الخلاف لأنه الظاهر من قوله: دليلنا اجماع الفرقة فافهم و اغتنم.

و أما اجماع السيد في الغنية فهو في أصل مسألة تحريم بيع النجاسات و استثناء الكلب المعلم و الزيت المتنجس لا فيما ذكره من ان حرمة بيع المتنجس من حيث دخوله فيما يحرم الانتفاع، نعم هو قائل بذلك. (1) و بالجملة فلا ينكر ظهور كلام السيد في حرمة الانتفاع بالنجس الذاتي و العرضي

لكن دعواه الاجماع علي ذلك بعيدة عن مدلول كلامه جدا و كذلك لا ينكر

______________________________

و دعوي ان ابن داود انما خلاف فيه و جوز الانتفاع بغير السمن.

مندفعة بأنه انما خالف في النجاسة. و حكم بحيلة أكله و شربه بعد البناء علي الطهارة، مع ان الأكل و الشرب ليسا مورد البحث، و عليه فليس المراد من الاجماع في كلامه الاجماع علي عدم جواز الانتفاع، إذ الظاهر انه انما يدعي الاجماع في ما وقع فيه الخلاف الزاما للمخالفين.

و بذلك اندفع ما أورده بعض أعاظم المحشين قدس سره من ان خلاف ابن داود خلاف في حرمة الانتفاع أيضا، فلا وجه للتصرف في كلامه الصريح في الاستدلال علي حرمة الانتفاعات بالإجماع.

(1) غاية ما يكون ان يقال في توجيه كلام المصنف قدس سره ان اسم الإشارة في قوله: و يدخل في ذلك كل نجس، اريد به ما لا يجوز بيعه، لان منافعه محرمة، المستفاد ذلك من صدر كلامه، و من استثناء بيع الكلب المعلم و الزيت، فان استثناء بيعهما يستلزم كون المستثني منه بيع النجاسات و من قوله بعد ذلك بجواز بيع الزيت و الاستدلال له، فانه أيضا يكشف عن كون محل الكلام هو البيع.

و عليه فالإجماع انما ادعاه علي ذلك لا علي حرمة الانتفاع بالمتنجس، و بهذا يظهر اندفاع ما أورده بعض الأعاظم قدس سرهم عليه بأنه لم يعترض لحرمة بيع النجس صريحا ليكون إجماعه اجماعا علي حرمة البيع، مع انه يحتمل ان ابن زهرة استدل بالاجماع علي اشتراط المنفعة المحللة في صحة البيع، او علي استثناء بيع الكلب المعلم و الزيت المتنجس.

فالمتحصل: انه لم يحك الاجماع علي عدم جواز الانتفاع بالمتنجس.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 146

كون السيد و الشيخ

قائلين بحرمة الانتفاع بالمتنجس، كما هو ظاهر المفيد و صريح الحلي لكن دعواهما الاجماع علي ذلك ممنوعة عند المتأمل المنصف، ثمّ علي تقدير تسليم دعواهم الاجماعات، فلا ريب في وهنها بما يظهر من أكثر المتأخرين من قصر حرمة الانتفاع علي أمور خاصة.

قال في معتبر في احكام الماء القليل المتنجس و كل ماء حكم بنجاسته لم يجز استعماله (1) الي ان قال: و نريد بالمنع عن استعماله، الاستعمال في الطهارة و إزالة الخبث و الأكل و الشرب دون غيره، مثل بل الطين و سقي الدالة (انتهي).

______________________________

و علي فرض تسليم الحكاية لا تصلح ان تكون دليلا للحكم لوجوه:

الاول: احتمال استناد الجمعين الي الآيات و الروايات المتقدمة التي عرفت ما فيها:

الثاني: عدم حجية المنقول من الاجماع في نفسه كما حقق في الأصول.

الثالث: ما ذكره المصنف قدس سره من مخالفة أكثر المتأخرين.

و أما ما ذكره بعض مشايخنا المحققين قدس سرهم بأن نقل مثل هذه الاجماعات في مقابل المخالفين انما يكون من جهة الالزام و لا يكون نقلا لرأي المعصوم عليه السلام.

فغير تام، لان الاستدلال بها بعد الإفتاء كاشف عن أن مرادهم بها بيان الحجة الواقعية مع ان حجية الإجماع المنقول لو ثبتت، ليست لأجل كونه نقلا لرأي المعصوم عليه السلام بل لاجل كونه نقلا للسبب.

(1) جاءت العبارة في النسخة الخطية المصححة كما يلي:

قال في المعتبر في احكام الماء القليل المتنجس الماء النجس، لا يجوز استعماله في رفع حدث، و لا إزالة خبث مطلقا و لا في أكل و لا في شرب الا عند الضرورة و اطلق المصنف المنع من استعماله الا عند الضرورة.

لنا ان مقتضي الدليل جواز الاستعمال مطلقا ترك العمل به فيما ذكرناه بالاتفاق و النقل فيكون الباقي

علي الأصل (انتهي).

و قال في موضع آخر من احكام الماء المشتبه في رد من قال بوجوب الإراقة انه قد يتعلق الغرض ببقائه لاجل الاستعمال في غير الطهارة و الأكل و الشرب.

و قال بعد ذلك كل ماه الخ.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 147

أقول: ان بل الصبغ و الحناء بذلك الماء داخل في الغير فلا يحرم الانتفاع بهما. (1) و أما العلامة فقد قصر حرمة استعمال الماء المتنجس في التحرير و القواعد و الإرشاد علي الطهارة و الأكل و الشرب، و جوز في المنتهي الانتفاع بالعجين النجس في علف الدواب محتجا بأن المحرم علي المكلف تناوله و بأنه انتفاع فيكون سائغا للأصل (2) و لا يخفي ان كلا دليليه صريح في حصر التحريم في أكل العجين المتنجس و قال الشهيد في قواعده: النجاسة ما حرم استعماله في الصلاة و الأغذية،

ثمّ ذكر ما يؤيد المطلوب، و قال في الذكري في أحكام النجاسة تجب ازالة النجاسة عن الثوب و البدن، ثمّ ذكر المساجد و غيرها إلي أن قال: و عن كل مستعمل في أكل او شرب او ضوء تحت الظل للنهي عن النجس و للنص (انتهي).

و مراده بالنهي عن النجس النهي عن أكله، و مراده بالنص ما ورد من المنع عن الاستصباح بالدهن المتنجس تحت السقف، فانظر إلي صراحة كلامه في ان المحرم من الدهن المتنجس بعد الأكل و الشرب خصوص الاستضاءة تحت الظل للنص و هو المطابق لما حكاه المحقق الثاني في حاشية الإرشاد عنه قدس سره في بعض فوائده من جواز الانتفاع بالدهن المتنجس في جميع ما يتصور من فوائده.

و قال المحقق و الشهيد الثانيان في المسالك و حاشية الإرشاد عند قول المحقق و العلامة (قدس سرهما)

تجب إزالة النجاسة عن الأواني، ان هذا إذا استعملت فيما يتوقف استعماله علي الطهارة كالأكل و الشرب، و سيأتي عن المحقق الثاني في حاشية الإرشاد في مسألة الانتفاع بالأصباغ المتنجسة ما يدل علي عدم توقف جواز الانتفاع بها علي الطهارة.

و في المسالك في ذيل قول المحقق قدس سره و كل مائع نجس عدا الأدهان، قال: لا فرق

______________________________

(1) لعل غرضه بذكر هذه الجملة المعترضة ان مراد المحقق قدس سره جواز جميع الانتفاعات حتي ما ينتفع به الشخص نفسه لا خصوص ما يرجع الي غير المكلف.

(2) المنتهي، ج 1، ص 180، لا يوجد في كلامه التصريح بالأصل.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 148

في عدم جواز بيعها علي القول بعدم قبولها للطهارة بين صلاحيتها للانتفاع علي بعض الوجوه و عدمه و لابين الإعلام بحالها و عدمه علي ما نص عليه الأصحاب.

و أما الأدهان المتنجسة بنجاسة عارضية كالزيت تقع فيه الفأرة، فيجوز بيعها لفائدة الاستصباح بها و انما خرج هذا الفرد بالنص و الا فكان ينبغي مساواتها لغيرها من المائعات المتنجسة التي يمكن الانتفاع بها في بعض الوجوه.

و قد ألحق بعض الأصحاب ببيعها للاستصباح بيعها ليعمل صابونا او يطلي به الأجرب و نحو ذلك، و يشكل بأنه خروج عن مورد النص المخالف للأصل فإن جاز لتحقق المنفعة فينبغي مثله في المائعات النجسة التي ينتفع بها كالدبس يطعم للنحل و غيره انتهي.

و لا يخفي ظهوره في جواز الانتفاع بالمتنجس و كون المنع من بيعه لأجل النص يقتصر علي مورده و كيف كان فالمتتبع في كلام المتأخرين يقطع بما استظهرناه من كلماتهم و الذي اظن و ان كان الظن لا يغني لغيري شيئا ان كلمات القدماء يرجع الي ما ذكره المتأخرين.

و ان

المراد بالانتفاع في كلمات القدماء الانتفاعات الراجعة الي الأكل و الشرب و إطعام الغير، و بيعه علي نحو بيع ما يحل أكله (1) ثمّ لو فرضنا مخالفة القدماء كفي موافقة المتأخرين في دفع الوهن عن الأصل و القاعدة السالمين عما يردا عليهما، ثمّ علي تقدير جواز غير الاستصباح من الانتفاعات فالظاهر جواز بيعه لهذه الانتفاعات (2) وفاقا للشهيد و المحقق الثاني.

______________________________

(1) في هامش النسخة المصححة زيادة ما يلي.

كما يشهد لذلك ان المحقق قدس سره في ما تقدم من كلامه الأول لم يسند عموم المنع الا الي اطلاق الشيخ لا إلي مذهبه.

(2) مراده بها الانتفاعات الجائزة بأصالة الحل الواقعي في الأشياء، فلا يرد عليه ان أصالة الحل انما تثبت الحلية ظاهرا، و المانع عن صحة البيع هو المنع الواقعي غير المرتفع بها.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 149

قال الثاني في حاشية الإرشاد في ذيل قول العلامة قدس سره الا الدهن للاستصباح ان في بعض الحواشي المنسوبة الي شيخنا الشهيد ان الفائدة لا تنحصر في ذلك إذ مع فرض فائدة اخري للدهن لا يتوقف علي طهارته يمكن بيعه لها كاتخاذ الصابون منه.

قال: و هو مروي و مثله طلي الدواب، اقول: لا بأس بالمصير الي ما ذكره شيخنا، و قد ذكر ان به رواية، (انتهي).

أقول: و الرواية اشارة الي ما عن الراوندي في كتاب النوادر بإسناده عن أبي الحسن موسي بن جعفر عليه السلام و فيه سأل عليه السلام عن الشحم يقع فيه شي ء له دم فيموت،

قال: تبيعه لمن يعمله صابونا، (الخبر (. (1) ثمّ لو قلنا: بجواز البيع في الدهن لغير المنصوص من الانتفاعات المباحة فهل

يجوز بيع غيره من المتنجسات المنتفع بها في المنافع المقصودة المحللة كالصبغ و

الطين و نحو هما، أم يقتصر علي المتنجس المنصوص و هو الدهن، غاية الأمر التعدي من حيث غاية البيع الي غير الاستصباح إشكال (2) من ظهوره استثناء الدهن في كلام المشهور في عدم جواز بيع ما عداه، بل عرفت من المسالك نسبة عدم الفرق بين ما له منفعة محللة و ما ليست له الي نص الأصحاب، و مما تقدم في مسألة جلد الميتة من ان الظاهر من كلمات جماعة من القدماء و المتأخرين، كالشيخ في الخلاف، و بان زهرة و العلامة و ولده و الفاضل المقداد و المحقق الثاني و غيرهم، دوران المنع عن بيع النجس مدار جواز الانتفاع به و عدمه الا ما خرج بالنص كأليات الميتة مثلا، او مطلق.

______________________________

بيع غير الدهن من المتنجسات

(1) و قدم الكلام في الرواية مفصلا فراجع.

(2) قد أورد بعض الأعاظم قدس سره عليه: بأن مناط التعدي و عدمه واحد، فإما ان لا

يتعدي الي سائر المنافع او يتعدي الي كل متنجس له منفعة محللة.

و فيه: ان مناط التعدي في الأول كون الاستصباح مثالا لمطلق المنفعة المحللة، مع التحفظ علي ظهوره قولهم للاستصباح في ان شرط صحة البيع ان يكون لهذه الغاية، و ظهور

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 150

نجس العين علي ما سيأتي من الكلام فيه، و هذا هو الذي يقتضيه استصحاب الحكم قبل التنجس (1) و هي القاعدة المستفادة من قوله عليه السلام في رواية تحف العقول (2) ان كل شي ء يكون لهم فيه الصلاح من جهة من الجهات فذلك كله حلال «1» و ما تقدم من رواية دعائم الإسلام من حل بيع كل ما يباح الانتفاع به «2» و أما قوله تعالي (فاجتنبوه) «3» و قوله تعالي (و الرجز فاهجر) «4». فقد

عرفت انهما لا تدلان علي حرمة الانتفاع بالمتنجس فضلا عن حرمة البيع علي تقدير جواز الانتفاع و من ذلك يظهر عدم صحة الاستدلال فيما نحن فيه بالنهي في رواية

______________________________

الاستثناء في عدم جواز بيع غيره، و مناط التعدي في الثاني فهم العلية من قولهم للاستصباح، فانه عليه يتعدي الي كل ما له منفعة محللة، فليس مناط التعدي واحدا.

(1) بعد فرض وجود المنفعة المحلة و صدق البيع عرفا لم يظهر لي وجه عدم الاستدلال لصحة البيع بعموم: (أحل الله البيع) و دليل وجوب الوفاء بالعقود.

و كيف كان: فقد أورد علي الاستصحاب: بأنه من الشك في الموضوع من حيث زوال وصفه المحتمل مدخليته في موضوعيته، أعني وصف الطهارة.

و فيه: ان وصف الطهارة بنظر العرف الذي هو المعيار في جريان الاستصحاب و بقاء موضوع الحكم، من قبيل العلة لثبوت الحكم، لا انه جزء للموضوع.

و لكن الصحيح عدم جريانه لما حققناه في محله من ان الاستصحاب لا يجري في الأحكام لكونه محكوما لاستصحاب عدم الجعل.

(2) و فيه أولا: ما تقدم من ضعف سند هذا الخبر.

و ثانيا: انه معارض مع الجملة المتضمنة: لأنه لا يجوز بيع ما فيه وجه من وجوه الفساد، لأن المتنجس فيه وجه من وجوه الفساد، و حيث انهما جملتان من خبر واحد فالحكم فيهما علي المشهور هو التساقط، و الجمع بينهما بالالتزام بالجواز بقصد ترتب الصلاح و عدم الجواز بقصد ترتب الفساد كما عن السيد قدس سره جمع لا شاهد له.

______________________________

(1) تحف العقول، ص 333.

(2) دعائم الاسلام، ج 2، ص 18، حديث 23.

(3) المائدة، 89.

(4) المدثر، 5.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 151

تحف العقول عن بيع شي ء من وجوه النجس بعد ملاحظة تعليل المنع فيها بحرمة الانتفاع (1)

و يمكن حمل كلام من أطلق المنع عن بيع النجس الا الدهن لفائدة الاستصباح علي إرادة المائعات النجسة التي لا ينتفع بها في غير الأكل و الشرب منفعة محللة مقصودة من أمثالها (2) و يؤيده تعليل استثناء الدهن بفائدة الاستصباح نظير استثناء بول الإبل للاستشفاء و ان احتمل أن يكون ذكر الاستصباح لبيان ما يشترط ان يكون غاية للبيع، قال في جامع المقاصد في شرح قول العلامة قدس سره الا الدهن لتحقق فائدة الاستصباح به تحت السماء خاصة، قال: و ليس المراد بخاصة (3) بيان حصر الفائدة في الاستصباح كما هو الظاهر.

و قد ذكر شيخنا الشهيد في حواشيه ان في رواية جواز اتخاذ الصابون من الدهن المتنجس، و صرح مع ذلك بجواز الانتفاع به فيما يتصور من فوائده كطلي الدواب، إن قيل إن العبارة تقتضي حصر الفائدة لأن الاستثناء في سياق النفي يفيد الحصر (4) فإن المعني في العبارة الا الدهن النجس لهذه الفائدة لأن الفائدة، قلنا: ليس المراد ذلك لأن الفائدة بيان لوجه الاستثناء أي إلا الدهن لتحقق فائدة الاستصباح و هذا لا يستلزم الحصر و يكفي في صحة ما قلنا تطرق الاحتمال في العبارة المقتضي لعدم الحصر، انتهي.

______________________________

و دعوي ان ظاهر قوله: او وجه من وجوه الفساد، انطباقه علي عنوان يقتضي حرمته بقول مطلق كما عن بعض مشايخنا المحققين قدس سره.

مندفعة بأن المراد به ما يكون بعض منافعه المقصودة محرما.

(1) الظاهر ان الصحيح مضافا الي بدل بعد.

(2) يكون اللام في قولهم لفائدة الاستصباح، للعلية فإن تعليل جواز بيع الدهن بذلك يدل علي أن المستثني منه هو ما لا فائدة فيه، و انما قال و يؤيده تعليل الخ من جهة احتمال كونها للغاية لا

للعلية.

(3) لأنها صفة للسماء جي ء بها تحرزا عن الاستصباح تحت السماء لا لفائدته.

(4) و فيه ان الاستثناء المتصل يدل علي الحصر مطلقا الا انه يفيد الحصر في المستثني، و حيث ان المستثني منه في كلام العلامة عدم جواز البيع فيدل علي حصر الجواز في الدهن.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 152

و كيف كان فالحكم بعموم كلمات هؤلاء لكل مائع متنجس مثل الطين و الجص المائعين و الصبغ، و شبه ذلك محل تأمل، و ما نسبه في المسالك من عدم فرقهم في المنع عن بيع المتنجس بين ما يصلح للانتفاع به و ما لا يصلح، فلم يثبت صحته مع ما عرفت من كثير من الأصحاب من إناطة الحكم في كلامهم مدار الانتفاع و لأجل ذلك استشكل المحقق الثاني في حاشية الإرشاد فيما ذكره العلامة بقوله: و لا بأس بيع ما عرض له التنجيس مع قبول الطهارة حيث قال: مقتضاء انه لو لم يكن قابلا للطهارة لم يجز بيعه و هو مشكل، إذ الأصباغ المتنجسة لا تقبل التطهير قابلا للطهارة لم يجز بيعها، لأن منافعها لا تتوقف علي الطهارة اللهم الا ان يقال: انها تؤول الي حالة معها التطهير لكن بعد جفافها بل ذلك هو المقصود منها فاندفع الاشكال. (1) أقول لو لم يعلم من مذهب العلامة دوران المنع عن بيع المتنجس مدار حرمة الانتفاع لم يرد علي عبارته إشكال، لأن المفروض حينئذ التزامه بجواز الانتفاع بالاصباغ مع عدم جواز بيعها الا ان يرجع الاشكال الي حكم العلامة، و انه مشكل علي مختار المحقق الثاني لا إلي كلامه، و ان الحكم مشكل علي مذهب المتكلم فافهم.

______________________________

و عليه فيتم قوله لأن الفائدة بيان لوجه الاستثناء، و لا يكون ذلك

دالا علي حصر جواز الانتفاع بالمتنجس، و الظاهر ان هذا هو مراد الشهيد قدس سره لاما يتوهم من ان عرضه منع الحصر لجرد التعليل فتدبر حتي لا تبادر بالإشكال.

(1) مراده قدس سره ان الانتفاع بالاصباغ، ليس بالصبغ بالفتح و هو لا يعد انتفاعا بها بل الانتفاع بها انما هو بالانتفاع بالمصبوغ بها، و لذا لو فرض عدم جواز الانتفاع بالمصبوغ بعد الصبغ كان الصبغ تضييعا للمال لا انتفاعا به.

و عليه فحيث يمكن الثوب المصبوغ، فيصدق ان الانتفاع، انما هو فيما يقبل التطهير. فهذا يوجب اندفاع الاشكال عن العلامة مضافا إلي ان المنسوب اليه انه يطهر المضاف بالاتصال بالكر او الجاري بالاصباغ علي مسلكه قابلة للتطهير فلا يتوجه اليه الاشكال رأسا و ان جوز بيع الاصباغ.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 153

ثمّ ان ما دفع به الاشكال من جعل الاصباغ قابلة للطهارة انما ينتفع في خصوص الاصباغ، و أما مثل بيع الصابون المتنجس فلا يندفع الاشكال عنه بما ذكره، و قد تقدم منه سابقا جواز بيع الدهن المتنجس ليعمل صابونا بناء علي انه من فوائده المحللة مع ان ما ذكره من قبول الصبغ التطهير بعد الجفاف محل نظر لأن المقصودة من قبوله الطهارة قبولها قبل الانتفاع و هو مفقود في الاصباغ لأن الانتفاع بها و هو الصبغ قبل الطهارة، و أما ما يبقي منها بعد الجفاف و هو اللون فهي نفس المنفعة لا الانتفاع مع انه لا يقبل التطهير و انما القابل هو الثوب (1) بقي الكلام في حكم نجس العين من حيث أصالة حل الانتفاع به في غير ما ثبت حرمته او أصالة العكس.

فاعلم ان ظاهر الأكثر أصالة الأكثر حرمة الانتفاع بنجس العين (2) بل ظاهر

فخر الدين في (شرح الارشاد) و الفاضل المقداد الإجماع علي ذلك، حيث استدلا علي عدم جواز بيع الأعيان النجسة بأنها محرمة الانتفاع، و كل ما هو كذلك لا يجوز بيعه، قالا: اما الصغري فإجماعية و يظهر من الحدائق في مسألة الانتفاع بالدهن المتنجس في غير الاستصباح نسبة ذلك الي الأصحاب، و يدل عليه ظواهر الكتاب و السنة (3) مثل قوله: (حرمت عليكم الميتة و الدم) بناءً علي ما ذكره الشيخ

______________________________

(1) بعد ما عرفت مراد المحقق الثاني فيهما ذكره من دفع الإشكال عن العلامة، لا وجه لهذا الإيراد.

الانتفاع بالأعيان النجسة

(2) المشهور بين الأصحاب: حرمة الانتفاع بالأعيان النجسة الا ما خرج بالدليل و عن غير واحد دعوي الاجماع عليه.

و قد استدل لذلك بوجوه:

(3) منها: الآيات المتقدمة من قوله تعالي: (فاجتنبوه) «1» و قوله تعالي (و الرجز فاهجر) «2» و قوله تعالي: (حرمت عليكم الميتة و الدم و لحم الخنزير) «3».

______________________________

(1) المائدة: 3.

(2) مدثر، 6.

(3) المائدة:

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 154

و العلامة من إرادة جميع الانتفاعات و قوله تعالي: (إنما الخمر و الميسر و الأنصاب و الأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه) الدال علي وجوب اجتناب كل رجس و هو نجس العين، و قوله تعالي: (و الرجز فاهجر) بناء علي ان هجره لا يحصل الا بالاجتناب عنه مطلقا، و تعليله عليه السلام في رواية تحف العقول حرمة بيع وجوه النجس بحرمة الأكل و الشرب و الإمساك و جميع التقلبات فيه (1) و يدل علي أيضا كلما دل من الأخبار (2) و الإجماع علي عدم جواز بيع نجس العين بناء علي ان المنع من بيعه لا يكون الا مع حرمة الانتفاع به، هذا و لكن التأمل يقضي بعدم جواز الاعتماد

في مقابل أصالة الإباحة علي شي ء مما ذكر. (3) اما آيات التحريم و الاجتناب و الهجر فلظهورها في الانتفاعات المقصودة في كل نجس بحسبه (4) و هي مثل الميتة الأكل، و الخمر الشرب، و في المسير اللعب به، و الأنصاب و الأزلام ما يليق بحالها.

______________________________

و قد مر الكلام في كيفية الاستدلال بهذه الآيات في مسألة الانتفاع بالمتنجس فراجع.

(1) و منها التعليل في رواية تحف العقول (لان ذلك كله منهي عن أكله و شربه و لبسه و ملكه و إمساكه و التقلب فيه فجميع تقلب في ذلك حرام) «1».

(2) و منها ما دل من الأخبار و الإجماع علي عدم جواز بيع نجس العين، بتقريب انه لو كان له منفعة محللة لكان بيعه جائزا، فمن عدم جواز البيع يستكشف حرمة الانتفاع به.

و منها الاجماعات المنقولة المدعاة علي حرمة الانتفاع بها كما عن فخر الدين و المقداد و غير هما من الأعلام.

نقد الأدلة

(3) و قد أورد المتأخرون منهم المصنف علي تلك الادلة و بنوا علي جواز الانتفاع بها.

(4) أجاب المصنف عن الآيات و تبعه الاستاد الأعظم في الأخير بظهوره في الانتفاعات المقصودة في كل نجس بحسبه، فما يناسب المذكورات في الآية انما هو الأكل خاصة

______________________________

(1) الوسائل، باب 2، من أبواب ما يكتسب به، حديث 3.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 155

و أما رواية تحف العقول (1) فالمراد بالإمساك و التقلب فيه ما يرجع الي الأكل و الشرب، و الا فسيجي ء الاتفاق علي جواز إمساك نجس العين لبعض الفوائد.

______________________________

و لكن: يرد عليه قدس سره ان الاجتناب عن الشي ء و هجره لا يصدق بمجرد عدم أكله مع جواز سائر الانتفاعات، مثلا لو ترك أكل الدهن المأخوذ من لبن الذئب مع استعماله

في سائر حوائجه، كالاستصباح به، و التطيب بما يعمل به من الطيب، و غسل رأسه به، لا يصدق انه هجره و اجتنب عنه.

و دعوي انه يصدق ذلك مع ترك استعماله في المنافع المقصودة من الشي ء و ان استعمله في غيرها، أ لا تري انه يصدق هجر زوجته بمجرد انه لم يضاجعها، و ان كان مستعملا إياها في سائر حوائجه، كما يصدق فلان هجر جاريته بمجرد عدم ارجاع الخدمة اليها و ان جامعها.

مندفعة: اولا: بعدم تسليم صدق ذلك.

و ثانيا: ان ذلك لو تم فإنما هو فيما نسب الهجر الي عناوين الأشياء كالزوجة و الخادمة لا فيما نسب الي النجس، أي العنوان المشترك بين جميع العناوين، فان الهجر المطلق انما يصدق مع ترك استعماله في كل منفعة معتد بها.

و ثالثا: لو ثبت ذلك في بعض المنافع غير المتوقف علي الطهارة بلحاظ كونه من المنافع المقصودة من الشي ء ثبت في الجميع لعدم الفصل.

فالصحيح في الجواب ان يقال: اما آية تحريم الميتة فهي مخصصة في موردها: لما دل علي جواز الانتفاع بجلدها، فالتعدي عنه بلا وجه.

و أما آيتا وجوب اجتناب الرجس و هجر الرجز، فقد تقدم الكلام فيهما مفصلا في مبحث الانتفاع بالمتنجس، و عرفت عدم دلالتهما علي ذلك فراجع.

(1) و أجاب المصنف قدس سره عن الاستدلال بخبر تحف العقول بقوله: فالمراد بالإمساك الخ. و مراده بذلك ما يكون نسبته الي العين كنسبة الأكل و الشرب الي المأكول و المشروب،

و بعبارة اخري، المنفعة المقصودة:

و فيه: ان هذا الحمل خلاف الظاهر و لا قرينة عليه سوي ما ذكره قدس سره من الاتفاق علي جواز إمساك نجس العين لبعض الفوائد، و هو لا يصلح للقرينية، لأنه

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 156

و

ما دل من الإجماع الأخبار علي حرمة بيع نجس العين قد يدعي اختصاصه بغير ما يحل الانتفاع المعتد به او يمنع استلزامه لحرمة الانتفاع (1) بناء علي ان نجاسة العين مانع مستقل عن جواز البيع من غيرها الي إرجاعها الي عدم المنفعة المحللة.

______________________________

يمكن الالتزام بتقييد الإمساك المحرم بغير الإمساك لفائدة ثبت جوازها، مع انه لو سلم التنافي بينهما فغاية الأمر رفع اليد عن ظهور النهي في خصوص الإمساك و حمله علي الكراهة، لا حمل الإمساك و التقلب علي إرادة المنافع المقصودة من كل شي ء.

فالصحيح في الجواب عنه ما تقدم مرارا من ضعف سنده.

(1) محصل ما أجاب عن هذا الوجه أمران:

الأول: انه قد يدعي ان تلك الأدلة مختصة بغير ما يحل الانتفاع المعتد به.

الثاني: انه يمنع استلزم حرمة البيع لحرمة الانتفاع بناء علي مانعية نجاسة العين بنفسها من غير ان ترجع الي عدم المنفعة المحللة.

و لكن الجواب الاول بعيد غايته و لا وجه له بعد اطلاق الدليل.

و أما الثاني: فقد يقال بعدم صحته أيضا، لان الملازمة بين عدم جواز البيع و حرمة الانتفاع ثابتة بقوله عليه السلام في خبر تحف العقول: كل ما فيه وجه من وجوه الصلاح جاز بيعه،

لانعكاسه بعكس النقيض اللازم الصدق للأصل الي قولنا: كل ما لم يجز بيعه لا يجوز الانتفاع به.

و فيه: مضافا الي ضعف سنده: ان أصالة العموم أصل عقلاني عملي موردها ما لو علم الفردية و شك في الحكم لاما علم فيه الحكم و شك في الفردية، و تمام الكلام في محله.

و الحق ان يقال: انه ليس في النصوص ما يمكن ان يستدل به علي عدم جواز بيع نجس العين بعنوانه كي يستدل به في المقام، و خبر تحف

العقول قد عرفت انه يدل علي عدم جواز بيع النجس الذي لا ينتفع به، و كذلك النبوي و خبر دعائم الاسلام يدلان علي ان ما لا ينتفع به لا يجوز لا انه لا يجوز بيع النجس بعنوانه.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 157

و أما توهم الإجماع فمدفوع بظهور كلمات كثير منهم في جواز الانتفاع في الجملة. (1) قال في المبسوط: أن سرجين ما لا تؤكل لحمه، و عذرة الإنسان و خرء الكلاب لا يجوز بيعها و يجوز الانتفاع بها في الزروع و الكروم و أصول الشجر بلا خلاف (انتهي).

و قال العلامة في التذكرة يجوز اقتناء الأعيان النجسة لفائدة، و نحوها في القواعد، و قرره علي ذلك في جامع المقاصد، و زاد عليه قوله لكن هذه لا تصيرها مالا بحيث يقابل بالمال، و قال في باب الأطعمة و الأشربة من المختلف ان شعر الخنزير يجوز استعماله مطلقا مستدلا بأن نجاسته لا يمنع الانتفاع به لما فيه من المنفعة الخالية عن ضرر عاجل و آجل.

و قال الشهيد في قواعده: النجاسة ما حرم استعماله في الصلاة و الأغذية للاستقذار و للتوصل بها الي الضرار، ثمّ ذكر ان قيد الأغذية لبيان مورد الحكم، و فيه تنبيه علي الأشربة كما ان الصلاة تنبيها علي الطواف (انتهي) و هو كالنص في جواز الانتفاع بالنجس في غير هذه الأمور.

و قال الشهيد الثاني في روضة عند قول المصنف في عداد ما لا يجوز بيعه من النجاسات و الدم، قال: و إن فرض له نفع حكمي كالصبغ و أبوال و أرواث ما لا و الأرواث هو النفع المحلل و الا لم يحسن ذكر هذا القيد في خصوص هذه الأشياء دون سائر النجاسات و لا ذكر

خصوص الصبغ للدم مع أن الأكل هي المنفعة

______________________________

(1) و فيه: ان ثبوت جواز الانتفاع في الجملة لا ينافي عموم ما دل عفي المنع لإمكان الالتزام بالتخصيص.

فالصحيح في الجواب عن الإجماعات المنقولة: ان دعوي الإجماع مع ذهاب جمع من الأساطين الي الجواز كما تري.

مضافا الي ما حقق في محله من عدم حجية الإجماع المنقول: لا سيما مع احتمال استناد المجمعين الي وجه و دليل واصل الينا كما في المقام.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 158

المتعارفة المنصرف إليها الإطلاق في قوله تعالي: (حرمت عليكم الميتة) و المسوق لها الكلام في قوله تعالي: (او دما مسفوحا) و ما ذكرنا هو ظاهر المحقق الثاني حيث حكي عن الشهيد أنه حكي عن العلامة جواز الاستصباح بدهن الميتة، ثمّ قال: و هو بعيد لعموم النهي عن الانتفاع بالميتة (1) فان عدوله عن التعليل بعموم المنع عن الانتفاع بالنجس الي ذكر خصوص الميتة يدل علي عدم العموم في النجس، و كيف كان فلا يبقي بملاحظة ما ذكرنا وثوق بنقل الاجماع المتقدم عن شرح الإرشاد و التنقيح الجابر لرواية تحف العقول الناهية عن جميع التقلب في النجس مع احتمال ان يراد من جميع التقلب جميع أنواع التعاطي (2) لا الاستعمالات و يراد من إمساكه،

إمساكه للوجه المحرم (3) و لعله للإحاطة بما ذكرنا اختار بعض الأساطين في شرحه علي القواعد جواز الانتفاع بالنجس كالمتنجس لكن مع تفصيل لا يرجع الي مخالفة في محل الكلام، فقال: و يجوز الانتفاع بالأعيان النجسة و المتنجسة في غير ما ورد النص بمنعه كالميتة النجسة التي لا يجوز الانتفاع بها فيما يسمي استعمالا عرفا للأخبار و الإجماع، و كذا الاستصباح بالدهن المتنجس تحت الظلال و ما دل علي المنع عن

الانتفاع بالنجس و المتنجس مخصوص او منزل علي الانتفاع الدال علي عدم الاكتراث بالدين و عدم المبالاة و أما من استعمله ليغسله فغير مشمول للأدلة

______________________________

الانتفاع بالميتة

(1) قد أورد المحقق الثاني في جامع المقاصد علي العلامة حيث حكي عنه جواز الاستصباح بدهن الميتة- بانه دلت النصوص علي ان الميتة لا ينتفع بها «1» فان مقتضي

إطلاقها عدم الانتفاع بشي ء منها و لو بالانتفاعات النادرة-.

و المصنف استظهر من هذا الإيراد من جهة العدول عن التعليل بعموم المنع عن الانتفاع بالنجس الي ذكر خصوص الميتة انه يري عدم العموم في النجس.

(2) لفظ التقلب في الخبر مذكور في موضعين: الأول- في ضمن ما ذكر علة للحكم بعدم جواز البيع، الثاني: في تلو الفاء و ما ذكره قدس سره يتم في الثاني لا الأول: فان عدم جواز المعاملة هو المعلل فكيف يذكر حرمة المعاملات علة له.

(3) لا وجه لهذا التقييد بعد إطلاق اللفظ.

______________________________

(1) الوسائل، باب 5، من أبواب ما يكتسب به.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 159

و يبقي علي حكم الأصل (انتهي).

و التقييد بما يسمي استعمالا في كلامه قدس سره لعله لإخراج مثل الإيقاد بالميتة وسد ساقية الماء بها و إطعامها لجوارح الطير (1) و مراده سلب الاستعمال المضاف الي الميتة عن هذه الأمور، لأن استعمال كل شي ء إعماله في العمل المقصود منه عرفا فان إيقاد الباب و السرير لا يسمي استعمالها لهما كلن لا يشكل بأن المنهي عنه في النصوص الانتفاع بالميتة الشامل لغير الاستعمال المعهود المتعارف في الشي ء، و لذا قيد هو قدس سره الانتفاع بما يسمي استعمالا.

نعم يمكن ان يقال مثل هذه الاستعمالات لا تعد انتفاعا تنزيلا لها منزلة المعدوم، و لذا يقال للشي ء انه مما ينتفع به مع

قابليته للأمور المذكورة فالمنهي عنه هو الانتفاع بالميتة بالمنافع المقصودة التي تعد عرفا غرضنا من تملك الميتة لو لا كونها ميتة (2) و إن كانت قد تملك لخصوص هذه الأمور كما قد يشتري اللحم لإطعام الطيور و السباع لكنها أغراض شخصية كما قد يشتري الجلاب لإطفاء النار و الباب للإيقاد و التسخين به.

______________________________

(1) ظاهره إرادة الانتفاعات التي لا تعد استعمالا و لو للمادة المشتركة، لا خصوص الاستعمال المضاف الي الميتة، و عليه فيمكن ان يكون التقييد في كلامه لإخراج مثل الاستظلال بالميتة فانه انتفاع بها و ليس باستعمال، و لكن الذي يبعد ذلك ان المنهي عنه في النصوص الانتفاع بالميتة لا استعمالها و عليه، فيتعين ان يكون المراد ما ذكره المصنف قدس سره.

و حاصله انه ليس في النصوص ما ينهي عن خصوص الاستعمال، حتي يقال باختصاص تلك النصوص بقرينة إضافة الاستعمال الي الميتة بالاستعمال فيما يكون المقصود منه، فالإيقاد بالميتة وسد ساقية الماء بها و إطعامها لجوارح الطير غير مشمولة لها.

و بعبارة أخري انصراف الاستعمال الي الاستعمال المعهود المتعارف من كل شي ء بل المنتهي عنه ما يكون انتفاعا بها.

نعم يمكن ان يقال: إن مثل هذه الاستعمالات أي غير المعهودة من كل شي ء لا تعد انتفاعا تنزيلا لها منزلة المعدوم، فالمنهي عنه هو الانتفاع بالميتة، بالمنافع المقصودة التي تعد عرفا غرضا من تملك الميتة لو لا كونها ميتة.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 160

قال العلامة في النهاية في بيان ان الانتفاع ببول غير المأكول في الشرب للدواء.

منفعة جزئية لا يعتد بها، قال: إذ كل شي ء من المحرمات لا تخلو عن منفعة كالخمر للتخليل و العذرة للتسميد و الميتة لأكل جوارح الطير و لم يعتبرها الشارع (انتهي).

ثمّ ان

الانتفاع المنفي في الميتة و إن كان مطلقا في حيز النفي الا ان اختصاصه بما ادعيناه من الأغراض المقصودة من الشي ء دون الفوائد المترتبة عليه من دون ان تعد مقاصد ليس من جهة انصرافه الي المقاصد حتي يمنع انصراف المطلق في حيز النفي (1).

______________________________

أضعف إليه ان الانتفاع المنفي في الميتة و إن كان مطلقا في حيز النفي، إلا أن اختصاصه بما ادعيناه من الأغراض المقصودة من الشي ء دون الفوائد المترتبة من دون ان تعد مقاصد ليس من جهة انصرافه الي المقاصد حتي يمنع انصراف المطلق في حيز النفي، بل من جهت التسامح و الادعاء العرفي تنزيلا للموجود منزلة المعدوم. فإنه يقال للميتة مع وجود تلك الفوائد فيها انها مما لا ينتفع به و فيه لا ريب في ظهور النهي عن الانتفاع بعنوان من العناوين في ان المنهي عنه هو ما يقصد منه من المصارف لاما يقصد من المادة المشتركة، إلا ان ما يقصد من العنوان.

أيضا علي قسمين:

الأول المنافع الشائعة، الثاني المنافع النادرة.

و الثاني أيضا علي قسمين: الاول ما لا يعد منفعة له من جهة مزاحمته مع ما هو أهم منه كإطعام و لا يتم في القسم إذ لا وجه له فيه، إلا الانصراف الذي لا يصلح للتقييد لكونه بدويا زائلا بأذني التفات.

(1) قد أورد عليه بعض الأعاظم قدس سرهم بأن الوقوع في حيز النفي لا يمنع الانصراف في المنفي إذ شأن أداة النفي العموم فيما المنفي ظاهر فيه، سواء كان الظهور، بالوضع او الانصراف او القرائن.

و فيه ان ما ذكره قدس سره يتم بناء علي عدم كون النكرة الواقعة في حيز النفي ظاهرة في العموم وضعا كما هو الحق، او علي توقف دلالة أداة العموم

عليه علي إجراء مقدمات

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 161

بل من جهة التسامح و الادعاء العرفي (1) تنزيلا للموجود منزلة المعدوم، فإنه يقال للميتة مع وجود تلك الفوائد فيها انما مما لا ينتفع به، و مما ذكرنا ظهر الحال في البول و العذرة و المني فانها مما لا ينتفع بها و ان استفيد منها بعض الفوائد كالتسميد و الإحراق كما هو سيرة بعض الجصاصين من العرب كما يدل عليه وقوع و السؤال في بعض الروايات عن الجص يوقد عليه العذرة و عظام الموتي و يجصص به المسجد،

فقال الإمام عليه السلام ان الماء و النار قد طهراه، بل في الرواية إشعار بالتقرير فتفطن. و أما ما ذكره من تنزيل ما دل علي المنع عن الانتفاع بالنجس علي ما يؤذن بعدم الاكتراث بالدين و عدم المبالاة لا من استعمله ليغسله فهو تنزيل بعيد. (2)

نعم يمكن ان ينزل علي الانتفاع به علي وجه الانتفاع بالطاهر بأن يستعمله علي وجه يوجب تلويث بدنه و ثيابه و سائر آلات الانتفاع كالصبغ بالدم و ان بني علي غسل الجميع عند الحاجة الي ما يشترط فيه الطهارة.

______________________________

الحكمة في مدخولها، و إلا فلا يتم كما لا يخفي.

و لكن يرد عليه ان المطلق في المقام واقع في حيز النهي لا النفي (و عليه) فلا فرق بين كون الحكم تحريميا او وجوبيا في اختصاصه بما ينصرف اليه المتعلق.

(1) ليس مراده بذلك المسامحة في تطبيق المفهوم علي المصداق، حتي يقال بأن المسامحات العرفية في المورد تضرب علي الجدار، بل مراده ان الانتفاع بمثل المنافع المذكورة ليس انتفاعا- و بعبارة اخري- مفهوم الانتفاع بحسب المتفاهم العرفي لا يشمل حقيقة أمثال هذه الانتفاعات فلا وجه للإيراد عليه.

و لكن بما

أنه وردت في الميتة روايات «1» دالة علي جواز بعض الانتفاعات بها،

كالإذابة و الإسراج بها، و الاستقاء يجلدها، و غير ذلك من ما ورد فيه النص يتعين حمل ما تضمن انه لا ينتفع بالميتة علي إرادة المنع عن استعمالها فيما يشترط بالطهارة دون مطلق الاستعمال.

(2) علي فرض تسليم وجود ما يدل علي المنع عن الانتفاع بالنجس لا وجه لهذا

______________________________

(1) الوسائل، باب 34، من أبواب الأطعمة المحرمة.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 162

و في بعض الروايات إشارة إلي ذلك.

