المكاسب

اشارة

سرشناسه : انصاري، مرتضي‌بن محمدامين، ق‌۱۲۸۱ - ۱۲۱۴
عنوان و نام پديدآور : ...المكاسب / مرتضي الانصاري؛ التحقيق مركز التحقيقات لموسسه احسن الحديث
مشخصات نشر : قم: احسن الحديث، ۱۴۲۱ق. = ۱۳۷۹.
مشخصات ظاهري : ج ۳
شابك : 964-5738-11-3(دوره) ؛ 964-5738-08-3۱۵۰۰۰ريال:(ج.۱) ؛ 964-5738-09-1۲۲۰۰۰ريال:(ج.۲) ؛ 964-5738-10-5۱۷۰۰۰ريال:(ج.۳)
يادداشت : فهرستنويسي براساس اطلاعات فيپا.
يادداشت : كتابنامه
موضوع : معاملات (فقه)
شناسه افزوده : موسسه احسن الحديث. مركز تحقيقات
رده بندي كنگره : BP۱۹۰/۱/الف‌۸م‌۷ ۱۳۷۹
رده بندي ديويي : ۲۹۷/۳۷۲
شماره كتابشناسي ملي : م‌۷۹-۲۷۷۱

الجزء الأول

اشارة

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام علي محمد و آله الطاهرين و لعنة الله علي أعدائهم أجمعين إلي يوم الدين

فالاكتساب المحرم أنواع

و ينبغي أولا التيمن بذكر بعض الأخبار

اشارة

الواردة علي سبيل الضابطة للمكاسب من حيث الحل و الحرمة فنقول مستعينا بالله تعالي

[رواية تحف العقول]

[رواية تحف العقول]
روي في الوسائل و الحدائق عن الحسن بن علي بن شعبة في كتاب تحف العقول: عن مولانا الصادق ص حيث سئل من معايش العباد فقال جميع المعايش كلها من وجوه المعاملات فيما بينهم مما يكون لهم فيه المكاسب أربع جهات و يكون فيها حلال من جهة و حرام من جهة فأول هذه الجهات الأربع الولاية- ثم التجارة ثم الصناعات ثم الإجارات و الفرض من الله تعالي علي العباد في هذه المعاملات الدخول في جهات الحلال و العمل بذلك و اجتناب جهات الحرام منها فإحدي الجهتين من الولاية ولاية ولاة العدل الذين أمر الله بولايتهم علي الناس و الجهة الأخري ولاية ولاة الجور فوجه الحلال من الولاية ولاية الوالي العادل و ولاية ولاته بجهة ما أمر به الوالي العادل بلا زيادة و نقيصة فالولاية له و العمل معه و معونته و تقويته حلال محلل و أما وجه الحرام من الولاية فولاية الوالي الجائر و ولاية ولاته و العمل لهم و الكسب لهم بجهة الولاية معهم حرام محرم معذب فاعل ذلك علي قليل من فعله أو كثير لأن كل شي‌ء من جهة المعونة له معصية كبيرة من الكبائر و ذلك أن في ولاية والي الجائر دروس الحق كله و إحياء الباطل كله و إظهار الظلم و الجور و الفساد و إبطال الكتب و قتل الأنبياء و هدم المساجد و تبديل سنة الله و شرائعه فلذلك حرم العمل معهم و معونتهم و الكسب معهم إلا بجهة الضرورة نظير الضرورة إلي الدم و الميتة و أما تفسير التجارات في جميع البيوع و وجوه الحلال من وجه التجارات التي يجوز للبائع أن يبيع مما لا يجوز له و كذلك المشتري الذي يجوز له شراؤه مما لا يجوز فكل مأمور به مما هو غذاء للعباد و قوامهم به في أمورهم في وجوه الصلاح الذي لا يقيمهم غيرها مما يأكلون و يشربون و يلبسون و ينكحون و يملكون و يستعملون من جميع المنافع التي لا يقيمهم غيرها و كل شي‌ء يكون لهم فيه الصلاح من جهة من الجهات فهذا كله حلال بيعه و شراؤه و إمساكه و استعماله و هبته و عاريته و أما وجوه الحرام من البيع و الشراء فكل أمر يكون فيه الفساد مما هو منهي عنه من جهة أكله و شربه أو كسبه أو نكاحه أو ملكه أو إمساكه أو هبته أو عاريته أو شي‌ء يكون فيه وجه من وجوه الفساد نظير البيع بالربا أو بيع الميتة أو الدم أو لحم الخنزير أو لحوم السباع من صنوف سباع الوحش أو الطير أو جلودها أو الخمر أو شي‌ء من وجوه النجس فهذا كله حرام محرم لأن ذلك كله منهي عن أكله و شربه و لبسه و ملكه و إمساكه و التقلب فيه فجميع تقلبه في ذلك حرام و كذلك كل مبيع ملهو به و كل منهي عنه مما يتقرب به لغير الله عز و جل أو يقوي به الكفر و الشرك في جميع وجوه المعاصي أو باب يوهن به الحق فهو حرام محرم بيعه و شراؤه و إمساكه و ملكه و هبته و عاريته و جميع التقلب فيه إلا في حال تدعو الضرورة فيه إلي ذلك و أما تفسير الإجارات فإجارة الإنسان نفسه أو ما يملك أو يلي أمره من قرابته أو دابته أو ثوبه بوجه الحلال من جهات الإجارات أن يؤجر نفسه أو داره أو أرضه أو شيئا يملكه فيما ينتفع به من وجوه المنافع أو العمل بنفسه و ولده و مملوكه و أجيره من غير أن يكون وكيلا للوالي أو واليا للوالي فلا بأس أن يكون أجيرا يؤجر نفسه أو ولده أو قرابته أو ملكه أو وكيله في إجارته لأنهم وكلاء الأجير من عنده ليس هم بولاة الوالي نظير الحمال الذي يحمل شيئا معلوما بشي‌ء معلوم فيجعل ذلك الشي‌ء الذي يجوز له حمله بنفسه أو بملكه أو دابته أو يؤاجر نفسه في عمل يعمل ذلك العمل بنفسه أو بمملوكه أو قرابته أو بأجير من قبله فهذه وجوه من وجوه الإجارات حلالا لمن كان من الناس ملكا أو سوقة أو كافرا أو مؤمنا فحلال إجارته و حلال كسبه من هذه الوجوه فأما وجوه الحرام من وجوه الإجارة نظير أن يؤاجر نفسه علي حمل ما يحرم أكله أو شربه أو
المكاسب، ج‌1، ص 3
يؤاجر نفسه في صنعة ذلك الشي‌ء أو حفظه أو يؤاجر نفسه في هدم المساجد ضرارا أو قتل النفس بغير حق أو عمل التصاوير و الأصنام و المزامير و البرابط و الخمر و الخنازير و الميتة و الدم أو شي‌ء من وجوه الفساد الذي كان محرما عليه من غير جهة الإجارة فيه و كل أمر منهي عنه من جهة من الجهات فمحرم علي الإنسان إجارة نفسه فيه أو له أو شي‌ء منه أو له إلا لمنفعة من استأجرته كالذي يستأجر الأجير يحمل له الميتة ينحيها عن أذاه أو أذي غيره و ما أشبه ذلك إلي أن قال و كل من آجر نفسه أو ما يملك أو يلي أمره من كافر أو مؤمن أو ملك أو سوقة علي ما فسرناه مما تجوز الإجارة فيه فحلال محلل فعله و كسبه و أما تفسير الصناعات فكل ما يتعلم العباد أو يعلمون غيرهم من أصناف الصناعات مثل الكتابة و الحساب و النجارة و الصياغة و البناء و الحياكة و السراجة و القصارة و الخياطة و صنعة صنوف التصاوير ما لم تكن مثل الروحاني و أنواع صنوف الآلات التي يحتاج إليها العباد منها منافعهم و بها قوامهم و فيها بلغه جميع حوائجهم فحلال فعله و تعليمه و العمل به و فيه لنفسه أو لغيره و إن كانت تلك الصناعة و تلك الآلة قد يستعان بها علي وجوه الفساد و وجوه المعاصي و تكون معونة علي الحق و الباطل فلا بأس بصناعته و تقلبه نظير الكتابة التي هي علي وجه من وجوه الفساد تقوية و معونة لولاه الجور و كذلك السكين و السيف و الرمح و القوس و غير ذلك من وجوه الآلات التي تصرف إلي وجوه الصلاح و جهات الفساد و تكون آلة و معونة عليهما فلا بأس بتعليمه و تعلمه و أخذ الأجر عليه و العمل به و فيه لمن كان له فيه جهات الصلاح من جميع الخلائق و محرم عليهم تصريفه إلي جهات الفساد و المضار فليس علي العالم و لا المتعلم إثم و لا وزر لما فيه من الرجحان في منافع جهات صلاحهم و قوامهم و بقائهم و إنما الإثم و الوزر علي المتصرف فيه في جهات الفساد و الحرام و ذلك إنما حرم الله الصناعة التي هي حرام كلها التي يجي‌ء منها الفساد محضا نظير البرابط و المزامير و الشطرنج و كل ملهو به و الصلبان و الأصنام و ما أشبه ذلك من صناعات الأشربة الحرام و ما يكون منه و فيه الفساد محضا و لا يكون منه و لا فيه شي‌ء من وجوه الصلاح فحرام تعليمه و تعلمه و العمل به و أخذ الأجرة عليه و جميع التقلب فيه من جميع وجوه الحركات إلا أن يكون صناعة قد تصرف إلي جهة المنافع و إن كان قد يتصرف فيها و يتناول بها وجه من وجوه المعاصي فلعله ما فيه من الصلاح حل تعلمه و تعليمه و العمل به و يحرم علي من صرفه إلي غير وجه الحق و الصلاح فهذا تفسير بيان وجوه اكتساب معائش العباد و تعلمهم في وجوه اكتسابهم إلي آخر الحديث المنقول عن تحف العقول: و حكاه غير واحد عن رسالة المحكم و المتشابه للسيد قدس سره:

[رواية فقه الرضا]

[رواية فقه الرضا]
و في الفقه المنسوب إلي مولانا الرضا ص: اعلم يرحمك الله أن كل مأمور به علي العباد و قوام لهم في أمورهم من وجوه الصلاح الذي لا يقيمهم غيره مما يأكلون و يشربون و يلبسون و ينكحون و يملكون و يستعملون فهذا كله حلال بيعه و شراؤه و هبته و عاريته و كل أمر يكون فيه الفساد مما قد نهي عنه من جهة أكله و شربه و لبسه و نكاحه و إمساكه بوجه الفساد مثل الميتة و الدم و لحم الخنزير و الربا و جميع الفواحش و لحوم السباع و الخمر و ما أشبه ذلك فحرام ضار للجسم انتهي

[رواية الدعائم]

[رواية الدعائم]
و عن دعائم الإسلام للقاضي نعمان المصري عن مولانا الصادق ع: أن الحلال من البيوع كلما كان حلالا من المأكول و المشروب و غير ذلك مما هو قوام للناس و يباح لهم الانتفاع و ما كان محرما أصله منهيا عنه لم يجز بيعه و لا شراؤه انتهي

[النبوي المشهور]

[النبوي المشهور]
و في النبوي المشهور: أن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه.

[تقسيم المكاسب إلي الأحكام الخمسة]

[تقسيم المكاسب إلي الأحكام الخمسة]
إذا عرفت ما تلوناه و جعلته في بالك متدبرا لمدلولاته فنقول قد جرت عادة غير واحد علي تقسيم المكاسب إلي محرم و مكروه و مباح مهملين للمستحب و الواجب بناء علي عدم وجودهما في المكاسب مع إمكان التمثيل للمستحب بمثل الزراعة و الرعي- مما ندب إليه الشرع- و للواجب بالصناعة الواجبة كفاية- خصوصا إذا تعذر قيام الغير به فتأمل.

و معني حرمة الاكتساب

و معني حرمة الاكتساب
حرمة النقل و الانتقال بقصد ترتب الأثر المحرم. و أما حرمة أكل المال في مقابلها فهو متفرع علي فساد البيع لأنه مال الغير وقع في يده بلا سبب شرعي و إن قلنا بعدم التحريم لأن ظاهر أدلة تحريم بيع مثل الخمر منصرف إلي ما لو أراد ترتيب الآثار المحرمة أما لو قصد الأثر المحلل فلا دليل علي تحريم المعاملة إلا من حيث التشريع.
و كيف كان

فالاكتساب المحرم أنواع

اشارة

فالاكتساب المحرم أنواع
نذكر كلا منها في طي مسائل

[النوع] الأول الاكتساب بالأعيان النجسة عدا ما استثني

و فيه مسائل ثمان

الأولي يحرم المعاوضة علي بول غير مأكول اللحم

اشارة

الأولي يحرم المعاوضة علي بول غير مأكول اللحم
بلا خلاف ظاهر لحرمته و نجاسته و عدم الانتفاع به منفعة محللة مقصودة فيما عدا بعض أفراده كبول الإبل الجلالة أو الموطوءة.

فرعان

الأول ما عدا بول الإبل من أبوال ما يؤكل لحمه

اشارة

الأول ما عدا بول الإبل من أبوال ما يؤكل لحمه
المحكوم بطهارتها عند المشهور إن قلنا بجواز شربها اختيارا كما عليه جماعة من القدماء و المتأخرين بل عن المرتضي دعوي الإجماع عليه فالظاهر جواز بيعها. و إن قلنا بحرمة شربها كما هو مذهب جماعة أخري لاستخباثها ففي جواز بيعها قولان من عدم المنفعة المحللة المقصودة فيها و المنفعة النادرة لو جوزت المعاوضة لزم منه جواز معاوضة كل شي‌ء. و التداوي بها لبعض الأوجاع لا يوجب قياسه علي الأدوية و العقاقير لأنه يوجب قياس كل شي‌ء عليها للانتفاع به في بعض الأوقات و من أن المنفعة الظاهرة و لو عند الضرورة المسوغة للشرب كافية في جواز البيع.
و الفرق بينها و بين ذي المنفعة الغير المقصودة حكم العرف بأنه لا منفعة فيه و سيجي‌ء الكلام في ضابطة المنفعة المسوغة للبيع.

[ما يستدل علي أن ضابط المنع تحريم الشي‌ء اختيارا]

[ما يستدل علي أن ضابط المنع تحريم الشي‌ء اختيارا]
نعم يمكن أن يقال إن قوله ص: إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه و كذلك الخبر المتقدم عن دعائم الإسلام يدل علي أن ضابطة المنع تحريم الشي‌ء اختيارا و إلا فلا حرام إلا و هو محلل عند الضرورة و المفروض حرمة شرب الأبوال اختيارا و المنافع الأخر غير الشرب لا يعبأ بها جدا فلا ينتقض بالطين المحرم أكله فإن المنافع الأخر للطين أهم و أعم من منفعة الأكل المحرم بل لا يعد الأكل من منافع الطين فالنبوي دال علي أنه إذا حرم الله شيئا بقول مطلق بأن قال يحرم الشي‌ء الفلاني حرم بيعه لأن تحريم عينه إما راجع إلي تحريم جميع منافعه أو إلي تحريم أهم منافعه التي يتبادر عند الإطلاق بحيث يكون غيره غير مقصود منه.
المكاسب، ج‌1، ص 4
و علي التقديرين يدخل الشي‌ء لأجل ذلك فيما لا ينتفع به منفعة محللة مقصودة و الطين لم يحرم كذلك بل لم يحرم إلا بعض منافعه الغير المقصودة منه و هو الأكل بخلاف الأبوال فإنها حرمت كذلك فيكون التحريم راجعا إلي شربها و غيره من المنافع في حكم العدم. و بالجملة فالانتفاع بالشي‌ء حال الضرورة- منفعة محرمة في حال الاختيار لا يوجب جواز بيعه و لا ينتقض أيضا بالأدوية المحرمة في غير حال المرض لأجل الإضرار و لأن حلية هذه في حال المرض ليست لأجل الضرورة بل لأجل تبدل عنوان الإضرار بعنوان النفع- . و مما ذكرنا يظهر أن قوله ع في رواية تحف العقول المتقدمة و كل شي‌ء يكون فيه الصلاح من جهة من الجهات يراد به جهة الصلاح الثابتة حال الاختيار دون الضرورة.

و مما ذكرنا يظهر حرمة بيع لحوم السباع دون شحومها

و مما ذكرنا يظهر حرمة بيع لحوم السباع دون شحومها
فإن الأول من قبيل الأبوال و الثاني من قبيل الطين في عدم حرمة جميع منافعها المقصودة منها و لا ينافيه النبوي: لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها و أكلوا ثمنها لأن الظاهر أن الشحوم كانت محرمة الانتفاع علي اليهود بجميع الانتفاعات لا كتحريم شحوم غير مأكول اللحم علينا هذا و لكن الموجود من النبوي في باب الأطعمة عن الخلاف: أن الله إذا حرم أكل شي‌ء حرم ثمنه و الجواب عنه مع ضعفه و عدم الجابر له سندا و دلالة لقصورها لزوم تخصيص الأكثر.

الثاني بول الإبل يجوز بيعه إجماعا

الثاني بول الإبل يجوز بيعه إجماعا
علي ما في جامع المقاصد و عن إيضاح النافع إما لجواز شربه اختيارا كما يدل عليه قوله ع في رواية الجعفري: أبوال الإبل خير من ألبانها و إما لأجل الإجماع المنقول لو قلنا بعدم جواز شربها إلا لضرورة الاستشفاء كما يدل عليه رواية سماعة قال: سألت أبا عبد الله ع عن بول الإبل و البقر و الغنم ينتفع به من الوجع هل يجوز أن يشرب قال نعم لا بأس به و موثقة عمار: عن بول البقر يشربه الرجل قال إن كان محتاجا إليه يتداوي بشربه فلا بأس و كذلك بول الإبل و الغنم. لكن الإنصاف أنه لو قلنا بحرمة شربه اختيارا أشكل الحكم بالجواز إن لم يكن إجماعيا كما يظهر من مخالفة العلامة في النهاية و ابن سعيد في النزهة قال في النهاية و كذلك البول يعني يحرم بيعه و إن كان طاهرا للاستخباث كأبوال البقر و الإبل و إن انتفع به في شربه للدواء لأنه منفعة جزئية نادرة فلا يعتد به انتهي. أقول بل لأن المنفعة المحللة للاضطرار- و إن كانت كلية لا تسوغ البيع كما عرفت

الثانية يحرم بيع العذرة النجسة من كل حيوان

اشارة

الثانية يحرم بيع العذرة النجسة من كل حيوان
علي المشهور بل في التذكرة كما عن الخلاف الإجماع علي تحريم بيع السرجين النجس و يدل عليه مضافا إلي ما تقدم من الأخبار رواية يعقوب بن شعيب: ثمن العذرة من السحت. نعم في رواية محمد بن المصادف: لا بأس ببيع العذرة

[الجمع بين الروايات المانعة و المجوزة]

اشارة

[الجمع بين الروايات المانعة و المجوزة]
و جمع الشيخ بينهما بحمل الأول علي عذرة الإنسان و الثاني علي عذرة البهائم و لعله لأن الأول نص في عذرة الإنسان ظاهر في غيرها بعكس الخبر الثاني فيطرح ظاهر كل منهما بنص الآخر. و يقرب هذا الجمع رواية سماعة قال: سأل رجل أبا عبد الله ع و أنا حاضر عن بيع العذرة فقال إني رجل أبيع العذرة فما تقول قال حرام بيعها و ثمنها و قال لا بأس ببيع العذرة. فإن الجمع بين الحكمين في كلام واحد لمخاطب واحد يدل علي أن تعارض الأولين ليس إلا من حيث الدلالة فلا يرجع فيه إلي المرجحات السندية أو المرجحات الخارجية و به يدفع ما يقال من أن العلاج في الخبرين المتنافيين علي وجه التباين الكلي هو الرجوع إلي المرجحات الخارجية ثم التخيير أو التوقف لا إلغاء ظهور كل منهما و لهذا طعن علي من جمع بين الأمر و النهي بحمل الأمر علي الإباحة و النهي علي الكراهة. و احتمل السبزواري حمل خبر المنع علي الكراهة و فيه ما لا يخفي من البعد و أبعد منه ما عن المجلسي- من احتمال حمل خبر المنع علي بلاد لا ينتفع به و الجواز علي غيرها و نحوه حمل خبر المنع علي التقية- لكونه مذهب أكثر العامة

[الأظهر من وجوه الجمع]

[الأظهر من وجوه الجمع]
و الأظهر ما ذكره الشيخ رحمه الله- لو أريد التبرع بالحمل لكونه أولي من الطرح و إلا فرواية الجواز لا يجوز الأخذ بها- من وجوه لا تخفي.

[وجه ثبوت الحكم في غير عذرة الإنسان]

[وجه ثبوت الحكم في غير عذرة الإنسان]
ثم إن لفظ العذرة في الروايات إن قلنا إنه ظاهر في عذرة الإنسان كما حكي التصريح به عن بعض أهل اللغة فثبوت الحكم في غيرها بالأخبار العامة المتقدمة و بالإجماع المتقدم علي السرجين النجس. و استشكل في الكفاية في الحكم تبعا للمقدس الأردبيلي رحمه الله إن لم يثبت الإجماع و هو حسن إلا أن الإجماع المنقول هو الجابر لضعف سند الأخبار العامة السابقة. و ربما يستظهر من عبارة الإستبصار القول بجواز بيع عذرة ما عدا الإنسان و فيه نظر.

فرع الأقوي جواز بيع الأرواث الطاهرة

فرع الأقوي جواز بيع الأرواث الطاهرة
التي ينتفع بها منفعة محللة مقصودة و عن الخلاف نفي الخلاف فيه. و حكي أيضا عن المرتضي رحمه الله الإجماع عليه. و عن المفيد حرمة بيع العذرة و الأبوال كلها إلا بول الإبل. و حكي عن سلار أيضا و لا أعرف مستندا لذلك إلا دعوي أن تحريم الخبائث في قوله تعالي وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ يشمل تحريم بيعها. و قوله ع: إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه و ما تقدم من رواية دعائم الإسلام و غيرها. و يرد علي الأول أن المراد بقرينة مقابلته لقوله تعالي يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ الأكل لا مطلق الانتفاع و في النبوي و غيره ما عرفت من أن الموجب لحرمة الثمن حرمة عين الشي‌ء بحيث يدل علي تحريم جميع منافعه أو المنافع المقصودة الغالبة و منفعة الروث ليست هي الأكل المحرم فهو كالطين المحرم كما عرفت سابقا

الثالثة يحرم المعاوضة علي الدم بلا خلاف

اشارة

الثالثة يحرم المعاوضة علي الدم بلا خلاف
بل عن النهاية و حاشية الإرشاد لفخر الدين و التنقيح الإجماع عليه و يدل عليه الأخبار السابقة- .

فرع و أما الدم الطاهر

فرع و أما الدم الطاهر
إذا فرضت له منفعة محللة كالصبغ لو قلنا بجوازه ففي جواز بيعه وجهان أقواهما الجواز لأنها عين طاهرة ينتفع بها منفعة محللة. و أما مرفوعة الواسطي المتضمنة لمرور أمير المؤمنين ع بالقصابين و نهيهم عن بيع سبعة بيع الدم و الغدد و آذان الفؤاد و الطحال إلي آخرها فالظاهر إرادة حرمة البيع للأكل و لا شك في تحريمه لما سيجي‌ء من أن قصد المنفعة المحرمة في المبيع موجب لحرمة البيع بل بطلانه. و صرح في التذكرة بعدم جواز بيع الدم الطاهر لاستخباثه و لعله لعدم المنفعة الظاهرة فيه غير الأكل المحرم

الرابعة لا إشكال في حرمة بيع المني

اشارة

الرابعة لا إشكال في حرمة بيع المني
لنجاسته و عدم الانتفاع به إذا وقع في خارج الرحم و لو وقع فيه فكذلك لا ينتفع به المشتري- لأن الولد نماء الأم في الحيوانات عرفا و للأب في الإنسان شرعا لكن
المكاسب، ج‌1، ص 5
الظاهر أن حكمهم بتبعية الأم متفرع علي عدم تملك المني و إلا لكان بمنزلة البذر المملوك يتبعه الزرع فالمتعين التعليل بالنجاسة لكن قد منع بعض من نجاسته إذا دخل عن الباطن إلي الباطن.

[بيع العسيب]

[بيع العسيب]
و قد ذكر العلامة من المحرمات بيع عسيب الفحل و هو ماؤه قبل الاستقرار في الرحم كما أن الملاقيح هو ماؤه بعد الاستقرار كما في جامع المقاصد و عن غيره و علل في الغنية بطلان بيع ما في أصلاب الفحول بالجهالة و عدم القدرة علي التسليم

الخامسة تحرم المعاوضة علي الميتة و أجزائها التي تحلها الحياة من ذي النفس السائلة

اشارة

الخامسة تحرم المعاوضة علي الميتة و أجزائها التي تحلها الحياة من ذي النفس السائلة
علي المعروف من مذهب الأصحاب و في التذكرة كما عن المنتهي و التنقيح الإجماع عليه و عن رهن الخلاف الإجماع علي عدم ملكيتها. و يدل عليه مضافا إلي ما تقدم من الأخبار ما دل علي أن الميتة لا ينتفع بها منضما إلي اشتراط وجود المنفعة المباحة في المبيع لئلا يدخل في عموم النهي عن أكل المال بالباطل و خصوص عد ثمن الميتة من السحت في رواية السكوني.

[ظهور مكاتبة الصيقل في الجواز]

اشارة

[ظهور مكاتبة الصيقل في الجواز]
نعم قد ورد بعض ما يظهر منه الجواز مثل رواية صيقل قال: كتبوا إلي الرجل ع جعلنا الله فداك أنا قوم نعمل السيوف و ليست لنا معيشة و لا تجارة غيرها و نحن مضطرون إليها و إنما غلافها من جلود الميتة من البغال و الحمير الأهلية لا يجوز في أعمالنا غيرها فيحل لنا عملها و شراؤها و بيعها و مسها بأيدينا و ثيابنا و نحن نصلي في ثيابنا و نحن محتاجون إلي جوابك في هذه المسألة يا سيدنا لضرورتنا إليها فكتب ع اجعلوا ثوبا للصلاة إلي آخر الحديث و نحوها رواية أخري بهذا المضمون و لذا قال في الكفاية و الحدائق إن الحكم لا يخلو عن إشكال.

[المناقشة في دلالتها علي جواز البيع]

[المناقشة في دلالتها علي جواز البيع]
و يمكن أن يقال إن مورد السؤال عمل السيوف و بيعها و شراؤها لا خصوص الغلاف مستقلا و لا في ضمن السيف علي أن يكون جزء من الثمن في مقابل عين الجلد فغاية ما يدل عليه جواز الانتفاع بجلد الميتة بجعله غمدا للسيف و هو لا ينافي عدم جواز معاوضته بالمال و لذا جوز جماعة منهم الفاضلان في مختصر النافع و الإرشاد علي ما حكي عنهما الاستقاء بجلد الميتة لغير الصلاة و الشرب مع عدم قولهم بجواز بيعه مع أن الجواب لا ظهور فيه في الجواز إلا من حيث التقرير الغير الظاهر في الرضا خصوصا في المكاتبات المحتملة للتقية

[بيع الميتة لو جاز الانتفاع بجلدها]

[بيع الميتة لو جاز الانتفاع بجلدها]
هذا. و لكن الإنصاف أنه إذا قلنا بجواز الانتفاع بجلد الميتة منفعة مقصودة كالاستقاء بها للبساتين و الزرع إذا فرض عده مالا عرفا فمجرد النجاسة لا يصلح علة لمنع البيع لو لا الإجماع علي حرمة بيع الميتة بقول مطلق لأن المانع حرمة الانتفاع في المنافع المقصودة لا مجرد النجاسة.
و إن قلنا إن مقتضي الأدلة حرمة الانتفاع بكل نجس فإن هذا كلام آخر سيجي‌ء ما فيه بعد ذكر النجاسات.

[ظهور ما دل علي المنع في كون المانع حرمة الانتفاع]

[ظهور ما دل علي المنع في كون المانع حرمة الانتفاع]
لكنا نقول إذا قام الدليل الخاص علي جواز الانتفاع منفعة مقصودة بشي‌ء من النجاسات فلا مانع من صحة بيعه لأن ما دل علي المنع عن بيع النجس من النص و الإجماع ظاهر في كون المانع حرمة الانتفاع فإن رواية تحف العقول المتقدمة قد علل فيها المنع عن بيع شي‌ء من وجوه النجس بكونه منهيا عن أكله و شربه إلي آخر ما ذكر فيها. و مقتضي رواية دعائم الإسلام المتقدمة أيضا إناطة جواز البيع و عدمه بجواز الانتفاع و عدمه.

