مصباح المنهاج

هوية الکتاب

بطاقة تعريف : الطباطبائي الحكيم، محمد سعيد، 1935- م.

لقب واسم المنشئ: مصباح المنهاج/ تاليف محمد سعيد الطباطبائي الحكيم.

مواصفات النشر: نجف : دار الهلال ، 1427 ق. = 2006 م. = 1385 -

خصائص المظهر: ج.

ISBN: دوره: 964-8276-54-4 ؛ ج.1 :964-8276-54-4 ؛ ج. 4 964-8276-42-0 : ؛ ج.5: 964-8276-43-9 ؛ ج.7: 964-8276-83-1 ؛ ج. 8: 964-8276-84-8 ؛ ج.5: 964-8276-85-5

حالة كتابة القائمة: الاستعانة بمصادر خارجية.

لسان : العربية.

ملحوظة: ج. 4 و 5 (چاپ اول: 1426ق. = 2005م. = 1384).

ملحوظة: ج. 3 و 7 و 8 ( چاپ اول: 1430 ق.= 2009 م.= 1388)

ملحوظة: ج.9(چاپ؟: ؟؟13).

ملحوظة: چاپ قبلي: محمدسعيد طباطبايي حكيم، 1415 ق. = 1994م.= 1373.

ملحوظة: كتابنامه.

محتويات: ج.1. كتاب التجارة.- ج. 4 و 5 و 7 و 8 . كتاب الطهاره

موضوع : أصول الفقه الشيعي

تصنيف الكونجرس: BP159/8 / ط2م6 1385

تصنيف ديوي: 297/312

رقم الببليوغرافيا الوطنية: 1041894

ص: 1

اشارة

مصباح المنهاج

ص: 2

مصباح المنهاج

کتاب الصوم

تالیف

السید محمد سعید الطباطبائي الحکیم

دار الهلال

ص: 3

الطبعة الاولی

1425 ه/ 2004 م

جمیع الحقوق محفوظة

ISBN:964-8276-19-6

ص: 4

[كتاب الصوم]

اشارة

كتاب الصوم و فيه فصول:

[الفصل الأول في النية]

اشارة

الفصل الأول في النية

[(مسألة 1): يشترط في صحة الصوم النية]

(مسألة 1): يشترط في صحة الصوم النية (1)

______________________________

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه رب العالمين. و الصلاة و السلام علي سيدنا محمد و آله الطيبين الطاهرين. و لعنة اللّه علي أعدائهم أجمعين إلي يوم الدين.

(1) يعني: نية الصوم، بحيث يكون ترك المفطر عن قصد لذلك، و التزام به.

و لا خلاف و لا إشكال في اشتراط ذلك. بل هو من الضرورات الفقهية، بل الدينية.

و النصوص به مستفيضة (1). و يظهر من جملة منها المفروغية عنه، كحديث عمار الساباطي- الذي يأتي في المسألة السابعة أنه موثق- عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «عن الرجل يكون عليه أيام من شهر رمضان، و يريد أن يقضيها، متي يريد أن ينوي الصيام؟ قال:

هو بالخيار إلي أن تزول الشمس. فإذا زالت الشمس فإن كان نوي الصوم فليصم، و إن كان نوي الإفطار فليفطر … » (2)، و غيره.

ص: 5


1- راجع وسائل الشيعة ج: 7 باب: 2، 3، 4، 5، 6 من أبواب وجوب الصوم و نيته.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 2 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث: 10.

علي وجه القربة (1) لا بمعني وقوعه عن النية (2) كغيره من العبادات. بل يكفي وقوعه للعجز عن المفطرات أو لوجود الصارف النفساني عنها (3)

______________________________

و هو المناسب لما يأتي من كونه من العبادات. لظهور توقف العبادية علي قصد المشروعية، المستلزم لقصد عنوان المشروع و لو إجمالا. و يأتي في المسألة السابعة من هذا الفصل ما ينفع في المقام.

(1) كما هو مقتضي مرتكزات المتشرعة- القطعية، بل الضرورية- من كونه من العبادات المتقومة بالقربة. و هو المناسب لما في كثير من النصوص من كون الصائم في عبادة و إن كان علي فراشه (1)، و أن نومه عبادة (2)، و أن اللّه تعالي يقول عن الصوم أنه لي، و أنا أجزي به (3). و غير ذلك.

و أما ما ذكره بعض مشايخنا قدّس سرّه من الاستدلال بما تضمن ذكره في جملة الخمس التي بني عليها الإسلام (4)، لبداهة أن مجرد ترك المفطر في ساعات معينة لا يصلح لأن يكون أساس الإسلام و عليه بناؤه، بل لا بد أن يكون عباديا يتقرب به، و يضاف إلي المولي. فهو لا يرجع إلي محصل ظاهر في قبال الضرورة المشار إليها.

(2) بل بمعني سبق النية به، و لو مع الغفلة عنه- لنوم أو غيره- إذا لم يعدل عن نيته السابقة. كما يأتي منه قدّس سرّه التنبيه لذلك. و من ثم كان المناسب التعبير هكذا:

لا بمعني وقوعه عن النية، كغيره من العبادات، بل بنحو يكفي سبق النية به مع عدم العدول عنها. كما يكفي وقوعه للعجز …

(3) حيث لا ريب في صحة الصوم من العاجز عن بعض المفطرات، و ممن له صارف نفساني عنها.

ص: 6


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 1 من أبواب الصوم المندوب حديث: 12.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 1 من أبواب الصوم المندوب حديث: 4، 17، 23، 24.
3- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 1 من أبواب الصوم المندوب حديث: 7، 15، 16، 27، 33.
4- راجع وسائل الشيعة ج: 1 باب: 1 من أبواب مقدمة العبادات.

إذا كان عازما علي تركها لو لا ذلك (1)، فلو نوي الصوم

______________________________

(1) كأنه لما ذكروه عند الكلام في معيار صحة العبادة مع الضمائم المباحة، من أنه لا بد من صلوح امتثال الأمر للداعوية استقلالا، بحيث يكون مؤثرا مع عدم وجودها، ففي المقام لا بد من ذلك أيضا.

لكن تقدم في مبحث اعتبار النية من الوضوء أن ذلك إنما يتم فيما إذا كانت الضميمة مترتبة علي العمل بالوجه الذي يكون به امتثال الأمر، كصلة الرحم التي تكون تارة لحبه، و أخري لامتثال أمر الشارع الأقدس به.

بخلاف ما إذا كانت مترتبة علي ذات العمل، و كان امتثال الأمر مترتبا علي قصد عنوانه زائدا علي ذاته، كما في التنظيف و التبريد المترتبين علي ذات الغسل، مع توقف الامتثال به علي قصد عنوانه من غسل أو وضوء، لأن الضميمة لما لم تكن داعية لقصد العنوان، فالداعي لقصده ينحصر بالتقرب، فيتعين الاكتفاء به في صحة العمل، و إن كانت الضميمة هي تمام الداعي للعمل بذاته، بحيث لولاها لما أتي المكلف به.

غاية الأمر أن الضميمة تكون دخيلة في فعلية داعوية الداعي القربي نحو الخصوصية، و هو لا يمنع من العبادية بعد تمحض الداعي القربي في فعل الخصوصية المتقومة بالقصد. ففي المقام حيث ينحصر الداعي لقصد الصوم المشروع بالتقرب يتعين الاكتفاء به و إن كان ترك المفطر لتعذره، أو لوجود الصارف عنه، بحيث لولاهما لما تركه.

فمثلا لو كان الشخص في حاجة إلي الطعام أو النساء، إلا أنه لا يتيسر له ما يريد، صح منه نية الصوم، و إن كان بحيث لو تيسر له ما يحتاج إليه لم يصم، استجابة لحاجته.

و يناسب ذلك صحيح هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «قال: كان أمير المؤمنين عليه السّلام يدخل إلي أهله، فيقول: عندكم شي ء؟ و إلا صمت، فإن كان عندهم شي ء أتوه به، و إلا صام» (1).

ثم إن هذا لا يرجع إلي عدم اعتبار وقوع الصوم عن نية، بل إلي معيار النية

ص: 7


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 2 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث: 7.

ليلا (1) ثم غلبه النوم قبل الفجر حتي دخل الليل صح صومه (2).

و لا يكفي مثل ذلك في سائر العبادات (3)، فعبادية الصوم فاعلية لا فعلية (4).

[(مسألة 2): لا يجب قصد الوجوب و الندب]

(مسألة 2): لا يجب قصد الوجوب و الندب (5)، و لا الأداء و القضاء و لا غير ذلك من صفات الأمر و المأمور به (6)، بل يكفي القصد إلي المأمور

______________________________

المعتبرة في الصوم و غيره من العبادات، و تحديد مرتبتها.

نعم يفترق الصوم عن جملة من العبادات، بعدم اعتبار فعلية النية فيه، بأي مرتبة فرضت، بل يكفي سبق النية له و لو مع حصول الغفلة المطلقة عنه حينه- بنوم و نحوه- لما هو المعلوم من عدم قادحيتها في الصوم. و يشاركه في ذلك بعض العبادات، كالوقوف بعرفة و المشعر الحرام، بخلاف مثل الصلاة، حيث لا بد من وقوع تمام أجزائها عن نية و لو ارتكازية. فلاحظ.

(1) هذا لا دخل له بما سبق من الاكتفاء بوقوع الصوم للعجز عن المفطرات أو لوجود الصارف النفساني، بل هو متعلق بما ذكره أولا من عدم اعتبار وقوع الصوم عن نية، كما يظهر مما ذكرناه آنفا.

(2) بلا ريب و كذا إذا غفل عن الصوم من دون نوم. و يأتي بعض الكلام في ذلك في المسألة الأولي من الفصل الرابع في شرائط صحة الصوم.

(3) سبق مشاركة بعض العبادات له في ذلك.

(4) كأنه راجع إلي أنه يكفي في عبادية الصوم كون المكلف في مقام التقرب بالصوم، و لا يعتبر مقارنة فعله للتقرب به. و هو سهل بعد كونه محض اصطلاح، و المعيار في العمل ما سبق.

(5) يظهر الوجه فيه مما تقدم في المسألة الواحدة و السبعين من مبحث الوضوء عند الكلام في فروع النية.

(6) لعدم الدليل علي اعتبار قصد ذلك، فالمرجع فيه الإطلاق أو الأصل، كما

ص: 8

به عن أمره (1).

[(مسألة 3): يعتبر في القضاء عن غيره قصد امتثال أمر غيره]

(مسألة 3): يعتبر في القضاء عن غيره قصد امتثال أمر غيره (2).

كما أن فعله عن نفسه يتوقف علي امتثال أمر نفسه (3). و يكفي في المقامين القصد الإجمالي (4).

[(مسألة 4): لا يجب العلم بالمفطرات علي التفصيل]

(مسألة 4): لا يجب العلم بالمفطرات علي التفصيل، فإذا قصد الصوم عن المفطرات إجمالا كفي (5).

[مسألة (5): لا يقع في شهر رمضان صوم غيره]

مسألة (5): لا يقع في شهر رمضان صوم غيره (6)، و إن لم يكن مكلفا

______________________________

يظهر مما ذكرناه في مبحث التعبدي و التوصلي من الأصول من أنهما ينهضان بدفع احتمال اعتبار أصل النية، فضلا عن خصوصياتها مع الشك، و أنه يقتصر من ذلك علي المتيقن. نعم قد يحتاج لنية بعض هذه الأمور في العبادات من أجل تعيين الأمر الذي يراد امتثاله، لأن الأمر المردد لا وجود له، كي يقصد امتثاله.

(1) مع تعيين الأمر كما ذكرناه آنفا. و يكفي التعيين الإجمالي، كما ذكرناه في مباحث القطع من الأصول. هذا و قد ذكرنا في مبحث التعبدي و التوصلي من الأصول الاكتفاء بقصد ملاك المحبوبية الملازم للأمر، و المستكشف به.

(2) علي ما ذكرناه في المسألة الثامنة و العشرين من مقدمة كتاب التجارة في الأجرة علي الواجبات و العبادات.

(3) لأن ذلك هو مقتضي العبادية. نعم أشرنا قريبا إلي الاكتفاء بقصد ملاك المحبوبية.

(4) كما أشرنا إليه قريبا.

(5) بلا إشكال ظاهر، لعدم الدليل علي اعتبار ما زاد علي ذلك، و المرجع في نفيه إطلاق الأدلة الشارحة للصوم و الأصل. بل هو قطعي بلحاظ سيرة المتشرعة و ارتكازياتهم.

(6) كما هو المعروف بين الأصحاب المصرح به في كلام كثير منهم. و في

ص: 9

______________________________

الجواهر: «فالمشهور بين الأصحاب نقلا و تحصيلا أنه لا يقع في شهر رمضان صوم غيره، واجبا أو مندوبا، من المكلف و غيره، كالمسافر و نحوه. بل هو المعروف في الشريعة، بل كاد يكون من قطعيات أربابها إن لم يكن من ضرورياتها».

و قد يستدل عليه بما عن غير واحد من عدم ثبوت مشروعية صوم غير رمضان فيه. و توضيح ذلك: أنه و إن كان التحقيق إمكان الأمر بالمهم من الضدين عند ترك الأهم بنحو الترتب، و إمكان الإتيان بالمهم حينئذ تقربا بملاكه لو قيل بامتناع الأمر به، إلا أنه لا بد في البناء علي ذلك في كل مورد من إطلاق الأمر بالمهم فيه بنحو يشمل حال ثبوت الأهم. و لا مجال لذلك في المقام، لأن معروفية وجوب صوم شهر رمضان فيه توجب انصراف إطلاقات أدلة بقية أنواع الصوم الواجب و المستحب إلي غير شهر رمضان من أيام السنة. و لا أقل من عدم وضوح شمولها له فلا يحرز مشروعيتها فيه.

و هذا بخلاف بقية موارد التزاحم بين الضدين، لعدم اختصاص الأهم بزمن معين معهود، ليمنع من إطلاق الأمر بالمهم بنحو يشمل الزمن المذكور، و لا منشأ لاحتمال عدم مشروعية المهم مع فعلية أمر الأهم إلا التضاد و التزاحم، الذي هو ارتكازا لا يمنع من ثبوت ملاك المهم، بل و لا الأمر به بنحو الترتب، كما حقق في محله.

و من هنا كان عدم مشروعية صوم غير شهر رمضان فيه لعدم المقتضي، لا لوجود المانع، كما قد يتوهم بدوا.

و يؤيد ذلك أو يعضده..

أولا: معروفية الحكم بين الأصحاب (رضوان اللّه عليهم) و ظهور كثير من كلماتهم في المفروغية عنه، فإن شيوع الابتلاء بالمسألة يمنع عادة من خفاء الحكم فيها، و من خطئهم فيه. و من البعيد جدا ابتناء المفروغية المذكورة منهم علي شبهة عدم صحة الضد المهم عند ترك الأهم، التي حدثت نتيجة تحقيقات بعض علماء الأصول، و كانت موردا للكلام بينهم، و التي لا تساعد عليها المرتكزات المتشرعية و العقلائية، خصوصا مع الجهل بثبوت الأمر بالضد.

و ثانيا: سكوت النصوص عن التعرض لذلك، مع أنه قد يقوي الداعي لصوم

ص: 10

بالصوم كالمسافر (1)،

______________________________

غير شهر رمضان فيه، خصوصا في صوم الكفارة تتميما للتتابع، و لا سيما في حق من رخص له الإفطار مع مشروعية الصوم له، كالشيخ و الشيخة. فإنه لو لا المفروغية المذكورة لوقع السؤال عن ذلك، و احتيج لبيان الحكم فيه، و لم يتجه إطلاق مثل انقطاع التتابع في صوم الكفارة بدخول شهر رمضان(1).

بل في مرسل إسماعيل بن سهل: «خرج أبو عبد اللّه عليه السّلام من المدينة في أيام بقين من شعبان فكان يصوم، ثم دخل عليه شهر رمضان في السفر، فأفطر. فقيل له: تصوم شعبان، و تفطر شهر رمضان. فقال: نعم شعبان لي، إن شئت صمت و إن شئت لا.

و رمضان عزم من اللّه عز و جل علي الإفطار» (2). و نحوه مرسل الحسن بن بسام 3.

فإنهما و إن كانا مسوقين لبيان عدم مشروعية صوم شهر رمضان الفرض في السفر، إلا أنه لو لا المفروغية عن عدم مشروعية صوم غير شهر رمضان فيه لم يصلح ما ذكره عليه السّلام تعليلا لإفطاره بعد أن كان يصوم في شعبان، إذ يمكنه عليه السّلام حينئذ الاستمرار علي الصوم بالنحو الذي أوقعه في شعبان من تطوع أو نذر أو غيرهما.

(1) لما سبق من قصور إطلاق أدلة أقسام الصوم الأخر عن شهر رمضان، و أن عدم صحة صوم غيره فيه لعدم المقتضي، لا لوجود المانع، و هو وجوب صوم شهر رمضان، ليصح بارتفاعه.

لكن قال في المبسوط: «فأما إذا كان مسافرا سفرا يوجب التقصير، فإن صام بنية رمضان لم يجزه، و إن صام بنية التطوع كان جائزا. و إن كان عليه صوم نذر معين و وافق ذلك شهر رمضان، فصام عن النذر و هو حاضر وقع عن رمضان، و لا يلزمه القضاء لمكان النذر، و إن كان مسافرا وقع عن النذر، و كان عليه القضاء لرمضان.

و كذلك الحكم إن صام و هو حاضر بنية صوم واجب عليه غير رمضان وقع عن رمضان و لم يجزه عما نواه، و إن كان مسافرا وقع عما نواه. و علي الرواية التي رويت أنه

ص: 11


1- راجع وسائل الشيعة ج: 7 باب: 4 من أبواب بقية الصوم الواجب.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 12 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 4، 5.

فإن نوي غيره بطل (1)، إلا أن يكون جاهلا به أو ناسيا له فيجزي عن

______________________________

لا يصام في السفر، فانه لا يصح هذا الصوم بحال».

و يشكل بأن مشروعية الصوم في السفر مطلقا أو بالنذر- لو قيل بها- إنما ترجع إلي عدم مانعية السفر من الصوم المشروع في نفسه، بحيث لو وقع في الحضر لصح، لا إلي تشريع الصوم فيه مطلقا و إن لم يكن مشروعا في نفسه، بحيث لا يصح في الحضر، و يصح في السفر.

و دعوي: أن ذلك منه قدّس سرّه يبتني علي أن صحته في الحضر ليس لعدم مشروعيته في نفسه عنده، بل لمزاحمته بصوم شهر رمضان، فمع عدم مزاحمته به في السفر، لعدم وجوب صوم شهر رمضان فيه، يتعين صحته فيه.

مدفوعة: بأن المزاحمة لا تقتضي البطلان، خصوصا مع عدم تنجز صوم شهر رمضان بجهل أو نحوه، حيث لا يعرف منهم البناء علي بطلان المزاحم. بل قد لا يجب صوم شهر رمضان، كما في الشيخ و الشيخة و نحوهما، فلا مزاحمة أصلا.

فإطلاقه البطلان في الحضر و الصحة في السفر في غير محله. بل يتعين عدم الصحة مطلقا، لما سبق، خصوصا بملاحظة المرسلين المتقدمين.

(1) كما في السرائر و المختلف و عن غيرهما. أما عدم وقوعه عما نواه فلا خلاف فيه، بل حكي الإجماع عليه. و يقتضيه ما سبق من عدم مشروعية غير صوم شهر رمضان فيه. و أما عدم وقوعه عن صوم شهر رمضان، فلعدم نية امتثال أمره، و حيث كان من العبادات- كما سبق- تعين عدم حصوله بدونها.

لكن مقتضي إطلاق كلام المبسوط المتقدم و الخلاف و محكي كلام المرتضي وقوعه عن صوم شهر رمضان حتي مع العلم بدخول شهر رمضان. و إن حمله في السرائر علي صورة الجهل بذلك. و هو مقتضي إطلاق الشرائع أيضا. بل قوي العموم لصورة العلم في المعتبر و التذكرة و المدارك، لدعوي: أن المعتبر في صوم شهر رمضان نية القربة، و الزائد عليها لغو لا عبرة به.

ص: 12

رمضان حينئذ لا عن ما نواه (1).

______________________________

و فيه: أن الاكتفاء بنية القربة فيه إنما هو لرجوعها إلي قصد امتثال أمر صوم شهر رمضان، لانحصار الصوم المشروع فيه به، لأن صوم شهر رمضان تعبدي، و الأمر التعبدي هو الذي يتوقف امتثاله علي الإتيان بمتعلقه بقصد امتثال أمره أو قصد موافقة ملاك محبوبيته. و لا مجال لذلك مع القصد لغير صومه. و إجزاؤه حينئذ يحتاج إلي دليل، و ما يأتي من دليل الإجزاء مختص بغير العالم العامد.

(1) أما عدم وقوعه عما نواه فلما تقدم. و أما وقوعه عن رمضان فهو المعروف بين الأصحاب المدعي عليه إجماعهم.

و هو ظاهر لو رجع إلي نية الصوم المشروع في ذلك اليوم مع الخطأ في التطبيق.

و أما مع عدمه فيقتضيه ما تضمن إجزاء صوم يوم الشك بنية شهر شعبان عن صوم شهر رمضان، كموثق سماعة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، و فيه: «إنما يصام يوم الشك من شعبان، و لا يصومه من شهر رمضان، لأنه قد نهي أن ينفرد الإنسان بالصيام في يوم الشك، و إنما ينوي من الليلة أنه يصوم من شعبان، فإن كان من شهر رمضان أجزأ عنه بتفضل اللّه، و بما قد وسع علي عباده. و لو لا ذلك لهلك الناس»(1). و نحوه غيره.

لكن النصوص المذكورة منصرفة إلي صومه تطوعا، لأن ذلك هو حكم صوم شعبان، و إطلاقها بنحو يشمل الصوم في شعبان عن غير صوم شعبان- كصوم الكفارة و القضاء- في غاية الإشكال. و كذا فهم العموم منها بإلغاء خصوصية التطوع بصوم شعبان. و مثله إلحاق بقية أنواع الصوم بصوم التطوع المذكور بعدم الفصل.

لعدم وضوح بلوغه حدّ الإجماع الحجة.

اللهم إلا أن يقال: إنما يتجه الانصراف المذكور لو كان التعبير هكذا: و إنما ينوي أنه يصوم شعبان. أما حيث كان التعبير: و إنما ينوي أنه يصوم من شعبان، فصوم يوم من شعبان كما يقع عن صوم شعبان تطوعا يقع عن صوم آخر فيه فرضا، و مقتضي إطلاقه العموم، و لا سيما مع قوله عليه السّلام في موثق سماعة المتقدم: «و لو لا

ص: 13


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 5 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث: 4.

______________________________

ذلك لهلك الناس»، حيث لا يراد بهلاكهم إلا الضيق عليهم بعدم صحة صوم شهر رمضان منهم بنية رمضان لعدم ثبوته، و عدم احتساب صوم شعبان منهم عن رمضان، بحيث يجب عليهم القضاء لو كان من رمضان، و لا يفرق في هذا بين أنواع الصوم الذي يصام في شعبان. خصوصا بناء علي ما هو المعروف بين الأصحاب من عدم صحة الصوم المندوب ممن عليه صوم واجب.

مضافا إلي حديث الزهري عن الإمام زين العابدين عليه السّلام و فيه: «قال: و صوم يوم الشك أمرنا به و نهينا عنه. أمرنا به أن نصومه مع صيام شعبان، و نهينا أن ينفرد الرجل بصيامه في اليوم الذي يشك فيه الناس. فقلت له: جعلت فداك، فإن لم يكن صام من شعبان شيئا كيف يصنع؟ قال: ينوي ليلة الشك أنه صائم من شعبان، فإن كان من شهر رمضان أجزأ عنه، و إن كان من شعبان لم يضره. فقلت: و كيف يجزي صوم تطوع عن فريضة؟! فقال: لو أن رجلا صام يوما من شهر رمضان تطوعا، و هو لا يعلم أنه من شهر رمضان ثم علم بذلك لأجزأ عنه، لأن الفرض إنما وقع علي اليوم بعينه» (1). فإن مقتضي التعليل في ذيله العموم لغير صوم التطوع.

و دعوي: أن مقتضي التعليل فيه الصحة و إن صامه بنية رمضان أو بنية الفرض، أو نوي في رمضان عمدا صوم غيره، و حيث لا يمكن البناء علي ذلك، بل هو مناف لصدر الحديث، فالمتعين البناء علي إجمال التعليل، و الاقتصار فيه علي مورده.

مدفوعة: بأن حمل صدر الحديث- بقرينة التعليل في الذيل- علي كون بطلان الصوم بنية رمضان أو الفرض من أجل المانع، أو عقوبة، لمخالفة السنة، أولي عرفا من البناء علي إجمال التعليل. و أما البطلان مع تعمد صوم غير رمضان في رمضان فيه فهو- لو تم- قد يكون لعدم تيسر قصد القربة. علي أن البناء علي تخصيص التعليل فيه أقرب من البناء علي إجماله، و الاقتصار فيه علي مورده، بحيث لا يتعدي منه لمحل الكلام.

و مثلها دعوي: أن التعليل المذكور مناف لما سبق في موثق سماعة من أن الإجزاء بتفضل اللّه و بما وسع علي عباده، لظهوره في أن مقتضي القاعدة عدم الإجزاء

ص: 14


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 5: من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث: 8.

[(مسألة 6): يكفي في صحة صوم رمضان القصد إليه و لو إجمالا]

(مسألة 6): يكفي في صحة صوم رمضان القصد إليه و لو إجمالا (1)، فإذا نوي الصوم المشروع في غد، و كان من رمضان، أجزأ عنه، أما إذا قصد صوم غد دون توصيفه بخصوص المشروع لم يجز (2). و كذا الحكم في سائر أنواع الصوم من النذر أو الكفارة أو القضاء فما لم يقصد المعين لا يصح (3).

______________________________

فيه، لمباينة المأتي به للمطلوب.

لاندفاعها بأن مقتضي الجمع بين الموثق و التعليل حمل الموثق علي كون التفضل و التوسعة من اللّه تعالي في اكتفائه بتحقق صوم الفرض من دون أن ينوي بعينه.

نعم ضعف سند الخبر مانع من الاستدلال به، و يبقي مؤيدا لما سبق. فالبناء علي العموم قريب جدا.

هذا و النصوص المذكورة و إن وردت في الجهل بدخول شهر رمضان، إلا أن الظاهر إلغاء خصوصيته عرفا، و التعدي للنسيان و نحوه من موارد عدم التعمد.

(1) كما يظهر مما تقدم في المسألة الثانية.

(2) الظاهر إجزاؤه، لرجوعه إلي قصد الصوم المشروع، إذ حيث كان المفروض في محل الكلام قصد صوم الغد بوجه قربي، فالوجه القربي لا يكون إلا بقصد امتثال الأمر المتعلق بصومه، و حيث لا أمر في شهر رمضان إلا بصومه تعين رجوع ذلك ارتكازا إلي قصد امتثال أمر صومه. فهو نظير قصد أمر صوم ما في الذمة إذا كان واحدا. نعم إذا قيد صوم غد الذي قصده بغير صوم رمضان فقد خرج عن مقتضي الارتكاز المذكور، و تعين البطلان.

(3) إذ بعد تعدد وجوه الصوم، و تعدد الأمر به تبعا لها، لا معين للصوم المأتي به بأحدها إلا القصد إليه، و نية امتثال أمره.

نعم وقع الكلام بينهم في النذر المعين، و أنه هل يتوقف الوفاء به علي قصده، كما في المبسوط و الشرائع و الدروس و جامع المقاصد و غيرها، و في المسالك أنه المشهور، أو لا، بل يكفي نية صوم اليوم الخاص و لو مع الغفلة عن النذر، كما في السرائر

ص: 15

______________________________

و المدارك و عن المرتضي و العلامة في جملة من كتبه و في المسالك أنه متجه؟

و قد ذكر سيدنا المصنف قدّس سرّه أن ذلك يبتني علي تحديد مفاد النذر فإن قلنا بأن مفاده جعل المنذور ملكا للّه تعالي، توقف الوفاء به علي قصده، لأن تسليم ما في الذمة يتوقف علي قصد المصداقية، و لولاه لم يتعين الخارجي لذلك، كما في سائر موارد ما في الذمة من الديون المالية، عينا كانت أو عملا.

أما بناء علي أن مفاد النذر مجرد الالتزام بفعل المنذور، و أن مقتضي نفوذه وجوب الإتيان بالمنذور من دون أن يكون مملوكا للّه تعالي، فيكفي في الوفاء بالنذر تحقق الأمر المنذور- كصوم اليوم الخاص- من دون حاجة إلي قصد الوفاء بالنذر، لأن انطباق المنذور عليه قهري. و وجوب الوفاء بالنذر لو كان مولويا فهو توصلي لا يتوقف امتثاله علي قصده.

لكنه يشكل بأنه بناء علي إن مفاد النذر جعل المنذور ملكا للّه تعالي فتسليم ما في الذمة إنما يتوقف علي قصد المصداقية إذا لم يكن المأتي به متعينا لها، كما إذا كان مدينا لشخص درهما أو خياطة ثوب، فإن الدرهم المدفوع و خياطة الثوب كما يمكن أن يقعا وفاء عن الدين، يمكن أن يكونا إهداء للدرهم، و تبرعا بالخياطة، فلا يتعينان للوفاء إلا بقصده.

أما إذا كان متعينا للمصداقية فلا يتوقف الوفاء علي قصدها، كما إذا اقتضت الإجارة ملك المؤجر منفعة الأجير الخارجية، فإن المنفعة إذا حصلت تكون ملكا للمؤجر و وفاء بالإجارة و إن لم يقصد الأجير بالإتيان بها الوفاء بها، بل و إن قصد عدم الوفاء بها.

و علي ذلك ففي المقام إن كان المنذور مطلق الصوم في اليوم المعين و لو كان واجبا، بأن يكون المنذور مجرد إشغال اليوم بالصوم، كفي في الوفاء بالنذر نية صوم ذلك اليوم مهما كان نوع الصوم المنوي، و لو مع الغفلة عن النذر، بل و لو قصد عدم الوفاء به، لأن انطباق المنذور علي المأتي به قهري.

و إن كان المنذور هو أن يصوم في اليوم المعين صوما خاصا مباينا لبقية أنواع

ص: 16

نعم إذا قصد ما في ذمته و كان واحدا أجزأ عنه (1)، و في الاكتفاء في صحة الصوم المندوب المطلق بنية صوم غد قربة إلي اللّه تعالي إشكال.

بل الأظهر البطلان إلا إذا لم يكن عليه صوم واجب (2) و قصد الصوم

______________________________

الصوم الواجب، فهو في الحقيقة صوم مستحب له لم يجب عليه إلا بالنذر. و حينئذ يكفي في الوفاء بالنذر أن ينوي الصوم في ذلك اليوم قربة إلي اللّه تعالي، لرجوعه إلي صوم ذلك اليوم امتثالا لأمره- الاستحبابي الأولي و الوجوبي الثانوي بسبب النذر- فينطبق عليه المنذور قهرا، و يقع وفاء عن النذر و إن لم يقصد به ذلك.

نعم لو نوي به صوما آخر واجبا- كصوم الكفارة أو الإجارة- أو مستحبا- كالصوم التبرعي وفاء عن ذمة الغير- لم يقع وفاء عن النذر، لعدم انطباق المنذور عليه حينئذ، نظير ما إذا نوي في شهر رمضان صوما غير صومه، حيث تقدم عدم إجزائه عن صومه إلا بدليل خاص.

(1) لرجوع ذلك إلي التعيين الإجمالي.

(2) إذ لو كان عليه صوم واجب كان الصوم الذي نوي التقرب به مرددا بين الواجب و المستحب، و لا مرجح لأحدهما، ليتعين انطباقه عليه، و لا وجود للمردد.

اللهم إلا أن يقال: مقتضي الجمع بين ما دل علي استحباب الصوم في غير رمضان، و وجوب بعض الأنواع منه- كصوم القضاء و الكفارة- كون الصوم بذاته مستحبا، و بخصوصيته الخاصة واجبا، فمع الاقتصار علي نية صوم الغد قربة إلي اللّه تعالي من دون قصد الخصوصية الواجبة يكون المقصود لبا هو التقرب بامتثال الأمر الوارد علي الذات، و هو الأمر الاستحبابي.

و نظيره في ذلك صلاة ركعتين قربة إلي اللّه تعالي من دون قصد خصوصية القضاء أو غيرها من الخصوصيات الواجبة، و التصدق بمدّ قربة إلي اللّه تعالي من دون قصد خصوصية الفدية أو غيرها من الخصوصيات الواجبة، حيث يحملان علي الصلاة و الصدقة المستحبتين. و نظيره في العرفيات إعطاء المال لشخص و تمليكه له،

ص: 17

المشروع في غد (1). و لو كان غد من أيام البيض مثلا، فإن قصد الطبيعة المطلقة صح مندوبا مطلقا، و إن قصد الطبيعة الخاصة صح المندوب الخاص، و إن قصد طبيعة مهملة مرددة بين مطلق المندوب و المندوب الخاص فالأظهر البطلان (2).

______________________________

فإنه مع الاقتصار علي ذلك- من دون نية القرض أو الوفاء به، أو جعله ثمنا في بيع، أو نحو ذلك- يكون هدية لا غير.

علي أن قوله قدّس سرّه: «و في الاكتفاء في صحة الصوم المندوب … » ظاهر في فرض كون المقصود ارتكازا هو امتثال الأمر الاستحبابي، و هو راجع إلي نية الصوم المستحب دون الواجب.

نعم لو لم يكن الأمر الاستحبابي الذي يراد امتثاله متعلقا بمطلق الذات، بل بالخصوصية، و تعدد الأمر نتيجة تعدد الخصوصية، لم يكف في الامتثال قصد العمل قربة إلي اللّه تعالي، بل لا بد من قصد الخصوصية التي يراد امتثال أمرها و تعيينها، كصلاة الزيارة، و صلاة نافلة المغرب، و صوم الشكر، و صوم الاستغفار- لو فرض مشروعيتها- و غيرها. و مع عدم قصد الخصوصية و الاقتصار علي قصد العمل قربة إلي اللّه تعالي يتعين وقوعه امتثالا لأمر الذات، و هو الأمر الاستحبابي الأولي، كما سبق.

ثم إن ما ذكره قدّس سرّه مبني علي مشروعية الصوم المستحب لمن عليه صوم واجب و لو في بعض الموارد، إذ لو قيل بعدم مشروعيته تعين عدم صحة المستحب ممن عليه صوم واجب. و توقفت صحة الصوم الواجب منه علي نيته و لو إجمالا. و يأتي الكلام في ذلك في المسألة الحادية عشرة من الفصل الرابع في شرائط صحة الصوم إن شاء اللّه تعالي.

(1) معطوف علي قوله قدّس سرّه: «إذا لم يكن عليه … ». و مما سبق يظهر أنه لا حاجة إلي قصد المشروع، و أنه يكفي قصد الصوم قربة إلي اللّه تعالي.

(2) كأنه لعدم الجامع الحقيقي بين المطلق و المقيد، ليكون موضوعا للأمر،

ص: 18

______________________________

و يكون المأتي به مطابقا له، و امتثالا لأمره.

و فيه أولا: أنه يمتنع الإهمال في نفسه ثبوتا، بل يتردد الأمر بين الإطلاق و التقييد، لا غير، لأن الطبيعة حينما تؤخذ في الحكم تارة: يقتصر علي حدودها المفهومية و أخري: يؤخذ فيها قيد زائد عليها. و الأول راجع للإطلاق، و الثاني راجع للتقييد، و لا ثالث لهما، ليكون هو الإهمال. نعم يمكن الإجمال في مقام الإثبات، لعدم اهتمام الحاكم ببيان تمام حدود حكمه، علي ما أوضحناه في مبحث التعبدي و التوصلي و مبحث المطلق و المقيد من الأصول.

و من الظاهر أنه لا مجال للإجمال- فضلا عن الإهمال- في مقام الامتثال لأن الممتثل إما أن يقتصر علي قصد الطبيعة بما لها من حدود مفهومية، من دون أخذ قيد فيها، و إما أن يقصد الطبيعة ذات القيد الخاص، و لا معني للإجمال أو الإهمال فيما يقصده.

و ثانيا: أن الأمر الاستحبابي بالمطلق تارة و بالمقيد أخري، لا يرجع إلي الأمر بأمرين متباينين لا يتعين كل منهما إلا بقصده بعينه تفصيلا أو إجمالا، و لا يكفي قصد أحدهما بنحو الترديد، نظير الأمر بصوم الكفارة و صوم بدل الهدي، بل هو راجع إلي الأمر بالماهية بتمام أفرادها بنحو يشمل الواجد للقيد، و الأمر بخصوص الواجد للقيد، فيكون الواجد للقيد مأمورا به بأمرين يندكّ أحدهما بالآخر، و يكون استحبابه مؤكدا.

و حينئذ إن قصد الطبيعة دون الخصوصية فقد امتثل بالفرد أمر الطبيعة، و إن قصد الخصوصية فقد امتثل الأمرين معا. و كذا إذا قصد الأمر الوارد علي اليوم الذي يريد صومه علي ما هو عليه، فإنه حيث كان هو الأمر المؤكد فقد قصد امتثاله بالعمل المأتي به.

و بالجملة: إذا نوي صوم يوم معين قربة للّه تعالي فلا بد من البناء علي صحة الصوم، لرجوع ذلك إلي قصد امتثال الأمر الوارد عليه. غاية الأمر أنه إن قصده علي إجماله، أو ملتفتا لخصوصيته، كان ممتثلا الأمر المؤكد المتحصل من الأمرين معا، و إن قصد الأمر الوارد علي الطبيعة وحده، كان ممتثلا له دون الأمر بالخصوصية.

ص: 19

[(مسألة 7): وقت النية في الواجب المعين- و لو بالعارض عند طلوع الفجر الصادق]

(مسألة 7): وقت النية في الواجب المعين- و لو بالعارض (1)- عند طلوع الفجر الصادق (2) بحيث يحدث الصوم حينئذ مقارنا

______________________________

(1) يأتي الكلام في هذا التعميم إن شاء اللّه تعالي.

(2) كما في الشرائع و عن الشيخين، بل لعله المعروف بينهم. لأنه أول زمان الصوم، و عبادية الصوم تقتضي وقوعه بتمامه عن نية، كما هو الحال في سائر العبادات.

و هو المنصرف من النبوي: «لا تصام الفريضة إلا باعتقاد [و] نية» (1). و عليه ينزل النبوي الآخر: «لا صيام لمن لا يبيت الصيام من الليل» (2). و النبوي الثالث: «من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له» (3). بحمل تبييت النية علي الطريقية من أجل إحراز وقوع الصوم بتمامه عن نية، لعدم تيسر إحراز ذلك إلا بالتبييت.

لكن لا مجال للتعويل علي النبويات بعد عدم رواية أصحابنا لها إلا مرسلة في عوالي اللآلي. و الظاهر أنها من روايات المخالفين، كما صرح به في الغنية في الثاني. و أما الوجه الأول فيندفع بأن عبادية العبادة حيث كانت خلاف الأصل فاللازم الاقتصار فيها علي المتيقن. و إذا تم الإجماع في كثير من العبادات علي اعتبار وقوعها بتمامها عن نية فلا مجال له في المقام بعد ما حكاه في المختلف عن السيد المرتضي قدّس سرّه من إطلاق أن وقت النية في الصيام الواجب من الفجر إلي قبل الزوال، نظير ما يأتي منهم في الواجب غير المعين، و عن ابن الجنيد من إطلاق الاجتزاء بوقوعها في بعض النهار، نظير ما يأتي منهم في الصوم المستحب.

كما أنه حيث ثبت من النصوص الآتية الاجتزاء في بعض أفراد الصوم بنيته في بعض الوقت فلا بد من كون عبادية الصوم لا تقتضي نيته في تمام الوقت، و غاية ما يدعي أن الأصل في الصوم لزوم النية في تمام وقته إلا ما أخرجه الدليل. أو أن ذلك هو اللازم في الصوم الواجب المعين. و كلا الأمرين لا ينهض به ما سبق.

ص: 20


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 4 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث 2.
2- مستدرك الوسائل ج: 7 باب: 2 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث: 1.
3- مستدرك الوسائل ج: 7 باب: 2 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث: 1.

______________________________

هذا و قد سبق من بعض مشايخنا قدّس سرّه الاستدلال علي عبادية الصوم بما تضمن أنه مما بني عليه الإسلام، مع ضرورة أن الإسلام لا يبني علي مجرد الإمساك، بل خصوص ما كان منه عباديا. و قد جعل ذلك دليلا في المقام علي عبادية الصوم بتمامه.

لكن تقدم إن ذلك لا يزيد علي الضرورة علي عبادية الصوم، و اللازم الاقتصار فيها علي المتيقن.

و مثله ما ذكره قدّس سرّه من أن الكلام هنا ليس في نية التقرب بالصوم، بل في أصل نية الصوم و قصد عنوانه، و قصد عنوان العمل مما يتوقف عليه حصول المأمور به، إلا أن يثبت من الخارج عدم الحاجة لذلك، و ترتب الغرض علي ذات العمل.

إذ فيه: أن اعتبار قصد عنوان العمل المأمور به أيضا يحتاج إلي دليل، و حيث ثبت اعتبار ذلك في الصوم، و اختلف في أمده، فاللازم الاقتصار فيه علي المتيقن.

فالعمدة في المقام: أن الصوم عرفا و شرعا ليس مجرد ترك المفطر، بل القصد إلي ذلك، و لذا يصدق مع فعل المفطر جهلا أو نسيانا، و لا يصدق بتركه من دون قصد إليه، فهو متقوم بالقصد. و حينئذ فظاهر قوله تعالي: فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَ ابْتَغُوا ما كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتّي يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَي اللَّيْلِ (1). لزوم الصيام بالمعني المذكور من ظهور الفجر إلي الليل و إشغال النهار كله بذلك. و هو مقتضي إطلاق قوله تعالي: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَي الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ* أَيّاماً مَعْدُوداتٍ (2)، و غيره مما تضمن الصيام في اليوم، و صيام اليوم، من الآيات و النصوص الكثيرة. فيكون ذلك هو الأصل في الصوم، ما لم يثبت الاجتزاء بنية الصوم في أثناء النهار، و احتساب ما سبق من الإمساك من دون نية منه.

هذا بالإضافة إلي نية الصوم، التي هي محل الكلام في المقام. و أما كون الداعي لذلك هو التقرب، و امتثال الأمر الشرعي به، فهو مفروغ عنه، تبعا للمفروغية عن

ص: 21


1- سورة البقرة الآية: 187.
2- سورة البقرة الآية: 183- 184.

______________________________

كون الصوم من العبادات، و ليس الكلام في وجوب مقارنته للفجر و عدمها إلا تبعا للكلام في وجوب مقارنة نية الصوم له، و لا يحتمل وجوب مقارنة نية الصوم للفجر، و عدم وجوب مقارنة التقرب به له، بحيث يكتفي بنية الصوم مقارنة للفجر مع تأخر التقرب بها عنه.

و بالجملة: لا ينبغي التأمل في ظهور الأدلة الشارحة للصوم، و المتضمنة لوجوبه في النهار، في أنه عبارة عن القصد لترك المفطرات و نية الصوم عنها في تمام النهار، و بضميمة المفروغية عن كون الصوم من العبادات لا بد من مقارنة نية الصوم للتقرب. فلا بد في الاجتزاء بنية الصوم في أثناء النهار من قيام الدليل المخرج عن ذلك، و لو تم اقتصر علي مورده، و لزم الرجوع في غيره لمقتضي الأصل.

و المظنون قويا أن ما سبق عن المرتضي و ابن الجنيد لا يبتني علي إنكار أن مقتضي الأدلة الأولية اعتبار مقارنة النية للفجر، بل علي استفادة الاكتفاء بالنية في أثناء النهار من النصوص الآتية، و فهم العموم منها، و من ثم استدل لهما بها في المختلف. و إن كان هو في غير محله بعد اختصاصها بغير الواجب المعين، و عدم وضوح إلغاء خصوصية مواردها عرفا، كما أشار إليه في المختلف أيضا.

هذا و عن ابن أبي عقيل وجوب تقديم نية صوم الفرض من الليل، و عن المرتضي أنها من قبل الفجر. و قد يستدل لهما بالنبويين المتقدمين جمودا علي لسانهما.

لكن من القريب كون مرادهما التقديم من أجل إحراز استيعاب الوقت بالنية، كما سبق حمل النبويين علي ذلك، و لو بقرينة النبوي الثالث. و إلا كان خاليا عن الدليل، و لا سيما بعد ضعف النبويين.

بل قد يدعي عدم وجوب الإحراز المذكور، لأن ذلك و إن كان هو مقتضي قاعدة الاشتغال بالصوم عن نية، إلا أن مقتضي جعل مبدأ الصوم في الآية الشريفة تبين الفجر عدم وجوب الاحتياط بنية الصوم قبل تبينه. كما أنه مقتضي استصحاب الليل و عدم النهار، الذي هو ظرف الصوم شرعا. غاية الأمر أن الاستصحاب لا يقتضي العفو عن عدم نية الصوم في بعض أجزاء النهار قبل تبين الفجر، بحيث يصح

ص: 22

______________________________

الصوم، بخلاف الآية الشريفة، حيث يستفاد ذلك منها عرفا تبعا.

و كيف كان فلا يعتبر فعلية النية حين الفجر، بل يكفي سبقها من دون عدول عنها، و إن تخلل النوم أو الغفلة عند الفجر، كما تقدم في المسألة الأولي. و من ثم اكتفي بعضهم بتبييت النية.

و ربما يستظهر منه البناء علي لزوم التبييت، بحيث لا يجتزأ بحدوث النية في النهار السابق لو غفل عنها بنوم و نحوه في تمام الليل المتوسط بين اليومين. و قد يستدل له بالنبويين المتقدمين. لكنهما ظاهران بدوا في لزوم التقدم بالنية عن يوم الصوم، بحيث لا بد من وجودها في الليل من دون أن يمتنع تقدمها عليه.

و بعبارة أخري: ليس مفاد النبويين مجرد لزوم وجود النية في الليل، بل استمرارها من الليل إلي يوم الصوم، و بضميمة المفروغية عن عدم قادحية الغفلة المتخللة يتعين حمل النية منهما علي ما يعم النية الارتكازية، التي لا تنافيها الغفلة المتخللة، و علي ذلك فتقديم النية التفصيلية علي الدليل و حصولها النهار السابق من دون عدول عنها مستلزم لوجود النية الارتكازية في الليل، و استمرارها منه إلي نهار الصوم، و إن لم تتحقق النية التفصيلية في الليل.

علي أن ضعف النبويين مانع من الاستدلال بهما، بل يتعين الرجوع للقاعدة المتقدمة المستفادة من الأدلة السابقة، و هي تقتضي لزوم نية الصوم في النهار، حيث يراد بها ما يعم النية الارتكازية التي لا تقدح فيها الغفلة، فهي حاصلة حتي مع تقديم النية التفصيلية في النهار السابق و إن تخللتها الغفلة في تمام الليل.

لكن ذكر بعض مشايخنا قدّس سرّه أن ذلك إنما يتجه مع حدوث الأمر بصوم اليوم المنوي، كما لو كان ذلك بعد دخول شهر رمضان، لظهور قوله تعالي: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ (1). في الخطاب بصوم الشهر بتمامه بنحو الواجب المعلق. أما لو لم يحدث الأمر بالصوم المنوي، كما لو نوي في آخر يوم من شعبان أن يصوم غدا من رمضان، فنام في تمام الليل، فإنه لا يجزي، إذ لا مجال لنية الامتثال مع عدم فعلية الأمر

ص: 23


1- سورة البقرة الآية: 185.

للنية. و في الواجب غير المعين يمتد وقتها إلي الزوال (1) و إن تضيق

______________________________

الممتثل، و في زمان الأمر لا قابلية له للخطاب بسبب نومه.

و فيه: أن النية المذكورة ليست نية للامتثال فعلا لتتوقف علي فعلية الأمر، بل نية للامتثال معلقا علي دخول الوقت و حصول الفجر الذي هو حال فعلية الأمر.

و الاجتزاء بها ليس بلحاظ حال حدوثها، بل بلحاظ استمرارها و بقائها ارتكازا أو حكما حال النهار الذي هو حال الامتثال لفعلية الأمر و إن لم يكن النائم قابلا لأن يوجه له. و من الظاهر أنه لا يفرق في حصول النية الارتكازية الاستمرارية بين سبق النية التفصيلية علي الأمر المعلق المدعي و لحوقها له. و من ثم لا مخرج عما سبق.

(1) كما هو المعروف بين الأصحاب، و في المدارك أنهم قد قطعوا به، و في الجواهر أنه لا يعرف منهم قائل فيه بلزوم مقارنة النية لأول جزء من الصوم. نعم هو مقتضي إطلاق كلام المحقق في الشرائع.

و كيف كان فالنصوص الدالة علي مشروعية نية الصوم في أثناء النهار كثيرة، يأتي بعضها. إلا أن الدليل علي التحديد بالزوال ينحصر بحديث عمار الساباطي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «عن الرجل يكون عليه أيام من شهر رمضان، و يريد أن يقتضيها متي يريد أن ينوي الصيام؟ قال: هو بالخيار إلي أن تزول الشمس، فإذا زالت الشمس، فإن كان نوي الصوم فليصم، و إن كان نوي الإفطار فليفطر. سئل: فإن كان نوي الإفطار يستقيم أن ينوي الصوم بعد ما زالت الشمس؟ قال: لا … » (1).

و قد أورد علي الاستدلال به بعض مشايخنا قدّس سرّه بأنه و إن عبر عنه بالموثق في كلام غير واحد، إلا أنه ضعيف، إذ لم يروه إلا الشيخ قدّس سرّه بسنده عن علي بن الحسن ابن فضال، و في سنده إليه علي بن محمد بن الزبير القرشي، و هو لم يوثق، فهو لا ينهض بالاستدلال.

أقول: علي بن محمد بن الزبير القرشي و إن لم ينص أحد علي توثيقه، إلا أنه من مشايخ الإجازة، حتي قال الشيخ عنه: «روي عن علي بن الحسن بن فضال جميع كتبه،

ص: 24


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 2 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث: 10.

______________________________

و روي أكثر الأصول». و قد اقتصر الشيخ في روايته عن ابن فضال كتبه الكثيرة علي الطريق المشتمل عليه، حيث رواها عن أحمد بن عبدون عن علي بن محمد بن الزبير المذكور عن الحسن بن علي بن فضال، و أورد كثيرا من روايات ابن فضال بالطريق المذكور، بنحو يظهر منه العمل بها و الاعتماد عليها في الفتوي. و من المعلوم من حال الشيخ قدّس سرّه أنه لا يعمل إلا برواية الثقة.

و لعل اهتمامه بالرواية عن ابن الزبير لعلو طبقته، و قصر السند الذي هو فيه لأن ابن فضال من أصحاب الإمامين الجواد و الهادي (عليهما السلام)، فرواية الشيخ عنه بواسطة رجلين مزية يهتم بها رجال الحديث، و إلي ذلك يشير النجاشي حيث قال في ترجمة أحمد بن عبدون المذكور: «و كان لقي أبا الحسن علي بن محمد القرشي المعروف بابن الزبير، و كان علوا في الوقت».

و من الظاهر أن الاهتمام بعلو الطبقة و قصر السند بنحو يقتصر عليه فرع الوثاقة، خصوصا في روايات الأحكام التي عليها المعول في العمل و الفتوي. و أما ما ذكره بعض مشايخنا قدّس سرّه من عدم الفرق بين رواية الرجل عن آخر رواية أو روايتين و بين روايته عنه أصلا من الأصول أو كتابا من الكتب. فهو كما تري، للفرق الواضح بين الرواية و الروايتين، و رواية الكتب و الأصول المشهورة، ثم التعويل عليها في العمل و الفتوي.

و يؤيد وثاقة الرجل أن النجاشي روي عن ابن فضال كتبه بالطريق المذكور و بطريق آخر عن ابن عقدة، و قال بعد أن عدّ كتب ابن فضال: «و رأيت جماعة من شيوخنا يذكرون أن الكتاب المنسوب إلي علي بن الحسن بن فضال المعروف بأصفياء أمير المؤمنين عليه السلام يقولون: أنه موضوع عليه، لا أصل له. و اللّه أعلم. قالوا:

و هذا الكتاب ألصق روايته إلي أبي العباس بن عقدة و ابن الزبير، و لم نر أحدا ممن روي عن هذين الرجلين يقول: قرأته علي الشيخ، غير أنه يضاف إلي كل رجل منهما بالإجازة حسب». لإشعار كلامه هذا أو ظهوره في مفروغية الشيوخ المذكورين عن وثاقة الرجلين، و عدم احتمال إلصاق الكتاب بابن فضال من قبلهما، و إنما العلة

ص: 25

______________________________

في الرواية عنهما بطريق الإجازة، لأنها ليست في الضبط كالقراءة. و من هنا فالظاهر وثاقة علي بن محمد بن الزبير، بل جلالته.

هذا و قد حاول بعض مشايخنا قدّس سرّه في مسألة مبطلية البقاء علي حدث الحيض للصوم تصحيح طريق الشيخ لكتب ابن فضال بوجه آخر لم يتضح لنا الوجه في إهماله هنا.

و حاصله: أنه إذا روي شخصان كتابا واحدا أحدهما بطريق معتبر و الآخر بطريق ضعيف، و قد اشتركا في شيخ واحد، تعين اعتبار رواية ذي الطريق الضعيف لذلك الكتاب بعد رواية شيخه له بطريق معتبر حدث به الآخر.

و علي ذلك فطريق الشيخ لكتب ابن فضال و إن كان ضعيفا إلا أن طريق النجاشي لها معتبر، و حيث كان الشيخ و النجاشي يشتركان في شيخ واحد، و هو أحمد ابن محمد بن عبدون، و قد روي الكتب المذكورة بالطريقين معا، تعين اعتبار رواية الشيخ لتلك الكتب.

لكن الكبري التي ذكرها قدّس سرّه و إن كانت متينة جدا، إلا أنها لا تنطبق في المقام، لأن ابن عبدون إنما روي كتب ابن فضال بطريق واحد ذكره الشيخ و النجاشي، و هو المشتمل علي علي بن محمد بن الزبير المذكور، و ليس له إليها طريق آخر.

و أما النجاشي فهو و إن روي الكتب المذكورة بطريق آخر معتبر، إلا أنه غير مشتمل علي ابن عبدون حيث قال بعد ذكر الطريق الأول: «و أخبرنا محمد بن جعفر في آخرين عن أحمد بن محمد بن سعيد عن علي بن الحسن بكتبه».

نعم لا يبعد الاكتفاء بذلك في اعتبار الحديث، لظهور حال ابن عبدون في أن ما رواه للشيخ من كتب ابن فضال هو عين ما رواه للنجاشي، و ظهور حال النجاشي في أن ما رواه له ابن عبدون منها هو عين ما وصل له بالطريق الآخر المعتبر، و لازم ذلك اعتبار رواية الشيخ لكتب ابن فضال، لأنها عين ما رواه النجاشي بالطريق المعتبر. و إن كان الأمر أظهر من ذلك.

و بالجملة: لا ينبغي التأمل في اعتبار سند الحديث المذكور.

علي أن الظاهر عمل الأصحاب (رضوان اللّه عليهم) في المقام به و اعتمادهم

ص: 26

______________________________

عليه، إذ ليس في نصوص المسألة ما يطابق فتواهم إثباتا و نفيا و لسانا غيره. و كفي بهذا جابرا للحديث لو كان ضعيفا في نفسه. بل هو في الحقيقة كاشف عن ثبوته عندهم، إما لوثاقة علي بن محمد بن الزبير- كما سبق- أو لاشتهار الكتاب المأخوذ منه، و إنما يذكر السند له لمحض إخراج الحديث عن الإرسال.

ثم إن بعض مشايخنا قدّس سرّه قد استدل للتحديد بالزوال بصحيح هشام ابن سالم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «قلت له: الرجل يصبح، و لا ينوي الصوم، فإذا تعالي النهار حدث له رأي في الصوم. فقال: إن هو نوي الصوم قبل أن تزول الشمس حسب له يومه، و إن نواه بعد الزوال حسب له من الوقت الذي نوي» (1).

بتقريب: أن مقتضي الحكم باحتساب اليوم بتمامه إذا نوي الصوم قبل الزوال كونه بمنزلة النية عند الفجر في إجزائه عن صوم اليوم شرعا. كما أن الحكم باحتسابه من حين النية إذا نواه بعد الزوال لا يتناسب مع إجزائه، إذ لا يكفي صوم بعض اليوم في الصوم الواجب، فلا بد من حمله علي النافلة، و يدل علي أنه عمل مشروع يثاب عليه و إن لم يكن صوما حقيقيا، و قد سبقه إلي ذلك في الجملة المحقق الهمداني قدّس سرّه في مصباحه.

لكنه كما تري تكلف يأباه ظاهر الصحيح، فإن صوم بعض اليوم غير مشروع لا فرضا و لا نفلا. و تنزيله علي التفصيل بين الوجهين في مقدار الثواب من دون أن يكون صوما مشروعا يقتضي عدم الإجزاء فيهما معا، و مع كونه صوما مشروعا يقتضي الإجزاء فيهما معا. و حيث تضمن- ككثير من النصوص- إقرار نية الصوم تعين الثاني.

نظير ما في صحيح عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «قال: من أصبح و هو يريد الصيام ثم بدا له الإفطار فله أن يفطر ما بينه و بين نصف النهار، ثم يقضي ذلك اليوم، فإن بدا له أن يصوم بعد ما ارتفع النهار فليصم، فإنه يحسب له من الساعة التي نوي فيها» (2).

إلا أن يحمل صحيح هشام علي خصوص النافلة، جمعا مع حديث عمار

ص: 27


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 2 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث: 8.
2- التهذيب ج: 4 ص: 187 باب: نية الصيام حديث: 7. أورد صدره في وسائل الشيعة ج: 7 باب: 4 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث: 7. و ذيله في باب: 2 من الأبواب المذكورة حديث: 3.

______________________________

المتقدم. أو يدعي انصراف الصحيحين معا للنافلة، بسبب التركيز فيهما علي الثواب، الذي هو الداعي المنظور في صوم النافلة. و علي كلا الوجهين ينحصر دليل المسألة بحديث عمار. و من ثم سبق منا أن اعتماد الأصحاب عليه في المقام.

و به يخرج عن إطلاق صحيح محمد بن قيس عن أبي جعفر عليه السّلام: «قال: قال علي عليه السّلام: إذا لم يفرض الرجل علي نفسه صياما، ثم ذكر الصيام قبل أن يطعم طعاما أو يشرب شرابا و لم يفطر فهو بالخيار إن شاء صام، و إن شاء أفطر» (1)، و نحوه معتبر الجعفريات (2). و قد يستفاد من غيرهما.

نعم في صحيح عبد الرحمن بن الحجاج: «سألت أبا الحسن موسي عليه السّلام عن الرجل يصبح و لم يطعم و لم يشرب و لم ينو صياما، و كان عليه يوم من شهر رمضان، أله أن يصوم ذلك اليوم و قد ذهب عامة النهار؟ فقال: نعم له أن يصومه، و يعتد به من شهر رمضان» (3).

و في مرسل البزنطي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «قلت له: الرجل يكون عليه القضاء من شهر رمضان، و يصبح فلا يأكل إلي العصر، أ يجوز أن يجعله قضاء من شهر رمضان؟ قال: نعم» (4).

و في معتبر الجعفريات عن أمير المؤمنين عليه السّلام: «أن رجلا من الأنصار أتي النبي صلي اللّه عليه و آله و سلم فصلي معه صلاة العصر، ثم قام، فقال: يا رسول اللّه إني كنت اليوم في ضيعة لي، و إني لم أطعم شيئا، أ فأصوم؟ قال: نعم. قال: إن عليّ يوما من رمضان أ فأجعله مكانه؟ قال: نعم» (5). و هو- كما تري- صريح أو كالصريح في جواز نية قضاء شهر رمضان بعد الزوال.

لكن بعض مشايخنا قدّس سرّه منع من الاستدلال بالمرسل، بناء منه علي عدم حجية مراسيل البزنطي و أضرابه ممن قيل إنه لا يروي إلا عن ثقة، و لم يذكر حديث الجعفريات،

ص: 28


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 2 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث: 5.
2- مستدرك الوسائل ج: 7 باب: 3 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث: 1.
3- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 2 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث: 6، 9.
4- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 2 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث: 6، 9.
5- مستدرك الوسائل ج: 7 باب: 2 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث: 3.

______________________________

غفلة، أو لما ذكره في غير هذا المورد من عدم حجية أحاديث الكتاب المذكور.

و أما صحيح عبد الرحمن فقد ادعي أنه مطلق يتعين حمله علي ما قبل الزوال، جمعا مع دليل التحديد بالزوال، لدخول ما بين الطلوعين في نهار الصوم، فيكون ما قبل الزوال أكثر النهار.

و فيه: أنه ليس في اللغة و العرف و الشرع إلا نهار واحد، و هو عنده قدّس سرّه يبدأ من طلوع الشمس، و الصوم عنده يبدأ من بعض الليل. بل حتي بناء علي المشهور المنصور من أن مبدأ النهار طلوع الفجر فنصف النهار عرفا هو الزوال الذي هو حد ميسور التشخيص. و عليه يبتني ما تقدم في صحيح عبد اللّه بن سنان. علي أن صحيح عبد الرحمن لم يتضمن ذهاب أكثر النهار، بل عامته، و عامة الشي ء حقيقة جميعه، و عرفا- كما هو المراد في المقام- ما يقابل القليل منه جدا الذي يكاد لا يعتد به، فهو في الحقيقة إطلاق مجازي شايع عرفا، و لا إشكال في عدم صدقه بحصول الزوال. و ما في المختلف من احتمال إرادته مجازا، بعيد جدا، بنحو لا يعول عليه في مقام الجمع بين الأدلة عرفا. و من هنا لا ينبغي التأمل في منافاته للتحديد بالزوال.

و لا سيما مع اعتضاده بمرسل البزنطي الصريح في ذلك، و الذي هو حجة علي التحقيق، كما يظهر مما ذكرناه في مسألة تحديد الكر من مباحث المياه، و كذا بحديث الجعفريات الذي هو حجة أيضا، علي ما ذكرناه في المسألة الثانية و الأربعين من مقدمة كتاب التجارة.

و علي ذلك فمقتضي الجمع العرفي حمل حديث عمار علي كراهة الاجتزاء بنية الصوم بعد الزوال، لأنه أقل ثوابا، كما احتمله في الاستبصار و يأتي نظيره في المستحب.

و يناسبه صحيح هشام بن الحكم، و إطلاق صحيح عبد اللّه بن سنان المتقدمين. إلا أن يوهن بندرة القول بذلك، حيث لم ينسب إلا لابن الجنيد، و ظاهر الانتصار الإجماع علي خلافه.

و لكن في بلوغ ذلك حدا تسقط معه النصوص المتقدمة عن الحجية إشكال.

و لا سيما مع عدم تعرض بعضهم للمسألة، و مع ظهور تبويب الكافي في الإطلاق،

ص: 29

وقته (1)، فإذا أصبح ناويا للإفطار، و بدا له قبل الزوال أن يصوم واجبا،

______________________________

و مع ما في الاستبصار من الجمع بين النصوص بحمل حديث عمار علي الفضل، أو حمل مرسل البزنطي علي جواز تجديد النية في أول وقت العصر، و ما في التهذيب من الاقتصار في باب نية الصيام علي النصوص الموسعة- بما في ذلك صحيح عبد الرحمن المتقدم- من دون ذكر حديث عمار، حيث يصعب مع كل ذلك إحراز الإعراض المسقط للنصوص المذكورة عن الحجية.

بقي في المقام شي ء، و هو أن حديث عمار مختص بقضاء شهر رمضان، و التعدي منه لجميع أفراد الواجب غير المعين يبتني علي فهم العموم منه، و إلغاء خصوصية مورده عرفا، و هو لا يخلو عن إشكال، لأن أهمية صوم شهر رمضان تناسب أهمية قضائه تبعا له، و ذلك كاف في احتمال خصوصيته في الخروج عن إطلاق ما دل علي مشروعية نية الصوم في أثناء النهار، كصحيح محمد بن قيس و معتبر الجعفريات المتقدمين. و لا سيما مع امتيازه عن بقية أنواع الصوم الواجب الموسع بحرمة الإفطار فيه بعد الزوال، و وجوب الكفارة به، و مع إطلاق معتبر صالح بن عبد اللّه عن أبي إبراهيم عليه السّلام:

«قلت له: رجل جعل عليه الصيام شهرا، فيصبح و هو ينوي الصوم، ثم يبدو له فيفطر، و يصبح و هو لا ينوي الصوم، فيبدو له فيصوم. فقال: هذا كله جائز» (1).

(1) هذا لا يتناسب مع ما سبق منه قدّس سرّه من تعميم حكم الواجب المعين إلي ما إذا كان تعينه بالعارض. و يبدو من استدلاله قدّس سرّه أن عمله علي الأخير، حيث قال في التعقيب علي نصوص الاجتزاء بالنية قبل الزوال في الواجب غير المعين: «كما أن إطلاقها يقتضي عدم الفرق بين تضيق الوقت و عدمه، فالتعين بضيق الوقت بمنزلة عدمه».

و الذي ينبغي أن يقال: إن المنساق من النصوص هو ما لا يجب المبادرة له، إما لاستحبابه أو لكونه موسعا، لأن ذلك هو المناسب لما تضمنته من التعبير بأنه أراد أن يصوم أو يبدو له أن يصوم، أو له أن يصوم، أو نحو ذلك مما لا يناسب الوجوب المضيق و لو بالعرض.

ص: 30


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 2 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث: 4.

______________________________

نعم مقتضي إطلاق حديث عمار الذي سبق أنه هو الدليل علي التحديد بالزوال العموم لما إذا تضيق الوقت، لأن السؤال فيه عن وقت النية في قضاء شهر رمضان.

فإذا تم إلحاق بقية أنواع الواجب الموسع به تعين عمومه لما إذا تضيق بالعرض مثله.

و إلا احتاج الاجتزاء بتجديد النية فيه قبل الزوال للدليل، فضلا عن الاجتزاء فيه بتجديدها بعد الزوال.

أما بعض مشايخنا قدّس سرّه فقد ذهب إلي إلحاق المعين بغير المعين في الاجتزاء بتجديد النية في غير صورة تعمد عدم المبادرة بالنية من الفجر. لدعوي: أنه مقتضي الأولوية القطعية، لأنه إذا أجزأ تجديد النية في غير المعين مع إمكان امتثاله بفرد آخر كامل، فإجزاؤه في المعين الذي يتعذر امتثاله بفرد آخر أولي قطعا. و الي ذلك يرجع ما ذكره المحقق الهمداني قدّس سرّه من استفادة حكم المضيق بالفحوي، و تنقيح المناط.

نعم لا يجري ذلك في صوم شهر رمضان، لعدم انقسامه إلي معين و غير معين، ليستفاد حكم المعين من حكم غير المعين بالأولوية، بل هو معين لا غير، خارج عن موضوع النصوص السابقة.

و هو لو تم لا يختص بما إذا تعين الصوم الموسع بالعرض- كتضيق الوقت- بل يعم ما إذا كان متعينا بالأصل، كالصوم المنذور في وقت معين. غاية الأمر أنه لا بد من انقسام ماهية الصوم إلي قسمين معين و غير معين مشمول للنصوص السابقة، دون صوم شهر رمضان، الذي هو معين لا غير.

لكنه يشكل أولا: بأن لازمه العموم لما إذا تعمد عدم المبادرة بالنية من الفجر في المعين، لعموم النصوص في غير المعين لذلك و ما ذكره المحقق الهمداني قدّس سرّه من انصراف النصوص عنه و إن كان مسلما، بل هي قاصرة عنه، كما سبق، إلا أنه لا ينفع مع فرض الأولوية القطعية.

و ثانيا: بأن اللازم عدم اختصاص الاستثناء بصوم شهر رمضان، بل يجري في كل ما لا ينقسم إلي قسمين، بل يكون معينا لا غير، كصوم اليوم اللاحق لمن نام عن صلاة العشاء، لو قيل بوجوبه، و صوم ثالث الاعتكاف، فإن صوم الاعتكاف

ص: 31

______________________________

إما مستحب أو واجب معين، و ليس فيه واجب غير معين. و لا سيما و أن وجوبه ليس نفسيا، بل هو شرطي، لتوقف صحة الاعتكاف الواجب في اليوم الثالث عليه، و هو خارج عن موضوع النصوص قطعا، مع أنه قدّس سرّه صرح بالاجتزاء بتجديد النية في أثناء النهار فيه بمقتضي الأولوية المدعاة.

و ثالثا: بأن تعين وجوب الصوم إنما يقتضي الأولوية في الإجزاء بعد الفراغ عن عموم الملاك المقتضي للإجزاء لحال تعين الوجوب، بحيث يعلم بأن ما يترتب علي الصوم المنوي في أثناء النهار من الملاك مع عدم تعين وجوبه يترتب عليه مع تعين وجوبه، إذ حينئذ يكون تشريع الصوم الواجد للملاك المذكور مع تعذر الامتثال بالفرد الأكمل أولي من تشريعه و الاكتفاء به مع القدرة علي الامتثال بالفرد الأكمل.

و لكن الشأن في إحراز عموم الملاك مع قصور النصوص المتقدمة عن الواجب المعين.

و لعل الأولي أن يقال: إذا دلت الأدلة علي الاجتزاء بتجديد النية في نوع من أنواع الصوم، كصوم القضاء، و صوم النذر، و صوم الكفارة، و غيرها، فخصوصية التعيين أو عدمه ملغية عرفا في ذلك، لأن الاجتزاء بتجديد النية من من شئون ذات الصوم و حقيقته ارتكازا، و التعيين و عدمه أمران خارجان عن حقيقته. فالنصوص في المقام و إن اختصت بالمستحب و الواجب غير المعين، كما سبق، إلا أنه يفهم منها عرفا العموم للواجب المعين إذا اتحد نوعا مع غير المعين، أما إذا كان نوعا برأسه- كصوم شهر رمضان و غيره مما سبق ذكره- فلا طريق لإلحاقه بغير المعين من نوع آخر.

و لا سيما مع إطلاق موثق عمار الوارد في القضاء بنحو يشمل ما إذا تضيق، كما سبق.

هذا و لو تم إلحاق المعين بغير المعين فلا يفرق في المعين بين كون عدم المبادرة لنيته عن عمد و كونه عن عذر من جهل أو نسيان أو نحوهما.

و دعوي: أن تعمد عدم المبادرة قد يكون مانعا من صحة نية الصوم في المعين، لما فيه من التمرد، فيصعب إلغاء خصوصيته عرفا بعد فرض قصور النصوص عنه بدوا.

مدفوعة: بأنه بعد فهم عموم النصوص للمعين وسعة وقت النية فيه، فعدم المبادرة للنية لا يكون تمردا، لتوقف التمرد و العصيان علي فوت محل النية، كما لعله ظاهر.

ص: 32

فنوي الصوم، أجزأه. و إن كان ذلك بعد الزوال لم يجز. و في المندوب يمتد وقتها إلي أن يبقي من النهار ما يمكن فيه تجديد النية (1).

______________________________

(1) كما صرح به جماعة من القدماء، بل في الانتصار و الغنية و السرائر دعوي الإجماع عليه. و يقتضيه- مضافا إلي إطلاق صحيحي هشام بن سالم و محمد بن قيس و معتبر الجعفريات المتقدمة، و إلي استفادته بالأولوية من نصوص التوسع في الواجب لو بني علي العمل بها- موثق أبي بصير: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الصائم المتطوع تعرض له الحاجة. قال: هو بالخيار ما بينه و بين العصر، و إن مكث حتي العصر ثم بدا له أن يصوم و إن [فإن] لم يكن نوي ذلك فله أن يصوم ذلك اليوم إن شاء اللّه» (1).

و صحيح هشام بن سالم عنه عليه السّلام: «قال: كان أمير المؤمنين عليه السّلام يدخل إلي أهله، فيقول: عندكم شي ء؟ و إلا صمت، فإن كان عندهم شي ء أتوه به، و إلا صام» (2)، بناء علي حمله علي المستحب، لبعد أن يكون عليه عليه السّلام صوم واجب لا يبادر له، و علي أن المراد الدخول بعد صلاة الظهر، لأنه الوقت المعهود لدخول الرجل لداره لتناول الطعام بعد خروجه منها، و إلا كان بحكم المطلق.

و عن جماعة تحديده بالزوال كالواجب. و في الشرائع أنه الأشهر، و في المسالك أنه المشهور، و نسبه في المدارك للأكثر، و يشهد له موثق ابن بكير: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل يجنب، ثم ينام حتي يصبح، أ يصوم ذلك اليوم تطوعا؟

فقال: أ ليس هو بالخيار ما بينه و نصف النهار»(3). و مرسل دعائم الإسلام عن الإمام الصادق عليه السّلام أنه قال: «من أصبح لا ينوي الصوم، ثم بدا له أن يتطوع، فله ذلك ما لم تزل الشمس. و كذلك إن أصبح صائما متطوعا فله أن يفطر ما لم تزل الشمس» (4).

مضافا إلي إطلاق خبر ابن بكير عنه عليه السّلام: «سئل عن رجل طلعت عليه الشمس و هو جنب، ثم أراد الصيام بعد ما اغتسل، و مضي ما مضي من النهار. قال: يصوم إن شاء.

ص: 33


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 3 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث: 1.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 2 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث: 7.
3- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 20 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 2.
4- مستدرك الوسائل ج: 7 باب: 3 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث: 2.

[(مسألة 8): يجتزأ في شهر رمضان كله بنية واحدة قبل الشهر]

(مسألة 8): يجتزأ في شهر رمضان كله بنية واحدة قبل الشهر (1) و في

______________________________

و هو بالخيار إلي نصف النهار» (1).

و يتعين الجمع بين الطائفتين بالحمل علي اختلاف مراتب الفضل. و لا سيما مع عدم ظهور الموثق في تشريع التحديد بالزوال، بل في الإشارة للتحديد به المعهود، حيث لا يبعد كون التحديد المعهود هو التحديد بلحاظ الصوم التام، كما يناسبه ما تقدم في صحيح هشام بن سالم، و مع اشتمال المرسل علي النهي عن الإفطار بعد الزوال المحمول علي الفضل أيضا.

(1) كما صرح بذلك جماعة، و نسبه في التذكرة لأصحابنا. و عن المنتهي نسبته إلي الأصحاب من غير نقل خلاف، و في الانتصار و الخلاف و الغنية و محكي المسائل الرسية دعوي الإجماع عليه صريحا.

و قد يستدل عليه تارة: بأن صوم الشهر كله عبادة واحدة.

و أخري: بقيام السيرة علي الاجتزاء في صوم شهر رمضان بالبناء علي صومه من أول الشهر، و الجري علي ذلك في جميع الأيام، من دون تعمد نية كل منها علي استقلاله. بل لا إشكال ظاهرا في اجتزائهم بالصوم لمن نام قبل المغرب و استمر نومه لما بعد الفجر من اليوم الثاني.

لكن يندفع الأول: أولا: بأن وحدة الخطاب بصوم الشهر في الآية الشريفة و غيرها لا ينافي انحلال الواجب و تعدده بعدد الأيام، بل هو من ضروريات الفقه، و لذا يمكن التفكيك بين الأيام في الإفطار و الصيام. بل الأولي دعوي ذلك في صوم الكفارة حيث يجب صوم مجموع أيامه بنحو الارتباطية، فلا يصح صوم البعض وحده كفارة، و إن صح ندبا.

و ثانيا: بأن ذلك- لو تم- إنما يقتضي لزوم النية في أول الشهر- بحيث لا يجتزأ بصوم بعض الشهر بدونها- لا الاجتزاء بها عن النية لكل يوم، لوضوح أن النية كما

ص: 34


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 20 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 3.

______________________________

تعتبر في أول العبادة تعتبر في أجزائها، و هي الأيام في المقام.

و لهذا و نحوه تردد في الشرائع و النافع و القواعد. و مال في المعتبر و المدارك لوجوب تحديد النية، و به صرح في التذكرة و المختلف و جامع المقاصد و عن غيرها، بل في الحدائق أنه المشهور بين المتأخرين.

و أما الثاني فهو لا يختص بصوم رمضان، بل يجري في كل صوم مستمر، واجبا كان كصوم الكفارة المبني علي التتابع في الأداء، أو مستحبا كصوم شعبان.

فإن سيرتهم الارتكازية في الجميع علي نهج واحد. و من ثم لا يتضح امتياز صوم شهر رمضان عن صوم غيره في ذلك.

علي أن المراد بذلك إن كان هو عدم لزوم استحضار النية في كل ليلة. فهو مبني علي اعتبار الاستحضار في نية الصوم و غيره من العبادات، كي يتجه استثناء صوم رمضان، و التحقيق عدمه، و الاكتفاء بتحقق الداعي و الجري عليه ارتكازا من دون فرق بين الصوم و غيره، فضلا عن أفراد الصوم و أنواعه.