ففي الكافي «1» بسنده عن الوشاء، قال: قلت لأبي الحسن عليه السلام جعلت فداك ان أهل الجبل تثقل عندهم اليات الغنم فيقطعونها، فقال: حرام هي ميتة، فقلت: جعلت فداك فيستصبح بها، فقال: اما علمت انه يصيب اليد و الثوب و هو حرام بحملها علي حرمة الاستعمال (1) علي وجه يوجب البدن و الثياب، و أما حمل الحرام علي النجس كما في كلام بعض فلا شاهد عليه و الرواية في نجس العين فلا ينتقض بجواز الاستصباح بالدهن المتنجس لاحتمال كون مزاولة نجس العين مبغوضة للشارع كما يشير اليه قوله تعالي (و الرجز فاهجر) ثمّ ان منفعة النجس المحللة للأصل او للنص (2).

______________________________

الحمل و لا شاهد له و الغريب تفرقته قدس سره بين هذا العموم و بين ما دل علي المنع عن الانتفاع بالميتة، و كذلك لا وجه لما ذكره المصنف قدس سره من الحمل.

(1) قوله بحملها علي حرمة الاستعمال بأن يكون ضمير قوله و هو حرام، راجعا الي إصابة الدهن اليد او الثوب و عليه فيعارضه خبر الصيقل المتقدم الدال علي الجواز ما لم يصل في الثوب فيتعين حمل هذا الخبر أيضا عليه.

و لكن لا يبعد دعوي ظهور، رجوع الضمير

الي ما يرجع اليه ضمير، انه و يصيب و هو الدهن لان ظاهر اتحاد مرجع الجميع، و عليه فيتعين حمل الحرام علي ارادة النجس كما عن صاحب الحدائق قدس سره.

(2) بعد ما عرفت من جواز الانتفاع بالأعيان النجسة يقع الكلام في أحكامها الوضعية، و ملخص القول فيها بالبحث في موارد:

______________________________

(1) الكافي، ج 6، ص 255، حديث 3- الوسائل، باب 32 من أبواب الأطعمة المحرمة، حديث 1.)*)

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 163

قد تجعله مالا عرفا الا انه منع الشرع عن بيعه كجلد الميتة إذا قلنا بجواز الاستقاء به لغير الوضوء كما هو مذهب جماعة مع القول بعدم جواز بيعه لظاهر الاجماعات المحكية و شعر الخنزير إذا جوزنا استعماله اختيارا و الكلاب الثلاثة إذا منعنا عن بيعها.

______________________________

المعاملة علي الأعيان النجسة

(1) في نقلها الي الغير بالبيع او معاوضة اخري، او بالهبة.

(2) في ثبوت حق الاختصاص مع عدم جعل المنفعة المحللة لها المالية.

(3) في خصوص الصلح الناقل علي حق الاختصاص.

(4) في الحيازة لها و انها هل تشترط في الاختصاص بها قصد الحائز للانتفاع أم لا.

أما الأول: فإن كانت المنفعة المحللة للنجس للأصل او للنص تجعله مالا شرعا، و ذلك فيما إذا كانت المنفعة معتني بها عند أهل العرف.

و دعوي ان المالية لا تدور مدار المنفعة، فإن الجواهر النفيسة مال و لا منفعة لها،

و الماء علي الشط له منفعة و ليس بمال كما عن المحقق الإيرواني.

مندفعة بأن عدم المالية في الماء انما يكون لكثرته و تمكن كل أحد من الوصول إليه و الانتفاع به، و لذا لو فرض قلته يكون مالا بلا كلام، و أما الجواهر النفيسة فماليتها انما تكون لكونها مما تعلق به غرض العامة بحيث يميلون إليه.

فإن قلت: ان المالية

العرفية لا تدور مدار المنفعة المحللة، و نهي الشارع لا يوجب حط الشي ء عن المالية كما ذكره بعض الأعاظم قدس سره.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 164

فمثل هذه أموال لا تجوز المعاوضة عليها و لا يبعد جواز هبتها لعدم المانع مع وجود المقتضي فتأمل (1) و قد لا تجعله مالا عرفا لعدم ثبوت المنفعة المقصودة منه له و ان ترتب عليه الفوائد كالميتة التي يجوز إطعامها لجوارح الطير و الإيقاد بها و العذرة للتسميد فإن الظاهر انها لا تعد أموالا عرفا كما اعترف به جامع المقاصد في شرح قول العلامة و يجوز اقتناء الأعيان النجسة لفائدة و الظاهر ثبوت

______________________________

قلت: نهي الشارع عن المنفعة انما يكون في حكم تنزيل وجودها منزلة العدم، فهي في عرف المتشرعة تنحط عن المالية.

(1) أما البيع فقد مر الكلام فيه، و أما ما أفاده في غير البيع فيرد عليه: ان مدرك عدم جواز المعاوضة إن كان خبر تحف العقول فيرد عليه. مضافا الي ضعف سنده: انه من جهة تعليل عدم الجواز فيه بعدم جواز الانتفاع و عدم الوجود المنفعة المحللة، لا يشمل المقام لفرض وجود المنفعة المحللة.

و إن شئت قلت: انه يدل علي ان المانع عدم وجود المنفعة المحللة لا النجاسة، مع انه لو ثبتت دلالة هذه الجملة منه المتضمنة لهذا الكلام علي المنع عن المعاوضة علي النجس بقول مطلق، يقع التعارض بينها و بين الجملة المتضمنة لجواز المعاوضة علي كل ما فيه جهة من الصلاح في أمثال المقام، فتتساقطان كما تقدم في بيع الدم، فيرجع الي عموم أدلة تلك المعاملات، و إن كان المدرك هي النصوص الخاصة فهي انما وردت في موارد خاصة لا يستفاد منها هذه الكبري الكلية.

و بذلك ظهر

أنه لا مانع من هبتها مع وجود المقتضي، أما المقتضي فهو عموم أدلة الهبة، و أما عدم المانع فلعدم شمول خبر تحف العقول كما تقدم، و عدم شمول النصوص الخاصة لاختصاصها بالمعاملات التي لها إثمان، و لا تشمل مثل الهبة، فتأمل الشيخ يكون بلا وجه.

و دعوي أن أن الأمر بالتأمل انما يكون لعدم مالية الكلاب الثلاثة المستفاد من ما ورد

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 165

حق الاختصاص في هذه الأمور الناشئ (1) إما عن الحيازة و أما عن كون أصلها مالا للمالك كما لو مات حيوان له او فسد لحم اشتراه للأكل علي وجه خرج عن المالية.

______________________________

من ثبوت الدية في قتلها دون القيمة.

مندفعة بما عرفت من انه أعم من عدم المالية، و لذا ثبتت الدية في كلب الصيد مع انه مال بلا كلام.

منشأ ثبوت حق الإخلاص

(1) هذا هو المورد الثاني من الموارد و ملخص القول فيه:

أنه لا ينبغي التأمل في ان حق الاختصاص ثابت للمجيز لما لا يملكه، و للمالكين في أموالهم الساقطة عن المالية للعوارض.

انما الكلام في منشأ ذلك، و الظاهر ان منشأه كون ذلك مما عليه بناء العرف و العقلاء،

و لم يرد من الشارع الأقدس نهي عن ذلك، بل لا يبعد دعوي سيرة المتشرعة عليه سيرة مستمرة الي زمان المعصوم عليه السلام.

و يشهد له في صورة الحيازة: النبوي من سبق الي ما لم يسبق اليه مسلم فهو أحق

به «1» لكنه ضعيف السند و لم يحرز استناد الاصحاب اليه.

و ما ذكره الاستاذ الأعظم من ان مورده الموارد المشتركة بين المسلمين كالأوقاف العامة و يدل علي ان احدا من الموقوف عليهم إذا سبق اليها و اشغلها بالجهة التي انعقد عليها الوقف حرمت علي غيره مزاحمته فهو غير مربوط

بما هو محل الكلام.

غير سديد لعدم قرينة موجبة لتقييده بتلك الموارد و حمله عليها، فتدبر.

و استدل له في هذه الصورة أيضا: بالمرسلة المعروفة: من حاز ملك.

و فيه: مضافا الي عدم وجدانها في كتب الحديث، انها علي فرض وجودها مرسلة غير منجبرة بعمل الأصحاب لما تقدم، مع انه انما تدل هي علي ثبوت الملكية للمحيز و لا تدل علي ثبوت حق الاختصاص في غير ما بملك.

______________________________

(1) المستدرك، باب 1، من كتاب إحياء الموات، حديث 4.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 166

و الظاهر جواز المصالحة علي هذا الحق بلا عوض بناء علي صحة هذا الصلح (1) بل مع العوض بناء علي انه لا يعد ثمنا لنفس العين حتي يكون سحتا بمقتضي الأخبار.

قال في التذكرة و يصح الوصية بما يحل الانتفاع به من النجاسات، كالكلب المعلم و الزيت النجس لإشعاله تحت السماء و الزيل للانتفاع باشعاله و التسميد به، و جلد الميتة إن سوغنا الانتفاع به و الخمر المحترمة لثبوت الاختصاص فيها، و انتقالها من يد الي يد بالإرث و غيره (انتهي).

و الظاهر ان مراده بغير الإرث، الصلح الناقل.

و أما اليد الحادثة بعد إعراض اليد الأولي فليس انتقالا، لكن الإنصاف ان الحكم مشكل (2).

______________________________

و استدل له في صورة الثانية: بالاستصحاب و تقريبه انما يكون بوجهين:

الأول: ما ذكره المحقق الإيرواني من استصحاب بقاء العلقة، فإن المورد مما يجري فيه هذا الاستصحاب لمكان ان المشكوك فيه يعد من مراتب المتيقن السابق لا شيئا خارجا عنه.

و فيه: ان الملكية من الأمور الاعتبارية، و هي من سنخ الوجود، و تكون بسيطة لا مراتب لها، فلا يعقل زوال مرتبة منها و بقاء مرتبة اخري.

و الحق و ان كان مرتبة ضعيفة من الملك إلا ان

له اعتبارا غير اعتبار الملكية.

الثاني: استصحاب بقاء الحكم الثابت للمال حين كونه ملكا و هو عدم جواز تصرف غيره فيه الا بإذنه، إذ بعد زوال الملكية يشك في بقائه من جهة احتمال ثبوت الحق فيستصحب.

و فيه: ما حققناه في محله من عدم جريان الاستصحاب في الأحكام، لكونه محكوما لاستصحاب عدم الجعل، مضافا الي تبدل الموضوع، فإن موضوعه هو مال الغير الساقط عن المالية علي الفرض، و ليس الموضوع ذات ما هو مال، و تكون المالية واسطة في الثبوت و من الجهات التعليلية، بل هي تمام الموضوع و من الجهات التقييدية، و تمام الكلام في ذلك موكول الي محل آخر.

(1) هذا هو المورد الثالث من موارد البحث و هو الصلح علي حق الاختصاص.

(2) و استشكل الشيخ فيه، و غاية ما قيل في وجه الإشكال انما هو امران:

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 167

نعم لو بذل مالا علي ان يرفع يده عنها ليحوزها الباذل كان حسنا كما يبذل الرجل المال علي ان يرفع اليد عما في تصرفه من الأمكنة المشتركة كمكانه من المسجد و المدرسة و السوق، و ذكر بعض الأساطين بعد إثبات حق الاختصاص إن دفع شي ء من المال لافتكاكه يشك في دخوله تحت الاكتساب المحظور فيبقي علي أصالة الجواز انه يشترط في الاختصاص بالحيازة قصد الحائز للانتفاع (1) و لذا ذكروا انه لو علم كون حيازة الشخص للماء و الكلاء لمجرد العبث لم يحصل له حق و حينئذ فيشكل الأمر فيما تعارف في بعض البلاد من جمع العذرات حتي إذا صارت من الكثرة بحيث ينتفع بها في البساتين و الزرع بذل له مال فأخذت منه، فان الظاهر بل

______________________________

الأول: شمول التقلب المذكور في خبر تحف العقول به،

بل هو صادق علي المصالحة بلا عوض و بذل المال ليرفع يده عنه.

و دعوي ان التقلب عبارة عن التصرف في الشي ء مع محفوظية دلك الشي ء، و بهذا الاعتبار يطلق علي البيع، فان مالية الشي ء باقية برد بدله، فلا يصدق علي المصالحة بلا عوض، ممنوعة أ لا تري انه يصدق التقلب علي عتق العبد.

فتحصل: انه بناء علي صحة الاستدلال بخبر تحف العقول ما ذكره الشيخ قدس سره في وجه صحة المعاملة لا يجدي، إلا انه عرفت غير مرة انه ضعيف السند لا يعتمد عليه.

الثاني: ما ورد في الموارد الخاصة من جعل الثمن سحتا، فإن الثمن لا يختص بما يقع عوضا في البيع، و لا بما يقع في مقابل نفس العين المملوكة، بل يصدق علي كل ما يبذل للتسلط علي العين، و عليه فالمصالحة بعوض غير جائزة.

و ما تحراه الشيخ قدس سره في التوصل الي المعاملة تام.

و لكن هذا لو تم فإنما يختص بالنجس الذي ورد النهي عن بيعه خاصا مع كونه بهذا المضمون، أي بجعل ثمنه سحتا، و لا يعم جميع النجاسات، مع انه لا يتم فيه أيضا لما مر من اختصاص الثمن بحسب المتفاهم العرفي، بما جعل عوضا في البيع.

(1) و فيه: ان ما ذكره قدس سره لو تم في الأمكنة المشتركة لا يتم في المباحات الأصلية كالاصطياد و نحوه، و الشاهد عليه السيرة المستمرة و بناء العرف و العقلاء، فانهم يعاملون مع الحيز لشي ء معاملة المالك له و من له حق ثابت عليه حتي مع العلم بأن مقصوده التكسب لا الانتفاع و يؤيده إطلاق النبوي المتقدم.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 168

المقطوع انه لم يحزها للانتفاع بها و انما حازها لأخذ المال و من المعلوم

ان حل المال فرع ثبوت الاختصاص المتوقف علي قصد الانتفاع المعلوم انتفائه في المقام و كذا لو سبق الي مكان من الأمكنة المذكورة من غير قصد الانتفاع منها بالسكني، نعم لو جمعها في مكانه المملوك فبذل له المال علي ان يتصرف في ذلك المكان بالدخول لأخذها كان حسنا كما انه لو قلنا بكفاية مجرد قصد الحيازة في الاختصاص و ان لم يقصد الانتفاع بعينه و قلنا: بجواز المعاوضة علي حق الاختصاص كان أسهل.

النوع الثاني مما يحرم التكسب به ما يحرم لتحريم ما يقصد به

و هو علي أقسام:

[القسم] الأول: ما لا يقصد من وجوده علي نحوه الخاص الا الحرام
اشارة

و هي أمور:

منها هياكل العبادة المبتدعة كالصليب و الصنم (1) بلا خلاف ظاهر بل

______________________________

نعم لا يبعد دعوي اعتبار عدم أخذ الشي ء عبثا و لا لغاية، كما انه يمكن ان يؤيد ذلك بل يستدل له بالنصوص الكثيرة الواردة في إحياء الموات من الأراضي.

حرمة بيع هياكل العبادة المبتدعة

(1) المشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة حرمة بيعها، بل عليها إجماع

فقهاء الإسلام علي ما نسب اليهم.

و تحقيق القول في المقام انه تارة: تكون منفعة الهياكل المزبورة منحصرة في العبادة المحرمة، بأن لم يترتب علي هيأتها منفعة اخري من التزيين و غيره، و كانت موادها خارجة عن حريم المالية، كالهيكل المصنوع من الخزف.

و أخري: تكون لها منفعة اخري، و هي علي قسمين:

الاول: ما تكون المنفعة الاخري مترتبة علي الهيأة أيضا كالتزيين، و لعل من هذا القبيل آلات الصنائع كالمكائن المتصفة بصورة الوثنية.

الثاني: ما تكون المنفعة مترتبة علي المادة، كما اذا كانت مادة تلك الهياكل من الذهب و الفضة، و ثالثة: تكون المنفعة المحرمة المفروضية معدومة، كما إذا فرض عدم وجود العابد لها، فإن ذلك يوجب انعدام تلك المنفعة المحرمة، و انحصار المنفعة لو كانت في المحللة.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 169

الظاهر الإجماع عليه و يدل عليه مواضع من رواية تحف العقول المتقدمة (1) في قوله عليه السلام و كل امر يكون فيه الفساد مما هو منهي عنه، و قوله: او شي ء يكون فيه وجه من وجوه الفساد و قوله عليه السلام و كل منهي عنه مما يتقرب به لغير الله و قوله عليه السلام انما حرم الله الصناعة التي هي حرام كلها مما يجئ منه الفساد محضا نظير المزامير و البرابط و كل ملهو به و الصلبان و الأصنام الي ان قال: فحرام تعلميه

و تعلمه و العمل به و أخذ الأجرة عليه و جميع التقلب فيه من جميع وجوه الحركات. الخ.

______________________________

لا اشكال و لا كلام في فساد بيع القسم الأول، إذ مع فرض عدم وجود المنفعة المحللة لا تكون مالا شرعا فلا يصح البيع لذلك، مع ان المبيع متمحض في جهة الفساد، و البيع واقع في سبيل الإضلال، فلا ينبغي التوقف في الحرمة وضعا و تكليفا.

و أما القسم الثاني: فمقتضي القاعدة هي صحة بيعه إذا كانت المنفعة المحللة شائعة، او كانت نادرة غير مقومة للمالية، و لكن من حيث المزاحمة مع المحرمة لكونها أتم و فساده إذا كانت نادرة غير موجبة للمالية في نفسها لخستها لما حققناه في مبحث بيع الدهن المتنجس،

فراجع.

انما الكلام في المقام فيما تقتضيه الأدلة الخاصة.

و قد استدل لعدم الجواز بوجود:

(1) هذا أحد الأدلة و هي جملات من رواية تحف العقول «1».

و فيه ما تقدم في اول الكتاب من أنها ضعيفة السند لا تصلح للاعتماد عليها في الأحكام الشرعية، و بذلك ظهر عدم صحة الاستدلال بقوله عليه السلام في خبر دعائم الإسلام،

نهي عن بيع الأصنام «2».

الثاني: جملة من الآيات الشريفة، كقوله تعالي) فاجتنبوا الرجس من الأوثان) «3».

______________________________

(1) الوسائل، باب 2، من أبواب ما يكتسب به، حديث 1.

(2) المستدرك، باب 5، من أبواب ما يكتسب به، حديث 5.

(3) سورة الحج، آية

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 170

هذا كله مضافا الي أكل المال في مقابل هذه الأشياء أكل له بالباطل، و إلي قوله عليه السلام ان الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه (1) بناء علي ان تحريم هذه الأمور تحريم لمنافعها الغالبة بل الدائمة، فإن الصليب من حيث انه حشب بهذه الهيئة لا ينتفع به الا في الحرام،

و ليس بهذه الهيئة مما ينتفع به في المحلل و المحرم، و لو فرض ذلك كان منفعة

______________________________

و قوله تعالي) و الرجز فاهجر) «1».

و قوله تعالي) إنما الخمر و الميسر و الأنصاب و الأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه) «2».

و تقريب الاستدلال بها من وجهين:

الاول: ان الاجتناب المطلق شامل للبيع.

الثاني: انها يدل علي حرمة الانتفاعات حتي غير العبادة كالتزيين و غيره،

فتكون مما لا منفعة محللة له فلا يحوز البيع لذلك.

و فيه: ان المستفاد من هذه الآيات لزوم اجتناب الأوثان و الرجس و هجرها بعدم الانتفاع بها بما يكون انتفاعا بها بما هي أوثان، كما هنو الظاهر من إضافة المنفعة الي العنوان،

و علي ذلك فلا تشمل الآيات الانتفاع بها بما لا يكون انتفاعا بالوثن بما هو كذلك المفروض وجوده في المقام، فإذا تلك المنفعة فعدم شمولها للبيع بطريق أولي.

(1) هذا هو الوجه الثالث و هو النبوي المشهور: ان الله إذا حرم قوم شيئا حرم عليهم ثمنه «3».

و فيه: مضافا الي ضعف سنده كما تقدم، قد عرفت اختصاصه بما ليس له منفعة محللة فلا يشمل هذا القسم.

الرابع: الإجماع و هو كما تري.

______________________________

(1) سورة المدثر، آية 6.

(2) سورة المائدة، آية 91.

(3) عوالي اللآلئ، ح 2، ص 110، حديث 301.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 171

نادرة لا يقدح في تحريم العين بقول مطلق الذي هو المناط في تحريم الثمن (1) نعم لو فرض هيئة خاصة مشتركة بين هيكل العبادة و آلة اخري لعمل محلل بحيث لا تعدّ منفعة نادرة فالأقوي جواز البيع بقصد تلك المنفعة المحللة كما اعترف به في المسالك.

فما ذكره بعض الاساطين من ان ظاهر الاجماع و الاخبار انه لا فرق بين قصد الجهة المحللة و غيرها، فلعله محمول

علي الجهة المحللة التي لا دخل للهيئة فيها او النادرة التي مما للهيئة دخل فيه، نعم ذكر أيضا، وفاقا لظاهر غيره بل الاكثر انه لا فرق بين قصد المادة و الهيئة.

______________________________

الخامس: النصوص «1» الدالة علي المنع عن بيع الخشب ممن يجعله صليبا أو صنما،

الآتية في مسألة بيع العنب ممن يجعله خمرا، فإنه إذا حرم بيع الخشب لمن يجعله كذلك، فبيع الصليب و الصنم أولي بالتحريم، و هذا هو الوجه القوي.

و تؤيده النصوص المتضمنة اتلافه صلي الله عليه و آله أصنام مكة، إذ لو جاز بيعها لما جاز إتلافها- و ما قيل من انه يجب الاتلاف حسما لمادة الفساد.

(1) إذا كانت المادة مما له منفعة محللة صح البيع بالنسبة اليها و ان كانت بما لها من الهيئة لا ينتفع بها الا في الحرام كما ستعرف.

و أما القسم الثالث: فالكلام فيه يقع في موضعين:

الاول: في بيع مجموع المادة و الهيئة، و منه يظهر حكم بيع الهيئة مجردة.

الثاني: في بيع المادة وحدها.

اما الموضع الاول ففيه وجوه:

الاول صحة البيع الواقع علي المادة بهيئتها، اختاره بعض الاعاظم من المحشين.

الثاني: فساده، اختاره المصنف قدس سره.

الثالث: التبعيض في لفساد كما في بيع الشاة و الخنزير و لعله الاقوي.

و قد استدل للاول: بأنه إذا فرض وجود منفعة محللة و لو كانت مترتبة علي المادة.

______________________________

(1) الوسائل، باب 41، من أبواب ما يكتسب به.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 172

______________________________

يصدق ان المبيع فيه جهة من وجوه الصلاح، فإن ما في الخارج واحد بسيط فيصح البيع، و

بعبارة اخري: بعد فرض كون ما في الخارج واحدا يدخل المورد في الكبري الكلية المتقدمة و هي جواز بيع ذي المنفعتين الشائعتين الحلال و الحرام.

و فيه: انه لا ريب في ان

الهيئة مما يبذل بإزائه المال، لا انها توجب مالية المادة، و هي بنفسها ذات مالية.

و إن شئت قلت: ان الهيئة المتمولة كالصفة المتمولة، مثل كون الجارية مغنية تكون من عناوين المبيع، و يقع الثمن بإزائها، بل عرفت انه ربما يكون النظر الي الهيئة، و المادة منظورة تبعا.

و استدل للثاني، بأن بذل المال بإزاء هذا المتشكل بالشكل الخاص من حيث كونه مالا عرفا بذل للمال علي الباطل، و بعبارة اخري: انها بهذه الهيئة لا ينتفع بها إلا في الحرام.

و فيه: انه إذا كان للمادة منفعة أيضا، و كان مقدار من الثمن واقعا بإزائها، لا وجه للحكم بفساد البيع الواقع علي المجموع من المادة و الهيئة، بل لا بد من الحكم بفساده في بيع الهيئة خاصة.

فتحصل: ان الأظهر بحسب القواعد هو القول الثالث.

و دعوي ان الهيئة الوثنية في الصليب و الصنم كالصورة النوعية للمادة في نظر العرف فلا تكونان في الخارج الا شيئا واحدا، فلا موضع للانحلال و التقسيط كما عن الاستاذ مندفعة بان ذلك يتم فيما اذا كانت الهيئة منظورا اليها، و كانت المادة منظورا اليها تبعا، و كانت المالية لخصوص الهيئة، و لا يتم فيما كانت كل واحدة منهما منظورا اليها، و كانت المالية لهما كما هو المفروض.

و أما الأدلة الخاصة فالنصوص الواردة في بيع الخشب غاية ما يستفاد منها بالأولوية حرمة بيع الهيئة و فساده، و أما بيع المادة إذا كانت لها منفعة و مالية فلا تدل هي علي عدم جوازه كما هو واضح، و أما سائر الأدلة فقد عرفت عدم دلالتها علي عدم الجواز.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 173

أقول: إن أراد بقصد المادة كونها هي الباعثة (1) علي بذل المال بإزاء ذلك الشي ء

و إن كان عنوان المبيع المبذول بإزائه الثمن هو ذلك الشي ء، فما استظهره من الإجماع و الأخبار حسن لأن بذل المال بإزاء هذا الجسم المتشكل

______________________________

(1) هذا هو الموضع الثاني: و محصل القول فيه: ان الصور المنصورة في بيع المادة خاصة ست.

الأولي: يبيع المادة بشرط ان يغير المشتري هيئتها، و كان المشتري ممن يوثق بديانته.

الثانية: ان يبيع المادة مع الشرط المذكور ممن لا يوثق بديانته.

الثالثة: ان يبيع المادة ممن يوثق بديانته بلا شرط التغيير.

الرابعة: بيع المادة ممن لا يوثق بديانته بلا الشرط المذكور.

الخامسة: بيع المادة المتصفة بتغيير هيئتها بنحو الشرط المتقدم بنحو يتوقف دخولها في ملك المشتري علي تحقق العنوان له فعلا.

السادسة: بيع المادة المتصفة بأنها التغيير في ما بعد.

أما في الصورة الأولي: فلا اشكال و لا كلام في صحة البيع لعدم شمول أدلة المنع و ما توهم دلالته في الصور الآتية عليه له.

و أما في الصور الثانية: فقد استدل لفساد البيع، بكونه إعانة علي الإثم فيكون حراما و فاسدا.

و فيه: اولا: ان الإعانة علي الإثم لو سلم كونها محرمة لا توجب فساد البيع لما حقق في محله من عدم المنافاة و بين المبغوضية و الصحة في باب المعاملات.

و ثانيا: ان الإقباض إعانة علي الإثم لا البيع، فالأظهر هي الصحة فيها.

و أما في الصورة الثالثة: فقد استدل لفساد البيع، تارة بأن المال هي المادة بشرط عدم الهيئة، و أخري بأن عموم العلة المستفادة من قوله عليه السلام: لا يباع شي ء فيه غش «1»

يقتضي الفساد لكونه واجب الكسر.

______________________________

(1) الوسائل، باب 86، من أبواب ما يكتسب به، حدي

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 174

بالشكل الخاص من حيث كونه مالا عرفا بذل للمال علي الباطل (1) و إن اراد بقصد

المادة كون المبيع هي المادة سواء تعلق البيع بها بالخصوص كأن يقول:

بعتك خشب هذا الصنم أو في ضمن مجموع مركب، كما لو وزن لو وزنة حطب، فقال:

بعتك فظهر فيه صنم او صليب، فالحكم ببطلان البيع في الأول و في مقدار الصنم في الثاني مشكل لمنع شمول الأدلة لمثل هذا الفرد لأن المتقين من الأدلة المتقدمة حرمة المعاوضة علي هذه الأمور نظير المعاونة علي غيره من الأموال العرفية و هو ملاحظة مطلق ما يتقوم به مالية الشي ء من المادة و الهيئة و الأوصاف.

______________________________

و فيهما نظر:

أما الأول: فلأن المادة اذا كانت لها منفعة محللة و لو بعد التصرف فيها تكون مالا قبله، و لذا لا خلاف في ان من أتلف هذه الأمور، ضمن موادها، كما لا ريب في ان اللحم مال مع انه لا ينتفع به الا بعد الطبخ.

و أما الثاني: فلأن الغش انما يكون إذا خفي العيب، مع انه في صورة خفاء العيب أيضا يصح البيع، غاية الأمر يثبت الخيار، فالأظهر فيها أيضا الصحة.

و بما ذكرناه في هاتين الصورتين ظهر حكم الصورة الرابعة.

و ما يمكن ان يستدل به للفساد فيها.

و أما الصورة الخامسة، فالأظهر فيها الفساد، فإنه إن كان المبيع هو عنوان المغير يكون ذلك من قبيل بيع المعدوم، و إن كان هو المادة الموجودة بعد عروض صفة التغير يكون من قبيل تعليق بيع الموجود بتحقق صفة في المستقبل.

و أما الصورة السادسة: فالأظهر فيها الصحة ان كانا عالمين بالتغيير، لأن المبيع هي المادة المتصفة بوصف متحقق بالفعل، و الا فهو فاسد لكون المبيع مجهولا.

(1) قد مر ان هذا البرهان لفساد البيع الوقاع علي المجموع بتمامه، لا يدل عليه، و انما يدل علي فساد البيع الواقع علي

الهيئة.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 175

و الحاصل ان الملحوظ في البيع قد يكون مادة الشي ء من غير مدخلية الشكل أ لا تري انه لو باعه وزنة نحاس فظهر فيها آنية مكسورة، لم يكن لها) له (خيار العيب لأن المبيع هي المادة و دعوي ان المال هي المادة بشرط عدم الهيئة مدفوعة، بما صرح به من انه لو اتلف الغاصب لهذه الأمور ضمن موادها و حمله علي الإتلاف تدريجا تمحل (1) و في محكي) التذكرة (انه إذا كان لمسكور قيمة و باعها صحيحة ليكسر و كان المشتري ممن يوثق بديانته، فانه يجوز بيعها علي الأقوي) انتهي)، (2) و اختار ذلك صاحب الكفاية و صاحب الحدائق و صاحب الرياض نافيا عنه الريب.

و لعل التقييد في كلام العلامة بكون المشتري ممن يوثق بديانته لئلا يدخل في باب المساعدة علي المحرم فإن دفع ما يقصد منه المعصية غالبا مع عدم وثوق بالمدفوع اليه تقوية لوجه من وجوه المعاصي فيكون باطلا كما في رواية تحف العقول.

______________________________

نعم ما ذكره قدس سره من عدم الفرق في الفساد بين كون الداعي الانتفاع بالمادة خاصة و بها و بالهيئة، تام فإن بيع الهيئة باطل و ان قصد عدم الانتفاع بها كما هو الشأن في كل ما لا يجوز بيعه.

و ما نسبه المصنف الي الأكثر و استحسنه، انما هو فساد هذا البيع، لا فساده في صورة بيع المادة مع كونها بتلك الهيئة الخاصة، و كان غرضه التمتع بالمادة بلا اعتبار الهيئة في المبيع علي وجه لا يكون لها دخل في الغرض.

فإيراد بعض مشايخنا المحققين قدس سره بأنه لا وجه للفساد في الفرض.

في غير محله، لابتنائه علي ان يكون مراده البيع علي الوجه الثاني.

(1) مع انه

يستلزم عدم ضمان مقدار من المادة التالف حين اتلاف الهيئة.

و هو كما تري.

(2) الظاهر من نقل كلام العلامة قدس سره تقوية ما اختاره من صحة بيع المادة بلا شرط،

و ذلك يتوقف علي ان يكون قوله ليكسر غاية للبيع و يكون القصد الي كسر الهيئة راجعا

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 176

لكن منه مضافا الي التأمل في بطلان البيع المجرد الإعانة علي الإثم (1) انه يمكن الاستغناء عن هذا التقيد بكسره قبل ان يقبضه اياه فإن الهيئة غير محترمة في هذا الأمور كما صرحوا به في باب الغصب بل قد يقال بوجوب إتلافها فورا، و لا يبعد ان يثبت لوجوب مادة الفساد.

و في جامع المقاصد بعد حكمه بالمنع عن بيع هذه الأشياء و إن أمكن الانتفاع علي حالها في غير المحرم منفعة لا تقصد منها، قال: و لا أثر لكون رضاضها الباقي بعد كسرها مما ينتفع به في المحلل (2) و يعد مالا لأن بذل المال في مقابلها و هي علي هيئتها بذل له في المحرم الذي لا يعد مالا عند الشارع، نعم لو باع رضاضها الباقي بعد كسرها قبل ان كسرها و كان المشتري موثوقا به، و انه يكسرها أمكن القول بصحة البيع و مثله باقي الأمور المحرمة كأواني النقدين و الصنم،) انتهي (.

______________________________

الي عدم ملاحظتها في المبيع، بل يبيعها مع كون داعيه كسر الهيئة لينتفع بالمادة خاصة.

و لكن الظاهر منه إرادة اشتراط فعل الكسر من المشتري فلاحظ و تدبر.

(1) مر انه يرد عليه مضافا الي ذلك، عدم صدق الإعانة، إذا قصد بيع المادة خاصة و لم يكن قاصدا للانتفاع بالهيئة في الحرام، و ان البيع لا يكون إعانة أي تقدير،

فراجع.

(2) ظاهر كلام المحقق الثاني من

جهة جعله الرضاض، الظاهر في المكور الفعلي لا سيما مع توصيفه بالباقي، إرادة بيع المادة بكونها مكسورة و قد عرفت ان الأظهر هو فساد البيع في هذه الصورة و هي الخامسة المتقدمة.

و أما القسم الرابع فلا أظن أن يفتي أحد بعدم جواز بيعه لخروجه بذلك عن كونه مما له منفعة محرمة و بديهي عدم شمول أخبار الخشب لمن يعمله صليبا أو صنما له فالأظهر جوازه وضعا و تكليفا.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 177

و منها آلات القمار (1) بأنواعه بلا خلاف ظاهرا (2) و يدل عليه جميع ما تقدم في هياكل العبادة و يقوي هنا أيضا جواز بيع المادة قبل تغيير الهيئة، و هي المسالك انه لو كان لمكسورها قيمة و باعها صحيحة ليكسر، و كان المشتري ممن يوثق بديانته ففي جواز بيعها وجهان:

______________________________

بيع آلات القمار

(1) كالشطرنج، و النرد، و الاربعة عشر و نحوها مما اعد للقمار.

(2) الظاهر ان حرمة بيعها مما لا خلاف فيه، و عن المستند: دعوي الإجماع عليه و المراد بها ما أعد للمقامرة كالنرد لأكل ما قومر به و لو في بعض الأحيان كالجوز.

و قد استدل للحرمة: بالوجوه المتقدمة في بيع هياكل العبادة التي عرفت عدم دلالة شي ء منها علي ذلك، و انما التزمنا بعدم الجواز فيها لنصوص بيع الخشب لمن يجعله صليبا،

غير الشاملة لآلات القمار لا سيما بناء علي ما ستعرف في ذلك المبحث من اختصاصها بخصوص موردها.

و بخبر أبي الجارود عن الإمام الباقر عليه السلام الوارد في تفسير قوله تعالي:) إنما الخمر و الميسر (و أما الميسر فالنرد، و الشطرنج و كل قمار ميسر- الي ان قال- كل هذا بيعه و شرائه و الانتفاع بشي ء من هذا حرام من الله محرم)

الحديث) «1».

و فيه: انه ضعيف لأبي الجارود.

فالأولي ان يستدل للحرمة وضعا و تكليفا بما ورد في الموارد الخاصة.

كصحيح البزنطي عن أبي بصير عن الإمام الصادق عليه السلام بيع الشطرنج حرام و أكل ثمنه سحت.) الحديث «2».

و خبر المناهي الوارد في بيع النرد «3».

فإنه بضميمة عدم القول بالفصل بين آلات القمار يثبت الحكم في الجميع.

______________________________

(1) الوسائل، باب 102، من أبواب ما يكتسب به، حديث 12.

(2) الوسائل، باب 103، من أبواب ما يكتسب به، حديث 1.

(3) الوسائل، باب 35، من أبواب ما يكتسب به، حديث 4.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 178

قوي في التذكرة (1) الجواز مع زوال الصفة و هو حسن الأكثر أطلقوا المنع) انتهي (.

أقول: إن أراد بزوال الصفة زوال الهيئة فلا ينبغي الإشكال في الجواز و لا ينبغي جعله محلا للخلاف بين العلامة و الأكثر، ثمّ ان المراد بالقمار مطلق المراهنة بعوض (2) فكل ما اعد لها بحيث لا يقصد منه علي ما فيه من الخصوصيات غيرها حرمت المعاوضة عليه، و أما المراهنة بغير عوض فيجي ء انه ليس بقمار علي الظاهر،

نعم لو قلنا: بحرمتها لحق الآلة القمار مثل ما يعملونه شبه الكرة يسمي عندنا كذا الترثة) النوبة (و الصولجان.

______________________________

(1) و قد قيل في بيان مراد العلامة الذي استحسنه الشهيد قدس سره وجوه:

الأول: ان يكون المراد زوال صفة المقامرة بأن ترك أهلها القمار بها.

الثاني: ان المراد زوال الهيئة.

الثالث: ان المراد الجواز مع اشتراط زوال الصفة.

الرابع: ان المراد جواز البيع إذا كانت المادة من الأموال، بأن يرجع قوله مع زوال الي ما ذكر قبل الحكم بالجواز و هو عدها مالا.

(2) القول في القمار موضوعا يقع في موردين:

الاول في أصل المعني الموضوع له.

الثاني: في حدود و قيوده.

أما المورد

الأول فالمعاني المحتملة له اربعة، نفس الآلات- و المال المجعول في المعاملة- و اللعب بها- و المعاملة الواقعة علي اللعب بها-.

اما المعنيان الاولان: فالظاهر انهما أجنبيان عن معني القمار إذ مضافا الي تصريح اللغويين بأنه اللعب بالآلات مع الرهن او بدونه، او المراهنة علي اختلاف تعابيرهم، انه مصدر من المفاعلة و المناسب للمعني المصدري أحد المعنيين الأخيرين كما لا يخفي.

نعم في خبر «1» أبي الجارود أطلق القمار علي نفس الآلات.

لكنه مضافا الي ضعف سنده و معارضته مع النصوص الأخر المتضمنة ان كل ما قومر به فهو الميسر الظاهرة في ان القمار هو فعل المكلف، الاستعمال أعم من الحقيقة.

______________________________

(1) الوسائل، باب 102، من أبواب ما يكتسب به، حديث 12.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 179

______________________________

و الأظهر بحسب المتفاهم العرفي هو المعني الثالث. و قد صرح به جمع من أئمّة اللغة.

و أما المورد الثاني، فالظاهر: ان القمار لا يصدق علي اللعب بدون الرهان، كما يظهر لمن راجع الاستعمالات العرفية و كلمات اللغويين ففي مجمع البحرين أصل القمار الرهن علي اللعب بشي ء و في القاموس تقمره راهنه فغلبه و نحوه ما عن لسان العرب و في المنجد القمار علي لعب يشترط فيه ان يأخذ الغالب من المغلوب شيئا كان بالورق او غيره.

و لا ينافيه ما عن ظاهر الصحاح و المصباح و التكملة و الذيل انه قد يطلق علي اللعب بها مطلقا مع الرهن و دونه، فانه لو يدل علي انه موضوع للعب بها مع الرهن و ان إطلاقه علي اللعب بدونه نادر و مجاز، لا يدل علي انه بنحو الحقيقة.

و لو تنزلنا عن ذلك فلا أقل من الشك في صدقه بدونه فيتعين الأخذ بالقدر المتيقن.

و لا يعتبر في صدقه

أن يكون اللعب بالآلات المعدة للقمار بحيث لا منفعة لها غير القمار و لا بالآلات المعروفة الشاملة لها و لغيرها كالخاتم و الجواز و البيض التي تعارف اللعب بها و لها منافع شائعة اخر.

لما تري من صدق القمار علي اللعب بكل شي ء مع الرهن من دون عناية و علاقة كما يظهر لمن راجع مرادف هذا اللفظ في سائر اللغات.

و لتصريح أكثر اللغويين بذلك.

و لما في جملة من النصوص من التصريح بالتعميم.

ففي صحيح معمر بن خلاد عن أبي الحسن عليه السلام النرد و الشطرنج و الاربعة عشر بمنزلة واحدة و كل ما قومر عليه فهو ميسر «1».

و في خبر جابر عن الإمام الباقر عليه السلام قيل يا رسول الله صلي الله عليه و آله ما الميسر؟ قال كلما تقومر به حتي الكعاب و الجوز «2» و نحو هما غير هما.

فالمتحصل مما ذكرناه ان القمار هو اللعب بأي شي ء كان بشرط الرهن.

______________________________

(1) الوسائل، باب 35، من أبواب ما يكتسب به، حديث 1.

(2) الوسائل، باب 35، من أبواب ما يكتسب به، حدي

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 180

و منها آلات اللهو علي اختلاف اصنافها (1) بلا خلاف لجميع ما تقدم في المسألة السابقة و الكلام في بيع المادة كما تقدم و حيث ان المراد بآلات اللهو ما اعد له توقف علي تعيين معني اللهو و حرمة اللهو الا ان المتقين منه ما كان

______________________________

بيع آلات اللهو

(1) و قد طفحت كلمات القوم بحرمة التكسب) بالآلات المحرمة كالعود و المزمر و الأصنام و الصلبان (و عن المستند: دعوي الإجماع عليه. و المتقين من معقده الآلات المعدة للملاهي كالمزامير و المعازف و الأوتار و ما شابهها، التي تنحصر فائدتها بالانتفاع بها في الملاهي الذي

لا إشكال و لا كلام نصا و فتوي في حرمته. و عدم جواز البيع في هذا المورد انما يكون علي وفق القاعدة كما عرفت في مسألة بيع هياكل العبادة المبتدعة.

كما ان حرمته التكليفية لا شبهة فيها لوقوع في معرض الإضلال و تمحض المبيع في جهة الفساد، و لذا يجب إتلافها حسما لمادة الفساد.

انما الكلام فيما اذا اشتراك شي ء بين ذلك و بين الأعمال في عمل محلل، كالراديوات المرسومة في زماننا هذا، فإنه ينتفع بها في الملاهي، و في المنافع المحللة كاستماع قراءة القرآن و الأخبار و غير ذلك.

و الأظهر في ذلك هو الجواز وضعا و تكليفا: لعموم أدلة حلية البيع، و ما ذكرناه في وجه عدم جواز بيع هياكل العبادة و آلات القمار، لا يدل علي عدم الجواز في المقام كما هو واضح.

و النبوي المروي عن تفسير أبي الفتوح: ان الله بعثني هدي و رحمة للعالمين، و أمرني ان أمحو المزامير و المعازف و الأوتار و أمور الجاهلية) الي ان قال- ان آلات المزامير شراؤها و بيعها و ثمنها و التجارة بها حرام «1».

ضعيف لإرساله، لا يعتمد عليه، و إفتاء الأصحاب بالمنع غير ثابت، و علي فرضه استنادهم إليه غير معلوم، و مجرد الموافقة لا يوجب الجبر.

و الاستدلال بالأخبار العامة المتقدمة في أول الكتاب، في غير محله لما عرفت من ضعف السند.