[ظهور كلام جماعة في ما استظهر من النص و الإجماع]

[ظهور كلام جماعة في ما استظهر من النص و الإجماع]
و أدخل ابن زهرة في الغنية النجاسات فيما لا يجوز بيعه من جهة عدم حل الانتفاع بها و استدل أيضا علي جواز بيع الزيت النجس بأن النبي ص أذن في الاستصباح به تحت السماء قال و هذا يدل علي جواز بيعه لذلك انتهي. فقد ظهر من أول كلامه و آخره أن المانع من البيع منحصر في حرمة الانتفاع و أنه يجوز مع عدمها و مثل ما ذكرناه عن الغنية من الاستدلال كلام الشيخ في الخلاف في باب البيع حيث ذكر النبوي الدال علي إذن النبي ص في الاستصباح ثم قال و هذا يدل علي جواز بيعه انتهي.
و عن فخر الدين في شرح الإرشاد و الفاضل المقداد في التنقيح الاستدلال علي المنع عن بيع النجس بأنه محرم الانتفاع و كل ما كان كذلك لا يجوز بيعه. نعم ذكر في التذكرة شرط الانتفاع و حليته بعد اشتراط الطهارة. و استدل للطهارة بما دل علي وجوب الاجتناب عن النجاسات و حرمة الميتة و الإنصاف إمكان إرجاعه إلي ما ذكرناه فتأمل. و يؤيده أنهم أطبقوا علي بيع العبد الكافر و كلب الصيد و علله في التذكرة بحل الانتفاع به و رد من منع عن بيعه لنجاسته بأن النجاسة غير مانعة و تعدي إلي كلب الحائط و الماشية و الزرع لأن المقتضي و هو النفع موجود فيها

[المعاوضة علي لبن اليهودية المرضعة]

[المعاوضة علي لبن اليهودية المرضعة]
و مما ذكرناه من قوة جواز بيع جلد الميتة- لو لا الإجماع إذا جوزنا الانتفاع به في الاستقاء يظهر حكم جواز المعاوضة علي لبن اليهودية المرضعة بأن يجعل تمام الأجرة أو بعضها في مقابل اللبن فإن نجاسته لا تمنع عن جواز المعاوضة عليه.

فرعان

الأول أنه كما لا يجوز بيع الميتة منفردة كذلك لا يجوز بيعها منضمة إلي مذكي

اشارة

الأول أنه كما لا يجوز بيع الميتة منفردة كذلك لا يجوز بيعها منضمة إلي مذكي
و لو باعها فإن كان المذكي ممتازا صح البيع فيه و بطل في الميتة كما سيجي‌ء في محله و إن كان مشتبها بالميتة لم يجز بيعه أيضا- لأنه لا ينتفع به منفعة محللة- بناء علي وجوب الاجتناب عن كلا المشتبهين فهو في حكم الميتة من حيث الانتفاع فأكل المال بإزائه أكل المال بالباطل كما أن أكل كل من المشتبهين في حكم أكل الميتة

[هل يجوز بيع المختلط ممن يستحل الميتة]

اشارة

[هل يجوز بيع المختلط ممن يستحل الميتة]
و من هنا يعلم أنه لا فرق في المشتري بين الكافر المستحل للميتة و غيره

[دلالة روايتي الحلبي علي الجواز]

[دلالة روايتي الحلبي علي الجواز]
لكن في صحيحة الحلبي و حسنته إذا اختلط المذكي بالميتة بيع ممن يستحل الميتة و حكي نحوهما عن كتاب علي بن جعفر. و استوجه العمل بهذه الأخبار في الكفاية و هو مشكل مع أن المروي عن أمير المؤمنين ع أنه يرمي بهما

[تجويز بعضهم البيع بقصد بيع المذكي و الإيراد عليه]

[تجويز بعضهم البيع بقصد بيع المذكي و الإيراد عليه]
و جوز بعضهم البيع بقصد بيع المذكي. و فيه أن القصد لا ينفع بعد فرض عدم جواز الانتفاع بالمذكي لأجل الاشتباه. نعم لو قلنا بعدم وجوب الاجتناب في الشبهة المحصورة و جواز ارتكاب أحدهما جاز البيع بالقصد المذكور- و لكن لا ينبغي القول به في المقام لأن الأصل في كل واحد من المشتبهين عدم التذكية غاية الأمر العلم الإجمالي بتذكية أحدهما و هو غير قادح في العمل بالأصلين و إنما يصح القول بجواز ارتكاب أحدهما في المشتبهين إذا كان الأصل في كل منهما الحل و علم إجمالا بوجود الحرام فقد يقال هنا بجواز ارتكاب أحدهما اتكالا علي أصالة الحل و عدم جواز ارتكاب الآخر بعد ذلك
المكاسب، ج‌1، ص 6
حذرا عن ارتكاب الحرام الواقعي و إن كان هذا الكلام مخدوشا في هذا المقام أيضا. لكن القول به ممكن هنا بخلاف ما نحن فيه لما ذكرنا فافهم- .

[حمل العلامة لروايتي الحلبي]

[حمل العلامة لروايتي الحلبي]
و عن العلامة حمل الخبرين علي جواز استنقاذ مال المستحل للميتة بذلك برضاه. و فيه أن المستحل قد يكون ممن لا يجوز الاستنقاذ منه إلا بالأسباب الشرعية كالذمي

[حمل المؤلف لهما]

[حمل المؤلف لهما]
و يمكن حملهما علي صورة قصد البائع المسلم أجزاءها التي لا تحلها الحياة من الصوف و العظم و الشعر و نحوها و تخصيص المشتري بالمستحل لأن الداعي له علي الاشتراء اللحم أيضا و لا يوجب ذلك فساد البيع ما لم يقع العقد عليه.

[الانتفاع بأليات الغنم المقطوعة]

[الانتفاع بأليات الغنم المقطوعة]
و في مستطرفات السرائر عن جامع البزنطي صاحب الرضا ع قال:
سألته عن الرجل تكون له الغنم يقطع من ألياتها و هي أحياء يصلح له أن ينتفع بما قطع قال نعم يذيبها و يسرج بها و لا يأكلها و لا يبيعها. و استوجه في الكفاية العمل بها تبعا لما حكاه الشهيد عن العلامة في بعض أقواله و الرواية شاذة- ذكر الحلي بعد إيرادها أنها من نوادر الأخبار و الإجماع منعقد علي تحريم الميتة و التصرف فيها علي كل حال إلا أكلها للمضطر. أقول مع أنها معارضة بما دل علي المنع من موردها معللا بقوله ع: أ ما علمت أنه يصيب الثوب و اليد و هو حرام و مع الإغماض عن المرجحات يرجع إلي عموم ما دل علي المنع عن الانتفاع بالميتة مطلقا مع أن الصحيحة صريحة في المنع عن البيع إلا أن يحمل علي إرادة البيع من غير الإعلام بالنجاسة.

الثاني أن الميتة من غير النفس السائلة يجوز المعاوضة عليها

الثاني أن الميتة من غير النفس السائلة يجوز المعاوضة عليها
إذا كانت مما ينتفع بها أو ببعض أجزائها كدهن السمك الميتة للإسراج و التدهين لوجود المقتضي و عدم المانع لأن أدلة عدم الانتفاع بالميتة مختصة بالنجسة و صرح بما ذكرنا جماعة و الظاهر أنه مما لا خلاف فيه

السادسة يحرم التكسب بالكلب الهراش و الخنزير البريين

السادسة يحرم التكسب بالكلب الهراش و الخنزير البريين
إجماعا علي الظاهر المصرح به في المحكي عن جماعة و كذلك أجزاؤهما. نعم لو قلنا بجواز استعمال شعر الخنزير و جلده جاء فيه ما تقدم في جلد الميتة

السابعة يحرم التكسب بالخمر و كل مسكر مائع و الفقاع إجماعا نصا و فتوي

السابعة يحرم التكسب بالخمر و كل مسكر مائع و الفقاع إجماعا نصا و فتوي
. و في بعض الأخبار: يكون لي علي الرجل الدراهم فيعطيني بها خمرا فقال خذها ثم أفسدها قال ابن أبي عمير يعني اجعلها خلا و المراد به إما أخذ الخمر مجانا ثم تخليلها أو أخذها و تخليلها لصاحبها ثم أخذ الخل وفاء عن الدراهم

الثامنة يحرم المعاوضة علي الأعيان المتنجسة- الغير القابلة للطهارة

الثامنة يحرم المعاوضة علي الأعيان المتنجسة- الغير القابلة للطهارة
إذا توقف منافعها المحللة المعتد بها علي الطهارة لما تقدم من النبوي: إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه و نحوه المتقدم عن دعائم الإسلام. و أما التمسك بعموم قوله ع في رواية تحف العقول أو شي‌ء من وجوه النجس ففيه نظر لأن الظاهر من وجوه النجس العنوانات النجسة لأن ظاهر الوجه هو العنوان. نعم يمكن الاستدلال علي ذلك بالتعليل المذكور بعد ذلك- و هو قوله ع لأن ذلك كله محرم أكله و شربه و لبسه إلي آخر ما ذكر. ثم اعلم أنه قيل بعدم جواز بيع المسوخ من أجل نجاستها و لما كان الأقوي طهارتها لم يحتج إلي التكلم في جواز بيعها هنا. نعم لو قيل بحرمة البيع لا من حيث النجاسة كان محل التعرض له ما سيجي‌ء من أن كل طاهر له منفعة محللة مقصودة يجوز بيعه. و سيجي‌ء ذلك في ذيل القسم الثاني مما لا يجوز الاكتساب به لأجل عدم المنفعة فيه

و أما المستثني من الأعيان المتقدمة

اشارة

و أما المستثني من الأعيان المتقدمة
فهي أربعة تذكر في مسائل أربع
@@@

الأولي يجوز بيع المملوك الكافر

اشارة

أصليا كان أم مرتدا مليا بلا خلاف ظاهر بل ادعي عليه الإجماع و ليس ببعيد كما يظهر للمتتبع في المواضع المناسبة لهذه المسألة كاسترقاق الكفار و شراء بعضهم من بعض و بيع العبد الكافر إذا أسلم علي مولاه الكافر و عتق الكافرة و بيع المرتد و ظهور كفر العبد المشتري علي ظاهر الإسلام و غير ذلك

[بيع العبد المرتد عن فطرة]

اشارة

و كذا الفطري علي الأقوي بل الظاهر أنه لا خلاف فيه من هذه الجهة و إن كان فيه كلام من حيث كونه في معرض التلف لوجوب قتله و لم نجد من تأمل فيه من جهة نجاسته عدا ما يظهر من بعض الأساطين- في شرحه علي القواعد حيث احترز بقول العلامة ما لا يقبل التطهير من النجاسات عما يقبله و لو بالإسلام كالمرتد و لو عن فطرة علي أصح القولين فبني جواز بيع المرتد علي قبول توبته بل بني جواز بيع مطلق الكافر علي قبوله للطهر بالإسلام. و أنت خبير بأن حكم الأصحاب بجواز بيع الكافر نظير حكمهم بجواز بيع الكلب لا من حيث قابليته للتطهير نظير الماء المتنجس و إن اشتراطهم قبول التطهير إنما هو فيما يتوقف الانتفاع به علي طهارته- ليتصف بالملكية لا مثل الكلب و الكافر المملوكين مع النجاسة إجماعا. و بالغ تلميذه في مفتاح الكرامة فقال أما المرتد عن فطرة فالقول بجواز بيعه ضعيف جدا لعدم قبول توبته فلا يقبل التطهير ثم ذكر جماعة ممن جوز بيعه إلي أن قال و لعل من جوز بيعه بني علي قبول توبته انتهي و تبعه علي ذلك شيخنا المعاصر. أقول لا إشكال و لا خلاف في كون المملوك المرتد عن فطرة ملكا و مالا لمالكه و يجوز له الانتفاع به بالاستخدام ما لم يقتل و إنما استشكل من استشكل في جواز بيعه من حيث كونه في معرض القتل بل واجب الإتلاف شرعا فكان الإجماع منعقد علي عدم المنع من بيعه من جهة عدم قابليته للطهارة بالتوبة

[نقل كلمات الأعلام في المسألة]

. قال في الشرائع و يصح رهن المرتد و إن كان عن فطرة و استشكل في المسالك من جهة وجوب إتلافه و كونه في معرض التلف ثم اختار الجواز لبقاء ماليته إلي زمان القتل. و قال في القواعد و يصح رهن المرتد و إن كان عن فطرة علي إشكال و ذكر في جامع المقاصد أن منشأ الإشكال أنه يجوز بيعه فيجوز رهنه بطريق أولي و من أن مقصود البيع حاصل- و أما مقصود الرهن فقد لا يحصل بقتل الفطري حتما و الآخر قد لا يتوب ثم اختار الجواز و قال في التذكرة المرتد إن كان عن فطرة ففي جواز بيعه نظر ينشأ من تضاد الحكمين- و من بقاء الملك فإن كسبه لمولاه أما عن غير فطرة فالوجه صحة بيعه لعدم تحتم قتله ثم ذكر المحارب الذي لا تقبل توبته- لوقوعها بعد القدرة عليه و استدل علي جواز بيعه بما يظهر منه جواز بيع المرتد عن فطرة و جعله نظير المريض المأيوس عن برئه نعم منع في التحرير و الدروس عن بيع المرتد عن فطرة و المحارب إذا وجب قتله للوجه
المكاسب، ج‌1، ص 7
المتقدم. و عن التذكرة بل في الدروس أن بيع المرتد عن ملة أيضا مراعي بالتوبة و كيف كان فالمتتبع يقطع بأن اشتراط قابلية الطهارة إنما هو فيما يتوقف الانتفاع المعتد به علي طهارته و لذا قسم في المبسوط المبيع إلي آدمي و غيره. ثم اشترط الطهارة في غير الآدمي نعم استثني الكلب الصيود

الثانية يجوز المعاوضة علي غير كلب الهراش في الجملة

اشارة

بلا خلاف ظاهر إلا ما عن ظاهر إطلاق العماني و لعله كإطلاق كثير من الأخبار بأن ثمن الكلب سحت محمول علي الهراش لتواتر الأخبار و استفاضة نقل الإجماع علي جواز بيع ما عدا كلب الهراش في الجملة. ثم إن ما عدا كلب الهراش علي أقسام

أحدها كلب الصيد السلوقي

و هو المتيقن من الأخبار و معاقد الإجماعات الدالة علي الجواز.

الثاني كلب الصيد غير السلوقي

اشارة

و بيعه جائز علي المعروف من غير ظاهر إطلاق المقنعة و النهاية. و يدل عليه قبل الإجماع المحكي عن الخلاف و المنتهي و الإيضاح و غيرها

الأخبار المستفيضة [الدالة علي الجواز]

منها قوله ع في رواية القاسم بن الوليد قال: سألت أبا عبد الله ع عن ثمن الكلب الذي لا يصيد قال سحت و أما الصيود فلا بأس به و منها الصحيح عن ابن فضال عن أبي جميلة عن ليث قال: سألت أبا عبد الله ع عن الكلب الصيود يباع قال ع نعم و يؤكل ثمنه و منها رواية أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله ع عن ثمن كلب الصيد قال لا بأس به و أما الآخر فلا يحل ثمنه و منها ما عن دعائم الإسلام للقاضي نعمان المصري عن أمير المؤمنين ع أنه قال: لا بأس بثمن كلب الصيد و منها مفهوم رواية أبي بصير عن أبي عبد الله ع قال قال رسول الله ص: ثمن الخمر و مهر البغي و ثمن الكلب الذي لا يصطاد من السحت و منها مفهوم رواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن أبي عبد الله ع قال: ثمن الكلب الذي لا يصيد سحت و لا بأس بثمن الهرة و مرسلة الصدوق رحمه الله و فيها: ثمن الكلب الذي ليس بكلب الصيد سحت.
ثم إن دعوي انصراف هذه الأخبار كمعاقد الإجماعات المتقدمة إلي السلوقي ضعيفة لمنع الانصراف لعدم الغلبة المعتد بها علي فرض تسليم كون مجرد غلبة الوجود من دون غلبة الاستعمال منشأ للانصراف مع أنه لا يصح في مثل قوله ثمن الكلب الذي لا يصيد أو ليس بكلب الصيد لأن مرجع التقييد إلي إرادة ما يصح عنه سلب صفة الاصطياد. و كيف كان فلا مجال لدعوي الانصراف بل يمكن أن يكون مراد المقنعة و النهاية من السلوقي مطلق الصيود علي ما شهد به بعض الفحول من إطلاقه عليه أحيانا. و يؤيد بما عن المنتهي- حيث إنه بعد ما حكي التخصيص بالسلوقي عن الشيخين قال و عني بالسلوقي كلب الصيد لأن سلوق قرية باليمن أكثر كلابها معلمة فنسب الكلب إليها و إن كان هذا الكلام من المنتهي يحتمل- لأن يكون مسوقا لإخراج غير كلب الصيد من الكلاب السلوقية و أن المراد بالسلوقي خصوص الصيود لا كل سلوقي لكن الوجه الأول أظهر فتدبر.

الثالث كلب الماشية و الحائط

اشارة

و هو البستان و الزرع و الأشهر بين القدماء علي ما قيل المنع لعله استظهر ذلك من الأخبار الحاصرة لما يجوز بيعه في الصيود المشتهرة بين المحدثين كالكليني و الصدوقين و من تقدمهم بل و أهل الفتوي كالمفيد و القاضي و ابن زهرة و ابن سعيد و المحقق بل ظاهر الخلاف و الغنية الإجماع عليه.

نعم المشهور بين الشيخ و من تأخر عنه الجواز

وفاقا للمحكي عن ابن الجنيد قدس سره حيث قال لا بأس بشراء الكلب الصائد و الحارس للماشية و الزرع ثم قال لا خير في الكلب فيما عدا الصيود و الحارس و ظاهر الفقرة الأخيرة لو لم يحمل علي الأولي جواز بيع الكلاب الثلاثة و غيرها كحارس الدور و الخيام.
و حكي الجواز أيضا عن الشيخ و القاضي في كتاب الإجارة و عن سلار و أبي الصلاح و ابن حمزة و ابن إدريس و أكثر المتأخرين كالعلامة و ولده السعيد و الشهيدين و المحقق الثاني و ابن القطان في المعالم و الصيمري و ابن فهد و غيرهم من متأخري المتأخرين

[ذهاب المحقق و قليل من متأخري المتأخرين إلي المنع]

عدا قليل وافق المحقق كالسبزواري و التقي المجلسي و صاحب الحدائق و العلامة الطباطبائي في مصابيحه و فقيه عصره في شرح القواعد و هو الأوفق بالعمومات المتقدمة المانعة إذ لم نجد مخصصا لها

[دلالة مرسلة المبسوط علي الجواز]

سوي ما أرسله في المبسوط من أنه روي ذلك يعني جواز البيع في كلب الماشية و الحائط المنجبر قصور سنده و دلالته لكون المنقول مضمون الرواية لا معناها و لا ترجمتها باشتهاره بين المتأخرين
بل ظهور الاتفاق المستفاد من قول الشيخ في كتاب الإجارة إن أحدا لم يفرق بين بيع هذه الكلاب و إجارتها بعد ملاحظة الاتفاق علي صحة إجارتها و من قوله في التذكرة جوز بيع هذه الكلاب عندنا و من المحكي عن الشهيد في الحواشي أن أحدا لم يفرق بين الكلاب الأربعة فيكون هذه الدعاوي قرينة علي

حمل كلام من اقتصر علي كلب الصيد علي المثال

لمطلق ما ينتفع به منفعة محللة مقصودة. كما يظهر ذلك من عبارة ابن زهرة في الغنية حيث اعتبر أولا في المبيع أن يكون مما ينتفع به منفعة محللة مقصودة ثم قال و احترزنا بقولنا ينتفع به منفعة محللة عما يحرم الانتفاع به و يدخل في ذلك كل نجس إلا ما خرج بالدليل من بيع الكلب المعلم للصيد و الزيت النجس لفائدة الاستصباح تحت السماء و من المعلوم بالإجماع و السيرة جواز الانتفاع بهذه الكلاب منفعة محللة مقصودة أهم من منفعة الصيد فيجوز بيعها لوجود القيد الذي اعتبره فيها و أن المنع من بيع النجس منوط بحرمة الانتفاع فينتفي بانتفائها

[التأييد بما أفاده العلامة و المناقشة فيه]

و يؤيد ذلك كله ما في التذكرة من أن المقتضي لجواز بيع كلب الصيد أعني المنفعة موجود في هذه الكلاب. و عنه رحمه الله في مواضع أخر أن تقدير الدية لها يدل علي مقابلتها بالمال و إن ضعف الأول برجوعه إلي القياس- و الثاني بأن الدية لو لم تدل علي عدم التملك و إلا لكان الواجب القيمة كائنة ما كانت لم تدل علي التملك لاحتمال كون الدية من باب تعيين غرامة معينة لتفويت شي‌ء ينتفع به لا لإتلاف مال كما في إتلاف الحر

[المناقشة في أدلة الجواز]

و نحوهما في الضعف دعوي انجبار المرسلة بدعوي الاتفاق المتقدم عن الشيخ و العلامة و الشهيد قدس الله أسرارهم لوهنها بعد الإغماض عن معارضتها بظاهر عبارتي الخلاف و الغنية من الإجماع علي عدم جواز بيع غير المعلم من الكلاب بوجدان الخلاف العظيم من أهل الرواية و الفتوي.

[الفرق بين دعوي الاتفاق و دعوي الإجماع]

نعم لو ادعي الإجماع أمكن منع وهنها بمجرد الخلاف و لو من الكثير بناء علي ما سلكه بعض متأخري المتأخرين في الإجماع من كونه
المكاسب، ج‌1، ص 8
منوطا بحصول الكشف من اتفاق جماعة و لو خالفهم أكثر منهم مع أن دعوي الإجماع ممن لم يصطلح الإجماع علي مثل هذا الاتفاق لا يعبأ بها عند وجدان الخلاف. و أما شهرة الفتوي بين المتأخرين فلا تجبر الرواية خصوصا مع مخالفة كثير من القدماء و مع كثرة ظاهر العمومات الواردة في مقام الحاجة و خلو كتب الرواية المشهورة عنها حتي أن الشيخ لم يذكرها في جامعية

و أما حمل كلمات القدماء علي المثال ففي غاية البعد

و أما كلام ابن زهرة المتقدم فهو مختل علي كل حال- لأنه استثني الكلب المعلم عما يحرم الانتفاع به مع أن الإجماع علي جواز الانتفاع بالكافر فحمل كلب الصيد علي المثال لا يصحح كلامه إلا أن يريد كونه مثالا و لو للكافر أيضا كما أن استثناء الزيت من باب المثال لسائر الأدهان المتنجسة هذا و لكن الحاصل من شهرة الجواز بين المتأخرين بضميمة أمارات الملك في هذه الكلاب يوجب الظن بالجواز حتي في غير هذه الكلاب مثل كلاب الدور و الخيام

[مختار المؤلف]

فالمسألة لا تخلو عن إشكال و إن كان الأقوي بحسب الأدلة- و الأحوط في العمل هو المنع فافهم

الثالثة الأقوي جواز المعاوضة علي العصير العنبي

اشارة

إذا غلي و لم يذهب ثلثاه و إن كان نجسا لعمومات البيع و التجارة الصادقة عليه بناء علي أنه مال قابل للانتفاع به بعد طهارته بالنقص لأصالة بقاء ماليته و عدم خروجه عنها بالنجاسة غاية الأمر أنه مال معيوب قابل لزوال عيبه و لذا لو غصب عصيرا فأغلاه حتي حرم و نجس لم يكن في حكم التالف بل وجب عليه رده و وجب عليه غرامة الثلثين و أجرة العمل فيه حتي يذهب الثلثان كما صرح به في التذكرة معللا لغرامة الأجرة بأنه رده معيبا و يحتاج زوال العيب إلي خسارة و العيب من فعله فكانت الخسارة عليه نعم ناقشه في جامع المقاصد في الفرق بين هذا و بين ما لو غصبه عصيرا فصار خمرا حيث حكم فيه بوجوب غرامة مثل العصير لأن المالية قد فاتت تحت يده فكان عليه ضمانها كما لو تلفت لكن لا يخفي الفرق الواضح بين العصير إذا غلي و بينه إذا صار خمرا فإن العصير بعد الغليان مال عرفا و شرعا و النجاسة إنما تمنع من المالية إذا لم تقبل التطهير كالخمر فإنه لا تزول نجاستها إلا بزوال موضوعها بخلاف العصير فإنه تزول نجاسته بنقصه نظير طهارة ماء البئر بالنزح-

[عدم شمول نجس العين للعصير]

و بالجملة فالنجاسة فيه و حرمة الشرب عرضية تعرضانه في حال متوسط بين حالتي طهارته فحكمه حكم النجس بالعرض القابل للتطهير فلا يشمله قوله ع في رواية تحف العقول أو شي‌ء من وجوه النجس و لا يدخل تحت قوله ص إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه لأن الظاهر منها العنوانات النجسة و المحرمة بقول مطلق لا ما تعرضانه في حال دون حال فيقال يحرم في حال كذا و ينجس في حال كذا. و بما ذكرنا يظهر عدم شمول معقد إجماع التذكرة علي فساد بيع نجس العين للعصير لأن المراد بالعين هي الحقيقة و العصير ليس كذلك

[استظهار المنع من بيع العصير في مفتاح الكرامة]

و يمكن أن ينسب جواز بيع العصير إلي كل من قيد الأعيان النجسة المحرم بيعها بعدم قابليتها للتطهير و لم أجد مصرحا بالخلاف عدا ما في مفتاح الكرامة من أن الظاهر المنع للعمومات المتقدمة و خصوص بعض الأخبار- مثل قوله ع: و إن غلي فلا يحل بيعه و رواية أبي كهمس: إذا بعته قبل أن يكون خمرا و هو حلال فلا بأس و مرسل ابن الهيثم: إذا تغير عن حاله و غلي فلا خير فيه بناء علي أن الخير المنفي يشمل البيع.

