حياة الإمام الرضا (عليه السلام)

اشارة

عنوان : حياة الإمام الرضا (عليه السلام)
پديدآورندگان : عاملي، جعفر مرتضي، 1944-م.(پديدآور)
صاحب محتوا : موسسه فرهنگي و اطلاع رساني تبيان
موسسه فرهنگي و اطلاع رساني تبيان
توصيفگر : تاريخ اسلام
سرگذشت نامه هاي فردي
سيره امامان
رده بندي : -
وضعيت نشر : قم: موسسه فرهنگي و اطلاع رساني تبيان، 1387
ويرايش : -
مشخصات فيزيكي : -
خلاصه :
فهرست مطالب : -
مخاطب :
يادداشت : ,ملزومات سيستم: ويندوز 98+ ؛ با پشتيباني متون عربي؛ + IE6شيوه دسترسي: شبكه جهاني وبعنوان از روي صفحه نمايش عنوانداده هاي الكترونيكي
شناسه : oai:tebyan.net/37263
مكان : -
شرايط دسترسي : -
تاريخ ايجاد ركورد : 1388/12/2
تاريخ تغيير ركورد : -
ملحقات : -
تاريخ ثبت : 1389/7/4
قيمت شيء ديجيتال : رايگان

الإهداء

الإهداء إليك يا أعز من في الوجود علي.. يا من تعيش لأجلي، وتشعر بآلامي، وتحس بمشاكلي.. دون أن أراك، ودون أن أعرف مكانك، بل وحتي دون أن أفطن في كثير من الأحيان لوجودك.
إليك يا أملي الحي، الذي يمدني بالقوة، ويجدد في العزيمة.
ويا قبس الهدي والنور، الذي لولاه لكنت أعيش في الظلام،.
ظلم الوحدة، والحيرة، والضياع.
إليك. يا من تملأ الأرض قسطا، وعدلا، بعدما ملئت ظلما، وجورا.
إليك. يا سيدي، ومولاي، يا صاحب الزمان. أرفع كتابي هذا.
راجيا منك القبول.
جعفر. (٧) صفحهمفاتيح البحث: العزّة (1)

تقديم

تقديم:
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام علي خير خلقه أجمعين، محمد وآله الطيبين الطاهرين:
وبعد:
فقد كان هذا الكتاب نتيجة دراسة استمرت ثلاث سنوات ما بين مد وجزر. وهو يبحث في ظروف وأسباب حدث تاريخي هام في التاريخ الإسلامي.. ألا وهو: " أخذ البيعة للإمام الرضا عليه السلام بولاية العهد للمأمون ".
ورغم الأهمية البالغية لهذا الحدث، وكونه جديرا بالدراسة، والبحث، والتمحيص. فإننا رأينا المؤرخين والباحثين - ولأسباب مختلفة - يضربون عنه صفحا، ويحاولون تجاهله، والتقليل من أهميته.
وعلي كل حال.. ومهما كانت الحقائق التي أوردتها في هذا الكتاب موافقة لهوي قوم، ومثيرة لحنق آخرين.. فإن ما أريد أن أؤكد عليه هو: (٩) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (1)، الصّلاة (1)، الطهارة (1)
إنني لثقتي من نفسي بأنني ما ادخرت وسعا، ولم آل جهدا في تمحيص الحقائق، وإبراز المعالم الأصيلة للصورة، التي أريد - لسبب أو لآخر - طمسها، وتشويه معالمها، وأيضا لحسن ظني بالقارئ، وثقتي بنزاهته، ونظرته الواعية.
من أجل ذلك أقول - وبكل رضي، وارتياح، واطمئنان -:
إنني لا أريد أن أفرض ما في هذا الكتاب من آراء، واستنتاجات علي أحد.. بل سوف أترك الحكم في ذلك للقارئ نفسه، الذي يمتلك كامل الحرية في أن يقبل، أو أن يرفض، إذا اقتضي الأمر أيا من الرفض، أو القبول.
والله ولينا. وهو الهادي إلي سواء السبيل.
جعفر مرتضي الحسيني
صفحه(١٠)

تمهيد

تمهيد صلة الماضي بالحاضر والمستقبل:
.. بديهي أن بعض الأحداث التاريخية، التي تمر بالأمة، تؤثر تأثيرا مباشرا، أو غير مباشر في واقعها، إن حاضرا، وإن مستقبلا.
بل وقد تؤثر في روح الأمة، وعقلها، وتفكيرها.. ومن ثم علي مبادئها العامة، التي قامت عليها قوانينها ونظمها، التي تنظم لها سيرتها، وتهيمن علي سلوكها.. فقد تقوي من دعائمها، وتؤكد وجودها، واستمرارها، وقد تنسفها من أسسها، إن كانت تلك المبادئ علي درجة كبيرة من الضعف والوهن في ضمير الأمة ووجدانها.. وعلي صعيد العمل في المجال العملي العام.
فمثلا.. نلاحظ أن الاكتشافات الحديثة، والتقدم التقني قد أثر أثرا لا ينكر حتي في عاطفة الإنسان، التي يفرضها، واقع التعايش.
وحتي في مواهبه وملكاته، فضلا عن سلوكه، وأسلوب حياته.
وحيث إن المبادئ الاجتماعية لم تكن علي درجة من الرسوخ والقوة في ضمير الإنسان ووجد أنه، ولم تخرج عن المستوي الشكلي في حياته العملية - وإن انغرست في أعماق بعض أفراده أحيانا في دورات تاريخية
صفحه(١١)
قصيرة - نري أنها بدورها قد تأثرت بذلك، ونسفت أو كادت من واقع هذه الأمة، وعدمت أو كادت من دائرة حياتها. وليكون البديل - من ثم - عنها لدي هذا الكائن هو " الذاتية " الكافرة بكل العواطف الاجتماعية، والعوض عنها في نفسه هو المادة الجافة، التي لا ترحم ولا ترثي، ولا تلين، لا يجد لذة العاطفة، ولا حلاوة الرحمة، وليعود الإنسان - بعد لأي - متشائما حاقدا، لا يثق بمستقبله، ولا يأمن من يحيط به، ولا يطمئن إلي أقرب الناس إليه.
وبطبيعة الحال، سوف يتأثر النشء الجديد بذلك، ثم ينتقل ذلك إلي الجيل الذي يليه. وهكذا..
وهكذا.. فإن الحدث التاريخي الذي كان قبل ألف سنة مثلا، أو أكثر قد نجد له آثارا بارزة، حتي في واقع حياتنا التي نعيشها اليوم.
وإذن.. فنستطيع أن نستخلص من هذا: أن الأحداث التاريخية مهما بعدت، ومن أي نوع كانت تؤثر في وضع الأمة، وفي تصرفاتها، وفي حياتها، وسلوكها علي المدي الطويل. وتتحكم - إلي حد ما - في مستقبلها، وإن العالم التاريخي له أثر كبير في فرض المستوي الذي يعيشه المجتمع بالفعل، سواء في ذلك الأدبي منه. أو العلمي، أو الديني، أو السياسي، أو الاقتصادي، أو غير ذلك.
وغني عن القول هنا. أن التأثر بالأحداث يختلف من أمة لأخري، ومن عصر لآخر.
* * * لماذا كان تدوين التاريخ:
ومن هنا تبرز أهمية التاريخ. ونعرف أنه يلعب دورا كبيرا في حياة
صفحه(١٢)
الأمم، مما يجعلنا لا نجد كثير عناء في الإجابة علي سؤال: لماذا عنيت الأمم علي اختلافها بالتاريخ. تدوينا. ودرسا، وبحثا، وتمحيصا؟!
فإن ذلك لم يكن إلا لأنها تريد أن تستفيد منه، لتتعرف علي واقعها الذي تعيشه، لتستفيد من ذلك لمستقبلها الذي تقدم عليه.. ولتكتشف منه عوامل رقيها. وانحطاطها، ولتنطلق من ثم لبناء نفسها علي أسس متينة وسليمة..
فمهمة التاريخ إذن - تاريخ الأمة المدون - هي: أن يعكس بأمانة ودقة ما تمر به الأمة من أحوال وأوضاع، وأزمات فكرية، واقتصادية، وظروف سياسية: واجتماعية، وغير ذلك.
* * * ونحن. هل نملك تاريخا!!
ونحن أمة.. لكننا لا نملك تاريخا - وأقصد بذلك كتب التاريخ - نستطيع أن نستفيد منه الكثير في هذا المضمار، لأن أكثر ما كتب لنا منه تتحكم فيه النظرة الضيقة، والهوي المذهبي، والتزلف للحكام، وأقصد ب " النظرة الضيقة " عملية ملاحظة الحدث منفصلا عن جذوره وأسبابه التي تلقي الضوء الكاشف علي حقيقته وواقعه.
نعم.. إننا بمرارة - لا نملك تاريخا نستطيع أن نستفيد منه الكثير، لأن المسيرة قد انحرفت، والأهواء قد لعبت لعبتها (1) وأثرت أثرها المقيت (١) ومن أراد أن يعرف المزيد عن ذلك، فليراجع: النصائح الكافية لمن يتولي معاوية من ص ٧٢ إلي ص ٧٩ والغدير ج ٥ ص ٢٠٨ إلي ص 378، و ج 11 من ص 71، إلي ص 103، و ج 9 من ص 218 إلي آخر المجلد، وغير ذلك من مجلدات هذا الكتاب وصفحاته والاحتجاج للطبرسي، وخمسون ومئة صحابي مختلق للعسكري، وغير ذلك كثير … (١٣) صفحهمفاتيح البحث: كتاب الكافئة للشيخ المفيد (1)
البغيض، حتي في تدوين التاريخ نفسه.
وإنه لمما يدمي قلوبنا، ويملأ نفوسنا أسي وألما، أن نكون قد فقدنا تاريخنا، ودفناه تحت ركام من الأنانيات. والعصيات، والأطماع الرخيصة، حتي لم يبق منه سوي الرسوم الشوهاء، والذكريات الشجية..
ومرة أخري أقول: إن كل ما لدينا هو - فقط - تاريخ الحكام والسلاطين، الذين تعاقبوا علي كراسي الحكم، وحتي تاريخ الحكام هذا، رأيناه مشوها، وممسوخا، حيث لم يستطع أن يعكس بأمانة وحيدة الصورة الحقيقية لحياة أولئك الحكام، وأعمالهم وتصرفاتهم. وما ذلك إلا لأن المؤرخين لم يكونوا أحرارا في كتابتهم للتاريخ، بل كانوا يؤرخون ويكتبون حسب ما يريده الحكام أنفسهم، ويخدم مصالحهم.
إما رهبة من هؤلاء الحكام، أو رغبة، أو تعصبا لمذهب، أو لغيره.
ومن هنا.. فليس من الغريب جدا أن نري المؤرخ يعتني بأمور تافهة وحقيرة، فيسهب القول في وصف مجلس شراب، أو منادمة، حتي لا يفوته شئ منه، أو يختلق ويفتعل أحداثا لم يكن لها وجود إلا في عالم الخيالات والأوهام، أو يتكلم عن أشخاص لم يكن لهم شأن يذكر، بل قد لا يكون لهم وجود أصلا.. بينما نراه في نفس الوقت يهمل بالكلية شخصيات لها مكانتها، وخطرها في التاريخ، أو يحاول تجاهل الدور الذي لعبته فيه.. ويهمل أو يشوه أحداثا ذات أهمية كبري.
صدرت من الحاكم نفسه، أو من غيره. ومن بينها ما كان له دور هام في حياة الأمة، ومستقبلها، وأثر كبير في تغيير مسيرة التاريخ، أو يحيطها - لسبب أو لآخر - بستار من الكتمان، والإبهام.
* * * ومن تلك الأحداث …
وفي طليعة تلك الأحداث التي كان نصيبها ذلك: " البيعة للإمام
صفحه(١٤)
الرضا عليه السلام بولاية العهد. " من قبل الخليفة العباسي عبد الله المأمون!.
هذا الحدث الذي لم يكن عاديا، وطبيعيا، كسائر ما يجري وما يحدث، والذي كان نصيبه من المؤرخين أن يتجاهلوه، ويقللوا ما أمكنهم من أهميته، وخطره، وأن يحيطوا أسبابه ودوافعه، وظروفه بستائر من الكتمان. وعندما كانت تواجههم الأسئلة حوله تراهم يرددون تلك التفسيرات التي أراد الحكام أن يفهموها للناس، دون أن يكون من بينها ما يقنع، أو ما يجدي..
إلا أننا مع ذلك، لم نعدم في هذا الذي يسمي، ب " التاريخ " بعض الفلتات والشذرات المتفرقة هنا وهناك، التي تلقي لنا ضوءا، وتبعث فينا الرجاء والأمل بالوصول إلي الحقائق التي خشيها الحكام، فقضوا عليها - بكل قسوة وشراسة - بالعدم، والاندثار..
ولو فرض: أنه كان للمؤرخين القدامي العذر - إلي حد ما - في تجاهل هذا الحدث، والتقليل من أهميته، لظروف سياسية، واجتماعية، ومذهبية معينة.. فإن من الغريب حقا أن نري الباحثين اليوم - مع أنهم لا يعيشون تلك الظروف، وينعمون بالحرية بمفهومها الواسع. - يحاولون بدورهم تجاهل هذا الحدث، والتقليل من أهميته، عن قصد أحيانا، وعن غير قصد أخري، وإن كنا نستبعد هذا الشق الأخير، إذ أننا نشك كثيرا في أن لا يسترعي حدث غريب كهذا انتباههم، ويلفت أنظارهم.
وأيا ما كان السبب في ذلك، فإن النتيجة لا تختلف، ولا تتفاوت، إذ أنها كانت في الواقع الخارجي سلبية علي كل حال.
* * * (١٥) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (1)، السب (1)
وبدافع من الشعور بالواجب ومن هنا. وبدافع من الشعور بالمسؤولية، رأيت أن أقوم بدراسة لهذا الحدث بالذات، للتعرف علي حقيقة دوافعه وأسبابه، وواقع ظروفه وملابساته.
وكانت نتيجة تلك الدراسة، التي استمرت ثلاث سنوات ما بين مد وجزر هي: هذا الكتاب الذي بين يديك..
لا أدعي: أن كل ما في هذا الكتاب من آراء واستنتاجات، لا تعدو الحقيقة، لا تشذ عن الصواب.
ولا أدعي أيضا: أنني استطعت أن أضع يدي علي كل خيوط القضية، وأن أنفذ إلي جميع جذورها العميقة والرئيسة، فإن ذلك ليس من الأمور السهلة بالنسبة لأي حدث تاريخي مضي عليه العشرات والمئات من السنين، فكيف إذا كان إلي جانب ذلك مما قد أريد له - كما قلنا - أن تبقي دوافعه وأسبابه طي السرية والكتمان، وظروفه وملابساته رهن الابهام والغموض..
لا.. لا أدعي هذا، ولا ذاك. وإنما أقول:
إن هذا الكتاب قادر - ولا شك - علي أن يرسم علامة استفهام كبيرة حول " طبيعية " هذا الحدث، وحول المأمون، ونواياه، وتصرفاته المشبوهة.
وإنه - علي الأقل يمكن أن يعتبر خطوة علي طريق الكشف الكامل عن جميع الحقائق، والتعرف علي كافة العوامل والظروف، التي اكتنفت هذا الحدث التاريخي الهام. (١٦) صفحهمفاتيح البحث: الكتمان (1)
تقسيم الكتاب.. باختصار..
ومن أجل استيفاء البحث من جميع جوانبه، كما لا بد لنا من تقسيم الكتاب إلي أقسام أربعة:
الأول: يتناول قيام الدولة العباسية، وأساليب دعوتها، ويعطي لمحة عن موقف العلويين، والعباسيين، كل منهما من الآخر، وردود الفعل لذلك، وغير ذلك من أمور..
الثاني: يبحث حول ظروف البيعة، وأسبابها، ونتائجها.
الثالث: يتكفل بإلقاء أضواء كاشفة عن المواقف، سواء بالنسبة إلي المأمون، أو بالنسبة إلي الإمام (ع)..
الرابع: نعرض فيه لبعض الأحداث التي تلقي لنا ضوءا علي حقيقة نوايا المأمون، وتكشف لنا عن بعض مخططاته.. وغير ذلك مما يتصل بذلك، ويرتبط به، بنحو من الارتباط والاتصال..
هذا:
وقد وضعنا في آخر الكتاب بعض الوثائق التاريخية الهامة، التي آثرنا أن يطلع القارئ بنفسه علي نصها الكامل..
ونسأل الله أن يوفقنا جميعا. ويهدينا سبيل الرشاد.. (١٧) صفحهمفاتيح البحث: الدولة العباسية (العباسيون) (1)

" القسم الأول: ممهدات "

القسم الأول ممهدات.
1 - قيام الدولة العباسية.
2 - مصدر الخطر علي العباسيين.
3 - سياسة العباسيين ضد العلويين.
4 - سياسة العباسيين مع الرعية..
5 - فشل سياسة العباسيين ضد العلويين. (١٩) صفحهمفاتيح البحث: الدولة العباسية (العباسيون) (1)

قيام الدولة العباسية

قيام الدولة العباسية العلويون في الماضي البعيد..
بعد أن أمعن الأمويون في الانحراف عن الخط الإسلامي القويم، وأصبح واضحا لدي كل أحد، أن هدفهم ليس إلا الحكم والسيطرة، والتحكم بمقدرات الأمة وإمكاناتها.. وأن كل همهم كان مصروفا إلي الملذات والشهوات، أينما كانت، وحيثما وجدت.. وليس لمصلحة الأمة، وسعادتهما، ورفاهها عندهم أي اعتبار..
وبعد أن لجوا في عدائهم لأهل البيت عليهم السلام، وبلغوا الغاية فيهم، قتلا، وعسفا، وتشريدا، وخصوصا ما كان منهم في وقعة كربلاء التي لم يعرف التاريخ أبشع، ولا أفظع منها.. وجعلهم لعن علي عليه السلام سنة لهم. يشب عليها الصغير، ويهرم عليها الكبير..
ثم ملاحقتهم لولده، ولكل من يتشيع لهم. تحت كل حجر ومدر، وفي كل سهل وجبل، ليعفوا منهم الآثار، ويخلو منهم الديار.
بعد كل هذا.. وبفضل جهاد أهل البيت المتواصل، في سبيل توعية الأمة، وتعريفها بأحقيتهم، وبحقيقة، وواقع تلك الطغمة الفاسدة.. كان من الطبيعي أن ينمو تعاطف الناس مع أهل البيت (٢١) صفحهمفاتيح البحث: أهل بيت النبي صلي الله عليه وآله (1)، الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام (1)، الدولة الأموية (1)، الدولة العباسية (العباسيون) (1)، مدينة كربلاء المقدسة (1)، الهدف (1)
ويزيد، كلما ازداد نفورهم من الأمويين، ونقمتهم عليهم، وذلك تبعا لتزايد وعيهم. وتكشف الحقائق لهم، ولأنهم أدركوا من واقع الأحداث التي مرت بهم: أن أهل البيت عليهم السلام هم: الركن الوثيق، الذي لا نجاة لهم إلا بالالتجاء إليه، وذلك الأمل الحي، الذي تحيا به الأمة، وتحلو معه الحياة..
* * * العرش الأموي في مهب الريح.
ولهذا نجد: أن الثورات والفتن ضد الحكم الأموي كانت تظهر من كل جانب ومكان. طيلة فترة حكمهم، حتي أنهكت قواهم، وأضعفتهم إلي حد كبير، وفنوا وأفنوا، حتي لم يعد باستطاعتهم ضبط البلاد، ولا السيطرة علي العباد..
وكانت تلك الثورات تتخذ الطابع الديني علي العموم، مثل: ثورة أهل المدينة المعروفة ب " وقعة الحرة " وثورة قراء الكوفة والعراق، المعروفة ب " دير الجماجم " سنة 83 ه.. وقبلها ثورة المختار والتوابين سنة 67 ه. وأيضا ثورة يزيد بن الوليد مع المعتزلة علي الوليد بن يزيد، للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، سنة 126 ه. وكذلك ثورة عبد الله بن الزبير، الذي تغلب علي البلاد ما عدا دمشق، وما والاها مدة من الزمن.. ثم الثورة التي قامت ضد هشام في إفريقيا.
وثورة الخوارج بقيادة المتسمي ب " طالب الحق " سنة 128 ه.
وأيضا ثورة الحارث بن سريح في خراسان، داعيا إلي كتاب الله، وسنة رسوله سنة 116 ه. إلي غير ذلك مما لا مجال لنا هنا لتتبعه واستقصائه.. (٢٢) صفحهمفاتيح البحث: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (1)، أهل بيت النبي صلي الله عليه وآله (1)، الدولة الأموية (1)، دولة العراق (1)، ثورة المختار بن أبي عبيدة الثقفي (1)، مدينة الكوفة (1)، مدرسة المعتزلة (1)، عبد الله بن الزبير (1)، خراسان (1)، الخوارج (1)، دمشق (1)
وأما ما كان منها بدافع غير ديني، بل من أجل الحكم، والسلطان، فنذكر منها علي سبيل المثال: ثورة آل المهلب سنة 102 ه. وثورة مطرف بن المغيرة..
* * * وأما في زمن مروان.
وفي زمن مروان بن محمد الجعدي، المعروف بمروان الحمار، كان الوضع في السوء والتدهور قد بلغ الغاية، وأوفي علي النهاية، حيث بلغ من انشغال مروان بالثورات والفتن، التي كانت قد شملت أكثر الأقطار: أنه لم يستطع أن يصغي إلي شكوي عامله في خراسان نصر بن سيار، الذي كان بدوره يواجه الثورات والفتن، ومن جملتها دعوة بني العباس، التي كانت تزداد قوة يوما بعد يوم. بقيادة أبي مسلم الخراساني.
* * * من خلال الأحداث.
كل ذلك يكشف عن مدي تبرم الناس بحكم بني أمية، وبسلطانهم، الذي كان قائما علي أساس من الظلم والجور، والابتزاز، والتحكم بمقدرات الأمة، وإمكاناتها.. ويتضح لنا ذلك جليا إذا لاحظنا:
أن ما كان يتقاضاه الولاة لا يمكن أن يخطر علي قلب بشر، ويكفي مثالا علي ذلك أن نشير إلي أن خالدا القسري، كان يتقاضي راتبا سنويا قدره " 20 " مليون درهم، بينما ما كان يختلسه كان يتجاوز (٢٣) صفحهمفاتيح البحث: بنو أمية (1)، خراسان (1)، الظلم (1)
ال " 100 " مليون (1)، وإذا كان هذا حال الولاة، فكيف تري كان حال الخلفاء، الذين كانوا يحقدون علي كل القيم، والمثل، والكمالات الإنسانية،.. والذين وصف الكميت رأيهم في الناس، فقال:
رأيه فيهم كرأي ذوي الثلة في التائجات جنح الظلام.
جز ذي الصوف وانتقاء لذي المخة، نعقا ودعدعا بالبهام (2).
نعم.. لقد كانت الأمة قد اقتنعت اقتناعا كاملا ونهائيا: بأن بني أمية ليس لهم بعد حق في أن يفرضوا أنفسهم قادة للأمة، ولا روادا لمسيرتها، لأن نتيجة ذلك ستكون - حتما - هي جر الأمة إلي الهاوية.
حيث الدمار والفناء، فلفظتهم، وانقلبت عليهم، تأخذ منهم بعض الحقوق التي لها عندهم، إلي أن تمكنت أخيرا من أن تخلي منهم الديار، وتعفي منهم الآثار..
* * * وكان نجاح العباسيين طبيعيا..
ومن هنا نعرف: أن نجاح العباسيين في الاستيلاء علي مقاليد الحكم - (١) السيادة العربية ص ٣٢، ترجمة الدكتور حسن إبراهيم حسن، ومحمد زكي إبراهيم.
وفي البداية والنهاية ج ٩ ص ٣٢٥: أن دخل خالد القسري كان في كل سنة " 13 " مليون دينار، ودخل ولده يزيد بن خالد كان " 10 " ملايين دينار سنويا، ولا بأس بمطالعة كتاب السيادة العربية، ليعرف ما أصاب، وخصوصا العراقيين والخراسانيين في عهد الأمويين.
(2) الهاشميات ص 26، 27. والثلة: القطعة الكثيرة من الضان. والثائجات: الصائحات.
وانتقاء: اختيار، وأراد بذي المخة: السمينة، ونعقا: أي صياحا. والدعدعة:
زجر البهائم.
يقول: رأي الواحد من هؤلاء الخلفاء في رعيته، ومعاملته لها كرأي أصحاب الغنم في غنمهم، فلا يراعون العدل، ولا الإنصاف فيهم.. (٢٤) صفحهمفاتيح البحث: الدولة الأموية (1)، كتاب البداية والنهاية (1)، يزيد بن خالد (1)، الإختيار، الخيار (1)
في ذلك الحين - لم يكن ذلك الأمر المعجزة، والخارق للعادة. بل كان أمرا طبيعيا للغاية، إذا ما أخذت الحالة الاجتماعية، والظروف والملابسات آنئذ بنظر الاعتبار، فإن الأمة كانت مهيأة نفسيا لقبول التغيير، أي تغيير. بل كانت تراه أمرا ضروريا، لا بد منه، ولا غني عنه، إذا كانت تريد لنفسها الحياة الفاضلة، والعيش الكريم.
ولهذا.. فليس من الغريب أن نقول:
إنه كان بإمكان أية ثورة أن تنجح، لو أنها تهيأت لها نفس الظروف، وسارت علي نفس الخط، واتبعت نفس الأساليب، التي اتبعها العباسيون في دعوتهم، وثورتهم.
ونستطيع أن نتبين أساليب العباسيين تلك في ثلاثة خطوط عريضة وواضحة.
الخط الأول:
" كانوا يصورون أنفسهم علي أنهم ما جاءوا إلا لينقذوا الأمة من شرور بني أمية، وظلمهم، وعسفهم، الذي لم يكن يقف عند حدود.
وكانت دعوتهم تتخذ اتجاه التبشير بالخلاص، وأنهم سوف يقيمون حكما مبدؤه العدل، والمساواة، والأمن والسلام. وقد كانت وعودهم هذه كسائر الوعود الانتخابية، التي خلقتها الدعوة العباسية في الجماهير مسؤولة إلي حد كبير عن ردود الفعل العنيفة، التي ألفناها من ساسة العصر الحديث … بل لقد كانت الأماني التي خلقتها الدعوة العباسية في الجماهير مسؤولة إلي حد كبير عن ردود الفعل العنيفة، التي حدثت ضد الحكم العباسي بعد ذلك، حيث كان حكمهم قائما علي الطغيان المتعطش إلي سفك الدماء (1). ". (1) راجع: إمبراطورية العرب، للجنرال جلوب، ترجمة: خيري حماد. (٢٥) صفحهمفاتيح البحث: بنو أمية (1)، الكرم، الكرامة (1)
الخط الثاني:
إنهم لم يعتمدوا كثيرا علي العرب، الذين كانوا يعانون من الانقسامات الداخلية الحادة، وإنما استعانوا بغير العرب، الذين كانوا في عهد بني أمية محتقرين، ومنبوذين، ومضطهدين، ومحرومين من أبسط الحقوق المشروعة، التي منحهم إياها الإسلام. حتي لقد أمر الحجاج أن لا يؤم في الكوفة إلا عربي.. وقال لرجل من أهل الكوفة: لا يصلح للقضاء إلا عربي (1)..
كما طرد غير العرب من البصرة، والبلاد المجاورة لها، واجتمعوا يندبون: وامحمدا وأحمدا. ولا يعرفون أين يذهبون، ولا عجب أن نري أهل البصرة يلحقون بهم، ويشتركون معهم في نعي ما نزل بهم من حيف وظلم (2) بل لقد قالوا: " لا يقطع الصلاة إلا: حمار، أو كلب، أو مولي (3).. " وقد أراد معاوية أن يقتل شطرا من الموالي، عندما رآهم كثروا، فنهاه الأحنف عن ذلك (4).
وتزوج رجل من الموالي بنتا من أعراب بني سليم، فركب محمد بن بشير الخارجي إلي المدينة، وواليها يومئذ إبراهيم بن هشام بن إسماعيل، (1) ضحي الإسلام ج 1 ص 24، والعقد الفريد ج 1 ص 207، ومجلة الهادي، السنة الثانية العدد الأول ص 89، وتاريخ التمدن الإسلامي المجلد 2 جزء 4 ص 343.
(2) السيادة العربية ص 56، 57، ولا بأس بمراجعة: تاريخ التمدن الإسلامي المجلد الأول ج 2 ص 274 (3) العقد الفريد طبع مصر سنة 1935 ج 2 ص 270، وتاريخ التمدن الإسلامي جزء 4 ص 341 (4) المصدران السابقان.. (٢٦) صفحهمفاتيح البحث: مدينة الكوفة (2)، مدينة البصرة (2)، القتل (1)، الصّلاة (1)
فشكا إليه ذلك، فأرسل الوالي إلي المولي، ففرق بينه وبين زوجته، وضربه مأتي سوط، وحلق رأسه، وحاجبه، ولحيته. فقال محمد ابن بشير في جملة أبيات له:
قضيت بسنة وحكمت عدلا * ولم ترث الخلافة من بعيد (1) ولم تفشل ثورة المختار، إلا لأنه استعان فيها بغير العرب، فتفرق العرب عنه لذلك (2) ويقول أبو الفرج الأصفهاني: ". كان العرب إلي أن جاءت الدولة العباسية، إذا جاء العربي من السوق، ومعه شئ، ورأي مولي، دفعه إليه، فلا يمتنع (3). " بل كان لا يلي الخلافة أحد من أبناء المولدين، الذين ولدوا من أمهات أعجميات (4).
وأخيرا.. فإن البعض يقول: إن قتل الحسين كان: " الكبيرة، التي هونت علي الأمويين أن يقاوموا اندفاع الإيرانيين؟ إلي الدخول في الإسلام (5). ".
وبعد هذا. فإن من الطبيعي أن يبذل الموالي أرواحهم، ودماءهم وكل غال ونفيس في سبيل التخلص من حكم يعاملهم هذه المعاملة، وله فيهم هذه النظرة، فاعتماد الدعوة العباسية علي هؤلاء كان منتظرا (1) الأغاني ج 14 ص 150، وضحي الإسلام ج 1 ص 23، 24.
(2) السيادة العربية والشيعة والإسرائيليات ص 40، ولا بأس أيضا بمراجعة: تاريخ التمدن الإسلامي، والمجلد الأول، الجزء الثاني ص 282، 283 (3) ضحي الإسلام ج 1 ص 25.
(4) ضحي الإسلام ج 1 ص 25، والعقد الفريد ج 6 ص 130، 131، طبعة ثالثة، ومجلة الهادي، السنة الثانية، العدد الأول ص 89.
(5) الصلة بين التصوف والتشيع ص 95. (٢٧) صفحهمفاتيح البحث: الدولة الأموية (1)، الدولة العباسية (العباسيون) (1)، ثورة المختار بن أبي عبيدة الثقفي (1)، أبو الفرج الإصبهاني (الإصفهاني) (1)، الزوجة (1)، القتل (1)
ومتوقعا، كما أن اندفاع هؤلاء في نصرة الدعوة العباسية كان متوقعا، ومنتظرا أيضا.
الخط الثالث:
أنهم - أعني العباسيين - قد حاولوا في بادئ الأمر أن يربطوا دعوتهم وثورتهم بأهل البيت عليهم السلام.
وطبيعة البحث تفرض علينا أن نتوسع في بيان هذه النقطة بالذات وذلك لما لها من الأهمية البالغة، بالنظر لما تركته من آثار بارزة علي مدي التاريخ، ولأنها كانت الناحية التي اعتمد العباسيون عليها اعتمادا كليا، وتعتبر السبب الرئيس في وصول العباسيين إلي السلطة، وحصولهم علي مقاليد الحكم.. ولهذا. فنحن نقول:
دولة بني العباس في صحيفة ابن الحنفية:
قد نقل ابن أبي الحديد (1) عن أبي جعفر الإسكافي: أنه قد صحت الرواية عندهم عن أسلافهم، وعن غيرهم من أرباب الحديث، أنه: لما مات علي أمير المؤمنين عليه السلام، طلب محمد بن الحنفية من أخويه: الحسن، والحسن ميراثه من العلم، فدفعا إليه صحيفة، لو أطلعاه علي غيرها لهلك، وكان في هذه الصحيفة ذكر لدولة بني العباس. فصرح ابن الحنفية لعبد الله بن العباس بالأمر، وفصله له.
والظاهر أن تلك الصحيفة انتقلت منه لولده أبي هاشم، وعن طريقه وصلت إلي بني العباس. ويقال: إنها قد ضاعت منهم أثناء (١) شرح نهج البلاغة ج ٧ ص ١٤٩، 150. (٢٨) صفحهمفاتيح البحث: أهل بيت النبي صلي الله عليه وآله (1)، الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام (1)، إبن أبي الحديد المعتزلي (1)، عبد الله بن عباس (1)، محمد بن الحنفية إبن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام (1)، بنو عباس (3)، الموت (1)، السب (1)، كتاب شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد (1)
حربهم مع مروان بن محمد الجعدي (1)، آخر خلفاء الأمويين.
وقد ذكرت هذه الصحيفة في كلام بني العباس، وخلفائهم كثيرا، وسيأتي لها ذكر في رسالة المأمون للعباسيين، التي سوف نوردها في أواخر هذا الكتاب إن شاء الله.
* * * متي بدأ العباسيون دعوتهم، وكيف؟
وبعد هذا. فإن الشئ المهم هنا هو تحديد الزمن الذي بدأ به العباسيون دعوتهم، وكيف؟
ونستطيع أن نبادر هنا إلي القول:
إن الذين بدءوا بالدعوة أولا هم العلويون، وبالتحديد من قبل أبي هاشم، عبد الله بن محمد الحنفية، وهو الذي نظم الدعاة، ورتبهم، وقد انضم تحت لوائه: محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، ومعاوية ابن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، و عبد الله بن الحارث بن نوفل ابن الحارث بن عبد المطلب، وغيرهم.. وهؤلاء الثلاثة هم الذين حضروه حين وفاته، وأطلعهم علي أمر دعاته.
وقد قرأ محمد بن علي، ومعاوية بن عبد الله تلك الصحيفة، المشار إليها آنفا، ووجد كل منهما ذكرا للجهة التي هو فيها.
ولهذا نلاحظ: أن كلا من محمد بن علي، ومعاوية بن عبد الله، قد ادعي الوصاية من أبي هاشم، مما يدل دلالة واضحة علي أنه لم يخصص أيا منهما بالوصية، وإنما عرفهما دعاته فقط. (١) شرح نهج البلاغة ج ٧ ص ١٤٩. (٢٩) صفحهمفاتيح البحث: جعفر بن أبي طالب عليهما السلام (1)، عبد الله بن عباس (1)، الدولة الأموية (1)، بنو عباس (1)، عبد الله بن الحارث بن نوفل (1)، معاوية بن عبد الله (2)، عبد الله بن محمد (1)، محمد بن علي (3)، كتاب شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد (1)
هذا. وبعد موت معاوية بن عبد الله، قام ابنه عبد الله يدعي الوصاية من أبيه. من أبي هاشم.. وكان له في ذلك شيعة، يقولون بإمامته سرا حتي قتل.
وأما محمد بن علي فقد كان بمنتهي الحنكة والدهاء، وقد تعرف - كما قلنا - من أبي هاشم علي الدعاة، واستطاع بما لديه من قوة الشخصية، وحسن الدهاء أن يسيطر عليهم، ويستقل بهم (1)، ويبعدهم عن معاوية بن عبد الله، وعن ولده، ويبعدهما عنهم.
واستمر محمد بن علي يعمل بمنتهي الحذر والسرية. وكان عليه أن:
1 - يحذر العلويين، الذين كانوا أقوي منه حجة، وأبعد صيتا.
بل عليه أن يستغل نفوذهم - إن استطاع - لصالحه، وصالح دعوته.
ولقد فعل ذلك هو وولده كما سيتضح.
2 - وكان عليه أيضا أن يتحاشي مختلف الفئات السياسية، التي لن يكون تعامله معها في صالحه، وفي صالح دعوته.
2 - والأهم من ذلك أن يصرف أنظار الحكام الأمويين عنه، وعن نشاطاته، ويضللهم، ويعمي عليهم السبل.
* * * ولذا فقد اختار خراسان، فأرسل دعاته إليها. وأوصاهم بوصيته (1) شرح النهج للمعتزلي ج 7 ص 150. (٣٠) صفحهمفاتيح البحث: الدولة الأموية (1)، معاوية بن عبد الله (2)، محمد بن علي (2)، خراسان (1)، القتل (1)، الحج (1)
المشهورة، التي يقسم فيها البلاد والأمصار: هذا علوي، وذاك عثماني، وذلك غلب عليه أبو بكر وعمر، والآخر سفياني. إلي آخر ما سيأتي (1). (1) ولقد بذل محمد بن علي جهدا جبارا في إنجاح الدعوة، وكانت أكثر نشاطاته في حياة والده، علي بن عبد الله، الذي يبدو أنه لم يكن له في هذا الأمر دور يذكر. وتوفي والده علي ما يظهر في سنة 118 ه. وكان قد بدأ نشاطاته، حسب ما بأيدينا من الدلائل التاريخية من سنة 100 ه. أي بعد وفاة أبي هاشم بسنتين. إذ في: سنة 100 ه. وجه محمد بن علي بن أرض الشراة ميسرة إلي العراق ووجه محمد بن خنيس، وأبا عكرمة السراج، وهو أبو محمد الصادق، وحيان العطار إلي خراسان.
وفيها أيضا جعل اثني عشر نقيبا، وأمر دعاته بالدعوة إليه، وإلي أهل بيته.
وفي سنة 102 ه. وجه ميسرة رسله إلي خراسان، وظهر أمر الدعوة بها وبلغ ذلك سعيد خذينة، عامل خراسان، فأرسل، وأتي بهم، واستنطقهم، ثم أخذ منهم ضمناء وأطلقهم.
وفي سنة 104 ه. دخل أبو محمد الصادق، وعدة من أصحابه، من أهل خراسان إلي محمد بن علي، فأراهم السفاح في خرقة، وكان قد ولد قبل خمسة عشر يوما، وقال لهم " والله، ليتمن هذا الأمر، حتي تدركوا ثاركم من عدوكم ".
وفي سنة 105 ه. دخل بكير بن ماهان في دعوة بني هاشم. وفيها مات ميسرة، فجعل محمد بن علي بكيرا هذا مكانه في العراق..
وفي سنة 107، أو 108 ه وجه بكير بن ماهان عدة من الدعاة إلي خراسان، فظفر بهم عامل خراسان، فقتلهم، ونجا منهم عمارة، فكان هو الذي أخبر محمد ابن علي بذلك.
وفي سنة 113 ه. صار جماعة من دعاة بني العباس إلي خراسان، فأخذ الجنيد بن عبد الرحمان رجلا منهم، فقتله، وقال: " من أصيب منهم فدمه هدر ".
وفي سنة 117 ه. أخذ عامل خراسان أسد بن عبد الله وجوه دعاة بني العباس، وفيهم النقباء، ومنهم سليمان بن كثير، فقتل بعضهم، ومثل ببعضهم، وحبس آخرين.
وفي سنة 118 وجه بكير بن ماهان عمار بن يزيد - وهو خداش - واليا علي شيعة بني العباس، فنزل مروا، ودعا إلي محمد بن علي، ثم غلا..
وفي سنة 120 ه. وجهت شيعة بني العباس سليمان بن كثير إلي محمد بن علي في أمر خداش.
وفي سنة 124 ه. قدم جماعة من شيعة بني العباس الكوفة يريدون مكة. وفيها أيضا اشتري بكير بن ماهان أبا مسلم.
راجع في ذلك كله:
تاريخ الطبري مطبعة الاستقامة ج 5 ص: 316، 358، 368، 387، 389، 425، 439، 440، 467، 512، وغير ذلك من كتب التاريخ. (٣١) صفحهمفاتيح البحث: الغلّ (1)، دولة العراق (2)، مدينة مكة المكرمة (1)، مدينة الكوفة (1)، بنو عباس (5)، علي بن عبد الله (1)، كتاب تاريخ الطبري (1)، بنو هاشم (1)، عمار بن يزيد (1)، عبد الرحمان (1)، محمد بن علي (6)، خراسان (8)، الصدق (2)، القتل (1)، الموت (1)، الوفاة (1)
وأمرهم - أعني الدعاة بالتحاشي عن الفاطميين، لكنه ظل هو شخصيا، ومن معه من العباسيين، الذين استنوا بسنته، وساروا من بعده بسيرته - ظلوا - يتظاهرون للعلويين بأنهم معهم، وأن دعوتهم لهم، ولم يكن إلا القليلون يعرفون بأنه: كان يدبر الأمر للعباسيين.
وقد أعطي دعاته شعارات مبهمة، لا تعين أحدا، وصالحة للانطباق علي كل فريق، كشعار: " الرضا من آل محمد " و " أهل البيت ".
ونحو ذلك.
* * * مدي سرية الدعوة:
والظاهر. أن عبد الله بن معاوية كان من جملة أولئك المخدوعين بهذه الشعارات، إذ قد ذكر المؤرخون، ومنهم أبو الفرج في مقاتل الطالبيين ص 168، وغيره: أنه بعد أن استظهر ابن ضبارة علي عبد الله ابن معاوية توجه عبد الله إلي خراسان، وكان أبو مسلم قد ظهر بها، فخرج إلي أبي مسلم طمعا في نصرته! فأخذه أبو مسلم، فحبسه، ثم قتله.. (٣٢) صفحهمفاتيح البحث: خراسان (1)، الفرج (1)
وهذا يدل دلالة واضحة علي أن عبد الله بن معاوية كان يظن أن أبا مسلم سوف ينصره، وأنه - يعني أبا مسلم - كان يدعو إلي أهل البيت، والرضا من آل محمد علي الحقيقة، ولم يخطر في باله: أن الدعوة كانت للعباسيين، وبتدبير من أعظم داهية فيهم!!..
بل لعلنا نستطيع أن نقول: إن محمد بن علي قد استطاع أن يخفي هذا الأمر حتي عن ولديه: السفاح، والمنصور، ولذا نراهما قد التحقا مع جميع بني هاشم العباسيين والعلويين علي حد سواء، وبعض الأمويين (1) ووجوه قريش بعبد الله بن معاوية الخارج سنة 127 ه. في الكوفة، ثم في شيراز، حيث تغلب علي: فارس، وكورها، وعلي حلوان، وقومس، وإصبهان، والري وعلي مياه الكوفة، وعلي مياه البصرة، وعلي همدان، وقم، وإصطخر، وعظم أمره جدا (2).
وقد تولي المنصور من قبل عبد الله بن معاوية هذا علي " إيذج " (3) كما تولي غيره غير ذلك من الأمصار. فقبول المنصور لولاية " إيذج " من قبله، باعتباره من الهاشميين يكشف عن أنه لم يكن بعلم: أن والده كان ابتداءا من سنة مئة، أي قبل خروج عبد الله بن معاوية ب " 28 " سنة يسعي جاهدا، ويشقي ويتعب في تدبير الأمر للعباسيين، وتركيز الدعوة لهم.. وإنما كان يعلم أن الدعوة كانت لأهل البيت، والرضا من (١) الأغاني ج ١١ ص ٧٤، ومقاتل الطالبيين ص ١٦٧، والوزراء والكتاب ص ٩٨.
(٢) راجع أنساب الأشراف ص ٦٣، والأغاني ج ١١ ص ٧٤، ومقاتل الطالبيين ص ١٦٧، والبداية والنهاية ج ١٠ ص ٢٥، ٢٦، و ص ٣، وعمدة الطالب، وزاد في تاريخ الجنس العربي: المدائن، ونيسابور.
(٢) أنساب الأشراف للبلاذري ص ٦٣، وعمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب طبع بمبئي ص ٢٢، والوزراء والكتاب ص ٩٨ و ٩٩، وفرج المهموم في تاريخ علماء النجوم ص 210، وفيه: أن سليمان بن حبيب بن المهلب أخذه، فحبسه، وأراد قتله، فسلم المنصور منه بعد أن أشرف علي القتل.. وليراجع الجهشياري أيضا. (٣٣) صفحهمفاتيح البحث: الدولة الأموية (1)، مدينة الكوفة (2)، مدينة البصرة (1)، بنو هاشم (1)، محمد بن علي (1)، الظنّ (1)، كتاب انساب الأشراف للبلاذري (2)، كتاب البداية والنهاية (1)، القتل (3)
آل محمد - المنطبق - بالطبع - علي العلويين أكثر من غيرهم علي الاطلاق.
وإلا فلو كان لمحمد بن علي دعوة واضحة، ومشهورة، ومتميزة، وكان المنصور يعلم بها لكان توليه لايذج من قبل عبد الله بن معاوية مضرا جدا في دعوة أبيه، وضربة قاضية لها.
اللهم إلا أن يكون ثمة غرض آخر أهم، فيكون ذلك منهم حنكة ودهاء - كأن يكون نظرهم إلي أنه: لو نجحت دعوتهم، فبها.
وإلا.. فلو نجحت دعوة عبد الله بن معاوية، فباستطاعتهم أن يحتفظوا فيها بمراكزهم، ونفوذهم، إذ لهم أن يقولوا: إننا كنا من المعاونين والمساهمين في هذه الدعوة.. كما أن بذلك تنصرف أنظار الحكام عنهم، ويأمن العلويون جانبهم، فلا يناهضون دعوتهم ولا يقفون في وجهها.
وبهذه الأسباب نستطيع أن نفسر بيعة العباسيين جميعا، أكثر من مرة لمحمد بن عبد الله العلوي، وبه أيضا نفسر جواب المنصور لسائله عن محمد بن عبد الله هذا، حيث قال: " هذا محمد بن عبد الله بن الحسن ابن الحسن، مهدينا أهل البيت " ويأخذ بركابه. ويسوي عليه ثيابه (1).
وأيضا قوله في مجلس البيعة لمحمد هذا: " ما الناس أصور أعناقا، ولا أسرع إجابة منهم لهذا الفتي. " كما سيأتي.
ومما يوضح أيضا مدي تكتم العباسيين بأمر دعوتهم، أن: إبراهيم الإمام قد بشر بأنه قد أخذت له البيعة بخراسان - وهو في نفس الاجتماع الذي كان قد عقد ليجددوا فيه البيعة لمحمد بن عبد الله بن الحسن. وسيأتي المزيد من الشواهد لهذا أيضا إن شاء الله تعالي.
وهكذا. فإن النتيجة تكون هي: أن العباسيين ظلوا يتسترون (١) مقاتل الطالبيين ص ٢٣٩، 240. (٣٤) صفحهمفاتيح البحث: عبد الله بن الحسن (ع) (1)، عبد الله العلوي (1)، محمد بن عبد الله (2)، محمد بن علي (1)، خراسان (1)، كتاب مقاتل الطالبيين لأبو الفرج الأصفهاني (1)
بالعلويين، ويخدعونهم، علي اعتبار أنهم لو نجحوا في دعوتهم السرية، فإن بيعتهم للعلويين، ودعوتهم، لهم لا تضرهم، وإذ ما فشلوا فإنهم سوف يحتفظون بنفوذهم ومراكزهم في دولة أبناء عمهم.
هذا مجمل الكلام بالنسبة للدعوة العباسية، ولكن طبيعة البحث تفرض علينا التوسع في بيان المراحل التي مرت بها هذه الدعوة، ولا سيما فيما يتعلق بربطها بأهل البيت عليهم السلام، والعلويين، ومدي اعتمادهم علي هذا الربط. فنقول:
لا بد من ربط الثورة بأهل البيت.
إن كان لا بد للعباسيين من ربط الثورة والدعوة بأهل البيت عليهم السلام، حيث إنهم كانوا بحاجة إلي:
أولا: صرف أنظار الحكام عنهم.
ثانيا: كسب ثقة الناس بهم، والحصول علي تأييدهم لهم.
ثالثا: أن لا تقابل دعوتهم بالاستغراب، والاستهجان، حيث إنهم لم يكونوا معروفين في أقطار، وأنحاء الدولة الإسلامية المترامية الأطراف، ولا كان يعرف أحد لهم حقا في الدعوة لأنفسهم، كما هو الحال بالنسبة إلي العلويين، مما يجعل الدعوة لهم مع وجود العلويين مستغربة ومستهجنة إلي حد ما.
رابعا: - وهو أهم ما في الأمر - أن يطمئن إليهم العلويون، ويثقوا بهم. حتي لا تكون لهم دعوة في مقابل دعوتهم، لأن ذلك بلا شك سوف يضعفهم، ويوهن قوتهم، لما يتمتع به العلويون من نفوذ ومكانة في نفوس الناس بشكل عام.
ولهذا نري أبا سلمة الخلال، يعتذر لأبي العباس السفاح، عن كتابته (٣٥) صفحهمفاتيح البحث: أهل بيت النبي صلي الله عليه وآله (1)، الكسب (1)
للإمام الصادق عليه السلام، بأن يجعل الدعوة باسمه، ويبايعه - يعتذر - بأنه: " كان يدبر استقامة الأمر (1) ".
نعم. لقد كان لربطهم الثورة بأهل البيت عليهم السلام أثر كبير في نجاح ثورتهم، وظهور دعوتهم. وقد أكسبها ذلك قوة ومنعة، وجعلها في منأي ومأمن من طمع الطامعين، وتطلع المتطلعين، الذين كانوا يرجون لأنفسهم حظا من الحياة الدنيا، وما أكثرهم.
كما وأن ذلك قد أثر أثرا بالغا في اكتسابهم عطف الأمة، وتأييدها، وخصوصا الخراسانيين، الذين كانوا لا يزالون يعيشون الإسلام بعيدا عن أهواء المبتدعين، وتلاعب المتلاعبين، والذين: " وإن كانوا أقل غلوا (أي من أهل الكوفة)، فقد كانوا أكثر حماسة للدعوة لأهل البيت " (2)، وذلك لأنهم لم يعاملوا معاملة حسنة في الواقع، ولم يسر فيهم بسيرة محمد والقرآن إلا علي بن أبي طالب عليه السلام (3).
كما أنهم لم ينسوا بعد ما لاقوه في الدولة الأموية من العسف والتنكيل، ولذا فمن الطبيعي أن نراهم مستعدين لتقبل أية دعوة لأهل البيت عليهم السلام، والتفاعل معها، بل والتفاني في سبيلها. كما أن بلدهم كان بعيدا من مركز الخلافة بالشام ولم يكن فيه فرق وأحزاب متناحرة كالعراق الذي كان فيه شيعة وخوارج ومرجئة وغير ذلك، وكانت وطأة الحكم العباسي علي العراق ومراقبتهم لكل حركة فيه أشد منها في خراسان.
وبالفعل لقد شيد الخراسانيون، الذين كانوا يحبون أهل البيت عليهم السلام أركان دولة بني العباس، وقامت خلافتهم علي أكتافهم، واستقامت (1) تاريخ اليعقوبي ج 3 ص 87.
(2) السيادة العربية، والشيعة، والإسرائيليات ص 106.
(3) نفس المصدر ص 39. (٣٦) صفحهمفاتيح البحث: أهل بيت النبي صلي الله عليه وآله (2)، الإمام جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام (1)، الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام (1)، الدولة الأموية (1)، دولة العراق (2)، مدينة الكوفة (1)، بنو عباس (1)، القرآن الكريم (1)، خراسان (1)، الشام (1)، الخوارج (1)
لهم الأمور بفضل سواعدهم، وأسيافهم، وسيأتي إن شاء الله المزيد من الكلام عن الإيرانيين، وعن سر تشيعهم، وخاصة الخراسانيين منهم في فصل: ظروف المأمون الخ. وغيره من الفصول.
المراحل التي مرت بها عملية الربط:
ولقد مرت عملية الربط هذه بثلاث مراحل أو أربع، طبقا للظروف التي كانت قائمة آنذاك. وإن كانت هذه المراحل قد تبدو متداخلة.
وغير مميزة في أحيان كثيرة (1). إلا أن ذلك كان تبعا للظروف المكانية، والزمانية، والاجتماعية، التي كانت تتفاوت وتختلف باستمرار إلي حد كبير.. وهذه المراحل هي:
الأولي: دعوتهم في بادئ الأمر " للعلويين " الثانية: دعوتهم إلي: " أهل البيت "، و " العترة ".
الثالثة: دعوتهم إلي " الرضا من آل محمد ".
الرابعة: ادعاؤهم الخلافة بالإرث، مع حرصهم علي ربط الثورة بأهل البيت، بدعوي: أنهم إنما خرجوا للأخذ بثارات العلويين.
وليرفعوا عنهم الظلم الذي حاق بهم.
المرحلة الأولي:
وإذ قد عرفنا أن الدعوة كانت في بدء أمرها للعلويين، فلا يجب (1) قال في العيون والحدائق ص 180: " وكان قد انتشر في خراسان دعاة من الشيعة، وقد انقسموا قسمين: قسم منهم يدعو إلي آل محمد علي الاطلاق، والقسم الثاني يدعو إلي أبي هاشم بن محمد بن الحنفية، وكان المتولي لهذه الدعوة إلي آل رسول الله صلي الله عليه وآله ابن كثير، وكان الدعاة يرجعون في الرأي والفقه إلي أبي سلمة الخ.. ". (٣٧) صفحهمفاتيح البحث: الظلم (1)، أهل بيت النبي صلي الله عليه وآله (1)، محمد بن الحنفية إبن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام (1)، خراسان (1)
أن نستغرب كثيرا، إذا قيل لنا: إن جلة العباسيين، حتي إبراهيم الإمام، والسفاح، والمنصور كانوا قد بايعوا للعلويين أكثر من مرة، وفي أكثر من مناسبة، فإن ذلك ما كان إلا ضمن خطة مرسومة، وضعت بعناية فائقة، بعد دراسة معمقة لظروفهم مع العلويين خاصة، ومع الناس بشكل عام.
ويمكن أن نعتبر بيعتهم هذه هي المرحلة الأولي من تلك المراحل المشار إليها آنفا.
فنراهم عدا تعاونهم الواضح مع عبد الله بن معاوية، قد بايعوا محمد ابن عبد الله بن الحسن أكثر من مرة أيضا، فقد:
" اجتمع آل عباس، وآل علي عليه السلام بالأبواء، علي طريق مكة، وهناك قال صالح بن علي: " إنكم القوم الذين تمتد إليهم أعين الناس، فقد جمعكم الله في هذا الموضع، فاجتمعوا علي بيعة أحدكم، فتفرقوا في الآفاق، فادعوا الله، لعل أن يفتح عليكم، وينصركم "، فقال أبو جعفر، أي المنصور: " لأي شئ تخدعون أنفسكم؟ والله، لقد علمتم: ما الناس أصور (أي أميل) أعناقا، ولا أسرع إجابة منهم إلي هذا الفتي "، يريد محمد بن عبد الله العلوي.
قالوا: " قد والله صدقت، إنا لنعلم هذا "، فبايعوا جميعا محمدا، وبايعه إبراهيم الإمام، والسفاح، والمنصور، وصالح بن علي، وسائر من حضر " طبعا ما عدا الإمام الصادق عليه السلام. ".
وخرج دعاة بني هاشم عند مقتل الوليد بن يزيد، فكان أول ما يظهرونه فضل علي بن أبي طالب وولده، وما لحقهم من القتل، والخوف، والتشريد، فإذا استتب لهم الأمر ادعي كل فريق الوصية إلي من يدعو إليه.
ولم يجتمعوا (أي المتبايعون الآنف ذكرهم) إلي أيام مروان بن (٣٨) صفحهمفاتيح البحث: الإمام جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام (1)، الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام (1)، عبد الله بن الحسن (ع) (1)، مدينة مكة المكرمة (1)، علي بن أبي طالب (1)، عبد الله العلوي (1)، بنو هاشم (1)، صالح بن علي (2)، القتل (2)، الوصية (1)
محمد، ثم اجتمعوا يتشاورون، إذ جاء رجل إلي إبراهيم الإمام، فشاوره بشئ، فقام وتبعه العباسيون، فسأل العلويون عن ذلك، فإذا الرجل قد قال لإبراهيم: " قد أخذت لك البيعة بخراسان، واجتمعت لك الجيوش. ".
بل لقد بايع المنصور محمد بن عبد الله العلوي مرتين: إحداهما:
بالأبواء علي طريق مكة. والأخري: بالمدينة. وبايعه مرة ثالثة أيضا:
في نفس مكة، وفي المسجد الحرام بالذات.
ومن هنا نعرف السبب في حرص السفاح والمنصور علي الظفر بمحمد ابن عبد الله العلوي، فإن ذلك لم يكن إلا بسبب ما كان له في أعناقهما من البيعة (1). (١) قد اقتبسنا هذه النصوص كلها من كثير من المراجع، وخصوصا: مقاتل الطالبيين، لأبي الفرج الأصفهاني، صاحب الأغاني ص ٢٣٣، ٢٣٤. ٢٥٦، ٢٥٧، ٢٩٥، وغيرها. وعلي كل فإن كون الدعوة العباسية كانت في بدء أمرها باسم العلويين، يبدو مما لا شك فيه، ومما اتفقت عليه كلمات المؤرخين، والنصوص التاريخية، التي سوف نشير إلي شطر منها في هذا الفصل..
ولا بأس أن يراجع بالإضافة إلي مقاتل الطالبيين في الصفحات المشار إليها: النصوص التي وردت في: النزاع والتخاصم للمقريزي ص ٥٠، وتاريخ ابن خلدون ج ٤ ص ٣، و ج ٣، ص ١٨٧، والفخري في الآداب السلطانية ص ١٦٤، ١٦٥، وتاريخ التمدن الإسلامي ج ٤ ص ٣٩٧، ٣٩٨، والبحار ج ٤٧ ص ١٢٠ و ص ٢٧٧، وعمدة الطالب، طبع بيروت ص ٨٤، والخرائج والجرائح ص ٢٤٤، وجعفر ابن محمد، لعبد العزيز سيد الأهل ص ١١٥، فما بعدها، وغاية الاختصار ص ٢٢، وإعلام الوري ص ٢٧١، ٢٧٢، وإرشاد المفيد ص ٢٩٤، ٢٩٦، وكشف الغمة ج ٢ ص ٣٨٣، 384، وابن أعثم الكوفي في كتابه: الفتوح علي ما نقله في طبيعة الدعوة العباسية،. وأشار الطبري إلي ذلك في تاريخه ج 10 ص 143، فقال:
قد ذكروا أن محمدا كان يذكر أبا جعفر ممن بايعه ليلة تشاور بنو هاشم بمكة فيمن يعقدون له الخلافة، حين اضطرب أمر بني مروان.. وأشار إلي ذلك أيضا ابن الأثير ج 4 ص 270، ويراجع أيضا شرح ميمية أبي فراس ص 114، و ص 104.
105، وغير هؤلاء كثير. (٣٩) صفحهمفاتيح البحث: مدينة مكة المكرمة (3)، عبد الله العلوي (2)، مسجد الحرام (1)، خراسان (1)، السب (1)، أهل بيت النبي صلي الله عليه وآله (1)، كتاب الإرشاد للشيخ المفيد (1)، كتاب الخرائج والجرائح للقطب الراوندي (1)، كتاب الفتوح لأحمد بن أعثم الكوفي (1)، كتاب إعلام الوري بأعلام الهدي (1)، كتاب مقاتل الطالبيين لأبو الفرج الأصفهاني (2)، أبو الفرج الإصبهاني (الإصفهاني) (1)، كتاب كشف الغمة للإربلي (1)، مدينة بيروت (1)، إبن الأثير (1)، بنو هاشم (1)، عبد العزيز (1)
وقد ذكر أبو فراس الحمداني هذه البيعة في قصيدته المشهورة، المعروفة ب " الشافية " فقال:
بئس الجزاء جزيتم في بني حسن * أباهم العلم الهادي وأمهم لا بيعة ردعتكم عن دمائهم * ولا يمين، ولا قربي، ولا ذمم وذكر ابن الأثير: أن عثمان بن محمد، بن خالد بن الزبير، هرب بعد مقتل محمد إلي البصرة، فأخذ وأتي به إلي المنصور، فقال له المنصور: يا عثمان، أنت الخارج علي مع محمد؟!. قال له عثمان:
بايعته أنا وأنت بمكة، فوفيت ببيعتي، وغدرت ببيعتك. فشتمه المنصور، فأجابه، فأمر به فقتل (1).
وذكر البيهقي: أنه لما حمل رأس محمد بن عبد الله بن الحسن إلي المنصور، من مدينة الرسول، صلي الله عليه وآله وسلم، قال لمطير بن عبد الله: " أما تشهد أن محمدا بايعني؟. " قال: " أشهد بالله، لقد أخبرتني أن محمدا خير بني هاشم، وأنك بايعت له. " قال: يا ابن الزانية الخ:
وكانت النتيجة: أن المنصور أمر به، فوتد في عينيه، فما نطق!. (2) إلي آخر ما هنالك من النصوص الكثيرة، التي يتضح معها بما لا مجال معه للشك: أن الدعوة كانت في بدء أمرها لخصوص العلويين، وباسمهم، ثم استغلت بعد ذلك لمصلحة العباسيين.
المرحلة الثانية.
ثم رأينا بعد ذلك: كيف أن الدعوة العباسية تستبعد العلويين. (1) الكامل لابن الأثير ج 5 ص 12.
(2) المحاسن والمساوي للبيهقي ص 482. (٤٠) صفحهمفاتيح البحث: الرسول الأكرم محمد بن عبد الله صلي الله عليه وآله (1)، عبد الله بن الحسن (ع) (1)، مدينة مكة المكرمة (1)، ابو فراس الحمداني (1)، إبن الأثير (1)، مدينة البصرة (1)، بنو هاشم (1)، محمد بن خالد (1)، القتل (2)، الشهادة (1)، كتاب الكامل لإبن الأثير (1)
وتتحاشي التصريح باسمهم، بطريقة فيها الكثير من الدهاء، والسياسة، حيث اقتصروا في دعوتهم - بعد ذلك - علي أنها ل " أهل البيت "، و " العترة " وهذه هي المرحلة الثانية من المراحل الأربع التي أشرنا إليها.
وكان الناس لا يفهمون من كلمة: " أهل البيت " إلا العلويين، لانصراف الأذهان إليهم عند إطلاق هذه العبارة، وذلك بسبب الآيات والروايات الكثيرة، التي استخدمت هذا التعبير للدلالة عليهم، دون غيرهم.
فهذا أبو داود يقول للنقباء: ".. أفتظنونه - أي النبي صلي الله عليه وآله - خلفه - أي العلم - عند غير عترته، وأهل بيته، الأقرب، فالأقرب؟!.
إلي أن قال: أفتشكون أنهم معدن العلم، وأصحاب ميراث رسول الله صلي الله عليه وآله؟!. (1) " وهذا أبو مسلم الخراساني القائم بالدولة العباسية، يكتب إلي الإمام الصادق صلي الله عليه وآله وسلم، ويقول: " إني دعوت الناس إلي موالاة أهل البيت، فإن رغبت فيه، فأنا أبايعك؟. ".
فأجابه الإمام صلي الله عليه وآله وسلم: ". ما أنت من رجالي، ولا الزمان زماني "، ثم جاء أبو مسلم، وبايع السفاح، وقلده الخلافة (2).
وقال السيد أمير علي بعد أن ذكر ادعاء العباسيين للوصاية من أبي هاشم: ". وقد لاقت هذه القصة بعض القبول في بعض المناطق الإسلامية. أما عند عامة المسلمين، الذين كانوا يتعلقون بأحفاد محمد، (1) الطبري، طبع ليدن ج 9 ص 1961.
(2) الملل والنحل للشهرستاني، طبع مؤسسة الحلبي في القاهرة ج 1 ص 154، وطبع العنانية ص 87، وينابيع المودة للحنفي ص 381، نقلا عن: فصل الخطاب، لمحمد بارسا البخاري. (٤١) صفحهمفاتيح البحث: الرسول الأكرم محمد بن عبد الله صلي الله عليه وآله (1)، الدولة العباسية (العباسيون) (1)، الوراثة، التراث، الإرث (1)، كتاب فصل الخطاب لسليمان أخ محمد بن عبد الوهاب (1)، كتاب ينابيع المودة (1)
فقد ظل دعاة العباسيين يؤكدون لهم أنهم يعملون لحساب: أهل البيت، وحتي ذلك الوقت كان العباسيون يظهرون الولاء التام لبني فاطمة، ويخلعون علي حركتهم، وعلي سياساتهم مظهر الوصول إلي هدف ضمان العدالة، والحق لأحفاد محمد. وكان ممثلوا أهل البيت، ومحبوهم، ولا يخامرهم الشك في الغدر، الذي تبطنه هذه الاعترافات من العباسيين، فشملوا محمد بن علي، وجماعته بعطفهم وحمايتهم، الذين كانوا في حاجة إليهما. " (1).
ويقول: ". وكانت كلمة: " أهل البيت " هي السحر الذي يؤلف بين قلوب مختلف طبقات الشعب، ويجمعهم حول الراية السوداء. " (2).
المرحلة الثالثة:
ثم تأتي المرحلة الثالثة، ويتقلص ظل العلويين، وأهل البيت عن هذه الدعوة، أكثر فأكثر، كلما ازدادت قوتها، واتسع نفوذها، حيث رأينا أخيرا إنها اتسعت بحيث تستطيع أن تشمل العباسيين أيضا مع العلويين.
حيث أصبحت إلي: " الرضا من آل محمد "، وإن كانوا لا يزالون يذكرون فضل علي، وما لحق ولده من القتل والتشريد، كما يتضح بأدني مراجعة لكتب التاريخ.
وهذه العبارة، وإن كانت لا تختلف كثيرا عن عبارة: " العترة، وأهل البيت "، ونحوها. إلا أنها كانت في أذهان العامة أبعد من أن يراد بها العلويون علي الخصوص. ولكن مع ذلك بقيت الجماهير (1) روح الإسلام ص 306 و 308. ولا بأس بمراجعة ما ورد في كتاب الإمام الصادق والمذاهب الأربعة ج 1 جزء 2 ص 532. والسيادة العربية والشيعة والإسرائيليات ص 94. وإمبراطورية العرب ص 406، وطبيعة الدعوة العباسية، وغير ذلك.
(2) تقدم تحت رقم 1. (٤٢) صفحهمفاتيح البحث: محمد بن علي (1)، القتل (1)، الصدق (1)
تعتقد أن الخليفة سيكون علويا، كما كان العلويون يعتقدون ذلك.. " (1) علي حد تعبير أحمد شلبي. وإذا صح هذا، وفرض - ولو بعيدا - أن شعار: الرضا من آل محمد لا يختلف عن شعار: العترة، وأهل البيت في أذهان عامة الناس، فلسنا نصر علي جعل هذا مرحلة مستقلة، بل يكون داخلا فيما سبقه، وتكون المراحل حينئذ ثلاثة، لا أربعة.
ملاحظات لا بد منها في المرحلة الثالثة:
وقبل الانتقال إلي الكلام علي المرحلة الرابعة، والأخيرة، لا بد من ملاحظة أمور:
أ: إنهم في نفس الوقت الذي نراهم فيه يبعدون الدعوة عن أهل البيت، كما يدلنا عليه قول محمد بن علي العباسي لبكير بن ماهان:
" وحذر شيعتنا التحرك في شئ مما تتحرك فيه بنو عمنا آل أبي طالب، فإن خارجهم مقتول، وقايمهم مخذول، وليس لهم من الأمر نصيب " وسنأخذ بثأرهم.. " (2).
وكما يدلنا عليه ما رواه الطبري من أن محمد بن علي نهي دعاته عن رجل اسمه: غالب، لأنه كان مفرطا في حب بني فاطمة (3).
نراهم من جهة ثانية: وحتي لا يصطدموا بالعلويين وجها لوجه.
كانوا في جميع مراحل دعوتهم يتكتمون جدا باسم الخليفة، الذي يدعون الناس إليه، وإلي بيعته، بل إن الشخص الذي كانوا يدعون (1) التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية لأحمد شلبي ج 3 ص 20.
(2) طبيعة الدعوة العباسية 152، نقلا عن: مخطوطة العباسي ص 93 أ، 93 ب.
(3) راجع: تاريخ الجنس العربي ج 8 ص 411. (٤٣) صفحهمفاتيح البحث: محمد بن علي (2)
الناس إليه، وإلي بيعته.. بل وكان الناس يبايعونه ما كانوا يعرفونه، بل يعرفه الدعاة فقط، وعلي الناس أن يبايعوا إلي " الرضا من آل محمد " ولا بأس بمراجعة نص البيعة في تاريخ التمدن الإسلامي، المجلد الأول، الجزء الأول ص 125.
ولعل هدفهم من ذلك كان أيضا: هو أن لا يربطوا الدعوة بفرد معين، حتي لا تضعف إذا ما مات، أو اغتيل..
وعلي كل فقد نص ابن الأثير في الكامل ج 4 ص 310، حوادث سنة 130 علي أن أبا مسلم كان يأخذ البيعة إلي الرضا من آل محمد.
ومثل ذلك كثير في كلمات المؤرخين، وإليك بعض النصوص التاريخية، التي تدل علي ذلك:.
ففي الكامل، ج 4 ص 323 نص علي أن محمد بن علي بعث داعيا إلي خراسان يدعو إلي " الرضا من آل محمد " ولا يسمي أحدا، ولعل الذي أرسله هو أبو عكرمة الآتي ذكره.
وقد قال محمد بن علي العباسي لأبي عكرمة: " فلتكن دعوتك إلي: " الرضا من آل محمد "، فإذا وثقت بالرجل، في عقله، وبصيرته، فاشرح له أمركم.
وليكن اسمي مستورا من كل أحد، إلا عن رجل عدلك في نفسك، وتوثقت منه، وأخذت بيعته. ".
ثم أمره بالتحاشي عن الفاطميين (1).
ويقول أحمد شلبي: ". كانوا (أي العباسيون) يوهمون العلويين بأنهم يعملون لهم. ولكنهم في الواقع كانوا يعملون لأنفسهم " (2). (1) طبيعة الدعوة العباسية ص 155، نقلا عن: CID. OP ص 95 أ / 95 ب.
(2) التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية ج 3 ص 20. (٤٤) صفحهمفاتيح البحث: إبن الأثير (1)، محمد بن علي (2)، خراسان (1)، الموت (1)، الهدف (1)
ويقول أحمد أمين: ". ومع هذا فكان من إحكام أمرهم أنهم لم يكونوا يصرحون عند دعوتهم في كثير من المواقف باسم الإمام، ليتجنبوا انشقاق الهاشميين بعضهم علي بعض. " (1).
ولو كان الخليفة معينا ومعروفا عند الناس، لما استطاع أبو مسلم، وأبو سلمة، وسليمان الخزاعي، أن يكاتبوا الإمام الصادق عليه السلام، وغيره من العلويين، أنهم يبايعونهم، ويجعلون الدعوة لهم. وباسمهم.
وقد تقدمت رسالة أبي مسلم للإمام الصادق عليه السلام، التي يصرح فيها بأنه، إنما دعا الناس إلي موالاة أهل البيت فقط، أي من دون تصريح باسم أحد.
وقد قال أحدهم: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام، فأتاه كتاب أبي مسلم، فقال: " ليس لكتابك جواب. أخرج عنا " (2).
وقال السيد أمير علي عن أبي مسلم: " وقد ظل إلي هذا الوقت مواليا، بل مخلصا، بل متحمسا لأبناء علي (3) ".
وقال صاحب قاموس الأعلام: " وعرض أبو مسلم الخراساني الخلافة ابتداءا علي الإمام الصادق، فلم يقبلها (4) ". (١) ضحي الإسلام ج ٣ ص ٣٨٠، ٣٨١.
(٢) روضة الكافي ص ٢٧٤، والبحار ج ٤٧ ص ٢٩٧.
(٣) روح الإسلام ص ٣٠٦.
(٤) راجع المجلد الأول، الجزء الأول من كتاب: الإمام الصادق والمذاهب الأربعة ص ٥٧، نقلا عن: قاموس الأعلام ج ٣ ص ١٨٢١ طبع استانبول تأليف:
ش. سامي.
ورغم أن أبا مسلم قد قضي علي عدة ثورات قامت باسم العلويين، علي ما في كتاب:
طبيعة الدعوة العباسية ص 251، 253، فإننا نعتقد أن رسائله هذه، ورسائله التي أرسلها إلي المنصور يظهر فيها الندم علي أنه زوي الأمر عن أهله، ووضعه في غير محله. هي السر، والسبب الحقيقي الكامن وراء قتله، مع أنه مؤسس الدولة العباسية (ومن سل سيف البغي قتل به)، ومشيد أركانها. وقد استظهر ذلك أيضا المستشرق العلامة (بلوشيه) علي ما في كتاب طبيعة الدعوة العباسية ص 251، وأشار إليه أيضا السيد أمير علي في كتابه: روح الإسلام ص 311. (٤٥) صفحهمفاتيح البحث: الإمام جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام (2)، الصدق (2)، الدولة العباسية (العباسيون) (1)، القتل (2)
وأما أبو سلمة: فإنه عندما خاف من انتقاض الأمر عليه، بسبب موت إبراهيم الإمام، أرسل - والسفاح في بيته - إلي الإمام الصادق عليه السلام يطلب منه القدوم عليه ليبايعه، وتكون الدعوة باسمه، كما أنه كتب بمثل ذلك إلي عبد الله بن الحسن. لكن الإمام عليه السلام، الذي كان في منتهي اليقظة والحزم. رفض الطلب، وأحرق الكتاب، وطرد الرسول (1).
وقد نظم أبو هريرة الأبار، صاحب الإمام الصادق عليه السلام هذه الحادثة شعرا، فقال:
ولما دعا الداعون مولاي لم يكن * ليثني إليه عزمه بصواب ولما دعوه بالكتاب أجابهم * بحرق الكتاب دون رد جواب (١) مروج الذهب ج ٣ ص ٢٥٣، ٢٥٤، وينابيع المودة ص ٣٨١، وتاريخ اليعقوبي ج ٣ ص ٨٦، والوزراء والكتاب ص ٨٦، وهامش ص ٤٢١ من إمبراطورية العرب، والفخري في الآداب السلطانية ص ١٥٤، ١٥٥ وروح الإسلام ص ٣٠٨، وعمدة الطالب، طبع بيروت ص ٨٢، ٨٣، والكامل لابن الأثير.
ونقله في المناقب لابن شهرآشوب ج ٤ ص ٢٢٩، والبحار ج ٤٧، ص ١٣٢ عن ابن كادش العكبري في: مقاتل العصابة. لكنهما (أعني المناقب والبحار) ذكرا أن الذي كتب للإمام هو أبو مسلم.. وفي المناقب ج 4 آخر ص 229، والبحار ج 47 ص 133 نقلا عن رامش الأفزاري أن الذي كتب إلي الإمام هو أبو مسلم الخلال!!.
وواضح أن هذا هو السبب الحقيقي لقتل أبي سلمة، وقد صرح بذلك جمع من المؤرخين والباحثين. (٤٦) صفحهمفاتيح البحث: الإمام جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام (1)، عبد الله بن الحسن (ع) (1)، أبو هريرة العجلي (1)، الخوف (1)، الرفض (1)، كتاب الكامل لإبن الأثير (1)، كتاب مروج الذهب للمسعودي (1)، كتاب ينابيع المودة (1)، مدينة بيروت (1)، ابن شهرآشوب (1)، القتل (2)، السب (1)
وما كان مولاي كمشري ضلالة * ولا ملبسا منها الردي بثواب ولكنه لله في الأرض حجة * دليل إلي خير، وحسن مآب (1) وكتب إليه أبو سلمة أيضا مرة ثانية، عندما أقبلت الرايات: " إن سبعين ألف مقاتل وصل إلينا، فانظر أمرك ". فأجابه الإمام بالرفض أيضا (2).
وأما سليمان الخزاعي: المدبر الحقيقي للثورة في خراسان، فإنه اتصل بعبد الله بن الحسين الأعرج، وهما يسايران أبا جعفر المنصور في خراسان، عندما أرسله السفاح إليها، قال سليمان لعبد الله: " إنا كنا نرجو أن يتم أمركم، فإذا شئتم فادعونا إلي ما تريدون!! "، فعلم أبو مسلم بالأمر، فقتل سليمان هذا (2).
بل إن هذا إن دل علي شئ فإنما يدل علي أن كثيرا من الدعاة ما كانوا يعرفون: أن الخليفة سيكون عباسيا، فضلا عن أن يكونوا يعرفونه باسمه الصريح.
قال الدكتور فاروق عمر: " علي أننا نستطيع القول: إن اسم الإمام كان معروفا لدي الحلقات الخاصة من الشيعة الهاشمية، أو العباسية، وأن الكثير من الأنصار، الذين ساندوا الثورة، ومنهم ابن الكرماني نفسه، لم يكن يعرف أن " الرضا من آل البيت " سيكون عباسيا، مع أن ابن الكرماني كان قائدا كبيرا، وكان يطمع إلي الاستيلاء علي (1) مناقب ابن شهرآشوب ج 4 ص 230، والبحار ج 47، ص 133.
(2) مناقب ابن شهرآشوب ج 4 ص 229، والبحار ج 47 ص 133، والإمام الصادق والمذاهب الأربعة ج 1 ص 47.
(3) الطبري ج 10 ص 132، والإمامة والسياسة ج 2 ص 125. (٤٧) صفحهمفاتيح البحث: عبد الله بن الحسين (1)، خراسان (2)، القتل (2)، الضلال (1)، الحج (1)، ابن شهرآشوب (2)
خراسان (1). ".
ب: يلاحظ أن العباسيين قد موهوا علي الناس، واستطاعوا أن يخدعوهم. حيث خيلوا لهم في بادئ الأمر أن الثورة كانت للعلويين.
ثم بدءوا يعدون العدة لما سوف يقولون للناس عند اكتشافهم لحقيقة الأمر، فصنعوا سلسلة الوصاية المعروفة عنهم من علي بن أبي طالب، إلي محمد ابن الحنفية، وإلي أبي هاشم، فإلي علي بن عبد الله بن العباس.
وهكذا. وهي في الحقيقة نفس عقيدة الكيسانية، كما سنشير إليها في بعض الهوامش الآتية.
وقد جازت حيلتهم هذه علي الناس، الذين كانوا يظنون أنهم يعملون للعلويين (2)، حتي لقد خفي أمرهم عن عبد الله بن معاوية حسبما قدمنا، بل لقد كان من جملة المخدوعين، الذين اكتشفوا الحقيقة بعد فوات الأوان، سليمان الخزاعي، الذي تقدم أنه - باعترافه - كان يرجو هذا الأمر للعلويين، وأبو مسلم الخراساني الذي صارح المنصور بأن السفاح كان قد خدعه. وأنه خدع أيضا من قبل إبراهيم الإمام، حيث ادعيا الوصاية والإمامة، وحرفا الآيات الواردة في أهل البيت لتنطبق عليهم، مما كان من نتيجته أن زوي الأمر عن أهله، ووضعه (1) طبيعة الدعوة العباسية ص 209. ولقد اشتبه الأمر علي الدكتور فاروق عمر، فإن ابن الكرماني كان من عمال الأمويين، ولم يكن من الشيعة في أي وقت من الأوقات، وإنما استماله أبو مسلم توطئة للغدر به.. ولم يكن أبو مسلم ولا غيره من الدعاة والنقباء ليصرحوا لعدوهم بمثل هذا الأمر الذي يخفونه عن أخص الناس بهم، بل حتي عمن هم مثل المنصور.
(2) إمبراطورية العرب ص 206، وغير ذلك كثير. (٤٨) صفحهمفاتيح البحث: عبد الله بن عباس (1)، علي بن أبي طالب (1)، خراسان (1)، الظنّ (1)، الدولة الأموية (1)
في غير محله (1).
أما انخداع ابن الكرماني فهو من الأمور الواضحة والمعروفة. بل لقد رأينا البعض يذكر أن أبا سلمة الخلال كان أيضا من جملة المخدوعين، حيث كان يتوهم: أن الخليفة سيكون علويا لا عباسيا (2).
ج: ومما تجدر الإشارة إليه هنا، هو ما تقدم: من رفض الإمام القاطع لعرض كل من أبي سلمة، وأبي مسلم في جعل الدعوة له، وباسمه.
وما ذلك إلا لعلمه عليه السلام: بأن هؤلاء ليس لهم من هدف، إلا الوصول إلي مأربهم من الحكم والسلطان، ثم يتخلصون من كل من لا يعودون بحاجة إليه، إذا اعتبروه عقبة في طريقهم. كما كان الحال في قتلهم أبا مسلم، وسليمان بن كثير، وأبا سلمة. وغيرهم. شاهدنا علي ذلك جواب الإمام عليه السلام لأبي مسلم: " ما أنت من رجالي، ولا الزمان زماني ". وكذلك المحاورة التي جرت بينه عليه السلام، وبين عبد الله بن الحسن، عندما جاءه كتاب من أبي سلمة مثل كتابه.
وأيضا قوله عليه السلام: ما لي ولأبي سلمة، وهو شيعة لغيري. بل ومما يدل علي ذلك دلالة قاطعة. ما قدمناه من اعتذار أبي سلمة للسفاح، عن مراسلته للصادق، وغيره من العلويين، بأنه: " كان يدبر استقامة الأمر " بل يذكر الطبري ج 6 ص 102 وابن الأثير ج 5 (1) الإمام الصادق والمذاهب الأربعة المجلد الأول، جزء 2 ص 533، وسنشير إلي مصادر أخري لذلك فيما يأتي إن شاء الله.
(2) التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية ج 3 ص 254، وفي كتاب: السيادة العربية لفان فلوتن ص 97: أن النقباء أمروا بعض الدعاة بستر اسم المدعو له، وأخفوا اسم المدعو له عن البعض الآخر.. (٤٩) صفحهمفاتيح البحث: عبد الله بن الحسن (ع) (1)، إبن الأثير (1)، القتل (1)، الصدق (2)، الرفض (1)
ص 437: أنه عندما جمع السفاح خاصته ليستشيرهم بقتل أبي سلمة وأخبرهم بمكاتبته للعلويين. نجد أن بعض خاصته انبري ليقول: ما يدريكم لعل ما صنع أبو سلمة كان من رأي أبي مسلم (1). وعليه فلا يصح قول صاحب العيون والحدائق ص 181: " ولم يكن هوي أبي سلمة معهم، وإنما كان هواه مع الصادق جعفر الخ. " فإن لجوءه إلي الصادق إنما كان لأجل استقامة الأمر. بل إن بعض المحققين لا يستبعد أن يكون من جملة أهدافهم من رسائلهم تلك، إلي الصادق، و عبد الله ابن الحسن، وغيرهما من العلويين. هو معرفة إن كان هؤلاء يطمحون إلي الحكم، ويرغبون فيه أولا. وذلك ليستعد العباسيون - من ثم - لمواجهة دعوتهم، ورصد كل حركاتهم، وسكناتهم، ومن ثم شل حركتهم، والقضاء عليهم. وهذا أسلوب استعمله المنصور من بعد، لكن الإمام الصادق عليه السلام تنبه للمكيدة، وعمل علي إحباطها.
د: وتصريح أبي سلمة هذا وموقف الإمام منه، وقوله: إنه شيعة لغيره يلقي لنا ضوءا علي الروايات التي تتهمه، وتتهم أبا مسلم بميول علوية. وأن أبا مسلم أراد أن يعلن خلافة علوية، بمجرد وصوله إلي خراسان، كما عن الذهبي، وشارح شافية أبي فراس، وتاريخ الخميس. فإن ذلك لا شاهد له إلا رسائلهما التي أشرنا إليها. مع أنها لم يكن الهدف منها إلا استقامة الأمر للعباسيين. خصوصا إذا لاحظنا أن أبا مسلم قد قضي علي عدة ثورات للعلويين، وباسمهم - كما أشرنا إليه - (1) وأما كتابه للصادق فهو لا يدل علي إخلاصه له، بل هو فقط - كان يدبر استقامة الأمر، وقتله من قبل العباسيين بهذا الجرم ليس إلا تغاضيا عن حقيقة الأمر بهدف الوصول إلي أهدافهم في التخلص بطريقة مشروعة. (٥٠) صفحهمفاتيح البحث: الإمام جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام (1)، خراسان (1)، الصدق (3)، القتل (1)، الشهادة (1)، الهدف (1)
وأنه كان يلاحقهم تحت كل حجر ومدر، وفي كل سهل وجبل، علي حد تعبير الخوارزمي (1).
المرحلة الرابعة:
ثم تأتي المرحلة الرابعة والأخيرة، وهي: ادعاؤهم الخلافة بالإرث، كما أشرنا إليه. ولكنهم استمروا يربطون الثورة بأهل البيت عليهم السلام من ناحيتين:
الأولي: ادعاؤهم الخلافة بالإرث عن طريق علي بن أبي طالب، ومحمد بن الحنفية، كما سيأتي بيانه.
الثانية: ادعاؤهم أنهم إنما خرجوا للأخذ بثارات العلويين. فأما ادعاؤهم استحقاقهم الخلافة بالإرث، عن طريق علي بن أبي طالب عليه السلام، واحتجاجهم بقرباهم النسبية من رسول الله صلي الله عليه وآله، فإننا نلمحها في كثير من مواقفهم، حيث كانوا يستطيلون علي الناس بهذه القربي، ويحتجون بها في مختلف المناسبات (2). (١) ولكننا لا نجد فيما بأيدينا من الشواهد التاريخية، ما يؤيد دعوي الخوارزمي هذه عدا ما ذكروه من أنه: قتل عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر، وعبيد الله بن الحسين بن علي بن الحسين.
(٢) حيث قد ظلوا بحاجة لأن يصلوا حقهم الذي كانوا يدعونه. بحق علي بن أبي طالب عليه السلام، ووصايتهم بالوصاية التي له، والتي لا يجهلها أحد، وليصححوا بهذه الوسيلة خلافتهم، ويتقبلها الناس. فكانت السلسلة التي سيأتي بيانها هي معتمدهم، مضيفين إليها تبرأهم من أبي بكر وعمر وعثمان.
وفي الحقيقة أن تلك هي عقيدة الكيسانية انتحلوها لأنفسهم بوحي من مصالحهم الخاصة.
حتي إذا ما وصلوا إلي الحكم نراهم قد قطعوا حبل صلتهم بعلي، وولده، وجعلوا الخلافة حقا للعباس وولده.. ثم تخلوا عن ذلك كله فيما بعد، ورجعوا إلي العقيدة التي أسسها معاوية، ولكنهم اختلفوا عنه بأنهم أدخلوا عليا، وجعلوه في المرتبة الرابعة، وكان ذلك بداية وجود أهل السنة بخصائصهم، ومميزاتهم المذهبية، ولهذا البحث مجال آخر، والله هو الموفق والمستعان. (٥١) صفحهمفاتيح البحث: أهل بيت النبي صلي الله عليه وآله (1)، الرسول الأكرم محمد بن عبد الله صلي الله عليه وآله (1)، محمد بن الحنفية إبن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام (1)، علي بن أبي طالب (3)، الخوارزمي (2)، عبد الله بن جعفر الطيار بن أبي طالب عليه السلام (1)، الحسين بن علي بن الحسين (1)، القتل (1)
فقد قال داوود بن علي، أول خطيب لهم علي منبر الكوفة، في أول كلام له أمام السفاح: ". وإنما أخرجنا الآنفة من ابتزازهم حقنا، والغضب لبني عمنا (1). ".
ونري السفاح في خطبته الأولي أيضا في مسجد الكوفة، بعد أن ذكر عظمة الرب تبارك وتعالي، وفضل النبي صلي الله عليه وآله " قد قاد الولاية والوراثة، حتي انتهيا إليه، ووعد الناس خيرا (2). ".
ويقال: إن من جملة ما قاله السفاح في خطبته الأولي: ". فأعلمهم جل ثناؤه فضلنا، وأوجب عليهم حقنا ومودتنا، وأجزل من الفئ، والغنيمة نصيبنا، تكرمة لنا وفضلا علينا.
وزعمت السبائية الضلال: أن غيرنا أحق بالرياسة والسياسة. إلي أن قال: ورد علينا حقنا (3). " (١) الطبري، طبع ليدن ج ١٠ ص ٣١، والبداية والنهاية ج ١٠ ص ٤١، وشرح النهج للمعتزلي ج ٧ ص ١٥٤، والكامل لابن الأثير ج ٤ ص ٣٢٥.
(٢) تاريخ ابن خلدون ج ٣ ص ١٢٩، ومروج الذهب ج ٣ ص ٢٥٦، والطبري ج ١٠ ص ٣٧، طبع ليدن.
(٣) الطبري ج ١٠ ص ٣٩، ٤٠، وتاريخ الخلفاء للسيوطي ص ٢٥٧، والبداية والنهاية ج ١٠ ص ٤١، والكامل لابن الأثير ج 4 ص 324، 325.
لكن الظاهر أن لعن السبائية (وهم الشيعة الإمامية حسب مصطلحهم) مفتعل علي لسان السفاح. لأن كلمة داوود بن علي المتقدمة تدل علي إنكار العباسيين - في بدء أمرهم - خلافة أبي بكر، وعمر، وعثمان، وتمسكهم بخلافة علي عليه السلام، حيث يصلون حبل وصايتهم بها.. وإن كانوا قد رجعوا عن هذه العقيدة بعد ذلك حسبما أشرنا إليه إلي العقيدة التي كان قد روجها معاوية.. ولكن من المؤكد أنهم استمروا علي عقيدتهم تلك، أعني إنكار خلافة الثلاثة، ووصلهم حبل وصايتهم بعلي عليه السلام، إلي زمن المنصور، الذي كان أول من أوقع الفتنة بين العباسيين والعلويين كما سيأتي.. (٥٢) صفحهمفاتيح البحث: الرسول الأكرم محمد بن عبد الله صلي الله عليه وآله (1)، مسجد، جامع الكوفة (1)، مدينة الكوفة (1)، الضلال (1)، شيعة أهل البيت عليهم السلام (1)، الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام (2)، كتاب الكامل لإبن الأثير (2)، كتاب مروج الذهب للمسعودي (1)، كتاب تاريخ ابن خلدون لابن خلدون (1)، كتاب البداية والنهاية (1)، جلال الدين السيوطي الشافعي (1)، خلافة أبي بكر بن أبي قحافة (1)
ويقول داوود بن علي في خطبته الأولي في مسجد الكوفة أيضا:
". وأحيا شرفنا وعزنا، ورد إلينا حقنا وإرثنا. " (1). (١) الطبري ج ١٠ ص ٣٢، طبع ليدن، والكامل لابن الأثير ج ٤ ص ٣٢٥.
أمر هام لا بد من التنبيه عليه:
إننا إذا تتبعنا الأحداث التاريخية، نجد: أن كل مطالب بالخلافة كان يدعي أول ما يدعي الرحمية والقربي من رسول الله صلي الله عليه وآله. وأول من بدأ ذلك أبو بكر في يوم السقيفة، وتبعه علي ذلك عمر، حيث قررا أن ليس لأحد الحق في أن ينازعهم سلطان محمد، إذ أنهم أمس برسول الله رحما (علي ما في نهاية الإرب ج ٨ ص ١٦٨، وعيون أخبار ابن قتيبة ج ٢ ص ٢٣٣، والعقد الفريد ج ٤ ص ٢٥٨، طبع دار الكتاب العربي، والأدب في ظل التشيع ص ٢٤، نقلا عن البيان والتبيين للجاحظ)، ولأنهم هم أولياؤه وعشيرته، علي ما ذكره الطبري ج ٣ ص ٢٢٠، طبع دار المعارف بمصر، والإمامة والسياسة ص ١٤، ١٥ طبع الحلبي بمصر، وشرح النهج للمعتزلي ج ٦ ص ٧، ٨، ٩، ١١، والإمام الحسين للعلايلي ص ١٨٦، و ص ١٩٠، وغيرهم. أو لأنهم عترة النبي صلي الله عليه وآله وأصله والبيضة التي تفقأت عنه كما في العثمانية للجاحظ ص ٢٠٠. فأسقطا بذلك دعوي الأنصار عن الاعتبار.
كما أن أبا بكر قد استدل علي الأنصار بالحديث الذي صرح باستفاضته جهابذة أهل السنة (علي ما في ينابيع المودة للحنفي)، وهو قوله صلي الله عليه وآله مشيرا إلي خلفائه الاثني عشر:
" يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم تجتمع عليه الأمة، كلهم من قريش ". - استدل به - بعد أن تصرف فيه، بأن حذف صدره، واكتفي بذكر: أن الأئمة من قريش علي ما في صواعق ابن حجر ص ٦، وغيره..
وأصبح كون الأئمة من قريش تقليدا متبعا، بل ومن عقائد أهل السنة المعترف بها، وقد استدل ابن خلدون علي ذلك بالإجماع.
ولكن قول عمر: لو كان سالم مولي حذيفة حيا لوليته، قد أوقع ابن خلدون. كما أوقع غيره من جهابذة أهل السنة في حيص بيص، لعدم كون سالم قرشيا، فضلا عن أن يكون أمس رحما برسول الله من غيره، فراجع مقدمة ابن خلدون ص ١٩٤، وغيره من كتبهم.
أما ابن كثير فإنه قد استشكل بالأمر من ناحية أخري، حيث قال - وهو يتحدث عن فتنة محمد بن الأشعث الكندي -: ".. والعجب كل العجب من هؤلاء الذين بايعوه بالإمارة، وليس هو من قريش، وإنما هو كندي من اليمن، وقد اجتمع الصحابة يوم السقيفة علي أن الإمارة لا تكون إلا في قريش، واحتج عليهم الصديق بالحديث في ذلك، حتي أن الأنصار سألوا أن يكون منهم أمير مع أمير المهاجرين، فأبي الصديق عليهم ذلك.. ثم مع هذا كله ضرب سعد بن عبادة، الذي دعا إلي ذلك أولا، ثم رجع عنه ".. انتهي. راجع البداية والنهاية ج ٩ ص ٥٤.
فتراه يستشكل في عمل من بايعوا محمد بن الأشعث بإمرة المؤمنين، التي رآها مخالفة للإجماع المدعي يوم السقيفة. وتراه يعترف بمخالفة سعد ثم يدعي أنه رجع عن ذلك..
ولست أدري كيف رجع عنه، مع أنه من المتسالم عليه تاريخيا: أنه استمر علي الخلاف معهم، حتي اغتيل بالشام - اغتالته السياسة، علي حد تعبير طه حسين في كتابه: من تاريخ الأدب العربي ج ١ ص ١٤٦، وغيره.. وذلك أشهر من أن يحتاج إلي بيان.
وعلي كل حال.. فإن ما يهمنا هو الإشارة إلي أن كون الأئمة من قريش ليس فقط أصبح تقليدا متبعا، بل هو قد أصبح من عقائد أهل السنة المعترف بها.
ولكن ما تأتي به السياسة، تذهب به السياسة، إذ بعد تسعماية سنة جاء السلطان سليم، وخلع الخليفة العباسي، وتسمي هو ب " أمير المؤمنين " مع أنه لم يكن من قريش.
وبهذا يكون قد ألغي هذا التقليد عملا من عقائد طائفة من المسلمين، وأبطله.
ومهما يكن من أمر فإن أول من ادعي استحقاق الخلافة بالقربي النسبية من رسول الله صلي الله عليه وآله كان أبو بكر، ثم عمر، وجاء بعدهما بنو أمية، فعرفوا أنفسهم ذوي قربي النبي صلي الله عليه وآله حتي لقد حلف عشرة من قواد أهل الشام، وأصحاب النعم والرياسة فيها - حلفوا - للسفاح:
علي أنهم لم يكونوا يعرفون إلي أن قتل مروان، أقرباء للنبي صلي الله عليه وآله، ولا أهل بيت يرثونه غير بني أمية. فراجع النزاع والتخاصم للمقريزي ص ٢٨، وشرح النهج للمعتزلي ج ٧ / ١٥٩، ومروج الذهب ج ٣ ص ٣٣.
بل لقد ذكر المسعودي والمقريزي: أن إبراهيم بن المهاجر البجلي، الموالي للعباسيين قد نظم قضية هؤلاء الأمراء شعرا، فقال:
أيها الناس اسمعوا أخبركم * عجبا زاد علي كل العجب عجبا من عبد شمس إنهم * فتحوا للناس أبواب الكذب ورثوا أحمد فيما زعموا * دون عباس بن عبد المطلب كذبوا والله ما نعلمه * يحرز الميراث إلا من قرب ويقول الكميت عن دعوي بني أمية هذه:
وقالوا: ورثناها أبانا وأمنا * ولا ورثتهم ذاك أم ولا أب وفي العقد الفريد ج ٢ / ١٢٠ طبع دار الكتاب العربي: أن أروي بنت الحارث بن عبد المطلب قالت لمعاوية: ".. ونبينا صلي الله عليه وآله هو المنصور، فوليتم علينا من بعده، تحتجون بقرابتكم من رسول الله صلي الله عليه وآله، ونحن أقرب إليه منكم، وأولي بهذا الأمر الخ. ".
ثم جاء العباسيون، وادعوا نفس هذه الدعوي، كما هو واضح من النصوص التي ذكرناها، ونذكرها. بل لقد ادعي نفس هذه الدعوي أيضا أكثر إن لم يكن كل من خرج مطالبا بالخلافة، سواء كان خروجه علي الأمويين أو علي العباسيين.
وهذا يعني أن العامل النسبي قد لعب دورا هاما في الخلافة الإسلامية، وكان الناس بسبب جهلهم. وعدم وعيهم لمضامين الإسلام يصدقون ويسلمون بأن القربي النسبية تكفي وحدها في أن تجعل لمدعيها الحق في منصب الخلافة. ولعل أكثر ما ورد في القرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة من الوصايا بأهل البيت عليهم السلام، والأمر بمودتهم، ومحبتهم، والتمسك بهم جعل الناس يظنون أن سبب ذلك هو مجرد قرباهم النسبية منه صلي الله عليه وآله. وكان أن استغل الطامحون فهم الناس الخاطئ هذا. بل لقد حاولوا ما أمكنهم تكريسه، وتثبيته.
إلا أن حقيقة الأمر هي غير ذلك، فإن منصب الخلافة في الإسلام، لا يدور مدار القربي النسبية منه. بل هو يدور مدار الأهلية والجدارة، والاستعداد الذاتي لقيادة الأمة قيادة صالحة، كما كان النبي صلي الله عليه وآله يقودها، يدلك علي ذلك أننا لو رجعنا إلي النصوص القرآنية.
وإلي ما ورد عن النبي صلي الله عليه وآله بشأن الخليفة بعده، فلعلنا لا نعثر علي نص واحد منها يفهم منه أن استحقاق الخلافة يدور مدار القربي النسبية منه صلي الله عليه وآله، وحسب.
وكل ما ورد في القرآن، وعنه صلي الله عليه وآله من الأمر بموالاة أهل بيته، وحبهم، والتمسك (٥٣) صفحهمفاتيح البحث: مسجد، جامع الكوفة (1)، أهل بيت النبي صلي الله عليه وآله (2)، الرسول الأكرم محمد بن عبد الله صلي الله عليه وآله (8)، كتاب الكامل لإبن الأثير (1)، الدولة الأموية (1)، كتاب مروج الذهب للمسعودي (1)، أروي بنت الحارث بن عبد المطلب (1)، كتاب البداية والنهاية (1)، كتاب ينابيع المودة (1)، القرآن الكريم (2)، بنو أمية (3)، محمد بن الأشعث (2)، سعد بن عبادة (1)، الشام (2)، السقيفة (3)، الصدق (2)، القتل (1)، الظنّ (1)، الضرب (1)، الوراثة، التراث، الإرث (1)
بهم، ومن تعيينه خلفاءه منهم، فليس لأجل قرباهم النسبية منه صلي الله عليه وآله، بل لأن الأهلية، والجدارة الحقيقية لهذا النصب قد انحصرت في الخارج فيهم. فهو علي حد تعبير الأصوليين:
من باب الإشارة إلي الموضوع الخارجي. وليس تصريحه صلي الله عليه وآله بالقربي لأجل بيان الميزان والمقياس والملاك في استحقاقهم الخلافة.
وواضح أنه كان لا بد من الالتجاء إلي الله ورسوله لتعيين الشخص الذي له الجدارة والأهلية لقيادة الأمة، لأن الناس قاصرون عن إدراك حقائق الأمور، ونفسيات، وغرائز، وملكات بعضهم البعض.. إدراكا دقيقا وحقيقيا، وعن إدراك عدم طرو تغير أو تبدل عليه في المستقبل. ولقد عينه صلي الله عليه وآله بالفعل، ودل عليه بمختلف الدلالات، بالقول، تصريحا، وتلويحا، وكناية، ونصا، ووصفا، وغير ذلك، وبالفعل أيضا، حيث أمره علي المدينة، وعلي كل غزوة لا يكون هو صلي الله عليه وآله فيها، ولم يؤمر عليه أحدا، وغير ذلك.
هذا هو رأي الشيعة، وهذا هو رأي أئمتهم في هذا الأمر، وكلماتهم طافحة ومشحونة بما يدل علي ذلك. ولا يبقي معه مجال لأي لبس أو توهم، فراجع كلام الإمام علي في شرح النهج للمعتزلي ج 6 ص 12، وغيره مما قد يتعسر استقصاؤه..
ومما ذكرنا نستطيع أن نعرف أن ما ورد عن الإمام علي عليه السلام، أو عن غيره من الأئمة الطاهرين، من قولهم: أنهم هم الذين عندهم ميراث رسول الله صلي الله عليه وآله، فإنما يقصدون به الميراث الخاص، الذي يختص الله به من يشاء من عباده، أعني: ميراث العلم، علي حد قوله تعالي: " ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا. " وقد اعترف أبو بكر نفسه لفاطمة الزهراء بأن الأنبياء يورثون العلم لأشخاص معينين من بعدهم، وعلي كل فلقد أنكر علي عليه السلام مبدأ استحقاق الخلافة بالقرابة والصحابة أشد الانكار، فقد جاء في نهج البلاغة قوله عليه السلام: " واعجبا!! أتكون الخلافة بالصحابة والقرابة النسبية؟! ".
وأما ما يظهر منه أنهم يستدلون لاستحقاقهم الخلافة بالقربي من رسول الله صلي الله عليه وآله، فإنما اقتضاه الحجاج مع الخصوم، فهو من باب: " الزموهم بما الزموا به أنفسهم ". ويدل علي هذا المعني ويوضحه ما قاله الإمام علي عليه السلام لأبي بكر، عندما جيئ به ليبايع، فكان مما قاله: ".. واحتججتم عليهم (أي علي الأنصار) بالقرابة من النبي صلي الله عليه وآله..
وأنا أحتج عليكم بمثل ما احتججتم به علي الأنصار، نحن أولي الخ ".. راجع: الإمامة والسياسة ج 1 ص 18.
ويشير أيضا عليه السلام - إلي هذا المعني في بعض خطبه الموجودة في نهج البلاغة فمن أراد فليراجعه.. كما ويشير إليه أيضا ما نسب إليه عليه السلام من الشعر (علي ما في نهج البلاغة) وهو قوله:
فإن كنت بالشوري ملكت أمورهم * فكيف بهذا والمشيرون غيب وإن كنت بالقربي حججت خصيمهم * فغيرك أولي بالنبي وأقرب ولكن أحمد أمين المصري في كتابه: ضحي الإسلام ج 3 ص 261، و ص 300، و ص 222، و ص 235، وكذلك سعد محمد حسن في كتابه: المهدية في الإسلام ص 5.
والخضري في محاضراته ج 1 ص 166: إن هؤلاء ينسبون إلي الشيعة القول: بأن منصب الخلافة يدور مدار القربي النسبية منه صلي الله عليه وآله وحسب، رغم اعتراف أحمد أمين في نفس الكتاب، وبالتحديد في ص 208، 212: بأن الشيعة يحتجون بالنص في خصوص الخليفة بعد الرسول. بل والخضري يعترف بذلك أيضا حيث قال: " أما الانتخاب عند أهل التنصيص علي البيت العلوي، فإنه كان منظورا فيه إلي الوراثة الخ ".
وهي نسبة غريبة حقا - بعد هذا الاعتراف الصريح منهم، ومن غيرهم - فإن عقيدة الشيعة - تبعا لأئمتهم هي ما ذكرنا، أي ليس منصب الخلافة دائرا مدار القربي النسبية منه صلي الله عليه وآله، وأدلة الشيعة تنطق وتصرح بأن القربي النسبية وحدها لا توجب بأي حال من الأحوال استحقاق الخلافة، وإنما لا بد من النص المعين لذلك الشخص الذي يمتلك الجدارة والأهلية والاستعداد الذاتي لها.
إنهم يستدلون علي خلافة علي عليه السلام بالنصوص القرآنية، والنبوية المتواترة عند جميع الفرق الإسلامية، ولا يستدلون بالقربي إلا من باب: ألزموهم.. أو من باب تكثير الأدلة، أو في مقابل استدلال أبي بكر وعمر بها، وإذا ما شذ واحد منهم، واستدل بذلك، معتقدا بخلاف ما قلناه عن قصور نظر، وقلة معرفة، أو لفهمه - خطأ - ما ورد عنهم عليهم السلام. من أن عندهم ميراث رسول الله صلي الله عليه وآله، فلا يجب، بل لا يجوز أن يحسب علي الشيعة، ومن ثم القول بأن ذلك هو قولهم، وأن تلك هي عقيدتهم.
ولعل أحمد أمين لم يراجع أدلة الشيعة!!
أو أنه راجعها، واشتبه عليه الأمر!!
أو أنه. لا هذا. ولا ذاك.. وإنما أراد التشنيع عليهم، فنسب إليهم ما ليس من مذهبهم!
ويدلنا علي صحة هذا الاحتمال الأخير، اعترافه المشار إليه، بأن الشيعة يستدلون علي إمامة علي عليه السلام بالنص، لا بالقربي!!..
وخلاصة القول هنا: إن القربي النسبية ليست هي الملاك في استحقاق الخلافة. ولم تكن دعوي أنها كذلك، لا من الأئمة، ولا من شيعتهم. وإنما كانت من قبل أبي بكر، وعمر، ثم الأمويين، فالعباسيين.
وإذا كان أهل السنة - تبعا لأئمتهم - قد جعلوا كون الإمامة في قريش من عقائدهم.
وإذا كان غير أهل البيت هم الذين ادعوا هذه الدعوي، وهللوا وكبروا لها. فمن الحق لنا إذن أن نقول:
" رمتني بدائها وانسلت ".
وأخيرا.. فلقد كان من أبسط نتائج هذه العقيدة لدي أهل السنة، وقبولهم أن القربي النسبية تجعل لمدعيها الحق في الخلافة.. أن سنحت الفرصة لأن يصل أشخاص إلي الحكم من أبرز مميزاتهم، وخصائصهم جهلهم بتعاليم الدين، وانسياقهم وراء شهواتهم، أينما كانت، وحيثما وجدت، جاعلين الحكم والسلطان، وسيلة إليها، مسدلين علي حماقاتهم هنا، وتفاهاتهم هناك ستارا من القربي النسبية منه صلي الله عليه وآله. وهو من هؤلاء وأمثالهم برئ.
ولما لم يعد ذلك الستار يقوي علي المنع من استكناه واقعهم، وحقيقة نواياهم وتصرفاتهم، كان لا بد لهم من الالتجاء إلي أساليب أخري، تبرر لهم واقعهم، وتحمي تصرفاتهم، وتؤمن لهم الاستمرار في الحكم، ولعل بيعة المأمون للإمام الرضا عليه السلام بولاية العهد هي من تلك الأساليب، كما سيتضح إن شاء الله تعالي.. (٥٣) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (1)، الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام (5)، الرسول الأكرم محمد بن عبد الله صلي الله عليه وآله (4)، الدولة الأموية (1)، كتاب نهج البلاغة (3)، السيدة فاطمة الزهراء سلام الله عليها (1)، الشهوة، الإشتهاء (1)، الوراثة، التراث، الإرث (4)، الطهارة (1)
وعندما ذهب داوود بن علي إلي مكة، واليا عليها، من قبل أخيه السفاح، وأراد أن يخطب في مكة خطبته الأولي، طلب منه سديف بن ميمون أن يأذن له في الكلام، فأذن له، فوقف، وقال من جملة ما قال:
" … أتزعم الضلال: أن غير آل الرسول أولي بتراثه؟! ولم؟!
وبم؟! معاشر الناس؟! ألهم الفضل بالصحابة، دون ذوي القرابة؟
الشركاء في النسب، والورثة للسلب. " (1).
ويقول داوود بن علي في نفس المناسبة، أعني في أول خطبة له:
" لم يقم فيكم إمام بعد رسول الله صلي الله عليه وآله، إلا علي بن أبي طالب، وهذا القائم فيكم.. " وأشار إلي السفاح (2). (١) تاريخ اليعقوبي ج ٣ ص ٨٩، والعقد الفريد، طبع دار الكتاب ج ٤ ص ٤٨٥ (٢) مروج الذهب ج ٣ ص ٢٣٧ و ٢٥٦، والطبري ج ١٠ ص ٣٣ و ٣٧، وعيون الأخبار لابن قتيبة ج ٢ ص ٢٥٢، وتاريخ اليعقوبي ج ٣ ص ٨٧، ٨٨، والكامل لابن الأثير ج ٤ ص ٣٢٦، وتاريخ ابن خلدون ج ٣ ص ١٢٩ و ١٧٣، وإمبراطورية العرب ص ٤٢٢، والبداية والنهاية ج ١٠ ص ٤٢، وشرح النهج للمعتزلي ج 7 ص 155، وفيه: " إنه لم يخطب علي منبركم هذا خليفة حق إلخ ".. وبرواية أخري فيه: " أقسم بالله قسما برا، ما قام هذا المقام أحد بعد رسول الله صلي الله عليه وآله، أحق به من علي بن أبي طالب، وأمير المؤمنين هذا ".. (٥٨) صفحهمفاتيح البحث: الرسول الأكرم محمد بن عبد الله صلي الله عليه وآله (2)، مدينة مكة المكرمة (2)، علي بن أبي طالب (2)، الضلال (1)، كتاب مروج الذهب للمسعودي (1)، كتاب البداية والنهاية (1)، إبن الأثير (1)
وقال المنصور في خطبة له: " وأكرمنا من خلافته، وميراثنا من نبيه.. " (1).
ولكنهم بعد المنصور - بل وحتي من زمن المنصور نفسه كما سيتضح - قد غيروا سلسلة الإرث هذه، وجعلوها عن طريق العباس، وولده عبد الله، ولكنهم أجازوا بيعة علي، لأن العباس نفسه كان قد أجازها.
كما سيأتي بيانه.. فكانت استدلالات الخلفاء ابتداء من المنصور ناظرة إلي الإرث عن هذا الطريق..
فنري المنصور يبين في رسالة منه لمحمد بن عبد الله بن الحسن: أن الخلافة قد ورثها العباس في جملة ما ورثه من النبي صلي الله عليه وآله، وأنها في ولده (2).
وكان الرشيد يقول: " ورثنا رسول الله، وبقيت فينا خلافة الله (3) " وقال الأمين عندما بويع له، بعد موت أبيه الرشيد: ".. وأفضت خلافة الله، وميراث نبيه إلي أمير المؤمنين الرشيد (4). ".
ومدح البعض المأمون، وعرض بأخيه الذي غدر به، فقال في جملة أبيات له:
إن تغدروا جهلا بوارث أحمد ووصي كل مسدد وموفق (5) (١) مروج الذهب ج ٣ ص ٣٠١، والطبري ج ١٠ ص ٤٣٢.
(٢) الطبري ج ١٠ ص ٢١٥، والعقد الفريد طبع دار الكتاب ج ٥ ص ٨١، إلي ٨٥، وصبح الأعشي ج ١ ص ٣٣٣، فما بعد، والكامل للمبرد، وطبيعة الدعوة العباسية..
(٣) البداية والنهاية ج ١٠ ص ٢١٧، (4) تاريخ اليعقوبي ج 3 ص 163.
(5) مروج الذهب ج 3 ص 399. (٥٩) صفحهمفاتيح البحث: الرسول الأكرم محمد بن عبد الله صلي الله عليه وآله (1)، عبد الله بن الحسن (ع) (1)، الجهل (1)، كتاب مروج الذهب للمسعودي (2)، كتاب البداية والنهاية (1)، كتاب الكامل للمبرد (1)
إلي غير ذلك مما لا مجال لنا لتتبعه.. ولنعد إلي ما كنا فيه أولا، فنقول:
دعوي الأخذ بثارات العلويين:
وأما ادعاؤهم: أنهم إنما خرجوا للأخذ بثارات العلويين، واستمرارهم علي ربط الثورة بأهل البيت، حتي بعد نجاح ثورتهم، وتسلمهم لازمة الحكم والسلطان - وهذه هي الناحية الثانية من المرحلة الرابعة - فذلك أوضح من أن يخفي.. وقد تقدم قول محمد بن علي لبكير بن ماهان:
" وسنأخذ بثأرهم. " يعني بثارات العلويين.. وتقدم أيضا قول داوود ابن علي: " وإنما أخرجنا الآنفة من ابتزازهم حقنا، والغضب لبني عمنا. ".
ويقول السفاح، عندما أتي برأس مروان: " ما أبالي متي طرقني الموت، فقد قتلت بالحسين، وبني أبيه من بني أمية مائتين، وأحرقت شلو هشام بابن عمي زيد بن علي، وقتلت مروان بأخي إبراهيم. " (1).
ويقول صالح بن علي لبنات مروان: " ألم يقتل هشام بن عبد الملك، زيد بن علي بن الحسين، وصلبه في كناسة الكوفة؟. وقتل امرأة زيد بالحيرة، علي يد يوسف بن عمرو الثقفي؟!
ألم يقتل الوليد بن يزيد يحيي بن زيد، وصلبه بخراسان؟! (1) مروج الذهب ج 3 ص 257 وفي شرح النهج للمعتزلي ج 7 ص 131، وحياة الإمام موسي بن جعفر للقرشي ج 1 ص 337، نقلا عن مختصر أخبار الخلفاء، هكذا. ". وقد قتلت بالحسين ألفا من بني أمية. إلي أن قال: وقتلنا سائر بني أمية بحسين، ومن قتل معه، وبعده من بني عمنا أبي طالب ".. (٦٠) صفحهمفاتيح البحث: مدينة الكوفة (1)، هشام بن عبد الملك (1)، بنو أمية (2)، يحيي بن زيد (1)، علي بن الحسين (1)، صالح بن علي (1)، زيد بن علي (1)، محمد بن علي (1)، خراسان (1)، القتل (5)، الغضب (1)، كتاب مروج الذهب للمسعودي (1)، موسي بن جعفر (1)
ألم يقتل الدعي عبيد الله بن زياد، مسلم بن عقيل بن أبي طالب بالكوفة؟!
ألم يقتل يزيد بن معاوية الحسين (1)؟!.
وبرواية ابن أبي الحديد، أنه قال لهن: ". إذن، لا نستبقي منكم أحدا، لأنكم قد قتلتم إبراهيم الإمام، وزيد بن علي، ويحيي بن زيد، ومسلم بن عقيل.
وقتلتم خير أهل الأرض حسينا، وإخوته، وبنيه، وأهل بيته، وسقتم نساءه سبايا - كما يساق ذراري الروم - علي الأقتاب إلي الشام.. " (2).
ولا بأس بمراجعة ما قاله داوود بن علي عندما قتل ثمانين أمويا مرة واحدة (3).
وكذلك فإنهم ما لقبوا أبا سلمة الخلال، أول وزير في الدولة العباسية ب " وزير آل محمد "، وأبا مسلم الخراساني ب " أمين، أو أمير آل محمد (5) ". إلا من أجل الحفاظ علي ربط الدعوة بأهل البيت عليهم السلام، ولتبقي - من ثم - محتفظة بقوتها، وحيويتها.
وأخيرا. فلم يكن اتخاذهم السواد شعارا إلا تعبيرا عن الحزن والأسي (١) الكامل لابن الأثير ج ٤ ص ٣٣٢، ومروج الذهب ج ٣ ص ٢٤٧، ولا بأس بمراجعة خطبة السفاح في مروج الذهب أيضا ج ٣ ص ٢٥٧.
(٢) شرح النهج للمعتزلي ج ٧ ص ١٢٩.
(٣) تاريخ اليعقوبي ج ٣ ص ٩٢.
(٤) الفخري في الآداب السلطانية ص ١٥٥، ومروج الذهب ج ٣ ص ٢٧١، والبداية والنهاية ج ١٠ ص ٥٤، والطبري ج 10 ص 60، وتاريخ التمدن الإسلامي، المجلد الأول، جزء 1 ص 152، وغيرهم، فإنه مما نص عليه أكثر المؤرخين.. (٦١) صفحهمفاتيح البحث: مسلم بن عقيل عليه السلام (2)، إبن أبي الحديد المعتزلي (1)، الدولة العباسية (العباسيون) (1)، مدينة الكوفة (1)، عبيد الله بن زياد لعنه الله (1)، يزيد بن معاوية لعنهما الله (1)، زيد بن علي (1)، الشام (1)، القتل (3)، الحزن (1)، كتاب الكامل لإبن الأثير (1)، كتاب مروج الذهب للمسعودي (3)
لما نال أهل البيت في عهد بني أمية (1).
وهكذا. يتضح، بما لا مجال معه للشك: أنهم كانوا يستغلون سمعة العلويين، ودماءهم الزكية في محاولاتهم للوصول إلي الحكم، وتثبيت أقدامهم فيه..
بل إن من الملاحظ أن كثيرا من الثورات التي قامت بعد ثورة بني العباس، كانت تحاول ذلك - بطريقة أو بأخري - أي أنها كانت تظهر للناس ارتباطها بأهل البيت عليهم السلام، وأنها تحظي بتأييدهم، وموافقتهم، وكثير منها كان يرفع شعار: " الرضا من آل محمد ".
نهاية المطاف.
وبعد كل ما تقدم.. يتضح لنا بجلاء، الأسلوب الذي انتهجه (١) هذا يصح بالنسبة للملابس السوداء. وأما كون الرايات سوداء، فيحتمل أن يكون لأجل ذلك، حسبما صرح به ابن خلدون ص ٢٥٩، ويحتمل أن يكون لما ورد من أن راية علي عليه السلام يوم صفين كانت سوداء، علي ما نص عليه فإن فلوتن في هامش: ص ١٢٦ من كتابه السيادة العربية، أو لأن رايات النبي صلي الله عليه وآله في حروبه مع الكفار كانت سوداء، يقول الكميت مشيرا إلي ذلك:
وإلا فارفعوا الرايات سودا * علي أهل الضلالة والتعدي وفي صبح الأعشي ج ٣ ص ٣٧٠، نقلا عن القاضي الماوردي في كتابه: " الحاوي الكبير ": أن السبب في اختيارهم السواد هو أن النبي صلي الله عليه وآله قد عقد في يوم حنين ويوم الفتح لعمه العباس راية سوداء. وفي صبح الأعشي أيضا ج ٣ ص ٣٧١ نقل عن أبي هلال العسكري في كتابه " الأوائل " أن سبب ذلك هو قتل مروان لإبراهيم الإمام، حيث لبس شيعته السواد حدادا عليه، فلزمهم ذلك، وصار شعارا لهم..
ونرجح أن حادثة قتل يحيي بن يزيد، ولبس الخراسانيين السواد عليه سبعة أيام، هي التي شجعت العباسيين علي اتخاذ السواد شعارا لهم، إظهارا للحزن والأسي لما نال أهل البيت في الدولة الأموية. ويذهب إلي هذا الرأي السيد عباس المكي في نزهة الجليس ج ١ ص ٣١٦. بل صرح البلاذري في أنساب الأشراف ج 3 ص 264 بما يدل علي ذلك فراجع. (٦٢) صفحهمفاتيح البحث: أهل بيت النبي صلي الله عليه وآله (1)، بنو أمية (1)، الطواف، الطوف، الطائفة (1)، الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام (1)، الرسول الأكرم محمد بن عبد الله صلي الله عليه وآله (2)، الدولة الأموية (1)، كتاب انساب الأشراف للبلاذري (1)، يحيي بن يزيد (1)، القتل (2)، السب (1)، الهلال (1)
العباسيون، والخطة التي اتبعوها، من أجل كسب ثقة الناس بهم، وتأييدهم لهم، وصرف أنظار الحكام عنهم.
وأيضا الطريقة التي اتبعوها في إبعاد العلويين عن مجال السياسة، وأن بيعتهم لهم ما كانت إلا خداعا وتمويها، من أجل تنفيذ خطتهم، وإنجاح دعوتهم.
كما وظهر أن كون الدعوة - في بادئ الأمر - باسم العلويين، لم يكن أمرا عفويا، وتلقائيا. وإنما كان ضمن خطة دقيقة، ومدروسة، وضعت بعناية فائقة، كما توضحه لنا النصوص المتقدمة.
وظهر أيضا: كيف أن العباسيين قد حرصوا كل الحرص علي ربط الثورة بأهل البيت عليهم السلام، وكانوا يعتمدون علي هذا الربط كل الاعتماد، ويصرون، ويؤكدون عليه، كلما سنحت لهم الفرصة، وواتاهم الظرف، حتي عندما وصلوا إلي الحكم، وفازوا بالسلطان.
وقد انقاد الناس لهم في البداية، واستقامت لهم الأمور، ظنا منهم بحسن نيتهم، وسلامة طويتهم.
* * * ولكن. ماذا كانت النتيجة بعد ذلك، بالنسبة للناس عامة، وبشكل خاص بالنسبة للعلويين، الذين قامت الثورة باسمهم ونجحت بفضلهم؟!
وماذا كان نصيبهم، ومصيرهم، من هذه الثورة ومعها؟!
هذا. ما سوف نحاول الإجابة عليه فيما يأتي من الفصول. (٦٣) صفحهمفاتيح البحث: أهل بيت النبي صلي الله عليه وآله (1)، الكسب (1)، النفاذ، التنفيذ (1)