و إن كان هو عدم الإخلال بمثل النوم و نحوه لو طلع الفجر حينه، فلا يظن من أحد المنع منه في بقية أنواع الصوم لو سبقت النية. و إلا فالفرق في وجوب النية بين حدوث الصوم و بقائه بلا فارق، مع ضرورة عدم إخلال مثل النوم نهارا في جميع أنواع الصوم.

و دعوي: أن مقتضي الأصل قدح مثل النوم مطلقا، لمنافاته للنية المعتبرة في العبادة، و يلزم الاقتصار في الخروج عنه علي المتيقن من الإجماع أو الضرورة، و هو النوم في أثناء النهار في جميع أنواع الصوم، و النوم في أثناء الليل بعد النية كذلك، و النوم في تمام الليل مع النية السابقة في أول الشهر في خصوص صوم رمضان دون غيره، للفرق بينهما بالإجماع.

مدفوعة: أولا: بعدم ظهور إجماع تعبدي يمكن الخروج به عن مقتضي القاعدة أو الأصل و لا سيما بعد ظهور الخلاف ممن سبق، و بعد تصريح المحقق في المعتبر بعدم العلم بالإجماع المدعي.

ص: 35

غيره لا بد في كل يوم من نية، في ليلته إلي طلوع الفجر، أو إلي الزوال (1).

[(مسألة 9): الناسي و الجاهل في شهر رمضان إذا لم يستعملا المفطر و لم يفسدا صومهما برياء و نحوه]

(مسألة 9): الناسي و الجاهل في شهر رمضان إذا لم يستعملا المفطر و لم يفسدا صومهما برياء و نحوه (2)

______________________________

و ثانيا: بأن مقتضي الإطلاق و الأصل عدم اعتبار النية رأسا، و لزومها هو الذي يحتاج إلي دليل، و قد دل الدليل علي ذلك في صوم شهر رمضان بنحو يقتضي مقارنة النية لأول النهار، و هو الظاهر في غيره من أنواع الصوم- و لو لقاعدة الإلحاق، التي يأتي الكلام فيها في المفطر السابع- كما تقدم في المسألة السابقة. و حينئذ لا بد من حمل النية المذكورة- بضميمة ارتكازيات المتشرعة و سيرتهم- علي الاجتزاء بالعزم السابق علي الصوم لليوم الواحد أو الأيام المتعددة، و عدم قدح النوم و نحوه إذا كان مبنيا عليها، لا علي الإعراض عن الصوم. فاللازم البناء علي ذلك في جميع أفراد الصوم و أنواعه بعد عدم وضوح المخرج عنه من إجماع تعبدي أو غيره.

و أما ما تضمن اشتراط الصوم بتبييت النية (1). فهو- مع ضعفه كما تقدم في أوائل الكلام في المسألة السابقة- لا ينهض بتعيين كيفية النية، و لا ينافي الاجتزاء بالنية الارتكازية التي لا ينافيها النوم. بل لا يمكن البناء علي حمله علي خصوص النية التفصيلية التي ينافيها النوم. و لا سيما و أن المتيقن منه صوم شهر رمضان، لأنه أظهر أفراد الصوم، فالاجتزاء فيه بالنية الارتكازية المذكورة ملزم بحمل النبوي عليها.

(1) بلا خلاف أجده فيه، بل في الدروس الإجماع عليه. كذا في الجواهر.

و يظهر الحال فيه مما تقدم من عدم وضوح إجماع تعبدي ينهض بالفرق، و أن اللازم اعتبار استمرار النية في الكل، و الاكتفاء فيها بالنية الارتكازية الإجمالية، من دون أن ينافيها النوم و نحوه.

(2) المفروض في محل الكلام عدم الصوم، و هو لا يناسب فرض إبطاله بالرياء و نحوه. إلا أن يريد من إبطال الصوم بالرياء إبطال الإمساك به من دون نية

ص: 36


1- مستدرك الوسائل ج: 7 باب: 2 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث: 1.

يجزيهما تجديد النية قبل الزوال (1). من غير فرق بين نسيان الحكم و نسيان الموضوع و كذلك في الجهل.

______________________________

الصوم. و حينئذ قد يوجه الإشكال المذكور بانصراف أدلة الاجتزاء بالنية قبل الزوال أو قصورها عما إذا وقع الإمساك بوجه محرم، لأنه إذا وقع بوجه مبعد امتنع التقرب به بعد ذلك. لكن التقرب عند تجديد النية لا يكون به، لأنه أسبق منها، بل بالقصد للصوم المقارن للتقرب.

(1) فقد صرح جماعة ممن ذهب إلي وجوب مقارنة النية للفجر بجواز تجديدها للجاهل و الناسي، و لم يعرف الخلاف فيه، إلا ما حكاه في المختلف عن ابن أبي عقيل في الناسي، مع موافقته لهم في الجاهل.

و كيف كان فبعد أن سبق أن مقتضي القاعدة مقارنة النية للفجر، و أن ما دل علي الاجتزاء بتجديدها في أثناء النهار لا يشمل الواجب المعين إذا كان نوعا برأسه بحيث ليس فيه غير معين، كصوم شهر رمضان و غيره مما تقدم، فيقع الكلام في وجه الاجتزاء فيه بتجديد النية مع النسيان أو مطلق العذر. و قد يستدل علي ذلك بوجوه..

الأول: حديث الرفع المشهور المتضمن رفع جملة من الأمور، منها الجهل و النسيان (1).

و فيه: أنه إنما يقتضي رفع المؤاخذة و الآثار الشرعية المبتنية علي تحميل مسئولية الإنسان لعمله، كالحد، و نفوذ العقد، و الإقرار، دون مثل بطلان العمل الذي هو أمر واقعي منتزع من عدم مطابقته لموضوع الأثر، و ما يترتب عليه من وجوب الإعادة تحقيقا للامتثال، أو القضاء تداركا للفائت، من دون أن يكون من سنخ المؤاخذة أو تحميل الإنسان مسئولية عمله. و لذا يجبان مع الاضطرار و الإكراه و إن كانا مرفوعين أيضا، كالجهل و النسيان في الحديث المذكور. و قد ذكرنا نظير ذلك بتفصيل عند الكلام في بيع الصبي و المكره من فصل شروط المتعاقدين من كتاب البيع.

ص: 37


1- راجع وسائل الشيعة ج: 11 باب: 56 من أبواب جهاد النفس.

______________________________

الثاني: النصوص الدالة علي تجديد نية الصوم إذا دخل المسافر بلده قبل الزوال (1). بل جعله في المدارك مستفادا من ذلك بالفحوي و الأولوية. و كأنه بلحاظ أن السفر في بعض اليوم نقص في الصوم زائد علي النقص الحاصل من ترك النية.

و فيه أولا: أن ذلك يبتني علي تجديد نية الصوم تبعا لتجدد التكليف به من دون أن يكون بعض الصوم الواجب فاقدا للنية، و ما نحن فيه يبتني علي تجديدها تبعا لتجدد تنجزه مع سبق التكليف به من الفجر، بحيث يكون بعض الصوم الواجب فاقدا للنية. و حمله علي الأول قياس مع الفارق.

و ثانيا: أن تلك النصوص إنما دلت علي وجوب الصوم و مشروعيته بدخول البلد قبل الزوال، من دون تحديد لوقت النية، و أنه هل يشترط إيقاعها عند الدخول في أول زمان وجوب الصوم، أو يجوز تأخيرها- مطلقا، أو مع العذر- إلي الزوال أو إلي آخر النهار، بل ذلك موكول إلي هذه المسألة، من دون دخل له بتلك المسألة.

الثالث: المرسل في بعض كتب أصحابنا، أقدمها فيما عثرنا عليه المعتبر: «روي أن ليلة الشك أصبح الناس، فجاء إعرابي شهد برؤية الهلال، فأمر النبي صلي اللّه عليه و آله و سلم مناديا ينادي: من لم يأكل فليصم، و من أكل فليمسك» (2). و عن المنتهي: «و إذا جاز مع العذر و هو الجهل بالهلال جاز مع النسيان».

و فيه أولا: أنه ضعيف بالإرسال. و لا سيما بعد عدم العثور عليه في كتب الحديث للخاصة و العامة، و إنما ذكره بعض الفقهاء منا، كما ذكره السرخسي من العامة. قال: «و لنا حديث عكرمة عن ابن عباس (رضهما): أن الناس أصبحوا يوم الشك علي عهد رسول اللّه (ص)، فقدم إعرابي، و شهد برؤية الهلال، فقال رسول اللّه (ص): أتشهد أن لا إله إلا اللّه، و إني رسول اللّه؟ فقال: نعم. فقال (ص): اللّه أكبر يكفي المسلمين أحدهم. فصام و أمر الناس بالصيام، و أمر مناديا، فنادي: ألا من كان أكل فلا يأكلن بقية يومه، و من لم يأكل فليصم» (3).

ص: 38


1- راجع وسائل الشيعة ج: 7 باب: 6 من أبواب من يصح منه الصوم.
2- المعتبر ص: 299.
3- المبسوط للسرخسي ج: 3 ص: 62.

______________________________

و ذكر نحوه في المباركفوري (1).

لكن الحديث لم يرو بهذه التتمة في كتب الحديث للعامة، و إنما اقتصر في بعضها علي الأمر بالصيام، و صرح في بعضها بالأمر بالصيام غدا، و في آخر أن الأعرابي شهد ليلا. قال الزيلعي بعد ذكر الحديث بالتتمة المتقدمة: «قلت حديث غريب، و ذكره ابن الجوزي في التحقيق. و قال: إن هذا حديث لا يعرف، و إنما المعروف أنه شهد عنده برؤية الهلال، فأمر أن ينادي في الناس أن تصوموا غدا. و قد رواه الدارقطني بلفظ صريح: أن إعرابيا ليلة شهر رمضان، فذكر الحديث … » (2).

نعم ورد المضمون المذكور من طرق العامة في صوم يوم عاشوراء. ففي حديث سلمة بن الأكوع قال: «أمر النبي (ص) رجلا من أسلم أن أذن في الناس أن من كان أكل فليصم بقية يومه، و من لم يكن أكل فليصم، فإن اليوم يوم عاشوراء»(3).

و نحوه غيره. و هو الذي ذكره الشيخ في الخلاف و ابن زهرة في الغنية، مستدلين به علي العامة، بضميمة أن يوم عاشوراء كان واجبا.

لكنه- لو تم- لا مجال للتعدي عن مورده، لأن تأخير النداء به إلي أثناء النهار لا بد أن يكون لعدم تشريعه إلا في ذلك الوقت. و التوسع في النية مع تأخر التشريع لا يستلزم التوسع فيها مع سبق التشريع و عدم المبادرة للنية للجهل بالحكم أو الموضوع أو نسيانهما.

هذا مع أنه لا مجال لاستدلالنا به لإثبات الحكم عندنا مع عدم ثبوته من طرقنا.

و دعوي: انجبار ضعف الحديث الأول الوارد في يوم الشك بعمل الأصحاب.

ممنوعة جدا. فإن ذلك إنما يتجه في الحديث الذي يرويه قدماء الأصحاب بطرقهم، و يثبتونه في كتب الحديث التي كانت تعرف فتاواهم منها. دون مثل هذا الحديث مما لم يذكر إلا في بعض كتب الاستدلال خصوصا مع ما عرفت من حاله.

و أما الإشكال فيه باشتماله علي الاكتفاء بخبر الواحد المجهول في الهلال، و هو

ص: 39


1- تحفة الأحوذي ج: 3 ص: 354.
2- نصب الراية ج: 2 ص: 435.
3- صحيح البخاري ج: 2 ص: 705.

______________________________

مخالف للنص و الفتوي. فقد يندفع باحتمال النسخ في المقام.

و ثانيا: أنه لا يتضمن التحديد بالزوال. كما أنه مختص بصوم شهر رمضان، دون بقية الصوم المعين، و بالجهل دون النسيان.

اللهم إلا أن يعمم لبقية الصوم المعين بالأولوية، و للنسيان بإلغاء الخصوصية، و فهم العموم لكل عذر عرفا، كما ربما يرجع إليه ما تقدم عن المنتهي. و يكون الاستدلال به بلحاظ دلالته علي العفو عن الإخلال بالنية في الجملة، لأنه قد تضمن قضية في واقعة لا إطلاق لها، و المتيقن منها قبل الزوال، و يكون المرجع فيما بعده القاعدة، المقتضية للبطلان كما تقدم. فتأمل. فالعمدة الوجه الأول من الإشكال.

و من ثم قال سيدنا المصنف قدّس سرّه: «فالعمدة إذا الإجماع. و لا يقدح فيه خلاف العماني، حيث ألحق الناسي بالعامد في البطلان. لكثرة تفرده في مخالفة الأصحاب. مع عدم ثبوت خلافه في المقام، كما قيل».

و الذي ينبغي أن يقال: شيوع الابتلاء بالمسألة في الجهل بسبب عدم وضوح الهلال من الليل يناسب وضوح الحكم فيها بنحو يبعد معه خطأ الأصحاب في الحكم بالإجزاء. غاية الأمر أنهم قد اضطربوا في توجيه حكم المسألة، كما اضطربوا في كثير من مباحث النية، و ذلك لا يمنع من الاطمئنان، بل القطع، بعدم خطئهم فيه.

غاية الأمر أن التحديد بالزوال يفقد الدليل المعتد به. إلا أنه مقتضي الأصل المتقدم، بعد كون المتيقن من الإجزاء ما قبله.

و أما النسيان فعدم شيوع الابتلاء به مانع من معرفة حكمه من السيرة.

و الظاهر أن بناء المشهور علي الإجزاء معه يبتني علي إلحاقه بالجهل. و هو قد يتجه لو كان الدليل في الجهل لفظيا، لدعوي إلغاء خصوصية الجهل فيه عرفا، و فهم العموم منه لمطلق العذر. أما حيث كان لبيا فإلحاقه بالجهل يتوقف علي القطع بالعموم. و هو لا يخلو عن إشكال.

ص: 40

[(مسألة 10): إذا صام يوم الشك بنية شعبان ندبا أو قضاء أو نذرا أجزأ عن شهر رمضان إن كان]

(مسألة 10): إذا صام يوم الشك بنية شعبان ندبا أو قضاء أو نذرا أجزأ عن شهر رمضان إن كان (1) و إذا تبين أنه من رمضان قبل الزوال أو بعده جدد النية (2)،

______________________________

(1) كما هو المعروف بينهم، و في الجواهر: «بلا خلاف أجده فيه، بل ربما ظهر من المصنف و الفاضل نفيه بين المسلمين. بل الإجماع بقسميه عليه، بل المحكي منهما مستفيض حد الاستفاضة إن لم يكن متواترا، كالنصوص».

لكن النصوص الواردة في صوم يوم الشك و إجزائه عن صوم شهر رمضان و إن كانت كثيرة.

إلا أن ما تضمن إجزاءه مع صومه بنية شعبان ليست بتلك الكثرة. و عمدتها موثق سماعة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام المتقدم في المسألة الخامسة، و فيه: «إنما يصام يوم الشك من شعبان، و لا يصومه من شهر رمضان … و إنما ينوي من الليلة أنه يصوم من شعبان، فإن كان من شهر رمضان أجزأ عنه بتفضل اللّه، و بما قد وسع علي عباده، و لو لا ذلك لهلك الناس» (1). و خبر الزهري المتقدم هناك أيضا (2).

و ما أرسله الصدوق عن عبد اللّه بن سنان: «أنه سأل أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل صام شعبان، فلما كان شهر رمضان أضمر يوما من شهر رمضان، فبان أنه من شعبان، لأنه وقع فيه الشك. فقال: يعيد ذلك اليوم. و إن أضمر من شعبان فبان أنه من رمضان فلا شي ء عليه» (3).

هذا و قد تقدم في المسألة الخامسة الكلام في إطلاق هذه النصوص أو اختصاصها بما إذا صامه تطوعا. فراجع.

(2) كما هو مقتضي إطلاق الأمر بالتجديد في المعتبر، و التصريح بعمومه لما بعد الزوال في الدروس. إذ لا مجال للبقاء علي النية الأولي بعد ظهور خطئها، فلا بد من العدول بها إلي ما علم. و ما دل علي صوم يوم الشك من شعبان مختص بما إذا بقي

ص: 41


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 5 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث: 4، 8، 10.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 5 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث: 4، 8، 10.
3- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 5 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث: 4، 8، 10.

و إن صامه بنية رمضان بطل (2) و إن صامه بنية الأمر الواقعي المتوجه إليه

______________________________

اليوم يوم الشك إلي الليل، دون ما إذا ظهر حاله.

كما أن قوله عليه السّلام في موثق سماعة المتقدم: «و إنما ينوي من الليلة أنه يصوم من شعبان، فإن كان من شهر رمضان أجزأ عنه … » ظاهر في العفو عن النية الأولي و إجزائه عن شهر رمضان حين وقوعه، و مقتضي إطلاقه عدم الفرق بين ظهور الحال قبل انقضاء اليوم و بعده. و هو مقتضي إطلاق خبر الزهري و مرسل الصدوق.

بل إجزاؤه عن شهر رمضان مع نيته بتمامه من شعبان يقتضي إجزاءه عنه مع نية بعضه منه بالأولوية العرفية. و أما ما سبق من الإشكال أو المنع من تجديد النية قبل الزوال أو بعده فإنما هو مع عدم نية الصوم، لا مع نيته خطأ بنحو يعفي عنه، و يجزي عن النية المطلوبة.

و منه يظهر ضعف ما ذكره سيدنا المصنف قدّس سرّه من قصور النصوص عن صورة الانكشاف في الأثناء، و أن إلحاقها إنما كان بالإجماع أو بالأولوية، و المتيقن منهما صورة التجديد.

و أضعف منه ما في الجواهر من عدم وجوب تجديد النية للإطلاق. لما أشرنا إليه من أن موضوع الإطلاق يوم الشك، و قد خرج اليوم بانكشاف الحال عن ذلك.

مع أنه لا معني للبقاء علي النية الأولي بعد ظهور خطئها.

(2) كما صرح به غير واحد، و نسبه في المدارك للمعظم، و في الجواهر أنه المشهور بين الأصحاب. و قد يستدل له بأنه تشريع محرم، فيكون منهيا عنه، فيمتنع التقرب به، و يبطل مع الالتفات لذلك. لكنه مختص بما إذا رجع إلي تشريع ثبوت رمضان شرعا ببعض الطرق غير الشرعية، كشهادة النساء، أما إذا رجع إلي البناء علي تحقق رمضان خارجا من دون أن ينسب للشارع، فلا يكون تشريعا، ليحرم.

فالعمدة النصوص المتقدمة و غيرها مما تضمن النهي عن صومه بنية شهر رمضان، فإنها ظاهرة في عدم مشروعية الصوم بالوجه المذكور، المستلزم لبطلانه.

و مثلها ما تضمن النهي عن صوم يوم الشك، كمعتبرة قتيبة الأعشي: «قال أبو

ص: 42

______________________________

عبد اللّه عليه السّلام: نهي رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله و سلم عن صوم ستة أيام: العيدين، و أيام التشريق، و اليوم الذي يشك فيه من شهر رمضان» (1). حيث لا بد من حملها علي صومه بنية شهر رمضان، جمعا مع النصوص الآمرة بصومه (2)، بقرينة النصوص المفصلة.

مضافا إلي خصوص ما تضمن أن من صامه قضاه، كصحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام: «في الرجل يصوم اليوم الذي يشك فيه من رمضان، قال: عليه قضاؤه و إن كان كذلك»(3)، و صحيح هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «قال في يوم الشك: من صامه قضاه و إن كان كذلك … » (4) فإنهما إن كانا مطلقين تعين حملهما علي خصوص ما إذا صامه بنية رمضان بقرينة النصوص المفصلة. و إن كانا مختصين بصومه علي أنه من شهر رمضان كانا نصا في المطلوب. كما يناسبه قوله عليه السّلام فيهما:

«و إن كان كذلك»، لظهور اسم الإشارة في سبق فرض شهر رمضان.

بل هو صريح قوله في ذيل الثاني: «يعني: من صامه علي أنه من شهر رمضان بغير رؤية قضاه، و إن كان يوما من شهر رمضان، لأن السنة جاءت في صيامه علي أنه من شعبان، و من خالفها كان عليه القضاء». نعم لا يبعد عدم كون ذلك من تتمة كلام الإمام عليه السّلام، بل من بعض الرواة، أو من الشيخ.

هذا و قد يستدل للإجزاء بموثق سماعة: «سألته عن اليوم الذي يشك فيه من شهر رمضان لا يدري أ هو من شعبان أو من شهر رمضان، فصامه من شهر رمضان.

قال: هو يوم وفق له. لا قضاء عليه» (5)، و صحيح معاوية بن وهب: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: الرجل يصوم اليوم الذي يشك فيه من شهر رمضان، فيكون كذلك.

ص: 43


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 6 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث: 2.
2- راجع وسائل الشيعة ج: 7 باب: 5 من أبواب وجوب الصوم و نيته.
3- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 5 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث: 1، 5.
4- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 5 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث: 1، 5.
5- التهذيب ج: 4 ص: 181 باب: فضل صيام يوم الشك و الاحتياط لصيام شهر رمضان حديث: 4، الاستبصار ج: 2 ص: 78 باب: صيام يوم الشك حديث: 2. و قد أشار إليه محقق كتاب وسائل الشيعة ج: 7 في التعليق علي الحديث السادس من باب: 5 من أبواب وجوب الصوم و نيته.

______________________________

فقال: هو شي ء وفق له» (1)، بناء علي أن قوله: «من شهر رمضان» متعلق بقوله:

«يصوم».

و يندفع بأن الموثق و إن روي كذلك في التهذيبين المطبوعين حديثا، إلا أنه روي في الكافي هكذا: «فصامه، فكان من شهر رمضان» (2)، و هو أنسب بالجواب و بكلام الشيخ قدّس سرّه في التهذيبين، حيث ساق الموثق شاهدا للتفصيل المشهور. و بكلام صاحب الوسائل حيث حكي رواية الكافي عن الكليني و الشيخ (قدّس سرهما) معا.

مضافا إلي ما أشتهر من أن الكافي أضبط. و لا أقل من التعارض، الموجب للتساقط، المانع من الاستدلال.

و أما الصحيح فكما يمكن أن يكون قوله فيه: «من شهر رمضان» متعلقا بقوله:

«يصوم» يمكن أن يكون متعلقا بقوله: «يشك». بل لعل الثاني أظهر، لأنه أقرب. و لا أقل من لزوم حمله عليه، جمعا مع بقية النصوص. علي أنه لو فرض ظهورهما في ذلك فلا مجال للخروج بهما عما سبق من النصوص الكثيرة المعول عليها عند الأصحاب.

و منه يظهر ضعف ما في الخلاف و عن العماني و الإسكافي من إجزائه عن شهر رمضان لو صادفه، قال في الخلاف: «دليلنا: ما قدمناه من إجماع الفرقة و أخبارهم علي أن من صام يوم الشك أجزأه عن شهر رمضان. و لم يفرقوا. و من قال من أصحابنا:

لا يجزيه، تعلق بقوله: أمرنا بأن نصوم يوم الشك بنية أنه من شعبان، و نهينا أن نصومه من رمضان، و هذا صامه بنية رمضان، فوجب أن لا يجزيه، لأنه مرتكب للنهي، و ذلك يدل علي فساد المنهي عنه». و التدافع في كلامه ظاهر.

هذا و قد قال في المبسوط: «و صوم يوم الشك إن صامه بنية شعبان، ثم بان أنه من رمضان فقد أجزأه عنه. و إن صامه بنية رمضان بخبر واحد أو بأمارة أجزأه أيضا، لأنه يوم من رمضان، فأما مع عدم ذلك فإنه لا يجزيه، لأنه منهي عن صومه علي هذا

ص: 44


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 5 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث: 6.
2- الكافي ج: 4 ص: 82، 81 باب: اليوم الذي يشك فيه من شهر رمضان هو أو من شعبان حديث: 2. وسائل الشيعة ج: 7 باب: 5 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث: 6.

- إما الوجوبي أو الندبي- فالظاهر الصحة (1).

______________________________

الوجه … »، و ما ذكره في الصورة الثانية إنما يتجه إذا أوجب خبر الواحد أو الأمارة العلم بدخول رمضان. أما إذا بقي الشك فهو داخل في النهي عن صوم يوم الشك بنية رمضان كالصورة الثالثة، إذ لا يثبت الهلال شرعا إلا بالبينة.

(1) كما قد يستفاد ممن صرح بالإجزاء في الصورة الآتية. و هو مقتضي القاعدة، لما هو التحقيق من عدم اعتبار نية الوجه. مضافا إلي استفادته من إطلاق جملة من النصوص المتضمنة إجزاء صوم يوم الشك عن رمضان إن صادفه من دون تنبيه فيها علي لزوم نية صومه من شعبان.

بل حملها علي خصوص صورة صومه بالنية المذكورة لا يخلو عن تكلف بعد كون المتعارف صومه برجاء كونه من شهر رمضان. و لا سيما صحيح الكاهلي:

«سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن اليوم الذي يشك فيه من شعبان. قال: لأن أصوم يوما من شعبان أحب إليّ من أن أفطر يوما من شهر رمضان» (1).

و معتبر سماعة: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل صام أول يوم من شهر رمضان و هو شاك لا يدري أ من شعبان أو من رمضان. فقال: هو يوم وفق له لا قضاء عليه» (2).

و حديث بشير النبال عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «سألته عن صوم يوم الشك. فقال:

صمه فإن يك من شعبان كان تطوعا و إن يك من شهر رمضان فيوم وفقت له» (3) و غيرها.

و أما ما تضمن الأمر بصومه علي أنه من شعبان، و النهي عن صومه علي أنه من شهر رمضان (4)، و الحكم بالبطلان في الثاني، و بالصحة في الأول (5). فهو إما محمول علي الحصر الإضافي في مقابل صومه علي أنه من شهر رمضان، أو قاصر عن محل الكلام، لخروجه عن كلا الفرضين المذكورين فيه، فيرجع فيه للقاعدة التي عرفتها، و النصوص الأخر المشار إليها. فلاحظ.

ص: 45


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 5 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث: 1، 11، 3، 4، 8، 10.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 5 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث: 1، 11، 3، 4، 8، 10.
3- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 5 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث: 1، 11، 3، 4، 8، 10.
4- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 5 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث: 1، 11، 3، 4، 8، 10.
5- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 5 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث: 1، 11، 3، 4، 8، 10.

و إن صامه علي أنه إن كان من شعبان كان ندبا، و إن كان من رمضان كان وجوبا فللصحة وجه (1). و الأحوط القضاء فيهما.

______________________________

هذا و الظاهر عدم التنافي بين محل الكلام و صومه علي أنه من شعبان، إذ المراد بمحل الكلام هو النظر للواقع، و المراد بصومه علي أنه من شعبان هو النظر للظاهر، لا أنه من شعبان واقعا، و من الظاهر عدم التنافي بينهما، بل رجوع أحدهما للآخر ثبوتا، و إمكان القصد لهما معا.

نعم يمكن انفكاك محل الكلام عن صومه علي أنه من شعبان ظاهرا، بإغفال مقتضي الظاهر، فالكلام إنما يكون في خصوص هذا الفرض.

(1) كما في المبسوط و الخلاف و المختلف و الدروس و عن ابن أبي عقيل و غيرهم. و يظهر الوجه فيه مما تقدم في الفرض السابق، فإنهما من باب واحد.

و في النهاية و السرائر و الشرائع و التذكرة و المدارك، و عن سائر كتب الشيخ و أكثر المتأخرين، أنه لا يجزي. و عباراتهم بين ما هو نص فيه و ما يشمله بإطلاقه.

و قد يستدل عليه تارة: بمبطلية الترديد في النية، و أخري: بظهور الأمر بصومه من شعبان في تعين ذلك و عدم إجزاء غيره. و يظهر الجواب عنهما مما سبق.

نعم استدل عليه بعض مشايخنا قدّس سرّه بأن مقتضي إطلاق ما تضمن النهي عن صومه من رمضان العموم لما إذا قصد رمضان رجاء و احتمالا، بل من البعيد حمله علي خصوص صورة نية أنه من رمضان بنحو الجزم، لندرة حصول ذلك في يوم الشك.

لكنه كما تري بعيد عن لسان النصوص المذكورة. كما لا يناسب النصوص الأخر التي تقدم الاستدلال بها للصحة. و أما ما ذكره من ندرة نية أنه من رمضان جزما في يوم الشك. فيندفع بأن من الممكن توهم توقف الإجزاء علي الجزم بأنه من رمضان، للبناء علي عدم إجزاء الفريضة إلا بنية امتثالها جزما، فلا يكون الاحتياط إلا بذلك، بل قال في التذكرة: «و قال أحمد: إن كانت السماء مصحية كره صومه. و إن كانت مغيمة وجب صومه، و يحكم بأنه من رمضان. و هو مروي عن ابن عمر … ».

ص: 46

______________________________

و حينئذ يمكن ورود هذه النصوص للردع عن ذلك.

بقي شي ء، و هو أن المعروف من مذهب الأصحاب استحباب صوم يوم الشك، و هو المدعي عليه الإجماع صريحا في الانتصار و الخلاف و الغنية، و ظاهرا في محكي غيرها.

و النصوص به مستفيضة، تقدم بعضها. و هي مؤكدة لمقتضي القاعدة من استحباب صومه شرعا استصحابا لشعبان، و حسنه عقلا احتياطا لشهر رمضان، لأنه حيث كان يقع عنه إذا صادفه، كان مقتضي الاحتياط له صومه. و قد تقدم أن ما تضمن النهي عن صومه محمول علي صومه بنية شهر رمضان، كما هو الظاهر من بعضها، و لا أقل من كونه مقتضي نصوص التفصيل المتقدمة.

نعم قد لا يناسب ذلك صحيح عبد الكريم بن عمرو: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: إني جعلت علي نفسي أن أصوم حتي يقوم القائم. فقال: [صم. و] لا تصم في السفر، و لا في العيدين، و لا في أيام التشريق، و لا اليوم الذي يشك فيه» (1).

فإن النهي عن صومه تنفيذا لما جعله علي نفسه لا يناسب مشروعية صومه في الجملة و لو بنية شعبان.

لكن لا مجال للخروج به عن النصوص الكثيرة المتقدمة. و لا سيما و في خبره الآخر: «حلفت في ما بيني و بين نفسي أن لا آكل طعاما بنهار أبدا حتي يقوم قائم آل محمد. فدخلت علي أبي عبد اللّه عليه السّلام. قال: فقلت له: رجل من شيعتكم جعل للّه عليه أن لا يأكل طعاما بنهار أبدا حتي يقوم قائم آل محمد. قال: فصم إذا يا كرام. و لا تصم العيدين، و لا ثلاثة التشريق، و لا إذا كنت مسافرا و لا مريضا … » (2). و هو و إن كان ضعيف السند، إلا أنه موجب لاحتمال التصحيف في الصحيح.

و لو غض النظر عن ذلك تعين حمله علي التقية، لوجود ذلك في أقوال العامة. و في حديث محمد بن حكيم: «سألت أبا الحسن عليه السّلام عن اليوم الذي يشك فيه، فإن الناس

ص: 47


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 6 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث: 3.
2- الكافي: ج: 1: ص: 534 باب ما جاء في الاثني عشر و النص عليهم عليه السّلام حديث: 19.

______________________________

يزعمون أن من صامه بمنزلة من أفطر في شهر رمضان. فقال: كذبوا إن كان من شهر رمضان فهو يوم وفق [وفقوا] له. و إن كان من غيره فهو بمنزلة ما مضي من الأيام» (1).

و في المختلف: «و قال ابن الجنيد: لا استحب الابتداء بصيام يوم الشك، إلا إذا كان في السماء علة تمنع من الرؤية، استظهارا. و قال المفيد في الرسالة الغرية:

يكره صوم يوم الشك إذا لم يكن هناك عارض، و تيقن أول الشهر، و كان الجو سليما من العوارض و تفقد الهلال، و لم ير مع اجتهادهم في الطلب. و لا يكون هناك شك حينئذ. و يكره صومه حينئذ إلا لمن كان صائما قبل شعبان أو أياما تقدمته من شعبان.

بذلك جاءت الآثار عن الأئمة عليهم السّلام».

و كأنه يشير بذلك إلي صحيح معمر بن خلاد عن أبي الحسن عليه السّلام قال: «كنت جالسا عنده آخر يوم من شعبان، و لم يكن هو صائم، فأتوه بمائدة. فقال: ادن. و كان ذلك بعد العصر. فقلت: جعلت فداك صمت اليوم. فقال لي: و لم؟ قلت: جاء عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في اليوم الذي يشك فيه أنه قال: يوم وفق له. قال: أ ليس تدرون؟ إنما كان ذلك إذا كان لا يعلم أ هو من شعبان أم من شهر رمضان، فصام الرجل فكان من شهر رمضان، كان يوما وفق له. فأما و ليس علة و لا شبهة فلا. فقلت: أفطر الآن؟

فقال: لا … » (2).

و في حديث الزهري عن الإمام زين العابدين عليه السّلام: «و صوم يوم الشك أمرنا به و نهينا عنه. أمرنا به إن نصومه من صيام شعبان، و نهينا أن ينفرد الرجل بصيامه في اليوم الذي يشك فيه الناس. فقلت: جعلت فداك، فإن لم يكن صام من شعبان شيئا كيف يصنع؟ قال: ينوي ليلة الشك أنه صائم من شعبان، فإن كان من شهر رمضان أجزأ عنه … » (3).

لكن صحيح معمر صريح في مشروعية الصوم مع عدم العلة، و لذا نهاه عن الإفطار. غايته أنه لا يكون من صوم يوم الشك المستحب بعنوانه، و الذي ورد أنه يوم وفق له، لعدم الشبهة. فهو راجع إلي نفي الموضوع. و حديث الزهري- مع

ص: 48


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 5 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث: 7، 12، 8.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 5 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث: 7، 12، 8.
3- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 5 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث: 7، 12، 8.

و إذا أصبح فيه ناويا للإفطار، فتبين أنه من رمضان قبل تناول المفطر، فإن كان قبل الزوال جدّد النية و اجتزأ به (1)، و إن كان بعده أمسك وجوبا (2).

و عليه قضاؤه (3).

______________________________

ضعفه- ظاهر بقرينة تتمته في النهي عن إفراد صوم يوم الشك علي أنه من شهر رمضان، لا مطلقا. فلاحظ.

(1) كما يظهر مما تقدم في المسألة التاسعة.

(2) كما صرح به غير واحد، بل في الخلاف و جامع المقاصد الإجماع عليه، و في التذكرة أنه لم يخالف فيه إلا عطاء، و كذا أحمد في رواية و قريب منه عن المنتهي و الذكري. و كفي بهذا الإجماع في مثل هذه المسألة العملية الشائعة الابتلاء دليلا مخرجا عن مقتضي الأصل.

مضافا إلي النصوص الواردة فيمن بطل صومه بتناول المفطر بعد الفجر من غير مراعاة (1)، أو مع خطأ المخبر ببقاء الليل (2)، أو مع ظن كذب المخبر بدخول النهار (3) و فيمن نام جنبا حتي أصبح (4)، أو تعمد البقاء علي الجنابة (5). و غير ذلك.

حيث يظهر منها أن بطلان الصوم و وجوب قضائه لا يرفع وجوب الإمساك تأدبا.

و يؤيدها النبوي المرسل المتقدم في تحديد وقت النية في رمضان للجاهل و الناسي.

هذا و الكلام في وجوب الكفارة بترك الإمساك يبتني علي الكلام في موضوع الكفارة و أنه مطلق استعمال المفطر، أو الإفطار. و يأتي إن شاء اللّه تعالي الكلام فيه في محله.

(3) لعدم الدليل علي إجزاء النية بعد الزوال، بل مقتضي أدلة شرح الصوم عدم إجزائه، كما يظهر مما تقدم في المسألة السابعة و التاسعة.

ص: 49


1- راجع وسائل الشيعة ج: 7 باب: 45، 44 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك.
2- راجع وسائل الشيعة ج: 7 باب: 46 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك.
3- راجع وسائل الشيعة ج: 7 باب: 47 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك.
4- راجع وسائل الشيعة ج: 7 باب: 15 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك.
5- راجع وسائل الشيعة ج: 7 باب: 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك.

[(مسألة 11): تجب استدامة النية إلي آخر النهار]

(مسألة 11): تجب استدامة النية إلي آخر النهار (1)، فإذا نوي القطع فعلا أو تردد بطل. و كذا إذا نوي القطع فيما يأتي (2)، أو تردد فيه، أو نوي المفطر مع العلم بمفطريته. و إذا تردد للشك في صحة صومه فالظاهر

______________________________

(1) و به صرح غير واحد لكون الصوم بتمامه أمرا قصديا عباديا، كما يظهر مما سبق في أوائل الكلام في المسألة السابعة، و لا يتحقق ذلك فيه إلا باستمرار النية في تمام النهار. غاية الأمر أنه تقدم الاكتفاء باستمرار النية ارتكازا بالنحو الذي لا يخل به الغفلة و النوم، و إنما يخل به العدول و التردد مع الالتفات. و هو المعبر عنه في كلام غير واحد بالنية الحكمية.

لكن يظهر من غير واحد التردد في ذلك. و صرح في المبسوط و الخلاف بعدم فساد الصوم بنية تركه أو نية فعل المفطر في أثناء النهار إذا سبقت نية الصوم. و هو المحكي عن السيد المرتضي قدّس سرّه مدعيا أنه مذهب جميع الفقهاء.

و قد يقرب ذلك بقياس الصوم علي الصلاة، حيث لا تبطل بنية القطع أو القاطع ما لم يفعله. و بأن الأصحاب لم يذكروا ذلك في مبطلات الصوم. لكن لم يثبت في ذلك إجماع تعبدي ينهض بالاستدلال، و لا سيما بعد ظهور الخلاف حتي من السيد المرتضي نفسه في أول الأمر، حيث اعترف بأنه كان يري فساد الصوم بذلك، ثم عدل عنه.

كما لا مجال لقياس الصوم علي الصلاة. لعدم نهوض القياس بالاستدلال، و للفرق بأن النية غير مقومة للصلاة، و إنما هي شرط فيها، و المتيقن شرطيتها لأجزائها، بحيث لا تجزي إذا وقعت لا عن نية، من دون دليل علي اعتبار استمرار النية فيها، أما الصوم فهو متقوم بالنية في تمام النهار، و هي لا تجتمع مع نية القطع في أثنائه.

و منه يظهر أن ذكر الأصحاب لاعتبار النية في الصوم يغني عن ذكر نية القطع في مبطلاته، فلا يدل عدم ذكرهم لها علي عدم مبطليتها للصوم عندهم.

(2) لأن نيته لذلك لا تجتمع مع نيته للصوم المشروع، و هو الصوم في تمام النهار بنحو الارتباطية.

ص: 50

الصحة (1)، هذا في الواجب المعين، أما الواجب غير المعين فلا يقدح شي ء من ذلك فيه إذا رجع إلي نيته قبل الزوال (2).

[(مسألة 12): لا يصح العدول من صوم إلي صوم إذا فات وقت نية المعدول إليه]

(مسألة 12): لا يصح العدول من صوم إلي صوم إذا فات وقت نية المعدول إليه (3)، و إلا صح (4)،

______________________________

(1) لرجوعه للجزم بالنية علي تقدير صحة الصوم، فإذا فرض صحته فهو غير فاقد للنية.

(2) لإطلاق ما دل علي الاجتزاء بالنية المذكورة في الصوم المذكور لما إذا سبقت نيته ثم تردد فيه أو عدل عنه و ما إذا لم تسبق، كصحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في حديث: «قلت له: رجل أراد أن يصوم ارتفاع النهار أ يصوم؟ قال: نعم» (1).

و حتي ما كان منصرفا أو مختصا بما إذا لم تسبق نية الصوم المعدول عنها أو المتردد بعدها، يفهم منه العموم بضميمة إلغاء الخصوصية عرفا، لكون المرتكز أن العدول و التردد إنما يوجب إلغاء النية الأولي، فهي بحكم العدم، لا إنها مانعة من الصوم مع بقاء وقته، لاحتياج مانعيتها إلي عناية مغفول عنها. هذا و قد تقدم في المسألة السابعة أن الأمر لا يختص بغير المعين، بل يعم المعين بالعارض، بل حتي المعين بالأصل إذا كان من سنخه غير معين، كالصوم المنذور. فراجع.

(3) أما بعد تمامية صوم اليوم فلأنه قد تعين لما نوي له و صار امتثالا له مسقطا لأمره، و تبدل الحال بالعدول يحتاج إلي دليل، و بدونه فالأصل عدمه.

و أما في أثناء صوم اليوم، فلأن انقلاب ما وقع من أجزاء الصوم علي طبق النية اللاحقة أيضا مخالف الأصل. بل هو خلاف ظاهر دليل تحديد وقت نية المعدول إليه، فمثلا إذا نوي صوم الكفارة، و بعد الزوال أراد العدول إلي صوم القضاء كان ذلك مخالفا لدليل تحديد نية صوم القضاء بالزوال.

(4) لأن العدول عما نواه أولا موجب لفساده بتخلف النية، فهو كما لو لم ينوه،

ص: 51


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 2 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث: 1.

علي إشكال (1).

______________________________

و حينئذ له تجديد النية للثاني مع بقاء وقتها.

(1) لاختصاص نصوص سعة النية بما إذا لم ينو الصوم، فإلحاق صورة ما إذا نوي صوما آخر غير ما نواه أخيرا يحتاج إلي دليل.

اللهم إلا أن يدعي فهمه من النصوص المذكورة بإلغاء خصوصية موردها عرفا. و لذا لا إشكال ظاهرا في جواز العدول إذا لم يكن الصوم الأول مشروعا، كما إذا كان عليه قضاء شهر رمضان، فنوي صوما مستحبا عمدا أو غفلة، ثم عدل لصوم القضاء قبل الزوال، مع أنه يشترك مع محل الكلام في الخروج عن مورد النصوص.

و ما ذلك إلا لفهم العموم من النصوص، و أنه بعد بقاء وقت النية للصوم المعدول إليه لا تمنع منه نية الصوم المعدول عنه، لبطلانه بالعدول و عدم ترتب الأثر عليه.

فتأمل.

ص: 52

[الفصل الثاني في المفطرات]

اشارة

الفصل الثاني في المفطرات

[و هي أمور..]

اشارة

و هي أمور..

[الأول و الثاني: الأكل و الشرب]

الأول و الثاني: الأكل و الشرب (1) مطلقا، و لو كانا قليلين (2)، أو

______________________________

(1) قطعا، بل هو من الضروريات الفقهية و الدينية. و يشهد به- مضافا إلي ذلك- الكتاب المجيد و السنة الشريفة التي تزيد علي التواتر بمراتب.

(2) بلا خلاف ظاهر. لإطلاق الأدلة. و لا سيما ما تضمن وجوب الإعادة علي من تمضمض فدخل الماء حلقه (1). و صحيح علي بن جعفر عن أخيه عليه السّلام: «سألته عن الصائم هل يصح له أن يصب في أذنه الدهن؟ قال: إذا لم يدخل حلقه فلا بأس» (2).

لغلبة قلة ما يدخل في الحلق في الموردين.

و قد أضاف إلي ذلك بعض مشايخنا قدّس سرّه ما تضمن النهي عن مصّ الخاتم و النواة، و ذوق الطعام و نحو ذلك من الموارد الكثيرة التي يظهر منها بوضوح عدم الفرق بين القليل و الكثير.

لكن لم نعثر علي النهي عن مص الخاتم، بل صرح في غير واحد من النصوص بجوازه (3).

نعم ورد النهي عن مص النواة (4). إلا أنه لا بدّ من حمله علي الكراهة، بعد عدم استلزامه دخول شي ء منها مهما قلّ إلي الجوف، و عدم ظهور القائل بمفطريته تعبدا لا

ص: 53


1- راجع وسائل الشيعة ج: 7 باب: 23 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 24 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 5.
3- راجع وسائل الشيعة ج: 7 باب: 40 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك.
4- راجع وسائل الشيعة ج: 7 باب: 40 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك.

غير معتادين (1)

______________________________

من جهة صدق الأكل عليه.

و مثله صحيح سعيد الأعرج: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الصائم أ يذوق الشي ء و لا يبلعه؟ قال: لا»(1). و لا سيما مع النصوص الكثيرة المصرحة بجواز ذوق الطعام و المرق (2) و مضغ الطعام للصبي و الطير (3). حيث لا بد مع ذلك من حمل الصحيح علي الكراهة مطلقا، أو إذا وجد طعم ما يذوقه في حلقه لصحيح علي بن جعفر عن أخيه موسي عليه السّلام: «سألته عن الصائم يذوق الطعام و الشراب يجد طعمه في حلقه. قال: لا يفعل. قلت: فإن فعل فما عليه؟ قال: لا شي ء عليه و لا يعود» (4). بعد صعوبة حمل نصوص الترخيص علي إطلاق الكراهة.

هذا مضافا إلي خروج ذلك كله عن محل الكلام، لعدم صدق الأكل في الموارد المذكورة حتي للقليل، فلو فرض مفطريتها فهي تعبدية لا بملاك الأكل و الشرب.

و دعوي: أن الاستدلال بها ليس بلحاظ مضمونها، بل بلحاظ ظهور السؤال فيها في مفروغية السائل عن مفطرية الطعام و الشراب القليل، و أن الوجه في السؤال عدم الوصول للجوف.

ممنوعة: لإمكان ابتناء السؤال علي احتمال مفطريتها في قبال الأكل و الشرب، كالسؤال عن شم الطيب، و لبس الثوب المبلول و غيرها مما هو كثير جدا (5).

(1) أما عدم الاعتياد من حيثية نوع المطعوم و المشروب، كالتراب و النفط، فالعموم معه هو المعروف من مذهب الأصحاب، المدعي عليه الإجماع في الخلاف و الغنية و السرائر و ظاهر التذكرة و محكي المنتهي. بل في الناصريات و المختلف

ص: 54


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 37 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 2.
2- راجع وسائل الشيعة ج: 7 باب: 37 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك.
3- راجع وسائل الشيعة ج: 7 باب: 38 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك.
4- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 37 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 5.
5- راجع وسائل الشيعة ج: 7 باب: 3، 7، 24، 25، 26 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك و غيرها.

______________________________

و التذكرة الإجماع عليه من المسلمين، عدا أبي طلحة و الحسن بن صالح. و يقتضيه إطلاق الآية الشريفة و نحوها مما تضمن عنوان الأكل و الشرب.

لكن قال في المختلف: «و قال السيد المرتضي: الأشبه أنه ينقض الصوم و لا يبطله. و اختاره ابن الجنيد. و نقل السيد عن بعض أصحابنا أنه يوجب القضاء خاصة».

و قد يستدل لعدم مفطريته بصحيح محمد بن مسلم: «سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول: لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث [أربع] خصال: الطعام و الشراب، و النساء، و الارتماس في الماء» (1). بتقريب أن الطعام و الشراب لما كانا صفة مشبهة دالة علي الثبوت فلا بد في صدقهما علي المطعوم و المشروب من كونه معدا للأكل و الشرب، ليكون له نحو من الثبوت، لا مجرد وقوعهما عليه الذي هو حدث لا ثبوت له.

و يناسبه موثق مسعدة بن صدقة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام عن آبائه عليه السّلام: «أن عليا عليه السّلام سئل عن الذباب يدخل في حلق الصائم. قال: ليس عليه قضاء، لأنه ليس بطعام» (2). و صحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام: «في الصائم يكتحل. قال: لا بأس به. ليس بطعام و لا شراب» (3). و معتبر ابن أبي يعفور: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الكحل للصائم، فقال: لا بأس به، إنه ليس بطعام يؤكل» (4).

و أما حمل الطعام في هذه النصوص علي المصدر، لأنه أحد معنييه لغة- كما يظهر من لسان العرب و القاموس و غيرهما- فيكون بمعني الأكل.

ففيه: أنه لو تم كون ذلك أحد معنييه لغة إلا أن الظاهر منه الشائع استعماله فيه عرفا هو المطعوم، و هو المناسب لسوقه في مساق الشراب في صحيحي محمد بن مسلم، و لظهور رجوع الضمير في موثق سماعة للذباب، المصرح به في السؤال، لا للدخول في الحلق المستفاد تبعا منه. بل هو صريح معتبر ابن أبي يعفور، كما لا يخفي.

و فيه: أن الطعام عرفا ليس كل مطعوم، بل ما يقابل الإدام، و هو الذي يجب

ص: 55


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 1 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 39 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 2.
3- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 25 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1، 6.
4- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 25 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1، 6.

______________________________

دفعه في الفدية و الكفارة، و لا يصدق علي مثل البقل و الفاكهة و الملح و غيرها، و حيث لا إشكال في عدم اختصاص المفطرية به، تعين حمل صحيح محمد بن مسلم الأول علي إلغاء خصوصية الطعام و الشراب و الإشارة إلي مطلق المأكول و المشروب اللذين يتقوم الصوم عرفا بتركهما، و تضمنته الآية الشريفة و بقية النصوص، و حينئذ لا ينهض بتقييدها، و لا بالخروج عن المعني العرفي للصوم.

كما أنه لا مجال للجمود علي التعليل في حديثي الكحل المتقدمين، ضرورة عدم مفطرية الاكتحال بالطعام و الشراب، كالدقيق و العسل و غيرهما، فلا بد من إرجاع التعليل المذكور إلي التعليل بأن الاكتحال ليس أكلا للطعام، و لا هو شربا للشراب، نظير قوله تعالي: وَ لا يَحُضُّ عَلي طَعامِ الْمِسْكِينِ* (1). و قوله سبحانه: وَ لا تَحَاضُّونَ عَلي طَعامِ الْمِسْكِينِ (2). حيث يراد بها الحض علي إطعام المسكين للطعام.

و مثلهما في ذلك موثق سماعة، لأن الدخول في الحلق من غير اختيار لا يكون مفطرا حتي لو كان الداخل طعاما، و ذلك مناسب لحمل التعليل فيه علي التعليل بعدم صدق الأكل للطعام. و إن لم يخل عن تكلف.

هذا و لو لم يتم ما ذكرناه في هذه النصوص فلا مجال للخروج بها عن الإجماع المتقدم، المطابق للمرتكزات المتشرعية، حيث لا مجال للخطأ فيهما في مثل هذا الحكم العملي الذي يشيع الابتلاء به، لكثرة الأمور التي يمكن التغذي بها، و يرتفع بها جهد الجوع و العطش، من دون أن يتعارف أكلها و شربها، فلو لم يكن أكلها و شربها مبطلا للصوم لظهر ذلك و شاع، و لم يخف علي الأصحاب و المتشرعة، و لكثر السؤال عن الفروع المناسبة لذلك، لأن تعارف الأكل و الشرب ذو مراتب، فقد يخفي تحديد المرتبة التي عليها مدار المنع، كما قد يخفي حال بعض الصغريات، بنحو يحتاج معه للسؤال.

كما لعله ظاهر.

نعم حيث كان المقوم للصوم عرفا و شرعا هو ترك الأكل و الشرب، فلا بد

ص: 56


1- سورة الحاقة الآية: 34. سورة الماعون الآية: 3.
2- سورة الفجر الآية: 18.
[الثالث: الجماع]

الثالث: الجماع (1) قبلا و دبرا فاعلا و مفعولا به حيا و ميتا، حتي البهيمة علي الأحوط وجوبا، و لو شك في الدخول أو بلوغ مقدار الحشفة

______________________________

في المفطرية من صدق أحدهما، و لا يكفي مجرد الابتلاع من دون ذلك. و من ثم يشكل الإفطار بمثل ابتلاع المعادن الصلبة و الحصي و الخرز الكبيرة غير القابلة للتحلل، بل يكون الجوف ظرفا لها لا غير، من دون أن يصدق الأكل بابتلاعها عرفا. و لعل ذلك هو مراد السيد المرتضي قدّس سرّه حيث نسب له في السرائر عدم مفطرية بلع ما لا يؤكل، كالحصي و غيره.

و أما عدم الاعتياد من حيثية طريق الأكل و الشرب- كإدخال شي ء للجوف من طريق الأنف- فالظاهر عدم الخلاف في العموم بالإضافة إليه، كما يظهر مما ذكروه من تقييد عدم المفطرية بإدخال الدواء في الأنف و الأذن بما إذا لم يدخل الجوف. و يأتي في المفطر التاسع الكلام فيه إن شاء اللّه تعالي.

(1) إجماعا، بل ضرورة. و يشهد به الكتاب المجيد و السنة الشريفة المتواترة.

نعم الظاهر أن المعيار علي الجنابة، كما يظهر من صحيح أبي سعيد القماط: «أنه سئل أبو عبد اللّه عليه السّلام عمن أجنب في شهر رمضان في أول الليل، فنام حتي أصبح.

قال: لا شي ء عليه. و ذلك أن جنابته كانت في وقت حلال» (1). لظهوره في قدح الجنابة في النهار، لأنها في وقت حرام.

و صحيح يونس في حديث قال: «في المسافر يدخل أهله و هو جنب قبل الزوال، و لم يكن أكل، فعليه أن يتم صومه، و لا قضاء عليه. يعني إذا كانت جنابته من احتلام» (2). حيث تدل علي قادحية الجنابة من غير الاحتلام.

و خبر عمر بن يزيد: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: لأي علة لا يفطر الاحتلام الصائم، و النكاح يفطر الصائم؟ قال: لأن النكاح فعله، و الاحتلام مفعول به» (3).

ص: 57


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 13 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 6 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 5.
3- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 35 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 4.

لم يبطل صومه (1)، كما أنه لا يبطل إذا قصد التفخيذ مثلا فدخل في أحد الفرجين (2).

[الرابع: الكذب علي اللّه أو علي رسوله صلي اللّه عليه و آله و سلم]
اشارة

الرابع: الكذب علي اللّه أو علي رسوله صلي اللّه عليه و آله و سلم (3) أو علي

______________________________

لظهوره في المفروغية عن أن القادح في الصوم هو القدر المشترك بين الاحتلام و النكاح، و أن عدم مفطرية الاحتلام لخروجه عن الاختيار.

مضافا إلي ما يأتي في الاستمناء، و في تعمد البقاء علي الجنابة حتي يطلع الفجر.

فإن المناسبات الارتكازية قاضية بأن المفطر هو أمر واحد و هو القدر المشترك بين الجماع و إنزال المني و البقاء علي الجنابة، و هو تعمد صيرورة كون الإنسان جنبا في النهار، و ليست المفطرات أمورا ثلاثة لا جامع بينها.

و يترتب علي ذلك أن مفطرية الأمور المذكورة في المتن تبتني علي سببيتها للجنابة، التي تقدم الكلام فيها عند الكلام في أسباب الجنابة من كتاب الطهارة، فلو لم تكن سببا لها لم تكن مفطرة. و هو الظاهر من بعض نصوص تلك المسألة المتقدمة هناك، فراجع.

(1) لاستصحاب عدم حصول سبب الجنابة، و عدم حصول المفطر.

(2) لما يأتي في آخر هذا الفصل من توقف مفطرية المفطرات المذكورة علي القصد إليها و تعمد الإتيان بها.

(3) كما في المقنع و الهداية- حاكيا له فيها عن والده- و المقنعة و الانتصار و النهاية و المبسوط و الخلاف و الغنية و عن غيرها. و نسبه في الخلاف للأكثر، و في الدروس للمشهور. و في الانتصار و الغنية دعوي الإجماع عليه.

و يقتضيه موثق سماعة: «سألته عن رجل كذب في رمضان. قال: قد أفطر، و عليه قضاؤه. فقلت: فما كذبته؟ قال: يكذب علي اللّه و علي رسوله صلي اللّه عليه و آله و سلم» (1). و موثق أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «إن الكذب علي اللّه و علي رسوله و علي الأئمة عليه السّلام

ص: 58


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 2 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1.

______________________________

يفطر الصائم» (1). و موثقه الآخر: «سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: إن الكذبة لتفطر الصائم. قلت: و أينا لا يكون ذلك منه؟ قال: ليس حيث ذهبت، إنما ذلك الكذب علي اللّه، و علي رسوله، و علي الأئمة (صلوات اللّه عليه و عليهم») (2). و قريب منه أو عينه موثقه الثالث، إلا أن فيه: «الكذبة تنقض الوضوء و تفطر الصائم» (3).

و عن العماني و المرتضي في الجمل عدم الإفطار به. و قد يظهر من الكليني حيث ذكر موثق أبي بصير في باب آداب الصائم. و قواه في السرائر و الشرائع و المختلف و غيرها، و في الجواهر أنه إليه صار أكثر المتأخرين إن لم يكن جميعهم. للحصر المستفاد من صحيح محمد بن مسلم المتقدم: «سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول: لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث [أربع] خصال: الطعام و الشراب، و النساء، و الارتماس في الماء» (4). و لضعف النصوص سندا، لعدم اشتمالها علي الصحيح، و دلالة، لاشتمالها علي نقض الوضوء، حيث يلزم لأجل ذلك حملها علي نفي الكمال، كما ورد في كثير من آداب الصوم.

لكن الحصر لا يزيد علي العموم القابل للتخصيص، الذي ثبت في غير واحد من المباحات، كالبقاء علي الجنابة، و الاحتقان بالمائع، فضلا عن مثل الكذب المذكور، الذي هو من أعظم المحرمات.

كما لا مجال لضعف النصوص سندا بعد ما هو التحقيق من عموم الحجية للموثق، و عدم اختصاصها بالصحيح، كما أوضحناه في الأصول.

و أما اشتمالها علي نقض الوضوء فعدم العمل عليه، و حمله علي نفي الكمال

ص: 59


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 2 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 4.
2- الكافي ج: 2 ص: 340 باب: الكذب حديث: 9. معاني الأخبار: ص: 161.
3- الكافي ج: 4 ص: 89 باب: آداب الصائم حديث: 10. التهذيب: ج: 4: ص: 203 باب ما يفسد الصيام و يخل بشرائط فرضه و ينقض الصيام حديث: 2. راجع وسائل الشيعة: ج: 7: باب: 2 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 2. تجد الموثقين معا باختلاف طرقهما و ألسنتهما. و غيرها.
4- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 1 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1.

______________________________

لا يستلزم حمل الإفطار عليه. لعدم التعويل علي قرينة السياق في مثل ذلك مما ثبت الخروج عن الظاهر فيه بقرينة خارجية. و لا سيما بعد تعدد الجملة و اختلاف المادة.

علي أنه لم يرد ذلك إلا في موثق أبي بصير الثاني علي إحدي روايتيه، و غاية ذلك رفع اليد عنه لاختلاف روايته، دون موثقه الأول، فضلا عن حديث سماعة، غير المتضمنين للحكم بنقض الوضوء.

نعم لا مجال لذلك فيما عن نوادر أحمد بن محمد بن عيسي عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «قال: من كذب علي اللّه و علي رسوله و هو صائم نقض صومه و وضوءه إذا تعمد» (1). لاتحاد المادة و الجملة و الرواية فيه. فينحصر الجواب عنه بما تقدم من عدم التعويل في ذلك علي قرينة السياق. مضافا إلي ضعفه بالإرسال، إذ لو ثبت كتاب النوادر بالتواتر أو بطريق معتبر إلا أن أحمد بن محمد بن عيسي لا يروي عن أبي بصير بلا واسطة.

و من هنا لا مخرج عن ظهور النصوص في نقض الصوم حقيقة. و لا سيما و أن القدح في كمال الصوم لا يختص بالكذب المذكور، بل يعم ارتكازا مطلق الكذب، كسائر المحرمات التي ورد قدحها في الصوم، فتخصيص الحكم بالكذب الخاص مناسب لكون المراد به المفطرية الحقيقية. و هو المناسب لظهور مفروغية سماعة عن عدم العموم حتي سأل عن تعيين الكذب المراد بالحديث. و كذا قول أبي بصير: «و أينا لا يكون ذلك منه؟!» لظهوره في ضيقه من العموم بنحو لا يناسب فهمه القدح في الكمال لا غير. و علي ذلك يتعين البناء علي المفطرية الحقيقية.

هذا و في موثق سماعة الآخر: «سألته عن رجل كذب في شهر رمضان. فقال:

قد أفطر، و عليه قضائه، و هو صائم، يقضي صومه و وضوءه إذا تعمد»(2). و ربما يجعل قوله فيه: «و هو صائم» قرينة علي حمل الحكم فيه بالإفطار و القضاء علي نقض الكمال، و حينئذ يتعين تحكيمه علي بقية النصوص، و حملها لأجله علي نفي الكمال. و هو الذي جنح له سيدنا المصنف قدّس سرّه.

ص: 60


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 2 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 7، 3.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 2 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 7، 3.

أحد الأئمة عليهم السّلام (1) علي الأحوط وجوبا، بل الأحوط وجوبا إلحاق

______________________________

و فيه أولا: أن النظر في مجموع الحديث يشهد باضطراب متنه، لما فيه من جمع الإفطار و القضاء مع الصوم، و من تكرار الحكم بالقضاء، و الأمر بإعادة الوضوء من دون إشعار فيه بفرض كونه متوضئا. و لا يتضح توجيهه بنحو يقتضي حمله علي معني ظاهر فيه عرفا، ليكون حجة فيه.

و ثانيا: أن الحديث وارد في مطلق الكذب، و نقضه لكمال الصوم من دون أن يبطله لا يستلزم ذلك في الكذب علي اللّه و رسوله و الأئمة (صلوات اللّه عليهم) الذي هو محل الكلام، ليتعين تحكيمه علي بقية نصوص المسألة. و حمله علي خصوص الكذب المذكور تكلف بعيد عن ظاهر الإطلاق جدا.

نعم استظهر بعض مشايخنا قدّس سرّه اتحاد موثق سماعة هذا مع موثقه الأول، و أن الاختلاف بينهما نتيجة النقل بالمعني، لاستبعاد تعدد السؤال و اختلاف الجواب، تارة بالإطلاق، و أخري بالزيادة الشارحة للمراد من الكذب، مع وحدة المسئول عليه السّلام و السائل و الراوي عنه، و هو عثمان بن عيسي.

لكن لا طريق لإحراز وحدة المسئول مع الإضمار في الموثقين، و كون سماعة من أصحاب الإمامين الصادق و الكاظم عليه السّلام معا. مع أنه لو تم ما ذكره فهو راجع إلي تحريف الثاني بإسقاط تتمة الحديث المغيرة للمعني، زائدا علي ما سبق من الاضطراب فيه، و ذلك موجب للريب فيه بنحو يقصر عن الحجية، فلا مجال للخروج به عن ظهور الأول في المفطرية الحقيقية. فضلا عن ظهور بقية نصوص المسألة في ذلك. و من ثم لا مخرج عما سبق من البناء علي المفطرية الحقيقية.

(1) كما ذكره أكثر من سبق، بل لم أعثر علي من اقتصر علي اللّه تعالي و رسوله صلي اللّه عليه و آله و سلم عدا المرتضي في الانتصار. و يظهر من كلام غير واحد سوق كلامه في مساق كلام غيره.

و كيف كان فهو المتعين بعد اشتمال غير واحد من النصوص عليه، و لا ينافيه عدم ذكره في موثق سماعة، و ما عن نوادر أحمد بن محمد بن عيسي المتقدمين. و لا سيما

ص: 61

الأنبياء و الأوصياء عليه السّلام بهم (1)، من غير فرق أن يكون في أمر ديني

______________________________

مع إمكان إرجاعه للكذب علي النبي صلي اللّه عليه و آله و سلم حقيقة أو تنزيلا.

(1) قال في الجواهر: «فالأولي إلحاق الزهراء و باقي الأنبياء و الأوصياء عليه السّلام بهم، لرجوع الكذب عليهم إلي الكذب علي اللّه».

لكنه غير ظاهر، بل لا يناسب جعل الكذب علي النبي صلي اللّه عليه و آله و سلم في قبال الكذب علي اللّه تعالي في النصوص و الفتاوي المتقدمة.

نعم يتجه ذلك لو قصد بنسبة الفتوي لأحدهم نسبتها للّه تعالي، بلحاظ رجوع حكمهم عليه السّلام لحكمه سبحانه، من باب الإخبار عن اللازم بالإخبار عن الملزوم. أما مجرد التلازم الواقعي بين حكمهم عليه السّلام و حكمه تعالي فهو لا يكفي في صدق الكذب عليه جل شأنه، من دون أن يساق الكلام لبيانه و الحكاية عنه، الذي هو المعيار في صدق الإخبار عن الشي ء الموضوع للصدق و الكذب فيه.

و أظهر من ذلك الكذب في غير الأحكام الشرعية، كالإخبار بأنه ضرب فلانا أو لعنه أو فعل كذا أو غير ذلك مما لا يتعلق بالتشريع. فلا بد في العموم لهم في ذلك إما من حمل الرسول و الأئمة في النصوص علي الجنس، أو فهم العموم منها بضميمة إلغاء الخصوصية عرفا، أو التعدي لهم بتنقيح المناط.

لكن لا مجال للأول، لتوقف الحمل علي الجنس علي عدم وجود معهود ذهني ينصرف إليه الكلام، كما في المقام. و لا سيما مع عدم معهودية التعبير عن أوصياء الأنبياء السابقين بالأئمة، بل هو يختص في عرف أهل البيت عليه السّلام بالأئمة منهم (صلوات اللّه عليهم)، و ذلك يؤكد كون المراد بالرسول هو نبي الإسلام صلي اللّه عليه و آله و سلم، و إلا كان المناسب التعبير بصيغة الجمع، كما في الأئمة عليه السّلام.

و الأخيران في غاية المنع، لإمكان خصوصيتهم صلوات اللّه عليهم في مثل هذا الحكم التشريفي الثابت في شريعتنا الذين هم حملتها، دون من سبقهم من حملة الشرائع السابقة. و لا سيما مع قرب كونهم صلوات اللّه عليهم أفضل ممن سبقهم، و إن عظم شأن أولئك.

ص: 62

أو دنيوي (1).

______________________________

(1) كما عن المنتهي و التحرير لو قيل بالمفطرية. و يقتضيه الإطلاق. و عن كاشف الغطاء الاختصاص بنسبة الأحكام الشرعية، دون الأمور العادية و الطبيعية.

و كأنه لدعوي الانصراف لذلك. لكنه ممنوع.

نعم قد يدعي أن ظاهر تعدية الكذب لهم ب (علي) تضمنه تحميل شي ء عليهم، إما باقتضائه نحوا من النقص فيهم، كنسبة الذنب أو مخالفة الأولي لهم كذبا، أو بنقل تعهدهم بمضمون خبري أو إنشائي، دون ما لا يتضمن ذلك، كالإخبار عن النبي صلي اللّه عليه و آله و سلم بأنه ولد في ليلة ممطرة، أو صيفا، أو نحو ذلك، فضلا عما إذا تضمن مدحا لهم و رفعا لشأنهم.

اللهم إلا أن يقال: التعدية ب (علي) و إن تضمنت معني التحميل، إلا أن التحميل ليس بلحاظ الأمر المكذوب، بل بلحاظ نفس الكذب، لما فيه من التضليل و الإبهام و التعمية قال تعالي: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلّا أَنْ قالُوا وَ اللّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ* انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلي أَنْفُسِهِمْ وَ ضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (1). مع وضوح أن نفي الشرك عن أنفسهم ليس نقصا عليها، بل هو تنزيه لها.

و لذا لا إشكال في صدق الكذب علي اللّه تعالي عرفا بنسبة فعل ما لم يفعله له و إن لم يكن فعله له نقصا فيه جل شأنه، كما لو قيل: أنزل اللّه تعالي هذا اليوم المطر، أو خلق حيوانا يمشي علي خمسة أرجل أو نحو ذلك. و من ثم يشكل التخصيص المذكور، بل هو مخالف للإطلاق.

نعم المضمون الواحد قد يتعلق بأكثر من طرف واحد، و لا يكون خبرا عن أحد الأطراف- صدقا أو كذبا- إلا بقصد بيان حاله من ذكر المضمون المذكور.

مثلا كون الليلة التي ولد فيها النبي صلي اللّه عليه و آله و سلم ممطرة قد يكون بيانه بداعي بيان حال النبي صلي اللّه عليه و آله و سلم و أنه قد ولد حال المطر، و قد يكون بيانه بداعي بيان حال تلك الليلة و أن المطر قد نزل فيها. و علي الأول يكون إخبارا عن النبي صلي اللّه عليه و آله و سلم، و علي الثاني

ص: 63


1- سورة الأنعام الآية: 23- 24.

و إذا قصد الصدق فكان كذبا فلا بأس (1)، و إن قصد الكذب فكان صدقا كان من قصد المفطر (2)، و قد تقدم البطلان به مع العلم بمفطريته.

______________________________

يكون إخبارا عن حال الليلة دون النبي صلي اللّه عليه و آله و سلم، فلا يكون كذبا عليه لو كان كذبا.

كما أن التشابه بين النبي صلي اللّه عليه و آله و سلم و جعفر بن أبي طالب رضي اللّه عنه مثلا يساق (تارة): لبيان صورة جعفر (و أخري): لبيان صورة النبي صلي اللّه عليه و آله و سلم (و ثالثة): لبيان النسبة بينهما. و علي الأول يكون إخبارا عن جعفر لا غير، و علي الثاني يكون إخبارا عن النبي صلي اللّه عليه و آله و سلم. و علي الثالث يكون إخبارا عنهما معا. و المعيار في تحديد ذلك ثبوتا علي قصد المتكلم، و إثباتا علي ظاهر الكلام و هيئته.

(1) لما يأتي من اعتبار العمد في مفطرية المفطرات المذكورة. بل لا يبعد قصور إطلاق أدلة مفطرية الكذب في المقام عن ذلك، إما لتقوم الكذب بقصد بيان خلاف الواقع، أو لانصرافه لذلك، و لذا كان من صفات الذم ارتكازا، كالخيانة، و لو كان المراد به مطلق بيان خلاف الواقع و لو خطأ لم يكن كذلك. و يتأكد ذلك في المقام.

لسوق الحكم بالمفطرية في مساق التشديد في التنفير و تأكيده. و هو يناسب قصوره عن صورة تعمد الصدق.

(2) يعني: من دون أن يتحقق، و يكون إبطاله للصوم للإخلال بالنية، لا لفعل المفطر. لكن من القريب صدق المفطر به، و أن المراد بالكذب في المقام تعمد الإخبار علي خلاف الواقع، بل تعمد الإخبار بما لم يعلم ثبوته في الواقع و إن شك المخبر في ذلك، لما أشرنا إليه آنفا من وروده مورد الذم و التنفير، المناسب لإرادة ذلك في المقام، و لذا يصدق في عرف المسلمين الكذب علي اللّه و رسوله صلي اللّه عليه و آله و سلم بذلك، و ينسب فاعله للكذب عليهما جزما، لا مراعي بعدم تحقق ما أخبر به واقعا، الذي كثيرا ما يتعذر الاطلاع عليه.

و بعبارة أخري: لو تم أن المعيار في الكذب لغة علي مخالفة الواقع، إلا أن المنصرف من أدلة التحريم و من خصوص نصوص المقام هو الإخبار من دون بصيرة و لا بينة، و عليه يجري عرف المتشرعة في نسبة الكذب للشخص و ترتيب آثاره، من

ص: 64

______________________________

دون مراعاة منهم لعدم حصول ما أخبر به واقعا.

و لو غض النظر عن ذلك تعين ما سبق من سيدنا المصنف قدّس سرّه من عدم تحقق المفطر في صورة ما إذا قصد الكذب و كان صدقا في الواقع، و إنما يبطل الصوم لقصد المفطر المستلزم للإخلال بالنية لا غير.

هذا و لو أخبر بما يشك في ثبوته فلا إشكال في حرمة الإخبار المذكور، و إنما الإشكال في المفطرية به، و قد ذكر سيدنا المصنف قدّس سرّه أنه حيث يشك في كونه كذبا، فيشك في مفطريته، و الأصل البراءة. قال قدّس سرّه: «بل بناء علي ما سيأتي من اختصاص المفطرية بحال العمد المتوقف علي قصد الكذب لا يفطر به و إن كان مخالفا للواقع.

و حينئذ لا مجال لأصل البراءة، للعلم بعدم مفطريته واقعا. فتأمل».

و ما ذكره من الرجوع لأصل البراءة يبتني علي مذهبه من جريان البراءة عند الدوران بين الأقل و الأكثر الارتباطيين في الشبهة الموضوعية. لكن الظاهر أن المرجع فيها الاشتغال، للشك في مطابقة المأتي به للمطلوب الراجع للشك في الامتثال، كما أوضحناه في الأصول. نعم يمكن الرجوع لاستصحاب عدم تحقق الكذب من أجل إحراز صحة الصوم ظاهرا.

و أما ذكره أخيرا من توقف المفطرية علي تعمد الكذب، و هو غير حاصل في المقام بسبب الشك فيه، فيعلم بعدم المفطرية. فقد دفعه بعض مشايخنا قدّس سرّه بصدق التعمد في المقام بعد تنجز الاحتمال بسبب العلم الإجمالي بصدق الكذب، إما علي الإخبار بالشي ء المشكوك، أو الإخبار بنقيضه، فالإقدام علي أحدهما مع منجزية احتماله بالعلم المذكور كاف في صدق العمد. و حينئذ إذا أخبر بأحد الأمرين فإن كان كذبا في الواقع بطل صومه، لتعمد المفطر، و إن لم يكن كذبا في الواقع بطل صومه، للإخلال بالنية، لأنه قد أقدم علي تعمد الكذب علي تقدير كون خبره كاذبا، و هو ينافي نية الصوم بالعزم علي ترك المفطر.

و فيه أولا: أن العلم الإجمالي مغفول عنه غالبا، لانصراف ذهن المبتلي بالواقعة إلي الخبر الذي يتعلق غرضه به، دون الخبر المناقض له، ليلتفت للعلم الإجمالي

ص: 65

[(مسألة 1): إذا تكلم بالكذب غير موجه خطابه إلي أحد أو موجها له إلي من لا يفهم]

(مسألة 1): إذا تكلم بالكذب غير موجه خطابه إلي أحد أو موجها له إلي من لا يفهم لم يبطل صومه علي الأقوي (1).

______________________________

بمفطرية أحدهما، و لا يكون العلم الإجمالي منجزا إلا مع فعليته.

و ثانيا: أن تنجز احتمال الكذب أو المفطرية بالعلم الإجمالي لا يكفي في صدق التعمد للكذب، و لا للمفطر بعد كونه محتملا- لا مقطوعا به- في كل من الطرفين، و إنما الصادق في المقام هو تعمد انتهاك حرمة العلم الإجمالي، لا غير.

فإذا علم المكلف مثلا بنجاسة أحد الطعامين، فأكل أحدهما، فهو متعمد في انتهاك حرمة العلم الإجمالي المذكور و الإقدام علي مخالفة احتمال النجاسة المنجز بسببه، لا متعمد لأكل النجس أو الحرام.

اللهم إلا أن يقال: المناسبات الارتكازية قاضية بأن ذكر التعمد في الأدلة ليس لكونه شرطا في مفطرية المفطرات المذكورة، بل لكون المفطرية مشروطة بعدم كون الإقدام عن عذر، و مرجع ذلك إلي العفو عن الإقدام علي المفطر عن عذر من نسيان أو جهل بحصول المفطر أو اعتقاد بعدم مفطريته، و ذلك يقصر عن صورة الإقدام علي المفطر مع احتمال مفطريته احتمالا لا يكون معذرا، كما في المقام، لفرض عدم إحراز كون الخبر غير كاذب حتي مع الغفلة عن العلم الإجمالي المذكور، فضلا عما إذا التفت إليه.

و علي ذلك يتعين البناء علي بطلان الصوم للإخلال بالنية، لأن الإقدام علي محتمل المفطرية من دون إحراز لعدمها مناف لنية الصوم بترك جميع المفطرات، و غاية ما يمكن هي نية الصوم بنحو الاشتراط و التعليق علي عدم كونه مفطرا، و لازم ذلك عدم صحة الصوم إلا إذا لم يكن الخبر في الواقع كاذبا.

هذا كله مع غض النظر عما سبق منا من تقريب تحقق الكذب المفطر في المقام مطلقا. فلاحظ.

(1) كما في الجواهر. لدعوي اعتبار قصد الإفهام. و كأنه لتوقف صدق الخبر علي ذلك. لكن ذكر بعض مشايخنا قدّس سرّه أنه لم يؤخذ في النصوص عنوان الخبر، بل

ص: 66

[(الخامس): رمس تمام الرأس في الماء علي الأحوط وجوبا]
اشارة

(الخامس): رمس تمام الرأس (1) في الماء علي الأحوط وجوبا، من

______________________________

عنوان الكذب، و هو حاصل بعدم مطابقة الكلام للواقع و لو مع عدم صدق الخبر عليه، لعدم توجيهه لشخص، ليكون مخبرا بمضمونه.

و فيه: أن المفطر ليس هو تحقق الكلام الكاذب، بل صدور الكذب من الصائم بحيث يصدق أنه قد كذب، و في صدق ذلك من دون صدق الإفهام بالكلام الكاذب و الإخبار به إشكال. و لا أقل من انصراف الإطلاقات عنه.