و في الجميع نظر

أما في العمومات فلما تقدم. و أما الأدلة الخاصة فهي مسوقة للنهي عن بيعه بعد الغليان نظير بيع الدبس و الخل من غير اعتبار إعلام المكلف و في الحقيقة هذا النهي كناية عن عدم جواز الانتفاع ما لم يذهب ثلثاه فلا يشمل بيعه بقصد التطهير مع إعلام المشتري نظير بيع الماء النجس و بالجملة فلو لم يكن إلا استصحاب ماليته و جواز بيعه كفي و لم أعثر علي من تعرض للمسألة صريحا عدا جماعة من المعاصرين نعم قال المحقق الثاني في حاشية الإرشاد في ذيل قول المصنف و لا بأس ببيع ما عرض له التنجيس مع قبولها التطهير بعد الاستشكال بلزوم عدم جواز بيع الأصباغ المتنجسة بعدم قبولها التطهير و دفع ذلك بقبولها له بعد الجفاف- و لو تنجس العصير و نحوه فهل يجوز بيعه علي من يستحله فيه إشكال ثم ذكر أن الأقوي العدم لعموم وَ لا تَعاوَنُوا عَلَي الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ و الظاهر أنه أراد بيع العصير للشرب من غير التثليث كما يظهر من ذكر المشتري و الدليل فلا يظهر منه حكم بيعه علي من يطهره

الرابعة يجوز المعاوضة علي الدهن المتنجس

اشارة

علي المعروف من مذهب الأصحاب و جعل هذا من المستثني عن بيع الأعيان النجسة مبني علي المنع من الانتفاع بالمتنجس إلا ما خرج بالدليل أو علي المنع من بيع المتنجس و إن جاز الانتفاع به نفعا مقصودا محللا و إلا كان الاستثناء منقطعا من حيث إن المستثني منه ما ليس فيه منفعة محللة مقصودة من النجاسات و المتنجسات و قد تقدم أن المنع عن بيع النجس فضلا عن المتنجس ليس إلا من حيث حرمة المنفعة المقصودة فإذا فرض حلها فلا مانع من البيع و يظهر من الشهيد الثاني في المسالك خلاف ذلك و أن جواز بيع الدهن للنص لا لجواز الانتفاع به و إلا لاطرد الجواز في غير الدهن أيضا و أما حرمة الانتفاع بالمتنجس إلا ما خرج بالدليل فسيجي‌ء الكلام فيه إن شاء الله تعالي و كيف كان فلا إشكال في جواز بيع الدهن المذكور و عن جماعة الإجماع عليه في الجملة

[الأخبار المستفيضة الدالة علي الجواز]

و الأخبار به مستفيضة منها الصحيح عن معاوية بن وهب عن أبي عبد الله ع قال: قلت له جرذ مات في سمن أو زيت أو عسل قال ع أما السمن و العسل فيؤخذ الجرذ و ما حوله و الزيت يستصبح به و زاد في المحكي عن التهذيب أنه يبيع ذلك الزيت و يبينه لمن اشتراه ليستصبح به و لعل الفرق بين الزيت و أخويه من جهة كونه مائعا غالبا بخلاف السمن و العسل و في رواية إسماعيل الآتية إشعار بذلك و منها الصحيح عن سعيد الأعرج عن أبي عبد الله ع: في الفأرة و الدابة تقع في الطعام و الشراب فتموت فيه قال ع إن كان سمنا أو عسلا أو زيتا فإنه ربما يكون بعض هذا فإن كان الشتاء فانزع ما حوله و كله و إن كان الصيف فادفعه حتي يسرج به و منها ما عن أبي بصير في الموثق: عن الفأرة تقع في السمن أو في الزيت فتموت فيه قال ع إن كان جامدا فليطرحها و ما حولها و يؤكل ما بقي و إن كان ذائبا فأسرج به و أعلمهم إذا بعته و منها رواية إسماعيل بن عبد الخالق قال: سأله سعيد الأعرج السمان و أنا حاضر عن السمن و الزيت و العسل تقع فيه الفأرة فتموت كيف يصنع به قال ع أما الزيت فلا تبعه إلا أن تبين له فيبتاع للسراج
المكاسب، ج‌1، ص 9
و أما الأكل فلا و أما السمن فإن كان ذائبا فكذلك و إن كان جامدا و الفأرة في أعلاه فيؤخذه ما تحتها و ما حولها ثم لا بأس به و العسل كذلك إن كان جامدا

إذا عرفت هذا فالإشكال يقع في مواضع

@@@ الأول أن صحة بيع هذا الدهن هل هي مشروطة باشتراط الاستصباح به
صريحا أو يكفي قصدهما لذلك أو لا يشترط أحدهما ظاهر الحلي في السرائر الأول- فإنه بعد ذكر جواز الاستصباح بالأدهان المتنجسة جمع قال و يجوز بيعها بهذا الشرط عندنا و ظاهر المحكي عن الخلاف الثاني حيث قال جاز بيعه لمن يستصبح به تحت السماء دليلنا إجماع الفرقة و أخبارهم و قال أبو حنيفة يجوز مطلقا و نحوه مجردا عن دعوي الإجماع عبارة المبسوط و زاد أنه لا يجوز بيعه إلا لذلك و ظاهره كفاية القصد و هو ظاهر غيره ممن عبر بقوله جاز بيعه للاستصباح- كما في الشرائع و القواعد و غيرهما. نعم ذكر المحقق الثاني ما حاصله أن التعليل راجع إلي الجواز يعني يجوز لأجل تحقق فائدة الاستصباح بيعه و كيف كان فقد صرح جماعة بعدم اعتبار قصد الاستصباح.
[اعتبار قصد الاستصباح إذا كان من المنافع النادرة]
و يمكن أن يقال باعتبار قصد الاستصباح إذا كانت المنفعة المحللة منحصرة فيه و كان من منافعه النادرة التي لا تلاحظ في ماليته كما في دهن اللوز و البنفسج و شبههما و وجهه أن مالية الشي‌ء إنما هي باعتبار منافعه المحللة المقصودة منه لا باعتبار مطلق الفوائد غير الملحوظة في ماليته و لا باعتبار الفوائد الملحوظة المحرمة فإذا فرض أن لا فائدة في الشي‌ء محللة ملحوظة في ماليته فلا يجوز بيعه علي الإطلاق لأن الإطلاق ينصرف إلي كون الثمن بإزاء المنافع المقصودة منه و المفروض حرمتها فيكون أكلا للمال بالباطل و لا علي قصد الفائدة النادرة المحللة لأن قصد الفائدة النادرة لا يوجب كون الشي‌ء مالا. ثم إذا فرض ورود النص الخاص علي جواز بيعه كما فيما نحن فيه فلا بد من حمله علي إرادة صورة قصد الفائدة النادرة لأن أكل المال حينئذ ليس بالباطل بحكم الشارع بخلاف صورة عدم القصد لأن المال في هذه الصورة مبذول في مقابل المطلق المنصرف إلي الفوائد المحرمة فافهم و حينئذ فلو لم يعلم المتبايعان جواز الاستصباح بهذا الدهن و تعاملا من غير قصد إلي هذه الفائدة كانت المعاملة باطلة لأن المال مبذول مع الإطلاق في مقابل الشي‌ء باعتبار الفوائد المحرمة. ثم لو علمنا عدم التفات المتعاملين إلي المنافع أصلا أمكن صحتها لأنه مال واقعي شرعا قابل لبذل المال بإزائه و لم يقصد به ما لا يصح بذل المال بإزائه من المنافع المحرمة و مرجع هذا في الحقيقة إلي أنه لا يشترط إلا عدم قصد المنافع المحرمة فافهم.
[عدم اعتبار قصد الاستصباح إذا كان من المنافع الغالبة أو المساوية]
و أما فيما كان الاستصباح منفعة غالبة بحيث كان مالية الدهن باعتباره كالأدهان المعدة للإسراج فلا يعتبر في صحة بيعه قصده أصلا لأن الشارع قد قرر ماليته العرفية بتجويز الاستصباح به و إن فرض حرمة سائر منافعه بناء علي أضعف الوجهين من وجوب الاقتصار في الانتفاع بالنجس علي مورد النص. و كذا إذا كان الاستصباح منفعة مقصودة مساوية لمنفعة الأكل المحرم كالألية و الزيت و عصارة السمسم فلا يعتبر قصد المنفعة المحللة فضلا عن اشتراطه إذ يكفي في ماليته وجود المنفعة المقصودة المحللة غاية الأمر كون حرمة منفعته الأخري المقصودة نقصا فيه يوجب الخيار للجاهل
نعم يشترط عدم اشتراط المنفعة المحرمة
بأن يقول بعتك بشرط أن تأكله و إلا فسد العقد بفساد الشرط بل يمكن الفساد و إن لم نقل بإفساد الشرط الفاسد لأن مرجع الاشتراط في هذا الفرض إلي تعيين المنفعة المحرمة عليه فيكون أكل الثمن أكلا بالباطل لأن حقيقة النفع العائد إلي المشتري بإزاء ثمنه هو النفع المحرم فافهم بل يمكن القول بالبطلان بمجرد القصد و إن لم يشترط في متن العقد و بالجملة فكل بيع قصد فيه منفعة محرمة بحيث قصد أكل الثمن أو بعضه بإزاء المنفعة المحرمة كان باطلا كما يومئ إلي ذلك ما ورد في تحريم شراء الجارية المغنية و بيعها و صرح في التذكرة بأن الجارية المغنية إذا بيعت بأكثر مما يرغب فيها لو لا الغناء فالوجه التحريم انتهي.
ثم إن الأخبار المتقدمة خالية عن اعتبار قصد الاستصباح
لأن موردها مما يكون الاستصباح فيه منفعة مقصودة منها كافية في ماليتها العرفية و ربما يتوهم من قوله ع- في رواية الأعرج المتقدمة تبينه لمن يشتريه فيبتاع للسراج اعتبار القصد و يدفعه أن الابتياع للسراج إنما جعل غاية للإعلام بمعني أن المسلم إذا اطلع علي نجاسته فيشتريه للإسراج نظير قوله ع في رواية معاوية بن وهب: يبينه لمن اشتراه ليستصبح به.
الثاني أن ظاهر بعض الأخبار وجوب الإعلام فهل يجب مطلقا أم لا- و هل وجوبه نفسي أم شرطي
بمعني اعتبار اشتراطه في صحة البيع الذي ينبغي أن يقال إنه لا إشكال في وجوب الإعلام إن قلنا باعتبار اشتراط الاستصباح في العقد أو تواطئهما عليه من الخارج لتوقف القصد علي العلم بالنجاسة و أما إذا لم نقل باعتبار اشتراط الاستصباح في العقد فالظاهر وجوب الإعلام وجوبا نفسيا- قبل العقد أو بعده لبعض الأخبار المتقدمة- و في قوله ع: يبينه لمن اشتراه ليستصبح به إشارة إلي وجوب الإعلام لئلا يأكله فإن الغاية للإعلام ليس هو تحقق الاستصباح إذ لا ترتب بينهما شرعا و لا عقلا و لا عادة- بل الفائدة حصر الانتفاع فيه بمعني عدم الانتفاع به في غيره
[وجوب إعلام الجاهل بما يعطي إذا كان الانتفاع الغالب به محرما]
ففيه إشارة إلي وجوب إعلام الجاهل بما يعطي إذا كان الانتفاع الغالب به محرما بحيث يعلم عادة وقوعه في الحرام لو لا الإعلام فكأنه قال أعلمه لأن لا يقع في الحرام الواقعي بتركك الإعلام
[الأخبار الدالة علي حرمة تعزير الجاهل بالحكم أو الموضوع]
و يشير إلي هذه القاعدة كثير من الأخبار المتفرقة الدالة علي حرمة تغرير الجاهل بالحكم أو الموضوع في المحرمات مثل ما دل علي أن من أفتي بغير علم لحقه وزر من عمل بفتياه فإن إثبات الوزر للمباشر من جهة فعل القبيح الواقعي و حمله علي المفتي من حيث التسبيب و التغرير و مثل قوله ع: ما من إمام صلي بقوم فيكون في صلاتهم تقصير- إلا كان عليه أوزارهم: و في رواية أخري: فيكون في صلاته و صلاتهم تقصير إلا كان إثم ذلك عليه: و في رواية أخري:
لا يضمن الإمام صلاتهم إلا أن يصلي بهم جنبا و مثل رواية أبي بصير المتضمنة لكراهة أن تسقي البهيمة أو تطعم ما لا يحل للمسلم أكله أو شربه فإن في كراهة ذلك في البهائم إشعارا بحرمته بالنسبة إلي المكلف و يؤيده أن أكل الحرام و شربه من القبيح و لو في حق الجاهل و لذا يكون الاحتياط فيه مطلوبا مع الشك إذ لو كان
المكاسب، ج‌1، ص 10
للعلم دخل في قبحه لم يحسن الاحتياط و حينئذ فيكون إعطاء النجس للجاهل المذكور إغراء بالقبيح و هو قبيح عقلا. بل قد يقال بوجوب الإعلام و إن لم يكن منه تسبيب كما لو رأي نجسا في يده يريد أكله و هو الذي صرح به العلامة رحمه الله في أجوبة المسائل المهنائية حيث سأله السيد المهنا عمن رأي في ثوب المصلي نجاسة فأجاب بأنه يجب الإعلام لوجوب النهي عن المنكر لكن إثبات هذا مشكل
[أقسام إلقاء الغير في الحرمة الواقعية]
و الحاصل أن هنا أمورا أربعة. أحدها أن يكون فعل الشخص علة تامة لوقوع الحرام في الخارج كما إذا أكره غيره علي المحرم و لا إشكال في حرمته و كون وزر الحرام عليه بل أشد لظلمة. و ثانيها أن يكون فعله سببا للحرام كمن قدم إلي غيره محرما و مثله ما نحن فيه و قد ذكرنا أن الأقوي فيه التحريم لأن استناد الفعل إلي السبب أقوي- فنسبة فعل الحرام إليه أولي و لذا يستقر الضمان علي السبب دون المباشر الجاهل بل قيل إنه لا ضمان ابتداء إلا عليه. الثالث أن يكون شرطا لصدور الحرام و هذا يكون علي وجهين أحدهما أن يكون من قبيل إيجاد الداعي علي المعصية إما لحصول الرغبة فيها كترغيب الشخص علي المعصية و إما لحصول العناد من الشخص حتي يقع في المعصية كسب آلهة الكفار الموجب لإلقائهم في سب الحق عنادا أو سب آباء الناس الموقع لهم في سب أبيه و الظاهر حرمة القسمين و قد ورد في ذلك عدة من الأخبار. ثانيهما أن يكون بإيجاد شرط آخر غير الداعي كبيع العنب ممن يعلم أنه يجعله خمرا و سيأتي الكلام فيه. الرابع أن يكون من قبيل عدم المانع و هذا يكون تارة مع الحرمة الفعلية في حق الفاعل كسكوت الشخص عن المنع من المنكر و لا إشكال في الحرمة بشرائط النهي عن المنكر و أخري مع عدم الحرمة الفعلية بالنسبة إلي الفاعل كسكوت العالم عن إعلام الجاهل كما فيما نحن فيه فإن صدور الحرام منه مشروط بعدم إعلامه
فهل يجب دفع الحرام بترك السكوت أم لا
فيه إشكال إلا إذا علمنا من الخارج وجوب دفع ذلك لكونه فسادا قد أمر بدفعه كل من قدر عليه كما لو اطلع علي عدم إباحة دم من يريد الجاهل قتله أو عدم إباحة عرضه له أو لزم من سكوته ضرر مالي قد أمرنا بدفعه عن كل أحد فإنه يجب الإعلام و الردع لو لم يرتدع بالإعلام بل الواجب هو الردع و لو بدون الإعلام ففي الحقيقة الإعلام بنفسه غير واجب. و أما فيما تعلق بغير الثلاثة من حقوق الله فوجوب دفع مثل هذا الحرام مشكل لأن الظاهر من أدلة النهي عن المنكر وجوب الردع عن المعصية فلا يدل علي وجوب إعلام الجاهل بكون فعله معصية نعم وجب ذلك فيما إذا كان الجهل بالحكم لكنه من حيث وجوب تبليغ التكاليف ليستمر التكليف إلي آخر الأبد بتبليغ الشاهد الغائب فالعالم في الحقيقة مبلغ عن الله ليتم الحجة علي الجاهل و يتحقق فيه قابلية الإطاعة و المعصية
[الاستدلال علي وجوب الإعلام بأن النجاسة عيب خفي و المناقشة فيه]
ثم إن بعضهم استدل علي وجوب الإعلام بأن النجاسة عيب خفي فيجب إظهارها و فيه مع أن وجوب الإعلام علي القول به ليس مختصا بالمعاوضات بل يشمل مثل الإباحة و الهبة من المجانيات أن كون النجاسة عيبا ليس إلا لكونه منكرا واقعيا و قبيحا فإن ثبت ذلك حرم الإلقاء فيه مع قطع النظر عن مسألة وجوب إظهار العيب و إلا لم يكن عيبا فتأمل.
الثالث المشهور بين الأصحاب وجوب كون الاستصباح تحت السماء
بل في السرائر أن الاستصباح به تحت الظلال محظور بغير خلاف و في المبسوط أنه روي أصحابنا أنه يستصبح به تحت السماء دون السقف لكن الأخبار المتقدمة علي كثرتها و ورودها في مقام البيان ساكتة عن هذا القيد و لا مقيد لها من الخارج عدا ما يدعي من مرسلة الشيخ- المنجبرة بالشهرة المحققة و الاتفاق المحكي لكن لو سلم الانجبار فغاية الأمر دورانه بين تقييد المطلقات المتقدمة أو حمل الجملة الخبرية علي الاستحباب أو الإرشاد لئلا يتأثر السقف بدخان النجس الذي هو نجس بناء علي ما ذكره الشيخ من دلالة المرسلة علي نجاسة الدخان النجس إذ قد لا يخلو من أجزاء لطيفة دهنية تتصاعد بواسطة الحرارة و لا ريب أن مخالفة الظاهر في المرسلة خصوصا بالحمل علي الإرشاد دون الاستحباب أولي خصوصا مع ابتناء التقييد إما علي ما ذكره الشيخ من دلالة الرواية علي نجاسة الدخان المخالفة للمشهور و إما علي كون الحكم تعبدا محضا و هو في غاية البعد. و لعله لذلك أفتي في المبسوط بالكراهة مع روايته للمرسلة
و الإنصاف أن المسألة لا تخلو عن إشكال
من حيث ظاهر الروايات البعيدة عن التقييد لإبائها في أنفسها عنه و إباء المقيد عنه و من حيث الشهرة المحققة و الاتفاق المنقول و لو رجع إلي أصالة البراءة حينئذ لم يكن إلا بعيدا عن الاحتياط و جرأة علي مخالفة المشهور.
ثم إن العلامة في المختلف فصل
بين ما إذا علم بتصاعد شي‌ء من أجزاء الدهن و ما إذا لم يعلم فوافق المشهور في الأول و هو مبني علي ثبوت حرمة تنجيس السقف و لم يدل عليه دليل و إن كان ظاهر كل من حكم بكون الاستصباح تحت السماء تعبدا لا لنجاسة الدخان معللا بطهارة دخان النجس التسالم علي حرمة التنجيس و إلا لكان الأولي تعليل التعبد به لا بطهارة الدخان كما لا يخفي
الرابع هل يجوز الانتفاع بهذا الدهن في غير الاستصباح
بأن يعمل صابونا أو يطلي به الأجرب أو السفن قولان مبنيان علي أن الأصل في المتنجس جواز الانتفاع إلا ما خرج بالدليل كالأكل و الشرب و الاستصباح تحت الظل أو أن القاعدة فيه المنع عن التصرف إلا ما خرج بالدليل كالاستصباح تحت السماء و بيعه ليعمل صابونا علي رواية ضعيفة تأتي
[كلمات الفقهاء في المسألة]
و الذي صرح به في مفتاح الكرامة هو الثاني و وافقه بعض مشايخنا المعاصرين و هو ظاهر جماعة من القدماء كالشيخين و السيدين و الحلي و غيرهم.
[ما قاله السيد في الانتصار]
قال في الانتصار و مما انفردت به الإمامية أن كل طعام عالجه أهل الكتاب و من ثبت كفرهم بدليل قاطع لا يجوز أكله و لا الانتفاع به و اختلف باقي الفقهاء في ذلك و قد دللنا علي ذلك في كتاب الطهارة حيث دللنا علي أن سؤر الكفار نجس.
[ما قاله الشيخ في المبسوط و النهاية و الخلاف]
و قال في المبسوط في الماء المضاف إنه مباح التصرف فيه بأنواع التصرف ما لم تقع فيه نجاسة فإن وقعت فيه نجاسة لم يجز استعماله علي حال و قال في حكم الماء المتغير بالنجاسة إنه لا يجوز استعماله إلا عند الضرورة للشرب لا غير و قال في النهاية و إن كان ما حصل فيه الميتة مائعا لم يجز استعماله و وجب إهراقه انتهي و قريب منه عبارة المقنعة. و قال في الخلاف في حكم السمن و البذر و الشيرج و الزيت إذا وقعت فيه فأرة إنه جاز الاستصباح به و لا يجوز أكله و لا الانتفاع به بغير الاستصباح و به قال الشافعي و قال قوم من أصحاب الحديث لا ينتفع به بحال لا باستصباح و لا غيره بل يراق
المكاسب، ج‌1، ص 11
كالخمر و قال أبو حنيفة يستصبح به و يباع لذلك مطلقا و قال ابن داود إن كان المائع سمنا لم ينتفع به و إن كان غيره من الأدهان لم ينجس بموت الفأرة فيه و يحل أكله و شربه لأن الخبر ورد في السمن فحسب دليلنا إجماع الفرقة و أخبارهم
[ما قاله الحلي في السرائر]
و في السرائر في حكم الدهن المتنجس أنه لا يجوز الادهان به و لا استعماله في شي‌ء من الأشياء عدا الاستصباح تحت السماء انتهي و ادعي في موضع آخر أن الاستصباح به تحت الظلال محظور بغير خلاف
[ما قاله ابن زهرة في الغنية]
و قال ابن زهرة بعد أن اشترط في المبيع أن يكون مما ينتفع به منفعة محللة و شرطنا في المنفعة أن تكون مباحة تحفظا من المنافع المحرمة و يدخل في ذلك كل نجس لا يمكن تطهيره عدا ما استثني من بيع الكلب المعلم للصيد و الزيت النجس للاستصباح به تحت السماء و هو إجماع الطائفة ثم استدل علي جواز بيع الزيت بعد الإجماع بأن النبي ص أذن في الاستصباح به تحت السماء قال و هذا يدل علي جواز بيعه لذلك انتهي
و لكن الأقوي وفاقا لأكثر المتأخرين جواز الانتفاع إلا ما خرج بالدليل
و يدل عليه أصالة الجواز و قاعدة حل الانتفاع بما في الأرض و لا حاكم عليها سوي ما يتخيل من بعض الآيات و الأخبار و دعوي الجماعة المتقدمة الإجماع علي المنع
و الكل غير قابل لذلك.
[الاستدلال علي المنع بالآيات و الجواب عنه]
أما الآيات فمنها قوله تعالي إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصابُ وَ الْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ دل بمقتضي التفريع علي وجوب اجتناب كل رجس و فيه أن الظاهر من الرجس ما كان كذلك في ذاته لا ما عرض له ذلك فيختص بالعناوين النجسة و هي النجاسات العشر مع أنه لو عم المتنجس لزم أن يخرج عنه أكثر الأفراد فإن أكثر المتنجسات لا يجب الاجتناب عنه مع أن وجوب الاجتناب ثابت فيما كان رجسا من عمل الشيطان يعني من مبتدعاته فيختص وجوب الاجتناب المطلق بما كان من عمل الشيطان سواء أ كان نجسا كالخمر أم قذرا معنويا مثل الميسر. و من المعلوم أن المائعات المتنجسة كالدهن و الطين و الصبغ و الدبس إذا تنجست ليست من أعمال الشيطان و إن أريد من عمل الشيطان عمل المكلف المتحقق في الخارج بإغوائه ليكون المراد بالمذكورات استعمالها علي النحو الخاص فالمعني أن الانتفاع بهذه المذكورات رجس من عمل الشيطان كما يقال في سائر المعاصي إنها من عمل الشيطان فلا تدل أيضا علي وجوب الاجتناب عن استعمال المتنجس إلا إذا ثبت كون الاستعمال رجسا و هو أول الكلام و كيف كان فالآية لا تدل علي المطلوب و من بعض ما ذكرنا يظهر ضعف الاستدلال علي ذلك بقوله تعالي وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ بناء علي أن الرجز هو الرجس و أضعف من الكل الاستدلال بآية تحريم الخبائث بناء علي أن كل متنجس خبيث و التحريم المطلق يفيد عموم الانتفاع إذ لا يخفي أن المراد هنا حرمة الأكل بقرينة مقابلته بحلية الطيبات.
[الاستدلال علي المنع بالأخبار و الجواب عنه]
و أما الأخبار فمنها ما تقدم في رواية تحف العقول حيث علل النهي عن بيع وجوه النجس بأن ذلك كله محرم أكله و شربه و إمساكه و جميع التقلب فيه. فجميع التقلب في ذلك حرام و فيه ما تقدم من أن المراد بوجوه النجس عنواناته المعهودة لأن الوجه هو العنوان و الدهن ليس عنوانا للنجاسة و الملاقي للنجس و إن كان عنوانا للنجاسة لكنه ليس وجها من وجوه النجاسة في مقابلة غيره و لذا لم يعدوه عنوانا في مقابل العناوين النجسة مع ما عرفت من لزوم تخصيص الأكثر لو أريد به المنع عن استعمال كل متنجس. و منها ما دل علي الأمر بإهراق المائعات الملاقية للنجاسة و إلقاء ما حول الجامد من الدهن و شبهه و طرحه و قد تقدم بعضها في مسألة الدهن و بعضها الآخر متفرقة مثل قوله يهريق المرق و نحو ذلك و فيه أن طرحها كناية عن عدم الانتفاع بها في الأكل فإن ما أمر بطرحه من جامد الدهن و الزيت يجوز الاستصباح به إجماعا فالمراد اطراحه من ظرف الدهن و ترك الباقي للأكل.
[الإجماعات المدعاة علي المنع و النظر في دلالتها]
و أما الإجماعات ففي دلالتها علي المدعي نظر يظهر من ملاحظتها فإن الظاهر من كلام السيد المتقدم أن مورد الإجماع هو نجاسة ما باشره أهل الكتاب و أما حرمة الأكل و الانتفاع فهي من فروعها المتفرعة علي النجاسة لا أن معقد الإجماع حرمة الانتفاع بالنجس فإن خلاف باقي الفقهاء في أصل النجاسة في أهل الكتاب لا في أحكام النجس. و أما إجماع الخلاف فالظاهر أن معقده ما وقع الخلاف فيه بينه و بين من ذكر من المخالفين إذ فرق بين دعوي الإجماع علي محل النزاع بعد تحريره و بين دعواه ابتداء علي الأحكام المذكورات في عنوان المسألة فإن الثاني يشمل الأحكام كلها و الأول لا يشمل إلا الحكم الواقع مورد الخلاف- لأنه الظاهر من قوله دليلنا إجماع الفرقة فافهم و اغتنم و أما إجماع السيد في الغنية فهو في أصل مسألة تحريم بيع النجاسات و استثناء الكلب المعلم و الزيت المتنجس لا فيما ذكره من أن حرمة بيع المتنجس من حيث دخوله فيما يحرم الانتفاع نعم هو قائل بذلك و بالجملة فلا ينكر ظهور كلام السيد في حرمة الانتفاع بالنجس الذاتي و العرضي و لكن دعواه الإجماع علي ذلك بعيدة عن مدلول كلامه جدا و كذلك لا ينكر كون السيد و الشيخ قائلين بحرمة الانتفاع بالمتنجس كما هو ظاهر المفيد و صريح الحلي لكن دعواهما الإجماع علي ذلك ممنوعة عند المتأمل المنصف ثم علي تقدير تسليم دعواهم الإجماعات فلا ريب في وهنها بما يظهر من أكثر المتأخرين من قصر حرمة الانتفاع علي أمور خاصة.
[ما قاله المحقق في المعتبر]
قال في المعتبر في أحكام الماء القليل المتنجس و كل ماء حكم بنجاسته لم يجز استعماله إلي أن قال و نريد بالمنع عن استعماله الاستعمال في الطهارة و إزالة الخبث و الأكل و الشرب دون غيره مثل بل الطين و سقي الدابة انتهي. أقول إن بل الصبغ و الحناء بذلك الماء داخل في الغير فلا يحرم الانتفاع بهما
[ما قاله العلامة في كتبه]
و أما العلامة فقد قصر حرمة استعمال الماء المتنجس في التحرير و القواعد و الإرشاد علي الطهارة و الأكل و الشرب و جوز في المنتهي الانتفاع بالعجين النجس في علف الدواب محتجا بأن المحرم علي المكلف تناوله و بأنه انتفاع فيكون سائغا للأصل و لا يخفي أن كلا دليليه صريح في حصر التحريم في أكل العجين المتنجس.
[ما قاله الشهيد في قواعده و الذكري]
و قال الشهيد في قواعده النجاسة ما حرم استعماله في الصلاة و الأغذية ثم ذكر ما يؤيد المطلوب. و قال في الذكري في أحكام النجاسة تجب إزالة النجاسة عن الثوب و البدن ثم ذكر المساجد و غيرها إلي أن قال و عن كل مستعمل في أكل أو شرب أو ضوء تحت ظل للنهي عن النجس و للنص انتهي و مراده بالنهي عن النجس النهي عن أكله و مراده بالنص ما ورد عن النهي عن الاستصباح
المكاسب، ج‌1، ص 12
بالدهن المتنجس تحت السقف فانظر إلي صراحة كلامه في أن المحرم من الدهن المتنجس بعد الأكل و الشرب خصوص الاستضاءة تحت الظل للنص
[ما حكاه المحقق الثاني عن بعض فوائد الشهيد]
و هو المطابق لما حكاه المحقق الثاني في حاشية الإرشاد عنه قدس سره في بعض فوائده من جواز الانتفاع بالدهن المتنجس في جميع ما يتصور من فوائده. و قال المحقق و الشهيد الثانيان في المسالك و حاشية الإرشاد عند قول المحقق و العلامة قدس سرهما تجب إزالة النجاسة عن الأواني إن هذا إذا استعملت فيما يتوقف استعماله علي الطهارة كالأكل و الشرب و سيأتي عن المحقق الثاني في حاشية الإرشاد في مسألة الانتفاع بالإصباغ المتنجسة ما يدل علي عدم توقف جواز الانتفاع بها علي الطهارة
[ما أفاده الشهيد الثاني في المسالك]
و في المسالك في ذيل قول المحقق قدس سره و كل مائع نجس عدا الأدهان قال لا فرق في عدم جواز بيعها علي القول بعدم قبولها للطهارة بين صلاحيتها للانتفاع علي بعض الوجوه و عدمه و لا بين الإعلام بحالها و عدمه علي ما نص عليه الأصحاب و أما الأدهان المتنجسة بنجاسة عارضية كالزيت تقع فيه الفأرة فيجوز بيعها لفائدة الاستصباح بها و إنما خرج هذا الفرد بالنص و إلا فكان ينبغي مساواتها لغيرها من المائعات المتنجسة التي يمكن الانتفاع بها في بعض الوجوه و قد ألحق بعض الأصحاب ببيعها للاستصباح بيعها ليعمل صابونا أو يطلي بها الأجرب و نحو ذلك و يشكل بأنه خروج عن مورد النص المخالف للأصل فإن جاز لتحقق المنفعة فينبغي مثله في المائعات النجسة التي ينتفع بها كالدبس يطعم للنحل و نحوه و لا يخفي ظهوره في جواز الانتفاع بالمتنجس و كون المنع من بيعه لأجل النص يقتصر علي مورده و كيف كان فالمتتبع في كلام المتأخرين يقطع بما استظهرناه من كلماتهم و الذي أظن و إن كان الظن لا يغني لغيري شيئا أن كلمات القدماء يرجع إلي ما ذكره المتأخرون و أن المراد بالانتفاع في كلمات القدماء الانتفاعات الراجعة إلي الأكل و الشرب و إطعام الغير و بيعه علي نحو بيع ما يحل أكله ثم لو فرضنا مخالفة القدماء كفي موافقة المتأخرين في دفع الوهن عن الأصل و القاعدة السالمين عما يرد عليهما
[جواز بيعه لغير الاستصباح من الانتفاعات بناء علي جوازها]
ثم إن علي تقدير جواز غير الاستصباح من الانتفاعات فالظاهر جواز بيعه لهذه الانتفاعات وفاقا للشهيد و المحقق الثاني قدس سرهما قال الثاني في حاشية الإرشاد في ذيل قول العلامة إلا الدهن للاستصباح إن في بعض الحواشي المنسوبة إلي شيخنا الشهيد إن الفائدة لا تنحصر في ذلك إذ مع فرض فائدة أخري للدهن لا تتوقف علي طهارته يمكن بيعه لها كاتخاذ الصابون منه قال و هو مروي و مثله طلي الدواب. أقول لا بأس بالمصير إلي ما ذكره شيخنا و قد ذكر أن به رواية انتهي أقول و الرواية إشارة إلي ما عن الراوندي في كتاب النوادر بإسناده عن أبي الحسن موسي بن جعفر ع و فيه: سئل ع عن الشحم يقع فيه شي‌ء له دم فيموت قال ع تبيعه لمن يعمله صابونا إلي آخر الخبر
[حكم بيع غير الدهن من المتنجسات]
ثم لو قلنا بجواز البيع في الدهن لغير المنصوص من الانتفاعات المباحة فهل يجوز بيع غيره من المتنجسات المنتفع بها في المنافع المقصودة المحللة كالصبغ و الطين و نحوهما أم يقتصر علي المتنجس المنصوص و هو الدهن غاية الأمر التعدي من حيث غاية البيع- إلي غير الاستصباح إشكال
[وجه المنع]
من ظهور استثناء الدهن في كلام المشهور في عدم جواز بيع ما عداه بل عرفت من المسالك نسبه عدم الفرق بين ما له منفعة محللة و ما ليست له إلي نص الأصحاب
[وجه الجواز]
و مما تقدم في مسألة جلد الميتة- من أن الظاهر من كلمات جماعة من القدماء و المتأخرين كالشيخ في الخلاف و ابن زهرة و العلامة و ولده و الفاضل المقداد و المحقق الثاني و غيرهم دوران المنع عن بيع النجس مدار جواز الانتفاع به و عدمه إلا ما خرج بالنص كأليات الميتة مثلا أو مطلق نجس العين علي ما سيأتي من الكلام فيه و هذا هو الذي يقتضيه استصحاب الحكم قبل التنجس و هي القاعدة المستفادة من قوله ع في رواية تحف العقول: أن كل شي‌ء يكون لهم فيه الصلاح من جهة من الجهات فذلك كله حلال. و ما تقدم من رواية دعائم الإسلام من حل بيع كل ما يباح الانتفاع به و أما قوله تعالي فَاجْتَنِبُوهُ و قوله تعالي وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ
[توجيه ما يظهر منه المنع من النصوص]
فقد عرفت أنهما لا تدلان علي حرمة الانتفاع بالمتنجس فضلا عن حرمة البيع علي تقدير جواز الانتفاع. و من ذلك يظهر عدم صحة الاستدلال فيما نحن فيه بالنهي في رواية تحف العقول عن بيع شي‌ء من وجوه النجس بعد ملاحظة تعليل المنع فيها بحرمة الانتفاع
[توجيه كلام من أطلق المنع]
و يمكن حمل كلام من أطلق المنع- عن بيع النجس إلا الدهن لفائدة الاستصباح علي إرادة المائعات النجسة التي لا ينتفع بها في غير الأكل و الشرب منفعة محللة مقصودة من أمثالها و يؤيده تعليل استثناء الدهن لفائدة الاستصباح نظير استثناء بول الإبل للاستشفاء و إن احتمل أن يكون ذكر الاستصباح لبيان ما يشترط أن يكون غاية للبيع. قال في جامع المقاصد في شرح قول العلامة قدس سره إلا الدهن لتحقق فائدة الاستصباح به تحت السماء خاصة قال ليس المراد بخاصة بيان حصر الفائدة في الاستصباح كما هو الظاهر و قد ذكر شيخنا الشهيد في حواشيه أن في رواية جواز اتخاذ الصابون من الدهن المتنجس و صرح مع ذلك بجواز الانتفاع به فيما يتصور من فوائده به كطلي الدواب إن قيل إن العبارة تقتضي حصر الفائدة لأن الاستثناء في سياق النفي يفيد الحصر فإن المعني في العبارة إلا الدهن المتنجس لهذه الفائدة قلنا ليس المراد ذلك لأن الفائدة بيان لوجه الاستثناء أي إلا الدهن لتحقق فائدة الاستصباح و هذا لا يستلزم الحصر و يكفي في صحة ما قلنا تطرق الاحتمال في العبارة المقتضي لعدم الحصر انتهي. و كيف كان فالحكم بعموم كلمات هؤلاء- لكل مائع متنجس مثل الطين و الجص المائعين و الصبغ و شبه ذلك محل تأمل و ما نسبه في المسالك من عدم فرقهم في المنع عن بيع المتنجس بين ما يصلح للانتفاع به و ما لا يصلح فلم يثبت صحته مع ما عرفت من كثير من الأصحاب من إناطة الحكم في كلامهم مدار الانتفاع
[استشكال المحقق الثاني في حاشية الإرشاد علي عبارة العلامة]
و لأجل ذلك استشكل المحقق الثاني في حاشية الإرشاد فيما ذكره العلامة بقوله و لا بأس بيع ما عرض له التنجيس مع قبول الطهارة حيث قال مقتضاه أنه لو لم يكن قابلا للطهارة لم يجز بيعه و هو مشكل إذ الأصباغ المتنجسة لا تقبل عند الأكثر و الظاهر جواز بيعها لأن منافعها لا تتوقف علي الطهارة اللهم إلا أن يقال إنها تئول إلي حاله يقبل معها التطهير لكن بعد جفافها بل ذلك هو المقصود منها فاندفع الإشكال. أقول لو لم يعلم من مذهب العلامة- دوران المنع عن بيع المتنجس مدار حرمة الانتفاع لم يرد علي عبارته إشكال لأن المفروض
المكاسب، ج‌1، ص 13
حينئذ التزامه بجواز الانتفاع بالإصباغ مع عدم جواز بيعها إلا أن يرجع الإشكال إلي حكم العلامة و أنه مشكل علي مختار المحقق لا إلي كلامه و أن الحكم مشكل علي مذهب المتكلم فافهم ثم إن ما دفع به الإشكال من جعل الأصباغ قابلة للطهارة إنما ينفع في خصوص الأصباغ. و أما مثل بيع الصابون المتنجس فلا يندفع الإشكال عنه بما ذكره- و قد تقدم منه سابقا جواز بيع الدهن المتنجس ليعمل صابونا بناء علي أنه من فوائده المحللة. مع أن ما ذكره من قبول الصبغ التطهير بعد الجفاف محل نظر لأن المقصود من قبوله الطهارة قبولها قبل الانتفاع و هو مفقود في الأصباغ لأن الانتفاع بها و هو الصبغ قبل الطهارة و أما ما يبقي منها بعد الجفاف و هو اللون فهي نفس المنفعة لا الانتفاع مع أنه لا يقبل التطهير و إنما القابل هو الثوب.
بقي الكلام في حكم نجس العين من حيث أصالة حل الانتفاع به في غير ما ثبتت حرمته
أو أصالة العكس فاعلم أن ظاهر الأكثر أصالة حرمة الانتفاع بنجس العين بل ظاهر فخر الدين في شرح الإرشاد و الفاضل المقداد الإجماع علي ذلك حيث استدلا علي عدم جواز بيع الأعيان النجسة بأنها محرمة الانتفاع و كل ما هو كذلك لا يجوز بيعه قالا أما الصغري فإجماعية و يظهر من الحدائق في مسألة الانتفاع بالدهن المتنجس في غير الاستصباح نسبه ذلك إلي الأصحاب.
[دلالة ظواهر الكتاب و السنة علي حرمة الانتفاع بنجس العين مطلقا]
و يدل عليه ظواهر الكتاب و السنة مثل قوله تعالي حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ بناء علي ما ذكره الشيخ و العلامة من إرادة جميع الانتفاعات و قوله تعالي إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصابُ وَ الْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ الدال علي وجوب اجتناب كل رجس و هو نجس العين و قوله تعالي وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ بناء علي أن هجره لا يحصل إلا بالاجتناب عنه مطلقا و تعليله ع في رواية تحف العقول حرمة بيع وجوه النجس بحرمة الأكل و الشرب و الإمساك و جميع التقلبات فيه.
[دلالة كل ما دل حرمة البيع علي حرمة الانتفاع بالملازمة]
و يدل عليه أيضا كل ما دل من الأخبار و الإجماع علي عدم جواز بيع نجس العين بناء علي أن المنع من بيعه لا يكون إلا مع الانتفاع به
[مقتضي التأمل رفع اليد عما ذكر من الأدلة]
هذا و لكن التأمل يقتضي بعدم جواز الاعتماد في مقابلة أصالة الإباحة علي شي‌ء مما ذكر. أما آيات التحريم و الاجتناب و الهجر فلظهورها في الانتفاعات المقصودة- في كل نجس بحسبه و هي في مثل الميتة الأكل و في الخمر الشرب و في الميسر اللعب به و في الأنصاب و الأزلام ما يليق بحالهما و أما رواية تحف العقول فالمراد بالإمساك و التقلب فيه ما يرجع إلي الأكل و الشرب- و إلا فسيجي‌ء الاتفاق علي جواز إمساك نجس العين لبعض الفوائد- . و ما دل من الإجماع و الأخبار علي حرمة بيع نجس العين قد يدعي اختصاصه بغير ما يحل الانتفاع المعتد به أو بمنع استلزامه لحرمة الانتفاع بناء علي أن نجاسة العين مانع مستقل عن جواز البيع من غير حاجة إلي إرجاعها إلي عدم المنفعة المحللة
[دفع توهم الإجماع علي الحرمة بظهور كلمات الفقهاء في الجواز]
و أما توهم الإجماع فمدفوع بظهور كلمات كثير منهم في جواز الانتفاع في الجملة. قال في المبسوط إن سرجين ما لا يؤكل لحمه و عذرة الإنسان و خرء الكلاب لا يجوز بيعها و يجوز الانتفاع بها في الزروع و الكروم و أصول الشجر بلا خاف انتهي و قال العلامة في التذكرة يجوز اقتناء الأعيان النجسة لفائدة و نحوها في القواعد و قرره علي ذلك في جامع المقاصد و زاد عليه قوله لكن هذه لا تصيرها مالا بحيث يقابل بالمال و قال في باب الأطعمة و الأشربة من المختلف إن شعر الخنزير يجوز استعماله مطلقا مستدلا بأن نجاسته لا تمنع الانتفاع به لما فيه من المنفعة الخالية عن ضرر عاجل و آجل و قال الشهيد في قواعده النجاسة ما حرم استعماله في الصلاة و الأغذية للاستقذار و للتوصل بها إلي الفرار ثم ذكر أن قيد الأغذية لبيان مورد الحكم و فيه تنبيه علي الأشربة كما أن في الصلاة تنبيها علي الطواف انتهي و هو كالنص في جواز الانتفاع بالنجس في غير هذه الأمور. و قال الشهيد الثاني في الروضة عند قول المصنف في عداد ما لا يجوز بيعه من النجاسات و الدم قال و إن فرض له نفع حكمي كالصبغ و أبوال و أرواث ما لا يؤكل لحمه و إن فرض لهما نفع فإن الظاهر أن المراد بالنفع المفروض للدم و الأبوال و الأرواث هو النفع المحلل و إلا لم يحسن ذكر هذا القيد في خصوص هذه الأشياء دون سائر النجاسات و لا ذكر خصوص الصبغ للدم مع أن الأكل هي المنفعة المتعارفة المنصرف إليها الإطلاق في قوله تعالي حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ و المسوق لها الكلام في قوله تعالي أَوْ دَماً مَسْفُوحاً. و ما ذكرنا هو ظاهر المحقق الثاني حيث حكي عن الشهيد أنه حكي عن العلامة جواز الاستصباح بدهن الميتة ثم قال و هو بعيد لعموم النهي عن الانتفاع بالميتة فإن عدوله عن التعليل بعموم المنع عن الانتفاع بالنجس إلي ذكر خصوص الميتة يدل علي عدم العموم في النجس- و كيف كان فلا يبقي بملاحظة ما ذكرنا وثوق بنقل الإجماع المتقدم عن شرح الإرشاد و التنقيح الجابر لرواية تحف العقول عن جميع التقلب في التنجس مع احتمال أن يراد من جميع التقلب جميع أنواع التعاطي لا الاستعمالات و يراد إمساكه إمساكه للوجه المحرم
[اختيار بعض الأساطين جواز الانتفاع بالنجس كالمتنجس]
و لعله للإحاطة بما ذكرنا اختار بعض الأساطين في شرحه علي القواعد جواز الانتفاع بالنجس كالمتنجس لكن مع تفصيل لا يرجع إلي مخالفة في محل الكلام فقال و يجوز الانتفاع بالأعيان النجسة و المتنجسة في غير ما ورد النص بمنعه كالميتة النجسة التي لا يجوز الانتفاع بها فيما يسمي استعمالا عرفا للأخبار و الإجماع و كذا الاستصباح بالدهن المتنجس تحت الظلال و ما دل علي المنع من الانتفاع بالنجس و المتنجس مخصوص أو منزل علي الانتفاع الدال علي عدم الاكتراث بالدين و عدم المبالاة. و أما من استعمله ليغسله فغير مشمول للأدلة فيبقي علي حكم الأصل انتهي. و التقييد بما يسمي استعمالا في كلامه رحمه الله لعله لإخراج مثل الإيقاد بالميتة- و سد ساقية الماء بها و إطعامها لجوارح الطير و مراده سلب الاستعمال المضاف إلي الميتة عن هذه الأمور لأن استعمال كل شي‌ء إعماله في العمل المقصود منه عرفا فإن إيقاد الباب و السرير لا يسمي استعمالا لهما لكن يشكل بأن المنهي عنه في النصوص الانتفاع بالميتة الشامل لغير الاستعمال المعهود المتعارف في الشي‌ء و لذا قيد هو قدس سره الانتفاع بما يسمي استعمالا.
[ما هو الانتفاع المنهي عنه في النصوص]
نعم يمكن أن يقال إن مثل هذه الاستعمالات لا تعد انتفاعا تنزيلا لها منزلة المعدوم- و لذا يقال للشي‌ء إنه مما لا ينتفع به مع قابليته للأمور المذكورة. فالمنهي عنه هو الانتفاع بالميتة بالمنافع المقصودة التي
المكاسب، ج‌1، ص 14
تعد عرفا غرضا من تملك الميتة لو لا كونها ميتة و إن كانت قد تملك لخصوص هذه الأمور كما قد يشتري اللحم لإطعام الطيور و السباع لكنها أغراض شخصية كما قد يشتري الجلاب لإطفاء النار و الباب للإيقاد و التسخين به.
[ما قاله العلامة في النهاية]
قال العلامة في النهاية في بيان أن الانتفاع ببول غير المأكول في الشرب للدواب منفعة جزئية لا يعتد بها قال إذ كل شي‌ء من المحرمات لا يخلو من منفعة كالخمر للتخليل و العذرة للتسميد و الميتة لأكل جوارح الطير و لم يعتبرها الشارع انتهي.
[عدم الاعتداد بالمنافع النادرة]
ثم إن الانتفاع المنفي في الميتة- و إن كان مطلقا في حيز النفي إلا أن اختصاصه بما ادعيناه من الأغراض المقصودة من الشي‌ء دون الفوائد المترتبة عليه من دون أن تعد مقاصد ليس من جهة انصرافها إلي المقاصد حتي يمنع انصراف المطلق في حيز النفي بل من جهة التسامح و الادعاء العرفي تنزيلا للموجود منزلة المعدوم فإنه يقال للميتة مع وجود تلك الفوائد فيها إنها مما لا ينتفع به و مما ذكرنا ظهر الحال في البول و العذرة و المني فإنها مما لا ينتفع بها و إن استفيد منها بعض الفوائد كالتسميد و الإحراق كما هو سيرة بعض الجصاصين من العرب كما يدل عليه وقوع السؤال في بعض الروايات عن الجص يوقد عليه العذرة و عظام الموتي و يجصص به المسجد فقال الإمام ع: إن الماء و النار قد طهراه بل في الرواية إشعار بالتقرير فتفطن.
[استبعاد ما ذكره بعض الأساطين]
و أما ما ذكره من تنزيل ما دل علي المنع من الانتفاع بالنجس علي ما يؤذن بعدم الاكتراث بالدين و عدم المبالاة لا من استعمله ليغسله فهو تنزيل بعيد.
[تنزيل ما دل علي المنع علي الانتفاع الموجب للتلويث]
نعم يمكن أن ينزل علي الانتفاع به علي وجه الانتفاع بالطاهر- بأن يستعمله علي وجه يوجب تلويث بدنه و ثيابه و سائر آلات الانتفاع كالصبغ بالدم و إن بني علي غسل الجميع عند الحاجة إلي ما يشترط فيه الطهارة و في بعض الروايات إشارة إلي ذلك.
[دلالة رواية الوشاء علي ذلك]
ففي الكافي بسنده عن الوشاء قال: سألت أبا الحسن ع فقلت له جعلت فداك إن أهل الجبل تثقل عندهم أليات الغنم فيقطعونها فقال حرام هي فقلت جعلت فداك فنستصبح بها فقال أ ما علمت أنه يصيب اليد و الثوب و هو حرام بحملها علي حرمة الاستعمال- علي وجه يوجب تلويث البدن و الثياب. و أما حمل الحرام علي النجس كما في كلام بعض فلا شاهد عليه و الرواية في نجس العين فلا ينتقض بجواز الاستصباح بالدهن المتنجس لاحتمال كون مزاولة نجس العين مبغوضا للشارع كما يشير إليه قوله تعالي وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ
[المنفعة المحللة للنجس قد تجعله مالا عرفا و قد لا تجعله]
ثم إن منفعة النجس المحللة للأصل أو النص- قد تجعله مالا عرفا إلا أنه منع الشرع عن بيعه كجلد الميتة إذا قلنا بجواز الاستقاء به لغير الوضوء كما هو مذهب جماعة مع القول بعدم جواز بيعه لظاهر الإجماعات المحكية و شعر الخنزير إذا جوزنا استعماله اختيارا و الكلاب الثلاث إذا منعنا عن بيعها فمثل هذه أموال لا تجوز المعاوضة عليها و لا يبعد جواز هبتها لعدم المانع مع وجود المقتضي فتأمل- . و قد لا تجعله مالا عرفا- لعدم ثبوت المنفعة المقصودة منه له و إن ترتب عليه الفوائد كالميتة التي يجوز إطعامها لجوارح الطير و الإيقاد بها و العذرة للتسميد. فإن الظاهر أنها لا تعد أموالا عرفا كما اعترف به جامع المقاصد في شرح قول العلامة و يجوز اقتناء الأعيان النجسة لفائدة
[الظاهر ثبوت حق الاختصاص في الأعيان النجسة]
و الظاهر ثبوت حق الاختصاص في هذه الأمور الناشئ إما عن الحيازة و إما عن كون أصلها مالا للمالك كما لو مات حيوان له أو فسد لحم اشتراه للأكل علي وجه خرج عن المالية و الظاهر جواز المصالحة علي هذا الحق بلا عوض بناء علي صحة هذا الصلح بل دفع العوض بناء علي أنه لا يعد ثمنا لنفس العين- حتي يكون سحتا بمقتضي الأخبار.
[ما أفاده العلامة في التذكرة]
قال في التذكرة و تصح الوصية بما يحل الانتفاع به من النجاسات كالكلب المعلم و الزيت النجس لإشعاله تحت السماء و الزبل للانتفاع بإشعاله و التسميد به و جلد الميتة إن سوغنا الانتفاع به و الخمر المحترمة لثبوت الاختصاص فيها و انتقالها من يد إلي يد بالإرث و غيره انتهي و الظاهر أن مراده بغير الإرث الصلح الناقل. و أما اليد الحادثة بعد إعراض اليد الأولي فليس انتقالا لكن الإنصاف أن الحكم مشكل نعم لو بذل مالا علي أن يرفع يده عنها ليحوزها الباذل كان حسنا كما يبذل الرجل المال علي أن يرفع اليد عما في تصرفه من الأمكنة المشتركة كمكانه من المسجد و المدرسة و السوق.
[ما ذكره بعض الأساطين]
و ذكر بعض الأساطين بعد إثبات حق الاختصاص أن دفع شي‌ء من المال لافتكاكه يشك في دخوله تحت الاكتساب المحظور فيبقي علي أصالة الجواز
[اشتراط قصد الانتفاع في الحيازة الموجبة لحصول حق الاختصاص]
ثم إنه يشترط في الاختصاص بالحيازة قصد الحائز للانتفاع و لذا ذكروا أنه لو علم كون حيازة الشخص للماء و الكلاء لمجرد العبث لم يحصل له حق و حينئذ فيشكل الأمر فيما تعارف في بعض البلاد من جمع العذرات حتي إذا صارت من الكثرة بحيث ينتفع بها في البساتين و الزرع بذل له مال فأخذت منه فإن الظاهر المقطوع أنه لم يحزها للانتفاع بها و إنما حازها لأخذ المال عليها و من المعلوم أن أخذ المال فرع ثبوت الاختصاص المتوقف علي قصد الانتفاع المعلوم انتفاؤه في المقام و كذلك لو سبق إلي مكان من الأمكنة المذكورة من غير قصد الانتفاع منها بالسكني. نعم لو جمعها في مكانه المملوك فبذل له المال علي أن يتصرف في ذلك المكان بالدخول لأخذها لكان حسنا. كما أنه لو قلنا بكفاية مجرد الحيازة في الاختصاص و إن لم يقصد الانتفاع بعينه أو قلنا بجواز المعاوضة علي حق الاختصاص كان أسهل

