الحياة السياسية للامام الرضا عليه السلام

هویة الکتاب

اسم الكتاب: الحياة السياسية للامام الرضا عليه السلام

كاتب: جعفر مرتضى العاملي

موت: معاصر

عدد المجلدات الفعلية: 1

لسان: العربية

موضوع: امام رضا عليه السلام

ناشر: دارالاضواء بیروت

محرر الرقمي : میثم حیدری

ص: 1

اشارة

حقوق الطبع محفوظة

1406ه- 1986م

دارالاضواء للطباعة والنشر والتوزیع

ص: 2

ص: 3

بسم الله الرحمن الرحیم

ص: 4

الإهداء

إليك يا أعز من في الوجود عليّ ... يا من تعيش لأجلي، و تشعر بآلامي، و تحسّ بمشاكلي ... دون أن أراك، و دون أن أعرف مكانك، بل و حتى دون أن أفطن في كثير من الأحيان لوجودك ...

إليك يا أملي الحي، الذي يمدني بالقوة، و يجدد فيّ العزيمة ...

و يا قبس الهدى و النور، الذي لولاه لكنت أعيش في الظلام، ...

ظلام الوحدة، و الحيرة، و الضياع ...

إليك. يا من تملأ الأرض قسطا، و عدلا، بعد ما ملئت ظلما، و جورا ...

إليك ... يا سيدي، و مولاي، يا صاحب الزمان ... أرفع كتابي هذا ...

راجيا منك القبول ...

جعفر.

ص: 5

ص: 6

مقدمة الطبعة الثانية:

اشارة

بسم اللّه الرحمن الرحيم و الحمد للّه رب العالمين، و الصلاة و السلام على أشرف الخلق و أعز المرسلين، محمد و آله الطيبين الطاهرين.

و بعد:

فهذه هي الطبعة الثانية لهذا الكتاب، نخرجها إلى القراء الكرام، بعد حوالى ثلاث سنوات من ظهور طبعته الاولى، التي نفدت نسخها بسرعة.

و انني إذ أعتزّ باقبال القراء على هذا الكتاب، لا يسعني إلا أن أقف موقف التقدير و الاكبار لهذه الرغبة الصادقة منهم في الاطّلاع و المعرفة، و هو أمر يبعث على الأمل، و يبشر بمستقبل مشرق إن شاء اللّه تعالى ...

هذا الكتاب:

لقد جاء التفكير في هذا الكتاب في نفس الوقت الذي نشرت فيه مجلة لبنانية مقالا لبعض السطحيين، من طالبي الشهرة و المال!! يتهجم فيه على ساحة قدس الإمامين العظيمين: الحسن المجتبى عليه السلام؛ لصلحه مع معاوية ...

و الامام الرضا عليه السلام؛ لقبوله بولاية العهد، من قبل المأمون العباسي ...

ص: 7

فاما قضية الصلح فقد كان قد بحثها الباحثون، و اهتم بها العلماء و المؤرخون، و كشفوا عن جانب كبير من ظروفها و ملابساتها؛ و من هنا فقد انصبّ اهتمامى آنئذ على بحث قضية ولاية العهد، و التي كان البحث فيها شاقا و صعبا للغاية، لاسباب لا يجهلها من له أدنى اطلاع على واقع الكتب التاريخية، و مؤلفيها، و ظروف تأليفها ...

و لعل ذلك المقال نفسه أيضا، قد كان هو الحافز لسماحة العلامة البارع، السيد محمد جواد فضل اللّه رحمه اللّه، ليكتب كتابه الشّيق، الذي أسماه:

«حياة الامام الرضا (ع)»، و عقد فيه فصلا للحديث عن ولاية العهد أيضا؛ فشكر اللّه سعيه، و تغمده برحمته، و جزاه خير جزاء المحسنين ...

الجديد في الكتاب:

و أودّ أن أشير هنا، إلى أنه ... إما لسوء حظي، أو لحسن حظّ القارئ!! لم تتهيأ لي الفرصة لاعادة النظر في الكتاب من جديد، بشكل يسمح لي بالتعديل و التطوير فيه؛ و لذا فقد اكتفيت باصلاح كثير من الأخطاء المطبعية، مع زيادات طفيفة، لا تكاد تذكر.

تنبيه و ختام.

و بعد هذا ... فإنني أود أن انبه: على أن كلمة «التشيع» الواردة في هذا الكتاب لا يراد بها المعنى الخاص إلا نادرا ... كما أن المقصود من كلمة: «علوي» و «علويين» هو كل من يتصل نسبه بأمير المؤمنين علي بن ابي طالب صلوات اللّه و سلامه عليه و على ابنائه الطيبين الطاهرين ...

و في الختام ... فانني أعود فأكرر رجائي الأكيد من كل القراء الكرام أن يكتبوا الي بملاحظاتهم، و وجهات نظرهم، و أنا لهم من الشاكرين.

و الحمد للّه، و له المنة، و به الحول، و عليه التكلان.

22/ 1/ 1400 ه. ق.

جعفر مرتضى الحسيني العاملي

ص: 8

تقديم:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* و الحمد للّه رب العالمين، و الصلاة و السلام على خير خلقه أجمعين، محمد و آله الطيبين الطاهرين:

و بعد:

فقد كان هذا الكتاب نتيجة دراسة استمرت ثلاث سنوات ما بين مد و جزر ... و هو يبحث في ظروف و أسباب حدث تاريخي هام في التاريخ الاسلامي ... ألا و هو: «أخذ البيعة للامام الرضا عليه السلام بولاية العهد للمأمون» ...

و رغم الأهمية البالغة لهذا الحدث، و كونه جديرا بالدراسة، و البحث، و التمحيص ... فاننا رأينا المؤرخين و الباحثين- و لأسباب مختلفة- يضربون عنه صفحا، و يحاولون تجاهله، و التقليل من أهميته ...

و على كل حال ... و مهما كانت الحقائق التي أوردتها في هذا الكتاب موافقة لهوى قوم، و مثيرة لحنق آخرين ... فإن ما أريد أن أؤكد عليه هو:

ص: 9

إني لثقتي من نفسي بأنني ما ادخرت وسعا، و لم آل جهدا في تمحيص الحقائق، و ابراز المعالم الأصيلة للصورة، التي أريد- لسبب أو لآخر- طمسها، و تشويه معالمها. و أيضا لحسن ظني بالقارئ، و ثقتي بنزاهته، و نظرته الواعية ...

من أجل ذلك أقول- و بكل رضى، و ارتياح، و اطمئنان-:

إنني لا أريد أن أفرض ما في هذا الكتاب من آراء، و استنتاجات على أحد ... بل سوف أترك الحكم في ذلك للقارئ نفسه، الذي يمتلك كامل الحرية في أن يقبل، أو أن يرفض، إذا اقتضى الأمر أيا من الرفض، أو القبول ...

و اللّه ولينا ... و هو الهادي إلى سواء السبيل ...

جعفر مرتضى الحسيني العاملي

ص: 10

تمهيد

صلة الماضي بالحاضر و المستقبل:

... بديهي أن بعض الأحداث التاريخية، التي تمر بالأمة، تؤثر تأثيرا مباشرا، أو غير مباشر في واقعها، إن حاضرا، و إن مستقبلا ...

بل و قد تؤثر في روح الأمة، و عقلها، و تفكيرها ... و من ثم على مبادئها العامة، التي قامت عليها قوانينها و نظمها، التي تنظم لها مسيرتها، و تهمين على سلوكها ... فقد تقوي من دعائمها، و تؤكد وجودها، و استمرارها، و قد تنسفها من أسسها، إن كانت تلك المبادئ على درجة كبيرة من الضعف و الوهن في ضمير الأمة و وجدانها ... و على صعيد العمل في المجال العملي العام ...

فمثلا ... نلاحظ أن الاكتشافات الحديثة، و التقدم التقني قد أثر أثرا لا ينكر حتى في عاطفة الإنسان، التي يفرضها واقع التعايش ...

و حتى في مواهبه و ملكاته، فضلا عن سلوكه، و أسلوب حياته ...

و حيث إن المبادئ الاجتماعية لم تكن على درجة من الرسوخ و القوة في ضمير الإنسان و وجدانه، و لم تخرج عن المستوى الشكلي في حياته العملية- و إن انغرست في أعماق بعض أفراده أحيانا في دورات تاريخية

ص: 11

قصيرة- نرى أنها بدورها قد تأثرت بذلك، و نسفت او كادت من واقع هذه الأمة، و عدمت أو كادت من دائرة حياتها ... و ليكون البديل- من ثم- عنها لدى هذا الكائن هو «الذاتية» الكافرة بكل العواطف الاجتماعية، و العوض عنها في نفسه هو المادة الجافة، التي لا ترحم و لا ترثي، و لا تلين، لا يجد لذة العاطفة، و لا حلاوة الرحمة، و ليعود الانسان- بعد لأي- متشائما حاقدا، لا يثق بمستقبله، و لا يأمن من يحيط به، و لا يطمئن إلى أقرب الناس إليه ...

و بطبيعة الحال، سوف يتأثر النش ء الجديد بذلك، ثم ينتقل ذلك إلى الجيل الذي يليه ... و هكذا ...

و هكذا ... فإن الحدث التاريخي الذي كان قبل ألف سنة مثلا، أو أكثر قد نجد له آثارا بارزة، حتى في واقع حياتنا التي نعيشها اليوم.

و إذن ... فنستطيع أن نستخلص من هذا: أن الأحداث التاريخية مهما بعدت، و من أي نوع كانت تؤثر في وضع الأمة، و في تصرفاتها، و في حياتها، و سلوكها على المدى الطويل ... و تتحكم- إلى حد ما- في مستقبلها. و ان العامل التاريخي له أثر كبير في فرض المستوى الذي يعيشه المجتمع بالفعل، سواء في ذلك الأدبي منه، أو العلمي، أو الديني، أو السياسي، أو الاقتصادي، أو غير ذلك ...

و غني عن القول هنا ... أن التأثر بالأحداث يختلف من أمة لأخرى، و من عصر لآخر ...

لما ذا كان تدوين التاريخ:

و من هنا تبرز أهمية التاريخ، و نعرف أنه يلعب دورا كبيرا في حياة

ص: 12

الأمم: مما يجعلنا لا نجد كثير عناء في الإجابة على سؤال: لما ذا عنيت الأمم على اختلافها بالتاريخ، تدوينا، و درسا، و بحثا. و تمحيصا؟! فان ذلك لم يكن إلا لأنها تريد أن تستفيد منه، لتتعرف على واقعها الذي تعيشه؛ لتستفيد من ذلك لمستقبلها الذي تقدم عليه ... و لتكتشف منه عوامل رقيها، و انحطاطها، و لتنطلق من ثم لبناء نفسها على أسس متينة و سليمة ...

فمهمّة التاريخ إذن- تاريخ الأمة المدوّن- هي: أن يعكس بأمانة و دقة ما تمر به الأمة من أحوال و أوضاع، و أزمات فكرية، و اقتصادية، و ظروف سياسية: و اجتماعية، و غير ذلك.

و نحن ... هل نملك تاريخا؟!!

و نحن أمة ... لكننا لا نملك تاريخا- و أقصد بذلك كتب التاريخ- نستطيع أن نستفيد منه الكثير في هذا المضمار؛ لأن اكثر ما كتب لنا منه تتحكم فيه النظرة الضيقة، و الهوى المذهبي، و التزلف للحكام.

و أقصد ب «النظرة الضيقة»: عملية ملاحظة الحدث منفصلا عن جذوره و أسبابه التي تلقي الضوء الكاشف على حقيقته و واقعه ...

نعم ... إننا بمرارة- لا نملك تاريخا نستطيع أن نستفيد منه الكثير؛ لأن المسيرة قد انحرفت، و الأهواء قد لعبت لعبتها (1) و أثرت أثرها المقيت

ص: 13


1- و من أراد أن يعرف المزيد عن ذلك، فليراجع: النصائح الكافية لمن يتولى معاوية من ص 72 إلى ص 79، و الغدير ج 5 ص 208 إلى ص 378، و ج 11 من ص 71، إلى ص 103، و ج 9 من ص 218 إلى آخر المجلد، و غير ذلك من مجلدات هذا الكتاب و صفحاته و الاحتجاج للطبرسي، و خمسون و مائة صحابي مختلق للعسكري، و غير ذلك كثير ...

البغيض، حتى في تدوين التاريخ نفسه.

و إنه لمما يدمي قلوبنا، و يملأ نفوسنا أسى و ألما، أن نكون قد فقدنا تاريخنا، و دفناه تحت ركام من الانانيات، و العصبيات، و الأطماع الرخيصة، حتى لم يبق منه سوى الرسوم الشوهاء، و الذكريات الشجية ...

و مرة أخرى أقول: إن كل ما لدينا هو- فقط- تاريخ الحكام و السلاطين، الذين تعاقبوا على كراسي الحكم. و حتى تاريخ الحكام هذا، رأيناه مشوها، و ممسوخا؛ حيث لم يستطع أن يعكس بأمانة وحيدة الصورة الحقيقية لحياة أولئك الحكام، و أعمالهم و تصرفاتهم؛ و ما ذلك إلا لأن المؤرخين لم يكونوا أحرارا في كتابتهم للتاريخ. بل كانوا يؤرخون و يكتبون حسب ما يريده الحكام أنفسهم، و يخدم مصالحهم ...

إما رهبة من هؤلاء الحكام، او رغبة، او تعصبا لمذهب، أو لغيره ...

و من هنا ... فليس من الغريب جدا أن نرى المؤرخ يعتني بأمور تافهة و حقيرة؛ فيسهب القول في وصف مجلس شراب، أو منادمة، حتى لا يفوته شي ء منه، أو يختلق و يفتعل أحداثا لم يكن لها وجود إلا في عالم الخيالات و الأوهام، أو يتكلم عن أشخاص لم يكن لهم شأن يذكر، بل قد لا يكون لهم وجود أصلا ... بينما نراه في نفس الوقت يهمل بالكلية شخصيات لها مكانتها، و خطرها في التاريخ، أو يحاول تجاهل الدور الذي لعبته فيه ... و يهمل أو يشوه أحداثا ذات أهمية كبرى، صدرت من الحاكم نفسه، أو من غيره، و من بينها ما كان له دور هام في حياة الأمة، و مستقبلها، و أثر كبير في تغيير مسيرة التاريخ، أو يحيطها- لسبب أو لآخر- بستار من الكتمان، و الابهام.

و من تلك الأحداث ...

و في طليعة تلك الأحداث التي كان نصيبها ذلك: «البيعة للامام

ص: 14

الرضا عليه السلام بولاية العهد ...»، من قبل الخليفة العباسي عبد اللّه المأمون!! ...

هذا الحدث الذي لم يكن عاديا، و طبيعيا، كسائر ما يجري و ما يحدث، و الذي كان نصيبه من المؤرخين أن يتجاهلوه، و يقللوا ما أمكنهم من اهميته، و خطره، و أن يحيطوا أسبابه و دوافعه، و ظروفه بستائر من الكتمان ... و عند ما كانت تواجههم الأسئلة حوله تراهم يرددون تلك التفسيرات التي أراد الحكام أن يفهموها للناس، دون أن يكون من بينها ما يقنع، أو ما يجدي ...

إلا أننا مع ذلك، لم نعدم في هذا الذي يسمى، ب «التاريخ» بعض الفلتات و الشذرات المتفرقة هنا و هناك، التي تلقي لنا ضوءا، و تبعث فينا الرجاء و الأمل بالوصول إلى الحقائق التي خشيها الحكام؛ فقضوا عليها- بكل قسوة و شراسة- بالعدم، و الاندثار ...

و لو فرض: أنه كان للمؤرخين القدامى العذر- إلى حد ما- في تجاهل هذا الحدث، و التقليل من أهميته، لظروف سياسية، و اجتماعية، و مذهبية معينة .... فان من الغريب حقا أن نرى الباحثين اليوم- مع أنهم لا يعيشون تلك الظروف، و ينعمون بالحرية بمفهومها الواسع- يحاولون بدورهم تجاهل هذا الحدث، و التقليل من أهميته، عن قصد أحيانا، و عن غير قصد أخرى، و إن كنا نستبعد هذا الشق الأخير؛ إذ أننا نشك كثيرا في أن لا يسترعي حدث غريب كهذا انتباههم، و يلفت أنظارهم ...

و أيا ما كان السبب في ذلك، فان النتيجة لا تختلف، و لا تتفاوت؛ إذ انها كانت في الواقع الخارجي سلبية على كل حال.

ص: 15

و بدافع من الشعور بالواجب ...

و من هنا ... و بدافع من الشعور بالمسؤولية، رأيت أن أقوم بدراسة لهذا الحدث بالذات، للتعرف على حقيقة دوافعه و أسبابه، و واقع ظروفه و ملابساته ...

و كانت نتيجة تلك الدراسة، التي استمرت ثلاث سنوات ما بين مد و جزر هي: هذا الكتاب الذي بين يديك ...

و لا أدعي: أن كل ما في هذا الكتاب من آراء و استنتاجات، لا تعدو الحقيقة، و لا تشذ عن الصواب.

و لا أدعي أيضا: أنني استطعت أن أضع يدي على كل خيوط القضية، و أن أنفذ إلى جميع جذورها العميقة و الرئيسة؛ فان ذلك ليس من الأمور السهلة بالنسبة لأي حدث تاريخي مضى عليه العشرات و المئات من السنين؛ فكيف إذا كان إلى جانب ذلك مما قد أريد له- كما قلنا- أن تبقى دوافعه و أسبابه طي السرية و الكتمان، و ظروفه و ملابساته رهن الابهام و الغموض ...

لا ... لا أدعي هذا، و لا ذاك ... و إنما أقول:

إن هذا الكتاب قادر- و لا شك- على أن يرسم علامة استفهام كبيرة حول «طبيعية» هذا الحدث، و حول المأمون، و نواياه، و تصرفاته المشبوهة ...

و انه- على الأقل يمكن أن يعتبر خطوة على طريق الكشف الكامل عن جميع الحقائق، و التعرف على كافة العوامل و الظروف، التي اكتنفت هذا الحدث التاريخي الهام ....

ص: 16

تقسيم الكتاب ... باختصار ...

و من أجل استيفاء البحث من جميع جوانبه، كان لا بد لنا من تقسيم الكتاب إلى أقسام أربعة:

الأول: يتناول قيام الدولة العباسية، و أساليب دعوتها، و يعطي لمحة عن موقف العلويين، و العباسيين، كل منهما من الآخر، و ردود الفعل لذلك، و غير ذلك من أمور ...

الثاني: يبحث حول ظروف البيعة، و أسبابها، و نتائجها ...

الثالث: يتكفل بالقاء أضواء كاشفة عن المواقف، سواء بالنسبة إلى المأمون، أو بالنسبة إلى الإمام (ع) ...

الرابع: نعرض فيه لبعض الأحداث التي تلقي لنا ضوءا على حقيقة نوايا المأمون، و تكشف لنا عن بعض مخططاته ... و غير ذلك مما يتصل بذلك، و يرتبط به، بنحو من الارتباط و الاتصال ...

هذا:

و قد وضعنا في آخر الكتاب بعض الوثائق التاريخية الهامة، التي آثرنا أن يطلع القارئ بنفسه على نصها الكامل ...

و نسأل اللّه أن يوفقنا جميعا ... و يهدينا سبيل الرشاد ...

ص: 17

ص: 18

القسم الأوّل ممهدات ...

اشارة

1- قيام الدولة العباسية.

2- مصدر الخطر على العباسيين.

3- سياسة العباسيين ضد العلويين.

4- سياسة العباسيين مع الرعية ...

5- فشل سياسة العباسيين ضد العلويين.

ص: 19

ص: 20

قيام الدولة العباسية

العلويون في الماضي البعيد ...

بعد أن أمعن الأمويون في الانحراف عن الخط الاسلامي القويم، و أصبح واضحا لدى كل أحد، أن هدفهم ليس إلا الحكم و السيطرة، و التحكم بمقدرات الأمة و امكاناتها ... و أن كل همهم كان مصروفا إلى الملذات و الشهوات، أينما كانت، و حيثما وجدت ... و ليس لمصلحة الأمة، و سعادتها، و رفاهها عندهم أي اعتبار ...

و بعد أن لجوا في عدائهم لأهل البيت عليهم السلام، و بلغوا الغاية فيهم، قتلا، و عسفا، و تشريدا ... و خصوصا ما كان منهم في وقعة كربلاء التي لم يعرف التاريخ أبشع، و لا أفظع منها ... و جعلهم لعن علي عليه السلام سنة لهم، يشب عليها الصغير، و يهرم عليها الكبير ...

ثم ملاحقتهم لولده، و لكل من يتشيع لهم، تحت كل حجر و مدر، و في كل سهل و جبل؛ ليعفوا منهم الآثار، و يخلوا منهم الديار ...

بعد كل هذا ... و بفضل جهاد أهل البيت المتواصل، في سبيل توعية الامة، و تعريفها بأحقيتهم، و بحقيقة، و واقع تلك الطغمة الفاسدة ... كان من الطبيعي أن ينمو تعاطف الناس مع أهل البيت

ص: 21

و يزيد، كلما ازداد نفورهم من الأمويين، و نقمتهم عليهم؛ و ذلك تبعا لتزايد وعيهم، و تكشف الحقائق لهم، و لأنهم أدركوا من واقع الأحداث التي مرت بهم: أن أهل البيت عليهم السلام هم: الركن الوثيق، الذي لا نجاة لهم إلا بالالتجاء إليه، و ذلك الأمل الحي، الذي تحيا به الأمة، و تحلو معه الحياة ...

العرش الأموي في مهب الريح ...

و لهذا نجد: أن الثورات و الفتن ضد الحكم الاموي كانت تظهر من كل جانب و مكان، طيلة فترة حكمهم. حتى أنهكت قواهم، و اضعفتهم إلى حد كبير، و فنوا و أفنوا، حتى لم يعد باستطاعتهم ضبط البلاد، و لا السيطرة على العباد ...

و كانت تلك الثورات تتخذ الطابع الديني على العموم، مثل: ثورة أهل المدينة المعروفة ب «وقعة الحرة»، و ثورة قراء الكوفة و العراق، المعروفة ب «دير الجماجم» سنة 83 ه ... و قبلها ثورة المختار و التوابين سنة 67 ه. و أيضا ثورة يزيد بن الوليد مع المعتزلة على الوليد بن يزيد؛ للأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، سنة 126 ه. و كذلك ثورة عبد اللّه بن الزبير، الذي تغلب على البلاد ما عدا دمشق، و ما والاها مدة من الزمن ... ثم الثورة التي قامت ضد هشام في افريقيا.

و ثورة الخوارج بقيادة المتسمي ب «طالب الحق» سنة 128 ه ...

و أيضا ثورة الحارث بن سريح في خراسان، داعيا إلى كتاب اللّه، و سنة رسوله سنة 116 ه. إلى غير ذلك مما لا مجال لنا هنا لتتبعه و استقصائه ...

ص: 22

و اما ما كان منها بدافع غير ديني، بل من أجل الحكم، و السلطان، فنذكر منها على سبيل المثال: ثورة آل المهلب سنة 102 ه. و ثورة مطرف بن المغيرة ...

و أما في زمن مروان ...

و في زمن مروان بن محمد الجعدي، المعروف بمروان الحمار، كان الوضع في السوء و التدهور قد بلغ الغاية، و أوفى على النهاية؛ حيث بلغ من انشغال مروان بالثورات و الفتن، التي كانت قد شملت اكثر الاقطار: أنه لم يستطع أن يصغي إلى شكوى عامله في خراسان نصر بن سيار، الذي كان بدوره يواجه الثورات و الفتن، و من جملتها دعوة بني العباس، التي كانت تزداد قوة يوما بعد يوم، بقيادة أبي مسلم الخراساني ...

من خلال الاحداث ...

كل ذلك يكشف عن مدى تبرم الناس بحكم بني أمية، و بسلطانهم، الذي كان قائما على أساس من الظلم و الجور، و الابتزاز، و التحكم بمقدرات الأمة، و امكاناتها ... و يتضح لنا ذلك جليا إذا لاحظنا:

أن ما كان يتقاضاه الولاة لا يمكن أن يخطر على قلب بشر؛ و يكفي مثالا على ذلك أن نشير إلى أن خالدا القسري، كان يتقاضى راتبا سنويا قدره «20» مليون درهم، بينما ما كان يختلسه كان يتجاوز

ص: 23

ال «100» مليون (1). و إذا كان هذا حال الولاة، فكيف ترى كان حال الخلفاء، الذين كانوا يحقدون على كل القيم، و المثل، و الكمالات الانسانية ... و الذين وصف الكميت رأيهم في الناس، فقال:

رأيه فيهم كرأي ذوي الثلّة في الثائجات جنح الظلام.

جزّ ذي الصوف و انتقاء لذي المخّة، نعقا و دعدعا بالبهام (2).

نعم ... لقد كانت الأمة قد اقتنعت اقتناعا كاملا و نهائيا: بأن بني أمية ليس لهم بعد حق في أن يفرضوا أنفسهم قادة للامة، و لا روّادا لمسيرتها؛ لأن نتيجة ذلك ستكون- حتما- هي جرّ الامة إلى الهاوية، حيث الدمار و الفناء؛ فلفظتهم، و انقلبت عليهم، تأخذ منهم بعض الحقوق التي لها عندهم. إلى أن تمكنت أخيرا من أن تخلي منهم الديار، و تعفي منهم الآثار ...

و كان نجاح العباسيين طبيعيا ...

اشارة

و من هنا نعرف: أن نجاح العباسيين في الاستيلاء على مقاليد الحكم-

ص: 24


1- السيادة العربية ص 32، ترجمة الدكتور حسن ابراهيم حسن، و محمد زكي ابراهيم. و في البداية و النهاية ج 9 ص 325: أن دخل خالد القسري كان في كل سنة «13» مليون دينار، و دخل ولده يزيد بن خالد كان «10» ملايين دينار سنويا. و لا بأس بمطالعة كتاب السيادة العربية، ليعرف ما أصاب الناس، و خصوصا العراقيين و الخراسانيين في عهد الامويين ...
2- الهاشميات ص 26، 27. و الثلة: القطعة الكثيرة من الضان. و الثائجات: الصائحات. و انتقاء: اختيار. و أراد بذي المخة: السمينة. و نعقا: أي صياحا. و الدعدعة: زجر البهائم ... يقول: رأي الواحد من هؤلاء الخلفاء في رعيته، و معاملته لها كرأي أصحاب الغنم في غنمهم؛ فلا يراعون العدل، و لا الانصاف فيهم ...

في ذلك الحين- لم يكن ذلك الأمر المعجزة، و الخارق للعادة. بل كان أمرا طبيعيا للغاية؛ إذا ما أخذت الحالة الاجتماعية، و الظروف و الملابسات آنئذ بنظر الاعتبار؛ فان الامة كانت مهيأة نفسيا لقبول التغيير، أي تغيير ... بل كانت تراه أمرا ضروريا، لا بد منه، و لا غنى عنه؛ إذا كانت تريد لنفسها الحياة الفاضلة، و العيش الكريم ...

و لهذا ... فليس من الغريب أن نقول:

إنه كان بامكان أية ثورة أن تنجح، لو أنها تهيأت لها نفس الظروف، و سارت على نفس الخط، و اتبعت نفس الأساليب، التي اتبعها العباسيون في دعوتهم، و ثورتهم.

و نستطيع أن نتبين أساليب العباسيين تلك في ثلاثة خطوط عريضة و واضحة ...

الخط الأول:

«كانوا يصورون أنفسهم على أنهم ما جاءوا إلا لينفذوا الأمة من شرور بني أمية، و ظلمهم، و عسفهم، الذي لم يكن يقف عند حدود.

و كانت دعوتهم تتخذ اتجاه التبشير بالخلاص، و أنهم سوف يقيمون حكما مبدؤه العدل، و المساوات، و الأمن و السلام. و قد كانت و عودهم هذه كسائر الوعود الانتخابية، التي ألفناها من ساسة العصر الحديث ... بل لقد كانت الأماني التي خلقتها الدعوة العباسية في الجماهير مسئولة الى حد كبير عن ردود الفعل العنيفة، التي حدثت ضد الحكم العباسي بعد ذلك؛ حيث كان حكمهم قائما على الطغيان المتعطش إلى سفك الدماء (1) ...».

ص: 25


1- راجع: امبراطورية العرب، للجنرال جلوب، ترجمة: خيري حماد.
الخط الثاني:

إنهم لم يعتمدوا كثيرا على العرب، الذين كانوا يعانون من الانقسامات الداخلية الحادة، و إنما استعانوا بغير العرب، الذين كانوا في عهد بني أمية محتقرين، و منبوذين، و مضطهدين، و محرومين من أبسط الحقوق المشروعة، التي منحهم إياها الاسلام ... حتى لقد أمر الحجاج أن لا يؤم في الكوفة إلا عربي ... و قال لرجل من أهل الكوفة: لا يصلح للقضاء إلا عربي (1) ...

كما طرد غير العرب من البصرة، و البلاد المجاورة لها، و اجتمعوا يندبون: وا محمدا و أحمدا. و لا يعرفون أين يذهبون، و لا عجب أن نرى أهل البصرة يلحقون بهم، و يشتركون معهم في نعي ما نزل بهم من حيف و ظلم (2).

بل لقد قالوا: «لا يقطع الصلاة إلا: حمار، أو كلب، أو مولى (3) ...»

و قد أراد معاوية أن يقتل شطرا من الموالي، عند ما رآهم كثروا، فنهاه الأحنف عن ذلك (4) ...

و تزوج رجل من الموالي بنتا من أعراب بني سليم، فركب محمد بن بشير الخارجي إلى المدينة، و واليها يومئذ ابراهيم بن هشام بن اسماعيل،

ص: 26


1- ضحى الاسلام ج 1 ص 24، و العقد الفريد ج 1 ص 207، و مجلة الهادي، السنة الثانية العدد الأول ص 89، و تاريخ التمدن الاسلامي المجلد 2 جزء 4 ص 343.
2- السيادة العربية ص 56، 57، و لا بأس بمراجعة: تاريخ التمدن الاسلامي المجلد الأول ج 2 ص 274.
3- العقد الفريد طبع مصر سنة 1935 ج 2 ص 270، و تاريخ التمدن الاسلامي جزء 4 ص 341.
4- المصدران السابقان ...

فشكا إليه ذلك، فأرسل الوالي إلى المولى، ففرق بينه و بين زوجته، و ضربه مأتي سوط، و حلق رأسه، و حاجبه، و لحيته ... فقال محمد ابن بشير في جملة أبيات له:

قضيت بسنة و حكمت عدلاو لم ترث الخلافة من بعيد (1) و لم تفشل ثورة المختار، إلا لأنه استعان فيها بغير العرب، فتفرق العرب عنه لذلك (2).

و يقول أبو الفرج الاصفهاني: «... كان العرب إلى أن جاءت الدولة العباسية، إذا جاء العربي من السوق، و معه شي ء، و رأى مولى، دفعه إليه، فلا يمتنع (3)

بل كان لا يلي الخلافة أحد من أبناء المولدين، الذين ولدوا من أمهات أعجميات (4).

و أخيرا ... فان البعض يقول: إن قتل الحسين كان: «الكبيرة، التي هونت على الأمويين أن يقاوموا اندفاع الايرانيين؟ إلى الدخول في الاسلام (5) ...».

و بعد هذا ... فان من الطبيعي أن يبذل الموالي أرواحهم، و دماءهم و كل غال و نفيس في سبيل التخلص من حكم يعاملهم هذه المعاملة، و له فيهم هذه النظرة؛ فاعتماد الدعوة العباسية على هؤلاء كان منتظرا5.

ص: 27


1- الأغاني ج 14 ص 150، و ضحى الاسلام ج 1 ص 23، 24.
2- السيادة العربية و الشيعة و الاسرائيليات ص 40، و لا بأس أيضا بمراجعة: تاريخ التمدن الاسلامي، المجلد الأول، الجزء الثاني ص 282، 283.
3- ضحى الاسلام ج 1 ص 25.
4- ضحى الاسلام ج 1 ص 25، و العقد الفريد ج 6 ص 130، 131، طبعة ثالثة، و مجلة الهادي، السنة الثانية، العدد الأول ص 89.
5- الصلة بين التصوف و التشيع ص 95.

و متوقعا، كما أن اندفاع هؤلاء في نصرة الدعوة العباسية كان متوقعا، و منتظرا أيضا ...

الخط الثالث:

أنهم- أعني العباسيين- قد حاولوا في بادئ الأمر أن يربطوا دعوتهم و ثورتهم بأهل البيت عليهم السلام ...

و طبيعة البحث تفرض علينا أن نتوسع في بيان هذه النقطة بالذات و ذلك لمالها من الأهمية البالغة، بالنظر لما تركته من آثار بارزة على مدى التاريخ، و لأنها كانت الناحية التي اعتمد العباسيون عليها اعتمادا كليا، و تعتبر السبب الرئيس في وصول العباسيين إلى السلطة، و حصولهم على مقاليد الحكم ... و لهذا ... فنحن نقول:

دولة بني العباس في صحيفة ابن الحنفية:

قد نقل ابن أبي الحديد (1)، عن أبي جعفر الاسكافي: أنه قد صحت الرواية عندهم عن أسلافهم، و عن غيرهم من أرباب الحديث، أنه: لما مات علي أمير المؤمنين عليه السلام، طلب محمد بن الحنفية من أخويه: الحسن، و الحسين ميراثه من العلم، فدفعا إليه صحيفة، لو اطلعاه على غيرها لهلك. و كان في هذه الصحيفة ذكر لدولة بني العباس. فصرح ابن الحنفية لعبد اللّه بن العباس بالأمر، و فصله له ...

و الظاهر أن تلك الصحيفة انتقلت منه لولده أبي هاشم، و عن طريقه وصلت إلى بني العباس. و يقال: إنها قد ضاعت منهم أثناء

ص: 28


1- شرح نهج البلاغة ج 7 ص 149، 150.

حربهم مع مروان بن محمد الجعدي (1)، آخر خلفاء الأمويين ...

و قد ذكرت هذه الصحيفة في كلام بني العباس، و خلفائهم كثيرا، و سيأتي لها ذكر في رسالة المأمون للعباسيين، التي سوف نوردها في أواخر هذا الكتاب إن شاء اللّه ...

متى بدأ العباسيون دعوتهم، و كيف؟

و بعد هذا ... فان الشي ء المهم هنا هو تحديد الزمن الذي بدأ به العباسيون دعوتهم، و كيف؟.

و نستطيع أن نبادر هنا إلى القول:

إن الذين بدءوا بالدعوة أولا هم العلويون، و بالتحديد من قبل أبي هاشم، عبد اللّه بن محمد بن الحنفية. و هو الذي نظم الدعاة، و رتبهم، و قد انضوى تحت لوائه: محمد بن علي بن عبد اللّه بن العباس، و معاوية ابن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب، و عبد اللّه بن الحارث بن نوفل ابن الحارث بن عبد المطلب، و غيرهم ... و هؤلاء الثلاثة هم الذين حضروه حين وفاته، و أطلعهم على أمر دعاته ...

و قد قرأ محمد بن علي، و معاوية بن عبد اللّه تلك الصحيفة، المشار إليها آنفا، و وجد كل منهما ذكرا للجهة التي هو فيها ...

و لهذا نلاحظ: أن كلا من محمد بن علي، و معاوية بن عبد اللّه، قد ادعى الوصاية من أبي هاشم؛ مما يدل دلالة واضحة على أنه لم يخصص أيا منهما بالوصية، و إنما عرفهما دعاته فقط ...

ص: 29


1- شرح نهج البلاغة ج 7 ص 149.

هذا ... و بعد موت معاوية بن عبد اللّه، قام ابنه عبد اللّه يدعي الوصاية من أبيه، من أبي هاشم ... و كان له في ذلك شيعة، يقولون بامامته سرا حتى قتل ...

و أما محمد بن علي فقد كان بمنتهى الحنكة و الدهاء، و قد تعرف- كما قلنا- من أبي هاشم على الدعاة، و استطاع بما لديه من قوة الشخصية، و حسن الدهاء أن يسيطر عليهم، و يستقل بهم (1)، و يبعدهم عن معاوية بن عبد اللّه، و عن ولده، و يبعدهما عنهم ...

و استمر محمد بن علي يعمل بمنتهى الحذر و السرية ... و كان عليه أن:

1- يحذر العلويين، الذين كانوا أقوى منه حجة، و أبعد صيتا.

بل عليه أن يستغل نفوذهم- إن استطاع- لصالحه، و صالح دعوته ...

و لقد فعل ذلك هو و ولده كما سيتضح ...

2- و كان عليه أيضا أن يتحاشى مختلف الفئات السياسية، التي لن يكون تعامله معها في صالحه، و في صالح دعوته ...

3- و الأهم من ذلك أن يصرف أنظار الحكام الأمويين عنه، و عن نشاطاته، و يضللهم، و يعمي عليهم السبل ...

و لذا فقد اختار خراسان، فأرسل دعاته إليها، و أوصاهم بوصيته0.

ص: 30


1- شرح النهج للمعتزلي ج 7 ص 150.

المشهورة، التي يقسم فيها البلاد و الامصار: هذا علوي، و ذاك عثماني، و ذلك غلب عليه أبو بكر و عمر، و الآخر سفياني ... إلى آخر ما سيأتي (1) ...خ.

ص: 31


1- و لقد بذل محمد بن علي جهدا جبارا في إنجاح الدعوة، و كانت أكثر نشاطاته في حياة والده، علي بن عبد اللّه، الذي يبدو أنه لم يكن له في هذا الأمر دور يذكر. و توفي والده على ما يظهر في سنة 118 ه. و كان قد بدأ نشاطاته، حسب ما بأيدينا من الدلائل التاريخية من سنة 100 ه. أي بعد وفاة أبي هاشم بسنتين. إذ في: سنة 100 ه. وجه محمد بن علي من أرض الشراة ميسرة إلى العراق و وجه محمد بن خنيس، و أبا عكرمة السراج، و هو أبو محمد الصادق، و حيان العطار إلى خراسان. و فيها أيضا جعل اثني عشر نقيبا، و أمر دعاته بالدعوة إليه، و إلى أهل بيته ... و في سنة 102 ه. وجه ميسرة رسله إلى خراسان، و ظهر أمر الدعوة بها و بلغ ذلك سعيد خذينة، عامل خراسان؛ فأرسل، و أتى بهم، و استنطقهم، ثم أخذ منهم ضمناء و أطلقهم ... و في سنة 104 ه. دخل أبو محمد الصادق، و عدة من أصحابه، من أهل خراسان إلى محمد بن علي؛ فأراهم السفاح في خرقة، و كان قد ولد قبل خمسة عشر يوما، و قال لهم: «و اللّه، ليتمن هذا الأمر، حتى تدركوا ثاركم من عدوكم». و في سنة 105 ه. دخل بكير بن ماهان في دعوة بني هاشم ... و فيها مات ميسرة؛ فجعل محمد بن علي بكيرا هذا مكانه في العراق ... و في سنة 107، أو 108 ه. وجه بكير بن ماهان عدة من الدعاة إلى خراسان، فظفر بهم عامل خراسان؛ فقتلهم، و نجا منهم عمارة؛ فكان هو الذي أخبر محمد ابن علي بذلك. و في سنة 113 ه. صار جماعة من دعاة بني العباس إلى خراسان؛ فأخذ الجنيد بن عبد الرحمن رجلا منهم؛ فقتله، و قال: «من اصيب منهم فدمه هدر». و في سنة 117 ه. أخذ عامل خراسان أسد بن عبد اللّه وجوه دعاة بني العباس، و فيهم النقباء، و منهم سليمان بن كثير؛ فقتل بعضهم، و مثل ببعضهم، و حبس آخرين ... و في سنة 118 وجه بكير بن ماهان عمار بن يزيد- و هو خداش- واليا على شيعة بني العباس؛ فنزل مروا، و دعا إلى محمد بن علي؛ ثم غلا ... و في سنة 120 ه. و جهت شيعة بني العباس سليمان بن كثير إلى محمد بن علي في أمر خداش. و في سنة 124 ه. قدم جماعة من شيعة بني العباس الكوفة يريدون مكة. و فيها أيضا اشترى بكير بن ماهان أبا مسلم ... راجع في ذلك كله: تاريخ الطبري مطبعة الاستقامة ج 5 ص: 316، 358، 368، 387، 389، 425، 439، 440، 467، 512، و غير ذلك من كتب التاريخ.

و أمرهم- أعني الدعاة بالتحاشي عن الفاطميين، لكنه ظل هو شخصيا، و من معه من العباسيين، الذين استنوا بسنته، و ساروا من بعده بسيرته- ظلوا- يتظاهرون للعلويين بأنهم معهم، و أن دعوتهم لهم. و لم يكن إلا القليلون يعرفون بأنه: كان يدبر الأمر للعباسيين.

و قد أعطى دعاته شعارات مبهمة، لا تعين أحدا، و صالحة للانطباق على كل فريق، كشعار: «الرضا من آل محمد» و «أهل البيت»، و نحو ذلك ...

مدى سرية الدعوة:

و الظاهر ... أن عبد اللّه بن معاوية كان من جملة أولئك المخدوعين بهذه الشعارات؛ إذ قد ذكر المؤرخون، و منهم أبو الفرج في مقاتل الطالبيين ص 168، و غيره: أنه بعد ان استظهر ابن ضبارة على عبد اللّه ابن معاوية توجه عبد اللّه إلى خراسان، و كان أبو مسلم قد ظهر بها؛ فخرج إلى أبي مسلم طمعا في نصرته!! فأخذه أبو مسلم؛ فحبسه، ثم قتله ...

ص: 32

و هذا يدل دلالة واضحة على أن عبد اللّه بن معاوية كان يظن أن أبا مسلم سوف ينصره، و أنه- يعني أبا مسلم- كان يدعو إلى أهل البيت، و الرضا من آل محمد على الحقيقة، و لم يخطر في باله: أن الدعوة كانت للعباسيين، و بتدبير من أعظم داهية فيهم!! ..

بل لعلنا نستطيع أن نقول: إن محمد بن علي قد استطاع أن يخفي هذا الأمر حتى عن ولديه: السفاح، و المنصور، و لذا نراهما قد التحقا مع جميع بني هاشم العباسيين و العلويين على حد سواء، و بعض الأمويين (1) و وجوه قريش بعبد اللّه بن معاوية الخارج سنة 127 ه. في الكوفة، ثم في شيراز؛ حيث تغلب على: فارس، و كورها، و على حلوان، و قومس، و اصبهان، و الري و على مياه الكوفة، و على مياه البصرة، و على همدان، و قم، و اصطخر، و عظم أمره جدا (2).

و قد تولى المنصور من قبل عبد اللّه بن معاوية هذا على «إيذج» (3) كما تولى غيره غير ذلك من الأمصار ... فقبول المنصور لولاية «إيذج» من قبله، باعتباره من الهاشمين يكشف عن أنه لم يكن يعلم: أن والده كان ابتداء من سنة مائة، أي قبل خروج عبد اللّه بن معاوية ب «28» سنة يسعى جاهدا، و يشقى و يتعب في تدبير الامر للعباسيين، و تركيز الدعوة لهم ... و انما كان يعلم أن الدعوة كانت لأهل البيت، و الرضا منا.

ص: 33


1- الأغاني ج 11 ص 74، و مقاتل الطالبيين ص 167، و الوزراء و الكتاب ص 98.
2- راجع أنساب الأشراف ص 63، و الأغاني ج 11 ص 74، و مقاتل الطالبيين ص 167، و البداية و النهاية ج 10 ص 25، 26، و ص 3، و عمدة الطالب، و زاد في تاريخ الجنس العربي: المدائن، و نيسابور ...
3- أنساب الأشراف للبلاذري ص 63، و عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب طبع بمبئي ص 22، و الوزراء و الكتاب ص 98 و 99، و فرج المهموم في تاريخ علماء النجوم ص 210. و فيه: أن سليمان بن حبيب بن المهلب أخذه؛ فحبسه، و أراد قتله، فسلم المنصور منه بعد أن أشرف على القتل ... و ليراجع الجهشياري أيضا.

آل محمد، المنطبق- بالطبع- على العلويين أكثر من غيرهم على الاطلاق ...

و إلا فلو كان لمحمد بن علي دعوة واضحة، و مشهورة، و متميزة، و كان المنصور يعلم بها لكان توليه لإيذج من قبل عبد اللّه بن معاوية مضرا جدا في دعوة أبيه، و ضربة قاضية لها ...

اللهم إلا أن يكون ثمة غرض آخر أهم؛ فيكون ذلك منهم حنكة و دهاء ... كأن يكون نظرهم إلى أنه: لو نجحت دعوتهم، فبها ...

و إلا ... فلو نجحت دعوة عبد اللّه بن معاوية، فباستطاعتهم أن يحتفظوا فيها بمراكزهم، و نفوذهم؛ إذ لهم أن يقولوا: إننا كنا من المعاونين و المساهمين في هذه الدعوة ... كما أن بذلك تنصرف أنظار الحكام عنهم، و يأمن العلويون جانبهم؛ فلا يناهضون دعوتهم و لا يقفون في وجهها ...

و بهذه الاسباب نستطيع أن نفسر بيعة العباسيين جميعا، اكثر من مرة لمحمد بن عبد اللّه العلوي، و به أيضا نفسر جواب المنصور لسائله عن محمد بن عبد اللّه هذا، حيث قال: «هذا محمد بن عبد اللّه بن الحسن ابن الحسن، مهدينا أهل البيت» و يأخذ بركابه، و يسوي عليه ثيابه (1).

و أيضا قوله في مجلس البيعة لمحمد هذا: «ما الناس أصور أعناقا، و لا أسرع إجابة منهم لهذا الفتى ...» كما سيأتي ...

و مما يوضح أيضا مدى تكتم العباسيين بأمر دعوتهم، أن: إبراهيم الامام قد بشر بأنه قد أخذت له البيعة بخراسان- و هو في نفس الاجتماع الذي كان قد عقد ليجددوا فيه البيعة لمحمد بن عبد اللّه بن الحسن ... و سيأتي المزيد من الشواهد لهذا أيضا إن شاء اللّه تعالى.

و هكذا ... فان النتيجة تكون هي: أن العباسيين ظلوا يتسترون0.

ص: 34


1- مقاتل الطالبيين ص 239، 240.

بالعلويين، و يخدعونهم، على اعتبار أنهم لو نجحوا في دعوتهم السرية، فان بيعتهم للعلويين، و دعوتهم لهم لا تضرهم، و إذا ما فشلوا فانهم سوف يحتفظون بنفوذهم و مراكزهم في دولة أبناء عمهم ...

هذا مجمل الكلام بالنسبة للدعوة العباسية، و لكن طبيعة البحث تفرض علينا التوسع في بيان المراحل التي مرّت بها هذه الدعوة، و لا سيما فيما يتعلق بربطها بأهل البيت عليهم السلام، و العلويين، و مدى اعتمادهم على هذا الربط ... فنقول:

لا بد من ربط الثورة بأهل البيت ...

إنه كان لا بد للعباسيين من ربط الثورة و الدعوة بأهل البيت عليهم السلام، حيث إنهم كانوا بحاجة إلى:

أولا: صرف انظار الحكام عنهم ...

ثانيا: كسب ثقة الناس بهم، و الحصول على تأييدهم لهم.

ثالثا: أن لا تقابل دعوتهم بالاستغراب، و الاستهجان، حيث إنهم لم يكونوا معروفين في أقطار، و انحاء الدولة الاسلامية المترامية الأطراف، و لا كان يعرف أحد لهم حقا في الدعوة لأنفسهم، كما هو الحال بالنسبة إلى العلويين، مما يجعل الدعوة لهم مع وجود العلويين مستغربة و مستهجنة إلى حد ما ...

رابعا:- و هو أهم ما في الامر- أن يطمئن إليهم العلويون، و يثقوا بهم، حتى لا تكون لهم دعوة في مقابل دعوتهم، لأن ذلك بلا شك سوف يضعفهم، و يوهن قوتهم، لما يتمتع به العلويون من نفوذ و مكانة في نفوس الناس بشكل عام ...

و لهذا نرى أبا سلمة الخلال، يعتذر لابي العباس السفاح، عن كتابته

ص: 35

للامام الصادق عليه السلام، بأن يجعل الدعوة باسمه، و يبايعه- يعتذر- بأنه: «كان يدبر استقامة الأمر (1)».

نعم ... لقد كان لربطهم الثورة بأهل البيت عليهم السلام أثر كبير في نجاح ثورتهم، و ظهور دعوتهم. و قد أكسبها ذلك قوة و منعة، و جعلها في منأى و مأمن من طمع الطامعين، و تطلع المتطلعين، الذين كانوا يرجون لأنفسهم حظا من الحياة الدنيا، و ما أكثرهم ...

كما و أن ذلك قد أثر أثرا بالغا في اكتسابهم عطف الأمة، و تأييدها، و خصوصا الخراسانيين، الذين كانوا لا يزالون يعيشون الإسلام بعيدا عن أهواء المبتدعين، و تلاعب المتلاعبين، و الذين: «و إن كانوا أقل غلوا (أي من أهل الكوفة)، فقد كانوا أكثر حماسة للدعوة لأهل البيت» (2)؛ و ذلك لأنهم لم يعاملوا معاملة حسنة في الواقع، و لم يسر فيهم بسيرة محمد و القرآن إلا علي بن أبي طالب عليه السلام (3) ...

كما أنهم لم ينسوا بعد ما لا لاقوه في الدولة الأموية من العسف و التنكيل؛ و لذا فمن الطبيعي أن نراهم مستعدين لتقبل أية دعوة لأهل البيت عليهم السلام، و التفاعل معها، بل و التفاني في سبيلها. كما أن بلدهم كان بعيدا من مركز الخلافة بالشام و لم يكن فيه فرق و أحزاب متناحرة كالعراق الذي كان فيه شيعة و خوارج و مرجئة و غير ذلك. و كانت وطأة الحكم العباسي على العراق و مراقبتهم لكل حركة فيه أشد منها في خراسان ...

و بالفعل لقد شيد الخراسانيون، الذين كانوا يحبون أهل البيت عليهم السلام أركان دولة بني العباس، و قامت خلافتهم على أكتافهم، و استقامت9.

ص: 36


1- تاريخ اليعقوبي ج 3 ص 87.
2- السيادة العربية، و الشيعة، و الاسرائيليات ص 106.
3- نفس المصدر ص 39.

لهم الامور بفضل سواعدهم، و أسيافهم، و سيأتي إن شاء اللّه المزيد من الكلام عن الايرانيين، و عن سر تشيعهم، و خاصة الخراسانيين منهم في فصل: ظروف المأمون الخ ... و غيره من الفصول ...

المراحل التي مرت بها عملية الربط:

اشارة

و لقد مرت عملية الربط هذه بثلاثة مراحل أو أربعة، طبقا للظروف التي كانت قائمة آنذاك ... و إن كانت هذه المراحل قد تبدو متداخلة، و غير مميزة في أحيان كثيرة (1) ... إلا أن ذلك كان تبعا للظروف المكانية، و الزمانية، و الاجتماعية، التي كانت تتفاوت و تختلف باستمرار إلى حد كبير ... و هذه المراحل هي:

الأولى: دعوتهم في بادئ الأمر «للعلويين».

الثانية: دعوتهم إلى: «أهل البيت»، و «العترة».

الثالثة: دعوتهم إلى «الرضا من آل محمد».

الرابعة: ادعاؤهم الخلافة بالارث، مع حرصهم على ربط الثورة بأهل البيت، بدعوى: أنهم إنما خرجوا للأخذ بثارات العلويين، و ليرفعوا عنهم الظلم الذي حاق بهم ...

المرحلة الأولى:

و إذ قد عرفنا أن الدعوة كانت في بدء أمرها للعلويين، فلا يجب

ص: 37


1- قال في العيون و الحدائق ص 180: «و كان قد انتشر في خراسان دعاة من الشيعة، و قد انقسموا قسمين: قسم منهم يدعو إلى آل محمد على الاطلاق. و القسم الثاني يدعو إلى أبي هاشم بن محمد بن الحنفية، و كان المتولي لهذه الدعوة إلى آل رسول اللّه (ص) ابن كثير، و كان الدعاة يرجعون في الرأي و الفقه إلى أبي سلمة الخ ...».

أن نستغرب كثيرا، إذا قيل لنا: إن جلة العباسيين، حتى ابراهيم الامام، و السفاح، و المنصور كانوا قد بايعوا للعلويين اكثر من مرة، و في اكثر من مناسبة، فإن ذلك ما كان الا ضمن خطة مرسومة، وضعت بعناية فائقة، بعد دراسة معمقة لظروفهم مع العلويين خاصة، و مع الناس بشكل عام ...

و يمكن أن نعتبر بيعتهم هذه هي المرحلة الأولى من تلك المراحل المشار إليها آنفا ...

فنراهم عدا عن تعاونهم الواضح مع عبد اللّه بن معاوية، قد بايعوا محمد بن عبد اللّه بن الحسن أكثر من مرة أيضا، فقد:

«اجتمع آل عباس، و آل علي عليه السلام بالأبواء، على طريق مكة، و هناك قال صالح بن علي: «إنكم القوم الذين تمتد إليهم أعين الناس، فقد جمعكم اللّه في هذا الموضع، فاجتمعوا على بيعة أحدكم، فتفرقوا في الآفاق، فادعوا اللّه، لعل أن يفتح عليكم، و ينصركم»، فقال أبو جعفر، أي المنصور: «لأي شي ء تخدعون أنفسكم؟ و اللّه، لقد علمتم: ما الناس أصور (أي أميل) أعناقا، و لا أسرع إجابة منهم إلى هذا الفتى»، يريد محمد بن عبد اللّه العلوي ...

قالوا: «قد و اللّه صدقت، إنا لنعلم هذا»، فبايعوا جميعا محمدا، و بايعه ابراهيم الامام، و السفاح، و المنصور، و صالح بن علي، و سائر من حضر» طبعا ما عدا الامام الصادق عليه السلام ...».

و خرج دعاة بني هاشم عند مقتل الوليد بن يزيد، فكان أول ما يظهرونه فضل علي بن أبي طالب و ولده، و ما لحقهم من القتل، و الخوف، و التشريد، فإذا استتب لهم الأمر ادعى كل فريق الوصية إلى من يدعو إليه ...

و لم يجتمعوا (أي المتبايعون الآنف ذكرهم) إلى أيام مروان بن

ص: 38

محمد، ثم اجتمعوا يتشاورون، إذ جاء رجل إلى ابراهيم الامام، فشاوره بشي ء، فقام و تبعه العباسيون، فسأل العلويون عن ذلك، فاذا الرجل قد قال لإبراهيم: «قد أخذت لك البيعة بخراسان، و اجتمعت لك الجيوش ...».

بل لقد بايع المنصور محمد بن عبد اللّه العلوي مرتين: إحداهما:

بالأبواء على طريق مكة. و الأخرى: بالمدينة. و بايعه مرة ثالثة أيضا:

في نفس مكة، و في المسجد الحرام بالذات ...

و من هنا نعرف السبب في حرص السفاح و المنصور على الظفر بمحمد ابن عبد اللّه العلوي، فان ذلك لم يكن إلا بسبب ما كان له في اعناقهما من البيعة (1) .....

ص: 39


1- قد اقتبسنا هذه النصوص كلها من كثير من المراجع، و خصوصا: مقاتل الطالبيين، لأبي الفرج الاصفهاني، صاحب الأغاني ص 233، 234، 256، 257، 295، و غيرها ... و على كل فان كون الدعوة العباسية كانت في بدء أمرها باسم العلويين، يبدو مما لا شك فيه، و مما اتفقت عليه كلمات المؤرخين، و النصوص التاريخية، التي سوف نشير إلى شطر منها في هذا الفصل ... و لا بأس أن يراجع بالاضافة إلى مقاتل الطالبيين في الصفحات المشار إليها: النصوص التي وردت في: النزاع و التخاصم للمقريزي ص 50، و تاريخ ابن خلدون ج 4 ص 3، و ج 3 ص 187، و الفخري في الآداب السلطانية ص 164، 165، و تاريخ التمدن الاسلامي ج 4 ص 397، 398، و البحار ج 47 ص 120 و ص 277، و عمدة الطالب، طبع بيروت ص 84، و الخرائج و الجرائح ص 244، و جعفر ابن محمد، لعبد العزيز سيد الاهل ص 115، فما بعدها، و غاية الاختصار ص 22، و إعلام الورى ص 271، 272، و ارشاد المفيد ص 294، 296، و كشف الغمة ج 2 ص 383، 384، و ابن اعثم الكوفي في كتابه: الفتوح على ما نقله في طبيعة الدعوة العباسية، ... و أشار الطبري إلى ذلك في تاريخه ج 10 ص 143، فقال: قد ذكروا أن محمدا كان يذكر أبا جعفر ممن بايعه ليلة تشاور بنو هاشم بمكة فيمن يعقدون له الخلافة، حين اضطرب أمر بني مروان ... و أشار إلى ذلك أيضا ابن الأثير ج 4 ص 270، و يراجع أيضا شرح ميمية أبي فراس ص 114، و ص 104. 105. و غير هؤلاء كثير ...

و قد ذكر أبو فراس الحمداني هذه البيعة في قصيدته المشهورة، المعروفة ب «الشافية»، فقال:

بئس الجزاء جزيتم في بني حسن أباهم العلم الهادي و أمهم

لا بيعة ردعتكم عن دمائهم و لا يمين، و لا قربى، و لا ذمم و ذكر ابن الأثير: أن عثمان بن محمد، بن خالد بن الزبير، هرب بعد مقتل محمد إلى البصرة، فأخذ و أتي به إلى المنصور، فقال له المنصور: يا عثمان، أنت الخارج علي مع محمد؟!. قال له عثمان:

بايعته أنا و أنت بمكة، فوفيت ببيعتي، و غدرت ببيعتك. فشتمه المنصور، فأجابه، فأمر به فقتل (1) ...

و ذكر البيهقي: أنه لما حمل رأس محمد بن عبد اللّه بن الحسن إلى المنصور، من مدينة الرسول، صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، قال لمطير بن عبد اللّه: «أ ما تشهد أن محمدا بايعني؟.» قال: «أشهد باللّه، لقد أخبرتني أن محمدا خير بني هاشم، و أنك بايعت له ...» قال: يا ابن الزانية الخ:

و كانت النتيجة: أن المنصور أمر به، فوتد في عينيه، فما نطق!!. (2)

إلى آخر ما هنالك من النصوص الكثيرة، التي يتضح معها بما لا مجال معه للشك: أن الدعوة كانت في بدء أمرها لخصوص العلويين، و باسمهم، ثم استغلت بعد ذلك لمصلحة العباسيين ...

المرحلة الثانية ...

ثم رأينا بعد ذلك: كيف أن الدعوة العباسية تستبعد العلويين،

ص: 40


1- الكامل لابن الأثير ج 5 ص 12.
2- المحاسن و المساوي للبيهقي ص 482.

و تتحاشى التصريح باسمهم، بطريقة فيها الكثير من الدهاء، و السياسة، حيث اقتصروا في دعوتهم- بعد ذلك- على أنها ل «أهل البيت»، و «العترة»، و هذه هي المرحلة الثانية من المراحل الأربع التي أشرنا إليها ...

و كان الناس لا يفهمون من كلمة: «أهل البيت» إلا العلويين، لانصراف الأذهان إليهم عند اطلاق هذه العبارة، و ذلك بسبب الآيات و الروايات الكثيرة، التي استخدمت هذا التعبير للدلالة عليهم، دون غيرهم ...

فهذا أبو داود يقول للنقباء: «... أ فتظنونه- أي النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم- خلفه- أي العلم- عند غير عترته، و أهل بيته، الأقرب، فالأقرب؟! ...

إلى أن قال: ا فتشكون أنهم معدن العلم، و أصحاب ميراث رسول اللّه (ص)؟! .. (1)»

و هذا أبو مسلم الخراساني القائم بالدولة العباسية، يكتب إلى الإمام الصادق صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و يقول: «إني دعوت الناس إلى موالاة أهل البيت، فان رغبت فيه، فأنا أبايعك؟.».

فأجابه الامام صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «.. ما أنت من رجالي، و لا الزمان زماني»، ثم جاء أبو مسلم، و بايع السفاح، و قلده الخلافة (2).

و قال السيد امير علي بعد أن ذكر ادعاء العباسيين للوصاية من أبي هاشم: «.. و قد لاقت هذه القصة بعض القبول في بعض المناطق الإسلامية. أما عند عامة المسلمين، الذين كانوا يتعلقون بأحفاد محمد،ي.

ص: 41


1- الطبري، طبع ليدن ج 9 ص 1961.
2- الملل و النحل للشهرستاني، طبع مؤسسة الحلبي في القاهرة ج 1 ص 154، و طبع العنانية ص 87، و ينابيع المودة للحنفي ص 381، نقلا عن: فصل الخطاب، لمحمد بارسا البخاري.

فقد ظل دعاة العباسيين يؤكدون لهم أنهم يعملون لحساب: أهل البيت.

و حتى ذلك الوقت كان العباسيون يظهرون الولاء التام لبني فاطمة، و يخلعون على حركتهم، و على سياساتهم مظهر الوصول إلى هدف ضمان العدالة، و الحق لأحفاد محمد .. و كان ممثلوا أهل البيت، و محبوهم، لا يخامرهم الشك في الغدر، الذي تبطنه هذه الاعترافات من العباسيين؛ فشملوا محمد بن علي، و جماعته بعطفهم و حمايتهم، الذين كانوا في حاجة إليهما ..» (1).

و يقول: «... و كانت كلمة: «أهل البيت» هي السحر الذي يؤلف بين قلوب مختلف طبقات الشعب، و يجمعهم حول الراية السوداء ...» (2).

المرحلة الثالثة:
اشارة

ثم تأتي المرحلة الثالثة، و يتقلص ظل العلويين، و أهل البيت عن هذه الدعوة، أكثر فأكثر، كلما ازدادت قوتها، و اتسع نفوذها، حيث رأينا أخيرا انها اتسعت بحيث تستطيع أن تشمل العباسيين أيضا مع العلويين.

حيث أصبحت إلى: «الرضا من آل محمد»، و إن كانوا لا يزالون يذكرون فضل علي، و ما لحق ولده من القتل و التشريد، كما يتضح بأدنى مراجعة لكتب التاريخ ...

و هذه العبارة، و إن كانت لا تختلف كثيرا عن عبارة: «العترة، و أهل البيت»، و نحوها ... إلا أنها كانت في أذهان العامة أبعد من أن يراد بها العلويون على الخصوص ... و لكن مع ذلك بقيت الجماهير

ص: 42


1- روح الاسلام ص 306 و 308. و لا بأس بمراجعة ما ورد في كتاب الامام الصادق و المذاهب الأربعة ج 1 جزء 2 ص 532. و السيادة العربية و الشيعة و الإسرائيليات ص 94. و امبراطورية العرب ص 406، و طبيعة الدعوة العباسية، و غير ذلك.
2- روح الاسلام ص 306 و 308. و لا بأس بمراجعة ما ورد في كتاب الامام الصادق و المذاهب الأربعة ج 1 جزء 2 ص 532. و السيادة العربية و الشيعة و الإسرائيليات ص 94. و امبراطورية العرب ص 406، و طبيعة الدعوة العباسية، و غير ذلك.

تعتقد أن الخليفة سيكون علويا، كما كان العلويون يعتقدون ذلك ...» (1)

على حد تعبير أحمد شلبي ... و إذا صح هذا، و فرض- و لو بعيدا- أن شعار: الرضا من آل محمد لا يختلف عن شعار: العترة، و أهل البيت في أذهان عامة الناس، فلسنا نصر على جعل هذا مرحلة مستقلة، بل يكون داخلا فيما سبقه، و تكون المراحل حينئذ ثلاثة، لا أربعة ...

ملاحظات لا بد منها في المرحلة الثالثة:
اشارة

و قبل الانتقال إلى الكلام على المرحلة الرابعة، و الأخيرة. لا بد من ملاحظة أمور:

أ:

انهم في نفس الوقت الذي نراهم فيه يبعدون الدعوة عن أهل البيت، كما يدلنا عليه قول محمد بن علي العباسي لبكير بن ماهان:

«و حذر شيعتنا التحرك في شي ء مما تتحرك فيه بنو عمنا آل أبي طالب؛ فإن خارجهم مقتول، و قائمهم مخذول؛ و ليس لهم من الأمر نصيب، و سنأخذ بثأرهم ...» (2).

و كما يدلنا عليه ما رواه الطبري من أن محمد بن علي نهى دعاته عن رجل اسمه: غالب؛ لأنه كان مفرطا في حب بني فاطمة (3) ...

نراهم من جهة ثانية: و حتى لا يصطدموا بالعلويين وجها لوجه ...

كانوا في جميع مراحل دعوتهم يتكتمون جدا باسم الخليفة، الذي يدعون الناس إليه، و إلى بيعته، بل إن الشخص الذي كانوا يدعون

ص: 43


1- التاريخ الاسلامي و الحضارة الاسلامية لأحمد شلبي ج 3 ص 20.
2- طبيعة الدعوة العباسية 152، نقلا عن: مخطوطة العباسي ص 93 أ، 93 ب.
3- راجع: تاريخ الجنس العربي ج 8 ص 411.

الناس إليه، و إلى بيعته ... بل و كان الناس يبايعونه ما كانوا يعرفونه، بل يعرفه الدعاة فقط، و على الناس أن يبايعوا إلى «الرضا من آل محمد» و لا بأس بمراجعة نص البيعة في تاريخ التمدن الاسلامي، المجلد الأول، الجزء الاول ص 125.

و لعل هدفهم من ذلك كان أيضا: هو أن لا يربطوا الدعوة بفرد معين، حتى لا تضعف إذا ما مات، أو اغتيل ...

و على كل فقد نص ابن الأثير في الكامل ج 4 ص 310، حوادث سنة 130 على أن أبا مسلم كان يأخذ البيعة إلى الرضا من آل محمد ...

و مثل ذلك كثير في كلمات المؤرخين، و إليك بعض النصوص التاريخية، التي تدل على ذلك:

ففي الكامل ج 4 ص 323 نص على أن محمد بن علي بعث داعيا إلى خراسان يدعو إلى «الرضا من آل محمد» و لا يسمي أحدا، و لعل الذي أرسله هو أبو عكرمة الآتي ذكره ...

و قد قال محمد بن علي العباسي لأبي عكرمة: «فلتكن دعوتك إلى: «الرضا من آل محمد»؛ فاذا وثقت بالرجل، في عقله، و بصيرته، فاشرح له أمركم ...

و ليكن اسمي مستورا من كل أحد، إلا عن رجل عدلك في نفسك، و توثقت منه، و أخذت بيعته ...».

ثم أمره بالتحاشي عن الفاطميين (1) ...

و يقول أحمد شلبي: «... كانوا (أي العباسيون) يوهمون العلويين بأنهم يعملون لهم، و لكنهم في الواقع كانوا يعملون لأنفسهم» (2) ...0.

ص: 44


1- طبيعة الدعوة العباسية ص 155، نقلا عن:DIC .PO ص 95 أ/ 95 ب.
2- التاريخ الاسلامي و الحضارة الاسلامية ج 3 ص 20.

و يقول أحمد أمين: «... و مع هذا فكان من إحكام أمرهم أنهم لم يكونوا يصرحون عند دعوتهم في كثير من المواقف باسم الإمام؛ ليتجنبوا انشقاق الهاشميين بعضهم على بعض ...» (1).

و لو كان الخليفة معينا و معروفا عند الناس، لما استطاع أبو مسلم، و أبو سلمة، و سليمان الخزاعي، أن يكاتبوا الإمام الصادق عليه السلام، و غيره من العلويين، أنهم يبايعونهم، و يجعلون الدعوة لهم، و باسمهم ...

و قد تقدمت رسالة أبي مسلم للإمام الصادق عليه السلام، التي يصرح فيها بأنه: إنما دعا الناس إلى موالاة أهل البيت فقط، أي من دون تصريح باسم أحد ...

و قد قال أحدهم: كنت عند أبي عبد اللّه عليه السلام، فأتاه كتاب أبي مسلم؛ فقال: «ليس لكتابك جواب. أخرج عنا» (2).

و قال السيد أمير علي عن أبي مسلم: «و قد ظل إلى هذا الوقت مواليا، بل مخلصا، بل متحمسا لابناء علي (3)».

و قال صاحب قاموس الأعلام: «و عرض أبو مسلم الخراساني الخلافة ابتداء على الامام الصادق، فلم يقبلها (4)».1.

ص: 45


1- ضحى الاسلام ج 3 ص 380، 381.
2- روضة الكافي ص 274، و البحار ج 47 ص 297.
3- روح الاسلام ص 306.
4- راجع المجلد الأول، الجزء الأول من كتاب: الامام الصادق و المذاهب الأربعة ص 57، نقلا عن: قاموس الاعلام ج 3 ص 1821 طبع استانبول، تأليف: ش. سامي ... و رغم أن أبا مسلم قد قضى على عدة ثورات قامت باسم العلويين، على ما في كتاب: طبيعة الدعوة العباسية ص 251، 253، فاننا نعتقد أن رسائله هذه، و رسائله التي أرسلها إلى المنصور يظهر فيها الندم على أنه زوى الأمر عن أهله، و وضعه في غير محله ... هي السر، و السبب الحقيقي الكامن و راء قتله، مع أنه مؤسس الدولة العباسية (و من سل سيف البغي قتل به)، و مشيد أركانها ... و قد استظهر ذلك أيضا المستشرق العلامة (بلوشيه) على ما في كتاب طبيعة الدعوة العباسية ص 251، و أشار إليه أيضا السيد أمير علي في كتابه: روح الاسلام ص 311.

و أما أبو سلمة: فانه عند ما خاف من انتقاض الامر عليه، بسبب موت ابراهيم الإمام، أرسل- و السفاح في بيته- إلى الامام الصادق عليه السلام يطلب منه القدوم عليه ليبايعه، و تكون الدعوة باسمه، كما أنه كتب بمثل ذلك إلى عبد اللّه بن الحسن ... لكن الامام عليه السلام، الذي كان في منتهى اليقظة و الحزم. رفض الطلب، و أحرق الكتاب، و طرد الرسول (1) ...

و قد نظم أبو هريرة الأبّار، صاحب الامام الصادق عليه السلام هذه الحادثة شعرا، فقال:

و لما دعا الداعون مولاي لم يكن ليثي إليه عزمه بصواب

و لما دعوه بالكتاب أجابهم بحرق الكتاب دون رد جواب ن.

ص: 46


1- مروج الذهب ج 3 ص 253، 254، و ينابيع المودة ص 381، و تاريخ اليعقوبي ج 3 ص 86، و الوزراء و الكتاب ص 86، و هامش ص 421 من امبراطورية العرب، و الفخري في الآداب السلطانية ص 154، 155، و روح الاسلام ص 308، و عمدة الطالب، طبع بيروت ص 82، 83، و الكامل لابن الأثير ... و نقله في المناقب لابن شهرآشوب ج 4 ص 229، و البحار ج 47 ص 132 عن ابن كادش العكبري في: مقاتل العصابة ... لكنهما (أعني المناقب و البحار) ذكرا أن الذي كتب للامام هو أبو مسلم ... و في المناقب ج 4 آخر ص 229، و البحار ج 47 ص 133 نقلا عن رامش الافزاري أن الذي كتب إلى الامام هو أبو مسلم الخلال!!! ... و واضح أن هذا هو السبب الحقيقي لقتل أبي سلمة، و قد صرح بذلك جمع من المؤرخين و الباحثين.

و ما كان مولاي كمشري ضلالةو لا ملسا منها الردى بثواب

و لكنه للّه في الارض حجةدليل الى خير، و حسن مآب (1) و كتب إليه أبو سلمة أيضا مرة ثانية، عند ما أقبلت الرايات: «إن سبعين الف مقاتل وصل إلينا، فانظر أمرك». فأجابه الامام بالرفض أيضا (2) ...

و أما سليمان الخزاعي: المدبر الحقيقي للثورة في خراسان، فانه اتصل بعبد اللّه بن الحسين الأعرج، و هما يسايران أبا جعفر المنصور في خراسان، عند ما أرسله السفاح إليها، قال سليمان لعبد اللّه: «إنا كنا نرجو أن يتم أمركم، فاذا شئتم فادعونا إلى ما تريدون!!»، فعلم أبو مسلم بالأمر، فقتل سليمان هذا (3) ...

بل إن هذا إن دل على شي ء فانما يدل على أن كثيرا من الدعاة ما كانوا يعرفون: أن الخليفة سيكون عباسيا، فضلا عن أن يكونوا يعرفونه باسمه الصريح ...

قال الدكتور فاروق عمر: «على أننا نستطيع القول: إن اسم الامام كان معروفا لدى الحلقات الخاصة من الشيعة الهاشمية، أو العباسية، و أن الكثير من الأنصار، الذين ساندوا الثورة، و منهم ابن الكرماني نفسه، لم يكن يعرف أن «الرضا من آل البيت» سيكون عباسيا، مع أن ابن الكرماني كان قائدا كبيرا، و كان يطمع إلى الاستيلاء على5.

ص: 47


1- مناقب ابن شهرآشوب ج 4 ص 230. و البحار ج 47 ص 133.
2- مناقب ابن شهرآشوب ج 4 ص 229، و البحار ج 47 ص 133، و الامام الصادق و المذاهب الأربعة ج 1 ص 47.
3- الطبري ج 10 ص 132، و الامامة و السياسة ج 2 ص 125.

خراسان (1) ...».

ب:

يلاحظ أن العباسيين قد موهوا على الناس، و استطاعوا أن يخدعوهم، حيث خيلوا لهم في بادئ الأمر أن الثورة كانت للعلويين ...

ثم بدءوا يعدون العدة لما سوف يقولون للناس عند اكتشافهم لحقيقة الأمر؛ فصنعوا سلسلة الوصاية المعروفة عنهم من علي بن أبي طالب، إلى محمد ابن الحنفية، فإلى أبي هاشم، فإلى علي بن عبد اللّه بن العباس ...

و هكذا ... و هي في الحقيقة نفس عقيدة الكيسانية، كما سنشير إليها في بعض الهوامش الآتية.

و قد جازت حيلتهم هذه على الناس، الذين كانوا يظنون أنهم يعملون للعلويين (2)، حتى لقد خفي أمرهم عن عبد اللّه بن معاوية حسما قدمنا، بل لقد كان من جملة المخدوعين، الذين اكتشفوا الحقيقة بعد فوات الأوان، سليمان الخزاعي، الذي تقدم أنه- باعترافه- كان يرجو هذا الأمر للعلويين، و أبو مسلم الخراساني الذي صارح المنصور بأن السفاح كان قد خدعه ... و أنه خدع أيضا من قبل ابراهيم الإمام، حيث ادعيا الوصاية و الامامة، و حرفا الآيات الواردة في أهل البيت لتنطبق عليهم، مما كان من نتيجته أن زوى الأمر عن أهله، و وضعه

ص: 48


1- طبيعة الدعوة العباسية ص 209 ... و لقد اشتبه الأمر على الدكتور فاروق عمر؛ فان ابن الكرماني كان من عمال الامويين، و لم يكن من الشيعة في أي وقت من الأوقات، و انما استماله أبو مسلم توطئة للغدر به ... و لم يكن أبو مسلم و لا غيره من الدعاة و النقباء ليصرحوا لعدوهم بمثل هذا الأمر الذي يخفونه عن أخص الناس بهم، بل حتى عمن هم مثل المنصور.
2- امبراطورية العرب ص 206، و غير ذلك كثير ...

في غير محله (1).

أما انخداع ابن الكرماني فهو من الامور الواضحة و المعروفة. بل لقد رأينا البعض يذكر أن أبا سلمة الخلال كان أيضا من جملة المخدوعين، حيث كان يتوهم: أن الخليفة سيكون علويا لا عباسيا (2) ...

ج:

و مما تجدر الاشارة إليه هنا، هو ما تقدم: من رفض الامام القاطع لعرض كل من أبي سلمة، و أبي مسلم في جعل الدعوة له، و باسمه ...

و ما ذلك إلا لعلمه عليه السلام: بأن هؤلاء ليس لهم من هدف، إلا الوصول إلى مآربهم من الحكم و السلطان، ثم يتخلصون من كل من لا يعودون بحاجة إليه، إذا اعتبروه عقبة في طريقهم ... كما كان الحال في قتلهم أبا مسلم، و سليمان بن كثير، و أبا سلمة ... و غيرهم ... شاهدنا على ذلك جواب الإمام عليه السلام لأبي مسلم: «ما أنت من رجالي، و لا الزمان زماني» ... و كذلك المحاورة التي جرت بينه عليه السلام، و بين عبد اللّه بن الحسن، عند ما جاءه كتاب من أبي سلمة مثل كتابه ...

و أيضا قوله عليه السلام: مالي و لأبي سلمة، و هو شيعة لغيري ... بل و مما يدل على ذلك دلالة قاطعة ... ما قدمناه من اعتذار أبي سلمة للسفاح، عن مراسلته للصادق، و غيره من العلويين، بأنه: «كان يدبر استقامة الأمر» بل يذكر الطبري ج 6 ص 102 و ابن الأثير ج 5

ص: 49


1- الامام الصادق و المذاهب الأربعة المجلد الأول، جزء 2 ص 533، و سنشير إلى مصادر اخرى لذلك فيما يأتي إن شاء اللّه ...
2- التاريخ الاسلامي و الحضارة الاسلامية ج 3 ص 254. و في كتاب: السيادة العربية لفان فلوتن ص 97: أن النقباء أمروا بعض الدعاة بستر اسم المدعو له، و أخفوا اسم المدعو له عن البعض الآخر ...