مصدر الخطر علي العباسيين

مصدر الخطر علي العباسيين العلويون هم مصدر الخطر:
قد تقدم معنا: أن الدولة العباسية إنما قامت - في بداية أمرها - علي الدعوة لخصوص العلويين، ثم لأهل البيت، ثم إلي الرضا من آل محمد.. وأن سر نجاحها ليس إلا ربطها بأهل البيت عليهم السلام.
وإن كانت قد انحرفت فيما بعد، حيث تحكم العباسيون وتسلطوا علي الأمة بدعوي القربي النسبية من الرسول الأكرم صلي الله عليه وآله.
ومن هنا. فإن من الطبيعي، أن يكون الخطر الحقيقي الذي يتهدد العباسيين، وخلافتهم، هو من جهة أبناء عمهم العلويين، الذين كانوا أقوي منهم حجة، وأقرب إلي النبي صلي الله عليه وآله منهم، باعتراف العباسيين أنفسهم (1).. (1) سيأتي اعتراف عيسي بن موسي بذلك، واعتراف الرشيد للكاظم عليه السلام والمأمون للرضا عليه السلام في الكتاب التي سنورده في أواخر هذا الكتاب، وأيضا قوله للرضا عليه السلام: أنتم والله أمس برسول الله رحما، وبيعة السفاح والمنصور وغيرهم لمحمد بن عبد الله العلوي وكلام المنصور في مجلس البيعة يدل علي ذلك أيضا، إلي غير ذلك مما لا مجال لنا هنا لتتبعه واستقصائه..
وقد كان الخلفاء من بني العباس يدركون جيدا مقدار هذا النفوذ. (٦٤) صفحهمفاتيح البحث: أهل بيت النبي صلي الله عليه وآله (1)، الرسول الأكرم محمد بن عبد الله صلي الله عليه وآله (2)، الدولة العباسية (العباسيون) (1)، الحج (1)، الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (2)، الإمام موسي بن جعفر الكاظم عليهما السلام (1)، بنو عباس (1)، عبد الله العلوي (1)
فادعاؤهم الخلافة إذن، له مبرراته الكاملة، سيما وأن من بينهم من له الجدارة والأهلية، ويتمتع بأفضل الصفات والمؤهلات لهذا المنصب من العلم، والعقل، والحكمة، وبعد النظر في الدين والسياسة. هذا بالإضافة إلي كان يكنه الناس لهم، من مختلف الفئات والطبقات، من الاحترام والتقدير، الذي نالوه بفضل تلك المميزات والصفات، وبفضل سلوكهم المثالي، وترفعهم عن كل المشينات، والموبقات.
أضف إلي ذلك كله. أن رجالات الإسلام، وأبطاله، كانوا هم آل أبي طالب " رضي الله تعالي عنه "، فأبو طالب مربي النبي صلي الله عليه وآله وكفيله، وعلي عليه السلام وصيه وظهيره، وكذلك الحسن، والحسين، وعلي زين العابدين، وباقي الأئمة. ومنهم زيد بن علي الخارج علي بني أمية، وغيرهم، ممن يطول المقام بذكرهم، رضوان الله عليهم أجمعين.
ولقد كانت بطولات العلويين، ومواقفهم علي كل شفة ولسان، وفي كل قلب وفؤاد، حتي لقد ألفت الكتب الكثيرة في وصف تلك البطولات، وبيان هاتيك المواقف.
وخلاصة الأمر: إنه لم يكن هناك مجال لإنكار نفوذ العلويين الواسع في تلك الفترة، أو تجاهله، فإن ذلك إما أن يكون عن قصر نظر، وقلة معرفة، أو مكابرة وعنادا.
تخوف العباسيين من العلويين:
وقد كان الخلفاء من بني العباس يدركون جيدا مقدار هذا النفوذ، للعلويين، ويتخوفون منه، منذ أيامهم الأولي في السلطة. ومما يدل علي ذلك: (٦٥) صفحهمفاتيح البحث: الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام (1)، أبو طالب عليه السلام (1)، الرسول الأكرم محمد بن عبد الله صلي الله عليه وآله (1)، بنو عباس (1)، بنو أمية (1)، زيد بن علي (1)
أن السفاح، من أول عهده كان قد وضع الجواسيس علي بني الحسن، حيث قال لبعض ثقاته، وقد خرج وفد بني الحسن من عنده: " قم بإنزالهم ولا تأل في ألطافهم، وكلما خلوت معهم، فأظهر الميل إليهم، والتحامل علينا، وعلي ناحيتنا. وأنهم أحق بالأمر منا، وأحص لي ما يقولون، وما يكون منهم في مسيرهم، ومقدمهم (1). ".
وقد تنوعت هذه المراقبة، وتعددت أساليبها بعد عهد السفاح، يظهر ذلك لكل من راجع كتب التاريخ (2).
خوف المنصور من العلويين ومما يدل علي مدي تخوف العباسيين من العلويين وصية المنصور لولده المهدي، التي يحثه فيها علي القبض علي عيسي بن زيد العلوي، يقول المنصور:
". يا بني، إني قد جمعت لك من الأموال ما لم يجمعه خليفة قبلي، وجمعت لك من الموالي ما لم يجمعه خليفة قبلي، وبنيت لك مدينة لم يكن في الإسلام مثلها. ولست أخاف عليك إلا أحد رجلين:
عيسي بن موسي، وعيسي بن زيد. فأما عيسي بن موسي، فقد أعطاني من العهود والمواثيق ما قبلته، ووالله، لو لم يكن إلا أن يقول قولا لما خفته عليك، فأخرجه من قلبك، وأما عيسي بن يزيد، فانفق هذه الأموال، واقتل هؤلاء الموالي، واهدم هذه المدينة، حتي تظفر به، (1) الطبري، طبع ليدن ج 11 ص 752، والعقد الفريد، طبع دار الكتاب العربي ج 5 ص 74، وتاريخ التمدن الإسلامي، وغير ذلك..
(2) وقد اعترف المنصور نفسه بهذه المراقبة في بعض خطبه: فراجع: الطبري ج 10 ص 432، ومروج الذهب ج 3 ص 301. (٦٦) صفحهمفاتيح البحث: عيسي بن زيد (2)، الوصية (1)، كتاب مروج الذهب للمسعودي (1)
ثم لا ألومك (1). ".
وليس تخوف المنصور إلي هذا الحد من عيسي بن زيد لعظمة خارقة في عيسي هذا، وإنما كل ما في الأمر أن المجتمع الإسلامي كان قد قبل - في تلك الفترة من الزمن - أن الخلافة الشرعية إنما هي في ولد علي عليه السلام. وإذا ما قام عيسي بن زيد بثورة، فإنه سوف يلقي تأييدا واسعا، فهو من جهة ابن زيد الشهيد، الثائر علي بني أمية.
ومن جهة أخري. كان من المعاونين لمحمد بن عبد الله العلوي - قتيل المدينة - الذي كان السفاح والمنصور قد بايعاه، حسبما تقدم، والذي ادعي علي نطاق واسع - باستثناء الإمام الصادق عليه السلام - أنه مهدي هذه الأمة. - كما أنه - أي عيسي بن زيد - كان من المعاونين لإبراهيم أخي محمد بن عبد الله الآنف الذكر، والذي خرج بالبصرة، وقتل بباخمري.
ومما يدل علي مدي خوف المنصور من العلويين أنه:
عندما كان مشغولا بحرب محمد بن عبد الله، وأخيه إبراهيم، كان لا ينام الليل في تلك الأيام. وأهديت له جاريتان، فلم ينظر إليهما، فكلم في ذلك، فنهر المتكلمة، وقال: ". ليست هذه الأيام من أيام النساء، لا سبيل لي إليهما، حتي أعلم: أرأس إبراهيم لي، أم رأسي لإبراهيم؟ (2) ". (١) الطبري طبع ليدن ج ١٠ ص ٤٤٨.
وتحسن الإشارة هنا إلي أن الأموال التي خلفها المنصور للمهدي تبلغ ٦٠٠ مليون درهم، و ١٤ مليون دينار. راجع أمراء الشعر العربي في العصر العباسي ص ٣٥.
(٢) تاريخ ابن خلدون ج ٣ ص ١٩٥، والطبري ج ١٠ ص ٣٠٦، وتاريخ اليعقوبي ج ٣ ص ١١٤، والبداية والنهاية ج ١٠ ص ٩٣، والكامل لابن الأثير ج ٥ ص ١٨.
وأنساب الأشراف ج 3 ص 118، ولكنه يذكر أنهما امرأتان من قريش كانتا قد خطبتا للمنصور. (٦٧) صفحهمفاتيح البحث: الإمام جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام (1)، عبد الله العلوي (1)، محمد بن عبد الله (2)، بنو أمية (1)، عيسي بن زيد (3)، الوسعة (1)، الشهادة (1)، الخوف (1)، كتاب الكامل لإبن الأثير (1)، كتاب تاريخ ابن خلدون لابن خلدون (1)، كتاب البداية والنهاية (1)، كتاب الأشراف للشيخ المفيد (1)، العصر (بعد الظهر) (1)
وهيئت له آنئذ عجينة من مخ وسكر، فاستطابها، فقال: " أراد إبراهيم أن يحرمني هذا وأمثاله (1) ".
وأرسل إلي كل باب من أبواب عاصمته - وهي الكوفة آنئذ - إبلا ودوابا، حتي إذا أتي إبراهيم وجيشه من ناحية، هرب هو إلي الري من الناحية الأخري (2).
وفي حربه - أي المنصور - مع محمد بن عبد الله اتسخت ثيابه جدا، حيث لم ينزعها عن بدنه أكثر من خمسين يوما (3).
وكان لا يستطيع أن يتابع كلامه من كثرة همه (4).
وأخيرا. فكم من مرة رأيناه يجلب الإمام الصادق عليه السلام، ويتهدده ويتوعده، ويتهمه بأنه يدبر للخروج عليه وعلي سلطانه.
فكل ذلك يدل دلالة واضحة علي مدي رعب المنصور، وخوفه من العلويين، وما ذلك إلا لإدراكه مدي ما يتمتعون به من التأكيد، في مختلف الطبقات، وعند جميع الفئات. (١) مروج الذهب ج ٣ ص ٢٩٨.
(٢) الطبري ج ١٠ ص ٣١٧، طبع ليدن، وتاريخ اليعقوبي ج ٣ ص ١١٣. ومرآة الجنان ج ١ ص ٢٩٩، وشرح ميمية أبي فراس ص ١١٦، وفرج المهموم في تاريخ علماء النجوم ص ٢١٠، نقلا عن تجارب الأمم لابن مسكويه ج ٤.
(٣) الطبري ج ١٠ ص ٣٠٦، وتاريخ ابن خلدون ج ٣ ص ١٩٥، والكامل لابن الأثير ج ٥ ص ١٨، والمحاسن والمساوي ص ٣٧٣، والبداية والنهاية ج ١٠ ص ٩٣، وأنساب الأشراف للبلاذري ج ٣ ص ١١٨.
(٤) البداية والنهاية ج ١٠ ص ٩٣، وقال اليافعي في مرآة الجنان ج 1 ص 298، 299:
".. ولم يأو إلي فراش خمسين ليلة، وكان كل يوم يأتيه فتق من ناحية. هذا، ومئة ألف سيف كامنة له بالكوفة، قالوا: ولولا السعادة لسل عرشه بدون ذلك ". (٦٨) صفحهمفاتيح البحث: الإمام جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام (1)، مدينة الكوفة (2)، محمد بن عبد الله (1)، كتاب مروج الذهب للمسعودي (1)، كتاب البداية والنهاية (2)، كتاب الأشراف للشيخ المفيد (1)
حتي إنه عندما سئل عن المبايعين لمحمد بن عبد الله أجاب: "..
ولد علي، وولد جعفر، وعقيل، وولد عمر بن الخطاب، وولد الزبير بن العوام، وسائر قريش، وأولاد الأنصار (1) ".
وسيمر معنا أن المنصور ادعي أن ولده هو المهدي، عندما رأي أن الناس - ما عدا الإمام الصادق عليه السلام - قد قبلوا بمهدوية محمد بن عبد الله العلوي. وسيمر معنا أيضا طرف من معاملته للعلويين فيما يأتي إن شاء الله تعالي.
خوف المهدي من العلويين:
وأما خوف المهدي من العلويين، فذلك لعله من أوضح الواضحات، فمثلا نري أنه: عندما أخرج الإمام الكاظم عليه السلام من السجن، يطلب منه أن لا يخرج عليه، ولا علي أحد من ولده (2).
كما أنه قد مكث مدة يطلب عيسي بن زيد، والحسن بن إبراهيم، بعد هربه من السجن.. فقال المهدي يوما لجلسائه: " لو وجدت رجلا من الزيدية، له معرفة بآل حسن، وبعيسي بن زيد، وله فقه. فأجتلبه عن طريق الفقه، فيدخل بيني وبين آل حسن، وعيسي بن زيد "، فدله الربيع علي يعقوب بن داوود، فلم يزل أمره يرتفع عند الخليفة المهدي، حتي استوزره، وفوضه جميع أمور الخلافة، وخرج كتابه علي الدواوين (1) مروج الذهب ج 3 ص 294، 295.
(2) راجع: مروج الذهب، وابن خلكان: ترجمة الإمام الكاظم، وفصل الخطاب، وينابيع المودة، وكشف الغمة، ومرآة الجنان، وصفة الصفوة.
وصرح في ينابيع المودة ص 382، 383 باتفاق المؤرخين علي ذلك. (٦٩) صفحهمفاتيح البحث: الإمام جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام (1)، الإمام موسي بن جعفر الكاظم عليهما السلام (1)، الخليفة عمر بن الخطاب (1)، الحسن بن إبراهيم (1)، الزبير بن العوام (1)، عبد الله العلوي (1)، محمد بن عبد الله (1)، عيسي بن زيد (2)، الخوف (1)، كتاب مروج الذهب للمسعودي (2)، كتاب كشف الغمة للإربلي (1)، كتاب ينابيع المودة (2)
بأنه: قد آخاه (1). كل ذلك من أجل أن يدله علي الحسن بن إبراهيم، وعيسي بن زيد، مع أن يعقوب هذا كان قد سجنه المنصور، لخروجه عليه مع إبراهيم بن عبد الله بن الحسن، والمهدي هو الذي أطلقه.
ولكنه لما لم يدله علي عيسي بن زيد اتهمه بأنه: يمالئ الطالبيين فسجنه (2) وبقي في السجن إلي زمن الرشيد، فأخرجه. وقد كف بصره.
خوف الرشيد من العلويين:
وأما الرشيد " الذي ثارت الفتن في زمنه بين أهل السنة والرافضة (3)، (1) الطبري، طبع ليدن ج 10 ص 464، 507، 508، ومروج الذهب ج 3 ص 312، والفخري في الآداب السلطانية ص 184، 185، وليراجع: الوزراء والكتاب ص 155 وغير ذلك. وسيأتي في فصل: ظروف البيعة المزيد من الكلام حول نفوذ يعقوب هذا.. ونكتفي هنا بالقول: إنه قد بلغ من نفوذه، أن جاز لبشار أن يقول أبياته المشهورة:
بني أمية هبوا طال نومكم * إن الخليفة يعقوب بن داوود ضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسوا * خليفة الله بين الزق والعود (2) مروج الذهب ج 3 ص 312، وضحي الإسلام ج 3 ص 292، والطبري، وغير ذلك. وفي مرآة الجنان ج 1 ص 419 وغيره: أنه حبسه في بئر، وبني عليه قبة، وليراجع الوزراء والكتاب ص 155 أيضا.
وقد دخل مروان بن أبي حفصة علي المهدي بعد أن سجن يعقوب، وقال له:
" إن يعقوب رجل رافضي "..
ومع ذلك. فإننا نري البعض يتهم يعقوب هذا بأنه هو الذي وشي للرشيد بالإمام موسي ابن جعفر عليه السلام، فراجع عيون أخبار الرضا ج 1 ص 73، وغيره …
(3) النجوم الزاهرة ج 2 ص 77. (٧٠) صفحهمفاتيح البحث: عبد الله بن الحسن (ع) (1)، الحسن بن إبراهيم (1)، عيسي بن زيد (2)، كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام (1)، كتاب مروج الذهب للمسعودي (2)، بنو أمية (1)
فقد كان معنيا بالمسألة عن آل علي، وكل من كان ذا نباهة وشأن منهم، كما سيأتي.
وقضيته مع يحيي بن عبد الله بن الحسن، الذي كان قد خرج في الديلم، وحالته السيئة، وهمومه في أيام خروجه، أشهر من أن تحتاج إلي بيان. وكيف لا تأخذه الهموم، وتذهب به الوساوس، وقد اتبع يحيي " خلق كثير، وجم غفير، وقويت شوكته، وارتحل إليه الناس من الكور والأمصار، فانزعج للملك الرشيد، وقلق من أمره ". وكان الساعي بالصلح بينه وبين يحيي هو الفضل بن يحيي، وبسبب تمكنه من إخماد ثورة يحيي عظمت منزلته عند الرشيد جدا، وفرح بذلك الصلح فرحا عظيما (1). وإن كان قد غدر بيحيي بعد ذلك، كما هو معروف ومشهور.
كما أنه عندما ذهب إلي المدينة لم يعط الإمام موسي بن جعفر عليه السلام، سوي مائتي دينار، رغم أنه كان يعطي من لا يقاسون به الآلاف منها، وكان اعتذاره عن ذلك لولده المأمون، أنه لو أعطاه أكثر من ذلك لم يأمن أن يخرج عليه من الغد مئة ألف سيف من شيعته، ومحبيه صلوات الله وسلامه عليه (2). (١) راجع في ذلك كله: البداية والنهاية ج ١٠ ص ١٦٧، وعمدة الطالب، طبع بيروت ص ١٢٤، وشرح ميمية أبي فراس ص ١٩٠.
(٢) عيون أخبار الرضا ج ١ ص ٩٢، والبحار ج ٤٨ ص ١٣١، ١٣٢.
وقد رأينا أن العباسيين ابتداء من المنصور، بل السفاح - مع الإمام الصادق عليه السلام - كانوا دائما يتهددون الأئمة - الذين ما كانوا يجدون الفرصة لأي تحرك، ومن أي نوع، كما سنوضحه - ويتهمونهم بأنهم كانوا يدبرون في الخفاء للخروج عليهم، ليجدوا الوسيلة من ثم - للتضييق عليهم، والمبرر لسجنهم، ومصادرة أموالهم و و.
وكان الأئمة ينفون ذلك، ويدحضون تلك التهم باستمرار.. لكنهم ما كانوا يقبلون منهم ذلك!! (٧١) صفحهمفاتيح البحث: عبد الله بن الحسن (ع) (1)، صلح (يوم) الحديبية (2)، الفضل بن يحيي (1)، موسي بن جعفر (1)، الصّلاة (1)، كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام (1)، الإمام جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام (1)، كتاب البداية والنهاية (1)، مدينة بيروت (1)، الإخفاء (1)
ثم عاد وسجنه بعد ذلك بحجة أنه كان يجبي إليه الخراج، ثم يدس إليه السم، ويتخلص منه، وذلك هو مصير أكثر الأئمة علي يد الخلفاء قبله وبعده.
وأما في زمن المأمون!
وأما في زمن المأمون: فقد كان الأمر أعظم، وأمر، وأدهي، حيث قد شملت الثورات والفتن الكثيرة من الولايات والأمصار، حتي لم يعد يعرف المأمون من أين يبدأ، ولا كيف يعالج. وأصبح يري، ويؤلمه أن يري مصيره، ومصير خلافته في مهب الريح، تتقاذفه الأنواء، ويضري به الأعصار.
عقدة الحقارة لدي العباسيين:
وكان ذلك بطبيعته يزيد من رعب العباسيين، ويضاعف من مخاوفهم..
سيما بملاحظة أنهم كانوا يعيشون عقدة الحقارة والمهانة.
يقول أبو فراس مشيرا إلي ذلك:
ثم ادعاها بنو العباس ملكهم * وما لهم قدم فيها ولا قدم لا يذكرون إذا ما معشر ذكروا * ولا يحكم في أمر لهم حكم ولا رآهم أبو بكر وصاحبه * أهلا لما طلبوا منها وما زعموا فهل هم يدعوها غير واجبة * أم هل أئمتهم في أخذها ظلموا وقد كتب أبو مسلم للمنصور، من جملة رسالة له: ". وأظهركم الله بعد الاخفاء، والحقارة والذل، ثم استنقذني بالتوبة الخ (1). ". (١) البداية والنهاية ج ١٠ ص ٦٤. وغيره. (٧٢) صفحهمفاتيح البحث: بنو عباس (1)، التوبة (1)، الحج (1)، كتاب البداية والنهاية (1)
وفي رسالة أخري: ". حتي عرفكم من كان جهلكم (1) ".
بل لقد صرح المنصور بذلك لعمه عبد الصمد بن علي، حيث قال له: " نحن بين قوم رأونا بالأمس سوقة، واليوم خلفاء، فليس تتمهد هيبتنا إلا باستعمال العقوبة، ونسيان العفو. " كما سيأتي.
في مواجهة الخطر:
وإذا كان العباسيون يدركون: أن الخطر الحقيقي الذي يتهددهم، إنما هو من قبل أبناء عمهم العلويين، فإن عليهم إذن. أن يتحركوا.
أن يفعلوا شيئا. أن يواجهوا الخطر المحدق بهم بكل وسيلة، وبأي أسلوب كان. سيما وهم يشهدون عن كثب سرعة استجابة الناس للعلويين، وتأييدهم، ومساندتهم لكل دعوة من قبلهم.
فكيف عالج العباسيون الموقف؟!.
وما هو مدي نجاحهم في ذلك؟ إن كان قدر لهم النجاح!!. (١) البداية والنهاية ج ١٠ ص ٦٩، والإمامة والسياسة ج 2 ص 133، وغير ذلك. (٧٣) صفحهمفاتيح البحث: عبد الصمد بن علي (1)، كتاب البداية والنهاية (1)

سياسة العباسيين ضد العلويين

سياسة العباسيين ضد العلويين:
مما سبق:
قد تقدم معنا بعض ما يدل علي مدي نفوذ العلويين، وعلي المكانة التي كانوا يتمتعون بها علي العموم. وأنهم هم الذين كانوا يشكلون الخطر الحقيقي علي العباسيين، ومركزهم في الحكم.
وقد كان العباسيون يدركون بالفعل هذه الحقيقة، فكان عليهم أن يبعدوهم عن مجال السياسة بأي وسيلة كانت وأن يحدوا ما استطاعوا من نفوذهم، ويضعفوا ما أمكنهم من قوتهم.
وقد اتبعوا من أجل ذلك أساليب شتي، وطرق متنوعة:
فحاولوا في بادئ الأمر أن يقارعوهم الحجة بالحجة..
تطوير نظرية الإرث:
وكان من جملة أساليبهم في ذلك أنهم غيروا وبدلوا في السلسلة، التي كانوا يواجهون بها الناس في تقريرهم لشرعية خلافتهم من النبي صلي الله عليه وآله. (٧٤) صفحهمفاتيح البحث: الرسول الأكرم محمد بن عبد الله صلي الله عليه وآله (1)
وذلك لأنهم كانوا في بداية أمرهم يصلون حبل وصايتهم بأمير المؤمنين عليه السلام، ثم منه إلي ولده محمد بن الحنفية، ثم إلي ابنه أبي هاشم، ثم إلي علي بن عبد الله بن العباس، فإلي ولده محمد بن علي، فإبراهيم الإمام، ثم منه إلي أخيه السفاح (1) وهكذا.. هذا. مع إنكارهم لشرعية خلافة أبي بكر وعمر، وعثمان، وغيرهم من خلفاء الأمويين، وغيرهم.
ويتضح إنكارهم وتبرؤهم هذا من كثير من النصوص التاريخية. فمن ذلك قصة أبي عون مع المهدي، التي ستأتي في بعض هوامش هذا الفصل.
ومن ذلك أيضا قول أبي مسلم في خطبته في أهل المدينة في السنة التي حج فيها في عهد السفاح، قال: ".. وما زلتم بعد نبيه تختارون تيميا مرة، وعدويا مرة، وأسديا مرة وسفيانيا مرة، ومروانيا مرة، حتي جاءكم من لا تعرفون اسمه، ولا بيته [يعني نفسه] يضربكم بسيفه، فأعطيتموها عنوة، وأنتم صاغرون، ألا وإن آل محمد أئمة الهدي، ومنار سبيل التقي، القادة الذادة السادة الخ (2). " وتقدم قول داوود ابن علي: " لم يقم فيكم إمام بعد رسول الله الخ.. " وروي أبو سليمان الناجي، قال: " جلس المهدي يوما يعطي قريشا صلات لهم، وهو ولي عهد، فبدأ ببني هاشم، ثم بسائر قريش.
فجاء السيد أي [الحميري]، فرفع إلي الربيع حاجب المنصور رقعة مختومة، وقال: إن فيها نصيحة للأمير، فأوصلها إليه. فأوصلها.
فإذا فيها: (١) تاريخ ابن خلدون ج ٣ ص ١٧٣، ومروج الذهب ج 3 ص 238، ووفيات الأعيان ج 1 ص 454، 455، طبع سنة 1310، وإمبراطورية العرب ص 406، وغير ذلك، وقد أشرنا إلي أن هذه هي عقيدة الكيسانية، فراجع.
(2) شرح النهج للمعتزلي ج 7 ص 161، 162. (٧٥) صفحهمفاتيح البحث: الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام (1)، عبد الله بن عباس (1)، الدولة الأموية (1)، محمد بن الحنفية إبن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام (1)، خلافة أبي بكر بن أبي قحافة (1)، بنو هاشم (1)، محمد بن علي (1)، كتاب مروج الذهب للمسعودي (1)، كتاب تاريخ ابن خلدون لابن خلدون (1)
قل لابن عباس سمي محمد * لا تعطين بني عدي درهما احرم بني تيم بن مرة أنهم * شر البرية آخرا، ومقدما إن تعطهم لا يشكروا لك نعمة * ويكافؤوك بأن تذم وتشتما وإن ائتمنتهم أو استعملتهم * خانوك، واتخذوا خراجك مغنما ولئن منعتهم لقد بدءوكم * بالمنع، إذ ملكوا وكانوا أظلما منعوا تراث محمد أعمامه * وابنيه، وابنته عديلة مريما وتأمروا من غير أن يستخلفوا * وكفي بما فعلوا هنالك مأثما لم يشكروا لمحمد إنعامه * أفيشكرون لغيره إن أنعما والله من عليهم بمحمد * وهداهم، وكسا الجنوب، وأطعما ثم انبروا لوصيه ووليه * بالمنكرات، فجرعوه العلقما قال: فرمي بها إلي عبد الله معاوية بن يسار، الكاتب للمهدي، ثم قال: اقطع العطاء، فقطعه. وانصرف الناس. ودخل السيد إليه، فلما رآه ضحك، وقال: قد قبلنا نصيحتك يا إسماعيل. ولم يعطهم شيئا (1). ".
ونري السيد الحميري في مناسبة أخري ينشد المنصور أبياتا يهجو بها سوارا القاضي، من جملتها:
إن سوار بن عبد * الله من شر القضاء نعثلي، جملي، * لكم غير مواتي (2) (١) الأغاني ج ٧ ص ١٦، طبع دار الفكر، والغدير ج ٢ ص ٢٥٤، ٢٥٥، والأدب في ظل التشيع ص ٢٠٧، ومستدرك أخبار السيد الحميري للمرزباني ص ٥٨، باختصار وديوان السيد الحميري ص ٣٧٧، ٣٧٨، نقلا عن الأولين، وعن:
أعيان الشيعة ج ١٢ ص ١٧٨، وتاريخ الإسلام ج ٢ ص ١٤٧، وتاريخ آداب اللغة العربية ج ٢ ص ٦٧، ٦٨.
(٢) طبقات الشعراء لابن المعتز ص ٣٤، والأغاني ج ٧ ص ٢٦١، والغدير ج ٢ ص ٢٥٦ (٧٦) صفحهمفاتيح البحث: عبد الله بن عباس (1)، كتاب أخبار السيد الحميري للمرزباني الخراساني (1)، كتاب أعيان الشيعة للأمين (1)، التاريخ الإسلامي (1)
ويقول القاسم بن يوسف:
هاشم فخر قصي كلها * أين تيم وعدي والفخار لهم أيد طوال في العلي * ولمن ساماهم أيد قصار لهم الوحي وفيهم بعده * آمر الحق وفي الحق منار وهم أولي بأرحامهم * في كتاب الله إن كان اعتبار ما بعيد كقريب سببا * لا ولا يعدل بالطرف الحمار إلي أن قال:
خسر الآخذ ما ليس له * عمد عين والشريك المستشار ولفيف ألفوا بينهم * بيعة فيها اختلاط وانتشار ورسوله الله لم يدفن فما * شغل القوم اغتمام وانتظار كان منهم قبل آل المصطفي * أن يلوا الأمر حذار ونفار (1) إلي آخر الأبيات.
والقاسم بن يوسف معاصر لكل من الرشيد والمأمون، وتوفي سنة 213 ه.
وكل ما ذكرناه يدل علي إنكار العباسيين لشرعية خلافة أبي بكر وعمر.
ومثل ذلك كثير لا مجال لنا هنا لاستقصائه، وحسبنا هنا أقوال المؤرخين، فإنها القول الفصل، والحكم العدل.
هذا ما كان في بداية الأمر. أي أنهم كانوا يصلون حبل وصايتهم بعلي عليه السلام، وينكرون شرعية خلافة الثلاثة، ثم عدلوا عن ذلك بعد فترة. وذلك لما يتضمنه من الاعتراف بأن الوصاية كانت في ولد علي عليه السلام. (1) الأوراق للصولي ص 180، وأخبار شعراء الشيعة للمرزباني ص 108 - 109. (٧٧) صفحهمفاتيح البحث: الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام (2)، خلافة أبي بكر بن أبي قحافة (1)، الدفن (1)
فأسس المهدي فرقة (1) تدعي: أن الإمام بعد رسول الله صلي الله عليه وآله هو العباس بن عبد المطلب، ثم ابنه عبد الله، ثم ابنه علي، ثم ابنه محمد. وهكذا إلي أن ينتهي الأمر إليهم. هذا. مع الاستمرار علي البراءة من أبي بكر، وعمر، وعثمان. ولكنهم أجازوا بيعة علي ابن أبي طالب، لأن العباس نفسه كان قد أجازها (2). وتسمي هذه الفرقة ب: " الراوندية والشيعة العباسية ".
ولكننا لا نجد لهذه الفرقة أثرا في عصر المأمون، لأن سياسة الخليفة قد اقتضت تجميد هذه المقالة، ولو لفترة من الزمان كما سنوضحه وعلي كل حال فيقول منصور النمري يمدح الرشيد:
لولا عدي وتيم لم تكن وصلت * إلي أمية تمريها وترتضع إن الخلافة كانت إرث والدكم * من دون تيم، وعفو الله متسع (3) (١) هذا. ولكن الذي يبدو هو أن صاحب الفكرة الحقيقي هو المنصور. كما يظهر من رسالته لمحمد بن عبد الله بن الحسن، ومن كثير من كلماته، وخطبه. والمهدي كان هو المنفذ لها، والمخرج من عالم القوة إلي عالم الفعل.. بل لقد سار المنصور في إشاعة هذه الفكرة، وتركيزها شوطا بعيدا، حتي لقد تقرب إليه بها الشعراء، فهذا السيد الحميري يقول - علي ما يرويه لنا المرزباني في أخباره ص ٣٧ ويروي أيضا مكافأة المنصور المهمة له علي ذلك - يقول السيد:
يا رهط أحمد إن من أعطاكم * ملك الوري وعطاؤه أقسام رد الخلافة والوراثة فيكم * وبنو أمية صاغرون رغام لمتمم لكم الذي أعطاكم * ولكم لديه زيادة وتمام أنتم بنو عم النبي عليكم * من ذي الجلال تحية وسلام وورثتموه وكنتم أولي به * إن الولاء تحوزه الأرحام إلي غير ذلك مما لا مجال لنا لتتبعه واستقصائه.
(٢) فرق الشيعة للنوبختي ص ٤٨، ٤٩، وتاريخ ابن خلدون ج ٣ ص ١٧٣، ومروج الذهب للمسعودي ج 3 ص 236، إلا أن النوبختي ذكر أنهم لم يجيزوا حتي بيعة علي أيضا.
(3) طبقات الشعراء لابن المعتز ص 244، والشعر والشعراء ص 546. (٧٨) صفحهمفاتيح البحث: الرسول الأكرم محمد بن عبد الله صلي الله عليه وآله (1)، العباس بن عبد المطلب (1)، عبد الله بن الحسن (ع) (1)، بنو أمية (1)
تشجيع الخلفاء لهذا الاتجاه:
وقد شجع الخلفاء هذه النحلة، أو فقل هذا الاتجاه، واستمروا يناصرونه إلي زمن هارون.
وقد حصل مروان ابن أبي حفصة من الخليفة العباسي " المهدي " علي أعظم جائزة تعطي لشاعر في تلك الفترة، علي قوله مخاطبا آل علي:
هل تطمسون من السماء نجومها * بأكفكم أو تسترون هلالها أو تدفعون مقالة عن ربكم * جبريل بلغها النبي فقالها نزلت من الأنفال آخر آية * بتراثهم، فأردتم إبطالها يشير إلي آية: " أولوا الأرحام. ".
فزحف المهدي من صدر مصلاه إعجابا، وأعطاه مئة ألف درهم، لكل بيت ألف درهم. وكانت هذه أول مئة ألف تعطي لشاعر في دولة بني العباس (1).
وأعطاه هارون بدوره علي هذه الأبيات، بعد أن أصبح خليفة مئة ألف أيضا.
كما أن المهدي قد أعطي مروان هذا علي قوله:
أني يكون وليس ذاك بكائن * لبني البنات وراثة الأعمام أعطاه ثلاثين ألفا من صلب ماله، وكساه جبة، ومطرفا، وفرض علي أهله ومواليه ثلاثين ألفا أيضا (2). (١) تاريخ بغداد ج ١٣ ص ١٤٤، 145، ومرآة الجنان ج 1 ص 321.
(2) ولكن في العقد الفريد ج 1 ص 312، الطبعة الثالثة، والمحاسن والمساوي ص 219:
أنه أخذ منه ثلاثين، ومن أهل بيته سبعين. ولعل هذا هو الأقرب إلي الواقع، فقد ذكر في المحاسن والمساوي ص 220: أن مروان هذا قال في هذه المناسبة:
بسبعين ألفا راشي من حبائه * وما نالها في الناس من شاعر قبلي بل هذا البيت يدل علي أن السبعين كانت منه، لا من أهل بيته..
وفي طبقات الشعراء ص 51 اكتفي بالقول: أنه أخذ بهذا البيت مالا عظيما.. (٧٩) صفحهمفاتيح البحث: بنو عباس (1)، الصّلب (1)، كتاب تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (1)
وينسب هذا الشعر لبشار بن برد كذلك.
وبعد ذلك يقف مروان بن أبي الجنوب (ويقال: بل مروان بن أبي حفصة، وقد أنشدها المتوكل، علي ما في الغدير ج 4 ص 175)، وينشد الخليفة قصيدته التي مطلعها:
لكم تراث محمد * وبعدلكم تشفي الظلامة إلي أن يقول:
ما للذين تنحلوا * ميراثكم إلا الندامة فيخلع عليه أربع خلع، وينثر ثلاثة آلاف دينار، يأمره بالتقاطها، ويعطيه عشرة آلاف درهم،. ثم يعقد له - مع ذلك كله - ولاية علي البحرين واليمامة (1).
بل لقد تمادي هارون، وأراد أن يذهب إلي أبعد من ذلك، حيث أراد أن ينكر حتي شرعية خلافة الإمام علي عليه السلام، فأحضر " أبا معاوية الضرير " وهو أحد محدثي المرجئة (2)، وقال له: " هممت أنه من يثبت خلافة علي فعلت به وفعلت.. ". فنهاه أبو معاوية عن ذلك، واستدل له بما أعجبه، فارتدع، وانصرف عما كان عزم عليه (3). (١) راجع: الكامل لابن الأثير ج ٧ ص ٣٨، والإمام الصادق والمذاهب الأربعة، المجلد الثاني، جزء ٣، ص ٢٢٨.
(٢) المرجئة الأولي كانوا لا يتولون عثمانا ولا عليا، ولا يتبرأون منهما.
(٣) راجع تفصيل ذلك في تاريخ بغداد ج ٥ ص ٢٤٤، ونكت الهميان في نكت العميان ص 247. (٨٠) صفحهمفاتيح البحث: الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام (1)، العقد (1)، كتاب تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (1)، كتاب الكامل لإبن الأثير (1)، الصدق (1)
بل إن بعض النصوص التاريخية تفيد أن المهدي أيضا كان لا يريد أن يجيز بيعة علي عليه السلام (1).
الإمام علي في ميزان الاعتبار:
وإذا ما عرفنا أن إظهار المأمون حبه لعلي بن أبي طالب، وولده، ليس إلا لظروف سياسية معينة كما سيأتي توضيحه. فإننا سوف نري أنفسنا مقتنعين بأن تأرجح الإمام علي عليه السلام في ميزان الاعتبار في تلك الفترة والتي بعدها عند العباسيين، لم يكن إلا أمرا ظاهريا أملته الظروف السياسية، والاجتهادات المختلفة في أساليب مواجهة العلويين.
ولهذا نري ارتباكهم في ذلك ظاهرا للعيان من وقت لآخر، ومن فترة لأخري. وهكذا. نجد أن الإمام عليا لم يكن معتبرا عند المأمون، (١) فقد ذكر ابن الأثير في الكامل ج ٥ ص ٧٢، والطبري في تاريخه حوادث سنة 169 ه.: أن المهدي عندما رأي في وصية القاسم بن مجاشع التميمي المروزي عبارة:
".. ويشهد أن محمدا عبده ورسوله، وأن علي بن أبي طالب وصي رسول الله، ووارث الإمامة من بعده. الخ ".. رماها من يده، ولم ينظر في باقيها..
كما أنه عندما ذهب لعيادة أبي عون، الذي كان من كبار رجال الدعوة، والذي أرسله أبو مسلم في ثلاثين ألفا في طلب مروان بن محمد، وكان هو الذي أنهي أمره في مصر علي ما في الإمامة والسياسة ج 2 ص 116، 119، 120. - عندما ذهب المهدي لعيادته -، وطلب منه أبو عون أن يرضي عن ولده، الذي كان يري رأي الشيعة في الخلافة، أجاب: أنه علي غير الطريق، وعلي خلاف رأينا. فقال له أبو عون: هو والله يا أمير المؤمنين، علي الأمر الذي خرجنا عليه، ودعونا إليه، فإن كان قد بدا لكم، فمرونا، حتي نطيعكم.. راجع الإمام الصادق والمذاهب الأربعة، المجلد الأول، جزء 2 ص 569، وقاموس الرجال ج 5 ص 373، والطبري، وغير ذلك. (٨١) صفحهمفاتيح البحث: الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام (3)، علي بن أبي طالب (2)، إبن الأثير (1)، الصدق (1)، الوصية (1)
غير معتبر عند المنصور والرشيد، بل هو غير معتبر عندهم جميعا.
. ولسنا هنا في صدد تحقيق هذا الأمر، ولكن قد تكفي الإشارة في كثير من الأحيان.
استغلال لقب المهدي:
هذا.. ونلاحظ: أن المنصور أيضا قد حاول أن يقارع العلويين بالحجة، ولكن بنحو آخر، وأسلوب آخر.
فإنه عندما رأي أن الناس قد قبلوا علي نطاق واسع (ما عدا الإمام الصادق عليه السلام) بأن محمد بن عبد الله العلوي هو المهدي.. حاول أن يموه هو بدوره علي الناس، فلقب ولده، والخليفة بعده ب " المهدي " من أجل أن يصرف الناس عن محمد بن عبد الله هذا..
فقد أرسل مولي له إلي مجلس محمد بن عبد الله، وقال له:
" اجلس عند المنبر، فاسمع ما يقول محمد " قال: فسمعته يقول:
إنكم لا تشكون أني أنا المهدي، وأنا هو " فأخبرت بذلك أبا جعفر، فقال: " كذب عدو الله، بل هو ابني (1) ".
ثم. ومن أجل إقناع الناس بهذا الأمر، وجد المنصور من يضع له الأحاديث، ويكذب علي النبي صلي الله عليه وآله، وطبق واضعوها " مهدي الأمة " علي ولده الخليفة " المهدي " (2). ويقول القاضي النعمان الإسماعيلي في أرجوزته: (١) مقاتل الطالبيين ص ٢٤٠، والمهدية في الإسلام ص ١١٧.
(٢) تجد بعض هذه الأحاديث في: الصواعق المحرقة ٩٨، ٩٩، وتاريخ الخلفاء للسيوطي ص ٢٥٩، ٢٦٠، ٢٧٢، والبداية والنهاية ج ٦ ص ٢٤٦، 247، وغير ذلك. (٨٢) صفحهمفاتيح البحث: الإمام جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام (1)، الرسول الأكرم محمد بن عبد الله صلي الله عليه وآله (1)، عبد الله العلوي (1)، محمد بن عبد الله (2)، الكذب، التكذيب (1)، الوسعة (1)، كتاب مقاتل الطالبيين لأبو الفرج الأصفهاني (1)، كتاب البداية والنهاية (1)، جلال الدين السيوطي الشافعي (1)، كتاب الصواعق المحرقة (1)
من انتظاره وقد تسمي * بهذه الأسماء ناس لما تغلبوا ليجعلوها حجة * فعدلوا عن واضح المحجة إذ مثلوا الجوهر بالأشباه * منهم محمد بن عبد الله ابن علي من بني العباس * ذوي التعدي الزمرة الأرجاس (1).
وقد أقر أحمد أمين المصري بكذب هذه الأحاديث، ووضعها (2)، كما أقر غيره بذلك.
بل إن المنصور نفسه - الذي كان قد اعترف بمهدوية محمد بن عبد الله العلوي، وتبجح، وافتخر بها (3) - قد كذب نفسه في ذلك، وكذبها في مهدوية ولده أيضا.
يقول مسلم بن قتيبة: " أرسل إلي أبو جعفر، فدخلت عليه، فقال: قد خرج محمد بن عبد الله، وتسمي بالمهدي، ووالله، ما هو به، وأخري أقولها لك. لم أقلها لأحد قبلك، ولا أقولها لأحد بعدك.. وابني والله، ما هو بالمهدي، الذي جاءت به الرواية، ولكنني تيمنت به، وتفاءلت به (4). " والخليفة المهدي نفسه يقر بأن أباه فقط يروي أنه المهدي الذي بعده في الناس (5).
وأما اتخاذهم الزندقة ذريعة للقضاء علي خصومهم، سواء من العلويين، أو من غيرهم.. فسيأتي توضيحه إن شاء الله تعالي. (١) الأرجوزة المختارة ص ٣١، (٢) ضحي الإسلام ج ٣ ص ٢٤٠.
(٣) مقاتل الطالبيين ص ٢٣٩، ٢٤٠، والمهدية في الإسلام ص ١١٦، وجعفر بن محمد لعبد العزيز سيد الأهل ص ١١٦، (٤) مقاتل الطالبيين ص ٢٤٧، والمهدية في الإسلام ص 117.
(5) الوزراء والكتاب ص 127. (٨٣) صفحهمفاتيح البحث: بنو عباس (1)، عبد الله العلوي (1)، محمد بن عبد الله (2)، الكذب، التكذيب (1)، الحج (1)، أهل بيت النبي صلي الله عليه وآله (1)، كتاب مقاتل الطالبيين لأبو الفرج الأصفهاني (2)، عبد العزيز (1)
وكل ذلك لم يكفهم:
ولكن العباسيين قد وجدوا أن ذلك كله لم يكن ينطلي علي أحد، وأن الأمور - مع ذلك - تسير في غير صالحهم، ولهذا فإن من الأفضل والأجدي لهم أن لا يفسحوا المجال للعلويين للمنطق والحجاج، فإن ذلك من شأنه أن يظهر كل ما كان يتمتع به العلويون من خصائص ومميزات عليهم. هذا إن لم ينته الأمر بفضيحة ساحقة للعباسيين، وكشف حقيقتهم وواقعهم أمام الملأ، الأمر الذي كان يزعجهم، ويقض مضاجعهم إلي حد كبير..
وإذن.. فإن من الحكمة أن يتبعوا أساليب أخري من أجل القضاء علي العلويين..
ولم تكفهم مراقبتهم لهم، حتي لم يكونوا يغفلون عنهم طرفة عين أبدا، من أجل التعرف علي أحوالهم، وإحصاء كل حركاتهم، ابتداء من السفاح، ثم اتبعه الخلفاء علي ذلك من بعده.
كما لم يكفهم.. التهديد والوعيد الذي كانوا يواجهونهم به، بهدف إضعاف شخصياتهم، وتحطيم معنوياتهم..
كما لم يكفهم مصادرة أموالهم، وهدم بيوتهم، ومنعهم من السعي من أجل الحصول علي لقمة العيش، حتي لقد بلغ البؤس بهم أن:
العلويات كن يتداولن الثوب الواحد من أجل الصلاة (1).
وكذلك لم يكفهم. عزلهم عن الناس، ومنع كل أحد من الوصول إليهم، تمهيدا لتشويه سمعتهم بما أمكنهم من أساليب الكذب والافتراء، (١) كان ذلك في زمن المتوكل، راجع: بند تاريخ ج ١ ص ٧٢، ومقاتل الطالبيين ص ٥٩٩. (٨٤) صفحهمفاتيح البحث: الكذب، التكذيب (1)، الصّلاة (1)، القتل (1)
وإن كانت سيرتهم الحميدة، وخصوصا أهل البيت منهم، كانت تدفع كل شائعة، وسلوكهم المثالي يدحض كل افتراء.
وأما الاضطهاد والتشريد، وزج العشرات والمئات منهم في السجون الرهيبة، التي كان من يدخل إليها لا يأمل بالخروج منها، حيث إن دخول السجن إنما كان يعني في الحقيقة دخول القبر.. وأما دسهم السم لكل شخصية لا يستطيعون الاعتداء عليها جهارا - أما ذلك - فلم يكن ليكفيهم أيضا، ولا ليقنعهم قطعا. حيث إنهم إنما كانوا متعطشين إلي الولوغ في دمائهم، ومشتاقين إلي التفنن في تعذيبهم، واختراع أساليب جديدة في ذلك، فسمروا بالحيطان من سمروا، وأماتوا جوعا من أماتوا، ووضعوا في الأسطوانات منهم من وضعوا. إلي غير ذلك مما يظهر لكل من له أدني اطلاع علي تاريخهم، وتاريخ سلوكهم مع أبناء عمهم العلويين.
وأما قتلهم لهم جماعات، فأشهر من أن يحتاج إلي بيان. وقضية المنصور مع بني حسن لا يكاد يخلو منها كتاب تاريخي. وكذلك قضية الستين علويا، الذين قتلوا بأمر من الخليفة " المنصور " باستثناء غلام منهم، لا نبات بعارضيه (1). (١) هذا ما نقله في شرح شافية أبي فراس ص ١٧٤ عن الدر النظيم، عن أحمد بن حنبل، الذي رأي رجلا متعلقا بأستار الكعبة، يضرع إلي الله بالمغفرة، وأقر له بأنه بني علي هؤلاء ما عدا الغلام المذكور بأمر من المنصور.. وفي عيون أخبار الرضا ج 1 ص 108، فما بعدها، وشرح ميمية أبي فراس ص 176، 177، والبحار ج 48 ص 176 فما بعدها. قصة شبيهة بهذه ينقلها عن حميد بن قحطبة الذي كان يفطر في شهر رمضان، ليأسه من مغفرة الله، لأنه قتل ستين علويا في ليلة واحدة بأمر من الرشيد.. ولكن الظاهر أن ذكر الرشيد اشتباه من الراوي، ولعله عمدي، لأن حميدا قد مات سنة 158، علي ما صرح به في البحار ج 48 ص 322، وخلافة هارون الرشيد إنما بدأت سنة 170، ولعل القصة الحقيقية هي ما عن أحمد بن حنبل، وإنما حرفها المحرفون لحاجة في نفس يعقوب، لا تخفي علي المتتبع الخبير، والناقد البصير. (٨٥) صفحهمفاتيح البحث: القتل (3)، القبر (1)، شهر رمضان المبارك (1)، هارون الرشيد (1)، الموت (1)
موقف كل خليفة منهم علي حدة:
وإننا من أجل أن نلم بموقف كل خليفة منهم علي حدة من أبناء عمهم العلويين، نقول:
أما السفاح:
فقد قال عنه أحمد أمين: ".. وكانت حياته حياة سفك للدماء، وقضاء علي المعارضين (1). " وقال عنه الجنرال جلوب: ". وكان السفاح والمنصور قد نشئا نشأة المتآمرين، ولذا وطدا ملكهما - بعد نجاح الثورة - بكثير من سفك الدما، ولا سيما من دماء أولاد أعمامهم، من بني أمية، وبني علي بن أبي طالب (2). ".
ويقول الخوارزمي عن السفاح: ". وسلط عليهم (يعني علي العلويين) أبا مجرم، لا أبا مسلم، يقتلهم تحت كل حجر ومدر، ويطلبهم في كل سهل، وجبل (3). ".
ومن ذلك يعلم أن إظهاره اللين اتجاههم أمام الناس ما كان إلا من أجل تثبيت دعائم حكمه، وتحكيم قواعد سلطانه، لكنه لم يغفل لحظة واحدة عن مراقبتهم، والتجسس علي أحوالهم، بل وقتلهم، إذا ما سنحت الفرصة له لذلك، كما قدمنا. (١) ضحي الإسلام ج ١ ص ١٠٥.
(٢) إمبراطورية العرب ص ٤٩٩.
(٣) رسائل الخوارزمي ص ١٣٠، وضحي الإسلام ج ٣ ص ٢٩٦، ٢٩٧، وسيأتي شطر من هذه الرسالة. راجع ما علقناه علي هذه الفقرة في فصل: قيام الدولة العباسية. (٨٦) صفحهمفاتيح البحث: علي بن أبي طالب (1)، بنو أمية (1)، الخوارزمي (2)، القتل (1)، الدولة العباسية (العباسيون) (1)
وأما المنصور:
الذي لم يتورع عن قتل ابن أخيه السفاح (1)، وعمه عبد الله بن علي.
وأبي مسلم. مؤسس دولته. والذي سافر سنة 148 ه. إلي الحج، وعزم علي القبض علي الإمام الصادق (ع)، إن كان لم يتم له ذلك (2).
والذي سمي نفسه المنصور بعد انتصاره علي العلويين (3).
أما المنصور هذا. فهو أول من أوقع الفتنة بين العباسيين والعلويين (4).
وقد اعترف عندما عزم علي قتل الإمام الصادق عليه السلام، بعدد ضخم من ضحاياه من العلويين، حيث قال:
". قتلت من ذرية فاطمة ألفا، أو يزيدون، وتركت سيدهم، ومولاهم، وإمامهم، جعفر بن محمد. " (5).
ولقد كان هذا القول منه في حياة الإمام الصادق عليه السلام، أي في صدر خلافة المنصور. فكيف بمن قتلهم بعد ذلك!!
وقد ترك خزانة رؤوس ميراثا لولده المهدي، كلها من العلويين، وقد علق بكل رأس ورقة كتب فيها ما يستدل به علي صاحبه، ومن بينها رؤوس شيوخ، وشبان، وأطفال (6). (١) تاريخ التمدن الإسلامي المجلد الثاني جزء ٤ ص ٤٩٤، نقلا عن: نفح الطيب ج ٢ ص ٧١٥.
(٢) النجوم الزاهرة ج ٢ ص ٦ (٣) التنبيه والإشراف ص ٢٩٥، وطبيعة الدعوة العباسية ص ١١٩.
(٤) تاريخ الخلفاء للسيوطي ص ٢٦١، ومروج الذهب ج ٤ ص ٢٢٢. وشرح ميمية أبي فراس ص ١١٧، ومشاكلة الناس لزمانهم لليعقوبي ص ٢٢، ٢٣.
(٥) شرح ميمية أبي فراس ص ١٥٩، والأدب في ظل التشيع ص ٦٨.
(٦) تاريخ الطبري ج ١٠ ص ٤٤٦، والنزاع والتخاصم للمقريزي ص 52، وغير ذلك. (٨٧) صفحهمفاتيح البحث: الإمام جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام (3)، عبد الله بن علي (1)، جعفر بن محمد (1)، الحج (1)، القتل (3)، كتاب مروج الذهب للمسعودي (1)، جلال الدين السيوطي الشافعي (1)، كتاب تاريخ الطبري (1)
وهو الذي يقول لعمه عبد الصمد بن علي، عندما لامه علي أنه يعاجل بالعقوبة، حتي كأنه لم يسمع بالعفو - يقول له -: " إن بني مروان لم تبل رممهم، وآل أبي طالب لم تغمد سيوفهم - ونحن بين قوم رأونا بالأمس سوقة، واليوم خلفاء، فليس تتمهد هيبتنا إلا بنسيان العفو، واستعمال العقوبة (1). ".
وهو الذي يقول للإمام الصادق عليه السلام: " لأقتلنك، ولأقتلن أهلك، حتي لا أبقي علي الأرض منكم قامة سوط (2). ".
وعندما قال المنصور للمسيب بن زهرة: إنه رأي أن الحجاج أنصح لبني مروان. أجابه المسيب: " يا أمير المؤمنين، ما سبقنا الحجاج إلي أمر، فتخلفنا عنه، والله، ما خلق الله علي جديد الأرض خلقا أعز علينا من نبينا صلي الله عليه وآله، وقد أمرتنا بقتل أولاده، فأطعناك، وفعلنا، فهل نصحناك؟! " (3).
وهو أول من سن هدم قبر الحسين عليه السلام في كربلاء (4).
وهو الذي كان يضع العلويين في الأسطوانات، ويسمرهم في الحيطان - كما نص عليه اليعقوبي، وغيره - ويتركهم يموتون في المطبق جوعا، وتقتلهم الروائح الكريهة، حيث لم يكن لهم مكان يخرجون إليه لإزالة الضرورة، وكان يموت أحدهم، فيترك معهم، حتي يبلي من غير دفن، ثم يهدم المطبق علي من تبقي منهم حيا، وهم في أغلالهم - كما فعل ببني حسن، كما هو معروف ومشهور. (1) تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 267، وإمبراطورية العرب ص 491، والإمام الصادق والمذاهب الأربعة، المجلد الأول جزء 2 ص 534.
(2) مناقب ابن شهرآشوب ج 3 ص 357، والبحار ج 47 ص 178.
(3) مروج الذهب ج 3 ص 224.
(4) تاريخ كربلاء، لعبد الجواد الكليدار آل طعمه ص 193. (٨٨) صفحهمفاتيح البحث: قبر الحسين (ع) (1)، الإمام جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام (1)، الرسول الأكرم محمد بن عبد الله صلي الله عليه وآله (1)، مدينة كربلاء المقدسة (2)، عبد الصمد بن علي (1)، القتل (1)، الموت (1)، كتاب مروج الذهب للمسعودي (1)، جلال الدين السيوطي الشافعي (1)، ابن شهرآشوب (1)، الجود (1)
ولقد قال أحد العلويين، وهو أبو القاسم الرسي بن إبراهيم بن طباطبا، إسماعيل الديباج. عندما هرب من المنصور إلي السند:
لم يروه ما أراق البغي من دمنا * في كل أرض فلم يقصر من الطلب وليس يشفي غليلا في حشاه سوي * أن لا يري فوقها ابن لبنت نبي (1) وعلي كل: فإن معاملة المنصور لأولاد علي، تعتبر من أسوأ صفحات التاريخ العباسي (2).
وستأتي عبارة الخضري عنه عن قريب..
وأما المهدي:
الذي حبس وزيره يعقوب بن داوود، وبني علي المطبق الذي هو فيه قبة، وبقي فيه حتي عمي، وطال شعر بدنه، حتي صار كالأنعام - وحبسه - لاتهامه إياه بأنه يمالئ الطالبيين، كما قدمنا.
المهدي الذي عرفنا فيما تقدم موقفه من أبي عون، وولده، الذي كان يذهب مذهب الشيعة في الخلافة.. وكذلك موقفه من وصية القاسم ابن مجاشع.
أما المهدي هذا فقد اتخذ الزندقة ذريعة للقضاء علي كل مناوئيه، وخصوصا العلويين، والمتشيعين لهم:
وقال الدكتور أحمد شلبي: " إن الرمي بالزندقة اتخذ وسيلة للإيقاع بالأبرياء في كثير من الأحايين. " (3). (١) النزاع والتخاصم للمقريزي ص 51.
(2) مختصر تاريخ العرب، للسيد أمير علي ص 184.
(3) التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية ج 3 ص 200. (٨٩) صفحهمفاتيح البحث: القاسم الرسي (1)، الوصية (1)
وقال الدكتور أحمد أمين المصري: " الحق أن بعض الناس اتخذوا الزندقة ذريعة للانتقام من خصومهم، سواء في ذلك: " الشعراء، والعلماء، والأمراء، والخلفاء " (1).
وقد ألف له - أي للمهدي - ابن المفضل كتابا في الفرق، اخترع فيه فرقا من عند نفسه، ونسبها لأولئك الذين يريد المهدي أن يتتبعهم، ويقضي عليهم. مع أنهم لم يكونوا أصحاب فرق أصلا. كزرارة، وعمار الساباطي، وابن أبي يعفور، وأمثالهم، فاخترع فرقة سماها " الزرارية " نسبة لزرارة. وفرقة سماها " العمارية " نسبة لعمار، وفرقة سماها " اليعفورية " وأخري سماها " الجواليقية "، وأصحاب سليمان الأقطع.
وهكذا. إلا أنه لم يذكر " الهشامية " نسبة لهشام بن الحكم (2). (١) ضحي الإسلام ج ١ ص ١٥٧. هذا.
وقد اتهم شريك بن عبد الله القاضي بالزندقة، لأنه لم يكن يري الصلاة خلف الخليفة المهدي، فراجع: البداية والنهاية ج ١٠ ص ١٥٣، وحياة الإمام موسي بن جعفر ج ٢ ص ١٣٧، والإمام الصادق والمذاهب الأربعة المجلد الثاني جزء ٣ ص ٢٣٢.
وأيضا. فقد أراد هارون أن يقتل عمه، الذي قال: كيف لقي آدم موسي؟ عندما ذكرت رواية مفادها ذلك. وذلك بتهمة الزندقة، راجع: تاريخ بغداد ج ١٤ ص ٧، ٨ والبداية والنهاية ج ١٠ ص ٢١٥، وحياة الإمام موسي بن جعفر ج 2 ص 138، وتاريخ الخلفاء للسيوطي ص 285، والبصائر والذخائر ص 81..
وهذا يعني أن لفظ الزنديق قد أطلق علي كل من يناقش في أحاديث الصحابة، وعلي كل من يعارض نظام الحكم، والحكام وأهوائهم، وأطلق أيضا علي كل ماجن خليع كما يبدو لمن راجع رواية شريك القاضي في مظانها وغيرها..
ولا بأس بمراجعة عبارة هامة لأحمد أمين تتعلق بهذا الموضوع في كتاب الإمام الصادق والمذاهب الأربعة، المجلد الثاني جزء 3 ص 232.
(2) رجال المامقاني ج 3 ص 296، وقاموس الرجال ج 9 ص 324، والبحار ج 48 ص 195، 196، ورجال الكشي ص 27، طبع كربلاء،. وأشار إلي ذلك المسعودي أيضا، فراجع: ضحي الإسلام ج 1 ص 141، واليعقوبي في كتابه مشاكلة الناس لزمانهم ص 24. (٩٠) صفحهمفاتيح البحث: ابن أبي يعفور (1)، عمار الساباطي (1)، هشام بن الحكم (1)، كتاب تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (1)، كتاب رجال الكشي (1)، مدينة كربلاء المقدسة (1)، كتاب البداية والنهاية (2)، جلال الدين السيوطي الشافعي (1)، شريك بن عبد الله (1)، موسي بن جعفر (2)، الصدق (1)، القتل (1)، الشراكة، المشاركة (1)، الصّلاة (1)
وقال عبد الرحمان بدوي: " إن الاتهام بالزندقة في ذلك العصر، كان يسير جنبا إلي جنب مع الانتساب إلي مذهب الرافضة، كما لاحظ ذلك الأستاذ (فيدا). " (1).
يقول أبو حنيفة أو الطغرائي في جملة أبيات له:
ومتي تولي آل أحمد مسلم * قتلوه أو وصموه بالإلحاد (2).
إلي غير ذلك مما لا يمكننا تتبعه واستقصاؤه في مثل هذه العجالة..
وأما الهادي:
" فقد أخاف الطالبيين خوفا شديدا، وألح في طلبهم، وقطع أرزاقهم وأعطياتهم، وكتب إلي الآفاق بطلبهم (3). ".
ولم تكن واقعة فخ المشهورة إلي بسبب الاضطهاد الذي لحق العلويين، والمعاملة القاسية لهم. حسبما نص عليه المؤرخون.. والتي بلغ عدد الرؤوس فيها مئة ونيفا، وسبيت فيها النساء والأطفال، وقتل السبي حتي الأطفال منهم علي ما قيل.
وأما الرشيد:
" الذي حصد شجرة النبوة. واقتلع غرس الإمامة "، علي حد تعبير الخوارزمي. (١) من تاريخ الالحاد في الإسلام ص ٣٧.
(٢) نسب إلي الأول ملحقات إحقاق الحق ج 9 ص 688 نقلا عن مفتاح النجا في مناقب آل العبا للعلامة البدخشي ص 12 مخطوط وعن قلندر الهندي الحنفي في روض الأزهر ص 359 طبع حيدر آباد وهو منسوب للطغرائي أيضا وهو مثبت في إحدي قصائده في ديوانه فلعله أخذه علي سبيل الاستشهاد علي عادة الشعراء في ذلك..
(3) تاريخ اليعقوبي ج 3 ص 136، 137. (٩١) صفحهمفاتيح البحث: عبد الرحمان (1)، الخوارزمي (1)، القتل (1)، الجنابة (1)، العصر (بعد الظهر) (1)، البدخشي (1)
والذي " لم يكن يخاف الله، وأفعاله بأعيان آل علي (ع)، وهم أولاد بنت نبيه، لغير جرم، تدل علي عدم خوفه من الله تعالي (1). ".
والذي كان علي حد تعبير أحمد شلي: " يكره الشيعة ويقتلهم (2). ".
والذي بلغ من كرهه لهم: أن الشعراء كانوا يتقربون إليه بهجاء آل علي عليه السلام، كما يظهر بأدني مراجعة للتاريخ.
أما الرشيد هذا.
فقد أقسم علي استئصالهم، وكل من يتشيع لهم. فقال: ". حتام أصبر علي آل بني أبي طالب، والله لأقتلنهم، ولأقتلن شيعتهم، ولأفعلن وأفعلن (3). ".
وعندما تولي الخلافة أمر بإخراج الطالبيين جميعا من بغداد، إلي المدينة (4) كرها لهم ومقتا.
" وكان شديد الوطأة علي العلويين يتتبع خطواتهم، ويقتلهم (5). ".
". وأمر عامله علي المدينة بأن يضمن العلويون بعضهم بعضا (6) ".
وكان: " يقتل أولاد فاطمة وشيعتهم (7) ". (1) الفخري في الآداب السلطانية ص 20.
(2) التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية ج 3 ص 352.
(3) الأغاني، طبع دار الكتب بالقاهرة ج 5 ص 225.
(4) الكامل لابن الأثير ج 5 ص 85، والطبري ج 10 ص 606، وغير ذلك.
(5) العقد الفريد ج 1 ص 142.
(6) الولاة والقضاة للكندي ص 198، وليراجع: تاريخ كربلاء، لعبد الجواد الكليدار ص 196.
(7) العقد الفريد، طبع دار الكتاب العربي ج 2 ص 180. (٩٢) صفحهمفاتيح البحث: الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام (2)، مدينة بغداد (1)، الخوف (1)، القتل (1)، الكراهية، المكروه (1)، كتاب الكامل لإبن الأثير (1)، مدينة كربلاء المقدسة (1)، الجود (1)
وكان " مغري بالمسألة عن آل أبي طالب، وعمن له ذكر ونباهة منهم (1) ".
وعندما أرسل الجلودي لحرب محمد بن جعفر بن محمد، أمره أن يغير علي دور آل أبي طالب في المدينة، ويسلب ما علي نسائهم من ثياب، وحلي. ولا يدع علي واحدة منهن إلا ثوبا واحدا (2).
وعندما حضرته الوفاة كان يقول: ".. وا سوأتاه من رسول الله (3) ".
وهدم قبر الحسين، وحرث أرض كربلاء، وقطع السدرة التي كان يستظل بها الزائرون لتلك البقعة المباركة، وذلك علي يد عامله علي الكوفة، موسي بن عيسي بن موسي العباسي (4).
ثم توج موبقاته كلها، وفظائعه تلك، بقتل سيد العلويين، وقائدهم، الإمام موسي بن جعفر، صلوات الله وسلامه عليه. (١) مقاتل الطالبيين ص ٤٩٣، وبعد ذلك قال: " فسأل يوما الفضل بن يحيي - بعد أن عاد من خراسان -: هل سمعت ذكرا لأحد منهم؟ قال: لا والله، ولقد جهدت فما ذكر لي أحد منهم، إلا أني سمعت رجلا إلخ "..
(٢) أعيان الشيعة، طبعة ثالثة، ج ٤ قسم ٢ ص ١٠٨، وعيون أخبار الرضا ج ٢ ص ١٦١، والبحار ج ٤٩ ص ١٦٦.
(٣) الكامل لابن الأثير ج ٥ ص ١٣٠، ويلاحظ هنا: أن الإنسان غالبا ما ينكشف علي حقيقته حين موته. وقول الرشيد هذا يكشف لنا الرشيد علي حقيقته، ويبين لنا مدي ما فعله الرشيد مع ذرية رسول الله صلي الله عليه وآله.
(٤) تاريخ الشيعة ص ٨٩، وأمالي الشيخ. طبع النجف ص ٣٣٠، والكني والألقاب ج ١ ص ٢٧ وشرح ميمية أبي فراس ص ٢٠٩، والمناقب لابن شهرآشوب ج ٢ ص ١٩، وتاريخ كربلاء، لعبد الجواد الكليدار ص ١٩٧، ١٩٨، نقلا عن:
نزهة أهل الحرمين ص ١٦، والبحار ج ١٠ ص ٢٩٧، وتظلم الزهراء ص ٢١٨، ومجالي اللطف ص ٣٩، وأعيان الشيعة ج ٤ ص ٣٠٤، وتسلية المجالس، لمحمد بن أبي طالب، وغير ذلك … (٩٣) صفحهمفاتيح البحث: الإمام موسي بن جعفر الكاظم عليهما السلام (1)، مدينة كربلاء المقدسة (2)، مدينة الكوفة (1)، محمد بن جعفر بن محمد (1)، موسي بن عيسي (1)، القبر (1)، القتل (1)، أهل بيت النبي صلي الله عليه وآله (1)، كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام (1)، كتاب أمالي الصدوق (1)، كتاب الكامل لإبن الأثير (1)، كتاب مقاتل الطالبيين لأبو الفرج الأصفهاني (1)، كتاب أعيان الشيعة للأمين (2)، مدينة النجف الأشرف (1)، الفضل بن يحيي (1)، ابن شهرآشوب (1)، خراسان (1)، الموت (1)، الجود (1)
ولقد خاطبه العقاد مشيرا إلي نبشه لقبر الحسين عليه السلام، فقال:
". وكأنهم خافوا علي قبرك أن ينبشه أشياع علي، رضي الله عنه، فدفنوك في قبر الإمام العلوي، لتأمن فيه النبش والمهانة بعد الممات.
فمن عجب أن يلوذ أبناء علي بملكك الطويل العريض، فيضيق بهم، وأن يبحث أتباعك عن ملاذ يحتمي به جثمان صاحب الملك الطويل العريض بعد مماته، فيجدوه في قبر واحد من أولئك الحائرين اللائذين بأكناف البلدان، من غير قرار، ولا اطمينان (1). ".
يشير بذلك إلي قبر علي بن موسي الرضا عليهما السلام، حيث إن الرشيد مدفون إلي جانبه، يقول محمد بن حبيب الضبي، رحمه الله مشيرا إلي ذلك:
قبران في طوس الهدي في واحد * والغي في لحد ثراه ضرام قرب الغوي من الزكي مضاعف * لعذابه، ولأنفه الارغام ويقول دعبل رحمه الله:
قبران في طوس خير الناس كلهم * وقبر شرهم هذا من العبر ما ينفع الرجس من قرب الزكي وما * علي الزكي بقرب الرجس من ضرر ولقد بلغ من ظلم الرشيد للعلويين أن جعل الناس يعتقدون فيه بغض علي عليه السلام، حتي اضطر إلي أن يقف موقف الدفاع عن نفسه، ويقسم علي أنه يحبه، قال إسحاق الهاشمي: " كنا عند الرشيد، فقال:
بلغني أن العامة يظنون في بغض علي بن أبي طالب. ووالله، ما أحب (1) راجع: تاريخ كربلاء، لعبد الجواد الكليدار ص 199، نقلا عن: مجلة " الهلال "، عدد أكتوبر سنة 1947 م. ص 25، من مقال بعنوان: " حديث مع هارون الرشيد " للأستاذ العقاد. (٩٤) صفحهمفاتيح البحث: قبر الحسين (ع) (1)، الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (1)، الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام (2)، علي بن أبي طالب (1)، محمد بن حبيب (1)، الموت (1)، القبر (3)، الظنّ (1)، الدفن (1)، مدينة كربلاء المقدسة (1)، هارون الرشيد (1)، الجود (1)، الهلال (1)
أحدا حبي له، ولكن هؤلاء (يعني العلويين) أشد الناس إلخ. " (1).
ثم يلقي التبعة في ذلك عليهم، ويقول: إنهم إلي بني أمية أميل منهم إلي بني العباس الخ كلامه.
بل لقد رأيناه يعلن أمام أعاظم العلماء عن توبته مما كان منه من أمر الطالبيين ونسلهم (2).
وذلك أمر طبيعي بعد أن كان يتتبع خطواتهم ويقتلهم " وبعد أن كانت سجون العباسيين، وخصوصا المنصور والرشيد، قد امتلأت من العلويين، وكل من يتشيع لهم " علي حد تعبير أحمد أمين (3).
وأخيرا. فقد بلغ من ظلم الرشيد للعلويين أن توهم البعض أن المأمون إنما بايع للرضا بولاية العهد، من أجل أن يمحو ما كان من أمر الرشيد في آل علي عليه السلام، كما عن البيهقي، عن الصولي (4).
وأما المأمون:
فستأتي الإشارة إلي بعض ما فعله في آل علي في تضاعيف الفصول الآتية إن شاء الله تعالي.
والشعراء أيضا قد قالوا الحقيقة:
وهكذا. يتضح لنا كيف أن العباسيين قد انقلبوا - بدافع من (1) تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 293.
(2) شرح ميمية أبي فراس ص 127.
(3) راجع: ضحي الإسلام ج 3 ص 296، 297.
(4) عيون أخبار الرضا ج 2 ص 147، والبحار ج 49 ص 132، وغير ذلك. (٩٥) صفحهمفاتيح البحث: الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام (1)، بنو عباس (1)، بنو أمية (1)، كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام (1)، جلال الدين السيوطي الشافعي (1)
خوفهم - علي العلويين يوسعونهم قتلا، وعسفا وتشريدا، وأذاقوهم مختلف أنواع العذاب، التي لم تكن لتخطر علي قلب بشر، بهدف استئصالهم من الوجود، ومحو آثارهم، ليصفو لهم الجو، ولا يبقي من يستطيع أن ينازعهم سلطانهم، الذي يجب أن يكون لهم وحدهم. أو بالأحري حتي لا يبقي من من شأنه ذلك. حتي لقد نسي الناس فعال بني أمية معهم، عندما رأوا فعال بني العباس بهم. وحتي لقد رأينا أحد شعراء ذلك الوقت يقول:
تالله ما فعلت أمية فيهم * معشار ما فعلت بنو العباس (1) وقال آخر - وهو أبو عطاء، أفلح بن يسار الندي، المتوفي سنة 180 ه. وهو من مخضرمي الدولتين: الأموية والعباسية: قال في زمن السفاح.
يا ليت جور بني مروان دام لنا * وليت عدل بني العباس في النار (2) وقال منصور بن الزبرقان النمري، المتوفي في خلافة الرشيد:
آل النبي ومن يحبهم * يتطامنون مخافة القتل أمن النصاري واليهود هم * من أمة التوحيد في أزل (3).
وقد أنشد الرشيد هذين البيتين بعد موت منصور هذا، فقال الرشيد، بعد أن أرسل إليه من يقتله، فوجده قد مات: " لقد هممت أن أنبش (1) شرح ميمية أبي فراس ص 119.
(2) المحاسن والمساوي ص 246، والشعر والشعراء ص 484، ونظرية الإمامة ص 382، والمهدية في الإسلام ص 55، وطبيعة الدعوة العباسية ص 272.
(3) الأزل: الضيق والشدة. (٩٦) صفحهمفاتيح البحث: الدولة الأموية (1)، بنو عباس (3)، بنو أمية (1)، الموت (1)، القتل (1)، العذاب، العذب (1)، النسيان (1)، الوفاة (1)
عظامه فأحرقها (1) ".. بل في رسالة الخوارزمي، الآتي شطر منها:
أن قبره قد نبش بالفعل.
ويقول أبو حنيفة أو الطغرائي علي اختلاف النسبة في جملة أبيات له:
ومتي تولي آل أحمد مسلم * قتلوه أو وصموه بالإلحاد ويقول إبراهيم بن عبد الله بن الحسن، يذكر العلويين، الذين قتلهم المنصور، ويقال: إن القائل هو غالب الهمداني.
أصبح آل الرسول أحمد في * الناس كذي عرة به جرب ويقول دعبل بن علي الخزاعي في رثاء الرضا، وهو شعر معروف، ومشهور، وقد أنشده للمأمون نفسه:
وليس حي من الأحياء نعلمه * من ذي يمان، ولا بكر، ولا مضر إلا وهم شركاء في دمائهم * كما تشارك أيسار علي جزر قتلا، وأسرا، وتحريقا، ومنهبة * فعل الغزاة بأهل الروم والخزر أري أمية معذورين إن فعلوا * ولا أري لبني العباس من عذر أما أبو فراس الحمداني فيقول: (1) زهر الآداب هامش ج 2 من المستطرف ص 246 والشعر والشعراء ص 547، والإمام الصادق والمذاهب الأربعة، المجلد الأول جزء 1 ص 254، وطبقات الشعراء ص 246، وفيه في ص 244: أن الرشيد بعد سماعه لمدائح النمري في أهل البيت، أمر أبا عصمة الشيعي بأن يخرج من ساعته إلي الرقة، ليسل لسان منصور من قفاه، ويقطع يده. ورجله. ثم يضرب عنقه، ويحمل إليه رأسه، بعد أن يصلب بدنه، فخرج أبو عصمة لذلك، فلما صار بباب الرقة استقبلته جنازة النمري، فرجع إلي الرشيد فأعلمه، فقال له الرشيد " ويلي عليك يا بن الفاعلة، فألا إذا صادفته ميتا فأحرقته بالنار "!. (٩٧) صفحهمفاتيح البحث: عبد الله بن الحسن (ع) (1)، ابو فراس الحمداني (1)، بنو عباس (1)، دعبل بن علي (1)، الخوارزمي (1)، القبر (1)، الصدق (1)، الضرب (1)
ما نال منهم بنو حرب وإن عظمت * تلك الجرائر إلا دون نيلكم (1) ويقول علي بن العباس. الشاعر المعروف بابن الرومي، مولي المعتصم من قصيدة له:
بني المصطفي كم يأكل الناس شلوكم * لبلواكم عما قليل مفرج أكل أوان للنبي محمد * قتيل زكي بالدماء مضرج إلي أن قال:
أفي الحق أن يمسوا خماصا وأنتم * يكاد أخوكم بطنة يتبعج وتمشون مختالين في حجراتكم * ثقال الخطي اكفالكم تترجرج وليدهم بادي الطوي ووليدكم * من الريف ريان العظام خدلج ولم تقنعوا حتي استثارت قبورهم * كلابكم فيها بهيم وديزج والقصيدة طويلة جدا، من أرادها فليراجعها.
نصوص أخري:
يقول فان فلوتن: ".. ولا غرو، فإن العلويين لم يلقوا من الاضطهاد مثل ما لقوا في عهد الأولين من خلفاء بني العباس.. (2).
ويقول الخضري: ". فكان نصيب آل علي في خلافة بني هاشم، أشد وأقسي مما لاقوه في عهد خصومهم من بني أمية، فقتلوا، وشردوا كل مشرد، وخصوصا في زمن المنصور، والرشيد، والمتوكل من بني العباس. وكان اتهام شخص في هذه الدولة بالميل إلي واحد من (1) سوف نورد قصيدة أبي فراس، وهي المعروفة ب " الشافية " وكذلك شطرا من قصيدة دعبل، في أواخر هذا الكتاب إن شاء الله تعالي.
(2) السيادة العربية والشيعة والإسرائيليات ص 133. (٩٨) صفحهمفاتيح البحث: بنو عباس (2)، بنو أمية (1)، علي بن العباس (1)، بنو هاشم (1)، القبر (1)، الحرب (1)، الأكل (1)
بني علي كافيا لإتلاف نفسه، ومصادرة ماله. وقد حصل فعلا لبعض الوزراء، وغيرهم الخ. " (1).
ولما دخل إبراهيم بن هرمة، المعاصر للمنصور المدينة، أتاه رجل من العلويين، فسلم عليه، فقال له إبراهيم: " تنح عني، لا تشط بدمي. " (2).
بل يظهر من قضية أخري لابن هرمة أن العباسيين كانوا يعاقبون حتي علي حب أهل البيت عليهم السلام في زمن الأمويين، فإنه - أعني ابن هرمة - عندما سئل في عهد المنصور عن قوله في عهد الأمويين:
ومهما ألام علي حبهم * فإني أحب بني فاطمة أجاب: " من عض ببظر أمه ".
فقال له ابنه: ألست قائلها؟!
قال: بلي.
قال: فلم تشتم نفسك؟!
قال: " أليس يعض الرجل ببظر أمه خير له من أن يأخذه ابن قحطبة؟. " (3) بل إن الجلودي الذي أمره الرشيد بالإغارة علي دور آل أبي طالب - كما قدمنا - قد قال للمأمون، عندما جعل ولاية العهد للرضا: (١) محاضرات تاريخ الأمم الإسلامية ج ١ ص ١٦١.
(٢) تاريخ بغداد ج ٦ ص ١٢٩، وحياة الإمام موسي بن جعفر ج ٢ ص ١٨٤.
(٣) طبقات الشعراء لابن المعتز ص ٢٠، ٢١، والأغاني ج ٤ ص ١١٠، وقاموس الرجال ج ١٠ ص ٢٦٩، نقلا عن تنبيه البكري، وملحقات إحقاق الحق ج 9 ص 690 نقلا عن الحضرمي في رشفة الصادي ص 56 طبع القاهرة. (٩٩) صفحهمفاتيح البحث: أهل بيت النبي صلي الله عليه وآله (1)، الدولة الأموية (2)، كتاب تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (1)، موسي بن جعفر (1)
" أعيذك بالله يا أمير المؤمنين أن تخرج هذا الأمر الذي جعله الله لكم، وخصكم به، وتجعله في أيدي أعدائكم، ومن كان آباؤك يقتلونهم، ويشردونهم في البلاد.. " (1).
وأمر الرشيد عامله علي المدينة: بأن يضمن العلويين بعضهم بعضا. " (2) وكانوا يعرضون علي السلطات، فمن غاب منهم عوقب!
والمأمون أيضا يعترف:
وجاء في كتاب المأمون، الذي أرسله إلي العباسيين، بعد ما ذكر حسن سياسة الإمام علي عليه السلام مع ولد العباس ما يلي:
". حتي قضي الله بالأمر إلينا، فأخفناهم، وضيقنا عليهم، وقتلناهم أكثر من قتل بني أمية إياهم، ويحكم، إن بني أمية قتلوا من سل سيفا، وإنا معشر بني العباس قتلناهم جملا.. فلتسألن أعظم الهاشمية بأي ذنب قتلت، ولتسألن نفوس ألقيت في دجلة والفرات، ونفوس دفنت ببغداد، والكوفة أحياء الخ. ". وسنورد الرواية، ونذكر مصادرها في أواخر هذا الكتاب إن شاء الله.
جانب من رسالة الخوارزمي لأهل نيشابور:
وحسب القارئ أن يرجع إلي مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الأصفهاني، (١) بحار الأنوار ج ٤٩ ص ١٦٦، وعيون أخبار الرضا ج ٢ ص ٢٦٧.
(٢) لقد كان ذلك قبل الرشيد أيضا فراجع تاريخ ابن خلدون ج ٣ ص ٢١٥، فإنه قال:
".. وما زال آل أبي طالب يكفل بعضهم بعضا، ويعرضون، فغاب إلخ ".
ثم يسوق واقعة فخ المشهورة، وبعض أسبابها.. ولا بأس بمراجعة الكامل لابن الأثير ج 5 ص 75 وغيره … (١٠٠) صفحهمفاتيح البحث: الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام (1)، كتاب مقاتل الطالبيين لأبو الفرج الأصفهاني (1)، أبو الفرج الإصبهاني (الإصفهاني) (1)، مدينة الكوفة (1)، نهر الفرات (1)، بنو عباس (1)، بنو أمية (2)، الخوارزمي (1)، القتل (2)، كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام (1)، كتاب تاريخ ابن خلدون لابن خلدون (1)، كتاب بحار الأنوار (1)
مع أنه لم يستوف كل شئ، وإنما اكتفي بذكر بعض منهم، وكذلك إلي ما ذكره ابن الساعي في مختصر أخبار الخلفاء ص 26، وغيرها.
وغير ذلك من كتب التاريخ والرواية، ليعلم مقدار الظلم والعسف الذي حاق بأبناء علي، وشيعتهم في تلك الحقبة من الزمن.
وحسبنا هنا بعد كل الذي قدمناه، أن نذكر فقرات من رسالة أبي بكر الخوارزمي، التي أرسلها إلي أهل نيشابور، يقول أبو بكر، بعد أن ذكر كثيرا من الطالبيين، الذين قتلهم الأمويون، والعباسيون - ومنهم الرضا الذي تسمم بيد المأمون -:
" فلما انتهكوا ذلك الحريم، واقترفوا ذلك الإثم العظيم، غصب الله عليهم، وانتزع الملك منهم، فبعث عليهم " أبا مجرم " لا أبا مسلم، فنظر لا نظر الله إليه إلي صلابة العلوية، وإلي لين العباسية، فترك تقاه، واتبع هواه، وباع آخرته بدنياه، بقتله عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب. وسلط طواغيت خراسان، وأكراد إصفهان.
وخوارج سجستان علي آل أبي طالب، يقتلهم تحت كل حجر ومدر، ويطلبهم في كل سهل وجبل، حتي سلط عليه أحب الناس إليه، فقتله كما قتل الناس في طاعته، وأخذه بما أخذ الناس في بيعته، ولم ينفعه:
أن أسخط الله برضاه، وأن ركب ما لا يهواه، وخلت من الدوانيقي (1) الدنيا، فخبط فيها عسفا، وتقضي فيها جورا وحيفا. وقد امتلأت سجونه بأهل بيت الرسالة، ومعدن الطيب والطهارة، قد تتبع غائبهم، وتلقط حاضرهم، حتي قتل عبد الله بن محمد بن عبد الله الحسني بالسند، علي يد عمر بن هشام الثعلبي، فما ظنك بمن قرب متناولة عليه، ولأن مسه علي يديه. (١) في مجمع الفوائد: " وخلت إلي الدوانيقي " ولعله هو الصواب. (١٠١) صفحهمفاتيح البحث: جعفر بن أبي طالب عليهما السلام (1)، الدولة الأموية (1)، مدينة إصفهان (1)، عبد الله بن معاوية بن عبد الله (1)، عبد الله بن محمد بن عبد الله (1)، الخوارزمي (1)، خراسان (1)، الخوارج (1)، الثعلبي (1)، الظلم (1)، القتل (4)، الغصب (1)
وهذا قليل في جنب ما قتله هارون منهم، وفعله موسي قبله بهم، فقد عرفتم ما توجه علي الحسن (1) بن علي بفخ من موسي، وما اتفق علي علي بن الأفطس الحسيني من هارون، وما جري علي أحمد بن علي الزيدي، وعلي القاسم بن علي الحسيني من حبسه، وعلي غسان بن حاضر الخزاعي، حين أخذ من قبله، والجملة أن هارون مات وقد حصد شجرة النبوة، واقتلع غرس الإمامة.
وأنتم أصلحكم الله، أعظم نصيبا في الدين من الأعمش، فقد شتموه، ومن شريك، فقد عزلوه، ومن هشام بن الحكم، فقد أخافوه، ومن علي بن يقطين، فقد اتهموه. ".
إلي أن يقول: بعد كلام له عن بني أمية:
".. وقل في بني العباس، فإنك ستجد بحمد الله مقالا، وجعل في عجائبهم، فإنك تري ما شئت مجالا.
يجبي فيؤهم، فيفرق علي الديلمي، والتركي، ويحتمل إلي المغربي، والفرغاني. ويموت إمام من أئمة الهدي، وسيد من سادات بيت المصطفي، فلا تتبع جنازته، ولا تجصص مقبرته، ويموت (ضراط) لهم، أو لاعب أو مسخرة، أو ضارب، فتحضر جنازته العدول والقضاة، ويعمر مسجد التعزية عنه القواد والولاة..
ويسلم فيهم من يعرفونه دهريا، أو سوفسطائيا، ولا يتعرضون لمن يدرس كتابا فلسفيا ومانويا، ويقتلون من عرفوه شيعيا، ويسفكون دم من سمي ابنه عليا.
ولو لم يقتل من شيعة أهل البيت غير المعلي بن خنيس، قتيل داوود (١) الظاهر أن الصحيح هو: " الحسين " كما في مجمع الفوائد. (١٠٢) صفحهمفاتيح البحث: شيعة أهل البيت عليهم السلام (1)، بنو عباس (1)، بنو أمية (1)، القاسم بن علي (1)، المعلي بن خنيس (1)، هشام بن الحكم (1)، علي بن يقطين (1)، علي الزيدي (1)، القتل (2)، الموت (1)، الشراكة، المشاركة (1)، الجنابة (1)
ابن علي، ولو لم يحبس فيهم غير أبي تراب المروزي، لكان ذلك جرحا لا يبرأ، وثائرة لا تطفأ، وصدعا لا يلتئم، وجرحا لا يلتحم.
وكفاهم أن شعراء قريش قالوا في الجاهلية أشعارا يهجون بها أمير المؤمنين عليه السلام، ويعارضون فيها أشعار المسلمين، فحملت أشعارهم.
ودونت أخبارهم، ورواها الرواة، مثل: الواقدي، ووهب بن منبه التميمي، ومثل الكلبي، والشرقي ابن القطامي، والهيثم بن عدي، ودأب بن الكناني، وأن بعض شعراء الشيعة يتكلم في ذكر مناقب الوصي، بل ذكر معجزات النبي صلي الله عليه وآله وسلم، فيقطع لسانه، ويمزق ديوانه، كما فعل بعبد الله بن عمار البرقي، وكما أريد بالكميت بن زيد الأسدي، وكما نبش قبر منصور بن الزبرقان النمري، وكما دمر علي دعبل بن علي الخزاعي. مع رفقتهم من مروان بن أبي حفصة اليمامي، ومن علي بن الجهم الشامي. ليس إلا لغلوهما في النصب، واستيجابهما مقت الرب، حتي إن هارون بن الخيزران، وجعفرا المتوكل علي الشيطان، لا علي الرحمان، كانا لا يعطيان مالا. ولا يبذلان نوالا، إلا لمن شتم آل أبي طالب، ونصر مذهب النواصب، مثل: عبد الله ابن مصعب الزبيري، ووهب بن وهب البختري، ومن الشعراء مثل:
مروان بن أبي حفصة الأموي، ومن الأدباء مثل: عبد الملك بن قريب الأصمعي. فأما في أيام جعفر فمثل: بكار بن عبد الله الزبيري، وأبي السمط ابن أبي الجون الأموي، وابن أبي الشوارب العبشمي. " وبعد كلام له عن بني أمية أيضا قال:
" وما هذا بأعجب من صياح شعراء بني العباس علي رؤوسهم بالحق، وإن كرهوه، وبتفضيل من نقصوه وقتلوه، قال المنصور بن الزبرقان علي بساط هارون: (١٠٣) صفحهمفاتيح البحث: الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام (1)، الرسول الأكرم محمد بن عبد الله صلي الله عليه وآله (1)، بنو عباس (1)، الكميت بن زيد الاسدي (1)، بكار بن عبد الله (1)، عبد الله بن عمار (1)، الهيثم بن عدي (1)، بنو أمية (1)، وهب بن وهب (1)، وهب بن منبه (1)، دعبل بن علي (1)، القبر (1)، القتل (1)، الجهل (1)، الوصية (1)
آل النبي ومن يحبهم * يتطامنون مخافة القتل أمن النصاري واليهود وهم * من أمة التوحيد في أزل وقال دعبل، وهو صنيعة بني العباس وشاعرهم:
ألم تر أني مذ ثمانين حجة * أروح، وأغدو دائم الحسرات أري فيئهم في غيرهم متقسما * وأيديهم من فيئهم صفرات وقال علي بن العباس الرومي، وهو مولي المعتصم:
تأليت أن لا يبرح المرء منكم * يشل علي حر الجبين فيعفج كذاك بني العباس تصبر منكم * ويصبر للسيف الكمي المدجج (1) لكل أوان للنبي محمد * قتيل زكي بالدماء مضرج (2) وقال إبراهيم بن العباس الصولي - وهو كاتب القوم وعاملهم - في الرضا لما قربه المأمون:
يمن عليكم بأموالكم * وتعطون من مئة واحدا وكيف لا يتنقصون قوما يقتلون بني عمهم جوعا وسغبا ويملأون ديار الترك والديلم فضة وذهبا، يستنصرون المغربي والفرغاني، ويجفون المهاجري والأنصاري، ويولون أنباط السواد وزارتهم، وتلف العجم والطماطم قيادتهم، ويمنعون آل أبي طالب ميراث أمهم، وفئ جدهم.
يشتهي العلوي الأكلة، فيحرمها، ويقترح علي الأيام الشهوة فلا يطعمها، وخراج مصر والأهواز، وصدقات الحرمين والحجاز، تصرف إلي ابن أبي مريم المديني، وإلي إبراهيم الموصلي، وابن جامع السهمي، وإلي زلزل الضارب، وبرصوما الزامر، وأقطاع بختيشوع النصراني قوت أهل (١) في مقاتل الطالبيين: " لذاك بني العباس يصبر مثلكم ويصبر للموت ".
(٢) في مقاتل الطالبيين: " أكل أوان ". (١٠٤) صفحهمفاتيح البحث: بنو عباس (3)، علي بن العباس (1)، القتل (1)، الحج (1)، الصبر (2)، الضرب (1)، الوراثة، التراث، الإرث (1)، كتاب مقاتل الطالبيين لأبو الفرج الأصفهاني (2)، الموت (1)، الأكل (1)
بلد، وجاري بغا التركي، والافشين الأشروسني كفاية أمة ذات عدد.
والمتوكل زعموا يتسري باثني عشر ألف سرية، والسيد من سادات أهل البيت يتعفف بزنجية، أو سندية. وصفوة مال الخراج مقصورة علي أرزاق الصفاعنة، وعلي موائد المخاتنة، وعلي طعمة الكلابين، ورسوم القرادين، وعلي مخارق وعلوية المغني، زرزر، وعمر بن بانة المهلبي، ويبخلون علي الفاطمي بأكلة أو شربة، ويصارفونه علي دانق وحبة، ويشترون العوادة بالبدر، ويجرون لها ما يفي برزق عسكر.
والقوم الذين أحل لهم الخمس، وحرمت عليهم الصدقة، وفرضت لهم الكرامة والمحبة، يتكففون ضرا، ويهلكون فقرا، ويرهن أحدهم سيفه، ويبيع ثوبه، وينظر إلي فيئة بعين مريضة، ويتشدد علي دهره بنفس ضعيفة، ليس له ذنب إلا أن جده النبي، وأبوه الوصي، وأمه فاطمة، وجدته خديجة، ومذهبه الإيمان، وإمامه القرآن. وحقوقه مصروفة إلي القهرمانة والمضرطة وإلي المغمزة، إلي المزررة، وخمسه مقسوم علي نقار الديكة الدمية، والقردة، وعلي رؤوس اللعبة واللعبة، وعلي مرية الرحلة.
وماذا أقول في قوم حملوا الوحوش علي النساء المسلمات، وأجروا لعبادة وذويه الجرايات، وحرثوا تربة الحسين عليه السلام بالفدان، ونفوا زواره إلي البلدان، وما أصف من قوم هم: نطف السكاري في أرحام القيان؟ وماذا يقال في أهل بيت منهم نبع البغا، وفيهم راح التخنيث وغدا، وبهم عرف اللواط؟!. كان إبراهيم بن المهدي مغنيا، وكان المتوكل مؤنثا موضعا، وكان المعتز مخنثا، وكان ابن زبيدة معتوها مفركا، وقتل المأمون أخاه، وقتل المنتصر أباه، وسم موسي بن المهدي أمه، وسم المعتضد عمه. ولقد كان في بني أمية مخازي تذكر، ومعائب تؤثر. ". (١٠٥) صفحهمفاتيح البحث: الإمام الحسين بن علي سيد الشهداء (عليهما السلام) (1)، بنو أمية (1)، القرآن الكريم (1)، اللواط (1)، القتل (2)، الخمس (1)، التصدّق (1)، الوصية (1)
وبعد أن عدد بعض مخازي بني أمية، ومعائبهم قال:
".. وهذه المثالب مع عظمها وكثرتها، ومع قبحها وشنعتها، صغيرة وقليلة في جنب مثالب بني العباس، الذين بنوا مدينة الجبارين، وفرقوا في الملاهي والمعاصي أموال المسلمين.. إلي آخر ما قال.. " (1).
هذا جانب من رسالة الخوارزمي، وقد كنت أود أن أثبتها بتمامها، لكنني رأيت أن المجال لا يتسع لذلك. وعلي كل فإن:
ذلك كله غيض من فيض. ولعل فيما ذكرناه كفاية.. (١) راجع: رسائل الخوارزمي طبع القسطنطينية سنة ١٢٩٧ من ص ١٣٠، إلي ص ١٤٠، ونقل شطرا كبيرا منها: سعد محمد حسن في كتابه: المهدية في الإسلام ابتداء من ص ٥٨ وذكر شطرا منها أيضا الدكتور أحمد أمين في كتابه ضحي الإسلام ج ٣ ص ٢٩٧ فما بعدها، فراجع. وهي موجودة بتمامها في مجموعة خطية من تأليف سيدي الوالد أيده الله، سماها: " مجمع الفوائد، ومجمل العوائد " ابتداء من ص 45.. (١٠٦) صفحهمفاتيح البحث: بنو عباس (1)، بنو أمية (1)، الخوارزمي (2)، الجنابة (1)