نعم لا يبعد صدق الخبر و الكذب بتوجيه الخطاب لمن لا يفهم بقصد التفهيم ادعاء و تخييلا. و أظهر من ذلك ما إذا وجه الكلام بداعي إفهام كل من يصله الكلام و يبلغه و إن لم يواجه به شخص خاص حين صدوره، كما في البيانات المنشورة، و الحديث المسجل الذي تعارف في عصورنا.

(1) كما في المقنعة و الانتصار و النهاية و المبسوط و الخلاف و الغنية و اللمعة و عن غيرها. و نسبه في الخلاف للأكثر، و في الدروس للمشهور، و ادعي في الانتصار و الغنية الإجماع عليه.

لصحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام: «قال: الصائم يستنقع في الماء و يصب علي رأسه، و يتبرد بالثوب، و ينضح بالمروحة، و ينضح البوريا تحته، و لا يغمس رأسه في الماء» (1). و صحيح حريز عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «قال: لا يرتمس الصائم و لا المحرم رأسه في الماء» (2). و صحيح يعقوب بن شعيب عنه عليه السّلام: «قال: لا يرتمس المحرم في الماء و لا الصائم» (3).

و موثق حنان بن سدير: «أنه سأل أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الصائم يستنقع في الماء.

قال: لا بأس، و لكن لا ينغمس. و المرأة لا تستنقع في الماء، لأنها تحمله بقبلها» (4) و غيرها من النصوص الكثيرة الناهية عنه، و الظاهرة في الإرشاد لقدحه في صحة الصوم كما هو الحال في سائر ما ورد في بيان الماهيات المركبة.

ص: 67


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 3 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 2، 8، 1، 6.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 3 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 2، 8، 1، 6.
3- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 3 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 2، 8، 1، 6.
4- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 3 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 2، 8، 1، 6.

______________________________

و أظهر منها في ذلك صحيح محمد بن مسلم المتقدم: «سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول: لا يضرّ الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث [أربع] خصال: الطعام، و الشراب، و النساء، و الارتماس في الماء» (1). بل عدّ من المفطرات في مرفوع الخصال عن أبي عبد اللّه:

«قال: خمسة أشياء تفطر الصائم: الأكل و الشرب و الجماع و الارتماس في الماء … » (2).

و حكي الشيخ قدّس سرّه في المبسوط عن بعض أصحابنا عدم مفطريته. و يظهر منه في الاستبصار الميل إليه، بل هو صريحه في التهذيب. و هو ظاهر المراسم و السرائر و الوسائل أو صريحها. و قواه في الشرائع و المعتبر و التذكرة و المختلف و الروضة و المدارك، و حكي عن العماني و المرتضي- عدولا منه عن قوله الأول- و فخر المحققين و غيرهم.

و يشهد لهم موثق إسحاق بن عمار: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: رجل صائم ارتمس في الماء متعمدا، عليه قضاء ذلك اليوم؟ قال: ليس عليه قضاء، و لا يعودن» (3).

و قد اختلفوا في ذلك علي قولين:

الأول: حرمة الارتماس تكليفا، من دون أن يكون مخلا بالصوم. و هو الذي يظهر من الاستبصار، و جري عليه المحقق و من بعده.

الثاني: كون الارتماس مكروها للصائم مخلا بكمال الصوم، من دون أن يكون مبطلا له. و هو الذي صرح به في التهذيب، و يظهر مما عن السيد المرتضي من أنه ينقض الصوم و لا يبطله.

و كأن الأول يبتني علي الجمود علي ظاهر النهي في النصوص المتقدمة، أو حملها عليه بقرينة موثق إسحاق. قال في الاستبصار: «و لست أعرف حديثا في إيجاب القضاء و الكفارة أو إيجاب أحدهما علي من ارتمس في الماء».

لكن النهي و إن كان ظاهرا بدوا في الحرمة التكليفية، إلا أنه في الماهيات المركبة

ص: 68


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 1 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 2 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 6.
3- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 6 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك.

______________________________

يكون له ظهور ثانوي في النهي الوضعي الراجع للفساد، كما سبق، و عليه جري أهل الاستدلال في سائر الموارد إلا بقرينة مخرجة عنه. و لا سيما في المقام بلحاظ عموم النهي للصوم المستحب، و من البعيد جدا ثبوت الحرمة التكليفية فيه، و إن كان ممكنا.

و أما حمل النهي علي الحرمة التكليفية بقرينة موثق إسحاق. فيشكل بأن الأقرب الجمع بينهما بحمل النهي علي الكراهة، لبيان الإخلال بكمال الصوم، كما جروا عليه في بعض ما ورد الحكم بمفطريته، كالغيبة(1). فضلا عما ورد النهي عنه حال الصوم من دون حكم بمفطريته، كاستنقاع المرأة في الماء (2). و بلّ الثوب علي الجسد (3). بل جروا عليه في غير الصوم، كالوضوء و الصلاة و غيرهما. و لا سيما مع سوق الارتماس في مساق استنقاع المرأة في الماء في موثق حنان المتقدم.

و من ثم كان المتعين البناء علي الكراهة. و قد يناسبه معتبر عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «قال: يكره للصائم أن يرتمس في الماء» (4). بل ساقه في التهذيب دليلا عليها. و إن لم يخل عن إشكال. و العمدة ما سبق.

و أما ما ذكره مشايخنا قدّس سرّه مع عدم تعقل معني الكراهة الوضعية، ليمكن الجمع بها بين الموثق و النصوص السابقة، و أن التعارض مستحكم بينه و بينها، و عليه يتعين ترجيح النصوص السابقة، للشهرة في الرواية، أو لمخالفة العامة.

فيظهر ضعفه مما سبق من شيوع الجمع المذكور، فلا تصل النوبة للمرجحات المنصوصة، و لا موجب لسقوط الموثق عن الحجية. و لا سيما مع عمل من عرفت به و تعويلهم عليه في الجملة، و إن اختلفوا في وجه الجمع بينه و بين النصوص السابقة.

بقي شي ء، و هو أن أكثر الأصحاب قد عبر بالارتماس الظاهر في رمس تمام البدن، إلا أن من القريب أن يكون المفطر عندهم هو رمس الرأس و إن كان وحده، كما يظهر من بعضهم فهمه من كلماتهم.

و كيف كان فهو المتعين، لأن النصوص المتقدمة و غيرها و إن تضمن بعضها

ص: 69


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 2 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 5- 8- 10.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 3 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 6، 3- 4- 5، 7.
3- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 3 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 6، 3- 4- 5، 7.
4- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 3 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 6، 3- 4- 5، 7.

دون فرق بين الدفعة و التدريج (1)، و لا يقدح رمس أجزائه علي التعاقب

______________________________

التعبير بالارتماس الظاهر في رمس تمام البدن، إلا أن بعضها قد تضمن رمس الرأس.

و كما يمكن بدوا تنزيل الأولي علي الثانية، بحمل النهي عن الارتماس علي كونه عرضيا، بلحاظ استلزامه رمس الرأس، يمكن العكس، بحمل النهي عن رمس الرأس علي كونه عرضيا، من أجل تجنب رمس تمام البدن، لغلبة كون ارتماس البدن تدريجيا يبدأ من الأسفل إلي الأعلي فيكون رمس الرأس متمما لرمس البدن أجمع.

إلا أن الأول أقرب عرفا، لظهور خصوصية الرأس ارتكازا. و لا سيما مع شيوع رمس الرأس وحده، و مع سوق الصائم مع المحرم في الحكم المذكور في صحيحي شعيب و حريز المتقدمين و غيرهما، مع وضوح خصوصية الرأس في الإحرام.

و هذا هو العمدة في المقام، لا ما ذكره سيدنا المصنف قدّس سرّه من عدم التنافي بين الطائفتين، لإمكان كون كل منهما مفطرا.

إذ فيه: أن مقتضي صحيح محمد بن مسلم الثاني المتقدم انحصار المفطر برمس تمام البدن، و هو ينافي في مفطرية رمس الرأس وحده لو لا الجمع بالنحو المتقدم. كما أنه إذا كان رمس الرأس وحده مفطرا لم يكن لرمس بقية البدن دخل في المفطرية، و يتعين رجوع مفطرية الارتماس عرفا لمفطرية رمس الرأس وحده. و من ذلك يظهر ضعف ما عن الدروس من التردد في كفاية رمس الرأس وحده، فضلا عما عن ظاهر الميسي من منعه.

هذا و الظاهر أن المراد بالرأس ما فوق الرقبة، و إلحاق الرقبة بالرأس في الغسل لو تم- لا يقتضي إلحاقها به في المقام. و في المدارك: «و لا يبعد تعلق التحريم بغمس المنافذ كلها دفعة و إن كانت منابت الشعر خارجة من الماء». و كأنه يبتني علي كون النهي عن رمس الرأس من أجل رمس المنابت. و هو خروج عن الظاهر من دون قرينة. نعم لا إشكال في صدقه مع خروج الشعر وحده، دون منابته.

(1) كما في الجواهر، بل لعله لا خلاف فيه، و أن مراد من اعتبر الدفعة لزوم

ص: 70

و ان استغرقه (1)، و كذا إذا ارتمس و قد لبس ما يمنع وصول الماء إلي البدن كما يصنعه الغواصون (2).

[(مسألة 2): في إلحاق المضاف بالماء إشكال]

(مسألة 2): في إلحاق المضاف بالماء إشكال (3).

[(مسألة 3): إذا ارتمس عمدا ناويا للاغتسال بأول مسمي الارتماس]

(مسألة 3): إذا ارتمس عمدا ناويا للاغتسال بأول مسمي الارتماس

______________________________

صيرورة مجموع الرأس في الماء، و عدم الاكتفاء برمس أجزائه علي التعاقب، كما يأتي.

نعم هو لا يناسب ما في المسالك و المدارك من اعتبار الدفعة العرفية. و كيف كان فيقتضيه إطلاق النصوص المتقدمة.

(1) لعدم صدق رمس الرأس بذلك. و ما في المدارك من احتمال صدقه ضعيف، بل غريب.

(2) لانصراف النصوص المتقدمة عنه، و خصه بعض مشايخنا قدّس سرّه بالحاجب المنفصل عن البشرة، أما المتصل بها- كالنايلون المتعارف في زماننا- فهو لا يمنع من صدق الرمس. لكن صدقه عرفا لا ينافي انصراف النصوص عنه في المقام، خصوصا ما تضمن مقابلته بالاستنقاع في الماء، بل لا يبعد انصرافها عما إذا لطخت البشرة بما يمنع من وصول الماء إليها. و إن كان الانصراف في الموارد الثلاثة مختلفا في مرتبة الوضوح.

(3) كأنه لاختصاص النصوص بالماء الذي هو حقيقة في المطلق. و ما في موثق حنان و غيره من إطلاق النهي عن الغمس و الرمس يراد به الرمس في الماء، لمقابلته بالاستنقاع فيه، و للتقييد به في بقية النصوص.

لكن فهم عدم الخصوصية قريب جدا، و لا سيما مع ذكره في سياق استنقاع المرأة في الماء في موثق حنان المتقدم مع تعليل النهي عنه بأنها تحمله بقبلها.

بل عمم في المسالك الحكم لكل مائع. إلا أن المتيقن من ذلك ما كان مثل الماء في اللطافة دون ما كان غليظا. و لعله إليه يرجع ما في الجواهر و عن كشف الغطاء من الاقتصار علي الماء المضاف.

ص: 71

فإن كان الصوم واجبا معينا بطل غسله (1) و صومه (2)، و إن كان مستحبا أو واجبا موسعا بطل صومه (3) و صح غسله (4)، و إن كان ناسيا صح صومه و غسله في الصورتين (5).

[السادس: إيصال الغبار الغليظ إلي جوفه عمدا]

السادس: إيصال الغبار الغليظ إلي جوفه عمدا (6) و الأقوي إلحاق

______________________________

(1) بناء علي مفطرية الارتماس. لحرمة الارتماس حينئذ في فرض كون الصوم واجبا معينا، فيمتنع التقرب به و يبطل الغسل الذي ينوي به. و كذا الحال بناء علي حرمة الارتماس تكليفا من دون أن يكون مفطرا، كما هو ظاهر.

(2) بناء علي مفطرية الارتماس.

(3) بناء علي مفطرية الارتماس أيضا.

(4) لعدم حرمة الارتماس حينئذ. نعم بناء علي حرمته تكليفا من دون أن يبطل به الصوم، و عموم الحرمة للصوم الموسع و المستحب، يتعين بطلان الغسل أيضا، كما هو ظاهر.

(5) و هما ما إذا كان الصوم واجبا معينا، و ما إذا لم يكن كذلك. لعدم مفطرية الارتماس حينئذ. و إمكان التقرب بالغسل.

(6) كما صرح به غير واحد، و في الجواهر: «وفاقا للمشهور، بل لم أجد فيه خلافا بين القائلين بعموم المفطر للمعتاد و غيره، إلا من المصنف في المعتبر، فتردد فيه … بل ظاهر الغنية و التنقيح و صريح السرائر و محكي نهج الحق الإجماع عليه». كما ادعي الإجماع عليه في التذكرة أيضا.

و قد يستدل عليه بقاعدة المنع من كل ما يصل إلي الجوف. لكنها مختصة بما يكون له وجود متميز، دون مثل الغبار مما يتعارف وجوده في الجوّ مع الهواء، بحيث يكون تابعا له غير متميز بالوجود عرفا.

فالعمدة في المقام مضمر سليمان بن حفص المروزي: «سمعته يقول: إذا تمضمض الصائم في شهر رمضان، أو استنشق متعمدا، أو شم رائحة غليظة، أو كنس

ص: 72

______________________________

بيتا فدخل في أنفه و حلقه غبار، فعليه صوم شهرين متتابعين، فإن ذلك مفطّر مثل الأكل و الشرب و النكاح» (1).

و لا يقدح إضماره بعد إيداع الأصحاب له في كتبهم المعدة لأحاديث الأئمة عليه السّلام. و لا عدم النص علي وثاقة سليمان بن حفص، بعد كونه من رجال كامل الزيارات. و لا روايته في إحدي نسختي الوسائل عن سليمان بن جعفر، بعد كون الموجود في التهذيبين روايته عن سليمان بن حفص. و لا سيما و أن الراوي عنه محمد بن عيسي الذي يروي عن ابن حفص كثيرا. بل لعله لا وجود لسليمان بن جعفر المروزي و أنه تصحيف عن ابن حفص، كما قرّبه بعض مشايخنا قدّس سرّه في معجمه.

نعم في موثق عمرو بن سعيد عن الرضا عليه السّلام: «سألته عن الصائم يتدخن بعود أو بغير ذلك فتدخل الدخنة في حلقه. فقال: جائز لا بأس به. و سألته عن الصائم يدخل الغبار في حلقه. فقال: لا بأس» (2)، و ربما يجمع بينهما بوجهين:

الأول: حمل المضمر علي الغليظ، بقرينة الكنس، فيكون شاهدا علي تنزيل الموثق علي غير الغليظ.

و فيه: أن الكنس لا يستلزم غلظ الغبار، و فرض دخول الغبار في الحلق في الموثق مستلزم عرفا للإحساس به، و هو و إن لم يستلزم الغلظ، إلا أن الغليظ هو أظهر أفراد ذلك، فإخراجه يحتاج إلي عناية بعيدة عن مقام الجمع العرفي.

الثاني: حمل المضمر علي صورة التعمد إما للتصريح بالتعمد في صدره، أو لفرض الكنس الذي هو وسيلة اختيارية لإدخال الغبار في الحلق، أو للحكم بوجوب الكفارة التي هي من شئون العمد، أو للتشبيه فيه بالأكل و الشرب و النكاح التي تختص مفطريتها بالعمد. و حينئذ يجمع بينها و بين الموثق بحمل الموثق علي صورة عدم التعمد. و بذلك يرتفع التنافي بينهما.

و فيه: أن عدم تنبيه السائل لخصوصية عدم التعمد موجب لظهور كلامه في السؤال عن مفطريته ذاتا، كسائر المفطرات، و قوة ظهور الجواب في نفي مفطريته كذلك،

ص: 73


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 22 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1، 2.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 22 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1، 2.

______________________________

فحمله علي عدم التعمد، ليكون عدم مفطريته ثانويا، بعيد عن مقام الجمع العرفي.

مضافا إلي أن التصريح في المضمر بالتعمد بالإضافة إلي الاستنشاق و إهماله في الغبار مع الاقتصار فيه علي الكنس ظاهر في أن التعمد إنما يكون للكنس، و أن ترتب وصول الغبار للأنف و الحلق عليه طبعي من دون تعمد له بخصوصه، و لا سيما مع عدم الداعي عادة لتعمد ذلك، لكونه أمرا مزعجا، و ليس هو كالاستنشاق مما يرغب فيه.

و أما الحكم فيه بالكفارة فلعله بلحاظ تعمد الكنس، تحفظا عما قد يترتب عليه من دخول الغبار للأنف و الحلق، لا بلحاظ تعمد نفس دخول الغبار. كما أن تشبيهه بالأكل و الشرب إنما كان في أصل المفطرية، لا في كيفيتها. و بالجملة: الجمع المذكور بعيد في نفسه. و لا أقل من كونه جمعا تبرعيا، بلا شاهد.

الثالث: الجمع بينهما بحمل المضمر علي ما يثيره الصائم بنفسه، أو مطلق ما يثيره الإنسان، و الموثق علي ما يثار بالهواء و نحوه.

و فيه: أن إلغاء خصوصية الكنس و نحوه عرفا تجعل الجمع المذكور غير عرفي.

و من ثم كان التعارض مستحكما بين الحديثين و لازم ذلك تساقطهما، أو ترجيح الموثق، لموافقته لما تضمن من النصوص حصر المفطرات في غيره، و لوهن المضمر باشتماله علي ما يصعب الالتزام بمفطريته و ثبوت الكفارة به أو يتعذر، و بأن عموم مفطرية الغبار قد يستلزم الحرج النوعي. و قصره علي الغليظ بلا شاهد.

و دعوي سقوط الموثق بإعراض المشهور عنه، بل الإجماع المدعي في التذكرة و غيره، علي ما سبق. كما أن ظاهر ما في المبسوط من الإشارة للخلاف في ثبوت الكفارة من دون إشارة للخلاف في وجوب القضاء الإجماع علي وجوب القضاء، كما هو صريح السرائر.

ممنوعة: لإهمال جماعة له عند ذكر المفطرات، كما في الكافي (للكليني) و الفقيه و المقنع و جمل العلم و العمل و المقنعة و النهاية و المراسم، بل الغنية، إلا أن يستفاد من تعميمه المفطرية لكل ما يدخل في الجوف و لو من طريق الأنف. فتأمل.

و لا سيما مع ظهور اضطراب كلمات الفقهاء (رضوان اللّه تعالي عليهم) في بيان

ص: 74

الدخان به (1)، بل الأحوط وجوبا إلحاق غير الغليظ به (2)، إلا ما يتعسر التحرز عنه فلا بأس به (3).

[السابع: تعمد البقاء علي الجنابة حتي يطلع الفجر في شهر رمضان]
اشارة

السابع: تعمد البقاء علي الجنابة حتي يطلع الفجر في شهر رمضان (4)،

______________________________

حقيقة الصوم و تعداد المفطرات، و أحكامها، و أن كثيرا من القائلين بمفطرية الغبار خصوه بالغليظ، من دون أن يظهر المضمر في ذلك، و لم يوجبوا به الكفارة، مع أن المضمر قد اشتمل عليها.

(1) الأظهر عدم مفطريته. لما تضمن من النصوص حصر المفطرات في غيره.

و خصوص موثق عمرو بن سعيد المتقدم في الدخنة، معتضدين بالسيرة، حيث لو بني علي تجنب ذلك لظهر و كثر السؤال عن فروعه، لشيوع الابتلاء به في الخبز و الطبخ و غيرهما. و لا أقل من كونه مقتضي الأصل.

نعم مقتضي سيرة المتشرعة و مرتكزاتهم اجتناب عملية التدخين المعهودة بالتبغ و الأفيون و نحوهما. و هي و إن كانت سيرة حادثة، نتيجة حدوث الابتلاء بذلك، إلا أنه يصعب جدا الخروج عنها، و العمل علي خلافها مع شدة إباء المرتكزات لذلك. فتأمل.

(2) لإطلاق مضمر سليمان، و قد سبق أن تضمنه للكنس لا يصلح قرينة علي تقييده بالغليظ.

(3) لا يخفي أن تعسر التحرز عنه لا يصلح للمنع من مبطليته. إلا أن الوجه في عدم مبطليته حينئذ السيرة القطعية. لكن اللازم حينئذ كون المعيار تعسر التحرز نوعا، لعموم السيرة معه.

(4) علي المعروف من مذهب الأصحاب المدعي عليه الإجماع في الانتصار و الخلاف و الغنية و الوسيلة و ظاهر السرائر و التذكرة و عن غيرها.

و يقتضيه النصوص الكثيرة. كصحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «أنه قال في رجل احتلم أول الليل أو أصاب من أهله، ثم نام متعمدا في شهر رمضان حتي

ص: 75

______________________________

أصبح، قال: يتم صومه ذلك، ثم يقضيه إذا أفطر من شهر رمضان، و يستغفر ربه» (1)، و صحيح أبي بصير عنه عليه السّلام: «في رجل أجنب في شهر رمضان بالليل، ثم ترك الغسل متعمدا حتي أصبح، قال: يعتق رقبة، أو يصوم شهرين متابعين، أو يطعم ستين مسكينا … » (2)، و غيرهما.

مضافا إلي ظهور المفروغية عن ذلك في الجملة من النصوص الكثيرة الواردة في النوم (3)، سواء ما دل منها علي الإفطار أم علي عدمه، لأن الكلام في خصوصية النوم فرع عن ثبوت المقتضي للإفطار بذلك. كما يدل عليه بالأولوية أو علي المفروغية عنه ما ورد فيمن نسي غسل الجنابة في شهر رمضان (4). فتأمل.

نعم يعارضها جملة من النصوص، كصحيح حبيب الخثعمي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «قال: كان رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله و سلم يصلي صلاة الليل في شهر رمضان، ثم يجنب، ثم يؤخر الغسل متعمدا حتي يطلع الفجر» (5)، و مرسل المقنع عن حماد: «أنه سأل أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل أجنب في شهر رمضان من أول الليل و أخر الغسل حتي يطلع الفجر. فقال: كان رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله و سلم يجامع نساءه من أول الليل، ثم يؤخر الغسل حتي يطلع الفجر. و لا أقول كما يقول هؤلاء الأقشاب: يقضي يوما مكانه» (6)، و صحيح العيص بن القاسم: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل أجنب في شهر رمضان، فأخر الغسل حتي طلع الفجر. فقال: يتم صومه و لا قضاء عليه» (7)، و قريب منه معتبر سليمان بن أبي زينبة (8).

لكن الأول ظاهر في استمرار النبي صلي اللّه عليه و آله و سلم علي ذلك، و هو أمر لا يليق

ص: 76


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 2.
3- راجع وسائل الشيعة ج: 7 باب: 13، 14، 15 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك.
4- راجع وسائل الشيعة ج: 7 باب: 30 من أبواب من يصح منه الصوم، و مستدرك الوسائل باب: 12 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك.
5- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 5.
6- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 13 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 3، 4، 5.
7- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 13 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 3، 4، 5.
8- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 13 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 3، 4، 5.

______________________________

به صلي اللّه عليه و آله و سلم، لو كان يليق به وقوعه منه اتفاقا، و الثاني- مع ضعفه بالإرسال- مشتمل علي ما يمتنع عليه صلي اللّه عليه و آله و سلم، لما هو المعروف من وجوب صلاة الليل عليه صلي اللّه عليه و آله و سلم.

مضافا إلي نسبة الحكم المذكور فيه للأقشاب ذما لهم، فإن كان المراد بهم العامة فالمعروف عنهم خلافه، و عدم فساد الصوم بذلك. و إن كان المراد بهم الخاصة فهو من أظهر شواهد التقية.

و أما الأخيران فهما معارضان بمعتبر سليمان بن حفص عن الفقيه: «قال: إذا أجنب الرجل في شهر رمضان بليل، و لا يغتسل حتي يصبح فعليه صوم شهرين متتابعين، مع صوم ذلك اليوم. و لا يدرك فضل يومه» (1)، و لا يقدح فيه روايته في بعض النسخ عن سليمان بن جعفر المجهول. لما سبق عند الكلام في مفطرية الغبار الغليظ من تقريب كونه تصحيفا.

و حينئذ يتعين الجمع بين الطائفتين بالتفصيل بين تعمد تأخير الغسل و عدمه كما ذكره الأصحاب (رضوان اللّه عليهم)- بشهادة صحيحي الحلبي و أبي بصير المتقدمين. مضافا إلي عموم ما دل علي اعتبار التعمد في المفطرية. و لو غض النظر عن ذلك كان الترجيح لنصوص المفطرية، لشهرتها رواية و عملا بين الأصحاب قديما و حديثا، و مخالفتها للمعروف من مذهب العامة.

و من القريب حمل النصوص الأخيرة علي التقية، كما يناسبه ما تقدم في مرسل المقنع عن حماد، و ما في حديث إسماعيل بن عيسي: «سألت الرضا عليه السّلام عن رجل أصابته جنابة في شهر رمضان، فنام عمدا حتي يصبح، أي شي ء عليه؟ قال: لا يضره هذا، و لا يفطر، و لا يبالي، فإن أبي عليه السّلام قال: قالت عائشة: إن رسول اللّه أصبح جنبا من جماع غير احتلام» (2)، فإن الاستدلال بحديث عائشة ليس من طريقتهم عليه السّلام، و مناسب للتقية جدا.

و من هنا يضعف ما في ظاهر المقنع من عدم مفطريته، و عن الداماد و الاردبيلي

ص: 77


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 3.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 13 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 6.

______________________________

و الكاشاني الميل إليه أو القول به.

و قد استدل لهم بقوله تعالي: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلي نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَ أَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَ عَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَ ابْتَغُوا ما كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتّي يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ … (1).

بدعوي: أن مقتضي إطلاق صدره و صراحة ذيله جواز الجماع في آخر جزء من الليل، و عدم إخلاله بالصوم، و حيث كان مستلزما للبقاء علي الجنابة عند الفجر كشف عن عدم مفطريته.

و ربما يجاب عن ذلك بأن إطلاق الصدر مقيد بالنصوص المتقدمة. و الغاية في الذيل كما يمكن أن ترجع للجماع و الأكل و الشرب يمكن أن ترجع للأكل و الشرب فقط، لأن القيد المتعقب لجمل متعددة كما يمكن رجوعه للكل يمكن رجوعه للأخير فقط، و هو المتيقن في المقام، بل المتعين بقرينة النصوص المتقدمة.

و لعل الأولي أن يقال: الآية الكريمة قد وردت لنسخ حكمين كانا مشرعين سابقا في الصوم:

الأول: حرمة الجماع في ليلة اليوم الذي يصام.

و الثاني: جواز الأكل و الشرب للصائم ما لم ينم، فإذا نام حرم الأكل و الشرب عليه (2).

و الصدر وارد لنسخ الحكم الأول، و بيان رجوع الأمر في الجماع ليلا إلي ما كان قبل تشريع الصوم، و هو لا ينافي وجوب اجتناب الجماع بالعرض في بعض الليل أو جميعه عليه إذا لزم منه محذور، و منه البقاء علي الجنابة نهارا.

و أما قوله تعالي: وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا … فهو وارد لنسخ الحكم الثاني، و بيان استمرار حل الأكل و الشرب إلي طلوع الفجر.

ص: 78


1- سورة البقرة الآية: 187.
2- راجع وسائل الشيعة ج: 7 باب: 43 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك.

و قضائه (1).

أما في غيرهما من الصوم الواجب ففيه إشكال (2). أما المندوب

______________________________

أما استمرار حلّ الجماع إلي الفجر فهو غير منظور في المقام، إذ لم يسبق تحديده بغير الفجر- كالأكل و الشرب- و إنما سبق المنع منه رأسا.

و بذلك يظهر أن رجوع التحديد بالفجر للأكل و الشرب فقط ليس لأنه المتيقن، و لا من جهة النصوص المتقدمة، بل لمناسبته لمورد نزول الآية الشريفة، و أن الآية لا تنهض بالمنع من مفطرية البقاء علي الجنابة، لا بصدرها و لا بذيلها. فلاحظ.

(1) كما هو ظاهر الأصحاب، إما لإلحاق القضاء بالأداء، لاتحادهما في الماهية، و الاختلاف بينهما في وقت الامتثال لا غير. أو للنصوص الخاصة، كصحيح عبد اللّه ابن سنان: «كتب أبي إلي أبي عبد اللّه عليه السّلام و كان يقضي شهر رمضان، و قال: إني أصبحت بالغسل و أصابتني جنابة فلم اغتسل حتي طلع الفجر، فأجابه عليه السّلام:

لا تصم هذا اليوم، و صم غدا» (1)، و غيره. و هي إن اختصت بغير العمد دلت علي المانعية في العمد بالأولوية و إلا دلت عليها بالإطلاق.

لكن في المعتبر: «و لقائل أن يخصّ هذا الحكم برمضان دون غيره من الصيام»، كما تردد فيه في المنتهي، لدعوي اختصاص النصوص برمضان. و يظهر ضعفه مما سبق.

(2) و ظاهر الأصحاب الإلحاق بشهر رمضان في المفطرية. و كأنه لقاعدة الإلحاق في الماهيات المخترعة بالمشرع المعهود منها.

لكنه يشكل بأن الدليل علي ذلك إن كان هو إلغاء خصوصية المشرع المعهود منها عرفا، و التعميم لتمام أفراد الماهية فلا مجال له في المقام بعد ورود الدليل بعدم المفطرية في المندوب، الذي هو من أفراد الماهية. و إن كان هو الإطلاق المقامي لأدلة حكم الفرد الخاص، حيث يظهر منه الاتكال فيه علي البيان الوارد في الفرد المعهود.

فلا مجال له في المقام، إذ كما يمكن الاتكال في سائر أفراد الواجب علي بيان مفطرية

ص: 79


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 19 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 2.

______________________________

البقاء علي الجنابة في صوم رمضان أداء و قضاء، يمكن الاتكال فيه علي بيان عدم مفطريته في المندوب.

اللهم إلا أن يقال: الإطلاق المقامي في المقام ينصرف لصوم رمضان، لأنه الصوم المفروض، و أظهر أفراد الصوم المشروع، دون المندوب، و لا سيما مع ما هو المعهود من التسامح في المندوبات عموما.

و مثله في ذلك الاستدلال علي عدم المفطرية بعموم حصر المفطر في غيره في مثل صحيح محمد بن مسلم: «سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول: لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث [أربع] خصال: الطعام و الشراب، و النساء، و الارتماس في الماء» (1).

بدعوي: أنه يدل علي عدم قدح البقاء علي الجنابة في طبيعة الصوم من حيث هي، فإذا دل دليل علي دخله في خصوص صوم رمضان لم يكن وجه لإلحاق غيره به، بل المرجع فيه العموم المذكور.

لاندفاعه بأن العموم المذكور مسوق لبيان عدم قادحية غير الأمور المذكورة في الصوم، و حيث كان أظهر أفراده صوم شهر رمضان، فلا مجال للجمع بين دليل مفطرية تعمد البقاء علي الجنابة في صوم شهر رمضان و العموم المذكور بقصر العموم علي ما عدا صوم شهر رمضان. كما لا مجال للجمع بحمل الدليل المذكور علي كون ترك تعمد البقاء علي الجنابة واجبا في صوم رمضان بنحو تعدد المطلوب، لا مقوما له، لصراحته في المفطرية. و من هنا لا بد من أحد أمور..

الأول: طرح العموم المذكور رأسا. و حينئذ لا ينهض بالاستدلال.

الثاني: حمله علي الحصر الإضافي بلحاظ الأفعال الخارجية الحدوثية، دون مثل تعمد البقاء علي الجنابة مما كان مانعا من الصوم باستمراره، و عدم رفع المكلف له.

و حينئذ لا يمكن الاستدلال به في المقام.

الثالث: تعميم النساء فيه لمثل تعمد البقاء علي الجنابة بأن تكون مفطريته بلحاظ أثره، كما يناسبه ما يأتي من عموم المفطرية لكل جنابة متعمدة، فيكون المفطر

ص: 80


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 1 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1.

فلا يقدح فيه ذلك (1).

______________________________

هو تعمد الكون علي الجنابة حال الصوم، أما بتعمد إحداثها حاله، أو تعمد البقاء عليها حتي يشرع فيه.

و لعل الأخير أقرب عرفا في الجمع بين النصوص، كما يناسبه ما تقدم في مفطرية الجماع. و لازم ذلك البناء علي عموم مفطرية البقاء علي الجنابة و يختص الخروج عن ذلك بالمندوب، لاختصاص دليل عدم قادحيته- لو تم- به، كما لعله المناسب لبعض النصوص الآتية فيه، الذي خصّ السؤال فيه بالمندوب، حيث قد يشعر بمفروغية السائل عن المانعية في غيره، كما قد يشعر بذلك عدم التنبيه في الجواب لعموم عدم المانعية له. فلاحظ.

(1) كما في المدارك و ظاهر الوسائل، و يظهر من الدروس الميل إليه، و كذا من المسالك و الجواهر، و لو بضميمة قاعدة التسامح في أدلة السنن. و جري عليه غير واحد ممن قارب عصرنا و ممن عاصرناهم.

لصحيح حبيب الخثعمي: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: أخبرني عن التطوع و عن صوم هذه الثلاثة أيام إذا أجنبت من أول الليل فاعلم أني أجنبت، فأنام متعمدا حتي ينفجر الفجر، أصوم أو لا أصوم؟ قال: صم» (1). و هو و إن ورد في تعمد النوم، لا تعمد البقاء علي الجنابة، إلا أنه لا يبعد انصرافه إلي عدم مبالاته بالبقاء علي الجنابة بعد الفجر، فيرجع إلي تعمد البقاء عليها. و لا أقل من كونه مقتضي إطلاقه، كموثق ابن بكير: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام: عن الرجل يجنب ثم ينام حتي يصبح أ يصوم ذلك اليوم تطوعا؟ قال: أ ليس هو بالخيار ما بينه و بين نصف النهار؟» (2).

و دعوي: أن الإطلاق المذكور معارض لدليل مانعية تعمد البقاء علي الجنابة، بضميمة قاعدة الإلحاق في الماهيات المخترعة، التي أشير إليها آنفا عند الكلام في بقية الصوم الواجب. بل لإطلاق صحيح محمد بن مسلم المتضمن لحصر المفطرات

ص: 81


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 20 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1، 2.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 20 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1، 2.

______________________________

بضميمة التقريب المتقدم للجمع بينه و بين أدلة مفطرية تعمد البقاء علي الجنابة، فيتعين حمله علي صورة عدم التعمد في البقاء علي الجنابة كما في الصوم الواجب.

مدفوعة: بأن قاعدة الإلحاق لا تنهض في قبال الإطلاق الوارد في الصوم المندوب. و صحيح محمد بن مسلم لا يزيد علي المطلق. و كما يمكن حمل إطلاق عدم مانعية البقاء علي الجنابة في المندوب علي غير صورة التعمد، يمكن حمل إطلاق صحيح محمد بن مسلم علي غير المندوب. و لو لم يكن الثاني أقرب عرفا، لقوة خصوصية المندوب ارتكازا، فلا أقل من التساقط، و البناء علي عدم المفطرية، للأصل، أو لظهور الآية الشريفة، أو غيرها في عدم مفطرية البقاء علي الجنابة.

هذا و قد يستدل أيضا بخبر ابن بكير الآخر عنه عليه السّلام: «سئل عن رجل طلعت عليه الشمس و هو جنب، ثم أراد الصيام بعد ما أغتسل، و مضي ما مضي من النهار.

قال: يصوم إن شاء. و هو بالخيار إلي نصف النهار» (1). بدعوي أن مقتضي إطلاقه العموم لصورة العمد.

لكنه- مع ضعفه في نفسه- وارد فيمن طلعت عليه الشمس و هو جنب.

و حينئذ إن حمل علي تعمد البقاء علي الجنابة من الليل إلي طلوع الشمس لزم تعمد ترك صلاة الصبح، و هو بعيد جدا، و لا أقل من عدم القرينة علي ذلك. و إن حمل علي تعمد الجنابة بعد صلاة الصبح، ثم البقاء عليها إلي طلوع الشمس، لم يناسب الجواب بصحة الصوم منه حتي المستحب، لاختصاصه بما إذا لم يتعمد المفطر.

و من أجل ذلك إما أن يحمل علي النوم جنبا من الليل إلي طلوع الشمس.

و حينئذ يبعد حمله علي تعمد البقاء علي الجنابة إلي الفجر، ليكون مما نحن فيه. و لا أقل من عدم القرينة علي ذلك. و إما أن يحمل علي الاحتلام بعد الفجر، فيخرج عما نحن فيه. و هو المناسب لإطلاق صحة الصوم منه بنحو يشمل حتي قضاء شهر رمضان.

و من ثم لا مجال للاستدلال به في المقام و إن ظهر من غير واحد. فلاحظ.

ص: 82


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 20 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 3.
[(مسألة 4): الأقوي عدم البطلان بالإصباح جنبا لا عن عمد]

(مسألة 4): الأقوي عدم البطلان بالإصباح جنبا لا عن عمد (1) في صوم رمضان (2)، و غيره من الصوم الواجب المعين (3)، بل غير

______________________________

(1) كما هو ظاهر الأصحاب، لتقييدهم المفطرية بالعمد. و يقتضيه إطلاق ما تضمن عدم مفطرية الإصباح جنبا، كصحيح العيص بن القاسم المتقدم (1)، و نحوه معتبر سليمان بن أبي زينبة (2)، بعد حملهما- كما تقدم- علي غير صورة العمد بقرينة النصوص المتقدمة.

و يتناسبه في الجملة ما يأتي في المسألة الثانية عشرة في حكم النوم، و ما تضمن عدم الإفطار إذا أخر الغسل لتحصيل الماء أو تسخينه، كقوله عليه السّلام في صحيح محمد ابن مسلم الوارد في النوم: «إلا أن يستيقظ قبل أن يطلع الفجر، فإن انتظر ماء يسخن أو يستقي، فطلع الفجر، فلا يقضي صومه [يومه]» (3)، و غيره (4).

مضافا إلي عموم عدم المفطرية مع عدم التعمد- الذي يأتي الكلام فيه في أواخر هذا الفصل إن شاء اللّه تعالي- و إلي الأصل بعد قصور دليل المفطرية عن صورة عدم العمد، لاختصاص نصوصه به صريحا، كصحيح أبي بصير المتقدم (5) أو بقرينة ذكر الكفارة، كمعتبر سليمان بن حفص المروزي عن الفقيه عليه السّلام: «قال: إذا أجنب الرجل في شهر رمضان بليل، و لا يغتسل حتي يصبح، فعليه صوم شهرين متتابعين، مع صوم ذلك اليوم، و لا يدرك فضل يومه» (6).

(2) فإنه مورد النصوص المتقدمة، كما أنه مقتضي العموم و الأصل المتقدمين.

(3) فإنه و إن قصرت عنه النصوص المتقدمة، إلا أنه مقتضي العموم و الأصل المتقدمين. مضافا إلي قاعدة الإلحاق التي سبق الاستدلال بها لمبطلية تعمد البقاء علي الجنابة للصوم المذكور، فإنها تقتضي عدم مبطليته له مع عدم التعمد كما لا يبطل به صوم شهر رمضان.

ص: 83


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 13 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 4، 5.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 13 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 4، 5.
3- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 15 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 3.
4- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 14 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 2.
5- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 2، 3.
6- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 2، 3.

المعين (1)، إلا قضاء رمضان (2)، فلا يصح معه إذا التفت إليه في أثناء

______________________________

(1) كما هو مقتضي العموم و الأصل المتقدمين. و يأتي تمام الكلام فيه، إن شاء اللّه تعالي.

(2) كما صرح به غير واحد، و ظاهر ما يأتي من جامع المقاصد في مطلق غير المعين المفروغية عنه. و يشهد به صحيح عبد اللّه بن سنان: «أنه سأل أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل يقضي شهر رمضان، فيجنب من أول الليل و لا يغتسل حتي يجي ء آخر الليل، و هو يري أن الفجر قد طلع. قال: لا يصوم ذلك اليوم، و يصوم غيره»(1)، و صحيحه الآخر: «كتب أبي إلي أبي عبد اللّه عليه السّلام و كان يقضي شهر رمضان و قال: إني أصبحت بالغسل و أصابتني جنابة فلم أغتسل حتي طلع الفجر. فأجابه: لا تصم هذا اليوم، و صم غدا» (2).

و مقتضي إطلاق الأول و ترك الاستفصال في الثاني العموم لصورة عدم التعمد.

بل لعل ظاهر الأول هو عدم التعمد، و أنه إنما تعمد تأخير الغسل إلي آخر الليل، لكنه غلب علي أمره فرأي أن الفجر قد طلع. كما لعله منصرف الثاني، لأن السؤال فيه عن قضية خارجية، و التفات السائل للمسألة مع اهتمامه بصحة صومه لا يناسب تعمده ترك الغسل مع احتمال بطلان صومه معه. و أما ما تضمن عدم بطلان الصوم بالنوم جنبا فهو مختص بصوم شهر رمضان، فلا ينهض برفع اليد عن مفاد الصحيحين الواردين في القضاء.

هذا و قد عمم في القواعد البطلان لكل صوم غير معين، و في جامع المقاصد:

«للرواية الصحيحة في قضاء رمضان. و ألحق الشيخ و الأصحاب به غيره مما لم يعين».

و كأنه لفهم عدم الخصوصية.

و هو لا يخلو عن إشكال بل منع. فلا مخرج عن مقتضي العموم و الأصل اللذين تقدم التعرض لهما في صوم شهر رمضان، كما أشرنا إليه آنفا. مضافا إلي قاعدة الإلحاق، كما سبق أيضا.

ص: 84


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 19 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1، 2.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 19 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1، 2.

النهار، و إن تضيق وقته (1). أما إذا لم يلتفت إليه حتي انقضي النهار فلا يخلو عن إشكال (2).

[(مسألة 5): لا يبطل الصوم واجبا أو مندوبا معينا أو غيره بالاحتلام في أثناء النهار]

(مسألة 5): لا يبطل الصوم واجبا أو مندوبا معينا أو غيره بالاحتلام في أثناء النهار (3)،

______________________________

هذا و لو قيل بعدم قدح البقاء علي الجنابة فيه عمدا- كما سبق من بعضهم- فعدم قدحه مع عدم التعمد أولي.

(1) لإطلاق صحيحي ابن سنان المتقدمين. و دعوي انصراف الأول للموسع، و اختصاص الثاني به، لأن الأمر بصوم غد صريح في بقاء وقت القضاء من نفس السنة.

مدفوعة: بأنه لا منشأ لانصراف الأول مع عموم قوله فيه «يوم غيره» للسنة الثانية. كما أن الأمر بصوم الغد في الثاني و إن دل علي بقاء وقت القضاء في نفس السنة، إلا أنه لا ينافي تضيقه بسبب كون عدد الأيام التي يجب قضاؤها أقل من عدد الأيام الباقية من السنة.

(2) كأنه لاختصاص الصحيحين بصورة الالتفات في أثناء النهار، و لذا حسن فيهما النهي عن صوم ذلك اليوم، و لم يقتصر علي الأمر بالقضاء. لكن المستفاد منهما عرفا أن النهي عن صوم ذلك اليوم لقدح البقاء علي الجنابة فيه، من دون خصوصية للالتفات في ذلك، و لذا كان هو المفهوم في نظائره، كالأمر بقطع الصلاة و استئنافها في بعض القواطع، حيث يفهم منه عموم قاطعيته لما إذا غفل عنه حتي أتم الصلاة، إلا أن يدل دليل علي خلاف ذلك.

اللهم إلا أن يكون أخذ التعمد في مبطليته للصوم في بقية الموارد مانعا عرفا من إلغاء خصوصية الالتفات في أثناء النهار في المقام. فلاحظ.

(3) بلا خلاف، بل الإجماع بقسميه عليه. كذا في الجواهر، بل لعله ضروري، بلحاظ كثرة الابتلاء به بنحو يمتنع عادة خفاء حكمه.

ص: 85

كما لا يبطل بمس الميت (1) عمدا، و إن كان قبل الفجر (2).

[(مسألة 6): إذا أجنب عمدا ليلا في وقت لا يسع الغسل و لا التيمم ملتفتا إلي ذلك فهو من تعمد البقاء علي الجنابة]

(مسألة 6): إذا أجنب عمدا ليلا في وقت لا يسع الغسل و لا التيمم ملتفتا إلي ذلك فهو من تعمد البقاء علي الجنابة (3). نعم إذا تمكن من التيمم

______________________________

مضافا إلي جملة من النصوص، كصحيح عبد اللّه بن ميمون عن أبي عبد اللّه عليه السّلام:

«ثلاثة لا يفطرن الصائم: القي ء و الاحتلام و الحجامة» (1). و موثق ابن بكير: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل يحتلم بالنهار في شهر رمضان يتم يومه [صومه] كما هو؟

فقال: لا بأس» (2)، و غيرهما.

(1) كما هو ظاهر الأصحاب، لعدم تنبيههم لمفطريته، بل اقتصروا علي الجنابة و الحيض و النفاس.

و يقتضيه- مضافا إلي الأصل- ما تضمن حصر النواقض في غيره، كقوله عليه السّلام في صحيح محمد بن مسلم المتقدم: «لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث [أربع] خصال: الطعام و الشراب، و النساء، و الارتماس في الماء» (3)، و غيره.

و أما ما دل علي وجوب الغسل به فهو و إن اقتضي كونه موجبا للحدث، إلا أنه لا دليل في المقام علي قادحية مطلق الحدث. و قد تقدم في آخر مبحث غسل المس ما ينفع في المقام. فراجع.

(2) لا خصوصية لذلك بعد فرض التعمد. بل لعل الأنسب أن يقول: و إن كان بعد الفجر؟ حيث قد يحتمل أن يكون جعل الصائم نفسه محدثا أولي بالمفطرية من بقائه علي الحدث السابق علي الصوم، و لا يحتمل العكس.

(3) كما في الجواهر و غيرها. قال سيدنا المصنف: «و في كلام بعض نفي الإشكال فيه». و يظهر من الخلاف أن الإجماع علي مفطرية الإصباح جنبا عمدا شامل لمحل الكلام.

ص: 86


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 35 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1، 2.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 35 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1، 2.
3- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 1 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1.

فتيمم صح صومه (2).

______________________________

و هو و إن كان خارجا عن مفاد النصوص، لظهورها في تعمد الجنب في البقاء علي الجنابة بترك الغسل، و لا تعمد إيقاع سبب الجنابة، إلا أن المناسبات الارتكازية تقتضي التعميم. و لا سيما بملاحظة ما تضمن الإفطار بتعمد النوم، مع وضوح أن النائم لا يتعمد في ترك الغسل، بل في إحداث ما يقتضي الاستمرار علي تركه.

و أما ما ذكره بعض مشايخنا قدّس سرّه من أنه لا فرق في اتصاف الفعل بالعمد و إسناده إلي الاختيار بين أن يكون اختياريا بنفسه أن يكون اختياريا أو بمقدمته و إن خرج عن الاختيار في ظرفه، فإن الممتنع بالاختيار لا ينافي الاختيار، فالبقاء علي الجنابة في المقام اختياري باختيارية مقدمته، و هو الإجناب.

فهو إنما ينفع لو كان موضوع الحكم في النصوص تعمد الكون علي الجنابة عند الفجر. أما حيث كان الموضوع فيها تعمد ترك الغسل بعد الجنابة حتي يطلع الفجر، فهو يختص بما إذا كان الغسل ممكنا بعد حصول الجنابة و قبل الفجر، و لا يشمل ما نحن فيه، و ينحصر وجه إلحاقه بما ذكرنا.

(2) هذا قد لا يناسب ما ذكروه من لزوم عدم تعمد الجنابة في وقت لا يسع الغسل، بنحو يظهر منه بطلان الصوم بذلك من دون تنبيه للتيمم.

و كيف كان فالكلام هنا في مقامين..

المقام الأول: في بدلية التيمم عن الغسل في الصوم، بحيث يجب عند تعذر الغسل و لو من غير جهة ضيق الوقت. و قد صرح غير واحد بذلك، لعموم تنزيل الطهارة الترابية منزلة الطهارة المائية.

و ربما يقال: لما كان ظاهر الأدلة قدح الجنابة في الصوم فيبتني وجوب التيمم علي كونه رافعا للحدث، إذ لو كان مبيحا لم ينفع في رفع القادح، و يكون المورد من موارد تعذر رفع الجنابة.

و يندفع بأنه بناء علي الإباحة فمقتضي عموم البدلية جريان حكم الرفع علي

ص: 87

______________________________

التيمم و إن لم يكن رافعا حقيقة، ففي كل مورد تشرع الطهارة المائية لرفع الحدث تشرع الطهارة الترابية عند سقوطها، لترتب حكم الرفع، و منه المقام.

فالأولي في الإشكال في المقام: أنه لا دليل علي شرطية الطهارة في الصوم، أو مانعية الجنابة منه، كما استفيد ذلك في الصلاة من مثل قوله عليه السّلام: «لا صلاة إلا بطهور» (1)، ليكون مقتضي عموم التنزيل قيام التراب مقام الماء في إحداث الطهارة أو في جريان أحكامها.

بل الذي تضمنته الأدلة في المقام هو قادحية تعمد البقاء علي الجنابة بترك الطهارة المائية بالغسل، و تنزيل التيمم منزلة الغسل في ذلك، بحيث يكون تعمد تركه عند تعذر الغسل قادحا أيضا، لا يقتضيه عموم التنزيل، لاختصاص العموم المذكور بقيام التيمم مقام الغسل و الوضوء في حصول الطهارة أو في جريان أحكامها.

و كأنه إلي هذا يرجع ما في المدارك من اختصاص الأمر بالغسل، فيسقط بتعذره، و ينتفي التيمم بالأصل. أما لو كان مراده ظهور الأدلة في شرطية الغسل بنفسه لا بلحاظ ترتب الطهارة عليه. فهو في غاية الإشكال، لأن المنصرف من جميع أدلة مطلوبية الغسل و الوضوء مطلوبيتهما من أجل ترتب الطهارة عليهما، لا مطلوبيتهما لنفسهما. فالعمدة ما سبق.

نعم قد يدعي أن المستفاد من مجموع الأدلة كون المفطر هو البقاء علي الجنابة، و أن التعمد شرط في مفطريته، لا أنه هو المفطر، ليدعي اختصاصه بتعمد البقاء علي الجنابة بترك الغسل. و حينئذ فمقتضي عموم مطهرية التراب كون التيمم رافعا للجنابة، فيكون تعمد تركه من تعمد المفطر.

لكنه لا يخلو عن إشكال، و لا سيما مع عدم التنبيه للتيمم في الصوم مع كثرة الابتلاء بالمسألة. و ليس إلحاقه بالصلاة في ذلك من الوضوح بحدّ يستغني معه عن التنبيه و السؤال.

و دعوي: أن لازم ذلك عدم جواز الإجناب ليلا لمن لا يستطيع الغسل، لخوف

ص: 88


1- وسائل الشيعة ج: 1 باب: 1 من أبواب الوضوء حديث: 1.

______________________________

الضرر أو فقد الماء أو نحوهما، لأنه بتعمد الإجناب قد تعمد البقاء علي الجنابة بعد فرض تعذر رفعها للصوم بالتيمم.

مدفوعة: بما سبق من قصور أدلة مفطرية تعمد البقاء علي الجنابة عن تعمد الإجناب ليلا، و المتيقن من إلحاقه ما إذا انحصر سبب البقاء علي الجنابة عرفا بالإجناب ليلا، لعدم سعة الوقت للغسل، دون ما إذا كان له سبب آخر، و هو تعذر الغسل، أو عدم مشروعيته، لفقد الماء، أو لخوف الضرر. و علي ذلك يتجه جواز الإجناب ليلا لفاقد الطهورين. فلاحظ.

المقام الثاني: في مشروعية التيمم في المقام لو قيل بمشروعيته عموما للصوم.

و الظاهر عدم مشروعيته، كما يظهر من جماعة من الأصحاب ممن صرح بالعصيان و لزوم القضاء و الكفارة بتعمد الإجناب مع ضيق الوقت عن الغسل. حيث يظهر منهم أن المعيار في ذلك ترك الغسل، من دون تنبيه منهم للتيمم.

و قد استدل عليه بعض مشايخنا بانصراف عدم الوجدان عما إذا كان مستندا لاختيار المكلف.

و فيه: أن ذلك- لو تم- إنما يقتضي عدم مشروعية التيمم مع تعجيز المكلف نفسه عن الطهارة بإراقة الماء و نحوه، لا عدم مشروعيته مع تعمد الجنابة في ضيق الوقت.

فالأولي في وجهه ما سبق منا- في مسوغات التيمم- و يظهر من جماعة من الإشكال في عموم مشروعية التيمم لضيق الوقت عن استعمال الماء مع القدرة عليه.

و يناسبه في المقام عدم التنبيه في النصوص لانتقال التكليف بتضيق الوقت للتيمم بدلا عن الغسل- كما جري عليه بعض الفقهاء هنا- مع شدة الحاجة له، لكونه مغفولا عنه.

مضافا إلي صحيح محمد بن مسلم عن أحدهما عليه السّلام: «سألته عن الرجل تصيبه الجنابة في رمضان، ثم ينام قبل أن يغتسل، قال: يتم صومه، و يقضي ذلك اليوم. إلا أن يستيقظ قبل أن يطلع الفجر، فإن انتظر ماء يسخن أو يستقي، فيطلع الفجر، فلا يقضي صومه [يومه]» (1)

ص: 89


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 15 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 3.

و إن كان عاصيا (1)، و إن ترك التيمم وجب القضاء و الكفارة (2).

[(مسألة 7): إذا نسي غسل الجنابة ليلا حتي مضي يوم أو أيام من شهر رمضان بطل صومه]

(مسألة 7): إذا نسي غسل الجنابة ليلا حتي مضي يوم أو أيام من شهر رمضان بطل صومه (3) و عليه القضاء.

______________________________

و خبر إسماعيل بن عيسي: «سألت الرضا عليه السّلام عن رجل أصابته جنابة في شهر رمضان … و رجل أصابته جنابة في آخر الليل، فقام ليغتسل و لم يصب ماء فذهب يطلبه أو بعث من يأتيه، فعسر عليه حتي أصبح كيف يصنع؟ قال: يغتسل إذا جاءه ثم يصلي» (1).

فإن عدم التنبيه فيهما للتيمم مع ظهور غفلة المكلف عنه مشعر أو ظاهر في عدم مشروعيته هنا لضيق الوقت.

و ما في الجواهر من ظهور أو احتمال ابتناء السؤال علي تخيل سعة الوقت- لو تم لا ينافي حسن التنبيه للتيمم في أمثال المقام مما كان المكلف فيه معرضا لضيق الوقت.

بل قد يظهر من خبر إسماعيل عدم مشروعية التيمم للصوم حتي من غير جهة ضيق الوقت، كعدم وجدان الماء و استلزام طلبه خروج الوقت. فينفع حتي في المقام الأول.

(1) لما ذكرناه في مبحث التيمم من عدم وفاء الطهارة الترابية بتمام ملاك الطهارة المائية.

(2) بناء علي وجوبهما في متعمد البقاء علي الجنابة، كما تضمنته بعض النصوص المتقدمة. و لا ينبغي الإشكال في القضاء، فإنه ملازم للمفطرية. و أما الكفارة فيأتي الكلام فيها في الفصل الثالث إن شاء اللّه تعالي.

(3) كما في المبسوط و النهاية و المختلف و التذكرة و الدروس و جامع المقاصد و ظاهر الصدوق في الفقيه، و قد يظهر من المعتبر، و حكي عن جماعة. و عن بعض أنه الأشهر، و نسب في كلام آخرين للأكثر. لصحيح الحلبي: «سئل أبو عبد اللّه عليه السّلام عن

ص: 90


1- التهذيب ج: 4 ص: 211، 210 باب: الكفارة في اعتماد إفطار يوم من شهر رمضان حديث: 7. راجع وسائل الشيعة ج: 7 باب: 14 من الأبواب المذكورة حديث: 2.

______________________________

رجل أجنب في شهر رمضان، فنسي أن يغتسل حتي خرج شهر رمضان. قال: عليه أن يقضي الصلاة و الصيام» (1).

و نحوه حديث إبراهيم بن ميمون (2)، و مرسل الصدوق (3).

و يظهر من اقتصار العلامة في القواعد علي نسبة الحكم للرواية، و اقتصار الشهيد في اللمعة علي نسبته للمشهور، التوقف فيه، بل قد يظهر من إهمال جماعة كثيرة التنبيه له البناء علي عدمه، كما هو صريح السرائر، و في الشرائع و النافع أنه الأشهر، بل في السرائر بعد نسبة القول بوجوب القضاء للشيخ أنه لم يقل به أحد من محققي أصحابنا.

و قد يستدل له- كما في كلام غير واحد- بأن مفطرية البقاء علي الجنابة مشروطة بالعمد، معتضدا بعموم اعتبار العمد في المفطرية الذي يأتي الكلام فيه.

لكن ذلك لا ينهض في قبال النصوص المتقدمة، حيث تصلح لإثبات الحكم علي خلاف القاعدة.

و مثله حديث رفع النسيان. علي أنه إنما يقتضي معذرية النسيان و عدم المؤاخذة به، لا صحة العمل الناقص نسيانا علي ما ذكرناه في التنبيه الرابع من تنبيهات مبحث الدوران بين الأقل و الأكثر الارتباطيين من كتابنا (المحكم) و غيره.

و أضعف من ذلك الاستدلال بمساواته للنوم، حيث يأتي عدم وجوب القضاء به إلا مع التكرار. فإنه قياس لا ينهض بالاستدلال في نفسه، فضلا عن أن يرفع به اليد عن النص المعتبر.

و دعوي: أن بين أدلة الصحة مع النوم و نصوص المقام عموما من وجه، و بعد تساقطهما في الناسي النائم يكون المرجع عموم اعتبار العمد في المفطرية.

مدفوعة أولا: بعدم التعارض بين الطائفتين، لأن عدم مفطرية ترك الغسل من أجل النوم لا تنافي مفطرية تركه من أجل النسيان و لو في حق الشخص الواحد.

و ثانيا: بأن غلبة تحقق النوم في مورد نصوص المقام تجعلها بحكم الأخص من

ص: 91


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 30 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 3، 1، 2.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 30 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 3، 1، 2.
3- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 30 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 3، 1، 2.

و يلحق به قضاؤه (1)،

______________________________

نصوص النوم، فتقدم عليها.

و ثالثا: بأن ذلك إنما يقتضي عدم المفطرية في حال وحدة النوم، إذ مع تعدده لا إشكال في بطلان الصوم و وجوب القضاء، كما يأتي إن شاء اللّه تعالي.

نعم في حديث الجعفريات: «أن عليا عليه السّلام سئل عن رجل احتلم أو جامع، فنسي أن يغتسل جمعة، فصلي جمعة و هو في شهر رمضان فقال علي عليه السّلام: عليه قضاء الصلاة، و ليس عليه قضاء صيام شهر رمضان» (1)، و الظاهر اعتبار سنده، كما ذكرناه في المسألة الثانية و الأربعين عند الكلام في حرمة حلق اللحية في آخر مباحث المكاسب المحرمة.

و حينئذ يكون مقتضي الجمع بينه و بين نصوص القضاء المتقدمة حمل النصوص المذكورة علي الاستحباب، أو علي الخطأ، بقرينة عموم اعتبار العمد في المفطرية.

(1) كما في الجواهر. لما ذكره سيدنا المصنف قدّس سرّه من قاعدة إلحاق القضاء بالمقضي. و مرجعها إلي أن القضاء عبارة عن أداء نفس العمل المقضي في غير وقته، فلا بد من اتحادهما في الخصوصيات المعتبرة فيه.

نعم لو احتمل كون منشأ بطلان الصوم في المقام قصور الزمان الذي تنسي فيه الجنابة عن الصوم، لا قصور نفس الصوم الحاصل فيه، أمكن الفرق بينهما، لأن قصور شهر رمضان عن الصوم مع نسيان الجنابة فيه لا يستلزم قصور غيره عنه مع النسيان المذكور. لكنه بعيد جدا، بل المستفاد عرفا من دليله رجوعه إلي قصور الصوم نفسه.

و أما ما ذكره بعض مشايخنا قدّس سرّه من اختصاص القاعدة بالخصوصيات المعتبرة في أصل الطبيعة، دون ما كان معتبرا في الفرد. فهو في غاية المنع، ضرورة أن القضاء إنما هو للفرد الذي اعتبرت فيه الخصوصية، و لا يكون قضاؤه إلا بادائه في غير وقته. و أما الخصوصيات المعتبرة في أصل الطبيعة فالدليل علي اعتبارها في القضاء هو إطلاق دليل اعتبار الخصوصية في الطبيعة من دون حاجة للقاعدة.

ص: 92


1- مستدرك الوسائل ج: 7 باب: 12 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1.

دون غيره من الواجب المعين و غيره (1). و الأقوي عدم إلحاق غسل الحيض

______________________________

بل إذا لم تتم القاعدة في الخصوصيات المعتبرة في الفرد المقضي لم تتم في الخصوصيات المعتبرة في الطبيعة، لعدم الفرق، و ينحصر الدليل فيها بالإطلاق المذكور.

علي أن ذلك منه قدّس سرّه لا يناسب استدلاله بالقاعدة نفسها علي مفطرية تعمد البقاء علي الجنابة لقضاء شهر رمضان، كما لعله ظاهر.

هذا و قد جعل سيدنا المصنف قدّس سرّه القاعدة المذكورة مؤيدة أو معتضدة بإطلاق صحيح عبد اللّه بن سنان: «أنه سأل أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل يقضي شهر رمضان، فيجنب من أول الليل، و لا يغتسل حتي يجي ء آخر الليل، و هو يري أن الفجر قد طلع. قال: لا يصوم ذلك اليوم، و يصوم غيره» (1)، و صحيحه الآخر:

«كتب أبي إلي أبي عبد اللّه عليه السّلام و كان يقضي شهر رمضان و قال: إني أصبحت بالغسل و أصابتني جنابة فلم أغتسل حتي طلع الفجر. فأجابه: لا تصم هذا اليوم، و صم غدا» (2) لإمكان عموم عدم الغسل فيهما لصورة نسيان الجنابة.

و قد استشكل فيه بعض مشايخنا قدّس سرّه بأن الصحيحين و إن كانا شاملين لغير صورة تعمد تأخير الغسل إلي طلوع الفجر، إلا أنهما ظاهران في تعمد تأخير الغسل و لو باعتقاد سعة الوقت فبان ضيقه، و لا يشملان من صورة عدم الغسل لنسيان الجنابة الذي هو محل الكلام.

و الإنصاف أن ما ذكره و إن كان قريبا في الصحيح الأول، إلا أنه لا يتم في الثاني، كما يتضح بالتأمل فيهما. و من ثم لا يبعد عموم إطلاق الثاني لصورة النسيان، و نهوضه بالاستدلال في المقام. لكنه مختص بما إذا ذكر الجنابة في نفس اليوم بعد طلوع الفجر، و لا يعم ما إذا ذكرها بعد انتهاء النهار و إكمال الصوم، بل ينحصر الدليل فيه بقاعدة إلحاق القضاء بالمقضي.

(1) كأنه لخروجه عن مورد النص. لكن تقدم عند الكلام في عموم مفطرية

ص: 93


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 19 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1، 2.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 19 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1، 2.

و النفاس إذا نسيته المرأة بالجنابة (1)، و إن كان الأحوط استحبابا.

[(مسألة 8): إذا كان المجنب لا يتمكن من الغسل- لمرض و نحوه]

(مسألة 8): إذا كان المجنب لا يتمكن من الغسل- لمرض و نحوه- وجب عليه التيمم قبل الفجر (2) و إن تيمم لم يجب عليه أن يبقي مستيقظا

______________________________

تعمد البقاء علي الجنابة لغير صوم شهر رمضان ما يقتضي عموم المفطرية في المقام لبقية أنواع الصوم، كما استظهر ذلك في الجواهر.

نعم لا يبعد استثناء الصوم المندوب، بناء علي ما تقدم من عدم مانعية تعمد البقاء علي الجنابة منه، لأن ذلك يقتضي عدم مانعية البقاء علي الجنابة نسيانا بالأولوية العرفية. فلاحظ.

(1) لاختصاص النص بالجنابة، و التعدي لغيرها يحتاج إلي دليل. لكن استظهر في الجواهر العموم، لأن الظاهر اتحاد الجميع في كيفية الشرطية. و هو و إن كان قريبا جدا إلا أن في بلوغ ذلك حدا ينهض بالاستدلال إشكال، و لا سيما في مثل هذا الحكم المخالف للقاعدة.

قال في الجواهر: «بل قيل انهما أقوي، لأنه لم يرد فيهما ما ورد فيه مما يوهم أن الشرط إنما هو تعمد البقاء».

لكن هذا إنما ينفع لو كان الدليل فيهما إطلاق يقتضي بطلان الصوم بهما مع النسيان. و هو غير ظاهر، إذ ما تضمن بطلان الصوم بمفاجأة الحيض و النفاس إنما يقتضي مفطرية نفس الحيض و النفاس من غير تعمد، لا حدثهما المستمر بعد النقاء الذي هو محل الكلام. و ما تضمن إفطار الحائض و النفساء ببقاء الحدث بعد النقاء مختص بموثق أبي بصير (1) الآتي في المسألة العاشرة المتضمن للتواني في الغسل، و الظاهر في التقصير، فلا يشمل صورة النسيان. و من ثم ينحصر الدليل فيهما بما ورد في الجنابة بضميمة إلحاقهما بها لو تم. و حينئذ يتعين مشاركتهما للجنابة في جميع الأدلة، حتي ما أوهم أن الشرط هو تعمد البقاء.

(2) تقدم في المسألة السادسة الإشكال في ذلك، و احتمال عدم مشروعية

ص: 94


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 21 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1.

إلي أن يطلع الفجر (1).

[(مسألة 9): إذا ظن سعة الوقت للغسل فأجنب فبان الخلاف]

(مسألة 9): إذا ظن سعة الوقت للغسل فأجنب فبان الخلاف فلا شي ء عليه (2) مع المراعاة، أما بدونها فالأحوط القضاء (3).

______________________________

التيمم في المقام. فراجع. نعم لا إشكال في رجحان التيمم برجاء المشروعية.

(1) لما سبق منا و منه قدّس سرّه في المسألة الأربعين من فصل التيمم من أن التيمم للحدث الأكبر لا يبطل بالحدث الأصغر. أما لو قيل ببطلانه به فالمتجه عدم جواز النوم، إذ مع بطلان التيمم يلزم البقاء علي الجنابة- أو مطلق الحدث الأكبر- إلي طلوع الفجر فيكون تعمد النوم من تعمد البقاء علي الجنابة المفروض مبطليته للصوم.

نعم لا بد من العزم علي النوم بنحو يستمر إلي الفجر- كما لا يبعد كونه محل الكلام- دون ما إذا لم يتعمد النوم، أو تعمده برجاء الانتباه قبل الفجر، فإنه لا يلزم منه بطلان الصوم لو استمر للفجر، حتي لو لم يسبق بالتيمم. بل لا أثر للتيمم بعد فرض بطلانه بالنوم. غاية الأمر أن يختص بالنومة الأولي، بناء علي ما يأتي في المسألة الثانية عشرة.

اللهم إلا أن يقال: صعوبة الالتزام بترك النوم قبل الفجر نوعا، خصوصا في العصور السابقة، و الغفلة عن وجوب ذلك مع إغفال النصوص له تشهد بمجموعها بجواز النوم. إما لعدم وجوب التيمم بدلا عن الغسل في المقام، أو لعدم بطلان التيمم بالنوم، أو لعدم قادحية تعمد البقاء علي الجنابة الحاصل بذلك في الصوم.

لكن ذلك إنما ينفع إذا بلغ حدّ الاطمئنان بجواز النوم و عدم مبطليته للصوم، بنحو يرفع به اليد عن القواعد المفروض اقتضاؤها بطلان الصوم، كما هو غير بعيد.

(2) لعدم تعمد البقاء علي الجنابة حينئذ.

(3) بل جزم بوجوبه في المراسم و الشرائع و القواعد و غيرها. و كأنه لإلحاق المقام بالأكل بعد الفجر من دون مراعاة. لكن مورد ذلك فعل المفطر بعد الفجر، و المقام أجنبي عنه، لأن المفطر- و هو إحداث الجنابة- إنما كان قبل الفجر، و أما البقاء

ص: 95

[(مسألة 10): حدث الحيض و النفاس كالجنابة في أن تعمد البقاء عليهما مبطل للصوم]

(مسألة 10): حدث الحيض و النفاس كالجنابة في أن تعمد البقاء عليهما مبطل للصوم (1)

______________________________

عليها فهو ليس مفطرا إلا مع العمد غير الحاصل في المقام.

علي أن دليل المراعاة إنما تضمن مراعاة طلوع الفجر، لا مراعاة قرب طلوعه، كما هو المراد لهم هنا. و حمل ما نحن فيه علي ذلك، لعموم العلة- و هي التسامح و عدم التوثق- أشبه بالقياس بعد عدم النص علي التعليل بنحو يقتضي التعدي لسائر موارده.

و من ذلك يظهر الإشكال فيهما في الجواهر من الاستدلال عليه بإطلاق أدلة القضاء، إذ فيه: أن موضوع أدلة القضاء تعمد البقاء علي الجنابة، لا تعمد سبب الجنابة إذا استلزم البقاء من دون تعمد له كما في المقام. و من ثم كان ظاهر المدارك و محكي الذخيرة التوقف، أو الميل لعدم وجوب القضاء.

(1) كما ذكره غير واحد، بل قيل انه المشهور بين من تعرض له. و لعل عدم التعرض له في جملة من كتب السيدين و الشيخين و غيرهما اكتفاء بما ذكروه في حكم الجنب، لما هو المعهود منهم من مشاركتهما للجنب في كثير من الأحكام.

و كيف كان فيشهد به في الجملة موثق أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «قال:

إن طهرت بليل من حيضتها، ثم توانت أن تغتسل في رمضان حتي أصبحت، عليها قضاء ذلك اليوم» (1).

و أما الإشكال في سنده تارة: بأن علي بن الحسن بن فضال فطحي. و أخري:

بضعف طريق الشيخ إليه، لاشتماله علي علي بن محمد بن الزبير.

فهو مدفوع بحجية خبر الفطحي الثقة، علي ما ذكرناه في الأصول. و بأن الظاهر وثاقة علي بن محمد بن الزبير علي ما تقدم في المسألة السابعة من الفصل الأول في النية. بل تقدم هناك ما يشهد باعتبار رواية الشيخ قدّس سرّه لكتب ابن فضال حتي لو فرض عدم ثبوت وثاقة ابن الزبير المذكور. فراجع.

ص: 96


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 21 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1.

______________________________

هذا و قد استدل بعض مشايخنا قدّس سرّه أيضا بصحيحة ابن مهزيار الواردة في أغسال المستحاضة، بضميمة الأولوية القطعية، لأهمية حدث الحيض من حدث الاستحاضة.

لكنه لا يخلو عن إشكال:

أولا: لأن الصحيحة واردة في أغسال الاستحاضة لاستمرار حدثها باستمرار دمها، لا لحدثها بعد انقطاع الدم، و لم يتضح أهمية حدث الحيض بعد انقطاع الدم من استمرار حدث المستحاضة مع استمرار الدم.

و ثانيا: لأن الظاهر عدم العمل بالصحيحة في الحكم المذكور، علي ما ذكرناه في محله من مباحث أحكام المستحاضة من كتاب الطهارة، و تأتي الإشارة إليه في المسألة الحادية عشرة إن شاء اللّه تعالي. فالعمدة الموثق.

هذا كله في حدث الحيض. و أما حدث النفاس فالظاهر المفروغية عن مشاركته لحدث الحيض في الأحكام، علي ما سبق الكلام فيه في مباحث أحكام النفاس. فراجع.

بقي شي ء، و هو أن سيدنا المصنف قدّس سرّه قال: «مقتضي عموم ما دلّ علي وجوب الكفارة بتعمد المفطر وجوب الكفارة أيضا. لكن في المستند و غيره عدمها. و وجهه غير ظاهر. و أصل البراءة لا مجال له مع الدليل».

لكن لا يبعد ابتناء كلام المستند و غيره علي أن الاقتصار في الموثق علي ذكر القضاء من دون تنبيه للكفارة، موجب لظهوره في عدم وجوبها، فيخرج به عن العموم المذكور، لو تم.

و لعل الأولي أن يقال: لا ظهور للموثق في تعمد الترك، بل المنصرف أو المتيقن من التواني فيه إرادة فعل الشي ء في وقته مع التسامح في تنفيذ المراد و التسويف فيه تفريطا، و لو أريد تعمد الترك كان الأنسب التعبير به.

و من هنا كان ظاهر الموثق أو المتيقن منه إرادة التفريط بالغسل من دون تعمد، نظير التفريط بغسل الجنابة بالنومة الثانية، علي ما يأتي في المسألة الثانية عشرة. و هو

ص: 97

في رمضان و قضائه (1) دون غيرهما (2). و إن كان في غيرهما أحوط استحبابا.

[(مسألة 11): المستحاضة الكثيرة يشترط في صحة صومها الغسل لصلاة الصبح]

(مسألة 11): المستحاضة الكثيرة يشترط في صحة صومها الغسل (3) لصلاة الصبح، و كذا للظهرين علي الأحوط، فإذا تركت

______________________________

إنما يدل علي مفطرية الحدث في ذلك- بسبب اشتماله علي وجوب القضاء- من دون أن يدل علي حكم تعمد فعل المفطر المذكور. و حينئذ لا مانع من الرجوع في حكمه إلي عموم وجوب الكفارة لو تم، لعدم منافاة الموثق له.

و المتحصل: أن المرأة إن لم تفرط في الغسل يصح صومها، و لا قضاء عليها، و إن فرطت فيه توانيا من دون تعمد تأخيره فسد صومها، و عليها القضاء فقط، و إن تعمدت الترك جري عليها حكم تعمد المفطر.

(1) لما تقدم عند الكلام في مفطرية البقاء علي الجنابة و في المسألة السابعة من أن مقتضي القاعدة إلحاق القضاء بالأداء في الخصوصيات المعتبرة.

(2) كأنه لخروجه عن مورد الموثق. لكن تقدم عند الكلام في عموم مفطرية تعمد البقاء علي الجنابة ما يقتضي العموم في المقام. بل مقتضاه العموم حتي للصوم المندوب. لكن من القريب التسامح فيه، كما ثبت في تعمد البقاء علي الجنابة. و إن كان في بلوغ ذلك حدّا يصلح معه للاستدلال إشكال.

(3) تقدم في المسألة الأربعين من مباحث الدماء عند الكلام في أحكام المستحاضة عدم نهوض دليل يعتد به بذلك. و من ثم كان الأظهر عدم اشتراط الصوم بالأغسال المذكورة. فراجع.

كما أنه لو غض النظر عن ذلك، و بني علي دخل الأغسال المذكورة في صحة الصوم، تعين البناء علي اعتبار غسلي النهار، و غسل العشاءين لليلة السابقة، إلا مع تقديم غسل صلاة الصبح علي الفجر- لو قيل بمشروعيته- فيجتزأ به عن غسل العشاءين لليلة السابقة. لكن لا دليل علي مشروعية التقديم، كما تقدم هناك. فراجع.

ص: 98

أحدهما بطل صومها، و لا يشترط غسل الليلة الماضية، و لا غير الغسل من الأعمال (1) و إن كان أحوط. و لا يجب تقديم غسل الصبح علي الفجر (2)، بل لا يجزي لصلاة الصبح إلا مع وصلها به (3). نعم إذا اغتسلت لصلاة الليل اجتزأت به للصبح، مع عدم الفصل المعتد به (4).

[(مسألة 12): إذا أجنب في شهر رمضان ليلا و نام حتي أصبح]

(مسألة 12): إذا أجنب في شهر رمضان ليلا (5) و نام حتي أصبح، فإن نام ناويا ترك الغسل أو مترددا فيه لحقه حكم تعمد البقاء علي

______________________________

(1) لاختصاص الدليل المدعي بالغسل، كما يظهر بمراجعة ما تقدم.

(2) بل لا دليل علي مشروعيته، كما ذكرناه آنفا. فراجع ما تقدم في المسألة المذكورة.

(3) كما هو الظاهر من أدلة أحكام المستحاضة التي تقدمت في محلها.

(4) تقدم منا في المسألة التاسعة و العشرين من أحكام الدماء الإشكال في ذلك. فراجع.

(5) لا خصوصية في الحكم المذكور للجنابة ليلا، بل و لا للشروع في النوم ليلا، بل المدار علي إيقاع النوم و هو جنب، كما يظهر مما يأتي.

