التعزير، احكامه و حدوده

اشارة

نام كتاب: التعزير، أحكامه و حدوده

موضوع: فقه استدلالي

نويسنده: گلپايگاني، لطف الله صافي

تاريخ وفات مؤلف: ه ق

زبان: عربي

قطع: وزيري

تعداد جلد: 1

تاريخ نشر: ه ق

ص: 1

مقدمة

اشارة

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ، و أفضل صلواته و سلامه علي أفضل رسله و خير خليقته و خاتم أنبيائه أبي القاسم محمّد و آله الطاهرين المعصومين الأئمّة الغرّ الميامين. سيّما الإمام الثاني عشر، و العدل المشتهر حجّة اللّٰه علي عباده و كلمته التامة، و خليفته و سراجه و نوره و برهانه مولانا المهديّ المنتظر أرواحنا لتراب مقدمه الفداء. اللّهم صلّ عليه و عجّل فرجه و سهّل مخرجه، و بلّغه منّا تحيّة و سلاماً.

قال اللّٰه تعالي:

وَ أَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ وَ لٰا تَتَّبِعْ أَهْوٰاءَهُمْ وَ احْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمٰا يُرِيدُ اللّٰهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَ إِنَّ كَثِيراً مِنَ النّٰاسِ لَفٰاسِقُونَ. (1)

أَ فَحُكْمَ الْجٰاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّٰهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ. (2)

قال رسول اللّٰه صلي الله عليه و آله و سلم:

ص: 2


1- المائدة الآية: 50- 49.
2- المائدة الآية: 50- 49.

«إقامة حدٍّ خير من مطر أربعين صباحاً»

(كتاب الحدود و التعزيرات)

(أبواب مقدمات الحدود و أحكامها العامّة)

(من الوسائل ج 18/ 308 ب 1 ح 4)

مقدمة

1- فائدة الحدود و التعزيرات

اعلم أن من أهم ما تنتظم به عامة الأمور، و أمور العامّة، و ما يتوقف عليه إدارة المجتمع، و عمران البلاد، و حسن حال العباد، و حفظ النظام، و أمن السبل، و إقامة العدل و القسط، و ردّ المظالم و دفع الاستضعاف و الاستكبار، و سحق الاستعباد و الاستعمار، و منع الأقوياء من الاستئثار بحقوق الضعفاء- معاقبة المفسدين و المجرمين، و تأديب العصاة من ذوي السلطة و غيرهم علي السواء. فلولا خوف أهل البغي و الطغيان من النكال و الخذلان، و عقابهم بسياط الذل و الهوان لفسد أمر الناس، و اختلّت أمورهم، و هتكت حرمتهم، و نهبت أموالهم، و انتهكت أعراضهم، و سفكت دماؤهم. لم يختلف في ذلك عقول جميع الناس في جميع الأعصار و الأجيال، فكل من يدبّر أمور جمعيّة، و إن كانت عائلته و أهله

ص: 3

و أبناؤه يحتاج في تثقيفهم- و تقويمهم و ردعهم عن القبائح و حملهم علي المصالح و المحاسن و سلوك الصراط المستقيم- بالوعد و الوعيد، و التبشير، و التهديد، و اجراء السياسات الحكيمة في ذلك.

2- الإسلام و سياسة المجرمين

التجاوزات أكثر ممّا كانت.

يصيحون بهذه الصيحات أرباب جاهليّة عصر غزو الفضاء، و اتباعهم. و سجونهم مملوءة من الأبرياء و المذنبين، و كلّ يوم يزداد عليهم، و يظهر فشلهم في مكافحة الجرائم، و الاحتفاظ بالنظام اللازم في السجون و المعتقلات، كما يظهر عجز الحكومات عن أداء مصارف السجون و المساجين، و عوائلهم، و يأتي لهم يوم يفتحون للمسجونين أبواب السجون، أو يثور السجناء عليهم، كما قد أباحوا الفواحش و الأعمال الشنيعة بقوانينهم الوضعيّة، فذهبوا بالحياء، و القيم الانسانية «و لا حول و لا قوة إلّا باللّٰه العلي العظيم».

و الجواب التام عن ذلك كله: أن هذه الألفاظ كلها خطابيّة ليس تحتها طائل، و لا يقولها قائل، و لا يكتبها كاتب إلّا من بعثه الافراط في الناحية العاطفية، و انحراف النفسيات عن التفكر العقلائي الصحيح.

ص: 4

فربما يتصور في حال فوران ميله الجنسي أجساداً لطيفة لها جاذبيتها من غير جنسه وقعت تحت ضرب سياط الجلاد، فيضربها عوضاً عن أن يقبلها و يعتنقها و يغامرها، فلا يري في هذا التصور الحيواني لتأديب المجرمات وجهاً إلّا الغلظة و القسوة، و لا يفهم من مفاسد الفجور و الفحشاء شيئاً.

و الجامعة البشرية قد جربت الأمور فأدركت أنه لا يقوم نظامها و تمتعها الصحيح بما خلق لها إلّا بالتبشير و الانذار، و الخوف و الرجاء، و الوعيد و الوعد، و اثابة المحسن، و عقوبة المجرم بتسجين المجرمين في أكثر الحالات، لا يؤثر في ردعهم عن الجرائم كما تؤثر العقوبات، و التأديبات البدنيّة، مضافاً إلي ما في سجن المجرمين من المفاسد و المضارّ الفرديّة و الاجتماعيّة التي لا يحسب ما يقال من مضار العقوبات البدنيّة بالمقايسة إليها شي ء كثير.

و المنافع و المضار، و المصالح و المفاسد سيّما في هذه الأمور التي تتدافع المصالح و المفاسد، و ضرر هذا و منفعة هذا تلاحظ بالمعيار العقلي، و الأخذ بالمصلحة الأهم اللازم استيفاؤها، و دفع المفسدة الأهم اللازم دفعها، و إلّا فمن لا يعرف أن المجرم الّذي يجري عليه التأديب يتالم من ذلك أو يموت به؟ و لكن لا يراعي في ذلك مصلحة المجرم فقط

ص: 5

بل يراعي معها مصلحة الاجتماع و سائر المصالح.

و العجب أن الّذين لا يصوبون العقوبات البدنيّة، و يقولون أنها همجيّة و رجعيّة يرتكبون- في هذا العصر- في سبيل أمنياتهم الباطلة، و استعباد الناس، و الاحتفاظ بسلطتهم علي الضعفاء البؤساء مظالم لم يرتكب مثلها أحد من جلاوزة التاريخ في العصور البائدة، ثمّ يقولون: إنها قانونيّة و تقدّميّة.

فانظر يا أخي إلي جنايات روسيا الماركسيّة في أفغانستان و إلي ما يجري علي أهلها من هذا النظام الالحادي الشيوعي الّذي لا يري حرمة للقيم الإنسانيّة بل لا يعرفها، و لا يعرف للانسان أية قيمة، و ما عنده توجيه لهذه الحياة، و تحمل هذه المشاق، و بقاء الإنسان في هذه الكرة، فقد قضي هذا النظام الملحد علي منطقة عامرة، و دمرها بالاغارة عليها و علي أهلها الّذين لا يمتلكون السلاح المناسب لأسلحة هؤلاء المهاجمين الاشقياء، و قنابلهم السامّة، فسفكوا دماء الابرياء و العزل من الشيوخ، و الشبان، و النساء و الاطفال، و هكذا فعلوا، و يفعلون في كلّ منطقة وقعت تحت سيطرتهم من بلاد الإسلام و غيرها، يسلبون جميع الحريات المحترمة عن أهلها، و يغزون العقائد بالمبادئ الماركسيّة الهدامة بالكبت و الاضطهاد، و قد ملأت فتنهم القارات الخمسة، فاين

ص: 6

الإنسان؟ و اين حقوقه و حريّاته؟ و اين القانون الحاكم؟ و اين التقدّم؟

فافتح عينك و انظر هل تري إلّا الارتداد و الرجعيّة الحقيقية و الجاهلية؟

ثمّ اترك روسيا و مظالمها و اجعل تحت نظرك آمريكا و أذنابها:

فرنسا و انكلترا و غيرهما، تري فيها جاهلية و رجعيّة أخري لا تقلّ عن الأولي. فاذهب إلي الدرة المغتصبة فلسطين- قبلتنا الأولي- و انظر إلي ما يجري فيها من المظالم علي أيدي الصّهائنة عملاء الاستعمار الغاشم الأمريكي و إلي موضع النظام الروسي الخائن تحت ستار الحماية عن حركة التحرير الفلسطينية، حيث لا يريد بها إلّا أهدافه الشيوعيّة الملحدة، فالأول يؤيد عدونا و يجهزه بكل ما يحتاج إليه من التجهيزات العسكريّة، للقضاء علي وجود الإسلام في فلسطين، و الثاني يسعي لاخراج هذه الحركة عن محتواها الاسلامي، و عن الالتزام بالمبادئ الاسلاميّة، و الاستقلال السياسي، حتّي لا تكون مسألة فلسطين مسألة أمة فلسطين المسلمة و مسألة جميع المسلمين، و تكون مسألة من مسائل النظام الشيوعي الروسي، لا تحل مشكلتها إلّا بالحل الروسي، قبال الحلّ الإمريكي. و أما الحل الاسلامي فكلاهما يرفضانه و لا يرتضيانه.

و انظر إلي ما يجري في الحال في لبنان لتضارب سلطة أمريكا مع روسيا فالبشرية البائسة في لبنان و في جميع العالم أصبحت ضحية

ص: 7

سياسة أمريكا و روسيا، و عملائهما المسمين باليمينيين و اليساريّين، و هكذا إن ذهبت إلي كلّ أرض فيها فتنة، و ظلم و تدمير و تخريب سيما في البلاد الإسلاميّة كباكستان، و چاد، و صحرا، فكلها وليدة هذه السياسات الشرقية، و الغربيّة، و حرص المستكبرين علي توسعة استكبارهم و استعلائهم. و هذه إيراننا العزيزة، وطننا الاسلامي الّذي قامت فيه الثورة الاسلاميّة الكبري، و طردت منها سلطة الاستكبار الإمريكي، و دفعت عنها الاستكبار الروسي، لم تبتل بالحرب الصدّامية البعثيّة و فتن المنحرفين إلّا بالمكائد الأمريكيّة المستكبرة، و الروسية الديكتاتورية. و سيفشل باذن اللّٰه (تعالي) هذه المكائد و ينجي اللّٰه (تعالي) دينه و الثورة الإسلاميّة و بلاد الإسلام.

قال اللّٰه تعالي:

(يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللّٰهِ بِأَفْوٰاهِهِمْ وَ اللّٰهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْكٰافِرُونَ) (1).

و علي الجملة لا يتمكن أحد من وصف ما يصدر من مظالم أمريكا و روسيا و عملائهما علي هذه البشرية المسكينة، و من لا يعرف ما في دعايات هاتين الكتلتين و أن ليس فيها إلّا الظلم و الاستكبار؟ و من

ص: 8


1- الصف الآية: 8.

لا يعرف عملائهما من الحكام، المتغلبين علي البلاد الاسلاميّة، الّذين بعضهم عون للصهاينة و الأمريكان علي المسلمين في فلسطين و لبنان، و بعضهم عون للماركسيّة الروسيّة علي الشعب المسلم في أفغانستان، يؤيّدون روسيا في هجومها الوحشيّ علي إخواننا المسلمين. أراح اللّٰه المسلمين من شرّ الطائفتين و أزالهما عن صفحة الوجود.

نعم يعدّ من نظر بعين الاحترام و الاجلال إلي النظامات الشرقية و الغربيّة هذه المظاهر الهدّامة الهمجيّة، و سفك دماء الابرياء بأبشع صورة الوحشية من مظاهر التقدم و التمدن.

أمّا التمسك برسالات السّماء، و العدل و الاحسان، و قطع يد سارق أو رجم زان أو قتل قاتل لتحقيق الأمن و حرمة الأموال، و الاعراض و النفوس فعندهم الرجعية.

و نعم التقدم العصري الصناعي لا يري تجاوز المستكبرين الّذين علت نعراتهم و صيحاتهم بالتقدم و الصلح و و و … بحقوق الملايين و الملايين و غصب ثرواتهم و هتك أعراضهم و القتل العام فيهم رجعيّة و تأخراً، و يري معاقبة فرد واحد- لانه مجرم خان مجتمعه- تأخراً و رجعيّة.

و هذا- و لا تنس أن الإسلام في مسألة الجرائم و العقوبات لم يسلك

ص: 9

سبيلًا جزافاً و بلا حساب، و لم يهمل إصلاح المجرمين و نفي ما يكون موجباً، و مشوقاً لارتكاب الجرائم من الفواعل الاقتصاديّة، و أسباب سيكولوجيّة، و لم يخرج في مكافحة الجرائم من مكافحة الأسباب قبل وقوع المسببات، و لم يعتمد علي العقوبات أكثر من اعتماده علي سائر العلاجات الأوليّة الرئيسيّة، و لم يقرر عقوباتها التي قد تبدو في موارد معدودة قاسية- و ليست بتلك- في حال لم ينظر إلي ما يمكن أن يكون سبباً لهذه الجرائم أو يكثرها، بل رأي بعين إلي أسباب الجرائم النفسيّة، و الاقتصادية و غيرهما، و سعي في إزالتهما بقدر الامكان، و بالعين الأخري إلي الجريمة، و ما يلزم لها من عقاب.

و الّذين يأخذون علي الإسلام بقوانينه الجزائيّة إن درسوا نظرة الإسلام الحقيقيّة إلي الجرائم و العقوبات و تفاصيلها و شرائطها، و موارد العفو عنها لا يأخذون عليه. فهؤلاء الجاهلون بأحكام الإسلام أو المتجاهلون يجسمون من المجتمع الاسلامي مجتمعاً هائلًا، ليس فيه فرد نجا من الجلد و الرجم، و القطع. فلا يقع النظر إلّا علي من قطعت يده و رجله أو عضوه الآخر، و لم يفهموا أن هذه العقوبات في المجتمع الاسلامي- الّذي كان الإسلام فيه هو المرشد الوحيد- تقل بحيث تكاد أن لا توجد. هذا- و لا يخفي عليك أن الإسلام مع ذلك كله قد عمد إلي تطهير المجرمين و إعادة شخصيّتهم بالكفارة: من الصيام، و الصدقة،

ص: 10

و عتق الرقبة، و ردّ المظالم إلي أهلها مما يشمل كله تعاليم التوبة و الانابة و الرجوع إلي اللّٰه تعالي.

و هذه رسالة وجيزة في بعض أحكام التعزيرات كتبناها- في ضمن امور- لمسيس الحاجة إليها في زماننا هذا. و نسأل اللّٰه تعالي أن يغفر لنا زلاتنا و يعفو عن هفواتنا و يوفقنا لما يحب و يرضي، إنه خير موفق و معين.

محرم الحرام 1404

لطف اللّٰه الصافي

ص: 11

ص: 12

التعزير أنواعه و ملحقاته

اشارة

ص: 13

ص: 14

الأمر الأوّل أقوال أهل اللغة في معني التعزير و تعريفه

مسألة: هل يجوز التعزير بغير الضرب دون الحدّ، كالحبس و أخذ المال و الشتم و التوبيخ، مما هو دون الضرب دون الحد، أو مساوٍ له أو فوقه أم لا؟

أقول: تنقيح الحق في المقام و بعض ما يتعلّق به، يتضح من بيان أمور:

الأول: أنه قال الجوهري في (الصحاح): التعزير التعظيم و التوقير، و التعزير أيضاً التأديب، و منه سمي الضرب دون الحدّ تعزيراً.

و قال الفيروزآبادي في (القاموس): و التعزير ضرب دون الحد، و هو أشد الضرب.

و قال ابن منظور في (لسان العرب): و التعزير ضرب دون الحدّ لمنعه الجاني من المعاودة، و ردعه عن المعصية، قال:

و ليس بتعزير الأمير خزاية عليّ إذا ما كنت غير مريب

و قيل: هو أشدّ الضرب، و عزّره ضربه ذلك الضرب (إلي أن قال) و أصل التعزير التأديب و لهذا يسمي الضرب دون الحدّ تعزيراً (و قال في أثناء كلامه أيضاً) و لهذا قيل للتأديب- الذي هو دون الحد- تعزيراً، لأنّه يمنع الجاني أن يعاود الذّنب.

و قال الفيومي في (المصباح المنير): التعزير التأديب دون الحدّ.

و قال ابن الاثير في (النهاية): أصل التعزير المنع و الردّ، فكان من نصرته أن ردّت عنه أعداءه و منعهم من أذاه، و لهذا قيل للتاديب الذي هو دون الحدّ تعزير، لانّه يمنع الجاني أن يعاود الذنب.

و قال الشريف الجرجاني في (التعريفات):

التعزير هو تأديب دون الحدّ، و أصله من العزر و هو المنع.

و قال الراغب في (مفردات القرآن): التعزير النصرة مع التعظيم قال:

تُعَزِّرُوهُ، و عَزَّرْتُمُوهُمْ، و التعزير ضرب دون الحدّ، و ذلك يرجع إلي الأول، فانّ ذلك تأديب، و التأديب نصرة ما لكن الأوّل نصرة بقمع ما يضره عنه، و الثاني نصرة بقمعه عمّا يضره: فمن قمعته عما يضره، فقد نصرته، و علي هذا الوجه قال صلي الله عليه و آله: انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً قال:

انصره مظلوماً، فكيف انصره ظالماً؟ فقال: كفّه عن الظلم. (1)

ص: 15


1- مسند احمد بن حنبل ج 3 ص 301 و فيه: [تمنعه عن الظلم] و في الترمذي ج 4 ص 523: تكفه.

و قال الطريحي في (مجمع البحرين): التعزير ضرب دون الحدّ، و هو أشد الضرب.

و قال الطبرسي في (مجمع البيان): معني عزرت فلاناً إذا ضربته ضرباً دون الحدّ أنه يمنعه بضربه إياه عن معاودته مثل عمله.

و لعل أجمع من جميع ذلك، و أكثر فائدة ما في (تاج العروس) قال:

(العزر اللّوم) يقال (عزره يعزره) بالكسر عزراً بالفتح (و عزّره) تعزيراً لامه و ردّه (و) العزر و (التعزير ضرب دون الحدّ) لمنعه الجاني عن المعاودة و ردعه عن المعصية قال:

و ليس بتعزير الأمير خزاية علي إذا ما كنت غير مريب

(أو هو أشدّ الضرب) و عزره: ضربه ذلك الضرب، هكذا في المحكم لابن سيده. و قال الشيخ ابن حجر المكيّ في التحفة علي المنهاج:

التعزير لغة من أسماء الاضداد، لأنه يطلق علي التفخيم، و التعظيم، و علي التأديب، و علي أشد الضرب و علي ضرب دون الحدّ كذا في القاموس.

و الظاهر أن هذا الاخير غلط، لأن هذا وضع شرعي لا لغوي، لأنه لم يعرف إلّا من جهة الشرع، فكيف ينسب لأهل اللغة الجاهلين بذلك من أصله؟ و الذي في الصحاح بعد تفسيره بالضرب، و منه سمي ضرب ما دون الحدّ تعزيراً، فأشار إلي أن هذه الحقيقة الشرعية منقولة عن الحقيقة

ص: 16

اللغوية بزيادة قيد، و هو كون ذلك الضرب دون الحد الشرعي، فهو كلفظ الصلاة و الزكاة و نحوهما، المنقولة لوجود المعني اللغوي فيها بزيادة، و هذه دقيقة مهمة تفتن لها صاحب الصحاح، و غفل عنها صاحب القاموس … الخ.

و لعلك لو تتبعت كلمات سائر علماء اللغة لوجدتهم متفقين علي أن التعزير- في لسان الشارع، و عرف المتشرعة- هو الضرب دون الحدّ، و أن الحبس ليس من ذلك بشي ء، و مع ذلك من أين نقول: إن التعزير- الذي سمعت منهم- أنه ضرب دون الحد أعم من الحبس و غيره، حتّي الشتم و التوبيخ.