ص 437: أنه عند ما جمع السفاح خاصته ليستشيرهم بقتل أبي سلمة و أخبرهم بمكاتبته للعلويين ... نجد أن بعض خاصته انبرى ليقول: ما يدريكم لعل ما صنع أبو سلمة كان من رأي أبي مسلم (1). و عليه فلا يصح قول صاحب العيون و الحدائق ص 181: «و لم يكن هوى أبي سلمة معهم، و إنما كان هواه مع الصادق جعفر الخ ...» فإن لجوءه إلى الصادق إنما كان لأجل استقامة الأمر. بل إن بعض المحققين لا يستبعد أن يكون من جملة أهدافهم من رسائلهم تلك، إلى الصادق، و عبد اللّه ابن الحسن، و غيرهما من العلويين ... هو معرفة إن كان هؤلاء يطمحون إلى الحكم، و يرغبون فيه أولا ... و ذلك ليستعد العباسيون- من ثم- لمواجهة دعوتهم، و رصد كل حركاتهم، و سكناتهم، و من ثم شل حركتهم، و القضاء عليهم ... و هذا أسلوب استعمله المنصور من بعد، لكن الإمام الصادق عليه السلام تنبه للمكيدة، و عمل على احباطها ...

د:

و تصريح أبي سلمة هذا و موقف الإمام منه، و قوله: إنه شيعة لغيره يلقي لنا ضوءا على الروايات التي تتهمه، و تتهم أبا مسلم بميول علوية ... و أن أبا مسلم أراد أن يعلن خلافة علوية، بمجرد وصوله إلى خراسان، كما عن الذهبي، و شارح شافية أبي فراس، و تاريخ الخميس. فان ذلك لا شاهد له إلا رسائلهما التي أشرنا إليها ... مع أنها لم يكن الهدف منها إلا استقامة الأمر للعباسيين ... خصوصا إذا لاحظنا أن أبا مسلم قد قضى على عدة ثورات للعلويين، و باسمهم- كما أشرنا إليه-

ص: 50


1- و أما كتابه للصادق فهو لا يدل على اخلاصه له، بل هو فقط- كان يدبر استقامة الأمر، و قتله من قبل العباسيين بهذا الجرم ليس إلا تغاضيا عن حقيقة الأمر بهدف الوصول إلى أهدافهم في التخلص منه بطريقة مشروعة.

و أنه كان يلاحقهم تحت كل حجر و مدر، و في كل سهل و جبل، على حد تعبير الخوارزمي (1) ...

المرحلة الرابعة:

ثم تأتي المرحلة الرابعة و الاخيرة، و هي: ادعاؤهم الخلافة بالإرث، كما أشرنا إليه ... و لكنهم استمروا يربطون الثورة بأهل البيت عليهم السلام من ناحيتين:

الأولى: ادعاؤهم الخلافة بالارث عن طريق علي بن أبي طالب، و محمد بن الحنفية، كما سيأتي بيانه.

الثانية: ادعاؤهم أنهم إنما خرجوا للأخذ بثارات العلويين ... فأما ادعاؤهم استحقاقهم الخلافة بالارث، عن طريق علي بن أبي طالب عليه السلام، و احتجاجهم بقرباهم النسبية من رسول اللّه (ص)، فاننا نلمحها في كثير من مواقفهم، حيث كانوا يستطيلون على الناس بهذه القربى، و يحتجون بها في مختلف المناسبات (2) ...

ص: 51


1- و لكننا لا نجد فيما بأيدينا من الشواهد التاريخية، ما يؤيد دعوى الخوارزمي هذه عدا ما ذكروه من أنه: قتل عبد اللّه بن معاوية بن عبد اللّه بن جعفر، و عبيد اللّه بن الحسين بن علي بن الحسين.
2- حيث قد ظلوا بحاجة لأن يصلوا حقهم الذي كانوا يدعونه ... بحق علي بن أبي طالب عليه السلام، و وصايتهم بالوصاية التي له، و التي لا يجهلها أحد، و ليصححوا بهذه الوسيلة خلافتهم، و يتقبلها الناس ... فكانت السلسلة التي سيأتي بيانها هي معتمدهم، مضيفين إليها تبرأهم من أبي بكر و عمر و عثمان ... و في الحقيقة أن تلك هي عقيدة الكيسانية انتحلوها لأنفسهم يوحي من مصالحهم الخاصة ... حتى إذا ما وصلوا إلى الحكم نراهم قد قطعوا حبل صلتهم بعلي، و ولده، و جعلوا الخلافة حقا للعباس و ولده ... ثم تخلوا عن ذلك كله فيما بعد، و رجعوا إلى العقيدة التي أسسها معاوية، و لكنهم اختلفوا عنه بأنهم أدخلوا عليا، و جعلوه في المرتبة الرابعة، و كان ذلك بداية وجود أهل السنة بخصائصهم، و مميزاتهم المذهبية، و لهذا البحث مجال آخر، و اللّه هو الموفق و المستعان.

فقد قال داود بن علي، أول خطيب لهم على منبر الكوفة، في أول كلام له أمام السفاح: «... و إنما أخرجنا الانفة من ابتزازهم حقنا، و الغضب لبني عمنا (1) ...».

و نرى السفاح في خطبته الأولى أيضا في مسجد الكوفة، بعد أن ذكر عظمة الرب تبارك و تعالى، و فضل النبي (ص) «قد قاد الولاية و الوراثة، حتى انتهيا إليه، و وعد الناس خيرا (2) ...».

و يقال: إن من جملة ما قاله السفاح في خطبته الأولى: «... فأعلمهم جل ثناؤه فضلنا، و أوجب عليهم حقنا و مودتنا، و أجزل من الفي ء، و الغنيمة نصيبنا، تكرمة لنا و فضلا علينا ...

و زعمت السبائية الضلال: أن غيرنا أحق بالرياسة و السياسة ... إلى أن قال: ورد علينا حقنا (3) ...»..

ص: 52


1- الطبري، طبع ليدن ج 10 ص 31، و البداية و النهاية ج 10 ص 41، و شرح النهج للمعتزلي ج 7 ص 154، و الكامل لابن الأثير ج 4 ص 325.
2- تاريخ ابن خلدون ج 3 ص 129، و مروج الذهب ج 3 ص 256، و الطبري ج 10 ص 37، طبع ليدن.
3- الطبري ج 10 ص 39، 40، و تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 257، و البداية و النهاية ج 10 ص 41، و الكامل لابن الأثير ج 4 ص 324، 325 ... لكن الظاهر أن لعن السبائية (و هم الشيعة الامامية حسب مصطلحهم) مفتعل على لسان السفاح؛ لأن كلمة داود بن علي المتقدمة تدل على إنكار العباسيين- في بدء أمرهم- خلافة أبي بكر، و عمر، و عثمان، و تمسكهم بخلافة علي عليه السلام، حيث يصلون حبل وصايتهم بها ... و إن كانوا قد رجعوا عن هذه العقيدة بعد ذلك حسبما أشرنا إليه إلى العقيدة التي كان قد روجها معاوية ... و لكن من المؤكد أنهم استمروا على عقيدتهم تلك، أعني إنكار خلافة الثلاثة، و وصلهم حبل وصايتهم بعلي عليه السلام، إلى زمن المنصور، الذي كان أول من أوقع الفتنة بين العباسيين و العلويين كما سيأتي ...

و يقول داود بن علي في خطبته الأولى في مسجد الكوفة أيضا:

«... و أحيا شرفنا و عزنا، ورد إلينا حقنا و إرثنا ...» (1).ة،

ص: 53


1- الطبري ج 10 ص 32، طبع ليدن، و الكامل لابن الأثير ج 4 ص 325. (أمر هام لا بد من التنبيه عليه:) إننا إذا تتبعنا الأحداث التاريخية، نجد: أن كل مطالب بالخلافة كان يدعي أول ما يدعي الرحمية و القربى من رسول اللّه (ص). و أول من بدأ ذلك أبو بكر في يوم السقيفة، و تبعه على ذلك عمر؛ حيث قررا أن ليس لأحد الحق في أن ينازعهم سلطان محمد؛ إذ أنهم أمس برسول اللّه رحما (على ما في نهاية الإرب ج 8 ص 168، و عيون أخبار ابن قتيبة ج 2 ص 233، و العقد الفريد ج 4 ص 258، طبع دار الكتاب العربي، و الأدب في ظل التشيع ص 24، نقلا عن البيان و التبيين للجاحظ)؛ و لأنهم هم أولياؤه و عشيرته، على ما ذكره الطبري ج 3 ص 220، طبع دار المعارف بمصر، و الامامة و السياسة ص 14، 15 طبع الحلبي بمصر، و شرح النهج المعتزلي ج 6 ص 7، 8، 9، 11، و الامام الحسين للعلائلي ص 186، و ص 190، و غيرهم. او لأنهم عترة النبي (ص) و أصله و البيضة التي تفقأت عنه كما في العثمانية للجاحظ ص 200. فأسقطا بذلك دعوى الأنصار عن الاعتبار. كما أن أبا بكر قد استدل على الأنصار بالحديث الذي صرح باستفاضته جهابذة أهل السنة (على ما في ينابيع المودة للحنفي)، و هو قوله (ص) مشيرا إلى خلفائه الاثنى عشر: «يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم تجتمع عليه الامة، كلهم من قريش».- استدل به- بعد أن تصرف فيه، بأن حذف صدره، و اكتفى بذكر: أن الأئمة من قريش على ما في صواعق ابن حجر ص 6، و غيره ... و أصبح كون الأئمة من قريش تقليدا متبعا، بل و من عقائد أهل السنة المعترف بها، و قد استدل ابن خلدون على ذلك بالاجماع. و لكن قول عمر: لو كان سالم مولى حذيفة حيا لوليته، قد أوقع ابن خلدون، كما أوقع غيره من جهابذة أهل السنة في حيص بيص؛ لعدم كون سالم قرشيا، فضلا عن أن يكون أمس رحما برسول اللّه من غيره، فراجع مقدمة ابن خلدون ص 194، و غيره من كتبهم ... أما ابن كثير فانه قد استشكل بالأمر من ناحية اخرى؛ حيث قال- و هو يتحدث عن فتنة محمد بن الأشعث الكندي-: «... و العجب كل العجب من هؤلاء الذين بايعوه بالامارة،

------------

و ليس هو من قريش، و انما هو كندي من اليمن؛ و قد اجتمع الصحابة يوم السقيفة على أن الإمارة لا تكون إلا في قريش، و احتج عليهم الصديق بالحديث في ذلك، حتى أن الانصار سألوا أن يكون منهم أمير مع أمير المهاجرين، فأبى الصديق عليهم ذلك ... ثم مع هذا كله ضرب سعد بن عبادة، الذي دعا إلى ذلك أولا، ثم رجع عنه» ... انتهى ... راجع البداية و النهاية ج 9 ص 54.

فتراه يستشكل في عمل من بايعوا محمد بن الاشعث بامرة المؤمنين، التي رآها مخالفة للاجماع المدعى يوم السقيفة ... و تراه يعترف بمخالفة سعد ثم يدعي أنه رجع عن ذلك ...

و لست أدري كيف رجع عنه، مع أنه من المتسالم عليه تاريخيا: أنه استمر على الخلاف معهم، حتى اغتيل بالشام- اغتالته السياسة، على حد تعبير طه حسين في كتابه: من تاريخ الأدب العربي ج 1 ص 146، و غيره ... و ذلك أشهر من أن يحتاج إلى بيان.

و على كل حال ... فان ما يهمنا هو الاشارة إلى أن كون الأئمة من قريش ليس فقط أصبح تقليدا متبعا، بل قد أصبح من عقائد أهل السنة المعترف بها ...

و لكن ما تأتي به السياسة، تذهب به السياسة؛ إذ بعد تسعمائة سنة جاء السلطان سليم، و خلع الخليفة العباسي، و تسمى هو ب: «أمير المؤمنين»، مع أنه لم يكن من قريش.

و بهذا يكون قد الغى هذا التقليد عملا من عقائد طائفة من المسلمين، و أبطله ...

و مهما يكن من أمر فان أول من ادعى استحقاق الخلافة بالقربى النسبية من رسول اللّه (ص) كان أبو بكر، ثم عمر، و جاء بعدهما بنو أميّة؛ فعرفوا أنفسهم بأنهم ذوي قربى النبي (ص) حتى لقد حلف عشرة من قواد أهل الشام، و أصحاب النعم و الرئاسة فيها- حلفوا- للسفاح:

على أنهم لم يكونوا يعرفون إلى أن قتل مروان، أقرباء للنبي (ص)، و لا أهل بيت يرثونه غير بني أميّة ... فراجع النزاع و التخاصم للمقريزي ص 28، و شرح النهج للمعتزلي ج 7/ 159، و مروج الذهب ج 3 ص 33 و فتوح ابن أعثم ج 8 ص 95 بل لقد ذكر المسعودي و المقريزي: أن إبراهيم بن المهاجر البجلي، الموالي للعباسيين قد نظم قضية هؤلاء الامراء شعرا، فقال:

أيها الناس اسمعوا أخبركم عجبا زاد على كل العجب

عجبا من عبد شمس إنهم فتحوا للناس أبواب الكذب

ورثوا أحمد فيما زعموادون عباس بن عبد المطلب

كذبوا و اللّه ما فعلمه يحرز الميراث إلا من قرب و يقول الكميت عن دعوى بني أميّة هذه:

و قالوا: ورثناها أبانا و امناو لا ورثتهم ذاك أم و لا أب

ص: 54

------------

و في العقد الفريد ج 2/ 120 طبع دار الكتاب العربي: أن أروى بنت الحارث بن عبد المطلب قالت لمعاوية: «... و نبينا (ص) هو المنصور؛ فوليتم علينا من بعده، تحتجون بقرابتكم من رسول اللّه (ص)، و نحن أقرب إليه منكم، و أولى بهذا الأمر الخ ...».

ثم جاء العباسيون، و ادعوا نفس هذه الدعوى، كما هو واضح من النصوص التي ذكرناها، و نذكرها ... بل لقد ادعى نفس هذه الدعوى أيضا أكثر إن لم يكن كل من خرج مطالبا بالخلافة، سواء كان خروجه على الامويين أو على العباسيين ...

و هذا يعني أن العامل النسبي قد لعب دورا هاما في الخلافة الاسلامية، و كان الناس بسبب جهلهم، و عدم وعيهم لمضامين الاسلام يصدقون و يسلمون بأن القربى النسبية تكفي وحدها في أن تجعل لمدعيها الحق في منصب الخلافة. و لعل أكثر ما ورد في القرآن الكريم، و السنة النبوية الشريفة من الوصايا بأهل البيت عليهم السلام، و الأمر بمودتهم، و محبتهم، و التمسك بهم جعل الناس يظنون أن سبب ذلك هو مجرد قرباهم النسبية منه (ص) ... و كان أن استغل الطامحون فهم الناس الخاطئ هذا ... بل لقد حاولوا ما أمكنهم تكريسه، و تثبيته ...

إلا أن حقيقة الأمر هي غير ذلك؛ فان منصب الخلافة في الاسلام، لا يدور مدار القربى النسبية منه. بل هو يدور مدار الأهلية و الجدارة، و الاستعداد الذاتي لقيادة الامة قيادة صالحة، كما كان النبي (ص) يقودها، يدلك على ذلك أننا لو رجعنا إلى النصوص القرآنية، و إلى ما ورد عن النبي (ص) بشأن الخليفة بعده، فلعلنا لا نعثر على نص واحد منها يفهم منه أن استحقاق الخلافة يدور مدار القربى النسبية منه (ص)، و حسب.

و كل ما ورد في القرآن، و عنه (ص) من الأمر بموالاة أهل بيته، و حبهم، و التمسك بهم، و من تعيينه خلفاءه منهم، فليس لأجل قرباهم النسبية منه (ص). بل لأن الأهلية، و الجدارة الحقيقية لهذا المنصب قد انحصرت في الخارج فيهم. فهو على حد تعبير الاصوليين:

من باب الاشارة إلى الموضوع الخارجي ... و ليس تصريحه (ص) بالقربى لأجل بيان الميزان و المقياس و الملاك في استحقاقهم الخلافة.

و واضح أنه كان لا بد من الالتجاء إلى اللّه و رسوله لتعيين الشخص الذي له الجدارة و الأهلية لقيادة الامة؛ لأن الناس قاصرون عن إدراك حقائق الامور، و نفسيات، و غرائز، و ملكات بعضهم البعض ... إدراكا دقيقا و حقيقيا، و عن إدراك عدم طرو تغير أو تبدل عليه في المستقبل ... و نقد عينه (ص) بالفعل، و دل عليه بمختلف الدلالات،

ص: 55

------------

بالقول: تصريحا، و تلويحا، و كناية، و نصا، و وصفا، و غير ذلك ... و بالفعل أيضا، حيث أمره على المدينة، و على كل غزوة لا يكون هو (ص) فيها، و لم يؤمر عليه أحدا، و غير ذلك ...

هذا هو رأي الشيعة، و هذا هو رأي أئمتهم في هذا الأمر، و كلماتهم طافحة و مشحونة بما يدل على ذلك. و لا يبقى معه مجال لأي لبس أو توهم؛ فراجع كلام الامام علي في شرح النهج للمعتزلي ج 6 ص 12، و غيره مما قد يتعسر استقصاؤه ...

و مما ذكرنا نستطيع أن نعرف أن ما ورد عن الامام علي عليه السلام، أو عن غيره من الأئمة الطاهرين، من قولهم: أنهم هم الذين عندهم ميراث رسول اللّه (ص)؛ فانما يقصدون به الميراث الخاص، الذي يختص اللّه به من يشاء من عباده، أعني: ميراث العلم؛ على حد قوله تعالى: «ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ...» و قد اعترف أبو بكر نفسه لفاطمة الزهراء بأن الأنبياء يورثون العلم لأشخاص معينين من بعدهم. و على كل فلقد أنكر علي عليه السلام مبدأ استحقاق الخلافة بالقرابة و الصحابة أشد الإنكار، فقد جاء في نهج البلاغة قوله عليه السلام: «وا عجبا!! أ تكون الخلافة بالصحابة و القرابة؟!!». هكذا في نهج البلاغة، شرح محمد عبده، و لكن الظاهر هو أنها محرفة، و أن الصحيح هو ما في نسخة ابن ابي الحديد، و هي هكذا: «وا عجبا!! أن تكون الخلافة بالصحابة، و لا تكون بالصحابة و القرابة!!».

و أما ما يظهر منه أنهم يستدلون لاستحقاقهم الخلافة بالقربى من رسول اللّه (ص)، فانما اقتضاه الحجاج مع الخصوم؛ فهو من باب: «الزموهم بما الزموا به أنفسهم». و يدل على هذا المعنى و يوضحه ما قاله الإمام علي عليه السلام لأبي بكر، عند ما جي ء به ليبايع؛ فكان مما قاله: «... و احتججتم عليهم (أي على الأنصار) بالقرابة من النبي (ص) ...

و أنا أحتج عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار، نحن أولى الخ» ... راجع: الامامة و السياسة ج 1 ص 18.

و يشير أيضا عليه السلام- إلى هذا المعنى في بعض خطبه الموجودة في نهج البلاغة فمن أراد فليراجعه ... كما و يشير إليه أيضا ما نسب إليه عليه السلام من الشعر (على ما في نهج البلاغة) و هو قوله:

فان كنت بالشورى ملكت امورهم فكيف بهذا و المشيرون غيب

و ان كنت بالقربى حججت خصيمهم فغيرك أولى بالنبي و أقرب و لكن أحمد أمين المصري في كتابه: ضحى الاسلام ج 3 ص 261، و ص 300، و ص 222، و ص 235. و كذلك سعد محمد حسن في كتابه: المهدية في الاسلام ص 5

ص: 56

------------

و الخضري في محاضراته ج 1 ص 166: إن هؤلاء ينسبون إلى الشيعة القول: بأن منصب الخلافة يدور مدار القربى النسبية منه (ص) و حسب ... رغم اعتراف أحمد أمين في نفس الكتاب، و بالتحديد في ص 208، 212: بأن الشيعة يحتجون بالنص في خصوص الخليفة بعد الرسول ... بل و الخضري يعترف بذلك أيضا حيث قال: «أما الانتخاب عند أهل التنصيص على البيت العلوي، فانه كان منظورا فيه إلى الوراثة الخ» ...

و هي نسبة غريبة حقا- بعد هذا الاعتراف الصريح منهم، و من غيرهم- فان عقيدة الشيعة- تبعا لأئمتهم هي ما ذكرنا، أي ليس منصب الخلافة دائرا مدار القربى النسبية منه (ص)، و أدلة الشيعة تنطق و تصرح بأن القربى النسبية وحدها لا توجب بأي حال من الأحوال استحقاق الخلافة، و إنما لا بد من النص المعين لذلك الشخص الذي يمتلك الجدارة و الأهلية و الاستعداد الذاتي لها ...

إنهم يستدلون على خلافة علي عليه السلام بالنصوص القرآنية، و النبوية المتواترة عند جميع الفرق الاسلامية، و لا يستدلون بالقربى إلا من باب: ألزموهم ... أو من باب تكثير الأدلة، أو في مقابل استدلال أبي بكر و عمر بها، و إذا ما شذ واحد منهم، و استدل بذلك، معتقدا بخلاف ما قلناه عن قصور نظر، و قلة معرفة، أو لفهمه- خطأ- ما ورد عنهم عليهم السلام، من أن عندهم ميراث رسول اللّه (ص)؛ فلا يجب، بل لا يجوز أن يحسب على الشيعة، و من ثم القول بأن ذلك هو قولهم، و أن تلك هي عقيدتهم ...

و لعل أحمد أمين لم يراجع أدلة الشيعة!! أو أنه راجعها، و اشتبه عليه الأمر!! أو أنه ... لا هذا ... و لا ذاك ... و إنما أراد التشنيع عليهم؛ فنسب إليهم ما ليس من مذهبهم! و يدلنا على صحة هذا الاحتمال الأخير، اعترافه المشار إليه، بأن الشيعة يستدلون على إمامة علي عليه السلام بالنص، لا بالقربى!! ...

و خلاصة القول هنا: إن القربى النسبية ليست هي الملاك في استحقاق الخلافة. و لم تكن دعوى أنها كذلك، لا من الأئمة، و لا من شيعتهم. و إنما كانت من قبل أبي بكر، و عمر، ثم الامويين، فالعباسيين.

و إذا كان أهل السنة- تبعا لأئمتهم- قد جعلوا كون الإمامة في قريش من عقائدهم.

و إذا كان غير أهل البيت هم الذين ادعوا هذه الدعوى، و هللوا و كبروا لها ... فمن الحق لنا إذن أن نقول:

«رمتني بدائها و انسلت».

و أخيرا ... فلقد كان من أبسط نتائج هذه العقيدة لدى أهل السنة، و قبولهم أن القربى النسبية تجعل لمدعيها الحق في الخلافة ... أن سنحت الفرصة لأن يصل أشخاص إلى الحكم من أبرز مميزاتهم، و خصائصهم جهلهم بتعاليم الدين، و انسياقهم وراء شهواتهم، أينما كانت، و حيثما وجدت، جاعلين الحكم و السلطان وسيلة إليها، مسدلين على حماقاتهم هنا، و تفاهاتهم هناك ستارا من القربى النسبية منه (ص) ... و هو من هؤلاء و أمثالهم بري ء ...

و لما لم يعد ذلك الستار يقوى على المنع من استكناه واقعهم، و حقيقة نواياهم و تصرفاتهم، كان لا بد لهم من الالتجاء إلى أساليب اخرى، تبرر لهم واقعهم، و تحمي تصرفاتهم، و تؤمن لهم الاستمرار في الحكم،. و لعل بيعة المأمون للامام الرضا عليه السلام بولاية العهد هي من تلك الأساليب، كما سيتضح إن شاء اللّه تعالى ...

ص: 57

و عند ما ذهب داود بن علي إلى مكة، واليا عليها، من قبل أخيه السفاح، و أراد أن يخطب في مكة خطبته الأولى، طلب منه سديف بن ميمون أن يأذن له في الكلام؛ فأذن له؛ فوقف؛ و قال من جملة ما قال:

«... أ تزعم الضلال: أن غير آل الرسول أولى بتراثه؟! و لم؟! و بم؟! معاشر الناس؟! ألهم الفضل بالصحابة، دون ذوي القرابة؟

الشركاء في النسب، و الورثة للسلب ...» (1).

و يقول داود بن علي في نفس المناسبة، أعني في أول خطبة له:

«لم يقم فيكم إمام بعد رسول اللّه (ص)، إلا علي بن أبي طالب، و هذا القائم فيكم ...» و أشار إلى السفاح (2)...

ص: 58


1- تاريخ اليعقوبي ج 3 ص 89، و العقد الفريد، طبع دار الكتاب ج 4 ص 485
2- مروج الذهب ج 3 ص 237 و 256، و الطبري ج 10 ص 33 و 37، و عيون الأخبار لابن قتيبة ج 2 ص 252، و تاريخ اليعقوبي ج 3 ص 87، 88، و الكامل لابن الأثير ج 4 ص 326، و تاريخ ابن خلدون ج 3 ص 129 و 173، و امبراطورية العرب ص 422، و البداية و النهاية ج 10 ص 42، و شرح النهج للمعتزلي ج 7 ص 155، و فيه: «إنه لم يخطب على منبركم هذا خليفة حق إلخ» ... و برواية اخرى فيه: «اقسم باللّه قسما برا، ما قام هذا المقام أحد بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، أحق به من علي بن أبي طالب، و أمير المؤمنين هذا» ...

و قال المنصور في خطبة له: «و أكرمنا من خلافته، ميراثنا من نبيه ...» (1).

و لكنهم بعد المنصور- بل و حتى من زمن المنصور نفسه كما سيتضح- قد غيروا سلسلة الارث هذه، و جعلوها عن طريق العباس، و ولده عبد اللّه، و لكنهم أجازوا بيعة علي؛ لأن العباس نفسه كان قد أجازها ...

كما سيأتي بيانه .. فكانت استدلالات الخلفاء ابتداء من المنصور ناظرة إلى الارث عن هذا الطريق ...

فنرى المنصور يبين في رسالة منه لمحمد بن عبد اللّه بن الحسن: أن الخلافة قد ورثها العباس في جملة ما ورثه من النبي (ص)، و أنها في ولده (2) ...

و كان الرشيد يقول: «ورثنا رسول اللّه، و بقيت فينا خلافة اللّه (3)».

و قال الأمين عند ما بويع له، بعد موت أبيه الرشيد: «... و أفضت خلافة اللّه، و ميراث نبيه إلى أمير المؤمنين الرشيد (4) ...».

و مدح البعض المأمون، و عرض بأخيه الذي غدر به، فقال في جملة أبيات له:

إن تغدروا جهلا بوارث أحمد و وصي كل مسدد و موفق (5)9.

ص: 59


1- مروج الذهب ج 3 ص 301، و الطبري ج 10 ص 432.
2- الطبري ج 10 ص 215، و العقد الفريد طبع دار الكتاب ج 5 ص 81، إلى 85، و صبح الأعشى ج 1 ص 333، فما بعد، و الكامل للمبرد، و طبيعة الدعوة العباسية ...
3- البداية و النهاية ج 10 ص 217.
4- تاريخ اليعقوبي ج 3 ص 163.
5- مروج الذهب ج 3 ص 399.

إلى غير ذلك مما لا مجال لنا لتتبعه ... و لنعد إلى ما كنا فيه أولا، فنقول:

دعوى الأخذ بثارات العلويين:

و أما ادعاؤهم: أنهم إنما خرجوا للأخذ بثارات العلويين، و استمرارهم على ربط الثورة بأهل البيت، حتى بعد نجاح ثورتهم، و تسلمهم لأزمة الحكم و السلطان- و هذه هي الناحية الثانية من المرحلة الرابعة- فذلك أوضح من أن يخفى ... و قد تقدم قول محمد بن علي لبكير بن ماهان:

«و سنأخذ بثارهم ...» يعني بثارات العلويين. و تقدم أيضا قول داود ابن علي: «و انما أخرجنا الانفة من ابتزازهم حقنا، و الغضب لبني عمنا ...» ...

و يقول السفاح، عند ما أتي برأس مروان: «ما أبالي متى طرقني الموت، فقد قتلت بالحسين، و بني أبيه من بني أمية مائتين، و أحرقت شلو هشام بابن عمي زيد بن علي، و قتلت مروان بأخي ابراهيم ...» (1).

و يقول صالح بن علي لبنات مروان: «أ لم يقتل هشام بن عبد الملك، زيد بن علي بن الحسين، و صلبه في كناسة الكوفة؟. و قتل امرأة زيد بالحيرة، على يد يوسف بن عمرو الثقفي؟! أ لم يقتل الوليد بن يزيد يحيى بن زيد، و صلبه بخراسان؟!

ص: 60


1- مروج الذهب ج 3 ص 257، و في شرح النهج للمعتزلي ج 7 ص 131، و حياة الامام موسى بن جعفر للقرشي ج 1 ص 337، نقلا عن مختصر أخبار الخلفاء، هكذا ... «... و قد قتلت بالحسين ألفا من بني أميّة ... إلى أن قال: و قتلنا سائر بني أميّة بحسين، و من قتل معه، و بعده من بني عمنا أبي طالب» ...

أ لم يقتل الدعي عبيد اللّه بن زياد، مسلم بن عقيل بن أبي طالب بالكوفة؟! أ لم يقتل يزيد بن معاوية الحسين (1)؟! ...

و برواية ابن أبي الحديد، أنه قال لهن: «... إذن، لا نستبقي منكم أحدا؛ لأنكم قد قتلتم ابراهيم الإمام، و زيد بن علي، و يحيى بن زيد، و مسلم بن عقيل.

و قتلتم خير أهل الأرض حسينا، و إخوته، و بنيه، و أهل بيته، و سقتم نساءه سبايا- كما يساق ذراري الروم- على الأقتاب إلى الشام ...» (2).

و لا بأس بمراجعة ما قاله داود بن علي عند ما قتل ثمانين أمويا مرة واحدة (3).

و كذلك فانهم ما لقبوا أبا سلمة الخلال، أول وزير في الدولة العباسية ب «وزير آل محمد»، و أبا مسلم الخراساني ب «أمين، أو أمير آل محمد (4)» ... إلا من أجل الحفاظ على ربط الدعوة بأهل البيت عليهم السلام، و لتبقى- من ثم- محتفظة بقوتها، و حيويتها ...

و أخيرا ... فلم يكن اتخاذهم السواد شعارا إلا تعبيرا عن الحزن و الاسى..

ص: 61


1- الكامل لابن الأثير ج 4 ص 332، و مروج الذهب ج 3 ص 247، و لا بأس بمراجعة خطبة السفاح في مروج الذهب أيضا ج 3 ص 257.
2- شرح النهج للمعتزلي ج 7 ص 129.
3- تاريخ اليعقوبي ج 3 ص 92.
4- الفخري في الآداب السلطانية ص 155، و مروج الذهب ج 3 ص 271، و البداية و النهاية ج 10 ص 54، و الطبري ج 10 ص 60، و تاريخ التمدن الاسلامي، المجلد الأول، جزء 1 ص 152، و غيرهم. فانه مما نص عليه أكثر المؤرخين ...

لما نال أهل البيت في عهد بني أمية (1) ...

و هكذا ... يتضح، بما لا مجال معه للشك: أنهم كانوا يستغلون سمعة العلويين، و دماءهم الزكية في محاولاتهم للوصول إلى الحكم، و تثبيت أقدامهم فيه ...

بل إن من الملاحظ أن كثيرا من الثورات التي قامت بعد ثورة بني العباس، كانت تحاول ذلك- بطريقة أو بأخرى- أي أنها كانت تظهر للناس ارتباطها بأهل البيت عليهم السلام، و أنها تحظى بتأييدهم، و موافقتهم، و كثير منها كان يرفع شعار: «الرضا من آل محمد».

نهاية المطاف ...

و بعد كل ما تقدم ... يتضح لنا بجلاء، الاسلوب الذي انتهجه

ص: 62


1- هذا يصح بالنسبة للملابس السوداء ... و أما كون الرايات سوداء؛ فيحتمل أن يكون لأجل ذلك، حسبما صرح به ابن خلدون ص 259، و يحتمل أن يكون لما ورد من أن راية علي عليه السلام يوم صفين كانت سوداء، على ما نص عليه فان فلوتن في هامش: ص 126 من كتابه السيادة العربية. أو لأن رايات النبي (ص) في حروبه مع الكفار كانت سوداء؛ يقول الكميت مشيرا إلى ذلك: و إلا فارفعوا الرايات سوداعلى أهل الضلالة و التعدي و في صبح الأعشى ج 3 ص 370، نقلا عن القاضي الماوردي في كتابه: «الحاوي الكبير»: أن السبب في اختيارهم السواد هو أن النبي (ص) قد عقد في يوم حنين و يوم الفتح لعمه العباس راية سوداء ... و في صبح الأعشى أيضا ج 3 ص 371 نقل عن أبي هلال العسكري في كتابه «الأوائل» أن سبب ذلك هو قتل مروان لإبراهيم الامام، حيث لبس شيعته السواد حدادا عليه؛ فلزمهم ذلك، و صار شعارا لهم ... و نرجح أن حادثة قتل يحيى بن زيد، و لبس الخراسانيين السواد عليه سبعة أيام، هي التي شجعت العباسيين على اتخاذ السواد شعارا لهم؛ إظهارا للحزن و الأسى لما نال أهل البيت في الدولة الاموية. و يذهب إلى هذا الرأي السيد عباس المكي في نزهة الجليس ج 1 ص 316. بل صرح البلاذري في أنساب الأشراف ج 3 ص 264 بما يدل على ذلك فراجع.

العباسيون، و الخطة التي اتبعوها، من أجل كسب ثقة الناس بهم، و تأييدهم لهم، و صرف أنظار الحكام عنهم ...

و أيضا الطريقة التي اتبعوها في ابعاد العلويين عن مجال السياسة، و أن بيعتهم لهم ما كانت إلا خداعا و تمويها، من أجل تنفيذ خطتهم، و انجاح دعوتهم ...

كما و ظهر أن كون الدعوة- في بادئ الأمر- باسم العلويين، لم يكن أمرا عفويا، و تلقائيا ... و انما كان ضمن خطة دقيقة، و مدروسة، وضعت بعناية فائقة، كما توضحه لنا النصوص المتقدمة ...

و ظهر أيضا: كيف أن العباسيين قد حرصوا كل الحرص على ربط الثورة بأهل البيت عليهم السلام، و كانوا يعتمدون على هذا الربط كل الاعتماد، و يصرون، و يؤكدون عليه، كلما سنحت لهم الفرصة، و واتاهم الظرف، حتى عند ما وصلوا إلى الحكم، و فازوا بالسلطان ...

و قد انقاد الناس لهم في البداية، و استقامت لهم الأمور، ظنا منهم بحسن نيتهم، و سلامة طويتهم ...

و لكن ... ما ذا كانت النتيجة بعد ذلك، بالنسبة للناس عامة، و بشكل خاص بالنسبة للعلويين، الذين قامت الثورة باسمهم و نجحت بفضلهم؟! و ما ذا كان نصيبهم، و مصيرهم، من هذه الثورة و معها؟! هذا ... ما سوف نحاول الاجابة عليه فيما يأتي من الفصول.

ص: 63

مصدر الخطر على العباسيين

العلويون هم مصدر الخطر:

قد تقدم معنا: أن الدولة العباسية إنما قامت- في بداية أمرها- على الدعوة لخصوص العلويين، ثم لأهل البيت، ثم إلى الرضا من آل محمد ... و أن سرّ نجاحها ليس إلا ربطها بأهل البيت عليهم السلام ...

و إن كانت قد انحرفت فيما بعد، حيث تحكم العباسيون و تسلطوا على الأمة بدعوى القربى النسبية من الرسول الاكرم (ص).

و من هنا ... فان من الطبيعي، أن يكون الخطر الحقيقي الذي يتهدد العباسيين، و خلافتهم، هو من جهة ابناء عمهم العلويين، الذين كانوا أقوى منهم حجة، و أقرب إلى النبي (ص) منهم، باعتراف العباسيين أنفسهم (1) ...

ص: 64


1- سيأتي اعتراف عيسى بن موسى بذلك، و اعتراف الرشيد للكاظم عليه السلام و المأمون للرضا عليه السلام في الكتاب الذي سنورده في أواخر هذا الكتاب، و أيضا قوله للرضا عليه السلام: أنتم و اللّه أمس برسول اللّه رحما، و بيعة السفاح و المنصور و غيرهم لمحمد بن عبد اللّه العلوي و كلام المنصور في مجلس البيعة يدل على ذلك أيضا، إلى غير ذلك مما لا مجال لنا هنا لتتبعه و استقصائه ...

فادعاؤهم الخلافة إذن، له مبرراته الكاملة، و لا سيما و أن من بينهم من له الجدارة و الأهلية، و يتمتع بأفضل الصفات و المؤهلات لهذا المنصب من العلم، و العقل، و الحكمة، و بعد النظر في الدين و السياسة ... هذا بالاضافة إلى ما كان يكنه الناس لهم، من مختلف الفئات و الطبقات، من الاحترام و التقدير، الذي نالوه بفضل تلك المميزات و الصفات، و بفضل سلوكهم المثالي، و ترفعهم عن كل المشينات، و الموبقات ...

أضف إلى ذلك كله ... أن رجالات الاسلام، و أبطاله، كانوا هم آل أبي طالب «رضي اللّه تعالى عنه»؛ فأبو طالب مربي النبي (ص) و كفيله، و علي عليه السلام وصيه و ظهيره، و كذلك الحسن، و الحسين، و علي زين العابدين، و باقي الأئمة. و منهم زيد بن علي الخارج على بني أمية، و غيرهم، ممن يطول المقام بذكرهم، رضوان اللّه عليهم أجمعين.

و لقد كانت بطولات العلويين، و مواقفهم على كل شفة و لسان، و في كل قلب و فؤاد، حتى لقد ألفت الكتب الكثيرة في وصف تلك البطولات، و بيان هاتيك المواقف ...

و خلاصة الأمر: إنه لم يكن هناك مجال لانكار نفوذ العلويين الواسع في تلك الفترة، أو تجاهله؛ فان ذلك إما أن يكون عن قصر نظر، و قلة معرفة، أو مكابرة و عنادا ...

تخوف العباسيين من العلويين:

و قد كان الخلفاء من بني العباس يدركون جيدا مقدار هذا النفوذ، للعلويين، و يتخوفون منه، منذ أيامهم الأولى في السلطة. و مما يدل على ذلك:

ص: 65

أن السفاح، من أول عهده كان قد وضع الجواسيس على بني الحسن؛ حيث قال لبعض ثقاته، و قد خرج وفد بني الحسن من عنده: «قم بانزالهم و لا تأل في الطافهم. و كلما خلوت معهم؛ فأظهر الميل إليهم، و التحامل علينا، و على ناحيتنا، و أنهم أحق بالأمر منا، و أحص لي ما يقولون، و ما يكون منهم في مسيرهم، و مقدمهم (1) ...».

و قد تنوعت هذه المراقبة، و تعددت أساليبها بعد عهد السفاح، يظهر ذلك لكل من راجع كتب التاريخ (2) ...

خوف المنصور من العلويين

و مما يدل على مدى تخوف العباسيين من العلويين وصية المنصور لولده المهدي، التي يحثه فيها على القبض على عيسى بن زيد العلوي، يقول المنصور:

«... يا بني، إني قد جمعت لك من الأموال ما لم يجمعه خليفة قبلي، و جمعت لك من الموالي ما لم يجمعه خليفة قبلي، و بنيت لك مدينة لم يكن في الاسلام مثلها. و لست أخاف عليك إلا أحد رجلين:

عيسى بن موسى، و عيسى بن زيد. فأما عيسى بن موسى، فقد أعطاني من العهود و المواثيق ما قبلته، و و اللّه، لو لم يكن إلا أن يقول قولا لما خفته عليك؛ فأخرجه من قلبك. و أما عيسى بن زيد؛ فانفق هذه الأموال، و اقتل هؤلاء الموالي، و اهدم هذه المدينة، حتى تظفر به،

ص: 66


1- الطبري، طبع ليدن ج 11 ص 752، و العقد الفريد، طبع دار الكتاب العربي ج 5 ص 74، و تاريخ التمدن الاسلامي، و غير ذلك ...
2- و قد اعترف المنصور نفسه بهذه المراقبة في بعض خطبه؛ فراجع: الطبري ج 10 ص 432، و مروج الذهب ج 3 ص 301.

ثم لا ألومك (1) ...».

و ليس تخوف المنصور إلى هذا الحد من عيسى بن زيد لعظمة خارقة في عيسى هذا، و انما كل ما في الأمر أن المجتمع الاسلامي كان قد قبل- في تلك الفترة من الزمن- أن الخلافة الشرعية إنما هي في ولد علي عليه السلام ... و إذا ما قام عيسى بن زيد بثورة، فانه سوف يلقى تأييدا واسعا؛ فهو من جهة ابن زيد الشهيد، الثائر على بني أمية ...

و من جهة أخرى. كان من المعاونين لمحمد بن عبد اللّه العلوي- قتيل المدينة- الذي كان السفاح و المنصور قد بايعاه، حسبما تقدم، و الذي ادعي على نطاق واسع- باستثناء الامام الصادق عليه السلام- أنه مهدي هذه الأمة ... كما أنه- أي عيسى بن زيد- كان من المعاونين لإبراهيم أخي محمد بن عبد اللّه الآنف الذكر، و الذي خرج بالبصرة، و قتل بباخمرى ...

و مما يدل على مدى خوف المنصور من العلويين أنه:

عند ما كان مشغولا بحرب محمد بن عبد اللّه، و أخيه ابراهيم، كان لا ينام الليل في تلك الايام. و أهديت له جاريتان؛ فلم ينظر إليهما؛ فكلم في ذلك؛ فنهر المتكلمة، و قال: «... ليست هذه الايام من أيام النساء، لا سبيل لي إليهما، حتى أعلم: أ رأس ابراهيم لي، أم رأسي لإبراهيم؟ (2)».ر.

ص: 67


1- الطبري طبع ليدن ج 10 ص 448. و تحسن الاشارة هنا إلى أن الأموال التي خلفها المنصور للمهدي تبلغ 600 مليون درهم، و 14 مليون دينار ... راجع امراء الشعر العربي في العصر العباسي ص 35.
2- تاريخ ابن خلدون ج 3 ص 195، و الطبري ج 10 ص 306، و تاريخ اليعقوبي ج 3 ص 114، و البداية و النهاية ج 10 ص 93، و الكامل لابن الأثير ج 5 ص 18. و أنساب الأشراف ج 3 ص 118، و لكنه يذكر أنهما امرأتان من قريش كانتا قد خطبتا للمنصور.

و هيئت له آنئذ عجة من مخ و سكر، فاستطابها، فقال: «أراد ابراهيم أن يحرمني هذا و أمثاله (1)».

و أرسل إلى كل باب من أبواب عاصمته- و هي الكوفة آنئذ- إبلا و دوابا، حتى إذا أتى إبراهيم و جيشه من ناحية، هرب هو إلى الري من الناحية الأخرى (2) ...

و في حربه- أي المنصور- مع محمد بن عبد اللّه اتسخت ثيابه جدا، حيث لم ينزعها عن بدنه أكثر من خمسين يوما (3) ...

و كان لا يستطيع أن يتابع كلامه من كثرة همه (4) ... الحياة السياسية للإمام الرضا(ع)، مرتضى العاملي 68 خوف المنصور من العلويين ..... ص : 66

أخيرا ... فكم من مرة رأيناه يجلب الامام الصادق عليه السلام، و يتهدده و يتوعده، و يتهمه بأنه يدبر للخروج عليه و على سلطانه.

فكل ذلك يدل دلالة واضحة على مدى رعب المنصور، و خوفه من العلويين، و ما ذلك إلا لإدراكه مدى ما يتمتعون به من التأييد، في مختلف الطبقات، و عند جميع الفئات .....

ص: 68


1- مروج الذهب ج 3 ص 298 و هذا يعبر بوضوح عن نوعية تفكير خليفة المسلمين و نوعية طموحاته ...
2- الطبري ج 10 ص 317، طبع ليدن، و تاريخ اليعقوبي ج 3 ص 113، و مرآة الجنان ج 1 ص 299، و شرح ميمية أبي فراس ص 116، و فرج المهموم في تاريخ علماء النجوم ص 210، نقلا عن تجارب الامم لابن مسكويه ج 4 ...
3- الطبري ج 10 ص 306، و تاريخ ابن خلدون ج 3 ص 195، و الكامل لابن الأثير ج 5 ص 18، و المحاسن و المساوي ص 373، و البداية و النهاية ج 10 ص 93، و أنساب الأشراف للبلاذري ج 3 ص 118.
4- البداية و النهاية ج 10 ص 93. و قال اليافعي في مرآة الجنان ج 1 ص 298، 299: «... و لم يأو إلى فراش خمسين ليلة، و كان كل يوم يأتيه فتق من ناحية ... هذا، و مائة ألف سيف كامنة له بالكوفة؛ قالوا: و لو لا السعادة لسل عرشه بدون ذلك» ...

حتى إنه عند ما سئل عن المبايعين لمحمد بن عبد اللّه أجاب: «...

ولد علي، و ولد جعفر، و عقيل، و ولد عمر بن الخطاب، و ولد الزبير بن العوام، و سائر قريش، و أولاد الانصار (1)».

و سيمر معنا أن المنصور ادعى أن ولده هو المهدي، عند ما رأى أن الناس- ما عدا الامام الصادق عليه السلام- قد قبلوا بمهدوية محمد بن عبد اللّه العلوي ... و سيمر معنا أيضا طرف من معاملته للعلويين فيما يأتي إن شاء اللّه تعالى ...

خوف المهدي من العلويين:

و أما خوف المهدي من العلويين، فذلك لعله من أوضح الواضحات، فمثلا نرى أنه: عند ما أخرج الامام الكاظم عليه السلام من السجن، يطلب منه أن لا يخرج عليه، و لا على أحد من ولده (2).

كما أنه قد مكث مدة يطلب عيسى بن زيد، و الحسن بن ابراهيم، بعد هربه من السجن ... فقال المهدي يوما لجلسائه: «لو وجدت رجلا من الزيدية، له معرفة بآل حسن، و بعيسى بن زيد، و له فقه؛ فاجتلبه عن طريق الفقه؛ فيدخل بيني و بين آل حسن، و عيسى بن زيد»؛ فدله الربيع على يعقوب بن داود؛ فلم يزل أمره يرتفع عند الخليفة المهدي، حتى استوزره، و فوضه جميع أمور الخلافة، و خرج كتابه على الدواوين

ص: 69


1- مروج الذهب ج 3 ص 294، 295.
2- راجع: مروج الذهب، و ابن خلكان، ترجمة الامام الكاظم، و فصل الخطاب، و ينابيع المودة، و كشف الغمة، و مرآة الجنان، و صفة الصفوة. و صرح في ينابيع المودة ص 382، 383 باتفاق المؤرخين على ذلك.

بأنه: قد آخاه (1) ... كل ذلك من أجل أن يدله على الحسن بن ابراهيم، و عيسى بن زيد، مع أن يعقوب هذا كان قد سجنه المنصور، لخروجه عليه مع ابراهيم بن عبد اللّه بن الحسن، و المهدي هو الذي أطلقه ...

و لكنه لما لم يدله على عيسى بن زيد اتهمه بأنه: يمالى ء الطالبيين فسجنه (2)، و بقي في السجن إلى زمن الرشيد؛ فأخرجه، و قد كف بصره و صار شعره كالانعام ...

خوف الرشيد من العلويين:

و أما الرشيد «الذي ثارت الفتن في زمنه بين أهل السنة و الرافضة (3)»،

ص: 70


1- الطبري، طبع ليدن ج 10 ص 464، 507، 508، و مروج الذهب ج 3 ص 312، و الفخري في الآداب السلطانية ص 184، 185، و ليراجع: الوزراء و الكتاب ص 155 و غير ذلك. و سيأتي في فصل: ظروف البيعة المزيد من الكلام حول نفوذ يعقوب هذا ... و نكتفي هنا بالقول: إنه قد بلغ من نفوذه، أن جاز لبشار أن يقول أبياته المشهورة: بني أميّة هبوا طال نومكم إن الخليفة يعقوب بن داود ضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسواخليفة اللّه بين الزق و العود
2- مروج الذهب ج 3 ص 312، و ضحى الاسلام ج 3 ص 292، و الطبري، و غير ذلك ... و في مرآة الجنان ج 1 ص 419 و غيره: أنه حبسه في بئر، و بنى عليه قبة، و ليراجع الوزراء و الكتاب ص 155 أيضا. و قد دخل مروان بن أبي حفصة على المهدي بعد أن سجن يعقوب، و قال له: «إن يعقوب رجل رافضي» ... و مع ذلك ... فاننا نرى البعض يتهم يعقوب هذا بأنه هو الذي وشى للرشيد بالامام موسى ابن جعفر عليه السلام، فراجع عيون أخبار الرضا ج 1 ص 73، و غيره ...
3- النجوم الزاهرة ج 2 ص 77.

فقد كان معنيا بالمسألة عن آل علي، و كل من كان ذا نباهة و شأن منهم. كما سيأتي.

و قضيته مع يحيى بن عبد اللّه بن الحسن، الذي كان قد خرج في الديلم، و حالته السيئة، و همومه في أيام خروجه، أشهر من أن تحتاج إلى بيان ... و كيف لا تأخذه الهموم، و تذهب به الوساوس، و قد اتبع يحيى «خلق كثير، و جم غفير، و قويت شوكته، و ارتحل إليه الناس من الكور و الأمصار؛ فانزعج لذلك الرشيد، و قلق من أمره» ... و كان الساعي بالصلح بينه و بين يحيى هو الفضل بن يحيى، و بسبب تمكنه من إخماد ثورة يحيى عظمت منزلته عند الرشيد جدا، و فرح بذلك الصلح فرحا عظيما (1). و إن كان قد غدر بيحيى بعد ذلك، كما هو معروف و مشهور ...

كما انه عند ما ذهب إلى المدينة لم يعط الامام موسى بن جعفر عليه السلام، سوى مائتي دينار، رغم أنه كان يعطي من لا يقاسون به الآلاف منها، و كان اعتذاره عن ذلك لولده المأمون: أنه لو أعطاه اكثر من ذلك لم يأمن أن يخرج عليه من الغد مائة الف سيف من شيعته، و محبيه صلوات اللّه و سلامه عليه (2) ...!!

ص: 71


1- راجع في ذلك كله: البداية و النهاية ج 10 ص 167، و عمدة الطالب، طبع بيروت ص 124، و شرح ميمية أبي فراس ص 190.
2- عيون أخبار الرضا ج 1 ص 92، و البحار ج 48 ص 131، 132. و قد رأينا أن العباسيين ابتداء من المنصور، بل السفاح- مع الامام الصادق عليه السلام- كانوا دائما يتهددون الأئمة- الذين ما كانوا يجدون الفرصة لأي تحرك، و من أي نوع، كما سنوضحه- و يتهمونهم بأنهم كانوا يدبرون في الخفاء للخروج عليهم؛ ليجدوا الوسيلة من ثم- للتضييق عليهم، و المبرر لسجنهم، و مصادرة أموالهم و و ... و كان الأئمة ينفون ذلك، و يدحضون تلك التهم باستمرار ... لكنهم ما كانوا يقبلون منهم ذلك!!

ثم عاد و سجنه بعد ذلك بحجة أنه كان يجبى إليه الخراج، ثم يدس إليه السم، و يتخلص منه، و ذلك هو مصير اكثر الائمة على يد الخلفاء قبله و بعده ...

و أما في زمن المأمون!!

و أما في زمن المأمون: فقد كان الأمر أعظم، و أمر، و أدهى؛ حيث قد شملت الثورات و الفتن الكثير من الولايات و الأمصار، حتى لم يعد يعرف المأمون من أين يبدأ، و لا كيف يعالج. و أصبح يرى، و يؤلمه أن يرى مصيره، و مصير خلافته في مهب الريح، تتقاذفه الانواء، و يضرى به الإعصار.

عقدة الحقارة لدى العباسيين:

و كان ذلك بطبيعة الحال يزيد من رعب العباسيين، و يضاعف من مخاوفهم ...

لا سيما بملاحظة أنهم كانوا يعيشون عقدة الحقارة و المهانة ...

يقول أبو فراس مشيرا إلى ذلك:

ثم ادعاها بنو العباس ملكهم و مالهم قد فيها و لا قدم

لا يذكرون إذا ما معشر ذكرواو لا يحكم في أمر لهم حكم

و لا رآهم أبو بكر و صاحبه اهلا لما طلبوا منها و ما زعموا

فهل هم يدعوها غير واجبةأم هل أئمتهم في أخذها ظلموا و قد كتب ابو مسلم للمنصور، من جملة رسالة له: «... و أظهركم اللّه بعد الاخفاء، و الحقارة و الذل، ثم استنقذني بالتوبة الخ (1) ...».

ص: 72


1- البداية و النهاية ج 10 ص 64. و غيره.

و في رسالة أخرى: «... حتى عرفكم من كان جهلكم (1)».

بل لقد صرح المنصور بذلك لعمه عبد الصمد بن علي؛ حيث قال له: «نحن بين قوم رأونا بالأمس سوقة، و اليوم خلفاء؛ فليس تتمهد هيبتنا إلا باستعمال العقوبة، و نسيان العفو ...» كما سيأتي ...

في مواجهة الخطر:

و إذا كان العباسيون يدركون: أن الخطر الحقيقي الذي يتهددهم، إنما هو من قبل أبناء عمهم العلويين، فان عليهم إذن ... أن يتحركوا ...

أن يفعلوا شيئا ... أن يواجهوا الخطر المحدق بهم بكل وسيلة، و بأي أسلوب كان ... سيما و هم يشهدون عن كثب سرعة استجابة الناس للعلويين، و تأييدهم، و مساندتهم لكل دعوة من قبلهم ...

فكيف عالج العباسيون الموقف؟! ...

و ما هو مدى نجاحهم في ذلك؟ إن كان قدر لهم النجاح!!.

ص: 73


1- البداية و النهاية ج 10 ص 69، و الامامة و السياسة ج 2 ص 133، و غير ذلك.

سياسة العباسيين ضد العلويين:

مما سبق:

قد تقدم معنا بعض ما يدل على مدى نفوذ العلويين، و على المكانة التي كانوا يتمتعون بها على العموم ... و أنهم هم الذين كانوا يشكلون الخطر الحقيقي على العباسيين، و مركزهم في الحكم ...

و قد كان العباسيون يدركون بالفعل هذه الحقيقة، فكان عليهم أن يبعدوهم عن مجال السياسة بأي وسيلة كانت و أن يحدوا ما استطاعوا من نفوذهم، و يضعفوا ما أمكنهم من قوتهم ...

و قد اتبعوا من أجل ذلك أساليب شتى، و طرقا متنوعة:

فحاولوا في بادئ الأمر أن يقارعوهم الحجة بالحجة ...

تطوير نظرية الارث:

و كان من جملة أساليبهم في ذلك أنهم غيروا و بدلوا في السلسلة، التي كانوا يواجهون بها الناس في تقريرهم لشرعية خلافتهم من النبي (ص) ...

ص: 74

و ذلك لأنهم كانوا في بداية أمرهم يصلون حبل وصايتهم بأمير المؤمنين عليه السلام، ثم منه إلى ولده محمد بن الحنفية، ثم إلى ابنه أبي هاشم، ثم إلى علي بن عبد اللّه بن العباس، فإلى ولده محمد بن علي، فإبراهيم الامام، ثم منه إلى أخيه السفاح (1) و هكذا ... هذا ... مع إنكارهم لشرعية خلافة أبي بكر و عمر، و عثمان، و غيرهم من خلفاء الامويين، و غيرهم ...

و يتضح انكارهم و تبرؤهم هذا من كثير من النصوص التاريخية ... فمن ذلك قصة أبي عون مع المهدي، التي ستأتي في بعض هوامش هذا الفصل ...

و من ذلك أيضا قول أبي مسلم في خطبته في أهل المدينة في السنة التي حج فيها في عهد السفاح، قال: «... و ما زلتم بعد نبيه تختارون تيميّا مرة، و عدويا مرة، و أسديا مرة و سفيانيا مرة، و مروانيا مرة، حتى جاءكم من لا تعرفون اسمه، و لا بيته [يعني نفسه] يضربكم بسيفه؛ فأعطيتموها عنوة، و أنتم صاغرون، ألا و إن آل محمد أئمة الهدى، و منار سبيل التقى، القادة الذادة السادة الخ (2) ...». و تقدم قول داود ابن علي: «لم يقم فيكم امام بعد رسول اللّه الخ ...»

و روى أبو سليمان الناجي، قال: «جلس المهدي يوما يعطي قريشا صلات لهم، و هو ولي عهد، فبدأ ببني هاشم، ثم بسائر قريش.

فجاء السيد [أي الحميري]؛ فرفع إلى الربيع حاجب المنصور رقعة مختومة، و قال: ان فيها نصيحة للامير؛ فأوصلها إليه. فأوصلها؛ فإذا فيها:2.

ص: 75


1- تاريخ ابن خلدون ج 3 ص 173، و مروج الذهب ج 3 ص 238، و وفيات الأعيان ج 1 ص 454، 455، طبع سنة 1310، و امبراطورية العرب ص 406، و غير ذلك، و قد أشرنا إلى أن هذه هي عقيدة الكيسانية، فراجع ...
2- شرح النهج للمعتزلي ج 7 ص 161، 162.

قل لابن عباس سمي محمدلا تعطين بني عدي درهما

احرم بني تيم بن مرة انهم شر البرية آخرا، و مقدما

إن تعطهم لا يشكروا لك نعمةو يكافئوك بأن تذم و تشتما

و إن ائتمنتهم أو استعملتهم خانوك، و اتخذوا خراجك مغنما

و لئن منعتهم لقد بدءوكم بالمنع؛ إذ ملكوا و كانوا أظلما

منعوا تراث محمد أعمامه و ابنيه، و ابنته عديلة مريما

و تأمروا من غير ان يستخلفواو كفى بما فعلوا هنالك مأثما

لم يشكروا لمحمد انعامه أ فيشكرون لغيره إن أنعما

و اللّه من عليهم بمحمدو هداهم، و كسا الجنوب، و أطعما

ثم انبروا لوصيه و وليه بالمنكرات، فجرعوه العلقما قال: فرمى بها إلى عبد اللّه معاوية بن يسار، الكاتب للمهدي، ثم قال: اقطع العطاء؛ فقطعه. و انصرف الناس. و دخل السيد إليه؛ فلما رآه ضحك، و قال: قد قبلنا نصيحتك يا إسماعيل ... و لم يعطهم شيئا (1) ...».

و نرى السيد الحميري في مناسبة أخرى ينشد المنصور أبياتا يهجو بها سوارا القاضي، من جملتها:

إن سوار بن عبداللّه من شر القضاة

نعثلي، جملي،لكم غير مواتي (2) 56

ص: 76


1- الأغاني ج 7 ص 16، طبع دار الفكر، و الغدير ج 2 ص 254، 255، و الأدب في ظل التشيع ص 207، و مستدرك أخبار السيد الحميري للمرزباني ص 58، باختصار و ديوان السيد الحميري ص 377، 378، نقلا عن الأولين، و عن: أعيان الشيعة ج 12 ص 178، و تاريخ الاسلام ج 2 ص 147، و تاريخ آداب اللغة العربية ج 2 ص 67، 68.
2- طبقات الشعراء لابن المعتز ص 34، و الأغاني ج 7 ص 261، و الغدير ج 2 ص 256

و يقول القاسم بن يوسف:

هاشم فخر قصي كلهاأين تيم وعدي و الفخار

لهم أيد طوال في العلى و لمن ساماهم أيد قصار

لهم الوحي و فيهم بعده آمر الحق و في الحق منار

و هم أولى بأرحامهم في كتاب اللّه إن كان اعتبار

ما بعيد كقريب سببالا و لا يعدل بالطرف الحمار إلى أن قال:

خسر الآخذ ما ليس له عمد عين و الشريك المستشار

و لفيف ألفوا بينهم بيعة فيها اختلاط و انتشار

و رسول اللّه لم يدفن فماشغل القوم اغتمام و انتظار

كان منهم قبل آل المصطفى أن يلوا الأمر حذار و نفار (1) إلى آخر الابيات ...

و القاسم بن يوسف معاصر لكل من الرشيد و المأمون، و توفي سنة 213 ه.

و كل ما ذكرناه يدل على انكار العباسيين لشرعية خلافة أبي بكر و عمر ...

و مثل ذلك كثير لا مجال لنا هنا لاستقصائه، و حسبنا هنا أقوال المؤرخين، فانها القول الفصل، و الحكم العدل ...

هذا ما كان في بداية الأمر ... أي أنهم كانوا يصلون حبل وصايتهم بعليّ عليه السلام، و ينكرون شرعية خلافة الثلاثة، ثم عدلوا عن ذلك بعد فترة ... و ذلك لما يتضمنه من الاعتراف بأن الوصاية كانت في ولد عليّ عليه السلام.9.

ص: 77


1- الأوراق للصولي ص 180، و أخبار شعراء الشيعة للمرزباني ص 108- 109.

فأسس المهدي فرقة (1) تدعي: أن الامام بعد رسول اللّه (ص) هو العباس بن عبد المطلب، ثم ابنه عبد اللّه، ثم ابنه علي، ثم ابنه محمد ... و هكذا إلى أن ينتهي الأمر إليهم ... هذا ... مع الاستمرار على البراءة من أبي بكر، و عمر، و عثمان. و لكنهم أجازوا بيعة علي ابن أبي طالب؛ لأن العباس نفسه كان قد أجازها (2). و تسمى هذه الفرقة ب: «الراوندية و الشيعة العباسية».

و لكننا لا نجد لهذه الفرقة أثرا في عصر المأمون، لأن سياسة الخليفة قد اقتضت تجميد هذه المقالة، و لو لفترة من الزمان كما سنوضحه و على كل حال فيقول منصور النمري يمدح الرشيد و يشير الى ذلك:

لو لا عدي و تيم لم تكن وصلت إلى أمية تمريها و ترتضع

إن الخلافة كانت إرث والدكم من دون تيم، و عفو اللّه متسع (3) 6.

ص: 78


1- هذا ... و لكن الذي يبدو هو أن صاحب الفكرة الحقيقي هو المنصور. كما يظهر من رسالته لمحمد بن عبد اللّه بن الحسن، و من كثير من كلماته، و خطبه ... و المهدي كان هو المنفذ لها، و المخرج من عالم القوة إلى عالم الفعل ... بل لقد سار المنصور في إشاعة هذه الفكرة، و تركيزها شوطا بعيدا، حتى لقد تقرب إليه بها الشعراء؛ فهذا السيد الحميري يقول- على ما يرويه لنا المرزباني في أخباره ص 37 و يروي أيضا مكافأة المنصور المهمة له على ذلك- يقول السيد: يا رهط أحمد إن من أعطاكم ملك الورى و عطاؤه أقسام رد الخلافة و الوراثة فيكم و بنو أميّة صاغرون رغام لمتمم لكم الذي أعطاكم و لكم لديه زيادة و تمام أنتم بنو عم النبي عليكم من ذي الجلال تحية و سلام و ورثتموه و كنتم أولى به إن الولاء تحوزه الأرحام إلى غير ذلك مما لا مجال لنا لتتبعه و استقصائه.
2- فرق الشيعة للنوبختي ص 48، 49، و تاريخ ابن خلدون ج 3 ص 173، و مروج الذهب للمسعودي ج 3 ص 236، إلا أن النوبختي ذكر أنهم لم يجيزوا حتى بيعة علي أيضا.
3- طبقات الشعراء لابن المعتز ص 244، و الشعر و الشعراء ص 546.

تشجيع الخلفاء لهذا الاتجاه:

و قد شجع الخلفاء هذه النحلة، أو فقل هذا الاتجاه. و استمروا يناصرونه إلى زمن هارون ...

و قد حصل مروان ابن أبي حفصة من الخليفة العباسي «المهدي» على أعظم جائزة تعطى لشاعر في تلك الفترة، على قوله مخاطبا آل علي:

هل تطمسون من السماء نجومهابأكفكم أو تسترون هلالها

أو تدفعون مقالة عن ربكم جبريل بلغها النبي فقالها

نزلت من الأنفال آخر آيةبتراثهم، فأردتم ابطالها يشير إلى آية: «أولو الأرحام ...».

فزحف المهدي من صدر مصلاه إعجابا، و أعطاه مائة ألف درهم، لكل بيت ألف درهم. و كانت هذه أول مائة ألف تعطى لشاعر في دولة بني العباس (1).

و أعطاه هارون بدوره على هذه الأبيات، بعد أن أصبح خليفة مائة ألف أيضا.

كما أن المهدي قد أعطى مروان هذا على قوله:

أنى يكون و ليس ذاك بكائن لبني البنات وراثة الأعمام أعطاه ثلاثين ألفا من صلب ماله، و كساه جبة، و مطرفا، و فرض على أهله و مواليه ثلاثين ألفا أيضا (2).

ص: 79


1- تاريخ بغداد ج 13 ص 144، 145، و مرآة الجنان ج 1 ص 321.
2- و لكن في العقد الفريد ج 1 ص 312، الطبعة الثالثة، و المحاسن و المساوي ص 219: أنه أخذ منه ثلاثين، و من أهل بيته سبعين. و لعل هذا هو الأقرب إلى الواقع؛ فقد ذكر في المحاسن و المساوي ص 220: أن مروان هذا قال في هذه المناسبة: بسبعين ألفا راشي من حبائه و ما نالها في الناس من شاعر قبلي بل هذا البيت يدل على أن السبعين كانت منه، لا من أهل بيته ... و في طبقات الشعراء ص 51 اكتفى بالقول: أنه أخذ بهذا البيت مالا عظيما ...

و ينسب هذا الشعر لبشار بن برد كذلك ...

و بعد ذلك يقف مروان بن أبي الجنوب (و يقال: بل مروان بن أبي حفصة، و قد أنشدها المتوكل، على ما في الغدير ج 4 ص 175)، و ينشد الخليفة قصيدته التي مطلعها:

لكم تراث محمدو بعدلكم تشفى الظلامة إلى أن يقول:

ما للذين تنحلواميراثكم إلا الندامة فيخلع عليه أربع خلع، و ينثر ثلاثة آلاف دينار، يأمره بالتقاطها، و يعطيه عشرة آلاف درهم، ... ثم يعقد له- مع ذلك كله- ولاية على البحرين و اليمامة (1) بل لقد تمادى هارون، و أراد أن يذهب إلى أبعد من ذلك، حيث أراد أن ينكر حتى شرعية خلافة الامام علي عليه السلام، فأحضر «أبا معاوية الضرير» و هو أحد محدثي المرجئة (2)، و قال له: «هممت أنه من يثبت خلافة علي فعلت به و فعلت ...». فنهاه أبو معاوية عن ذلك، و استدل له بما أعجبه، فارتدع، و انصرف عما كان عزم عليه (3) ...7.

ص: 80


1- راجع: الكامل لابن الأثير ج 7 ص 38، و الامام الصادق و المذاهب الأربعة، المجلد الثاني، جزء 3 ص 228.
2- المرجئة الاولى كانوا لا يتولون عثمان و لا عليا، و لا يتبرءون منهما.
3- راجع تفصيل ذلك في تاريخ بغداد ج 5 ص 244، و نكت الهميان في نكت العميان ص 247.

بل إن بعض النصوص التاريخية تفيد أن المهدي أيضا كان لا يريد أن يجيز بيعة علي عليه السلام (1).

الامام علي في ميزان الاعتبار:

و إذا ما عرفنا أن اظهار المأمون حبه لعلي بن أبي طالب، و ولده، ليس إلا لظروف سياسية معينة كما سيأتي توضيحه ... فاننا سوف نرى أنفسنا مقتنعين بأن تأرجح الامام علي عليه السلام في ميزان الاعتبار في تلك الفترة و التي بعدها عند العباسيين، لم يكن إلا أمرا ظاهريا أملته الظروف السياسية، و الاجتهادات المختلفة في أساليب مواجهة العلويين ...

و لهذا نرى ارتباكهم في ذلك ظاهرا للعيان من وقت لآخر، و من فترة لأخرى ... و هكذا ... نجد أن الإمام عليا لم يكن معتبرا عند المأمون،

ص: 81


1- فقد ذكر ابن الأثير في الكامل ج 5 ص 72، و الطبري في تاريخه حوادث سنة 169 ه.: أن المهدي عند ما رأى في وصية القاسم بن مجاشع التميمي المروزي عبارة: «... و يشهد أن محمدا عبده و رسوله، و أن علي بن أبي طالب وصي رسول اللّه، و وارث الامامة من بعده ... الخ» ... رماها من يده، و لم ينظر في باقيها ... كما أنه عند ما ذهب لعيادة أبي عون، الذي كان من كبار رجال الدعوة، و الذي أرسله أبو مسلم في ثلاثين ألفا في طلب مروان بن محمد، و كان هو الذي أنهى أمره في مصر على ما في الامامة و السياسة ج 2 ص 116، 119، 120.- عند ما ذهب المهدي لعيادته-، و طلب منه أبو عون أن يرضى عن ولده، الذي كان يرى رأي الشيعة في الخلافة، أجاب: أنه على غير الطريق، و على خلاف رأينا. فقال له أبو عون: هو و اللّه يا أمير المؤمنين، على الأمر الذي خرجنا عليه، و دعونا إليه؛ فان كان قد بدا لكم، فمرونا، حتى نطيعكم ... راجع الامام الصادق و المذاهب الأربعة، المجلد الأول، جزء 2 ص 569، و قاموس الرجال ج 5 ص 373، و الطبري، و غير ذلك ...

غير معتبر عند المنصور و الرشيد، بل هو غير معتبر عندهم جميعا.

و لسنا هنا في صدد تحقيق هذا الأمر، و لكن قد تكفي الاشارة في كثير من الأحيان.

استغلال لقب المهدي:

هذا ... و نلاحظ: أن المنصور أيضا قد حاول أن يقارع العلويين بالحجة، و لكن بنحو آخر، و أسلوب آخر ...

فانه عند ما رأى أن الناس قد قبلوا على نطاق واسع (ما عدا الإمام الصادق عليه السلام) بأن محمد بن عبد اللّه العلوي هو المهدي ... حاول أن يموه هو بدوره على النّاس، فلقب ولده، و الخليفة بعده ب «المهدي»، من أجل أن يصرف الناس عن محمد بن عبد اللّه هذا ...

فقد أرسل مولى له إلى مجلس محمد بن عبد اللّه، و قال له:

«اجلس عند المنبر، فاسمع ما يقول محمد»، قال: فسمعته يقول:

«إنكم لا تشكون أني أنا المهدي، و أنا هو» فأخبرت بذلك أبا جعفر، فقال: «كذب عدو اللّه، بل هو ابني (1)» ...

ثم ... و من أجل اقناع الناس بهذا الأمر، وجد المنصور من يضع له الاحاديث، و يكذب على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و طبق واضعوها «مهدي الامة» على ولده الخليفة «المهدي» (2). و يقول القاضي النعمان الاسماعيلي في أرجوزته:

ص: 82


1- مقاتل الطالبيين ص 240، و المهدية في الاسلام ص 117.
2- تجد بعض هذه الأحاديث في: الصواعق المحرقة 98، 99، و تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 259، 260، 272، و البداية و النهاية ج 6 ص 246، 247، و غير ذلك.

من انتظاره و قد تسمى بهذه الاسماء ناس لما

تغلبوا ليجعلوها حجةفعدلوا عن واضح المحجة

إذ مثلوا الجوهر بالاشباه منهم محمد بن عبد اللّه

ابن علي من بني العباس ذوي التعدي الزمرة الارجاس

إذ وافق الاسم تسمّى مهدي و هذه من الدواهي عندي (1) و قد أقر أحمد أمين المصري بكذب هذه الاحاديث، و وضعها (2)، كما أقر غيره بذلك ...

بل إن المنصور نفسه- الذي كان قد اعترف بمهدوية محمد بن عبد اللّه العلوي، و تبجح، و افتخر بها (3)- قد كذب نفسه في ذلك، و كذبها في مهدوية ولده أيضا ...

يقول مسلم بن قتيبة: «أرسل إلى أبو جعفر، فدخلت عليه، فقال: قد خرج محمد بن عبد اللّه، و تسمى بالمهدي، و و اللّه، ما هو به، و أخرى أقولها لك، لم أقلها لأحد قبلك، و لا أقولها لأحد بعدك ... و ابني و اللّه، ما هو بالمهدي، الذي جاءت به الرواية. و لكني تيمنت به، و تفاءلت به (4) ...». و الخليفة المهدي نفسه يقر بأن أباه فقط يروي أنه المهدي الذي بعده في الناس (5).

و أما اتخاذهم الزندقة ذريعة للقضاء على خصومهم، سواء من العلويين، أو من غيرهم ... فسيأتي توضيحه إن شاء اللّه تعالى ...7.

ص: 83


1- الارجوزة المختارة ص 31.
2- ضحى الاسلام ج 3 ص 240.
3- مقاتل الطالبيين ص 239، 240، و المهدية في الاسلام ص 116، و جعفر بن محمد لعبد العزيز سيد الأهل ص 116.
4- مقاتل الطالبيين ص 247، و المهدية في الاسلام ص 117.
5- الوزراء و الكتاب ص 127.

و كل ذلك لم يكفهم:

و لكن العباسيين قد وجدوا أن ذلك كله لم يكن ينطلي على أحد.

و أن الامور- مع ذلك- تسير في غير صالحهم؛ و لهذا فان من الافضل و الأجدى لهم أن لا يفسحوا المجال للعلويين للمنطق و الحجاج؛ فان ذلك من شأنه أن يظهر كل ما كان يتمتع به العلويون من خصائص و مميزات عليهم. هذا إن لم ينته الأمر بفضيحة ساحقة للعباسيين، و كشف حقيقتهم و واقعهم أمام الملأ، الأمر الذي كان يزعجهم، و يقض مضاجعهم إلى حد كبير ...

و إذن ... فإن من الحكمة أن يتبعوا أساليب أخرى من أجل القضاء على العلويين ...

و لم تكفهم مراقبتهم لهم، حتى لم يكونوا يغفلون عنهم طرفة عين أبدا، من أجل التعرف على أحوالهم، و إحصاء كل حركاتهم، ابتداء من السفاح، ثم اتبعه الخلفاء على ذلك من بعده ...

كما لم يكفهم ... التهديد و الوعيد الذي كانوا يواجهونهم به؛ بهدف إضعاف شخصياتهم، و تحطيم معنوياتهم ...

كما لم يكفهم مصادرة أموالهم، و هدم بيوتهم، و منعهم من السعي من أجل الحصول على لقمة العيش، حتى لقد بلغ البؤس بهم أن:

العلويات كن يتداولن الثوب الواحد من أجل الصلاة (1).

و كذلك لم يكفهم ... عزلهم عن الناس، و منع كل أحد من الوصول إليهم، تمهيدا لتشويه سمعتهم بما أمكنهم من أساليب الكذب و الافتراء،

ص: 84


1- كان ذلك في زمن المتوكل، راجع: بند تاريخ ج 1 ص 72، و مقاتل الطالبيين ص 599.

و إن كانت سيرتهم الحميدة، و خصوصا أهل البيت منهم، كانت تدفع كل شائعة، و سلوكهم المثالي يدحض كل افتراء ...

و أما الاضطهاد و التشريد، و زج العشرات و المئات منهم في السجون الرهيبة، التي كان من يدخل إليها لا يأمل بالخروج منها؛ حيث إن دخول السجن إنما كان يعني في الحقيقة دخول القبر ... و أما دسهم السم لكل شخصية لا يستطيعون الاعتداء عليها جهارا- أما ذلك- فلم يكن ليكفيهم أيضا، و لا ليقنعهم قطعا ... حيث انهم إنما كانوا متعطشين إلى الولوغ في دمائهم، و مشتاقين إلى التفنن في تعذيبهم، و اختراع أساليب جديدة في ذلك؛ فسمروا بالحيطان من سمروا، و أماتوا جوعا من أماتوا، و وضعوا في الاسطوانات منهم من وضعوا ... إلى غير ذلك مما يظهر لكل من له أدنى اطلاع على تاريخهم، و تاريخ سلوكهم مع أبناء عمهم العلويين ...

و أما قتلهم لهم جماعات، فأشهر من أن يحتاج إلى بيان ... و قضية المنصور مع بني حسن لا يكاد يخلو منها كتاب تاريخي ... و كذلك قضية الستين علويا، الذين قتلوا بأمر من الخليفة «المنصور» باستثناء غلام منهم، لا نبات بعارضيه (1).ر.

ص: 85


1- هذا ما نقله في شرح شافية أبي فراس ص 174 عن الدر النظيم، عن أحمد بن حنبل، الذي رأى رجلا متعلقا بأستار الكعبة، يضرع إلى اللّه بالمغفرة، و أقر له بأنه بنى على هؤلاء ما عدا الغلام المذكور بأمر من المنصور ... و في عيون أخبار الرضا ج 1 ص 108، فما بعدها، و شرح ميمية أبي فراس ص 176، 177، و البحار ج 48 ص 176 فما بعدها ... قصة شبيهة بهذه ينقلها عن حميد بن قحطبة الذي كان يفطر في شهر رمضان، ليأسه من مغفرة اللّه، لأنه قتل ستين علويا في ليلة واحدة بأمر من الرشيد ... و لكن الظاهر أن ذكر الرشيد اشتباه من الراوي، و لعله عمدي؛ لأن حميدا قد مات سنة 158، على ما صرح به في البحار ج 48 ص 322، و خلافة هارون الرشيد إنما بدأت سنة 170، و لعل القصة الحقيقية هي ما عن أحمد بن حنبل، و انما حرفها المحرفون لحاجة في نفس يعقوب، لا تخفى على المتتبع الخبير، و الناقد البصير.