(6) أما مع نية ترك الغسل فهو المعروف من مذهب الأصحاب، بل هو المتيقن من معاقد نفي الخلاف و دعوي الإجماع في كلماتهم. كما هو المتيقن أيضا من نصوص المفطرية مع النوم مطلقا، أو مع التعمد، التي تقدم و يأتي التعرض لبعضها.

اللهم إلا أن يقال: نصوص المفطرية مع النوم مطلقا معارضة بمثلها. فمن الطائفة الأولي صحيح محمد بن مسلم عن أحدهما عليه السّلام: «سألته عن الرجل تصيبه الجنابة في رمضان، ثم ينام قبل أن يغتسل، قال: يتم صومه، و يقضي ذلك اليوم … » (1)،

و نحوه غيره. و من الطائفة الثانية صحيح أبي سعيد القماط: «أنه سئل أبو عبد اللّه عليه السّلام

ص: 99


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 15 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 3.

______________________________

عمن أجنب في شهر رمضان في أول الليل، فنام حتي أصبح. قال: لا شي ء عليه.

و ذلك أن جنابته كانت في وقت حلال» (1). و نحوه غيره.

و من هنا لا بد من الجمع بين الطائفتين إما بالحمل علي الاستحباب، فلا تنفع في المدعي، و إما بالتفصيل بين العمد و غيره بقرينة نصوص تعمد النوم، فيكون المعيار علي تلك النصوص، لا علي هذه.

و أما دليل مفطرية تعمد النوم فهو صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «أنه قال في رجل احتلم أول الليل، أو أصحاب من أهله، ثم نام متعمدا في شهر رمضان حتي أصبح. قال: يتم صومه ذلك ثم يقضيه إذا أفطر من شهر رمضان، و يستغفر ربه» (2)، و صحيح البزنطي عن أبي الحسن عليه السّلام: «سألته عن رجل أصاب من أهله في شهر رمضان أو أصابته جنابة، ثم ينام حتي يصبح متعمدا. قال: يتم ذلك اليوم و عليه قضاؤه» (3).

و ظاهر الأول و إن كان هو كفاية تعمد المكلف النوم و إن لم يقصد استمراره حتي يصبح، إلا أنه لا يصلح حينئذ لأن يكون شاهد جمع بين نصوص مطلق النوم، حيث لا مجال لحمل النصوص المتعددة الدالة علي عدم مفطريته علي خصوص من غلبه النوم من دون قصد له، لندرة ذلك و احتياجه للتنبيه.

و من ثم يتعين حمله علي ما هو ظاهر الثاني أو المتيقن منه من قصد النوم المستمر للصباح، في مقابل ما إذا قصد النوم من دون قصد لاستمراره، أو مع القصد لعدم استمراره. و بذلك يكون الصحيحان شاهدي جمع بين نصوص مطلق النوم.

و يكون المتحصل من مجموع النصوص الحكم ببطلان الصوم من الجنب مع النوم بقصد استمراره للصباح، و عدم المفطرية مع النوم الغالب من دون قصد، أو مع القصد له من دون قصد للاستمرار فيه، أو مع القصد لعدم الاستمرار.

نعم قد يعارضها في ذلك حديث إسماعيل بن عيسي: «سألت الرضا عليه السّلام

ص: 100


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 13 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1.
3- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 15 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 4.

______________________________

عن رجل أصابته جنابة في شهر رمضان، فنام عمدا حتي يصبح، أي شي ء عليه؟

قال: لا يضره هذا، و لا يفطر و لا يبالي، فإن أبي عليه السّلام قال: قالت عائشة: إن رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله و سلم أصبح جنبا من جماع غير احتلام. قال: لا يفطر، و لا يبالي» (1).

لكن- مع غض النظر عن سنده- لا بد من حمله علي تعمد النوم دون الاستمرار فيه، أو علي التقية، كما يناسبه الاستشهاد بحديث عائشة، علي ما تقدم في أول الكلام في مفطرية تعمد البقاء علي الجنابة.

و قد ظهر من جميع ما تقدم: أن نصوص مفطرية النوم لا تنهض بمفطريته في مفروض المسألة- و هو ما إذا نام ناويا ترك الغسل- إلا إذا عزم المكلف علي الاستمرار بالنوم حتي يطلع الفجر، أما لو تعمد أصل النوم من دون قصد لاستمراره، فاستمر، فهي قاصرة عن إثبات المفطرية حينئذ. و مجرد القصد لترك الغسل لا يقتضي نهوضها بذلك، لأن موضوعها تعمد النوم مستمرا، لا تعمد البقاء علي الجنابة حتي يطلع الفجر.

اللهم إلا أن يستفاد من الحكم فيها بالمفطرية مع قصد استمرار النوم أن المعيار في المفطرية علي قصد استمرار حدث الجنابة و عدم الغسل منه إلي طلوع الفجر، لعدم خصوصية استمرار النوم ارتكازا في الصوم، لو لا ما يترتب عليه من استمرار الحدث المذكور.

هذا مضافا إلي ما تضمن مفطرية تعمد البقاء علي الجنابة، إذ يكفي في صدقه العزم عليه من أول الأمر من دون عدول عن ذلك، و لو مع عدم فعلية القصد حين طلوع الفجر، لذهول أو نوم أو نحوهما.

بل لو قلنا بالمفطرية مع التردد تعين القول به مع العزم علي العدم بالأولوية، و إن كان قد يختلف عن مفاد النصوص في ملاك المفطرية، علي ما قد يتضح.

هذا كله مع نية ترك الغسل. و أما مع التردد فيه فقد يدعي دخوله في معقد الإجماع أو نفي الخلاف علي المفطرية مع النوم من دون قصد الغسل. إلا أن استدلال بعضهم عليها بأن العزم علي ترك الغسل يسقط اعتبار النوم، ظاهر في أن مراده بعدم

ص: 101


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 13 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 6.

الجنابة (6) و إن نام ناويا للغسل (1)، أو ذاهلا عنه (2) فإن كان في النومة

______________________________

قصد الغسل قصد عدمه.

و كيف كان فحيث كان التردد المذكور لا يجتمع مع قصد استمرار النوم إلي طلوع الفجر، فلا مجال للاستدلال علي المفطرية مع التردد بما تقدم من نصوص المفطرية مع النوم، بعد ما سبق من حملها علي قصد الاستمرار بالنوم أو بالجنابة إلي طلوع الفجر. و مثله الاستدلال بنصوص تعمد البقاء علي الجنابة. لفرض عدم سبق نية البقاء عليها، بل التردد في ذلك.

و دعوي: أنه لا يعتبر في صدق تعمد البقاء علي الجنابة القصد إلي ترك الغسل، بل يكفي عدم القصد له حتي مضي وقته، كما يظهر بملاحظة النظائر، حيث يصدق علي من تردد في السفر مثلا حتي مضي وقته أنه تعمد ترك السفر في وقته.

ممنوعة جدا، بل لا بد فيه من الالتفات للموضوع، و لضيق الوقت عنه حين خروج الوقت. و من ثم لا يصدق في المقام، للغفلة عن ذلك كله بالنوم حين خروج الوقت.

نعم حيث كان المعتبر في الصوم نيته عند الفجر أو قبل طلوعه، و كانت نيته عبارة عن نية ترك جميع المفطرات، و منها تعمد البقاء علي الجنابة، تعين لزوم نية الغسل قبل الفجر علي تقدير الانتباه، إذ عدم الغسل حينئذ مستلزم لتعمد البقاء علي الجنابة المفطر، فالتردد في ذلك و عدم نيته مستلزم لعدم نية الصوم، فيبطل لعدم النية، لا لتعمد فعل المفطر.

و علي ذلك يبتني الكلام في وجوب الكفارة و عدمه، بناء علي ما يأتي من الفرق بين الوجهين في ذلك. كما أن ذلك يختص بالصوم الواجب المعين، دون غيره، بناء علي ما ذكروه في الثاني من الاكتفاء فيه بتجديد النية قبل الزوال.

(1) و هو موضوع كلام الأكثر أو المتيقن منه.

(2) ذكرنا آنفا أن تعمد النوم مع البناء علي عدم الغسل هو موضوع المفطرية المتحصل من مجموع النصوص، و أن تعمد النوم مع التردد في الغسل إنما يبطل الصوم معه لعدم نيته، لا لتعمد المفطر. أما تعمد النوم مع الذهول عن الغسل فهو لا ينافي

ص: 102

______________________________

حتي النية، لإمكان تحقق النية للصوم بما له من مفهوم ارتكازي، مع الغفلة و عدم القصد لترك كل مفطر تفصيلا.

و أما ما ذكره بعض مشايخنا قدّس سرّه من دخوله حينئذ في نسيان غسل الجنابة الذي تقدم في المسألة السابعة أن المشهور بطلان الصوم معه. فهو لا يخلو عن إشكال، لأن المراد بالذهول هو الذهول عن الغسل بعدم قصده و لا قصد عدمه و لا التردد بين الأمرين، و لو مع الالتفات- و لو ارتكازا- للجنابة، و لوجوب الغسل منها.

علي أن دليل نسيان غسل الجنابة ظاهر أو منصرف إلي ما إذا استحكم النسيان، بحيث يستند ترك الغسل له عرفا، دون ما إذا كان موقتا، بحيث اقتضي الإقدام علي النوم، و كان ترك الغسل عرفا مستندا للنوم لا للنسيان، فهو نظير ما إذا نسي المكلف غسل الجنابة، فأراق الماء، ثم التفت قبل خروج الوقت. فتأمل.

و أشكل من ذلك الاستدلال للبطلان مع الذهول بإطلاق النصوص المتضمنة للمفطرية مع النوم، لما سبق من حملها علي خصوص صورة قصد النوم المستمر إلي طلوع الفجر.

و لو فرض تحققه في المقام أشكل دخوله في إطلاق النصوص المذكورة، لقرب انصرافها إلي ما إذا كان تعمد استمرار النوم راجعا للبناء علي ترك الغسل، ليكون من صغريات تعمد البقاء علي الجنابة، فلا يشمل صورة الذهول عنه.

بل الظاهر قصور بقية نصوص النوم عن صورة الذهول. أما ما تضمن منها عدم المفطرية فلأنه مسوق لبيان التخفيف في أمر النوم، و العفو عنه و إن ابتني علي التسامح في أمر الغسل و تأخيره، فلا يشمل صورة الذهول عن الغسل. و أما ما تضمن منها المفطرية- كنصوص النومة الثانية و الثالثة- فلأنه مسوق لبيان العقوبة علي التسامح بالنوم، و هو لا يتأتي مع الذهول المفروض.

و من هنا كان اللازم الرجوع في صورة الذهول عن أصل الغسل- بحيث لا يتحقق العزم علي فعله أو تركه أو التردد فيه- إلي ما تقتضيه القاعدة من عدم المفطرية، لعدم تعمد ترك الغسل و البقاء علي الجنابة، الذي تضمنت الأدلة مبطليته للصوم.

ص: 103

الأولي صح صومه (1).

______________________________

نعم ذلك مختص بالذهول لقصور في المكلف أو لسبب طارئ، الذي لا يبعد كونه محل كلامهم، دون ما إذا كان ناشئا عن التسامح في الغسل و عدم الاهتمام به، الراجع إلي عدم الاهتمام بالصوم. فإن الظاهر منافاته لنية الصوم. بل الظاهر رجوعه للبناء علي عدم الغسل ارتكازا، فيجري معه حكم تعمد البقاء علي الجنابة. فتأمل جيدا.

(1) كما هو المعروف بينهم المنسوب للمشهور في الحدائق، و في المدارك: «هذا مذهب الأصحاب لا أعلم فيه مخالفا». و نفي في الخلاف الخلاف فيه، بل ادعي الإجماع عليه.

و يشهد به أن النومة الأولي هي المتيقنة من النصوص النافية للمفطرية مع النوم بعد ما سبق من حملها علي صورة عدم القصد للنوم المستمر، المستلزم للعزم علي عدم الغسل ليلا. مضافا إلي صحيح معاوية بن عمار: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: الرجل يجنب في أول الليل، ثم ينام حتي يصبح في شهر رمضان. قال: ليس عليه شي ء. قلت:

فإنه استيقظ، ثم نام حتي أصبح. قال: فليقض ذلك اليوم عقوبة» (1).

و زاد في المعتبر- في المسألة العاشرة من المقصد الثاني مما يجب الإمساك عنه- بعد أن أفتي بما ذكره الأصحاب (رضوان اللّه عليهم)، فاستدل بصحيح بن أبي يعفور: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: الرجل يجنب في شهر رمضان، ثم يستيقظ، ثم ينام حتي يصبح. قال:

يتم صومه [يومه]، و يقضي يوما آخر. و إن لم يستيقظ حتي يصبح أتم يومه، و جاز له» (2).

لكن الاستدلال به موقوف علي فرض تخلل النوم بين الجنابة و الاستيقاظ، فكأنه قال: «الرجل يجنب بشهر رمضان ثم ينام ثم يستيقظ … ». و هو تكلف لا شاهد عليه. بل الظاهر منه إرادة الجنابة بالاحتلام، ثم الاستيقاظ بعدها. و حينئذ يدل علي العفو عن استمرار نومة الاحتلام، و عدم العفو عن النومة الأولي بعدها، فيخالف ما عليه الأصحاب، و لا ينهض بالاستدلال لهم.

ص: 104


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 15 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1.
2- التهذيب ج: 4 ص: 211. الاستبصار ج: 2 ص: 86.

______________________________

بل يكون كسائر المطلقات المتضمنة للإفطار مع النوم المستمر حتي الفجر، فيحمل علي صورة تعمد استمرار النوم و عدم الغسل قبل الفجر، أو علي استحباب القضاء، جمعا مع صحيح معاوية بن عمار، و ما هو المتيقن من المطلقات النافية للقضاء مع استمرار النوم إلي الفجر.

هذا كله بناء علي ما أثبته في المعتبر من عبارة الصحيح المذكور، و هو المطابق لما في التهذيبين. لكن رواه الصدوق هكذا: «قلت له: الرجل يجنب في شهر رمضان، ثم يستيقظ، ثم ينام، ثم يستيقظ، ثم ينام حتي يصبح. قال: يتم صومه و يقضي يوما آخر.

فإن لم يستيقظ حتي يصبح أتم صومه، و جاز له» (1). بل ظاهر الوسائل رواية الشيخ له كذلك أيضا (2).

و حينئذ قد يستدل به لما عليه الأصحاب بحمل عدم الاستيقاظ في ذيله علي عدم الاستيقاظ الثاني من النومة الأولي بعد الجنابة، حيث يدل حينئذ علي العفو عن استمرار النومة الأولي إلي الصباح. إذ لعله أولي من حمله علي عدم الاستيقاظ أصلا، باستمرار نومة الجنابة، لأن الأول أخفي حكما من الثاني، و بيانه يغني عن بيان الثاني للأولوية، و لا عكس، فيكون أولي بالبيان.

و إن كان الإنصاف أن الحديث بهذا المتن لا يخلو عن اضطراب، لأن تكرر الاستيقاظ في السؤال لا يتناسب مع الاقتصار علي ذكره مرة واحدة في الجواب. و من ثم كان المتن الأول أقرب، و لا سيما مع اتفاق التهذيبين عليه. و إن قيل إن الفقيه أضبط.

نعم عن بعض نسخ الفقيه و الوسائل روايته هكذا: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام:

الرجل يجنب في شهر رمضان، ثم ينام، ثم يستيقظ، ثم ينام حتي يصبح. قال يتم صومه [يومه]، و يقضي يوما آخر. و إن لم يستيقظ حتي يصبح أتم يومه» (3) و هو خال عن الإشكال المذكور، و مطابق لصحيح معاوية بن عمار، و صريح فيما عليه الأصحاب. لكن لا طريق لإثبات صحة هذا المتن بعد هذا الاختلاف في الحديث.

ص: 105


1- من لا يحضره الفقيه ج: 2 ص: 75.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 15 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 2.
3- مستمسك العروة الوثقي ج: 8 ص: 299- 300.

______________________________

و لعله لذا جعل في المعتبر في تتمة كلامه المتقدم صحيح معاوية بن عمار هو الدليل الأوضح في المسألة. و كفي به حجة في المقام.

مضافا إلي إطلاقات صحة الصوم من الجنب مع استمرار نومه إلي الفجر، حيث كانت النومة الأولي هي المتيقن منها، كما ذكرنا.

لكن مع كل ذلك قال في المعتبر في ذيل المسألة الأولي من المقصد الأول مما يجب الإمساك عنه: «و لو أجنب، فنام ناويا للغسل حتي أصبح، فسد صوم ذلك اليوم.

و عليه قضاؤه. و عليه أكثر علمائنا». ثم استدل عليه بصحيح ابن أبي يعفور المتقدم بعين المتن الذي ذكره في كلامه السابق. و الذي روي به في التهذيبين، و بصحيح محمد بن مسلم. و الظاهر أن مراده به صحيح محمد بن مسلم المتقدم في أول المسألة.

لكن سبق لزوم حمله علي الاستحباب، أو علي صورة تعمد النوم المستمر، الراجع لقصد عدم الغسل. كما سبق قريبا حمل صحيح ابن أبي يعفور بالمتن المذكور علي ذلك.

________________________________________

حكيم، سيد محمد سعيد طباطبايي، مصباح المنهاج - كتاب الصوم، در يك جلد، دار الهلال، قم - ايران، اول، 1425 ه ق مصباح المنهاج - كتاب الصوم؛ ص: 106

نعم في حديث إبراهيم عن بعض مواليه قال: «سألته عن احتلام الصائم.

قال: إذا احتلم نهارا في شهر رمضان فلا ينم حتي يغتسل، و إن أجنب ليلا في شهر رمضان فلا ينام إلا [إلي] ساعة حتي يغتسل. فمن أجنب في شهر رمضان، فنام حتي يصبح، فعليه عتق رقبة، أو إطعام ستين مسكينا، و قضاء ذلك اليوم، و يتم صيامه، و لن يدركه أبدا» (1).

و يصعب جدا حمله علي خصوص صورة تعمد النوم المستمر، لظهور النهي فيه عن مطلق النوم أو ما زاد علي الساعة في وجوب الاحتياط و التحفظ علي الغسل ليلا، فتعقيبه بحكم استمرار النوم ظاهر جدا في إرادة حكم مخالفة الاحتياط المذكور، لا حكم خصوص تعمد المفطر.

و منه يظهر أنه لا مجال لحمله علي ما عدا النومة الأولي، و من ثم كان منافيا لما عليه الأصحاب في المقام، و مناسبا لما تقدم من المعتبر.

لكن لا مجال للتعويل عليه:

ص: 106


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 4

و إن كان في النومة الثانية- بأن نام بعد العلم بالجنابة (1) ثم أفاق و نام

______________________________

أولا: لضعفه بالإرسال، لعدم معرفة بعض موليه المذكور، اللهم إلا أن يكون مراده به بعض الأئمة عليه السّلام، لأنهم مواليه و موالي جميع شيعتهم فإن إبراهيم يروي عن الإمامين الصادق و الكاظم (عليهما السلام) بل قيل: أنه يروي عن الإمام الرضا عليه السّلام. و عليه لا تكون الرواية مضمرة.

و ثانيا: لمخالفته لجميع النصوص المرخصة في النوم، و المرخصة في خصوص النومة الأولي، و الحاكمة بعدم المفطرية مع استمرار النوم إلي ما بعد الفجر.

و ثالثا: لظهور إعراض الأصحاب عنه حيث يتعين حينئذ طرحه، أو حمله علي كراهة النوم ليلا- ككراهته نهارا- و استحباب التكفير مع استمراره.

و كيف كان فلا ينهض الحديث بالاستدلال لما في المعتبر. و لا سيما مع الحكم فيه بثبوت الكفارة الذي لم يلتزم به في المعتبر حتي في النومة الثالثة.

و من ثم كان ما ذكره في هذه المسألة عجيبا- كما في الجواهر- لإغفاله ما سبق منه و منا من دليل صحة الصوم، كنسبته لأكثر أصحابنا، مع أن المعروف عندهم- كما سبق- الصحة.

(1) يشير قدّس سرّه بذلك إلي أنه يشترط في مفطرية استمرار النوم العلم بالجنابة قبل النوم، لانصراف نصوص النوم بأجمعها إلي صورة العلم بالجنابة.

أما ما تضمن عدم المفطرية باستمراره، فلوروده في مقام بيان التخفيف في أمر النوم، و العفو عن التسامح الحاصل به عن تعجيل الغسل، و لا موضوع لذلك مع الجهل بالجنابة. و أما ما تضمن المفطرية به فلابتنائه علي العقوبة، و إجرائه مجري تعمد البقاء علي الجنابة، و ذلك إنما يتم مع العلم بها، نظير ما تقدم وجه قصور الطائفتين معا عن صورة الذهول.

نعم يكفي في جريان حكم النومة الثانية العلم حين الإقدام عليها بسبق الجنابة علي النومة الأولي، و لو مع الجهل بالجنابة عند الإقدام علي النومة الأولي لإطلاق دليل

ص: 107

ثانيا حتي أصبح- وجب عليه القضاء (1)

______________________________

حكم النومة الثانية.

هذا و لو تخيل حين النومة الثانية أنها النومة الأولي بعد الجنابة، فالظاهر عدم ترتب حكم النومة الثانية، و انصراف دليل حكمها عن هذه الصورة، بقرينة وروده مورد العقوبة و التشديد، بسبب التسامح في تأخير الغسل، فإن ذلك يناسب اختصاص الحكم المذكور بما إذا علم بالحال حين الإقدام علي النوم. فلاحظ.

(1) كما هو المعروف. و في المدارك: «هذا مذهب الأصحاب، لا أعلم فيه مخالفا»، بل ادعي في الخلاف الإجماع عليه، و نسبه في محكي المنتهي للأصحاب، و عن المستند: «استفاض نقل الإجماع عليه».

و يشهد به صحيح معاوية بن عمار المتقدم، و صحيح ابن أبي يعفور، بناء علي روايته بأحد الوجهين الأخيرين. و أما بناء علي روايته بالوجه الأول المروي في التهذيبين فيكون ظاهرا في البطلان باستمرار النومة الأولي، الملزم بحمله علي صورة القصد للنوم المستمر، أو علي الاستحباب، كما سبق. و يخرج عن محل الكلام.

هذا و منصرف الصحيحين، خصوصا الأول المشتمل علي كون القضاء عقوبة ما إذا كان النوم مبنيا علي التسامح في الغسل و الإقدام علي تأخيره، فلو لم يبتن علي ذلك، بل كان للذهول عن الجنابة فالمتعين عدم القضاء، كما يظهر مما سبق.

و أما مع الالتفات للجنابة، لكن ابتني النوم علي الاحتياط للغسل و التحفظ من استمرار النوم- باستعمال المنبه الشائع في عصورنا، أو بتكليف شخص بإيقاظه أو نحو ذلك- لكن غلب علي أمره، فقد يدعي انصراف الإطلاق عنه. لكنه لا يخلو عن إشكال، أو منع.

نعم لا ينبغي الإشكال فيه لو تعذر الغسل فعلا، و كان إمكانه متوقعا بعد مدة معتد بها، حيث لا يكون النوم حينئذ مع التوثق من الانتباه عند إمكان الغسل مشمولا لما سبق، لظهور التعليل بالعقوبة في صحيح معاوية في ابتناء النوم علي

ص: 108

دون الكفارة علي الأقوي (1).

______________________________

التهاون بالغسل و تأخيره، و هو غير حاصل مع تعذر تعجيل الغسل و التحفظ عليه في وقته بالتوثق من الانتباه.

بقي شي ء، و هو أنه حيث سبق قوة مانعية تعمد البقاء علي الجنابة من الصوم الواجب غير صوم شهر رمضان، فالظاهر بطلانه بالنوم الثاني، كصوم شهر رمضان، لعين الوجه المتقدم لإلحاق الصوم المذكور بصوم شهر رمضان في مانعية تعمد البقاء علي الجنابة من صحته. فلاحظ.

(1) كما نسب للأصحاب، بل يظهر من الجواهر احتمال انعقاد الإجماع الحجة عليه. و يقتضيه- مضافا إلي الأصل- السكوت عنه في صحيحي معاوية بن عمار و ابن أبي يعفور، (1) و لا سيما الأول المشتمل علي الأمر بالقضاء عقوبة، لظهور أن الكفارة أظهر في العقوبة و ادعي في الردع، فإهمالها و الاقتصار علي القضاء ظاهر جدا في عدم وجوبها.

لكن استشكل فيه في الجواهر بأصالة ترتبها علي كل مبطل مقصود. و فيه: أن ذلك لو تم فالمفطر بالأصل هو بالبقاء علي الجنابة بشرط التعمد، أو نفس تعمد ذلك، و لا قصد للبقاء علي الجنابة هنا، فضلا عن تعمده، لما سبق من كون مفروض الكلام عدم القصد لاستمرار النوم. كما أن النوم هنا و إن كان يترتب عليه البطلان بمقتضي الصحيحين السابقين إلحاقا له بالمفطر المذكور. إلا أن مبطليته للصوم باستمراره، الراجع للبقاء علي الجنابة، و هو غير مقصود بالفرض، و إنما القصد في محل كلامهم إلي أصل النوم، و إلي إحداثه.

و أضعف منه دعوي: أصالة ترتب الكفارة عند وجوب القضاء. لعدم الشاهد لها، و لا سيما مع كثرة موارد تخلف وجوب الكفارة عن وجوب القضاء.

و كذا الاستدلال بإطلاق ما تضمن وجوبها بالبقاء علي الجنابة، كمعتبر سليمان بن حفص عن الفقيه: «قال: إذا أجنب الرجل في شهر رمضان بليل، و لا يغتسل حتي

ص: 109


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 3.

و كذا بعد النومة الثالثة (1). و إن كان الأحوط استحبابا وجوب الكفارة

______________________________

يصبح فعليه صوم شهرين متتابعين، مع صوم ذلك اليوم. و لا يدرك فضل يومه» (1).

فإنه محمول علي تعمد ذلك، كما هو مورد بعض نصوصه كصحيح أبي بصير المتقدم في مفطرية تعمد البقاء علي الجنابة «1»، و المنصرف من سائر موارد الحكم بالكفارة، التي هي ارتكازا من سنخ العقوبة.

و لا سيما مع عدم ثبوتها في كثير من موارد الاستمرار علي الجنابة، كما في موارد نسيان الجنابة- بناء علي وجوب القضاء به- و عدم تيسر الغسل، و استمرار النومة الأولي و غير ذلك.

و كذا ما تضمن إطلاق وجوبها بالنوم من الجنب حتي يصبح. لما سبق من لزوم حمله علي صورة تعمد النوم المستمر، و لو للعلم باستمرار النوم عادة، دون القصد لأصل النوم و إن استمر بنفسه من دون قصد لذلك حين الإقدام عليه.

نعم تقدم أنه لا مجال لذلك في حديث إبراهيم. لكنه- مع غض النظر عن وجوه الإشكال فيه- يقتضي وجوب الكفارة حتي مع استمرار النومة الأولي. و من ثم يتعين حمله علي الاستحباب أو طرحه، كما سبق.

(1) أما وجوب القضاء فهو مفروغ عنه بينهم. و يقتضيه ما ورد في النومة الثانية بفهم عدم الخصوصية، أو بالأولوية العرفية. بل ربما يستفاد من إطلاقات وجوب القضاء باستمرار النوم بعد تقييدها في النوم الأول بما سبق، فإنه و إن سبق حملها علي صورة تعمد النوم المستمر، أو الاستحباب، إلا أنه ربما يمكن حملها علي ما عدا النوم الأول. و إن لم يكن ذلك مهمّا بعد كفاية ما سبق.

و أما عدم وجوب الكفارة فهو الذي ذهب إليه في المعتبر و المدارك و محكي المنتهي و غيرها. و يقتضيه الأصل علي نحو ما تقدم هناك.

خلافا لما هو المشهور بين الأصحاب من وجوبها، بل هو المدعي عليه الإجماع في

ص: 110


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 2.

فيه أيضا (1). بل الأحوط ذلك في النوم الثاني (2). بل كذا في الأول إذا لم يكن معتاد الانتباه (3).

[(مسألة 13): الظاهر جواز النوم الأول]

(مسألة 13): الظاهر جواز النوم الأول (4)،

______________________________

الخلاف و الغنية و الوسيلة و جامع المقاصد. لعين ما تقدم في النومة الثانية مما عرفت ضعفه.

و من ثم جعل في جامع المقاصد دليل المسألة هو الإجماع. لكن لا مجال للتعويل عليه في الخروج عن مقتضي الأصل المذكور بعد توقف مثل الفاضلين عن الاعتماد عليه، بل نسبة مضمونه في الشرائع للمشهور، و في المعتبر للشيخين، و مع ظهور ابتناء دعاوي الإجماع من القدماء علي التوسع أو التسامح بنحو يرفع الوثوق بها.

هذا و يجري ذلك أيضا في النومات اللاحقة مهما تعددت.

(1) مراعاة لخلاف المشهور، المدعي عليه الإجماع، كما تقدم.

(2) خروجا عن احتمال وجوبها، الذي تقدم من الجواهر تقريبه و الاستدلال عليه.

(3) يعني مع القضاء أيضا. فقد صرح غير واحد بأنه لا بد في العفو عن النومة الأولي من احتمال الانتباه، و إلا كان قصد النوم ملازما لقصد استمراره الذي سبق جريان حكم تعمد الجنابة معه. قال في المسالك: «و شرط بعض الأصحاب مع ذلك اعتياده الانتباه، و إلا كان كمتعمد البقاء علي الجنابة. و لا بأس به». و مقتضاه وجوب القضاء و الكفارة مع عدم اعتياد الانتباه.

لكنه غير ظاهر الوجه، لعدم صدق تعمد البقاء علي الجنابة بمجرد ذلك. بل هو مخالف لإطلاق نصوص النومة الأولي المتقدمة.

نعم لا يبعد اعتبار عدم اعتياد الاستمرار في النوم، بحيث لا يعتد عرفا باحتمال الانتباه، و لو لعدم توقع طروء سبب خارجي له.

(4) كما يظهر من مساق كلام الأصحاب (رضوان اللّه عليهم) للأصل بعد عدم استلزامه بطلان الصوم لعدم تحقق تعمد البقاء علي الجنابة معه. مضافا إلي صحيح العيص بن القاسم: «أنه سأل أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل ينام في شهر

ص: 111

و كذا الثاني (1)،

______________________________

رمضان، فيحتلم، ثم يستيقظ، ثم ينام قبل أن يغتسل. قال: لا بأس» (1)، و إطلاقه شامل للنوم في الليل.

لكن في الجواهر أنه قد يدل علي الحرمة صحيح معاوية بن عمار المتقدم، الدال علي حرمة النوم في الجملة، و خبر إبراهيم المتقدم في تعقيب ما سبق من المعتبر. و كأن وجه الاستدلال بصحيح معاوية ما تضمنه من أن القضاء عقوبة.

و فيه أولا: أن العقوبة بالقضاء قد لا تكون لحرمة النوم، بل للتسامح في الغسل المرجوح في نفسه و إن لم يكن محرما، نظير وجوب إعادة الصلاة علي من صلي في الثوب النجس نسيانا، عقوبة لنسيانه و عدم اهتمامه، كما تضمنته بعض النصوص (2).

و ثانيا: أنه إنما يدل علي العقوبة المذكورة في النومة الثانية دون الأولي. بل قد يظهر منه الإذن في النومة الأولي، كالنصوص المتضمنة لصحة الصوم مع النوم التي عرفت فيما سبق أن المتيقن منها النومة الأولي.

و أما خبر إبراهيم فهو- مع اشتماله علي النهي عن النوم في النهار المحمول علي الكراهة، كما سبق في المسألة الخامسة- ظاهر في جواز النوم ساعة.

نعم رواه في الجواهر هكذا: «فلا ينام ساعة حتي يغتسل»، و في موضع من التهذيب روايته هكذا: «فلا ينام إلي ساعة حتي يغتسل» (3). لكن لا طريق لإثبات صحة روايته بأحد الوجهين. بل جزم بعضهم بابتناء الثاني علي التصحيف، مع أنه حينئذ لا يمنع من النوم أقل من ساعة.

(1) كما في المدارك و محكي المنتهي. و يظهر الوجه فيه مما تقدم في النوم الأول.

و أما في الجواهر من أن المفروض هو الصوم المعين الذي يجب علي المكلف حفظه من كل ما يقتضي إبطاله، و منه البقاء جنبا إلي الصبح. فهو كما تري، لعدم العلم بترتب

ص: 112


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 13 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 2.
2- وسائل الشيعة ج: 2 باب: 42 من أبواب النجاسات حديث: 5.
3- التهذيب ج: 4 ص: 321.

و الثالث (1) مع احتمال الاستيقاظ، و إن كان إذا أستمر، يلزم القضاء.

[(مسألة 14): إذا احتلم في نهار شهر رمضان لا تجب المبادرة إلي الغسل منه]

(مسألة 14): إذا احتلم في نهار شهر رمضان لا تجب المبادرة إلي الغسل منه (2) و يجوز له الاستبراء بالبول و إن علم ببقاء شي ء من المني في

______________________________

ذلك علي النوم بعد كون محل الكلام احتمال الانتباه كما تقدم.

إلا أن يريد من وجوب حفظه وجوب الاحتياط و التحفظ عليه مما يحتمل أن يؤدي إلي ذلك. لكن لا دليل عليه في المقام و نظائره، كالمضمضة لغير الفريضة، و الأكل مع الشك في الفجر من دون مراعاة، و غيرها.

و مثله ما قد يدعي من أن فساد الصوم و وجوب القضاء بالنوم يقتضي حرمته مع كون الصوم من الواجب المعين. إذ وجوب القضاء ليس بمجرد النوم، بل باستمراره، و المفروض عدم العلم به.

نعم قد يقال: استمرار النوم هو مقتضي الاستصحاب. و بذلك يفترق عن غيره من موارد احتمال حصول المفطر، كالمثالين السابقين.

لكن الاستصحاب إنما يجري بعد حصول النوم و العلم به. أما حين الإقدام علي النوم فلا موضوع له، لعدم اليقين به إلا معلقا، و هو غير كاف في جريان الاستصحاب و ترتب العمل عليه. و لا سيما مع إطلاق صحيح العيص المتقدم.

و من ذلك يظهر ضعف ما في المسالك من حرمة النوم الثاني.

(1) كما في المدارك و عن المنتهي، لعين ما سبق في النوم الثاني. و لا يفرق في ذلك بين القول بوجوب الكفارة و عدمه، لأنها إنما تجب باستمرار النوم، نظير ما تقدم في القضاء.

(2) كما صرح به غير واحد، و عن المنتهي: «و لا نعلم فيه خلافا». بل يكاد يكون ضروريا، لشيوع الابتلاء بالمسألة بنحو يمتنع عادة خفاء حكمها.

و يقتضيه- مضافا إلي الأصل- ما تقدم في صحيح العيص من جواز النوم بعد الاحتلام الشامل، بإطلاقه للاحتلام في أثناء النهار. بل لعله المتيقن منه.

ص: 113

المجري (1).

[(مسألة 15): لا يعد النوم الذي احتلم فيه ليلا من النوم الأول]

(مسألة 15): لا يعد النوم الذي احتلم فيه ليلا من النوم الأول (2)، بل إذا أفاق ثم نام كان نومه بعد الإفاقة هو النوم الأول.

______________________________

نعم سبق في خبر إبراهيم- المتقدم في تعقيب ما في المعتبر من بطلان الصوم بنوم المجنب ليلا إذا استمر حتي الصباح- قوله عليه السّلام: «إذا احتلم نهارا في شهر رمضان فلا ينم حتي يغتسل» (1).

لكنه ضعيف بالإرسال. مع أن تحريم النوم لا يقتضي وجوب المبادرة للغسل.

علي أنه لا يمكن البناء علي حرمة النوم بعد ما سبق في صحيح العيص. بل جواز النوم من الوضوح بحدّ يلحق معه بالضروريات، بسبب شيوع الابتلاء بذلك، حيث يمتنع عادة خفاء حكمه. و من هنا لا بد من حمل الخبر علي الكراهة.

(1) لا ينبغي التأمل في ذلك بعد قصور أدلة مفطرية إحداث الجنابة في نهار شهر رمضان عن مثل ذلك مما لا يستقل بنفسه، و يكون من توابع جنابة سابقة.

و مثله في ذلك ما إذا أنزل قبل الفجر و لم يعلم بذلك، أو تعذر عليه الغسل حتي طلع الفجر، أو سبقه المني في النهار بنحو لا يفطر به، و نحو ذلك.

مضافا إلي أن ذلك لما كان مغفولا عنه، فعدم التنبيه له في نصوص الاحتلام و نحوه من موارد الجنابة غير القادحة في الصوم، موجب لظهور تلك النصوص بإطلاقاتها المقامية في عدم قدحه في الصوم. و لا سيما و أن المحتلم و نحوه قد ينتبه قبل استكمال خروج المني بنحو يتعرض لخروج بقيته بالحركة الاختيارية، بحيث يستطيع منع خروجه بتجنبها، فلو كان ذلك قادحا لكان المناسب جدا التنبيه له.

(2) كما عن الفخر في شرح الإرشاد التصريح به، و هو المستفاد من مساق كلام غير واحد من الأصحاب، لعدم تفريقهم بين الجنابة بالاحتلام و الجنابة بغيره، و جعلهم المدار علي النوم بعد الجنابة، الظاهر في إرادة إحداث النوم، و عدم الاكتفاء بالنوم

ص: 114


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 4.

______________________________

المستمر حينها، بل هو كالصريح مما في الروضة من التعبير بالنوم بعد العلم بالجنابة.

و كيف كان فقد يستدل عليه بصحيح العيص المتقدم: «أنه سأل أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل ينام في شهر رمضان، فيحتلم ثم يستيقظ، ثم ينام قبل أن يغتسل. قال: لا بأس» (1)، بدعوي: أن المراد بنفي البأس فيه نفي القضاء.

لكنه في غاية المنع، لظهور نفي البأس في الجواز التكليفي. و لا سيما و أن السؤال فيه عن أصل النوم، لا عن استمراره إلي الفجر، و أن المتيقن منه- كما سبق- النوم في النهار، لأن تميز شهر رمضان عن بقية الشهور بنهاره، و لأنه الأولي بتوهم مرجوحية النوم فيه علي الجنابة، لمنافاتها للصوم، و إن كان الظاهر شمول إطلاقه للنوم ليلا، كما سبق أيضا. فتأمل.

فالعمدة في المقام إطلاق صحيح معاوية بن عمار المتقدم، فإن قوله: «الرجل يجنب»، كما يشمل عرفا الجنابة الاختيارية يشمل الجنابة غير الاختيارية بالاحتلام أو غيره. بل لو فرض اختصاصه بالجنابة الاختيارية، فالمستفاد عرفا عموم الحكم فيه للاحتلام، و حيث كان موضوع العفو فيه هو النوم الذي يقدم عليه المكلف بعد الجنابة يتعين عدم احتساب نوم الاحتلام.

و لا سيما مع ظهور ابتناء الحكم فيه بالعفو عن النوم علي التخفيف، و هو إنما يجري في النوم المتعقب لنوم الاحتلام، أما نوم الاحتلام نفسه فلا منشأ لتوهم المفطرية معه بعد عدم العلم بالجنابة، و عدم الإقدام علي ما أوصل إلي البقاء عليها.

مضافا إلي أنه مقتضي الأصل، لأن المفطر حيث كان هو تعمد البقاء علي الجنابة فهو لا يتحقق بالنوم بنية الغسل، و لذا تضمن صحيح معاوية أن المفطرية في النوم الثاني عقوبة، فمع الشك في احتساب نوم الاحتلام يكون مقتضي الأصل عدم احتسابه، و عدم المفطرية في النوم المتعقب له.

نعم مقتضي صحيح ابن أبي يعفور علي رواية التهذيبين احتسابه كما سبق. لكن لا طريق لإثبات صحة الرواية المذكورة بعد ما سبق من الاختلاف في متن الصحيح المذكور.

ص: 115


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 25 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث: 2.

______________________________

و في موثق سماعة: «سألته عن رجل أصابته جنابة في جوف الليل في رمضان، فنام و قد علم بها، و لم يستيقظ حتي يدركه الفجر. فقال: عليه أن يتم صومه، و يقضي يوما آخر» (1)، فإنه كالصريح في الاحتلام الذي هو أمر طارئ يصيب الإنسان، و لا سيما مع التنبيه علي حصول العلم بالجنابة الذي لا يحتاج له في الجنابة الاختيارية، و مع ذلك تضمن الحكم بالقضاء باستمرار النوم بعد العلم بها.

لكنه ليس صريحا في النومة الأولي بعد نومة الاحتلام مع احتمال الانتباه، بل كما يمكن حمله علي ذلك، و لو بمقتضي الإطلاق، يمكن حمله علي النومة الثانية بعد الاحتلام جمعا مع صحيح معاوية بن عمار، أو حمله علي اعتياد عدم الانتباه، ليرجع للتعمد في البقاء علي الجنابة.

و قد يقرب الأول إلغاء خصوصية الاحتلام عرفا، كما قد يناسبه تنبيه السائل علي علمه حين النوم بالجنابة المشعر بأن المهم في المقام ذلك. كما قد يقرب الثاني قوله:

«و لم يستيقظ حتي يدركه الفجر» حيث لا يبعد وقوع التصحيف فيه، إذ لو كان المراد بيان قضية اتفاقية لكان المناسب أن يقول: و لم يستيقظ حتي أدركه الفجر، و من ثم قد يكون الصحيح: و لا يستيقظ حتي يدركه الفجر، لبيان مقتضي حاله و عادته في النوم.

و لو فرض عدم ظهور أحد الحملين فربما يكون حمله علي الاستحباب- المحتمل في مقام الجمع بين النصوص في المقام- أقرب عرفا من التفصيل بين الانتباهة بعد الاحتلام و الانتباهة حين الجنابة الاختيارية. و لذا لا يظهر من الأصحاب البناء علي ذلك مع شيوع الابتلاء بالمسألة، المناسب لعدم خفاء حكمها عليهم. و لا أقل من التوقف في أمر الموثق، و الرجوع إلي إطلاق صحيح معاوية، أو إلي الأصل، حيث سبق أن مقتضاهما عدم احتساب نومة الجنابة.

و من ذلك يظهر ضعف ما عن المستند من احتساب نومة الاحتلام، و الحكم بأن استمرار النوم الأول بعدها موجب للقضاء، كاستمرار النوم الثاني بعد الجنابة الاختيارية. فلاحظ.

ص: 116


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 15 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 5.
[(مسألة 16): الظاهر إلحاق النوم الرابع و الخامس بالثالث]

(مسألة 16): الظاهر إلحاق النوم الرابع و الخامس بالثالث (1).

[(مسألة 17): الأقوي عدم إلحاق الحائض و النفساء بالجنب]

(مسألة 17): الأقوي عدم إلحاق الحائض و النفساء بالجنب، بل المدار علي صدق التواني في الغسل (2)، فيبطل و إن كان في النوم الأول،

______________________________

(1) لعين ما تقدم في النوم الثالث، كما أشرنا إليه هناك.

(2) عملا بقوله عليه السّلام في موثق أبي بصير المتقدم في المسألة العاشرة:: «إن طهرت بليل من حيضتها ثم توانت أن تغتسل في رمضان حتي أصبحت عليها قضاء ذلك اليوم» (1)، و قد تقدم أنه هو الدليل علي مفطرية تعمد البقاء علي الحدث منهما.

و عن نجاة العباد إلحاقهما بالجنب في حكم النوم.

قال سيدنا المصنف قدّس سرّه: «و نسب إلي غير واحد ممن تأخر. و وجهه: أن حكم النومة الأولي في الجنب موافق للأصل، فيطرد فيهما. و النصوص في النومتين و إن كانت واردة في الجنب، لكن يتعدي إليهما بالأولوية».

لكن لا مجال للرجوع للأصل في النومة الأولي بعد ورود موثق أبي بصير القاضي ببطلان الصوم مع التواني في الغسل، لحكومته علي الأصل. و أما الأولوية فيما زاد علي النومة الأولي فهي تبتني علي أولوية حدث الحيض و النفاس بإبطال الصوم من حدث الجنابة. و هي لا تخلو عن إشكال. نعم تقدم قوة احتمال مشاركتهما لحدث الجنابة في الحكم و إن لم يبلغ مرتبة تنهض بالاستدلال.

علي أنه لو سلم ذلك فإن أريد به وجوب القضاء عليهما مع استلزام النوم الثاني لصدق التواني في الغسل، كفي فيه موثق أبي بصير. و إن أريد به وجوب القضاء عليهما مع عدم استلزام النوم الثاني لصدق التواني في الغسل، للغفلة عن الحدث، أو لتعذر الغسل حين النوم، و ابتناء النوم علي عدم الاستمرار و التوثق من الانتباه حين إمكان الغسل، فقد سبق- في ذيل الكلام في وجوب القضاء بالنوم الثاني- عدم البطلان حينئذ في حق الجنب، ليتعدي منه للحائض و النفساء. و حينئذ لا مخرج عما

ص: 117


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 21 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1.

و عدم التواني، فيصح و إن كان في الثاني و الثالث (1).

[الثامن: إنزال المني بفعل ما يؤدي إلي نزوله، مع احتمال ذلك احتمالا معتدا به]

الثامن: إنزال المني بفعل ما يؤدي إلي نزوله (2)، مع احتمال ذلك احتمالا معتدا به، بل مطلقا (3) علي الأحوط وجوبا.

______________________________

سبق من أن المعيار في وجوب القضاء عليهما صدق التواني في الغسل.

(1) كما لو تعذرت المبادرة للغسل، و كان نومهما مبنيا علي التحفظ من الاستمرار و التوثق من الانتباه عند إمكان الغسل، ثم غلبتا علي أمرهما فاستمر النوم.

أو كان النوم للذهول عن الحدث و الغفلة عنه، كما أشرنا إليه آنفا.

(2) بلا خلاف أجده فيه، كما في الجواهر، و نفي الخلاف فيه في محكي المنتهي.

بل في الانتصار و الغنية و الوسيلة و التذكرة و المدارك، و عن غيرها الإجماع عليه.

و يقتضيه جملة من النصوص، كصحيح عبد الرحمن بن الحجاج: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل يعبث بأهله في شهر رمضان حتي يمني. قال: عليه من الكفارة مثل ما علي الذي يجامع» (1)، و قريب منه صحيحه الآخر (2). و موثق سماعة: «سألته عن رجل لزق بأهله، فأنزل. قال: عليه إطعام ستين مسكينا، مدّ لكل مسكين» (3)، و غيرها مما يأتي التعرض له.

(3) اختلفت كلماتهم في إطلاق الحكم بوجوب الكفارة بفعل الأمور المذكورة في النصوص مع ترتب الإنزال عليها، أو تقييده بما إذا قصد بها الإنزال، أو مع إضافة الاعتياد.

و الذي ينبغي أن يقال: التأمل في مجموع النصوص شاهد بأن خروج المني بتعمد ما يوجبه موجب للمفطرية، كالنصوص المتقدمة، لظهورها في أن المفطر هو الإنزال المترتب علي الأمور المذكورة. و كذا صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «أنه سئل عن رجل يمسّ من المرأة شيئا أ يفسد ذلك صومه أو ينقضه؟ فقال: إن ذلك ليكره للرجل الشاب، مخافة أن يسبقه المني» (4).

ص: 118


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 4 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1، 3، 4.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 4 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1، 3، 4.
3- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 4 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1، 3، 4.
4- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 33 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1.

______________________________

و صحيح منصور بن حازم: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: ما تقول في الصائم يقبل الجارية و المرأة؟ فقال: أما الشيخ الكبير مثلي و مثلك فلا بأس. و أما الشاب الشبق فلا، لأنه لا يؤمن، و القبلة إحدي الشهوتين … » (1)، و نحوها. فإن تعليل الكراهة بخوف الإنزال أو عدم الأمن منه ظاهر في بطلان الصوم بالإنزال.

و لا ينافي ذلك ما تضمن نفي البأس عن القبلة، و مس المرأة (2)، و نحو ذلك.

لأن عدم البأس بذلك لنفسه، لا ينافي مفطرية الإنزال لو ترتب عليه.

و مقتضي إطلاقها عدم اعتبار قصد الإنزال في ذلك، و لا اعتياده. بل هو بعيد عن النصوص المذكورة جدا. أما النصوص الأخيرة فلقوة ظهورها في الاهتمام بالصوم و الاحتياط له بالبعد عما يعرضه للفساد، حيث لا يناسب ذلك اختصاصها بالقصد للإنزال أو اعتياده. و أما النصوص الأول فلأن المنصرف منها مفروغية السائل عن كون الإنزال محذورا في الصوم، و أن السؤال إنما هو بلحاظ عدم تعمده، و ذلك لا يناسب إرادة القصد إليه أو اعتياده.

بل اقتصار السائل علي ذكر الإنزال من دون تنبيه للاعتياد أو القصد قد يظهر في عدمهما، لأنهما آكد في ترتب المحذور، فالمناسب التنبيه لهما في مقام معرفة الحكم لو كانا مفروضين في مورد السؤال. بل هو كالصريح من صحيح حفص بن سوقة عمن ذكره عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «في الرجل يلاعب أهله أو جاريته، و هو في قضاء شهر رمضان، فيسبقه الماء فينزل. قال: عليه من الكفارة مثل ما علي الذي جامع في شهر رمضان» (3)، فتأمل.

كما قد يشعر به أيضا موثق سماعة المتقدم و خبر أبي بصير: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل وضع يده علي شي ء من جسد امرأته فأدفق. فقال: كفارته أن يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينا، أو يعتق رقبة» (4)، لقرب عدم سوق الفاء فيهما لمجرد التفريع و التعقيب، بل لبيان عدم التراخي بين ما قبلها و ما بعدها،

ص: 119


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 33 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 3.
2- راجع وسائل الشيعة ج: 7 باب: 33 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك.
3- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 4 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 2، 5.
4- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 4 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 2، 5.

______________________________

المناسب للمفاجأة و عدم القصد و الاعتياد.

و أما ما ذكره سيدنا المصنف قدّس سرّه من أن ذكر الكفارة قرينة علي الاختصاص بصورة العمد أو الاعتياد، لاختصاصها عرفا بالذنب، المتوقف علي ذلك. فهو مدفوع بقرب ابتناء المفطرية و الكفارة في المقام علي الردع عن الاستمتاع الذي يتعرض فيه الرجل للجنابة، احتياطا للصوم، فالتعدي الموجب للكفارة بالإفطار في المقام ليس في القصد للمفطر، بل لعدم احترام الصوم، و عدم التعفف عما يثير الشهوة مما من شأنه أن يعرض الصوم للبطلان، فإن حمل الحكم بوجوب الكفارة علي ذلك أقرب من تقييد النصوص المذكورة بالقصد للإنزال أو اعتياده.

هذا و قد اقتصر بعض مشايخنا في الحكم بالإفطار علي ما إذا لم يثق المكلف بعدم الإنزال، لصحيحي الحلبي و منصور بن حازم المتقدمين المتضمنين للتعليل بخوف ترتب الإنزال، و صحيح محمد بن مسلم و زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام: «أنه سئل هل يباشر الصائم أو يقبل في شهر رمضان، فقال: إني أخاف عليه، فليتنزه من ذلك، إلا أن يثق أن لا يسبقه منيه» (1)، و موثق سماعة: «أنه سأل أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل يلصق بأهله في شهر رمضان. فقال: ما لم يخف علي نفسه فلا بأس» (2).

لكن الأولين ظاهران في أن المراد بالحذر هو حذر الشارع من ترتب الإنزال، و أنه ملحوظ له حكمة في كراهة فعل الأسباب المذكورة، مع ترتب المحذور و هو الإفطار بمجرد الإنزال، لا أن خوف المكلف منه علة في الكراهة شرعا و موضوعا لها تدور مفطرية الإنزال مدارها وجودا و عدما.

و أما الأخيران فمقتضي الجمع بينهما و بين الإطلاقات المذكورة كون وثوق المكلف مؤمنا له خارجا من ترتب الإنزال المفسد للصوم، فيكون عذرا ظاهريا له في فعل هذه الأمور، لا مانعا واقعيا من مفطرية الإنزال، بحيث لا تترتب عليه معه.

نعم لا يبعد التفصيل المذكور بالإضافة إلي وجوب الكفارة، لأن معذرية الوثوق شرعا تمنع من صدق التهاون في الصوم و التفريط فيه، و هو لا يناسب ثبوت

ص: 120


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 33 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 13، 6.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 33 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 13، 6.
[التاسع: الاحتقان بالمائع]
اشارة

التاسع: الاحتقان بالمائع، و لا بأس بالجامد (1).

______________________________

الكفارة معها جدا.

كما أن الظاهر اختصاص الإفطار و الكفارة بما إذا كان الإقدام علي الفعل من أجل الاستمتاع، بنحو يقتضي إثارة الشهوة نوعا، لانصراف النصوص إليه، دون ما إذا لم يكن بداعي ذلك، و إن ترتب عليه الإنزال لمفاجأة الشهوة من دون توقع لذلك بسبب شدة الشبق، كما قد يؤيده معتبر أبي بصير عن الصادق عليه السّلام: «عن رجل كلم امرأته في شهر رمضان فأمني، فقال عليه السّلام: لا بأس» (1).

(1) المعروف من مذهب الأصحاب منع الصائم من الاحتقان في الجملة، و إن حكي عن الإسكافي إطلاق استحباب الامتناع من الحقنة.

و كيف كان فيشهد للمنع صحيح البزنطي عن أبي الحسن عليه السّلام: «أنه سأله عن الرجل يحتقن، تكون به العلة في شهر رمضان، فقال: الصائم لا يجوز له أن يحتقن» (2).

و هو ظاهر أو منصرف للمائع، و لا أقل من لزوم حمله عليه جمعا مع صحيح علي بن جعفر عن أخيه موسي بن جعفر عليه السّلام: «سألته عن الرجل و المرأة هل يصح لهما أن يستدخلا الدواء و هما صائمان؟ قال: لا بأس» (3) بقرينة موثق الحسن بن فضال:

«كتبت إلي أبي الحسن عليه السّلام: ما تقول في التلطف [بالأشياف. يب] يستدخله الإنسان و هو صائم؟ فكتب عليه السّلام: لا بأس بالجامد» (4). لظهوره في ثبوت البأس في المائع.

و من ذلك يظهر ضعف ما في المعتبر و المختلف من المنع عن الاحتقان بقسميه.

بل قد يستفاد من كل من أطلق، كما في المقنعة و عن أبي الصلاح. لكن لا يبعد انصراف إطلاقهم لخصوص الاحتقان بالمائع.

ثم إن المصرح في كلام كثير منهم أن منع الصائم من الاحتقان وضعي راجع إلي

ص: 121


1- التهذيب ج: 4 ص: 273 باب: حكم الساهي و الغالط في الصيام حديث: 20.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 5 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 4، 1.
3- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 5 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 4، 1.
4- التهذيب ج: 4 ص: 204، الاستبصار ج: 2 ص: 83، و رواه في وسائل الشيعة باختلاف في المتن و السند ج: 7 باب: 5 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 3، 2.

كما لا بأس بما يصل إلي الجوف من غير طريق الحلق (1) مما لا يسمي أكلا أو

______________________________

فساد الصوم به، و في الناصريات نفي الخلاف فيه، بل في الخلاف و الغنية الإجماع عليه.

و هو الظاهر من صحيح البزنطي و موثق ابن فضال المتقدمين. لما تكرر منا من ظهور النهي و الترخيص في الماهيات المركبة في الوضعيين الراجعين للصحة و الفساد، دون التكليفيين.

و منه يظهر ضعف ما في المعتبر و النافع و المدارك و عن غيرها من حرمته تكليفا.

و أضعف من ذلك ما في الشرائع، قال: «و الحقنة بالجامد جائزة، و بالمائع محرمة. و يفسد بها الصوم علي تردد». حيث يظهر منه احتمال الجمع بين الحرمة التكليفية و الإفساد، مع ظهور أن النهي إن حمل علي التكليفي فلا وجه للإفساد، و إن حمل علي الوضعي فلا وجه للحرمة التكليفية. و لا مجال لحمله عليهما معا، و لا سيما مع عدم الجامع بينهما عرفا.

نعم لو بني علي إفساد الاحتقان للصوم فقد يحرم عرضا، لكون الصوم واجبا معينا يحرم إفساده. و هو أمر آخر يختص ببعض أفراد الصوم.

هذا و مقتضي إطلاق ما سبق عدم الفرق في المفطرية بين الاختيار و الاضطرار، لأن الاضطرار إنما يرفع التكليف دون المفطرية. و لازم ذلك عدم وجوب الصوم مع الاضطرار للاحتقان، بل عدم مشروعيته لو كان الاضطرار للمرض، لرجوع ذلك إلي كون الصوم مضرا بالمريض.

و ربما يحمل عليه ما في الغنية و عن ابن البراج من وجوب القضاء به حينئذ، دون الكفارة. لكن المنساق من كلامهما مشروعية الصوم، بل وجوبه- لو كان واجبا بالأصل و عدم فساده بالاحتقان حال الاضطرار. و لا مجال للبناء علي ذلك بعد ما سبق.

هذا و بعد البناء علي إفساد الاحتقان للصوم، ففي وجوب الكفارة به كلام يأتي في الفصل الثالث، و عند الكلام في معيار وجوب الكفارة- إن شاء اللّه تعالي.

(1) لا ينبغي التأمل في أن مقتضي أدلة مفطرية الأكل و الشرب خصوصيتهما في

ص: 122

______________________________

ذلك، بحيث لا بد من صدقهما عرفا، إلا أنه قد يعمم موضوع المفطرية فيهما لكل ما يصل إلي الجوف، بضميمة ما تضمن مفطرية الاحتقان بالمائع.

بدعوي: أن البناء علي أنه مفطر مستقل في قبالهما لا يناسب ما تضمن حصر المفطرات في غيره، كصحيح محمد بن مسلم: «سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول: لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث [أربع] خصال: الطعام و الشراب، و النساء، و الارتماس في الماء» (1)، و خبر أبي بصير: «قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: الصيام من الطعام و الشراب، و الإنسان ينبغي له أن يحفظ لسانه … » (2). و لا النصوص المعللة عدم مفطرية بعض الأمور بأنها ليست بطعام و لا شراب (3).

و من هنا كان الأنسب بالجمع بين الأدلة المذكورة إلغاء خصوصية العناوين المذكورة فيها، و جعل موضوع المفطرية هو وصول الشي ء للجوف، نظير ما سبق عند الكلام في مفطرية الجماع، و في مبطلية تعمد البقاء علي الجنابة لغير صوم شهر رمضان، من إلحاق تعمد البقاء علي الجنابة بالنساء، و عدم كونه مفطرا مستقلا في قباله.

و لعله لذا جعل في الغنية موضوع المفطرية ما يصل إلي الجوف، و عليه يبتني ما يأتي من بعضهم من المفطرية بصب الدواء في الإحليل إذا وصل إلي الجوف، و ما في المبسوط و المختلف من الإفطار بتعمد وصول الطعنة للجوف، و غير ذلك مما قد يظهر بالنظر في كلماتهم.

لكنه يشكل أولا: بصعوبة البناء علي مفاد الحصر المذكور و إرجاع جميع المفطرات إليه، و لا سيما مثل الكذب علي اللّه تعالي و رسوله صلي اللّه عليه و آله و سلم و الأئمة عليه السّلام، و القي ء. و يلزم لأجله حمل تعليل عدم مفطرية بعض الأمور بأنه ليس بطعام و لا شراب علي الحصر الإضافي، كما لعله ظاهر.

و ثانيا: بأنه لو تم إرجاع مفطرية مثل الاحتقان لمفطرية الأكل و الشرب فهو لا يتوقف علي إلغاء خصوصية الأكل و الشرب، و كون الموضوع مطلق الوصول

ص: 123


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 1 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1، 2.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 1 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1، 2.
3- راجع وسائل الشيعة ج: 7 باب: 25 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك، و باب: 39 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 2.

______________________________

للجوف، بل قد يبتني علي كونه من الفرد الخفي للأكل و الشرب، و لو لواجديته لملاكهما، بحيث يحتاج إلحاقه بهما لتعبد خاص يقتصر فيه علي مورده، و لا يتعدي لسائر ما يصل إلي الجوف.

بل ذلك هو الأنسب بالجمع بين الأدلة من تعميم موضوع المفطرية لمطلق ما يصل إلي الجوف، فإن إلغاء خصوصية الأكل و الشرب لأجل دليل مفطرية الاحتقان صعب جدا.

و لا سيما بلحاظ ما جري عليه بعضهم من تعميم الجوف لغير المعدة و الأمعاء، مثل ما تقدم من بعضهم من المفطرية بصب الدواء في الإحليل إذا وصل إلي الجوف، حيث لا يراد به الوصول إليها، بل إلي المثانة بتوسط المسالك الضيقة، و غير ذلك مما يتضح بالنظر في كلماتهم.

و من ذلك يظهر الحال في كل ما يفرض مفطريته مما دلت عليه الأدلة بالخصوص، و لا يصدق عليه الأكل و الشرب عرفا، و إن أمكن رجوعه إليهما بنحو من التكلف، كابتلاع الغبار الغليظ، و الارتماس في الماء، الذي قد تبتني مفطريته علي التحفظ من شرب الماء، و الاحتياط له، و غير ذلك. حيث لا بد إما البناء علي كونه مفطرا مستقلا عن الأكل و الشرب، أو البناء علي كونه فردا خفيا ملحقا بهما، تعبدا يقتصر فيه علي عنوانه.

هذا و قد ذكر سيدنا المصنف قدّس سرّه أن المعيار في صدق الأكل و الشرب علي وصول الشي ء للجوف من طريق الحلق، من دون فرق بين طرق الوصول للحلق.

كالفم و الأنف و غيرهما. و هو المناسب لقوله في الشرائع: «لا يفسد الصوم ما يصل إلي الجوف بغير الحلق عدا الحقنة بالمائع».

لكن المبني المذكور علي إطلاقه لا يخلو عن إشكال، حيث يصعب تحديد مفهوم الأكل و الشرب بذلك، لأن الصورة المعهودة لهما هي الوصول للجوف من طريق الفم، و الغرض المقصود منهما عرفا هو انتفاع الجسم بما يدخله من طريق تحلله في المعدة. و بلحاظ الأول يتعين الاقتصار علي ما يدخل من طريق الفم. و بلحاظ الثاني

ص: 124

______________________________

يتعين العموم لكل ما يصل المعدة من أجل أن يتحلل فيها و ينفذ منها للجسم، و إن كان وصوله من منفذ مستحدث بعد الحلق. و لا طريق لتحديد الأكل و الشرب بحدّ متوسط بين الأمرين بعد عدم توجه العرف لتجديد المفاهيم بهذه الدقة.

و من هنا لا ينبغي التأمل في أن المتيقن من الأكل و الشرب عرفا هو ما يدخل من طريق الفم. لكن يقرب تعميم مفطريتهما لكل ما يدخل للمعدة بالوجه المذكور، كما يظهر من الجواهر، إما لعمومهما له مفهوما، أو بلحاظ الغرض المهم منهما، الذي يكاد يقطع بكفايته في تحديد موضوع المفطرية، و فهمه من دليلها، لو فرض عدم استيضاح صدق عنوان الأكل و الشرب تبعا له.

و أما مجرد دخول الشي ء للجسم و نفوذه فيه أو انتفاعه به من غير طريق التحلل في المعدة، فلا ريب في عدم صدق الأكل و الشرب به، و عدم عموم الغرض المهم منهما له. بل هو عرفا من سنخ التدارك للنقص بسبب تعذرهما، أو قصورهما عن أداء المقصود، نظير الاستنقاع في الماء، أو التواجد في الجو الرطب من أجل تخفيف حاجة الجسم للماء، أو امتصاصه للرطوبة المحيطة به.

كما أنه لا بد في تحقق موضوع المفطرية- بناء علي ما ذكرنا- من دخول الشي ء المستعمل بصورته المعهودة للمعدة عرفا، و لا يكفي وصوله لها أو للحلق بعد تحلله و استهلاكه في المسالك المؤدية إليهما، بحيث يكون الواصل لأحدهما عرفا أثره المستكشف بالطعم أو الرائحة أو نحوهما بسبب نفوذها، حيث لا ريب في عدم صدق الأكل و الشرب به حينئذ، بل هو كالتدهين و استعمال اللطوخ و نحوها مما ينفذ في الجسم بتحولات لا يصدق معها أكله أو شربه.

و قد يناسب ذلك صحيح علي بن جعفر عن أخيه موسي عليه السّلام: «سألته عن الصائم يذوق الشراب و الطعام يجد طعمه في حلقه. قال: لا يفعل. قلت: فإن فعل فما عليه؟ قال: لا شي ء عليه، و لا يعود» (1). و موثق عمرو بن سعيد عن الرضا عليه السّلام:

«سألته عن الصائم يتدخن بعود أو بغير ذلك، فتدخل الدخنة في حلقه. قال: جائز

ص: 125


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 37 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 5.

شربا، كما إذا صب دواء في جرحه (1)، أو في أذنه (2)،

______________________________

لا بأس به» (1).

كما قد يظهر من صحيح محمد بن مسلم: «قال أبو جعفر عليه السّلام: يا محمد إياك أن تمضغ علكا، فإني مضغت اليوم علكا و أنا صائم فوجدت في نفسي منه شيئا» (2)، فإن الظاهر أن مراده عليه السّلام من وجدان شي ء في نفسه الاحساس بأثره في الحلق. و لا بد من البناء علي عدم مفطريته، لامتناع استعماله عليه السّلام له مع ذلك. غاية الأمر الكراهة.

و لذا حمل عليها غير واحد النصوص المتضمنة للنهي الكحل للصائم إذا وجد له طعما في حلقه (3).

(1) كما في الخلاف و التذكرة. و عن الشيخ مفطريته، و نسبه في المختلف لظاهر كلامه في المبسوط، و اختاره، إلحاقا له بالحقنة، بعد مشاركته لها في الوصول إلي الجوف. و يظهر ضعف الاستدلال المذكور مما سبق. و مثله الاستدلال له بعموم مفطرية ما يصل إلي الجوف.

نعم لو تحقق فيه المعيار المتقدم في مفطرية ما يصل إلي الجوف تعين البناء علي مفطريته. لكنه بعيد عن محل كلامهم.

(2) قال في الجواهر: «بلا خلاف أجده فيه … إلا من أبي الصلاح». فإن كان مراد أبي الصلاح مفطريته مطلقا، للبناء علي مفطرية كل ما يصل للجوف بمعني الباطن، و إن لم ينفذ عن موضعه. فهو- مع خلوه عن الدليل- مقطوع ببطلانه، و لو بلحاظ جواز المضمضة و الاستنشاق. مضافا إلي الترخيص في جملة من النصوص بصب الدواء و الدهن في أذنه. ففي صحيح حماد بن عثمان: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الصائم يصب في أذنه الدهن؟ قال: لا بأس به» (4). و نحوه غيره.

و إن كان مراده خصوص ما إذا وصل إلي الجوف- كما هو مورد كلام سيدنا

ص: 126


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 32 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 11.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 36 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1.
3- راجع وسائل الشيعة ج: 7 باب: 25 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك.
4- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 24 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 2.

أو في إحليله (1)،

______________________________

المصنف قدّس سرّه- فيظهر ضعفه مما سبق في تحديد مفطرية ما يصل إلي الجوف من أنه يختص بما إذا كان الواصل هو نفس الأمر المتناول قبل تحلله في المسالك المؤدية للجوف، دون ما إذا تحلل بحيث يكون الواصل عرفا من سنخ الأثر المدرك بالطعم أو الرائحة.

نعم في صحيح علي بن جعفر عن أخيه عليه السّلام: «سألته عن الصائم هل يصلح له أن يصب في أذنه الدهن؟ قال: إذا لم يدخل حلقه فلا بأس» (1). و حيث لا يعهد مسلك ظاهر بين الأذن و الحلق، يدرك دخول الدهن للحلق من طريقه، فالظاهر أن المراد به إدراك دخوله للحلق من طريق أثره، كتغير الطعم و نحوه، نظير ما تقدم.

لكن لا يبعد حمله علي الكراهة، نظير ما سبق في العلك و الكحل، كما يناسبه عدم تنبيه الأصحاب (رضوان اللّه عليهم) له مع شدة الحاجة لذلك لو كان مفطرا، لغفلة العرف عنه بعد عدم وضوح صدق الأكل و الشرب عليه، خصوصا مع تصريحهم بكراهة مثل ذلك في الكحل، و مع كثرة النصوص التي أطلق فيها عدم البأس بصب الدهن في الاذن من دون تنبيه للقيد المذكور. و لا سيما و أن مقتضاه المفطرية بالدخول للحلق و إن لم يصل للجوف، مع أنه لا إشكال في عدم صدق الأكل و الشرب بذلك، و من البعيد جدا مفطريته تعبدا. فلاحظ.

(1) كما هو مقتضي إطلاق الخلاف و محكي كلام ابن الجنيد، و صريح التذكرة.

لكن في المبسوط و الوسيلة و عن غيرهما الحكم بمفطريته. و اختاره في المختلف إلحاقا له بالحقنة، قال: «لنا أنه أوصل جوفه مفطرا بأحد المسلكين، فإن المثانة ينفذ إلي الجوف، فكان موجبا للإفطار، كما في الحقنة». و كأنه لإلغاء خصوصية الحقنة، أو لتنقيح المناط.

لكنهما معا ممنوعان، و لا سيما مع اختلاف الجوف الذي يصل إليه كل منهما، و اختلاف كيفية وصولهما، فالمائع في الاحتقان يصل رأسا لسعة المسالك، و في المقام

ص: 127


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 24 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 5.

أو عينه (1) فوصل إلي جوفه. و كذا إذا طعن برمح أو سكين فوصل إلي

______________________________

يصل بعد تحلله لضيقها.

نعم لو قيل بعموم مفطرية ما يصل للجوف بمعني الباطن اتجه البناء علي المفطرية في المقام مطلقا و لو مع الجمود، لأن اختصاص المفطرية في الاحتقان بالمائع للدليل الخاص لا يقتضي ذلك في غيره. لكن تقدم المنع من العموم المذكور.

(1) إجماعا محكيا صريحا و ظاهرا إن لم يكن محصلا. كذا في الجواهر. و به يخرج عن ظاهر النهي عنه في النصوص.

و توضيح ذلك: أن النصوص علي طوائف..

الأولي: ما تضمن النهي عن الكحل و جميع ما يجعل في العين، كصحيح سعد بن سعد عن أبي الحسن الرضا عليه السّلام: «سألته عمن [الرجل] يصيبه الرمد في شهر رمضان هل يذر عينه، يذرها بالنهار و هو صائم؟ قال: يذرها إذا أفطر، و لا يذرها و هو صائم» (1)، و موثق الحسن بن علي: «سألت أبا الحسن الرضا عليه السّلام عن الصائم إذا اشتكي عينه يكتحل بالذرور و ما أشبهه، أم لا يسوغ له ذلك؟ فقال: لا يكتحل» (2).

الثانية: ما تضمن الترخيص فيه مطلقا، كصحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام: «في الصائم يكتحل. قال: لا بأس به. ليس بطعام و لا شراب» (3).

و صحيح عبد الحميد بن أبي العلاء عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «قال: لا بأس بالكحل للصائم» (4)، و غيرهما من النصوص الكثيرة.

الثالثة: ما تضمن التفصيل، كصحيح محمد بن مسلم عن أحدهما عليه السّلام: «أنه سئل عن المرأة تكتحل و هي صائمة. فقال: إذا لم يكن كحلا تجد له طعما في حلقها فلا بأس» (5)و موثق سماعة أو صحيحه: «سألته عن الكحل للصائم. فقال: إذا كان كحلا ليس فيه مسك، و ليس له طعم في الحلق، فلا بأس به» (6)، و غيرهما.

ص: 128


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 25 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 3، 8، 7، 1، 5، 2.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 25 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 3، 8، 7، 1، 5، 2.
3- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 25 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 3، 8، 7، 1، 5، 2.
4- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 25 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 3، 8، 7، 1، 5، 2.
5- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 25 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 3، 8، 7، 1، 5، 2.
6- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 25 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 3، 8، 7، 1، 5، 2.

______________________________

و الجمع العرفي يقتضي العمل علي الطائفة الثالثة المفصلة، و البناء علي حرمة الكحل و الذرور الذي فيه مسك، أو له طعم في الحلق، و حلية ما عداه.

بل لا يبعد كراهة ما عداه احتياطا لاحتمال أن ينفذ إلي الداخل لصحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «أنه سئل عن الرجل يكتحل و هو صائم. فقال: لا، إني أتخوف أن يدخل رأسه» (1)، و لا يبعد أن يكون دخول الكحل للرأس كناية عن نفوذه حتي يصل إلي الحلق.

نعم في موثق الحسين بن أبي غندر: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: اكتحل بكحل فيه مسك و أنا صائم؟ فقال: لا بأس به» (2). و مقتضاه حمل النهي في موثق سماعة عن الكحل الذي فيه مسك علي الكراهة. و يبقي الكحل و الذرور الذي له طعم في الحلق علي الحرمة، عملا بظاهر النصوص الناهية عنه من دون معارض.

لكن شيوع الابتلاء بالمسألة و معروفية الحكم بالكراهة بين الأصحاب (رضوان اللّه تعالي عليهم)، بل الإجماع المدعي علي عدم الحرمة- كما سبق- تلزم بحمل النهي المذكور علي الكراهة، لامتناع خفاء الحكم في مثل هذه المسألة الشائعة الابتلاء عليهم.

و يؤيد ذلك أولا: كثرة النصوص التي أطلق فيها الترخيص في الكحل من دون تنبيه فيها للقيد المذكور، مع شدة الحاجة لبيانه لو كان لازما.

و ثانيا: التعليل في بعضها بأنه ليس بطعام و شراب، المناسب لعموم الترخيص جدا.

و ثالثا: أن من القريب كون الكحل المشتمل علي المسك الذي تقدم الترخيص فيه صريحا مما من شأنه النفوذ للحلق.

و رابعا: ما تضمنه حديث سماعة المتقدم من جعل عدم دخوله للحلق في سياق عدم اشتماله علي مسك، الذي سبق حمله علي الكراهة.

و خامسا: أن النفوذ للحلق لا يستلزم نزول شي ء معتد به منه للجوف الذي

ص: 129


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 25 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 9، 11.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 25 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 9، 11.

جوفه (1)، و غير ذلك.

نعم إذا فرض إحداث منفذ لوصول الغذاء إلي الجوف من غير طريق الحلق- كما يحكي عن بعض أهل زماننا- فلا يبعد صدق الأكل و الشرب حينئذ فيفطر به (2). كما لا يبعد أيضا ذلك إذا كان بنحو الاستنشاق في الأنف (3).

______________________________

هو المعيار في صدق الأكل و الشرب. بل يكاد يقطع بعدمه، لقلته و تحلله و استهلاكه في المسالك القريبة. و التزام كونه مفطرا في قبال الأكل و الشرب بعيد جدا، بل لا يناسب التعليل المذكور.

و من هنا يتعين البناء علي كراهة الكحل مطلقا و لو تحفظا من نفوذه و احتياطا له، كما تضمنه صحيح الحلبي، و يناسبه ما تضمن إطلاق النهي عن الكحل بعد عدم الملزم بتقييده، لعدم منافاة ما تضمن الترخيص له، إذ يكفي فيه عدم الحرمة و إن كان مكروها. و تشتد الكراهة فيما ينفذ للحلق أو كان فيه مسك.

(1) خلافا لما تقدم من المبسوط و المختلف. و يظهر ضعفه مما تقدم هنا، و مما تقدم عند الكلام في تحديد الطعام و الشراب من عدم شموله لمثل الفلزات الكبيرة مما لا يتحلل عرفا، حيث لا يصدق عليه الأكل و الشرب. و لا سيما في محل الكلام حيث يكون الدخول مؤقتا بحيث لا يتحقق حتي الابتلاع.

(2) ففي الجواهر: «نعم لو فرض منفذ و لو بالعارض لهما- يعني: للطعام و الشراب- في البدن أفطر به قطعا، إن كان مما يصل به الغذاء. أما لو كان في مكان لا يتغذي بالوصول منه، لسفله عن المعدة مثلا، ففيه وجهان أقواهما عدم الإفطار».

و هو يناسب ما تقدم منا عند الكلام في تحديد الأكل و الشرب- كما سبق- و لا يناسب ما تقدم من سيدنا المصنف قدّس سرّه في تحديدهما. فراجع.

(3) مقتضي ما تقدم منه قدّس سرّه الجزم بمفطريته. كما هو الحال بناء علي ما ذكرناه أيضا.

و منه أو مثله ما تعارف في عصورنا من إيصال الغذاء بأنبوب لين يوضع في الأنف و يمر بالحلق إلي المعدة.

ص: 130

و أما إدخاله الجوف بطريق الإبرة فلا يخلو من إشكال (1). و أما إدخال الدواء بالإبرة في اليد أو الفخذ أو نحوهما من الأعضاء فلا بأس به (2). و كذا تقطير الدواء في العين أو الأذن (3).