سياسة العباسيين مع الرعية

سياسة العباسيين مع الرعية نظرة عامة:
لا نريد في هذا الفصل أن نعرض لأنواع القبائح، التي كان العباسييون يمارسونها، فإن ذلك مما لا يمكن الالمام به واستقصاؤه في هذه العجالة.
وإنما نريد فقط أن نعطي لمحة سريعة عن سيرتهم السيئة في الناس، ومدي اضطهادهم وظلمهم لهم، وجورهم عليهم، الأمر الذي أسهم إسهاما كبيرا في كشف حقيقتهم، وبيان واقعهم أمام الملأ.. حتي لقد قال الشعراء في وصف الحالة العامة في زمن خلفائهم الشئ الكثير، فمن ذلك قول سليم العدوي في الثورة علي الوضع القائم:
حتي متي لا نري عدلا نسر به * ولا نري لولاة الحق أعوانا مستمسكين بحق قائمين به * إذا تلون أهل الجور ألوانا يا للرجال لداء لا دواء له * وقائد ذي عمي يقتاد عميانا (1) وقال سديف: (1) المستطرف ج 1 ص 97، وطبيعة الدعوة العباسية ص 272، وضحي الإسلام ج 2 ص 37.
صفحه(١٠٧)
إنا لنأمل أن ترتد ألفتنا * بعد التباعد والشحناء والإحن وتنقضي دولة أحكام قادتها * فينا كأحكام قوم عابدي وثن فكتب المنصور إلي عبد الصمد بن علي بأن: يدفنه حيا، ففعل (1).
وقد ذكر أبو الفرج أبياتا كثيرة بالإضافة إلي هذين البيتين، ونسبها يحيي بن عبد الله بن الحسن، بحضرة الرشيد، إلي عبد الله بن مصعب الزبيري، ومن جملتها قوله:
فطالما قد بروا في الجور أعظمنا * بري الصناع قداح النبع بالسفن (2) وقال آخر، وهو أحمد بن أبي نعيم، الذي نفاه المأمون بسبب هذا البيت إلي السند:
ما أحسب الجور ينقضي وعلي * الناس أمير من آل عباس (3) وقد تقدم قول أبي عطاء السندي، المتوفي سنة 180 ه:
يا ليت جور بني مروان دام لنا * وليت عدل بني العباس في النار وقال الدكتور أحمد محمود صبحي: ". لكن ذلك المثل الأعلي للعدالة، والمساواة الذي انتظره الناس من العباسيين، قد أصبح وهما من الأوهام، فشراسة المنصور والرشيد، وجشعهم، وجور أولاد علي بن (١) راجع: العمدة لابن رشيق ج ١ ص ٧٥، ٧٦، والعقد الفريد، طبع دار الكتاب العربي ج ٥ ص ٨٧، وهامش طبقات الشعراء ص ٤١، (٢) مقاتل الطالبيين ص ٤٧٦، 477.
(3) راجع: وفيات الأعيان: ترجمة يحيي بن أكثم، ومروج الذهب ج 3 ص 435، وضحي الإسلام ج 2 ص 38، ونهاية الإرب ج 8 ص 175، وطبيعة الدعوة العباسية ص 273، وطبقات الشعراء ص 378، لكنه نسبه لابن أبي خالد، لكن في العقد الفريد ج 6 ص 418، قد نسب يحيي بن أكثم هذا البيت إلي دعبل.
وفيه: أنه هو الذي نفي إلي السند. (١٠٨) صفحهمفاتيح البحث: الحافظ أبو نعيم (1)، عبد الله بن الحسن (ع) (1)، بنو عباس (1)، عبد الصمد بن علي (1)، عبد الله بن مصعب (1)، الفرج (1)، الوفاة (1)، كتاب مقاتل الطالبيين لأبو الفرج الأصفهاني (1)، كتاب مروج الذهب للمسعودي (1)، يحيي بن أكثم (2)
عيسي، وعبثهم بأموال المسلمين، يذكرنا بالحجاج، وهشام، ويوسف ابن عمرو الثقفي، وعم الاستياء أفراد الشعب، بعد أن استفتح أبو عبد الله، المعروف ب " السفاح " وكذلك المنصور بالإسراف في سفك الدماء، علي نحو لم يعرف من قبل (1). ".
ويقول صاحب إمبراطورية العرب: ".. إنه بالرغم من أن جيش خراسان هو الذي أوصل العباسيين إلي الملك، فإن الفتن في خراسان ظلت قائمة في عهد العباسيين، كما كانت في عهد الأمويين. وكان الشعار الذي رفعه الخراسانيون الآن: " أنهم هم الذين أوصلوا " آل البيت " إلي الحكم، لإقامة عهد من الرحمة والعدل، لا لإقامة عهد آخر من الطغيان، المتعطش إلي سفك الدماء.. إلي أن يقول:
لكن الشئ الذي لا ريب فيه: هو أن الأحلام بإقامة عهد السلام والعدل، التي كانت السبب في الثورة العامة ضد الأمويين قد تبخرت الآن، ولو لم يكن العباسيون أسوأ حالا من الأمويين، فإنهم لم يكونوا - علي أي حال - خيرا منهم (2). ". وقريب منه كلام غيره (3) وستأتي في فصل: آمال المأمون إلخ. عبارة فان فلوتن الهامة، والقيمة عن الحكم العباسي، وسياساته مع الرعية. فانتظر.
ولعل قصيدة أبي العتاهية، التي مطلعها:
من مبلغ عني الإمام * نصائحا متوالية (1) نظرية الإمامة ص 381، لكن كنية السفاح هي: " أبو العباس " لا أبو عبد الله و عبد الله هو: اسمه، واسم المنصور أيضا، الذي كان أكبر من السفاح.
(2) إمبراطورية العرب ص 452.
(3) راجع: حياة الإمام موسي بن جعفر 2 ص 162 عن كتاب: " النكبات " للريحاني، وضحي الإسلام ج 1 ص 127 حتي 131. (١٠٩) صفحهمفاتيح البحث: الدولة الأموية (3)، العدل الإلهي (1)، أبو عبد الله (2)، خراسان (2)، السب (1)، موسي بن جعفر (1)
تعبر تعبيرا صادقا عن الحالة العامة، التي كانت سائدة آنذاك، وهي معروفة ومشهورة ومذكورة في ديوانه ص 304. وهي بحق من الوثائق الهامة. المعبرة عن واقع الحياة في تلك الفترة من الزمن.
مع موقف الخلفاء بالتفصيل:
وبعد هذا. وإذا ما أردنا أن نقف عند بعض جنايات وجرائم كل واحد منهم فإننا نقول:
أما السفاح:
الذي أظهر نفسه في صورة مهدي (1).
فهو الذي يقول عنه المؤرخون: إنه: " كان سريعا إلي سفك الدماء، فاتبعه عماله في ذلك، في المشرق والمغرب، واستنوا بسيرته، مثل: محمد بن الأشعث بالمغرب، وصالح بن علي بمصر، وخازم بن خزيمة، وحميد بن قحطبة، وغيرهم. " (2).
حتي لقد خرج عليه شريك بن شيخ المهري، الذي كان - علي ما يظهر - من دعاة العباسيين - خرج عليه - ببخارا، في أكثر من ثلاثين ألفا، فقال: " ما علي هذا بايعنا آل محمد، تسفك الدماء، (١) البداية والنهاية ج ١ ص ٦٩ والتنبيه والإشراف ص ٢٩٢.
(2) مروج الذهب للمسعودي ج 3 ص 222، وتاريخ الخلفاء للسيوطي ص 259.
ومشاكلة الناس لزمانهم لليعقوبي ص 22، وليراجع إمبراطورية العرب ص 435. (١١٠) صفحهمفاتيح البحث: محمد بن الأشعث (1)، صالح بن علي (1)، الشراكة، المشاركة (1)، كتاب مروج الذهب للمسعودي (1)، كتاب البداية والنهاية (1)، جلال الدين السيوطي الشافعي (1)
ويعمل بغير الحق (1). " فوجه إليه السفاح أبا مسلم، فقتله، ومن معه..
وقضية عامل السفاح - وهو أخوه، وقيل: ابن أخيه، يحيي - مع أهل الموصل، حيث ذبح الآلاف الكثيرة منهم في المسجد. هذه القضية معروفة ومشهورة.
وينص المؤرخون، علي أنه: لم يبق من أهل الموصل علي كثرتهم إلا أربع مئة إنسان، صدموا الجند، فأفرجوا لهم. كما أنه أمر جنده، فبقوا ثلاثة أيام يقتلون النساء، لأنه سمع أنهن يبكين رجالهن. وينص المؤرخون أيضا: علي أن نفوس أهل الموصل قد ذلت بعد تلك المذبحة، ولم يسمع لهم بعدها صوت، ولا قامت لهم قائمة (2).
وعندما سألت السفاح زوجته أم سلمة، بنت يعقوب بن سلمة:
" لأي شئ استعرض ابن أخيك أهل الموصل بالسيف؟!. قال لها:
وحياتك ما أدري (3). "!!.
وقد تقدمت عبارة الدكتور أحمد محمود صبحي عن السفاح والمنصور معا عن قريب. (١) الكامل لابن الأثير ج ٤ ص ٣٤٢، والإمامة والسياسة ج ٢ ص ١٣٩، وتاريخ اليعقوبي ج ٢ ص ٣٥٤ طبع صادر، والبداية والنهاية ج ١٠ ص ٥٦، وتاريخ التمدن الإسلامي ج ٢ ص ٤٠٢، وغيرهم.. وفي كتاب طبيعة الدعوة العباسية ص ٢٣٠ قال: إنه " لذلك نقل ولاءه للعلويين، وثار ببخارا، وانضم إليه أنصار العلويين في خراسان، وكذلك ولاة العباسيين علي بخارا، وبرزم، وكانت حركته شعبية.
وجابه أبو مسلم صعوبات كبيرة في القضاء عليها.. " انتهي.
(٢) راجع تفاصيل هذه القضية في: النزاع والتخاصم للمقريزي ص ٤٨، ٤٩، والكامل لابن الأثير ج ٥ ص ٢١٢، حوادث سنة ١٣٢، وتاريخ ابن خلدون ج ٣ ص ١٧٧، وغاية المرام للموصلي ص ١١٥، وتاريخ اليعقوبي، طبع صادر ج ٢ ص ٣٥٧، وشرح ميمية أبي فراس ص ٢١٦.
(٣) النزاع والتخاصم للمقريزي ص 49، وغير ذلك. (١١١) صفحهمفاتيح البحث: السيدة أم سلمة بن الحارث زوجة الرسول صلي الله عليه وآله (1)، الزوجة (1)، القتل (1)، السجود (1)، كتاب الكامل لإبن الأثير (1)، كتاب البداية والنهاية (1)، إبن الأثير (1)، خراسان (1)
وأما المنصور:
الذي أظهر نفسه في صورة مهدي كما يظهر من قول أبي دلامة مخاطبا أبا مسلم الذي قتله المنصور:
أبا مجرم ما غير الله نعمة * علي عبده حتي يغيرها العبد أفي دولة المهدي حاولت غدرة * ألا إن أهل الغدر آباءك الكرد (1) والذي قتل خلقا كثيرا حتي استقام له الأمر (2).
فأمره في الظلم والجور وانتهاك الحرمات أشهر من أن يذكر، حتي لقد أنكر عليه ذلك: ".. رجل من أعظم الدعاة قدرا، وأعظمهم غناء، وهو أبو الجهم بن عطية، مولي باهلة. وهو الذي أخرج أبا العباس السفاح من موضعه الذي أخفاه فيه أبو سلمة، حفص بن سليمان الخلال، وحرسه، وقام بأمره حتي بويع بالخلافة، فكان أبو العباس يعرف له ذلك. وكان أبو مسلم يثق به، ويكاتبه.
فلما استخلف أبو جعفر المنصور، وجار في أحكامه، قال أبو الجهم:
ما علي هذا بايعناهم، إنما بايعناهم علي العدل، فأسرها أبو جعفر في نفسه، ودعاه ذات يوم. فتغدي عنده، ثم سقاه شربة من سويق اللوز، فلما وقعت في جوفه هاج به وجع، فتوهم: أنه قد سم، فوثب، فقال له المنصور: إلي أين يا أبا الجهم؟! فقال: إلي حيث أرسلتني، ومات بعد يوم أو يومين فقال: (١) عيون الأخبار لابن قتيبة ج ١ ص ٢٦ والكني والألقاب ج ١ ص ١٥٨. ويحتمل أن يقصد بالمهدي هنا: السفاح.
(٢) فوات الوفيات ج 1 ص 232، وتاريخ الخلفاء للسيوطي ص 259، وتاريخ الخميس ج 2 ص 324. (١١٢) صفحهمفاتيح البحث: حفص بن سليمان (1)، الظلم (1)، القتل (2)، جلال الدين السيوطي الشافعي (1)
احذر سويق اللوز لا تشربنه * فإن سويق اللوز أردي أبا الجهم (1).
وأنكر عليه ذلك أيضا - بالإضافة إلي عمه كما تقدم - جماعة من قواده، فقاموا عليه، ودعوا الناس إلي موالاة أهل البيت، فحاربهم عبد الرحمان الأزدي سنة 140 ه. فقتل طائفة منهم، وحبس آخرين (2).
وقال الطبري في حوادث سنة 140 ه. أيضا: ". وفيها ولي أبو جعفر عبد الجبار بن عبد الرحمن خراسان، فقدمها، فأخذ بها ناسا من القواد، وذكر أنه اتهمهم بالدعاء إلي ولد علي بن أبي طالب، منهم:
مجاشع بن حريث الأنصاري، وأبو المغيرة، مولي لبني تميم، واسمه خالد ابن كثير، وهو صاحب قوهستان، والحريش بن محمد الذهلي، ابن عم داوود، فقتلهم وحبس الجنيد بن خالد بن هريم التغلبي، ومعبد بن الخليل المزني، بعد ما ضربهما ضربا مبرحا، وحبس عدة من وجوه قواد أهل خراسان (3). ".
ولعل من الأمور الجديرة بالملاحظة هنا: أن المنصور كان يعاشر الراوندية القائلين بألوهيته، ولا ينهاهم ولا يردعهم عن مقالتهم تلك، وعندما سأله أحد المسلمين عن ذلك قال له - علي ما في تاريخ الطبري -:
" لأن يكونوا في معصية الله وطاعتنا، أحب إلي من أن يكونوا في طاعة الله ومعصيتنا. ".
ولكنه عندما ثاروا عليه في الهاشمية، وضع فيهم السيف وقتلهم، ولكن لا لأجل مقالتهم الشنيعة تلك، وإنما لأجل عدم طاعتهم له!. (١) النزاع والتخاصم للمقريزي ص ٥٢، وليراجع: الوزراء والكتاب ص ١٣٦ - ١٣٧ وفيه: أن أبا الجهم كان وزيرا للسفاح.
(٢) البداية والنهاية ج ١٠ ص ٧٥.
(3) الطبري، طبع ليدن ج 10 ص 128. (١١٣) صفحهمفاتيح البحث: علي بن أبي طالب (1)، كتاب تاريخ الطبري (1)، أبو المغيرة (1)، عبد الرحمان (1)، خراسان (2)، القتل (2)، كتاب البداية والنهاية (1)
هذا.. وعندما قال لعبد الرحمان الإفريقي، رفيق صباه:
" كيف رأيت سلطاني من سلطان بني أمية؟ ".
أجابه عبد الرحمان: " ما رأيت في سلطانهم شيئا من الجور إلا رأيته في سلطانك.. " (1).
وعندما قدم عليه عبد الرحمان هذا من إفريقيا، ودخل عليه، بعد أن بقي ببابه شهرا، لا يستطيع الوصول إليه، قال له عبد الرحمان:
" ظهر الجور ببلادنا، فجئت لأعلمك، فإذا الجوز يخرج من دارك. ورأيت أعمالا سيئة، وظلما فاشيا، ظننته لبعد البلاد منك، فجعلت كلما دنوت منك كان الأمر أعظم ".
فغضب المنصور. وأمر بإخراجه (2).
وقال لابن أبي ذؤيب: " أي الرجال أنا؟ ".
فأجابه: " أنت والله عندي شر الرجال، استأثرت بمال الله، ورسوله، وسهم ذوي القربي، واليتامي. والمساكين، وأهلكت الضعيف، وأتعبت القوي، وأمسكت أموالهم. (3). وحج أبو جعفر فدعا ابن أبي ذئب، فقال: نشدتك الله، ألست أعمل بالحق؟ أليس تراني أعدل؟ فقال ابن أبي ذئب: أما إذ نشدتني بالله فأقول: اللهم لا، ما أراك تعدل، وإنك لجائر، وإنك لتستعمل الظلمة، وتترك أهل الخير (4). (١) تاريخ الخلفاء للسيوطي ص ٢٦٨، وغيره.
(٢) تاريخ بغداد ج ١٠ ص ٢١٥، والإمام الصادق، والمذاهب الأربعة المجلد الأول جزء 2 ص 479.
(3) الإمامة والسياسة ج 2 ص 145.
(4) صفة الصفوة ج 2 ص 175. (١١٤) صفحهمفاتيح البحث: بنو أمية (1)، عبد الرحمان (4)، الحج (1)، كتاب تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (1)، جلال الدين السيوطي الشافعي (1)، الصدق (1)
وعندما كان يطوف بالبيت سمع أعرابيا يقول: " اللهم إني أشكو إليك ظهور الفساد، وما يحول بين الحق وأهله، من الطمع. "، فطلبه المنصور، فأتي به، فاستمع المنصور منه إلي شرح واف عن الظلم، والجور، والفساد، الذي كان فاشيا آنذاك، وهي قصة طويلة لا مجال لذكرها، وعلي مريدها المراجعة إلي مظانها (1).
ولا بأس بمراجعة ما قاله له عمرو بن عبيد، في موعظته الطويلة له، ومن جملتها: ". إن وراء بابك نيرانا تتأجج من الجور، والله، ما يحكم وراء بابك بكتاب الله، ولا بسنة نبيه إلخ.. " (2).
وقد لقي أعرابيا بالشام، فقال له المنصور: " إحمد الله يا أعرابي، الذي دفع عنكم الطاعون بولايتنا أهل البيت ".
فأجابه الأعرابي: " إن الله أعدل من أن يجمعكم علينا والطاعون ".
فسكت، ولم يزل يطلب له العلل حتي قتله (3). (١) المحاسن والمساوي من ص ٣٣٩، إلي ص ٣٤١ والعقد الفريد للملك السعيد ص ١١٦، ١١٧، ١١٨، وحياة الحيوان للدميري ج ٢ ص ١٩٠، ١٩١، طبع سنة ١٣١٩، وعيون الأخبار، لابن قتيبة ج ٢ من ص ٣٣٣، إلي ص ٣٣٦، والعقد الفريد ج ٢ ص ١٠٤، ١٠٥، طبع سنة ١٣٤٦، وضحي الإسلام ج ٢ ص ٤٠، والإمام الصادق والمذاهب الأربعة ج ٢ ص ٤٨٠، نقلا عن: تاريخ ابن الساعي ص ١٩، والفتوحات الإسلامية لدحلان ج ٢ ص ٤٤٥، حتي ٤٤٨ مطبعة مصطفي محمد. والموفقيات ص ٣٩٢، ٣٩٣ (٢) مرآة الجنان لليافعي ج ١ ص ٣٣٦، ٣٣٧، والمحاسن والمساوي، طبع صادر ص ٣٣٨، ٣٣٩، وعيون الأخبار، لابن قتيبة باختصار ج ٢ ص ٣٣٧، ونور القبس ص ٤٤.
(٣) روض الأخيار المنتخب من ربيع الأبرار ص ٨٦ وأساس الاقتباس، والبداية والنهاية ج ١٠ ص ١٢٣، تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 265، وفي كتاب طبيعة الدعوة العباسية ص 273، نقلا عن تاريخ دمشق لابن عساكر III ص 391: أن الذي قال للمنصور ذلك هو منصور بن جعونة الكلابي: وأن قوله له هو: " إن الله أعدل من أن يسلط علينا الطاعون والعباسيين معا. ". (١١٥) صفحهمفاتيح البحث: الشام (1)، الظلم (1)، الطواف، الطوف، الطائفة (1)، القتل (1)، كتاب حياة الحيوان للدميري (1)، كتاب البداية والنهاية (1)، جلال الدين السيوطي الشافعي (1)، إبن عساكر (1)، دمشق (1)، الصدق (1)
وقد كتب له سديف، الذي كان من المتحمسين للدولة العباسية:
أسرفت في قتل الرعية ظالما * فاكفف يديك أظلها " مهديها " (1) ويريد ب " مهديها " محمد بن عبد الله بن الحسن علي ما يظهر.
وقضية الرجل الهمداني، الذي أراد عامل المنصور أن يسلبه ضيعته، فأبي عليه ذلك، فكبله بالحديد، وسيره إلي المنصور، فأودعه السجن أربعة أعوام، لا يسأل عنه أحد، هذه القضية معروفة، ومشهورة (2).
وعندما بني مدينة: " المصصية " قد أخذ أموال الناس، حتي ما ترك عند أحد فضلا (3) وعندما أراد أن يبني مدينة أخري ثار الناس عليه ووقع القتال، لأنهم علموا أنه سوف لا يبقي عندهم فضلا أيضا.
وأما ما فعله عبد الوهاب ابن أخي المنصور في أهل فلسطين، فذلك يفوق كل وصف ويتجاوز كل بيان (4).
بعض ما يقال عن المنصور:
وأخيرا.. فقد قال عنه البيهقي إنه: " كان يعلق الناس من أرجلهم، حتي يؤدوا ما عليهم. " (5). (1) العقد الفريد، طبع دار الكتاب العربي ج 5 / 88. ويقال: إن هذا هو سبب قتل سديف.
(2) شرح قصيدة ابن عبدون لابن بدرون ص 281، 282، ومروج الذهب ج 3 ص 288.
(3) تاريخ اليعقوبي ج 3 / 121.
(4) الوزراء والكتاب ص 137، (5) المحاسن والمساوي ص 339. (١١٦) صفحهمفاتيح البحث: الدولة العباسية (العباسيون) (1)، عبد الله بن الحسن (ع) (1)، القتل (2)، كتاب مروج الذهب للمسعودي (1)
هذا.. وقد وصف اليافعي والذهبي المنصور بأنه كان: " فيه جبروت وظلم " (1).
ووصفه السيد أمير علي بأنه: " كان غادرا خداعا، لا يتردد البتة في سفك الدماء.. إلي أن قال: وعلي الجملة: كان أبو جعفر سادرا في بطشه، مستهترا في فتكه. وتعتبر معاملته لأولاد علي من أسوأ صفحات التاريخ العباسي " (2).
ولا بأس بمراجعة ما قاله الريان، مولي المنصور لجعفر بن أبي جعفر، حيث ينص علي أنه قتل أهل الدنيا، ممن لا يعد ولا يحصي، وإن فرعون لا يقاس به (3).
وأما المهدي:
الذي اتخذ الزندقة ذريعة للفتك بالأبرياء.. فقد كفانا الجهشياري مؤونة الحديث عنه، حيث قال: إنه في زمن المهدي هذا:
" كان أهل الخراج يعذبون بصنوف من العذاب، من السباع، والزنابير والسنانير. " (4). وقد خرج عليه يوسف البرم بخراسان، منكرا عليه أحواله، وسيرته، وما يتعاطاه (5). (١) العبر للذهبي ج ١ / ٢٣٠، ومرآة الجنان لليافعي ج ١ / ٣٣٤.
(٢) مختصر تاريخ العرب والتمدن الإسلامي ص ١٨٤، وليراجع تاريخ التمدن الإسلامي ج ٤ / ٣٩٩. والتاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية ج ٣ / ٦١.
(٣) الوزراء والكتاب ص ١٣٠.
(٤) الوزراء والكتاب ص ١٤٢.
(٥) البداية والنهاية ج ١٠ / 131. (١١٧) صفحهمفاتيح البحث: جعفر بن أبي جعفر (1)، خراسان (1)، القتل (1)، العذاب، العذب (1)، كتاب البداية والنهاية (1)
وأما الهادي:
فقد كان: " يتناول المسكر، ويحب اللهو والطرب، وكان ذا ظلم وجبروت " (1).
وكان " سئ الأخلاق، قاسي القلب، جبارا، يتناول المسكر، ويلعب. " (2).
وقد قال عنه الجاحظ: " كان الهادي شكس الأخلاق، صعب المرام، سئ الظن. قل من توقاه، وعرف أخلاقه إلا أغناه، وما كان شئ أبغض إليه من ابتدائه بسؤال. وكان يأمر للمغني بالمال الخطير الجزيل. " (3).
وقال الجهشياري: " كان فظا قاسيا، غير مأمون علي وفاء بوعد " (4).
نعم. لقد كان يأمر للمغني بالمال الجزيل الخطير - من بيت مال المسلمين - كما يقول الجاحظ.. وقد بلغ من إسرافه في إجازة الخلعاء والمغنين، أن دفع إسحاق الموصلي لأن يقول: " لو عاش لنا الهادي لبنينا حيطان دورنا بالذهب والفضة " (5) وأخيرا.. فقد قال عنه الذهبي: " قد كان جبارا ظالم النفس " (6) إلي آخر ما هنالك مما لا مجال لنا هنا لتتبعه. (1) تاريخ الخميس ج 2 / 331.
(2) تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 279، وغيره.
(3) التاج للجاحظ ص 81.
(4) الوزراء والكتاب ص 174.
(5) الأغاني، طبع دار الكتب بالقاهرة ج 5 / 163.
(6) العبر للذهبي ج 1 / 258. ولا بأس بمراجعة: مشاكلة الناس لزمانهم ص 24. (١١٨) صفحهمفاتيح البحث: الظنّ (1)، الظلم (1)، جلال الدين السيوطي الشافعي (1)
وأما الرشيد:
فسيرته تكفي عن كل بيان.. ويكفيه أنه - كما ينص المؤرخون - يشبه المنصور في كل شئ إلا في بذل المال (1)، حيث يقولون إن المنصور كان بخيلا.
وقد تسلط - كالمنصور - بعد مدة من خلافته علي الأمور، فأفسد الصنايع، وأحب جمع الأموال (2).
" وكان جبارا سفاكا للدماء، علي نمط من ملوك الشرق المستبدين " (3).
وقد عسف عامله أهل خراسان، وقتل ملوكها، ووجوه أهلها وأشرافها وصناديدها، وأخذ أموالهم. فأرسلها إلي الرشيد، الأمر الذي كان سببا في انتقاضها عليه (4).
وكان يعذب الناس في الخراج، حيث: " أخذ العمال، والتناء، والدهاقين، وأصحاب الصنايع، والمتباعين للغلات، والمقبلين. وكان عليهم أموال مجتمعة، فولي مطالبتهم عبد الله بن الهيثم بن سام. فطالبهم بصنوف من العذاب. إلي أن دخل عليه ابن عياض، فرأي الناس يعذبون في الخراج، فقال: ارفعوا عنهم، إني سمعت عن رسول الله صلي الله عليه وآله يقول: من عذب الناس في الدنيا عذبه الله يوم القيامة، فأمر بأن يرفع العذاب عن الناس، فرفع.. " (5). (١) ولكن لا في سبيل الله، وإنما علي ملذاته وشهواته، وعلي المغنين والمضرطين كما في رسالة الخوارزمي المتقدمة، وكما ينص عليه أي كتاب تاريخي يتحدث عن سيرته وأفعاله.
(٢) التنبيه والإشراف ص ٢٩٩.
(3) هذا قول الأمير شكيب أرسلان، في تعليقته علي: حاضر العالم الإسلامي، نقلها عنه:
محمد بن عقيل هامش ص 20 من كتابه: العتب الجميل.. وهو من منشورات هيئة البحوث الإسلامية في إندونيسيا.
(4) الوزراء والكتاب ص 228.
(5) تاريخ اليعقوبي ج 3 / 146. (١١٩) صفحهمفاتيح البحث: الرسول الأكرم محمد بن عبد الله صلي الله عليه وآله (1)، يوم القيامة (1)، عبد الله بن الهيثم (1)، خراسان (1)، القتل (1)، العذاب، العذب (1)، سبيل الله (1)، محمد بن عقيل (1)، الخوارزمي (1)
وكان قد ولي رجلا يضرب الناس، ويحبسهم، ليؤدوا ما عليهم من الخراج (1).
وقال أبو يوسف، في عرض وصيته للرشيد بشأن عمال الخراج:
" بلغني أنه: قد يكون في حاشية العامل، أو الوالي جماعة، منهم من له حرمة، ومنهم من له إليه وسيلة، ليسوا بأبرار ولا صالحين، يستعين بهم. ويوجههم في أعماله، يقتضي بذلك الذمامات. فليس يحفظون ما يوكلون بحفظه، ولا ينصفون من يعاملونه، إنما مذهبهم أخذ شئ، من الخراج كان، أو من أموال الرعية. ثم إنهم يأخذون ذلك كله - فيما بلغني - بالعسف، والظلم، والتعدي (2)..
وقال: وبلغني أنهم يقيمون أهل الخراج في الشمس، ويضربونهم الضرب الشديد، ويعلقون عليهم الجرار، ويقيدونهم بما يمنعهم من الصلاة، وهذا عظيم عند الله، شنيع في الإسلام. " (3).
وبعد. فقد كان في قصره أربعة آلاف امرأة: من الجواري والحظايا (4) وكان علي حد تعبير بعضهم: " حريصا علي اللذات المحرمة، وسفك (١) البداية والنهاية ج ١٠ / ١٨٤.
(٢) الخراج لأبي يوسف ص ١١٦ ط سنة ١٣٩٢ ه.
(٣) المصدر نفسه ص ١١٨.
(٤) البداية والنهاية ج ١٠ / ٢٢٠، نقلا عن الطبري. وفي نفس الجزء من البداية والنهاية ص ٢٢٢ قال: " قال بعضهم: إنه كان في داره أربعة آلاف جارية سراري حسان ".
وجاء في ضحي الإسلام ج 1 / 9. أنه: " كان للرشيد زهاء ألفي جارية: من المغنيات، والخدمة في الشراب في أحسن زي، من كل نوع من أنواع الثياب والجوهر. "، وإذن فكيف بالسراري الذين هم أربعة آلاف، وبقية الجواري، اللواتي يحتاج إليهن في كثير من الشؤون. فالرقم الحقيقي أكثر من أربعة آلاف بكثير، بل لعله يزيد عما كان عند المتوكل، الذي كان يتسري باثني عشر ألف سرية، كما نص عليه الخوارزمي فيما تقدم، وجبور عبد النور في كتاب الجواري 36 من سلسلة اقرأ. (١٢٠) صفحهمفاتيح البحث: الضرب (1)، كتاب البداية والنهاية (3)، الخوارزمي (1)
الدماء، وغصب حقوق الناس، وكان ظالما لأهل البيت (ع) وكانت جوائزه خاصة لأهل اللهو، واللعب، والمغنين، والراقصات. ".
وستأتي عبارة فان فلوتن عنه في فصل: آمال المأمون الخ.. فانتظر.
وحسب الرشيد. رسالة سفيان، التي أرسلها إليه من غير طي، ولا ختم، والتي تلقي لنا ضوءا علي جانب من سيرته وسلوكه. ولسوف نثبتها - نظرا لأهميتها - مع الوثائق الهامة في أواخر هذا الكتاب إن شاء الله تعالي.
وأما الأمين.
".. الذي رفض النساء، واشتغل بالخصيان، ووجه إلي البلدان في طلب الملهين، واستخف حتي بوزرائه، وأهل بيته. " (1).
فقد كان: " قبيح السيرة، ضعيف الرأي، سفاكا للدماء، يركب هواه، ويهمل أمره، ويتكل في جليلات الأمور علي غيره الخ.. " (2).
ويضيف هنا القلقشندي قوله: منهمكا في اللذات واللهو.. " (3).
ويكفيه أن كلا من العبري، وابن الأثير الجزري يقول عنه: إنه:
" لم يجد للأمين شيئا من سيرته يستحسنه، فيذكره.. " (4).
ولقد كانت أيامه علي الناس، أيام حروب، وويلات، وسلب (١) مآثر الإنافة ج ١ / ٢٠٥، وتاريخ الخلفاء للسيوطي ص ٢٠١، ومختصر تاريخ الدول ص ١٣٤، والكامل لابن الأثير، طبع دار الكتاب العربي ج ٥ / ١٧٠، والطبري، وغير ذلك.
(٢) التنبيه والإشراف ص ٣٠٢.
(3) مآثر الإنافة في معالم الخلافة للقلقشندي ج 1 / 204.
(4) مختصر أخبار الدول ص 134، والفخري في الآداب السلطانية ص 212. (١٢١) صفحهمفاتيح البحث: أهل بيت النبي صلي الله عليه وآله (1)، إبن الأثير (1)، الرفض (1)، كتاب الكامل لإبن الأثير (1)، جلال الدين السيوطي الشافعي (1)
ونهب، وما إلي ذلك، مما لا تقره شريعة، ولا يرضي به خلق كريم.
وأما المأمون:
فإنه لم يكن في كل ما ذكرناه أفضل من أسلافه، ولا كانت أيامه بدعا من تلك الأيام. كما سنوضح ذلك في أواخر فصل: آمال المأمون، وظروفه في الحكم، حيث سيتضح أن حال الرعية في أيامه كان قد تناهي في السوء، وبلغ الغاية في التدهور.
وصية إبراهيم الإمام:
وبعد كل الذي قدمناه، لم يعد يخفي علي أحد، كم سفك العباسيون من الدماء البريئة - عدا عما سفكوه من دماء بني عمهم العلويين - ونزيد هنا: أن إبراهيم الإمام أرسل إلي أبي مسلم يأمره: " بقتل كل من شك فيه، أو وقع في نفسه شئ منه، وإن استطاع أن لا يدع بخراسان من يتكلم بالعربية إلا قتله فليفعل، وأي غلام بلغ خمسة أشبار يتهمه فليقتله، وأن لا يخلي من مضر ديارا " (1).
ولعل سر أمره له بقتل كل عربي يرجع إلي أنه كان يعلم أن ذلك يرضي الخراسانيين، الذين كانوا مضطهدين علي أيدي العرب. كما أنه كان يعلم أن العرب ين يستجيبوا له استجابة واسعة ضد الأمويين، لأن الدولة الأموية كانت ترضي غرور العربي، وتؤكد اعتزازه بجنسه ومحتده. (١) الطبري، طبع ليدن ج ٩ / ص ١٩٧٤، و ج ١٠ / ٢٥، والكامل لابن الأثير، ج ٤ / ٢٩٥، والبداية والنهاية ج ١٠ / ٢٨، و ص ٦٤، والإمامة والسياسة ج ٢ ص ١١٤، والنزاع والتخاصم للمقريزي ص 45، والعقد الفريد، طبع دار الكتاب ج 4 / 479، وشرح النهج للمعتزلي ج 3 / 267، وضحي الإسلام ج 1 ص 32. (١٢٢) صفحهمفاتيح البحث: الدولة الأموية (2)، خراسان (1)، القتل (3)، الكرم، الكرامة (1)، الوسعة (1)، كتاب الكامل لإبن الأثير (1)، كتاب البداية والنهاية (1)
يضاف إلي ذلك ما كان يعانيه العرب من الانقسامات الداخلية، التي كانت تمزق صفوفهم وتوهن قوتهم.
وأما المضرية فقد كانوا جماعة نصر بن سيار الموالي للأمويين، واليمانية كانوا جماعة ابن الكرماني المناهض لنصر (1).
أبو مسلم ينفذ الوصية:
وقد حرص أبو مسلم علي تنفيذ وصية إبراهيم الإمام كل الحرص.
حتي لقد قتل - كما يقول الذهبي واليافعي -: " خلقا لا يحصون محاربة وصبرا، وكان حجاج زمانه (2). ".
ويقول المؤرخون: إن من قتلهم أبو مسلم صبرا قد بلغ " ست مئة ألف نفس " من المسلمين، من المعروفين، سوي من لم يعرف، ومن قتل في الحروب، وتحت سنابك الخيل (3).
وقد اعترف المنصور نفسه بذلك، عندما عاتب أبا مسلم، ثم قتله، فكان من جملة ما عاتبه به قوله: " فأخبرني عن ست مئة ألف من المسلمين، قتلتهم صبرا؟! ". ولم ينكر أبو مسلم ذلك، وإنما أجابه بقوله: (١) راجع: تاريخ الجنس العربي ج ٨ / ٤١٧.
(٢) العبر للذهبي ج ١ / ١٨٦، ومرآة الجنان ج ١ / ٢٨٥.
(٣) البداية والنهاية ج ١٠ / ٧٢، ووفيات الأعيان ج ١ / ٢٨١، طبع سنة ١٣١٠ ه.
ومختصر تاريخ الدول ص ١٢١، والكامل لابن الأثير ج ٤ ص ٣٥٤، وشرح شافية أبي فراس ص ٢١١، وغاية المرام في محاسن بغداد دار السلام للعمري الموصلي ص ١١٦ وتاريخ ابن الوردي ج ١ / ٢٦١، ومآثر الإنافة في معالم الخلافة ج ١ / ١٧٨، والنزاع والتخاصم للمقريزي ص 46. (١٢٣) صفحهمفاتيح البحث: القتل (3)، الوصية (2)، النفاذ، التنفيذ (1)، كتاب الكامل لإبن الأثير (1)، كتاب البداية والنهاية (1)، مدينة بغداد (1)
" لتستقيم دولتكم " (1)!!.
واعترف جعفر البرمكي بذلك أيضا (2).
وأبو مسلم نفسه نراه قد اعترف بمئة ألف منها أيضا في مناسبة أخري (3).
وأما من قتلهم في حروبه مع بني أمية وقوادهم، فقد أحصوا فوجدوا: ألف ألف وستمائة ألف (4).
وكل ذلك غير بعيد. إذا ما عرفنا أن ثورة أبي السرايا قد كلفت جيش المأمون فقط (200) ألف جندي، كما سيأتي. وكذلك إذا ما لاحظنا ما يذكره المؤرخون عن عدد القتلي في الوقائع المختلفة، التي خاضها أبو مسلم.
وبعد هذا. فإننا نري أبا مسلم نفسه يقول في رسالة منه للمنصور:
" فوترت أهل الدنيا في طاعتكم، وتوطئة سلطانكم. " (5) وفي رسالة أخري منه له أيضا يقول: ".. إن أخاك أمرني أن أجرد السيف، وآخذ بالظنة، وأقتل علي التهمة، ولا أقبل المعذرة، فهتكت بأمره حرمات حتم الله صونها، وسفكت دماء فرض الله حقنها، وزويت الأمر عن أهله، ووضعته في غير محله. " (6).
يقصد ب " أهله ": أهل البيت (ع)، وقد أوضح ذلك في رسالته (١) طبيعة الدعوة العباسية ص ٢٤٥، نقلا عن العيني في: دولة بني العباس والطولونيين والإخشيديين ص ٣٠، فما بعدها.
(٢) تاريخ التمدن الإسلامي ج ٢ / ٤٣٥، نقلا عن: زينة المجالس (فارسي).
(٣) تاريخ اليعقوبي ج ٣ / ١٠٢، وتاريخ ابن خلدون ج ٣ / ١٠٣.
(٤) شرح قصيدة ابن عبدون لابن بدرون ص ٢١٤، وليراجع صبح الأعشي ج ١ / ٤٤٥ أيضا.
(٥) البداية والنهاية ج ١٠ / ٦٩.
(٦) تاريخ بغداد ج ١ / ٢٠٨، والبداية والنهاية ج ١٠ / ١٤، ولا بأس بمراجعة ص ٦٩.
والنزاع والتخاصم ص ٥٣، والإمام الصادق والمذاهب الأربعة جلد 1 ج 2 / 533. (١٢٤) صفحهمفاتيح البحث: أهل بيت النبي صلي الله عليه وآله (1)، بنو أمية (1)، القتل (2)، كتاب تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (1)، كتاب البداية والنهاية (2)، بنو عباس (1)، الصدق (1)
الأخري للمنصور التي يقول فيها: أن أخاه قد استخف بالقرآن وحرفه، وأنه أوطأه في غيرهم من أهل بيتهم العشوة، بالإفك والعدوان، وأنه ظهر له بصورة مهدي.
أي أن أخا المنصور قد حرف الآيات الواردة في أهل البيت (ع) لتنطبق علي العباسيين، وأنه بذلك تمكن من إغراء أبي مسلم بالعلويين، ففعل بهم ما فعل بالإفك والعدوان.. ويصرح بذلك في رسالة أخري للمنصور، فيقول: " وأوطأت غيركم من كان فوقكم من آل رسول الله بالذل والهوان، والإثم والعدوان. " ويشير بذلك إلي العلويين (1).
وعلي كل فإننا سوف لا نستغرب إذا رأينا أنه قد بلغ من ظلم أبي مسلم أنه عندما حج: " هربت الأعراب عن المناهل، التي يمر بها ذهابا وإيابا، فلم يبق منهم أحد، لما كانوا يسمعونه من سفكه للدماء " (2).
وقال المقريزي: " وقتل (يعني أبو مسلم) زياد بن صالح، من أجل أنه بلغه عنه أنه يقول: إنما بايعنا علي إقامة العدل، وإحياء السنن، وهذا جائر ظالم، يسير بسيرة الجبابرة، وإنه مخالف وكان لزياد بلاء في إقامة الدولة، فلم يرع له، فغضب عيسي ابن ماهان، مولي خزاعة لقتل زياد، ودعا لحرب أبي مسلم سرا، فاحتال عليه بأن دس إلي بعض ثقاته إلخ. " ثم ذكر كيفية احتيال أبي مسلم وقتله إياه (3). (١) طبيعة الدعوة العباسية ص ٣٣، نقلا عن كتاب الفتوح لابن أعثم الكوفي.. ولا بأس بمراجعة الرسائل المختلفة المعبرة عن ذلك فيما تقدم من المراجع، وفي النزاع والتخاصم ص ٥٢، ٥٣، والإمام الصادق والمذاهب الأربعة جلد ١ ج ٢ / ٥٣٣، ٥٣٤، والبداية والنهاية ج ١٠ / ٦٩، والإمامة والسياسة ج ٢ / ١٣٢، ١٣٣، وغير ذلك، (٢) النزاع والتخاصم ص ٤٦، (3) نفس المصدر والصفحة. (١٢٥) صفحهمفاتيح البحث: أهل بيت النبي صلي الله عليه وآله (1)، زياد بن صالح (1)، القرآن الكريم (1)، القتل (3)، الحج (1)، الظلم (1)، كتاب الفتوح لأحمد بن أعثم الكوفي (1)، كتاب البداية والنهاية (1)، الصدق (1)
وقد قال أبو مسلم ليونس بن عاصم عندما قال له: هذا جزائي؟!
" ومن جازيناه بجزائه، وضعت سيفي فلم يبق بر ولا فاجر إلا قتلته " (1).
وقال أبو مسلم أيضا: " إن أطفيت من بني أمية جمرة، وألهبت من بني العباس نيرانا، فإن أفرح بالإطفاء، فواحزنا من الإلهاب " (2).
وقال أبو مسلم أيضا: " إني نسجت ثوبا من الظلم لا يبلي ما دامت الدولة لبني العباس، فكم من خارج الخ. " (3) ولا مجال ثمة للشك:
كل ذلك يدل دلالة قاطعة علي مدي الظلم الذي كان يمارسه العباسيون مع الناس بصورة عامة، ومع العلويين، بشكل خاص.. والمتتبع للأحداث التاريخية يري أن الأمة كانت تعيش في رعب دائم ومستمر، خصوصا وأن كل أحد كان يري ويعلم: كيف أن الآلاف من الناس، كانوا يذبحون لأتفه الأسباب وأحقرها.
وأعود فأذكر القارئ ببعض ما أوردناه من رسالة الخوارزمي، التي تعتبر بحق الوثاق الهامة. كما اعترف به غير واحد من الباحثين.
وبعد فلا بد لنا من كلمة أخري:
كانت تلك - كما قلنا - لمحة خاطفة عن حالة العباسيين من الناس عامة، ومع العلويين خاصة.. ولعل من الظلم للحقيقة وللتاريخ هنا، (١) النزاع والتخاصم ص ٤٧.
(٢) المحاسن والمساوي للبيهقي ص ٢٩٨، طبع صادر وشرح ميمية أبي فراس ص ٢١٤.
(٣) المحاسن والمساوي طبع مصر ج ١ / ٤٨٢، والكني والألقاب ج ١ / 157 / 158 نقلا عن ربيع الأبرار للزمخشري. (١٢٦) صفحهمفاتيح البحث: بنو عباس (2)، بنو أمية (1)، الخوارزمي (1)، القتل (1)، الظلم (3)، الزمخشري (1)
أن نمضي ولا نعطي للقارئ لمحة عن حياتهم الخاصة، وسلوكهم الخلقي.
ولذا نري لزاما علينا: أن نلم المامة سريعة ببعض ما يحدثنا به التاريخ في هذا الموضوع، فنقول العباسيون في حياتهم الخاصة:
أما حياتهم الخاصة، وما كان يمر بها من رذائل وقبائح، يندي لها جبين الإنسان الحر ألما وخجلا، ويقطر قلبه لها دما وألما، فتلك حدث عنها ولا حرج. وقد تقدم في رسالة الخوارزمي بعض ما يشير إلي ذلك.
وحيث أن الاستقصاء في هذا الموضوع مما تنوء به العصبة أولو القوة، فإننا لن نحاول التصدي لذلك، سيما وأن هذا الكتاب غير معد لبحث هذا الموضوع فعلا.
ولعل الكلمة التي تجمع صفات بني العباس الخلقية هي الكلمة التي كتبها المأمون، وهو في مرو في رسالة منه للعباسيين، بني أبيه في بغداد، والتي قلنا إننا سوف نوردها في أواخر هذا الكتاب مع الوثائق الهامة، إن شاء الله تعالي.
والمأمون: هو من أهل ذلك البيت، الذين هم أدري من كل أحد بما فيه، لأنهم عاشوا في خضم الأحداث، وشاهدوا كل شئ، وكل القضايا عن كثب. يقول المأمون في تلك الرسالة:
".. وليس منكم إلا لاعب بنفسه، مأفون في عقله، وتدبيره، إما مغن، أو ضارب دف، أو زامر. والله، لو أن بني أمية الذين قتلتموهم بالأمس نشروا، فقيل لهم: لا تأنفوا من معائب تنالوهم بها، لما زادوا علي ما صيرتموه لكم شعارا ودثارا، وصناعة وأخلاقا، ليس منكم إلا من إذا مسه الشر جزع، وإذا مسه الخير منع، ولا (١٢٧) صفحهمفاتيح البحث: بنو عباس (1)، بنو أمية (1)، مدينة بغداد (1)، الخوارزمي (1)، المنع (1)
تأنفون، ولا ترجعون إلا خشية، وكيف يأنف من يبيت مركوبا، ويصبح بإثمه معجبا، كأنه قد اكتسب حمدا، غايته بطنه وفرجه، لا يبالي أن ينال شهوته بقتل ألف نبي مرسل، أو ملك مقرب. أحب الناس إليه من زين له معصية أو أعانه في فاحشة، تنظفه المخمورة الخ. ".
فهذه القطعة تبين لنا بجلاء - كما يتبين من كثير أمثالها - كيف كان خلفاء العباسيين منغمرين في الملذات والشهوات.. وتبين لنا نظرتهم للحياة وأهدافهم منها. ولولا أن المقام يطول لأوردنا سيلا من الشواهد والدلائل علي مدي استهتارهم، وانتهاكهم، للحرمات، وارتكابهم للموبقات، ليعلم أن أقوال المأمون هذه، وكذلك أقوال الخوارزمي، وغيرهما مما تقدم غير مبالغ فيها، وأن الحقيقة هي أعظم من ذلك بكثير وأن ذلك ليس إلا غيضا من فيض. وكتب التاريخ والأدب خير شاهد علي ذلك، وإن حاولت بعض الأيدي الأثيمة تشويه الحقيقة، والتستر علي واقعهم ذاك المزري والمهين.
وفي نهاية المطاف:
وإذا كانت تلك هي سيرة العباسيين في حياتهم الخاصة، وتلك هي سياساتهم مع الناس ومع خصومهم، فماذا يمكن أن تكون حالة وزرائهم وقوادهم، وسائر رجال دولتهم؟!
التاريخ وحده هو الذي يتولي الإجابة علي هذا السؤال.
أما نحن.. فنكتفي بهذا القدر، وننتقل إلي الحديث عن بعض نتائج سياسات العباسيين تلك.. وخصوصا ما كان منها يتعلق بالعلويين. (١٢٨) صفحهمفاتيح البحث: الخوارزمي (1)، القتل (1)، الطواف، الطوف، الطائفة (1)

فشل سياسة العباسيين ضد العلويين

فشل سياسة العباسيين ضد العلويين سؤال لا بد منه:
والآن. وبعد أن عرفنا موقف العلويين من العباسيين، وقدمنا لمحة من معاملتهم للرعية، التي لم تكن أحسن حالا، ولا أهدأ بالا من العلويين، سيما وأنهم من أول يوم من حكمهم سلطوا علي الناس فئة لا تفقه للرحمة معني، ولا تجد الشفقة إلي قلوبها أي سبيل، همها الدنيا، وغايتها الاستئثار بكل شئ، وتتمتع بحماية مطلقة من قبل الخلفاء، حتي عندما كانت تعبث بأموال الناس، وحتي في دمائهم وأعراضهم.
وكيف لا!! والخلفاء أنفسهم ما كانوا أحسن حالا من تلك الفئة، ولا أقل انحرافا، وبعدا عن تعاليم السماء، والخلق الإنساني منها.
بعد أن عرفنا ذلك. وغيره مما تقدم، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو:
ما هي نتائج وآثار سياسات العباسيين تلك؟. وهل استطاعوا أن يجعلوا الناس راضين عن تلك السياسات؟ وعما كانوا يرونه منهم من تميعهم، واستهتارهم بكل القيم، والفضائل الأخلاقية؟.
وهل استطاعوا أن يكتسبوا عطف الأمة، بعد أن فعلوا بها، وبأهل بيت نبيها ما فعلوا؟!.
صفحه(١٢٩)
أما الجواب:
الواقع.. أن نتيجة ذلك كانت وبالا علي العباسيين: " ولا يحيق المكر السئ إلا بأهله. ". فقد كان الناس مستائين جدا من سيرتهم السيئة وسيرة ولاتهم مع الرعية، وكان من الطبيعي جدا أيضا: أن يثير الناس ويسؤهم ما كانوا يرونه من تميعهم الشديد في حياتهم الخاصة، وإيثارهم اللذات المحرمة علي كل شئ، حتي قد يبلغ الأمر بالخليفة منهم أن يحتجب عن الناس منهمكا بلذاته وشهواته. وقد كان الرشيد يحمد الله علي أن أراحه البرامكة من أعباء الحكم (1)، وتركوه ينصرف إلي ما يندي له جبين الإنسان الحر ألما وخجلا، وكذلك كانت حال والده المهدي من قبل، وعلي ذلك جري ولده الأمين من بعد.
وغيرهم وغيرهم ممن لا نري ضرورة لتعداد أسمائهم. وحسبنا تلك الشواهد الكثيرة في التاريخ، الذي قد لا تمر بصفحة منه، فيها حديث عن الخلفاء، إلا وتجد فيها ما لا يسر، وما لا يغبط عليه أحد.
وكان مما ساعد علي إدراك الناس لحقيقة نوايا العباسيين، وواقعهم، الذي طالما جهدوا في التستر عليه، وإخفائه، بحيث لم يعد ثمة شك في أنهم ليسوا بأفضل من الأمويين، إن لم يكونوا أكثر منهم سوءا. هو ما كانوا يرونه من معاملتهم لبني عمهم آل أبي طالب، الذين ضحوا بكل شئ في سبيل هذا الدين، وأعطوا وبذلوا حتي أرواحهم في سبيل هذه الأمة. والذين كانوا هم الأمل الحي لهذه الأمة المضطهدة، والمغلوبة علي أمرها، التي كانت تري فيهم كل الفضائل، والكمالات الإنسانية..
والذين كان من الواضح لدي كل أحد أن وجود العباسيين في الحكم مدين لهم، أكثر من غيرهم علي الاطلاق. (1) الوزراء والكتاب ص 225. (١٣٠) صفحهمفاتيح البحث: الدولة الأموية (1)
لقد رأوهم جميعا متفقين - حتي المأمون كما سيتضح - علي العداء لهم، ووجوب التخلص منهم، لكن الفرق هو أن الخلفاء الذين سبقوا المأمون كانت أساليبهم تجاههم، تتميز - عموما - بالعنف والقسوة، بخلافه هو، فإنه اتبع أسلوبا جديدا، وفريدا في القضاء عليهم، والتخلص منهم.
ولقد كان هذا الموقف مفاجأة للأمة، وصدمة لها، ولذا فمن الطبيعي أن يتسبب في ردود فعل عنيفة في ضمير الأمة ووجدانها، وبخيبة أمل قاسية لها فيهم.
بل لقد كان ذلك سببا في زيادة تعاطفها معهم، ومضاعفة احترامهم لهم - ولو بدافع إنساني بحت - ومن هنا نلاحظ أنهم كثيرا ما يذكرون في سبب نكبات الوزراء، والعمال، بل والعلماء أيضا - صدقا كان ذلك أو كذبا - أنه أجار علويا، أو أطلقه من السجن، ودله علي طريق النجاة، وقد ذكرت هذه المنقبة للإمام أحمد بن حنبل أيضا (1)، وأما موقف أبي حنيفة، والشافعي، وغيرهم من العلماء، فهو أشهر من أن يذكر.
ولعل الأهم من ذلك كله:
ولعل الأهم من ذلك كله أن الناس الذين كانوا يرون سلوك العباسيين مع العلويين، ومع الناس عامة، وأيضا سلوكهم اللاأخلاقي في حياتهم الخاصة.. كانوا يرون في مقابل ذلك: زهد العلويين، وورعهم، وترفعهم عن كل الموبقات والمشينات، وخصوصا الأئمة منهم عليهم السلام.
وقد جعلهم ذلك ينساقون معهم لا إراديا، حيث رأوا أنهم هم الذين يمتلكون كل المؤهلات، ويتمتعون بكافة الفضائل والمزايا، التي (1) راجع كتاب: شيخ الأمة، الإمام أحمد بن حنبل، لعبد العزيز سيد الأهل. (١٣١) صفحهمفاتيح البحث: أحمد بن حنبل (2)، الزهد (1)، عبد العزيز (1)
تجعلهم جديرين بخلافة محمد صلي الله عليه وآله، وأهلا لقيادة الأمة، قيادة صالحة وسليمة، كما كان النبي صلي الله عليه وآله يقودها من قبل.
وواضح أن تلك الخصائص، وهاتيك المؤهلات والمميزات لأئمة أهل البيت (ع) وذلك السلوك المثالي لهم - كل ذلك - كان يغري العباسيين بمضايقتهم، وملاحقتهم أشد الاغراء، وكان أيضا يدفع الحساد للوشاية بهم. وتحريض الخلفاء علي الايقاع والتنكيل فيهم.
ولهذا نري أن الخلفاء! لم يكونوا يألون جهدا، أو يدخرون وسعا في ملاحقتهم، واضطهادهم، وسجنهم. حتي إذا تمكنوا منهم قضوا عليهم، بالوسائل التي تضمن - بنظرهم - عدم إثارة شكوك الناس وظنونهم.
التشيع للعلويين:
وبعد كل الذي قدمناه، فإن من الطبيعي أن نري العلويين يتمتعون بالاحترام والتقدير من مختلف الفئات والطبقات، وأن نري ازدياد احترام الناس، وتقديرهم لهم باستمرار.. حتي لقد كان لهم في نفوسهم من عميق الحب، وصادق المودة، ما أرهب العباسيين، وأرعبهم. وحتي لقد رأينا الرشيد نفسه - وهو طاغية بني العباس بلا منازع - يشكو لعظيم البرامكة، يحيي بن خالد غمه وحيرته في أمر الإمام موسي (ع)، رغم أنه (ع) كان في السجن. ونري يحيي بن خالد يعترف بدوره بأن: الإمام " المسجون " قد أفسد عليهم قلوب شيعتهم!! (1) ولا يجب أن نستغرب شكوي الرشيد تلك. ولا اعتراف يحيي هذا (١) الغيبة للشيخ الطوسي ص 20، والبحار. (١٣٢) صفحهمفاتيح البحث: أهل بيت النبي صلي الله عليه وآله (1)، الإمام موسي بن جعفر الكاظم عليهما السلام (1)، الرسول الأكرم محمد بن عبد الله صلي الله عليه وآله (2)، بنو عباس (1)، يحيي بن خالد (2)، الشيخ الطوسي (1)
بعد أن التشيع (1) يجد سبيله إلي كل قلب، وكل فؤاد، حتي وزراء العباسيين، وقوادهم، بل وحتي نساء الخلفاء أنفسهم.
فهذه أم الخليفة المهدي تقيم خادما لقبر الحسين (ع)، وتجري عليه كل شهر ثلاثين درهما، دون أن يعلم بها أحد (2).
وهذه بنت عم المأمون، التي كان لها نفوذ قوي عنده، يذكر المؤرخون أنها كانت تميل إلي الإمام الرضا (ع).
بل وحتي " زبيدة "، زوجة الرشيد، وحفيدة المنصور، وأعظم عباسية علي الاطلاق، يقال: إنها كانت تتشيع، وعندما علم الرشيد بذلك حلف أن يطلقها (3).. ولعل لهذا السبب أحرق أهل السنة قبرها مع ما أحرقوا من قبور بني بويه وقبر الكاظم (ع) وذلك عندما وقعت الفتنة العظيمة بين السنة والشيعة سنة 443 ه (4).
وأما وزراء العباسيين، فأمرهم أظهر من أن يحتاج إلي بيان، فإن التاريخ يحدثنا: أن العباسيين، ابتداء من السفاح، كانوا غالبا يبطشون بوزرائهم، بسبب اطلاعهم علي تشيعهم، وممالاتهم للعلويين، ابتداء بأبي سلمة، فأبي مسلم، فيعقوب بن داوود. وهكذا إلي أن ينتهي الأمر بالفضل بن سهل، وغيره من بعده، بل وحتي نكبة البرامكة يقال:
إن سببها هو تشيعهم للعلويين!. حتي لقد أصبح التسمي ب " الوزير ". (١) كلمة " التشيع " التي ترد في هذا الكتاب، لا أقصد بها غالبا - التشيع بمفهومه الأخص، والمذهب المعروف، وإنما أقصد بها مجرد الولاء والحب للعلويين، وتأييدهم ضد خصومهم، سواء أكان ذلك من الشيعة بالمعني المعروف، أو من غيرهم من أهل الفرق الإسلامية الأخري.
(٢) الطبري ج ١١ / ٧٥٢، طبع ليدن.
(٣) ذكر ذلك الصدوق في المجالس، فراجع: رجال المامقاني، مادة: " زبيدة ".
(٤) الكني والألقاب ج ٢ / 289 نقلا عن ابن شحنة في روضة المناظر. (١٣٣) صفحهمفاتيح البحث: قبر الحسين (ع) (1)، الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (1)، الإمام موسي بن جعفر الكاظم عليهما السلام (1)، الفضل بن سهل (1)، القبر (1)، الزوج، الزواج (1)، السب (1)، الشيخ الصدوق (1)
يعتبر شؤما: وينفر الناس منه كل النفور، كما سنشير إليه فيما يأتي إن شاء الله تعالي.
وأما عن أمرائهم وقوادهم، فالأمر فيهم أوضح وأجلي، حيث إنهم ما كانوا يرون إلا واليا أو قائدا يخرج عليهم داعيا للعلويين، أو آخر قد خلع طاعتهم، واستجاب لدعوة خصومهم آل علي، أو ثالث يخشي أن يميل إليهم، ويتعاطف معهم.. وقد بدأ قوادهم بالخروج عليهم من زمن السفاح، الذي خرج عليه ابن شيخ المهري، داعيا لآل علي، وبعد ذلك كانت ثورة القواد علي المنصور داعين إلي موالاة أهل البيت، وقامت ثورة ضد المنصور، وداعية للعلويين في نفس خراسان، وذلك في سنة (140 ه). وبعد ذلك وفي زمن المهدي العباسي قامت ثورة أخري في خراسان تدعو إلي آل أبي طالب بقيادة صالح بن أبي حبال. وعظم شأنه جدا، ولم يمكنهم القضاء عليه إلا بإعمال الحيلة (1) وأما في زمن الرشيد، فقد ثارت الفتن بين أهل السنة والرافضة، علي حد تعبير النجوم الزاهرة.
الخطر الحقيقي:
وأما الذي كان يكمن فيه الخطر الحقيقي، وكان يهز الدولة، ويزعزع من أركانها. فهو ثورات العلويين أنفسهم، حتي ليقال:
إنه قد بويع لمحمد بن عبد الله بن الحسن، وأخيه إبراهيم في أكثر الأمصار، وذلك في سنة 145 ه. وبعد ذلك كانت واقعة فخ المشهورة، ثم استمر الحال علي ذلك، فلم يكن العباسيون يرون، إلا علويا ثائرا، أو أنه يدبر للثورة، حتي أوائل زمن المأمون، حيث بلغت الحالة فيه (1) راجع: لطف التدبير ص 105. (١٣٤) صفحهمفاتيح البحث: عبد الله بن الحسن (ع) (1)، خراسان (2)
في السوء والتدهور الغاية، وأوفت علي النهاية. حتي ليقال: إن الثورات العلوية، التي قامت فيما بين عهد السفاح، وأوائل عهد المأمون، وبالتحديد إلي حوالي سنة 200 ه أي فيما يقل عن سبعين عاما، قد قاربت الثلاثين ثورة، هذا بغض النظر عن الثورات الأخري التي كانت تدعو لهم. وإلي موالاتهم.
وستأتي الإشارة إلي بعض الثورات العلوية التي قامت ضد المأمون بالخصوص، وإلي أنه حتي قائده العظيم، طاهر بن الحسين، - بل وجميع آل طاهر (1) - وكذلك وزيره الفضل بن سهل، وهرثمة بن أعين، وغيرهم، وغيرهم، كانوا يتهمون بالتشيع للعلويين.
ولسوف يتضح أن الوضع في عهده قد أصبح إلي حد كبير شبيها بالوضع الذي كان سائدا في أواخر عهد الأمويين، بفارق واحد بسيط، لو استمر الحال لتسارع لذلك الفارق الضعف والوهن، وذلك الفارق هو: أنه لا يزال كثير من الناس المخدوعين بدعايات العباسيين يعتبرون تلك المنازعات طبيعية بين من يستحقون الخلافة!!!.
ويبقي هنا سؤال:
لماذا لم تكن ثورات العلويين، أو الثورات الداعية لهم. تصادف النجاح، مع أنها كانت تحظي بالتأييد الواسع، في مختلف فئات الشعب، وطبقاته؟!..
وجوابنا عن هذا السؤال هو: أن الذي يراجع التاريخ بري - بما لا مجال معه للشك -: أن تلك الثورات لم يكن يسبقها التخطيط، (1) راجع: الكامل لابن الأثير، حوادث سنة 250 ه. (١٣٥) صفحهمفاتيح البحث: الدولة الأموية (1)، طاهر بن الحسين (1)، الفضل بن سهل (1)، الوسعة (1)، الطهارة (1)، كتاب الكامل لإبن الأثير (1)
والإعداد الكافيان، وما كان العباسيون ليعطوها الفرصة لتخطيط وإعداد يمكن أن يصل إلي درجة تمكنه من أن يذهب بدولة الجبارين.
هذا بالإضافة إلي فساد القيادة القبلية آنذاك، والتي كانت السبب الأول والأخير لنجاح أية ثورة أو فشلها.. وسيأتي تفصيل ذلك علي النحو الكافي والشافي، في فصل: مدي جدية العرض، إن شاء الله.
ونتيجة كل ذلك:
وهكذا.. يتضح: أن سياسات العباسيين، لم تستطع أن تحقق لهم الأهداف التي كانوا يتوخون تحقيقها، وإنما كانت نتائجها عكسية بالنسبة إليهم، ودمارا ووبالا عليهم، قبل أن تكون وبالا علي أي من خصومهم.
وبالأخص أبناء عمهم العلويين. (١٣٦) صفحهمفاتيح البحث: السب (1)
القسم الثاني ظروف البيعة وأسبابها:
1 - شخصية الإمام الرضا (ع).
2 - من هو المأمون؟.
3 - آمال المأمون، وآلامه..
4 - ظروف البيعة وأسبابها.
5 - أسباب البيعة لدي الآخرين. (١٣٧) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (1)

شخصية الإمام الرضا (ع)

شخصية الإمام الرضا عليه السلام لمحات:
الإمام الرضا (ع)، هو ثامن الأئمة الاثني عشر، الذين نص عليهم النبي صلي الله عليه وآله: علي بن موسي، بن جعفر، بن محمد، بن علي، ابن الحسين، ابن علي، بن أبي طالب، صلوات الله عليهم أجمعين.
ستة آباؤه من هم أفضل من يشرب صوب الغمام كنيته: أبو الحسن.
ومن ألقابه: الرضا، والصابر، والزكي، والولي.
نقش خاتمه: حسبي الله.
وقيل: بل نقشه: ما شاء الله، لا قوة إلا بالله (1).
ولد في المدينة سنة 148 ه. أي: في نفس السنة التي توفي فيها (1) لنا رأي بالنسبة للقب، ونقش الخاتم: وهو أنه كثيرا ما يعبر عن ظاهرة من نوع معين، وظروف اجتماعية، وسياسية، ونفسية، وغير ذلك. وكذلك عن مميزات، وملكات شخصية خاصة. ونأمل أن نوفق لبحث هذا الموضوع مستوفي في فرصة أخري إن شاء الله. (١٣٩) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (2)، الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام (1)، الرسول الأكرم محمد بن عبد الله صلي الله عليه وآله (1)، علي بن موسي بن جعفر بن محمد (1)
جده الإمام الصادق (ع) علي قول أكثر العلماء والمؤرخين مثل:
المفيد في الإرشاد، والشبراوي في الإتحاف بحب الأشراف، والكليني في الكافي، والكفعمي في المصباح، والشهيد في الدروس، والطبرسي في أعلام الوري، والفتال النيسابوري في روضة الواعظين، والصدوق في علل الشرايع، وتاج الدين محمد بن زهرة في غاية الاختصار، وابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة، والأردبيلي في جامع الرواة، والمسعودي في مروج الذهب، وإن كان في كلامه اضطراب، وأبو الفداء في تاريخه، والكنجي الشافعي في كفاية الطالب، وابن الأثير في كامله، وابن حجر في صواعقه، والشبلنجي في نور الأبصار، والبغدادي في سبائك الذهب، وابن الجوزي في تذكرة الخواص، وابن الوردي في تاريخه، ونقل عن تاريخ الغفاري، والنوبختي. وكان عتاب بن أسد يقول: إنه سمع جماعة من أهل المدينة يقولون ذلك، وغير هؤلاء كثير وذهب آخرون - وهم الأقل - إلي أن ولادته (ع)، كانت سنة 153 ه. منهم: الإربلي في كشف الغمة، وابن شهرآشوب في المناقب، والصدوق في عيون الأخبار، وإن كان في كلامه اضطراب، والمسعودي في إثبات الوصية، وابن خلكان في وفيات الأعيان، وابن عبد الوهاب في عيون المعجزات، واليافعي في مرآة الجنان..
وقيل: إن ولادته كانت سنة 151 ه.
والقول الأول هو الأقوي والأشهر. ولم يذهب إلي القولين الأخيرين إلا قلة..
وتوفي (ع) في طوس سنة 203 ه. علي قول معظم العلماء، والمؤرخين، والشاذ النادر لا يلتفت إليه.. (١٤٠) صفحهمفاتيح البحث: الإمام جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام (1)، كتاب الإرشاد للشيخ المفيد (1)، كتاب الفصول المهمة لإبن صباغ المالكي (1)، كتاب تذكرة خواص الأمة للسبط إبن الجوزي (1)، كتاب نور الأبصار للشبلنجي (1)، كتاب علل الشرايع للصدوق (1)، كتاب روضة الواعظين (1)، كتاب إعلام الوري بأعلام الهدي (1)، كتاب إثبات الوصية للمسعودي (1)، كتاب مروج الذهب للمسعودي (1)، كتاب كشف الغمة للإربلي (1)، كتاب جامع الرواة لمحمد علي الأردبيلي (1)، كتاب الأشراف للشيخ المفيد (1)، إبن الأثير (1)، ابن شهرآشوب (1)، محمد بن زهرة (1)
وبعد:
فأما علمه، وورعه وتقواه:
فذلك مما اتفق عليه المؤرخون أجمع، يعلم ذلك بأدني مراجعة للكتب التاريخية، ويكفي هنا أن نذكر أن نفس المأمون قد اعترف بذلك، أكثر من مرة، وفي أكثر من مناسبة. بل في كلامه: أن الرضا (ع) أعلم أهل الأرض، وأعبدهم. ولقد قال لرجاء بن أبي الضحاك:
". بلي يا ابن أبي الضحاك، هذا خير أهل الأرض، وأعلمهم، وأعبدهم. " (1).
وقد قال أيضا للعباسيين، عندما جمعهم، في سنة 200 ه. وهم أكثر من ثلاثة وثلاثين ألفا (2):
" إنه نظر في ولد العباس، وولد علي رضي الله عنهم، فلم يجد أحدا أفضل، ولا أورع، ولا أدين، ولا أصلح. ولا أحق بهذا الأمر من علي بن موسي الرضا (3). (١) راجع: البحار ج ٤٩ ص ٩٥، وعيون أخبار الرضا ج ٢ ص ١٨٣، وغير ذلك.
(٢) مروج الذهب ج ٣ ص ٤٤٠، والنجوم الزاهرة ج ٢ ص ١٦٦، وغاية المرام للعمري الموصلي ص ١٢١، ومآثر الإنافة في معالم الخلافة ج ١ ص ٢١٢، والطبري، طبع ليدن ج ١١ ص ١٠٠٠، وتاريخ الخلفاء للسيوطي ص ٣٣٣، وغير ذلك.
وورد ذلك أيضا في رسالة الحسن بن سهل، لعيسي بن أبي خالد، فراجع: الطبري ج ١١ ص ١٠١٢، وتجارب الأمم ج ٦ المطبوع مع العيون والحدائق ص ٤٣٠.
هذا. ولكن في تاريخ التمدن الإسلامي، ج ١ ص ١٧٦ ويؤيده ما في وفيات الأعيان لابن خلكان، طبع سنة ١٣١٠ ج ١ ص ٣٢١، ويساعد عليه الاعتبار أيضا: أن الذين أحصوا آنئذ هم: العباسيون خاصة المأمون، دون غيرهم من سائر بني العباس.
(٣) راجع: مروج الذهب ج ٣ ص ٤٤١، والكامل لابن الأثير ج ٥ ص ١٨٣، والفخري في الآداب السلطانية ص ٢١٧، والطبري، طبع ليدن ج ١١ ص ١٠١٣، ومختصر تاريخ الدول ص ١٣٤، وتجارب الأمم ج ٦ ص ٤٣٦.
وفي مرآة الجنان ج ٢ ص ١١، قال: إنه لم يجد في وقته أفضل، ولا أحق بالخلافة، من علي بن موسي الرضا. ونحو ذلك ما في البداية والنهاية ج ١٠ ص ٢٤٧، وينابيع المودة للحنفي ص 385، ونظرية الإمامة ص 386 ووفيات الأعيان طبع سنة 1310 ه.
ج 1 ص 321، وإمبراطورية العرب، وغير ذلك. (١٤١) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (1)، الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام (1)، كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام (1)، كتاب الكامل لإبن الأثير (1)، كتاب مروج الذهب للمسعودي (2)، كتاب البداية والنهاية (1)، جلال الدين السيوطي الشافعي (1)، بنو عباس (1)، الحسن بن سهل (1)
قال عبد الله بن المبارك:
هذا علي والهدي يقوده * من خير فتيان قريش عوده (1) ولوضوح هذا الأمر نكتفي هنا بهذا المقدار، وننتقل إلي الحديث عن أمور هامة أخري، وما يهمنا في المقام إعطاء لمحة سريعة عن مكانته، وشخصيته (ع)، فنقول:
وأما مركزه وشخصيته (ع):
فهو من الأمور البديهية، التي لا يكاد يجهلها أحد، وقد ساعده سوء الأحوال بين الأمين والمأمون علي القيام بأعباء الرسالة، وعلي زيادة جهوده، ومضاعفة نشاطاته، حيث قد فسح المجال لشيعته للاتصال به، والاستفادة من توجيهاته، مما أدي بالتالي - مع ما كان يتمتع به (ع) من مزايا فريدة، وما كان ينتهجه من سلوك مثالي - إلي تحكيم مركزه، وبسط نفوذه في مختلف أرجاء الدولة الإسلامية، يقول الصولي:
ألا إن خير الناس نفسا ووالدا * ورهطا وأجدادا علي المعظم أتينا به للحلم والعلم ثامنا * إماما يؤدي حجة الله يكتم (2) بل لقد قال هو نفسه (ع) مرة للمأمون. وهو يتحدث عن ولاية (1) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 362.
(2) نفس المصدر ج 4 ص 332، وهي في مقتبس الأثر ج 22، ص 328، لكنه لم يذكر قائلها.. (١٤٢) صفحهمفاتيح البحث: عبد الله بن المبارك (1)، الحج (1)، كتاب مناقب آل أبي طالب عليه السلام (1)
العهد: ". وما زادني هذا الأمر، الذي دخلت فيه في النعمة عندي شيئا، ولقد كنت في المدينة، وكتابي ينفذ في المشرق والمغرب، ولقد كنت أركب حماري، وأمر في سكك المدينة، وما بها أعز مني. " (1).
ويكفي أن نذكر هنا قول ابن مؤنس - عدو الإمام (ع)، وقد أسر (ع) للمأمون بشئ، قال ابن مؤنس:
". يا أمير المؤمنين، هذا الذي بجنبك والله صنم يعبد دون الله " (2).
وفي الكتاب الذي طلب المأمون فيه من الرضا أن يجمع له أصول الدين، وفروعه، قال المأمون: إن الإمام: " حجة الله علي خلقه، ومعدن العلم، ومفترض الطاعة. " (3). كما أن المأمون كان يعبر عن الرضا (ع) ب: " أخيه "، ويخاطبه ب " يا سيدي ".
وكتب للعباسيين يصف الرضا، ويقول: ".. وأما ما كنت أردته من البيعة لعلي بن موسي، بعد استحقاق منه لها في نفسه، واختيار مني له.. إلي أن قال: وأما ما ذكرتم من استبصار المأمون في البيعة لأبي الحسن، فما بايع له إلا مستبصرا في أمره، عالما بأنه لم يبق علي ظهرها أبين فضلا، ولا أظهر عفة، ولا أورع ورعا، ولا أزهد زهدا في الدنيا، ولا أطلق نفسا، ولا أرضي في الخاصة والعامة، ولا أشد في ذات الله منه. " (4). (١) البحار ج ٤٩ ص ١٥٥، و ص ١٤٤، والكافي ج ٨ ص ١٥١، وعيون أخبار الرضا ج ٢ ص ١٦٧.
(٢) البحار ج ٤٩ ص ١٦٦، وأعيان الشيعة ج ٤ قسم ٢ ص ١٣٨، وعيون أخبار الرضا ج ٢ ص ١٦١، ومسند الإمام الرضا ج ١ ص ٨٦.
(٣) نظرية الإمامة ص ٣٨٨.
(٤) الرسالة مذكورة في أواخر هذا الكتاب. (١٤٣) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (1)، أصول الدين (1)، العزّة (1)، الحج (1)، كتاب أعيان الشيعة للأمين (1)
وفي كل ما قدمناه دلالة واضحة علي سجايا الإمام، ومركزه، وشخصيته. وكما يقولون: " والفضل ما شهدت به الأعداء ".
ومما يدل علي مكانته وهيبته ما ورد في رواية أخري، يقول فيها المتحدث: ". دخلنا (أي هو والرضا " ع ") علي المأمون، فإذا المجلس غاص بأهله، ومحمد بن جعفر في جماعة الطالبيين والهاشميين، والقواد حضور. فلما دخلنا قام المأمون، وقام محمد بن جعفر، وجميع بني هاشم، فما زالوا وقوفا والرضا جالس مع المأمون، حتي أمرهم بالجلوس، فجلسوا، فلم يزل المأمون مقبلا عليه ساعة الخ (1) ".
وأما ما جري في نيسابور:
فلا يكاد يخلو منه كتاب يتعرض لأحوال الرضا (ع)، ومسيره إلي مرو، فإنه عندما دخل نيسابور تعرض له الحافظان: أبو زرعة الرازي، ومحمد بن أسلم الطوسي، ومعهما من طلبة العلم ما لا يحصي، وتضرعوا إليه أن يريهم وجهه، فأقر عيون الخلائق بطلعته، والناس علي طبقاتهم قيام كلهم. وكانوا بين صارخ، وباك، وممزق ثوبه، ومتمرغ في التراب، ومقبل لحافر بغلته، ومطول عنقه إلي مظلة المهد، إلي أن انتصف النهار، وجرت الدموع كالأنهار، وصاحت الأئمة:
" معاشر الناس، أنصتوا، وعوا، ولا تؤذوا رسول الله صلي الله عليه وآله في عترته. " فأملي صلوات الله عليه، عليهم، بعد أن ذكر السلسلة الذهبية الشهيرة (1) مسند الإمام الرضا ج 2 ص 76، والبحار ج 49 ص 175، وعيون أخبار الرضا ج 2 ص 156. (١٤٤) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (2)، الرسول الأكرم محمد بن عبد الله صلي الله عليه وآله (1)، أبو زرعة الرازي (1)، محمد بن أسلم الطوسي (1)، محمد بن جعفر (2)، الصّلاة (1)، كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام (1)
السند، قوله: " لا إله إلا الله حصني، فمن دخل حصني أمن من عذابي. ".
فلما مرت الراحلة أخرج رأسه مرة ثانية إليهم، وقال: " بشروطها، وأنا من شروطها ".
فعد أهل المحابر والدوي، فأنافوا علي العشرين ألفا. كذلك وصف المؤرخون هذه الحادثة الشهيرة (1).. ولسوف نتحدث عن هذه القضية بالتفصيل في فصل: " خطة الإمام " إن شاء الله تعالي.
وعن أسناد هذه الرواية، الذي أورده الإمام (ع)، يقول الإمام أحمد بن حنبل: " لو قرأت هذا الإسناد علي مجنون لبرئ من جنته ".
علي ما في الصواعق المحرقة، ونزهة المجالس (2) وغير ذلك.
ونقل أن بعض أمراء السامانية بلغه هذا الحديث بسنده، فكتبه بالذهب، وأوصي أن يدفن معه. (١) نقله في مجلة مدينة العلم، السنة الأولي ص ٤١٥ عن صاحب تاريخ نيسابور، وعن المناوي في شرح الجامع الصغير، وهي أيضا في الصواعق المحرقة ص ١٢٢، وحلية الأولياء ٣ ص ١٩٢، وعيون أخبار الرضا ج ٢ ص ١٣٥، وأمالي الصدوق ص ٢٠٨، وينابيع المودة ص ٣٦٤، و ص ٣٨٥، وقد ذكر قوله عليه السلام:
وأنا من شروطها، في الموضع الثاني فقط. والبحار ج ٤٩ ص ١٢٣، ١٢٦، ١٢٧، والفصول المهمة لابن الصباغ ص ٢٤٠، ونور الأبصار ص ١٤١، ونقلها في مسند الإمام الرضا ج ١ ص ٤٣، ٤٤، عن التوحيد ومعاني الأخبار وكشف الغمة ج ٣ ص ٩٨.
وهي موجودة في مراجع كثيرة أخري. لكن يلاحظ أن بعض هؤلاء قد حذف قوله عليه السلام: " بشروطها، وأنا من شروطها " ولا يخفي السبب في ذلك.
(2) وفيه في ج 1 ص 22، قال: " إنه (أي الإمام أحمد) قرأها علي مصروع فأفاق ". (١٤٥) صفحهمفاتيح البحث: كتاب الصواعق المحرقة (2)، أحمد بن حنبل (1)، الدفن (1)، الوصية (1)، كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام (1)، كتاب الفصول المهمة لإبن صباغ المالكي (1)، كتاب نور الأبصار للشبلنجي (1)، كتاب أمالي الصدوق (1)، كتاب كشف الغمة للإربلي (1)، كتاب ينابيع المودة (1)، السب (1)
وها نحن أمام نصوص أخري:
وكذلك نري هيبة الإمام (ع) وقوة شخصيته، في موقفه مع الفضل ابن سهل - أعظم رجل في البلاط العباسي - وذلك عندما طلب منه الفضل كتاب الضمان، والأمان، حيث أوقفه ساعة، ثم رفع رأسه إليه، وسأله عن حاجته، فقال: " يا سيدي. إلي أن قال الراوي:
ثم أمره بقراءة الكتاب - وكان كتابا في أكبر جلد - فلم يزل قائما حتي قرأه! الخ. " (1).
ثم رأينا المأمون عندما قتل الفضل بن سهل ذا الرئاستين، وشغب عليه القواد والجند، ومن كان من رجال ذي الرئاستين، وقد جاءوا بالنيران ليحرقوا الباب عليه، ليصلوا إليه - قد رأينا - كيف هرع إلي الإمام، يطلب منه أن يتدخل لإنقاذه، فخرج (ع) إليهم، وأمرهم بالتفرق، فتفرقوا.. يقول ياسر الخادم: " فأقبل الناس والله، يقع بعضهم علي بعض، وما أشار لأحد إلا ركض، ومر، ولم يقف. " (2).
ونجا المأمون بذلك بجلده، واحتفظ بحياته.
وفي كتاب العهد الذي كتبه المأمون بخط يده - كما صرح به كل من تعرض له - فقرات تدل علي سجايا الإمام، وعلي مركزه، وشخصيته، يقول المأمون عنه: ".. لما رأي من فضله البارع، وعلمه (١) أعيان الشيعة ج ٤ قسم ٢ ص ١٣٩، وعيون أخبار الرضا ج ٢ ص ١٦٢، ١٦٣ والبحار ج ٤٩ ص ١٦٨، ومسند الإمام الرضا ج ١ ص ٨٨.
(٢) المناقب ج ٤ ص ٣٤٧، وروضة الواعظين ج ١ ص ٢٧٣، وكشف الغمة ج ٣ ص ٧٠، والكافي ج ١ ص ٤٩٠، ٤٩١، وأعلام الوري ص ٣٢٤، وأعيان الشيعة ج ٤.
قسم 2 ص 110، 140، طبعة ثالثة، وعيون أخبار الرضا ج 2 ص 164، وإرشاد المفيد ص 314، والبحار ج 49 ص 169، ومعادن الحكمة ص 183، وشرح ميمية أبي فراس ص 198، 199. (١٤٦) صفحهمفاتيح البحث: الفضل بن سهل (1)، القتل (1)، كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام (2)، كتاب إعلام الوري بأعلام الهدي (1)، كتاب كشف الغمة للإربلي (1)، كتاب أعيان الشيعة للأمين (2)
الناصع، وورعه الظاهر، وزهده الخالص، وتخليه من الدنيا، وتسلمه من الناس.
وقد استبان له ما لم تزل الأخبار عليه متواطية، والألسن عليه متفقة، والكلمة فيه جامعة، ولما لم يزل يعرفه به من الفضل يافعا، وناشيا، وحدثا، ومكتهلا الخ.. " وكتاب العهد مذكور في أواخر هذا الكتاب..
وفي نهاية المطاف:
فإن الإمام (ع) هو أحد العشرة، الذين هم علي حد تعبير الجاحظ:
" كل واحد منهم: عالم، زاهد، ناسك، شجاع، جواد، طاهر، زاك، والذين هم بين خليفة، أو مرشح لها. " (1).
وهو علي ما في النجوم الزاهرة: " سيد بني هاشم في زمانه، وأجلهم، وكان المأمون يعظمه، ويجله، ويخضع له، ويتفاني فيه. " (2).
ومثله ما عن سنن ابن ماجة، علي في خلاصة تذهيب تهذيب الكمال ص 278.
وقال عنه (ع) عارف تأمر: " يعتبر من الأئمة الذين لعبوا دورا كبرا علي مسرح الأحداث الإسلامية في عصره. " (3).
وأخيرا. فقد وصفه أبو الصلت، ورجاء بن أبي الضحاك، وإبراهيم ابن العباس، وغيرهم، وغيرهم. بما لو أردنا نقله لطال بنا الكلام.
وحسبنا ما ذكرنا، فإننا إذا أردنا أن نلم بما قيل في حق الإمام (ع) لاحتجنا إلي تأليف خاص، ووقت طويل.. (1) آثار الجاحظ ص 235.
(2) النجوم الزاهرة ج 2 ص 74.
(3) الإمامة في الإسلام ص 125. (١٤٧) صفحهمفاتيح البحث: كتاب سنن إبن ماجة (1)، كتاب خلاصة تذهيب تهذيب الكمال للخزرجي الأنصاري اليمني (1)، بنو هاشم (1)، الجود (1)، الطهارة (1)، الطواف، الطوف، الطائفة (1)

من هو المأمون

من هو المأمون؟
لمحات:
هو عبد الله بن هارون الرشيد.
أبوه: خامس خلفاء بني العباس.. وهو سابعهم، بعد أخيه الأمين.
أمه: جارية خراسانية، اسمها: " مراجل ". وقد ماتت بعد ولادتها إياه، وهي ما تزال نفساء. فنشأ يتيم الأم.
وقد كانت أمه - كما يقول المؤرخون - أشوه، وأقذر جارية في مطبخ الرشيد.
وذلك هو الذي يجعلنا نصدق القصة التي تقال عن السبب في حملها به (1). (1) وتحكي هذه القصة علي النحو التالي: أن زبيدة لاعبت الرشيد بالشطرنج علي الحكم والرضا، فغلبته، فحكمت عليه أن يطأ أقبح وأقذر وأشوه جارية في المطبخ، فبذل لها خراج مصر والعراق لتعفيه من ذلك، فلم تقبل، ولم تجد جارية تجمع الصفات المذكورة غير مراجل، فطلبت إليه أن يطأها، فجاء المأمون.. راجع حياة الحيوان للدميري ج 1 ص 72، وأعلام الناس في أخبار البرامكة، وبني العباس للاتليدي ص 106، 107، وعيون التواريخ. وأشار إليها إشارة واضحة: الإسحاقي في لطائف أخبار الأول ص 74، وكذلك في روض الأخبار المنتخب من ربيع الأبرار ص 157. ولا ينافي ذلك أن ولد في الليلة التي تولي فيها أبوه الخلافة، فإن أولياء العهد كانوا يتولون أعظم الولايات من قبل الخلفاء، وقد قسم الرشيد الدولة كلها بين أولاده الثلاثة: الأمين، والقاسم، ولم يبق لنفسه شيئا، وهو علي قيد الحياة … (١٤٨) صفحهمفاتيح البحث: بنو عباس (2)، عبد الله بن هارون (1)، السب (1)، كتاب حياة الحيوان للدميري (1)، دولة العراق (1)، الدميري (1)، الشطرنج (1)
دفعه أبوه إلي جعفر بن يحيي البرمكي، فنشأ في حجره، كانت ولادته في سنة 170 ه. في نفس الليلة التي تولي فيها أبوه الخلافة.
وكانت وفاته سنة 218 ه.
وكان مربيه الفضل بن سهل، ثم أصبح وزيره، وهو المعروف بذي الرئاستين.
وكان قائده: طاهر بن الحسين ذو اليمينين..
ميزات وخصائص:
وقد كانت حياته حياة جد ونشاط، وتقشف، علي العكس من أخيه الأمين، الذي نشأ في كنف " زبيدة "، وما أدراك ما " زبيدة "، فقد كانت حياته حياة نعمة وترف، يميل إلي اللعب والبطالة، أكثر منه إلي الجد والحزم. يظهر ذلك لكل من راجع تاريخ حياة الأخوين.
ولعل سر ذلك يعود إلي أن المأمون لم يكن كأخيه، يشعر بأصالة محتده، ولا كان مطمئنا إلي مستقبله، وإلي رضا العباسيين به. بل كان يقطع بعدم رضاهم به خليفة وحاكما، ولهذا. فقد وجد أنه ليس لديه أي رصيد يعتمد عليه غير نفسه، فشمر عن ساعد الجد، وبدأ يخطط لمستقبله منذ اللحظة الأولي التي أدرك فيها واقعه، والمميزات التي كان يتمتع بها أخوه الأمين عليه. (١٤٩) صفحهمفاتيح البحث: طاهر بن الحسين (1)، جعفر بن يحيي (1)، الفضل بن سهل (1)
بل نلاحظ: أنه كان يستفيد من أخطاء أخيه الأمين، فإن: " الفضل عندما رأي اشتغال الأمين باللهو واللعب، أشار علي المأمون بإظهار الورع والدين، وحسن السيرة، فأظهر المأمون ذلك.. وكان كلما اعتمد الأمين حركة ناقصة اعتمد المأمون حركة شديدة " (1).
ومن هنا نعرف السر فيما يظهر من رسالته للعباسيين، حيث نصب فيها نفسه واعظا تقيا، وأضفي عليها هالة من التقي والورع!! والزهد في الدنيا!! والالتزام بأحكام الشريعة، وتعاليم الدين!!. ليروه ويراه الناس نوعية أخري تفضل نوعية أخيه الأمين، وتزيد عليها.
ما يقال عن المأمون:
وعلي كل حال.. فإن المأمون كان قد برع في العلوم والفنون، حتي فاق أقرانه، بل فاق جميع خلفاء بني العباس..
وقد قال بعضهم: " لم يكن في بني العباس أعلم من المأمون " (2).
وقال عنه ابن النديم إنه: " أعلم الخلفاء بالفقه والكلام " (3).
وقال عنه محمد فريد وجدي: " لم يل الخلافة بعد الخلفاء الراشدين أكفأ منه " (4).
وفي الأخبار الطوال: " وكان شهما، بعيد الهمة، أبي النفس، وكان نجم بني العباس في العلم والحكمة. " (١) الفخري في الآداب السلطانية ص ٢١٢. ولكن سيأتي أن المأمون هو الذي طلب من الفضل: أن يشيع عنه الزهد والتقوي، وليس الفضل هو المشير عليه بذلك..
(٢) حياة الحيوان للدميري ج ١ ص ٧٢.
(٣) فهرست ابن النديم، طبع مطبعة الاستقامة في القاهرة ص ١٧٤.
(٤) دائرة المعارف الإسلامية ج 1 ص 620. (١٥٠) صفحهمفاتيح البحث: بنو عباس (3)، ابن النديم (2)، كتاب حياة الحيوان للدميري (1)، الزهد (1)
بل لقد روي عن الإمام علي (ع)، أنه قال - وهو يصف خلفاء بني العباس -: " سابعهم أعلمهم " (1).
وقد وصفه السيوطي وابن تغري بردي، وابن شاكر الكتبي، فقالوا:
" وكان أفضل رجال بني العباس: حزما، وعزما، وحلما، وعلما، ورأيا، ودهاء (2) وهيبة، وشجاعة، وسؤددا، وسماحة، (١) مناقب آل أبي طالب ج ٢ ص ٢٧٦، وسفينة البحار ج ٢ ص ٣٣٢، مادة: " غيب ".
(٢) دهاء المأمون، وحنكته، وسياسته من المسلمات، والأمثلة علي ذلك كثيرة، فقد روي لنا ابن عبد ربه في العقد الفريد ج ١ ص ١٢٣، والجهشياري في الوزراء والكتاب ص ٣١١: كيف أنه بين للفضل بن سهل: أن أخاه الأمين كان يستطيع أن ينتصر عليه، لو أنه أرسل إلي أهل البلاد التي يحكمها المأمون يخبرهم: " أنه قد وضع عنهم الخراج إلي سنة. فحينئذ، إن لم يقبل المأمون، قامت البلاد ضده، وإن قبل لم يجد ما يعطي الجند، فيقومون ضده، وفي كلا الحالتين يكون النصر للأمين، لو وقعت بينهما الحرب، فحمد الفضل ربه، علي أن لم يهتد الأمين، وأتباعه إلي هذا الرأي. وإن كان في العقد الفريد للملك السعيد، ص ٥٠ ينسب هذا الرأي إلي الشيخ أبي الحسن القطيفي، وأنه أشار به علي الأمين، فلم يقبله. وفي المحاسن والمساوي طبع مصر ج ٢ ص ٧٧، ٧٨، نسبة إلي شيخ مسن أشار به علي الأمين فلم يقبل منه.
وقد رأينا أيضا: أنه عندما تسلم زمام الحكم قد طلب من الفضل: أن يشيع عنه الزهد والتقوي والورع، ففعل.. راجع تاريخ التمدن الإسلامي ج 4 ص 261.
ورأينا كذلك: أنه يقتل الفضل، ويبكي عليه، ويقتل قتلته، ويقتل الرضا، ثم يبكي عليه. ويقتل طاهرا، ويولي أبناءه مكانه.. ورأينا أيضا: أنه يولي الرضا العهد، ويوهم العباسيين: أن ذلك كان من تدبير الفضل، ويقتل أخاه، ويوهمهم أن الذنب في ذلك علي الفضل وطاهر. إلي آخر ما هنالك، مما سيأتي، وغيره، مما يدل علي عمقه، ودهائه، وحنكته، وسياسته.. وأن الفضل وغيره، ما كانوا إلا دمي له، يلهو ويلعب بها، ويحركها كيف شاء، وحيثما أراد.. (١٥١) صفحهمفاتيح البحث: الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام (1)، جلال الدين السيوطي الشافعي (1)، بنو عباس (2)، كتاب مناقب آل أبي طالب عليه السلام (1)، القتل (6)، البكاء (1)، الطهارة (1)، الحرب (1)
لولا أنه شان ذلك كله. بالقول بخلق القرآن (1)، ولم يل الخلاقة من بني العباس أعلم منه. " (2).
شهادة ذات أهمية:
وقد شهد له أبوه نفسه بالتقدم علي أخيه الأمين، قال: ".. وقد عنيت بتصحيح هذا العهد، وتصييره إلي من أرضي سيرته، وأحمد طريقته، وأثق بحسن سياسته، وآمن ضعفه ووهنه، وهو: عبد الله.
وبنو هاشم - يعني العباسيين - مائلون إلي محمد بأهوائهم، وفيه ما فيه من الانقياد لهواه، والتصرف مع طويته، والتبذير لما حوته يده، ومشاركة النساء، والإماء في رأيه، و عبد الله المرضي الطريقة، الأصيل الرأي، الموثوق به في الأمر العظيم، فإن ملت إلي عبد الله، أسخطت بني هاشم، وإن أفردت محمدا بالأمر، لم آمن تخليطه علي الرعية. (3).
وقال أيضا: " إني لأعرف في عبد الله حزم المنصور، ونسك المهدي، وعزة الهادي، ولو شئت أن أنسبه إلي الرابع - يعني نفسه - لنسبته، وقد قدمت محمدا عليه، وإني لأعلم أنه منقاد لهوه، مبذر (١) قال القلقشندي في كتابه: مآثر الإنافة في معالم الخلافة ج ١ ص ٢١٣: إنه قد طعن الناس!! علي المأمون ثلاثة أشياء: الأول: القول بخلق القرآن!!. الثاني: التشيع.
الثالث: بث علوم الفلاسفة بين المسلمين.
فتأمل، بالله عليك بهذه الأمور، التي عدوها من المطاعن، وبعد ذلك: فاضحك، أو فابك علي عقول هؤلاء الجهلاء، الذين يسميهم الناس، أو يسمون أنفسهم علماء!!!
والعلم من هؤلاء وأمثالهم برئ..
(٢) تاريخ الخلفاء ص ٣٠٦، وفوات الوفيات ج 1 ص 239، والنجوم الزاهرة، وتاريخ الخميس ج 2 ص 334.
(3) مروج الذهب طبع بيروت ج 3 ص 352، 353. (١٥٢) صفحهمفاتيح البحث: بنو عباس (1)، بنو هاشم (2)، القرآن الكريم (2)، الشهادة (1)، كتاب مروج الذهب للمسعودي (1)، مدينة بيروت (1)، البكاء (1)
لما حوته يده، يشاركه في رأيه الإماء والنساء، ولولا أم جعفر - يعني زبيدة - وميل بني هاشم، لقدمت عبد الله عليه.. " (1). يعني في ولاية العهد. (١) راجع شرح قصيدة ابن عبدون لابن بدرون ص ٢٤٥، وتاريخ الخلفاء للسيوطي ص ٣٠٧، وقريب منه ما في الأخبار الطوال ص ٤٠١، والإتحاف بحب الأشراف ص ٩٦، وتاريخ الخميس ج ٢ ص ٣٣٤.
هذا.. والرشيد هنا يدعي النسك للمهدي مع أن كتب التاريخ زاخرة بأخبار بذخه، ولهوه ولعبه، ويكفي أن نذكر هنا: أنه قد سلم الأمر ليعقوب بن داوود، وانصرف إلي ملذاته وشهواته، حتي قال فيه بشار بن برد أبياته المشهورة:
بني أمية هبوا طال نومكم * إن الخليفة يعقوب بن داوود ضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسوا * خليفة الله بين الزق والعود فراجع: الفخري في الآداب السلطانية ص ١٨٤، ١٨٥، وتاريخ التمدن الإسلامي المجلد الأول جزء ٢ ص ٤٠٧، والبداية والنهاية، وأي كتاب تاريخي شئت..
هذا.. ولعل ما ينسب إليه من الزهد والورع إنما كان بلحاظ ما قدمناه: من تسمية أبيه له ب " المهدي " لكي يكون مهدي الأمة الذي يملأ الأرض قسطا، وعدلا، واخترع أحاديث كثيرة لتأييد مدعاه هذا.
ولكن الحقيقة هي ما قدمناه، من أنه لم يكن يقل في تهتكه واستهتاره عن غيره من الخلفاء، حتي لقد ذكر الطبري في تاريخه، طبع مطبعة الاستقامة ج ٦ ص ٤٠٥، أنه ألبس ابنته " البانوقة " لباس الفتيان، لتمشي في مقدمة الجند والقواد، وقد رفع القباء ثدييها الناهدين، وكانت سمراء، حسنة القد، حلوة، علي حد تعبير الطبري.
فماذا كان يقصد " المهدي المنتظر "!! من تصرفه هذا!!. فهل كان يريد بذلك أن يملأ الأرض قسطا وعدلا؟!!.
ولماذا كان الزاهد الورع!! و " المهدي المنتظر " يعذب الناس بالسنانير والزنابير، ليبتز منهم أموالهم، ويتخذ الاتهام بالزندقة ذريعة للقضاء علي خصومه، كما قدمنا، وأيضا يشرب الخمر، ويسمع الغناء، حتي بلغ في ذلك حدا جعل يعقوب بن داوود يلومه علي ذلك، ويقول له: " ما علي هذا استوزرتني، ولا علي هذا صحبتك الخ.. ".
وفي ذلك يقول بعض الشعراء، يعرض بيعقوب، ويحث المهدي علي الاستمرار في ذلك علي ما في البداية والنهاية ج ١٠ ص ١٤٨، ١٤٩ - يقول في ذلك -:
فدع عنك يعقوب بن داوود جانبا * واقبل علي صهباء طيبة النشر وأخيرا.. فإننا لا نعرف أحدا يقول بأن المهدي العباسي، هو المهدي الموعود، إلا سلم الخاسر، فقد نقل ذلك عنه ابن المعتز في طبقات الشعراء ص ١٠٤، ويدل علي ذلك قول الخاسر في قصيدة له يمدح بها المهدي العباسي علي ما في الأغاني ج ٢١ ص ١٨٧، طبع دار الفكر:
له شيم عند بذل العطاء * لا يعرف الناس مقدارها و " مهدي أمتنا " والذي * حماها وأدرك أوتارها والسيد الحميري أيضا ممن كان قد ظن أنه المهدي حقا لكن فعاله قد بينت: أنه ليس هو، ولذلك يقول السيد حسبما يروي المرزباني أخبار السيد الحميري (المستدرك) ص 58:
ظننا أنه " المهدي " حقا * ولا تقع الأمور كما ظننا ولا والله، ما المهدي إلا * إماما فضله أعلي وأسني ولا بأس بالإشارة هنا إلي ما ذكروه، من أن سبب تسميته بالخاسر: أنه كان عنده مصحف، فباعه، واشتري بثمنه طنبورا، فبقيت من ثمنه بقية، فاشتري بها خمرا!!..
فبورك من مهدي أتباعه أمثال هذا!! وبوركت أمة تعترف بمهدي له تلكم الصفات!!. (١٥٣) صفحهمفاتيح البحث: بنو هاشم (1)، كتاب أخبار السيد الحميري للمرزباني الخراساني (1)، كتاب البداية والنهاية (2)، جلال الدين السيوطي الشافعي (1)، كتاب الأشراف للشيخ المفيد (1)، بنو أمية (1)، اللبس (1)، الزهد (1)، الظنّ (1)
وعلي كل حال،. فإن كل من تعرض من المؤرخين وغيرهم، لشرح حال المأمون، قد شهد له بالتقدم، وبأنه رجل خلفاء بني العباس وواحدهم.
وما يهمنا هنا، هو مجرد الإشارة إلي حال المأمون، وما كان عليه من الدهاء والسياسة، وحسن التدبير. ولسنا هنا في صدد تحقيق أحواله، والإحاطة بكافة شؤونه، فإن ذلك لا يناسب الغرض الذي وضع من أجله هذا الكتاب.
وسيمر معنا في الفصول الآتية المزيد من الكلام عن المأمون وظروفه، مما له نحو ارتباط بالموضوع الذي نحن بصدد تحقيقه من قريب، أو من بعيد، إن شاء الله تعالي.. (١٥٤) صفحهمفاتيح البحث: بنو عباس (1)، الشهادة (1)

آمال المأمون وآلامه

آمال المأمون وآلامه العباسيون لا يرضون بالمأمون!
لا يشك المؤرخون بأن المأمون كان أجدر من الأمين، وأحق بالخلافة (1). بل لقد مر اعتراف الرشيد نفسه بذلك، لكنه اعتذر عن إسناده الأمر الأمين: بأن العباسيين، لا يرضون بالمأمون خليفة، وحاكما، رغم سنه وفضله وكياسته، وأنهم يرجحون أخاه الأمين عليه، قال الرشيد، حسبما تقدم: " وبنو هاشم مائلون إلي محمد بأهوائهم، وفيه ما فيه.. إلي أن قال: فإن ملت إلي ابني عبد الله. أسخطت بني هاشم، وإن أفردت محمدا بالأمر، لم آمن تخليطه علي الرعية الخ!! " ومر أيضا قول الرشيد: ".. ولولا أم جعفر، وميل بني هاشم إليه (أي إلي الأمين) لقدمت عبد الله عليه. ".
كما أن المأمون نفسه يقول في رسالته للعباسيين، المذكورة في أواخر هذا الكتاب: ".. وأما ما ذكرتم، مما مسكم من الجفاء في ولايتي، فلعمري ما كان ذلك إلا منكم: بمظافرتكم عليه، وممايلتكم إياه (1) ليس المراد هنا: الجدارة الحقيقية، التي قررها الله، وبينها محمد صلي الله عليه وآله، وإنما المراد الجدارة التي يفهمها هؤلاء، واعتاضوا بها عن حكم الله، وسنة نبيه … (١٥٥) صفحهمفاتيح البحث: بنو هاشم (2)، الرسول الأكرم محمد بن عبد الله صلي الله عليه وآله (1)
(أي الأمين)، فلما قتلته، تفرقتم عباديد، فطورا أتباعا لابن أبي خالد، وطورا أتباعا لأعرابي، وطورا أتباعا لابن شكلة، ثم لكل من سل سيفا علي. ولولا أن شيمتي العفو، وطبيعتي التجاوز، ما تركت علي وجهها منكم أحدا، فكلكم حلال الدم الخ.. ".
سوف يأتي قول الفضل بن سهل للمأمون: ".. وبنو أبيك معادون لك، وأهل بيتك الخ.. ".
إلي آخر ما هنالك من النصوص الدالة علي حقيقة الموقف السلبي للعباسيين ضد المأمون، وتفضيلهم أخاه الأمين عليه.
سؤال قد تصعب الإجابة عليه:
فما هو السر يا تري؟ في عدم رضا العباسيين بالمأمون؟! ولماذا يفضلون أخاه أمين عليه؟!! مع أنه هو الأليق والأجدر والأحق بالخلافة!!.
إن الإجابة علي هذا السؤال ربما تبدو لأول وهلة صعبة، وشاقة.
ولكننا لن نستسلم لهذا الشعور، ولسوف نحاول الإجابة عليه، معتمدين علي بعض ما بأيدينا من النصوص التاريخية، التي تلقي لنا ضوءا كاشفا علي حقيقة القضية، وواقع الأمر: فنقول:
الجواب عن السؤال:
لعل سر انحراف العباسيين عن المأمون إلي أخيه الأمين يرجع إلي أن الأمين كان عباسيا، بكل ما لهذه الكلمة من معني:
فأبوه: هارون.. (١٥٦) صفحهمفاتيح البحث: الفضل بن سهل (1)، القتل (1)
وأمه: " زبيدة "، حفيدة المنصور، هاشمية (1)، والتي لو نشرت شعرها، لما تعلقت - علي ما قيل - (2) إلا بخليفة، أو ولي عهد، والتي كانت أعظم عباسية علي الاطلاق.
وكان في حجر الفضل بن يحيي البرمكي، أخي الرشيد من الرضاعة، وأعظم رجل نفوذا في بلاط الرشيد.
وكان يشرف علي مصالحه الفضل بن الربيع، العربي، الذي كان جده من طلقاء عثمان، والذي لم يكن ثمة من شك في ولائه للعباسيين.
أما المأمون:
فقد كان في حجر جعفر بن يحيي، الذي كان أقل نفوذا من أخيه الفضل.
وكان مؤدبه، والذي يشرف علي مصالحه، ذلك الرجل الذي لم يكن العباسيون يرتاحون إليه بشكل خاص، لأنه كان متهما بالميل إلي العلويين. والذي كانت العداوة بينه وبين مربي الأمين، الفضل بن الربيع علي أشدها، ذلك الرجل الذي أصبح فيما بعد وزيرا للمأمون، ومدبرا لأموره، وأعني به: " الفضل بن سهل الفارسي "، وقد (1) وفي الفخري في الآداب السلطانية ص 212، ومروج الذهب ج 3 ص 396، والنجوم الزاهرة ج 2 ص 159، وتاريخ الخلفاء للسيوطي ص 303، وتاريخ اليعقوبي ج 3 ص 162: " أنه لم يتفق لخليفة عباسي أن يكون عباسي الأب والأم، غير الأمين " … ولا بأس أيضا بمراجعة: مختصر التاريخ ص 130، ومآثر الإنافة في معالم الخلافة ج 1 ص 203، وابن بدرون في شرح قصيدة ابن عبدون ص 243، وزهر الآداب ج 2 ص 993، طبع دار الجيل.
(2) تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 306. (١٥٧) صفحهمفاتيح البحث: الفضل بن يحيي (1)، الفضل بن الربيع (1)، جعفر بن يحيي (1)، الفضل بن سهل (1)، الرضاع (1)، كتاب مروج الذهب للمسعودي (1)، جلال الدين السيوطي الشافعي (2)
مل العباسيون الفرس، وخافوهم. ولذا سرعان ما استبدلوهم بالأتراك وغيرهم..
أما أم المأمون. فقد كانت خراسانية غير عربية، وقد ماتت أيام نفاسها به، وحتي لو كانت علي قيد الحياة، فإنها - وهي أشوه، وأقبح، وأقذر جارية في مطبخ الرشيد - لن تستطيع أن تكون مثل زبيدة عظمة، ونفوذا ولو قلنا إن موتها كان في مصلحة المأمون لما عدونا الحقيقة، كيف وقد بلغ من مهانتها - في نظر الناس - أن كان المأمون يعير بها.
فهذه زينب بنت سليمان. التي كانت عند بني العباس بمنزلة عظيمة، عندما لم يحضر المأمون جنازة ابنها، واكتفي بإرسال أخيه صالح من قبله، تغضب، وتقول لصالح: " قل له: يا بن مراجل، أما لو كان يحيي بن الحسين بن زيد، لوضعت ذيلك علي فيك، وعدوت خلف جنازته. " (1).
والرقاشي الشاعر يمدح الأمين، ويعرض بهجاء المأمون، فيقول:
لم تلده أمة تعرف في السوق التجارا لا ولا حد، ولا خان، ولا في الخزي جارا (2) يعرض بالمأمون، وأن أمه كانت أمة تباع، وتشري في الأسواق.
بل إن نفس الأمين قد عير أخاه بأمه، فقال:
وإذا تطاولت الرجال بفضلها * فأربع فإنك لست بالمتطاول (١) الكامل لابن الأثير، طبع دار الكتاب العربي ج ٥ ص ٢٣٠، والإمام الصادق والمذاهب الأربعة المجلد الثاني جزء ٤ ص ٤٩٣.
(٢) المعارف لابن قتيبة، طبع سنة 1300، والفخري في الآداب السلطانية ص 212. (١٥٨) صفحهمفاتيح البحث: بنو عباس (1)، يحيي بن الحسين بن زيد (1)، الغضب (1)، كتاب الكامل لإبن الأثير (1)
أعطاك ربك ما هويت وإنما * تلقي خلاف هواك عند " مراجل " تعلو المنابر كل يوم آملا * ما لست من بعدي إليه بواصل (1) وقد أقذع في هجائه، حين كتب إليه أيام الفتنة بينهما بقوله:
يا بن التي بيعت بأبخس قيمة * بين الملأ في السوق هل من زائد ما فيك موضع غرزة من إبرة * إلا وفيه نطفة من واحد فأجابه المأمون:
وإنما أمهات الناس أوعية * مستودعات وللأما أكفاء فلرب معربة ليست بمنجبة * وطالما أنجبت في الخدر عجماء (2) وأخيرا. فإن خير ما يصور لنا الحالة المعنوية التي كان يعاني منها المأمون، هو قول دعبل مخاطبا له:
إني من القوم الذين سيوفهم * قتلت أخاك، وشرفتك بمقعد شادوا بذكرك بعد طول خموله * واستنقذوك من الحضيض الأوهد (3) مركز الأمين هو الأقوي:
وبعد كل ما تقدم. فإن ما لا بد لنا من الإشارة إليه هنا، هو: (١) تاريخ الخلفاء للسيوطي ص ٣٠٤.
(٢) غاية المرام في محاسن بغداد دار السلام للعمري الموصلي ص ١٢١.
(٣) معاهد التنصيص ج ١ ص ٢٠٢، ووفيات الأعيان، طبع سنة ١٣١٠ ه. ج ١ ص ١٧٩، وتاريخ الخلفاء ص ٣٢٤، والشعر والشعراء ص ٥٣٩، ٥٤٠، والغدير ج ٢ ص ٣٧٦، والعقد والفريد، طبع دار الكتاب العربي ج ٢ ص ١٩٦، وتاريخ التمدن الإسلامي، المجلد الثاني جزء ٣ ص ١١٥، وزهر الآداب طبع دار الجيل ج ١ ص ١٣٤، والكني والألقاب ج ١ ص ٣٣١. (١٥٩) صفحهمفاتيح البحث: جلال الدين السيوطي الشافعي (1)، مدينة بغداد (1)
قوة مركز الأمين، بالنسبة إلي أخيه المأمون، حيث قد كان للأمين حزب قوي جدا، وأنصار يستطيع أن يعتمد عليهم، يعملون من أجله، وفي سبيل تأمين السلطة له، وهم: أخواله، والفضل بن يحيي البرمكي، وأكثر البرامكة، إن لم يكن كلهم. وأمه: زبيدة، بل والعرب أيضا، كما سيأتي.
وإذا ما عرفنا أن هؤلاء هم الذين كانوا يؤثرون علي الرشيد كل التأثير، وكان لهم دور كبير في توجيه سياسة الدولة.. فلسوف نري أنه كان من الطبيعي أن يضعف الرشيد أمام هذه القوة، وينصاع لها.
ومن ثم.. لتؤثر مساعيها أثرها. وتعطي نتيجتها في الوقت المناسب، فيجعل ولاية العهد من بعده لولده الأصغر سنا، وهو الأمين، ويترك الأكبر - المأمون - ليكون ولي العهد الثاني بعد الأصغر.
ولعل تعصب بني هاشم. وجلالة عيسي بن جعفر قد لعبا دورا كبيرا في فوز الأمين بالمركز الأول في ولاية عهد أبيه الرشيد (1). هذا عدا عن الدور الرئيسي. الذي لعبته " زبيدة " في تكريس الأمر لصالح ولدها (2).
فيحدثنا المؤرخون: أن عيسي بن جعفر بن المنصور، خال الأمين جاء إلي الفضل بن يحيي، وهو متوجه إلي خراسان علي رأس جيش، وقال له: " أنشدك الله، لما عملت بالبيعة لابن أختي، فإنه ولدك، وخلافته لك، وإن أختي زبيدة تسألك ذلك.. فوعده الفضل أن يفعل، وعندما انتصر علي الخارجين هناك. بايع هو ومن معه من القواد والجند لمحمد (3). (١) ابن بدرون في شرح قصيدة ابن عبدون ص ٢٤٥، والإتحاف بحب الأشراف ص ٩٦.
(2) راجع تفصيل ذلك في: الطبري ج 10 ص 611، والنجوم الزاهرة ج 2 ص 76، والكامل لابن الأثير ج 5 ص 88، وأشار إلي ذلك أيضا ابن خلدون في تاريخه ج 3 ص 218.
(3) زهر الآداب طبع دار الجيل ج 2 ص 581. (١٦٠) صفحهمفاتيح البحث: الفضل بن يحيي (2)، بنو هاشم (1)، خراسان (1)، كتاب الكامل لإبن الأثير (1)، كتاب الأشراف للشيخ المفيد (1)
رغم أن المأمون كان أسن من الأمين بستة أشهر، وعلي أقل الأقوال بشهر واحد.
وأصبح الرشيد حينئذ أمام الأمر الواقع، حيث إن الذي أقدم علي هذا الأمر، هو ذلك الرجل. الذي لا يمكن رد كلمته، والذي له من النفوذ والسلطان، والخدمات الجلي، والأيادي البيضاء عليه، ما لا يمكن له، ولا لأحد غيره أن يجحده أو أن يتجاهله.
ويلاحظ هنا: أن عيسي بن جعفر قد ذكر أن أخته زبيدة، تسأله أن يقدم علي هذا الأمر، وزبيدة التي تخطي باحترام كبير عند العباسيين، ولها نفوذ واسع، وتأثير كبير علي الرشيد - زبيدة هذه - يهتم البرامكة جدا بأن تكون معهم، وإلي جانبهم، وذلك ليبقي لهم سلطانهم، ويدوم لهم حكمهم، الذي أشار إليه عيسي بقوله: " فإنه ولدك، وخلافته لك " فإن في هذا القول دليلا واضحا للفضل علي سلامة وصحة ما يقدم عليه بالنسبة لمصالحه هو، ومصالح البرامكة بشكل عام. وبالنسبة لدورهم في مستقبل الخلافة العباسية.. وهو في الحقيقة يشتمل علي إغراء وترغيب واضح بالعمل لهذا الأمر، وفي سبيله.
كما أن قول عيسي الآنف الذكر يلقي لنا ضوءا علي الدور الذي لعبته زبيدة في مسألة البيعة لولدها بولاية العهد. فهو يشير إلي أنها كانت قد استخدمت نفوذها في إقناع رجال الدولة بتقديم ولدها. هذا بالإضافة إلي أنها كانت تحرض الرشيد علي ذلك باستمرار (1)، حتي لقد صرح الرشيد نفسه بأنه: " لولا أم جعفر وميل بني هاشم لقدم عبد الله علي محمد، كما أشرنا إليه ".
قال محمد فريد وجدي مشيرا إلي أن الرشيد لم يكن يريد جرح عاطفة (1) النجوم الزاهرة ج 2 ص 81، وتاريخ الخلفاء للسيوطي ص 290. (١٦١) صفحهمفاتيح البحث: بنو هاشم (1)، الوسعة (1)، جلال الدين السيوطي الشافعي (1)
زبيدة: " كانت ولاية الأمين بعهد من أبيه، قدمه علي إخوته لمكان والدته، وكان الأحق بالتقديم المأمون لعلمه وفضله وسنه.. " (1) وبعد. فإننا لا نستبعد أنها كانت بالإضافة إلي ذلك قد استخدمت أموالها، من أجل ضمان ولاية العهد لولدها الأمين، ولعل مما يشير إلي ذلك قول الفضل بن سهل للمأمون: " وهو ابن زبيدة، وأخواله بنو هاشم، وزبيدة وأموالها. ".
وأخيرا. فإن من المحتمل جدا أن يكون الرشيد - بملاحظة الدور الذي كانت تلعبه الأنساب في التفكير العربي - قد لاحظ سمو نسب الأمين علي المأمون، وكان لذلك أثر في تقديمه له عليه، وقد ألمح بعض المؤرخين إلي ذلك فقال: " وفيها (أي في سنة 176 ه) عقد الرشيد لابنه المأمون عبد الله العهد بعد أخيه الأمين. إلي أن قال:
وكان المأمون أسن من الأمين بشهر واحد، غير أن الأمين أمه زبيدة بنت جعفر هاشمية، والمأمون أمه أم ولد اسمها " مراجل " ماتت أيام نفاسها به. " (2).
محاولات الرشيد لصالح المأمون:
ومن كل ما تقدم يتضح لنا حقيقة موقف العباسيين، وأهل بيت المأمون، ورجال الدولة من المأمون.. ويظهر إلي أي حد كان مركز أخيه قويا، ونجمه عاليا، وأنه لم يكن له مثل ذلك الحظ الذي كان لأخيه الأمين. (١) دائرة المعارف الإسلامية ج 1 ص 606.
(2) النجوم الزاهرة ج 2 ص 84، وقريب منه ما في تاريخ الخلفاء للسيوطي. (١٦٢) صفحهمفاتيح البحث: بنو هاشم (1)، الفضل بن سهل (1)، جلال الدين السيوطي الشافعي (1)
إلا أن أباه الرشيد، الذي كان يدرك حقيقة الموقف كل الادراك، قد حاول أن يضمن له نصيبه من الخلافة، فجعله ولي العهد بعد أخيه الأمين، وكتب بذلك العهود والمواثيق، وأشهد عليها، وعلقها في جوف الكعبة، ولا نعلم خليفة، قبله ولا بعده فعل ذلك مع أولياء عهده، من أولاده أو من غيرهم، رغم أن غيره من الخلفاء قد أخذوا البيعة لأكثر من واحد بعدهم.
كما أنه قد حاول بطرق شتي أن يشد من عضد المأمون، ويقوي مركزه في مقابل أخيه الأمين، لأنه كان يخاف منه علي أخيه المأمون، فنراه يجدد أخذ البيعة للمأمون أكثر من مرة، ويوليه الحرب، ويولي أخاه السلم (1) ويهب المأمون كل ما في العسكر من كراع وسلاح. ويأمر الفضل بن الربيع، الذي كان يعرف أنه سوف يتآمر مع الأمين - يأمره - بالبقاء مع المأمون في خراسان. إلي غير ذلك من مواقفة، التي لا نري حاجة لتتبعها واستقصائها.
مركز المأمون ظل في خطر:
ولكن رغم كل محاولات الرشيد فقد ظل مركز المأمون في خطر والكل كان يشعر بذلك، وكيف لا يعرف الجميع ذلك. ولا يشعرون به، وهم يرون الأمين يصرح بعد أن أعطي العهود والمواثيق، وحلف الأيمان، بأنه: كان يضمر الخيانة لأخيه المأمون (2).
لقد كان الكثيرون يرون بأن هذا الأمر لا يتم، وأن الرشيد قد أسس العداء والفرقة بين أولاده، " وألقي بأسهم بينهم، وعاقبة ما صنع (1) مروج الذهب ج 3 ص 353، والطبري حوادث سنة 186 ه.
(2) الوزراء والكتاب ص 222. (١٦٣) صفحهمفاتيح البحث: الفضل بن الربيع (1)، خراسان (1)، الخوف (1)، الحرب (1)، كتاب مروج الذهب للمسعودي (1)
في ذلك مخوفة علي الرعية " وقالت الشعراء في ذلك الشئ الكثير.
ومن ذلك قول بعضهم:
أقول لغمة في النفس مني * ودمع العين يطرد اطرادا خذي للهول عدته بحزم * ستلقي ما سيمنعك الرقادا فإنك إن بقيت رأيت أمرا * يطيل لك الكآبة والسهادا رأي الملك المهذب شر رأي * بقسمته الخلافة والبلادا رأي ما لو تعقبه بعلم * لبيض من مفارقه السوادا أراد به ليقطع عن بنيه * خلافهم ويبتذلوا الودادا فقد غرس العداوة غير آل * وأورث شمل ألفتهم بدادا والقح بينهم حربا عوانا * وسلس لاجتنابهم القيادا فويل للرعية عن قليل * لقد أهدي لها الكرب الشدادا وألبسها بلاءا غير فان * وألزمها التضعضع والفسادا ستجري من دمائهم بحور * زواخر لا يرون لها نفادا فوزر بلائهم أبدا عليه * أغيا كان ذلك أم رشادا (1) والمأمون وحزبه كانوا يدركون ذلك:
وبعد.. فإنه من الطبيعي جدا أن نري أن المأمون وحزبه كانوا يدركون أن مركز المأمون كان في خطر، وأن الأمين كان ينوي الخيانة لأخيه. ولقد رأينا الفضل بن سهل عندما عزم الرشيد علي الذهاب إلي خراسان، وأمر المأمون بالمقام في بغداد - رأيناه - يقول للمأمون:
" لست تدري ما يحدث بالرشيد، وخراسان ولايتك، والأمين مقدم عليك. وإن أحسن ما يصنع بك أن يخلعك، وهو ابن زبيدة، وأخواله (1) الطبري حوادث سنة 186 ه. (١٦٤) صفحهمفاتيح البحث: مدينة بغداد (1)، الفضل بن سهل (1)، خراسان (2)
بنو هاشم، وزبيدة، وأموالها.. " (1). وتقدم أيضا قوله له: إن أهل بيته وبني أبيه، والعرب معادون له.
والرشيد أيضا كان في قلق:
بل لقد صرح الرشيد نفسه بأنه كان يخشي من الأمين علي المأمون، فإنه قال لزبيدة، عندما عاتبته علي إعطائه الكراع والسلاح للمأمون:
" إنا نتخوف ابنك علي عبد الله، ولا نتخوف عبد الله علي ابنك إن بويع. " (2).
هذا بالإضافة إلي تصريحات الرشيد السابقة، والتي لا نري حاجة إلي إعادتها.
ولقد قال الرشيد، عندما بلغه ما يتهدد به محمد الأمين:
محمد لا تظلم أخاك فإنه * عليك يعود البغي إن كنت باغيا ولا تعجلن الدهر فيه فإنه * إذا مال بالأقوام لم يبق باقيا (3) ومهما يكن من أمر، فإن الحقيقة التي لا يمكن الجدال فيها، هي أن الرشيد كان في قضية ولاية العهد مغلوبا علي أمره، من مختلف الجهات.
وكان يشعر أن ما أبرمه سوف يكون عرضة للانتقاض بين لحظة وأخري، وكم كان يؤلمه شعوره هذا، ويحز في نفسه.. حتي لقد ترجم مشاعره هذه شعرا فقال: (١) تاريخ ابن خلدون ج ٣ ص ٢٢٩، والنجوم الزاهرة ج ٢ ص ١٠٢، والكامل لابن الأثير، طبعة ثالثة ج ٥ ص ١٢٧، والوزراء والكتاب ص ٢٦٦.
(٢) مروج الذهب ج ٣ ص ٣٥٣. ولعله إنما فعل ذلك أيضا، من أجل أن يطيب خاطر المأمون، ويذهب ما في نفسه - وهو الأفضل، والأكبر سنا من أخيه - من غل وحقد وضغينة..
(٣) ابن بدرون في شرح قصيدة ابن عبدون ص ٢٤٥، وفوات الوفيات ج 2 ص 269. (١٦٥) صفحهمفاتيح البحث: بنو هاشم (1)، الجدال (1)، كتاب مروج الذهب للمسعودي (1)، كتاب تاريخ ابن خلدون لابن خلدون (1)، إبن الأثير (1)
لقد بان وجه الرأي لي غير أنني * غلبت علي الأمر الذي كان أحزما وكيف يرد الدر في الضرع بعدما * توزع حتي صار نهبا مقسما أخاف التواء الأمر بعد استوائه * وأن ينقض الحبل الذي كان أبرما (1) علي من يعتمد المأمون؟
وهكذا: وإذا كان أبوه قد استطاع أن يضمن له المركز الثاني بعد أخيه الأمين، وإذا كان ذلك لا يكفي لأن يجعل المأمون يطمئن إلي مستقبله في الحكم، وأن يأمن أخاه وبني أمية العباسيين، أن لا يحلوا العقدة، وينكثوا العهد، فهل يستطيع المأمون أن يعتمد علي غيرهم، لو تعرض مركزه ووجوده لتهديد في وقت ما؟!. ومن هم أولئك الذين يستطيع أن يعتمد عليهم؟! وكيف؟.. وما هو موقفهم فعلا منه؟! وكيف يستطيع أن يصل إلي الحكم، والسلطان؟! ومن ثم..
كيف يستطيع أن يحتفظ به، ويقوي من دعائمه؟!
إن نظرة شاملة علي الفئات الأخري في تلك الفترة من الزمن، لكفيلة بأن تظهر لنا أنه لم يبق أمام المأمون غير العلويين، والعرب، والإيرانيين.
فما هو موقف هؤلاء منه، وأي الفئات تلك هي التي يستطيع أن يعتمد عليها؟ وكيف يستطيع أن يغير مجريات الأمور لتكون في صالحه، وعلي وفق مراده؟!.
هذا هو السؤال الذي لا بد للمأمون من أن يضع الحل والإجابة عليه، بكل دقة ووعي وإدراك. وأن يتحرك من ثم علي وفق تلك الإجابة، (١) ابن بدرون أيضا ص ٢٤٥، وزهر الآداب، طبع دار الجيل ج ٢ ص ٥٨١، وفوات الوفيات ج 2 ص 269. (١٦٦) صفحهمفاتيح البحث: بنو أمية (1)
وعلي مقتضي ذلك الحل.. ولنلق أولا نظرة سريعة علي مواقف كل من هؤلاء من المأمون، ولنخلص من ثم إلي معرفة الفئة التي يستطيع المأمون أن يعتمد عليها في مواجهة الأخطار والتحديات، التي تنتظره، وتنتظر نظام حكمه، بصورة عامة.. فنقول:
موقف العلويين من المأمون:
أما العلويون.. فإنهم - بالطبع - لن يرضوا بالمأمون - كما لن يرضوا بغيره من العباسيين، خليفة وحاكما لأن من بينهم من هو أجدر من كل العباسيين، وأحق بهذا الأمر، ولأن المأمون، وغيره، كانوا من تلك السلالة، التي لا يمكن أن تصفو لها قلوب آل علي، لأنها قد فعلت بهم أكثر من فعل بني أمية معهم، كما تقدم.. فقد سفكت دماءهم، وسلبتهم أموالهم، وشردتهم عن ديارهم، وأذاقتهم شتي صنوف العذاب والاضطهاد. ويكفي المأمون عندهم: أنه ابن الرشيد، الذي حصد شجرة النبوة، واجتث غرس الإمامة، والذي قد عرفت طرفا من سيرته السيئة معهم فيما تقدم من الفصول.
موقف العرب من المأمون، ونظام حكمه:
وأما العرب: فإنهم لا يرضون بالمأمون خليفة وحاكما أيضا، كما أشار إليه الفضل بن سهل فيما تقدم.
أما أولا: فلأن أمه، ومؤدبه، والقائم بأمره، غير عربيين.
ولقد عاني العرب ما لله أعلم به، من تقديم أسلافه للموالي، حتي لم يعد لهم معهم أي شأن يذكر، وأصبح العربي أذل من نعجة، وأحقر من الحيوان.
قال المسعودي: ". وكان (أي المنصور) أول خليفة استعمل (١٦٧) صفحهمفاتيح البحث: يوم عرفة (1)، بنو أمية (1)، الفضل بن سهل (1)، العذاب، العذب (1)
مواليه وغلمانه في أعماله، وصرفهم في مهماته، وقدمهم علي العرب، فامتثل ذلك الخلفاء من بعده، من ولده، فسقطت، وبادت العرب، وزالت رياستها، وذهبت مراتبها. " (1).
وقال ابن حزم، وهو يتحدث عن العباسيين: ". فكانت دولتهم أعجمية، سقطت فيها دواوين العرب، وغلبت عجم خراسان علي الأمر، وعاد الأمر كسرويا، إلا أنهم لم يعلنوا بسب أحد من الصحابة رضوان الله عليهم. وافترقت في دولة بني العباس كلمة المسلمين (2). ".
ويقول الجاحظ: ".. دولة بني العباس أعجمية، خراسانية، ودولة بني مروان عربية (3). ".
إلي آخر ما هنالك، مما يدل علي سقوط العرب في تلك الفترة، وامتهانهم، ويبدو أن ذلك من المسلمات. وقد استوفي الباحثون - ومنهم أحمد أمين، في الجزء الأول من ضحي الإسلام - البحث في هذا الموضوع، فمن أراد فليراجع مظان وجوده.
وإذا ما عرفنا: أن من الطبيعي أن يكون ذهاب رئاسة العرب، وإبادتها، واضطهادها علي يد الفرس، الذين كانوا هم أصحاب القدرة والسلطان آنذاك.. فلسوف نجد أن من الطبيعي أن يحقد العرب، الذين كانوا في وقت ما هم أصحاب الجبروت والقوة، علي الفرس، وعلي كل من يتصل بهم. ويمت إليهم بسبب، من قريب أو من بعيد. (1) مروج الذهب، طبع بيروت ج 4 ص 223، وتاريخ الخلفاء للسيوطي ص 24، و ص 269، 270، و ص 258، وفي طبيعة الدعوة العباسية ص 279، نقلا عن المقريزي في: السلوك لمعرفة دول الملوك ج 1 ص 14 مثل ذلك. وليراجع أيضا كتاب: مشاكلة الناس لزمانهم لليعقوبي ص 23.
(2) البيان المغرب، طبع صادر ص 71.
(3) البيان والتبيين ج 3 ص 366. (١٦٨) صفحهمفاتيح البحث: بنو عباس (2)، خراسان (1)، كتاب مروج الذهب للمسعودي (1)، جلال الدين السيوطي الشافعي (1)، مدينة بيروت (1)
وأما ثانيا: فلسيرة أسلافه، وأبيه الرشيد بالخصوص، في الناس عامة، ومع أهل بيت نبيهم خاصة، والتي قدمنا شطرا منها في الفصول التي سبقت.
أما الأمين: فقد كان له - إلي حد ما - شافع عندهم، حيث إنه كان من أب وأم عربيين من جهة. وكان قد منحهم ثقته وحبه، وقربهم إليه، حتي كان وزيره الفضل بن الربيع منهم. من جهة ثانية، فتوسموا فيه أن يجعل لهم. وأن ينظر إليهم بغبر العين، التي كان أبوه وأسلافه ينظرون إليهم بها. أو علي الأقل: سوف لا تكون نظرته إليهم. علي حد نظرة المأمون نحوهم. وذلك ما يجعلهم يرجحونه - علي الأقل - علي أخيه المأمون، وإن كان المأمون أفضل، وأسن منه، فلقد كان عليهم أن يختاروا أهون الشرين، وأقل الضررين.
حتي إن نصر بن شبث، الذي كان هواه مع العباسيين، لم يقم بثورته ضد المأمون، التي بدأت سنة 198 ه. واستمرت حتي سنة 210 ه. إلا انتصارا للعرب، ومحاماة عنهم، لأن العباسيين كانوا يفضلون عليهم العجم، حسب تصريحات نصر بن شبث نفسه (1).
وحتي في مصر أيضا، قد ثارت الفتن بين القيسية، المناصرة للأمين، واليمانية المناصرة للمأمون..
وقال أحمد أمين: ". إن أغلب الفرس تعصب للمأمون، وأغلب العرب تعصبوا للأمين.. " (2) كما أننا نكاد لا نشك في أن تعصب العرب للأمين ليس إلا للسببين المتقدمين، الذين أشرنا إليهما، وأشار إلي أحدهما نصر بن شبث.. (1) التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية ج 3 ص 104.
(2) ضحي الإسلام ج 1 ص 43. (١٦٩) صفحهمفاتيح البحث: الفضل بن الربيع (1)
ولكن فردينان توتل يري في منجد الأعلام: أن تعصب العرب للأمين يرجع إلي أن: " المأمون لم يستطع أن يجعل العرب يحبونه، حيث إنه كان يظهر ميلا للإيرانيين، ويقربهم إليه. وقد أعانه الإيرانيون في مبارزاته، وحروبه، وخصوصا الخراسانيين منهم. ".
ولكن الذي يبدو لي هو أن تعصب العرب للأمين لم يكن نتيجة تقريب المأمون للإيرانيين، وتحببه للخراسانيين، وإنما عكس ذلك هو الصحيح، فإن المأمون لم يتقرب من الخراسانيين إلا بعد أن فرغت يده من العرب وأهل بيته، والعلويين.
لا بد من اختيار خراسان:
وبعد أن فرغت يد المأمون من بني أبيه، والبرامكة (1)، والعرب، والعلويين، اضطر أن يلتجئ إلي جهات أخري لتمد له يد العون والمساعدة، وتكون سلما لأغراضه، وأداة لتحقيق أهدافه ومآربه.
ولم يبق أمامه غير خراسان، فاختارها، كما اختارها محمد بن علي العباسي من قبل. فأظهر لهم الميل الحب، وتقرب إليهم، وقربهم إليه، وأراهم: أنه محب لما ولمن يحبون، وكاره لما ولمن يكرهون. حتي إنه عندما علم منهم الميل إلي العلويين، والتشيع لهم، أظهر هو بدوره أنه محب للعلويين، ومتشيع لهم.
كما أنه كان من جهة ثانية قطع لهم علي نفسه الوعود والعهود، برفع (1) ذكرنا للبرامكة هنا ليس عفويا، فإن محط نظرنا يشمل حتي الأيام الأولي، التي فتح بها المأمون عينيه، وعرف واقعه، وأدرك الأخطار، التي تتهدده، وتتهدد مستقبله في الخلافة مع أخيه الأمين، فلا يرد علينا: أن البرامكة قد نكبهم الرشيد قبل خلافة المأمون بزمان. مضافا إلي الدور الكبير الذي لعبه البرامكة في تقديم أخيه الأمين عليه، حسبما قدمنا … (١٧٠) صفحهمفاتيح البحث: محمد بن علي (1)، خراسان (2)، الإختيار، الخيار (1)
الظلم والحيف عنهم، ورد عنهم الكيد، الأمر الذي جعلهم يثقون به، ويطمئنون إليه، ويعلقون كل آمالهم عليه.
تشيع الإيرانيين:
هذا. وليس تشيع (1) الإيرانيين بالأمر الذي يحتاج إلي إثبات، بعد أن تقدم معنا: أن دولة العباسيين ما قامت إلا علي أساس الدعوة للعلويين، وأهل البيت. وبعد أن رأينا الخراسانيين يظهرون النياحة علي " يحيي بن زيد " سبعة أيام، وكل مولود ولد في خراسان في سنة قتل يحيي سمي ب " يحيي " (2). بل يذكر البلاذري: أنه لما استشار المنصور عيسي بن موسي في أمر محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن، فأشار عليه بأن يولي المدينة رجلا خراسانيا، قال له المنصور: " يا أبا موسي إن محبة آل أبي طالب في قلوب أهل خراسان ممتزجة بمحبتنا، وإن وليت أمرها رجلا من أهل خراسان حالت محبته لهما بينه وبين طلبهما، والفحص عنهما، ولكن أهل الشام قاتلوا عليا علي أن لا يتأمر عليهم لبغضهم إياه الخ. " (3).
وقد تقدم معنا: كيف وصف المؤرخون ما جري في نيشابور، حين دخلها الإمام الرضا، وسيأتي في فصل: خطة الإمام، وصف ما جري في مرو حينما خرج الإمام ليصلي بالناس. ولقد عرفنا أيضا: كيف فرق الإمام الرضا الناس عن المأمون. عندما أرادوا قتله، انتقاما للفضل بن سهل. (١) قد تقدم منا ما نقصده بكلمة " التشيع " في هذا الكتاب، فلا نعيد.
(٢) مروج الذهب ج ٣ ص ٢١٣، وشرح ميمية أبي فراس ص ١٥٧، وليراجع أيضا نزهة الجليس ج ١ ص ٣١٦، فإن فيه ما يشير إلي ذلك.
(٣) أنساب الأشراف للبلاذري ج 3 ص 115. (١٧١) صفحهمفاتيح البحث: الدولة العباسية (العباسيون) (1)، عبد الله بن الحسن (ع) (1)، يحيي بن زيد (1)، خراسان (3)، الشام (1)، الظلم (1)، القتل (2)، كتاب مروج الذهب للمسعودي (1)، كتاب انساب الأشراف للبلاذري (1)
بل لقد بلغ من حب الإيرانيين لأهل البيت أن المأمون كان يخشي علي نفسه أن يقتلوه، لو أنه أراد أن يرجع عن البيعة للإمام الرضا بولاية العهد (1).
ويقول جرجي زيدان: " وكان الخراسانيون، ومن والاهم من أهل طبرستان والديلم، قبل قيام الدولة العباسية، من شيعة علي، وإنما بايعوا للعباسيين مجاراة لأبي مسلم أو خوفا منه. " (2).
وقال أحمد أمين: ".. إن الفرس يجري في عروقهم التشيع. " (3) ويقول الدكتور الشيبي: ".. إن الفرس قد عادوا إلي التشيع، بعد أن نزلت بهم ضربة السفاح أولا، ثم المنصور، ثم الرشيد. " (4) ويقول أحمد شلبي: ". إنه ربما كان سبب أخذ المأمون للرضا العهد، هو أنه يريد أن يحقق آمال الخراسانيين، الذين كانوا إلي أولاد علي أميل. " (5) ما هو سر تشيع الإيرانيين؟
يقول السيد أمير علي، وهو يتحدث عن سر ارتباط الفرس بقضية بني فاطمة: ".. وقد أظهر الإمام علي منذ بداية الدعوة الإسلامية (1) تاريخ التمدن الإسلامي المجلد الثاني، جزء 4 ص 440.
(2) نفس المصدر والمجلد، والجزء ص 232، ولا يهمنا هنا مناقشة جرجي زيدان فيما جعله سببا لبيعتهم للعباسيين، ولعل ما قدمناه في فصل: قيام الدولة العباسية كاف في ذلك.
(3) ضحي الإسلام ج 3 ص 295.
(4) الصلة بين التصوف والتشيع ص 101.
(5) التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية ج 3 ص 107. (١٧٢) صفحهمفاتيح البحث: الدولة العباسية (العباسيون) (2)
كل تقدير، ومودة نحو الفرس، الذين اعتنقوا الإسلام، لقد كان سلمان الفارسي، وهو أحد مشاهير أصحاب الرسول، رفيق علي وصديقه.
وكان من عادة الإمام أن يخصص نصيبه " النقدي " في الأنفال لافتداء الأسري. وكثيرا ما أقنع الخليفة عمر بمشورته، فعمد إلي تخفيف عبء الرعية في فارس. وهكذا كان ولاء الفرس لأحفاده واضحا تمام الوضوح. " (1).
ويري فان فلوتن: إن من أسباب ميل الخراسانيين، وغيرهم من الإيرانيين للعلويين، هو أنهم لم يعاملوا معاملة حسنة، ولا رأوا عدلا إلا في زمن حكم الإمام علي (ع) (2).
أما الأستاذ علي غفوري فيري (3): أن الإيرانيين كانوا قبل الإسلام يعاملون بمنطق: أن الناس قد خلقوا لخدمة الطبقة الحاكمة، وأن عليهم أن ينفذوا الأوامر من دون: كيف؟ ولماذا؟. فجاء الإسلام بتعاليمه الفطرية السهلة السمحاء، فاعتنقوه بكل رضي وأمل، وبدأ جهادهم في سبيل إقامة حكومة إسلامية حقيقية.
وبما أن أولئك الذين تسلموا زمام الأمور - باستثناء الإمام علي طبعا - كانوا منحرفين [المقصود هنا بالطبع هو خلفاء الأمويين] عن الإسلام، وتعاليمه، ويحاولون تلبيس عاداتهم الجاهلية، حتي التمييز القبلي، والعرقي بلباس الإسلام. وإعطائها صفة القانونية والشرعية.
فإن الإيرانيين لم يجدوا أهداف الإسلام، وتعاليمه في تلك الحكومات، ولهذا كان من الطبيعي أن يتوجهوا إلي علي، والأئمة من ولده، الذين تعدي الآخرون علي حقوقهم بالخلافة، والذين كان سلوكهم المثالي هو (1) روح الإسلام ص 306.
(2) السيادة العربية والشيعة والإسرائيليات.
(3) يادبود هشتمين امام " فارسي ". (١٧٣) صفحهمفاتيح البحث: الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام (1)، الدولة الأموية (1)، سلمان المحمدي (الفارسي) رضوان الله عليه (1)، الهدف (1)، الجهل (1)
المرآة الصافية، التي تنعكس عليها تعاليم الإسلام وأهدافه، ويمثلون الصورة الحقيقية للإسلام علي مدي التاريخ. وكان صدي علمهم، وزهدهم، واستقامتهم يطبق الخافقين، وخصوصا الصادق والرضا، الذي اهتبل الفرصة إبان الخلاف بين الأمين والمأمون لنشر تعاليم الإسلام. وتعريف الناس علي الحقائق، التي شاء الآخرون أن لا يعرفها أحد.
لكن لم يكن يروق للقوي الحاكمة، أن تظهر تلك الوجوه الطاهرة علي الصعيد العام، وتتعرف عليها الأمة الإسلامية، وعلي فضائلها، وكمالاتها، لأن الناس حينئذ سوف يدركون الواقع المزري لأولئك الحكام، والمنزلفين لهم. والذين كانوا يتحكمون بمقدرات الأمة، وإمكاناتها، وإذا أدركوا ذلك فإن من الطبيعي أن لا يترددوا في تأييد الأئمة، ومساعدة أية نهضة، أو ثورة من قبلهم. ولهذا فقد جهد الحكام في أن يزووهم ويبعدوهم ما أمكنهم عن الناس، ووضعوهم تحت الرقابة الشديدة، وفي أحيان كثيرة في غياهب السجون. حتي إذا ما سنحت لهم فرصة، تخلصوا منهم بالطريقة التي كانوا يرون أنها لا تثير الكثير من الشكوك والظنون.
عودة علي بدء:
وعلي كل حال.. فإن ما يهمنا هنا هو مجرد الإشارة إلي تشيع الإيرانيين، الذي حاول المأمون أن يستغله لمصالحه وأهدافه. حيث قد أثمرت وعود المأمون للخراسانيين، وتحببه لهم. وتقربه منهم، وتظاهره بالحب لعلي (ع) وذريته، الثمار المرجوة منها، لأن الخراسانيين كانوا يريدون التخلص من أولئك الحكام الذين انقلبوا عليهم يقتلون. ويضطهدون كل من عرفوه مواليا لأهل البيت محبا لهم، ابتداء من المنصور، بل السفاح. وانتهاء بالرشيد، الذي لم يستطع يحيي بن خالد البرمكي أن (١٧٤) صفحهمفاتيح البحث: الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام (1)، يحيي بن خالد (1)، الصدق (1)، القتل (1)، الظنّ (1)
يسمع لعلوي ذكرا في خراسان في زمانه. رغم أنه جهد كل الجهد من أجل ذلك. وفي سبيله، حسبما تقدم.
كما أنهم - أعني الخراسانيين - قد توسموا في المأمون أن يكون المنقذ لهم من أولئك الولاة، الذين ساموهم شتي ضروب العسف، والظلم والعذاب. والذين لم يكن بهمهم غير مصالحهم، وإرضاء شهواتهم وملذاتهم، يعلم ذلك بأدني مراجعة للتأريخ.
وقد وثقوا إلي حد ما بوعود المأمون تلك، التي كان يغدقها عليهم، وعلي غيرهم بدون حساب، وأمنوا جانبه، فكانوا جنده، وقواده، ووزراءه المخلصين، الذين أخضعوا له البلاد، وأذلو له العباد، وبسطوا نفوذه وسلطانه علي كثير من الولايات والأمصار، التي كان يطمح إلي الوصول إليها، والسيطرة عليها.
كيف يثق العرب بالمأمون؟!
وهكذا إذن.. يتضح أن ميل المأمون للإيرانيين ما كان إلا دهاء منه وسياسة، استغلها المأمون أحسن ما يكون الاستغلال، حتي استطاع أن يصل إلي الحكم، ويتربع علي عرش الخلافة، بعد أن قتل أخاه العزيز علي العباسيين والعرب، وقضي علي أشياعه بسيوف غير العرب، وذلك ذنب آخر لن يسهل علي العرب الاغضاء عنه أو غفرانه.
ثم ولي علي بغداد رجلا غير عربي، هو الحسن بن سهل، أخو الفضل بن سهل، الذي تكرهه بغداد والعرب كل الكره..
ثم إنه بعد هذا كله جعل مقر حكمه مروا الفارسية، وليس بغداد العاصمة العربية الأولي التي خربها ودمرها.. وكان ذلك من شأنه أن يثير المخاوف لدي العرب في أن تتحول الإمبراطورية العربية إلي إمبراطورية (١٧٥) صفحهمفاتيح البحث: مدينة بغداد (3)، الحسن بن سهل (1)، الفضل بن سهل (1)، خراسان (1)، القتل (1)
فارسية، وخصوصا إذا لاحظنا: أن الفرس هم الذين أوصلوا المأمون إلي الحكم.. وقد أثبتوا جدارتهم، وأهليتهم في مختلف المجالات، وخصوصا السياسة، وشؤون الحكم.
قتل الأمين وخيبة الأمل:
وإن قتل الأمين، وإن كان يمثل - في ظاهره - انتصارا عسكريا للمأمون إلا أنه كان في الحقيقة ذا نتائج سلبية وعكسية بالنسبة للمأمون، وأهدافه، ومخططاته.. سيما بملاحظة الأساليب التي اتبعها المأمون للتشفي من أخيه الأمين، الذي كان قد أصدر الأمر لطاهر بالأمس بأن يقتله (1). حيث رأيناه قد أعطي الذي جاءه برأس أخيه - بعد أن سجد لله شكرا! - ألف ألف " أي مليون " درهم (2). ثم أمر بنصب رأس أخيه علي خشبة في صحن الدار، وأمر كل من قبض رزقه أن يلعنه، فكان الرجل يقبض، ويلعن الرأس، ولم ينزله حتي جاء رجل فلعن الرأس، ولعن والديه، وما ولدا، وأدخلهم في " كذا وكذا " من أمهاتهم، وذلك بحيث يسمعه المأمون، فتبسم، وتغافل، وأمر بحط الرأس (3)!.
ويا ليته اكتفي بكل ذلك.. بل إنه بعد أن طيف برأس الأمين بخراسان (4) (١) لقد نص الأستاذ علي غفوري في كتابه الفارسي " يادبود هشتمين إمام " ص ٢٩ علي أن المأمون: " لم يرض بقتل الأمين فحسب، بل أنه هو الذي أمر بقتله.. ".
(٢) فوات الوفيات ج ٢ ص ٢٦٩، والطبري، طبع دار القاموس الحديث ج ١٠ ص ٢٠٢، والبداية والنهاية ج ١٠ ص ٢٤٣، وحياة الحيوان ج 1 ص 72، وتجارب الأمم المطبوع مع العيون والحدايق ج 6 ص 416.
(3) مروج الذهب ج 3 ص 414، وتتمة المنتهي ص 186 والموفقيات ص 140.
(4) تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 298. (١٧٦) صفحهمفاتيح البحث: خراسان (1)، القتل (3)، كتاب حياة الحيوان للدميري (1)، كتاب مروج الذهب للمسعودي (1)، كتاب البداية والنهاية (1)، جلال الدين السيوطي الشافعي (1)
أرسل إلي إبراهيم بن المهدي يعنفه ويلومه علي أنه أسف علي قتل الأمين، ورثاه (1)!
فماذا ننتظر بعد هذا كله، وبعد ما قدمناه: أن يكون موقف العباسيين. والعرب، بل وسائر الناس منه..
إن أيسر ما نستطيع أن نقوله هنا: أنه كان لقتله أخاه، وفعاله الشائنة تلك.. أثر سئ علي سمعته، ومن أسباب زعزعة ثقة الناس، به، وتأكيد نفورهم منه، سواء في ذلك العرب، أو غيرهم.
وقد استمر ذلك الأثر أعواما كثيرة، حتي بعد أن هدأت ثائرة الناس، ورجع إلي بغداد.
فقد جلس مرة يستاك علي دجلة، من وراء ستر، فمر ملاح، وهو يقول: " أتظنون أن هذا المأمون ينبل في عيني، وقد قتل أخاه؟! ".
قال: فسمعه المأمون، فما زاد علي أن تبسم، وقال لجلسائه:
" ما الحيلة عندكم. حتي أنبل في عين هذا الرجل الجليل. " (2).
وقال له الفضل بن سهل، عندما عزم علي الذهاب إلي بغداد:
" ما هذا بصواب، قتلت بالأمس أخاك، وأزلت الخلافة عنه، وبنو أبيك معادون لك، وأهل بيتك والعرب.. إلي أن قال: والرأي، (١) البداية والنهاية ج ١٠ ص ٤٤٣.
(٢) تاريخ بغداد ج ١٠ ص ١٨٩، والبداية والنهاية ج ١٠ ص ٢٧٧، وتاريخ الخلفاء ص ٣٢٠، وروض الأخيار في منتخب ربيع الأبرار ص ١٨٦، وفوات الوفيات ج 1 ص 240. (١٧٧) صفحهمفاتيح البحث: مدينة بغداد (2)، الفضل بن سهل (1)، القتل (3)، كتاب تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (1)، كتاب البداية والنهاية (2)
أن تقيم بخراسان، حتي تسكن قلوب الناس علي هذا، ويتناسوا ما كان من أمر أخيك.. " (1).
المأمون في الحكم:
وإذا ما أردنا أن نعطف نظرنا علي ناحية أخري في سياسة النظام المأموني، فإننا سوف نري أنه لم يكن موفقا في سياسته مع الناس، سواء في ذلك العرب أو الإيرانيون، بالأخص أهل خراسان، حيث لم يحاول أن يتجنب سياسة الظلم والعسف والاضطهاد، التي كان يمارسها أسلافه مع الرعية. بل لعله زاد عليهم، وسبقهم أشواطا بعيدة في ذلك، أما سياسته مع العرب:
فالمأمون، وإن استطاع أن يصل إلي الحكم إلا أنه فشل في مهمة الفوز بثقة العرب، خصوصا إذا لاحظنا بالإضافة إلي ما قدمناه تحت عنوان " كيف يثق العرب بالمأمون ". ما نالهم منه، ومن عماله، من صنوف العسف والظلم - عدا عما فعلته فيهم تلك الحروب الطاحنة، التي شنها ضد أخيه الأمين - فإن ذلك يفوق كل وصف، ويتجاوز كل تقدير، (١) البحار ج ٤٩ ص ١٦٦، ومسند الإمام الرضا ج ١ ص ٨٥، وأعيان الشيعة ج ٤ قسم 2 ص 138، وعيون أخبار الرضا ج 2 ص 160، هذا.. وتجدر الإشارة هنا: إلي أن بعض المحققين يري: أن قتل الأخ في سبيل الملك، لم يكن من الأمور التي يهتم لها الناس كثيرا في تلك الفترة، سيما إذا كان المقتول هو المعتدي أولا، والأمين هنا هو المعتدي علي المأمون، بخلعه أولا، ثم بإرساله جيشا إلي إيران لمحاربته، والذي هزم علي يد طاهر بن الحسين، ولكننا مع ذلك.. لا نزال نصر علي رأينا في هذا المجال، سيما وأننا نري في النصوص التاريخية ما يدعم هذا الرأي ويقويه. (١٧٨) صفحهمفاتيح البحث: خراسان (2)، الظلم (1)، كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام (1)، دولة ايران (1)، كتاب أعيان الشيعة للأمين (1)، طاهر بن الحسين (1)، القتل (1)
حتي لقد وصف: " ديونيسيوس " جباة الخراج في العراق في سنة (200 ه.) بأنهم: " قوم من العراق، والبصرة. والعاقولاء، وهم عتاة، ليس في قلوبهم رحمة، ولا إيمان، شر من الأفاعي، يضربون الناس، ويحبسونهم. ويعلقون الرجل البدين من ذراع واحد، حتي يكاد يموت " (1).
والإيرانيون أيضا لم يكونوا أحسن حالا:
ولم يكن حالا الإيرانيين من هذه الجهة بأفضل من حال أهل العراق.
ويذكر الجاحظ: أن المأمون ولي محمود بن عبد الكريم التضيف " فتحامل علي الناس، واستعمل فيهم الأحقاد والدمن، فخفض الأرزاق، وأسقط الخواص، وبعث في الكور، وأنحي علي أهل الشرف والبيوتات، حسدا لهم، وإشفاء لغليل صاحبه منهم، فقصد لهم بالمكروه والتعنت فامتنعت طائفة من الناس من التقدم إلي العطاء، وتركوا أسماءهم، وطائفة انتدبوا مع طاهر بن الحسين بخراسان، فسقط بذلك السبب بشر كثير.. " (2).
يقول الجنرال جلوب وهو يتحدث عن المأمون ".. وراح يلقي خطبته الأولي في الناس، فيعدهم بأن يكون حكمه فيهم طبقا للشرع، وأن يكرس نفسه لخدمة الله وحده. وقد أثارت هذه الوعود التقية حماسة عند الناس. وكانت من أهم أسباب انتصاره. لكن هذه الوعود ما لبثت أن تحولت إلي فجيعة نزلت بالناس، إذ أن الخليفة ما لبث أن نسيها. " (3) (1) الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري، لآدم متز ج 1 ص 232.
(2) رسائل الجاحظ ج 2 ص 207 - 208.
(3) إمبراطورية العرب، ترجمة، وتعليق خيري حماد ص 570. (١٧٩) صفحهمفاتيح البحث: دولة العراق (3)، طاهر بن الحسين (1)، عبد الكريم (1)، خراسان (1)، الموت (1)، التقية (1)، السب (1)
ويكفي أن نشير هنا إلي المجاعة التي أصابت أهل خراسان، والري.
وأصبهان، وعز الطعام، ووقع الموت، وذلك في سنة 201 للهجرة..
المأمون مع الرعية عموما:
وعن حالة المأمون العامة مع الناس يقول فان فلوتن:
". ولم يكن جور النظام العباسي وعسفه، منذ قيام الدولة العباسية بأقل من النظام الأموي المختل، وتذكرنا شراهة المنصور، والرشيد، والمأمون، وجشعهم، وجور أولاد علي بن عيسي، وعبثهم بأموال المسلمين بزمن الحجاج، وهشام، ويوسف بن عمر الثقفي. ولدينا البراهين الكثيرة علي فجيعة الناس في هذا العرش الجديد، ومقدار انخداعهم به.. "، ثم يضرب أمثلة من الخارجين علي سياسات العباسيين تلك. ثم يقول: ".. كل ذلك يبين أن ما كان يشكو منه المسلمون من الجور والعسف لم يزل علي ما كان عليه في عهد بني أمية الأول.. " (1).
قال ابن الجراح: إن إبراهيم بن المهدي كان: " يرمي المأمون بأمه (2)، وإخوته، وأخواته، ومن أيسر ذلك قوله:
صد عن توبة وعن إخبات * ولها بالمجون والقينات ما يبالي إذا خلا بأبي عيسي * وسرب من بدن أخوات أن يغص المظلوم في حومة الجور * بداء بين الحشا واللهاة (3) (1) السيادة والعربية والشيعة والإسرائيليات ص 132.
(2) ولكن أمه كانت قد ماتت أيام نفاسها به!!. ولعله يريد أن أمه كانت متهمة، فكان يعير بها..
(3) الورقة، لابن الجراح ص 21، ولا بأس بمراجعة كتاب: أشعار أولاد الخلفاء. (١٨٠) صفحهمفاتيح البحث: الدولة العباسية (العباسيون) (1)، بنو أمية (1)، علي بن عيسي (1)، خراسان (1)، الطعام (1)، الضرب (1)، الموت (1)، الظلم (1)، النفاس (1)
وما يهمنا هنا هو البيت الأخير، أما ما قبله، فلا نملك إلا أن نقول: " أهل البيت أدري بالذي فيه.. ".
وعلي كل حال. فإننا لا نستغرب علي المأمون صفة الظلم والعسف والجور. بعد أن رأينا أنه عندما عرضت عليه سيرة أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي (ع) يأبي أن يأخذ بها جميعا، لأنه كان يجد في آخر كل منها: أنهم كانوا يأخذون الأموال من وجوهها، ويضعونها في حقوقها. لكنه قبل سيرة معاوية، الذي أراد الإعلان ببراءة الذمة ممن يذكره بخير، لأن في آخرها يقول: إنه كان يأخذ الأموال من وجوهها، ويضعها كيف شاء..، وقال المأمون حينئذ: " إن كان فهذا (1) "! وفي رسالة عبد الله بن موسي للمأمون نفسه ما فيه الكفاية فلتراجع في أواخر هذا الكتاب.
وماذا بعد الوصول إلي الحكم:
وهكذا.. فإن المأمون كان يحسب أنه إذا قتل أخاه، وتخلص من من أشياعه ومساعديه، وبعد أن توتي الحملة الدعائية ضدهم ثمارها - كان يحسب ويقدر - أن الطريق يكون قد مهد له للاستقرار في الحكم، وأنه سوف يستطيع بعد هذا أن يطمئن، وينام قرير العين.
ولكن فأله قد خاب، وانقلبت مجريات الأمور في غير صالحه، فإن الإيرانيين قد: " انفضوا بعد الحرب الأهلية المفجعة بين الأمين والمأمون، عن (1) المحاسن والمساوي للبيهقي ص 495. (١٨١) صفحهمفاتيح البحث: الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام (1)، عبد الله بن موسي (1)، الظلم (1)، القتل (1)، الحرب (1)
تأييد العباسيين. " (1). انفضوا عنه ليمنحوا العلويين عطفهم ومحبتهم، وتأييدهم، لأنهم يعرفون أنهم هم الذين يقيمون العدل، ويعملون بشريعة الله - وما موقف نيسابور، وصلاتي العيد، إلا الدليل الواضح والقاطع علي تلك العاطفة، وذلك الحب والتقدير. وأيضا انفضوا عنه لأنه قد كشف لهم عن وجهه الحقيقي، وعرفهم بواقعه الأناني البشع، وخصوصا بعد أن عانوا ما عانوا هم وغيرهم من صنوف الظلم والجور والاضطهاد، في ظل نظام الحكم الذي طالما عملوا من أجله، وضحوا في سبيله.
وحتي لو أنهم كانوا لا يزالون علي تأييدهم له، فإنه لا يستطيع بعد هذا أن يعتمد علي ذلك التأييد، وعلي ثقتهم به طويلا، فإنه كان من السهل - بعد أن فعل بأخيه وأشياعه، وغيرهم. ما فعل - أن يكتشفوا أن ذلك منه ما كان إلا سياسة ودهاء. كما أنه أصبح من الصعب عليهم - بعد تجربتهم الأولي معه، ومع وعوده، التي ما أسرع ما نسيها - أن يقتنعوا منه بالأقوال التي لا تدعمها الأفعال، ولسوف لا يطمئنون إليه، ولن يتفادوا له - بعد هذا - بالسهولة التي كان يتوقعها.
الموقف الصعب:
كانت تلك لمحة خاطفة عن موقف العباسيين، والعرب تجاه المأمون.
ذلك الموقف، الذي كان يزداد حساسية وتعقيدا، يوما عن يوم.
أضف إلي ذلك أيضا الخطر الذي كان يكمن في موقف الخراسانيين، الذين رفعوا المأمون علي العرش، وسلموا إليه أزمة الحكم والسلطان..
وإذا ما أضفنا إلي ذلك كله، موقف العلويين، الذين اغتنموا فرصة (1) إمبراطورية العرب ص 649. (١٨٢) صفحهمفاتيح البحث: الظلم (1)
الصدام بينه وبين أخيه، لتجميع صفوفهم، ومضاعفة نشاطاتهم، فلسوف تكتمل أمامنا ملامح الصورة لحقيقة الوضع والظروف، التي كان يعاني منها المأمون، ونظام حكمه آنذاك.. سيما ونحن نراه في مواجهة تلك الثورات العارمة، وبالأخص ثورات العلويين أقوي خصوم الدولة العباسية، والتي كانت تظهر من جانب ومكان، وكل ناحية من نواحي مملكته.
ثورات العلويين. وغيرهم:
فأبو السرايا - الذي كان يوما ما من حزب المأمون (1) - خرج بالكوفة. وكان هو وأتباعه لا يلقون جيشا إلا هزموه، ولا يتوجهون إلي بلدة إلا دخلوها (2).
ويقال: إنه قد قتل من أصحاب السلطان، في حرب أبي السرايا فقط، مئتا ألف رجل، مع أن مدته من يوم خروجه إلي يوم ضربت عنقه لم تزد علي العشرة أشهر (3).
وحتي البصرة، معقل العثمانية (4)، قد أيدت العلويين، ونصرتهم، (١) ففي الطبري ج ١٠ ص ٢٣٦، وتاريخ ابن خلدون ج ٣ ص ٢٤٥، والكامل لابن الأثير ج ٥ ص ١٧٩، طبعة ثالثة: أن المأمون قال لهرثمة: " مالأت أهل الكوفة، والعلويين، وداهنت، ودسست إلي أبي السرايا، حتي خرج، وعمل ما عمل، وكان رجلا من أصحابك إلخ. " واتهام هرثمة بهذا مهم فيما نحن فيه أيضا.
(٢) ضحي الإسلام ج ٣ ص ٢٩٤، ومقاتل الطالبيين ص ٥٣٥.
(٣) مقاتل الطالبيين ص ٥٥٠، والبداية والنهاية ج ١٠ ص ٣٤٥.
(4) الصلة بين التصوف والتشيع ص 173، وسيأتي كلام محمد بن علي العباسي. المتعلق بهذا الموضوع، عن قريب.. (١٨٣) صفحهمفاتيح البحث: الدولة العباسية (العباسيون) (1)، مدينة الكوفة (2)، مدينة البصرة (1)، القتل (2)، الحرب (1)، كتاب مقاتل الطالبيين لأبو الفرج الأصفهاني (1)، كتاب البداية والنهاية (1)، محمد بن علي (1)
فقد خرج فيها زيد النار (1)، ومعه علي بن محمد، كما خرج منها من قبل علي المنصور إبراهيم بن عبد الله..
وفي مكة، ونواحي الحجاز: خرج محمد بن جعفر، الذي كان يلقب ب " الديباج " وتسمي ب " أمير المؤمنين " (2).
وفي اليمن: إبراهيم بن موسي بن جعفر..
وفي المدينة: خرج محمد بن سليمان بن داوود، بن الحسن بن الحسين، ابن علي بن أبي طالب.
وفي واسط: التي كان قسم كبير منها يميل إلي العمانية - خرج جعفر ابن محمد، بن زيد بن علي. والحسين بن إبراهيم، بن الحسن بن علي.
وفي المدائن: محمد بن إسماعيل بن محمد..
بل إنك قد لا تجد قطرا، إلا وفيه علوي يمني نفسه، أو يمنيه الناس بالثورة ضد العباسيين - حسبما نص عليه بعض المؤرخين - حتي لقد اتجه أهل الجزيرة، والشام، المعروفة بتعاطفها مع الأمويين، (١) سمي بذلك. لأنه حرق دور العباسيين في البصرة بالنار، وكان إذا أتي برجل من المسودة، أحرقه بثيابه.. علي ما ذكره الطبري ج ١١ ص ٩٨٦، طبع ليدن، والكامل لابن الأثير ج ٥ ص ١٧٧، وتاريخ ابن خلدون ج ٣ ص ٢٤٤، والبداية والنهاية ج ١٠ ص ٣٤٦.
وفي الروايات أن الرضا عليه السلام أظهر الاستياء من فعل أخيه زيد. ولعل سبب ذلك أنه بالإضافة إلي أنه أقدم في ثورته علي أعمال تنافي أحكام الدين، وتضر إضرارا بالغا بقضية العلويين العادلة.. كان يمالئ الزيدية،.. أو لأنه أراد إبعاد شر المأمون عن زيد، وإبعاد التهمة عن نفسه، بأنه هو المدبر لأمر أخيه.
(2) وليس في العلويين - باستثناء الإمام علي (ع) طبعا - قبله، ولا بعده، من تسمي ب " أمير المؤمنين " غيره، كما في مروج الذهب ج 3 ص 439.
و " الديباجة " لقب لأكثر من واحد من العلويين.. (١٨٤) صفحهمفاتيح البحث: الدولة الأموية (1)، مدينة مكة المكرمة (1)، إبراهيم بن موسي بن جعفر (1)، إبراهيم بن عبد الله (1)، محمد بن إسماعيل بن محمد (1)، الحسين بن إبراهيم (1)، علي بن أبي طالب (1)، محمد بن زيد بن علي (1)، الحسن بن الحسين (1)، محمد بن سليمان (1)، الحسن بن علي (1)، علي بن محمد (1)، محمد بن جعفر (1)، الشام (1)، الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (1)، الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام (1)، كتاب الكامل لإبن الأثير (1)، كتاب مروج الذهب للمسعودي (1)، مدينة البصرة (1)
وآل مروان.. إلي محمد بن محمد العلوي، صاحب أبي السرايا، فكتبوا إليه: أنهم ينتظرون أن يوجه إليهم رسولا، ليسمعوا له، ويطيعوا (1)..
وأما ثورات غير العلويين، فكثيرة أيضا، وقد كان من بينها ما يدعو إلي: " الرضا من آل محمد "، كثورة الحسن الهرش سنة 198 (2) ه.
وسواها ولا مجال لنا هنا للتعرض إليها. ومن أرادها فعليه بمراجعة الكتب التاريخية المتعرضة لها (3).
الزعيم العباسي الأول يعترف:
هذا مع أن أكثر تلك الأقطار لم تكن تؤيد العلويين، ولا تدين لهم بالولاء باعتراف الزعيم العباسي الأول: محمد بن علي بن عبد الله، والد إبراهيم الإمام، حيث قال لدعاته:
".. أما الكوفة وسوادها: فهناك شيعة علي، وولده. وأما البصرة، وسوادها: فعثمانية، تدين بالكف. وأما الجزيرة: فحرورية مارقة، (١) مقاتل الطالبيين ص ٥٣٤.. راجع في بيان ثورات العلويين: البداية والنهاية ج ١٠ ص ٢٤٤، إلي ص ٢٤٧، واليعقوبي ج ٣ ص ١٧٣، ١٧٤، ومروج الذهب ج ٣ ص ٤٣٩، ٤٤٠، ومقاتل الطالبيين، والطبري. وابن الأثير، وأي كتاب تاريخي شئت، لتري كيف أن الثورات في الفترة الأولي من عهد المأمون، قد عمت جميع الأقطار والأمصار..
(٢) البداية والنهاية ج ١٠ ص ٢٤٤، والطبري ج 11 ص 975، طبع ليدن.
(3) وقد تغلب حاتم بن هرثمة علي أرمينية، وكان هو السبب في خروج بابك الخرمي.
وتغلب نصر بن شبث علي كيسوم، وسمسياط، وما جاورها، وعبر الفرات إلي الجانب الشرقي، وكثرت جموعه، ولم يستسلم إلا في سنة 207 ه. وهناك أيضا حركات الزط. وثورة بابك. وثورة المصريين التي كانت بين القيسية المناصرة للأمين واليمانية المناصرة للمأمون. إلي غير ذلك مما لا مجال لنا هنا لتتبعه.. (١٨٥) صفحهمفاتيح البحث: مدينة الكوفة (1)، علي بن عبد الله (1)، مدينة البصرة (1)، محمد بن محمد (1)، كتاب مقاتل الطالبيين لأبو الفرج الأصفهاني (1)، كتاب مروج الذهب للمسعودي (1)، كتاب البداية والنهاية (2)، نهر الفرات (1)، إبن الأثير (1)، القتل (1)، السب (1)
وأعراب كأعلاج، ومسلمون أخلاقهم كأخلاق النصاري. وأما الشام:
فليس يعرفون إلا آل أبي سفيان، وطاعة بني مروان، عداوة راسخة، وجهل متراكم، وأما مكة والمدينة: فغلب عليهما أبو بكر، وعمر، ولكن عليكم بأهل خراسان الخ.. " (1).
ونقل عن الأصمعي أيضا كلام قريب من هذا (2).
دلالة هامة:
ومن بعض ما قدمناه في الفصول المتقدمة، سيما فصل: موقف العباسيين من العلويين، وأيضا مما ذكرناه هنا نستطيع أن نستكشف أن حق العلويين بالخلافة والحكم، قد أصبح من الأمور المسلمة لدي الناس، في القرن الثاني، الذي يعد من خير القرون.. حيث لم تكن عقيدة عامة الناس قد استقرت بعد علي هذه العقيدة المتداولة لدي أهل السنة اليوم، والتي أشرنا إلي أنها العقيدة التي وضع أسسها معاوية.. وعليه.
فما يدعيه أهل السنة اليوم من أن عقيدتهم في الخلافة قد وصلت إليهم يدا بيد، إلي عصر النبي صلي الله عليه وآله غير صحيح علي الاطلاق، بل إن الشيخ محمد عبده يري: إن رسوخ عقيدة: " إن حق الخلافة لأهل البيت، وشيوع ذلك في العرب خاصة ". هو الذي دعا المعتصم إلي تشييد ملكه علي الترك، وغيرهم من العجم، يقول الشيخ محمد عبده: " كان الإسلام دينا عربيا، ثم لحقه العلم فصار علما عربيا، بعد أن كان (1) البلدان للهمداني ج 2 ص 352، وأحسن التقاسيم للمقدسي ص 293، وعيون الأخبار لابن قتيبة ج 1 ص 204، والسيادة العربية، والشيعة والإسرائيليات ص 93، ولا بأس بمراجعة: الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري ج 1 ص 102، (2) روض الأخيار، المنتخب من ربيع الأبرار ص 67، والعقد الفريد، طبع دار الكتاب العربي ج 6، ص 248. (١٨٦) صفحهمفاتيح البحث: الرسول الأكرم محمد بن عبد الله صلي الله عليه وآله (1)، مدينة مكة المكرمة (1)، خراسان (1)، الشام (1)
يونانيا، ثم أخطأ خليفة في السياسة، فاتخذ من سعة الإسلام سبيلا إلي ما كان يظنه خيرا: ظن أن الجيش العربي قد يكون عونا لخليفة علوي، لأن العلوي ألصق ببيت النبي صلي الله عليه وآله، فأراد أن يتخذ له جيشا أجنبيا من الترك والديلم وغيرهم من الأمم التي ظن أنه يستعبدها بسلطانه، ويصطنعها بإحسانه، فلا تساعد الخارج عليه، ولا تعين طالب مكانه من الملك.. " (1).
عودة علي بدء:
وعلي كل حال.. فإننا إذا أردنا تقييم تلك الثورات، التي كانت تواجه الحكم العباسي، فإننا سوف نجد: أن ما كان يكمن فيه الخطر الحقيقي هو ثورات العلويين، لأنها كانت تظهر في مناطق حساسة جدا.
في الدولة، ولأنها كانت بقيادة أولئك الذين يمتلكون من قوة الحجة، والجدارة الحقيقية، ما ليس لبني العباس فيه أدني نصيب..
وكان في تأييد الناس لهم. واستجابتهم السريعة لدعوتهم دلالة واضحة علي شعور الأمة. بمختلف طبقاتها، وفئاتها تجاه حكم العباسيين، ونوعية تفكيرها تجاه خلافتهم، وعلي مدي الغضب الذي كان يستبد بالنفوس، نتيجة استهتار العباسيين، وظلمهم، وسياساتهم الرعناء، مع الناس عامة. ومع العلويين بشكل خاص.
وقد كان المأمون يعلم أكثر من أي شخص آخر، كم سوف يكون حجم الكارثة، لو تحرك الإمام الرضا - الذي اهتبل فرصة الحرب بينه وبين أخيه، لتحكيم مركزه، وبسط نفوذه ضد الحكم القائم.. (1) الإسلام والنصرانية للشيخ محمد عبده. (١٨٧) صفحهمفاتيح البحث: الرسول الأكرم محمد بن عبد الله صلي الله عليه وآله (1)، الدولة العباسية (العباسيون) (1)، بنو عباس (1)، الوسعة (1)، الغضب (1)، الحرب (1)، الظنّ (2)
الناس لم يبايعوا المأمون كلهم بعد:
وبعد كل ما تقدم.. فإن من الأهمية بمكان، أن نشير هنا، إلي أن العلويين، وقسما كبيرا من الناس، بل وعامة المسلمين، لم يكونوا قد بايعوا المأمون أصلا:
فأما أهل بغداد، فحالهم في الخلاف عليه أشهر من أن يذكر، وقد قدمنا في أول هذا الفصل عبارته في رسالته، التي كان قد أرسلها للعباسيين في بغداد..
وأما أهل الكوفة - التي كانت دائما شيعة علي وولده - فلم يبايعوا له، بل بقوا علي الخلاف عليه، إلي أن ذهب أخو الإمام الرضا (ع)!!
العباس بن موسي، يدعوهم، فقعدوا عنه، ولم يجبه إلا البعض منهم، وقالوا: " إن كنت تدعو للمأمون، ثم من بعده لأخيك. فلا حاجة لنا في دعوتك. وإن كنت تدعو إلي أخيك، أو بعض أهل بيتك، أو إلي نفسك، أجبناك. " (1).
ويلاحظ هنا: كيف قد اختير رجل علوي، وأخو الإمام الرضا (ع) بالذات، ليرسل إلي الكوفة، المعروفة بالتشيع للعلويين.. ويلاحظ أيضا:
أن رفضهم الاستجابة له، إنما كان لأجل أن الدعوة تتضمن الدعوة للمأمون العباسي.
وأما أهل المدينة، ومكة، والبصرة، وسائر المناطق الحساسة في (١) الكامل لابن الأثير ج ٥ ص ١٩٠، وتجارب الأمم ج ٦ المطبوع مع العيون والحدائق ص ٤٣٩، وفي تاريخ الطبري ج ١١ ص ١٠٢٠، طبع ليدن، وتاريخ ابن خلدون ج ٣ ص ٢٤٨: أنه قد أجابه قوم كثير منهم، ولكن قعد عنه الشيعة وآخرون..
لكن ظاهر حال الكوفة التي كانت دائما شيعة علي وولده هو أن المجيبين له كانوا قلة.
كما ذكر ابن الأثير. (١٨٨) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (2)، مدينة مكة المكرمة (1)، مدينة الكوفة (3)، العباس بن موسي (1)، مدينة بغداد (2)، كتاب الكامل لإبن الأثير (1)، إبن الأثير (1)، كتاب تاريخ الطبري (1)
الدولة، فقد تقدم ما يدل علي حقيقة موقفهم منه، ومن نظام حكمه.
وقد كتب المأمون نفسه بخط يده، في وثيقة العهد للإمام يقول:
".. ودعا أمير المؤمنين ولده، وأهل بيته، وقواده، وخدمه، فبايعوا مسارعين.. إلي أن قال: فبايعوا معشر أهل بيت أمير المؤمنين، ومن بالمدينة المحروسة، من قواده، وجنده، وعامة المسلمين لأمير المؤمنين، وللرضا من بعده، علي بن موسي.. " والوثيقة مذكورة في أواخر هذا الكتاب.
فقوله: " لأمير المؤمنين، وللرضا من بعده. " يدل دلالة واضحة علي أن عامة المسلمين ما كانوا قد بايعوا بعد: " لأمير المؤمنين "، فضلا عن: " أهل المدينة المحروسة.. ".
وحتي لو أنهم كانوا قد بايعوا له، فإن بيعتهم هذه، وجودها كعدمها، إذ أن عصيانهم، وتمردهم عليه، وعلي حكمه، لم يكن ليخفي علي أحد.. بعدما قدمناه من ثوراتهم تلك. التي كانت تظهر من كل جانب ومكان. وكان كلما قضي علي واحدة منها تظهر أخري داعية لما كانت تدعو إليه تلك، أي إلي: " الرضا من آل محمد "، أو إلي أحد العلويين، الذين يشاهد المأمون عن كثب قدرتهم، وقوتهم، ونفوذهم الذي كان يتزايد باستمرار يوما عن يوم.. ولم تستقم له في الحقيقة سوي خراسان.
نعم بعد أن عاد إلي بغداد، وكان قد قوي أمره، واتسع نفوذه، بدأ الناس يبايعونه في الأقطار، ويتعللون بأن امتناعهم إنما كان ظاهريا، وأنهم كانوا في السر معه، وعلي ولائه، علي ما صرح به اليعقوبي في تاريخه. (١٨٩) صفحهمفاتيح البحث: مدينة بغداد (1)، خراسان (1)، الشهادة (1)
المأمون يدرك حراجة الموقف:
تلك هي باختصار حالة الحكم العباسي بشكل عام. وحالة المأمون، وظروفه في الحكم بشكل خاص.. في تلك الفترة من الزمن.. وقد اتضح لنا بجلاء: أن الوضع كان بالنسبة إلي المأمون، ونظام حكمه، قد ازداد سوءا، بعد وصول المأمون إلي الحكم، وتضاعفت الأخطار، التي كان يواجهها، وأصبح - هو وعرشه - في مهب الريح. وتحت رحمة الأنواء.. وإذا كان ليس من الصعب علينا: أن نتصور مدي الخطر الذي كان يتهدد المأمون، وخلافته، وبالتالي مستقبل الخلافة العباسية بشكل عام.. فإنه من الطبيعي أن لا يكون من الصعب علي المأمون أفعي الدهاء والسياسة أن يدرك - بعمق، إلي أي حد كان مركزه ضعيفا، وموقفه حرجا، حيث إنه هو الذي كان يعيش - أكثر من أي إنسان آخر - في ذلك الخضم الزاخر بالمشاكل، والمتاعب، والأخطار.
وخصوصا وهو يواجه الثورات. وبالأخص ثورات العلويين، أقوي خصوم الدولة العباسية، تظهر من كل جانب ومكان، وكل ناحية من نواحي مملكته. كما أنه لم يكن ليصعب عليه أن يدرك أن الكثير من المشاكل التي يعاني منها إنما كان نتيجة السياسات الرعناء. التي انتهجها أسلافه، مع الناس عامة، ومع العلويين خاصة. وأن يدرك أن الاستمرار في تلك السياسة. أو حتي مجرد الاهمام، والتواني في علاج الوضع، سوف يكون من أبسط نتائجه أن تلقي خلافة العباسيين علي أيدي العلويين نفس المصير الذي لقيته خلافة الأمويين علي أيدي أسلافه من قبل..
ماذا يمكن للمأمون أن يفعل:
ولكن.. وبعد أن نجح المأمون في الوصول إلي ما كان يتمناه، وهو (١٩٠) صفحهمفاتيح البحث: الدولة الأموية (1)، الدولة العباسية (العباسيون) (1)
الحكم والسلطان، وإذا كان لا يرضي به بنو أبيه، ولا العلويون، ولا العرب، وإذا كان حتي غير العرب، ضعفت ثقتهم به، وتزعزع مركزه في نفوسهم.
وأيضا.. إذا كانت ثورات العلويين، فضلا عن غيرهم.. تظهر من كل جانب ومكان.. وإذا كان الكثيرون، بل عامة المسلمين لم يبايعوا له بعد.. وهكذا إلي آخر ما تقدم. فهل يمكن للمأمون أن يقف تجاه كل تلك العواصف، والانواء التي تتهدده، ونظام حكمه، مكتوف اليدين؟!
وماذا يمكن للمأمون بعد هذا أن يفعل، ليبقي محتفظا بالحكم والسلطان، الذي هو أعز ما في الوجود عليه؟!.
هذا - ما سوف نحاول الإجابة عليه في الفصل التالي. (١٩١) صفحهمفاتيح البحث: العزّة (1)