______________________________

(1) المستدرك، باب 79، من أبواب ما يكتسب به، حديث 16.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 181

من جنس المزامير و آلات الأغاني، و من جنس الطبول و سيأتي معني اللهو و حكمه و منها أواني الذهب و الفضة إذا قلنا بتحريم اقتنائها و (أو) قصد المعاوضة علي مجموع الهيئة و المادة لا المادة فقط (1).

______________________________

بيع اواني الذهب و الفضة

(1) و تنقيح القول في موردين:

(1) في تعيين الموضوع و بيان مفهوم الإناء.

(2) في حكم المعاملة عليها.

أما الأول: فقد اختلفت كلمات اللغويين في تعيين الاناء، فعن جملة من كتب اللغة كالصحاح و القاموس و مجمع البحرين و غيرها انه معروف، و حيث انه لا استعمال له في عرفنا اليوم يقيد ذلك، و عن المصباح: تفسير، بالوعاء، و الظاهر انه لا ينبغي التوقف في كونه تفسيرا بالأعم لصدق في الوعاء علي الصندوق، و لا يصدق عليه الإناء، و منه يظهر ضعف ما عن مفردات الراغب من تفسيره بما يوضع فيه الشي ء و ما عن غير واحد من تفسيره بالظرف.

و يؤيد ما ذكرناه مصحح منصور بن حازم عن مولانا الصادق عليه السلام عن التعويذ يعلق علي الحائض فقال: نعم، إذا كان في جلد او فضة او قصبة حديد «1».

فإن من المستبعد الالتزام بالتخصيص في جلد التعويذ، و الظاهر انه عبارة عن متاع البيت الذي يستعمل في الأكل أو الشرب او مقدماتهما كالسماور، أو مؤخراتهما كالإبريق.

و أما صحيح ابن بزيع «2» المشتمل علي مبالغة الإمام عليه السلام في تنزيه فعل أبي الحسن عليه السلام عن إمساك المرآة الملبسة الموهم لأعمية الإناء من ذلك، فلا يعتني به لعدم ظهور جوابه عليه السلام فيها كما لا يخفي.

______________________________

(1) الوسائل، باب 67، من أبواب النجاسات و الأواني و الجلود، حديث 2.

(2) الوسائل، باب 65، من أبواب النجاسات و الأواني و الجل

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 182

و منها الدراهم الخارجة المعمولة (1) لأجل غش الناس إذا لم يفرض علي.

هيئتها الخاصة منفعة محللة معتد بها مثل التزين او الدفع الي الظالم الذي يريد مقدارا من المال كالعشار و نحوه بناء علي جواز ذلك و

عدم وجوب اتلاف مثل هذه الدراهم و لو بكسرها من باب دفع مادة الفساد كما يدل عليه قوله عليه السلام في رواية الجعفي مشيرا الي درهم أكسر هذا فانه لا يحل بيعه و لا إنفاقه.

و في رواية موسي بن بكير قطعه نصفين، ثمّ قال: ألقه في البالوعة حتي لا يباع بشي ء فيه غش و تمام الكلاب فيه في باب الصرف إن شاء الله تعالي.

______________________________

و أما الثاني: فبناء علي ما اخترناه من عدم جواز الانتفاع بها بشي ء: لصحيح ابن مسلم عن الإمام الباقر عليه السلام انه نهي عن نهي آنية الذهب و الفضة «1». إذ حذف المتعلق دليل العموم، و موثق ابن بكير عن أبي الحسن عليه السلام آنية الذهب و الفضة متاع الذين لا يوقنون «2». علي ما حققناه في أحكام الأواني، تكون الآنية بما لها من الهيئة بما لها من الهيئة مما يجئ منه الفساد محضا، و مما له منفعة محرمة خاصة، و قد عرفت في البحث عن حرمة بيع هياكل العبادة المبتدعة فساد بيع مثل ذلك، فراجع.

نعم إذا كانت هيئتها مما لا ينتفع به لاجل كونها من الأواني التي ترك استعمالها صح البيع لتمحض المبيع في المادة التي لها منافع محللة. بل بناء علي ما عرفت في ذلك المبحث.

يمكن الحكم بالتبعيض في الفساد ان كانت لهيئتها مالية.

بيع الدراهم المغشوشة

(1) و محل الكلام الدراهم المغشوشة غير الرائجة، و أما الرائجة بين الناس مع العلم

بالغش فلا كلام في جواز المعاوضة عليها وضعا و تكليفا. لأن الجواز تابع للرواج و هو تابع لاعتبار من بيده أزمة الأمور، من غير فرق بين كون المادة مغشوشة، و غير مغشوشة.

______________________________

(1) الوسائل، باب 65، من أبواب النجاسات و الأواني و الجلود،

حديث 3.

(2) الوسائل، باب 65، من أبواب النجاسات و الأواني.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 183

______________________________

ثمّ ان الكلام يقع في موضعين:

الأول: في صورة العلم بالغش.

الثاني: في صورة الجهل به.

أما الأول: فالكلام فيه يقع، تارة في جواز الانتفاع بها في التزيين و نحوه، و أخري في جواز المعاوضة عليها و عدمه.

أما الأول: فالمشهور بين الأصحاب هو الجواز، و في الجواهر، لم أجد من أفتي بالمنع بل الفتاوي علي خلافه.

و تشهد له جملة من النصوص.

و استدل للمنع بالنصوص الدالة علي حرمة الغش الآتية في ذلك المبحث، و بقوله عليه السلام في خبر المفضل بن عمر الجعفي مشيرا الي درهم مغشوش أكسره فإنه لا يحل بيع هذا و لا إنفاقه «1».

و بخبر موسي بن بكر قال: كنا عند أبي الحسن عليه السلام فإذا دنانير مصبوبة بين يديه فنظر الي دينار فأخذه بيده ثمّ قطعه بنصفين ثمّ قال لي: ألقه في البالوعة حتي لا يباع شي ء فيه غش «2».

و بقول الإمام الصادق عليه السلام في خبر دعائم الإسلام في الستوق: يقطع و لا يحل ان ينفق «3».

و في الجميع نظر:

أما نصوص الغش: فلعدم شمولها لما نحن فيه، لتوقف صدق الغش علي علم الغاش و جهل المغشوش، فلا يصدق في فرض علم المغرور.

و أما الأخبار الأخر: فضعيفة السند، لأن في طريق خبر الجعفي علي بن الحسين الصيرفي، و الثاني مرسل، و خبر دائم الإسلام قد عرفت حاله في اول الكتاب، فهي غير منجبرة بعمل الأصحاب لما عرفت من إفتائهم بالجواز، مضافا الي معارضتها بما هو أصح سندا منها.

______________________________

(1) الوسائل، باب 10، من أبواب الصرف، حديث 5.

(2) الوسائل، باب 86، من أبواب ما يكتسب به، حديث 5.

(3) المستدرك، باب 6، من أبواب

الصرف، حديث 1.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 184

______________________________

و أما الثاني: فالأظهر جواز المعاوضة عليها وضعا و تكليفا، إذ مضافا الي ان ذلك

مما تقتضيه القواعد العامة بعد فرض جواز الانتفاع بها، يشهد له صحيح ابن مسلم المتقدم عن الإمام الصادق عليه السلام الرجل يعمل الدراهم يحمل عليها النحاس او غيره ثمّ يبيعها قال عليه السلام: إذا بين ذلك، فلا بأس «1» و نحوه غيره، و نصوص الغش، و الأخبار الخاصة قد عرفت حالها.

و بما ذكرناه ظهر ضعف إفتاء المحقق النائيني قدس سره بالفساد لأجل عدم وجود المنفعة المستفاد ذلك من خبر موسي بن بكر.

و لا فرق في ذلك كله، بين علم البائع، و جهله، كما لا يخفي.

و أما الموضع الثاني: فتارة يكونان جاهلين معا، و أخري يكون المشتري جاهلا و البائع عالما، أما إذا كانا جاهلين فلا دليل علي الحرمة التكليفية و لا وجه لها، و أما إذا كان المشتري جاهلا فهو يحرم لكون ذلك غشا في المعاملة.

هذا بالنسبة الي الحكم التكليفي.

و أما من حيث الحكم الوضعي، أي صحة البيع و فساده.

فحصل القول فيه ان صور المسألة اربع:

الأولي: ان يوقع المعاملة علي الكلي.

الثانية: ان يبيع الدرهم المسكوك بسكة المعاملة بهذا العنوان أي الدرهم الخارجي المعنون بهذا العنوان.

الثالثة: ان يبيع الدرهم الخارجي معتقدا انه فضة مسكوكة بسكة السلطان.

الرابعة: ان يبيع المادة بلا هيئة.

اما الصورة الأولي: فلا اشكال في عدم فساد البيع فيها، و عدم ثبوت الخيار و انما عليه التبديل.

______________________________

(1) الوسائل، باب 10، من أبواب ما يكتسب به حديث 2.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 185

و لو وقعت المعاوضة عليها جهلا فتبين الحال لمن صار إليه فإن وقع عنوان المعاوضة علي الدرهم المنصرف إطلاقه الي المسكوك سكة السلطان

بطل البيع. (1)

______________________________

(1) في حاشية السيد الفقيه ظاهره كون البيع واقعا علي الكلي.

و هو كما تري لا سيما و انه لا يمكن نسبة القول بالبطلان الي المصنف في هذه الصورة.

بل ظاهره هي الصورة الثانية أي بيع الدرهم المسكوك بسكة المعاملة بهذا العنوان أي الدراهم الخارجي المعنون بهذا العنوان.

و كيف كان ففي الصورة الثانية: اما ان يظهر عدم كونه مسكوكا بسكة المعاملة الرائجة، أو يظهر كونه فضة بل نحاسا بتمامه، أو يظهر كون المادة مغشوشة بأن كان بعضها فضة و بعضها نحاسا.

فقد استدل للبطلان في جميع الفروض: بأن المبيع هو العنوان غير المنطبق علي ما في الخارج، كما إذا باع هذا الحمار فانكشف انه فرس.

و لكن هذا الوجه يتم في الفرض الثاني، من جهة ان النحاس و الفضة عنوانان مختلفان حقيقة، و لا يتم في باقي الفروض.

أما في الأول: فلأن كون الفضة مسكوكة بسكة المعاملة ليس إلا وصفا لها، فتخلفه تخلف للوصف و لا يوجب هو الا الخيار، و الشاهد علي ذلك هو نظر العرف الذي هو الميزان في هذا الباب، و يؤيد ما ذكرناه بل يشهد له عدم كون العنوان في المقام دخيلا في المالية.

و أما في الفرض الأخير فلأن الغش في المادة يوجب ثبوت خيار العيب، لأن المغشوش معيب غيره نظير شوب اللبن بالماء لا انه عنوان مغاير.

و استدل لفساد البيع في الفرض الأول: بأن البيع واقع علي الموجود الخارجي المتشكل بهذا الشكل الذي لا يصح بيعه فيكون بمقتضي إطلاق ما دل علي عدم جواز البيع في هذا الموجود، فإنه غير جائز البيع بذاته لا بما هو معلوم.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 186

و إن وقعت معاوضة علي شخصه من دون عنوان (1) فالظاهر صحة

البيع مع خيار العيب، إن كانت المادة مغشوشة و إن كان مجرد تفاوت السكة فهو خيار التدليس فتأمل.

______________________________

و فيه: ان الهيئة التي تنحصر فائدتها في المحرم الموجب ذلك لفساد البيع ليست ملحوظة في البيع، و لم تقع المعاملة عليها، و ما لوحظ انما هي الخصوصية المفقودة التي عرفت ان فقدها لا يوجب البطلان، فالأظهر هي الصحة في الفرض الأول و الثالث. نعم في الفرض الأول يثبت خيار التدليس او تخلف الوصف، و في الفرض الأخير خيار العيب.

(1) مراده بذلك الصورة الثالثة، لا الرابعة.

فما نسبه السيد قدس سره اليه من ان مراده بذلك بيع هذا الشي ء من حيث انه فضة.

غير تام علي هذا لا وجه لقوله و إن كان مجرد تفاوت السكة فهو خيار التدليس.

و كيف كان فقد استدل للبطلان في الصورة الثالثة في جميع فروضها، من عدم كون الدرهم مسكوكا، أو عدم كونه فضة، أو كونه مركبا من الفضة و غيرها: بأن بيع ذات الشي ء المردد بين كونه درهما و غيره و علي تقدير كونه درهما صحيحا أم معيبا. باطل للجهل و الغرر.

و فيه: انهما يرتفعان بالعلم، و لو كان جهلا مركبا، و بالشرط و المفروض تحقق أحدهما.

و قد يستدل للفساد في الفرض الأول: بأن البيع علي هذا الوجه بكون واقعا علي ما هو واقع المبيع، و حيث ان واقعه مما لا يصح بيعه فيكون البيع فاسدا، كما لو باع المردد بين كونه حرا، أو عبدا فإنه لو انكشف كونه حرا بطل البيع.

و فيه: انه مع العلم بكونه درهما مسكوكا، لا يكون الواقع علي ما هو عليه موردا للبيع كي لا يصح، فإن هيئته لا تقع المعاملة عليها علي ذلك، فالأظهر هي الصحة هي

منهاج الفقاهة

(للروحاني)، ج 1، ص: 187

و هذا بخلاف ما تقدم من الآلات فإن البيع الواقع عليها لا يمكن تصحيحه بإمضائه من جهة المادة فقط و استرداد ما قابل الهيئة من الثمن المدفوع كما لو جمع بين الخل و الخمر لأن كل جزء من الخل و الخمر، مال لا بد أن يقابل في المعاوضة بجزء من المال ففساد المعاملة باعتباره يوجب فساد مقابله من المال لا غير (1) بخلاف المادة و الهيئة فإن الهيئة من قبيل القيد للمادة جزء عقلي لا خارجي تقابل بمال علي حدة، ففساد المعاملة باعتباره فساد لمعاملة المادة حقيقة و هذا الكلام مطرد في كل قيد فاسد بذل الثمن الخاص لداعي وجوده.

______________________________

الفرضين الأول و الأخير، مع ثبوت خيار التدليس او تخلف الوصف في الأول و خيار العيب في الأخير، و البطلان في الثاني لأن ما قصد لم يقع و ما وقع لم يقصد، إذا المقصود هو بيع الفضة، و الموجود نحاس علي الفرض.

و مما ذكرناه ظهر حكم الصورة الرابعة و هو البيع لو انكشف كون المادة فضة منشوبة، مع ثبوت الخيار و الفساد لو انكشف كونها غير الفضة، و أما الهيئة فوجودها كالعدم لعدم لحاظ هيئة من الهيئات في البيع.

(1) قد يقال كما عن بعض مشايخنا المحققين قدس سرهم: بأن غاية ما يمكن ان يقال في توجيه كلامه: ان ما ذكرناه من تصحيح المعاملة الواقعة علي الشخص في الدراهم المغشوشة و لم نجعل في قبال الهيئة شيئا و انما اثبتنا خيار التدليس من جهة عدم السكة الصحيحة، لا يجري في سائر الآلات، فلو أوقع المعاوضة علي هياكل العبادة مثلا جهلا بكونها كذلك معتقدا انها من العناوين المباحة، فتبين كونها كذلك بطلت.

ثمّ أورد عليه بأنه

مضافا الي طلب الفرق بينهما و ليس فيما ذكره كفاية، إذا السكة و هيكل العبادة لا يقسط عليهما الثمن، لا يناسب قوله في مقام الفرق انه لا يمكن التبعيض في الآلات مادة و هيئة، إذ لم يلتزم بذلك في غيرها أيضا.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 188

______________________________

قبل بيان المصنف قدس سره لا بد من بيان: كي يرقع هذا الإشكال و إشكال غيره من

المحشين، و كذلك يرتفع ما أورد عليه بأنه ما الفرق بين تبين الغش في المادة و تبين تفاوت السكة، حيث التزم في الأول بثبوت خيار العيب، و في الثاني بثبوت خيار التدليس.

الأول: ان هيئة الدراهم لا مالية لها، أي لا تقابل بالمال و لا توجب ازدياد مالية المادة، بل مالية الفضة التي بقدر ما في الدرهم تساوي مالية الدرهم، و هذا بخلاف ما تقدم من هياكل العبادة و آلات اللهو و غير هما، فإنهما إما تكون ما لا تقابل بالمال كما هو المختار،

أو توجب ازدياد مالية المادة كما هو مختار المصنف قدس سره بدعوي ان الهيئة من قبيل القيد للمادة جزء عقلي لا خارجي، أي لا يكون بنظر العرف موجودا مستقلا و ان كانت بالدقة العقلية كذلك.

الثاني: ان خيار العيب مختص بصورة تخلف الوصف الموجب نقصه نقص مالية الموصوف و لا يكون ثابتا في مورد تخلف وصف لا يوجب نقصه نقص المالية، و لا في مورد ما إذا كان بدل القيد الصحيح في المبيع قيدا فاسدا يبذل الثمن الخاص لداعي وجوده،

أما في المورد فلعدم صدق العيب علي الفاقد له، و أما في الثاني فلأنه علي الفرض المبيع هو الشخص الأول فلعدم الخارجي و هيئته اوجبت زيادة مالية فيه، و حيث انها علي الفرض لا

تقابل بنفسها بالمال، فلا يمكن لأجل وجودها، فلا بد من الالتزام بفساد المعاملة رأسا، و معه لا مورد لثبوت الخيار من جهة التقيد المفقود.

إذا عرفت هذين الأمرين تعرف تمامية ما ذكره قبل قوله، و هذا بخلاف … الخ. من الالتزام بثبوت خيار العيب، فيما إذا كانت مادة الدرهم مغشوشة، و ثبوت خيار التدليس في صورة تفاوت السكة، و عدم ثبوت خيار العيب فيها، فإن تفاوت السكة لا يوجب نقص المالية و كذا تمامية ما ذكره بعده و ارتباطه بما قبله، فإنه في صورة الجهل.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 189

القسم الثاني ما يقصد منه المتعاملان المنفعة المحرمة
اشارة

و هو تارة علي وجه يرجع بذل المال في مقابل المنفعة المحرمة كالمعاوضة علي العنب مع التزامهما ان لا يتصرف فيه الا بالتخمير، و أخري علي وجه يكون الحرام هو الداعي الي المعاوضة لا غير كالمعاوضة علي العنب مع قصدهما تخميره.

و الأول اما ان يكون مقصودا لا غير (1) كبيع العنب علي ان يعمله خمرا و نحو ذلك و أما أن يكون الحرام مقصودا مع الحلال بحيث يكون بذل المال بإزائها كبيع الجارية المغنية بثمن فيه وقوع بعضه بإزاء صفة التغني، فهنا مسائل ثلاث:

______________________________

في ما تقدم من الآلات الأمر يدور بين أمور ثلاثة: إمضاء المعاملة من جهة المادة خاصة، و إمضائها رأسا، و فسادها، و حيث لا سبيل الي الأول لما تقدم من عدم كون الهيئة مما يقابل بالمال، و لا إلي الثاني لما تقدم أيضا، فيتعين الالتزام بالثالث.

و لكن قد تقدم ان الهيئة قد تكون مما له مالية و تقابل بنظر العرف بالمال، و تكون ملحوظة باستقلالها، مثلا الكوز المعمول من الخزف هيئته تقابل بالمال لا انها توجب ازدياد مالية المادة، و لذا لو باع

الكوز ثمّ تبين كونه مكسورا لم يتوهم أحد ثبوت خيار العيب.

(1) أورد عليه السيد الفقيه بأنه لا وجه لتقسيم الأول و هو ما يبذل المال في مقابل الحرام فقط الي القسمين.

و لكن يرد عليه ان مراده من الاول ما يبذل المال في مقابل الحرام في الجملة، في مقابل الثاني، و هو الذي لا يبذل المال بإزاء الحرام رأسا، بل يكون الحرام هو الداعي الي المعاوضة لا غير، و من الضروري ان الداعي لا شأن له في باب المعاملات.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 190

المسألة الأولي: بيع العنب علي ان يعمل خمرا، و الخشب علي ان يعمل صنما أو آلة لهو قمار، و إجارة المساكن ليباع او يحرز فيها الخمر، و كذا إجارة السفن و الحمولة لحملها (1) و لا إشكال في فساد المعاملة فضلا عن حرمته و لا خلاف فيه، و يدل عليه (2).

______________________________

بيع العنب علي ان يعمل خمرا

(1) و في الجواهر فلا خلاف أجده فيها، مع التصريح بالشرطية أو الاتفاق عليها علي وجه بني العقد عليها، بل عن مجمع البرهان: نسبته الي ظاهر الأصحاب، بل عن المنتهي، دعوي الإجماع عليه، كما عن الخلاف و الغنية الإجماع علي عدم صحة إجارة المسكن ليحرز فيه الخمر او الدكان ليباع فيه.

(2) و استدل له في جميع المعاملات بوجوه:

و فيه: ان الإجماع المنقول ليس بحجة لا سيما في صورة احتمال استناد المجمعين الي الأدلة الأخر كما في المقام.

الثاني: ما ذكره السيد الفقيه قدس سره و هو قوله صلي الله عليه و آله: ان الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه.

و فيه: مضافا الي ما تقدم من ضعف السند، انه غير شامل للمقام، إذ الثمن لا يقع في مقابل المنفعة المحرمة و انما يقع في

مقابل العين التي لها منفعة محللة في المقام.

الثالث: ان الالتزام بأن يعمل العنب خمرا، شرط مخالف للكتاب و السنة، و هو فاسد و فساد الشرط يوجب فساد المشروط.

و فيه: ما سيأتي في محله من ان الشرط الفاسد لا يوجب فساد المعاملة.

الرابع: ان فعل المباح للتوصل به الي الحرام حرام، فبيع العنب مثلا لأن يعمل خمرا حرام.

و فيه: ما حقق في محله من عدم حرمة مقدمات الحرام، الا ما لا ينفك عنه الحرام،

مع ان هذا الوجه لا يقتضي الفساد بناء علي ما هو الحق من عدم تلازم المبغوضية للفساد في المعاملات كما عرفت في اول الكتاب.

الخامس: ان أدلة النهي عن المنكر تدل علي حرمته، إذ لو وجب النهي للرفع.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 191

مضافا الي كونها إعانة الإثم (1) و إلي ان الالزام و الالتزام بصرف المبيع في المنفعة المحرمة الساقطة في نظر الشارع أكل و إيكال للمال بالباطل (2).

______________________________

فالنهي عن المنكر لدفعه أولي بالوجوب.

و فيه مضافا الي ان هذا الوجه أيضا لا يقتضي الفساد، كما مر انه سيجي ء في المسألة الآتية تنقيح القول في ذلك و انه لا دليل علي وجوب الدفع.

(1) السادس: ما في الثمن و هو ان البيع في الفرض إعانة علي الإثم، المحرمة كتابا و سنة و اجماعا.

و فيه مضافا الي ما ستعرف من عدم حرمتها، ان البيع ليس إعانة علي الإثم و انما يكون الإقباض و التسليط الخارجي إعانة عليه.

مع ان حرمة الإعانة علي الإثم لا توجب الفساد، إذ حرمة المعاملة و مبغوضيتها لا تلازم الفساد.

(2) هذا هو السابع و هو ان الالتزام بصرف المبيع في المنفعة المحرمة أكل للمال بالباطل.

و فيه: انه ان اريد بذلك ان الشرط يوجب تمحض المبيع

في الحرام.

فيرد عليه: انه في البيع الثمن لا يقع في مقابل المنافع، و انما يقع في مقابل العين بداعي الانتفاع بمنافع العين، و عليه فلا يكون أكل المال في مقابل ما اشترط ان ينتفع به بالمنفعة المحرمة أكلا للمال بالباطل.

و علي فرض التنزل فانما يقابل الثمن بالمنافع، أي قابلية الشي ء لأن ينتفع به، لا الانتفاع الخارجي، و لذا لا شبهة في صحة البيع لو اشتري خبزا للا. كل و لم يأكله، و في المقام المبيع له منافع محللة و ان اشترط الانتفاع بالمنفعة المحرمة، نعم ذلك يتم في الإجارة،

فإن مرجع ذلك الي إيقاع الإجارة لذلك بحيث لا ينتقل الا المنفعة الخاصة فتفسد لأجل ان المقابل بالمال فيها المنفعة.

و إن أريد به ان الشرط بمنزلة القيد و به تزيد المالية و تنقص كما قيل.

فيرد عليه: ان الشرط لا يقابل بالمال، بل هو التزام في التزام علي ما سيأتي تحقيقه في محله، و لا يترتب علي مخالفته الا الخيار.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 192

خبر جابر (1) سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يؤاجر بيته فيباع فيه الخمر،

قال: حرام اجرته فانه أما مفيد بما إذا استأجره او يدل عليه بالفحوي بناء علي ما سيجي ء من حرمة العقد مع من يعلم انه يصرف المعقود عليه في الحرام، نعم (2) في مصححة بان اذينة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يؤاجر سفينته او دابته لمن بحمل فيها أو عليها الخمر و الخنازير، قال: لا بأس.

______________________________

(1) هذا هو الوجه الثامن و هو و إن ورد في الإجارة الا انه يتم في البيع أيضا من جهة اتحاد حكمهما.

و فيه: مضافا الي ضعف سنده لو كان خبر جابر،

ان ظاهر هذا الخبر «1» هو فساد الإجارة مع اتفاق وقوع فيه بلا شرط و التزام، و حيث انه معارض مع النصوص المستفيضة الأخر و لم يفت به أحد فلا بد من طرحه لا حمله علي إرادة معني آخر.

ثمّ علي فرض التنزل و تسليم تعين حمله علي معين آخر لا يبعد دعوي أظهرية إرادة الفساد في صورة العلم بوقوع بيع الخمر فيه، لا اشتراط ذلك و لا كونه داعيا للبيع، و سيجي ء إنه في هذه الصورة وردت نصوص مستفيضة دالة علي صحة المعاملة، و هي تكون معمولا بها، مع انه لو سلم الفساد في تلك الصورة، اولوية الفساد في هذه الصورة، من الفساد في تلك الصورة غير ثابتة.

ثمّ علي فرض التنزل و تسليم تعين حمله علي صورة الاشتراط، يتردد الأمر بين معنيين: أحدهما: كون الإجارة مطلقة مشروطة بهذا الشرط. ثانيهما: إيقاع الإجارة لذلك بحيث لا ينتقل الا المنفعة الخاصة.

و علي الثاني لا ريب في فساد الإجارة: لأن المقابل بالمال فيها المنفعة، و ذلك لا يلازم فساد البيع لذلك الذي يكون المقابل به نفس العين.

(2) و لا يخفي ان جماعة منهم صاحب الجواهر قدس سره بعد تسليمهم دلالة خبر جابر علي المنع، قالوا يعارضه مصحح ابن اذينة المذكور في المتن «2».

______________________________

(1) الوسائل، باب 39، من أبواب ما يكتسب به حديث 1 و 2.

(2) الوسائل، باب 39، من أبواب ما يكتسب به، حديث 1 و

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 193

لكنها محمولة علي ما إذا اتفق الحمل (1) من دون أن يؤخذ ركنا أ) شرطا في العقد بناء علي ان خبر جابر نص فيما نحن فيه، و ظاهر في هذا عكس الصحيحة يطرح (فيطرح) ظاهر كل بنص الآخر

(2) فتأمل، مع انه لو سلم التعارض كفي العمومات المتقدمة (3) و قد يستدل أيضا فيما نحن فيه بالاخبار المسئول فيها عن جواز بيع الخشب ممن يتخذه صلبانا او صنما مثل مكاتبة ابن اذينة عن رجل له خشب فباعه ممن يتخذه صلبانا، قال: لا.

______________________________

(1) و أجاب عنه المصنف قدس سره بأن المصحح، محمول علي ما إذا اتفق الحمل من دون ان يؤخذ ركنا او شرطا في العقد، بناء علي ان خبر جابر نص فيما نحن فيه و ظاهر في هذا عكس الصحيحة فيطرح ظاهر كل بنص الآخر- ثمّ أمر بالتأمل.

ثمّ قال مع انه لو سلم التعارض كفي العمومات المتقدمة.

و لكن ظاهر قوله ان المصحح محمول علي ما اذا اتفق الحمل كون مورد الاجارة صورة العلم بالحمل فهي أجنبية عن الفرض و عن مورد خبر جابر مع ان موردهما لو كان صورة واحدة يمكن ان يقال بعدم التعارض بينهما، من جهة آن خبر جابر يدل علي الفساد مع العلم ببيع الخمر فيه، الذي هو حرام، و المصحح يدل علي الصحة مع العلم بحل الخمر الذي لا دليل علي حرمته.

(2)) قوله قدس سره فيطرح ظاهر كل … الخ (تقدم الكلام في هذا الجمع في بيع العذرة و عرفت انه ليس جمعا عرفيا، و لعله لذلك أمر قدس سره بالتأمل.

(3) (قوله قدس سره كفي العمومات … الخ) علي فرض التعارض لا بد من لا رجوع الي المرجحات و هي تقتضي تقديم الخبر لأشهرية مضمونه.

مضافا الي ما عرفت من عدم دلالة العمومات المتقدمة علي الفساد.

أضف الي ذلك كله ان العمومات المتقدمة، هي رواية تحف العقول، و رواية الفقه الرضوي) لو كان كتاب رواية لا فتوي فقيه (كما احتملناه و

رواية دعائم الاسلام، و النبوي المشهور المتقدمة كلها في أول الكتاب و عرفت انها ضعيفة الاسناد.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 194

و رواية عمرو بن الحريث عن التوت أبيعه ممن يصنع الصليب او الصنم، قال:

لا، و فيه ان حمل تلك الاخبار علي صورة اشتراط البائع المسلم علي المشتري او تواطؤهما علي التزام صرف المبيع في لصنم و الصليب بعيد في الغاية، و الفرق بين مؤاجرة البيت لبيع الخمر فيه و بيع الخشب علي ان يعمل صليبا او صنما لا يكاد يخفي (1) فإن بيع الخمر في مكان و صيرورته دكانا لذلك منفعة عرفية يقع الاجارة عليها من لا مسلم كثيرا كما يؤجرون البيوت لسائر المحرمات، بخلاف جعل العنب خمرا، و الخشب صليبا فانه لا غرض للمسلم في ذلك غالبا يقصده في بيع عنبه او خشبه فلا يحمل عليه موارد السؤال.

نعم لو قيل في المسألة الآتية بحرمة بيع الخشب ممن يعلم انه يعمله صنما لظاهر هذه الاخبار صح الاستدلال بفحواها علي ما نحن فيه (2) لكن ظاهر هذه الاخبار معارض بمثله او بأصرح منه كما سيجي ء ثمّ انه يلحق بما ذكره من بيع العنب و الخشب علي ان يعملا خمرا او صليبا بيع كل ذي منفعة محللة علي ان يصرف في الحرام لان حصر الانتفاع بالبيع في الحرام يوجب كون أكل الثمن بإزائه أكلا للمال بالباطل، ثمّ انه لا فرق بين ذكر الشرط المذكور في متن العقد و بين التواطي عليه خارج العقد و وقوع العقد عليه (3) و لو كان فرق فانما هو في لزوم الشرط و عدمه

______________________________

(1) لم يظهر الفرق فإنه كما ان اشتراط جعل الخشب صنما، بعيد عن المسلم، كذلك اشتراط عدم بيع شي ء

في الدار الا الخمر، كما انهم يقدمون علي المعاوضة مع العلم بأنه لا يبيع غير الخمر كذلك، يقدمون عليها مع العلم بجعل الخشب صنما.

(2) قد مر انه لا أولوية للفساد في صورة الاشتراط، عن الفساد في صورة العلم كي يتمسك بالفحوي.

(3) و قد أورد عليه: بإن معني عدم اعتناء الشارع بالشرط غير المذكور و اعتبار الذكر في الشرط صحة العقد بلا شرط، و مقتضاه وقوع تمام الثمن في مقابل العين، و معه لا يكون أكل المال أكلا بالباطل و بلا عوض.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 195

لا فيما هو مناط الحكم هنا، و من ذلك يظهر انه لا يبني فساد هذا العقد علي كون الشرط الفاسد مفسدا بل الاظهر فساده و إن لم نقل بإفساد الشرط الفساد لما عرفت من رجوعه في لا حقيقة الي أكل المال في مقابل المنفعة المحرمة و قد تقدم الحكم بفساد المعاوضة علي آلات المحرم مع كون موادها أموالا مشتملة علي منافع محللة مع ان الجزء أقبل للتفكيك بينه و بين الجزء الآخر من الشرط و المشروط (1) و سيجي ء في المسألة الآتية ما يؤيد هذا إن شاء الله تعالي.

______________________________

و فيه: انه كما ان الشارع ألغي الشرط الذي لم يذكر في ضمن العقد، كذلك ألغي الشرط المخالف للكتاب و السنة مثل هذا الشرط، فهذا الشرط علي كل تقدير ساقط في نظر الشارع و بحكم العدم.

و الاظهر هي الصحة في الموردين لما عرفت من عدم كون أكل المال في صورة الاشتراط أيضا أكلا بالباطل، من جهة عدم تقابل المال بالمنافع، ثمّ ان لازم ما ذكره قدس سره.

الحكم بالبطلان حتي فيما كان الداعي، هي المنفعة المحرمة: لعين ما ذكره في الشرط غير المذكور

(1)

أورد عليه السيد الفقيه بأنه قدس سره صرح بعدم كون الهيئة جزء بل هي من قبيل العنوان و كون مثل هذا الجزء أقبل للتفكيك ممنوع بل الامر بالعكس.

و فيه انه قدس سره بعدم كونها جزء عرفا و إلا فهو لا ينكر كونها جزء خارجيا كما تقدم و هذا بخلاف المشروط و الشرط.

و لكن يرد عليه ان لا شرط في باب البيع و غيره من العقود لا يرجع الي أحد العوضين، و لا يوجب تقييده كي يتم ما ذكره، من ان المقيد موجود واحد و لا ينحل الي جزءين خارجيين بل هو التزام في التزام علي ما يأتي تحقيقه في محله فهو أقبل للتفكيك.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 196

المسألة الثانية: يحرم المعاوضة علي الجارية المغنية و كل عين مشتملة علي صفة يقصد منها الحرام إذا قصد منها ذلك و قصد اعتبار في البيع علي وجه يكون دخيلا في زيادة الثمن كالعبد الماهر في القمار او اللهو و السرقة إذا لوحظ فيه هذه الصفة و بذل بإزائها شي ء من الثمن (1) لا ما كان علي وجه الداعي، و يدل عليه ان بذل الشي ء من الثمن بملاحظة الصفة المحرمة أكل للمال بالباطل و التفكيك بين القيد و المقيد بصحة العقد في المقيد

______________________________

حكم بيع الجارية المغنية

(1) ملخص القول في المقام: ان اعتبار الصفة في المبيع ان كان علي وجه الاشتراط لا إشكال في لا صحة سواء كانت الصفة مما لا مالية له، أم كانت لها مالية عرفية شرعية، أم كانت ماليتها ملغاة شرعا: فإنه علي جميع التقادير لا تقابل الصفة بالمال و لا تكون دخيلة في لمبيع، نعم بين الاقسام فرق من جهة لزوم الوفاء بالشرط و عدمه، و هو غير

مربوط بالمقام، كما انه لا كلام فيها لو كان اعتقاد وجودها داعيا علي المعاملة كما هو واضح، و أولي من ذلك بالصحة ما لو لم تلاحظ الصفة أصلا.

و إن كان اعتبارها علي وجه التقييد و العنوان.

فإن كانت لها مالية شرعا فلا اشكال أيضا في الصحة سواء كانت الصفة منافعها ممحضة في المحللة أم كان لها نوعان من المنفعة المحللة و المحرمة.

و أما ان لم يكن لها مالية شرعا، كان لها المالية العرفية أم لم تكن، فبناء علي كون تخلف الوصف فيما أخذ عنوانا للمبيع موجبا لثبوت الخيار دون التبعيض و البطلان، كما لعله المشهور المنصور علي ما سيأتي تنقيحه في محله الملازم ذلك للالتزام بأن المعوض هو الموصوف، و إن الثمن غير مقابل بالوصف، يتعين القول بالصحة و وقوع جميع الثمن في مقابل الموصوف، و أما بناء علي كون تخلفه موجبا للبطلان، كما هو الشأن في العناوين الموجب تخلفها تغاير الموصوف للموجود ذاتا، فإن كان الوجه للبطلان ان ما تعلق الانشاء به و هو العين المتصفة بهذا الوصف غير موجود، و ما هو موجود لم يتعلق به

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 197

______________________________

الانشاء او ان الوصف دخيل في الرضا، فمع تخلفه لا يكون الرضا الفعلي موجودا، يكون

الحكم في المقام هي الصحة بتمام الثمن، إذا علي كل تقدير يكون المفروض كون المبيع هو ذات الموصوف، و ان أوجب الوصف زيادة مالية الموصوف، إلا ان المعوض هو المال لا المالية، و ان كان الوجه للبطلان وقوع شي ء من الثمن بإزاء القيد يتعين القول بالفساد في لمقام، لان جزء من الثمن وقع في مقابل ما لا مالية له شرعا، إلا ان لازم هذا الوجه هو التبعيض في الفساد، إذ

لازمه كون كل من الموصوف و الوصف جزء من المبيع و ملحوظا مستقلا.

فتحصل: انه علي جميع التقادير لا وجه للبطلان رأسا هذا ما تقتضيه القواعد.

و أما النصوص «1» الخاصة الواردة في الجارية في الجارية المغنية الناهية عن بيعها، فالذي يخطر بالبال انها لم يعمل بها المشهور، و معارضة مع النصوص الاخر، و ذلك يظهر بعد بيان أمرين: الاول ان صفة غناء الجارية لها منفعتان محللة و محرمة بناء علي ما هو المعروف من أن كسب المغنيات التي تدعي الي الاعراس ليس به بأس كما نطقت النصوص به.

الثاني: ان بعض نصوص الباب صريح في جواز بيع المغنية و شرائها إذا كان يطلب بها الرزق لا سوي ذلك، و معلوم ان التاجر الذي يشتري المغنيات و يبيعهن انما يوقع المعاملة عليهم بما هن مغنيات لا سيما في فرض البيع، و علي ذلك فبعد تقييد تلك النصوص بهذا النص تختص تلك النصوص بما اذا بيعت المغنية بداعي سماعا لغناء و الانتفاع بها في الحرام، و في هذا الفرض بالخصوص و لم يفت أحد بالفساد لا سيما بعد ملاحظة عدم كون صفة الغناء مما لم منفعة محرمة خاصة.

بل يمكن ان يقال: إن هذا النص معارض مع تلك النصوص: لتضمنه جواز بيع التاجر المغنية و إن كان المشتري يشتريها بداعي الانتفاع بغنائها علي وجه محرم و البائع كان عالما بذلك، و الجمع العرفي يقتضي حمل تلك النصوص علي الكراهة.

______________________________

(1) الوسائل، باب 16، من أبواب ما يكتسب به.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 198

و بطلانه في القيد بما قابله من الثمن غير معروف عرفا (1) لان القيد أمر معنوي لا يوزع عليه شي ء من المال و إن كان يبذل المال بملاحظة وجوده

و غير واقع شرعا علي ما اشتهر من ان الثمن لا يوزع علي الشروط فتعين بطلان العقد رأسا، و قد ورد النص بأن ثمن الجارية المغنية سحت و انه قد يكون للرجل الجارية تلهيه و ما ثمنها الا كثمن الكلب، نعم لو لم يلاحظ الصفة أصلا في كمية الثمن فلا اشكال في الصحة و لو لوحظ من حيث انه صفة كما قد يصرف الي المحلل فيزيد لاجلها الثمن فإن كانت المنفعة المحللة لتلك الصفة مما يعتد بها فلا اشكال في لجواز و ان كانت نادرة بالنسبة الي المنعة المحرمة ففي لحاقها بالعين في عدم جواز بذل المال الا لما اشتمل علي منفعة محللة غير نادرة بالنسبة الي المحرمة و عدمه لأن المقابل بالمبذول هو الموصوف و لا ضير في زيادة ثمنه بملاحظة منفعة نادرة وجهان: أقواهما الثاني، إذ لا يعد أكلا للمال بالباطل (2) و النص بأن ثمن المغنية سحت مبني علي الغالب.

______________________________

(1) و فيه انه بناء علي مقابلة القيد بالمال لا مانع من التفكيك، و عدم وقوعه شرعا و عدم معروفيته عرفا انما يكونان من جهة عدم بذل شي ء من الثمن بإزائه، و لازمه صحة البيع في لا مقيد بتمام الثمن، و كون القيد لغوا، و بذل الثمن بإزاء المقيد بداعي وجود القيد ليس أكلا للمال بالباطل كما تقدم.

(2) انه لو كانت الصفة ملحوظة مستقلة في لا بيع، و جعل بإزائها الثمن، يعتبر في عدم كون أكل المال في مقابلها أكلا بالباطل ما يعتبر في العين من اعتبار اشتمالها علي منفعة غير نادرة، أي منفعة لا يعتد بها عرفا لخستها لا لمزاحمتها مع ما هو أهم منها كما هو ظاهر المصنف علي ما عرفت،

و إن لم تلاحظ مستقلة، بل كانت موجبة لبذل المال لاجل وجودها، فلا وجه لإلحاقها بالعين كما لا يخفي، و أما النص بأن ثمن المغنية سحت فقد عرفت ما فيه.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 199

المسألة الثالثة: يحرم بيع العنب ممن يعمله خمرا بقصد أن يعمله، و كذا بيع الخشب بقصد أن يعمله صنما أو صليبا لان فيه إعانة علي الاثم و العدوان، و لا إشكال و لا خلاف في ذلك. أما لو لم يقصد ذلك، فالاكثر علي عدم التحريم. (1)

______________________________

بيع العنب ممن يجعله خمرا

(1) اختلفت كلمات القوم في لا مقام فعن جماعة الجواز عن آخرين المنع، و الشيخ الاعظم قدس سره فصل بين ما لم يقصد منه الحرام، فحكم بالجواز، و بين ما يقصد منه الحرام.

فحكم بالحرمة لكونه إعانة علي الاثم التي تكون محرمة بلا خلاف و لا اشكال لكن: يرد علي هذا التفصيل.

أولا: انه لا بد من تقييد ذلك بما إذا قصد المعان فعل الحرام، لانه قدس سره يصرح فيما بعد

باعتبار ذلك.

و ثانيا،: ان جماعة صرحوا باعتبار ترتب المعان عليه في صدق الاعانة فلا بد من التقييد بذلك، اللهم إلا أن يكون ذلك إشارة الي اصل الحكم او الي العلة بلحاظ محرم آخر و عليه فيرتفع الاشكال الثاني: لانه في صورة عدم ترتب فعل الحرام، و ان كان لا تصدق الاعانة بلحاظ، إلا انها تصدق كونه اعانة علي اشتغال المشتري بمقدمات الحرام بقصد ترتب الحرام و هو بنفسه معصية.

و كيف كان: فتنقيح القول في هذه الصورة أيضا سيأتي عند التعرض لأدلة الصورة الآتية.