[(مسألة 18): الظاهر جواز ابتلاع ما يخرج من الصدر من الخلط]

(مسألة 18): الظاهر جواز ابتلاع ما يخرج من الصدر من الخلط، و إن وصل إلي فضاء الفم. أما ما ينزل من الرأس ففيه إشكال، إلا إذا لم يصل إلي فضاء الفم فلا بأس به. و إن كان الأظهر الجواز فيه أيضا (4).

______________________________

(1) إن كان المراد من الجوف المعدة فهو مفطر بناء علي ما تقدم منا. و إن كان المراد به غيرها- كإيصال الدواء و المغذي في عصورنا إلي الوريد- فالظاهر أنه بحكم الإدخال بالإبرة الذي يأتي منه المنع من مفطريته.

نعم يفترق عنه بسرعة تأثيره. لكن ذلك لا يصلح فارقا بعد عدم دخوله في الأكل و الشرب. و عدم ترتب الغرض المطلوب منهما عليه، و الذي سبق أنه المدار في المفطرية.

(2) كما يظهر وجهه مما تقدم منه و ما تقدم منا في تحديد موضوع مفطرية الأكل و الشرب.

(3) كما تقدم منه قدّس سرّه التصريح به، و لم يتضح وجه إعادته.

(4) لا ينبغي التأمل في عدم المفطرية في ابتلاع ما ينزل من الرأس و يخرج من الصدر مع عدم وصوله إلي فضاء الفم، لوضوح عدم صدق الأكل و الشرب به، و لزوم الحرج نوعا من تجنبه، مع كثرة الابتلاء به، فلو لم يكن عدم مفطريته واضحا عند المتشرعة لكثر السؤال عنه و عن فروعه، و لو كان مفطرا للزم علي الشارع الأقدس التنبيه علي ذلك. مضافا إلي دلالة موثق غياث الآتي عليه بالإطلاق أو بالأولوية، بل حتي صحيح عبد اللّه بن سنان الآتي أيضا، علي ما سيتضح إن شاء اللّه تعالي.

و أما مع الوصول إلي فضاء الفم ففي التذكرة و عن المعتبر و المنتهي و البيان و غيرها عدم المفطرية أيضا، و في الجواهر أنه المشهور. و قد يستدل عليه..

تارة: بعدم وضوح صدق الأكل و الشرب عليه، لظهورهما أو انصرافهما إلي ما

ص: 131

______________________________

يكون خارجا عن الجسد، دون ما خرج منه، كالريق.

و أخري: باستفادته بالأولوية مما ورد في القلس، و هو ما يخرج بالتجشؤ، ففي صحيح عبد اللّه بن سنان: «سئل أبو عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل الصائم يقلس، فيخرج منه الشي ء من الطعام أ يفطر ذلك؟ قال: لا. قلت: فإن ازدرده بعد أن صار علي لسانه؟ قال: لا يفطر ذلك» (1).

و ثالثة: بموثق غياث بن إبراهيم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «قال: لا بأس أن يزدرد الصائم نخامته» (2)، لأن الازدراد إن لم يكن ظاهرا في فرض خروج الشي ء عن الحلق لفضاء الفم فلا أقل من عمومه له. و ما يظهر من الدروس من حمله علي خصوص ما إذا لم يصل إلي فضاء الفم غريب.

لكن قد يمنع الأول، و يدعي صدق الأكل بذلك. و الفرق بينه و بين الريق واضح. لملازمة الريق للصوم، و دعم الاعتداد به بنحو يغفل عنه.

و يستشكل في الثاني بعدم العمل بالصحيح في مورده، لإعراض المشهور عنه.

و في الثالث بإجمال النخامة، فظاهر الشرائع و مجمع البحرين أنها ما يخرج من الصدر، و عن المغرب أنها ما يخرج من أصل الخيشوم عند التنخع، و أن ما ينزل من الصدر يختص باسم النخاعة، و يظهر من بعضهم العموم، ففي لسان العرب:

«النخامة: بالضم النخاعة. نخم الرجل نخما و نخما و تنخم: دفع بشي ء من صدره أو أنفه، و اسم ذلك الشي ء النخامة، و هي النخاعة». و في نهاية ابن الأثير: «النخامة:

البزقة التي تخرج من أقصي الحلق، و من مخرج الخاء المعجمة». و حينئذ لا ينهض الموثق بجواز كل منهما بعينه.

بل حيث كان مقتضي عموم مفطرية الأكل مفطرية كل منهما يتعين البناء علي مفطرية أحدهما إجمالا جمعا بين العموم المذكور و الموثق، فيجب تركهما معا خروجا عن العلم الإجمالي المذكور.

ص: 132


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 29 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 9.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 39 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1.

______________________________

اللهم إلا أن يدفع الأول بأن الفرق بين ابتلاع ذلك و ابتلاع الريق و إن كان مسلما، إلا أنه ليس بنحو يقتضي اليقين بصدق الأكل بابتلاع ذلك، و لا سيما بملاحظة الصحيح و الموثق المذكورين، حيث يقرب ابتناء الحكم فيهما- خصوصا الثاني- علي القاعدة، لعدم صدق الأكل.

و الثاني بأن عدم العمل بالصحيح في مورده غير ظاهر بنحو يتحقق به الإعراض المسقط للحجية، غاية الأمر أن حكاية صاحب الوسائل عن الشيخ حمله علي الازدراد نسيانا ظاهر في عدم بنائهما علي العمل بظاهره، و في بلوغ ذلك حدا يسقطه عن الحجية إشكال، أو منع، بعد عدم وضوح مأخذه غير الاستبشاع.

و أما الثالث بأن لو تم إجمال الموثق لإجمال النخامة- و لم يقرب العموم، لأنه الأقرب للمعني العرفي- فمن القريب جدا إلغاء خصوصية كل من المعنيين عرفا، و التعدي منه للآخر.

هذا و مقتضي ما سبق من الإشكال في الوجه الثالث- لو غض النظر عما ذكرنا في رده- عدم وجوب الكفارة بأحد الأمرين حتي لو قيل بوجوبها بكل مفطر، لعدم إحراز كونه مفطرا. بل و كذا القضاء، لعدم إحراز بطلان الصوم به بعد سقوط عموم مفطرية الأكل و الشرب عن الحجية في كل منهما بالعلم الإجمالي بتخصيصه بالموثق.

و مجرد وجوب اجتناب كل منهما خروجا عن العلم الإجمالي المدعي لا يقتضي مفطريته و لا بطلان الصوم به.

اللهم إلا أن يبطل الصوم بالإخلال بالنية، لأن نية الصوم بترك جميع المفطرات لا تجتمع مع الإقدام علي محتمل المفطرية من دون إحراز لعدم مفطريته، و غاية ما يمكن هو نية الصوم معلقا و مشروطا بعدم مفطريته، فيصح الصوم علي تقدير عدم مفطريته واقعا لا مطلقا، فليس له أن يجتزئ به، لعدم إحرازه الامتثال به. غاية الأمر أنه لا تجب الكفارة، لعدم إحراز موضوعها، و هو استعمال المفطر.

نعم لو ابتلي بهما معا في يوم واحد أو يومين ففعلهما معا وجب القضاء و الكفارة ليوم واحد. فلاحظ.

ص: 133

[(مسألة 19): لا بأس بابتلاع البصاق المجتمع في الفم]

(مسألة 19): لا بأس بابتلاع البصاق المجتمع في الفم (1). و إن كان كثيرا و كان اجتماعه باختياره كتذكر الحامض مثلا.

[العاشر: تعمد القي ء]
اشارة

العاشر: تعمد القي ء (2)، و إن كان لضرورة من علاج مرض

______________________________

(1) بلا إشكال ظاهر، و نفي الخلاف فيه في الخلاف، و نسبه في التذكرة لعلمائنا، قال: «سواء جمعه في فمه ثم ابتلعه، أو لم يجمعه».

و يقتضيه- مضافا إلي ذلك، و إلي السيرة القطعية- معتبر الجعفريات عن جعفر ابن محمد (عليهما السلام): «أنه قال: لا بأس أن يزدرد الصائم ريقه» (1) و لا أقل من كونه مقتضي الأصل، بعد القطع بخروجه عن الشرب عرفا.

(2) علي المشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة، بل إجماع من المتأخرين. كذا في الجواهر. و في الخلاف و الغنية و محكي المنتهي الإجماع عليه.

للنصوص المستفيضة، كصحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «إذا تقيأ الصائم فقد أفطر، و إن ذرعه من غير أن يتقيأ فليتم صومه» (2). و صحيح علي بن جعفر عن أخيه عليه السّلام: «سألته عن الرجل يستاك و هو صائم، فيقي ء، ما عليه؟ قال: إن كان تقيأ متعمدا فعليه قضاؤه، و إن لم يكن تعمد ذلك فليس عليه شي ء» (3)، و موثق سماعة:

«سألته عن القي ء في رمضان، فقال: إن كان شي ء يبدره فلا بأس، و إن كان شي ء يكره نفسه عليه [فقد] أفطر و عليه القضاء» (4)، و غيرها.

و عن السيد المرتضي أنه حكي عن قوم من أصحابنا أنه ينقض الصوم و لا يبطله، و جعله أشبه. و وافقه في السرائر. و قد يستدل لهم- بعد الأصل- بعموم حصر المفطر في غيره (5) 1، و بإطلاق صحيح عبد اللّه بن ميمون القداح عن أبي عبد اللّه عن أبيه (عليهما السلام): «قال: ثلاثة لا يفطرن الصائم: القي ء و الاحتلام

ص: 134


1- مستدرك الوسائل ج: 7 باب: 21 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 29 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1، 10، 5.
3- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 29 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1، 10، 5.
4- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 29 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1، 10، 5.
5- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 1 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1.

و نحوه (1)، و لا بأس بما كان بلا اختيار (2).

______________________________

و الحجامة» (1) و بأن الصوم هو الإمساك عما يصل إلي الجوف، لا عما يخرج منه. و من أجل ذلك يتعين حمل النصوص علي الحرمة التكليفية.

لكن حمل النصوص علي الحرمة التكليفية دون المفطرية، لا يناسب الحكم فيها بالمفطرية، و وجوب القضاء. فيتعين الخروج بها عن الأصل، و عما تضمن حصر المفطر في غيره، كما ثبت الخروج عنه في غير مورد. و حمل صحيح عبد اللّه بن ميمون علي ما إذا ذرعه القي ء من دون أن يتعمده. و أما الوجه الأخير فهو اجتهاد في مقابل النص.

(1) لإطلاق النصوص المتقدمة، كإطلاق فتوي الأصحاب. و الضرورة إنما تقتضي جواز الإفطار به حينئذ، أو عدم مشروعية الصوم، نظير ما تقدم في الاحتقان.

(2) لا خلاف أجده فيه نصا و فتوي سوي ما عن ابن الجنيد. كذا في الجواهر.

و يشهد له التفصيل في النصوص المتقدمة.

قال في المختلف في بيان اختلافهم في القي ء: «و قال ابن الجنيد: إنه يوجب القضاء خاصة إذا تعمد، فإن ذرعه لم يكن عليه شي ء. إلا أن يكون القي ء من محرم، فيكون فيه إذا ذرعه القضاء، و إذا استكره القضاء و الكفارة». و لم يتضح الوجه في استثناء صورة ما إذا كان الطعام الذي يقيئه محرما، فإنه خروج عن مقتضي النصوص المتقدمة.

و ربما يوجه وجوب القضاء إذا ذرعه القي ء حينئذ بأن وجوب قي ء الطعام المحرم الأكل ينافي وجوب الصوم، الموقوف علي ترك التقيؤ، و يمنع من التقرب به، فيبطل الصوم لذلك، و يجب القضاء، و إن لم يكن التقيؤ القهري مبطلا، و لا موجبا للقضاء بنفسه.

لكنه يشكل أولا: بعدم وضوح وجوب قي ء الطعام المغصوب، لأن أكل الطعام إتلاف له عرفا، بنحو يوجب ضمانه بالمثل أو القيمة، من دون أن يجب أداؤه بنفسه، ليجب القي ء.

إلا أن يبتلع ما لا يتلف بالابتلاع، و يمكن إرجاعه بالقي ء، فيجب قيؤه- مع

ص: 135


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 26 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 11.
[(مسألة 20): إذا خرج بالتجشؤ شي ء ثم نزل من غير اختيار لم يكن مبطلا]

(مسألة 20): إذا خرج بالتجشؤ شي ء ثم نزل من غير اختيار لم يكن مبطلا (1)،

______________________________

القدرة عليه- و إرجاعه حينئذ. و وجوب قيئه و إن كان منافيا لوجوب الصوم. إلا أن الصوم إنما يبطل بذلك مع الالتفات لوجوب القي ء، لتعذر التقرب بالصوم عن المفطرات- التي منها القي ء- مع ذلك. أما مع الغفلة عنه فيمكن التقرب بالصوم لتمامية ملاكه و إن سقط أمره بمزاحمته لوجوب تسليم ما ابتلعه.

اللهم إلا أن يكون مراده بالحرام غير المغصوب، أو ما هو الأعم منه. و يكون وجوب القي ء لا من أجل تسليم الطعام لمالكه، بل من أجل أن حرمة الطعام كما تقتضي حرمة أكله تقتضي حرمة تركه في المعدة حتي يتحلل و يأخذ البدن منه ما يأخذ. فتأمل.

و ثانيا: بأن ذلك لا يقتضي مفطرية القي ء إذا ذرعه، بل بطلان الصوم، و إن لم يتحقق منه القي ء، لتعذر التقرب به مع وجوب القي ء.

و أشكل من ذلك حكمه بوجوب الكفارة إذا استكره نفسه علي القي ء، مع حكمه بعدمها فيما لا يحرم أكله. لوضوح وحدة الدليل في المقامين، و هي النصوص السابقة. و جعل الكفارة عقوبة لأكل المحرم من دون دليل تحكم في الدين.

بل حتي لو قيل بوجوب الكفارة مع تعمد القي ء من الصائم فقد يتجه سقوطها في المقام لو قيل بوجوب القي ء، حيث لا يكون المكلف متمردا في القي ء.

و مجرد تفريطه بابتلاع ما يجب قيؤه لا يكفي في كون التقيؤ تمردا موجبا للكفارة.

اللهم إلا أن يقال: إن تم إطلاق دليل الكفارة بنحو يشمل القي ء فالمتيقن انصرافه عما إذا لم يكن متمردا في التسبيب لما يبطل الصوم، و هو ابتلاع ما يجب قيؤه، أما مع ذلك فالمتعين الرجوع فيه للإطلاق.

(1) بلا إشكال. أما خروجه فلعدم صدق القي ء عليه. و إن لم يكن اختياريا فالأمر أظهر. و أما نزوله فلفرض عدم الاختيار الذي لا يكون الأكل معه مفطرا، فضلا عن ذلك.

هذا مضافا للنصوص الواردة في القلس و في ابتلاعه، كصحيح عبد اللّه بن

ص: 136

و إذا وصل إلي فضاء الفم فابتلعه اختيارا بطل صومه (2) و عليه الكفارة (3).

[(مسألة 21): إذا ابتلع في الليل ما يجب قيؤه في النهار بطل صومه]

(مسألة 21): إذا ابتلع في الليل ما يجب قيؤه في النهار بطل صومه و إن لم يقئه (3) إذا كان إخراجه منحصرا بالقي ء، و إن لم يكن منحصرا به لم

______________________________

سنان المتقدم، و صحيح محمد بن مسلم: «سئل أبو جعفر عليه السّلام عن القلس يفطر الصائم؟ قال: لا» (1)، و موثق عمار بن موسي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «سألته عن الرجل يخرج من جوفه القلس حتي يبلغ الحلق، ثم يرجع إلي جوفه و هو صائم؟ قال: ليس بشي ء» (2)، و غيرها.

(2) كما في العروة الوثقي، و أقره بعض شراحها و محشيها. لصدق الأكل به، فيفطر مع التعمد. لكن تقدم في المسألة الثامنة عشرة عند الكلام في ازدراد النخامة الإشكال في ذلك. مضافا إلي التصريح بعدم مفطريته في صحيح عبد اللّه بن سنان. فراجع.

(3) بناء علي وجوب الكفارة بكل مفطر. و يأتي الكلام في ذلك في الفصل الثالث إن شاء اللّه تعالي.

(1) كأنه لتعذر النية المعتبرة في الصوم مع وجوب قيئه، إذ مع عزمه علي قيئه لا يتأتي منه بنية الصوم، و بدونه لا يتأتي منه التقرب بالصوم، لما فيه من التمرد. نعم الأول موقوف علي التفاته لمفطريته، و الثاني موقوف علي فعلية وجوب قيئه، لأهميته من وجوب الصوم، و علي التفات الصائم لوجوب القي ء.

هذا و قد قرب بعض مشايخنا قدّس سرّه صحة الصوم في المقام، إذا لم يتعمد القي ء، لثبوت الأمر الترتبي بالصوم، لأن القي ء و الإمساك عنه و إن كانا ضدين لا ثالث لهما، فلا يمكن الأمر بالإمساك عند ترك القي ء و عصيان الأمر به، لأنه تحصيل للحاصل.

إلا أن الصوم ليس مطلق الإمساك، بل خصوص الإمساك التعبدي، فيكون لهما ثالث، و هو الإمساك عن القي ء لا بنحو التعبد، و حينئذ يمكن الأمر الترتبي بالصوم

ص: 137


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 30 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1، 2.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 30 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1، 2.

يبطل إلا إذا قاءه اختيارا.

[(مسألة 22): ليس من المفطرات مص الخاتم، و مضغ الطعام للصبي، و ذوق المرق، و نحوها]

(مسألة 22): ليس من المفطرات مص الخاتم، و مضغ الطعام للصبي، و ذوق المرق، و نحوها (1)،

______________________________

و الإمساك عن القي ء بنحو التعبد عند عصيان الأمر بالقي ء و تركه.

أقول: الأمر أظهر من ذلك، فإن الواجب ليس هو القي ء بنفسه، بل ما يترتب عليه، و هو تسليم ما ابتلعه من مال الغير لصاحبه. و من الظاهر ثبوت الواسطة بينه و بين الصوم. بل لو فرض امتناع الأمر الترتبي بالصوم كفي ثبوت ملاكه في إمكان الاجتزاء به، علي ما ذكروه في مسألة الضد من الأصول.

لكن لا مجال مع ذلك لصحة الصوم في فرض الالتفات لوجوب تسليم المال إلي أهله المتوقف علي القي ء، لامتناع التقرب بالإمساك عن القي ء حينئذ، لأن ترك المقدمة المنحصرة للواجب الفعلي تمرد علي المولي مبعد، و يمتنع التقرب للمولي بما هو تمرد عليه مبعد عنه. و إنما ينفع الأمر الترتبي بالعبادة أو ثبوت الملاك فيها فيما إذا لم يكن العمل العبادي بنفسه تمردا علي المولي مبعدا عنه، كالصلاة عند ترك تطهير المسجد. و لذا كان الكلام في الأمر الترتبي عندهم بعد الفراغ عن عدم كون ترك الضد المهم مقدمة لفعل ضده الأهم. فلاحظ.

(1) بلا إشكال ظاهر، بل الظاهر أنه إجماعي، كما ادعاه صريحا في التذكرة في المضمضة مع التحفظ من الدخول للجوف. و يقتضيه- بعد ذلك و بعد السيرة القطعية، و الأصل حيث لا ريب في عدم صدق الأكل و الشرب عليه- النصوص المستفيضة (1).

نعم في صحيح سعيد الأعرج: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الصائم، أ يذوق الشي ء و لا يبلعه؟ قال: لا» (2). قال في التهذيب: «هذه الرواية محمولة علي من لا يكون به حاجة إلي ذلك. و الرخصة إنما وردت في ذلك لصاحبة الصبي و الطباخ الذي يخاف علي فساد طعامه، أو من عنده طائر إن لم يزقه هلك. فأما من هو مستغن عن ذلك فلا

ص: 138


1- راجع وسائل الشيعة ج: 7 باب: 37، 38 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 37 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 2.

مما لا يتعدي إلي الحلق (1) أو تعدي من غير قصد أو نسيانا للصوم (2).

أما ما يتعدي فمبطل و إن قلّ (3)، كالذي يستعمل في بعض البلاد المسمي عندهم بالنسوار. و كذا لا بأس بمضغ العلك (4)، و إن وجد له

______________________________

يجوز له أن يذوق الطعام». و قريب منه في الاستبصار.

و هو غريب، لا يناسب ما سبق من ظهور الإجماع و السيرة. علي أنه جمع تبرعي لا شاهد له. و مجرد كون موارد بعض النصوص المرخصة من هو مظنة الحاجة لا يكفي في الجمع المذكور بعد عدم الإشارة فيها للتقييد بالحاجة.

و من ثم كان الأقرب حمله علي الكراهة، و لو للاحتياط حذرا من وصوله للجوف. و لو فرض تعذر حمله علي ذلك تعين طرحه، ورد علمه لأهله عليه السّلام.

(1) الظاهر أن المعيار في المفطرية علي التعدي عن الحلق و الوصول للجوف، لعدم صدق الأكل و الشرب بدون ذلك.

(2) لما يأتي من اعتبار التعمد في مفطرية الأكل و الشرب. لكن في التذكرة و عن المنتهي أنه يجب القضاء إذا لم يكن إدخاله للفم لغرض صحيح. و لم يتضح وجهه. و حمله علي ما ورد في المضمضة قياس مع الفارق، فإن معيار سقوط القضاء فيها الوضوء للفريضة، علي تفصيل يأتي في محله، و لم يلتزم هو هنا بمثله. فلا مخرج عما سبق.

(3) كما يظهر مما تقدم في أوائل الكلام في مفطرية الأكل و الشرب. فراجع.

(4) كما عن الأكثر و المشهور، لعدم صدق الأكل به. نعم في صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «قلت: الصائم يمضغ العلك؟ قال: لا» (1). و لعله لذا قال في النهاية: «و لا يجوز للصائم مضغ العلك». و عن الاسكافي أنه يفسد الصوم.

لكن لا بد من حمله علي الكراهة، لصحيح محمد بن مسلم: «قال أبو جعفر عليه السّلام: يا محمد إياك أن تمضغ علكا، فإني مضغت اليوم علكا و أنا صائم،

ص: 139


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 36 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 2.

طعما في ريقه (1) ما لم يكن لتفتت أجزائه (2).

______________________________

فوجدت في نفسي منه شيئا» (1)، فإن فعله عليه السّلام لا يجتمع مع الحرمة. بل صرح في خبر أبي بصير بجوازه (2).

(1) لأن مجرد الطعم لا يصدق معه الأكل. و دعوي: أن لا يكون إلا بتحلل أجزاء ذي الطعم، لامتناع انتقال الأعراض. مدفوعة بأن ذلك لو تم فالتحلل المذكور لما لم يكن عرفيا لم يصدق به الأكل فلا يكون مفطرا. و لا سيما و أنه كالمتيقن من صحيح محمد بن مسلم المتقدم. و أظهر من ذلك ما إذا لم يكن الطعم في الريق، بل كان الاحساس به بسبب مسّ العلك لموضع الاحساس بالطعم. و قد تقدم عند الكلام في المفطر التاسع ما ينفع في المقام.

(2) إذا كان يصل إلي الجوف بابتلاع الريق. لكن لا مجال للبناء علي المفطرية حينئذ فيما إذا لم يكن للمتحلل وجود عرفي، بل كان دقيا لا يدرك إلا من طريق الطعم، حيث لا يصدق به الأكل عرفا. بل يصعب حمل النصوص و كلمات الأصحاب علي خصوص ما إذا كان الطعم بسبب المجاورة، لأنه- لو سلم وجوده- يصعب إدراكه و تمييزه.

نعم يتجه ما ذكره إذا كان للمتحلل وجود عرفي، كما لو كان تحلل العلك محسوسا، أو كان ممزوجا بما يتحلل، كالسكر- كما يتعارف في عصورنا- حيث يصدق في مثل ذلك الأكل، لأن أكل كل شي ء بحسبه.

قال سيدنا المصنف قدّس سرّه: «إلا أن تكون الأجزاء مستهلكة في الريق فالحكم بالإفطار حينئذ غير ظاهر». و كأنه لعدم صدق الأكل مع استهلاك المأكول في الريق حين الابتلاع، بحيث لا يكون له وجود عرفي.

و قد استشكل في ذلك بعض مشايخنا قدّس سرّه بأنه إنما يتم لو كان الواجب علي الصائم ترك الأكل و الشرب. أما حيث كان الواجب هو اجتناب الطعام و الشراب كما تضمنه صحيح محمد بن مسلم: «لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث [أربع]

ص: 140


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 36 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1، 3.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 36 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1، 3.

و لا بمص لسان الزوج و الزوجة (1) و الأحوط الاقتصار علي ما إذا لم تكن

______________________________

خصال: الطعام و الشراب … » (1)، فهو لا يتحقق مع ابتلاع الريق في الفرض.

و فيه أولا: أن المراد من اجتناب الطعام و الشراب هو اجتناب الأكل و الشرب، لأن ذلك هو المفهوم منهما عرفا. و لا سيما بضميمة ما تضمن مفطرية الأكل و الشرب، كالآية الكريمة و غيرها.

و ثانيا: أنه مع فرض استهلاك الطعام بحيث لا يصدق الأكل بابتلاع الريق لا يكون ابتلاع الريق منافيا لاجتناب الطعام المفروض وجوبه علي الصائم.

و أشكل من ذلك ما ذكره قدّس سرّه- و يظهر من جماعة من محشي العروة الوثقي، تبعا للسيد الطباطبائي قدّس سرّه فيها- من الفرق بين الامتزاج الاتفاقي بالريق و المزج العمدي به فيجوز ابتلاع الريق في الأول دون الثاني. حيث لا يظهر وجه الفرق بين الأمرين.

فالعمدة في الإشكال فيما ذكره سيدنا المصنف قدّس سرّه: أنه لا يبعد صدق الأكل و الشرب في الأمور التي يبتني استعمالها علي الامتزاج مهما قلّت إذا كان لها وجود عرفي قبل امتزاجها بالريق. و إن كان الأمر لا يخلو عن إشكال.

(1) كما في العروة الوثقي و ظاهر الوسائل و في الحدائق و عن المحقق الأردبيلي الميل إليه. لصحيح علي بن جعفر عن أخيه عليه السّلام: «سألته عن الرجل الصائم، أله أن يمصّ لسان المرأة، أو تفعل المرأة ذلك؟ قال: لا بأس» (2)، و قريب منه صحيح أبي بصير (3).

نعم قد يظهر من الأصحاب هجر الصحيحين، لعدم تنبيههم لذلك، و إنما اقتصروا علي السواك و مصّ الحصي و الخاتم و الخرز و نحوها.

بل قال في التذكرة: «قد بينا أنه لا يجوز له ابتلاع ريق غيره و لا ريق نفسه إذا انفصل عن فمه. و ما روي عن عائشة أن النبي صلي اللّه عليه و آله و سلم كان يمص لسانها و هو صائم ضعيف … سلمنا. لكن يجوز أن يمصه بعد إزالة الرطوبة عنه … ». فإن تضعيفه لما

ص: 141


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 1 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 34 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 3، 2.
3- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 34 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 3، 2.

عليه رطوبة (1).

[(مسألة 23): يكره للصائم ملامسة النساء و تقبيلها و ملاعبتها]

(مسألة 23): يكره للصائم ملامسة النساء و تقبيلها و ملاعبتها (2)

______________________________

روي من طرق العامة عن عائشة و إهمال الصحيحين لا يناسب عمل الأصحاب بهما.

و لعله لذا ذكر في الحدائق أن ظاهر الأصحاب بطلان الصوم بابتلاع ريق الغير، خلافا لظاهر هذين الصحيحين و صحيح أبي ولاد الآتي.

لكن في بلوغ ذلك حدا يسقط به الصحيحان عن الحجية إشكال، لقرب ابتناء ما يظهر من الأصحاب من عدم جواز ابتلاع ريق الغير مطلقا علي حمل الصحيحين علي صورة جفاف اللسان أو عدم ابتلاع الريق- كما في الدروس- لا علي هجرهما. كما أن عدم الإشارة في التذكرة للصحيحين لا يشهد بهجرهما، بل يناسب عدم الاطلاع عليهما.

(1) هذا بعيد عن ظاهر الصحيحين، فإنهما و إن كانا بصدد بيان جواز مصّ اللسان، من دون نظر لابتلاع الرطوبة، إلا أن غلبة رطوبة اللسان مع عدم التنبيه لتجفيفه أو التحذر من ابتلاع الريق بعد مصّه موجب لظهورهما في عدم لزوم أحد الأمرين.

نعم المتيقن من ذلك العفو عن الرطوبة التابعة للسان عادة، دون ما زاد علي ذلك مما كان له وجود عرفي ظاهر، فيشكل البناء علي جواز ابتلاعه.

نعم قد يستفاد الجواز من صحيح أبي ولاد الحناط: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام:

إني أقبل بنتا لي صغيرة و أنا صائم، فيدخل في جوفي من ريقها شي ء. قال: فقال لي:

لا بأس، ليس عليك شي ء» (1). اللهم إلا أن يقتصر علي مورده، أو يحمل علي صورة عدم التعمد.

(2) كما هو المعروف بين الأصحاب المدعي عليه الإجماع في الجملة علي خلاف منهم في تحديده، فقد أطلق غير واحد، تبعا لإطلاق بعض النصوص كحديث أبي بصير- الذي لا يبعد اعتباره- عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في حديث قال: «و المباشرة ليس بها بأس، و لا قضاء يومه. و لا ينبغي له أن يتعرض لرمضان» (2). و صحيح علي

ص: 142


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 34 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 33 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 17.

______________________________

بن جعفر عن أخيه عليه السّلام: «و سألته عن الرجل أ يصلح أن يلمس و يقبل و هو يقضي شهر رمضان؟ قال: لا» (1)، و معتبر جراح المدائني: «قال أبو عبد اللّه عليه السّلام إذا أصبحت صائما فليصم سمعك و بصرك … و إياك و المباشرة و القبلة و القهقهة بالضحك، فإن اللّه يمقت ذلك» (2)، و غيرها.

لكن صرح غير واحد باختصاصه بمن يثير ذلك شهوته حذرا من تفاقم الأمر و حصول المفطر. و هو المناسب لما في الخلاف، قال: «تكره القبلة للشاب إذا كان صائما، و لا تكره للشيخ … دليلنا إجماع الفرقة، و طريقة الاحتياط»، و ما عن المنتهي من الإجماع علي الكراهة لمن تتحرك شهوته بذلك.

و قد يستدل له بالنصوص الكثيرة، كصحيح محمد بن مسلم و زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام: «أنه سئل هل يباشر الصائم أو يقبل في شهر رمضان؟ فقال: إني أخاف عليه فليتنزه من ذلك، إلا أن يثق أن لا يسبقه منيه» (3)، و في صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «إن ذلك ليكره للرجل الشاب، مخافة أن يسبقه المني» (4)، و في صحيح منصور بن حازم عنه عليه السّلام: «فقال: أما الشيخ الكبير مثلي و مثلك فلا بأس. و أما الشاب الشبق فلا، لأنه لا يؤمن، و القبلة إحدي الشهوتين» (5)، و غيرها، حيث قد يدعي أن مقتضي الجمع بين الطائفتين تقييد الأولي بالثانية.

لكن لا ملزم بذلك بعد إمكان الجمع باختلاف مرتبة الكراهة، مع إبقاء الطائفة الأولي علي إطلاقها. و لا سيما مع اعتضاده بعموم التعليل في معتبر الحسن بن راشد قال في حديث: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: الصائم يشم الريحان؟ قال: لا، لأنه لذة، و يكره له أن يتلذذ» (6). و نحوه معتبره الآخر(7).

نعم لا يبعد انصراف الإطلاق المذكور كإطلاق بعض الأصحاب إلي ما إذا

ص: 143


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 33 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 20.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 11 من أبواب آداب الصائم حديث: 12.
3- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 33 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 13، 1، 3.
4- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 33 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 13، 1، 3.
5- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 33 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 13، 1، 3.
6- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 32 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 7، 15.
7- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 32 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 7، 15.

إذا لم يقصد الإنزال و لا كان من عادته، و إن قصد الإنزال كان من قصد المفطر (1). و إن كان من عادته فالأحوط اجتنابه (2).

و يكره الاكتحال بما يصل طعمه أو رائحته الحلق، كالصبر و المسك (3). و كذا دخول الحمام إذا خشي الضعف (4)، و إخراج الدم

______________________________

كانت المباشرة بتلذذ و شهوة، فإن ذلك هو الذي لا يناسب احترام الصوم، و هو الذي يقتضيه التعليل في معتبري الحسن بن راشد. و لعله إليه يرجع ما في التذكرة: «أجمع العلماء علي كراهة التقبيل الذي بالشهوة».

(1) فيبطل به الصوم مطلقا من دون كفارة، فإن أنزل وجبت به الكفارة، كما سبق في المفطر الثامن.

(2) بل ربما قيل بالحرمة، و كأنه لحجية العادة عرفا، فيكون الإقدام معها إقداما علي الأمر المتعود عليه. لكنه لا يخلو عن إشكال إذا كان احتمال التخلف معتدا به، و لو بسبب التحفظ. نعم لو أنزل فلا إشكال في المفطرية، و في وجوب الكفارة، كما يظهر مما سبق في المفطر الثامن.

(3) تقدم الكلام في ذلك في ذيل الكلام في المفطر التاسع.

(4) لصحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام: «أنه سئل عن الرجل يدخل الحمام و هو صائم. قال: لا بأس، ما لم يخش ضعفا» (1).

و به يخرج عن إطلاق ما عن الإمام الرضا عليه السّلام بأسانيد متعددة عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام): «قال: قال علي بن أبي طالب عليه السّلام: ثلاثة لا يعرض أحدكم نفسه لهن و هو صائم: الحمام، و الحجامة، و المرأة الحسناء» (2). اللهم إلا أن يجمع بينهما بالحمل علي شدة الكراهة إذا خشي علي نفسه الضعف، مع عموم أصل الكراهة، و لو احتياطا من الشارع الأقدس لحال الصائم.

ص: 144


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 27 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 26 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 7.

المضعف (1)،

______________________________

نعم لا يبعد اختصاص أو انصراف الحمام في النصوص لما يكون الإنسان معرضا فيه للإجهاد بسبب شدة حرارته، دون غيره مما يعد للاغتسال، فيه من دون جهد، لبرودته، و إن كان ماؤه دافئا. فإن المكروه ليس هو الاغتسال، كما لا يحتمل دخل إعداد المكان له في الكراهة.

(1) كما ذكره غير واحد. للنصوص الكثيرة الواردة في الحجامة، كصحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «سألته عن الصائم أ يحتجم؟ فقال: إني أتخوف عليه. أ ما يتخوف [به] علي نفسه؟ قلت: ما ذا يتخوف عليه؟ قال: الغشيان [الغشي به] أو [أن] تثور به مرة. قلت: أ رأيت إن قوي علي ذلك، و لم يخش شيئا؟ قال: نعم إن شاء» (1)، و غيره.

و مقتضي عموم التعليل في صحيح الحلبي و صحيح عبد اللّه بن سنان الآتي عموم الحكم لكل دم معتد به من شأنه أن يكون مضعفا. و يناسب ذلك النهي عن قلع الضرس في موثق عمار الآتي (2).

و بقرينة التعليل أيضا يتعين حمل النهي علي كونه تكليفيا للاحتياط من الضعف، لا وضعيا راجعا لمفطرية إخراج الدم المذكور، كما هو المناسب لظهور المفروغية عن عدم مفطريته، و للنصوص المصرحة بذلك، كصحيح عبد اللّه بن ميمون عن أبي عبد اللّه عن أبيه (عليهما السلام): «قال: ثلاثة لا يفطرن الصائم: القي ء، و الاحتلام، و الحجامة. و قد احتجم النبي صلي اللّه عليه و آله و سلم و هو صائم … » (3)، و غيره.

كما أن التعليل أيضا يناسب عدم كون النهي المذكور للحرمة، بل للكراهة احتياطا لحال الصائم، كما هو المفروغ عنه بينهم أيضا.

نعم لو فرض احتمال بلوغ الضعف حدا يلزم بالإفطار لم يبعد البناء علي الحرمة، لوجوب حفظ القدرة علي الصوم، بعد عدم كون الضعف الطارئ من سنخ المرض الرافع للتكليف بالصوم. فتأمل. و الظاهر خروجه عن مورد النصوص

ص: 145


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 26 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1، 3، 11.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 26 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1، 3، 11.
3- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 26 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1، 3، 11.

و السعوط (1) مع عدم العلم بوصوله إلي الحلق،

______________________________

و مفروض كلام الأصحاب.

هذا و قد صرح في النصوص الكثيرة- و منها صحيح الحلبي المتقدم- بنفي البأس مع الأمن من الضعف. و من ثم قد يقيد به إطلاق النهي في بعض النصوص، مثل ما تقدم عند الكلام في كراهة دخول الحمام بأسانيد عن الإمام الرضا عليه السّلام و ما سبق في موثق عمار.

لكن لا يبعد الجمع بشدة الكراهة مع الخوف، مع عموم أصل الكراهة، و لو احتياطا من الشارع الأقدس لحال الصائم، نظير ما تقدم في غير مورد.

بقي في المقام أمران:

الأول: في صحيح عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «قال: لا بأس بأن يحتجم الصائم. إلا في شهر رمضان، فإني أكره أن يغرر بنفسه. إلا أن لا يخاف علي نفسه» (1)، و قد يستفاد منه شدة الكراهة في شهر رمضان. لكن لا يبعد عموم الكراهة لصوم شهر رمضان و نحوه من الصوم الواجب المعين. أما غير المعين فلا كراهة فيه، حيث يستطيع الصائم فيه الإفطار إن أحسّ بالضعف.

الثاني: ظاهر الوسائل كراهة الحجامة للحاجم أيضا إذا كان صائما. و يقتضيه موثق عمار: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الحجام يحجم و هو صائم؟ قال: لا ينبغي.

و عن الصائم يحتجم. قال: لا بأس»(2) و إن كان من القريب حصول التصحيف فيه بتبديل جواب أحد السؤالين بجواب السؤال الآخر. و قد يناسبه إهمال الأكثر التنبيه لذلك. فتأمل.

(1) ففي الفقيه أطلق عدم جواز السعوط، و في المقنعة و المراسم أنه يجب القضاء و الكفارة به، و حكاه المرتضي في جمل العلم و العمل عن قوم من أصحابنا، و قد يستدل له بالنصوص المتضمنة لكراهة السعوط للصائم، كموثق ليث المرادي:

ص: 146


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 26 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 12، 13.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 26 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 12، 13.

و إلا ففيه إشكال (1)، و شم كل نبت طيب الريح (2)، و بلّ الثوب علي

______________________________

«سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الصائم يحتجم، و يصب في أذنه الدهن، قال: لا بأس، إلا السعوط، فإنه يكره»(1) ، و معتبر غياث بن إبراهيم عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام) أنه كره السعوط للصائم (2)، و غيرهما.

لكن صرح في المقنع بنفي البأس عنه، و في الهداية و النهاية بالكراهة، و نسب للمشهور. و هو المتعين، لأن النصوص لا تنهض بأكثر من ذلك. مضافا إلي أن شيوع الابتلاء بالحكم لا يناسب خفاءه علي المشهور.

(1) ففي المبسوط و الوسيلة و ظاهر الشرائع و عن أبي الصلاح و ابن البراج و المختلف إنه مفطر، و عن أبي يعلي إنه يوجب الكفارة. و لا شاهد له من النصوص المذكورة.

نعم قد يدعي صدق الأكل عليه لو عبر الحلق و نزل للجوف، لما تقدم من تحديد موضوع المفطرية في الأكل و الشرب. لكنه يشكل بأن نزوله لما كان بالاستنشاق فهو ينزل إلي الرئة لا إلي المعدة، و في شمول المفطر المذكور له إشكال أو منع. و أشكل من ذلك ما إذا أريد الاكتفاء بوصوله إلي الحلق و إن لم ينزل للجوف، نظير ما أشرنا إليه عند الكلام في صب الدواء في الأذن.

(2) فقد صرح الأصحاب بكراهة شم الريحان، و في الجواهر: «بلا خلاف أجده، بل عن المنتهي الإجماع عليه». و يقتضيه جملة من النصوص منها معتبرا الحسن بن راشد (3) المتقدمان عند الكلام في كراهة مباشرة النساء، و حديث الحسن الصيقل الآتي في بلّ الثوب علي الجسد. و هي محمولة علي الكراهة إجماعا، و لما تضمن الترخيص فيه كصحيح محمد بن مسلم: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: الصائم يشم الريحان و الطيب؟ قال: لا بأس به» (4)، و غيره.

ص: 147


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 32 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 15، 7، 1.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 32 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 15، 7، 1.
3- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 7 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1، 2.
4- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 7 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1، 2.

الجسد (1)،

______________________________

قال في لسان العرب: «و الريحان كل بقل طيب الريح … »، و يظهر من بعضهم أنه نبت خاص. و هو غير مهمّ بعد عموم التعليل في معتبري الحسن بن راشد المذكورين.

هذا و تتأكد الكراهة في النرجس لخبر ابن رئاب: «سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام ينهي عن النرجس للصائم، فقلت: جعلت فداك لم ذلك؟ فقال: لأنه ريحان الأعاجم» (1).

(1) بلا خلاف أجده فيه، كما في الجواهر. لغير واحد من النصوص، كمعتبر الحسن بن راشد عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في حديث: «قلت: و الصائم يستنقع في الماء؟

قال: نعم. قلت: فيبل ثوبا علي جسده؟ قال: لا … » (2)، و خبر الحسن الصيقل عنه عليه السّلام: «سألته عن الصائم يلبس الثوب المبلول؟ قال: لا، و لا يشم الريحان» (3)، و خبر عبد اللّه بن سنان: «سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: لا تلزق ثوبك إلي جسدك و هو رطب و أنت صائم حتي تعصره» (4)، و غيرها.

و لا بد من حمل النهي فيها علي الكراهة، لظهور الإجماع علي عدم الحرمة.

و لكثرة الابتلاء بالمسألة، خصوصا مع شيوع كثرة العرق في البلاد الحارة، حيث لا يمكن معه خفاء الحكم فيها علي الأصحاب. و لصحيح محمد ابن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام قال: «الصائم يستنقع في الماء، و يصب علي رأسه، و يتبرد بالثوب، و ينضح بالمروحة، و ينضح البوريا تحته، و لا يغمس رأسه في الماء» (5) فإن التبرد بالثوب إن لم يكن ظاهرا في لبسه و هو مبلول فلا أقل من كونه المتيقن من أفراده. بنحو يصعب حمله علي غيره.

ثم إن مقتضي خبر عبد اللّه بن سنان ارتفاع النهي بعصر الثوب، لكن من القريب حمله علي خفة الكراهة، عملا بإطلاق النهي عن لبس الثوب المبلول. و لا سيما مع صعوبة حمله علي خصوص ما لو عصر لجري منه الماء.

ص: 148


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 32 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 4.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 3 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 5، 10، 3، 2.
3- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 3 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 5، 10، 3، 2.
4- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 3 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 5، 10، 3، 2.
5- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 3 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 5، 10، 3، 2.

و جلوس المرأة في الماء (1)،

______________________________

(1) و في الغنية و إشارة السبق و عن القاضي مفطرية ذلك، فيجب مع تعمده القضاء و الكفارة، بل في الغنية الإجماع علي ذلك. و عن أبي الصلاح الحلبي وجوب القضاء به خاصة.

و كأنه لموثق حنان: «أنه سأل أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الصائم يستنقع في الماء؟ قال:

لا بأس، و لكن لا ينغمس، و المرأة لا تستنقع في الماء، لأنها تحمل الماء بقبلها».(1)

لكن المشهور شهرة عظيمة- كما في الجواهر- القول بالكراهة. و قد علل في كلام غير واحد بملازمة استنجاء المرأة من البول لحمل القبل للماء، مع ما هو المعلوم من عدم مفطرية ذلك لها.

و فيه: أن من القريب أن لا يكون المراد من حمل الماء بقبلها في الموثق هو وصوله لباطن القبل القريب، الذي يصله الماء بالاستنجاء، حيث لا مجال حتي لاحتمال الكراهة فيه، بل لا بد من كون المراد هو وصوله لباطن القبل العميق، الذي يحصل الإيلاج به عن الجماع، المعروف في عصرنا بالمهبل، و هو أحد معانيه لغة.

فالعمدة في وجه حمل الموثق علي الكراهة أن شيوع الابتلاء بذلك لا يناسب خفاء حكمه علي المشهور.

مضافا إلي أن مقتضي ارتكازية التعليل في الموثق العموم للجامد، لأن الفرق بين الجامد و المائع في الاحتقان ارتكازا إنما هو بلحاظ تعارف وصول المائع للجوف العميق دون الجامد، و هو لا يجري في المقام، حيث لا يتعدي ما يدخل إلي الجوف العميق من دون فرق بين الجامد و المائع، و حينئذ لو كان التعليل مسوقا لبيان المفطرية لم يكن مناسبا لما تضمن الترخيص في استدخال الدواء و نحوه للصائم، كصحيح علي بن جعفر عن أخيه عليه السّلام: «سألته عن الرجل و المرأة هل يصلح لهما أن يستدخلا الدواء و هما صائمان؟ قال: لا بأس» (2). و غيره. و من ثم كان الظاهر سوق التعليل

ص: 149


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 3 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 6.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 5 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1.

و الحقنة بالجامد (1)، و قلع الضرس، بل مطلق إدماء الفم (2) و السواك بالعود الرطب (3)، و المضمضة عبثا (4)، و إنشاد الشعر إلا في مراثي الأئمة عليه السّلام و مدائحهم (5)،

______________________________

المذكور للكراهة.

كما هو المناسب أيضا لما سبق من حمل ما تضمن النهي عن الارتماس في الماء علي الكراهة.

(1) كأنه لإطلاق النهي عن الاحتقان في صحيح البزنطي المتقدم عند الكلام في مفطرية الاحتقان بالمائع. لكن بعد حمله علي المائع لا ينهض بإثبات الكراهة في الجامد. إلا أن يبتني علي قاعدة التسامح في أدلة السنن، لصدق البلوغ بذلك.

و لا سيما مع الفتوي بالإطلاق من بعضهم، كما تقدم.

(2) لموثق عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «الصائم ينزع ضرسه؟ قال: لا، و لا يدمي فاه، و لا يستاك بعود رطب» (1)، المحمول علي الكراهة إجماعا. و قد تقدم في إخراج الدم المضعف ما قد ينفع في المقام.

(3) للنهي عنه في موثق عمار المتقدم و غيره (2)، الذي لا إشكال في حمله علي الكراهة، و لو للترخيص فيه في جملة من النصوص، كصحيح الحلبي: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام أ يستاك الصائم بالماء و بالعود الرطب يجد طعمه؟ فقال: لا بأس به» (3)، و غيره.

(4) يأتي تمام الكلام في حكمها في الأمر السادس مما يوجب القضاء دون الكفارة.

(5) هذا لا يناسب صحيح حماد بن عثمان و غيره عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «قال: لا ينشد الشعر بالليل، و لا ينشد في شهر رمضان بليل و لا نهار. فقال له إسماعيل: يا أبتاه فإنه فينا. قال: و إن كان فينا» (4).

ص: 150


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 26 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 3.
2- راجع وسائل الشيعة ج: 7 باب: 28 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك.
3- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 28 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 3.
4- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 13 من أبواب آداب الصائم حديث: 2.

و في الخبر (1): «إذا صمتم فاحفظوا ألسنتكم عن الكذب، و غضّوا أبصاركم، و لا تنازعوا، و لا تحاسدوا، و لا تغتابوا، و لا تماروا، و لا تباشروا، و لا تخالفوا، و لا تغضبوا، و لا تسابّوا، و لا تشاتموا، و لا تنابزوا، و لا تجادلوا، و لا تباذوا، و لا تظلموا، و لا تسافهوا، و لا تزاجروا، و لا تغفلوا عن ذكر اللّه..

الحديث».

______________________________

نعم قد تزاحم الكراهة لو توقف عليه إقامة المآتم و المجالس- التي بها إحياء أمر أهل البيت (صلوات اللّه عليهم)، الذي به حياة هذا الدين الحنيف- و سائر الشعائر الدينية.

و لعله علي ذلك يحمل ما عن الآداب الدينية للطبرسي عن خلف بن حماد:

«قلت للرضا عليه السّلام: إن أصحابنا يروون عن آبائك (عليهم السلام) أن الشعر ليلة الجمعة و يوم الجمعة و في شهر رمضان و في الليل مكروه، و قد هممت أن أرثي أبا الحسن عليه السّلام، و هذا شهر رمضان. فقال لي: إرث أبا الحسن عليه السّلام ليلة الجمعة، و في شهر رمضان، و في الليل، و في سائر الأيام، فإن اللّه يكافيك علي ذلك» (1).

و إن كان الظاهر منه الرد لما يفهم من تلك، إما لعدم ورودها، أو لعدم معرفة المراد منها، لعدم إناطة الحث فيه علي قول الشعر بحال خاص يناسب التزاحم المذكور.

و لا بأس بالعمل عليه برجاء المطلوبية، لنصوص قاعدة التسامح في أدلة السنن.

(1) و هو معتبر جراح المدائني المروي في الباب الحادي عشر من أبواب آداب الصائم من الوسائل.

ص: 151


1- وسائل الشيعة ج: 10 باب: 105 من أبواب المزار و ما يناسبه حديث: 8.

[تتميم]

اشارة

تتميم المفطرات المذكورة إنما تفسد الصوم إذا وقعت علي وجه العمد (1)

______________________________

(1) قولا واحدا و نصوصا، كما في الجواهر، و بلا ريب و لا خلاف، كما عن المستند. و يستفاد من النصوص المتضمنة التقييد بالعمد في مفطرية الكذب (1)، و في مفطرية دخول الماء للحلق بالمضمضة (2)، و مفطرية القي ء (3)، و من صحيح أبي بصير و سماعة المتضمن تعليل مفطرية الأكل لظن دخول الليل بأنه أكل متعمدا (4)، و مما تضمن عدم القضاء بالبقاء علي الجنابة من غير تعمد(5)، و اشتراط وجوب القضاء علي من طهرت من الحيض بأن تتواني عن الغسل حتي يطلع الفجر (6).

كما قد يستفاد أيضا من النصوص الواردة فيمن أكل ناسيا المتضمنة أن ذلك شي ء رزقه اللّه تعالي (7). لوضوح أن كل طعام- حتي ما يوجب الإفطار- رزق منه تعالي، فمن القريب أن يكون منشأ خصوصية النسيان في التعليل بذلك إما قصور تشريعه تعالي للصوم عن فعلية المنع من الأكل في مورد النسيان، و إما استناد الأكل للنسيان الذي هو راجع إليه تعالي من دون أن يستند للمكلف، و كلاهما يجري في سائر موارد عدم العمد في فعل المفطر.

كما قد يؤيده التقييد بالتعمد في كلام السائل في جملة من النصوص، و ما في

ص: 152


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 2 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 7، 3.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 23 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 5.
3- راجع وسائل الشيعة ج: 7 باب: 29 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك.
4- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 50 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1.
5- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 14 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1.
6- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 21 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1.
7- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 9 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 9، 6، 1.

______________________________

صحيح معاوية بن عمار (1) من الأمر بالقضاء في النومة الثانية عقوبة، لإشعاره بعدم اقتضاء التكليف بالصوم وجوب القضاء بدوا، لعدم تعدم البقاء معه علي الجنابة، و إنما وجب القضاء عقوبة للتسامح بالنوم.

و كذا ما تضمن تعليل مفطرية النكاح دون الاحتلام بأن النكاح فعله و الاحتلام مفعول به (2)، لوضوح أنه لا يراد به نسبة الفعل للناكح دون المحتلم، إذ لا إشكال في مفطرية النكاح للرجل و المرأة و إن استند لأحد الطرفين و كان الآخر قابلا فقط. و إنما يراد به تعمد الفعل في النكاح و عدم التعمد له في الاحتلام … إلي غير ذلك مما قد يظهر بالتأمل.

و ذلك بمجموعه كاف في فهم عموم توقف فساد الصوم علي تعمد فعل المفطر، بحيث لا بد في الخروج عنه من دليل خاص.

هذا و قد ذكر بعض مشايخنا قدّس سرّه أن ذلك يستفاد من حديث المشرقي عن أبي الحسن عليه السّلام: «سألته عن رجل أفطر من شهر رمضان أياما متعمدا ما عليه من الكفارة؟

فكتب: من أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا فعليه عتق رقبة مؤمنة، و يصوم يوما بدل يوم» (3)، بناء منه علي أن جزاء الشرطية إذا اشتمل علي حكمين فالمنصرف من الشرطية ثبوت المفهوم بلحاظ كل من الحكمين بنحو الانحلال، لا بنحو المجموعية، حيث يكون مقتضي ذلك دلالة الحديث أن كلا من الكفارة و القضاء مشروط بالعمد، فمع عدمه لا كفارة و لا قضاء. لا أن مجموعهما مشروط بالعمد، فمع عدمه لا يجب الجمع بينهما و إن وجب أحدهما، و هو في المقام القضاء وحده.

غاية الأمر أن ضعف سند الحديث مانع من الاستدلال به، لعدم ثبوت وثاقة المشرقي، و هو هشام أو هاشم بن إبراهيم العباسي، بل هو مذموم.

لكن الظاهر اعتبار سند الحديث، لأن المشرقي و العباسي و إن اشتركا في

ص: 153


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 15 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 35 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 4.
3- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 11.

و لا فرق (1) بين العالم بالحكم و الموضوع و العالم بالحكم و الجاهل

______________________________

الاسم، إلا أنهما رجلان، لا رجل واحد، و الأول وثقه حمدويه علي ما ذكره الكشي، و المذموم هو الثاني لا غير. كما ذكر قدّس سرّه ذلك في معجمه.

فالعمدة في وهن الاستدلال بالحديث أولا: أن المتيقن من مفاد الشرطية مع تضمن الجزاء لحكمين هو إناطتهما بالشرط معا بنحو المجموعية، لا بنحو الانحلال.

و ثانيا: أن الإفطار ينافي الصوم عرفا، فهو ترك الصوم مطلقا أو باستعمال المفطر، و لا يتحقق باستعمال المفطر مع نية الصوم و صحته، كما هو المدعي في المقام.

و علي ذلك يكون المراد بالإفطار لا عن عمد ما إذا ترك الصوم و لم ينوه جهلا بدخول شهر رمضان أو بوجوب الصوم فيه أو نسيانا لهما. و يجب القضاء حينئذ قطعا.

و بذلك يظهر أن قوله عليه السّلام: «و يصوم يوما بدل يوم» ليس لكون القضاء منوطا بالإفطار العمدي، بل لعله لدفع توهم أن الكفارة في الإفطار العمدي تجزي عن القضاء، و بيان أنها تجب معه، لا بدلا عنه.

و مثله ما ذكره قدّس سرّه من أن مقتضي الحصر في قوله عليه السّلام في صحيح محمد ابن مسلم: «لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث [أربع] خصال: الطعام و الشراب … » (1) هو عدم مفطرية المفطرات المذكورة إذا حصلت من دون تعمد لها، لعدم منافاة ذلك لاجتنابها.

إذ فيه: أنه لا يراد باجتناب الأمور المذكورة إلا تركها، لأنه المفهوم منه عرفا.

و لا سيما بملاحظة أدلة شرح الصوم الأخري، كالآية الشريفة، حيث ينصرف الحصر في الصحيح للإشارة إليها و التنبيه لمضمونها من دون أن ينفرد عنها بمضمون زائد.

و بذلك ظهر أن العمدة في الاستدلال علي الحكم ما سبق منا، و قد سبق أنه واف به.

(1) يعني في البطلان مع العمد.

ص: 154


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 1 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1.

بالموضوع (1)، أما الجاهل بالحكم إذا وقعت منه و هو يري أنها حلال (2) ففي إفسادها إشكال (3)، و إن كان أحوط.

______________________________

(1) حيث كان مراده بالحكم هو المفطرية، فلا بد أن يكون مراده بالموضوع هو تحقق عنوان المفطر، لاشتباه الأمر الخارجي، كما لو تخيل عدم تحقق الايلاج بفعله لتخيل الموضع بين الفخذين، و كان في الواقع قد تحقق. لكن ذلك ملازم لعدم تعمد المفطر الذي سبق منه و منا عدم المفطرية معه. فكلامه قدّس سرّه لا يخلو عن غموض.

(2) أما لو وقعت و هو متردد في المفطرية، كما لو شك في أن تعمد القي ء مفطر، و مع ذلك تعمده، فإن صومه يبطل، لإطلاق النص و الفتوي. و اختصاص ما يأتي بمن يعتقد الحلية حين الإقدام علي المفطر.

(3) فعن الأكثر، أو أكثر المتأخرين، فساد الصوم به و وجوب القضاء مع الجهل بالمفطرية لإطلاق أدلتها. و تردد فيه في الشرائع و في التذكرة، و عن المنتهي احتمال عدم وجوب القضاء حينئذ، و مال إليه في الحدائق، و حكي عن ابن إدريس، و جعله الشيخ قدّس سرّه في التهذيبين وجها للجمع بين الأخبار.

و كيف كان فيشهد لعدم وجوب القضاء موثق زرارة و أبي بصير: «سألنا أبا جعفر عليه السّلام عن رجل أتي أهله في شهر رمضان و أتي أهله و هو محرم، و هو لا يري إلا أن ذلك حلال له. قال: ليس عليه شي ء» (1). و مورده و إن كان هو النكاح، إلا أن إلغاء خصوصيته عرفا قريب جدا. بل لعل ذلك مقتضي الأولوية العرفية، لأهمية النكاح في الصوم بالنظر للأدلة.

و أما ما ذكره بعض مشايخنا قدّس سرّه من أنه ظاهر في نفي أثر الفعل و هو الكفارة المترتبة علي الإفطار، دون القضاء الذي هو أثر ترك الصوم اللازم للإفطار و بطلان الصوم، لا من آثار الإفطار نفسه، و لا يصح نسبته له إلا بنحو من العناية.

ففيه: أنه لا إشعار في الموثق- لا سؤالا و لا جوابا- باختصاصه بآثار الإفطار

ص: 155


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 9 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 12.

______________________________

دون آثار ترك الصوم، بل مقتضي إطلاقه السؤال عن حكم الشخص المذكور، و ما يترتب عليه، و الجواب عن ذلك.

نعم قد يدعي انصراف قوله عليه السّلام: «ليس عليه شي ء» إلي نفي تبعة العمل عنه بسبب جهلة، و ذلك يختص بالكفارة، لأنها من سنخ التبعة، و أما القضاء فإنه- كالإعادة- يثبت نتيجة عدم امتثال التكليف، و ليس من سنخ التبعة.

لكنه يشكل أولا: بأنه لم يتضح الانصراف المذكور بنحو معتد به بحيث يوجب قصور الإطلاق و اختصاصه بنفي الكفارة.

و ثانيا: أن الانصراف المذكور لو تم في التعبير المذكور بنفسه، إلا أنه لا بد من رفع اليد عنه و البناء علي عمومه للقضاء، لأن حمله علي نفي خصوص الكفارة بعيد عن مساق السؤال، لانصراف السؤال المتعلق بالماهيات المركبة إلي صحتها و فسادها من أجل الاجتزاء بالعمل و عدمه.

بل من البعيد جدا مفروغية السائل عن بطلان الصوم، أو شكه فيه مع اختصاص سؤاله بالكفارة، بل لا بد إما من اختصاص سؤاله بالقضاء أو عمومه له و للكفارة. و حينئذ يكون صرف الجواب إلي نفي الكفارة، و عدم التعرض إلي صحة الصوم و بطلانه، مستلزما لعدم مطابقة الجواب للسؤال أو عدم وفائه به بإهمال ما هو المقدم رتبة و التعرض لما هو المتأخر، و كلاهما بعيد جدا.

و من ثم كان ظاهر الموثق صحة الصوم و عدم وجوب القضاء، كما جري الفقهاء (رضوان اللّه عليهم) علي ذلك فيما ورد في الناسي من نظائر التعبير المذكور، كموثق عمار الآتي و غيره.

و قد يستدل أيضا بصحيح عبد الصمد الوارد فيمن لبس قميصا حال الإحرام جاهلا، و فيه: «أي رجل ركب أمرا بجهالة فلا شي ء عليه» (1)، فإنه و إن كان منصرفا بدوا إلي معذرية الجهل، و نفي المؤاخذة و التبعية بالعقاب الأخروي أو الكفارة، إلا أن سوقه لبيان صحة الحج و عدم وجوب الإعادة ردا علي من أفتي له بذلك من العامة

ص: 156


1- وسائل الشيعة ج: 9 باب: 45 من أبواب تروك الإحرام حديث: 3.

و إن كان ناسيا للصوم فاستعمل المفطر لم يفطر (1) و كذا إذا دخل

______________________________

موجب لظهوره فيما يعم القضاء الذي قد يصدق عليه المؤاخذة توسعا.

كما يناسبه ما تقدم في صحيح معاوية بن عمار في النومة الثانية من قوله عليه السّلام:

«فليقض ذلك اليوم عقوبة» (1)، و ما تضمنته جملة من نصوص عدم قضاء الصلاة علي المغمي عليه من قولهم عليه السّلام: «كلما غلب اللّه عليه فاللّه أولي بالعذر» (2). و لا ينافي ذلك عدم بطلان الحج حتي مع تعمد لبس القميص حال الإحرام، لإمكان تعدد الجهة المقتضية لعدم القضاء.

اللهم إلا أن يقال: لما كان تطبيق الحديث علي القضاء مبنيا علي التوسع، بتنزيله منزلة التبعة، فاللازم الاقتصار فيه علي مورده، و هو قضاء الحج، و لا يتعدي منه لغيره. و لذا لم يعرف منهم البناء علي عدم القضاء في سائر موارد الإخلال بالجزء أو الشرط للجهل بالحكم. فالعمدة الموثق.

نعم يختص ذلك بما إذا اعتقد المكلف- و لو غفلة- عدم المفطرية، دون ما إذا كان مترددا حين الفعل، لاختصاص الموثق بالأول، و لأنه الظاهر أو المتيقن من الجهالة في صحيح عبد الصمد لو تم الاستدلال به في المقام، لظهور الباء في قوله عليه السّلام:

«بجهالة» في السببية لا محض المصاحبة و المعية، و لا يكون الجهل سببا للعمل إلا مع الغفلة أو اعتقاد الصواب، أما مع الشك و التردد فالجهل لا يقتضي الإقدام، بل التوقف، و الإقدام معه يستند إلي أمر آخر من تسامح و تفريط، أو أصل أو نحوه مما يرجع إليه عند الشك في مقام العمل.

(1) بلا إشكال ظاهر، و عن المنتهي نفي الخلاف فيه، و في الخلاف و التذكرة دعوي الإجماع عليه، و عن المستند أن عليه الإجماع المحقق.

و النصوص به مستفيضة، كصحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «أنه سئل

ص: 157


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 15 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1.
2- راجع وسائل الشيعة ج: 5 باب: 4 من أبواب قضاء الصلوات، و ج: 7 باب: 24 من أبواب من يصح منه الصوم، و باب: 25 من أبواب أحكام شهر رمضان.

جوفه قهرا بدون اختياره (1).

[(مسألة 24): إذا أفطر مكرها بطل صومه]

(مسألة 24): إذا أفطر مكرها بطل صومه (2)، و كذا إذا كان لتقية،

______________________________

عن رجل نسي فأكل و شرب ثم ذكر. قال: لا يفطر، إنما هو شي ء رزقه اللّه، فليتم صومه»(1)، و موثق عمار: «أنه سأل أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل ينسي و هو صائم فجامع أهله، فقال: يغتسل، و لا شي ء عليه» (2)، و غيرهما.

(1) بلا خلاف أجده، كما في الجواهر. لعدم العمد الذي تقدم اعتباره في المفطرية. مؤيدا بعموم التعليل في خبر عمر بن يزيد: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام:

لأي علة لا يفطر الاحتلام الصائم، و النكاح يفطر الصائم؟ قال: لأن النكاح فعله، و الاحتلام مفعول به» (3).

بل لا يبعد قصور إطلاق مفطرية المفطرات عنه، لاختصاصها أو انصرافها إلي ما يكون فعلا للمكلف، بحيث ينسب إليه. و حينئذ يكون مقتضي الأصل عدم مفطريته.

(2) كما في المبسوط و المسالك و الحدائق. لإطلاق أدلة المفطرات، المؤيد أو المعتضد بما ورد في الإفطار تقية (4) من التصريح بالإفطار في النصوص، بل في بعضها التصريح بالقضاء (5)، و ما ورد من تحمل الزوج الكفارة عن زوجته إذا أكرهها علي الجماع (6)، فإن تحمله الكفارة عنها يناسب إفطارها.

و صرح غير واحد بعدم الإفطار بذلك، بل نسب للأكثر. للأصل بعد انصراف دليل المفطرية عنه. و لحديث رفع الإكراه.

لكن الانصراف ممنوع. و حديث رفع الإكراه ظاهر في رفع المؤاخذة و نحوها

ص: 158


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 9 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1، 2.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 9 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1، 2.
3- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 35 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 4.
4- راجع وسائل الشيعة ج: 7 باب: 57 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك.
5- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 57 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 5.
6- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 12 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1.

______________________________

مما هو من سنخ التبعة، و لا يقتضي صحة الفعل الناقص، و لا عدم القضاء المترتب علي ذلك. و ما تقدم في صورة الجهل بالحكم، من ظهور بعض النصوص في كونه من سنخ التبعة توسعا، لا يكفي في عموم حديث رفع الإكراه له بعد عدم ظهوره في العموم بلحاظ التوسع المذكور.

هذا و قد يستدل لعدم وجوب القضاء بما ورد في تعليل عدم قضاء الصلاة علي المغمي عليه من أن ما غلب اللّه عليه فاللّه أولي بالعذر (1)، بدعوي: أن مقتضي عموم التعليل عدم وجوب القضاء في المقام.

لكنه يشكل أولا: بعدم وضوح شموله للإكراه الذي لا يرتفع به الاختيار.

و ثانيا: بأن تطبيقه علي قضاء الصلاة، بتنزيله منزلة التبعة، التي ترتفع بالعذر لما كان علي خلاف القاعدة، فلا مجال للتعدي منه لقضاء الصوم.

و ثالثا: بأن مفاده عدم وجوب القضاء في فرض ترك العمل- و هو الصلاة قهرا، و الظاهر عدم بناء الأصحاب علي ذلك في المقام، لابتناء عدم وجوب القضاء عند القائلين به علي صحة الصوم و عدم فساده باستعمال المفطر إكراها، لا عدم وجوب القضاء بعد فرض المفطرية و بطلان الصوم.

نعم لا يبعد استثناء تعمد البقاء علي الجنابة و حدث الحيض و النفاس من ذلك، فيصح الصوم، و يجزي إذا كان ترك الغسل من جهة الإكراه، كما يناسبه صحيح محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام): «سألته عن الرجل تصيبه الجنابة في شهر رمضان ثم ينام قبل أن يغتسل. قال: يتم صومه و يقضي ذلك اليوم إلا أن يستيقظ قبل أن يطلع الفجر، فإن انتظر ماء يسخن أو يستسقي فطلع الفجر فلا يقضي صومه [يومه]» (2). و موثق أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «إن طهرت بليل من حيضتها ثم توانت أن تغتسل في رمضان حتي أصبحت عليها قضاء ذلك اليوم» (3).

ص: 159


1- راجع وسائل الشيعة ج: 5 باب: 3 من أبواب قضاء الصلوات.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 15 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 3.
3- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 21 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1.

إذا كانت التقية في ترك الصوم (1)، كما إذا أفطر في عيدهم تقية. أما لو كانت في أداء الصوم- كالإفطار قبل الغروب، و الارتماس في نهار الصوم- فالظاهر الإجزاء و عدم وجوب القضاء (2).

[(مسألة 25): إذا غلب علي الصائم العطش و خاف الضرر من الصبر عليه أو كان حرجا جاز أن يشرب بمقدار الضرورة]

(مسألة 25): إذا غلب علي الصائم العطش و خاف الضرر من الصبر عليه أو كان حرجا جاز أن يشرب بمقدار الضرورة (3)، و يفسد بذلك صومه (4)، و يجب عليه الإمساك في بقية النهار إذا كان في شهر رمضان.

______________________________

لظهور الأول في عدم مفطرية البقاء علي الجنابة لمحذور، كما لو خاف البرد علي نفسه، فانتظر تسخين الماء حتي طلع الفجر، و ذلك يجري مجري الإكراه. و ظهور الثاني في توقف فساد الصوم علي التواني في الغسل، و هو غير حاصل مع الإكراه.

(1) لعين ما سبق في الإكراه.

(2) علي ما تقدم الكلام فيه في المسألة التاسعة و العشرين من مباحث الوضوء.

(3) لعموم رفع الاضطرار و الحرج. و لموثق عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «في الرجل يصيبه العطش (1) حتي يخاف علي نفسه. قال: يشرب بقدر ما يمسك رمقه و لا يشرب حتي يروي» (2). و معتبر المفضل بن عمر: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: إن لنا فتيات و شبانا [فتيانا و بنات] لا يقدرون علي الصيام من شدة ما يصيبهم من العطش.

قال: فليشربوا بقدر ما تروي به نفوسهم و ما يحذرون» (3).

(4) كما في العروة الوثقي، قال سيدنا المصنف قدّس سرّه في مستمسكه: «لاستعمال المفطر اختيارا، و أدلة رفع الاضطرار لا تصلح لتصحيح الصوم».

ص: 160


1- روي بلفظ (العطاش) في الكافي المطبوع حديثا، و في الوسائل عن الكليني. و روي بلفظ (العطش) في الفقيه منه، و في التهذيب عن الكليني، و فيه أيضا بسنده عن عمار، كما روي كذلك في المدارك و الجواهر، و هو الأظهر، لظهور قوله: «يصيبه» في عدم استحكام العارض المذكور، و العطاش مرض مستحكم. و لا أقل من كونه المروي في الفقيه و التهذيب بسندهما المعتبر عن عمار، مع سقوط رواية الكافي باختلاف النقل عنه.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 16 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 1، 2.
3- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 16 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 1، 2.

و أما في غيره من الواجب الموسع أو المعين فلا يجب (1).

______________________________

و يظهر من الوسائل صحة الصوم. و قال في الدروس بعد أن أشار للرواية:

«و فيها دلالة علي بقاء الصوم، و عدم وجوب القضاء، كما اختاره الفاضل».

و الوجه فيه: ظهور الحديثين في حلّ مشكلة الصيام في الفرض، و التخفيف عن الصائم بترخيصه برفع عطشه لحفظ نفسه، لا التضييق علي من حكمه الإفطار بمنعه عما لا يضطر إليه مع وجوب القضاء عليه من أجل إفطاره. و لذا لم يتعرض فيه للمنع عن سائر المفطرات، و لم ينبه فيه للقضاء. فهو ظاهر في بيان الصوم الاضطراري، لا تشريع إفطار للعاجز مبني علي التضييق عليه. فالمقام نظير ما إذا قال السائل: رجل لا يستطيع الوضوء من جرح في يده، فورد الجواب بغسل ما عدا موضع الجرح من اليد، حيث لا ريب في ظهوره في تشريع الوضوء الاضطراري المجزي، لا في وجوب الغسل تعبدا من دون أن يجزي عن الوضوء. و بذلك يخرج عما أشار إليه سيدنا المصنف قدّس سرّه من مقتضي القاعدة الأولية فساد الصوم.

كما يتعين الاقتصار علي مورد الحديثين، و هو العجز عن الصوم لخوف الضرر علي النفس. و عدم الاكتفاء بالحرج، لعدم نهوض قاعدة نفي الحرج بالإجزاء. بل مقتضاها عدم وجوب الصوم لو لا ما هو المعلوم من كثرة تعرض الصائم خصوصا في البلاد الحارة و مع طول النهار للحرج بسبب الجوع و العطش، بنحو يكشف عن قصور قاعدة نفي الحرج عن المقام من مورد عدم القدرة علي الصوم و عدم الاكتفاء بالحرج، لعدم نهوض قاعدة نفي الحرج بالإجزاء.

(1) لما كان الحكم الذي تضمنه الحديثان مخالفا للقاعدة لزم الاقتصار فيه علي مفادهما، و حيث لم يتضمن الأول فرض الصوم، و إنما استفيد من سياقه، فالمتيقن منه صوم شهر رمضان، لأنه الفرد الظاهر من الصوم الذي يشيع الابتلاء به، و لما هو المعلوم من حرمة شهر رمضان و أهمية صومه.

و أما الثاني فهو و إن تضمن عدم القدرة علي الصيام، إلا أن عدم التنبيه فيه علي وجوب الصوم عليهم قد يوجب انصرافه إلي خصوص صوم شهر رمضان الذي

ص: 161

______________________________

لا يحتاج وجوبه علي المسلم إلي تنبيه. و لا أقل من كونه المتيقن بلحاظ أهميته و ثبوت الحرمة له، و مقتضي ذلك الاقتصار في وجوب الإمساك مع بطلان الصوم عليه.

نعم بناء علي ما ذكرنا من أن مفاد الحديثين الاجتزاء بالصوم الناقص للاضطرار فالمناسب عمومه لكل واجب مضيق، و لا يختص بصوم شهر رمضان.

بل قد يدعي أن أهمية صوم شهر رمضان يقتضي العموم لغيره من الواجب المضيق بالأولوية. اللهم إلا أن تكون أهمية صوم شهر رمضان منشأ للاكتفاء بالصوم الناقص بعد تعذر التام. فتأمل جيدا.

ص: 162

[الفصل الثالث في الكفارة]

اشارة

الفصل الثالث تجب الكفارة بتعمد شي ء من المفطرات (1)، حتي القي ء علي

______________________________

(1) الظاهر عدم الإشكال فيه في الجملة. و يقتضيه النصوص الكثيرة، كصحيح عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «في رجل أفطر من شهر رمضان متعمدا يوما واحدا من غير عذر. قال: يعتق نسمة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكينا … » (1)، و غيره.

و الإفطار لغة و إن كان هو الأكل و الشرب، و منه الفطور المقابل للسحور، إلا أنه أطلق في النصوص علي جملة من المفطرات، فإن كان الإطلاق المذكور حقيقيا كشف عن تبدل معني الإفطار شرعا، و أن المراد به إفساد الصوم، فينزل الإفطار في نصوص الكفارة علي المعني المذكور، لانصراف الاستعمال في كلام الشارع للمعني الشرعي مع وجوده. و إن كان مجازيا تنزيليا كان مقتضي التنزيل ثبوت حكم الإفطار له، و منه ثبوت الكفارة. و من ثم لا أثر مهم للكلام في ثبوت المعني الشرعي المذكور للإفطار و عدمه.

نعم قد يظهر أثره فيما لم يطلق عليه عنوان المفطر مما يفسد الصوم، فإن قيل بثبوت المعني الشرعي لزم البناء علي وجوب الكفارة بفعل الأمر المذكور، و إن قيل بعدم ثبوته تعين البناء علي عدم وجوبها به.

و دعوي: أن المعني الشرعي لو كان ثابتا فلا طريق لإثباته إلا إطلاق عنوان المفطر علي غير الأكل و الشرب من مفسدات الصوم. و حينئذ لا مجال لإحراز عمومه لكل مفسد، بل المتيقن منه ما يختص بما ثبت إطلاق المفطر عليه في كلام الشارع.

ص: 163


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1.

______________________________

و حينئذ لا يظهر الأثر لثبوت المعني الشرعي للمفطر.

مدفوعة: بأنه حيث لا جامع عرفي بين الأمور المذكورة إلا إفساد الصوم تعين كون المستكشف من الإطلاقات المذكورة هو الوضع لكل ما يفسد الصوم، لا لخصوص ما أطلق عليه المفطر. و من هنا كان الظاهر ثبوت الثمرة المذكورة.

اللهم إلا أن يقال: إطلاق النصوص المتضمنة لثبوت الكفارة بالإفطار إن لم ينصرف لخصوص الأكل و الشرب فاللازم حمله عليهما، بقرينة معتبر الهروي الآتي في أول المسألة الثانية و الشارح لأدلة الكفارة، لقوله عليه السّلام فيه: «متي جامع الرجل حراما أو أفطر علي حرام في شهر رمضان فعليه ثلاث كفارات … و إن كان نكح حلالا أو أفطر علي حلال فعليه كفارة واحدة» (1)، فإن عطف الإفطار علي الجماع و تعديته ب (علي) موجب لظهوره في عدم إرادة مطلق استعمال ما يفسد الصوم، بل خصوص الأكل و الشرب، و تعميم الحكم للجماع و نحوه لإلحاقه به، لا لدخوله في عنوان المفطر، بمعني ما يفسد الصوم.