و علي ما ذكر: يطلق علي كلّ ما جاء في الأحاديث الشريفة (في مقام بيان عقوبة العصاة و المجرمين) مما هو دون الحدّ بلفظ، يُضرب، أو يجلد دون الحد، و يضرب ضرباً شديداً، و يعاقب عقوبة موجبة التعزير، كما أن لفظ التعزير في الأحاديث و كلمات الفقهاء ظاهر في ذلك، لما سمعت من كلام أهل اللغة، و تسمع من الأحاديث، و كلمات الفقهاء رضوان اللّٰه تعالي عليهم.

الأمر الثاني تأسيس الاصل في المسألة

إنه لا شبهة في جواز التعزير بالضرب دون الحد، و لا خلاف فيه، و تدل عليه الروايات و الاجماع، و أمّا العقوبة بغير ذلك كالحبس و أخذ المال، و الجرح فمقتضي الأصل- و هو استصحاب حرمة حبسه و احترام ماله و عدم جواز اخذه منه من غير طيب نفسه- عدم جوازها.

و أيضاً- في موارد وجوب التعزير الأمر يدور بين التعيين- و هو التعزير و العقوبة بالضرب دون الحد- و التخيير بينه و بين غيره، كالحبس و أخذ المال، و لا شك في أن مقتضي الأصل هو التعيين، و ليس هو بالاستصحاب، بل المراد منه حكم العقل بالتعيين فيما دار الأمر بين حصول الامتثال باتيان فعل معيّناً أو مخيّراً بينه و بين غيره، فبعد العلم

ص: 17

بوجوب التعزير، و العلم بإيقاعه بالضرب دون الحدّ لو شككنا في تحقّقه بغيره، فالعقل يحكم بوجوب إيجاده بالضرب خروجاً عن التكليف المعلوم، و تحصيلًا للامتثال و البراءة اليقينيّة.

إن قلت: هذا إذا رأي الحاكم حصول التأديب و ردع المرتكب بكل واحد منهما (التعزير و الحبس) علي السواء، أمّا إذا رأي أن تعزيره بالضرب دون الحدّ لا يؤثر في تأديبه و ردعه، و لا يؤثر فيه إلّا الحبس و أخذ المال و غيرهما، فلا دليل علي جواز الضرب لعدم الفائدة و المصلحة فيه، و لا يدور الأمر بين تعينه، و التخيير بينه و بين غيره.

قلت: عدم الفائدة و المصلحة مطلقاً في الضرب فرض نادر إلّا إذا علم الحاكم أنه لا يعود إليه و لا حاجة لردعه بالتعزير، و ليست فيه مصلحة أخري تعود إلي حفظ النظام و ردع السائرين مضافاً إلي أن الفائدة تأتي من قبل تكرار التعزير حتّي تصل النوبة إلي الحبس أو القتل أو الحدّ.

و أيضاً ظاهر الأدلة أن التعزير واجب كالحد، و إن رأي الحاكم أنّ المجرم لا يؤدب به، و أنه مستخف بأمر اللّٰه تعالي و نهيه، و مصر علي ذلك، فليس له ترك تعزيره بالضرب دون الحدّ في هذه الصورة، و جواز ترك التعزير إذا رأي الحاكم ذلك، إنّما يكون فيما إذ رأي عدم الحاجة إليه، لأنه غير مصر عليه، أو لم يصدر منه استخفافاً بحكم اللّٰه تعالي

ص: 18

و تهاوناً بوعيده، و لكن خطيئة عرضت و سولت له نفسه، أو رأي أن تاديبه، و المصلحة الموجبة له تحصل بأقل من التعزير كالتوبيخ و نحوه فتدبر.

و الأولي أن يقال: إن الأصل العملي إنّما يكون مرجعاً إذا لم يكن في المسألة أصل لفظيّ، و فيما نحن فيه الأصل هو العمومات، و الاطلاقات الكثيرة- الدالّة علي حرمة إيذاء المسلم- خرج منه بالدّليل، و القدر المتيقن الحدود و القصاص، و الضرب دون الحد، و إن شئت قلت: لا اشكال في جواز التعزير دون الحدّ، و ما هو أقلّ من الضرب دون الحد، كالتوبيخ: و في جواز إيذائه بغير ذلك من الحبس و غيره في غير الموارد المنصوصة المرجع هو العمومات المذكورة، فلا تصل النّوبة إلي الأصل العملي.

ص: 19

الأمر الثالث كلمات الفقهاء في معني التعزير و تعريفاتهم له

يستفاد من كلمات جماعة من الأصحاب رضوان اللّٰه تعالي عليهم كالصدوق في

المقنع، و المفيد في المقنعة، و السيد في الانتصار، و الديلمي في المراسم، و الشيخ في الخلاف، و النهاية و المبسوط، و ابن زهرة في الغنية، و ابن إدريس في السرائر، و ابن حمزة في الوسيلة، و المحقق في الشرائع و المختصر النافع و نكت النهاية، و غيرهم: أن التعزير هو ضرب دون الحد، و ذلك لأنّهم قيّدوا في موارد كثيرة التعزير بما دون الحدّ أو قالوا لا يبلغ التعزير حداً كاملًا، و في بعض الموارد عبّروا عن التعزير بالتأديب بما دون الحدّ، و ذكروا في بعض موارد التعزير أيضاً الضرب أو الجلد،

ص: 20

و قيدوهما بما دون الحدّ (كما جاء في الروايات) (1) و لم يذكروا لفظ التعزير أو ذكروا عدد الأسواط أو قالوا: عزّر، و لم يحدّ، أو قالوا:

لا يجب فيه الحد بل التعزير، و أمثال تلك التعابير.

نعم الحق بعضهم ما في بعض الروايات من العقوبات ممّا ليس من نوع الضرب بالتعزير، فنفي البلد- عند الشيخ قدس سرّه في موضع من الخلاف- تعزير، لكن لا بالغاء الخصوصية، بل لورود النص عليه، و هذا لا ينافي ظهور كلماتهم و تعريفاتهم في أنه الضرب دون الحد و أنه لا يجوز التعدي عنه إلي غيره في الموارد التي لم يرد فيها نص بعقوبة خاصّة.

مضافاً إلي أنهم لما رأوا عدم صحة إلحاق ذلك بالحد ألحقوه بالتعزير، جمعاً بين الروايات المتضمنة لتلك العقوبات و روايات التعزير الظاهرة في الضرب، و لم يتعدوا عن مواردها إلي غيرها، و لم يقولوا: إن ذلك من أفراد التعزير، و يجوز للحاكم أن يختاره إذا رأي ذلك في غير المورد الذي ورد النص به مما ورد النص فيه بالتعزير المطلق، أو بالتعزير بالضرب، أو السوط، أو بالضرب أو السوط مجرداً عن التعزير.

و لذا ألحق بعضهم بالتعزير ما ورد بتلويث رجل وجد تحت فراشد.

ص: 21


1- الوسائل ج 18 ص 472 ح 6 و ص 583 الباب 10 من ابواب بقية الحدود.

امرأة، علي ما رواه الشيخ باسناده عن محمّد بن يحيي عن طلحة بن زيد عن جعفر عن أبيه عليهما السلام أنه رفع إلي أمير المؤمنين عليه السلام رجل وجد تحت فراش امرأة في بيتها، فقال: هل رأيتم غير ذلك؟ قالوا: لا قال: فانطلقوا به إلي مخرأة فمرغوه عليها ظهراً لبطن، ثمّ خلوا سبيله (1) و روي الصدوق نحوه في رجل وجد تحت فراش رجل قال: و روي ابن أبي عمير عن حفص بن البختري عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: أتي أمير المؤمنين عليه السلام برجل وجد تحت فراش رجل فأمر به أمير المؤمنين عليه السلام، فلوّث في مخرأة (2) من دون إشارة في الحديثين إلي أن ذلك من باب التعزير نظراً إلي شمول التعزير لمطلق التأديب بحسب أصل اللغة و أن لا يزاد علي القسمين (الحد و التعزير) قسماً ثالثاً.

و مثل هذا لا يوجب صرف ظهور التعزير في كلامهم في الضرب بما دون الحدّ إلي التأديب و العقوبة في كلّ مورد بكل نوع يراه الحاكم من الحبس و غيره، و لو كان مثل هذا التأديب عندهم من أنواع التعزير المذكور في لسان الشارع و الفقهاء لأفتوا بجواز التعزير به في كلّ مورد ورد فيه التعزير، و لا أظن احداً يفتي بذلك و لا يقتصر في مثل

ص: 22


1- التهذيب ج 10 ب حدود الزاني ح 175 ص 48.
2- الفقيه ج 4 ب ما يجب به التعزير و الحد، ح 48/ 28 ص 20 و الوسائل ج 18 ص 424 ح 1.

هذه التعزيرات علي الموارد التي ورد النصّ فيها إن كان معمولًا به في مورده، و لم يعرض عنه الأصحاب.

و الدليل علي أن الفقهاء- رضوان اللّٰه تعالي عليهم- لم يتركوا ظواهر الأدلّة، فلم يذهبوا إلي أنّ الحبس من أنواع التعزير، إن الشيخ- قدس سره- نسب ذلك إلي أبي حنيفة، فقال في «الخلاف» في المسألة السادسة من كتاب قتال أهل الردّة: و قال أبو حنيفة: يحبس في الثالثة، لأن الحبس عنده تعزير. (1)

و كيف كان بعد ظهور الأحاديث، و فتاوي الفقهاء في أنّ التعزير هوب.

ص: 23


1- لا يخفي عليك أنه يظهر من (الفقه علي المذاهب الاربعة) أن السجن عند غير أبي حنيفة من فقهاء المذاهب الاربعة أيضاً تعزير، قال: أما التعزير، فهو التأديب بما يراه الحاكم زاجراً لمن يفعل محرماً عن العودة إلي هذا الفعل، فكل من أتي فعلا محرماً لا حد فيه، و لا قصاص، و لا كفارة، فان علي الحاكم أن يعزره بما يراه زاجراً له عن العودة من ضرب أو سجن أو توبيخ، و قد اشترط بعض الأئمّة أن لا يزيد التعزير علي ثلاثين سوطاً الخ. و قال في موضع آخر: و لا خلاف أن للامام أن يسجن الجاني بما يراه زاجراً له انتهي. و لا يخفي عليك أنه يستظهر من عبارته موافقته للماوردي في كون السجن أخف من الضرب فيجب أن يكون في مدة لا تعد عرفاً أشد من الضرب مطلقاً أو من أكثر ما ينتهي إليه الضرب.

الضرب دون الحدّ، و عدم دلالته بالمنطوق أو المفهوم علي كون الحبس و غيره مما لم يرد بالخصوص في الروايات من أنواع التعزير الشرعي لعدم دلالة التعزير علي مطلق التأديب حتّي يكون كلّ عقوبة و تأديب و إن كان بغير الضرب دون الحد شرعياً و مأثورا منه، و لعدم المساواة بين الحبس و التعزير لا يصح بالحاق البعض- ما ورد بالخصوص في الروايات من التأديب بغير الضرب بالتعزير- رفع اليد عن ظواهر الأحاديث و الفتاوي، و لا يتم بذلك ظهور للتعزير فيما هو أعم من الضرب دون الحد مطلقاً.

هذا كله بالنظر إلي عباراتهم الظاهرة في أن التعزير هو الضرب دون الحد، و عبارات بعضهم صريحة في ذلك.

قال المفيد أعلي اللّٰه درجاته الرفيعة- في المقنعة في باب حد الزنا:

و وجب علي الرجل و المرأة التعزير حسب ما يراه الإمام من عشر جلدات إلي تسع و تسعين جلدة، و لا يبلغ التعزير في هذا الباب حد الزنا المختص به في شريعة الإسلام.

و قال في باب حد اللواط: فان شهد الأربعة علي رؤيتهما في ازار واحد مجردين من الثياب، و لم يشهدوا برؤية الفعال كان علي الاثنين الجلد دون الحد تعزيراً، و تأديبا من عشرة أسواط إلي تسعة و تسعين سوطاً بحسب ما يراه الحاكم من عقابهما في الحال، و بحسب التهمة لهما

ص: 24

أو الظن بهما السيئات.

و مراده من قوله (حسب ما يراه الإمام) إنّما هو ما يري من عشر جلدات إلي تسعة و تسعين، لا أن له إبدال الضرب بما دون الحدّ بغيره من الحبس و غيره مما هو يساوي ذلك أو يكون أشد منه.

و اختصر ذلك كغيره في سائر مواضع كتابه بقوله: يعزر أو عليه التعزير، كما لا يخفي.

و قال الشيخ- قدس اللّٰه نفسه الزكية- في كتاب الأشربة من الخلاف (م 14): لا يبلغ بالتعزير حدّ كامل (حدّاً كاملًا) بل يكون دونه، و أدني الحدّ في جنب الأحرار ثمانون، فالتعزير فيهم تسعة و سبعون جلدة … الخ

و تجد في نهايته مواضع متعددة صريحة في ذلك و جل الفاظه- لو لا الكلّ- ظاهرة في ذلك إن لم نقل إنها محفوفة بقرائن كثيرة تجعل الكلّ كالصريح.

و قال الديلمي- رفع اللّٰه درجته- في المراسم: و التعزير من ثلثين سوطاً إلي تسع و تسعين، و سائر كلماته أيضاً صريحة أو ظاهرة في أن التعزير هو الضرب دون الحد، و نحوه- في الصراحة و الظهور- كلمات ابن حمزة في الوسيلة.

و قال ابن زهرة- روح اللّٰه روحه- في الغنية:

ص: 25

و اعلم أن التعزير يجب بفعل القبيح و الاخلال بالواجب الذي لم يرد الشارع بتوظيف حدّ عليه، أو ورد بذلك فيه، و لم يتكامل شروط إقامته، فيعزر علي مقدمات الزنا و اللواط من النوم في إزار واحد، و الضمّ و التقبيل إلي غير ذلك حسب ما يراه أولي الأمر من عشرة أسواط إلي تسعة و تسعين سوطاً (إلي آخر كلامه الصريح في أن التعزير لا يتحقّق إلّا بالضرب بالسوط).

و ممن كلامه صريح في ذلك ابن إدريس- قدس سره- قال في أواخر باب الحد في الفرية، و ما يجب التعزير و التأديب، و ما يلحق بذلك من الأحكام:

و التعزير لما يناسب القذف من التعريض، و النبذ، و التلقب من ثلاثة أسواط إلي تسعة و سبعين سوطاً، و كذلك ما يناسب حدّ الشرب من أكل الاشياء المحرّمة و شربها، و لما يناسب الزنا، و اللواط و وطي البهائم، و الاستمناء بالأيدي، و وجود الرجل و المرأة لا عصمة بينهما في إزار واحد إلي غير ذلك من ضمّ أو تقبيل أو نظر مكرر غير مباح، و كذلك حكم الرجلين في شعار واحد مجرّدين و كذلك حكم المرأتين، و الرجل و الصبي مع الريبة علي كل حال إلي غير ذلك من ضمّ و تقبيل و من افتض بكراً باصبعه، و مالك الأمة إذا أكرهها علي البغاء، و ما شاكل ذلك من هذه الأفاعيل مما يناسب الزنا و اللواط من ثلاثة أسواط إلي تسعة

ص: 26

و تسعين علي ما أسلفناه، و الذي يجب تحصيله في ذلك منه، و يعتقد صحته أن الحاكم يعمل في ذلك بما يري فيه المصلحة للمكلفين، و يعزر كلّ قبيح من فعل قبيح أو ترك واجب، ما لم يبلغ الحدود و هو حدّ الزنا الذي هو مائة جلدة سواء كان ذلك مما يناسب القذف و أشباهه أو ناسب الزنا و أشباهه، لان ذلك موكول إلي ما يراه الحاكم إصلاحاً.

و قال في باب الحد في شرب الخمر … الذي أعمل عليه و أفتي به أن التعزير إذا كان للأحرار، فلا يبلغ به أدني حدودهم، و هو تسعة و سبعون.

و قال في باب ماهية الزنا، و ما يثبت به ذلك في من أقرّ بالزنا أقل من أربع مرات أو أقر أربع مرات بوطي دون الفرج: لم يحكم له بالزنا، و كان عليه التعزير حسب ما يراه الإمام، و لا يتجاوز بذلك أكثر من تسعة و تسعين سوطاً.

هذا- و إليك بعض ما عرفوا به التعزير مما ليس فيه ذلك التصريح إلّا أنه يستظهر منه إطباق الكل علي ذلك.

قال التقي المجلسي رفع مقامه: هو التأديب دون الحدّ و يكون برأي الإمام و الحاكم.

و قال صاحب الرياض ره: الحدود جمع حد، و هو لغة المنع، و شرعاً عقوبة خاصّة تتعلق بايلام بدن المكلف (إلي أن قال) و إذا لم

ص: 27

تقدر العقوبة يسمي تعزيراً و هو لغة التأديب.

و قال المحقق- قده- في الشرائع: كلّ ماله عقوبة مقدرة يسمّي حدّاً، و ما ليس كذلك يسمّي تعزيراً.

و لا يخفي عليك ما في كلامه بعد ذلك في أسباب الحد و أسباب التعزير، فانه عد في أسباب التعزير البغي و الردّة، قال في المسالك: جعل عقوبة الباغي- و هو المحارب و من في معناه- و المرتد تعزيراً غير معهود، و المعروف بين الفقهاء تسميته حدّاً … الخ

أقول: لا يتفاوت الأمر فيما نحن بصدده، و لا يصادم ظهور التعزير حتّي في كلمات المحقق في الشرائع في الضرب دون الحد، و يمكن أن يكون مراده من عد البغي و الردّة من أسباب التعزير إخراجه عن الحد الذي هو موضوع لأحكام كثيرة لم يثبت للتعزير الذي هو الضرب دون الحدّ، و تفصيل الكلام في تلك الأحكام و أنها هل تشمل البغي و الرّدة ام لا لا يسعه المقام فنرجع إلي ما نحن فيه.

و قال الشهيد السعيد في المسالك: و التعزير لغة التأديب، و شرعاً عقوبة أو إهانة لا تقدير لها بأصل الشرع غالباً، و يظهر من كلامه بعد ذلك أن التعزير هو الضرب بالسوط، و إن عدم التقدير إنّما هو بحسب ذلك لا بحسب النوع، قال: أمّا التعزير فالأصل فيه عدم التقدير، و الاغلب في أفراده كذلك، لكن قد وردت الروايات بتقدير بعض أفراده، و ذلك في

ص: 28

خمسة مواضع الأوّل: تعزير المجامع زوجته في نهار رمضان مقدر بخمسة و عشرين سوطاً، (1) الثاني … الخ فمراده من عدم التقدير عدم تعيين مقدار معين من الضرب بالسوط إلي دون الحد، و علي هذا كلامه صريح في أن التعزير هو الضرب دون الحد الا أنه لا تقدير في أغلب أفراده. و قوله: (أو إهانة) إشارة إلي ما في بعض الروايات من التأديب ببعض الاهانات، لا تشمل مثل الحبس فيما لم يرد به نصّ كما لا يخفي.

هذا و لكن العلامة- قدس اللّٰه سره العزيز- قال في التحرير (في آخر كتاب الحدود): التعزير يكون بالضرب أو الحبس أو التوبيخ أو بما يراه الإمام، و ليس فيه قطع شي ء منه، و لا جرحه، و لا أخذ ماله. (و قال أيضاً): التعزير يجب في كلّ جناية لا حدّ فيها كالوطي في الحيض للزوجة، و الاجنبية فيما دون الفرج، و سرقة ما دون النصاب أو من غير حرز أو النهب أو الغصب أو الشتم بما ليس بقذف و اشباه ذلك، و تقديره بحسب ما يراه الإمام، و روي الشيخ عن يونس عن إسحاق بن عمّار قال: سألت أبا إبراهيم عليه السلام عن التعزير كم هو؟ قال: بضعة عشر سوطاً ما بين العشرة إلي العشرين (2) و قد وردت أحاديث في أشياء مخصوصة

ص: 29


1- الوسائل ج 7 ص 37 ح 1.
2- التهذيب كتاب الحدود باب من الزيادات (ب 10 ح 570/ 2) ج 10 ص 144.