و تنقيح القول في لا مقام يقتضي لبحث في موضعين:

الاول: فيما تقتضيه النصوص الخاصة.

الثاني: فيما تقتضيه القواعد العامة.

أما الموضع الاول: فالكلام فيه تارة يقع في

الحكم الوضعي.

و أخري في الحكم التكليفي.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 200

للاخبار المستفيضة (1) منها خبر ابن اذينة قال: كتبت الي أبي عبد الله عليه السلام أسأله عن رجل له كرم يبيع العنب ممن يعلم انه يجعله خمرا أو مسكرا، فقال: انما باعه حلالا في الابان الذي يحل شربه او أكله فلا بأس ببيعه.

و رواية أبي كهمس، قال: سأل رجل أبا عبد الله عليه السلام- الي ان قال- هو ذا نحن نبيع تمرنا ممن نعلم انه يصنعه خمرا الي غير ذلك مما هو دونهما في الظهور

______________________________

أما من حيث الحكم الوضعي فقد استدل لعدم جواز المعاوضة في صورة العلم بصرف المبيع في المحرم بخبر جابر- او صابر- المتقدم في الرجل يؤاجر بيته فيباع فيه الخمر قال عليه السلام حرام أجره «1».

و قد مر في لمسألة السابقة ما في هذا الخبر من يحث السند و الدلالة، و المعاوضة مع النصوص الاخر، و تقدم انه لا يصح الاستدلال به بوجه.

و أما من حيث الحكم التكليفي، فمجمل القول فيه: ان جميع النصوص الواردة في المقام، او المتوهم ورودها في لباب علي طوائف:

(1) الاولي: ما تضمن جواز بيع العنب ممن يعلم انه يصنعه خمرا كحسن ابن اذينة «2» و خبر أبي كهمس «3» المذكورين في المتن.

و صحيح الحلبي عن مولانا الصادق عليه السلام عن بيع عصير العنب ممن يجعله خمرا فقال عليه السلام: لا بأس به يبيعه حلالا فيجعله حراما أبعده الله و استحقه «4».

و صحيح رفاعة قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام و أنا حاضر عن بيع العصير ممن يخمره.

فقال عليه السلام: حلال ألسنا نبيع تمرنا ممن يجعله شرابا خبيثا «5» و نحوها غيرها.

الثانية: ما توهم دلالتها علي المنع

عن بيع العنب ممن يعمله خمرا و هو خبر جابر- او صابر- المتقدم في المسألة المتقدمة، بدعوي إرادة العلم ببيع الخمر من قوله فيباع فيه الخمر فإنه حينئذ بضميمة عدم الفرق بين الاجارة و البيع يدل علي ذلك.

______________________________

(1) الوسائل: باب 39، من أبواب ما يكتسب به حديث 1.

(2) الوسائل: باب 59، من أبواب ما يكتسب به حديث 5.

(3) الوسائل: باب 59، من أبواب ما يكتسب به حديث 6.

(4) الوسائل: باب 59، من أبواب ما يكتسب به حديث 4.

(5) الوسائل: باب 59، من أبواب ما يكتسب به حديث 8.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 201

و قد يعارض تلك بمكاتبة ابن أبي اذينة عن رجل له خشب فباعه ممن يتخذه صلبانا، قال: لا و رواية عمر بن حريث عن التوز) التوت (ابيعه ممن يصنع الصليب او الصنم، قال: لا (1) و قد يجمع بينهما و بين الاخبار المجوزة بحمل المانعة علي صورة

______________________________

الثالثة: ما استفيد منها كراهية بيع العنب ممن يخمره و هو صحيح الحلبي عن الامام الصادق عليه السلام عن بيع العصير ممن يصنعه خمرا قال عليه السلام: بيعه ممن يطبخه او يصنع خلا أحب إلي و لا أري بالاول بأسا «1».

الرابعة: ما تدل علي المنع عن بيع الخشب ممن يتخذه صلبانا او يصنعه صنما، فإنه يدل علي الحكم في المقام بالغاء الخصوصية: كحسن بن اذينة قال: كتبت الي أبي عبد الله عليه السلام أسأله عن رجل له خشب فباعه ممن يتخذه صلبانا قال عليه السلام: لا «2».

و صحيح ابن حريث عن الامام الصادق عليه السلام عن التوت ابيعه يصنع به الصليب و الصنم قال عليه السلام: لا «3».

(1) الخامسة: ما توهم دلالتها علي جواز بيع الخشب أيضا:

كحسن ابن اذينة عن رجل له خشب فباعه ممن يتخذه برابط فقال عليه السلام: لا بأس به «4» هذه هي جميع نصوص الباب.

و قد قيل في الجمع بينها وجوده، امتنها: حمل النصوص المانعة علي بيع الخشب ممن يعمله صليبا او صنما، كما هو موردها، بأن لا يتعدي عن موردها، و حمل المجوزة علي غيره.

و أورد عليه تارة، بكونه خرقا للاجماع المركب.

و أخري: بأن خبر جابر دال علي المنع في بيع العنب أيضا.

و ثالثة: بأنه قام الدليل علي اتحاد مناط الحكم و هو قوله عليه السلام في خبر الحارثي: بعته

______________________________

(1) الوسائل، باب 59 من أبواب ما يكتسب به، حديث 9.

(2) الوسائل، باب 41 من أبواب ما يكتسب به، حديث 1.

(3) الوسائل، باب 41 من أبواب ما يكتسب به، حديث 2.

(4) الوسائل، باب 41 من أبواب ما يكتسب به، حديث 1.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 202

______________________________

حلالا فجعله حراما فأبعده الله «1»، و نحوه ما في خبر أبي كهمس «2» و رواية رفاعة «3».

و رابعة: بأن الطائفة الخامسة تأبي عن ذلك لدلالتها علي جواز بيع الخشب.

و في الجميع نظر:

أما الاول: فلان مثل هذا الاجماع المركب خرقة لا مانع عنه، إذ في المسألة طوائف من الاخبار، فقد استندوا في فتاويهم إلي هذه النصوص، و كل واحد جمع بما رآه جمعا عرفيا، و عليه فلا يضر مخالفة الجميع.

مع ان صاحبي الوسائل و المستدرك قائلان بالفصل.

و أما الثاني: فلانه لو سلم استفادة الكبري الكلية من تلك النصوص إلا انه لا مانع من تخصيصها بما ورد في لخشب يباع ممن يجعله صنما او صليبا.

و أما الرابع: فلان حسن ابن اذينة وارد في بيع الخشب ممن يجعله برابط، و هو غير جعله صنما

او صليبا، بل هو بنفسه دليل الفصل، فإنه يفصل بين الاصنام و البرابط.

و الانصاف ان هذا الجمع متين غايته.

و يساعده الاعتبار لما علم من الشرع من الاهتمام بالتجنب عن الشرك بأي نحو أمكن.

قال الله تعالي:) إن الله لا يغفر أن يشرك به و يغفر ما دون ذلك) «4».

و بما ذكرناه ظهر ان ما ذكره بعض الاعاظم من: ان النصوص متعارضة، لا يمكن الجمع بينها بوجه، فلا بد من الرجوع الي المرجحات في غير محله.

______________________________

(1) الوسائل، باب 59 من أبواب ما يكتسب به، حديث 10.

(2) الوسائل، باب 59 من أبواب ما يكتسب به، حديث 6.

(3) الوسائل، باب 59 من أبواب ما يكتسب به، حديث 6.

(4) سورة النساء، آية 49.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 203

اشتراط جعل الخشب صليبا أو صنما أو تواطؤهما عليه. (1) و فيه ان هذا في الغاية البعد (2) إذ لا داعي للمسلم علي اشتراط صناعه الخشب صنما في متن بيعه أو في خارجة، ثمّ يجئ و يسأل الامام عليه السلام عن جواز فعل هذا في المستقبل و حرمته و هل يحتمل أن يريد الراوي بقوله: أبيع التوت) التوز (ممن يصنع الصنم و الصليب أبيعه مشترطا و ملزما في متن العقد أو قبله أن لا يتصرف فيه إلا بجعله صنما، فالاولي حمل الاخبار المانعة علي الكراهة (3) لشهادة.

غير واحد من الأخبار علي الكراهة كما أفتي به جماعة.

______________________________

(1) و قد يجمع بينها بحمل النصوص المانعة علي صورة الاشتراط، او التواطي.

عليه قبل البيع.

(2) و فيه: مضافا الي ما ذكره المصنف قدس سره من انه في غاية البعد، انه جمع تبرعي لا شاهد له، و مجرد كون فرد متيقن الارادة لا يجعلهما من النص او الظاهر لا

سيما مع احتياج الجمع الي التصرف في كلا المتعارضين.

و منه يظهر ضعف ما قيل من حمل الاخبار المانعة علي صورة القصد الي ترتب الحرام، و المجوزة علي صورة العلم خاصة.

و في تعليقة السيد الفقيه الجمع بنحو آخر، و هو حمل الاخبار المانعة علي صورة العلم بصرف المبيع في لمحرم، و حمل الاخبار المجوزة علي صورة العلم بكون المشتري شغله ذلك و إن لم يكن جعله هذا العنب الخاص خمرا معلوما.

و فيه: ان ذلك لو تمّ في بعض نصوص الجواز، لا يتم في جميعها، لاحظ قوله عليه السلام في صحيح رفاعة ألسنا نبيع تمرنا ممن يجعله شرابا خبيثا فإن الظاهر رجوع الضمير الي المبيع الخاص.

(3) المنسوب الي المشهور كما في لا جواهر، الجمع بين النصوص بحمل الاخبار المانعة علي الكراهة و استشهد له المصنف بقوله عليه السلام في خبر الحلبي كما في المتن و رفاعة كما في ساير النسخ بيعه ممن يطبخه أو يصنعه خلا أحب إلي.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 204

و يشهد له رواية الحلبي عن بيع العصير ممن يصنعه خمار، قال بيعه ممن يطبخه أو يصنعه خلا أحب إلي و لا أري به بأسا و غيرها، أو التزام الحرمة في بيع الخشب ممن يعمله صليبا أو صنما لظاهر تلك الاخبار و العمل في مسألة بيع العنب و شبهها علي الاخبار المجوزة، و هذا الجمع قول فصل لو لم يكن قولا بالفصل و كيف كان.

فقد يستدل علي حرمة البيع ممن يعمل انه يصرف المبيع في لاحرام بعموم النهي علي التعاون علي الاثم و العدوان (1) و قد يستشكل

______________________________

و فيه: انه يوهن هذا الجمع قوله عليه السلام في خبر أبي كهمس- هو ذا نحن نبيع تمرنا

ممن نعلم انه يصنعه خمرا و قوله عليه السلام في خبر رفاعة هو حلال ألسنا نبيع تمرنا ممن يجعله شرابا خبيثا لا سيما و ان ظاهر هما تكرار البيع المذكور كما لا يخفي و عليه فيتعين حمل الاحبية في خبر رفاعة علي الاحبية بحسب الاخلاق.

الاعانة علي الاثم

هذا كله بحسب الروايات.

و أما من حيث القواعد فقد استدل علي حرمة البيع ممن يعلم انه يصرف المبيع في الحرام بوجوه:

(1) الاول: بعموم النهي عن التعاون علي الاثم و العدوان كما في المتن.

يقع الكلام أولا: في حكم الاعانة علي الاثم.

ثمّ في تحقيق مفهوم الاعانة.

أما الاول: فلا يبعد القول بعدم حرمة الاعانة علي الاثم بما هي اعانة عليه.

لا لما قيل من ان الآية الشريفة «1». أريد بها الحكم التنزيهي بقرية المقابلة بالامر

______________________________

(1) سورة المائدة، آية 3.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 205

______________________________

بالاعانة علي البر و التقوي الذي ليس للالزام قطعا.

فإنه يمكن أن يدفع بأن الالتزام بجواز ما نهي عنه الشارع عند العقل، يتوقف علي ورود ترخيص من الشارع في لفعل، فمع عدمه يحكم العقل بلزوم المتابعة، و مجرد المقابلة بأمر غير الزامي لا يصلح قرينة علي ذلك كما لا يخفي.

بل لان المنهي عنه هو التعاون لا الا عانة، و هو من باب التفاعل، و هو عبارة عن اجتماع عدة من الاشخاص لإيجاد أمر و يكون ذلك صادرا عن جميعهم، كان يجتمعوا علي قتل نفس محترمة بأن يقتلوها جمعيا.

و أما الاعانة التي هي من باب الافعال فهي عبارة عن إيجاد مقدمات فعل الغير مع استقلال ذلك الغير في صدور الحرام و الاثم منه، فحرمة التعاون التي هي مدلول الآية الشريفة لا تستلزم حرمة الاعانة علي الاثم.

و الاستدلال لحرمتها بالاجماع، فاسد لعدم حجية المنقول

منه، مع انه يحتمل استناد المجمعين الي سائر الوجوه المذكور في المقام من الآية الشريفة، و أدلة النهي عن المنكر التي ستعرف تقريب الاستدلال بها و الجواب عنه.

فالاظهر عدم حرمة الاعانة علي الاثم لعدم الدليل عليها، و الاصل عدمها إلا ما خرج بالدليل كإعانة الظالمين و اعانة أعوانهم التين لا شبهة في حرمتها علي ما سيأتي مفصلا في البحث عن معونة الظالمين.

ثمّ بعد الغض عن ذلك كله يمكن ان يقال كما في الحدائق: بأن النصوص الواردة في بيع.

العنب تدل علي جواز الاعانة في المقام بعد الغاء الخصوصية، فالجمع بينها و بين أدلة حرمة الاعانة علي الاثم، يقتضي الالتزام بعدم الحرمة في المقام و أمثاله.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 206

______________________________

و ما ذكره المحقق النائيني قدس سره من أنه علي فرض تحقق موضوع العانة، لا إشكال في

حرمتها و لا يمكن تخصيص دليلها لان هذه من العناوين غير القابلة للتخصيص فإنها كنفس المعصية.

غير تام، لان الاعانة علي الاثم من العناوين التي لو لم يدل دليل علي حرمتها لما استقل العقل بلزوم تركها، بل كان مقتضي القاعدة جوازها و عليه فكما للشارع ان يحرمها بإطلاقها، له تحريم حصة خاصة منها.

و علي فرض حرمتها و انطباقها علي البيع في لمقام، لا تكون المعاملة فاسدة، بناء علي ما حققناه في محله من أن النهي لنفسي عن المعاملة و إن تعلق بالاعتبار الذي يعبر عنه بالمسبب لا يدل علي الفساد.

مع أنك قد عرفت عدم صدقها علي البيع، فلو صدقت فإنما تصدق علي إقباض المبيع، و أما الاعتبار النفساني، و إبرازه فليس شي ء منهما مصداقا للاعانة قطعا.

فتحصل: ان الاستدلال بعموم النهي عن التعاون علي الاثم في المقام غير صحيح من وجوه.

حقيقة الاعانة و مفهومها

المقام الثاني:

في بيان حقيقة الاعانة.

و قد اختلفت كلماتهم في ذلك غاية الاختلاف، مع ان مفهومها من المفاهيم العرفية،

و ستعرف الاقوال عند بيان الحق في المقام.

و كيف كان، فمحصل ما قيل في اعتباره في صدق هذا المفهوم أمور:

منها القصد الي وقوع الفعل من المعان.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 207

في صدق الاعانة بل يمن حيث لم يقع القصد الي وقوع الفعل من المعان بناء علي ان الاعانة هي فعل بعض مقدمات فعل الغير بقصد حصوله منه لا مطلقا (1) و أول من أشار الي هذا المحقق الثاني في حاشية الارشاد في هذا المسألة حيث انه بعد حكاية القول بالمنع مستندا الي الاخبار المانعة، قال: و يؤيده قوله تعالي:) و لا تعاونوا علي الاثم (و يشكل بلزوم عدم جواز بيع شي ء مما يعلم عادة التوصل به الي به محرم، لو تم هذا الاستدلال فيمنع معاملة أكثر الناس.

و الجواب عن الآية المنع من كون محل النزاع معاونة مع ان الاصل الاباحة، و انما يظهر المعاونة مع بيعه لذلك انتهي، و وافقه في اعتبار القصد في مفهوم الاعانة جماعة من متأخري المتأخرين كصاحب الكفاية و غيره.

______________________________

أما اعتبار القصد بمعني الاختيار و الارادة، الملازم للعلم معتبر قطعا، إذ مع عدم العلم بوقوع الحرام من الغير لا يحرم فعل المعني لعدم صدق الاعانة بلا قصد كما لعله الظاهر، او لعدم تنجز حرمته علي فرض صدق الاعانة إذا ترتب عليه المعان لفرض الجهل به، فعلي كل تقدير لا يحرم الفعل او لا تتنجز حرمته مع عدم العلم، و عليه فلا تترتب ثمرة علي النزاع في اعتبار القصد بهذا المعني و عدمه في صدق الاعانة.

(1) و أما القصد بمعني الداعي و الغرض من الفعل، فهو

الذي وقع الخلاف في اعتباره و قد اعتبره مطلقا جماعة منهم المحقق الثاني، و اختار جماعة آخرون عدم اعتبار كذلك، و نسب ذلك الي الاكثر.

و المصنف قدس سره تبعا، للمحقق الاردبيلي فصل بين الموارد، باعتبار في بعض الموارد و هو ما إذا لم تصدق الاعانة عرفا بدونه، كما إذا لم تنحصر فائدة مقدمة الحرام التي قصد الفاعل بفعلها الوصول إليها في المشروط المحرم، كبيع العنب ممن يعلم انه يجعله خمرا، و عدم اعتباره في لا مورد الآخر و هو ما إذا صدق ذلك عرفا مع عدم القصد كما إذا انحصرت فائدتها في المشروط المحرم كحصول العصا في يد الظالم المستعير لها من غيره لضرب أحد.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 208

______________________________

و قد استدل لاعتباره مطلقا: بأنه لو لا ذلك لزم عدم جواز بيع شي ء مما يعلم عادة

التوصل به الي محرم، فيمنع معاملة أكثر الناس.

و لعدم اعتباره كذلك بإطلاق علي أفعال مع عدم اقترانها بهذا القصد في جملة من النصوص: كالنبوي المروي عن الكافي عن مولانا الصادق عليه السلام: من أكل الطين فمات فقد أعان علي نفسه «1».

و العلوي الوارد في الطين المروي عن الكافي عنه عليه السلام: فإن أكلته و مت كنت قد اعنت علي نفسك «2»، و نحوهما ما ورد في أعوان الظلمة «3».

و فيهما نظر: إما الاول: فلانه إن أريد به النقض ببيع المأكولات و المشروبات مع العلم بأنه تحصل بها القوة علي ارتكاب المعاصي، فيرد عليه: أنه لا تصدق الاعانة في أمثال هذه الموارد لجهة اخري سيأتي التعرض لها بعد ذلك، و إن أريد به النقض بموارد بيع ما اقترن بالقصد تصدق الاعانة علي الاثم عليه، و لا مانع من صدقها من الجهات

الاخر.

فيرد عليه: انه لا مانع من الالتزام بفساد المعاملة في هذه الموارد.

و أما الثاني: فلان نصون الطين اطلقت الاعانة فيها علي أكل الطين، مجازا أو بالعناية لوجوه:

الاول: ان موردها من قبيل ارتكاب الحرام نفسه، و الاعانة انما تصدق بالنسبة الي فعل الغير كما سيجي ء.

الثاني: ان أكل الطين بنفسه موجب للقتل لا انه اعانة علي ما يوجب القتل.

الثالث: ان في موردها لا يعلم بترتب الحرام علي فعل الفاعل كما هو ظاهرها، و قد تقدم اعتبارها ذلك في صدقها، مع ان استعمالها أعلم من الحقيقة، و أصالة الحقيقة انما يرجع اليها لتشخيص المراد بعد معلومية الموضوع له، لا لتشخيص الموضع له بعد معلومية المراد.

______________________________

(1) الوسائل، باب 58 من أبواب الطعمة المحرمة.

(2) الوسائل، باب 58 من أبواب الطعمة المحرمة.

(3) الوسائل، باب 42، من أبواب ما يكتسب به.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 209

______________________________

و به يظهر ما في نصوص أعوان الظلمة، مع انه سيجي ء ان المحرم انما هو عون الظالم

مطلقا حتي في المباحات لا عونه في فعل الحرام.

فتحصل: انه دليل علي اعتباره مطلقا، و لا علي عدمه كذلك.

و المصنف قدس سره لما رأي صدقها في بعض الموارد مع عدم القصد، مثل إعطاء السيف لمن يريد قتل المظلوم و عدم صدقها في بعض موارد اخر مع عدم القصد التجأ الي الالتزام باعتبار القصد، الا في ما إذا انحصرت فائدة الشرط المعان عليه في لا مشروط المحرم.

و لكن الظاهر عدم اعتبار القصد في صدقها كما يظهر من لا رجوع الي موارد صدقها بدون القصد بعد عدم كونها من المشترك اللفظي، و عدم تصوير جامع بين الفعل مع القصد في بعض الموارد، و بدونه في آخر.

و أولي من ذلك في عدم الاعتبار قصد

الغير حينما يعان علي الشرط لفعل المشروط المحرم، كما عن ظاهر المصنف قد سره حيث التزم بأنه تصدق الاعانة علي الاثم إذا اعانه علي شرط الحرام مع العلم بصرفه في لاحرام و كان غرض المعين ذلك، ما لم يقصد الغير لفعل الحرام، فإنه لا دليل عليه شرعا، و لا عرفا اللهم إلا ان يقال ان مراد المصنف من ما ظاهره ذلك غيره، و سيأتي الكلام في بيان مراده فانتظر.

و الظاهر عدم صدق الاعانة علي كل فعل يتوقف عليه صدور الحرام من الغير، بل الظاهر اختصاصهما بما يكون من المقدمات الفاعلية لفعله، و بعبارة أخري: ما يقع في سلسلة علل فعل فاعل الاثم، و لا تصدق علي إيجاد نفس الفاعل، او حفظ حياته، و لا تهيئة موضوع الفعل.

و بذلك يظهر وجه عدم حرمة توليد الفاسق لمن يعلم ان في نسله من يرتكب الذنب، و عدم حرمة بيع المأكولات و المشروبات مع العلم بأنه يحصل للمشتري قوة علي المعصية، و عدم حرمة تجارة التاجر مع العلم بأنه يأخذ العاشر منه العشور، و عدم حرمة سفر الحاج الذي يعلم انه يؤخذ منه المال ظلما.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 210

هذا و ربما زاد بعض المعاصرين علي اعتبار القصد وقوع المعان عليه في تحقق مفهوم الاعانة في الخارج (1) و تخيل انه لو فعل فعلا بقصد تحقق الاثم الفلاني من الغير فلم يتحقق منه لم يحرم من جهة صدق الاعانة بل من جهة قصدها بناء علي ما حرره من حرمة الاشتغال بمقدمات الحرام بقصد تحققه، و انه لو تحقق الفعل كان حراما من جهة القصد الي المحرم، و من جهة الاعانة و فيه تأمل.

______________________________

كما انه ظهر الفرق بين هذه الامثلة

و بين إعطاء العصا لمن يريد ضرب المظلوم و تسليط المار علي العنب و ما شابههما.

كما انه ظهر انه لا بد من الالتزام بحرمة نقل التاجر أمواله الي الكمرك الذي عينه الظالم لأخذ العشور فيه، فإن ذلك ليس كأصل التجارة من محققات موضوع الظلم، بل من مقدمات الظلم، و الفرق بينهما كالفرق بين تسليط الخمار علي العنب و إيجاد العنب.

و بالجملة: بعد التدبر فيما ذكرناه لا أظن أن يبقي مورد لا يحرز صدق الاعانة أو عدمه حتي نحتاج الي الإحالية علي العرف، ثمّ ان هذا كله في المعين.

و أما في المعان فيعتبر أمران:

الاول: بقاء الاختيار في المعان بأن لا يكون فعل المعين علة تامة لصدور الفعل منه،

إذ حينئذ لا يكون صدور الفعل من المعان معصية و إثما، فلا يكون فعل المعين إعانة علي الاثم، نعم اذا كان المحرم هو ذلك الفعل الذي هو اسم المصدر و لم يلاحظ في تحققه حيث الانتساب أو كان عنوان الحرام هو العنوان الاعم الصادق علي السبب و المباشر حرم فعل المعين لكن لا من باب حرمة الاعانة علي الاثم بل من جهة اخري غير مربوطة بالمقام.

الثاني: تحقق الفعل المعان عليه منه، و هو الذي ذكره المصنف قدس سره بقوله:

(1)" و ربما زاد بعض الاساطين علي اعتبار القصد اعتبار وقوع المعان عليه في تحقق مفهوم الاعانة في لخارج"، إذ مع عدم تحققه لا يكون فعل المعين اعانة علي الاثم، بل كاني تخيل كونه كذلك، نعم كان فعله تجربيا و يعاقب عليه من هذه الجهة.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 211

فإنه حقيقة الاعانة علي الشي ء هو الفعل بقصد حصول الشي ء سواء حصل أم لا، و من اشتغل ببعض مقدمات الحرام الصادر عن

الغير بقصد التوصل اليه فهو داخل في الاعانة علي الاثم، و لو تحقق الحرام لم يتعدد العقاب (1) و ما أبعده ما بين ما ذكره المعاصر و بين ما يظهر من الاكثر من عدم اعتبار القصد، فعن المبسوط الاستدلال علي وجوب بذل الطعام لمن يخاف تلفه بقوله صلي الله عليه و آله: من أعان علي قتل مسلم و لو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة الله (2) و قد استدل في التذكرة علي حرمة بيع السلاح من اعداء الدين بأن فيه اعانة علي الظلم (3) و استدل المحقق الثاني علي حرمة بيع العصير المتنجس ممن يستحله بأن فيه اعانة علي الاثم.

______________________________

و لنعم ما أفاده بعض مشايخنا المحققين قدس سره حيث قال: و يمكن استشعار ذلك من قوله:

من أكل الطين فمات فقد أعان علي نفسه و في آخر فإن اكلته و مت فقد اعنت علي نفسك و المصنف قدس سره لم يذكر وجها لما اختاره من عدم اعتبار ذلك، سوي تكرار مدعاه و هو كما تري.

(1) نعم ما ذكره من أنه لو تحقق الحرام لم يتعدد العقاب، متين، إذ مع ترتب الحرام لا يكون فعل المعين تجرؤا بل معصية حقيقة، فليس عليه غير عقاب واحد.

(2) الظاهر ان استدلال شيخ الطائفة بقوله صلي الله عليه و آله «1» لوجوب بذل الطعام لخائف التلف، انما يكون بالفحوي و الاولوية كما يصرح بذلك المصنف قد سره فيما سيأتي و كيفية الاستدلال به حينئذ: انه اذا كان المعين علي قتل مسلم يكتب بين عينيه انه آيس من رحمة الله فالقاتل نفسه بترك بذل الطعام الموجب لتلفه اولي بأن يكون كذلك، و علي ذلك فيتم الاستدلال

لا انه اجنبي عن المقام بالمرة، فإنه علي هذا لا يدعي كون ترك البذل اعانة علي الاثم كما لا يخفي.

(3) سيأتي ان حرمة بيع السلاح لأعداء الدين ليست من باب الاعانة علي الاثم بل لاجل نصوص خاصة فانتظر.

______________________________

(1) عوالي اللآلي. 2، ص 333.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 212

و قد استدل المحقق الاردبيلي قدس سره علي ما حكي عنه من القول بالحرمة في مسألتنا بأن فيه اعانة علي الاثم، و قد قرره علي ذلك في الحدائق فقال: انه جيد في حد ذاته لو سلم من المعارضة بأخبار الجواز و في الرياض، بعد ذكر الاخبار السابقة الدالة علي الجواز، قال: و هذه النصوص و إن كثرت و اشتهرت و ظهرت دلالتها، بل ربما كان بعضها صريحا لكن في مقابلتها للاصول و النصوص المعتضدة بالعقول إشكال انتهي. (1) و الظاهر ان مراده بالاصول قاعة حرمة الاعانة علي الاثم، و من العقول حكم العقل بوجوب التوصل الي دفع المنكر مهما أمكن و يؤيد ما ذكره من صدق الاعانة بدون القصد إطلاقها في غير واحد من الاخبار (2) ففي النبوي المروي في الكافي عن أبي عبد الله عليه السلام من أكل الطين فمات فقد أعان علي نفسه، و في العلوي الوارد في الطين المروي «1» أيضا في الكافي عن أبي عبد الله عليه السلام فإن أكلته و مت فقد اعنت علي نفسك «2» و يدل عليه غير واحد مما ورد في أعوان الظلمة و سيأتي.

و حكي انه سأل بعض الاكابر، و قيل له: اني رجل أخيط للسلطان ثيابه فهل تراني داخلا بذلك في أعوان الظلمة، فقال له: المعين من يبيعك الابر و الخيوط، و أما أنت فمن الظلمة.

______________________________

(1) الظاهر ان

مراده بها ما ذكره المصنف قدس سره أي قاعدة حرمة الاعانة علي الاثم.

و الوجه في عدم العمل بالنصوص الخاصة في مقابلها لعله هو ما ذكره العامة النائيني قدس سره الذي تقدم في المقام الاول مع الجواب عنه.

و أما ما احتمله بعض الاعاظم من ان يكون مراده بها أصالة الفساد.

فهو بعيد غايته إذ عدم العمل بالنص الخاص في مقابل الاصل العملي غير معهود من الفقهاء.

(2) قد تقدم عند الاستدلال علي عدم اعتبار القصد الغائي، كيفية الاستدلال بهذه النصوص و الجواب عنه فراجع.

______________________________

(1) الوسائل باب 58 من أبواب الاطعمة و الاشربة، حديث 6.

(2) الوسائل باب 58 من أبواب الاطعمة و الاشربة، حديث 7.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 213

و قال المحقق الاردبيلي قدس سره في آيات أحكامه في الكلام علي الآية، الظاهر ان المراد الاعانة علي المعاصي مع القصد او علي الوجه الذي يصدق انها اعانة مثل ان يطلب الظالم العصا من شخص لضرب مظلوم فيعطيه اياها او يطلب القلب لكتابة ظلم فيعطيه اياه و نحو ذلك مما معونة عرفا، فلا تصدق علي التاجر الذي يتجر لتحصيل غرضه انه معاون للظالم العاشر في أخذ العشور و لا علي الحاج الذي يؤخذ منه المال ظلما و غير ذلك، مما لا يحصي فلا يعلم صدقها علي بيع العنب ممن يعمله خمرا او الخشب ممن يعمله صنما، و لذا ورد في الروايات الصحيحة جوازه و عليه الاكثر و نحو ذلك مما لا يخفي، انتهي كلامه، و رفع مقامه.

و لقد دقق النظر (1) حيث لم يعلق صدق الاعانة علي القصد، و لا أطلق القول بصدقه بدونه بل علقه بالقصد او بالصدق العرفي و إن لم يكن قصد لكن أقول:

لا شك في انه

إذا لم يكن مقصود الفاعل من الفعل وصول الغير الي مقصده و لا إلي مقدمة من مقدماته، بل يترتب عليه الوصول من دون قصد الفاعل فلا يسمي اعانة كما في تجارة التاجر بالنسبة الي أخذ العشور و مسير الحاج بالنسبة الي أخذ المال ظلما، و كذلك لا إشكال فيما إذا قصد الفاعل بفعله و دعاه اليه وصول الغير الي مطلبه الخاص، فانه يقال: انه اعانة علي ذلك المطلب فإن كان عدوانا مع علم المعين به صدق الاعانة علي العدوان، و انما الاشكال فيما إذا قصد الفاعل بفعله وصول الغير الي مقدمة مشتركة بين المعصية و غيرها مع العلم بصرف الغير اياها الي المعصية، كما إذا باعه العنب فإن مقصود البائع تملك المشتري له و انتفاعه به فهي اعانة له بالنسبة الي أصل تملك العنب، و لذا لو فرض ورود النهي من معاونة هذا المشتري الخاص في جميع اموره او في خصوص تملك العنب حرم بيع العنب عليه مطلقا.

______________________________

(1) قد مر ان صدق الاعانة علي العمل بلا قصد في بعض الموارد عرفا آية عدم اعتباره في صدقها مطلقا فراجع، و تقدم أيضا ان عدم صدقها في بعض موارد أخر كتجارة التاجر بالنسبة الي أخذ العشور، ليس لاجل عدم القصد، بل لفقد شي ء آخر مما يعتبر في صدقها وجوده.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 214

فمسألة بيع العنب ممن يعلم انه يجعله خمرا نظير إعطاء السيف او العصا لمن يريد قتلا او ضربا حيث ان الغرض من الاعطاء هو ثبوته بيده و التمكن منه، كما ان الغرض من بيع العنب تملكه له فكل من البيع و الاعطاء بالنسبة الي اصل تملك الشخص و استقراره في يده إعانة إلا ان

الاشكال في ان العلم بصرف ما حصل باعانة البائع و المعطي في الحرام هل يوجب صدق الاعانة علي الحرام أم لا، فحاصل محل الكلام هو ان الاعانة علي شرط الحرام مع العلم بصرفه في الحرام هل هي اعانة علي الحرام أم لا، فظهر الفرق بين بيع العنب و بين تجارة التاجر و مسير الحاج (1) و ان الفرق بين إعطاء السوط للظالم و بين بيع العنب لا وجه له، و ان اعطاء السوط إذا كان اعانة كما اعترف به فيما تقدم من) آيات الاحكام (كان بيع العنب كذلك كما اعرف به في شرح الارشاد فإذا بنينا علي ان شرط الحرام حرام مع فعله توصلا الي الحرام (2) كما جزم به بعض، دخل ما نحن فيه في الاعانة علي المحرم فيكون بيعا لعنب اعانة علي تملك العنب المحرم مع قصد التوصل به الي التخمير، و إن لم يكن اعانة علي نفس التخمير او علي شرب الخمر.

و ان شئت قلت: ان شراء العنب للتخمير حرام كغرس العنب لاجل ذلك،

فالبائع انما يعين علي الشراء المحرم، نعم لو لم يعلم ان الشراء لاجل التخمير لم يحرم،

و ان علم انه سيخمر العنب بإرادة جدية منه، و كذا الكلام في بائع الطعام علي من يرتكب المعاصي فانه لو علم ارادته من الطعام المبيع التقوي به عند التملك علي المعصية حرم البيع منه.

______________________________

(1) قد عرفت ان الفرق بينهم، ليس في ان التاجر لا يقصد بتجارته وصول العاشر الي أخذ العشور، و لا إلي مقدمة من مقدماته بخلاف بايع العنب، و لا ان بيع العنب اعانة علي شرط الحرام المحرم بخلاف تجارة التاجر، بل ان تجارة التاجر من قبيل تهيئة الموضوع و بيع

العنب من قبيل ايجاد مقدمة من مقدمات الفعل.

(2) ظاهر المصنف و المحقق النائيني، التسالم علي حرمة مقدمة الحرام إذا أتي بها توصلا الي الحرام، و انما الكلام في ان منشأ هذا الحكم هل هو التجري، او الملازمة بين حرمة الشي ء و حرمة مقدمته.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 215

و أما العلم بأنه يحصل من هذا الطعام قوة علي المعصية يتوصل بها اليها فلا يوجب التحريم هذا، و لكن الحكم بحرمة الاتيان بشرط الحرام توصلا اليه قد يمنع الي من حيث صدق التجري، و البيع ليس اعانة عليه و ان كان اعانة علي الشراء الا انه في نفسه ليس تجريا (1) فإن التجري يحصل بالفعل المتلبس بالقصد و توهم ان الفعل مقدمة له فيحرم الاعانة (2) مدفوع بأنه لم يوجد قصد الي التجري حتي يحرم و الا لزم التسلسل فافهم. (3) نعم لو ورد النهي بالخصوص عن بعض شروط الحرام كالغرس للخمر دخل الاعانة عليه في الاعانة علي الاثم، كما انه لو استدللنا بفحوي ما دل علي لعن الغارس علي حرمة التملك للتخمير حرم الاعانة عليه أيضا بالبيع، فتحصل مما ذكرناه ان قصد الغير لفعل الحرام معتبر قطعا في حرمة فعل المعين، و ان محل الكلام هي الاعانة علي شرط الحرام بقصد تحقق الشرط دون المشروط، و انها هل تعد اعانة علي المشروط فتحرم أم لا؟

______________________________

و لكن الاظهر كما حققاه في الاصول عدم الحرمة، و ان قصد المعصية مع عدم

التلبس بها، او بما يعتقد كونه حراما لا يكون حراما و ان اشتغل بالمقدمات.

(1) قد مر ان التجري الذي يعاقب عليه هو التجري بإتيان ما يعتقد كونه حراما و الاشتغال بمقدمات الحرام و لو بقصد التوصل الي الحرام

لا يعاقب عليه و لا يكون محرما،

ثمّ مع الاغماض عن ذلك و تسليم كونه محرما من باب التجري بما ان الفعل حينئذ حرام بذاته لكونه جزء من المحرم و البيع الخارجي علي الفرض اعانة عليه فهو اعانة علي الاثم

(2) محصله بعد اصلاحه بأن المراد من كون الفعل مقدمة، كونه مقدمة داخلية اي جزء من الكل المحرم يرجع الي ما ذكرناه و عليه.

(3) فالجواب عنه بأن الشراء مقدمة للتجري المحرم، فحرمته ان ثبتت لا بد و أن تكون لاجل كونه مقدمة للحرام فيكون تجريا، و حيث ان كونه تجريا يتوقف علي القصد،

فلا بد فيه من القصد الي التجري و هو علي الفرض معدوم، و علي فرضه ينقل الكلام الي ذات الشراء و هكذا الي ان يتسلسل كما في المتن مع توضيح منا.

غير تام إذ لا يعتبر القصد المزبور أي قصد التوصل به الي التجري في حرمة المقدمة.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 216

فلا تحرم ما لم يثبت حرمة الشرط من غير جهة التجري و ان مجرد بيع العنب ممن يعلم انه سيجعله خمرا من دون العلم بقصده ذلك من الشراء ليس محرما أصلا لا من جهة الشرط و لا من جهة المشروط (1) و من ذلك يعلم ما فيما تقدم عن حاشية الارشاد من أنه محل الكلام فيما يعد شرطا للمعصية الصادرة عن الغير، فما تقدم من المبسوط من حرمة ترك بذل الطعام لخائف التلف مستندا الي قوله عليه السلام من أعان علي قتل مسلم الخ. محل تأمل، الا ان يريد الفحوي و لذا استدل في المختلف بعد حكاية ذلك عن الشيخ بوجوب حفظ النفس مع القدرة و عدم الضرر.

ثمّ انه يمكن التفصيل (2) في شروط الحرام

المعان عليه بين ما ينحصر فائدته و منفعته عرفا في المشروط المحرم كحصول العصا في يد الظالم المستعير لها من غيره لضرب أحد فإن ملكه للانتفاع به في هذا الزمان ينحصر فائدته عرفا في الضرب و كذا من استعار كأسا ليشرب الخمر فيه و بين ما لم يكن كذلك كتمليك الخمار للعنب،

فإن منفعته التمليك و فائدته غير منحصرة عرفا في الخمر حتي عند الخمار فيعد الاول عرفا اعانته علي المشروط المحرم بخلاف الثاني.

______________________________

الداخلية، و انما هو معتبر في لمقدمات الخارجية و لعله لذلك أمر بالفهم.

(1) إن أراد بذلك اعتبار قصده حين صدور الفعل من المعين، و ان ان أتي المعين بشرط الحرام مع علمه بأن الغير يصرفه في الحرام بإرادته جديدة منه بداعي ذلك، لا تصدق الاعانة علي الاثم: لعدم قصد ذلك الغير لفعل الحرام حين صدور الفعل من المعين،

كما لعله الظاهر منه فقد عرفت عند بيان تنقيح موضوع الاعانة، انه لا دليل علي اعتبار ذلك لا عرفا و لا شرعا، و إن اراد اعتبار صدور الحرام من الغير قصدا حين ما يصدر حتي يتصف بالحرمة، فهو متين كما تقدم الكلام فيه عند بيان ما يعتبر في المعان،

إلا انه لا يتم علي مسلكه و هو عدم اعتبار وقوع المعان عليه إذ لو لم يكن ذلك معتبرا في صدقها فعدم اعتبار صدوره عن قصد أولي بعدم الاعتبار كما لا يخفي.

(2) و فيه مضافا الي ما تقدم عند تنقيح موضع الاعانة ان العزم علي ان يصرف

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 217

و لعل من جعل بيع السلاح من أعداء الدين حال قيام الحرب من المساعدة علي المحرم، و جوز بيع العنب ممن يعمله خمرا كالفاضلين في الشرائع و

التذكرة و غيرهما نظر الي ذلك و كذلك المحقق الثاني حيث منع من بيع العصير المتنجس علي مستحله مستندا الي كونه من الاعانة علي الاثم و منع من كون بيع العنب ممن يعلم انه يجعله خمرا من الاعانة، فإن تملك المستحل للعصير منحصر فائدته عرفا عنده في الانتفاع به حال النجاسة بخلاف تملك العنب، و كيف كان فلو ثبت تميز موارد الاعانة من العرب فهو و الا فالظاهر مدخلية قصد المعين:

نعم يمكن الاستدلال علي حرمة بيع الشي ء ممن يعلم انه يصرف المبيع في الحرام بأن دفع المنكر كرفعه واجب و لا يتم الا بترك البيع فيجب (1) و إليه أشار المحقق الاردبيلي قدس سره حيث استدل علي حرمة بيع العنب في المسألة بعد عموم النهي عن الاعانة بأدلة النهي عن المنكر.

______________________________

الشي ء في مصرف خاص لا يوجب حصر فائدته فيه.

مع انه يمكن ان يقال ان صدق الاعانة علي الاثم في اعطاء العصا للظالم المستعير لها من غيره لضرب المظلوم، انما يكون لظهور الحال في ان المعطي قصده الغائي من الاعطاء ذلك لا سيما و ان العارية عبارة عن الاذن في الانتفاع و عليه فلا وجه للتفصيل المزبور.

وجوب دفع المنكر.

(1) هذا هو الوجه الثاني: مما استدل به لحرمة بيع الشي ء ممن يعلم انه يصرفه في الحرام و هي ادلة النهي عن المنكر استدل بها المحقق الاردبيلي قدس سره لحرمة بيع العنب في المسألة و تقريب الاستدلال بها انه كما يجب رفع المنكر كذلك يجب دفعه، و لا يتم الا بترك البيع، فيصير ترك البيع واجبا و فعله حراما و لا أقل من انه معصية.

و لكن يرد علي الاستدلال بأدلة النهي عن المنكر: انه و إن كان لا معني

لرفعه المنكر.