و يؤيد ذلك حديث محمد بن جعفر الأسدي فيما ورد عليه عن الحجة (عجل اللّه فرجه): «فيمن أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا بجماع محرم عليه أو بطعام محرم عليه أن عليه ثلاث كفارات» (2). لاقتصاره في بيان موضوع الكفارة علي الطعام و الجماع، و عدم الاكتفاء فيه بعنوان المفطر، بمعني ما يفسد الصوم، غاية الأمر إلحاق الشراب بالطعام، لأنه من سنخه. فتأمل.

نعم في مضمر سليمان- الذي سبق عند الكلام في مفطرية الغبار اعتباره-: «إذا تمضمض الصائم في شهر رمضان، أو استنشق متعمدا، أو شم رائحة غليظة، أو كنس بيتا فدخل في أنفه و حلقه غبار، فعليه صوم شهرين متتابعين، فإن ذلك مفطر مثل الأكل و الشرب و النكاح» (3)، فإن مقتضي تعليل وجوب الكفارة بأنه مفطر عموم وجوب الكفارة لكل مفطر.

(إن قلت): تقدم عدم العمل بالحديث المذكور في إثبات مفطرية ما تضمنه

ص: 164


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 10 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1، 3.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 10 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1، 3.
3- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 22 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1.

______________________________

(قلت): عدم العمل به في إثبات مفطرية ما تضمنه لا ينافي حجيته في إثبات الملازمة المذكورة بين المفطرية و وجوب الكفارة.

اللهم إلا أن يقال: لم يتضح من المضمر التعليل بمجرد المفطرية، بل لعل العلة هي المفطرية المماثلة لمفطرية الأكل و الشرب و النكاح، بأن يكون قوله: «مثل الأكل … » صفة ل (مفطر) و قيدا له، لا خبرا ثانيا ل (إن)، و لا سيما بملاحظة أن الأمور التي اشتمل عليها ملحقة بالأكل و الشرب عرفا، و من أفرادهما الخفية.

و من هنا لا مجال للبناء علي عموم وجوب الكفارة بكل مفطر، ليبتني الكلام في المقام علي ثبوت المعني الشرعي للمفطر و عدمه. و حينئذ يحتاج إثبات الكفارة في كل واحد مما يفسد الصوم للدليل، فنقول:

لا ريب في ثبوت الكفارة في الأكل و الشرب، لأنهما المتيقن من المفطر. و كذا في النكاح و ما ألحق به من تعمد البقاء علي الجنابة، و إنزال المني بفعل ما يوجب ذلك، لدلالة النصوص الكثيرة علي وجوب الكفارة فيها.

و أما البقاء علي حدث الحيض و النفاس فلا يخلو عن إشكال، لعدم ثبوت مساواتهما للجنابة علي ما أشرنا إليه في المسألة السابعة.

و ينبغي النظر في باقي المفطرات.

الأول: الكذب علي اللّه تعالي و علي رسوله صلي اللّه عليه و آله و سلم و الأئمة عليه السّلام، و المعروف بين من قال بمفطريته- كما في الجواهر- وجوب الكفارة به. و لعله لإطلاق المفطر عليه في النصوص (1). بل في بعضها سوقه في ذلك في سياق الأكل و الشرب و النكاح.

لكن عرفت الإشكال في كفاية ذلك في ثبوت الكفارة. بل مقتضي معتبر الهروي عدمه. مضافا إلي موثق سماعة: «سألته عن رجل كذب في رمضان. فقال: قد أفطر، و عليه قضاؤه. فقلت: فما كذبته؟ قال: يكذب علي اللّه و علي رسوله صلي اللّه عليه و آله و سلم» (2). إذ من الظاهر عدم سوقه لمجرد بيان المفطرية، بل للتنفير عن الكذب زائدا علي ذلك،

ص: 165


1- راجع وسائل الشيعة ج: 7 باب: 2 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 2 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1.

______________________________

فالاقتصار فيه علي وجوب القضاء من دون تنبيه للكفارة مع أنها أشد في التنفير موجب لقوة ظهوره في عدمها.

الثاني: الارتماس في الماء بناء علي مفطريته، فقد صرح غير واحد بوجوب الكفارة به. بل في الغنية الإجماع عليه.

لكن يظهر من بعضهم وجود الخلاف فيه، بل في الشرائع و النافع و عن أبي الصلاح عدم وجوبها. و يقتضيه- مضافا إلي الأصل- معتبر الهروي. و مجرد الحكم بإفساد الصوم به لا ينهض بإثبات وجوب الكفارة به، لما سبق.

الثالث: إيصال الغبار الغليظ إلي الجوف بناء علي كونه مفطرا. فقد صرح غير واحد بوجوب الكفارة به، و هو المتعين للتصريح بذلك في حديث سليمان المتقدم آنفا الذي هو الدليل علي مفطريته.

الرابع: الاحتقان بالمائع. و ظاهر الشرائع عدم وجوب الكفارة به، بل عن السيد الإجماع عليه. و يقتضيه- مضافا إلي الأصل- معتبر الهروي بالتقريب المتقدم.

الخامس: تعمد القي ء. و في الشرائع و الوسيلة و غيرهما عدم وجوب الكفارة به، بل عن صريح الخلاف و ظاهر غيره الإجماع عليه، بل في الجواهر: «لم نعرف القائل بوجوبهما معا عليه منا».

و يقتضيه- مضافا إلي الأصل و معتبر الهروي- الاقتصار في جملة من نصوصه علي القضاء من دون إشارة للكفارة. بل في موثق مسعدة بن صدقة عن أبي عبد اللّه عن أبيه (عليهما السلام): «أنه قال: من تقيأ متعمدا و هو صائم فقد أفطر، و عليه الإعادة، فإن [و إن] شاء اللّه عذبه، و إن شاء غفر له» (1). فإن إناطة الخروج عن تبعة الذنب بمشيئة اللّه تعالي، من دون إشارة للكفارة التي من شأنها تكفير الذنب، ظاهر في عدم وجوبها. و اللّه سبحانه و تعالي العالم.

ص: 166


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 29 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 6.

الأحوط إذا كان الصوم مما تجب فيه الكفارة كشهر رمضان (1)، و قضائه بعد الزوال (2)، و الصوم المنذور المعين (3)، و لا فرق بين العالم بالحكم و الجاهل به. نعم إذا كان يري أنه حلال فلا كفارة عليه (4). مقصرا كان أو قاصرا (5)، بخلاف المتردد في ذلك فإن عليه الكفارة (6).

[(مسألة 1): كفارة إفطار يوم من شهر رمضان مخيرة بين عتق رقبة و صوم شهرين متابعين و إطعام ستين مسكينا]

(مسألة 1): كفارة إفطار يوم من شهر رمضان مخيرة بين عتق رقبة و صوم شهرين متابعين و إطعام ستين مسكينا (7)،

______________________________

(1) و هو مورد النصوص المتقدمة أو المتيقن منها.

(2) لما كان دليل الكفارة فيه مختصا بالنكاح فغاية ما يمكن هو التعدي منه لكل ما يوجب الكفارة في شهر رمضان، دون بقية المفطرات.

(3) حيث كان دليل الكفارة فيه هو دليل الكفارة في النذر فمقتضي إطلاقه العموم لكل مبطل للصوم، و مناف للوفاء بالنذر و إن لم يكن مفطرا، كتعمد الإخلال بالنية.

(4) لموثق زرارة و أبي بصير المتقدم عند الكلام في فساد الصوم بذلك، فإن نفي الكفارة متيقن منه. و قد يدعي أن المنصرف منه الجهل بالمفطرية مع نية الصوم، و لا يعم الجهل بوجوب الصوم و حرمة الإفطار. لكنه لو تم فمن القريب جدا فهم عدم الخصوصية لذلك، خصوصا بلحاظ أن الكفارة من سنخ العقوبة و التبعة التي لا تثبت مع عدم التمرد للبناء علي الحلية.

(5) للإطلاق. و مجرد استحقاق العقاب في المقصر لا ينافيه.

(6) يظهر الوجه فيه مما تقدم في القضاء.

(7) كما هو المعروف من مذهب الأصحاب و في كلام غير واحد أنه المشهور، بل في الانتصار أنه مما ظن انفراد الإمامية به.

و يشهد له جملة من النصوص، كصحيح عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام:

«في رجل أفطر من شهر رمضان متعمدا يوما واحدا من غير عذر. قال: يعتق نسمة، أو

ص: 167

لكل مسكين مدّ (1)،

______________________________

يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينا. فإن لم يقدر تصدق بما يطيق» (1)، و غيره.

و لأجلها يحمل ما اقتصر فيه علي الإطعام- كموثق سماعة الآتي- علي بيان أحد أفراد التخيير، أو أيسرها غالبا. و إلا فلا قائل بذلك. كما يحمل ما اقتصر فيه علي العتق أو تضمن الترتيب علي الاستحباب، أو بيان أطراف التخيير، بإلغاء مفهوم الشرط في الصوم و الصدقة، فإنه أقرب عرفا من حمل (أو) في النصوص الأولي علي التنويع و التقسيم، بل هو بعيد جدا لا يناسب السؤال عن الوظيفة في صحيح عبد اللّه بن سنان و غيره، إذ لا يكفي في جوابه بيان الوظيفة من دون تعرض لمحلها. و منه يظهر ضعف ما عن العماني من الترتيب، و حكي عن المرتضي في أحد قوليه، و عن محتمل الخلاف.

هذا و في موثق سماعة: «سألته عن رجل أتي أهله في رمضان متعمدا. فقال:

عليه عتق رقبة و إطعام ستين مسكينا و صيام شهرين متتابعين و قضاء ذلك اليوم، و أني [و أين] له مثل ذلك اليوم» (2).

لكن عن نوادر أحمد بن محمد بن عيسي روايته هكذا: «عليه عتق رقبة أو إطعام ستين مسكينا، أو صوم شهرين متتابعين، و قضاء ذلك اليوم، و من أين له مثل ذلك اليوم؟» (3). بل ذكر في الوسائل أن الشيخ قدّس سرّه رواه هكذا، و إن لم أعثر عليه في التهذيبين و إنما الموجود فيهما الأول لا غير.

و كيف كان فلا مجال للتعويل علي الوجه الأول بعد ثبوت الاختلاف في رواية الحديث، و عدم ظهور القائل به. و لو ثبت فلا بد من حمله علي الاستحباب، لأنه أقرب عرفا مما في التهذيبين من حمل ال (واو) فيه علي التخيير، أو حمله علي من أتي أهله في حال يحرم إتيانها، كحال الحيض أو الظهار، كما لعله ظاهر.

(1) ففي الجواهر أنه المشهور- خصوصا بين المتأخرين- في سائر موارد

ص: 168


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 10 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 2.
3- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 13.

______________________________

الإطعام في الكفارة. للنصوص الكثيرة الواردة في المقام، كموثق سماعة: «سألته عن رجل لزق بأهله فأنزل، قال: عليه إطعام ستين مسكينا مدّ لكل مسكين» (1)، و صحيح عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «سألته عن رجل أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا، قال: عليه خمسة عشر صاعا، لكل مسكين مدّ بمد النبي صلي اللّه عليه و آله و سلم أفضل» (2). و في بعض طرقه: «لكل مسكين مدّ، مثل الذي صنع رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله و سلم».

و في صحيح عبد المؤمن الأنصاري الوارد في قصة الرجل الذي أتي النبي صلي اللّه عليه و آله و سلم: «فأتي [فأتي. فقيه] النبي بعذق في مكتل فيه خمسة عشر صاعا من تمر، فقال له النبي صلي اللّه عليه و آله و سلم: خذ هذا [خذها. فقيه] فتصدق بها … »(3)، و ما ورد في كفارة قتل الخطأ (4)، و النصوص الكثيرة الواردة في كفارة اليمين (5)، بضميمة عدم الفصل المدعي في المقام.

نعم قد اختلفت النصوص في تحديده بالصاع، ففي صحيح جميل في قصة الرجل الذي أتي النبي صلي اللّه عليه و آله و سلم: «فدخل رجل من الناس بمكتل من تمر فيه عشرون صاعا يكون عشرة أصوع بصاعنا» (6)، و في معتبر عبد الرحمن: «يتصدق بعشرين صاعا» (7) و في صحيح محمد بن النعمان: «كفارته جريبان من طعام، و هو عشرون صاعا» (8).

إلا أن الظاهر ابتناؤه علي اختلاف قدر الصاع باختلاف الأعراف، كما يشير إليه في الجملة صحيح جميل المتقدم و غيره (9). و كيف كان فهو غير مهم في المقام بعد أن كان المأمور به في المقام هو المد.

هذا و في النهاية و التبيان و الوسيلة و مجمع البيان و عن الإصباح أنه يطعم

ص: 169


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 12، 10، 5.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 12، 10، 5.
3- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 12، 10، 5.
4- وسائل الشيعة ج: 15 باب: 10 من أبواب الكفارات حديث: 1.
5- راجع وسائل الشيعة ج: 15 باب: 20، 14، 12 من أبواب الكفارات.
6- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 2، 4، 6.
7- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 2، 4، 6.
8- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 2، 4، 6.
9- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 7 من أبواب زكاة الفطرة حديث: 1.

و هو يساوي ثلاثة أرباع الكيلو تقريبا (1).

______________________________

مدين، فإن لم يقدر فمد. بل في التبيان و مجمع البيان نسبته لأصحابنا، كما نسب للمبسوط و الخلاف أيضا مدعيا في الثاني الإجماع عليه لكن الموجود فيهما ظاهر في التردد بين الروايتين.

و كيف كان فيشهد لهم في الجملة صحيح أبي بصير عن أحدهما عليه السّلام: «في كفارة الظهار قال: تصدق علي ستين مسكينا ثلاثين صاعا، لكل مسكين مدين مدين» (1)، بدعوي الجمع بينه و بين نصوص المدّ بحمله علي صورة القدرة علي المدين، و حملهما علي صورة العجز عنهما.

لكن الحمل المذكور بلا شاهد، بل هو بعيد عن نصوص المدّ الكثيرة جدا.

خصوصا مثل صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «في قول اللّه عز و جل [من أوسط ما تطعمون أهليكم] قال: هو كما يكون أن يكون في البيت من يأكل المدّ و منهم من يأكل أكثر من المدّ و منهم من يأكل أقل من المدّ. فبين ذلك … » (2).

و حينئذ فحيث كان صحيح أبي بصير واردا في كفارة الظهار- كما هو مورد كلام بعض من تقدم- فإن أمكن الاقتصار علي مورده، لعدم المعارض له فيه، فهو، و إن تعذر ذلك، لظهور عدم الفصل عند الأصحاب، تعين حمله علي الاستحباب، جمعا مع نصوص المدّ الكثيرة، نظير ما تضمن إضافة الحفنة للمدّ في صحيحي هشام و الحلبي (3). فلاحظ.

(1) تقدم في مستحبات الوضوء تسالم الأصحاب (رضوان اللّه عليهم) علي أن المدّ ربع الصاع. و يقتضيه بعض النصوص المتقدمة هناك. و صحيح زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام: «كان رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله و سلم يتوضأ بمدّ و يغتسل بصاع.

و المدّ رطل و نصف و الصاع ستة أرطال» (4)، و زاد المحقق قدّس سرّه فيه: «بأرطال المدينة يكون تسعة أرطال بالعراقي» (5)، و صحيح الحلبي: «و الصاع أربعة

ص: 170


1- وسائل الشيعة ج: 15 باب: 14 من أبواب الكفارات حديث: 6، 3، 4، 10.
2- وسائل الشيعة ج: 15 باب: 14 من أبواب الكفارات حديث: 6، 3، 4، 10.
3- وسائل الشيعة ج: 15 باب: 14 من أبواب الكفارات حديث: 6، 3، 4، 10.
4- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 50 من أبواب الوضوء حديث: 1.
5- المعتبر ص: 268.

______________________________

أمداد» (1). و قريب منه معتبر الفضل ابن شاذان عن الرضا عليه السّلام (2)، و غيرها. و ما تضمن غير ذلك مؤول أو مطروح.

كما أن الصاع عبارة عن ستة أرطال بالمدني و تسعة أرطال بالعراقي، فيكون المد رطلا و نصف بالمدني و رطلين و ربعا بالعراقي، كما هو المعروف بين الأصحاب المصرح به في صحيح زرارة المتقدم علي رواية المعتبر، و في حديث جعفر بن إبراهيم ابن محمد الهمداني- الذي لا يخلو عن اعتبار يلحقه بالحسان، علي ما تقدم في مبحث الكر-: «كتبت إلي أبي الحسن عليه السّلام علي يدي أبي: جعلت فداك إن أصحابنا اختلفوا في الصاع … فكتب إلي: الصاع بستة أرطال بالمدني و تسعة أرطال بالعراقي. قال:

و أخبرني أنه يكون بالوزن ألفا و مائة و سبعين وزنة [درهما. عيون]» (3).

و مكاتبة إبراهيم أبيه- التي لا تخلو عن اعتبار علي ما تقدم هناك أيضا-:

«الفطرة عليك و علي الناس كلهم … تدفعه وزنا ستة أرطال برطل المدينة. و الرطل مائة و خمسة و تسعون درهما، يكون الفطرة ألفا و مائة و سبعين درهما» (4)، و في خبر علي بن بلال: «كتبت إلي الرجل عليه السّلام أسأله عن الفطرة، و كم تدفع؟ قال: فكتب عليه السّلام:

ستة أرطال من تمر بالمدني، و ذلك تسعة أرطال بالبغدادي» (5).

و من المكاتبتين المتقدمتين يظهر أن الصاع ألف و مائة و سبعون درهما، و المدّ مائتان و اثنان و تسعون درهما و نصف، و الرطل المدني مائة و خمسة و تسعون درهما، و الرطل العراقي مائة و ثلاثون درهما.

و قد تقدم في مباحث الكر أن كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل فيكون الصاع ثمانمائة و تسعة عشر مثقالا، و المد مائتين و خمسة مثاقيل إلا ربعا، و الرطل المدني مائة و ستة و ثلاثين مثقالا و نصفا، و الرطل العراقي واحدا و تسعين مثقالا.

كما تقدم أن المثقال أربع غرامات و ربع تقريبا، فيكون الرطل المدني خمسمائة و ثمانين و أقل من ربع الغرام و الرطل العراقي ثلاثمائة و ثلاثة و ثمانون غراما تقريبا

ص: 171


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 6 من أبواب زكاة الفطرة حديث: 12، 18.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 6 من أبواب زكاة الفطرة حديث: 12، 18.
3- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 7 من أبواب زكاة الفطرة حديث: 1، 4، 2.
4- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 7 من أبواب زكاة الفطرة حديث: 1، 4، 2.
5- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 7 من أبواب زكاة الفطرة حديث: 1، 4، 2.

و كفارة إفطار قضاء شهر رمضان بعد الزوال (1) إطعام عشرة مساكين،

______________________________

و الصاع ثلاثة آلاف و أربعمائة و واحد و ثمانون غراما تقريبا. و المد ثمانمائة و سبعين غراما و ربعا تقريبا.

(1) أما حرمة الإفطار بعد الزوال فالظاهر التسالم عليه بينهم، كما يظهر من كلامهم في وجوب الكفارة به، و في المدارك أنه مذهب الأصحاب، لا أعلم فيه خلافا. و النصوص به كثيرة، منها نصوص الكفارة الآتية. و منها موثق عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «عن الرجل يكون عليه أيام من شهر رمضان، و يريد أن يقضيها، متي يريد أن ينوي الصيام؟ قال: هو بالخيار إلي أن تزول الشمس، فإذا زالت الشمس فإن كان نوي الصوم فليصم، و إن كان نوي الإفطار فليفطر … » (1)، و غيره.

هذا و في ذيل الموثق المذكور: «سئل فإن نوي الصوم ثم أفطر بعد ما زالت الشمس؟ قال: قد أساء، و ليس عليه شي ء إلا قضاء ذلك اليوم الذي أراد أن يقضيه» (2)، و في موثق أبي بصير: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن المرأة تقضي شهر رمضان، فيكرهها زوجها عليا لإفطار، فقال: لا ينبغي له أن يكرهها بعد الزوال» (3).

و ربما يدعي ظهور الأول في عدم الحرمة، كما قد يناسبه ما عن التهذيب من حمله علي نفي العقاب، و ظهور الثاني في الكراهة.

لكنه في غاية المنع، غاية الأمر عدم صراحتهما في الحرمة، لإمكان حمل الإساءة في الأول علي الكراهة، و كذا حمل: «لا ينبغي» عليها. و أما قوله في الأول: «و ليس عليه شي ء» فمن القريب حمله علي نفي الكفارة، فيعارض نصوصها، لا نفي الحرمة و العقاب، كما تقدم عن الشيخ، خصوصا بعد قوله: «قد أساء». فلاحظ.

هذا و عن ابن أبي عقيل و أبي الصلاح عدم جواز الإفطار حتي قبل الزوال.

و يدل عليه صحيح عبد الرحمن بن الحجاج: «سألت عن الرجل يقضي رمضان أله

ص: 172


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 2 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث: 10.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 29 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث: 4.
3- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 4 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث: 2.

لكل مسكين مد، فإن لم يتمكن صام ثلاثة أيام (1) و كفارة إفطار الصوم

______________________________

أن يفطر بعد ما يصبح قبل الزوال إذا بدا له؟ فقال: إذا كان نوي ذلك من الليل، و كان من قضاء رمضان، فلا يفطر، و يتم صومه» (1). لكن لا مجال للخروج به عن النصوص السابقة. فليحمل علي كراهة الإفطار، أو يطرح.

و أما الكفارة فالمعروف منهم وجوبها، و جعله في الانتصار من متفردات الإمامية، و في الخلاف و الغنية الإجماع عليه، للنصوص الآتية. و لم ينسب الخلاف فيه إلا للعماني. و يشهد له موثق عمار المتقدم. حيث يكون مقتضي الجمع بينه و بين نصوص الكفارة الحمل علي الاستحباب.

و أما ما ذكره بعض مشايخنا من تعذر الجمع المذكور، للتناقض عرفا بين ثبوت الكفارة و نفيها. و لا سيما و أن استحباب الكفارة لا يناسب حرمة الإفطار. فهو غريب جدا، فإن حمل الأمر بالكفارة علي استحبابها غير عزيز، و لا ملازمة بين حرمة العمل و وجوب الكفارة عليه، لا عقلا، و لا عرفا. و قد التزم هو و غيره بنظير الجمع المذكور بين نصوص الكفارة في وطء الحائض المتسالم علي حرمته، و ما أكثر الموارد التي حمل فيها الأمر بالكفارة علي الاستحباب.

فالعمدة في وهن الموثق ظهور إعراض الأصحاب عنه، و شذوذ القول عندنا بمضمونه. و ربما يحمل علي التقية، لموافقته للعامة.

و أما الجمع بينه و بين نصوص الكفارة بحمله علي غير النكاح لاختصاصها به. فيشكل بظهور مفروغيتهم عن عدم الفرق بين النكاح و غيره من المفطرات.

(1) كما في النهاية، و نسب للمشهور، و في الانتصار أنه مما انفردت به الإمامية.

لصحيح هشام بن سالم: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: رجل وقع علي أهله و هو يقضي شهر رمضان، فقال: إن كان وقع عليها قبل صلاة العصر فلا شي ء عليه، يصوم يوما بدل يوم، و إن فعل بعد العصر صام ذلك اليوم و أطعم عشرة مساكين، فإن لم يمكنه صام

ص: 173


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 4 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث: 6.

______________________________

ثلاثة أيام كفارة لذلك» (1)، و خبر بريد عن أبي جعفر عليه السّلام: «في رجل أتي أهله في يوم يقضيه من شهر رمضان، قال: إن كان أتي أهله قبل زوال الشمس فلا شي ء عليه، إلا يوم مكان يوم، و إن كان أتي أهله بعد زوال الشمس فإن عليه أن يتصدق علي عشرة مساكين، فإن لم يقدر عليه صام يوما مكان يوم، و صام ثلاثة أيام كفارة لما صنع» (2).

و اشتمال الأول علي التحديد بالعصر مع عدم القائل بذلك لا يمنع من الاستدلال به في تحديد الكفارة، إذ لا مانع من التفكيك في الحجية بين فقرات الحديث الواحد. و لا سيما مع قرب وقوع السهو في لفظ العصر. كما أن اشتمال الثاني علي الحارث بن محمد الذي لا نص علي توثيقه لا يقدح في الحجية بعد ظهور اعتماد الأصحاب علي الحديث، لكثرة من يفتي بمضمونه مقتصرا عليه أو بعد الجمع بينه و بين غيره من نصوص المقام.

هذا و في موثق زرارة: «سألت أبا جعفر عليه السّلام عن رجل صام قضاء من شهر رمضان، فأتي النساء. قال: عليه من الكفارة ما علي الذي أصاب في شهر رمضان، لأن ذلك اليوم عند اللّه من أيام رمضان» (3)، و في مرسل حفص: «عليه من الكفارة مثل ما علي الذي جامع في شهر رمضان» (4). و إطلاقهما مقيد بما تضمن اختصاص الحرمة و الكفارة بما بعد الزوال.

و الطعن في الأول بأن مبني الحكم فيه علي تنزيله اليوم منزلة شهر رمضان، و حيث لا يمكن الالتزام بذلك، لأن مقتضاه عدم الفرق بين ما قبل الزوال و بعده، فلا مجال للاستدلال به فلم يبق إلا الثاني الذي لا مجال للاستدلال به بعد إرساله.

مدفوع بإمكان حمل التنزيل المذكور في الأول علي خصوص حال وجوب الاستمرار في الصوم الذي هو بعد الزوال بقرينة بقية النصوص. و من ثم كان ظاهر الصدوق في المقنع و الفقيه العمل بالطائفتين معا الراجع للتخيير بين المضمونين، و نحوه حكي عن رسالة والده.

ص: 174


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 29 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث: 2، 1، 3.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 29 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث: 2، 1، 3.
3- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 29 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث: 2، 1، 3.
4- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 4 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 2.

المنذور المعين كفارة يمين (1)، و هي عتق رقبة أو إطعام عشرة مساكين لكل واحد مدّ، أو كسوة عشرة مساكين، فإن عجز صام ثلاثة أيام.

______________________________

و احتمل الشيخ في النهاية و التهذيبين حمل الثانية علي الإفطار مع الاستخفاف.

و به أفتي في الوسيلة. لكنه بلا شاهد، و لذا كان الأقرب الحمل علي التخيير مع كون الثاني أفضل، كما عن الشيخ.

هذا و في الغنية خير في الكفارة في المقام بين صيام ثلاثة أيام و إطعام عشرة مساكين. و به أفتي في الوسيلة في غير المستخف. و كأنه لحمل الطائفة الأولي علي التخيير، و هو كما تري، فإنها كالصريحة في الترتيب.

و أشكل من ذلك ما في المراسم و حكي عن جماعة من أنها كفارة يمين: عتق رقبة أو إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم. فإنه بلا شاهد، و مخالف لجميع النصوص المتقدمة.

(1) لأن ذلك هو كفارة النذر مطلقا، كما في الشرائع- في كتاب النذر- و النافع و المسالك و حكاه عن الصدوق. كما حكي عن العلامة في التحرير و جماعة، و في الشرائع أنه الأشهر. لصحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «قال: إن قلت: للّه علي، فكفارة يمين» (1)، و حديث حفص بن غياث أو موثقه عنه عليه السّلام: «سألته عن كفارة النذر، فقال: كفارة النذر كفارة اليمين … » (2).

و صحيح ابن مهزيار: «كتب بندار مولي إدريس: يا سيدي نذرت أن أصوم كل يوم سبت، فإن أنا لم أصمه ما يلزمني من الكفارة؟ فكتب إليه- و قرأته-: لا تتركه إلا من علة. و ليس عليك صومه في سفر و لا مرض، إلا أن تكون نويت ذلك. و إن كنت أفطرت فيه من غير علة فتصدق بعدد كل يوم علي سبعة مساكين»(3)، بناء علي أن سبعة محرفة عن عشرة، كما يناسبه ما في الفقيه من التعبير بمضمون الحديث مع إبدال سبعة بعشرة، و كذا ما في إحدي نسختي المقنع المطبوع.

ص: 175


1- وسائل الشيعة ج: 15 باب: 23 من أبواب الكفارات حديث: 1، 4.
2- وسائل الشيعة ج: 15 باب: 23 من أبواب الكفارات حديث: 1، 4.
3- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 7 من أبواب بقية الصوم الواجب حديث: 4.

______________________________

بل في المسالك أنه الموجود في المقنع، قال: «هو عندي بخطه الشريف»، و حيث كان إطعام عشرة مساكين أحد أطراف التخيير في كفارة اليمين يصلح الصحيح شاهدا لها في قبال ما يأتي.

و عن الشيخين و أتباعهما و العلامة في المختلف و أكثر المتأخرين أنها كفارة إفطار شهر رمضان، و جعله في الانتصار من متفردات الإمامية، مدعيا- كالغنية إجماعهم عليه. لصحيح جميل عن عبد الملك بن عمر عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «قال:

من جعل للّه عليه أن لا يركب محرما فركبه، قال: و لا أعلمه إلا قال: فليعتق رقبة، أو ليصم شهرين متتابعين، أو ليطعم ستين مسكينا» (1). و لا يقدح ضعف سنده- حيث لا نص منهم علي وثاقة عبد الملك بن عمر- بعد انجباره بعمل من عرفت.

نعم قد يشكل:

تارة: بظهور حال الراوي في عدم جزمه بجواب الإمام عليه السّلام بالوجه المذكور، بل قد تكون النصوص الأول قرينة علي خطئه في اعتقاده أن الجواب كذلك.

و أخري: بقرب الجمع بينه و بين النصوص الأول إما بالاقتصار فيه علي مورده من النذر علي ترك الحرام، لمناسبته للتغليظ في الكفارة، و إما بحمله علي أفضل فردي الكفارة.

و يظهر من الاستبصار الجمع بينها و بين هذا الحديث بحمل هذا الحديث علي القادر و حمل تلك النصوص علي العاجز، بقرينة خبر جميل ابن صالح عن أبي الحسن موسي عليه السّلام: «أنه قال: كل من عجز عن نذر نذره فكفارته كفارة يمين» (2). لكنه بلا شاهد. و خبر جميل بن صالح- مع ضعفه- ظاهر في العجز عن أداء النذر المانع من انتقاده، لا العجز عن كفارته مع انعقاده و مخالفته و لا مجال للعمل به، فلا بد من حمله علي التقية أو الاستحباب.

و في النافع و ظاهر الشرائع و عن المرتضي و ابن إدريس و العلامة فيما عدا

ص: 176


1- الاستبصار ج: 4 ص: 53، و اللفظ له. التهذيب ج: 8 ص: 314. وسائل الشيعة ج: 15 باب: 23 من أبواب الكفارات حديث: 7.
2- وسائل الشيعة ج: 15 باب: 23 من أبواب الكفارات حديث: 5.

[(مسألة 2): تتكرر الكفارة بتكرر الموجب في يومين]

(مسألة 2): تتكرر الكفارة بتكرر الموجب في يومين (1)،

______________________________

المختلف التفصيل بين نذر الصوم و نذر غيره، فكفارة الأول كفارة إفطار شهر رمضان، و كفارة الثاني كفارة اليمين، جمعا بين الطائفتين بذلك. لكنه بلا شاهد، بل هو لا يناسب صحيح ابن مهزيار المتقدم.

و استدل لهم في المسالك بما تضمن الأمر فيه بعتق رقبة، كصحيح ابن مهزيار:

«و كتب إليه يسأله يا سيدي رجل نذر أن يصوم يوما، فوقع ذلك اليوم علي أهله، ما عليه من الكفارة؟ فكتب إليه: يصوم يوما بدل يوم، و تحرير رقبة مؤمنة» (1)، و غيره (2).

و فيه: أن العتق أحد خصال كل من كفارة إفطار شهر رمضان و كفارة النذر، فلا ينهض ذكره بتعيين إحداهما.

هذا و في المراسم و عن الكراجكي أن كفارة حنث النذر كفارة ظهار، و هي مرتبة، العتق، ثم الصيام، ثم إطعام ستين مسكينا. و كأنه لظهور صحيح ابن مهزيار المتقدم و غيره مما تضمن الأمر بالعتق في وجوبه تعيينا، مع إلغاء خصوصية الصوم، و التعميم لجميع موارد حنث النذر.

لكن لا بد من رفع اليد عن ظهور الأمر في الوجوب التعييني بقرينة النصوص الأخر الصريحة في التخيير، فليحمل الأمر به علي أنه من أجل كونه أحد الخصال الواجبة أو أفضلها.

و قد تحصل من جميع ما سبق: أنه لا خصوصية للصوم المنذور المعين، بل كفارة الإفطار فيه هي كفارة حنث النذر في سائر الموارد، و هي كفارة اليمين عملا بالنصوص السابقة من دون مخرج عنها.

(1) إجماعا حكاه غير واحد. لإطلاق أدلة الكفارة، بضميمة أصالة عدم التداخل المعول عليها، و التي تم منا الاستدلال عليها في لواحق الكلام في مفهوم الشرط من الأصول.

ص: 177


1- وسائل الشيعة ج: 15 باب: 23 من أبواب الكفارات حديث: 2.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 7 من أبواب بقية الصوم الواجب حديث: 3، 2.

لا في يوم واحد (1)،

______________________________

(1) كما عن جماعة، بل هو المشهور. لاختصاص أدلة الكفارة بما إذا كان مفطرا، إما صريحا أو انصرافا، كما يناسبه الأمر بالقضاء في جملة منها.

مضافا إلي أن النصوص علي طائفتين:

الأولي: ما تضمن عنوان الإفطار.

الثانية: ما تضمن عناوين خاصة من الأكل و الشرب و النكاح و غيرها. فإبقاء كل من الطائفتين علي ظاهره مستلزم لكون كل من العنوانين موجبا للكفارة المستلزم لتعدد الكفارة لو تحقق الإفطار بفعل واحد من تلك الأمور الخاصة، و حيث لا يمكن البناء علي ذلك تعين الجمع بينهما بتنزيل إحداهما علي الأخري، إما بإلغاء خصوصية الإفطار أو بإلغاء خصوصية العناوين الخاصة، و لا ريب في تعين الثاني.

و من هنا لا مجال لاستفادة التكرار من الإطلاق، كما عن المحقق الثاني في حواشي الشرائع، و في المسالك أنه الأصح إن لم يكن سبق بالإجماع علي خلافه.

و أشكل من ذلك ما في جامع المقاصد حيث عقب علي ما في القواعد من وجوب الإمساك علي من أفطر متعمدا تشبها بالصائمين بقوله: «ظاهره أنه حيث لا يكون الصوم مجزئا لا يعد صوما. و في عدة من الأخبار ما يدل علي أنه صوم. و من ثم تتعدد الكفارة بتعدد المفطر».

إذ فيه: أن مقتضي الجمود علي ظاهر التعبير بالصوم في النصوص المذكورة عدم بطلان الصوم و إن لم يكن مجزئا. و مرجع ذلك إلي عدم كون الأمور المذكورة مفطرات، لما هو المعلوم من التنافي بين الصوم و الإفطار، و لا يظن بأحد البناء علي ذلك.

علي أنه لو تم فإطلاق ما دل علي وجوب الكفارة بالمفطرات بعناوينها- من الأكل و الجماع و نحوهما- يقتضي تعدد الكفارة بتعددهما و إن لم يكن المكلف صائما، و لا يتوقف علي كون الإمساك صوما حقيقيا، كما يظهر من كلامه السابق. كما أن ما دل علي وجوب الكفارة بالإفطار لا بد من تنزيله حينئذ علي وجوبها بفعل هذه الأمور

ص: 178

إلا في الجماع فتكرر (1) علي الأحوط وجوبا. و من عجز عن الخصال الثلاث تخير بين صوم ثمانية عشر يوما و بين أن يتصدق بما يطيق (2) و الأحوط

______________________________

بعناوينها أيضا لا بعنوان كونها مفطرات، فيكون مقتضي إطلاقه أيضا تعدد الكفارة بتعددها و إن لم يكن المكلف صائما، خلافا لما يظهر منه. فلاحظ.

(1) كما عن السيد المرتضي و المستند. إما للإطلاقات التي عرفت الكلام فيها.

أو لرواية الفتح بن يزيد الجرجاني: «أنه كتب إلي أبي الحسن عليه السّلام يسأله عن رجل واقع امرأة في شهر رمضان من حلال أو حرام في يوم عشر مرات. قال: عليه عشر كفارات، لكل مرة كفارة. فإن أكل أو شرب فكفارة يوم واحد»(1). و نحوها في تعدد الكفارة بتعدد الوطء مرسلتان أخريان (2) لعلهما عينها.

و لكن ضعفها مانع من التعويل عليها، خصوصا مع عدم إيداعها في كتب الحديث المشهورة التي عليها مدار الفتوي، و إنما ذكرت في الخصال و العيون، و مع عدم حكاية مضمونها عن الأصحاب عدا المرتضي قدّس سرّه، فإن مثل هذا الحكم المخالف للقاعدة و الذي هو مورد للابتلاء لو كان ثابتا لشاع بينهم التعرض له.

(2) كما عن المختلف و الدروس، بل نسب التعبير بذلك للأكثر. للجمع بين نصوص المسألة، فإنها طائفتان:

الأولي: ما تضمن بدلية صوم الثمانية عشر يوما، و هو معتبر أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «سألته عن رجل كان عليه صيام شهرين متتابعين، فلم يقدر علي الصيام، و لم يقدر علي العتق، و لم يقدر علي الصدقة. قال: فليصم ثمانية عشر يوما، عن كل عشرة مساكين ثلاثة أيام» (3)، و رواه في الاستبصار عن أبي بصير و سماعة عنه عليه السّلام. و موثق أبي بصير: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل ظاهر من امرأته فلم يجد ما يعتق، و لا ما يتصدق، و لا يقوي علي الصيام. قال: يصوم ثمانية عشر يوما،

ص: 179


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 11 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1، 2، 3.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 11 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1، 2، 3.
3- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 9 من أبواب بقية الصوم الواجب حديث: 1.

______________________________

لكل عشرة مساكين ثلاثة أيام» (1).

الثانية: ما تضمن بدلية الصدقة بما يطيق، كصحيح عبد اللّه بن سنان عنه عليه السّلام:

«في رجل أفطر من شهر رمضان متعمدا يوما واحدا من غير عذر. قال: يعتق نسمة أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينا. فإن لم يقدر تصدق بما يطيق» (2)، و صحيحه الآخر عنه عليه السّلام: «في رجل وقع علي أهله في شهر رمضان فلم يجد ما يتصدق به علي ستين مسكينا، قال: يتصدق بقدر ما يطيق» (3).

و حينئذ يكون مقتضي الجمع بين الطائفتين رفع اليد عن ظهور كل منهما في الوجوب التعييني، و حملهما علي بيان المجزي، بعد ظهور كل منهما في عدم وجوب ما زاد عليه، بنحو يتعذر الجمع بينهما بوجوب الجمع بين الأمرين.

لكنه- لو تم في نفسه- موقوف علي وحدة موضوع الطائفتين، و لا مجال له في المقام بعد اختصاص الثانية بكفارة إفطار شهر رمضان، و اختصاص الحديث الثاني من الأولي بكفارة الظهار، كما لا يبعد ظهور الأول منها في الكفارة المرتبة التي منها كفارة الظهار، بقرينة ما تضمنه من بدلية ثلاثة أيام عن كل عشرة مساكين، لظهوره في تعين الإطعام، و بدلية الصوم عنه، لا عن تمام خصال الكفارة المخيرة. و لو فرض فيه العموم لزم الجمع بينه و بين الطائفة الثانية بحمله علي غير كفارة شهر رمضان.

هذا و في صحيح أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «قال: كل من عجز عن الكفارة التي تجب عليه من صوم أو عتق أو صدقة في يمين أو نذر أو قتل أو غير ذلك مما يجب علي صاحبه فيه الكفارة فالاستغفار له كفارة، ما خلا يمين الظهار» (4).

و ظاهره بدلية الاستغفار عن الكفارة الواجبة بالأصل في عرض الأبدال المتقدمة.

و حمله علي الأعم منها و من الواجبة بدلا عن الكفارة. بعيد جدا لا يناسب ذكر خصال الكفارة الثلاث فيه. نعم قد يتجه ذلك في خبر داود بن فرقد عنه عليه السّلام أنه قال

ص: 180


1- وسائل الشيعة ج: 15 باب: 8 من أبواب الكفارات حديث: 1.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1، 3.
3- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1، 3.
4- وسائل الشيعة ج: 15 باب: 6 من أبواب الكفارات حديث: 1.

اختيار الثاني. و يلزم التكفير عند التمكن (1) علي الأحوط وجوبا.

______________________________

في حديث: «و إلا استغفر اللّه و لا يعود، فإن الاستغفار توبة و كفارة لكل من لم يجد السبيل إلي شي ء من الكفارة» (1).

علي أنه لو أمكن في صحيح أبي بصير أيضا فلا مجال له في صحيح علي بن جعفر: «سألته عن رجل نكح امرأته و هو صائم في رمضان ما عليه؟ قال: عليه القضاء و عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا، فإن لم يجد فليستغفر اللّه» (2). لقوة ظهوره في عدم وجدان إطعام الستين، لا مطلق الإطعام. و حينئذ يكون مقتضي الجمع بينه و بين صحيحي بن سنان حملهما علي الاستحباب.

و دعوي: أن مقتضي الجمع بينها البناء علي وجوب الأمرين. ممنوعة: لقوة ظهور الطائفتين في بيان تمام الواجب المجزي عن الكفارة.

و منه يظهر ضعف الأقوال الأخر في المقام، و منها ما نسبه في التذكرة لعلمائنا من وجوب الثمانية عشر يوما، فإن لم يقدر تصدق بما وجد و صام ما استطاع، فإن لم يتمكن استغفر، و غير ذلك.

(1) كأنه لإطلاق دليل وجوب الكفارة بعد عدم كونه من الموقت، حيث يكفي في التكليف فيه القدرة عليه في تمام العمر مع حمل دليل البدلية علي خصوص العجز المستمر، كما هو الأصل في الأبدال الاضطرارية، حيث لا يتحقق موضوعها إلا بالعجز المستمر، فينكشف عدم الموضوع لها و عدم مشروعيتها بتجدد القدرة و إجزاؤها بعد فرض عدم مشروعيتها خلاف الأصل.

لكن ذلك خلاف ظاهر نصوص البدلية المتقدمة، لغلبة تعذر العلم بالعجز المستمر، فيبعد حمل النصوص المتقدمة عليه. و حملها علي العجز الظاهري

ص: 181


1- التهذيب ج: 8 ص: 321. و اللفظ له. وسائل الشيعة ج: 15 باب: 6 من أبواب الكفارات حديث: 3.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 9.

______________________________

للاستصحاب- بناء علي ما هو الظاهر من جريانه في الأمور الاستقبالية- بعيد جدا عن مساقها.

نعم في مصحح إسحاق: «الظهار إذا عجز صاحبه عن الكفارة فليستغفر ربه و ينوي أن لا يعود قبل أن يواقع، ثم ليواقع و قد أجزأ ذلك عنه من الكفارة، فإذا وجد السبيل إلي ما يكفر يوما من الأيام فليكفر» (1).

قال سيدنا المصنف قدّس سرّه: «و مورده و إن كان الظهار، لكن لا يبعد استفادة الحكم في غيره منه، كما يساعده الارتكاز العرفي. و لا سيما مع البناء علي وجوبه [يعني:

الاستغفار] مع فعل الكفارة، كما يظهر من بعض نصوص قصة الأعرابي الذي واقع أهله في شهر رمضان. و علي هذا فالمسقط للكفارة عدم الوجدان، لا فعل الاستغفار لأنه بدل».

لكن لا مجال للتعدي من الظهار لغيره بعد ما سبق في صحيح أبي بصير من خصوصية يمين الظهار في عدم كون الاستغفار كفارة له عند العجز عن كفارته، حيث يتعين حمل الاستغفار في المصحح علي قيامه مقام الكفارة في مسوغية الوطء، من دون أن يكون بدلا عنها في مقام الامتثال. و الأمر بالاستغفار مع الكفارة في صحيح جميل (2) الوارد في القصة التي أشار إليها قدّس سرّه ظاهر- بسبب الجمع فيه بين الاستغفار و التصدق- في الاستغفار اللازم من كل ذنب، لا الاستغفار الذي تضمنت النصوص بدليته عن الكفارة، الذي هو محل الكلام.

و من ثم كان الأقوي عدم وجوب الكفارة بتجدد القدرة عليها إذا كان المكلف قد استغفر عنها قبل تجدد القدرة عليها. نعم لا بد في بدلية الاستغفار من صدق العجز عن الكفارة عرفا، فلا يكفي العجز عنها مدة قليلة يعلم أو يتوقع تجدد القدرة بعدها.

ص: 182


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 6 من أبواب الكفارات حديث: 4.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 2.

[(مسألة 3): يجب في الإفطار علي الحرام الجمع بين الخصال الثلاث المتقدمة]

(مسألة 3): يجب في الإفطار علي الحرام الجمع بين الخصال الثلاث المتقدمة (1).

______________________________

(1) كما هو صريح الفقيه و ظاهر التهذيبين و عن الجامع و جملة من كتب العلامة و الشهيدين و غيرهم. و لعله إليه يرجع ما في الوسيلة من أن من أفطر بالمحرم عليه ثلاث كفارات. لمعتبر الهروي: «قلت للرضا عليه السّلام: يا ابن رسول اللّه قد روي عن آبائك (عليهم السلام) فيمن جامع في شهر رمضان أو أفطر فيه ثلاث كفارات، و روي عنهم أيضا كفارة واحدة، فبأي الحديثين نأخذ؟ قال: بهما جميعا، متي جامع الرجل حراما أو أفطر علي حرام في شهر رمضان فعليه ثلاث كفارات: عتق رقبة، و صيام شهرين متتابعين، و إطعام ستين مسكينا، و قضاء ذلك اليوم. و إن كان نكح حلالا أو أفطر علي حلال فعليه كفارة واحدة، و إن كان ناسيا فلا شي ء عليه» (1).

و ما رواه الصدوق في الفقيه عن أبي الحسين محمد بن جعفر الأسدي فيما ورد عليه من الشيخ أبي جعفر محمد بن عثمان العمري (يعني: عن المهدي): «فيمن أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا بجماع محرم عليه أو بطعام محرم عليه أن عليه ثلاث كفارات» (2).

و لا مجال للإشكال في سند الأول باشتماله علي عبد الواحد بن محمد بن عبدوس و علي بن محمد بن قتيبة اللذين لم ينص أحد علي وثاقتهما- كما ذكره بعض مشايخنا- و علي عبد السلام بن صالح الهروي الذي ذكر الشيخ أنه عامي.

لاندفاعه بأن عبد الواحد من مشايخ الصدوق المعتبرين حيث أكثر الرواية عنه مترضيا عليه. و أما علي بن محمد بن قتيبة فقد قال الشيخ في حقه: «تلميذ الفضل بن شاذان نيسابوري فاضل»، و قال النجاشي في حقه: «عليه اعتمد أبو عمرو الكشي في كتاب الرجال صاحب الفضل شاذان و راوية كتبه».

و دعوي: أن توصيف الشيخ له بأنه فاضل لا يدل علي الوثاقة، كاعتماد الكشي عليه، لما ذكره النجاشي من أن الكشي قد أكثر الرواية عن الضعفاء.

مدفوعة: بأن التنبيه علي فضيلة الراوي من دون قدح فيه ظاهر في مدحه بما

ص: 183


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 10 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1، 3.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 10 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1، 3.

______________________________

هو راو، بنحو يناسب الاعتماد عليه. و بالفرق الواضح بين رواية الكشي عن شخص و اعتماده عليه، إذ الاعتماد علي الشخص يتوقف- مع حسن النظر المناسب للفضيلة التي ذكرها الشيخ- علي الوثاقة، و إلا فكيف يعتمد علي من ليس بثقة؟!

مضافا إلي أن الصدوق قدّس سرّه روي في كتاب عيون أخبار الرضا عليه السّلام حديث محض الإسلام الذي كتب به الإمام الرضا عليه السّلام للمأمون عن عبد الواحد بن محمد بن عبدوس عن علي بن محمد بن قتيبة عن الفضل بن شاذان عن الإمام الرضا عليه السّلام، ثم رواه بطريق آخر فيه شي ء من الاختلاف، ثم قال: «و حديث عبد الواحد بن محمد بن عبدوس عندي أصح، و لا قوة إلا باللّه» (1).

و من الظاهر أنه لا منشأ لتصحيحه الحديث المذكور و ترجيحه علي الحديث الآخر إلا بلحاظ وثاقة رجال سنده، و لو لكونهم أوثق من رجال سند الآخر، مع وثاقة الكل.

و أما عبد السلام بن صالح فهو أبو الصلت الهروي الثقة العين الذي هو من خواص الإمام الرضا عليه السّلام. و لا ينبغي التأمل في خطأ الشيخ في دعوي كونه عاميا.

و مثله ما ذكره بعض مشايخنا قدّس سرّه من الإشكال في سند الثاني بإرساله، لعدم ذكر الواسطة بين الصدوق و محمد بن جعفر الأسدي. مع عدم كونه من مشايخه، بل لعله لم يدركه.

لاندفاعه أيضا بقرب عصر الصدوق من عصر محمد بن جعفر، و لا يبعد اطلاعه علي نسبة مثل هذه الرواية لصاحبها حسا، لكونها مكاتبة غير متصرمة.

قال في الفقيه: «و أما الخبر الذي روي فيمن أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا: أن عليه ثلاث كفارات، فإني أفتي به فيمن أفطر بجماع محرم عليه أو بطعام محرم عليه، لوجودي ذلك في روايات أبي الحسن الأسدي (رضوان اللّه عليه) فيما ورد عليه من الشيخ أبي جعفر محمد بن عثمان العمري (قدس اللّه روحه») (2).

ص: 184


1- عيون أخبار الرضا ج: 2 ص: 126.
2- من لا يحضره الفقيه ج: 2 ص: 74، 73.

[(مسألة 4): إذا أكره زوجته علي الجماع في صوم رمضان كان عليه كفارتان، و تعزيران]

(مسألة 4): إذا أكره زوجته علي الجماع في صوم رمضان كان عليه كفارتان، و تعزيران: خمسون سوطا، فيتحمل عنها الكفارة و التعزير (1).

______________________________

علي أنه قدّس سرّه ذكر في مشيخة الفقيه سنده إلي أبي الحسن الأسدي المذكور، قال:

«و ما كان فيه عن أبي الحسين محمد بن جعفر الأسدي (رضوان اللّه عليه) فقد رويته عن علي بن أحمد بن موسي و محمد بن أحمد السناني و الحسين بن إبراهيم بن أحمد بن هشام المؤذن [المؤدب] عن أبي الحسن محمد بن جعفر الأسدي الكوفي (رضوان اللّه عليه)» (1).

و الرجال الثلاثة من مشايخه قدّس سرّه الذين روي عنهم مترضيا عليهم، و هو مناسب جدا لوثاقتهم. و لا أقل من الوثوق بالخبر الذي يجتمعون عليه، كهذا الخبر.

نعم قد يظهر من مكاتبة الجرجاني المتقدمة في المسألة السابقة عدم تعدد الكفارة بالإفطار علي الحرام.

لكن ضعف سندها مانع من الخروج بها عن الحديثين المتقدمين. علي أنه لو غض النظر عن ذلك فالأقرب الجمع بينهما و بينها بحملها علي وحدة الكفارة في مقابل تكررها، لا علي كونها مخيرة في مقابل كفارة الجمع، بل ذلك هو الظاهر منها بدوا. و لا مجال مع ذلك لرفع اليد بها عن ظاهر الحديثين المتقدمين، و حملهما علي الاستحباب.

(1) إجماعا كما عن جماعة. و يقتضيه حديث المفضل بن عمر عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «في رجل أتي امرأته و هو صائم و هي صائمة، فقال: إن كان استكرهها فعليه كفارتان، و إن كان طاوعته فعليه كفارة و عليها كفارة، و إن كان أكرهها فعليه ضرب خمسين سوطا نصف الحد، و إن كان طاوعته ضرب خمسة و عشرين سوطا، و ضربت خمسة و عشرين سوطا» (2).

قال في المعتبر: «الرواية في غاية الضعف. لكن علماؤنا ادعوا علي ذلك إجماع الإمامية. و مع ظهور القول بها، و نسبته للأئمة، يجب العمل بها … ».

ص: 185


1- من لا يحضره الفقيه ج: 4 ص: 76 من شرح مشيخة الفقيه.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 12 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1.

و لا فرق في الزوجة بين الدائمة و المنقطعة (1)، و لا تلحق بها الأمة (2)، كما لا تلحق بالزوج الزوجة إذا أكرهت زوجها علي ذلك (3).

[(مسألة 5): إذا علم أنه أتي بما يوجب فساد الصوم، و تردد بين ما يوجب فساد الصوم فقط أو يوجب الكفارة معه]

(مسألة 5): إذا علم أنه أتي بما يوجب فساد الصوم، و تردد بين ما يوجب فساد الصوم فقط أو يوجب الكفارة معه، لم تجب عليه (4).

و إذا علم أنه أفطر أياما و لم يدر عددها اقتصر في الكفارة علي القدر المعلوم (5)، و إذا شك في أنه أفطر بالمحلل أو المحرم كفاه إحدي الخصال (6)، و إذا شك في أن اليوم الذي أفطره كان من شهر رمضان أو

______________________________

و ما ذكره من انجبار ضعف الحديث بعمل الأصحاب و إن كان صحيحا، إلا أن الظاهر صحة سند هذا الحديث، لأنه و إن رواه الكليني بسند فيه إبراهيم بن إسحاق الأحمر، الذي لم يوثق، بل ضعف، إلا أنه رواه الصدوق بسنده عن المفضل ابن عمر، و ليس في سنده إليه من يطعن فيه إلا محمد بن سنان الذي هو- كالمفضل بن عمر- ثقة علي الأظهر، علي ما تقدم مفصلا في مسألة تحديد مساحة الكر من مباحث المياه.

(1) كما نسب لنص الأصحاب. لإطلاق النص.

(2) لخروجها عن موضوع النص، لأن امرأة الرجل عرفا زوجته، لا كل من يحل له وطؤها. لكن الإنصاف أن فهم عدم الخصوصية للزوجة قريب جدا. بل قد يدعي إلحاق الأجنبية، بل الغلام. لكنه لا يخلو عن إشكال، لإمكان تداخل العقوبة و اندكاكها بعقوبة الحدّ. فلاحظ.

(3) لخروجه عن مورد النص. و لا مجال لفهم عدم الخصوصية، أو تنقيح المناط، لإمكان الفرق بضعف الزوجة أمام الزوج نوعا، دون العكس. كما يمكن أن يكون ضعفها سببا في تخفيف عقوبتها.

(4) للأصل.

(5) للأصل أيضا. و أما القضاء فيأتي الكلام فيه في المسألة الثانية من الفصل السابع.

(6) لأن في وجوب الجمع زيادة تكليف مدفوع بالأصل. مضافا إلي

ص: 186

كان من قضائه و قد أفطر قبل الزوال لم تجب عليه الكفارة (1). و إن كان قد أفطر بعد الزوال كفاه إطعام ستين مسكينا (2) و له الاكتفاء بعشرة مساكين (3).

______________________________

استصحاب عدم الإفطار علي الحرام، كأكل الميتة. و لا يعارض باستصحاب عدم الإفطار علي الحلال. إذ لو أريد بالاستصحاب المذكور نفي وجوب الكفارة الواحدة فهي واجبة قطعا. و لو أريد به إثبات وجوب الجمع فهو من الأصل المثبت.

(1) لأصالة البراءة من وجوب الكفارة بعد عدم العلم بها، لا تفصيلا و لا إجمالا، و إنما يعلم تفصيلا بوجوب قضاء يوم عليه، و يشك في وجوب الكفارة بدوا.

بل مقتضي استصحاب عدم إفطار يوم من شهر رمضان عدم وجوب الكفارة. و لا يعارض باستصحاب عدم إفطار يوم من القضاء، لعدم الأثر له، بعد جواز إفطاره قبل الزوال، و لا كفارة فيه.

(2) قطعا، إما لأنه تمام الواجب، أو لزيادته عليه.

(3) قال قدّس سرّه في مستمسكه: «إذ الشك المذكور يوجب العلم إجمالا بوجوب التصدق علي عشرة مساكين تعيينا، أو بوجوب الصدقة علي ستين مسكينا تخييرا بينه و بين العتق و صوم شهرين متتابعين، فالتصدق علي عشرة مساكين مما يعلم بتعلق الطلب به المردد بين التعيين و التخيير، و لأجل ذلك يعلم بتحقق الامتثال به، و يشك في وجوب الزائد عليه، فيرجع فيه إلي أصل البراءة».

لكنه يشكل بأن الشك المذكور يستلزم العلم الإجمالي بالتكليف و التضييق إما بعدم الاجتزاء بالعتق و الصيام أو بعدم الاجتزاء بإطعام العشرة. فكما لا يجتزأ بالعتق و الصيام من أجل العلم الإجمالي المذكور كذلك لا يجتزأ بالعشرة من أجله.

نعم لا مجال لذلك مع تعذر العتق و الصيام، إذ لا أثر للتضييق بالإضافة إليهما، بل يعلم حينئذ بوجوب الإطعام لا غير، و يتردد بين الأقل و الأكثر، فقد يتوجه الرجوع لأصالة البراءة في نفي الزائد.

ص: 187

[(مسألة 6): إذا أفطر عمدا ثم سافر قبل الزوال لم تسقط عنه الكفارة]

(مسألة 6): إذا أفطر عمدا ثم سافر قبل الزوال لم تسقط عنه الكفارة (1).

______________________________

اللهم إلا أن يقال: علي تقدير إفطار رمضان فالواجب ليس هو الإطعام مع الانحصار، لأن تعذر بقية أطراف الواجب التخييري إنما يقتضي تعين الامتثال بالمقدور منها عقلا، من دون أن يكون مكلفا به تعيينا شرعا، لعدم كون التعذر موجبا لتبدل حال التكليف في مقام الجعل، بل يبقي التكليف تخييريا. و حينئذ لا متيقن في البين، بل التكليف مردد بين وجهين من دون قدر مشترك بينهما يكون التكليف به متيقنا، و يشك في الزائد، و لا يحرز الفراغ عن التكليف المذكور إلا بإطعام الستين، فيتعين بمقتضي قاعدة الاشتغال.

(1) و كذا الحال في بقية الأعذار، كالمرض و الحيض، كما ذكره الشيخ و حكي عن ابن الجنيد، بل نسب للأكثر، و في الخلاف الإجماع عليه. و في الشرائع و التذكرة و المختلف أن هناك قولا بسقوط الكفارة، و اختاره في المختلف و القواعد و التذكرة، و نسبه في الجواهر لجملة من كتب العلامة. نعم استثني في التذكرة و المختلف السفر المقصود به إسقاط الكفارة، و في القواعد كل سفر اختياري، قال: «و لو كان اضطرارا سقطت علي رأي».

و كيف كان فمبني الكلام في المسألة أن عروض العذر مبطل للصوم من حينه، مع مشروعيته من أول الأمر، أو كاشف عن بطلانه و عدم مشروعيته من أول الأمر، نظير قيام البينة في أثناء النهار برؤية هلال العيد في الليلة الماضية.

و لا ينبغي التأمل- بعد النظر في الأدلة و الرجوع للمرتكزات- في الأول، فتشرع نية الصوم بل تجب مع العزم علي السفر في أثناء النهار و العلم به، و يصح الصوم لو اتفق عدم السفر، كما لا يجوز الإفطار بمجرد العلم بتحقق السفر، بل لا بد من الشروع في السفر و الوصول لحد الترخص. كما تضمنت النصوص أن المرأة تفطر حين تطمث (1)، لا أن الطمث كاشف عن عدم صحة صومها من أول الأمر.

ص: 188


1- راجع وسائل الشيعة ج: 7 باب: 25 من أبواب من يصح منه الصوم.

______________________________

و دعوي: أن ذلك ليس صوما حقيقيا، بل إمساكا تأديبا، كإمساك من أبطل صومه. في غاية المنع، إذ لا موضوع للتأدب مع عدم شرعية الصوم و عدم التكليف به، كما هو الحال بعد السفر أو بعد الحيض و نحوه من موانع الصوم.

و لا ينافي ذلك كون الصوم هو الإمساك في تمام النهار بالشروط المعهودة من الحضر و الخلوّ من الحيض و نحوها- بنحو الارتباطية. إذ لا يراد بذلك إلا عدم مشروعية الصوم بعض النهار، مع كون الشروط المعهودة شروطا في البقاء علي الصوم، لا في أصل حدوثه، بحيث لا يشرع إلا بواجديتها في تمام النهار. و مع مشروعية الصوم يكون موضوعا لحرمة الإفطار، و لوجوب الكفارة به، و لا دليل علي مسقطية حدوث العذر لها بعد أن لم يكن كاشفا عن عدم مشروعية الصوم من أول الأمر، بحيث لا يتحقق معه الإفطار الذي هو موضوع للحرمة و لوجوب الكفارة.

نظير صحة الصلاة قبل عروض المبطل لها بحيث تترتب عليها الآثار، فيصح الائتمام واقعا، بحيث للمأموم نقل الائتمام لشخص آخر بعد عروض المبطل لصلاة الإمام، و تبطل صلاة الجمعة المتأخرة مع عدم تخلل المسافة المعتبرة بين الجمعتين و غير ذلك.

و يؤكد ذلك أمران:

الأول: أن طروء العذر لو كان موجبا لسقوط الكفارة لكثر السؤال عن ذلك و عن فروعه، لشيوع الابتلاء بذلك و شدة الحاجة لبيانه، خروجا عما هو المرتكز بدوا من عدم السقوط، فالسكوت عن ذلك في النصوص شاهد بجريان الأمر علي مقتضي المرتكزات القاضية بعدم السقوط.

الثاني: صحيح زرارة و محمد بن مسلم الوارد فيمن يهب المال الزكوي للتخلص من الزكاة، حيث تضمن أن من وهب المال بعد الحول لم تسقط عنه الزكاة، و قال عليه السّلام: «إنما هذا بمنزلة رجل أفطر في شهر رمضان يوما في إقامته، ثم يخرج في آخر النهار في سفر، فأراد بسفره ذلك إبطال الكفارة التي وجبت عليه … و لكنه لو كان وهبها قبل ذلك لجاز و لم يكن عليه شي ء، بمنزلة من خرج ثم أفطر … » (1)

ص: 189


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 58 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1.

[(مسألة 7): إذا كان الزوج مفطرا لعذر فأكره زوجته الصائمة لم يتحمل عنها الكفارة]

(مسألة 7): إذا كان الزوج مفطرا لعذر فأكره زوجته الصائمة لم يتحمل عنها الكفارة (1)، و إن كان آثما بذلك (2).

______________________________

فإن السفر في آخر النهار و إن لم يكن عذرا مسوغا للإفطار، إلا أن مساق الكلام يناسب إلغاء خصوصية كونه في آخر النهار، و أن المقصود بيان عدم سقوط التكليف الثابت بفقد الشرط بعد ثبوته. و لعل التعبير بآخر النهار غفلة من الراوي بسبب النقل بالمعني. علي أن قوله عليه السّلام في ذيله: «بمنزلة من خرج ثم أفطر» ظاهر في انحصار التخلص من الكفارة بالإفطار بعد السفر.

هذا و أما الاستثناء المتقدم من التذكرة و المختلف و القواعد فلم يتضح وجهه.

نعم قال في التذكرة: «و إلا لزم إسقاط الكفارة عن كل مفطر باختياره، و الإقدام علي المحرمات».

و هو- كما تري- لا يرجع إلي محصل ينهض بالخروج عن دليل الإسقاط، لو تم.

(1) لقصور النص السابق عنه، و عدم وضوح إلحاقه بعد احتمال خصوصية كونه صائما في تغليظ العقوبة عليه، حيث يكون بفعله منتهكا لحرمتين. و منه يظهر الإشكال في عموم الحكم لما إذا كان مفطرا لا لعذر، لأنه لا يكون بجماعه منتهكا لحرمتين، حيث قد انتهك إحداهما قبله. نعم لو قلنا بأن الجماع من المفطر بغير عذر موجب للكفارة فقد يتجه الإلحاق. و إن لم يخل عن إشكال.

(2) لأن الإكراه لما لم يكن رافعا لملاك حرمة الإفطار، بل لفعلية الحرمة في حق المباشر لا غير، كانت حرمته مقتضي المرتكزات المتشرعية، نظير حرمة التشجيع علي الحرام المستفادة بالأولوية العرفية مما دل علي وجوب إنكار المنكر، لما فيها من انتهاك حرمة المولي ارتكازا. مضافا إلي أن ذلك مقتضي قاعدة سلطنة المرأة علي نفسها بعد قصور حق الزوج في الاستمتاع عن منعها عن أداء الواجبات الشرعية.

ص: 190

[(مسألة 8): يجوز التبرع بالكفارة عن الميت صوما كانت أو غيره]

(مسألة 8): يجوز التبرع بالكفارة عن الميت صوما كانت أو غيره (1)، و في جوازه عن الحي إشكال (2)، و الأحوط العدم خصوصا في الصوم، و إن كان الأقوي الجواز في غير الصوم و المنع فيه.

______________________________

(1) بلا إشكال ظاهر، و لا خلاف يعتد به. و يقتضيه النصوص الكثيرة المتضمنة للحث علي صلة الميت بوجوه البر من الأعمال البدنية، كالصلاة و الصوم، و المالية، كالزكاة و الصدقة و وفاء الدين (1).

(2) كأنه لظهور الأدلة في اعتبار المباشرة المستفاد من نسبة الفعل للمكلف، و لذا اعتبرت المباشرة في كثير من الواجبات، و احتاج الاجتزاء بعمل الغير للدليل.

لكن الظاهر بناء العرف علي الاجتزاء بفعل الغير إذا كان الغرض من التكليف عرفا محض تحقق الفعل في الخارج بلحاظ منفعته، سواء كان ماليا أم بدنيا، فإذا ألزم السلطان أو المولي شخصا ببذل مال أو عمل للانتفاع به، أو تعاقد جماعة بينهم علي قيام كل منهم بعمل لأجل ذلك، أمكن تبرع الغير عنه بذلك، حتي لو لم يوكله فيه و لم يستأذن إلا مع النص علي اعتبار المباشرة فيه.

و كذا إذا لم يتحقق غرض العمل بفعل الغير ارتكازا، لكون الغرض منه ترويض النفس، كما في العبادات البدنية كالصلاة و الصوم.

و من ثم يتجه التفصيل الذي في المتن، و جري عليه في الشرائع، لأن مقتضي الإطلاقات المقامية جريان الامتثال المسقط للتكليف علي ما عليه عمل العرف نبعا لمرتكزاتهم.

و لو لا ما ذكرنا أشكل الاكتفاء في الواجبات المالية- كالعتق و الصدقة في المقام و غيرهما- بالتوكيل إذا أريد به إيقاعها من مال الوكيل من دون ضمان الموكل، و بقيام

ص: 191


1- راجع وسائل الشيعة ج: 2 باب: 28 من أبواب الاحتضار، و ج: 5 باب: 12 من ابواب قضاء الصلوات، و ج: 6 باب: 22 من أبواب المستحقين للزكاة، و ج: 8 كثير من أبواب النيابة في الحج، و ج: 9 باب: 51 من أبواب الطواف، و ج: 13 باب: 30 من أبواب الدين و القرض، و كثير من أبواب الوصايا، و غير ذلك.

[(مسألة 9): في كون وجوب الكفارة موسعا إشكال]

(مسألة 9): في كون وجوب الكفارة موسعا إشكال. و الأحوط المبادرة إليها (1).

______________________________

المكلف بها من مال الغير إذا لم يبتن علي تملكه له قبل إيقاعهما، أو ضمانه له بإيقاعها، لانصراف الخطاب بالواجبات و المستحبات المالية إلي القيام بها من مال المكلف.

و لذا يكون التكليف بها ماليا يقتضي خسارته بنظر العرف، لا بدنيا متوقفا علي المال، كالصلاة التي قد تتوقف علي بذله. كما يكون المعيار في القدرة عليها و في التكليف بها واجديته للمال، فتسقط بفقره، كما تشرع أبدالها الاضطرارية به، و لا يكفي في التكليف بها مجرد قدرته عليها، و لو بالطلب من الغير بأن يقوم بها أو يبذل المال من أجلها.

فظهور مفروغيتهم عن جواز القيام بها من مال الغير يبتني علي ما ذكرنا من مشروعية التبرع فيها.

مضافا إلي أنه المستفاد من قوله عليه السّلام في موثق أبي بصير الوارد في كفارة الظهار:

«فقال رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله و سلم: أنا أتصدق عنك، فأعطاه تمرا لإطعام ستين مسكينا، قال:

اذهب فتصدق بها» (1). لظهوره في أن من عليه الكفارة وكيل عن النبي صلي اللّه عليه و آله و سلم في التصدق عنه، تبعا لظهور قوله صلي اللّه عليه و آله و سلم: «أنا أتصدق عنك» في تبرعه صلي اللّه عليه و آله و سلم عنه بالتصدق.

(1) علله قدّس سرّه بأن مقتضي كونها كفارة للذنب وجوب المبادرة إليها عقلا، نظير وجوب المبادرة إلي التوبة، حيث قد يكون ذلك منشأ لانصراف الأدلة للفورية.

و أما ما ذكره بعض مشايخنا قدّس سرّه من عدم كون الكفارة من التوبة في شي ء، و إن أو همه تسميتها بالكفارة، بل التوبة بالندم و العزم علي عدم العود، و لذا لا تجزي الكفارة عنها.

فهو لا يناسب عنوان الكفارة الذي شاع إطلاقه عليها في الكتاب و النصوص

ص: 192


1- وسائل الشيعة ج: 15 باب: 2 من أبواب الكفارات حديث: 1.

[(مسألة 10): مصرف كفارة الإطعام الفقراء]

(مسألة 10): مصرف كفارة الإطعام الفقراء (1).

______________________________

و عند المتشرعة. كما لا يناسب ما تضمن أن الاستغفار كفارة، أو أفضل الكفارة (1).

مضافا إلي أن صريح جملة من النصوص أنها متممة للتوبة و الخلاص من تبعة الذنب أو شرط فيها، حيث ذكرت جوابا عن السؤال عن التوبة.

ففي مكاتبة محمد بن الحسن: «رجل حلف بالبراءة من اللّه و رسوله فحنث ما توبته و كفارته؟ فوقع عليه السّلام: يطعم عشرة مساكين، لكل مسكين مدّ، و يستغفر اللّه عز و جل»(2)، و قريب منه صحيح عبد اللّه بن سنان (3)، و حديث الحضرمي 4.

و في صحيح ابن سنان الوارد في قتل العمد: «فإن عفوا عنه فلم يقتلوه أعطاهم الدية، و أعتق نسمة، و صام شهرين متتابعين، و أطعم ستين مسكينا، توبة إلي اللّه عز و جل» (4)، و في صحيح الحلبي فيمن قتل مملوكه: «يعجبني أن يعتق رقبة و يصوم شهرين متتابعين و يطعم ستين مسكينا، ثم تكون التوبة بعد ذلك» (5).

نعم قد لا يناسب ذلك ثبوت الكفارة في غير مورد الذنب، كقتل الخطأ، و صيد المحرم خطأ. إلا أنه لا بد من حمل إطلاق الكفارة عليه علي المجاز للمشاكلة، أو لأنها ترفع الحزازة الحاصلة من الفعل و إن لم تكن من سنخ التبعة و العقاب، من دون أن يخرج بذلك عما ذكرنا في كفارة الذنب. فلاحظ.

(1) بلا خلاف معتد به، بل ظاهر جملة من كلماتهم المفروغية عنه. فإن الكتاب المجيد و السنة الشريفة و إن اشتملت علي عنوان المسكين، إلا أن الظاهر المفروغية عن أنه مع إفراد أحد العنوانين- من الفقير و المسكين- يدخل فيه الآخر.

و هو المدعي عليه الإجماع صريحا و ظاهرا فيما عثرنا عليه، و حكي عن جماعة.

و هو المناسب لاتفاق النص و الفتوي علي صرف سهم المساكين من الخمس في فقراء

ص: 193


1- راجع وسائل الشيعة ج: 15 باب: 6، 12 من أبواب الكفارات.
2- وسائل الشيعة ج: 15 باب: 20 من أبواب الكفارات حديث: 1.
3- وسائل الشيعة ج: 15 باب: 28 من أبواب الكفارات حديث: 3، 4، 1.
4- وسائل الشيعة ج: 15 باب: 28 من أبواب الكفارات حديث: 3، 4، 1.
5- وسائل الشيعة ج: 15 باب: 29 من أبواب الكفارات حديث: 1.

إما بإشباعهم (1) و إما بالتسليم إليهم كل واحد مدّ، و الأحوط مدان (2).

______________________________

بني هاشم. و يناسبه في المقام صحيح إسحاق: «قلت: فيعطيه الرجل قرابته إن كانوا محتاجين؟ قال: نعم» (1)

فما عن القواعد من الإشكال في إجزاء الإعطاء للفقير في غير محله. علي أنه محجوج بالأصل، لإجمال المسكين بنحو يحتمل كونه أسوأ حالا من الفقير، و يحتمل كونه أحسن منه، و يحتمل مساواته له، و مقتضي الأصل عدم اعتبار ما زاد علي الفقر.

بل مقتضاه- بناء علي ذلك- الاجتزاء بما دون الفقر، لو لا ما سبق.

(1) الظاهر عدم الإشكال و لا الخلاف فيه، كما يظهر من الجواهر. و المشهور- كما في الجواهر- الاكتفاء بالمرة، كما هو ظاهر الإطلاق في المتن و غيره. و يقتضيه صحيح أبي بصير: «سألت أبا جعفر عليه السّلام عن [أوسط ما تطعمون أهليكم] قال عليه السّلام: نعم ما تقوتون به عيالكم من أوسط ذلك. قلت: و ما أوسط ذلك؟ فقال: الخل و الزيت و التمر و الخبز، يشبعهم به مرة واحدة … » (2)

و في المقنعة- في كفارة اليمين- و عن جماعة اعتبار الإشباع في تمام اليوم. و يشهد له مرسل العياشي عن سماعة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في تفسير الآية المتقدمة، قال عليه السّلام:

«ما يأكل أهل البيت يشبعهم يوما» (3). لكنه- مع ضعفه- محمول علي الاستحباب جمعا.

و في المراسم أن أدني ما يطعم الواحد في اليوم مدّ. و كأنه للجمع بين دليلي الإشباع و المدّ بالتقييد. لكن الظاهر الجمع بالتخيير. و لذا لا إشكال ظاهرا في الاجتزاء بدفع المدّ.

و عن ابن الجنيد أنه يشبعهم في غدائهم و عشائهم. و لم نعثر علي دليله.

(2) علي ما تقدم الكلام فيه في المسألة الأولي من هذا الفصل عند الكلام في كفارة إفطار شهر رمضان.

ص: 194


1- وسائل الشيعة ج: 15 باب: 18 من أبواب الكفارات حديث: 2.
2- وسائل الشيعة ج: 15 باب: 14 من أبواب الكفارات حديث: 5.
3- وسائل الشيعة ج: 15 باب: 12 من أبواب الكفارات حديث: 1.

و يجزي مطلق الطعام من التمر و الحنطة و الدقيق و الأرز و الماش و غيرها مما يسمي طعاما (1).

______________________________

(1) كما ذكره غير واحد، و ادعي في الخلاف الإجماع عليه لإطلاق الإطعام الذي يراد به دفع الطعام.

لكن اعتبر غير واحد أن يطعم من أوسط ما يطعم أهله، أو ما يغلب علي قوت البلد أو ما يغلب علي قوته، أو غير ذلك. و عن ابن إدريس و العلامة في التحرير التفصيل بين كفارة اليمين و غيرها، فيجزي في غيرها كل طعام، و أما فيها فلا يجزي إلا ما يطعم أهله.

و الأول هو المناسب للإطلاق في آية الظهار و في نصوص الكفارات، حيث لا إشارة فيها للتقييد المذكور و حملها علي كفارة اليمين خال عن الدليل.

و أما في كفارة اليمين فالآية الكريمة و إن تضمنت التقييد بأوسط ما تطعمون أهليكم، إلا أن النصوص قد اختلفت في الجهة الملحوظ فيها الوسطية. ففي صحيح أبي بصير المتقدم دليلا علي الإشباع أنها الوسطية من حيثية الجنس، و أنه الخلّ و الزيت و التمر و الخبز، يشبعهم مرة واحدة، و نحوه في الجملة غيره. و في غيرهما أنها الوسطية في المقدار، و أنه المدّ، كصحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «في قول اللّه عز و جل مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ قال: هو كما يكون أن يكون في البيت من يأكل المدّ، و منهم من يأكل أكثر من المدّ، و منهم من يأكل أقل من المدّ، فبين ذلك. و إن شئت جعلت لهم أدما، و الأدم أدناه ملح، و أوسطه الخل و الزيت، و أرفعه اللحم» (1)، و نحوه صحيح عبد اللّه بن سنان المروي في نوادر أحمد بن محمد بن عيسي، علي ما في هامش الوسائل في تعقيب صحيح الحلبي. فلاحظه.