ظروف البيعة وأسبابها

ظروف البيعة وأسبابها إنقاذ الموقف!. كيف؟!
قد قدمنا في الفصل السابق لمحة عن ظروف المأمون في الحكم، وأشرنا إلي أن الوضع كان يزداد سوءا يوما عن يوم.. وإلي أنه كان لا بد للمأمون من التحرك، والعمل بسرعة، شرط أن لا يزيد الفتق اتساعا، والطين بلة. وأن يستعمل كل ما لديه من حنكة ودهاء، في سبيل إنقاذ نفسه، ونظام حكمه، وخلافة العباسيين بشكل عام..
وكان المأمون يدرك: أن إنقاذ الموقف يتوقف علي:
1 - إخماد ثورات العلويين، الذين كانوا يتمتعون بالاحترام والتقدير، ولهم نفوذ واسع في جميع الفئات والطبقات..
2 - أن يحصل من العلويين علي اعتراف بشرعية خلافة العباسيين.
وليكون بذلك قد أفقدهم سلاحا قويا، لن يقر له قرار، إذا إذا أفقدهم إياه..
3 - استئصال هذا العطف، وذلك التقدير والاحترام. الذي كانوا يتمتعون به، وكان يزداد يوما عن يوم - استئصاله - من نفوس الناس نهائيا، والعمل علي تشويههم أمام الرأي العام، بالطرق، والأساليب (١٩٢) صفحهمفاتيح البحث: الوقوف (1)، الوسعة (1)
التي لا تثير الكثير من الشكوك والشبهات، حتي لا يقدرون بعد ذلك علي أي تحرك، ولا يجدون المؤيدين لأية دعوة لهم، وليكون القضاء عليهم بعد ذلك نهائيا - سهلا وميسورا..
4 - اكتساب ثقة العرب ومحبتهم..
5 - استمرار تأييد الخراسانيين، وعامة الإيرانيين له.
6 - إرضاء العباسيين، والمتشيعين لهم، من أعداء العلويين.
7 - تعزيز ثقة الناس بشخص المأمون، الذي كان لقتله أخاه أثر سئ علي سمعته، وثقة الناس به.
8 - وأخيرا.. أن يأمن الخطر الذي كان يتهدده من تلك الشخصية الفذة، التي كانت تملأ جوانبه فرقا، ورعبا.. وأن يتحاشي الصدام المسلح معها. ألا وهي شخصية الإمام الرضا (ع)، وأن يمهد الطريق للتخلص منها، والقضاء عليها، قضاء مبرما، ونهائيا.
لا بد من الاعتماد علي النفس:
وبعد هذا.. فإن من الواضح أن المأمون كان يعلم قبل كل أحد، أنه:
لم يكن يستطيع أن يستعين في مواجهة تلك المشاكل بالعباسيين، بني أبيه، بعد أن كانوا ينقمون عليه، قتله أخاه، العزيز عليهم، وعلي العرب، وبعد مواقفه، التي تقدم بيان جانب منها تجاههم.. وأيضا.
بعد أن كانوا لا يثقون به، ولا يأمنون جانبه، بسبب موقفهم السابق منه.
والأهم من ذلك أنه لم يكن فيهم الرجال الكفاة، الذين يستطيع (١٩٣) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (1)، القتل (2)، العزّة (1)
أن يعتمد عليهم (1)، يدلنا علي ذلك أنهم بعد أن ثاروا علي المأمون، بسبب بيعته للرضا عليه السلام، لم يجدوا فيهم شخصا أعظم، وأكفأ من ابن شكلة المغني، فبايعوه، مع أنه من أصحاب المزامير والبرابط.
وفيه يقول دعبل:
نعر ابن شكلة بالعراق وأهله * فهفا إليه كل أطلس مائق إن كان إبراهيم مضطلعا بها * فلتصلحن من بعده لمخارق ولتصلحن من بعد ذاك لزلزل * ولتصلحن من بعده للمارق أني يكون. وليس ذاك بكائن * يرث الخلافة فاسق عن فاسق (2) كما أنه عندما أصبح إبراهيم هذا خليفة، قال بعض الأعراب، عندما جاء الخبر بأنه: لا مال عند الخليفة ليعطي الجند، الذين ألحوا في طلب أعطياتهم، قال: " فليخرج الخليفة إلينا، فليغن لأهل هذا الجانب ثلاثة أصوات، فتكون عطاءهم، ولأهل هذا الجانب مثلها.. " فقال في ذلك دعبل - شاعر المأمون - يذم إبراهيم بن المهدي:
يا معشر الأجناد لا تقنطوا * خذوا عطاياكم، ولا تسخطوا فسوف يعطيكم حنينية * لا تدخل الكيس، ولا تربط والمعبديات لقوادكم * وما بها من أحد يغبط فهكذا يرزق أصحابه * خليفة مصحفه البربط (3) (١) وقد كان بينهم الكثيرون في أول عهد الدولة العباسية. ونقصد ب " الكفاءة " هنا:
الكفاءة الظاهرية، التي يقرها منطق الجبارين المتغطرسين، لا الكفاءة الحقيقية التي يريدها الله، وجاء بها محمد. وقد أشرنا إلي ذلك من قبل.
(٢) وفيات الأعيان، طبع سنة ١٣١٠ ه ج ١ ص ٨. والورقة لابن الجراح ص ٢٢، ومعاهد التنصيص ج ١ ص ٢٠٥، والشعر والشعراء ص ٥٤١، والكني والألقاب ج ١ ص ٣٣٠. والأطلس: هو الرجل يرمي بالقبيح..
(٣) معاهد التنصيص ج ١ ص ٢٠٥، ٢٠٦، وشرح ميمية أبي فراس ص ٢٨١، والبداية والنهاية ج ١٠ ص ٢٩٠، والبحار ج ٤٩ ص ١٤٣، والغدير ج ٢ ص ٣٧٧، والأغاني ج 18 ص 68، و ص 101 طبع دار الفكر، والورقة لابن الجراح ص 22، ونزهة الجليس ج 1 ص 404، وعيون أخبار الرضا ج 2 ص 166، والحنينيات: منسوبة إلي حنين النجفي العبادي. المغني المشهور، والمعبديات:
منسوبة إلي معبد المغني المشهور، والبربط: ملهاة، تشبه العود، وهو فارسي معرب. وأصله: بربت: لأن الضارب يضعه علي صدره.. انتهي عن نزهة الجليس. (١٩٤) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (1)، دولة العراق (1)، كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام (1)، الدولة العباسية (العباسيون) (1)، كتاب البداية والنهاية (1)، الضرب (1)
وإذا كان لا يستطيع أن يستعين ببني أبيه العباسيين، فبالأحري أن لا يستطيع أن يستعين علي حل مشاكله بالعلويين، والمتشيعين لهم، بعد أن كانوا هم أساس البلاء والعناء له، والذين يخلقون له أعظم المشاكل، ويضعون في طريق حكمه أشق العقبات.
وأما العرب: فهو أعرف الناس بحقيقة موقفهم منه.
والخراسانيون: لا يستطيع أن يعتمد علي ثقتهم به طويلا، بعد أن كشف لهم عن حقيقته وواقعه الأناني البشع، بقتله أخاه، وإبعاده طاهرا بن الحسين، مشيد أركان حكمه، عن مسرح السياسة: " ولقد ذكره الرضا بذلك. عندما استعرض معه حقيقة الوضع القائم آنذاك. ".
أي الأساليب أنجع:
وبعد ذلك.. فإنه من الواضح أنه:
لم يكن لينقذ الموقف القسوة والعنف، وهو الذي يعاني المأمون من نتائجه السيئة ما يعاني.
ولا المنطق والحجاج، لأن العلويين - بناء علي ما شاع عند الأمة، بتشجيع من خلفائها، من أن السبب في استحقاق الخلافة، هو القربي النسبية منه صلي الله عليه وآله - إن العلويين بناء علي هذا: أقوي حجة من العباسيين، لأنهم يمتلكون اعترافا صريحا منهم بأن المستحق للخلافة هو (١٩٥) صفحهمفاتيح البحث: الحج (1)، القتل (1)، السب (1)
الأقرب نسبا إلي النبي صلي الله عليه وآله.
هذا. وإذا ما أراد العباسيون، أو غيرهم الاحتجاج بالأهلية والجدارة لقيادة الأمة. فإن العلويين لا يدانيهم أحد في ذلك، وذلك لما كانوا يتمتعون به من الجدارة والأهلية الذاتية لقيادة الأمة قيادة صالحة وسليمة..
وأما النص فمن هو ذلك الذي يجرؤ علي الاستدلال به، وهو يري أنه كله في صالح آل علي، وأئمة أهل البيت منهم بالخصوص.
وهكذا. نري ويري المأمون: أنه لم يكن لينقذ الموقف أي من تلك الأساليب، ولا غيرها من الطرق والأساليب الملتوية، واللاإنسانية، التي اتبعها أسلافه من قبل.
وإذن.. فلا بد وأن يعود السؤال الأول ليطرح نفسه بكل جدية.
والسؤال هو: ماذا يمكن للمأمون إذن أن يفعل؟! وكيف يقوي من دعائم حكمه، الذي هو بالنسبة إليه كل شئ، وليس قبله، ولا بعده شئ.. حتي لا يطمع فيه طامع، ولا تزعزعه العواصف، ولا تنال منه الأنواء، مهما كانت هوجاء وعاتية؟!.
خطة المأمون:
وكان أن اتبع المأمون من أجل إنقاذ موقفه، الذي عرفت أنه يتوقف علي نقاط ثمانية.. ومن أجل الاحتفاظ بالخلافة لنفسه، وأن تبقي في بني أبيه - كان أن اتبع - أسلوبا جديدا، وغيبيا، لم يكن مألوفا، ولا معروفا من قبل.. وأحسب أن لم يتوصل إليه إلا بعد تفكير طويل، وتقييم عام وشامل للوضع الذي كان يعيشه، والمشاكل التي كان يواجهها.
لقد كانت خطته غريبة وفريدة من نوعها، وكانت في غاية الإتقان، والإحكام في نظره. (١٩٦) صفحهمفاتيح البحث: الرسول الأكرم محمد بن عبد الله صلي الله عليه وآله (1)، يوم عرفة (1)
فبينما نراه من جهة:
لا يذكر أحدا من الخلفاء، ولا غيرهم من الصحابة بسوء، بل هو يتحرج من المساس بغير الصحابة، وحتي بأولئك الذين كان حالهم في الخروج علي الدين، وتعاليم الشريعة، معروفا ومشهورا " كالحجاج ابن يوسف "! وذلك من أجل أن لا يثير عواطف أولئك الذين يلتقي معهم فكريا وسياسيا، ومصلحيا، والذين سوف يكونون له في المستقبل الدرع الواقي، والحصن الحصين..
فاستمع إليه يقول - كما يروي لنا التغلبي المعاصر له: ". وظنوا أنه لا يجوز تفضيل علي إلا بانتقاص غيره من السلف! والله، ما أستجيز أن أنتقص الحجاج بن يوسف، فكيف بالسلف الطيب؟! " (1).
وكذلك نراه يركن إلي رأي يحيي بن أكثم، الذي قال له - عندما أراد الإعلان بسب معاوية علي المنابر -: " والرأي أن تدع الناس كلهم علي ما هم عليه، ولا تظهر أنك تميل إلي فرقة من الفرق، فإن ذلك أصلح في السياسة، وأحري في التدبير.. "، ثم يدخل عليه ثمامة، فيقول له المأمون: " يا ثمامة، قد علمت ما كنا دبرناه في معاوية، وقد عارضنا رأي هو أصلح في تدبير المملكة، وأبقي ذكرا في العامة الخ. " (2).
وأيضا.. نري شعره الذي يرويه لنا غير واحد:
أصبح ديني الذي أدين به * ولست منه الغداة معتذرا حب علي بعد النبي ولا * أشتم صديقا ولا عمرا (1) عصر المأمون ج 1 ص 369، نقلا عن: تاريخ بغداد، لابن طيفور ج 6 ص 75، (2) المحاسن والمساوي ص 141، وضحي الإسلام ج 2 ص 58، و ج 3 ص 152، و 156، وعصر المأمون ج 1 ص 371، والموفقيات ص 41، وكتاب بغداد ص 54. (١٩٧) صفحهمفاتيح البحث: يحيي بن أكثم (1)، الجواز (1)، كتاب تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (1)، مدينة بغداد (1)
ثم ابن عفان في الجنان مع * الأبرار ذاك القتيل مصطبرا ألا ولا أشتم الزبير ولا * طلحة إن قال قائل غدرا وعائش الأم لست أشتمها * من يفتريها فنحن منه برا (1) ونراه أيضا يتجسس علي عبد الله بن طاهر، ليعلم: هل له ميل إلي آل أبي طالب أولا (2).
ونراه يقدم علي قتل الرضا (ع)، وإخوته، وآلاف من العلويين غيرهم، ويصدر أمرا لأمرائه، وقواده بالقضاء عليهم، وفض جمعهم، كما سيأتي.
ونراه كذلك.. يرسل إلي عامله علي مصر، يأمره بغسل المنابر، التي دعي عليها لعلوي (هو الإمام الرضا (ع)).. إلي غير ذلك مما لا مجال لنا هنا لاستقصائه..
بينما نراه كذلك..
نراه من جهة ثانية يقدم علي الإعلان ببراءة الذمة ممن يذكر معاوية بن أبي سفيان بخير أي أنه أراد أن يجعل تفضيل علي (ع)، والبراءة من معاوية دينا رسميا، يحمل الناس كلهم عليه، كما كان الحال بالنسبة لقضية خلق القرآن..
وقضية الإعلان بسب معاوية، وإن كان الإقدام عليه في سنة 212 ه.
لكن تفضيله عليا، علي جميع الخلق، وتقربه لولده، وإظهاره التشيع (١) البداية والنهاية ج ١٠ ص ٢٧٧، وفوات الوفيات ج 1 ص 241، ما عدا البيت الرابع.
(2) الطبري ج 11 ص 1094، طبع ليدن، والعقد الفريد للملك السعيد ص 84، 85، وتجارب الأمم ج 6 المطبوع مع العيون والحدائق ص 461. (١٩٨) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (2)، الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام (1)، معاوية بن أبي سفيان لعنهما الله (1)، عبد الله بن طاهر (1)، القرآن الكريم (1)، القتل (1)، الطهارة (1)، كتاب البداية والنهاية (1)
والحب لهم (1) إنما كان من أول أيامه. يدلنا علي ذلك أمور كثيرة، ويكفي هجاء ابن شكلة له، وهجاؤه لابن شكلة شاهدا علي ذلك.
فضلا عن الكثير من الأمور الأخري غيره.
ثم نراه بعد ذلك يبيح المتعة، ويصف الخليفة الثاني، عمر بن (١) قال في النجوم الزاهرة ج ٢ ص ٢٠١، ٢٠٢،، ومثله في تاريخ الخلفاء للسيوطي ص ٣٠٨، وغيرهما: " أن المأمون كان يبالغ في التشيع، ويقول: إن أفضل الخلق بعد النبي علي بن أبي طالب. وأمر أن ينادي ببراءة الذمة ممن يذكر معاوية بخير، لكنه لم يتكلم في الشيخين بسوء بل كان يترضي عنهما، ويعتقد إمامتهما. ".
وهذا بعينه هو مذهب المعتزلة في بغداد ابتداء من بشر بن المعتمر، وبشر بن غياث المريسي وغيرهم من معتزلة بغداد، حتي لقد قال بشر المريسي المعتزلي المعروف علي ما في البداية والنهاية ج ١٠ ص ٢٧٩:
قد قال مأموننا وسيدنا * قولا له في الكتب تصديق إن عليا أعني أبا حسن * خير من قد أقلت النوق بعد نبي الهدي، وإن لنا * أعمالنا والقرآن مخلوق وصرح بأنه يذهب مذهب المعتزلة كثيرون، منهم: البداية والنهاية ج ١٠ ص ٢٧٥، وضحي الإسلام ج 3 ص 295، وإمبراطورية العرب ص 600، وغيرهم، بل لقد قال خيري حماد، في تعليقته علي ص 601، من إمبراطورية العرب بقوله:
" أجمعت كتب التاريخ العربي علي أن المأمون مال إلي الأخذ بمذهب المعتزلة، فقرب أتباع هذا المذهب إليه إلخ. "، ويدل علي ذلك أيضا أقوال. وأشعار المأمون المتقدمة.. ولعل وصف بعض المؤرخين بالتشيع هو الذي أوهم البعض بأن المأمون كان يتشيع بالمعني المعروف للتشيع، فجزم بذلك، وبدأ يحشد الدلائل، والشواهد، التي لا تسمن، ولا تغني من جوع، وقد غفل عن أنهم يقصدون بكلمة " التشيع " المعني اللغوي، لا المعني الخاص المعروف الآن …
وبعد. فإن من الواضح: أن عقيدة المأمون تلك، لم تكن تثمر علي الصعيد العملي العام، فإنه كان من السياسيين. الذين لا ينطلقون في سلوكهم، ومواقفهم الخارجية من منطلقات عقائدية، ومفاهيم إنسانية. وإنما يكون المنطلق لهم في مواقفهم، وتصرفاتهم، هو - فقط - مصالحهم الشخصية، وما له مساس في استمرار فرض سلطتهم، وتأكيد سيطرتهم.. (١٩٩) صفحهمفاتيح البحث: الخليفة عمر بن الخطاب (1)، الشهادة (1)، كتاب البداية والنهاية (2)، جلال الدين السيوطي الشافعي (1)، مدرسة المعتزلة (4)، علي بن أبي طالب (1)، مدينة بغداد (2)، القرآن الكريم (1)
الخطاب ب " جعل " (1)، أو نحو ذلك.
ونراه أيضا أنه عندما سأل أصحابه عن: أنبل من يعلمون نبلا، وأعفهم عفة، فقال له علي بن صالح: " أعرف القصة في عمر بن الخطاب، فأشاح بوجهه، وأعرض، وذكر كلاما ليس من جنس هذا الكتاب، فنذكره، إلخ.. " (2) علي حد تعبير البيهقي.. وذكر طيفور: أن أبا عمر الخطابي دخل علي المأمون: فتذاكروا عمر بن الخطاب فقال المأمون: إلا أنه غصبنا، فقال له أبو عمر يا أمير المؤمنين، يكون الغصب إلا بحق يد فهل كانت لكم يد، قال فسكت المأمون عن ه، واحتملها له (3).
ولكن اعتراض الخطابي اعتراض بارد وتوجيه فاسد فهل الخلافة من الأموال أم هي حق جعله الله لهم..
بل إن الأهم من ذلك كله.. أننا نراه يصف الخلفاء الثلاثة، وغيرهم من الصحابة بأنهم: " ملحدين " ناسيا، أو متناسيا كل أقواله السابقة، وخصوصا شعره، وقوله: إنه يتحرج حتي من تنقص (١) وفيات الأعيان ترجمة يحيي بن أكثم ج ٢ / ٢١٨ ط سنة ١٣١٠ ه والسيرة الحلبية ج ٣ / ٤٦ والنص والاجتهاد ص ١٩٣، وفي قاموس الرجال ٩ / ٣٩٧، نقلا عن الخطيب في تاريخ بغداد: أنه كان يقول: " ومن أنت يا أحول الخ.. " ولا يخفي أنهم أرادوا تلطيف العبارة بقدر المستطاع، فحرفوها إلي ما تري.
هذا. وقد يري البعض: أن تفضيله عليا، وإعلانه بسب معاوية، وإباحته المتعة، وقوله بخلق القرآن، ليس إلا لإشغال الناس بعضهم ببعض، وصرف الناس عن التفكير بالخلافة، التي هي أعز ما في الوجود عليه، والتي ضحي من أجلها بأخيه، وأشياعه، ووزرائه، وقواده. وكذلك من أجل صرف الناس عن أهل البيت عليهم السلام، وإبعادهم عنهم.. ولعل هذا الرأي لا يعدم بعض الشواهد التاريخية، التي تؤيده، وتدعمه، (2) المحاسن والمساوي ص 150.
(3) كتاب بغداد ص 51. (٢٠٠) صفحهمفاتيح البحث: علي بن صالح (1)، النسيان (1)، أهل بيت النبي صلي الله عليه وآله (1)، كتاب تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (1)، يحيي بن أكثم (1)، مدينة بغداد (1)، القرآن الكريم (1)، العزّة (1)
الحجاج، كيف بالسلف الطيب، فاستمع إليه يقول، علي ما يرويه لنا البيهقي:
ومن غاو يغص علي غيظا * إذا أدنيت أولاد الوصي يحاول أن نور الله يطفي * ونور الله في حصن أبي فقلت: أليس قد أوتيت علما * وبان لك الرشيد من الغوي وعرفت احتجاجي بالمثاني * وبالمعقول والأثر الجلي (1) بأية خلة، وبأي معني * تفضل " ملحدين " علي " علي " علي أعظم الثقلين حقا * وأفضلهم سوي حق النبي (2) بل وزاد علي ذلك وضرب العقيدة التي تقدم أن العباسيين قد أتوا بها لمقابلة العلويين وروجوا لها من أن الحق كان للعباس وأنه أجاز عليا فصحت خلافته وذلك بأن أظهر تقديم علي علي العباس فقد قال السندي بن شاهك للفضل بن الربيع يوما عن المأمون:
" سمعته اليوم قدم علي بن أبي طالب علي العباس بن عبد المطلب، وما ظننت أني أعيش حتي أسمع عباسيا يقول هذا، فقال الفضل له:
تعجب من هذا؟ هذا والله كان قول أبيه قبله " (3) ولكن الظاهر:
أن أباه كان يكتم ذلك حتي خفي علي مثل السندي المقرب، لكن الآن قد اضطرت السياسة المأمون إلي الجهر بذلك، وإظهاره.
وهكذا.. فإن المأمون لم يكن يري أن بين كل تصرفاته المتقدمة أي تناقض، أو منافاة، بل كانت كلها في نظره صحيحة، ومنطقية، لأنها كانت في ظروف مختلفة، وكان لا بد له من مسايرة تلك (1) القوي خ ل.
(2) المحاسن والمساوي، طبع دار صادر ص 68، وطبع مصر ج 1 / 105.
(3) كتاب بغداد ص 7. (٢٠١) صفحهمفاتيح البحث: الجهر والإخفات (1)، يوم عرفة (1)، العباس بن عبد المطلب (1)، علي بن أبي طالب (1)، مدينة بغداد (1)
الظروف، والانسجام معها، فلا مانع عنده، من أن يقرب العلويين إليه، ويتظاهر بإكرامهم، وتقديرهم. في يوم. ثم منعهم من الدخول عليه، واضطهدهم، وقتلهم بالسم تارة، وبالسيف أخري في يوم آخر.. وهكذا.
وأيضا. لا بد من خطوة أخري.
ولكن ذلك وحده لم يكن كافيا لإخماد ثورات العلويين، ولا لتحقيق كافة الأهداف، التي قدمنا، وسيأتي شطر منها.
فكانت خطوته التالية غريبة ومثيرة في نفس الوقت، لكنها إذا ما أخذت الظروف آنذاك بنظر الاعتبار يتضح أنها كانت طبيعية للغاية.
ألجأته إليها الظروف والأحداث. وتلك الخطوة هي:
" أخذ البيعة للإمام علي الرضا عليه السلام بولاية العهد بعده.. " وجعله أمير بني هاشم طرا، عباسيهم، وطالبيهم (1)، ولبس الخضرة.
لم يبق إلا خيار واحد:
ومن نافلة القول هنا: أن نقول: إن ذلك يدل علي فهم المأمون للداء، مما ساعده علي معرفة الدواء، الذي تجرعه المأمون - رغم مرارته القاسية، التي لم تكن لتقاس أبدا بما سوف يعقبها من راحة وطمأنينة وهناء - تجرعه - بكل رضا، ورجولة، وشجاعة.
إن المأمون - علي ما أعتقد - وإن كان قد ثقل عليه أمر البيعة لرجل غريب، ومن أسرة هي أقوي وأخطر المنافسين للحكم العباسي في (1) غاية الاختصار ص 68. (٢٠٢) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (1)، بنو هاشم (1)، القتل (1)، المنع (1)، الإختيار، الخيار (1)، الدواء، التداوي (1)
تلك الفترة.. ولكن ما الحيلة له بعد أن لم يعد أمامه أي خيار في ذلك.
إلا إذا أراد أن يتغابي أو يتعامي عن ذلك الواقع المزري الذي وصلت إليه خلافته، التي أصبحت ظلا، لا يلبث أن تلتهمه أشعة الشمس المشرقة، فتحوله إلي سراب.
ما الحيلة له.. بعد أن رأي أنه لن تنقاد له الرعية والقواد، ولن تستقيم له الأمور إلا إذا أقدم علي مثل تلك اللعبة الجريئة.
ولقد صرح المأمون نفسه للريان، بعد أن أخبره الريان بأن الناس يقولون: بأن البيعة للإمام كانت من تدبير الفضل بن سهل - صرح بقوله: ". ويحك يا ريان، أيجسر أحد أن يجئ إلي خليفة، قد استقامت له الرعية، والقواد، واستوت له الخلافة، فيقول له: إدفع الخلافة من يدك إلي غيرك؟ أيجوز هذا في العقل؟! (1). ".
مع رسالة الفضل بن سهل للإمام:
وكاتب الإمام، وألح عليه، وكاتبه الفضل بن سهل أيضا.. وبما أن في رسالة الفضل مواضع جديرة بالملاحظة، فقد أحببت أن أشير - باختصار - إلي بعض ما يمكن استخلاصه من هذه الرسالة.
كما أنني أوردت نص هذه الرسالة بتمامه مع الوثائق الهامة، ليطلع القارئ عليها بنفسه، ويستخلص منها ما يراه مناسبا وضروريا..
أما الملاحظات التي رأيت أن من الضروري الإشارة إليها هنا، فتتلخص بما يلي: (١) أعيان الشيعة ج ٤ قسم 2 ص 113، والبحار ج 49 / 137، وعيون أخبار الرضا ج 2 / 151، ومسند الإمام الرضا ج 1 / 75. (٢٠٣) صفحهمفاتيح البحث: الفضل بن سهل (3)، الإختيار، الخيار (1)، كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام (1)، كتاب أعيان الشيعة للأمين (1)
ملاحظات لا بد منها:
أول ما يطالعنا في هذه الرسالة هو استعمال الفضل لكلمة: " الرضا "، التي تنص وثيقة العهد، وغيرها: علي أن المأمون هو الذي جعلها لقبا للإمام (ع) - كما سيأتي -.. فإطلاق الفضل بن سهل لكلمة " الرضا " عليه (ع) يجعلنا نقول - إن لم نقل أنه كان لقبا مشهورا ومعروفا له -: إن جعل المأمون هذا اللفظ لقبا رسميا للإمام (ع) كان بوحي من ذي الرياستين نفسه. وإن كان يمكن أن يقال عكس ذلك تماما: أي أن استعمال الفضل لهذه الكلمة كان بإيحاء من المأمون.
وثانيا: إننا بينما نري الرسالة تشتمل علي تطمين الإمام (ع): بأن قضية ولاية العهد ليست لعبة من المأمون، وإنما هي من آثار سعي ذي الرئاستين، الأمر الذي لا داعي معه للخوف والوجل علي الاطلاق - بينما الرسالة تشتمل علي ذلك - نراها تنص علي أن قضية ولاية العهد أمر قد قضي بليل. وعلي أن هناك تصميم من ذي الرئاستين والمأمون علي إمضاء هذا الأمر، وهذا يعني: أن الممانعة والمقاومة لا تجدي ولا تفيد، ولذا فإن من الأفضل له (ع) أن يكف عن ذلك، ويمتنع عنه.
وهذا ما أشار إليه الفضل بقوله: ".. وإن كتابي هذا عن إزماع من أمير المؤمنين، عبد الله الإمام المأمون ومني الخ.. ".
وثالثا: يلاحظ: أن الرسالة تتناسب في صياغتها، وانتقاء جملها وألفاظها مع ذوق الإمام (ع) ومذهبه العقائدي، ومذهب شيعته.
وتنسجم مع ما يدعيه هو، ويدعيه آباؤه، وكان قد اشتهر وشعاع بين الناس: من أن الحق في خلافة النبي (ص) لهم دون غيرهم. وأن الغير - أيا كانوا - ظالمون لهم، ومعتدون عليهم في هذا الحق.
ثم يحاول الفضل أن يفهم الإمام: أنه وإن كان هو والمأمون (٢٠٤) صفحهمفاتيح البحث: الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام (1)، الرسول الأكرم محمد بن عبد الله صلي الله عليه وآله (1)، الفضل بن سهل (1)
قد صمما علي توليته العهد، لكنه يقول له، لكن السر في ذلك مختلف بيني وبين المأمون، فأنا أقول فيك: أنك ابن رسول الله، وأنك المهتدي، والمقتدي، وأري أن ذلك إرجاع لحقك إليك، ورد لمظلمتك عليك.
أما المأمون: فهو يراك شريكا في أمره، وشقيقا في نسبه، وأولي الناس بما تحت يده.
فالفضل يحاول بهذا أن يتقرب من الإمام، ويكتسب محبته وثقته.
ولعل إظهار هذا الاختلاف، مما اتفق عليه كل من المأمون والفضل.
وهكذا كان السياسيون، وما زالوا يتكلمون مع أندادهم باللغة، التي يرون أنها توصلهم إلي أهدافهم. وتحقق لهم مأربهم.
ورابعا: وأخيرا.. إنه بعد أن يطلب منه أن لا يضع الرسالة من يده، حتي يصير إلي باب المأمون!. نراه يضمن الرسالة إشارة واضحة:
إلي أن ذلك منه (ع) يوجب صلاح الأمة به.. وما ذلك إلا لأنه كان يعلم، كما كان الكل يعلم: أنه إذا تأكد لدي الإمام (ع): أن صلاح الأمة متوقف علي عمل ما من جهته، فإنه لا يتواني، ولا يألو جهدا في العمل بوظيفته، والقيام بواجبه.. هذا بالإضافة إلي أن في ذلك إشارة للحالة العامة، التي وصفناها في بعض فصول هذا الكتاب.
ملاحظات هامة:
هذا.. وقبل الخوض في تفصيل أسباب البيعة، لا بد من ملاحظة:
أ -: إن من الطبيعي أن يثير تصرفه هذا حفيظة العباسيين، الذين ناصبوه العداء، وشجعوا أخاه الأمين عليه، ولسوف يزيد من حنقهم، وغضبهم: حتي إنهم رضوا بإبراهيم بن شكلة المغني خليفة عليهم، عندما سمعوا بهذا النبأ الذي كان له وقع الصاعقة عليهم.
كما أن من الطبيعي أن يثير دهشتهم، ويذهلهم.. بعد أن لم يكن (٢٠٥) صفحهمفاتيح البحث: الوجوب (1)
بينهم رجالات كفاة، يدركون ألاعيب السياسة، ودهاء ومكر الرجال.
وقد عبر عن دهشتهم هذه نفس الخليفة الذي اختاروه، واستعاضوا به عن المأمون. فلقد قال ابن شكلة معاتبا العباسيين:
فلا جزيت بنو العباس خيرا * علي رغمي ولا اغتبطت بري أتوني مهطعين، وقد أتاهم * بوار الدهر بالخبر الجلي وقد ذهل الحواضن عن بنيها * وصد الثدي عن فمه الصبي وحل عصائب الاملاك منها * فشدت في رقاب بني علي فضجت أن تشد علي رؤوس * تطالبها بميراث النبي (1) ب - ولكن دهشتهم وغضبهم لا قيمة لهما، في جانب ذهاب الخلافة عنهم بالكلية، وسفك دمائهم.. وقد أوضح لهم ذلك في رسالة منه إليهم، حيث قال: ".. وأما ما كنت أردته من البيعة لعلي بن موسي، بعد استحقاق منه لها في نفسه، فما كان ذلك مني إلا أن أكون الحاقن لدمائكم، والذائد عنكم، باستدامة المودة بيننا وبينهم. ". والرسالة مذكورة في أواخر هذا الكتاب.
وقريب من ذلك ما جاء في وثيقة العهد، مخاطبا " أهل بيت أمير المؤمنين " حيث قال لهم: ".. راجين عائدته في ذلك (أي في البيعة للرضا عليه السلام) في جمع ألفتكم، وحقن دمائكم، ولم شعثكم، وسد ثغوركم. " فليغضبوا إذن قليلا، فإنهم سوف يفرحون في نهاية الأمر كثيرا، وذلك عندما يعرفون الأهداف الحقيقية، التي كانت تكمن وراء تلك اللعبة، وأنها لم تكن إلا من أجل الابقاء عليهم، واستمرار وجودهم (١) التنبيه والإشراف ص ٣٠٣، والولاة والقضاة للكندي ص 168. (٢٠٦) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (1)، بنو عباس (1)
في الحكم، والقضاء علي أخطر خصومهم، الذين لن يكون الصدام المسلح معهم في صالحهم، إنهم دون شك عندما تؤتي تلك اللعبة ثمارها سوف يشكرونه، ويعترفون له بالجميل، ويعتبرون أنفسهم مدينين له مدي الحياة، ولسوف يذكرون دائما قوله لهم في رسالته المشار إلها آنفا: ". فإن تزعموا أني أردت أن يؤول إليهم (يعني للعلويين) عاقبة ومنفعة، فإني في تدبيركم، والنظر لكم، ولعقبكم، ولأبنائكم من بعدكم. ".
ومضمون هذه العبارة بعينه - تقريبا - قد جاء في وثيقة العهد، حيث قال فيها، موجها كلامه للعباسيين، رجاء أن يلتفتوا لما يرمي إليه من لعبته تلك.. فبعد أن طلب منهم بيعة منشرحة لها صدورهم - قال -: ".. عالمين بما أراد أمير المؤمنين بها، وآثر طاعة الله، والنظر لنفسه، ولكم فيها، شاكرين الله علي ما ألهم أمير المؤمنين، من قضاء حقه في رعايتكم، وحرصه علي رشدكم، وصلاحكم، راجين عائدته في ذلك في جمع ألفتكم، وحقن دمائكم إلخ. ما قومناه.. ".
لا شك أنه إذا غضب عليه العباسيون، فإنه يقدر علي إرضائهم في المستقبل، " وقد حدث ذلك بالفعل " عندما يطلعهم علي حقيقة نواياه، ومخططاته، وأهدافه، ولكنه إذا خسر مركزه، وخلافته، فإنه لا يستطيع - فيما بعد - أن يستعيدها بسهولة، أو أن يعتاض عنها بشئ ذي بال.
ج -: إن من الإنصاف هنا أن نقول: إن اختيار المأمون للرضا (ع) وليا للعهد، كان اختيارا موفقا للغاية، كما سيتضح، وإنه لخير دليل علي حنكته ودهائه، وإدراكه للأسباب الحقيقية للمشاكل التي كان يواجهها المأمون، ويعاني منها ما يعاني.
د -: إن من الأمور الجديرة بالملاحظة هنا هو أن اختيار المأمون (٢٠٧) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (1)، الإختيار، الخيار (2)، الخسران (1)، البول (1)
لولي عهده، الذي لم يقبل إلا بعد التهديد بالقتل.. كان ينطوي في بادئ الرأي علي مغامرة لا تنسجم مع ما هو معروف عن المأمون من الدهاء والسياسة، إذا ما أخذت مكانة الإمام (ع)، ونفوذه بنظر الاعتبار، سيما مع ملاحظة: أنه هو الذي كان يشكل أكبر مصدر للخطر علي المأمون، ونظام حكمه، حيث إنه كان يحظي بالاحترام والتقدير، والتأييد الواسع في مختلف الفئات والطبقات في الأمة الإسلامية.
ولكننا إذا دققنا الملاحظة نجد أن المأمون لم يقدم علي اختيار الإمام وليا للعهد، إلا وهو علي ثقة من استمرار الخلافة في بني أبيه، حيث كان الإمام (ع) يكبره ب " 22 " سنة، وعليه فجعل ولاية العهد لرجل بينه، وبين الخليفة الفعلي هذا الفارق الكبير بالسن، لم يكن يشكل خطرا علي الخلافة، إذ لم يكن من المعروف، ولا المألوف أن يعيش ولي العهد - وهو بهذه السن المتقدمة - لو فرض سلامته من الدسائس والمؤامرات!.. إلي ما بعد الخليفة الفعلي، فإن ذلك من الأمور التي يبعد احتمالها جدا.
ه -: ولهذا.. ولأن ما أقدم عليه لم يكن منتظرا من مثله، وهو الذي قتل أخاه من أجل الخلافة والملك، ولأنه من تلك السلالة المعادية لأهل البيت عليهم السلام.. احتاج المأمون إلي أن يثبت صدقه، وإخلاصه فيما أقدم عليه، وأن يقنع الناس بصفاء نيته، وسلامة طويته.. فأقدم لذلك. علي عدة أعمال:
فأولا: أقدم علي نزع السواد شعار العباسيين، ولبس الخضرة شعار العلويين وكان يقول: إنه لباس أهل الجنة (1). حتي إذا ما انتهي دور هذه الظاهرة بوفاة الإمام الرضا (ع) وتمكنه هو من دخول بغداد (1) الإمام الرضا ولي عهد المأمون ص 62 عن ابن الأثير. (٢٠٨) صفحهمفاتيح البحث: أهل بيت النبي صلي الله عليه وآله (1)، الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (1)، مدينة بغداد (1)، الوسعة (1)، اللبس (1)، القتل (2)، الإختيار، الخيار (1)، إبن الأثير (1)
عاد إلي لبس السواد شعار العباسيين، بعد ثمانية أيام فقط من وصوله، علي حد قول أكثر المؤرخين، وقيل: بل بقي ثلاثة أشهر. نزع الخضرة رغم أن العباسيين، تابعوه، وأطاعوه في لبسها، وجعلوا يحرقون كل ملبوس يرونه من السواد، علي ما صرح به في مآثر الإنافة، والبداية والنهاية، وغير ذلك.
وثانيا: ولنفس السبب (1) أيضا نراه قد ضرب النقود باسم الإمام الرضا (ع).
وثالثا: أقدم للسبب نفسه علي تزويج الإمام الرضا (ع) ابنته، رغم أنها كانت بمثابة حفيدة له، حيث كان يكبرها الإمام (ع) بحوالي أربعين سنة. كما أنه زوج ابنته الأخري للإمام الجواد (ع) الذي كان لا يزال صغيرا، أي ابن سبع سنين (2).
ومن يدري: فلعله كان يهدف من تزويجهما أيضا إلي أن يجعل عليهما رقابة داخلية. وأن يمهد السبيل، لكي تكون الأداة الفعالة، التي (١) التربية الدينية ص ١٠٠.
(٢) راجع مروج الذهب ج ٣ / ٤٤١، وغيره من كتب التاريخ. وفي الطبري ج ١١ / ١١٠٣، طبع ليدن، والبداية والنهاية ج ١٠ / 269: أنه (ع) لم يدخل بها إلا في سنة 215 للهجرة، ولكن يظهر من اليعقوبي ج 2 / 454 ط صادر: أنه زوج الجواد ابنته بعد وصوله إلي بغداد، وأمر له بألفي ألف درهم، وقال: إني أحببت أن أكون جدا لامرئ ولده رسول الله، وعلي بن أبي طالب، فلم تلد منه انتهي. وهذا يدل علي أنه قد بادر إلي تزويج الجواد بعد قتل أبيه الرضا (ع) ليبرئ نفسه من الاتهام بقتل الرضا (ع)، حيث إن الناس كانوا مقتنعين تقريبا بذلك ومطمئنين إليه، وسيأتي في أواخر الكتاب البحث عن ظروف وملابسات وفاته (ع) ويلاحظ: أن كلمة المأمون هذه تشبه إلي حد بعيد كلمة عمر بن الخطاب حينما أراد أن يبرر إصراره غير الطبيعي علي الزواج بأم كلثوم بنت علي (ع) حتي لقد استعمل أسلوبا غير مألوف في التهديد والوعيد من أجل الوصول إلي ما يريد. (٢٠٩) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (4)، الإمام محمد بن علي الجواد عليهما السلام (1)، كتاب البداية والنهاية (2)، اللبس (1)، الضرب (1)، الهدف (1)، الزوج، الزواج (4)، السب (1)، تزويج أم كلثوم من عمر (1)، كتاب مروج الذهب للمسعودي (1)، الخليفة عمر بن الخطاب (1)، علي بن أبي طالب (1)، مدينة بغداد (1)، القتل (2)، الجود (2)
يستعملها في القضاء علي الإمام (ع)، كما كان الحال بالنسبة لولده الإمام الجواد، الذي قتل بالسم الذي دسته إليه ابنة المأمون، بأمر من عمها المعتصم (1)، فيكون بذلك قد أصاب عدة عصافير بحجر واحد.
كما يقولون.. ويجب أن نتذكر هنا: أن المأمون كان قد حاول أن يلعب نفس هذه اللعبة مع وزيره الفضل بن سهل، فألح عليه أن يزوجه ابنته فرفض، وكان الرأي العام معه، فلم يستطع المأمون أن يفعل شيئا، كما سنشير إليه.. لكن الإمام (ع) لم يكن له إلي الرفض سبيل، ولم يكن يستطيع أن يصرح بمجبوريته علي مثل هكذا زواج. لأن الرأي العام لا يقبل ذلك منه بسهولة.. بل ربما كان ذلك الرفض سببا في تقليل ثقة الناس بالإمام، حيث يرون حينئذ أنه لا مبرر لشكوكه تلك، التي تجاوزت - بنظرهم حينئذ - كل الحدود المألوفة والمعروفة..
وعلي كل حال: فإن كل الشواهد والدلائل تشير إلي أن زواج الإمام من ابنة المأمون كان سياسيا، مفروضا إلي حد ما.. كما أننا لا نستبعد أن يكون زواج المأمون من بوران بنت الحسن بن سهل سياسيا أيضا، حيث أراد بذلك أن يوثق علاقاته مع الإيرانيين، ويجعلهم يطمئنون إليه، خصوصا بعد عودته إلي بغداد، وتركه مروا، وليبرئ نفسه من دم الفضل بن سهل، ويكتسب ثقة أخيه الحسن بن سهل، المعرف بثرائه ونفوذه.
ورابعا: وللسبب نفسه أيضا كان يظهر الاحترام والتبجيل للإمام (ع) - وإن كان يضيق عليه في الباطن (2) - وكذلك كانت الحال بالنسبة لإكرامه (1) ولعله قد استفاد ذلك من سلفه معاوية، وما جري له مع الإمام الحسن السبط عليه السلام، (2) وقد سبقه إلي مثل ذلك سليمان عم الرشيد، عندما أرسل غلمانه، فأخذوا جنازة الكاظم عليه السلام من غلمان الرشيد، وطردوهم. ثم نادوا عليه بذلك النداء المعروف، اللائق بشأنه، فمدحه الرشيد، واعتذر إليه، ولام نفسه، حيث لم يأخذ في اعتباره ما يترتب علي ما أقدم عليه من ردة فعل لدي الشيعة، ومحبي أهل البيت عليهم السلام، والذين قد لا يكون للرشيد القدرة علي مواجهتهم.
وتبعه أيضا المتوكل، حيث جاء بالإمام الهادي عليه السلام إلي سامراء، فكان يكرمه في ظاهر الحال، ويبغي له الغوائل في باطن الأمر، فلم يقدره الله عليه.. علي ما صرح به ابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة ص 226، والمجلسي في البحار ج 50 / 203، والمفيد في الإرشاد ص 314. (٢١٠) صفحهمفاتيح البحث: مدينة بغداد (1)، الحسن بن سهل (2)، الفضل بن سهل (2)، القتل (1)، الزوج، الزواج (2)، الجود (1)، أهل بيت النبي صلي الله عليه وآله (1)، الإمام الحسين بن علي سيد الشهداء (عليهما السلام) (1)، الإمام علي بن محمد الهادي عليه السلام (1)، كتاب الإرشاد للشيخ المفيد (1)، كتاب الفصول المهمة لإبن صباغ المالكي (1)، مدينة سامراء المقدسة (1)، العلامة المجلسي (1)
للعلويين، حيث قد صرح هو نفسه بأن إكرامه لهم ما كان إلا سياسة منه ودهاء، ومن أجل الوصول إلي أهداف سياسية معينة، فقد قال في رسالته للعباسيين، المذكورة في أواخر هذا الكتاب: ".. وأما ما كنت أردته من البيعة لعلي بن موسي … فما كان ذلك مني، إلا أن أكون الحاقن لدمائكم، والذائد عنكم، باستدامة المودة بيننا وبينهم. وهي الطريق أسلكها في إكرام آل أبي طالب، ومواساتهم في الفئ، بيسير ما يصيبهم منه. ".
ويذكرني قول المأمون: " ومواساتهم في الفئ إلخ.. " بقول إبراهيم بن العباس الصولي - وهو كاتب القوم وعاملهم - في الرضا عندما قربه المأمون:
يمن عليكم بأموالكم * وتعطون من مئة واحدا و -: إن المأمون - ولا شك - كان يعلم: أن ذلك كله - حتي البيعة للإمام - لا يضره ما دام مصمما علي التخلص من ولي عهده هذا بأساليبه الخاصة. بعد أن ينفذ ما تبقي من خطته الطويلة الأجل، للحط من الإمام قليلا قليلا، حتي يصوره للرعية بصورة من لا يستحق لهذا الأمر - كما صرح هو نفسه (1)، وكما صرح بذلك أيضا عبد الله بن موسي في رسالته إلي المأمون، والتي سوف نوردها في أواخر هذا (1) سنتكلم في القسم الرابع من هذا الكتاب، حول تصريحات المأمون، وخططه بنوع من التفصيل إن شاء الله تعالي. (٢١١) صفحهمفاتيح البحث: الهدف (1)، الضرر (1)
الكتاب إن شاء الله، حيث يقول له فيها: ".. وكنت ألطف حيلة منهم. بما استعملته من الرضا بنا، والتستر لمحننا، تختل واحدا فواحدا منا إلخ. " (1).
إلي غير ذلك من الشواهد والدلائل، التي لا تكاد تخفي علي أي باحث، أو متتبع..
أهداف المأمون من البيعة:
هذا.. وبعد كل الذي قدمناه، فإننا نستطيع في نهاية المطاف: أن نجمل أهداف المأمون، وما كان يتوخاه من أخذ البيعة للرضا (ع) بولاية العهد بعده.. علي النحو التالي:
الهدف الأول:
أن يأمن الخطر الذي كان يتهدده من قبل تلك الشخصية الفذة، شخصية الإمام الرضا (ع) الذي كانت كتبه تنفذ في المشرق والمغرب، وكان الأرضي في الخاصة والعامة - باعتراف نفس المأمون -، حيث لا يعود باستطاعة الإمام (ع) أن يدعو الناس إلي الثورة ولا أن يأتي بأية حركة ضد الحكم، بعد أن أصبح هو ولي العهد فيه. ولسوف لا ينظر الناس إلي أية بادرة عدائية منه لنظام الحكم القائم إلا علي أنها نكران للجميل، لا مبرر لها، ولا منطق يدعمها.
وقد أشار المأمون إلي ذلك، عندما صرح بأنه: خشي إن ترك الإمام علي حاله: أن ينفتق عليه منه ما لا يسده، ويأتي منه عليه ما لا يطيقه (١) مقاتل الطالبيين ص ٦٢٩. (٢١٢) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (2)، يوم عاشوراء (1)، الهدف (1)، الطواف، الطوف، الطائفة (1)، كتاب مقاتل الطالبيين لأبو الفرج الأصفهاني (1)
فأراد أن يجعله ولي عهده ليكون دعاؤه له. كما سيأتي بيانه في فصل:
مع بعض خطط المأمون إن شاء الله تعالي.
الهدف الثاني:
أن يجعل هذه الشخصية تحت المراقبة الدقيقة، والواعية من قرب، من الداخل والخارج، وليمهد الطريق من ثم إلي القضاء عليها بأساليبه الخاصة. وقد أشرنا فيما سبق، إلي أننا لا نستبعد أن يكون من جملة ما كان يهدف إليه من وراء تزويجه الإمام بابنته، هو: أن يجعل عليه رقيبا داخليا موثوقا عنده هو، ويطمئن إليه الإمام نفسه.
وإذا ما لاحظنا أيضا، أن: " المأمون كان يدس الوصائف هدية ليطلعنه علي أخبار من شاء (1).. "، وأنه كان: للمأمون علي كل واحد صاحب خبر (2). ". فإننا نعرف السر في إرساله بعض جواريه إلي الإمام الرضا (ع) بعنوان: هدية.. وقد أرجعها الإمام (ع) إليه مع عدة أبيات من الشعر، عندما رآها اشمأزت من شيبه (3).
ولم يكتف بذلك، بل وضع علي الإمام (ع) عيونا آخرين، يخبرونه بكل حركة من حركاته، وكل تصرف من تصرفاته.
فقد كان: " هشام بن إبراهيم الراشدي من أخص الناس عند الرضا (ع)، وكانت أمور الرضا تجري من عنده، وعلي يده، ولكنه لما حمل إلي مرو اتصل هشام بن إبراهيم بذي الرئاستين، والمأمون، (1) تاريخ التمدن الإسلامي ج 5 جلد 2 ص 549، نقلا عن: العقد الفريد ج 1 / 148.
(2) تاريخ التمدن الإسلامي ج 4 جلد 2 ص 441، نقلا عن: المسعودي ج 2 / 225، وطبقات الأطباء ج 1 / 171، (3) البحار ج 49 / 164، وعيون أخبار الرضا ج 2 / 178. (٢١٣) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (2)، هشام بن إبراهيم الراشدي (1)، هشام بن إبراهيم (1)، الهدف (1)، كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام (1)، الطب، الطبابة (1)
فحظي بذلك عندهما. وكان لا يخفي عليهما شيئا من أخباره، فولاه المأمون حجابة الرضا. وكان لا يصل إلي الرضا إلا من أحب، وضيق علي الرضا، فكان من يقصده من مواليه، لا يصل إليه. وكان لا يتكلم الرضا في داره بشئ إلا أورده هشام علي المأمون، وذي الرئاستين.. " (1) وعن أبي الصلت: أن الرضا " كان يناظر العلماء، فيغلبهم، فكان الناس يقولون: والله، إنه أولي بالخلافة من المأمون، فكان أهل الأخبار يرفعون ذلك إليه.. " (2) وأخيرا.. فإننا نلاحظ: أن جعفر بن محمد بن الأشعث، يطلب من الإمام (ع): أن يحرق كتبه إذا قرأها، مخافة أن تقع في يد غيره، ويقول الإمام (ع) مطمئنا له: " إني إذا قرأت كتبه إلي أحرقتها. " (3) إلي غير ذلك من الدلائل والشواهد الكثيرة، التي لا نري أننا بحاجة إلي تتبعها واستقصائها.
الهدف الثالث:
أن يجعل الإمام (ع) قريبا منه، ليتمكن من عزله عن الحياة الاجتماعية، وإبعاده عن الناس، وإبعاد الناس عنه، حتي لا يؤثر عليهم بما يمتلكه من قوة الشخصية، وبما منحه الله إياه من العلم، (١) البحار ج ٤٩ / ١٣٩، ومسند الإمام الرضا ج ١ / ٧٧، ٧٨، وعيون أخبار الرضا ج ٢ / ١٥٣.
(٢) شرح ميمية أبي فراس ص ٢٠٤، والبحار ج ٤٩ / ٢٩٠، وعيون أخبار الرضا ج ٢ / ٢٣٩.
(٣) كشف الغمة ج ٣ / 92، ومسند الإمام الرضا ج 1 / 187، وعيون أخبار الرضا ج 2 / 219. (٢١٤) صفحهمفاتيح البحث: جعفر بن محمد بن الأشعث (1)، المنح (1)، كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام (3)، كتاب كشف الغمة للإربلي (1)
والعقل، والحكمة. ويريد أن يحد من ذلك النفوذ له، الذي كان يتزايد باستمرار، سواء في خراسان، أو في غيرها.
وأيضا.. أن لا يمارس الإمام أي نشاط لا يكون له هو دور رئيس فيه، وخصوصا بالنسبة لرجال الدولة، إذ قد يتمكن الإمام (ع) من قلوبهم، ومن ثم من تدبير شئ ضد النظام القائم. دون أن يشعر أحد.
والأهم من ذلك كله: أنه كان يريد عزل الإمام (ع) عن شيعته، ومواليه، وقطع صلاتهم به، وليقطع بذلك آمالهم، ويشتت شملهم، ويمنع الإمام من أن يصدر إليهم من أوامره، ما قد يكون له أثر كبير علي مستقبل المأمون، وخلافته.
وبذلك يكون أيضا قد مهد الطريق للقضاء علي الإمام (ع) نهائيا، والتخلص منه بالطريقة المناسبة، وفي الوقت المناسب.
وقد قال المأمون إنه: " يحتاج لأن يضع من الإمام قليلا قليلا، حتي يصوره أمام الرعية بصورة من لا يستحق لهذا الأمر. ثم يدبر فيه بما يحسم عنه مواد بلائه. " كما سيأتي.
وقد قرأنا آنفا أنه: " كان لا يصل إلي الرضا إلا من أحب (أي هشام بن إبراهيم) وضيق علي الرضا، فكان من يقصده من مواليه، لا يصل إليه ".
كما أن الرضا نفسه قد كتب في رسالته منه إلي أحمد بن محمد البيزنطي، يقول: " وأما ما طلبت من الإذن علي، فإن الدخول إلي صعب، وهؤلاء قد ضيقوا علي في ذلك الآن، فلست تقدر الآن، وسيكون إن شاء الله. " (1) (1) رجال المامقاني ج 1 / 79، وعيون أخبار الرضا ج 2 / 212. (٢١٥) صفحهمفاتيح البحث: هشام بن إبراهيم (1)، أحمد بن محمد (1)، خراسان (1)، كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام (1)
كما أننا نري أنه عندما وصل إلي القادسية، وهو في طريقه إلي مرو، يقول لأحمد بن محمد بن أبي نصر: " إكتر لي حجرة لها بابان: باب إلي الخان، وباب إلي خارج، فإنه أستر عليك.. " (1).
ولعل ذلك هو السبب في طلبه من الإمام (ع)، ومن رجاء بن أبي الضحاك: أن يمرا عن طريق البصرة، فالأهواز إلخ.. كما سيأتي:
ولا نستبعد أيضا أن يكون عزل الإمام عن الناس، هو أحد أسباب إرجاع الإمام الرضا عن صلاة العيد مرتين (2). وللسبب نفسه أيضا فرق عنه تلامذته، عندما أخبر أنه يقوم بمهمة التدريس، وحتي لا يظهر علم الإمام، وفضله.. إلي آخر ما هنالك من صفحات تاريخ المأمون السوداء.
الهدف الرابع:
إن المأمون في نفس الوقت الذي يريد فيه أن يتخذ من الإمام مجنا يتقي به سخط الناس علي بني العباس، ويحوط نفسه من نقمة الجمهور.
يريد أيضا، أن يستغل عاطفة الناس ومحبتهم لأهل البيت - والتي زادت (١) بصائر الدرجات ص ٢٤٦، ومسند الإمام الرضا ج ١ / ١٥٥.
(٢) هذه القضية معروفة ومشهورة، فراجع: الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي ص ٢٤٦، ٢٤٧، ومطالب السؤول، لمحمد بن طلحة الشافعي، طبعة حجرية ص ٨٥، وإثبات الوصية للمسعودي ص ٢٠٥، ومعادن الحكمة ص، ١٨٠، ١٨١، ونور الأبصار ص ١٤٣، وشرح ميمية أبي فراس ص ١٦٥، وإعلام الوري ص ٣٢٢، ٣٢٣، وروضة الواعظين ج ١ / ٢٧١، ٢٧٢، وأصول الكافي ج ١ / 489، 490، والبحار ج 49 / 135، 136، 171، 172، وعيون أخبار الرضا، وإرشاد المفيد، وأعيان الشيعة، وكشف الغمة، وغير ذلك.
ولسوف يأتي فصل: خطة الإمام، وغيره من الفصول، ما يتعلق بذلك إن شاء الله تعالي. (٢١٦) صفحهمفاتيح البحث: علم المعصوم (1)، بنو عباس (1)، أحمد بن محمد بن أبي نصر (1)، مدينة البصرة (1)، الصّلاة (1)، السب (1)، كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام (1)، كتاب الفصول المهمة لإبن صباغ المالكي (1)، كتاب نور الأبصار للشبلنجي (1)، كتاب إعلام الوري بأعلام الهدي (1)، كتاب أصول الكافي للشيخ الكليني (1)، كتاب كشف الغمة للإربلي (1)، كتاب أعيان الشيعة للأمين (1)، محمد بن طلحة (1)
ونمت بعد الحالة التي خلفتها الحرب بينه وبين أخيه - ويوظف ذلك في صالحه هو، وصالح الحكم العباسي بشكل عام.
أي أنه. كان يهدف من وراء لعبته تلك، والتي كان يحسب أنها سوف تكون رابحة جدا - إلي أن يحصل علي قاعدة شعبية، واسعة، وقوية. حيث كان يعتقد ويقدر: أن نظام حكمه سوف ينال من التأييد، والقوة، والنفوذ، بمقدار ما كان لتلك الشخصية من التأييد، والنفوذ والقوة. وإذا ما استطاع في نهاية الأمر أن يقضي عليها، فإنه يكون قد أمن خطرا عظيما، كان يتهدده من قبلها. بمقدار ما كان لها من العظمة والخطر.
إن المأمون قد اختار لولاية عهده رجلا يحظي بالاحترام والتقدير من جميع الفئات والطبقات، وله من النفوذ، والكلمة المسموعة، لما لم يكن لكل أحد سواه في ذلك الحين. بل لقد كان الكثيرون يرون: أن الخلافة حق له، وينظرون إلي الهيئة الحاكمة علي أنها ظالمة له وغاصبة لذلك الحق:
يقول الدكتور الشيبي، وهو يتحدث عن الرضا (ع): " إن المأمون جعله ولي عهده، لمحاولة تألف قلوب الناس ضد قومه العباسيين، الذين حاربوه، ونصروا أخاه (1). ".
ويقول:. وقد كان الرضا من قوة الشخصية، وسمو المكانة:
أن التف حوله المرجئة، وأهل الحديث، والزيدية، ثم عادوا إلي مذاهبهم بعد موته. " (2). (1) الصلة بين التصوف والتشيع ص 223، 224.. ونحن لا نوافق الدكتور الشيبي علي أنه كان يريد التقوي بذلك علي العباسيين، كما اتضح، وسيتضح إن شاء الله.
(2) المصدر السابق ص 214. (٢١٧) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (1)، الموت (1)، الهدف (1)، الحرب (1)، الوسعة (1)
وكذلك هو يقول - وهو مهم فيما نحن بصدده -: ".. إن الرضا لم يكن بعد توليته العهد إمام الشيعة وحدهم، وإنما مر بنا:
أن الناس، حتي أهل السنة، والزيدية، وسائر الطوائف الشيعية المتناحرة.. قد اجتمعت علي إمامته، واتباعه، والالتفاف حوله. " (1).
وهذا كما تري تصريح واضح منه بهدف المأمون، الذي نحن بصدد بيانه.
ويقول محمد بن طلحة الشافعي مشيرا إلي ذلك، في معرض حديثه عن الإمام الرضا (ع): ".. نما إيمانه، وعلا شأنه، وارتفع مكانه، وكثر أعوانه، وظهر برهانه، حتي أدخله الخليفة المأمون محل مهجته، وأشركه في مملكته. " (2).
وتقدم أنه (ع) كان - باعتراف المأمون - " الأرضي في الخاصة، والعامة. " وأن كتبه كانت تنفذ في المشرق والمغرب، حتي إن البيعة له بولاية العهد، لم تزده في النعمة شيئا.. وأنه كان له من قوة الشخصية ما دفع أحد أعدائه لأن يقول في حقه للمأمون: " هذا الذي بجنبك والله صنم يعبد دون الله " إلي آخر ما هنالك، مما قدمنا " غيضا من فيض منه ".
كما وتقدم أيضا قول المأمون في رسالته للعباسيين: ".. وإن تزعموا:
أني أردت أن يؤول إليهم عاقبة ومنفعة (يعني للعلويين)، فإني في تدبيركم، والنظر لكم. ولعقبكم، وأبنائكم من بعدكم.. "، وأيضا عبارته التي كتبها المأمون بخط يده في وثيقة العهد، فلا نعيد.
وهكذا.. فما علي العباسيين إلا أن ينعموا بالا، ويقروا عينا، فإن المأمون كان يدبر الأمر لصالحهم ومن أجلهم.. وليس كما يقوله (١) المصدر السابق ص ٢٥٦.
(٢) مطالب السؤول ص ٨٤، ٨٥. وقريب منه ما في: الإتحاف بحب الأشراف ص ٥٨. (٢١٨) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (1)، محمد بن طلحة (1)، كتاب الأشراف للشيخ المفيد (1)
الدكتور الشيبي، وغيره من أنه أراد أن يحصل علي التأييد الواسع، ليقابل العباسيين، ويقف في وجههم.
إشارة هامة لا بد منها:
هذا. ويحسن بنا أن نشير هنا: إلي ما قاله ابن المعتز في الروافض.
وإلقاء نظرة فاحصة علي السبب الذي جعلهم مستحقين لهذه الحملة الشعواء منه.. فهو يقول:
لقد قال الروافض في علي * مقالا جامعا كفرا وموقا زنادقة أرادت كسب مال * من الجهال فاتخذته سوقا وأشهد أنه منهم بري * وكان بأن يقتلهم خليقا كما كذبوا عليه وهو حي * فأطعم ناره منهم فريقا وكانوا بالرضا شغفوا زمانا * وقد نفخوا به في الناس بوقا وقالوا: إنه رب قدير * فكم لصق السواد به لصوقا (1) وهذه الأبيات تعبر عن مدي صدمة ابن المعتز، وخيبة أمله في الروافض، الذين ضايقه جدا امتداد دعوتهم في طول البلاد الإسلامية، وعرضها. وخصوصا في زمن الرضا. والذي لم يجد شيئا يستطيع أن ينتقص به إمامهم الرضا (ع) سوي أنه كان أسود اللون، وأن الروافض قالوا: إنه رب قدير.. وسر حنقه هذا علي الروافض ليس هو إلا عقيدتهم في علي (ع) - التي كان يراها خطرا حقيقيا علي القضية العباسية - والتي تتخلص بأنه (ع): يستحق الخلافة بالنص. وهذه العقيدة والمقالة هي التي جعلتهم يستحقون من ابن المعتز أن يجمع لهم بين (1) ديوان ابن المعتز ص 300، 301، والأدب في ظل التشيع ص 206. (٢١٩) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (1)، الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام (1)، الوسعة (1)، الكسب (1)، السب (1)
وصفي الكفر والزندقة، واتهامه لهم، بأنهم يقصدون بذلك كسب المال من الجهال. ثم يتهمهم بأنهم قد قالوا بنفس هذه المقالة في علي الرضا (ع)، فقالوا: إنه الإمام الثابت إمامته بالنص، وشهروا بذلك، حتي علم به عامة الناس، ونفخوا به في الناس بوقا.. وحتي لقد التف حوله أهل الحديث، والزيدية. بل والمرجئة، وأهل السنة، علي حد تعبير الشيبي، وقالوا: بإمامة أبيه، ثم بإمامته.
وبديهي.. أن لا يرتاح ابن المعتز، الذي كان في صميم الأسرة العباسية لهذا الامتداد للتشيع، ولمقالة الروافض، حيث إن ذلك يعني أن الأئمة الذين هم بين الرضا، وعلي أمير المؤمنين عليهما السلام، كلهم تثبت إمامتهم بالنص.
ولقد بلغ من حقنه عليهم، بسبب ذلك الامتداد الواسع لعقيدتهم - وخصوصا في زمان الرضا - أن دفعه إلي أن يخلط عن عمد، أو عن غير عمد بين عقيدة الروافض هذه، وبين عقيدة الغلاة، حيث أضاف إلي مقالة الروافض تلك مقالة أخري، هي: القول بألوهية علي (ع).
وإذا كنا واثقين من أن الفرق الشاسع بين عقيدة الروافض، وعقيدة الغلاة، لم يكن ليخفي علي مثل ابن المعتز، بل علي من هو أقل منه بمراتب، فإننا سوف ندرك بما لا مجال معه للشك:
أن يقصد بهذا الخلط المتعمد: التشنيع علي الروافض، وتهجين عقيدتهم، إذ أنه يقصد ب " الروافض "، - حسبما هو صريح كلامه - خصوص القائلين بإمامة الرضا، وإمامة علي أمير المؤمنين، ومن بينهما. وهو يعلم وكل أحد يعلم: أنه ليس فيهم من يقول بألوهية أحدهما، أو ألوهيتهما، أو ألوهية غيرهما من أئمة أهل البيت عليهم السلام.
وأخيرا.. فإن قول واعتراف ابن المعتز هذا - وهو من نعلم - (٢٢٠) صفحهمفاتيح البحث: أهل بيت النبي صلي الله عليه وآله (1)، الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام (2)، الوسعة (1)، الكسب (1)
لخير دليل علي مدي تحرر الشيعة في زمن الرضا، واتساع نفوذهم، وعلي أن شخصية الرضا (ع)، كانت قد استقطبت قطاعا واسعا، إن لم نقل: أنه القطاع الأكبر من الأمة الإسلامية، في طول البلاد وعرضها، في تلك الفترة من الزمن، وقد تقدم بعض ما يدل علي ذلك، فلا نعيد.
الهدف الخامس:
هذا.. ونستطيع أن نقول أيضا: إنه كان يريد أن يقوي من دعائم حكمه، حيث قد أصبح الحكم يمتلك شخصية تعنو لها الجباه بالرضا والتسليم، ولقد كان الحكم بأمس الحاجة إلي شخصية من هذا القبيل.
في مقابل أولئك المتزلفين القاصرين، الذين كانوا يتجمعون حول الحكم العباسي، طلبا للشهرة، وطمعا بالمال، والذين لم يعد يخفي علي أحد حالهم ومآلهم.. وعلي الأخص بعد أن رأي فشلهم في صد حملات علماء الملل الأخري، والذين كانوا قد ضاعفوا نشاطاتهم، عندما رأوا ضعف الدولة، وتمزقها، وتفرقها إلي جماعات وأحزاب.
نعم. لقد كان الحكم يحتاج إلي العلماء الأكفاء، والأحرار في تفكيرهم، وفي نظرتهم الواعية للإنسان والحياة، ولم يعد بحاجة إلي المتزلفين، والجامدين، والانهزاميين، ولهذا نراه يستبعد أصحاب الحديث الجامدين، الذين كان أكثرهم في الجهة المناوئة له، يشدون من أزرها، ويقيمون أودها.. ويقرب المعتزلة: كبشر المريسي، وأبي الهذيل العلاف وأضرابهما. ولكن الشخصية العلمية، التي لا يشك أحد في تفوقها علي جميع أهل الأرض علما وزهدا، وورعا وفضلا الخ. كانت منحصرة في الإمام الرضا (ع)، باعتراف من نفس المأمون، كما قدمنا، ولهذا فقد كان الحكم يحتاج إليها أكثر من احتياجه لأية شخصية أخري، مهما بلغت. (٢٢١) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (2)، مدرسة المعتزلة (1)، الحاجة، الإحتياج (1)
الهدف السادس:
ولعل من الأهمية بمكان بالنسبة إليه، أنه يكون في تلك الفترة المليئة بالقلاقل والثورات، قد أتي الأمة بمفاجئة مثيرة، من شأنها أن تصرف أنظار الناس عن حقيقة ما يجري، وما يحدث، وعن واقع المشاكل التي كان يعاني الحكم والأمة منها، وما أكثرها.
وقد عبر إبراهيم بن المهدي، عن دهشة بني العباس في أبياته المتقدمة.
حتي لقد ذهل - علي حد قوله - الحواضن عن بنيها! وصد الثدي عن فمه الصبي! " وبعد هذا. فلسنا بحاجة إلي كبير عناء، لإدراك مدي دهشة غيرهم:
ممن رأوا وسمعوا بمعاملة العباسيين لأبناء عمهم. ولسوف ندرك مدي عظمة دهشتهم تلك إذا ما لاحظنا: أنهم كانوا سياسيا أقل وعيا وتجربة من مثل إبراهيم بن المهدي، الذي عاش في أحضان الخلافة. وكان بمرأي ومسمع من ألاعيب السياسة، ومكر الرجال.
الهدف السابع:
هذا.. طبيعي بعد هذا: أنه قد أصبح يستطيع أن يدعي، بل لقد ادعي بالفعل - علي ما في وثيقة العهد -: أن جميع تصرفاته، وأعماله، لم يكن يهدف من ورائها، إلا الخير للأمة، ومصلحة المسلمين، وحتي قتله أخاه، لم يكن من أجل الحكم، والرياسة، بقدر ما كان من أجل خير المسلمين، والمصلحة العامة، يدل علي ذلك: أنه عندما رأي أن خير الأمة، إنما هو في إخراج الخلافة من بني العباس كلية، وهم الذين ضحوا الكثير في سبيلها، وقدموا من أجلها ما يعلمه كل أحد - عندما رأي ذلك - وأن ذلك لا يكون إلا بإخراجها إلي ألد أعدائهم، (٢٢٢) صفحهمفاتيح البحث: بنو عباس (2)، الهدف (2)
سارع إلي ذلك، بكل رضي نفس، وطيبة خاطر.. وليكون بذلك قد كفر عن جريمته النكراء، والتي كانت أحد أسباب زعزعة ثقة الناس به، ألا وهي: قتله أخاه الأمين، العزيز علي العباسيين والعرب.
وليكون بذلك، قد ربط الأمة بالخلافة، وكسب ثقتها فيها، وشد قلوب الناس، وأنظارهم إليها، حيث أصبح باستطاعتهم أن ينتظروا منها أن تقيم العدل، وترفع الظلم، وأن تكون معهم، وفي خدمتهم، وتعيش قضاياهم. وليكون لها من ثم من المكانة والتقدير، وما يجعلها في منأي ومأمن من كل من يتحينون بها الفرص، ويبغون لها الغوائل.
ويدل علي ذلك - عدا عما ورد في وثيقة العهد - ما ورد من أن المأمون كتب إلي عبد الجبار بن سعد المساحقي، عامله علي المدينة: أن اخطب الناس، وادعهم إلي بيعة الرضا، فقام خطيبا، فقال:
" يا أيها الناس، هذا الأمر الذي كنتم فيه ترغبون، والعدل الذي كنتم تنتظرون، والخير الذي كنتم ترجون، هذا علي بن موسي، بن جعفر، بن محمد، بن علي، بن الحسين، بن علي بن أبي طالب:
ستة آباؤهم ما هم * من أفضل من يشرب صوب الغمام (1) وقد أكد ذلك بحسن اختياره، إذ قد اختار هذه الشخصية، التي تمثل - في الحقيقة - أمل الأمة، ورجاءها، في حاضرها، ومستقبلها، وتكون النتيجة - بعد ذلك - أنه يكون قد حصل علي حماية لكل تصرف يقدم عليه في المستقبل، وكل عمل يقوم به.. مهما كان غريبا، ومهما كان غير معقول، فإن علي الأمة أن تعتبره صحيحا وسليما، (1) العقد الفريد ج 3 / 392، طبع مصطفي محمد بمصر سنة 1935 و " ما " في البيت زائدة.. ولا يخفي ما في البيت، وقد أثبتناه، كما وجدناه. (٢٢٣) صفحهمفاتيح البحث: علي بن الحسين بن علي (1)، جعفر بن محمد (1)، الظلم (1)، القتل (1)، العزّة (1)
لا بد منه، ولا غني عنه، وإن لم تعرف ظروفه، ودوافعه الحقيقية.
بل وحتي مع علمها بها، فإن عليها أن تؤول ما يقبل التأويل، وإلا.
فإن عليها أن تدفن رأسها في التراب، وتتناسي ما تعلم. أو أن تعتبر نفسها قاصرة عن إدراك المصالح الحقيقية الكامنة في تلك التصرفات الغريبة، وأن ما أدركته - ولو كان حقا - لا واقع له، ولا حقيقة وراءه.
وعلي كل حال، فإنه يتفرع علي ما ذكرناه:
أولا: إنه بعد أن أقدم علي ما أقدم عليه، فليس من المنطقي بعد للعرب أن يسخطوا عليه، بسبب معاملة أبيه، أو أخيه، وسائر أسلافه لهم، فإن المرء بما كسب هو، لا بما كسب أهله، ولا تزر وازرة وزر أخري.
وكيف يجوز لهم أن يغضبوا بعد، وهو قد أرجع الخلافة إليهم، بل وإلي أعرق بيت فيهم. وعرفهم عملا: أنه لا يريد لهم، ولغيرهم، إلا الصلاح والخير..
وليس لهم بعد حق في أن ينقموا عليه معاملته القاسية لهم، ولا قتله أخاه، ولا أن يزعجهم، ويخيفهم تقريبه للإيرانيين، ولا جعله مقر حكمه مروا إلي آخر ما هنالك.. ما دام أن الخلافة قد عادت إليهم، علي حسب ما يشتهون، وعلي وفق ما يريدون.
ومن هنا.. فلا يجب أن نعجب كثيرا، حين نراهم: قد تلقوا بيعة الرضا بنفوس طيبة، وقلوب رضية. حتي أهل بغداد نري أنهم قد تقبلوها إلي حد كبير، فقد نص المؤرخون - ومنهم الطبري، وابن مسكويه - علي أن بعضهم وافق، والبعض الآخر - وهم أنصار بني العباس - رفض. وهذا يدل دلالة واضحة: علي أن بغداد، معقل العباسيين الأول، كانت تتعاطف مع العلويين إلي درجة كبيرة.. (٢٢٤) صفحهمفاتيح البحث: مدينة بغداد (2)، الكسب (2)، الغني (1)، الدفن (1)، الجواز (1)، الرفض (1)
بل ونص المؤرخون، علي أن: إبراهيم بن المهدي، المعروف بابن شكلة، الذي بويع له في بغداد غضبا من تولية الرضا للعهد: لم يستطع أن يسيطر إلا علي بغداد، والكوفة والسواد (1)، بل وحتي الكوفة قد استمرت الحرب قائمة فيها علي ساق وقدم أشهرا عديدة بين أنصار المأمون، وعليهم الخضرة، وأنصار العباسيين وعليهم السواد (2).
وثانيا: وأما الإيرانيون عامة، والخراسانيون خاصة، والمعروفون بتشيعهم للعلويين، فقد ضمن المأمون استمرار تأييدهم له، وثقتهم به، بعد أن حقق لهم غاية أمانيهم. وأغلي أحلامهم، وأثبت لهم عملا، حبه لمن يحبون، ووده لمن يودون.. وأن لا ميزة عنده لعباسي علي غيره، ولا لعربي علي غيره، وأن الذي يسعي إليه، هو - فقط خير الأمة، ومصلحتها، بجميع فئاتها، ومختلف طبقاتها، وأجناسها.
ملاحظة هامة:
إن من الجدير بالملاحظة هنا: أن الرضا (ع) كان قد قدم إلي إيران قبل ذلك. والظاهر أنه قدمها في حدود سنة 193 ه. أي في الوقت المناسب لوفاة الرشيد، فقد ذكر الرضي المعاصر للمجلسي في كتابه: ضيافة الإخوان: أن عليا الرضا (ع) كان مستخفيا في قزوين في دار داوود بن سليمان الغازي أبي عبد الله، ولداوود نسخة يرويها عن الرضا (ع)، وأهل قزوين يروونها عن داوود، كإسحاق بن محمد، وعلي بن مهرويه (3). (١) راجع البداية والنهاية ج ١٠ / ٢٤٨، وغيره من كتب التاريخ. وزاد أحمد شلبي في كتابه: التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية ج ٣ / ١٠٥ - زاد علي ذلك: المدائن أيضا.
(٢) راجع: الكامل لابن الأثير ج ٥ / ١٩٠، والبداية والنهاية ج ١٠ / ٢٤٨، وغير ذلك.
(٣) راجع كتاب: ضيافة الإخوان مخطوط في مكتبة المدرسة الفيضية في قم، في ترجمة أبي عبد الله القزويني، وعلي بن مهرويه القزويني. (٢٢٥) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (3)، دولة ايران (1)، مدينة الكوفة (2)، علي بن مهرويه (2)، إسحاق بن محمد (1)، مدينة بغداد (2)، الحرب (1)، كتاب الكامل لإبن الأثير (1)، كتاب البداية والنهاية (2)
وقال الرافعي في التدوين: " وقد اشتهر اجتياز علي بن موسي الرضا بقزوين. ويقال: إنه كان مستخفيا في دار داوود بن سليمان الغازي، روي عنه النسخة المعروفة، وروي عنه إسحاق بن محمد، وعلي بن مهرويه، وغيرهما.
قال الخليل: وابنه المدفون في مقبرة قزوين، يقال: إنه كان ابن سنتين، أو أصغر. " (1) انتهي كلام الرافعي.
والمراد بالخليل في كلامه، هو الخليل بن عبد الله بن أحمد بن إبراهيم الخليلي، القزويني، وهو الحافظ المشهور، مصنف كتاب الإرشاد، وكتاب تاريخ قزوين، الذي فرغ من تأليفه حوالي سنة أربعمائة هجرية، وكانت وفاته سنة 446 ه.
الهدف الثامن:
لقد كان من نتائج اختياره الإمام، والبيعة له بولاية العهد - التي كان يتوقعها -: أن أخمد ثورات العلويين في جميع الولايات والأمصار.
ولعله لم تقم أية ثورة علوية ضد المأمون - بعد البيعة للرضا، سوي ثورة عبد الرحمان بن أحمد في اليمن. وكان سببها - باتفاق المؤرخين - هو فقط: ظلم الولاة وجورهم، وقد رجع إلي الطاعة بمجرد الوعد بتلبية مطالبه.
بل لا بد لنا أن نضيف إلي ذلك:
أ -: إنه ليس فقط أخمد ثوراتهم. بل لقد حصل علي ثقة (1) التدوين قسم 2 ورقة 235 مخطوط في مكتبة دار التبليغ الإسلامي في قم، ترجمة علي الرضا.. (٢٢٦) صفحهمفاتيح البحث: عبد الرحمان بن أحمد (1)، أحمد بن إبراهيم (1)، علي بن مهرويه (1)، إسحاق بن محمد (1)
الكثيرين منهم، ومن والاهم، وشايعهم. والخراسانيون منهم، ويشير المأمون إلي هذا المعني في رسالته، التي أرسلها إلي عبد الله بن موسي، حيث يقول:
".. ما ظننت أحدا من آل أبي طالب يخافني، بعد ما عملته بالرضا " والرسالة مذكورة في أواخر هذا الكتاب.. كما أنه كتب للعباسيين في بغداد في رسالته، التي أشرنا إليها غير مرة، يقول لهم:
إنه يريد بذلك أن يحقن دماءهم، ويذود عنهم، باستدامة المودة بنيهم، وبين العلويين.
ب: بل ونزيد هنا علي ما تقدم: أنه قد بايعه منهم ومن أشياعهم من لم يكن بعد قد بايعه، وهم قسم كبير جدا، بل لقد بايعه أكثر المسلمين، ودانوا له بالطاعة، بعد أن كانوا مخالفين له ممتنعين عن بيعته، حسبما قدمناه.
وهذه دون شك هي إحدي أمنيات المأمون، بل هي أجل أمنياته وأغلاها.
ج: قال ابن القفطي في معرض حديثه عن عبد الله بن سهل ابن نوبخت:
".. هذا منجم مأموني، كبير القدر في صناعته، يعلم المأمون قدره في ذلك. وكان لا يقدم إلا عالما مشهودا له، بعد الاختيار..
وكان المأمون قد رأي آل أمير المؤمنين، علي بن أبي طالب متخشين، متخفين، من خوف المنصور، ومن جاء بعده من بني العباس. ورأي العوام قد خفيت عنهم أمورهم بالاختفاء، فظنوا ما يظنونه بالأنبياء، ويتفوهون بما يخرجهم عن الشريعة، من التغالي.
فأراد معاقبة العامة علي هذا الفعل. (٢٢٧) صفحهمفاتيح البحث: الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام (1)، بنو عباس (1)، عبد الله بن موسي (1)، مدينة بغداد (1)، الإخفاء (1)، الخوف (1)
ثم فكر: أنه إذا فعل هذا بالعوام زادهم إغراء به، فنظر نظرا دقيقا، وقال: لو ظهروا للناس، ورأوا فسق الفاسق منهم، وظلم الظالم، لسقطوا من أعينهم، ولانقلب شكرهم لهم ذما.
ثم قال: إذا أمرناهم بالظهور خافوا، واستتروا، وظنوا بنا سوءا، وإنما الرأي: أن نقدم أحدهم، ويظهر لهم إماما، فإذا رأوا هذا أنسوا، وظهروا، وأظهروا ما عندهم من الحركات الموجودة في الآدميين، فيحقق للعوام حالهم، وما هم عليه، مما خفي بالاختفاء، فإذا تحقق ذلك أزلت من أقمته، ورددت الأمر إلي حالته الأولي.
وقوي هذا الرأي عنده، وكتم باطنه عن خواصه.. وأظهر للفضل ابن سهل: أنه يريد أن يقيم إماما من آل أمير المؤمنين علي صلوات الله عليه.
وفكر هو وهو: فيمن يصلح، فوقع إجماعهما علي الرضا، فأخذ الفضل بن سهل في تقرير ذلك. وترتيبه وهو لا يعلم باطن الأمر.
وأخذ في اختيار وقت لبيعة الرضا، فاختار طالع السرطان، وفيه المشتري الخ " (1).
ثم ذكر أن عبد الله بن سهل أراد اختبار المأمون، فأخبره أن البيعة لا تتم إذا وقعت في ذلك الوقت، فهدده المأمون بالقتل إن لم تقع البيعة في ذلك الوقت بالذات، لأنه سوف يعتبر أنه هو الذي أفسد عليه ما كان دبره الخ..
وابن القفطي هنا، لا يبدو أنه يعتبر الإمام الرضا (ع) من أولئك الذين يريد المأمون إظهار تفاهاتهم للناس، ولكنه يوجه نظره إلي بقية (1) تاريخ الحكماء ص 221، 222. (٢٢٨) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (1)، الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام (1)، الفضل بن سهل (1)، القتل (1)، الإختيار، الخيار (1)
العلويين في ذلك.. ونحن إن كنا لا نستبعد من المأمون ما ذكره ابن القفطي هنا لكننا لا نستطيع أن نعتبر أن هذا كان من الأسباب الرئيسية لدي المأمون، إذ لا نعتقد أن المأمون كان من السذاجة بحيث يجهل أن بقية العلويين لم يكونوا - إجمالا - علي الحال التي كان يريد أن يظهرهم عليها للناس، وأنهم كانوا أكثر تدينا والتزاما من أي فئة أخري علي الاطلاق..
هذا.. ولسوف نري أن أحمد أمين المصري يأخذ برأي ابن القفطي هذا. لكنه ينظر فيه إلي خصوص أئمة أهل البيت (ع)، كما سيأتي بيانه، وبيان مدي خلطه وفساده في الفصل التالي.
د -: إنه لا بد لنا من الإشارة هنا إلي أن أكثر ثورات العلويين، التي قامت ضد المأمون - قبل البيعة للرضا (ع) طبعا - كانت من بني الحسن، وبالتحديد من أولئك الذين يتخذون نحلة الزيدية، فأراد المأمون أن يقف في وجههم، ويقضي عليهم، وعلي نحلتهم تلك نهائيا، وإلي الأبد، فأقدم علي ما أقدم عليه من البيعة للرضا (ع) بولاية العهد.
هذا. وقد كانت نحلة الزيدية هذه - شائعة في تلك الفترة، وكانت تزداد قوة يوما عن يوم، وكان للقائمين بها نفوذ واسع، وكلمة مسموعة، حتي إن المهدي قد استوزر يعقوب بن داوود، وهو زيدي، وآخاه، وفوضه جمع أمور الخلافة (1) وعلي حد تعبير الشبراوي: ".. فولاه الوزارة، وصارت الأوامر كلها بيديه، واستقل يعقوب حتي حسده جميع أقرانه.. " (2). (١) البداية والنهاية ج ١٠ / ١٤٧، وغيره من كتب التاريخ، فراجع فصل: مصدر الخطر علي العباسيين، (٢) الإتحاف بحب الأشراف ص ١١٢. (٢٢٩) صفحهمفاتيح البحث: أهل بيت النبي صلي الله عليه وآله (1)، الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (2)، الوسعة (1)، الجهل (1)، كتاب البداية والنهاية (1)، كتاب الأشراف للشيخ المفيد (1)
بل كان: " لا ينفذ للمهدي كتاب إلي عامل، فيجوز، حتي يكتب يعقوب إلي أمينه وثقته بإنفاذه. " (1).
وقد بلغ من نفوذ يعقوب هذا.. أن قال فيه بشار بن برد أبياته المشهورة، التي قدمناها، والتي يقول فيها: " إن الخليفة يعقوب ابن داوود ".
وقد سعي بيعقوب هذا إلي المهدي: وقيل له: ".. إن الشرق والغرب في يد يعقوب، وأصحابه، وإنما يكفيه أن يكتب إليهم.
فيثوروا، في يوم واحد، فيأخذوا الدنيا. " (2).
وذلك لأنه قد: " أرسل يعقوب هذا إلي الزيدية، وأتي بهم من كل أوب، وولاهم من أمور الخلافة في المشرق والمغرب كل جليل، وعمل نفيس، والدنيا كلها في يديه.. " (3).
وإذا ما عرفنا أن معاوني يعقوب إنما كانوا هم: متفقهة الكوفة، والبصرة، وأهل الشام (4).. فإننا نعرف أن الاتجاه الزيدي سوف يؤثر كثيرا، وكثيرا جدا علي الثقافة العامة، والاتجاهات الفكرية في ذلك العصر - كما حدث ذلك فعلا.. حتي لقد صرح ابن النديم بأن:
" أكثر علماء المحدثين إلا قليلا منهم، وكذلك قوم من الفقهاء، مثل:
سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة كانوا من الشيعة الزيدية. " (5) وقد صرح المؤرخون أيضا: بأن أصحاب الحديث جميعهم، قد (١) الطبري ج ١٠ / ٤٨٦، والكامل لابن الأثير ج ٥ / ٦٠، ومرآة الجنان ج ١ / ٤١٨، (٢) الكامل لابن الأثير ج ٥ / ٦٦، ٦٧، (٣) الطبري ج ١٠ / ٥٠٨، طبع ليدن، والوزراء والكتاب للجهشياري ص ١٥٨، والكامل لابن الأثير ج ٥ / ٦٦، (٤) الطبري، طبع ليدن ج ١٠ / ٤٨٦.
(٥) الفهرست لابن النديم ص 253. (٢٣٠) صفحهمفاتيح البحث: مدينة الكوفة (1)، سفيان بن عيينة (1)، سفيان الثوري (1)، ابن النديم (2)، الشام (1)، كتاب الكامل لإبن الأثير (3)
خرجوا مع إبراهيم بن عبد الله بن الحسن، أو أفتوا بالخروج معه (1).
وعلي كل حال.. فإن ما يهمنا بيانه هنا: هو أن المأمون كان يريد (١) مقاتل الطالبيين ص ٣٧٧، وغيرها من الصفحات، وغيرها من الكتب. ويري بعض أهل التحقيق: أن المقصود هو جميع أصحاب الحديث في الكوفة. ولكن الظاهر أن المراد: الجميع مطلقا، كما يظهر من مراجعة مقاتل الطالبيين وغيره.
والأمر الذي تجدر الإشارة إليه هنا: هو أن فرقة من الزيدية، وفرقة من أصحاب الحديث، قد قالوا بالإمامة علي النحو الذي يقول به الشيعة الإمامية، عندما جعل المأمون " الرضا عليه السلام " وليا لعهده. لكنهم بعد وفاة الرضا عليه السلام رجعوا عن ذلك:
قال النوبختي في فرق الشيعة ص ٨٦:
". وفرقة منهم تسمي " المحدثة " كانوا من أهل الإرجاء، وأصحاب الحديث، فدخلوا في القول بإمامة موسي بن جعفر، وبعده بإمامة علي بن موسي، وصاروا شيعة، رغبة في الدنيا وتصنعا. فلما توفي علي بن موسي عليه السلام رجعوا إلي ما كانوا عليه.
وفرقة كانت من الزيدية الأقوياء، والبصراء، فدخلوا في إمامة علي بن موسي (ع)، عندما أظهر المأمون فضله، وعقد بيعته، تصنعا للدنيا، واستكانوا الناس بذلك دهرا.
فلما توفي علي بن موسي (ع) رجعوا إلي قومهم من الزيدية. " وقد تقدم قول الشيبي: إنه قد التف حول الرضا (ع) " المرجئة، وأهل الحديث، والزيدية، ثم عادوا إلي مذاهبهم بعد موته.. " وغير ذلك.
والذي نريد أن نقوله هنا هو: أن " الإرجاء دين الملوك " علي حد تعبير المأمون (علي ما نقله عنه في ضحي الإسلام ج ٣ / ٣٢٦)، نقلا عن طيفور في تاريخ بغداد.
وفي البداية والنهاية ج ١٠ / ٢٧٦: أن المأمون قال للنضر بن شميل: ما الإرجاء؟.
قال: " دين يوافق الملوك، يصيبون به من دنياهم، وينقصون به من دينهم " قال:
صدقت الخ. وليراجع كتاب بغداد ص ٥١، وعمدة القول بالإرجاء (القديم) هو: المغالاة في الشيخين، والتوقف في الصهرين، فالإرجاء والتشيع، وخصوصا القول بإمامة موسي بن جعفر، وولده علي الرضا علي طرفي نقيض ومن هنا كانت المساجلة الشعرية بين المأمون المظهر لحب علي وولده، وابن شكلة المرجي، يقول المأمون معرضا بابن شكلة:
إذا المرجي سرك أن تراه * يموت لحينه من قبل موته فجدد عنده ذكري علي * وصل علي النبي وآل بيته أما ابن شكلة فيقول معرضا بالمأمون:
إذا الشيعي جمجم في مقال * فسرك أن يبوح بذات نفسه فصل علي النبي وصاحبيه * وزيريه وجاريه برمسه راجع: مروج الذهب ج ٣ / ٤١٧، والكني والألقاب ج ١ / ٣٣١، وبعد هذا. فإنه لمن غرائب الأمور حقا، الانتقال دفعة واحدة من القول بالإرجاء إلي التشيع، بل إلي الرفض (وهو الغلو في التشيع حسب مصطلحهم، والذي يتمثل بالقول بإمامة الأئمة الاثني عشر عليهم السلام (وأغرب من ذلك العودة إلي الإرجاء بعد موت علي الرضا عليه السلام.
وهذا إن دل علي شئ، فإنما يدل علي مدي تأثير السياسة والمال في هؤلاء الذين أخذوا علي عاتقهم - بادعائهم - مسؤولية الحفاظ علي الدين والذود عن العقيدة، فإنهم كانوا في غاية الانحطاط الديني، يتلونون - طمعا بالمال والشهرة - ألوانا، حتي إن ذلك يحملهم علي القول بعقيدة، ثم القول بضدها، ثم الرجوع إلي المقالة الأولي، إذا رأوا أن الحاكم يرغب في ذلك، ويميل إليه، ولهذا أسموا ب " الحشوية " يعني: أتباع وحشو الملوك، وأذناب كل من غلب، ويقال لهم أيضا (وهم في الحقيقة أهل الحديث): " الحشوية، والنابتة، والغثاء، والغثر. " علي ما في كتاب: تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ص ٨٠.
وراجع أيضا فرق الشيعة، ورسالة الجاحظ في بني أمية، وغير ذلك.
بل لقد أطلق عليهم المأمون نفسه لفظ " الحشوية " في مناقشته المشهورة للفقهاء والعلماء المذكور في العقد الفريد والبحار، وعيون أخبار الرضا وغير ذلك.
وقال عنهم الزمخشري في مقام استعراضه للمذاهب والنحل، ومعتنقيها:
وإن قلت من أهل الحديث وحزبه * يقولون تيس ليس يدي ويفهم ويقابل كلمة " الحشوية " كلمة " الرافضة " التي شاع إطلاقها علي الشيعة الإمامية.
ومعناها في الأصل: جند تركوا قائدهم. فحيث إن الشيعة لم يكونوا قائلين بإمامة أولئك المتغلبين، سموهم ب " الرافضة " ولذا جاء في تاريخ اليعقوبي ج ٢ ص ١٦١:
أن معاوية كتب إلي عمرو بن العاص:
" أما بعد. فإنه قد كان من أمر علي وطلحة والزبير ما قد بلغك، فقد سقط إلينا مروان في رافضة أهل البصرة الخ.. ". ومثل ذلك ما في وقعة صفين لنصر بن مزاحم ص ٣٤، فالمراد بكلمة رافضة هنا هو ذلك المعني اللغوي الذي أشرنا إليه، فسمي الشيعة بالرافضة، لأنهم - كما قلنا - رفضوا الانقياد لأولئك الحكام المتغلبين.
يقول السيد الحميري علي ما جاء في ديوانه وغيره - يهجو البعض:
أبوك ابن سارق عنز النبي * وأمك بنت أبي جحدر ونحن علي رغمك الرافضون * لأهل الضلالة والمنكر ولكن قد جاء في الطبري، مطبعة الاستقامة ج ٦ ص ٤٩٨، والبداية والنهاية ج ٩ ص ٣٣٠، ومقدمة ابن خلدون ص 198، ومقالات الإسلاميين ج 1 ص 130، وغاية الاختصار ص 134: أن سبب تسمية الشيعة ب " الرافضة " هو أنهم عندما تركوا نصرة زيد بن علي في سنة 122 ه. قال لهم زيد: رفضتموني، رفضكم الله، وهذا كذب راج علي بعض الشيعة أيضا حيث ذكروا وذكر الطبري في نفس الصفحة المشار إليها آنفا: أن التسمية كانت من المغيرة بن سعيد، لما رفضته الشيعة.. وكانت قضيته سنة 119 ه.
ولكن الحقيقة هي أن التسمية بالرافضة كانت قبل سنتي 122 ه و 119 ه. فقد جاء في المحاسن للبرقي ص 119 طبع النجف، باب الرافضة: أن الشيعة كانوا يشكون إلي الباقر المتوفي سنة 114 أن الولاة قد استحلوا دماءهم وأموالهم باسم: " الرافضة " الخ.
وجاء في ميزان الاعتدال طبع سنة 1963 م. ج 2 ص 584 بعد ذكره لإسناد طويل أن الشعبي المتوفي سنة 104 ه. قال لأحدهم: " ائتني بشيعي صغير، أخرج لك منه رافضيا كبيرا ".
وفي كتاب: روض الأخبار المنتخب من ربيع الأبرار ص 40، أن الشعبي قال:
" أحبب آل محمد ولا تكن رافضيا، وأثبت وعيد الله، ولا تكن مرجئيا. ".
بل لدينا ما يدل علي أن تسمية الشيعة ب " الرافضة " كان قبل سنة المئة، فقد جاء في المحاسن والمساوي للبيهقي ص 212، طبع دار صادر وأمالي السيد المرتضي ج 1 ص 68 هامش: أن لما أنشد الفرزدق أبياته المشهورة في الإمام زين العابدين، المتوفي سنة 95 ه قال عبد الملك بن مروان المتوفي سنة 86 ه للفرزدق: " أرافضي أنت يا فرزدق؟! ". وعلي كل حال: فإن ذلك كله قد كان قبل قضيتي زيد والمغيرة ابن سعيد بزمان بعيد. (٢٣١) صفحهمفاتيح البحث: عبد الله بن الحسن (ع) (1)، الإمام علي بن الحسين السجاد زين العابدين عليهما السلام (1)، شيعة أهل البيت عليهم السلام (2)، كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام (1)، الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (6)، كتاب تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (1)، كتاب أمالي الصدوق (1)، كتاب مقاتل الطالبيين لأبو الفرج الأصفهاني (2)، كتاب مروج الذهب للمسعودي (1)، كتاب تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة (1)، كتاب البداية والنهاية (2)، مدينة الكوفة (1)، مدينة النجف الأشرف (1)، الزمخشري (1)، الشاعر الفرزدق (3)، المغيرة بن سعيد (1)، بنو أمية (1)، مدينة البصرة (1)، عمرو بن العاص (1)، مدينة بغداد (1)، موسي بن جعفر (2)، زيد بن علي (1)، نصر بن مزاحم (1)، الموت (2)، الغلّ (1)، الوفاة (4)
أن يقضي علي الزيدية، ويكسر شوكتهم بالبيعة للإمام الرضا (ع) بولاية العهد، ولهذا نري أنه قد طبق اللقب، الذي طالما دعا إليه الزيدية، واعترف به العباسيون، بل ودعوا إليه في بدء دعوتهم ودولتهم، ألا وهو لقب: " الرضا من آل محمد "، طبقه علي علي ابن موسي (ع)، فسماه: " الرضا من آل محمد " (1). فأصبحت بذلك حجته قوية علي الزيدية، بل لم يعد لهم حجة أصلا. وأصبح يستطيع أن ينام قرير العين، إذ قد أصبح " الرضا من آل محمد " موجودا، فالدعوة إلي غيره ستكون لا معني لها البتة. ولسوف تكون مرفوضة من الناس جملة وتفصيلا. وكان ذلك بطبيعة الحال السبب الرئيسي في إضعاف الزيدية، وكسر شوكتهم، وشل حركتهم.
والذي ساهم إلي حد كبير في إضعافهم، وشل حركتهم، هو اختياره الإمام (ع) بالذات، حيث إنه الرجل الذي لا يمكن لأحد كائنا من كان أن ينكر فضله، وعلمه، وتقواه، وسائر صفاته ومزاياه، التي لم تكن لأحد في زمانه علي الاطلاق، فليس لهم بعد طريق للاعتراض عليه: بأن الذي اختاره لولاية عهده، والخلافة من بعده، ليس أهلا (١) راجع: الفخري في الآداب السلطانية، ص ٢١٧، وضحي الإسلام ج ٣ ص ٢٩٤، والبداية والنهاية ج ١٠ ص ٢٤٧، والطبري، وابن الأثير، والقلقشندي وأبو الفرج. والمفيد وكل من تعرض من المؤرخين لولاية العهد. بل لقد صرح نفس المأمون بذلك في وثيقة ولاية العهد، وهذا يكفي في المقام.. ولقد قال دعبل:
أيا عجبا منهم يسمونك الرضا * ويلقاك منهم كلحة وغضون وهناك نصوص أخري مفادها: أنه سمي الرضا، لرضا أعدائه، وأوليائه به، وعزي الشيبي في كتابه: الصلة بين التصوف والتشيع ص 138: عزا رضا أعدائه به إلي قوة شخصيته عليه السلام.. أما نحن فنقول: إنه ليس من اليسير أبدا، أن تنال شخصية رضا كل أحد، حتي أعدائها. اللهم إلا إذا كان هناك سر إلهي، اختصت به تلك الشخصية، دون غيرها من سائر بني الإنسان.. (٢٣٤) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (1)، الإمام موسي بن جعفر الكاظم عليهما السلام (1)، الحج (1)، كتاب البداية والنهاية (1)، إبن الأثير (1)، الفرج (1)
لما أهله له. ولو أنهم ادعوا ذلك لما صدقهم أحد، ولكانت الدائرة حينئذ في ذلك عليهم، والخسران لهم دون غيرهم.
فذلكة لا بد منها:
هذا.. ولا يسعنا هنا إلا أن نشير إلي أن المأمون، لم يخترع أسلوبا جديدا للتصدي للزيدية، والحد من نفوذهم، وكسر شوكتهم، ببيعته للرضا (ع)، إذ أنه كان قد استوحي هذه الفكرة من سلفة المهدي، الذي كان قد استوزر يعقوب بن داوود الزيدي، ليحد من نشاط الزيدية، ويكسر شوكتهم. وكان قد نجح في ذلك إلي حد ما: إذ لا يحدثنا التاريخ عن تحركات زيدية خطيرة ضد المهدي، بعد استيزاره ليعقوب، وتقريبه للزيدية، كتلك الأحداث التي حدثت ضد المنصور، وخصوصا ثورة محمد وإبراهيم ابني عبد الله.
كما يلاحظ أن تقريب العباسيين للزيدية في عصر المهدي، وتسليطهم علي شؤون الدولة وإداراتها، لم يؤثر في الوضع العام أثرا يخشاه العباسيون، وذلك بلا شك مما يشجع المأمون علي الإقدام علي ما كان قد عقد العزم عليه، بجنان ثابت وإرادة راسخة.
يضاف إلي ذلك: أن سهولة إبعاد العباسيين لهم عن مراكز القوة، ومناصب الحكم علي يد المهدي نفسه، الذي نكب يعقوب بن داوود، الوزير الزيدي، حيث لم تصاحبه ردة فعل، ولا نتج عنه أية حادثة تذكر ضد العباسيين، لا حقيرة، ولا خطيرة.. هو الذي شجع المأمون علي أن يستوحي نفس الفكرة، ويلعب نفس اللعبة، ويتبع نفس طريقة المهدي. في مواجهتهم، وكسر شوكتهم، بالبيعة للرضا (ع) بولاية العهد بعده. (٢٣٥) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (2)
وعلي كل حال، فإن هذا أسلوب قديم اتبعه العباسيون في دعوتهم الأولي أيضا، حيث بايعوا للعلويين، وأظهروا أن الدعوة لهم وباسمهم..
ثم كانت النتيجة هي ما يعلمه كل أحد، حيث انقلبوا عليهم يوسعونهم قتلا وعسفا، وتشريدا عندما خافوهم. فلم يعودوا بحاجة إليهم.
ه -: أضف إلي ذلك ما تقدم أن المأمون كان يعلم قبل أي شخص آخر بطبيعة العلاقات التي كانت قائمة بين الأئمة (ع)، وبين الزيدية، حيث إنها كانت علي درجة من السوء والتدهور. وكان عدم التفاهم، والانسجام فيما بينهم واضحا للعيان.. حتي لقد شكي الأئمة (ع) منهم، وصرحوا: بأن الناس قد نصبوا العداوة لشيعتهم، أما الزيدية فقد نصبوا العداوة لهم أنفسهم (1)، وفي الكافي رواية مفادها: إنه (ع) قال إنهم قبل أن يصلوا إلي الحكم كانوا لا يطيعونهم فكيف تكون حالهم معهم لو أنهم وصلوا إلي الحكم وتبوءوا كرسي الرئاسة. (1) راجع: الوافي للفيض ج 1 ص 143، باب: الناصب ومجالسته.
هذا. ولا يمنع ذلك ما ورد عنهم عليهم السلام من أن خروج الزيدية وغيرهم علي الحكام يدرؤا به عنهم، وعن شيعتهم: فقد جاء في السرائر قسم المستطرفات ص 476 أنه: " ذكر بين يدي أبي عبد الله من خرج من آل محمد صلي الله عليه وآله، فقال عليه السلام:
لا أزال أنا وشيعتي بخير ما خرج الخارجي من آل محمد إلخ.. " وذلك لأن اصطدامهم مع الحكام كان يصرف أنظار الحكام إليهم، ويفسح المجال أمام أهل البيت وشيعتهم إلي حد ما. ولم يكن هناك مجال لاتهام الأئمة وشيعتهم بالتواطؤ معهم، مع ما كان يراه الحكام من عدم الانسجام الظاهر بين الأئمة وبين الزيدية، وغيرهم من الثائرين وسلبية كل فريق منهما تجاه الآخر..
وأخيرا.. فلا بد لنا هنا من الإشارة إلي أن ثورات العلويين، سواء علي الحكم الأموي، أو الحكم العباسي، قد ساهمت في أن يبقي حق العلويين في الحكم متحفظا بقوته وحيويته في ضمير الأمة، ووجدانها. ولم تؤثر عليه حملات القمع والتضليل، التي كان الحكم القائم آنذاك يمارسها ضدهم، وضد هذا الحق الثابت لأهل البيت عليهم السلام بالنص. (٢٣٦) صفحهمفاتيح البحث: أهل بيت النبي صلي الله عليه وآله (1)، كتاب السرائر لابن إدريس الحلي (1)، المنع (1)
وقد رأينا: أن عبد الله بن الحسن، عندما جاء يعرض علي الإمام الصادق (ع) كتاب أبي سلمة، الذي يدعوه فيه للقدوم إلي الكوفة، لتكون الدعوة له، وباسمه، فنهاه الإمام (ع) عن ذلك - رأيناه - ينازع الإمام الصادع الكلام، حتي قال له:
" والله، ما يمنعك من ذلك إلا الحسد إلخ. " وقد انصرف عبد الله آخر الأمر مغضبا (1).
ورأينا أيضا أنه في موقف آخر له مع الإمام الصادق (ع) يتهمه بنفس هذه التهمة، ويصمه بعين هذه الوصمة، وذلك عندما أرادوا البيعة لولده محمد، وأبدي الإمام (ع) رأيه في ذلك. ذلك الرأي الذي كشفت الأيام عن صحته وسداده (2).
بل لقد كان عيسي بن زيد يقول لمحمد بن عبد الله: ".. من خالفك من آل أبي طالب، فأمكني أضرب عنقه. " (3) وقد تجرأ عيسي هذا أيضا علي الإمام الصادق بكلام لا نحب ذكره.
وأما موقف محمد بن عبد الله نفسه مع الإمام الصادق (ع)، فأشهر من أن يذكر، حيث إنه سجن الإمام (ع)، واستصفي أمواله، وأسمعه كلاما قاسيا، لا يليق بمقام الإمام وسنه (4). (١) راجع: مروج الذهب ج ٣ ص ٣٥٤، ٣٥٥، وغيره من المصادر.
(٢) الصواعق المحرقة ص ١٢١، وينابيع المودة للحنفي ص ٣٣٢، ٣٦١، ومقاتل الطالبيين ص ٢٥٥، 256، 270، وغير ذلك.. وفي هذا الأخير: أن عبد الله ابن الحسن لم يرض باستدعاء الإمام، ولا وافق عليه، عندما أرادوا البيعة لولده محمد، وبعد أن أقنعوه، وحضر الإمام، جري بينهما ما جري.
(3) قاموس الرجال ج 7 ص 270.
(4) قاموس الرجال ج 7 ص 270، و ج 8 ص 242، 243 والبحار ج 47 ص 284، 258. (٢٣٧) صفحهمفاتيح البحث: الإمام جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام (3)، عبد الله بن الحسن (ع) (1)، مدينة الكوفة (1)، محمد بن عبد الله (2)، عيسي بن زيد (1)، الصدق (1)، المنع (1)، كتاب مروج الذهب للمسعودي (1)، كتاب ينابيع المودة (1)، كتاب الصواعق المحرقة (1)
إلي آخر ما هنالك مما يدل علي كرههم، وحقدهم علي الأئمة (ع).
أو بالأحري حسدهم لهم..
والمأمون.. كان يعلم بذلك كله، ويدركه كل الادراك، ولهذا فإننا لا نستبعد أنه - وهو الداهية الدهياء - قد أراد أيضا في جملة ما أراد: أن يوقع الفتنة بين آل علي أنفسهم. أي: بين الأئمة، والمتشيعين لهم، وبين الزيدية، ويقف هو في موقف المتفرج المتربص حتي إذا أضعف كل واحد من الفريقين الفريق الآخر، ولم يعد فيهما بقية.. انقض هو عليهما، وقضي عليهما بأهون سبيل.
بل إن بعض الباحثين يري: أنه أراد من لعبته هذه: ".. ضربا للثائرين العلويين من إخوة علي بن موسي بأخيهم (1). ".
ولو أننا استبعدنا كل ذلك، فلا أقل - كما قلنا - من أن حجته أصبحت قوية علي الزيدية، وعلي كل من يدعو إلي " الرضا من آل محمد "، ولم يعد يخشي أحدا منهم، بعد أن أصبح " الرضا من آل محمد موجودا.
الهدف التاسع:
كما أنه ببيعته للإمام الرضا (ع) بولاية العهد، وقبول الإمام (ع) بذلك.. يكون قد حصل علي اعتراف من العلويين، علي أعلي مستوي بشرعية الخلافة العباسية، ولقد صرح المأمون بأن ذلك، كان من جملة أهدافه، حيث قال: ".. فأردنا أن نجعله ولي عهدنا، ليكون دعاؤه لنا، وليعترف بالملك والخلافة لنا.. " وسنتكلم حول تصريحات المأمون (1) هو الدكتور كامل مصطفي الشيبي في كتابه: الصلاة بين التصوف والتشيع ص 219. (٢٣٨) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (1)، الصّلاة (1)
هذه بنوع من التفصيل في فصل: مع بعض خطط المأمون، وغيره إن شاء الله تعالي.
نعود إلي القول: إن تصريح المأمون هذا يعطينا: أن قبول الإمام بأن يكون ولي عهد المأمون، إنما يعني بالنسبة للمأمون: أن الإمام يكون قد أقر بأن الخلافة ليست له دون غيره، ولا في العلويين دون غيرهم، وأنه كما يمكن أن يكون هو جديرا بها، وأهلا لها، وكذلك غيره يمكن أن يكون كذلك. وليتمكن المأمون بذلك من محاربة العلويين بنفس السلاح الذي بأيديهم، وليصير - من ثم - من الصعب استجابة الناس لهم، إذا دعوا لأية ثورة ضد حكم اعترفوا هم بشرعيته، وأيدوه، وتعاونوا معه من قبل، وعلي أعلي مستوي ومن أعظم شخصية فيهم.
بل لقد كان يريد أن يحصل من العلويين علي اعتراف بأن الحكم حق للعباسيين فقط. أما هم، فليس لهم فيه أدني نصيب، وما فعله المأمون - من إسناد ولاية العهد لواحد منهم، ما كان إلا تفضلا وكرما، ومن أجل أن يجمع شمل البيتين العلوي والعباسي، وتصفو القلوب ويمحو ما كان من أمر الرشيد وغيره من أسلافه مع العلويين.
ولقد حاول المأمون أن ينتزع من الإمام اعترافا بأن الخلافة حق للعباسيين، شفاها أيضا فكانت النتيجة عكس ما أراد المأمون، وذلك عندما عرض بالمن علي الإمام بأن جعله ولي عهده، فأجابه الإمام (ع):
بأن هذا الأمر لم يزده في النعمة شيئا، وأنه وهو في المدينة كانت كتبه تنفذ في المشرق والمغرب.
كما أن المأمون قد قال لحميد بن مهران، وجمع من العباسيين:
". وليعتقد فيه المفتونون به، بأنه ليس مما ادعي في قليل، ولا
صفحه(٢٣٩)
كثير، وأن هذا الأمر لنا دونه. " ولسوف يأتي الكلام عن هذه التصريحات إن شاء الله كما قلنا.
وبعد.. فإنه لا يكون من المبالغة في شئ لو قلنا: إن حصول المأمون علي اعتراف من العلويين، ومن الإمام الرضا (ع) خاصة، بشرعية خلافته، وخلافة، بني أبيه أخطر علي العلويين من الأسلوب الذي انتهجه أسلافه من أمويين وعباسيين ضدهم،: من قتلهم، وتشريدهم، وسلب أموالهم، إلي غير ذلك مما هو معروف ومشهور.
الهدف العاشر:
يضاف إلي ذلك، أنه يكون قد حصل علي اعتراف ضمني من الإمام بشرعية تصرفاته، طيلة فترة ولاية العهد، وليعطي الناس - من ثم - الصورة التي يريدها عن الحكم والحاكم، وليؤكد للملأ أجمع: أن الحاكم هذا هو سلوكه، وهذه هي تصرفاته: من كان، ومهما كان، وإذن فليس لهم بعد حق في أن يتطلعوا إلي حكومة أحد علي أن بها شيئا جديدا، ولا أن ينظروا إلي جهة علي أنها يمكن أن يكون بها المنقذ لهم، والمخرج من الظلمات إلي النور، حتي ولو كانت تلك الجهة هي آل بيت نبيهم، فإنه من الطبيعي أن يتبع السياسيون أساليب، ويتكلموا بأشياء كثيرة، ينسبونها بمجرد وصولهم إلي الحكم، وتسلمهم لازمة السلطة، فإن تلك لا تعدو كونها تكتيكات، ووعودا انتخابية، يحتاجون إليها في ظروف معينة، ثم يستغنون عنها.. كما كانت الحال في وعود المأمون، التي أشرنا إليها فيما تقدم.
وهكذا. فيكون سكوت الإمام في فترة ولاية العهد، عن تصرفات الهيئة الحاكمة، دالا علي رضاه بها، ويعتبر إمضاء لها.. وبعد هذا. (٢٤٠) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (1)، القتل (1)
فلا يجب أن يكون من العسير علي الناس أن يتصوروا طبيعة وماهية حكم الإمام، وكل من يقدر له أن يصل الحكم والسلطان، سواء من العلويين، أو من غيرهم.
وإذا كانت الصورة واحدة، والجوهر واحد، والاختلاف إنما هو فقط في الاسم والعنوان، فليس لهم بعد حق، أو علي الأقل ما الداعي لهم، لأن يطلبوا حكما أفضل، أو حكاما أعدل، فإنه طلب لغير موجود، وسعي وراء مفقود.
الهدف الحادي عشر:
هذا.. وبعد أن يكون المأمون قد حصل علي كل ما قدمناه، وحقن دماء العباسيين، واستوثقت له الممالك، ولم يعد هناك ما يعكر صفو حياته (1)، وقوي مركزه، وارتفع بالخلافة من الحضيض بالمهين، الذي أوصلها إليه أسلافه إلي أوج العظمة، والتمكن والمجد. وأعطاها من القوة والمنعة، ووهبها من الحياة في ضمير الأمة ووجدانها ما هي بأمس الحاجة إليه.. ولتتمكن من ثم من الصمود في وجه أية عاصفة، وإخماد أية ثورة، ومقاومة كل الأنواء، وذلك هو حلمه الكبير، الذي طالما جهد في تحقيقه - إنه بعد أن يكون قد حصل علي كل ذلك وسواه مما قدمناه: (1) لقد صرح الذهبي في الجزء الأول من كتابه " العبر " بأنه في سنة 200 ه. استوثقت الممالك للمأمون. وهذه هي نفس السنة التي أتي فيها بالإمام عليه السلام من المدينة إلي مرو.. ولكن اليافعي في مرآة الجنان ج 2 ص 8: قد جعل ذلك في سنة 203: أي في السنة التي تخلص فيها المأمون من الإمام الرضا عليه السلام بواسطة السم الذي دسه إليه.. وفي اليعقوبي ج 2 ص 452 طبع صادر: أنه في السنة التي غادر فيها المأمون خراسان: " لم تبق ناحية من نواحي خراسان يخاف خلافها ". (٢٤١) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (1)، خراسان (2)، الخوف (1)
يكون قد أفسح لنظام حكمه المجال - تلقائيا - لتصفية حساباته مع خصومه، أيا كانوا. وبأي وسيلة كانت، وبهدوء، وراحة فكر واطمئنان إن اقتضي الأمر ذلك.
كما أنه يكون قد مهد الطريق لتنفيذ الجزء الثاني - ولعله الأهم - من خطته الجهنمية، بعيدا عن الشبهات، ودون أن يتعرض لتهمة أحد، أو شك من أحد.. ألا وهو: القضاء علي العلويين بالقضاء علي أعظم شخصية فيهم. وليكون بذلك قد قضي نهائيا، وإلي الأبد، علي أكبر مصدر للخطر، يمكن أن يتهدده، ويتهدد خلافته ومركزه.
إنه يريد زعزعة ثقة الناس بهم، واستئصال تعاطفهم معهم، وليحوله - إن استطاع - إلي كره ومقت، بالطرق التي لا تمس العواطف والمشاعر، ولا تثير الكثير من الشكوك والشبهات.
يظهر ذلك في محاولاته إسقاط الإمام اجتماعيا، والوضع منه قليلا قليلا، حتي يصوره أمام الرعية بصورة من لا يستحق لهذا الأمر، وليدبر فيه في نهاية الأمر بما يحسم عنه مواد بلائه.. كما صرح لحميد بن مهران، وجمع من العباسيين، وسنتكلم بنوع من التفصيل عن محاولات المأمون هذه، التي باءت كلها بالفشل الذريع، وعادت عليه بالخسران، لأن الإمام (ع) كان قد أحبطها عليه، بل لقد كان لها من النتائج العكسية بالنسبة إليه ما جعله يتعجل بتصفية الإمام جسديا، بعد أن أشرف هو منه (ع) علي الهلاك.. بالطريقة التي حسب أنها سوف لا تثير الكثير من الشكوك والشبهات.
ملاحظة لا بد منها:
ومن الأمور الجديرة بالملاحظة هنا: أن المأمون كان يقدر أن مجرد (٢٤٢) صفحهمفاتيح البحث: الهلاك (1)
جعل ولاية العهد للإمام، سوف يكون كافيا لتحطيمه اجتماعيا، وإسقاطه نهائيا من أعين الناس، حيث يظهر لهم بالعمل - لا بالقول: أن الإمام رجل دنيا فقط، وأن تظاهره بالزهد والتقوي ما هو إلا طلاء زائف، لا واقع له، ولا حقيقة وراءه. ولسوف تكون النتيجة هي تشويه سمعة الإمام (ع)، وزعزعة ثقة الناس به، وذلك بسبب الفارق الكبير بالسن، بين الخليفة الفعلي، وبين ولي عهده، إذ أن ولي العهد لا يكبر الخليفة الفعلي بسنتين، أو ثلاثة، أو خمسة، لا.. بل أكثر من ذلك بكثير، إنه يكبره ب " 22 " سنة، وإنه لمن الأمور غير الطبيعية أبدا: أن يقبل ولاية العهد، وهو يكبر الخليفة الفعلي بهذا المقدار الكبير من السنين، ولسوف يكون قبوله لها - مع هذا الفارق بينهما - موجبا لجعله عرضة لشكوك الناس، وظنونهم، ولسوف يتسبب بوضع علامات استفهام كبيرة حوله.. كما كان الحال، بالنسبة لسؤال محمد بن عرفة، وكلام الريان المتقدم.. ولسوف يفسر (1) ذلك من أولئك الذين لا يدركون حقيقة ما يجري، وما يحدث، - وما أكثرهم - بتفسيرات تنسجم مع رغائب المأمون، وأهدافه. لأنهم سوف يرون أن زهده (ع) بالدنيا، ليس إلا ستارا تختفي وراءه مطامعه فيها، وحبه المستميت لها، حتي إنه ليطمع أن يعيش إلي ما بعد الخليفة الفعلي، الذي هو أصغر من ولده، ويصل إلي الحكم.. وباختصار نقول: (1) ولكنا، مع ذلك نجد: أن قسما من أصحاب الرضا عليه السلام، ممن كانوا يراقبون الأحداث بوعي ودراية، كانوا يدركون نوايا المأمون وأهدافه هذه ففي البحار.
ج 49 ص 290، وعيون أخبار الرضا ج 2 ص 239: أنه قد سئل أبو الصلت:
" كيف طابت نفس المأمون بقتل الرضا مع إكرامه ومحبته له، وما جعل له من ولاية العهد بعده؟! فقال: إن المأمون كان يكرمه ويحبه لمعرفته بفضله، وجعل له ولاية العهد من بعده، ليري الناس أنه راغب في الدنيا، فلما لم يظهر منه إلا ما ازداد به فضلا عندهم، ومحلا في نفوسهم، جلب عليه إلخ. ". (٢٤٣) صفحهمفاتيح البحث: يوم عرفة (1)، كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام (1)، أصحاب الإمام الرضا عليه السلام (1)، القتل (1)
إنه يريد أن: ".. يعتقد فيه المفتونون به بأنه: ليس ما ادعي في قليل ولا كثير. " حسبما صرح به هو نفسه.. وعلي حد قول الإمام نفسه، الذي كان يدرك خطة المأمون هذه: ".. أن يقول الناس:
إن علي بن موسي، لم يزهد في الدنيا، بل زهدت الدنيا فيه، ألا ترون كيف قبل ولاية العهد طمعا بالخلافة؟!. ".
كما سيأتي.
وعن الريان قال: " دخلت علي الرضا، فقلت: يا ابن رسول الله، إن الناس يقولون: إنك قبلت ولاية العهد، مع إظهارك الزهد في الدنيا؟!، فقال (ع): قد علم الله كراهتي.. " (1) وقد أشرنا إلي سؤال محمد بن عرفة، وكلام الريان فيما تقدم.
وعلي أي شئ يبكي المأمون، ومن أجل أي شئ يشقي ويتعب، ويسهر الليالي، ويتحمل المشاق.. إلا علي هذا.. إن هذا هو أجل أمنياته وأغلاها.
سؤال وجوابه:
قد يدور بخلد القارئ أن ما ذكرناه هنا: فيما يتعلق بالفارق الكبير بالسن، ينافي ما تقدم من أن المأمون كان يريد الحصول علي قاعدة شعبية، والارتفاع بالخلافة من الحضيض الخ.
ولكن الحقيقة هي: أنه لا منافاة هناك.. ويمكن للمأمون أن يقصد كل ذلك من البيعة، لأن مقدار التفاوت بالسن بين الإمام (ع) والمأمون، لم يكن مما يعرفه الكثيرون، ولا مما يلتفت إليه عوام الناس في بادئ (1) علل الشرايع ص 238، والبحار ج 49 ص 130، وأمالي الصدوق ص 44، 45. (٢٤٤) صفحهمفاتيح البحث: يوم عرفة (1)، كتاب علل الشرايع للصدوق (1)، كتاب أمالي الصدوق (1)
الأمر، لأنهم يأخذون الأمور علي ظواهرها، ولا يتنبهون إلي مثل ذلك، إلا بعد تنبيه وتذكير، فللوهلة الأولي تجوز عليهم الخدعة، ويقدرون خطوة المأمون هذه، وتنتعش الآمال في نفوسهم بالحياة الهنيئة السعيدة، تحت ظلم حكم بدا أنه يتخذ العدل ديدنا، والإنصاف طريقة..
ثم.. وبعد أن يجند المأمون أجهزة إعلامه، من أجل تسميم الأفكار، يجد أن نفوس الناس مهيأة ومستعدة لتقبل ما يلقي إليها. ويكون لديه - باعتقاده - من الحجج ما يكفي لإسقاط الإمام، وزعزعة ثقة الناس به. ولا يؤثر ذلك بعد ذلك علي الحكم، فإن الحكم يكون قد استنفذ أغراضه من البيعة. وحصل علي ما يريد الحصول عليه منها.. هذا ولا بد لنا هنا من ملاحظة أن المأمون وأجهزة إعلامه كانوا في مقابل وصم الإمام بالرغبة بالدنيا والتفاني في سبيلها.. يشيعون بين الناس عن المأمون عكس ذلك تمام، فيطلب المأمون من وزيره أن يشيع عنه الزهد، والورع والتقوي (1).. وأنه لا يريد مما أقدم عليه الأخير الأمة ومصلحتها، حيث قد اختار لولاية عهده أفضل رجل قدر عليه، رغم أن ذلك الرجل هو من ذلك البيت الذي لا يجهل أحد موقفه من حكم العباسيين، وموقف العباسيين منه كما يتضح ذلك من وثيقة ولاية العهد، وغيرها.
رأي الناس فيمن يتصدي للحكم:
لعل من الواضح أن كثيرا من الناس كانوا يرون - في تلك الفترة من الزمن - لقصر نظرهم، وقلة معرفتهم: أن هناك منافاة بين الزهد والورع، والتقوي، وبين المنصب، وأنهما لا يتفقان، ولا يجتمعان. (1) تاريخ التمدن الإسلامي ج 4 ص 261. (٢٤٥) صفحهمفاتيح البحث: الدولة العباسية (العباسيون) (1)، الزهد (1)، الجهل (1)، الجواز (1)
وقد رأينا الكثيرين يمتنعون علي تولي المناصب للحكام، لما يرونه من المنافاة المشار إليها.
ولعل سر فهمهم هذا: هو أنهم كانوا قد اعتادوا من الحكام التجاوز علي الحقوق، والدماء، والأموال، وعلي أحكام الدين، والنواميس الإنسانية، بشكل عام. والزهد والورع لا يتلائم مع ذلك كله، ولا ينسجم معه.
ولكن الحقيقة هي: أن لا منافاة بينهما أبدا، فإن الحكم إذا كان وسيلة لا يصال الخير إلي الآخرين، ورفع الظلم عنهم، وإشاعة العدل، وإقامة شريعة الله تعالي، فيجب السعي إليه، والعمل من أجله، وفي سبيله.. بل إذا لزم من ترك السعي إليه، تضييع الحقوق، وانهيار صرح العدل، والخروج علي أحكام الدين، فإن ترك السعي هذا، يكون هو المنافي للزهد والورع والتقوي..
ولقد قاد النبي (ع) الأمة، وقبله قادها سليمان بن داوود، وغيره، وبعده الإمام علي بن أبي طالب، وولده الحسن، ثم الحسين، وهكذا..
وحال هؤلاء في الزهد والورع، لا يحتاج إلي مزيد بيان، وإقامة برهان، بل لم يكن علي ظهرها أزهد، ولا أتقي، ولا أفضل، ولا أورع منهم، عدوهم يعرف منهم ذلك تماما كما يعرفه منهم صديقهم.
فعدا عن الأنبياء الذين كانوا القمة في الورع والزهد والتقوي، نري الإمام علي (ع) قمة في ذلك أيضا، وقد رقع مدرعته حتي استحيا من راقعها، وكان راقعها هو ولده " الإمام الحسن (ع) " (1). وكان (1) راجع: الدرة النجفية ص 303، طبعة حجرية. (٢٤٦) صفحهمفاتيح البحث: الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام (1)، الإمام الحسن بن علي المجتبي عليهما السلام (1)، علي بن أبي طالب (1)، الظلم (1)، الزهد (3)
يصلي في بيت المال ركعتين شكرا لله، بعد فراغ المال منه. وكان يقول: " إليك عني يا دنيا غري غيري، أبي تعرضت؟! الخ.. " وهو الذي قال فيه عدوه معاوية: " لو كان له بيتان: بيت من تبر، وآخر من تبن، لأنفق تبره قبل تبنه. ". إلي غير ذلك مما لا مجال لنا لتتبعه واستقصائه..
العلويون يدركون نوايا المأمون:
إن نوايا المأمون تجاه العلويين، ومحاولاته لإسقاطهم اجتماعيا، وابتزازهم سياسيا.. حتي إذا أخفق في ذلك راح يختلهم واحدا فواحدا، كلما واتاه الظرف، وسنحت له الفرصة.. لم يكن العلويون يجهلونها، بل كانوا يدركونها كل الادراك، ولم تكن تخدعهم تلك الشعارات والأساليب المبهرجة. وحسبنا هنا أن نذكر في مقام التدليل علي هذا: أن المأمون كتب لعبد الله بن موسي، بعد وفاة الرضا، يعده بأنه يجعله ولي عهده، ويقول له: " ما ظننت أن أحدا من آل أبي طالب يخافني بعد ما عملته بالرضا ".
فأجابه عبد الله يقول: " وصل إلي كتابك، وفهمته، تختلني فيه عن نفسي مثل القانص، وتحتال علي حيلة المغتال، القاصد لسفك دمي.
وعجبت من بذلك العهد، ولايته لي بعدك، كأنك تظن: أنه لم يبلغني ما فعلته بالرضا؟! ففي أي شئ ظننت أني أرغب من ذلك؟ أفي الملك الذي غرتك حلاوته؟!. إلي أن يقول: أم في العنب المسموم الذي قتلت به الرضا؟! ". ويقول له أيضا - والظاهر أنه نص آخر للرسالة -: " هبني لا ثأر لي عندك، وعند آبائك المستحلين لدمائنا الآخذين حقنا، الذين جاهروا في أمرنا، فحذرناهم. وكنت ألطف حيلة منهم، بما استعملته من الرضا بنا، والتستر لمحننا، تختل واحدا، (٢٤٧) صفحهمفاتيح البحث: يوم عاشوراء (1)، عبد الله بن موسي (1)، الركوع، الركعة (1)، الوفاة (1)
فواحدا منا الخ.. " (1).
ولا بد من ملاحظة: منافاة وعده هذا لعبد الله بن موسي بأن يجعل له ولاية العهد.. للرسالة التي أرسلها إلي العباسيين في بغداد، فور وفاة الرضا (ع)، ويعدهم فيها بأن يجعل ولاية العهد فيهم، وسنشير إلي رسالته لهم في فصل: مع بعض خطط المأمون إن شاء الله وعلي كل حال … فإننا نستطيع أن نفهم من هذه الرسالة التي لعبد الله بن موسي أمورا، نشير إلي بعضها:
أولا: إن المأمون كان قد جعل ولاية العهد وسيلة لختل الشخصيات التي كان يخشاها، والغدر بها، إذ أن من المقبول والطبيعي - كما يري البعض - أن يكون ولي العهد هو الذي يتآمر، ويدبر للتخلص من الخليفة الفعلي، ليختصر المسافة، ويصل إلي الحكم، الذي ينتظر الوصول إليه، والحصول عليه بفارغ الصبر. وليس من الطبيعي، ولا من المقبول أن يتآمر الخليفة علي ولي عهده، إلا إذا كان يريد أن يجعل الخلافة لمن هو أعز عليه منه، وهذا ما نفاه المأمون عن نفسه في أكثر من مناسبة.
وهكذا.. فإن النتيجة تكون: أن الخليفة الفعلي يكون آخر من يتهم في ولي العهد، إذا ما راح ضحية التآمر والاغتيال، وعرف الناس ذلك. وهذا بلا شك من جملة ما كان يريده المأمون، ويسعي إليه.
ثانيا: إن المأمون رغم الصعوبات التي واجهها في فترة تولية الرضا (ع) العهد.. يبدو أنه كان يعتبر نفسه منتصرا وناجحا في لعبته تلك، ولذلك نري أنه قد حاول تكرار نفس اللعبة مع عبد الله بن (١) مقاتل الطالبيين للأصفهاني ص ٦٢٨، إلي ص ٦٣١، وسنورد الرسالة في أواخر هذا الكتاب إن شاء الله. (٢٤٨) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (2)، عبد الله بن موسي (2)، مدينة بغداد (1)، العزّة (1)، الصبر (1)، كتاب مقاتل الطالبيين لأبو الفرج الأصفهاني (1)
موسي. ولكن يقظة هذا الأخير، الذي كانت ظروفه تختلف عن ظروف الإمام (ع) قد فوتت عليه الفرصة، وأعادته. بخفي حنين.
كما أننا لا نستبعد أن المأمون قد أراد بالإضافة إلي ذلك التستر علي غدره بالرضا (ع)، بعد أن كان قد افتضح واشتهر، رغم محاولاته الجادة للتستر والكتمان.
ثالثا: ما تقدمت الإشارة إليه من أن إكرامه للعلويين، والرضا بهم، والتستر لمحنهم، ما كان منه إلا ضمن خطة مرسومة، وإلا سياسة منه ودهاء، من أجل أن يأمن العلويون جانبه، ويطمئنوا إليه، كما يدل عليه قوله لعبد الله بن موسي: " ما ظننت أحدا من آل أبي طالب يخافني بعد ما عملته بالرضا " وقد قدمنا أنه أشار إلي ذلك أيضا في كتابه للعباسيين، فلا نعيد..
رابعا: أنه لم يستطع أن يخفي عن العلويين - كما لم يستطع أن يخفي عن غيرهم - غدره بالإمام الرضا (ع)، وسمه له بالعنب، وكذلك غدره بغيره من العلويين. وسر ذلك واضح، فإن جميع الدلائل والشواهد كانت متوفرة علي ذلك، كما سيأتي بيان جانب من ذلك في فصول هذا الكتاب بنوع من التفصيل.
موقف الإمام في مواجهة مؤامرات المأمون:
لقد رأينا كيف أن المأمون أراد من لعبته تلك، التغلب علي المشاكل التي كان يواجهها، والاستفادة في تقوية دعائم خلافته، وخلافة العباسيين بشكل عام.. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: ما هو موقف الإمام (ع) نفسه من لعبة المأمون تلك، وخططه، وأهدافه؟، وهل أفسح المجال للمأمون ليحقق كل ما يريد تحقيقه، ويصل إلي ما (٢٤٩) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (2)، عبد الله بن موسي (1)، الغلّ (1)، الكتمان (1)
كان يريد الوصول إليه؟.. وهل كانت لديه خطط من نوع معين، وأهداف معينة كان يسعي من أجل الوصول إليها، والحصول عليها؟!.
الحقيقة هي: أن الإمام (ع) قد استطاع، بما اتبعه من خطة حكيمة، وسلوك مثالي: أن يضيع علي المأمون كافة الفرص، ويجعله يبوء بالخيبة والخسران، ويمني بالفشل الذريع، حتي لقد أشرف المأمون منه علي الهلاك، وبدا الارتباك واضحا في كل تصرفاته، وأقواله، وأفعاله.. وسيأتي في الفصول الآتية في القسمين: الثالث، والرابع بيان بعض ما يتعلق بذلك إن شاء الله، المأمون في قفص الاتهام:
وهكذا.. وبعد أن اتضحت الأسباب الحقيقية للبيعة، وبعد أن عرفنا بعض الظروف والملابسات، التي أحاطت بهذا الحدث الهام، فإننا نستطيع أن نضع المأمون، ونواياه، وأهدافه، في قفص الاتهام، ولا يمكن أن نصدق - بعد هذا - أبدا، أي ادعاء سطحي، يحاول أن يصور لنا حسن نية المأمون من البيعة، وسلامة طويته، سيما ونحن نري كتابه للعباسيين في بغداد فور وفاة الرضا، وكذلك سلوكه المشبوه مع الرضا (ع) من أول يوم طلب منه فيه الدخول في هذا الأمر، وحتي إلي ما بعد وفاته، كما سيأتي بيانه في الفصول الآتية. وكذلك كتابه لعبد الله بن موسي المتقدم.
والأدهي من ذلك كله رسالته للسري، عامله علي مصر، التي " يخبره فيها بوفاة الرضا، ويأمره بأن تغسل المنابر، التي دعي عليها لعلي بن موسي، فغسلت. " (1). (1) الولاة والقضاة للكندي ص 170. (٢٥٠) صفحهمفاتيح البحث: مدينة بغداد (1)، الهلاك (1)، الوفاة (1)
وكذلك لا يمكن أن نصدق بحسن نيته بالنسبة لأي واحد من العلويين، الآخرين.. كما أشرنا إليه في رسالته لعبد الله بن موسي، التي يذكر فيها: أنه راح يختلهم واحدا فواحدا.. وأيضا عندما نري أنه يمنعهم من الدخول عليه، بعد وفاة الرضا، ويأخذهم بلبس السواد (1).. بل ويأمر ولاته وأمراءه بملاحقتهم، والقضاء عليهم، كما سيأتي.
مع المأمون في وثيقة العهد:
ويحسن بنا هنا: أن نقف قليلا مع وثيقة العهد، التي كتبها المأمون للإمام (ع) بخط يده، فلقد ضمنها المأمون إشارات هامة، رأي أنها تخدم أهدافه السياسية من البيعة وحيث إننا قد تحدثنا، ولسوف نتحدث في مطاوي هذا الكتاب عن بعض فقراتها.. فلسوف نقتصر هنا علي:
أولا: إننا نلاحظ: أنه يؤكد كثيرا علي نقطتين: الأولي: أنه منطلق في هذه البيعة من طاعة الله، وإيثاره لمرضاته، الثانية: أنه لا يريد بذلك إلا مصلحة الأمة، والخير لها.
وسر ذلك واضح: فهو يريد أن يذهب باستغراب واستهجان الناس، الذين يرون الرجل الذي قتل حتي أخاه من أجل الحكم - يرونه الآن - يتخلي عن هذا الحكم لرجل غريب، ولمن يعتبر زعيما لأخطر المنافسين للعباسيين.. كما أنه يريد بذلك أن يكتسب ثقة الناس به، وبنظام حكمه.
وعدا من ذلك فهو يريد أن يطمئن العلويين والناس إلي أن ذلك لا ينطوي علي لعبة من أي نوع، بل هو أمر طبيعي فرضته طاعة الله ومرضاته، ومصلحة الأمة، والصالح العام. (1) الكامل لابن الأثير، طبع دار الكتاب العربي ج 5 ص 204. (٢٥١) صفحهمفاتيح البحث: عبد الله بن موسي (1)، القتل (1)، الوفاة (1)، كتاب الكامل لإبن الأثير (1)
وثانيا: نراه يجعل العباسيين والعلويين في مرتبة واحدة، وذلك لكي يضمن لأهل بيته حقا في الخلافة كآل علي.
وثالثا: يلاحظ: أنه يعطي خلافته صفة الشرعية، حيث يربطها بالمصدر الأعلي (الله) وعلي حسب منطق الناس هذا تام وصحيح، لأنهم بمجرد أن يعمل أحد عملا يؤدي إلي المناداة بواحد علي أنه خليفة، ويصير مقبولا لدي الناس.. إنهم بمجرد ذلك يصيرون يعتبرونه خليفة الله في أرضه، وحجته علي عباده..
وهو أيضا تام وصحيح حسب منطق العباسيين، الذين يدعون الخلافة بالإرث عن طريق العباس بن عبد المطلب، حسبما تقدم بيانه..
ولهذا نلاحظ أنه يقدم عبد الله بن العباس علي علي بن أبي طالب!
مع أن عبد الله تلميذ علي. وليس ذلك إلا من أجل إثبات هذه النقطة، وجعل حق له بالخلافة، بل وجعل نفسه الأحق بها. هذه الخلافة التي هي منصب إلهي، وصل إليه بالطريق الشرعي، سواء علي حسب منطق الناس في تلك الفترة، أو علي حسب منطق العباسيين.
وفي هذا إرضاء للعباسيين، وتطمين لهم، كما أنه في نفس الوقت تطمين لسائر الناس، الذين كانوا غالبا - يرون الخلافة بالكيفية التي أشرنا إليها وقد أكد لهم هذا التطمين باستشهاده بقول عمر، حيث أثبت لهم: أنه لا يزال علي مذهبه، وعلي نفس الخط الذي هم عليه.
ورابعا: إننا نراه في نفس الوقت الذي يؤكد فيه مذهبه، ووجهة نظره بتلك الأساليب المتعددة والمختلفة المشار إليها آنفا - نراه في نفس الوقت - يدعي: أنه إنما يجعل الخلافة للرضا (ع) لا من جهة أنها حق له، ولا من جهة النص عليه، حسبما يدعيه الرضا، بل من جهة أنه أفضل من قدر عليه. وهذا أمر طبيعي جدا، وليس إقرارا بمقالة (٢٥٢) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (1)، عبد الله بن عباس (1)، العباس بن عبد المطلب (1)، علي بن أبي طالب (1)
الرضا.. وكما ينطبق الآن علي الرضا، يمكن أن ينطبق غدا علي غيره، عندما يوجد من له فضل، وأهلية.. وهذا دون شك ضربة لما يدعيه الرضا ويدعيه آباؤه من الحق في الخلافة، ومن النص، وغير ذلك..
هذا.
ولسوف يأتي في فصل: خطة الإمام، شرح ما كتبه الإمام (ع) علي ظهر الوثيقة، ولنري من ثم كيف نسف الإمام كل ما بناه المأمون، وصيره هباء اشتدت به الريح في يوم عاصف.
كلمة أخيرة:
وأخيرا: فإننا مهما شككنا في شئ، فلسنا نشك في أن المأمون كان قد درس الوضع دراسة دقيقة، وقبل أن يقدم علي ما أقدم عليه.
وأخذ في اعتباره كافة الاحتمالات، ومختلف النتائج، سواء مما قدمناه، أو من غيره، مما أخفته عنا الأيدي الأثيمة، والأهواء الرخيصة.. وإن كانت لعبته تلك لم تؤت كل ثمارها، التي كان يرجوها منها، وذلك بسبب الخطة الحكيمة التي كان الإمام (ع) قد اتبعها.
ولعمري: ".. إن بيعته للإمام لم تكن بيعة محاباة، إذ لو كانت كذلك لكان العباس ابنه، وسائر ولده، أحب إلي قلبه، وأجلي في عينه. " علي حد تعبير المأمون في رسالته للعباسيين، التي سوف نوردها في أواخر هذا الكتاب إن شاء الله تعالي.
صفحه(٢٥٣)