إذ ما وقع لا يمكن إعدامه و رفعه، بل الرفع في هذا المقام أريد به الدفع، مثلا من شرع

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 218

و يشهد بهذا ما ورد من انه لو لا ان بني أمية وجودا من يجبي لهم الصدقات و يشهد جماعتهم ما سلبوا حقنا (1) دل علي مذمة الناس في فعل ما لو تركوه لم يتحقق المعصية من بني أمية، فدل علي ثبوت الذم لكل ما لو ترك لم يتحقق المعصية من الغير، و هذا و ان دل بظاهره علي حرمة بيع العنب و لو ممن يعلم انه سيجعله خمرا مع عدم قصد ذلك حين الشراء الا انه لم يقم دليل علي وجوب تعجيز من يعلم انه سيهم بالمعصية، و انما الثابت من النقل و العقل القاضي بوجوب اللطف وجوب ردع من هم بها و أشرف عليها بحيث لو لا الردع لفعلها او استمر عليها.

______________________________

في شرب الخمر فبالنسبة الي المقدار من الشرب الذي تحقق لا معني لرفعه و لا لإيجابه و بالنسبة الي الباقي يكون دفعا، فالنهي عن المنكر مطلقا ايجاب للدفع لا الرفع.

إلا أن الادلة أي ادلة النهي عن المنكر بحسب المدلول اللفظي، مختصة بمن شرع في الحرام، فالاستدلال بها لوجوب ردعه من هم به و اشرف عليه يتوقف علي إحراز وجود المناط فيه، بدعوي ان المناط هو عدم وجود المنكر في الخارج، و دونه خرط القتاد، و إلا لزم الالتزام بأن ترك إيجاد الفاعل للحرام و إبقائه، و تهيئة، و تهيئة الموضوع للحرام، كتجارة التاجر بالنسبة الي أخذ العشور من قبيل الفعل الواجب، لكون كل واحد منها موجبا لعدم وجود المنكر في الخارج.

و مع الاغماض عن ذلك، ما به يدفع

المنكر انما هو ترك الاقباض لا ترك البيع، و علي فرض كونه ترك البيع، و بنينا علي وجوب دفع المنكر، غاية ما يثبت بهذا الدليل هي الحرمة لا الفساد: لما حققناه في أول الكتاب من أن حرمة المعاملة لا تلازم فسادها.

(1) و قد استشهد المصنف لوجوب دفع المنكر بخبر ابن أبي حمزة عن الامام الصادق عليه السلام لو لا ان بني أمية وجدوا لهم من يكتب و يجبئ لهم الفي ء و يقاتل عنهم و يشهد جماعتهم لما سلبوا حقنا «1».

______________________________

(1) الوسائل، باب 47، من أبواب ما يكتسب به، حديث 1.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 219

ثمّ إن الاستدلال المذكور انما يحسن مع علم البائع بأنه لو لم يبعه لم يحصل المعصية لانه حينئذ قادر علي الردع، اما لو لم يعلم ذلك أو علم بأنه يحصل منه المعصية بفعل الغير فلا يتحقق الارتداع بترك البيع، كمن يعلم عدم الانتهاء بنهيه عن المنكر. (1)

______________________________

و كيفية الاستدلال به: ان الظاهر منه كون وجه حرمة الجباية و حضور الجماعة:

انهما يوجبان سلب الحق الذي هو محرم، فبعد الغاء الخصوصية يكون المستفاد منه حرمة كل ما يوجب تركه عدم تحقق المعصية من الغير.

و فيه: إنه لا وجه لإلغاء الخصوصية، مع احتمال ان يكون لسلب الخلافة الذي هو من أعظم المحرمات لكونه المنشأ و الاساس لصدور سائر المنكرات خصوصية.

أضف الي ذلك كله: انه لو سلم كون دفع المنكر كرفعه واجبا و اغمض عن سائر الايرادات و سلمنا ثبوت حرمة بيع الشي ء ممن يعلم انه يصرفه في الحرام، كبيع العنب ممن يعلم انه سيجعله خمرا، لكنه لا يدل ذلك علي الحرمة مطلقا، و إن يقصد ذلك حين الشراء، لان الادلة مختصة بما إذا هم

بالمعصية و أشرف عليها، و لا تشمل ما إذا كان سيهم بالمعصية و ذلك.

فإن أدلة النهي عن المنكر النقلية قد عرفت اختصاصها بمن شرع في الحرام، و غاية ما يمكن ان يقال هو التعدي عن موردها الي من همّه الشروع فيه، فلا وجه للتعدي الي من سيهم بالشروع فيه.

و أما دليل العقل: و إن أثبتنا في هذا الشرح تبعا للشيخ و العلامة و الشهيدين و غيرهم من الاساطين انه يدل علي وجوب رفع المنكر و دفعه إلا ان المتيقن منه صورة الاشراف علي الحرام.

و أما الخبر: فلان قصد بني امية سلب حق أولياء الله معلوم، مع احتمال الاختصاص بمورده كما عرفت.

(1) و ملخص القول في المقام: انه تارة نلتزم بأن الواجب انما هو دفع كل فرد من أفرد المنكر بحيث يتعد الوجوب بتعدد أفراد المنكر، و أخري نلتزم بأن الواجب هو دفع طبيعة المنكر، بمعني ان الواجب هو حفظ وعاء الخارج من المنكر.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 220

و توهم ان البيع حرام علي كل أحد فلا يسوغ لهذا الشخص فعله معتذرا بأنه لو تركه لفعله غيره مدفوع بأن ذلك فيما كان محرما علي كل واحد علي سبيل الاستقلال فلا يجوز لواحد منهم الاعتذار بأن هذا الفعل واقع لا محالة و لو من غيري فلا ينفع تركي له.

______________________________

فعلي الاول: بما انه يحرم تخمير كل فرد من العنب مستقلا، لكون النهي المتعلق بالتخمير منحلا الي نواهي متعددة حسب ماله من الافراد، و لذا لو خمر فردا من العنب، ثمّ بعده خمر فردا آخر يعاقب عقابين، بخلاف ما اذا لم يعقبه بتخمير فرد آخر، فإنه يعاقب عقابا واحدا، فترك بيع كل فرد من الافراد دفع لمنكر خاص فهو

واجب تركه آخرون أم لا.

و بعبارة اخري: علي هذا لا يكون الواجب شيئا واحدا علي المجموع، بل يكون الواجب متعددا حسب تعدد افراد بيع العنب، فكل مكلف متوجه اليه تكليف خاص غير مربوط بغيره، فيجب عليه ترك البيع، و ان كان جاهلا بأنه لو لم يبعه يبيعه غيره، بل و ان علم بحصوله.

نعم لو علم بأنه لو ترك البيع يبيعه غيره، و كان ذلك الغير عازما علي البيع، و كان بيعه موجبا لترك ذلك البيع، يمكن القول بالجواز من جهة انه كما يكون في الفرض ترك البيع دفعا لفرد من المنكر، كذلك يكون البيع دفعا لمنكر آخر و هو بيع الغير.

2- و حيث ان المفروض انه أيضا يهتم بالبيع بحيث لو لم يبع هذا يبيعه ذاك، فهو دفع للمنكر فيجب و بما انه لا يمكن الموافقة لهما فلا محالة يتخير بينهما، فيجوز له البيع أيضا.

و لكن ذلك يتم فيما لم يتمكن من دفع بيع الغير بوجه آخر، و الا فيجب ترك البيع و ذلك الوجه كما لا يخفي، فتدبر، فإن ذلك مع دقته قابل للمنع، فإنه لو كان بيع الغير حراما يكون بيع نفسه أيضا حراما لعين ذلك الملاك، و عليه فلا يكون دفع المنكر المنطبق علي البيع واجبا، فإن دفع المنكر بفعل الحرام لا يجب، هذا فيما إذا كان المشتري عازما علي تخمير أحد العنبين، و إلا فلا وجه للقول بالجواز أصلا كما لا يخفي.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 221

أما إذا وجب علي جماعة شي ء واحد كحمل ثقيل مثلا بحيث يراد منهم الاجتماع عليه، فإذا علم واحد من حال الباقي عدم القيام به و الاتفاق معه في إيجاد الفعل كان قيامه بنفسه بذلك الفعل

لغوا فلا يجب، و ما نحن فيه من هذا القبيل، فان عدم تحقق المعصية من مشتري العنب موقوف علي تحقق البيع من كل بائع،

فترك المجموع للبيع سبب واحد لترك المعصية، كما ان بيع واحد منهم علي البدل شرط لتحققها فإذا علم واحد منهم عدم اجتماع الباقي معه في تحصيل السبب و المفروض ان قيامه منفردا لغو سقط وجوبه. (1)

______________________________

(1) و علي الثاني: بما ان دفع المنكر انما يكون بترك المجموع البيع، و لا يتحقق بترك البائع مع تصدي الغير له، فقد يقال بعدم وجوب ترك البيع كما في المكاسب و تبعه المحقق النائيني قدس سره بدعوي انه لا يتحقق الارتداع بترك البيع، فهو كمن يعلم عدم الانتهاء بنهيه عن المنكر، و بعبارة اخري: بعد كون الواجب علي الجميع شيئا واحدا و هو ترك المجموع للبيع، فإذا علم واحد عدم قيام غيره به كان قيامه بنفسه بذلك الفعل لغوا فلا يجب.

و لكن هذا الوجه فاسد، و هو يتضح بعد بيان كيفية وجوب فعل واحد علي جماعة.

و حاصلها انه: لا يكون الواجب علي كل فرد ذلك الفعل لا مطلقا لكونه غير مقدور له و لا مشروطا بموافقة الآخرين، و إلا لزم عدم تحقق العصيان بترك الجميع، و هو خلاف الفرض، فلا محيص عن الالتزام بكونه غرضا من الفعل الواجب علي كل فرد أي الغرض الاقصي، لا الغرض الموجب لتوجه التكليف، و إلا لما صح تخلفه عن فعل كل واحد، فيجب علي كل فرد الاقدام بما في وسعه من المقدمات، و عليه فلا وجه لدعوي ان قيامه به بالاتيان بما في وسعه مع علمه بترك الغير لغو، فإن اللغوية بمعني عدم ترتب الغرض الاقصي لا توجب سقوط التكليف.

لا

يقال: إن هذا الوجوب ليس نفسيا لعدم كون متعلقه مطلوبا أصليا، فإن المطلوب الاولي هو ذلك العنوان المترتب علي فعل الجميع، و لا واجبا غيريا لعدم كون متعلقه مقدمة لواجب آخر.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 222

و ما تقدم من الخبر في بني امية فالذّمّ فيه انما هو علي إعانتهم بالامور المذكورة في الرواية و سيأتي تحريم كون الرجل من أعوان الظلمة حتي في المباحات التي لا دخل لها برئاستهم فضلا عن مثل جباية الصدقات و حضور الجماعات و شبههما مما هو من أعظم المحرمات.

و قد تلخص مما ذكرنا ان فعل ما هو من قبيل الشرط لتحقق المعصية من الغير من دون قصد توصل الي الغير به الي المعصية غير محرم لعدم كونها في العرف إعانة مطلقا أو علي التفصيل الذي احتملناه أخيرا، و أما ترك هذا الفعل فإن كان سببا يعني علة تامة لعدم المعصية من الغير كما إذا انحصر العنب عنده وجب لوجوب الردع عن المعصية عقلا و نقلا.

______________________________

فإنه يقال: ان الواجب النفسي ليس عبارة عن المطلوب الاولي، و إلا لزم عدم كون

شي ء من الواجبات النفسية واجبا نفسيا، الا معرفة الله تعالي، بل هو عبارة عما وجب و لم يكن مقدمة لواجب آخر.

مع انه يمكن ان يقال: إن المطلوب الاولي في الفرض هو ما ينطبق علي فعل الجميع،

ففعل كل واحد جزء من الواجب النفسي لا مقدمة لحصوله.

و علي ذلك ففي المقام دفع المنكر انما يكون بترك الجميع البيع، فيجب علي كل واحد ان يترك البيع مستقلا، فلا يسوغ له الاعتذار ببناء الغير علي عدم الترك أي الفعل فلا ينفع تركي.

و يؤيد ذلك الخبر «1» الوارد في من يجبي المال الي بني أمية فانه عليه

السلام حكم بحرمة الفعل بقول مطلق، و إن لم يترتب عدم سلب الحق علي فرض ترك ما هو مقدمة لسلب الحق عنهم عليهم السلام.

______________________________

(1) الوسائل، باب 47، من أبواب ما يكتسب به.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 223

و أما لو لم يكن سببا بل كان السبب تركه منضما الي ترك غيره، فإن علم او ظن) او احتمل (1) قيام الغير بالترك وجب قيامه به أيضا، و إن علم او ظن عدم قيام الغير سقط عنه وجوب الترك لان تركه بنفسه ليس برادع حتي يجب، نعم هو جزء للرادع المركب من مجموع تروك أرباب العنب لكن يسقط وجوب الجزء إذا علم بعدم تحقق الكل في الخارج، فعلم مما ذكرناه في هذا المقام ان فعل ما هو شرط للحرام الصادر من الغير يقع علي وجوه:

) احدها (: ان يقع من الفاعل قصدا منه لتوصل الغير به الي الحرام، و هذا لا إشكال في حرمته لكونه اعانة. (2)) الثاني (: ان يقع منه من دون قصد لحصول الحرام و لا لحصول ما هو مقدمة له مثل تجارة التاجر بالنسبة الي معصية العاشر فإنه لم يقصد بها تسلط العاشر عليه الذي هو شرط لأخذ العشر، و هذا لا إشكال في عدم حرمته (3).

______________________________

(1) المراد به الاحتمال المساوي لقوله و ان علم او ظن، و الوجه في حكمه بالوجوب مع الظن او احتمال قيام الغير به.

مع انه في الموردين يشك في صدق عنوان الدفع الواجب بالشبهة المصداقية،

و المختار عنده جريان البراءة فيه.

انما هو ما دل من النصوص علي وجوب النهي عن المنكر مع احتمال التأثير.

و بذلك يظهر ما في كلمات المحشين في المقام التي ذكروها إيرادا علي المصنف قدس سره.

نعم ما

ذكروه من التهافت بين كلماته حيث انه مر منه آنفا عدم وجوب الترك إذا احتمل قيام الغير به وارد عليه.

(2) ما أفاده من عدم الجواز علي القول بحرمة الاعانة علي الاثم تام.

و لكن قد عرفت ما في المبني.

(3) و لكن بناء علي حرمة الاعانة علي الاثم، الاظهر حرمة ذلك إذا كان الفعل واقعا في سلسلة علل فعل الغير المحرم لا في مثل المثال المذكور الذي هو من قبيل إيجاد

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 224

الثالث: ان يقع منه بقصد حصول ما هو من مقدمات حصول الحرام عن الغير لا لحصول نفس الحرام منه و هذا قد يكون من دون قصد الغير التوصل بذلك الشرط الي الحرام كبيع العنب من الخمار المقصود منه تملكه للعنب الذي هو شرط لتخميره لا نفس التخمير مع عدم قصد الغير أيضا التخمير حال الشراء، و هذا أيضا لا إشكال في عدم حرمته (1) و قد يكون مع قصد الغير التوصل به الي الحرام أعني التخمير حال شراء العنب و هذا أيضا علي وجهين:

) احدهما (: ان يكون ترك هذا الفعل من الفاعل علة تامة لعدم تحقق الحرام من الغير و الاقوي هنا وجوب الترك و حرمة الفعل.

) و الثاني (: ان لا يكون كذلك بل يعلم عادة او يظن بحصول الحرام من الغير من غير تأثير لترك ذلك الفعل و الظاهر عدم وجوب الترك (2) حينئذ بناء علي ما ذكرنا من اعتبار قصد الحرام في صدق الاعانة عليه مطلقا او علي ما احتملنا من التفصيل.

______________________________

الموضوع، فإنه يصدق عليه الاعانة علي الاثم لما تقدم من عدم اعتبار القصد الغائي في صدقها ثمّ علي فرض عدم صدقها يمكن ان يقال بوجوب الترك بناء

علي وجوب دفع المنكر لكونه دفعا له.

(1) و لكن: هذا يتم بناء علي اعتبار القصد الغائي في صدق الاعانة و عدم وجوب تعجيز من سيهم بالمعصية كما اختارهما المصنف قدس سره فإنه علي ذلك لا يشمله دليل وجوب دفع المنكر، و لاما دل علي حرمة الاعانة علي الاثم.

(2) قد مر انه علي القول بوجوب دفع المنكر، و حرمة الاعانة علي الاثم لا بد من القول بحرمة الفعل، و وجوب الترك في هذا الفرض، فراجع ما حققناه آنفا.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 225

ثمّ كل مورد حكم فيه بحرمة البيع من هذه الموارد الخمسة، فالظاهر عدم فساد البيع لتعلق النهي بما هو خارج عن المعاملة أعني الاعانة علي الاثم او المسامحة في الردع عنه (1) و يحتمل الفساد لإشعار قوله عليه السلام في رواية التحف المقدمة بعد طوله: و كل بيع ملهو به و كل منهي عنه مما يتقرب به لغير الله أو يقوي به الكفر و الشرك في جميع وجوه المعاصي او باب يوهن به الحق فهو حرام محرم بيعه و شراؤه و إمساكه الخ. (2) بناء علي ان التحريم مسوق لبيان الفساد في تلك الرواية كما لا يخفي لكن في الدلالة تأمل، و لو تمت لثبت الفساد مع قصد المشتري خاصة للحرام لان الفساد لا يتبعض.

______________________________

(1) الظاهر ان مراده بذلك ان النهي إذا تعلق بالمعاملة يمكن دعوي ظهوره في الارشاد الي الفساد، و أما إذا تعلق بأمر خارج- أي كلي منطبق عليها كعنوان الاعانة علي الاثم- لا مناص من حمله علي إرادة الحرمة، و حيث انها لا تلازم الفساد فلا يستفاد منه الفساد، و المقام من قبيل الثاني لا الأول، و هو حق متين كما

تقدمت الاشارة اليه.

(2) الاستدلال بها يتوقف علي أمور: الاول: اعتبارها سندا. و الثاني: شمول جملة من جملاتها لما نحن فيه. الثالث: دلالتها علي الفساد لا الحرمة، بناء علي المختار عندنا و عنده، من عدم تلازم الحرمة مع الفساد.

أما الاول: فقد مر الكلام فيه في أول الكتاب، و عرفت ان الاظهر عندنا هو العدم.

و أما الثاني: فغاية ما يمكن ان يقال في وجه شمولها لما نحن فيه: ان كل معصية و منها الاعانة علي الاثم، يتقرب بها الي الشيطان، فيشملها قوله عليه السلام و كل ما يتقرب به الي غير الله او ان كل معصية داخلة فيما يوهن به الحق فيشملها قوله عليه السلام أو باب يوهن به الحق،

أو ان كل معصية يقوي بها الكفر و الشرك فيشملها قوله عليه السلام أو يقوي به الكفر و الشرك في جميع وجوه المعاصي

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 226

القسم الثالث: ما يحرم لتحريم ما يقصد منه شأنا (1)
اشارة

بمعني ان من شأنه ان يقصد منه الحرام، و تحريم هذا مقصور علي النص إذ لا يدخل ذلك تحت الاعانة خصوصا مع عدم العلم بصرف الغير له في الحرام كبيع السلاح من أعداء الدين مع عدم قصد تقويهم، بل و عدم العلم باستعمالهم لهذا المبيع الخاص في حرب المسلمين، إلا ان المعروف بين الاصحاب حرمته (2) بل لا خلاف فيها و الاخبار بها مستفيضة.

______________________________

و لكن يرد علي الجميع: ان ذلك كله يتوقف علي حرمة البيع و قد مر عدمها.

و يرد علي الاول: ان الظاهر ان المراد بما يوهن به الحق هو كل ما يوجب وهن المذهب لا كل معصية و لو لم تكن مربوطة به، إذ المراد من الحق ذلك.

و يرد علي الثاني: ان المراد بما يتقرب به الي غير

الله ما يعبد به غير الله كالصنم و الصليب لا كل معصية، و بذلك ظهر ما يرد علي الثالث.

بيع السلاح لأعداء الدين

(1) لا يخفي انه بعد اختصاص النصوص بمورد خاص و هو بيع السلاح لأعداء الدين و البناء علي عدم التعدي عن موردها و الالتزام بعدم كون مقتضي القواعد هي الحرمة في كل ما لا يقصد منه الحرام شأنا، كما بني علي جميع ذلك المصنف قدس سره لا يحسن عنوان المسألة هكذا، بل كان الاولي عنوان المسألة بنحو يختص ببيع السلاح.

(2) لا خلاف بين الاصحاب في حرمة بيع السلاح لأعداء الدين، و قد اختلفت كلماتهم في التعميم و التخصيص علي أقوال:

منها: ما عن الشيخين و الديلمي و الشهيد: و هو التحريم مطلقا، لكن ظاهر بعضهم التحريم في بيع السلاح للكفار، و لم يتعرضوا لبيعه من المخالف، بل يمكن نسبة ذلك الي جميعهم، و عليه فلا يحرز ان يكون هذا قولا في قبال ما اختاره صاحب المستند و تبعه بعض من تأخر عنه، و هو التحريم مطلقا بالنسبة الي المشركين، و التفصيل بين حال المباينة

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 227

______________________________

و الصلح بالنسبة الي المخالفين.

و منها: التحريم في حال قيام الحرب، نسب ذلك الي المشهور.

و منها: التحريم في حال المباينة، نسب ذلك الي جماعة.

و منها: ما عن المسالك، و هو التحريم في حال الحرب و التهيؤ له.

و منها: ما اختاره في الجواهر اولا، و هو التحريم مع أحد الامرين من، القصد الي المساعدة، و قيام الحرب، و لكن بما انه يرجع عن ذلك في آخر كلامه، و يختار القول الثاني فلا يمكن جعل ذلك قولا في المسألة.

و منها: التحريم مع القصد الي المساعدة و قيام الحرب.

و منها: التحريم مع

قصد المساعدة خاصة. هذه هي مجموع أقوال المسألة.

و أما الادلة فقد استدل للتحريم مطلقا بالنسبة الي الكفار بقوله تعالي) و لن يجعل الله للكافرين علي المؤمنين سبيلا «1».

و بقوله صلي الله عليه و آله: الاسلام يعلو و لا يعلي عليه «2».

و بقوله في خبر تحف العقول: او يقوي به الكفر و الشرك «3».

بدعوي ان بيع السلاح لأعداء السدين و لو في حال الهدنة، إثبات سبيل لهم علي المسلمين،

و إعلاء لكلمتهم و تقوية للكفر و الشرك.

و لكن يرد علي ذلك:

اولا ان هذه العناوين انما تنطبق علي إقباض السلاح لا علي بيعه.

و ثانيا: سيأتي في مسألة بيع العبد المسلم من الكافر، انه يحتمل ان تكون الآية الشريفة واردة في مقام بيان ما يرجع الي أمر الآخرة، كما يحتمل ان يكون المراد بالسبيل الحجة، و عليهما فهي أجنبية عن المقام.

______________________________

(1) سورة النساء، آية 142.

(2) الوسائل، باب 1، من أبواب موانع الارث، حديث 11.

(3) الوسائل، باب 2، من أبواب ما يكتسب به، حديث 1.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 228

منها رواية الحضرمي فقال: دخلنا علي أبي عبد الله عليه السلام فقال له حكم السراج: ما تقول فيمن يحمل الي الشام من السروج و أداتها، قال: لا بأس انتم اليوم بمنزلة أصحاب رسول الله صلي الله عليه و آله و انتم في هدنة فإذا كانت المباينة حرم عليكم أن تحملوا اليهم السلاح و السروج.

و منها رواية هند السراج، قال: قلت لابي جعفر عليه السلام أصلحك الله اني كنت أحمل السلاح الي أهل الشام فأبيعه منهم، فلما عرفني الله هذا الامر ضقت بذلك و قلت: لا أحمل الي أعداء الله فقال: أحمل اليهم و بعهم فان الله يدفع بهم عدونا و عدوكم

يعني الروم فاذا كانت الحرب بيننا فلا تحملوا فمن حمل الي عدونا سلاحا يستعينون به علينا فهو مشرك، و صريح الروايتين اختصاص الحكم بصورة قيام الحرب بينهم و بين المسلمين بمعني وجود المباينة. (1) في مقابل الهدنة و بهما يقيد

______________________________

و أما النبوي: فالظاهر منه ان الاسلام يغلب بنفسه علي سائر الاديان. و بعبارة اخري: ظاهره وروده في مقام التكوين، لا التشريع، مضافا الي انه مرسل.

و أما الخبر: فقد مر انه ضعيف لا يعبأ به.

كما انه قد استدل للتحريم بما دل علي حرمة الاعانة علي الاثم، و بما دل علي وجوب دفع المنكر و قد مر انه علي هذين الحكمين.

فالعمدة إذا النصوص الخاصة و هي علي طوائف:

الاولي ما دل علي التحريم بالنسبة الي المخالفين في حال المباينة كصحيح الحضرمي «1» المذكور في المتن.

الثانية: ما دل علي التحريم في حال قيام الحرب بالنسبة الي المخالفين كخبر «2»

هند المذكور في المتن.

(1) الفرق بين المباينة، و قيام الحرب واضح كما سيمر عليك.

فتفسير الثاني بالاول غير صحيح.

______________________________

(1) الوسائل، باب 8، من أبواب ما يكتسب به، حديث 1.

(2) الوسائل، باب 8، من أبواب ما يكتسب به، حديث 2.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 229

المطلقات جوازا أو منعا مع امكان دعوي ظهور بعضها في ذلك مثل مكاتبة الصيقل،

اشتري السيوف و أبيعها من السلطان أ جائز لي بيعها، فكتب لا بأس به.

و رواية علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام قال: سألته عن حمل المسلمين الي المشركين التجارة، قال: إذا لم يحملوا سلاحا فلا بأس، و مثله ما في وصية النبي صلي الله عليه و آله لعلي عليه السلام يا علي كفر بالله العظيم من هذه الامة عشر أصناف وعد منها بائع السلاح من

أهل الحرب.

______________________________

الثالثة: ما دل علي الجواز في حال الهدنة بالنسبة الي المخالفين كمكاتبة «1» الصيقل المذكورة في المتن.

و اختصاصها بحال الهدنة انما يكون من جهة ان عصر الراوي عصر الهدنة، و ليس الجواب مطلقا حتي يتمسك بعدم الاستفصال لدعوي كونها مطلقة، بل وارد في مقام الجواب عن قضية شخصية مختصة بحال الهدنة، و أما اختصاصها بالمخالفين فلان المنصرف من السلطان سلاطين الجور الذين كانوا في عصر الائمة عليهم السلام.

و بما ذكرناه ظهر ما في كلمات المصنف حيث ذكر هذا الخبر مثالا لما دل علي الجواز مطلقا.

الرابعة: ما دل علي المنع في البيع من المشركين مطلقا: كخبر علي بن جعفر «2» عن أخيه عليه السلام المذكور في المتن فان مفهومه ثبوت البأس في حمل السلاح.

الخامسة: ما دل علي المنع في البيع من أهل الحرب كالنبوي الذي ذكره المصنف «3» و ظاهره الاختصاص بحال قيام الحرب، فانه الظاهر من قوله من أهل الحرب، لان كل عنوان أخذ في الموضوع ظاهر في الفعلية، و لكنه مطلق من حيث كون المحارب كافرا أم مسلما.

السادسة: ما استدل به علي الجواز في غير حال الفتنة مطلقا و هو مرسل السراج عن الامام الصادق عليه السلام عن بيع السلاح قال عليه السلام: لا تبعه في فتنة «4».

______________________________

(1) الوسائل، باب 8، من أبواب ما يكتسب به حديث 5.

(2) الوسائل، باب 8، من أبواب ما يكتسب به حديث 6.

(3) الوسائل، باب 8، من أبواب ما يكتسب به حديث 7.

(4) الوسائل، باب 8، من أبواب ما يكتسب به حدي

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 230

فما عن حواشي الشهيد من ان بيع السلاح حرام مطلقا في حال الحرب و الصلح و الهدنة لان فيه تقوية الكافر علي

المسلم، فلا يجوز علي كل حال (1) شبه الاجتهاد في مقابل النص (2) مع ضعف دليله كما لا يخفي.

______________________________

أما علي القول بثبوت المفهوم للقيد فواضح، و أما علي عدمه فلان الراوي قال إنّي أبيع السلاح فيستفاد من قوله لا تبعه في فتنة انه لا بأس به الا في هذه الصورة.

هذه هي تمام ما وصل الينا من النصوص.

و الحق في الجمع ان يقال: ان الاوليين لا تنافي بينهما، فإن خبر هند لا مفهوم له، كي يدل علي الجواز في غير حال الحرب، فهو و خبر الحضرمي مثبتان لا تنافي بينهما،

فمقتضاهما عدم الجواز بالنسبة الي المخالفين في حال المباينة.

و أما الثالثة: فهي تدل علي الجواز في خصوص حال الهدنة، فهذه الطوائف لا تعارض بينها.

و أما الطائفة الرابعة المطلقة: فهي مختصة بالمشركين و لا تعم المسلمين المعادين، فلا وجه لتقييدها بما تقدم.

و أما الخامسة: فهي و إن اختصت بحال قيام الحرب إلا انه لا مفهوم لها كي تقيد إطلاق الطائفة الرابعة.

و أما السادسة: فهي لا تدل علي الجواز في غير حال الفتنة، إلا علي القول بمفهوم الوصف، فإن ما ذكر وجها للدلالة عليه علي هذا القول فهو وجه لدلالة القيد علي المفهوم مطلقا.

فتحصل: ان مقتضي الجمع بين النصوص هو الالتزام بالتحريم مطلقا بالنسبة الي الكفار، و التفصيل بين حال المباينة و حال الهدنة بالنسبة الي المخالفين.

و مما ذكرناه ظهر ما في كلمات القوم في المقام فلا وجه لاطالة الكلام في ذلك.

(1) كما انه ظهر أن ما اختاره الشهيد حق لا يتعدي عنه.

(2) فلا مورد لما ذكره المصنف قدس سره انه شبه الاجتهاد في مقابل النص.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 231

ثمّ ان ظاهر الروايات شمول الحكم لما اذا لم

يقصد البائع المعونة و المساعدة أصلا بل صريح مورد السؤال في روايتي الحكم و الهند هو صورة عدم قصد ذلك (1) فالقول باختصاص حرمة البيع بصورة قصد المساعدة كما يظهر من بعض العبائر ضعيف جدا، و كذلك ظاهرها الشمول لما اذا لم يعلم باستعمال أهل الحرب للمبيع في الحرب، بل يكفي مظنة ذلك بحسب غلبة ذلك مع قيام الحرب بحيث يصدق حصول التقوي لهم بالبيع (2) و حينئذ فالحكم مخالف للاصول صير اليه للاخبار المذكورة و عموم رواية تحف العقول المتقدمة، فيقتصر فيه علي مورد الدليل و هو السلاح (3)

دون ما لا يصدق عليه ذلك كالمجن و الدرع و المغفر و سائر ما يكن وفاقا للنهاية و ظاهر السرائر و أكثر كتب العلامة و الشهيدين و المحقق الثاني للاصل.

______________________________

نعم ما أورده عليه: بأن دليله ضعيف متين، لانه استدل له بأن فيه تقوية الكافر علي المسلم، و ظاهر ذلك هو الاستدلال بالآية الشريفة.

و تمام الكلام انما هو ببيان أمور:

(1) أضف اليه انه مع اطلاق الدليل لا وجه للاختصاص بمورد خاص.

(2) هل يعتبر العلم باستعمال أهل الحرب للمبيع في الحرب كما عن جماعة، أم يكفي مظنة ذلك بحسب غلبة ذلك مع قيام الحرب بحيث يصدق حصول التقوي لهم بالبيع كما اختاره المصنف أم لا يعتبر الظن بذلك؟ وجوه: أقواها الاخير، فيحرم مع عدم الظن، بل يحرم مع العلم بعدم استعماله في المحاربة لإطلاق الادلة الموافق للاعتبار، فإن تقوية الكفار و الكفر من حيث هي مبغوضة، و من الواضح ان بيع السلاح منهم تقوية لهم بنفسه، و كذلك تقوية المخالفين في حال المباينة.

و بالجملة: بعد إطلاق الدليل لا وجه للتخصيص بمورد خاص، فالاظهر هو المنع مطلقا.

(3) ان المصنف

قدس سره أفاد حيث ان الحكم مخالف للاصول فيقتصر فيه علي مورد الدليل و هو السلاح دون ما لا يصدق عليه ذلك كالمجن و الدرع و المغفر و سائر ما يكن.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 232

و ما استدل به في التذكرة من رواية محمد بن قيس قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الفئتين من أهل الباطل يلتقيان ابيعهما السلاح، قال: بعهما ما يكنهما الدرع و الخفين و نحوهما، لكن يمكن ان يقال ان ظاهر رواية تحف العقول إناطة الحكم علي تقوي الكفر و وهن الحق (1) و ظاهر قوله عليه السلام في رواية هند: من حمل الي عدونا سلاحا يستعينون به علينا (2) ان الحكم منوط بالاستعانة و الكل موجود فيما يكن أيضا كما لا يخفي مضافا الي فحوي رواية الحكم المانعة عن بيع السروج و حملها علي السيوف السريجية لا يناسبه صدر الرواية مع كون الراوي سراجا.

______________________________

محصل ما يفيده في وجه الاقتصار علي السلاح- امور- الاصل- و خبر محمد بن قيس «1». و اختصاص النصوص بالسلاح.

و لكن الاصل لا يرجع اليه مع اطلاق الدليل، و خبر محمد بن قيس لا يدل علي المطلوب كما أفاده المصنف قدس سره.

و النصوص و ان اختص أكثرها بالسلاح الا ان بعضها كصحيح الحضرمي أخذ الموضوع فيه أعم من السلاح للتصريح بالسروج، و أداتها.

و دعوي ان المراد بالسروج السيوف السريجية.

مندفعة بأن السريجي يجمع علي سريجيات، كما ان دعوي ان المراد بأداتها، أداة السيف، كما تري لرجوع الضمير الي السروج.

نعم يقع الكلام في ان هذا الحكم هل هو مختص بأسباب الغلبة علي العدو من السلاح و السروج و نحوهما، أم يعم كل ما يكن و ان كان موجبا

لازدياد القوة علي الدفع و التوقي من قهره و بأسه؟ و قد استدل للثاني في المتن.

(1) بأن ظاهر رواية تحف العقول اناطة الحكم علي تقوي الكفر و وهن الحق.

(2) و بأن ظاهر قوله عليه السلام في خبر هند فمن حمل الي عدونا سلاحا يستعينون به علينا ان الحكم منوط بالاستعانة، و كل موجود في كل ما يكن.

______________________________

(1) الوسائل، باب 8، من أبواب ما يكتسب به، حديث 3.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 233

و أما رواية محمد بن قيس فلا دلالة لها علي المطلوب لان مدلولها بمقتضي ان التفصيل قاطع للشركة الجواز فيما يكن و التحريم في غيره مع كون الفئتين من أهل الباطل، فلا بد من حملهما علي فريقين محقوني الدماء إذ لو كان كلاهما او أحدهما مهدور الدم لم يكن وجه للمنع من بيع السلاح علي صاحبه، فالمقصود من بيع ما يكن منهما تحفظ كل منهما عن صاحبه و تترسه بما يكن و هذا غير مقصود فيما نحن فيه بل تحفظ أعداء الدين عن بأس المسلمين خلاف مقصود الشارع، فالتعدي عن مورد الرواية الي ما نحن فيه يشبه القياس مع الفارق، و لعله لما ذكر قيد الشهيد فيما حكي عن حواشيه علي القواعد اطلاق العلامة جواز بيع ما يكن بصورة الهدنة و عدم قيام الحرب، ثمّ ان مقتضي الاقتصار علي مورد النص عدم التعدي الي غير أعداء الدين كقطاع الطريق الا ان المستفاد من رواية تحف العقول اناطة الحكم بتقوي الباطل و وهن الحق، فلعله يشمل ذلك و فيه تأمل. (1) ثمّ ان النهي في هذه الاخبار لا يدل علي الفساد (2) فلا مستند له سوي ظاهر خبر تحف العقول الوارد في بيان المكاسب الصحيحة

و الفاسدة و الله العالم.

______________________________

و فيهما نظر:

أما الاول: فلما مر مرارا من ضعف سنده.

و أما الثاني: فلانه لا يدل علي ان تمام الموضوع هي الاستعانة اولا، و عدم شمول الاستعانة لشراء غير أسباب الغلبة علي العدو ثانيا علي ذلك، فإن أمكن الغاء الخصوصيات بفهم ان المناط هي تقوية الكفر و المخالف فهو، و إلا فلا بد من التخصيص بغير ما يتوقي به من قهر العدو و بأسه.

(1) لعل نظره الشريف الي ان المراد بالحق و الباطل في الخبر كسائر الاخبار المتضمنة لهما، المذهب الحق و الباطل.

(2) اذ النصوص ظاهرة في الحرمة النفسية فان بعضها متضمن لبيان ترتب العقاب علي البيع، و بعضها متضمن لقوله عليه السلام حرم عليكم الخ.

فما عن الاردبيلي من كون النهي إرشادا الي الفساد غير تام و قد حققنا في أول الكتاب ان حرمة المعاملة لا تستلزم فسادها، و أما خبر تحف العقول فهو ضعيف السند فالاظهر انه لا وجه للفساد.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 234

النوع الثالث مما يحرم الاكتساب به ما لا منفعة فيه محللة معتدا بها عند العقلاء

و التحريم في هذا القسم ليس الا من حيث فساد المعاملة و عدم تملك الثمن (1) و ليس كالاكتساب بالخمر و الخنزير و الدليل علي الفساد في هذا القسم علي ما صرح به في الايضاح كون أكل المال بإزائه أكلا بالباطل (2) و فيه تأمل، لان منافع كثير من الاشياء التي ذكروها في المقام يقابل عرفا بمال و لو قليلا بحيث لا يكون بذل مقدار قليل من المال بإزائه سفها، فالعمدة ما يستفاد من الفتاوي (3) و النصوص (4) من عدم اعتناء الشارع بالمنافع النادرة و كونها في نظره كالمعدومة.

______________________________

حكم بيع ما لا منفعة فيه

(1) لا ينبغي التوقف في عدم صحة البيع الواقع علي ما لا

منفعة له، و لو نادرة: لعدم صدق حقيقة البيع، و هي الاعطاء لا مجانا، بل بعوض، فإن ما لا منفعة فيه إعطاء الشي ء في مقابله انما يكون مجانيا و بلا عوض، و لا تشمله سائر العناوين كالتجارة عن تراض.

انما الكلام فيما له منفعة نادرة، فمقتضي العمومات هي الصحة لشمول جميع تلك العناوين من البيع، و التجارة عن تراض، و العقد له.

و استدل لعدم الصحة بوجوه:

(2) هذا هو الوجه الاول و هو ان أكل المال في مقابله أكل للمال بالباطل فيشمله قوله تعالي) لا تأكلوا أموالكم … الخ) «1».

الثاني: انه لا يكون مالا عرفا، فالمعاملة الواقعة عليه لا تكون بيعا، لانه علي ما عن المصباح عبارة عن مبادلة مال بمال.

(3) هذا هو الوجه الثالث: و هو الاجماع علي ان الشارع المقدس لم يعتن بالمنافع النادرة.

(4) هذا هو الرابع و هو ان الاخبار ظاهرة في عدم اعتناء الشارع بالمنفعة النادرة،

______________________________

(1) النساء آية 29.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 235

______________________________

فإن اغلب موارد حكمه بفساد المعاملة، كالمعاملة علي الاشربة المحرمة لا تخلو عن منفعة

محللة نادرة و لو في حال الاضطرار، و من هذا القبيل لعن اليهود لبيعهم الشحوم مع كونها محرمة عليهم، فإن الظاهر ان المحرم عليهم هي المنافع الظاهرة لا مطلقها.

الخامس: قوله عليه السلام في خبر تحف العقول في ضابط المعاملات المحللة و كل شي ء يكون لهم فيه الصلاح من جهة من الجهات فإن المراد الجهة الشائعة و إلا لم يخل شي ء عن جهة صلاح.

السادس: ان بذل المال في مقابله سفهي.

و في الجميع نظر:

أما الاول: فلان أكل المال في مقابل ماله منفعة نادرة التي تكون غرضا للمشتري و يبذل المال بإزاء العين لاجل استيفائها لا يكون أكلا للمال بالباطل.

و

أما الثاني: فلان الشي ء إذا كان له منفعة و لو نادرة متعلقة للغرض و لو كان شخصيا، يكون مالا عرفا مع انه سيأتي في كتاب البيع ان حقيقة البيع ليست ما ذكره صاحب المصباح، فانتظر.

و أما الثالث: فلان مثل هذا الاجماع لو ثبت لا يكون حجة لاحتمال استناد المجمعين الي بعض هذه الوجوه.

و أما الرابع: فلان المستفاد من الاخبار ان ما تكون منفعته الشائعة محرمة لا يعتني الشارع بمنفعته النادرة. و بعبارة اخري: مفادها الغاء المنفعة النادرة في جنب المنفعة الشائعة المحرمة لا إلغاء المنفعة النادرة مطلقا، مع انه قد تقدم في أول الكتاب منع الغائها في جنب الشائعة المحرمة أيضا، فراجع.

و أما الخامس: فمضافا الي ضعف سنده كما مر مرارا ان مقتضي إطلاق هذه الجملة جواز بيع كل ما فيه جهة من الصلاح و لو نادرة، و كون لازم ذلك جواز بيع جميع الاشياء ممنوع أولا، و لا محذور فيه ثانيا.

و أما السادس: فلان معاملة السفيه غير ممضاة شرعا لا المعاملة السفهية، مع ان بذل المال القليل لا يعد سفها.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 236

قال في المبسوط: ان الحيوان الطاهر علي ضربين ضرب ينتفع به و الآخر لا ينتفع به الي ان قال: و ان كان مما لا ينتفع به فلا يجوز بيعه بلا خلاف مثل الاسد و الذئب و سائر الحشرات مثل الحيات و العقارب و الفأر و الخنافس و الجعلان و الحداء و الرخمة و النسر و بغاث الطير و كذلك الغربان،) انتهي (و ظاهر الغنية الاجماع علي ذلك أيضا و يشعر به عبارة التذكرة حيث استدل علي ذلك بخسة تلك الاشياء و عدم نظر الشارع الي مثلها في التقويم و لا

يثبت يد لا حد عليها، قال: و لا اعتبار بما ورد في الخواص من منافعها لانها لا تعد مع ذلك مالا، و كذا عند الشافعي انتهي.

و ظاهره اتفاقنا عليه و ما ذكره من عدم جواز بيع ما لا يعد مالا مما لا إشكال فيه، و انما الكلام فيما عدوه من هذا، قال في محكي إيضاح النافع و نعم ما قال:

جرت عادة الاصحاب بعنوان هذا الباب و ذكر أشياء معينة علي سبيل المثال، فإن كان ذلك لان عدم النفع مفروض فيها فلا نزاع و ان كان لان ما مثل به لا يصح بيعه لانه محكوم بعدم الانتفاع فالمنع متوجه في أشياء كثيرة انتهي.

و بالجملة فكون الحيوان من المسوخ او السباع او الحشرات لا دليل علي كونه كالنجاسة مانعا، فالمتعين فيما اشتمل منها علي منفعة مقصودة للعقلاء جواز البيع فكل ما جاز الوصية به لكونه مقصودا بالانتفاع للعقلاء فينبغي جواز بيعه الا ما دل الدليل علي المنع فيه تعبدا.