باكثر من ذلك غير أنه لا يجوز الزيادة به علي الحد، و ليس لأقله قدر معين، لأن اكثره مقدر، فلو قدر أقله كان حدّاً، و هو يكون بالضرب و الحبس و التوبيخ من غير قطع و لا جرح، و لا أخذ مال، و التعزير واجب فيما يشرع فيه التعزير، و لا ضمان لمن مات به.

و قال في القواعد في آداب الحكم: ثمّ ينظر أول جلوسه في المحبوسين، فيطلق كلّ من حبس بظلم أو تعزير.

أقول: أولًا لم نتحصل مراده- رفع مقامه- من أن الحدّ ما قدّر أقلّه و أكثره، لأنّ الحدّ مقدّر ليس له أقلّ و لا أكثر.

و ثانياً- يمكن أن يقال: إن عدّه- رحمه اللّٰه تعالي- الضرب، و الحبس، و التوبيخ من أنواع التعزير لا يدل علي أن مراده أن التعزير مطلقاً حتّي في تعيين نوعه موكول إلي الحاكم، و إن له أن يحبسه في موارد أطلق التعزير، و حتّي في موارد عيّن فيها التعزير بالضّرب و السوط و بالعكس، فانّ هذا دعوي بلا دليل لا تصدر عن حكيم الفقهاء، و فقيه الحكماء، فليس مراده إنكار ظهور التعزير في الضرب دون الحدّ الذي سمعته من اللغويين، و أنه أعم من ذلك، و أن الحبس تعزير يجوز للحاكم أن يحبس المجرم بدلًا عن الضرب دون الحدّ و إن لم يكن أخف من الضرب بل كان أشد من الضرب دون الحدّ، كما هو ظاهر ما نسب الشيخ إلي أبي حنيفة، و أمّا كلامه في القواعد، فيمكن أن يقال بدلالته علي عدم

ص: 30

جواز التعزير بالحبس، و لذا يطلق الحاكم الثاني من حبسه الأوّل تعزيراً، و علي فرض دلالته علي كون الحبس من أنواع التعزير لم يعلم مراده من أن الأصل، و الذي لا يجوز التعدي عنه هو التعزير بما دون الحدّ، و أخفّ منه حبساً كان أو ضرباً أو ان في الحبس لم يعتبر ذلك في حين أنه اعتبر في الضرب، فيجوز أن يكون أشد مما دون الحد و من الحد، و يجوز التعزير به، و إن كان المجرم يؤدب بالضرب دون الحدّ.

فان قلت: من اين اختص التعزير بالضرب دون الحدّ بحيث يتبادر منه ذلك في استعمالات الشارع و المتشرّعة مع أنّ مفهومه بحسب أصل اللغة هو التأديب و المنع و الردّ، و هو أعم من الضرب فضلًا عن الضرب دون الحدّ.

قلت: إنّما اختص التعزير بهذا المفهوم في لسان الشارع عليه السلام و المتشرعة كما صرّح به علماء اللغة، لان في أكثر موارد التأديبات و العقوبات علي المعاصي عين التأديب بالضرب دون الحد، و كثيراً ما عبّر عنه بالتعزير، لأنه أخص من التأديب بما فيه من الشدة، و لذا قيل:

هو أشدّ الضرب. و التعدي عن هذه النصوص المعينة للضرب في مواردها إلي الحبس و غيره لا يوافق مذهب أهل النصّ خصوصاً بعد تقديره بكونه دون الحد و عدم وجود تقدير في الحبس في جانب أكثره، و تقديره بدون خلوده في السجن إلي أن يموت لا وجه له مضافاً إلي أن

ص: 31

العلم بكون الحبس في زمان معين كعشرين سنة يكون دون خلوده في السجن إلي أن يموت يحتاج إلي العلم بالغيوب، و منايا الناس كما أن التفصيل بين هذه الموارد باختصاصها بالتعزير بالضرب و بين غيرها بجواز التعزير فيه بالحبس و الضرب و غيرهما لا دليل عليه، و قول بغير علم.

و علي الجملة هذه النّصوص، و ما استقرّ عليه عمل الولاة و القضاة في غالب الموارد بالضّرب بالسّوط دون الحدّ في مقام التعزير صارت سبباً لظهور لفظ التعزير في الضرب دون الحدّ، و تبادر ذلك منه لا يشك في ذلك من تتبع الروايات، و كلمات الفقهاء فراجع إن شئت ما عندك من مصنفات القدماء و غيرهم من الأعاظم كالمقنعة، و المراسم، و الخلاف، و المبسوط، و النهاية، و السرائر، و الغنية، و الشرائع، و المختصر النافع، و غيرها، فلا تجد فيها كلمة من كلمات التعزير، و عزر، و يعزر غير ظاهرة في الضرب دون الحدّ أو قابلة لحملها علي الأعم من الحبس إلّا بقرينة ظاهرة صارفة.

و بعد ذلك كيف يمكن للفقيه التعدي عن النص في الموارد التي ورد النص فيها بالضرب إلي الحبس مستنداً إلي ظاهر كلام بعضهم، و إن كان في جلالة القدر أظهر من الشمس ثمّ كيف يمكن له ادعاء ظهور لفظ التعزير في لسان الأحاديث في الأعم من الضرب و يأتي تمام هذا الكلام

ص: 32

في الأمر الخامس إن شاء اللّٰه تعالي.

الأمر الرابع في الحبس

1- موارد جواز الحبس

لا شبهة في جواز حبس المجرم بل تخليده في السجن حتّي يموت في الموارد المنصوصة مثل السارق الذي قطعت يده اليمني، و سرق ثانية، و قطعت رجله اليسري، فهذا إن سرق ثالثة سجن مؤبداً حتّي يموت، و ينفق عليه من بيت المال قضي بذلك أمير المؤمنين عليه السلام، و رواه محمّد بن قيس، و زرارة عن أبي جعفر عليه السلام، و القاسم، و سماعة، و أبو بصير، و الحلبي، و عبد الرحمن بن الحجاج، و غيرهم عن أبي عبد اللّه عليه السلام (1)

ص: 33


1- يراجع كتاب الحدود و التعزيرات من الوسائل ج 18 ص 492 (ب 5 من أبواب حد السرقة ح 1 و 2 و 3 و 4 و 6 و 7 و 10 و 12 و 13 و 14 و 15 و 16)

و عنه عليه السلام: لا يخلد في السجن إلّا ثلاثة: الذي يمثل، و المرأة ترتد عن الإسلام، و السارق بعد قطع اليد و الرجل (1)

و روي الشيخ- قدس سره- مثله إلّا أنه قال: الذي يمسك علي الموت بدلًا عن (الذي يمثل) (2)

و لا ينبغي الشك أيضاً في جواز الحبس في كلّ مورد امتنع من عليه حق عن أدائه و توقف إلزامه بالاداء علي حبسه (3)

ص: 34


1- الوسائل كتاب الحدود و التعزيرات ب 5 من أبواب حد السرقة ح 5.
2- الوسائل ج 18 ص 550 ب 4 من أبواب حد المرتد ح 3.
3- راجع في ذلك كتاب القضاء من المبسوط قوله: فإذا جلس للقضاء فأول شي ء ينظر فيه حال المحبسين في حبس المعزول، لان الحبس عذاب، فيخلصهم منه، و لانه قد يكون منهم من تم عليه الحبس بغير حق، فإذا ثبت هذا فترتيب ذلك أن يبعث إلي الحبس ثقة يكتب اسم كلّ واحد منهم في رقعة مفردة و يكتب اسم من حبسه و بما ذا حبسه، فإذا فرغ من هذا نادي في البلد إلي ثلاثة أيام إلا ان القاضي فلان ينظر إلي أمر المحبسين الخ. و قال الفاضل السيوري: ضابط الحبس توقف استخراج الحق عليه و يثبت في مواضع: (الأوّل) الجاني إذا كان المجني عليه غائباً أو وليه حفظاً لمحل القصاص. (الثاني) الممتنع من اداء الحق مع قدرته عليه. (الثالث) المشكل أمره في العسر و اليسر إذا كانت الدعوي ما لا أو علم له اصل مال و لم يثبت اعساره فيحبس ليعلم احد الامرين. (الرابع) السارق بعد قطع يده و رجله في مرتين أو سرق و لا يد له و لا رجل. (الخامس) من امتنع من التصرف الواجب عليه الّذي لا يدخله النيابة كتعيين المختارة و المطلقة، و تعيين المقر به من العينين أو الاعيان، و قدر المقر به عيناً أو ذمة، و تعيين المقر له و المتهم بالدم ستة ايام. فإن قلت: القواعد تقتضي ان العقوبة بقدر الجناية و من امتنع عن اداء درهم يحبس حتّي يؤديه فربما طال الحبس و هذا عقوبة عظيمة في مقابله جناية حقيرة. قلت: لما استمر امتناعه قوبل كلّ ساعة من ساعات الامتناع بساعة من ساعات الحبس فهي جناية متكررة و عقوبات مكررة (نضد القواعد الفقهية) (ص 499- 500)

و قد ورد الحبس في التسعة من العشرة الّذين قتلوا رجلًا ادّي كلّ واحد من التسعة عشر الدية ان الوالي بعد يلي ادبهم و حبسهم.

و في أقضية أمير المؤمنين عليه السلام: و قضي عليه السلام في الدين أنه يحبس صاحبه، فان تبين إفلاسه و الحاجة فيخلي سبيله حتّي يستفيد مالًا (1)

ص: 35


1- الوسائل ج 18 ص 180 كتاب القضاء أبواب كيفية الحاكم ب 11 ح 1

و كذا يجوز الحبس في كلّ مورد توقف انتهاء فاعل المنكر علي الحبس أو نفي البلد فيحبس حتّي ينتهي عن المنكر أو يعمل بالمعروف و يتوب، و في أشباه ذلك من الموارد التي ليست بقليلة، و هذا باب واسع يتمكن معه الفقيه الجامع للشرائط من سد باب أكثر ذرائع الفساد.

و يدل علي ذلك ما رواه الصدوق- قدس سره- باسناده عن الحسن بن محبوب عن عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: جاء رجل إلي رسول اللّٰه صلي الله عليه و آله: قال: إن أمي لا تدفع يد لامس، فقال: فاحبسها، قال: قد فعلت … قال: قيدها فانك لا تبرها بشي ء أفضل من أن تمنعها من محارم اللّٰه عزّ و جلّ (1).

و ما رواه أيضاً عن البرقي عن علي عليه السلام أنه قال: يجب علي الإمام أن يحبس الفساق من العلماء، و الجهال من الأطبّاء، و المفاليس من الاكرياء (2)

2- عدم جواز الحبس في غير الموارد المنصوصة

و أمّا الحبس بعنوان العقوبة علي ارتكاب الحرام أو ترك الواجب مطلقاً و في غير الموارد المنصوصة، فالأصل كما مرّ عدم جوازه، و قد

ص: 36


1- الوسائل ج 18 ص 414 باب 48 من ابواب حد الزنا ح 1
2- روضة المتقين ج 6 ص 90.

روي شيخنا الكليني- رضوان اللّٰه تعالي عليه- عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن عبد الرحمن بن الحجاج رفعه أنّ أمير المؤمنين عليه السلام كان لا يري الحبس إلّا في ثلاث رجل أكل مال اليتيم أو غصبه أو رجل أؤتمن علي أمانة فذهب بها (1).

و لا ريب أن الحصر المذكور إضافي لوجود موارد متعددة يجوز فيها الحبس، بل قد يجب إلّا أنه يدل علي عدم جوازه في غير هذه الموارد التي لم يعلم أن الحبس فيها من باب العقوبة علي الذنب أو لاجل إجباره علي أداء الحق و كيف كان دلالته علي الحصر الاضافي بالنسبة إلي ما كان من باب العقوبات أو الالزام علي فعل الواجب، و ترك الحرام مما لا يخفي.

3- ادلة من يقول بجوازه و الجواب عنها

اشارة

فإن قلت: روي الكليني و الشيخ باسناده عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبد اللّه عليه السلام: أنّ أمير المؤمنين عليه السلام أتي برجل اختلس درّة من اذن جارية، فقال: هذه الدّغارة المعلنة فضربه و حبسه. (2)

ص: 37


1- الوسائل ج 18 ص 578 ب 5 من أبواب بقية الحدود و التعزيرات ح 1
2- الوسائل ج 18 ص 503 ب 2 من ابواب حد السرقة ح 4.

و هذا الحديث كما تري يدل علي جواز العقوبة بالحبس، بل علي جواز الجمع بينه و بين الضرب، و ان لم يسم بالتعزير، و اقتصر علي تسمية الضرب بما دون الحد تعزيراً.

و نحوه في الدلالة ما ورد أنّ عليّاً عليه السلام كان إذا أخذ شاهد زور، فان كان غريباً بعث به إلي حيّه، و إن كان سوقيّاً بعث به إلي سوقه، فطيف به ثمّ يحبسه أيّاماً ثمّ يخلّي سبيله (1)

و علي هذا يمكن أن يقال: إن المجرم يعاقب بما يراه الحاكم من التعزير و الحبس بل و غيرهما من العقوبات التي يري الحاكم المعاقبة بها لعدم حصر معاقبة المجرم بالتعزير بعد ما جاء في الأحاديث عقابه بالحبس أيضاً، و لدلالة بعض الأحاديث علي المعاقبة و التأديب في بعض الموارد بغيرهما، فلا ينحصر بهما- أيضاً- فمن جميع ذلك يستفاد عدم خصوصية في المعاقبات إلّا ما يراه الحاكم.

قلت: أوّلا- إنّ الدليل الذي تمسكتم به أخص من مدعاكم، و لا أقل من أنه لا يثبت به عموم ما ادعيتم من كون الحبس، و الجمع بين الحبس و الضرب، و التلويث في المخروة و إطافة المجرم في سوقه و بلده و غيرها مطلقاً كالتعزير الذي هو الضرب دون الحد، و من أنواع العقوبات

ص: 38


1- التهذيب باب البينات ح 770/ 175 و الوسائل ج 18 ص 244 ح 3

الشرعيّة التي يختار الحاكم نوعه، و مقداره بما يراه سواء كان مساوياً في الشدة مع الحد أو أشدّ منه، أو كان كالتعزير، و أخف من الحد، فان ما ذكر من الحبس و غيره في هذه الأحاديث أخفّ من التعزير الذي عرفت أنه ضرب دون الحد.

و ثانياً- لازم الغاء الخصوصيّة في هذه الروايات التي وردت في عقوبة مجرم خاص بعقوبة خاصّة جواز العقوبة بغيرها، و رفع اليد عنها حتّي في مواردها، و يكون من الغاء الخصوصية في الحكم كما أنّ إلغاء الخصوصيّة في الموضوع يقتضي جواز إجراء هذه العقوبات في سائر الجرائم، فمثلًا يلوث في المخروة أو يطاف في السوق كلّ من يري الحاكم في معاقبته ذلك، و إن لم يكن شاهد الزور أو لم يوجد تحت فراش رجل أو امرأة و ورد النص فيه بالتعزير و الضرب، و لا أظن أحداً يتعدي عن مورد هذه الروايات إلي غيره.

و ثالثاً- حبس أمير المؤمنين عليه السلام الرجل الذي اختلس الدرّة يمكن أن يكون لأنه عليه السلام رأي أنّ المختلس مصر علي ذنبه فحبسه نهياً عن المنكر و حفظاً للنظام و أمن العامّة، و مع ذلك الاحتمال، و عدم معلومية وجه الفعل لا يجوز الاستناد إليه حتّي في حبس المختلس بعنوان العقوبة زائداً علي الضرب. نعم في شاهد الزور الظاهر أن حبسه أياماً مع الاطافة به من باب التأديب، و العقوبة، و عليه فان كان لنا عموم أو إطلاق يدل علي

ص: 39

أن كلّ من خالف الشرع عليه الحد أو التعزير يخصص بذلك بناءً علي أن التعزير هو الضرب دون الحد مضافاً إلي أنه عليه السلام إنّما كان يعاقب شاهد الزور هكذا لأن المعاقبة بذلك أخف من الحدّ، بل أخف من بعض أفراد الضرب دون الحدّ، و يأتي مزيد البحث في ذلك إن شاء اللّٰه تعالي.

فان قلت: فما تقول فيما رواه الكليني- قدس سره- في باب النوادر من كتاب القضاء و الأحكام باسناده عن أبي عبد اللّه عليه السلام: إن أمير المؤمنين عليه السلام قضي في جارية أتي بها عمر بن الخطاب، و كان من قصتها أنها كانت يتيمة عند رجل فتخوفت زوجته أن يتزوجها زوجها، فدعت بنسوة حتّي أمسكنها فأخذت عذرتها باصبعها فرمت اليتيمة بالفاحشة- و القصة طويلة تطلب شرحها من الكافي و الفقيه- فألزم أمير المؤمنين عليه السلام علي المرأة حد القاذف، و ألزمهن جميعاً العقر، و جعل عقرها أربعمائة درهم، و أمر امرأة أن تنفي من الرجل و يطلقها زوجها، و زوجه الجارية، و ساق عنه علي عليه السلام المهر (1) فانه يمكن أن يقال: إن المستفاد من الرواية أن تطليق الزوج زوجته تعزير لها، و أمره عليه السلام الزوج بتطليقها كان من باب أن أمر التعزير موكول إلي الحاكم فيعزر المجرم بما يراه و بأي نوع من العقوبات المناسبة للجرم، فهذا الحديث و غيره ممّا مرّ نقله من الأحاديث في غير هذا المورد يدل علي عدم كون التعزير

ص: 40


1- الكافي ج 7 ص 427- 425.

منحصراً بالضرب دون الحد، بل أمره موكول إلي نظر الحاكم فيعزر بما يراه مناسباً في كلّ مورد.

قلت: أمّا سائر الروايات في ذلك فقد سمعت ما فيه، و أما هذه الرواية ففي الاستدلال به نقول:

أولًا: إنها غير معمول بها في بعض ما يستفاد منها من الأحكام، و هو قبول شهادة النساء منفردات في الزنا.

و ثانياً: معارضة بمرفوعة رواها أيضاً الكليني في الكافي في باب حد القاذف من كتاب الحدود في مثل هذا الموضوع، قال في آخره:

فأخذ الرجل بيد امرأته و يد الجارية فمضي بهما حتّي أجلسهما بين يدي أمير المؤمنين عليه السلام، و أخبره بالقصة كلها، و أقرت المرأة بذلك، قال: و كان الحسن عليه السلام بين يدي أبيه، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: اقض فيها فقال الحسن عليه السلام: نعم علي المرأة الحد لقذفها الجارية، و عليها القيمة لافتراعها إياها قال: فقال أمير المؤمنين عليه السلام: صدقت … الحديث (1)

و هذه الرواية و إن كانت لا تصلح من حيث السند للمعارضة مع الرواية الأولي إلّا أنها من حيث المتن أقوي، لأنّها أوفق بالقواعد من الأولي، لأنها جعلت عقرها علي التي أزالت بكارتها.

و ثالثاً: ظاهر الرواية الأولي أنه عليه السلام لم يلزم حد القذف علي النسوة

ص: 41


1- الكافي ج 7 ص 207

التي شهدن عليها بالزنا، و هذا أيضاً لا توافق القواعد، و مع هذه الجهات المضعفة للرواية كيف يمكن التمسك بها لتأسيس قاعدة كلية، و هي أن أمر تأديب المجرمين و عقوبتهم موكول برأي الحاكم مطلقاً بحسب النوع و المقدار، و إن كان أشدّ من الضرب دون الحد، هذا مع أني لم أجد من أفتي بهذه الرواية في باب الحدود و التعزيرات في موردها فضلًا عن أن يقول: إن الحاكم يعمل في نفس المورد بما يراه من تطليق المرأة أو تعزير آخر.