أسباب البيعة لدي الآخرين

أسباب البيعة لدي الآخرين:
أحمد أمين المصري، وأسباب البيعة:
وعلي ضوء ما تقدم، نستطيع أن نلقي نظرة علي ما ذكره بعض المؤرخين، والباحثين، مما جعلوه أسبابا لأخذ البيعة للإمام (ع) بولاية العهد، ولنري - من ثم - أنها لا تقوي علي الصمود أمام النقد التاريخي الواعي والدقيق، إذ أنها علي الغالب: إما أنها لا تعتمد علي سند تاريخي أصلا، أو أنها تعتمد علي ما لا يصلح للاعتماد عليه.
ولعل الدكتور أحمد أمين المصري، قد جمع كلا الناحيتين فيما جعله - بنظره - أسبابا للبيعة، حيث نلاحظ: أن بعض ما ذكره ليس له أي سند تاريخي، بل التاريخ علي اختلاف أهوائه، واتجاهاته يدحضه، ويكذبه. والبعض الآخر قد اعتمد فيه علي ما لا يصح الاعتماد عليه، ولذا فلا يكون من التجني عليه القول: إن ما ذكره كان سطحيا، أو بوحي من تعصب مذهبي رخيص..
وما ذكره يرجع إلي أسباب أربعة، رأي أنها صالحة، كلا أو بعضا، لأن تكون سببا لأخذ البيعة للرضا بولاية العهد.. ونلخصها بما يلي:
صفحه(٢٥٤)
1 - إن المأمون قد أراد بذلك: أن يصلح بين البيتين، العلوي، والعباسي، ويجمع شملهما، ليتعاونا علي ما فيه خير الأمة، وصلاحها.
وتنقطع الفتن، وتصفو القلوب.
2 - إنه كان معتزليا، علي مذهب معتزلة بغداد، يري أحقية علي (ع) وذريته بالخلافة، فأراد أن يحقق مذهبه.
3 - إنه كان تحت تأثير الفضل والحسن بني سهل الفارسيين. والفرس يجري في عروقهم التشيع، فما زالا يلقنانه آراءهما، حتي أقرها، ونفذها.
4 - " إنه رأي أن عدم تولي العلويين للخلافة، يكسب أئمتهم شيئا من التقديس، فإذا ولوا الحكم ظهروا للناس، وبان خطؤهم، وصوابهم، فزال عنهم هذا التقديس. " (1).
هذا.. وقد ادعي في كتابه: " المهدي والمهدوية ": أن هؤلاء الأئمة كانوا يرتكبون الآثام في الخفاء، فأراد المأمون: أن يظهرهم، ليعرفهم الناس علي حقيقتهم..
كان ذلك ما يراه أحمد أمين يصلح - كلا أو بعضا - سببا للبيعة..
آراء أحمد أمين في الميزان:
ونحن بدورنا، وإن كنا نعتقد أن فيما قدمناه، وما سيأتي كفاية في تفنيد هذه المزاعم وإسقاطها، إلا أننا نري لزاما علينا أن نشير بإيجاز إلي بعض ما يشير إلي ضعفها ووهنها، معتمدين في بقية ما يرد عليها علي ذكاء القارئ، وتنبهه، ووعيه. فنقول: (1) ضحي الإسلام ج 3 ص 295. (٢٥٥) صفحهمفاتيح البحث: الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام (1)، مدرسة المعتزلة (1)، مدينة بغداد (1)، الإخفاء (1)
أما ما ذكر أولا: فقد كفانا هو نفسه مؤونة الكلام فيه، حيث قد اعترف بأن المأمون لو كان يرمي إليه لكان في منتهي السطحية والسذاجة.
وأما ما جعله سببا ثانيا: فلعله لا يقل عن سابقه في الضعف والوهن، سيما بملاحظة ما قدمناه في الفصلين السابقين، من الظروف التي كان المأمون يعاني منها، وأيضا ملاحظة ما سيأتي من سلوك المأمون المشبوه، مع الإمام (ع)، ومعالمته السيئة للعلويين، وكل من يتشيع معهم، ويتعاطف معهم. وعلي الأخص إذا لاحظنا: أن المأمون لم تكن عقيدته هي المنطلق له في موافقه السياسية، بل كان ينطلق مما يراه يخدم مصالحه الخاصة، ويؤكد وجوده في الحكم. وقد قدمنا أنه كان تارة يتحرج من تنقص الحجاج بن يوسف، وتارة يصف الصحابة، ما عدا الإمام علي (ع) ب " الملحدين "، ويصف الخليفة الثاني عمر بن الخطاب ب " جعل " إلي آخر ما هنالك من الشواهد والأدلة، مما لا نري ضرورة لإعادته، ولعل الأهم من ذلك كله: أن تفضيل المعتزلة - معتزلة بغداد - عليا (ع) علي جميع الصحابة، لم يكن واضحا بعد في تلك الفترة، وإنما بدأه بشر بن المعتمر حسبما سيأتي بيانه في فصل خطة الإمام.
وعليه فهذا الوجه لا يستقيم، علي جميع الوجوه والتقادير.
وأما ما جعله سببا ثالثا، فسيأتي الكلام عليه بنوع من التفصيل..
ولكننا نستغرب منه جدا، بل ونأسف كل الأسف، لما طلع به علينا، بما جعله سببا رابعا: من أن عدم تولي الأئمة للحكم يكسبهم شيئا من التقديس، فأراد أن يولي الإمام الرضا العهد، ليزول عنهم ذلك التقديس - وقد أشرنا سابقا إلي أنه استوحي هذه الفكرة من ابن القفطي في تاريخ الحكماء. (٢٥٦) صفحهمفاتيح البحث: الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام (1)، الخليفة عمر بن الخطاب (1)، مدرسة المعتزلة (2)، مدينة بغداد (1)
وليس واضحا نماما من هم " الأئمة " الذين يقصدهم أحمد أمين في عبارته تلك. وإذا ما كان يقصد الأئمة الاثني عشر، حيث إنه في معرض الحديث عن أحدهم، وهو الإمام الرضا.. بل أعلن ذلك صراحة في عبارته الأخري، التي أوردها في كتابه: " المهدي والمهدوية " - إذا كان كذلك -، فإننا نري: أن لنا كل الحق في أن نتسأل:
هل عثر أحمد أمين لهؤلاء الأئمة، أو لواحد منهم علي ما يتنافي مع التقديس، علي مدي تاريخهم الطويل؟!
وهل يستطيع أن يثبت عليهم أدني شئ يمس كرامتهم، ويتنافي مع مروءتهم، ويخالف دينهم ورسالتهم؟!.
ولماذا تظهر تفاهات غيرهم، وأخطاؤهم، رغم اجتهادهم وتفانيهم في سترها، وإخفائها.. ولا تظهر أخطاء هؤلاء الأئمة، رغم اجتهاد الناس في الافتراء عليهم، والتعرف علي أية نقيصة أو خطأ منهم إن كان؟!.
ومتي كان هؤلاء الأئمة مستورين عن الناس، منفصلين عنهم، حتي استطاعوا أن يحصلوا علي هذا التقديس؟!.
وهل كل شخصية لا تصل إلي الحكم يقدسها الناس؟!.
وهل كل شخصية تصل إلي الحكم لا يقدسها الناس؟!.
وهل التقديس مقصور علي الشخصية المستورة، ولاحظ للشخصية الظاهرة منه؟!.
وهل أثر وصول الإمام علي (ع) للحكم طيلة أكثر من أربعة أعوام علي تقديس الناس له؟!. (٢٥٧) صفحهمفاتيح البحث: الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام (1)
وهل يستطيع أحمد أمين أن يذكر لنا خطأ واحدا، ارتكبه الإمام علي (ع)، طيلة فترة حكمه؟! رغم أن معاوية وسواه، ممن كانوا معادين للإمام (ع)، ما كانوا يألون جهدا في الصاق التهم به، والافتراء عليه؟!.
وأما عن الإمام الرضا (ع):
فمتي كان مستورا عن الناس، بعيدا عنهم؟!.
وهل تتفق دعواه باستتار الأئمة - والرضا منهم - عن الناس، مع ما اعترف به المأمون نفسه للإمام الرضا (ع)، فيما كتبه بخط يده في وثيقة العهد، حيث يقول: ".. وقد استبان له [أي للمأمون] ما لم تزل الأخبار عليه متواطية، والألسن عليه متفقة، والكلمة فيه جامعة، ولما لم يزل يعرفه به من الفضل: يافعا، وناشئا، وحدثا، ومكتهلا الخ. ".
فهل يعقل: أن إنسانا من هذا النوع يكون مستترا عن الناس، بعيدا عنهم، ولا يعيش فيما بينهم، منذ حداثة سنه إلي أوان اكتهاله؟!.
ومع ذلك.. فأي خطأ يستطيع أحمد أمين، أن يسجله علي الإمام الرضا (ع) طيلة الفترة التي عاشها مع المأمون، رغم محاولاته الجادة - وهو الحاكم المطلق - من أجل أن يضع من الإمام (ع) قليلا قليلا، ويصوره أمام الرعية بصورة من لا يستحق لهذا الأمر، علي حد تعبير نفس المأمون؟!.
وهل لم يقرأ أحمد أمين أقوال كبار علماء أهل السنة. وأئمتهم، وتصريحاتهم الكثيرة جدا حول أئمة أهل البيت (ع)، والإمام الرضا منهم بالذات، ليعرف مقدار عظمتهم، وطهارتهم، ونزاهتهم التي لا يشك، ولا يرتاب، ولا يناقش فيها أحد؟!. (٢٥٨) صفحهمفاتيح البحث: أهل بيت النبي صلي الله عليه وآله (1)، الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (3)، الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام (1)
وأخيرا.. هل زال ذلك التقديس عن الإمام الرضا، عندما ظهر للناس؟! أم أن الأمر كان علي عكس ذلك تماما؟!.
هذه بعض الأسئلة التي نوجهها للأستاذ: " أحمد أمين "، ولكل من يري رأيه، ويذهب مذهبه،. وإننا لعلي يقين من أنها سوف لن تجد لدي هؤلاء الجواب المقنع والمفيد.. وإنما ستواجه عنتا وعنادا صاعقين، يبتزان منهم كل غريبة، ويظهران الكثير الكثير من الترهات العجيبة.. ولكن ليطمئن بالهم، وتهدأ ثائرتهم، فإننا سوف لن نستغرب عليهم مثل هذه الترهات، ولن نعجب لمثل تلك الافتراءات، فما تلك إلا: " شنشنة أعرفها من أخزم ".
رأي غريب آخر في البيعة:
هذا.. ويري بعض المؤلفين: أن المأمون كان في بيعته للرضا (ع) واقعا تحت تأثير القوات المسلحة، وأنها هي التي أجبرته علي ذلك، حيث كان القسم الكبير من قوادها، وزعماء فرقها يميلون إلي العلويين، وقد شرطوا عليه: أنهم لا يفتحون نار الحرب ضد الأمين إلا إذا جعل الرضا ولي عهده، فأجابهم إلي ذلك (1).
وأقول: ليت هذا المؤلف ذكر لنا اسم ذلك المؤرخ، الذي نقل له هذا الاشتراط من أولئك القواد علي المأمون، والذي تنافيه تصريحات المأمون نفسه، وسلوكه مع الإمام (ع)، حتي قبل أن يصل إلي مرو، وكذلك سائر مواقفه معه، والتي تكشف عن حقيقة دوافعه ونواياه إلي آخر ما هنالك مما قدمنا وسيأتي شطر منه. (1) هذا ما ذكره الشيخ القرشي في كتابه: حياه الإمام موسي بن جعفر ج 2 ص 387. (٢٥٩) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (1)، السلاح (1)، الحرب (1)، موسي بن جعفر (1)
وأحسب أن هذا المؤلف يشير بما ذكره هنا إلي ما ذكره جرجي زيدان في روايته: " الأمين والمأمون " ص 203، طبع دار الأندلس، فقد ذكر أن الفضل بن سهل قد اشترط علي المأمون ذلك. واحتمل ذلك أيضا في كتابه: تاريخ التمدن الإسلامي، المجلد الثاني جزء 4 ص 439. وكأن مؤلفنا يريد أن يقول: إن المأمون كان مضطرا إلي إجابتهم: إما خوفا من انتفاضتهم عليه، أو رغبة في القضاء علي أخيه الأمين، أو للسببين معا.. ولكن هذا الاشتراط كما قلنا، ليس له أي سند تاريخي يدعمه، بل الشواهد التاريخية كلها علي خلافه، سيما ونحن نري الفضل بن سهل وأخوه يمانعان في عقد البيعة للرضا. وما ذكره " زيدان " لا يصلح شاهدا تاريخيا، بعد أن كان روائيا، لا يلتزم بالحقائق التاريخية. وبعد أن لاحظنا: أنه يعتمد التضليل في كتابه:
تاريخ التمدن الإسلامي.
وأحسب أن هذا هو عين الاتهام الموجه للفضل بن سهل في أمر البيعة، بأنه هو المدبر لها، والقائم بها. لكنه صيغ بنحو آخر فيه الكثير من الايهام والإبهام.
وفريق آخر يري:
وهناك بعض الباحثين يري: أن من جملة الأسباب الهامة للبيعة: هو أن المأمون أراد أن يحذر العباسيين من مغبة المخالفة له، والاستمرار في ذلك. وأن يرغمهم، ويدفعهم إلي الوقوف إلي جانبه، بدافع من خوفهم من انتقال الخلافة عنهم إلي خصومهم العلويين. وأن ينتقم منهم بسبب خلعهم له من ولاية العهد، وتأييدهم أخاه الأمين عليه، وتشجيعهم له (٢٦٠) صفحهمفاتيح البحث: الفضل بن سهل (2)، الإنتقام،النقمة (1)، الشهادة (1)
ضده. كما أنه يكون بذلك قد جمع المزيد من المؤيدين له، ليستطيع مقابلتهم، والوقوف في وجههم، وينتقم منهم (1).
ولكنه رأي لا تمكن المساعدة عليه:
لأن منطق الأحداث، وواقع ظروف المأمون يأبيان كل الإباء أن يكون هذا سببا منطقيا للبيعة.. وقد قدمنا في الفصلين السابقين البيان الكافي والوافي لما يتعلق بهذا الموضوع. هذا بالإضافة إلي أن ذلك لا يتلائم مع ما هو معروف عن المأمون، من الدهاء والسياسة، وهل يمكن أن يقدم المأمون علي خلق وإثارة مشاكل هو في غني عنها؟ وعلي الأخص في تلك الفترة من الزمن، التي كانت طافحة بالمشاكل، وكان العصيان فيها معلنا في أكثر مناطق الدولة، ومهددا به من كل جانب ومكان؟!.
إن الحقيقة هي: أن المأمون في تلك الفترة بالذات، وكان بحاجة إلي أن يكتسب ثقة وحب أي إنسان كان. فضلا عن ثقة وحب أهل بيته، وعشيرته: العباسيين.
ثم.. وهل يمكن أن يلجأ المأمون للانتقام منهم، إلي هذا الأسلوب بالعاجز، بعد أن خضعوا له وانقادوا لأمره، وسلموا بالأمر الواقع، بعد مقتل الأمين؟!
ولماذا لا يقدر: أنهم سوف يقابلونه بالمثل، ويقومون في وجهه، ثأرا لكرامتهم، ودفاعا عن وجودهم؟!.
ولماذا يعطيهم الفرصة لإبراز عضلاتهم ضده، ويجعلهم يفكرون في (1) الصلة بين التصوف والتشيع ص 219، والإمام الصادق والمذاهب الأربعة ج 2 جزء 4 ص 492، والتربية الدينية للفضلي ص 100، الطبعة الخامسة، وغير ذلك. (٢٦١) صفحهمفاتيح البحث: الوقوف (1)، الغني (1)، القتل (1)، الصدق (1)
تحدي سلطته، وهتك حرمته؟!. حيث رأيناهم قد خلعوا المأمون، بسبب بيعته للإمام (ع)، وبايعوا لإبراهيم بن المهدي، في أواخر ذي الحجة، من نفس السنة التي بويع فيها للإمام (ع) بولاية العهد.
وأخيرا.. ألم يكن باستطاعة المأمون أن يصفي حساباته مع خصومه الضعفاء جدا، الذين كاد يلتهمهم المد العلوي ويقضي عليهم، بأساليب أخري، أقل إثارة، وأشد نكاية؟!.
ولقد أشرنا، ولسوف نشير إلي ما قاله المأمون لحميد بن مهران، وجمع من العباسيين. بل ويكفينا هنا: أن نلقي نظرة علي ما قاله المأمون للعباسيين في كتابه المعروف لهم، يقول المأمون: ". فإن تزعموا أني أردت أن يؤول إليهم (يعني للعلويين) عاقبة ومنفعة، فإني في تدبيركم، والنظر لكم، ولعقبكم، وأبنائكم من بعدكم.. " وكذلك ما كتبه بخط يده في وثيقة العهد.. إلي آخر ما هنالك مما لا مجال لنا هنا لتتبعه..
فتلخص أن ما ذكر هنا، لا يمكن أن ينسجم مع ما يقال عن حنكة المأمون، ودهائه السياسي.
الفضل في قفص الاتهام:
وأخيرا.. فإن بعض المؤلفين، كأحمد أمين في كلامه المتقدم، وجرجي زيدان (1) وأحمد شلبي (2)، وغيرهم. وبعض المؤرخين كابن الأثير في الكامل، طبعة ثالثة ج 5 ص 123، وابن الطقطقي في: (1) تاريخ التمدن الإسلامي، المجلد الثاني جزء 4 ص 439.
(2) التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية ج 3 ص 320. (٢٦٢) صفحهمفاتيح البحث: شهر ذي الحجة (1)
الفخري في الآداب السلطانية ص 217، وغيرهما.. يرون أن الفضل بن سهل كان العامل الرئيسي في لعبة " ولاية العهد " هذه، وأن المأمون كان في ذلك واقعا تحت تأثير الفضل، الذي كان يتشيع.
ويري آخر: أن سبب إشارة الفضل علي المأمون بذلك، هو أنه أراد أن يمحو ما كان من أمر الرشيد في العلويين (1).
الفضل برئ من كل ما نسب إليه:
أما نحن فإننا بدورنا نستطيع أن نؤكد علي ما يلي:
إن ما بأيدينا من النصوص التاريخية يأبي عن نسبة التشيع للفضل، بل وحتي عن نسبة إشارته علي المأمون بهذا الأمر، فضلا عن كونه المدبر له، والقائم به.. اللهم إلا أن تكون مؤامرة اشترك الرجلان معا في وضع خطوطها العريضة، آخذان في اعتبارهما ظروفهما، ومصالحهما الشخصية، ليس إلا..
بل إن بعض النصوص تفيد أن الفضل كان عدوا للإمام (ع)، حيث إنه كان من صنائع البرامكة (2)، أعداء أهل البيت (ع). وأنه لم يكن حتي راغبا في البيعة للرضا (ع)، وأنه وأخاه قد مانعا في عقد العهد للرضا (3)، فكيف يكون هو المشير علي المأمون بالبيعة له.. بل لم يكن (١) البحار ٤٩ ص ١٣٢، وعيون أخبار الرضا ص ١٤٧، نقلا عن: البيهقي عن الصولي.
(٢) البحار ج ٤٩ ص ١٤٣، ١١٣، وعيون أخبار الرضا ج ٢ ص ١٦٦، و ص ٢٢٦ (٣) مقاتل الطالبيين ص ٥٦٢، والفصول المهمة لابن الصباغ المالكي ص ٢٧٠، ونور الأبصار للشبلنجي ص ١٤٢، وكشف الغمة ج ٣ ص ٦٦، وروضة الواعظين ج 1 ص 269، والبحار ج 49، ص 145، وإرشاد المفيد ص 310، 311، وغير ذلك. (٢٦٣) صفحهمفاتيح البحث: أهل بيت النبي صلي الله عليه وآله (1)، الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (1)، كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام (2)، كتاب الإرشاد للشيخ المفيد (1)، كتاب الفصول المهمة لإبن صباغ المالكي (1)، كتاب مقاتل الطالبيين لأبو الفرج الأصفهاني (1)، كتاب كشف الغمة للإربلي (1)
يعلم أن المأمون يريد عقد البيعة له إلا بعد وصوله إلي خراسان وإحضار المأمون له، وإعلامه بأنه يريد عقد البيعة له علي ما في مقاتل الطالبيين ص 562 والطبري وغيرهما. وإن كان ربما يناقش في ذلك بمنافاته لرسالة الفضل التي أرسلها إلي الإمام وهو في المدينة والتي أوردها الرافعي في التدوين.
وذلك ما يقوي أنه كان متآمرا علي الإمام مع المأمون كما نصت عليه تلك الرسالة بأن ذلك عن اتفاق بينه وبين المأمون فراجعها.
ولو أنه كان ممن يتشيع للإمام (ع)، فكيف يمكن أن يتآمر عليه، ويحاول أن يجعل للمأمون ذريعة للإقدام علي التخلص منه (ع)، وذلك عندما ذهب إلي الرضا، وحلف له بأغلظ الأيمان، ثم عرض عليه قتل المأمون، وجعل الأمر إليه. (1) لكن الإمام بسبب وعيه وتيقظه قد ضيع عليه وعلي سيده هذه الفرصة، حيث أدرك للتو أنها دسيسة ومؤامرة، فزجر الفضل وطرده، ثم دخل من فوره علي المأمون، وأخبره بما كان من الفضل، وأوصاه أن لا يأمن له.
وبذلك يكون الإمام (ع) قد ضيع علي المأمون والفضل فرصة تنظيم اتهام له بما لم يكن.
وعاد الفضل من مهمته تلك بخفي حنين، يجر هو وسيده أذيال الخيبة، والخزي، والخسران.
أما إذا كان الفضل قد أقدم علي ذلك من دون علم المأمون - كما (1) وإن كنا لا نستبعد أن يكون قد أقدم علي ذلك من دون علم المأمون، وبدافع من حقده الدفين علي الإمام عليه السلام، وحسده له، يريد بذلك تمهيد السبيل لقتله ليخلو له الجو، وليفعل من ثم ما يشاء وحسبما يريد. (٢٦٤) صفحهمفاتيح البحث: كتاب مقاتل الطالبيين لأبو الفرج الأصفهاني (1)، خراسان (1)
هو غير بعيد - فليس ذلك إلا بدافع من حقده الدفين علي الإمام (ع)، وحسده له، يريد بذلك تمهيد الطريق لمقتله، ليخلو له الجو، وليفعل من ثم ما يشاء، وحسبما يريد.
وأيا ما كانت الحقيقة، فإن النتيجة ليست سوي الخزي والعار، والخيبة القاتلة بالنسبة للفضل في هذه القضية.
ويا ليته كان قد قنع بذلك.. ولكنه استمر في تحريض المأمون علي التخلص من الإمام (ع) حتي إن بعض المؤرخين يري: أن المأمون لم يقتل الإمام إلا بتحريض من الفضل بن سهل!!.
وبعد.. فهل يمكن أن تنسجم دعوي تشيعه مع إشارته علي المأمون بإرجاع الإمام عن صلاة العيد، وذلك حتي لا تخرج الخلافة منه؟!.
كما سنشير إليه إن شاء الله.
وأيضا. مع إظهاره العداوة الشديدة للإمام (ع) وحسده له علي ما كان المأمون يفضله به، علي حد تعبير الريان بن الصلت؟! (1).
وكذلك مع اصطناعه هشام بن إبراهيم الراشدي. وجعله عينا للمأمون علي الإمام، ينقل إليه حركاته وسكناته، ويمنع الناس من الوصول إليه حسبما تقدم؟!.
ولو أن الفضل كان ممن يتشيع للإمام، لكان يجب أن يعد من أعظم البلهاء، إذ كيف لا يلتفت لأمر المأمون المؤكد لرسله: أن لا يمروا بالإمام عن طريق الكوفة وقم، لئلا يفتتن به الناس. ثم إلي تهديداته له بالقتل، إن لم يقبل ما يعرضه عليه، ثم إلي جلبه العلماء والمتكلمين (1) مسند الإمام الرضا ج 1 ص 78، والبحار ج 49 ص 139. وعيون أخبار الرضا ج 2 ص 153. (٢٦٥) صفحهمفاتيح البحث: مدينة الكوفة (1)، هشام بن إبراهيم الراشدي (1)، الريان بن الصلت (1)، الفضل بن سهل (1)، القتل (2)، الصّلاة (1)، كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام (1)
من أقاصي البلاد، من أجل إفحام الإمام. وإظهار جهله وعجزه، إلي آخر ما هنالك، من صفحات تاريخ المأمون السوداء.
ثم نري أنه هو بنفسه يشارك في ذلك كله، وسواه، ويعمل من أجله حتي لقد شارك في التهديد للإمام، إن لم يقبل ما يعرضه عليه المأمون..
وإذا كان نفوذه قد بلغ حدا يجعل المأمون ينازل عن عرشه - الذي قتل من أجله أخاه - لرجل غريب، فلماذا لا يعمل هذا النفوذ من أجل أن يمنع المأمون عن ذلك السلوك اللاإنساني، الذي انتهجه مع الإمام، ابتداء من حين وجود الإمام في المدينة، وإلي آخر لحظة عاشها معه، وبعد ذلك إلي ما شاء الله.
هذا كله من جهة.
موقف الإمام من الفضل ينفي نسبة التشيع له:
ومن جهة ثانية.. لو كان للفضل فضل في مسألة البيعة للإمام (ع)، أو كان ممن يتشيع له، لم يكن من اللائق من الرضا (ع) أن يخبر المأمون بما عرضه عليه الفضل من قتل المأمون، وجعل الأمر إليه. ولا من المناسب أن يوصيه بأن لا يأمن له، ويخبره بغشه وكذبه، وأنه يخفي عنه حقيقة ما يجري في بغداد، وغيرها (1).
ولا من اللائق منه أيضا: أن يعامله تلك المعاملة، التي لا يعامل بها المحبون المخلصون. والتي كان فيها الكثير من الخشونة، والاحتقار والامتهان، فقد قدمنا أنه عندما ذهب إليه الفضل يطلب منه كتاب (1) تاريخ الطبري، طبع ليدن ج 11 ص 1025. (٢٦٦) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (1)، مدينة بغداد (1)، الجهل (1)، القتل (1)، المنع (1)، كتاب تاريخ الطبري (1)
الأمان، لم يسأله عن حاجته إلا بعد ساعة من وقوفه، ثم أمره بقراءة الكتاب، فقرأه - وكان كتابا في أكبر جلد - وهو واقف، لم يأذن له بالجلوس.
وكذلك لم يكن من اللائق منه: أن يزري عليه عند المأمون، فقد ذكر المؤرخون: أنه ".. كان يذكر ابني سهل عند المأمون، ويزري عليهما، مما دفعهما إلي السعاية به، وكان يوصيه أن لا يأمن لهما " (1).
إلي آخر ما هنالك مما لا يصدر في حق أي إنسان عادي آخر في حق من يتشيع له، فضلا عمن يتسبب في جعله وليا لعهد الخلافة الإسلامية للأمة بأسرها.
والمأمون نفسه يستنكر ذلك:
ومن جهة ثالثة.. فقد كفانا المأمون نفسه مؤونة الحديث عن دور الفضل بن سهل في هذه القضية.. ولا شك أن " عند جهينة الخبر اليقين ".
فقد قدمنا في الفصل السابق: أن الريان بن الصلت - وكان من رجال الحسن بن سهل (2)! - عندما رأي أن القواد والعامة قد أكثروا في بيعة الرضا، وأنهم يقولون: " إن هذا من تدبير الفضل ". قال للمأمون ذلك، فأجابه المأمون: ".. ويحك يا ريان! أيجسر أحد أن يجئ إلي خليفة قد استقامت له الرعية، والقواد، واستوت الخلافة، فيقول (١) مقاتل الطالبيين ص ٥٦٥، ٥٦٦، وإعلام الوري ص ٣٢٥، وكشف الغمة ج ٣ ص ٧١، وروضة الواعظين ج 1 ص 276، والبحار ج 49، وإرشاد المفيد، وأعيان الشيعة، وغير ذلك.
(2) صرح بأنه من رجاله في كتاب: البحار ج 49 ص 133، وعيون أخبار الرضا ج 2 ص 149. (٢٦٧) صفحهمفاتيح البحث: الريان بن الصلت (1)، الحسن بن سهل (1)، الفضل بن سهل (1)، كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام (1)، كتاب الإرشاد للشيخ المفيد (1)، كتاب إعلام الوري بأعلام الهدي (1)، كتاب مقاتل الطالبيين لأبو الفرج الأصفهاني (1)، كتاب كشف الغمة للإربلي (1)، كتاب أعيان الشيعة للأمين (1)
له: إدفع الخلافة من يدك إلي غيرك؟! أيجوز هذا في العقل؟!.. الخ " لا.. أبدا.. لا يمكن أن نتصور، ولا يجوز في العقل: أن يأتي وزير ملك إليه، ويطلب منه التنازل عن عرشه، ويسلمه إلي رجل غريب، وهو يعلم أن ذلك الملك، قد قتل أخاه، وغيره، وهدم البلاد، وأهلك العباد، من أجل ذلك العرش.. هذا مع علمه أنه سوف لا يكون له هو في دولة ذلك الرجل الجديد الغريب، أي شأن، أو دور يذكر. أو علي الأقل لن يكون له من النفوذ، والسلطة والطول، ما كان له مع ذلك الملك الأول. بل سوف يكون كأي فرد عادي آخر، محكوما لا حاكما، بكل ما لهذه الكلمة من معني.. اللهم إلا أن يكون قد تآمر مع ذلك الملك الأول، لتنفيذ خطة معينة. قد رسماها معا من قبل، وعملا علي أن تكون الأمور في نهاية الأمر في صالحهما، ومن أجل تعزيز نفوذهما وسلطتهما.
أما حصيلة هذه الجولة:
وهكذا.. تأبي الأحداث، ويأبي المنطق أن يكون للفضل في هذه القضية شئ، إلا علي طريق التآمر والتواطؤ مع سيده المأمون، أفعي الدهاء والسياسة، بعد دراسة دقيقة مشتركة للوضع، وتقييم عام له.
اتفقا علي أثره علي خطة للتخلص من المشاكل التي كانت تعترض سبيلهما، وتشكل - إلي حد ما - خطرا علي وجودهما في الحكم، وتفردهما بالسلطة.. وبذلك فقط نستطيع أن نفسر قول إبراهيم بن العباس في مدح الفضل في جملة أبيات له:
وإذا الحروب غلت بعثت لها * رأيا نقل به كتائبها رأيا إذا نبت السيوف مضي * عزم به فشفي مضاربها (٢٦٨) صفحهمفاتيح البحث: القتل (1)، الجواز (1)
أجري إلي فئة بدولتها * وأقام في أخري نواد بها (1) ولعل الفضل كان مخدوعا!.
ولكن ألا يحتمل قريبا: أن يكون الفضل مخدوعا في هذه المرة علي الأقل؟ وأنه هو أيضا راح ضحية تآمر وتضليل من نفس سيده:
المأمون؟!.
الحقيقة أن ذلك أمر محتمل جدا، لأننا نري في النصوص التاريخية، ما يشير لنا بوضوح إلي أن الفضل لم يكن سوي لعبة بيد المأمون، وأنه قد جازت عليه حيلة في بادئ الأمر، بادعائه: أنه إنما يوليه العهد، لأنه يريد خير الأمة ومصلحتها. أو لأنه يريد أن يفي بنذره (أي أنه نذر إن ظفر بأخيه الأمين، فلسوف يسلم الخلافة لرجل غريب!)..
وقد تقدم أن ابن القفطي يري أن الفضل لم يكن عارفا بسر القضية، ولا عالما بواقع الأمر.. ولعلنا نستطيع: أن نستدل علي ذلك بقوة بممانعة الفضل وأخيه الحسن في هذا الأمر.
كما أننا رأينا المأمون: يرفض أن يطلب من الإمام (ع) كتاب الأمان للفضل، بحجة أن الإمام كان قد اشترط: أن لا يتدخل في شئ من أمور الدولة وشؤونها (2).
ثم نري المأمون نفسه يطلب من الإمام: أن يولي فلانا، أو أن يكتب إلي فلان بكذا، أو أن يساعده في إدارة شؤون الخلافة، أو أن (١) الأغاني ط ساسي ج ٩ ص ٣١ - ٣٢.
(٢) أعيان الشيعة ج ٤ قسم 2 ص 139، وعيون أخبار الرضا ج 2 ص 162.
والبحار ج 49 ص 168. ومسند الإمام الرضا ج 1 ص 88. (٢٦٩) صفحهمفاتيح البحث: الحج (1)، كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام (1)، كتاب أعيان الشيعة للأمين (1)
يصلي بالناس، إلي غير ذلك من الأمور.. مع أن ما كان يريده الفضل من الإمام، لم يكن له من الأهمية مثل ما كان يطلبه منه المأمون.
وعلي كل فقد يجوز للمأمون - حتي مع الشرط - ما لا يجوز لغيره بدونه.
الفضل يقع في الشرك:
وأخيرا.. فلا يسعنا في ختام هذا الفصل إلا أن نقول:
مسكين الفضل بن سهل، لقد استطاع المأمون أن يبرئ ساحة نفسه، من كل الذنوب العظيمة والخطيرة التي ارتكبها، وأن يجعل هذا الوزير المسكين، الذي كان عدوا للإمام، والذي لم يشعر إلا وهو في الفخ، هو المسؤول عن أكثر جرائمه وموبقاته، بل وعنها جميعا، حتي البيعة للرضا (ع) بل وحتي عن قتل أخيه الأمين!
ولقد أدرك الفضل أنه قد وقع في الشرك، ولكن.. بعد فوات الأوان، ولذا نراه يمتنع عن الذهاب إلي بغداد، لأنه يعرف ما سوف يواجهه من مشاكل وأخطار، وما سوف يتعرض له من مؤامرات، وحاول بكل وسيلة أن يقنع المأمون بالعدول عن رأيه، وبين له صراحة أنه هو المتهم بالبيعة للرضا، وبقتل الأمين، فلقد قال له:
".. يا أمير المؤمنين، إن ذنبي عظيم عند أهل بيتك، وعند العامة، والناس يلومونني بقتل أخيك المخلوع، وبيعة الرضا، ولا آمن السعاة والحساد، وأهل البغي أن يسعوا بي، فدعني أخلفك بخراسان الخ. " (1). (١) أعيان الشيعة ج ٤ قسم 2 ص 139، وعيون أخبار الرضا ج 2 ص 162، ومسند الإمام الرضا ج 1 ص 87، والبحار ج 49 ص 167. (٢٧٠) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (1)، مدينة بغداد (1)، الفضل بن سهل (1)، خراسان (1)، القتل (2)، الجواز (1)، كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام (1)، كتاب أعيان الشيعة للأمين (1)
ولكن أني له أن يتركه المأمون، الذي كان يريد التخلص منه، من أجل أن ترضي عنه بغداد، مضافا إلي أنه هو أيضا كان يخشاه ويخافه.
فلقد كان قد أعد العدة، وأحكم الخطة في أمره، ولم يبق إلا التنفيذ (كما سيأتي بيانه).
وبعد أن يئس الفضل من إقناع المأمون، حاول أن يحتاط لنفسه ما أمكنه ذلك. فطلب منه أن يكتب له كتاب ضمان وأمان. فاستجاب المأمون لهذا الطلب، وكتب له كتابا (1)، يسمي كتاب الحباء والشرط يظهر بوضوح الدور الذي لعبه الفضل في تشييد صرح خلافة المأمون، وتوطيد سلطانه.
ونلاحظ: أن المأمون قد كتب للفضل كل ما يريد، بل وزاد علي ما كان يتوقعه الفضل الشئ الكثير، إذ لم يكن يري في ذلك أي ضرر عليه، ما دام أنه قد أحكم الخطة، ودبر له النهاية.
وكما رسم ودبر. كانت النهاية!.
لماذا الاصرار علي اتهام الفضل:
وهكذا. فإننا بعد كل ما تقدم، لا نري مجالا للإصرار علي نسبة التشيع للفضل، أو القول: بأن المأمون كان واقعا في أمر البيعة تحت تأثيره، وخاضعا لإرادته، فقد يكون الفضل قد أعطي أكثر مما يستحقه من النفوذ والقدرة.. ولعل إصرار أولئك أو هؤلاء علي اتهام الفضل بذلك، حتي وإن أنكره المأمون نفسه، وكذبته جميع الوقائع والأحداث - لعله - يرجع إلي حرصهم علي أن لا يتهم المأمون - السلطة - بما (1) الكتاب موجود في: البحار ج 49 ص 160، 162، وعيون أخبار الرضا ج 2 ص 157، 159، وأوعز إليه اليعقوبي في تاريخه ج 2 ص 451 طبع صادر (٢٧١) صفحهمفاتيح البحث: مدينة بغداد (1)، كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام (1)
لا يحبون اتهامه به، كالتشيع، والحب لآل علي (ع)، أو ليبرءوا ساحته من هذه التهمة، لو فرض وجودها فعلا.. أو لعل لأنهم لم يكونوا علي درجة من الوعي تؤهلهم لإدراك حقيقة ظروف المأمون، وأهدافه من البيعة..
هذا.. وقد رأينا: أن العباسيين في بغداد، بمجرد وصول نبأ البيعة لهم، يتهمون الفضل بن سهل بتدبيرها (1).. مع أنهم لم يكونوا قد اطلعوا بعد علي حقيقة الأمر وواقع القضية، وما ذلك إلا لما قلناه، وليبقوا علي علاقاتهم مع المأمون، وليبقي باب الصلح معه في المستقبل مفتوحا. وكذلك ليحافظوا علي شخصية المأمون، حتي لا تلصق بها تهمة، يعلمون هم أكثر من غيرهم - وأهل البيت أدري بما فيه - ببراءته منها، ألا وهي تهمة: الحب لعلي، وآل بيته.
ولعله أيضا لهذه الأسباب نفسها جعلوا المأمون لعبة في يد الفضل، وأنه لا يملك معه من الأمر شيئا، حتي لقد قالوا عنه: إنه مسجون ومسحور (2). وإن كان لا شاهد لهذه الدعوي أصلا إلا البيعة للرضا (ع) ولولاها لكان العكس عندهم هو الصحيح فعلا..
جميل.. وجميل جدا.. فلقد أصبح المأمون لعبة بيد الفضل، وإن كانت جميع الدلائل والشواهد متظافرة علي العكس من ذلك.. ولو لم يكن ذلك يكفي لتبرئة المأمون، فهم علي استعداد لاتهامه بعقله، كما قد حدث ذلك بالفعل، فذلك عندهم خير من اتهامه بالحب لآل علي والتشيع لهم.. (١) فقد اتهموا الفضل بذلك بمجرد وصول رسالة الحسن بن سهل إليهم، يخبرهم فيها بأمر البيعة. راجع: الطبري ج ١١ ص ١٠١٣، طبع ليدن وتجارب الأمم ج ٦ ص ٤٣٦ وغير ذلك من كتب التاريخ.
(٢) راجع: البداية والنهاية ج ١٠ ص ٢٤٨، والطبري ج 11، وغير ذلك.. (٢٧٢) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (1)، الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام (1)، صلح (يوم) الحديبية (1)، مدينة بغداد (1)، الفضل بن سهل (1)، الشهادة (1)، كتاب البداية والنهاية (1)، الحسن بن سهل (1)
احتمال وجيه جدا:
علي أننا لا نستبعد كثيرا.. أن يكون المأمون نفسه قد شجع وغذي هذه التبريرات والتمويهات، وخصوصا بعد مقتل الفضل، ليبرئ نفسه أمام العباسيين، وليشوه الفضل.. كما أننا لا نشك أبدا في أن كثيرا مما يذكر عن الأمين هو في عداد الخرافات والأساطير التي شجعها المأمون وحزبه، لأن الأمين كان هو المغلوب، والمأمون كان هو الغالب.. وللغالب القدرة، بل والحق أيضا - في نظر قاصري النظر - في أن يشوه المغلوب، ويصوره بالصورة التي يريد.
ويدلنا علي أن المأمون هو المسؤول عن ذلك، ما رواه الحصري في زهر الآداب من: " أنه لما خلع المأمون أخاه أمين، ووجه بطاهر ابن الحسين لمحاربته. كان يعمل كتبا بعيوب أخيه، تقرأ علي المنابر بخراسان الخ.. " (1). وطبيعي بعد ذلك: أن علي الكتاب والمؤرخين الذين ما كانوا أحرارا، ولا يعتمدون النزاهة في كتاباتهم: أن يؤرخوا كما يريد المأمون، وأن يكتبوا ما يمليه عليهم، لا ما هو حق وواقع.
يرونه بأم أعينهم. أو تحكم به - إن كانت - ضمائرهم.
وأخيرا.. وإذا تحقق أن الفضل برئ من تهمة التشيع، وتهمة تدبير أمر البيعة، فلا يعني ذلك أنه برئ مما هو أشنع من ذلك وأقبح " فكل إناء بالذي فيه ينضح ". (1) راجع: أمراء الشعر العربي في العصر العباسي ص 86، نقلا عن: زهر الآداب ج 2 ص 111، تحقيق زكي مبارك، وطبع دار الجيل ج 2 ص 464. (٢٧٣) صفحهمفاتيح البحث: خراسان (1)، القتل (1)، العصر (بعد الظهر) (1)

" القسم الثالث: أضواء علي الموقف.. "

القسم الثالث أضواء علي الموقف:
1 - عرض الخلافة، ورفض الإمام.
2 - قبول ولاية العهد بعد التهديد.
3 - مدي جدية عرض الخلافة.
4 - موقف الإمام.
5 - خطة الإمام..
صفحه(٢٧٥)

عرض الخلافة ورفض الإمام

عرض الخلافة، ورفض الإمام (ع):
نصوص تاريخية:
تحدثنا كتب التاريخ: أن المأمون كان قد عرض الخلافة علي الإمام أولا.. (1) لكنه (ع) رفض قبولها أشد الرفض، وبقي مدة يحاول إقناعه بالقبول، فلم يفلح. وقد ورد أن محاولاته هذه، استمرت في مرو وحدها أكثر من شهرين والإمام عليه السلام يأبي عليه ذلك (2).
بل لقد ورد أنه (ع) كان قد أجاب المأمون بما يكره، فقد:
قال المأمون للإمام: ".. يا ابن رسول الله، قد عرفت فضلك، وعلمك، وزهدك، وورعك، وعبادتك، وأراك أحق بالخلافة مني.. ". (١) كما نص عليه في البداية والنهاية ج ١٠ ص ٢٥٠، والفخري في الآداب السلطانية ص ٢١٧، وغاية الاختصار ص ٦٧، وينابيع المودة للحنفي ص ٣٨٤، ومقاتل الطالبيين، وغير هؤلاء كثير.. وسنشير في آخر هذا الفصل إلي طائفة منهم أيضا..
لكن السيوطي قال في تاريخ الخلفاء ".. حتي قيل: أنه هم أن يخلع نفسه، ويفوض الأمر إليه.. " أما رفضه لذلك، فهو أشهر من أن يذكر كما سيأتي..
(2) عيون أخبار الرضا ج 2 ص 149، والبحار ج 49 ص 134، وينابيع المودة وغير ذلك. (٢٧٧) صفحهمفاتيح البحث: يوم عرفة (1)، الكراهية، المكروه (1)، الرفض (1)، كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام (1)، كتاب البداية والنهاية (1)، جلال الدين السيوطي الشافعي (1)، كتاب ينابيع المودة (2)
فقال الإمام (ع): ".. بالزهد بالدنيا أرجو النجاة من شر الدنيا، وبالورع عن المحارم أرجو الفوز بالمغانم، وبالتواضع في الدنيا أرجو الرفعة عند الله..
قال المأمون: فإني قد رأيت أن أعزل نفسي عن الخلافة، وأجعلها لك، وأبايعك؟!.
فقال الإمام (ع): إن كانت هذه الخلافة لك، فلا يجوز أن تخلع لباسا ألبسكه الله، وتجعله لغيرك، وإن كانت الخلافة ليست لك، فلا يجوز أن تجعل لي ما ليس لك (1).
قال المأمون: لا بد لك من قبول هذا الأمر!!
فقال الإمام (ع): لست أفعل ذلك طائعا أبدا..
فما زال يجهد به أياما، والفضل والحسن (2) يأتيانه، حتي يئس من قبوله..
وخرج ذو الرئاستين مرة علي الناس قائلا: واعجبا! وقد رأيت عجبا! رأيت المأمون أمير المؤمنين يفوض أمر الخلافة إلي الرضا. (١) عبارة تاريخ الشيعة ص ٥١، ٥٢ هكذا: ". إن كانت الخلافة حقا لك من الله، فليس لك أن تخلعها عنك، وتوليها غيرك. وإن لم تكن لك، فكيف تهب ما ليس لك. " وهذه أوضح وأدل.
(٢) لا ندري ما الذي أوصل الحسن بن سهل إلي مرو، مع أنه كان آنئذ في العراق، ولعل ذكر الحسن اشتباه من الراوي، واحتمل السيد الأمين في أعيان الشيعة ج ٤ قسم 2 ص 120: أن يكون المأمون قد استدعي الحسن بهذه المناسبة إلي خراسان، فلما تم أمر البيعة عاد إلي بغداد. (٢٧٨) صفحهمفاتيح البحث: ذو الرياستين (1)، الجواز (1)، دولة العراق (1)، كتاب أعيان الشيعة للأمين (1)، مدينة بغداد (1)، الحسن بن سهل (1)، خراسان (1)
ورأيت الرضا يقول: لا طاقة لي بذلك، ولا قدرة لي عليه. فما رأيت خلافة قط كانت أضيع منها (1). (١) راجع في جميع هذه النصوص بالإضافة إلي ما تقدم: روضة الواعظين ج ١ ص ٢٦٧، ٢٦٨، ٢٦٩، وإعلام الوري ص ٣٢٠، وعلل الشرايع ج ١ ص ٢٣٦، وينابيع المودة ص ٣٨٤، وأمالي الصدوق ص ٤٢، ٤٣، والإرشاد ص ٣١٠، وكشف الغمة ج ٣ ص ٦٥، ٦٦، ٦٦، ٨٧، وعيون أخبار الرضا ج ٢ ص ١٤٩، ١٤٠. والمناقب ج ٤ ص ٣٦٣، والكافي ج ١ ص ٤٨٩، والبحار ج ٤٩ ص ١٢٩، ١٣٤، ١٣٦. ومعادن الحكمة، وتاريخ الشيعة، ومثير الأحزان ص ٢٦١، وشرح ميمية أبي فراس ص 164، 165، وغاية الاختصار ص 68. (٢٧٩) صفحهمفاتيح البحث: كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام (1)، كتاب علل الشرايع للصدوق (1)، كتاب روضة الواعظين (1)، كتاب أمالي الصدوق (1)، كتاب إعلام الوري بأعلام الهدي (1)، كتاب كشف الغمة للإربلي (1)، كتاب ينابيع المودة (1)، كتاب مثير الأحزان (1)

قبول ولاية العهد بعد التهديد

قبول ولاية العهد بعد التهديد مع محاولات المأمون لإقناع الإمام:
الذي يبدو من ملاحظة كتب التاريخ والرواية، هو: أن محاولات المأمون لإقناع الإمام بما يريد، كانت متعددة، ومتنوعة، وأنها بدأت من حين كان الإمام (ع) لا يزال في المدينة. حيث كان المأمون يكاتبه، محاولا إقناعه بذلك، فلم ينجح، وعلم الإمام أنه لا يكف عنه.
ثم أرسل رجاء بن أبي الضحاك، وهو قرابة الفضل والحسن ابني سهل (1)، فأتي بالإمام (ع) من المدينة إلي مرو رغما عنه.. وبذل المأمون في مرو أيضا محاولات عديدة، استمرت أكثر من شهرين. وكان يتهدد الإمام بالقتل، تلويحا تارة، وتصريحا أخري، والإمام (ع) يأبي قبول ما يعرضه عليه.. إلي أن علم أنه لا يمكن أن يكف عنه، وأنه لا محيص له عن القبول، فقبل ولاية العهد مكرها، وهو باك حزين - علي حد تعبير الكثيرين -، وكانت البيعة له في السابع من شهر رمضان، سنة (201 ه.)، كما يتضح من تاريخ ولاية العهد.. (1) وقيل: أنه عمهما، وقد كان رجاء هذا من قواد المأمون، وقد ولاه المأمون خراسان مدة، لكنه أساء السيرة، فعزله. (٢٨٠) صفحهمفاتيح البحث: علم المعصوم (1)، شهر رمضان المبارك (1)، القتل (1)، خراسان (1)
بعض ما يدل علي عدم رضا الإمام (ع):
والنصوص الدالة علي عدم رضا الإمام (ع) بهذا الأمر كثيرة، ومتواترة، فقد قال أبو الفرج: ".. فأرسلهما (يعني الفضل والحسن ابني سهل) إلي علي بن موسي، فعرضا ذلك (يعني ولاية العهد) عليه، فأبي، فلم يزالا به، وهو يأبي ذلك، ويمتنع منه.. إلي أن قال له أحدهما: إن فعلت ذلك، وإلا فعلنا بك وصنعنا، وتهدده، ثم قال له أحدهما: " والله، أمرني بضرب عنقك، إذا خالفت ما يريد "!. ثم دعا به المأمون، وتهدده، فامتنع، فقال له قولا شبيها بالتهديد، ثم قال له: " إن عمر جعل الشوري في ستة، أحدهم:
جدك وقال: من خالف فاضربوا عنقه، ولا بد من قبول ذلك.. " (1)!
ويروي آخرون: أن المأمون قال له: ".. يا ابن رسول الله، إنما تريد بذلك (يعني بما أخبره به عن آبائه من موته قبله مسموما) التخفيف عن نفسك، ودفع هذا الأمر عنك، ليقول الناس: إنك زاهد في الدنيا..
فقال الرضا: والله، ما كذبت منذ خلقني ربي عز وجل، وما زهدت في الدنيا للدنيا، وإني لأعلم ما تريد؟!.
فقال المأمون: وما أريد؟!
قال: الأمان علي الصدق؟
قال: لك الأمان.
قال: تريد بذلك أن يقول الناس: إن علي بن موسي لم يزهد في (١) مقاتل الطالبيين ص ٥٦٢، 563، وقريب منه ما في إرشاد المفيد ص 310 وغير ذلك. (٢٨١) صفحهمفاتيح البحث: الفرج (1)، الكذب، التكذيب (1)، الصدق (1)، الموت (1)، كتاب الإرشاد للشيخ المفيد (1)، كتاب مقاتل الطالبيين لأبو الفرج الأصفهاني (1)
الدنيا، بل زهدت الدنيا فيه: ألا ترون: كيف قبل ولاية العهد طعما في الخلافة؟!
فغضب المأمون، وقال له: " إنك تتلقاني أبدا بما أكرهه، وقد آمنت سطوتي، فبالله أقسم: لئن قبلت ولاية العهد. وإلا أجبرتك علي ذلك، فإن فعلت، وإلا ضربت عنقك.. " (1).
وقال الإمام الرضا (ع) في جواب الريان له، عن سر قبوله لولاية العهد:
".. قد علم الله كراهتي لذلك، فلما خيرت بين قبول ذلك وبين القتل، اخترت القبول علي القتل، ويحهم. إلي أن قال: ودفعتني الضرورة إلي قبول ذلك، علي إجبار وإكراه، بعد الإشراف علي الهلاك إلخ.. " (2).
وقال في دعاء له: ".. وقد أكرهت واضطررت، كما أشرفت من عبد الله المأمون علي القتل، متي لم أقبل ولاية العهد.. ".
وقال في جواب أبي الصلت: " وأنا رجل من ولد رسول الله (ص) (١) راجع في ذلك. مناقب آل أبي طالب ج ٤ ص ٣٦٣، وأمالي الصدوق ص ٤٣، وعيون أخبار الرضا ج ٢ ص ١٤٠، وعلل الشرايع ج ١ ص ٢٣٨، ومثير الأحزان ص ٢٦١، ٢٦٢، وروضة الواعظين ج ١ ص ٢٦٧، والبحار ج ٤٩ ص ١٢٩، وغير ذلك.
وفي تاريخ الشيعة ص ٥٢: أنه بعد أن عرض عليه الخلافة، وأجابه بالجواب المتقدم في الفصل السابق، قال له: ".. إذن، تقبل ولاية العهد. فأبي عليه الإمام أشد الإباء، فقال له المأمون: ".. ما استقدمناك باختيارك، فلا نعهد إليك باختيارك.
والله، إن لم تفعل ضربت عنقك.. ".
(٢) علل الشرايع ج ١ ص ٢٣٩، وروضة الواعظين ج 1 ص 268، وأمالي الصدوق.
ص 72، والبحار ج 49 ص 130، وعيون أخبار الرضا ج 2 ص 139. (٢٨٢) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (1)، الرسول الأكرم محمد بن عبد الله صلي الله عليه وآله (1)، كتاب الأشراف للشيخ المفيد (1)، الضرب (2)، القتل (2)، كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام (2)، كتاب علل الشرايع للصدوق (2)، كتاب أمالي الصدوق (2)، كتاب مناقب آل أبي طالب عليه السلام (1)، كتاب مثير الأحزان (1)
أجبرني علي هذا الأمر وأكرهني عليه.. ".
بل لقد أعرب عن عدم رضاه في نفس ما كتبه علي ظهر وثيقة العهد، وأنه يعلم بعدم تمامية هذا الأمر، وإنما يفعل ذلك امتثالا لأمر المأمون، وإيثارا لرضاه..
أما الباحثون وغيرهم فيقولون:
أما الباحثون، فلعلنا لا نكاد نعثر علي باحث يتعرض لهذا الأمر ينسي أن يؤكد علي رفض الإمام (ع) لهذا الأمر، واستيائه منه.
يقول أحمد أمين: ".. والزم الرضا بذلك، فامتنع، ثم أجاب.. " (4).
وقال القندوزي: إنه قبل ولاية العهد، وهو باك حزين (2).
وقال المسعودي: ".. فألح عليه، فامتنع، فأقسم، فأبر قسمه الخ. " (3).
وعلي كل حال: فإن النصوص التاريخية الدالة علي عدم رضاه (ع) بهذا الأمر، وأنه مكره مجبر عليه كثيرة جدا (4). وتضارعها كثرة (١) ضحي الإسلام ج ٣ ص ٢٩٤.
(٢) ينابيع المودة ص ٢٨٤.
(٣) إثبات الوصية ص ٢٠٥.
(٤) وإنه وإن كان سيمر معنا نصوص أخري تدل علي ذلك.. إلا أننا نحيل القارئ علي بعض مظان وجودها، فراجع: ينابيع المودة ص ٣٨٤، ومثير الأحزان ص ٢٦١، ٢٦٢، ٢٦٣، وكشف الغمة ج ٣ ص ٦٥، وأمالي الصدوق ص 68، 72، والبحار ج 49 ص 129، 131، 149، وعلل الشرايع ج 1 ص 237، 238، وإرشاد المفيد ص 191، وعيون أخبار الرضا ج 1 ص 19، و ج 2 ص 139، 140، 141، 149، وإعلام الوري 320، والخرائج والجرائح، وغير ذلك.. (٢٨٣) صفحهمفاتيح البحث: الشيخ سلمان البلخي القندوزي (1)، الرفض (1)، كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام (1)، كتاب الإرشاد للشيخ المفيد (1)، كتاب علل الشرايع للصدوق (1)، كتاب الخرائج والجرائح للقطب الراوندي (1)، كتاب أمالي الصدوق (1)، كتاب إعلام الوري بأعلام الهدي (1)، كتاب إثبات الوصية للمسعودي (1)، كتاب كشف الغمة للإربلي (1)، كتاب ينابيع المودة (2)، كتاب مثير الأحزان (1)
أقوال الباحثين، الذين تعرضوا لهذا الموضوع. ولذا فليس من اليسير الإحاطة بها واستقصاؤها في مثل هذه العجالة.
ولهذا.. فإننا نكتفي هنا بهذا القدر، حيث إن المجال لا يتسع لأكثر من ذلك..
صفحه(٢٨٤)