______________________________

فتحصل: ان الاظهر جواز بيعه.

نعم إذا كان المنفعة النادرة في بعض الحالات كحال الاضطرار و لم يكن ذلك الشي ء قليل الوجود، او كان كذلك و لكن كانت مئونة حفظه الي وقت الحاجة كثيرة لا يصح بيعه، لان مثل هذا الشي ء لا يبذلون العقلاء بإزائه الشي ء، بل يرون بذل المال بإزائه إعطائه مجانا و بلا عوض.)* (

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 237

و قد صرح في التذكرة بجواز الوصية بمثل الفيل و الاسد و غيرهما من المسوخ و الموذيات و ان منعنا عن بيعها، و ظاهر هذا الكلام (1) ان المنع من بيعها علي القول به للتعبد لا لعدم المالية، ثمّ ان ما تقدم منه قدس سره من انه لا اعتبار

بما ورد في الخواص من منافعها لانها لا تعد مالا، مع ذلك يشكل بأنه اذا اطلع العرف علي خاصية في إحدي الحشرات معلومة بالتجربة او غيرها، فأي فرق بينها و بين نبات من الادوية علم فيه تلك الخاصية و حينئذ فعدم جواز بيعه و أخذ المال في مقابله بملاحظة تلك الخاصية يحتاج الي دليل لانه حينئذ ليس أكلا للمال بالباطل، و يؤيد ذلك ما تقدم في رواية التحف من ان كل شي ء يكون لهم فيه الصلاح من جهة من الجهات فذلك حلال بيعه الخ.

و قد أجاد في الدروس حيث قال: ما لا نفع فيه مقصودا للعقلاء كالحشار و فضلات الانسان، و عن التنقيح ما لا نفع فيه بوجه من الوجوه كالخنافس و الديدان، و مما ذكرنا يظهر النظر فيما ذكره في التذكرة من الاشكال في جواز بيع العلق الذي ينتفع به لامتصاص الدم و ديدان القز التي يصاد بها السمك، ثمّ استقرب المنع، قال لندور الانتفاع فيشبه) فيشمل (ما لا منفعة فيه إذ كل شي ء فله نفع ما، انتهي (2).

______________________________

(1) و فيه: انه يمكن ان يكون حكمه بجواز الوصية بمثل الفيل و نحوه، مبتنيا علي ان الوصية جائزة مع ثبوت حق الاختصاص في الموصي به، و لا يعتبر كونه مالا و ملكا فعدم جواز البيع حينئذ لا يكون للتعبد المحض.

(2) و فيه: انه لا مانع من الالتزام بجواز كل ما له نفع ما.

فان قيل: انه يشك في صدق المال علي مثل هذه الاشياء المستلزم للشك في صدق البيع المانع عن التمسك بالاطلاق.

أجبنا عنه: بما سيأتي من عدم اعتبار المال بعنوانه في البيع، مع انه يمكن الحكم بصحة المعاوضة عليها لعمومات التجارة.

فإن المعاملات غير محصورة في

العناوين الخاصة المعنونة في كتب الفقهاء من البيع

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 238

أقول: و لا مانع من التزام جواز بيع كل ما له نفع ما، و لو فرض الشك في صدق المال علي مثل هذه الاشياء المستلزم للشك في صدق البيع أمكن الحكم بصحة المعاوضة عليها (1) لعمومات التجارة و الصلح و العقود و الهبة المعوضة و غيرها، و عدم المانع لانه ليس إلا أكل المال بالباطل و المفروض عدم تحققه هنا، فالعمدة في المسألة الاجماع علي عدم الاعتناء بالمنافع النادرة و هو الظاهر من التأمل في الاخبار أيضا مثل ما دل علي تحريم بيع ما يحرم منفعته الغالبة مع اشتماله علي منفعة نادرة محللة مثل قوله عليه السلام: لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فباعوها و أكلوا ثمنها بناء علي ان للشحوم منفعة نادرة محللة علي اليهود لان ظاهر تحريمها عليهم تحريم أكلها أو سائر منافعها المتعارفة فلو لا ان النادر في نظر الشارع كالمعدوم لم يكن وجه للمنع عن البيع (2) كما لم يمنع الشارع عن بيع ما له منفعة محللة مساوية للمحرمة في التعارف و الاعتداد، إلا ان يقال المنع فيها تعبد للنجاسة لا من حيث عدم المنفعة المتعارفة فتأمل.

______________________________

و الصلح و نحوهما، بل كل ما يكون تجارة عن تراض تكون ممضاة شرعا.

(1) هذا مبني علي ان المعاملات غير محصورة في العناوين الخاصة المعنونة في كتب الفقهاء من البيع و الصلح و نحوهما بل كل ما يكون تجارة عن تراض تكون ممضاة شرعا، و الا فيتعين تقييد الصحة بما إذا انطبق علي المعاوضة أحد تلك العناوين.

(2) و فيه: قد مر انه يمكن ان يكون النادر في جنب المنفعة الشائعة المحرمة كالمعدوم،

و هذا

لا يلازم كون النادر مطلقا كذلك.

و دعوي ان الملاك في عدم اعتناء الشارع بالمنفعة ان كان وجود المنفعة المحرمة فلازم ذلك المنع من بيع ماله منفعة محللة مساوية للمحرمة في التعارف و الاعتداد، و حيث لم يمنع عنه فيستكشف ان ذلك ليس هو الملاك، و ان كان كون المنفعة نادرة فلازمه الحكم بذلك مطلقا.

مندفعة بأنه يمكن ان يكون الملاك وجود كلا القيدين.

و عليه فلا وجه للتعدي عن مورد النصوص.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 239

و أوضح من ذلك قوله عليه السلام: في رواية تحف العقول في ضابط ما يكتسب به (1) و كل شي ء يكون لهم فيه الصلاح من جهة من الجهات فذلك كله حلال بيعه و شراؤه الخ. إذ لا يراد منه مجرد المنفعة و إلا لعم الاشياء كلها (2) و قوله في آخره انما حرم الله الصناعة التي يجئ منها الفساد محضا نظير كذا و كذا الي آخر ما ذكره، فان كثيرا من الامثلة المذكورة هناك لها منافع محللة فان الاشربة المحرمة كثيرا ما ينتفع بها في معالجة الدواب بل المرضي، فجعلها مما يجئ منه الفساد محضا باعتبار عدم الاعتناء بهذه المصالح لندرتها، الا ان الاشكال في تعيين المنفعة النادرة و تميزها عن غيرها فالواجب الرجوع في مقام الشك الي أدلة التجارة و نحوها مما ذكرنا، و منه يظهر ان الاقوي جواز بيع السباع بناء علي وقوع التذكية عليها للانتفاع البين بجلودها، و قد نص في الرواية علي بعضها و كذا شحومها و عظامها، و أما لحومها فالمصرح به في التذكرة عدم الجواز معللا بندور المنفعة المحللة المقصودة منه كإطعام الكلاب المحترمة و جوارح الطير و يظهر أيضا جواز بيع الهرة، و هو المنصوص

في غير واحد من الروايات و نسبه في موضع من التذكرة الي علمائنا بخلاف القرد لان المصلحة المقصودة منه و هو حفظ المتاع، نادر. (3)

______________________________

(1) هذا ينافي ما ذكره آنفا من جعل هذه الجملة من الرواية مؤيدة لما بينه من ان مقتضي القاعدة هي الصحة فيما فيه منفعة نادرة مقصودة للعقلاء.

(2) و هذا أيضا ينافي استحسانه لما عن الدروس و التنقيح من جعل عدة أشياء مما لا نفع له بوجه فتدبر.

(3) و فيه مضافا الي ما تقدم من ان المنفعة النادرة توجب صحة البيع، انه لا نسلم كون منفعته أقل من منفعة الهرة.

و عليه فيمكن الاستدلال لجواز بيع القرد بفحوي ما دل علي جواز بيع الهرة «1». كما لا يخفي.

______________________________

(1) الوسائل، باب 14، من أبواب ما يكتسب به حديث 4.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 240

ثمّ اعلم أن عدم المنفعة المعتد بها يستند تارة الي خسة الشي ء كما ذكر من الامثلة في عبارة المبسوط و أخري الي قلته كجزء يسير من المال لا يبذل في مقابله مال كحبة حنطة، و الفرق ان الاول لا يملك و لا يدخل تحت اليد كما عرفت من التذكرة بخلاف الثاني فانه يملك و لو غصبه غاصب كان عليه مثله ان كان مثليا خلافا للتذكرة، فلم يوجب شيئا كغير المثلي (1) و ضعفه بعض بأن اللازم حينئذ عدم الغرامة فيما لو غصب صبرة تدريجا و يمكن ان يلتزم فيه بما يلتزم في غير المثلي فافهم.

______________________________

و أما ما ورد فيه من النص المتضمن للمنع عن بيعة «1» فلضعف سنده لان في طريقه محمد بن الحسن بن شيمون، لا يعبأ به.

(1) و اختلفت كلمات القوم في القسم الثاني فيما لو غصبه غاصب، ذهب

بعضهم الي ضمانه مطلقا، و آخر الي عدم الضمان كذلك، و ثالث الي التفصيل بين المثلي و القيمي، و الضمان في الاول دون الثاني.

و الحق هو القول بالضمان مطلقا من غير فرق بين ما اذا تعقبه بعض ما يصير بسببه مالا عرفا ان اجتمع المجموع تحت اليد، أم لم يتعقبه ذلك، و ذلك في المثلي واضح، فإن اشتغال الذمة بالمثل لا يتوقف علي ثبوت مالية له.

و دعوي انصراف ادلة الضمان و الاتلاف عن ذلك، غير مسموعة.

و أما في القيمي فقد يتوهم انه في صورة عدم التعقب لا شي ء عليه، فإن اشتغال الذمة بالقيمة فرع ثبوت القيمة و المالية للتالف و إذ ليست فليس، و لكنه توهم فاسد، فان اشتغال الذمة بالقيمة ليس المراد به اشتغالها بالمالية كي يتوقف علي ثبوتها للتالف، بل المراد به اشتغال الذمة بما يكون بقدره من شي ء آخر و إن كان قليلا لا يقابل بالمال.

و تمام الكلام في ذلك موكول الي محل آخر.

______________________________

(1) الوسائل باب 37، من أبواب ما يكتسب به حديث 3.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 241

ثمّ ان منع حق الاختصاص في القسم الاول مشكل مع عموم قوله صلي الله عليه و آله: من سبق الي ما لم يسبق اليه احد من المسلمين فهو أحق به مع عد أخذه قهرا ظلما عرفا. (1)

النوع الرابع ما يحرم الاكتساب به لكونه عملا محرما في نفسه،
اشارة

و هذا النوع و ان كان افراده هي جميع الاعمال المحرمة القابلة لمقابلة المال بها في الاجارة و الجعالة و غيرهما الا انه جرت عادة الاصحاب بذكر كثير مما من شأنه الاكتساب به من المحرمات، بل و غير ذلك مما لم يتعارف الاكتساب به كالغيبة و الكذب و نحوهما، و كيف كان فنقتفي آثارهم بذكر أكثرها في

مسائل مرتبة بترتيب حروف أوائل عنواناتها إن شاء الله فنقول:

(المسألة الاولي): تدليس الماشطة المرأة التي يراد تزويجها او الامة التي يراد بيعها
اشارة

حرام (2) بلا خلاف، كما عن الرياض و عن مجمع الفائدة الاجماع عليه و فعل المرأة ذلك بنفسها و يحصل بوشم الخدود، كما في المقنعة و السرائر و النهاية، و عن جماعة قال في المقنعة: و كسب المواشط حلال إذا لم يغششن و لم يدلسن في عملهن فيصلن شعور النساء بشعور غيرهن من الناس و يشمن الخدود و يستعملن ما لا يجوز في شريعة الاسلام، فإن وصلن شعرهن بشعر غير الناس لم يكن ذلك بأس انتهي.

______________________________

(1) الا ان يدعي اختصاصه بالسبق الي الاموال بقصد التمول، و إن كان ذلك قابلا للمنع، و علي فرض ثبوت حق الاختصاص يضمن المتلف.

حكم تدليس الماشطة

(2) المشهور بين الاصحاب حرمة تدليس الماشطة المرأة التي يراد تزويجها، و عن الرياض: نفي الخلاف فيه، و عن مجمع الفائدة: الاجماع عليها.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 242

و نحوه بعينه عبارة النهاية، و قال في السرائر: في عداد المحرمات، و عمل المواشط بالتدليس بأن يشمن الخدود و يحمرنها و ينقش بالايدي و الارجل و يصلن شعر النساء بشعر غيرهن و ما جري مجري ذلك،) انتهي (.

و حكي نحوه عن الدروس و حاشية الارشاد في القواعد وشم الخدود من جملة تدليس تأمل، لان الوشم في نفسه زينة، و كذا التأمل في التفصيل بين وصل الشعر بشعر الانسان و وصله بشعر غيره، فان ذلك لا مدخل له في التدليس و عدمه الا ان يوجه الاول بأنه قد يكون الغرض من الوشم ان يحدث في البدن نقطة خضراء

______________________________

و لا يخفي أن محل الكلام هو فعل الماشطة من حيث هو، و عليه فالاخبار «1» الواردة في الغش و التدليس

أجنبية عن المقام. فانها مختصة بمن يعرض المغشوش و المدلس للبيع و الزواج، و لا تشمل فعل الماشطة بل فعلها مما يوجد به موضوع التدليس، فإذا لا دليل علي حرمة فعلها سوي الاجماعات المحكية و هي لا تصلح دليلا لذلك، فإن كلمات جماعة منهم قابلة للحمل علي إرادة الحرمة إذا كان فعل الماشطة بقصد ترتب البيع او التزويج عليه، فتكون الحرمة حينئذ من جهة كونه إعانة علي الاثم المحرمة باعتقادهم، و كلمات آخرين لو كانت مطلقة فيحتمل ان يكونوا ممن لا يري اعتبار قصد ترتب المعان في صدق عنوان الاعانة، و علي ذلك فلا يبقي وثوق بثبوت اجماع تعبدي يمكن ان يستدل به.

و قد وردت روايات صريحة في جواز التمشيط: كصحيح ابن مسلم عن مولانا الصادق عليه السلام في حديث أم حبيب الخافضة ان النبي صلي الله عليه و آله قال لام عطية: ادني مني، اذا انت قينت الجارية فلا تغسلي وجهها بالخرقة فان الخرقة تشرب ماء الوجه «2».

و مرسل ابن أبي عمير عن رجل عن مولانا الصادق عليه السلام دخلت ماشطة علي رسول الله صلي الله عليه و آله فقال لها: هل تركت عملك او اقمت عليه؟ فقالت: يا رسول الله أنا أعمله الا ان تنهاني عنه فانتهي عنه، فقال صلي الله عليه و آله: افعلي، فإذا مشطت فلا تجلي الوجه بالخرق فانه يذهب بماء الوجه و لا تصلي الشعر بالشعر «3» و نحوهما غيرهما.

______________________________

(1) الوسائل، باب 86، من أبواب ما يكتسب به.

(2) الوسائل، باب 19، من أبواب ما يكتسب به، حديث 1.

(3) الوسائل، باب 19، من أبواب ما يكتسب به، حديث 2.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 243

حتي يتراءي بياض سائر البدن و صفائه

أكثر مما كان يري لو لا هذه النقطة، و يوجه الثاني بأن شعر غير المرأة لا يلتبس علي الشعر الاصلي للمرأة، فلا يحصل التدليس به بخلاف شعر المرأة و كيف كان يظهر من بعض الاخبار المنع عن الوشم و وصل الشعر بشعر الغير (1) و ظاهرها المنع و لو في غير مقام التدليس، فهي مرسلة ابن أبي عمير عن رجل عن أبي عبد الله عليه السلام قال: دخلت ماشطة علي رسول الله صلي الله عليه و آله فقال لها: هل تركت عملك أو أقمت عليه؟ فقالت: يا رسول الله أنا أعمله إلا ان تنهاني عنه، فانتهي عنه. فقال: افعلي فاذا مشطت فلا تجلي الوجه بالخرقة فانها تذهب بماء الوجه و لا تصلي) الشعر بالشعر (شعر المرأة بشعر امرأة غيرها و أما شعر المعز فلا بأس بأن يوصل بشعر المرأة.

و في مرسلة الفقيه لا بأس بكسب الماشطة ما لم تشارط و قبلت ما تعطي و لا تصل شعر المرأة بشعر) امرأة (غيرها.

و أما شعر المعز فلا بأس بأن يوصل بشعر المرأة.

و عن معاني الاخبار بسنده عن علي بن غراب عن جعفر بن محمد عليه السلام عن آبائه قال: لعن رسول الله صلي الله عليه و آله النامصة و المنتمصة و الواشرة و الموتشرة و الواصلة و المستوصلة و الواشمة و المستوشمة.

______________________________

و دعوي انه يتعين تقييد اطلاقها بمرسل الفقيه قال عليه السلام: لا بأس بكسب الماشطة ما لم تشارط و قبلت ما تعطي و لا تصل شعر المرأة بشعر امرأة غيرها.

و أما شعر المعز فلا بأس بأن توصله بشعر المرأة «1». مندفعة بضعف سنده للارسال أولا، و كونه واردا في حكم كسبها ثانيا. مضافا الي ما ستعرف

عند تعرض المصنف قدس سره له.

(1) قد ورد في جملة من النصوص لعن الماشطة علي أعمال أربعة الوصل و النمص و الوشم و الوشر، كالخبر المروي عن معاني الاخبار «2» المذكور في المتن.

______________________________

(1) الوسائل، باب 19، من أبواب ما يكتسب به، حديث 6.

(2) الوسائل، باب 19، من أبواب ما يكتسب به، حديث 7.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 244

قال الصدوق قال علي بن غراب: النامصة التي تنتف الشعر، و المنتمصة التي يفعل ذلك بها، و الواشرة التي تشر أسنان المرأة و تفلجها و تحدها، و الموتشرة التي يفعل ذلك بها، و الواصلة التي تصل شعر المرأة بشعر امرأة غيرها، و المستوصلة التي يفعل ذلك بها، و الواشمة التي تشم وشما في يد المرأة أو في شي ء من بدنها و هو ان تغرز بدنها او ظهر كفها بابرة حتي تؤثر فيه، ثمّ تحشوها بالكحل او شي ء من النورة فتخضر، و المستوشمة التي يفعل بها ذلك، و ظاهر بعض الاخبار كراهة الوصل (1) و لو بشعر غير المرأة مثل ما عن عبد الله بن الحسن، قال: سألته عن القرامل، قال:

و ما القرامل، قلت: صوف تجعله النساء في رءوسهن، قال إن كان صوفا فلا بأس، و إن كان شعرا فلا خير فيه من الواصلة و المستوصلة، و ظاهر بعض الاخبار الجواز مطلقا، ففي رواية سعد الاسكاف، قال: سأل أو جعفر عن القرامل التي يضعها

النساء في رءوسهن يصلن شعورهن قال: لا بأس علي المرأة بما تزينت به لزوجها قال: فقلت له: بلغنا ان رسول الله صلي الله عليه و آله لعن الواصلة و المستوصلة، فقال: ليس هناك انما لعن رسول الله صلي الله عليه و آله الواصلة التي تزني في

شبابها فإذا كبرت قادت النساء الي الرجال فتلك الواصلة و المواصلة.

______________________________

و في خبر عبد الله بن سنان عن مولانا الصادق عليه السلام المروي عن الكافي قال عليه السلام:

قال رسول الله صلي الله عليه و آله الواشمة و الموتشمة و الناجش و المنجوش ملعونون علي لسان محمد صلي الله عليه و آله «1».

(1) اما الوصل، فإن أريد به ما فسر به في خبري «2» سعد المذكور في المتن و الساباطي.

فحرمته من ضروريات الدين، و إن أريد به وصل الشعر بالشعر فسيجي ء. الكلام فيه في الامر الثاني.

______________________________

(1) الوسائل، باب 137، من أبواب مقدمات النكاح، حديث 1.

(2) الوسائل، باب 101، من أبواب مقدمات النكاح، حديث 4- 2.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 245

______________________________

و أما بقية الامور المذكورة فلا يمكن الالتزام بحرمتها لوجوه:

الاول ان الخبرين ضعيفا السند. أما الاول فلعلي بن غراب و بهلول أبي تميم و أما الثاني فلابن سنان الثاني: ان اللعن طلب للبعد من الله تعالي، و فعل المكروه أيضا يوجب البعد عن الله تعالي، فهو غير ظاهر في الحرمة فتأمل.

الثالث: انهما مجملان و متشابهان، و تفسير علي بن غراب لا يكون حجة علينا و يزدادان تشابها بعد ملاحظة خبري الاسكاف و الساباطي المفسرين للواصلة، بالفاجرة و القوادة، حيث ان هذا التفسير يوجب قوة احتمال ان يراد من سائر الجملات غير أعمال التمشيط.

مع انه لو سلم صحة سند خبر المعاني و عدم اجماله و ظهوره في الحرمة يتعين صرفه عن ظاهره بالنسبة الي جملة النامصة و المنتمصة لخبر علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام:

عن المرأة التي تحف الشعر من وجهها قال عليه السلام: لا بأس «1».

حكم وصل الشعر بالشعر

الامر الثاني: في حكم وصل الشعر بالشعر.

و ملخص القول في

ذلك: ان النصوص الخاصة الواردة في المقام علي طوائف:

الاولي ما دل علي الجواز مطلقا كخبر الساباطي المتقدم.

الثانية: ما دل علي المنع مطلقا كخبر عبد الله بن الحسن قال: سألته عن القرامل،

قال: و ما القرامل؟ قلت: صوف تجعله النساء في رءوسهن قال عليه السلام: إذا كان صوفا فلا بأس به و إن كان شعرا فلا خير فيه من الواصلة و الموصولة «2».

______________________________

(1) الوسائل، باب 19، من أبواب ما يكتسب به، حديث 8.

(2) الوسائل، باب 19، من أبواب ما يكتسب به، حديث 5.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 246

______________________________

بتقريب ان نفي الخير بقول مطلق دليل المنع.

و خبر الحسين بن أبي سعيد عن القاسم بن محمد عن علي عليه السلام عن امرأة مسلمة تمشط العرائس- الي ان قال- لا بأس. و لكن لا تصل الشعر بالشعر «1».

و مرسل ابن أبي عمير المتقدم، إذا لزيادة المذكورة في ذيله في المكاسب و أما شعر المعز.. الخ، فهي من سهو القلم.

الثالثة: ما دل علي جواز وصل شعر المرأة بشعر المعز و عدم جواز وصله بشعر امرأة غيرها كمرسل الفقيه المتقدم.

و الجمع بين هذه الطوائف يقتضي الالتزام، بجواز الوصل بشعر المعز، و عدم الجواز في الوصل بغيره مطلقا لا اختصاص المنع بالوصل بشعر المرأة كما لا يخفي.

الرابعة: ما دل علي جواز وضع القرامل التي تضعها النساء في رءوسهن تصلنه بشعورهن، اذا كان ذلك بعنوان التزيين للزوج كخبر سعد الاسكاف المتقدم، و النسبة بينها و بين ما تقدم و ان كانت عموما من وجه، و مقتضي الجمع بين النصوص البناء علي الحرمة اذا لم يكن بعنوان التزيين لزوج.

و دعوي عدم الفرق كما تري، إلا ان ما في ذيله: فقلت له: بلغنا ان رسول الله

صلي الله عليه و آله لعن الواصلة و الموصولة فقال: ليس هناك انما لعن رسول الله صلي الله عليه و آله الواصلة و الموصولة التي تزني في شبابها فلما كبرت قادت النساء الي الرجال، فتلك الواصلة و الموصولة، يوجب تعين رفع اليد عن ظهور تلك النصوص في الحرمة، و ذلك لان الظاهر من السؤال ان السائل توهم التنافي بين ما دل علي جواز وصل الشعر بعنوان التزيين للزوج، و ما دل علي المنع عن الوصل بشعر المرأة مطلقا، و المعصوم عليه السلام في مقام دفع التوهم تعرض لما ظاهره عدم المنع عنه، و ان ما يوهم ظاهره المنع اريد به غير ذلك.

______________________________

(1) الوسائل، باب 19، من أبواب ما يكتسب به حدي

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 247

و يمكن الجمع بين الاخبار بالحكم بكراهة وصل مطلق الشعر (1) كما في رواية عبد الله بن الحسن و شدة الكراهة في الوصل بشعر المرأة، و عن الخلاف و المنتهي الاجماع علي أنه يكره وصل شعرها بشعر غيرها رجلا كان أو امرأة.

______________________________

لا يقال: انه يدل علي ان لعن النبي صلي الله عليه و آله الواصلة و الموصولة أريد به لعن الزانية و القوادة، لا ان كل ما تضمن النهي عن ذلك لم يرد ظاهره.

فإنه يقال: إنه علي ذلك يبقي سؤال السائل بلا جواب، إذ ضروري ان السائل مراده بقوله: بلغنا ان رسول الله صلي الله عليه و آله.. الخ انه قد ورد المنع عن ذلك. فالجواب بما يختص ببعض تلك الادلة كما تري. و عليه فلا يبعد دعوي صراحة جوابه عليه السلام في عدم المنع عنه مطلقا،

و يؤيد ذلك الاجماع المدعي علي عدم الحرمة.

و قد استدل علي المنع في شعر

الانسان، بأن شعر الغير لا يجوز الصلاة معه.

و فيه: ما حققناه في الجزء الرابع من فقه الصادق من جواز الصلاة معه، مع انه غير مربوط بما هو محل الكلام و هو حكم وصل الشعر بالشعر من حيث هو.

و أما دعوي كون شعر الغير عورة، فمندفعة بأن ذلك انما هو في الشعر المتصل، مع انه لا يتم بالنسبة الي شعر المحارم كالزوجة الاخري للرجل، مع انه غير مربوط بما هو محل البحث كما لا يخفي.

فتحصل: ان الاظهر جواز وصل الشعر بشعر المرأة أيضا، نعم يكره الوصل بشعر الانسان لا سيما شعر المرأة.

و أما الوصل بشعر غير الانسان فلا دليل علي كراهته أيضا، إذ المطلقات قيدت بما هو صريح في الجواز بالنسبة الي شعر غير الانسان.

(1) و استدلال المصنف قدس سره علي الكراهة بأنه مقتضي الجمع بين الاخبار كما في رواية عبد الله بن الحسن، في غير محله، إذ قد عرفت ان إطلاقها يقيد بما هو صريح في عدم البأس بأن يوصل بشعر غير الانسان، و عليه فلا وجه للاستدلال به علي الكراهة.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 248

و أما ما عدا الوصل مما ذكر في رواية معاني الاخبار فيمكن حملها أيضا علي الكراهة لثبوت الرخصة من رواية سعد في مطلق الزينة (1) خصوصا مع صرف الامام للنبوي (2) الوارد في الواصلة عن ظاهره المتحد سياقا مع سائر ما ذكر في النبوي و لعله اولي من تخصيص عموم الرخصة بهذه الامور (3).

______________________________

(1) و فيه: ان خبر سعد متضمن لجواز التزيين للزوج، و النسبة بينه و بين ما عن معاني الاخبار عموم من وجه، ففي مورد الافتراق و هو فعل تلك الامور لغير الزوج الفعلي لا صارف لخبر معاني

الاخبار عن ظاهره، و هي الحرمة.

و دعوي انه بعد صرفه عن ظاهره بالنسبة الي، الوصل و إلي، نتف الشعر و البناء علي كراهتهما، لما دل علي جوازهما، يتعين البناء علي كراهة غيرهما مما تضمنه الخبر لوحدة السياق.

مندفعة بأن الكراهة و الحرمة كالوجوب و الاستحباب خارجتان عن حريم الموضوع له و المستعمل فيه. بل هما أمران ينتزعان من الترخيص في فعل المنهي عنه و عدمه، و عليه فلو ورد الترخيص في فعل أحد الامور التي تعلق بها النهي، يتعين البناء علي كراهته، و حرمة أخواته. فتدبر. فالصحيح هو ما ذكرناه فراجع.

(2) و فيه انه بعد صرف النبوي في الواصلة يكون هو بالنسبة الي سائر جمله أظهر في الحرمة، اللهم إلا ان يكون مراده ان هذا الصرف يوجب إجمال سائر جمله لاحتمال ان يكون المراد بها غير اعمال التمشيط، فلا يصلح دليلا علي الحرمة. و لكنه يصلح لان يستند اليه البناء علي الكراهة لقاعدة التسامح.

و لكن يرد عليه: ان قاعدة التسامح لو جرت في المكروهات- مع انه محل نظر- انما تجري فيما اذا كان الخبر واضح المراد ضعيف السند لا فيما اذا كان المراد منه غير معلوم. و بذلك ظهر انه لا وجه للبناء علي كراهة غير الوصل من اعمال التمشيط.

(3) لو كان دليل عموم الرخصة شاملا لمطلق التزيين كان ما ذكر متينا، إذ عمدة اعمال التمشيط هي تلك الامور، و لكن بما انه يختص بالتزيين للزوج، فالنسبة بينهما عموم من وجه كما تقدم، فبالنسبة الي مورد الاجتماع- و هو التزيين بتلك الامور للزوج- لو قدم

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 249

مع انه لو لا الصرف (1) لكان الواجب اما تخصيص الشعر (2) بشعر المرأة او تقييده بما

اذا كان هو أو أحد أخواته في مقام التدليس فلا دليل علي تحريمها في غير مقام التدليس كفعل المرأة المزوجة ذلك لزوجها خصوصا بملاحظة ما في رواية علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام عن المرأة تحف الشعر عن وجهها، قال: لا بأس، و هذه أيضا قرينة علي صرف اطلاق لعن النامصة في النبوي عن ظاهره بإرادة التدليس او الحمل علي الكراهة.

نعم قد يشكل الامر في وشم الاطفال من حيث انه إيذاء لهم بغير مصلحة (3) بناء علي ان لا مصلحة فيه لغير المرأة المزوجة الا التدليس بإظهار شدة بيان البدن و صفائه بملاحظة النقطة الخضراء الكدرة في البدن لكن الانصاف ان كون ذلك تدليسا مشكل بل ممنوع بل هو تزيين للمرأة من حيث خلط البياض بالخضرة فهو تزيين لاموهم لما ليس في البدن واقعا من البياض و الصفا.

______________________________

دليل التزيين او ذلك الدليل فلا كلام، و الا فيتساقطان و يرجع الي أصالة الاباحة،

و لا وجه للرجوع الي المرجحات، لان دلالة كل منها للمجمع انما تكون بالاطلاق لا بالعموم.

(1) الظاهر انه غلط و كانت النسخة الصحيحة مع انه لو لا الحمل علي الكراهة.

(2) المتعين هو هذا بعد اصلاحه بالتخصيص بشعر الانسان اذ لا وجه للتخصيص بخصوص شعر المرأة كما تقدم، و أما الاحتمال الثاني و هو الحمل علي صورة التدليس فمما لا وجه له و لا قرينة عليه فالالتزام به بلا وجه.

و منه يظهر انه لا مورد للبناء علي الاجمال، بدعوي دوران الامر بين الاحتمالين و القول بأنه لا دليل علي تحريمها في غير مقام التدليس.

(3) و فيه ان المصلحة في وشم الاطفال هي التزيين كما في غيرهم و فيهم بالنسبة الي ثقب الاذان و الانوف.

منهاج

الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 250

نعم مثل نقش الايدي و الارجل بالسواد يمكن ان (1) يكون الغالب فيه إرادة ايهام بياض البدن و صفائه و مثله الخط الاسود فوق الحاجبين أو وصل الحاجبين بالسواد لتوهم طولهما و تقوسهما، ثمّ ان التدليس بما ذكرنا انما يحصل (2) بمجرد رغبة الخاطب او المشتري، و ان علما ان هذا البياض و الصفا ليس واقعيا بل حدث بواسطة هذه الامور فلا يقال: انها ليست بتدليس لعدم خفاء أثرها علي الناظر، و حينئذ فينبغي أن يعد من التدليس لبس المرأة أو الامة الثياب الحمراء و الخضراء الموجبة لظهور بياض البدن و صفائه و الله العالم.

ثمّ ان المرسلة المتقدمة عن الفقيه دلت علي كراهة كسب الماشطة مع شرط الاجرة المعينة (3) و حكي الفتوي به عن المقنع و غيره، و المراد بقوله عليه السلام إذا

______________________________

(1) لم يظهر لي و لغيري الفرق بين نقش الايدي و الارجل بالسواد، و بين الوشم و الظاهر ان الجميع جائزة كانت بقصد التزيين او التدليس، في غير مقام المعاملة و التزويج و الا فالجميع محرمة.

(2) و فيه ان التدليس ليس عبارة عن فعل ما يوجب زيادة رغبة المشتري كي يصدق مع علم المشتري بأن هذا البياض و الصفا ليس واقعيا بل هو تلبيس الامر علي الغير بإخفاء نقص موجود في المبيع أو اظهار كمال مفقود فيه فانه من الدلس و هو الظلمة و عليه فلا مورد لقوله و حينئذ فينبغي ان يعد من التدليس الخ سواء أريد به كونه منه حقيقة أم اريد به كونه منه حكما كما هو واضح.

كراهة كسب الماشطة

(3) استفاد المصنف من مرسل الفقيه كراهة كسب الماشطة مع شرط الاجرة المعينة، و حكي الفتوي بها

عن المقنع.

و فيه انه لا مفهوم له كي يدل علي ثبوت البأس مع شرط الاجرة المعينة، الا علي القول بحجية مفهوم الوصف، مع ان ثبوت البأس ظاهر في المنع لا الكراهة.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 251

قبلت ما تعطي البناء علي ذلك حين العمل و الا فلا يلحق العمل بعد وقوعه ما يوجب كراهته (1) ثمّ ان اولوية قبول ما يعطي و عدم مطالبة الزائد (2) اما لان الغالب عدم نقص ما تعطي عن أجرة مثل العمل الا ان مثل الماشطة و الحجام و الختان و نحوهم كثيرا ما يتوقعون أزيد مما يستحقون خصوصا من أولي المروة و الثروة و ربما يبادرون الي هتك العرض إذا منعوا و لا يعطون ما يتوقعون من الزيادة أو بعضه الا استحياء و صيانة للعرض.

______________________________

و أما منطوقه فالظاهر منه هو العمل بالاجرة، لا لأن الاجارة مع عدم تعيين الاجرة فاسدة، فانه لو كان المرسل ظاهرا في إرادة الاجارة كان مقيد الاطلاق دليل الفساد، بل لان الكسب مع عدم المشارطة و قبول ما يعطي ليس الا العمل بقصد الاجرة،

و عليه فيوجب الخبر تقييد ما دل علي استحقاق اجرة المثل، فان مقتضي اطلاق المرسل قبول ما تعطي و ان كان أقل من أجرة المثل اللهم إلا أن يقال ان الخبر انما يدل علي اولوية عدم مطالبة الازيد.

و عليه فلا وجه لتقييد تلك الادلة بل يجب علي من عمل له إيفاء تمام ما يستحقه من أجرة المثل، نعم لو رضي بذلك أي يأخذ ما تعطي حين العمل لا يجب عليه ذلك: فانه لا تكون مع هذا الرضا، و البناء حين العمل، و استعمالها مبنيا علي ذلك، ذمته مشغولة بأزيد من ما تعطي.

لا يقال:

إن هذا ينافي ما دل علي كراهة استعمال الاجير مع عدم المقاطعة.

فإنه يقال: إنه انما يكون حكما متوجها الي المعمول له، و هذا حكم متوجه الي العامل، مع انه لو سلم كون الموجه اليه الحكم فيهما واحدا، يتعين تقييد اطلاق دليل الكراهة بهذا الخبر كما لا يخفي.

(1) و فيه ان الظاهر من المرسل عدم البأس في كسبها مع هذين القيدين، أي عدم المشارطة، و قبول ما تعطي فيكون المكروه الكسب المنتهي الي عدم القبول المستلزم للتشاجر و التباغض و لا محذور في الالتزام بذلك.

(2) بعد ما عرفت من عدم حرمة عمل الماشطة فهو عمل محترم قابل لان يقع عليه المعاوضة، فمقتضي القواعد جواز ان تعمل بالاجارة و ان تعمل بالاجرة كما هو الشأن في جميع الاعمال غير المحرمة.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 252

و هذا لا يخلو عن شبهة فأمروا في الشريعة بالقناعة بما يعطون و ترك مطالبة الزائد، فلا ينافي ذلك جواز مطالبة الزائد و الامتناع عن قبول ما يعطي إذا اتفق كونه دون أجرة المثل، و أما لان المشارطة في مثل هذه الامور لا يليق بشأن كثير من الاشخاص لان المماكسة فيها خلاف المروة و المسامحة فيها قد لا يكون مصلحة لكثرة طمع هذه الاصناف فأمروا بترك المشارطة و الاقدام علي العمل بأقل ما يعطي و قبوله و ترك مطالبة الزائد مستحب للعامل و ان وجب علي من عمل له إيفاء تمام ما يستحقه من أجرة المثل فهو مكلف وجوبا بالايفاء و العامل مكلف ندبا بالسكوت و ترك المطالبة خصوصا علي ما يعتاده هؤلاء من سوء الاقتضاء او لان المولي في حق العامل قصد التبرع بالعمل (1) و قبول ما يعطي علي وجه التبرع

أيضا فلا ينافي ذلك ما ورد من قوله عليه السلام لا تستعملن أجيرا حتي تقاطعه.

______________________________

أما المرسل فالظاهر منه هو الثاني لا: لان الاجارة مع عدم تعيين العوضين، فاسدة فإنه لو كان المرسل ظاهرا في إرادة الاجارة كان مقيد الاطلاق دليل الفساد.

بل لان الكسب مع عدم المشارطة و قبول ما يعطي ليس الا العمل بقصد الاجرة و عليه فيوجب الخبر تقييد ما دل علي استحقاق اجرة المثل كما مر مفصلا.

(1) هذا الاحتمال ينافي ظهور قوله لا بأس بكسب الماشطة، فان العمل بقصد التبرع لا يصدق عليه الكسب.

تزيين الرجل بما يحرم عليه

الثانية: المشهور بين الاصحاب ان تزيين الرجل بما يحرم عليه من لبس الحرير و الذهب حرام.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 253

المسألة الثانية: تزيين الرجل بما يحرم عليه من لبس الحرير و الذهب حرام
اشارة

لما ثبت في محله من حرمتهما علي الرجال (1) و ما يختص بالنساء من اللباس كالسوار و الخلخال و الثياب المختصة بهن في العادات علي ما ذكره في المسالك، و كذا العكس أعني تزيين المرأة بما يختص بالرجال كالمنطقة و العمامة و يختلف

______________________________

(1) الكلام في هذه المسألة في مقامين:

الاول لا ريب في حرمة لبس الرجل الحرير و الذهب لاستفاضة النصوص بها.

و أما حرمة التزيين بهما له و لو بغير اللبس فقد وقع فيها الخلاف و الكلام، و قد استدلوا لها بخبر روح بن عبد الرحيم عن الامام الصادق عليه السلام قال رسول الله صلي الله عليه و آله لامير المؤمنين عليه السلام: لا تختم بالذهب فانه زينتك في الآخرة «1».

و بخبر النميري عنه عليه السلام و جعل الله الذهب في الدنيا زينة النساء فحرم علي الرجال لبسه «2».

و بأنه لعدم تعارف اتخاذ اللباس من الذهب يتعين حمل النصوص علي ارادة مطلق التزيين به.

و في الجميع

نظر:

أما الاول: فلانه ضعيف، اذ في طريقه غالب بن عثمان الهمداني و هو ضعيف، مع انه يدل علي انه زينة الرجل في الآخرة و هذا لا يلازم حرمة التزيين به في الدنيا.

و أما الثاني: فلانه مرسل اذ الشيخ رواه عن رجل عن الحسن بن علي، مع انه يدل علي جواز التزيين به للنساء لا عدم جوازه للرجال، بل تغيير التعبير في الرجال و انه حرم عليهم لبسه يشعر بجواز ما عدا اللبس من أفراد التزيين.

و أما الثالث: فلان عدم تعارف كون اللباس أي الثوب و نحوه بتمامه من الذهب، لا ينافي حرمة اللبس خاصة، لكون اللبس أعم من لبس الثوب و نحوه لصدفه علي التختم.

فتحصل: انه لا دليل علي تحريم مطلق التزيين به، و يؤيد ذلك ما دل من النصوص علي جواز شد الأسنان به، و في بعضها تجويز تشبك الثنية بالذهب فالاظهر جوازه.

______________________________

(1) الوسائل، باب 35، من أبواب لباس المصلي، حديث 1، كتاب الصلاة.

(2) الوسائل، باب 30، من أبواب لباس المصلي، حديث 5.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 254

باختلاف العدات، و اعترف غير واحد بعدم العثور علي دليل هذا الحكم عدا النبوي المشهور المحكي عن الكافي و العلل لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء و المتشبهات من النساء بالرجال (1) و في دلالته قصور لان الظاهر من التشبه تأنث الذكر

______________________________

حكم تشبه كل من المرأة و الرجل بالآخر

(1) المقام الثاني: في تشبه كل من الرجل و المرأة بالآخر، بان يلبس كل منهما لباس الآخر المختص به.

و قد استدل لعدم الجواز بجملة من النصوص المتضمنة للنهي عن التشبه، و ان الله و رسوله لعنا المتشبهين من الرجال بالنساء، و المتشبهات من النساء، بالرجال منهما:

النبوي المروي في الوسائل عن الكافي مسندا عن عمرو بن

شمر عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال: رسول الله صلي الله عليه و آله في حديث: لعن الله المحلل و المحلل له، و من تولي غير مواليه، و من ادعي نسبا لا يعرف، و المتشبهين من الرجال بالنساء و المتشبهات من النساء بالرجال الحديث «1».

و قد دلت جملة من النصوص الاخر علي صدور الجملة الاخيرة من النبي صلي الله عليه و آله مثل ما رواه الصدوق في العلل عن زيد بن علي عن آبائه عن الامام علي عليه السلام انه رأي رجلا به تأنث في مسجد رسول الله صلي الله عليه و آله فقال له: اخرج من المسجد رسول الله صلي الله عليه و آله يا

لعنة رسول الله، ثمّ قال عليه السلام: سمعت رسول الله صلي الله عليه و آله يقول: لعن الله المتشبهين … الخ «2».

و خبر يعقوب بن جعفر الوارد في الراكبة و المركوبة، و فيهن قال رسول الله صلي الله عليه و آله لعن الله المشتبهين «3».

و فيه: ان هذه النصوص كلها ضعيفة السند.

أما الاول: فلعمرو بن شمر الذي قال

______________________________

(1) الوسائل، باب 87، من أبواب ما يكتسب به، حديث 1.

(2) الوسائل، باب 87، من أبواب ما يكتسب به، حديث 2.