النوع الثاني مما يحرم التكسب به ما يحرم لتحريم ما يقصد به

اشارة

و هو علي أقسام‌

الأول ما لا يقصد من وجوده علي نحوه الخاص إلا الحرام

اشارة

الأول ما لا يقصد من وجوده علي نحوه الخاص إلا الحرام
و هي أمور هياكل العبادة

منها هياكل العبادة المبتدعة

اشارة

الأول ما لا يقصد من وجوده علي نحوه الخاص إلا الحرام
و هي أمور هياكل العبادة

[ما يدل علي حرمة الاكتساب بهياكل العبادة]

[ما يدل علي حرمة الاكتساب بهياكل العبادة]
و يدل عليه مواضع من رواية تحف العقول المتقدمة في مثل قوله ع: و كل أمر يكون فيه الفساد مما هو منهي عنه و قوله ع: أو شي‌ء يكون فيه وجه من وجوه الفساد و قوله ع: و كل منهي عنه مما يتقرب به لغير الله و قوله ع: إنما حرم الله الصناعة التي حرام هي كلها مما يجي‌ء منها الفساد محضا نظير المزامير و البرابط و كل ملهو به و الصلبان و الأصنام إلي أن قال فحرام تعليمه و تعلمه و العمل به و أخذ الأجرة عليه و جميع التقلب فيه من وجوه الحركات إلي آخر الحديث. هذا كله مضافا إلي أن أكل المال في مقابل هذه الأشياء أكل له بالباطل و إلي قوله ص: إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه بناء علي أن تحريم هذه الأمور تحريم لمنافعها الغالبة بل الدائمة فإن الصليب من حيث إنه خشب بهذه الهيئة لا ينتفع به إلا في الحرام و ليس بهذه الهيئة مما ينتفع به في المحلل و المحرم و لو فرض ذلك
المكاسب، ج‌1، ص 15
كان منفعة نادرة لا يقدح في تحريم العين بقول مطلق الذي هو المناط في تحريم الثمن.

[جواز المعاوضة لو فرض هيئة خاصة مشتركة بين هيكل العبادة و آلة أخري لعمل محلل]

[جواز المعاوضة لو فرض هيئة خاصة مشتركة بين هيكل العبادة و آلة أخري لعمل محلل]
نعم لو فرض هيئة خاصة مشتركة بين هيكل و آلة أخري لعمل محلل بحيث لا تعد منفعة نادرة فالأقوي جواز البيع بقصد تلك المنفعة المحللة كما اعترف به في المسالك.

[توجيه القول بعدم الفرق بين قصد الجهة المحللة و غيرها]

[توجيه القول بعدم الفرق بين قصد الجهة المحللة و غيرها]
فما ذكره بعض الأساطين من أن ظاهر الإجماع و الأخبار أنه لا فرق بين قصد الجهة المحللة و غيرها فلعله محمول علي الجهة المحللة التي لا دخل للهيئة فيها أو النادرة التي مما للهيئة دخل فيه. نعم ذكر أيضا وفاقا لظاهر غيره بل الأكثر أنه لا فرق بين قصد المادة و الهيئة.

[تحقيق حول قصد المادة]

[تحقيق حول قصد المادة]
أقول إن أراد بقصد المادة كونها هي الباعثة علي بذل المال بإزاء ذلك الشي‌ء و إن كان عنوان المبيع المبذول بإزائه الثمن هو ذلك الشي‌ء فما استظهره من الإجماع و الأخبار حسن لأن بذل المال بإزاء هذا الجسم المتشكل بالشكل الخاص من حيث كونه مالا عرفا بذل للمال علي الباطل. و إن أراد بقصد المادة كون المبيع هي المادة سواء تعلق البيع بها بالخصوص كأن يقول بعتك خشب هذا الصنم أو في ضمن مجموع مركب لو وزن له وزنه حطب فقال بعتك فظهر فيه صنم أو صليب فالحكم ببطلان البيع في الأول و في مقدار الصنم في الثاني مشكل لمنع شمول الأدلة لمثل هذا الفرد لأن المتيقن من الأدلة المتقدمة حرمة المعاوضة علي هذه الأمور نظير المعاوضة علي غيرها من الأموال العرفية و هو ملاحظة مطلق ما يتقوم به مالية الشي‌ء من المادة و الهيئة و الأوصاف. و الحاصل أن الملحوظ في البيع قد يكون مادة الشي‌ء من غير مدخلية الشكل أ لا تري أنه لو باعه وزنه نحاس فظهر فيها آنية مكسورة لم يكن له خيار العيب لأن المبيع هي المادة و دعوي أن المال هي المادة بشرط عدم الهيئة مدفوعة بما صرح به من أنه لو أتلف الغاصب لهذه الأمور ضمن موادها و حمله علي الإتلاف تدريجا تمحل.

[إذا كان لمكسورها قيمة و باعها صحيحة لتكسر]

[إذا كان لمكسورها قيمة و باعها صحيحة لتكسر]
و في محكي التذكرة أنه إذا كان لمكسورها قيمة و باعها صحيحة لتكسر و كان المشتري ممن يوثق بديانته فإنه يجوز بيعها علي الأقوي انتهي و اختار ذلك صاحب الكفاية و صاحب الحدائق و صاحب الرياض نافيا عنه الريب.

[توجيه التقييد في كلام العلامة]

[توجيه التقييد في كلام العلامة]
و لعل التقييد في كلام العلامة بكون المشتري ممن يوثق بديانته لئلا يدخل في باب المساعدة علي المحرم فإن دفع ما يقصد منه المعصية غالبا مع عدم وثوق بالمدفوع إليه تقوية لوجه من وجوه المعاصي فيكون باطلا كما في رواية تحف العقول لكن فيه مضافا إلي التأمل في بطلان البيع لمجرد الإعانة علي الإثم أنه يمكن الاستغناء عن هذا القيد بكسره قبل أن يقبضه إياه فإن الهيئة غير محترمة في هذه الأمور كما صرحوا به في باب الغصب بل قد يقال بوجوب إتلافها فورا و لا يبعد أن يثبت لوجوب حسم مادة الفساد.

[ما أفاده المحقق الثاني في جامع المقاصد]

[ما أفاده المحقق الثاني في جامع المقاصد]
و في جامع المقاصد بعد حكمه بالمنع عن بيع هذه الأشياء و إن أمكن الانتفاع علي حالها في غير محرم منفعة لا تقصد منها قال و لا أثر لكون رضاضها الباقي بعد كسرها مما ينتفع به في المحلل و يعد مالا لأن بذل المال في مقابلها و هي علي هيئتها بذل له في المحرم الذي لا يعد مالا عند الشارع. نعم لو باع رضاضها الباقي بعد كسرها قبل أن يكسرها و كان المشتري موثوقا به و أنه يكسرها أمكن القول بصحة البيع و مثله باقي الأمور المحرمة كأواني النقدين و الصنم انتهي
آلات القمار

و منها آلات القمار بأنواعه

اشارة

و منها آلات القمار بأنواعه
بلا خلاف ظاهرا و يدل عليه جميع ما تقدم في هياكل العبادة و يقوي هنا أيضا جواز بيع المادة قبل تغيير الهيئة. و في المسالك أنه لو كان لمكسورها قيمة و باعها صحيحة لتكسر و كان المشتري ممن يوثق بديانته ففي جواز بيعها وجهان و قوي في التذكرة الجواز مع زوال الصفة و هو حسن و الأكثر أطلقوا المنع انتهي. أقول إن أراد بزوال الصفة زوال الهيئة فلا ينبغي الإشكال في الجواز و لا ينبغي جعله محلا للخلاف بين العلامة و الأكثر

[بيان المراد بالقمار]

[بيان المراد بالقمار]
ثم إن المراد بالقمار مطلق المراهنة بعوض فكل ما أعد لها بحيث لا يقصد منه علي ما فيه من الخصوصيات غيرها حرمت المعاوضة عليه و أما المراهنة بغير عوض فسيجي‌ء أنه ليس بقمار. نعم لو قلنا بحرمتها لحق الآلة المعدة لها حكم آلات القمار مثل ما يعملونه شبه الكرة- يسمي عندنا الطوبة و الصولجان

و منها آلات اللهو علي اختلاف أصنافها

و منها آلات اللهو علي اختلاف أصنافها
بلا خلاف لجميع ما تقدم في المسألة السابقة و الكلام في بيع المادة كما تقدم و حيث إن المراد بآلات اللهو ما أعد له توقف علي تعيين معني اللهو و حرمة مطلق اللهو إلا أن المتيقن منه ما كان من جنس المزامير و آلات الأغاني و من جنس الطبول و سيأتي معني اللهو و حكمه
أواني الذهب و الفضة

و منها أواني الذهب و الفضة

و منها أواني الذهب و الفضة
إذا قلنا بتحريم اقتنائها و قصد المعاوضة علي مجموع الهيئة و المادة لا المادة فقط
الدراهم‌

و منها الدراهم الخارجة المعمولة لأجل غش الناس

اشارة

و منها الدراهم الخارجة المعمولة لأجل غش الناس
إذا لم يفرض علي هيئتها الخاصة منفعة محللة معتد بها مثل التزيين أو الدفع إلي الظالم الذي يريد مقدارا من المال كالعشار و نحوه بناء علي جواز ذلك و عدم وجوب إتلاف مثل هذه الدراهم و لو بكسرها من باب دفع مادة الفساد

[ما يدل علي وجوب إتلاف الدراهم المغشوشة]

[ما يدل علي وجوب إتلاف الدراهم المغشوشة]
كما يدل عليه قوله ع في رواية الجعفي مشيرا إلي درهم: اكسر هذا فإنه لا يحل بيعه و لا إنفاقه و في رواية موسي بن بكر: قطعه بنصفين ثم قال ألقه في البالوعة حتي لا يباع بشي‌ء فيه غش و تمام الكلام فيه في باب الصرف إن شاء الله

[لو وقعت المعاوضة عليها جهلا فتبين الحال]

[لو وقعت المعاوضة عليها جهلا فتبين الحال]
و لو وقعت المعاوضة عليها جهلا فتبين الحال لمن صارت إليه فإن وقع عنوان المعاوضة علي الدرهم المنصرف إطلاقه إلي المسكوك بسكة السلطان بطل البيع و إن وقعت المعاوضة علي شخصه من دون عنوان فالظاهر صحة البيع مع خيار العيب إن كانت المادة مغشوشة و إن كان الغش مجرد تفاوت السكة فهو خيار التدليس فتأمل.