موقف كل خليفة منهم على حدة:

اشارة

و إننا من أجل أن نلم بموقف كل خليفة منهم على حدة من أبناء عمهم العلويين، نقول:

أما السفاح:

فقد قال عنه أحمد أمين: «... و كانت حياته حياة سفك للدماء، و قضاء على المعارضين (1) ...».

و قال عنه الجنرال جلوب: «... و كان السفاح و المنصور قد نشئا نشأة المتآمرين، و لذا وطدا ملكهما- بعد نجاح الثورة- بكثير من سفك الدماء، و لا سيما من دماء أولاد أعمامهم، من بني أمية، و بني علي بن أبي طالب (2) ...».

و يقول الخوارزمي عن السفاح: «... و سلط عليهم (يعني على العلويين) أبا مجرم، لا أبا مسلم، يقتلهم تحت كل حجر و مدر، و يطلبهم في كل سهل، و جبل (3) ...».

و من ذلك يعلم أن اظهاره اللين تجاههم أمام الناس ما كان إلا من أجل تثبيت دعائم حكمه، و تحكيم قواعد سلطانه، لكنه لم يغفل لحظة واحدة عن مراقبتهم، و التجسس على أحوالهم، بل و قتلهم، إذا ما سنحت الفرصة له لذلك، كما قدمنا ...

ص: 86


1- ضحى الاسلام ج 1 ص 105.
2- امبراطورية العرب ص 499.
3- رسائل الخوارزمي ص 130، و ضحى الاسلام ج 3 ص 296، 297، و سيأتي شطر من هذه الرسالة ... راجع ما علقناه على هذه الفقرة في فصل: قيام الدولة العباسية.
و أما المنصور:

الذي لم يتورع عن قتل ابن أخيه السفاح (1)، و عمه عبد اللّه بن علي ...

و أبي مسلم، مؤسس دولته ... و الذي سافر سنة 148 ه. إلى الحج، و عزم على القبض على الامام الصادق (ع)، و إن كان لم يتم له ذلك (2) ...

و الذي سمى نفسه المنصور بعد انتصاره على العلويين (3).

أما المنصور هذا ... فهو أول من أوقع الفتنة بين العباسيين و العلويين (4).

و قد اعترف عند ما عزم على قتل الإمام الصادق عليه السلام، بعدد ضخم من ضحاياه من العلويين، حيث قال:

«... قتلت من ذرية فاطمة ألفا، أو يزيدون، و تركت سيدهم، و مولاهم، و إمامهم، جعفر بن محمد ...» (5).

و لقد كان هذا القول منه في حياة الإمام الصادق عليه السلام، أي في صدر خلافة المنصور ... فكيف بمن قتلهم بعد ذلك!! و قد ترك خزانة رءوس ميراثا لولده المهدي، كلها من العلويين، و قد علق بكل رأس ورقة كتب فيها ما يستدل به على صاحبه، و من بينها رءوس شيوخ، و شبان، و أطفال (6).

ص: 87


1- تاريخ التمدن الاسلامي المجلد الثاني جزء 4 ص 494، نقلا عن: نفح الطيب ج 2 ص 715.
2- النجوم الزاهرة ج 2 ص 6
3- التنبيه و الاشراف ص 295، و طبيعة الدعوة العباسية ص 119.
4- تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 261، و مروج الذهب ج 4 ص 222. و شرح ميمية أبي فراس ص 117، و مشاكلة الناس لزمانهم لليعقوبي ص 22، 23.
5- شرح ميمية أبي فراس ص 159، و الأدب في ظل التشيع ص 68.
6- تاريخ الطبري ج 10 ص 446، و النزاع و التخاصم للمقريزي ص 52، و غير ذلك.

و هو الذي يقول لعمه عبد الصمد بن علي، عند ما لامه على أنه يعاجل بالعقوبة، حتى كأنه لم يسمع بالعفو- يقول له-: «إن بني مروان لم تبل رممهم، و آل أبي طالب لم تغمد سيوفهم- و نحن بين قوم رأونا بالأمس سوقة، و اليوم خلفاء، فليس تتمهد هيبتنا الا بنسيان العفو، و استعمال العقوبة (1) ...».

و هو الذي يقول للامام الصادق عليه السلام: «لأقتلنك، و لا قتلن أهلك، حتى لا أبقي على الأرض منكم قامة سوط (2) ...».

و عند ما قال المنصور للمسيب بن زهرة: إنه رأى أن الحجاج أنصح لبني مروان ... أجابه المسيب: «يا أمير المؤمنين، ما سبقنا الحجاج إلى أمر، فتخلفنا عنه، و اللّه، ما خلق اللّه على جديد الأرض خلقا أعز علينا من نبينا (ص)، و قد أمرتنا بقتل أولاده، فأطعناك، و فعلنا، فهل نصحناك؟!» (3).

و هو أول من سن هدم قبر الحسين عليه السلام في كربلاء (4) ...

و هو الذي كان يضع العلويين في الاسطوانات، و يسمرهم في الحيطان- كما نص عليه اليعقوبي، و غيره- و يتركهم يموتون في المطبق جوعا، و تقتلهم الروائح الكريهة، حيث لم يكن لهم مكان يخرجون إليه لازالة الضرورة. و كان يموت أحدهم، فيترك معهم، حتى يبلى من غير دفن، ثم يهدم المطبق على من تبقى منهم حيا، و هم في أغلالهم- كما فعل ببني حسن، كما هو معروف و مشهور.3.

ص: 88


1- تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 267، و امبراطورية العرب ص 491، و الامام الصادق و المذاهب الأربعة، المجلد الأول جزء 2 ص 534.
2- مناقب ابن شهرآشوب ج 3 ص 357، و البحار ج 47 ص 178.
3- مروج الذهب ج 3 ص 224.
4- تاريخ كربلاء، لعبد الجواد الكليدار آل طعمه ص 193.

و لقد قال أحد العلويين، و هو أبو القاسم الرسي بن ابراهيم بن طباطبا، اسماعيل الديباج، عند ما هرب من المنصور إلى السند:

لم يروه ما أراق البغي من دمنافي كل أرض فلم يقصر من الطلب

و ليس يشفي غليلا في حشاه سوى أن لا يرى فوقها ابن لبنت نبي (1) و على كل: فإن معاملة المنصور لأولاد علي، تعتبر من أسوأ صفحات التاريخ العباسي (2) ...

و ستأتي عبارة الخضري عنه عن قريب ...

و أما المهدي:

الذي حبس وزيره يعقوب بن داود، و بنى على المطبق الذي هو فيه قبة، و بقي فيه حتى عمي، و طال شعر بدنه، حتى صار كالأنعام- حبسه- لاتهامه إياه بأنه يمالى ء الطالبيين، كما قدمنا ...

المهدي الذي عرفنا فيما تقدم موقفه من أبي عون، و ولده، الذي كان يذهب مذهب الشيعة في الخلافة ... و كذلك موقفه من وصية القاسم ابن مجاشع ...

أما المهدي هذا فقد اتخذ الزندقة ذريعة للقضاء على كل مناوئيه، و خصوصا العلويين، و المتشيعين لهم:

قال الدكتور أحمد شلبي: «إن الرمي بالزندقة اتخذ وسيلة للإيقاع بالأبرياء في كثير من الأحايين ...» (3).

ص: 89


1- النزاع و التخاصم للمقريزي ص 51.
2- مختصر تاريخ العرب، للسيد أمير علي ص 184.
3- التاريخ الاسلامي و الحضارة الاسلامية ج 3 ص 200.

و قال الدكتور أحمد أمين المصري: «الحق أن بعض الناس اتخذوا الزندقة ذريعة للانتقام من خصومهم. سواء في ذلك: الشعراء، و العلماء، و الأمراء، و الخلفاء» (1).

و قد ألف له- أي للمهدي- ابن المفضل كتابا في الفرق، اخترع فيه فرقا من عند نفسه، و نسبها لأولئك الذين يريد المهدي أن يتتبعهم، و يقضي عليهم. مع أنهم لم يكونوا أصحاب فرق أصلا ... كزرارة، و عمار الساباطي، و ابن أبي يعفور، و أمثالهم؛ فاخترع فرقة سماها «الزرارية»، نسبة لزرارة. و فرقة سماها «العمارية» نسبة لعمار، و فرقة سماها «اليعفورية»، و أخرى سماها «الجواليقية»، و أصحاب سليمان الأقطع ...

و هكذا ... إلا أنه لم يذكر «الهشامية» نسبة لهشام بن الحكم (2) ...4.

ص: 90


1- ضحى الاسلام ج 1 ص 157 ... هذا ... و قد اتهم شريك بن عبد اللّه القاضي بالزندقة، لأنه لم يكن يرى الصلاة خلف الخليفة المهدي؛ فراجع: البداية و النهاية ج 10 ص 153، و حياة الامام موسى بن جعفر ج 2 ص 137، و الامام الصادق و المذاهب الأربعة المجلد الثاني جزء 3 ص 232. و أيضا ... فقد أراد هارون أن يقتل عمه، الذي قال: كيف لقي آدم موسى؟ عند ما ذكرت رواية مفادها ذلك ... و ذلك بتهمة الزندقة. راجع: تاريخ بغداد ج 14 ص 7، 8 و البداية و النهاية ج 10 ص 215، و حياة الامام موسى بن جعفر ج 2 ص 138، و تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 285، و البصائر و الذخائر ص 81 ... و هذا يعني أن لفظ الزنديق قد اطلق على كل من يناقش في أحاديث الصحابة، و على كل من يعارض نظام الحكم، و الحكام و أهواءهم، و اطلق أيضا على كل ماجن خليع كما يبدو لمن راجع رواية شريك القاضي في مظانها و غيرها ... و لا بأس بمراجعة عبارة هامة لأحمد أمين تتعلق بهذا الموضوع في كتاب الامام الصادق و المذاهب الأربعة، المجلد الثاني جزء 3 ص 232.
2- رجال المامقاني ج 3 ص 296، و قاموس الرجال ج 9 ص 324، و البحار ج 48 ص 195، 196، و رجال الكشي ص 27 طبع كربلاء ... و أشار إلى ذلك المسعودي أيضا؛ فراجع: ضحى الإسلام ج 1 ص 141. و اليعقوبي في كتابه مشاكلة الناس لزمانهم ص 24.

و قال عبد الرحمن بدوي: «إن الاتهام بالزندقة في ذلك العصر، كان يسير جنبا إلى جنب مع الانتساب إلى مذهب الرافضة، كما لاحظ ذلك الاستاذ (فيدا) ...» (1).

يقول أبو حنيفة أو الطغرائي في جملة أبيات له:

و متى تولى آل أحمد مسلم قتلوه أو وصموه بالإلحاد (2) إلى غير ذلك مما لا يمكننا تتبعه و استقصاؤه في مثل هذه العجالة ...

و أما الهادي:

«فقد أخاف الطالبيين خوفا شديدا، و ألح في طلبهم، و قطع أرزاقهم و اعطياتهم. و كتب إلى الآفاق بطلبهم (3) ...».

و لم تكن واقعة فخ المشهورة إلا بسبب الاضطهاد الذي لحق العلويين، و المعاملة القاسية لهم، حسبما نص عليه المؤرخون ... و التي بلغ عدد الرءوس فيها مائة و نيفا، و سبيت فيها النساء و الأطفال، و قتل السبي حتى الاطفال منهم على ما قيل ...

و أما الرشيد:

«الذي حصد شجرة النبوة، و اقتلع غرس الامامة»، على حد تعبير الخوارزمي ...

ص: 91


1- من تاريخ الإلحاد في الاسلام ص 37.
2- نسبه إلى الأول في ملحقات احقاق الحق ج 9 ص 688 نقلا عن مفتاح النجا في مناقب آل العبا للعلامة البدخشي ص 12 مخطوط و عن قلندر الهندي الحنفي في روض الأزهر ص 359 طبع حيدرآباد و هو منسوب للطغرائي أيضا و هو مثبت في احدى قصائده في ديوانه فلعله أخذه على سبيل الاستشهاد على عادة الشعراء في ذلك ...
3- تاريخ اليعقوبي ج 3 ص 136، 137.

و الذي «لم يكن يخاف اللّه، و أفعاله بأعيان آل علي (ع)، و هم أولاد بنت نبيه، لغير جرم، تدل على عدم خوفه من اللّه تعالى (1) ...».

و الذي كان على حد تعبير أحمد شلي: «يكره الشيعة و يقتلهم (2) ...»

و الذي بلغ من كرهه لهم: أن الشعراء كانوا يتقربون إليه بهجاء آل علي عليه السلام، كما يظهر بأدنى مراجعة للتاريخ ...

أما الرشيد هذا ...

فقد أقسم على استئصالهم، و كل من يتشيع لهم، فقال: «... حتام أصبر على آل بني أبي طالب، و اللّه لأقتلنهم، و لأقتلن شيعتهم، و لأفعلن و أفعلن (3) ...».

و عند ما تولى الخلافة أمر بإخراج الطالبيين جميعا من بغداد، إلى المدينة (4)، كرها لهم و مقتا ...

«و كان شديد الوطأة على العلويين يتتبع خطواتهم، و يقتلهم (5) ...».

«... و أمر عامله على المدينة بأن يضمن العلويون بعضهم بعضا (6)».

و كان: «يقتل أولاد فاطمة و شيعتهم (7)» ...0.

ص: 92


1- الفخري في الآداب السلطانية ص 20.
2- التاريخ الاسلامي و الحضارة الاسلامية ج 3. ص 352.
3- الأغاني، طبع دار الكتب بالقاهرة ج 5 ص 225.
4- الكامل لابن الأثير ج 5 ص 85، و الطبري ج 10 ص 606، و غير ذلك.
5- العقد الفريد ج 1 ص 142.
6- الولاة و القضاة للكندي ص 198، و ليراجع: تاريخ كربلاء، لعبد الجواد الكليدار ص 196.
7- العقد الفريد، طبع دار الكتاب العربي ج 2 ص 180.

و كان «مغرى بالمسألة عن آل أبي طالب، و عمن له ذكر و نباهة منهم (1)».

و عند ما أرسل الجلودي لحرب محمد بن جعفر بن محمد، أمره أن يغير على دور آل أبي طالب في المدينة، و يسلب ما على نسائهم من ثياب، و حلي، و لا يدع على واحدة منهن إلا ثوبا واحدا (2) ...

و عند ما حضرته الوفاة كان يقول: «... وا سوأتاه من رسول اللّه (3)».

و هدم قبر الحسين، و حرث أرض كربلاء، و قطع السدرة التي كان يستظل بها الزائرون لتلك البقعة المباركة، و ذلك على يد عامله على الكوفة، موسى بن عيسى بن موسى العباسي (4).

ثم توج موبقاته كلها، و فظائعه تلك، بقتل سيد العلويين، و قائدهم، الامام موسى بن جعفر، صلوات اللّه و سلامه عليه .....

ص: 93


1- مقاتل الطالبيين ص 493، و بعد ذلك قال: «فسأل يوما الفضل بن يحيى- بعد أن عاد من خراسان-: هل سمعت ذكرا لأحد منهم؟ قال: لا و اللّه، و لقد جهدت فما ذكر لي أحد منهم، إلا أني سمعت رجلا إلخ» ...
2- أعيان الشيعة، طبعة ثالثة، ج 4 قسم 2 ص 108، و عيون أخبار الرضا ج 2 ص 161، و البحار ج 49 ص 166.
3- الكامل لابن الأثير ج 5 ص 130، و يلاحظ هنا: أن الانسان غالبا ما ينكشف على حقيقته حين موته. و قول الرشيد هذا يكشف لنا الرشيد على حقيقته، و يبين لنا مدى ما فعله الرشيد مع ذرية رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ...
4- تاريخ الشيعة ص 89، و أمالي الشيخ، طبع النجف ص 330، و الكنى و الالقاب ج 1 ص 27 و شرح ميمية أبي فراس ص 209، و المناقب لابن شهرآشوب ج 2 ص 19، و تاريخ كربلاء، لعبد الجواد الكليدار ص 197، 198، نقلا عن: نزهة أهل الحرمين ص 16، و البحار ج 10 ص 297، و تظلم الزهراء ص 218، و مجالي اللطف ص 39، و أعيان الشيعة ج 4 ص 304، و تسلية المجالس، لمحمد بن أبي طالب، و غير ذلك ...

و لقد خاطبه العقاد مشيرا إلى نبشه لقبر الحسين عليه السلام، فقال:

«... و كأنهم خافوا على قبرك أن ينبشه أشياع علي، رضي اللّه عنه، فدفنوك في قبر الامام العلوي، لتأمن فيه النبش و المهانة بعد الممات ...

فمن عجب أن يلوذ أبناء علي بملكك الطويل العريض، فيضيق بهم، و أن يبحث أتباعك عن ملاذ يحتمي به جثمان صاحب الملك الطويل العريض بعد مماته، فيجدوه في قبر واحد من أولئك الحائرين اللائذين بأكناف البلدان، من غير قرار، و لا اطمينان (1) ...».

يشير بذلك إلى قبر علي بن موسى الرضا عليهما السلام؛ حيث إن الرشيد مدفون إلى جانبه كأنه يريد أن يقول: إن دفن المأمون للرضا عليه السلام إلى جانب أبيه الرشيد كان لأجل الحفاظ على قبر أبيه من النبش.

و لكن من المعلوم: ان العلويين و شيعتهم ما كانوا ليقدموا على امر كهذا، مهما بلغ بهم الحقد و الغضب بسبب اضطهاد الحكام لهم ...؛ يقول محمد بن حبيب الضبي، رحمه اللّه مشيرا إلى ذلك:

قبران في طوس الهدى في واحدو الغي في لحد ثراه ضرام

قرب الغوي من الزكي مضاعف لعذابه، و لأنفه الارغام و يقول دعبل رحمه اللّه:

قبران في طوس خير الناس كلهم و قبر شرهم هذا من العبر

ما ينفع الرجس من قرب الزكي و ماعلى الزكي بقرب الرجس من ضرر و لقد بلغ من ظلم الرشيد للعلويين أن جعل الناس يعتقدون فيه بغض علي عليه السلام، حتى اضطر إلى أن يقف موقف الدفاع عن نفسه،اد

ص: 94


1- راجع: تاريخ كربلاء، لعبد الجواد الكليدار ص 199، نقلا عن: مجلة «الهلال»، عدد اكتوبر سنة 1947 م. ص 25، من مقال بعنوان: «حديث مع هارون الرشيد» للاستاذ العقاد

و يقسم على أنه يحبه، قال اسحاق الهاشمي: «كنا عند الرشيد، فقال:

بلغني أن العامة يظنون فيّ بغض علي بن أبي طالب. و و اللّه، ما أحب أحدا حبي له، و لكن هؤلاء (يعني العلويين) أشد الناس إلخ ...» (1).

ثم يلقي التبعة في ذلك عليهم، و يقول: إنهم إلى بني أمية أميل منهم إلى بني العباس الخ كلامه ...

بل لقد رأيناه يعلن أمام أعاظم العلماء عن توبته مما كان منه من أمر الطالبيين و نسلهم (2) ...

و ذلك أمر طبيعي بعد أن كان يتتبع خطواتهم و يقتلهم «و بعد أن كانت سجون العباسيين، و خصوصا المنصور و الرشيد، قد امتلأت من العلويين، و كل من يتشيع لهم» على حد تعبير أحمد أمين (3) ...

و أخيرا ... فقد بلغ من ظلم الرشيد للعلويين أن توهم البعض أن المأمون إنما بايع للرضا بولاية العهد؛ من أجل أن يمحو ما كان من أمر الرشيد في آل علي عليه السلام، كما عن البيهقي، عن الصولي (4)

و أما المأمون:

فستأتي الاشارة إلى بعض ما فعله في آل علي في تضاعيف الفصول الآتية إن شاء اللّه تعالى ...

و الشعراء أيضا قد قالوا الحقيقة:

و هكذا ... يتضح لنا كيف أن العباسيين قد انقلبوا- بدافع من

ص: 95


1- تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 293.
2- شرح ميمية أبي فراس ص 127.
3- راجع: ضحى الاسلام ج 3 ص 296، 297.
4- عيون أخبار الرضا ج 2 ص 147، و البحار ج 49 ص 132، و غير ذلك ...

خوفهم- على العلويين يوسعونهم قتلا، و عسفا و تشريدا، و أذاقوهم مختلف أنواع العذاب، التي لم تكن لتخطر على قلب بشر؛ بهدف استئصالهم من الوجود، و محو آثارهم؛ ليصفو لهم الجو، و لا يبقى من يستطيع أن ينازعهم سلطانهم، الذي يجب أن يكون لهم وحدهم ... أو بالأحرى حتى لا يبقى من من شأنه ذلك ... حتى لقد نسي الناس فعال بني أمية معهم، عند ما رأوا فعال بني العباس بهم ... و حتى لقد رأينا أحد شعراء ذلك الوقت يقول:

تاللّه ما فعلت أمية فيهم معشار ما فعلت بنو العباس (1) و قال آخر- و هو أبو عطاء، أفلح بن يسار السندي، المتوفى سنة 180 ه. و هو من مخضرمي الدولتين: الاموية و العباسية: قال في زمن السفاح.

يا ليت جور بني مروان دام لناو ليت عدل بني العباس في النار (2) و قال منصور بن الزبرقان النمري، المتوفى في خلافة الرشيد:

آل النبي و من يحبهم يتطامنون مخافة القتل

أمن النصارى و اليهود و هم من أمة التوحيد في أزل (3) و قد أنشد الرشيد هذين البيتين بعد موت منصور هذا، فقال الرشيد، بعد أن أرسل إليه من يقتله، فوجده قد مات: «لقد هممت أن انبشة.

ص: 96


1- شرح ميمية أبي فراس ص 119.
2- المحاسن و المساوي ص 246، و الشعر و الشعراء ص 484، و نظرية الإمامة ص 382، و المهدية في الاسلام ص 55، و طبيعة الدعوة العباسية ص 272.
3- الأزل: الضيق و الشدة.

عظامه فأحرقها (1)» ... بل في رسالة الخوارزمي، الآتي شطر منها:

أن قبره قد نبش بالفعل.

و يقول ابو حنيفة أو الطغرائي على اختلاف النسبة في جملة أبيات له:

و متى تولى آل أحمد مسلم قتلوه أو وصموه بالإلحاد و يقول إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن، يذكر العلويين، الذين قتلهم المنصور، و يقال: إن القائل هو غالب الهمداني.

أصبح آل الرسول أحمد في الناس كذي عرة به جرب و يقول دعبل بن علي الخزاعي في رثاء الرضا، و هو شعر معروف، و مشهور، و قد أنشده للمأمون نفسه:

و ليس حي من الأحياء نعلمه من ذي يمان، و لا بكر، و لا مضر

إلا و هم شركاء في دمائهم كما تشارك أيسار على جزر

قتلا، و أسرا، و تحريقا، و منهبةفعل الغزاة بأهل الروم و الخزر

أرى أمية معذورين إن فعلواو لا أرى لبني العباس من عذر أما أبو فراس الحمداني فيقول:!.

ص: 97


1- زهر الآداب ج 2 ص 705 و الشعر و الشعراء ص 547، و الامام الصادق و المذاهب الاربعة، المجلد الاول جزء 1 ص 254، و طبقات الشعراء ص 246، و فيه في ص 244: أن الرشيد بعد سماعه لمدائح النمري في اهل البيت، أمر أبا عصمة الشيعي بأن يخرج من ساعته إلى الرقة؛ ليسل لسان منصور من قفاه، و يقطع يده، و رجله، ثم يضرب عنقه. و يحمل إليه رأسه، بعد أن يصلب بدنه. فخرج أبو عصمة لذلك. فلما صار بباب الرقة استقبلته جنازة النمري؛ فرجع إلى الرشيد فأعلمه؛ فقال له الرشيد «و يلي عليك يا ابن الفاعلة؛ فألا إذا صادفته ميتا فأحرقته بالنار»!!.

ما نال منهم بنو حرب و إن عظمت تلك الجرائر إلا دون نيلكم (1) و يقول علي بن العباس، الشاعر المعروف بابن الرومي، مولى المعتصم من قصيدة له:

بني المصطفى كم يأكل الناس شلوكم لبلواكم عما قليل مفرج

أ كلّ أوان للنبي محمدقتيل زكي بالدماء مضرج إلى أن قال مخاطبا لنبي العباس:

أ في الحق أن يمسوا خماصا و أنتم يكاد أخوكم بطنة يتبعج

و تمشون مختالين في حجراتكم ثقال الخطى اكفالكم تترجرج

وليدهم بادي الطوى و وليدكم من الريف ريان العظام خدلج

و لم تقنعوا حتى استثارت قبورهم كلابكم فيها بهيم و ديزج و القصيدة طويلة جدا، من أرادها فليراجعها ...

نصوص اخرى:

يقول فان فلوتن: «... و لا غرو، فإن العلويين لم يلقوا من الاضطهاد مثل ما لقوا في عهد الأولين من خلفاء بني العباس ...» (2).

و يقول الخضري: «... فكان نصيب آل علي في خلافة بني هاشم، أشد و أقسى مما لاقوه في عهد خصومهم من بني أمية، فقتلوا، و شردوا كل مشرد، و خصوصا في زمن المنصور، و الرشيد، و المتوكل من بني العباس. و كان اتهام شخص في هذه الدولة بالميل إلى واحد من

ص: 98


1- سوف نورد قصيدة أبي فراس، و هي المعروفة ب «الشافية» و كذلك شطرا من قصيدة دعبل، في أواخر هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى.
2- السيادة العربية و الشيعة و الاسرائيليات ص 133.

بني علي كافيا لاتلاف نفسه، و مصادرة ماله. و قد حصل فعلا لبعض الوزراء، و غيرهم الخ ..» (1).

و لما دخل ابراهيم بن هرمة، المعاصر للمنصور المدينة، أتاه رجل من العلويين؛ فسلم عليه؛ فقال له إبراهيم: «تنح عني، لا تشط بدمي ..» (2).

بل يظهر من قضية أخرى لابن هرمة أن العباسيين كانوا يعاقبون حتى على حب أهل البيت عليهم السلام في زمن الامويين؛ فإنه- أعني ابن هرمة- عند ما سئل في عهد المنصور عن قوله في عهد الامويين:

و مهما ألام على حبهم فإني أحب بني فاطمة أجاب: «من عض ببظر أمه».

فقال له ابنه: أ لست قائلها؟!! قال: بلى ...

قال: فلم تشتم نفسك؟! قال: «أ ليس يعض الرجل ببظر أمه خير له من أن يأخذه ابن قحطبة؟ ...» (3).

بل إن الجلودي الذي أمره الرشيد بالاغارة على دور آل أبي طالب- كما قدمنا- قد قال للمأمون، عند ما جعل ولاية العهد للرضا:ة.

ص: 99


1- محاضرات تاريخ الامم الاسلامية ج 1 ص 161.
2- تاريخ بغداد ج 6 ص 129، و حياة الامام موسى بن جعفر ج 2 ص 184.
3- طبقات الشعراء لابن المعتز ص 20، 21، و الأغاني ج 4 ص 110، و قاموس الرجال ج 10 ص 269، نقلا عن تنبيه البكري. و ملحقات احقاق الحق ج 9 ص 690 نقلا عن الحضرمي في رشفة الصادي ص 56 طبع القاهرة.

«اعيذك باللّه يا أمير المؤمنين أن تخرج هذا الأمر الذي جعله اللّه لكم، و خصكم به، و تجعله في أيدي أعدائكم، و من كان آباؤك يقتلونهم، و يشردونهم في البلاد ...» (1).

و أمر الرشيد عامله على المدينة: بأن يضمن العلويون بعضهم بعضا ...» (2)

و كانوا يعرضون على السلطات؛ فمن غاب منهم عوقب!!.

و المأمون أيضا يعترف:

و جاء في كتاب المأمون، الذي أرسله إلى العباسيين، بعد ما ذكر حسن سياسة الإمام علي عليه السلام مع ولد العباس ما يلي:

«... حتى قضى اللّه بالأمر إلينا؛ فأخفناهم، و ضيقنا عليهم، و قتلناهم أكثر من قتل بني أميه إياهم. و يحكم، إن بني أمية قتلوا من سل سيفا، و انا معشر بني العباس قتلناهم جملا ... فلتسألن أعظم الهاشمية بأي ذنب قتلت، و لتسألن نفوس القيت في دجلة و الفرات، و نفوس دفنت ببغداد، و الكوفة أحياء الخ ...». و سنورد الرواية، و نذكر مصادرها في أواخر هذا الكتاب إن شاء اللّه ...

جانب من رسالة الخوارزمي لأهل نيشابور:

و حسب القارئ أن يرجع إلى مقاتل الطالبيين لابي الفرج الأصفهاني،

ص: 100


1- بحار الأنوار ج 49 ص 166، و عيون أخبار الرضا ج 2 ص 267.
2- لقد كان ذلك قبل الرشيد أيضا فراجع تاريخ ابن خلدون ج 3 ص 215، فانه قال: «... و ما زال آل أبي طالب يكفل بعضهم بعضا، و يعرضون؛ فغاب إلخ» ... ثم يسوق واقعة فخ المشهورة، و بعض أسبابها ... و لا بأس بمراجعة الكامل لابن الأثير ج 5 ص 75 و غيره ...

مع أنه لم يستوف كل شي ء، و إنما اكتفى بذكر بعض منهم ... و كذلك إلى ما ذكره ابن الساعي في مختصر أخبار الخلفاء ص 26، و غيرها.

و غير ذلك من كتب التاريخ و الرواية، ليعلم مقدار الظلم و العسف الذي حاق بأبناء علي، و شيعتهم في تلك الحقبة من الزمن ...

و حسبنا هنا بعد كل الذي قدمناه، أن نذكر فقرات من رسالة أبي بكر الخوارزمي، التي أرسلها إلى أهل نيشابور، يقول أبو بكر، بعد أن ذكر كثيرا من الطالبيين، الذين قتلهم الامويون، و العباسيون- و منهم الرضا الذي سم بيد المأمون-:

«فلما انتهكوا ذلك الحريم، و اقترفوا ذلك الاثم العظيم، غضب اللّه عليهم، و انتزع الملك منهم، فبعث عليهم «أبا مجرم»، لا أبا مسلم، فنظر لانظر اللّه إليه إلى صلابة العلوية، و إلى لين العباسية، فترك تقاه، و اتبع هواه، و باع آخرته بدنياه، بقتله عبد اللّه بن معاوية بن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب. و سلط طواغيت خراسان، و اكراد أصفهان، و خوارج سجستان على آل أبي طالب، يقتلهم تحت كل حجر و مدر، و يطلبهم في كل سهل و جبل، حتى سلط عليه أحب الناس إليه، فقتله كما قتل الناس في طاعته، و أخذه بما أخذ الناس في بيعته، و لم ينفعه:

أن أسخط اللّه برضاه، و أن ركب ما لا يهواه. و خلت من الدوانيقي (1) الدنيا، فخبط فيها عسفا، و تقضى فيها جورا و حيفا. و قد امتلأت سجونه بأهل بيت الرسالة، و معدن الطيب و الطهارة، قد تتبع غائبهم، و تلقط حاضرهم، حتى قتل عبد اللّه بن محمد بن عبد اللّه الحسني بالسند، على يد عمر بن هشام الثعلبي، فما ظنك بمن قرب متناوله عليه، و لان مسه على يديه.ب.

ص: 101


1- في مجمع الفوائد: «و خلت إلى الدوانيقي» و لعله هو الصواب.

و هذا قليل في جنب ما قتله هارون منهم، و فعله موسى قبله بهم، فقد عرفتم ما توجه على الحسن (1) بن علي بفخ من موسى، و ما اتفق على علي بن الافطس الحسيني من هارون، و ما جرى على احمد بن علي الزيدي، و على القاسم بن علي الحسيني من حبسه، و على غسان بن حاضر الخزاعي، حين أخذ من قبله، و الجملة أن هارون مات و قد حصد شجرة النبوة، و اقتلع غرس الإمامة.

و أنتم أصلحكم اللّه، أعظم نصيبا في الدين من الأعمش، فقد شتموه، و من شريك، فقد عزلوه، و من هشام بن الحكم، فقد أخافوه، و من علي بن يقطين، فقد اتهموه ...».

إلى أن يقول، بعد كلام له عن بني أمية:

«... و قل في بني العباس، فإنك ستجد بحمد اللّه مقالا، و جل في عجائبهم، فانك ترى ما شئت مجالا.

يجبى فيؤهم، فيفرق على الديلمي، و التركي، و يحمل إلى المغربي، و الفرغاني. و يموت إمام من أئمة الهدى، و سيد من سادات بيت المصطفى، فلا تتبع جنازته، و لا تجصص مقبرته، و يموت (ضراط) لهم، أو لاعب أو مسخرة، أو ضارب، فتحضر جنازته العدول و القضاة، و يعمر مسجد التعزية عنه القواد و الولاة ...

و يسلم فيهم من يعرفونه دهريا، أو سوفسطائيا، و لا يتعرضون لمن يدرس كتابا فلسفيا و مانويا، و يقتلون من عرفوه شيعيا، و يسفكون دم من سمى ابنه عليا ...

و لو لم يقتل من شيعة أهل البيت غير المعلى بن خنيس، قتيل داودد.

ص: 102


1- الظاهر أن الصحيح هو: «الحسين» كما في مجمع الفوائد.

ابن علي، و لو لم يحبس فيهم غير أبي تراب المروزي، لكان ذلك جرحا لا يبرأ، و ثائرة لا تطفأ، و صدعا لا يلتئم، و جرحا لا يلتحم.

و كفاهم أن شعراء قريش قالوا في الجاهلية أشعارا يهجون بها أمير المؤمنين عليه السلام، و يعارضون فيها أشعار المسلمين، فحملت أشعارهم، و دونت أخبارهم، و رواها الرواة، مثل: الواقدي، و وهب بن منبه التميمي، و مثل الكلبي، و الشرقي ابن القطامي، و الهيثم بن عدي، و دأب بن الكناني. و أن بعض شعراء الشيعة يتكلم في ذكر مناقب الوصي، بل ذكر معجزات النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم؛ فيقطع لسانه، و يمزق ديوانه، كما فعل بعبد اللّه بن عمار البرقي، و كما أريد بالكميت بن زيد الأسدي، و كما نبش قبر منصور بن الزبرقان النمري، و كما دمر على دعبل بن علي الخزاعي. مع رفقتهم من مروان بن أبي حفصة اليمامي، و من علي بن الجهم الشامي؛ ليس إلا لغلوهما في النصب، و استيجابهما مقت الرب؛ حتى إن هارون بن الخيزران، و جعفرا المتوكل على الشيطان، لا على الرحمن، كانا لا يعطيان مالا، و لا يبذلان نوالا، إلا لمن شتم آل أبي طالب، و نصر مذهب النواصب، مثل: عبد اللّه ابن مصعب الزبيري، و وهب بن وهب البختري، و من الشعراء مثل:

مروان بن أبي حفصة الاموي، و من الادباء مثل: عبد الملك بن قريب الأصمعي. فأما في أيام جعفر فمثل: بكار بن عبد اللّه الزبيري، و أبي السمط ابن أبي الجون الاموي، و ابن أبي الشوارب العبشمي ...»

و بعد كلام له عن بني أمية أيضا قال:

«و ما هذا بأعجب من صياح شعراء بني العباس على رءوسهم بالحق، و إن كرهوه، و بتفضيل من نقصوه و قتلوه، قال المنصور بن الزبرقان على بساط هارون:

ص: 103

آل النبي و من يحبهم يتطامنون مخافة القتل

أمن النصارى و اليهود و هم من أمة التوحيد في أزل و قال دعبل، و هو صنيعة بني العباس و شاعرهم:

أ لم تر أني مذ ثمانين حجةأروح، و أغدو دائم الحسرات

أرى فيئهم في غيرهم متقسماو أيديهم من فيئهم صفرات و قال علي بن العباس الرومي، و هو مولى المعتصم:

تأليت أن لا يبرح المرء منكم يشل على حر الجبين فيعفج

كذاك بني العباس تصبر منكم و يصبر للسيف الكمي المدجج (1)

لكل أوان للنبي محمدقتيل زكي بالدماء مضرج (2) و قال ابراهيم بن العباس الصولي- و هو كاتب القوم و عاملهم- في الرضا لما قربه المأمون:

يمن عليكم بأموالكم و تعطون من مائة واحدا و كيف لا يتنقصون قوما يقتلون بني عمهم جوعا و سغبا و يملئون ديار الترك و الديلم فضة و ذهبا، يستنصرون المغربي و الفرغاني، و يجفون المهاجري و الأنصاري، و يولون أنباط السواد وزراتهم، و تلف العجم و الطماطم قيادتهم، و يمنعون آل أبي طالب ميراث أمهم، و في ء جدهم.

يشتهي العلوي الاكلة، فيحرمها، و يقترح على الايام الشهوة فلا يطعمها، و خراج مصر و الاهواز، و صدقات الحرمين و الحجاز، تصرف إلى ابن أبي مريم المديني، و إلى إبراهيم الموصلي، و ابن جامع السهمي، و إلى زلزل الضارب، و برصوما الزامر، و أقطاع بختيشوع النصراني قوت أهل..

ص: 104


1- في مقاتل الطالبيين: «لذاك بني العباس يصبر مثلكم و يصبر للموت».
2- في مقاتل الطالبيين: «أكل أوان» ...

بلد، و جاري بغا التركي، و الافشين الأشروسني كفاية أمة ذات عدد ...

و المتوكل زعموا يتسرى باثني عشر الف سرية، و السيد من سادات أهل البيت يتعفف بزنجية، أو سندية. و صفوة مال الخراج مقصورة على أرزاق الصفاعنة، و على موائد المخاتنة، و على طعمة الكلابين، و رسوم القرادين، و على مخارق و علوية المغني، و زرزر، و عمر بن بانة المهلبي، و يبخلون على الفاطمي بأكلة أو شربة، و يصارفونه على دانق و حبة، و يشترون العوادة بالبدر، و يجرون لها ما يفي برزق عسكر.

و القوم الذين أحل لهم الخمس، و حرمت عليهم الصدقة، و فرضت لهم الكرامة و المحبة، يتكففون ضرا، و يهلكون فقرا، و يرهن أحدهم سيفه، و يبيع ثوبه، و ينظر إلى فيئه بعين مريضة، و يتشدد على دهره بنفس ضعيفة. ليس له ذنب إلا أن جده النبي، و أبوه الوصي، و أمه فاطمة، وجدته خديجة، و مذهبه الايمان، و إمامه القرآن ... و حقوقه مصروفة إلى القهرمانة و المضرطة و إلى المغمزة، إلى المزررة، و خمسه مقسوم على نقار الديكة الدمية، و القردة، و على رءوس اللعبة و اللعبة، و على مرية الرحلة ...

و ما ذا أقول في قوم حملوا الوحوش على النساء المسلمات، و أجروا لعبادة و ذويه الجرايات، و حرثوا تربة الحسين عليه السلام بالفدان، و نفوا زواره إلى البلدان. و ما أصف من قوم هم: نطف السكارى في أرحام القيان؟ و ما ذا يقال في أهل بيت منهم نبع البغا، و فيهم راح التخنيث و غدا، و بهم عرف اللواط؟!. كان ابراهيم بن المهدي مغنيا، و كان المتوكل مؤنثا موضعا، و كان المعتز مخنثا، و كان ابن زبيدة معتوها مفركا، و قتل المأمون أخاه، و قتل المنتصر أباه، و سم موسى بن المهدي أمه، و سم المعتضد عمه. و لقد كان في بني أمية مخازي تذكر، و معايب تؤثر ...».

ص: 105

و بعد أن عدد بعض مخازي بني أمية، و معايبهم قال:

«... و هذه المثالب مع عظمها و كثرتها، و مع قبحها و شنعتها، صغيرة و قليلة في جنب مثالب بني العباس، الذين بنوا مدينة الجبارين، و فرقوا في الملاهي و المعاصي أموال المسلمين ... إلى آخر ما قال ...» (1).

هذا جانب من رسالة الخوارزمي، و قد كنت أود أن أثبتها بتمامها، لكنني رأيت أن المجال لا يتسع لذلك ... و على كل فإن:

ذلك كله غيض من فيض ... و لعل فيما ذكرناه كفاية .....

ص: 106


1- راجع: رسائل الخوارزمي طبع القسطنطينية سنة 1297 من ص 130، إلى ص 140. و نقل شطرا كبيرا منها: سعد محمد حسن في كتابه: المهدية في الاسلام ابتداء من ص 58 و ذكر شطرا منها أيضا الدكتور احمد امين في كتابه ضحى الاسلام ج 3 ص 297 فما بعدها؛ فراجع. و هي موجودة بتمامها في مجموعة خطية من تأليف سيدي الوالد أيده اللّه، سماها: «مجمع الفوائد، و مجمل العوائد» ابتداء من ص 45 ...

سياسة العباسيين مع الرعية

نظرة عامة:

لا نريد في هذا الفصل أن نعرض لأنواع القبائح، التي كان العباسيون يمارسونها؛ فإن ذلك مما لا يمكن الالمام به و استقصاؤه في هذه العجالة.

و إنما نريد فقط أن نعطي لمحة سريعة عن سيرتهم السيئة في الناس، و مدى اضطهادهم و ظلمهم لهم، و جورهم عليهم، الأمر الذي أسهم إسهاما كبيرا في كشف حقيقتهم، و بيان واقعهم أمام الملأ ... حتى لقد قال الشعراء في وصف الحالة العامة في زمن خلفائهم الشي ء الكثير؛ فمن ذلك قول سليم العدوي في الثورة على الوضع القائم:

حتى متى لا نرى عدلا نسرّ به و لا نرى لولاة الحق أعوانا

مستمسكين بحق قائمين به إذا تلون أهل الجور ألوانا

يا للرجال لداء لا دواء له و قائد ذي عمى يقتاد عميانا (1) و قال سديف:

ص: 107


1- المستطرف ج 1 ص 97، و طبيعة الدعوة العباسية ص 272، و ضحى الاسلام ج 2 ص 37.

إنا. لنأمل أن ترتد ألفتنابعد التباعد و الشحناء و الإحن

و تنقضي دولة أحكام قادتهافينا كأحكام قوم عابدي وثن فكتب المنصور إلى عبد الصمد بن علي بأن: يدفنه حيا؛ ففعل (1).

و قد ذكر أبو الفرج ابياتا كثيرة بالاضافة الى هذين البيتين، و نسبها يحيى بن عبد اللّه بن الحسن، بحضرة الرشيد، إلى عبد اللّه بن مصعب الزبيري، و من جملتها قوله:

فطالما قد بروا في الجور اعظمنابري الصناع قداح النبع بالسفن (2) و قال آخر، و هو أحمد بن أبي نعيم، الذي نفاه المأمون بسبب هذا البيت إلى السند:

ما أحسب الجور ينقضي و على الناس أمير من آل عباس (3) و قد تقدم قول أبي عطاء السندي، المتوفى سنة 180 ه:

يا ليت جور بني مروان دام لناو ليت عدل بني العباس في النار و قال الدكتور أحمد محمود صبحي: «... لكن ذلك المثل الاعلى للعدالة، و المساواة الذي انتظره الناس من العباسيين، قد أصبح و هما من الاوهام، فشراسة المنصور و الرشيد، و جشعهم، و جور أولاد علي بن..

ص: 108


1- راجع: العمدة لابن رشيق ج 1 ص 75، 76، و العقد الفريد، طبع دار الكتاب العربي ج 5 ص 87، و هامش طبقات الشعراء ص 41.
2- مقاتل الطالبيين ص 476، 477.
3- راجع: وفيات الأعيان، ترجمة يحيى بن أكثم، و مروج الذهب ج 3 ص 435، و ضحى الاسلام ج 2 ص 38، و نهاية الارب ج 8 ص 175، و طبيعة الدعوة العباسية ص 273، و طبقات الشعراء ص 378، لكنه نسبه لابن أبي خالد، لكن في العقد الفريد ج 6 ص 418، قد نسب يحيى بن أكثم هذا البيت إلى دعبل. و فيه: أنه هو الذي نفي إلى السند ...

عيسى، و عبثهم بأموال المسلمين، يذكرنا بالحجاج، و هشام، و يوسف ابن عمرو الثقفي، و عم الاستياء أفراد الشعب، بعد أن استفتح أبو عبد اللّه، المعروف ب «السفاح»، و كذلك المنصور بالاسراف في سفك الدماء، على نحو لم يعرف من قبل (1) ...».

و يقول صاحب امبراطورية العرب: «... إنه بالرغم من أن جيش خراسان هو الذي أوصل العباسيين إلى الملك، فان الفتن في خراسان ظلت قائمة في عهد العباسيين، كما كانت في عهد الامويين. و كان الشعار الذي رفعه الخراسانيون الآن: أنهم هم الذين أوصلوا «آل البيت» إلى الحكم، لإقامة عهد من الرحمة و العدل، لا لإقامة عهد آخر من الطغيان، المتعطش إلى سفك الدماء ... إلى أن يقول:

لكن الشي ء الذي لا ريب فيه: هو أن الاحلام باقامة عهد السلام و العدل، التي كانت السبب في الثورة العامة ضد الامويين قد تبخرت الآن، و لو لم يكن العباسيون أسوأ حالا من الامويين، فانهم لم يكونوا- على أي حال- خيرا منهم (2) ...». و قريب منه كلام غيره (3) و ستأتي في فصل: آمال المأمون إلخ ... عبارة فان فلوتن الهامة، و القيمة عن الحكم العباسي، و سياساته مع الرعية ... فانتظر ...

و لعل قصيدة أبي العتاهية، التي مطلعها:

من مبلغ عني الامام نصائحا متوالية 1.

ص: 109


1- نظرية الامامة ص 381. لكن كنية السفاح هي: «أبو العباس»، لا أبو عبد اللّه. و عبد اللّه هو: اسمه، و اسم المنصور أيضا، الذي كان أكبر من السفاح.
2- امبراطورية العرب ص 452.
3- راجع: حياة الامام موسى بن جعفر ج 2 ص 162 عن كتاب: «النكبات» للريحاني، و ضحى الاسلام ج 1 ص 127 حتى 131.

تعبر تعبيرا صادقا عن الحالة العامة، التي كانت سائدة آنذاك، و هي معروفة و مشهورة، و مذكورة في ديوانه ص 304. و هي بحق من الوثائق الهامة، المعبرة عن واقع الحياة في تلك الفترة من الزمن ...

تفصيل مواقف الخلفاء مع الرعية:

اشارة

و بعد هذا ... و إذا ما أردنا أن نقف عند بعض جنايات و جرائم كل واحد منهم فإننا نقول:

أما السفاح:

الذي أظهر نفسه في صورة مهدي (1) ...

فهو الذي يقول عنه المؤرخون: إنه: «كان سريعا إلى سفك الدماء؛ فاتبعه عماله في ذلك، في المشرق و المغرب، و استنوا بسيرته، مثل: محمد بن الأشعث بالمغرب، و صالح بن علي بمصر، و خازم بن خزيمة، و حميد بن قحطبة، و غيرهم ...» (2).

حتى لقد خرج عليه شريك بن شيخ المهري، الذي كان- على ما يظهر- من دعاة العباسيين- خرج عليه- ببخارا، في أكثر من ثلاثين ألفا؛ فقال: «ما على هذا بايعنا آل محمد، تسفك الدماء،

ص: 110


1- البداية و النهاية ج 10 ص 69، و التنبيه و الاشراف ص 292.
2- مروج الذهب للمسعودي ج 3 ص 222، و تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 259. و مشاكلة الناس لزمانهم لليعقوبي ص 22، و ليراجع امبراطورية العرب ص 435.

و يعمل بغير الحق (1) ...»، فوجه إليه السفاح أبا مسلم، فقتله، و من معه ...

و قضية عامل السفاح- و هو أخوه، و قيل: ابن اخيه، يحيى- مع أهل الموصل، حيث ذبح الآلاف الكثيرة منهم في المسجد ... هذه القضية معروفة و مشهورة.

و ينص المؤرخون، على أنه: لم يبق من أهل الموصل على كثرتهم إلا أربع مائة إنسان، صدموا الجند، فأفرجوا لهم ... كما أنه أمر جنده، فبقوا ثلاثة أيام يقتلون النساء، لأنه سمع أنهن يبكين رجالهن ... و ينص المؤرخون أيضا: على أن نفوس أهل الموصل قد ذلت بعد تلك المذبحة، و لم يسمع لهم بعدها صوت، و لا قامت لهم قائمة (2) ...

و عند ما سألت السفاح زوجته أم سلمة، بنت يعقوب بن سلمة:

«لأي شي ء استعرض ابن أخيك أهل الموصل بالسيف؟!. قال لها:

و حياتك ما أدري (3) ....»!!.

و قد تقدمت عبارة الدكتور أحمد محمود صبحي عن السفاح و المنصور معا عن قريب .....

ص: 111


1- الكامل لابن الأثير ج 4 ص 342، و الامامة و السياسة ج 2 ص 139، و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 354 طبع صادر، و البداية و النهاية ج 10 ص 56، و تاريخ التمدن الاسلامي ج 2 ص 402، و غيرهم ... و في كتاب طبيعة الدعوة العباسية ص 230 قال: إنه «لذلك نقل ولاءه للعلويين، و ثار ببخارا، و انضم إليه أنصار العلويين في خراسان، و كذلك ولاة العباسيين على بخارا، و برزم، و كانت حركته شعبية. و جابه أبو مسلم صعوبات كبيرة في القضاء عليها ...» انتهى.
2- راجع تفاصيل هذه القضية في: النزاع و التخاصم للمقريزي ص 48، 49، و الكامل لابن الأثير ج 5 ص 212، حوادث سنة 132، و تاريخ ابن خلدون ج 3 ص 177، و غاية المرام للموصلي ص 115، و تاريخ اليعقوبي، طبع صادر ج 2 ص 357، و شرح ميمية أبي فراس ص 216.
3- النزاع و التخاصم للمقريزي ص 49، و غير ذلك ...
و أما المنصور:
اشارة

الذي أظهر نفسه في صورة مهدي كما يظهر من قول أبي دلامة مخاطبا أبا مسلم الذي قتله المنصور:

أبا مجرم ما غير اللّه نعمةعلى عبده حتى يغيرها العبد

أ في دولة المهدي حاولت غدرةألا إن أهل الغدر آباؤك الكرد (1) و الذي قتل خلقا كثيرا حتى استقام له الأمر (2) ...

فأمره في الظلم و الجور و انتهاك الحرمات أشهر من أن يذكر، حتى لقد أنكر عليه ذلك: «... رجل من أعظم الدعاة قدرا، و أعظمهم غناء. و هو أبو الجهم بن عطية، مولى باهلة. و هو الذي أخرج أبا العباس السفاح من موضعه الذي أخفاه فيه أبو سلمة، حفص بن سليمان الخلال، و حرسه، و قام بأمره حتى بويع بالخلافة؛ فكان أبو العباس يعرف له ذلك. و كان أبو مسلم يثق به، و يكاتبه ...

فلما استخلف أبو جعفر المنصور، و جار في أحكامه؛ قال أبو الجهم:

ما على هذا بايعناهم، إنما بايعناهم على العدل؛ فأسرّها أبو جعفر في نفسه، و دعاه ذات يوم؛ فتغدى عنده، ثم سقاه شربة من سويق اللوز؛ فلما وقعت في جوفه هاج به وجع؛ فتوهم: أنه قد سم؛ فوثب، فقال له المنصور: إلى أين يا أبا الجهم؟! فقال: إلى حيث أرسلتني. و مات بعد يوم أو يومين فقال:

ص: 112


1- عيون الأخبار لابن قتيبة ج 1 ص 26 و الكنى و الألقاب ج 1 ص 158. و يحتمل أن يقصد بالمهدي هنا: السفاح.
2- فوات الوفيات ج 1 ص 232، و تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 259، و تاريخ الخميس ج 2 ص 324.

احذر سويق اللوز لا تشربنه فان سويق اللوز أردى أبا الجهم (1).

و أنكر عليه ذلك أيضا- بالاضافة إلى عمه كما تقدم- جماعة من قواده، فقاموا عليه، و دعوا الناس إلى موالاة أهل البيت، فحاربهم عبد الرحمن الازدي سنة 140 ه. فقتل طائفة منهم، و حبس آخرين (2) ...

و قال الطبري في حوادث سنة 140 ه. أيضا: «... و فيها ولي أبو جعفر عبد الجبار بن عبد الرحمن خراسان، فقدمها، فأخذ بها ناسا من القواد، و ذكر أنه اتهمهم بالدعاء إلى ولد علي بن أبي طالب، منهم:

مجاشع بن حريث الانصاري، و أبو المغيرة، مولى لبني تميم، و اسمه خالد ابن كثير، و هو صاحب قوهستان، و الحريش بن محمد الذهلي، ابن عم داود، فقتلهم و حبس الجنيد بن خالد بن هريم التغلي، و معبد بن الخليل المزني، بعد ما ضربهما ضربا مبرحا، و حبس عدة من وجوه قواد أهل خراسان (3) ..».

و لعل من الامور الجديرة بالملاحظة هنا: أن المنصور كان يعاشر الراوندية القائلين بالوهيته، و لا ينهاهم و لا يردعهم عن مقالتهم تلك، و عند ما سأله أحد المسلمين عن ذلك قال له- على ما في تاريخ الطبري-:

«لأن يكونوا في معصية اللّه و طاعتنا، أحب إليّ من أن يكونوا في طاعة اللّه و معصيتنا.».

و لكنه عند ما ثاروا عليه في الهاشمية، وضع فيهم السيف و قتلهم، و لكن لا لاجل مقالتهم الشنيعة تلك، و إنما لأجل عدم طاعتهم له!! ...8.

ص: 113


1- النزاع و التخاصم للمقريزي ص 52، و ليراجع: الوزراء و الكتاب ص 136- 137 و فيه: أن أبا الجهم كان وزيرا للسفاح.
2- البداية و النهاية ج 10 ص 75.
3- الطبري، طبع ليدن ج 10 ص 128.

هذا ... و عند ما قال لعبد الرحمن الافريقي، رفيق صباه:

«كيف رأيت سلطاني من سلطان بني أمية؟».

أجابه عبد الرحمن: «ما رأيت في سلطانهم شيئا من الجور إلا رأيته في سلطانك ...» (1).

و عند ما قدم عليه عبد الرحمن هذا من إفريقيا، و دخل عليه، بعد أن بقي ببابه شهرا، لا يستطيع الوصول إليه، قال له عبد الرحمن:

«ظهر الجور ببلادنا، فجئت لا علمك؛ فإذا الجور يخرج من دارك. و رأيت أعمالا سيئة، و ظلما فاشيا، ظننته لبعد البلاد منك، فجعلت كلما دنوت منك كان الأمر أعظم».

فغضب المنصور، و أمر باخراجه (2) ...

و قال لابن أبي ذؤيب: «أي الرجال أنا؟».

فأجابه: «أنت و اللّه عندي شر الرجال، استأثرت بمال اللّه، و رسوله، و سهم ذوي القربى، و اليتامى. و المساكين، و أهلكت الضعيف، و أتعبت القوي، و أمسكت أموالهم ...» (3) ... و حج أبو جعفر فدعا ابن أبي ذئب، فقال: نشدتك اللّه، أ لست أعمل بالحق؟ أ ليس تراني أعدل؟ فقال ابن أبي ذئب: أما إذ نشدتني باللّه فأقول: اللهم لا، ما أراك تعدل، و إنك لجائر، و إنك لتستعمل الظلمة، و تترك أهل الخير (4).5.

ص: 114


1- تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 268، و غيره.
2- تاريخ بغداد ج 10 ص 215، و الامام الصادق، و المذاهب الأربعة المجلد الأول جزء 2 ص 479.
3- الامامة و السياسة ج 2 ص 145.
4- صفة الصفوة ج 2 ص 175.

و عند ما كان يطوف بالبيت سمع أعرابيا يقول: «اللهم إني أشكو إليك ظهور الفساد، و ما يحول بين الحق و أهله، من الطمع.»؛

فطلبه المنصور، فأتي به، فاستمع المنصور منه إلى شرح واف عن الظلم، و الجور، و الفساد، الذي كان فاشيا آنذاك، و هي قصة طويلة لا مجال لذكرها، و على مريدها المراجعة إلى مظانها (1).

و لا بأس بمراجعة ما قاله له عمرو بن عبيد، في موعظته الطويلة له، و من جملتها: «... إن وراء بابك نيرانا تتأجج من الجور، و اللّه، ما يحكم وراء بابك بكتاب اللّه، و لا بسنة نبيه إلخ ...» (2).

و قد لقي أعرابيا بالشام؛ فقال له المنصور: «احمد اللّه يا أعرابي، الذي رفع عنكم الطاعون بولايتنا أهل البيت».

فأجابه الاعرابي: «إن اللّه أعدل من أن يجمعكم علينا و الطاعون».

فسكت، و لم يزل يطلب له العلل حتى قتله (3).».

ص: 115


1- المحاسن و المساوي من ص 339، إلى ص 341، و العقد الفريد للملك السعيد ص 116، 117، 118، و حياة الحيوان للدميري ج 2 ص 190، 191، طبع سنة 1319، و عيون الأخبار، لابن قتيبة ج 2 ص 333، إلى ص 336، و العقد الفريد ج 2 ص 104، 105، طبع سنة 1346، و ضحى الاسلام ج 2 ص 40، و الامام الصادق و المذاهب الأربعة ج 2 ص 480، نقلا عن: تاريخ ابن الساعي ص 19، و الفتوحات الاسلامية لدحلان ج 2 ص 445 حتى 448 مطبعة مصطفى محمد. و الموفقيات ص 392، 393.
2- مرآة الجنان لليافعي ج 1 ص 336، 337، و المحاسن و المساوي، طبع صادر ص 338، 339، و عيون الأخبار، لابن قتيبة باختصار ج 2 ص 337، و نور القبس ص 44.
3- روض الأخيار المنتخب من ربيع الأبرار ص 86 و أساس الاقتباس، و البداية و النهاية ج 10 ص 123، تاريخ الخلفاء للسيوطى ص 265، و في كتاب ربيع الابرار ج 1 ص 688، طبيعة الدعوة العباسية ص 273، نقلا عن تاريخ دمشق لابن عساكرIII ص 391: أن الذي قال للمنصور ذلك هو منصور بن جعونة الكلابي: و أن قوله له هو: «إن اللّه أعدل من أن يسلط علينا الطاعون و العباسيين معا ...».

و قد كتب له سديف، الذي كان من المتحمسين للدولة العباسية:

أسرفت في قتل الرعية ظالمافاكفف يديك اظلها «مهديها» (1) و يريد ب «مهديها» محمد بن عبد اللّه بن الحسن على ما يظهر ...

و قضية الرجل الهمداني، الذي أراد عامل المنصور أن يسلبه ضيعته؛ فأبى عليه ذلك؛ فكبله بالحديد، و سيره إلى المنصور، فأودعه السجن أربعة أعوام، لا يسأل عنه أحد، هذه القضية معروفة، و مشهورة (2) ...

و عند ما بنى مدينة: «المصصية» قد أخذ أموال الناس، حتى ما ترك عند أحد فضلا (3)، و عند ما أراد أن يبني مدينة أخرى ثار الناس عليه و وقع القتال؛ لأنهم علموا أنه سوف لا يبقي عندهم فضلا أيضا.

و أما ما فعله عبد الوهاب ابن أخي المنصور في أهل فلسطين؛ فذلك يفوق كل وصف و يتجاوز كل بيان (4).

بعض ما يقال عن المنصور:

و أخيرا ... فقد قال عنه البيهقي إنه: «كان يعلق الناس من أرجلهم، حتى يؤدّوا ما عليهم ...» (5).

ص: 116


1- العقد الفريد، طبع دار الكتاب العربي ج 5/ 88. و يقال: إن هذا هو سبب قتل سديف ...
2- شرح قصيدة ابن عبدون لابن بدرون ص 281، 282، و مروج الذهب ج 3 ص 288.
3- تاريخ اليعقوبي ج 3/ 121.
4- الوزراء و الكتاب ص 137.
5- المحاسن و المساوي ص 339.

هذا ... و قد وصف اليافعي و الذهبي المنصور بأنه كان: «فيه جبروت و ظلم» (1).

و وصفه السيد أمير علي بأنه: «كان غادرا خداعا، لا يتردد البتة في سفك الدماء ... إلى أن قال: و على الجملة: كان أبو جعفر سادرا في بطشه، مستهترا في فتكه، و تعتبر معاملته لأولاد علي من أسوأ صفحات التاريخ العباسي» (2).

و لا بأس بمراجعة ما قاله الريان، مولى المنصور لجعفر بن أبي جعفر، حيث ينص على أنه قتل أهل الدنيا، ممن لا يعد و لا يحصى، و ان فرعون لا يقاس به (3).

و أما المهدي.

الذي اتخذ الزندقة ذريعة للفتك بالأبرياء ... فقد كفانا الجهشياري مؤونة الحديث عنه؛ حيث قال: إنه في زمن المهدي هذا:

«كان أهل الخراج يعذبون بصنوف من العذاب، من السباع، و الزنابير و السنانير ...» (4) ... و قد خرج عليه يوسف البرم بخراسان، منكرا عليه أحواله، و سيرته، و ما يتعاطاه (5).

ص: 117


1- العبر للذهبي ج 1/ 230، و مرآة الجنان لليافعي ج 1/ 334.
2- مختصر تاريخ العرب و التمدن الاسلامي ص 184. و ليراجع تاريخ التمدن الاسلامي ج 4/ 399، و التاريخ الإسلامي و الحضارة الاسلامية ج 3/ 61.
3- الوزراء و الكتاب ص 130.
4- الوزراء و الكتاب ص 142.
5- البداية و النهاية ج 10/ 131.
و أما الهادي:

فقد كان: «يتناول المسكر، و يجب اللهو و الطرب، و كان ذا ظلم و جبروت» (1).

و كان «سيّئ الأخلاق، قاسي القلب، جبارا، يتناول المسكر، و يلعب.» (2).

و قد قال عنه الجاحظ: «كان الهادي شكس الأخلاق، صعب المرام، سيئ الظن. قل من توقاه، و عرف أخلاقه إلا أغناه، و ما كان شي ء أبغض إليه من ابتدائه بسؤال. و كان يأمر للمغني بالمال الخطير الجزيل ...» (3).

و قال الجهشياري: «كان فظا قاسيا، غير مأمون على وفاء بوعد» (4).

نعم ... لقد كان يأمر للمغني بالمال الجزيل الخطير- من بيت مال المسلمين- كما يقول الجاحظ ... و قد بلغ من إسرافه في إجازة الخلعاء و المغنين، أن دفع إسحاق الموصلي لأن يقول: «لو عاش لنا الهادي لبنينا حيطان دورنا بالذهب و الفضة» (5).

و أخيرا ... فقد قال عنه الذهبي: «قد كان جبارا ظالم النفس» (6).

إلى آخر ما هنالك مما لا مجال لنا هنا لتتبعه ...

ص: 118


1- تاريخ الخميس ج 2/ 331.
2- تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 279، و غيره.
3- التاج للجاحظ ص 81.
4- الوزراء و الكتاب ص 174.
5- الأغاني، طبع دار الكتب بالقاهرة ج 5/ 163.
6- العبر للذهبي ج 1/ 258. و لا بأس بمراجعة: مشاكلة الناس لزمانهم ص 24.
و أما الرشيد:

فسيرته تكفي عن كل بيان ... و يكفيه أنه- كما ينص المؤرخون- يشبه المنصور في كل شي ء إلا في بذل المال (1)؛ حيث يقولون إن المنصور كان بخيلا ...

و قد تسلط- كالمنصور- بعد مدة من خلافته على الامور؛ فأفسد الصنائع، و أحب جمع الأموال (2).

«و كان جبارا سفاكا للدماء، على نمط من ملوك الشرق المستبدين» (3).

و قد عسف عامله أهل خراسان، و قتل ملوكها، و وجوه أهلها و أشرافها و صناديدها، و أخذ أموالهم، فأرسلها إلى الرشيد، الأمر الذي كان سببا في انتقاضها عليه (4).

و كان يعذب الناس في الخراج؛ حيث: «أخذ العمال، و التنّاء، و الدهاقين، و أصحاب الصنائع، و المبتاعين للغلات، و المقبلين. و كان عليهم أموال مجتمعة؛ فولى مطالبتهم عبد اللّه بن الهيثم بن سام، فطالبهم بصنوف من العذاب ... إلى أن دخل عليه ابن عياض؛ فرأى الناس يعذبون في الخراج؛ فقال: ارفعوا عنهم؛ إني سمعت عن رسول اللّه (ص) يقول: من عذب الناس في الدنيا عذبه اللّه يوم القيامة.؛ فأمر بأن يرفع العذاب عن الناس؛ فرفع ...» (5).

ص: 119


1- و لكن لا في سبيل اللّه، و إنما على ملذاته و شهواته، و على المغنين و المضرطين كما في رسالة الخوارزمي المتقدمة، و كما ينص عليه أي كتاب تاريخي يتحدث عن سيرته و أفعاله.
2- التنبيه و الإشراف ص 299.
3- هذا قول الأمير شكيب أرسلان، في تعليقته على: حاضر العالم الإسلامي، نقلها عنه: محمد بن عقيل هامش ص 20 من كتابه: العتب الجميل ... و هو من منشورات هيئة البحوث الاسلامية في اندونيسيا.
4- الوزراء و الكتاب ص 228.
5- تاريخ اليعقوبي ج 3/ 146.

و كان قد ولى رجلا يضرب الناس، و يحبسهم، ليؤدوا ما عليهم من الخراج (1).

و قال أبو يوسف، في عرض وصيته للرشيد بشأن عمال الخراج:

«بلغني أنه: قد يكون في حاشية العامل، أو الوالي جماعة، منهم من له حرمة، و منهم من له إليه وسيلة، ليسوا بأبرار و لا صالحين، يستعين بهم، و يوجههم في أعماله، يقتضي بذلك الذمامات. فليس يحفظون ما يوكلون بحفظه، و لا ينصفون من يعاملونه. إنما مذهبهم أخذ شي ء، من الخراج كان، أو من أموال الرعية. ثم انهم يأخذون ذلك كله- فيما بلغني- بالعسف، و الظلم، و التعدي (2) ...

و قال: و بلغني أنهم يقيمون أهل الخراج في الشمس، و يضربونهم الضرب الشديد، و يعلقون عليهم الجرار، و يقيدونهم بما يمنعهم من الصلاة، و هذا عظيم عند اللّه، شنيع في الاسلام ...» (3).

و بعد ... فقد كان في قصره أربعة آلاف امرأة: من الجواري و الحظايا (4) و كان على حد تعبير بعضهم: «حريصا على اللذات المحرمة، و سفكأ.

ص: 120


1- البداية و النهاية ج 10/ 184.
2- الخراج لأبي يوسف ص 116 ط سنة 1392 ه.
3- المصدر نفسه ص 118.
4- البداية و النهاية ج 10/ 220، نقلا عن الطبري ... و في نفس الجزء من البداية و النهاية ص 222 قال: «قال بعضهم: إنه كان في داره أربعة آلاف جارية سراري حسان» ... و جاء في ضحى الاسلام ج 1/ 9. أنه: «كان للرشيد زهاء ألفي جارية: من المغنيات، و الخدمة في الشراب في أحسن زي، من كل نوع من أنواع الثياب و الجوهر ...». و إذن فكيف بالسراري الذين هم أربعة آلاف، و بقية الجواري، اللواتي يحتاج إليهن في كثير من الشؤون ... فالرقم الحقيقي أكثر من أربعة آلاف بكثير، بل لعله يزيد عما كان عند المتوكل، الذي كان يتسرى باثني عشر ألف سرية، كما نص عليه الخوارزمي فيما تقدم، و جبور عبد النور في كتاب الجواري ص 36 من سلسلة اقرأ.

الدماء، و غصب حقوق الناس، و كان ظالما لأهل البيت (ع)، و كانت جوائزه خاصة لأهل اللهو، و اللعب، و المغنين، و الراقصات ...».

و ستأتي عبارة فان فلوتن عنه في فصل: آمال المأمون الخ ... فانتظر ...

و حسب الرشيد ... رسالة سفيان، التي أرسلها إليه من غير طي، و لا ختم. و التي تلقي لنا ضوءا على جانب من سيرته و سلوكه ... و لسوف نثبتها- نظرا لا هميتها- مع الوثائق الهامة في أواخر هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى ...

و أما الأمين.

«... الذي رفض النساء، و اشتغل بالخصيان، و وجه إلى البلدان في طلب الملهين، و استخف حتى بوزرائه، و أهل بيته ...» (1).

فقد كان: «قبيح السيرة، ضعيف الرأي، سفاكا للدماء، يركب هواه، و يهمل أمره، و يتكل في جليلات الامور على غيره الخ ...» (2).

و يضيف هنا القلقشندي قوله: منهمكا في اللذات و اللهو ...» (3).

و يكفيه أن كلا من العبري، و ابن الاثير الجزري يقول عنه: إنه:

«لم يجد للأمين شيئا من سيرته يستحسنه، فيذكره ...» (4).

و لقد كانت أيامه على الناس، أيام حروب، و ويلات، و سلب

ص: 121


1- مآثر الانافة ج 1/ 205، و تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 201، و مختصر تاريخ الدول ص 134، و الكامل لابن الأثير، طبع دار الكتاب العربي ج 5/ 170، و الطبري، و غير ذلك.
2- التنبيه و الاشراف ص 302.
3- مآثر الانافة في معالم الخلافة للقلقشندي ج 1/ 204.
4- مختصر أخبار الدول ص 134، و الفخري في الآداب السلطانية ص 212.

و نهب، و ما إلى ذلك، مما لا تقره شريعة، و لا يرضى به خلق كريم ...

و أما المأمون:

فإنه لم يكن في كل ما ذكرناه أفضل من أسلافه، و لا كانت أيامه بدعا من تلك الأيام، كما سنوضح ذلك في أواخر فصل: آمال المأمون و آلامه، حيث سيتضح أن حال الرعية في أيامه كان قد تناهى في السوء، و بلغ الغاية في التدهور. الحياة السياسية للإمام الرضا(ع)، مرتضى العاملي 122 وصية ابراهيم الإمام: ..... ص : 122

وصية ابراهيم الإمام:

و بعد كل الذي قدمناه، لم يعد يخفى على أحد، كم سفك العباسيون من الدماء البريئة- عدا عما سفكوه من دماء بني عمهم العلويين- و نزيد هنا: أن إبراهيم الامام أرسل إلى أبي مسلم يأمره: «بقتل كل من شك فيه، أو وقع في نفسه شي ء منه، و إن استطاع أن لا يدع بخراسان من يتكلم بالعربية إلا قتله فليفعل، و أي غلام بلغ خمسة أشبار يتهمه فليقتله، و أن لا يخلي من مضر ديارا» (1).

و لعل سر أمره له بقتل كل عربي يرجع إلى أنه كان يعلم أن ذلك يرضي الخراسانيين، الذين كانوا مضطهدين على أيدي العرب ... كما أنه كان يعلم أن العرب لن يستجيبوا له استجابة واسعة ضد الامويين، لأن الدولة الاموية كانت ترضي غرور العربي، و تؤكد اعتزازه بجنسه و محتده ...

ص: 122


1- الطبري، طبع ليدن ج 9/ ص 1974، و ج 10/ 25، و الكامل لابن الأثير، ج 4/ 295، و البداية و النهاية ج 10/ 28، و ص 64، و الإمامة و السياسة ج 2 ص 114، و النزاع و التخاصم للمقريزي ص 45، و العقد الفريد، طبع دار الكتاب ج 4/ 479، و شرح النهج للمعتزلي ج 3/ 267، و ضحى الاسلام ج 1 ص 32.

يضاف إلى ذلك ما كان يعانيه العرب من الانقسامات الداخلية، التي كانت تمزق صفوفهم و توهن قوتهم ...

و أما المضرية فقد كانوا جماعة نصر بن سيار الموالي للامويين، و اليمانية كانوا جماعة ابن الكرماني المناهض لنصر (1) ...

أبو مسلم ينفذ الوصية:

و قد حرص أبو مسلم على تنفيذ وصية ابراهيم الامام كل الحرص ...

حتى لقد قتل- كما يقول الذهبي و اليافعي-: «خلقا لا يحصون محاربة و صبرا، و كان حجاج زمانه (2) ...».

و يقول المؤرخون: إن من قتلهم أبو مسلم صبرا قد بلغ «ست مائة الف نفس» من المسلمين، من المعروفين، سوى من لم يعرف، و من قتل في الحروب، و تحت سنابك الخيل (3) ...

و قد اعترف المنصور نفسه بذلك، عند ما عاتب أبا مسلم، ثم قتله، فكان من جملة ما عاتبه به قوله: «فأخبرني عن ست مائة الف من المسلمين، قتلتهم صبرا؟!» ... و لم ينكر أبو مسلم ذلك، و إنما أجابه بقوله:

ص: 123


1- راجع: تاريخ الجنس العربي ج 8/ 417.
2- العبر للذهبي ج 1/ 186، و مرآة الجنان ج 1/ 285.
3- البداية و النهاية ج 10/ 72، و وفيات الأعيان ج 1/ 281، طبع سنة 1310 ه. و مختصر تاريخ الدول ص 121، و الكامل لابن الأثير ج 4 ص 354، و شرح شافية أبي فراس ص 211، و غاية المرام في محاسن بغداد دار السلام للعمري الموصلي ص 116 و تاريخ ابن الوردي ج 1/ 261، و مآثر الانافة في معالم الخلافة ج 1/ 178، و النزاع و التخاصم للمقريزي ص 46.

«لتستقيم دولتكم» (1)!!.

و اعترف جعفر البرمكي بذلك أيضا (2).

و أبو مسلم نفسه نراه قد اعترف بمائة الف منها أيضا في مناسبة أخرى (3).

و أما من قتلهم في حروبه مع بني أمية و قوادهم، فقد أحصوا فوجدوا: ألف ألف و ستمائة ألف (4) ...

و كل ذلك غير بعيد ... إذا ما عرفنا أن ثورة أبي السرايا قد كلفت جيش المأمون فقط (200) الف جندي، كما سيأتي ... و كذلك إذا ما لاحظنا ما يذكره المؤرخون عن عدد القتلى في الوقائع المختلفة، التي خاضها أبو مسلم ...

و بعد هذا ... فاننا نرى أبا مسلم نفسه يقول في رسالة منه للمنصور:

«فوترت أهل الدنيا في طاعتكم، و توطئة سلطانكم ...» (5).

و في رسالة أخرى منه له أيضا يقول: «... إن أخاك أمرني أن أجرد السيف، و آخذ بالظنة، و أقتل على التهمة، و لا أقبل المعذرة، فهتكت بأمره حرمات حتم اللّه صونها، و سفكت دماء فرض اللّه حقنها، و زويت الأمر عن أهله، و وضعته في غير محله ...» (6).

يقصد ب «أهله»: أهل البيت (ع)، و قد أوضح ذلك في رسالته3.

ص: 124


1- طبيعة الدعوة العباسية ص 245، نقلا عن العيني في: دولة بني العباس و الطولونيين و الاخشيديين ص 30، فما بعدها ...
2- تاريخ التمدن الاسلامي ج 2/ 435، نقلا عن: زينة المجالس (فارسي).
3- تاريخ اليعقوبي ج 3/ 102، و تاريخ ابن خلدون ج 3/ 103.
4- شرح قصيدة ابن عبدون لابن بدرون ص 214، و ليراجع صبح الأعشى ج 1/ 445 أيضا.
5- البداية و النهاية ج 10/ 69.
6- تاريخ بغداد ج 10/ 208، و البداية و النهاية ج 10/ 14، و لا بأس بمراجعة ص 69، و النزاع و التخاصم ص 53، و الإمام الصادق و المذاهب الأربعة جلد 1 ج 2/ 533.

الاخرى للمنصور التي يقول فيها: أن أخاه قد استخف بالقرآن و حرفه.

و أنه أوطأه في غيرهم من أهل بيتهم العشوة، بالإفك و العدوان، و أنه ظهر له بصورة مهدي ...

أي أن أخا المنصور قد حرف الآيات الواردة في أهل البيت (ع) لتنطبق على العباسيين، و أنه بذلك تمكن من إغراء أبي مسلم بالعلويين؛ ففعل بهم ما فعل بالإفك و العدوان ... و يصرح بذلك في رسالة أخرى للمنصور؛ فيقول: «و أوطات غيركم من كان فوقكم من آل رسول اللّه بالذل و الهوان، و الإثم و العدوان ...» يشير بذلك إلى العلويين (1).

و على كل فإننا سوف لا نستغرب إذا رأينا أنه قد بلغ من ظلم أبي مسلم أنه عند ما حج: «هربت الأعراب عن المناهل، التي يمر بها ذهابا و إيابا؛ فلم يبق منهم أحد؛ لما كانوا يسمعونه من سفكه للدماء» (2).

و قال المقريزي: «و قتل (يعني أبو مسلم) زياد بن صالح؛ من أجل أنه بلغه عنه أنه يقول: إنما بايعنا على اقامة العدل، و إحياء السنن، و هذا جائر ظالم، يسير بسيرة الجبابرة، و إنه مخالف.

و كان لزياد بلاء في إقامة الدولة؛ فلم يرع له؛ فغضب عيسى ابن ماهان، مولى خزاعة لقتل زياد، و دعا لحرب أبي مسلم سرا؛ فاحتال عليه بأن دس إلى بعض ثقاته إلخ ...» ثم ذكر كيفية احتيال أبي مسلم عليه و قتله إياه (3) ...ة.

ص: 125


1- طبيعة الدعوة العباسية ص 33، الفتوح لابن أعثم الكوفي، ج 8 ص 223 ... و لا بأس بمراجعة الرسائل المختلفة المعبرة عن ذلك فيما تقدم من المراجع، و في النزاع و التخاصم ص 52، 53، و الإمام الصادق و المذاهب الأربعة جلد 1 ج 2/ 533، 534، و البداية و النهاية ج 10/ 69، و الإمامة و السياسة ج 2/ 132، 133، و غير ذلك.
2- النزاع و التخاصم ص 46.
3- نفس المصدر و الصفحة.