(3) الوسائل، باب 24، من أبواب النكاح المحرم، حديث 5.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 255

و تذكر الانثي لا مجرد لبس أحدهما لباس الآخر مع عدم قصد التشبه.

و يؤيده المحكي عن العلل ان عليا عليه السلام رأي رجلا به تأنث في مسجد رسول الله صلي الله عليه و آله فقال له: أخرج من مسجد رسول الله صلي الله عليه و آله فاني سمعت رسول الله صلي الله عليه و آله يقول لعن

الله الخ، و في رواية يعقوب بن جعفر الواردة في المساحقة ان فيهن قال رسول الله صلي الله عليه و آله لعن الله المتشبهات بالرجال من النساء الي آخره، و في رواية أبي خديجة عن أبي عبد الله عليه السلام لعن رسول الله صلي الله عليه و آله المتشبهين من الرجال بالنساء و المتشبهات من النساء بالرجال و هم المخنثون و اللائي ينكحن بعضهن بعضا.

______________________________

النجاشي في حقه: انه ضعيف جدا زيد احاديث في كتب جابر الجعفي.

و أما الثاني: فلحسين بن علوان الكلبي و عمرو بن خالد التبري العامي.

و أما الثالث: فليعقوب بن جعفر حيث إنه لا ذكر له في كتب الرجال.

و دعوي صاحب الجواهر و تبعه السيد في حاشيته ان قصور السند منجبر بالشهرة، مندفعة بان ما أفتي به القوم في كتبهم و ذكروه في العناوين انما هو تزيين الرجل بما يحرم عليه، و لم ينقل هو قدس سره التعميم الا عن المسالك، بل يمكن ان يقال ان نفس عدم ذكر العكس و التصريح بما يحرم عليه دون كل ما يختص بالنساء، دليلان علي عدم التعميم،

و علي ذلك فالشهرة غير ثابتة.

و مع الاغماض عن ذلك فلا دلالة فيه علي حرمة التشبه في اللباس لما دل من النصوص علي حصر المراد به في المخنثين و المساحقات كخبر يعقوب المتقدم المذكور في المتن فان تقديم الظرف يفيد الحصر.

مع ان للمنع عن دلالة اللعن علي الحرمة مجالا واسعا، اذ الظاهر من اللعن مطلق الابعاد الذي يجتمع مع الكراهة.

مضافا الي ان الظاهر من تشبه الرجل بالمرأة تأنثه باللواط، و من تشبه المرأة بالرجل تذكره بالسحق.

و أما التشبه في اللباس، فهو تشبه مقيد لا المطلق فتدبر، و يؤيده خبر أبي

خديجة المذكور في المتن «1».

______________________________

(1) الوسائل، باب 24، من أبواب النكاح المحرم، حديث 6.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 256

نعم في رواية سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام عن الرجل يجر ثيابه، قال: اني لاكره ان يتشبه بالنساء.

و عنه عليه السلام عن آبائه عليهم السلام كان رسول الله صلي الله عليه و آله يزجر الرجل ان يتشبه بالنساء و ينهي المرأة ان تشبه بالرجال في لباسها، و فيهما خصوصا الاولي بقرينة المورد ظهور في الكراهة (1) فالحكم المذكور لا يخلو عن إشكال.

______________________________

فان قوله: و هم المخنثون … الخ ظاهر في الحصر.

أورد عليه المصنف بايرادين آخرين:

احدهما ان التشبه متقوم بالقصد و لا يتحقق بدونه، ذكره قبل أسطر و أيده بعض المحققين بان التشبه من التفعل و هيئة التفعل قد اعتبر في تحقق مفهومها القصد، و هذا هو الفارق بين التشبه و الشباهة، حيث ان الثانية تستعمل في موارد الشباهة القهرية غير القصدية، كما يقال زيد شبيه بعمرو في الجمال، و الاول لا يستعمل في هذه الموارد.

و فيه: انه لا ريب في عدم صدق التشبه في موارد الشباهة القهرية، و لكن ذلك لاجل اعتبار العلم و الالتفات في حصول وجه الشبه في الخارج لا لأجل اعتبار القصد بالمعني الذي اراده الشيخ قدس سره الذي لا دليل عليه، بل أطلق التشبه في النصوص علي جر الثوب و المساحقة و اللواط مع عدم صدور شي ء منها بقصد التشبه.

(1) الثاني: ظهور بعض الاخبار كخبري سماعة المذكورين في المتن «1». في الكراهة و هما يوجبان صرف ظهور النبوي عن الحرمة.

و فيه: انه لم ار وجها لدعوي ظهور الثاني منهما في الكراهة، فان مادة النهي ظاهرة في الحرمة و الزجر بل هي

أظهر منه فيها.

و أما الاول: فان كان وجه دعوي ظهوره في الكراهة قوله عليه السلام اني لاكره ان يتشبه بالنساء ففيه: ان الكراهة في الروايات أعم من الكراهة المصطلحة و إن كان لاجل الاجماع

______________________________

(1) الوسائل، باب 13، من أبواب أحكام الملابس، حديث 1 و 2 كتاب الصلاة.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 257

______________________________

علي عدم حرمة ما في مورده و هو جر الثوب، ففيه: انه بعد فرض خروج الكراهة

و الحرمة عن حريم المستعمل فيه و الموضوع له و كونهما أمرين انتزاعيين من الترخيص في الفعل و عدمه هو لا يرجع الي محصل.

و قد أورد عليه الاستاذ الاعظم بايراد آخر و هو: ان المراد من التشبه فيه اما ان يكون مطلق التشبه، او خصوص التشبه في الطبيعة، كتأنث الذكر، و تذكر المرأة أو التشبه الجامع بين التشبه في الطبيعة و التشبه في اللباس.

أما الاول: فبديهي البطلان، و الا لزم حرمة اشتغال الرجل باعمال المرأة كتنظيف البيت و الكنس و الغزل و نحوها، و حرمة اشتغال المرأة باعمال الرجل كالسقي و الزرع و نحوهما، مع انه لا يمكن الالتزام بها، و لم يلتزم بها أحد.

و أما الثالث: فلا يمكن الالتزام به لعدم الجامع بينهما، فيتعين الثاني.

و فيه: انه يمكن اختيار الاول و دفع ما ذكره بان التشبه انما يصدق بالنسبة الي الافعال المختصة بكل منهما بحسب الطبع، أو الجعل كلبس كل منهما لباس الآخر و وصل الرجل حاجبيه بالوسمة و تحميره وجهه بالصبغ الذي تستعلمه النساء و ما شابه ذلك، و أما الافعال التي ذكرها دام ظله فليس شي ء منها مختصا باحدهما كما لا يخفي علي من راجع العرف و الافعال المتداولة بينهم، فالصحيح ما ذكرناه.

و منها: النبوي المروي

عن مجمع البيان عن أبي امامة انه صلي الله عليه و آله قال: أربع لعنهم الله من فوق عرشه و آمنت عليه الملائكة- الي ان قال- و الرجل يتشبه بالنساء و قد خلقه الله ذكرا، و المرأة تتشبه بالرجال و قد خلقها الله انثي «1».

و فيه: انه مرسل غير مجبور بالشهرة، مع انه يرد عليه ما تقدم من ان الظاهر من التشبه المطلق تأنث الذكر باللواط و تذكر الانثي بالسحق، و لعل هذا النبوي أظهر من

______________________________

(1) المستدرك باب 70، من أبواب ما يكتسب به، حديث 2.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 258

______________________________

سابقه في ذلك بقرينة قوله و قد خلقه الله ذكرا.

و منها: ما عن الصدوق في الخصال مسندا عن الجعفي عن الامام الباقر عليه السلام: لا يجوز للمرأة ان بشبه بالرجل لان رسول الله صلي الله عليه و آله لعن المتشبهين من الرجال بالنساء و لعن المتشبهات من النساء بالرجال «1».

و يرد عليه: مضافا الي ما أوردناه علي سابقيه من ان الظاهر من التشبه تذكر الانثي بالسحق، انه ضعيف السند، لان من رواته محمد بن عمارة و ابنه جعفر و هما مجهولان.

و بما ذكرناه ظهر ما في خبر دعائم الاسلام عن جعفر بن محمد عليه السلام ان رسول الله صلي الله عليه و آله نهي النساء ان يكن متعطلات من الحلي او يتشبهن بالرجال «2».

و ما عن فقه الرضا عليه السلام: لعن رسول الله صلي الله عليه و آله سبعة وعد منهم المتشبهة بالرجال و المتشبه بالنساء «3».

و أما ما تضمن النهي عن تأنث الذكر فظهوره في إرادة اللواط لا يقبل الانكار، و احتمال إرادة تزيين الرجل بزينة النساء منه كما في حاشية المحقق الايرواني قدس

سره غريب.

و قد يستدل لحرمة تشبه كل من الرجل و المرأة بالآخر في اللباس بخبري سماعة المتقدمين، و في أحدهما: قال في الرجل يجر ثيابه: اني لاكره ان يتشبه بالنساء.

و في الآخر: كان رسول الله صلي الله عليه و آله يزحر الرجل ان يتشبه بالنساء و ينهي المرأة ان تتشبه بالرجال في لباسها «4».

و أجاب عن الاستدلال بهما المصنف بما تقدم من أن ظاهرهما الكراهة، و قد مر ما فيه آنفا.

______________________________

(1) المستدرك باب 9، من أبواب أحكام الملابس حديث 1.

(2) المستدرك باب 9، من أبواب أحكام الملابس، حديث 4.

(3) المستدرك باب 9، من أبواب احكام الملابس حديث 2.

(4) المستدرك باب 13، من أبواب احكام الملابس حديث 1- 2.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 259

ثمّ الخنثي يجب عليها ترك الزينتين (1) المختصتين بكل من الرجل و المرأة كما صرح به جماعة لانها يحرم عليها لباس مخالفها في الذكورة و الانوثة و هو مردد بين اللبسين فتجتنب عنهما مقدمة لانهما من قبيل المشتبهين المعلوم حرمة أحدهما، و يشكل بناء علي كون مدرك الحكم حرمة التشبه بان الظاهر عن التشبه صورة

______________________________

و أجاب عنه الاستاذ الاعظم: بان المراد من التشبه فيهما هو ان يتزيا كل من الرجل و المرأة بزي الآخر لا مجرد لبس كل من الرجل و المرأة لباس الآخر، و الا لزم حرمة لبس كل من الزوجين لباس الآخر لبعض الدواعي كبرد و نحوه.

و فيه: ان التشبه يصدق مع وقوع وجه الشبه في الخارج مع الالتفات و العلم كما صرح به دام ظله، فلبس كل منهما لباس الآخر مع العلم و الالتفات تشبه به في اللباس الذي هو المنهي عنه في الخبرين، و لا وجه لاعتبار ان يتزيا

كل منهما بزي الآخر في مفهوم التشبه.

و ما ذكره من ان لازم البناء عن عدم اعتبار ذلك حرمة لبس كل من الزوجين لباس الآخر لبرد و نحوه، ليس من التوالي الفاسدة التي لا يمكن الالتزام بها علي هذا المسلك، فالصحيح في الجواب عنهما: انهما ضعيفان للارسال.

فتحصل: انه لا دليل علي حرمة تشبه الرجل بالنساء و المرأة بالرجال في اللباس و الاصل الاباحة.

(1) بناء علي كون الخنثي المشكل طبيعة ثالثة غير الرجل و المرأة كما اختاره جمع لا ريب في جواز ان تلبس لباس كل من الرجل و المرأة حتي بناء علي حرمة التشبه في اللباس او مطلقا، كما لا يخفي، و أما بناء علي كونها داخلة تحت أحد العنوانين، فيجب عليها ترك الزينتين سواء اعتبر في مفهوم التشبه القصد أم لا، و علي الثاني سواء اعتبرنا العلم بصدور الفعل كما بنينا عليه، أم لا، أما علي الاخير فواضح، و أما علي الثاني فلان العلم الذي اعتبرناه أعم من التفصيلي و الاجمالي الموجود في الخنثي و أما علي الاول فلانها تعلم بحرمة التزين باحدي الزينتين بقصد التشبه بمن اختصت به فيجب عليها الاجتناب عنهما للعلم الاجمالي.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 260

علم المتشبه. (1)

المسألة الثالثة: التشبيب بالمرأة المعروفة المؤمنة المحترمة،
اشارة

و هو كما في جامع المقاصد ذكر محاسنها و إظهار شدة جبها بالشعر حرام علي ما عن المبسوط و جماعة كالفاضلين و الشهيدين و المحقق الثاني (2) و استدل عليه بلزوم تفضيحها و هتك حرمتها (3).

______________________________

و أما بناء علي عدم ثبوت كونها داخلة تحت أحد العنوانين و عدم ثبوت كونها طبيعة ثالثة، فمقتضي أصالة الاباحة جواز كلتا الزينتين عليها للشك في حرمتهما و عدم العلم بحرمة إحداهما عليها.

(1) و بما ذكرناه ظهر، ما

في قوله قدس سره و يشكل بناء علي كون مدرك الحكم حرمة التشبه بان الظاهر عن التشبه صورة علم المتشبه.

كما انه ظهر عدم تمامية تسليم السيد الفقيه و المحقق الايرواني ما ذكره المصنف قدس سره ان كان ما ذكره من التعليل من جهة اعتبار القصد في مفهومه.

التشبيب بالمرأة الاجنبية

(2) يقع الكلام في مواضع اربعة:

الاول: في حرمة التشبيب بالمرأة في الجملة و عدمها.

الثاني: في حرمة الاستماع علي فرض حرمته و عدمها.

الثالث: في الخصوصيات التي اعتبروها فيه.

أما الموضع الاول: ففيه قولان، و قد استدل للحرمة بوجوه:

(3) هذا هو أول الوجوه و هو ان التشبيب تقبيح و هتك للمشبب بها و إهانة لها فيحرم.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 261

ايذائها (1).

______________________________

و فيه: ان التشبيب بذكر المحاسن، و إظهار شدة الحب من دون ان يشتمل علي ما ينافي العفاف و التستر لا يكون هتكا لها و إهانة و تفضيحا، لا سيما إذا كان اظهار شدة الحب من غير جهة الميل الشهوي الي المشبب بها، كذكر محاسن مخدرات الرسالة و اظهار شدة جبهن بجهة الولاية.

نعم إذا اشتمل علي ما ينافي العفاف و التستر يكون هتكا لها، إلا انه ينطبق عليه لاجل ما اشتمل عليه لا نفسه، و لعل هذا هو مراد من أجاب عن هذا الدليل بان النسبة بين عنواني الاهانة و الهتك في مورد.

و الغريب ان الاستاذ الاعظم عند بيان مورد افتراق التشبيب عن الهتك بعد اختياره كون النسبة بين العنوانين عموما من وجه، ذكر ما إذا كان التشبيب في حال الخلوة مع عدم اطلاع أحد عليه، أو فيما إذا كان ذلك في جواب سؤال السائل المريد ان يخطبها، إذا مضافا الي ما تقدم من عدم انطباق عنوان الهتك عليه

مطلقا، انه لو سلم ذلك لا يفرق بين كون ذلك في جواب المريد للخطبة و غيره، بعد هدم كون ذكر المحاسن وحده من التشبيب،

بل مع الاقتران بشدة الحب.

و أما الايراد عليه بأن محل كلامنا هو حرمة التشبيب بعنوانه الأولي، فإثبات حرمة بعنوانه عرضي خروج عن محل الكلام، ففي غير محله لو سلم كونه هتكا متلقا كما لا يخفي.

(1) هذا هو الوجه الثاني و هو انه ايذاء للمشبب بها و هو حرام.

و فيه: أولا: ان النسبة بين الإيذاء و التشبيب عموم من وجه، لو لم ندع عدم كونه إيذاء مطلقا ما لم يشتمل علي ما ينافي العفاف و التستر المحرم بعنوان الهتك و الفحش.

و ثانيا: ان الإيذاء بفعل المباح مع عدم قصد الإيذاء لا دليل علي حرمته، و إلا لزم البناء علي حرمة كل فعل ترتب عليه أذي الغير و إن كان ذلك الفعل مستحبا، بل لو كان

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 262

و إغراء الفساق بها (1) و إدخال النقص عليها و علي أهلها (2) و لذا لا ترضي النفوس الآبية ذوات الغيرة و الحمية ان يذكر ذاكر عشق بعض بناتهم و أخواتهم بل البعيدات من قراباتهم، و الإنصاف ان هذه الوجوه لا تنهض لإثبات التحريم مع كونه أخص من المدعي، إذ قد لا يتحقق شي ء من المذكورات في التشبيب بل و أعم منه من وجه فان التشبيب بالزوجة قد توجب أكثر المذكورات، و يمكن ان يستدل عليه بما سيجي ء من عمومات حرمة اللهو و الباطل (3).

______________________________

واجبا يقع التزاحم بين الحكمين، و هذا مما لا يمكن الالتزام به، أ لا تري انه ليس لفقيه ان يتفوه بحرمة صلاة إمام الجماعة إذا تأذي الغير من كونه إماما

يقتدي به الناس.

و ثالثا: تحقق الايذاء يتوقف علي سماعها و إطلاقها عليه، فلو تشبب بها و لم تسمع لا يتحقق الايذاء كما لا يخفي.

(1) هذا هو الوجه الثالث و هو انه إغراء الفساق بها.

و فيه: ان ذلك بمجرده لا دليل علي حرمته الا ان يرجع الي الايذاء و قد عرفت ما فيه.

(2) هذا هو الوجه الرابع و هو انه ادخال النقص عليها و علي أهلها.

و فيه: انه ممنوع صغري و كبري، و لا يخفي وجه منعها بعد الاحاطة بما ذكرناه.

(3) هذا هو الوجه الخامس و حاصله ان التشبيب من اللهو و الباطل، فيكون حراما لعمومات حرمة اللهو و الباطل الآتية.

و فيه: انه لا يمكن الالتزام بحرمة كل لهو و باطل و الا لزم حرمة أغلب الافعال المباحة و هي كل ما اشغل عن ذكر الله و رسوله و ذكر القيامة.

مع انه قدس سره لا يلتزم بحرمة كل لهو و باطل كما يصرح به في محله.

مضافا الي المنع من صدق اللهو و الباطل علي كل تشبيب، فان الشعر الذي ينشأ أو ينشد في ذلك المقام ربما يشتمل علي ما يخرجه عن ذلك.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 263

ما دل علي حرمة الفحشاء (1) و منافاته للعفاف المأخوذ في العدالة- 2-.

و فحوي ما دل علي حرمة ما يوجب و لو بعيدا تهيج القوة الشهوية بالنسبة الي غير الحليلة (3) مثل ما دل علي المنع عن النظر لانه سهم من سهام إبليس.

______________________________

(1) هو الوجه السادس: و هو ان التشبيب من الفحشاء و قد دل الكتاب العزيز علي حرمة ذلك «1».

و فيه: ان كون التشبيب من الفحشاء، أول الكلام و لم يدل دليل علي كونه منها.

(2) السابع، انه مناف للعفاف

الماخوذ في العدالة في صحيح ابن أبي يعفور عن مولانا الصادق عليه السلام الوارد في تعيين ما به تعرف عدالة الرجل ان تعرفوه بالستر و العفاف «2».

و فيه: انه ان اعتبرنا في العدالة خصوص العفاف من المحرمات، فيرد عليه: ان كون التشبيب منها أول الكلام، و ان كان المعتبر أعم من ذلك، و من ما يكون عفافا عن ما ينافي العرف و العادة، كما هو الظاهر من من يعتبر في العدالة ترك ما ينافي المروة.

فيرد عليه: ان كون التشبيب منافيا للعفاف في بعض الموارد مجالا واسعا.

(3) الثامن: فحوي ما دل من النصوص علي حرمة كل ما يوجب تهييج القوة الشهوية بالنسبة الي غير الحليلة، و هي طائفتان:

الاولي ما دل علي المنع عن النظر الي الاجنبية «3». و في بعضها التعليل بانه سهم من سهام ابليس، و في بعضها التعليل بانه بذر الشهوات، و في بعضها النظرة بعد النظرة تزرع في القلب الشهوة، و كفي بها لصاحبها فتنة.

______________________________

(1) النحل، آية 90- النور، آية 91.

(2) الوسائل، باب 41، من أبواب الشهادات، حديث 1.

(3) الوسائل، باب 104، من أبواب مقدمات النكاح

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 264

و المنع عن الخلوة بالأجنبية لأن ثالثهما الشيطان (1).

______________________________

وجه دلالة هذه النصوص بالفحوي علي حرمة التشبيب: انه إذا كان النظر حراما لأنه سهم يؤثر في إيمان الناظر، و يوجب وقوع صاحبه في الفتنة و يزرع في قلبه الشهوة،

فالتشبيب أولي بالحرمة، لأن تأثير الكلام في تحقق هذه الأمور أشد من تأثير النظر.

و فيه: اولا: كون هذه الأمور علة يدور الحكم مدارها محل نظر بل منع، إذ مضافا الي ضعف سند، ما علل الحكم فيه لا يمكن الالتزام بذلك، و الا لزم البناء علي عدم

حرمة النظر مع عدم استلزامه لذلك، و هذا مما لم يتفوه به فقيه، و ليس له ذلك، فلا محالة تكون من قبيل الحكمة لا يدور الحكم مدارها، فلا وجه للتعدي عن مورد النصوص.

و ثانيا: لا نسلم كون التشبيب أشد تأثيرا من النظر الذي هو أقوي أفراد المهيج للشهوة: و ثالثا: ان النسبة بين التشبيب و تهييج القوة الشهوية، هي العموم من وجه.

حكم الخلوة بالاجنبية

(1) الثانية: ما دل علي عدم جواز الخلوة بالاجنبية «1» و هي كثيرة و في بعضها التعليل بأن ثالثهما الشيطان.

و تقريب الاستدلال بها: انها تدل علي حرمة الخلوة من جهة ان الشيطان في تلك الحالة ثالثهما و يهيج القوة الشهوية، و حيث ان التشبيب يهيج القوة الشهوية أزيد من تهييجها الخلوة، فهو أولي بالتحريم.

و فيه: أولا: ان ما ذكر في تلك النصوص من قبيل الحكمة للحكم لا العلة كي يدور مدارها الحكم كما تقدم.

______________________________

(1) الوسائل، باب 99، من أبواب مقدمات النكاح- و المستدرك، باب 77، منها.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 265

______________________________

و ثانيا: انه لا شاهد لكون العلة تهييج القوة الشهوية، و لعلها كون الخلوة من

المقدمات القريبة للزنا، فان تلك الخالة مظنة الوقوع في هذه المهلكة العظمي، بل هذا هو الظاهر منها، و عليه فلا وجه لقياس التشبيب عليها.

و ثالثا: لا دليل علي حرمة الخلوة.

فان النصوص التي استدلوا بها علي حرمتها ضعيفة السند.

و دعوي انجبار ضعفها بالشهرة.

مندفعة بانه بما ان جملة من تلك النصوص كخبر مسمع عن مولانا الصادق عليه السلام فيما أخذ رسول الله صلي الله عليه و آله البيعة علي النساء و لا يقعدن مع الرجال في الخلاء «1» و نحوه غيره،

دالة علي حرمة قعود الرجل مع المرأة في بيت الخلاء الذي

كان متعارفا في زمان الجاهلية و لذا قيده بالقعود، و لم يقيد الرجال بغير المحارم.

و جملة اخري منها كخبر موسي بن إبراهيم عن الامام الكاظم عليه السلام: قال رسول الله صلي الله عليه و آله من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فلا يبيت في موضع يسمع نفس امراة ليست له بمحرم «2». و نحوه غيره، دالة علي حرمة نوم الرجل في محل يسمع نفس الاجنبية الذي تكون النسبة بينه و بين الخلوة هي العموم من وجه.

و جملة ثالثة تدل علي حرمة نوم الرجل مع المرأة تحت لحاف واحد «3».

و طائفة رابعة منها كخبر الجعفريات عن الامام علي عليه السلام: ثالثة من حفظهن كان مصونا من الشيطان الرجيم و من كل بلية: من لم يخل بامرأة لا يملك منها شيئا.. الخ «4». و نحوه غيره، غير ظاهرة في الحرمة، إذ هي تدل علي ان من خلا باجنبية لا يكون مصونا من

______________________________

(1) الوسائل، باب 99، من أبواب مقدمات النكاح، حديث 1.

(2) الوسائل، باب 99، من أبواب مقدمات النكاح، حديث 2.

(3) الوسائل، باب 10، من أبواب حد الزنا.

(4) المستدرك، باب 77، من أبواب مقدمات النكاح، حدي

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 266

و كراهة جلوس الرجال في مكان المرأة حتي يبرد المكان (1) و برجحان التستر عن نساء أهل الذمة لأنهن يصفن لأزواجهن (2).

______________________________

الوقوع في الزنا و غيره من البليات، و هذا لا يلازم حرمة الخلوة كما لا يخفي، و لم يعلم استناد من أفتي بالحرمة الي خصوص ما هو ظاهر فيها كما يظهر لمن راجع كتب الحديث و الفتوي،

حيث انهم يذكرون هذه المسألة، ثمّ في مقام ذكر النصوص يذكرون النصوص المتقدمة او بعضها غير الدال علي حكم المسألة،

فلا وجه لهذه الدعوي.

مع ان للمنع عن إفتاء المشهور بالحرمة مجالا واسعا، و إن قال العلامة المجلسي في مرآة العقول في تحريم الخلوة مع الاجنبية ذكره الاصحاب، لعدم تعرض الاكثر له، و انما أشار اليه في باب الطلاق من ذكره و لم يذكر أحد في باب النكاح، و هذا بنفسه كاشف عن عدم كونها محرمة عندهم كما أشار اليه صاحب الجواهر قال: و لا شهرة محققة للاصحاب.

فالاظهر عدم حرمة الخلوة مع الاجنبية، و تؤيده النصوص الدالة علي جواز صحبة غير المحرم في طريق الحج و غيره «1».

المستلزمة للخلوة في بعض الاحيان، و في بعضها التعليل بأن المؤمن ولي المؤمنة.

(1) التاسع: فحوي ما دل علي كراهة أمور:

منها جلوس الرجل في مكان المرأة ما لم يبرد المكان: كخبر السكوني عن مولانا الصادق عليه السلام قال رسول اللّٰه صلي اللّٰه عليه و آله إذا جلست المرأة مجلسا فقامت عنه فلا يجلس في مجلسها حتي يبرد «2».

(2) و منها: انكشاف المرأة بين يدي اليهودية و النصرانية كخبر حفص بن البختري عن أبي عبد الله عليه السلام: لا ينبغي للمرأة ان تنكشف بين يدي اليهودية و النصرانية فانهن يصفن ذلك لازواجهن «3».

الوسائل،

______________________________

(1) الوسائل، باب 58، من أبواب وجوب الحج و شرائطه.

(2) الوسائل، باب 145، من أبواب مقدمات النكاح و آدابه، حديث 1.

(3) الوسائل، باب 98، من أبواب مقدمات النكاح و آدابه، حديث 1.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 267

و التستر عن الصبي المميز الذي يصف ما يري (1) و النهي في الكتاب العزيز عن) أن يخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض (و عن) أن يضربن بارجلهن و ليعلم ما يخفين من زينتهن ((2) إلي غير ذلك في المحرمات و المكروهات

التي يعلم منها حرمة ذكر المرأة المعينة المحترمة بما يهيج الشهوة عليها خصوصا ذات البعل التي لم يرض الشارع بتعريضها للنكاح بقول رب راغب فيك،

______________________________

(1) و منها: عدم التستر عن الصبي المميز كخبر السكوني عن سيدنا الصادق عليه السلام قال سال أمير المؤمنين عليه السلام عن الصبي يحجم المرأة؟ قال عليه السلام: إذا كان يحسن يصف فلا «1»

و نحوه غيره.

و فيه: أولا: ان فحوي هذه الادلة- علي فرض ثبوت كون العلة لهذه الاحكام- هي اثارة القوة الشهوية و ثبوتها في التشبيب هي كراهة التشبيب لا حرمته إذ لا وجه للاستدلال بما دل علي كراهة شي ء لحرمة شي ء آخر فيه مناط ذلك الحكم.

و ثانيا: انه لم يحرز كون مناط الكراهة هو ذلك، و لذا لم يفت أحد بكراهة الانكشاف بين يدي المسلمة إذا كانت تصف لزوجها، بل ظاهر ما ورد في الصبي المميز استحباب التستر عنه بنفسه لكونه مميز الا لكونه يصف لغيره و يوجب ذلك اثارة قوته الشهوية، و الوصف في الخبر انما يكون كناية عن التمييز كما لا يخفي، كما ان الظاهر ان رجحان التستر عن نساء أهل الذمة انما يكون لئلا يطلع أزواجهن علي محاسن النساء المسلمات.

(2) العاشر: النهي في الكتاب العزيز عن خضوع النساء بالقول لئلا يطمع الذي في قلبه مرض «2» و عن) أن يضربن بارجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن) «3». بدعوي ان التشبيب يوجب طمع من قلبه مرض أثر من الخضوع بالقول، كما انه أشد تاثيرا من الضرب بالارجل، فاذا كانا هما منهيا عنهما فالتشبيب أولي بان يكون كذلك.

______________________________

(1) الوسائل، باب 130، من أبواب مقدمات النكاح، حديث 2.

(2) الاحزاب، آية 33.

(3) النور، آية

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 268

______________________________

و فيه:

ان الخضوع بالقول و الضرب بالارجل ليسا محرمين قطعا فلا محيص عن

صرف النهي عن ظاهره، و عليه فلا يبقي مورد للاستدلال بفحواهما لحرمة التشبيب كما مر.

فتحصل: انه لا دليل علي حرمة التشبيب من حيث هو ما لم ينطبق عليه أحد العناوين المحرمة كالفحش و الغيبة و التهمة و الهتك و نحوها.

و أما الموضع الثاني: فالاظهر عدم حرمة الاستماع و إن ثبت حرمة التشبيب لعدم الدليل، و قد استدل المحقق الايرواني علي حرمته- بعد بنائه علي حرمة التشبيب و اعتبار وجود المخاطب- بان الوجوه القاضية بتحريم التشبيب قاضية بحرمة عنوان منطبق علي المركب من القول و السماع، فكان كل منهما دخيلا في تحقق الحرام، فيحرم كل منهما في عرض الآخر.

و فيه: ان التشبيب انما ينطبق علي القول، و السماع سماع له لا انه محقق عنوان التشبيب، و عدم حرمة التشبيب الا مع وجود المخاطب لا يلزم حرمة السماع.

و بالجملة: بعد كون المحرم هو التشبيب و هو انما ينطبق علي القول، و السماع لو اعتبر فلنما هو شرط الحرمة لا مقوم لتحققه، لا وجه للقول بحرمته.

و لكن الانصاف ان بعض الوجوه المتقدمة كأدلة حرمة اللهو و الباطل، و فحوي ما دل علي حرمة ما يوجب تهيج القوة الشهوية، يقضي بحرمة الاستماع في نفسه كالقول كما لا يخفي، و قد عرفت ان هذين الوجهين ضعيفان جدا.

و أما الموضع الثالث: فلا أري وجها لاعتبار كون التشبيب بالشعر لعدم اختصاص شي ء من الوجوه المتقدمة، بما إذا كان بالشعر، بل يمكن ان يقال: ان جملة من الوجوه المتقدمة لو تمت لاختصت بما إذا كان بغير الشعر، لما ذكره المحقق التقي قدس سره بقوله: ان التشبيبات المتعارفة في ألسنة الشعراء قديما و

حديثا لاشتمالها علي كثرة إغراقات و مبالغات لا يستفاد منها علم و لا يحصل منها اطلاع علي حال الممدوح و صفاته و شمائله، بل ليست هي من قبيل حقيقة الاخبار في شي ء، و انما هي إنشاء و مدح علي أنحاء مبالغات و إغراقات يعلم بعدم مطابقتها للواقع انتهي.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 269

نعم لو قيل: بعدم حرمة التشبيب بالمخطوبة قبل العقد، بل مطلق من يراد تزويجها لم يكن بعيدا لعدم جريان أكثر ما ذكر فيها، و المسألة غير صافية عن الاشتباه و الاشكال. (1) ثمّ ان المحكي عن المبسوط و جماعة جواز التشبيب بالحليلة بزيادة الكراهة عن المبسوط، و ظاهر الكل جواز التشبيب بالمرأة المبهمة بان يتخيل امراة و يتشبب بها.

و أما المعروفة عند القائل دون السامع سواء علم السامع إجمالا بقصر معينة أم لا، ففيه أشكال.

______________________________

(1) ظاهر المصنف قدس سره الميل الي جواز التشبيب بالمخطوبة.

حيث قال: لو قيل بعدم حرمة التشبيب بالمخطوبة قبل العقد بل مطلق من يراد تزويجها لم يكن بعيدا.

و فيه: ان مقتضي جميع الوجوه المتقدمة حرمة التشبيب بها، حتي أولوية مناط حرمة النظر، فانها أيضا ممن يحرم النظر اليها، و مجرد ثبوت جواز النظر في الجملة لا مستمرا من حين إرادة التزويج الي حين وقوع النكاح لاستعلام الحال لا يقتضي جواز التشبيب مطلقا.

نعم اعتبار كون المشبب بها غير الحليلة في محله، لاختصاص الوجوه المتقدمة بغيرها كما هو واضح.

و أما اعتبار كونها معروفة فظاهر الجميع علي ما ذكره الشيخ الاعظم البناء عليه.

و لكن أكثر الوجوه المتقدمة مختصة بالمعروفة و لا تشمل المرأة المتهمة و الخيالية، و مقتضي بعضها، ككون التشبيب من اللهو الباطل، و كونه من الفحشاء، و منافيا للعفاف الماخوذ في

العدالة، حرمة التشبيب بها أيضا.

و أما المعروفة عند القائل دون السامع فمقتضي أكثر الوجوه حرمة التشبيب بها، و هي جميع ما اعتمد عليه المصنف قدس سره في هذا الحكم.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 270

و في جامع المقاصد كما عن الحواشي الحرمة في الصورة الاولي، و فيه إشكال من جهة اختلاف الوجوه المتقدمة للتحريم، و كذا إذا لم يكن هنا سامع.

و أما اعتبار الايمان فاختاره في القواعد و التذكرة و تبعه بعض الاساطين لعدم احترام غير المؤمنة، و في جامع المقاصد كما عن غيره حرمة التشبيب بنساء أهل الخلاف و أهل الذمة لفحوي حرمة النظر اليهن، و نقض بحرمة النظر الي نساء أهل الحرب مع انه صرح بجواز التشبيب بهن، و المسألة مشكلة من جهة الاشتباه في مدرك أصل الحكم و كيف كان فاذا شك المستمع في تحقق شروط الحرمة لم يحرم عليه الاستماع كما صرح به في جامع المقاصد.

و أما التشبيب بالغلام فهو محرم علي كل حال (1) كما عن الشهيدين و المحقق الثاني و كاشف اللثام لانه فحش محض فيشتمل علي الاغراء بالقبيح.

و عن المفاتيح ان في اطلاق الحكم نظرا، و الله العالم.

______________________________

و مما ذكرناه ظهر انه لا وجه لاعتبار الشيخ قدس سره وجود السامع، و لا كون المشبب بها مؤمنة كما لا يخفي.

(1) أما الموضع الرابع: ففي المكاسب) و أما التشبيب بالغلام فهو محرم علي كل حال كما عن الشهيدين (.

و فيه: إن التشبيب به إن كان بما يشتمل علي ما ينافي عفافه، كما إذا اشتمل علي انه لا يدفع يد لامس، و انه في عرضة ذلك، لا ريب في حرمته لانه فحش محض، و هتك و إهانة و تهمة او غيبة، و

إلا فان كان التشبيب لتمني الوصول الي المحرم الشرعي كاللواط فكذلك فانه جرأة علي معصية الله تعالي، و أما إذا لم يكن باحد النحوين و كان مجرد ذكر المحاسن و إظهار شدة الحب به فلا وجه لحرمته، نعم أكثر الوجوه المتقدمة في المرأة جارية هنا، إلا انه عرفت عدم دلالة شي ء منها علي حرمة التشبيب.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 271

المسألة الرابعة: تصوير صور ذوات الارواح حرام (1)
اشارة

إذا كانت الصورة مجسمة بلا خلاف فتوي و نصا و كذا مع عدم التجسم وفاقا لظاهر النهاية و صريح السرائر و المحكي عن حواشي الشهيد و الميسية و المسالك و إيضاح النافع و الكفاية و مجمع البرهان و غيرهم للروايات المستفيضة.

______________________________

التصوير حرام

(1) الرابعة لا خلاف في حرمة التصوير في الجملة، كما في المكاسب و الحدائق، و في الجواهر: بل الاجماع بقسميه عليه، بل المنقول منه مستفيض، و الاقوال فيها خمسة:

الاول: حرمة التصاوير مطلقا سواء كانت مجسمة أم غيرها، سواء كانت لذوات الارواح أم غيرها، و عن المختلف: نسبة هذا القول الي ابن البراج و ظاهر أبي الصلاح.

الثاني: حرمة التصاوير مطلقا إذا كانت مجسمة، و قد نسب ذلك الي الشيخين و سلار و هو ظاهر العلامة في التبصرة حيث قال: كعمل الصور المجسمة.

الثالث: حرمة تصاوير ذوات الارواح سواء كانت مجسمة أم غيرها، اختاره المصنف قدس سره في المتن وفاقا لجماعة من الاساطين علي ما نقله عنهم.

الرابع: حرمة تصاوير ذوات الارواح إذا كانت مجسمة، و هذا هو المتفق عليه، و اختاره جمع من الاساطين المعاصرين و ممن يقرب عصرنا.

الخامس: حرمة تصاوير ذوات الارواح مطلقا و غيرها إذا كانت مجسمة، استظهره السيد من بعض.

و النصوص الواردة في المقام علي طوائف:

الاولي: ما دل علي حرمة التصاوير مطلقا مجسمة كانت

أم غيرها، لذوات الارواح و غيرها: كخبر محمد بن مسلم عن الامام الصادق عليه السلام عن آبائه عليهم السلام عن الامام علي عليه السلام قال: اياكم و عمل الصور فانكم تسألون عنها يوم القيامة «1».

______________________________

(1) المستدرك، باب 75، من أبواب ما يكتسب به، حديث 1.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 272

مثل قوله عليه السلام: نهي ان ينقش شي ء من الحيوان علي الخاتم، و قوله عليه السلام: نهي عن تزويق البيوت، قلت: و ما تزويق البيوت، قال تصاوير التماثيل (1) و المتقدم عن تحف العقول و صنعة صنوف التصاوير ما لم يكن مثال الروحاني، و قوله عليه السلام في عدة أخبار: من صور صورة كلفه الله يوم القيامة ان ينفخ فيها و ليس بنافخ.

______________________________

و قد ضعفه الاستاذ الاعظم لقاسم بن يحيي.

و فيه: ان ابن الغضائري و ان ضعف الرجل و تبعه العلامة في الخلاصة، إلا انه يمكن عده من الحسان لان الرجل كثير الرواية و الاصحاب أفتوا بمضامين رواياته، و الاجلاء كأحمد بن محمد بن عيسي و غيره يروون عنه، و هذا يشير الي اعتمادهم عليه، و لم يضعفه شيخ من المشايخ العظام الماهرين بأحوال الرجال علي ما ذكره المولي الوحيد، و هذه بضميمة كثرة خطأ ابن الغضائري في التضعيفات، و عدم بناء العلامة في الخلاصة علي التدقيق يوجب الاطمينان بعدم ضعفه. فتأمل. فإن جعل مثل هذا الخبر مدركا للحكم الشرعي لا يخلو عن إشكال كما لا يخفي.

و أورد عليه المحقق التقي قدس سره بعدم العلم بظهور الصورة فيما يشمل غير المجسمة، بل يظهر من بعض الاخبار الاختصاص بالمجسمة كمقابلته عليه السلام النقش للصورة في حديث المناهي «1». المذكور في المتن.

و فيه: ان الصورة لو لم تكن

مختصة بغير المجسمة لا تكون مختصة بها كما تشهد له كثير من النصوص الواردة في الصلاة في بيت او مسجد فيه تصاوير، أو تماثيل، كخبر علي بن جعفر: سألت أخي موسي عليه السلام عن مسجد يكون فيه تصاوير و تماثيل يصلي فيه؟ فقال عليه السلام: تكسر رءوس التماثيل و تلطخ رءوس التصاوير و يصلي فيه و لا بأس «2» و

نحوه غيره.

(1) و أما حديث المناهي: فمضافا الي ضعف سنده يرد عليه ما ذكره السيد الفقيه من أن ما اشتمل علي كلمة النقش خبر آخر عن النبي صلي الله عليه و آله نقله الامام عليه السلام فلا مقابلة في كلام النبي، و الامام أراد ان ينقل اللفظ الصادر عنه.

______________________________

(1) الوسائل، باب 94، من أبواب ما يكتسب به، حديث 6 و 1. و باب 3 من أبواب المساكن، حديث 1.

(2) الوسائل، باب 32، من أبواب مكان المصلي، حديث 10.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 273

و قد يستظهر اختصاصها بالمجسمة من حيث ان نفخ الروح لا تكون الا في الجسم و ارادة تجسيم النقش مقدمة للنفخ، ثمّ النفخ فيه خلاف الظاهر، و فيه ان النفخ يمكن تصوره في النقش (1) بملاحظة محله بل بدونها كما في أمر الامام الاسد المنقوش علي البساط بأخذ الساحر في مجلس الخليفة أو بملاحظة لون النقش الذي هو في الحقيقة أجزاء لطيفة من الصبغ.

و الحاصل ان مثل هذا لا يعد قرينة عرفا علي تخصيص الصورة بالمجسم.

______________________________

و بالجملة: لا ينبغي التوقف في شمول الصورة للمجسمة و غيرها، و إرادة المجسمة منها في بعض النصوص كإرادة غيرها منها في آخر لا تصلح قرينة للاختصاص بشي ء منهما.

و أما النصوص الاخر التي استدلوا بها لهذا القول و ادعي

ظهورها في حرمة التصوير مطلقا، فليس في شي ء منها دلالة علي ذلك، فانها علي قسمين:

الاول: ما تضمن المنع عن التمثال: كخبر اصبغ بن نباتة قال أمير المؤمنين عليه السلام: من جدد قبرا، أو مثل مثالا فقد خرج عن الاسلام «1». و نحوه غيره.

الثاني: ما تضمن النهي عن تصوير التماثيل، كخبر الحضرمي عن عبد الله بن طلحة عن الامام الصادق عليه السلام جعل من أكل السحت تصوير التماثيل «2» و نحوه غيره.

و كلا القسمين مختصان بالمجسمة.

أما الاول فلان المثال ظاهر في المجسم و لا يصدق علي غيرها، إذ مثال الشي ء عبارة عن مماثله من جميع الجهات الست، كما يظهر لمن راجع موارد استعماله في العرف العام، و تؤيده النصوص المتقدم بعضها الظاهرة في ان المثال غير الصورة.

(1) و بذلك ظهر أن ما أفاده المصنف في وجه عدم اختصاصها بالمجسمة بقوله ان النفخ يمكن تصوره في النقش غير مربوط بما هو وجه الاختصاص.