[الفرق بين المعاوضة علي الدراهم المغشوشة و آلات القمار]

[الفرق بين المعاوضة علي الدراهم المغشوشة و آلات القمار]
و هذا بخلاف ما تقدم من الآلات فإن البيع الواقع عليها لا يمكن تصحيحه بإمضائه من جهة المادة فقط و استرداد ما قابل الهيئة من الثمن المدفوع كما لو جمع بين الخل و الخمر لأن كل جزء من الخل و الخمر مال لا بد أن يقابل في المعاوضة بجزء من المال ففساد المعاملة باعتباره يوجب فساد مقابله من المال لا غير بخلاف المادة و الهيئة فإن الهيئة من قبيل القيد للمادة جزء عقلي لا خارجي تقابل بمال علي حدة ففساد المعاملة باعتباره فساد لمعاملة المادة حقيقة و هذا الكلام مطرد في كل قيد فاسد بذل الثمن الخاص لداعي وجوده

القسم الثاني ما يقصد منه المتعاملان المنفعة المحرمة

[الوجوه المتصورة في قصد المنفعة المحرمة]

[الوجوه المتصورة في قصد المنفعة المحرمة]
و هو تارة علي وجه يرجع إلي بذل
المكاسب، ج‌1، ص 16
المال في مقابل المنفعة المحرمة كالمعاوضة علي العنب مع التزامهما أن لا يتصرف فيه إلا بالتخمير و أخري علي وجه يكون الحرام هو الداعي إلي المعاوضة لا غير كالمعاوضة علي العنب مع قصدهما تخميره و الأول إما أن يكون الحرام مقصودا لا غير كبيع العنب علي أن يعمله خمرا و نحو ذلك و إما أن يكون الحرام مقصودا مع الحلال بحيث يكون بذل المال بإزائهما كبيع الجارية المغنية بثمن لوحظ فيه وقوع بعضه بإزاء صفة التغني.
فهنا مسائل ثلاث

الأولي بيع العنب علي أن يعمل خمرا

اشارة

الأولي بيع العنب علي أن يعمل خمرا
و الخشب علي أن يعمل صنما أو آلة لهو أو قمار و إجارة المساكن ليباع أو يحرز فيها الخمر و كذا إجارة السفن و الحمولة لحملها و لا إشكال في فساد المعاملة فضلا عن حرمته و لا خلاف فيه و يدل عليه مضافا إلي كونها إعانة علي الإثم و إلي أن الإلزام و الالتزام بصرف المبيع في المنفعة المحرمة الساقطة في نظر الشارع أكل و إيكال للمال بالباطل

[خبر جابر الدال علي حرمة مؤاجرة البيت ليباع فيه الخمر]

[خبر جابر الدال علي حرمة مؤاجرة البيت ليباع فيه الخمر]
خبر جابر قال: سألت أبا عبد الله ع عن الرجل يؤاجر بيته فيباع فيه الخمر قال حرام أجرته فإنه إما مقيد بما إذا استأجره لذلك أو يدل عليه بالفحوي بناء علي ما سيجي‌ء من حرمة العقد مع من يعلم أنه يصرف المعقود عليه في الحرام.

[مصححة ابن أذينة الدالة علي الجواز]

[مصححة ابن أذينة الدالة علي الجواز]
نعم في مصححة ابن أذينة قال: سألت أبا عبد الله ع عن الرجل يؤاجر سفينته أو دابته لمن يحمل فيها أو عليها الخمر و الخنازير قال لا بأس

[الجمع بين الخبرين]

[الجمع بين الخبرين]
لكنها محمولة علي ما إذا اتفق الحمل من دون أن يؤخذ ركنا أو شرطا في العقد بناء علي أن خبر جابر نص فيما نحن فيه و ظاهر في هذا عكس الصحيحة فيطرح ظاهر كل بنص الآخر فتأمل مع أنه لو سلم التعارض كفت العمومات المتقدمة.
و قد يستدل أيضا فيما نحن فيه بالأخبار المسئول فيها عن جواز بيع الخشب ممن يتخذه صلبانا أو صنما مثل مكاتبة ابن أذينة: عن رجل له خشب فباعه ممن يتخذه صلبانا قال لا و رواية عمرو بن الحريث: عن التوت أبيعه ممن يصنع الصليب أو الصنم قال لا و فيه أن حمل تلك الأخبار علي صورة اشتراط البائع المسلم علي المشتري أو تواطئهما علي التزام صرف المبيع في الصنم و الصليب بعيد في الغاية. و الفرق بين مؤاجرة البيت لبيع الخمر فيه و بيع الخشب علي أن يعمل صليبا أو صنما لا يكاد يخفي فإن بيع الخمر في مكان و صيرورته دكانا لذلك منفعة عرفية يقع الإجارة عليها من المسلم كثيرا كما يؤجرون البيوت لسائر المحرمات بخلاف جعل العنب خمرا و الخشب صليبا فإنه لا غرض للمسلم في ذلك غالبا يقصده في بيع عنبه أو خشبة فلا يحمل عليه موارد السؤال. نعم لو قيل في المسألة الآتية بحرمة بيع الخشب ممن يعلم أنه يعمله صنما لظاهر هذه الأخبار صح الاستدلال بفحواها علي ما نحن فيه لكن ظاهر هذه الأخبار معارض بمثله أو بأصرح منه كما سيجي‌ء.

[حرمة بيع كل ذي منفعة محللة علي أن يصرف في الحرام]

[حرمة بيع كل ذي منفعة محللة علي أن يصرف في الحرام]
ثم إنه يلحق بما ذكر من بيع العنب و الخشب علي أن يعملا خمرا أو صليبا بيع كل ذي منفعة محللة علي أن يصرف في الحرام لأن حصر الانتفاع بالبيع في الحرام يوجب كون أكل الثمن بإزائه أكلا للمال بالباطل. ثم إنه لا فرق بين ذكر الشرط المذكور في متن العقد و بين التواطؤ عليه خارج العقد و وقوع العقد عليه و لو كان فرق فإنما هو في لزوم الشرط و عدمه لا فيما هو مناط الحكم هنا

[الأظهر فساد العقد المشروط فيه الحرام و إن لم نقل بإفساد الشرط الفاسد]

[الأظهر فساد العقد المشروط فيه الحرام و إن لم نقل بإفساد الشرط الفاسد]
و من ذلك يظهر أنه لا يبني فساد هذا العقد علي كون الشرط الفاسد مفسدا بل الأظهر فساده و إن لم نقل بإفساد الشرط الفاسد لما عرفت من رجوعه في الحقيقة إلي أكل المال في مقابل المنفعة المحرمة. و قد تقدم الحكم بفساد المعاوضة علي آلات المحرم مع كون موادها أموالا مشتملة علي منافع محللة مع أن الجزء أقبل للتفكيك بينه و بين الجزء الآخر من الشرط و المشروط و سيجي‌ء أيضا في المسألة الآتية ما يؤيد هذا أيضا إن شاء الله.

المسألة الثانية يحرم المعاوضة علي الجارية المغنية

اشارة

المسألة الثانية يحرم المعاوضة علي الجارية المغنية
و كل عين مشتملة علي صفة يقصد منها الحرام إذا قصد منها ذلك و قصد اعتبارها في البيع علي وجه يكون دخيلا في زيادة الثمن كالعبد الماهر في القمار أو اللهو و السرقة إذا لوحظ فيه هذه الصفة و بذل بإزائها شي‌ء من الثمن لا ما كان علي وجه الداعي و يدل عليه أن بذل شي‌ء من الثمن بملاحظة الصفة المحرمة أكل للمال بالباطل.

[التفكيك بين القيد و المقيد غير معروف عرفا و غير واقع شرعا]

[التفكيك بين القيد و المقيد غير معروف عرفا و غير واقع شرعا]
و التفكيك بين القيد و المقيد بصحة العقد في المقيد و بطلانه في القيد بما قابله من الثمن غير معروف عرفا لأن القيد أمر معنوي لا يوزع عليه شي‌ء من المال و إن كان يبذل المال بملاحظة وجوده و غير واقع شرعا علي ما اشتهر من أن الثمن لا يوزع علي الشروط فتعين بطلان العقد رأسا. و قد ورد النص بأن ثمن الجارية المغنية سحت و أنه قد يكون للرجل الجارية تلهيه و ما ثمنها إلا كثمن الكلب. نعم لو لم تلاحظ الصفة أصلا في كمية الثمن فلا إشكال في الصحة

[بيع الجارية المغنية مع ملاحظة الصفة المحرمة و عدمها]

[بيع الجارية المغنية مع ملاحظة الصفة المحرمة و عدمها]
و لو لوحظت من حيث إنه صفة كمال قد تصرف إلي المحلل فيزيد لأجلها الثمن فإن كانت المنفعة المحللة لتلك الصفة مما يعتد بها فلا إشكال في الجواز و إن كانت نادرة بالنسبة إلي المنفعة المحرمة ففي إلحاقها بالعين في عدم جواز بذل المال إلا لما اشتمل علي منفعة محللة غير نادرة بالنسبة إلي المنفعة المحرمة و عدمه لأن المقابل بالمبذول هو الموصوف و لا ضير في زيادة ثمنه بملاحظة المنفعة النادرة وجهان أقواهما الثاني إذ لا يعد أكلا للمال بالباطل و النص بأن ثمن المغنية سحت مبني علي الغالب

المسألة الثالثة يحرم بيع العنب ممن يعمله خمرا بقصد أن يعمله

اشارة

المسألة الثالثة يحرم بيع العنب ممن يعمله خمرا بقصد أن يعمله
و كذا بيع الخشب بقصد أن يعمله صنما أو صليبا لأن فيه إعانة علي الإثم و العدوان و لا إشكال و لا خلاف في ذلك

[الأخبار المجوزة للبيع مع عدم القصد]

[الأخبار المجوزة للبيع مع عدم القصد]
أما لو لم يقصد ذلك فالأكثر علي عدم التحريم للأخبار المستفيضة منها خبر ابن أذينة قال: كتبت إلي أبي عبد الله ع أسأله عن رجل له كرم [أ] يبيع العنب [و التمر] ممن يعلم أنه يجعله خمرا أو مسكرا فقال ع إنما باعه حلالا في الإبان الذي يحل شربه أو أكله فلا بأس ببيعه و رواية أبي كهمس قال: سأل رجل أبا عبد الله ع إلي أن قال هو ذا نحن نبيع تمرنا ممن نعلم أنه يصنعه خمرا إلي غير ذلك مما هو دونهما في الظهور

[الأخبار المانعة]

[الأخبار المانعة]
و قد تعارض تلك بمكاتبة ابن أذينة: عن رجل له خشب فباعه ممن يتخذه صلبانا قال لا و رواية عمرو بن حريث: عن التوت أبيعه ممن يصنع الصليب أو الصنم قال لا

[الجمع بين الأخبار]

[الجمع بين الأخبار]
و قد يجمع بينهما و بين الأخبار المجوزة بحمل المانعة علي صورة اشتراط جعل الخشب صليبا أو صنما أو تواطئهما عليه و فيه أن هذا في غاية البعد إذ لا داعي للمسلم علي اشتراط صناعة الخشب صنما في متن بيعه أو خارجه ثم يجي‌ء و يسأل الإمام ع عن جواز فعل هذا في المستقبل و حرمته و هل يحتمل أن يريد
المكاسب، ج‌1، ص 17
الراوي بقوله أبيع التوت ممن يصنع الصنم و الصليب أبيعه مشترطا عليه و ملزما في متن العقد أو قبله أن لا يتصرف فيه إلا بجعله صنما.

فالأولي حمل الأخبار المانعة علي الكراهة

فالأولي حمل الأخبار المانعة علي الكراهة
لشهادة غير واحد من الأخبار علي الكراهة كما أفتي به جماعة و يشهد له رواية الحلبي: عن بيع العصير ممن يصنعه خمرا فقال بيعه ممن يصنعه خلا أحب إلي و لا أري به بأسا و غيرها أو الالتزام بالحرمة في بيع الخشب ممن يعمله صليبا أو صنما لظاهر تلك الأخبار و العمل في مسألة بيع العنب و شبهها علي الأخبار المجوزة و هذا الجمع قول فصل لو لم يكن قولا بالفصل

[الاستدلال علي الحرمة بعموم النهي عن التعاون علي الإثم]

[الاستدلال علي الحرمة بعموم النهي عن التعاون علي الإثم]
و كيف كان فقد يستدل علي حرمة البيع- ممن يعلم أنه يصرف المبيع في الحرام بعموم النهي علي التعاون علي الإثم و العدوان

[اعتبار القصد في مفهوم الإعانة]

[اعتبار القصد في مفهوم الإعانة]
و قد يستشكل في صدق الإعانة بل يمنع حيث لم يقع القصد إلي وقوع الفعل من المعان بناء علي أن الإعانة هو فعل بعض مقدمات فعل الغير بقصد حصوله منه لا مطلقا و أول من أشار إلي هذا المحقق الثاني في حاشية الإرشاد في هذه المسألة حيث إنه بعد حكاية القول بالمنع مستندا إلي الأخبار المانع قال و يؤيده قوله تعالي وَ لا تَعاوَنُوا عَلَي الْإِثْمِ و يشكل بلزوم عدم جواز بيع شي‌ء مما يعلم عادة التوصل به إلي محرم لو تم هذا الاستدلال فيمنع معاملة أكثر الناس. و الجواب عن الآية المنع من كون محل النزاع معاونة مع أن الأصل الإباحة و إنما يظهر المعاونة مع بيعه لذلك انتهي. و وافقه في اعتبار القصد في مفهوم الإعانة جماعة من متأخري المتأخرين كصاحب الكفاية و غيره هذا.

[زيادة بعض المعاصرين اعتبار وقوع المعان عليه في الخارج]

[زيادة بعض المعاصرين اعتبار وقوع المعان عليه في الخارج]
و ربما زاد بعض المعاصرين علي اعتبار القصد اعتبار وقوع المعان عليه في تحقق مفهوم الإعانة في الخارج و تخيل أنه لو فعل فعلا بقصد تحقق الإثم الفلاني من الغير و لم يتحقق منه لم يحرم من جهة صدق الإعانة بل من جهة قصدها بناء علي ما حرره من حرمة الاشتغال بمقدمات الحرام بقصد تحققه و أنه لو تحقق الفعل كان حراما من جهة القصد إلي المحرم و من جهة الإعانة و فيه تأمل فإن حقيقة الإعانة علي الشي‌ء هو الفعل بقصد حصول الشي‌ء سواء حصل أم لا. و من اشتغل ببعض مقدمات الحرام الصادر عن الغير بقصد التوصل إليه فهو داخل في الإعانة علي الإثم و لو تحقق الحرام لم يتعدد العقاب

[ظهور كلام الأكثر في عدم اعتبار القصد]

[ظهور كلام الأكثر في عدم اعتبار القصد]
و ما أبعد ما بين ما ذكره المعاصر و بين ما يظهر من الأكثر من عدم اعتبار القصد فعن المبسوط الاستدلال علي وجوب بذل الطعام لمن يخاف تلفه بقوله ص:
من أعان علي قتل مسلم و لو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة الله و قد استدل في التذكرة علي حرمة بيع السلاح من أعداء الدين بأن فيه إعانة علي الظلم و استدل المحقق الثاني علي حرمة بيع العصير المتنجس ممن يستحله بأن فيه إعانة علي الإثم و قد استدل المحقق الأردبيلي علي ما حكي عنه من القول بالحرمة في مسألتنا بأن فيه إعانة علي الإثم و قد قرره علي ذلك في الحدائق فقال إنه جيد في حد ذاته لو سلم من المعارضة بأخبار الجواز و في الرياض بعد ذكر الأخبار السابقة الدالة علي الجواز قال و هذه النصوص و إن كثرت و اشتهرت و ظهرت دلالتها بل ربما كان بعضها صريحا لكن في مقابلتها للأصول و النصوص المعتضدة بالعقول إشكال انتهي. و الظاهر أن مراده بالأصول قاعدة حرمة الإعانة علي الإثم و من العقول حكم العقل بوجوب التوصل إلي دفع المنكر مهما أمكن

[إطلاق الإعانة في غير واحد من الأخبار علي المجرد عن القصد]

[إطلاق الإعانة في غير واحد من الأخبار علي المجرد عن القصد]
و يؤيد ما ذكروه من صدق الإعانة بدون القصد إطلاقها في غير واحد من الأخبار. ففي النبوي المروي في الكافي عن أبي عبد الله ع: من أكل الطين فمات فقد أعان علي نفسه و في العلوي الوارد في الطين المروي أيضا في الكافي عن أبي عبد الله ع: فإن أكلته و مت فقد أعنت علي نفسك و يدل عليه غير واحد مما ورد في أعوان الظلمة و سيأتي. و حكي أنه سئل بعض الأكابر فقيل له إني رجل خياط أخيط للسلطان ثيابه فهل تراني بذلك في أعوان الظلمة فقال له المعين لهم من يبيعك الإبر و الخيوط و أما أنت فمن الظلمة أنفسهم.

[ما أفاده المحقق الأردبيلي حول صدق مفهوم الإعانة]

[ما أفاده المحقق الأردبيلي حول صدق مفهوم الإعانة]
و قال المحقق الأردبيلي في آيات أحكامه في الكلام علي الآية الظاهر أن المراد بالإعانة علي المعاصي مع القصد أو علي الوجه الذي يصدق أنها إعانة مثل أن يطلب الظالم العصا من شخص لضرب مظلوم فيعطيه إياها أو يطلب القلم لكتابة ظلم فيعطيه إياه و نحو ذلك مما يعد معونة عرفا فلا تصدق علي التاجر الذي يتجر لتحصيل غرضه أنه معاون للظالم العاشر في أخذ العشور و لا علي الحاج الذي يؤخذ منه المال ظلما و غير ذلك مما لا يحصي فلا يعلم صدقها علي بيع العنب ممن يعمله خمرا أو الخشب ممن يعمله صنما و لذا ورد في الروايات الصحيحة جوازه و عليه الأكثر و نحو ذلك مما لا يخفي انتهي كلامه رفع مقامه. و لقد دقق النظر حيث لم يعلق صدق الإعانة علي القصد و لا أطلق القول بصدقه بدونه بل علقه بالقصد أو بالصدق العرفي و إن لم يكن قصد

[تفصيل الكلام في تحقيق المرام]

[تفصيل الكلام في تحقيق المرام]
لكن أقول لا شك في أنه إذا لم يكن مقصود الفاعل من الفعل وصول الغير إلي مقصده و لا إلي مقدمة من مقدماته بل يترتب عليه الوصول من دون قصد الفاعل فلا يسمي إعانة كما في تجارة التاجر بالنسبة إلي أخذ العشور و مسير الحاج بالنسبة إلي أخذ المال ظلما و كذلك لا إشكال فيما إذا قصد الفاعل بفعله و دعاه إليه وصول الغير إلي مطلبه الخاص فإنه يقال إنه إعانة علي ذلك المطلب فإن كان عدوانا مع علم المعين به صدق الإعانة علي العدوان. و إنما الإشكال فيما إذا قصد الفاعل بفعله وصول الغير إلي مقدمة مشتركة بين المعصية و غيرها مع العلم بصرف الغير إياها إلي المعصية كما إذا باعه العنب فإن مقصود البائع تملك المشتري له و انتفاعه به فهي إعانة له بالنسبة إلي أصل تملك العنب و لذا لو فرض ورود النهي عن معاونة هذا المشتري الخاص في جميع أموره أو في خصوص تملك العنب حرم بيع العنب عليه مطلقا فمسألة بيع العنب ممن يعلم أنه يجعله خمرا نظير إعطاء السيف أو العصا لمن يريد قتلا أو ضربا حيث إن الغرض من الإعطاء هو ثبوته بيده و التمكن منه كما أن الغرض من بيع العنب تملكه له فكل من البيع و الإعطاء بالنسبة إلي أصل تملك الشخص و استقراره في يده إعانة إلا أن الإشكال في أن العلم بصرف ما حصل بإعانة البائع و المعطي في الحرام هل يوجب صدق الإعانة علي الحرام أم لا.

[هل الإعانة علي شرط الحرام إعانة علي الحرام]

[هل الإعانة علي شرط الحرام إعانة علي الحرام]
فحاصل محل الكلام هو أن الإعانة علي شرط الحرام مع العلم بصرفه في الحرام هل هي إعانة علي الحرام أم لا. فظهر الفرق بين بيع
المكاسب، ج‌1، ص 18
العنب و بين تجارة التاجر و مسير الحاج و أن الفرق بين إعطاء السوط للظالم و بين بيع العنب لا وجه له و أن إعطاء السوط إذا كان إعانة كما اعترف به فيما تقدم من آيات الأحكام كان بيع العنب كذلك كما اعترف به في شرح الإرشاد فإذا بنينا علي أن شرط الحرام حرام مع فعله توصلا إلي الحرام- كما جزم به بعض دخل ما نحن فيه في الإعانة علي المحرم فيكون بيع العنب إعانة علي تملك العنب المحرم مع قصد التوصل به إلي التخمير و إن لم يكن إعانة علي نفس التخمير أو علي شرب الخمر.
و إن شئت قلت إن شراء العنب للتخمير حرام كغرس العنب لأجل ذلك فالبائع إنما يعين علي الشراء المحرم.

[بيع الطعام علي من يرتكب المعاصي]

[بيع الطعام علي من يرتكب المعاصي]
نعم لو لم يعلم أن الشراء لأجل التخمير لم يحرم و إن علم أنه سيخمر العنب بإرادة جديدة منه و كذا الكلام في بائع الطعام علي من يرتكب المعاصي فإنه لو علم إرادته من الطعام المبيع التقوي به عند التملك علي المعصية حرم البيع منه. و أما العلم بأنه يحصل من هذا الطعام قوة علي المعصية يتوصل بها إليها فلا يوجب التحريم هذا و لكن الحكم بحرمة الإتيان بشرط الحرام توصلا إليه قد يمنع إلا من حيث صدق التجري و البيع ليس إعانة عليه و إن كان إعانة علي الشراء إلا أنه في نفسه ليس تجريا فإن التجري يحصل بالفعل المتلبس بالقصد و توهم أن الفعل مقدمة له فيحرم الإعانة مدفوع بأنه لم يوجد قصد إلي التجري حتي يحرم و إلا لزم التسلسل فافهم. نعم لو ورد النهي بالخصوص عن بعض شروط الحرام كالغرس للخمر دخل الإعانة عليه في الإعانة علي الإثم كما أنه لو استدللنا بفحوي ما دل علي لعن الغارس علي حرمة التملك للتخمير حرم الإعانة عليه أيضا بالبيع.

[بيان المتحصل مما ذكر]

[بيان المتحصل مما ذكر]
فتحصل مما ذكرناه- أن قصد الغير لفعل الحرام معتبر قطعا في حرمة فعل المعين و أن محل الكلام هي الإعانة علي شرط الحرام بقصد تحقق الشرط دون المشروط و أنها هل تعد إعانة علي المشروط فتحرم أم لا فلا تحرم ما لم تثبت حرمة الشرط من غير جهة التجري و أن مجرد بيع العنب ممن يعلم أنه سيجعله خمرا من دون العلم بقصده ذلك من الشراء ليس محرما أصلا لا من جهة الشرط و لا من جهة المشروط و من ذلك يعلم ما فيما تقدم عن حاشية الإرشاد من أنه لو كان بيع العنب ممن يعمله خمرا إعانة لزم المنع عن معاملة أكثر الناس.

ثم إن محل الكلام فيما يعد شرطا للمعصية الصادرة عن الغير

ثم إن محل الكلام فيما يعد شرطا للمعصية الصادرة عن الغير
فما تقدم من المبسوط من حرمة ترك بذل الطعام لخائف التلف مستندا إلي قوله ص من أعان علي قتل مسلم إلي آخر الحديث محل تأمل إلا أن يريد الفحوي و لذا استدل في المختلف بعد حكاية ذلك عن الشيخ بوجوب حفظ النفس مع القدرة و عدم الضرر.

ثم إنه يمكن التفصيل في شروط الحرام المعان عليها

ثم إنه يمكن التفصيل في شروط الحرام المعان عليها
بين ما ينحصر فائدته و منفعته عرفا في المشروط المحرم كحصول العصا في يد الظالم المستعير لها من غيره لضرب أحد فإن ملكه للانتفاع بها في هذا الزمان تنحصر فائدته عرفا في الضرب و كذا من استعار كأسا ليشرب الخمر فيه و بين ما لم يكن كذلك كتمليك الخمار للعنب فإن منفعة التمليك و فائدته غير منحصرة عرفا في الخمر حتي عند الخمار فيعد الأول عرفا إعانة علي المشروط المحرم بخلاف الثاني. و لعل من جعل بيع السلاح من أعداء الدين حال قيام الحرب من المساعدة علي المحرم و جوز بيع العنب ممن يعمله خمرا كالفاضلين في الشرائع و التذكرة و غيرهما نظر إلي ذلك و كذلك المحقق الثاني حيث منع من بيع العصير المتنجس علي مستحله مستندا إلي كونه من الإعانة علي الإثم و منع من كون بيع العنب ممن يعلم أنه يجعله خمرا من الإعانة فإن تملك المستحل للعصير منحصر فائدته عرفا عنده في الانتفاع به حال النجاسة بخلاف تملك العنب و كيف كان فلو ثبت تميز موارد الإعانة من العرف فهو و إلا فالظاهر مدخلية قصد المعين.

[الاستدلال علي الحرمة في المسألة بوجوب دفع المنكر]

[الاستدلال علي الحرمة في المسألة بوجوب دفع المنكر]
نعم يمكن الاستدلال علي حرمة بيع الشي‌ء ممن يعلم أنه يصرف المبيع في الحرام بأن دفع المنكر كرفعه واجب و لا يتم إلا بترك البيع فيجب و إليه أشار المحقق الأردبيلي رحمه الله حيث استدل علي حرمة بيع العنب في المسألة بعد عموم النهي عن الإعانة بأدلة النهي عن المنكر.

[ما يشهد لهذا الاستدلال]

[ما يشهد لهذا الاستدلال]
و يشهد بهذا ما ورد من أنه: لو لا أن بني أمية وجدوا من يجبي لهم الصدقات و يشهد جماعتهم ما سلبوا حقنا دل علي مذمة الناس في فعل ما لو تركوه لم يتحقق المعصية من بني أمية فدل علي ثبوت الذم لكل ما لو ترك لم يتحقق المعصية من الغير و هذا و إن دل بظاهره علي حرمة بيع العنب و لو ممن يعلم أنه سيجعله خمرا مع عدم قصد ذلك حين الشراء إلا أنه لم يقم دليل علي وجوب تعجيز من يعلم أنه سيهم بالمعصية و إنما الثابت من النقل و العقل القاضي بوجوب اللطف وجوب ردع من هم بها و أشرف عليها بحيث لو لا الردع لفعلها أو استمر عليها

[توقف هذا الاستدلال علي علم البائع بعدم حصول المعصية لو لم يبعه]

[توقف هذا الاستدلال علي علم البائع بعدم حصول المعصية لو لم يبعه]
ثم إن الاستدلال المذكور إنما يحسن مع علم البائع بأنه لو لم يبعه لم تحصل المعصية لأنه حينئذ قادر علي الردع أما لو لم يعلم ذلك أو علم بأنه يحصل منه المعصية بفعل الغير فلا يتحقق الارتداع بترك البيع كمن يعلم عدم الانتهاء بنهيه عن المنكر و توهم أن البيع حرام علي كل أحد فلا يسوغ لهذا الشخص فعله معتذرا بأنه لو تركه لفعله غيره مدفوع بأن ذلك فيما كان محرما علي كل واحد علي سبيل الاستقلال فلا يجوز لواحد منهم الاعتذار بأن هذا الفعل واقع لا محالة و لو من غيري فلا ينفع تركي له. أما إذا وجب علي جماعة شي‌ء واحد كحمل ثقيل مثلا بحيث يراد منهم الاجتماع عليه فإذا علم واحد من حال الباقي عدم القيام به و الاتفاق معه في إيجاد الفعل كان قيامه بنفسه بذلك الفعل لغوا فلا يجب و ما نحن فيه من هذا القبيل فإن عدم تحقق المعصية من مشتري العنب موقوف علي تحقق ترك البيع من كل بائع فترك المجموع للبيع سبب واحد لترك المعصية كما أن بيع واحد منهم علي البدل شرط لتحققها فإذا علم واحد منهم عدم اجتماع الباقي معه في تحصيل السبب و المفروض أن قيامه منفردا لغو سقط وجوبه.