هذا- و ربما يقال: إن صاحب الجواهر في مسألة (التماس الخصم إحضار خصمه مجلس الحاكم و أنه إن استخفي بعث من ينادي علي بابه أنه إن لم يحضر إلي ثلاث سمرت داره أو ختم عليهم، فان لم يحضر بعد الثلاث و سأل المدعي السمر أو الختم أجابه إليه) قال: لم نجد له دليلًا بالخصوص، و إنّما هو أحد أفراد التعزير التي هي للحاكم (1) و كلامه هذا صريح في أن أمر التعزير مطلقاً يكون موكولًا برأي الحاكم و أنه أعم من الضرب دون الحد فما استظهرتم من كلامه من ذي قبل ليس في محله.

قلت: أولًا: عدم الوجدان لا يدل علي عدم الوجود، مضافاً إلي أنه يمكن أن يقال: إن جزم مثل المحقق و العلامة- عليهما الرحمة- بخصوص هذا التأديب من غير أن يكون وارداً في رواية أو مذكوراً في

ص: 42


1- الجواهر ج 40 ص 135

كلام من لا يفتي إلّا بالروايات بالفاظها بعيد جداً.

و ثانياً: لا يدل كلامه هذا علي أن التعزير أعم من الضرب دون الحد مطلقاً، و إن كان أشدّ من الضرب، و كان التعزير بالضرب ممكناً، فان تسمير الباب، و الختم عليه حتّي يحضر صاحبه مجلس الحكم أخفّ من الضرب الذي لا يمكن إيقاعه علي المجرم هنا.

و ثالثاً: إن ذلك ليس من باب العقوبة علي الجرم بل يمكن أن يكون ذلك لإلزام الخصم بحضوره مجلس الحكم، و في مثله يجوز ذلك من باب الأمر بالمعروف، كما أنه يجوز حبس الغريم إذا امتنع عن أداء ما عليه.

و رابعاً: أن ما استظهرنا من كلامه من أن التعزير هو الضرب دون الحد إنّما استظهرناه من كلماته الكثيرة الظاهرة، بل و الصريحة في ذلك في كتاب الحدود و التعزيرات، و لا يرفع اليد عنها و لا يجوز نسبة القول بكون التعزير أعم من الضرب إليه بكلامه هنا الذي قاله لتوجيه كلامه المحقق رحمة اللّٰه عليهما.

و كيف كان لا يصير مثل هذه الكلمات مستنداً لرفع اليد عن ظواهر الأحاديث، و ما صرح به أهل اللغة و تخصيص العمومات و الخروج عن الأصل.

ص: 43

تنبيه في ان الحبس المذكور ليس لعقوبة المجرم

قد ذكرنا في تحقيق مفاد بعض الروايات أن الحبس المذكور فيه ليس لعقوبة المجرم، بل لمنعه عن ارتكاب الذنب و الاضرار، و الافساد و الاضلال و نحوها، و لذا قد يجمع بينه و بين الحدّ و التعزير، و يؤيد هذا الاستظهار أقوال علماء اللغة في الحبس و السجن. قال الراغب: الحبس المنع من الانبعاث قال عز و جلّ: «تَحْبِسُونَهُمٰا مِنْ بَعْدِ الصَّلٰاةِ» (1) و الحبس مصنع الماء الذي يحبسه و الاحباس جمع، و التحبيس جعل الشي ء موقوفاً علي التأبيد يقال: هذا حبس في سبيل اللّٰه.

و قال: السجن الحبس في السجن و قرئ «رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ» (2) بفتح السين و كسرها.

و قال في تاج العروش: الحبس المنع و الامساك و هو ضد التخلية.

و قال في لسان العرب: حبسه يحبسه حبساً، فهو محبوس و حبيس و احتبسه و حبسه امسكه عن وجهه، و الحبس ضد التخلية.

ص: 44


1- المائدة الآية: 106.
2- يوسف، الآية: 33.

و علي هذا نقول: إن الحبس المنع و الامساك عمّا يفعله أو يعتاده المحبوس من الأفعال و الاشغال، و الافساد و الاصلاح، و الاضرار و غيرها، سواء كان الحابس مريداً مختاراً كالانسان أو غير مريد كما تقول: حبسني عن الصوم أو عن الدعاء أو عن الحج أو عن أمر كذا المرض أو المطر أو السارق أو السلطان، و سواء كان المحبوس مريداً مختاراً أو غير مريد و غير ذي روح كالماء و نحوه.

و يطلق الحبس علي السجن لمنعه المسجون عن الخروج منه و ذهابه في حوائجه، و يطلق بهذه العناية المحبوس علي المسجون سواء سجن عقوبة علي جرم ارتكبه أو منعاً عن فعل اعتاده، و لكن الأبلغ إطلاق الحبس في موارد يحبس بالسجن من أريد حبسه عن الذنب، و اطلاق السجن في موارد العقوبة.

فظهر من ذلك أن الأظهر في لفظ حبس و يحبس في كلام الفصحاء إذا كان الحابس و المحبوس إنساناً هو منعه من فعله و فساده و عصيانه، و في لفظ سجن و يسجن حبسه عقوبة إلّا إذا كان في الكلام قرينة علي خلاف ذلك. و علي ذلك يستظهر معني الروايات الواردة فيها الحبس و السجن، و يخرج به أكثر الروايات الواردة فيها الحبس عن توهم كون الحبس فيها من باب العقوبة علي الجرم، و يسقط الاستدلال بها لكون الحبس من أنواع التعزير فتدبر جيّداً.

ص: 45

الأمر الخامس في ظهور الأخبار في ان التعزير هو الضرب بما دون الحد

المستفاد من الأخبار الكثيرة بل المتواترة في موارد التعزير الضرب بالسوط مثل خبر زيد الشحام و غيره عن أبي عبد اللّه عليه السلام: في الرجل و المرأة يوجدان في اللحاف؟ قال: يجلدان مائة مائة غير سوط (1).

و حديث معاوية بن عمار قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام: المرأتان تنامان في ثوب واحد؟ فقال: تضربان فقلت: حدّاً؟ قال: لا، قلت: الرجلان ينامان في ثوب واحد؟ قال. يضربان قال: قلت: الحدّ؟ قال: لا (2)

ص: 46


1- الوسائل ج 18 ص 364 ب 10 من ابواب حد الزنا ح 3.
2- الوسائل ج 18 ص 366 ب 10 من ابواب حد الزنا ح 16.

و حديث ابن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السلام في رجلين يوجدان في لحاف واحد، قال: يجلدان غير سوط واحد (1).

و خبر ابن سنان (في شهود الزور) عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: إن شهود الزور يجلدون جلداً ليس له وقت، ذلك إلي الإمام الحديث (2) و نحوه حديث سماعة.

و خبر أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السلام في غلام صغير لم يدرك ابن عشر سنين زنا بامرأة، قال: يجلد الغلام دون الحد، و تجلد المرأة الحد كاملًا الحديث (3).

و نحوه حديث أبي مريم عن أبي عبد اللّه عليه السلام، و فيه قال عليه السلام: يضرب الغلام دون الحد (4).

و خبر وهب بن وهب عن جعفر بن محمّد عن أبيه عليهما السلام في رجل قال

ص: 47


1- الوسائل ج 18 ص 367 ب 10 من ابواب حد الزنا ح 18.
2- الوسائل ج 18 ص 245 ب 15 من ابواب الشهادات ح 2- و في الأحاديث الواردة في شاهد الزور كما ذكرنا في المتن حديثاً يدل علي اطافته و حبسه أياماً و يمكن ان يقال في مقام الجمع بين هذا الحديث و حديث ابن سنان بأن الإمام مخير بين اطافته و حبسه أياماً و بين جلده جلداً ليس له وقت، لكن يقتصر في الحبس علي هذا المورد و لا يتعدي منه إلي غيره من التعزيرات كما لا يخفي.
3- الوسائل ج 18 ص 342 ب 9 من ابواب حد الزنا ح 1.
4- الوسائل ب 9 من ابواب حد الزنا ح 2.

لرجل: يا شارب الخمر يا آكل الخنزير قال: لا حدّ عليه، و لكن يضرب أسواطاً (1).

و غيرها من الأخبار مثل ما ورد في إتيان الزوجة و هي صائمة، و هو صائم و في الحيض.

هذا و ممّا يستظهر منه أيضاً أن التعزير كالحد يكون بالضرب إلّا أنه دون الحد حديث أبي حنيفة قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السلام عن رجل قال لآخر: يا فاسق، قال لا حدّ عليه و يعزّر (2).

و حديث عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السلام عن رجل سبّ رجلًا بغير قذف يعرض به هل يجلد؟ قال: عليه تعزير (3).

و حديث إسحاق بن عمار عن جعفر عليه السلام إن علياً عليه السلام كان يعزّر في الهجاء و لا يجلد الحدّ الحديث (4).

و ما في الروايات في مورد واحد من الحكم بالتعزير في رواية، و بالضرب في رواية أخري، و ما ورد في أنه إذا تقاذف اثنان سقط عنهما الحدّ و يعزران (5).

ص: 48


1- الوسائل ب 19 من ابواب حد القذف ح 10.
2- الوسائل ب 19 من أبواب حد القذف ح 4.
3- الوسائل ب 19 من أبواب حد القذف ح 1.
4- الوسائل ب 19 من أبواب حد القذف ح 6.
5- الوسائل ب 18 من ابواب حد القذف ح 1 و 2.

و مما يستفاد منه ذلك- أيضاً بوضوح خبر اسحاق بن عمار قال:

سألت أبا إبراهيم عليه السلام عن التعزير: كم هو؟ قال بضعة عشر سوطاً ما بين العشرة إلي العشرين (1).

و خبر حماد عن أبي عبد اللّه عليه السلام، قال: قلت له: كم التعزير؟ قال: دون الحد … الحديث (2).

و ترك الاستفصال في الخبرين، و الجواب فيهما يدلان علي أن التعزير لا يكون إلّا بالضرب.

و ممّا يدلّ صريحاً علي ذلك الحديث المروي عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن عليهما السلام- فيمن قال لولد الزنا، يا ولد الزنا- لم يجلد، إنّما يعزّر و هو دون الحدّ (3).

و علي الجملة الأخبار الدالّة علي ذلك كثيرة جدّاً. و القول بكون الحبس من أفراد التعزير مضافاً إلي أنّه خلاف الأصل نوع من الاجتهاد في مقابل النصّ سيّما مع عدم كون الحبس محصوراً في حكم الشرع بخلاف الضرب بالسّوط فانّه محصور بما دون الحدّ (4).

ص: 49


1- الوسائل ب 10 من أبواب بقية الحدود و التعزيرات ح 1.
2- الوسائل ب 10 من أبواب بقية الحدود و التعزيرات/ ح/ 3.
3- الكافي ج 7 ص 206 ح 7.
4- لا يخفي عليك أن ميل البعض من الناشئة الجديدة المتأثرين بالآداب الغربية، و نظاماتهم إلي تعطيل التعزير بالضرب و تبديله بالحبس و غيره استهجان غير المسلمين من المتغلبين علي البلاد الإسلاميّة التنبيهات الجسمية كما استهجنوا بذلك الحدود و يطلبون تعطيل أحكامها، و أحكام القصاص، و الديات، و يرون ذلك ضرباً من التنور و الثقافة. أعاذ اللّٰه المسلمين من دعاياتهم و آرائهم، و لو فتح باب ذلك في مثل هذا الزمان و قيل في التعزير بالتخيير بين الضرب و الحبس مطلقاً و حتّي في الموارد المنصوصة و بأكثر مما دون الحد ينحصر التعزيرات كلها في الحبس. و يتعطل التعزيرات الشرعية التي ورد النص فيها بالتعزير بالسوط و ينتهي الأمر إلي تبديل الحدود بالحبس أيضاً و لا حول و لا قوة إلّا باللّٰه.

و ممّا يشهد علي انّ التعزير هو الضرب بالسّوط دون الحدّ: الأحكام الخاصّة المترتّبة علي التعزير مثل قتل من عزّر ثلاثاً في الرابعة في بعض الموارد إذ من المعلوم انّ ذلك لا يجوز قتله إذا عوقب ثلاثاً بالحبس أو أداء المال إذن كيف يكون الحبس أو اداء المال من انواع التعزير.

فان قلت: فما تقول في خبر الفضيل؟ قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام:

عشرة قتلوا رجلا قال: ان شاء أوليائه قتلوهم جميعا و غرموا تسع ديات، و ان شاءوا تخيروا رجلا فقتلوه و ادي التسعة الباقون إلي أهل المقتول الاخير عشر الدية كلّ رجل منهم قال. ثمّ الوالي بعد يلي ادبهم

ص: 50

و حبسهم (1).

قلت: ظاهره الجمع بين الادب و الحبس، كما ان الظاهر من الادب في مثل المقام هو التعزير بالضرب، فهل يتعدي منه إلي غيره من موارد الدية في الجنايات العمدية و يجمع بينهما مضافاً إلي الدية فيها، و هل يكون ذلك مطلقا حتّي إذا لم يكن الحبس اخف من الضرب دون الحدّ؟

ثمّ هل يتعدي منه إلي جميع ما فيه التعزير أو يقال باختصاص الحكم بالمورد؟ ثمّ المراد من حبسهم حبسهم عقوبة و تعزيرا أو منعا عن اصرارهم بما ارتكبوه حفظا للنفوس و الامن حتّي يظهر منهم التوبة؟

و علي الجملة: الرواية من جهات متعددة في غاية الاجمال.

الأمر السادس

1- في عدم جواز الحاق الحبس، بالضرب دون الحد

قد ظهر لك مما سبق أنه لا يجوز إلحاق الحبس و غيره إذا كان أشدّ من الضرب دون الحد، أو لم يكن بأخفّ منه به، لاحتمال دخل خصوصية الضرب، سيّما بعد تقييده بما دون الحدّ، فان إلحاق ما لا تقدير له- في جانب أكثره- بما هو مقدر كذلك ليس من باب المفهوم بشي ء، فضلًا عن المنطوق، فانه قد ظهر لك أن التعزير ظاهر في الضرب دون الحد، و لا يجوز التمسك باطلاق مثل ادب أو يؤدب في بعض الموارد، فانه مضافاً إلي اختصاصه بمورده، بل عدم إطلاقه في خصوص مورده أيضاً، و مضافاً إلي انه ظاهر في التأديب الخفيف الّذي هو ادني التعزير (2) بدلالة روايات

ص: 51


1- التهذيب ج 10 ص 217 ب 17 ح 1854.
2- و لذلك يعبرون في مثل الصبي و الصبية أنهما يؤدبان أو أدب الغلام أو علي غير البالغ الادب، قال الشهيد في الروضة: التعزير يتناول المكلف و غيره بخلاف التأديب (يعني يختص بغير المكلف الّذي يؤدب بالضرب الخفيف و ما شابهه).

التعزير لا يجوز التعدي عنه إلي غير مورده، إذاً فلا يصح رفع اليد عن ظهور التعزير و الأخبار المصرحة بخصوص الضرب و الجلد بذلك، و القول بالتفصيل بين الموارد التي ورد فيها التعزير أو ورد فيها الضرب و نحوه و بين غيرها بأن يقال في تلك الموارد بالتعزير بالضرب دون الحد، و في غيرها بجواز الحبس أيضاً علي ما يراه الحاكم شطط من الكلام، و لا يكاد ينقضي تعجبي ممن يميل إلي ذلك، أو يفتي به.

2- دفع بعض الاشكالات

ربما يستشكل علي ما ذكر بجواز التعزير بما هو اخف من الضرب، أو الضرب بالسوط كالضرب باليد، و التوبيخ و الشتم، و الحبس مدة قصيرة كيوم أو يومين، أو المنع عن الاشتغال بعمله كذلك، فيقال: بعد ما استظهرنا من الروايات ان التعزير هو الضرب دون الحد، أو الضرب بالسوط دون الحد، و بعد ما جاء في الروايات في الموارد المتعددة الضرب بالسوط و الجلد، و اخترنا عدم جواز التعدي من ذلك إلي غيره ممّا لم يثبت مساواته له، فلا يجوز التعدي منه إلي ما دون ذلك- أيضاً- كالشتم و التوبيخ و الحبس مدة قليلة، فالقول بجواز مثل الشتم و التوبيخ

ص: 52

في مورد لا يري الحاكم ضربه بالسوط قول بغير علم و مخالف للأصل، و ليس من التعزير بشي ء.

و الدفع بأن المعاقبة و التأديب بضرب دون الضرب بالسوط أو بما دون الضرب، و ان ليس من افراد التعزير إلّا أنا نقول به هنا بالأولوية فإذا جاز للحاكم لحفظ النظام و ردع المجرم عن ارتكاب الجرم معاقبته بالتعزير يجوز له بالأولوية القطعية معاقبة المجرمين بادني من ذلك، و هذا كمفهوم قوله تعالي: (فَلٰا تَقُلْ لَهُمٰا أُفٍّ)، (1) الّذي هو حرمة الضرب، و هنا مفهوم جواز الضرب أو الضرب بالسوط جواز مثل قول الأف، فعلي هذا يجوز الاكتفاء بما هو الأخف من التعزير حتّي في موارد ورد النص فيها بالضرب و الجلد تعزيراً، إذا رأي الحاكم ذلك.

نعم لا يجوز العدول عن الضرب دون الحد (التعزير) إلي غيره مما لم يعلم كونه اخف منه، كما ان التعدي عن المقدار المعين في النصوص إلي اكثر منه و إن كان دون الحد لا يخلو عن إشكال.

هذا كله علي القول بأن أمر التعزير موكول إلي رأي الحاكم، و إلّا فلا وجه للتنزل إلي ما هو اقل من التعزير. و يمكن ان يستدل لجواز الضرب بغير السوط- و إن لم نقل بكونه من افراد التعزير بما رواه شيخنا الطوسي رفع مقامه بسنده عن أبي جعفر عليه السلام، قال: اتي علي عليه السلام برجل

ص: 53


1- الاسراء الآية: 23.

عبث بذكره حتّي انزل، فضرب يده بالدرة حتّي احمرت، قال: و لا أعلمه إلّا قال: و زوجه من بيت مال المسلمين (1) و يمكن ان يقال بأن هذا- أيضاً- من افراد التعزير، بناء علي عدم ظهور قولهم في تعريفه انه هو الضرب دون الحد، في الضرب الخاص الّذي يحد به و هو الضرب بالسوط.

فان قلت: إذا كان التعزير ظاهراً في الضرب دون الحد، و لم يكن للحاكم معاقبته بغيره مما يراه مفيداً للمنع عن الذنب كالحبس و اداء المال فما يصنع إذا رأي ان معاقبته بالضرب غير رادع له.

قلت: القدر المتيقن بل الّذي استقر عليه ظهور الأدلّة، و كلمات الأصحاب هو التعزير بما دون الحدّ، فإذا لم يؤثر ذلك في منعه يكرر الحاكم معاقبته فان لم يؤثر يأمر بحبسه أو يحده أو يقتله بحسب الموارد المنصوصة و القواعد الفقهيّة (2).

الأمر السابع في حكم التأديب بالسجن و اداء المال

ربما يوجه التعزير بالحبس و اداء المال بالغاء الخصوصيّة في مثلهما إذا كان شدته علي المجرم مساوياً للضرب دون الحد و كان اثره في تحقق المصلحة التي يري الحاكم تعزيره لها أيضاً مساوياً للتعزير بالضرب دون الحدّ فيعاقب من يري تعزيره بعشرين سوطاً بالحبس في المدة التي كان اثره بحسب حال هذا المجرم مساوياً لتاديبه بالتعزير أو بأداء مال كان اثره في ذلك بالنسبة إليه مساوياً لتعزيره بهذا العدد من الأسواط، و عليه يختلف ذلك باختلاف احوال المجرمين من حيث قدرتهم الماليّة و البدنيّة

ص: 54


1- التهذيب ج 10 ص 64 الباب الرابع من كتاب الحدود ح 233/ 16، 234/ 17.
2- قال يحيي بن سعيد الحلي رحمه الله في نزهة الناظر: يقتل في الثالثة بعد قيام الحد و التعزير عليه مرتين، ستة شارب الخمر، جاءت أحاديث صحيحة، و به قال أكثر أصحابنا … الخ، و أفتي المفيد قدس سره في المقنعة بمعاقبة من اتجر بالسموم القاتلة، فان لم يمنع و أقام علي بيعها و عرف بذلك ضربت عنقه، و أفتي بذلك الشيخ في النهاية و ابن ادريس في السرائر.