مدي جدية عرض الخلافة

مدي جدية عرض الخلافة:
عرض الخلافة ليس جديا..:
مر معنا أن المأمون كان قد عرض أولا الخلافة علي الإمام، وأنه ألح عليه بقبولها كثيرا، سواء وهو في المدينة، أو بعد استقدامه إلي مرو، وأنه تهدده فلم يقبلها، فلما يئس من قبوله الخلافة، عرض عليه ولاية العهد، فامتنع أيضا. ولم يقبل إلا بعد أن تهدده بالقتل، وعرف الجد في ذلك التهديد!!
وهنا سؤال لا بد من الإجابة عليه، وهو:
هل كان المأمون جادا في عرضه الخلافة علي الإمام؟!.
ويتفرع علي الإجابة علي هذا السؤال سؤال آخر، وهو:
إذا لم يكن المأمون جادا في عرضه ذاك، فماذا تري سوف يكون موقف المأمون، لو أن الإمام قبل أن يتقلد الخلافة، ويضطلع بشؤونها؟!.
ومن أجل استيفاء الجواب عن هذين السؤالين، لا بد لنا من الاسهاب في المقال، بالقدر الذي يتسع لنا به المجال فنقول: (٢٨٥) صفحهمفاتيح البحث: القتل (1)
الإجابة علي السؤال الأول:
أما عن السؤال الأول، فإن الحقيقة هي: أن جميع الشواهد والدلائل تدل علي أنه لم يكن جادا في عرضه للخلافة:
وقد قدمنا أننا لا يمكن أن نتصور المأمون الحريص علي الخلافة حرصه علي نفسه، والذي قتل من أجلها أخاه. وأتباعه، بل وحتي وزراءه هو وقواده، وغيرهم. وأهلك العباد، وخرب البلاد، حتي لقد خرب بغداد بلد آبائه، وأزال كل محاسنها - لا يمكن أن نتصور - المأمون، الذي فعل كل ذلك وسواه من أجل الحصول علي الخلافة.. أن يتنازل عنها بهذه السهولة، بل ومع هذا الالحاح والإصرار منه، لرجل غريب، ليس له من القربي منه ما لأخيه، ولا من الثقة به ماله بقواده، ووزرائه!.
أم يعقل أن تكون الخلافة أعز من هؤلاء جميعا، والرضا فقط هو الأعز منها؟!.
وهل يمكن أن نصدق، أو يصدق أحد: أن كل ذلك، حتي قتله أخاه، كان في سبيل مصلحة الأمة ومن أجلها، ولكي يفسح المجال أمام من هو أجدر بالخلافة، وأحق بها من أخيه، ومنه؟!.
وكيف يمكن أن نعتبر إصراره الشديد علي الإمام، والذي استمر أشهرا عديدة، قبل استقدامه إلي مرو وبعده، والذي انتهي به إلي حد تهديده إياه بالقتل - كيف يمكن أن نعتبره رفقا منه بالأمة، وحبا لها، وغيرة علي صالحها.. مع أننا نسمعه من جهة ثانية هو نفسه يصرح:
بأن نفسه لم تسنح بالخلافة، عندما عرضها علي الإمام؟! (1).
وإذا لم تسنح نفسه بالخلافة، فلماذا يهدده بالقتل إن لم يقبلها؟!. (1) قاموس الرجال ج 10 ص 371، وغيبة الشيخ الطوسي ص 49. (٢٨٦) صفحهمفاتيح البحث: مدينة بغداد (1)، العزّة (1)، القتل (3)، الشيخ الطوسي (1)
وكيف يمكن أن نوفق بين تهديداته تلك، وجدية عرضه للخلافة..
وبين قوله: إنه لم يقصد إلا أن يوليه العهد، ليكون دعاء الإمام له، وليعتقد فيه المفتونون به الخ. ما سيأتي؟!.
وإذا كان قد نذر أن يوليه " الخلافة "، لو ظفر بأخيه الأمين، حسبما ورد في بعض النصوص التاريخية، فلماذا، وكيف جاز له الاكتفاء بتوليته العهد؟!.
وكيف استطاع إجباره علي قبول ولاية العهد، ولم يستطع إجباره علي قبول الخلافة؟!
وأيضا.. ولماذا بعد أن رفض الإمام (ع) العرض، لا يتركه وشأنه؟
وأين هي أنفة الملوك، وعزة السلطان؟!.
وإذا كان يأتي به المدينة ليجعله خليفة المسلمين، ويرفع من شأنه، فلماذا يأمره ويؤكد عليه في أن لا يمر عن طريق الكوفة وقم، وحتي لا يفتتن به الناس؟!.
وأيضا. هل يتفق ذلك مع إرجاعه للإمام (ع) عن صلاة العيد مرتين، لمجرد أنه جاءه من ينذره بأن الخلافة سوف تكون في خطر، لو أن الإمام (ع) وصل إلي المصلي؟!.. حتي لقد خرج هو بنفسه مسرعا، وصلي بالناس، رغم تظاهره بالمرض، ورغم زعمه، أنه:
كان يريد من الإمام أن يصلي بالناس، من أجل أن تطمئن قلوبهم علي دولته المباركة - علي حد تعبيره - بسبب مشاركة الإمام (ع) في ذلك..
وأيضا.. هل يتفق عرضه الخلافة علي الإمام، وتنازله عنها له، ثم توليته العهد، وبكاؤه عليه حين وفاته، وبقاؤه علي قبره ثلاثة أيام، حسبما سيأتي بيانه.. هل يتفق كل ذلك، مع كتابته لعامله علي (٢٨٧) صفحهمفاتيح البحث: مدينة الكوفة (1)، القبر (1)، الصّلاة (2)، الرفض (1)
مصر: يأمره بغسل المنابر التي دعي عليها للإمام (ع)، فغسلت؟! (1).
وبعد.. وإذا كان الإمام (ع) حجة الله علي خلقه، وأعلم أهل الأرض علي حد تعبير المأمون، فلماذا يفرض عليه نظرية لا يراها مناسبة، ويتهدده، ويتوعده علي عدم قبولها، والأخذ بها؟!.
وأخيرا.. هل يتفق ذلك كله، مع ما أشرنا، ولسوف نشير إليه، من ذلك السلوك اللاإنساني مع الإمام (ع)، قبل البيعة، وبعدها، في حياة الإمام، وحين وفاته، وبعدها.. وكذلك سلوكه مع العلويين.
وإخوة الإمام الرضا (ع) بالذات، ذلك السلوك الذي يترفع حتي الأعداء عن انتهاجه، والالتزام به، إلي آخر ما هنالك مما عرفت، وستعرف جانبا منه في هذا الكتاب إن شاء الله تعالي..
المأمون يرتبك في تبريراته:
ولعل من الأمور الجديرة بالملاحظة هنا: هو أن المأمون لم يكن قد حسب حسابا للأسئلة التي سوف تواجهه في هذا الصدد، ولذا نري أنه كان مرتبكا جدا في تبريراته لما أقدم عليه، فهو تارة يعلل ذلك بأنه: (1) ولا منافاة بينهما في نظر المأمون، فإنه لم يكن يخشي من ردة الفعل في مصر، لأنها بالإضافة إلي بعدها، لم تكن من المناطق الحساسة في الدولة، ولم تكن أيضا شديدة التعاطف مع العلويين، فهي إذن مأمونة الجانب.. وما كان يخشي منه قد أمنه، بتظاهره أمام الملأ بالحزن الشديد علي الإمام عليه السلام، حيث يكون بذلك قد طمأنهم، وأبعد التهمة عن نفسه في المنطقة التي يخشي منها في الوقت الحاضر.. وإلي أن تصل أخبار مصر إلي هذه المناطق الحساسة، فإنه يكون قد تجاوز المرحلة الخطيرة، ولم يعد يخشي شيئا علي الاطلاق.. (٢٨٨) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (1)، يوم عرفة (1)، الحج (1)
أراد مكافأة علي بن أبي طالب في ولده! (1).
وأخري: بأن ذلك كان منه حرصا علي طاعة الله، وطلب مرضاته، ولما يعلمه من فضل الرضا، وعلمه، وتقاه. وأنه أراد بذلك الخير للأمة. ومصلحة المسلمين! (2).
وثالثة: بأنه أراد أن يفي بنذره: أنه إن أظفره الله بالمخلوع - يعني أخاه الأمين الذي قتله - أن يجعل ولاية العهد في أفضل آل أبي طالب! (3).
بل ورابعة: بأنه أراد أن يجعله ولي عهده، ليكون دعاؤه له، وليعتقد فيه المفتونون به إلخ (4).. ما سيأتي تفصيله.
مع تبريرات المأمون تلك:
ومن الواضح أن تلك العلل والتبريرات وسواها، مما كان يتعلل (١) الفخري في الآداب السلطانية ص ٢١٩، والبحار ج ٤٩ ص ٣١٢، وتاريخ الخلفاء للسيوطي ص ٣٠٨، والتذكرة لابن الجوزي ص ٣٥٦، ونقل أيضا: عن شذرات الذهب، لابن العماد، وغير ذلك..
(٢) صرح بذلك وفي وثيقة العهد، وفي الفخري في الآداب السلطانية ص ٢١٧، قال:
" كان المأمون قد فكر في حال الخلافة بعده، وأراد أن يجعلها في رجل يصلح لها، كذا زعم.. ".
وفي البداية والنهاية ج ١٠ ص ٢٤٧ قال: " إن المأمون رأي عليا الرضا خير أهل البيت، وليس في بني العباس مثله، في علمه، ودينه، فجعله ولي عهده من بعده ".
ومثل ذلك كثير..
(٣) الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي ص ٢٤١، ومقاتل الطالبيين ص ٥٦٣، وإعلام الوري ص ٣٢٠، والبحار ج ٤٩، ص ١٤٣، ١٤٥، وأعيان الشيعة ج ٤ قسم 2 ص 112، وعيون أخبار الرضا، وإرشاد المفيد، وغير ذلك.
(4) لكن هذا الكلام لم يكن إلا لخصوص العباسيين، كما عرفت وستعرف!!. (٢٨٩) صفحهمفاتيح البحث: علي بن أبي طالب (1)، القتل (2)، كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام (1)، كتاب الإرشاد للشيخ المفيد (1)، كتاب الفصول المهمة لإبن صباغ المالكي (1)، كتاب البداية والنهاية (1)، جلال الدين السيوطي الشافعي (1)، كتاب أعيان الشيعة للأمين (1)، بنو عباس (1)، يوم عرفة (1)
به المأمون، كانت مفتعلة قبل أوان نضجها، ولعله لما أشرنا إليه من أنه لم يكن قد حسب حسابا لهذه الأسئلة التي واجهته، فكانت أجوبته متناقضة، متضادة، من موقف لآخر، ومن وقت لآخر.. حتي إن التناقض يبدو في التبرير الواحد، إذ تراه مرة يقول: " إنه نذر أن يجعل الخلافة في ولد علي ". وأخري يقول: " إنه نذر أن يجعل ولاية العهد فيهم ". وثالثة: يضيف إليهم آل العباس. وهكذا.
ولولا خوف الناس منه، ومن بطشه لوجدنا الكثيرين يسألونه: إنه إذا صح: أنه نذر الخلافة لولد علي، فلماذا قبل منه واكتفي بولاية العهد؟!، إذ قد كان عليه أن يجبره علي قبول الخلافة، كما أجبره علي قبول ولاية العهد.. وإذا صح أنه نذر له ولاية العهد، فلماذا عرض عليه الخلافة، وأصر عليه بقبولها.
وإننا وإن لم نجد لهذه الأسئلة، وسواها أثرا فيما بأيدينا من كتب التاريخ. إلا أننا رأينا الشواهد الكثيرة الدالة علي أن الناس كانوا يشكون كثيرا في نوايا المأمون وأهدافه مما أقدم عليه. وحسبنا هنا: ما رواه لنا الصولي، والقفطي، وغيرهما من قضية عبد الله بن أبي سهل النوبختي المنجم، حيث أراد اختبار ما في نفس المأمون، فأخبره أن وقت البيعة للإمام (ع) كان غير صالح، فأصر المأمون علي إيقاع البيعة في ذلك الوقت، وتهدده بالقتل إن حدث تغيير في الوقت والموعد، وقد تقدمت القصة بكاملها تقريبا في فصل سابق، وقد ذهب إلي ذكره غير واحد من المؤلفين (1). (١) تاريخ الحكماء ٢٢٢، ٢٢٣، وفرج المهموم في تاريخ علماء النجوم ص ١٤٢، وأعيان الشيعة ج ٤ قسم 2 ص 114. والبحار ج 49، ص 132، 133، وعيون أخبار الرضا ج 2 ص 147، 148، وغير ذلك.. (٢٩٠) صفحهمفاتيح البحث: عبد الله بن أبي سهل (1)، القتل (1)، الخوف (1)، كتاب أعيان الشيعة للأمين (1)
الإمام يدرك أهداف المأمون من عرض الخلافة:
ولعلنا نستطيع أن نجد فيما قدمناه في هذا الكتاب ما يفسر لنا موقف الإمام (ع) من المأمون.. ذلك الموقف الذي لم يكن يتسم بالمهادنة، أو الموافقة أصلا. بل كان قاسيا وعنيفا في مقابل عرض المأمون للخلافة عليه، كما ألمحنا إليه في باب: " عرض الخلافة، ورفض الإمام ".
وما ذلك.. إلا لأنه كان يعلم أنها لعبة خطيرة، تحمل في طياتها الكثير من المشاكل والأخطار، سواء بالنسبة إليه (ع)، أو بالنسبة إلي العلويين، أو بالنسبة إلي الأمة بأسرها..
ولقد كان (ع) يدرك: أن المأمون كان يرمي من وراء هذا العرض إلي أن يعرض حقيقة نوايا الإمام (ع)، ويستظهر دخيلة نفسه، حتي إذا ما رآه راغبا فيها رغبة حقيقية، سقاه الكأس، التي سقاها من قبل لمحمد بن محمد بن يحيي بن زيد، صاحب أبي السرايا، ومن بعد لمحمد بن جعفر، وطاهر بن الحسين، وغيرهم، وغيرهم.. وإنه كان يريد أن يجعل ذلك ذريعة لفرض ولاية العهد، وتمهيدا لإجباره علي قبولها، لأن ما يحقق له مآربه، ويوصله إلي غاياته، التي تحدثنا عن جانب منها في فصل: ظروف البيعة.. هو قبول الإمام لولاية العهد، لا الخلافة.. كما أن هذا هو الذي يمكن أن يكون ممهدا لتنفيذ الجزء التالي من خطته، ألا وهو القضاء علي العلويين بالقضاء علي أعظم شخصية فيهم.
ومن ثم.. وبعد كل ما تقدم.. تكون النتيجة هي: أن المأمون لم يكن جادا في عرضه للخلافة، وإنما فقط كان جادا في عرضه لولاية العهد. (٢٩١) صفحهمفاتيح البحث: محمد بن محمد بن يحيي (1)، طاهر بن الحسين (1)، محمد بن جعفر (1)، الهدف (1)
ويبقي هنا سؤال:
" لو أن الإمام قبل عرض الخلافة، فماذا تري سوف يكون موقف المأمون؟! ".
أولا: وقد يمكن الاقتناع بالجواب هنا لو قيل:
بديهي أن المأمون كان قد أعد العدة لأي احتمال من هذا النوع..
وقد كان يعلم أنه يستحيل علي الإمام، خصوصا في تلك الظروف:
أن يقبل عرض الخلافة، من دون إعداد مسبق لها، وتعبئة شاملة لجميع القوي، وفي مختلف المجالات، ولسوف يكون قبوله لها بدون ذلك عملا انتحاريا، لا مبرر له، ولا منطق يساعده.
إذ من البديهي أن الإمام الذي كان يعلم كم كان للقائد الحقيقي، والمصلح الواعي، من أثر في حياة الأمة، وفي مستقبلها، وكيف يمكن أن تتحد في ظلة قدرات الأمة - أفرادا وجماعات - وإمكاناتها المادية، والفكرية وغيرها في طريق صلاحها، وإصلاحها.. ويعلم أيضا: كيف يكون الحال، لو كان القائد فاسدا، حتي بالنسبة لما يبدو من تصرفاته في ظاهره صحيحا وسليما..
إن الإمام الذي كان يعلم ذلك وسواه - وبصفته القائد الحقيقي للأمة، لو حكم، فلا بد له أن يقيم دولة الحق والعدل، ويحمل الناس علي المحجة، ويحكم بما أنزل الله، كما حكم جده محمد صلي الله عليه وآله، وأبوه علي (ع) من قبل.. وحكمه هذا سوف يكون مرفوضا جملة وتفصيلا، لأن الناس، وإن كانوا عاطفيا مع أهل البيت عليهم السلام، إلا أنهم حيث لم يتربوا تربية إسلامية صحيحة، وصالحة، إذا أراد العلويون، أو غيرهم حملهم علي المحجة، فلسوف لا ينقادون لهم بسهولة، ولا يطيعونهم بيسر، ولسوف يكون الحكم بما أنزل الله غريبا علي أمة اعتادت (٢٩٢) صفحهمفاتيح البحث: أهل بيت النبي صلي الله عليه وآله (1)، الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام (1)، الرسول الأكرم محمد بن عبد الله صلي الله عليه وآله (1)
علي حياة خلفاء بني العباس، ومن قبلهم بني أمية المليئة بالانحرافات والموبقات.
أولئك الخلفاء الذين كانوا في طليعة المستهترين، والمتحللين من كل قيود الدين والإنسانية، والذين كانوا يتساهلون في كل شئ، ما دام لا يضر بوجودهم في الحكم.. نعم.. في كل شئ علي الاطلاق، حتي في الدين وأحكامه، والأخلاق، والمثل العليا، وما ذلك إلا لأنهم لم يكن همهم إلا الحكم، والتسلط، وامتصاص دماء الشعوب، ولا يهمهم - بعد - أن يفعل الناس ما شاءوا. ليتستروا بالدين، ليكفروا بالله، ليتحللوا من الأخلاق والفضائل الإنسانية، ليأكل بعضهم بعضا، ليكونوا أنعاما سائمة، أو ليكونوا وحوشا ضارية، فإن ذلك كله لا يضر.
والذي يضر فقط هو: أن يتعرضوا للحكم، ويفكروا بالسلطان، كيفما كان التعرض، وأيا كان التفكير.
وإذا كان الإمام علي (ع) عندما أراد أن يحكم بما أنزل الله تعالي، قد لاقي ما لاقي مما لا يجهله أحد.. رغم ما سمعته الأمة من فم النبي صلي الله عليه وآله مباشرة في حقه، وقرب عهدها به. فكيف بعد أن مرت عشرات السنين، وأصبح الانحراف عادة جارية، وسنة متبعة، واتخذ نحوا من الأصالة في حياة الأمة، وروحها، وأصبح - للأسف - جزءا لا يتجزأ من كيانها وواقعها..
وأيضا.. إذا كان أبو مسلم قد قتل ست مئة ألف نفس صبرا، عدا مئات الألوف الأخري، التي ذهبت طعمة للسيوف في المعارك.
وإذا كانت ثورة أبي السرايا قد كلفت المأمون " 200 " ألف جندي، من جنوده هو..
وإذا كان العصيان ما انفك يظهر من كل جانب ومكان، رغم أن (٢٩٣) صفحهمفاتيح البحث: الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام (1)، الرسول الأكرم محمد بن عبد الله صلي الله عليه وآله (1)، بنو عباس (1)، بنو أمية (1)، القتل (1)
الحكم كان أولا وآخرا مع أهواء الناس، ومصالحهم الشخصية..
فهل يمكن مع هذا.. أن لا يتعرض الإمام (ع) لعصيان أصحاب الأهواء - وما أكثرهم - والكيد من قبل الأعداء، الذين سوف يزيد عددهم، وتتضاعف قوتهم. عندما يحاول الإمام (ع) أن يفرض عليهم حكما ما اعتادوه، وسلوكا ما ألفوه؟!..
إن من الواضح: أن الناس وإن كانت قلوبهم معه، إلا أن سيوفهم سوف تنقلب لتصير عليه، كما انقلبت علي آبائه وأجداده من قبل، وذلك عندما لا ينسجم مع رغائبهم. وأهوائهم، وانحرافاتهم. حيث إن الإمام (ع) إذا أراد أن يحكم، فلسوف يواجه - بطبيعة الحال - تلك العناصر القوية، ذات النفوذ، وأولئك المستأثرين بكل الأموال والأقطاع، من أصحاب الأطماع، والمصالح الشخصية، وجها لوجه.. إذ أننا لا يمكن أن ننتظر من حكومة الإمام، التي هي علي الفرض حكومة الحق، والعدل: أن تقرهم علي ما هم عليه، فضلا عن أن توفر لهم الحماية لتصرفاتهم المشبوهة، وغير المنطقية، بل حتي ولا الأخلاقية أيضا.
إن حكومة الإمام (ع)، إذا أرادت أن تقوم بعمل أساسي في سبيل استئصال كل جذور الانحراف والفساد.. فإن عليها أولا، وقبل كل شئ، أن تقوم بقطع أيدي أولئك الغاصبين لأموال الأمة، والمتحكمين بمقدراتها. وإبعاد كل أولئك الذين كانوا يستغلون مناصبهم، التي وصلوا إليها عن طريق الظلم، والغطرسة، والابتزاز - يستغلونها - لمآربهم الشخصية، وانحرافاتهم اللاأخلاقية.
ثم. قطع أعطيات ذلك الفريق من الناس، الذين كانوا يعيشون علي حساب الأمة، ويأكلون خيراتها. ثم لا يقومون في مقابل ذلك بأي عمل، أو نشاط يذكر. (٢٩٤) صفحهمفاتيح البحث: الظلم (1)
وأيضا. منع المحسوبيات، والوساطات، من أصحاب الوجاهات، الذين كانت تسيرهم الروح القبلية، ويهيمن عليهم الشعور الطبقي في دولة الأطماع والمزايدات، أو دولة التهديد، والعسف، والإرهاب.
يضاف إلي ذلك كله.. أنه إذا أراد الإمام (ع) أن ينطلق في كل نصب وعزل من مصلحة الأمة، لا من مصلحة الحاكم والقبيلة، فطبيعي أن يؤدي ذلك إلي إثارة القبائل ضده، ويؤلبهم عليه.. فزعماء القبائل سواء كانوا عربا أو فرسا كانوا يلعبون دورا هاما في إنجاح أية ثورة وقيام أية دعوة واستمرار ونجاح أي حكم.
وبعد كل ذلك، فإن من الطبيعي إذن: أن يستفحل الصراع بينه، وبين العناصر القوية، ذات النفوذ، من أصحاب الأهواء، والمصالح الشخصية، وأولئك الذين يعتمل في نفوسهم طموح كبير، نحو زبارج الدنيا، وبهارجها. وذلك عندما يعطي القيمة الحقيقية لهؤلاء جميعا، ويجعلهم في المستوي الذي يجب أن يكونوا فيه، ويحدد ويقيم لهم واقعهم الذي لن يرضوا أبدا بتحديده وتقييمه. وعلي الأقل لن تساعده تلك العناصر علي تصحيح الوضع، وإقرار النظام.. هذا إن لم تكن هي العقبة الكأداء، التي تحول بينه وبين ما يصبو إليه، وتمنعه من تحقيق ما يريد..
يضاف إلي ذلك كله: أن القيادة القبلية كانت قد فسدت آنذاك، واعتاد رؤساء القبائل علي نكث العهود والمواثيق التي يعطونها، فكانوا يؤيدون هذه الدعوة، وهذا القائم بها، إلي أن يجدوا من يستفيدون منه، ويغدق عليهم أكثر من الأموال، ويخصهم بما يفضل ما يخصهم به ذاك من المناصب. وكان للقيادات القبلية دور كبير في إنجاح أية دعوة، وانتصار أية ثورة..
وبعد.. فإنه إذا كان الإمام (ع) لن يحابي أحدا علي حساب دينه ورسالته.. وإذا كان - من الجهة الأخري - مركزه ضعيفا في الحكم.
وإذا كان ليس لديه القوة والقدرة الكافية لمواجهة مسؤولياته كاملة. (٢٩٥) صفحهمفاتيح البحث: كتاب الكافئة للشيخ المفيد (1)، المنع (1)
فلسوف ينهار حكمه وسلطانه أمام أول عاصفة تواجهه، ولن يستطيع أن يبقي محتفظا بوجوده في الحكم، أو علي الأقل بمركز يخوله أن يفرض الحكم الذي يريد علي المجتمع، بجميع فئاته، ومختلف طبقاته.
إلا أن يكون حاكما مطلقا، لا تحد سلطته حدود، ولا تقيدها قيود، وأني له بذلك.
وبعد كل ما تقدم، فإن النتيجة تكون، أن الإمام (ع)، وإن كان يمتلك القدرة علي الاصلاح، لكن الأمة لم تكن لتتحمل مثل هذا الاصلاح، خصوصا وأن الحكام - بوحي من مصالحهم الخاصة - كانوا قد أدخلوا في أذهان الناس صورا خاطئة عن الحكم، وعن الحكام، الذين يفترض فيهم أن يقودوا الأمة في مسيرها إلي مصيرها.
هذا كله. لو فرض - جدلا - سكوت العباسيين والمأمون عنه، مع أن من المؤكد أنهم سوف يعملون بكل ما لديهم من قوة وحول، من أجل تقويض حكمه، وزعزعة سلطانه.
وإذا كان يستحيل علي الإمام (ع)، في تلك الفترة علي الأقل:
أن يتسلم زمام السلطة إلا أن يكون حاكما مطلقا كما قدمنا. فمن الواضح أن سؤالا من هذا النوع لا مجال له بعد. ولن يكون في تجشم الإجابة عليه كبير فائدة، أو جليل أثر.
ولكن.. مع ذلك، وحتي لا نفرض علي القارئ وجهة نظر معينة، إذ قد يري أن من حقه أن يفترض - وإن أبي واقع الأحداث مثل هذا الافتراض - أنه كان علي الإمام (ع): أن يجاري، ويداري في بادئ الأمر، من أجل الوصول إلي أهداف فيها خير الأمة ومصلحتها، من أجل ذلك.. نري لزاما علينا أن نجاريه في هذا الافتراض، ونتجه إلي الإجابة علي ذلك السؤال بنحو آخر، فنقول:
وثانيا: إنه إذا كان المأمون في تلك الفترة هو الذي يمتلك القدرة والسلطان.. وإذا كانت كل أسباب القوة والمنعة متوفرة لديه بالفعل، (٢٩٦) صفحهمفاتيح البحث: الهدف (1)
فإنه سوف يسهل عليه - إذا لم يكن حكم الإمام (ع) علي وفق ما يشتهي، وحسبما يريد -: أن يأخذ علي ذلك الحكم: (الذي يري نفسه، ويري الناس أنه مدين للمأمون) أقطار الأرض، وآفاق السماء. ولن يصعب عليه تصفيته، والتخلص منه من أهون سبيل، حيث إنه حكم لا يزال، ولسوف يسعي المأمون لأن يبقيه في المهد، يستطيع المأمون أن ينزل به الضربة القاصمة القاضية متي شاء، دون أن تعطي له الفرصة لحشد قدراته، وتجميع قواه في أي من الظروف والأحوال.
وهكذا.. فإن النتيجة تكون: أن الإمام (ع) سوف يكون بين خيارين لا ثالث لهما: فإما أن يحاول تحمل المسؤولية الحقيقية، بكل أبعادها، وتبعاتها، باعتباره القائد الحقيقي للأمة، ويقدم علي كل ما تقدمت الإشارة إليه من إصلاحات جذرية في جميع المجالات، وعلي مختلف المستويات، مما سوف يكون من نتائجه أن يعرض نفسه للهلاك، حيث لا يستطيع الناس، والمأمون وأشياعه تحمل ذلك، والصبر عليه، ويكون له ولهم كل العذر في تصفيته، والتخلص منه.
وإما أن لا يتحمل مسؤولية الحكم، ولا يأخذ علي عاتقه قيادة الأمة، وإنما تكون مهمته، وما يأخذه علي عاتقه هو فقط تنفيذ إرادات المأمون، وأشياعه من المنحرفين. ويكون هو الواجهة التي يختفي وراءها الحكام الحقيقيون، المأمون ومن لف لفه..
وواضح أن نتيجة ذلك سوف تكون أعظم خطرا علي الإمام، وعلي العلويين، وعلي الأمة بأسرها، وأشد فداحة من نتيجة الخيار السابق، حيث يكون قد قضي بذلك علي كل آمال الأمة، وكل توقعاتها.
وذلك هو كل ما يريده المأمون، ويسعي من أجل الحصول عليه، بكل ما أوتي من قوة وحول.
وثالثا: إن من الواضح: أن عرض المأمون التنازل عن الخلافة للإمام (ع)، لا يعني أبدا أن المأمون سوف لا يحتفظ لنفسه بأي من (٢٩٧) صفحهمفاتيح البحث: الصبر (1)، النفاذ، التنفيذ (1)
الامتيازات، التي تضمن له - في نظره - نصيبا من الأمر (1). ولسوف يري الناس كلهم أن له كل الحق في ذلك.
كما أن ذلك لا يعني أنه سوف لا يعود له نفوذ في الأوساط ذات النفوذ والقوة. بل إنني أعتقد أنه سوف يكون في تلك الحال أقوي بكثير منه في غيرها، حتي أن المنصب للإمام (ع)، قد يكون شكليا، ومركزه صوريا، لا حول له فيه ولا قوة.
وحينئذ.. وإذا كان المأمون سوف يبقي له نفوذ وقوة، وإذا كان سوف يشترط لتنازله عن الخلافة للإمام، ما يضمن له استمرار تلك القوة، وذلك النفوذ، بل وعودة الخلافة له في نهاية الأمر. فلسوف لا يصعب عليه كثيرا أن يدبر - وهو الداهية الدهياء - في الإمام (ع) بما يحسم عنه مواد بلائه، علي حد تعبير المأمون.
وليطمئن - من ثم - خاطره، ويهدأ باله، حيث يكون قد حقق كل ما كان يصبو ويطمح إلي تحقيقه. كما أنه يكون قد أصبح يمتلك اعترافا من العلويين بشرعية خلافته.. بل يكون العلويون علي يد أعظم شخصية فيهم، هم الذين رفعوه علي العرش وسلموا إليه أزمة الحكم والسلطان.. إلي آخر ما هنالك مما قدمناه، ولا نري ضرورة لإعادته.
وفي النهاية:
والآن.. وبعد أن ألقينا نظرة سريعة علي مدي جدية المأمون، في عرضه للخلافة علي الإمام (ع)، وتحدثنا عن الوضع الذي سوف ينتج لو أن الإمام قبل ذلك العرض.. فإن من الطبيعي أن نتطلع لنعرف ما هو موقف الإمام من تلك اللعبة - لعبة ولاية العهد - وما هي خطته في مواجهة ما يعلمه من خطط المأمون، وأهدافه الشريرة.
فإلي الفصل التالي، والذي بعده.. (1) كأن يشترط أن يكون هو الوزير، أو ولي العهد مثلا.
صفحه(٢٩٨)

موقف الإمام

موقف الإمام (ع):
سؤال يطرح نفسه:
هل يعقل أن رجلا تعرض عليه الخلافة، أو ولاية العهد، بل ما هو أقل منهما بمراتب، ويعرف جدية العرض، ثم يرفض ذلك رفضا قاطعا، ثم يهدد، فلا يقبل إلا بما هو أبعد منالا، وأقل احتمالا - بالنسبة إلي سنه - وبشروط تبعده كل البعد عن مسرح السياسة والحكم، وتجعل من كل شئ مجرد إجراءات شكلية، لا أثر لها.
هل يعقل أن رجلا من هذا القبيل - يسلم من أن ينسب إلي ما لا يرضي أحد بأن ينسب إليه؟!. اللهم إلا إذا كان هناك ما هو أعظم، وأدهي وأخطر من ذلك المنصب، وإلا إذا علم أنه سوف يدفع ثمن ذلك غاليا، وغاليا جدا، ألا وهو نفسه التي بين جنبيه!.
والإمام. الذي نعرف، ويعرف كل أحد: أنه ذلك الرجل الجامع لكن صفات الفضل والكمال: من العلم، والعقل، والحكمة، والدراية، والتقي، شهد له بذلك أعداؤه ومحبوه، علي حد سواء - هذا الإمام.
قد رفض كلا عرضي المأمون: الخلافة، وولاية العهد.. رفضهما رفضا (٢٩٩) صفحهمفاتيح البحث: الشهادة (1)، الرفض (1)
باتا وقاطعا، ولم يقبل ولاية العهد إلا علي كره وإجبار منه، وإلا وهو باك حزين، وعاش بعد ذلك في ضيق شديد، ومحنة عظيمة، حتي إنه كان يدعو الله بالفرج بالموت!.
وعليه. أفلا يكفي موقف الإمام هذا، وسائر مواقفه من مختلف تصرفات المأمون، لأن يضع علامة استفهام كبيرة حول طبيعية هذا الحدث؟!.
ألم يكن من الواجب أن يكون الإمام (ع) مستبشرا مبتهجا كل الابتهاج لما سيؤول إليه أمره. ومدافعا عن المأمون، ونظام حكمه، ومناصرا له، بكل ما أوتي من قوة وحول؟!.
ثم ألا يفهم من ذلك كله: أنه (ع) كان يدرك ما يكمن وراء قبوله لأي من العرضين من مشاكل، وما ينتظره من أخطار؟!.
وأن ذلك ليس إلا شركا يقصد إيقاعه به، ومن بعده كل العلويين، للقضاء عليه وعليهم، وإلي الأبد!!.
وإذا كان الإمام (ع) يعرف الحقيقة.. فهل يمكن أن نتصور أن يكون راضيا بأن يجعله المأمون وسيلة لأغراضه، وآلة لتحقيق مآربه وأهدافه!!. سيما إذا لاحظنا أنه يعرف أكثر من أي إنسان آخر ما لتلك اللعبة من عواقب سيئة، وما تحمله في طياتها من آثار، ليس عليه هو، وعلي العلويين، والمتشيعين لهم فحسب. وإنما علي الأمة بأسرها إن حاضرا، وإن مستقبلا!؟.
هذا كله عدا عن أن هذه اللعبة سوف تكون بمثابة قطع الطريق عليه في أي تحرك يقوم به، وأي نشاط إصلاحي يمارسه، حيث لم يعد (٣٠٠) صفحهمفاتيح البحث: الموت (1)
يستطيع أن يكون في المستقبل قائدا للحركة المضادة للمأمون، ونظام حكمه، القائم علي غير أساس شرعي، ومنطقي سليم (1).
لا يرضي الإمام (ع)، ولا يقتنع المأمون:
لا.. لا يمكن أن يرضي الإمام بذلك، وخصوصا بعد أن تلقي العلم عن آبائه الصادقين، عن النبي صلي الله عليه وآله الذي لا ينطق عن الهوي: بأن ذلك شئ لا يتم، وأوضح ذلك بما كتبه علي وثيقة العهد الآتية بخط يده، حيث قال: " والجفر والجامعة يدلان علي ضد ذلك، لكنني امتثلت أمر أمير المؤمنين. ".
لا. لا يمكن أن يرضي ببيعة يعلم أنها لا تتم له، وإنما تخدم مصالح آخرين. وتحقق لهم مأربهم، علي حساب الدين، والأمة، ولهذا رفض بشدة وعنف، وأصر عليه المأمون بشدة وعنف أيضا.
ولم يكن ليقنع المأمون شئ، بعد أن كان يري أن القضية بالنسبة إليه قضية مصير ومستقبل، وهو مستعد لأن يضحي بكل شئ في سبيل مصيره ومستقبله، كما ضحي بأخيه وأشياعه من قبل.
وإنه إذا تأكد لديه رفض الإمام (ع) القاطع، وتصور ما سوف تؤول إليه حاله نتيجة لذلك الرفض، فلسوف لا يألو جهدا، ولا يدخر (1) وفي كتاب: الإمامة للشيخ محمد حسن آل ياسين ص 86، قال إنه عليه السلام وافق علي فكرة ولاية العهد، لتكون فترة امتحان وتجربة للمأمون.
ولا يخفي ما فيه، فإن كل الدلائل والشواهد كانت تشير إلي أن الإمام عليه السلام كان يعلم بحقيقة نوايا المأمون وأهدافه، ولم تكن ثمة حاجة إلي امتحان وتجربة، كما اتضح وسيتضح إن شاء الله تعالي. (٣٠١) صفحهمفاتيح البحث: الرسول الأكرم محمد بن عبد الله صلي الله عليه وآله (1)، الرفض (2)
وسعا في الانتقام لنفسه من الإمام (ع)، ومن كل من تصل إليه يده، ممن له به (ع) أية صلة أو رابطة.
هي قضية مصير:
وبأوضح بيان نقول: إنه لم يكن امتناع الإمام (ع) عن قبول ولاية العهد بالذي يثني المأمون عما كان قد عقد العزم عليه، لأن الأسباب التي كانت تدعوه لذلك لم تكن تسمح له أبدا بالإصغاء لهذا الرفض، فهي تحتم عليه أن يفعل ذلك، مهما كلفه الأمر، ومهما كانت النتائج، ولم يكن لديه مانع من تنفيذ تهديداته، ولو علم أنه لا سبيل إلي تنفيذ ما يصبو إليه، والحصول علي ما يريد الحصول عليه، والقضية بالنسبة إليه هو المتعطش إلي الحكم والسلطة قضية مصير ومستقبل، لا يمكن المساومة معها، ولا مجال لغض النظر والتساهل فيها..
وإذا كان قد قتل أخاه من أجل الملك وفي سبيله، فأي مانع يمنعه من قتل الرضا (ع) من أجل الملك أيضا، وفي سبيله.. أم يعقل أن يكون الرضا أعز عليه من أخيه، وسائر من قتل من وزرائه هو، وقواده، وأشياعه؟!؟.
ولسوف لا نستغرب علي المأمون - بعد قتله أخاه - الإقدام علي أي تصرف في سبيل الملك، حتي الإقدام علي قتل الرضا (ع)، بعد أن كان أبوه الرشيد قد أملي عليه درس، " الملك عقيم "، وقال له:
" والله، لو نازعتني أنت هذا الأمر، لأخذت الذي فيه عيناك، فإن الملك عقيم.. " (1). (1) شرح ميمية أبي فراس ص 73، والبحار ج 48 ص 131، وقاموس الرجال ج 10 صرح 370، وعيون أخبار الرضا ج 1 ص 91، وينابيع المودة ص 383، مع بعض تحريف لها، وغير ذلك.. (٣٠٢) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (2)، العزّة (1)، القتل (5)، النفاذ، التنفيذ (1)، كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام (1)، كتاب ينابيع المودة (1)
ولم يكن ليخفي عليه أيضا قول موسي بن عيسي، عندما رأي عبادة الحسين بن علي وأصحابه، في وقعة فخ: ".. هم والله، أكرم عند الله، وأحق بما في أيدينا منا، ولكن الملك عقيم. ولو أن صاحب هذا القبر (يعني النبي صلي الله عليه وآله)، نازعنا الملك ضربنا خيشومه بالسيف. " (1).
وهذا الدرس قد أخذه الكل عن عبد الملك بن مروان، فإنه عندما قتل مصعب بن الزبير بكي، وقال: " لقد كان أحب الناس إلي، وأشدهم مودة لي، ولكن الملك عقيم، ليس أحد يريده من ولد ولا والد إلا كان السيف " (2).
بل وحتي نفس أخيه الأمين، عندما لم يعد له نجاة من براثن أخيه المأمون، نراه يتذكر هذه القاعدة، فيقول: " هيهات، الملك عقيم، لا رحم له.. " (3).
ولقد عمل المأمون بهذه القاعدة، فقتل أخاه، وأعطي الذي جاءه برأسه مليون درهم. بعد أن سجد شكرا لله، ونصب الرأس علي خشبة ليلعنه الناس، إلي آخر ما مر تفصيله..
وإذا كانت القضية بالنسبة إلي المأمون قضية مصير ومستقبل وقضية ملك وسلطان، فطبيعي إذن أن نراه يخاطر بالخلافة (وإن كنا قدمنا أن ذلك كان منه سياسة ودهاء من أجل التمهيد لفرض ولاية العهد)، وأقدم علي التخلي عن ولاية العهد، مع أن العباس ابنه وسائر ولده (١) مقاتل الطالبيين ص ٤٥٣، وثمرات الأعواد ١٩٩، ٢٠٠، وشرح ميمية أبي فراس ص ٧٤.
(٢) شرح النهج للمعتزلي ج ٣ ص ٢٩٦، وطبقات ابن سعد ج ٥ ص ١٦٨، والبداية والنهاية ج ٨ ص ٣١٦.
(3) تتمة المنتهي ص 185. (٣٠٣) صفحهمفاتيح البحث: الرسول الأكرم محمد بن عبد الله صلي الله عليه وآله (1)، موسي بن عيسي (1)، الحسين بن علي (1)، القتل (1)، الكرم، الكرامة (1)، كتاب مقاتل الطالبيين لأبو الفرج الأصفهاني (1)، كتاب ثمرات الأعواد (1)
كانوا أحب إلي قلبه، وأجلي في عينه من كل أحد، علي حد تعبيره في رسالته للعباسيين.
ولقد قدمنا الشرح الكافي والوافي لحقيقة الظروف والأسباب، التي دعت المأمون إلي ذلك، والتي هي دون شك كافية لأن تجعل المأمون يقدم علي أي عمل - ولو كان انتحاريا - من أجل إنقاذ نفسه وخلافته، والعباسيين.. حتي ولو كان ذلك الشئ هو قتل الإمام (ع).. ولقد أخبر الإمام كرات، ومرات: أنه لم يقبل إلا بعد أن أشرف من المأمون علي الهلاك.
مبررات قبول الإمام لولاية العهد:
ولقد قبل الإمام (ع) ولاية العهد. ولكن.. بعد أن عرف أن ثمن رفضه لها لن يكون غير نفسه التي بين جنبيه. هذا عدا عما سوف يتبع ذلك من تعرض العلويين، وكل من يتشيع لهم إلي أخطار هم في غني عنها.. ولو فرض أنه كان له هو (ع) الحق - في مثل هذه الظروف - في أن يعرض نفسه للهلاك، فلن يكون له حق أبدا في أن يعرض غيره من شيعته ومحبيه، والعلويين أجمع إلي الهلاك أيضا..
هذا.. عدا عن أنه (ع) كان عليه أن يحتفظ بحياته، وحياة شيعته ومحبيه، لأن الأمة كانت بأمس الحاجة إلي وعيهم وإدراكهم، ليكونوا لها قدوة ومنارا، تهتدي، وتقتدي به، في حالكات المشاكل، وظلم الشبهات.
نعم.. لقد كانت الأمة بأمس الحاجة إلي الإمام (ع)، وإلي من رباهم الإمام، حيث كان قد غزاها في ذلك الوقت تيار فكري، وثقافي غريب، من الزندقة والإلحاد، وشاعت فيها الفلسفات والتشكيكات (٣٠٤) صفحهمفاتيح البحث: الهلاك (2)، القتل (1)، الحاجة، الإحتياج (2)
بالمبادئ الإلهية الحقة، فكان علي الإمام (ع) أن يقف. ويقوم بواجبه، وينقذ الأمة، ولقد كان ذلك منه بالفعل، فلقد قام بواجبه، وأدي ما عليه، علي أكمل وجه، رغم قصر المدة التي عاشها بعد البيعة نسبيا، ولهذا نقرأ في الزيارة الجوادية، ".. السلام علي من كسرت له وسادة والده أمير المؤمنين، حتي خصم أهل الكتب، وثبت قواعد الدين.. " (1).
والمراد بذلك: الإمام الرضا (ع).
ولو أنه (ع) رفض ولاية العهد، وعرض نفسه، وشيعته، ومحبيه للهلاك فلسوف لا يكون لموته، وموتهم أدني أثر في هذا السبيل، بل كان الأثر عكسيا، وخطيرا جدا..
أضف إلي ذلك: أن قبول الإمام بولاية العهد، معناه اعتراف من العباسيين عملا، مضافا إلي القول: بأن العلويين لهم حق في هذا الأمر، بل إنهم هم الأحق فيه، وأن الناس قد ظلموهم حقهم هذا.
وأن ظلم الناس لهم ليس معناه عدم ثبوت ذلك الحق لهم.
وقد رأينا ابن المعتز يهتم في الاستدلال علي أن جعل المأمون الرضا وليا للعهد، لا يعني أن الحق في الخلافة كان للرضا والعلويين، دون المأمون والعباسيين. وأنه إنما أعطاهم عن طريق التقوي والورع، وليثبت لهم أن الخلافة التي ثاروا من أجل الوصول إليها وقتلوا أنفسهم في سبيلها لا تساوي عنده جناح بعوضه، فهو يقول:
وأعطاكم المأمون حق خلافة * لنا حقها لكنه جاد بالدنيا ليعلمكم أن الذي قد حرصتم * عليها وغودرتم علي أثرها صرعي (1) البحار ج 102 ص 53. (٣٠٥) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (1)، القتل (1)، الوجوب (2)، الرفض (1)
يسير عليه فقدها غير مكثر * كما ينبغي للصالحين ذوي التقوي فمات الرضا من بعد ما قد علمتم * ولاذت بنا من بعده مرة أخري (1) وأيضا.. حتي لا يتناساهم الناس، ويقطعوا آمالهم بهم، وحتي لا يصدق الناس ما يشاع عنهم من أنهم مجرد علماء فقهاء، لا يهمهم العمل لما فيه خير الأمة، ولا يفكرون في الخروج إلي المجتمع بصفتهم رواد صلاح وإصلاح ولعل إلي ذلك كله، يشير الإمام (ع) في قوله لمحمد ابن عرفة، عندما سأله عن قبوله بولاية العهد، فقال له: " يا ابن رسول الله، ما حملك علي الدخول في ولاية العهد؟! ".. فأجابه الإمام (ع): " ما حمل جدي علي الدخول في الشوري.. " (2).
هذا بالإضافة إلي أنه يكون في فترة ولاية العهد قد أظهر المأمون علي حقيقته أمام الملأ، وعرفهم بواقع وأهداف كل ما أقدم عليه، وأزال كل شبهة ولبس في ذلك. كما قد حدث ذلك بالفعل.
هل الإمام راغب في هذا الأمر:
ولكن هذا كله وسواه، لا يعني أن الإمام (ع) كان راغبا في أي من الخلافة، أو ولاية العهد، فإن ما ذكرناه لا يبرر ذلك، حيث إنه لا يعدو عن أن يكون من الفوائد التي كان لا يمكن الحصول علي بعضها (1) مناقب ابن شهرآشوب ج 4 ص 365، وديوان ابن المعتز ص 22 - 23 وإن اهتمام ابن المعتز الواضح بقضية الرضا مع المأمون، كما يظهر من شعره هنا، والذي قدمناه مع التعليق عليه في فصل: ظروف البيعة.. يدلنا علي أن هذه القضية كان لها في الأمة صدي واسعا، وآثارا هامة، لم يكن بوسع ابن المعتز التغاضي عنها، والسكوت عليها، (2) راجع: مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 364، ومعادن الحكمة ص 192، وعيون أخبار الرضا ج 2 ص 140، والبحار ج 49 ص 140 141. (٣٠٦) صفحهمفاتيح البحث: يوم عرفة (1)، كتاب مناقب آل أبي طالب عليه السلام (1)، ابن شهرآشوب (1)
من دون الدخول في هذا الأمر. والبعض الآخر لا يساوي في أهميته وخطره، ما سوف يجره الدخول في هذا الأمر من مآس ومشاكل، وما سوف يترتب عليه من آثار سيئة وخطيرة.
وقد قدمنا في الفصل السابق البيان الكافي والوافي، لما سوف يعترض طريق الإمام (ع) من عقبات في الحكم، لو أنه كان قبل عرض الخلافة، وكيف ستكون النهاية له، ولنظام حكمه..
وهو يوضح لنا أيضا حقيقة حاله، ونظام حكمه لو أنه قبل ولاية العهد، إذ أنه (ع) كان يعلم: أن وصوله للخلافة، وتسلمه لازمة الحكم والسلطان تعترضه عقبات صعبة، وأهوال عظيمة، لن يكون من اليسير التغلب عليها، وتجاوزها.
فلقد كان يعلم - كما أظهرت الأحداث والوقائع بعد ذلك - أنه لن يسلم من دسائس المأمون وأشياعه، بحيث يبقي محتفظا بحياته، أو علي الأقل بمركزه، إلي ما بعد وفاة المأمون، ولم يكن يشك في أن المأمون سوف يقدم علي كل غريبة، من أجل التخلص منه، وتصفيته، إن جسديا، وإن معنويا..
بل.. وحتي لو أن المأمون لم يقدم علي أي عمل، فإن آماله بالبقاء علي قيد الحياة إلي ما بعد وفاة المأمون، وهو بهذه السن المتقدمة، بالنسبة لسن المأمون.. كانت ضعيفة جدا، لا تبرر له الإقدام علي قبول مثل هذا الأمر، إلا إذا كان يريد أن يعطي الناس انطباعا عن نفسه، بأنه لم يزهد بالدنيا، وإنما الدنيا هي التي زهدت، كما كان يريد المأمون!!
ومع غض النظر عن كل ذلك.. فإنه لو قدر له البقاء علي قيد الحياة إلي ما بعد وفاة المأمون، فلسوف يصطدم بتلك العناصر القوية ذات النفوذ، والتي لن ترضي عن سلوكه في الحكم بصورة عامة، وفوق (٣٠٧) صفحهمفاتيح البحث: الغلّ (1)، الوفاة (3)
ذلك كله، لسوف يصطدم بمؤامرات العباسيين، وأشياعهم، والذين كانوا علي استعداد لأن يعملوا المستحيل للحيلولة بينه وبين ذلك، ولو تمكن من ذلك، فلسوف لا يدخرون وسعا، ويجندون كل ما لديهم من طاقة وقوة وحول، من أجل زعزعة حكمه، وتقويض سلطانه، وخلق المشاكل الكثيرة له، لتضاف إلي ذلك الركام الهائل من المشاكل التي كانت تواجه الحكم.
إنهم سوف لا يمكنونه من قيادة الأمة قيادة صالحة، وسليمة وحكيمة، وليمني - من ثم - بالفشل الذريع، والخيبة؟؟ القاتلة.
ولسوف يجدون هناك مرتعا خصبا لمؤامراتهم، ودسائسهم في تلك الدولة المترامية الأطراف، الطافحة بالمشاكل، وذلك عندما يجدون أن الإمام (ع) لن يرضي إلا أن يحكم بحكم جديه محمد صلي الله عليه وآله وعلي (ع).
وأن الناس بمختلف فئاتهم وطبقاتهم سوف لا يكونون مستعدين لتقبل حكم كهذا. ولا أن ينقادوا لحاكم يريد منهم ذلك، ويخضعوا لإرادته، بعد أن كانوا قد اعتادوا علي حياة الخلفاء الأمويين، والعباسيين، المليئة بالانحرافات والموبقات.
اللهم إلا أن يقوم الإمام (ع) في فترة ولاية العهد، أو بداية حكمه بإعداد مسبق، وتعبئة عامة وشاملة، علي جميع المستويات، وفي مختلف المجالات.. وإلا.. فلسوف لا يكون قادرا علي مواجهة ذلك الركام الهائل من المشاكل، ولا علي النجاح والاستمرار في الحكم.. ولن يفسح العباسيون، والمأمون، وأشياعهم له المجال للقيام بذلك الإعداد، وتلك التعبئة، مهما كلفهم ذلك من تضحيات.
فالسلبية إذن هي الموقف الصحيح:
وبعد كل ما تقدم: فإن من الطبيعي أن لا يفكر الإمام (ع) في (٣٠٨) صفحهمفاتيح البحث: الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام (1)، الرسول الأكرم محمد بن عبد الله صلي الله عليه وآله (1)، الدولة الأموية (1)
الوصول إلي الحكم عن مثل هذا الطريق الملتوي، والمحفوف بالأخطار، والذي لم يحقق له أي هدف من أهدافه. بل علي العكس: سوف يكون موجبا للقضاء عليه، وعلي كل آماله، وكل العلويين، والمتشيعين لهم، ويحقق فقط آمال الآخرين، وأهدافهم.. ولسوف يكون إقدامه علي عمل من هذا النوع عملا انتحاريا، لا مبرر له، ولا منطق يساعده، لا بد من خطة لمواجهة الموقف:
وأخيرا.. وإذا كان لم يكن الرضا (ع) خيار في قبول ولاية العهد..
وإذا كان لا يمكن أن يقبل بأن يجعل وسيلة لتحقيق أهداف، وآلة يتوصل بها إلي مآرب يمقتها، ويكرهها كل الكره، لعلمه بما سوف يكون لها من آثار سيئة وخطيرة، علي حاضر الأمة، ومستقبلها، وعلي مستقبل هذا الدين، وكذلك لا يمكنه أن يسكت، ويظهر بمظهر الموافق، والمؤيد، والمساعد.
فإن كل ما يمكن له أن يفعله - بعد هذا - هو أن يضع خطة، يستطيع بها مواجهة مؤامرات المأمون، وإحباط مخططاته، حتي لا يزداد الوضع سوءا، والطين بلة..
فإلي الحديث عن خطته هذه في الفصل التالي. (٣٠٩) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (1)، الهدف (1)، الإختيار، الخيار (1)

خطة الإمام

خطة الإمام (ع) انحراف الحكام:
إن أدني مراجعة لتاريخ الحكام آنذاك - العباسيين والأمويين علي حد سواء - لكفيلة بأن تظهر بجلاء مدي منافاة تصرفات أولئك الحكام، وسلوكهم، وحياتهم لمبادئ الإسلام وتعاليمه.. الإسلام، الذي كانوا يستطيلون علي الناس به، ويحكمون الأمة - حسب ما يدعون - باسمه، وفي ظله. حتي لقد أصبح الناس، والناس علي دين ملوكهم، يتأثرون بذلك، ويفهمون خطأ: أن الإسلام لا يبتعد كثيرا عما يرون، ويشاهدون، مما كان من نتائجه شيوع الانحراف عن الخط الإسلامي القويم. بنحو واسع النطاق، ليس من السهل بعد السيطرة عليه، أو الوقوف في وجهه.
العلماء المزيفون وعقيدة الجبر:
ولقد ساعد علي ذلك، وزاد الطين بلة، فريق من أولئك الذين اشتريت ضمائرهم، ممن يتسمون، أو بالأحري سماهم الحكام ب " العلماء " حيث إنهم قاموا يتلاعبون بمفاهيم الإسلام، وتعاليمه، (٣١٠) صفحهمفاتيح البحث: الوسعة (1)
لتوافق هوي، وتخدم مصالح أولئك الحكام المنحرفين، الذين أغدقوا عليهم المال، وغمروهم بالنعمة.
حتي إن أولئك المأجورين قد جعلوا عقيدة الجبر - الواضح لكل أحد زيفها وسخفها - من العقائد الدينية الإسلامية!.، من أجل أن يسهلوا علي أولئك الحكام استغلال الناس، ولكي يوفروا لهم حماية لتصرفاتهم تلك. التي يندي لها جبين الإنسان الحر ألما وخجلا، إذ أنهم يكونون بذلك قد جعلوا كل ما يصدر منهم هو بقضاء من الله وقدره، ولذا فليس لأحد الحق في أن ينكر عليهم أي تصرف من تصرفاتهم، أو أي جناية من جناياتهم.
وكان قد مضي علي ترويجهم هذه العقيدة المبتدعة - حتي زمان المأمون - أكثر من قرن ونصفا، أي من أول خلافة معاوية، بل وحتي قبل ذلك أيضا. بزمان طويل!
المزيفون وعقيدة الخروج علي سلاطين الجور:
كما أنهم - أعني هؤلاء العلماء - قد جعلوا الخروج علي سلاطين الجور والفساد موبقة من الموبقات، وعظيمة من العظائم..
وقد جرحوا بذلك عدد من كبار العلماء: مثل الإمام أبي حنيفة وغيره، بحجة أنه: " يري السيف في أمة محمد " (1). (١) راجع: نظرية الإمامة، للدكتور أحمد محمود صبحي وغيره.
وفي تاريخ بغداد ج ٥ ص ٢٧٤،: أنه قيل لأبي مسهر: كيف لم تكتب عن محمد بن راشد؟! قال: " كان يري الخروج علي الأئمة ".. وفي طبقات الحنابلة لأبي يعلي ج 3 ص 58، في مقام ترجيح سفيان علي حسن بن حي، كان من جملة ما جرحه به أنه:
" كان يري السيف " ومثل ذلك كثير لا نري حاجة لاستقصائه. (٣١١) صفحهمفاتيح البحث: الحج (1)، كتاب تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (1)، المذهب الحنبلي (1)
بل لقد جعلوا عدم جواز الخروج هذا من جملة العقائد الدينية، كما يظهر من تتبع كلماتهم (1).
وأما عقائد التشبيه، وقضية خلق القرآن، فلعلها أشهر من أن تذكر، أو تحتاج إلي بيان.
والذي زاد الطين بلة:
يضاف إلي ذلك كله غرور الحكام، الذي لا مبرر له، وكذلك من لف لفهم، الذين كانوا يحكمون الأمة باسم الدين.
وكذلك غفلة الناس، وعدم إدراكهم لحقيقة ما يجري وما يحدث، وللواقع المزري، الذي كان قائما آنذاك.
وأيضا.. وهو الأهم من كل ذلك - ابتعادهم، بسعي من الهيئات الحاكمة، عن أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة.
كل ذلك. قد أدي بالفعل إلي انحلال الدولة داخليا، وتمزيق أوصالها.. كما وأنه قد أسهم إسهام كبيرا في إبعاد الناس عن تعاليم السماء، وشريعة الله.. الأمر الذي لم يكن يعني إلا نهاية الحكم الإسلامي، (١) حسبما صرح به أحمد بن حنبل في رسالة " السنة " وهي عقايد أهل الحديث، والسنة.
وقد أوردها أبو يعلي في طبقات الحنابلة ج ١ ص ٢٦. وصرح بذلك أيضا الأشعري في مقالات الإسلاميين ج ١ ص ٣٢٣، وفي الإبانة ص ٩. وقد علل ذلك في نظرية الإمامة ص ٤١٧ بقوله: ".. ذلك أنها: إن كانت بلوي من الله عقابا لهم، فما ثورتهم برادة عقاب الله. وإن كانت محنة للمسلمين، فما هم برادي قضاء الله "!.
وفي كتاب السنة قبل التدوين ص 467، نقل عن ابن خزيمة، في وصفه الطاعنين علي أبي هريرة، قوله: إنهم إما معطل جهمي.. " وإما خارجي يري السيف علي أمة محمد، أو قدري، اعتزل الإسلام، وأهله الخ. ". (٣١٢) صفحهمفاتيح البحث: القرآن الكريم (1)، الجواز (1)، أبو هريرة العجلي (1)، المذهب الحنبلي (1)، أحمد بن حنبل (1)
وردة الناس إلي الجاهلية الجهلاء.. الأمر الذي لم يكن يرهب الحكام كثيرا، لأن الإسلام الذي يريدون، والدين الذي ينشدون، هو ذلك الذي يستطيعون أن يتسلطوا علي الأمة، ويستأثروا بقدراتها وإمكاناتها في ظله. ويمهد لهم السبيل لاستمرارهم في فرض نفوذهم وسيطرتهم، ولو كان ذلك علي حساب جميع الشرائع السماوية، وكل المفاهيم الإنسانية.
إن أولئك الحكام. ما كانوا يفكرون إلا في وسائل بقائهم واستمرارهم في الحكم، وإلا في شؤونهم ومصالحهم الخاصة بهم. أما الأمة المسلمة، وأما الإسلام، فلم يكن لهما لديهم أية قيمة، أو شأن يذكر، إلا في حدود ما يستطيعون الإفادة منهما في بقائهم ووجودهم في الحكم والسلطة.
الأئمة في مواجهة مسؤولياتهم:
وفي هذا الوسط الغريب: من غفلة الناس، ومن سيرة الحكام، والمتسمين بالعلماء وسلوكهم.. كان الأئمة عليهم السلام يؤدون واجبهم في نشر تعاليم السماء، ويكافحون، وينافحون عنها، بقدر ما كانت تسمح لهم ظروفهم، التي كانت في ظل سلطان أولئك المنحرفين قاسية إلي حد بعيد.
وأما عن الإمام الرضا بالذات:
وقد سنحت للإمام الرضا (ع) فرصة لفترة وجيزة، كان الحكام منشغلين فيها بأمور تهمهم.. للقيام بواجبه في توعية الأمة، وتعريفها بتعاليم الإسلام. وذلك في الفترة التي تلت وفاة الرشيد، وحتي قتل الأمين. بل نستطيع أن نقول: إنها امتدت - ولو بشكل محدود - حتي وفاة الإمام (ع) في سنة (203). الأمر الذي كان من نتيجته ازدياد (٣١٣) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (1)، الجهل (1)، الوجوب (1)، الوفاة (1)
نفوذه (ع)، واتساع قاعدته الشعبية، حتي لقد كانت كتبه تنفذ في المشرق والمغرب، وكان هو الأرضي في الخاصة والعامة، حسبما ألمحنا إليه من قبل، الخطة الحكيمة:
وعندما أراد المأمون أن ينفذ خطته في البيعة له بولاية العهد، وعرف الرضا: أن لا مناص له من قبول ذلك، كان من الطبيعي أن يعد (ع) العدة، ويضع خطة لمواجهة خطط المأمون، وإحباط أهدافه الشريرة، والتي كان أهونها القضاء علي سمعة الإمام (ع)، وتحطيمه معنويا واجتماعيا.
ولقد كانت حطة الإمام هذه في منتهي الدقة والإحكام، وقد نجحت أيما نجاح في إفشال المؤامرة وتضييع كثير من أهدافها، وجعل الأمور في صالح الإمام (ع)، وفي ضرر المأمون.. حتي لقد ضاع رشد المأمون (بل ورشد أشياعه أيضا)، وهو أفعي الدهاء والسياسة، ولم يعد يدري ما يصنع، ولا كيف يتصرف..
مواقف لم يكن يتوقعها المأمون:
ولعلنا نستطيع أن نسجل هنا بعض المواقف للإمام (ع)، التي لم يكن المأمون قد حسب لها حسابا، والتي كانت ضمن خطة الإمام (ع) في مواجهة مؤامرات المأمون..
الموقف الأول:
إننا نلاحظ أن الإمام (ع) قد رفض دعوة المأمون، وهو في المدينة (٣١٤) صفحهمفاتيح البحث: الضرر (1)، الرفض (1)
ولم يقبل إلا بعد أن علم أنه لا يكف عنه.. بل إن بعض النصوص تشير إلي أنه قد حمل إلي مرو بالرغم عنه، لا باختياره..
وما ذلك إلا ليعلم المأمون: أن حيلته لم تكن لتجوز عليه، وأنه (ع) علي علم تام بأبعاد مؤامرته وأهدافها.. كما أنه بذلك يثير شكوك الناس وظنونهم حول طبيعة هذا الحدث، وسلامة النوايا فيه، الموقف الثاني:
إنه رغم أن المأمون كان قد طلب من الإمام (ع) - وهو في المدينة - أن يصطحب معه من أحب من أهل بيته في سفره إلي مرو.
إنه رغم ذلك.. نلاحظ: أنه (ع) لم يصطحب معه حتي ولده الوحيد الإمام الجواد (ع)، مع علمه بطول المدة، التي سوف يقضيها في هذا السفر، الذي سوف يتقلد فيه زعامة الأمة الإسلامية، حسب ما يقوله المأمون.. بل مع علمه بأنه سوف لن يعود من سفره ذاك، كما تؤكد عليه كثير من النصوص التاريخية.
شكوك لها مبرراتها:
ونري أننا مضطرون للشك في نوايا المأمون وأهدافه من وراء طلبه هذا " أن يصطحب الإمام (ع) من شاء من أهل بيته إلي مرو ".
بعد أن رأينا: أنه لم يرجع أحد ممن ذهب مع محمد بن جعفر إلي مرو، ولا رجع محمد بن جعفر نفسه، ولا رجع محمد بن محمد بن زيد، ولا غير هؤلاء، كما سيأتي بيانه في الفصل التالي وغيره..
فلعل الإمام (ع) بل إن ذلك هو المؤكد، الذي تدل عليه (٣١٥) صفحهمفاتيح البحث: الإمام محمد بن علي الجواد عليهما السلام (1)، محمد بن محمد بن زيد (1)، محمد بن جعفر (2)
تصريحاته وتصرفاته حيث تأهب للسفر - لعله - قد ظن لنوايا المأمون هذه، فضيع الفرصة عليه، وأعاد كيده إليه..
الموقف الثالث:
سلوكه في الطريق، كما وصفه رجاء بن أبي الضحاك (1)، حتي اضطر المأمون لأن يظهر علي حقيقته، ويطلب من رجاء هذا: أن لا يذكر ما شاهده منه لأحد، بحجة أنه لا يريد أن يظهر فضله إلا علي لسانه (2)، ولكننا لم نره يظهر فضله هذا، حتي ولو مرة واحدة، فلم يدع أحد أنه سمع شيئا من المأمون عن سلوك الإمام (ع)، وهو في طريقه إلي مرو. وأما رجاء، فلعله لم يحدث بذلك إلا بعد أن لم يعد في ذلك ضرر علي المأمون، وبعد أن ارتفعت الموانع، وقضي الأمر.
الموقف الرابع:
موقفه في نيشابور، الذي لم يكن أبدا من المصادفة. كما لم يكن ذكره للسلسلة التي يروي عنها من المصادفة أيضا، حيث أبلغ الناس في ذلك الموقف، الذي كانت تزدحم فيه أقدام عشرات بل مئات الألوف (3) - أبلغهم -: " كلمة لا إله إلا الله حصني، فمن دخل (1) راجع: البحار ج 49 من ص 91 حتي 95، وعيون أخبار الرضا ج 2 ص 181 فما بعدها: وهو كلام معروف لا نري أننا بحاجة لتكثير مصادره هنا.
(2) البحار ج 49 ص 95، وعيون أخبار الرضا ج 2 ص 183.
(3) وذلك يدل علي مدي تعاطف الناس مع أهل البيت، ومحبتهم لهم. الأمر الذي كان يرعب المأمون ويخيفه. حتي لقد كان يحاول كبت عواطف الناس هذه، وهذا هو السبب في منع الإمام من المرور عن طريق الكوفة وقم، كما سيأتي. (٣١٦) صفحهمفاتيح البحث: الحج (1)، الضرر (1)، الظنّ (1)، كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام (2)، مدينة الكوفة (1)، السب (1)
حصني أمن من عذابي (1) ".
هذه الكلمة.. التي عد أهل المحابر والدوي، الذين كانوا يكتبونها، فأنافوا علي العشرين ألفا.. هذا علي قلة من كانوا يعرفون القراءة والكتابة آنذاك، وعدا عمن سواهم ممن شهد ذلك الموقف العظيم..
". ونلاحظ: أنه (ع) - في هذا الظرف - لم يحدثهم عن مسألة فرعية، ترتبط ببعض مجالات الحياة: كالصوم، والصلاة، وما شاكل. ولم يلق عليهم موعظة تزهدهم في الدنيا، وترغبهم في الآخرة، كما كان شأن العلماء آنذاك.
كما أنه لم يحاول أن يستغل الموقف لأهداف شخصية، أو سياسية، كما جرت عادة الآخرين في مثل هذه المواقف.. مع أنه يتوجه إلي مرو، ليواجه أخطر محنة تحدد وجوده، وتهدد العلويين، ومن ثم الأمة بأسرها.
وإنما كلم الناس باعتباره القائد الحقيقي، الذي يفترض فيه: أن يوجه الناس - في ذلك الظرف بالذات - إلي أهم مسألة ترتبط بحياتهم، ووجودهم، إن حاضرا، وإن مستقبلا، ألا وهي مسألة:
التوحيد.. التوحيد: الذي هو في الواقع الأساس للحياة الفضلي، بمختلف جوانبها، وإليه تنتهي، وعلي وبه تقوم..
التوحيد: الذي ينجي كل الأمم من كل عناء وشقاء وبلاء. والذي إذا فقده الإنسان، فإنه يفقد كل شئ في الحياة حتي نفسه..
مدي ارتباط مسألة الولاية بمسألة التوحيد:
هذا.. ولأنه قد يكون الكثيرون ممن شهدوا ذلك الموقف لم يتهيأ (1) قد ذكرنا بعض مصادر هذه القضية في فصل: " شخصية الإمام الرضا " فمن أراد فليراجع. (٣١٧) صفحهمفاتيح البحث: الشهادة (2)، الصّلاة (1)، الشقاء (1)
لهم سماع كلمة الإمام (ع)، لانشغالهم مع بعضهم بأحاديث خاصة، أو لتوجههم لأمور جانبية أخري، كما يحدث ذلك كثيرا في مناسبات كهذه..
نري الإمام (ع) يتصرف بنحو آخر، حيث إنه عندما سارت به الناقة، وفي حين كانت أنظار الناس كلهم. وقلوبهم مشدودة إليها..
نراه يخرج رأسه من العمارية، فيسترعي ذلك انتباه الناس، الذين لم يكونوا يترقبون ذلك منه. ثم يملي عليهم - وهم يلتقطون أنفاسهم، ليستمعوا إلي ما يقول - كلمته الخالدة الأخري:
" بشروطها، وأنا من شروطها ".
لقد أملي الإمام (ع) كلمته هذه عليهم، وهو مفارق لهم، لتبقي الذكري الغالية، التي لا بد وأن يبقي لها عميق الأثر في نفوسهم (1).
لقد أبلغهم (ع) مسألة أساسية أخري، ترتبط ارتباطا وثيقا بالتوحيد، ألا وهي مسألة: " الولاية ".
وهي مسألة بالغة الأهمية، بالنسبة لأمة تريد أن تحيا الحياة الفضلي، وتنعم بالعيش الكريم، إذ ما دامت مسألة القيادة الحكيمة. والعادلة، والواعية لكل ظروف الحياة. وشؤونها، ومشاكلها - ما دامت هذه (1) (1) ويلاحظ: أن هذه الكلمة قد صيغت بنحو لا بد معه من الرجوع إلي الكلمة الأولي، ومعرفتها.
وبعد.. فما أشبه موقفه عليه السلام هنا بموقف النبي صلي الله عليه وآله في غدير خم، حيث إنه صلي الله عليه وآله كان أيضا قد أبلغ المسلمين مسألة الولاية، في ذلك الموقف الحاشد، وفي المكان الذي لا بد فيه من تفرق الناس عنه صلي الله عليه وآله، وذهاب كل منهم إلي بلده، ولعل إرجاع المتقدمين، وحبس المتأخرين يشبهها إخراج الإمام عليه السلام رأسه من العمارية.. يضاف إلي ذلك: أن موقفه صلي الله عليه وآله كان آخر مواقفه العامة في حياته إلي آخر ما هنالك من وجوه الشبه بين الواقعتين.
ولعلنا نجد تشابها بين هذه الواقعة، وبين قضية إرجاع أبي بكر عن تبليغ آيات سورة براءة، ثم إرسال علي مكانه.. (٣١٨) صفحهمفاتيح البحث: الكرم، الكرامة (1)، الخلود (1)، الرسول الأكرم محمد بن عبد الله صلي الله عليه وآله (1)، غدير خم (1)
المسألة - لم تحل، فلسوف لا يمكن إلا أن يبقي العالم يرزح تحت حكم الظلمة والطواغيت، والذين يجعلون لأنفسهم صلاحيات التقنين والتشريع الخاصة بالله، ويحكمون بغير ما أنزل الله، وليبقي العالم - من ثم - يعني الشقاء والبلاء، ويعيش في متاهات الجهل، والحيرة، والضياع.. " (1).
وإننا إذا ما أدركنا بعمق مدي ارتباط مسألة: " الولاية " بمسألة " التوحيد " فلسوف نعرف: أن قوله (ع): " وأنا من شروطها " لم تمله عليه مصلحته الخاصة، ولا قضاياه الشخصية.. ولسوف ندرك أيضا: الهدف الذي من أجله ذكر الإمام (ع) سلسلة سند الرواية، الأمر الذي ما عهدناه، ولا ألفناه منهم عليهم السلام. إلا في حالات نادرة، فإنه عليه السلام قد أراد أن ينبه بذلك علي مدي ارتباط مسألة القيادة للأمة بالمبدأ الأعلي..
الإمام ولي الأمر من قبل الله، لا من قبل المأمون:
وعدا عن ذلك كله.. فإننا نجد أن الإمام (ع)، حتي في هذا الموقف، قد اهتبل الفرصة، وأبلغ ذلك الحشد الذي يضم عشرات بل مئات الألوف: أنه الإمام للمسلمين جميعا، والمفترض الطاعة عليهم، علي حد تعبير القندوزي الحنفي، وغيره.. وذلك عندما قال لهم:
" وأنا من شروطها ".
وبذلك يكون قد ضيع علي المأمون أعظم هدف كان يرمي إليه من استقدام الإمام (ع) إلي مرو. ألا وهو: الحصول علي اعتراف بشرعية خلافته، وخلافة بني أبيه العباسيين. (1) قد استرشدنا في بعض ما ذكرناه بما ذكره الأستاذ علي غفوري، في كتابه: " ياد بود هشتمين امام " (فارسي). (٣١٩) صفحهمفاتيح البحث: الشيخ سلمان البلخي القندوزي (1)، الجهل (1)، الهدف (1)
إذ أنه قد بين للملأ بقوله: " وأنا من شروطها ": أنه هو بنفسه من شروط كلمة التوحيد، لا من جهة أنه ولي الأمر من قبل المأمون، أو سيكون ولي الأمر أو العهد من قبله، وإنما لأن الله تعالي جعله من شروطها.
وقد أكد (ع) علي هذا المعني كثيرا، وفي مناسبات مختلفة، حتي للمأمون نفسه في وثيقة العهد كما سيأتي، وأيضا في الكتاب الجامع لأصول الإسلام والأحكام، الذي طلبه منه المأمون، حيث كتب فيه أسماء الأئمة الاثني عشر عليهم السلام، مع أن عددا منهم لم يكونوا قد ولدوا بعد، كما أنه ذكر أسماءهم في احتجاجه علي العلماء والمأمون في بعض مجالسهم العلمية، وفي غير ذلك من مواقفه الكثيرة (ع).
الإمام يبلغ عقيدته لجميع الفئات:
وأخيرا.. لا بد لنا في نهاية حديثنا عن هذا الموقف التاريخي من الإشارة إلي أنه كان من الطبيعي أن يضم ذلك الحشد العظيم، الذي يقدر بعشرات. بل بمئات الألوف:
1 - حشدا من أهل الحديث واتباعهم، الذين جعلوا صلحا جديدا بين الخلفاء الثلاثة، وبين علي (ع) في معتقداتهم، بشرط أن يكون هو الرابع في الخلافة والفضل. ولفقوا من الأحاديث في ذلك ما شاءت لهم قرائحهم، حتي جعلوه إذا سمع ذكرا لأبي بكر يبكي حبا، ويمسح عينيه ببرده (1).
وجعلوه أيضا ضرابا للحدود بين يدي الثلاثة: أبي بكر، وعمر، (1) تاريخ الخلفاء ص 120، وغيره. (٣٢٠) صفحهمفاتيح البحث: الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام (1)
وعثمان (1)، كما تنبأ هو نفسه (ع) بذلك (2). إلي غير ذلك مما لا يكاد يخفي علي الناظر البصير، والناقد الخبير..
2 - وحشدا من أهل الإرجاء، الذين ما كانوا يقيمون وزنا لعلي، وعثمان. بل كانت المرجئة الأولي لا يشهدون لهما بإيمان، ولا بكفر..
3 - وأيضا.. أن يضم حشدا من أهل الاعتزال، الذين أحاطوا بالمأمون، بل ويعد هو منهم، والذين تدرجوا في القول بفضل علي (ع) حسبما اقتضته مذاهبهم ومشاربهم، فقد كان مؤسسا نحلة الاعتزال:
واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، لا يحكمان بتصويبه في وقعة الجمل مثلا، ولكن أتباعهما تدرجوا علي مر الزمان في القول بفضله، فقد شكك أبو الهذيل العلاف في أفضليته علي أبي بكر، أو القول بتساويهما في الفضل. ولكن رئيس معتزلة بغداد: بشر بن المعتمر، قد جزم بأفضليته علي الخلفاء الثلاثة، ولكنه قال بصحة خلافتهم.. وقد تبعه جميع معتزلة بغداد، وكثير من البصريين.
وإذا كان ذلك الحشد الهائل يضم كل هؤلاء. وغيرهم ممن لم نذكرهم.. فمن الطبيعي أن تكون كلمة الإمام هذه: " وأنا من شروطها " ضربة موفقة ودامغة لكل هؤلاء، وإقامة للحجة عليهم جميعا. علي اختلاف أهوائهم، ومذاهبهم..
ويكون قد بلغ بهذه الكلمة: " وأنا.. " صريح عقيدته، وعقيدة (١) تاريخ الخلفاء ص ١١٩، ١٢٠، والمحاسن والمساوي ج ١ ص ٧٩ طبع مصر.
والفتوحات الإسلامية لدحلان ط مصطفي محمد ج ٢ ص ٣٦٨.
(٢) فقد قال بعد أن ضرب الوليد بن عقبة الحد، لشربه الخمر: " لتدعوني قريش بعد هذا جلادها ". الغدير ج ٨ ص ١٢١. وقد صدقت نبوءته، صلوات الله وسلامه عليه، فقد جعلوه - كما تري - ضرابا للحدود بين يدي الثلاثة!!. (٣٢١) صفحهمفاتيح البحث: الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام (1)، مدرسة المعتزلة (2)، أبو الهذيل العلاف (1)، مدينة بغداد (2)، الإقامة (1)، الوليد بن عقبة (1)، الضرب (1)، الصّلاة (1)
آبائه الطاهرين (ع) في أعظم مسألة دينية، تفرقت لأجلها الفرق في الإسلام، وسلت من أجلها السيوف. بل لقد قال الشهرستاني:
".. وأعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة، إذ ما سل سيف في الإسلام علي قاعدة دينية مثلما سل علي الإمامة في كل زمان. " (1).
وبعد كل ما قدمناه.. لا يبقي مجال للقول: إن قوله هذا:
" وأنا.. " لا ينسجم مع ما عرف عنه (ع) من التواضع البالغ، وخفض الجناح، إذ ليس ثمة من شك في أن للتواضع وخفض الجناح موضع آخر. وأنه كان لا بد للإمام في ذلك المقام، من بيان الحق الذي يصلح به الناس أولا وآخرا، ويفتح عيونهم وقلوبهم علي كل ما فيه الخير والمصلحة لهم، إن حاضرا، وإن مستقبلا، وإن جزع من ذلك قوم. وحنق آخرون.
تعقيب هام وضروري:
ومما هو جدير بالملاحظة هنا، هو أن أئمة الهدي عليهم السلام كانوا يستعملون التقية في كل شئ إلا في مسألة أنهم عليهم السلام الأحق بقيادة (1) الملل والنحل، ج 1 ص 24، وقال الخضري في محاضراته ج 1 ص 167:
".. والخلاصة: أن مسألة الخلافة الإسلامية والاستخلاف، لم تسر مع الزمن في طريق يؤمن فيه العثار. بل كان تركها علي ما هي عليه، من غير محل محدد ترضاه الأمة، وتدفع عنه سببا لأكثر الحوادث التي أصابت المسلمين، وأوجدت ما سيرد عليكم من أنواع الشقاق والحروب المتواصلة، التي قلما يخلو منها زمن، سواء كان ذلك بين بيتين، أو بين شخصين. " انتهي.
وأقول: إذن. كيف جاز للنبي صلي الله عليه وآله أن يترك الأمة هكذا هملا، ثم لا يضع حلا لأعظم مشكلة تواجهه، مع أن شريعته كاملة وشاملة، وقد بين فيها كل ما تحتاجه الأمة، حتي أرش الخدش. (٣٢٢) صفحهمفاتيح البحث: الطهارة (1)، التقية (1)، التواضع (1)، الرسول الأكرم محمد بن عبد الله صلي الله عليه وآله (1)
الأمة، وخلافة النبي صلي الله عليه وآله. مع أنها لا شئ أخطر منها عليهم. كما تشير إليه عبارة الشهرستاني الآنفة، وغيرها.
وذلك يدل علي مدي ثقتهم بأنفسهم، وبأحقيتهم بهذا الأمر.
فنري الإمام موسي (ع) يواجه ذلك الطاغية الجبار هارون بهذه الحقيقة، ويصارحه بها، أكثر من مرة، وفي أكثر من مناسبة (1).
بل لقد رأينا الرشيد نفسه يعترف بأحقيتهم تلك في عدد من المناسبات علي ما في كتب السير والتاريخ.
ولقد نقل غير واحد (2) أنه: عندما وقف الرشيد علي قبر النبي صلي الله عليه وآله، وقال مفتخرا: السلام عليك يا ابن عم. جاء الإمام موسي (ع)، وقال:
السلام عليك يا أبة. فلم يزل ذلك في نفس الرشيد إلي أن قبض عليه:
وعندما قال له الرشيد: أنت الذي تبايعك الناس سرا؟!
أجابه الإمام (ع): أنا إمام القلوب، وأنت إمام الجسوم (3).
وأما الحسن، والحسين، وأبوهما، فحالهما في ذلك أشهر من أن يحتاج إلي بيان.
بل إن أعظم شاهد علي مدي ثقتهم بأحقية دعواهم الإمامة ما قاله الإمام الرضا (ع) للقائل له: إنك قد شهرت نفسك بهذا الأمر، وجلست مجلس أبيك، وسيف هارون يقطر الدم؟!. راجع: الصواعق المحرقة، وينابيع المودة، ووفيات الأعيان، والبحار، وقاموس الرجال، وغير ذلك.
(٢) البداية والنهاية ج ١٠ ص ١٨٣، والكامل لابن الأثير ج ٦، ص ١٦٤ ط صادر، والصواعق المحرقة ص ١٢٢، والإتحاف بحب الأشراف ص ٥٥، ومرآة الجنان ج ١ وأعيان الشيعة، وينابيع المودة، وغير ذلك.
(٣) الإتحاف بحب الأشراف ص ٥٥، والصواعق المحرقة ص 122. (٣٢٣) صفحهمفاتيح البحث: قبر النبي (ص) (1)، الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (1)، الإمام موسي بن جعفر الكاظم عليهما السلام (2)، الرسول الأكرم محمد بن عبد الله صلي الله عليه وآله (1)، الشهادة (1)، كتاب الكامل لإبن الأثير (1)، كتاب البداية والنهاية (1)، كتاب الأشراف للشيخ المفيد (2)، كتاب أعيان الشيعة للأمين (1)، كتاب ينابيع المودة (2)، كتاب الصواعق المحرقة (3)
فأجابه الإمام (ع): " جرأني علي هذا ما قال رسول الله صلي الله عليه وآله:
إن أخذ أبو جهل من رأسي شعرة، فأشهد أني لست بنبي.. وأنا أقول لكم: إن أخذ هارون من رأسي شعرة، فاشهدوا أني لست بإمام. " (1).
وفي هذا المعني روايات عديدة (2).
ولكنهم عليهم السلام قد انصرفوا بعد الحسين (ع) عن طلب هذا الأمر بالسيف. إلي تربية الأمة، وحماية الشريعة من الانحرافات التي كانت تتعرض لها باستمرار، ولأنهم كانوا يعلمون: أن طلب هذا الأمر من دون أن يكون له قاعدة شعبية قوية وثابتة، وواعية، لن يؤدي إلي نتيجة، ولن يقدر له النجاح، الذي يريدونه هم، ويريده الله. ولكنهم - كما قلنا - ظلوا عليهم السلام يجاهرون بأحقيتهم بهذا الأمر، حتي مع خلفاء وقتهم، كما يظهر لكل من راجع مواقفهم وأقوالهم في المناسبات المختلفة.
الموقف الخامس:
رفضه الشديد لكلا عرضي المأمون: الخلافة، وولاية العهد، وإصراره علي هذا الرفض الذي استمر أشهرا، وهو في مرو نفسها، حتي لقد هدده المأمون أكثر من مرة بالقتل.
وبذلك يكون قد مهد الطريق ليواجه المأمون بالحقيقة، حيث قال له: إنه يريد أن يقول للناس: إن علي بن موسي لم يزهد بالدنيا، وإنما الدنيا هي التي زهدت فيه، وليكون بذلك قد أفهم المأمون أن (١) المناقب لابن شهرآشوب ج 4 ص 339، وعيون أخبار الرضا ج 2 ص 213.
(2) راجع: البحار ج 49، وروضة الكافي: وعيون أخبار الرضا، وإرشاد المفيد، وغير ذلك. (٣٢٤) صفحهمفاتيح البحث: الإمام الحسين بن علي سيد الشهداء (عليهما السلام) (1)، الرسول الأكرم محمد بن عبد الله صلي الله عليه وآله (1)، القتل (1)، الجهل (1)، كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام (2)، كتاب الإرشاد للشيخ المفيد (1)، ابن شهرآشوب (1)
حيلته لم تكن لتجوز، وأن زيفه لا ينطلي عليه، وأن عليه أن يكف في المستقبل عن كل مؤامراته ومخططاته. وليكون المأمون بعد هذا غير مطمئن لأي عمل يقدم عليه، وضعيف الثقة بكل الحيل والمؤامرات التي يحوكها. هذا بالإضافة إلي أن الناس سوف يشكون في طبيعية هذا الأمر، وسلامة نوايا المأمون فيه.
الموقف السادس:
ولم يكتف الإمام (ع) بذلك كله.. بل كان لا يدع فرصة تمر إلا يؤكد فيها علي أن المأمون قد أكرهه علي هذا الأمر، وأجبره عليه، وهدد بالقتل إن لم يقبل.
يضاف إلي ذلك. أنه كان يخبر الناس في مختلف المناسبات: أن المأمون سوف ينكث العهد، ويغدر به.. حتي لقد قال في نفس مجلس البيعة للمستبشر: " لا تستبشر، فإنه شئ لا يتم " بل لقد كتب في نفس وثيقة العهد ما يدل علي ذلك دلالة واضحة، كما سيأتي بيانه في الموقف الثامن.
هذا عدا عن أنه كان يصرح بأنه لا يقتله إلا المأمون، ولا يسمه إلا هو، حتي لقد واجه نفس المأمون بهذا الأمر.
بل إنه لم يكن يكتفي بمجرد القول، وإنما كانت حالته علي وجه العموم في فترة ولاية العهد تشير إلي عدم رضاه بهذا الأمر، وإلي أنه مكره مجبر عليه.
حيث إنه كان علي حد تعبير الرواة: " في ضيق شديد، ومحنة عظيمة " و " لم يزل مغموما مكروبا حتي قبض "، و " قبل البيعة، وهو باك حزين " وكان كما يقول المدائني: " إذا رجع يوم الجمعة من (٣٢٥) صفحهمفاتيح البحث: القتل (2)
الجامع، وقد أصابه العرق والغبار، رفع يديه وقال: " اللهم إن كان فرجي مما أنا فيه بالموت، فعجل لي الساعة (1). ".
إلي آخر ما هنالك، مما لا يمكن استقصاؤه في مثل هذه العجالة..
وواضح أن كل ذلك سوف يؤدي إلي عكس النتيجة، التي كان يتوخاها المأمون من البيعة، وخصوصا إذا ما أردنا الملائمة بين مواقفه هذه، وموقفه في نيشابور، وموقفه صلاتي العيد في مرو.
الموقف السابع:
إنه كان لا يدع فرصة تمر إلا ويؤكد فيها علي أن المأمون لم يجعل له إلا ما هو حق له، وأنه لم يزد بذلك علي أن أرجع الحق إلي أهله، بعد أن كانوا قد اغتصبوه منهم، بل وإثبات أن خلافة المأمون ليست صحيحة ولا هي شرعية.
أما ما يتعلق به بصحة خلافة المأمون:
فنلاحظ: أنه (ع) حتي في كيفية البيعة يشير - علي ما صرح به كثير من المؤرخين - إلي أن المأمون، الذي يحتل عنوة مجلس رسول الله صلي الله عليه وآله، يجهل حتي كيفية ذلك العقد الذي خوله - بنظره - أن يكون في ذلك المجلس الخطير، حيث إنه (ع): ".. رفع يده، فتلقي بظهرها وجه نفسه، وبطنها وجوههم، فقال له المأمون: ابسط (1) البحار ج 49 ص 140، وعيون أخبار الرضا ج 2 ص 15. (٣٢٦) صفحهمفاتيح البحث: الرسول الأكرم محمد بن عبد الله صلي الله عليه وآله (1)، الموت (1)، الجهل (1)، كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام (1)
يدك للبيعة، فقال له: إن رسول الله هكذا كان يبايع، فبايعته الناس. " (1).
ونظير ذلك أيضا: ما روي من أن المأمون قد أمر الناس: أن يعودوا للبيعة من جديد، عندما أعلمه الإمام (ع): بأن كل من كان قد بايعه، قد بايعه بفسخ البيعة إلا الشباب الأخير.. وهاج الناس بسبب ذلك. وعابوا المأمون علي عدم معرفته بالعقد الصحيح والكيفية الصحيحة للبيعة وهذه القضية مذكورة في العديد من المصادر أيضا (2).
وأما أن الخلافة حق للإمام (ع) دون غيره:
فلعله لا يكاد يخفي علي من له أدني اطلاع علي حياة الإمام (ع) ومواقفه وقد تحدثنا آنفا عن موقفه في نيشابور، وهو في طريقه إلي مرو، وكيف أنه (ع) جعل نفسه الشريفة والاعتراف بإمامته شرطا لكلمة التوحيد، والدخول في حصن الله الحصين..
وأشرنا أيضا إلي أنه قد عدد الأئمة الشرعيين، وهو أحدهم في عديد من المناسبات والمواقف حتي فيما كتبه للمأمون.
بل لقد المح إلي ذلك أيضا بل لقد ذكره صراحة فيما كتبه علي حاشية وثيقة العهد بخط يده.
كما أن من الأمور الجديرة بالملاحظة هنا خطاب الإمام (ع) حينما بويع له بولاية العهد، وهو ما يلي: (١) راجع: المناقب ج ٤ ص ٣٦٩، ٣٦٤ والبحار ج ٤٩ ص ١٤٤. وعلل الشرايع، ومقاتل الطالبيين، ونور الأبصار، ونزهة الجليس، وعيون أخبار الرضا.
(2) راجع: علي سبيل المثال: شرح ميمية أبي فراس ص 204. (٣٢٧) صفحهمفاتيح البحث: كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام (1)، كتاب نور الأبصار للشبلنجي (1)، كتاب علل الشرايع للصدوق (1)
".. إن لنا عليكم حقا برسول الله، ولكم علينا حق به، فإذا أنتم أديتم لنا ذلك وجب علينا الحق لكم.. ".
ولم يؤثر عنه في ذلك المجلس غير ذلك.. وهو معروف ومشهور بين أرباب السير والتاريخ..
ومن الواضح أن اقتصاره علي هذه الكلمة في ذلك المجلس الذي يقتضي إيراد خطبة طويلة، يتعرض فيها لمختلف المواضيع، وعلي الأقل لشكر المأمون علي ما خصه به من ولاية العهد بعده - إن اقتصاره علي هذا - يعتبر أسلوبا رائعا لتركيز المفهوم الذي يريده الإمام (ع) في أذهان الناس، وإعطائهم الانطباع الحقيقي عن البيعة، وعن موقفه منها، ومن جهاز الحكم، في نفس مجلس البيعة، حتي لا يبقي هناك مجال للتكهن بأن: الإمام كان يرغب في هذا الأمر، ثم حدث ما أوجب غضبه وسخطه. وقد يكون له الحق في ذلك وقد لا يكون.
يضاف إلي كل ذلك أنه (ع) قال لحميد بن مهران، حاجب المأمون:
".. وأما ذكرك صاحبك (يعني المأمون، والمأمون جالس)، الذي أجلني، فما أحلني إلا المحل الذي أحله ملك مصر ليوسف الصديق (ع)، وكانت حالهما ما قد علمت. ".
كما أنه (ع) قد قال أكثر من مرة وفي أكثر من مناسبة: " إن من أخذ برسول الله، لحقيق بأن يعطي به "، وذلك عندما عرض له بالمن عليه بأن جعله ولي عهده، وفي غير هذه المناسبة أيضا.
المأمون يعترف بأحقية آل علي بالأمر:
ولعل من أعظم المواقف الجديرة بالتسجيل هنا موقفة (ع) مع المأمون،
صفحه(٣٢٨)
عندما حاول هذا أن يحصل منه (ع) علي اعتراف بأن العباسيين والعلويين سواء بالنسبة لقرباهم من النبي صلي الله عليه وآله، وذلك من أجل أن يثبت - بزعمه - أن له ولبني أبيه حقا في الخلافة، فكانت النتيجة: أن نجح الإمام (ع) في انتزاع اعتراف من المأمون بأن العلويين هم الأقرب..
وتكون النتيجة - علي حسب منطق المأمون، ومنطق أسلافه كما قدمنا - هي: أن العلويين هم الأحق بالخلافة والرياسة، وأنه هو، وآباءه غاصبون، ومعتدون..
فبينما المأمون والرضا (ع) يسيران، إذ قال المأمون:
".. يا أبا الحسن، إني فكرت في شئ، فنتج لي الفكر الصواب فيه: فكرت في أمرنا وأمركم، ونسبنا ونسبكم، فوجدت الفضيلة فيه واحدة، ورأيت اختلاف شيعتنا في ذلك محمولا علي الهوي والعصبية.
فقال له أبو الحسن الرضا (ع): إن لهذا الكلام جوابا، إن شئت ذكرته لك، وإن شئت أمسكت..
فقال له المأمون: إني لم أقله إلا لأعلم ما عندك فيه..
قال له الرضا (ع): أنشدك الله يا أمير المؤمنين، لو أن الله تعالي بعث نبيه محمدا صلي الله عليه وآله، فخرج علينا من وراء أكمة من هذه الآكام، يخطب إليك ابنتك، كنت مزوجه إياها؟.
فقال: يا سبحان الله، وهل أحد يرغب عن رسول الله صلي الله عليه وآله؟!.
فقال له الرضا (ع)، أفتراه كان يحل له أن يخطب إلي؟.
قال: فسكت المأمون هنيئة، ثم قال:.
" أنتم والله، أمس برسول الله رحما. " (1). (١) كنز الفوائد للكراجكي ص ١٦٦، والفصول المختارة من العيون والمحاسن ص 15، 16، والبحار ج 49 ص 188، ومسند الإمام الرضا عليه السلام ج 1 ص 100. (٣٢٩) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (5)، الرسول الأكرم محمد بن عبد الله صلي الله عليه وآله (2)
وكانت هذه ضربة قاضية وقاصمة للمأمون. لم يكن قد حسب لها أي حساب. ولم يكن ليتمكن في مقابل ذلك من أي عمل ضد الإمام (ع)، بعد أن كان هو الجاني علي نفسه، ف " علي نفسها جنت براقش ".
وبعد كل ذلك فقد قدمنا قول ابن المعتز:
وأعطاكم المأمون حق خلافة * لنا حقها، لكنه جاد بالدنيا وخلاصة الأمر:
إنه (ع) لم يكن يدخر وسعا في إحباط مسعي المأمون، وتضييع الفرصة عليه، وإفهام الناس أنه مكره علي هذا الأمر، مجبر عليه.
والتأكيد علي أن المأمون لم يجعل له إلا ما هو حق له، ولذا فلا يمكن أن يعتبر قبوله بولاية العهد اعترافا بشرعية الخلافة العباسية، أو بشرعية أي تصرف من تصرفاتها. كما أنه إذا كان ذلك حقا للإمام اغتصبه الغاصبون، واعتدي عليه فيه المعتدون، فليس المأمون حق في أن يعرض له (ع) بالمن عليه، بما جعل له من ولاية العهد.
وكذلك ليس للمأمون بعد: أن يدعي العدل والإنصاف، فضلا عن الايثار والتضحية في سبيل الآخرين، بعد أن فضح الإمام أهدافه من لعبته تلك، وعرف كل أحد أنها لم تكن شريفة ولا سليمة.
الأكذوبة المفضوحة:
وبعد.. فقد ذكر بعض أهل الأهواء، كابن قتيبة، وابن عبد ربه، واقعة خيالية، غير تلك التي ذكرناها آنفا وهي:
أن المأمون قال لعلي بن موسي: علام تدعون هذا الأمر؟!.
قال: " بقرابة علي وفاطمة من رسول الله صلي الله عليه وآله.. ". (٣٣٠) صفحهمفاتيح البحث: الرسول الأكرم محمد بن عبد الله صلي الله عليه وآله (1)
فقال المأمون: " إن لم تكن إلا القرابة، فقد خلف رسول الله صلي الله عليه وآله من هو أقرب إليه من علي، أو من هو في قعدده. وإن ذهبت إلي قرابة فاطمة من رسول الله صلي الله عليه وآله، فإن الأمر بعدها للحسن، والحسين، فقد ابتزهما علي حقهما، وهما حيان، صحيحان، فاستولي علي ما لا حق له فيه. ".
فلم يحر علي بن موسي له جوابا (1).. انتهي.
وهي واقعة مزيفة ومجعولة من أجل التغطية علي الواقعة الحقيقية، التي جرت بينهما، والتي تنسجم مع كل الأحداث والوقائع، وجميع الدلائل والشواهد متظافرة علي صحتها، ألا وهي تلك التي قدمناها آنفا..
والدليل علي زيف هذه الرواية: أنها لا توافق نظرة أئمة أهل البيت ورأيهم في الخلافة ومستحقها، لأنهم يرون - كما تدل عليه تصريحاتهم المتكررة، وأقوالهم المتضافرة -: " أن منصب الإمامة لا يكون إلا بالنص.
وأما الاستدلال بالقرابة، فقد قلنا في الفصل الأول من هذا الكتاب:
أن أول من التجأ إليه أبو بكر، ثم عمر. ثم الأمويون، فالعباسيون، ثم أكثر، إن لم يكن كل مطالب بالخلافة.. وأنه إذا كان في كلام الأئمة وشيعتهم ما يفهم منه ذلك، فإنما اقتضاه الحجاج مع خصومهم، وبعد.. فهل يخفي علي الإمام (ع) ضعف ووهن هذه الحجة، مع أننا نراه يصرح في أكثر من مناسبة بأن القرابة لا تجدي ولا تفيد - كما سنشير إليه - وأنه لا بد في الإمام من جدارة وأهلية في مختلف الجهات، وعلي جميع المستويات.
ولقد كان علي المأمون - لو صحت هذه الرواية - أن يغتنمها فرصة، (1) راجع: عيون الأخبار ج 2 ص 140، 141، طبع مصر سنة 1346، والعقد الفريد ج 5 ص 102، و ج 2 ص 386، طبع دار الكتاب العربي.. (٣٣١) صفحهمفاتيح البحث: الرسول الأكرم محمد بن عبد الله صلي الله عليه وآله (2)، الدولة الأموية (1)
ويعلنها علي الملأ، ويشهر بالإمام (ع)، ليسقطه - ومن ثم.. يسقط العلويين كلهم من أعين الناس.. ويسلبهم وإلي الأبد السلاح الذي كانوا يحاربونه ويحاربون آباءه به.. مع أن ذلك هو ما كان يبحث عنه المأمون ليل نهار، ويدبر المكايد، ويعمل الحيل، من أجله، وفي سبيله..
وعدا عن ذلك كله. كيف يمكن أن تنسجم هذه الرواية مع مواقف الإمام، وتصريحاته المتكررة حول مسألة الإمامة، وبأي شئ تثبت، وحول أوصاف الإمام ووظائفه، والتي لو أردنا استقصاءها لاحتجنا إلي عشرات الصفحات؟!.
وكذلك.. مع احتجاج الإمام (ع) علي العلماء والمأمون في أكثر من مناسبة بالنص، وأيضا مع موقفه (ع) في نيشابور؟!
اللهم إلا أن يكون أعلم أهل الأرض - باعتراف المأمون قد نسي حجته، وحجة آبائه، وكل من ينتسب إليهم، ويذهب مذهبهم..
تلك الحجة - التي عرفوا وكل المتشيعين لهم بها علي مدي الزمان - نسيها - في تلك اللحظة فقط، لأن المأمون هو الذي يسأل، والرضا هو الذي يجيب!!.
وبعد، فهل يستطيع أن يشك في ذلك أحد.. وهو يري رسالة الرضا، التي كتبها للمأمون تلبية لطلبه، وجمع له بها أصول الإسلام، والتي صرح فيها بالنص علي علي (ع). بل وذكر فيها الأئمة الاثني عشر، الذين نص عليهم النبي صلي الله عليه وآله كلهم بأسمائهم، حتي من لم يكن قد ولد بعد منهم؟!. وهذه الرسالة مشهورة وقد أوردها واستشهد بها غير واحد من المؤرخين والباحثين (1). (1) وكان آخرهم الدكتور أحمد محمود صبحي في كتابه: نظرية الإمامة ص 388، وقال: إنها من المخطوطات الموجودة في دار الكتب المصرية تحت رقم 1258. (٣٣٢) صفحهمفاتيح البحث: الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام (1)، الرسول الأكرم محمد بن عبد الله صلي الله عليه وآله (1)، الحج (1)
وفيها يصف الإمام (ع) أئمة الهدي أدق وصف، وأروعه، وأوفاه.
بل إن المأمون نفسه كان يري وجوب نصب الإمام من قبل الله كالنبي، كما يتضح من مناظرته الشهيرة لعلماء وقته، التي أوردها غير واحد من كتب التاريخ، والأدب، والرواية، وذكرها في العقد الفريد أيضا قبل ذكره لهذه الرواية المفتعلة. وإن كان قد تصرف فيها (أي في المناظرة)، فحرف فيها، وحذف منها الكثير.. وأشار إليها أيضا أحمد أمين في ضحي الإسلام ج 2 ص 57، وغيره..
فلماذا لا يلزمه الإمام بمقالته التي كان يلزم نفسه بها؟!. أم يمكن أن لا يكون مطلعا علي مقالة المأمون هذه، التي سار ذكرها في الآفاق؟!.
ويحسن بنا هنا أن ننبه إلي أن الاختلاف في نقل مثل هذه القضايا، حسب أهواء الناقلين لم يكن بالأمر الذي يخفي علي أحد، فقد رأينا:
أن جواب أحمد بن حنبل في المحنة بخلق القرآن، يرويه كل من الشيعة، والمعتزلة، وأهل السنة بصور ثلاثة مختلفة، ومناظرة هشام لأبي الهذيل العلاف يروي المعتزلة أن الغلبة فيها كانت لأبي الهذيل، بينما يروي الشيعة، ويؤيدهم المسعودي (1) أن الغلبة فيها كانت لهشام. إلي غير ذلك من عشرات القضايا بل المئات..
ولكن الأمر هنا مختلف تماما، إذ أن مختلق الرواية هنا قد غفل عن أن روايته المفتعلة تتنافي كليا مع نظرة الأئمة عليهم السلام ورأيهم في الخلافة ومستحقها.. ويبدو أنه لم يكن مطلعا علي الآراء المختلفة الشائعة آنذاك في مسألة الإمامة، ولذا نراه ينسب إلي الإمام (ع) رأيا لا يقول به، ولا يقره. وإنما هو يناسب رأي الشيعة الزيدية القائلين بإمامة ولد علي (ع) من فاطمة، بشرط أن يكون بليغا، شجاعا، عادلا مجتهدا، (1) مروج الذهب ج 4 ص 21. (٣٣٣) صفحهمفاتيح البحث: الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام (1)، مدرسة المعتزلة (2)، أحمد بن حنبل (1)، القرآن الكريم (1)، الوجوب (1)، كتاب مروج الذهب للمسعودي (1)
يخرج بالسيف ضد كل ظلم وانحراف إلخ.. وبأن إمامة علي (ع) قد ثبتت بالوصف والإشارة إليه، لا بالتصريح والنص عليه (1).
كما أنه غفل عن أن الذين كانوا يحتجون بالقرابة والإرث هم العباسيون، الذين كانوا إلي عصر المهدي - كما قدمنا - يدعون انتقال الخلافة إليهم عن طريق علي (ع)، ومحمد بن الحنفية، وفي عصر المهدي عدلوا عن ذلك، لما يتضمنه من اعتراف للعلويين، ورأوا أن يجعلوا إمامتهم عن طريق العباس وأبنائه.. وحاولوا تقوية هذه النحلة بكل وسيلة، وبذلوا من أجلها الأموال الطائلة للعلماء والفقهاء، والشعراء.
ولم يكن لتخفي علي أحد أبيات مروان بن أبي حفصة المتقدمة:
هل تطمسون من السماء نجومها * أو تسترون إلخ..
ولا قوله:
أني يكون وليس ذلك بكائن * لبني البنات وراثة الأعمام وقد أجابه جعفر بن عفان المعاصر له. علي هذا البيت بقوله:
ما للطليق وللتراث وإنما * صلي الطليق مخافة الصمصام (2) وكيف يخفي كل ذلك علي الإمام (ع)، خصوصا بعد أن كان الجدل في هذا الموضوع قائما علي قدم وساق في زمن هارون، بل وفي زمن المأمون كما يظهر من قول ابن شكلة المتقدم:
فضجت أن نشد علي رؤوس * تطالبها بميراث النبي (١) مقدمة ابن خلدون ص ١٩٧ ر ١٩٨.
(٢) مقتل الحسين للمقرم ص ١١٩، والأغاني ج ٩ ص ٤٥، طبع ساسي، والأدب في ظل التشيع ص ٢٠١، وضحي الإسلام ج ٣ ص ٣١٣، وقاموس الرجال ج ٢ ص ٣٩٣، وغير ذلك. (٣٣٤) صفحهمفاتيح البحث: الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام (2)، محمد بن الحنفية إبن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام (1)، كتاب مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي (1)
ومن قول القاسم بن يوسف وهي قصيدة طويلة فلتراجع (1).
إلي غير ذلك مما لا مجال لتتبعه واستقصائه.. وبعد كل تلك الوقائع الشهيرة التي حدثت قبل خلافة المأمون، وأثناءها بالنسبة لدعوي العباسيين هذه، فلا يمكن أبدا أن تجري المحاورة بين أعلم أهل الأرض (باعتراف المأمون) وبين المأمون أعلم خلفاء بني العباس علي هذا النحو من السذاجة والبساطة. اللهم إلا إذا كان أعلم أهل الأرض، لا يري ولا يسمع، أو أنه كان يعيش في غير هذا العالم، أو في سرداب تحت هذا الأرض.
واللهم إلا إذا كان القائل: ما للطليق وللتراث إلخ.. أعلم بالحجة للدعوي التي يدعيها أعلم أهل الأرض من مدعي الدعوي نفسه.. وهل لم يكن يحسن أن يقول للمأمون - لو سلم أنه احتج بالقرابة -: إن قرابة العباس لا تفيده، بعد أن تخلي عنها يوم الانذار. وبعد أن كان من الظالمين، الذين حرمهم الله من عهده. حيث قال تعالي: " ولا ينال عهدي الظالمين ". وبعد أن ترك الهجرة معه صلي الله عليه وآله. وبعد أن حارب النبي صلي الله عليه وآله يوم بدر. وبعد جهله بالدين وأحكامه، ولقد قال سبحانه: " أفمن يهدي إلي الحق أحق أن يتبع، أمن لا يهدي إلا أن يهدي، فما لكم كيف تحكمون.. " (2). إلي آخر ما هنالك.
وأخيرا.. وبعد أن لم يبق مجال للشك في زيف هذه الرواية وافتعالها.
فإننا نري أن لنا كل الحق في أن نسجل هنا: أنه لم يخف علينا، ونأمل أن لا يخفي علي أحد سر ذكر ابن عبد ربه هذه الرواية المزيفة المفتعلة، بعد ذكره لرواية احتجاج المأمون علي علماء وقته في أفضلية علي (ع) علي جميع الخلق، والتي تصرف فيها ما شاء له حقده ونصبه، (1) الأوراق للصولي ص 180، وقد تقدم شطر منها في بعض فصول هذا الكتاب.
(2) يونس آية 35. (٣٣٥) صفحهمفاتيح البحث: الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام (1)، الرسول الأكرم محمد بن عبد الله صلي الله عليه وآله (1)، بنو عباس (1)، الجهل (1)، الظلم (2)
الحذف والتحريف، فإنه - علي ما يبدو - ليس إلا من أجل التشويش علي تلك، وإبطال كل أثر لها، ظلما للحقيقة، وتجنيا علي التاريخ.
الموقف الثامن:
وأعتقد أنه أعظمها أثرا، وأعمها نفعا، وهو ما كتبه (ع) علي وثيقة العهد، التي كتبها المأمون بخط يده..
فإننا إذا ما رجعنا إليه نجد: أن كل سطر فيه، بل كل كلمة لها مغزي عميق، ودلالة هامة، تلقي لنا ضوءا كاشفا علي خطته (ع) في مواجهة مؤامرات المأمون، وخططه، وأهدافه.
فلقد كان يعلم: أن هذه الوثيقة ستقرأ في مختلف الأقطار الإسلامية، ولذلك نراه (ع) قد اتخذها وسيلة لإبلاغ الأمة الحقيقة كل الحقيقة، وتعريفها بواقع نوايا وأهداف المأمون. وأيضا تأكيد حق العلويين، وكشف المؤامرة التي تحاك ضدهم..
فبينما نراه (ع) يبدأ كلامه - فيما كتبه في الوثيقة المشارة إليها - بداية غير طبيعية، ولا مألوفة في مناسبات كهذه حيث قال: " الحمد لله الفعال لما يشاء، ولا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه.. ". لا يأتي بعدها بما يناسب المقام، ويتلائم مع سياق الكلام، من تمجيد الله، والثناء عليه علي أن ألهم أمير المؤمنين! هذا الأمر.. بل نراه يأتي بعبارة غريبة، وغير متوقعة، ألا وهي قوله: " يعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور الخ. ".
أفلا توافقني - قارئي العزيز - علي أنه (ع) يريد أن يوجه أنظار الناس إلي أن الأمر ينطوي علي خيانة مبيتة، وأن هناك صدورا تخفي غير ما تظهر؟!.. ثم.. ألا توافقني علي أن هذه العبارة تعريض بالمأمون (٣٣٦) صفحهمفاتيح البحث: العزّة (1)
نفسه، من أجل تعريف الناس بحقيقة نواياه وأهدافه؟!. هذا مع علمه (ع) بأن هذه الوثيقة سوف ترسل إلي مختلف أقطار العالم الإسلامي، لتقرأ علي الملأ العام، كما حدث ذلك بالفعل.
وإذا ما وصلنا إلي فقرة أخري، مما كتبه (ع) علي وثيقة العهد، فإننا نراه يقول: ".. وصلاته علي نبيه محمد خاتم النبيين، وآله الطيبين الطاهرين.. " فإننا إذا لاحظنا: أنه لم نجر العادة في الوثائق الرسمية في ذلك العهد بعطف " الآل " علي " محمد "، ثم توصيفهم ب " الطيبين الطاهرين " - نعرف أن هذا ليس إلا ضربة أخري للخليفة المأمون، وهجوم آخر عليه، حيث إنه يتضمن التأكيد علي طهارة أصل الإمام (ع)، وسنخه، ومحتده، وعلي أن الآل قد اختصوا بهذه المزية، وليس لكل من سواهم. حتي الخليفة المأمون، مثل هذا الشرف، ولا مثل تلك المزية..
ثم نراه (ع) يعقب ذلك بقوله: ".. إن أمير المؤمنين … عرف من حقنا ما جهله غيره.. ".
فما هو ذلك الحق الذي جهله الذي كلهم، حتي بنو العباس، فيما عدا المأمون؟!.
فهل يمكن أن تكون الأمة الإسلامية قد أنكرت أنهم (ع) أبناء بنت رسول الله صلي الله عليه وآله؟!. أليس ذلك منه (ع) إعلان للأمة بأسرها بأن المأمون لم يجعل له إلا ما هو حق له، وأنه لم يزد بذلك علي أن أرجع الحق إلي أهله، بعد أن كان قد اغتصبه منهم الغاصبون، واعتدي عليهم به المعتدون؟!. بل أليس ذلك ضربة للمأمون نفسه، وأن خلافته ليست شرعية، ولا صحيحة، لأنه كآبائه مغتصب لحق غيره؟!.
نعم. إن الحق الذي جهله الناس هو حق الطاعة. ولم يكن (٣٣٧) صفحهمفاتيح البحث: الرسول الأكرم محمد بن عبد الله صلي الله عليه وآله (1)، بنو عباس (1)، الجهل (3)، الطهارة (3)
الإمام (ع) يتقي المأمون، ولا غيره من رجال الدولة، في إظهار هذا الحق، وبيان أن خلافة الرسول صلي الله عليه وآله إنما كانت في علي (ع)، وولده الطاهرين، وأنه يجب علي الناس كلهم طاعتهم، والانقياد لهم. وقد أعلن (ع) ذلك في نيشابور كما قدمنا.. ورأيناه يصرح به، ويطلب من الناس أن يعلم شاهدهم غائبهم به، في محضر من رجال الدولة في خراسان، ففي الكافي: بسنده عن محمد بن زيد الطبري قال: كنت قائما علي رأس الرضا (ع) بخراسان، وعنده عدة من بني هاشم، وفيهم إسحاق بن موسي بن عيسي العباسي، فقال: " يا إسحاق، بلغني أن الناس يقولون: إنا نزعم: أن الناس عبيد لنا!. لا وقرابتي من رسول الله صلي الله عليه وآله ما قلته قط، ولا سمعته من آبائي قاله، ولا بلغني عن أحد من آبائي قاله، ولكنني أقول: الناس عبيد لنا في الطاعة، موال لنا في الدين، فليبلغ الشاهد الغائب. " (1).
وستأتي الإشارة إلي هذه الرواية مرة أخري في الفصل الآتي.. وليتأمل في عبارته الأخيرة، فليبلغ إلخ.. وليلاحظ أيضا أنه اختار لتوجيه خطابه:
إسحاق بن موسي بن عيسي العباسي!!.
وفي الكافي أيضا بسنده عن معمر بن خلاد قال: سأل رجل فارسي أبا الحسن (ع)، فقال: طاعتك مفترضة؟ فقال: نعم. قال:
مثل طاعة علي بن أبي طالب (ع)؟. قال: نعم (2).
والمراد بأبي الحسن هو الرضا (ع)، لأنه هو الذي كان في خراسان، وهو الذي يروي عنه معمر بن خلاد كثيرا.. ومثل ذلك كثير لا مجال لتتبعه. (١) الكافي ص ١٨٧، وأمالي المفيد ص ١٤٨ ط النجف وأمالي الطوسي ج ١ ص ٢١، ومسند الإمام الرضا عليه السلام ج ١ ص ٩٦.
(٢) الكافي: ج ١ ص ١٨٧، والاختصاص 278، ومسند الإمام الرضا ج 1 ص 103 عنه. (٣٣٨) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (3)، الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام (2)، الإمام الحسن بن علي المجتبي عليهما السلام (1)، الرسول الأكرم محمد بن عبد الله صلي الله عليه وآله (2)، محمد بن زيد الطبري (1)، إسحاق بن موسي (2)، بنو هاشم (1)، معمر بن خلاد (2)، خراسان (3)، كتاب أمالي الصدوق (2)، مدينة النجف الأشرف (1)
ويقول (ع) في وثيقة العهد، بعد تلك العبارة مباشرة: ".. فوصل أرحاما قطعت، وآمن أنفسا فزعت، بل أحياها وقد تلقت، وأغناها إذا افتقرت ".
وهو كما تري.. في حين يشكر المأمون، ويكتب تحت اسمه: " بل جعلت فداك " (حسب رواية الإربلي فقط)، لا ينسي أن يشوب ذلك بالازراء ضمنا علي آبائه العباسيين. ويذكر بما اقترفوه في حق العلويين، حيث كانوا يلاحقونهم تحت كل حجر ومدر، ويطلبونهم في كل سهل وجبل، كما قدمنا..
هذا.. ولا بأس أن نقف قليلا عند قوله: " وإنه جعل إلي عهده، والإمرة الكبري - إن بقيت - بعده. ".
فإننا لا نكاد نتردد في أنه (ع) يشير بقوله: إن بقيت بعده إلي ذلك الفارق الكبير بالسن بينه (ع)، وبين المأمون، وأنه يتعمد توجيه الأنظار إلي عدم طبيعية هذا الأمر، وإلي عدم رغبته فيه.
وإنه كان يريد أن يعرف الناس بأنه يتوقع في أن لا يدخر المأمون وسعا من أجل التخلص منه، ولو بالاعتداء علي حياته (ع)، فيما لو سنحت له الفرصة لذلك، بعد أن يكون قد حقق كل ما كان يريد تحقيقه، ووصل إلي ما كان يطمح إلي الوصول إليه، حيث لا بد حينئذ أن " يحل العقدة التي أمر الله بشدها ". ولا بد أيضا أن تنكشف خيانته للملأ، ويظهر ما يخفيه في صدره، علي حد تعبيره (ع)..
وإلا فما هو الداعي له (ع) لإقحام هذا الشرط - إن بقيت - في أثناء مثل هذا الكلام.
وإننا إذا نظرنا بعمق إلي قوله بعد ذلك: فمن حل عقدة أمر الله بشدها، وفصم عروة أحب الله إيثاقها.. ". وتأملنا قوله السابق: (٣٣٩) صفحهمفاتيح البحث: الشكر (1)، الفدية، الفداء (1)
يعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور. وقوله اللاحق: لكنني امتثلت أمر أمير المؤمنين، وآثرت رضاه.. فلسوف نعرف: أنه (ع) يعرض هنا بالمأمون نفسه، ويقول الناس جميعا: إنه لا يشك في أن المأمون سوف ينقض العهد، ويحل العقدة.
ويلاحظ هنا أيضا: أنه وصف هذه العقدة بأنها مما أمر الله بشدة، وأحب إيثاقه.. وهذا لعله لا يختلف عما كان (ع) يردده، ويؤكد عليه كثيرا، ونص عليه آنفا، وهو أن المأمون لم يجعل له إلا الحق الذي جهله غيره، واغتصبه هو وآباؤه، منه (ع) ومن آبائه..
وإذا ما وصلنا إلي قوله (ع): ".. بذلك جري السالف، فصبر منه علي الفلتات، ولم يعترض بعدها علي العزمات، خوفا من شتات الدين، واضطراب حبل المسلمين، ولقرب أمر الجاهلية الخ.. ".
فإننا نراه كأنه يستشهد لإطاعته المأمون، وعدم إصراره علي الرفض الموجب لتعريض نفسه، والعلويين، وشيعته لهلاك، والاضطهاد - يستشهد لذلك - بما جري لسالفه: وهو أمير المؤمنين علي (ع)، حيث صبر علي الفلتات (1) التي كانت من خلفاء عصره، ولم يعترض (ع) علي ما كانوا قد عقدوا العزم عليه، من المضي قدما في مخططاتهم، التي كانت تستهدف إبعاده عن مسرح السياسة، وتكريس الأمر الواقع، وتثبيته، لأنه يخدم مصالحهم، ويرضي مطامحهم.
- لم يعترض علي (ع) علي ذلك - لأنه خاف من شتات الدين، (1) ومن المحتمل جدا أنه عليه السلام: يشير إلي تعبير عمر - كانت بيعة أبي بكر فلتة إلخ - ولكنه عمم الكلام بحيث يشمل غير بيعة أبي بكر أيضا، باعتبار أن بيعة عمر وعثمان، ومعاوية وغيرها، كانت أيضا من الفلتات، أو باعتبار تفرعها علي بيعة أبي بكر التي كانت فلتة.. (٣٤٠) صفحهمفاتيح البحث: الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام (2)، الجهل (2)، الشهادة (2)، الصبر (1)، الخوف (1)
واضطراب حبل المسلمين، ولقرب أمر الجاهلية.. وهذا مما قد نص عليه علي (ع) نفسه في أكثر من مورد، وأكثر من مناسبة، قال (ع):
".. وأيم الله، لولا مخافة الفرقة بين المسلمين، وأن يعود الكفر، ويبور الدين، لكنا علي غير ما كنا لهم عليه.. "، ويقول: " إن الله لما قبض نبيه، استأثرت علينا قريش بالأمر، ودفعتنا عن حق نحن أحق به من الناس كافة، فرأيت أن الصبر علي ذلك أفضل من تفريق كلمة المسلمين، وسفك دمائهم، والناس حديثوا عهد بالإسلام، والدين يمخض مخض الوطب، يفسده أدني وهن، ويعكسه أدني خلف.. " (1).
وهكذا تمام كان الحال بالنسبة للإمام الرضا (ع)، حفيد علي، ووارثه، الذي كان زمانه لا يبعد حال الناس فيه علي حال الجاهلية، فإنه آثر أن يصبر علي هذه المحنة، خوفا من شتات الدين، واضطراب حبل المسلمين، وذلك بتعريض نفسه، وشيعته، والعلويين للهلاك، أو علي الأقل للاضطهاد، الأمر الذي سوف تكون له أسوأ النتائج علي الدين والأمة، كما قلنا..
وإذا ما قرأنا بعد ذلك قوله (ع): ".. وقد جعلت الله علي نفسي، - إن استرعاني علي المسلمين، وقلدني خلافته - العمل فيهم عامة، وفي بني العباس بن عبد المطلب خاصة، بطاعة الله، وسنة رسوله صلي الله عليه وآله.. ".. فإن ما يسترعي انتباهنا هو تنصيصه علي بني العباس خاصة وأنه سوف يعمل فيهم بطاعة الله، ورسوله.. " فلا يسفك دما حراما، ولا يبيح فرجا ولا مالا، إلا ما سفكته حدوده، وأباحته فرائضه إلخ. ".
فإن هذا التنصيص إنما هو في مقابل " الأرحام التي قطعت، وفزعت، (1) راجع شرح النهج للمعتزلي ج 1 ص 307، 308 وغير ذلك. (٣٤١) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (1)، الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام (1)، بنو عباس (2)، الصبر (2)، الجهل (2)
وتلفت، وافتقرت..، من العلويين، علي يد بني العباس، الذين فعلوا بهم. أكثر من فعل بني أمية معهم، حسبما قدمنا.
وتعهده والتزامه بأن يعمل في المسلمين عامة. وفي بني العباس خاصة، بطاعة الله، وسنة ورسوله.. هو التزام بنفس الخط الذي التزم به علي (ع)، وتعهد بانتهاجه. الأمر الذي كان سببا في إبعاده عن الخلافة في الشوري، واضطلاع عثمان بها. بل كان ذلك هو السبب في إبعاده عنها، بالنسبة لما قبل ذلك أيضا، وما جري بعده.
وعلي (ع) هو نفس ذلك الذي استشهد به آنفا، وبين أنه صبر علي الفلتات، ولم يعترض علي العزمات خوفا من شتات الدين إلخ..
والالتزام بخط علي (ع) لن يرضي المأمون، والعباسيين، والهيئة الحاكمة، ولن يكون في مصلحتهم، حسبما المحنا إليه في فصل: جدية عرض الخلافة..
كما أننا لا نستبعد كثيرا: أنه (ع) يريد أن ينبه علي مدي التفاوت بين المنطلقات لسياسات أهل البيت، ومنطلقات سياسات خصومهم، التي عرفت جانبا منها في القسم الأول من هذا الكتاب.
ومن هنا نعرف السر في قوله (ع): ".. وأن أتخير الكفاة جهدي وطاقتي.. " فإنه إشارة إلي أنه (ع) سوف ينطلق في كل نصب وعزل - تماما كالإمام علي (ع) - من مصلحة الأمة، وعلي وفق رضا الله، وتعاليم رسوله. لا من مصالح شخصية، أو اعتبارات سياسية، أو قبلية، أو غير ذلك من الاعتبارات، التي لا يعترف بها الإسلام، ولا يقيم لها وزنا.
وإذا ما قرأنا قوله (ع): ".. وإن أحدثت، أو غيرت، أو بدلت، كنت للغير مستحقا، وللنكال متعرضا، وأعوذ بالله من سخطه إلخ. ". (٣٤٢) صفحهمفاتيح البحث: الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام (4)، بنو عباس (2)، يوم عرفة (1)، بنو أمية (1)، الشهادة (1)، السب (1)
فإننا ندرك للتو أنه (ع) يريد ضرب العقيدة، التي كان قد شجعها الحكام، وروج لها علماء السوء.. من أن الخليفة، بل مطلق الحاكم في منأي ومأمن من أي مؤاخذة، أو عقاب، مهما اقترف من جرائم، وأتاه من موبقات، فهو فوق القانون، ولا يجوز لأحد الخروج، أو الاعتراض عليه، في أي ظرف من الظروف والأحوال، حتي ولو رمي القرآن بالنبل، وقتل ابن بنت رسول الله، فضلا عما عدا ذلك من الجرائم والموبقات..
والإمام.. الذي يعرف كيف كانت سيرة المأمون، وسائر خلفاء بني العباس، ومن لف لفهم، والتي عرفت فيما تقدم طرفا منها، والذين كانوا يتمتعون بهذه الحصانة الزائفة.. قد أراد أن يوجه ضربة قاضية لهم جميعا، حتي للمأمون. وأشياعه، وكل من كان الطواغيت والظلمة علي شاكلتهم، ويبين لهم. وللملأ أجمع: أن الحاكم حارس للنظام والقانون، ولا يمكن أن يكون فوق النظام والقانون، ولذا فلا يمكن أن يكون في منأي عن العقاب والقصاص، لو ارتكب أي جريمة، أو اقترف أية عظيمة.
فالمأمون، وآباؤه، وأشياعهم، كانوا يضحون بكل شئ في سبيل أنفسهم، ومصالحهم الشخصية، ويقترفون كل عظيمة في سبيل تدعيم حكمهم، وتقوية سلطانهم.. أما الإمام (ع) فهو مستعد لأن يقدم نفسه - إن اقتضي الأمر - للعقاب والنكال، عند صدور أية مخالفة، وحصول أي تجاوز عما يرضي الله تعالي، وعن سنة رسوله.
وبعد كل ما تقدم.. نراه يعبر عن عدم رضاه بهذا الأمر، وعدم تهالكه عليه، لعلمه بعدم تماميته له، ويقول بصريح العبارة: إنه أمر لا يتم، لأن ".. الجفر والجامعة يدلان علي ضد ذلك. ". كما أن في هذا تنويه مهم منه (ع) بذكر الركن الثاني من أركان إمامة أئمة (٣٤٣) صفحهمفاتيح البحث: يوم عرفة (1)، القرآن الكريم (1)، الضرب (1)، القتل (1)، الجواز (1)
أهل البيت عليهم السلام، وهو أن الله تعالي اختصهم بأمور غيبية، وعلوم لدنية، منعها عن سائر الناس، وهذان الكتابان: الجفر، والجامعة، هما من الكتب التي أملاها رسول الله صلي الله عليه وآله علي علي أمير المؤمنين (ع)، وكتبها بخط يده، وقد أظهر الأئمة عليهم السلام بعض هذه الكتب التي بخط علي (ع)، وبإملاء الرسول صلي الله عليه وآله لعدة من كبار شيعتهم، واستشهدوا بها في موارد عديدة في الأحكام (1).
وفي الحقيقة.. إن الإمام (ع)، وإن قبل ولاية العهد مكرها من المأمون.. ولكنه يريد بكلامه هذا، واستشهاده بالجفر والجامعة أن يقول له، ولكل من كان علي شاكلته بصريح العبارة: ".. قد أنبأنا الله بأخباركم، وسيري الله عملكم. ورسوله، والمؤمنون، وستردون إلي عالم الغيب والشهادة فينبؤكم بما كنتم تعملون، ويجزيكم علي ظلمكم وبغيكم علينا، وانتهاككم الحرمات منا، ولعبكم بدمائنا وأعراضنا، وأموالنا. ".
ثم نراه يترقي في صراحته، حيث يقول: ".. لكنني امتثلت أمر أمير المؤمنين، وآثرت رضاه.. " أي أنه لو لم يقبل بهذا الأمر لتعرض لسخط المأمون.. والكل يعلم ماذا كان يعني سخط أولئك الحكام، الذين كانوا لا يحتاجون إلي أي مبرر لاقترافهم أي جريمة. وإقدامهم علي أي عظيمة.
وأخيرا.. ورغم أن المأمون قد تقدم منه (ع) وطلب منه أن يشهد الله، والحاضرين علي نفسه.. نراه يأبي أن يكون المأمون، ولا أي من الحاضرين شاهدا علي نفسه، ولا جعل لهم علي نفسه سبيلا، لأنه (١) راجع: كتاب مكاتيب الرسول ج ١ من ص 59 حتي ص 89، فقد أسهب القول حول هذه الكتب، واستشهادات الأئمة بها، وغير ذلك. (٣٤٤) صفحهمفاتيح البحث: أهل بيت النبي صلي الله عليه وآله (1)، الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام (2)، الرسول الأكرم محمد بن عبد الله صلي الله عليه وآله (2)، الشهادة (2)، كتاب مكاتيب الرسول للأحمدي الميانجي (1)
كان يعلم بما كانت تكنه صدورهم. وتضطرم به قلوبهم عليه. بل جعل الله فقط شهيدا عليه، واستعان بالآية الكريمة، التي تقطع الطريق علي كل أحد، وتكتفي بالله شهيدا، حيث قال: " وأشهدت الله علي نفسي (وكفي بالله شهيدا). ".
وإذا كان لا بد من كلمة:
وإذا كان لا بد في نهاية المطاف من كلمة، فإننا نقول: إن أولئك الذين عاشوا في تلك الفترة، ووقفوا علي الظروف والملابسات التي اكتنفت هذا الحدث التاريخي الهام - إن هؤلاء ولا شك - كانوا أقدر منا علي فهم جميع ما كان يرمي إليه الإمام (ع) من كل كلمة، كلمة، مما كتبه علي وثيقة العهد..
وإذا كان هناك من يري: أن بعض الفقرات تحتمل غير ما قلناه..
فإننا نري: أن كون بعض الفقرات الأخري لا يحتمل غير ما قلنا، وأيضا بما أن ما ذكرناه هو الذي يساعد علي الجو العام. الذي توحي به النصوص التاريخية الكثيرة جدا، والتي قدمنا وسيأتي شطر منها - إن ذلك - وهو ما يجعلنا نجزم بأن ما فهمناه هو بعض ما كان يرمي إليه (ع) مما كتبه علي وثيقة العهد.
ملاحظات هامة:
إن من الأمور الغريبة حقا أن نري نفس الخليفة يكتب وثيقة العهد - الطويلة جدا! - بخط يده.. وأغرب منه أنه تقدم إلي الإمام (ع)، وقال له: " اكتب خطك بقبول هذا العهد. وأشهد الله والحاضرين عليك، (٣٤٥) صفحهمفاتيح البحث: الكرم، الكرامة (1)، الطواف، الطوف، الطائفة (1)
بما تعده في حق الله ورعاية المسلمين (1). ".
وهذا إن دل علي شئ، فإنما يدل علي مدي أهمية هذا الأمر بالنسبة إلي المأمون، وأنه يريد تطويق هذا الموضوع من جميع جهاته، وإن استلزم ذلك كل تلك الأمور، وإلا.. فما هو الداعي لأن يكتب له العهد بخط يده!! ثم أن يتقدم إليه بنفسه!!. ثم ما الداعي لأن يطلب من الإمام ذلك!!.
هذا.. ولا بأس أيضا بملاحظة تعبير المأمون ب " قبول "!!. ثم ملاحظة أنه طلب منه أن يكتب هذا القبول ب " خط يده "!!. ثم طلب منه أن يشهد الله والحاضرين علي نفسه!!.
حقا.. إنها للعبقرية السياسية:
وعلي كل حال.. فلا شك أن المحاورات السياسية تعتبر من الصنايع المستظرفة،، وذلك لما تتضمنه من تعريضات، وكنايات، حسبما تفرضه الاتجاهات السياسية، التي يلتزم بها المتحاورون..
ولذا.. نلاحظ أنه (ع).. وإن كان يضمن كلامه الشكر للمأمون، بل ويكتب تحت اسمه - حسب رواية الإربلي فقط -: " بل جعلت فداك.
ولكنه يبطن كلامه، ويضمنه تعريضات عميقة، بلهجة معتدلة، لا عنف فيها، وذلك يعني: أن الإمام (ع) لم يتنازل عن مبدئه، ولا حاد عن نهجه، الذي اختطه لنفسه، بوحي من رسالة الله، وتعاليم محمد (ص)، وخطي جده علي (ع).. لم يحد عنه قيد شعرة، ولا هاون فيه، ولا حابي أحدا، حتي في هذا الموقف. (1) مآثر الإنافة ج 2 ص 332. (٣٤٦) صفحهمفاتيح البحث: الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام (1)، الرسول الأكرم محمد بن عبد الله صلي الله عليه وآله (1)، الشكر (1)، الفدية، الفداء (1)، الشهادة (1)
ولعمري.. لو كان ما كتبه الإمام الرضا (ع) علي وثيقة العهد من شخص عادي آخر، لكان يقال عنه الشئ الكثير تعظيما وتبجيلا، حيث إنه لم يضل عن خطته التي اختطها لنفسه، ولا حاد عن نهجه قيد أنملة.. مع أن المأمون كان قد فاجأه بطلب الكتابة علي الوثيقة، ولم يكن هو مستعدا، ولا متوقعا لذلك، لأن العادة لم تكن قد جرت علي ذلك..
وهذا ولا شك مما يزيد من عظمة الإمام، ويعلي من شأنه، ويستدعي المزيد من التعظيم والتبجيل له.
ولكن الحقيقة هي: أنه - وهو الإمام المعصوم - غني عن كل تلكم التقريظات، وعن ذلكم التعظيم والتبجيل..
الموقف التاسع:
شروطه (ع) علي المأمون لقبول ولاية العهد، وهي:
" أن لا يولي أحدا، ولا يعزل أحدا، ولا ينقض رسما، ولا يغير شيئا مما هو قائم، ويكون في الأمر مشيرا من بعيد (1) "، فأجابه المأمون إلي ذلك كله!!!.
وفي ذلك تضييع لجملة من أهداف المأمون.. إذ أن: (١) الفصول المهمة، لابن الصباغ المالكي ص ٢٤١، ونور الأبصار من ص ١٤٣، وعيون أخبار الرضا ج ١ ص ٢٠، و ج ٢ ص ١٨٣، ومواضع أخري، ومناقب آل أبي طالب ج ٤ ص ٣٦٣، وعلل الشرايع ج ١، ص ٢٣٨، وإعلام الوري ص ٣٢٠، والبحار ج ٤٩.
ص ٣٤ و ٣٥، وغيرها، وكشف الغمة ج ٣ ص ٦٩، وإرشاد المفيد ص ٣١٠، وأمالي الصدوق ص ٤٣، وأصول الكافي ص ٤٨٩، وروضة الواعظين ج 1 ص 268، 269، ومعادن الحكمة ص 180، وشرح ميمية أبي فراس ص 165. (٣٤٧) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (1)، الهدف (1)، الضلال (1)، كتاب الإرشاد للشيخ المفيد (1)، كتاب الفصول المهمة لإبن صباغ المالكي (1)، كتاب نور الأبصار للشبلنجي (1)، كتاب علل الشرايع للصدوق (1)، كتاب أمالي الصدوق (1)، كتاب إعلام الوري بأعلام الهدي (1)، كتاب أصول الكافي للشيخ الكليني (1)، كتاب كشف الغمة للإربلي (1)، كتاب مناقب آل أبي طالب عليه السلام (1)
السلبية تعني الاتهام:
فإن من الطبيعي أن تثير سلبيته هذه الكثير من التساؤلات لدي الناس، ولسوف تكون سببا في وضع علامات استفهام كبيرة، حول الحكم، والحكام. وكل أعمالهم وتصرفاتهم، إذ أن السلبية إنما تعني: أن نظام الحكم لا يصلح حتي للتعاون معه، بأي نحو من أنحاء التعاون، وإلا فلماذا يرفض - حتي ولي العهد - التعاون مع نظام هو ولي العهد فيه، ويأبي التأييد لأي من تصرفاته وأعماله؟!.
رفض الاعتراف بشرعية ذلك النظام:
ولقد قدمنا: أن من جملة أهداف المأمون هو أن يحصل من الإمام (ع) علي اعتراف ضمني بشرعية حكمه وخلافته، كما صرح هو نفسه بذلك " وليعترف بالملك، والخلافة لنا ".
والإمام.. بشروطه تلك يكون قد رفض الاعتراف بشرعية النظام القائم. بأي نحو من أنحاء الاعتراف، ولم يعد قبوله بولاية العهد يمثل اعترافا بذلك، ولا يدل علي أن ذلك الحكم يمثل الحكم الإسلامي الأصيل.
هذا.. وقد عضد شروطه هذه، بسلوكه السلبي مع المأمون، والهيئة الحاكمة، طيلة فترة ولاية العهد، يضاف إلي ذلك تصريحاته المتكررة، التي تحدثنا عنها فيما سبق.
النظام القائم لا يمثل وجهة نظره في الحكم:
والأهم من كل ذلك: أن شروطه هذه كانت بمثابة الرفض القاطع لتحمل المسؤولية عن أي تصرف يصدر من الهيئة الحاكمة. وليس (٣٤٨) صفحهمفاتيح البحث: الهدف (1)، الرفض (1)
للناس - بعد هذا - أن ينظروا إلي تصرفات وإعمال المأمون وحزبه، علي أنه تحظي برضي الإمام (ع) وموافقته. ولا يمكن لها - من ثم - أن تعكس وجهة نظره (ع) في الحكم ورأيه في أساليبه، التي هي في الحقيقة وجهة نظر الإسلام الصحيح فيه. الإسلام. الذي يعتبر الأئمة (ع) الممثلين الحقيقيين له، في سائر الظروف، ومختلف المجالات..
وانطلاقا مما تقدم: نراه (ع) يرفض ما كان يعرضه عليه المأمون، من: كتابة بتولية أو عزل إلي أي إنسان.. ويرفض أيضا: أن يؤم الناس في الصلاة مرتين.. إلي آخر ما سيأتي بيانه.
وفي كل مرة كان يرفض فيها مطالب المأمون هذه نراه يحتج عليه بشروطه تلك، فلا يجد المأمون الحيلة لما يريده، وتضيع الفرصة من يده، ولا بد من ملاحظة: أنه عندما أصر عليه المأمون بأن يؤم الناس في الصلاة، ورأي عليه السلام: أنه لا بد له من قبول ذلك - نلاحظ -: أنه اشترط عليه أن يخرج كما كان يخرج جده رسول الله (ص)، لا كما يخرج الآخرون..
ولم يكن المأمون يدرك مدي أهمية هذا الشرط، ولا عرف أهداف الإمام من وراء اشتراطه هذا، فقال له ولعله بدون اكتراث: أخرج كيف شئت.. وكانت نتيجة ذلك.. أنه (ع) قد أفهم الناس جميعا:
أن سلوكه وأسلوبه، وحتي مفاهيمه، تختلف عن كل أساليب ومفاهيم وسلوك الآخرين. وأن خطه هو خط محمد صلي الله عليه وآله، ومنهاجه هو منهاج علي (ع)، ربيب الوحي، وغذي النبوة، وليس هو خط المأمون وسواه من الحكام، الذين اعتاد الناس عليهم، وعلي تصرفاتهم وأعمالهم.
ولم يعد يستطيع المأمون، أن يفهم الناس: أن الحاكم: من كان، ومهما كان، هذا هو سلوكه، وهذه هي تصرفاته. وأن كل شخصية:
من ومهما كانت، وإن كانت قبل أن تصل إلي الحكم تتخذ العدل، (٣٤٩) صفحهمفاتيح البحث: الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام (1)، الرسول الأكرم محمد بن عبد الله صلي الله عليه وآله (1)، الصّلاة (2)
والحرية: والمساواة، وغير ذلك شعارات لها، إلا أنها عندما تصل إلي الحكم، لا يمكن إلا أن تكون قاسية ظالمة، مستأثرة بكل شئ، ومستهترة بكل شئ، ولذا فليس من مصلحة الناس أن يتطلعوا إلي حكم أفضل مما هو قائم، حتي ولو كان ذلك هو حكم الإمام (ع) المعروف بعلمه وتقواه وفضله الخ.. فضلا عن غيره من العلويين أو من غيرهم - لم يعد يستطيع أن يقول ذلك - لأن الواقع الخارجي قد أثبت عكس ذلك تماما، إذ قد رأينا: كيف أن الإمام (ع) بشروطه تلك، وبسائر مواقفه من المأمون ونظام حكمه.. يضيع علي المأمون هذه الفرصة، ولم تجده محاولاته فيما بعد شيئا، بل إن كثيرا منها كان سوءا ووبالا عليه، كما سيأتي.
لا مجال بعد للمأمون لتنفيذ مخططاته:
ولعل من الواضح: أن شروطه تلك قد مكنته من أن يقطع الطريق علي المأمون، ولا يمكنه من استغلال الظروف لتنفيذ بقية حلقات مؤامرته، إذ لم يعد بإمكانه أن يصر علي الإمام أن يقوم بأعمال تنافي وتضر بقضيته هو، وقضية العلويين، ومن ثم تؤثر علي الأمة بأسرها.. وعدا عن ذلك فإن هذه الشروط، قد حفظت له (ع) حياته في حمام سرخس، حيث كان المأمون قد حاك مؤامرته للتخلص من وزيره وولي عهده مرة واحدة، كما سيأتي بيانه.. مما يعني أن سلبيته (ع) مع النظام كانت أمرا لابد منه، إذا أراد أن لا يعرض نفسه إلي مشاكل، وأخطار هو في غني عنها.. والذي أمن له هذه السلبية ليس إلا شروطه تلك، التي جعلت من لعبة ولاية العهد لعبة باهتة مملة لا حياة فيها، ولا رجاء.. (٣٥٠) صفحهمفاتيح البحث: الغني (1)
ولعل الأهم من كل ذلك.. أنها ضيعت علي المأمون الكثير من أهدافه من البيعة، التي صرح الإمام (ع) أنه كان عارفا بها، ولم يكن له خيار في تحملها، والصبر عليها، إلي أن يقضي الله أمرا كان مفعولا.
وعدا عن ذلك كله أن تعاونه مع النظام إنما يعني أن يحاول تصحيح السلوك، وتلافي الأخطاء، التي كان يقع فيها الحكم، والهيئة الحاكمة.
وذلك معناه أن ينقلب جهاز الحكم كله ضد الإمام، ويجد المأمون - من ثم - العذر، والفرصة لتصفيته (ع) من أهون سبيل، فشروطه تلك أبعدت عنه الخطر - إلي حد ما - الذي كان يتهدده من قبل المأمون وأشياعه، وجعلته - كما قلنا - في منأي ومأمن من كل مؤامراتهم ومخططاتهم.
الإمام.. لا ينفذ إرادات الحكم:
ولعل من الأهمية بمكان … أن نشير إلي أنه (ع) كان يريد بشروطه تلك أن يفهم المأمون: أنه ليس علي استعداد لتنفيذ إرادات الحكم، والحاكم، ولا علي استعداد لأن يقتنع بالتشريفات، والأمور الشكلية، فإنه.. بصفته القائد والمنقذ الحقيقي للأمة، لا يمكن أن يرضي بديلا عن أن ينقذ الأمة، ويرتفع بها من مستواها الذي أوصلها إليه الطواغيت والظلمة، الذين جلسوا في مكان رسول الله صلي الله عليه وآله، وأوصيائه عليهم السلام، وحكموا بغير ما أنزل الله.
إنه يريد أن يخدم الأمة، ويحقق لها مكاسب تضمن لها الحياة الفضلي، والعيش الكريم، ولا يريد أن يخدم نفسه، ويحقق مكاسب شخصيته علي حساب الآخرين، ولذلك فهو لا يستطيع أن يقتنع بالسطحيات والشكليات التي لا تسمن، ولا تغني من جوع.. (٣٥١) صفحهمفاتيح البحث: الرسول الأكرم محمد بن عبد الله صلي الله عليه وآله (1)، الكرم، الكرامة (1)، الصبر (1)
لا زهد أكثر من هذا:
إنه مضافا إلي أن مجرد رفض الإمام كلا عرضي المأمون: الخلافة، وولاية العهد، دليل قاطع علي زهده فيه. فإن هذه الشروط كان لها عظيم الفائدة، وجليل الأثر في الإظهار لكل أحد أن الإمام ليس رجل دنيا، ولا طالب جاه ومقام. وما أراده المأمون من إظهار الإمام علي أنه لم يزهد بالدنيا، وإنما الدنيا هي التي زهدت فيه.. لم يكن إلا هباء اشتدت به الريح في يوم عاصف.. ولم تفلح بعد محاولات المأمون وعمله الدائب، من أجل تشويه الإمام والنيل من كرامته.
ولقد قدمنا: أن الإمام (ع) قد واجه نفس المأمون بحقيقة نواياه، وأفهمه أن خداعه لن ينطلي عليه، ولن تخفي عليه مقاصده، ولذا فإن من الأفضل والأسلم له أن يكف عن كل مؤامراته ومخططاته.. وإلا فإنه إذا ما أراد إجبار الإمام علي التعاون معه، فلسوف يجد أنه (ع) علي استعداد لفضحه، وكشف حقيقته وواقعه أمام الملأ، وإفهام الناس السبب الذي من أجله يجهد المأمون ليزج بالإمام (ع) في مجالات لا يرغب، بل واشترط عليه أن لا يزج فيها - كما فعل في مناسبات عديدة - الأمر الذي لن يكون أبدا في صالح المأمون، ونظام حكمه..
ومن هنا رأيناه (ع) يجيب الريان عندما سأله عن سر قبوله بولاية العهد، وإظهاره الزهد بالدنيا - يجيبه -: ببيان أنه مجبر علي هذا الأمر، ويذكره بالشروط هذه، التي يعني أنه قد دخل فيه دخول خارج منه، كما تقدم..
وهكذا.. وبعد أن كان (ع) سلبيا مع النظام، وبعد رفضه لكلا عرضي المأمون، وبعد أن اشترط هذه الشروط للدخول في ولاية العهد، فليس من السهل علي المأمون، ولا علي أي إنسان آخر أن ينسب (٣٥٢) صفحهمفاتيح البحث: الزهد (2)، الرفض (1)
إليه (ع): أنه رجل دنيا فقط، وأنه ليس زاهدا في الدنيا، وإنما هي التي زهدت فيه.
وعلي كل حال: ورغم كل محاولات المأمون تلك.. فقد استطاع الإمام (ع)، بفضل وعيه، ويقظته، وإحكام خطته: أن يبقي القمة الشامخة للزهد، والورع، والنزاهة، والطهر، وكل الفضائل الإنسانية، وإلي الأبد.
الموقف العاشر:
موقفه (ع) في صلاتي العيد.. ففي إحداهما:
" بعث المأمون له يسأله: أن يصلي بالناس صلاة العيد، ويخطب، لتطمئن قلوب الناس، ويعرفوا فضله، وتقر قلوبهم علي هذه الدولة المباركة، فبعث إليه الرضا صلي الله عليه وآله، وقال: قد علمت ما كان بيني وبينك من الشرط في دخولي في هذا الأمر، فاعفني من الصلاة بالناس، فقال المأمون: إنما أريد بهذا أن يرسخ في قلوب العامة، والجند، والشاكرية هذا الأمر، فتطمئن قلوبهم، ويقروا بما فضلك الله تعالي به..
ولم يزل يراده الكلام في ذلك. فلما ألح عليه قال: يا أمير المؤمنين، إن أعفيتني من ذلك، فهو أحب إلي، وإن لم تعفني خرجت كما كان يخرج رسول الله صلي الله عليه وآله وكما خرج أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) قال المأمون: أخرج كيف شئت..
وأمر المأمون القواد، والحجاب، والناس: أن يبكروا إلي باب أبي الحسن (ع)، فقعد الناس لأبي الحسن في الطرقات، والسطوح:
من الرجال، والنساء، والصبيان، وصار جميع القواد، والجند إلي بابه (ع)، فوقفوا علي دوابهم حتي طلعت الشمس. (٣٥٣) صفحهمفاتيح البحث: الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام (1)، الإمام الحسن بن علي المجتبي عليهما السلام (1)، الرسول الأكرم محمد بن عبد الله صلي الله عليه وآله (1)، الصّلاة (2)
فلما طلعت الشمس قام الرضا (ع) فاغتسل، وتعمم بعمامة بيضاء من قطن، وألقي طرفا منها علي صدره، وطرفا بين كتفيه، ومس شيئا من الطيب، وتشمر. ثم قال لجميع مواليه: افعلوا مثل ما فعلت.
ثم أخذ بيده عكازة، وخرج، ونحن بين يديه، وهو حاف قد شمر سراويله إلي نصف الساق، وعليه ثياب مشمرة..
فلما قام، ومشينا بين يديه، رفع رأسه إلي السماء، وكبر أربع تكبيرات، فخيل إلينا: أن الهواء والحيطان تجاوبه، والقواد والناس علي الباب، قد تزينوا، ولبسوا السلاح، وتهيأوا بأحسن هيئة..
فلما طلعنا عليهم بهذه الصورة: حفاة، قد تشمرنا. وطلع الرضا وقف وقفة علي الباب، وقال: ".. الله أكبر، الله أكبر علي ما هدانا، الله أكبر علي ما رزقنا من بهيمة الأنعام، والحمد لله علي ما أبلانا ". ورفع بذلك صوته، ورفعنا أصواتنا.
فتزعزعت مرو بالبكاء، فقالها: ثلاث مرات، فلما رآه القواد والجند علي تلك الصورة، وسمعوا تكبيره سقطوا كلهم من الدواب إلي الأرض، ورموا بخفافهم، وكان أحسنهم حالا من كان معه سكين قطع بها شرابة جاجيلته ونزعها، وتحفي.. وصارت مرو ضجة واحدة، ولم يتمالك الناس من البكاء والضجة.
فكان أبو الحسن يمشي، ويقف في كل عشر خطوات وقفة يكبر الله أربع مرات: فيتخيل إلينا: أن السماء، والأرض، والحيطان تجاوبه.
وبلغ المأمون ذلك، فقال له الفضل بن سهل ذو الرئاستين: يا أمير المؤمنين: إن بلغ الرضا المصلي علي هذا السبيل افتتن به الناس، وخفنا كلنا علي دمائنا، فالرأي أن تسأله أن يرجع..
فبعث المأمون إلي الإمام يقول له: إنه قد كلفه شططا، وأنه مما (٣٥٤) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (1)، ذو الرياستين (1)، الفضل بن سهل (1)، البكاء (1)
كان يحب أن يتعبه، ويطلب منه: أن يصلي بالناس من كان يصلي بهم..
فدعا أبو الحسن بخفه، فلبسه، ورجع.
واختلف أمر الناس في ذلك اليوم، ولم ينتظم في صلاتهم إلخ.. " (1).
ولقد قال البحري يصف هذه الحادثة والظاهر أنه يمين بن معاوية العائشي الشاعر علي ما في تاج العروس:
ذكروا بطلعتك النبي، فهللوا * لما طلعت من الصفوف وكبروا حتي انتهيت إلي المصلي لابسا * نور الهدي يبدو عليك فيظهر ومشيت مشية خاشع متواضع * لله، ولا يزهي، ولا يتكبر ولوان مشتاقا تكلف غير ما * في وسعه لمشي إليك المنبر (2) ومما يلاحظ هنا: أنه في هذه المرة أرسل إليه من يطلب منه أن يرجع. ولكننا في مرة أخري نراه يسارع بنفسه، ويصلي بالناس، رغم تظاهره بالمرض..
وعلي كل حال. فإننا وإن كنا قد تحدثنا في هذا الفصل، وفي فصل: ظروف البيعة وسنتحدث فيما يأتي عن بعض ما يتعلق بهذه الرواية، إلا أننا سوف نشير هنا إلي نقطتين فقط.. وهما: (1) قد ذكرنا بعض مصادر هذه الرواية في فصل: ظروف البيعة.. فراجع..
(2) مناقب آل أبي طالب. لابن شهرآشوب ج 4 ص 372، ولكن هذا الشعر ينسب أيضا للبحتري في المتوكل عندما خرج لصلاة العيد.. وانتحال الشعر، وكذلك الاستشهاد بشعر الآخرين، في المواضع المناسبة ظاهرة شائعة في تلك الفترة ومن يدري فلعل الشعر للبحتري ونسب للبحري أو لعله للبحري وانتحله أو نسب للبحتري، ولعل البحتري قد صحف وصار: البحري.. (٣٥٥) صفحهمفاتيح البحث: الصّلاة (1)، كتاب مناقب آل أبي طالب عليه السلام (1)، ابن شهرآشوب (1)
1 - الأثر العاطفي، والقاعدة الشعبية:
فنلاحظ: أننا حتي بعد مرور اثني عشر قرنا علي هذه الواقعة، لا نملك أنفسنا ونحن نقرأ وقائعها، من الانفعال والتأثر بها، فكيف إذن كانت حال أولئك الذين قدر لهم أن يشهدوا ذلك الموقف العظيم؟!.
وغني عن البيان هنا: أن شأن هذه الواقعة هو شأن واقعة نيشابور، من حيث دلالتها دلالة قاطعة علي كل ما كان للرضا من عظمة وتقدير في نفوس الناس وقلوبهم، وعلي مدي اتساع القاعدة الشعبية له (ع)..
2 - لماذا يجازف المأمون بإرجاعه (ع):
وإذا كان هدف المأمون من الاصرار علي الإمام بأن يصلي بالناس هو أن يخدع الخراسانيين والجند والشاكرية، ويجعلهم يطمئنون علي دولته المباركة فإنه من الواضح أيضا أن إرجاع المأمون للإمام (ع) في مثل تلك الحالة، وذلك التجمع الهائل، وتلك الثورة العاطفية في النفوس، كان ينطوي علي مجازفة ومخاطرة لم تكن لتخفي علي المأمون، وأشياعه، حيث لا بد وأن يثير تصرفه هذا حنق تلك الجماهير التي كانت في قمة الهيجان العاطفي، ويؤكد كراهيتها له.. وعلي الأقل لن تكون مرتاحة لتصرفه هذا علي كل حال.
وبعد هذا.. فإنه إذا كان المأمون يخشي من مجرد إقامة الإمام للصلاة.. فلا معني لأن يلح عليه هو بقبولها.. وكذلك لا معني لأن يخشي ذلك الهيجان العاطفي، وتلك الحالة الروحية، التي أثارها فعل الإمام (ع) وتصرفه في هذا الموقف.. فذلك إذن ما لم يكن يخافه ويخشاه..
فمن أي شئ خاف المأمون إذن؟! إنه كان يخشي ما هو أعظم (٣٥٦) صفحهمفاتيح البحث: الخوف (1)
وأبعد أثرا، وأشد خطرا.. إنه خشي من أن الرضا إذا ما صعد المنبر، وخطب الناس، بعد أن هيأهم نفسيا، وأثارهم عاطفيا إلي هذا الحد - خشي - أن يأتي بمتمم لكلامه الذي أورده في نيشابور: " وأنا من شروطها.. " وأنه ظهر إليهم علي الهيئة التي كان يخرج عليها النبي محمد صلي الله عليه وآله، ووصيه علي (ع).. ما من شأنه أن يجعل المأمون وأشياعه لا يأمنون بعد علي أنفسهم، كما ذكر الفضل بن سهل.. ولسوف يحول الإمام مروا من معقل للعباسيين والمأمون، وعاصمة، وحصن قوي لهم ضد أعدائهم - من العرب وغيرهم - سوف يحولها إلي حصن لأعداء العباسيين والمأمون، حصن لأئمة أهل البيت. ففضل المأمون: أن يختار إرجاعه (ع) عن الصلاة، لأنه رأي أن ذلك هو أهون الشرين، وأقل الضررين..
ولقد جرب المأمون الرضا أكثر من مرة، وأصبح يعرف أنه مستعد لأن يعلن رأيه صراحة في أي موقف تؤاتيه فيه الفرصة، ويقتضي الأمر فيه ذلك. ولم ينس بعد موقفه في نيشابور، ولا ما كتبه في وثيقة العهد، ولا غير ذلك من مواقفه (ع) وتصريحاته في مختلف الأحوال والظروف..
الموقف الحادي عشر:
وأخيرا. فقد كان سلوك الإمام (ع) العام، سواء بعد عقد ولاية العهد له، أو قبلها. يمثل ضربة لكل خطط المأمون ومؤامراته، ذلك السلوك المثالي، الذي لم يتأثر بزبارج الحكم وبهارجه..
ويكفي أن نذكر هنا ما وضعه به إبراهيم بن العباس، كاتب القوم وعاملهم، حيث قال:
" ما رأيت أبا الحسن جفا أحدا بكلامه قط، وما رأيته قطع علي (٣٥٧) صفحهمفاتيح البحث: الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام (1)، الرسول الأكرم محمد بن عبد الله صلي الله عليه وآله (1)، الفضل بن سهل (1)، النسيان (1)، الصّلاة (1)
أحد كلامه حتي يفرغ منه. وما رد أحدا عن حاجة يقدر عليها، ولا مد رجليه بين يدي جليس له قط. ولا اتكأ بن يدي جليس له قط، ولا شتم أحدا من مواليه ومماليكه قط، ولا رأيته تفل قط، ولا رأيته يقهقه في ضحكه قط، بل كان ضحكه التبسم. وكان إذا خلا، ونصبت مائدته أجلس معه علي مائدته مماليكه، حتي البواب والسائس.
وكان قليل النوم بالليل، يحيي أكثر لياليه من أولها إلي الصبح. وكان كثير الصيام، فلا يفوته صيام ثلاثة أيام في الشهر، ويقول: ذلك صوم الدهر. وكان كثير المعروف والصدقة في السر، وأكثر ذلك يكون منه في الليالي المظلمة، فمن زعم أنه رأي مثله في فضله، فلا تصدقوه.. " (1).
وهذه الصفات بلا شك قد أسهمت إسهاما كبيرا في أن يكون الإمام (ع) هو الأرضي في الخاصة والعامة، وأن تنفذ كتبه في المشرق والمغرب، إلي غير ذلك مما تقدم..
الحكم ليس امتيازا وإنما هو مسؤولية:
وقد اعترض عليه بعض أصحابه، عندما رآه يأكل مع خدمه وغلمانه، حتي البواب والسائس، فأجابه (ع): " مه، إن الرب تبارك وتعالي واحد، والأم واحدة، والأب واحد، والجزاء بالأعمال.. " (2).
وقال له أحدهم: أنت والله خير الناس، فقال له الإمام: " لا تحلف يا هذا، خير مني من كان أتقي لله تعالي. وأطوع له، والله ما (1) كلام إبراهيم بن العباس هذا معروف ومشهور، تجده في كثير من كتب التاريخ والرواية، ولذا فلا نري أننا بحاجة إلي تعداد مصادره.
(2) البحار ج 49 ص 101، والكافي الكليني، ومسند الإمام الرضا ج 1 قسم 1 ص 46. (٣٥٨) صفحهمفاتيح البحث: الصيام، الصوم (1)، الأكل (1)، النوم (1)
نسخت هذه الآية: " وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم.. " (1).
وقال لإبراهيم العباسي: إنه لا يري أن قرابته من رسول الله صلي الله عليه وآله تجعله خيرا من عبد أسود، إلا أن يكون له عمل صالح فيفضله به (2).
وقال رجل له: ما علي وجه الأرض أشرف منك آباء. فقال:
التقوي شرفهم، وطاعة الله أحظتهم (3).
وما نريد أن نشير إليه ونؤكد عليه هنا، هو أنه (ع) يريد بذلك أن يفهم الملأ: أن الحكم لا يعطي للشخص - من كان، ومهما كان - امتيازا، ولا يجعل له من الحقوق ما ليس لغيره، وإنما الامتياز - فقط - بالتقوي والفضائل الأخلاقية.. وكل شخص حتي الحاكم سوف يلقي جزاء أعماله: إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، وعليه فما يراه الناس من سلوك الحكام، ليس هو السلوك الذي يريده الله، وتحكم به النواميس الأخلاقية، والإنسانية. والامتيازات التي يجعلونها لأنفسهم، ويستبيحون بها ما ليس من حقهم لا يقرها شرع، ولا يحكم بها قانون..
وبكلمة مختصرة: إن الإمام (ع) يري: أن الحكم ليس امتيازا، وإنما هو مسؤولية.
وعلي كل حال.. فإن سلوك الإمام (ع)، لخير دليل علي ما كان يتمتع به من المزايا الأخلاقية، والفضائل النفسية.. ويكفي أنه لم يظهر منه (ع) طيلة الفترة التي عاشها في الحكم إلا ما ازداد به فضلا بينهم، ومحلا في نفوسهم، علي حد تعبير أبي الصلت. وعلي حد تعبير شخص (1) عيون أخبار الرضا ج 2 ص 236، ومسند الإمام الرضا ج 1 قسم 1 ص 46.
(2) عيون أخبار الرضا ج 2 ص 237.
(3) عيون أخبار الرضا ج 2 ص 236. ومسند الإمام الرضا ج 1 قسم 1 ص 46. (٣٥٩) صفحهمفاتيح البحث: الرسول الأكرم محمد بن عبد الله صلي الله عليه وآله (1)، كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام (3)
آخر: أقام بينهم لا يشركهم في مأثم من مآثم الحكم.. بل لقد كان لوجوده أثر كبير في تصحيح جملة من الأخطاء والانحرافات التي اعتادها الحكام آنئذ.. حتي لقد استطاع أن يؤثر علي نفس المأمون، ويمنعه من الشراب والغناء، طيلة الفترة التي عاشها معه، إلي آخر ما هنالك، مما لسنا هنا في صدد تتبعه واستقصائه.
وفي نهاية المطاف نقول:
وحسبنا هنا ما ذكرنا من الأمثلة، التي نحسب أنها تكفي لأن تلقي ضوءا كاشفا علي الخطة التي اتبعها الإمام (ع) في مواجهة خطط المأمون ومؤامراته.. تلك الخطة التي كانت تكفي لأن لا تبقي الصورة التي أرادها المأمون في أذهان الناس، ولا مبرر للشكوك لأن تبقي تراود نفوسهم.
ولقد نجحت تلك الخطة نجاحا أذهل المأمون، وأعوانه، وجعلهم يتصرفون بلا روية، ويقعون بالمتناقضات … حتي لقد أشرف المأمون منه علي الهلاك. حسبما صرح به المأمون نفسه. وكانت النتيجة أن دبر فيه المأمون بما يحسم عنه مواد بلائه، كما وعد حميد بن مهران، وجماعة من العباسيين. (٣٦٠) صفحهمفاتيح البحث: الهلاك (1)، الطواف، الطوف، الطائفة (1)، الغناء (1)
القسم الرابع من خلال الأحداث 1 - مع بعض خطط المأمون..
2 - كاد المريب أن يقول خذوني 3 - ما يقال حول وفاة الإمام..
4 - دعبل والمأمون.
5 - كلمة ختامية. (٣٦١) صفحهمفاتيح البحث: الوفاة (1)