و قد قال أبو مسلم ليونس بن عاصم عند ما قال له: هذا جزائي؟! «و من جازيناه بجزائه؛ وضعت سيفي فلم يبق بر و لا فاجر إلا قتلته» (1).

و قال أبو مسلم أيضا: «إني أطفيت من بني أمية جمرة، و ألهبت من بني العباس نيرانا، فإن أفرح بالاطفاء، فوا حزنا من الالهاب» (2).

و قال أبو مسلم أيضا: «إني نسجت ثوبا من الظلم لا يبلى ما دامت الدولة لبني العباس، فكم من صارخ الخ.» (3).

و لا مجال ثمة للشك:

كل ذلك يدل دلالة قاطعة على مدى الظلم الذي كان يمارسه العباسيون مع الناس بصورة عامة، و مع العلويين بشكل خاص ... و المتتبع للأحداث التاريخية يرى أن الامة كانت تعيش في رعب دائم و مستمر، خصوصا و أن كل أحد كان يرى و يعلم: كيف أن الآلاف من الناس، كانوا يذبحون لأتفه الأسباب و أحقرها ...

و أعود فأذكر القارئ ببعض ما أوردناه من رسالة الخوارزمي، التي تعتبر بحق من الوثائق الهامة، كما اعترف به غير واحد من الباحثين ...

و بعد فلا بد لنا من كلمة اخرى:

كانت تلك- كما قلنا- لمحة خاطفة عن حالة العباسيين مع الناس عامة، و مع العلويين خاصة ... و لعل من الظلم للحقيقة و للتاريخ هنا،

ص: 126


1- النزاع و التخاصم ص 47.
2- المحاسن و المساوي للبيهقي ص 298، طبع صادر و شرح ميمية أبي فراس ص 214.
3- المحاسن و المساوي طبع مصر ج 1/ 482، و الكنى و الألقاب ج 1/ 157/ 158 نقلا عن ربيع الأبرار للزمخشري.

أن نمضي و لا نعطي للقارئ لمحة عن حياتهم الخاصة، و سلوكهم الخلقي.

و لذا نرى لزاما علينا: أن نلم المامة سريعة ببعض ما يحدثنا به التاريخ في هذا الموضوع، فنقول:

العباسيون في حياتهم الخاصة:

أما حياتهم الخاصة، و ما كان يمر بها من رذائل و قبائح، يندى لها جبين الانسان الحر الما و خجلا، و يقطر قلبه لها دما و ألما، فتلك حدث عنها و لا حرج ... و قد تقدم في رسالة الخوارزمي بعض ما يشير إلى ذلك ...

و حيث أن الاستقصاء في هذا الموضوع مما تنوء به العصبة أولو القوة، فاننا لن نحاول التصدي لذلك، و لا سيما و أن هذا الكتاب غير معد لبحث هذا الموضوع فعلا.

و لعل الكلمة التي تجمع صفات بني العباس الخلقية هي الكلمة التي كتبها المأمون، و هو في مرو في رسالة منه للعباسيين، بني أبيه في بغداد، و التي قلنا إننا سوف نوردها في أواخر هذا الكتاب مع الوثائق الهامة، إن شاء اللّه تعالى ...

و المأمون: هو من أهل ذلك البيت، الذين هم أدرى من كل أحد بما فيه؛ لأنهم عاشورا في خضم الأحداث، و شاهدوا كل شي ء، و كل القضايا عن كثب ... يقول المأمون في تلك الرسالة:

«... و ليس منكم إلا لاعب بنفسه، مأفون في عقله، و تدبيره، إما مغن، أو ضارب دف، أو زامر ... و اللّه، لو أن بني أمية الذين قتلتموهم بالأمس نشروا؛ فقيل لهم: لا تأنفوا من معايب تنالوهم بها، لما زادوا على ما صيرتموه لكم شعارا و دثارا، و صناعة و أخلاقا.

ليس منكم إلا من إذا مسّه الشر جزع، و إذا مسّه الخير منع. و لا

ص: 127

تأنفون، و لا ترجعون إلا خشية؛ و كيف يأنف من يبيت مركوبا، و يصبح باثمه معجبا، كأنه قد اكتسب حمدا، غايته بطنه و فرجه، لا يبالي أن ينال شهوته بقتل ألف نبي مرسل، أو ملك مقرب. أحب الناس إليه من زين له معصية، أو أعانه في فاحشة، تنظفه المخمورة الخ ...».

فهذه القطعة تبين لنا بجلاء- كما يتبين من كثير أمثالها- كيف كان خلفاء العباسيين منغمرين في الملذات و الشهوات ... و تبين لنا نظرتهم للحياة و أهدافهم منها ... و لو لا أن المقام يطول لأوردنا سيلا من الشواهد و الدلائل على مدى استهتارهم، و انتهاكهم للحرمات، و ارتكابهم للموبقات، ليعلم أن أقوال المأمون هذه، و كذلك أقوال الخوارزمي، و غيرهما مما تقدم غير مبالغ فيها، و أن الحقيقة هي أعظم من ذلك بكثير و أن ذلك ليس إلا غيضا من فيض ... و كتب التاريخ و الأدب خير شاهد على ذلك، و إن حاولت بعض الأيدي الأثيمة تشويه الحقيقة، و التستر على واقعهم ذاك المزري و المهين ...

و في نهاية المطاف:

و إذا كانت تلك هي سيرة العباسيين في حياتهم الخاصة، و تلك هي سياساتهم مع الناس و مع خصومهم، فما ذا يمكن أن تكون حالة وزرائهم و قوادهم، و سائر رجال دولتهم؟! التاريخ وحده هو الذي يتولى الاجابة على هذا السؤال ...

أما نحن ... فنكتفي بهذا القدر، و ننتقل إلى الحديث عن بعض نتائج سياسات العباسيين تلك ... و خصوصا ما كان منها يتعلق بالعلويين ...

ص: 128

فشل سياسة العباسيين ضد العلويين

سؤال لا بد منه:

و الآن ... و بعد أن عرفنا موقف العباسيين من العلويين، و قدمنا لمحة عن معاملتهم للرعية، التي لم تكن أحسن حالا، و لا أهدأ بالا من العلويين. سيما و أنهم من أول يوم من حكمهم سلطوا على الناس فئة لا تفقه للرحمة معنى، و لا تجد الشفقة إلى قلوبها أي سبيل، همها الدنيا، و غايتها الاستئثار بكل شي ء، و تتمتع بحماية مطلقة من قبل الخلفاء، حتى عند ما كانت تعبث بأموال الناس، و حتى في دمائهم و أعراضهم ...

و كيف لا!! و الخلفاء أنفسهم ما كانوا أحسن حالا من تلك الفئة، و لا أقل انحرافا، و بعدا عن تعاليم السماء، و الخلق الانساني منها ...

بعد أن عرفنا ذلك ... و غيره مما تقدم؛ فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو:

ما هي نتائج و آثار سياسات العباسيين تلك؟ ... و هل استطاعوا أن يجعلوا الناس راضين عن تلك السياسات؟ و عما كانوا يرونه منهم من تميعهم، و استهتارهم بكل القيم، و الفضائل الأخلاقية؟ ...

و هل استطاعوا أن يكتسبوا عطف الامة، بعد أن فعلوا بها، و بأهل بيت نبيها ما فعلوا؟! ...

ص: 129

أما الجواب:

الواقع ... أن نتيجة ذلك كانت وبالا على العباسيين: «و لا يحيق المكر السيّئ إلا بأهله ...». فقد كان الناس مستائين جدا من سيرتهم السيئة و سيرة ولاتهم مع الرعية، و كان من الطبيعي جدا أيضا: أن يثير الناس و يسوؤهم ما كانوا يرونه من تميعهم الشديد في حياتهم الخاصة، و إيثارهم اللذات المحرمة على كل شي ء، حتى قد يبلغ الأمر بالخليفة منهم أن يحتجب عن الناس منهمكا بلذاته و شهواته ... و قد كان الرشيد يحمد اللّه على أن أراحه البرامكة من أعباء الحكم (1)، و تركوه ينصرف إلى ما يندى له جبين الانسان الحر ألما و خجلا، و كذلك كانت حال والده المهدي من قبل، و على ذلك جرى ولده الأمين من بعد ...

و غيرهم و غيرهم ممن لا نرى ضرورة لتعداد أسمائهم ... و حسبنا تلك الشواهد الكثيرة في التاريخ، الذي قد لا تمر بصفحة منه، فيها حديث عن الخلفاء، إلا و تجد فيها ما لا يسر، و ما لا يغبط عليه أحد ...

و كان مما ساعد على إدراك الناس لحقيقة نوايا العباسيين، و واقعهم، الذي طالما جهدوا في التستر عليه، و اخفائه، بحيث لم يعد ثمة شك في انهم ليسوا بأفضل من الامويين، إن لم يكونوا اكثر منهم سوءا ... هو ما كانوا يرونه من معاملتهم لبني عمهم آل أبي طالب، الذين ضحوا بكل شي ء في سبيل هذا الدين، و أعطوا و بذلوا حتى أرواحهم في سبيل هذه الامة ... و الذين كانوا هم الأمل الحي لهذه الامة المضطهدة، و المغلوبة على أمرها، التي كانت ترى فيهم كل الفضائل، و الكمالات الانسانية ...

و الذين كان من الواضح لدى كل أحد أن وجود العباسيين في الحكم مدين لهم، أكثر من غيرهم على الاطلاق ...

ص: 130


1- الوزراء و الكتاب ص 225.

لقد رأوهم جميعا متفقين- حتى المأمون كما سيتضح- على العداء لهم، و وجوب التخلص منهم، لكن الفرق هو أن الخلفاء الذين سبقوا المأمون كانت أساليبهم تجاههم، تتميز- عموما- بالعنف و القسوة، بخلافه هو، فإنه اتبع أسلوبا جديدا، و فريدا في القضاء عليهم، و التخلص منهم ...

و لقد كان هذا الموقف مفاجأة للامة، و صدمة لها، و لذا فمن الطبيعي أن يتسبب في ردود فعل عنيفة في ضمير الامة و وجدانها، و بخيبة أمل قاسية لها في العباسيين ...

بل لقد كان ذلك سببا في زيادة تعاطفها مع آل على، و مضاعفة احترامها لهم- و لو بدافع انساني بحت- و من هنا نلاحظ أنهم كثيرا ما يذكرون في سبب نكبات الوزراء، و العمال، بل و العلماء أيضا- صدقا كان ذلك أو كذبا- أنه أجار علويا، أو أطلقه من السجن، و دله على طريق النجاة. و قد ذكرت هذه المنقبة للامام أحمد بن حنبل أيضا (1)، و أما موقف أبي حنيفة، و الشافعي، و غيرهم من العلماء؛ فهو أشهر من أن يذكر.

و لعل الأهم من ذلك كله:

و لعل الأهم من ذلك كله أن الناس الذين كانوا يرون سلوك العباسيين مع العلويين، و مع الناس عامة، و أيضا سلوكهم اللاأخلاقي في حياتهم الخاصة ... كانوا يرون في مقابل ذلك: زهد العلويين، و ورعهم، و ترفعهم عن كل الموبقات و المشينات، و خصوصا الأئمة منهم عليهم السلام.

و قد جعلهم ذلك ينساقون معهم لا إراديا؛ حيث رأوا أنهم هم الذين يمتلكون كل المؤهلات، و يتمتعون بكافة الفضائل و المزايا، التي

ص: 131


1- راجع كتاب: شيخ الامة، الإمام أحمد بن حنبل، لعبد العزيز سيد الأهل.

تجعلهم جديرين بخلافة محمد (ص)، و أهلا لقيادة الامة، قيادة صالحة و سليمة، كما كان النبي (ص) يقودها من قبل ...

و واضح أن تلك الخصائص: و هاتيك المؤهلات و المميزات لأئمة أهل البيت (ع)، و ذلك السلوك المثالي لهم- كل ذلك- كان يغري العباسيين بمضايقتهم، و ملاحقتهم أشد الاغراء، و كان أيضا يدفع الحساد للوشاية بهم، و تحريض الخلفاء على الايقاع و التنكيل فيهم.

و لهذا نرى أن الخلفاء!! لم يكونوا يألون جهدا، أو يدخرون وسعا في ملاحقتهم، و اضطهادهم، و سجنهم. حتى إذا تمكنوا منهم قضوا عليهم، بالوسائل التي تضمن- بنظرهم- عدم إثارة شكوك الناس و ظنونهم ...

التشيع للعلويين:

و بعد كل الذي قدمناه، فإن من الطبيعي أن نرى العلويين يتمتعون بالاحترام و التقدير من مختلف الفئات و الطبقات، و أن نرى ازدياد احترام الناس، و تقديرهم لهم باستمرار ... حتى لقد كان لهم في نفوسهم من عميق الحب، و صادق المودة، ما أرهب العباسيين، و أرعبهم ... و حتى لقد رأينا الرشيد نفسه- و هو طاغية بني العباس بلا منازع- يشكو لعظيم البرامكة، يحيى بن خالد غمه و حيرته في أمر الإمام موسى (ع)، رغم أنه (ع) كان في السجن. و نرى يحيى بن خالد يعترف بدوره بأن: الإمام «المسجون» قد أفسد عليهم قلوب شيعتهم!! (1) و لا يجب أن نستغرب شكوى الرشيد تلك، و لا اعتراف يحيى هذا بعد أن كان التشيع (2) بحد سبيله الى كل قلب، و كل فؤاد، حتى

ص: 132


1- الغيبة للشيخ الطوسي ص 20، و البحار.
2- كلمة «التشيع» التي ترد في هذا الكتاب، لا أقصد بها غالبا- التشيع بمفهومه الأخص. و المذهب المعروف، و إنما أقصد بها مجرد الولاء و الحب للعلويين، و تأييدهم ضد خصومهم، سواء أ كان ذلك من الشيعة بالمعنى المعروف، أو من غيرهم من أهل الفرق الإسلامية الاخرى.

وزراء العباسيين، و قوادهم، بل و حتى نساء الخلفاء أنفسهم ...

فهذه أم الخليفة المهدي تقيم خادما لقبر الحسين (ع)، و تجري عليه كل شهر ثلاثين درهما، دون أن يعلم بها أحد (1).

و هذه بنت عم المأمون، التي كان لها نفوذ قوي عنده، يذكر المؤرخون أنها كانت تميل إلى الإمام الرضا (ع) ...

بل و حتى «زبيدة»، زوجة الرشيد، و حفيدة المنصور، و أعظم عباسية على الاطلاق، يقال: إنها كانت تتشيع، و عند ما علم الرشيد بذلك حلف أن يطلقها (2) ... و لعل لهذا السبب أحرق أهل السنة قبرها مع ما أحرقوا من قبور بني بويه و قبر الكاظم (ع) و ذلك عند ما وقعت الفتنة العظيمة بين السنة و الشيعة سنة 443 ه (3) و أما وزراء العباسيين، فأمرهم أظهر من أن يحتاج الى بيان، فإن التاريخ يحدثنا: أن العباسيين، ابتداء من السفاح، كانوا غالبا يبطشون بوزرائهم؛ بسبب اطلاعهم على تشيعهم، و ممالأتهم للعلويين. ابتداء بأبي سلمة، فأبي مسلم، فيعقوب بن داوود ... و هكذا الى أن ينتهي الأمر بالفضل بن سهل، و غيره من بعده، بل و حتى نكبة البرامكة يقال:

إنّ سببها هو تشيعهم للعلويين!! و ان كان يقال: إن الرضا عليه السلام دعا عليهم، لأنّهم كانوا سبب قتل أبيه ...

إلا إذا كان تظاهرهم بمحبة العلويين مجاراة للرأي العام، و سياسة منهم؛ فاستغل ذلك الرشيد ضدهم نعم ... لقد بلغ الامر حدا اصبح معه:ر.

ص: 133


1- الطبري ج 11/ 752، طبع ليدن ...
2- ذكر ذلك الصدوق في المجالس؛ فراجع: رجال المامقاني، مادة: «زبيدة».
3- الكنى و الألقاب ج 2/ 289 نقلا عن ابن شحنة في روضة المناظر.

التسمي ب «الوزير» يعتبر شؤما: و ينفر الناس منه كل النفور، كما سنشير إليه فيما يأتي إن شاء اللّه تعالى ...

و أما عن امرائهم و قوادهم، فالأمر فيهم أوضح و أجلى؛ حيث إنهم ما كانوا يرون إلا واليا أو قائدا يخرج عليهم داعيا للعلويين، أو آخر قد خلع طاعتهم، و استجاب لدعوة خصومهم آل علي، أو ثالث يخشى أن يميل إليهم، و يتعاطف معهم ... و قد بدأ قوادهم بالخروج عليهم من زمن السفاح، الذي خرج عليه ابن شيخ المهري، داعيا لآل علي، و بعد ذلك كانت ثورة القواد على المنصور داعين إلى موالاة أهل البيت، و قامت ثورة ضد المنصور، و داعية للعلويين في نفس خراسان، و ذلك في سنة (140 ه). و بعد ذلك و في زمن المهدي العباسي قامت ثورة اخرى في خراسان تدعو الى آل أبي طالب بقيادة صالح بن أبي حبال ... و عظم شأنه جدا، و لم يمكنهم القضاء عليه إلا بإعمال الحيلة (1) و أما في زمن الرشيد، فقد ثارت الفتن بين أهل السنة و الرافضة، على حد تعبير النجوم الزاهرة ...

الخطر الحقيقي:

و أما الذي كان يمكن فيه الخطر الحقيقي، و كان يهز الدولة، و يزعزع من أركانها ... فهو ثورات العلويين أنفسهم؛ حتى ليقال:

إنه قد بويع لمحمد بن عبد اللّه بن الحسن، و أخيه ابراهيم في أكثر الأمصار، و ذلك في سنة 145 ه. و بعد ذلك كانت واقعة فخ المشهورة، ثم استمر الحال على ذلك، فلم يكن العباسيون يرون، إلا علويا ثائرا، أو أنه يدبر للثورة، حتى أوائل زمن المأمون؛ حيث بلغت الحالة فيه

ص: 134


1- راجع: لطف التدبير ص 105.

في السوء و التدهور الغاية، و أوفت على النهاية ... حتى ليقال: إن الثورات العلوية، التي قامت فيما بين عهد السفاح، و أوائل عهد المأمون، و بالتحديد إلى حوالي سنة 200 ه أي فيما يقل عن سبعين عاما، قد قاربت الثلاثين ثورة، هذا بغض النظر عن الثورات الاخرى التي كانت تدعو لهم، و إلى موالاتهم ...

و ستأتي الاشارة إلى بعض الثورات العلوية التي قامت ضد المأمون بالخصوص، و إلى أنه حتى قائده العظيم، طاهر بن الحسين،- بل و جميع آل طاهر (1)- و كذلك وزيره الفضل بن سهل، و هرثمة بن أعين، و غيرهم، و غيرهم، كانوا يتهمون بالتشيع للعلويين ...

و لسوف يتضح أن الوضع في عهده قد أصبح إلى حد كبير شبيها بالوضع الذي كان سائدا في أواخر عهد الامويين، بفارق واحد بسيط، لو استمر الحال لتسارع لذلك الفارق الضعف و الوهن، و هو: أنه لا يزال كثير من الناس المخدوعين بدعايات العباسيين يعتبرون تلك المنازعات طبيعية بين من يستحقون الخلافة!!!.

و يبقى هنا سؤال:

لما ذا لم تكن ثورات العلويين، أو الثورات الداعية لهم، تصادف النجاح، مع أنها كانت تحظى بالتأييد الواسع، في مختلف فئات الشعب، و طبقاته؟! ...

و جوابنا عن هذا السؤال هو: أن الذي يراجع التاريخ يرى- بما لا مجال معه للشك-: أن تلك الثورات لم يكن يسبقها التخطيط،

ص: 135


1- راجع: الكامل لابن الأثير، حوادث سنة 250 ه.

و الاعداد الكافيان، و ما كان العباسيون ليعطوها الفرصة لتخطيط و اعداد يمكن أن يصل إلى درجة تمكنه من أن يذهب بدولة الجبارين ...

هذا بالاضافة إلى فساد القيادة القبيلة آنذاك، و التي كانت السبب الأول و الأخير لنجاح أية ثورة أو فشلها ... و سيأتي تفصيل ذلك على النحو الكافي و الشافي، في فصل: مدى جدية العرض، إن شاء اللّه.

و نتيجة كل ذلك:

و هكذا ... يتضح: أن سياسات العباسيين، لم تستطع أن تحقق لهم الأهداف التي كانوا يتوخون تحقيقها، و إنما كانت نتائجها عكسية بالنسبة إليهم، و دمارا و وبالا عليهم، قبل أن تكون وبالا على أي من خصومهم ...

و بالأخص أبناء عمهم العلويين ...

ص: 136

القسم الثاني ظروف البيعة و أسبابها:

اشارة

1- شخصية الإمام الرضا (ع).

2- من هو المأمون؟.

3- آمال المأمون، و آلامه ...

4- ظروف البيعة و أسبابها.

5- أسباب البيعة لدى الآخرين.

ص: 137

ص: 138

شخصية الامام الرضا عليه السلام

لمحات:

الإمام الرضا (ع)، هو ثامن الأئمة الاثني عشر، الذين نص عليهم النبي (ص): علي بن موسى، بن جعفر، بن محمد، بن علي، ابن الحسين، بن علي، بن أبي طالب، صلوات اللّه عليهم أجمعين ...

ستة آباؤه من هم أفضل من يشرب صوب الغمام كنيته: أبو الحسن ...

و من ألقابه: الرضا، و الصابر، و الزكي، و الولي ...

نقش خاتمه: حسبي اللّه ...

و قيل: بل نقشه: ما شاء اللّه، لا قوة إلا باللّه (1) ...

ولد في المدينة سنة 148 ه. أي: في نفس السنة التي توفي فيها

ص: 139


1- لنا رأي بالنسبة للّقب، و نقش الخاتم: و هو أنه كثيرا ما يعبر عن ظاهرة من نوع معين، و ظروف اجتماعية، و سياسية، و نفسية، و غير ذلك ... و كذلك عن مميزات، و ملكات شخصية خاصة. و نأمل أن نوفق لبحث هذا الموضوع مستوفى في فرصة اخرى إن شاء اللّه.

جده الإمام الصادق (ع) على قول أكثر العلماء و المؤرخين مثل:

المفيد في الارشاد، و الشبراوي في الانحاف بحب الاشراف، و الكليني في الكافي، و الكفعمي في المصباح، و الشهيد في الدروس، و الطبرسي في أعلام الورى، و الفتال النيسابوري في روضة الواعظين، و الصدوق في علل الشرائع، و تاج الدين محمد بن زهرة في غاية الاختصار، و ابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة، و الاردبيلي في جامع الرواة، و المسعودي في مروج الذهب، و إن كان في كلامه اضطراب، و أبو الفداء في تاريخه، و الكنجي الشافعي في كفاية الطالب، و ابن الأثير في كامله، و ابن حجر في صواعقه، و الشبلنجي في نور الأبصار، و البغدادي في سبائك الذهب، و ابن الجوزي في تذكرة الخواص، و ابن الوردي في تاريخه، و نقل عن تاريخ الغفاري، و النوبختي. و كان عتاب بن أسد يقول: إنه سمع جماعة من أهل المدينة يقولون ذلك، و غير هؤلاء كثير و ذهب آخرون- و هم الأقل- إلى أن ولادته (ع)، كانت سنة 153 ه. منهم: الاربلي في كشف الغمة، و ابن شهر اشوب في المناقب، و الصدوق في عيون الأخبار، و إن كان في كلامه اضطراب، و المسعودي في إثبات الوصية، و ابن خلكان في وفيات الأعيان، و ابن عبد الوهاب في عيون المعجزات، و اليافعي في مرآة الجنان ...

و قيل: إن ولادته كانت سنة 151 ه.

و القول الأول هو الأقوى و الأشهر ... و لم يذهب إلى القولين الأخيرين إلا قلة ...

و توفي (ع) في طوس سنة 203 ه. على قول معظم العلماء، و المؤرخين، و الشاذ النادر لا يلتفت إليه ...

ص: 140

و بعد:

فأما علمه، و ورعه و تقواه:

فذلك مما اتفق عليه المؤرخون أجمع، يعلم ذلك بأدنى مراجعة للكتب التاريخية؛ و يكفي هنا أن نذكر أن نفس المأمون قد اعترف بذلك، أكثر من مرة، و في أكثر من مناسبة ... بل في كلامه: أن الرضا (ع) أعلم أهل الأرض، و أعبدهم ... و لقد قال لرجاء بن أبي الضحاك:

«... بلى يا ابن أبي الضحاك؛ هذا خير أهل الأرض، و أعلمهم، و أعبدهم ...» (1).

و قد قال أيضا للعباسيين، عند ما جمعهم، في سنة 200 ه. و هم أكثر من ثلاثة و ثلاثين ألفا (2):

«إنه نظر في ولد العباس، و ولد علي رضي اللّه عنهم، فلم يجد أحدا أفضل، و لا أورع، و لا أدين، و لا أصلح، و لا أحق بهذا الأمر من علي بن موسى الرضا (3)» ...

ص: 141


1- راجع: البحار ج 49 ص 95، و عيون أخبار الرضا ج 2 ص 183، و غير ذلك ...
2- مروج الذهب ج 3 ص 440، و النجوم الزاهرة ج 2 ص 166، و غاية المرام للعمري الموصلي ص 121، و مآثر الانافة في معالم الخلافة ج 1 ص 212، و الطبري، طبع ليدن ج 11 ص 1000، و تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 333، و غير ذلك ... و ورد ذلك أيضا في رسالة الحسن بن سهل، لعيسى بن أبي خالد؛ فراجع: الطبري ج 11 ص 1012، و تجارب الامم ج 6 المطبوع مع العيون و الحدائق ص 430. هذا ... و لكن في تاريخ التمدن الاسلامي، ج 1 ص 176 و يؤيده ما في وفيات الأعيان لابن خلكان، طبع سنة 1310 ج 1 ص 321، و يساعد عليه الاعتبار أيضا: أن الذين أحصوا آنئذ هم: العباسيون خاصة المأمون، دون غيرهم من سائر بني العباس.
3- راجع: مروج الذهب ج 3 ص 441، و الكامل لابن الأثير ج 5 ص 183، و الفخري في الآداب السلطانية ص 217، و الطبري، طبع ليدن ج 11 ص 1013، و مختصر تاريخ الدول ص 134، و تجارب الامم ج 6 ص 436. و في مرآة الجنان ج 2 ص 11، قال: إنه لم يجد في وقته أفضل، و لا أحق بالخلافة، من علي بن موسى الرضا ... و نحو ذلك ما في البداية و النهاية ج 10 ص 247، و ينابيع المودة للحنفي ص 385، و نظرية الامامة ص 386 و وفيات الاعيان طبع سنة 1310 ه. ج 1 ص 321، و امبراطورية العرب، و غير ذلك.

قال عبد اللّه بن المبارك:

هذا علي و الهدى يقوده من خير فتيان قريش عوده (1) و لوضوح هذا الأمر نكتفي هنا بهذا المقدار، و ننتقل إلى الحديث عن امور هامة اخرى، و ما يهمنا في المقام هو إعطاء لمحة سريعة عن مكانته، و شخصيته (ع)، فنقول:

و أما مركزه و شخصيته (ع):

فهو من الامور البديهية، التي لا يكاد يجهلها أحد، و قد ساعده سوء الأحوال بين الأمين و المأمون على القيام بأعباء الرسالة، و على زيادة جهوده، و مضاعفة نشاطاته؛ حيث قد فسح المجال لشيعته للاتصال به، و الاستفادة من توجيهاته؛ مما أدى بالتالي- مع ما كان يتمتع به (ع) من مزايا فريدة، و ما كان ينتهجه من سلوك مثالي- إلى تحكيم مركزه، و بسط نفوذه في مختلف أرجاء الدولة الإسلامية، يقول الصولي:

ألا إن خير الناس نفسا و والداو رهطا و أجدادا علي المعظم

اتينا به للحلم و العلم ثامناإماما يؤدي حجة اللّه يكتم (2) بل لقد قال هو نفسه (ع) مرة للمأمون. و هو يتحدث عن ولاية

ص: 142


1- مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 362.
2- نفس المصدر ج 4 ص 332، و هي في مقتبس الاثر ج 22، ص 328، لكنه لم يذكر قائلها ...

العهد: «... و ما زادني هذا الأمر، الذي دخلت فيه في النعمة عندي شيئا، و لقد كنت في المدينة، و كتابي ينفذ في المشرق و المغرب، و لقد كنت أركب حماري، و أمر في سكك المدينة، و ما بها أعز مني ...» (1).

و يكفي أن نذكر هنا قول ابن مؤنس- عدوّ الإمام (ع)، و قد أسّر (ع) للمأمون بشي ء، قال ابن مؤنس:

«... يا أمير المؤمنين، هذا الذي بجنبك و اللّه صنم يعبد دون اللّه» (2) ...

و في الكتاب الذي طلب المأمون فيه من الرضا أن يجمع له أصول الدين، و فروعه، قال المأمون: إن الإمام: «حجة اللّه على خلقه، و معدن العلم، و مفترض الطاعة ...» (3). كما أن المأمون كان يعبر عن الرضا (ع) ب: «أخيه»، و يخاطبه ب «يا سيدي».

و كتب للعباسيين يصف الرضا، و يقول: «... و أما ما كنت أردته من البيعة لعلي بن موسى، بعد استحقاق منه لها في نفسه، و اختيار مني له ... إلى أن قال: و أما ما ذكرتم من استبصار المأمون في البيعة لأبي الحسن، فما بايع له إلا مستبصرا في أمره، عالما بأنه لم يبق على ظهرها أبين فضلا، و لا أظهر عفة، و لا أورع ورعا، و لا أزهد زهدا في الدنيا، و لا أطلق نفسا، و لا أرضى في الخاصة و العامة، و لا أشد في ذات اللّه منه ...» (4).ب.

ص: 143


1- البحار ج 49 ص 155، و ص 144، و الكافي ج 8 ص 151، و عيون أخبار الرضا ج 2 ص 167.
2- البحار ج 49 ص 166، و أعيان الشيعة ج 4 قسم 2 ص 138، و عيون أخبار الرضا ج 2 ص 161، و مسند الامام الرضا ج 1 ص 86.
3- نظرية الامامة ص 388.
4- الرسالة مذكورة في أواخر هذا الكتاب.

و في كل ما قدمناه دلالة واضحة على سجايا الإمام، و مركزه، و شخصيته. و كما يقولون: «و الفضل ما شهدت به الأعداء» ...

و مما يدل على مكانته و هيبته ما ورد في رواية أخرى، يقول فيها المتحدث: «... دخلنا (أي هو و الرضا «ع») على المأمون، فإذا المجلس غاص بأهله، و محمد بن جعفر في جماعة الطالبيين و الهاشميين، و القواد حضور. فلما دخلنا قام المأمون، و قام محمد بن جعفر، و جميع بني هاشم، فما زالوا وقوفا و الرضا جالس مع المأمون، حتى أمرهم بالجلوس؛ فجلسوا؛ فلم يزل المأمون مقبلا عليه ساعة الخ (1)».

و أما ما جرى في نيسابور:

فلا يكاد يخلو منه كتاب يتعرض لأحوال الرضا (ع)، و مسيره إلى مرو، فإنه عند ما دخل نيسابور تعرض له الحافظان: أبو زرعة الرازي، و محمد بن أسلم الطوسي، و معهما من طلبة العلم ما لا يحصى، و تضرعوا إليه أن يريهم وجهه؛ فأقرّ عيون الخلائق بطلعته، و الناس على طبقاتهم قيام كلهم. و كانوا بين صارخ، و باك، و ممزق ثوبه، و متمرغ في التراب، و مقبل لحافر بغلته، و مطول عنقه الى مظلة المهد، إلى أن انتصف النهار، و جرت الدموع كالأنهار، و صاحت الأئمة:

«معاشر الناس، أنصتوا، وعوا، و لا تؤذوا رسول اللّه (ص) في عترته ...»

فأملى صلوات اللّه عليه، عليهم، بعد أن ذكر السلسلة الذهبية الشهيرة

ص: 144


1- مسند الامام الرضا ج 2 ص 76، و البحار ج 49 ص 175، و عيون أخبار الرضا ج 2 ص 156.

للسند، قوله: «لا إله إلا اللّه حصني؛ فمن دخل حصني أمن من عذابي ...»

فلما مرت الراحلة أخرج رأسه مرة ثانية إليهم، و قال: «بشروطها، و أنا من شروطها».

فعد أهل المحابر و الدوى، فأنافوا على العشرين ألفا. كذلك وصف المؤرخون هذه الحادثة الشهيرة (1) ... و لسوف نتحدث عن هذه القضية بالتفصيل في فصل: «خطة الإمام» إن شاء اللّه تعالى ...

و عن أسناد هذه الرواية، الذي أورده الإمام (ع)، يقول الإمام أحمد بن حنبل: «لو قرأت هذا الاسناد على مجنون لبرئ من جنته».

على ما في الصواعق المحرقة، و نزهة المجالس (2)، و غير ذلك ...

و نقل أن بعض أمراء السامانية بلغه هذا الحديث بسنده؛ فكتبه بالذهب، و أوصى أن يدفن معه.».

ص: 145


1- نقله في مجلة مدينة العلم، السنة الاولى ص 415 عن صاحب تاريخ نيسابور، و عن المناوي في شرح الجامع الصغير، و هي أيضا في الصواعق المحرقة ص 122، و حلية الأولياء ج 3 ص 192، و عيون أخبار الرضا ج 2 ص 135، و أمالي الصدوق ص 208، و ينابيع المودة ص 364، و ص 385، و قد ذكر قوله عليه السلام: و انا من شروطها، في الموضع الثاني فقط. و البحار ج 49 ص 123، 126، 127، و الفصول المهمة لابن الصباغ ص 240، و نور الأبصار ص 141، و نقلها في مسند الامام الرضا ج 1 ص 43 و 44 عن التوحيد و معاني الاخبار ص 352/ 353 و كشف الغمة ج 3 ص 98. و هي موجودة في مراجع كثيرة اخرى. لكن يلاحظ أن بعض هؤلاء قد حذف قوله عليه السلام: «بشروطها، و أنا من شروطها»، و لا يخفى السبب في ذلك.
2- و فيه في ج 1 ص 22، قال: «إنه (أي الامام أحمد) قرأها على مصروع فأفاق».

و ها نحن أمام نصوص اخرى:

و كذلك نرى هيبة الإمام (ع)، و قوة شخصيته، في موقفه مع الفضل ابن سهل- أعظم رجل في البلاط العباسي- و ذلك عند ما طلب منه الفضل كتاب الضمان، و الأمان؛ حيث أوقفه ساعة، ثم رفع رأسه إليه، و سأله عن حاجته؛ فقال: «يا سيدي ... إلى أن قال الراوي:

ثم أمره بقراءة الكتاب- و كان كتابا في أكبر جلد- فلم يزل قائما حتى قرأه!! الخ ...» (1).

ثم رأينا المأمون عند ما قتل الفضل بن سهل ذا الرئاستين، و شغب عليه القواد و الجند، و من كان من رجال ذي الرئاستين. و قد جاءوا بالنيران ليحرقوا الباب عليه، ليصلوا إليه- قد رأينا- كيف هرع إلى الإمام، يطلب منه أن يتدخل لانقاذه؛ فخرج (ع) إليهم، و أمرهم بالتفرق؛ فتفرقوا ... يقول ياسر الخادم: «فأقبل الناس و اللّه، يقع بعضهم على بعض، و ما أشار لأحد إلا ركض، و مر، و لم يقف ...» (2).

و نجا المأمون بذلك بجلده، و احتفظ بحياته ...

و في كتاب العهد الذي كتبه المأمون بخط يده- كما صرح به كل من تعرض له- فقرات تدل على سجايا الإمام، و على مركزه، و شخصيته، يقول المأمون عنه: «... لما رأى من فضله البارع، و علمه

ص: 146


1- أعيان الشيعة ج 4 قسم 2 ص 139، و عيون أخبار الرضا ج 2 ص 162، 163 و البحار ج 49 ص 168، و مسند الامام الرضا ج 1 ص 88.
2- المناقب ج 4 ص 347، و روضة الواعظين ج 1 ص 273، و كشف الغمة ج 3 ص 70، و الكافي ج 1 ص 490، 491، و أعلام الورى ص 324، و أعيان الشيعة ج 4 قسم 2 ص 110، 140، طبعة ثالثة، و عيون أخبار الرضا ج 2 ص 164، و ارشاد المفيد ص 314، و البحار ج 49 ص 169، و معادن الحكمة ص 183، و شرح ميمية أبي فراس ص 198، 199.

الناصع، و ورعه الظاهر، و زهده الخالص، و تخليه من الدنيا، و تسلمه من الناس.

و قد استبان له ما لم تزل الأخبار عليه متواطية، و الألسن عليه متفقة، و الكلمة فيه جامعة، و لما لم يزل يعرفه به من الفضل يافعا، و ناشيا، و حدثا، و مكتهلا الخ ...» و كتاب العهد مذكور في أواخر هذا الكتاب ...

و في نهاية المطاف:

فإن الإمام (ع) هو أحد العشرة، الذين هم على حد تعبير الجاحظ:

«كل واحد منهم: عالم، زاهد، ناسك، شجاع، جواد، طاهر، زاك، و الذين هم بين خليفة، أو مرشح لها ...» (1).

و هو على ما في النجوم الزاهرة: «سيد بني هاشم في زمانه، و أجلهم.

و كان المأمون يعظمه، و يجله، و يخضع له، و يتفانى فيه ...» (2).

و مثله ما عن سنن ابن ماجة، على في خلاصة تذهيب تهذيب الكمال ص 278 ...

و قال عنه (ع) عارف تامر: «يعتبر من الأئمة الذين لعبوا دورا كبيرا على مسرح الأحداث الإسلامية في عصره ...» (3).

و أخيرا ... فقد وصفه أبو الصلت، و رجاء بن أبي الضحاك، و إبراهيم ابن العباس، و غيرهم، و غيرهم ... بما لو أردنا نقله لطال بنا المقام ...

و حسبنا ما ذكرنا؛ فإننا إذا أردنا أن نلم بما قيل في حق الإمام (ع) لاحتجنا إلى تأليف خاص، و وقت طويل ...

ص: 147


1- آثار الجاحظ ص 235.
2- النجوم الزاهرة ج 2 ص 74.
3- الامامة في الاسلام ص 125.

من هو المأمون؟

لمحات:

هو عبد اللّه بن هارون الرشيد.

أبوه: خامس خلفاء بني العباس ... و هو سابعهم، بعد أخيه الأمين ...

أمه: جارية خراسانية، اسمها: «مراجل». و قد ماتت بعد ولادتها إياه، و هي ما تزال نفساء ... فنشأ يتيم الام.

و قد كانت أمه- كما يقول المؤرخون- أشوه، و اقذر جارية في مطبخ الرشيد.

و ذلك هو الذي يجعلنا نصدق القصة التي تقال عن السبب في حملها به (1) ...

ص: 148


1- و تحكى هذه القصة على النحو التالي: أن زبيدة لاعبت الرشيد بالشطرنج على الحكم و الرضا؛ فغلبته؛ فحكمت عليه أن يطأ أقبح و أقذر و أشوه جارية في المطبخ؛ فبذل لها خراج مصر و العراق لتعفيه من ذلك؛ فلم تقبل، و لم تجد جارية تجمع الصفات المذكورة غير مراجل؛ فطلبت إليه أن يطأها، فجاء المأمون ... راجع حياة الحيوان للدميري ج 1 ص 72. و أعلام الناس في أخبار البرامكة، و بني العباس للاتليدي ص 106، 107، و عيون التواريخ. و أشار إليها اشارة واضحة: الاسحاقي في لطائف أخبار الاول ص 74، و كذلك في روض الأخيار المنتخب من ربيع الأبرار ص 157. و لا ينافي ذلك أنه ولد في الليلة التي تولى فيها أبوه الخلافة؛ فان أولياء العهد كانوا يتولون أعظم الولايات من قبل الخلفاء؛ و قد قسم الرشيد الدولة كلها بين أولاده الثلاثة: الأمين، و المأمون و القاسم، و لم يبق لنفسه شيئا، و هو على قيد الحياة ...

دفعه أبوه إلى جعفر بن يحيى البرمكي؛ فنشأ في حجره.

كانت ولادته في سنة 170 ه. في نفس الليلة التي تولى فيها أبوه الخلافة ...

و كانت وفاته سنة 218 ه.

و كان مربيه الفضل بن سهل، ثم أصبح وزيره، و هو المعروف بذي الرئاستين ...

و كان قائده: طاهر بن الحسين ذو اليمينين ...

ميزات و خصائص:

و قد كانت حياته حياة جد و نشاط، و تقشف، على العكس من أخيه الأمين، الذي نشأ في كنف «زبيدة»، و ما أدراك ما «زبيدة»؛ فقد كانت حياته حياة نعمة و ترف، يميل إلى اللعب و البطالة، أكثر منه إلى الجد و الحزم ... يظهر ذلك لكل من راجع تاريخ حياة الأخوين ...

و لعل سر ذلك يعود إلى أن المأمون لم يكن كأخيه، يشعر بأصالة محتده، و لا كان مطمئنا إلى مستقبله، و إلى رضا العباسيين به. بل كان يقطع بعدم رضاهم به خليفة و حاكما؛ و لهذا ... فقد وجد أنه ليس لديه أي رصيد يعتمد عليه غير نفسه؛ فشمر عن ساعد الجلد، و بدأ يخطط لمستقبله منذ اللحظة الاولى التي أدرك فيها واقعه، و المميزات التي كان يتمتع بها أخوه الأمين عليه ...

ص: 149

بل نلاحظ: أنه كان يستفيد من أخطاء أخيه الأمين؛ فان: «الفضل عند ما رأى اشتغال الأمين باللهو و اللعب، أشار على المأمون بإظهار الورع و الدين، و حسن السيرة؛ فأظهر المأمون ذلك ... و كان كلما اعتمد الأمين حركة ناقصة اعتمد المأمون حركة شديدة» (1).

و من هنا نعرف السر فيما يظهر من رسالته للعباسيين؛ حيث نصب فيها نفسه واعظا تقيا، و أضفى عليها هالة من التقى و الورع!! و الزهد في الدنيا!! و الالتزام بأحكام الشريعة، و تعاليم الدين!! ... ليروه و يراه الناس نوعية أخرى تفضل نوعية أخيه الأمين، و تزيد عليها ...

ما يقال عن المأمون:

و على كل حال ... فان المأمون كان قد برع في العلوم و الفنون، حتى فاق أقرانه، بل فاق جميع خلفاء بني العباس ...

و قد قال بعضهم: «لم يكن في بني العباس أعلم من المأمون» (2).

و قال عنه ابن النديم انه: «أعلم الخلفاء بالفقه و الكلام» (3).

و قال عنه محمد فريد وجدي: «لم يل الخلافة بعد الخلفاء الراشدين أكفأ منه» (4).

و في الأخبار الطوال: «و كان شهما، بعيد الهمة، أبي النفس، و كان نجم بني العباس في العلم و الحكمة ...»

ص: 150


1- الفخري في الآداب السلطانية ص 212. و لكن سيأتي أن المأمون هو الذي طلب من الفضل: أن يشيع عنه الزهد و التقوى، و ليس الفضل هو المشير عليه بذلك ...
2- حياة الحيوان للدميري ج 1 ص 72.
3- فهرست ابن النديم، طبع مطبعة الاستقامة في القاهرة ص 174.
4- دائرة المعارف الاسلامية ج 1 ص 620.

بل لقد روي عن الإمام علي (ع)، أنه قال- و هو يصف خلفاء بني العباس-: «سابعهم أعلمهم» (1).

و قد وصفه السيوطي و ابن تغري بردى، و ابن شاكر الكتبي؛ فقالوا:

«و كان أفضل رجال بني العباس: حزما، و عزما، و حلما، و علما، و رأيا، و دهاء (2)، و هيبة، و شجاعة، و سؤددا، و سماحة،..

ص: 151


1- مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 276، و سفينة البحار ج 2 ص 332، مادة: «غيب».
2- دهاء المأمون، و حنكته، و سياسته من المسلمات، و الأمثلة على ذلك كثيرة؛ فقد روى لنا ابن عبد ربه في العقد الفريد ج 1 ص 123، و الجهشياري في الوزراء و الكتاب ص 311: كيف أنه بين للفضل بن سهل: أن أخاه الأمين كان يستطيع أن ينتصر عليه، لو أنه أرسل إلى أهل البلاد التي يحكمها المأمون يخبرهم: أنه قد وضع عنهم الخراج إلى سنة ... فحينئذ، إن لم يقبل المأمون، قامت البلاد ضده، و إن قبل لم يجد ما يعطي الجند، فيقومون ضده، و في كلا الحالتين يكون النصر للامين، لو وقعت بينهما الحرب؛ فحمد الفضل ربه، على أن لم يهتد الأمين، و اتباعه إلى هذا الرأي ... و إن كان في العقد الفريد للملك السعيد، ص 50 ينسب هذا الرأي إلى الشيخ أبي الحسن القطيفي، و أنه أشار به على الأمين؛ فلم يقبله. و في المحاسن و المساوي طبع مصر ج 2 ص 77، 78 نسبة إلى شيخ مسن أشار به على الأمين فلم يقبل منه. و قد رأينا أيضا: أنه عند ما تسلم زمام الحكم قد طلب من الفضل: أن يشيع عنه الزهد و التقوى و الورع؛ ففعل ... راجع تاريخ التمدن الاسلامي ج 4 ص 261. و رأينا كذلك: أنه يقتل الفضل، و يبكي عليه، و يقتل قتلته، و يقتل الرضا، ثم يبكي عليه ... و يقتل طاهرا، و يولي أبناءه مكانه. و رأينا أيضا: أنه يولي الرضا العهد، و يوهم العباسيين: أن ذلك كان من تدبير الفضل، و يقتل أخاه، و يوهمهم أن الذنب في ذلك على الفضل و طاهر ... إلى آخر ما هنالك، مما سيأتي، و غيره، مما يدل على عمقه، و دهائه، و حنكته، و سياسته ... و أن الفضل و غيره، ما كانوا إلا دمى له، يلهو و يلعب بها، و يحركها كيف شاء، و حيثما أراد ...

لو لا أنه شان ذلك كله ... بالقول بخلق القرآن (1)، و لم يل الخلافة من بني العباس أعلم منه ...» (2).

شهادة ذات أهمية:

و قد شهد له أبوه نفسه بالتقدم على أخيه الأمين؛ قال: «... و قد عنيت بتصحيح هذا العهد، و تصييره إلى من أرضى سيرته، و أحمد طريقته، و أثق بحسن سياسته، و آمن ضعفه و وهنه، و هو: عبد اللّه.

و بنو هاشم- يعني العباسيين- مائلون إلى محمد باهوائهم، و فيه ما فيه من الانقياد لهواه، و التصرف مع طويته، و التبذير لما حوته يده، و مشاركة النساء، و الاماء في رأيه. و عبد اللّه المرضي الطريقة، الأصيل الرأي، الموثوق به في الأمر العظيم؛ فإن ملت إلى عبد اللّه، أسخطت بني هاشم، و إن أفردت محمدا بالأمر، لم آمن تخليطه على الرعية ...» (3).

و قال أيضا: «إني لأعرف في عبد اللّه حزم المنصور، و نسك المهدي، و عزة الهادي، و لو شئت أن أنسبه إلى الرابع- يعني نفسه- لنسبته، و قد قدمت محمدا عليه، و إني لأعلم أنه منقاد لهواه، مبذر

ص: 152


1- قال القلقشندي في كتابه: مآثر الانافة في معالم الخلافة ج 1 ص 213: إنه قد طعن الناس!! على المأمون ثلاثة أشياء: الأول: القول بخلق القرآن!!. الثاني: التشيع، الثالث: بث علوم الفلاسفة بين المسلمين ... فتأمل، باللّه عليك بهذه الامور، التي عدوها من المطاعن، و بعد ذلك: فاضحك، أو فابك على عقول هؤلاء الجهلاء، الذين يسميهم الناس، أو يسمون أنفسهم علماء!!! و العلم من هؤلاء و أمثالهم بري ء ...
2- تاريخ الخلفاء ص 306، و فوات الوفيات ج 1 ص 239، و النجوم الزاهرة، و تاريخ الخميس ج 2 ص 334.
3- مروج الذهب طبع بيروت ج 3 ص 352، 353.

لما حوته يده، يشاركه في رأيه الاماء و النساء، و لو لا أم جعفر- يعني زبيدة- و ميل بني هاشم، لقدمت عبد اللّه عليه ...» (1). يعني في ولاية العهد.!.

ص: 153


1- راجع شرح قصيدة ابن عبدون لابن بدرون ص 245، و تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 307، و قريب منه ما في الأخبار الطوال ص 401، و الاتحاف بحب الأشراف ص 96، و تاريخ الخميس ج 2 ص 334. هذا ... و الرشيد هنا يدعي النسك للمهدي مع أن كتب التاريخ زاخرة بأخبار بذخه، و لهوه و لعبه؛ و يكفي أن نذكر هنا: أنه قد سلم الأمر ليعقوب بن داود، و انصرف إلى ملذاته و شهواته، حتى قال فيه بشار بن برد أبياته المشهورة: بني أميّة هبوا طال نومكم إن للخليفة يعقوب بن داود ضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسواخليفة اللّه بين الزق و العود فراجع: الفخري في الآداب السلطانية ص 184، 185، و تاريخ التمدن الاسلامي المجلد الأول جزء 2 ص 407، و البداية و النهاية، و أي كتاب تاريخي شئت ... هذا ... و لعل ما ينسب إليه من الزهد و الورع إنما كان بلحاظ ما قدمناه: من تسمية أبيه له ب «المهدي»؛ لكي يكون مهدي الامة الذي يملأ الأرض قسطا، و عدلا. و اخترع أحاديث كثيرة لتأييد مدعاه هذا ... و لكن الحقيقة هي ما قدمناه، من أنه لم يكن يقل في تهتكه و استهتاره عن غيره من الخلفاء؛ حتى لقد ذكر الطبري في تاريخه، طبع مطبعة الاستقامة ج 6 ص 405: أنه ألبس ابنته «البانوقة» لباس الفتيان، لتمشي في مقدمة الجند و القواد، و قد رفع القباء ثدييها الناهدين، و كانت سمراء، حسنة القد، حلوة، على حد تعبير الطبري ... فما ذا كان يقصد «المهدي المنتظر»!! من تصرفه هذا!!. فهل كان يريد بذلك أن يملأ الأرض قسطا و عدلا؟!! ... و لما ذا كان الزاهد الورع!! و «المهدي المنتظر» يعذب الناس بالسنانير و الزنابير؟، ليبتز منهم أموالهم، و يتخذ الاتهام بالزندقة ذريعة للقضاء على خصومه، كما قدمنا، و أيضا يثرب الخمر، و يسمع الغناء، حتى بلغ في ذلك حدا جعل يعقوب بن داود يلومه على ذلك، و يقول له: «ما على هذا استوزرتني، و لا على هذا صحبتك الخ ...». و في ذلك يقول بعض الشعراء، يعرض بيعقوب، و يحث المهدي على الاستمرار في ذلك على ما في البداية و النهاية ج 10 ص 148، 149- يقول في ذلك-: فدع عنك يعقوب بن داود جانباو اقبل على صهباء طيبة النشر و أخيرا ... فاننا لا نعرف أحدا يقول بأن المهدي العباسي، هو المهدي الموعود، إلا سلم الخاسر؛ فقد نقل ذلك عنه ابن المعتز في طبقات الشعراء ص 104، و يدل على ذلك قول الخاسر في قصيدة له يمدح بها المهدي العباسي على ما في الأغاني ج 21 ص 187، طبع دار الفكر: له شيم عند بذل العطاءلا يعرف الناس مقدارها و «مهدي امتنا» و الذي حماها و أدرك أوتارها و السيد الحميري أيضا ممن كان قد ظن أنه المهدي حقا لكن فعاله قد بينت: أنه ليس هو، و لذلك يقول السيد حسبما يروي المرزباني في أخبار السيد الحميري (المستدرك) ص 58: ظننا أنه «المهدي» حقاو لا تقع الامور كما ظننا و لا و اللّه، ما المهدي إلاإماما فضله أعلى و أسنى و لا بأس بالاشارة هنا إلى ما ذكروه، من أن سبب تسميته بالخاسر: أنه كان عنده مصحف؛ فباعه، و اشترى بثمنه طنبورا، فبقيت من ثمنه بقية، فاشترى بها خمرا!! ... فبورك من مهدي أتباعه أمثال هذا!! و بوركت امة تعترف بمهدي له تلكم الصفات!!.

و على كل حال ... فان كل من تعرض من المؤرخين و غيرهم، لشرح حال المأمون، قد شهد له بالتقدم، و بأنه رجل خلفاء بني العباس و واحدهم ...

و ما يهمنا هنا، هو مجرد الاشارة إلى حال المأمون، و ما كان عليه من الدهاء و السياسة، و حسن التدبير ... و لسنا هنا في صدد تحقيق أحواله، و الاحاطة بكافة شئونه؛ فان ذلك لا يناسب الغرض الذي وضع من أجله هذا الكتاب.

و سيمر معنا في الفصول الآتية المزيد من الكلام عن المأمون و ظروفه، مما له نحو ارتباط بالموضوع الذي نحن بصدد تحقيقه من قريب، أو من بعيد، إن شاء اللّه تعالى ...

ص: 154

آمال المأمون و آلامه

العباسيون لا يرضون بالمأمون!!

لا يشك المؤرخون بأن المأمون كان أجدر من الأمين، و أحق بالخلافة (1) ... بل لقد مر اعتراف الرشيد نفسه بذلك، لكنه اعتذر عن إسناده الأمر للأمين: بأن العباسيين، لا يرضون بالمأمون خليفة، و حاكما؛ رغم سنه و فضله و كياسته، و أنهم يرجحون أخاه الأمين عليه؛ قال الرشيد، حسبما تقدم: «و بنو هاشم مائلون إلى محمد بأهوائهم، و فيه ما فيه ... إلى أن قال: فان ملت إلى ابني عبد اللّه، أسخطت بني هاشم، و إن أفردت محمدا بالأمر، لم آمن تخليطه على الرعية الخ!!» و مر أيضا قول الرشيد: «... و لو لا أم جعفر، و ميل بني هاشم إليه (أي إلى الأمين) لقدمت عبد اللّه عليه ...».

كما أن المأمون نفسه يقول في رسالته للعباسيين، المذكورة في أواخر هذا الكتاب: «... و أما ما ذكرتم، مما مسكم من الجفاء في ولايتي؛ فلعمري ما كان ذلك إلا منكم: بمظافرتكم عليه، و مما يلتكم إياه

ص: 155


1- ليس المراد هنا: الجدارة الحقيقية، التي قررها اللّه، و بينها محمد صلّى اللّه عليه و آله، و إنما المراد الجدارة التي يفهمها هؤلاء، و اعتاضوا بها عن حكم اللّه، و سنة نبيه ...

(أي الأمين)؛ فلما قتلته، تفرقتم عباديد؛ فطورا أتباعا لابن أبي خالد، و طورا أتباعا لاعرابي، و طورا أتباعا لابن شكلة، ثم لكل من سل سيفا عليّ. و لو لا أن شيمتي العفو، و طبيعتي التجاوز، ما تركت على وجهها منكم أحدا؛ فكلكم حلال الدم الخ ...».

و سوف يأتي قول الفضل بن سهل للمأمون: «... و بنو أبيك معادون لك، و أهل بيتك الخ ...».

إلى آخر ما هنالك من النصوص الدالة على حقيقة الموقف السلبي للعباسيين ضد المأمون، و تفضيلهم أخاه الأمين عليه ...

سؤال قد تصعب الاجابة عليه:

فما هو السر يا ترى؟ في عدم رضا العباسيين بالمأمون؟! و لما ذا يفضلون أخاه الأمين عليه؟!! مع أنه هو الأليق و الأجدر و الأحق بالخلافة!!.

إن الإجابة على هذا السؤال ربما تبدو لأول وهلة صعبة، و شاقة.

و لكننا لن نستسلم لهذا الشعور، و لسوف نحاول الاجابة عليه، معتمدين على بعض ما بأيدينا من النصوص التاريخية، التي تلقي لنا ضوءا كاشفا على حقيقة القضية، و واقع الأمر: فنقول:

الجواب عن السؤال:

لعل سر انحراف العباسيين عن المأمون إلى أخيه الأمين يرجع إلى أن الأمين كان عباسيا، بكل ما لهذه الكلمة من معنى:

فأبوه: هارون ...

ص: 156

و أمه: «زبيدة»، حفيدة المنصور، هاشمية (1)، و التي لو نشرت شعرها، لما تعلقت- على ما قبل- (2) إلا بخليفة، أو ولي عهد، و التي كانت أعظم عباسية على الاطلاق ...

و كان في حجر الفضل بن يحيى البرمكي، أخي الرشيد من الرضاعة، و أعظم رجل نفوذا في بلاط الرشيد ...

و كان يشرف على مصالحه الفضل بن الربيع، العربي، الذي كان جده من طلقاء عثمان، و الذي لم يكن ثمة من شك في ولائه للعباسيين.

أما المأمون:

فقد كان في حجر جعفر بن يحيى، الذي كان أقل نفوذا من أخيه الفضل.

و كان مؤدبه، و الذي يشرف على مصالحه، ذلك الرجل الذي لم يكن العباسيون يرتاحون إليه بشكل خاص؛ لأنه كان متهما بالميل إلى العلويين. و الذي كانت العداوة بينه و بين مربي الأمين، الفضل بن الربيع على أشدها، ذلك الرجل الذي أصبح فيما بعد وزيرا للمأمون، و مدبرا لاموره، و أعني به: «الفضل بن سهل الفارسي»، و قد

ص: 157


1- و في الفخري في الآداب السلطانية ص 212، و مروج الذهب ج 3 ص 396، و النجوم الزاهرة ج 2 ص 159، و تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 303، و تاريخ اليعقوبي ج 3 ص 162: «أنه لم يتفق لخليفة عباسي أن يكون عباسي الأب و الام، غير الأمين» ... و لا بأس أيضا بمراجعة: مختصر التاريخ ص 130، و مآثر الانافة في معالم الخلافة ج 1 ص 203، و ابن بدرون في شرح قصيدة ابن عبدون ص 243، و زهر الآداب ج 2 ص 993، طبع دار الجيل.
2- تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 306.

مل العباسيون الفرس، و خافوهم؛ و لذا سرعان ما استبدلوهم بالأتراك و غيرهم ...

أما أم المأمون ... فقد كانت خراسانية غير عربية، و قد ماتت أيام نفاسها به، و حتى لو كانت على قيد الحياة، فإنها- و هي أشوه، و أقبح، و أقذر جارية في مطبخ الرشيد- لن تستطيع أن تكون مثل زبيدة عظمة، و نفوذا و لو قلنا إن موتها كان في مصلحة المأمون لما عدونا الحقيقة؛ كيف و قد بلغ من مهانتها- في نظر الناس- أن كان المأمون يعير بها ...

فهذه زينب بنت سليمان، التي كانت عند بني العباس بمنزلة عظيمة، عند ما لم يحضر المأمون جنازة ابنها، و اكتفى بارسال أخيه صالح من قبله، تغضب، و تقول لصالح: «قل له: يا ابن مراجل، أما لو كان يحيى بن الحسين بن زيد، لوضعت ذيلك على فيك، و عدوت خلف جنازته ...» (1).

و الرقاشي الشاعر يمدح الأمين، و يعرض بهجاء المأمون، فيقول:

لم تلده أمة تعرف في السوق التجارالا و لا حد، و لا خان، و لا في الخزي جارا (2) يعرض بالمأمون، و أن أمه كانت أمة تباع، و تشرى في الأسواق ...

بل إن نفس الأمين قد عير أخاه بأمه، فقال:

و إذا تطاولت الرجال بفضلهافاربع فانك لست بالمتطاول 2.

ص: 158


1- الكامل لابن الأثير، طبع دار الكتاب العربي ج 5 ص 230، و الامام الصادق و المذاهب الأربعة المجلد الثاني جزء 4 ص 493.
2- المعارف لابن قتيبة، طبع سنة 1300، و الفخري في الآداب السلطانية ص 212.

أعطاك ربك ما هويت و إنماتلقى خلاف هواك عند «مراجل»

تعلو المنابر كل يوم آملاما لست من بعدي إليه بواصل (1) و قد أقذع في هجائه، حين كتب إليه أيام الفتنة بينهما بقوله:

يا بن التي بيعت بأبخس قيمةبين الملا في السوق هل من زائد

ما فيك موضع غرزة من ابره إلا و فيه نطفة من واحد فأجابه المأمون:

و إنما أمهات الناس أوعيةمستودعات و للّأماء أكفاء

فرب معربة ليست بمنجبةو طالما أنجبت في الخدر عجماء (2) و أخيرا ... فإن خير ما يصور لنا الحالة المعنوية التي كان يعاني منها المأمون، هو قول دعبل مخاطبا له:

إني من القوم الذين سيوفهم قتلت أخاك، و شرفتك بمقعد

شادوا بذكرك بعد طول خموله و استنقذوك من الحضيض الأوهد (3)

مركز الأمين هو الأقوى:

و بعد كل ما تقدم، فإن ما لا بد لنا من الاشارة إليه هنا، هو:

ص: 159


1- تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 304.
2- غاية المرام في محاسن بغداد دار السلام للعمري الموصلي ص 121.
3- معاهد التنصيص ج 1 ص 202، و وفيات الأعيان، طبع سنة 1310 ه. ج 1 ص 179، و تاريخ الخلفاء ص 324، و الشعر و الشعراء ص 539، 540، و الغدير ج 2 ص 376، و العقد الفريد، طبع دار الكتاب العربي ج 2 ص 196، و تاريخ التمدن الاسلامي، المجلد الثاني جزء 3 ص 115، و زهر الآداب طبع دار الجيل ج 1 ص 134 و الكنى و الألقاب ج 1 ص 331 و ربيع الابرار ج 1 ص 743.

قوة مركز الأمين، بالنسبة إلى أخيه المأمون؛ حيث قد كان للأمين حزب قوي جدا، و أنصار يستطيع أن يعتمد عليهم، يعملون من أجله، و في سبيل تأمين السلطة له، و هم: أخواله، و الفضل بن يحيى البرمكي، و أكثر البرامكة، إن لم يكن كلهم، و أمه: زبيدة، بل و العرب أيضا، كما سيأتي ...

و إذا ما عرفنا أن هؤلاء هم الذين كانوا يؤثرون على الرشيد كل التأثير، و كان لهم دور كبير في توجيه سياسة الدولة ... فلسوف نرى أنه كان من الطبيعي أن يضعف الرشيد أمام هذه القوة، و ينصاع لها، و من ثم ... لتؤثر مساعيها أثرها، و تعطي نتيجتها في الوقت المناسب؛ فيجعل ولاية العهد من بعده لولده الأصغر سنا، و هو الأمين، و يترك الأكبر- المأمون-، ليكون ولي العهد الثاني بعد الأصغر ...

و لعل تعصب بني هاشم، و جلالة عيسى بن جعفر قد لعبا دورا كبيرا في فوز الأمين بالمركز الأول في ولاية عهد أبيه الرشيد (1). هذا عدا عن الدور الرئيسي، الذي لعبته «زبيدة» في تكريس الأمر لصالح ولدها (2).

فيحدثنا المؤرخون: أن عيسى بن جعفر بن المنصور، خال الأمين جاء إلى الفضل بن يحيى، و هو متوجه إلى خراسان على رأس جيش، و قال له: «انشدك اللّه، لما عملت بالبيعة لابن أختي؛ فإنه ولدك، و خلافته لك، و إن أختي زبيدة تسألك ذلك ... فوعده الفضل أن يفعل، و عند ما انتصر على الخارجين هناك، بايع هو و من معه من القواد و الجند لمحمد (3)،8.

ص: 160


1- ابن بدرون في شرح قصيدة ابن عبدون ص 245، و الإتحاف بحب الاشراف ص 96.
2- زهر الآداب طبع دار الجيل ج 2 ص 581.
3- راجع تفصيل ذلك في: الطبري ج 10 ص 611، و النجوم الزاهرة ج 2 ص 76، و الكامل لابن الأثير ج 5 ص 88، و أشار إلى ذلك أيضا ابن خلدون في تاريخه ج 3 ص 218.

رغم أن المأمون كان أسن من الأمين بستة أشهر، و على أقل الأقوال بشهر واحد ...

و أصبح الرشيد حينئذ أمام الأمر الواقع، حيث إن الذي أقدم على هذا الأمر، هو ذلك الرجل، الذي لا يمكن رد كلمته، و الذي له من النفوذ و السلطان، و الخدمات الجلى، و الأيادي البيضاء عليه، ما لا يمكن له، و لا لأحد غيره أن يجحده أو أن يتجاهله ...

و يلاحظ هنا: أن عيسى بن جعفر قد ذكر أن أخته زبيدة، تسأله أن يقدم على هذا الأمر، و زبيدة التي تحظى باحترام كبير عند العباسيين، و لها نفوذ واسع، و تأثير كبير على الرشيد- زبيدة هذه- يهتم البرامكة جدا بأن تكون معهم، و إلى جانبهم؛ و ذلك ليبقى لهم سلطانهم، و يدوم لهم حكمهم، الذي أشار إليه عيسى بقوله: «فانه ولدك، و خلافته لك» فإن في هذا القول دليلا واضحا للفضل على سلامة و صحة ما يقدم عليه بالنسبة لمصالحه هو، و مصالح البرامكة بشكل عام، و بالنسبة لدورهم في مستقبل الخلافة العباسية ... و هو في الحقيقة يشتمل على إغراء و ترغيب واضح بالعمل لهذا الأمر، و في سبيله ...

كما أن قول عيسى الآنف الذكر يلقي لنا ضوءا على الدور الذي لعبته زبيدة في مسألة البيعة لولدها بولاية العهد ... فهو يشير إلى أنها كانت قد استخدمت نفوذها في اقناع رجال الدولة بتقديم ولدها ... هذا بالاضافة إلى أنها كانت تحرض الرشيد على ذلك باستمرار (1)، حتى لقد صرح الرشيد نفسه بأنه: «لو لا أم جعفر و ميل بني هاشم لقدم عبد اللّه على محمد، كما أشرنا إليه» ...

قال محمد فريد و جدي مشيرا إلى أن الرشيد لم يكن يريد جرح عاطفة0.

ص: 161


1- النجوم الزاهرة ج 2 ص 81، و تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 290.

زبيدة: «كانت ولاية الأمين بعهد من أبيه، قدمه على إخوته لمكان والدته. و كان الأحق بالتقديم المأمون لعلمه و فضله و سنه ...» (1).

و بعد ... فإننا لا نستبعد أنها كانت بالاضافة إلى ذلك قد استخدمت أموالها، من أجل ضمان ولاية العهد لولدها الأمين، و لعل مما يشير إلى ذلك قول الفضل بن سهل للمأمون: «و هو ابن زبيدة، و أخواله بنو هاشم، و زبيدة و أموالها ...» ...

و أخيرا ... فإنّ من المحتمل جدا أن يكون الرشيد- بملاحظة الدور الذي كانت تلعبه الأنساب في التفكير العربي- قد لاحظ سمو نسب الأمين على المأمون، و كان لذلك أثر في تقديمه له عليه، و قد ألمح بعض المؤرخين إلى ذلك فقال: «و فيها (أي في سنة 176 ه) عقد الرشيد لابنه المأمون عبد اللّه العهد بعد أخيه الأمين ... إلى أن قال:

و كان المأمون أسن من الأمين بشهر واحد، غير أن الأمين أمه زبيدة بنت جعفر هاشمية، و المأمون أمه أم ولد اسمها «مراجل» ماتت أيام نفاسها به ...» (2).

محاولات الرشيد لصالح المأمون:

و من كل ما تقدم يتضح لنا حقيقة موقف العباسيين، و أهل بيت المأمون، و رجال الدولة من المأمون ... و يظهر إلى أي حد كان مركز أخيه قويا، و نجمه عاليا، و أنه لم يكن له مثل ذلك الحظ الذي كان لأخيه الأمين.

ص: 162


1- دائرة المعارف الاسلامية ج 1 ص 606.
2- النجوم الزاهرة ج 2 ص 84، و قريب منه ما في تاريخ الخلفاء للسيوطي.

إلا أن أباه الرشيد، الذي كان يدرك حقيقة الموقف كل الادراك، قد حاول أن يضمن له نصيبه من الخلافة، فجعله ولي العهد بعد أخيه الأمين، و كتب بذلك العهود و المواثيق، و أشهد عليها، و علقها في جوف الكعبة، و لا نعلم خليفة، قبله و لا بعده فعل ذلك مع أولياء عهده، من أولاده أو من غيرهم، رغم أن غيره من الخلفاء قد أخذوا البيعة لأكثر من واحد بعدهم.

كما أنه قد حاول بطرق شتى أن يشد من عضد المأمون، و يقوي مركزه في مقابل أخيه الأمين؛ لأنه كان يخاف منه على أخيه المأمون؛ فنراه يجدد أخذ البيعة للمأمون أكثر من مرة، و يوليه الحرب، و يولي أخاه السلم (1) و يهب المأمون كل ما في العسكر من كراع و سلاح، و يأمر الفضل بن الربيع، الذي كان يعرف أنه سوف يتآمر مع الأمين- يأمره- بالبقاء مع المأمون في خراسان. إلى غير ذلك من مواقفه، التي لا نرى حاجة لتتبعها و استقصائها.

مركز المأمون ظل في خطر:

و لكن رغم كل محاولات الرشيد فقد ظل مركز المأمون في خطر و الكل كان يشعر بذلك، و كيف لا يعرف الجميع ذلك، و لا يشعرون به، و هم يرون الأمين يصرح بعد أن أعطى العهود و المواثيق، و حلف الايمان، بأنه: كان يضمر الخيانة لأخيه المأمون (2).

لقد كان الكثيرون يرون بأن هذا الأمر لا يتم، و أن الرشيد قد أسس العداء و الفرقة بين أولاده، «و ألقى بأسهم بينهم، و عاقبة ما صنع

ص: 163


1- مروج الذهب ج 3 ص 353، و الطبري حوادث سنة 186 ه.
2- الوزراء و الكتاب ص 222.

في ذلك مخوفة على الرعية»، و قالت الشعراء في ذلك الشي ء الكثير.

و من ذلك قول بعضهم:

أقول لغمة في النفس مني و دمع العين يطرد اطرادا

خذي للهول عدته بحزم ستلقي ما سيمنعك الرقادا

فإنك إن بقيت رأيت أمرايطيل لك الكآبة و السهادا

رأى الملك المهذب شر رأي بقسمته الخلافة و البلادا

رأى ما لو تعقبه بعلم لبيض من مفارقه السوادا

أراد به ليقطع عن بنيه خلافهم و يبتذلوا الودادا

فقد غرس العداوة غير آل و أورث شمل الفتهم بدادا

و القح بينهم حربا عواناو سلس لاجتنابهم القيادا

فويل للرعية عن قليل لقد أهدى لها الكرب الشدادا

و ألبسها بلاء غير فان و ألزمها التضعضع و الفسادا

ستجري من دمائهم بحورزواخر لا يرون لها نفادا

فوزر بلائهم أبدا عليه أ غيا كان ذلك أم رشادا (1)

و المأمون و حزبه كانوا يدركون ذلك:

و بعد ... فإنه من الطبيعي جدا أن نرى أن المأمون و حزبه كانوا يدركون أن مركز المأمون كان في خطر، و أن الأمين كان ينوي الخيانة لأخيه. و لقد رأينا الفضل بن سهل عند ما عزم الرشيد على الذهاب إلى خراسان، و أمر المأمون بالمقام في بغداد- رأيناه- يقول للمأمون:

«لست تدري ما يحدث بالرشيد، و خراسان ولايتك، و الأمين مقدم عليك. و إن أحسن ما يصنع بك أن يخلعك؛ و هو ابن زبيدة، و أخواله

ص: 164


1- الطبري حوادث سنة 186 ه.

بنو هاشم، و زبيدة، و أموالها ...» (1) ... و تقدم أيضا قوله له: إن أهل بيته و بني أبيه، و العرب معادون له ...

و الرشيد أيضا كان في قلق:

بل لقد صرح الرشيد نفسه بأنه كان يخشى من الأمين على المأمون؛ فإنه قال لزبيدة، عند ما عاتبته على اعطائه الكراع و السلاح للمأمون:

«إنا نتخوف ابنك على عبد اللّه، و لا نتخوف عبد اللّه على ابنك إن بويع ...» (2).

هذا بالاضافة إلى تصريحات الرشيد السابقة، و التي لا نرى حاجة إلى اعادتها ...

و لقد قال الرشيد، عند ما بلغه ما يتهدد به محمد الأمين:

محمد لا تظلم أخاك فإنه عليك يعود البغي إن كنت باغيا

و لا تعجلن الدهر فيه فإنه إذا مال بالأقوام لم يبق باقيا (3) و مهما يكن من أمر، فان الحقيقة التي لا يمكن الجدال فيها، هي أن الرشيد كان في قضية ولاية العهد مغلوبا على أمره، من مختلف الجهات ...

و كان يشعر أن ما أبرمه سوف يكون عرضة للانتقاض بين لحظة و أخرى، و كم كان يؤلمه شعوره هذا، و يحز في نفسه ... حتى لقد ترجم مشاعره هذه شعرا فقال:

ص: 165


1- تاريخ ابن خلدون ج 3 ص 229، و النجوم الزاهرة ج 2 ص 102، و الكامل لابن الأثير، طبعة ثالثة ج 5 ص 127، و الوزراء و الكتاب ص 266.
2- مروج الذهب ج 3 ص 353. و لعله إنما فعل ذلك أيضا، من أجل أن يطيب خاطر المأمون، و يذهب ما في نفسه- و هو الأفضل، و الأكبر سنا من أخيه- من غل و حقد و ضغينة ...
3- ابن بدرون في شرح قصيدة ابن عبدون ص 245، و فوات الوفيات ج 2 ص 269.

لقد بان وجه الرأي لي غير أنني غلبت على الأمر الذي كان أحزما

و كيف يرد الدّرّ في الضرع بعد ماتوزع حتى صار نهبا مقسما

أخاف التواء الأمر بعد استوائه و أن ينقض الحبل الذي كان أبرما (1)

على من يعتمد المأمون؟

و هكذا ... و إذا كان أبوه قد استطاع أن يضمن له المركز الثاني بعد أخيه الأمين، و إذا كان ذلك لا يكفي لأن يجعل المأمون يطمئن إلى مستقبله في الحكم، و أن يأمن أخاه و بني أبيه العباسيين، أن لا يحلوا العقدة، و ينكثوا العهد؛ فهل يستطيع المأمون أن يعتمد على غيرهم، لو تعرض مركزه و وجوده للتهديد في وقت ما؟!. و من هم أولئك الذين يستطيع أن يعتمد عليهم؟! و كيف؟ ... و ما هو موقفهم فعلا منه؟! و كيف يستطيع أن يصل الى الحكم، و السلطان؟! و من ثم ...

كيف يستطيع أن يحتفظ به، و يقوي من دعائمه؟! إن نظرة شاملة على الفئات الاخرى في تلك الفترة من الزمن، لكفيلة بأن تظهر لنا أنه لم يبق أمام المأمون غير العلويين، و العرب، و الايرانيين ...

فما هو موقف هؤلاء منه، و أي الفئات تلك هي التي يستطيع أن يعتمد عليها؟. و كيف يستطيع أن يغير ماجريات الامور لتكون في صالحه، و على وفق مراده؟! ...

هذا هو السؤال الذي لا بد للمأمون من أن يضع الحل و الاجابة عليه، بكل دقة و وعي و إدراك، و أن يتحرك من ثم على وفق تلك الاجابة،

ص: 166


1- ابن بدرون أيضا ص 245، و زهر الآداب، طبع دار الجيل ج 2 ص 581، و فوات الوفيات ج 2 ص 269.

و على مقتضى ذلك الحل ... و لنلق أولا نظرة سريعة على مواقف كل من هؤلاء من المأمون، و لنخلص من ثم إلى معرفة الفئة التي يستطيع المأمون أن يعتمد عليها في مواجهة الأخطار و التحديات، التي تنتظره، و تنتظر نظام حكمه، بصورة عامة ... فنقول:

موقف العلويين من المأمون:

أما العلويون ... فإنهم- بالطبع- لن يرضوا بالمأمون- كما لن يرضوا بغيره من العباسيين، خليفة و حاكما لأن من بينهم من هو أجدر من كل العباسيين، و أحق بهذا الأمر، و لأن المأمون، و غيره، كانوا من تلك السلالة، التي لا يمكن أن تصفو لها قلوب آل علي؛ لأنها قد فعلت بهم أكثر من فعل بني أمية معهم، كما تقدم ... فقد سفكت دماءهم، و سلبتهم أموالهم، و شردتهم عن ديارهم، و أذاقتهم شتى صنوف العذاب و الاضطهاد ... و يكفي المأمون عندهم: أنه ابن الرشيد، الذي حصد شجرة النبوة، و اجتث غرس الإمامة، و الذي قد عرفت طرفا من سيرته السيئة معهم فيما تقدم من الفصول ...

موقف العرب من المأمون، و نظام حكمه:

و أما العرب: فإنهم لا يرضون بالمأمون خليفة و حاكما أيضا، كما أشار إليه الفضل بن سهل فيما تقدم ...

أما أولا: فلأن أمه، و مؤدبه، و القائم بأمره، غير عربيين.

و لقد عانى العرب ما اللّه أعلم به، من تقديم أسلافه للموالي، حتى لم يعد لهم معهم أي شأن يذكر، و أصبح العربي أذل من نعجة، و أحقر من الحيوان ...