______________________________

(1) التهذيب، ج 1، باب دفن الميت، ص 130- و الوسائل، باب 3، من أبواب المساكن، حديث 1.

(2) المستدرك، باب 5، من أبواب ما يكتسب به، حديث 6.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 274

و أظهر من الكل صحيحة محمد بن مسلم سألت أبا عبد الله عليه السلام عن تماثيل الشجر و الشمس و القمر، قال: لا بأس ما لم يكن شيئا من الحيوان، فان ذكر الشمس و القمر قرينة علي إرادة مجرد النقش و مثل قوله عليه السلام من جدد قبرا او مثل مثالا فقد خرج عن الاسلام، فان المثال و التصوير مترادفان (1) علي ما حكاه كاشف اللثام عن أهل اللغة من ان الشائع من التصوير و المطلوب منه هي الصور المنقوشة علي أشكال الرجال

و النساء و الطيور و السباع دون الاجسام المصنوعة علي تلك الاشكال و يؤيده ان الظاهر أن الحكمة في التحريم هي حرمة التشبه بالخالق في إبداع الحيوانات و أعضائها علي الاشكال المطبوعة التي يعجز البشر عن نقشها علي ما هي عليه فضلا عن اختراعها، و لذا منع بعض الاساطين عن تمكين غير المكلف من ذلك، و من المعلوم ان المادة لا دخل لها في هذه الاختراعات العجيبة فالتشبه انما يحصل بالنقش و التشكيل لا غير.

______________________________

(1) و ما ذكره المصنف قدس سره من ان المثال و الصورة مترادفان علي ما حكاه كاشف اللثام عن أهل اللغة، غير تام، و مجرد شيوع الصورة من عمل التصاوير دون غيرها من المادة المصنوعة علي تلك الاشكال لا يصلح قرينة لصرف هذه النصوص عن ظاهرها، إذ لا مانع من ورود النص لبيان حكم الافراد النادرة، و القبيح انما هو حمل المطلق علي الفرد النادر مع ان الشيوع ممنوع.

و أما الثاني: فلانه مبني علي التجريد، فمعناه جعل التماثيل و عملها، فيكون القسمان متحدين مفادا.

الطائفة الثانية: الاخبار الظاهرة في النهي عن التصاوير إذا كانت مجسمة لذوات الارواح و غيرها، و هي النصوص المانعة عن التمثال المتقدمة.

الطائفة الثالثة: ما يكون ظاهرا في حرمة تصاوير ذوات الارواح و إن لم تكن مجسمة، و هو ما رآه الصدوق بإسناده عن شعيب بن واقد عن الحسين بن زيد عن مولانا الصادق عليه السلام عن آبائه عليهم السلام في حديث المناهي: نهي رسول الله صلي الله عليه و آله عن التصاوير و قال

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 275

و من هنا يمكن استظهار اختصاص الحكم بذوات الارواح فان صور غيرها كثيرا ما يحصل بفعل الانسان للدواعي الاخر غير

قصد التصوير و لا يحصل به تشبه بحضرة المبدع تعالي عن التشبيه بل كل ما يصنعه الانسان من التصرف في الاجسام فيقع علي شكل واحد من مخلوقات الله تعالي، و لذا قال كاشف اللثام علي ما حكي عنه في مسألة كراهة الصلاة في الثوب المشتمل علي التماثيل انه لو عمت الكراهة لتماثيل ذي الروح و غيرها كرهت الثياب ذوات الاعلام لشبه الاعلام بالاخشاب و القصبات و نحوها و الثياب المحشوة لشبه طرائقها المخيطة بها بل الثياب قاطبة لشبه خيوطها بالاخشاب.

______________________________

من صور صورة كلفه الله تعالي يوم القيامة أن ينفخ فيها و ليس بنافخ- الي ان قال- و نهي ان ينقش شي ء من الحيوان علي الخاتم «1».

الطائفة الرابعة: ما يدل علي حرمة تصاوير ذوات الارواح إذا كانت مجسمة و جواز تصاوير غيرها مطلقا كصحيح البقباق عن سيدنا الصادق عليه السلام في قول الله عز و جل:

) يعملون له ما يشاء من محاريب و تماثيل (فقال: و الله ما هي تماثيل الرجال و النساء و لكنها الشجر و شبهه «2» فإن ذكر الرجال و النساء فيه انما يكون من باب المثال، و يشهد له ذيله.

و صحيح زرارة عن الامام الباقر عليه السلام: لا بأس بتماثيل الشجر «3».

و صحيح محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن تماثيل الشجر و الشمس و القمر فقال: لا بأس ما لم يكن شيئا من الحيوان «4».

______________________________

(1) الوسائل، باب 94، من أبواب ما يكتسب به، حديث 6.

(2) الوسائل، باب 94، من أبواب ما يكتسب به، حديث 1.

(3) الوسائل، باب 94، من أبواب ما يكتسب به، حديث 2.

(4) الوسائل، باب 94، من أبواب ما يكتسب به، حديث 3.

منهاج الفقاهة (للروحاني)،

ج 1، ص: 276

______________________________

و ثانيا: انه علي فرض عدم شيوعه و كونه نادرا بما ان السؤال انما يكون عن حكم

ذلك الفرد النادر، فلا وجه لجعل جوابه عاما، إذ لا يترتب محذور علي تخصيصه بذلك المورد.

و ثالثا: ان التمثال المضاف إلي الشمس و القمر أريد منه النقش بتلك القرينة، و هذا لا يوجب إرادة النقش من التمثال المضاف الي الحيوان، فهذا الخبر لا دلالة له علي حرمة تصوير ذي الروح إذا لم يكن مجسما.

و الاخبار المشتملة علي نفخ الروح كخبر المناهي المتقدم و خبر سعيد عن مولانا الباقر عليه السلام: ان الذين يؤذون الله و رسوله هم المصورون يكلفون يوم القيامة ان ينفخوا فيها الروح «1» و نحوهما غيرهما.

و اختصاص هذه النصوص بذوات الارواح واضح، إذ الظاهر منها ان عدم القدرة علي النفخ في الصورة انما يكون لعجز النافخ، و عليه فلا بد و أن يكون المحل في نفسه قابلا لذلك، فالشجر و الشمس و القمر و شبههما غير قابلة للنفخ في أنفسها.

و أما اختصاصها بالمجسمة فقد اختاره في الجواهر: و علله بأن النصوص ظاهرة في كون الصورة حيوانا لا ينقص منه شي ء سوي الروح، و الظاهر ان مراده ان الظاهر منها حرمة تصوير ما لو نفخ فيه الروح لصار حيوانا متعارفا، و لا يكون المنفوخ فيه ناقصا عن مشابهه من المخلوقات بحسب الشكل و الجثة الا من حيث الروح فيؤمر بتتميمه بنفخ الروح فيه.

لا ما ذكره الاستاذ الاعظم من استحالة الامر بنفخ الروح في النقوش الخالية عن الجسم، فإن الامر بالنفخ لا يكون الا في محل قابل، و الصور المنقوشة في الالواح غير قابلة لذلك لاستحالة انقلاب العرض الي الجوهر، فعدم القدرة عليه ليس لعجز النافخ

كما لا يخفي علي من راجع الجواهر.

______________________________

(1) الوسائل، باب 3، من أبواب أحكام المساكن، حديث 12.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 277

______________________________

و علي ما ذكرناه فلا يرد عليه شي ء من الايرادين الذين ذكرهما المصنف قدس سره بعد

أسطر بقوله: ان النفخ يمكن تصوره في النقش بملاحظة محله بل بدونها كما في أمر الامام الاسد المنقوش علي البساط بأخذ الساحر في مجلس الخليفة، او بملاحظة لون النقش الذي هو في الحقيقة أجزاء لطيفة من الصبغ المتقدم.

أما الاول: فلان الظاهر منها ان الامر بالنفخ انما هو لاجل إحياء نفس الصورة لا محلها، و أمر الامام عليه السلام الاسد المنقوش بأخذ الساحر انما كان معجزة منه عليه السلام التي حقيقتها فعل ما يكون خارجا عن نواميس الطبيعة، و علي أي تقدير كيفيته غير معلومة لنا.

و أما الثاني: فلانه إن أريد إحياء الاجزاء اللطيفة بما لها من الهيئة المرسومة، فهو لا يصير شيئا من الحيوانات المتعارفة، إذ ليس شي ء من الحيوانات ذا جسم رقيق مسطح، و إن أريد جمعها و جعلها في صورة صغيرة من أحد الحيوانات ثمّ نفخ الروح فيها فهو كما تري.

و الاستاذ دام ظله حيث تخيل ان أساس استدلال صاحب الجواهر هو انتقال العرض الي الجوهر سلم هذا الجواب و قال: انه لا يلزم ذلك بل يلزم انتقال الجوهر الي جوهر آخر، و قد عرفت مراده قدس سره و انه الحق في المقام، و إرادة تجسيم النقش مقدمة للنفخ ثمّ النفخ فيه خلاف الظاهر.

فتحصل: اختصاص هذه النصوص بذوات الارواح إذا كانت مجسمة. هذه هي تمام نصوص الباب.

و أما مقتضي الجمع بينها، فمحصل القول فيه: ان الطائفة الثانية- مضافا الي ضعف سند جميعها- لا تنافي الطائفة الاولي لكونهما من

قبيل المثبتيين، فلا وجه لدعوي تقييدها بها.

و كذلك الطائفة الثالثة: فإنها متضمنة لحرمة تصوير ذي الروح و لا تدل علي عدم حرمة تصوير غيره كي توجب تقييد الطائفة الاولي.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 278

______________________________

و أما الطائفة الرابعة: فالصحاح منها من حيث دلالتها علي عدم تحريم تصوير غير

ذي الروح- مجسمة كان او غيرها- فإنها و إن اختصت بالمجسمة الا انها تدل علي جواز غيرها بالفحوي، تقيد إطلاق الطائفة الاولي و تخصصها بذوات الارواح، فالباقي تحتها تصوير ذوات الارواح مطلقا، و أما من حيث تضمنها تحريم تمثال ذي الروح المختص بالمجسمة فلا تنافي مع الطائفة المطلقة، فلا وجه لتقييدها بها.

و أما الاخبار المشتملة لنفخ الروح فهي علي قسمين:

الاول: ما تضمن ان من مثل مثالا كلف يوم القيامة ان ينفخ فيه الروح كمرسل ابن أبي عمير.

الثاني: ما تضمن ان من صور صورة كلف ان ينفخ فيها الروح.

أما القسم الاول: فهو لا ينافي المطلقة كي يوجب تقييدها، و أما القسم الثاني: فهو من جهة ظهوره في ان الصورة المحرمة هي ما يؤمر بنفخ الروح فيها، يدل علي اختصاص الحكم بالمجسمة، و مقتضي القاعدة تخصيص المطلقة به، الا ان الروايات التي تكون بهذا المضمون كلها ضعيفة السند.

فتحصل: ان الجمع بين النصوص يقتضي الالتزام بحرمة تصاوير ذوات الارواح- سواء كانت مجسمة أم غيرها- و جواز تصاوير غيرها.

هذا بناء علي اعتبار خبر محمد بن مسلم المطلق المتقدم، و أما بناء علي ضعف سنده، فالاظهر اختصاص الحكم بالمجسمة من ذي الروح، لعدم الدليل علي الحرمة سوي الصحاح المختصة بهذا المورد، كما انه علي القول باعتباره و اختصاص الصورة بالمجسمة كما اختاره صاحب الجواهر و المحقق التقي، لا بد من البناء علي اختصاص الحرمة

بالمجسمة، بل يمكن القول بالاختصاص حتي بناء علي اعتبار خبر محمد بن مسلم، و عدم اختصاص الصورة بالمجسمة، بناء علي اعتبار ان يكون المنقوش صورة حيوان تام- كما يأتي-، إذ النقش غير المجسم دائما صورة لجانب من جوانب ذي الصورة و الصورة جزء منه.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 279

و إن كان ما ذكره لا يخلو عن نظر كما سيجي ء هذا و لكن العمدة في اختصاص الحكم بذوات الارواح أصالة الاباحة (1) مضافا الي ما دل علي الرخصة مثل صحيحة ابن مسلم السابقة و رواية التحف المتقدمة.

و ما ورد في تفسير قوله تعالي:) يعملون له ما يشاء من محاريب و تماثيل (من قوله: و الله ما هي تماثيل الرجال و النساء و لكنها تماثيل الشجر و شبهه، و الظاهر شمولها للمجسم و غيره فبها يقيد بعض ما مر من الاطلاق خلافا لظاهر جماعة حيث انهم بين من يحكي عنه تعميمه الحكم لغير ذي الروح و لو لم يكن مجسما لبعض الاطلاقات اللازم تقييدها بما تقدم مثل قوله عليه السلام نهي عن تزويق البيوت و قوله عليه السلام من مثل مثالا الي آخره، و بين من عبر بالتماثيل المجسمة بناء علي شمول التمثال لغير الحيوان كما هو كذلك، فخص الحكم بالمجسم لان المتيقن من المقيدات للاطلاقات، و الظاهر منها بحكم غلبة الاستعمال و الوجود النقوش لا غير (2).

______________________________

و مما ذكرناه ظهر ضعف كل ما استدل به علي سائر الاقوال، بل القول المختار، فلا وجه لاطالة الكلام في ذلك.

(1) و فيه انه لا وجه للرجوع اليها مع وجود الدليل، فالعمدة هي الاخبار المرخصة.

(2) مقتضي هذا البرهان كون المستدل قائلا بالقول الخامس المتقدم، لاما ذكره المصنف قدس سره إذ

مقتضي الاطلاقات حرمة التصاوير مطلقا، فإذا كان المقيد دالا علي خروج نقش غير ذي الروح فقط يكون الباقي تحت المطلقات تصاوير ذوات الارواح مطلقا و المجسمة من غيرها، و علي ذلك فينحصر الجواب عنه بما ذكره المصنف قدس سره أخيرا بقوله: و بالجملة: التمثال في الاطلاقات المانعة الخ.

و أما جوابه الاول، و هو لزوم الحمل علي الكراهة، فغاية ما يمكن ان يقال في توجيهه أحد أمرين:

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 280

و فيه ان هذا الظهور لو اعتبر لسقط الاطلاقات عن نهوضها لاثبات حرمة المجسم فتعين حملها علي الكراهة (1) دون التخصيص بالمجسمة، و بالجملة التمثال في الاطلاقات المانعة مثل قوله: من مثل مثالا، ان كان ظاهرا في شمول الحكم للمجسم كان كذلك في الادلة المرخصة لما عدا الحيوان كرواية تحف العقول و صحيحة ابن مسلم، و ما في تفسير الآية فدعوي ظهور الاطلاقات المانعة في العموم و اختصاص المقيدات المجوزة بالنقوش تحكم (2).

______________________________

(1) الاول: ان الاطلاقات كالمقيدات مختصة بالنقوش و حيث ان نقش غير الحيوان دلت المقيدات علي جوازه، و نقش الحيوان هو القائل بجوازه فيتعين حمل النهي في الاطلاقات علي الكراهة.

(2) الثاني: ان مورد المقيدات كالمطلقات النقوش مطلقا.

و لكن شيئا منهما لا يتم.

أما الاول فلما عرفت من عدم ثبوت كونه قائلا بجواز نقش الحيوان.

و أما الثاني فلانه يصرح بان المقيدات مختصة بغير الحيوان فراجع كلامه.

جواز التصوير المتعارف في هذا الزمان

بقي في المقام فروع مهمة لا بد من التعرض لها في المقام.

الاول: لا ريب في انه لا فرق في حرمة التصوير بين كونه باليد او الطبع او النسج او غير ذلك، فان المحرم إيجاد الصورة الصادق علي جميع ذلك.

انما الكلام في التصوير، المتعارف في هذا الزمان.

لا اشكال فيه بناء

علي اختصاص الحرمة بالمجسمة كما لعله الاظهر علي ما عرفت،

و أما بناء علي شمول الحرمة لغيرها، فقد يقال كما عن الاستاذ الاعظم بجوازه.

و محصل ما ذكره في وجه ذلك وجوه ثلاثة:

الاول: انه ليس إيجادا للصورة المحرمة، فإن الانسان إذا وقف في مقابل الماكنة العكاسة يقع ظله علي الماكنة، و يثبت فيها لاجل الدواء فيكون صورة لذي ظل.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 281

______________________________

الثاني: ان لازم القول بحرمة ذلك القول بحرمة النظر الي المرآة، إذ لا فرق في حرمة

التصوير بين بقاء الصورة مدة قليلة او مدة مديدة.

الثالث: انه قد اشتهر انطباع صور الاشياء في شجرة الجوز في بعض الاحيان، فهل يحتمل ان يتفوه أحد بحرمة الوقوف ص مقابلها في ذلك الحين، و أي فرق بينه و بين أخذ العكس.

و في الجميع نظر:

أما الاول فلان في أخذ الصورة أمرين:

الاول ما ذكره دام ظله من وقوع الظل علي الماكنة و إثباته فيها بالدواء.

الثاني: أخذ العكس من ذلك الظل المحفوظ هناك.

و الاول لا يصدق عليه الصورة، و انما هو عكس الصورة و لهذا لا يحرم لا لما ذكره،

و أما الثاني فهو صورة حقيقة و يصدق علي فعله انه ايجاد للصورة.

و أما الثاني: فلانه يمكن أن يقال: إن الابصار ليس بالانطباع، بل إنما هو بخروج الشعاع، فيكون المبصر بالفتح، الانسان نفسه، لا صورته.

و أما الثالث: فلانه علي القول بحرمة التصوير- و إن لم تكن مجسمة- لا مانع من الالتزام بحرمة الوقوف في مقابلها في ذلك الوقت اختيارا بقصد تحقق الصورة، و إن أبيت الا عن عدم حرمته فليكن ذلك دليلا علي ضعف المبني.

فتحصل: انه علي القول بحرمة التصوير مطلقا يحرم أخذ الصورة، أي العمل الثاني الذي يعمله المصور، و عليه، فلا

يحرم علي الانسان التمكين من أخذ صورته حتي علي القول بحرمة التصوير مطلقا، إذ ما يتحقق بالوقوف في مقابل الماكنة العكاسة و يبقي بواسطة الدواء انما هو العكس لا الصورة، و ما يؤخذ من ذلك العكس بالعمل الثاني غير مربوط به فلا وجه للقول بتحقيق الصورة بفعلهما معها.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 282

______________________________

فان قيل ان الوقوف في مقابل الماكنة يكون اعانة علي الاثم، إذ لو لا ذلك لما تمكن

المصور من أخذ الصورة.

أجبنا عنه: بما مر ان الاعانة علي الاثم في غير الموارد الخاصة التي ليس المقام منها لا دليل علي حرمتها، مع ان صدقها علي فعل ما يكون من قبيل ايجاد الموضوع محل تأمل و منع.

تصوير الملك و الجن

الفرع الثاني: قال في الجواهر: و الظاهر الحاق تصوير الملك و الجن بذلك، و تبعه السيد و الاستاذ الاعظم و عن ظاهر المحقق الاردبيلي: العدم.

و قد استدل للاول بوجوه:

الاول: صحيح محمد بن مسلم المتقدم: لا بأس ما لم يكن شيئا من الحيوان «1»

بدعوي ان المراد من الحيوان المعني اللغوي أي ما هو المصطلح عند أهل المعقول، و هو الجسم الحساس المتحرك بالارادة، و من البديهي ان هذا المفهوم يصدق علي كل مادة ذات روح من أي عالم كانت.

و فيه: ان الحيوان و إن كان بحسب اللغة و في اصطلاح أهل المعقول معناه ما ذكر الا أن له مفهوما عرفيا، و هو بذلك المعني لا يصدق علي الملك و الجن و الشيطان.

و دعوي ان الموضوع في الصحيح هو بما له من المعني اللغوي.

مندفعة بأن الالفاظ التي تضمنها الصحيح كغيره من الادلة المتكفلة لبيان الاحكام تنصرف الي مفاهيمها، العرفية بحسب ما ارتكز في أذهان أهل المحاورات، و لهذا بنوا علي انه

عند تعارض العرف و اللغة في مفهوم اللفظ يحمل اللفظ علي المفهوم العرفي، سواء كان اخص من المفهوم اللغوي أو أعم منه.

______________________________

(1) الوسائل، باب 94، من أبواب ما يكتسب به، حديث 3.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 283

______________________________

و ما ذكره الاستاذ الاعظم من أنه لو كان المراد منه مفهومه العرفي، لزم القول

بانصرافه عن الانسان أيضا، و لذا بنينا علي انصراف ما دل علي عدم جواز الصلاة في أجزاء ما لا يؤكل لحمه عنه، مع انه لم يقل أحد هنا بالانصراف.

غريب، إذ الانصراف لو تم لازمه عدم شمول الصحيح للانسان، و كون مقتضي مفهومه جواز تصويره، الا انه انما لا يبني عليه للتصريح بعدم جواز تصويره في صحيح البقباق.

الثاني: ما في خبر تحف العقول و صنعة صنوف التصاوير ما لم تكن مثل الروحاني «1» لصدق الروحاني عليهم.

و فيه: ان خبر تحف العقول لا يصح الاعتماد عليه لضعف سنده و اضطراب متنه كما تقدم في أول الكتاب.

و أورد علي الاستدلال به السيد قدس سره في حاشيته بأن مفهوم الخبر يعارض مع منطوق الصحيح المتقدم تعارض العامين من وجه في الملك و الجن: فإن مقتضي منطوق الصحيح جواز تصويرهما، و مقتضي مفهوم الخبر عدم الجواز، و حيث انه لا مرجح لاحدهما من حيث الدلالة، فلا بد من الرجوع الي مرجحات السند، و بما ان الصحيح أقوي من حيث السند فلا بد من ترجيحه.

و فيه: ان العامين من وجه إذا كانت دلالة كل منهما علي حكم المجمع بالعموم يرجع الي المرجح السندي و ان كانت دلالة كل منهما بالاطلاق يتساقط «2» الاطلاقان كما حققناه في مبحث التعادل و التراجيح في الجزء الثاني من حاشيتنا علي الكفاية فتأمل.

و عليه ففي المقام

بما ان دلالة كل منهما في المورد بالاطلاق يتساقطان فيرجع الي

______________________________

(1) الوسائل، باب 2، من أبواب ما يكتسب به، حديث 1.

(2) الاظهر هو الرجوع الي مرجحات السند في العامين من وجه مطلقا- منه.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 284

______________________________

اطلاق خبر محمد بن مسلم الدال علي حرمة التصوير مطلقا علي فرض الاعتماد عليه، و الا

فإلي أصالة البراءة، فالعمدة في الجواب ضعف الخبر سندا.

الثالث: ما ذكره الاستاذ الاعظم أيضا و هو صحيح البقباق المتقدم، بدعوي ان الظاهر من قوله عليه السلام فيه و الله ما هي تماثيل الرجال و النساء و لكنها الشجر و شبهه هو المقابلة بين ذي الروح و غيره من حيث جواز التصوير و عدمه، و ذكر الامور المذكورة فيه انما هو من باب المثال.

و فيه: انه لا ريب في ظهوره في ان الامور المذكورة فيه انما هو من باب المثال، الا انه هل المراد من العقدين السلبي و الايجابي حرمة تصوير ذي الروح مطلقا و جواز تصوير غيره، أم المراد بهما حرمة تصوير ذي الروح من عالم العناصر، و جواز تصوير غيره، فليس الصحيح ظاهرا في شي ء منهما، و القدر المتيقن هو الثاني فيرجع في ذي الروح من عالم آخر الي البراءة.

فتحصل: انه لا دليل علي حرمة تصوير الملك و الجن و الشيطان، بل مقتضي مفهوم صحيح محمد بن مسلم جوازه، و يضاف الي ذلك ان تصوير الملك و الجن و الشيطان تصوير للصورة الوهمية، و شمول دليل الحرمة لمثل ذلك محل تأمل و نظر.

لا يقال: ان لازم ذلك عدم حرمة تصوير صورة حيوان لا مماثل له.

فإنه يقال: ان موضوع الحكم ليس هو صورة موجود خارجي بحيث لا بد و ان تنطبق الصورة علي

موجود خارجي، بل الموضوع هو ما يقال عرفا انه صورة للحيوان و لو لم يكن لشخصه تحقق خارجي، و أما تصوير الملك او الجن او الشيطان فيما ان صورته غير معلومة عند العرف فلا يقال للصورة انها صورة أحدهم الا بعد البناء علي انه بهذه الصورة، فتدبر فانه دقيق.

نعم يمكن ان يقال بحرمة تصوير الجن و الملك بالنحو المتعارف في تصويرهما بشكل واحد من الحيوانات، بناء علي حرمة تصويرا لحيوان و إن لم يقصد كونه حيوانا، مع فرض

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 285

ثمّ انه لو عممنا الحكم لغير الحيوان مطلقا أو مع التجسم، فالظاهر ان المراد به ما كان مخلوقا لله سبحانه علي هيئة خاصة معجبة للناظر علي وجه يميل النفس الي مشاهدة صورتها المجردة عن المادة او معها (1) فمثل تمثال السيف و الرمح و القصور و الابنية و السفن مما هو مصنوع للعباد و إن كانت في هيئة حسنة معجبة خارج، و كذا مثل تمثال القصبات و الاخشاب و الجبال و الشطوط مما خلقه الله لا علي هيئة معجبة للناظر بحيث تميل النفس الي مشاهدتها و لو بالصور الحاكية لها لعدم شمول الادلة لذلك

______________________________

الاعجاب ليس شرطا للحرمة

العلم بكونه صورة له، و سيأتي الكلام في المبني فانتظر.

(1) هذا هو الفرع الثالث و هو متضمن لبيان أمرين:

الاول: انه لو عممنا الحكم لغير الحيوان يعتبر في الحرمة تصوير ما يكون مخلوقا لله تعالي و لو بمعدات من العباد من زراعة و نحوها، فلا يحرم تصوير ما هو من مصنوعات البشر كالابنية و السيف و الرمح و شبهها، و الوجه في اعتبار ذلك انصراف الادلة عنه، إذ لو كان ايجاد ذي الصورة جائزا فايجاد صورته اولي بالجواز، و يؤيده

ما ذكره المصنف قدس سره من ان الظاهر ان حكمة حرمة التصوير هي حرمة التشبه بالخلق.

الثاني: انه يعتبر في الحرمة ان يكون ذو الصورة علي هيئة خاصة معجبة للناظر،

بحيث تميل النفس الي مشاهدة صورته، و لعل الوجه في اعتباره ذلك ان المطلوب الغالب الوقوع من التصويرات و النقوش هو ما كان كذلك، فتكون الادلة منصرفة الي ما يكون بتلك الهيئة، أو ما ذكره آنفا من ان الظاهر ان حكمة الحرمة هي حرمة التشبه بالخالق في إبداع ما يكون علي شكل مطبوع يعجز البشر عن نقشه علي ما هو عليه فضلا عن اختراعه.

و لكن الانصاف انه لا يصح الاعتماد علي شي ء منهما في الحكم الشرعي.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 286

______________________________

أما الاول: فلان الانصراف الناشئ عن غلبة الوجود لا يصلح أن يكون مقيدا

لإطلاقات.

و أما الثاني: فلان كون الحكمة ما ذكره قدس سره غير ثابت من الادلة الشرعية، و علي فرض ثبوته لا تكون الحكمة مقيدة للاطلاق، و ليست كالعلة كما هو واضح، و الانصراف الناشئ عنها أيضا لا يصلح للتقييد، فالاظهر عدم اعتبار الاعجاب في الحرمة.

و أورد علي المصنف قدس سره بإيرادين آخرين:

الاول: ما ذكره المحققان اليزدي و الشيرازي و هو: انه لو خصصنا الحكم بالحيوان أيضا لا بد من الاقتصار علي ما كان كذلك، فلا وجه لاعتباره بناء علي التعميم خاصة.

و فيه: ان المصنف قدس سره يدعي ان الحيوانات بأجمعها واجدة لهذه الهيئة، و لذا جعل الحكمة التي ذكرناها مؤيدة لاختصاص الحكم بالحيوان لاشتماله بأعضائه علي الاشكال المطبوعة التي يعجز البشر عن نقشها علي ما هي عليه.

الثاني: ما ذكره المحقق الايرواني قدس سره و ارتضاه الاستاذ الاعظم، و هو:

ان الاعجاب الحاصل عند مشاهدة الصورة انما هو

من نفس الصورة لكشفها عن كمال مهارة النقاش، و لو كانت صورة نمل او دود، و لذا لا يحصل ذلك الاعجاب من مشاهدة ذي الصورة.

و فيه: ان ذا الصورة إذا كان علي هيئة معجبة أي هيئة يعجز البشر عن نقشها علي ما هي عليه او يعسر عليه ذلك لا محالة تكون الصورة كذلك، و يكون ايجادها كاشفا عن مهارة النقاش، و الا فلا يكون كذلك و لا يكشف عن مهارته كما لا يخفي، و عدم حصول الاعجاب من مشاهدة ذي الصورة انما يكون فيما كثر وجوده لا مطلقا، و ذلك يكون في الصورة أيضا فالصحيح ما ذكرناه فراجع.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 287

هذا كله مع قصد الحكاية و التمثيل. فلو دعت الحاجة الي عمل شي ء يكون شبيها بشي ء من خلق الله و لو كان حيوانا من غير قصد الحكاية فلا بأس قطعا (1) و منه يظهر النظر فيما تقدم عن كاشف اللثام.

______________________________

لا يعتبر قصد الحكاية في الحرمة

(1) هذا هو الفرع الرابع: ذكره المصنف قدس سره بقوله: هذا كله مع قصد الحكاية و التمثيل … الخ.

و قد قيل في بيان مراده وجوه:

الاول: ان مراده تخصيص الحرمة بما إذا كان المقصود هو التشبه و التصوير، و عدمها إذا كان الداعي الي التصوير هو الاكتساب بأن يجئ الناس و ينظروا اليه فيأخذ منهم علي النظر اليها شيئا.

و فيه: ان ثبوت الحرمة من الادلة للصورة المفروضة كالبديهي، فلا يمكن ان ينسب اليه عدمه، مع انه خلاف الظاهر.

الثاني: ان مراده صورة عدم العلم و اتفاق ذلك.

و فيه: ان عدم الحرمة في هذا الفرض واضح لا يحتاج الي بيان، إذ لا ريب في اعتبار القصد في اتصاف الفعل بالحرمة، فلو شرب الخمر باعتقاد انه ماء

لا شي ء عليه، مع انه خلاف ظاهر قوله: و لو دعت الحاجة الي عمل … الخ كما لا يخفي.

الثالث: ان مراده الجواز في حال الحاجة و الضرورة، و هو كما تري خلاف ظاهر كلامه.

الرابع: ما ذكره الاستاذ الاعظم و هو: ان ايجاد ما هو شبيه بشي ء يكون علي نحوين:

أحدهما ما لو كان المقصود حكاية ذي الصورة، الثاني: ما يكون الغرض صنع شي ء آخر، و يحصل التشابه بالمصادفة من غير قصد الحكاية.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 288

______________________________

الظاهر ان مراده ذلك، انما الكلام في وجه التفصيل، و قد ذكر له وجهان:

الاول: ما ذكره الاستاذ الاعظم و هو: ان المذكور في الروايات النهي عن التصوير و التمثيل، و لا يصدق ذلك مع عدم قصد الحكاية، و هذا نظير اعتبار قصد الحكاية في صحة استعمال اللفظ في المعني، و بدون ذلك ليس هناك استعمال، و أوضح ذلك بالمثال بالطائرات المصنوعة في زماننا، فإنها شبيهة بالطيور، و ادعي انه لا يتوهم أحد حتي الصبيان ان صانع الطائرة يصور صورة الطير.

و فيه: ان التصوير ليس من قبيل استعمال اللفظ في المعني، كي لا يصدق في صورة العلم بكون ما يوجده صورة لشي ء آخر و يتوقف علي قصد حكاية ذي الصورة، و ذلك لانه في الاستعمال الذي هو فعلية الوضع الذي حقيقته- علي ما حققناه في الجزء الاول من زبدة الاصول- التعهد بذكر اللفظ عند قصد تفهيم المعني، عدم صدقه مع عدم قصد تفهيم المعني واضح، و أما في المقام فلم يدل دليل علي اعتبار قصد الحكاية في التصوير و ما ادعاه من عدم توهم أحد ان صانع الطائرة يصور الطير في زماننا هذا واضح، و سره صيرورة هذه الصورة بعد صنع

الطائرة مشتركة بين الحيوان و غيره. و سيأتي زيادة توضيح لذلك.

الثاني: ما ذكره السيد في الحاشية و هو: ان الصورة حينئذ مشتركة بين الحيوان و غيره، فيكون تمييزه بالقصد.

و فيه: ان ذلك يتم في بعض الموارد و لا يتم في جميع موارد عدم قصد الحكاية.

توضيح ذلك: ان صنع شي ء شبيه بالحيوان مع عدم قصد الحكاية يتصور علي قسمين: الاول: اختراع شي ء للمصلحة العامة شبيه بالحيوان من أول تحققه كصنع الطائرة.

الثاني: صنع شي ء متحقق في الخارج بأشكال أخر غير الحيوان كالكوز شبيها بالحيوان لا بقصد الحكاية بل لتسهيل شرب الماء منه مثلا، ففي القسم الاول يتم ما ذكره لان الصورة حينئذ تعد عرفا مشتركة بين الحيوان و غيره و لا يتم في الثاني لان

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 289

ثمّ ان المرجع في الصورة الي العرف فلا يقدح في الحرمة نقص بعض الاعضاء (1) و ليس فيما ورد من رجحان تغيير الصورة بقلع عينها او كسر رأسها دلالة علي جواز تصوير الناقص و لو صور بعض أجزاء الحيوان، ففي حرمته نظر بل منع (2) و عليه فلو صور نصف الحيوان من رأسه الي وسطه فإن قدر الباقي موجودا بأن فرضه انسانا جالسا لا يتبين ما دون وسطه حرم، و إن قصد النصف لا غير لم يحرم الا مع صدق الحيوان علي هذا النصف، و لو بدا له في اتمامه حرم الاتمام لصدق التصوير بإكمال الصورة لانه ايجاد لها، و لو اشتغل بتصوير حيوان فعل حراما حتي لو بدا له في إتمامه، و هل يكون ما فعل حراما من حيث التصوير أو لا يحرم الا من حيث التجري وجهان: من انه لم يقع الا بعض مقدمات الحرام بقصد

______________________________

هذا

الشكل ليس صورة الكوزيل هو صورة الحيوان خاصة، و بما ذكرناه ظهر ما هو الحق عندنا.

الثالث: الحكمة التي ذكرها المصنف قدس سره فإنه مع عدم قصد الحكاية لا يكون تشبها بالخالق.

و فيه: ما عرفت من عدم صحة جعل الحكمة لا سيما المستنبطة منها مناطا للحكم نفيا و اثباتا.

يعتبر الصدق العرفي في حرمة التصوير

(1) هذا هو الفرع الخامس: ذكره المصنف قدس سره بقوله:) ثمّ ان المرجع في الصورة الي العرف … الخ (.

و ظاهر ذلك المفروغية عن اختصاص الحكم بصورة حيوان تام، و عدم حرمة تصوير بعض اعضائه، بل ذلك صريح قوله فيما بعد ذلك.

(2) و لو صور بعض أجزاء الحيوان ففي حرمته نظر، بل منع.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 290

______________________________

و الاظهر تمامية ما ذكره، لان الادلة متضمنة لحرمة تصوير الحيوان و الانسان، و

هما ليسا من الالفاظ الصادقة علي الكل و أجزائه، بل يصدقان علي الكل خاصة، و عليه فتصوير بعض أعضاء الحيوان لا دليل علي حرمته لعدم صدق تصوير الحيوان عليه.

و بذلك ظهر فساد قول المحقق الايرواني قدس سره: ان من المحتمل قريبا حرمة كل جزء جزء او حرمة ما يعم الجزء و الكل، لما عرفت من عدم الوجه لذلك.

ثمّ ان ما ذكره من ان المدار علي الصدق العرفي متين، فلا يقدح نقص بعض الاعضاء الذي لا يضر نقصه بالصدق العرفي و يحمل علي المنقوش صورة الحيوان بالحمل الشائع لشمول الادلة له.

و قد يستدل لعدم الحرمة في الفرض بالنصوص الدالة علي رجحان تغيير الصورة بقلع عينها او كسر رأسها، بدعوي ان تلك النصوص تدل علي ان نقص بعض الاعضاء و لو كان هو العين يكفي في عدم الحكم.

و فيه: أولا: انه حكم متعلق بمقام آخر، أي كراهة الصلاة و

الصورة في مقابل المصلي، أو نحو ذلك، و لا ربط له بالمقام.

و ثانيا: انه حكم غير لزومي فلا وجه للتعدي عنه الي المقام.

فإن قيل ان تلك النصوص تدل علي جواز إبقاء الصورة الناقصة، و بالملازمة تدل علي عدم حرمة الايجاد.

اجبنا عنه: انه لا ملازمة بين جواز الابقاء و عدم حرمة الايجاد.

و يترتب علي ما اخترناه تبعا له قدس سره انه لو صور نصف الانسان من رأسه الي وسطه، فان قدر الباقي موجودا كما اذا صور انسانا جالسا لا يتبين نصف بدنه او ملتفا بالرداء او مغطي باللحاف و رأسه ظاهر فهو حرام، و الا فإن لم يصدق علي النصف انه

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 291

تحققه، و من ان معني حرمة الفعل عرفا ليس الا حرمة الاشتغال به عمدا (1) فلا يراعي الحرمة بإتمام العمل، و الفرق بين فعل الواجب المتوقف استحقاق الثواب علي اتمامه و بين الحرام هو قضاء العرف فتأمل.

______________________________

انسان، فلا يكون حراما و إن صدق حرم.

و ما ذكره المحقق الايرواني قدس سره: من ان صدق حيوان تام علي النصف غير معقول، و صدق حيوان ناقص لا يجدي، غير تام لما حققناه في الجزء الاول من زبدة الاصول في مبحث الصحيح و الاعم من انه في الالفاظ الموضوعة للمركبات ربما يكون الموضوع له عدة أجزاء فصاعدا، بمعني ان بعض الاجزاء علي فرض وجوده داخل في المسمي و عدمه لا يضر بالصدق كما في لفظ الدار، فإنه موضوع لحيطان وساحة و غرفة، فلو زيد علي ذلك شي ء من سرداب و نحوه يدخل في المسمي، و عدمه لا يضر بالصدق، و من هذا القبيل الاعلام الشخصية و أسماء الاجناس كالحيوان و الانسان، فإن زيادا مثلا يصدق

علي الموجود الخارجي، فلو قطعت رجله و يده و نحوهما لا يكون ذلك مضرا بالصدق،

كذلك لفظ الانسان و الحيوان، و علي ذلك فيمكن صدق صورة الحيوان علي تصوير نصفه كما لو صور من رأسه الي آخر بطنه، و علي ذلك فإن صدق فهو حرام و الا فلا وجه للحرمة.

و علي الفرض الثاني لو بدي له الاتمام حرم ذلك، لانه تصوير محرم، و لو اشتغل بتصوير حيوان و قبل إتمامه انصرف عن ذلك لم يفعل محرما، إلا بعنوان التجري إذ ما فعله ليس تصويرا كي يكون حراما.

(1) و ما ذكره المصنف قدس سره بقوله: من ان معني حرمة الفعل عرفا ليس الا حرمة الاشتغال به عمدا، لو تم لا يقتضي ما رتب عليه من انه لا يراعي الحرمة بإتمام العمل، إذ لو سلمنا ان المحرم هو نفس الفعل لا الهيئة الاجتماعية الا انه لا ينبغي التأمل في ان المحرم هو نفس نقش الاجزاء بشرط الانضمام و ما يصدق الصورة عليه، و الا فلا يكون حراما، ففي الفرض بما انه لا يصدق صورة الحيوان علي ما نقش فلا وجه للحرمة.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 292

______________________________

لو اشترك اثنان في عمل صورة

الفرع السادس: لو اشترك اثنان في عمل صورة فإن نقش أحدهما جملة من الاجزاء و لم يصدق صورة الحيوان علي ما نقش و تممه آخر، فهل يكون المحرم هو فعل الثاني أم فعل كل منهما، أم انه لم يفعل واحد منهما حراما؟ وجوه بل أقوال.

أقواها الاول، إذ المحرم هو إيجاد الصورة و هو انما يكون بفعل الثاني فهو الفاعل للحرام.

و استدل المحقق الايرواني قدس سره للثاني: بأنه بناء علي كون المحرم هو الاتيان بالهيئة الاجتماعية، أي ايجاد الصورة، يمكن ان يقال بأن

كلا منهما فاعل للحرام، اذ الهيئة تحصل بفعل الجميع، فلولا نقش السابق للاجزاء السابقة لم تحصل الهيئة بفعل اللاحق.

و فيه: ان ايجاد الصورة و تحصيل الهيئة انما يكون بفعل الثاني، و نقش السابق للاجزاء السابقة انما يكون ايجادا للمقدمة، فلو حرم لا بد و ان يكون من جهة الاعانة علي الاثم، و قد عرفت انه لا دليل علي حرمتها.

و استدل للثالث: بأن المحرم هو فعل التصوير، أي نقش مجموع الاجزاء نفسها، و عليه فلم يفعل واحد منهما حراما، لان كلا منهما نقش بعض الاجزاء لا جميعها.

و فيه: ان ذلك و ان احتمله المصنف قدس سره الا انه خلاف الظاهر من الادلة، بل الظاهر منها هو حرمة ايجاد الصورة.

و لو قارن نقشهما الاجزاء و تحصل الهيئة بفعلهما فقد يقال بعدم حرمة فعلهما، لان كلا منهما نقش بعض الاجزاء لا جميعها. و يرد عليه ما عرفت آنفا.

و اختار السيد في الحاشية ان كلا منهما فعل حراما، و استدل له: بأن فاعل ايجاد الصورة في الرض هو مجموع الاثنين، و هما فاعل واحد و مصور واحد، فتحرم عليهما الصورة و عليه فإن كان المحرم هو نفس الفعل المركب فكل جزء صادر من أحدهما محكوم بالحرمة الضمنية، و علي الوجه الآخر، يكون كل جزء حراما مقدميا.

منهاج الفقاهة (للروحاني)، ج 1، ص: 293

بقي الكلام في جواز اقتناء ما حرم عمله من الصور و عدمه (1) فالمحكي عن شرح الارشاد للمحقق الاردبيلي قدس سره ان المستفاد من الاخبار الصحيحة و أقوال الاصحاب عدم حرمة إبقاء الصور (2) انتهي و قرره الحاكي علي هذه الاستفادة.

______________________________

و فيه: ان ظاهر الادلة حرمة ايجاد الصورة، و كل واحد منهما لم يوجد الصورة بل أوجد بعضها، و

المجموع ليس مكلفا واحدا كي يصح توجه التكليف اليه.

فالاولي ان يستدل له بأن المستفاد من الادلة كون الاثم هو ايجاد الصورة في الخا