[توجيه الخبر الدال علي ذم أتباع بني أمية]

[توجيه الخبر الدال علي ذم أتباع بني أمية]
و أما ما تقدم من الخبر في اتباع بني أمية فالذم فيه إنما هو علي إعانتهم بالأمور المذكورة في الرواية و سيأتي تحريم كون الرجل من أعوان الظلمة حتي في المباحات التي لا دخل لها برئاستهم فضلا عن مثل جباية الصدقات و حضور الجماعات و شبهها مما هو من أعظم المحرمات.

[المتلخص مما ذكر]

[المتلخص مما ذكر]
و قد تلخص مما ذكرنا أن فعل ما هو من قبيل الشرط لتحقق المعصية من الغير من دون قصد توصل الغير به إلي المعصية غير محرم لعدم كونه في العرف إعانة مطلقا أو علي التفصيل الذي احتملناه أخيرا و أما
المكاسب، ج‌1، ص 19
ترك هذا الفعل فإن كان سببا يعني علة تامة لعدم المعصية من الغير كما إذا انحصر العنب عنده وجب لوجوب الردع عن المعصية عقلا و نقلا و أما لو لم يكن سببا بل كان السبب تركه منضما إلي ترك غيره فإن علم أو ظن أو احتمل قيام الغير بالترك وجب قيامه به أيضا و إن علم أو ظن عدم قيام الغير سقط عنه وجوب الترك لأن تركه بنفسه ليس برادع حتي يجب. نعم هو جزء للرادع المركب من مجموع تروك أرباب العنب لكن يسقط وجوب الجزء إذا علم بعدم تحقق الكل في الخارج

[الوجوه المتصورة في فعل ما هو شرط للحرام الصادر من الغير]

[الوجوه المتصورة في فعل ما هو شرط للحرام الصادر من الغير]
فعلم مما ذكرناه في هذا المقام أن فعل ما هو شرط للحرام الصادر من الغير يقع علي وجوه أحدها أن يقع من الفاعل قصدا منه لتوصل الغير به إلي الحرام و هذا لا إشكال في حرمته لكونه إعانة. الثاني أن يقع منه من دون قصد لحصول الحرام و لا لحصول ما هو مقدمة له مثل تجارة التاجر بالنسبة إلي معصية العاشر فإنه لم يقصد بها تسلط العاشر عليه الذي هو شرط لأخذ العشر و هذا لا إشكال في عدم حرمته. الثالث أن يقع منه بقصد حصول ما هو من مقدمات حصول الحرام عن الغير لا لحصول نفس الحرام منه و هذا قد يكون من دون قصد الغير التوصل بذلك الشرط إلي الحرام كبيع العنب من الخمار المقصود منه تملكه للعنب الذي هو شرط لتخميره لا نفس التخمير مع عدم قصد الغير أيضا التخمير حال الشراء و هذا أيضا لا إشكال في عدم حرمته و قد يكون مع قصد الغير التوصل به إلي الحرام أعني التخمير حال شراء العنب و هذا أيضا علي وجهين أحدهما أن يكون ترك هذا الفعل من الفاعل علة تامة لعدم تحقق الحرام من الغير و الأقوي هنا وجوب الترك و حرمة الفعل. و الثاني أن لا يكون كذلك بل يعلم عادة أو يظن بحصول الحرام من الغير من غير تأثير لترك ذلك الفعل و الظاهر عدم وجوب الترك حينئذ بناء علي ما ذكرنا من اعتبار قصد الحرام في صدق الإعانة عليه مطلقا أو علي ما احتملناه من التفصيل.

[الظاهر عدم فساد البيع في كل مورد حكم فيه بالحرمة لأجل الإعانة علي الإثم]

[الظاهر عدم فساد البيع في كل مورد حكم فيه بالحرمة لأجل الإعانة علي الإثم]
ثم كل مورد حكم فيه بحرمة البيع من هذه الموارد الخمسة فالظاهر عدم فساد البيع لتعلق النهي بما هو خارج عن المعاملة- أعني الإعانة علي الإثم أو المسامحة في الردع عنه. و يحتمل الفساد لإشعار قوله ع في رواية تحف العقول المتقدمة بعد قوله: و كل بيع ملهو به و كل منهي عنه مما يتقرب به لغير الله أو يقوي به الكفر و الشرك في جميع وجوه المعاصي أو باب يوهن به الحق فهو حرام محرم بيعه و شراؤه و إمساكه إلخ [إلي آخر حديث تحف العقول] بناء علي أن التحريم مسوق لبيان الفساد في تلك الرواية كما لا يخفي لكن في الدلالة تأمل و لو تمت لثبت الفساد مع قصد المشتري خاصة للحرام لأن الفساد لا يتبعض

القسم الثالث ما يحرم لتحريم ما يقصد منه شأنا

اشارة

القسم الثالث ما يحرم لتحريم ما يقصد منه شأنا
بمعني أن من شأنه أن يقصد منه الحرام و تحريم هذا مقصور علي النص إذ لا يدخل ذلك تحت الإعانة خصوصا مع عدم العلم بصرف الغير له في الحرام

[حرمة بيع السلاح من أعداء الدين]

اشارة

[حرمة بيع السلاح من أعداء الدين]
كبيع السلاح من أعداء الدين مع عدم قصد تقويهم بل و عدم العلم باستعمالهم لهذا المبيع الخاص في حرب المسلمين إلا أن المعروف بين الأصحاب حرمته بل لا خلاف فيها

[الأخبار الدالة علي الحرمة]

[الأخبار الدالة علي الحرمة]
و الأخبار بها مستفيضة منها رواية الحضرمي قال: دخلنا علي أبي عبد الله ع فقال له حكم السراج ما تري فيمن يحمل إلي الشام من السروج و أداتها قال لا بأس أنتم اليوم بمنزلة أصحاب رسول الله ص أنتم في هدنة فإذا كانت المباينة حرم عليكم أن تحملوا إليهم السلاح و السروج و منها رواية هند السراج قال: قلت لأبي جعفر ع أصلحك الله إني كنت أحمل السلاح إلي أهل الشام فأبيعه منهم فلما عرفني الله هذا الأمر ضقت بذلك و قلت لا أحمل إلي أعداء الله فقال لي احمل إليهم و بعهم فإن الله يدفع بهم عدونا و عدوكم يعني الروم فإذا كانت الحرب بيننا فلا تحملوا فمن حمل إلي عدونا سلاحا يستعينون به علينا فهو مشرك

[اختصاص الحرمة في الأخبار بصورة قيام الحرب]

[اختصاص الحرمة في الأخبار بصورة قيام الحرب]
و صريح الروايتين اختصاص الحكم بصورة قيام الحرب بينهم و بين المسلمين بمعني وجود المباينة في مقابل الهدنة و بهما تقيد المطلقات جوازا أو منعا مع إمكان دعوي ظهور بعضها في ذلك- مثل مكاتبة صيقل: أشتري السيوف و أبيعها من السلطان أ جائز لي بيعها فكتب لا بأس به و رواية علي بن جعفر عن أخيه ع قال: سألته عن حمل المسلمين إلي المشركين التجارة قال إذا لم يحملوا سلاحا فلا بأس و مثله: ما في وصية النبي ص لعلي ع يا علي كفر بالله العظيم من هذه الأمة عشرة أصناف و عد منها بائع السلاح من أهل الحرب.

[نقد ما عن حواشي الشهيد]

[نقد ما عن حواشي الشهيد]
فما عن حواشي الشهيد من أن المنقول أن بيع السلاح حرام مطلقا في حال الحرب و الصلح و الهدنة لأن فيه تقوية الكافر علي المسلم فلا يجوز علي كل حال شبه الاجتهاد في مقابل النص- مع ضعف دليله كما لا يخفي.

[شمول الحكم لما إذا لم يقصد البائع المعونة]

[شمول الحكم لما إذا لم يقصد البائع المعونة]
ثم إن ظاهر الروايات شمول الحكم لما إذا لم يقصد البائع المعونة و المساعدة أصلا بل صريح مورد السؤال في روايتي الحكم و الهند هي صورة عدم قصد ذلك فالقول باختصاص البيع بصورة قصد المساعدة كما يظهر من بعض العبائر ضعيف جدا. و كذلك ظاهرها الشمول لما إذا لم يعلم باستعمال أهل الحرب للمبيع في الحرب بل يكفي مظنة ذلك بحسب غلبة ذلك مع قيام الحرب بحيث يصدق حصول التقوي لهم بالبيع

[جواز بيع ما يكن]

[جواز بيع ما يكن]
و حينئذ فالحكم مخالف للأصول صير إليه للأخبار المذكورة و عموم رواية تحف العقول المتقدمة فيقتصر فيه علي مورد الدليل و هو السلاح دون ما لا يصدق عليه ذلك كالمجن و الدرع و المغفر و سائر ما يكن وفاقا للنهاية و ظاهر السرائر و أكثر كتب العلامة و الشهيدين و المحقق الثاني للأصل. و ما استدل به في التذكرة من رواية محمد بن قيس قال: سألت أبا عبد الله ع عن الفئتين من أهل الباطل تلتقيان أبيعهما السلاح قال بعهما ما يكنهما الدرع و الخفين و نحو هذا

[المناقشة في الجواز]

[المناقشة في الجواز]
و لكن يمكن أن يقال إن ظاهر رواية تحف العقول إناطة الحكم علي تقوي الكفر و وهن الحق. و ظاهر قوله ع في رواية هند من حمل إلي عدونا سلاحا يستعينون به علينا أن الحكم منوط بالاستعانة و الكل موجود فيما يكن أيضا كما لا يخفي مضافا إلي فحوي رواية الحكم المانعة عن بيع السروج و حملها علي السيوف السريجية لا يناسبه صدر الرواية مع كون الراوي سراجا.

[رد دلالة رواية محمد بن قيس علي الجواز]

[رد دلالة رواية محمد بن قيس علي الجواز]
و أما رواية محمد بن قيس فلا دلالة لها علي المطلوب لأن مدلولها بمقتضي أن التفصيل قاطع للشركة الجواز فيما يكن و التحريم في غيره مع كون الفئتين من أهل الباطل فلا بد من حملها علي فريقين محقوني الدماء إذ لو كان كلاهما أو أحدهما مهدور الدم لم يكن وجه للمنع من بيع السلاح علي صاحبه. فالمقصود من بيع ما يكن منهما- تحفظ كل منهما عن صاحبه
المكاسب، ج‌1، ص 20
و تترسه بما يكن و هذا غير مقصود فيما نحن فيه بل تحفظ أعداء الدين عن بأس المسلمين خلاف مقصود الشارع فالتعدي عن مورد الرواية إلي ما نحن فيه يشبه القياس مع الفارق. و لعله لما ذكر قيد الشهيد فيما حكي عن حواشيه علي القواعد إطلاق العلامة جواز بيع ما يكن بصورة الهدنة و عدم قيام الحرب

[هل يتعدي الحكم إلي غير أعداء الدين]

اشارة

[هل يتعدي الحكم إلي غير أعداء الدين]
ثم إن مقتضي الاقتصار علي مورد النص عدم التعدي إلي غير أعداء الدين كقطاع الطريق

[شمول رواية تحف العقول قطاع الطريق أيضا]

[شمول رواية تحف العقول قطاع الطريق أيضا]
إلا أن المستفاد من رواية تحف العقول إناطة الحكم بتقوي الباطل و وهن الحق فلعله يشمل ذلك و فيه تأمل. ثم إن النهي في هذه الأخبار لا يدل علي الفساد فلا مستند له سوي ظاهر خبر تحف العقول الواردة في بيان المكاسب الصحيحة و الفاسدة و الله العالم

النوع الثالث مما يحرم الاكتساب به ما لا منفعة فيه محللة معتدا بها

اشارة

النوع الثالث مما يحرم الاكتساب به ما لا منفعة فيه محللة معتدا بها
عند العقلاء

[التحريم هنا وضعي]

[التحريم هنا وضعي]
و التحريم في هذا القسم ليس إلا من حيث فساد المعاملة و عدم تملك الثمن و ليس كالاكتساب بالخمر و الخنزير.

و الدليل علي الفساد

و الدليل علي الفساد
في هذا القسم علي ما صرح به في الإيضاح كون أكل المال بإزائه أكلا بالباطل و فيه تأمل لأن منافع كثيرة من الأشياء التي ذكروها في المقام يقابل عرفا بمال و لو قليلا بحيث لا يكون بذل مقدار قليل من المال بإزائه سفها

[استفادة عدم اعتناء الشارع بالمنافع النادرة من كلمات العلماء]

[استفادة عدم اعتناء الشارع بالمنافع النادرة من كلمات العلماء]
فالعمدة ما يستفاد من الفتاوي و النصوص من عدم اعتبار الشارع المنافع النادرة و كونها في نظره كالمعدومة. قال في المبسوط إن الحيوان الطاهر علي ضربين ضرب ينتفع به و الآخر لا ينتفع به إلي أن قال و إن كان مما لا ينتفع به فلا يجوز بيعه بلا خلاف مثل الأسد و الذئب و سائر الحشرات مثل الحيات و العقارب و الفأر و الخنافس و الجعلان و الحداءة و الرخمة و النسر و بغاث الطير و كذلك الغربان انتهي و ظاهر الغنية الإجماع علي ذلك أيضا. و يشعر به عبارة التذكرة حيث استدل علي ذلك بخسة تلك الأشياء و عدم نظر الشارع إلي مثلها في التقويم و لا يثبت يد لأحد عليها قال و لا اعتبار بما ورد في الخواص من منافعها لأنها لا تعد مع ذلك مالا و كذا عند الشافعي انتهي و ظاهره اتفاقنا عليه. و ما ذكره من عدم جواز بيع ما لا يعد مالا مما لا إشكال فيه و إنما الكلام فما عدوه من هذا.

[تحسين ما قاله في محكي إيضاح النافع]

[تحسين ما قاله في محكي إيضاح النافع]
قال في محكي إيضاح النافع و نعم ما قال جرت عادة الأصحاب بعنوان هذا الباب و ذكر أشياء معينة علي سبيل المثال فإن كان ذلك لأن عدم النفع مفروض فيها فلا نزاع و إن كان لأن ما مثل به لا يصح بيعه لأنه محكوم بعدم الانتفاع فالمنع متوجه في أشياء كثيرة انتهي. و بالجملة فكون الحيوان من المسوخ أو السباع أو الحشرات لا دليل علي كونه كالنجاسة مانعا

[جواز بيع ما يشتمل علي منفعة مقصودة للعقلاء]

[جواز بيع ما يشتمل علي منفعة مقصودة للعقلاء]
فالمتعين فيما اشتمل منها منفعة مقصودة للعقلاء جواز البيع فكل ما جازت الوصية به لكونه مقصودا بالانتفاع للعقلاء فينبغي جواز بيعه إلا ما دل الدليل علي المنع فيه تعبدا. و قد صرح في التذكرة بجواز الوصية بمثل الفيل و الأسد و غيرهما من المسوخ و المؤذيات و إن منعنا عن بيعها و ظاهر هذا الكلام أن المنع من بيعها علي القول به للتعبد لا لعدم المالية

[نقد ما أفاده العلامة في التذكرة]

[نقد ما أفاده العلامة في التذكرة]
ثم إن ما تقدم منه قدس سره من أنه لا اعتبار بما ورد في الخواص من منافعها لأنها لا تعد مالا مع ذلك يشكل بأنه إذا اطلع العرف علي خاصية في إحدي الحشرات معلومة بالتجربة أو غيرها فأي فرق بينها و بين نبات من الأدوية علم فيه تلك الخاصية و حينئذ فعدم جواز بيعها و أخذ المال في مقابله بملاحظة تلك الخاصية يحتاج إلي دليل لأنه حينئذ ليس أكلا للمال بالباطل و يؤيد ذلك ما تقدم في رواية التحف من أن: كل شي‌ء يكون لهم فيه الصلاح من جهة من الجهات فذلك حلال بيعه إلي آخر الحديث.

[تحسين ما قاله في الدروس]

[تحسين ما قاله في الدروس]
و قد أجاد في الدروس حيث قال ما لا نفع فيه مقصودا للعقلاء كالخشار و فضلات الإنسان و عن التنقيح ما لا نفع فيه بوجه من الوجوه كالخنافس و الديدان

[النظر في منع العلامة بيع ما ينتفع به نادرا]

[النظر في منع العلامة بيع ما ينتفع به نادرا]
و مما ذكرنا يظهر النظر فيما ذكره في التذكرة من الإشكال في جواز بيع العلق الذي ينتفع به لامتصاص الدم و ديدان القز التي يصاد بها السمك ثم استقرب المنع فقال لندور الانتفاع فيشبه ما لا منفعة فيه إذ كل شي‌ء فله نفع ما انتهي. أقول و لا مانع من التزام جواز بيع كل ما له نفع ما و لو فرض الشك في صدق المال علي مثل هذه الأشياء المستلزم للشك في صدق البيع أمكن الحكم بصحة المعاوضة عليها لعمومات التجارة و الصلح و العقود و الهبة المعوضة و غيرها و عدم المانع لأنه ليس إلا أكل المال بالباطل و المفروض عدم تحققه هنا.

[انعقاد الإجماع علي عدم الاعتناء بالمنافع النادرة]

[انعقاد الإجماع علي عدم الاعتناء بالمنافع النادرة]
فالعمدة في المسألة الإجماع علي عدم الاعتناء بالمنافع النادرة

[مقتضي التأمل في الأخبار عدم الاعتناء بالمنافع النادرة]

[مقتضي التأمل في الأخبار عدم الاعتناء بالمنافع النادرة]
و هو الظاهر من التأمل في الأخبار أيضا مثل ما دل علي تحريم بيع ما يحرم منفعته الغالبة مع اشتماله علي منفعة نادرة محللة مثل قوله ص:
لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها و أكلوا ثمنها بناء علي أن للشحوم منفعة نادرة محللة علي اليهود لأن ظاهر تحريمها عليهم تحريم أكلها أو سائر منافعها المتعارفة فلو لا أن النادر في نظر الشارع كالمعدوم لم يكن وجه للمنع عن البيع- كما لم يمنع الشارع عن بيع ما له منفعة محللة مساوية للمحرمة في التعارف و الاعتداد (إلا أن يقال المنع فيها تعبد للنجاسة لا من حيث عدم المنفعة المتعارفة فتأمل.) و أوضح من ذلك قوله ع- في رواية تحف العقول في ضابط ما يكتسب به: و كل شي‌ء يكون لهم فيه الصلاح من جهة من الجهات فذلك كله حلال بيعه و شراؤه إلي آخر حديث تحف العقول إذ لا يراد منه مجرد المنفعة و إلا يعم الأشياء كلها.
و قوله في آخره: إنما حرم الله الصناعة التي يجي‌ء منها الفساد محضا نظير كذا و كذا إلي آخر ما ذكره فإن كثيرا من الأمثلة المذكورة هناك لها منافع محللة فإن الأشربة المحرمة كثيرا ما ينتفع بها في معالجة الدواب بل المرضي فجعلها مما يجي‌ء منه الفساد محضا باعتبار عدم الاعتناء بهذه المصالح لندرتها إلا أن الإشكال في تعيين المنفعة النادرة و تمييزها عن غيرها فالواجب الرجوع في مقام الشك إلي أدلة التجارة و نحوها مما ذكر

[جواز بيع السباع بناء علي وقوع التذكية عليها]

[جواز بيع السباع بناء علي وقوع التذكية عليها]
و منه يظهر أن الأقوي جواز بيع السباع بناء علي وقوع التذكية عليها للانتفاع البين بجلودها و قد نص في الرواية علي بعضها و كذا شحومها و عظامها. و أما لحومها فالمصرح به في التذكرة عدم الجواز معللا بندور المنفعة المحللة المقصودة منه كإطعام الكلاب المحترمة و جوارح الطير

[جواز بيع الهرة]

[جواز بيع الهرة]
و يظهر أيضا جواز بيع الهرة و هو المنصوص في غير واحد
المكاسب، ج‌1، ص 21
من الروايات و نسبه في موضع من التذكرة إلي علمائنا بخلاف القرد لأن المصلحة المقصودة منه و هو حفظ المتاع نادرة.

[عدم المنفعة المعتد بها يستند تارة إلي خسة الشي‌ء و أخري إلي قلته]

[عدم المنفعة المعتد بها يستند تارة إلي خسة الشي‌ء و أخري إلي قلته]
ثم اعلم أن عدم المنفعة المعتد بها يستند تارة إلي خسة الشي‌ء كما ذكر من الأمثلة في عبارة المبسوط و أخري إلي قلته كجزء يسير من المال لا يبذل في مقابلة مال كحبة حنطة. و الفرق أن الأول لا يملك و لا يدخل تحت اليد كما عرفت من التذكرة بخلاف الثاني فإنه يملك و لو غصبه غاصب كان عليه مثله إن كان مثليا خلافا للتذكرة فلم يوجب شيئا كغير المثلي و ضعفه بعض بأن اللازم حينئذ عدم الغرامة فيما لو غصب صبرة تدريجا و يمكن أن يلتزم فيه كما يلتزم في غير المثلي فافهم ثم إن منع حق الاختصاص في القسم الأول مشكل مع عموم قوله ص: من سبق إلي ما لم يسبق إليه أحد من المسلمين فهو أحق به مع عد أخذه قهرا ظلما عرفا

النوع الرابع ما يحرم الاكتساب به لكونه عملا محرما في نفسه

اشارة

النوع الرابع ما يحرم الاكتساب به لكونه عملا محرما في نفسه
و هذا النوع و إن كانت أفراده هي جميع الأعمال المحرمة القابلة لمقابلة المال بها في الإجارة و الجعالة و غيرهما إلا أنه جرت عادة الأصحاب بذكر كثير مما من شأنه الاكتساب به من المحرمات بل و لغير ذلك مما لم يتعارف الاكتساب به كالغيبة و الكذب و نحوهما و كيف كان فنقتفي آثارهم بذكر أكثرها في مسائل مرتبة بترتيب حروف أوائل عنواناتهم إن شاء الله تدليس الماشطة

المسألة الأولي تدليس الماشطة

اشارة

المسألة الأولي تدليس الماشطة
المرأة التي يراد تزويجها أو الأمة التي يراد بيعها حرام بلا خلاف كما عن الرياض و عن مجمع الفائدة الإجماع عليه و [كذا] فعل المرأة ذلك بنفسها

[بما ذا يحصل التدليس]

[بما ذا يحصل التدليس]
قال في المقنعة و كسب المواشط حلال إذا لم يغششن و لم يدلسن في عملهن فيصلن شعور النساء بشعور غيرهن من الناس و يشمن الخدود و يستعملن ما لا يجوز في شريعة الإسلام فإن وصلن شعرهن بشعر غير الناس لم يكن بذلك بأس و نحوه بعينه عبارة النهاية. و قال في السرائر في عداد المحرمات و عمل المواشط بالتدليس بأن يشمن الخدود و يحمرنها و ينقشن بالأيدي و الأرجل و يصلن شعر النساء بشعر غيرهن و ما جري مجري ذلك انتهي و حكي نحوه عن الدروس و حاشية الإرشاد

[هل يعد وشم الخدود و وصل الشعر بشعر الغير من التدليس]

[هل يعد وشم الخدود و وصل الشعر بشعر الغير من التدليس]
و في عد وشم الخدود من جملة التدليس تأمل لأن الوشم في نفسه زينة. و كذا التأمل في التفصيل بين وصل الشعر بشعر الإنسان و وصله بشعر غيره فإن ذلك لا مدخل له في التدليس و عدمه إلا أن يوجه الأول بأنه قد يكون الغرض من الوشم حدوث نقطة خضراء في البدن حتي يتراءي بياض سائر البدن و صفاؤه أكثر مما كان يري لو لا هذه النقطة و يوجه الثاني بأن شعر غير المرأة لا يلتبس علي الشعر الأصلي للمرأة فلا يحصل التدليس به بخلاف شعر المرأة. و كيف كان يظهر من بعض الأخبار المنع عن الوشم و وصل الشعر بشعر الغير

[ظاهر بعض الأخبار المنع عن مطلق الوشم و وصل الشعر بشعر الغير]

[ظاهر بعض الأخبار المنع عن مطلق الوشم و وصل الشعر بشعر الغير]
و ظاهرها المنع و لو في غير مقام التدليس ففي مرسلة ابن أبي عمير عن رجل عن أبي عبد الله ع قال: دخلت ماشطة علي رسول الله ص فقال لها هل تركت عملك أو أقمت عليه فقالت يا رسول الله أنا أعمله إلا أن تنهاني عنه فانتهي عنه فقال افعلي فإذا مشطت فلا تجلي الوجه بالخرقة فإنها تذهب بماء الوجه و لا تصلي شعر المرأة بشعر امرأة غيرها و أما شعر المعز فلا بأس به بأن يوصل بشعر المرأة و في مرسلة الفقيه: لا بأس بكسب الماشطة ما لم تشارط و قبلت ما تعطي و لا تصل شعر المرأة بشعر امرأة غيرها و أما شعر المعز فلا بأس بأن يوصله بشعر المرأة و عن معاني الأخبار بسنده عن علي بن غراب عن جعفر بن محمد عن آبائه ع قال: لعن رسول الله ص النامصة و المنتمصة و الواشرة و الموتشرة و الواصلة و المستوصلة و الواشمة و المستوشمة. قال الصدوق قال علي بن غراب النامصة التي تنتف الشعر و المنتمصة التي يفعل ذلك بها و- الواشرة التي تشر أسنان المرأة و تفلجها و تحددها و الموتشرة التي يفعل ذلك بها و الواصلة التي تصل شعر المرأة بشعر امرأة غيرها و المستوصلة التي يفعل ذلك بها و الواشمة التي تشم وشما في يد المرأة أو في شي‌ء من بدنها و هو أن تغرز بدنها أو ظهر كفها بإبرة حتي تؤثر فيه ثم تحشوها بالكحل أو شي‌ء من النورة فتخضر و المستوشمة التي يفعل بها ذلك.

و ظاهر بعض الأخبار كراهة الوصل و لو بشعر غير المرأة

و ظاهر بعض الأخبار كراهة الوصل و لو بشعر غير المرأة
مثل ما عن عبد الله بن الحسن قال: سألته عن القرامل قال و ما القرامل قلت صوف تجعله النساء في رءوسهن قال إن كان صوفا فلا بأس و إن كان شعرا فلا خير فيه من الواصلة و المستوصلة.

و ظاهر بعض الأخبار الجواز مطلقا

و ظاهر بعض الأخبار الجواز مطلقا
ففي رواية سعد الإسكاف قال: سئل أبو جعفر ع عن القرامل التي تضعها النساء في رءوسهن يصلنه بشعورهن قال لا بأس علي المرأة بما تزينت به لزوجها قال فقلت له بلغنا أن رسول الله ص لعن الواصلة و المستوصلة فقال ليس هناك إنما لعن رسول الله ص الواصلة التي تزني في شبابها فإذا كبرت قادت النساء إلي الرجال فتلك الواصلة

و يمكن الجمع بين الأخبار

و يمكن الجمع بين الأخبار
بالحكم بكراهة وصل مطلق الشعر كما في رواية عبد الله بن الحسن و شدة الكراهة في الوصل بشعر المرأة. و عن الخلاف و المنتهي الإجماع علي أنه يكره وصل شعرها بشعر غيرها رجلا كان أو امرأة و أما ما عدا الوصل مما ذكر في رواية معاني الأخبار فيمكن حملها أيضا علي الكراهة لثبوت الرخصة من رواية سعد الإسكاف في مطلق الزينة خصوصا مع صرف الإمام للنبوي الوارد في الواصلة عن ظاهرها المتحد سياقا مع سائر ما ذكر في النبوي و لعله أولي من تخصيص الرخصة بهذه الأمور- مع أنه لو لا الصرف لكان الواجب إما تخصيص الشعر بشعر المرأة أو تقييده بما إذا كان هو أو إحدي أخواته في مقام التدليس فلا دليل علي تحريمها في غير مقام التدليس كفعل المرأة المزوجة ذلك لزوجها خصوصا بملاحظة ما في رواية علي بن جعفر عن أخيه ع: عن المرأة تحف الشعر عن وجهها قال لا بأس و هذه أيضا قرينة علي صرف إطلاق لعن النامصة في النبوي عن ظاهره بإرادة التدليس و الحمل علي الكراهة.

نعم قد يشكل الأمر في وشم الأطفال

نعم قد يشكل الأمر في وشم الأطفال
من حيث إنه إيذاء لهم بغير مصلحة بناء علي أن لا مصلحة فيه لغير المرأة المتزوجة إلا التدليس بإظهار شدة بياض البدن و صفائه بملاحظة النقطة الخضراء الكدرة في البدن لكن الإنصاف أن كون ذلك تدليسا مشكل بل ممنوع بل هو تزيين للمرأة من حيث خلط البياض بالخضرة فهو تزيين لا موهم لما ليس في البدن واقعا من البياض و الصفاء. نعم مثل نقش الأيدي و الأرجل بالسواد يمكن أن يكون الغالب فيه
المكاسب، ج‌1، ص 22
إرادة إيهام بياض البدن و صفائه و مثله الخط الأسود فوق الحاجبين أو وصل الحاجبين بالسواد لتوهم طولهما و تقوسهما.