قال المسعودي: «... و كان (أي المنصور) أول خليفة استعمل

ص: 167

مواليه و غلمانه في أعماله، و صرفهم في مهماته، و قدمهم على العرب؛ فامتثل ذلك الخلفاء من بعده، من ولده، فسقطت، و بادت العرب، و زالت رئاستها، و ذهبت مراتبها ...» (1).

و قال ابن حزم، و هو يتحدث عن العباسيين: «... فكانت دولتهم أعجمية، سقطت فيها دواوين العرب، و غلبت عجم خراسان على الأمر، و عاد الأمر كسرويا، إلا أنهم لم يعلنوا بسبب أحد من الصحابة رضوان اللّه عليهم ... و افترقت في دولة بني العباس كلمة المسلمين (2) ...».

و يقول الجاحظ: «... دولة بني العباس أعجمية، خراسانية، و دولة بني مروان عربية (3) ...».

إلى آخر ما هنالك، مما يدل على سقوط العرب في تلك الفترة، و امتهانهم. و يبدو أن ذلك من المسلمات. و قد استوفى الباحثون- و منهم أحمد أمين، في الجزء الأول من ضحى الاسلام- البحث في هذا الموضوع؛ فمن أراد فليراجع مظان وجوده ...

و إذا ما عرفنا: أن من الطبيعي أن يكون ذهاب رئاسة العرب، و إبادتها، و اضطهادها على يد الفرس، الذين كانوا هم أصحاب القدرة و السلطان آنذاك ... فلسوف نجد أن من الطبيعي أن يحقد العرب، الذين كانوا في وقت ما هم أصحاب الجبروت و القوة، على الفرس، و على كل من يتصل بهم، و يمت إليهم بسبب؛ من قريب أو من بعيد ...6.

ص: 168


1- مروج الذهب، طبع بيروت ج 4 ص 223، و تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 24، و ص 269، 270، و ص 258، و في طبيعة الدعوة العباسية ص 279، نقلا عن المقريزي في: السلوك لمعرفة دول الملوك ج 1 ص 14 مثل ذلك. و ليراجع أيضا كتاب: مشاكلة الناس لزمانهم لليعقوبي ص 23.
2- البيان المغرب، طبع صادر ص 71.
3- البيان و التبيين ج 3 ص 366.

و أما ثانيا: فلسيرة أسلافه، و أبيه الرشيد بالخصوص، في الناس عامة، و مع أهل بيت نبيهم خاصة، و التي قدمنا شطرا منها في الفصول التي سبقت.

أما الأمين: فقد كان له- إلى حدّ ما- شافع عندهم؛ حيث إنه كان من أب و أم عربيين من جهة. و كان قد منحهم ثقته و حبه، و قربهم إليه، حتى كان وزيره الفضل بن الربيع منهم ... من جهة ثانية؛ فتوسموا فيه أن يجعل لهم، شأنا و أن ينظر إليهم بغير العين، التي كان أبوه و أسلافه ينظرون إليهم بها. أو على الأقل: سوف لا تكون نظرته إليهم، على حد نظرة المأمون نحوهم. و ذلك ما يجعلهم يرجحونه- على الأقل- على أخيه المأمون، و إن كان المأمون أفضل، و أسن منه؛ فلقد كان عليهم أن يختاروا أهون الشرين، و أقل الضررين ...

حتى إن نصر بن شبث، الذي كان هواه مع العباسيين، لم يقم بثورته ضد المأمون، التي بدأت سنة 198 ه. و استمرت حتى سنة 210 ه. إلا انتصارا للعرب، و محاماة عنهم؛ لأن العباسيين كانوا يفضلون عليهم العجم، حسب تصريحات نصر بن شبث نفسه (1).

و حتى في مصر أيضا، قد ثارت الفتن بين القيسية، المناصرة للأمين، و اليمانية المناصرة للمأمون ...

و قال أحمد أمين: «... إن أغلب الفرس تعصب للمأمون، و أغلب العرب تعصبوا للأمين ...» (2).

كما أننا نكاد لا نشك في أن تعصب العرب للأمين ليس إلا للسببين المتقدمين، الذين أشرنا إليهما، و أشار إلى أحدهما نصر بن شبث ...3.

ص: 169


1- التاريخ الاسلامي و الحضارة الاسلامية ج 3 ص 104.
2- ضحى الاسلام ج 1 ص 43.

و لكن فردينان توتل يرى في منجد الاعلام: أن تعصب العرب للأمين يرجع إلى أن: «المأمون لم يستطع أن يجعل العرب يحبونه؛ حيث إنه كان يظهر ميلا للايرانيين، و يقربهم إليه. و قد أعانه الايرانيون في مبارزاته، و حروبه، و خصوصا الخراسانيين منهم ...».

و لكن الذي يبدو لي هو أن تعصب العرب للأمين لم يكن نتيجة تقريب المأمون للايرانيين، و تحببه للخراسانيين، و انما عكس ذلك هو الصحيح؛ فإن المأمون لم يتقرب من الخراسانيين إلا بعد أن فرغت يده من العرب، و أهل بيته، و العلويين ...

لا بد من اختيار خراسان:

و بعد أن فرغت يد المأمون من بني أبيه، و البرامكة (1)، و العرب، و العلويين، اضطر أن يلتجئ إلى جهات أخرى لتمد له يد العون و المساعدة، و تكون سلما لأغراضه، و اداة لتحقيق أهدافه و مآربه ...

و لم يبق أمامه غير خراسان؛ فاختارها، كما اختارها محمد بن علي العباسي من قبل. فأظهر لهم الميل و الحب، و تقرب إليهم، و قربهم إليه، و أراهم: أنه محب لما و لمن يحبون، و كاره لما و لمن يكرهون. حتى إنه عند ما علم منهم الميل إلى العلويين، و التشيع لهم، أظهر هو بدوره أنه محب للعلويين، و متشيع لهم ...

كما أنه كان من جهة ثانية قد قطع لهم على نفسه الوعود و العهود، بأن يرفع

ص: 170


1- ذكرنا للبرامكة هنا ليس عفويا؛ فان محط نظرنا يشمل حتى الأيام الاولى، التي فتح بها المأمون عينيه، و عرف واقعه، و أدرك الأخطار، التي تتهدده، و تتهدد مستقبله في الخلافة مع أخيه الأمين؛ فلا يرد علينا: أن البرامكة قد نكبهم الرشيد قبل خلافة المأمون بزمان ... مضافا إلى الدور الكبير الذي لعبه البرامكة في تقديم أخيه الأمين عليه، حسبما قدمنا ...

الظلم و الحيف عنهم، و يرد عنهم الكيد، الأمر الذي جعلهم يثقون به، و يطمئنون إليه، و يعلقون كل آمالهم عليه ...

تشيع الايرانيين:

هذا ... و ليس تشيع (1) الايرانيين بالأمر الذي يحتاج إلى اثبات، بعد أن تقدم معنا: أن دولة العباسيين ما قامت إلا على أساس الدعوة للعلويين، و أهل البيت ... و بعد أن رأينا الخراسانيين يظهرون النياحة على «يحيى بن زيد» سبعة أيام، و كل مولود ولد في خراسان في سنة قتل يحيى سمي ب «يحيى» (2) ... بل يذكر البلاذري: أنه لما استشار المنصور عيسى بن موسى في أمر محمد و ابراهيم ابني عبد اللّه بن الحسن، فأشار عليه بأن يولي المدينة رجلا خراسانيا، قال له المنصور: «يا أبا موسى إن محبة آل أبي طالب في قلوب أهل خراسان ممتزجة بمحبتنا، و إن و ليت أمرها رجلا من أهل خراسان حالت محبته لهما بينه و بين طلبهما، و الفحص عنهما، و لكن أهل الشام قاتلوا عليا على أن لا يتأمر عليهم لبغضهم إياه الخ ...» (3).

و قد تقدم معنا: كيف وصف المؤرخون ما جرى في نيشابور، حين دخلها الإمام الرضا، و سيأتي في فصل: خطة الإمام، وصف ما جرى في مرو حينما خرج الإمام ليصلي بالناس ... و لقد عرفنا أيضا: كيف فرق الإمام الرضا الناس عن المأمون. عند ما أرادوا قتله، انتقاما للفضل بن سهل ...

ص: 171


1- قد تقدم منا ما نقصده بكلمة «التشيع» في هذا الكتاب؛ فلا نعيد.
2- مروج الذهب ج 3 ص 213، و شرح ميمية أبي فراس ص 157، و ليراجع أيضا نزهة الجليس ج 1 ص 316؛ فان فيه ما يشير إلى ذلك ...
3- أنساب الأشراف للبلاذري ج 3 ص 115.

بل لقد بلغ من حب الايرانيين لأهل البيت أن المأمون كان يخشى على نفسه أن يقتلوه، لو أنه أراد أن يرجع عن البيعة للامام الرضا بولاية العهد (1).

و يقول جرجي زيدان: «و كان الخراسانيون، و من والاهم من أهل طبرستان و الديلم، قبل قيام الدولة العباسية، من شيعة علي؛ و إنما بايعوا للعباسيين مجاراة لأبي مسلم أو خوفا منه ...» (2).

و قال أحمد أمين: «... إن الفرس يجري في عروقهم التشيع ...» (3).

و يقول الدكتور الشيبي: «... إن الفرس قد عادوا إلى التشيع، بعد أن نزلت بهم ضربة السفاح أولا، ثم المنصور، ثم الرشيد ...» (4).

و يقول أحمد شلبي: «... إنه ربما كان سبب أخذ المأمون للرضا العهد، هو أنه يريد أن يحقق آمال الخراسانيين، الذين كانوا إلى أولاد علي أميل ...» (5).

ما هو سرّ تشيّع الايرانيين؟

يقول السيد أمير علي، و هو يتحدث عن سر ارتباط الفرس بقضية بني فاطمة: «... و قد أظهر الامام علي منذ بداية الدعوة الاسلامية

ص: 172


1- تاريخ التمدن الاسلامي المجلد الثاني، جزء 4 ص 440.
2- نفس المصدر و المجلد، و الجزء ص 232. و لا يهمنا هنا مناقشة جرجي زيدان فيما جعله سببا لبيعتهم للعباسيين، و لعل ما قدمناه في فصل: قيام الدولة العباسية كاف في ذلك ...
3- ضحى الاسلام ج 3 ص 295.
4- الصلة بين التصوف و التشيع ص 101.
5- التاريخ الاسلامي و الحضارة الاسلامية ج 3 ص 107.

كل تقدير، و مودة نحو الفرس، الذين اعتنقوا الاسلام. لقد كان سلمان الفارسي، و هو أحد مشاهير أصحاب الرسول، رفيق علي و صديقه، و كان من عادة الإمام أن يخصص نصيبه «النقدي» في الانفال لافتداء الأسرى. و كثيرا ما أقنع الخليفة عمر بمشورته؛ فعمد إلى تخفيف عب ء الرعية في فارس. و هكذا كان ولاء الفرس لأحفاده واضحا تمام الوضوح ...» (1).

و يرى فان فلوتن: ان من أسباب ميل الخراسانيين، و غيرهم من الايرانيين للعلويين، هو أنهم لم يعاملوا معاملة حسنة، و لا رأوا عدلا إلا في زمن حكم الإمام علي (ع) (2) ...

أما الاستاذ علي غفوري فيرى (3): أن الايرانيين كانوا قبل الاسلام يعاملون بمنطق: أن الناس قد خلقوا لخدمة الطبقة الحاكمة، و أن عليهم أن ينفذوا الأوامر من دون: كيف؟ و لما ذا؟. فجاء الإسلام بتعاليمه الفطرية السهلة السمحاء؛ فاعتنقوه بكل رضى و أمل، و بدأ جهادهم في سبيل اقامة حكومة اسلامية حقيقية.

و بما أن أولئك الذين تسلموا زمام الامور- باستثناء الإمام علي طبعا- كانوا منحرفين [المقصود هنا بالطبع هو خلفاء الامويين] عن الاسلام، و تعاليمه، و يحاولون تلبيس عاداتهم الجاهلية، حتى التمييز القبلي، و العرقي بلباس الاسلام، و اعطائها صفة القانونية و الشرعية ...

فان الايرانيين لم يجدوا أهداف الاسلام، و تعاليمه في تلك الحكومات؛ و لهذا كان من الطبيعي أن يتوجهوا إلى علي، و الأئمة من ولده، الذين تعدى الآخرون على حقوقهم بالخلافة، و الذين كان سلوكهم المثالي هو».

ص: 173


1- روح الاسلام ص 306.
2- السيادة العربية و الشيعة و الاسرائيليات ...
3- يادبود هشتمين امام «فارسي».

المرآة الصافية، التي تنعكس عليها تعاليم الإسلام و أهدافه، و يمثلون الصورة الحقيقية للاسلام على مدى التاريخ، و كان صدى علمهم، و زهدهم، و استقامتهم يطبق الخافقين، و خصوصا الصادق و الرضا، الذي اهتبل و الفرصة إبان الخلاف بين الأمين و المأمون لنشر تعاليم الإسلام، و تعريف الناس على الحقائق، التي شاء الآخرون أن لا يعرفها أحد.

لكن لم يكن يروق للقوى الحاكمة، أن تظهر تلك الوجوه الطاهرة على الصعيد العام، و تتعرف عليها الامة الإسلامية، و على فضائلها، و كمالاتها؛ لأن الناس حينئذ سوف يدركون الواقع المزري لأولئك الحكام، و المتزلفين لهم. و الذين كانوا يتحكمون بمقدرات الامة، و امكاناتها؛ و إذا أدركوا ذلك فان من الطبيعي أن لا يترددوا في تأييد الأئمة، و مساعدة أية نهضة، أو ثورة من قبلهم؛ و لهذا فقد جهد الحكام في أن يزووهم و يبعدوهم ما أمكنهم عن الناس، و وضعوهم تحت الرقابة الشديدة، و في أحيان كثيرة في غياهب السجون ... حتى إذا ما سنحت لهم فرصة، تخلصوا منهم بالطريقة التي كانوا يرون أنها لا تثير الكثير من الشكوك و الظنون ...

عود على بدء:

و على كل حال ... فان ما يهمنا هنا هو مجرد الاشارة إلى تشيّع الايرانيين، الذي حاول المأمون أن يستغله لمصالحه و أهدافه ... حيث قد أثمرت و عود المأمون للخراسانيين، و تحببه لهم، و تقربه منهم، و تظاهره بالحب لعلي (ع) و ذريته، الثمار المرجوة منها؛ لأن الخراسانيين كانوا يريدون التخلص من أولئك الحكام الذين انقلبوا عليهم يقتلون، و يضطهدون كل من عرفوه مواليا لأهل البيت محبا لهم، ابتداء من المنصور، بل السفاح، و انتهاء بالرشيد، الذي لم يستطع يحيى بن خالد البرمكي أن

ص: 174

يسمع لعلوي ذكرا في خراسان في زمانه ... رغم أنه جهد كل الجهد من أجل ذلك، و في سبيله، حسبما تقدم ...

كما أنهم- أعني الخراسانيين- قد توسموا في المأمون أن يكون المنقذ لهم من أولئك الولاة، الذين ساموهم شتى ضروب العسف، و الظلم و العذاب. و الذين لم يكن يهمهم غير مصالحهم، و ارضاء شهواتهم و ملذاتهم، يعلم ذلك بأدنى مراجعة للتأريخ ...

قد وثقوا إلى حد ما بوعود المأمون تلك، التي كان يغدقها عليهم، و على غيرهم بدون حساب، و أمنوا جانبه؛ فكانوا جنده، و قواده، و وزراءه المخلصين، الذين اخضعوا له البلاد، و أذلوا له العباد، و بسطوا نفوذه و سلطانه على كثير من الولايات و الأمصار، التي كان يطمح إلى الوصول إليها، و السيطرة عليها ...

كيف يثق العرب بالمأمون؟!

و هكذا إذن ... يتضح أن ميل المأمون للايرانيين ما كان إلا دهاء منه و سياسة، استغلها المأمون أحسن ما يكون الاستغلال، حتى استطاع أن يصل إلى الحكم، و يتربع على عرش الخلافة، بعد أن قتل أخاه العزيز على العباسيين و العرب، و قضى على اشياعه بسيوف غير العرب، و ذلك ذنب آخر لن يسهل على العرب الاغضاء عنه أو غفرانه.

ثم ولى على بغداد رجلا غير عربي، هو الحسن بن سهل، أخو الفضل بن سهل، الذي تكرهه بغداد و العرب كل الكره ...

ثم إنه بعد هذا كله جعل مقر حكمه مروا الفارسية، و ليس بغداد العاصمة العربية الاولى التي خربها و دمرها ... و كان ذلك من شأنه أن يثير المخاوف لدى العرب في أن تتحول الإمبراطورية العربية إلى امبراطورية

ص: 175

فارسية، و خصوصا إذا لاحظنا: أن الفرس هم الذين أوصلوا المأمون إلى الحكم ... و قد اثبتوا جدارتهم، و أهليتهم في مختلف المجالات، و خصوصا السياسة، و شئون الحكم.

قتل الأمين و خيبة الأمل:

و إن قتل الأمين، و إن كان يمثل- في ظاهره- انتصارا عسكريا للمأمون إلا أنه كان في الحقيقة ذا نتائج سلبية و عكسية بالنسبة للمأمون، و أهدافه، و مخططاته ... سيما بملاحظة الأساليب التي اتبعها المأمون للتشفي من أخيه الأمين، الذي كان قد أصدر الأمر لطاهر بالأمس بأن يقتله (1) ... حيث رأيناه قد أعطى الذي جاءه برأس أخيه- بعد أن سجد للّه شكرا!!- ألف ألف «أي مليون» درهم (2) ... ثم أمر بنصب رأس أخيه على خشبة في صحن الدار، و أمر كل من قبض رزقه أن يلعنه؛ فكان الرجل يقبض، و يلعن الرأس، و لم ينزله حتى جاء رجل فلعن الرأس، و لعن والديه، و ما ولدا، و أدخلهم في «كذا و كذا» من أمهاتهم. و ذلك بحيث يسمعه المأمون؛ فتبسم، و تغافل؛ و أمر بحط الرأس (3)!!.

و يا ليته اكتفى بكل ذلك ... بل إنه بعد أن طيف برأس الأمين بخراسان (4)

ص: 176


1- لقد نص بعض المؤلفين في كتابه الفارسي «يادبود هشتمين إمام» ص 29 على أن المأمون: «لم يرض بقتل الأمين فحسب، بل أنه هو الذي أمر بقتله ...».
2- فوات الوفيات ج 2 ص 269، و الطبري، طبع دار القاموس الحديث ج 10 ص 202، و البداية و النهاية ج 10 ص 243، و حياة الحيوان ج 1 ص 72، و تجارب الامم ج 6 ص 416 المطبوع مع العيون و الحدائق.
3- مروج الذهب ج 3 ص 414، و تتمة المنتهى ص 186 و الموفقيات ص 140.
4- تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 298.

أرسل إلى ابراهيم بن المهدي يعنفه و يلومه على أنه أسف على قتل الأمين، و رثاه (1)!! فما ذا ننتظر بعد هذا كله، و بعد ما قدمناه: أن يكون موقف العباسيين، و العرب، بل و سائر الناس منه ...

إن أيسر ما نستطيع أن نقوله هنا هو: أنه كان لقتله أخاه، و فعاله الشائنة تلك ... أثر سيّئ على سمعته، و من أسباب زعزعة ثقة الناس، به، و تأكيد نفورهم منه، سواء في ذلك العرب، أو غيرهم ...

و قد استمر ذلك الأثر أعواما كثيرة، حتى بعد أن هدأت ثائرة الناس، و رجع إلى بغداد ...

فقد جلس مرة يستاك على دجلة، من وراء ستر؛ فمر ملاح، و هو يقول: «أ تظنون أن هذا المأمون ينبل في عيني، و قد قتل أخاه؟!».

قال: فسمعه المأمون؛ فما زاد على أن تبسم، و قال لجلسائه:

«ما الحيلة عندكم، حتى أنبل في عين هذا الرجل الجليل ...» (2).

و قال له الفضل بن سهل، عند ما عزم على الذهاب إلى بغداد:

«ما هذا بصواب؛ قتلت بالأمس أخاك، و أزلت الخلافة عنه، و بنو أبيك معادون لك؛ و أهل بيتك و العرب ... إلى أن قال: و الرأي،0.

ص: 177


1- البداية و النهاية ج 10 ص 443.
2- تاريخ بغداد ج 10 ص 189، و البداية و النهاية ج 10 ص 277، و تاريخ الخلفاء ص 320، و روض الأخيار في منتخب ربيع الأبرار ص 186، و فوات الوفيات ج 1 ص 240.

أن تقيم بخراسان، حتى تسكن قلوب الناس على هذا، و يتناسوا ما كان من أمر أخيك ...» (1).

المأمون في الحكم:

و إذا ما أردنا أن نعطف نظرنا على ناحية أخرى في سياسة النظام المأموني؛ فإننا سوف نرى أنه لم يكن موفقا في سياسته مع الناس، سواء في ذلك العرب أو الإيرانيون، بالأخص أهل خراسان؛ حيث لم يحاول أن يتجنب سياسة الظلم و العسف و الاضطهاد، التي كان يمارسها أسلافه مع الرعية ... بل لعله زاد عليهم، و سبقهم أشواطا بعيدة في ذلك.

أما سياسته مع العرب:

فالمأمون، و ان استطاع أن يصل الى الحكم إلا أنه فشل في مهمة الفوز بثقة العرب، خصوصا إذا لاحظنا بالاضافة إلى ما قدمناه تحت عنوان «كيف يثق العرب بالمأمون». ما نالهم منه، و من عماله، من صنوف العسف و الظلم- عدا عما فعلته فيهم تلك الحروب الطاحنة، التي شنها ضد أخيه الأمين- فان ذلك يفوق كل وصف، و يتجاوز كل تقدير؛

ص: 178


1- البحار ج 49 ص 166، و مسند الامام الرضا ج 1 ص 85، و أعيان الشيعة ج 4 قسم 2 ص 138، و عيون أخبار الرضا ج 2 ص 160. هذا ... و تجدر الاشارة هنا: إلى أن بعض المحققين يرى: أن قتل الأخ في سبيل الملك، لم يكن من الامور التي يهتم لها الناس كثيرا في تلك الفترة، و لا سيما إذا كان المقتول هو المعتدي اولا، و الأمين هنا هو المعتدي على المأمون، بخلعه أولا، ثم بارساله جيشا إلى إيران لمحاربته، و الذي هزم على يد طاهر بن الحسين. و لكننا مع ذلك ... لا نزال نصر على رأينا في هذا المجال؛ سيما و أننا نرى في النصوص التاريخية ما يدعم هذا الرأي و يقويه ...

حتى لقد وصف: «ديونيسيوس» جباة الخراج في العراق في سنة (200 ه.) بأنهم: «قوم من العراق، و البصرة، و العاقولاء. و هم عتاة، ليس في قلوبهم رحمة، و لا إيمان، شر من الأفاعي. يضربون الناس، و يحبسونهم. و يعلقون الرجل البدين من ذراع واحد، حتى يكاد يموت» (1).

و الايرانيون أيضا لم يكونوا أحسن حالا:

و لم يكن حال الايرانيين من هذه الجهة بأفضل من حال أهل العراق.

و يذكره الجاحظ: أن المأمون ولى محمود بن عبد الكريم التصنيف «فتحامل على الناس، و استعمل فيهم الأحقاد و الدمن؛ فخفض الأرزاق، و أسقط الخواص، و بعث في الكور، و أنحى على أهل الشرف و البيوتات، حسدا لهم، و إشفاء لغليل صاحبه منهم، فقصد لهم بالمكروه و التعنت فامتنعت طائفة من الناس من التقدم إلى العطاء، و تركوا أسماءهم، و طائفة انتدبوا مع طاهر بن الحسين بخراسان، فسقط بذلك السبب بشر كثير ...» (2).

يقول الجنرال جلوب و هو يتحدث عن المأمون: «... و راح يلقي خطبته الاولى في الناس؛ فيعدهم بأن يكون حكمه فيهم طبقا للشرع، و أن يكرس نفسه لخدمة اللّه وحده. و قد أثارت هذه الوعود التقية حماسة عند الناس. و كانت من أهم أسباب انتصاره. لكن هذه الوعود ما لبثت أن تحولت إلى فجيعة نزلت بالناس؛ إذ أن الخليفة ما لبث أن نسيها ...» (3).

ص: 179


1- الحضارة الاسلامية في القرن الرابع الهجري، لآدم متز ج 1 ص 232.
2- رسائل الجاحظ ج 2 ص 207- 208.
3- امبراطورية العرب، ترجمة، و تعليق خيري حماد ص 570.

و يكفي أن نشير هنا إلى المجاعة التي أصابت أهل خراسان، و الري، و أصبهان، و عزّ الطعام، و وقع الموت، و ذلك في سنة 201 للهجرة ...

المأمون مع الرعية عموما:

و عن حالة المأمون العامة مع الناس يقول فان فلوتن:

«... و لم يكن جور النظام العباسي و عسفه، منذ قيام الدولة العباسية بأقل من النظام الاموي المختل. و تذكرنا شراهة المنصور، و الرشيد، و المأمون، و جشعهم، و جور أولاد علي بن عيسى، و عبثهم بأموال المسلمين بزمن الحجاج، و هشام، و يوسف بن عمر الثقفي. و لدينا البراهين الكثيرة على فجيعة الناس في هذا العرش الجديد، و مقدار انخداعهم به ...»، ثم يضرب أمثلة من الخارجين على سياسات العباسيين تلك، ثم يقول: «... كل ذلك يبين أن ما كان يشكو منه المسلمون من الجور و العسف لم يزل على ما كان عليه في عهد بني أمية الأول ...» (1).

قال ابن الجراح: إن ابراهيم بن المهدي كان: «يرمي المأمون بأمه (2)، و إخوته، و أخواته، و من أيسر ذلك قوله:

صدّ عن توبة و عن إخبات و لها بالمجون و القينات

ما يبالي إذا خلا بأبي عيسى و سرب من بدّن أخوات

أن يغص المظلوم في حومة الجور بداء بين الحشا و اللهاة (3)

ص: 180


1- السيادة العربية و الشيعة و الاسرائيليات ص 132.
2- و لكن أمه كانت قد ماتت أيام نفاسها به!!. و لعله يريد أن أمه كانت متهمة، فكان يعير بها ...
3- الورقة، لابن الجراح ص 21، و لا بأس بمراجعة كتاب: أشعار أولاد الخلفاء.

و ما يهمنا هنا هو البيت الأخير، أما ما قبله، فلا نملك إلا أن نقول: «أهل البيت أدرى بالذي فيه ...» ...

و على كل حال ... فإننا لا نستغرب على المأمون صفة الظلم و العسف و الجور ... بعد أن رأينا أنه عند ما عرضت عليه سيرة أبي بكر، و عمر، و عثمان، و علي (ع)، يأبى أن يأخذ بها جميعا، لأنه كان يجد في آخر كل منها: أنهم كانوا يأخذون الأموال من وجوهها، و يضعونها في حقوقها. لكنه قبل سيرة معاوية، الذي أراد الاعلان ببراءة الذمة ممن يذكره بخير؛ لأن في آخرها يقول: إنه كان يأخذ الأموال من وجوهها، و يضعها كيف شاء ...، و قال المأمون حينئذ: «إن كان فهذا (1)»!! و في رسالة عبد اللّه بن موسى للمأمون نفسه ما فيه الكفاية فلتراجع في أواخر هذا الكتاب.

و ما ذا بعد الوصول إلى الحكم:

و هكذا ... فإن المأمون كان يحسب أنه إذا قتل أخاه، و تخلص من من أشياعه و مساعديه، و بعد أن تؤتي الحملة الدعائية ضدهم ثمارها- كان يحسب و يقدر- أن الطريق يكون قد مهد له للاستقرار في الحكم، و أنه سوف يستطيع بعد هذا أن يطمئن، و ينام قرير العين.

و لكن فأله قد خاب، و انقلبت ماجريات الامور في غير صالحه؛ فإن الايرانيين قد: «انفضوا بعد الحرب الأهلية المفجعة بين الأمين و المأمون، عن

ص: 181


1- المحاسن و المساوي للبيهقي ص 495.

تأييد العباسيين ..» (1). انفضوا عنه ليمنحوا العلويين عطفهم و محبتهم، و تأييدهم؛ لأنهم يعرفون أنهم هم الذين يقيمون العدل، و يعملون بشريعة اللّه- و ما موقف نيسابور، و صلاتي العيد، إلا الدليل الواضح و القاطع على تلك العاطفة، و ذلك الحب و التقدير. و أيضا انفضوا عنه لأنه قد كشف لهم عن وجهه الحقيقي، و عرفهم بواقعه الأناني البشع، و خصوصا بعد أن عانوا ما عانوا هم و غيرهم من صنوف الظلم و الجور و الاضطهاد، في ظل نظام الحكم الذي طالما عملوا من أجله، و ضحوا في سبيله ...

و حتى لو أنهم كانوا لا يزالون على تأييدهم له، فإنه لا يستطيع بعد هذا أن يعتمد على ذلك التأييد، و على ثقتهم به طويلا؛ فإنه كان من السهل- بعد أن فعل بأخيه و أشياعه، و غيرهم، ما فعل- أن يكتشفوا أن ذلك منه ما كان إلا سياسة و دهاء ... كما أنه أصبح من الصعب عليهم- بعد تجربتهم الاولى معه، و مع و عوده، التي ما أسرع ما نسيها- أن يقتنعوا منه بالأقوال التي لا تدعمها الأفعال، و لسوف لا يطمئنون إليه، و لن ينقادوا له- بعد هذا- بالسهولة التي كان يتوقعها ...

الموقف الصعب:

كانت تلك لمحة خاطفة عن موقف العباسيين، و العرب تجاه المأمون.

ذلك الموقف، الذي كان يزداد حساسية و تعقيدا، يوما عن يوم.

أضف إلى ذلك أيضا الخطر الذي كان يكمن في موقف الخراسانيين، الذين رفعوا المأمون على العرش، و سلموا إليه أزمة الحكم و السلطان ...

و إذا ما أضفنا إلى ذلك كله، موقف العلويين، الذين اغتنموا فرصة

ص: 182


1- امبراطورية العرب ص 649.

الصدام بينه و بين أخيه، لتجميع صفوفهم، و مضاعفة نشاطاتهم، فلسوف تكتمل أمامنا ملامح الصورة لحقيقة الوضع و الظروف، التي كان يعاني منها المأمون، و نظام حكمه آنذاك ... سيما و نحن نراه في مواجهة تلك الثورات العارمة، و بالأخص ثورات العلويين أقوى خصوم الدولة العباسية، و التي كانت تظهر من كل جانب و مكان، و كل ناحية من نواحي مملكته ...

ثورات العلويين ... و غيرهم:

فأبو السّرايا- الذي كان يوما ما من حزب المأمون (1)- خرج بالكوفة. و كان هو و أتباعه لا يلقون جيشا إلا هزموه، و لا يتوجهون إلى بلدة إلا دخلوها (2).

و يقال: إنه قد قتل من أصحاب السلطان، في حرب أبي السرايا فقط، مائتا ألف رجل، مع أن مدته من يوم خروجه إلى يوم ضربت عنقه لم تزد على العشرة أشهر (3).

و حتى البصرة، معقل العثمانية (4)، قد أيدت العلويين، و نصرتهم؛

ص: 183


1- ففي الطبري ج 10 ص 236، و تاريخ ابن خلدون ج 3 ص 245، و الكامل لابن الأثير ج 5 ص 179، طبعة ثالثة: أن المأمون قال لهرثمة: «مالأت أهل الكوفة، و العلويين، و داهنت، و دسست إلى أبي السرايا، حتى خرج، و عمل ما عمل، و كان رجلا من أصحابك إلخ ...». و اتهام هرثمة بهذا مهم فيما نحن فيه أيضا.
2- ضحى الاسلام ج 3 ص 294، و مقاتل الطالبيين ص 535.
3- مقاتل الطالبيين ص 550، و البداية و النهاية ج 10 ص 345.
4- الصلة بين التصوف و التشيع ص 173، و سيأتي كلام محمد بن علي العباسي، المتعلق بهذا الموضوع، عن قريب ... الحياة السياسية للإمام الرضا(ع)، مرتضى العاملي 184 ثورات العلويين... و غيرهم: ..... ص : 183

فقد خرج فيها زيد النار (1)، و معه علي بن محمد، كما خرج منها من قبل على المنصور ابراهيم بن عبد اللّه ...

و في مكة، و نواحي الحجاز: خرج محمد بن جعفر، الذي كان يلقب ب: «الديباج» و تسمى ب: «أمير المؤمنين» (2) ...

و في اليمن: ابراهيم بن موسى بن جعفر ...

و في المدينة: خرج محمد بن سليمان بن داود، بن الحسن بن الحسين، ابن علي بن أبي طالب ...

و في واسط: التي كان قسم كبير منها يميل إلى العثمانية- خرج جعفر ابن محمد، بن زيد بن علي. و الحسين بن ابراهيم، بن الحسن بن علي ...

و في المدائن: محمد بن اسماعيل بن محمد ...

بل إنك قد لا تجد قطرا، إلا و فيه علوي يمني نفسه، أو يمنيه الناس بالثورة ضد العباسيين- حسبما نص عليه بعض المؤرخين- حتى لقد اتجه أهل الجزيرة، و الشام، المعروفة بتعاطفها مع الامويين،..

ص: 184


1- سمي بذلك؛ لانه حرق دور العباسيين في البصرة بالنار، و كان إذا اتي برجل من المسودة، أحرقه بثيابه ... على ما ذكره الطبري ج 11 ص 986، طبع ليدن، و الكامل لابن الأثير ج 5 ص 177، و تاريخ ابن خلدون ج 3 ص 244، و البداية و النهاية ج 10 ص 346. و في الروايات أن الرضا عليه السلام أظهر الاستياء من فعل أخيه زيد. و لعل سبب ذلك أنه بالاضافة إلى أنه أقدم في ثورته على أعمال تنافي أحكام الدين، و تضر إضرارا بالغا بقضية العلويين العادلة ... كان يمالى ء الزيدية، ... أو لأنه أراد إبعاد شر المأمون عن زيد، و ابعاد التهمة عن نفسه؛ بأنه هو المدبر لأمر أخيه أو لعل كل ذلك قد قصد ...
2- و ليس في العلويين- باستثناء الامام علي (ع) طبعا- قبله، و لا بعده، من تسمى ب «أمير المؤمنين» غيره؛ كما في مروج الذهب ج 3 ص 439. و «الديباجة» لقب لأكثر من واحد من العلويين ...

و آل مروان ... إلى محمد بن محمد العلوي، صاحب أبي السرايا؛ فكتبوا إليه: أنهم ينتظرون أن يوجه إليهم رسولا؛ ليسمعوا له، و يطيعوا (1) ...

و أما ثورات غير العلويين، فكثيرة أيضا، و قد كان من بينها ما يدعو إلى: «الرضا من آل محمد»، كثورة الحسن الهرش سنة 198 (2) ه.

و سواها و لا مجال لنا هنا للتعرض إليها. و من أرادها فعليه بمراجعة الكتب التاريخية المعترضة لها (3) ...

الزعيم العباسي الأول يعترف:

هذا مع أن أكثر تلك الأقطار لم تكن تؤيد العلويين، و لا تدين لهم بالولاء باعتراف الزعيم العباسي الأول: محمد بن علي بن عبد اللّه، والد ابراهيم الامام، حيث قال لدعاته:

«... أما الكوفة و سوادها: فهناك شيعة علي، و ولده. و أما البصرة، و سوادها: فعثمانية، تدين بالكف. و أما الجزيرة: فحرورية مارقة،

ص: 185


1- مقاتل الطالبيين ص 534 ... راجع في بيان ثورات العلويين: البداية و النهاية ج 10 ص 244، إلى ص 247، و اليعقوبي ج 3 ص 173، 174، و مروج الذهب ج 3 ص 439، 440، و مقاتل الطالبيين، و الطبري، و ابن الأثير، و أي كتاب تاريخي شئت؛ لترى كيف أن الثورات في الفترة الاولى من عهد المأمون، قد عمت جميع الأقطار و الامصار ...
2- البداية و النهاية ج 10 ص 244، و الطبري ج 11 ص 975، طبع ليدن.
3- و قد تغلب حاتم بن هرثمة على أرمينية، و كان هو السبب في خروج بابك الخرمي. و تغلب نصر بن شبث على كيسوم، و سميساط، و ما جاورها، و عبر الفرات إلى الجانب الشرقي، و كثرت جموعه، و لم يستسلم إلا في سنة 207 ه. و هناك أيضا حركات الزط. و ثورة بابك، و ثورة المصريين التي كانت بين القيسية المناصرة للأمين و اليمانية المناصرة للمأمون. إلى غير ذلك مما لا مجال لنا هنا لتتبعه ...

و أعراب كأعلاج، و مسلمون أخلاقهم كأخلاق النصارى. و أما الشام:

فليس يعرفون إلا آل أبي سفيان، و طاعة بني مروان، عداوة راسخة، و جهل متراكم. و أما مكة و المدينة: فغلب عليهما أبو بكر، و عمر؛ و لكن عليكم بأهل خراسان الخ ...» (1).

و نقل عن الأصمعي أيضا كلام قريب من هذا (2) ...

دلالة هامة:

و من بعض ما قدمناه في الفصول المتقدمة، سيما فصل: موقف العباسيين من العلويين، و أيضا مما ذكرناه هنا نستطيع أن نستكشف أن حق العلويين بالخلافة و الحكم، قد أصبح من الامور المسلمة لدى الناس، في القرن الثاني، الذي يعد من خير القرون ... حيث لم تكن عقيدة عامة الناس قد استقرت بعد على هذه العقيدة المتداولة لدى أهل السنة اليوم، و التي أشرنا إلى أنها العقيدة التي وضع أسسها معاوية ... و عليه ...

فما يدعيه أهل السنة اليوم من أن عقيدتهم في الخلافة قد وصلت إليهم يدا بيد، إلى عصر النبي (ص) غير صحيح على الاطلاق. بل إن الشيخ محمد عبده يرى: ان رسوخ عقيدة «ان حق الخلافة لأهل البيت، و شيوع ذلك في العرب خاصة». هو الذي دعا المعتصم إلى تشييد ملكه على الترك، و غيرهم من العجم، يقول الشيخ محمد عبده: «كان الإسلام دينا عربيا، ثم لحقه العلم فصار علما عربيا، بعد أن كان

ص: 186


1- البلدان للهمداني ج 2 ص 352، و أحسن التقاسيم للمقدسي ص 293، و عيون الأخبار لابن قتيبة ج 1 ص 204، و السيادة العربية، و الشيعة و الاسرائيليات ص 93، و لا بأس بمراجعة: الحضارة الاسلامية في القرن الرابع الهجري ج 1 ص 102.
2- روض الأخيار، المنتخب من ربيع الأبرار ص 67، و العقد الفريد، طبع دار الكتاب العربي ج 6 ص 248.

يونانيا، ثم أخطأ خليفة في السياسة، فاتخذ من سعة الإسلام سبيلا إلى ما كان يظنه خيرا: ظن أن الجيش العربي قد يكون عونا لخليفة علوي؛ لأن العلوي الصق ببيت النبي (ص)؛ فأراد أن يتخذ له جيشا أجنبيا من الترك و الديلم و غيرهم من الامم التي ظن أنه يستعبدها بسلطانه، و يصطنعها باحسانه؛ فلا تساعد الخارج عليه، و لا تعين طالب مكانه من الملك ...» (1).

عود على بدء:

و على كل حال ... فإننا إذا أردنا تقييم تلك الثورات، التي كانت تواجه الحكم العباسي، فإننا سوف نجد: أن ما كان يكمن فيه الخطر الحقيقي هو ثورات العلويين، لانها كانت تظهر في مناطق حساسة جدا في الدولة؛ و لأنها كانت بقيادة أولئك الذين يمتلكون من قوة الحجة، و الجدارة الحقيقية، ما ليس لبني العباس فيه أدنى نصيب ...

و كان في تأييد الناس لهم، و استجابتهم السريعة لدعوتهم دلالة واضحة على شعور الامة، بمختلف طبقاتها، و فئاتها تجاه حكم العباسيين، و نوعية تفكيرها تجاه خلافتهم، و على مدى الغضب الذي كان يستبد بالنفوس؛ نتيجة استهتار العباسيين، و ظلمهم، و سياساتهم الرعناء، مع الناس عامة، و مع العلويين بشكل خاص ...

و قد كان المأمون يعلم أكثر من أي شخص آخر، كم سوف يكون حجم الكارثة، لو تحرك الإمام الرضا- الذي اهتبل فرصة الحرب بينه و بين أخيه، لتحكيم مركزه، و بسط نفوذه ضد الحكم القائم ...

ص: 187


1- الاسلام و النصرانية للشيخ محمد عبده.

الناس لم يبايعوا المأمون كلهم بعد:

و بعد كل ما تقدم ... فإن من الأهمية بمكان، أن نشير هنا، إلى أن العلويين، و قسما كبيرا من الناس، بل و عامة المسلمين، لم يكونوا قد بايعوا المأمون أصلا:

فأما أهل بغداد؛ فحالهم في الخلاف عليه أشهر من أن يذكر، و قد قدمنا في أول هذا الفصل عبارته في رسالته، التي كان قد أرسلها للعباسيين في بغداد ...

و أما أهل الكوفة- التي كانت دائما شيعة علي و ولده- فلم يبايعوا له، بل بقوا على الخلاف عليه، إلى أن ذهب أخو الإمام الرضا (ع)!! العباس بن موسى، يدعوهم، فقعدوا عنه، و لم يجبه إلا البعض منهم؛ و قالوا: «إن كنت تدعو للمأمون، ثم من بعده لأخيك؛ فلا حاجة لنا في دعوتك، و إن كنت تدعو إلى أخيك، أو بعض أهل بيتك، أو إلى نفسك؛ أجبناك ...» (1).

و يلاحظ هنا: كيف قد اختير رجل علوي، و أخو الإمام الرضا (ع) بالذات؛ ليرسل إلى الكوفة، المعروفة بالتشيع للعلويين ... و يلاحظ أيضا:

أن رفضهم الاستجابة له، إنما كان لأجل أن الدعوة تتضمن الدعوة للمأمون العباسي.

و أما أهل المدينة، و مكة، و البصرة، و سائر المناطق الحساسة في

ص: 188


1- الكامل لابن الأثير ج 5 ص 190، و تجارب الامم ج 6 المطبوع مع العيون و الحدائق ص 439. و في تاريخ الطبري ج 11 ص 1020، طبع ليدن، و تاريخ ابن خلدون ج 3 ص 248: أنه قد أجابه قوم كثير منهم، و لكن قعد عنه الشيعة و آخرون ... لكن ظاهر حال الكوفة التي كانت دائما شيعة علي و ولده هو أن المجيبين له كانوا قلة ... كما ذكر ابن الأثير.

الدولة، فقد تقدم ما يدل على حقيقة موقفهم منه، و من نظام حكمه ...

و قد كتب المأمون نفسه بخط يده، في وثيقة العهد للامام يقول:

«... و دعا أمير المؤمنين ولده، و أهل بيته، و قواده، و خدمه؛ فبايعوا مسارعين ... إلى أن قال: فبايعوا معشر أهل بيت أمير المؤمنين، و من بالمدينة المحروسة، من قواده، و جنده، و عامة المسلمين لأمير المؤمنين، و للرضا من بعده، علي بن موسى ...» و الوثيقة مذكورة في أواخر هذا الكتاب.

فقوله: «لأمير المؤمنين، و للرضا من بعده ...» يدل دلالة واضحة على أن عامة المسلمين ما كانوا قد بايعوا بعد: «لأمير المؤمنين»، فضلا عن: «أهل المدينة المحروسة ...».

و حتى لو أنهم كانوا قد بايعوا له؛ فان بيعتهم هذه، وجودها كعدمها؛ إذ أن عصيانهم، و تمردهم عليه، و على حكمه، لم يكن ليخفى على أحد ... بعد ما قدمناه من ثوراتهم تلك، التي كانت تظهر من كل جانب و مكان، و كان كلما قضى على واحدة منها تظهر أخرى داعية لما كانت تدعو إليه تلك، أي إلى: «الرضا من آل محمد»، أو إلى أحد العلويين، الذين يشاهد المأمون عن كثب قدرتهم، و قوتهم، و نفوذهم الذي كان يتزايد باستمرار يوما عن يوم ... و لم تستقم له في الحقيقة سوى خراسان ...

نعم بعد أن عاد إلى بغداد، و كان قد قوي أمره، و اتسع نفوذه، بدأ الناس يبايعونه في الاقطار، و يتعللون بأن امتناعهم إنما كان ظاهريا، و أنهم كانوا في السر معه، و على ولائه، على ما صرح به اليعقوبي في تاريخه ...

ص: 189

المأمون يدرك حراجة الموقف:

تلك هي باختصار حالة الحكم العباسي بشكل عام، و حالة المأمون، و ظروفه في الحكم بشكل خاص ... في تلك الفترة من الزمن ... و قد اتضح لنا بجلاء: أن الوضع كان بالنسبة إلى المأمون، و نظام حكمه، قد ازداد سوءا، بعد وصول المأمون إلى الحكم، و تضاعفت الأخطار، التي كان يواجهها، و أصبح- هو و عرشه- في مهب الريح، و تحت رحمة الأنواء ... و إذا كان ليس من الصعب علينا: أن نتصور مدى الخطر الذي كان يتهدد المأمون، و خلافته، و بالتالي مستقبل الخلافة العباسية بشكل عام ... فإنه من الطبيعي أن لا يكون من الصعب على المأمون أفعى الدهاء و السياسة أن يدرك- بعمق، إلى أي حد كان مركزه ضعيفا، و موقفه حرجا؛ حيث إنه هو الذي كان يعيش- أكثر من أي إنسان آخر- في ذلك الخضم الزاخر بالمشاكل، و المتاعب، و الأخطار.

و خصوصا و هو يواجه الثورات، و بالأخص ثورات العلويين، أقوى خصوم الدولة العباسية، تظهر من كل جانب و مكان، و كل ناحية من نواحي مملكته ... كما أنه لم يكن ليصعب عليه أن يدرك أن الكثير من المشاكل التي يعاني منها إنما كان نتيجة السياسات الرعناء، التي انتهجها اسلافه، مع الناس عامة، و مع العلويين خاصة. و أن يدرك أن الاستمرار في تلك السياسة. أو حتى مجرد الإهمال، و التواني في علاج الوضع، سوف يكون من ابسط نتائجه أن تلقى خلافة العباسيين على ايدي العلويين نفس المصير الذي لقيته خلافة الامويين على أيدي أسلافه من قبل ...

ما ذا يمكن للمأمون أن يفعل:

و لكن ... و بعد أن نجح المأمون في الوصول إلى ما كان يتمناه، و هو

ص: 190

الحكم و السلطان، و إذا كان لا يرضى به بنو أبيه، و لا العلويون، و لا العرب، و إذا كان حتى غير العرب، ضعفت ثقتهم به، و تزعزع مركزه في نفوسهم.

و أيضا ... إذا كانت ثورات العلويين، فضلا عن غيرهم ... تظهر من كل جانب و مكان ... و إذا كان الكثيرون، بل عامة المسلمين لم يبايعوا له بعد ... و هكذا إلى آخر ما تقدم ... فهل يمكن للمأمون أن يقف تجاه كل تلك العواصف، و الانواء التي تتهدده، و نظام حكمه، مكتوف اليدين؟!.

و ما ذا يمكن للمأمون بعد هذا أن يفعل، ليبقى محتفظا بالحكم و السلطان، الذي هو أعز ما في الوجود عليه؟! ...

هذا- ما سوف نحاول الاجابة عليه في الفصل التالي.

ص: 191

ظروف البيعة و أسبابها

إنقاذ الموقف!!. كيف؟!

قد قدمنا في الفصل السابق لمحة عن ظروف المأمون في الحكم، و أشرنا إلى أن الوضع كان يزداد سوءا يوما عن يوم ... و إلى أنه كان لا بد للمأمون من التحرك، و العمل بسرعة، شرط أن لا يزيد الفتق اتساعا، و الطين بلة ... و أن يستعمل كل ما لديه من حنكة و دهاء، في سبيل انقاذ نفسه، و نظام حكمه، و خلافة العباسيين بشكل عام ...

و كان المأمون يدرك: أن إنقاذ الموقف يتوقف على:

1- إخماد ثورات العلويين، الذين كانوا يتمتعون بالاحترام و التقدير، و لهم نفوذ واسع في جميع الفئات و الطبقات ...

2- أن يحصل من العلويين على اعتراف بشرعية خلافة العباسيين، و ليكون بذلك قد افقدهم سلاحا قويا، لن يقر له قرار، إلا إذا افقدهم إياه ...

3- استئصال هذا العطف، و ذلك التقدير و الاحترام، الذي كانوا يتمتعون به، و كان يزداد يوما عن يوم- استئصاله- من نفوس الناس نهائيا، و العمل على تشويهم أمام الرأي العام، بالطرق، و الأساليب

ص: 192

التي لا تثير الكثير من الشكوك و الشبهات؛ حتى لا يقدرون بعد ذلك على أي تحرك؛ و لا يجدون المؤيدين لأية دعوة لهم؛ و ليكون القضاء عليهم بعد ذلك نهائيا- سهلا و ميسورا ...

4- اكتساب ثقة العرب و محبتهم ...

5- استمرار تأييد الخراسانيين، و عامة الايرانيين له.

6- إرضاء العباسيين، و المتشيعين لهم، من أعداء العلويين.

7- تعزيز ثقة الناس بشخص المأمون، الذي كان لقتله أخاه أثر سيّئ على سمعته، و ثقة الناس به ...

8- و أخيرا ... أن يأمن الخطر الذي كان يتهدده من تلك الشخصية الفذة، التي كانت تملأ جوانبه فرقا، و رعبا. و أن يتحاشى الصدام المسلح معها. ألا و هي شخصية الإمام الرضا (ع)، و أن يمهد الطريق للتخلص منها، و القضاء عليها، قضاء مبرما، و نهائيا ...

لا بد من الاعتماد على النفس:

و بعد هذا ... فإن من الواضح أن المأمون كان يعلم قبل كل أحد، أنه:

لم يكن يستطيع أن يستعين في مواجهة تلك المشاكل بالعباسيين، بني أبيه، بعد أن كانوا ينقمون عليه، قتله أخاه، العزيز عليهم، و على العرب، و بعد مواقفه، التي تقدم بيان جانب منها تجاههم ... و أيضا ...

بعد أن كانوا لا يثقون به، و لا يأمنون جانبه، بسبب موقفهم السابق منه ...

و الأهم من ذلك أنه لم يكن فيهم الرجال الكفاة، الذين يستطيع

ص: 193

أن يعتمد عليهم (1). يدلنا على ذلك أنهم بعد أن ثاروا على المأمون، بسبب بيعته للرضا عليه السلام، لم يجدوا فيهم شخصا أعظم، و أكفأ من ابن شكلة المغني، فبايعوه، مع أنه من أصحاب المزامير و البرابط ...

و فيه يقول دعبل:

نعر ابن شكلة بالعراق و أهله فهفا إليه كل أطلس مائق

إن كان ابراهيم مضطلعا بهافلتصلحن من بعده لمخارق

و لتصلحن من بعد ذاك لزلزل و لتصلحن من بعده للمارق

أنى يكون، و ليس ذاك بكائن يرث الخلافة فاسق عن فاسق (2) كما أنه عند ما أصبح ابراهيم هذا خليفة، قال بعض الأعراب، عند ما جاء الخبر بأنه: لا مال عند الخليفة ليعطي الجند، الذين ألحوا في طلب اعطياتهم، قال: «فليخرج الخليفة إلينا، فليغن لأهل هذا الجانب ثلاثة أصوات، فتكون عطاءهم، و لأهل هذا الجانب مثلها ...»

فقال في ذلك دعبل- شاعر المأمون- يذم ابراهيم بن المهدي:

يا معشر الاجناد لا تقنطواخذوا عطاياكم، و لا تسخطوا

فسوف يعطيكم حنينيةلا تدخل الكيس، و لا تربط

و المعبديات لقوادكم و ما بها من أحد يغبط

فهكذا يرزق أصحابه خليفة مصحفه البربط (3) ..

ص: 194


1- و قد كان بينهم الكثيرون في أول عهد الدولة العباسية ... و نقصد ب «الكفاءة» هنا: الكفاءة الظاهرية، التي يقرها منطق الجبارين المتغطرسين. لا الكفاءة الحقيقية التي يريدها اللّه، و جاء بها محمد. و قد أشرنا إلى ذلك من قبل.
2- وفيات الأعيان، طبع سنة 1310 ه ج 1 ص 8، و الورقة لابن الجراح ص 22، و معاهد التنصيص ج 1 ص 205، و الشعر و الشعراء ص 541، و الكنى و الألقاب ج 1 ص 330، و الأطلس: هو الرجل يرمى بالقبيح ...
3- معاهد التنصيص ج 1 ص 205، 206، و شرح ميمية أبي فراس ص 281، و البداية و النهاية ج 10 ص 290، و البحار ج 49 ص 143، و الغدير ج 2 ص 377، و الأغاني ج 18 ص 68، و ص 101 طبع دار الفكر، و الورقة لابن الجراح ص 22، و نزهة الجليس ج 1 ص 404، و عيون أخبار الرضا ج 2 ص 166. و الحنينيات: منسوبة إلى حنين النجفي العبادي، المغني المشهور. و المعبديات: منسوبة إلى معبد المغني المشهور. و البربط: ملهاة، تشبه العود. و هو فارسي معرب. و أصله: بربت؛ لأن الضارب يضعه على صدره ... انتهى عن نزهة الجليس ...

و إذا كان لا يستطيع أن يستعين ببني أبيه العباسيين، فبالأحرى أن لا يستطيع أن يستعين على حلّ مشاكله بالعلويين، و المتشيعين لهم، بعد أن كانوا هم أساس البلاء و العناء له، و الذين يخلقون له أعظم المشاكل، و يضعون في طريق حكمه أشق العقبات ...

و أما العرب: فهو أعرف الناس بحقيقة موقفهم منه ...

و الخراسانيون: لا يستطيع أن يعتمد على ثقتهم به طويلا، بعد أن كشف لهم عن حقيقته و واقعه الاناني البشع، بقتله أخاه، و إبعاده طاهرا بن الحسين، مشيد أركان حكمه، عن مسرح السياسة: «و لقد ذكره الرضا بذلك، عند ما استعرض معه حقيقة الوضع القائم آنذاك ...».

ثم هناك ما تعرضوا له من ظلم و حيف

أي الاساليب أنجع:

و بعد ذلك ... فانه من الواضح أنه:

لم يكن لينقذ الموقف القسوة و العنف، و هو الذي يعاني المأمون من نتائجه السيئة ما يعاني ...

و لا المنطق و الحجاج، لأن العلويين- بناء على ما شاع عند الامة، بتشجيع من خلفائها، من أن السبب في استحقاق الخلافة، هو القربى النسبية منه (ص)- إن العلويين بناء على هذا: أقوى حجة من العباسيين، لأنهم يمتلكون اعترافا صريحا منهم بأن المستحق للخلافة هو

ص: 195

الأقرب نسبا إلى النبي (ص) ...

هذا ... و إذا ما أراد العباسيون، أو غيرهم الاحتجاج بالأهلية و الجدارة لقيادة الامة، فان العلويين لا يدانيهم أحد في ذلك، و ذلك لما كانوا يتمتعون به من الجدارة و الاهلية الذاتية لقيادة الامة قيادة صالحة و سليمة ...

و أما النص فمن هو ذلك الذي يجرأ على الاستدلال به، و هو يرى أنه كله في صالح آل علي، و أئمة أهل البيت منهم بالخصوص.

و هكذا ... نرى و يرى المأمون: أنه لم يكن لينقذ الموقف أي من تلك الأساليب، و لا غيرها من الطرق و الاساليب الملتوية، و اللاإنسانية، التي اتبعها أسلافة من قبل ...

و إذن ... فلا بد و أن يعود السؤال الأول ليطرح نفسه بكل جدية.

و السؤال هو: ما ذا يمكن للمأمون إذن أن يفعل؟! و كيف يقوي من دعائم حكمه، الذي هو بالنسبة إليه كل شي ء، و ليس قبله، و لا بعده شي ء ... حتى لا يطمع فيه طامع، و لا تزعزعه العواصف، و لا تنال منه الأنواء، مهما كانت هو جاء و عاتية؟! ...

خطة المأمون:

اشارة

و كان أن اتبع المأمون من أجل انقاذ موقفه، الذي عرفت أنه يتوقف على نقاط ثمانية ... و من أجل الاحتفاظ بالخلافة لنفسه، و أن تبقى في بني أبيه- كان أن اتبع- أسلوبا جديدا، و غريبا، لم يكن مألوفا، و لا معروفا من قبل ... و أحسب أنه لم يتوصل إليه إلا بعد تفكير طويل، و تقييم عام و شامل للوضع الذي كان يعيشه، و المشاكل التي كان يواجهها ...

لقد كانت خطته غريبة و فريدة من نوعها، و كانت في غاية الاتقان، و الاحكام في نظره ...

ص: 196

فبينما نراه من جهة:

لا يذكر أحدا من الخلفاء، و لا غيرهم من الصحابة بسوء، بل هو يتخرج حتى من المساس بغير الصحابة، و حتى بأولئك الذين كان حالهم في الخروج على الدين، و تعاليم الشريعة، معروفا و مشهورا «كالحجاج ابن يوسف»! و ذلك من أجل أن لا يثير عواطف أولئك الذين يلتقي معهم فكريا و سياسيا، و مصلحيا. و الذين سوف يكونون له في المستقبل الدرع الواقي، و الحصن الحصين ...

فاستمع إليه يقول- كما يروي لنا التغلبي المعاصر له: «... و ظنوا أنه لا يجوز تفضيل علي إلا بانتقاص غيره من السلف! و اللّه، ما أستجيز أن أنتقص الحجاج بن يوسف؛ فكيف بالسلف الطيب؟!» (1).

و كذلك نراه يركن إلى رأي يحيى بن أكثم، الذي قال له- عند ما أراد الاعلان بسبب معاوية على المنابر-: «و الرأي أن تدع الناس كلهم على ما هم عليه، و لا تظهر أنك تميل إلى فرقة من الفرق؛ فإن ذلك أصلح في السياسة، و أحرى في التدبير ...»، ثم يدخل عليه ثمامة؛ فيقول له المأمون: «يا ثمامة، قد علمت ما كنا دبرناه في معاوية.

و قد عارضنا رأي هو أصلح في تدبير المملكة، و أبقى ذكرا في العامة الخ ...» (2).

و أيضا ... نرى شعره الذي يرويه لنا غير واحد:

أصبح ديني الذي أدين به و لست منه الغداة معتذرا

حب علي بعد النبي و لاأشتم صديقا و لا عمرا 4.

ص: 197


1- عصر المأمون ج 1 ص 369، نقلا عن: تاريخ بغداد، لابن طيفور ج 6 ص 75.
2- المحاسن و المساوي ص 141، و ضحى الاسلام ج 2 ص 58، و ج 3 ص 152، 156، و عصر المأمون ج 1 ص 371، و الموفقيات ص 41، و كتاب بغداد ص 54.

ثم ابن عفان في الجنان مع الابرار ذاك القتيل مصطبرا

ألا و لا أشتم الزبير و لاطلحة إن قال قائل غدرا

و عائش الام لست أشتمهامن يفتريها فنحن منه برا (1) و نراه أيضا يتجسس على عبد اللّه بن طاهر؛ ليعلم: هل له ميل إلى آل أبي طالب أولا (2).

و نراه يقدم على قتل الرضا (ع)، و إخوته، و آلاف من العلويين غيرهم، و يصدر أمرا لامرائه، و قواده بالقضاء عليهم، و فض جمعهم، بعد أن منعهم من ملاقاته، و من الدخول عليه كما سيأتي.

و نراه كذلك ... يرسل إلى عامله على مصر، يأمره بغسل المنابر، التي دعي عليها لعلوي (هو الإمام الرضا (ع)) ... إلى غير ذلك مما لا مجال لنا هنا لاستقصائه ...

بينما نراه كذلك ...

نراه من جهة ثانية

يقدم على الاعلان ببراءة الذمة ممن يذكر معاوية بن أبي سفيان بخير أي أنه أراد أن يجعل تفضيل علي (ع)، و البراءة من معاوية دينا رسميا، يحمل الناس كلهم عليه، كما كان الحال بالنسبة لقضية خلق القرآن ...

و الاعلان بسب معاوية، و إن كان الاقدام عليه في سنة 212 ه.

لكن تفضيله عليا، على جميع الخلق، و تقربه لولده، و إظهاره التشيّع

ص: 198


1- البداية و النهاية ج 10 ص 277، و فوات الوفيات ج 1 ص 241، ما عدا البيت الرابع.
2- الطبري ج 11 ص 1094، طبع ليدن، و العقد الفريد للملك السعيد ص 84، 85. و تجارب الامم ج 6 المطبوع مع العيون و الحدائق ص 461.

و الحب لهم (1) إنما كان من أول أيامه ... يدلنا على ذلك أمور كثيرة، و يكفي هجاء ابن شكلة له، و هجاؤه لابن شكلة شاهدا على ذلك ...

فضلا عن الكثير من الامور الاخرى غيره.

ثم نراه بعد ذلك يبيح المتعة، و يصف الخليفة الثاني، عمر بن..

ص: 199


1- قال في النجوم الزاهرة ج 2 ص 201، 202، و مثله في تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 308، و غيرهما: «أن المأمون كان يبالغ في التشيع، و يقول: إن أفضل الخلق بعد النبي علي بن أبي طالب. و أمر أن ينادى ببراءة الذمة ممن يذكر معاوية بخير، لكنه لم يتكلم في الشيخين بسوء بل كان يترضى عنهما، و يعتقد إمامتهما ...». و هذا بعينه هو مذهب معتزلة بغداد ابتداء من بشر بن المعتمر، و بشر بن غياث المريسي و غيرهما من معتزلة بغداد، حتى لقد قال بشر المريسي المعتزلي المعروف على ما في البداية و النهاية ج 10 ص 279: قد قال مأموننا و سيدناقولا له في الكتب تصديق إن عليا أعني أبا حسن خير من قد أقلت النوق بعد نبي الهدى، و إن لناأعمالنا و القرآن مخلوق و صرح بأنه يذهب مذهب المعتزلة كثيرون، فليراجع: البداية و النهاية ج 10 ص 275، و ضحى الاسلام ج 3 ص 295، و امبراطورية العرب ص 600، و غيرهم، بل لقد قال خيري حماد، في تعليقته على ص 601 من امبراطورية العرب: «أجمعت كتب التاريخ العربي على أن المأمون مال إلى الأخذ بمذهب المعتزلة، فقرب أتباع هذا المذهب إليه إلخ ...». و يدل على ذلك أيضا أقوال. و أشعار المأمون المتقدمة ... و لعل وصف بعض المؤرخين له بالتشيع هو الذي أوهم البعض بأن المأمون كان يتشيع بالمعنى المعروف للتشيع، فجزم بذلك، و بدأ يحشد الدلائل، و الشواهد، التي لا تسمن، و لا تغني من جوع، و قد غفل عن أنهم يقصدون بكلمة «التشيع» المعنى اللغوي، لا المعنى الخاص المعروف الآن ... و بعد ... فان من الواضح: أن عقيدة المأمون تلك، لم تكن تثمر على الصعيد العملي العام؛ فانه كان من السياسيين، الذين لا ينطلقون في سلوكهم، و مواقفهم الخارجية من منطلقات عقائدية، و مفاهيم انسانية ... و انما يكون المنطلق لهم في مواقفهم، و تصرفاتهم، هو- فقط- مصالحهم الشخصية، و ما له مساس في استمرار فرض سلطتهم، و تأكيد سيطرتهم ...

الخطاب ب «جعل» (1)، أو نحو ذلك ...

و نراه أيضا أنه عند ما سأل أصحابه عن: أنبل من يعلمون نبلا، و أعفهم عفة، فقال له علي بن صالح: «أعرف القصة في عمر بن الخطاب، فأشاح بوجهه، و أعرض، و ذكر كلاما ليس من جنس هذا الكتاب، فنذكره، إلخ ...» (2) على حد تعبير البيهقي ... و ذكر طيفور: أن أبا عمر الخطابي دخل على المأمون؛ فتذاكروا عمر بن الخطاب فقال المأمون: إلا أنه غصبنا، فقال له أبو عمر يا أمير المؤمنين، يكون الغصب الا بحق يد فهل كانت لكم يد، قال فسكت المأمون عنه، و احتملها له (3).

و لكن اعتراض الخطابي اعتراض بارد و توجيه فاسد فهل الخلافة من الأموال؟ أم هي حق جعله اللّه لهم؟ و لا ندري سر سكون المأمون عنه، و احتماله منه، إلا ما قدمناه ...

بل إن الأهم من ذلك كله ... أننا نراه يصف الخلفاء الثلاثة، و غيرهم من الصحابة بأنهم: «ملحدين»، ناسيا، أو متناسيا كل أقواله السابقة، و خصوصا شعره، و قوله: إنه يتحرج حتى من تنقص1.

ص: 200


1- وفيات الأعيان ترجمة يحيى بن أكثم ج 2/ 218 ط سنة 1310 ه. و السيرة الحلبية ج 3/ 46 و النص و الاجتهاد ص 193، و في قاموس الرجال ج 9/ 397، نقلا عن الخطيب في تاريخ بغداد: أنه كان يقول: «و من أنت يا أحول الخ ...»، و لا يخفى أنهم أرادوا تلطيف العبارة بقدر المستطاع؛ فحرفوها إلى ما ترى ... هذا ... و قد يرى البعض: أن تفضيله عليا، و أعلانه بسبب معاوية، و إباحته المتعة، و قوله بخلق القرآن، ليس إلا لإشغال الناس بعضهم ببعض، و صرف الناس عن التفكير بالخلافة، التي هي أعز ما في الوجود عليه، و التي ضحى من أجلها بأخيه، و أشياعه، و وزرائه، و قواده ... و كذلك من أجل صرف الناس عن أهل البيت عليهم السلام، و ابعادهم عنهم ... و لعل هذا الرأي لا يعدم بعض الشواهد التاريخية، التي تؤيده، و تدعمه.
2- المحاسن و المساوي ص 150.
3- كتاب بغداد ص 51.

الحجاج، فكيف بالسلف الطيب، فاستمع إليه يقول، على ما يرويه لنا البيهقي، و الظاهر انها جواب على ابيات ابن شكلة لانها على نفس الروي، و الوزن، و الموضوع- يقول المأمون:

و من غاو يغص علي غيظاإذا أدنيت أولاد الوصيّ

يحاول أن نور اللّه يطفى و نور اللّه في حصن أبيّ

فقلت: أ ليس قد أوتيت علماو بان لك الرشيد من الغوي

و عرفت احتجاجي بالمثاني و بالمعقول و الأثر الجلي (1)

بأية خلة، و بأي معنى تفضل «ملحدين» على «عليّ»

علي أعظم الثقلين حقاو أفضلهم سوى حق النبيّ (2) بل و زاد على ذلك و ضرب العقيدة التي تقدم أن العباسيين قد اتوا بها لمقابلة العلويين و روجوا لها من أن الحق كان للعباس، و انه أجاز عليا، فصحت خلافته و ذلك بأن اظهر تقديم علي على العباس فقد قال السندي بن شاهك للفضل بن الربيع يوما عن المأمون:

«سمعته اليوم قدم علي بن أبي طالب على العباس بن عبد المطلب، و ما ظننت أني أعيش حتى اسمع عباسيا يقول هذا، فقال الفضل له:

تعجب من هذا؟ هذا و اللّه كان قول أبيه قبله» (3). و لكن الظاهر:

أن أباه كان يكتم ذلك حتى خفي على مثل السندي المقرب، لكن الآن قد اضطرت السياسة المأمون إلى الجهر بذلك، و إظهاره.

و هكذا ... فإن المأمون لم يكن يرى أن بين كل تصرفاته المتقدمة أي تناقض، أو منافاة، بل كانت كلها في نظره صحيحة، و منطقية؛ لأنها كانت في ظروف مختلفة، و كان لا بد له من مسايرة تلك7.

ص: 201


1- القوي خ ل.
2- المحاسن و المساوي، طبع دار صادر ص 68. و طبع مصر ج 1/ 105.
3- كتاب بغداد ص 7.

الظروف، و الانسجام معها، فلا مانع عنده، من أن يقرب العلويين إليه، و يتظاهر باكرامهم، و تقديرهم ... في يوم ... ثم منعهم من الدخول عليه، و اضطهادهم، و قتلهم بالسم تارة، و بالسيف أخرى في يوم آخر ... و هكذا ...

و أيضا ... لا بد من خطوة أخرى.

و لكن ذلك وحده لم يكن كافيا لإخماد ثورات العلويين، و لا لتحقيق كافة الأهداف، التي قدمنا، و سيأتي شطر منها ...

فكانت خطوته التالية غريبة و مثيرة في نفس الوقت، لكنها إذا ما أخذت الظروف آنذاك بنظر الاعتبار يتضح أنها كانت طبيعية للغاية.

ألجأته إليها الظروف و الأحداث ... و تلك الخطوة هي:

«أخذ البيعة للامام علي الرضا عليه السلام بولاية العهد بعده ...»

و جعله أمير بني هاشم طرا، عباسيهم، و طالبيهم (1)، و ليس الخضرة ...

لم يبق إلا خيار واحد:

و من نافلة القول هنا: أن نقول: إن ذلك يدل على فهم المأمون للداء؛ مما ساعده على معرفة الدواء، الذي تجرعه المأمون- رغم مرارته القاسية، التي لم تكن لتقاس أبدا بما سوف يعقبها من راحة و طمأنينة و هناء- تجرعه- بكل رضا، و رجولة، و شجاعة ...

إن المأمون- على ما أعتقد- و إن كان قد ثقل عليه أمر البيعة لرجل غريب، و من أسرة هي أقوى و أخطر المنافسين للحكم العباسي في

ص: 202


1- غاية الاختصار ص 68.

تلك الفترة ... و لكن ما الحيلة له بعد أن لم يعد أمامه أي خيار في ذلك ...

إلا إذا أراد أن يتغابى أو يتعامى عن ذلك الواقع المزري الذي وصلت إليه خلافته، التي أصبحت ظلا، لا يلبث أن تلتهمه أشعة الشمس المشرقة، فتحوله إلى سراب ...

ما الحيلة له ... بعد أن رأى أنه لن تنقاد له الرعية و القواد، و لن تستقيم له الامور إلا إذا أقدم على مثل تلك اللعبة الجريئة ...

و لقد صرح المأمون نفسه للريان، بعد أن أخبره الريان بأن الناس يقولون: بأن البيعة للامام كانت من تدبير الفضل بن سهل- صرح بقوله: «... و يحك يا ريان، أ يجسر أحد أن يجي ء إلى خليفة، قد استقامت له الرعية، و القواد. و استوت له الخلافة؛ فيقول له: ادفع الخلافة من يدك الى غيرك؟. أ يجوز هذا في العقل؟! (1) ...».

مع رسالة الفضل بن سهل للامام:

و كاتب الامام، و ألح عليه، و كاتبه الفضل بن سهل أيضا ... و بما أن في رسالة الفضل مواضع جديرة بالملاحظة؛ فقد أحببت أن أشير- باختصار- إلى بعض ما يمكن استخلاصه من هذه الرسالة ...

كما أني أوردت نص هذه الرسالة بتمامه مع الوثائق الهامة في أواخر هذا الكتاب؛ ليطلع القارئ عليها بنفسه، و يستخلص منها ما يراه مناسبا و ضروريا ...

أما الملاحظات التي رأيت أن من الضروري الاشارة إليها هنا؛ فتتلخص بما يلي:

ص: 203


1- أعيان الشيعة ج 4 قسم 2 ص 113، و البحار ج 49/ 137، و عيون أخبار الرضا ج 2/ 151، و مسند الإمام الرضا ج 1/ 75.

ملاحظات لا بد منها:

أول ما يطالعنا في هذه الرسالة هو استعمال الفضل لكلمة: «الرضا»، التي تنص وثيقة العهد، و غيرها: على أن المأمون هو الذي جعلها لقبا للإمام (ع)- كما سيأتي- ... فاطلاق الفضل بن سهل لكلمة «الرضا» عليه (ع) يجعلنا نقول- إن لم نقل أنه كان لقبا مشهورا و معروفا له-: إن جعل المأمون هذا اللفظ لقبا رسميا للإمام (ع) كان بوحي من ذي الرئاستين نفسه ... و إن كان يمكن أن يقال عكس ذلك تماما: أي أن استعمال الفضل لهذه الكلمة كان بايحاء من المأمون و لا أقل من كونهما قد اتفقا على ذلك.

و ثانيا: إننا بينما نرى الرسالة تشتمل على تطمين الإمام (ع): بأن قضية ولاية العهد ليست لعبة من المأمون، و إنما هي من آثار سعي ذي الرئاستين، الأمر الذي لا داعي معه للخوف و الوجل على الاطلاق- بينما الرسالة تشتمل على ذلك- نراها تنص على أن قضية ولاية العهد أمر قد قضي بليل. و على أن هناك تصميم من ذي الرئاستين و المأمون على امضاء هذا الأمر، و هذا يعني: أن الممانعة و المقاومة لا تجدي و لا تفيد؛ و لذا فإن من الأفضل له (ع) أن يكف عن ذلك، و يمتنع عنه ...

و هذا ما أشار إليه الفضل بقوله: «... و ان كتابي هذا عن إزماع من أمير المؤمنين، عبد اللّه الإمام المأمون و مني الخ ...».

و ثالثا: يلاحظ: أن الرسالة تتناسب في صياغتها، و انتقاء جملها و ألفاظها مع ذوق الإمام (ع)، و مذهبه العقائدي، و مذهب شيعته.

و تنسجم مع ما يدعيه هو، و يدعيه آباؤه، و كان قد اشتهر و شاع بين الناس: من أن الحق في خلافة النبي (ص) لهم دون غيرهم، و أن الغير- أيا كانوا- ظالمون لهم، و معتدون عليهم في هذا الحق ...

ثم يحاول الفضل أن يفهم الإمام: أنه و إن كان هو و المأمون

ص: 204

قد صمما على توليته العهد، لكنه يقول له، لكن السر في ذلك مختلف بيني و بين المأمون؛ فأنا أقول فيك: أنك ابن رسول اللّه، و أنك المهتدي، و المقتدى، و أرى أن ذلك إرجاع لحقك إليك، و ردّ لمظلمتك عليك.

أما المأمون: فهو يراك شريكا في أمره، و شقيقا في نسبه، و أولى الناس بما تحت يده.

فالفضل يحاول بهذا أن يتقرب من الإمام، و يكتسب محبته و ثقته ...

و لعل إظهار هذا الاختلاف، مما اتفق عليه كل من المأمون و الفضل ...

و هكذا كان السياسيون، و ما زالوا يتكلمون مع أندادهم باللغة، التي يرون أنها توصلهم إلى أهدافهم، و تحقق لهم مآربهم.

و رابعا: و أخيرا ... إنه بعد أن يطلب منه أن لا يضع الرسالة من يده، حتى يصير إلى باب المأمون!! ... نراه يضمن الرسالة إشارة واضحة:

إلى أن ذلك منه (ع) يوجب صلاح الامة به ... و ما ذلك إلا لأنه كان يعلم، كما كان الكل يعلم: أنه إذا تأكد لدى الإمام (ع): أن صلاح الامة متوقف على عمل ما من جهته؛ فإنه لا يتوانى، و لا يألو جهدا في العمل بوظيفته، و القيام بواجبه ... هذا بالاضافة إلى أن في ذلك إشارة للحالة العامة، التي وصفناها في بعض فصول هذا الكتاب ...

ملاحظات هامة:

اشارة

هذا ... و قبل الخوض في تفصيل أسباب البيعة، لا بد من ملاحظة:

أ-:

إن من الطبيعي أن يثير تصرفه هذا حفيظة العباسيين، الذين ناصبوه العداء، و شجعوا أخاه الأمين عليه، و لسوف يزيد من حنقهم، و غضبهم: حتى إنهم رضوا بابراهيم بن شكلة المغني خليفة عليهم، عند ما سمعوا بهذا النبأ الذي كان له وقع الصاعقة عليهم ...

كما أن من الطبيعي أن يثير دهشتهم، و يذهلهم ... بعد أن لم يكن

ص: 205

بينهم رجالات كفاة، يدركون الأعيب السياسة، و دهاء و مكر الرجال.

و قد عبر عن دهشتهم هذه نفس الخليفة الذي اختاروه، و استعاضوا به عن المأمون ... فلقد قال ابن شكلة معاتبا العباسيين:

فلا جزيت بنو العباس خيراعلى رغمي و لا اغتبطت بري

أتوني مهطعين، و قد أتاهم بوار الدهر بالخبر الجلي

و قد ذهل الحواضن عن بنيهاو صد الثدي عن فم الصبي

و حل عصائب الاملاك منهافشدت في رقاب بني علي

فضجت أن تشد على رءوس تطالبها بميراث النبيّ (1)

ب-:

و لكن دهشتهم و غضبهم لا قيمة لهما، في جانب ذهاب الخلافة عنهم بالكلية، و سفك دمائهم ... و قد أوضح لهم ذلك في رسالة منه إليهم، حيث قال: «... و أما ما كنت أردته من البيعة لعلي بن موسى، بعد استحقاق منه لها في نفسه، فما كان ذلك مني إلا أن اكون الحاقن لدمائكم، و الذائد عنكم، باستدامة المودة بيننا و بينهم ...». و الرسالة مذكورة في أواخر هذا الكتاب.