و غير هذه، فرب شخص لا يؤدب بأداء مئات الآلاف و لا تكون في اداء هذا المبلغ الكثير مشقة عليه، و يؤدب بضرب عشرين سوطاً أو حبس شهرين، أو يؤدب بأداء مليون مثل ما يؤدب بضرب عشرين سوطاً، و تكون مشقة اداء هذا المال الكثير و ضرب عشرين سوطاً عليه علي السواء، و عليه يجب علي الحاكم ملاحظة جميع الجوانب و المناسبات.

و هكذا يوجه التعزير بالحبس أو اداء المال بطريق أولي إذا كان الحبس و اداء المال اخف من الضرب بالنسبة إليه و مؤثراً لردعه و تحقق ما للتعزير من المصلحة.

و علي الأوّل الأمر في اختيار التعزير أو الحبس أو اداء المال و إن كان بنظر الحاكم إلّا أنّ الأحوط له ان يخير المجرم في اختيار ذلك، بل ليس له الاختيار في ذلك، و أمّا علي الثاني فيمكن القول بعدم جواز العدول من الأخفّ إلي الأشدّ، و إن كان الاخفّ الحبس و الأشدّ الضرب.

و يمكن ان يستشهد لذلك بما في المبسوط قال في كتاب الأشربة:

إذا فعل إنسان ما يستحق به التعزير مثل ان قبّل امرأة حراماً أو اتاها فيما دون الفرج أو اتي غلاماً بين فخذيه عندهم، لأن ذلك عندنا لواط، أو ضرب إنساناً أو شتمه بغير حق، فللامام تأديبه، فان رأي ان يوبخه علي ذلك و يبكته أو يحبسه فعل، و إن رأي ان يعزّره فيضربه ضرباً لا يبلغ به الأدني من الحدود و ادناها أربعون جلدة فعل، فإذا فعل، فان سلم منه،

ص: 55

فلا كلام، و إن تلف منه كان مضموناً عند قوم، و قال قوم: إن علم الإمام انّه لا يردعه إلّا التعزير وجب عليه ان يعزره، و إن رأي أنّه يرتدع بغيره كان التعزير إليه إن شاء عزّره تعزيراً واجباً أو مباحاً (1) و هو الّذي يقتضيه مذهبنا.

و لا يخفي عليك ان كلامه قدس سره لا يدل علي ان الحبس عنده تعزير، كما نسبه إلي أبي حنيفة، بل الّذي يقتضيه التأمل في كلامه ان مختاره هو ما ذكره في ذيل كلامه، و قال: و هو الّذي يقتضيه مذهبنا، و ما ذكره في صدر كلامه كأنه حكاه عن غيرنا ممن خالف مذهبنا، و لو قلنا: إن مختاره ذلك فليس اختياره هذا من باب ان الحبس عنده نوع من التعزير بل ظاهر كلامه يعطي بانه لا يجب علي الحاكم الاخذ بالتعزير إذا امكن تاديبه بغيره مما هو اخف، و ان لم يمكن ذلك إلّا بالتعزير وجب تعزيره،

ص: 56


1- قوله، و ان رأي انه يرتدع بغيره … الخ، إذا كان الغير الّذي يرتدع به مساوياً للتعزير ان شاء الإمام عزره و ان شاء تركه يعني يردعه بغيره و أما ان كان غيره أخف و هو يرتدع به فالوجه في جواز تعزيره- ان كان اطلاق الادلة- فيمكن منع اطلاقها، لانها ليست من جهة هذا في مقام البيان، و الاصل و الاحتياط يقتضي اختيار الاخف. و يأتي وجه تقسيمه التعزير إلي الواجب و المباح في الأمر الثامن و ان مختاره ان الإمام ان علم انه لا يردعه إلّا التعزير وجب عليه ان يعزره، و ان رأي أنه يرتدع بغيره كان التعزير إليه ان شاء عزره و ان شاء تركه فالتعزير في الصورة الاولي واجب و في الثانية مباح.

و علي هذا يجب ان يكون الحبس و كلما يؤدّبه به دون التعزير و اخف منه عند العرف، فلا يجوز له ان يؤدّبه بحبسه في مدة كان أشدّ من تعزيره المناسب.

ثمّ إن ما ذكر- و إن كان اقرب إلي النظر من إلحاق الحبس و غيره مطلقاً بالتعزير- إلّا انه يمكن ان يستشكل في ذلك بمنع المساواة بين مثل الحبس في مدة، و الضرب دون الحد، و ان كانا مساويين في التأثير في مصلحة معاقبة المجرم، لاحتمال خصوصية الضرب، و عدم تعطيل اعمال المجرمين بالحبس، و غير ذلك من الفوارق بينهما، بل و المفاسد التي تترتب علي حبس المجرمين- تعزيراً- من جهة كثرتهم، فليس ذلك من باب رجل شك بين الثلاث و الأربع يبني علي الأربع، فيقال: إن المرأة إذا شكت هو حكم شكها، لعدم دخالة كون الشاك الرجل في الحكم.

مضافاً إلي انه إذا كان الحبس و التعزير غير متفاوتين في التأثير، فما فائدة العدول عما هو منطوق النصوص، الّذي هو اظهر و أقوي إلي المفهوم.

اللهمّ إلّا ان يقال: إن الفائدة تظهر فيما إذا رأي الحاكم اختيار الحبس أو اداء المال، و جعل المجرم مخيراً في اختيار التعزير و غيره.

و علي ذلك كله، فالاقوي في النظر انه إذا كان الحبس أو اداء المال

ص: 57

أخفّ من الضرب دون الحدّ، المناسب للجرم، يجوز ترك التعزير، بل لا يجوز التعزير، و يجب الاكتفاء بما هو الأخفّ، و إذا كان الحبس مساوياً للتعزير المناسب- أيضاً- لا يبعد جواز الاكتفاء به إذ رأي الحاكم ذلك، غير أنّ الاحوط بل الأقوي ان يخير المجرم في اختيار أي منهما شاء و بعد اختياره الحبس أو اداء المال يصير التأديب بكلّ منهما بالنسبة إلي التعزير بالضرب بالسوط التأديب بالأخفّ الّذي سمعت انه لا يجوز التعدي منه إذا كان وافياً بالمصلحة بالاشدّ. و اللّٰه اعلم (1)مسند احمد بن حنبل ج 6 ص 181.(2).

ص: 58


1- و ممن يستفاد منه من العامّة- التدرج في التعزير، و أن الحبس (علي القول به) يجب أن يكون أخف من الضرب- الماوردي في (الأحكام السلطانية، و الولايات الدينية) قال في الباب التاسع عشر: الفصل السادس في التعزير، و التعزير تأديب علي ذنوب لم تشرع فيها الحدود، و يختلف حكمه باختلاف حاله، و حال فاعله، فيوافق الحدود من وجه، و هو أنه تأديب استصلاح و زجر، يختلف بحسب اختلاف الذنب. و يخالف الحدود من ثلاثة أوجه: أحدها أن تاديب ذي الهيبة من أهل الصيانة أخف من تاديب أهل البذاء و السفاهة، لقول النبي صلي الله عليه و سلم: «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم»
2- فتدرج في الناس علي منازلهم، فان تساووا في الحدود المقدرة، فيكون تعزير من جل قدره بالاعراض عنه، و تعزير من دونه بالتعنيف له، و تعزير من دونه بزواجر الكلام، و غاية الاستخفاف الّذي لا قذف فيه، و لا سب، ثمّ يعدل عن دون ذلك إلي الحبس الّذي يحبسون فيه، علي حسب ذنبهم، و بحسب هفواتهم، فمنهم من يحبس يوماً، و منهم من يحبس أكثر منه إلي غاية مقدرة و قال أبو عبد اللّه الزبيري من اصحاب الشافعي: تقدر غايته بشهر للاستبراء، و الكشف، و بستة أشهر للتأديب، و التقويم، ثمّ يعدل عن دون ذلك إلي النفي، و الابعاد، إذا تعدت ذنوبه إلي اجتذاب غيره اليها، و استضراره بها، و اختلف في غاية نفيه و ابعاده، فالظاهر من مذهب الشافعي تقدر بما دون الحول، و لو بيوم واحد، لئلا يصير مساوياً لتعزير الحول في الزنا، و ظاهر مذهب مالك أنه يجوز ان يزاد فيه علي الحول بما يري من أسباب الزواجر ثمّ يعدل بمن دون ذلك إلي الضرب ينزلون فيه علي حسب الهفوة في مقدار الضرب، و بحسب الرتبة في الامتهان و الصيانة. ثمّ ذكر اختلافهم في أكثر ما ينتهي إليه الضرب في التعزير، و ذكر في آخر هذا الفصل من انواع التعزير الصلب حيّاً ثلاثة أيام، و حلق الشعر دون اللحية؛ و تسويد الوجه، و لم يعين مرتبة كلّ من هذه الثلاثة. و في كلامه مواقع للنظر، و اكثر ما اختاره أو حكي عن غيره من الاقاويل أقوال بغير علم، لم يرد بها آية أو رواية صحيحة، و ما ذكر من كون غير الضرب دون الحد من الحبس و غيره من انواع التعزير مخالف لصريح كلمات علماء أهل اللغة، و المتبادر من هذا اللفظ في عرف الشرع و المتشرعة، و مع ذلك كلامه لا يخلو عن الفائدة جدير بأن يتأمل فيه. و كيف كان، فكلامه ينادي بأعلي صوته أن الحبس أخف من النفي و أن النفي أخف من الضرب، و هذا لا يكون الا إذا كان الحبس أو النفي في مدة يعد بحسب حال كلّ مجرم أقل من أكثر ما ينتهي إليه الضرب، بل ظاهر كلامه يعطي أن يكون أقل من الضرب مطلقاً، فالتعزير يتدرج بحسب الشدة و الخفة، و منازل الناس و حالاتهم و بحسب اختلاف الذنوب إلي ما هو شديد، فاول مراتبه و أخفها الاعراض عن المجرم ثمّ التعنيف له ثمّ زواجر الكلام، و غاية الاستخفاف، و في المرتبة الرابعة التي هي أشد مما قبلها الحبس، و بعدها النفي، و المرتبة السادسة الضرب و هي اشد المراتب. هذا، و العمل في مقام التعزير علي حسب التدرج الّذي ذكره حسن لا ينبغي؛ بل لا يجوز العدول عنه إذا كان ما قبل الضرب اخف منه، و أما إذا كان مساوياً له، فالعدول عن الضرب إليه لا يجوز الا إذا اختاره المجرم، كما ذكرناه في المتن، و أما اخذ المال من المجرم تعزيراً، فليس في كلامه.

الأمر الثامن تعيين مقدار التعزير موكول إلي الحاكم

اشارة

قال الشيخ في المبسوط: التعزير موكول إلي الإمام، لا يجب عليه ذلك، فان رأي التعزير فعل و إن رأي تركه فعل، سواء كان عنده انه لا يردعه غير التعزير، أو كان يرتدع بغير التعزير.

و قال في موضع آخر منه: إن علم الإمام انه لا يردعه إلّا التعزير وجب عليه ان يعزره، و إن رأي انه يرتدع بغيره كان التعزير إليه، إن شاء عزره، و إن شاء تركه، فان فعل ذلك، فلا ضمان علي الإمام، سواء عزره تعزيراً واجباً أو مباحاً، و هو الّذي يقتضيه مذهبنا.

و قال في الخلاف في كتاب الأشربة (م 13): التعزير إلي الإمام بلا خلاف، إلّا انه إذا علم انه لا يردعه إلّا التعزير، لم يجز له تركه، و إن علم ان غيره يقوم مقامه من الكلام و التعنيف، كان له ان يعدل إليه، و يجوز له تعزيره، و به قال أبو حنيفة، و قال الشافعي: هو بالخيار في جميع الأحوال، دليلنا ظواهر الأخبار، و تناولها الأمر بالتعزير، و ذلك يقتضي الايجاب.

و ظاهر كلامه عدم الفرق بين ما كان الذنب من حقوق الناس كالشتم و السب و الحبس، أو من حقوق اللّٰه تعالي كترك الصلاة و إفطار صوم شهر رمضان، بل صرح في الخلاف في كتاب الأشربة ان التعزير من حدود اللّٰه تعالي.

ص: 59

هذا، و يستظهر من فتوي المفيد- في المقنعة في باب حد الزنا و اللواط- أن الإمام بالخيار في العفو، و إقامة الحد إذا تاب المجرم، دون ما إذا لم يتب، فيجب عليه إقامة الحد، أنه بالخيار- أيضاً- في صورة التوبة في التعزير بالأولوية، و حكي في الجواهر موافقة الحلبيين مع المفيد في ذلك.

و لم أجد فيما طالعته من كلمات الفقهاء مخالفاً للشيخ في أن التعزير إلي الإمام كما نفي الخلاف هو بنفسه أيضاً، و يستفاد من كلامه ان نفيه الخلاف فيه يكون في الجملة فلا ينافي وجوبه عليه إذا علم انه لم يردعه إلّا التعزير، و ما في بعض العبارات من الوجوب مطلقاً في مطلق التعزير، أو في بعض أفراده محمول علي الثبوت أو الوجوب فيما إذا علم أنه لم يردعه إلّا التعزير، أو فيما إذا لم يعلم أنه يرتدع من دون التعزير، أو بما هو أخف منه، دون ما إذا علم أنه يرتدع من دون التعزير أو التأديب بما هو أخف منه، بل في هذه الصورة أيضاً ربما يري في التعزير مصلحة أخري كعدم تجري الناس و استهانتهم بالمعاصي فالأمر موكول إليه يعني إلي ما يري من المصلحة في ذلك، و تختلف بحسب اختلاف الذنوب و المذنبين. و علي هذا له التعزير و إن تاب المجرم بعد قيام البينة عليه، فالفرق بينه و بين الحد أن في الحد بعد قيام البينة- علي القول المشهور- ليس أمره موكولًا إليه و يجب عليه إجراء الحد.

ص: 60

إن قلت: ما ذكر ينافي ظواهر كثير من الأخبار الواردة في التعزير الدالّة علي وجوبه.

قلت: الأخبار المأثورة في التعزير طائفتان:

طائفة منها متضمنة لنقل الافعال و الأقضية، و هي لا دلالة لها علي وجوب التعزير، و عدم إيكال أمره إلي الحاكم.

و طائفة أخري ما فيها التعبير بلفظ يعزر، أو عزر، أو عليه التعزير أو يعزر، أو يجلد- مثلًا- ثلثين سوطاً، و هي التي يمكن أن يقال: إن ظاهرها الوجوب.

و لكن يضعف ذلك:

أولًا: بعدم كون هذه الأخبار في مقام البيان- من هذه الجهة- حتّي و إن لم ير الإمام تعزيره، أو تاب قبل قيام البينة عليه. أو عفا عنه صاحب الحقّ بعد رفع أمره إلي الحاكم- علي القول بان التعزير ليس مطلقا من حقوق اللّٰه تعالي- فالحكم بالتعزير لبعض الجرائم، أو تعيين مقداره في هذه الأحاديث غير ناظر إلي هذه الجوانب التي لم يكن الحديث في صدد بيانها.

و ثانياً: بأنه قد علم من سيرة النبي صلي الله عليه و آله و سيرة أمير المؤمنين عليه السلام بل و سيرة حكام الجور التي لم تردع عنها ائمّة الحق ان أمر التعزير موكول إلي الحاكم. و القدر المخرج منه ما إذا علم عدم ردعه إلّا بالتعزير.

ص: 61

و ثالثاً: بأن الأصل عدم الوجوب إلّا ما ثبت بالدليل.

هذا، و يمكن أن يقال: ان الاطلاق في الروايات- علي فرض قبوله في بعض الموارد إنّما كان لوجود المصلحة النوعية في التعزير فيه، مثل ما إذا وجد رجل و امرأة تحت فراش واحد، (1) أو التفخيذ، و نحو ذلك، ففي مثل هذه الموارد التي لو لم يعزر المجرم يلزم منه تجري الناس بهتك حرمات اللّٰه، و يختل النظام، و يصير معرضاً لانتقاص الناس، و اتهام الشرع بالتهاون بمثل هذه الجرائم، عبر عما هو موكول بنظر الحاكم بألفاظ تفيد الوجوب، لأن الحاكم يري ذلك بحسب النوع. و لو فرض مورد لم ير ذلك فالأمر موكول فيه. و الروايات منصرفة عنه فتدبر.

خلاصة البحث

أوّلًا: أنه يشكل القول بجواز التعزير إذا رأي الحاكم عدم مصلحة فيه. أمّا إذا رأي مع ذلك مصلحة في تركه، فلا يجوز بلا إشكال.

و ثانياً: أن الحاكم بالخيار، إذا قامت البينة علي موجب التعزير،

ص: 62


1- الوسائل ج 18 ص 410 ح 2 و 1

و تاب المجرم بعد قيام البينة.

و ثالثاً: أنه يجب التعزير إذا رأي الحاكم أنه لا يردعه إلّا التعزير، و كذا إذا رأي مصلحة اخري فيه، و لم يتب المجرم قبل قيام البينة عليه.

و رابعاً: أنه لا يجوز ترك التعزير إذا رأي الحاكم عدم تأثيره في ردعه، لاستلزامه فساد الاستهانة بالمعاصي.

و الأولي أن يقال في مثل هذه الصورة: إن الحاكم إذا رأي عدم تأثير التعزير في ردع المجرم، و رأي ان ترك تعزيره يستلزم مفسدة تجري أهل المعاصي؟ أو رأي في تعزيره مصلحة اخري يجب عليه التعزير.

و الحاصل أنه يجب التعزير إذا رأي الحاكم عدم ردعه الا به، و لا يجوز له التعزير مطلقاً إذا تاب المجرم قبل قيام البينة، و إذا كان ما هو أخف من التعزير مؤثراً في ردعه، أو وافياً بمصلحة التعزير، و يشكل الجواز إذا لم ير المصلحة فيه، و في سائر الموارد أمر التعزير موكول إلي رأيه بحسب ما يري، مراعياً حفظ المصالح النظامية، و دفع ما يفسد الأمور و يختل النظام.

و يبقي الكلام في ما هو نظيره في الحدود من حقوق الناس.

و الأقوي فيه إن ثبت قبل التوبة لا يجوز للحاكم ترك التعزير، أو التأديب المناسب إذا لم يعف صاحب الحق، و طلب منه ذلك، و كان الجرم مما ليس فيه قصاص و لا دية. و إن تاب قبل رفع الأمر إلي الحاكم و ثبوته عنده، فليس عليه شي ء، لأنّ التوبة تجب ما قبلها، و التائب من

ص: 63

الذنب كمن لا ذنب له (1) (2)مسند احمد بن حنبل ج 6 ص 181.(3).