أما الثاني فلا ينافي الإطلاق المتقدم. و كذا الأول، لاختصاصه بالإشباع، دون التصدق بالمدّ الذي هو محل الكلام. كما أنه في الإشباع قد حدد بالخلّ و الزيت

ص: 195


1- وسائل الشيعة ج: 15 باب: 14 من أبواب الكفارات حديث: 3.

______________________________

و الخبز و التمر. و المنصرف منه التحديد للأدني، فيجوز الإشباع بالأفضل. و الظاهر عدم الإشكال فيه بينهم. غاية الأمر أنه لا يجزي الإدام الأدني، و هو الملح، كما تقدم في صحيح الحلبي. و لا مانع من الالتزام بذلك. بل لا يبعد التعدي لبقية الكفارات إذا اختير الإشباع، لفهم عدم الخصوصية بعد تعارف الإدام في الإشباع.

و مما تقدم يظهر الإشكال فيما ذكره سيدنا المصنف قدّس سرّه من لزوم حمل التقييد بالأوسط من حيثية نوع الطعام علي الاستحباب، بقرينة قوله عليه السّلام في صحيح الحلبي: «و إن شئت» الظاهر في نفي الوجوب. وجه الإشكال: أن صحيح الحلبي ظاهر في استحباب دفع الإدام مع المدّ في الصدقة، من دون تقييد له بالأوسط، بل مع التصريح بكفاية الأدني، و هو الملح. و هو لا ينافي وجوب الأوسط في الإشباع الذي تضمنه صحيحا أبي بصير و عبد اللّه بن سنان.

هذا و قد قال في الجواهر: «قد يقوي في النظر الاجتزاء بكل ما يؤكل و يسمي طعاما لو كان الامتثال بالإشباع، لإطلاق النصوص الاكتفاء بإشباعهم بما يسمي طعاما، الذي قد عرفت أن في اللغة الطعام لكل ما يؤكل، فضلا عن الإطعام، الذي هو في العرف كذلك أيضا، فيصدق حينئذ بالإشباع من الفواكه و المربيات و غيرها مما هو أعلي منها أو أدني».

لكن الرجوع للعرف و اللغة يشهد باختلاف معني كل من الإطعام و الطعام، بنحو لا يمكن الجزم بأن مقتضي الإطلاق ما ذكره.

و مثله ما يظهر من بعض مشايخنا قدّس سرّه من أن الإطعام لغة هو الإشباع، إذ يصعب إثبات ذلك من العرف و اللغة، بل لا يبعد كون الإشباع هو الإطعام الأكمل الذي قد يراد من الإطعام في بعض الاستعمالات و لو مجازا.

هذا مضافا إلي أمرين:

الأول: أن المفهوم عرفا رجوع الإشباع و التصدق لقدر جامع واحد، قد أريد في أدلة الكفارة، و ذلك يقتضي حمل الإشباع علي الإشباع بالطعام بالمعني الخاص المقابل للإدام، لأن ذلك هو المراد بالتصدق، كما اختاره هو قدّس سرّه تبعا للأصحاب، و هو

ص: 196

نعم، الأحوط في كفارة اليمين الاقتصار علي الحنطة و دقيقها و خبزها (1).

______________________________

المناسب لقوله عليه السّلام في صحيح الحلبي المتقدم: «و إن شئت جعلت لهم أدما».

الثاني: أن دليل الإشباع ينحصر بصحيح أبي بصير المتقدم، و هو قد تضمن الخبز و التمر. غاية الأمر التعدي عرفا لغيرهما من أنواع الطعام، و لا مجال للتعدي إلي مطلق المطعوم.

(1) للتقييد في نصوصها، فإن جملة من نصوصها و إن أطلق فيها المدّ، إلا أن جملة أخري منها قد اشتملت علي التقييد، ففي صحيح هشام بن الحكم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «في كفارة اليمين مدّ مدّ من حنطة و حفنة، لتكون الحفنة في طحنه و حطبه» (1)، و في صحيح البزنطي عن أبي جميلة عنه عليه السّلام فيها: «و الصدقة مدّ [مدّ] من حنطة لكل مسكين» (2)، و في خبر ابن سنان عنه عليه السّلام فيها: «مدّ من حنطة … » (3)، و في صحيح الحلبي عنه عليه السّلام فيها: «لكل مسكين مدّ من حنطة أو مدّ من دقيق و حفنة» (4)، و في صحيح أبي حمزة الثمالي عنه عليه السّلام فيها: «كفارته إطعام عشرة مساكين مدّا مدّا دقيق أو حنطة … » (5).

و حملها علي التمثيل مع إلغاء خصوصية ما تضمنته خال عن الشاهد، بل الظاهر الجمع بينها و بين المطلقات بالتقييد. و لا سيما و أن غالب المطلقات قد أطلق فيه المدّ أو إطعام المدّ، و من القريب جدّا صرفه بقرينة نصوص التقييد إلي التحديد من حيثية الكم من دون نظر للنوع.

نعم عن نوادر أحمد بن محمد بن عيسي بسنده الصحيح عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام في كفارة اليمين: «قال: أطعم رسول اللّه عليه السّلام عشرة مساكين، لكل مسكين مدّ من طعام في أمر مارية» (6)، حيث أطلق فيه الطعام. لكنه وارد في قضية

ص: 197


1- وسائل الشيعة ج: 15 باب: 14 من أبواب الكفارات حديث: 4، 2، 8.
2- وسائل الشيعة ج: 15 باب: 14 من أبواب الكفارات حديث: 4، 2، 8.
3- وسائل الشيعة ج: 15 باب: 14 من أبواب الكفارات حديث: 4، 2، 8.
4- وسائل الشيعة ج: 15 باب: 12 من أبواب الكفارات حديث: 1، 4.
5- وسائل الشيعة ج: 15 باب: 12 من أبواب الكفارات حديث: 1، 4.
6- وسائل الشيعة ج: 15 باب: 14 من أبواب الكفارات حديث: 3.

______________________________

خارجية لا إطلاق لها، و في التكفير عن اليمين قبل مخالفته حيث يجوز مخالفته، لا في كفارة حنث اليمين حيث تحرم مخالفته التي هي محل الكلام.

و كيف كان فلا ينبغي التأمل في لزوم العمل بالتقييد المذكور، و الخروج به في كفارة اليمين عن إطلاق الإطعام و التصدق بالمدّ في بقية الكفارات.

بل عن المختلف التقييد بالحنطة و الدقيق في جميع الكفارات، و عن نهاية المرام و الكفاية أن الأولي الاقتصار عليهما. و كأنه لعدم الفصل عند الأصحاب بين جميع الكفارات. أو لإلغاء خصوصية كفارة اليمين في النصوص المذكورة، و حمل بقية الكفارات عليها.

لكن مجرد عدم ظهور الفصل بين من تصدي لتحرير الفتاوي بغير ألسنة النصوص لا يستلزم الإجماع الحجة علي عدم الفصل. و لا سيما مع اضطراب كلماتهم في الكفارات كثيرا. كما أن إلغاء خصوصية كفارة اليمين عرفا ممنوع جدا. و لا سيما مع اشتمال جملة من النصوص الواردة في إفطار شهر رمضان (1)، و صحيح أبي بصير الوارد في كفارة الظهار (2) علي التصدق بالتمر.

بقي في المقام أمران: الأول: أن نصوص التقييد السابقة بين ما اقتصر فيه علي الحنطة، و ما جمع فيها بينها و بين الدقيق. و الظاهر الجمع بينها بحمل الأولي علي إرادة جنس الحنطة، و حمل الدقيق في الثانية علي خصوص دقيق الحنطة، لأنه أقرب عرفا من رفع اليد عن ظهور الأولي في تعين الحنطة مع إبقاء الدقيق علي إطلاقه، بنحو يشمل دقيق غيرها. و عليه يجزي غير الدقيق مما أصله حنطة، كالخبز و البرغل، و نحو ذلك.

الثاني: أن التقييد في كفارة اليمين إنما يتم في التصدق و الإعطاء، دون الإشباع.

لاختصاص نصوص التقييد بالإعطاء. و لما تقدم في صحيح أبي بصير من ذكر التمر مع الخبز في الإشباع.

ص: 198


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 2، 5، 7، 8.
2- وسائل الشيعة ج: 15 باب: 2 من أبواب الكفارات حديث: 1.

(مسألة 11): لا يجزي في الكفارة إشباع شخص واحد مرتين أو أكثر، أو إعطائه مدين أو أكثر، بل لا بد من ستين نفسا (1). إلا مع تعذر العدد فيجزي التكرار (2).

(مسألة 12): إذا كان للفقير عيال فقراء جاز اعطاؤهم بعددهم إذا كان وليا عليهم أو وكيلا عنهم في القبض (3)، فإذا قبض شيئا من ذلك كان ملكا لهم، و لا يجوز التصرف فيه إلا بإذنهم إذا كانوا كبارا، و إذا كانوا صغارا صرفه في مصالحهم كسائر أموالهم.

______________________________

(1) بلا إشكال ظاهر، و ظاهر الجواهر الإجماع عليه. و يقتضيه ظاهر ذكر العدد في الأدلة، و صريح صحيح إسحاق: «سألت أبا إبراهيم عليه السّلام عن إطعام عشرة مساكين أو إطعام ستين مسكينا أ يجمع ذلك لإنسان واحد يعطاه؟ قال: لا، و لكن يعطي إنسانا إنسانا، كما قال اللّه تعالي … » (1).

(2) في المشهور، بل لم أقف فيه علي مخالف صريح معتد به. كذا في الجواهر.

لموثق السكوني عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «قال: قال أمير المؤمنين عليه السّلام: إن لم يجد في الكفارة إلا الرجل و الرجلين فيكرر عليهم حتي يستكمل العشرة، يعطيهم اليوم، ثم يعطيهم غدا» (2). و هو و إن ورد في كفارة اليمين. إلا أن خصوصيتها ملغية عرفا.

نعم ظاهره لزوم التفريق علي الأيام، فيلزم العمل علي ذلك، وقوفا علي مفاد النص في الخروج عن ظاهر الأدلة الأولية. من دون فرق بين الإعطاء و الإشباع.

و حمل الموثق علي الإشباع لا شاهد له. بل مورده الإعطاء، و حمل الإشباع عليه إنما هو لإلغاء خصوصيته.

(3) عملا بمقتضي الولاية و الوكالة.

ص: 199


1- وسائل الشيعة ج: 15 باب: 16 من أبواب الكفارات حديث: 2، 1.
2- وسائل الشيعة ج: 15 باب: 16 من أبواب الكفارات حديث: 2، 1.

[(مسألة 13): زوجة الفقير إذا كان باذلا لنفقتها علي النحو المتعارف لا تكون فقيرة]

(مسألة 13): زوجة الفقير إذا كان باذلا لنفقتها علي النحو المتعارف لا تكون فقيرة (1)، و لا يجوز اعطاؤها من الكفارة، إلا إذا كانت محتاجة إلي نفقة غير لازمة للزوج من وفاء دين و نحوه.

[(مسألة 14): تبرأ ذمة المكفر بمجرد ملك المسكين]

(مسألة 14): تبرأ ذمة المكفر بمجرد ملك المسكين (2)، و لا تتوقف البراءة علي أكله الطعام، فيجوز له بيعه عليه، و علي غيره (3).

[(مسألة 15): تجزي حقة النجف التي هي ثلاث حقق إسلامبول و ثلث عن ستة أمداد]

(مسألة 15): تجزي حقة النجف التي هي ثلاث حقق إسلامبول و ثلث عن ستة أمداد (4).

[(مسألة 16): في التكفير بنحو التمليك يعطي الصغير و الكبير سواء]

(مسألة 16): في التكفير بنحو التمليك يعطي الصغير و الكبير سواء، كل واحد مدّ (5).

______________________________

(1) لأنها تملك نفقتها علي الزوج، فتكون غنية بملكها. غاية الأمر أنه لا بد من بذل الزوج للنفقة أو قدرتها علي تحصيلها منه من دون حرج. لأن مجرد الملك لا يكفي في الغني و عدم الفقر، الذي هو موضوع الأدلة، بل لا بد من القدرة معه بالنحو الرافع للحاجة. و مثلها في ذلك زوجة الغني.

(2) هذا في الإعطاء للإطلاق. و لا مجال لذلك في الإشباع. بل تشكل مشروعية تمليكهم و تملكهم له، لعدم وضوح نسبة الإشباع معه للدافع. اللهم إلا أن يكون الأكل و الشبع شرطا في التمليك. فتأمل.

(3) لعموم سلطنته أو سلطنة وليه علي ملكه.

(4) تقدم في المسألة الأولي من هذا الفصل تحديد المدّ بثمانمائة و سبعين غراما تقريبا، فتكون الستة أمداد خمسة كيلوات و مائتين و عشرين غراما تقريبا، و هي أكثر من حقة النجف الأشرف بكثير.

(5) للإطلاق، و خصوص صحيح يونس عن أبي الحسن عليه السّلام: «سألته عن رجل عليه كفارة إطعام عشرة مساكين، أ يعطي الصغار و الكبار سواء، و النساء و الرجال، أو تفضل الكبار علي الصغار، و الرجال علي النساء؟ فقال: كلهم

ص: 200

[(مسألة 17): يجب القضاء دون الكفارة في موارد]

اشارة

(مسألة 17): يجب القضاء دون الكفارة في موارد:

[أحدها: ما مرّ من النوم الثاني و الثالث.]

أحدها: ما مرّ من النوم الثاني و الثالث.

[الثاني: إذا أبطل صومه بالإخلال بالنية]

الثاني: إذا أبطل صومه بالإخلال بالنية (1) من دون استعمال

______________________________

سواء» (1)، هذا في الإعطاء.

و أما في الإشباع ففي موثق السكوني عن جعفر عن أبيه: «أن عليا عليه السّلام قال:

من أطعم في كفارة اليمين صغارا و كبارا، فليزود الصغير بقدر ما أكل الكبير» (2)، و في موثق غياث بن إبراهيم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: «لا يجزي إطعام الصغير في كفارة اليمين، و لكن صغيرين بكبير» (3).

و لا يبعد حمل الأول علي ما إذا علم بقدر أكل كل من الصغير و الكبير، و الثاني علي ما إذا جهل مقدار أكلهما أو أكل أحدهما. و هما و إن اختصا بكفارة اليمين و ما ألحق بها، إلا أن التعدي عنها لبقية الكفارات قريب جدا.

(1) أما بناء علي ما سبق منا من اختصاص الكفارة ببعض المفطرات فظاهر.

و أما بناء علي عمومها لكل مفطر فلعدم وضوح صدق الإفطار بمجرد الإخلال بالنية.

بل كما كان ظاهر بعض النصوص صدقه بمجرد عدم نية الصوم أو نية عدمه، كقوله عليه السّلام في موثق عمار الوارد في النية: «فإذا زالت الشمس فإن كان نوي الصوم فليصم، و إن كان نوي الإفطار فليفطر» (4)، و قوله عليه السّلام في حديث عيسي: «و من أصبح و لم ينو الصيام من الليل فهو بالخيار إلي أن تزول الشمس إن شاء صام و إن شاء أفطر» (5).

كذلك ظاهر بعضها أن الإفطار إنما يكون باستعمال المفطر، كقوله عليه السّلام في صحيح محمد بن قيس: «إذا لم يفرض الرجل علي نفسه صياما، ثم ذكر الصيام قبل

ص: 201


1- وسائل الشيعة ج: 15 باب: 17 من أبواب الكفارات حديث: 3، 2، 1.
2- وسائل الشيعة ج: 15 باب: 17 من أبواب الكفارات حديث: 3، 2، 1.
3- وسائل الشيعة ج: 15 باب: 17 من أبواب الكفارات حديث: 3، 2، 1.
4- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 2 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث: 10.
5- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 4 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث: 12.

المفطر (1).

[الثالث: إذا نسي غسل الجنابة يوما أو أكثر]

الثالث: إذا نسي غسل الجنابة يوما أو أكثر (2).

______________________________

أن يطعم طعاما أو يشرب شرابا و لم يفطر فهو بالخيار … » (1). و لا سيما مع ظهور بعض نصوص الكفارة في ترتبها علي نفس مقارفة المفطر، لا علي النية السابقة عليه. و أظهر من ذلك ما إذا كان الإخلال بشروط النية، كالتقرب، و كما لو تحقق الرياء، حيث لا إشكال في عدم صدق الإفطار حينئذ، بل الصوم و إن كان باطلا.

بل ذكر ذلك بعض مشايخنا قدّس سرّه فيمن لم ينو الصوم و لم يستعمل المفطر، فادعي أنه يصدق في حقه أنه صائم و إن بطل صومه.

لكنه إنما يتم بناء علي صدق الصوم بمجرد ترك المفطر من دون حاجة للنية، و هو لا يناسب ما سبق منه عند الكلام في أول وقت النية من توقف صدق عنوان العمل علي نيته حتي في التوصليات، و ما سبق منا هناك من تقوم عنوان الصوم بالنية، لا بترك المفطر. فراجع. فالعمدة ما سبق.

(1) أما لو استعمله فلا إشكال في صدق الإفطار حينئذ، و لا يمنع من صدقه عدم نية الصوم. بل لعله متيقن من نصوص الكفارة، لملازمة تعمد استعمال المفطرات لعدم نية الصوم قبله.

(2) فقد تقدم في المسألة السابعة من فصل المفطرات وجود القول بين الأصحاب ببطلان الصوم و وجوب القضاء بذلك، للنصوص الخاصة، و إن تقدم منا الإشكال في ذلك، لوجود المعارض لتلك النصوص.

و كيف كان فالنصوص المذكورة قد اقتصر فيها علي القضاء، و قد يستظهر من ذلك نفي الكفارة مؤيدا بما في حديث المشرقي المتقدم عند الكلام في اعتبار العمد في المفطرية من إناطة وجوب القضاء و الكفارة معا بالعمد. و بانصراف نصوص الكفارة إلي كونها من سنخ العقوبة التي تناسب معذرية النسيان. و لا أقل من كون نفي الكفارة مقتضي أصالة البراءة. و من ثم كان الظاهر عدم الخلاف في ذلك.

ص: 202


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 2 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث: 5.
[الرابع: من استعمل المفطر بعد طلوع الفجر بدون مراعاة و لا حجة علي طلوعه]
اشارة

الرابع: من استعمل المفطر بعد طلوع الفجر بدون مراعاة (2) و لا حجة علي طلوعه. أما إذا قامت حجة علي طلوعه وجب القضاء

______________________________

(2) أما وجوب القضاء فهو المعروف بين الأصحاب، و في الجواهر: «بلا خلاف أجده فيه»، و في الانتصار و الخلاف و الغنية الإجماع عليه.

و هو الذي تقتضيه القاعدة الأولية من عدم إجزاء العمل مع انكشاف الخلل فيه، لأن الصوم هو الإمساك عن المفطرات في تمام النهار، فمع انكشاف حصول بعضها في جزء منه يتعين بطلانه.

اللهم إلا أن يخرج عن ذلك بما يستفاد من بعض النصوص من صحة الصوم مع استعمال المفطر قبل العلم بالفجر، كمعتبر إسحاق بن عمار (1): «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: آكل في شهر رمضان بالليل حتي أشك. قال: كل حتي لا تشك» (2)، فإنه و إن ورد لبيان الحكم الظاهري غير المستلزم للإجزاء. إلا أنه يستفاد منه الإجزاء تبعا، لاهتمام السائل بالإجزاء، و غفلته عن التفريق بين جواز استعمال المفطر ظاهرا و الإجزاء لو انكشف الخلاف، فعدم التنبيه لعدم الإجزاء لو انكشف وقوع الأكل نهارا موجب لظهوره في الإجزاء.

مؤيدا ذلك أو معتضدا بتعليل القضاء في صورة عدم المراعاة في موثق سماعة المتقدم بأنه بدأ بالأكل قبل النظر، حيث يستفاد منه أن علة القضاء هو التفريط و التسامح في ترك النظر، لا أن أكله قد صادف النهار واقعا، كما علل بذلك في صوم القضاء(3).

فالعمدة في وجوب القضاء النصوص الخاصة الواردة في المسألة، كصحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «أنه سئل عن رجل تسحر، ثم خرج من بيته و قد طلع الفجر و تبين. فقال: يتم صومه ذلك، ثم ليقضه» (4)، المحمول علي صورة عدم

ص: 203


1- بناء علي ما هو الظاهر من وثاقة كل من روي عنه محمد بن علي بن محبوب ممن اسمه أحمد. (منه عفي عنه).
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 49 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1.
3- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 45 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 2.
4- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 44 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1.

______________________________

المراعاة، جمعا مع مثل موثق سماعة: «سألته عن رجل أكل و شرب بعد ما طلع الفجر في شهر رمضان. قال: إن كان قام فنظر فلم ير الفجر، فأكل ثم عاد فرأي الفجر، فليتم صومه و لا إعادة عليه، و إن كان قام فأكل و شرب ثم نظر إلي الفجر فرأي أنه قد طلع الفجر فليتم صومه، و يقضي يوما آخر، لأنه بدأ بالأكل قبل النظر فعليه الإعادة» (1).

نعم يستثني من ذلك استعمال المفطر في أوائل طلوع الفجر بالمقدار اللازم عند الاستمرار في الأكل حتي يؤذن المؤذن العارف، الذي صرح بجوازه في موثق زرارة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «قال: أذن ابن أم مكتوم لصلاة الغداة، و مرّ رجل برسول اللّه صلي اللّه عليه و آله و سلم و هو يتسحر، فدعاه أن يأكل معه. فقال: يا رسول اللّه قد أذن المؤذن للفجر. فقال: إن هذا ابن أم مكتوم، و هو يؤذن بليل، فإذا أذن بلال فعند ذلك فأمسك» (2)، و نحوه في ذلك صحيح الحلبي (3) و غيره.

كما يدل عليه صحيح عيص بن القاسم الآتي في جماعة يتسحرون أخبرهم شخص بطلوع الفجر، فكف بعضهم، و ظن بعضهم أنه يسخر فأكل، لظهوره في عدم وجوب القضاء علي من كفّ عن الأكل، مع أنه قد استمر في الأكل حتي أخبر بطلوع الفجر، بنحو يستلزم وقوع شي ء من أكله بعد الفجر.

و عليه جرت السيرة، كما رتب الفقهاء عليه أن من فجأه الفجر لم يجز له ابتلاع الطعام الذي في فمه، كما يجب عليه النزع إذا كان مجامعا. فإن مقتضي ذلك وقوع شي ء من المفطر في أول طلوع الفجر لوضوح أن المؤذن العارف لا يؤذن حتي يتضح له الفجر، و لا يمسك من يريد الصوم حتي يلتفت إلي أذانه، و هو يكون بعد الفجر قليلا، فلو كان ذلك مبطلا للصوم لوقع الهرج و المرج، و احتيج للسؤال و ظهر الحال.

بل ذلك هو الظاهر من صحيح العيص بن القاسم الآتي، للاقتصار فيه في الحكم بوجوب القضاء علي من استمر في الأكل بعد الإخبار بطلوع الفجر دون من أمسك.

هذا و لا موضوع للمراعاة مع تعذر الاطلاع علی الفجر کما فی اللیالي القمرة

ص: 204


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 44 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 3.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 49 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 3.
3- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 42 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1.

و الكفارة (1) و إذا كان مع المراعاة فلا قضاء و لا كفارة. سواء أخبر (2)

______________________________

و نحوها، و حينئذ قد يدعي لزوم البناء علي المفطرية لو صادف طلوع الفجر، عملا بإطلاق مثل صحيح الحلبي الشامل لصورة عدم المراعاة، لعدم الموضوع. و كذا مع تعذر المراعاة لحبس و نحوه، كما مال إليه في الجواهر، و عن المستند أنه الأقوي.

و يشكل بأن ظاهر التعليل في ذيل موثق سماعة أن وجوب القضاء بسبب التفريط في ترك المراعاة و التسامح في النظر، فيقصر عن الصورتين المذكورتين. علي أن ثبوت الإطلاق لمثل صحيح الحلبي بنحو يشمل الصورتين في غاية الإشكال، كما يظهر بالتأمل.

نعم يتجه الإطلاق في خبر علي بن أبي حمزة عن أبي إبراهيم عليه السّلام: «و سألته عن رجل شرب بعد ما طلع الفجر و هو لا يعلم في شهر رمضان، قال: يصوم يومه ذلك، و يقضي يوما آخر … » (1).

لكنه- لو كان حجة في نفسه- لا ينهض في قبال التعليل المذكور، بل يتعين حمله علي صورة التفريط بترك المراعاة. و لعله لذا كان المعروف بين الأصحاب عدم وجوب القضاء علي العاجز، بل في الرياض و الجواهر نفي وجدان الخلاف فيه.

هذا و أما عدم وجوب الكفارة فالظاهر الاتفاق عليه. و يقتضيه الأصل. بل لا يبعد استفادته من الأدلة، لنظير ما تقدم في سابقه.

(1) إذ بعد إحراز النهار بقيام الحجة يكون من تعمد الإفطار في النهار. نعم لو انكشف خطأ الحجة فلا قضاء و لا كفارة، لعدم الموضوع. غاية الأمر استحقاق العقاب بسبب التجري.

(2) هذا راجع إلي قوله: «من استعمل المفطر بعد طلوع الفجر بدون مراعاة».

فهو لبيان عموم وجوب القضاء مع عدم المراعاة للصور الآتية.

ص: 205


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 45 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 3.

مخبر ببقاء الليل (1)، أو أخبر بطلوع الفجر و اعتقد سخريته (2) أم لا.

هذا إذا كان صوم رمضان، و في إلحاق الواجب المعين به (3) إشكال (4)،

______________________________

(1) كما هو مورد صحيح معاوية بن عمار: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: آمر الجارية تنظر الفجر، فتقول: لم يطلع بعد، فآكل، ثم أنظر فأجد قد كان طلع حين نظرت. قال: اقضه، أما إنك لو كنت أنت الذي نظرت لم يكن عليك شي ء» (1).

من دون فرق في ذلك بين حجية الخبر و عدمه، لأن حجية الخبر- كاستصحاب بقاء الليل- إنما تقتضي المعذرية في تناول المفطر، من دون أن ينافي وجوب القضاء لو انكشف طلوع الفجر، الذي هو مقتضي النصوص المحمولة علي صورة عدم المراعاة أو المختصة بها.

و منه يظهر ضعف ما في جامع المقاصد و المسالك و المدارك من عدم القضاء مع قيام الحجة- كالبينة- علي عدم طلوع الفجر.

و أضعف منه ما عن غيرها من الاكتفاء في سقوط القضاء بخبر العدل الواحد، لاختصاص صحيح إسحاق بالجارية. إذ فيه: أن ظاهر الجواب فيه أن المدار في نفي القضاء علي المراعاة، و هو مقتضي إطلاق بقية النصوص في المقام. و لو لا ذلك لكان المناسب الاكتفاء بخبر الرجل الواحد و إن لم يكن عادلا، لقصور صحيح إسحاق عنه أيضا.

(2) كما هو مورد صحيح عيص بن القاسم: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل خرج في شهر رمضان و أصحابه يتسحرون في بيت، فنظر إلي الفجر فناداهم أنه قد طلع الفجر، فكفّ بعض و ظن بعض أنه يسخر فأكل، فقال: يتم [صومه] و يقضي» (2).

(3) يعني: في صحة الصوم مع المراعاة.

(4) و الأظهر عدم الإلحاق، فيبطل الصوم حتي مع المراعاة، كما عن العلامة و غيره. لإطلاق قوله عليه السّلام في ذيل صحيح الحلبي المتقدم: «فإن تسحر في غير شهر

ص: 206


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 46 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 47 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1.

______________________________

رمضان بعد الفجر أفطر» (1). بعد قصور دليل الصحة مع المراعاة عن غير شهر رمضان.

أما موثق سماعة فظاهر. و أما صحيح معاوية فيمن أخبرته الجارية ببقاء الليل فلأنه و إن رواه في الفقيه كما سبق: «أقضه. أما لو كنت أنت الذي نظرت لم يكن عليك شي ء»، إلا أنه رواه في الكافي هكذا: «تتم يومك، ثم تقضيه. أما لو كنت أنت الذي نظرت ما كان عليك قضاؤه».

فإن ترجح الثاني لأن الكافي أضبط- كما قيل- فهو مختص بشهر رمضان، للأمر فيه بإتمام الصوم، و إلا فلا طريق لإحراز صحة الأول، كي يتجه التمسك بإطلاقه.

و دعوي: أن الأمر بإتمام الصوم لا يقتضي الاختصاص بصوم شهر رمضان، بل يجري في مطلق الواجب المعين. مدفوعة: بأنه لا منشأ لاحتمال وجوب الإتمام في غير صوم شهر رمضان الذي ثبت حرمته في نفسه، و تظافرت النصوص بوجوب الاتمام فيه مع إبطال الصوم عمدا أو خطأ. و لا أقل من كون ذلك موجبا لكون شهر رمضان هو المتيقن من الموثق، و مانعا من انعقاد الإطلاق له بنحو يشمل غير صوم شهر رمضان من الواجب المعين.

علي أن الأمر فيه- علي كلتا الروايتين- بالقضاء من دون تقييد للصوم بما يجب قضاؤه قد يوجب انصرافه لشهر رمضان، لأنه الصوم المعهود وجوب قضائه، و المنذور المعين و إن ورد وجوب قضائه إلا أنه مغفول عنه.

هذا مضافا إلي إطلاق ما ورد في قضاء شهر رمضان، كمعتبر إسحاق بن عمار: «قلت لأبي إبراهيم عليه السّلام يكون عليّ اليوم و اليومان من شهر رمضان فأتسحر مصبحا، أفطر ذلك اليوم و أقضي مكان ذلك يوما آخر، أو أتم علي صوم ذلك اليوم و أقضي يوما آخر؟ فقال: لا، بل تفطر ذلك اليوم، لأنك أكلت مصبحا و تقضي يوما آخر» (2)، و غيره. فإن إطلاقها شامل لما إذا تعين القضاء بضيق الوقت. و لا إشكال في أن ظهوره في الإطلاق أقوي من ظهور صحيح معاوية بن عمار فيه. و لا سيما بلحاظ عموم التعليل في معتبر إسحاق. و من ذلك يظهر ضعف ما في المدارك من إلحاق

ص: 207


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 45 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1، 3.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 45 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1، 3.

و الأحوط فيه الإتمام (1) و القضاء إن كان مما فيه القضاء. و الأقوي في الواجب غير المعين و المندوب البطلان (2).

الخامس: الإفطار قبل دخول الليل لظلمة ظن منها دخوله و لم يكن في السماء غيم، بل الأحوط إن لم يكن أقوي وجوب الكفارة (3).

______________________________

الصوم الواجب المعين بصوم شهر رمضان.

(1) بنية الصوم رجاء، لاحتمال صحة الصوم، تحقيقا للاحتياط المناسب للإشكال المتقدم منه قدّس سرّه. و ليس مراده الإتمام تأدبا، كما في صوم شهر رمضان إذا بطل، لعدم مناسبته للإشكال المذكور.

(2) لإطلاق صحيح الحلبي المتقدم، و خصوص ما تقدم في قضاء شهر رمضان (1)، مع قصور ما تضمن صحة الصوم مع المراعاة عن الواجب غير المعين و عن المندوب، كما يظهر مما سبق.

(3) لعدم حجية الظن، و حيث كان مقتضي الاستصحاب بقاء الليل يكون فعل المفطر من تعمد الإفطار في النهار تعبدا، فيدخل في عموم دليل الكفارة.

نعم في صحيح زرارة أو موثقه عن أبي جعفر عليه السّلام: «أنه قال لرجل ظن أن الشمس قد غابت فأفطر، ثم أبصر الشمس بعد ذلك. قال: ليس عليه قضاء» (2)، و في حديث الكناني: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل صام ثم ظن أن الشمس قد غابت و في السماء غيم، فأفطر، ثم إن السحاب انجلي فإذا الشمس لم تغب. فقال: قد تم صومه و لا يقضيه» (3)، و قريب منه خبر زيد الشحام (4) و هي قد تنافي ما سبق.

لكن الظاهر انصرافها إلي الظن الذي يترتب عليه العمل بطبع الإنسان غفلة عن كونه ظنا ليس بحجة، لظهوره في المفروغية عن ترتب العمل علي الظن في المقام، من دون تحديد لمسوغ العمل. بل ذلك في الحقيقة قطع بدوي، بسبب ذهول الإنسان

ص: 208


1- راجع وسائل الشيعة ج: 7 باب: 45 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 51 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 2، 3، 4.
3- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 51 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 2، 3، 4.
4- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 51 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 2، 3، 4.

______________________________

عن الاحتمالات الأخر. و لا ينافيه التعبير عنه بالظن، لشيوع إطلاقه في اللغة و العرف علي كل بناء و رأي بدوي لا يستند لدليل.

و حينئذ يناسب النصوص المذكورة إطلاق صحيح زرارة: «قال أبو جعفر عليه السّلام:

وقت المغرب إذا غاب القرص، فإن رأيته بعد ذلك و قد صليت أعدت الصلاة، و مضي صومك. و تكفّ عن الطعام، إن كنت [قد] أصبت منه شيئا» (1)، فإن عدم التعرض فيه لمسوغ العمل ظاهر في إرادة كل ما يسوغ معه العمل من قطع بدوي، أو برهاني، أو دليل شرعي. و من هنا يتعين البناء في جميع ذلك علي عدم القضاء- فضلا عن الكفارة- و لو مع عدم الغيم. لإطلاق حديثي زرارة.

و أما مع الالتفات لحال الظن و التردد حين العمل فالنصوص قاصرة عن إثبات جواز الإفطار ظاهرا، فضلا عن صحة الصوم حينئذ لو صادف بقاء النهار حتي مع الغيم، لما ذكرنا من الانصراف، فإنه يجري حتي في النصوص المتضمنة لذكر الغيم لو تم سندها.

هذا و في صحيح أبي بصير و سماعة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «في قوم صاموا شهر رمضان، فغشيهم سحاب أسود عند غروب الشمس، فرأوا أنه الليل، فأفطر بعضهم، ثم إن السحاب انجلي فإذا الشمس. فقال: علي الذي أفطر صيام ذلك اليوم، إن اللّه عز و جل يقول: و أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَي اللَّيْلِ. فمن أكل قبل أن يدخل الليل فعليه قضاؤه، لأنه أكل متعمدا» (2)، و مقتضاه بطلان الصوم و وجوب القضاء حتي مع القطع بدخول الليل، فيعارض النصوص السابقة.

و أما ما ذكره سيدنا المصنف قدّس سرّه من حمله علي وجوب إتمام الصوم في بقية اليوم بعد ظهور الشمس. فهو بعيد جدا، بل ذيله كالصريح فيما ذكرنا. و مثله حمله علي استحباب القضاء، لعدم مناسبته للاستدلال فيه بالآية الشريفة و للتعليل بأنه أكل متعمدا فالظاهر استحكام التعارض.

نعم تترجح النصوص الأول بالشهرة في الرواية، لأنها أكثر عددا، و بمخالفة

ص: 209


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 51 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 50 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1.

نعم إذا كان غيم فلا قضاء و لا كفارة (1). و الأحوط اعتبار المراعاة مع الغيم أيضا في ذلك (2). و أما العلة التي تكون في السماء غير الغيم ففي

______________________________

العامة، حيث نسب لهم في التذكرة وجوب القضاء.

(1) مما سبق يظهر عدم الفرق بين وجود الغيم و عدمه سواء حمل الظن في النصوص علي أقوائية احتمال دخول الليل من احتمال عدمه

كما يظهر منهم- أم حمل علي القطع البدوي، كما سبق منا. لأن اشتمال بعض النصوص علي الغيم- لو تم سنده- لا يمنع من العمل بإطلاق غيره مما هو معتبر السند. و يأتي تمام الكلام في ذلك.

(2) غاية ما يستفاد منه قدّس سرّه في وجهه أن عطف الإفطار في صحيح زرارة و غيره علي الظن ب (الفاء) الدالة علي الترتيب يصلح أن يكون قرينة علي إرادة خصوص الظن الذي يجوز التعويل عليه، و لا سيما بملاحظة أصالة الصحة في فعل المسلم، و حيث لم يثبت حجية مطلق الظن عند تعذر العلم فلا يبعد تخصيصه بما يحصل من المراعاة مع وجود علة في السماء، قال قدّس سرّه: «فإن جواز العمل به حينئذ إن لم يكن متيقنا من الفتاوي فلا أقل من كونه متيقنا من المصحح و غيره. و عليه فإطلاق أدلة المفطرية في غيره محكم».

لكنه يشكل بأنه لا إشعار في الصحيح و غيره بفرض تعذر العلم بدخول الوقت، و لو بالرجوع إلي أهل المعرفة. و الترتب بين الظن و الإفطار خارجا هو المصحح للعطف ب (الفاء). و قاعدة الصحة في فعل المسلم لا تصلح للقرينية علي التقييد بالوجه المذكور الذي يصعب إقامة الدليل عليه، كما لا يلتفت له عامة من يطلع علي النصوص، ليستحصل الوظيفة منها. بل حيث كان المرتكز حينئذ الاحتياط بالانتظار قليلا حتي يعلم بدخول الوقت. فإن لم يكن هذا الارتكاز قرينة علي ما ذكرنا من حمل الظن علي العلم البدوي الذي لا موضوع معه للاحتياط المذكور- فالمتعين إبقاء الظن علي إطلاقه، من دون تقييد له بصورة وجود الغيم، فضلا عن المراعاة.

و لا سيما و أن للمراعاة دخل في المعذرية ارتكازا، فالمناسب التنبيه لها في نصوص

ص: 210

إلحاقها بالغيم في ذلك إشكال (1) و الأحوط وجوبا عدمه.

[(مسألة 18): إذا شك في دخول الليل لم يجز له الإفطار]

(مسألة 18): إذا شك في دخول الليل لم يجز له الإفطار (2)، و إذا أفطر أثم و عليه القضاء (3)، و الكفارة (4). إلا أن يتبين أنه بعد دخول الليل (5)، و كذا الحكم إذا قامت حجة علي عدم دخوله فأفطر فتبين دخوله (6). أما إذا قامت حجة علي دخوله أو قطع بدخوله فأفطر، فلا إثم و لا كفارة. و في وجوب القضاء إذا تبين عدم دخوله إشكال (7).

______________________________

المقام، كما نبه في بعضها للظن و الغيم.

(1) لم يتضح وجه الإشكال بعد ما سبق من إطلاق بعض النصوص، مع عدم الفرق في الوجه الذي ذكره لاعتبار المراعاة بين الغيم و غيره من العلل.

(2) بلا إشكال ظاهر، بل الظاهر عدم الخلاف فيه. لاستصحاب النهار و عدم الليل.

(3) بلا إشكال ظاهر، و في الخلاف و الغنية الإجماع عليه. إذ بضميمة الاستصحاب المذكور يحرز تعمد الإفطار في النهار.

(4) لعين ما سبق في القضاء. لكن صريح غير واحد و ظاهر آخرين عدم وجوبها، بل هو داخل في معقد إجماع الغنية. و كأنه لعدم تعمد الإفطار مع الشك.

لكنه و إن لم يتعمده وجدانا، إلا أنه متعمد له تعبدا بضميمة الاستصحاب المذكور، و هو كاف في التمرد المناسب لثبوت الكفارة، تبعا لإطلاق أدلتها.

(5) لانكشاف عدم الموضوع لوجوب القضاء و الكفارة حينئذ. و احتمال وجوب الكفارة بتعمد الإفطار في نهار شهر رمضان و إن لم يتحقق- كما لو صادف العيد- خال عن الدليل.

(6) لعين ما سبق. و مثله ما إذا قطع بعدم دخول الليل، فتناول المفطر، ثم انكشف أنه كان قد دخل.

(7) كأن وجه الإشكال و عدم الجزم بسقوط القضاء قصور النصوص السابقة

ص: 211

و إذا شك في طلوع الفجر جاز له استعمال المفطر ظاهرا (1)، و إذا تبين الخطأ بعد استعمال المفطر فقد تقدم حكمه.

[السادس: إدخال الماء إلي الفم بمضمضة و غيرها، فيسبق و يدخل الجوف]
اشارة

السادس: إدخال الماء إلي الفم بمضمضة و غيرها، فيسبق و يدخل الجوف، فإنه يوجب القضاء (2)

______________________________

عنه، لظهور الاقتصار علي الظن فيها في عدم قيام حجة غيره، و عدم حصول القطع. كما أن وجه عدم الجزم بثبوت القضاء قوة احتمال استفادته من النصوص السابقة بالأولوية.

لكن الظاهر دخوله في إطلاق صحيح زرارة الأخير، لعدم التعرض فيه للظن، و إنما اقتصر فيه علي فرض القيام بوظيفة الليل في فرض عدم غياب القرص.

و من القريب انصرافه للقيام بها بوجه يعذر فيه من قطع بدوي أو برهاني أو قيام حجة شرعية- كما سبق منا حمله عليه- فيشمل ما نحن فيه.

بل لا ينبغي الإشكال في شمول بقية النصوص لصورة مقارنة الحجة للظن و الغيم، مع المراعاة، أو بدونها، علي الكلام السابق. إلا أن تكون خارجة عن مفروض المتن. كما لا ينبغي التأمل في استفادة حكم القطع من النصوص بالأولوية العرفية. بل سبق منا حملها عليه، دون الظن بمعني أقوائية احتمال دخول الليل من احتمال عدمه، فتكون نصا فيه. و يبقي حكم قيام الحجة من دون قطع مستفادا من صحيح زرارة الأخير، لا غير. فلاحظ.

(1) للاستصحاب، و ظاهر ذكر التبين في الآية الشريفة، و لمعتبر إسحاق ابن عمار: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: آكل في شهر رمضان بالليل حتي أشك؟ قال: كل حتي لا تشك» (1)، و غيره. و منه يظهر ضعف ما في الخلاف من الحكم بحرمة استعمال المفطر مع الشك في طلوع الفجر.

(2) بلا إشكال فيه في الجملة و لا خلاف، بل ادعي الإجماع عليه جماعة.

للنصوص، كموثق سماعة: «سألته عن رجل عبث بالماء يتمضمض به من عطش،

ص: 212


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 49 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1.

دون الكفارة (1). و إن نسي فابتلعه فلا قضاء (2). و كذا إذا كان في مضمضة وضوء الفريضة (3)، و التعدي إلي النافلة مشكل (4).

______________________________

فدخل حلقه. قال: عليه قضاؤه. و إن كان في وضوء فلا بأس به» (1)، و غيره.

نعم في موثق عمار: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل يتمضمض فيدخل في حلقه الماء و هو صائم. قال: ليس عليه شي ء إذا لم يتعمد ذلك. قلت: فإن تمضمض الثانية فدخل في حلقه الماء؟ قال: ليس عليه شي ء. قلت: فإن تمضمض الثالثة. قال:

فقال: قد أساء ليس عليه شي ء، و لا قضاء» (2).

لكن لا بد من حمله علي المضمضة للوضوء، جمعا مع بقية نصوص المسألة.

خصوصا مع مناسبة الاقتصار فيه علي الثلاث لذلك.

(1) لأصالة البراءة. بل قد يستفاد من الاقتصار في النصوص المتقدمة علي القضاء، كما تقدم في نظائره. و لا سيما مع ما سبق غير مرة من مناسبة عدم التعمد لعدم الكفارة.

(2) لما سبق من عدم بطلان الصوم مع النسيان، و لا ينافيه الحكم بالقضاء في النصوص السابقة، لظهورها في دخول الماء صدفة بسبب المضمضة، و لا تشمل تعمد ابتلاعه نسيانا أو عصيانا.

(3) بلا إشكال، و هو المتيقن من دعوي الإجماع و نفي الخلاف في كلام جماعة علي عدم وجوبه في الوضوء أو الطهارة. و يشهد به إطلاق موثق سماعة المتقدم، و خصوص الصحيح الآتي.

(4) فإنه و إن كان مقتضي إطلاق معقد الإجماع و نفي الخلاف المتقدمين علي عدم القضاء، إلا أن في صحيح حماد أو الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «في الصائم يتوضأ للصلاة فيدخل الماء حلقه، فقال: إن كان وضوؤه لصلاة فريضة فليس عليه شي ء، و إن كان وضوؤه لصلاة نافلة فعليه القضاء» (3)، و يناسبه أيضا التفصيل في حديث يونس بين المضمضة في وقت الفريضة و في غير وقتها: «قال: الصائم في شهر رمضان

ص: 213


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 23 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 4، 5، 1.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 23 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 4، 5، 1.
3- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 23 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 4، 5، 1.

______________________________

يستاك متي شاء. و إن تمضمض في وقت فريضة فدخل الماء حلقه فليس عليه شي ء، و قد تم صومه. و إن تمضمض في غير وقت فريضة فدخل الماء حلقه فعليه الإعادة.

و الأفضل للصائم أن لا يتمضمض»(1).

و دعوي: هجرها عند الأصحاب غير ثابتة. و لا سيما مع ظهور حال الكليني في الفتوي بذلك، بل قد يظهر من التهذيبين ذلك، بل في الجواهر أنه حكي عن جماعة القول به أو الميل إليه.

اللهم إلا أن يقال: ظاهر الصحيح دخول الماء بنفس الوضوء، لا بالمضمضة الخارجة عنه. و حمله علي المضمضة- كما يظهر من الكليني- لعدم ظهور القول بين الأصحاب بوجوب القضاء مع دخوله بنفس الوضوء، ليس عملا به في الحقيقة، بل هو راجع للإعراض عنه.

و دعوي: أنه إنما يحمل علي ذلك لبعد دخول الماء بنفس الوضوء، حيث يكون ذلك قرينة علي صرفه للمضمضة.

ممنوعة، فإن غسل الوجه كثيرا ما يتعرض به الإنسان لدخول الماء للجوف و ابتلاعه ذهولا، خصوصا مع كثرة الماء.

و مثلها دعوي: لزوم العمل به فيما هو ظاهر فيه و إن لم يظهر القول به من الأصحاب، مع استفادة حكم المضمضة منه بالأولوية، لأن دخول الماء للحلق بسبب المضمضة التي هي من مستحبات الوضوء غير الضرورية أولي بعدم العفو من دخوله بنفس الوضوء.

لاندفاعها أولا: بما حقق في محله من سقوط الخبر عن الحجية بإعراض الأصحاب عنه.

و ثانيا: بأنه لا مجال لاستفادة حكم المضمضة منه بالأولوية، لأن دخول الماء للحلق بالوضوء يتوقف علي مزيد من الإهمال و عدم التحفظ، بخلافه في المضمضة، فلا مانع من وجوب القضاء في الأول عقوبة، لمزيد الإهمال فيه، دون الثاني.

ص: 214


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 23 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 3.

______________________________

و أما حديث يونس فهو و إن كان معتبرا سندا- بناء علي ما سبق منا في المسألة الواحدة و العشرين من مباحث المياه من التعويل علي حديث سهل بن زياد- إلا أنه لم يتضح أنه مضمر من يونس يروي فيه عن غيره، ليكون الظاهر حكايته عن أحد الأئمة عليه السّلام حيث يكاد يقطع بعدم نقل مثله فتوي غيرهم عليه السّلام، بل ظاهره أنه فتوي من يونس نفسه، كما يظهر من الدروس و استظهره في الجواهر، و هو غير مستكثر عليه.

و ذكر الكليني له و استدلال الشيخ به في التهذيبين لا يكفي في الخروج عن ظاهره، لاحتمال خطئهما في فهم كلام يونس، أو ذكرهما له استئناسا بفتوي يونس بما يناسب النص.

فالعمدة في المقام حديث الجعفريات- بناء علي ما ذكرناه في آخر حديث مباحث المكاسب المحرمة عند الكلام في حرمة حلق اللحية من اعتبار سنده- عن الإمام الباقر عليه السّلام: «قال: من تمضمض و هو صائم فذهب الماء في بطنه فلا قضاء عليه إذا كان وضوؤه واجبا، و إذا كان تطوعا عليه القضاء» (1). و دلالته وافية بالمطلوب فالمتعين العمل عليه. و يؤيده مرسل دعائم الإسلام عن الإمام الصادق عليه السّلام: «أنه سئل عن الصائم يتوضأ للصلاة فيتمضمض، فيسبق الماء إلي حلقه. قال: إذا كان وضوؤه للصلاة المكتوبة فلا شي ء عليه، و إن كان لغير ذلك قضي ذلك اليوم» (2)

هذا و حيث كان الدليل هو حديث الجعفريات فالمعيار علي ما تضمنه من إطلاق كون الوضوء واجبا و إن لم يكن لصلاة الفريضة، كما لو نذر الكون علي الطهارة. كما أن الظاهر الاكتفاء في كون الوضوء واجبا الاتيان به لصلاة الفريضة قبل دخول وقتها، لتعارف ذلك في العصور السابقة من أجل شيوع الاهتمام بصلاة الجماعة. فلاحظ.

بقي في المقام أمور: الأول: أن الظاهر إلحاق غير المضمضة من وجوه إدخال الماء للفم بالمضمضة في

ص: 215


1- مستدرك الوسائل ج: 7 باب: 14 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1، 2.
2- مستدرك الوسائل ج: 7 باب: 14 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 1، 2.
[(مسألة 19): الظاهر عموم الحكم المذكور لرمضان و غيره]

(مسألة 19): الظاهر عموم الحكم المذكور لرمضان و غيره (1).

______________________________

وجوب القضاء، لفهم عدم خصوصيتها عرفا.

الثاني: أن الظاهر عدم وجوب القضاء إذا كانت المضمضة أو غيرها من وجوه إدخال الماء لغرض عقلائي مهم، كقطع الدم، كما في الجواهر لقصور النصوص عنه.

و دعوي: منافاته للشرطية في ذيل موثق سماعة. مدفوعة بعدم ظهور الشرطية في المفهوم، بل في مجرد الاستدراك من الحكم المبين في الصدر و منه يظهر عدم وجوب القضاء إذا كانت المضمضة للغسل، كما يظهر من إطلاق جماعة عدم القضاء في المضمضة للطهارة.

نعم حيث تضمنت النصوص وجوب القضاء في مضمضة الوضوء المستحب فمن الصعب جدا البناء علي عدم وجوبه في مضمضة الغسل المستحب.

الثالث: من الظاهر قصور النصوص عن دخول الماء للجوف من غير طريق الفم، كما في الاستنشاق.

و دعوي: عموم صحيح الحلبي أو حماد، بناء علي كونه دليلا في المقام. ممنوعة، لظهور أن الجمود علي مفاده يقتضي الاختصاص بالوضوء. غاية الأمر أن يستفاد حكم المضمضة منه، إما بحمله عليها، لأنها السبب المعهود لدخول الماء للجوف دون الوضوء نفسه، أو بالأولوية لو تمت. و كلاهما لا مجال له في الاستنشاق بعد عدم كونه معرضا عرفا لدخول الماء بسببه للجوف كالمضمضة.

و منه يظهر أنه لا مجال لإلحاقه بالمضمضة لفهم عموم نصوصها لها و إلغاء خصوصيتها عرفا. و علي ذلك لا مجال للبناء علي وجوب القضاء به، سواء كان للوضوء، أم للغسل، أم لغيرهما من موارد الأمر به، أو من دون أمر به.

(1) لأن النصوص و إن كانت مختصة أو منصرفة إلي صوم شهر رمضان، لأنه الصوم المعهود عند المتشرعة وجوب القضاء له، إلا أن الظاهر إلحاق غيره به، لإلغاء خصوصيته عرفا.

ص: 216

[السابع: سبق المني بالملاعبة و نحوها إذا لم يكن قاصدا و لا من عادته]

السابع: سبق المني بالملاعبة و نحوها إذا لم يكن قاصدا و لا من عادته، سواء أ كان يحتمل ذلك احتمالا معتدا به أم لا، فإن الأحوط وجوبا القضاء، كما تقدم. و لا كفارة فيه (1).

______________________________

(1) بل الظاهر وجوب القضاء في جميع موارد قصد التلذذ بالعمل. و أما الكفارة فهي تجب أيضا إلا مع الوثوق بعدم الإنزال، كما سبق عند الكلام في المفطر الثامن. فراجع.

ص: 217

ص: 218

[الفصل الرابع في شرائط صحة الصوم]

اشارة

الفصل الرابع في شرائط صحة الصوم و هي أمور..

الإيمان (1)،

______________________________

(1) للإجماع المحقق المدعي في كلام جماعة من الأصحاب علي اعتبار الإيمان في العبادات، و كفي به دليلا في المقام.

و أما الاستدلال عليه بالنصوص الكثيرة الدالة علي عدم قبول العمل بدون الولاية، أو عدم نفعه، أو عدم الأجر عليه (1). فهو لا يخلو عن إشكال، لأن عدم القبول و عدم النفع و الأجر أعم من البطلان و عدم الإجزاء.

كما أن نفي العمل بدون ولايتهم عليهم السّلام في مثل قولهم عليهم السّلام: «الناس سواد و أنتم الحاج» (2)، و قولهم عليهم السّلام: «لا و اللّه ما الحج إلا لكم … » (3)، ظاهر في نفي قبوله و ترتب الثواب عليه.

نعم قد يستفاد ذلك من بعض النصوص (منها): صحيح محمد بن مسلم:

«سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول: كل من دان اللّه عز و جل بعبادة يجهد فيها نفسه، و لا إمام له من اللّه، فسعيه غير مقبول، و هو ضال متحير، و اللّه شانئ لأعماله» (4)، فإن بغض اللّه تعالي للعمل لا يناسب عموم أدلة التشريع له.

(و منها): معتبر عبد الحميد بن أبي العلاء عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في حديث قال:

«و اللّه لو أن إبليس سجد للّه بعد المعصية و التكبر عمر الدنيا ما نفعه ذلك، و لا قبله اللّه عز و جل، ما لم يسجد لآدم كما أمره اللّه عز و جل أن يسجد له. و كذلك هذه الأمة

ص: 219


1- راجع وسائل الشيعة ج: 1 باب: 29 من أبواب مقدمة العبادات.
2- وسائل الشيعة ج: 1 باب: 29 من أبواب مقدمة العبادات حديث: 7، 9، 1.
3- وسائل الشيعة ج: 1 باب: 29 من أبواب مقدمة العبادات حديث: 7، 9، 1.
4- وسائل الشيعة ج: 1 باب: 29 من أبواب مقدمة العبادات حديث: 7، 9، 1.

______________________________

العاصية المفتونة بعد نبيها صلي اللّه عليه و آله و سلم و بعد تركهم الإمام الذي نصبه نبيهم صلي اللّه عليه و آله و سلم لهم، فلن يقبل اللّه لهم عملا و لن يرفع لهم حسنة، حتي يأتوا اللّه من حيث أمرهم، و يتولوا الإمام الذي أمر بولايته، و يدخلوا من الباب الذي فتحه اللّه و رسوله لهم» (1)، فإن تشبيهه عليه السّلام حالهم بحال إبليس يناسب خروج أعمالهم عن عموم أدلة التشريع، كخروج سجود إبليس لغير آدم عنه.

(و منها): حديث جابر: «سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول: إنما يعرف اللّه عز و جل و يعبده من عرف اللّه و عرف إمامه منا أهل البيت، و من لا يعرف اللّه عز و جل و [لا] يعرف الإمام منا أهل البيت فإنما يعرف و يعبد غير اللّه هكذا و اللّه ضلالا» (2)، فإن مقتضي الحكم عليه بأنه يعبد غير اللّه تعالي بطلان عبادته و خروجها عن عموم أدلة التشريع.

و قريب منه في ذلك حديث أبي حمزة: «قال لي أبو جعفر عليه السّلام إنما يعبد اللّه من يعرف اللّه، فأما من لا يعرف اللّه فإنما يعبده هكذا ضلالا، قلت: جعلت فداك فما معرفة اللّه؟ قال: تصديق اللّه عز و جل، و تصديق رسوله صلي اللّه عليه و آله و سلم و موالاة علي عليه السّلام و الائتمام به و بأئمة الهدي عليه السّلام و البراءة إلي اللّه عز و جل من عدوهم. هكذا يعرف اللّه عز و جل» (3).

(و منها): خبر الكلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في حديث: «قال: أما و اللّه ما يحج أحد للّه غيركم» (4)، حيث لا يبعد كون اللام في (للّه) للغاية و بيان الداعي، فيدل علي عدم صحة النية المقربة من غير المؤمن.

(و منها): خبر الحسين بن زيد عن الإمام الصادق عليه السّلام عن آبائه، قال: «إن اللّه افترض خمسا، و لم يفترض إلا حسنا جميلا: الصلاة و الزكاة و الحج و الصيام و ولايتنا أهل البيت، فعمل الناس بأربع و استخفوا بالخامسة، و اللّه لا يستكملوا الأربع حتي

ص: 220


1- وسائل الشيعة ج: 1 باب: 29 من أبواب مقدمة العبادات حديث: 5.
2- الكافي ج: 1 ص: 181 باب: معرفة الإمام و الرد إليه حديث: 4، و ذكر ذيله في وسائل الشيعة ج: 1 باب: 29 من أبواب مقدمة العبادات حديث: 6.
3- الكافي ج: 1 ص: 181 باب: معرفة الإمام و الرد إليه حديث: 1.
4- وسائل الشيعة ج: 1 باب: 29 من أبواب مقدمة العبادات حديث: 10.

______________________________

يستكملوها بالخامسة» (1). فإنه كالصريح في بطلان العمل و عدم تماميته مع عدم الولاية.

و ربما توجد هذه المضامين أو ما يقرب منها في نصوص أخر، و لا يسعنا الاستقصاء.

هذا و يستفاد من الإجماع و النصوص المتقدمة بمفادها اللفظي أو بالأولوية اعتبار الإسلام في صحة العمل. و أما الاستدلال عليه بما دل علي إحباط الشرك أو الكفر للعمل و عدم قبوله معه، فيظهر ضعفه مما سبق، لأن الإحباط راجع إلي عدم قبول العمل و عدم ترتب الثواب عليه، و قد عرفت أنه أعم من بطلانه و عدم إجزائه.

و مثله ما ذكره بعض مشايخنا قدّس سرّه من وضوح ذلك بناء علي مختاره من عدم تكليف الكفار بالفروع و خروجهم عن عمومات أدلة تشريعها، حيث لا أمر في حقهم بالصوم ليمتثل.

إذ فيه: أنه لو تم عدم تكليف الكفار بالفروع و عدم الأمر في حقهم بالعبادات فهو لا ينافي صحة العبادات منهم و لو نيابة عن الغير، أو لإحراز ملاكه في حقهم، لو تم.

بقي شي ء، و هو إن ما دل علي بطلان صوم غير المؤمن يقتضي اعتبار الإسلام و الإيمان في تمام النهار، فلو أسلم الكافر أو استبصر المخالف في أثناء النهار لم يصح منه تجديد نية الصوم، إذا لم يكن قد تناول المفطر، كما يبطل صومه بالارتداد أو الخروج بفتنة عن الإيمان في أثناء النهار، و لو عاد لم يصح صومه بتجديد النية، كما صرح بذلك في الارتداد جماعة.

لكن في المبسوط أنه لو أسلم الكافر قبل الزوال وجب عليه تجديد النية. كما حكي عنه و عن المحقق و الحلي و يحيي بن سعيد أن المرتد في أثناء النهار يصح منه الصوم إذا عاد للإسلام في يومه.

و يشكل بأن مقتضي شرطية الإسلام و الإيمان في صحة العمل اعتبارهما في تمام نهار الصوم و الاجتزاء بتجديد النية يحتاج إلي دليل. و مجرد ثبوته في بعض الموارد- كالمسافر إذا قدم قبل الزوال- لا يكفي في عموم الاجتزاء به و صحة العمل معه.

مضافا في الأول إلي إطلاق صحيح العيص بن القاسم: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام

ص: 221


1- بحار الأنوار ج: 23 ص: 105 كتاب الإمامة باب: 7 حديث: 4.

و العقل (1)،

______________________________

عن قوم أسلموا في شهر رمضان و قد مضي منه أيام، هل عليهم أن يصوموا ما مضي منه أو يومهم الذي أسلموا فيه؟ فقال: ليس عليهم قضاء، و لا يومهم الذي أسلموا فيه. إلا أن يكونوا أسلموا قبل طلوع الفجر» (1). فإن مقتضي إطلاق ذيله عدم وجوب قضاء اليوم الذي أسلموا فيه حتي إذا كان إسلامهم قبل تناول المفطر.

نعم إذا كان الصوم مما يشرع فيه تجديد النية في أثناء النهار- كصوم القضاء و الصوم المندوب- اتجه إمكان تجديد النية فيه إذا حصل الإسلام و الإيمان قبل فوت محلها.

كما أنه حيث يأتي في آخر المسألة الأولي من الفصل السابع الاجتزاء بعمل المخالف و عدم وجوب القضاء عليه- تفضلا من اللّه تعالي- فمن القريب الاجتزاء منه بصوم بعض اليوم الذي يستبصر فيه، و وجوب إكماله عليه، حتي لو كان استبصاره بعد الزوال. فلاحظ.

(1) بالمقدار الذي تتوقف عليه النية المعتبرة في العبادات. و عدم قادحية النوم لا تستلزم عدم قادحية الجنون و إن اشتركا في عدم تحقق النية معهما فعلا، للفرق بين النوم و الجنون ارتكازا.

و أما حديث رفع القلم (2) فهو إنما يقتضي رفع المؤاخذة و التبعة علي العمل، و هو أعم من بطلان العمل، علي ما ذكرناه في كتاب الخمس عند الكلام في اعتبار البلوغ في وجوبه، و في كتاب البيع عند الكلام في معاملات الصبي.

و لذا يصح الصوم من النائم و الصبي مع رفع القلم عنهما. إلا أن يدعي أن صحته منهما للأدلة الخاصة، تخصيصا لحديث رفع القلم. لكنه بعيد جدا. و يأتي إن شاء اللّه تعالي في المسألة العاشرة عند الكلام في صوم الصبي ما ينفع في المقام. و كيف كان فالعمدة ما سبق من فقد النية.

هذا و في المبسوط و الخلاف الصحة مع نية الصوم قبلا فيه و في الإغماء، و زاد في

ص: 222


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 22 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث: 1.
2- وسائل الشيعة ج: 1 باب: 4 من أبواب مقدمة العبادات حديث: 12، 11، و غيرها.

و الخلو من الحيض و النفاس (1). فلا يصح من غير المؤمن و لا من المجنون و لا من الحائض و النفساء.

______________________________

الخلاف الحكم بالصحة مع تجديد النية لو أفاق في أثناء النهار. بل دعوي الإجماع علي ذلك. و هو في غاية الإشكال في الجنون، لما ذكرنا.

نعم إذا كان الصوم مما يكفي فيه تجديد النية في أثناء النهار اختيارا اتجه فيه التجديد الذي ذكره حتي من المجنون، لإطلاق أدلته.

(1) للإجماع القطعي و النصوص المستفيضة أو المتواترة المستفاد منها لزوم الخلو منهما في تمام النهار، كصحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «سألته عن امرأة أصبحت صائمة، فلما ارتفع النهار أو كان العشي حاضت أ تفطر؟ قال: نعم و إن كان وقت المغرب فلتفطر. قال: و سألته عن امرأة رأت الطهر في أول النهار في شهر رمضان فتغتسل [لم تغتسل] و لم تطعم، فما تصنع في ذلك اليوم؟ قال: تفطر ذلك اليوم، فإنما فطرها من الدم» (1)، و صحيح عبد الرحمن بن الحجاج: «سألت أبا الحسن عليه السّلام عن المرأة تلد بعد العصر، أ تتم ذلك اليوم أو تفطر؟ قال: تفطر و تقضي ذلك اليوم» (2)، و غيرهما.

نعم في موثق أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «إن عرض للمرأة الطمث في شهر رمضان قبل الزوال فهي في سعة أن تأكل و تشرب، و إن عرض لها بعد زوال الشمس فلتغتسل، و لتعتد بصوم ذلك اليوم، ما لم تأكل و تشرب» (3). و ظاهره صحة صومها لو عرض لها الحيض بعد الزوال.

لكن لا مجال للخروج به عما سبق. و لا سيما مع تعليق الاعتداد بالصوم فيه علي ما إذا لم تأكل و تشرب حيث قد يظهر في جواز الأكل و الشرب لها. و مرجع ذلك إلي تخييرها بين الصوم و الإفطار، و هو- مع عدم معهوديته في الصوم- لا يناسب قوله عليه السّلام في صدره: «فهي سعة أن تأكل و تشرب»، لأن مقتضي مفهومه أنها ليست في سعة من

ص: 223


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 25 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 1.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 26 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 1.
3- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 28 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 4.

فإذا أسلم أو استبصر أو عقل قبل الزوال و جدد النية لم يجز (1). و كذا إذا طهرت الحائض و النفساء، و إذا حدث الكفر أو الخلاف أو الجنون أو الحيض أو النفاس قبل الغروب بطل الصوم.

[(مسألة 1): يصح الصوم من النائم إذا سبقت منه النية في الليل]

(مسألة 1): يصح الصوم من النائم إذا سبقت (2) منه النية في الليل و إن استوعب تمام النهار. و في إلحاق السكران (3) و المغمي عليه به وجه (4).

______________________________

الأكل و الشرب إن عرض لها بعد الزوال، و هو راجع إلي نحو اضطراب في متنه.

و كيف كان فلا بد من طرحه أو حمله علي استحباب الإمساك لها تأدبا، و يكون ذلك هو معني الاعتداد بالصوم. مع وجوب القضاء عليها، كما تضمنه موثق محمد ابن مسلم: «سألت أبا جعفر عليه السّلام عن المرأة تري الدم غدوة أو ارتفاع النهار أو عند الزوال. قال: تفطر، و إذا كان ذلك بعد العصر أو بعد الزوال، فلتمض علي صومها، و لتقض ذلك اليوم» (1).

(1) يظهر الحال فيه و في ما بعده مما تقدم.

(2) بلا إشكال، حيث لا ريب بملاحظة النصوص و الفتاوي و السيرة في عدم منافاة النوم للصوم.

(3) يعني: إذا كان سكره بحدّ لا تتحقق معه نية الصوم. أما إذا لم يبلغ ذلك فلا إشكال في صحة الصوم منه.

(4) فقد تقدم من الخلاف الإجماع علي صحته من المغمي عليه مع تحقق النية المعتبرة قبل الإغماء أو بعده. كما يظهر من غيره أيضا البناء علي الصحة حينئذ. و هو في غاية الإشكال بعد ما سبق من أن مقتضي الأدلة اعتبار النية في تمام النهار. و الخروج عن ذلك في النوم لا يكفي في الخروج عنه في السكر و الإغماء.

اللهم إلا أن يقال: عدم مبطلية النوم و الغفلة في أثناء النهار للصوم لا يرجع عرفا إلي تخصيص عموم اعتبار النية في تمام النهار في الصوم، ليقتصر فيه عليهما، و لا

ص: 224


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 28 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 3.

(و منها): عدم الإصباح جنبا أو علي حدث الحيض و النفاس كما تقدم.

(و منها): أن لا يكون مسافرا (1) سفرا يوجب قصر الصلاة (2) مع

______________________________

يتعدي لما يشبههما، اقتصارا في الخروج عن العموم المذكور علي المتيقن، بل إلي تفسير النية المعتبرة في الصوم بما لا يخل بها النوم و الغفلة. و ذلك حاصل في كل ما هو من سنخهما، و منه السكر و الإغماء.

و دعوي: أنه يظهر من نصوص عدم قضاء المغمي عليه للصوم (1)، المفروغية عن منافاة الإغماء للصوم، و لا سيما مع شمول إطلاقها للإغماء في بعض اليوم.

مدفوعة: بأنه يكفي في المفروغية المذكورة مانعية الإغماء في كثير من الموارد من حصول النية بالعزم علي الصوم، و لا ينهض إطلاق النصوص المذكورة ببيان مانعية الإغماء من الصوم حتي مع سبق النية. و من ثم يشكل البناء علي بطلان الصوم مع ذلك.

(1) إجماعا في الجملة، بل هو من ضروريات المذهب. و النصوص به مستفيضة، بل متواترة، بل تزيد علي التواتر.

(منها): ما ورد في مطلق الصوم مثل قوله عليه السّلام في موثق سماعة: «لا صيام في السفر قد صام ناس علي عهد رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله و سلم فسماهم العصاة، فلا صيام في السفر إلا الثلاثة أيام التي قال اللّه عز و جل في الحج» (2). و في موثق عمار: «إذا سافر فليفطر، لأنه لا يحل له الصوم في السفر فريضة كان أو غيره، و الصوم في السفر معصية» (3).

(و منها): ما ورد في صوم شهر رمضان و في قضائه، و في صوم النذر و الكفارة (4). و منه يظهر ضعف ما عن المفيد من إطلاق جواز الصوم الواجب غير صوم شهر رمضان في السفر. علي إشكال في النسبة، لأن كلامه في المقنعة صريح في خلاف ذلك.

(2) لإطلاق ما دل علي التلازم بين الإفطار و التقصير، ففي صحيح معاوية

ص: 225


1- راجع وسائل الشيعة ج: 5 باب: 3 من أبواب قضاء الصلوات.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 11 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 1.
3- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 10 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 8.
4- راجع وسائل الشيعة ج: 7 باب: 8، 9، 10 من أبواب من يصح منه الصوم.

العلم بالحكم (1) في الصوم الواجب إلا في ثلاثة مواضع:

أحدها: الثلاثة أيام التي هي بعض العشرة (2) التي تكون بدل هدي التمتع لمن عجز عنه.

الثاني: صوم الثمانية عشر يوما التي هي بدل البدنة كفارة لمن أفاض من عرفات قبل الغروب (3).

______________________________

بن وهب: «إذا قصرت أفطرت، و إذا أفطرت قصرت» (1)، و في موثق سماعة: «و ليس يفترق التقصير و الإفطار، فمن قصر فليفطر» (2).

(1) علي ما يأتي في المسألة الثالثة إن شاء اللّه تعالي.

(2) للإجماع المحكي إن لم يكن المحصل. كذا في الجواهر. و يشهد له قوله تعالي: فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَي الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ فِي الْحَجِّ وَ سَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ (3)، بضميمة المفروغية عن عدم وجوب نية إقامة عشرة أيام في أثناء الحج من أجل الصوم المذكور. مضافا إلي النصوص، و منها موثق سماعة المتقدم. و تمام الكلام فيها في محله من كتاب الحج.

(3) كما في الشرائع و المختلف و القواعد و الدروس و غيرها. لصحيح ضريس عن أبي جعفر عليه السّلام: «سألته عن رجل أفاض من عرفات قبل أن تغيب الشمس. قال:

عليه بدنة ينحرها يوم النحر. فإن لم يقدر صام ثمانية عشر يوما بمكة، أو في الطريق، أو في أهله» (4).

لكن يظهر عدم مشروعية ذلك من الاقتصار في الاستثناء علي غيره في الجمل و الاقتصاد و النافع و عن سلار و الراوندي و ابني حمزة و زهرة. و كذا الشيخ قدّس سرّه في المبسوط و النهاية. نعم نبه في كتاب الحج منهما علي أن من عجز عن البدنة المذكورة

ص: 226


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 4 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 1.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 4 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 2.
3- سورة البقرة الآية: 196.
4- وسائل الشيعة ج: 10 باب: 23 من أبواب إحرام الحج و الوقوف بعرفة حديث: 3.

______________________________

يصوم ثمانية عشر يوما في الطريق أو عند أهله. و ربما كان للجري علي عبارة الصحيح، من دون أن يتضح حمله علي ترخيص الصوم في السفر. بل قد يظهر ذلك أيضا من الصدوق في المقنع و الهداية و الفقيه حيث نبه للصوم بدل هدي التمتع دون ذلك.

بل صرح في المقنع- كما يأتي- بعدم جواز الصوم في السفر إلا في صوم كفارات خاصة ليس هذا منها. و من هنا لا يبعد انعقاد الشهرة علي عدم مشروعية الصوم المذكور.

و أما الصحيح فربما يحمل- بقرينة ظهور المفروغية عن عدم جواز الصوم في السفر- علي التنبيه لعدم وجوب المبادرة للصوم المذكور كلا أو بعضا في الحج، كما تجب في الصوم بدل الهدي، من دون نظر إلي جواز إيقاعه حال السفر الموجب للقصر، فلا ينافي كونه مشروطا بتيسر نية الإقامة المسقطة لحكم السفر. و لا سيما بملاحظة الاقتصار في نصوص كثيرة في الاستثناء من عدم الصوم في السفر علي صوم الثلاثة أيام بدل الهدي.

بل في صحيح رفاعة: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن المتمتع لا يجد الهدي، قال:

يصوم قبل التروية و يوم التروية و يوم عرفة. قلت: فإنه قدم يوم التروية، قال: يصوم ثلاثة أيام بعد التشريق … قلت: يصوم و هو مسافر؟ قال: نعم أ ليس هو يوم عرفة مسافرا؟! إنا أهل بيت نقول ذلك لقول اللّه عز و جل: فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ فِي الْحَجِّ يقول في ذي الحجة» (1)، لظهوره في خصوصية الثلاثة المذكورة في الاستثناء من عدم الصوم في السفر، تبعا لنص اللّه تعالي عليها في كتابه. و لعل هذا هو المنشأ لإهماله في كلام من عرفت.

اللهم إلا أن يقال: التنبيه علي جواز إيقاعه في مكة و في الطريق ظاهر- بلحاظ معهودية إرادة الصوم في السفر من ذلك في الصوم بدل الهدي- في المفروغية عن جواز إيقاع الصوم المذكور في السفر و إن لم يكن واجبا، كما في الصوم بدل الهدي.

و لا سيما مع ندرة تحقق الإقامة الموجبة للتمام في سفر الحج و إن كان في بلوغ ذلك حدا يوجب وضوح الحكم إشكال. فلاحظ. و اللّه سبحانه و تعالي العالم.

ص: 227


1- وسائل الشيعة ج: 10 باب: 46 من أبواب الذبح حديث: 1.

الثالث: صوم النذر (1) المشروط إيقاعه في السفر و لو مع الحضر.

______________________________

و أشكل من ذلك ما أطلقه في المقنعة من جواز صوم السفر لمن كان عليه كفارة يخرج عنها بالصيام. لعدم الدليل علي الإطلاق المذكور. و حمله علي مورد صحيح ضريس- لو تم فيه ذلك- يحتاج إلي دليل. و لا سيما مع قول أبي عبد اللّه عليه السّلام في موثق محمد بن مسلم: «و إن ظاهر و هو مسافر أفطر حتي يقدم … » (1). و قول أحدهما (عليهما السلام) في صحيحه: «و إن ظاهر و هو مسافر انتظر حتي يقدم … »(2).

و أشكل منه ما في المقنع قال: «فلا تصومن في السفر شيئا من فرض و لا سنة و لا تطوع إلا الصوم الذي ذكرته في أول الباب، من صوم كفارة صيد المحرم، و صوم كفارة الإحلال من الإحرام إن كان به أذي من رأسه، و صوم ثلاثة أيام لطلب حاجة عند قبر النبي صلي اللّه عليه و آله و سلم- و هو يوم الأربعاء و الخميس و الجمعة- و صوم الاعتكاف في المسجد الحرام و في مسجد رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله و سلم أو في مسجد الكوفة أو مسجد المدائن»، حيث أهمل صوم الثلاثة أيام بدل الهدي و صوم كفارة النفر قبل الغروب من عرفة، و ذكر صوم كفارتي الإحرام و صوم الاعتكاف مع عدم ظهور نص بهما. فلاحظ.

(1) كما هو المعروف من مذهب الأصحاب، بل لا أجد فيه خلافا، كما في الجواهر. بل نفاه في محكي المنتهي، و في الحدائق دعوي الاتفاق عليه، و أما ما في الشرائع و النافع من نسبته للمشهور فليس هو لوجود المخالف فيه، بل لضعف الرواية به عنده، كما صرح به في المعتبر.

و كيف كان فيدل عليه صحيح علي بن مهزيار: «كتب بندار مولي إدريس:

يا سيدي نذرت أن أصوم كل يوم سبت، فإن أنا لم أصمه ما يلزمني من الكفارة؟

فكتب عليه السّلام و قرأته: لا تتركه إلا من علة، و ليس عليك صومه في سفر و لا مرض، إلا أن تكون نويت ذلك. و إن كنت أفطرت منه من غير علة فتصدق بقدر كل يوم علي سبعة مساكين … » (3). و به يخرج عن إطلاق النصوص الكثيرة المانعة من صوم النذر في

ص: 228


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 9 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 1.
2- وسائل الشيعة ج: 15 باب: 4 من أبواب الكفارات حديث: 1.
3- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 10 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 1.

______________________________

السفر، كموثق مسعدة بن صدقة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام عن آبائه (عليهم السلام): «في الرجل يجعل علي نفسه أياما معدودة مسماة في كل شهر، ثم يسافر، فتمر به الشهور، إنه لا يصوم في السفر، و لا يقضيها إذا شهد» (1)، و غيره.