و قريب من ذلك ما جاء في وثيقة العهد، مخاطبا «أهل بيت أمير المؤمنين» حيث قال لهم: «... راجين عائدته في ذلك (أي في البيعة للرضا عليه السلام) في جمع الفتكم، و حقن دمائكم، و لم شعثكم، و سد ثغوركم ...»

فليغضبوا إذن قليلا، فإنهم سوف يفرحون في نهاية الأمر كثيرا، و ذلك عند ما يعرفون الاهداف الحقيقية، التي كانت تكمن وراء تلك اللعبة، و أنها لم تكن إلا من أجل الابقاء عليهم، و استمرار وجودهم

ص: 206


1- التنبيه و الإشراف ص 303. و الولاة و القضاة للكندي ص 168.

في الحكم، و القضاء على اخطر خصومهم، الذين لن يكون الصدام المسلح معهم في صالحهم.

إنهم دون شك عند ما تؤتي تلك اللعبة ثمارها سوف يشكرونه، و يعترفون له بالجميل، و يعتبرون أنفسهم مدينين له مدى الحياة. و لسوف يذكرون دائما قوله لهم في رسالته المشار إليها آنفا: «... فان تزعموا أني أردت أن يؤول إليهم (يعني للعلويين) عاقبة و منفعة، فاني في تدبيركم، و النظر لكم، و لعقبكم، و لابنائكم من بعدكم ...» ...

و مضمون هذه العبارة بعينه- تقريبا- قد جاء في وثيقة العهد، حيث قال فيها، موجها كلامه للعباسيين، رجاء أن يلتفتوا لما يرمي إليه من لعبته تلك ... فبعد أن طلب منهم بيعة منشرحة لها صدورهم- قال-: «... عالمين بما أراد أمير المؤمنين بها، و آثر طاعة اللّه، و النظر لنفسه، و لكم فيها، شاكرين اللّه على ما الهم أمير المؤمنين، من قضاء حقه في رعايتكم، و حرصه على رشدكم، و صلاحكم، راجين عائدته في ذلك في جمع ألفتكم، و حقن دمائكم إلخ. ما قدمناه ...».

لا شك أنه إذا غضب عليه العباسيون؛ فانه يقدر على ارضائهم في المستقبل، «و قد حدث ذلك بالفعل»، عند ما يطلعهم على حقيقة نواياه، و مخططاته، و أهدافه، و لكنه إذا خسر مركزه، و خلافته، فانه لا يستطيع- فيما بعد- أن يستعيدها بسهولة، أو أن يعتاض عنها بشي ء ذي بال ...

ج-:

إن من الانصاف هنا أن نقول: إن اختيار المأمون للرضا (ع) وليا للعهد، كان اختيارا موفقا للغاية، كما سيتضح، و إنه لخير دليل على حنكته و دهائه السياسى، و إدراكه للأسباب الحقيقية للمشاكل التي كان يواجهها المأمون، و يعاني منها ما يعاني ...

د-:

إن من الامور الجديرة بالملاحظة هنا هو أن اختيار المأمون

ص: 207

لولي عهده، الذي لم يقبل إلا بعد التهديد بالقتل ... كان ينطوي في بادئ الرأي على مغامرة لا تنسجم مع ما هو معروف عن المأمون من الدهاء و السياسة؛ إذا ما أخذت مكانة الإمام (ع)، و نفوذه بنظر الاعتبار، سيما مع ملاحظة: أنه هو الذي كان يشكل أكبر مصدر للخطر على المأمون، و نظام حكمه؛ حيث إنه كان يحظى بالاحترام و التقدير، و التأييد الواسع في مختلف الفئات و الطبقات في الامة الاسلامية.

و لكننا إذا دققنا الملاحظة نجد أن المأمون لم يقدم على اختيار الإمام وليا للعهد، إلا و هو على ثقة من استمرار الخلافة في بني أبيه؛ حيث كان الإمام (ع) يكبره ب «22» سنة؛ و عليه فجعل ولاية العهد لرجل بينه، و بين الخليفة الفعلي هذا الفارق الكبير بالسن، لم يكن يشكل خطرا على الخلافة؛ إذ لم يكن من المعروف، و لا المألوف أن يعيش ولي العهد- و هو بهذه السن المتقدمة- لو فرض سلامته من الدسائس و المؤامرات!! ... إلى ما بعد الخليفة الفعلي، فإن ذلك من الامور التي يبعد احتمالها جدا ...

ه-:

و لهذا ... و لأن ما أقدم عليه لم يكن منتظرا من مثله؛ و هو الذي قتل أخاه من أجل الخلافة و الملك، و لأنه من تلك السلالة المعادية لأهل البيت عليهم السلام ... احتاج المأمون إلى أن يثبت صدقه، و اخلاصه فيما أقدم عليه، و أن يقنع الناس بصفاء نيته، و سلامة طويته ... فأقدم لذلك ... على عدة أعمال:

فأولا: أقدم على نزع السواد شعار العباسيين، و لبس الخضرة شعار العلويين و كان يقول: انه لباس أهل الجنة (1). حتى إذا ما انتهى دور هذه الظاهرة بوفاة الإمام الرضا (ع)، و تمكنه هو من دخول بغداد

ص: 208


1- الإمام الرضا ولي عهد المأمون ص 62 عن ابن الأثير.

عاد إلى لبس السواد شعار العباسيين، بعد ثمانية أيام فقط من وصوله، على حد قول أكثر المؤرخين، و قيل: بل بقي ثلاثة أشهر ... نزع الخضرة رغم أن العباسيين، تابعوه، و أطاعوه في لبسها، و جعلوا يحرقون كل ملبوس يرونه من السواد، على ما صرح به في مآثر الإنافة، و البداية و النهاية، و غير ذلك ...

و ثانيا: و لنفس السبب (1) أيضا نراه قد ضرب النقود باسم الإمام الرضا (ع).

و ثالثا: أقدم للسبب نفسه على تزويج الإمام الرضا (ع) ابنته، رغم أنها كانت بمثابة حفيدة له، حيث كان يكبرها الإمام (ع) بحوالي أربعين سنة. كما أنه زوج ابنته الاخرى للامام الجواد (ع)، الذي كان لا يزال صغيرا، أي ابن سبع سنين (2).

و من يدري: فلعله كان يهدف من تزويجهما أيضا إلى أن يجعل عليهما رقابة داخلية. و أن يمهد السبيل، لكي تكون الأداة الفعالة، التي..

ص: 209


1- التربية الدينية ص 100.
2- راجع مروج الذهب ج 3/ 441، و غيره من كتب التاريخ. و في الطبري ج 11/ 1103، طبع ليدن، و البداية و النهاية ج 10/ 269: أنه (ع) لم يدخل بها إلا في سنة 215 للهجرة، و لكن يظهر من اليعقوبي ج 2/ 454 ط صادر: أنه زوج الجواد ابنته بعد وصوله الى بغداد، و أمر له بألفي الف درهم، و قال: إني أحببت أن أكون جدا لامرئ، ولده رسول اللّه، و علي بن أبي طالب، فلم تلد منه انتهى. و هذا يدل على أنه قد بادر إلى تزويج الجواد بعد قتل أبيه الرضا (ع) ليبرئ نفسه من الاتهام بقتل الرضا (ع)؛ حيث إن الناس كانوا مقتنعين تقريبا بذلك و مطمئنين إليه، و سيأتي في أواخر الكتاب البحث عن ظروف و ملابسات وفاته (ع). و يلاحظ: أن كلمة المأمون هذه تشبه الى حد بعيد كلمة عمر بن الخطاب حينما أراد أن يبرر اصراره غير الطبيعي على الزواج بام كلثوم بنت علي (ع)، حتى لقد استعمل اسلوبا غير مألوف في التهديد و الوعيد من أجل الوصول إلى ما يريد ...

يستعملها في القضاء على الإمام (ع)، كما كان الحال بالنسبة لولده الإمام الجواد، الذي قتل بالسم الذي دسته إليه ابنة المأمون، بأمر من عمها المعتصم (1)؛ فيكون بذلك قد أصاب عدة عصافير بحجر واحد ...

كما يقولون ... و يجب أن نتذكر هنا: أن المأمون كان قد حاول أن يلعب نفس هذه اللعبة مع وزيره الفضل بن سهل؛ فألح عليه أن يزوجه ابنته فرفض، و كان الرأي العام معه، فلم يستطع المأمون أن يفعل شيئا، كما سنشير إليه ... لكن الإمام (ع) لم يكن له إلى الرفض سبيل، و لم يكن يستطيع أن يصرح بمجبوريته على مثل هكذا زواج؛ لأن الرأي العام لا يقيل ذلك منه بسهولة ... بل ربما كان ذلك الرفض سببا في تقليل ثقة الناس بالإمام، حيث يرون حينئذ أنه لا مبرر لشكوكه تلك، التي تجاوزت- بنظرهم حينئذ- كل الحدود المألوفة و المعروفة ...

و على كل حال: فإن كل الشواهد و الدلائل تشير إلى أن زواج الإمام من ابنة المأمون كان سياسيا، مفروضا إلى حد ما ... كما أننا لا نستبعد أن يكون زواج المأمون من بوران بنت الحسن بن سهل سياسيا أيضا، حيث أراد بذلك أن يوثق علاقاته مع الايرانيين، و يجعلهم يطمئنون إليه، خصوصا بعد عودته إلى بغداد، و تركه مروا، و ليبرئ نفسه من دم الفضل بن سهل، و يكتسب ثقة أخيه الحسن بن سهل، المعروف بثرائه و نفوذه ...

و رابعا: و للسبب نفسه أيضا كان يظهر الاحترام و التبجيل للامام (ع)- و إن كان يضيق عليه في الباطن (2)- و كذلك كانت الحال بالنسبة لاكرامه4.

ص: 210


1- و لعله قد استفاد ذلك من سلفه معاوية، و ما جرى له مع الإمام الحسن السبط عليه السلام.
2- و قد سبقه الى مثل ذلك سليمان عم الرشيد، عند ما أرسل غلمانه؛ فأخذوا جنازة الكاظم عليه السلام من غلمان الرشيد، و طردوهم. ثم نادوا عليه بذلك النداء المعروف، اللائق بشأنه؛ فمدحه الرشيد، و اعتذر إليه، و لام نفسه، حيث لم يأخذ في اعتباره ما يترتب على ما أقدم عليه من ردة فعل لدى الشيعة، و محبي أهل البيت عليهم السلام، و الذين قد لا يكون للرشيد القدرة على مواجهتهم. و تبعه أيضا المتوكل؛ حيث جاء بالإمام الهادي عليه السلام الى سامراء؛ فكان يكرمه في ظاهر الحال؛ و يبغي له الغوائل في باطن الأمر؛ فلم يقدره اللّه عليه ... على ما صرح به ابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة ص 226، و المجلسي في البحار ج 50/ 203، و المفيد في الإرشاد ص 314.

للعلويين، حيث قد صرح هو نفسه بأن إكرامه لهم ما كان إلا سياسة منه و دهاء، و من أجل الوصول إلى أهداف سياسية معينة؛ فقد قال في رسالته للعباسيين، المذكورة في أواخر هذا الكتاب: «... و أما ما كنت أردته من البيعة لعلي بن موسى ... فما كان ذلك مني، إلا أن اكون الحاقن لدمائكم، و الذائد عنكم؛ باستدامة المودة بيننا و بينهم. و هي الطريق أسلكها في اكرام آل أبي طالب، و مواساتهم في الفي ء، بيسير ما يصيبهم منه ...».

و يذكرني قول المأمون: «و مواساتهم في الفي ء إلخ ...» بقول ابراهيم بن العباس الصولي- و هو كاتب القوم و عاملهم- في الرضا عند ما قربه المأمون:

يمن عليكم بأموالكم و تعطون من مائة واحدا

و-:

إن المأمون- و لا شك- كان يعلم: أن ذلك كله- حتى البيعة للامام- لا يضره ما دام مصمما على التخلص من ولي عهده هذا بأساليبه الخاصة. بعد أن ينفذ ما تبقى من خطته الطويلة الأجل، للخط من الإمام قليلا قليلا، حتى يصوره للرعية بصورة من لا يستحق لهذا الأمر- كما صرح هو نفسه (1)، و كما صرح بذلك أيضا عبد اللّه بن موسى في رسالته إلى المأمون، و التي سوف نوردها في أواخر هذا

ص: 211


1- سنتكلم في القسم الرابع من هذا الكتاب، حول تصريحات المأمون، و خططه بنوع من التفصيل إن شاء اللّه تعالى ...

الكتاب إن شاء اللّه؛ حيث يقول له فيها: «... و كنت الطف حيلة منهم، بما استعملته من الرضا بنا، و التستر لمحننا، تختل واحدا فواحدا منا إلخ ...» (1).

إلى غير ذلك من الشواهد و الدلائل، التي لا تكاد تخفى على أي باحث، أو متتبع ...

أهداف المأمون من البيعة:

اشارة

هذا ... و بعد كل الذي قدمناه، فاننا نستطيع في نهاية المطاف: أن نجمل أهداف المأمون، و ما كان يتوخاه من أخذ البيعة للرضا (ع) بولاية العهد بعده ... على النحو التالي:

الهدف الأول:

أن يأمن الخطر الذي كان يتهدده من قبل تلك الشخصية الفذة، شخصية الامام الرضا (ع)، الذي كانت كتبه تنفذ في المشرق و المغرب، و كان الأرضى في الخاصة و العامة- باعتراف نفس المأمون-، حيث لا يعود باستطاعة الامام (ع) أن يدعو الناس الى الثورة و لا ان يأتي بأيّة حركة ضد الحكم، بعد أن أصبح هو ولي العهد فيه. و لسوف لا ينظر الناس إلى أية بادرة عدائية منه لنظام الحكم القائم إلا على أنها تكران للجميل، لا مبرر لها، و لا منطق يدعمها ...

و قد أشار المأمون إلى ذلك، عند ما صرح بأنه: خشي إن ترك الامام على حاله: أن ينفتق عليه منه ما لا يسده، و يأتي منه عليه ما لا يطيقه

ص: 212


1- مقاتل الطالبيين ص 629.

فأراد أن يجعله ولي عهده ليكون دعاؤه له. كما سيأتي بيانه في فصل:

مع بعض خطط المأمون إن شاء اللّه تعالى ...

الهدف الثاني:

أن يجعل هذه الشخصية تحت المراقبة الدقيقة، و الواعية من قرب، من الداخل و الخارج، و ليمهد الطريق من ثم إلى القضاء عليها بأساليبه الخاصة ... و قد أشرنا فيما سبق، إلى أننا لا نستبعد أن يكون من جملة ما كان يهدف إليه من وراء تزويجه الإمام بابنته، هو: أن يجعل عليه رقيبا داخليا موثوقا عنده هو، و يطمئن إليه الإمام نفسه ...

و إذا ما لا حظنا أيضا، أن: «المأمون كان يدس الوصائف هدية ليطلعنه على أخبار من شاء (1) ...»، و أنه كان: «للمأمون على كل واحد صاحب خبر (2) ...» ... فاننا نعرف السر في إرساله بعض جواريه الى الإمام الرضا (ع) بعنوان: هدية ... و قد أرجعها الإمام (ع) إليه مع عدة أبيات من الشعر، عند ما رآها اشمأزت من شيبه (3).

و لم يكتف بذلك، بل وضع على الإمام (ع) عيونا آخرين، يخبرونه بكل حركة من حركاته، و كل تصرف من تصرفاته ...

فقد كان: «هشام بن ابراهيم الراشدي من أخص الناس عند الرضا (ع)، و كانت امور الرضا تجري من عنده، و على يده. و لكنه لما حمل إلى مرو اتصل هشام بن ابراهيم بذي الرئاستين، و المأمون؛

ص: 213


1- تاريخ التمدن الاسلامي ج 5 جلد 2 ص 549، نقلا عن: العقد الفريد ج 1/ 148.
2- تاريخ التمدن الاسلامي ج 4 جلد 2 ص 441، نقلا عن: المسعودي ج 2/ 225، و طبقات الاطباء ج 1/ 171.
3- البحار ج 49/ 164، و عيون أخبار الرضا ج 2/ 178.

فحظي بذلك عندهما. و كان لا يخفي عليهما شيئا من أخباره؛ فولاه المأمون حجابة الرضا. و كان لا يصل إلى الرضا إلا من أحب، و ضيق على الرضا؛ فكان من يقصده من مواليه، لا يصل إليه. و كان لا يتكلم الرضا في داره بشي ء الا أورده هشام على المأمون، و ذي الرئاستين ...» (1)

و عن أبي الصلت: أن الرضا «كان يناظر العلماء، فيغلبهم، فكان الناس يقولون: و اللّه، إنه أولى بالخلافة من المأمون؛ فكان أهل الأخبار يرفعون ذلك إليه ...» (2)

و أخيرا ... فإننا نلاحظ: أن جعفر بن محمد بن الاشعث، يطلب من الإمام (ع): أن يحرق كتبه إذا قرأها؛ مخافة أن تقع في يد غيره، و يقول الإمام (ع) مطمئنا له: «إني إذا قرأت كتبه إلي أحرقتها ...» (3).

إلي غير ذلك من الدلائل و الشواهد الكثيرة، التي لا نرى أننا بحاجة إلى تتبعها و استقصائها ...

الهدف الثالث:

أن يجعل الإمام (ع) قريبا منه؛ ليتمكن من عزله عن الحياة الاجتماعية، و ابعاده عن الناس، و ابعاد الناس عنه؛ حتى لا يؤثر عليهم بما يمتلكه من قوة الشخصية، و بما منحه اللّه إياه من العلم،

ص: 214


1- البحار ج 49/ 139، و مسند الإمام الرضا ج 1/ 77، 78، و عيون أخبار الرضا ج 2/ 153.
2- شرح ميمية أبي فراس ص 204، و البحار ج 49/ 290، و عيون أخبار الرضا ج 2/ 239.
3- كشف الغمة ج 3/ 92، و مسند الإمام الرضا ج 1/ 187، و عيون أخبار الرضا ج 2/ 219.

و العقل، و الحكمة. و يريد أن يحدّ من ذلك النفوذ له، الذي كان يتزايد باستمرار، سواء في خراسان، أو في غيرها ...

و أيضا ... أن لا يمارس الإمام أي نشاط لا يكون له هو دور رئيس فيه؛ و خصوصا بالنسبة لرجال الدولة؛ إذ قد يتمكن الإمام (ع) من قلوبهم؛ و من ثم من تدبير شي ء ضد النظام القائم، دون أن يشعر أحد ...

و الأهم من ذلك كله: أنه كان يريد عزل الإمام (ع) عن شيعته، و مواليه، و قطع صلاتهم به، و ليقطع بذلك آمالهم، و يشتت شملهم، و يمنع الإمام من أن يصدر إليهم من أوامره، ما قد يكون له أثر كبير على مستقبل المأمون، و خلافته.

و بذلك يكون أيضا قد مهد الطريق للقضاء على الإمام (ع) نهائيا، و التخلص منه بالطريقة المناسبة، و في الوقت المناسب ...

و قد قال المأمون إنه: «يحتاج لأن يضع من الإمام قليلا قليلا، حتى يصوره أمام الرعية بصورة من لا يستحق لهذا الأمر. ثم يدبر فيه بما يحسم عنه مواد بلائه ...» كما سيأتي ...

و قد قرأنا آنفا أنه: «كان لا يصل إلى الرضا إلا من أحب (أي هشام بن إبراهيم)، و ضيق على الرضا؛ فكان من يقصده من مواليه، لا يصل إليه».

كما أن الرضا نفسه قد كتب في رسالة منه إلى أحمد بن محمد البزنطي، يقول: «و أما ما طلبت من الإذن علي؛ فان الدخول إلي صعب، و هؤلاء قد ضيقوا علي في ذلك الآن؛ فلست تقدر الآن، و سيكون إن شاء اللّه ...» (1).2.

ص: 215


1- رجال المامقاني ج 1/ 79، و عيون أخبار الرضا ج 2/ 212.

كما أننا نرى أنه عند ما وصل إلى القادسية، و هو في طريقه إلى مرو، يقول لأحمد بن محمد بن أبي نصر: «اكتر لي حجرة لها بابان: باب إلى الخان، و باب إلى خارج؛ فانه استر عليك ...» (1).

و لعل ذلك هو السبب في طلبه من الإمام (ع)، و من رجاء بن أبي الضحاك: أن يمرا عن طريق البصرة، فالأهواز إلخ ... كما سيأتي:

و لا نستبعد أيضا أن يكون عزل الإمام عن الناس، هو أحد أسباب إرجاع الإمام الرضا عن صلاة العيد مرتين (2) ... و للسبب نفسه أيضا فرق عنه تلامذته، عند ما أخبر أنه يقوم بمهمة التدريس، و حتى لا يظهر علم الإمام، و فضله ... إلى آخر ما هنالك من صفحات تاريخ المأمون السوداء ...

الهدف الرابع:
اشارة

إن المأمون في نفس الوقت الذي يريد فيه أن يتخذ من الامام مجنا يتقي به سخط الناس على بني العباس، و يحوط نفسه من نقمة الجمهور ...

يريد أيضا؛ أن يستغل عاطفة الناس و محبتهم لأهل البيت- و التي زادت

ص: 216


1- بصائر الدرجات ص 246، و مسند الإمام الرضا ج 1/ 155.
2- هذه القضية معروفة و مشهورة؛ فراجع: الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي ص 246، 247، و مطالب السئول، لمحمد بن طلحة الشافعي، طبعة حجرية ص 85، و إثبات الوصية للمسعودي ص 205، و معادن الحكمة ص، 180، 181، و نور الأبصار ص 143، و شرح ميمية أبي فراس ص 165، و إعلام الورى ص 322، 323، و روضة الواعظين ج 1/ 271، 272، و اصول الكافي ج 1/ 489، 490، و البحار ج 49/ 135، 136، 171، 172، و عيون أخبار الرضا، و ارشاد المفيد، و أعيان الشيعة، و كشف الغمة، و غير ذلك ... و لسوف يأتي في فصل: خطة الإمام، و غيره من الفصول، ما يتعلق بذلك إن شاء اللّه تعالى.

و نمت بعد الحالة التي خلفتها الحرب بينه و بين أخيه- و يوظف ذلك في صالحه هو، و صالح الحكم العباسي بشكل عام ...

أي أنه: كان يهدف من وراء لعبته تلك، و التي كان يحسب أنها سوف تكون رابحة جدا- إلى أن يحصل على قاعدة شعبية، واسعة، و قوية. حيث كان يعتقد و يقدر: أن نظام حكمه سوف ينال من التأييد، و القوة، و النفوذ، بمقدار ما كان لتلك الشخصية من التأييد، و النفوذ و القوة ... و إذا ما استطاع في نهاية الأمر أن يقضي عليها، فإنه يكون قد امن خطرا عظيما، كان يتهدده من قبلها، بمقدار ما كان لها من العظمة و الخطر ...

إن المأمون قد اختار لولاية عهده رجلا يحظى بالاحترام و التقدير من جميع الفئات و الطبقات، و له من النفوذ، و الكلمة المسموعة، ما لم يكن لكل أحد سواه في ذلك الحين. بل لقد كان الكثيرون يرون: أن الخلافة حق له، و ينظرون الى الهيئة الحاكمة على أنها ظالمة له و غاصبة لذلك الحق:

يقول الدكتور الشيبي، و هو يتحدث عن الرضا (ع): «إن المأمون جعله ولي عهده، لمحاولة تألف قلوب الناس ضد قومه العباسيين، الذين حاربوه، و نصروا أخاه (1) ...».

و يقول: «... و قد كان الرضا من قوة الشخصية، و سمو المكانة:

أن التف حوله المرجئة، و أهل الحديث، و الزيدية، ثم عادوا إلى مذاهبهم بعد موته ...» (2).4.

ص: 217


1- الصلة بين التصوف و التشيع ص 223، 224 ... و نحن لا نوافق الدكتور الشيبي على أنه كان يريد التقوي بذلك على العباسيين، كما اتضح، و سيتضح إن شاء اللّه ...
2- المصدر السابق ص 214.

و كذلك هو يقول- و هو مهم فيما نحن بصدده-: «... إن الرضا لم يكن بعد توليته العهد إمام الشيعة وحدهم، و إنما مرّ بنا:

أن الناس، حتى أهل السنة، و الزيدية، و سائر الطوائف الشيعية المتناحرة ... قد اجتمعت على إمامته، و اتباعه، و الالتفاف حوله ...» (1).

و هذا كما ترى تصريح واضح منه بهدف المأمون، الذي نحن بصدد بيانه ...

و يقول محمد بن طلحة الشافعي مشيرا إلى ذلك، في معرض حديثه عن الإمام الرضا (ع): «... نما إيمانه، و علا شأنه، و ارتفع مكانه، و كثر أعوانه، و ظهر برهانه، حتى أحله الخليفة المأمون محل مهجته، و أشركه في مملكته ...» (2).

و تقدم أنه (ع) كان- باعتراف المأمون- «الأرضى في الخاصة، و العامة ...» و أن كتبه كانت تنفذ في المشرق و المغرب، حتى إن البيعة له بولاية العهد، لم تزده في النعمة شيئا ... و أنه كان له من قوة الشخصية ما دفع أحد أعدائه لأن يقول في حقه للمأمون: «هذا الذي بجنبك و اللّه صنم يعبد دون اللّه» إلى آخر ما هنالك، مما قدمنا «غيضا من فيض منه».

كما و تقدم أيضا قول المأمون في رسالته للعباسيين: «... و إن تزعموا:

أني أردت أن يؤول إليهم عاقبة و منفعة (يعني للعلويين)؛ فإنى في تدبيركم، و النظر لكم، و لعقبكم، و أبنائكم من بعدكم ...»، و أيضا عبارته التي كتبها المأمون بخط يده في وثيقة العهد؛ فلا نعيد ...

و هكذا ... فما على العباسيين إلا أن ينعموا بالا، و يقروا عينا؛ فإن المأمون كان يدبر الأمر لصالحهم و من أجلهم ... و ليس كما يقوله8.

ص: 218


1- المصدر السابق ص 256.
2- مطالب السئول ص 84، 85، و قريب منه ما في: الاتحاف بحب الأشراف ص 58.

الدكتور الشيبي، و غيره من أنه أراد أن يحصل على التأييد الواسع؛ ليقابل العباسيين، و يقف في وجههم.

إشارة هامة لا بد منها:

هذا ... و يحسن بنا أن نشير هنا: إلى ما قاله ابن المعتز في الروافض.

و القاء نظرة فاحصة على السبب الذي جعلهم مستحقين لهذه الحملة الشعواء منه ... فهو يقول:

لقد قال الروافض في علي مقالا جامعا كفرا و موقا

زنادقة أرادت كسب مال من الجهال فاتخذته سوقا

و أشهد أنه منهم بريّ و كان بأن يقتلهم خليقا

كما كذبوا عليه و هو حي فأطعم ناره منهم فريقا

و كانوا بالرضا شغفوا زماناو قد نفخوا به في الناس بوقا

و قالوا: إنه رب قديرفكم لصق السواد به لصوقا (1) و هذه الأبيات تعبر عن مدى صدمة ابن المعتز، و خيبة أمله في الروافض، الذين ضايقه جدا امتداد دعوتهم في طول البلاد الاسلامية، و عرضها. و خصوصا في زمن الرضا. و الذي لم يجد شيئا يستطيع أن يتنقص به إمامهم الرضا (ع) سوى أنه كان اسود اللون؛ و أن الروافض قالوا: إنه رب قدير ... و سرّ حنقه هذا على الروافض ليس هو إلا عقيدتهم في علي (ع)- التي كان يراها خطرا حقيقيا على القضية العباسية- و التي تتلخص بأنه (ع): يستحق الخلافة بالنص. و هذه العقيدة و المقالة هي التي جعلتهم يستحقون من ابن المعتز أن يجمع لهم بين

ص: 219


1- ديوان ابن المعتز ص 300، 301، و الأدب في ظل التشيع ص 206.

و صفي الكفر و الزندقة، و اتهامه لهم، بأنهم يقصدون بذلك كسب المال من الجهال. ثم يتهمهم بأنهم قد قالوا بنفس هذه المقالة في علي الرضا (ع)؛ فقالوا: إنه الإمام الثابت إمامته بالنص، و شهّروا بذلك، حتى علم به عامة الناس، و نفخوا به في الناس بوقا ... و حتى لقد التف حوله أهل الحديث، و الزيدية، بل و المرجئة، و أهل السنة، على حد تعبير الشيبي، و قالوا: بإمامة أبيه، ثم بإمامته ..

و بديهي ... أن لا يرتاح ابن المعتز، الذي كان في صميم الاسرة العباسية لهذا الامتداد للتشيع، و لمقالة الروافض، حيث إن ذلك يعني أن الأئمة الذين هم بين الرضا، و علي أمير المؤمنين عليهما السلام، كلهم تثبت إمامتهم بالنص ...

و لقد بلغ من حنقه عليهم، بسبب ذلك الامتداد الواسع لعقيدتهم- و خصوصا في زمان الرضا- أن دفعه إلى أن يخلط عن عمد، أو عن غير عمد بين عقيدة الروافض هذه، و بين عقيدة الغلاة، حيث أضاف إلى مقالة الروافض تلك مقالة اخرى، هي: القول بألوهية علي (ع).

و إذا كنا واثقين من أن الفرق الشاسع بين عقيدة الروافض، و عقيدة الغلاة، لم يكن ليخفى على مثل ابن المعتز، بل على من هو أقل منه بمراتب، فإننا سوف ندرك بما لا مجال معه للشك:

أنه يقصد بهذا الخلط المعتمد: التشنيع على الروافض، و تهجين عقيدتهم، إذ أنه يقصد ب «الروافض»،- حسبما هو صريح كلامه- خصوص القائلين بإمامة الرضا، و إمامة علي أمير المؤمنين، و من بينهما. و هو يعلم و كل أحد يعلم: أنه ليس فيهم من يقول بالوهية أحدهما، أو ألوهيتهما، أو ألوهية غيرهما من أئمة أهل البيت عليهم السلام.

و أخيرا ... فإن قول و اعتراف ابن المعتز هذا- و هو من نعلم-

ص: 220

لخير دليل على مدى تحرر الشيعة في زمن الرضا، و اتساع نفوذهم، و على أن شخصية الرضا (ع)، كانت قد استقطبت قطاعا واسعا، إن لم نقل: أنه القطاع الأكبر من الامة الاسلامية، في طول البلاد و عرضها، في تلك الفترة من الزمن، و قد تقدم بعض ما يدل على ذلك، فلا نعيد.

الهدف الخامس:

هذا ... و نستطيع أن نقول أيضا: إنه كان يريد أن يقوي من دعائم حكمه، حيث قد أصبح الحكم يمتلك شخصية تعنو لها الجباه بالرضا و التسليم. و لقد كان الحكم بأمس الحاجة الى شخصية من هذا القبيل ...

في مقابل أولئك المتزلفين القاصرين، الذين كانوا يتجمعون حول الحكم العباسي، طلبا للشهرة، و طمعا بالمال، و الذين لم يعد يخفى على أحد حالهم و مآلهم ... و على الأخص بعد أن رأى فشلهم في صد حملات علماء الملل الاخرى، و الذين كانوا قد ضاعفوا نشاطاتهم، عند ما رأوا ضعف الدولة، و تمزقها، و تفرقها الى جماعات و أحزاب ...

نعم ... لقد كان الحكم يحتاج إلى العلماء الاكفاء، و الأحرار في تفكيرهم، و في نظرتهم الواعية للانسان و الحياة، و لم يعد بحاجة الى المتزلفين، و الجامدين، و الانهزاميين، و لهذا نراه يستبعد أصحاب الحديث الجامدين، الذين كان أكثرهم في الجهة المناوئة له، يشدون من أزرها، و يقيمون أودها ... و يقرب المعتزلة: كبشر المريسي، و أبي الهذيل العلاف و أضرابهما. و لكن الشخصية العلمية، التي لا يشك أحد في تفوقها على جميع أهل الأرض علما و زهدا، و ورعا و فضلا الخ ... كانت منحصرة في الامام الرضا (ع)، باعتراف من نفس المأمون، كما قدمنا، و لهذا فقد كان الحكم يحتاج إليها أكثر من احتياجه لأية شخصية اخرى، مهما بلغت.

ص: 221

الهدف السادس:

و لعل من الأهمية بمكان بالنسبة إليه، أنه يكون في تلك الفترة المليئة بالقلاقل و الثورات، قد أتى الامة بمفاجئة مثيرة، من شأنها أن تصرف أنظار الناس عن حقيقة ما يجري، و ما يحدث، و عن واقع المشاكل التي كان يعاني الحكم و الامة منها، و ما أكثرها ...

و قد عبر ابراهيم بن المهدي، عن دهشة بني العباس في أبياته المتقدمة ...

حتى لقد ذهل- على حدّ قوله- الحواضن عن بنيها! و صد الثدي عن فم الصبي!!» و بعد هذا ... فلسنا بحاجة إلى كبير عناء، لإدراك مدى دهشة غيرهم:

ممن رأوا و سمعوا بمعاملة العباسيين لأبناء عمهم. و لسوف ندرك مدى عظمة دهشتهم تلك إذا ما لا حظنا: أنهم كانوا سياسيا أقل وعيا و تجربة من مثل ابراهيم بن المهدي، الذي عاش في أحضان خلافة. كان بمرأى و مسمع من الأعيب السياسة، و مكر الرجال ...

الهدف السابع:
اشارة

هذا ... طبيعي بعد هذا: أنه قد أصبح يستطيع أن يدعي، بل لقد ادعى بالفعل- على ما في وثيقة العهد-: أن جميع تصرفاته، و أعماله، لم يكن يهدف من ورائها، إلا الخير للامة، و مصلحة المسلمين، و حتى قتله أخاه، لم يكن من أجل الحكم، و الرئاسة، بقدر ما كان من أجل خير المسلمين، و المصلحة العامة، يدل على ذلك: أنه عند ما رأى أن خير الامة، إنما هو في اخراج الخلافة من بني العباس كلية، و هم الذين ضحوا الكثير في سبيلها، و قدموا من أجلها ما يعلمه كل أحد- عند ما رأى ذلك- و أن ذلك لا يكون إلا باخراجها إلى ألد أعدائهم،

ص: 222

سارع إلى ذلك، بكل رضى نفس، و طيبة خاطر ... و ليكون بذلك قد كفر عن جريمته النكراء، و التي كانت أحد أسباب زعزعة ثقة الناس به، ألا و هي: قتله أخاه الأمين، العزيز على العباسيين و العرب ...

و ليكون بذلك، قد ربط الامة بالخلافة، و كسب ثقتها فيها، و شد قلوب الناس، و أنظارهم إليها؛ حيث أصبح باستطاعتهم أن ينتظروا منها أن تقيم العدل، و ترفع الظلم، و أن تكون معهم، و في خدمتهم، و تعيش قضاياهم. و ليكون لها من ثم من المكانة و التقدير، ما يجعلها في منأى و مأمن من كل من يتحينون بها الفرص، و يبغون لها الغوائل ...

و يدل على ذلك- عدا عما ورد في وثيقة العهد- ما ورد من أن المأمون كتب إلى عبد الجبار بن سعد المساحقي، عامله على المدينة: أن اخطب الناس، و ادعهم إلى بيعة الرضا؛ فقام خطيبا؛ فقال:

«يا أيها الناس، هذا الأمر الذي كنتم فيه ترغبون، و العدل الذي كنتم تنتظرون، و الخير الذي كنتم ترجون، هذا علي بن موسى، بن جعفر، بن محمد، بن علي؛ بن الحسين؛ بن علي بن أبي طالب:

ستة آباؤهم ما هم من أفضل من يشرب صوب الغمام (1) و قد أكد ذلك بحسن اختياره؛ إذ قد اختار هذه الشخصية، التي تمثل- في الحقيقة- أمل الامة، و رجاءها، في حاضرها، و مستقبلها.

و تكون النتيجة- بعد ذلك- أنه يكون قد حصل على حماية لكل تصرف يقدم عليه في المستقبل، و كل عمل يقوم به ... مهما كان غريبا، و مهما كان غير معقول؛ فإن على الامة أن تعتبره صحيحا و سليما،ه.

ص: 223


1- العقد الفريد ج 3/ 392، طبع مصطفى محمد بمصر سنة 1935 و «ما» في البيت زائدة ... و لا يخفى ما في البيت، و قد أثبتناه، كما وجدناه.

لا بد منه، و لا غنى عنه، و إن لم تعرف ظروفه، و دوافعه الحقيقية.

بل و حتى مع علمها بها؛ فان عليها أن تؤوّل ما يقبل التأويل، و إلا ...

فإن عليها أن تدفن رأسها في التراب، و تتناسى ما تعلم ... أو أن تعتبر نفسها قاصرة عن إدراك المصالح الحقيقية الكامنة في تلك التصرفات الغريبة، و أن ما أدركته و لو كان حقا- لا واقع له، و لا حقيقة وراءه و يدل على ذلك بشكل واضح ابيات ابن المعتز الآتية ص 305/ 306، يقول ابن المعتز:

و أعطاكم المأمون حق خلافةلنا حقها لكنه جاد بالدنيا

ليعلمكم أن الّتي قد حرصتمواعليها و غودرتم على اثرها صرعى

يسير عليه فقدها غير مكثركما ينبغي للصالحين ذوى التقوى و على كل حال؛ فإنه يتفرع على ما ذكرناه:

أولا: إنه بعد أن أقدم على ما أقدم عليه؛ فليس من المنطقي بعد للعرب أن يسخطوا عليه، بسبب معاملة أبيه، أو أخيه، و سائر أسلافه لهم؛ فإن المرء بما كسب هو، لا بما كسب أهله، و لا تزر وازرة وزر أخرى ...

و كيف يجوز لهم أن يغضبوا بعد، و هو قد أرجع الخلافة إليهم، بل و إلى أعرق بيت فيهم. و عرفهم عملا: أنه لا يريد لهم، و لغيرهم، إلا الصلاح و الخير ...

و ليس لهم بعد حق في أن ينقموا عليه معاملته القاسية لهم، و لا قتله أخاه، و لا أن يزعجهم، و يخيفهم تقريبه للايرانيين، و لا جعله مقر حكمه مروا إلى آخر ما هنالك ... ما دام أن الخلافة قد عادت إليهم، على حسب ما يشتهون، و على وفق ما يريدون ...

و من هنا ... فلا يجب أن نعجب كثيرا؛ حين نراهم: قد تلقوا بيعة الرضا بنفوس طيبة، و قلوب رضية ... حتى أهل بغداد نرى أنهم قد تقبلوها إلى حد كبير؛ فقد نص المؤرخون- و منهم الطبري و ابن مسكويه- على أن بعضهم وافق، و البعض الآخر- و هم أنصار بني

ص: 224

العباس- رفض. و هذا يدل دلالة واضحة: على أن بغداد، معقل العباسيين الأول، كانت تتعاطف مع العلويين إلى درجة كبيرة ...

بل و نص المؤرخون، على أن: ابراهيم بن المهدي، المعروف بابن شكلة، الذي بويع له في بغداد غضبا من تولية الرضا للعهد: لم يستطع أن يسيطر إلا على بغداد، و الكوفة و السواد (1)، بل و حتى الكوفة قد استمرت الحرب قائمة فيها على ساق و قدم أشهرا عديدة بين أنصار المأمون، و عليهم الخضرة، و أنصار العباسيين و عليهم السواد (2).

و ثانيا: و أما الايرانيون عامة، و الخراسانيون خاصة، و المعروفون بتشيعهم للعلويين؛ فقد ضمن المأمون استمرار تأييدهم له، و ثقتهم به؛ بعد أن حقق لهم غاية أمانيهم، و أغلى أحلامهم، و أثبت لهم عملا، حبه لمن يحبون، و ودّه لمن يودّون ... و أن لا ميزة عنده لعباسي على غيره، و لا لعربي على غيره، و أن الذي يسعى إليه، هو- فقط خير الامة، و مصلحتها؛ بجميع فئاتها، و مختلف طبقاتها، و أجناسها ...

ملاحظة هامة:

إن من الجدير بالملاحظة هنا: أن الرضا (ع) كان قد قدم إلى إيران قبل ذلك. و الظاهر أنه قدمها في حدود سنة 193 ه.، أي في الوقت المناسب لوفاة الرشيد؛ فقد ذكر الرضي المعاصر للمجلسي في كتابه: ضيافة الإخوان: أن عليا الرضا (ع) كان مستخفيا في قزوين في دار داود بن سليمان الغازي أبي عبد اللّه، و لداود نسخة يرويها عن الرضا (ع)، و أهل قزوين يروونها عن داود، كاسحاق بن محمد، و علي بن مهرويه (3).

ص: 225


1- راجع البداية و النهاية ج 10/ 248، و غيره من كتب التاريخ. و زاد أحمد شلبي في كتابه: التاريخ الإسلامي و الحضارة الإسلامية ج 3/ 105- زاد على ذلك: المدائن أيضا.
2- راجع: الكامل لابن الأثير ج 5/ 190، و البداية و النهاية ج 10/ 248، و غير ذلك.
3- راجع كتاب: ضيافة الاخوان مخطوط في مكتبة المدرسة الفيضية في قم، في ترجمة أبي عبد اللّه القزويني، و علي بن مهرويه القزويني.

و قال الرافعي في التدوين: «و قد اشتهر اجتياز علي بن موسى الرضا بقزوين. و يقال: إنه كان مستخفيا في دار داوود بن سليمان الغازي، روى عنه النسخة المعروفة، و روى عنه اسحاق بن محمد، و علي بن مهرويه، و غيرهما.

قال الخليل: و ابنه المدفون في مقبرة قزوين، يقال: إنه كان ابن سنتين، أو أصغر ...» (1) انتهى كلام الرافعي.

و المراد بالخليل في كلامه، هو الخليل بن عبد اللّه بن أحمد بن إبراهيم الخليلي، القزويني، و هو الحافظ المشهور، مصنف كتاب الارشاد، و كتاب تاريخ قزوين، الذي فرغ من تأليفه حوالي سنة أربعمائة هجرية، و كانت وفاته سنة 446 ه.

الهدف الثامن:
اشارة

لقد كان من نتائج اختياره الإمام، و البيعة له بولاية العهد- التي كان يتوقعها-: أن أخمد ثورات العلويين في جميع الولايات و الامصار.

و لعله لم تقم أية ثورة علوية ضد المأمون- بعد البيعة للرضا، سوى ثورة عبد الرحمن بن أحمد في اليمن. و كان سببها- باتفاق المؤرخين- هو فقط: ظلم الولاة و جورهم، و قد رجع إلى الطاعة بمجرد الوعد بتلبية مطالبه ...

بل لا بد لنا أن نضيف الى ذلك:

أ-:

إنه ليس فقط أخمد ثوراتهم ... بل لقد حصل على ثقة

ص: 226


1- التدوين قسم 2 ورقة 235 مخطوط في مكتبة (دفتر تبليغات اسلامي) في قم، في ترجمة علي الرضا ...

الكثيرين منهم، و من والاهم، و شايعهم، و الخراسانيون منهم، و يشير المأمون إلى هذا المعنى في رسالته، التي أرسلها إلى عبد اللّه بن موسى؛ حيث يقول:

«... ما ظننت أحدا من آل أبي طالب يخافني؛ بعد ما عملته بالرضا» و الرسالة مذكورة في أواخر هذا الكتاب ... كما أنه كتب للعباسيين في بغداد في رسالته، التي أشرنا إليها غير مرة، يقول لهم:

إنه يريد بذلك أن يحقن دماءهم، و يذود عنهم؛ باستدامة المودة بينهم، و بين العلويين ...

ب:

بل و نزيد هنا على ما تقدم: أنه قد بايعه منهم و من أشياعهم من لم يكن بعد قد بايعه، و هم قسم كبير جدا، بل لقد بايعه اكثر المسلمين، و دانوا له بالطاعة، بعد أن كانوا مخالفين له ممتنعين عن بيعته، حسبما قدمناه ...

و هذه دون شك هي إحدى امنيات المأمون، بل هي أجل امنياته و أغلاها.

ج:

قال ابن القفطي في معرض حديثه عن عبد اللّه بن سهل ابن نوبخت:

«... هذا منجم مأموني، كبير القدر في صناعته، يعلم المأمون قدره في ذلك. و كان لا يقدم إلا عالما مشهودا له، بعد الاختبار ...

و كان المأمون قد رأى آل أمير المؤمنين، علي بن أبي طالب متخشّين، متخفين، من خوف المنصور، و من جاء بعده من بني العباس. و رأى العوام قد خفيت عنهم أمورهم بالاختفاء؛ فظنوا ما يظنونه بالانبياء، و يتفوهون بما يخرجهم عن الشريعة، من التغالي ...

فأراد معاقبة العامة على هذا الفعل ...

ص: 227

ثم فكر: أنه إذا فعل هذا بالعوام زادهم إغراء به؛ فنظر نظرا دقيقا، و قال: لو ظهروا للناس، و رأوا فسق الفاسق منهم، و ظلم الظالم، لسقطوا من أعينهم، و لا نقلب شكرهم لهم ذما ...

ثم قال: إذا أمرناهم بالظهور خافوا، و استتروا، و ظنوا بنا سوءا، و إنما الرأي: أن نقدم أحدهم، و يظهر لهم إماما، فإذا رأوا هذا أنسوا، و ظهروا، و أظهروا ما عندهم من الحركات الموجودة في الآدميين؛ فيحقق للعوام حالهم، و ما هم عليه، مما خفي بالاختفاء؛ فإذا تحقق ذلك أزلت من أقمته، و رددت الأمر إلى حالته الاولى ...

و قوي هذا الرأي عنده، و كتم باطنه عن خواصه ... و أظهر للفضل ابن سهل: أنه يريد أن يقيم إماما من آل أمير المؤمنين علي صلوات اللّه عليه.

و فكر هو و هو، فيمن يصلح، فوقع إجماعهما على الرضا؛ فأخذ الفضل بن سهل في تقرير ذلك، و ترتيبه و هو لا يعلم باطن الأمر.

و أخذ في اختيار وقت لبيعة الرضا؛ فاختار طالع السرطان، و فيه المشتري الخ» (1).

ثم ذكر أن عبد اللّه بن سهل أراد اختيار المأمون؛ فأخبره أن البيعة لا تتم إذا وقعت في ذلك الوقت؛ فهدده المأمون بالقتل إن لم تقع البيعة في ذلك الوقت بالذات، لأنه سوف يعتبر أنه هو الذي أفسد عليه ما كان دبره الخ ...

و ابن القفطي هنا، لا يبدو أنه يعتبر الإمام الرضا (ع) من أولئك الذين يريد المأمون إظهار تفاهاتهم للناس، و لكنه يوجه نظره إلى بقية2.

ص: 228


1- تاريخ الحكماء ص 221، 222.

العلويين في ذلك ... و نحن إن كنا لا نستبعد من المأمون ما ذكره ابن القفطي هنا لكننا لا نستطيع أن نعتبر أن هذا كان من الأسباب الرئيسية لدى المأمون، إذ لا نعتقد أن المأمون كان من السذاجة بحيث يجهل أن بقية العلويين لم يكونوا- إجمالا- على الحال التي كان يريد أن يظهرهم عليها للناس، و أنهم كانوا أكثر تدينا و التزاما من أي فئة اخرى على الإطلاق ...

هذا ... و لسوف نرى أن أحمد أمين المصري يأخذ برأي ابن القفطي هذا. لكنه ينظر فيه إلى خصوص أئمة أهل البيت (ع)، كما سيأتي بيانه، و بيان مدى خطله و فساده في الفصل التالي. و فيه دلالة على أن الفضل كان مخدوعا، و على أن المأمون لم يكن مخلصا فيما اقدم عليه ...

د-:

إنه لا بد لنا من الإشارة هنا إلى أن اكثر ثورات العلويين، التي قامت ضد المأمون- قبل البيعة للرضا (ع) طبعا- كانت من بني الحسن، و بالتحديد من أولئك الذين يتخذون نحلة الزيدية؛ فأراد المأمون أن يقف في وجههم، و يقضي عليهم، و على نحلتهم تلك نهائيا، و إلى الأبد؛ فأقدم على ما أقدم عليه من البيعة للرضا (ع) بولاية العهد ...

هذا ... و قد كانت نحلة الزيدية هذه- شائعة في تلك الفترة، و كانت تزداد قوة يوما عن يوم، و كان للقائمين بها نفوذ واسع، و كلمة مسموعة، حتى إن المهدي قد استوزر يعقوب بن داود، و هو زيدي، و آخاه، و فوضه جميع امور الخلافة (1).

و على حد تعبير الشبراوي: «... فولاه الوزارة، و صارت الأوامر كلها بيديه؛ و استقل يعقوب حتى حسده جميع أقرانه ...» (2).

ص: 229


1- البداية و النهاية ج 10/ 147، و غيره من كتب التاريخ؛ فراجع فصل: مصدر الخطر على العباسيين.
2- الاتحاف بحب الأشراف ص 112.

بل كان «لا ينفذ للمهدي كتاب إلى عامل؛ فيجوز، حتى يكتب يعقوب إلى أمينه و ثقته بانفاذه ...» (1).

و قد بلغ من نفوذ يعقوب هذا ... أن قال فيه بشار بن برد أبياته المشهورة، التي قدمناها، و التي يقول فيها: «إن الخليفة يعقوب ابن داود».

و قد سعي بيعقوب هذا إلى المهدي: و قيل له: «... إن الشرق و الغرب في يد يعقوب، و أصحابه؛ و إنما يكفيه أن يكتب إليهم؛ فيثوروا في يوم واحد؛ فيأخذوا الدنيا ...» (2).

و ذلك لأنه قد: «أرسل يعقوب هذا إلى الزيدية، و أتى بهم من كل أوب، و ولاهم من امور الخلافة في المشرق و المغرب كل جليل، و عمل نفيس، و الدنيا كلها في يديه ...» (3).

و إذا ما عرفنا أن معاوني يعقوب إنما كانوا هم: متفقهة الكوفة، و البصرة، و أهل الشام (4) ... فإننا نعرف أن الاتجاه الزيدي سوف يؤثر كثيرا، و كثيرا جدا على الثقافة العامة، و الاتجاهات الفكرية في ذلك العصر- كما حدث ذلك فعلا ... حتى لقد صرح ابن النديم بأن:

«أكثر علماء المحدثين إلا قليلا منهم، و كذلك قوم من الفقهاء، مثل:

سفيان الثوري، و سفيان بن عيينة كانوا من الشيعة الزيدية ...» (5).

و قد صرح المؤرخون أيضا: بأن أصحاب الحديث جميعهم، قد3.

ص: 230


1- الطبري ج 10/ 486، و الكامل لابن الأثير ج 5/ 60، و مرآة الجنان ج 1/ 418.
2- الكامل لابن الأثير ج 5/ 66، 67.
3- الطبري ج 10/ 508، طبع ليدن، و الوزراء و الكتاب للجهشياري ص 158، و الكامل لابن الأثير ج 5/ 66.
4- الطبري، طبع ليدن ج 10/ 486.
5- الفهرست لابن النديم ص 253.

خرجوا مع ابراهيم بن عبد اللّه بن الحسن، أو أفتوا بالخروج معه (1).

و على كل حال ... فإن ما يهمنا بيانه هنا: هو أن المأمون كان يريده

ص: 231


1- مقاتل الطالبيين ص 377، و غيرها من الصفحات، و غيرها من الكتب ... و يرى بعض أهل التحقيق: أن المقصود هو جميع أصحاب الحديث في الكوفة ... و لكن الظاهر أن المراد: الجميع مطلقا، كما يظهر من مراجعة مقاتل الطالبيين و غيره ... و الأمر الذي تجدر الإشارة إليه هنا: هو أن فرقة من الزيدية، و فرقة من أصحاب الحديث، قد قالوا بالإمامة على النحو الذي يقول به الشيعة الإمامية، عند ما جعل المأمون «الرضا عليه السلام» وليا لعهده. لكنهم بعد وفاة الرضا عليه السلام رجعوا عن ذلك: قال النوبختي في فرق الشيعة ص 86: «... و فرقة منهم تسمى «المحدثة» كانوا من أهل الارجاء، و أصحاب الحديث، فدخلوا في القول بامامة موسى بن جعفر، و بعده بامامة علي بن موسى، و صاروا شيعة؛ رغبة في الدنيا و تصنعا. فلما توفي علي بن موسى عليه السلام رجعوا إلى ما كانوا عليه ... و فرقة كانت من الزيدية الأقوياء، و البصراء، فدخلوا في إمامة علي بن موسى (ع)، عند ما أظهر المأمون فضله، و عقد بيعته؛ تصنعا للدنيا، و استكانوا الناس بذلك دهرا. فلما توفي علي بن موسى (ع) رجعوا إلى قومهم من الزيدية ...» و قد تقدم قول الشيبي: إنه قد التف حول الرضا (ع) «المرجئة، و أهل الحديث، و الزيدية، ثم عادوا إلى مذاهبهم بعد موته ...» و غير ذلك ... و الذي نريد أن نقوله هنا هو: أن «الارجاء دين الملوك»، على حد تعبير المأمون (على ما نقله عنه في ضحى الاسلام ج 3/ 326)، نقلا عن طيفور في تاريخ بغداد ... و في البداية و النهاية ج 10/ 276: أن المأمون قال للنضر بن شميل: ما الارجاء؟. قال: «دين يوافق الملوك، يصيبون به من دنياهم، و ينقصون به من دينهم» قال: صدقت الخ ... و ليراجع كتاب بغداد ص 51. و عمدة القول بالارجاء (القديم) هو: المغالاة في الشيخين، و التوقف في الصهرين؛ فالارجاء و التشيع، و خصوصا القول بامامة موسى بن جعفر، و ولده علي الرضا على طرفي نقيض و من هنا كانت المساجلة الشعرية بين المأمون المظهر لحب علي و ولده، و ابن شكلة المرجي، يقول المأمون معرضا بابن شكلة: إذا المرجي سرك أن تراه يموت لحينه من قبل موته فجدد عنده ذكرى علي و صل على النبي و آل بيته

------------

أما ابن شكلة فيقول معرضا بالمأمون:

إذا الشيعي جمجم في مقال فسرك أن يبوح بذات نفسه

فصل على النبي و صاحبيه وزيريه و جاريه برمسه راجع: مروج الذهب ج 3/ 417، و الكنى و الألقاب ج 1/ 331.

و بعد هذا ... فانه لمن غرائب الامور حقا، الانتقال دفعة واحدة من القول بالارجاء إلى التشيع، بل الى الرفض (و هو الغلو في التشيع حسب مصطلحهم، و الذي يتمثل بالقول بامامة الأئمة الاثني عشر عليهم السلام). و أغرب من ذلك العودة إلى الارجاء بعد موت علي الرضا عليه السلام ...

و هذا ان دل على شي ء؛ فانما يدل على مدى تأثير السياسة و المال في هؤلاء الذين أخذوا على عاتقهم- بادعائهم- مسئولية الحفاظ على الدين و الذود عن العقيدة؛ فانهم كانوا في غاية الانحطاط الديني، يتلونون- طمعا بالمال و الشهرة- ألوانا؛ حتى إن ذلك يحملهم على القول بعقيدة، ثم القول بضدها، ثم الرجوع الى المقالة الاولى، إذا رأوا أن الحاكم يرغب في ذلك، و يميل إليه، و لهذا سموا ب «الحشوية» يعني: أتباع و حشو الملوك، و أذناب كل من غلب، و يقال لهم أيضا (و هم في الحقيقة أهل الحديث): «الحشوية، و النابتة، و الغثاء، و الغثر ...» على ما في كتاب: تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ص 80.

و راجع أيضا فرق الشيعة، و رسالة الجاحظ في بني أميّة، و غير ذلك ...

بل لقد أطلق عليهم المأمون نفسه لفظ «الحشوية» في مناقشته المشهورة للفقهاء و العلماء المذكورة في العقد الفريد و البحار، و عيون أخبار الرضا و غير ذلك ...

و قال عنهم الزمخشري في مقام استعراضه للمذاهب و النحل، و معتنقيها:

و إن قلت من أهل الحديث و حزبه يقولون تيس ليس يدري و يفهم و يقابل كلمة «الحشوية» كلمة «الرافضة» التي شاع اطلاقها على الشيعة الإمامية.

و معناها في الأصل: جند تركوا قائدهم؛ فحيث إن الشيعة لم يكونوا قائلين بامامة أولئك المتغلبين، سموهم ب «الرافضة»؛ و لذا جاء في تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 161:

أن معاوية كتب إلى عمرو بن العاص:

ص: 232

------------

«أما بعد ... فانه قد كان من أمر علي و طلحة و الزبير ما قد بلغك؛ فقد سقط إلينا مروان في رافضة أهل البصرة الخ ...». و مثل ذلك ما في وقعة صفين لنصر بن مزاحم ص 34. فالمراد بكلمة رافضة هنا هو ذلك المعنى اللغوي الذي أشرنا إليه؛ فسمي الشيعة بالرافضة؛ لأنهم- كما قلنا- رفضوا الانقياد لأولئك الحكام المتغلبين ...

يقول السيد الحميري على ما جاء في ديوانه و غيره- يهجو بعض من اتهمه بالرفض ليقتله المنصور:

أبوك ابن سارق عنز النبي و أمك بنت أبي جحدر

و نحن على رغمك الرافضون لأهل الضلالة و المنكر و لكن قد جاء في الطبري، مطبعة الاستقامة ج 6 ص 498، و البداية و النهاية ج 9 ص 330، و مقدمة ابن خلدون ص 198، و مقالات الاسلاميين ج 1 ص 130، و غاية الاختصار ص 134: أن سبب تسمية الشيعة ب «الرافضة» هو أنهم عند ما تركوا نصرة زيد بن علي في سنة 122 ه. قال لهم زيد: رفضتموني، رفضكم اللّه. و هذا كذب راج على بعض الشيعة أيضا حيث ذكروا و ذكر الطبري في نفس الصفحة المشار إليها آنفا: أن التسمية كانت من المغيرة بن سعيد، لما رفضته الشيعة ... و كانت قضيته سنة 119 ه.

و لكن الحقيقة هي أن التسمية بالرافضة كانت قبل سنتي 122 ه. و 119 ه. فقد جاء في المحاسن للبرقي ص 119 طبع النجف، باب الرافضة: أن الشيعة كانوا يشكون إلى الباقر المتوفى سنة 114 أن الولاة قد استحلوا دماءهم و أموالهم باسم: «الرافضة» الخ ...

و جاء في ميزان الاعتدال طبع سنة 1963 م. ج 2 ص 584 بعد ذكره لاسناد طويل أن الشعبي المتوفى سنة 104 ه. قال لأحدهم: «ائتني بشيعي صغير، اخرج لك منه رافضيا كبيرا» ...

و في كتاب: روض الأخيار المنتخب من ربيع الأبرار ص 40، أن الشعبي قال:

«أحبب آل محمد و لا تكن رافضيا، و أثبت و عيد اللّه، و لا تكن مرجئيا ...».

بل لدينا ما يدل على أن تسمية الشيعة ب «الرافضة» كان قبل سنة المائة؛ فقد جاء في المحاسن و المساوي للبيهقي ص 212، طبع دار صادر و أمالي السيد المرتضى ج 1 ص 68 هامش: أنه لما أنشد الفرزدق أبياته المشهورة في الامام زين العابدين، المتوفى سنة 95 ه قال عبد الملك بن مروان المتوفى سنة 86 ه للفرزدق: «أ رافضي أنت يا فرزدق؟!». و على كل حال: فان ذلك كله قد كان قبل قضيتي زيد و المغيرة ابن سعيد بزمان بعيد ...

ص: 233

أن يقضي على الزيدية، و يكسر شوكتهم بالبيعة للامام الرضا (ع) بولاية العهد؛ و لهذا نرى أنه قد طبق اللقب، الذي طالما دعا إليه الزيدية، و اعترف به العباسيون، بل و دعوا إليه في بدء دعوتهم و دولتهم، ألا و هو لقب: «الرضا من آل محمد»، طبقه على علي ابن موسى (ع)؛ فسماه: «الرضا من آل محمد» (1). فأصبحت بذلك حجته قوية على الزيدية، بل لم يعد لهم حجة أصلا. و أصبح يستطيع أن ينام قرير العين، إذ قد أصبح «الرضا من آل محمد» موجودا، فالدعوة إلى غيره ستكون لا معنى لها البتة. و لسوف تكون مرفوضة من الناس جملة و تفصيلا. و كان ذلك بطبيعة الحال السبب الرئيسي في إضعاف الزيدية، و كسر شوكتهم، و شلّ حركتهم ...

و الذي ساهم إلى حد كبير في اضعافهم، و شل حركتهم، هو اختياره الإمام (ع) بالذات، حيث إنه الرجل الذي لا يمكن لأحد كائنا من كان أن ينكر فضله، و علمه، و تقواه، و سائر صفاته و مزاياه، التي لم تكن لأحد في زمانه على الاطلاق، فليس لهم بعد طريق للاعتراض عليه: بأن الذي اختاره لولاية عهده، و الخلافة من بعده، ليس أهلا..

ص: 234


1- راجع: الفخري في الآداب السلطانية، ص 217، و ضحى الاسلام ج 3 ص 294، و البداية و النهاية ج 10 ص 247، و الطبري، و ابن الأثير، و القلقشندي، و أبو الفرج، و المفيد و كل من تعرض من المؤرخين لولاية العهد ... بل لقد صرح نفس المأمون بذلك في وثيقة ولاية العهد، و هذا يكفي في المقام ... و لقد قال دعبل: أيا عجبا منهم يسمونك الرضاو يلقاك منهم كلحة و غضون و هناك نصوص اخرى مفادها: أنه سمي الرضا؛ لرضا أعدائه، و أوليائه به. و عزا الشيبي في كتابه: الصلة بين التصوف و التشيع ص 138:- عزا- رضا أعدائه به إلى قوة شخصيته عليه السلام ... أما نحن فنقول: إنه ليس من اليسير أبدا، أن تنال شخصية رضا كل أحد، حتى أعدائها ... اللهم إلا إذا كان هناك سر إلهي، اختصت به تلك الشخصية، دون غيرها من سائر بني الانسان ...

لما أهّله له. و لو أنهم ادعوا ذلك لما صدقهم أحد، و لكانت الدائرة حينئذ في ذلك عليهم، و الخسران لهم دون غيرهم.

فذلكة لا بد منها:

هذا ... و لا يسعنا هنا إلا أن نشير إلى أن المأمون، لم يخترع اسلوبا جديدا للتصدي للزيدية، و الحد من نفوذهم، و كسر شوكتهم: ببيعته للرضا (ع)؛ إذ أنه كان قد استوحى هذه الفكرة من سلفه المهدي، الذي كان قد استوزر يعقوب بن داود الزيدي، ليحد من نشاط الزيدية، و يكسر شوكتهم. و كان قد نجح في ذلك إلى حد ما: إذ لا يحدثنا التاريخ عن تحركات زيدية خطيرة ضد المهدي، بعد استيزاره ليعقوب، و تقريبه للزيدية، كتلك الأحداث التي حدثت ضد المنصور، و خصوصا ثورة محمد و ابراهيم ابني عبد اللّه ...

كما يلاحظ أن تقريب العباسيين للزيدية في عصر المهدي، و تسليطهم على شئون الدولة و إداراتها، لم يؤثر في الوضع العام أثرا يخشاه العباسيون، و ذلك بلا شك مما يشجع المأمون على الاقدام على ما كان قد عقد العزم عليه، بجنان ثابت و إرادة راسخة ...

يضاف إلى ذلك: أن سهولة إبعاد العباسيين لهم عن مراكز القوة، و مناصب الحكم على يد المهدي نفسه، الذي نكب يعقوب بن داود، الوزير الزيدي، حيث لم تصاحبه ردة فعل، و لا نتج عنه أية حادثة تذكر ضد العباسيين، لا حقيرة، و لا خطيرة ... هو الذي شجع المأمون على أن يستوحي نفس الفكرة، و يلعب نفس اللعبة، و يتبع نفس طريقة المهدي. في مواجهتهم، و كسر شوكتهم، بالبيعة للرضا (ع) بولاية العهد بعده.

ص: 235

و على كل حال، فان هذا اسلوب قديم اتبعه العباسيون في دعوتهم الاولى أيضا، حيث بايعوا للعلويين، و أظهروا أن الدعوة لهم و باسمهم ...

ثم كانت النتيجة هي ما يعلمه كل أحد، حيث انقلبوا عليهم يوسعونهم قتلا و عسفا، و تشريدا عند ما خافوهم، و لم يعودوا بحاجة إليهم ...

ه-:

أضف إلى ما تقدم أن المأمون كان يعلم قبل أي شخص آخر بطبيعة العلاقات التي كانت قائمة بين الأئمة (ع)، و بين الزيدية، حيث إنها كانت على درجة من السوء و التدهور. و كان عدم التفاهم، و الانسجام فيما بينهم واضحا للعيان ... حتى لقد شكى الائمة (ع) منهم، و صرحوا: بأن الناس قد نصبوا العداوة لشيعتهم، أما الزيدية فقد نصبوا العداوة لهم أنفسهم (1)، و في الكافي رواية مفادها: إنه (ع) قال إنهم قبل أن يصلوا إلى الحكم كانوا لا يطيعونهم فكيف تكون حالهم معهم لو أنهم وصلوا إلى الحكم و تبوعوا كرسي الرئاسة.

ص: 236


1- راجع: الوافي للفيض ج 1 ص 143، باب: الناصب و مجالسته ... هذا ... و لا يمنع ذلك ما ورد عنهم عليه السلام من أن خروج الزيدية و غيرهم على الحكام يدرءوا به عنهم، و عن شيعتهم: فقد جاء في السرائر قسم المستطرفات ص 476 أنه: «ذكر بين يدي أبي عبد اللّه من خرج من آل محمد (ص)؛ فقال عليه السلام: لا أزال أنا و شيعتي بخير ما خرج الخارجي من آل محمد إلخ ...». و ذلك لأن اصطدامهم مع الحكام كان يصرف أنظار الحكام إليهم، و يفسح المجال أمام أهل البيت و شيعتهم إلى حد ما. و لم يكن هناك مجال لاتهام الأئمة و شيعتهم بالتواطؤ معهم، مع ما كان يراه الحكام من عدم الانسجام الظاهر بين الأئمة و بين الزيدية، و غيرهم من الثائرين و سلبية كل فريق منهما تجاه الآخر ... و أخيرا ... فلا بد لنا هنا من الاشارة إلى أن ثورات العلويين، سواء على الحكم الاموي، أو الحكم العباسي، قد ساهمت في أن يبقى حق العلويين في الحكم محتفظا بقوته و حيويته في ضمير الامة، و وجدانها. و لم تؤثر عليه حملات القمع و التضليل، التي كان الحكم القائم آنذاك يمارسها ضدهم، و ضد هذا الحق الثابت لأهل البيت عليهم السلام بالنص.

و قد رأينا: أن عبد اللّه بن الحسن، عند ما جاء يعرض على الإمام الصادق (ع) كتاب أبي سلمة، الذي يدعوه فيه للقدوم إلى الكوفة، لتكون الدعوة له، و باسمه؛ فنهاه الإمام (ع) عن ذلك- رأيناه- ينازع الإمام الصادق الكلام؛ حتى قال له:

«و اللّه، ما يمنعك من ذلك الا الحسد إلخ ...» و قد انصرف عبد اللّه آخر الأمر مغضبا (1).

و رأينا أيضا أنه في موقف آخر له مع الإمام الصادق (ع) يتهمه بنفس هذه التهمة، و يصمه بعين هذه الوصمة، و ذلك عند ما أرادوا البيعة لولده محمد، و أبدى الإمام (ع) رأيه في ذلك ... ذلك الرأي الذي كشفت الأيام عن صحته و سداده (2).

بل لقد كان عيسى بن زيد يقول لمحمد بن عبد اللّه: «... من خالفك من آل أبي طالب، فأمكني أضرب عنقه ...» (3) و قد تجرأ عيسى هذا أيضا على الإمام الصادق بكلام لا نحب ذكره ...

و أما موقف محمد بن عبد اللّه نفسه مع الإمام الصادق (ع)، فأشهر من أن يذكر، حيث إنه سجن الإمام (ع)، و استصفى أمواله، و أسمعه كلاما قاسيا، لا يليق بمقام الإمام و سنه (4).8.

ص: 237


1- راجع: مروج الذهب ج 3 ص 354، 355، و غيره من المصادر.
2- الصواعق المحرقة ص 121، و ينابيع المودة للحنفي ص 332، 361، و مقاتل الطالبيين ص 255، 256، 270، و غير ذلك ... و في هذا الأخير: أن عبد اللّه ابن الحسن لم يرض باستدعاء الامام، و لا وافق عليه، عند ما أرادوا البيعة لولده محمد، و بعد أن أقنعوه، و حضر الامام، جرى بينهما ما جرى ...
3- قاموس الرجال ج 7 ص 270.
4- قاموس الرجال ج 7 ص 270، و ج 8 ص 242، 243، و البحار ج 47 ص 284، 258.

إلى آخر ما هنالك مما يدل على كرههم، و حقدهم على الائمة (ع)، أو بالاخرى حسدهم لهم ...

و المأمون ... كان يعلم بذلك كله، و يدركه كل الإدراك، و لهذا فإننا لا نستبعد أنه- و هو الداهية الدهياء- قد أراد أيضا في جملة ما أراد: أن يوقع الفتنة بين آل علي أنفسهم. أي: بين الأئمة، و المتشيعين لهم، و بين الزيدية، و يقف هو في موقف المتفرج المتربص، حتى إذا أضعف كل واحد من الفريقين الفريق الآخر، و لم يعد فيهما بقية ... انقض هو عليهما، و قضى عليهما بأهون سبيل ...

بل إن بعض الباحثين يرى: أنه أراد من لعبته هذه: «... ضربا للثائرين العلويين من إخوة علي بن موسى بأخيهم (1) ...».

و لو اننا استبعدنا كل ذلك، فلا أقل- كما قلنا- من أن حجته أصبحت قوية على الزيدية، و على كل من يدعو إلى «الرضا من آل محمد»، و لم يعد يخشى أحدا منهم، بعد أن أصبح «الرضا من آل محمد موجودا ...

الهدف التاسع:

كما أنه ببيعته للامام الرضا (ع) بولاية العهد، و قبول الإمام (ع) بذلك ... يكون قد حصل على اعتراف من العلويين، على أعلى مستوى بشرعية الخلافة العباسية، و لقد صرح المأمون بأن ذلك كان من جملة أهدافه، حيث قال: «... فأردنا أن نجعله ولي عهدنا، ليكون دعاؤه لنا، و ليعترف بالملك و الخلافة لنا ...» و سنتكلم حول تصريحات المأمون

ص: 238


1- هو الدكتور كامل مصطفى الشيبي في كتابه: الصلة بين التصوف و التشيع ص 219.

هذه بنوع من التفصيل في فصل: مع بعض خطط المأمون، و غيره إن شاء اللّه تعالى ...

نعود إلى القول: إن تصريح المأمون هذا يعطينا: أن قبول الإمام بأن يكون ولي عهد المأمون، إنما يعني بالنسبة للمأمون: أن الإمام يكون قد أقر بأن الخلافة ليست له دون غيره، و لا في العلويين دون غيرهم. و أنه كما يمكن أن يكون هو جديرا بها، و أهلا لها، كذلك غيره يمكن أن يكون كذلك ... و ليتمكن المأمون بذلك من محاربة العلويين بنفس السلاح الذي بأيديهم، و ليصير- من ثم- من الصعب استجابة الناس لهم، إذا دعوا لأية ثورة ضد حكم اعترفوا هم بشرعيته، و أيدوه، و تعاونوا معه من قبل، و على أعلى مستوى و من أعظم شخصية فيهم ...

بل لقد كان يريد أن يحصل من العلويين على اعتراف بأن الحكم حق للعباسيين فقط. أما هم، فليس لهم فيه أدنى نصيب. و ما فعله المأمون- من إسناد ولاية العهد لواحد منهم، ما كان إلا تفضلا و كرما، و من أجل أن يجمع شمل البيتين العلوي و العباسي، و تصفو القلوب و يمحو ما كان من أمر الرشيد و غيره من أسلافه مع العلويين ...

و لقد حاول المأمون أن ينتزع من الإمام اعترافا بأن الخلافة حق للعباسيين، شفاها أيضا فكانت النتيجة عكس ما أراد المأمون، و ذلك عند ما عرض بالمن على الإمام بأن جعله ولي عهده، فأجابه الإمام (ع):

بأن هذا الأمر لم يزده في النعمة شيئا، و أنه و هو في المدينة كانت كتبه تنفذ في المشرق و المغرب.

كما أن المأمون قد قال لحميد بن مهران، و جمع من العباسيين:

«... و ليعتقد فيه المفتونون به، بأنه ليس مما ادعى في قليل، و لا

ص: 239

كثير، و أن هذا الأمر لنا دونه ...» و لسوف يأتي الكلام عن هذه التصريحات إن شاء اللّه كما قلنا ...

و بعد ... فإنه لا يكون من المبالغة في شي ء لو قلنا: إن حصول المأمون على اعتراف من العلويين، و من الإمام الرضا (ع) خاصة، بشرعية خلافته، و خلافة، بني أبيه أخطر على العلويين من الاسلوب الذي انتهجه أسلافه من أمويين و عباسيين ضدهم،: من قتلهم، و تشريدهم، و سلب أموالهم، إلى غير ذلك مما هو معروف و مشهور ...

الهدف العاشر:

يضاف إلى ذلك، أنه يكون قد حصل على اعتراف ضمني من الإمام بشرعية تصرفاته، طيلة فترة ولاية العهد، و ليعطي الناس- من ثم- الصورة التي يريدها عن الحكم و الحاكم، و ليؤكد للملإ أجمع: أن الحاكم هذا هو سلوكه، و هذه هي تصرفاته: من كان، و مهما كان، و إذن فليس لهم بعد حق في أن يتطلعوا إلى حكومة أحد على أن بها شيئا جديدا. و لا أن ينظروا إلى جهة على انها يمكن أن يكون بها المنقذ لهم، و المخرج من الظلمات إلى النور، حتى و لو كانت تلك الجهة هي آل بيت نبيهم، فإنه من الطبيعي أن يتبع السياسيون أساليب، و يتكلموا بأشياء كثيرة، ينسونها بمجرد وصولهم إلى الحكم، و تسلمهم لأزمّة السلطة، فإن تلك لا تعدو كونها تكتيكات، و وعودا انتخابية، يحتاجون إليها في ظروف معينة، ثم يستغنون عنها ... كما كانت الحال في وعود المأمون، التي أشرنا إليها فيما تقدم ...

و هكذا ... فيكون سكوت الإمام في فترة ولاية العهد، عن تصرفات الهيئة الحاكمة، دالا على رضاه بها، و يعتبر إمضاء لها ... و بعد هذا ...

ص: 240

فلا يجب أن يكون من العسير على الناس أن يتصوروا طبيعة و ماهية حكم الإمام، و كل من يقدر له أن يصل إلى الحكم و السلطان، سواء من العلويين، أو من غيرهم ...

و إذا كانت الصورة واحدة، و الجوهر واحد، و الاختلاف إنما هو فقط في الاسم و العنوان، فليس لهم بعد حق، أو على الأقل ما الداعي لهم، لأن يطلبوا حكما أفضل، أو حكاما أعدل، فانه طلب لغير موجود، و سعي وراء مفقود ...

الهدف الحادي عشر:
اشارة

هذا ... و بعد أن يكون المأمون قد حصل على كل ما قدمناه، و حقن دماء العباسيين، و استوثقت له الممالك، و لم يعد هناك ما يعكر صفو حياته (1). و قوي مركزه، و ارتفع بالخلافة من الحضيض المهين، الذي أوصلها إليه أسلافه إلى أوج العظمة، و التمكن و المجد. و أعطاها من القوة و المنعة، و وهبها من الحياة في ضمير الامة و وجدانها ما هي بأمس الحاجة إليه .. و لتتمكن من ثم من الصمود في وجه أية عاصفة، و إخماد أية ثورة، و مقاومة كل الأنواء، و ذلك هو حلمه الكبير، الذي طالما جهد في تحقيقه- إنه بعد أن يكون قد حصل على كل ذلك و سواه مما قدمناه:

ص: 241


1- لقد صرح الذهبي في الجزء الأول من كتابه «العبر»، بأنه في سنة 200 ه. استوثقت الممالك للمأمون ... و هذه هي نفس السنة التي اتي فيها بالامام عليه السلام من المدينة إلى مرو ... و لكن اليافعي في مرآة الجنان ج 2 ص 8 و شذرات الذهب ج 2 ص 5: قد جعل ذلك في سنة 203: أي في السنة التي تخلص فيها المأمون من الامام الرضا عليه السلام بواسطة السم الذي دسه إليه ... و في اليعقوبي ج 2 ص 452 طبع صادر: أنه في السنة التي غادر فيها المأمون خراسان: «لم تبق ناحية من نواحي خراسان يخاف خلافها».

يكون قد أفسح لنظام حكمه المجال- تلقائيا- لتصفية حساباته مع خصومه، أيا كانوا، و بأي وسيلة كانت، و بهدوء، و راحة فكر و اطمئنان إن اقتضى الأمر ذلك.

كما أنه يكون قد مهد الطريق لتنفيذ الجزء الثاني- و لعله الأهم- من خطته الجهنمية، بعيدا عن الشبهات، و دون أن يتعرض لتهمة أحد، أو شك من أحد ... ألا و هو: القضاء على العلويين بالقضاء على أعظم شخصية فيهم. و ليكون بذلك قد قضى نهائيا، و إلى الأبد، على أكبر مصدر للخطر، يمكن أن يتهدده، و يتهدد خلافته و مركزه ...

إنه يريد زعزعة ثقة الناس بهم، و استئصال تعاطفهم معهم، و ليحوله- إن استطاع- إلى كره و مقت، بالطرق التي لا تمس العواطف و المشاعر، و لا تثير الكثير من الشكوك و الشبهات ...