[حصول التدليس بمجرد رغبة الخاطب أو المشتري و إن علما بذلك]

[حصول التدليس بمجرد رغبة الخاطب أو المشتري و إن علما بذلك]
ثم إن التدليس بما ذكرنا إنما يحصل بمجرد رغبة الخاطب أو المشتري و إن علما أن هذا البياض و الصفاء ليس واقعيا بل حدث بواسطة هذه الأمور فلا يقال إنها ليست بتدليس لعدم خفاء أثرها علي الناظر و حينئذ فينبغي أن يعد من التدليس لبس المرأة أو الأمة الثياب الحمر أو الخضر الموجبة لظهور بياض البدن و صفائه و الله العالم.

[كراهة كسب الماشطة مع شرط الأجرة المعينة]

[كراهة كسب الماشطة مع شرط الأجرة المعينة]
ثم إن المرسلة المتقدمة عن الفقيه دلت علي كراهة كسب الماشطة- مع شرط الأجرة المعينة و حكي الفتوي به عن المقنع و غيره. و المراد بقوله ع إذا قبلت ما تعطي البناء علي ذلك حين العمل و إلا فلا يلحق العمل بعد وقوعه ما يوجب كراهته.

[الحكمة في أولوية قبول ما يعطاه الحجام و الختان و الماشطة]

[الحكمة في أولوية قبول ما يعطاه الحجام و الختان و الماشطة]
ثم إن أولوية قبول ما يعطي و عدم مطالبة الزائد إما لأن الغالب عدم نقص ما تعطي عن أجرة مثل العمل إلا أن مثل الماشطة و الحجام و الختان و نحوهم كثيرا ما يتوقعون أزيد مما يستحقون خصوصا من أولي المروءة و الثروة و ربما يبادرون إلي هتك العرض إذا منعوا و لا يعطون ما يتوقعون من الزيادة أو بعضه إلا استحياء و صيانة للعرض. و هذا لا يخلو عن شبهه فأمروا في الشريعة الإسلامية بالقناعة بما يعطون و ترك مطالبة الزائد فلا ينافي ذلك جواز مطالبة الزائد و الامتناع عن قبول ما يعطي إذا اتفق كونه دون أجرة المثل و إما لأن المشارطة في مثل هذه الأمور لا يليق بشأن كثير من الأشخاص لأن المماكسة فيها خلاف المروءة و المسامحة فيها قد لا تكون مصلحة لكثرة طمع هذه الأصناف فأمروا بترك المشارطة و الإقدام علي العمل بأقل ما يعطي و قبوله و ترك مطالبة الزائد مستحب للعامل و إن وجب علي من عمل له إيفاء تمام ما يستحقه من أجرة المثل فهو مكلف وجوبا بالإيفاء و العامل مكلف ندبا بالسكوت و ترك المطالبة خصوصا علي ما يعتاده هؤلاء من سوء الاقتضاء أو لأن الأولي في حق العامل قصد التبرع بالعمل و قبول ما يعطي علي وجه التبرع أيضا فلا ينافي ذلك ما ورد من قوله ع: لا تستعملن أجيرا حتي تقاطعه
تزين الرجل بما يحرم عليه

المسألة الثانية [حرمة تزيين الرجل بما يختص بالنساء و كذا العكس]

اشارة

المسألة الثانية [حرمة تزيين الرجل بما يختص بالنساء و كذا العكس]
تزين الرجل بما يحرم عليه من لبس الحرير و الذهب حرام لما ثبت في محله من حرمتها علي الرجال و ما يختص بالنساء من اللباس كالسوار و الخلخال و الثياب المختصة بهن في العادات علي ما ذكره في المسالك. و كذا العكس أعني تزين المرأة بما يخص الرجال كالمنطقة و العمامة و يختلف باختلاف العادات

[لا دليل علي الحرمة عدا النبوي]

اشارة

[لا دليل علي الحرمة عدا النبوي]
و اعترف غير واحد بعدم العثور علي دليل لهذا الحكم عدا النبوي المشهور المحكي عن الكافي و العلل: لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء و المتشبهات من النساء بالرجال

و في دلالته قصور

و في دلالته قصور
لأن الظاهر من التشبه تأنث الذكر و تذكر الأنثي لا مجرد لبس أحدهما لباس الآخر مع عدم قصد التشبه. و يؤيده المحكي عن العلل: إن عليا ع رأي رجلا به تأنث في مسجد رسول الله ص فقال له اخرج من مسجد رسول الله ص فإني سمعت رسول الله ص يقول لعن الله إلي آخر الحديث و في رواية يعقوب بن جعفر الواردة في المساحقة: أن فيهن قال رسول الله ص لعن الله المتشبهات بالرجال من النساء إلي آخر الحديث و في رواية أبي خديجة عن أبي عبد الله ع: لعن رسول الله ص المتشبهين من الرجال بالنساء و المتشبهات من النساء بالرجال و هم المخنثون و اللائي ينكحن بعضهن بعضا نعم في رواية سماعة عن أبي عبد الله ع: عن رجل يجر ثيابه قال إني لأكره أن يتشبه بالنساء و عنه عن آبائه ع: كان رسول الله ص يزجر الرجل أن يتشبه بالنساء و ينهي المرأة أن تتشبه بالرجال في لباسها و فيهما خصوصا الأولي بقرينة المورد ظهور في الكراهة فالحكم المذكور لا يخلو عن إشكال.

ثم الخنثي يجب عليها ترك الزينتين المختصتين بكل من الرجل و المرأة

ثم الخنثي يجب عليها ترك الزينتين المختصتين بكل من الرجل و المرأة
كما صرح به جماعة لأنها يحرم عليها لباس مخالفة في الذكورة و الأنوثة و هو مردد بين اللبسين فيجتنب عنهما مقدمة لأنهما له من قبيل المشتبهين المعلوم حرمة أحدهما و يشكل بناء علي كون مدرك الحكم حرمة التشبه بأن الظاهر من التشبه صورة علم المتشبه
التشبيب

المسألة الثالثة التشبيب بالمرأة المعروفة المؤمنة المحترمة

[بيان معني التشبيب]

[بيان معني التشبيب]
و هو كما في جامع المقاصد ذكر محاسنها و إظهار شدة حبها بالشعر حرام علي ما عن المبسوط و جماعة كالفاضلين و الشهيدين و المحقق الثاني

[أدلة الحرمة]

[أدلة الحرمة]
و استدل عليه بلزوم تفضيحها و هتك حرمتها و إيذائها و إغراء الفساق بها و إدخال النقص عليها و علي أهلها و لذا لا ترضي النفوس الآبية ذوات الغيرة و الحمية أن يذكر ذاكر عشق بعض بناتهم و أخواتهم بل البعيدات من قراباتهم.

و الإنصاف أن هذه الوجوه لا تنهض لإثبات التحريم

و الإنصاف أن هذه الوجوه لا تنهض لإثبات التحريم
مع كونه أخص من المدعي إذ قد لا يتحقق شي‌ء من المذكورات في التشبيب بل و أعم منه من وجه فإن التشبيب بالزوجة قد يوجب أكثر المذكورات.

[الاستدلال بعمومات حرمة اللهو و الباطل و الفحشاء و فحوي ما دل علي حرمة ما يوجب تهييج القوة الشهوية]

[الاستدلال بعمومات حرمة اللهو و الباطل و الفحشاء و فحوي ما دل علي حرمة ما يوجب تهييج القوة الشهوية]
و يمكن أن يستدل عليه بما سيجي‌ء من عمومات حرمة اللهو و الباطل و ما دل علي حرمة الفحشاء و منافاته للعفاف المأخوذ في العدالة و فحوي ما دل علي حرمة ما يوجب و لو بعيدا تهييج القوة الشهوية بالنسبة إلي غير الحليلة مثل ما دل عن المنع عن النظر لأنه سهم من سهام إبليس و المنع عن الخلوة بالأجنبية لأن ثالثهما الشيطان و كراهة جلوس الرجل في مكان المرأة حتي يبرد المكان. و يرجحان التستر عن نساء أهل الذمة لأنهن يصفن لأزواجهن و التستر عن الصبي المميز الذي يصف ما يري. و النهي في الكتاب العزيز بقوله تعالي فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ و عن أن يضربن بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ إلي غير ذلك من المحرمات و المكروهات التي يعلم منها حرمة ذكر المرأة المعينة المحترمة بما يهيج الشهوة عليها خصوصا ذات البعل التي لم يرض الشارع بتعريضها للنكاح بقوله رب راغب فيك

[لا يبعد القول بجواز التشبيب بالمخطوبة قبل العقد]

[لا يبعد القول بجواز التشبيب بالمخطوبة قبل العقد]
نعم لو قيل بعدم حرمة التشبيب بالمخطوبة قبل العقد بل مطلق من يراد تزوجها لم يكن بعيدا لعدم جريان أكثر ما ذكر فيها و المسألة غير صافية عن الاشتباه و الإشكال. ثم إن المحكي عن المبسوط و جماعة جواز التشبيب بالحليلة بزيادة الكراهة عن المبسوط

[جواز التشبيب بالمرأة المبهمة]

[جواز التشبيب بالمرأة المبهمة]
و ظاهر الكل جواز التشبيب بالمرأة المبهمة بأن يتخيل امرأة و يتشبب بها و أما المعروفة عند القائل دون السامع سواء علم السامع إجمالا إنه يقصد معينة أم لا ففيه إشكال. و في جامع المقاصد كما عن الحواشي الحرمة في الصورة الأولي و فيه إشكال من جهة اختلاف الوجوه المتقدمة للتحريم و كذا إذا لم يكن هنا سامع.

و أما اعتبار الإيمان

و أما اعتبار الإيمان
فاختاره في القواعد و التذكرة و تبعه بعض الأساطين
المكاسب، ج‌1، ص 23
لعدم احترام غير المؤمنة و في جامع المقاصد كما عن غيره حرمة التشبيب بنساء أهل الذمة لفحوي حرمة النظر إليهن و نقض بحرمة النظر إلي نساء أهل الحرب مع أنه صرح بجواز التشبيب بهن و المسألة مشكلة من جهة الاشتباه في مدرك أصل الحكم و كيف كان فإذا شك المستمع في تحقق شروط الحرمة لم يحرم عليه الاستماع كما صرح به في جامع المقاصد.

و أما التشبيب بالغلام فهو محرم علي كل حال

و أما التشبيب بالغلام فهو محرم علي كل حال
كما عن الشهيدين و المحقق الثاني و كاشف اللثام لأنه فحش محض فيشتمل علي الإغراء بالقبيح و عن المفاتيح أن في إطلاق الحكم نظرا و الله العالم
التصوير

المسألة الرابعة تصوير ذوات الأرواح حرام

اشارة

المسألة الرابعة تصوير ذوات الأرواح حرام
إذا كانت الصورة مجسمة بلا خلاف فتوي و نصا و كذا مع عدم التجسم وفاقا لظاهر النهاية و صريح السرائر و المحكي عن حواشي الشهيد و الميسية و المسالك و إيضاح النافع و الكفاية و مجمع البرهان و غيرهم

[الأخبار المستفيضة الدالة علي حرمة مجرد النقش]

[الأخبار المستفيضة الدالة علي حرمة مجرد النقش]
للروايات المستفيضة مثل قوله ع: نهي [رسول الله ص] أن ينقش شي‌ء من الحيوان علي الخاتم و قوله ع: و نهي عن تزويق البيوت قلت و ما تزويق البيوت قال تصاوير التماثيل و المتقدم عن تحف العقول: و صنعة صنوف التصاوير ما لم يكن مثال الروحاني و قوله ع في عدة أخبار: من صور صورة كلفه الله يوم القيامة أن ينفخ فيها و ليس بنافخ. و قد يستظهر اختصاصها بالمجسمة من حيث إن النفخ في الروح لا يكون إلا في المجسمة و إرادة تجسم النقش مقدمة للنفخ ثم النفخ فيه خلاف الظاهر. و فيه أن النفخ يمكن تصوره في النقش بملاحظة محله بل بدونها كما في أمر الإمام ع الأسد المنقوش علي البساط بأخذ الساحر في مجلس الخليفة أو بملاحظة لون النقش الذي هو في الحقيقة أجزاء لطيفة من الصبغ. و الحاصل أن مثل هذا لا يعد قرينة عرفا علي تخصيص الصورة بالمجسم و أظهر من الكل صحيحة محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله ع عن تماثيل الشجر و الشمس و القمر فقال لا بأس ما لم يكن شيئا من الحيوان فإن ذكر الشمس و القمر قرينة علي إرادة مجرد النقش. و مثل قوله ع: من جدد قبرا أو مثل مثالا فقد خرج عن الإسلام. فإن المثال و التصوير مترادفان علي ما حكاه كاشف اللثام عن أهل اللغة مع أن الشائع من التصوير و المطلوب منه هي الصور المنقوشة علي أشكال الرجال و النساء و الطيور و السباع دون الأجسام المصنوعة علي تلك الإشكال

[استظهار أن الحكمة في التحريم هي حرمة التشبه بالخالق]

[استظهار أن الحكمة في التحريم هي حرمة التشبه بالخالق]
و يؤيده أن الظاهر أن الحكمة في التحريم هي حرمة التشبه بالخالق في إبداع الحيوانات و أعضائها علي الإشكال المطبوعة التي يعجز البشر عن نقشها علي ما هي عليه فضلا عن اختراعها و لذا منع بعض الأساطين عن تمكين غير المكلف من ذلك. و من المعلوم أن المادة لا دخل لها في هذه الاختراعات العجيبة فالتشبه إنما يحصل بالنقش و التشكيل لا غير

و من هنا يمكن استظهار اختصاص الحكم بذوات الأرواح

و من هنا يمكن استظهار اختصاص الحكم بذوات الأرواح
فإن صور غيرها كثيرا ما يحصل بفعل الإنسان للدواعي الأخر غير قصد التصوير و لا يحصل به تشبه بحضرة المبدع تعالي عن التشبيه بل كل ما يصنعه الإنسان من التصرف في الأجسام فيقع علي شكل واحد من مخلوقات الله تعالي.

[ما أفاده في كشف اللثام من النقض علي التعميم]

[ما أفاده في كشف اللثام من النقض علي التعميم]
و لذا قال كاشف اللثام علي ما حكي عنه في مسألة كراهة الصلاة في الثوب المشتمل علي التماثيل أنه لو عمت الكراهة لتماثيل ذي الروح و غيرها كرهت الثياب ذوات الأعلام لشبه الأعلام بالأخشاب و القصبات و نحوها و الثياب المحشوة لشبه طرائقها المخيطة بها بل الثياب قاطبة لشبه خيوطها بالأخشاب و نحوها انتهي و إن كان ما ذكره لا يخلو عن نظر كما سيجي‌ء هذا. و لكن العمدة في اختصاص الحكم بذوات الأرواح أصالة الإباحة مضافا إلي ما دل علي الرخصة مثل صحيحة محمد بن مسلم السابقة و رواية التحف المتقدمة و ما ورد: في تفسير قوله تعالي يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَ تَماثِيلَ في قوله ع و الله ما هي تماثيل الرجال و النساء و لكنها تماثيل الشجر و شبهه و الظاهر شمولها للجسم و غيره فبها يقيد بعض ما مر من الإطلاق خلافا لظاهر جماعة

[ظاهر بعض تعميم الحكم لغير ذي الروح]

[ظاهر بعض تعميم الحكم لغير ذي الروح]
حيث إنهم بين من يحكي عنه تعميمه الحكم لغير ذي الروح و لو لم يكن مجسما لبعض الإطلاقات اللازم تقييدها بما تقدم مثل قوله ع: و ينهي عن تزويق البيوت و قوله ع: من مثل مثالا إلي آخر الحديث

[ظاهر بعض تخصيص الحكم بالمجسم]

[ظاهر بعض تخصيص الحكم بالمجسم]
و بين من عبر بالتماثيل المجسمة بناء علي شمول التمثال لغير الحيوان كما هو كذلك فخص الحكم بالمجسم لأن المتيقن من المقيدات للإطلاقات و الظاهر منها بحكم غلبة الاستعمال و الوجود النقوش لا غير و فيه أن هذا الظهور لو اعتبر لسقط الإطلاقات عن نهوضها لإثبات حرمة المجسم فتعين حملها علي الكراهة دون التخصيص بالمجسمة. و بالجملة التمثال في الإطلاقات المانعة مثل قوله ص من مثل مثالا إن كان ظاهرا في شمول الحكم للمجسم كان كذلك في الأدلة المرخصة لما عدا الحيوان كرواية تحف العقول و صحيحة محمد بن مسلم و ما في تفسير الآية فدعوي ظهور الإطلاقات المانعة في العموم و اختصاص المقيدات المجوزة بالنقوش تحكم.

[خروج تصوير ما هو مصنوع للعباد عن أدلة الحرمة]

[خروج تصوير ما هو مصنوع للعباد عن أدلة الحرمة]
ثم إنه لو عممنا الحكم بغير الحيوان مطلقا أو مع التجسم فالظاهر أن المراد به ما كان مخلوقا لله سبحانه علي هيئة خاصة معجبة للناظر علي وجه تميل النفس إلي مشاهدة صورتها المجردة عن المادة أو معها فمثل تمثال السيف و الرمح و القصور و الأبنية و السفن مما هو مصنوع للعباد و إن كانت في هيئة حسنة معجبة خارج. و كذا مثل تمثال القصبات و الأخشاب و الجبال و الشطوط مما خلق الله لا علي هيئة معجبة للناظر بحيث تميل النفس إلي مشاهدتها و لو بالصور الحاكية لها لعدم شمول الأدلة لذلك كله هذا كله مع قصد الحكاية و التمثيل فلو دعت الحاجة إلي عمل شي‌ء يكون شبيها بشي‌ء من خلق الله و لو كان حيوانا من غير قصد الحكاية فلا بأس قطعا و منه يظهر النظر فيما تقدم عن كاشف اللثام.

ثم إن المرجع في الصورة إلي العرف

ثم إن المرجع في الصورة إلي العرف
فلا يقدح في الحرمة نقص بعض الأعضاء و ليس فيما ورد من رجحان تغير الصورة بقلع عينها أو كسر رأسها دلالة علي جواز تصوير الناقص

و لو صور بعض أجزاء الحيوان ففي حرمته نظر بل منع

و لو صور بعض أجزاء الحيوان ففي حرمته نظر بل منع
و عليه فلو صور نصف الحيوان من رأسه إلي وسطه فإن قدر الباقي موجودا بأن فرضه إنسانا جالسا لا يتبين ما دون وسطه حرم و إن قصد النصف لا غير لم يحرم إلا مع صدق الحيوان علي هذا النصف و لو بدا له في إتمامه حرم الإتمام لصدق التصوير بإكمال الصورة لأنه إيجاد لها و لو اشتغل بتصوير حيوان فعل حراما حتي لو بدا له في إتمامه و هل يكون ما فعل حراما من حيث التصوير أو لا يحرم إلا من حيث التجري وجهان من أنه لم يقع إلا بعض مقدمات الحرام بقصد تحققه و من أن معني حرمة الفعل عرفا ليس إلا حرمة الاشتغال به عمدا فلا تراعي الحرمة بإتمام
المكاسب، ج‌1، ص 24
العمل. و الفرق بين فعل الواجب المتوقف استحقاق الثواب علي إتمامه و بين الحرام هو قضاء العرف فتأمل

بقي الكلام في جواز اقتناء ما حرم عمله من الصور و عدمه

اشارة

بقي الكلام في جواز اقتناء ما حرم عمله من الصور و عدمه
فالمحكي عن شرح الإرشاد للمحقق الأردبيلي أن المستفاد من الأخبار الصحيحة و أقوال الأصحاب عدم حرمة إبقاء الصور و قرره الحاكي علي هذه الاستفادة.
و ممن اعترف بعدم الدليل علي الحرمة المحقق الثاني في جامع المقاصد مفرعا علي ذلك جواز بيع الصور المعمولة و عدم لحوقها بآلات اللهو و القمار و أواني النقدين و صرح في حاشية الإرشاد بجواز النظر إليها. لكن ظاهر كلام بعض القدماء حرمة بيع التماثيل و ابتياعها ففي المقنعة بعد أن ذكر فيما يحرم الاكتساب به الخمر و صناعتها و بيعها قال و عمل الأصنام و الصلبان و التماثيل المجسمة و الشطرنج و النرد و ما أشبه ذلك حرام و بيعه و ابتياعه حرام انتهي و في النهاية و عمل الأصنام و الصلبان و التماثيل المجسمة و الصور و الشطرنج و النرد و سائر أنواع القمار حتي لعب الصبيان بالجوز و التجارة فيها و التصرف فيها و التكسب بها محظور انتهي و نحوها ظاهر السرائر

و يمكن أن يستدل للحرمة

و يمكن أن يستدل للحرمة
مضافا إلي أن الظاهر من تحريم عمل الشي‌ء مبغوضية وجود المعمول ابتداء و استدامة بما تقدم في صحيحة ابن مسلم من قوله ع: لا بأس ما لم يكن حيوانا بناء علي أن الظاهر من سؤال الراوي عن التماثيل سؤاله عن حكم الفعل المتعارف المتعلق بها العام البلوي و هو الاقتناء. و أما نفس الإيجاد فهو عمل مختص بالنقاش أ لا تري أنه لو سئل عن الخمر فأجاب بالحرمة أو عن العصير فأجاب بالإباحة انصرف الذهن إلي شربهما دون صنعتهما بل ما نحن فيه أولي بالانصراف لأن صنعة العصير و الخمر يقع من كل أحد بخلاف صنعة التماثيل و بما تقدم من الحصر في قوله ع في رواية تحف العقول: إنما حرم الله الصناعة التي يجي‌ء فيها الفساد محضا و لا يكون منه و فيه شي‌ء من وجوه الصلاح إلي قوله ع يحرم جميع التقلب فيه فإن ظاهره أن كل ما يحرم صنعته و منها التصاوير يجي‌ء منها الفساد محضا يحرم جميع التقلب فيه بمقتضي ما ذكر في الرواية بعد هذه الفقرة. و بالنبوي: لا تدع صورة إلا محوتها و لا كلبا إلا قتلته بناء علي إرادة الكلب الهراش المؤذي الذي يحرم اقتناؤه. و ما عن قرب الإسناد بسنده عن علي بن جعفر ع عن أخيه ع قال: سألته عن التماثيل هل يصلح أن يلعب بها قال لا و بما ورد في إنكار أن المعمول لسليمان علي نبينا و آله و عليه السلام هي تماثيل الرجال و النساء فإن الإنكار إنما يرجع إلي مشيه سليمان للمعمول كما هو ظاهر الآية دون أصل العمل فدل علي كون مشيه وجود التمثال من المنكرات التي لا يليق بمنصب النبوة. و بمفهوم صحيحة زرارة عن أبي جعفر ع: لا بأس بأن يكون التماثيل في البيوت إذا غيرت رءوسها و ترك ما سوي ذلك و رواية المثني عن أبي عبد الله ع: إن عليا ع يكره الصور في البيوت بضميمة ما ورد في رواية أخري مروية في باب الربا: إن عليا ع لم يكن يكره الحلال و رواية الحلبي المحكية عن مكارم الأخلاق عن أبي عبد الله ع قال: أهديت إلي طنفسة من الشام فيها تماثيل طائر فأمرت به فغير رأسه فجعل كهيئة الشجر

[المناقشة في أدلة حرمة الاقتناء]

[المناقشة في أدلة حرمة الاقتناء]
هذا و في الجميع نظر أما الأول فلأن الممنوع هو إيجاد الصورة و ليس وجودها مبغوضا حتي يجب رفعه. نعم قد يفهم الملازمة من سياق الدليل أو من خارج كما أن حرمة إيجاد النجاسة في المسجد يستلزم مبغوضية وجودها فيه المستلزم لوجوب رفعها. و أما الروايات فالصحيحة الأولي غير ظاهرة في السؤال عن الاقتناء لأن عمل الصور مما هو مركوز في الأذهان حتي أن السؤال عن حكم اقتنائها بعد معرفة حرمة عملها إذ لا يحتمل حرمة اقتناء ما لا يحرم عمله. و أما الحصر في رواية تحف العقول فهو بقرينة الفقرة السابقة منه الواردة في تقسيم الصناعات إلي ما يترتب عليه الحلال و الحرام و ما لا يترتب عليه إلا الحرام إضافي بالنسبة إلي هذين القسمين يعني لم يحرم من القسمين إلا ما ينحصر فائدته في الحرام و لا يترتب عليه إلا الفساد. نعم يمكن أن يقال إن الحصر وارد في مساق التعليل و إعطاء الضابطة للفرق بين الصنائع لا لبيان حرمة خصوص القسم المذكور. و أما النبوي فسياقه ظاهر في الكراهة كما يدل عليه عموم الأمر بقتل الكلاب. و قوله ع في بعض هذه الروايات و لا قبرا إلا سويته. و أما رواية علي بن جعفر فلا تدل إلا علي كراهة اللعب بالصورة و لا نمنعها بل و لا الحرمة إذا كان اللعب علي وجه اللهو و أما ما في تفسير الآية فظاهره رجوع الإنكار إلي مشية سليمان علي نبينا و آله و عليه السلام لعملهم بمعني إذنه فيه أو إلي تقريره لهم في العمل و أما الصحيحة فالبأس فيها محمول علي الكراهة لأجل الصلاة أو مطلقا مع دلالته علي جواز الاقتناء و عدم وجوب المحو. و أما ما ورد من أن عليا ع لم يكن يكره الحلال فمحمول علي المباح المتساوي طرفاه لأنه ع كان يكره المكروه قطعا. و أما رواية الحلبي فلا دلالة لها علي الوجوب أصلا

[معارضة روايات حرمة الاقتناء مع روايات الجواز]

[معارضة روايات حرمة الاقتناء مع روايات الجواز]
و لو سلم الظهور في الجميع فهي معارضة بما هو أظهر و أكثر مثل صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله ع: ربما قمت أصلي و بين يدي الوسادة فيها تماثيل طير فجعلت عليها ثوبا و رواية علي بن جعفر عن أخيه ع: عن الخاتم يكون فيه نقش تماثيل طير أو سبع أ يصلي فيه قال لا بأس و عنه ع عن أخيه: عن البيت فيه صورة سمكة أو طير يعبث به أهل البيت هل يصلي فيه قال لا حتي يقطع رأسه و يفسد و رواية أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله ع عن الوسادة و البساط يكون فيه التماثيل قال لا بأس به يكون في البيت قلت ما التماثيل فقال كل شي‌ء يوطأ فلا بأس به و سياق السؤال مع عموم الجواب يأبي عن تقييد الحكم بما يجوز عمله كما لا يخفي. و رواية أخري لأبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله ع إنا نبسط عندنا الوسائد فيها التماثيل و نفرشها قال لا بأس بما يبسط و يفرش و يوطأ و إنما يكره منها ما نصب علي الحائط و علي السرير و عن قرب الإسناد عن علي بن جعفر عن أخيه ع قال: سألته عن رجل كان في بيته تماثيل أو في ستر و لم يعلم بها و هو يصلي في ذلك البيت ثم علم ما عليه قال ع ليس عليه فيما لم يعلم شي‌ء فإذا علم فلينزع الستر و ليكسر رءوس التماثيل فإن ظاهره أن الأمر بالكسر لأجل كون البيت مما يصلي فيه و لذلك لم يأمر ع بتغيير ما علي الستر و اكتفي بنزعه و منه يظهر أن ثبوت البأس في صحيحة زرارة السابقة مع عدم تغيير الرءوس إنما هو لأجل الصلاة.

[مختار المؤلف]

[مختار المؤلف]
و كيف كان
المكاسب، ج‌1، ص 25
فالمستفاد من جميع ما ورد من الأخبار الكثيرة في كراهة الصلاة في البيت الذي فيه التماثيل إلا إذا غيرت أو كانت بعين واحدة أو ألقي عليها ثوب جواز اتخاذها و عمومها يشمل المجسمة و غيرها و يؤيد الكراهة الجمع بين اقتناء الصور و التماثيل في البيت- و اقتناء الكلب و الإناء المجتمع فيه البول في الأخبار الكثيرة مثل ما روي عنهم ع مستفيضا عن جبرئيل علي نبينا و آله و عليه السلام: أننا لا ندخل بيتا فيه صورة إنسان و لا بيتا يبال فيه و لا بيتا فيه كلب و في بعض الأخبار إضافة الجنب إليها و الله العالم بأحكامه
التطفيف

المسألة الخامسة التطفيف حرام

اشارة

المسألة الخامسة التطفيف حرام
ذكره في القواعد في المكاسب و لعله استطرادا و المراد اتخاذه كسبا بأن ينصب نفسه كيالا أو وزانا فيطفف للبائع و كيف كان فلا إشكال في حرمته و يدل عليه الأدلة الأربعة.