ص: 64


1- الوسائل ج 11 ص 358 ح 8.
2- قال الماوردي في الآداب السلطانية (ف 6 ب 19): و لو تعلق بالتعزير حق لآدمي كالتعزير في الشتم و المواثبة، ففيه حق للمشتوم و المضروب، و حق السلطنة للتقويم و التهذيب، فلا يجوز لوالي الأمر أن يسقط بعفوه حق المشتوم و المضروب و عليه أن يستوفي له حقه من تعزير الشاتم أو الضارب الخ … و لا يخفي عليك أنه ربما يستدل- كما يستظهر من بعض العامّة- لرجحان العفو عن تعزير ذوي السوابق الحسنة، و أهل الصيانة، بل وجوبه بالنبوي المعروف الّذي أخرجه أحمد و البخاري و أبو داود، كما أخرج عنهم السيوطي في الجامع الصغير «اقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم الا الحدود» قال ابن الاثير: هم الّذين لا يعرفون بالشر: فيزل أحدهم الزلة، و الحديث و ان كان ضعيف السند الا أن مضمونه معمول به، لانهم أفتوا بأن مما يلاحظ الحاكم في التعزير هو حال المجرم، و أنه علي ظاهر حال حسن أو قبيح. هذا و قد أخرج هذا الحديث الشريف الرضي في مجازات الآثار النبويّة (ح 184) و لفظ الحديث حسب اخراجه (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم فان أحدهم ليعثر، و أن يده بيد اللّٰه يرفعها)
3- و قال في شرحه: و هذا القول مجاز، و المراد بذكر يد اللّٰه- هاهنا- معونة اللّٰه تعالي و تقدس، و نصرته فكانه عليه الصلاة و السلام اراد ان احدهم ليعثر، و ان معونة اللّٰه من ورائه تنهضه من سقطته و تقيله من عثرته (إلي ان قال). و المراد بذي الهيئات- هاهنا- ذووا الاديان لا ذوو الملابس الحسان، كما يظن من لا علم له، لان هيئة الدين، و ظاهره أحسن الهيئات؛ و أفخم المعارض و الملابس. أقول و هذا باب عزيز سديد يفتح للحاكم إلي العفو من المجرمين الّذين كان ظاهر حالهم حسناً مقبولا.

و إن كان الجرم مما جعل الشارع فيه القصاص أو الدية يكون أمر تعزيره إن تاب بعد ثبوته موكولًا إلي الحاكم مطلقاً و يمكن ان يقال بعدم التعزير فيما فيه القصاص أو الدية و اختصاص التعزير بغير ما فيه القصاص أو الدية. و اللّٰه أعلم.

الأمر التاسع في حكم الشفاعة في التعزيرات

انه هل تجوز الشفاعة في التعزيرات؟ و يجوز للحاكم قبولها إذا رأي ذلك؟ أو حكم الشفاعة فيها حكمها في الحدود فلا تجوز؟

مقتضي الأصل جوازها، و جواز قبولها إذا رآه الحاكم، لأنه ربما يري كفاية ما صدر منه من إعلام إيقاع التعزير و الانذار به في منع المجرم عن الذنب، و مصلحة النظام، و ربما كان ترك تعزيره بشفاعة المؤمنين أوقع و أقوي في منعه، و ردعه، و تركه العود إليه، و علي الجملة جواز القبول و عدمه بعد ما كان أمر التعزير موكولًا إلي الحاكم علي التفصيل الذي مرّ في الأمر الثامن يدور مدار كون القبول بدواع صحيحة شرعيّة، و ملاحظات سياسية نظاميّة، أو بدواع نفسانية غير شرعيّة، فما هو اللازم علي الحاكم رعايته في مقام إجراء التعزير و إيقافه و قبول الشفاعة،

ص: 65

المصالح النظاميّة، و استصلاح العباد، و المنع من المعاصي، و الردع عما يوجب فساد الأمور، و استخفاف الناس بفعل المحرمات مكتفياً في ذلك بأقل ما يتحقق به تلك المقاصد و الأغراض مراعياً لكمال الاحتياط، فان من أعظم ما ابتلي به القاضي أن يتجاوز عن الحد، و يضرب سوطاً في غير محلّه، و زائداً علي الحد المعيّن، و علي ما يؤدب به من أراد تأديبه، فقد قال رسول اللّٰه صلي الله عليه و آله:

«إن أبغض الناس إلي اللّٰه عز و جل رجل جرّد ظهر مسلم بغير حق» (1).

و روي عنه صلي الله عليه و آله أنّه قال:

«لا يحل لوال يؤمن باللّٰه و اليوم الآخر ان يجلد اكثر من عشرة اسواط إلّا في حدّ» (2).

ص: 66


1- الوسائل ج 18 ص 336 ابواب مقدمات الحدود و احكامها العامّة ب 26 ح 1.
2- الفقيه ج 4 ص 52 ب نوادر الحدود (ب 17 ح 187/ 9 هذا الخبر مع ضعف سنده معارض بأخبار معتمد و لم يعمل بظاهره، و يحمل علي شدة مسئولية الوالي إذا جلد اكثر من عشرة اسواط، و للطحاوي في (مشكل الآثار ج 3 ص (17- 164) كلام طويل، قال في اثنائه: فقال قائل: هذا حديث قد تركه أهل العلم جميعاً، لانهم لم يختلفوا في التعزير إن للامام ان يتجاوز به عشرة اسواط، و إنّما يختلفون فيما لا يتجاوزه بعدها في ذلك. ثمّ ذكر اختلافاتهم في ذلك، فراجعه ان شئت. و لفظ الحديث علي ما اخرجه الطحاوي عن أبي بردة بن نيار ان رسول اللّٰه صلي الله عليه و آله كان يقول: لا يجلد فوق عشر جلدات الا في حد من حدود اللّٰه.

و مما يدل علي جواز الشفاعة ما رواه الكليني باسناده عن أبي عبد اللّه عليه السلام، قال: كان اسامة بن زيد يشفع في الشي ء الذي لا حد فيه، فأتي رسول اللّٰه صلي الله عليه و آله بانسان قد وجب عليه حد، فشفع له اسامة، فقال له رسول اللّٰه صلي الله عليه و آله: لا تشفع في حدّ (1).

و يستفاد من هذا الحديث مضافاً إلي ذلك ان أمر التعزير موكول إلي رأي الحاكم، لأن اسامة كان يشفع فيه، فلولا انه يري ان للحاكم ذلك لم يكن يشفع فيه، و لو لم يكن ذلك للحاكم لنبهه رسول اللّٰه صلي الله عليه و آله و نهاه.

ص: 67


1- الوسائل ج 18 ص 333 ابواب مقدمات الحدود و احكامها العامّة ب 20 ح 3.

الأمر العاشر في حكم التعزيرات المعينة العدد، في النصوص

انه قد ورد في النصوص تعزيرات معينة العدد مثل ما ورد في الرجل و المرأة يوجدان في لحاف واحد يجلدان مائة مائة غير سوط (1).

و ما ورد في رجلين يوجدان كذلك، قال يجلدان غير سوط واحد (2) و في نصراني قذف مسلماً فقال له يا زاني، فقال: يجلد ثمانين جلدة لحق

ص: 68


1- الوسائل ج 18 ص 364 و 367 ابواب حد الزنا ب 10 ح 3 و 19 و 20.
2- الوسائل ج 18 ص 367 ابواب حد الزنا ب 10 ح 18.

المسلم و ثمانين سوطاً إلّا سوطاً لحرمة الإسلام … الحديث (1).

و ما ورد في من اتي امراته و هو صائم أو هي حائض انه ضرب خمسة و عشرين سوطاً (2).

فهل يجوز للحاكم في الموارد الأول و الثاني الذي ورد النص فيهما بأنهما يجلدان مائة أو ثمانين غير سوط- بعد الغض عن معارضهما، و هو خبر سليمان بن هلال عن أبي عبد اللّه عليه السلام (3) و عدم الجمع بينهما بحمل الأولين علي أكثر مقدار التعزير، و حمل الثاني علي ادني ذلك، أو علي بيان احد افراد التعزير الذي للحاكم أن يختاره … و كذا في المورد الثالث التعزير بالأقل، و في المورد الرابع و الخامس التعزير بما يراه من الأقل من خمسة و عشرين أو الاكثر منه. و هل يجوز له ترك تعزيرهم إن تابوا بعد إقامة البينة عليهم و لم ير الحاكم المصلحة في تعزيرهم؟ المسألة محل تامل و اشكال، و يمكن ان يقال بجواز ترك تعزيرهم في صورة التوبة، و عدم مصلحة فيه، و عدم ترتب مفسدة علي تركه، لأنّ التائب من الذنب كمن لا ذنب له. و أما في غير هذه الصورة سيّما إذا وجدا في لحاف واحد، فالاكتفاء بالأقل في غاية الاشكال، و لا يبعد ان تكون حكمة

ص: 69


1- الوسائل ج 18 ص 450 ح 3 ابواب حد القذف ب 17 ح 3
2- الوسائل ج 18 ص 585 و 586 ابواب بقية الحدود ب 12 ح 1 ب 13 ح 1 و 2.
3- الوسائل ج 18 ص 367 ابواب حد الزنا ب 10 ح 21.

حكم الشارع بأنهما يجلدان غير سوط عظم ذلك العمل، و ان معاقبته بالأقل يوجب استصغاره بل و استصغار اللواط. و فيمن اتي امرأته في شهر رمضان و هو صائم أو هي حائض يمكن ان يقال: إن الحديث منصرف عن صورة علم الحاكم بأنه لا يرتدع بهذا المقدار، فلا بدّ من الأكثر حتّي يرتدع، و أمّا إذا احتمل انه يرتدع بذلك، فلا يجوز التعزير بالأكثر، و لا الاقل لحرمة شهر رمضان، و كأن حكمة جعل هذا المقدار الذي هو ربع حد الزاني اشتراك هذا الوطي مع الوطي بالزنا في الحرمة، و خفة حرمته من الزنا، و علي كلّ حال فالمسألة لا تخلو من الاشكال.

ص: 70

الأمر الحادي عشر في حكم عقوبة المجرم، باداء المال

أنّه ربما يختلج بالبال في توجيه عقوبة المجرم بالزامه بأداء المال إن رأي الحاكم البهيمة ملكاً للفاعل ذبحت إن كانت مما يقع عليه الذكاة، و حرقت بعد ذلك بالنار، كما يفعل بما لا يملكه من ذلك، و إن كانت مما لا تقع عليه الذكاة أخرجت إلي بلد آخر بيعت هناك، و تصدق بثمنها، و لم يعط صاحبها شي ء منه، عقوبة له علي ما جناه، و رجاء لتكفير ذنبه بذلك بالصدقة عنه بثمنها علي المساكين و الفقراء، و إن كانت البهيمة لغير الفاعل بها أغرم لصاحبها ثمنها، و كان الحكم فيه ما ذكرناه من ذبح ما تقع عليه الذكاة و تحريقه بالنار ليزول أثره من الناس، و إخراج ما لا تقع عليه الذكاة إلي بلد آخر ليباع فيه و يتصدّق بثمنه علي الفقراء.

أقول: ما ذهب إليه- قدس سره- من التصدق بثمنها لا يستفاد من الأدلّة، و المشهور علي أنه ملك لصاحبها إن كان هو الفاعل، و إن كان

ص: 71

الواطي غير المالك يغرم لصاحبها قيمتها، و يكون ثمنها له، و علي فرض صحة ما ذهب إليه فهو مختص بمورده لا يتعدي منه إلي غيره (1) و نظير كلام المفيد رضوان اللّٰه عليه ما حكي ابن إدريس في السرائر في أواخر باب دية الجنين عن السيد المرتضي رفع اللّٰه درجتهما: إن دية الميّت تكون لبيت المال (قال): و هو الذي يقوي في نفسي، لأن ما ذهب إليه شيخنا أبو جعفر (ره) لا دليل عليه، و هذه جناية يأخذها الإمام علي طريق العقوبة و الردع فيجعلها في بيت المال.

أقول: هذا القول مخالف لما عليه المشهور من أنّ ديته له دون الورثة يحج بها عنه أو يصرف في غير ذلك من أبواب الخير، كما دل عليه حسن حسين بن خالد (2) المؤيد بمرسل محمّد بن صباح (3) و لا يعارضهما خبر اسحاق بن عمّار أنه قال للصادق عليه السلام: فمن يأخذ ديته؟

قال: الإمام هذا للّٰه، لامكان الجمع بينهما بأن الإمام يأخذ الدية و يصرفها

ص: 72


1- لا يخفي عليك اني لم اظفر بمن افتي بالتعزير بالمال مطلقاً من احد من فقهاءنا، بل جزم بعضهم مثل العلامة بأنه ليس في التعزير جرح المجرم أو اخذ ماله و ذكر في «الفقه علي المذاهب الاربعة» انه اجاز بعض الحنفية التعزير بالمال علي انه إذا تاب يرد له (ص 401 ج 5).
2- التهذيب ج 10 ص 273- 274 ح 1073/ 18.
3- التهذيب ج 10 ص 270- 271 ح 1065/ 10- الكافي ج 7 ص 347- 348.

للّٰه في وجوه البرّ مضافاً إلي أنه ليس في خبر إسحاق بن عمّار أن الدية تؤخذ منه علي سبيل العقوبة (1).

ثمّ إنه قد يختلج بالبال أيضاً دلالة بعض الآيات الكريمة و الأحاديث الشريفة علي وجوب الكفارة و التصدق علي المساكين بجواز الجرائم الماليّة في مطلق المعاصي.

و فيه: أيضاً أن التعدي في هذه النصوص عن مواردها إلي غيرها ضرب من القياس، مضافاً إلي أن ترتب الكفّارة و التصدق في هذه الموارد علي مخالفة الأمر عمداً أو عذراً ليس من الأحكام النظاميّة التي يحكم بها القاضي كالحدود، و التعزيرات، فالكفارات في مواردها تجب و إن لم يثبت عند القاضي، و ليست كالحد و التعزير اللذين يسقطان إذا لم يثبتا عنده، فمن أتي أهله و هي حائض بناء علي وجوب الكفارة فيه تجب عليه الكفارة، و لا يجب عليه الاقرار به عند القاضي لأن يعزره، و هكذا من أفطر صوم شهر رمضان تجب عليه الكفارة، و إن لم يثبت ذلك عند القاضي أو عفي عنه أو تاب قبل الاثبات.

هذا، و ربما يتوهم الاستدلال علي تعزير المجرم بأخذ ماله بما رواه الكليني رضوان اللّٰه تعالي عليه عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: قضي النبي صلي الله عليه و آله فيمن سرق الثمار

ص: 73


1- راجع في ذلك الجواهر المسألة الثانية من مسائل دية الجنين ج 43 ص 387- 388.

في كمّه فما أكل منه فلا شي ء عليه و ما حمل فيعزر و يغرم قيمته مرتين (1) و رواه الشيخ أيضاً باسناده عن علي بن إبراهيم إلّا أنه قال «فيمن سرق في كمّه» (2) أقول: لم أجد في كلماتهم من استدل به، لأني لم أجد من أفتي بذلك فضلًا من أن يستدل له، و الحديث مع ضعف سنده غير معمول به، قال العلامة المجلسي رضوان اللّٰه عليه في المرآة: لم يعمل بظاهره أحد من الأصحاب فيما رأيناه، و قال التقي المجلسي قدس سره: يمكن أن يكون المرتان لما أكل و لما حمل لأن جواز الأكل مشروط بعدم الحمل (3)، و هذا العمل و إن كان خلاف الظاهر دليل علي تركهم الخبر، و لذا يحملونه علي مثل هذا المحمل، و هذا مضافاً إلي أنه معارض في مورده باطلاق ما يدل علي تغريمه بمثله أو قيمته مرة واحدة، و تقييده بمثل هذا المقيد الّذي أعرض عنه الأصحاب لا يوافق القواعد، و لو قيل بدلالته بالتغريم مرتين في سائر موارد تغريم المثل أو القيمة بالغاء الخصوصية يكون معارضاً بنصوص الأحاديث الدالة علي تغريم المثل أو القيمة و اللّٰه تعالي يعلم.

ص: 74


1- الكافي ج 7 ص 230 ح 3.
2- التهذيب ج 10 ص 110 ح 431/ 48.
3- روضة المتقين ج 10 ص 184.

الأمر الثاني عشر في حكم تأديب المجرمين، بجرح ابدانهم

الظاهر أنه لا خلاف بينهم في عدم جواز عقوبة المجرمين تأديباً، أو تعزيراً بجرح ابدانهم علي نحو يكون ذلك من انواع التعزير، و كان اختياره موكولًا إلي الحاكم في جميع الموارد بأن يقال: إنه مخير بين ضرب المجرم دون الحدّ، و جرح بدنه، و علي هذا القول يكون الحبس بل واخذ المال أيضاً من انواع العقوبات التي أمرها موكول إلي الحاكم، فله اختيار ايّ واحد من الأربعة في جميع الجرائم، و بالنسبة إلي جميع المذنبين، بل يمكن دعوي الاجماع علي عدم جواز ذلك.

فان قلت: قد وردت رواية عن أبي عبد اللّه عليه السلام ان ثلاثة نفر رفعوا إلي أمير المؤمنين عليه السلام، واحد منهم امسك رجلًا و اقبل الآخر فقتله، و الآخر

ص: 75

يراهم فقضي في الربيئة (1) ان تسمل عيناه و في الّذي امسك ان يسجن حتّي يموت كما امسك، و قضي في الّذي قتل ان يقتل (2).

و ضعفها منجبر بعمل الأصحاب بل قيل كما في الجواهر: انه مقطوع به في كلامهم، و قال الشيخ في الخلاف: إذا كان معهم ردء ينظر لهم فانه تسمل عينه، و لا يجب عليه القتل (إلي ان قال): دليلنا ما قدمناه في المسألة الأولي سواء يعني إجماع الفرقة و اخبارهم (3).

قلت: لا يجوز التعدي في هذا الحكم عن مورده إلي غيره قطعاً و اتفاقاً، فلا تسمل عينا من رأي سارقاً يسرق أو زانياً يزني أو احداً يمثل بأحد، و نحو ذلك. فهذا الحكم كالحكم بسجن الممسك حتّي يموت، لا يتعدي عنه إلي غيره، فكما لم يكن للحاكم القضاء بسجن الممسك حتّي يموت، و تسميل عيني من كان يراهما لو لا هذه الرواية، لا يجوز في غير هذا المورد الحكم بالامساك في السجن حتّي يموت، و بتسميل عيني المجرم.

فان قلت: فما تقول في الروايات التي وردت في سرقة الصبيّ، و انه

ص: 76


1- في بعض النسخ الرؤية، و في الثالثة الرئية، و في الرابعة الربية و في الخامسة الروية.
2- التهذيب ج 10 ص 219 باب الاثنين إذا قتلا واحداً و الثلاثة ج 10/ 863.
3- الخلاف ج 3 ص 100 كتاب الجنايات م 37.

تقطع اطراف اصابعه؟ و في رواية محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:

سألته عن الصبيّ يسرق؟ قال: ان كان له سبع سنين أو اقل رفع عنه، فان عاد بعد السبع قطعت بنانه أو حكت حتّي تدمي، فان عاد قطع منه اسفل من بنانه … الحديث (1).

و حيث ان الروايات مختلفة في حكم سرقة الصبيّ، قال التقي المجلسي رحمه الله: و الظاهر ان هذه الاختلافات لكونها تعزيراً، و التعزير برأي الإمام و مصلحته؟ (2).

قلت: لم يفت احد بجواز التعدي عن مورد هذه الروايات إلي غيره حتّي في سائر الحدود فضلًا عن غيره. هذا مضافاً إلي انّ في هذه الروايات التصريح بأن هذا الحكم في سرقة الصبيّ ليس من باب التعزير.

ففي الصحيح عن عبد اللّه بن سنان، قال: سألت ابا عبد اللّه عليه السلام عن الصبيّ يسرق؟ قال: يعفي عنه مرة أو مرتين، و يعزر في الثالثة، فان عاد قطعت اطراف أصابعه، فان عاد قطع أسفل من ذلك (3).

و في الحسن كالصحيح عن الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: إذا سرق الصبيّ عفي عنه، فان عاد عزر، فان عاد قطع أطراف الأصابع، فان عاد

ص: 77


1- روضة المتقين ج 10 ص 180.
2- روضة المتقين ج 10 ص 182.
3- روضة المتقين ج 10 ص 180.

قطع أسفل من ذلك (1). فتحمل هذه الروايات بعد الجمع بينها علي التعبّد، و أنّ الشارع لم يرض بسقوط الحدّ بالمرّة في سرقة الصبيّ فأمر بميسوره و ناقصه دون تمامه.