مع بعض خطط المأمون

مع بعض خطط المأمون التوجيهات الراضية غير مقبولة:
كل ما تقدم يلقي لنا ضوءا علي بعض نوايا المأمون مع الإمام (ع)، وعلي كثير من الأحداث التي اكتنفت ذلك الحدث التاريخي الهام.
وإننا حتي لو سلمنا جدلا، وغضضنا النظر عن كل تلك الأسئلة، وعلامات الاستفهام التي يمكن استخلاصها مما تقدم.. فإننا لا نستطيع - مع ذلك - أن نعتبر البيعة صادرة عن حسن نية، وسلامة طوية.
ولا أن نقبل بالتوجيهات الراضية عن تصرفاته، طيلة فترة ولاية العهد، وبعدها تجاه الإمام، الذي كان يكبر المأمون ب " 22 " سنة، والذي كان مجبرا علي قبول هذا الأمر، ومهددا بالقتل إن لم يقبل. ولم يتركه وشأنه ما دام أنه لا يريد أن يتقلد هذا الشرف الذي تتهافت النفوس عليه، وتزهق الأرواح من أجله.
نعم.. إننا لا نستطيع أن نسلم بذلك، ونحن نري منه تلك التصرفات والمواقف المشبوهة، بل والمفضوحة تجاه الإمام (ع)، والتي لا تبقي مجالا للشك في حقيقة نواياه وأهدافه من كل ما أقدم وما كان عاقدا العزم عليه.. (٣٦٣) صفحهمفاتيح البحث: القتل (1)
وهذا الفصل معقود للحديث عن بعض تلك التصرفات، ومن أجل بيان تلك الخطط.
المأمون يفضح نفسه:
وقد تعجب إذا قلنا لك: إن المأمون نفسه يصرح ببعض خططه، التي كانت تصرفاته تدور في فلكها، ويعلن بعض الدوافع، ويبوح ببعض النوايا تجاه الإمام، وبالنسبة لقضية ولاية العهد فإليك ما أجاب به حميد بن مهران، وجمعا من العباسيين، عندما عاتبوه ولاموه علي ما أقدم عليه، من البيعة للرضا (ع) يقول المأمون:
".. قد كان هذا الرجل مستترا عنا، يدعو إلي نفسه، فأردنا أن نجعله ولي عهدنا، ليكون دعاؤه لنا، وليعترف بالملك والخلافة لنا، وليعتقد فيه المفتونون به بأنه ليس مما ادعي في قليل ولا كثير، وأن هذا الأمر لنا دونه.
وقد خشينا إن تركناه علي تلك الحال: أن ينفتق علينا منه ما لا نسده، ويأتي علينا ما لا نطيقه..
والآن.. فإذ قد فعلنا به ما فعلنا، وأخطأنا في أمره بما أخطأنا.
وأشرفنا من الهلاك بالتنويه باسمه علي ما أشرفنا، فليس يجوز التهاون في أمره. ولكننا نحتاج إلي أن نضع منه قليلا، قليلا، حتي نصوره عند الرعية بصورة من لا يستحق هذا الأمر، ثم ندبر فيه بما يحسم عنا مواد بلائه.. ".
ثم طلب منه حميد بن مهران: أن يسمح له بمجادلة الإمام (ع)، ليفحمه، وينزله منزلته، ويبين للناس قصوره، وعجزه، فقال المأمون: " لا شئ أحب إلي من هذا ". (٣٦٤) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (1)، الهلاك (1)، الجواز (1)
ثم كانت النتيجة عكس ما كان يتوقعه المأمون والعباسيون، وأشياعهم وباءوا كلهم بالفشل الذريع، والخيبة القاتلة (1).
والذي يعنينا الحديث عنه هنا:
هو قوله: وقد خشينا إن تركناه علي تلك الحال.. إلي آخر ما نقلناه عنه آنفا، فإنها أوضحت أن المأمون الذي كان يخشي الإمام خشية شديدة، كان يخطط أولا إلي أخذ زمام المبادرة من الإمام، وتحاشي الاصطدام معه ثم كان يخطط بعد ذلك إلي الوضع منه (ع) قليلا قليلا إلي آخر ما تقدم..
ولا يرد: أن كلام المأمون مع حميد بن مهران ظاهره: أنه لم يكن يريد في بادئ الأمر الحط من الإمام عليه السلام، وإنما بدا له ذلك حين قوي مركز الإمام عليه السلام، واستحكم أمره.. لا يرد ذلك..
لأن كلامه هذا لا ينفي أنه كان يريد من أول الأمر ذلك. بل هو يؤكد ذلك. لأنه يصرح فيه: أنه إنما قدم علي ما أقدم عليه، عندما رأي افتتان الناس به عليه السلام، فأراد أن يعمل عملا يفقد الإمام عليه السلام مركزه، ويقضي علي كل نشاطاته، ويذهب بماله من القدرة والنفوذ نهائيا، وإلي الأبد.
ولقد تحدثنا فيما سبق عن بعض تصرفاته التي تدور في فلك خطط تلك مثل: فرضه للرقابة علي الإمام (ع)، والتضييق عليه، فلا يصل إليه إلا من أحب، وعزله عن شيعته ومواليه، وأيضا تفريقه الناس عنه، عندما أخبر أنه يقوم بمهمة التدريس، وكذلك قضية صلاة العيد، وغير ذلك ما تقدم. (1) راجع: شرح ميمية أبي فراس ص 196، وعيون أخبار الرضا ج 2 ص 170.
والبحار ج 49 ص 183، ومسند الإمام الرضا ج 2 ص 96.. (٣٦٥) صفحهمفاتيح البحث: الصّلاة (1)، كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام (1)
نزيد هنا بعض الأمور الأخري، التي وإن كان قد سبق الحديث عن بعضها، ولكنه كان حديثا من زاوية أخري، ومن أجل استفادة أمور غير الأمور التي نحاول استفادتها منها هنا. وذلك أمر طبيعي، ولا يكون تكرارا ما دام أن الواقعة الواحدة قد يكون لها دلالات متعددة، وإفادات مختلفة.. ولذا فإننا نقول:
لماذا علي البصرة فالأهواز:
إن من جملة الأمور التي كانت من جملة خطط المأمون للتأثير علي مكانة الإمام (ع) وحتي علي معنوياته النفسية.. الطريق الذي أمر رجاء ابن أبي الضحاك (1) قرابة الفضل بن سهل، والذي كان من قواد المأمون، وولاته - أمره - بسلوكه، عندما أرسله ليأتي بالإمام (ع) من المدينة إلي مرو مهما كلفه الأمر..
فقد أمره: أن يجعل طريقه بالإمام " علي البصرة، والأهواز، ففارس. وحذره كثيرا من المرور علي طريق الكوفة، والجبل، وقم. " (2). (١) وذكر أبو الفرج، والمفيد: أن المرسل هو الجلودي، ولكن الصحيح هو الذي ذكرناه..
إذ من الخطأ أن يرسله المأمون لإحضار الرضا عليه السلام، لأن ذلك يضر بقضيته، ويفسد عليه ما كان دبره، لأنه موجب لسوء ظن الرضا عليه السلام، والعلويين، وسائر الناس، وتنبههم مبكرا لحقيقة الأمر، وواقع القضية.
وذلك لأن الجلودي هو الذي أمره الرشيد: أن يغير علي دور آل أبي طالب، ويسلب نساءهم إلخ ما تقدم.. كما أنه كان عدوا متجاهرا للأمم، وقد سجنه المأمون بسبب معارضته للبيعة للرضا عليه السلام بولاية العهد! ولعل سر خطأهم هو أن الجلودي كان واليا علي المدينة من قبل المأمون، حين استقدام المأمون للإمام إلي مرو، حسبما جاء في كتاب:
الإمام الرضا ولي عهد المأمون ص ٣٥.
(٢) تهذيب التهذيب ج ٧ ص ٣٨٧، وتاريخ اليعقوبي ج ٣ ص ١٧٦، وينابيع المودة ص ٣٨٤، والخرائج والجرائح طبعة حجرية ص ٢٣٦. وإثبات الوصية ص ٢٠٥.
وإعلام الوري ص ٣٢٠، وعيون أخبار الرضا ج ٢ ص ١٤٩، ١٨٠، والكافي ج ١ ص ٤٨٦، ومسند الإمام الرضا ج ١ ص ٤٠ والبحار ج ٤٩ ص ٩١، ٩٢ ١١٨ و ١٣٤، وكشف الغمة ج ٣ ص ٦٥، وغير ذلك كثير. (٣٦٦) صفحهمفاتيح البحث: مدينة الكوفة (1)، مدينة البصرة (2)، الفضل بن سهل (1)، كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام (1)، الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (3)، كتاب الخرائج والجرائح للقطب الراوندي (1)، كتاب إعلام الوري بأعلام الهدي (1)، كتاب إثبات الوصية للمسعودي (1)، كتاب كشف الغمة للإربلي (1)، كتاب ينابيع المودة (1)، الفرج (1)، الظنّ (1)
بل لقد ورد: أن المأمون قد كتب إلي الرضا نفسه، يقول له:
" لا تأخذ علي طريق الجبل وقم. وخذ علي طريق البصرة، فالأهواز، ففارس.. " (1).
وسر ذلك واضح، فإن أهل الكوفة، وقم، كانوا معروفين بالتشيع للعلويين (2) وأهل البيت، ومرور الإمام (ع) من هذين البلدين، وخصوصا الكوفة، التي كانت تعتبر من المراكز الحساسة جدا في الدولة.. سوف (١) أصول الكافي ج ١ ص ٤٨٩، وعيون أخبار الرضا ج ٢ ص ١٤٩ و ١٨٠، وشرح ميمية أبي فراس ص ١٦٥، ومعادن الحكمة ص ١٨٠، وإثبات الوصية للمسعودي ص ٢٠٤، ومسند الإمام الرضا ج ١ ص ٧٣، والبحار ج ٤٩ ص ١٣٤.
(٢) تشيع أهل الكوفة وقم أشهر من أن يحتاج إلي بيان، أو إقامة برهان … لكننا نورد - مع ذلك - بعض الشواهد، تبصرة للقارئ، فنقول:
أما الكوفة: فقد تقدم قول محمد بن علي العباسي أنها وسوادها شيعة علي وولده.. وفي الطبري، وابن الأثير، وغيرهما تجد قول عبد الله بن علي للمنصور، عندما استشاره في أمر محمد بن عبد الله بن الحسن: ".. ارتحل الساعة حتي تأتي الكوفة، فاجثم علي أكتافهم، فإنهم شيعة أهل هذا البيت، وأنصاره الخ. "، وفي قضية وفاة السيد الحميري، التي ذكرها المرزباني في كتابه أخبار السيد الحميري دلالة واضحة علي تشيع الكوفيين، وانحراف البصريين..
ولأجل ذلك نري المأمون يستقبل وفدا من أهل الكوفة في منتهي الغلظة والجفاء، فراجع مروج الذهب ج ٣ ص ٤٢١. وفي البداية والنهاية ج ١٠ ص ٩٣: أن المنصور قد اعترف بأن لإبراهيم بن عبد الله بن الحسن في الكوفة مئة ألف سيف مغمدة، وأعرب عن مخاوفه من تشيع أهل الكوفة للعلويين، وولائهم لهم.. بل إننا لا نستبعد أن يكون بناء المنصور لبغداد هو من أجل أن يبتعد عن الكوفة، وأهلها، ويأمن علي نفسه، قال البلاذري في فتوح البلدان ص ٤٠٥: " أخذ المنصور أهل الكوفة بحفر خندقها. وألزم كل امرئ للنفقة عليه أربعين درهما. وكان ذاما لهم. لميلهم إلي الطالبيين، وإرجافهم بالسلطان.. " وقد تقدم أنه عندما ذهب إليهم العباس بن موسي، أخو الإمام الرضا عليه السلام يدعوهم للبيعة، لم يجبه إلا البعض منهم، وقال له آخرون: " إن كنت تدعو للمأمون، ثم من بعده لأخيك، فلا حاجة لنا في دعوتك. وإن كنت تدعو إلي أخيك، أو بعض أهل بيتك، أو إلي نفسك أجبناك.. ".
وعلي كل حال.. فقد كانت الكوفة مصدرا لثورات كثيرة علي الأمويين والعباسيين علي حد سواء، تلك الثورات التي كانت كلها تقريبا بقيادة علوي، أو داعية إلي علوي..
ولم ينس المأمون بعد ثورة أبي السرايا التي كادت تغير الموازين، وتقلب مجريات الأحداث.. إلي غير ذلك مما لا مجال لتتبعه واستقصائه.
وأما تشيع القميين، فذلك أعرف وأشهر. وقضيتهم مع جبة دعبل التي أهداه إياه الإمام لا يكاد يجهلها أحد. وعندما طلب المأمون من الريان أن يحدث بفضائل علي عليه السلام، وأجاب بأنه لا يحسن شيئا، قال المأمون: " سبحان الله! ما أجد أحدا يعينني علي هذا الأمر لقد هممت أن أجعل أهل قم شعاري ودثاري. ".
ولعل تشيع أهل قم هذا هو الذي دفع بالمأمون لأن يوجه إليهم عامله علي بن هشام، لينكل بهم، ويحاربهم حتي يهزمهم، ويدخل البلد، ويهدم سورها، ويجعل علي أهلها مبلغ سبعة ملايين درهم، بدلا من مليونين، وهو ما لم يكن يدفعه أي بلد آخر يضاهي بلدهم في عدد السكان وغير ذلك من المميزات، فكيف بالسبعة.. ومع أنه كان قد خفض الخراج عن السواد، وبعد البلدان الأخري، فلما سمعوا بذلك طالبوا بتخفيض الخراج عنهم أيضا، ففعل ذلك.. وكان تخفيضه عنهم بزيادة المليونين إلي سبعة، كما قلنا.. راجع في تفصيل ذلك: الطبري ج ١١ ص ١٠٩٣، والكامل لابن الأثير ج ٥ ص ٢١٢، وتاريخ ابن خلدون ج ٣ ص ٢٥٥، والنجوم الزاهرة ج 2 ص، 190 وتاريخ التمدن الإسلامي مجلد 1 جزء 2 ص 337، وفتوح البلدان للبلاذري ص 440، وتجارب الأمم ج 6 ص 460. (٣٦٧) صفحهمفاتيح البحث: مدينة الكوفة (11)، مدينة البصرة (1)، كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام (1)، الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام (1)، كتاب الكامل لإبن الأثير (1)، الدولة الأموية (1)، كتاب إثبات الوصية للمسعودي (1)، كتاب أصول الكافي للشيخ الكليني (1)، كتاب أخبار السيد الحميري للمرزباني الخراساني (1)، عبد الله بن الحسن (ع) (2)، كتاب مروج الذهب للمسعودي (1)، كتاب البداية والنهاية (1)، إبن الأثير (1)، عبد الله بن علي (1)، العباس بن موسي (1)، محمد بن علي (1)، النسيان (1)، الوفاة (1)
يكون من نتيجته: أن يستقبله أهلها بما يليق بشأنه: من الإجلال، والإعزاز والتكريم.
ولا شك أن الإمام (ع) سوف يستطيع أن يستقطب المزيد من الناس،
صفحه(٣٦٨)
ويؤثر عليهم بما حباه الله من الفضائل والكمالات الأخلاقية، وبما آتاه الله من العلم والحكمة، والورع والتقوي، الذي سار ذكره في الآفاق، حتي لا يكاد يجهله أحد.. وإذا كان أهل نيشابور، بل وحتي أهل مرو، معقل العباسيين والمأمون، قد كان منهم تجاه الإمام ما لا يجهله أحد.
حتي إنهم كانوا بين صارخ، وباك ومتمرغ في التراب إلخ.. وحتي لقد خاف المأمون وأشياعه علي دمائهم - إذا كان هؤلاء هكذا - فكيف تري سوف تكون حالة أهل الكوفة وقم، معقلي العلويين، والمحبين لأهل البيت، والمتفانين فيهم، لو أنهم رأوا الإمام (ع) بينهم، وبالقرب منهم.. يقول الراوندي في ذلك: " إن المأمون أمر رجاء بن أبي الضحاك: أن لا يمر بالإمام عن طريق الكوفة، لئلا يفتتن به أهلها.. " (1)!.
والمأمون لا يريد أن يفتتن الناس بالإمام، وإنما الذي يريده هو عكس ذلك تماما.. إنه يريد أن يضع من الإمام لا أن يرفع.
أما أهل البصرة: بعثمانية، يدينون بالكف، ويقولون: كن عبد الله المقتول، ولا تكن عبد الله القاتل.. بل لقد كانت البصرة معقلا مهما للعباسيين، الذين حرق دورهم زيد النار، ابن الإمام الكاظم، كما قدمنا، ولهذا نلاحظ: أن دور البصريين في التشيع لم يكن يضارع دور غيرهم، لا روائيا، ولا كلاميا..
وأما ما ربما يحتمله البعض: من أن المأمون كان يأمل أن يخرج من البصرة، أو غيرها من يخلصه من الإمام (ع) نهائيا.. فلا أري أنه يتفق مع أهداف وأغراض المأمون، التي كان يرمي إليها من وراء لعبته تلك.. (1) الخرائج والجرائح، طبعة حجرية ص 236. (٣٦٩) صفحهمفاتيح البحث: مدينة الكوفة (2)، مدينة البصرة (3)، القتل (1)، الهدف (1)، الخوف (1)، كتاب الخرائج والجرائح للقطب الراوندي (1)
الإمام يرفض كل مشاركة تعرض عليه:
إنه برغم شروط الإمام علي المأمون، والتي أشرنا إليها فيما سبق، فإننا نري المأمون كل مدة يحاول أن يجري اختبارا للإمام، ليعرف حقيقة نواياه، وأنه هل أصبح له طمع بالخلافة، وطموح لها (1)، ليعجل عليه بما يحسم عنه مواد بلائه.. أم لا.
فكان يأتي كل مدة إليه، يطلب منه أن يولي فلانا، أو أن يعزل فلانا، أو أن يصلي بالناس.. بل لقد طلب منه بعد مقتل الفضل أن يساعده في إدارة شؤون الخلافة (2) بحجة أنه يعجز وحده أن يقوم بأعباء الحكم. ويدير دفة السلطان!
هذا. إن لم نقل: أنه كان يريد من وراء ذلك: أن يجعل ذلك ذريعة للقضاء علي الإمام، بحجة أنه نقض الشرط، وليكون بذلك قد قضي علي العلويين جميعا، وإلي الأبد.
أو علي الأقل كان يريد بذلك: أن يوجد للإمام أعداء في الأوساط ذات القوة والنفوذ..
وأيا ما كانت نوايا المأمون وأهدافه، فإن الإمام (ع) كان يرفض ذلك كله بكل عزم وإصرار، ويذكره بالشروط تلك، ويقول له:
" إن وفيت لي وفيت لك. ". وهذا تهديد صريح له من الإمام (ع). ولا نعجب كثيرا - بعد أن اتضحت لنا نوايا المأمون وأهدافه - إذا رأينا المأمون يتحمل هذا التهديد، بل ويخضع له، ويقول: " بل أفي لك "!. (١) وما أشبه الليلة بالبارحة، فقد رأينا الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، يسأل ابن عباس عن علي عليه السلام: إن كان لا يزال يطمح إلي الخلافة، ويأمل فيها.. أم لا!.
(٢) الكافي ج ٨ ص ١٥١، وكشف الغمة ج ٣ ص ٦٨ و 87، وعيون أخبار الرضا ج 2 ص 164 و 166 و 167 والبحار ج 49 ص 144 و 155 و 171، وغير ذلك. (٣٧٠) صفحهمفاتيح البحث: الحج (2)، القتل (1)، كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام (1)، الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام (1)، عبد الله بن عباس (1)، كتاب كشف الغمة للإربلي (1)، الخليفة عمر بن الخطاب (1)
وهكذا.. فقد كان الإمام (ع) يضيع علي المأمون ما كان يحسب أنه فرصة مؤاتية له، ولا يمكنه من معرفة ما يريد معرفته، ولا من تنفيذ ما يريد تنفيذه.
الاختبار لشعبية الإمام (ع):
كما أنه كان كل مدة يقوم بعملية اختبار لشعبية الإمام (ع)، ولمدي ما يتمتع به من تأييد في الأوساط الشعبية، ليعرف إن كان أصبح (ع) يشكل خطرا حقيقيا، ليعجل بالقضاء عليه أم لا.. فكان كل مدة يكلفه بأن يؤم الناس بالصلاة للعيد. أو ما شاكل.. وهذا إن دل علي شئ، فإنما يدل علي مدي ما يعتمر قلب المأمون من الخوف والخشية منه (ع). (راجع: السبب الثالث من فصل البيعة، والموقف العاشر في فصل: خطة الإمام " ع ").
سؤال.. وجوابه:
ولعلك تقول: إذا كان المأمون يخشي الإمام (ع) إلي هذا الحد، لما يعلمه من نفوذه ومكانته، فلماذا لا يتخلص منه بذلك الأسلوب التقليدي الذي انتهجه أسلافه من الأمويين، والعباسيين، وتبعهم عليه هو فيما بعد، وكذلك من أتي بعده.. وذلك بأن يدس إليه شربة من السم، وهو في المدينة، من دون أن يحتاج إلي إشخاصه إلي مرو، والبيعة له بولاية العهد، وتزويجه ابنته، إلي غير ذلك من الأمور التي من شأنها أن تعزز من مركز الإمام، وترفع من شأنه، وتوجه إليه الأنظار والقلوب، حتي يضطر في نهاية الأمر لأن يعود إلي ما جرت عليه عادة أسلافه، وأتباعه.. (٣٧١) صفحهمفاتيح البحث: الدولة الأموية (1)، الخوف (1)، السب (1)
ولكن الجواب علي هذا قد اتضح مما قدمناه، فإن المأمون لم يكن يريد في بادئ الأمر موت الإمام، ولا كان يستطيع أن يفعل ذلك.
ولو أن ذلك كان قد حدث لوقع المأمون في ورطة، لها أول وليس لها آخر، حيث إنه كان بأمس الحاجة إلي حياة الإمام (ع)، وذلك لما قدمناه من الأسباب والظروف التي كانت تحتم علي المأمون أن يلعب لعبته تلك، التي وإن كانت تنطوي علي مخاطرة جريئة، إلا أنه كان - كما قدمنا - قد رسم الخطة، وأحكم التدبير للتخلص من الإمام (ع) بمجرد أن يحقق مآربه، وأهدافه، بالطريقة التي لا تثير شك أحد، ولا توجب تهمة أحد، وقد حدث ذلك بالفعل، كما سيمر علينا..
وأما كتمه لفضائل الإمام (ع):
ومن جملة الأمور التي كانت تدور في فلك خطة المأمون، التي لخصها بأنه يريد الوضع من الإمام قليلا قليلا، حتي يصوره أمام الرعية بصورة من لا يستحق لهذا الأمر - محاولاته كتم فضائل الإمام (ع) ومزاياه عن الناس ما استطاع إلي ذلك سبيلا.. وقد تقدم: أنه عندما سأل رجاء بن أبي الضحاك، الذي تولي إشخاص الرضا (ع) من المدينة إلي مرو، عن حال الرضا (ع) في الطريق، فأخبره عما شاهده من عبادته (ع)، وزهده وتقواه، وما ظهر له من الدلائل والبراهين، قال له المأمون: ".. بلي يا ابن أبي الضحاك، هذا خير أهل الأرض، وأعلمهم، وأعبدهم، فلا تخبر أحدا بما شهدت منه، لئلا يظهر فضله إلا علي لساني.. "!.
وهكذا: فإن المأمون وإن استطاع أن يمرر الكثير، إلا أنه لم يكن يجد بدا في كثير من الأحيان من أن يظهر علي حقيقته وواقعه. وهذا هو أحد تلك المواقف التي مرت وسيمر معنا بعضها، والتي اضطر فيها (٣٧٢) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (2)، الحاجة، الإحتياج (1)
المأمون لأن يكشف عن وجهه الحقيقي،.. وإن كان قد حاول - مع ذلك - أن يتستر بما لا يسمن ولا يغني من جوع.
ولا أعتقد أن المأمون كان يجهل: أن ما يأتي به لم يكن لينطلي كله علي أعين الناس، بل كان يعلم ذلك حق العلم، ولكن كما يقولون:
" الغريق يتشبث بالطحلب ".
- ولكن.. بالرغم من محاولات المأمون تلك.. فإننا نري أن فضائل الإمام ومزاياه كانت كالعرف الطيب، لم تزل تظهر، وتنتشر وتذاع..
بل ولعل محاولات المأمون تلك التي كانت ترمي للحط من الإمام وإسقاطه، قد أسهمت كثيرا وساعدت علي إظهار فضائله، وشيوعها، كما سيتضح.
الشائعات الكاذبة!
وكان بالإضافة إلي ما تقدم يحاول ترويج شائعات كاذبة، من شأنها أن تنفر الناس من العلويين عامة، ومن الإمام (ع)، وسائر الأئمة عليهم السلام خاصة.
فهذا أبو الصلت يسأل الإمام (ع) فيقول: " يا ابن رسول الله، ما شئ يحكيه الناس عنكم؟!.
قال (ع): ما هو؟!.
قال: يقولون: إنكم تدعون: أن الناس لكم عبيد!.
قال (ع): يا عبد السلام، إذا كان الناس كلهم عبيدنا - علي ما حكوه - فممن نبيعهم؟! " إلخ (1). (1) مسند الإمام الرضا ج 1 قسم 1 ص 45، والبحار ج 49 ص 170، وعيون أخبار الرضا ج 2 ص 184. (٣٧٣) صفحهمفاتيح البحث: الجهل (1)
ونري أنه (ع) يقول - وعنده جماعة من بني هاشم، فيهم إسحاق ابن عيسي العباسي -: " يا إسحاق بلغني أن الناس يقولون: إنا نزعم: أن الناس عبيد لنا. لا.. وقرابتي من رسول الله ما قلته قط، ولا سمعته من آبائي قاله، ولا بلغني عن أحد من آبائي قاله الخ.. ".
وقد تقدمت هذه الرواية في فصل: خطة الإمام.
كما أن هشام بن إبراهيم العباسي، الذي وضعه الفضل بن سهل ليراقب الرضا (ع)، ويضيق عليه، كان يشيع عن الرضا (ع): أنه أحل له الغناء، فلما سئل (ع) عن ذلك قال: " كذب الزنديق الخ (1).. ".
بهذه الشائعات الكاذبة، وأمثالها أراد المأمون الحط من كرامة الإمام وتضعيف مركزه، وزعزعة ثقة الناس به، وبالعلويين بصورة عامة.
ولكن كما يقولون: حبل الكذب قصير، إذ أن أقوال الإمام (ع) وأفعاله وجميع جهات سلوكه، سواء قبل توليته للعهد أو بعدها..
كانت تناقض هذه الشائعات، وتدحضها (2). الأمر الذي كان من شأنه (١) رجال المامقاني ج ٣ ص ٢٩١، وقاموس الرجال ج ٩ ص ٣٠٩، ووسائل الشيعة ج ١٢ ص ٢٢٧، ومسند الإمام الرضا ج ٢ ص ٤٥٢، عن رجال الكشي ص ٤٢٢. والبحار ج ٤٩ ص ٢٦٣، عن قرب الإسناد ص ١٩٨.
وكان هشام بن إبراهيم هذا جريئا علي المأمون، لأنه هو الذي رباه، وشخص إلي خراسان في فتنة إبراهيم بن المهدي، راجع الأغاني ط ساسي ج ٩ ص ٣١. ويسمي: العباسي مع أنه لم يكن عباسيا: إما لأن المأمون ولاه تربية ولده العباس، أو لأنه ألف كتابا في إمامة العباس نص علي ذلك الكشي ط النجف ص ٢٢٣ وغيره.
(٢) وكيف يمكن أن نصدق مثل هذا الذي لا يقره العقل، ولا يقبل به القرآن، علي الإمام الذي كان يتخذ لنفسه أسلم، وأروع منهج، ألا وهو منهج القرآن، حتي إنه عندما أنكر رؤية النبي لله تعالي، واستدل علي ذلك بالآيات، وقال له أبو قرة: فتكذب بالروايات؟!
قال الإمام عليه السلام: إذا كانت الروايات مخالفة للقرآن كذبتها. وما أجمع المسلمون عليه: أنه لا يحاط به علما، ولا تدركه الأبصار، وليس كمثله شئ. راجع: تفسير البرهان طبعة حجرية ص 1057، 1058. نقلا عن الكافي.. ومثل ذلك كثير لا مجال لاستقصائه.. (٣٧٤) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (2)، هشام بن إبراهيم العباسي (1)، بنو هاشم (1)، الفضل بن سهل (1)، الكذب، التكذيب (2)، كتاب رجال الكشي (1)، كتاب وسائل الشيعة للحر العاملي (1)، مدينة النجف الأشرف (1)، هشام بن إبراهيم (1)، القرآن الكريم (2)، خراسان (1)
أن يثير شكوك الناس، وظنونهم في المأمون نفسه، فلم ير بدا من أن يضرب عن هذا الأسلوب صفحا. ويتجه إلي غيره بتخيل أنه أجدي وأكثر نفعا وأقل ضررا!.
وبقي في كنانته سهم أخير، كان يحسب أنه سوف يصيب الهدف، ويحقق الغاية: التي هي تشويه سمعة الإمام (ع)، والحط من كرامته.
ألا وهو:
التركيز علي إفحام الإمام (ع):
فبدأ يجمع العلماء. وأهل الكلام من المعتزلة، وهم أصحاب جدل، وكلام، واستدلال، وتنبه للدقائق من الأمور، ليحدق هؤلاء بالرضا (ع) وتجري فيما بينهم وبينه محاورات، ومجادلات، من أجل أن ينقصوا منه مجلسا بعد مجلس، وأن يكسروه في أعظم ما يدعيه هو وآباؤه (ع):
من العلم والمعرفة بآثار رسول الله صلي الله عليه وآله، وعلومه.. والذي هو الشرط الأعظم لإمامة الإمام، علي ما يدعيه الشيعة المفتونون بالرضا (ع)، وبسائر آبائه وأبنائه الأئمة الطاهرين..
ولا يبقي من ثم مجال لأبي نؤاس لأن يقول فيه عندما رآه خارجا من عند المأمون:
مطهرون نقيات ثيابهم * تجري الصلاة عليهم أينما ذكروا من لم يكن علويا حين تنسبه * فما له في قديم الدهر مفتخر (٣٧٥) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (2)، الرسول الأكرم محمد بن عبد الله صلي الله عليه وآله (1)، مدرسة المعتزلة (1)، الضرب (1)، الطهارة (1)، الهدف (1)، الصّلاة (1)
الله لما بري خلقا فأتقنه * صفاكم واصطفاكم أيها البشر فأنتم الملأ الأعلي وعندكم * علم الكتاب وما جاءت به السور (1) هذه الأبيات التي سارت بها الركبان والتي هي تعبير صادق عن هذه الحقيقة التي أشرنا إليها، والتي كانت تقض علي المأمون وكل أسلافه وأتباعه مضاجعهم، وتنغص عليهم حياتهم.. وعليه:
وإذا استطاع المأمون أن يظهر للملأ أن الإمام (ع) صفر اليدين مما يدعيه، ويدعيه آباؤه من قبل، فإنه يكون قد قضي علي المصدر والأساس لكل المشاكل، والأخطار، وينهار المذهب الشيعي حينئذ بانهيار فكرة الإمامة فيه، التي هي المحور، والأساس له، ويتحقق من ثم - حلمه الكبير، الذي طالما جهد وشقي من أجل تحقيقه.
وأعتقد: أنه لو كان تم له ما أراد، فلسوف لا يتعرض بعد هذا للإمام (ع) بسوء، وأنه كان سوف يبقي علي حياته (ع) إبقاء لحجته، وأنه خال من شرائط الإمامة، وليأفل من ثم.. نجمه، ونجم العلويين من بعده.. وإلي الأبد. (1) شهرة هذه الأبيات تغنينا عن ذكر مصادرها، وقد أعطاه عليه السلام ما كان معه، وهو مئة دينار، والبغلة التي كان يركبها.. لكن بعض الباحثين يري أن أبا نؤاس لم يعش إلي زمان تولي الرضا العهد، بل مات قبل ذلك بثلاث سنوات أي في سنة 198 ه. ومن ثم هو ينكر الحادثة الأخري، التي تقول: إن البعض لام أبا نؤاس حيث لم يمدح الإمام عليه السلام، فقال أبياته المشهورة: " قيل لي أنت أشعر الناس طرا في فنون إلخ.. ".
ولكن الظاهر أن هذا الباحث لم يطلع علي عبارة ابن خلكان في وفيات الأعيان، طبع سنة 1310 ج 1 ص 457، فإنه قال: " وفيه (أي في الرضا عليه السلام) يقول أيضا - وله ذكر في شذور العقود سنة إحدي أو اثنتين وماءتين -: مطهرون نقيات إلخ.. ".
بل يكفي دلالة علي أنه عاش إلي ما بعد ولاية العهد ذكر هذه الأبيات، وتلك له والنص علي أنه قد قالها فيه عليه السلام. (٣٧٦) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (1)، الموت (1)
ومن أجل ذلك - بكل تأكيد - أخذ يجمع العلماء (1) ويجلبهم من أقاصي البلدان، ويأمرهم بتهيئة أشكل المسائل وأصعبها، وطرحها علي الإمام (ع) عله يقطعه عن الحجة. ولو مرة واحدة. ليحط بذلك من كرامته، ويشوه سمعته، ويظهر عجزه وعيه، ويري الناس أن ما يدعيه من العلم والمعرفة بآثار رسول الله وعلومه لا حقيقة له، ولا واقع وراءه.
قال الصدوق عليه الرحمة: ".. كان المأمون يجلب علي الإمام (ع) من متكلمي الفرق، وأهل الأهواء المضلة كل من سمع به، حرصا علي انقطاع الرضا (ع) عن الحجة مع واحد منهم إلخ. " (2).
وقال إبراهيم بن العباس: " سمعت العباس يقول: … وكان المأمون يمتحنه (أي يمتحن الإمام (ع) بالسؤال عن كل شئ، فيجيبه الجواب الشافي.. " (3).
وقال أبو الصلت: ".. فلما لم يظهر منه للناس إلا ما ازداد به فضلا عندهم، ومحلا في نفوسهم،. حلب عليه المتكلمين من البلدان، طمعا في أن يقطعه واحد منهم، فيسقط محله عند العلماء، وبسببهم يشتهر نقصه عند العامة، فكان لا يكلمه خصم من اليهود، والنصاري، والمجوس، والصائبين، والبراهمة، والملحدين، والدهرية، ولا خصم (١) مع أنه هو نفسه قد فرق عن الإمام تلامذته، عندما أخبروه أنه يقوم بمهمة التدريس، كما أشرنا إليه!.
(٢) مسند الإمام الرضا ج ٢ ص ١٠٥، والبحار ج ٤٩ ص ١٧٩، وعيون أخبار الرضا ج ١ ص ١٩١.
(٣) الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي ص ٢٣٧، وإعلام الوري ص ٣١٤، وأعيان الشيعة ج ٤ قسم 2 ص 107، ويراجع أيضا: مناقب ابن شهرآشوب ج 4 ص 350، وغير ذلك. (٣٧٧) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (1)، الشيخ الصدوق (1)، كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام (1)، كتاب الفصول المهمة لإبن صباغ المالكي (1)، كتاب إعلام الوري بأعلام الهدي (1)، كتاب أعيان الشيعة للأمين (1)، ابن شهرآشوب (1)
من فرق المسلمين المخالفين له إلا قطعه، وألزمه الحجة، وكان الناس الخ.. " (1).
وقال المأمون لسليمان المروزي: ".. إنما وجهت إليك لمعرفتي بقوتك، وليس مرادي إلا أن تقطعه عن حجة واحدة فقط.. " (2).
وتقدم قوله لحميد بن مهران، عندما طلب منه هذا أن يوليه مجادلته، لينزله منزلته: " ما من شئ أحب إلي من هذا.. ".
بل لقد صرح المأمون نفسه: بأنه كان يريد أن يجعل من جهل الإمام - نعوذ بالله - ذريعة ووسيلة إلي خلعه، ليشتهر بين الناس أنه قد خلع بسبب جهله، وقلة معرفته، فقد ورد أنه عندما أخبره الرضا بصفات حمل جاريته، قال المأمون:
" فقلت في نفسي هذه والله فرصة، إن لم يكن الأمر علي ما ذكر، خلعته، فلم أزل أتوقع أمرها إلخ.. " (3).
إلي غير ذلك مما قد امتلأت به كتب الأخبار والسير.
وحتي مع الإمام الجواد قد حاول ذلك:
لا نستبعد أيضا: أن يكون قد حاول أن يلعب نفس هذه اللعبة مع (١) عيون أخبار الرضا ج ٢ ص ٢٣٩، ومثير الأحزان ص ٢٦٣، والبحار ج ٤٩ ص ٢٩٠، ومسند الإمام الرضا ج ١ ص ١٢٨، وشرح ميمية أبي فراس ص ٢٠٤.
(٢) البحار ج ٤٩ ص ١٧٨، وعيون أخبار الرضا ج ١ ص ١٧٩، ومسند الإمام الرضا ج ١ ص ٩٧.
(٣) الغيبة للشيخ الطوسي ص 49، وعيون أخبار الرضا ج 2 ص 224، والبحار ج 49.
ص 307، ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 333 عن الجلاء والشفاء..
هذا.. ولا بأس بملاحظة قوله: إنها والله فرصة!.. الدالة علي أنه كان يتحين الفرص لذلك. (٣٧٨) صفحهمفاتيح البحث: سليمان المروزي (1)، الجهل (1)، الحج (1)، الجود (1)، كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام (3)، كتاب مناقب آل أبي طالب عليه السلام (1)، كتاب مثير الأحزان (1)، الشيخ الطوسي (1)
الإمام الجواد (ع) أيضا، والذي كان لا يزال صغير السن، فأغري العباسيين بأن يقفوا ذلك الموقف، ليفسح المجال ليحيي بن أكثم ليطرح مسائله الصعبة علي الإمام الصغير، ليعجز عنها، ويظهر للملأ: أن إمام الشيعة طفل صغير، لا يعلم ولا يعقل شيئا، وإن كل ما يدعونه في الإمام ما هو إلا زخرف باطل، وظل زائل..
ويلاحظ: أنه قام بهذه اللعبة قبل أن يسلم إليه ابنته، التي كان قد عقد له عليها في حياة أبيه الرضا (ع)، وجعل شرط تسليمها أن يغلب يحيي بن أكثم ويجيبه علي مسائله! ومعني ذلك: أنه لو توقف ولو في مسألة واحد لامتنع عن إعطائه زوجته، وكانت النتيجة أن يشتهر ذلك بين الناس كلهم، ويصبح حديث كل الندوات والمحافل أن سبب عدم تسليمه زوجته هو جهله وعيه..
لكن الإمام الجواد كان كأبيه قد أعاد علي المأمون كيده ومكره، ولا يحيق المكر السئ إلا بأهله.. ولقد سبقه إلي ذلك المنصور مع الإمام الصادق، حيث أمر أبا حنيفة بتهيئة مسائل صعبة يلقيها علي الإمام، لأنه رأي الناس قد فتنوا به (1).. وجري علي منواله في ذلك المعتصم مع الجواد أيضا، وغيره مع غيره.. وكان الله هو المؤيد والناصر والمسدد.
ملاحظة لا بد منها:
ومما يلاحظ هنا: أننا لا نجد أثرا لهذه المجالس العلمية للمأمون!، والمناظرات الكلامية! بعد موت الإمام (ع)، فبعد أن مات (ع) بسم المأمون، وهدأت ثائرة العلويين والشيعة أو صد الباب كليا تقريبا، (1) راجع: البحار ج 47 ص 217. (٣٧٩) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (1)، الإمام محمد بن علي الجواد عليهما السلام (1)، يحيي بن أكثم (2)، الجهل (1)، الزوجة (2)، الموت (1)، الجود (1)
وانصرف عن ذلك نهائيا.. اللهم إلا بعض مناظرات نادرة ومحدودة جدا في بغداد، لا تقاس بتلك التي كانت تجري في مرو علي الاطلاق..
الإمام يقول: إن المأمون سوف يندم:
هذا.. ولم يكن من الغريب: أن يعلم الرضا (ع) بمقاصد المأمون، وحقيقة نواياه من مثل هذه التصرفات، وكان (ع) يقول: ".. إذا سمع احتجاجي علي أهل التوراة بتوارتهم، وعلي أهل الإنجيل بإنجيلهم، وعلي أهل الزبور بزبورهم، وعلي الصابئين بعبرانيتهم، وعلي أهل الهرابدة بفارسيتهم، وعلي أهل الروم بروميتهم، وعلي أصحاب المقالات بلغاتهم، فإذا قطعت كل صنف، ودحضت حجته، وترك مقالته، ورجع إلي قولي، علم المأمون أن الموضع الذي هو بسبيله ليس بمستحق له، فعند ذلك تكون الندامة منه.. (1).
نعم.. إنه سوف يندم كثيرا عندما يري: أن كل ما كان يدبره ينقلب عليه، ويؤدي إلي عكس النتيجة التي كان يرجوها منه.. حتي إن الناس كانوا يقولون: " والله، إنه أولي بالخلافة من المأمون، فكان أصحاب الأخبار يرفعون ذلك إليه، فيغتاظ ويشتد حسده.. " (2).
وهكذا. فإن هذا القول يعتبر تحقيقا لنبوءة الإمام: من أن المأمون سوف يندم. إذا علم أن الموضع الذي هو بسبيله ليس بمستحق له.
ولقد علم المأمون، ولكن بعد فوات الأوان بذلك، وبأنه قد ساعد بأعماله تلك علي اتساع القاعدة الشعبية للإمام (ع) وإظهار مزاياه (١) مسند الإمام الرضا ج ٢ ص ٧٥، والبحار ج ٤٩ ص ١٧٥، وعيون أخبار الرضا ج ٢ ص ١٥٦.
(٢) كشف الغمة ج ٣ ص ٨٧، وعيون أخبار الرضا ج 2 ص 239. (٣٨٠) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (1)، مدينة بغداد (1)، كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام (2)، كتاب كشف الغمة للإربلي (1)
وفضائله، التي كان يجهد المأمون في طمسها وإخفائها. بل لقد ساعد علي ترسيخ عقيدة الشيعة في نفوسهم، وشد إلي قلوب الكثيرين، حيث قد ثبت بالفعل: أن الإمام أعلم أهل الأرض علي الاطلاق وأفضلهم وأتقاهم إلي آخر ما هنالك من الكمالات والفضائل الأخلاقية، ولم يعد ذلك مجرد دعوي لا يدعمها دليل، ولا يؤيدها برهان.
وكان علي المأمون أن يتبع أسلوبا جديدا، يضمن له تحقيق غاياته في التخلص من الإمام (ع)، والقضاء عليه اجتماعيا، ونفسيا، بل وحتي جسديا أيضا.
وبقي في كنانته سهم آخر، ظن أن سوف يحقق له ما عجز كل ما سواه عن تحقيقه.. ألا وهو:
الاقتراح العجيب:
وكل قضايا المأمون تثير عجبا، وهو أن يذهب الإمام إلي بغداد، وقبل أن نتكلم عن هذا الاقتراح العجيب.. يحسن بنا أن نتكلم عن بغداد أولا، وعن موقفها من البيعة للرضا (ع)، وعن ردة الفعل فيها تجاه هذا الفعل الذي أقدم عليه المأمون من دون رضا منها.. فنقول:
موقف بغداد من المأمون والبيعة للرضا (ع):
تعتبر بغداد أهم معقل للعباسيين علي الاطلاق وهي عاصمتهم، وحصنهم، الذي يلوذون به، ويلجأون إليه.
والعباسيون هم الذين نقموا علي المأمون بسبب جعل ولاية العهد للرضا (ع)، وخلعوا المأمون بمجرد سماعهم لذلك النبأ الذي نزل عليهم نزول (٣٨١) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (3)، عقائد الشيعة الإمامية (1)، مدينة بغداد (4)، الظنّ (1)
الصاعقة، فشغبوا في بغداد، وأخرجوا الحسن بن سهل منها، وبايعوا لإبراهيم بن المهدي، المعروف، بابن شكلة المغني، الذي كان عاملا للمأمون علي البصرة (1) والذي كان من ألد أعداء الإمام علي بن أبي طالب وولده..
وموقف بغداد هذا لم يكن ليخفي علي أحد، فكيف يخفي علي المأمون، وقد رأينا: أن الإمام نفسه يخبر المأمون: بأن الناس - يعني العباسيين، ومواليهم (2) - ينقمون عليه مكان الإمام منه، ومكان بيعته له بولاية العهد (3).
والفضل بن سهل أيضا قال للمأمون: ".. ثم أحدثت هذا الحدث الثاني إنك جعلت ولاية العهد لأبي الحسن، وأخرجتها من بني أبيك.
والعامة والعلماء، والفقهاء، وآل عباس، لا يرضون بذلك. وقلوبهم (1) مشاكلة الناس لزمانهم لليعقوبي ص 28.
(2) لأنهم هم فقط الذين كانوا ينقمون ذلك عليه، كما تدل عليه النصوص التاريخية، ولم يشر التاريخ، ولو من بعيد إلي شئ من ذلك من غيرهم علي الاطلاق، بل نص علي عكس ذلك كما عرفت، حتي من أهل بغداد أنفسهم..
(3) الطبري ج 11 ص 1025، وابن خلدون ج 3 ص 249، والكامل لابن الأثير ج 5، وغير ذلك.
وقال في النجوم الزاهرة ج 2 ص 174: " أنه بسبب ولاية العهد للرضا قامت الفتن، واضطربت البلاد " وقريب منه ما في مقدمة ابن خلدون ص 211، وواضح: أن ذلك قول مبالغ فيه. حيث لم يحدث بسبب البيعة شئ أصلا إلا في بغداد، وأما سائر البلاد، فقد خمدت الثورات فيها، واستوسقت للمأمون كما نص عليه الذهبي، وغيره حسبما تقدم، وحتي في بغداد نفسها كان أكثرها يؤيد المأمون في ذلك باستثناء العباسيين، ومن لف لفهم، قال في تاريخ أبي الفداء ج 2 ص 22: " وامتنع بعض أهل بغداد عن البيعة ".. ويتفق المؤرخون: علي أن بغداد انقسمت إلي قسمين: قسم يقول: نلبس الخضرة، ونبايع وقسم يأبي ذلك. إلي أن غلب الممتنعون، لأن من بينهم رجال الدولة، وبايعوا لإبراهيم بن المهدي.. (٣٨٢) صفحهمفاتيح البحث: مدينة البصرة (1)، مدينة بغداد (7)، الحسن بن سهل (1)، الفضل بن سهل (1)، كتاب الكامل لإبن الأثير (1)، يوم عرفة (1)، الغلّ (1)
متنافرة عنك، والرأي: أن تقيم بخراسان، حتي تسكن قلوب الناس علي هذا إلخ.. " (1).
وسيأتي أن المأمون قد كتب للعباسيين، بعد وفاة الإمام: أن الأشياء التي كانوا ينقمونها عليه قد زالت.. إلي غير ذلك مما ليس في تتبعه كثير فائدة..
وأما نصب ابن شكلة:
لقد رضي العباسيون بابن شكلة حاكما عليهم، مع علمهم بانحرافه عن علي، ونصبه، بل لعل هذا هو أحد المرجحات لاختيارهم له.
ويكفي دلالة علي انحرافه عن علي (ع) وولده ما تقدم: من أن المأمون كان يظهر التشيع، وابن شكلة يظهر التسنن (2)، وأنه عير المأمون بتشيعه فقال:
إذا الشيعي جمجم في مقال * فسرك إلخ.
وعيره المأمون بنصبه، فقال:
إذا المرجي سرك أن تراه * يموت إلخ (3).
وقال إبراهيم مرة للمأمون: إن عليا ليس من البلاغة في شئ، (1) عيون أخبار الرضا ج 2 ص 160، والبحار ج 49 ص 166. وواضح أن من مصلحة الفضل: أن يضخم الأمر ويهول به علي المأمون، لأنه يريد أن يردعه عن الذهاب إلي بغداد، التي يعرف أنه سوف يتعرض فيها لأهوال وأخطار قد لا يكون له القدرة علي تحملها، (2) استعمال المسعودي لكلمة " التسنن " هنا يفند ما ادعاه أحمد أمين المصري: من أنه هو المصطنع لهذه الكلمة، وأول من استعملها. والظاهر أنه قرأها فيه أو في النجوم الزاهرة، أو وفيات الأعيان ترجمة علي بن الجهم أو غيرها.. ثم نسي.
(3) مروج الذهب ج 3 ص 417. (٣٨٣) صفحهمفاتيح البحث: الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام (1)، خراسان (1)، الموت (1)، الوفاة (1)، كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام (1)، كتاب مروج الذهب للمسعودي (1)، علي بن الجهم (1)، مدينة بغداد (1)، النسيان (1)
حيث إنه رآه في منامه، فسأله مسألة، فقال له الإمام (ع): " سلاما سلاما ".. فعندما أفهمه المأمون: أنه (ع) يشير بذلك إلي قوله تعالي:
" وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما " خجل، وندم علي إخباره المأمون بما كان (1).
وعن صلاح الدين الصفدي في شرح الجهورية: أنه لما مات إبراهيم ابن المهدي سأل الواثق عن وصيته، فوجده قد أمر بمال عظيم: أن يفرق علي أولاد الصحابة، إلا أولاد علي (ع)، فقال الواثق: " والله، لولا إطاعة أمير المؤمنين لما وقفت عليه، ولا انتظرت دفنه " ثم انصرف الواثق وهو يقول: " منحرف عن شرفه، وخير أهله، والله، لقد أدليته في قبره كافرا. " (2).
إلي غير ذلك من الدلائل والشواهد التي يطول بذكرها المقام.
المأمون: هو الذي ينقل لنا اقتراحه العجيب:
ولكن رغم موقف بغداد ذاك، ورغم أنه كان يعلم به، ويعلم بكل ما جري في بغداد بسبب جعله ولاية العهد للرضا نري المأمون يحاول أن يرسل الإمام إلي بغداد، ليكون وجها لوجه مع ألد أعدائه العباسيين، وفي نفس معقلهم، ومحل قوتهم، وحيث لهم كل النفوذ والسيطرة، يرسله - وحده! - ويبقي هو خليفته في خراسان.
ويرفض الإمام، ويصر علي الرفض، حتي يئس المأمون من قبوله.
يقول المأمون: " رحم الله الرضا (ع)، ما كان أعلمه، لقد (1) مناقب ابن شهرآشوب ج 3 ص 271، ونزهة الجليس ج 1 ص 403.
(2) نزهة الجليس ج 1 ص 404. (٣٨٤) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (1)، الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام (1)، مدينة بغداد (3)، خراسان (1)، الموت (1)، القبر (1)، ابن شهرآشوب (1)
أخبرني بعجب. سألته ليلة، وقد بايع له الناس، فقلت: جعلت فداك، أري لك أن تمضي إلي العراق، وأكون خليفتك بخراسان، فتبسم، ثم قال: لا.. لعمري.. " إلي أن يقول المأمون: " فجهدت الجهد كله، وأطمعته في الخلافة، وما سواها، فما أطمعني في نفسه.. " (1).
ولماذا هذا العرض:
عجيب إذن!.. هكذا أصبحت الخلافة رخيصة إلي هذا الحد!
الخلافة. التي لم يكن يعدلها عنده في الدنيا شئ!. الخلافة.. التي قتل من أجلها المئات والألوف!، وخرب المدن ودك الحصون!!.
التي قتل من أجلها أخاه، ومن معه، وقواده، ووزراءه!.. الخلافة هذه.. أصبحت رخيصة إلي حد أنه يبذلها - حسب منطقه - لرجل غريب!، وفي مقابل أي شئ؟! في مقابل أن يذهب إلي العراق!.!.
ولقد عرفنا الخلافة التي بذلها، لكن ما سواها لم نستطع أن نعرفه بالتحديد!.
ولماذا يجهد الجهد كله؟! ولماذا يبذل الخلافة؟! ولماذا يبذل ما سواها؟! لماذا كل ذلك؟!. أليس هو ذا القوة والسلطان؟!، فلم لا يجبر الإمام (ع) علي ذلك، كما أجبره علي قبول ولاية العهد؟!.
ألم يكن باستطاعته أن يرسله مقيدا مصفدا بالحديد؟!. ولماذا يسمح له بأن يعصيه ويخالف أمره؟!. أفلا يعتبر ذلك جريمة يستحق عليها أقسي العقوبات، باعتبار أنه يعرض الخليفة والخلافة، وهيبتهما للخطر؟!. (١) الغيبة للطوسي ص 48، ومناقب ابن شهرآشوب ج 4 ص 337، والبحار ج 49 ص 58 و 145. (٣٨٥) صفحهمفاتيح البحث: دولة العراق (2)، خراسان (1)، القتل (1)، الفدية، الفداء (1)، ابن شهرآشوب (1)
نعم. إنه يريد أن يذهب الإمام إلي بغداد، ولكنه يريد في نفس الوقت أن يذهب راضيا وغافلا عما يهدف إليه المأمون من وراء ذهابه هذا.. وإلا فإن ذهابه لن يجديه نفعا، لأنه قد جرب معه الاكراه والإجبار من قبل، في قضية ولاية العهد، ورأي أن الإمام قد اتخذ ذلك وسيلة من الوسائل المضادة، من أجل تضييع الفرصة علي المأمون.
كما أن بذله للخلافة لم يكن مجازفة بها، لأنه كان مطمئنا إلي أن ما يبذله اليوم سوف يعود إليه غدا.. وبالشكل الأفضل والأكمل، لو أن الإمام (ع) قبل منه ما كان عرضه عليه.
نعم.. إنه يريد أن يرسله إلي العراق - بغداد - وطلب منه أن يذهب وحده، ويبقي هو خليفة له في خراسان، ليواجه المحنة، التي لن يكون له القدرة علي تحملها، والصمود في وجهها.. ويتخلص المأمون منه بذلك من أهون سبيل.
المأمون يتحرك نحو بغداد بنفسه:
لكن رفض الإمام القاطع جعله يفكر في الأمر بنحو آخر، فلقد تحرك هو بنفسه نحو بغداد، مصطحبا معه وزيره الفضل بن سهل وولي عهده الإمام الرضا (ع)، الذي كان هو الشجا المعترض في حلق المأمون.
ولقد كان من الممكن: أن يحتفظ بهما حتي يدخلوا بغداد، فتقوم قائمة بني العباس، ويثورون، ويعصفون، وتعم الفوضي، ويختل النظام.. وقد يتخلص المأمون حينئذ من الإمام (ع) علي يد من يرتفع به حقده، ويخرجه غضبه عن طوره.
وإن لم يكن ذلك، وجبنوا علي الإقدام عليه.. وبعد أن يكون الناس قد رأوا أن وجود الإمام - وليس قتل الأمين - هو المانع والعائق (٣٨٦) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (1)، دولة العراق (1)، بنو عباس (1)، مدينة بغداد (5)، الفضل بن سهل (1)، خراسان (1)، القتل (1)، الهدف (1)، الرفض (1)
من عودة المياه إلي مجاريها بين المأمون، وبين العباسيين بني أبيه، الذين أصبح يري الناس: أن لهم - كغيرهم - الحق في الخلاقة.. فإن المأمون سوف يجد - من ثم - العذر والمبرر لخلعه من ولاية العهد، من أجل أن تستقر البلاد، وتذهب الأحقاد والإحن، وتعود الأمور إلي حالتها الطبيعية بينه وبين بني أبيه، والمحبين والمتشيعين لهم.. ولتكون هذه - وبعد ملاحقتها بحملة دعائية واسعة - ضربة قاضية لسمعة الإمام، وطعنة نجلاء في كرامته، سوف يسعد المأمون بها أيما سعادة..
لكن المأمون لم يكن يثق بالعباسيين:
لقد كان من الممكن ذلك.. ولكن المأمون لم يكن يثق بالعباسيين، الذين في بغداد، أن يتفهموا حقيقة موقفه، ويدركوا ما ترمي إليه مخططاته.. فقد يثورون ضده هو، ويوصلون إليه ما يسوءه ويزعجه، كما حدث ذلك من قبل.. فهو مع أنه لم يبايع للرضا بولاية العهد، إلا من أجل أن يحقن دماءهم، ومع أنه كان يدبر الأمر ليدوم لهم، ولعقبهم من بعدهم.. إلا أنهم لم يدركوا ذلك رغم أنه كتب إليهم به صراحة.. واستمروا علي مناوأته ومحاربته.
ولا كان واثقا من سكوت الإمام (ع):
كما أنه كان يخشي أن الإمام، الذي رأي المأمون منه العجائب، والذي أصبح قريبا من العباسيين، وأشياعهم، وقريبا، من محبيه ومواليه أيضا - كان يخشي أن يتمكن - من قلب ما يدبره، ويخططه، وجعله وبالا عليه. وقد تقدم إن أباه موسي (ع) قد أفسد علي الرشيد قلوب شيعته، رغم أنه كان في سجونه وتحت نظره ومراقبته الدقيقة. (٣٨٧) صفحهمفاتيح البحث: الإمام موسي بن جعفر الكاظم عليهما السلام (1)، مدينة بغداد (1)، الوسعة (1)
كما أنه لم ينس بعد أبدا: أنه قد أفسد عليه جل، إن لم يكن كل مؤامراته، وتدبيراته.. بل لقد كان يجعلها كلها في صالحه هو، ودمارا، ووبالا علي المأمون مدبرها، ومخططها الحقيقي.
وقد يكون الإمام مستعدا لقبول اقتراح من المأمون بالتنحي عن ولاية العهد. ولكن ذلك ولا شك سوف يعيد الأمور إلي سيرتها الأولي. بل سوف يزيد الأمر تعقيدا، والوضع خطورة عما كان عليه قبل البيعة له (ع) بولاية العهد. ولن يسكت العلويون ولا الخراسانيون، بل حتي ولا العرب عن أمر كهذا. ولن يعيد الأمور إلي سيرتها الأولي بيعة أو مناورة أخري من أي نوع كانت، وعلي أي مستوي كانت.
كيف يخرج المأمون من المأزق إذن؟!
وهكذا.. وبعد أن رأي المأمون نفسه قد فشل في تحقيق الجزء الأهم من خطته، ألا وهو أن يضع منه (ع) قليلا قليلا، حتي يصوره أمام الرعية بصورة من لا يستحق لهذا الأمر.. بل لقد رأي نفسه يحصد غير ما يزرع، وأن النتائج التي كان يحصل عليها هي تماما عكس ما كان ينتظر ويؤمل، وذلك بسبب وعي الإمام وحنكته، ويقظته..
ورأي أنه قد حارب الإمام بجميع الأسلحة التي كان يمتلكها، من المكر والخديعة، والدهاء إلخ.. لكن أسلحة الإمام كانت أمضي وأقوي من كل ما كان يمتلكه المأمون. ومن أين للمأمون علم الإمام وزهده، وتقواه وفضله، وفضائله النفسية، وشخصيته الفذة، وسائر صفاته وخصاله الحميدة، صلوات الله وسلامه عليه؟..
وإذا كان قد تأكد لديه أن محاولاته تلك لم تكن تثمر إلا أن يزداد الإمام رفعة بين الناس، ومحلا في نفوسهم، وإلا اتساع قاعدته الشعبية (٣٨٨) صفحهمفاتيح البحث: علم المعصوم (1)، الصّلاة (1)، النسيان (1)
باطراد وأنه هو نفسه قد ساعد علي اتساعها.. حتي لقد اضطر هو نفسه لأن يستجير بالإمام لينقذه من أولئك الذين شغبوا عليه بسبب قتله الفضل ابن سهل.. إلي آخر ما هنالك مما قدمناه.. إذا كان كذلك.. فإنه قد أصبح يري نفسه مستحقا لذلك التأنيب القاسي الذي تلقاه من حميد بن مهران، وجمع من العباسيين، حيث قال له حميد: ".. ما أخوفني أن يخرج هذا الأمر عن ولد العباس إلي ولده علي، بل ما أخوفني أن يتوصل بسحره إلي إزالة نعمتك، والتوثب علي مملكتك. هل جني أحد مثل جنايتك؟! ".. وقد تقدم جواب المأمون لهم في أول هذا الفصل، فلا نعيد..
ويلاحظ هنا: أن قول حميد بن مهران: " ما أخوفني أن يخرج هذا الأمر عن ولد العباس إلي ولد علي " قد كان بعد البيعة للرضا (ع) بولاية العهد، فكأنه كان علي علم بخطة المأمون، وأهدافه من البيعة..
نعود فنقول: إنه كما أصبح يري نفسه مستحقا لذلك التأنيب القاسي أصبح أيضا يري أن من الضروري العثور علي وسيلة تسهل عليه الخروج من ذلك المأزق الحرج الذي أوقع نفسه فيه. حتي لا ينتهي به الأمر إلي تلك النهاية المرعبة، التي كان يخشاها كل الخشية، وتمتلئ نفسه فرقا ورعبا منها..
فما هي تلك الوسيلة؟!، وأين يجدها؟! وهل يستطيع أن يحصل عليها؟! وكيف؟.
ولقد وجد الوسيلة وهي سهلة جدا، ولكنها غير مأمونة العواقب، وهذه الوسيلة هي:
تصفية الإمام (ع) جسديا:
والتدبير فيه - وبسرعة - بما يحسم عنه مواد بلائه.. وواضح: (٣٨٩) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (1)، القتل (1)
أن قتل الإمام (ع) جهارا سوف يثير مشاعر العلويين والشيعة. سواء من الخراسانيين، أو من غيرهم. بل هو يثير الأمة بأسرها، ولسوف يعطيهم، وخصوصا العلويين الفرصة، بل والحق في القيام بوجه نظام الحكم من جديد. وبكلمة.. سوف يخسر المأمون حينئذ كل ما كان يري نفسه أنه قد ربحه، هذا إن لم تكن النتيجة أسوأ من ذلك بكثير.
وأسوأ مما يتصور.
وإذن.. فلا بد للقضاء علي الإمام من إعمال الحيلة، وإحكام الخطة. ودراستها دراسة كافية ووافية.
قضية حمام سرخس:
وحاول أن يقضي علي الإمام (ع)، والفضل معا، مرة واحدة في حمام سرخس. ولكن يقظة الإمام (ع)، ووعيه قد حال دون ذلك، حيث إنه رفض الذهاب إلي الحمام. وأصر المأمون بدوره علي ذلك، وأعاد عليه الرقعة مرتين!. لكن الإمام قد بين له بيانا قاطعا: أنه لن يدخل الحمام بأي وجه من الوجوه.. كما أنه (ع) قد حاول أن يدفع المكيدة عن الفضل، فقال للمأمون: " ولا أري للفضل أن يدخل الحمام غدا. " لكن المأمون يصر علي أن يدخل الفضل الحمام، ويمتنع من تحذيره، حيث قال للإمام: " وأما الفضل فهو أعلم وما يفعله.. " (1).
مقتل الفضل بن سهل:
ونجح المأمون في تنفيذ أحد جزئي مهمته، وفشل في تنفيذ الجزء (1) قد تقدم بعض مصادر هذا النص في فصل: شخصية الإمام الرضا، عند ذكر التجاء المأمون إلي الرضا (ع) عندما شغب عليه الجند، بسبب مقتل الفضل. (٣٩٠) صفحهمفاتيح البحث: الفضل بن سهل (1)، القتل (2)، الرفض (1)، النفاذ، التنفيذ (2)، الإستحمام، الحمام (3)، الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (1)
الآخر، والأهم منها، فقد نجا الإمام (ع) بفضل وعيه ويقظته، ووقع الفضل في الشرك وحده وقتل بتدبير من المأمون، فرضي بذلك العباسيون، وقتل قتلته، فرضي الحسن بن سهل والخراسانيون.
ومجمل قضية قتل الفضل هنا: " أن المأمون لما رأي إنكار الناس ببغداد لما فعله من نقل الخلافة إلي بني علي، وأنهم نسبوا ذلك إلي الفضل بن سهل، ورأي الفتنة قائمة ولا يستطيع أن يقتل الفضل جهارا لمكان أخيه الحسن بن سهل، وكثرة من معه من الرجال (1) فأعمل الفكرة في ذلك، ودس جماعة لقتل الفضل..
والذين قتلوا الفضل كانوا خمسة أشخاص من حشم المأمون، أحدهم:
خاله غالب، فأخذوا وجئ بهم إليه، فقالوا: أنت أمرتنا بقتله!.
فقال لهم: أنا أقتلكم بإقراركم، وأما ما ادعيتموه: من أني أنا أمرتكم بذلك، فدعوي ليس لها بينة، ثم أمر بهم فضربت أعناقهم، وحمل رؤوسهم إلي الحسن أخي الفضل، وأظهر الحزن عليه.. " (2)! كما أنه قد أقصي قوما من قواده سماهم الشامتة، وأظهر عليه أشد الجزع كما نص عليه اليعقوبي، وواضح أن قتله لقتلة الفضل، ثم إرساله رؤوسهم إلي الحسن، ثم إظهاره للحزن عليه لخير دليل علي دهائه وحنكته السياسية.
بل ذكر المسعودي، ويظهر ذلك من غيره أيضا: أن المأمون قتل (١) راجع لطف التدبير ص ١٦٤ - ١٦٦.
(٢) راجع في ذلك: الآداب السلطانية ص ٢١٨، وتاريخ ابن خلدون ج ٣ ص ٢٤٩، ولطف التدبير ص 164 - 166 ومآثر الإنافة ج 1 ص 211، والكامل لابن الأثير ج 5 ص 191 و 192، والطبري ج 11 ص 1027، ووفيات الأعيان، طبع سنة 1310 ج 1 ص 414، ومرآة الجنان ج 2 ص 7، وإثبات الوصية ص 207، وليراجع تجارب الأمم ج 6 ص 443. (٣٩١) صفحهمفاتيح البحث: الحسن بن سهل (2)، الفضل بن سهل (1)، القتل (10)، الحزن (1)، كتاب الكامل لإبن الأثير (1)، كتاب إثبات الوصية للمسعودي (1)
الفضل بن سهل بيده، وأنه باشر قتله بنفسه (1)، ولعله اتهم هؤلاء من أجل أن يبعد التهمة عن نفسه لأسباب سياسية لا تكاد تخفي ومن أهمها أن لا يفسد عليه الحسن بن سهل ومن معه والخراسانيون.
وتحسن الإشارة هنا إلي ما قدمناه من عرض المأمون علي الفضل أن يزوجه ابنته - علي الرغم من استهجان تزويج بنات الخلفاء من غير ذوي قرباهم. فرفض الفضل العرض، وشكر المأمون، وجهد المأمون الجهد كله في إقناعه، فلم يفلح!. وقال له: لو صلبتني ما فعلته (2) فإن عرضه هذا، وجهده في إقناعه ما كان إلا شركا منه للتجسس والإيقاع بالفضل علي يدها، كما فعل بالجواد والرضا (ع).. وعندما لم يفلح في إقناع الفضل، وفشلت مؤامرته، دبر قضية حمام سرخس، ونحج في تدبيره ذاك كما عرفنا..
وقبل أن نمضي في الحديث يحسن بنا أن نشير إلي ما ذكره الأصفهاني في أغانيه، فيما يتعلق بمقتل الفضل، حيث قال ما ملخصه: إن إبراهيم ابن العباس الشاعر كان من خواص الفضل بن سهل. وجعله كاتبا لعبد العزيز بن عمران، فلما دبر المأمون قتل الفضل، وندب إليه عبد العزيز ابن عمران. علم إبراهيم بذلك، فأخبر به الفضل، فأظهره للمأمون، وعاتبه عليه.. وبعد قتل المأمون للفضل ولقتلته سأل من أين سقط الخبر للفضل، فعرف أنه من جهة إبراهيم، فطلبه، فاستتر، وتحمل إبراهيم بالناس علي المأمون. وجرد في أمره هشام الخطيب المعروف بالعباسي، (1) مروج الذهب ج 3 ص 417، ويظهر أيضا من: الفخري في الآداب السلطانية ص 218.
(2) الوزراء والكتاب ص 307. (٣٩٢) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (1)، عبد العزيز بن عمران (1)، الحسن بن سهل (1)، الفضل بن سهل (2)، عبد العزيز (1)، القتل (3)، الزوج، الزواج (1)، كتاب مروج الذهب للمسعودي (1)
وكان جريئا علي المأمون، لأنه رباه، فلم يجبه المأمون إلي ما سأل (1).
إلي آخر ما قال.
ظاهرة قتل الوزراء:
وتحسن الإشارة هنا: إلي أن قتل الوزراء كان ظاهرة شائعة في حياة الخلفاء العباسيين، حتي إن أحمد بن أبي خالد الأحول امتنع بعد مقتل الفضل عن قبول اسم " وزير " مع قبوله بالقيام بكل أعمال الوزير ووظائفه.
وهنا لطائف وظرائف تتعلق بهذا المطلب، ليس هنا محل ذكرها..
ولنعد الآن للحديث عن موقف المأمون فنقول:
لا بد من العودة إلي سنة معاوية:
إنه رغم فشل المأمون في قضية حمام سرخس، لم ييأس، ولم يهن في الوصول إلي ما كان يطمح إلي الوصول إليه، فاستمر يعمل الحيلة ويدبر المكيدة للإمام (ع).
وكان عليه: أن لا يعرض نفسه للخطأ الذي وقع فيه في قضية الفضل، حيث أعلن القتلة في وجهه بأنه هو الذي أمرهم بقتله، مما كان سببا في ثورة الجند عليه، تعرض لخطر عظيم جدا، لو لم يلتجئ إلي الإمام، الذي أنقذ موقفه، وفرق الناس عنه، كما تقدم..
ولم ير وسيلة أسهل وأسلم من تلك التي سنها سلفه معاوية، الذي (1) الأغاني ط الساسي ج 9 ص 31. (٣٩٣) صفحهمفاتيح البحث: أحمد بن أبي خالد (1)، القتل (4)
قدمنا في فصل: آمال المأمون وآلامه: أن المأمون قد ارتضي سيرته، ورد سيرة أبي بكر وعمر وعلي وهذه الوسيلة هي: " السم ".
ودس إليه السم في العنب، أو في ماء الرمان، ومضي الإمام (ع) شهيدا، صابرا محتسبا.. وهذه هي نفس الطريقة التي تخلص بواسطتها، من قبل: محمد بن محمد، صاحب أبي السرايا، ولا نستبعد أنه قد دبر مثل ذلك في محمد بن جعفر، الذي مات هو الآخر - كالرضا (ع) والفضل بن سهل - في طريق بغداد (1).
وهكذا. مات اللذان تكرههما بغداد، في نفس طريق بغداد.. ولم يعد هناك ما يعكر صفو العلاقات بينه، وبين بني أبيه العباسيين وأشياعهم، وأصبح باستطاعته أن يكتب إليهم:
".. إن الأشياء التي كانوا ينقمونها عليه قد زالت، وأنهم ما نقموا عليه إلا بيعته لعلي بن موسي الرضا (ع) وقد مات، فارجعوا إلي السمع والطاعة، وإنه يجعل ولاية العهد في ولد العباس.. " (2).
فرجعوا إليه، وانقادوا له، ولكن بعد التخلص ممن كان يكره (١) ولعل ابن قتيبة يشير إلي هذا في معارفه طبع سنة ١٣٠٠ ص ١٣٣ حيث يقول: " وظفر بمحمد بن جعفر، فحمله إلي المأمون مع عدة من أهل بيته، فلم يرجع منهم أحد.. "!!.
ولكننا نراه مع ذلك، عندما يؤتي بجنازة محمد بن جعفر قد نزل بين العمودين، وحمله!
وقال: هذه رحم مجفوة منذ مأتي سنة، وصلي عليه وقضي دينه!!.. بل إننا لا نستبعد أن يكون هو المدبر لشائعة عقليه السوداء علي الحسن بن سهل أخي الفضل. وهكذا..
فيكون قد قضي علي كل أولئك الذين تكرههم بغداد وتخشاهم، وتخلص منهم واحدا بعد الآخر.
(٢) راجع في ذلك: الطبري ج ١١ ص ١٠٣٠، والبداية والنهاية ج ١ ص ٢٤٩، وتاريخ الخلفاء ص ٣٠٧، وابن الأثير ج ٥ ص ١٩٣، والفخري الآداب السلطانية ص ٢١٨، وتاريخ أبي الفداء ج ٢ ص ٢٤، وتاريخ ابن خلدون ج ٣ ص ٢٥٠، والنجوم الزاهرة ج 2 ص 173، وغير ذلك، وتجارب الأمم ج 6 ص 444. (٣٩٤) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (1)، مدينة بغداد (4)، الفضل بن سهل (1)، محمد بن جعفر (3)، محمد بن محمد (1)، الموت (3)، الكراهية، المكروه (1)، كتاب البداية والنهاية (1)، إبن الأثير (1)، الحسن بن سهل (1)، الصّلاة (1)
ويكرهون، ويخاف ويخافون..
رجع إلي بغداد، فأطاعته، وانقادت له، لأنه قضي علي من كانت تخافهم، وتخشاهم، وحقق لها ما كانت ترجوه، وتصبو إليه، وغفرت له قتله أخاه، ونسيته حتي كأنه أمر لم يكن!.. بل لقد أصبحت تري أنه أفضل من أخيه الأمين، لأنه استطاع أن يثبت أقدام بني أبيه في الحكم والسلطان إلي ما شاء الله..
رجع إلي بغداد، إلي بني أبيه، لأن رجوعه إليهم كان ضروريا، من أجل أن يرجع إليهم اعتبارهم من جهة.. ولأنهم هم الدرع الواقي له، والحصن الحصين من جهة أخري.. هذا بالإضافة إلي أن خلافة لا تكون بغداد مقرا لها ليست في الحقيقة بخلافة. إلي غير ذلك من أمور واعتبارات.
نبوءة الإمام (ع) قد تحققت:
هذا.. وكما تنبأ الإمام (ع) من قبل بأن أمر البيعة لا يتم، وتنبأ أيضا بأنه يموت ويدفن بخراسان.. لم يكن ليصعب عليه أن يتنبأ بأن المأمون سوف يقدم في النهاية علي ما أقدم عليه: من الاعتداء علي حياته (ع) سيما وأنه كان علي علم أكثر من أي إنسان آخر بحقيقة نوايا المأمون وأهدافه.. وبالفعل نري الإمام (ع) يصرح بذلك في أكثر من مورد، وأكثر من مناسبة، حتي للمأمون نفسه، كما تقدم..
ومن جهة أخري، فرغم محاولات المأمون للتستر علي جريمته النكراء تلك خوفا من ثورة الرأي العام ضده.. فإنه لم يستطع إخفاء الحقيقة، وطمس الواقع بل شاع الأمر، وافتضح المأمون.. بل سيمر معنا أنه هو نفسه قد فضح نفسه.. (٣٩٥) صفحهمفاتيح البحث: مدينة بغداد (3)، خراسان (1)، القتل (1)، الموت (1)
الحقد الدفين:
وأخيرا.. فإن ما أقدم عليه المأمون من الغدر بالإمام (ع) ودس السم له لخير دليل علي فشل المأمون في سياسته، الفضل المزري والمهين..
حتي إنه عندما عجز عن أن ينال من الإمام (ع) حيا أراد أن ينال منه ميتا، بدافع من حقده الدفين، الذي لم يعد يستطيع أن يتحمل مضاعفاته، فكتب إلي السري عامله علي مصر، يخبره بوفاة الرضا، ويأمره بغسل المنابر، التي دعي له عليها، فغسلت.. كما تقدم.. وهذا إن دل علي شئ، فإنما يدل علي أن الحقد كان قد أكل قلبه، وأعمت البغضاء بصره وبصيرته..
كما أنه يدل علي خسة في النفس، وإسفاف في التفكير، وشعور بالعجز، وبالنقص أيضا.. (٣٩٦) صفحهمفاتيح البحث: الأكل (1)

كاد المريب أن يقول: خذوني

كاد المريب أن يقول: خذوني.
ومع غض النظر عن كل ما تقدم:
لسوف نغض النظر هنا عن تصريحات المأمون الدالة علي أنه سوف يدبر في الإمام بما يحسم عنه مواد بلائه، وعن تأكيدات الإمام وتصريحاته بأنه سوف يموت شهيدا بسم المأمون، حتي لقد واجه نفس المأمون بذلك، لكنه تجاهل الأمر، وغير الحديث (1).
ولسوف نغض النظر أيضا عن اعتراف المأمون نفسه بأن الإمام (ع) لم يمت حتف أنفه، وإنما مات مقتولا بالسم، وأن قتلته هما عبيد الله، والحمزة، ابنا الحسن (2) واللذان لم يكن بينهما وبين الإمام (ع) ما يوجب ذلك.. بل إن كان لهما دور ما، فإنما هو بإشارة من يهمه مثل هذا الأمر..
بل لقد ورد أن المأمون رمي بنفسه علي الأرض، وجعل يخور كما يخور الثور، ويقول: " ويلك يا مأمون، ما حالك، وعلي ما (1) راجع: عيون أخبار الرضا ج 2 ص 140، والبحار ج 49 ص 149، وعلل الشرايع ج 1 ص 237، وأمالي الصدوق ص 42، 43، وغير ذلك.
(2) راجع: غيبة الشيخ الطوسي ص 49، والبحار ج 49. ص 306. (٣٩٧) صفحهمفاتيح البحث: القتل (1)، الموت (2)، كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام (1)، كتاب علل الشرايع للصدوق (1)، كتاب أمالي الصدوق (1)، الشيخ الطوسي (1)
أقدمت، لعن الله فلانا وفلانا، فإنهما أشارا علي بما فعلت.. " (1).
لسوف نغض النظر عن كل ما تقدم، وحتي عن رسالته للسري، عامله علي مصر، والتي أشرنا إليها غير مرة..
والذي نريده هنا:
ولا نريد هنا إلا أن نضع بعض علامات استفهام علي بعض تصرفات المأمون، وأقواله حين وفاة الإمام (ع)، حيث رأيناه: قد ارتبك في أمر وفاة الرضا (ع) أشد ما يكون الارتباك..
الأسئلة التي لن تجد جوابا:
فأول ما يطالعنا من الأسئلة هو أنه:
لماذا يستر موت الرضا (ع) يوما وليلة؟! (2).
ولماذا يقول للإمام، وهو بعد لم يمت: ".. ما أدري أي المصيبتين علي أعظم، فقدي إياك، أو تهمة الناس لي: أني اغتلتك وقتلتك " (3)؟!. (١) إثبات الوصية للمسعودي ص ٢٠٩.
(٢) مقاتل الطالبيين ص ٥٦٧، وكشف الغمة ج ٣ ص ٧٢، وروضة الواعظين ج ١ ص ٢٧٧، والبحار ج ٤٩ ص ٣٠٩، وإرشاد المفيد ص ٣١٦.
(٣) مقاتل الطالبيين ص ٥٧٢، وإرشاد المفيد ص ٣١٦، وعيون أخبار الرضا ج ٢ ص ٢٤١، والبحار ج ٤٩ ص ٢٩٩. وعبارة مقاتل الطالبيين: " وأغلظ من ذلك علي، وأشد:
أن الناس يقولون: إني سقيتك سما ". (٣٩٨) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (2)، الوفاة (2)، كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام (1)، كتاب الإرشاد للشيخ المفيد (2)، كتاب إثبات الوصية للمسعودي (1)، كتاب مقاتل الطالبيين لأبو الفرج الأصفهاني (3)، كتاب كشف الغمة للإربلي (1)
ولماذا يظهر التمارض بعد أن أكل مع الإمام (ع) العنب (1)..؟!
وكيف مات الإمام (ع) في مرضه من العنب، ولم يمت المأمون منه أيضا؟!.
ولماذا يحضر محمد بن جعفر، وجماعة من آل أبي طالب، ويشهدهم علي أن الرضا مات حتف أنفه، لا مسموما (2)؟!.
ولماذا يبقي علي قبره ثلاثة أيام!! يؤتي! كل يوم برغيف واحد وملح ليأكله!. الأمر الذي لم يفعله حتي عندما مات أبوه الذي ولد منه، وأخوه الذي قتله، وفعل برأسه ما فعل؟!.
وهل يمكن أن نصدقه حينما نسمعه يقول: " وقد كنت أؤمل أن أموت قبلك " (3)!. هذا مع علمه بأن الإمام (ع) كان يكبره ب (22) سنة؟! أم أن وقع المصيبة جعله يتكلم بما لا معني له، ولا واقع وراءه؟!.
ولماذا أيضا: يجبره علي أكل العنب بعد امتناع الإمام (ع) من أكله، ثم يقول له: " لا بد من ذلك، وما يمنعك منه، لعلك تتهمنا بشئ؟! " وبعد أن أكل منه الإمام (ع) قام، فقال له المأمون:
إلي أين؟ قال (ع): إلي حيث وجهتني.. " (4)؟!
ولماذا؟ ولماذا؟ إلي آخر ما هنالك مما يضيق عنه المقام.. (١) إعلام الوري ص ٣٢٥، وإرشاد المفيد ص ٣١٦، ومقاتل الطالبيين ص ٥٦٦، والخرائج والجرائح طبعة حجرية ص ٢٥٨، وغير ذلك..
(٢) روضة الواعظين ج ١ ص ٢٧٧، ومقاتل الطالبيين ص ٥٦٧، وإرشاد المفيد ص ٣١٦، وكشف الغمة ج ٣ ص ٧٢ و ١٢٣. والبحار ج ٤٩ ص ٣٠٩، وإعلام الوري ص ٣٢٩.
(٣) نفس المصادر السابقة باستثناء كشف الغمة.
(٤) أمالي الصدوق ص ٣٩٣، وروضة الواعظين ج 1 ص 274، وعيون أخبار الرضا ج 2 ص 243، وإعلام الوري ص 226، والبحار ج 49 ص 301، وغير ذلك. (٣٩٩) صفحهمفاتيح البحث: محمد بن جعفر (1)، المرض (1)، القتل (3)، الموت (3)، القبر (1)، المنع (1)، الأكل (3)، الجماعة (1)، كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام (1)، كتاب الإرشاد للشيخ المفيد (2)، كتاب الخرائج والجرائح للقطب الراوندي (1)، كتاب روضة الواعظين (1)، كتاب أمالي الصدوق (1)، كتاب إعلام الوري بأعلام الهدي (3)، كتاب كشف الغمة للإربلي (2)
كاد المريب أن يقول: خذوني:
وبعد.. فهذه بعض الأسئلة، التي تدور حول تصرفات المأمون عند استشهاد الإمام (ع).. تحتاج إلي جواب.. وأني لها من المأمون الجواب الصحيح، والصريح. ولكن مواقفه وتصرفاته هذه، هي الجواب الكافي والشافي، فلقد قيل، وما أصدق ما قيل: " كاد المريب أن يقول:
خذوني.. كما أن المؤرخين بدورهم قد أجابوا عنها بكل صراحة أحيانا، وباللف والدوران - لأسباب مختلفة - أحيانا أخري..
فإلي الفصل التالي، لنقف علي بعض أقوال ومواقف المؤرخين، بالنسبة لسبب وفاة الإمام (ع).. (٤٠٠) صفحهمفاتيح البحث: الوفاة (1)