يظهر ذلك في محاولاته إسقاط الإمام اجتماعيا، و الوضع منه قليلا قليلا، حتى يصوره أمام الرعية بصورة من لا يستحق لهذا الأمر، و ليدبر فيه في نهاية الأمر بما يحسم عنه مواد بلائه ... كما صرح لحميد بن مهران، و جمع من العباسيين، و سنتكلم بنوع من التفصيل عن محاولات المأمون هذه، التي باءت كلها بالفشل الذريع، و عادت عليه بالخسران؛ لأن الإمام (ع) كان قد أحبطها عليه، بل لقد كان لها من النتائج العكسية بالنسبة إليه ما جعله يتعجل بتصفية الإمام جسديا، بعد أن أشرف هو منه (ع) على الهلاك ... بالطريقة التي حسب أنها سوف لا تثير الكثير من الشكوك و الشبهات ...

ملاحظة لا بد منها:

و من الامور الجديرة بالملاحظة هنا: أن المأمون كان يقدر أن مجرد

ص: 242

جعل ولاية العهد للإمام، سوف يكون كافيا لتحطيمه اجتماعيا، و إسقاطه نهائيا من أعين الناس؛ حيث يظهر لهم بالعمل- لا بالقول: أن الإمام رجل دنيا فقط، و أن تظاهره بالزهد و التقوى ما هو إلا طلاء زائف، لا واقع له، و لا حقيقة وراءه ... و لسوف تكون النتيجة هي تشويه سمعة الإمام (ع)، و زعزعة ثقة الناس به؛ و ذلك بسبب الفارق الكبير بالسن، بين الخليفة الفعلي، و بين ولي عهده؛ إذ أن ولي العهد لا يكبر الخليفة الفعلي بسنتين، أو ثلاثة، أو خمسة، لا ... بل اكثر من ذلك بكثير، إنه يكبره ب «22» سنة، و إنه لمن الامور غير الطبيعية أبدا: أن يقبل ولاية العهد، و هو يكبر الخليفة الفعلي بهذا المقدار الكبير من السنين، و لسوف يكون قبوله لها- مع هذا الفارق بينهما- موجبا لجعله عرضة لشكوك الناس، و ظنونهم، و لسوف يتسبب بوضع علامات استفهام كبيرة حوله ... كما كان الحال. بالنسبة لسؤال محمد بن عرفة، و كلام الريان المتقدم ... و لسوف يفسر (1) ذلك من أولئك الذين لا يدركون حقيقة ما يجري، و ما يحدث،- و ما أكثرهم- بتفسيرات تنسجم مع رغائب المأمون، و أهدافه. لأنهم سوف يرون أن زهده (ع) بالدنيا، ليس إلا ستارا تختفي وراءه مطامعه فيها، و حبه المستميت لها، حتى إنه ليطمع أن يعيش إلى ما بعد الخليفة الفعلي، الذي هو أصغر من ولده، و يصل إلى الحكم ... و باختصار نقول:».

ص: 243


1- و لكنا، مع ذلك نجد: أن قسما من أصحاب الرضا عليه السلام، ممن كانوا يراقبون الأحداث بوعي و دراية، كانوا يدركون لوايا المأمون و أهدافه هذه ففي البحار؛ ج 49 ص 290، و عيون أخبار الرضا ج 2 ص 239: أنه قد سئل أبو الصلت: «كيف طابت نفس المأمون بقتل الرضا مع إكرامه و محبته له، و ما جعل له من ولاية العهد بعده؟! فقال: إن المأمون كان يكرمه و يحبه لمعرفته بفضله، و جعل له ولاية العهد من بعده، ليري الناس أنه راغب في الدنيا؛ فلما لم يظهر منه إلا ما ازداد به فضلا عندهم، و محلا في نفوسهم، جلب عليه إلخ ...».

إنه يريد أن: «... يعتقد فيه المفتونون به بأنه: ليس مما ادعى في قليل و لا كثير ...» حسبما صرح به هو نفسه ... و على حد قول الإمام نفسه، الذي كان يدرك خطة المأمون هذه: «... أن يقول الناس:

إن علي بن موسى، لم يزهد في الدنيا، بل زهدت الدنيا فيه؛ أ لا ترون كيف قبل ولاية العهد طمعا بالخلافة؟! ...».

كما سيأتي ...

و عن الريان قال: «دخلت على الرضا؛ فقلت: يا ابن رسول اللّه، إن الناس يقولون: إنك قبلت ولاية العهد، مع إظهارك الزهد في الدنيا؟!!، فقال (ع): قد علم اللّه كراهتي ...» (1) و قد أشرنا إلى سؤال محمد بن عرفة، و كلام الريان فيما تقدم.

و على أي شي ء يبكي المأمون، و من أجل أي شي ء يشقى و يتعب، و يسهر الليالي، و يتحمل المشاق ... إلا على هذا ... إن هذا هو أجل أمنياته و اغلاها ...

سؤال و جوابه:

قد يدور بخلد القارئ أن ما ذكرناه هنا: فيما يتعلق بالفارق الكبير بالسن، ينافي ما تقدم من أن المأمون كان يريد الحصول على قاعدة شعبية، و الارتفاع بالخلافة من الحضيض الخ ...

و لكن الحقيقة هي: أنه لا منافاة هناك ... و يمكن للمأمون أن يقصد كل ذلك من البيعة، لأن مقدار التفاوت بالسن بين الامام (ع) و المأمون، لم يكن مما يعرفه الكثيرون، و لا مما يلتفت إليه عوام الناس في بادئ

ص: 244


1- علل الشرائع ص 238، و البحار ج 49 ص 130، و أمالي الصدوق ص 44، 45.

الأمر؛ لأنهم يأخذون الامور على ظواهرها، و لا يتنبهون إلى مثل ذلك، إلا بعد تنبيه و تذكير؛ فللوهلة الاولى تجوز عليهم الخدعة، و يقدرون خطوة المأمون هذه، و تنتعش الآمال في نفوسهم بالحياة الهنيئة السعيدة، تحت ظل حكم بدا أنه يتخذ العدل ديدنا، و الانصاف طريقة ...

ثم ... و بعد أن يجند المأمون أجهزة إعلامه، من أجل تسميم الأفكار، يجد أن نفوس الناس مهيأة و مستعدة لتقبل ما يلقى إليها. و يكون لديه- باعتقاده- من الحجج ما يكفي لاسقاط الامام، و زعزعة ثقة الناس به. و لا يؤثر ذلك بعد ذلك على الحكم؛ فإن الحكم يكون قد استنفذ أغراضه من البيعة، و حصل على ما يريد الحصول عليه منها ... هذا و لا بد لنا هنا من ملاحظة أن المأمون و أجهزة إعلامه كانوا في مقابل وصم الامام بالرغبة بالدنيا و التفاني في سبيلها ... يشيعون بين الناس عن المأمون عكس ذلك تماما؛ فيطلب المأمون من وزيره أن يشيع عنه الزهد، و الورع و التقوى (1) ... و أنه لا يريد مما أقدم عليه الاخير الامة و مصلحتها؛ حيث قد اختار لولاية عهده أفضل رجل قدر عليه، رغم أن ذلك الرجل هو من ذلك البيت الذي لا يجهل أحد موقفه من حكم العباسيين، و موقف العباسيين منه كما يتضح ذلك من وثيقة ولاية العهد، و غيرها.

رأي الناس فيمن يتصدى للحكم:

لعل من الواضح أن كثيرا من الناس كانوا يرون- في تلك الفترة من الزمن- لقصر نظرهم، و قلة معرفتهم: أن هناك منافاة بين الزهد و الورع، و التقوى، و بين المنصب، و أنهما لا يتفقان، و لا يجتمعان.

ص: 245


1- تاريخ التمدن الاسلامي ج 4 ص 261. الحياة السياسية للإمام الرضا(ع)، مرتضى العاملي 246 رأي الناس فيمن يتصدى للحكم: ..... ص : 245

و قد رأينا الكثيرين يمتنعون عن تولي المناصب للحكام، لما يرونه من المنافاة المشار إليها.

و لعل سر فهمهم هذا: هو أنهم كانوا قد اعتادوا من الحكام التجاوز على الحقوق، و الدماء، و الأموال، و على أحكام الدين، و النواميس الانسانية، بشكل عام. و الزهد و الورع لا يتلائم مع ذلك كله، و لا ينسجم معه ...

و لكن الحقيقة هي: أن لا منافاة بينهما أبدا؛ فإن الحكم إذا كان وسيلة لا يصال الخير إلى الآخرين، و رفع الظلم عنهم، و إشاعة العدل، و اقامة شريعة اللّه تعالى؛ فيجب السعي إليه، و العمل من أجله، و في سبيله ... بل إذا لزم من ترك السعي إليه، تضييع الحقوق، و انهيار صرح العدل، و الخروج على أحكام الدين؛ فإن ترك السعي هذا، يكون هو المنافي للزهد و الورع و التقوى ...

و لقد قاد النبي (ع) الامة، و قبله قادها سليمان بن داود، و غيره، و بعده الإمام علي بن أبي طالب، و ولده الحسن، ثم الحسين، و هكذا ...

و حال هؤلاء في الزهد و الورع، لا يحتاج إلى مزيد بيان، و اقامة برهان. بل لم يكن على ظهرها أزهد، و لا أتقى، و لا أفضل، و لا أورع منهم، عدوهم يعرف منهم ذلك تماما كما يعرفه منهم صديقهم ...

فعدا عن الأنبياء الذين كانوا القمة في الورع و الزهد و التقوى، نرى الإمام علي (ع) قمة في ذلك أيضا؛ و قد رقع مدرعته حتى استحيا من راقعها، و كان راقعها هو ولده «الإمام الحسن (ع)» (1). و كانة.

ص: 246


1- راجع: الدرة النجفية ص 303، طبعة حجرية.

يصلي في بيت المال ركعتين شكرا للّه، بعد فراغ المال منه. و كان يقول: «إليك عني يا دنيا غري غيري، أبي تعرضت؟!! إلخ ...»

و هو الذي قال فيه عدوه معاوية: «لو كان له بيتان: بيت من تبر، و آخر من تبن؛ لأنفق تبره قبل تبنه ...» (1) ... إلى غير ذلك مما لا مجال لنا لتتبعه و استقصائه ...

العلويون يدركون نوايا المأمون:

إن نوايا المأمون تجاه العلويين، و محاولاته لإسقاطهم اجتماعيا، و ابتزازهم سياسيا ... حتى إذا أخفق في ذلك راح يختلهم واحدا فواحدا، كلما و اتاه الظرف، و سنحت له الفرصة ... لم يكن العلويون يجهلونها، بل كانوا يدركونها كل الإدراك، و لم تكن تخدعهم تلك الشعارات و الأساليب المبهرجة ... و حسبنا هنا أن نذكر في مقام التدليل على هذا: أن المأمون كتب لعبد اللّه بن موسى، بعد وفاة الرضا، يعده بأنه يجعله ولي عهده، و يقول له: «ما ظننت أن أحدا من آل أبي طالب يخافني بعد ما عملته بالرضا» ...

فأجابه عبد اللّه يقول: «وصل إليّ كتابك، و فهمته، تختلني فيه عن نفسي ختل القانص، و تحتال علي حيلة المغتال، القاصد لسفك دمي.

و عجبت من بذلك العهد، و ولايته لي بعدك، كأنك تظن: أنه لم يبلغني ما فعلته بالرضا؟! ففي أي شي ء ظننت أني أرغب من ذلك؟ أ في الملك الذي غرتك حلاوته؟! ... إلى أن يقول: أم في العنب المسموم الذي قتلت به الرضا؟!». و يقول له أيضا- و الظاهر أنه نص آخر للرسالة-: «هبني لا ثأر لي عندك، و عند آبائك المستحلين لدمائنا الآخذين حقنا، الذين جاهروا في أمرنا، فحذرناهم. و كنت ألطف حيلة منهم؛ بما استعملته من الرضا بنا، و التستر لمحننا، تختل واحدا،

ص: 247


1- ترجمة الامام علي (ع) من تاريخ ابن عساكر، بتحقيق المحمودي ج 3 ص 58- 60.

فواحدا منا الخ ...» (1).

و لا بد من ملاحظة: منافاة وعده هذا لعبد اللّه بن موسى بأن يجعل له ولاية العهد ... للرسالة التي أرسلها إلى العباسيين في بغداد، فور وفاة الرضا (ع)، و يعدهم فيها بأن يجعل ولاية العهد فيهم، و سنشير إلى رسالته لهم في فصل: مع بعض خطط المأمون إن شاء اللّه و على كل حال ... فإننا نستطيع أن نفهم من هذه الرسالة التي لعبد اللّه بن موسى أمورا، نشير إلى بعضها:

أولا: إن المأمون كان قد جعل ولاية العهد وسيلة لختل الشخصيات التي كان يخشاها، و الغدر بها؛ إذ أن من المقبول و الطبيعي- كما يرى البعض- أن يكون ولي العهد هو الذي يتآمر، و يدبر للتخلص من الخليفة الفعلي، ليختصر المسافة، و يصل إلى الحكم، الذي ينتظر الوصول إليه، و الحصول عليه بفارغ الصبر. و ليس من الطبيعي، و لا من المقبول أن يتآمر الخليفة على ولي عهده، إلا إذا كان يريد أن يجعل الخلافة لمن هو أعز عليه منه، و هذا ما نفاه المأمون عن نفسه في أكثر من مناسبة.

و هكذا ... فان النتيجة تكون: هي أن الخليفة الفعلي يكون آخر من يتهم في ولي العهد، إذا ما راح ضحية التآمر و الاغتيال، و عرف الناس ذلك. و هذا بلا شك من جملة ما كان يريده المأمون، و يسعى إليه ...

ثانيا: إن المأمون رغم الصعوبات التي واجهها في فترة تولية الرضا (ع) العهد ... يبدو أنه كان يعتبر نفسه منتصرا و ناجحا في لعبته تلك، و لذلك نرى أنه قد حاول تكرار نفس اللعبة مع عبد اللّه بن..

ص: 248


1- مقاتل الطالبيين للاصفهاني ص 628، إلى ص 631، و سنورد الرسالة في أواخر هذا الكتاب إن شاء اللّه ...

موسى. و لكن يقظة هذا الأخير، الذي كانت ظروفه تختلف عن ظروف الإمام (ع) قد فوتت عليه الفرصة، و أعادته. بخفي حنين.

كما أننا لا نستبعد أن المأمون قد أراد بالاضافة إلى ذلك التستر على غدره بالرضا (ع)، بعد أن كان قد افتضح و اشتهر، رغم محاولاته الجادة للتستر و الكتمان ...

ثالثا: ما تقدمت الاشارة إليه من أن إكرامه للعلويين، و الرضا بهم، و التستر لمحنهم، ما كان منه إلا ضمن خطة مرسومة، و إلا سياسة منه و دهاء، من أجل أن يأمن العلويون جانبه، و يطمئنوا إليه، كما يدل عليه قوله لعبد اللّه بن موسى: «ما ظننت أحدا من آل أبي طالب يخافني بعد ما عملته بالرضا». و قد قدمنا أنه أشار إلى ذلك أيضا في كتابه للعباسيين؛ فلا نعيد ...

رابعا: أنه لم يستطع أن يخفي عن العلويين- كما لم يستطع أن يخفي عن غيرهم- غدره بالإمام الرضا (ع)، و سمه له بالعنب، و كذلك غدره بغيره من العلويين. و سر ذلك واضح؛ فان جميع الدلائل و الشواهد كانت متوفرة على ذلك، كما سيأتي بيان جانب من ذلك في فصول هذا الكتاب بنوع من التفصيل.

موقف الامام في مواجهة مؤامرات المأمون:

لقد رأينا كيف أن المأمون أراد من لعبته تلك، التغلب على المشاكل التي كان يواجهها، و الاستفادة منها في تقوية دعائم خلافته، و خلافة العباسيين بشكل عام ... و السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: ما هو موقف الإمام (ع) نفسه من لعبة المأمون تلك، و خططه، و أهدافه؟، و هل أفسح المجال للمأمون ليحقق كل ما يريد تحقيقه، و يصل إلى ما

ص: 249

كان يريد الوصول إليه؟ ... و هل كانت لديه خطط من نوع معين، و أهداف معينة كان يسعى من أجل الوصول إليها، و الحصول عليها؟! ...

الحقيقة هي: أن الإمام (ع) قد استطاع، بما اتبعه من خطة حكيمة، و سلوك مثالي: أن يضيع على المأمون كافة الفرص، و يجعله يبوء بالخيبة و الخسران، و يمنى بالفشل الذريع، حتى لقد أشرف المأمون منه على الهلاك، و بدا الارتباك واضحا في كل تصرفاته، و أقواله، و أفعاله ... و سيأتي في الفصول الآتية في القسمين: الثالث، و الرابع بيان بعض ما يتعلق بذلك إن شاء اللّه.

المأمون في قفص الاتهام:

و هكذا ... و بعد أن اتضحت الاسباب الحقيقية للبيعة، و بعد أن عرفنا بعض الظروف و الملابسات، التي أحاطت بهذا الحدث الهام، فاننا نستطيع أن نضع المأمون، و نواياه، و أهدافه، في قفص الاتهام، و لا يمكن أن نصدق- بعد هذا- أبدا، أي ادّعاء سطحي، يحاول أن يصور لنا حسن نية المأمون من البيعة، و سلامة طويته، و لا سيما و نحن نرى كتابه للعباسيين في بغداد فور وفاة الرضا، و كذلك سلوكه المشبوه مع الرضا (ع) من أول يوم طلب منه فيه الدخول في هذا الأمر، و حتى إلى ما بعد وفاته، كما سيأتي بيانه في الفصول الآتية ... و كذلك كتابه لعبد اللّه بن موسى المتقدم ...

و الأدهى من ذلك كله رسالته للسري، عامله على مصر، التي «يخبره فيها بوفاة الرضا، و يأمره بأن تغسل المنابر، التي دعي عليها لعلي بن موسى، فغسلت ...» (1).

ص: 250


1- الولاة و القضاة للكندي ص 170.

و كذلك لا يمكن أن نصدق بحسن نيته بالنسبة لأي واحد من العلويين، الآخرين ... كما أشرنا إليه في رسالته لعبد اللّه بن موسى، التي يذكر فيها: أنه راح يختلهم واحدا فواحدا ... و أيضا عند ما نرى أنه يمنعهم من الدخول عليه، بعد وفاة الرضا، و يأخذهم بلبس السواد (1) ... بل و يأمر ولاته و أمراءه بملاحقتهم، و القضاء عليهم، كما سيأتي ...

مع المأمون في وثيقة العهد:

و يحسن بنا هنا: أن نقف قليلا مع وثيقة العهد، التي كتبها المأمون للامام (ع) بخط يده؛ فلقد ضمنها المأمون إشارات هامة، رأى أنها تخدم أهدافه السياسية من البيعة و حيث اننا قد تحدثنا، و لسوف نتحدث في مطاوي هذا الكتاب عن بعض فقراتها ... فلسوف نقتصر هنا على:

أولا: إننا نلاحظ: أنه يؤكد كثيرا على نقطتين: الاولى: أنه منطلق في هذه البيعة من طاعة اللّه، و إيثاره لمرضاته، الثانية: أنه لا يريد بذلك إلا مصلحة الامة، و الخير لها ...

و سر ذلك واضح: فهو يريد أن يذهب باستغراب و استهجان الناس؛ الذين يرون الرجل الذي قتل حتى أخاه من أجل الحكم- يرونه الآن- يتخلى عن هذا الحكم لرجل غريب، و لمن يعتبر زعيما لأخطر المنافسين للعباسيين ... كما أنه يريد بذلك أن يكتسب ثقة الناس به، و بنظام حكمه.

وعدا عن ذلك فهو يريد أن يطمئن العلويين و الناس إلى أن ذلك لا ينطوي على لعبة من أي نوع، بل هو أمر طبيعي فرضته طاعة اللّه و مرضاته، و مصلحة الامة، و الصالح العام ...

ص: 251


1- الكامل لابن الأثير، طبع دار الكتاب العربي ج 5 ص 204.

و ثانيا: نراه يجعل العباسيين و العلويين في مرتبة واحدة؛ و ذلك لكي يضمن لأهل بيته حقا في الخلافة كآل علي.

و ثالثا: يلاحظ: أنه يعطي خلافته صفة الشرعية؛ حيث يربطها بالمصدر الأعلى (اللّه)، و على حسب منطق الناس هذا تام و صحيح؛ لأنهم بمجرد أن يعمل أحد عملا يؤدي إلى المناداة بواحد على أنه خليفة، و يصير مقبولا لدى الناس ... إنهم بمجرد ذلك يصيرون يعتبرونه خليفة اللّه في أرضه، و حجته على عباده ...

و هو أيضا تام و صحيح حسب منطق العباسيين، الذين يدعون الخلافة بالارث عن طريق العباس بن عبد المطلب، حسبما تقدم بيانه ...

و لهذا نلاحظ أنه يقدم عبد اللّه بن العباس على علي بن أبي طالب!! مع أن عبد اللّه تلميذ علي ... و ليس ذلك إلا من أجل إثبات هذه النقطة، و جعل حق له بالخلافة، بل و جعل نفسه الأحق بها ... هذه الخلافة التي هي منصب إلهي، وصل إليه بالطريق الشرعي، سواء على حسب منطق الناس في تلك الفترة، أو على حسب منطق العباسيين ...

و في هذا إرضاء للعباسيين، و تطمين لهم، كما أنه في نفس الوقت تطمين لسائر الناس، الذين كانوا غالبا- يرون الخلافة بالكيفية التي أشرنا إليها و قد أكد لهم هذا التطمين باستشهاده بقول عمر؛ حيث أثبت لهم: أنه لا يزال على مذهبه، و على نفس الخط الذي هم عليه ...

و رابعا: إننا نراه في نفس الوقت الذي يؤكد فيه مذهبه، و وجهة نظره بتلك الأساليب المتعددة و المختلفة المشار إليها آنفا- نراه في نفس الوقت- يدعي: أنه إنما يجعل الخلافة للرضا (ع)، لا من جهة أنها حق له، و لا من جهة النص عليه، حسبما يدعيه الرضا، بل من جهة أنه أفضل من قدر عليه ... و هذا أمر طبيعي جدا، و ليس إقرارا بمقالة

ص: 252

الرضا ... و كما ينطبق الآن على الرضا، يمكن أن ينطبق غدا على غيره، عند ما يوجد من له فضل، و أهلية ... و هذا دون شك ضربة لما يدعيه الرضا و يدعيه آباؤه من الحق في الخلافة، و من النص، و غير ذلك ...

هذا ...

و لسوف يأتي في فصل: خطة الإمام، شرح ما كتبه الإمام (ع) على ظهر الوثيقة، و لنرى من ثم كيف نسف الإمام كل ما بناه المأمون، و صيره هباء اشتدت به الريح في يوم عاصف ...

كلمة أخيرة:

و أخيرا: فاننا مهما شككنا في شي ء، فلسنا نشك في أن المأمون كان قد درس الوضع دراسة دقيقة، قبل أن يقدم على ما أقدم عليه.

و أخذ في اعتباره كافة الاحتمالات، و مختلف النتائج، سواء مما قدمناه، أو من غيره، مما أخفته عنا الايدي الأثيمة، و الأهواء الرخيصة ... و إن كانت لعبته تلك لم تؤت كل ثمارها، التي كان يرجوها منها؛ و ذلك بسبب الخطة الحكيمة التي كان الإمام (ع) قد اتبعها.

و لعمري: «... إن بيعته للامام لم تكن بيعة محاباة؛ إذ لو كانت كذلك لكان العباس ابنه، و سائر ولده، أحب إلى قلبه، و أجلى في عينه ...». على حد تعبير المأمون في رسالته للعباسيين، التي سوف نوردها في أواخر هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى.

ص: 253

أسباب البيعة لدى الآخرين:

أحمد أمين المصري، و أسباب البيعة:

و على ضوء ما تقدم، نستطيع أن نلقي نظرة على ما ذكره بعض المؤرخين، و الباحثين، مما جعلوه أسبابا لأخذ البيعة للامام (ع) بولاية العهد؛ و لنرى- من ثم- أنها لا تقوى على الصمود أمام النقد التاريخي الواعي و الدقيق؛ إذ أنها على الغالب: إما لا تعتمد على سند تاريخي أصلا، أو تعتمد على ما لا يصلح للاعتماد عليه ...

و لعل الدكتور أحمد أمين المصري، قد جمع كلا الناحيتين فيما جعله- بنظره- أسبابا للبيعة، حيث نلاحظ: أن بعض ما ذكره ليس له أي سند تاريخي، بل التاريخ على اختلاف أهوائه، و اتجاهاته يدحضه، و يكذبه ... و البعض الآخر قد اعتمد فيه على ما لا يصح الاعتماد عليه؛ و لذا فلا يكون من التجني عليه القول: إن ما ذكره كان سطحيا، أو بوحي من تعصب مذهبي رخيص ...

و ما ذكره يرجع إلى أسباب أربعة، رأى أنها صالحة، كلا أو بعضا، لأن تكون سببا لأخذ البيعة للرضا بولاية العهد ... و نلخصها بما يلي:

ص: 254

1- إن المأمون قد أراد بذلك: أن يصلح بين البيتين، العلوي، و العباسي، و يجمع شملهما؛ ليتعاونا على ما فيه خير الامة، و صلاحها.

و تنقطع الفتن، و تصفو القلوب.

2- إنه كان معتزليا، على مذهب معتزلة بغداد، يرى أحقية علي (ع) و ذريته بالخلافة؛ فأراد أن يحقق مذهبه ...

3- إنه كان تحت تأثير الفضل و الحسن بني سهل الفارسيين، و الفرس يجري في عروقهم التشيع؛ فما زالا يلقنانه آراءهما، حتى أقرها، و نفذها ...

4- «إنه رأى أن عدم تولي العلويين للخلافة، يكسب أئمتهم شيئا من التقديس؛ فإذا ولوا الحكم ظهروا للناس، و بان خطؤهم، و صوابهم، فزال عنهم هذا التقديس ...» (1).

هذا ... و قد ادعى في كتابه: «المهدي و المهدوية»: أن هؤلاء الأئمة كانوا يرتكبون الآثام في الخلفاء، فأراد المأمون: أن يظهرهم، ليعرفهم الناس على حقيقتهم ...

كان ذلك ما يراه أحمد أمين يصلح- كلا أو بعضا- سببا للبيعة ...

آراء أحمد أمين في الميزان:

و نحن بدورنا، و إن كنا نعتقد أن فيما قدمناه، و ما سيأتي كفاية في تفنيد هذه المزاعم و اسقاطها، إلا أننا نرى لزاما علينا أن نشير بايجاز إلى بعض ما يشير إلى ضعفها و وهنها، معتمدين في بقية ما يرد عليها على ذكاء القارئ، و تنبهه، و وعيه ... فنقول:

ص: 255


1- ضحى الاسلام ج 3 ص 295.

أما ما ذكر أولا: فقد كفانا هو نفسه مؤونة الكلام فيه، حيث قد اعترف بأن المأمون لو كان يرمي إليه لكان في منتهى السطحية و السذاجة ...

و أما ما جعله سببا ثانيا: فلعله لا يقل عن سابقه في الضعف و الوهن، و لا سيما بملاحظة ما قدمناه في الفصلين السابقين، من الظروف التي كان المأمون يعاني منها، و أيضا ملاحظة ما سيأتي من سلوك المأمون المشبوه، مع الإمام (ع)، و معاملته السيئة للعلويين، و كل من يتشيع لهم، و يتعاطف معهم ... و على الأخص إذا لاحظنا: أن المأمون لم تكن عقيدته هي المنطلق له في مواقفه السياسية، بل كان ينطلق مما يراه يخدم مصالحه الخاصة، و يؤكد وجوده في الحكم، و قد قدمنا أنه كان تارة يتحرج من تنقص الحجاج بن يوسف، و تارة يصف الصحابة، ما عدا الإمام علي (ع) ب «الملحدين»، و يصف الخليفة الثاني عمر بن الخطاب ب «جعل»، إلى آخر ما هنالك من الشواهد و الأدلة، مما لا نرى ضرورة لاعادته.

و لعل الأهم من ذلك كله: أن تفضيل المعتزلة- معتزلة بغداد- عليا (ع) على جميع الصحابة، لم يكن واضحا بعد في تلك الفترة، و إنما بدأه بشر بن المعتمر حسبما سيأتي بيانه في فصل خطة الإمام ...

و عليه فهذا الوجه لا يستقيم، على جميع الوجوه و التقادير.

و أما ما جعله سببا ثالثا؛ فسيأتي الكلام عليه بنوع من التفصيل ...

و لكننا نستغرب منه جدا، بل و نأسف كل الأسف، لما طلع به علينا؛ بما جعله سببا رابعا: من أن عدم تولي الأئمة للحكم يكسبهم شيئا من التقديس؛ فأراد أن يولي الإمام الرضا العهد؛ ليزول عنهم ذلك التقديس- و قد أشرنا سابقا إلى أنه استوحى هذه الفكرة من ابن القفطي في تاريخ الحكماء ...

ص: 256

و ليس واضحا تماما من هم «الأئمة»، الذين يقصدهم أحمد أمين في عبارته تلك. و إذا ما كان يقصد الأئمة الاثني عشر، حيث إنه في معرض الحديث عن أحدهم، و هو الإمام الرضا ... بل أعلن ذلك صراحة في عبارته الاخرى، التي أوردها في كتابه: «المهدي و المهدوية»- إذا كان كذلك-، فاننا نرى: أن لنا كل الحق في أن نتساءل:

هل عثر أحمد أمين لهؤلاء الأئمة، أو لواحد منهم على ما يتنافى مع التقديس، على مدى تاريخهم الطويل؟! و هل يستطيع أن يثبت عليهم أدنى شي ء يمس كرامتهم، و يتنافى مع مروءتهم، و يخالف دينهم و رسالتهم؟! ...

و لما ذا تظهر تفاهات غيرهم، و أخطاؤهم، رغم اجتهادهم و تفانيهم في سترها، و اخفائها ... و لا تظهر أخطاء هؤلاء الأئمة، رغم اجتهاد الناس في الافتراء عليهم، و التعرف على أية نقيصة أو خطاء منهم إن كان؟!!.

و متى كان هؤلاء الأئمة مستورين عن الناس، منفصلين عنهم، حتى استطاعوا أن يحصلوا على هذا التقديس؟!!.

و هل كل شخصية لا تصل إلى الحكم يقدسها الناس؟!!.

و هل كل شخصية تصل إلى الحكم لا يقدسها الناس؟!!.

و هل التقديس مقصور على الشخصية المستورة، و لاحظ للشخصية الظاهرة منه؟!!.

و هل أثر وصول الإمام علي (ع) للحكم طيلة أكثر من أربعة أعوام على تقديس الناس له؟!.

ص: 257

و هل يستطيع أحمد أمين أن يذكر لنا خطأ واحدا، ارتكبه الإمام علي (ع)، طيلة فترة حكمه؟! رغم أن معاوية و سواه، ممن كانوا معادين للإمام (ع)، ما كانوا يألون جهدا في الصاق التهم به، و الافتراء عليه؟!!.

و أما عن الإمام الرضا (ع):

فمتى كان مستورا عن الناس، بعيدا عنهم؟!!.

و هل تتفق دعواه باستتار الأئمة- و الرضا منهم- عن الناس، مع ما اعترف به المأمون نفسه للإمام الرضا (ع)، فيما كتبه بخط يده في وثيقة العهد، حيث يقول: «... و قد استبان له [أي للمأمون] ما لم تزل الأخبار عليه متواطية، و الألسن عليه متفقة، و الكلمة فيه جامعة، و لما لم يزل يعرفه به من الفضل: يافعا، و ناشئا، و حدثا، و مكتهلا الخ ...».

فهل يعقل: أن إنسانا من هذا النوع يكون مستترا عن الناس، بعيدا عنهم، و لا يعيش فيما بينهم، منذ حداثة سنه إلى أوان اكتهاله؟!.

و مع ذلك ... فأي خطأ يستطيع أحمد أمين، أن يسجله على الإمام الرضا (ع) طيلة الفترة التي عاشها مع المأمون، رغم محاولاته الجادة- و هو الحاكم المطلق- من أجل أن يضع من الامام (ع) قليلا قليلا، و يصوّره أمام الرعية بصورة من لا يستحق لهذا الأمر، على حد تعبير نفس المأمون؟!.

و هل لم يقرأ أحمد أمين أقوال كبار علماء أهل السنة، و أئمتهم، و تصريحاتهم الكثيرة جدا حول أئمة أهل البيت (ع)، و الإمام الرضا منهم بالذات؛ ليعرف مقدار عظمتهم، و طهارتهم، و نزاهتهم التي لا يشك، و لا يرتاب، و لا يناقش فيها أحد؟! ...

ص: 258

و أخيرا ... هل زال ذلك التقديس عن الإمام الرضا، عند ما ظهر للناس؟! أم أن الأمر كان على عكس ذلك تماما؟!! ...

هذه بعض الأسئلة التي نوجهها للاستاذ: «أحمد أمين»، و لكل من يرى رأيه، و يذهب مذهبه ... و إننا لعلى يقين من أنها سوف لن تجد لدى هؤلاء الجواب المقنع و المفيد ... و إنما ستواجه عنتا و عنادا صاعقين، يبتزان منهم كل غريبة، و يظهران الكثير الكثير من الترهات العجيبة ... و لكن ليطمئن بالهم، و تهدأ ثائرتهم؛ فإننا سوف لن نستغرب عليهم مثل هذه الترهات، و لن نعجب لمثل تلك الافتراءات؛ فما تلك إلا: «شنشنة أعرفها من أخزم» ...

رأي غريب آخر في البيعة:

هذا ... و يرى بعض المؤلفين: أن المأمون كان في بيعته للرضا (ع) واقعا تحت تأثير القوات المسلحة، و أنها هي التي أجبرته على ذلك، حيث كان القسم الكبير من قوادها، و زعماء فرقها يميلون إلى العلويين، و قد شرطوا عليه: أنهم لا يفتحون نار الحرب ضد الأمين إلا إذا جعل الرضا ولي عهده؛ فأجابهم إلى ذلك (1) ...

و أقول: ليت هذا المؤلف ذكر لنا اسم ذلك المؤرخ، الذي نقل له هذا الاشتراط من أولئك القواد على المأمون، و الذي تنافيه تصريحات المأمون نفسه، و سلوكه مع الإمام (ع)، حتى قبل أن يصل إلى مرو، و كذلك سائر مواقفه معه، و التي تكشف عن حقيقة دوافعه و نواياه إلى آخر ما هنالك مما قدمنا و سيأتي شطر منه.

ص: 259


1- هذا ما ذكره الشيخ القرشي في كتابه: حياة الامام موسى بن جعفر ج 2 ص 387.

و أحسب أن هذا المؤلف يشير بما ذكره هنا إلى ما ذكره جرجي زيدان في روايته: «الأمين و المأمون» ص 203، طبع دار الاندلس، فقد ذكر أن الفضل بن سهل قد اشترط على المأمون ذلك. و احتمل ذلك أيضا في كتابه: تاريخ التمدن الإسلامي، المجلد الثاني جزء 4 ص 439. و كأن مؤلفنا يريد أن يقول: إن المأمون كان مضطرا إلى إجابتهم: إما خوفا من انتقاضهم عليه، أو رغبة في القضاء على أخيه الأمين، أو للسببين معا ... و لكن هذا الاشتراط كما قلنا، ليس له أي سند تاريخي يدعمه، بل الشواهد التاريخية كلها على خلافه، سيما و نحن نرى الفضل بن سهل و أخاه يمانعان في عقد البيعة للرضا. و ما ذكره «زيدان»، لا يصلح شاهدا تاريخيا، بعد أن كان روائيا، لا يلتزم بالحقائق التاريخية ... و بعد أن لاحظنا: أنه يتعمد التضليل في كتابه:

تاريخ التمدن الإسلامي ...

و أحسب أن هذا هو عين الاتهام الموجه للفضل بن سهل في أمر البيعة؛ بأنه هو المدبر لها، و القائم بها. لكنه صيغ بنحو آخر فيه الكثير من الايهام و الابهام ...

و فريق آخر يرى:

و هناك بعض الباحثين يرى: أن من جملة الأسباب الهامة للبيعة: هو أن المأمون أراد أن يحذر العباسيين من مغبة المخالفة له، و الاستمرار في ذلك. و أن يرغمهم، و يدفعهم إلى الوقوف إلى جانبه؛ بدافع من خوفهم من انتقال الخلافة عنهم إلى خصومهم العلويين. و أن ينتقم منهم بسبب خلعهم له من ولاية العهد، و تأييدهم أخاه الأمين عليه، و تشجيعهم له

ص: 260

ضده. كما أنه يكون بذلك قد جمع المزيد من المؤيدين له، ليستطيع مقابلتهم، و الوقوف في وجههم، و ينتقم منهم (1).

و لكنه رأي لا تمكن المساعدة عليه:

لأن منطق الأحداث، و واقع ظروف المأمون يأبيان كل الاباء أن يكون هذا سببا منطقيا للبيعة ... و قد قدمنا في الفصلين السابقين البيان الكافي و الوافي لما يتعلق بهذا الموضوع ... هذا بالإضافة إلى أن ذلك لا يتلائم مع ما هو معروف عن المأمون، من الدهاء و السياسة، و هل يمكن أن يقدم المأمون على خلق و إثارة مشاكل هو في غنى عنها؟ و على الأخص في تلك الفترة من الزمن، التي كانت طافحة بالمشاكل، كان العصيان فيها معلنا في أكثر مناطق الدولة، و مهددا به من كل جانب و مكان؟!!.

إن الحقيقة هي: أن المأمون في تلك الفترة بالذات، كان بحاجة إلى أن يكتسب ثقة و حب أي إنسان كان. فضلا عن ثقة و حب أهل بيته، و عشيرته: العباسيين ...

ثم ... و هل يمكن أن يلجأ المأمون للانتقام منهم، الى هذا الاسلوب العاجز، بعد أن خضعوا له و انقادوا لأمره، و سلموا بالأمر الواقع، بعد مقتل الأمين؟!.

و لما ذا لا يقدر: أنهم سوف يقابلونه بالمثل، و يقومون في وجهه؛ ثأرا لكرامتهم، و دفاعا عن وجودهم؟! ...

و لما ذا يعطيهم الفرصة لابراز عضلاتهم ضده، و يجعلهم يفكرون في

ص: 261


1- الصلة بين التصوف و التشيع ص 219، و الامام الصادق و المذاهب الأربعة ج 2 جزء 4 ص 492، و التربية الدينية للفضلي ص 100، الطبعة الخامسة، و غير ذلك ...

تحدي سلطته، و هتك حرمته؟! ... حيث رأيناهم قد خلعوا المأمون؛ بسبب بيعته للإمام (ع)، و بايعوا لإبراهيم بن المهدي، في أواخر ذي الحجة، من نفس السنة التي بويع فيها للإمام (ع) بولاية العهد.

و أخيرا ... أ لم يكن باستطاعة المأمون أن يصفي حساباته مع خصومه الضعفاء جدا، الذين كاد يلتهمهم المد العلوي و يقضي عليهم، بأساليب أخرى، أقل إثارة، و أشد نكاية؟!! ...

و لقد أشرنا، و لسوف نشير الى ما قاله المأمون لحميد بن مهر و جمع من العباسيين ... بل و يكفينا هنا: أن نلقي نظرة على ما قاله المأمون للعباسيين في كتابه المعروف لهم، يقول المأمون: «... فإن تزعموا أني أردت أن يؤول إليهم (يعني للعلويين) عاقبة و منفعة، فإني في تدبيركم، و النظر لكم، و لعقبكم، و ابنائكم من بعدكم ...» و كذلك ما كتبه بخط يده في وثيقة العهد ... إلى آخر ما هنالك مما لا مجال لنا هنا لتتبعه ...

فتلخص أن ما ذكر هنا، لا يمكن أن ينسجم مع ما يقال عن حنكة المأمون، و دهائه السياسي ...

الفضل في قفص الاتهام:

و أخيرا ... فإن بعض المؤلفين، كأحمد أمين في كلامه المتقدم، و جرجي زيدان (1) و أحمد شلبي (2)، و غيرهم. و بعض المؤرخين كابن الأثير في الكامل، طبعة ثالثة ج 5 ص 123، و ابن الطقطقي في:

ص: 262


1- تاريخ التمدن الاسلامي، المجلد الثاني جزء 4 ص 439.
2- التاريخ الاسلامي و الحضارة الاسلامية ج 3 ص 320.

الفخري في الآداب السلطانية ص 217، و غيرهما ... يرون أن الفضل بن سهل كان العامل الرئيسي في لعبة «ولاية العهد» هذه، و أن المأمون كان في ذلك واقعا تحت تأثير الفضل، الذي كان يتشيع.

و يرى آخر: أن سبب إشارة الفضل على المأمون بذلك، هو أنه أراد أن يمحو ما كان من أمر الرشيد في العلويين (1) ...

الفضل بري ء من كل ما نسب إليه:

أما نحن فإننا بدورنا نستطيع أن نؤكد على ما يلي:

إن ما بأيدينا من النصوص التاريخية يابى عن نسبة التشيع للفضل، بل و حتى عن نسبة إشارته على المأمون بهذا الأمر، فضلا عن كونه المدبر له، و القائم به ... اللهم إلا أن تكون مؤامرة اشترك الرجلان معا في وضع خطوطها العريضة، آخذان في اعتبارهما ظروفهما، و مصالحهما الشخصية، ليس إلا ...

بل إن بعض النصوص تفيد أن الفضل كان عدوا للامام (ع)، حيث إنه كان من صنائع البرامكة (2)، أعداء أهل البيت (ع). و أنه لم يكن حتى راغبا في البيعة للرضا (ع)، و أنه و أخاه قد مانعا في عقد العهد للرضا (3)؛ فكيف يكون هو المشير على المأمون بالبيعة له ... بل لم يكن

ص: 263


1- البحار ج 49 ص 132، و عيون أخبار الرضا ج 2 ص 147، نقلا عن: البيهقي عن الصولي ...
2- البحار ج 49 ص 143، 113، و عيون أخبار الرضا ج 2 ص 166، و ص 226.
3- مقاتل الطالبيين ص 563، و الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي ص 270، و نور الأبصار للشبلنجيّ ص 142، و كشف الغمة ج 3 ص 66، و روضة الواعظين ج 1 ص 269، و البحار ج 49 ص 145، و ارشاد المفيد ص 310، 311، و غير ذلك ...

يعلم أن المأمون يريد عقد البيعة له إلا بعد وصوله إلى خراسان و احضار المأمون له، و اعلامه بأنه يريد عقد البيعة له على ما في مقاتل الطالبيين ص 562 و الطبري و غيرهما. و إن كان ربما يناقش في ذلك بمنافاته لرسالة الفضل التي ارسلها إلى الإمام و هو في المدينة و التي أوردها الرافعي في التدوين.

و ذلك ما يقوي أنه كان متآمرا على الإمام مع المأمون كما نصت عليه تلك الرسالة بأن ذلك عن اتفاق بينه و بين المأمون فراجعها.

و لو أنه كان ممن يتشيع للإمام (ع)، فكيف يمكن أن يتآمر عليه، و يحاول أن يجعل للمأمون ذريعة للاقدام على التخلص منه (ع)، و ذلك عند ما ذهب إلى الرضا، و حلف له بأغلظ الأيمان، ثم عرض عليه قتل المأمون، و جعل الأمر إليه. (1)

لكن الإمام بسبب وعيه و تيقظه قد ضيع عليه و على سيده هذه الفرصة، حيث أدرك للتوّ أنها دسيسة و مؤامرة، فزجر الفضل و طرده، ثم دخل من فوره على المأمون، و أخبره بما كان من الفضل، و أوصاه أن لا يأمن له ...

و بذلك يكون الإمام (ع) قد ضيع على المأمون و الفضل فرصة تنظيم اتهام له بما لم يكن- كما أنه يكون قد شكك المأمون في اخلاص الفضل له.

و عاد الفضل من مهمته تلك بخفي حنين، يجر هو و سيده أذيال الخيبة، و الخزي، و الخسران ...

أما إذا كان الفضل قد أقدم على ذلك من دون علم المأمون- كماد.

ص: 264


1- و ان كنا لا نستبعد أن يكون قد أقدم على ذلك من دون علم المأمون؛ و بدافع من حقده الدفين على الامام عليه السلام، و حسده له؛ يريد بذلك تمهيد السبيل لقتله؛ ليخلو له الجو، و ليفعل من ثم ما يشاء و حسبما يريد.

هو غير بعيد- فليس ذلك إلا بدافع من حقده الدفين على الإمام (ع)، و حسده له، يريد بذلك تمهيد الطريق لمقتله، ليخلو له الجو، و ليفعل من ثم ما يشاء، و حسبما يريد ...

و أيا ما كانت الحقيقة، فإن النتيجة ليست سوى الخزي و العار، و الخيبة القاتلة بالنسبة للفضل في هذه القضية ...

و يا ليته كان قد قنع بذلك ... و لكنه استمر في تحريض المأمون على التخلص من الإمام (ع)، حتى إن بعض المؤرخين يرى: أن المأمون لم يقتل الإمام إلا بتحريض من الفضل بن سهل!!! ...

و بعد ... فهل يمكن أن تنسجم دعوى تشيعه مع إشارته على المأمون بارجاع الإمام عن صلاة العيد، و ذلك حتى لا تخرج الخلافة منه؟! ...

كما سنشير إليه إن شاء اللّه.

و أيضا ... مع إظهاره العداوة الشديدة للإمام (ع) و حسده له على ما كان المأمون يفضله به، على حد تعبير الريان بن الصلت؟!! (1).

و كذلك مع اصطناعه هشام بن إبراهيم الراشدي، و جعله عينا للمأمون على الإمام، ينقل إليه حركاته و سكناته، و يمنع الناس من الوصول إليه حسبما تقدم؟!!.

و لو أن الفضل كان ممن يتشيع للإمام، لكان يجب أن يعد من أعظم البلهاء، إذ كيف لا يلتفت لأمر المأمون المؤكد لرسله: أن لا يمروا بالإمام عن طريق الكوفة و قم، لئلا يفتتن به الناس. ثم إلى تهديداته له بالقتل، إن لم يقبل ما يعرضه عليه، ثم إلى جلبه العلماء و المتكلمين3.

ص: 265


1- مسند الامام الرضا ج 1 ص 78، و البحار ج 49 ص 139، و عيون أخبار الرضا ج 2 ص 153.

من أقاصي البلاد، من أجل افحام الإمام، و اظهار جهله و عجزه، إلى آخر ما هنالك، من صفحات تاريخ المأمون السوداء.

ثم نرى أنه هو بنفسه يشارك في ذلك كله، و سواه، و يعمل من أجله حتى لقد شارك في التهديد للامام، إن لم يقبل ما يعرضه عليه المأمون ...

و إذا كان نفوذه قد بلغ حدا يجعل المأمون يتنازل عن عرشه- الذي قتل من أجله أخاه- لرجل غريب، فلما ذا لا يعمل هذا النفوذ من أجل أن يمنع المأمون عن ذلك السلوك اللاإنساني، الذي انتهجه مع الإمام، ابتداء من حين وجود الإمام في المدينة، و إلى آخر لحظة عاشها معه، و بعد ذلك إلى ما شاء اللّه ...

هذا كله من جهة ...

موقف الإمام من الفضل ينفي نسبة التشيع له:

و من جهة ثانية ... لو كان للفضل فضل في مسألة البيعة للإمام (ع)، أو كان ممن يتشيع له، لم يكن من اللائق من الرضا (ع)، أن يخبر المأمون بما عرضه عليه الفضل من قتل المأمون، و جعل الأمر إليه ... و لا من المناسب أن يوصيه بأن لا يأمن له، و يخبره بغشه و كذبه، و أنه يخفي عنه حقيقة ما يجري في بغداد، و غيرها (1) ...

و لا من اللائق منه أيضا: أن يعامله تلك المعاملة، التي لا يعامل بها المحبون المخلصون، و التي كان فيها الكثير من الخشونة، و الاحتقار و الامتهان، فقد قدمنا أنه عند ما ذهب إليه الفضل يطلب منه كتاب

ص: 266


1- تاريخ الطبري، طبع ليدن ج 11 ص 1025.

الامان، لم يسأله عن حاجته إلا بعد ساعة من وقوفه، ثم أمره بقراءة الكتاب، فقرأه- و كان كتابا في اكبر جلد- و هو واقف، لم يأذن له بالجلوس ...

و كذلك لم يكن من اللائق منه: أن يزري عليه عند المأمون، فقد ذكر المؤرخون: أنه «... كان يذكر ابني سهل عند المأمون، و يزري عليهما، مما دفعهما إلى السعاية به، و كان يوصيه أن لا يأمن لهما» (1).

إلى آخر ما هنالك مما لا يصدر من اى انسان عادي آخر في حق من يتشيع له، فضلا عمن يتسبب في جعله وليا لعهد الخلافة الإسلامية للامة بأسرها.

و المأمون نفسه يستنكر ذلك:

و من جهة ثالثة ... فقد كفانا المأمون نفسه مؤونة الحديث عن دور الفضل بن سهل في هذه القضية ... و لا شك أن «عند جهينة الخبر اليقين».

فقد قدمنا في الفصل السابق: أن الريان بن الصلت- و كان من رجال الحسن بن سهل (2)!!- عند ما رأى أن القواد و العامة قد أكثروا في بيعة الرضا، و أنهم يقولون: «إن هذا من تدبير الفضل» ... قال للمأمون ذلك، فأجابه المأمون: «... و يحك يا ريان!! أ يجسر أحد أن يجي ء إلى خليفة قد استقامت له الرعية، و القواد، و استوت الخلافة، فيقول

ص: 267


1- مقاتل الطالبيين ص 565، 566، و إعلام الورى ص 325، و كشف الغمة ج 3 ص 71، و روضة الواعظين ج 1 ص 276، و البحار ج 49، و إرشاد المفيد، و أعيان الشيعة، و غير ذلك ...
2- صرح بأنه من رجاله في كتاب: البحار ج 49 ص 133، و عيون أخبار الرضا ج 2 ص 149.

له: ادفع الخلافة من يدك إلى غيرك؟! أ يجوز هذا في العقل؟!! ... الخ» لا ... أبدا ... لا يمكن أن نتصور، و لا يجوز في العقل: أن يأتي وزير ملك إليه، و يطلب منه التنازل عن عرشه، و يسلمه إلى رجل غريب، و هو يعلم أن ذلك الملك، قد قتل أخاه، و غيره، و هدم البلاد، و أهلك العباد، من أجل ذلك العرش ... هذا مع علمه أنه سوف لا يكون له هو في دولة ذلك الرجل الجديد الغريب، أي شأن، أو دور يذكر. أو على الأقل لن يكون له من النفوذ، و السلطة و الطول، ما كان له مع ذلك الملك الأول. بل سوف يكون كأي فرد عادي آخر، محكوما لا حاكما، بكل ما لهذه الكلمة من معنى ... اللهم إلا أن يكون قد تآمر مع ذلك الملك الأول، لتنفيذ خطة معينة، قد رسماها معا من قبل، و عملا على أن تكون الامور في نهاية الأمر في صالحهما، و من أجل تعزيز نفوذهما و سلطتهما ...

أما حصيلة هذه الجولة:

و هكذا ... تأبى الأحداث، و يأبى المنطق أن يكون للفضل في هذه القضية شي ء، إلا عن طريق التآمر و التواطؤ مع سيده المأمون، أفعى الدهاء و السياسة، بعد دراسة دقيقة مشتركة للوضع، و تقييم عام له ...

اتفقا على أثره على خطة للتخلص من المشاكل التي كانت تعترض سبيلهما، و تشكل- إلى حدّ ما- خطرا على وجودهما في الحكم، و تفردهما بالسلطة ... و بذلك فقط نستطيع أن نفسر قول ابراهيم بن العباس في مدح الفضل في جملة أبيات له:

و إذا الحروب غلت بعثت لهارأيا تفل به كتائبها

رأيا إذا نبت السيوف مضى عزم به فشفى مضاربها

ص: 268

أجرى إلى فئة بدولتهاو أقام في أخرى نوادبها (1) و لعل الفضل كان مخدوعا!.

و لكن أ لا يحتمل قريبا: أن يكون الفضل مخدوعا في هذه المرة على الأقل؟ و أنه هو أيضا راح ضحية تآمر و تضليل من نفس سيده:

المأمون؟! ..

الحقيقة أن ذلك أمر محتمل جدا، لأننا نرى في النصوص التاريخية، ما يشير لنا بوضوح إلى أن الفضل لم يكن سوى لعبة بيد المأمون، و أنه قد جازت عليه حيلته في بادئ الأمر، بادّعائه: أنه إنما يوليه العهد، لأنه يريد خير الامة و مصلحتها. أو لأنه يريد أن يفي بنذره (أي أنه نذر إن ظفر بأخيه الأمين؛ فلسوف يسلم الخلافة لرجل غريب!!) ..

و قد تقدم أن ابن القفطي يرى أن الفضل لم يكن عارفا بسر القضية، و لا عالما بواقع الأمر .. و لعلنا نستطيع: أن نستدل على ذلك بقوّة بمانعة الفضل و أخيه الحسن في هذا الأمر ..

كما أننا رأينا المأمون: يرفض أن يطلب من الإمام (ع) كتاب الأمان للفضل، بحجة أن الإمام كان قد اشترط: أن لا يتدخل في شي ء من أمور الدولة و شئونها (2).

ثم نرى المأمون نفسه يطلب من الإمام: أن يولي فلانا، أو أن يكتب إلى فلان بكذا، أو أن يساعده في إدارة شئون الخلافة، أو أن8.

ص: 269


1- الأغاني ط ساسي ج 9 ص 31- 32.
2- أعيان الشيعة ج 4 قسم 2 ص 139، و عيون أخبار الرضا ج 2 ص 162، و البحار ج 49 ص 168، و مسند الإمام الرضا ج 1 ص 88.

يصلي بالناس، إلى غير ذلك من الامور .. مع أن ما كان يريده الفضل من الإمام، لم يكن له من الأهمية مثل ما كان يطلبه منه المأمون ..

و على كل فقد يجوز للمأمون- حتى مع الشرط- ما لا يجوز لغيره بدونه ..

الفضل يقع في الشرك

: و اخيرا .. فلا يسعنا في ختام هذا الفصل إلا أن نقول:

مسكين الفضل بن سهل، لقد استطاع المأمون أن يبرئ ساحة نفسه، من كل الذنوب العظيمة و الخطيرة التي ارتكبها، و أن يجعل هذا الوزير المسكين، الذي كان عدوا للامام، و الذي لم يشعر إلا و هو في الفخ، هو المسئول عن أكثر جرائمه و موبقاته، بل و عنها جميعا، حتى البيعة للرضا (ع)، بل و حتى عن قتل أخيه الأمين!! و لقد أدرك الفضل أنه قد وقع في الشرك، و لكن .. بعد فوات الأوان، و لذا نراه يمتنع عن الذهاب إلى بغداد، لأنه يعرف ما سوف يواجهه من مشاكل و أخطار، و ما سوف يتعرض له من مؤامرات، و حاول بكل وسيلة أن يقنع المأمون بالعدول عن رأيه، و بيّن له صراحة أنه هو المتهم بالبيعة للرضا، و بقتل الأمين، فلقد قال له:

«.. يا أمير المؤمنين، إن ذنبي عظيم عند أهل بيتك، و عند العامة، و الناس يلومونني بقتل أخيك المخلوع، و ببعة الرضا، و لا آمن السعاة و الحساد، و أهل البغي أن يسعوا بي، فدعني أخلفك بخراسان الخ ..» (1).

ص: 270


1- أعيان الشيعة ج 4 قسم 2 ص 139، و عيون أخبار الرضا ج 2 ص 162، و مسند الامام الرضا ج 1 ص 87، و البحار ج 49 ص 167.

و لكن أنى له أن يتركه المأمون، الذي كان يريد التخلص منه، من أجل أن ترضى عنه بغداد، مضافا إلى أنه هو أيضا كان يخشاه و يخافه ..

فلقد كان قد أعدّ العدة، و أحكم الخطة في أمره، و لم يبق إلا التنفيذ (كما سيأتي بيانه) ..

و بعد أن يئس الفضل من اقناع المأمون، حاول أن يحتاط لنفسه ما أمكنه ذلك، فطلب منه أن يكتب له كتاب ضمان و أمان، فاستجاب المأمون لهذا الطلب، و كتب له كتابا (1)، يسمى كتاب الحياء و الشرط يظهر بوضوح الدور الذي لعبه الفضل في تشييد صرح خلافة المأمون، و توطيد سلطانه.

و نلاحظ: أن المأمون قد كتب للفضل كل ما يريد، بل و زاد على ما كان يتوقعه الفضل الشي ء الكثير، إذ لم يكن يرى في ذلك أي ضرر عليه، ما دام أنه قد أحكم الخطة، و دبر له النهاية.

و كما رسم و دبر .. كانت النهاية!! ..

لما ذا الاصرار على اتهام الفضل

: و هكذا .. فإننا بعد كل ما تقدم، لا نرى مجالا للإصرار على نسبة التشيع للفضل، أو القول: بأن المأمون كان واقعا في أمر البيعة تحت تأثيره، و خاضعا لارادته، فقد يكون الفضل قد أعطي أكثر مما يستحقه من النفوذ و القدرة .. و لعل إصرار أولئك أو هؤلاء على اتهام الفضل بذلك، حتى و إن أنكره المأمون نفسه، و كذبته جميع الوقائع و الأحداث- لعله- يرجع إلى حرصهم على أن لا يتهم المأمون- السلطة- بما

ص: 271


1- الكتاب موجود في: البحار ج 49 ص 160، 162، و عيون أخبار الرضا ج 2 ص 157، 159، و أوعز إليه اليعقوبي في تاريخه ج 2 ص 451 طبع صادر

لا يحبون اتهامه به، كالتشيع، و الحب لآل علي (ع)، أو ليبرءوا ساحته من هذه التهمة، لو فرض وجودها فعلا .. أو لعل لأنهم لم يكونوا على درجة من الوعي تؤهلهم لإدراك حقيقة ظروف المأمون، و أهدافه من البيعة ..

هذا .. و قد رأينا: أن العباسيين في بغداد، بمجرد وصول نبأ البيعة لهم، يتهمون الفضل بن سهل بتدبيرها (1) .. مع أنهم لم يكونوا قد اطلعوا بعد على حقيقة الأمر و واقع القضية، و ما ذلك إلا لما قلناه، و ليبقوا على علاقاتهم مع المأمون، و ليبقى باب الصلح معه في المستقبل مفتوحا .. و كذلك ليحافظوا على شخصية المأمون، حتى لا تلصق بها تهمة، يعلمون هم أكثر من غيرهم- و أهل البيت أدرى بما فيه- ببراءته منها، ألا و هي تهمة: الحب لعلي، و آل بيته ..

و لعله أيضا لهذه الاسباب نفسها جعلوا المأمون لعبة في يد الفضل، و أنه لا يملك معه من الأمر شيئا، حتى لقد قالوا عنه: إنه مسجون و مسحور (2). و إن كان لا شاهد لهذه الدعوى أصلا إلا البيعة للرضا (ع)، و لولاها لكان العكس عندهم هو الصحيح فعلا ..

جميل .. و جميل جدا .. فلقد أصبح المأمون لعبة بيد الفضل، و إن كانت جميع الدلائل و الشواهد متظافرة على العكس من ذلك .. و لو لم يكن ذلك يكفي لتبرئة المأمون، فهم على استعداد لاتهامه بعقله، كما قد حدث ذلك بالفعل، فذلك عندهم خير من اتهامه بالحب لآل علي، و التشيع لهم ....

ص: 272


1- فقد اتهموا الفضل بذلك بمجرد وصول رسالة الحسن بن سهل إليهم، يخبرهم فيها بأمر البيعة .. راجع: الطبري ج 11 ص 1013، طبع ليدن و تجارب الامم ج 6 ص 436 و غير ذلك من كتب التاريخ.
2- راجع: البداية و النهاية ج 10 ص 248، و الطبري ج 11، و غير ذلك ..

احتمال وجيه جدا

: على أننا لا نستبعد كثيرا .. أن يكون المأمون نفسه قد شجع و غذى هذه التبريرات و التمويهات، و خصوصا بعد مقتل الفضل، ليبرئ نفسه أمام العباسيين، و ليشوه الفضل .. كما أننا لا نشك أبدا في أن كثيرا مما يذكر عن الأمين هو في عداد الخرافات و الأساطير، التي شجعها المأمون و حزبه، لأن الأمين كان هو المغلوب، و المأمون كان هو الغالب .. و للغالب القدرة، بل و الحق أيضا- في نظر قاصري النظر- في أن يشوه المغلوب، و يصوره بالصورة التي يريد ..

و يدلنا على أن المأمون هو المسئول عن ذلك، ما رواه الحصري في زهر الآداب من: «أنه لما خلع المأمون أخاه الأمين، و وجه بطاهر ابن الحسين لمحاربته، كان يعمل كتبا بعيوب أخيه، تقرأ على المنابر بخراسان الخ ..» (1). و طبيعي بعد ذلك: أن على الكتاب و المؤرخين الذين ما كانوا أحرارا، و لا يعتمدون النزاهة في كتاباتهم: أن يؤرخوا كما يريد المأمون، و أن يكتبوا ما يمليه عليهم، لا ما هو حق و واقع ..

يرونه بام أعينهم. أو تحكم به- إن كانت- ضمائرهم ..

و أخيرا .. و إذا تحقق أن الفضل بري ء من تهمة التشيع، و تهمة تدبير أمر البيعة الاعلى نحو التآمر، فلا يعني ذلك أنه بري ء مما هو أشنع من ذلك و أقبح «فكل إناء بالذي فيه ينضح» ..

ص: 273


1- راجع: امراء الشعر العربي في العصر العباسي ص 86، نقلا عن: زهر الآداب ج 2 ص 111، تحقيق زكي مبارك، و طبع دار الجيل ج 2 ص 464.

ص: 274

القسم الثّالث أضواء على الموقف:

اشارة

1- عرض الخلافة، و رفض الإمام ..

2- قبول ولاية العهد بعد التهديد ..

3- مدى جدية عرض الخلافة ..

4- موقف الإمام ..

5- خطة الإمام ..

ص: 275

ص: 276

عرض الخلافة، و رفض الامام (ع)

نصوص تاريخية

: تحدثنا كتب التاريخ: أن المأمون كان قد عرض الخلافة على الإمام أولا .. (1) لكنه (ع) رفض قبولها أشد الرفض، و بقي مدة يحاول اقناعه بالقبول؛ فلم يفلح .. و قد ورد أن محاولاته هذه، استمرت في مرو وحدها اكثر من شهرين و الإمام عليه السلام يأبى عليه ذلك (2).

بل لقد ورد أنه (ع) كان قد أجاب المأمون بما يكره؛ فقد:

قال المأمون للإمام: «.. يا ابن رسول اللّه، قد عرفت فضلك، و علمك، و زهدك، و ورعك، و عبادتك؛ و أراك أحق بالخلافة مني ..».

ص: 277


1- كما نص عليه في البداية و النهاية ج 10 ص 250، و الفخري في الآداب السلطانية ص 217، و غاية الاختصار ص 67، و ينابيع المودة للحنفي ص 384، و مقاتل الطالبيين، و غير هؤلاء كثير. و سنشير في آخر هذا الفصل إلى طائفة منهم أيضا .. لكن السيوطي قال في تاريخ الخلفاء: «... حتى قيل: أنه همّ أن يخلع نفسه، و يفوض الأمر إليه ..» أما رفضه لذلك؛ فهو أشهر من أن يذكر كما سيأتي ...
2- عيون أخبار الرضا ج 2 ص 149، و البحار ج 49 ص 134، و ينابيع المودة و غير ذلك.

فقال الإمام (ع): «.. بالزهد بالدنيا أرجو النجاة من شر الدنيا، و بالورع عن المحارم أرجو الفوز بالمغانم، و بالتواضع في الدنيا أرجو الرفعة عند اللّه ..

قال المأمون: فاني قد رأيت أن أعزل نفسي عن الخلافة، و أجعلها لك، و أبايعك؟! ..

فقال الإمام (ع): إن كانت هذه الخلافة لك؛ فلا يجوز أن تخلع لباسا ألبسكه اللّه، و تجعله لغيرك، و إن كانت الخلافة ليست لك؛ فلا يجوز أن تجعل لي ما ليس لك (1).

قال المأمون: لا بد لك من قبول هذا الأمر!! فقال الإمام (ع): لست أفعل ذلك طائعا أبدا ..

فما زال يجهد به اياما، و الفضل و الحسن (2) يأتيانه، حتى يئس من قبوله ..

و خرج ذو الرئاستين مرة على الناس قائلا: وا عجبا!! و قد رأيت عجبا!! رأيت المأمون أمير المؤمنين يفوض أمر الخلافة إلى الرضا.د.

ص: 278


1- عبارة تاريخ الشيعة ص 51، 52، هكذا: «... إن كانت الخلافة حقا لك من اللّه، فليس لك أن تخلعها عنك، و توليها غيرك. و إن لم تكن لك؛ فكيف تهب ما ليس لك ..» و هذه أوضح و أدل.
2- لا ندري ما الذي أوصل الحسن بن سهل إلى مرو، مع أنه كان آنئذ في العراق، و لعل ذكر الحسن اشتباه من الراوي. و احتمل السيد الأمين في أعيان الشيعة ج 4 قسم 2 ص 120: أن يكون المأمون قد استدعى الحسن بهذه المناسبة إلى خراسان؛ فلما تم أمر البيعة عاد إلى بغداد.

و رأيت الرضا يقول: لا طاقة لي بذلك، و لا قدرة لي عليه .. فما رأيت خلافة قط كانت أضيع منها (1).8.

ص: 279


1- راجع في جميع هذه النصوص بالاضافة إلى ما تقدم: روضة الواعظين ج 1 ص 267، 268، 269، و إعلام الورى ص 320، و علل الشرائع ج 1 ص 236، و ينابيع المودة ص 384، و أمالي الصدوق ص 42، 43، و الإرشاد ص 310، و كشف الغمة ج 3 ص 65، 66، 87، و عيون أخبار الرضا ج 2 ص 149، 140، و المناقب ج 4 ص 363، و الكافي ج 1 ص 489، و البحار ج 49، ص 129، 134، 136، و معادن الحكمة، و تاريخ الشيعة، و مثير الأحزان ص 261، و شرح ميمية أبي فراس ص 164، 165، و غاية الاختصار ص 68.

قبول ولاية العهد بعد التهديد

مع محاولات المأمون لاقناع الإمام

: الذي يبدو من ملاحظة كتب التاريخ و الرواية، هو: أن محاولات المأمون لاقناع الامام بما يريد، كانت متعددة، و متنوعة. و أنها بدأت من حين كان الإمام (ع) لا يزال في المدينة؛ حيث كان المأمون يكاتبه، محاولا إقناعه بذلك؛ فلم ينجح، و علم الإمام أنه لا يكف عنه ..

ثم أرسل رجاء بن أبي الضحاك، و هو قرابة الفضل و الحسن ابني سهل (1)؛ فأتى بالإمام (ع) من المدينة الى مرو رغما عنه .. و بذل المأمون في مرو أيضا محاولات عديدة، استمرت أكثر من شهرين. و كان يتهدد الإمام بالقتل، تلويحا تارة، و تصريحا أخرى، و الإمام (ع) يأبى قبول ما يعرضه عليه .. إلى أن علم أنه لا يمكن أن يكف عنه، و أنه لا محيص له عن القبول؛ فقبل ولاية العهد مكرها، و هو باك حزين- على حد تعبير الكثيرين-، و كانت البيعة له في السابع من شهر رمضان، سنة (201 ه-.)، كما يتضح من تاريخ ولاية العهد ..

ص: 280


1- و قيل: أنه عمهما. و قد كان رجاء هذا من قواد المأمون. و قد ولاه المأمون خراسان مدة، لكنه أساء السيرة؛ فعزله ..

بعض ما يدل على عدم رضا الإمام (ع)

: و النصوص الدالة على عدم رضا الإمام (ع) بهذا الأمر كثيرة، و متواترة؛ فقد قال أبو الفرج: «.. فأرسلهما (يعني الفضل و الحسن ابني سهل) إلى علي بن موسى؛ فعرضا ذلك (يعني ولاية العهد) عليه، فأبى؛ فلم يزالا به، و هو يأبى ذلك، و يمتنع منه .. إلى أن قال له أحدهما: إن فعلت ذلك، و إلا فعلنا بك و صنعنا، و تهدده، ثم قال له أحدهما: «و اللّه، أمرني بضرب عنقك، إذا خالفت ما يريد»!!. ثم دعا به المأمون، و تهدده؛ فامتنع، فقال له قولا شبيها بالتهديد، ثم قال له: «إن عمر جعل الشورى في ستة، أحدهم:

جدك، و قال: من خالف فاضربوا عنقه، و لا بد من قبول ذلك ..» (1)!!

و يروي آخرون: أن المأمون قال له: «.. يا ابن رسول اللّه، إنما تريد بذلك (يعني بما أخبره به عن آبائه من موته قبله مسموما) التخفيف عن نفسك، و دفع هذا الأمر عنك؛ ليقول الناس: إنك زاهد في الدنيا ..

فقال الرضا: و اللّه، ما كذبت منذ خلقني ربي عز و جل، و ما زهدت في الدنيا للدنيا؛ و إني لأعلم ما تريد؟!! ..

فقال المأمون: و ما أريد؟! قال: الأمان على الصدق؟

قال: لك الأمان.

قال: تريد بذلك أن يقول الناس: إن علي بن موسى لم يزهد في

ص: 281


1- مقاتل الطالبيين ص 562، 563، و قريب منه ما في ارشاد المفيد ص 310 و غير ذلك.

الدنيا، بل زهدت الدنيا فيه؛ أ لا ترون: كيف قبل ولاية العهد طمعا في الخلافة؟! فغضب المأمون، و قال له: «إنك تتلقاني أبدا بما أكرهه. و قد آمنت سطوتي، فباللّه أقسم: لئن قبلت ولاية العهد، و إلا أجبرتك على ذلك؛ فإن فعلت، و إلا ضربت عنقك ..» (1).

و قال الإمام الرضا (ع) في جواب سؤال الريان له، عن سرّ قبوله لولاية العهد:

«.. قد علم اللّه كراهتي لذلك؛ فلما خيرت بين قبول ذلك و بين القتل، اخترت القبول على القتل. ويحهم .. إلى أن قال: و دفعتي الضرورة إلى قبول ذلك، على إجبار و اكراه، بعد الاشراف على الهلاك إلخ ...» (2).

و قال في دعاء له: «.. و قد اكرهت و اضطررت، كما أشرفت من عبد اللّه المأمون على القتل، متى لم أقبل ولاية العهد ..».

و قال في جواب أبي الصلت: «و أنا رجل من ولد رسول اللّه (ص)9.

ص: 282


1- راجع في ذلك: مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 363، و أمالي الصدوق ص 43، و عيون أخبار الرضا ج 2 ص 140، و علل الشرائع ج 1 ص 238، و مثير الأحزان ص 261، 262، و روضة الواعظين ج 1، ص 267، و البحار ج 49 ص 129، و غير ذلك. و في تاريخ الشيعة ص 52: أنه بعد أن عرض عليه الخلافة، و أجابه بالجواب المتقدم في الفصل السابق، قال له: «... إذن، تقبل ولاية العهد. فأبى عليه الامام أشد الإباء؛ فقال له المأمون: «.. ما استقدمناك باختيارك، فلا نعهد إليك باختيارك. و اللّه، إن لم تفعل ضربت عنقك ..».
2- علل الشرائع ج 1 ص 239، و روضة الواعظين ج 1 ص 268، و أمالي الصدوق ص 72، و البحار ج 49 ص 130، و عيون أخبار الرضا ج 2 ص 139.

أجبرني على هذا الأمر و اكرهني عليه ..».

بل لقد أعرب عن عدم رضاه في نفس ما كتبه على ظهر وثيقة العهد، و أنه يعلم بعدم تمامية هذا الأمر، و إنما يفعل ذلك امتثالا لأمر المأمون، و إيثارا لرضاه ...

أما الباحثون و غيرهم فيقولون

: أما الباحثون، فلعلنا لا نكاد نعثر على باحث يتعرض لهذا الأمر ينسى أن يؤكد على رفض الإمام (ع) لهذا الأمر، و استيائه منه ..

يقول أحمد أمين: «.. و الزم الرضا بذلك، فامتنع، ثم اجاب ..» (1).

و قال القندوزي: إنه قبل ولاية العهد، و هو باك حزين (2) ..

و قال المسعودي: «.. فألح عليه، فامتنع، فأقسم؛ فأبر قسمه الخ ..» (3).

و على كل حال: فإن النصوص التاريخية الدالة على عدم رضاه (ع) بهذا الأمر، و أنه مكره مجبر عليه كثيرة جدا (4). و تضارعها كثرة

ص: 283


1- ضحى الاسلام ج 3 ص 294.
2- ينابيع المودة ص 284.
3- إثبات الوصية ص 205.
4- و إنه و إن كان سيمر معنا نصوص اخرى تدل على ذلك .. إلا أننا نحيل القارئ على بعض مظان وجودها؛ فراجع: ينابيع المودة ص 384، و مثير الأحزان ص 261، 262، 263، و كشف الغمة ج 3 ص 65، و أمالي الصدوق ص 68، 72، و البحار ج 49 ص 129، 131، 149، و علل الشرائع ج 1 ص 237، 238، و إرشاد المفيد ص 191، و عيون أخبار الرضا ج 1 ص 19، و ج 2 ص 139، 140، 141، 149، و إعلام الورى 320، و الخرائج و الجرائح، و غير ذلك ..

أقوال الباحثين، الذين تعرضوا لهذا الموضوع؛ و لذا فليس من اليسير الاحاطة بها و استقصاؤها في مثل هذه العجالة ..

و لهذا .. فإننا نكتفي هنا بهذا القدر؛ حيث إن المجال لا يتسع لأكثر من ذلك ..

ص: 284

مدى جدية عرض الخلافة

عرض الخلافة ليس جديّا ..

: مر معنا أن المأمون كان قد عرض أولا الخلافة على الإمام، و أنه ألح عليه بقبولها كثيرا، سواء و هو في المدينة، أو بعد استقدامه إلى مرو، و أنه تهدده فلم يقبلها. فلما يئس من قبوله الخلافة، عرض عليه ولاية العهد، فامتنع أيضا. و لم يقبل إلا بعد أن تهدده بالقتل، و عرف الجدّ في ذلك التهديد!!.

و هنا سؤال لا بد من الاجابة عليه، و هو:

هل كان المأمون جادا في عرضه الخلافة على الامام؟! ..

و يتفرع على الاجابة على هذا السؤال سؤال آخر، و هو:

إذا لم يكن المأمون جادا في عرضه ذاك؛ فما ذا ترى سوف يكون موقف المأمون، لو أن الامام قبل أن يتقلد الخلافة، و يضطلع بشئونها؟!.

و من أجل استيفاء الجواب عن هذين السؤالين، لا بد لنا من الإسهاب في المقال، بالقدر الذي يتسع لنا به المجال فنقول:

ص: 285

الاجابة على السؤال الأول

: أما عن السؤال الأول، فان الحقيقة هي: أن جميع الشواهد و الدلائل تدل على أنه لم يكن جادا في عرضه للخلافة:

و قد قدمنا أننا لا يمكن أن نتصور المأمون الحريص على الخلافة حرصه على نفسه، و الذي قتل من أجلها أخاه، و أتباعه، بل و حتى وزراءه هو و قواده؛ و غيرهم. و أهلك العباد، و خرب البلاد، حتى لقد خرب بغداد بلد آبائه، و أزال كل محاسنها- لا يمكن أن نتصور- المأمون، الذي فعل كل ذلك و سواه من أجل الحصول على الخلافة ... يتنازل عنها بهذه السهولة، بل و مع هذا الالحاح و الإصرار منه، لرجل غريب، ليس له من القربى منه ما لأخيه، و لا من الثقة به ماله بقواده، و وزرائه!!.

أم يعقل أن تكون الخلافة أعز من هؤلاء جميعا، و الرضا فقط هو الأعز منها؟!! ..

و هل يمكن أن نصدق، أو يصدق أحد: أن كل ذلك، حتى قتله أخاه، كان في سبيل مصلحة الامة و من أجلها، و لكي يفسح المجال أمام من هو أجدر بالخلافة، و أحق بها من أخيه، و منه؟!! ..

و كيف يمكن أن نعتبر اصراره الشديد على الامام، و الذي استمر أشهرا عديدة، قبل استقدامه إلى مرو و بعده، و الذي انتهى به إلى حد تهديده إياه بالقتل- كيف يمكن أن نعتبره رفقا منه بالامة، و حبا لها، و غيرة على صالحها .. مع أننا نسمعه من جهة ثانية هو نفسه يصرح:

بأن نفسه لم تسخ بالخلافة، عند ما عرضها على الامام؟!! (1).

و إذا لم تسخ نفسه بالخلافة؛ فلما ذا يهدده بالقتل إن لم يقبلها؟!!.

ص: 286


1- قاموس الرجال ج 10 ص 371، و غيبة الشيخ الطوسي ص 49.

و كيف يمكن أن نوفق بين تهديداته تلك، و جدية عرضه للخلافة ..

و بين قوله: إنه لم يقصد إلا أن يوليه العهد؛ ليكون دعاء الإمام له، و ليعتقد فيه المفتونون به الخ .. ما سيأتي؟!!.

و إذا كان قد نذر أن يوليه «الخلافة»، لو ظفر بأخيه الأمين، حسبما ورد في بعض النصوص التاريخية؛ فلما ذا، و كيف جاز له الاكتفاء بتوليته العهد؟!!.