فيستفاد من هذه الأحاديث أن لحد السرقة فردان ناقص و تام، و هو غير مرفوع عن الصبيّ بعد السبع، و بعد تعزيره في الثالثة فيحد بالحد الناقص مراعياً مراتبه المذكورة في الروايات.

ص: 78


1- روضة المتقين ج 10 ص 181.

الأمر الثالث عشر هل يجوز التمسك (باقتضاء الحكومة) لجواز التعزير و التأديب، بالحبس و الجريمة المالية؟

إنه قد يتوهم صحة التمسك بما تقتضيه الحكومة و الولاية، لإثبات جواز التأديب و التعزير بغير الضرب و الإيلام من الحبس، و الجريمة الماليّة بتقريب: أن أمر الناس لا يمضي، و لا ينتظم إلّا بالحكومة، و الحكومة لا تقام إلّا علي قدرة الحاكم، و نفوذ أمره، و سلطته علي عقوبة المجرمين بأيّ نحو يراه مناسباً و مفيداً، لا فرق في ذلك بين الحكومة البرة و الفاجرة. و قد استقر علي ذلك بناء الحكومات، و لم يردع الشارع عنه، بل اسّس حكومته الشرعيّة علي هذا الأساس، و ما ورد في الشرع في

ص: 79

باب التعزيرات إمضاء لهذا الحكم العقلي، ليس فيه تأسيس، و لا ردع عما استقر بناء العقلاء عليه في تأسيس الحكومات، و عقوبة المجرمين بأي نحو يراه الحاكم، فلا يستفاد منه حصر العقوبات الحكوميّة بالضرب دون الحدّ حتّي و لو سلم ظهور لفظ (التعزير) في الضرب دون الحد لا يستفاد منه ردع الشارع عن توسل الحكومة بسائر العقوبات لتحقيق أغراضها النظاميّة، سيّما إذا توقف ردع المجرم، و حفظ النظام عليها، و إنّما جاء التعزير في الروايات، لأن التعزير كان أحد أنواع ما يؤدب و يعاقب به، و كان التأديب به اكثر. و علي هذا فالحاكم مختار يعمل في كلّ مورد بل في كلّ زمان و مكان علي حسب ما يراه أقوي في حفظ النظام، و مصالح العباد، بل ربما يلزم من تحديد اختيار الحاكم في ذلك نقض الغرض كما لا يخفي.

و علي هذا يظهر الوجه في قضايا مولانا أمير المؤمنين عليه السلام فانها في غير الحدود الشرعيّة صدرت منه عليه السلام لكون أمر معاقبة المجرم في غير الحدود موكولًا إلي رأي الحاكم.

و علي الجملة العقوبات النظاميّة من شئون الحكومة لا تستقيم لها الأمور، و لا تتم له الحاكميّة إلّا بها.

هذا، غاية ما يمكن أن يقال في تقريب الاستدلال بما تقتضيه الحكومة بين الناس لحفظ النظام و مصالح العباد.

ص: 80

و لكن فيه:

أولًا: إنّ قوة الحاكم و قدرته علي العقوبة حسب ما قرره أو قدره الشرع يكفي في تحقق المصالح التي لا تتحصل إلّا بالنظام الحكومي و قوته و قدرته فما به تتحقق المصالح الحكوميّة قدرتها علي إجراء القانون، و ما قرره الشرع في تأديب المجرمين، و لا يلزم أن تكون مطلقة العنان في ذلك كالحكومات القبيليّة، و غير القانونيّة بل المصلحة يقتضي تعيين حدود اختياره حتّي لا يئول الأمر إلي استبداد الحكّام، و سلطتهم المطلقة علي الضعفاء، بل و غيرهم، و حتّي لا تكون الحكومة مظهراً من مظاهر الشدّة و الغلظة، قال اللّٰه تعالي: «وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ» (1). مضافاً إلي أن ذلك أي تحديد اختيار الحاكم، و حصر دائرته في الضرب دون الحد يجلب فوائد و مصالح أخري، اللّٰه تعالي أعلم بها.

لا يقال: هذا إذا كان الحاكم غير الإمام، و أما إذا كان معصوماً كما هو المذهب الحق فلا يترتب علي كون كلّ ذلك برأي الإمام عليه السلام مفسدة اصلًا.

فانه يقال: نعم لا يترتب علي كون ذلك برأيه عليه السلام أقلّ مفسدة من جهة كون الأمر موكولًا إليه مطلقاً لعصمته عن الخطأ، إلّا أنه ليست المصلحة في تعيين المنهج و الدستور للحاكم منعه عن الاستبداد بالأمر فقط حتّي

ص: 81


1- آل عمران، الآية 159.

يقال: إن الإمام لعصمته منزه عن ذلك، فيمكن أن يكون في تعيين بعض خصوصياته، و حصر اعمال اختياره الحكومي و الولائي في نوع خاصّ من التأديب مصالح تقتضي ذلك، و ما المانع من تناول يد التشريع و الحكم الأحكام النظاميّة الحكوميّة؟ و ما المانع من أن يكون للّٰه تعالي في موارد اعمال الحكومة و الولاية أحكام كالحدود؟ فولاية إجراء الحدود ثابتة لهم إلّا أنّهم لا يزيدون سوطاً واحداً علي المقدر الشرعي، و لا يجرون الحد إلّا إذا ثبت من الطرق التي عينها الشارع، و كلّ ذلك غير موجب لضعف الحكومة.

و ثانياً: ليس كلّ قاض و حاكم و أمير بامام، لحصر الأئمّة في الاثني عشر المعصومين عليهم السلام أمّا غيرهم من المنصوبين لذلك من جانب الإمام بالنصب الخاص أو العام، فهم غير مصونين من الخطا و الاشتباه، بل و الاستبداد بالأمر، و مصلحة الحكم تلاحظ بالنسبة إلي موضوعاته الغالبة.

و ثالثاً: الاستدلال بأن الحكومة و الولاية لا تقام إلّا إذا كان أمر إجراء السياسات و العقوبات موكولًا إلي الحاكم منقوض بالحدود الشرعيّة، مع أن الأمر في تلك الجرائم التي عين في الشرع لها عقوبة مقدرة أشدّ، و قدرة الحاكم و قوّته علي المعاقبة بها ألزم، و مع ذلك لا يجوز للحاكم أن يزيد علي ما عين في الشرع سوطاً واحداً.

ص: 82

و رابعاً: علي هذا يجب أن يكون للحاكم أيضاً معاقبة المجرمين بالجرح أيضاً، لأن هذا أوقع في إنفاذ أمر الحكام، و قذف رعبهم في قلوب المجرمين.

إن قلت: هذا إذا ورد من الشرع ما يدل علي التحديد و التعيين، و الحجر علي اختيار الحاكم في التأديبات الحكوميّة، و إذا لم يرد فيه في غير الحدود و ما ألحق به، فالأمر باق علي إطلاقه و يعمل الرؤساء و الحكام فيه كما كانوا يعملون به و يحفظون به النظام.

قلت: يأتي الجواب عن ذلك: أنه يكفي في الردع هذه الأخبار الكثيرة التي ورد فيها الأمر بالتعزير الّذي قد عرفت أنه ظاهر في الضرب دون الحد، و الأخبار الناهية عن الضرب باكثر من ذلك، و أن المرجع في ذلك علي فرض الشك سائر الاطلاقات أو العمومات مثل ما يدلّ علي حرمة إيذاء المسلم (1).

فان قلت: إن الولاية اختصت بأمر اللّٰه تعالي بالأئمة الاثني عشر المعصومين عليهم السلام فهم المنصوبون علي أمور الناس و ولايتهم مطلقة كاملة من جانب اللّٰه عز و جلّ، فهم ساسة العباد و أركان البلاد، و القوامون بأمر اللّٰه، و خلفاؤه في أرضه، و حكامه علي خلقه. و لا يستفاد مما ورد في باب التعزيرات من الأحاديث أن ليس لهم التعزير أو التأديب بغيرة.

ص: 83


1- الوسائل ج 8 ص 487 باب 86 من ابواب أحكام العشرة.

الضرب بالسوط، و الروايات منصرفة عنهم، فيجوز لهم التعزير علي أي نحو يرونه مناسباً أ لا تري قضايا أمير المؤمنين عليه السلام و ان تأديباته لم تنحصر في الضرب بالسوط دون الحد، و اختلفت باختلاف الموارد و المناسبات، و هنا نحن نقول بهذه الولاية لكلّ من ينصبه الإمام للحكومة بين الناس بنصب خاص أو عامّ، فولاية الحكام الّذين يعيّنهم الإمام و إن كانت لا تشملها آيات الولاية و اولي الأمر، لأنه لم يرد منها إلّا الأئمّة الاثني عشر عليهم السلام إلّا انّه ما يمنع من ان يكون هذه الولاية الحكوميّة ثابتة لمن ينصبه الأئمّة، و يجعلونه حاكماً بنص مثل (إنّي قد جعلته عليكم حاكماً) (1) فعلي هذا وجوب إطاعة أولي الأمر المعصومين عليهم السلام يوجب علينا إطاعة نوابهم، و من نصبوه حاكماً و والياً، و الأمر بها أمر بها.

قلت: نحن لا نجري الكلام في وظائف الإمام، و انه يجب عليه كيف يعمل إذ هو اعرف بوظائفه و مسئولياته، و اعرف من جميع الأمّة بوظائفهم و تكاليفهم، و كلامه و فعله حجة علينا، و لا حجة لنا عليه، فقد عصمه اللّٰه من الزلل و طهره عن الدنس و اذهب عنه الرجس، إذاً فلا نقول: إنه كيف يجب ان يعمل، بل نقول: إنه عمل أو يعمل كذا بما أخبر هو عن نفسه، لأنه خازن علم اللّٰه تعالي و أمرنا أن نأخذ منه، و ليس- بعد الكتاب و سنة الرسول المعلومة- باب و طريق إلي معرفة أحكام اللّٰه تعالي و تفاصيله الأئمّة عليهم السلام الّذين جعل التمسك بهم و بالكتاب أمن من الضلالة، و لا ملازمة بين ولاية الإمام المطلقة في إجراء السياسات بحيث يكون له أن يعزر المجرم بأي نوع شاء، و اطلاق ولاية نوابه، و لا تقاس هذه بهذه فالأولي الولاية الكبري التي لا يصلح لها إلّا من كان متصفاً بصفة العصمة، لا تنال من كان لحظة في ماضي عمره، و في تمام عمره خارجاً عن طاعة اللّٰه، حتّي و لو بقي من الناس اثنان لكان أحدهما صاحب هذه الولاية، و الثانية و هي ولاية الفقهاء شرطها العدالة. و من التفاوت بين شرط الأولي و شرط الثانية يظهر تفاوت المشروط به.

و الحاصل أن ولاية الفقهاء بنصب الإمام العامّ علي الحكومة و القضاء، و كلّ أمر لا يدور رحي الإسلام و الاحتفاظ بعزة المسلمين و استقلالهم و شوكتهم إلّا به، كالدّفاع عن الحوزة و الاستعداد لعلوّ المسلمين علي الكفّار و إن كانت من مظاهر ولاية الإمام عجل اللّٰه تعالي فرجه، و مطلقة في أمثال هذه الأمور التي لا يرضي الشارع بتركها و تعطيلها، لأنه يلزم من تركها و تعطيلها مفاسد تنفي مصلحة النبوات، و تضيع الأهداف العليا الكامنة في إرسال الرسل و إنزال الكتب، ليست من غير هذه الجهات مطلقة، إلّا ان يدل عليه دليل بالخصوص. و عقوبة المجرم بغير التعزير الّذي عرفت انه الضرب دون الحد، و بغير ذلك مما هو مصرح به في الروايات من هذا القسم يحتاج ولاية القاضي عليها إلي

ص: 84


1- اصول الكافي ج 1 ص 67 ح 10.

دليل خاص يوسع دائرة ولاية الفقهاء، و مع عدم الدليل لا بد و ان يقتصر علي ما استظهرناه من الروايات من الضرب دون الحد أو ما هو اخف منه أو يساويه بشرط ان يخير القاضي المجرم في اختيار ايّ نوع أو فرد من الانواع أو الافراد.

هذا، و العمدة في الجواب أن الولاية علي تعيين نوع التعزير إنّما تكون إذا لم يعين في الشرع ذلك. و بعد ما استظهرنا من الأدلة أن الشارع عين ذلك نوعاً، و حدد مقداره بأن يكون دون الحد، و جعل تعيين مقداره فيما دون الحد موكولًا إلي نظر الحاكم، حسب الموارد و المناسبات، يعمل الحاكم سواء كان إماماً أو نائبه الخاص أو العامّ وفق ما قرره الشارع، كما يعمل في الحدود الشرعيّة، و اللّٰه أعلم.

الأمر الرابع عشر التمسك بالآيات لولاية القاضي في معاقبة المجرمين باي نحو يراه مناسباً و الجواب عنه

اشارة

إنه هل يصح التمسك لاثبات أن للحاكم و إن لم يكن إماماً معاقبة المجرمين- بأي صورة يراها مناسباً، و بأي نحو شاء من الضرب دون الحد، و الحبس، و أداء المال، و نفي البلد، و تعطيل عمله و غيرها، و إن كان أشد من الضرب دون الحد- باطلاق آيات نزلت في ولاية النبي و الأئمّة الأولياء المعصومين صلوات اللّٰه عليهم أجمعين كقوله تعالي:

«إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ

ص: 85

يُقِيمُونَ الصَّلٰاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ وَ هُمْ رٰاكِعُونَ» (1).

و قوله تعالي:

«النَّبِيُّ أَوْليٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ» (2).

و قوله عز من قائل:

«وَ مٰا كٰانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لٰا مُؤْمِنَةٍ إِذٰا قَضَي اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ». (3)

و قوله عز شأنه:

«يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ». (4)

بتقريب أنه- كما تكون ولاية الرسول و الإمام عليهما السلام المذكورة في هذه الآيات هي ولاية الحكم و الادارة التي علي عاتقها مسئوليّة حفظ النظام، و سياسة المجرمين و عقابهم، و إدارة أمور العامّة، و الاحتفاظ بمصالحهم الكليّة، و دفع المفاسد التي تهدد كيان الأمّة، و توجب ضعفها و فشلها، و قوة الكفار، و غلبتهم علي المسلمين بحكم هذه الآيات مطلقة، غير مقيدة، تحقيقاً للأغراض العالية المذكورة- يجب أن تكون ولاية الحكام

ص: 86


1- المائدة، الآية: 55.
2- الاحزاب، الآية: 6.
3- الاحزاب، الآية: 36.
4- النساء، الآية: 59.

و الفقهاء المحققين لهذه المقاصد أيضاً مطلقة، لوحدة الموجب، و وحدة المصلحة، بل يمكن أن يقال بثبوت ولاية الفقهاء، و وجوب إطاعتهم إذا كان الإمام غائباً، أو غير متمكن من التصرف بالاصالة، و أنها من سنخ الولايات المذكورة في هذه الآيات، فيشملها الأمر الدال علي وجوب إطاعة أولي الأمر، و الدليل علي ولايتهم من القرآن قوله تعالي: «أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَي الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لٰا يَهِدِّي إِلّٰا أَنْ يُهْديٰ فَمٰا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ» (1) فهذه الآية، و إن كانت صريحة في حسن تبعيّة من يهدي إلي الحق، و لا يحتاج إلي أن يهديه غيره من آحاد الناس، و هو النبي و الإمام اللّذان علمهما من علم اللّٰه تعالي، و تقبيح متابعة غيره ممن لا يهتدي إلي الحق إلّا بهداية المعلم الالهي العالم بالاسماء كلها، إلّا أنه يستفاد منها قبح متابعة الجاهل، و ترك متابعة العالم مطلقاً، لأن مفادها حكم عقلي لا يتفاوت بحسب المراتب. و إن كان القبح في بعض مراتبه أشد، فترك متابعة المعصوم، و الركون إلي غير المعصوم في غاية القبح، و دونه ترك متابعة الفقيه و متابعة غير الفقيه، و دونه ترك متابعة الأفقه و الأفضل و متابعة المفضول.

و الآيات التي يستفاد منها وجوب الرجوع إلي الفقيه و العالم كثيرة جداً.

ص: 87


1- يونس، الآية: 35.

منها قوله تعالي:

«أَمَّنْ هُوَ قٰانِتٌ آنٰاءَ اللَّيْلِ سٰاجِداً وَ قٰائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَ يَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لٰا يَعْلَمُونَ إِنَّمٰا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبٰابِ». (1)

و قوله تعالي:

«أَ فَمَنْ شَرَحَ اللّٰهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلٰامِ فَهُوَ عَليٰ نُورٍ مِنْ رَبِّهِ». (2)

و قوله تعالي جده:

«وَ مٰا يَسْتَوِي الْأَعْميٰ وَ الْبَصِيرُ* وَ لَا الظُّلُمٰاتُ وَ لَا النُّورُ* وَ لَا الظِّلُّ وَ لَا الْحَرُورُ» (3).

و من البديهي أنه كلما كان الأمر أهم، كان الرجوع فيه إلي غير الأهل و غير الفقيه أقبح و علي هذا يمكن أن يقال: إن ما استدل به علي ولاية الفقيه من الأحاديث الدالة علي إرجاع الناس إلي الفقهاء- أيضاً- ليس نصباً من جانب الإمام بل إخبار عن ولاية الفقهاء في الظروف و الشرائط التي تصل النوبة إليهم في أعمالها، بحسب هذا الحكم العقلي الضروري، و لا يحتاج مثل هذا الحكم العقلي الذي يحتج به اللّٰه تعالي في

ص: 88


1- الزمر، الآية: 9.
2- الزمر، الآية: 22.
3- فاطر، الآية: 19 و 20 و 21.

كتابه علي عباده بالامضاء أو عدم الردع.

و علي هذا- ولاية الفقيه- و إن كانت في طول ولاية الإمام، و للامام الولاية علي الفقيه، كغيره من الناس إلّا أنها ثابتة بحكم العقل و الشرع بقاعدة الملازمة بنفسها، كولاية الفقيه بالنسبة إلي الصغير، فانها و إن كانت في طول ولاية الأب و الجد الأبوي لكنها ليست من شئون ولايتهما.

اقول: أولًا: لا نسلم كون ولاية الفقيه المنصوب من قبل الإمام بالنصب الخاص أو العام- كما هو عام في عصر الغيبة بل في أعصار الحضور و عدم تمكنهم من النصب الخاص- في السعة كولاية المعصوم بعينها، كيف و المعصوم معصوم من الخطأ، و غيره غير مأمون من الخطأ، فالحكمة يقتضي أن تكون دائرة ولاية غير المعصوم اضيق، و مقصورة علي الأمور الضرورية التي لا يقام المجتمع بدونها، و ترجع إلي نظم الأمور، و الذب عن كيان الإسلام، و اجراء السياسات الشرعية من الحدود و التعزيرات، و احقاق الحقوق، و الانتصاف للمظلوم، و دفع سلطة الاعداء الاقتصادية و السياسية و غيرهما من الأمور التي تكون الحكومة مسئولة عنها، و لو لم تقم الحكومة باصلاحها لاختلّ النظام، و فسدت امور العامّة، و بطلت شخصيّة الأمّة المسلمة. و زائدا علي ذلك لا يستفاد من الأدلّة لا منطوقاً و لا مفهوماً و مناطاً، فكما لا يجوز ان ينصب للولاية المطلقة علي امور كل الناس، و كل الأمور غير المعصوم، لا يجوز للامام

ص: 89

أيضاً ذلك، فالامر بالاطاعة المطلقة قبيح من الحكيم، و لذا يتمسّك بمثل هذه الآيات التي نزلت في الولاية و إطاعة أولي الأمر بعصمة أولي الأمر، لإطلاق الأمر، و رد بها قول من قال: إن المراد بأولي الأمر أمراء السرايا، أو كلّ من يلي أمر المسلمين فاسقاً كان أو عادلًا، أو الفقهاء، فالتمسك بهذه الآيات علي إثبات ولاية غير الإمام من الفقهاء، و غيرها بشمولها للفقهاء كشمولها للامام عليه السلام لا يلائم ما استقر عليه المذهب من أن المراد من أولي الأمر و الولي في هذه الآيات الأئمّة الاثني عشر عليهم السلام القائمين بالأمر بعد النبي صلي الله عليه و آله واحداً بعد واحد إلي مولانا و سيدنا الإمام الثاني عشر صاحب الزمان، أرواحنا لتراب مقدمه الفداء (1).