ما يقال حول وفاة الإمام

ما يقال حول وفاة الإمام (ع) ماذا تري بعض الفرق في الحكام:
قبل كل شئ نود أن نشير إلي أمر مهم، كنا قد أشرنا إليه من قبل، وله - إلي حد ما - صلة فيما نحن بصدده.. وهو: أن بعض فرق المسلمين تري: أن الحكام تجب طاعتهم، ولا تجوز مخالفتهم، والقيام ضدهم، والوقوف في وجههم بحال من الأحوال..
مهما كانت هويتهم، وأيا كان سلوكهم، حتي ولو أنهم ارتكبوا أعظم المحرمات، وانتهكوا جميع الحرمات..
أي.. أنهم حتي لو قتلوا الأبرياء - ولو كانوا أبناء محمد -، وهدموا الكعبة.. مع ذلك كله - تجب طاعتهم، ولا تجوز مخالفتهم، ولا الوقوف في وجههم..
هكذا.. تعتقد الفرق الإسلامية - كما قلنا -.. ومن المؤسف جدا أن من هؤلاء الفرق: أهل الحديث، وعامة أهل السنة، قبل الإمام الأشعري، وبعده. وهو أيضا قائل بهذه المقالة ومعتقد بهذه العقيدة..
ولقد أيدوا هذه العقيدة بمختلف أنواع التأييد، حتي لقد وضعوا في (٤٠١) صفحهمفاتيح البحث: القتل (1)، الوقوف (1)، الجواز (1)، الوفاة (1)
تأييدها الروايات علي لسان النبي صلي الله عليه وآله، مع عدم تنبههم إلي أن ذلك ينافي صريح القرآن، ويصادم حكم العقل والوجدان..
انعكاسات هذه العقيدة علي التراث:
وطبيعي أن ينعكس ذلك إلي حد كبير علي كتابهم ومؤرخيهم (1)، وحتي علي علمائهم، وفقهائهم أيضا، حيث كان لا بد لهم من التستر علي كل هفوات أولئك الحكام. وكل مخازيهم وموبقاتهم، مما كان من نتيجته - بطبيعة الحال - إخفاء كثير من الحقائق، وطمسها، حتي إذا لم يتمكنوا من ذلك، تراهم يحاولون اللف والدوران، وتوجيهها بما لا يسمن ولا يغني من جوع.. هذا إن لم تخولهم غيرتهم، وتدفعهم حميتهم إلي تشويهها، والتغيير والتبديل فيها، بحيث تبدو مستهجنة، وغريبة. ولتسقط من ثم عن الاعتبار.. وقد يختلقون في كثير من الأحيان في مقابلها، ما ينسجم مع نظرتهم الضيقة، وتعصبهم المقيت، أو يوافق هوي نفوسهم، ويرضي حكامهم، الذين كانوا يرون أنهم يقربونهم من الله زلفي.
إخفاء كل الحقائق عن الأئمة عليهم السلام:
ولقد أراد الحكام - لسبب أو لآخر - إخفاء كل الحقائق التي ترتبط بالأئمة الأطهار عليهم السلام، أو تشويهها، فكان لهم ما أرادوا، ووجدوا من العلماء، والكتاب، والمؤرخين، من لا يألوا جهدا، ولا يدخر وسعا من أجل تنفيذ إرادتهم تلك، التي يرون: أنها إرادة الله (1) راجع تمهيد الكتاب.. (٤٠٢) صفحهمفاتيح البحث: الأئمة الأثنا عشر عليهم السلام (1)، الرسول الأكرم محمد بن عبد الله صلي الله عليه وآله (1)، القرآن الكريم (1)، الوراثة، التراث، الإرث (1)، النفاذ، التنفيذ (1)
- حسب عقيدة الجبر التي ابتدعوها -.. حتي إنك قد لا تجد في كثير من الكتب التاريخية، حتي اسم الأئمة الأطهار عليهم السلام. فضلا عن شرح أحوالهم، وبيان نشاطاتهم..
وليس ذلك لأنهم عليهم السلام كانوا غير مشهورين، ولا معروفين..
أو لأنهم ممن لا يعتني بشأنهم، ولا يلتفت إليهم.. لا.. أبدا. فقد كان ذكرهم يسري في جميع الآفاق في الدولة الإسلامية المترامية الأطراف:
إما حبا وتشيعا، وأما عداء ونصبا..
وقذ ذكر الجاحظ في رسالته: " فضل هاشم علي عبد شمس " - وهو الكاتب المعروف في عصره، وبعد عصره.. وحتي الآن، والذي تعرض في كتبه لمختلف الموضوعات التي شاع التكلم بها في زمانه، ومنها موضوع رسالته المشار إليها. والذي كان يظهر الحياد في كتاباته، وإن كان المعتزلة - أهل نحلته - مثل الإسكافي وغيره يتهمونه بالنصب والعداء لأهل البيت عليهم السلام. ومما يدل علي نصبه وتعصبه: أنه قد ألف كتابا في نقض فضائل الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) (1) - الجاحظ هذا - يقول في رسالته المشار إليها:
".. ومن الذين يعد من قريش، أو من غيرهم، ما بعد الطالبيون في نسق واحد، كل واحد منهم: عالم، زاهد، ناسك، شجاع، جواد، طاهر، زاك، فمنهم خلفاء، ومنهم مرشحون: ابن، ابن، ابن، ابن. هكذا إلي عشرة.. وهم: الحسن بن علي، بن محمد، ابن علي، بن موسي، بن جعفر، بن محمد، بن علي، بن الحسين، ابن علي. وهذا لم يتفق لبيت من بيوت العرب، ولا من العجم إلخ.. " (2). (1) مروج الذهب ج 3 ص 237، (2) آثار الجاحظ ص 235. (٤٠٣) صفحهمفاتيح البحث: أهل بيت النبي صلي الله عليه وآله (1)، الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام (1)، الأئمة الأثنا عشر عليهم السلام (1)، مدرسة المعتزلة (1)، علي بن موسي بن جعفر بن محمد (1)، الحسن بن علي بن محمد (1)، علي بن الحسين (1)، الطهارة (1)، كتاب مروج الذهب للمسعودي (1)
هذا.. ويجب أن لا يفوتنا هنا: التنبيه علي أن الجاحظ كان في البصرة، والإمام العسكري (ع) كان في سامراء، موضوعا تحت الرقابة الشديدة.
وتوفي الجاحظ قبل وفاة العسكري بخمس سنين.
وقد كان عمره (ع) عندما ألف الجاحظ رسالته في حدود اثنتين وعشرين سنة، لو فرض أن الجاحظ كان قد ألفها في آخر يوم من أيام حياته..
ولم يكن الإمام العسكري أنبه. ولا أشهر من آبائه الطاهرين (ع)، سيما الإمام علي، والحسن، والصادق، والرضا عليهم السلام.
بل كان الأئمة (ع)، بعد الرضا (ع) - مع نباهة شأنهم، وعلو أمرهم - يسمون: ب " ابن الرضا "، وذلك يدل علي أنه (ع) كان أنبه من أبنائه الطاهرين، فكان يقال ذلك - يعني: ابن الرضا - للجواد، والهادي بعده، بل وللعسكري أيضا (1)، ويؤيد ذلك قول أبي الغوث، أسلم بن مهوز المنبجي في داليته المعروفة، التي يمدح فيها أئمة سامراء عليهم السلام:
إذا ما بلغت الصادقين بني الرضا * فحسبك من هاد يشير إلي هاد (2) نعم.. إن هؤلاء الأئمة، الذين كان يسري ذكرهم في الآفاق، قد لا تجد حتي أسماءهم في كثير من الكتب التاريخية.. مع أنك تجد ما شاء الله. من قصص المغنين، والجواري، والأعراب، بل وحتي قطاع الطرق، مما لا يسمن، ولا يغني من جوع. (١) راجع: قاموس الرجال ج ١٠ ص ٢٤٨. والرسالة التي في آخر ج ١١ من قاموس الرجال ص ٥٨.
(٢) سفينة البحار ج ٢ ص ٥٢٩، والكني والألقاب ج ١ ص ١٣٣. (٤٠٤) صفحهمفاتيح البحث: الإمام الحسن بن علي العسكري عليهما السلام (2)، الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (2)، مدينة سامراء المقدسة (2)، مدينة البصرة (1)، الطهارة (2)، الوفاة (1)، السفينة (1)
كل ذلك خيانة للحقيقة، وتخليا عن الأمانة. التي أخذوا علي أنفسهم أداءها للأجيال التي تأتي بعدهم، حيث كان عليهم: أن يصدعوا بالحق، ويظهروا الواقع، مهما كانت الظروف، وأيا كانت الأحوال..
وإلا.. فيجب أن لا يتصدوا للكتابة، ويبوؤا بإثم الخيانة..
هذا.. ولم يكن المجال مفسوحا أمام شيعة أهل البيت (ع)، ليتمكنوا من إظهار الحقائق كاملة، وذلك بسبب ملاحقة الحكام لهم. ومحاولات القضاء عليهم أينما كانوا، وحيثما وجدوا، وبأي ثمن كان.. ومن قبلهم القضاء علي أئمتهم أئمة الهدي، وقادتهم، القادة إلي الحق.
ويبقي هنا سؤال:
لماذا إذن كان يهتم الخلفاء بالعلماء، ويرسلون إليهم يستدعونهم من مختلف الأقطار والأمصار؟!.. وكيف لا يتنافي ذلك مع اضطهادهم الأئمة، أئمة أهل البيت، وشيعتهم ومواليهم؟!، ومحاولاتهم تصغير شأنهم، وطمس ذكرهم؟!.
سر اهتمام الخلفاء بأهل العلم:
وللإجابة علي هذا السؤال نقول: إن سر اضطهادهم لأهل البيت (ع) يعود: أولا: إلي أن الحق في الحكم كان لأهل البيت، من كل جهة، فالقضاء معناه القضاء علي ذلك الحق، وتكريس الأمور لهم. وفي صالحهم..
وثانيا: إلي أن الأئمة عليهم السلام ما كانوا يؤيدون أولئك الحكام، ولا يرضون عن أعمالهم، وسلوكهم الذي كان يتنافي مع مبادئ الإسلام وتعاليمه.. (٤٠٥) صفحهمفاتيح البحث: شيعة أهل البيت عليهم السلام (1)، الأمانة، الإئتمان (1)
وثالثا: إلي أن الأئمة عليهم السلام بسلوكهم المثالي، وبشخصياتهم الفذة كانوا يشكلون أكبر مصدر للخطر عليهم، وعلي حكمهم ذاك غير الأصيل..
إلي غير ذلك من أمور يمكن استخلاصها من الفصول الأولي من الكتاب..
وأما السبب في تشجيعهم - في تلك الحقبة من الزمن للعلم والعلماء فإنه يعود إلي أهداف سياسية معينة. وفي الحدود التي كانت لا تشكل عليهم خطرا في الحكم، لأن الحكم كان في نظرهم هو كل شئ، وليس قبله ولا بعده شئ، وكل ما في الوجود يجب أن يكون من أجله، وفي خدمته، حتي العلماء والمفكرون.
ولم يكن جمعهم للعلماء من حولهم. والإتيان بهم من كل حدب وصوب، إلا:
1 - ليكون أولئك العلماء، الذين يمثلون الطليعة الواعية في الأمة تحت نظرهم، وسيطرتهم.
2 - ليتمكنوا بواسطتهم من تنفيذ الكثير من مخططاتهم، والوصول إلي كثير من مأربهم، كما تشهد به الأحداث التاريخية الكثيرة..
3 - ليظهروا للناس بمظهر المحبين للعلم والعلماء، ليقوي مركزهم في نفوسهم، وتتأكد ثقتهم بهم، إذ كان لا بد لهم، بعد أن تركوا أهل البيت عليهم السلام. من الاستعاضة عنهم بغيرهم، ودفع شكوك وشبهات الناس عن أنفسهم..
4 - محاولة التشويش بذلك علي أهل البيت عليهم السلام، وطمس ذكرهم، وإخفاء أمرهم، ما استطاعوا إلي ذلك سبيلا.. ولكن.
يأبي الله إلا أن يتم نوره. (٤٠٦) صفحهمفاتيح البحث: أهل بيت النبي صلي الله عليه وآله (2)، الهدف (1)، الشهادة (1)، السب (1)، النفاذ، التنفيذ (1)
ويتفرع علي ما سبق:
وإذا تحقق لدينا أنهم إنما كانوا يقدرون العلم والعلماء لأهداف سياسة معينة كما أوضحنا.. فلسوف لا نستغرب إذا رأينا:
أنهم كانوا إذا شعروا بالخطر يتهددهم من قبل أية شخصية، ولو كانت علمية، لا يترددون في القضاء عليها، والتخلص منها، بأي وسيلة كانت.
قال أحمد أمين: إن المنصور كان " يقرب المعتزلة إذا شاء، ويقرب المحدثين والفقهاء، ما لم تقض تعاليم أحدهم بشئ يمس سلطانه، فهناك التنكيل.. " (1).
وقال السيد أمير علي: ".. كان خلفاء بني العباس يسحقون كل اختلاف معهم في الرأي بصرامة. وحتي الفقهاء المعاصرون كانوا عرضة للعقاب، إذا تجرأوا علي الافصاح عن رأي لا يتفق ومصلحة الحاكمين. " (2).
ولقد رأينا المنصور يدس السم لأبي حنيفة، ويضيق علي الإمام الصادق - الذي لم يبايع لمحمد بن عبد الله العلوي -، وضيق علي من تلاه من ذريته، ولاحق تلامذته ومحبيه.
لكنه لم يقتل عمرو بن عبيد، ولا أهانه بل مدحه بقوله:
كلكم يطلب صيد * غير عمرو بن عبيد.
رغم أن عمرا هذا قد بايع لمحمد بن عبد الله العلوي، ورغم أن مذهبه يفرض عليه الخروج علي النظام، لأن من أصول المعتزلة الخمسة، (1) ضحي الإسلام ج 3 ص 202، ولا بأس أيضا بمراجعة ج 2 ص 46 و 47.
(2) روح الإسلام ص 302. (٤٠٧) صفحهمفاتيح البحث: مدرسة المعتزلة (2)، بنو عباس (1)، عبد الله العلوي (2)، القتل (1)، الصيد (1)
التي يكون الإنسان بها معتزليا هو: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعملا بهذا الأصل كان عمرو هذا قد خرج مع يزيد الناقص سنة 126 ه.
علي الوليد بن يزيد - لم يفعل المنصور مع ابن عبيد إلا كل ما يقتضي الاجلال والتكريم بخلاف ما فعله مع أولئك - لأن عمرا - بخلافهم - قد تخلي عن مذهبه، ومالا النظام. وكان المنصور، ومن تبعه من الخلفاء يستفيدون منه، ومن أضرابه، ولم يروا بأسا في مبايعته لمحمد لكنهم لما لم يكونوا يستفيدون من أولئك الذين نكلوا بهم، وفعلوا بهم الأفاعيل رغم امتناعهم عن مبايعة محمد.. وإلا فما قيمة عمرو هذا عند واحد من تلامذة الصادق، كزرارة، وهشام، ومحمد بن مسلم، وأضرابهم (1).
عودة علي بدء:
قلنا: إن الحكام كانوا يريدون - لسبب أو لآخر - إخفاء كل الحقائق التي ترتبط بالأئمة عليهم السلام، أو تشويهها، فكان لهم ما أرادوا علي أيدي حفنة ممن يطلق عليهم اسم: " علماء "، فتلاعبوا، ودسوا، وشوهوا ما شاءت لهم قرائحهم، وأوحاه لهم تعصبهم المذهبي المقيت..
ولعلنا لا نعدو الحقيقة إذا قلنا: إن ابن الأثير، والطبري، (١) يري البعض: أن الخلفاء كانوا يحاولون إلقاء أسباب النزاع بين العلماء، بهدف صرفهم عن واقع الأمة، وعما يجري ويحدث في مخادع الخلفاء، وداخل قصورهم. ولعل ذلك هو السر في عنايتهم بالترجمة، وإدخال الثقافات الغربية إلي البلاد الإسلامية.. ولذا رأينا الكثيرين من المؤرخين غير راضين عن أعمال الترجمة تلك كالمقريزي في النزاع والتخاصم ص ٥٥، وغيره.. ولكل ما ذكرنا شواهد تاريخية كثيرة، ليس هنا محل ذكرها، ولعلنا نوفق ذلك في مجال آخر.. (٤٠٨) صفحهمفاتيح البحث: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (1)، إبن الأثير (1)، محمد بن مسلم (1)، الصدق (1)، البيعة (1)
وأبو الفداء، وابن العبري، واليافعي وابن خلكان.. كانوا من أولئك الذين ظلموا الحقيقة والتاريخ، بل وأنفسهم، عندما أرخوا للأمة الإسلامية، وكتبوا في أحوالها، وأوضاعها السالفة، دون أن يراعوا الإنصاف والحيدة فيما أرخوا، وفيما كتبوا..
ولعل من جملة سقطات هؤلاء الشنيعة، التي لم يخف علي أحد تعصبهم فيها، وانقيادهم للحكام، والهوي الأعمي في بيانها، قضية:
" كيفية وفاة الإمام الرضا (ع).. "، حيث ذكروا: أن سبب وفاته (ع) هو أنه: " أكل عنبا، فأكثر منه، فمات.. " (1).
وكان ابن خلدون، الأموي النزعة، يريد أن يتابعهم في ذلك، حيث قال في تاريخه: " ولما نزل المأمون مدينة طوس، مات علي الرضا فجأة، آخر صفر من سنة ثلاث ومائتين، من عنب أكله. " (2).
ولعله نسي ما ذكره هو نفسه من ثورة إبراهيم بن موسي علي المأمون لاتهامه إياه بقتل أخيه. كما سيأتي.
ما عشت أراك الدهر عجبا:
وهو كلام عجيب حقا:
فهل يعقل ويتصور أن يصدر هذا العمل من أي إنسان عادي، فضلا عن الإمام، الذي شهد بعلمه، وحكمته، وزهده، كل من عرفه، وكل من أتي من المؤرخين علي ذكره؟!. (١) الكامل ج ٥ ص ١٥٠، والطبري ج ١١ ص ١٠٣٠، وتاريخ أبو الفداء ج ٢ ص ٢٣، ومختصر تاريخ الدول ص ١٣٤، ومرآة الجنان ج ٢ ص ١٢، ووفيات الأعيان طبع سنة ١٣١٠ ه ج ١ ص ٣٢١. لكن بعضهم قد حكي سمه بلفظ: قيل..
(٢) تاريخ ابن خلدون ج ٣ ص ٢٥٠. (٤٠٩) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (1)، يوم عرفة (1)، إبراهيم بن موسي (1)، الشهادة (1)، القتل (1)، الموت (1)، الأكل (2)، النسيان (1)، الوفاة (1)، كتاب تاريخ ابن خلدون لابن خلدون (1)
أفهل يمكن أن يسمح أحد لنفسه أن يصدق بأن شخصا عاقلا، وحكيما، كالإمام (ع)، يسمح لنفسه بالإقدام علي الانتحار من كثرة الأكل؟!.
وهل عرف عن الإمام في سابق عهده: أنه كان أكولا، أو نهما إلي هذا الحد؟!، أي إلي حد أنه ينتهي به ذلك إلي قتل نفسه؟!.
أم أن الزهد والتقوي والعلم، فضلا عن العقل والحكمة. تقضي وتحتم عليه أن يأكل هذا المقدار الهائل، الذي من شأنه أن يودي بحياته؟!.
أم أن الإمام (ع) قد نسي ما كتبه في رسالته الذهبية، التي كتبها للمأمون، والتي هي من أشهر وأجل الوثائق المأثورة عنه؟!.
أم أنه (ع) لم يكن قد رأي العنب في حياته، فأراد أن يغتنم هذه الفرصة الذهبية، لينال أكبر قدر تصل إليه يده؟!.
لا.. لا هذا، ولا ذاك. ولا ذلك.
وإنما العصبية المذهبية، والهوي الأعمي.. هما اللذان فرضا علي الإمام (ع) أن يأكل العنب، ويكثر منه، ويموت هذه الميتة.. حتي ولو لم يقبل بها العقل، ويصدق بها الوجدان..
إن الإمام (ع) لو كان هو الحاكم، والمتسلط لم يمت هذه الميتة، بل كان مات علي حسب ما اشتهي، وبالكيفية التي أراد..
دعك من هؤلاء وأمثالهم، فإنني لا أري: أن كلاما كهذا يستحق من العناية أكثر من ذلك.. بل لا رأي أنه يستحق شيئا من العناية علي الاطلاق..
دعك منه.. وذره لأهله في سنبله!.
وتعال معي لننظر إلي ما يقوله الآخرون، ممن أرخوا للأمة، وتحدثوا عن ماضيها، فقد نجد في كلامهم ما ينقع الغلة، ويشفي الغليل.. (٤١٠) صفحهمفاتيح البحث: الأكل (3)، القتل (1)، الموت (1)، الزهد (1)، النسيان (1)
قول فريق آخر من المؤرخين:
وإننا بعد إلقاء نظرة سريعة وعابرة علي أقوال المؤرخين في هذا المجال، نستطيع أن نلاحظ: إلي أي حد اضطربت كلماتهم في هذه القضية، وتباينت اتجاهاتهم.
فعدا عن أولئك القلة الذين تحدثنا عنهم آنفا نري:
فريقا ثانيا قد أوردوا خبر وفاته مجردا عن بيان السبب، ثم سكتوا، أو عقبوا ذلك بقولهم: " وقيل: إنه مات مسموما " ومن هؤلاء اليعقوبي في تاريخه ج 3 ص 80، وإن كان يظهر من عبارته اختيار مسموميته، وابن العماد في شذرات الذهب، وغيرهم.
ولعل هؤلاء ممن جازت عليهم لعبة المأمون، وانطلت عليهم حيلته، وأقنعتهم الحجج الواهية الآتية التي يسوقها الفريق القائل ببراءة المأمون من دم الرضا (ع).. أو لعلهم لم يكونوا بصدد بحث هذا الأمر وتمحيصه..
أو لأنهم لم يستطيعوا أن يصدعوا بالحقيقة، لما كانوا يخشونه من سطوة الحكام، وبطشهم، ولم يريدوا أن يحرفوا الكلم عن مواضعه، فآثروا السكوت، وإهمال ذلك، علي أمل أن يقيض الله من يصدع بالحق ويكشف عن الواقع.. إلي غير ذلك من الاحتمالات، التي قد يجد بعضها شواهد تاريخية كثيرة.
رأي فريق ثالث في ذلك:
وهناك فريق آخر يري أنه (ع) مات مسموما، وأن الذي دس إليه السم هم العباسيون. وهذا هو رأي السيد أمير علي، وأشار إليه (٤١١) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (1)، الموت (2)، السب (1)
أحمد أمين (1) أيضا..
وهذا الرأي ليس له أي شاهد أو سند تاريخي إلا ما نقل عن الإربلي أنه قال: " فلما رأوا أن الخلافة قد خرجت إلي أولاد علي، سقوا علي بن موسي سما، فتوفي بطوس في رمضان " (2). وهو عدا عن أنه كلام مبهم، فإن، الشواهد كلها علي خلافه.. كما قدمنا وسيأتي.
ولذا فهو لا يحتاج إلي كبير عناء في رده وتفنيده.
ورأي آخر يقول:
إنه (ع) مات مسموما من قبل المأمون، ولكن بإشارة الفضل، وإغرائه.
ونري نحن بدورنا: أن المأمون لم يكن بحاجة إلي حث وإغراء، بعد أن كان يري أن وجود الإمام (ع) يشكل خطرا محققا عليه، وعلي كل بني أبيه من بعده. ونحن - وإن كنا لا نستبعد أن يكون هذا الرأي قد جاء بدافع من حب تبرئة المأمون - السلطة - إلا أننا لا نضايق في أن الفضل، الذي قتل قبل الإمام (ع) بمدة!! كان من الراغبين في التخلص من الإمام، سيما إذا لاحظنا: أنه كان يشكل عقبة كبري في طريق نفوذه وقوته وسلطانه.. ولكننا لا نوافق علي أن المأمون كان لا يريد ذلك، وإنما فعله استجابة لرغبة الفضل، الذي كان قد قتل قبل ذلك بزمان!!. (1) روح الإسلام للسيد أمير علي ص 311، 312. وأما أحمد أمين فقد أشار إليه في عبارته الآتية عما قريب بقوله: " فإن كان حقا قد سم، يكون سمه أحد غير المأمون، من دعاة البيت العباسي ".
(2) الإمام الرضا ولي عهد المأمون ص 102، عن خلاصة الذهب المسبوك ص 142. (٤١٢) صفحهمفاتيح البحث: شهر رمضان المبارك (1)، القتل (1)، الموت (1)، الشهادة (1)
وقد تحدثنا في فصل: أسباب البيعة لدي الآخرين، وغيره من الفصول، وسيأتي الحديث بما فيه الكفاية إن شاء الله، تعالي..
ورأي فريق خامس يقول:
إنه (ع) قد مات حتف أنفه، ولا يقبل أبدا بأنه (ع) مات مسموما، ويورد لذلك الحجج والبراهين التي رأي أنها كافية للدلالة علي أنه (ع) لم يمت مسموما.
ونذكر من هؤلاء ابن الجوزي، حيث قال - بعد أن أورد خبر وفاته، وحكي القيل بأنه دخل الحمام ثم خرج، فقدم له طبق فيه عنب قد أدخلت فيه الإبر المسمومة، من غير أن يظهر أثرها، فأكله، فمات - قال بعد ذلك: " وزعم قوم: أن المأمون سمه، وليس بصحيح. فإنه لما مات علي توجع له المأمون، وأظهر الحزن عليه، وبقي أياما لا يأكل طعاما، ولا يشرب شرابا (1)، وهجر اللذات إلخ.. " (2).
لكن عبارة ابن الجوزي هذه تقتضي أنه ينكر أن يكون المأمون هو الذي سمه، ولا ينكر أن يكون (ع) قد مات بسم غير المأمون.
وقد تابعه الإربلي في كشف الغمة علي ذلك، محتجا بعين ما احتج به، وأضاف إلي ذلك: أن سمه إياه يتنافي مع إكرامه له، وأنه كان ينبه علي علم الرضا، وشرف نفسه وبيته إلخ.. (1) في تاريخ اليعقوبي ج 3 ص 81: أن المأمون بقي ثلاثة أيام مقيما عند قبر الرضا (ع)، يؤتي كل يوم برغيف وملح، فيأكله. ثم انصرف في اليوم الرابع.
(2) تذكرة الخواص ص 355. (٤١٣) صفحهمفاتيح البحث: كتاب كشف الغمة للإربلي (1)، الموت (4)، الحزن (1)، الأكل (1)، الإستحمام، الحمام (1)، الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (1)، كتاب تذكرة خواص الأمة للسبط إبن الجوزي (1)، القبر (1)
وأما أحمد أمين فيقول: إن ذلك بعيد، لأن المؤرخين " يروون حزن المأمون الشديد عليه، كما يرون أن المأمون بعد موته. وبعد انتقاله إلي بغداد ظل يلبس الخضرة.. إلي أن قال: فإن كان حقا قد سم، يكون قد سمه أحد غير المأمون، من دعاة البيت العباسي.. ".
ثم استشهد لذلك أيضا بمناظرة المأمون للعلماء في تفضيل الإمام علي (ع)، والتي ذكرها ابن عبد ربه في العقد الفريد، وبأنه ظل يظهر العطف علي العلويين، رغم كثرة خروجهم عليه (1).
وصاحب كتاب عصر المأمون يستند في استبعاده لذلك إلي تلك الرعاية.
التي أظهرها المأمون له، وذلك الاحترام والتقدير، الذي كان يحيطه به، وخصوصا بعد أن توثقت عري المودة بينهما بالمصاهرة، وضيف إلي ذلك أيضا: أن نفسية المأمون، وخلقه، يأبيان - علي زعمه - عليه ذلك.
وعقد ولاية العهد له من بعده هو عند هؤلاء الدليل القاطع علي حسن نية المأمون، وسلامة طويته.
والدكتور أحمد محمود صبحي يري: أن قضية مسمومية الرضا (ع) هي من مختلقات الشيعة " الذين لم يجدوا تناقضا بين الحظوة التي كان ينالها من المأمون، ثم مبايعته له بولاية العهد، وتزويجه أخته (2)، وبين أن يدس له المأمون السم في العنب، ثم يصلي عليه، ويدفنه بجوار قبر أبيه الرشيد، فقد أصبح مقدرا علي الأئمة منذ الحسن: أن يكون قاتلوهم هم:
الخلفاء، أو بإيعاز منهم. " (3). (1) ضحي الإسلام ج 3 ص 295، 296.
(2) قد اتفق المؤرخون تقريبا علي أن المأمون قد زوج للرضا عليه السلام " ابنته " وليس أخته.
ولم يذكر أنها أخته إلا شاذ منهم لا يعتد به، وهو الذي يتشبث به الدكتور هنا، ولعله لأنهم رأوا عدم انسجام سن الإمام مع سن ابنته آثروا أن يجعلوها أخته.. وأيا كانت الحقيقة فإن مقصود المأمون هنا حاصل..
(3) نظرية الإمامة ص 387. (٤١٤) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (2)، الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام (1)، مدينة بغداد (1)، القبر (1)، الموت (1)، الشهادة (1)، اللبس (1)، الزوج، الزواج (1)
هذه هي الحجج، التي حاول هؤلاء إقامتها علي صحة ما ذهبوا إليه، من براءة المأمون من دم الإمام (ع).
ملخص ما سبق:
ومن أجل التسهيل علي القارئ نعود فنوجز ما ذكروه من الأدلة في النقاط التالية:
1 - عقده له ولاية العهد من بعده..
2 - إكرامه وتقديره له، وتنبيهه علي شرفه، وعلمه وفضله، وبيته.
3 - تزويجه ابنته، الأمر الذي كان سببا في توثيق عري المودة بينهما.
4 - احتجاجه علي العلماء في تفضيل علي (ع) علي جميع الخلق..
5 - إظهاره الحزن والتوجع لوفاته، وهجره الطعام والشراب، واللذات لذلك.
6 - دفنه له بجوار أبيه الرشيد، وصلاته عليه.
7 - بقاؤه بعد وفاته علي لباس الخضرة حتي دخل بغداد.
8 - إنه ظل يظهر العطف علي العلويين، رغم كثرة خروجهم عليه..
9 - إن نفسية المأمون وخلقه يأبيان عليه ذلك.
10 - إن ذلك من مختلقات الشيعة. حيث كتب علي أئمتهم بعد الحسن أن يموتوا بسم الخلفاء، أو بإيعاز منهم.
آفة ذلك: هل هو الجهل، أم التعصب:
هذا ملخص أدلة ما ذهبوا إليه من عدم دس المأمون السم للإمام (ع)، ونحسب أن هؤلاء: إما أنهم لم يطلعوا علي الحقائق اطلاعا كافيا، يخولهم (٤١٥) صفحهمفاتيح البحث: الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام (1)، مدينة بغداد (1)، الطعام (1)، اللبس (1)، الجهل (1)، الحزن (1)
إصدار أحكام صائبة، في قضايا هي من أكثر المسائل التاريخية تعقيدا، بل وغموضا وإبهاما، كقضية حقيقة ظروف وعلاقات المأمون بالرضا، فحكموا علي الأمور حكما سطحيا، لا يلبث أن ينهزم أمام المنطق السليم والنظر الصائب.
وإما أنهم جروا علي ديدن أسلافهم في التعصب علي الأئمة (ع)، والمجاراة لأهوائهم، ولخلفائهم في طمس معالم الحقيقة، التي كان يضر أولئك الخلفاء أكثر من غيرهم إظهارها، ومعرفة الناس لها..
نحن.. وما يقوله هؤلاء:
إن كان ما ذكره هؤلاء لا يمكن أن يمنع المأمون من التدبير في الإمام بما يحسم عنه مواد بلائه.. كما دبر من قبل بوزيره الفضل بن سهل، الذي أراد أن يزوجه ابنته، وكما دبر في قائده الكبير هرثمة بن أعين، الذي قتله فور وصوله إلي مرو، دون أن يستمع لشكواه، أو يصغي إلي دفاعه عن نفسه (1) وكما دبر فيما بعد بطاهر وأبنائه (2) وغيرهم، (١) هكذا ذكر بعض المؤرخين، وقال ابن خلدون في تاريخه ج ٣ ص ٢٤٥، و ٢٤٩: إنه حبس، ثم دس عليه المأمون من قتله.. وفي معارف ابن قتيبة ص ١٣٣ طبع سنة ١٣٠٠ ه.
قال: ".. فلما سمع حاتم بن هرثمة ما صنع أبوه كاتب الأحرار هناك. والملوك، ودعاهم إلي الخلافة، فبينما هو علي ذلك أتاه الموت، فيقال: إن سبب خروج بابك كان ذلك.. ".
ومن يدري فلعل المأمون قد دبر بحاتم بما يحسم عنه مواد بلائه.. كما دبر في الكثيرين قبله وبعده..
وفي البداية والنهاية ج ١٠ ص ٢٤٦: أن أهل بغداد ثاروا. وأعلنوا العصيان بسبب قتل هرثمة. هذا.. ويقال: إن الفضل بن سهل قد عمل علي قتل هرثمة. ولا بأس بمراجعة تاريخ ابن الوردي ج ١ ص ٢٨٩، وغيره.
(٢) في البداية والنهاية ج ١٠ ص ٢٦٠، ومرآة الجنان ج 2 ص 36، ووفيات الأعيان ج 1 ص 237، طبع سنة 1310: إن سبب وفاة طاهر هو أن المأمون عندما ولاه خراسان، أهداه غلاما ليخدمه، ودفع إليه سما لا يطاق، فسمه الخادم في كامخ، فمات من ليلته. وفي الفخري في الآداب السلطانية ص 224: أن الذي أهداه الغلام هو أحمد ابن أبي خالد وزير المأمون، ليقتله إذا فارق الطاعة، فقتله بأمر من المأمون.. وفي تاريخ اليعقوبي ج 3 ص 192: أن المأمون تآمر عليه فقتله. والمؤرخون متفقون علي أن المأمون كان يضمر الشر والخيانة.
والنتيجة أن طاهر يموت - بتدبير من المأمون بهذه الكيفية الغامضة، ويبقي المأمون نفسه بعيدا عن الشكوك والشبهات. (٤١٦) صفحهمفاتيح البحث: هرثمة بن أعين (1)، الفضل بن سهل (2)، القتل (3)، المنع (1)، كتاب البداية والنهاية (2)، مدينة بغداد (1)، خراسان (1)، الطهارة (2)، الموت (2)، الوفاة (1)
وغيرهم، وغيرهم ممن كان يختلهم واحدا فواحدا - علي حد تعبير عبد الله بن موسي في رسالته له - سواء من العلويين أو من غيرهم..
مع أن هؤلاء كانوا وزراءه وقواده، ولهم من الفضل عليه، وعلي دولته ما لا يمكن أن يخفي علي أحد، فإنهم هم الذين وطدوا له دعائم حكمه، وبسطوا نفوذه وسلطانه علي البلاد، وأذلوا له العباد، وقامت دولته بأسيافهم، وعلي أكتافهم..
لقد ختلهم واحدا فواحدا.. مع أنه كان يظهر لهم من الحب والتقدير ما لا يقل عما كان يظهره للإمام.. وحسبنا أن نذكر هنا: أنه قتل أخاه وعمل برأسه ما تقدمت الإشارة إليه من أجل الملك والسلطان فكيف لا يقتل الرضا من أجل الملك والسلطان، أيضا.. ثم يتستر علي فعلته بتلك الظواهر التي لا تضره؟! أم يعقل أن يكون الرضا أعز من هؤلاء جميعا.. وحتي أعز عليه من أخيه الذي قتله؟!.
وأما تظاهره بالحزن والأسي لوفاة الإمام (ع) إلخ.. فما أدري إن كان هؤلاء يريدون من ذلك الأفعي الداهية: أن يظهر الفرح والاستبشار بموت الإمام (ع)!.
وهل نسوا أنه قتل الفضل ثم تظاهر بالحزن العظيم عليه (1) وتتبع قتلته (1) التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية ج 3 ص 322، ومآثر الإنافة ج 1 ص 211.
وقد تكلمنا عن كيفية قتل الفضل في ما تقدم فلا نعيد.. (٤١٧) صفحهمفاتيح البحث: عبد الله بن موسي (1)، العزّة (2)، القتل (5)
وقتلهم، وأرسل رؤوسهم إلي أخيه الحسن بن سهل، ثم تزوج ابنة الحسن هذا؟!. ولكنه عاد فغض من الحسن بن سهل حينما ظفر بإبراهيم ابن شكلة، وأسقطه وحجبه وعزله عما كان في يده (1).
وقتل طاهرا ثم أرسل يحيي بن أكثم إلي الرقة، لينوب عنه في تقديم التعازي، لولده عبد الله، ثم ولي أبناءه مكانه، ثم غدر بهم واحدا بعد الآخر..؟! (2).
وأنه قتل محمد بن جعفر، ثم جاء وحمل نعشه، وقال: إن هذه رحم مجفوة منذ مأتي سنة؟!.
وغيرهم وغيرهم، ممن لا مجال هنا لتتبع أسمائهم وأحوالهم.. أما مواقفه وتصريحاته عند وفاة الإمام، فالظاهر أنهم لم يقيموا لها وزنا، ولا أعارها أي منهم أذنا صاغية، أو قلبا واعيا؟!.
وكيف يتفق كل ما ذكرناه - وخصوصا ما فعله مع أخيه حيا، أو ميتا، وتخريبه بغداد، وأيضا قتله لسبعة من إخوة الإمام واضطهاده للعلويين كما سنبينه، وكتابه للسري عامله علي مصر يأمره فيه بغسل المنابر إلخ.. كيف يتفق كل ذلك، وسائر أفاعيله التي قدمنا شطرا منها مع خلق المأمون ونفسيته؟!. ولا يتفق قتله الإمام (ع) مع نفسيته وخلقه الكريم؟!. وهل قتل أولئك مع إظهار المحبة والإكرام لهم (1) لطف التدبير ص 166، (2) ولقد كان يؤكد براءته من تلك الجرائم بأساليب مختلفة أخري، ويرضي جميع الأطراف، فهو يرضي العباسيين بقتل الرضا، ويرضي العلويين باستقدام الجواد - ولد الرضا - من المدينة، وإكرامه إياه، ويقتل الفضل، ويرضي الحسن أخاه، بما ذكرنا، ويقتل طاهرا، ويرضي أبناءه بتوليتهم مكانه، ويبقي يستعين بهم طيلة فترة حكمه تقريبا.
حيث يغدر بهم واحدا واحدا كما ذكرنا، وعلي هذه فقس ما سواها مما يدل علي مدي حنكة المأمون ودهائه السياسي.. (٤١٨) صفحهمفاتيح البحث: يحيي بن أكثم (1)، مدينة بغداد (1)، الحسن بن سهل (2)، محمد بن جعفر (1)، الكرم، الكرامة (1)، القتل (7)، الطهارة (1)، الزوج، الزواج (1)، الوفاة (1)، الجود (1)
لا يتنافي مع نفسيته وخلقه الكريم، ويتنافي قتل الإمام مع الاكرام والمحبة له وللعلويين مع نفسيته وخلقه الكريم أيضا..
وأيضا هل بعد كل ذلك، يمكن أن يقال: إن مصاهرته للإمام تمنعه من الغدر به، ودس السم إليه؟! ولقد بينا في فصل: ظروف البيعة بعض أهدافه من تزويجه، وتزويج ولده الجواد، وتزويج الفضل أيضا.. وتحدثنا أيضا عن السبب في لباسه والخضرة، ودوافع ولاية العهد، وغير ذلك من أمور.
بل نجرؤ علي القول هنا: إن المأمون قد أكره الإمام (ع) علي هكذا زواج، إذ كيف يمكن أن نتصور رجلا حكيما عاقلا، زاهدا في الدنيا.. يقدم ويرغب في زواج طفلة ومن هي بالنسبة إليه بمنزلة حفيدته، بل أصغر، حيث كان يكبرها بحوالي أربعين سنة.. ثم لا يكون هناك سر آخر يكمن وراء مثل هكذا زواج، إلا أن يدعي هؤلاء: أن ذلك يتفق مع العقل والحكمة، وينسجم مع زهد الإمام في الدنيا، وانصرافه عنها..
وإذا كان ثمة سر آخر يكمن وراء ذلك الزواج، فإن ما تجدر الإشارة إليه هنا هو أنه (ع) لم يكن يستطيع التصريح بحقيقة الأمر، وواقع القضية إلي آخر ما قدمناه في فصل: ظروف البيعة.
وأما قوله بتفضيل علي (ع) علي جميع الخلق.. فإننا إن لم نقل:
أنه كان من ضمن المخطط، الذي كان قد رسمه للوصول إلي مآربه وأهدافه - كما اتضح في فصل ظروف البيعة.. فإننا - ونحن نري تباين مواقفه وتصريحاته - نري أنفسنا مضطرين إلي القول: بأنه لم يكن ينطلق في مواقفه السياسية من مواقف عقائدية.
وأما إكرامه للعلويين.. فقد تقدم تصريحه في كتابه للعباسيين: بأن ذلك ما كان منه إلا سياسة ودهاء.. وتقدم أنه بعد وفاة الرضا (ع) (٤١٩) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (1)، الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام (1)، الكرم، الكرامة (2)، الزهد (1)، القتل (1)، الزوج، الزواج (3)، الجود (1)، السب (1)، الوفاة (1)
قد أخذهم بلبس السواد، ومنعهم من الدخول عليه.. وأنه كان يختلهم واحدا فواحدا حسب ما كتب إليه عبد الله بن موسي.
وسيأتي بيان أنه قتل سبعة من إخوة الإمام (ع). وأنه أمر الولاة والحكام بالقبض علي كل علوي.
وأما ما ذكره أحمد أمين: من كثره خروج العلويين عليه.
فإننا لم نجد، ولم نسمع ذكرا في التاريخ لثورة قامت ضد المأمون، بعد وفاة الرضا (ع) إلا ثورة عبد الرحمن بن أحمد في اليمن، والتي كانت باتفاق المؤرخين بسبب جور العمال، وظلمهم.. وسوي ثورة إخوة الإمام الرضا (ع) طلبا بثأر أخيهم كما سيأتي..
ولم يبق ثمة إلا نسبة فكرة اغتيال الرضا (ع) إلي الشيعة.. وأنهم إنما اختلقوها وابتدعوها بدافع من الشعور بالحاجة إلي مثل هذه التزويرات، إذ قد كتب إلخ..
فهي دعوي تكذبها جميع الشواهد والدلائل التاريخية.. هذا بالإضافة إلي أن السنة قد اتهموا المأمون بهذه التهمة، قبل اتهام الشيعة له بها، والشيعة إنما يعتمدون في ذلك علي كتب أهل السنة، التي استفاضت في اتهام المأمون بذلك، والتي يؤيدها الكثر مما قدمناه في هذا الكتاب، وغيره..
وهكذا.. يتضح أن كل ما ذكره هؤلاء لا يصلح مانعا ولا دليلا علي أن المأمون لم يكن وراء استشهاد الإمام (ع).. بل جميع الدلائل والشواهد متضافرة علي خلاف ذلك حسبما فصلناه في الفصلين المتقدمين وغيرهما، ولولا أن تعداد مواقف المأمون مع الإمام وتصريحاته يستلزم تكرارا نربأ بالقارئ الفطن أن يضطرنا إليه.. لا استطعنا أن نحشد الكثير الكثير من الدلائل والشواهد، التي تؤكد سوء نية المأمون، وخبث طويته تجاه الإمام (ع).. فما استند إليه هؤلاء في حكمهم ذاك، (٤٢٠) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (3)، عبد الله بن موسي (1)، القتل (1)، الشهادة (1)، الوفاة (1)
لا يصلح للاستناد إليه، ولا للاعتماد عليه، وإن صيغ بعبارات منمقة، وأساليب مختلفة، فيها الاغراق والمبالغة أحيانا، ويبدو عليها الاتزان والموضوعية أحيانا أخري.
وبعد. فعلي المكابر: أن يجيب علي السؤال التالي:
وإلا.. فإننا نري: أن لنا كل الحق في توجيه السؤال التالي إلي كل من يكابر، ويصر علي براءة المأمون، وحسن نيته، والسؤال هو:
إنه إذا كان قد عرض ولاية العهد. بعد وفاة الرضا (ع) علي عبد الله بن موسي، فلماذا لم يجعل ولد الرضا " الجواد " وليا لعهده، مع أنه كان زوج ابنته، وولد ولي عهده، الذي أظهر عليه الحزن والجزع، ومع أنه كان قد اعترف له بالعلم. والفضل والتقدم، كما اعترف لأبيه من قبل!!.
ولا مجال هنا للإصغاء للقول: بأن الجواد (ع) لم يكن يصلح لولاية العهد، بالنظر لصغر سنه.. إذ أن جعله وليا للعهد لا يعني تسليمه بالفعل أزمة الحكم والسلطان.. وقد أخذ الخلفاء، حتي أبوه الرشيد، وأخوه الأمين البيعة لم كانوا أصغر من الجواد سنا، ولمن لم يكن له من العقل والحكمة والدراية ما كان الجواد (ع).
هذا بالإضافة إلي أن صغر سنه لم يكن ليضره، بعد أن كان من أهل بيت زقوا العلم زقا، وبعد أن شهد المأمون، واعترف له العباسيون بالعلم والفضل، بعد ذلك المجلس الذي أجاب فيه يحيي بن أكثم عن مسائله، حيث كان العباسيون قد بذلوا له الأموال الطائلة ليقطعه عن (٤٢١) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (1)، الإمام محمد بن علي الجواد عليهما السلام (2)، عبد الله بن موسي (1)، يحيي بن أكثم (1)، الشهادة (1)، الجود (2)، الزوج، الزواج (1)، الوفاة (1)
الحجة! (1). راجع فصل: مع بعض خطط المأمون لتعرف أهداف المأمون من هذه المناظرة.
رأي الفريق السادس: الرأي الحق:
وأما ذلك الفريق الذي يري: أنه (ع) مات مسموما دون شك، والذين أشار إليهم ابن الجوزي بقوله: " وزعم قوم أن المأمون قد سمه " - أما هؤلاء، فكثيرون:
ويمكننا أن نقول: إن ذلك مما تسالم عليه الشيعة رضوان الله عليهم، ما عدا المرحوم الإربلي في كشف الغمة، ونسب ذلك أيضا إلي السيد ابن طاووس، وإلي الشيخ المفيد قدس سره، لكن ربما يستظهر من المفيد أنه يذهب إلي مسموميته، حيث ذكر أنهما - أي المأمون والرضا - قد أكلا معا عنبا، فمرض الرضا، وتمارض المأمون!
واتفاق الشيعة علي ذلك لخير دليل علي أنه (ع) قد قضي شهيدا، لأنهم هم أعرف وأخبر بأحوال أئمتهم من غيرهم، وليس لديهم ما يوجب كتم الحقائق، أو تشويهها. فإذا ما سنحت لهم فرصة لإظهارها أظهروها، دون تكتم علي شئ، أو تشويه لشئ.
ومن أهل السنة، وغيرهم. طائفة كبيرة من العلماء، والمؤرخين، يعتقدون بأنه (ع) لم يمت حتف أنفه، أو علي الأقل يرجحون ذلك، وإن لم يعين كثير منهم من فعل ذلك، أو أمر به. ونذكر من هؤلاء علي سبيل المثال لا الحصر: (١) راجع الصواعق المحرقة، والفصول المهمة، لابن الصباغ، وينابيع المودة للحنفي، وإثبات الوصية للمسعودي، والبحار، وأعيان الشيعة، وإحقاق الحق ج ٢ نقلا عن:
أخبار الدول للقرماني، ونور الأبصار، وأئمة الهدي للهاشمي، والإتحاف بحب الأشراف ومفتاح النجا في مناقب أهل العبا إلخ.. (٤٢٢) صفحهمفاتيح البحث: كتاب كشف الغمة للإربلي (1)، الشيخ المفيد (قدس سره) (1)، الموت (1)، كتاب الفصول المهمة لإبن صباغ المالكي (1)، كتاب نور الأبصار للشبلنجي (1)، كتاب إثبات الوصية للمسعودي (1)، كتاب الأشراف للشيخ المفيد (1)، كتاب أعيان الشيعة للأمين (1)، كتاب ينابيع المودة (1)، كتاب الصواعق المحرقة (1)
ابن حجر في صواعقه ص 122.
وابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة ص 250 والمسعودي في إثبات الوصية ص 208، وفي التنبيه والإشراف ص 203، ومروج الذهب ج 3 ص 417، وإن كان في مكان آخر من مروجه قد حكي ذلك بلفظ: قيل.
والقلقشندي في مآثر الإنافة في معالم الخلافة ج 1 ص 211.
والقندوزي الحنفي في ينابيع المودة ص 263، وغيرها.
وجرجي زيدان في تاريخ التمدن الإسلامي المجلد الثاني جزء 4 ص. 44 قال: " وفكر في بيعته علي الرضا، فأعظم أن يرجع عنها، وخاف إذا رجع أن يثور عليه أهل خراسان، فيقتلوه، فعمد إلي سياسة الفتك، فدس إليه من أطعمه عنبا مسموما، فمات ".
وذكر ذلك أيضا في آخر صفحة من كتابه: الأمين والمأمون.
وأبو بكر الخوارزمي يقول في رسالته: " وسم علي بن موسي الرضا بيد المأمون " وقد تقدم شطر كبير من هذه الرسالة.. ويؤيد قوله هذا بعض ما تقدم بالإضافة إلي عدة روايات ليس هنا محل ذكرها.
وأحمد شلبي في: التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية ج 3 ص 107 يقول: إن ثورة بغداد قد أرغمت المأمون علي التخلص من الرضا، وخلع الخضرة إلخ.
وأبو الفرج الأصفهاني يقول في مقاتل الطالبيين: " وكان المأمون عقد له علي العهد من بعده، ثم دس إليه - فيما ذكر - بعد ذلك سما فمات ".
وذكر استشهاده أيضا أبو زكريا الموصلي في تاريخ الموصل 171 / 352. (٤٢٣) صفحهمفاتيح البحث: كتاب الفصول المهمة لإبن صباغ المالكي (1)، الشيخ سلمان البلخي القندوزي (1)، كتاب إثبات الوصية للمسعودي (1)، كتاب مقاتل الطالبيين لأبو الفرج الأصفهاني (1)، أبو الفرج الإصبهاني (الإصفهاني) (1)، كتاب مروج الذهب للمسعودي (1)، كتاب ينابيع المودة (1)، مدينة بغداد (1)، الخوارزمي (1)، خراسان (1)
وابن طباطبا في الآداب السلطانية ص 218.
والشبلنجي في نور الأبصار ص 176، 177 طبع سنة 1948 يروي ذلك أيضا.
ويروي ابن حجر عن الحاكم في تاريخ نيسابور أنه قال: " استشهد علي بن موسي الرضا بسنا آباد ".
وهو نفسه ينقل عن ابن حبان أنه (ع) مات مسموما بماء الرمان (1).
والسمعاني أيضا في أنسابه ج 6 ص 139، يذهب إلي إستشهاده (ع).
وينقل القندوزي ذلك عن محمد بارسا البخاري في كتاب فصل الخطاب.
كما وينقله عن اليافعي، فراجع ص 385 من ينابيع المودة..
وفي خلاصة تذهيب تهذيب الكمال في أسماء الرجال ص 278 ينقل ذلك عن سنن ابن ماجة القزويني.
وينقل ذلك أيضا عن السلامي في كتابه الذي ألفه في تاريخ خراسان (2).
وعن البيهقي في تاريخ بيهق.
وعارف تأمر في كتابه: الإمامة في الإسلام ص 125 يقول بذلك أيضا.
ونقله في إحقاق الحق (الملحق) ج 12 ص 346 فصاعدا عن:
النبهاني في جامع كرامات الأولياء ج 2 ص 311.
وعن السيد عباس بن علي بن نور الدين في نزهة الجليس ج 2 ص 65.
وعن المناوي في الكواكب الدرية ج 1 ص 256.
وعن ابن طلحة بن مطالب السؤول ص 86. (١) تهذيب التهذيب لابن حجر ج ٧ ص ٣٨٨، وأعيان الشيعة ج ٤ قسم 2 ص 154.
(2) راجع: البحار ج 49 ص 143، وعيون أخبار الرضا ج 2 ص 166. (٤٢٤) صفحهمفاتيح البحث: كتاب نور الأبصار للشبلنجي (1)، كتاب سنن إبن ماجة (1)، كتاب خلاصة تذهيب تهذيب الكمال للخزرجي الأنصاري اليمني (1)، الشيخ سلمان البلخي القندوزي (1)، كتاب فصل الخطاب لسليمان أخ محمد بن عبد الوهاب (1)، كتاب ينابيع المودة (1)، خراسان (1)، الموت (1)، كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام (1)، كتاب أعيان الشيعة للأمين (1)
وعن الهاشمي الأفغاني في كتابه: " أئمة الهدي ص 127.
وعن البدخشي في: مفتاح النجا ص 181 (مخطوط).
وعن الجوزجاني الحنفي في: طبقات ناصري ص 113.
وذكر ذلك أيضا صاحب كتاب عيون الحدائق ص 357.
وأخيرا فقد قال الدكتور كامل مصطفي الشيبي في كتابه: الصلة بين التصوف والتشيع ص 226: ".. ومات الرضا مسموما، كما يري أكثر المؤرخين ".
وهذا غيض من فيض.. وحسبنا ما ذكرنا هنا، فإننا لو أردنا تتبع ما قيل حول وفاة الإمام، لاحتجنا إلي وقت طويل..
هذا كله.. بالنسبة إلي أقوال المؤرخين.
صدي قتل الرضا في نفس زمن المأمون:
وأما إذا راجعنا كتب التاريخ أنفسها، فإننا نستطيع أن نقول: إن استشهاد الإمام (ع) بالسم علي يد المأمون كان شائعا ومعروفا بين الناس في ذلك الزمان، أعني: زمن المأمون نفسه، ومتسالما عليه فيما بينهم..
فلقد تقدم في الفصل السابق: أن المأمون قد اعترف بأن الناس يتهمونه: بأنه قد اغتاله وقتله بالسم!.
وورد أيضا أن الخلق عند وفاة الرضا (ع) اجتمعوا وقالوا: إن هذا قتله واغتاله - يعنون المأمون -، وأكثروا من القول والجلبة، حتي أرسل إليهم المأمون محمد بن جعفر، عم أبي الحسن يخبرهم:
أن أبا الحسن لا يخرج في ذلك اليوم، خوفا من الفتنة (1). (1) مسند الإمام الرضا ج 1 ص 130، والبحار ج 49 ص 299، 300، وعيون أخبار الرضا ج 2 ص 242. (٤٢٥) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (1)، محمد بن جعفر (1)، البدخشي (1)، القتل (3)، الوفاة (2)
كما وأن عبد الله بن موسي يصرح في رسالته التي أرسلها إلي المأمون بأنه قد بلغه ما فعله بالرضا من إطعامه العنب المسموم، وستأتي هذه الرسالة بتمامها في أواخر هذا الكتاب..
وسئل أبو الصلت الهروي: " كيف طابت نفس المأمون بقتل الرضا مع إكرامه إياه ومحبته له؟!. " فجاء في آخر جوابه قوله: " فلما أعيته الحيلة في أمره اغتاله، فقتله بالسم.. " (1).
فإن هذا السؤال يكشف عن أن ذلك كان معروفا آنذاك بين الناس لكن الناس كانوا في حيرة من ذلك، بسبب ما كانوا يرونه من إكرام المأمون للرضا (ع) في الظاهر.
وعن الطالقاني: إنه كان متي ظهر للمأمون من الرضا علم وفضل، وحسن تدبير حسده علي ذلك، وحقد عليه، حتي ضاق صدره منه، فغدر به فقتله ".
بل لقد ذكر ابن خلدون: أن سبب خروج إبراهيم ابن الإمام موسي (ع) علي المأمون هو أنه اتهم المأمون بقتل أخيه علي الرضا (ع) (2).
ويؤيد ذلك: أنه قد نقل الاتفاق من كل من ترجم لإبراهيم هذا علي أنه مات مسموما، وأن المأمون هو الذي دس إليه السم، وقد أنشد ابن السماك الفقيه، حينما ألحده:
مات الإمام المرتضي مسموما * وطوي الزمان فضائلا وعلوما قد مات بالزوراء مظلوما كما * أضحي أبوه بكربلا مظلوما (١) عيون أخبار الرضا ج ٢ ص ٢٣٩، والبحار ج ٤٩ ص ٢٩٠، ومسند الإمام الرضا ج ١ ص ١٢٨، ١٢٩.
(٢) تاريخ ابن خلدون ج ٣ ص ١١٥. (٤٢٦) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (2)، الإمام موسي بن جعفر الكاظم عليهما السلام (1)، مدينة كربلاء المقدسة (1)، عبد الله بن موسي (1)، القتل (2)، الموت (2)، الظلم (2)، كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام (1)، كتاب تاريخ ابن خلدون لابن خلدون (1)
إلي آخر الأبيات (1).. وإبراهيم هذا هو الذي كان قد خرج علي المأمون في اليمن قبل ذلك أيضا. كما أن المأمون قد دس السم إلي أخية زيد ابن موسي (2)، الذي كان قد خرج عليه قبلا بالبصرة، وإن كان اليعقوبي يذكر أن المأمون قد عفا عن زيد وإبراهيم (3).. لكن من الواضح أن عفوه عنهما في الظاهر بسبب خروجهما عليه في البصرة واليمن، لا ينافي أنه دس إليهما السم بعد ذلك بأعوام بسبب مطالبتهما بدم أخيهما الرضا (ع).
كما أن بعض المصادر التاريخية تذكر: أن " أحمد بن موسي " أخا الإمام الرضا.. لما بلغه غدر المأمون بأخيه الرضا، وكان آنذاك في بغداد، خرج من بغداد للطلب بثأر أخيه، وكان معه ثلاثة آلاف من العلوية. وقيل: اثنا عشر ألفا.
وبعد وقائع جرت بينه وبين " قتلغ خان "، الذي أمره المأمون فيهم بأمره، والذي كان عاملا للمأمون علي شيراز.. استشهد أصحابه، واستشهد هو، وأخوه " محمد العابد " أيضا (4). (١) حياة الإمام موسي بن جعفر ج ٢ ص ٤٠٨، والبحار ج ٤٨ ص ٢٧٨ باختصار.
ولكن في وفيات الأعيان ج ١ ص ٤٩١ وصفة الصفوة ج ٣ ص ١٧٧ والكني والألقاب.
ج ١ ص ٣١٦، ومرآة الجنان ج ١ ص ٣٩٣، والطبري في أحداث سنة ١٨٣:
أن تاريخ وفاة محمد بن السماك كانت سنة ١٨٣ ه. وأما وفاة إبراهيم فهي إما سنة ٢١٠، أو سنة ٢١٣، فلا يمكن أن يكون ابن السماك هو المتولي لحده، فضلا عن أن ينشد الشعر المذكور.. اللهم إلا أن يكون ابن السماك اثنين، أحدهما الفقيه، والآخر: القصاص، أو لعل هناك تصحيف عمدي، أو عفوي من الراوي.
(٢) البحار ج ٤٨ ص ٣١٥، وكذا هامش ص ٣٨٦ منه وشرح ميمية أبي فراس ص ١٧٨.
وعمدة الطالب ص ٢٢١، وأيضا حياة الإمام موسي بن جعفر.
(٣) مشاكلة الناس لزمانهم ص ٢٩.
(٤) راجع: كتاب قيام سادات علوي ص ١٦٩ (فارسي)، وأعيان الشيعة ج ١٠ من المجلد 11 ص 286، 287، نقلا عن كتاب: الأنساب، لمحمد بن هارون الموسوي النيشابوري. وراجع أيضا: مدينة الحسين (السلسلة الثانية) ص 91، والبحار ج 8 ص 308، وحياة الإمام موسي بن جعفر ج 2 ص 413، وفرق الشيعة هامش ص 97 عن بحر الأنساب ط بمبي وغير ذلك. (٤٢٧) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (1)، مدينة البصرة (1)، أحمد بن موسي (1)، مدينة بغداد (2)، الشهادة (1)، كتاب أعيان الشيعة للأمين (1)، محمد بن هارون (1)، موسي بن جعفر (3)، القصاص (1)، الوفاة (2)
وأيضا.. فإن شرطة المأمون قد قتلوا " هارون بن موسي " أخا الرضا، حيث إن هارون هذا كان في القافلة التي كانت تقصد خراسان، وكانت تضم (22) علويا، وعلي رأسها السيدة فاطمة أخت الرضا (ع) (1).
فأرسل المأمون إلي هذه القافلة، فقتل وشرد كل من فيها، وجرحوا هارون المذكور، ثم هجموا عليه وهو يتناول الطعام فقتلوه (2). وأما زعيمة القافلة السيدة فاطمة بنت موسي (ع) فيقال إنها هي الأخري قد دس إليها السم في ساوة، ولهذا لم تلبث إلا أياما قليلة واستشهدت (3).
وآخر من يذكره المؤرخون من ضحايا المأمون: " حمزة بن موسي "، أخا الإمام (ع)، حيث ذكروا أنه كان من جملة من قتلهم أتباع المأمون (4).
فيكون المأمون قد قتل ستة، بل سبعة من إخوة الإمام (ع)، لأنهم طالبوه بدم أخيهم، أو كادوا. وألحق بهم ما شاء الله ممن تابعهم، أو خرج معهم.
ويقول الكاتب الفارسي، علي أكبر تشيد: " إن كثيرا من العلويين كانوا قد قصدوا خراسان، أيام تولي الإمام العهد من المأمون، لكن أكثرهم لم يصل، وذلك بسبب استشهاد الإمام (ع)، وأمر المأمون الحكام، وأمراء البلاد بقتل، أو القبض علي كل علوي. " (5). (1) قيام سادات علوي ص 161.
(2) جامع الأنساب ص 56، وقيام سادات علوي ص 161، وحياة الإمام موسي بن جعفر ج 2.
(3) قيام سادات علوي ص 168.
(4) حياة الإمام موسي بن جعفر ج 2.
(5) قيام سادات علوي ص 160. (٤٢٨) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (1)، الإمام موسي بن جعفر الكاظم عليهما السلام (1)، هارون بن موسي (1)، خراسان (2)، القتل (5)، الطعام (1)، الشهادة (1)، موسي بن جعفر (2)
وفي الشعر أيضا نجد ما يدل علي ذلك:
بل إن دعبلا المعاصر للإمام والمأمون، يرثي الإمام (ع) فيقول:
شككت: فما أدري أمسقي شربة * فأبكيك أم ريب الردي فيهون أيا عجبا منهم: يسمونك الرضا * ويلقاك منهم كلحة وغضون فدعبل لم يكن شاكا في الأمر، بدليل البيت الثاني، أعني قوله:
أيا عجبا منهم يسمونك إلخ.. وبدليل مرثيته الأخري للإمام، التي يقول فيها:
لم يبق حي من الأحياء نعلمه * من ذي يمان ولا بكر ولا مضر إلا وهم شركاء في دمائهم * كما تشارك أيسار علي جزر إلي آخر الأبيات.. ومهما شككت في شئ، فإنني لا أشك في أن أقوال دعبل هذه هي التي دعتهم لاتهامه بالزندقة، والمروق من الدين..
ويقول السوسي:
بأرض طوس نائي الأوطان * إذ غره المأمون بالأماني حين سقاه السم في الرمان (1) والقاضي التنوخي أيضا يقول:
ومأمونكم سم الرضا بعد بيعة * فآدت له شم الجبال الرواسب (2) وأبو فراس أيضا يقول في شافيته:
باءوا بقتل الرضا من بعد بيعته * وأبصروا بعض يوم رشدهم وعموا (١) مناقب ابن شهرآشوب ج ٤ ص ٣٧٤.
(٢) مناقب ابن شهرآشوب ج ٤ ص ٣٢٨، وفي الغدير ج ٣ ص ٣٨٠، هكذا: " تود ذري شم الجبال إلخ. ".، ولعل الصواب فيه: " تهد ذري الخ. ". (٤٢٩) صفحهمفاتيح البحث: القتل (1)، ابن شهرآشوب (2)
عصابة شقيت من بعدما سعدت * ومعشر هلكوا من بعدما سلموا لا بيعة ردعتهم عن دمائهم * ولا يمين، ولا قربي، ولا ذمم وهكذا.. يتضح بما لا مجال معه للشك: أن كون المأمون هو الذي اغتال الإمام قد كان معروفا لدي الناس، وشائعا بينهم منذ ذلك الحين..
ولا غرابة في ذلك فلقد كان وعد حاجبه، وجمعا من العباسيين بأنه سوف يدبر في الإمام بما يحسم عنه مواد بلائه!.
الإمام وآباؤه عليهم السلام يخبرون بشهادته:
وبعد كل ما تقدم.. نري أنه لا بد لنا قبل أن نأتي علي آخر هذا الفصل من الإشارة إلي أن الإمام نفسه قد أخبر أكثر من مرة بأنه سوف يقضي شهيدا بالسم، بل لقد أخبر بذلك آباؤه الطاهرون، وغيرهم ممن عاشوا في ذلك الزمان.
ونستطيع أن نقسم هذه الروايات الكثيرة جدا إلي ثلاث طوائف:
1 - طائفة وردت علي لسان النبي صلي الله عليه وآله، والأئمة (ع): يخبرون فيها عن استشهاد الإمام الرضا (ع) في طوس، وهذه علي ما يبدو خمسة أحاديث.
2 - طائفة وردت عن الإمام نفسه، يخبر فيها بهذا الأمر، وبأن المأمون نفسه هو الذي سوف يقدم علي ذلك، وأنه سوف يدفن في طوس إلي جنب هارون.
وهذه الطائفة كثيرة جدا - وفي بعضها يصرح بذلك للمأمون نفسه، كما المحنا إليه - حتي إنه زاد في قصيدة دعبل، من أجل تتميم قصيدته قوله: (٤٣٠) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (1)، الرسول الأكرم محمد بن عبد الله صلي الله عليه وآله (1)، الشهادة (2)، الدفن (1)، الجنابة (1)
وقبر بطوس يا لها من مصيبة * ألحت علي الأحشاء بالزفرات (1) 3 - تلك الطائفة التي تشرح لنا كيفية دس السم إليه. وأنه بالعنب، أو بإدخال الإبر المسمومة في، أو بالرمان، أو بهما معا، أو بغير ذلك.
وهذه الطائفة كثيرة أيضا، وقد ورد بعضها عن الإمام نفسه. وقال بعض الكتاب: إنه تتبع هذه الروايات، فوجدانها تنتهي إلي ستة أشخاص، هم:
أبو الصلت عبد السلام الهروي، والريان بن شبيب، وهرثمة بن أعين (2) ومحمد بن الجهم، وعلي بن الحسين الكاتب، و عبد الله بن بشير (3).
ولكنني قد راجعت بدوري هذه الروايات، فوجدت: أن عددا آخر غير هؤلاء قد رووا ذلك أيضا.
وحتي الزيارة تؤكد علي استشهاده (ع):
وأخيرا.. فقد ورد في الزيارة الجوادية قول الإمام الجواد (ع): (1) ينابيع المودة ص 454، ومناقب ابن شهرآشوب ج 4 ص 338، والبحار ج 49 ص 239، وعيون أخبار الرضا ج 2 ص 263، 264.
(2) لم يكن هرثمة حيا حين وفاة الإمام، لأنه بعد مقتل أبي السرايا ذهب إلي مرو، فلم يمهله المأمون. وتخلص منه بعد أيام قلائل من وصوله، فروايته لكيفية وفاة الإمام عليه السلام لا تصح. إلا أن يكون هرثمة اثنين.. هذا ويلاحظ بعض التشابه بين رواية هرثمة، ورواية أبي الصلت.. فلعل الأمر قد اشتبه علي الراوي، أو أنه قد ذكر اسم هرثمة لحاجة في نفسه قضاها..
(3) القائل بذلك هو علي موحدي في كتابه: ولاية عهدي إمام رضا.. (٤٣١) صفحهمفاتيح البحث: الإمام محمد بن علي الجواد عليهما السلام (1)، عبد الله بن بشير (1)، هرثمة بن أعين (1)، علي بن الحسين (1)، ريان بن شبيب (1)، كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام (1)، كتاب ينابيع المودة (1)، ابن شهرآشوب (1)، القتل (1)، الوفاة (2)
" السلام عليك من إمام عصيب، وإمام نجيب، وبعيد قريب، ومسموم غريب (1).. ".
وفي كامل الزيارة لابن قولويه، وهو من الكتب المعتمدة، والموثوقة، وغيره: قد ورد قولهم (ع) في زيارته: " قتل الله من قتلك بالأيدي والألسن (2) ". وفقرة أخري في زيارته تقول: " السلام عليك أيها الشهيد السعيد، المظلوم المقتول.. إلي أن قال: لعن الله أمة قتلتك، لعن الله أمة ظلمتك (3) ".
وأما قولهم (ع): أيها الصديق الشهيد، فهي موجودة في غير مورد من زيارته، وفي مختلف الكتب الموردة لها.
القمة الشامخة الخالدة:
والآن.. وبعد أن أصبح الصبح واضحا لكل ذي عينين، وبان وظهر ما جهد المأمون ومن يدور في فلكه في إخفائه وطمسه - الآن - قد آن لنا أن نقول:
فليكد المأمون كيده، وليسع سعيه، وليناصب جهده، فلقد بقي الإمام (ع) رغم كل مؤامراته ودسائسه: قمة شامخة، لم تدنسه الأهواء، ولم تنل منه العوادي.. ويبقي - وإلي الأبد - كعبة الزوار، ومهوي الأفئدة، من شرق الأرض وغربها.
أما المأمون.. فيبوء بعارها وشنارها، ويذهب إلي لعنة إلي.. لعنة الله والتاريخ. (١) البحار ج ١٠٢ ص ٥٣.
(٢) كامل الزيارات ص ٣١٣. ومفاتيح الجنان ص 501، وعيون أخبار الرضا ج 2 ص 270 (3) عيون أخبار الرضا ج 2 ص 269. (٤٣٢) صفحهمفاتيح البحث: ابن قولويه (1)، الصدق (1)، القتل (2)، الشهادة (1)، الخلود (1)، الظلم (1)، كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام (2)، كتاب كامل الزيارات لجعفر بن محمد بن قولويه (1)

دعبل والمأمون

دعبل والمأمون!:
الموقف الجرئ جاء في أمالي الشيخ ج 1 ص 98، 99، وأمالي المفيد ص 200، 201، و ط الحيدرية في النجف ص 192 - 193 والأغاني 8 ص 57، والغدير ج 2 ص 375، 376 عنه، وعن ابن عساكر في تاريخه ج 5 ص 233 وأخبار شعراء الشيعة للمرزباني ص 94 - 95 ما يلي:
عن يحيي بن أكثم، قال: إن المأمون أقدم دعبل رحمه الله، وآمنه علي نفسه، فلما مثل بين يديه، وكنت جالسا بين يدي المأمون، فقال له: أنشدني قصيدتك " الرائية " فجحدها دعبل، وأنكر معرفتها، فقال له: لك الأمان عليها كما آمنتك علي نفسك، فأنشده:
تأسفت جارتي لما رأت زوري * وعدت الحلم ذنبا غير مغتفر ترجو الصبا بعدما شابت ذوائبها * وقد جرت طلقا في حلبة الكبر أجارتي: إن شيب الدهر يعلمني * ذكر المعاد، وأرضاني عن القدر لو كنت أركن للدنيا وزينتها * إذن بكيت علي الماضين من نفر (٤٣٣) صفحهمفاتيح البحث: كتاب أمالي الصدوق (2)، مدينة النجف الأشرف (1)، إبن عساكر (1)، يحيي بن أكثم (1)
أخني الزمان علي أهلي فصدعهم * تصدع الشعب لاقي صدمة الحجر بعض أقام، وبعض قد أصاربه * داعي المنية والباقي علي الأثر أما المقيم: فأخشي أن يفارقني * ولست أوبة من ولي بمنتظر أصبحت أخبر عن أهلي وعن ولدي * كحالم قص رؤيا بعد مدكر * * * لولا تشاغل عيني بالأولي سلفوا * من أهل بيت رسول الله لم أقر وفي مواليك للحرين مشغلة * من أن تبيت لمشغول علي أثر كم من ذراع لهم بالطف بائنة * وعارض بصعيد الترب منعفر أمسي الحسين ومسراهم لمقتله * وهم يقولون هذا سيد البشر يا أمة السوء ما جازيت أحمد في * حسن البلاء علي التنزيل والسور خلفتموه علي الأبناء حين مضي * خلافة الذئب في انفاد ذي بقر * * * قال يحيي: وأنفذني المأمون في حاجة، فقمت، فعدت إليه، وقد انتهي إلي قوله:
لم يبق حي من الأحياء نعلمه * من ذي يمان، ولا بكر، ولا مضر إلا وهم شركاء في دمائهم * كما تشارك أيسار علي جزر قتلا، وأسرا، وتخويفا ومنهبة * فعل الغزاة بأهل الروم والخزر أري أمية معذورين إن قتلوا * ولا أري لبني العباس من عذر قوم قتلتم علي الإسلام أولهم * حتي إذا استمكنوا جازوا علي الكفر أبناء حرب، ومروان، وأسرتهم * بنو معيط، ولاة الحقد والوغر * * * إربع بطوس علي قبر الزكي بها * إن كنت تربع من دين علي وطر (٤٣٤) صفحهمفاتيح البحث: يوم عاشوراء (1)، بنو عباس (1)، القبر (1)، القتل (1)، الحرب (1)
قبران في طوس: خير الناس كلهم * وقبر شرهم، هذا من العنر ما ينفع الرجس من قرب الزكي ولا * علي الزكي بقرب الرجس من ضرر هيهات كل امرئ رهن بما كسبت * له يداه فخذ من ذاك أو فذر قال: فضرب المأمون بعمامته الأرض، وقال:
" صدقت والله يا دعبل ".
صفحه(٤٣٥)

كلمة ختامية

كلمة ختامية:
وفي الختام:
فإنني أرجو أن أكون قد وفقت في هذه الدراسة، للكشف عن الحقائق التي أريد لها أن تبقي طي الكتمان.. وأن يكون القارئ قد وجد فيها ما يصح أن يكون جوابا علي الأسئلة الكثيرة، التي قد يثيرها لديه هذا الحدث التاريخي الهام، الذي لم يكن طبيعيا، وعاديا كسائر ما يجري وما يحدث..
الاكثار من النصوص التاريخية في الكتاب:
ولعل المطلع علي هذا الكتاب يكون قد لاحظ: أنني أكثرت فيه من النصوص التاريخية، ولم يكن هدفي إلا أن لا يجد القارئ كبير عناء في استخلاص الحقائق، بعيدا عن نزوات العاطفة، وعثرات الميول..
ولا شك أنه يكون قد لاحظ أيضا: أنني لم أحاول انتقاء ألفاظه، ولا صياغة جمله صياغة فنية أنيقة.. وإذا كنت مقتنعا بأن ذلك من مميزاته وحسناته، لاعتقادي بأن ذلك هو ما تفرضه طبيعة البحث
صفحه(٤٣٦)
الموضوعي الهادئ. فلسوف لا أستغرب، ولا أتألم إذا كان هناك الكثيرون، ممن يعتقدون أنه عيب ونقص، كان بالإمكان تجنبه، والابتعاد عنه. ومع ذلك: فلن أجد نفسي مغبونا حين أقدم - بإخلاص - اعتذاري لهم، وطلب المسامحة، وغض النظر منهم.
رجاء واعتذار:
وإذا كان يجوز لي أخيرا: أن أطلب من إخواني الأعزاء شيئا، فإن رجائي الأكيد من كل من يقرأ كتابي هذا: أن يتحفني بملاحظاته، وأن ينبهني لما يجده، أو يراه خطأ، أو نقصا، فإن الإنسان - إلا من اصطفي الله - معرض للخطأ وللصواب.. وإذا كان كثيرا ما يكون له فضل فيما أصاب، فكثيرا ما يكون له العذر أيضا فيما أخطأ.
شكر وتقدير:
هذا.. ولا يسعني هنا إلا أن أتقدم بجزيل شكري، وعميق تقديري لسماحة حجة الإسلام المحقق السيد مهدي الروحاني، ولأصحاب السماحة والفضيلة. من أساتذتي وإخواني، الذين تفضلوا بمطالعة هذا الكتاب، حيث كان لآرائهم الصائبة، وتوجيهاتهم السديدة، وملاحظاتهم الدقيقة أكبر الأثر علي هذا الكتاب، إن في الشكل، وإن في المحتوي..
وأخيرا.. فإنني أتقدم أيضا بخالص شكري، وفائق تقديري للقارئ الكريم. الذي جعلني مدينا له، بما منحني من وقته. وعقله، وفكره.
وأرجو أن أكون قد وفقت للفوز بثقته أيضا.
ولا أطيل عليك - قارئي الكريم -، فقد كان الفراغ من نقله إلي (٤٣٧) صفحهمفاتيح البحث: الكرم، الكرامة (1)، الحج (1)، الجواز (1)
المبيضة ليلة الأحد السابع من صفر، الساعة التاسعة منها سنة 1396 ه.
ق. الموافق 8 شباط سنة 1976 م ش.
والحمد لله، وله المنة، وصلاته وسلامه علي عباده الذين اصطفي..
نزيل قم المقدسة جعفر مرتضي الحسيني العاملي
صفحه(٤٣٨)

وثائق هامة

وثائق هامة 1 - رسالة الفضل بن سهل إلي الإمام (ع).
2 - وثيقة ولاية العهد.
3 - رسالة المأمون إلي العباسيين.
4 - رسالة عبد الله بن موسي إلي المأمون.
5 - رسالة سفيان إلي هارون.
قصيدة الأمير أبي فراس الحمداني. (٤٣٩) صفحهمفاتيح البحث: ابو فراس الحمداني (1)، عبد الله بن موسي (1)، الفضل بن سهل (1)

رسالة الفضل بن سهل إلي الإمام

رسالة الفضل بن سهل إلي الإمام (ع) هذه الرسالة:
هذه الرسالة هي التي أرسلها الفضل بن سهل إلي الإمام (ع)، يطلب فيها منه القدوم، من أجل عقد ولاية العهد له..
وقد اطلعت عليها في وقت متأخر، وتحدثت عن بعض ما يمكن استخلاصه منها في بعض فصول الكتاب.
ونظرا لأهميتها.. فقد آثرت أن أجعلها مع الوثائق الهامة، ليطلع عليها القارئ بنفسه.
وقد أورد هذه الرسالة أبو القاسم عبد الكريم بن محمد، بن عبد الكريم الرافعي، الشافعي، القزويني المتوفي سنة 623 ه. في كتابه: " التدوين ".
والكتاب موجود منه نسختان خطيتان: إحداهما في مكتبة " ناصرية " القسم الثاني رقم 782 في لكنهو. والأخري: خطية أيضا موجودة في الإسكندرية.. وهناك نسختان مصورتان عنهما: إحداهما: في مكتبة دار التبليغ الإسلامي في قم مصورة عن نسخة لكنهو، والأخري:
في مكتبة المرعشي النجفي العامة في قم مصورة في طهران عن نسخة الإسكندرية. (٤٤١) صفحهمفاتيح البحث: مدينة طهران (1)، محمد بن عبد الكريم (1)، الفضل بن سهل (2)، عبد الكريم (1)، الوفاة (1)
وهي في النسخة المصورة عن لكنهو موجودة في المجلد الثاني. وفي المصورة عن مكتبة الإسكندرية موجودة في ج 4 ص 51. ونقلها عن هذه النسخة السيد المرعشي النجفي في ج 12 من ملحقات الاحقاق ص 381، 382:
نص الرسالة:
قال في التدوين: والنص لنسخة: لكنهو:
ولما عزم المأمون علي تفويض العهد إليه (أي إلي الرضا)، بسعي ذي الرياستين الفضل بن سهل.. كتب إليه ذو الرياستين:
بسم الله الرحمن الرحيم:
لعلي بن موسي الرضا، وابن رسول الله المصطفي، المهتدي بهديه، المقتدي بفعله، الحافظ لدين الله، الخازن لوحي الله، من وليه الفضل ابن سهل، الذي بذل في رد حقه إليه مهجته، ووصل ليله فيه بنهاره..
سلام عليك أيها المهتدي ورحمة الله وبركاته.
فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، وأسأله أن يصلي علي محمد عبده ورسوله.
أما بعد:
فإني أرجو أن الله قد أدي لك، وأذن لك في ارتجاع حقك ممن استضعفك، وأن يعظم مننه عليك، وأن يجعلك الإمام الوارث. ويري أعداك، ومن رغب عنك، منك ما كانوا يحذرون..
وإن كتابي هذا عن إزماع من أمير المؤمنين، عبد الله الإمام المأمون (٤٤٢) صفحهمفاتيح البحث: ذو الرياستين (1)، الفضل بن سهل (1)
ومني: علي رد مظلمتك عليك، وإثبات حقوقك في يديك، والتخلي منها إليك، علي ما أسأل الله الذي وقف عليه: أن تبلغني ما أكون بها أسعد العالمين، وعند الله من الفائزين، ولحق رسول الله من المؤدين.
ولك عليه من المعاونين، حتي أبلغ في توليتك ودولتك كلتا الحسنتين (1).
فإذا أتاك كتابي - جعلت فداك - وأمكنك أن لا تضعه من يدك، حتي تسير إلي باب أمير المؤمنين، الذي يراك شريكا في أمره، وشفيعا في نسبه، وأولي الناس بما تحت يده.. فعلت ما أنا بخيرة الله محفوفا، وبملايكته محفوظا، وبكلاءته محروسا. وإن الله كفيل لك بكل ما يجمع حسن العائدة عليك، وصلاح الأمة بك.
وحسبنا الله ونعم الوكيل، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته..
وكتبت بخطي. (1) الظاهر أنها: الحسنيين، لأنها اقتباس من الآية الكريمة.. (٤٤٣) صفحهمفاتيح البحث: الفدية، الفداء (1)، الكرم، الكرامة (1)

وثيقة ولاية العهد

وثيقة ولاية العهد مصادر الوثيقة:
نذكر من المصادر التي أوردت هذه الوثيقة، علي سبيل المثال لا الحصر:
القلقشندي في صبح الأعشي ج 9 من ص 362، إلي ص 366، وأكملها بذكر ما كتبه الرضا (ع) والشهود في نفس الجزء من 391 وحتي 393، وأوردها أيضا في مآثر الإنافة في معالم الخلافة ج 2 من ص 325 حتي ص 336، وهي أيضا في شرح ميمية أبي فراس من 299 إلي 303، وفي نور الأبصار 142، 143، وفي البحار ج 49 ص 148، إلي 153 ومسند الإمام الرضا ج 1 قسم 1 من ص 102 إلي ص 107، والفصول المهمة لابن الصباغ ابتداء من ص 293.
ووسيلة النجاة لمحمد مبين الهندي ابتداء من ص 387، طبع لكنهو، ورواها أيضا الكاشاني في معادن الحكمة، والشبراوي في الإتحاف بحب الأشراف مختصرا وابن شهرآشوب في مناقب آل أبي طالب، والإربلي في كشف الغمة، والسيد الأمين في المجالس السنية، وأعيان الشيعة، وابن الجوزي في التذكرة، وذكر الأخيران إنها قد ذكرها عامة المؤرخين، وعن التفتازاني إن الوثيقة كانت موجودة في عهده، والإربلي أيضا يقول (٤٤٤) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (1)، كتاب الفصول المهمة لإبن صباغ المالكي (1)، كتاب نور الأبصار للشبلنجي (1)، كتاب كشف الغمة للإربلي (1)، كتاب الأشراف للشيخ المفيد (1)، كتاب مناقب آل أبي طالب عليه السلام (1)، كتاب أعيان الشيعة للأمين (1)، ابن شهرآشوب (1)
بأنها كانت موجودة في عهده، وأنه في سنة سبعين وستماية اطلع علي وثيقة العهد الأصلية، ونقلها في كتابه حرفا فحرفا.. وأشار إليها أيضا ابن الطقطقي في الفخري في الآداب السلطانية.
وغير هؤلاء كثير. ونحن نذكر الوثيقة موافقة لما في صبح الأعشي، ومآثر الإنافة، فنقول:
نص الوثيقة:
بسم الله الرحمن الرحيم:
هذا كتاب كتبه عبد الله بن هارون الرشيد، أمير المؤمنين، لعلي بن موسي بن جعفر، ولي عهده.
أما بعد:
فإن الله عز وجل اصطفي الإسلام دينا، واصطفي من عباده رسلا دالين عليه، وهادين إليه، يبشر أولهم بآخرهم. ويصدق تاليهم ماضيهم، حتي انتهت نبوة الله إلي محمد صلي الله عليه وآله، علي فترة من الرسل، ودروس من العلم، وانقطاع من الوحي، واقتراب من الساعة، فختم الله به النبيين، وجعله شاهدا لهم، ومهيمنا عليهم. وأنزل عليه كتابه العزيز، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، بما أحل وحرم، ووعد وأوعد، وحذر وأنذر، وأمر به، ونهي عنه، لتكون له الحجة البالغة علي خلقه، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيي من حي عن بينة، وإن الله لسميع عليم.
فبلغ عن الله رسالته، ودعا إلي سبيله بما أمره به: من الحكمة، والموعظة الحسنة، والمجادلة التي هي أحسن، ثم بالجهاد والغلظة، (٤٤٥) صفحهمفاتيح البحث: الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام (1)، الرسول الأكرم محمد بن عبد الله صلي الله عليه وآله (1)، عبد الله بن هارون (1)، موسي بن جعفر (1)، الباطل، الإبطال (1)، الشهادة (1)
حتي قبضه الله إليه، واختار له ما عنده صلي الله عليه وآله، فلما انقضت النبوة، وختم الله بمحمد صلي الله عليه وآله الوحي والرسالة، جعل قوام الدين، ونظام أمر المسلمين بالخلافة، وإتمامها وعزها، والقيام بحق الله فيها بالطاعة، التي يقام بها فرائض الله تعالي وحدوده، وشرائع الإسلام وسننه، ويجاهد بها عدوه.
فعلي خلفاء الله طاعته فيما استحفظهم واسترعاهم من دينه وعباده، وعلي المسلمين طاعة خلفائهم، ومعاونتهم علي إقامة حق الله وعدله، وأمن السبيل، وحقن الدماء، وصلاح ذات البين، وجمع الألفة، وفي خلاف ذلك اضطراب حبل المسلمين، واختلالهم، واختلاف ملتهم، وقهر دينهم، واستعلاء عدوهم، وتفرق الكلمة، وخسران الدنيا والآخرة فحق علي من استخلفه الله في أرضه، وائتمنه علي خلقه، أن يجهد الله نفسه، ويؤثر ما فيه رضا الله وطاعته، ويعتد لما الله مواقفه عليه، ومسائله عنه، ويحكم بالحق، ويعمل بالعدل فيما أحله الله وقلده، فإن الله عز وجل يقول لنبيه داود: " يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوي، فيضلك عن سبيل الله، إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب ".
وقال الله عز وجل: " فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون ".
وبلغنا أن عمر بن الخطاب قال: " لو ضاعت سخلة بشاطئ الفرات، لتخوفت أن يسألني الله عنها ".
وأيم الله، إن المسؤول عن خاصة نفسه، الموقوف علي عمله فيما بينه وبين الله، ليعرض علي أمر كبير، وعلي خطر عظيم، فكيف بالمسؤول عن رعاية الأمة، وبالله الثقة. وإليه المفزع والرغبة في التوفيق والعصمة، والتسديد والهداية إلي ما فيه ثبوت الحجة، والفوز من الله بالرضوان والرحمة.. (٤٤٦) صفحهمفاتيح البحث: الرسول الأكرم محمد بن عبد الله صلي الله عليه وآله (1)، الخليفة عمر بن الخطاب (1)، نهر الفرات (1)، سبيل الله (2)
وأنظر الأمة لنفسه، وأنصحهم لله في دينه وعباده، من خلائقه في أرضه، من عمل بطاعة الله وكتابه، وسنة نبيه صلي الله عليه وآله في مدة أيامه، وبعدها، وأجهد رأيه فيمن يوليه عهده، ويختاره لإمامة المسلمين ورعايتهم بعده، وينصبه علما لهم. ومفزعا في جمع ألفتهم. ولم شعثهم، وحقن دمائهم، والأمن بإذن الله من فرقتهم. وفساد ذات بينهم واختلافهم، ورفع نزغ الشيطان وكيد عنهم، فإن الله عز وجل جعل العهد بعد الخلافة من تمام الإسلام وكماله، وعزه، وصلاح أهله، وألهم خلفاءه من توكيده لمن يختارونه له من بعدهم ما عظمت به النعمة، وشملت فيه العافية، ونقض الله بذلك مكر أهل الشقاق والعداوة، والسعي والفرقة، والتربص للفتنة.
ولم يزل أمير المؤمنين منذ أفضت إليه الخلافة، فاختبر بشاعة مذاقها، وثقل محملها، وشدة مؤونتها، وما يجب علي من تقلدها من ارتباط طاعة الله، ومراقبته فيما حمله منها. فأنصب بدنه، وأسهر عينه، وأطال فكره فيما فيه عز الدين، وقمع المشركين، وصلاح الأمة، ونشر العدل، وإقامة الكتاب والسنة، ومنعه ذلك من الخفض والدعة، ومهنأ العيش، علما بما الله سائله عنه، ومحبة أن يلقي الله مناصحا له في دينه، وعباده، ومختارا لولاية عهده. ورعاية الأمة من بعده: أفضل من يقدر عليه: في دينه وورعه، وعلمه، وأرجاهم للقيام في أمر الله وحقه، مناجيا بالاستخارة في ذلك. ومسألته إلهامه ما فيه رضاه وطاعته، في آناء ليله ونهاره. معملا في طلبه والتماسه في أهل بيته: من ولد عبد الله بن العباس، وعلي بن أبي طالب فكره، ونظره. مقتصرا ممن علم حاله ومذهبه منهم علي علمه، وبالغا في المسألة عمن خفي عليه أمره جهده وطاقته.. حتي استقصي أمورهم معرفة، وابتلي أخبارهم مشاهدة، واستبرأ أحوالهم معاينة، وكشف ما عندهم مسألة، فكان خيرته بعد (٤٤٧) صفحهمفاتيح البحث: السنة النبوية الشريفة (1)، عبد الله بن عباس (1)، علي بن أبي طالب (1)
استخارته الله، وإجهاده نفسه في قضاء حقه في عباده وبلاده في البيتين جميعا:
علي بن موسي، بن جعفر، بن محمد ابن علي، بن الحسين، بن علي، بن أبي طالب لما رأي من فضله البارع، وعلمه النافع، وورعه الظاهر، وزهده الخالص، وتخليه من الدنيا، وتسلمه من الناس..
وقد استبان له ما لم تزل الأخبار عليه متواطئة، والألسن عليه متفقة، والكلمة فيه جامعة، ولما لم يزل يعرفه به من الفضل: يافعا، وناشئا، وحدثا، ومكتهلا، فعقد له بالعقد والخلافة من بعده (1).
واثقا بخيرة الله في ذلك. إذ علم الله أنه فعله إيثارا له، وللدين، ونظرا للإسلام والمسلمين، وطلبا للسلامة، وثبات الحجة، والنجاة في اليوم الذي يقوم الناس فيه لرب العالمين، ودعا أمير المؤمنين ولده، وأهل بيته، وخاصته، وقواده، وخدمه فبايعوا مسارعين مسرورين، عالمين بإيثار أمير المؤمنين طاعة الله علي الهوي في ولده وغيرهم. ممن هو أشبك منه رحما، وأقرب قرابة.
وسماه " الرضا " (2) إذ كان رضا عند أمير المؤمنين (1) في بعض نسخ كشف الغمة في الهامش: أنه (ع) كتب بقلمه الشريف تحت قوله:
" والخلافة من بعده " قوله: " بل جعلت فداك ".
(2) في بعض نسخ كشف الغمة في الهامش: أنه (ع) كتب بقلمه الشريف تحت كلمة:
" الرضا " قوله: " رضي الله عنك وأرضاك، وأحسن في الدارين جزاك " وفي أخري:
أنه كتب تحت ذكر اسمه عليه السلام بقلمه الشريف: " وصلتك رحم، وجزيت خيرا "، وكتب بقلمه الشريف تحت الثناء عليه: " أثني الله عليك فأجمل، وأجزل لديك الثواب فأكمل ". (٤٤٨) صفحهمفاتيح البحث: علي بن موسي بن جعفر بن محمد (1)، علي بن الحسين بن علي (1)، كتاب كشف الغمة للإربلي (2)، الفدية، الفداء (1)
فبايعوا معشر أهل بيت أمير المؤمنين، ومن بالمدينة المحروسة، من قواده وجنده، وعامة المسلمين، لأمير المؤمنين، وللرضا من بعده علي ابن موسي علي اسمه وبركته، وحسن قضائه لدينه وعباده، بيعة مبسوطة إليها أيديكم، منشرحة لها صدوركم. عالمين بما أراد أمير المؤمنين، بها، وآثر طاعة الله، والنظر لنفسه ولكم فيها، شاكرين الله علي ما ألهم أمير المؤمنين بها: من قضاء حقه في رعايتكم، وحرصه علي رشدكم وصلاحكم، راجين عائدة ذلك في جمع ألفتكم، وحقن دمائكم، ولم شعثكم، وسد ثغوركم، وقوة دينكم، ورغم عدوكم، واستقامة أموركم.
وسارعوا إلي طاعة الله، وطاعة أمير المؤمنين، فإنه الأمن إن سارعتم إليه، وحمدتم الله عليه، عرفتم الحظ فيه إن شاء الله.
وكتب بيده يوم الاثنين، لسبع خلون من شهر رمضان، سنة إحدي ومائتين.
قال القلقشندي: " ثم إنه تقدم إلي علي بن موسي، وقال له:
اكتب خطك بقبول هذا العهد، وأشهد الله، والحاضرين عليك بما تعده في حق الله، ورعاية المسلمين، فكتب علي الرضا تحته إلخ. ".
صورة ما كان علي ظهر العهد، بخط الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام بسم الله الرحمن الرحيم:
الحمد لله الفعال لما يشاء، ولا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، يعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور. وصلاته علي نبيه محمد، خاتم النبيين، وآله الطيبين الطاهرين.
أقول - وأنا علي بن موسي الرضا بن جعفر -: إن أمير المؤمنين عضده الله بالسداد، ووفقه للرشاد، عرف من حقنا ما جهله غيره، (٤٤٩) صفحهمفاتيح البحث: شهر رمضان المبارك (1)، الجهل (1)، الطهارة (1)
فوصل أرحاما قطعت، وأمن أنفسا فزعت، بل أحياها وقد تلفت، وأغناها إذ افتقرت، مبتغيا رضا رب العالمين، لا يريد جزاء من غيره، وسيجزي الله الشاكرين، ولا يضيع أجر المحسنين..
وإنه جعل إلي عهده، والإمرة الكبري - إن بقيت - بعده، فمن حل عقدة أمر الله بشدها، وفصم عروة أحب الله إيثاقها، فقد أباح الله حريمه، وأحل محرمه، إذ كان بذلك زاريا علي الإمام، منتهكا حرمة الإسلام. بذلك جري السالف، فصبر منه علي الفلتات، ولم يعترض علي العزمات، خوفا من شتات الدين، واضطراب حبل المسلمين، ولقرب أمر الجاهلية، ورصد فرصة تنتهز، وبايقة تبتدر..
وقد جعلت الله علي نفسي، إن استرعاني أمر المسلمين، وقلدني خلافته: العمل فيهم عامة، وفي بني العباس بن عبد المطلب خاصة بطاعته، وطاعة رسوله صلي الله عليه وآله وأن لا أسفك دما حراما، ولا أبيح فرجا. ولا مالا، إلا ما سفكته حدود الله، وأباحته فرائضه. وأن أتخير الكفاة جهدي وطاقتي، وجعلت بذلك علي نفسي عهده مؤكدا، يسألني الله عنه، فإنه عز وجل يقول: " وأوفوا بالعهد، إن العهد كان مسؤولا ".
وإن أحدثت، أو غيرت، أو بدلت، كنت للغير مستحقا، وللنكال متعرضا. وأعوذ بالله من سخطه. وإليه أرغب في التوفيق لطاعته، والحول بيني وبين معصيته، في عافية لي وللمسلمين.
والجامعة والجفر يدلان علي ضد ذلك، وما أدري ما يفعل بي ولا بكم. إن الحكم إلا لله، يقضي بالحق (1)، وهو خير الفاصلين.. (1) الظاهر أن الصواب هو " يقص الحق " كما في معالم الإنافة (٤٥٠) صفحهمفاتيح البحث: الرسول الأكرم محمد بن عبد الله صلي الله عليه وآله (1)، بنو عباس (1)، الجهل (1)
لكنني امتثلت أمر أمير المؤمنين، وآثرت رضاه، والله يعصمني وإياه، وأشهدت الله علي نفسي بذلك، وكفي بالله شهيدا..
وكتبت بخطي، بحضرة أمير المؤمنين، أطال الله بقاءه، والفضل ابن سهل، وسهل بن الفضل، ويحيي بن أكثم، وعبد الله بن طاهر، وثمامة بن أشرس، وبشر بن المعتمر، وحماد بن النعمان، في شهر رمضان، سنة إحدي ومائتين.
الشهود علي الجانب الأيمن:
شهد يحيي بن أكثم علي مضمون هذا المكتوب، ظهره، وبطنه.
وهو يسأل الله: أن يعرف أمير المؤمنين، وكافة المسلمين ببركة هذا العهد، والميثاق. وكتب بخطه في تاريخ المبين فيه..
عبد الله بن طاهر بن الحسين، أثبت شهادته فيه بتاريخه.
شهد حماد بن النعمان بمضمونه: ظهره وبطنه، وكتب بيده في تاريخه بشر بن المعتمر يشهد بمثل ذلك.
الشهود علي الجانب الأيسر:
رسم أمير المؤمنين، أطال الله بقاءه قراءة هذه الصحيفة. التي هي صحيفة الميثاق. نرجو أن نجوز بها الصراط، ظهرها وبطنها، بحرم سيدنا رسول الله صلي الله عليه وآله، بين الروضة والمنبر، علي رؤوس الأشهاد، بمرأي ومسمع من وجوه بني هاشم، وساير الأولياء والأجناد، بعد استيفاء شروط البيعة عليهم، بما أوجب أمير المؤمنين الحجة به علي جميع (٤٥١) صفحهمفاتيح البحث: الرسول الأكرم محمد بن عبد الله صلي الله عليه وآله (1)، شهر رمضان المبارك (1)، عبد الله بن طاهر (2)، حماد بن النعمان (2)، يحيي بن أكثم (2)، بنو هاشم (1)، الشهادة (2)
المسلمين، ولتبطل الشبهة التي كانت اعترضت آراء الجاهلين: " وما كان الله ليذر المؤمنين علي ما أنتم عليه ".
وكتب الفضل بن سهل بأمر أمير المؤمنين بالتاريخ فيه (1).
إنتهي.. (1) وفي هامش نسخة مصححة قال: مصححها: " قال العبد الفقير إلي الله تعالي، الفضل بن يحيي عفي الله عنه: قابلت المكتوب الذي كتبه الإمام علي بن موسي الرضا صلوات الله عليه، وعلي آبائه الطاهرين بأصله الذي كتبه الإمام المذكور (ع) بيده الشريفة، حرفا فحرفا. وألحقت ما فات منه، وذكرت أنه من خطه. وذلك يوم الثلاثاء، مستهل المحرم، من سنة تسع وتسعين وست مأة الهلالية بواسط، والحمد لله، وله المنة. " انتهي أقول: والذي ألحقه هو ما قدمناه في هوامش الصفحات المتقدمة.. (٤٥٢) صفحهمفاتيح البحث: الفضل بن سهل (1)، الصّلاة (1)، الطهارة (1)

رسالة المأمون إلي العباسيين

رسالة المأمون إلي العباسيين مصادر الكتاب:
هذا الكتاب مذكور في طرائف ابن طاووس، الترجمة الفارسية من ص 131، إلي ص 135، نقلا عن كتاب نديم الفريد، لابن مسكويه، صاحب كتاب حوادث الإسلام.. وفي البحار للعلامة المجلسي ج 49 من ص 208 إلي ص 214، وفي قاموس الرجال ج 10 ص 356، إلي 360، وفي ينابيع المودة للقندوزي الحنفي ص 484، 485 مختصرا، ونقل في الغدير ج 1 ص 212 قسما منه عن عبقات الأنوار للهندي ج 1 ص 147، وأشار إليه غير واحد من المؤلفين.
نص الكتاب:
كتب العباسيون كتابا إلي المأمون، وطلبوا منه الإجابة عليه، فأجابهم بما يلي:
" بسم الله الرحمن الرحيم: والحمد لله رب العالمين، وصلي الله علي محمد وآل محمد. علي رغم أنف الراغمين.. (٤٥٣) صفحهمفاتيح البحث: الشيخ سلمان البلخي القندوزي (1)، كتاب ينابيع المودة (1)، العلامة المجلسي (1)، الصّلاة (1)
أما بعد:
عرف المأمون كتابكم، وتدبير أمركم. ومخض زبدتكم. وأشرف علي قلوب صغيركم وكبيركم، وعرفكم مقبلين ومدبرين، وما آل إليه كتابكم قبل كتابكم. في مراوضة الباطل، وصرف وجوه الحق عن مواضعها، ونبذكم كتاب الله والآثار، وكلما جاءكم به الصادق محمد (ع)، حتي كأنكم من الأمم السالفة، التي هلكت بالخسفة، والغرق، والريح، والصيحة، والصواعق، والرجم..
أفلا يتدبرون القرآن أم علي قلوب أقفالها؟. والذي هو أقرب إلي المأمون من حبل الوريد، لولا أن يقول قائل: إن المأمون ترك الجواب عجزا لما أجبتكم، من سوء أخلاقكم، وقلة أخطاركم. وركاكة عقولكم، ومن سخافة ما تأوون إليه من آرائكم، فليستمع مستمع، فليبلغ شاهد غائبا..
أما بعد:
فإن الله تعالي بعث محمدا علي فترة من الرسل، وقريش في أنفسها، وأموالها، لا يرون أحدا يساميهم، ولا يباريهم، فكان نبينا صلي الله عليه وآله أمينا من أوسطهم بيتا، وأقلهم مالا، فكان أول من آمن به خديجة بنت خويلد، فواسته بمالها. ثم آمن به أمير المؤمنين علي بن أبي طالب سبع سنين، لم يشرك بالله شيئا طرفة عين، ولم يعبد وثنا، ولم يأكل ربا، ولم يشاكل الجاهلية في جهالاتهم، وكانت عمومة رسول الله إما مسلم مهين، أو كافر معاند، إلا حمزة فإنه لم يمتنع من الإسلام، ولا يمتنع الإسلام منه، فمضي لسبيله علي بينة من ربه.
وأما أبو طالب: فإنه كفله ورباه، ولم يزل مدافعا عنه، ومانعا منه، فلما قبض الله أبا طالب، فهم القوم، وأجمعوا عليه ليقتلوه، (٤٥٤) صفحهمفاتيح البحث: الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام (1)، الرسول الأكرم محمد بن عبد الله صلي الله عليه وآله (1)، القرآن الكريم (1)، الباطل، الإبطال (1)، الصدق (1)، الأكل (1)، القتل (1)
فهاجر إلي القوم الذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم. يحبون من هاجر إليهم. ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا، ويؤثرون علي أنفسهم، ولو كان بهم خصاصة، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون.
فلم يقم مع رسول الله صلي الله عليه وآله أحد من المهاجرين كقيام علي بن أبي طالب (ع): فإنه آزره ووقاه بنفسه، ونام في مضجعه. ثم لم يزل بعد مستمسكا بأطراف الثغور، وينازل الأبطال، ولا ينكل عن قرن، ولا يولي عن جيش، منيع القلب، يؤمر علي الجميع، ولا يؤمر عليه أحد. أشد الناس وطأة علي المشركين، وأعظمهم جهادا في الله، وأفقههم في دين الله، وأقرأهم لكتاب الله، وأعرفهم بالحلال والحرام، وهو صاحب الولاية في حديث " غدير خم " وصاحب قوله:
" أنت مني بمنزلة هارون من موسي، إلا أنه لا نبي بعدي " وصاحب يوم الطائف، وكان أحب الخلق إلي الله تعالي، وإلي رسول الله صلي الله عليه وآله.
وصاحب الباب، فتح له، وسد أبواب المسجد. وهو صاحب الراية يوم خبير. وصاحب عمرو بن عبد ود في المبارزة. وأخو رسول الله صلي الله عليه وآله حين آخي بين المسلمين.
وهو منيع جزيل. وهو صاحب آية: " ويطعمون الطعام علي حبه مسكينا، ويتيما، وأسيرا ". وهو زوج فاطمة سيدة نساء العالمين، وسيدة نساء أهل الجنة، وهو ختن خديجة (ع). وهو ابن عم رسول الله صلي الله عليه وآله، رباه وكفله. وهو ابن أبي طالب في نصرته وجهاده. وهو نفس رسول الله صلي الله عليه وآله في يوم المباهلة.
وهو الذي لم يكن أبو بكر وعمر ينفذان أمرا حتي يسألانه عنه، فما رأي إنفاذه أنفذاه، وما لم يراه رداه. وهو دخل من بني هاشم في (٤٥٥) صفحهمفاتيح البحث: أبو طالب عليه السلام (1)، أم المؤمنين خديجة بنت خويلد عليها السلام (1)، حديث المؤاخاة (1)، الرسول الأكرم محمد بن عبد الله صلي الله عليه وآله (5)، السيدة فاطمة الزهراء سلام الله عليها (1)، بنو هاشم (1)، غدير خم (1)، الطعام (1)، السجود (1)، الزوج، الزواج (1)
الشوري، ولعمري لو قدر أصحابه علي دفعه (1) عنه (ع)، كما دفع العباس رضوان الله عليه، ووجدوا إلي ذلك سبيلا لدفعوه.
فأما تقديمكم العباس عليه، فإن الله تعالي يقول: " أجعلتم سقاية الحاج، وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر، وجاهد في سبيل الله، لا يستوون عند الله ".
والله، لو كان ما في أمير المؤمنين من المناقب والفضائل، والآي المفسرة في القرآن خلة واحدة في رجل من رجالكم. أو غيره، لكان مستأهلا متأهلا للخلافة، مقدما علي أصحاب رسول الله بتلك الخلة.
ثم لم يزل الأمور تتراقي به إلي أن ولي أمور المسلمين، فلم يعن بأحد من بني هاشم إلا بعبد الله بن عباس، تعظيما لحقه، ووصلة لرحمه، وثقة به، فكان من أمره الذي يغفر الله له..
ثم.. نحن وهم يد واحدة - كما زعمتم - حتي قضي الله تعالي بالأمر إلينا، فأخفناهم. وضيقنا عليهم، وقتلناهم أكثر من قتل بني أمية إياهم.. ويحكم، إن بني أمية إنما قتلوا من سل منهم سيفا، وإنا معشر بني العباس قتلناهم جملا، فلتسألن أعظم الهاشمية بأي ذنب قتلت، ولتسألن نفوس ألقيت في دجلة والفرات، ونفوس دفنت بغداد والكوفة أحياء، هيهات، إنه من يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره..
وأما ما وصفتم في أمر المخلوع، وما كان فيه من لبس، فلعمري ما لبس عليه أحد غيركم، إذ هونتم عليه النكث، وزينتم له الغدر، وقلتم له: ما عسي أن يكون من أمر أخيك، وهو رجل مغرب، ومعك الأموال والرجال، نبعث إليه، فيؤتي به، فكذبتم، ودبرتم، (1) في الترجمة الفارسية هكذا: " علي دفع علي (ع) عنها إلخ. ". (٤٥٦) صفحهمفاتيح البحث: عبد الله بن عباس (1)، مدينة الكوفة (1)، نهر الفرات (1)، بنو عباس (1)، بنو أمية (1)، بنو هاشم (1)، مدينة بغداد (1)، سبيل الله (1)، مسجد الحرام (1)، القرآن الكريم (1)، القتل (2)، الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام (1)
ونسيتم قول الله تعالي: " ومن بغي عليه لينصرنه الله. ".
وأما ما ذكرتم: من استبصار المأمون في البيعة لأبي الحسن الرضا (ع)، فما بايع له المأمون إلا مستبصرا في أمره، عالما بأنه لم يبق أحد علي ظهرها أبين فضلا، ولا أظهر عفة، ولا أورع ورعا، ولا أزهد زهدا في الدنيا، ولا أطلق نفسا، ولا أرضي في الخاصة والعامة، ولا أشد في ذات الله منه. وإن البيعة له لموافقة رضا الرب عز وجل. ولقد جهدت وما أجد في الله لومة لائم.
ولعمري، لو كانت بيعتي بيعة محاباة، لكان العباس ابني، وسائر ولدي أحب إلي قلبي، وأجلي في عيني، ولكن أردت أمرا، وأراد الله أمرا، فلم يسبق أمري أمر الله وأما ما ذكرتم: مما مسكم من الجفاء في ولايتي: فلعمري ما كان ذلك إلا منكم بمظافرتكم عليه، علي (خ د) وممايلتكم إياه، فلما قتلته وتفرقتم عباديد، فطورا أتباعا لابن أبي خالد، وطورا أتباعا لأعرابي، وطورا أتباعا لابن شكلة، ثم لكل من سل سيفا علي، ولولا أن شيمتي العفو، وطبيعتي التجاوز ما تركت علي وجهها منكم أحدا، فكلكم حلال الدم، محل بنفسه.
وأما ما سألتم: من البيعة للعباس ابني.. أتستبدلون الذي هو أدني بالذي هو خير؟! ويلكم، إن العباس غلام حدث السن، ولم يؤنس رشده، ولم يمهل وحده، ولم تحكمه التجارب. تدبره النساء، وتكفله الإماء، ثم.. لم يتفقه في الدين، ولم يعرف حلال من حرام، إلا معرفة لا تأتي به رعية، ولا تقوم به حجة، ولو كان مستأهلا، قد أحكمته التجارب، وتفقه في الدين، وبلغ مبلغ أمير العدل في الزهد في الدنيا، وصرف النفس عنها.. ما كان له عندي في الخلافة، إلا ما كان لرجل من عك وحمير، فلا تكثروا من هذا المقال، فإن لساني لم (٤٥٧) صفحهمفاتيح البحث: الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام (1)، القتل (1)، الحج (1)، الزهد (1)
يزل مخزونا عن أمور وأنباء، كراهية أن تخنث النفوس عندما تنكشف، علما بأن الله بالغ أمره، ومظهر قضاه يوما.
فإذ أبيتم إلا كشف الغطاء، وقشر العظاء، فالرشيد أخبرني عن آبائه، وعما وجده في كتاب الدولة، وغيرها: أن السابع من ولد العباس، ولا تقوم لبني العباس بعده قائمة، ولا تزال النعمة متعلقة عليهم بحياته، فإذا أودعت فودعها، فإذا أودع فودعاها، وإذا فقدتم شخصي، فاطلبوا لأنفسكم معقلا، وهيهات، ما لكم إلا السيف، يأتيكم الحسني الثائر البائر، فيحصدكم حصدا، أو السفياني المرغم، والقائم المهدي لا يحقن دماءكم إلا بحقها.
وأما ما كنت أردته من البيعة لعلي بن موسي، بعد استحقاق منه لها في نفسه، واختيار مني له، فما كان ذلك مني إلا أن أكون الحاقن لدمائكم، والذائد عنكم، باستدامة المودة بيننا وبينهم. وهي الطريق أسلكها في إكرام آل أبي طالب، ومواساتهم في الفيئ بيسير ما يصيبهم منه.
وإن تزعموا: أني أردت أن يؤول إليهم عاقبة ومنفعة، فإني في تدبيركم، والنظر لكم ولعقبكم، وأنبائكم من بعدكم.. وأنتم ساهون، لاهون، تائهون، في غمرة تعمهون، لا تعلمون ما يراد بكم، وما أظللتم عليه من النقمة، وابتزاز النعمة. همة أحدكم أن يمسي مركوبا، ويصبح مخمورا تباهون بالمعاصي، وتبتهجون بها، وآلهتكم البرابط، مخنثون. مؤنثون لا يتفكر متفكر منكم في إصلاح معيشة، ولا استدامة نعمة، ولا اصطناع مكرمة، ولا كسب حسنة يمد بها عنقه، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم.
أضعتم الصلاة، واتبعتم الشهوات، وأكببتم علي اللذات، فسوف تلقون غيا. وأم الله، لربما أفكر في أمركم. فلا أجد أمة من الأمم استحقوا (٤٥٨) صفحهمفاتيح البحث: بنو عباس (1)، الكسب (1)، الشهوة، الإشتهاء (1)، الإختيار، الخيار (1)، الصّلاة (1)
العذاب، حتي نزل بهم لخلة من الخلال، إلا أصيب تلك الخلة بعينها فيكم، مع خلال كثيرة، لم أكن أظن أن إبليس اهتدي إليها، ولا أمر بالعمل بها. وقد أخبر الله تعالي في كتابه العزيز عن قوم صالح:
أنه كان فيهم تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون، فأيكم ليس معه تسعة وتسعون من المفسدين في الأرض، قد اتخذتموهم شعارا، ودثارا، استخفافا بالمعاد، وقلة يقين بالحساب، وأيكم له رأي يتبع، أو روية تنفع، فشاهت الوجوه، وعفرت الخدود.
وأما ما ذكرتم: من العثرة كانت في أبي الحسن (ع) نور الله وجهه، فلعمري، إنها عندي للنهضة والاستقلال الذي أرجو به قطع الصراط، والأمن والنجاة من الخوف يوم الفزع الأكبر. ولا أظن عملا هو عندي أفضل من ذلك، إلا أن أعود بمثلها إلي مثله، وأين لي بذلك، وأني لكم بتلك السعادة.
وأما قولكم: إني سفهت آراء آبائكم، وأحلام أسلافكم، فكذلك قال مشركوا قريش: " إنا وجدنا آباءنا علي أمة. وإنا علي آثارهم مقتدون ". ويلكم، إن الدين لا يؤخذ إلا من الأنبياء، فافقهوا، وما أراكم تعقلون.
وأما تعييركم إياي: بسياسة المجوس إياكم، فما أذهبكم الآنفة (1) من ذلك، ولو ساستكم القردة والخنازير، وما أردتم إلا أمير المؤمنين.
ولعمري، لقد كانوا مجوسا فأسلموا، كآبائنا، وأمهاتنا في القديم، فهم المجوس الذين أسلموا وأنتم المسلمون الذين ارتدوا، فمجوسي أسلم خير من مسلم ارتد، فهم يتناهون عن المنكر، ويأمرون بالمعروف، ويتقربون من الخير، ويتباعدون من الشر، ويذبون عن حرم المسلمين، (1) الظاهر أن الصواب: " فما أذهبكم عن الآنفة ". (٤٥٩) صفحهمفاتيح البحث: الامر بالمعروف (1)، الإمام الحسن بن علي المجتبي عليهما السلام (1)، العزّة (1)، الفزع (1)، الخوف (1)، العذاب، العذب (1)
يتباهجون بما نال الشرك وأهله من النكر، ويتباشرون بما نال الإسلام وأهله من الخير.. منهم من قضي نحبه، ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا.
وليس منكم إلا لاعب بنفسه، مأفون في عقله وتدبيره: إما مغن، أو ضارب دف، أو زامر. والله، لو أن بني أمية الذين قتلتموهم بالأمس نشروا، فقيل لهم: لا تأنفوا من معائب تنالوهم بها، لما زادوا علي ما صيرتموه لكم شعارا ودثارا، وصناعة وأخلاقا..
ليس من