و كيف استطاع إجباره على قبول ولاية العهد، و لم يستطع إجباره على قبول الخلافة؟! و أيضا .. و لما ذا بعد أن رفض الإمام (ع) العرض، لا يتركه و شأنه؟

و أين هي أنفة الملوك، و عزة السلطان؟!!.

و إذا كان يأتي به من المدينة ليجعله خليفة المسلمين، و يرفع من شأنه؛ فلما ذا يأمره و يؤكد عليه في أن لا يمر عن طريق الكوفة و قم، حتى لا يفتتن به الناس؟!!.

و أيضا .. هل يتفق ذلك مع إرجاعه للإمام (ع) عن صلاة العيد مرتين، لمجرد أنه جاءه من ينذره بأن الخلافة سوف تكون في خطر؛ لو أن الإمام (ع) وصل إلى المصلى؟!! .. حتى لقد خرج هو بنفسه مسرعا، و صلى بالناس، رغم تظاهره بالمرض، و رغم زعمه، أنه:

كان يريد من الإمام أن يصلي بالناس؛ من أجل أن تطمئن قلوبهم على دولته المباركة- على حد تعبيره- بسبب مشاركة الإمام (ع) في ذلك ..

و أيضا .. هل يتفق عرضه الخلافة على الإمام، و تنازله عنها له، ثم توليته العهد، و بكاؤه عليه حين وفاته، و بقاؤه على قبره ثلاثة أيام، حسبما سيأتي بيانه .. هل يتفق كل ذلك، مع كتابته لعامله على

ص: 287

مصر: يأمره بغسل المنابر التي دعي عليها للامام (ع)؛ فغسلت؟!! (1).

و بعد .. و إذا كان الإمام (ع) حجة اللّه على خلقه، و أعلم أهل الأرض على حد تعبير المأمون؛ فلما ذا يفوض عليه نظرية لا يراها مناسبة، و يتهدده، و يتوعده على عدم قبولها، و الاخذ بها؟! ..

و أخيرا .. هل يتفق ذلك كله، مع ما أشرنا، و لسوف نشير إليه، من ذلك السلوك اللاإنساني مع الإمام (ع)، قبل البيعة، و بعدها، في حياة الإمام، و حين وفاته، و بعدها .. و كذلك سلوكه مع العلويين، و إخوة الإمام الرضا (ع) بالذات. ذلك السلوك الذي يترفع حتى الاعداء عن انتهاجه، و الالتزام به.

إلى آخر ما هنالك مما عرفت، و ستعرف جانبا منه في هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى ..

المأمون يرتبك في تبريراته

: و لعل من الامور الجديرة بالملاحظة هنا: أن المأمون لم يكن قد حسب حسابا للأسئلة التي سوف تواجهه في هذا الصدد؛ و لذا نرى أنه كان مرتبكا جدا في تبريراته لما أقدم عليه؛ فهو تارة يعلل ذلك بأنه:

ص: 288


1- و لا منافاة بينهما في نظر المأمون؛ فانه لم يكن يخشى من ردة الفعل في مصر؛ لأنها بالاضافة إلى بعدها، لم تكن من المناطق الحساسة في الدولة، و لم تكن أيضا شديدة التعاطف مع العلويين؛ فهي إذن مأمونة الجانب .. و ما كان يخشى منه قد أمنه؛ بتظاهره أمام الملأ بالحزن الشديد على الامام عليه السلام؛ حيث يكون بذلك قد طمأنهم، و أبعد التهمة عن نفسه في المنطقة التي يخشى منها في الوقت الحاضر .. و إلى أن تصل أخبار مصر إلى هذه المناطق الحساسة؛ فانه يكون قد تجاوز المرحلة الخطيرة، و لم يعد يخشى شيئا على الإطلاق ..

أراد مكافأة علي بن أبي طالب في ولده!! (1).

و أخرى: بأن ذلك كان منه حرصا على طاعة اللّه، و طلب مرضاته؛ و لما يعلمه من فضل الرضا، و علمه، و تقاه .. و أنه أراد بذلك الخير للامة، و مصلحة المسلمين!! (2).

و ثالثة: بأنه أراد أن يفي بنذره: أنه إن أظفره اللّه بالمخلوع يعني أخاه الأمين الذي قتله- أن يجعل ولاية العهد في أفضل آل أبي طالب!!. (3)

بل و رابعة: بأنه أراد أن يجعله ولي عهده؛ ليكون دعاؤه له، و ليعتقد فيه المفتونون به إلخ (4) .. ما سيأتي تفصيله ..

مع تبريرات المأمون تلك

: و من الواضح أن تلك العلل و التبريرات، و سواها، مما كان يتعلل

ص: 289


1- الفخري في الآداب السلطانية ص 219، و البحار ج 49 ص 312، و تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 308، و التذكرة لابن الجوزي ص 356، و شذرات الذهب، لابن العماد ج 2 ص 3، و غير ذلك ..
2- صرح بذلك في وثيقة العهد. و في الفخري في الآداب السلطانية ص 217، قال: «كان المأمون قد فكر في حال الخلافة بعده، و أراد أن يجعلها في رجل يصلح لها، كذا زعم ..» .. و في البداية و النهاية ج 10 ص 247 قال: «إن المأمون رأى عليا الرضا خير أهل البيت، و ليس في بني العباس مثله: في علمه، و دينه؛ فجعله ولي عهده من بعده» و مثل ذلك كثير ...
3- الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي ص 241، و مقاتل الطالبيين ص 563، و اعلام الورى ص 320، و البحار ج 49 ص 143، 145، و أعيان الشيعة ج 4 قسم 2 ص 112، و عيون أخبار الرضا، و ارشاد المفيد، و غير ذلك ..
4- لكن هذا الكلام لم يكن إلا لخصوص العباسيين، كما عرفت و ستعرف!!!.

به المأمون؛ كانت مفتعلة قبل أوان نضجها. و لعله لما أشرنا إليه من أنه لم يكن قد حسب حسابا لهذه الاسئلة التي واجهته، كانت أجوبته متناقضة، متضادة، من موقف لآخر، و من وقت لآخر .. حتى إن التناقض يبدو في التبرير الواحد، إذ تراه مرة يقول: «إنه نذر أن يجعل الخلافة في ولد علي». و أخرى يقول: «إنه نذر أن يجعل ولاية العهد فيهم». و ثالثة: يضيف إليهم آل العباس .. و هكذا ..

و لو لا خوف الناس منه، و من بطشه لوجدنا الكثيرين يسألونه: إنه إذا صح: أنه نذر الخلافة لولد علي، فلما ذا قبل منه و اكتفى بولاية العهد؟!، إذ قد كان عليه أن يجبره على قبول الخلافة، كما أجبره على قبول ولاية العهد .. و إذا صح أنه نذر له ولاية العهد؛ فلما ذا عرض عليه الخلافة، و أصر عليه بقبولها.

و إننا و إن لم نجد لهذه الأسئلة، و سواها أثرا فيما بأيدينا من كتب التاريخ. إلا أننا رأينا الشواهد الكثيرة الدالة على أن الناس كانوا يشكون كثيرا في نوايا المأمون و أهدافه مما أقدم عليه. و حسبنا هنا: ما رواه لنا الصولي، و القفطي، و غيرهما من قضية عبد اللّه بن أبي سهل النوبختي المنجم؛ حيث أراد اختبار ما في نفس المأمون؛ فأخبره أن وقت البيعة للامام (ع) كان غير صالح؛ فأصر المأمون على إيقاع البيعة في ذلك الوقت، و تهدده بالقتل إن حدث تغيير في الوقت و الموعد، و قد تقدمت القصة بكاملها تقريبا في فصل سابق، و قد ذكرها غير واحد من المؤلفين (1)...

ص: 290


1- تاريخ الحكماء ص 222، 223، و فرج المهموم في تاريخ علماء النجوم ص 142، و أعيان الشيعة ج 4 قسم 2 ص 114، و البحار ج 49 ص 132، 133، و عيون أخبار الرضا ج 2 ص 147، 148، و غير ذلك ...

الامام يدرك أهداف المأمون من عرض الخلافة

: و لعلنا نستطيع أن نجد فيما قدمناه في هذا الكتاب ما يفسر لنا موقف الإمام (ع) من المأمون .. ذلك الموقف الذي لم يكن يتسم بالمهادنة، أو الموافقة أصلا. بل كان قاسيا و عنيفا في مقابل عرض المأمون للخلافة عليه، كما ألمحنا إليه في باب: «عرض الخلافة، و رفض الإمام».

و ما ذلك ... إلا لأنه كان يعلم أنها لعبة خطيرة، تحمل في طياتها الكثير من المشاكل و الأخطار، و سواء بالنسبة إليه (ع)، أو بالنسبة إلى العلويين، أو بالنسبة إلى الامة بأسرها ..

و لقد كان (ع) يدرك: أن المأمون كان يرمي من وراء هذا العرض إلى أن يعرف حقيقة نوايا الامام (ع)، و يستظهر دخيلة نفسه، حتى إذا ما رآه راغبا فيها رغبة حقيقية، سقاه الكأس، التي سقاها من قبل لمحمد بن محمد بن يحيى بن زيد، صاحب أبي السرايا، و من بعد لمحمد بن جعفر، و طاهر بن الحسين، و غيرهم، و غيرهم .. و انه كان يريد أن يجعل ذلك ذريعة لفرض ولاية العهد، و تمهيدا لإجباره على قبولها؛ لأن ما يحقق له مآربه، و يوصله إلى غاياته، التي تحدثنا عن جانب منها في فصل: ظروف البيعة .. هو قبول الإمام لولاية العهد، لا الخلافة .. كما أن هذا هو الذي يمكن أن يكون ممهدا لتنفيذ الجزء التالي من خطته، ألا و هو القضاء على العلويين بالقضاء على أعظم شخصية فيهم.

و من ثم .. و بعد كل ما تقدم .. تكون النتيجة هي: أن المأمون لم يكن جادا في عرضه للخلافة، و إنما فقط كان جادا في عرضه لولاية العهد ..

ص: 291

و يبقى هنا سؤال

: «لو أن الإمام قبل عرض الخلافة؛ فما ذا ترى سوف يكون موقف المأمون؟!».

و الجواب

أولا:

انه قد يمكن الاقتناع بالجواب هنا لو قيل:

بديهي أن المأمون كان قد أعد العدة لأي احتمال من هذا النوع ..

و قد كان يعلم أنه يستحيل على الإمام، خصوصا في تلك الظروف:

أن يقبل عرض الخلافة، من دون إعداد مسبق لها، و تعبئة شاملة لجميع القوى، و في مختلف المجالات، و لسوف يكون قبوله لها بدون ذلك عملا انتحاريا، لا مبرر له، و لا منطق يساعده ..

إذ من البديهي أن الإمام الذي كان يعلم كم كان للقائد الحقيقي، و المصلح الواعي، من أثر في حياة الامة، و في مستقبلها. و كيف يمكن أن تتحد في ظله قدرات الامة- أفرادا و جماعات- و امكاناتها المادية، و الفكرية و غيرها في طريق صلاحها، و اصلاحها .. و يعلم أيضا: كيف يكون الحال، لو كان القائد فاسدا، حتى بالنسبة لما يبدو من تصرفاته في ظاهره صحيحا و سليما ..

إن الإمام الذي كان يعلم ذلك و سواه- و بصفته القائد الحقيقي للامة، لو حكم؛ فلا بد له أن يقيم دولة الحق و العدل، و يحمل الناس على المحجة، و يحكم بما أنزل اللّه، كما حكم جده محمد (ص)، و أبوه علي (ع) من قبل .. و حكمه هذا سوف يكون مرفوضا جملة و تفصيلا؛ لأن الناس، و إن كانوا عاطفيا مع أهل البيت عليهم السلام؛ إلا أنهم حيث لم يتربوا تربية إسلامية صحيحة، و صالحة، إذا أراد العلويون، أو غيرهم حملهم على المحجة؛ فلسوف لا ينقادون لهم بسهولة، و لا يطيعونهم بيسر. و لسوف يكون الحكم بما أنزل اللّه غريبا على أمة اعتادت

ص: 292

على حياة خلفاء بني العباس، و من قبلهم بني أمية المليئة بالانحرافات و الموبقات.

أولئك الخلفاء الذين كانوا في طليعة المستهترين، و المتحللين من كل قيود الدين و الانسانية، و الذين كانوا يتساهلون في كل شي ء، ما دام لا يضر بوجودهم في الحكم .. نعم .. في كل شي ء على الاطلاق، حتى في الدين و أحكامه، و الأخلاق، و المثل العليا؛ و ما ذلك إلا لأنهم لم يكن همهم إلا الحكم، و التسلط، و امتصاص دماء الشعوب، و لا يهمهم- بعد- أن يفعل الناس ما شاءوا، ليتستروا بالدين، ليكفروا باللّه، ليتحللوا من الأخلاق و الفضائل الانسانية، ليأكل بعضهم بعضا، ليكونوا أنعاما سائمة، أو ليكونوا و حوشا ضارية؛ فان ذلك كله لا يضر.

و الذي يضر فقط هو: أن يتعرضوا للحكم، و يفكروا بالسلطان، كيفما كان التعرض، و أيا كان التفكير ..

و إذا كان الإمام علي (ع)، عند ما أراد أن يحكم بما أنزل اللّه تعالى، قد لاقى ما لاقى مما لا يجهله أحد .. رغم ما سمعته الامة من فم النبي (ص) مباشرة في حقه، و قرب عهدها به .. فكيف بعد أن مرت عشرات السنين، و أصبح الانحراف عادة جارية، و سنة متبعة، و اتخذ نحوا من الاصالة في حياة الامة، و روحها، و أصبح- للأسف- جزءا لا يتجزأ من كيانها و واقعها ..

و أيضا .. إذا كان أبو مسلم قد قتل ست مائة ألف نفس صبرا، عدا مئات الالوف الاخرى، التي ذهبت طعمة للسيوف في المعارك ..

و إذا كانت ثورة أبي السرايا قد كلفت المأمون «200» ألف جندي، من جنوده هو ..

و إذا كان العصيان ما انفك يظهر من كل جانب و مكان، رغم أن

ص: 293

الحكم كان أولا و آخرا ينسجم مع أهواء الناس، و مصالحهم الشخصية ..

فهل يمكن مع هذا .. ان لا يتعرض الإمام (ع) لعصيان أصحاب الأهواء- و ما أكثرهم-، و الكيد من قبل الأعداء، الذين سوف يزيد عددهم. و تتضاعف قوتهم، عند ما يحاول الامام (ع) ان يفرض عليهم حكما ما اعتادوه، و سلوكا ما ألفوه؟! ..

إن من الواضح: ان الناس و ان كانت قلوبهم معه، الا ان سيوفهم سوف تنقلب لتصير عليه، كما انقلبت على آبائه و أجداده من قبل، و ذلك عند ما لا ينسجم حكمه (ع) مع رغائبهم، و أهوائهم، و انحرافاتهم ..

حيث إن الإمام (ع) إذا أراد أن يحكم، فلسوف يواجه- بطبيعة الحال- تلك العناصر القوية، ذات النفوذ، و أولئك المستأثرين بكل الاموال و الاقطاع، من أصحاب الأطماع، و المصالح الشخصية، وجها لوجه .. إذ أننا لا يمكن أن ننتظر من حكومة الإمام، التي هي على الفرض حكومة الحق، و العدل: أن تقرهم على ما هم عليه، فضلا عن أن توفر لهم الحماية لتصرفاتهم المشبوهة، و غير المنطقية، بل حتى و لا الاخلاقية أيضا ..

إن حكومة الإمام (ع)، إذا أرادت أن تقوم بعمل أساسي في سبيل استئصال كل جذور الانحراف و الفساد .. فان عليها أولا، و قبل كل شي ء، أن تقوم بقطع أيدي أولئك الغاصبين لاموال الامة، و المتحكمين بقدراتها. و إبعاد كل أولئك الذين كانوا يستغلون مناصبهم، التي و صلوا إليها عن طريق الظلم، و الغطرسة، و الابتزاز- يستغلونها- لمآربهم الشخصية، و انحرافاتهم اللاأخلاقية ..

ثم .. قطع أعطيات ذلك الفريق من الناس، الذين كانوا يعيشون على حساب الأمة، و يأكلون خيراتها .. ثم لا يقومون في مقابل ذلك بأي عمل، أو نشاط يذكر ..

ص: 294

و أيضا .. منع المحسوبيات، و الوساطات، من أصحاب الوجاهات، الذين كانت تسيرهم الروح القبلية، و يهيمن عليهم الشعور الطبقي في دولة الأطماع و المزايدات، أو دولة التهديد، و العسف، و الارهاب.

يضاف إلى ذلك كله .. أنه إذا أراد الإمام (ع) أن ينطلق في كل نصب و عزل من مصلحة الامة، لا من مصلحة الحاكم و القبيلة؛ فطبيعي أن يؤدي ذلك إلى إثارة القبائل ضده، و يؤلبهم عليه .. فزعماء القبائل سواء كانوا عربا أو فرسا كانوا يلعبون دورا هاما في انجاح اية ثورة و قيام أية دعوة و استمرار و نجاح أي حكم.

و بعد كل ذلك؛ فإن من الطبيعي إذن: أن يستفحل الصراع بينه، و بين العناصر القوية، ذات النفوذ، من أصحاب الأهواء، و المصالح الشخصية، و أولئك الذين يعتمل في نفوسهم طموح كبير، نحو زبارج الدنيا، و بهارجها .. و ذلك عند ما يعطي القيمة الحقيقية لهؤلاء جميعا، و يجعلهم في المستوى الذي يجب أن يكونوا فيه، و يحدّد و يقيّم لهم واقعهم الذي لن يرضوا أبدا بتحديده و تقييمه. و على الأقل لن تساعده تلك العناصر على تصحيح الوضع، و إقرار النظام .. هذا إن لم تكن هي العقبة الكأداء، التي تحول بينه و بين ما يصبو إليه، و تمنعه من تحقيق ما يريد ..

يضاف إلى ذلك كله: أن القيادة القبلية كانت قد فسدت آنذاك، و اعتاد رؤساء القبائل على نكث العهود و المواثيق التي يعطونها؛ فكانوا يؤيدون هذه الدعوة، و هذا القائم بها، إلى أن يجدوا من يستفيدون منه، و يغدق عليهم أكثر من الأموال، و يخصهم بما يفضل ما يخصهم به ذاك من المناصب. و كان للقيادات القبلية دور كبير في إنجاح أية دعوة، و انتصار أية ثورة ..

و بعد .. فإنه إذا كان الإمام (ع) لن يحابي أحدا على حساب دينه و رسالته .. و إذا كان- من الجهة الأخرى- مركزه ضعيفا في الحكم ..

و إذا كان ليس لديه القوة و القدرة الكافية لمواجهة مسئولياته كاملة.

ص: 295

فلسوف ينهار حكمه و سلطانه أمام أول عاصفة تواجهه، و لن يستطيع أن يبقى محتفظا بوجوده في الحكم، أو على الأقل بمركز يخوله أن يفرض الحكم الذي يريد على المجتمع، بجميع فئاته، و مختلف طبقاته ..

إلا أن يكون حاكما مطلقا، لا تحد سلطته حدود، و لا تقيدها قيود، و أنى له بذلك.

و بعد كل ما تقدم؛ فان النتيجة تكون، أن الامام (ع)، و إن كان يمتلك القدرة على الاصلاح، لكن الامة لم تكن لتتحمل مثل هذا الإصلاح، خصوصا و أن الحكام- بوحي من مصالحهم الخاصة- كانوا قد أدخلوا في أذهان الناس صورا خاطئة عن الحكم، و عن الحكام، الذين يفترض فيهم ان يقودوا الامة في مسيرها إلى مصيرها ..

هذا كله .. لو فرض- جدلا- سكوت العباسيين و المأمون عنه، مع أن من المؤكد أنهم سوف يعملون بكل ما لديهم من قوة و حول، من أجل تقويض حكمه، و زعزعة سلطانه ..

و إذا كان يستحيل على الإمام (ع)، في تلك الفترة على الأقل:

أن يتسلم زمام السلطة إلا أن يكون حاكما مطلقا كما قدمنا .. فمن الواضح أن سؤالا من هذا النوع لا مجال له بعد. و لن يكون في تجشم الاجابة عليه كبير فائدة، أو جليل أثر.

و لكن .. مع ذلك، و حتى لا نفرض على القارئ وجهة نظر معينة؛ إذ قد يرى أن من حقه أن يفترض- و إن أبى واقع الأحداث مثل هذا الافتراض- أنه كان على الإمام (ع): أن يجاري، و يداري في بادئ الأمر؛ من أجل الوصول إلى أهداف فيها خير الامة و مصلحتها؛ من أجل ذلك .. نرى لزاما علينا أن نجاريه في هذا الافتراض، و نتجه إلى الإجابة على ذلك السؤال بنحو آخر؛ فنقول:

و ثانيا:

إنه إذا كان المأمون في تلك الفترة هو الذي يمتلك القدرة و السلطان .. و إذا كانت كل أسباب القوة و المنعة متوفرة لديه بالفعل؛

ص: 296

فإنه سوف يسهل عليه- إذا لم يكن حكم الإمام (ع) على وفق ما يشتهي، و حسبما يريد-: أن يأخذ على ذلك الحكم: (الذي يرى نفسه، و يرى الناس أنه مدين للمأمون) أقطار الأرض، و آفاق السماء. و لن يصعب عليه تصفيته، و التخلص منه من أهون سبيل؛ حيث إنه حكم لا يزال، و لسوف يسعى المأمون لأن يبقيه في المهد، يستطيع المأمون أن ينزل به الضربة القاصمة القاضية متى شاء، دون أن تعطى له الفرصة لحشد قدراته، و تجميع قواه في أي من الظروف و الأحوال ..

و هكذا .. فإن النتيجة تكون: أن الإمام (ع) سوف يكون بين خيارين لا ثالث لهما: فاما أن يحاول تحمل المسئولية الحقيقية، بكل أبعادها، و تبعاتها، باعتباره القائد الحقيقي للامة، و يقدم على كل ما تقدمت الاشارة إليه من اصلاحات جذرية في جميع المجالات، و على مختلف المستويات؛ مما سوف يكون من نتائجه أن يعرض نفسه للهلاك؛ حيث لا يستطيع الناس؛ و المأمون و اشياعه تحمل ذلك، و الصبر عليه، و يكون له و لهم كل العذر في تصفيته، و التخلص منه.

و إما أن لا يتحمل مسئولية الحكم، و لا يأخذ على عاتقه قيادة الامة، و إنما تكون مهمته، و ما يأخذه على عاتقه هو فقط تنفيذ إرادات المأمون، و أشياعه من المنحرفين. و يكون هو الواجهة التي يختفي وراءها الحكام الحقيقيون، المأمون و من لف لفه ..

و واضح أن نتيجة ذلك سوف تكون أعظم خطرا على الإمام، و على العلويين، و على الامة بأسرها، و أشد فداحة من نتيجة الخيار السابق؛ حيث يكون قد قضى بذلك على كل آمال الامة، و كل توقعاتها.

و ذلك هو كل ما يريده المأمون، و يسعى من أجل الحصول عليه، بكل ما أوتي من قوة و حول ..

و ثالثا:

إن من الواضح: أن عرض المأمون التنازل عن الخلافة للامام (ع)، لا يعني أبدا أن المأمون سوف لا يحتفظ لنفسه بأيّ من

ص: 297

الامتيازات؛ التي تضمن له- في نظره- نصيبا من الأمر (1). و لسوف يرى الناس كلهم أن له كل الحق في ذلك ..

كما أن ذلك لا يعني أنه سوف لا يعود له نفوذ في الاوساط ذات النفوذ و القوة. بل إنني أعتقد أنه سوف يكون في تلك الحال أقوى بكثير منه في غيرها؛ حتى إن المنصب للإمام (ع)، قد يكون شكليا، و مركزه صوريا، لا حول له فيه و لا قوة ..

و حينئذ .. و إذا كان المأمون سوف يبقى له نفوذ و قوة، و إذا كان سوف يشترط لتنازله عن الخلافة للامام، ما يضمن له استمرار تلك القوة، و ذلك النفوذ، بل و عودة الخلافة له في نهاية الأمر .. فلسوف لا يصعب عليه كثيرا أن يدبر- و هو الداهية الدهياء- في الإمام (ع) بما يحسم عنه مواد بلائه، على حد تعبير المأمون ..

و ليطمئن- من ثم- خاطره، و يهدأ باله؛ حيث يكون قد حقق كل ما كان يصبو و يطمح إلى تحقيقه. كما أنه يكون قد اصبح يمتلك اعترافا من العلويين بشرعية خلافته .. بل يكون العلويون على يد أعظم شخصية فيهم، هم الذين رفعوه على العرش و سلموا إليه أزمّة الحكم و السلطان .. إلى آخر ما هنالك مما قدمناه، و لا نرى ضرورة لاعادته ..

و في النهاية

: و الآن .. و بعد أن ألقينا نظرة سريعة على مدى جدية المأمون، في عرضه للخلافة على الإمام (ع)، و تحدثنا عن الوضع الذي سوف ينتج لو أن الإمام قبل ذلك العرض .. فإن من الطبيعي أن نتطلع لنعرف ما هو موقف الإمام من تلك اللعبة- لعبة ولاية العهد- و ما هي خطته في مواجهة ما يعلمه من خطط المأمون، و أهدافه الشريرة ...

فإلى الفصل التالي، و الذي بعده ...

ص: 298


1- كأن يشترط أن يكون هو الوزير، أو ولي العهد مثلا.

موقف الامام (ع):

سؤال يطرح نفسه:

هل يعقل أن رجلا تعرض عليه الخلافة، أو ولاية العهد، بل ما هو أقل منهما بمراتب؛ و يعرف جدية العرض، ثم يرفض ذلك رفضا قاطعا، ثم يهدد، فلا يقبل إلا بما هو أبعد منالا، و أقل احتمالا- بالنسبة إلى سنه- و بشروط تبعده كل البعد عن مسرح السياسة و الحكم، و تجعل من كل شي ء مجرد إجراءات شكلية، لا أثر لها ...

هل يعقل أن رجلا من هذا القبيل- يسلم من أن ينسب إلى ما لا يرضى أحد بأن ينسب إليه؟!! ... اللهم إلا إذا كان هناك ما هو أعظم، و أدهى و أخطر من ذلك المنصب، و إلا إذا علم أنه سوف يدفع ثمن ذلك غاليا، و غاليا جدا، ألا و هو نفسه التي بين جنبيه!! ...

و الامام ... الذي نعرف، و يعرف كل أحد: أنه ذلك الرجل الجامع لكل صفات الفضل و الكمال: من العلم، و العقل، و الحكمة، و الدراية، و التقى، شهد له بذلك أعداؤه و محبوه، على حد سواء- هذا الامام ...

قد رفض كلا عرضي المأمون: الخلافة، و ولاية العهد ... رفضهما رفضا

ص: 299

باتا و قاطعا، و لم يقبل ولاية العهد إلا على كره و اجبار منه، و إلا و هو باك حزين، و عاش بعد ذلك في ضيق شديد، و محنة عظيمة، حتى إنه كان يدعو اللّه بالفرج بالموت!! ...

و عليه ... أ فلا يكفي موقف الامام هذا، و سائر مواقفه من مختلف تصرفات المأمون، لأن يضع علامة استفهام كبيرة حول طبيعية هذا الحدث؟! ...

أ لم يكن من الواجب أن يكون الامام (ع) مستبشرا مبتهجا كل الابتهاج لما سيؤول إليه أمره. و مدافعا عن المأمون، و نظام حكمه، و مناصرا له، بكل ما أوتي من قوة و حول؟! ...

ثم أ لا يفهم من ذلك كله: أنه (ع) كان يدرك ما يكمن وراء قبوله لأي من العرضين من مشاكل، و ما ينتظره من أخطار؟! ...

و أن ذلك ليس إلا شركا يقصد ايقاعه به، و من بعده كل العلويين، و شيعتهم للقضاء عليه و عليهم، و إلى الابد!!! ...

و إذا كان الامام (ع) يعرف الحقيقة، كل الحقيقة ... فهل يمكن أن نتصور أن يكون راضيا بأن يجعله المأمون وسيلة لأغراضه، و آلة لتحقيق مآربه و أهدافه؟!! و لا سيما إذا لاحظنا أنه يعرف أكثر من أي انسان آخر ما لتلك اللعبة من عواقب سيئة، و ما تحمله في طياتها من آثار، ليس عليه هو، و على العلويين، و المتشيعين لهم فحسب ... و إنما على الامة بأسرها إن حاضرا، و إن مستقبلا!! ...

هذا كله عدا عن أن هذه اللعبة سوف تكون بمثابة قطع الطريق عليه في أي تحرك يقوم به، و أي نشاط إصلاحي يمارسه؛ حيث لم يعد

ص: 300

يستطيع أن يكون في المستقبل قائدا للحركة المضادة للمأمون، و نظام حكمه، القائم على غير أساس شرعي، و منطقي سليم (1) ...

لا يرضى الإمام (ع)، و لا يقتنع المأمون:

لا ... لا يمكن أن يرضى الإمام بذلك، و خصوصا بعد أن تلقى العلم عن آبائه الصادقين، عن النبي (ص) الذي لا ينطق عن الهوى: بأن ذلك شي ء لا يتم، و أوضح ذلك بما كتبه على وثيقة العهد الآتية بخط يده، حيث قال: «و الجفر و الجامعة يدلان على ضد ذلك، لكنني امتثلت أمر أمير المؤمنين ...».

لا ... لا يمكن أن يرضى ببيعة يعلم أنها لا تتم له، و إنما تخدم مصالح آخرين. و تحقق لهم مآربهم، على حساب الدين، و الامة؛ و لهذا رفض بشدة و عنف، و أصر عليه المأمون بشدة و عنف أيضا ...

و لم يكن ليقنع المأمون شي ء، بعد أن كان يرى أن القضية بالنسبة إليه قضية مصير و مستقبل. و هو مستعد لأن يضحي بكل شي ء في سبيل مصيره و مستقبله، كما ضحى بأخيه و أشياعه من قبل ..

و إنه إذا تأكد لديه رفض الإمام (ع) القاطع، و تصور ما سوف تؤول إليه حاله نتيجة لذلك الرفض؛ فلسوف لا يألو جهدا، و لا يدخر

ص: 301


1- و في كتاب: الامامة للشيخ محمد حسن آل ياسين ص 86، قال إنه عليه السلام وافق على فكرة ولاية العهد؛ لتكون فترة امتحان و تجربة للمأمون ... و لا يخفى ما فيه؛ فان كل الدلائل و الشواهد كانت تشير إلى أن الامام عليه السلام كان يعلم بحقيقة نوايا المأمون و أهدافه، و لم تكن ثمة حاجة إلى امتحان و تجربة، كما اتضح و سيتضح إن شاء اللّه تعالى ...

وسعا في الانتقام لنفسه من الإمام (ع)، و من كل من تصل إليه يده، ممن له به (ع) أية صلة أو رابطة ...

هي قضية مصير:

و بأوضح بيان نقول: إنه لم يكن امتناع الإمام (ع) عن قبول ولاية العهد بالذي يثني المأمون عما كان قد عقد العزم عليه؛ لأن الاسباب التي كانت تدعوه لذلك لم تكن تسمح له أبدا بالاصغاء لهذا الرفض؛ فهي تحتم عليه أن يفعل ذلك، مهما كلفه الأمر، و مهما كانت النتائج.

و لم يكن لديه مانع من تنفيذ تهديداته، لو علم أنه لا سبيل إلى تنفيذ ما يصبو إليه، و الحصول على ما يريد الحصول عليه؛ فالقضية بالنسبة إليه هو المتعطش إلى الحكم و السلطة قضية مصير و مستقبل، لا يمكن المساومة معها، و لا مجال لغض النظر و التساهل فيها ...

و إذا كان قد قتل أخاه من أجل الملك و في سبيله؛ فأي مانع يمنعه من قتل الرضا (ع) من أجل الملك أيضا، و في سبيله ... أم يعقل أن يكون الرضا أعز عليه من أخيه، و سائر من قتل من وزرائه هو، و قواده، و أشياعه؟!؟ ...

و لسوف لا نستغرب على المأمون- بعد قتله أخاه- الاقدام على أي تصرف في سبيل الملك، حتى الاقدام على قتل الرضا (ع)، بعد أن كان أبوه الرشيد قد أملى عليه درس «الملك عقيم»، و قال له:

«و اللّه، لو نازعتني أنت هذا الأمر؛ لأخذت الذي فيه عيناك؛ فإن الملك عقيم ...» (1).

ص: 302


1- شرح ميمية أبي فراس ص 73، و البحار ج 48 ص 131، و قاموس الرجال ج 10 ص 370، و عيون أخبار الرضا ج 1 ص 91، و ينابيع المودة ص 383، مع بعض تحريف لها، و غير ذلك ...

و لم يكن ليخفى عليه أيضا قول موسى بن عيسى، عند ما رأى عبادة الحسين بن علي و أصحابه، في وقعة فخ: «... هم و اللّه، اكرم عند اللّه، و أحق بما في أيدينا منا، و لكن الملك عقيم. و لو أن صاحب هذا القبر (يعني النبي (ص))، نازعنا الملك ضربنا خيشومه بالسيف ...» (1).

و المنصور أيضا قد قرر هذه القاعدة بالذّات حينما اعترض عليه سليمان بن مهران الاعمش على قتله أولاد علي (ع) (2).

و هذا الدرس قد أخذه الكل عن عبد الملك بن مروان؛ فإنه عند ما قتل مصعب بن الزبير بكى، و قال: «لقد كان أحب الناس إليّ، و أشدهم مودة لي، و لكن الملك عقيم؛ ليس أحد يريده من ولد و لا والد إلا كان السيف» (3).

بل و حتى نفس أخيه الأمين، عند ما لم يعد له نجاة من براثن أخيه المأمون، نراه يتذكر هذه القاعدة، فيقول: «هيهات، الملك عقيم، لا رحم له ...» (4).

و لقد عمل المأمون بهذه القاعدة؛ فقتل أخاه، و أعطى الذي جاءه برأسه مليون درهم، بعد أن سجد شكرا للّه، و نصب الرأس على خشبة ليلعنه الناس، إلى آخر ما مر تفصيله ...

و إذا كانت القضية بالنسبة إلى المأمون قضية مصير و مستقبل و قضية ملك و سلطان؛ فطبيعي إذن أن نراه يخاطر بالخلافة (و ان كنا قدمنا أن ذلك كان منه سياسة و دهاء من أجل التمهيد لفرض ولاية العهد)،5.

ص: 303


1- مقاتل الطالبيين ص 453، و ثمرات الأعواد 199، 200، و شرح ميمية أبي فراس ص 74.
2- مناقب الخوارزمي ص 208.
3- شرح النهج للمعتزلي ج 3 ص 296، و طبقات ابن سعد ج 5 ص 168، و البداية و النهاية ج 8 ص 316.
4- تتمة المنتهى ص 185.

و أقدم على التخلي عن ولاية العهد، مع أن العباس ابنه و سائر ولده كانوا أحب إلى قلبه، و أجلى في عينه من كل أحد، على حد تعبيره في رسالته للعباسيين ...

و لقد قدمنا الشرح الكافي و الوافي لحقيقة الظروف و الأسباب، التي دعت المأمون إلى ذلك، و التي هي دون شك كافية لأن تجعل المأمون يقدم على أي عمل- و لو كان انتحاريا- من أجل انقاذ نفسه و خلافته، و العباسيين ... حتى و لو كان ذلك الشي ء هو قتل الإمام (ع) ... و لقد أخبر الإمام كرّات، و مرات: أنه لم يقبل إلا بعد أن اشرف من المأمون على الهلاك ...

مبررات قبول الإمام لولاية العهد:

و لقد قبل الإمام (ع) ولاية العهد، و لكن ... بعد أن عرف أن ثمن رفضه لها لن يكون غير نفسه التي بين جنبيه. هذا عدا عما سوف يتبع ذلك من تعرض العلويين، و كل من يتشيع لهم إلى أخطار هم في غنى عنها ... و لو فرض أنه كان له هو (ع) الحق- في مثل هذه الظروف- في أن يعرض نفسه للهلاك، فلن يكون له حق أبدا في أن يعرض غيره من شيعته و محبيه، و العلويين أجمع إلى الهلاك أيضا ...

هذا ... عدا عن أنه (ع) كان عليه أن يحتفظ بحياته، و حياة شيعته و محبيه؛ لأن الامة كانت بأمس الحاجة إلى وعيهم و إدراكهم؛ ليكونوا لها قدوة و منارا، تهتدي، و تقتدي به، في حالكات المشاكل، و ظلم الشبهات ...

نعم ... لقد كانت الامة بأمس الحاجة إلى الإمام (ع)، و إلى من رباهم الإمام؛ حيث كان قد غزاها في ذلك الوقت تيار فكري، و ثقافي غريب، من الزندقة و الالحاد، و شاعت فيها الفلسفات و التشكيكات

ص: 304

بالمبادئ الإلهية الحقة؛ فكان على الإمام (ع) أن يقف، و يقوم بواجبه، و ينقذ الامة، و لقد كان ذلك منه بالفعل؛ فلقد قام بواجبه، و أدى ما عليه، على أكمل وجه، رغم قصر المدة التي عاشها بعد البيعة نسبيا؛ و لهذا نقرأ في الزيارة الجوادية؛ «... السلام على من كسرت له و سادة والده أمير المؤمنين؛ حتى خصم أهل الكتب، و ثبت قواعد الدين ...» (1)

و المراد بذلك: الإمام الرضا (ع) ...

و لو أنه (ع) رفض ولاية العهد، و عرض نفسه، و شيعته، و محبيه للهلاك فلسوف لا يكون لموته؛ و موتهم أدنى أثر في هذا السبيل، بل كان الاثر عكسيا، و خطيرا جدا ...

أضف إلى ذلك: أن قبول الإمام بولاية العهد، معناه اعتراف من العباسيين عملا، مضافا إلى القول: بأن العلويين لهم حق في هذا الأمر، بل إنهم هم الأحق فيه، و أن الناس قد ظلموهم حقهم هذا.

و أن ظلم الناس لهم ليس معناه عدم ثبوت ذلك الحق لهم ...

و قد رأينا ابن المعتز يهتم في الاستدلال على أن جعل المأمون الرضا وليا للعهد، لا يعني أن الحق في الخلافة كان للرضا و العلويين، دون المأمون و العباسيين؛ و أنه انما أعطاهم ذلك عن طريق التقوى و الورع، و ليثبت لهم أن الخلافة التي ثاروا من أجل الوصول إليها و قتلوا انفسهم في سبيلها لا تساوي عنده جناح بعوضه، فهو يقول:

و أعطاكم المأمون حق خلافةلنا حقها لكنه جاد بالدنيا

ليعلمكم أن التي قد حرصتم عليها و غودرتم على اثرها صرعى 3.

ص: 305


1- البحار ج 102 ص 53.

يسير عليه فقدها غير مكثركما ينبغي للصالحين ذوي التقوى

فمات الرضا من بعد ما قد علمتم و لاذت بنا من بعده مرة أخرى (1) و أيضا ... حتى لا يتناساهم الناس، و يقطعوا آمالهم بهم. و حتى لا يصدق الناس ما يشاع عنهم من أنهم مجرد علماء فقهاء، لا يهمهم العمل لما فيه خير الامة. و لا يفكرون في الخروج إلى المجتمع بصفتهم رواد صلاح و اصلاح و لعل إلى ذلك كله، يشير الإمام (ع) في قوله لمحمد ابن عرفة، عند ما سأله عن قبوله بولاية العهد؛ فقال له: «يا ابن رسول اللّه، ما حملك على الدخول في ولاية العهد؟!!» ... فأجابه الإمام (ع): «ما حمل جدي على الدخول في الشورى ...» (2).

هذا بالإضافة إلى أنه يكون في فترة ولاية العهد قد أظهر المأمون على حقيقته أمام الناس، و عرّفهم بواقع و اهداف كل ما أقدم عليه، و أزال كل شبهة و لبس في ذلك. كما قد حدث ذلك بالفعل ...

هل الإمام راغب في هذا الأمر:

و لكن هذا كله و سواه، لا يعني أن الإمام (ع) كان راغبا في أي من الخلافة، أو ولاية العهد؛ فإن ما ذكرناه لا يبرر ذلك؛ حيث إنه لا يعدو عن أن يكون من الفوائد التي كان يمكن الحصول على بعضها

ص: 306


1- مناقب ابن شهرآشوب ج 4 ص 365. و ديوان ابن المعتز ص 22- 23 و ان اهتمام ابن المعتز الواضح بقضية الرضا مع المأمون، كما يظهر من شعره هنا، و الذي قدمناه مع التعليق عليه في فصل: ظروف البيعة ... يدلنا على أن هذه القضية كان لها في الامة صدى واسعا، و آثارا هامة، لم يكن بوسع ابن المعتز التغاضي عنها، و السكوت عليها.
2- راجع: مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 364، و معادن الحكمة ص 192، و عيون أخبار الرضا ج 2 ص 140، و البحار ج 49 ص 140 141.

من دون الدخول في هذا الأمر. و البعض الآخر لا يساوي في أهميته و خطره، ما سوف يجره الدخول في هذا الأمر من مآس و مشاكل، و ما سوف يترتب عليه من آثار سيئة و خطيرة.

و قد قدمنا في الفصل السابق البيان الكافي و الوافي، لما سوف يعترض طريق الإمام (ع) من عقبات في الحكم؛ لو أنه كان قبل عرض الخلافة، و كيف ستكون النهاية له، و لنظام حكمه ...

و هو يوضح لنا أيضا حقيقة حاله، و نظام حكمه لو أنه قبل ولاية العهد أيضا؛ إذ أنه (ع) كان يعلم: أن وصوله للخلافة، و تسلمه لأزمة الحكم و السلطان تعترضه عقبات صعبة، و أهوال عظيمة، لن يكون من اليسير التغلب عليها، و تجاوزها.

فلقد كان يعلم- كما أظهرت الأحداث و الوقائع بعد ذلك- أنه لن يسلم من دسائس المأمون و أشياعه، بحيث يبقى محتفظا بحياته، أو على الأقل بمركزه، إلى ما بعد وفاة المأمون، و لم يكن يشك في أن المأمون سوف يقدم على كل غريبة؛ من أجل التخلص منه، و تصفيته، إن جسديا، و ان معنويا ...

بل ... و حتى لو أن المأمون لم يقدم على أي عمل، فإن آماله بالبقاء على قيد الحياة إلى ما بعد وفاة المأمون، و هو بهذه السن المتقدمة، بالنسبة لسن المأمون ... كانت ضعيفة جدا، لا تبرر له الاقدام على قبول مثل هذا الأمر، إلا إذا كان يريد أن يعطي الناس انطباعا عن نفسه، بأنه لم يزهد بالدنيا، و إنما الدنيا هي التي زهدت فيه، كما كان يريد المأمون!!! و مع غض النظر عن كل ذلك ... فإنه لو قدر له البقاء على قيد الحياة إلى ما بعد وفاة المأمون، فلسوف يصطدم بتلك العناصر القوية ذات النفوذ، و التي لن ترضى عن سلوكه في الحكم بصورة عامة، و فوق

ص: 307

ذلك كله، لسوف يصطدم بمؤامرات العباسيين، و أشياعهم، و الذين كانوا على استعداد لأن يعملوا المستحيل للحيلولة بينه و بين ذلك، و لو تمكن من ذلك؛ فلسوف لا يدخرون وسعا، و يجندون كل ما لديهم من طاقة و قوة و حول؛ من أجل زعزعة حكمه، و تقويض سلطانه، و خلق المشاكل الكثيرة له؛ لتضاف إلى ذلك الركام الهائل من المشاكل التي كانت تواجه الحكم ...

إنهم سوف لا يمكنونه من قيادة الامة قيادة صالحة، و سليمة و حكيمة؛ و ليمنى- من ثم- بالفشل الذريع، و الخيبة القاتلة ...

و لسوف يجدون هناك مرتعا خصبا لمؤامراتهم، و دسائسهم في تلك الدولة المترامية الأطراف، الطافحة بالمشاكل، و ذلك عند ما يجدون أن الإمام (ع) لن يرضى إلا أن يحكم بحكم جدّيه محمد (ص) و علي (ع).

و أن الناس بمختلف فئاتهم و طبقاتهم سوف لا يكونون مستعدين لنقبل حكم كهذا. و لا أن ينقادوا لحاكم يريد منهم ذلك، و يخضعوا لارادته، بعد أن كانوا قد اعتادوا على حياة الخلفاء الامويين، و العباسيين، المليئة بالانحرافات و الموبقات ...

اللهم إلا أن يقوم الإمام (ع) في فترة ولاية العهد، أو بداية حكمه باعداد مسبق، و تعبئة عامة و شاملة، على جميع المستويات، و في مختلف المجالات ... و لن يفسح العباسيون، و المأمون، و أشياعهم له المجال للقيام بذلك الاعداد، و تلك التعبئة مهما كلفهم ذلك من تضحيات.

فالسلبية اذن هي الموقف الصحيح:

و بعد كل ما تقدم: فإن من الطبيعي أن لا يفكر الإمام (ع) في الوصول إلى الحكم عن مثل هذا الطريق الملتوي، و المحفوف بالأخطار، و الذي لن يحقق له أي هدف من أهدافه. بل على العكس: سوف يكون

ص: 308

موجبا للقضاء عليه، و على كل آماله، و كل العلويين، و المتشيعين لهم، و يحقق فقط آمال الآخرين، و أهدافهم ... و لسوف يكون إقدامه على عمل من هذا النوع عملا انتحاريا، لا مبرر له، و لا منطق يساعده.

لا بد من خطة لمواجهة الموقف:

و أخيرا ... و إذا كان لم يكن للرضا (ع) خيار في قبول ولاية العهد ...

و إذا كان لا يمكن أن يقبل بأن يجعل وسيلة لتحقيق أهداف، و آلة يتوصل بها إلى مآرب يمقتها، و يكرهها كل الكره؛ لعلمه بما سوف يكون لها من آثار سيئة و خطيرة، على حاضر الامة، و مستقبلها، و على مستقبل هذا الدين. و كذلك لا يمكنه أن يسكت، و يظهر بمظهر الموافق، و المؤيد، و المساعد ...

فان كل ما يمكن له أن يفعله- بعد هذا- هو أن يضع خطة، يستطيع بها مواجهة مؤامرات المأمون، و إحباط مخططاته؛ حتى لا يزداد الوضع سوءا، و الطين بلة ...

فإلى الحديث عن خطته هذه في الفصل التالي ...

ص: 309

خطة الامام (ع)

انحراف الحكام:

إن أدنى مراجعة لتاريخ الحكام آنذاك- العباسيين و الامويين على حد سواء- لكفيلة بأن تظهر بجلاء مدى منافاة تصرفات أولئك الحكام، و سلوكهم، و حياتهم لمبادئ الاسلام و تعاليمه ... الاسلام، الذي كانوا يستطيلون على الناس به، و يحكمون الامة- حسب ما يدّعون- باسمه، و في ظله ... حتى لقد اصبح الناس، و الناس على دين ملوكهم، يتأثرون بذلك، و يفهمون خطأ: أن الاسلام لا يبتعد كثيرا عما يرون، و يشاهدون؛ مما كان من نتائجه شيوع الانحراف عن الخط الاسلامي القويم. بنحو واسع النطاق، ليس من السهل بعد السيطرة عليه، أو الوقوف في وجهه ...

العلماء المزيفون و عقيدة الجبر:

و لقد ساعد على ذلك، و زاد الطين بلة، فريق من أولئك الذين اشتريت ضمائرهم، ممن يتسمّون، أو بالأحرى سماهم الحكام ب «العلماء»؛ حيث إنهم قاموا يتلاعبون بمفاهيم الاسلام، و تعاليمه؛

ص: 310

لتوافق هوى، و تخدم مصالح أولئك الحكام المنحرفين، الذين أغدقوا عليهم المال، و غمروهم بالنعمة.

حتى إن أولئك المأجورين قد جعلوا عقيدة الجبر- الواضح لكل أحد زيفها و سخفها- من العقائد الدينية الاسلامية!!.؛ من أجل أن يسهلوا على أولئك الحكام استغلال الناس، و لكي يوفروا لهم حماية لتصرفاتهم تلك، التي يندى لها جبين الانسان الحر ألما و خجلا؛ إذ أنهم يكونون بذلك قد جعلوا كل ما يصدر منهم هو بقضاء من اللّه و قدره؛ و لذا فليس لأحد الحق في أن ينكر عليهم أي تصرف من تصرفاتهم، أو أي جناية من جناياتهم ...

و كان قد مضى على ترويجهم هذه العقيدة المبتدعة- حتى زمان المأمون- أكثر من قرن و نصفا، أي من أول خلافة معاوية، بل و حتى قبل ذلك أيضا ... بزمان طويل!!

عقيدة الخروج على سلاطين الجور:

كما أنهم- أعني هؤلاء العلماء- قد جعلوا الخروج على سلاطين الجور و الفساد موبقة من الموبقات، و عظيمة من العظائم ...

و قد جرحوا بذلك عددا من كبار العلماء: مثل الإمام أبي حنيفة و غيره؛ بحجة أنه: «يرى السيف في أمة محمد» (1) ...

ص: 311


1- راجع: نظرية الامامة، للدكتور أحمد محمود صبحي، و غيره ... و في تاريخ بغداد ج 5 ص 274: أنه قيل لأبي مسهر: كيف لم تكتب عن محمد بن راشد؟! قال: «كان يرى الخروج على الأئمة» ... و في طبقات الحنابلة لأبي يعلى ج 3 ص 58، في مقام ترجيح سفيان على حسن بن حي، كان من جملة ما جرحه به أنه: «كان يرى السيف». و مثل ذلك كثير لا نرى حاجة لاستقصائه.

بل لقد جعلوا عدم جواز الخروج هذا من جملة العقائد الدينية، كما يظهر من تتبع كلماتهم (1).

أما عقائد التشبيه، و قضية خلق القرآن، فلعلها أشهر من أن تذكر، أو تحتاج إلى بيان.

و الذي زاد الطين بلة:

يضاف إلى ذلك كله غرور الحكام، الذي لا مبرر له، و كذلك من لف لفهم، الذين كانوا يحكمون الامة باسم الدين ...

و كذلك غفلة الناس، و عدم إدراكهم لحقيقة ما يجري و ما يحدث، و للواقع المزري، الذي كان قائما آنذاك ...

و أيضا ... و هو الأهم من كل ذلك- ابتعادهم؛ بسعي من الهيئات الحاكمة، عن أهل بيت النبوة، و معدن الرسالة ...

كل ذلك ... قد أدى بالفعل إلى انحلال الدولة داخليا، و تمزيق أوصالها ... كما و أنه قد أسهم إسهاما كبيرا في ابعاد الناس عن تعاليم السماء، و شريعة اللّه ... الأمر الذي لم يكن يعني إلا نهاية الحكم الإسلامي،

ص: 312


1- حسبما صرح به أحمد بن حنبل في رسالة «السنة»، و هي عقائد أهل الحديث، و السنة. و قد أوردها أبو يعلى في طبقات الحنابلة ج 1 ص 26. و صرح بذلك أيضا الأشعري في مقالات الاسلاميين ج 1 ص 323، و في الإبانة ص 9. و قد علل ذلك في نظرية الامامة ص 417 بقوله: «... ذلك أنها: إن كانت بلوى من اللّه عقابا لهم؛ فما ثورتهم برادة عقاب اللّه، و إن كانت محنة للمسلمين؛ فما هم برادي قضاء اللّه»!!. و في كتاب السنة قبل التدوين ص 467، نقل عن ابن خزيمة، في وصفه الطاعنين على أبي هريرة، قوله: إنهم إما معطل جهمي ... «و إما خارجي يرى السيف على امة محمد، أو قدري، اعتزل الاسلام، و أهله الخ ...» ...

وردة الناس إلى الجاهلية الجهلاء ... الأمر الذي لم يكن يرهب الحكام كثيرا؛ لأن الإسلام الذي يريدون، و الدين الذي ينشدون، هو ذلك الذي يستطيعون أن يتسلطوا على الامة، و يستأثروا بقدراتها و امكاناتها في ظله. و يمهد لهم السبيل لاستمرار هم في فرض نفوذهم و سيطرتهم، و لو كان ذلك على حساب جميع الشرائع السماوية، و كل المفاهيم الانسانية ...

إن أولئك الحكام، ما كانوا يفكرون إلا في وسائل بقائهم و استمرارهم في الحكم، و إلا في شئونهم و مصالحهم الخاصة بهم. أما الامة المسلمة، و أما الإسلام، فلم يكن لهما لديهم أية قيمة، أو شأن يذكر، إلا في حدود ما يستطيعون الافادة منهما في بقائهم و وجودهم في الحكم و السلطة ...

الأئمة في مواجهة مسئولياتهم:

و في هذا الوسط الغريب: من غفلة الناس، و من سيرة الحكام، و المتسمين بالعلماء و سلوكهم ... كان الأئمة عليهم السلام يؤدون واجبهم في نشر تعاليم السماء، و يكافحون، و ينافحون عنها، بقدر ما كانت تسمح لهم ظروفهم، التي كانت في ظل سلطان أولئك المنحرفين قاسية إلى حد بعيد.

و أما عن الامام الرضا بالذات:

و قد سنحت للامام الرضا (ع) فرصة لفترة وجيزة، كان الحكام منشغلين فيها بأمور تهمهم ... للقيام بواجبه في توعية الامة، و تعريفها بتعاليم الإسلام. و ذلك في الفترة التي تلت وفاة الرشيد، و حتى قتل الأمين. بل نستطيع أن نقول: إنها امتدت- و لو بشكل محدود- حتى وفاة الإمام (ع) في سنة (203). الأمر الذي كان من نتيجته ازدياد

ص: 313

نفوذه (ع)، و اتساع قاعدته الشعبية؛ حتى لقد كانت كتبه تنفذ في المشرق و المغرب. و كان هو الأرضى في الخاصة و العامة، حسما ألمحنا إليه من قبل.

الخطة الحكيمة:

و عند ما أراد المأمون أن ينفذ خطته في البيعة له بولاية العهد، و عرف الرضا: أن لا مناص له من قبول ذلك، كان من الطبيعي أن يعد (ع) العدة، و يضع خطة لمواجهة خطط المأمون، و احباط أهدافه الشريرة، و التي كان أهونها القضاء على سمعة الامام (ع)، و تحطيمه معنويا و اجتماعيا.

و لقد كانت خطة الإمام هذه في منتهى الدقة و الإحكام. و قد نجحت أيما نجاح في إفشال المؤامرة، و تضييع كثير من أهدافها، و جعل الامور في صالح الإمام (ع)، و في ضرر المأمون ... حتى لقد ضاع رشد المأمون (بل و رشد أشياعه أيضا)، و هو أفعى الدهاء و السياسة، و لم يعد يدري ما يصنع، و لا كيف يتصرف ...

مواقف لم يكن يتوقعها المأمون:

اشارة

و لعلنا نستطيع أن نسجل هنا بعض المواقف للامام (ع)، التي لم يكن المأمون قد حسب لها حسابا، و التي كانت ضمن خطة الإمام (ع) في مواجهة مؤامرات المأمون ...

الموقف الأول:

اننا نلاحظ أن الإمام (ع) قد رفض دعوة المأمون، و هو في المدينة

ص: 314

و لم يقبل إلا بعد أن علم أنه لا يكف عنه ... بل إن بعض النصوص تشير إلى أنه قد حمل إلى مرو بالرغم عنه، لا باختياره ...

و ما ذلك إلا ليعلم المأمون: أن حيلته لم تكن لتجوز عليه، و أنه (ع) على علم تام بأبعاد مؤامرته و أهدافها ... كما أنه بذلك يثير شكوك الناس و ظنونهم حول طبيعة هذا الحدث، و سلامة النوايا فيه.

الموقف الثاني:
اشارة

إنه رغم أن المأمون كان قد طلب من الإمام (ع)- و هو في المدينة- أن يصطحب معه من أحب من أهل بيته في سفره إلى مرو ...

انه رغم ذلك ... نلاحظ: أنه (ع) لم يصطحب معه حتى ولده الوحيد الإمام الجواد (ع)، مع علمه بطول المدة، التي سوف يقضيها في هذا السفر، الذي سوف يتقلد فيه زعامة الامة الإسلامية، حسب ما يقوله المأمون ... بل مع علمه بأنه سوف لن يعود من سفره ذاك، كما تؤكد عليه كثير من النصوص التاريخية ...

شكوك لها مبرراتها:

و نرى أننا مضطرون للشك في نوايا المأمون و اهدافه من وراء طلبه هذا «أن يصطحب الامام (ع) من شاء من أهل بيته إلى مرو» ...

بعد أن رأينا: أنه لم يرجع أحد ممن ذهب مع محمد بن جعفر الى مرو، و لا رجع محمد بن جعفر نفسه، و لا رجع محمد بن محمد بن زيد، و لا غير هؤلاء، كما سيأتي بيانه في الفصل التالي و غيره ...

فلعل الامام (ع)، بل إن ذلك هو المؤكد، الذي تدل عليه

ص: 315

تصريحاته و تصرفاته حين تأهب للسفر- لعله- قد فطن لنوايا المأمون هذه؛ فضيع الفرصة عليه، و أعاد كيده إليه ...

الموقف الثالث:

سلوكه في الطريق، كما وصفه رجاء بن أبي الضحاك (1)، حتى اضطر المأمون لأن يظهر على حقيقته، و يطلب من رجاء هذا: أن لا يذكر ما شاهده منه لأحد؛ بحجة أنه لا يريد أن يظهر فضله إلا على لسانه (2)، و لكننا لم نره يظهر فضله هذا، حتى و لو مرة واحدة؛ فلم يدّع أحد أنه سمع شيئا من المأمون عن سلوك الامام (ع)، و هو في طريقه إلى مرو. و أما رجاء، فلعله لم يحدث بذلك إلا بعد أن لم يعد في ذلك ضرر على المأمون، و بعد أن ارتفعت الموانع، و قضي الأمر ...

الموقف الرابع:
اشارة

موقفه في نيشابور، الذي لم يكن أبدا من المصادفة. كما لم يكن ذكره للسلسلة التي يروي عنها من المصادفة أيضا؛ حيث أبلغ الناس في ذلك الموقف، الذي كانت تزدحم فيه أقدام عشرات بل مئات الالوف (3)- أبلغهم-: «كلمة لا إله إلا اللّه حصني؛ فمن دخل

ص: 316


1- راجع: البحار ج 49 من ص 91 حتى 95، و عيون أخبار الرضا ج 2 ص 181 فما بعدها. و هو كلام معروف لا ترى أننا بحاجة لتكثير مصادره هنا ...
2- البحار ج 49 ص 95، و عيون أخبار الرضا ج 2 ص 183.
3- و ذلك يدل على مدى تعاطف الناس مع أهل البيت، و محبتهم لهم. الأمر الذي كان يرعب المأمون و يخيفه ... حتى لقد كان يحاول كبت عواطف الناس هذه، و هذا هو السبب في منع الامام من المرور عن طريق الكوفة و قم، كما سيأتي ...

حصني أمن من عذابي (1)» ... الحياة السياسية للإمام الرضا(ع)، مرتضى العاملي 317 الموقف الرابع: ..... ص : 316

ه الكلمة ... التي عد أهل المحابر و الدوى، الذين كانوا يكتبونها؛ فانافوا على العشرين الفا ... هذا على قلة من كانوا يعرفون القراءة و الكتابة آنذاك، و عدا عمن سواهم ممن شهد ذلك الموقف العظيم ...

«. و نلاحظ: أنه (ع)- في هذا الظرف- لم يحدثهم عن مسألة فرعية، ترتبط ببعض مجالات الحياة: كالصوم، و الصلاة، و ما شاكل. و لم يلق عليهم موعظة تزهدهم في الدنيا، و ترغبهم في الآخرة، كما كان شأن العلماء آنذاك ...

كما أنه لم يحاول أن يستغل الموقف لاهداف شخصية؛ أو سياسية، كما جرت عادة الآخرين في مثل هذه المواقف ... مع أنه يتوجه إلى مرو؛ ليواجه أخطر محنة تهدد وجوده، و تهدد العلويين، و من ثم الامة بأسرها.

و انما كلم الناس باعتباره القائد الحقيقي، الذي يفترض فيه: أن يوجه الناس- في ذلك الظرف بالذات- إلى أهم مسألة ترتبط بحياتهم، و وجودهم، إن حاضرا، و إن مستقبلا. ألا و هي مسألة:

التوحيد ... التوحيد: الذي هو في الواقع الأساس للحياة الفضلى، بمختلف جوانبها، و إليه تنتهي، و عليه و به تقوم ...

التوحيد: الذي ينجي كل الامم من كل عناء و شقاء و بلاء. و الذي إذا فقده الانسان؛ فإنه يفقد كل شي ء في الحياة حتى نفسه ...

مدى ارتباط مسألة الولاية بمسألة التوحيد:

هذا ... و لأنه قد يكون الكثيرون ممن شهدوا ذلك الموقف لم يتهيأ

ص: 317


1- قد ذكرنا بعض مصادر هذه القضية في فصل: «شخصية الامام الرضا» فمن أراد فليراجع ...

لهم سماع كلمة الإمام (ع)؛ لانشغالهم مع بعضهم بأحاديث خاصة؛ أو لتوجههم لامور جانبية أخرى، كما يحدث ذلك كثيرا في مناسبات كهذه ...

نرى الإمام (ع) يتصرف بنحو آخر؛ حيث إنه عند ما سارت به الناقة، و في حين كانت أنظار الناس كلهم، و قلوبهم مشدودة إليها ...

نراه يخرج رأسه من العمارية؛ فيسترعي ذلك انتباه الناس، الذين لم يكونوا يترقبون ذلك منه. ثم يملي عليهم- و هم يلتقطون أنفاسهم؛ ليستمعوا إلى ما يقول- كلمته الخالدة الاخرى:

«بشروطها؛ و أنا من شروطها».

لقد أملى الإمام (ع) كلمته هذه عليهم، و هو مفارق لهم؛ لتبقى الذكرى الغالية، التي لا بد و أن يبقى لها عميق الأثر في نفوسهم (1) ...

لقد أبلغهم (ع) مسألة أساسية أخرى، ترتبط ارتباطا وثيقا بالتوحيد، ألا و هي مسألة: «الولاية» ...

و هي مسألة بالغة الأهمية، بالنسبة لأمة تريد أن تحيا الحياة الفضلى، و تنعم بالعيش الكريم؛ إذ ما دامت مسألة القيادة الحكيمة، و العادلة، و الواعية لكل ظروف الحياة، و شئونها، و مشاكلها- ما دامت هذه..

ص: 318


1- و يلاحظ: أن هذه الكلمة قد صيغت بنحو لا بد معه من الرجوع إلى الكلمة الاولى، و معرفتها. و بعد ... فما أشبه موقفه عليه السلام هنا بموقف النبي (ص) في غدير خم؛ حيث إنه (ص) كان أيضا قد أبلغ المسلمين مسألة الولاية، في ذلك الموقف الحاشد، و في المكان الذي لا بد فيه من تفرق الناس عنه (ص)، و ذهاب كل منهم إلى بلده، و لعل إرجاع المتقدمين، و حبس المتأخرين يشبهها إخراج الامام عليه السلام رأسه من العمارية ... يضاف إلى ذلك: أن موقفه (ص) كان آخر مواقفه العامة في حياته إلى آخر ما هنالك من وجوه الشبه بين الواقعتين. و لعلنا نجد تشابها بين هذه الواقعة، و بين قضية إرجاع أبي بكر عن تبليغ آيات سورة براءة، ثم إرسال علي مكانه ...

المسألة- لم تحل؛ فلسوف لا يمكن إلا أن يبقى العالم يرزح تحت حكم الظلمة و الطواغيت، و الذين يجعلون لأنفسهم صلاحيات التقنين و التشريع الخاصة باللّه، و يحكمون بغير ما أنزل اللّه؛ و ليبقى العالم- من ثم- يعاني الشقاء و البلاء، و يعيش في متاهات الجهل، و الحيرة، و الضياع ...» (1).

و إننا إذا ما أدركنا بعمق مدى ارتباط مسألة: «الولاية» بمسألة «التوحيد»؛ فلسوف نعرف: أن قوله (ع): «و أنا من شروطها» لم تمله عليه مصلحته الخاصة، و لا قضاياه الشخصية ... و لسوف ندرك أيضا: الهدف الذي من أجله ذكر الإمام (ع) سلسلة سند الرواية، الأمر الذي ما عهدناه، و لا ألفناه منهم عليهم السلام، إلا في حالات نادرة؛ فإنه عليه السلام قد أراد أن ينبه بذلك على مدى ارتباط مسألة القيادة للامة بالمبدإ الأعلى ...

الإمام ولي الأمر من قبل اللّه، لا من قبل المأمون:

وعدا عن ذلك كله ... فإننا نجد أن الإمام (ع)، حتى في هذا الموقف، قد اهتبل الفرصة، و أبلغ ذلك الحشد الذي يضم عشرات بل مئات الالوف: أنه الإمام للمسلمين جميعا، و المفترض الطاعة عليهم، على حد تعبير القندوزي الحنفي، و غيره ... و ذلك عند ما قال لهم:

«و أنا من شروطها».

و بذلك يكون قد ضيع على المأمون أعظم هدف كان يرمي إليه من استقدام الإمام (ع) إلى مرو. ألا و هو: الحصول على اعتراف بشرعية خلافته، و خلافة بني أبيه العباسيين ...

ص: 319


1- قد استرشدنا في بعض ما ذكرناه هنا بما ذكره بعض المؤلفين، في كتابه: «يادبود هشتمين امام» (فارسي).

إذ أنه قد بين للناس بقوله: «و أنا من شروطها»: أنه هو بنفسه من شروط كلمة التوحيد، لا من جهة أنه ولي الأمر من قبل المأمون، أو سيكون ولي الأمر أو العهد من قبله؛ و إنما لأن اللّه تعالى جعله من شروطها.

و قد أكد (ع) على هذا المعنى كثيرا، و في مناسبات مختلفة، حتى للمأمون نفسه في وثيقة العهد كما سيأتي، و أيضا في الكتاب الجامع لاصول الاسلام و الأحكام، الذي طلبه منه المأمون؛ حيث كتب فيه أسماء الأئمة الاثني عشر عليهم السلام، مع أن عددا منهم لم يكونوا قد ولدوا بعد، كما أنه ذكر أسماءهم في احتجاجه على العلماء و المأمون في بعض مجالسهم العلمية، و في غير ذلك من مواقفه الكثيرة (ع) ...

الإمام يبلغ عقيدته لجميع الفئات:

و أخيرا ... لا بد لنا في نهاية حديثنا عن هذا الموقف التاريخي من الاشارة إلى أنه كان من الطبيعي أن يضم ذلك الحشد العظيم، الذي يقدر بعشرات، بل بمئات الالوف:

1- حشدا من أهل الحديث و اتباعهم، الذين جعلوا صلحا جديدا بين الخلفاء الثلاثة، و بين عليّ (ع) في معتقداتهم، بشرط أن يكون هو الرابع في الخلافة و الفضل. و لفقوا من الأحاديث في ذلك ما شاءت لهم قرائحهم؛ حتى جعلوه إذا سمع ذكرا لأبي بكر يبكي حبا، و يمسح عينيه ببرده (1).

و جعلوه أيضا ضرابا للحدود بين يدي الثلاثة: أبي بكر، و عمر،

ص: 320


1- تاريخ الخلفاء ص 120، و غيره.

و عثمان (1)، كما تنبأ هو نفسه (ع) بذلك (2). إلى غير ذلك مما لا يكاد يخفى على الناظر البصير، و الناقد الخبير ...

2- و حشدا من أهل الإرجاء، الذين ما كانوا يقيمون وزنا لعلي، و عثمان. بل كانت المرجئة الاولى لا يشهدون لهما بإيمان، و لا بكفر ...

3- و أيضا ... أن يضم حشدا من أهل الاعتزال، الذين أحاطوا بالمأمون، بل و يعد هو منهم، و الذين تدرجوا في القول بفضل عليّ (ع) حسبما اقتضته مذاهبهم و مشاربهم؛ فقد كان مؤسّسا نحلة الاعتزال:

واصل بن عطاء، و عمرو بن عبيد، لا يحكمان بتصويبه في وقعة الجمل مثلا، و لكن أتباعهما تدرّجوا على مر الزمان في القول بفضله؛ فقد شكك أبو الهذيل العلاف في أفضليته على أبي بكر، أو القول بتساويهما في الفضل. و لكن رئيس معتزلة بغداد: بشر بن المعتمر، قد جزم بأفضليته على الخلفاء الثلاثة، و لكنه قال بصحة خلافتهم ... و قد تبعه جميع معتزلة بغداد، و كثير من البصريين ...

و إذا كان ذلك الحشد الهائل يضم كل هؤلاء، و غيرهم ممن لم نذكرهم ... فمن الطبيعي أن تكون كلمة الإمام هذه: «و أنا من شروطها» ضربة موفقة و دامغة لكل هؤلاء، و إقامة للحجة عليهم جميعا، على اختلاف أهوائهم، و مذاهبهم ...

و يكون قد بلغ بهذه الكلمة: «و أنا ...» صريح عقيدته، و عقيدة!.

ص: 321


1- تاريخ الخلفاء ص 119، 120، و المحاسن و المساوي ج 1 ص 79 طبع مصر. و الفتوحات الاسلامية لدحلان ط مصطفى محمد ج 2 ص 368.
2- فقد قال بعد أن ضرب الوليد بن عقبة الحد، لشربه الخمر: «لتدعوني قريش بعد هذا جلادها». الغدير ج 8 ص 121. و قد صدقت نبوءته، صلوات اللّه و سلامه عليه؛ فقد جعلوه- كما ترى- ضرابا للحدود بين يدي الثلاثة!!!.

آبائه الطاهرين (ع) في أعظم مسألة دينية، تفرقت لاجلها الفرق في الاسلام، و سلت من أجلها السيوف. بل لقد قال الشهرستاني:

«... و اعظم خلاف بين الامة خلاف الامامة؛ إذ ما سل سيف في الاسلام على قاعدة دينية مثلما سل على الامامة في كل زمان ...» (1).

و بعد كل ما قدمناه ... لا يبقى مجال للقول: إن قوله هذا:

«و أنا ...» لا ينسجم مع ما عرف عنه (ع) من التواضع البالغ، و خفض الجناح؛ إذ ليس ثمة من شك في أن للتواضع و خفض الجناح موضع آخر. و أنه كان لا بد للامام في ذلك المقام، من بيان الحق الذي يصلح به الناس أولا و آخرا، و يفتح عيونهم و قلوبهم على كل ما فيه الخير و المصلحة لهم، إن حاضرا، و إن مستقبلا، و إن جزع من ذلك قوم، و حنق آخرون ...

تعقيب هام و ضروري:

و مما هو جدير بالملاحظة هنا، هو أن أئمة الهدى عليهم السلام كانوا يستعملون التقية في كل شي ء إلا في مسألة أنهم عليهم السلام الأحق بقيادة

ص: 322


1- الملل و النحل، ج 1 ص 24. و قال الخضري في محاضراته ج 1 ص 167: «... و الخلاصة: أن مسألة الخلافة الاسلامية و الاستخلاف، لم تسر مع الزمن في طريق يؤمن فيه العثار. بل كان تركها على ما هي عليه، من غير حل محدد ترضاه الامة، و تدفع عنه سببا لاكثر الحوادث التي أصابت المسلمين، و أوجدت ما سيرد عليكم من أنواع الشقاق و الحروب المتواصلة، التي قلما يخلو منها زمن، سواء كان ذلك بين بيتين، أو بين شخصين ...» انتهى. و أقول: إذن ... كيف جاز للنبي (ص) أن يترك الامة هكذا هملا، ثم لا يضع حلا لأعظم مشكلة تواجهها، مع أن شريعته كاملة و شاملة، و قد بين فيها كل ما تحتاجه الامة، حتى أرش الخدش.

الامة، و خلافة النبي (ص). مع أنها لا شي ء أخطر منها عليهم، كما تشير إليه عبارة الشهرستاني الآنفة، و غيرها.

و ذلك يدل على مدى ثقتهم بأنفسهم، و بأحقيتهم بهذا الأمر ...

فنرى الإمام موسى (ع) يواجه ذلك الطاغية الجبار هارون بهذه الحقيقة، و يصارحه بها، أكثر من مرة، و في أكثر من مناسبة (1) ...

بل لقد رأينا الرشيد نفسه يعترف بأحقيتهم تلك في عدد من المناسبات على ما في كتب السير و التاريخ ...

و لقد نقل غير واحد (2) أنه: عند ما وقف الرشيد على قبر النبي (ص)، و قال مفتخرا: السلام عليك يا ابن عم. جاء الإمام موسى (ع)، و قال:

السلام عليك يا أبة. فلم يزل ذلك في نفس الرشيد إلى أن قبض عليه.:

و عند ما قال له الرشيد: أنت الذي تبايعك الناس سرا؟! أجابه الإمام (ع): أنا إمام القلوب، و أنت إمام الجسوم (3) ...

و أما الحسن، و الحسين، و أبوهما؛ فحالهما في ذلك أشهر من أن يحتاج إلى بيان ...

بل إن أعظم شاهد على مدى ثقتهم بأحقية دعواهم الإمامة ما قاله الإمام الرضا (ع) للقائل له: إنك قد شهرت نفسك بهذا الأمر، و جلست مجلس أبيك؛ و سيف هارون يقطر الدم؟!! ...2.

ص: 323


1- راجع: الصواعق المحرقة، و ينابيع المودة، و وفيات الاعيان، و البحار، و قاموس الرجال، و غير ذلك ...
2- البداية و النهاية ج 10 ص 183، و الكامل لابن الاثير ج 6، ص 164 ط صادر، و الصواعق المحرقة ص 122، و الاتحاف بحب الاشراف ص 55، و مرآة الجنان ج 1 ص 395 و أعيان الشيعة، و ينابيع المودة، و غير ذلك ...
3- الاتحاف بحب الاشراف ص 55، و الصواعق المحرقة ص 122.

فأجابه الإمام (ع): «جرأني على هذا ما قال رسول اللّه (ص):

إن أخذ أبو جهل من رأسي شعرة؛ فأشهد أني لست بنبيّ ... و أنا أقول لكم: إن أخذ هارون من رأسي شعرة؛ فاشهدوا أني لست بإمام ...» (1).

و في هذا المعنى روايات عديدة (2) ...

و لكنهم عليهم السلام قد انصرفوا بعد الحسين (ع) عن طلب هذا الأمر بالسيف ... إلى تربية الامة، و حماية الشريعة من الانحرافات التي كانت تتعرض لها باستمرار؛ و لأنهم كانوا يعلمون: أن طلب هذا الأمر من دون أن يكون له قاعدة شعبية قوية و ثابتة، و واعية، لن يؤدي إلى نتيجة، و لن يقدّر له النجاح، الذي يريدونه هم، و يريده اللّه ... و لكنهم- كما قلنا- ظلوا عليهم السلام يجاهرون بأحقيتهم بهذا الأمر، حتى مع خلفاء وقتهم، كما يظهر لكل من راجع مواقفهم و أقوالهم في المناسبات المختلفة ...

الموقف الخامس:

رفضه (ع) الشديد لكلا عرضي المأمون: الخلافة، و ولاية العهد، و إصراره على هذا الرفض الذي استمر أشهرا، و هو في مرو نفسها، حتى لقد هدده المأمون اكثر من مرة بالقتل ...

و بذلك يكون قد مهد الطريق ليواجه المأمون بالحقيقة؛ حيث قال له صراحة: إنه يريد أن يقول للناس: إن علي بن موسى لم يزهد بالدنيا، و إنما الدنيا هي التي زهدت فيه؛ و ليكون بذلك قد أفهم المأمون أن

ص: 324


1- المناقب لابن شهر اشوب ج 4 ص 339، و عيون أخبار الرضا ج 2 ص 213.
2- راجع: البحار ج 49، و روضة الكافي، و عيون أخبار الرضا، و إرشاد المفيد، و غير ذلك.

حيلته لم تكن لتجوز، و أن زيفه لا ينطلي عليه، و لذا فان عليه أن يكف في المستقبل عن كل مؤامراته و مخططاته ... و ليكون المأمون بعد هذا غير مطمئن لأي عمل يقدم عليه، و ضعيف الثقة بكل الحيل و المؤامرات التي يحوكها. هذا بالاضافة إلى أن الناس سوف يشكون في طبيعية هذا الأمر، و سلامة نوايا المأمون فيه ...

الموقف السادس:

و لم يكتف الامام (ع) بذلك كله ... بل كان لا يدع فرصة تمر إلا و يؤكد فيها على أن المأمون قد اكرهه على هذا الأمر، و أجبره عليه، و هدد بالقتل إن لم يقبل ...

يضاف إلى ذلك ... أنه كان يخبر الناس في مختلف المناسبات: أن المأمون سوف ينكث العهد، و يغدر به ... حتى لقد قال في نفس مجلس البيعة للمستبشر: «لا تستبشر؛ فانه شي ء لا يتم». بل لقد كتب في نفس وثيقة العهد ما يدل على ذلك دلالة واضحة، كما سيأتي بيانه في الموقف الثامن ...

هذا عدا عن أنه كان يصرح بأنه لا يقتله إلا المأمون، و لا يسمه إلا هو، حتى لقد واجه نفس المأمون بهذا الأمر ...

بل إنه لم يكن يكتفي بمجرد القول، و إنما كانت حالته على وجه العموم في فترة ولاية العهد تشير إلى عدم رضاه بهذا الامر، و إلى أنه مكره مجبر عليه ...

حيث إنه كان على حد تعبير الرواة: «في ضيق شديد، و محنة عظيمة» و «لم يزل مغموما مكروبا حتى قبض»، و «قبل البيعة، و هو باك حز