ص: 90


1- و مما يدل علي ان الامامة و الولاية المذكورتين في الآيات الكريمة منصب الهي أعطاه اللّٰه تعالي الأئمّة المعصومين عليهم السلام مضافاً إلي الروايات المتواترة المروية من طرف الفريقين ما أخرجه الامير الحسين بدر الدين المتوفي سنة 662، و هو من مشاهير اعلام الزيدية في كتابه (العقد الثمين في معرفة رب العالمين ص 48، قال: و روينا عن المؤيد باللّٰه باسناده إلي الصادق جعفر بن محمّد الباقر عليهما السلام انه سئل عن معني هذا الخبر «يعني الخبر المعروف المتواتر «من كنت مولاه فعلي مولاه» فقال: سئل عنها و اللّٰه رسول اللّٰه صلي الله عليه و آله فقال: (اللّٰه مولاي و أولي بي من نفسي لا أمر لي معه، و أنا ولي المؤمنين أولي بهم من أنفسهم لا أمر لهم معي، و من كنت مولاه أولي به من نفسه لا أمر له معي، فعلي مولاه أولي به من نفسه لا أمر له معه).

و أيضاً لا يناسب استدلال مشايخ الأصحاب و أكابرهم بهذه الآيات علي إمامة ساداتنا الأئمّة الاثني عشر عليهم السلام بتقرير أن المراد من الولي و أولي الأمر و الإمام، كما يستفاد من هذه الآيات لا بد و أن يكون معصوماً، و حيث أنه لم يدع لأحد من هذه الأمّة بعد الرسول صلي الله عليه و آله غير هؤلاء الاثني عشر، و سيّدة نساء العالمين عليهم السلام ممن ادعي لهم الامامة و الولاية- العصمة، و لم تبتن مذاهبهم علي ذلك يثبت عصمتهم و إمامتهم.

و ثانياً: إن من أكبر مهمة الولاية إجراء أحكام اللّٰه، و من جملتها أحكام الحدود و التعزيرات، فكما أن ليس لمن له الولاية أن يزيد علي حد من حدود اللّٰه سوطاً واحداً و ليس له جرح المجرمين، ليس له في التعزيرات أيضاً التجاوز عما قرره الشارع من الأحكام و الضوابط فيها.

فان قلت: هذا إن استفدنا من أوامر التعزير خصوصية الضرب دون الحد، أمّا لو قلنا بأن الأحاديث ليس في مقام بيان جميع أنواع التعزير و التأديب، و إنّما جاء فيها نوع واحد منها، و هو الضرب دون الحد، لأن في عصر صدور هذه الأحاديث كان المتعارف العقوبة بالضرب، فلا دلالة لمثل ذلك علي الحصر.

قلت: إن لم تكن هذه الأخبار الكثيرة التي قد عرفت أنها ظاهرة في أن التعزير هو الضرب دون الحد، و لم يكن مثل لفظ عزر و يعزر الظاهر في الضرب دون الحد في مقام البيان، فقلما تجد كلمةً أو جملة تكون في

ص: 91

مقام البيان في الأحاديث، و هذه الأحاديث ردعت عن التأديب بغير التعزير، و بغير ما هو اخف منه، هذا مضافاً إلي ان تقييد الضرب بدون الحد كالصريح في الردع عن كلّ نوع او فرد من نوع كان أشد من الضرب دون الحد لو قلنا بدلالة الأخبار علي التأديب بغير التعزير، أي الضرب دون الحد، إذا كان اخف منه أو مساوياً له علي التفصيل الذي مر ذكره.

و علي فرض الشك، فالمرجع هو العمومات و الاطلاقات. و اللّٰه اعلم.

هذا، و لا يخفي عليك ان الاستدلال بحكم العقل المؤيد بآيات مثل قوله تعالي: «أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَي الْحَقِّ أَحَقُّ … » (1) لاثبات ولاية الفقيه إن اريد منه نصب الفقهاء للولاية علي الأمور من جانب اللّٰه تعالي كنصب الإمام- عليه السلام- ففيه انه لا يستفاد من هذه الآيات إلّا تقرير ما حكم به العقل، و هو قبح إطاعة المفضول، و قبح الأمر باطاعته، و لا يستفاد منه ولاية الفاضل و الأفضل، و أنها غير مشروطة باذن اللّٰه تعالي و نصبه، أو إذن وليه، فما يستفاد منه هو الردع عن متابعة المفضول، امّا وجوب متابعة الفاضل مطلقاً أو عدم لزوم نصب من اللّٰه تعالي، و حصول الولاية لغيره علي عباده بمجرد كونه فاضلًا أو افضل، فلا يستفاد منها حتماً، فلا تتحقق ولاية النبي و الإمام إلّا بنصب الهي، و من جانبه، كما لا تتحقق ولاية غيرهم إلّا بنصب خاص، أو عام من

ص: 92


1- يونس، الآية: 35.

جانبهما، و غاية ما يمكن ان يقال هنا- في مقام الاستدلال علي ولاية الفقهاء و إن كان العمدة في ذلك الأحاديث-: إن علي الإمام عليه السلام في عصر الغيبة أو عدم تمكنه من التصرف في الأمور و إن كان عصر الحضور يجب بحكم قاعدة اللطف تعيين من يرجع إليه في الأمور، و لو بعنوان عام فيستفاد من حكم العقل المؤيد بهذه الآيات ان تعيينه وقع لا محالة علي الفقهاء، لأن من تعيين غيره يلزم الأمر بمتابعة من لٰا يَهِدِّي إِلّٰا أَنْ يُهْديٰ و الرجوع إلي الجاهل مع وجود العالم، و هو قبيح لا يصدر عن الإمام عليه السلام كما يستفاد من هذه الآيات بعد ما ثبت انه يجب علي اللّٰه تعالي بحكم قاعدة اللطف و اقتضاء اسمائه الحسني و صفاته العليا ان يعين للخليقة خليفة فيهم ان المعين لهذا المنصب هو اعلم الخليقة و افضل الناس، و ليس هو إلّا علي بن ابي طالب و اولاده المعصومين عليهم السلام، لأنهم اعلم الناس و افضلهم و إن فرضنا عدم وصول النص الجلي إلينا علي ذلك، فالمستفاد من الآية بضميمة ما ذكر في الصورة الأولي ان الفقهاء هم المنصوبون لولاية الأمور من جانب الإمام عليه السلام و إن لم يصل الينا نصه علي ذلك انّ في الصورة الثانية الأئمّة الاثني عشر عليهم السلام هم المنصوبون من جانب اللّٰه تعالي و ان فرض عدم وصول نص ذلك إلينا.

ص: 93

تذنيب:

ربّما يقال: إنّ في آية «أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ» (1) إشارة إلي ان الأحكام علي صنفين:

الصنف الأول: الأحكام الأصليّة الثابتة التي لا تتغير بمرور الأيام و الدهور، و هي التي تشملها صيغة الطاعة الأولي (أَطِيعُوا اللّٰهَ) في الآية، و تبين وجوب إطاعته تعالي بالنسبة إليها، و لا فرق في هذه الأحكام بين ان يكون دليلها الكتاب أو السنّة.

و الصنف الثاني: الأحكام الحكوميّة التي تختلف باختلاف الأزمنة و الأمكنة و الظروف و الشرائط لأنها تتبع المصالح و المفاسد التي تتغير بحسب الظروف و الأحوال، فتارة يري الحاكم مثلًا لزوم المنع عن بيع الغلات من الكفار أو يمنع عن حمل متاع عزّ وجوده في منطقة إلي منطقة اخري، فيحجر علي ذلك دفعاً لمفاسد تترتب علي ذلك، و اخري يري لزوم حملها إلي بلد آخر لوقوع المجاعة فيه حفظاً للنفوس المحترمة، و تارة يري المصالحة مع العدو، و تارة يري المصلحة في محاربته، و غير ذلك من امور و مصالح لا تحصي، و لا تنتظم و لا تتحقق إلّا بمداخلة الحكومة.

و صيغة الطاعة الثانية (وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) تشير إلي

ص: 94


1- النساء، الآية: 59.

هذه الأحكام، و لا ريب ان كلًا من الصنفين مستند إلي اللّٰه تعالي.

و التحقيق ان طاعة الحكومة إنّما وجبت رعاية للأحكام الأصلية الثابتة، و تحقيقاً لما أمر الشارع به أو نهي عنه، و لو لا هذه الأوامر و النواهي لما وجبت إطاعة الحكومة، فالحاكم حيث يمنع- مثلًا- عن ورود الأشخاص بلداً أو ينهي عن خروج اهله منه لوقاية أهل البلد أو غيرهم من سراية مرض شائع في خارج البلد، أو داخله إنّما ينهي عما ينهي عنه إنفاذاً لحكم اللّٰه تعالي، و هو وجوب حفظ النفوس المحترمة و حرمة الاضرار بالمسلمين، فآية اللّٰه الزعيم السيد الشيرازي لمّا نهي عن شرب التنباك نهي عنه رفعاً أو دفعاً لسلطة الكفار، و نفوذهم السياسي و الاقتصادي، و نفي السبيل للكافرين علي المؤمنين، أو لحرمة إعانة الكفار علي الاستيلاء علي بلاد الإسلام، و تمهيد أسبابه. و علي الجملة الأحكام الحكومية لا تصدر مستقلة، و من غير ارتباط إلي الأحكام الثابتة الشرعيّة، سواء كان الحكم من الأحكام الأولية أو الثانوية، بل تصدر تحقيقاً و امتثالًا للأحكام الأصلية حتّي ان آحاد المكلّفين لو علموا هذه الأمور لوجب عليهم ذلك، أي الامتناع عن دخول البلد أو الخروج منه أو شرب التنباك، نعم ليس لهم إلزام غيرهم ممن لا يعلم ذلك بالامتناع، فهذا شأن الحكومة التي وجبت إطاعتها في الشرع لحفظ هذه الجهات الكلية التي لو اهملتها الحكومة و كان أمرها مفوضاً إلي المكلفين

ص: 95

كسائر التكاليف التي يعمل فيها كلّ حسب علمه بالموضوع و عدمه ينجر الأمر إلي مفاسد كبيرة، و فوت مصالح عظيمة، و من هنا يظهر الفرق بين الحاكم و غيره في الأحكام المرتبطة بالمصالح العامّة، و هو انّ الحاكم إذا ثبت عنده موضوع الأحكام الأولية المرتبطة بمصالح الناس يأمر الجميع علي طبقه، و يجب عليهم إطاعته و إن لم يثبت عند بعضهم ذلك، و ليس لغير الحاكم إلزام غيره إذا لم ير ذلك، و لا تجب عليه إطاعة غير الحاكم، فبالنسبة إلي الأوامر الحكومية ليس لأحد ان يقول: إن تشخيص الموضوع علي عهدتي، و لم يثبت عندي، أولم احرز ذلك، بل تجب عليه إطاعة الحاكم، و إن كان الحاكم غير معصوم، نعم إذا كان الحاكم النبي أو الإمام وجبت طاعته مطلقاً، لانهما معصومان من الخطأ، فلا مجال للامتناع عن الاطاعة بعذر انه يري خلاف ما رأي الحاكم، دون ما إذا كان الحاكم غير الإمام، و علم غيره بخطئه في تشخيص موضوع حكم الأصل، فهل يجوز له في هذه الصورة إذا لم تكن طاعته معصية اللّٰه تعالي مخالفة الحاكم و ترك إطاعته، و لو سراً بحيث لا يتظاهر بالاستهانة بحكم الحاكم، و لا يوجب تجري السائرين في مخالفة الحكومة، لأن حكم وجوب الاطاعة غيري، لاجل الحكم الأصلي؟ أو لا تجوز لموضوعية إطاعة الحاكم و وجوب اطاعته عملًا و ظاهراً إلّا فيما خرج بالدليل و هو فيما إذا كانت طاعته معصية للخالق و فرق بين كون الحكم

ص: 96

غيرياً و مقدمياً، و بين كونه للغير، فالحكم للغير و إن لم تكن إطاعته دائماً موصلة إلي ذلك الغير إلّا انه توجب اطاعته في جميع الموارد، حتّي في الموارد التي يري بعض المكلفين عدم كون الاطاعة موصلة إلي هذا الغير؟ فعلي هذا تجب إطاعة الحاكم مطلقاً إلّا في معصية اللّٰه تعالي، فانه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق (1)، إذا كان الآمر غير الامام، و أمّا الإمام كالنبيّ صلوات اللّٰه عليهما فلا يأمر بمعصية اللّٰه تعالي عمداً و لا خطأ.

هذا- و قد تلخص من جميع ذلك ان الأحكام الحكومية، و إن كانت تشبه غيرها من الأحكام إلّا ان الفرق بينهما هو انّ حكم الحاكم إنّما تجب إطاعته للغير، و سائر الأحكام تجب اطاعتها إمّا لنفسها أو مقدمة لغيرها، و أمّا الحكم الظاهري و الطريقي، فالحق فيه انه إذا اصاب الواقع، فليس حكم في البين إلّا الحكم الواقعي، و إن اخطأ، فالحكم صوري لا حقيقي، و تفصيل ذلك يطلب عما كتبناه في اصول الفقه (2) في مسألة الجمع بين الحكم الواقعي و الظاهري، و ان الأحكام الحكوميّة موردها هو الأحكام الأصليّة المرتبطة بالشئونه.

ص: 97


1- الوسائل ج 8 ص 111 ح 7.
2- تقريراً لأبحاث استاذنا الاعظم، و مجدد المذهب، و فقيه الشيعة الأكبر السيد البروجردي قدس سره.

العامّة، و مصالح الإسلام و جامعة المسلمين، و احقاق الحقوق و إجراء الأحكام، و حفظ النظام، و قيام الناس بالقسط.

و أمّا نكتة تكرار صيغة الاطاعة في قوله تعالي: «أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ» (1) فيمكن ان تكون ان الأمر فيم.

ص: 98


1- اليك بعض ما يستفاد من الآية الكريمة مما استفدنا من كلام العلامة قدس سره في (الالفين). 1- طاعة الرسول و طاعة اولي الأمر متساويتان لاقتضاء العطف المساواة في العامل. 2- طاعة الرسول لا يقوم غيرها مقامها، كذلك طاعة اولي الأمر، فلا يقوم غيرها مقامها. 3- عصمة النبيّ و اولي الأمر، لان اللّٰه تعالي أمر باطاعتهم مطلقاً، كما أمر باطاعة نفسه، و ايجاب طاعة غير المعصوم مطلقاً محال من اللّٰه تعالي. 4- وجوب طاعة الإمام كوجوب طاعة النبي، و وجوب طاعة اللّٰه. 5- الطاعة الواجبة للرسول متابعة قوله، و فعله، و تركه و تقريره كذلك طاعة الإمام متابعة قوله، و فعله، و تركه، و تقريره، لان العطف علي معمول الفعل يقتضي المساواة. 6- كما يمتنع أمر النبيّ بالمعصية، و نهيه عن الاطاعة و لو خطأ، يمتنع صدور ذلك عن الإمام للمساواة. 7- وجوب اطاعة النبيّ عام في المأمور، و المأمور به، كذا يجب ان يكون وجوب اطاعة الإمام عاماً فيهما، لان صيغة الطاعة لهما واحدة. 8- النبيّ معصوم، فيجب ان يكون الإمام معصوماً، لان اللّٰه أمر باطاعتهما علي السواء، فلو لم يكن الإمام معصوماً لا يجوز ان يساوي بين اطاعتهما لحسن متابعة المعصوم مطلقاً، و ليس كذلك متابعة غير المعصوم. و من ذلك كله و من الأخبار الصريحة الواردة في شأن نزول الآية يظهر أن أولي الأمر الّذين أمر اللّٰه تعالي بطاعتهم، و قرن طاعتهم بطاعة النبي صلي الله عليه و آله، ليس الا الأئمّة الاثني عشر عليهم السلام الّذين من أطاعهم، فَقَدْ أَطٰاعَ اللّٰهَ، و من عصاهم فقد عصي اللّٰه. و لا يدخل الجنة الامن عرفهم، و عرفوه، و لا يدخل النار الامن أنكرهم و أنكروه، من أتاهم نجا و من لم يأتهم هلك، فلا تنزل هذه الآية و لا تؤول علي أحد غيرهم.

الصيغة الأولي إرشادي، و ليس مولوي، لانه لو كان مولويّاً لزم الدور المحال، بخلافه في الصيغة الثانية، فانه مولوي، و لذا كررت صيغة الاطاعة، و ليس تكرارها لاختلاف متعلّق الاطاعة، بل ربما ينزل الوحي علي النبيّ صلي الله عليه و آله في الأمور الحكومية الخاصّة، كما ربما يأمر النبي، و الإمام بالحكم الأصلي الغير الحكومي، كأن يقول صل أو حج أو كفر أو غير ذلك، و نحو ذلك، و لعل منشأ توهم اختلاف متعلّق الاطاعة هو ان المتوهم توهم عدم ارتباط الأوامر الحكوميّة بأحكام اللّٰه تعالي و ان

ص: 99

الحاكم يأمر بما يري، فليس هنا أمر من جانب اللّٰه سوي الأمر باطاعة الحكومة، و قد ظهر لك عدم صحة هذا التوهم، و انه في اوامره الحكوميّة يأمر بما أمر اللّٰه تعالي، و يعمل علي حسب ما في عهدته من مسئوليّة إجراء أحكام اللّٰه تعالي، و لا فرق بينه، و بين غيره غير انه بعد تشخيص موضوعات الأحكام الراجعة إلي مصالح الجميع يأمر الجميع به، فتارة يمنعهم، و تارة يأمرهم باعطاء الأموال، و تارة ببذل النفوس، و غير ذلك من الامور التي تقع تحت حكم كلي من أحكام الشريعة الجامعة الإسلاميّة التي لا يشذ عنها حكم واقعة من الوقائع. و علي الجملة تشخيص الموضوع من جانب الحاكم يكفي في تنجز حكمه علي الجميع فيأمرهم الحاكم أو ينهاهم لذلك.

هذا- و يحتمل ان يقال: إن نكته تكرار صيغة الاطاعة في الآية الكريمة هي اختلاف متعلّقهما، لكن لا بما ذكر، بل بأن يقال: إن أمر «أَطِيعُوا اللّٰهَ» متعلّق بما يستفاد من الكتاب المجيد من الأحكام و الأوامر «أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ» متعلّق بما يستفاد من السنّة، و هذا نظير قوله تعالي: «وَ مٰا آتٰاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مٰا نَهٰاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا» (1) و قوله تعالي: «لَقَدْ كٰانَ لَكُمْ فِي

ص: 100


1- الحشر الآية: 7.

رَسُولِ اللّٰهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ» (1) الّذي لا يقصر علي اوامر الرسول صلي الله عليه و آله الحكوميّة بل المراد ان خذوا بكل اوامره و نواهيه، و لا تقولوا لم نجده في القرآن، و حسبنا كتاب اللّٰه.

ص: 101


1- الاحزاب، الآية: 21.

تعريف مرکز

بسم الله الرحمن الرحیم
هَلْ یَسْتَوِی الَّذِینَ یَعْلَمُونَ وَالَّذِینَ لَا یَعْلَمُونَ
الزمر: 9

عنوان المکتب المرکزي
أصفهان، شارع عبد الرزاق، سوق حاج محمد جعفر آباده ای، زقاق الشهید محمد حسن التوکلی، الرقم 129، الطبقة الأولی.

عنوان الموقع : : www.ghbook.ir
البرید الالکتروني : Info@ghbook.ir
هاتف المکتب المرکزي 03134490125
هاتف المکتب في طهران 88318722 ـ 021
قسم البیع 09132000109شؤون المستخدمین 09132000109.