و ما سبق من المعتبر من ضعف حديث ابن مهزيار إن كان مراده به ضعف سنده، فلا مجال له بعد اعتبار طريقه إلي ابن مهزيار الذي هو من الأعيان. و لا يقدح فيه جهالة بندار مولي إدريس بعد حكاية ابن مهزيار نفسه للمكتابة من دون توسط بندار، إذ لعله اطلع عليها، و أخبر بها عن حسّ.

و إن كان مراده به ضعف مضمونه، كما استظهره في الحدائق، لظهوره في جواز الصوم حال المرض مع نيته في النذر. فهو يندفع بأنه لو تم الإجماع علي عدم جواز ذلك، فالخروج عن الصحيح فيه لا يستلزم الخروج عنه في السفر. علي أنه قد يكون الإجماع المذكور قرينة علي حمل قوله عليه السّلام: «إلا أن تكون نويت ذلك». علي خصوص الصوم في السفر.

و مثله الإشكال فيما تضمنه من أن كفارة حنث النذر إطعام سبعة مساكين.

و لا سيما مع احتمال كونه تصحيف عشرة، كما سبق عند الكلام في كفارة حنث النذر.

و بالجملة: لا ينبغي التوقف في العمل بالحديث بعد تماميته دلالة و سندا.

هذا و في صحيح إبراهيم بن عبد الحميد عن الرضا عليه السّلام: «سألته عن الرجل يجعل للّه عليه صوم يوم مسمي. قال: يصوم أبدا في السفر و الحضر» (2)، و مقتضاه مشروعية الصوم المنذور في السفر مطلقا و إن لم ينوه. و لعله لذا أطلق في المراسم مشروعية صوم النذر إذا علقه بوقت صادف السفر، و ربما حكي عن المفيد و المرتضي.

لكن الصحيح المذكور معارض بالنصوص الكثيرة المانعة منه مطلقا، فإن أمكن جمعه معها بحمله علي خصوص ما نوي فيه السفر بقرينة صحيح ابن مهزيار- كما ذكره غير واحد- فهو، و إلا تعين طرحه، لشذوذه في قبالها. و لا سيما و أن مضمونه أنسب بمذاهب العامة.

ص: 229


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 10 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 10، 7.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 10 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 10، 7.

[(مسألة 2): الأقوي عدم جواز الصوم المندوب في السفر]

(مسألة 2): الأقوي عدم جواز الصوم المندوب في السفر (1).

______________________________

(1) كما عن الصدوقين و ابني البراج و إدريس و في المقنعة- بعد الحكم بعدم جواز الصوم في السفر تطوعا و لا فرضا، و استثناء صوم ثلاثة أيام بدل الهدي، و صوم الكفارة، و صوم النذر المتقدم، و صوم الثلاثة أيام للحاجة الذي يأتي- قال: «و قد روي حديث في جواز التطوع في السفر بالصيام، و جاءت أخبار بكراهية ذلك، و أنه ليس من البر الصوم في السفر، و هي أكثر، و عليها العمل عند فقهاء العصابة، فمن أخذ بالحديث لم يأثم إذا كان أخذه من جهة الاتباع، و من عمل علي أكثر الروايات و اعتمد علي المشهور منها في اجتناب الصيام في السفر علي كل وجه سوي ما عددناه كان أولي بالحق».

و كأن مراده بالروايات المشهورة المطلقات الناهية عن الصوم في السفر المتقدم بعضها، و منها حسن محمد بن حكيم أو صحيحه: «سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول:

لو أن رجلا مات صائما في السفر ما صليت عليه» (1)، و المصرحة بالعموم للفريضة و غيره، المتقدم بعضها أيضا، و المتضمن أن الصوم في السفر معصية، و ما اختص بالتطوع، كصحيح أحمد بن محمد: «سألت أبا الحسن عليه السّلام عن الصيام بمكة و المدينة و نحن في سفر. قال: أ فريضة؟ فقلت: لا، و لكنه تطوع كما يتطوع بالصلاة. قال:

فقال: تقول اليوم و غدا؟ قلت: نعم. فقال: لا تصم» (2).

و أما الروايات المرخصة فهي صحيح سليمان الجعفري: «سمعت أبا الحسن عليه السّلام يقول: كان أبي يصوم عرفة في اليوم الحار في الموقف، و يأمر بظل مرتفع فيضرب له فيغتسل مما يبلغ منه [من] الحر» (3). و مرسل إسماعيل بن سهل: «خرج أبو عبد اللّه عليه السّلام من المدينة في أيام بقين من شهر شعبان، فكان يصوم، ثم دخل عليه شهر رمضان و هو في السفر فأفطر، فقيل له: تصوم شعبان، و تفطر شهر رمضان، فقال:

ص: 230


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 1 من أبواب ما يصح منه الصوم حديث: 9.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 12 من أبواب ما يصح منه الصوم حديث: 2.
3- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 23 من أبواب الصوم المندوب حديث: 3

إلا الثلاثة أيام للحاجة (1)

______________________________

نعم شعبان إلي إن شئت صمت و إن شئت لا، و شهر رمضان عزم من اللّه عز و جل عليّ الإفطار» (1)، و قريب منه مرسل الحسن بن بسام (2)، و لعله لأجلها حكي عن الأكثر الحكم بالكراهة.

و قد يرجع إليه ما في الوسيلة من أنه جائز من دون ندب و لا كراهة، لما هو المعروف بينهم من أن الكراهة عندهم بمعني قلة الثواب. فتأمل.

لكن الحمل علي الكراهة بمعني قلة الثواب لا يناسب النصوص المتضمنة أنه معصية، و بمعني الاشتمال علي حزازة أهم من مصلحة الاستحباب- بناء علي ما هو الظاهر من إمكان ذلك في العبادات- لا يناسب فعلهم عليه السّلام له الذي تضمنته النصوص المتقدمة، خصوصا الأول. و من ثم كان الجمع المذكور بعيدا جدا.

نعم صحيح سليمان حيث كان واردا في واقعة خاصة أمكن حمله علي كون الصوم المذكور منذورا به السفر بالخصوص، و لا سيما مع عدم وروده لبيان مشروعية الصوم في السفر، بل لبيان مشروعية صوم عرفة و أهميته.

و أما المرسلان فضعفهما مانع من رفع اليد بهما عن النصوص الأول، و لا سيما مع كونهما أنسب بمذاهب العامة. نعم لا بأس بالعمل عليهما برجاء المطلوبية، لنصوص من بلغه ثواب علي عمل (3). و لعله عليه يحمل ما تقدم من المقنعة.

(1) بلا خلاف أجده كما في الجواهر. لصحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «قال: إن كان لك مقام بالمدينة ثلاثة أيام صمت أول يوم الأربعاء، و تصلي ليلة الأربعاء عند اسطوانة أبي لبابة … و تصوم يوم الخميس، ثم تأتي الاسطوانة التي يلي مقام النبي صلي اللّه عليه و آله و سلم و مصلاه ليلة الجمعة، فتصلي عندها ليلتك و يومك، و تصوم يوم الجمعة … » (4)، و نحوه أو عينه مرسل ابن قولويه (5). و في

ص: 231


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 12 من أبواب ما يصح منه الصوم حديث: 4، 5.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 12 من أبواب ما يصح منه الصوم حديث: 4، 5.
3- راجع وسائل الشيعة ج: 1 باب: 18 من أبواب مقدمة العبادات.
4- وسائل الشيعة ج: 10 باب: 11 من أبواب المزار و ما يناسبه حديث: 1، 5.
5- وسائل الشيعة ج: 10 باب: 11 من أبواب المزار و ما يناسبه حديث: 1، 5.

في المدينة (1).

[(مسألة 3): يصح الصوم من المسافر الجاهل بالحكم]

(مسألة 3): يصح الصوم من المسافر الجاهل بالحكم (2) و إن علم في

______________________________

صحيح الحلبي عنه عليه السّلام: «قال: إذا دخلت المسجد فإن استطعت أن تقيم ثلاثة أيام الأربعاء و الخميس و الجمعة، فتصلي بين القبر و المنبر … و تصوم تلك الثلاثة الأيام» (1). و هي- كما تري- مختصة بالأيام المذكورة في عمل خاص، و لا إطلاق لها يناسب إطلاق ما في المتن و غيره.

نعم في حديث مرازم: «قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: الصيام بالمدينة و القيام عند الأساطين ليس بمفروض، و لكن من شاء فليصم، فإنه خير له … » (2). لكنه وارد لبيان عدم وجوب الصيام المذكور بعد الفراغ من مشروعيته، من دون أن يكون له إطلاق في ذلك.

اللهم إلا أن يكون مراد من أطلق أو بعضهم الإشارة إلي ذلك أيضا من دون أن يريدوا الإطلاق، لأنهم بصدد استثناء الصوم المذكور من حرمة الصوم في السفر من دون أن يكونوا بصدد شرحه.

(1) كما هو موضوع كلام الأصحاب. لكن ألحق في المقنعة بذلك مشاهد الأئمة عليه السّلام. و لم يتضح وجهه بعد اختصاص النصوص بالمدينة المنورة. و لا سيما مع اشتمالها علي المقام عند الاسطوانات الخاصة، حيث لا مجال مع ذلك لدعوي إلغاء خصوصية المدينة عرفا.

(2) إجماعا محققا، كما قيل. لغير واحد من النصوص، كصحيح الحلبي: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: رجل صام في السفر، فقال: إن كان بلغه أن رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله و سلم نهي عن ذلك فعليه القضاء، و إن لم يكن بلغه فلا شي ء عليه … » (3)، و صحيح عيص بن القاسم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «من صام في السفر بجهالة لم يقضه» (4)، و غيرهما.

ص: 232


1- وسائل الشيعة ج: 10 باب: 11 من أبواب المزار و ما يناسبه حديث: 3، 2.
2- وسائل الشيعة ج: 10 باب: 11 من أبواب المزار و ما يناسبه حديث: 3، 2.
3- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 2 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 3، 5.
4- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 2 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 3، 5.

الأثناء بطل (1)، و لا يصح من الناسي (2).

[(مسألة 4): يصح الصوم من المسافر الذي حكمه التمام]

(مسألة 4): يصح الصوم من المسافر الذي حكمه التمام (3) كناوي الإقامة و المسافر سفر معصية و نحوهما.

[(مسألة 5): لا يصح الصوم من المريض]

(مسألة 5): لا يصح الصوم من المريض (4)- و منه الأرمد- إذا

______________________________

و هي و ان اختصت بصوم شهر رمضان، أو بالصوم الذي يقضي، إلا أن إلغاء خصوصيته عرفا قريب جدا، لأن المستفاد منها أن ملاك الإجزاء معذرية الجهل.

(1) لقصور النصوص المتقدمة عنه، فيرجع فيه للقاعدة القاضية بالبطلان.

(2) لقصور النصوص المتقدمة عنه أيضا. و مجرد مشاركة النسيان للجهل في المعذرية لا يكفي في إلحاقه به- كما عن بعضهم- بعد مخالفة الإجزاء للقاعدة.

(3) لما تقدم من اختصاص السفر المانع من الصوم بما يوجب قصر الصلاة.

(4) بلا خلاف أجده فيه، بل الإجماع بقسميه عليه. كذا في الجواهر، و قد يستدل عليه بقوله تعالي: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلي سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ (1).

لكن لما كان المرض من سنخ الأعذار عرفا نظير العجز، و لذا كان المنصرف منه ما يضر به الصوم، فالمنصرف من الآية بدوا رفع الإلزام بالصوم من دون أن تنافي مشروعيته في نفسه، نظير ما ذكرناه في الابدال الاضطرارية. و بذلك يخرج عن قرينة سياقه مع السفر الذي كان عدمه قيدا في موضوع الصوم، بحيث لا يشرع الصوم معه.

بل ربما كانت قرينة السياق ملزمة بحمل السفر علي ما يشق معه الصوم، ليكون عذرا كالمرض. نظير ما قد يقال في عدم وجوب الطهارة المائية علي المسافر، الذي استفيد من آيتي التيمم من حمله علي من لا يتيسر له تحصيل الماء.

نعم تضمنت النصوص المستفيضة أن سقوط الصوم مع المرض و السفر عزيمة لا رخصة، كصحيح ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «سمعته يقول: قال رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله و سلم: إن اللّه عز و جل تصدق علي مرضي أمتي و مسافريها

ص: 233


1- سورة البقرة الآية: 184.

______________________________

بالتقصير و الإفطار. أيسر أحدكم إذا تصدق بصدقة أن ترد عليه؟!» (1)، و قريب منه معتبر الجعفريات (2).

و موثق السكوني عنه عن أبيه (عليهما السلام): «قال رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله و سلم: إن اللّه عز و جل أهدي إليّ و إلي أمتي هدية لم يهدها إلي أحد من الأمم، كرامة من اللّه لنا، قالوا:

و ما ذلك يا رسول اللّه؟ قال: الإفطار في السفر و التقصير في الصلاة. فمن لم يفعل ذلك فقد ردّ علي اللّه عز و جل هديته» (3).

و في موثق سماعة: «سألته ما حدّ المرض الذي يجب علي صاحبه فيه الإفطار كما يجب عليه في السفر [من كان مريضا أو علي سفر]؟ قال: هو مؤتمن عليه مفوض إليه، فإن وجد ضعفا فليفطر، و إن وجد قوة فليصمه، كان المرض ما كان» (4)، و غيرها.

و قد تقدم بعضها عند الكلام في مانعية السفر من الصوم.

و هي كما تدل علي عدم مشروعية الصوم مع المرض، الملازم لبطلانه، تدل علي أن ذلك هو المراد بالآية الشريفة فتصلح لتفسيرها، و الخروج عما قد تحمل عليه بدوا.

هذا و في معتبر عقبة بن خالد عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «عن رجل صام شهر رمضان و هو مريض، قال: يتم صومه و لا يعيد، يجزيه» (5). و هو ينافي ما سبق. و ما في التهذيب من حمله علي المرض الذي لا يضره الصوم، مخالف لظاهره من دون شاهد عليه. و مثله الجمع بينه و بين ما تضمن سقوط الصوم عن المريض علي الرخصة، فإنه لا يناسب النصوص السابقة جدا.

نعم قد يحمل علي من صامه جهلا بسقوط الصوم عن المريض، بقرينة ما هو المعروف عند الطائفة- تبعا للأدلة المتقدمة- من أن سقوط الصوم عن المسافر و المريض عزيمة لا رخصة. فإن تم ذلك، و إلا تعين طرحه ورد علمه لقائله عليه السّلام، أو

ص: 234


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 1 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 4.
2- مستدرك الوسائل ج: 7 باب: 1 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 9.
3- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 1 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 12.
4- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 20 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 4.
5- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 22 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 2.

كان يتضرر به (1)، لإيجابه شدته، أو طول برئه، أو شدة ألمه، كل ذلك بالمقدار المعتد به (2). و لا فرق بين حصول اليقين بذلك و الظن، و الاحتمال

______________________________

حمله علي التقية، لموافقته للمحكي عن العامة.

هذا و أما الاستدلال علي بطلان الصوم من المريض بتعذر نية القربة منه، لحرمة الإضرار بالنفس. فهو مختص بالضرر اللازم الدفع، دون مطلق الضرر الحاصل مع المرض، و بما إذا التفت حين الصوم لذلك. فلاحظ.

ثم إن المتيقن من الأدلة و إن كان هو صوم رمضان، إلا أنه لا يبعد عموم بعضها لغيره. و لا أقل من نهوض قاعدة الإلحاق بذلك، بل الظاهر مفروغيتهم عنه.

(1) لأنه هو المنصرف من الإطلاقات، و لخصوص بعض النصوص، كصحيح علي بن جعفر عن أخيه عليه السّلام: «سألته عن حدّ ما يجب علي المريض ترك الصوم، قال:

كل شي ء من المرض أضر به الصوم فهو يسعه ترك الصوم»(1).

(2) كما يناسبه ما في صحيح ابن أذنية: «كتبت إلي أبي عبد اللّه عليه السّلام أسأله ما حد المرض الذي يفطر فيه صاحبه، و المرض الذي يدع صاحبه الصلاة من قيام، قال:

بل الإنسان علي نفسه بصيرة. و قال: ذلك إليه هو أعلم بنفسه» (2)، فإن السؤال لما لم يكن عن طريق معرفة المرض في مقام الإثبات، بل عن المرض المسوغ للإفطار في مقام الثبوت، فإيكال المكلف فيه إلي نفسه ظاهر في أن المعيار علي ما يعتد به عرفا.

و أما ما تقدم في موثق سماعة من إيكال الأمر إلي قوته علي الصوم و ضعفه عنه، فلا مجال لحمله علي وجود الطاقة للصوم و عدمها، كيف و لا إشكال في مشروعية الإفطار مع المرض الذي يطاق معه الصوم كالرمد و غيره. بل لا بد من حمله علي التحديد في خصوص المرض الذي من شأنه إضعاف الطاقة عن الصوم، لا مطلق المرض المانع من مشروعية الصوم، أو حمل الطاقة فيه علي الطاقة من حيثية المرض، و مرجعه إلي أن المرض الذي يشرع معه الإفطار هو الذي يضر به الصوم، فيناسب ما

ص: 235


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 20 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 9، 5.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 20 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 9، 5.

الموجب لصدق الخوف (1)، و كذا لا يصح من الصحيح إذا خاف حدوث

______________________________

تقدم في صحيح ابن جعفر، الذي ينصرف الإضرار فيه إلي ما يعتد به عرفا.

كما أنه المناسب للاكتفاء فيه بالخوف- علي ما يأتي- لأن الخوف إنما يكون من محذور، لا من كل شي ء. اللهم إلا أن يقال: لا إطلاق يقتضي الاكتفاء بالخوف من الصوم، بل الدليل عليه يختص بالخوف من الرمد، و التعدي منه لغير الرمد إنما يقتضي عموم الاكتفاء بالخوف في مقام الإثبات، لا عموم المانعية من الصوم لكل محذور يصدق معه الخوف في مقام الثبوت. فالعمدة ما ذكرناه أولا.

هذا و في موثق عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «في الرجل يجد في رأسه وجعا من صداع شديد هل يجوز له الإفطار؟ قال: إذا صدع صداعا شديدا، و إذا حمّ حمي شديدة، و إذا رمدت عيناه رمدا شديدا، فقد حلّ له الإفطار» (1). و قد يظهر منه اعتبار الشدة في المرض، لقرب سوق الوصف فيه للمفهوم.

اللهم إلا أن يقال: الأمراض المذكورة في الموثق متقومة عرفا- خصوصا في العصور السابقة- بأثر ظاهر محسوس مجهد، و مع عدم الشدة في أثرها لا يعتد بها عرفا، لعدم إجهادها، بل قد لا تعدّ مرضا عرفا، و ذلك لا يستلزم اعتبار الشدة في كل مرض حتي ما كان محذورا في نفسه من دون أن يتقوم بالأثر المجهد حين الصوم، كمرض القلب و الكلي و غيرهما. مما قد تظهر آثاره علي الأمد البعيد.

كيف و في صحيح بكر بن محمد الأزدي عنه عليه السّلام: «سأله أبي و أنا أسمع عن حدّ المرض الذي يترك الإنسان فيه الصوم، قال: إذا لم يستطع أن يتسحر» (2)، و من الظاهر أنه عبارة عن ضعف المعدة بنحو لا يهضم طعام الإفطار معه عند السحر، و هو ليس مرضا شديدا عرفا. بل ما تقدم من إيكال الأمر للمكلف، و أنه أعلم بنفسه، لا يناسب جدا اعتبار شدة المرض. فلاحظ.

(1) كما عن الأكثر. و يقتضيه صحيح حريز عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «قال:

ص: 236


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 20 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 6، 2.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 20 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 6، 2.

______________________________

الصائم إذا خاف علي عينه من الرمد أفطر» (1)، بإلغاء خصوصية مورده. كما قد يناسبه ما في موثق عمار من جواز التبلغ بالماء لمن يصيبه العطش حتي يخاف علي نفسه (2).

بل اهتمام الشارع و العقلاء بتجنب الضرر يقتضي عرفا الاحتياط بدفعه مع الخوف، حيث يكثر الجهل بترتبه قبل التعرض لما قد يسببه، فلو لم يكف الخوف لزم الوقوع فيه كثيرا، و هو لا يناسب الاهتمام بدفعه بحيث تسقط لأجله الفريضة، و لذا اكتفي بالخوف في كثير من الموارد.

هذا و حيث كان المستفاد من أدلة تشريع الإفطار مع المرض خصوصا صحيح علي بن جعفر المتقدم أن موضوع الإفطار و هو المرض الذي يضر به الصوم. فيقع الكلام في مقتضي الجمع بينه و بين ما تضمن الاكتفاء بالخوف.

و المحتمل بدوا في ذلك وجوه..

الأول: أن يكون الخوف قيدا في الضرر الذي هو موضوع سقوط الصوم.

فالمسقط للصوم واقعا هو الضرر المخوف، دون غيره. و هو الذي يظهر من الجواهر.

و يشكل بأن الخوف لما لم يكن في نفسه طريقا للأمر المخوف و محرز له عرفا، و لم يدل من الخارج دليل علي طريقيته له شرعا، فما دل علي مشروعية الإفطار لخوف الضرر إن حمل علي بيان طريقيته و إحرازه للضرر شرعا فلا مجال لاستفادة كونه قيدا في موضوع مشروعية الإفطار واقعا، بحيث لا يكفي الضرر غير المخوف في مشروعيته واقعا.

و إن حمل علي بيان كونه قيدا في موضوع مشروعية الإفطار واقعا، لزم عدم جواز الإفطار مع خوف الضرر، لعدم إحراز الضرر الذي هو جزء الموضوع. و لا مجال لاستفادة الأمرين معا من الدليل المذكور، لتباينهما من دون أن يكون بينهما جامع عرفي، يكون هو المراد من ذلك الدليل.

مضافا إلي أن لازم ذلك وجوب الكفارة علي من يضره الصوم إذا أفطر و هو جاهل بالضرر غير خائف منه. و كذا القضاء حتي لو استمر به طوال السنة.

ص: 237


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 19 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 1.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 16 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 1.

______________________________

و هو بعيد جدا.

الثاني: أن يكون الخوف طريقا ظاهريا لإحراز الضرر و مشروعية الإفطار، مع كون الموضوع الواقعي له هو الضرر الواقعي لا غير، فمع خوف الضرر من دون ضرر واقعي يشرع الإفطار ظاهرا لا واقعا، و الأمر بالعكس مع وجود الضرر واقعا من دون أن يكون مخوفا.

و يشكل بأن الجمع المذكور ليس عرفيا، فإن الخوف ليس كالظن و الخبر و نحوهما مما يبتني علي نحو من الكشف عن الأمر المخوف، لينصرف الدليل المذكور إلي بيان طريقيته له و حجيته عليه شرعا تأسيسا، أو إمضاء لما عليه العرف.

الثالث: أن يكون الموضوع الحقيقي الأولي هو الضرر الواقعي، و يكون تشريع الإفطار مع الخوف لمجرد الاحتياط في دفع الضرر، فهو من سنخ العنوان الثانوي الرافع لوجوب الصوم علي تقدير عدم الضرر واقعا بملاك الاحتياط. و مرجع ذلك إلي أن موضوع مشروعية الإفطار في الواقع هو كل من الضرر الواقعي و خوف الضرر، إلا أن الأول هو الموضوع بالأصل، و الثاني هو الموضوع بالتبع تحفظا من الضرر الواقعي و احتياطا في دفعه.

و دعوي: أنه يكفي في الاحتياط رفع الخوف للتكليف بالصوم ظاهرا بملاك دفع الضرر المحتمل، مع كون رفعه واقعا تابعا للضرر الواقعي لا غير. مدفوعة بأن لازم ذلك وجوب القضاء مع استمرار الخوف طول السنة، لما سبق من عدم كون الخوف محرزا ارتكازا للأمر المخوف، فلا محرز للضرر ليحرز به سقوط التكليف بالصوم. و الترخيص ظاهرا في ترك الصوم عند احتمال الضرر بملاك الاحتياط لا ينافي وجوب القضاء اعتمادا علي أصالة عدم الضرر المحرزة لوجوبه. و حيث لا يجب القضاء حينئذ قطعا فلا بد من كون رفع وجوب الصوم مع الخوف واقعيا بملاك الاحتياط، لا ظاهريا بالملاك المذكور. فلاحظ.

و هذا الوجه قريب جدا، و قد تقدم منا نظيره في المسألة الحادية عشرة من مباحث التيمم من كتاب الطهارة. و يأتي في المسألة السابعة إن شاء اللّه تعالي ما يتعلق بالمقام.

ص: 238

المرض (1)، فضلا عما إذا علم ذلك، أما المريض الذي لا يتضرر من الصوم فيجب عليه و يصح منه.

[(مسألة 6): لا يكفي الضعف في جواز الإفطار و لو كان مفرطا]

(مسألة 6): لا يكفي الضعف في جواز الإفطار و لو كان مفرطا (2)،

______________________________

(1) فإنه و إن خرج عن مفاد أكثر الأدلة لو بني علي الجمود علي مواردها، إلا أن المناسبات الارتكازية تقضي بحملها علي ما يعمه، لفهم عدم خصوصيتها عرفا، بلحاظ أن اهتمام الشارع بتجنب ضرر المرض كما يقتضي مشروعية الإفطار حال المرض، تجنبا لزيادته، يقتضي مشروعيته حال عدم المرض، تجنبا لحدوثه.

مضافا إلي صحيح حريز المتقدم، لظهوره في أن المسوغ للإفطار هو الخوف من حصول الرمد بسبب الصوم، لا من إضراره بالعين مع فرض حصوله قبل الصوم.

علي أن حدوث المرض بسبب الصوم كثيرا ما يرجع إلي نقص في البدن، لا يظهر أثره إلا بالصوم و نحوه، و هو نحو من المرض الخفي الذي لا يدركه إلا أهل المعرفة.

(2) لإطلاق أدلة وجوب الصوم و مشروعيته بعد عدم صدق المرض به.

و لا سيما مع كثرة حصوله من الصوم، خصوصا لمن صادف أن لم يتسحر، كما كان هو الغالب في أول تشريع الصوم حين كان النوم ليلا.

موجبا لتحريم الطعام و الشراب علي الصائم، علي ما تضمنته النصوص الواردة في تفسير قوله تعالي: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلي نِسائِكُمْ …(1). بل تضمنت هذه النصوص أن بعض الصحابة كان يغشي عليه من الجوع نتيجة لذلك، و مع ذلك لم يأمره النبي صلي اللّه عليه و آله و سلم بالإفطار.

و أما قوله عليه السّلام في موثق سماعة المتقدم: «فإن وجد ضعفا فليفطر، و إن وجد قوة فليصمه … ». فهو وارد لتحديد المرض، لا لتحديد مسوغ الإفطار و إن لم يكن مرض في البين، لينفع فيما نحن فيه. و لو فرض عمومه تعين الخروج عنه بما سبق، و حمله علي ما ذكرنا من تحديد المرض.

ص: 239


1- سورة البقرة الآية: 187. راجع النصوص المذكورة في وسائل الشيعة ج: 7 باب: 43 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك.

إلا أن يكون حرجا، فيجوز الإفطار (1)، و كذا إذا أدي الضعف إلي

______________________________

و مثله صحيح محمد بن مسلم: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: ما حدّ المرض إذا نقه في الصيام؟ فقال: ذلك إليه، هو أعلم بنفسه إذا قوي فليصم» (1)، حيث لا بد من حمله علي القوة من حيثية المرض، بمعني أن لا يخشي من الصوم أن يمرض. و لو فرض تعذر الحمل المذكور تعين قصره علي مورده، و هو الناقة من المرض. فلاحظ.

هذا إذا كان الضعف مؤقتا، أما إذا كان مستحكما لا يزول بعد مضي الصوم، فالظاهر أنه نحو من المرض أو ملحق به عرفا، لأنه نقص في البدن كالمرض، بل قد يكون أهم.

(1) لقاعدة نفي الحرج. و أما قوله تعالي: وَ عَلَي الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ (2). فهو مفسر في النصوص بالشيخ و الشيخة و ذي العطاش (3)، فلا مجال للاستدلال به في غيرهم ممن يكون الصوم حرجا عليه. فالعمدة القاعدة المذكورة.

اللهم إلا أن يقال: لا بد من الخروج عن عموم القاعدة في الضعف الموقت الناشئ من الصوم للنصوص المشار إليها آنفا، الواردة في تفسير قوله تعالي: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلي نِسائِكُمْ. فإن تحمل الجوع الذي يصل بصاحبه لأن يغشي عليه حرجي عادة، و مع ذلك لم يرخص له النبي صلي اللّه عليه و آله و سلم بالإفطار. و من ثم يشكل الاكتفاء بالحرج من هذه الجهة.

و أشكل من ذلك ما إذا كان الضعف بالوجه المتعارف، إلا أن الشخص بسبب ترفه يصعب عليه تحمله و يضيق به بحيث يصير حرجيا في حقه، لأن الغرض من التكليف بالصوم هو ترويض النفس علي تحمل الجهد، فيكون عموم التكليف بالصوم هو المخصص للقاعدة، بلا حاجة للنصوص المذكورة. فلاحظ.

ص: 240


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 20 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 3.
2- سورة البقرة الآية: 184.
3- راجع وسائل الشيعة ج: 7 باب: 15 من أبواب من يصح منه الصوم.

العجز عن العمل اللازم للمعاش مع عدم التمكن من غيره (1)، فإنه يجوز الإفطار. و الأحوط فيهما الاقتصار في الأكل و الشرب علي مقدار الضرورة (2) و الإمساك عن الزائد، ثم القضاء (3).

______________________________

(1) بحيث لا يمكن تهيئة المعاش بدونه- و لو بالاستدانة أو الاستيهاب أو نحوهما بوجه غير حرجي- حيث يكون الصوم حرجيا حينئذ، فيسقط وجوبه بمقتضي القاعدة المذكورة، بعد عدم المخرج عنها في ذلك.

(2) كأنه لاحتمال إلحاقه بالصائم الذي يغلبه العطش، حيث تقدم في المسألة الخامسة و العشرين من الفصل الثاني لزوم اقتصاره علي شرب الماء بمقدار الضرورة، خصوصا بناء علي ما سبق منه قدّس سرّه من فساد صومه و لزوم القضاء عليه، حيث يكون الوجه في اقتصاره علي الضرورة حرمة شهر رمضان، و يبعد خصوصية العطش في ذلك جدا.

لكن تقدم منا تقريب عدم فساد صومه بذلك، و عدم وجوب القضاء عليه اكتفاء من الشارع الأقدس بالميسور، و حيث كان ذلك مخالفا للقاعدة تعين الاقتصار علي مورده، و البناء علي سقوط وجوب الصوم في المقام- لقاعدة نفي الحرج- و وجوب القضاء.

و حينئذ لا وجه لاقتصاره علي مقدار الضرورة، لعدم البناء علي ذلك في سائر موارد سقوط وجوب الصوم، و إنما ثبت ذلك في موارد عدم سقوطه لو تحقق الإفطار جهلا أو عمدا.

نعم لو كان اللازم خصوص العطش بمقدار يخشي منه علي النفس دخل في المسألة المذكورة التي عرفت صحة الصوم و عدم وجوب القضاء فيها.

(3) الظاهر أن الأمر بالقضاء ليس تتمة للاحتياط السابق، بل هو واجب بنحو الفتوي، لأنه المتعين في فرض الإفطار الحاصل في المقام بعد ما سبق من عدم الدليل علي اكتفاء الشارع فيه بالصوم الناقص الميسور.

ص: 241

و إذا كان العامل لا يتمكن من الاستمرار علي الصوم لغلبة العطش و نحوه تعين عليه الاقتصار علي ما تندفع به الضرورة (1) و الاستمرار علي الإمساك علي الأحوط و القضاء بعد ذلك.

[(مسألة 7): إذا صام لاعتقاد عدم الضرر، فبان الخلاف]

(مسألة 7): إذا صام لاعتقاد عدم الضرر، فبان الخلاف، صح (2)،

______________________________

(1) عرفت الفرق بين العطش الذي يخشي منه علي النفس و غيره، و أن اللازم الاقتصار علي مقدار الضرورة في الأول من دون قضاء، و في الثاني العكس.

(2) إما لأن موضوع الإفطار مقيد بالخوف غير الحاصل في المقام، فيجب الصوم واقعا، و لا يشرع الإفطار، كما يظهر من الجواهر، علي ما تقدم في المسألة الخامسة. و إما لأن موضوعه و إن كان هو مطلق الضرر الواقعي إلا أن تشريع الإفطار معه ليس لارتفاع موضوع الصوم و فقده الملاك مع الضرر، بل لمجرد مزاحمة حفظ النفس لوجوب الصوم، و رفعه له مع بقاء ملاكه، فيصح الصوم لواجديته للملاك، كما قربه سيدنا المصنف قدّس سرّه.

لكن يظهر ضعف الأول مما تقدم في المسألة الخامسة من أن تشريع الإفطار مع خوف الضرر ليس لكون الخوف قيدا في الضرر الذي هو موضوع مشروعية الإفطار. بل لمجرد الاحتياط للضرر مع كون الموضوع هو الضرر الواقعي علي إطلاقه موضوعا لمشروعية الإفطار، فمع تبين وجوده ينكشف مشروعيته واقعا و عدم وجوب الصوم.

و أما الثاني فهو و إن كان مقتضي الظهور الأولي لدليل مشروعية الإفطار مع المرض كسائر أدلة الرفع الامتناني، بملاك تحقق العذر، من حرج و ضرر و نحوهما، إلا أنه تقدم ظهور جملة من نصوص المقام في أن سقوط الصوم عزيمة، كسقوطه مع السفر، فيكون عدم المرض قيدا في الموضوع، و لا موضوع له معه، ليحرز ملاكه. و من ثم كان عدم الإجزاء أنسب بالقواعد.

نعم حيث كان إضرار الصوم بالبدن جهلا به- بحيث لا يظهر إلا بعد الصوم-

ص: 242

و إذا صام باعتقاد الضرر أو خوفه بطل، و إن بان الخلاف (1).

______________________________

مما يكثر الابتلاء به، فلو كان البناء علي بطلان الصوم حينئذ لوقع الهرج و المرج، و كثر السؤال عن ذلك، و عن فروعه، و حيث لا أثر لذلك في النصوص كشف عن إجزاء الصوم المذكور.

هذا مضافا إلي ما قد يقال من أن ظاهر جملة من النصوص- و منها مرسل ابن أبي عمير المتقدم- أن تشريع الإفطار مع المرض ليس لعدم تحقق ملاك الصوم فيه، بل هو تفضل منه تعالي هدية لهذه الأمة أو صدقة عليها، و أن عدم مشروعية الصوم حينئذ لكونه ردا لهديته تعالي و صدقته، و ذلك يناسب اختصاص عدم مشروعية الصوم بصورة العلم بالمرض، و قصوره عن صورة الجهل به، لعدم ابتناء الصوم حينئذ علي ردّ هديته تعالي و صدقته.

لكن مقتضي ذلك صحة الصوم في كل مورد لا يبتني علي الرد عليه تعالي للجهل بالموضوع أو الحكم أو نسيانهما. بل مقتضي ذلك صحة الصوم و الاتمام في السفر إذا كان كذلك، لتضمن النصوص لذلك فيهما أيضا، و منها موثق السكوني المتقدم. و هو و إن دلت عليه النصوص و أفتي به الأصحاب في بعض الموارد، إلا أن البناء عليه عموما لا يخلو عن إشكال. و لا بد من التأمل و النظر.

(1) أما مع وجود الضرر واقعا، فلخروجه عن موضوع الأمر بالصوم بعد ما سبق من أن سقوط الصوم عن المريض ليس رخصة، بل عزيمة. و يؤيده حديث الزهري عن الإمام زين العابدين عليه السّلام قال: «فإن صام في السفر أو في حال المرض فعليه القضاء، فإن اللّه عز و جل يقول: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلي سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ (1).

نعم لو فرض غفلته عن عدم مشروعية الصوم حينئذ فقد يتجه الإجزاء لو تم ما سبق من أن مقتضي تعليل عدم مشروعية الصوم مع السفر و المرض بأنه ردّ لهدية اللّه تعالي و صدقته علي الأمة الإجزاء إذا لم يبتن الصوم علي الردّ المذكور. فلاحظه، و قد سبق في المسألة الخامسة احتمال حمل حديث عقبة بن خالد عليه. فراجع.

ص: 243


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 22 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 1.

[(مسألة 8): قول الطبيب إذا كان يوجب الظن بالضرر أو خوفه وجب لأجله الإفطار]

(مسألة 8): قول الطبيب إذا كان يوجب الظن بالضرر أو خوفه وجب لأجله الإفطار، و إلا فلا يجوز (1). و إذا قال الطبيب لا ضرر في

______________________________

و أما مع عدم الضرر واقعا فينحصر الوجه في البطلان بأنه مع اعتقاد الضرر يري المكلف عدم مشروعية الصوم فيكون إتيانه به بقصد التقرب و المشروعية تشريعا محرما فيمتنع التقرب به و يبطل.

مضافا إلي أنه حيث كان إيقاع النفس في الضرر محرما فيمتنع التقرب من غير جهة التشريع أيضا. و منه يظهر الوجه في البطلان مع خوف الضرر، لمنجزية الخوف للضرر، و لاحتمال حرمة إيقاع النفس فيه، فيمتنع التقرب بالصوم حتي احتمالا و برجاء المطلوبية.

نعم يختص التشريع بما إذا التفت المكلف لعدم مشروعية الصوم مع الضرر.

كما يختص حرمة إيقاع النفس بالضرر بالضرر البالغ مرتبة الهلكة أو تعطيل إحدي القوي التي أنعم اللّه بها علي الإنسان كالبصر، علي إشكال في الثاني. و لا يعمّ كل ضرر مسوغ للإفطار. و من ثم يشكل إطلاق ما في المتن، بل يتعين صحة الصوم لو تأتي للمكلف قصد التقرب به. فلاحظ.

(1) قد يشكل بأنه سبق أن موضوع الإفطار هو مطلق الضرر الواقعي الناشئ من المرض، دون المقيد بالخوف، فمن القريب البناء علي حجية قول الطبيب العارف فيه بملاك حجية قول أهل الخبرة و إن لم يحصل منه الخوف. إلا أن يسقط عن الحجية بالتهمة. و كذا مع العلم أو الاطمئنان بخطئه، لقصور دليل حجية قول أهل الخبرة عن ذلك.

و أما ما دل علي إيكال الأمر للمكلف، و أن الإنسان علي نفسه بصيرة (1)، مما تقدم بعضه، فالظاهر ورود أكثره لبيان الحدّ الواقعي للمرض المسقط للصوم، لا لبيان الضابط في إحراز المرض المذكور، فهو ناظر لمقام الثبوت لا الإثبات.

ص: 244


1- راجع وسائل الشيعة ج: 7 باب: 20 من أبواب من يصح منه الصوم.

الصوم و كان المكلف خائفا وجب الإفطار (1).

[(مسألة 9): إذا برئ المريض قبل الزوال و لم يتناول المفطر جدد النية]

(مسألة 9): إذا برئ المريض قبل الزوال و لم يتناول المفطر جدد النية و صح صومه (2)،

______________________________

و أما ما كان واردا في مقام الإثبات فهو لا ينهض بالردع عن حجية قول أهل الخبرة لعدم ظهوره في حصر الأمر بتشخيص المكلف نفسه للمرض، بل البصيرة كما تكون بتشخيصه هو له تكون باعتماده علي قيام الحجة عليه، و منه قول أهل الخبرة.

(1) لإطلاق دليل العمل علي الخوف. إلا أن يكون الخوف حينئذ من سنخ الوسواس أو الهلع، لعدم المنشأ له عرفا، فيشكل شمول أدلة الخوف له. فلاحظ.

(2) كما في المبسوط و النهاية و الشرائع و التذكرة و غيرها. بل قيل إنه المشهور، و عن المفاتيح نفي الخلاف فيه. و نسبه في التذكرة لعلمائنا، و في المدارك أنه قول علمائنا أجمع.

و استدل عليه في المدارك بفحوي ما دل علي ثبوت ذلك في المسافر، فإن المريض أعذر منه. و هو كما تري لأن أعذرية المريض- لو تمت- إنما تقتضي أولويته بعدم العقاب، لا صحة الصوم منه، و وجوب الاستمرار عليه إذا ارتفع المانع قبل الزوال.

و لعله لذا حكي عن ابني زهرة و حمزة استحباب الإمساك أو الصوم.

و لا يخفي أن محل الكلام إن كان فيمن انكشف عدم إضرار الصوم له من أول الأمر، لتحقق البرء مع سبق الإمساك- كما هو ظاهر فرض الكلام- فلا ينبغي قياسه بالمسافر، لانكشاف وجوب الصوم عليه من الأول، بل بمن لم ينو الصوم لتخيل عدم دخول شهر رمضان ثم انكشف دخوله، حيث يشاركه في التكليف بالصوم واقعا، و في تأخير النية عن الفجر، فيبتني علي عموم دليل الاجتزاء فيه بالنية قبل الزوال له و عدمه. و الظاهر عدم العموم فيه، كما يظهر مما تقدم في المسألة التاسعة من الفصل الأول في نية الصوم.

و إن كان في غيره ممن كان الصوم مضرا به، ثم ارتفع إضراره، إما لبلوغ الضرر حدا لا يقبل الزيادة- كما لو كان مضرا بعينه فعميت قبل الزوال- أو لارتفاع ضرر

ص: 245

إذا لم يكن عاصيا بإمساكه (1).

[(مسألة 10): يصح الصوم من الصبي كغيره من العبادات.]

(مسألة 10): يصح الصوم من الصبي (2) كغيره من العبادات.

______________________________

الصوم و المرض بدعاء و شفاعة و نحوهما، كان نظير المسافر، و أشكل الاكتفاء بتجديد النية، لعدم الدليل علي تشريع الصوم الناقص في حقه، و ثبوته في المسافر غير كاف في الإلحاق.

نعم لو فرض نيته للصوم من أول النهار جهلا بالضرر، ثم انكشف الضرر بعد انتهاء أمده قبل الزوال دخل في المسألة السابعة التي سبق تقريب الإجزاء فيها.

فلاحظ.

(1) كما لو كان أقدم علي الإمساك و هو يعتقد أنه مضر ضررا يحرم الوقوع فيه، حيث يقصر دليل الاجتزاء بتجديد النية- لو تم- عن صورة سبق العصيان بالإمساك.

لكن ذلك إنما يتم فيما إذا انكشف عدم إضرار الصوم من أول الأمر، لأن مبني صحة الصوم منه- كما سبق- إلحاقه بمن أخر النية جهلا بثبوت الصوم في حقه، و هو لو تم فدليل الصحة فيه يقصر عمن كان عاصيا في إمساكه، كما لو صام يوم الشك بنية شهر رمضان، ثم تبين قبل الزوال أنه من شهر رمضان، حيث لا دليل علي الاكتفاء بتجديد النية منه و الاجتزاء بالصوم.

و أما فيما إذا لم ينكشف ذلك، بل كان الصوم مضرا من أول الأمر، فلا يتم فيه ذلك، لأن مبني صحة الصوم منه- كما سبق- إلحاقه بالمسافر، و لو تم ذلك فمن الظاهر أن المسافر إذا نوي الصوم عصيانا حال سفره، ثم دخل بلده قبل الزوال أجزأه تجديد النية، و لا يمنع منه عصيانه السابق. فلاحظ.

(2) كما في المبسوط و الشرائع و التذكرة و الدروس و اللمعة، و عن جماعة.

و يقتضيه أمور..

الأول: إطلاق أدلة التشريع في الصوم و في غيره من العبادات و غيرها.

ص: 246

______________________________

و حديث رفع القلم (1)، إنما يقتضي رفع المؤاخذة و التبعة علي ترك الصوم، من دون أن ينافي صحته و مشروعيته، كما أشرنا إلي ذلك في أوائل هذا الفصل عند الكلام في اعتبار العقل في صحة الصوم.

الثاني: النصوص الكثيرة الواردة في صلاة الصبي و صومه، كصحيح محمد ابن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام): «في الصبي متي يصلي؟ قال: إذا عقل الصلاة.

قلت: متي يعقل الصلاة و تجب عليه؟ قال: لست سنين» (2)، و موثق سماعة: «سألته عن الصبي متي يصوم؟ قال: إذا قوي علي الصيام» (3)، و موثق السكوني عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «قال: إذا أطاق الغلام صوم ثلاثة أيام متتابعة فقد وجب عليه صوم شهر رمضان» (4). فإن مقتضي الجمع بينها و بين ما تضمن اعتبار البلوغ في وجوب الصوم حملها علي الاستحباب. كما يتعين حمل الاختلاف بينها علي اختلاف مراتب الفضل.

الثالث: ما تضمن أمر الأهل بأن يأمروا صبيانهم بالصلاة و الصيام، كقول أمير المؤمنين عليه السّلام في حديث الأربعمائة: «علموا صبيانكم الصلاة، و خذوهم بها إذا بلغوا ثماني سنين» (5)، و صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه عن أبيه (عليهما السلام):

«قال: إنا نأمر صبياننا بالصلاة إذا كانوا بني خمس سنين، فمروا صبيانكم بالصلاة إذا كانوا بني سبع سنين. و نحن نأمر صبياننا بالصوم إذا كانوا بني سبع سنين بما أطاقوا من صيام اليوم … فمروا صبيانكم إذا كانوا بني تسع سنين بالصوم ما استطاعوا من صيام اليوم، فإذا غلبهم العطش أفطروا» (6)، و غيرهما.

و الأمر بالأمر في مثل ذلك و إن لم يكن أمرا من الآمر الأول للمأمور الثاني،

ص: 247


1- وسائل الشيعة ج: 1 باب: 4 من أبواب مقدمة العبادات حديث: 12، 11، و غيرها.
2- وسائل الشيعة ج: 3 باب: 3 من أبواب أعداد الفرائض و نوافلها حديث: 2.
3- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 29 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 2.
4- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 29 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 5.
5- وسائل الشيعة ج: 3 باب: 3 من أبواب أعداد الفرائض و نوافلها حديث: 8.
6- الكافي ج: 3 ص: 409 باب: صلاة الصبيان و متي يؤخذون بها. و ذكره في وسائل الشيعة فذكر صدره في ج: 3 باب: 3 من أبواب أعداد الفرائض و نوافلها حديث: 5، و ذيله في ج: 7 باب: 29 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 3.

______________________________

علي ما أوضحناه في الأصول، إلا أنه يمكن استفادة مشروعية العبادة في حق الصبيان من الأوامر المذكورة من جهة ظهور نسبة العبادة لهم في أنهم يؤمرون بها علي ما هي عليه بحقائقها المعهودة، المستلزم للقدرة عليها كذلك، لا أن المأمور به صورها لمحض التمرين، و ذلك مستلزم لمشروعيتها و ثبوت الأمر بها في حقهم، لتعذر التقرب بها بدون ذلك. غايته أن صوم بعض النهار تمريني لا غير، لأنه غير الصوم المعهود.

و من جميع ما سبق يظهر ضعف ما في المختلف و المسالك و الروضة من أن صوم الصبي تمريني، من دون أن يكون مأمورا به شرعا في حقه، لاختصاص خطاب الشرع بالمكلفين.

نعم حكم في الأخيرين بصحة نيته و صومه و إن لم يكن مشروعا، لأن الصحة حكم وضعي لا يتوقف علي التكليف. لكن حيث كانت نية الصوم عندهم هي القصد إليه علي وجه التقرب، و كان التقرب بالعمل فرع مشروعيته و ثبوت الأمر به، فالمتعين عدم صحة النية من الصبي مع فرض عدم ثبوت الأمر في حقه و عدم مشروعية العمل منه، لامتناع التقرب منه حينئذ.

نعم قد يتجه صحة نفس الصوم منه و إن كان فاقدا للنية، بلحاظ تماميته و مطابقته لما أمر الشارع الأقدس بتمرينه عليه، لا بلحاظ مطابقته لما أمره الشارع به.

لكنه صوم خاص غير الصوم المعهود. فلاحظ.

بقي شي ء. و هو أنه قد أطال في الجواهر الكلام في أن الصبي هل ينوي بصومه الوجوب، بلحاظ أن الغرض من فعله تمرينه علي الفعل الواجب، أو الندب بلحاظ عدم وجوب الفعل عليه، أو التخيير بين الوجهين، كما حكاه عن البيان و الذكري.

و لا ينبغي التأمل في أنه بناء علي شرعية عباداته فالمتعين منه نية الندب، كما تقتضيه الأدلة المتقدمة بعد المفروغية عن عدم وجوبها عليه. و مجرد كون الغرض تمرينه علي الواجب لا يقتضي الخروج عن مقتضاها، بل لا بد من كون المراد بها تمرينه علي ذات الواجب، لا علي وجهه.

أما بناء علي عدم شرعية عباداته فالمتعين تعذر النية المعهودة في حقه، بل يكون

ص: 248

[(مسألة 11): لا يجوز التطوع بالصوم لمن عليه قضاء شهر رمضان]

(مسألة 11): لا يجوز التطوع بالصوم لمن عليه قضاء شهر رمضان (1)، و في إلحاق مطلق الصوم الواجب به إشكال (2). كالإشكال في

______________________________

عمله صوريا يريد به التمرن علي الواجب، أو متابعة من يأمره تمرينا من أهله.

و ما في الجواهر من أنه ينوي حينئذ القربة. غريب جدا، إذ لا معني للتقرب بما لم يخاطبه به الشارع الأقدس و لم يشرعه في حقه لا وجوبا و لا ندبا.

إلا أن يدعي ثبوت الملاك في حقه و إن لم يخاطب علي طبقه، فيكون التقرب منه بقصد موافقة الملاك لا بقصد موافقة الأمر. لكنه من الغرابة بمكان، إذ بعد تمامية الملاك، و قابلية الشخص للخطاب- لفرض تمييزه، و تيسر النية منه- فلما ذا لا يخاطب؟!

(1) كما نسب للأكثر في المدارك، و استظهر في الحدائق عدم الخلاف فيه إلا ما يفهم من كلام السيد المرتضي قدّس سرّه في أجوبة المسائل الرسية. لكن صرح في القواعد و جامع المقاصد بعدم مانعية ذلك في صوم التطوع، و قد يظهر من كل من لم يتعرض له، كالمحقق في الشرائع.

و يشهد للمشهور صحيح الحلبي: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل عليه من شهر رمضان طائفة أ يتطوع؟ فقال: لا حتي يقضي ما عليه من شهر رمضان» (1)، و نحوه حديث الكناني (2)، و صحيح زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام: «سألته عن ركعتي الفجر قبل الفجر أو بعد الفجر فقال: قبل الفجر، إنهما من صلاة الليل … أ تريد أن تقايس لو كان عليك من شهر رمضان أكنت تطوع؟! إذا دخل عليك وقت الفريضة فأبدأ بالفريضة» (3)، و بها يخرج عن الأصل الذي استدل به للمرتضي، و كذا عن إطلاق دليل الخطاب بالصوم المستحب.

(2) فعن المشهور إلحاقه به و هو المصرح به في المقنعة. و استدل لهم بما رواه

ص: 249


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 28 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث: 5، 6.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 28 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث: 5، 6.
3- وسائل الشيعة ج: 3 باب: 50 من أبواب المواقيت حديث: 3.

______________________________

الصدوق في الفقيه، قال: «وردت الأخبار و الآثار عن الأئمة عليهم السّلام: أنه لا يجوز أن يتطوع الرجل بالصيام و عليه شي ء من الفرض. و ممن روي ذلك الحلبي و أبو الصباح الكناني عن أبي عبد اللّه عليه السّلام» (1).

لكن الظاهر أن مراده حديثا الحلبي و الكناني المتقدمان المقتصر فيهما علي صوم شهر رمضان، و أنه لم ينقل الحديثين بلفظهما بل بالمعني، بل ربما يكون مراده بالفرض خصوص رمضان، لأنه المعهود المشهور، المنصوص عليه في الكتاب المجيد، و المعدود من فرائض الإسلام.

بل هو كالصريح من المقنع، حيث قال: «باب الرجل يتطوع بالصيام و عليه شي ء من شهر رمضان. اعلم أنه لا يجوز أن يتطوع الرجل و عليه شي ء من الفرض.

كذلك وجدته في كل الأحاديث». و لعله لذا نسب له في الحدائق الاقتصار علي قضاء شهر رمضان.

و إلا فمن البعيد جدا تعدد أحاديث الرجلين، و اقتصار الكليني و الشيخ علي ما لم يذكره الصدوق، و اقتصار الصدوق علي ما لم يذكراه. و إن كان ذلك هو ظاهر ما فهمه في الوسائل منهم.

و من ثم استظهر في المدارك و الحدائق الاقتصار علي قضاء شهر رمضان، كما اقتصر عليه في النهاية، بل نسبه في المدارك و الحدائق لظاهر الكليني، لاقتصاره عليه في عنوان الباب و نصوصه.

هذا و قد استبعد ذلك بعض مشايخنا قدّس سرّه، لأن الصدوق قدّس سرّه ذكر الأخبار و الآثار بصيغة الجمع، فكيف يريد به خصوص حديثي الحلبي و الكناني؟! بل ذكر أن اختلاف طريقه للحلبي مع طريق الكليني له في جميع رجال السند قرينة قطعية علي أن مراده بما رواه الحلبي غير الرواية المتقدمة من الكليني عنه.

لكنه كما تري، فإن اختلاف الطريقين لراو واحد لا يستلزم اختلاف الروايتين عنه. كما أن التسامح بإطلاق لفظ الجمع علي الاثنين غير عزيز. بل لا يبعد كونه إطلاقا

ص: 250


1- الفقيه ج: 2 ص: 87.

صحة التطوع إذا نسي أن عليه قضاء (1)، و الظاهر جواز التطوع لمن عليه

______________________________

حقيقيا. علي أن النصوص في المقام ثلاثة، ثالثها صحيح زرارة.

نعم قد يستفاد العموم من صحيح زرارة، فإنه و إن اختص بقضاء شهر رمضان، إلا أن صحة القياس فيه تتوقف علي إلغاء خصوصيته، و عموم المنع فيه لكل صوم مفروض، بل لكل مفروض مع ما هو من سنخه من المندوب و إن لم يكن صوما، لتشمل الكبري المذكورة المقيس، و هو الصلاة.

اللهم إلا أن يقال: لا مجال للبناء علي كون القياس حقيقيا منتجا بعد عدم الإشكال في جواز إيقاع نافلة الفجر بعد الفجر و دخول وقت الفريضة، و في جواز إيقاع غيرها من المستحبات حال التكليف بالواجبات في الصلاة- كما في نافلتي الظهرين- و في غيرها كالصدقات، و سائر موارد النذور. و لأجل ذلك لا بد من حمله علي محض التشبيه و الاستدلال بالنظير علي النظير و إن كان عقيما، لعدم دخولهما في كبري واحدة. و حينئذ لا قرينة علي إلغاء خصوصية قضاء شهر رمضان في الصحيح و التعدي لكل صوم واجب.

(1) فإن مقتضي الإطلاق البطلان. و قد توجه الصحة بانصراف الإطلاق المذكور إلي ما إذا تمكن من أداء الواجب، لارتكاز أن منشأ الاشتراط أهمية الواجب، بنحو يقتضي ترجيحه و تقديمه في مقام الامتثال، و لا موضوع للترجيح مع تعذره.

و من ثم خصّ المنع في المدارك و محكي الدروس بما إذا كان قادرا علي أداء الواجب، و مع النسيان لا قدرة علي الواجب.

و يشكل بأن النسيان لا يقتضي العجز عن فعل الواجب، و لذا كان التحقيق أن الرفع معه ظاهري، خصوصا مع الالتفات و حصول الشك، حيث يتمكن من الإتيان به احتياطا.

نعم إذا تمت الجهة المتقدمة المقتضية للانصراف- كما هو غير بعيد- فمن القريب أنها كما تقتضي قصور النصوص عن حال التعذر تقتضي قصورها عن حال النسيان و الجهل و نحوهما من موارد وجود العذر عن امتثال الواجب.

ص: 251

صوم واجب استيجاري (1)، كما أنه يجوز إيجار نفسه للصوم الواجب إذا كان عليه قضاء رمضان (2)، و لا يجوز إيجار نفسه للصوم المستحب عن غيره إذا كان عليه قضاء رمضان (3).

______________________________

(1) سواء كان قضاء شهر رمضان أم غيره- بناء علي التعدي لكل صوم واجب- لانصراف النصوص المتقدمة عما كان ثابتا علي المكلف بنفسه لا بسبب الإجارة. و إن شئت قلت: المانع من الصوم المندوب هو التكليف بقضاء صوم شهر رمضان أو بمطلق الصوم، لا التكليف بالوفاء بالإجارة. فلاحظ.

(2) لقصور النصوص عنه، لأن موضوعها التطوع، و الصوم المذكور ليس تطوعا لا بذاته، و لا بلحاظ ثبوته عليه، لفرض وجوبه عليه بالإجارة.

(3) اعترف قدّس سرّه بخروجه عن المتيقن من النصوص، و أن استفادته منها تبعا، بلحاظ أن المستفاد منها عدم مشروعية أداء التطوع ممن عليه واجب، و لو كان التطوع عن غيره، قال: «فإن أداء التطوع و لو عن الغير لا يصح لمن عليه الفرض».

لكنه كما تري، حيث لا يستفاد من النصوص الترتب بين ذاتي الصومين، بل بينهما بعنوان كونهما فرضا و تطوعا، و من الظاهر خروج التطوع في حق الأجير عن كونه تطوعا، و صيرورته فرضا بالإجارة.

نعم قد يتجه ذلك في أداء التطوع تبرعا الذي هو تطوع في التطوع، حيث يبعد جدا عدم مشروعية أداء التطوع عن نفسه و مشروعية التطوع به تبرعا عن غيره. بل قد يتجه عدم مشروعية التطوع بأداء الواجب تبرعا عن الغير، لعدم خروجه عن التطوع في حق المؤدي الذي عليه صوم شهر رمضان أو مطلق الواجب. و ربما جري ذلك في أداء الواجب و المستحب عن الغير بأجر بنحو الجعالة لا الإجارة. و إن لم يخل عن إشكال.

علي أن ما ذكره قدّس سرّه- لو تم- إنما يقتضي عدم مشروعية أداء الصوم الاستئجاري المذكور، لا عدم جواز الإجارة عليه، حيث لا مانع من البناء علي صحة الإجارة، و لزوم تأخير أداء الصوم الاستئجاري عن أداء ما عليه من صوم شهر

ص: 252

[(مسألة 12): يشترط في وجوب الصوم البلوغ و العقل و الحضر]

(مسألة 12): يشترط في وجوب الصوم البلوغ (1) و العقل (2) و الحضر (3)،

______________________________

رمضان أو مطلق الواجب. و لعل مراده قدّس سرّه ذلك بأن يريد الاستئجار بنحو يقتضي التعجيل بالأداء.

(1) لما تضمن رفع القلم عنه (1). و للنصوص الكثيرة الواردة في الصوم، كصحيح معاوية بن وهب في حديث قال: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام في كم يؤخذ الصبي بالصيام؟ قال: ما بينه و بين خمس عشرة سنة و أربع عشرة سنة … » (2)، فإنه كالصريح في عدم وجوب الصوم علي ابن أربع عشرة سنة و ما دونها. و حديث أبي بصير عنه عليه السّلام: «أنه قال: علي الصبي إذا احتلم الصيام، و علي الجارية إذا حاضت الصيام … » (3)، و في الزهري عن الإمام زين العابدين عليه السّلام قال: «و أما صوم التأديب فأن يؤخذ الصبي إذا راهق بالصوم تأديبا، و ليس بفرض» (4)، و غيرها.

(2) لما تضمن رفع القلم عنه (5)، و ما تضمن إناطة التكليف بالعقل، كصحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام: «قال: لما خلق اللّه العقل استنطقه، ثم قال له:

أقبل، فأقبل، ثم قال له: أدبر، فأدبر، ثم قال: و عزتي و جلالي ما خلقت خلقا هو أحب إليّ منك، و لا أكملتك إلا فيمن أحب. أما إني إياك آمر، و إياك أنهي، و إياك أعاقب، و إياك أثيب» (6)، و غيره.

(3) لا لعدم صحة الصوم من المسافر، فإن ذلك إنما يقتضي شرطية الحضر في الصوم، لا في وجوبه، بل لأمرين:

ص: 253


1- وسائل الشيعة ج: 1 باب: 4 من أبواب مقدمة العبادات حديث: 11، 12، و ج: 2 باب: 14 من أبواب صلاة الجنائز حديث: 5، و ج: 19 باب: 36 من أبواب القصاص في النفس حديث: 2، و غيرها.
2- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 29 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 1، 7، 4.
3- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 29 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 1، 7، 4.
4- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 29 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 1، 7، 4.
5- وسائل الشيعة ج: 1 باب: 4 من أبواب مقدمة العبادات حديث: 11، و ج: 19 باب: 36 من أبواب القصاص في النفس حديث: 2.
6- وسائل الشيعة ج: 1 باب: 3 من أبواب مقدمة العبادات حديث: 1.

______________________________

الأول: قوله تعالي: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلي سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ (1)، و قوله سبحانه: وَ مَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلي سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ (2).

لظهورهما في استثناء حال المرض و السفر من الخطاب بالصوم. و علي ذلك جرت النصوص الكثيرة الظاهرة في أن سقوط الصوم في السفر و المرض عزيمة، و قد تقدم بعضها عند الكلام في عدم صحة الصوم من المريض و المسافر.

الثاني: ما دل علي جواز السفر في شهر رمضان، علي ما يأتي في المسألة السادسة عشرة، إذ لو لم يكن الحضر من شروط الوجوب لوجب تحصيله بترك السفر، كسائر شروط الواجب.

و لا ينافي ذلك صدق الفوت و وجوب القضاء مع السفر. إذ يمكن صدق الفوت بلحاظ فوت الملاك الاقتضائي، نظير صدقه و وجوب القضاء مع التعذر و الحرج.

هذا كله في صوم شهر رمضان و أما غيره- كصوم الكفارة لو ضاق وقته، و النذر كذلك- فمقتضي إطلاق دليلهما عدم شرطيته. إلا أن تستفاد شرطيته في النذر من جملة من النصوص المتضمنة عدم صوم النذر في السفر (3)، فإن عدم التنبيه فيها لعدم جواز السفر، و لزوم الاقتصار فيه علي الضرورة الرافعة للتكليف، موجب لظهورها في المفروغية عن جواز السفر.

و هو المصرح به في معتبر عبد اللّه بن جندب: «سمعت من رواه عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنه سئل عن رجل جعل علي نفسه نذرا صوما فحضرته نيته في زيارة أبي عبد اللّه عليه السّلام. قال: يخرج، و لا يصوم في الطريق … » (4).

بل قد يظهر من بعضها مانعية السفر عن وجوب كل صوم، ففي موثق زرارة:

«قلت لأبي جعفر عليه السّلام: إن أمي كانت جعلت عليها نذرا إن اللّه ردّ [إن يردّ اللّه] عليها

ص: 254


1- سورة البقرة الآية: 184.
2- سورة البقرة الآية: 185.
3- راجع وسائل الشيعة ج: 7 باب: 10 من أبواب من يصح منه الصوم.
4- الكافي ج: 7 ص: 457، التهذيب ج: 8 ص: 306، و ذكره باختلاف في وسائل الشيعة ج: 7 باب: 10 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 5.

______________________________

بعض ولدها من شي ء كانت تخاف عليه أن تصوم ذلك اليوم الذي يقدم فيه ما بقيت، فخرجت معنا مسافرة إلي مكة فأشكل علينا لمكان النذر أ تصوم أو تفطر؟ فقال: لا تصوم، قد وضع اللّه عنها حقه، و تصوم هي ما جعلت علي نفسها؟! … » (1)، لظهور وضع الصوم عنها في السفر في عدم تكليفها به، لا مجرد عدم صحته منها. كما أن مقتضي إطلاقه سقوط كل صوم هو حق للّه تعالي، لا خصوص صوم شهر رمضان، و أن ذلك مستلزم لسقوط الصوم الذي يجعله الإنسان علي نفسه بالنذر و غيره.

اللهم إلا أن يقال: لما لم يكن الحديث واردا لبيان عدم مانعية وجوب الصوم من السفر، بل لبيان مانعية السفر من وجوب الصوم حاله، مع المفروغية عن جواز السفر، فلا إطلاق له يقتضي مانعية السفر من وجوب الصوم في غير مورد المفروغية عن جوازه. و من ثم لا مجال للاستدلال به في غير النذر مما لم يثبت فيه جواز السفر، و إن جري علي ذلك بعض مشايخنا قدّس سرّه.

بل لا إشكال في عدم البناء علي جواز السفر في الصوم الاستئجاري المعين، مع أن مقتضي الوجه المذكور العموم له، لأنه كالمنذور مما يجعله المكلف علي نفسه، و كما أمكن مانعية السفر من وجوب الوفاء بالنذر أمكن مانعيته من وجوب الوفاء بالإجارة.

و منه يظهر الإشكال فيما ذكره قدّس سرّه من الفرق بين الإجارة و النذر بامتناع شمول الحديث للإجارة، لأنه بعد ملكية المستأجر الصوم علي الأجير بمقتضي العقد كيف يرخص الشارع في تضييع هذا الحق و عدم تسليم المال إلي مالكه؟!.

وجه الإشكال: أن مرجع هذا الوجه ليس إلي جواز عدم الوفاء بالإجارة بعد نفوذها، و لا إلي جواز عدم الوفاء بالنذر بعد نفوذه، بل إلي قصور عموم وجوب الوفاء بالنذر و الإجارة و نفوذهما عن المنع من السفر، و كما يمكن ذلك في النذر يمكن في الإجارة، لأنهما من سنخ واحد.

فالعمدة ما ذکرنا من عدم ورود الحدیث لبیان عدم مانعیة وجوب الصوم من

ص: 255


1- وسائل الشيعة ج: 7 باب: 10 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 3.

______________________________

السفر، ليعم الوجوب بالإجارة، بل لبيان مانعية السفر من وجوب الصوم بعد الفراغ عن جواز السفر، لدليل خارج، فمع عدم ثبوت جوازه لا ينهض الحديث بإثبات مانعية السفر من وجوب الصوم، بل مقتضي إطلاق دليل الوجوب- لو تم- عدم مانعية السفر منه، و إن كان مانعا من صحة الصوم، فيجب الحضر مقدمة له، و يحرم السفر. و حيث لم يثبت ذلك في الإجارة فالمتعين حرمة السفر مع مانعيته من الوفاء بها، لعموم دليل نفوذها و وجوب الوفاء بها.

و مثله استدلال بعض مشايخنا قدّس سرّه للعموم المذكور بصحيح علي بن مهزيار:

«كتبت إليه- يعني إلي أبي الحسن عليه السّلام-: يا سيدي رجل نذر أن يصوم يوما من الجمعة دائما ما بقي، فوافق ذلك اليوم يوم عيد فطر أو أضحي أو أيام التشريق أو سفر أو مرض، هل عليه صوم ذلك اليوم، أو قضاؤه؟ و كيف يصنع يا سيدي؟ فكتب إليه:

قد وضع اللّه عنه الصيام في هذه الأيام كلها و يصوم يوما بدل يوم إن شاء اللّه» (1).

و كأنه لدعوي: أن مقتضي إطلاق قوله عليه السّلام: «قد وضع اللّه عنه الصيام … »

سقوط التكليف في الموارد المذكورة بكل صوم و إن لم يكن منذورا. لكنه يندفع بعدم وضوح الإطلاق المذكور، و المتيقن منه الصوم النذري المسئول عنه، و لا سيما بملاحظة الأمر بالقضاء المحمول علي الوجوب أو الاستحباب، حيث لا إشكال ظاهرا في عدم استفادة العموم فيه لكل صوم. علي أنه لما كان واردا لبيان الوظيفة عند تحقق هذه العناوين المذكورة لا لبيان حكم تحقيق العناوين فمن المحتمل أن يكون المراد من وضع الصوم عدم وجوبه فعلا بملاك التعذر، لا عدم مشروعيته ذاتا لأخذ عدمها شرطا في وجوبه. فلاحظ.

أما سيدنا المصنف قدّس سرّه فقد استدل علي ذلك بأن الحضر من شرائط الصوم الواجب في شهر رمضان، و إنما لا يجب تحصيله و يجوز السفر لأن الشرط هو حصوله من باب الاتفاق، و يمتنع مع ذلك وجوبه تبعا لوجوب الصوم، كما هو الحال في سائر شروط الواجب المأخوذة كذلك. و حينئذ يكون مقتضي قاعدة الإلحاق كون شرطية

ص: 256


1- وسائل الشيعة ج: 16 باب: 10 من أبواب كتاب النذر و العهد حديث: 1.

______________________________

الحضر كذلك في سائر أقسام الصوم.

و هو يبتني علي ما ذكره شيخنا الأعظم قدّس سرّه و جماعة في توجيه شرطية بعض الأمور للواجب مع عدم وجوب تحصيلها مقدمة له، بأن الشرط منها ليس مطلق الوجود، بل خصوص ما كان وجوده اتفاقيا.

لكن ذكرنا في مبحث الواجب المشروط من الأصول ضعف المبني المذكور، و أنه لا بد من البناء علي كون الأمور المذكورة شروطا للوجوب، لا للواجب فقط.

و هو ظاهر الآيتين الكريمتين و النصوص الشريفة في المقام، كما يظهر مما سبق. و إنما استفيد شرطية الحضر للصوم في شهر رمضان و غيره من ظهور الأدلة في أن رفع التكليف بالصوم في السفر عزيمة لا رخصة، و مع عدم مشروعيته لا مجال للتقرب به. و مما تضمن النهي عن الصوم في السفر و عدم إجزائه و نحو ذلك.

و حينئذ فكون وجوب الصوم في شهر رمضان مشروطا بالحضر لا يستلزم كون وجوب بقية أفراد الصوم كذلك، بل مقتضي إطلاق أدلتها عدم الاشتراط، فيجب تحصيل الحضر مقدمة لتحصيل الواجب المطلق. إلا أن يثبت جواز تفويته بالسفر، كما ثبت في الصوم المنذور. و قاعدة الإلحاق إنما تنفع في تحديد الصوم الواجب، لا تحديد شرط وجوبه، بل هو تابع لدليل ذلك الواجب.

نعم قد يقال: المستفاد من أدلة مانعية السفر من الصوم- و لو بضميمة المرتكزات المتشرعية- أخذ السفر في جميع أفراد الصوم المشروع علي غرار أخذه في صوم رمضان، و أن الأصل في ذلك هو أخذه في صوم شهر رمضان في الآيتين الكريمتين و نحوهما، مع إلغاء خصوصية المورد فيها.

و حيث كان ظاهر الآيتين كونه شرطا للوجوب كما هو مقتضي الاستدراك في الآية الأولي، و التفصيل بين من شهد الشهر و من كان مريضا أو علي سفر في الثانية، كان اللازم البناء علي كونه شرطا للوجوب في بقية أفراد الصوم المشروع.

نعم الصوم الذي يجعله المكلف علي نفسه بنذر أو إجارة أو نحوهما ليس تابعا للجعل الشرعي، بل لكيفية جعل المكلف الصوم علي نفسه، فإن كان مجعولا

ص: 257

و عدم الإغماء (1)، و عدم المرض (2)،

______________________________

بنحو يقتضي الحضر من أجل تحقيق الصوم منع من السفر، و إن كان مجعولا بنحو لا يقتضيه، بل بنحو يقتضي الصوم في ظرف تمامية شروطه الشرعية لم يمنع من السفر.

و الظاهر أن النذر غالبا علي النحو الثاني، و لذا كان مقتضي المرتكزات و ظاهر جملة من النصوص- و منها ما تقدم- المفروغية عن جواز السفر معه، و أن الإشكال إنما هو في وجوب الإفطار حال السفر، أو في وجوب القضاء علي تقدير الإفطار.

فلو فرض خروج الناذر عن ذلك، و كان قصده بنذره تحقيق الصوم بتحقيق شرط مشروعيته امتنع السفر، و خرج عن موضوع النصوص المتقدمة.

كما أن الإجارة غالبا علي النحو الأول، لأن غرض المستأجر حصول الصوم بالفعل لنيل فائدته، لا حصوله معلقا علي تحقق شرط مشروعيته، و لذا كان ظاهرهم المفروغية عن وجوب الحضر مقدمة للوفاء بالإجارة، و لو فرض خروجه عن ذلك و ابتناؤه علي الوجه الثاني تعين جواز السفر المانع منه، و خرج عن موضوع كلامهم. فتأمل جيدا.

(1) لا إشكال في مانعية الإغماء من الصوم في الجملة و كونه من شرائط صحة الصوم، و إنما الإشكال في عموم المانعية بحيث يشمل الإغماء مع سبق النية، علي ما تقدم الكلام فيه في المسألة الأولي.

إلا أن ذلك لا يستلزم كونه من شرائط وجوب الصوم، حيث يظهر الأثر في جواز إيقاع الإغماء بتهيئة أسبابه و عدم وجوب منعه مع القدرة علي ذلك، بل لا بد من إثبات ذلك بدليل آخر مخرج عن إطلاق دليل وجوب الصوم و مطلوبيته، من دون فرق بين ما يجب بالذات، كصوم شهر رمضان و صوم الكفارة، و ما يجب بالجعل، كالصوم المنذور و الاستئجاري، و لا يتضح لنا الدليل المذكور.

(2) تقدم مانعية المرض من صحة الصوم مطلقا. أما شرطية عدمه في وجوبه بنحو يسوغ إحداث المرض اختيارا، و لا يجب منعه أو العلاج منه مع القدرة عليه، فهو غير بعيد، لعدم ثبوت إطلاق وجوب الصوم بالنحو المذكور بعد ظهور الآيتين الكريمتين في استثناء المريض من وجوب الصوم.

ص: 258

و الخلو من الحيض و النفاس (1).

[(مسألة 13): لو صام الصبي تطوعا و بلغ في الأثناء و لو بعد الزوال]

(مسألة 13): لو صام الصبي تطوعا و بلغ في الأثناء و لو بعد الزوال فلا يبعد وجوب الإتمام (2).

______________________________

هذا في صوم شهر رمضان، و أما في قضائه فإطلاق قوله تعالي: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ و إن كان يقتضي وجوب القضاء بتحصيل مقدمته إلا أن ظاهر النصوص المتضمنة عدم وجوب القضاء علي من استمر به المرض إلي شهر رمضان الآخر كون وجوب القضاء مشروطا بعدم استمرار المرض. و كذا ما تضمن سقوط صوم الكفارة بالمرض، و سقوط صوم النذر به. بل لا يبعد قيام السيرة علي ذلك، إذ لو وجب العلاج لظهر و بان لشيوع الابتلاء بذلك.

نعم يشكل البناء علي ذلك في الصوم الاستئجاري المضيق، لعموم وجوب الوفاء بالإجارة المطابق في المقام للمرتكزات جدا.

هذا كله مع غض النظر عما تقدم في السفر، أما بلحاظه فالأمر أظهر، لأن لسان الأدلة في السفر و المرض علي نهج واحد.

(1) يظهر مما سبق أن شرطيته في صحة الصوم لا تستلزم شرطيته في وجوبه، بحيث لا يجب تحصيله مقدمة له.

و حينئذ لا يبعد شرطيته في وجوب صوم شهر رمضان، بمعني عدم كون وجوبه بنحو يقتضي وجوب منع الحيض و النفاس و حرمة إيقاعهما مع القدرة، لاحتياج ذلك إلي عناية مغفول عنها.

أما في غيره من الصوم الواجب فلا شاهد عليه، و مقتضي إطلاق دليل وجوبه عدمه، لقلة الابتلاء بالصوم المذكور. خصوصا غير قضاء شهر رمضان، لكن مرتكزات المتشرعة قاضية بعدم وجوب منعهما و لا رفعهما في غير الصوم الاستئجاري. بل حتي فيه، إلا أن تبتني الإجارة علي عناية. فلاحظ.

(2) قال قدّس سرّه: «فإن تفويت المصلحة الملزمة لو لا الصبا حرام، و هو يترتب

ص: 259

[(مسألة 14): إذا سافر قبل الزوال وجب عليه الإفطار]

(مسألة 14): إذا سافر قبل الزوال وجب عليه الإفطار، و إن كان بعده وجب إتمام الصيام (1). و إذا كان مسافرا، فدخل بلده أو بلدا نوي

______________________________

علي الإفطار حين البلوغ في الأثناء. و نظير المقام ما لو صلي في آخر الوقت و قد بلغ في الأثناء، فإنه يجب عليه إتمام صلاته».

و يشكل بأن كون المصلحة ملزمة في حقه مشروط بدخوله في عموم الخطاب بالصوم الواجب، و هو غير ثابت في المقام بعد كون الواجب هو الصوم التام، و هو عاجز عنه، لا ما يعم إتمام الصوم القادر عليه. و كذا الحال في الصلاة.

نعم لو بلغ في وقت يسع ركعة من الصلاة فالظاهر وجوب الإتمام عليه، لأنه مكلف بالصلاة حينئذ كسائر المكلفين لقدرته عليها، و حيث كان للصلاة فردان اختياري، و هو الصل