ثم إن البخس في العد و الذرع- يلحق به حكما

ثم إن البخس في العد و الذرع- يلحق به حكما
و إن خرج عن موضوعه

و لو وازن الربوي بجنسه فطفف في أحدهما

و لو وازن الربوي بجنسه فطفف في أحدهما
فإن جرت المعاوضة علي الوزن المعلوم الكلي فيدفع الموزون علي أنه بذلك الوزن اشتغلت ذمته بما نقص و إن جرت علي الموزون المعين باعتقاد المشتري أنه بذلك الوزن فسدت المعاوضة في الجميع للزوم الربا و لو جرت عليه علي أنه بذلك الوزن يجعل ذلك عنوانا للعوض فحصل الاختلاف بين العنوان و المشار إليه لم يبعد الصحة و يمكن ابتناؤه علي أن لاشتراط المقدار مع تخلفه قسطا من العوض أم لا فعلي الأول يصح دون الثاني
التنجيم

المسألة السادسة التنجيم حرام

اشارة

المسألة السادسة التنجيم حرام
و هو كما في جامع المقاصد الإخبار عن أحكام النجوم باعتبار الحركات الفلكية و الاتصالات الكوكبية و توضيح المطلب يتوقف علي الكلام في مقامات

الأول الظاهر أنه لا يحرم الإخبار عن الأوضاع الفلكية المبتنية علي سير الكواكب

اشارة

الأول الظاهر أنه لا يحرم الإخبار عن الأوضاع الفلكية المبتنية علي سير الكواكب
كالخسوف الناشئ عن حيلولة الأرض بين النيرين و الكسوف الناشئ عن حيلولة القمر أو غيره بل يجوز الإخبار بذلك إما جزما إذا استند إلي ما يعتقده برهانا أو ظنا إذا استند إلي الأمارات

و قد اعترف بذلك جملة ممن أنكر التنجيم

و قد اعترف بذلك جملة ممن أنكر التنجيم
منهم السيد المرتضي و الشيخ أبو الفتح الكراجكي فيما حكي عنهما في رد الاستدلال علي إصابتهم في الأحكام بإصابتهم في الأوضاع ما حاصله أن الكسوفات و اقتران الكواكب و انفصالها من باب الحساب و سير الكواكب و له أصول صحيحة و قواعد سديدة و ليس كذلك ما يدعونه عن تأثير الكواكب في الخير و الشر و النفع و الضرر و لو لم يكن الفرق بين الأمرين إلا الإصابة الدائمة المتصلة في الكسوفات و ما يجري مجراها فلا يكاد يبين فيها خطأ و أن الخطأ الدائم المعهود إنما هو في الأحكام حتي أن الصواب فيها عزيز و ما يتفق فيها من الإصابة قد يتفق من المخمن أكثر منه فحمل أحد الأمرين علي الآخر بهت و قلة دين و حياء انتهي المحكي من كلام السيد رحمه الله و قد أشار إلي جواز ذلك في جامع المقاصد مؤيدا ذلك بما ورد من كراهة السفر و التزويج في برج العقرب.

[عدم الإصابة الدائمة في إخبار الفلكين بالأوضاع]

[عدم الإصابة الدائمة في إخبار الفلكين بالأوضاع]
لكن ما ذكره السيد رحمه الله عن الإصابة الدائمة في الإخبار عن الأوضاع محل نظر لأن خطأهم في الحساب في غاية الكثرة و لذلك لا يجوز الاعتماد في ذلك علي عدولهم فضلا عن فساقهم لأن حساباتهم مبتنية علي أمور نظرية مبتنية علي نظريات أخري إلا فيما هو كالبديهي مثل إخبارهم بكون القمر في هذا اليوم في برج العقرب و انتقال الشمس عن برج إلي برج في هذا اليوم و إن كان يقع الاختلاف بينهم فيما يرجع إلي تفاوت يسير و يمكن الاعتماد في مثل ذلك علي شهادة عدلين منهم إذا احتاج الحاكم لتعيين أجل دين أو نحوه.

الثاني يجوز الإخبار بحدوث الأحكام عن الاتصالات و الحركات المذكورة

اشارة

الثاني يجوز الإخبار بحدوث الأحكام عن الاتصالات و الحركات المذكورة
بأن يحكم بوجود كذا في المستقبل عند الوضع المعين من القرب و البعد و المقابلة و الاقتران بين الكوكبين إذا كان علي وجه الظن المستند إلي تجربة محصلة أو منقولة في وقوع تلك الحادثة بإرادة الله عند الوضع الخاص من دون اعتقاد ربط بينهما أصلا بل الظاهر حينئذ جواز الإخبار علي وجه القطع إذا استند إلي تجربة قطعية إذ لا حرج علي من حكم قطعا بالمطر في هذه الليلة نظرا إلي ما جربه من نزول كلبه عن السطح إلي داخل البيت مثلا

[قصة المحقق نصير الدين الطوسي و الطحان]

[قصة المحقق نصير الدين الطوسي و الطحان]
كما حكي أنه اتفق ذلك لمروج هذا العلم بل محييه نصير الملة و الدين حيث نزل في بعض أسفاره علي طحان له طاحونة خارج البلد فلما دخل منزله صعد السطح لحرارة الهواء فقال له صاحب المنزل انزل و نم في البيت تحفظا من المطر فنظر المحقق إلي الأوضاع الفلكية فلم ير شيئا فيما هي مظنة للتأثير في المطر فقال صاحب المنزل إن لي كلبا ينزل في كل ليلة يحس المطر فيها إلي البيت فلم يقبل منه المحقق ذلك و بات فوق السطح فجاءه المطر في الليل و تعجب المحقق. ثم إن ما سيجي‌ء في عدم جواز تصديق المنجم يراد به غير هذا أو ينصرف إلي غيره لما عرفت من معني التنجيم

الثالث الإخبار عن الحادثات و الحكم بها مستندا إلي تأثير الاتصالات المذكورة

اشارة

الثالث الإخبار عن الحادثات و الحكم بها مستندا إلي تأثير الاتصالات المذكورة
فيها بالاستقلال أو بالمدخلية و هو المصطلح عليه بالتنجيم فظاهر الفتاوي و النصوص حرمته مؤكدة

[النصوص الدالة علي الحرمة]

اشارة

[النصوص الدالة علي الحرمة]
فقد أرسل المحقق في المعتبر عن النبي ص: أنه من صدق منجما أو كاهنا فقد كفر بما أنزل علي محمد ص و هو يدل علي حرمة حكم المنجم بأبلغ وجه. و في رواية نصر بن قابوس عن الصادق ع: إن المنجم ملعون و الكاهن ملعون و الساحر ملعون

[محاورة أمير المؤمنين (ع) مع بعض المنجمين]

[محاورة أمير المؤمنين (ع) مع بعض المنجمين]
و في نهج البلاغة: أنه ع لما أراد المسير إلي بعض أسفاره فقال له بعض أصحابه إن سرت في هذا الوقت خشيت أن لا تظفر بمرادك من طريق علم النجوم فقال ع له أ تزعم أنك تهدي إلي الساعة التي من سار فيها انصرف عنه السوء و تخوف من الساعة التي من سار فيها حاق به الضر فمن صدقك بهذا فقد كذب القرآن و استغني عن الاستعانة بالله في نيل المحبوب و دفع المكروه إلي أن قال ع أيها الناس إياكم و تعلم النجوم إلا ما يهتدي به في بر أو بحر فإنها تدعو إلي الكهانة و الكاهن كالساحر و الساحر كالكافر و الكافر في النار إلخ

[محاورة أمير المؤمنين (ع) مع منجم آخر]

[محاورة أمير المؤمنين (ع) مع منجم آخر]
و قريب منه ما وقع [بعينه] بينه و بين منجم آخر نهاه عن المسير أيضا: فقال ع له أ تدري ما في بطن هذه الدابة أ ذكر أم أنثي قال إن حسبت علمت قال فمن صدقك علي هذا القول فقد كذب القرآن قال الله إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَ يُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَ يَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ الآية [ وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ] ما كان محمد ص يدعي ما ادعيت أ تزعم أنك تهدي إلي الساعة التي من سار فيها صرف عنه السوء و الساعة التي من سار فيها حاق به الضر من صدقك بهذا استغني بقولك عن الاستعانة بالله في ذلك الوجه و أحوج إلي الرغبة إليك في دفع المكروه عنه

[قول الصادق عليه السلام لعبد الملك بن أعين أحرق كتبك]

[قول الصادق عليه السلام لعبد الملك بن أعين أحرق كتبك]
و في رواية عبد الملك بن أعين المروية عن الفقيه: قلت لأبي عبد الله ع إني قد ابتليت
المكاسب، ج‌1، ص 26
بالنظر في النجوم فأريد الحاجة فإذا نظرت إلي الطالع و رأيت الطالع الشر جلست و لم أذهب فيها و إذا رأيت طالع الخير ذهبت في الحاجة فقال لي تقضي قلت نعم قال أحرق كتبك

[رواية المفضل بن عمر في قوله تعالي و إذ ابتلي إبراهيم ربه بكلمات]

[رواية المفضل بن عمر في قوله تعالي و إذ ابتلي إبراهيم ربه بكلمات]
و في رواية المفضل بن عمر المروية عن معاني الأخبار في قوله تعالي وَ إِذِ ابْتَلي إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ قال و أما الكلمات فمنها ما ذكرناه و منها المعرفة بقدم بارئه و توحيده و تنزيهه عن التشبيه حتي النظر إلي الكواكب و القمر و الشمس و استدل بأفول كل واحد منها علي حدوثه و بحدوثه علي محدثة ثم أعلمه عز و جل أن الحكم بالنجوم خطأ.

[جواز النظر في النجوم لمجرد التفؤل إن فهم الخير و التحذر بالصدقة إن فهم الشر]

[جواز النظر في النجوم لمجرد التفؤل إن فهم الخير و التحذر بالصدقة إن فهم الشر]
ثم إن مقتضي الاستفصال في رواية عبد الملك المتقدمة بين القضاء بالنجوم بعد النظر و عدمه: أنه لا بأس بالنظر إذا لم يقض به بل أريد به مجرد التفاؤل إن فهم الخير و التحذر بالصدقة إن فهم الشر كما يدل عليه ما عن المحاسن عن أبيه عن ابن أبي عمير عن عمر بن أذينة عن سفيان بن عمر قال: كنت أنظر في النجوم و أعرفها و أعرف الطالع فيدخلني من ذلك شي‌ء فشكوت ذلك إلي أبي الحسن ع فقال إذا وقع في نفسك شي‌ء فتصدق علي أول مسكين ثم امض فإن الله عز و جل يدفع عنك.

[الحكم بالنجوم مع الاعتقاد بأن الله يمحو ما يشاء و يثبت]

[الحكم بالنجوم مع الاعتقاد بأن الله يمحو ما يشاء و يثبت]
و لو حكم بالنجوم علي جهة أن مقتضي الاتصال الفلاني و الحركة الفلانية الحادثة الواقعية و إن كان الله يمحو ما يشاء و يثبت لم يدخل أيضا في الأخبار الناهية لأنها ظاهرة في الحكم علي سبيل البت كما يظهر من قوله ع: فمن صدقك بهذا فقد استغني عن الاستعانة بالله في دفع المكروه بالصدقة و الدعاء و غيرهما من الأسباب نظير تأثير نحوسة الأيام الواردة في الروايات و رد نحوستها بالصدقة إلا أن جوازها مبني علي جواز اعتقاد الاقتضاء في العلويات للحوادث السفلية و سيجي‌ء إنكار المشهور لذلك و إن كان يظهر ذلك من المحدث الكاشاني

[جواز الإخبار لا بنحو اقتضاء الأوضاع الفلكية]

[جواز الإخبار لا بنحو اقتضاء الأوضاع الفلكية]
و لو أخبر بالحوادث بطريق جريان العادة علي وقوع الحادثة عند الحركة الفلانية من دون اقتضاء لها أصلا فهو أسلم- قال في الدروس و لو أخبر بأن الله تعالي يفعل كذا عند كذا لم يحرم و إن كره انتهي.

الرابع اعتقاد ربط الحركات الفلكية بالكائنات

اشارة

الرابع اعتقاد ربط الحركات الفلكية بالكائنات
و الربط يتصور علي وجوه

الأول الاستقلال في التأثير

اشارة

الأول الاستقلال في التأثير
بحيث يمتنع التخلف عنها امتناع تخلف المعلول عن العلة العقلية

و ظاهر كثير من العبارات كون هذا كفرا

و ظاهر كثير من العبارات كون هذا كفرا
. قال السيد المرتضي رحمه الله فيما حكي عنه و كيف يشتبه علي مسلم بطلان أحكام التنجيم و قد أجمع المسلمون قديما و حديثا علي تكذيب المنجمين و الشهادة بفساد مذهبهم و بطلان أحكامهم و معلوم من دين الرسول ضرورة تكذيب ما يدعيه المنجمون و الإزراء عليهم و التعجيز لهم و في الروايات عنه ص ما لا يحصي كثرة و كذا عن علماء أهل بيته و خيار أصحابه و ما اشتهر بهذه الشهرة في دين الإسلام كيف يفتي بخلافه منتسب إلي الملة و مصل إلي القبلة انتهي و قال العلامة في المنتهي بعد ما أفتي بتحريم التنجيم و تعلم النجوم مع اعتقاد إنها مؤثرة أو أن لها مدخلا في التأثير في النفع و الضر و بالجملة كل من اعتقد ربط الحركات النفسانية و الطبيعية بالحركات الفلكية و الاتصالات الكوكبية كافر انتهي و قال الشهيد رحمه الله في قواعده كل من اعتقد في الكواكب أنها مدبرة لهذا العالم و موجدة له فلا ريب أنه كافر و قال في جامع المقاصد و اعلم أن التنجيم مع اعتقاد أن للنجوم تأثيرا في الموجودات السفلية و لو علي جهة المدخلية حرام و كذا تعلم النجوم علي هذا النحو بل هذا الاعتقاد في نفسه كفر نعوذ بالله انتهي و قال شيخنا البهائي ما زعمه المنجمون من ارتباط بعض الحوادث السفلية بالأجرام العلوية إن زعموا أنها هي العلة المؤثرة في تلك الحوادث بالاستقلال أو أنها شريكة في التأثير فهذا لا يحل للمسلم اعتقاده و علم النجوم المبتني علي هذا كفر و علي هذا حمل ما ورد في الحديث عن التحذير من علم النجوم و النهي عن اعتقاد صحته انتهي و قال في البحار لا نزاع بين الأمة في أن من اعتقد أن الكواكب هي المدبرة لهذا العالم و الخالقة لما فيه من الحوادث و الخير و الشر فإنه يكون كافرا علي الإطلاق انتهي و عنه في موضع آخر أن القول بأنها علة فاعلية بالإرادة و الاختيار و إن توقف تأثيرها علي شرائط أخري كفر و مخالفة لضرورة الدين بل ظاهر الوسائل نسبة دعوي ضرورة الدين علي بطلان التنجيم و القول بكفر معتقده إلي جميع علمائنا حيث قال قد صرح علماؤنا بتحريم علم النجوم و العمل بها و بكفر من اعتقد تأثيرها أو مدخليتها في التأثير و ذكروا أن بطلان ذلك من ضروريات الدين انتهي.

[موافقة العامة علي هذا الحكم]

[موافقة العامة علي هذا الحكم]
بل يظهر من المحكي عن ابن أبي الحديد أن الحكم كذلك عند علماء العامة أيضا حيث قال في شرح نهج البلاغة إن المعلوم ضرورة من الدين إبطال حكم النجوم و تحريم الاعتقاد بها و النهي و الزجر عن تصديق المنجمين و هذا معني قول أمير المؤمنين ع فمن صدقك بهذا فقد كذب القرآن و استغني عن الاستعانة بالله انتهي

[ظاهرهم لا فرق بين استلزامه إنكار الصانع و عدمه]

[ظاهرهم لا فرق بين استلزامه إنكار الصانع و عدمه]
ثم لا فرق في أكثر العبارات المذكورة بين رجوع الاعتقاد المذكور إلي إنكار الصانع جل ذكره كما هو مذهب بعض المنجمين. و بين تعطيله تعالي عن التصرف في الحوادث السفلية بعد خلق الأجرام العلوية علي وجه تتحرك علي النحو المخصوص سواء قيل بقدمها كما هو مذهب بعض آخر أم قيل بحدوثها و تفويض التدبير إليها كما هو المحكي عن ثالث منهم و بين أن لا يرجع إلي شي‌ء من ذلك بأن يعتقد أن حركة الأفلاك تابعة لإرادة الخالق فهي مظاهر لإرادة الخالق تعالي و مجبولة علي الحركة علي طبق اختيار الصانع جل ذكره كالآلة أو بزيادة أنها مختارة باختيار هو عين اختياره تعالي عما يقول الظالمون. لكن ما تقدم في بعض الأخبار من أن المنجم بمنزلة الكاهن الذي هو بمنزلة الساحر الذي هو بمنزلة الكافر من عدا الفرق الثلاث الأول إذ الظاهر عدم الإشكال في كون الفرق الثلاث- من أكفر الكفار لا بمنزلتهم.

[معني كون تصديق المنجم كفرا]

[معني كون تصديق المنجم كفرا]
و منه يظهر أن ما رتبه ع علي تصديق المنجم من كونه تكذيبا للقرآن و كونه موجبا للاستغناء عن الاستعانة بالله في جلب الخير و دفع الشر يراد منه إبطال قوله بكونه مستلزما لما هو في الواقع مخالف للضرورة من تكذيب القرآن و الاستغناء عن الله كما هي طريقة كل مستدل من إنهاء بطلان التالي إلي ما هو بديهي البطلان عقلا أو شرعا أو حسا أو عادة و لا يلزم من مجرد ذلك الكفر و إنما يلزم ممن التفت إلي الملازمة و اعترف باللازم و إلا فكل من أفتي بما هو مخالف لقول الله واقعا إما لعدم تفطنه لقول الله أو لدلالته يكون مكذبا للقرآن. و أما قوله ص: فمن صدق منجما أو كاهنا فقد كفر بما أنزل علي محمد فلا يدل أيضا علي كفر المنجم و إنما يدل
المكاسب، ج‌1، ص 27
علي كذبه فيكون تصديقه تكذيبا للشارع المكذب له و يدل عليه عطف أو كاهن عليه.

[لا بد في تكفير المنجم من مطابقة ما يعتقده لإحدي موجبات الكفر]

[لا بد في تكفير المنجم من مطابقة ما يعتقده لإحدي موجبات الكفر]
و بالجملة فلم يظهر من الروايات تكفير المنجم بالمعني الذي تقدم للتنجيم في صدر عنوان المسألة كفرا حقيقيا فالواجب الرجوع فيما يعتقده المنجم إلي ملاحظة مطابقته لأحد موجبات الكفر من إنكار الصانع أو غيره مما علم من الدين بديهة و لعله لذا اقتصر الشهيد فيما تقدم من القواعد في تكفير المنجم علي من يعتقد في الكواكب أنها مدبرة لهذا العالم و موجدة له و لم يكفر غير هذا الصنف كما سيجي‌ء تتمة كلامه السابق و لا شك أن هذا الاعتقاد إنكار إما للصانع و إما لما هو ضروري الدين من فعله تعالي و هو إيجاد العالم و تدبيره

[ما أفاده السيد شارح النخبة]

[ما أفاده السيد شارح النخبة]
بل الظاهر من كلام بعض اصطلاح لفظ التنجيم في الأول. قال السيد شارح النخبة إن المنجم من يقول بقدم الأفلاك و النجوم و لا يقولون بمفلك و لا خالق و هم فرقة من الطبيعيين يستمطرون بالأنواء معدودون من فرق الكفر في مسفورات الخاصة و العامة يعتقدون في الإنسان أنه كسائر الحيوانات يأكل و يشرب و ينكح ما دام حيا فإذا مات بطل و اضمحل و ينكرون جميع الأصول الخمسة انتهي ثم قال رحمه الله و أما هؤلاء الذين يستخرجون بعض أوضاع السيارات و ربما يتخرصون عليها بأحكام مبهمة متشابهة ينقلونها تقليدا لبعض ما وصل إليهم من كلمات الحكماء الأقدمين مع صحة عقائدهم الإسلامية فغير معلوم دخولهم في المنجمين الذين ورد فيهم من المطاعن ما ورد انتهي.

[نقد كلام السيد]

[نقد كلام السيد]
أقول فيه مضافا إلي عدم انحصار الكفار من المنجمين فيمن ذكر بل هم علي فرق ثلاث كما أشرنا إليه و سيجي‌ء التصريح به من البحار في مسألة السحر أن النزاع المشهور بين المسلمين في صحة التنجيم و بطلانه هو المعني الذي ذكره أخيرا و كما عرفت في جامع المقاصد- و المطاعن الواردة في الأخبار المتقدمة و غيرها كلها أو جلها علي هؤلاء دون المنجم بالمعني الذي ذكره أولا و ملخص الكلام أن ما ورد فيهم من المطاعن لا صراحة فيها بكفرهم بل ظاهر ما عرفت خلافه. و يؤيده ما رواه في البحار: عن محمد و هارون ابني سهل النوبختي أنهما كتبا إلي أبي عبد الله ع نحن ولد نوبخت المنجم و قد كنا كتبنا إليك هل يحل النظر فيها فكتب نعم و المنجمون يختلفون في صفة الفلك فبعضهم يقولون إن الفلك فيه النجوم و الشمس و القمر إلي أن قال فكتب ع نعم ما لم يخرج من التوحيد.

الثاني أنها تفعل الآثار المنسوبة إليها

اشارة

الثاني أنها تفعل الآثار المنسوبة إليها
و الله سبحانه هو المؤثر الأعظم كما يقوله بعضهم علي ما ذكره العلامة و غيره

[ما أفاده العلامة في أنوار الملكوت]

[ما أفاده العلامة في أنوار الملكوت]
قال العلامة في محكي شرح فص الياقوت اختلف قول المنجمين علي قولين أحدهما قول من يقول إنها حية مختارة الثاني قول من يقول إنها موجبة و القولان باطلان. و قد تقدم عن المجلسي رحمه الله أن القول بكونها فاعلة بالإرادة و الاختيار و إن توقف تأثيرها علي شرائط أخر كفر و هو ظاهر أكثر العبارات المتقدمة. و لعل وجهه أن نسبة الأفعال التي دلت علي ضرورة الدين علي استنادها إلي الله تعالي كالخلق و الرزق و الإحياء و الإماتة و غيرها إلي غيره تعالي مخالف لضرورة الدين.

[ظاهر الشهيد في قواعده عدم كفر المعتقد بذلك]

[ظاهر الشهيد في قواعده عدم كفر المعتقد بذلك]
لكن ظاهر شيخنا الشهيد في القواعد العدم فإنه بعد ما ذكر الكلام الذي نقلناه منه سابقا قال و إن اعتقد أنها تفعل الآثار المنسوبة إليها و الله سبحانه هو المؤثر الأعظم فهو مخطئ إذ لا حياة لهذه الكواكب ثابتة بدليل عقلي و لا نقلي انتهي. و ظاهره أن عدم القول بذلك لعدم المقتضي له و هو الدليل لا لوجود المانع منه و هو انعقاد الضرورة علي خلافه فهو ممكن غير معلوم الوقوع.

[توجيه ما ذكره الشهيد]

[توجيه ما ذكره الشهيد]
و لعل وجهه أن الضروري عدم نسبة تلك الأفعال إلي فاعل مختار باختيار مستقل مغاير لاختيار الله كما هو ظاهر قول المفوضة أما استنادها إلي الفاعل بإرادة الله المختار بعين مشيته و اختياره حتي يكون كالآلة بزيادة الشعور و قيام الاختيار به بحيث يصدق أنه فعله و فعل الله فلا إذ المخالف للضرورة إنكار نسبة الفعل إلي الله تعالي علي وجه الحقيقة لا إثباته لغيره أيضا بحيث يصدق أنه فعله. نعم ما ذكره الشهيد رحمه الله من عدم الدليل عليه حق فالقول به تخرص و نسبة فعل الله إلي غيره بلا دليل و هو قبيح. و ما ذكره قدس سره كان مأخذه ما في الاحتجاج عن هشام بن الحكم قال: سأل الزنديق أبا عبد الله ع فقال ما تقول فيمن يزعم أن هذا التدبير الذي يظهر في هذا العالم تدبير النجوم السبعة قال ع يحتاجون إلي دليل أن هذا العالم الأكبر و العالم الأصغر من تدبير النجوم التي تسبح في الفلك و تدور حيث دارت متبعة لا تفتر و سائرة لا تقف ثم قال و إن كل نجم منها موكل مدبر فهي بمنزلة العبيد المأمورين المنهيين فلو كانت قديمة أزلية لم تتغير من حال إلي حال إلي آخر الخبر و الظاهر أن قوله بمنزلة العبيد المأمورين المنهيين يعني في حركاتهم لا أنهم مأمورون بتدبير العالم بحركاتهم فهي مدبرة باختياره المنبعث عن أمر الله تعالي.

[ما أفاده المحدث الكاشاني]

[ما أفاده المحدث الكاشاني]
نعم ذكر المحدث الكاشاني في الوافي في توجيه البداء كلاما ربما يظهر منه مخالفة المشهور حيث قال فاعلم أن القوي المنطبعة الفلكية لم تحط بتفاصيل ما سيقع من الأمور دفعة واحدة لعدم تناهي تلك الأمور بل إنما تنقش فيها الحوادث شيئا فشيئا [و جملة فجملة مع أسبابها و عللها علي نهج مستمر و نظام مستقر] فإن ما يحدث في عالم الكون و الفساد إنما هو من لوازم حركات الأفلاك المسخرة لله و نتائج بركاتها فهي تعلم أنه كلما كان كذا كان كذا انتهي موضع الحاجة و ظاهره أنها فاعلة بالاختيار لملزومات الحوادث.
و بالجملة فكفر المعتقد بالربط علي هذا الوجه الثاني لم يظهر من الأخبار و مخالفتها لضرورة الدين لم يثبت أيضا إذ ليس المراد العلية التامة فكيف و قد حاول المحدث الكاشاني بهذه المقدمات إثبات البداء.

الثالث استناد الأفعال إليها كإسناد الإحراق إلي النار

[ظاهر كثير كون هذا الاعتقاد كفرا]

[ظاهر كثير كون هذا الاعتقاد كفرا]
و ظاهر كلمات كثير ممن تقدم كون هذا الاعتقاد كفرا إلا أنه قال شيخنا المتقدم في قواعده بعد الوجهين الأولين و أما ما يقال من استناد الأفعال إليها كاستناد الإحراق إلي النار و غيرها من العاديات بمعني أن الله تعالي أجري عادته أنها إذا كانت علي شكل مخصوص أو وضع مخصوص يفعل ما ينسب إليها و يكون ربط المسببات بها كربط مسببات الأدوية و الأغذية بها مجازا باعتبار الربط العادي لا الربط العقلي الحقيقي فهذا لا يكفر معتقده لكنه مخطئ و إن كان أقل خطأ من الأول لأن وقوع هذه الآثار عندها
المكاسب، ج‌1، ص 28
ليس بدائم و لا أكثري انتهي. و غرضه من التعليل المذكور الإشارة إلي عدم ثبوت الربط العادي لعدم ثبوته بالحس كالحرارة الحاصلة بسبب النار و الشمس و برودة القمر و لا بالعادة الدائمة و لا الغالبة لعدم العلم بتكرر الدفعات كثيرا حتي يحصل العلم أو الظن ثم علي تقديره فليس فيه دلالة علي تأثير تلك الحركات في الحوادث فلعل الأمر بالعكس أو كلتاهما مستندتان إلي مؤثر ثالث فيكونان من المتلازمين في الوجود. و بالجملة فمقتضي ما ورد من أنه أبي الله أن يجري الأشياء إلا بأسبابها كون كل حادث مسببا و إما أن السبب هي الحركة الفلكية أو غيرها فلم يثبت و لم يثبت أيضا كونه مخالفا لضرورة الدين.

[ظاهر بعض الأخبار ثبوت التأثير للكواكب]

[ظاهر بعض الأخبار ثبوت التأثير للكواكب]
بل في بعض الأخبار ما يدل بظاهره علي ثبوت التأثير للكواكب مثل ما في الاحتجاج عن أبان بن تغلب: في حديث اليماني الذي دخل علي أبي عبد الله ع و سماه باسمه الذي لم يعلمه أحد و هو سعد فقال له يا سعد و ما صناعتك قال إنا من أهل بيت ننظر في النجوم إلي أن قال ع ما اسم النجم الذي إذا طلع هاجت الإبل فقال ما أدري قال صدقت قال ما اسم النجم الذي إذا طلع هاجت البقر قال ما أدري قال صدقت فقال ما اسم النجم الذي إذا طلع هاجت الكلاب قال ما أدري قال صدقت فقال ما زحل عندكم فقال سعد نجم نحس فقال له أبو عبد الله ع لا تقل هذا فإنه نجم أمير المؤمنين ع و هو نجم الأوصياء و هو النجم الثاقب الذي قال الله تعالي في كتابه [ النَّجْمُ الثَّاقِبُ] و في رواية المدائني المروية عن الكافي عن أبي عبد الله ع قال: إن الله خلق نجما في الفلك السابع فخلقه من ماء بارد و خلق سائر النجوم الجاريات من ماء حار و هو نجم الأوصياء و الأنبياء و هو نجم أمير المؤمنين ع يأمر بالخروج من الدنيا و الزهد فيها و يأمر بافتراش التراب و توسد اللبن و لباس الخشن و أكل الجشب و ما خلق الله نجما أقرب إلي الله [تعالي] منه [إلي آخر الخبر] و الظاهر أن أمر النجم بما ذكر من المحاسن كناية عن اقتضائه لها.

الرابع أن يكون ربط الحركات بالحوادث

اشارة

الرابع أن يكون ربط الحركات بالحوادث
من قبيل ربط الكاشف و المكشوف و الظاهر أن هذا الاعتقاد لم يقل أحد بكونه كفرا

[قول الشيخ البهائي فهذا لا مانع منه و لا حرج في اعتقاده]

[قول الشيخ البهائي فهذا لا مانع منه و لا حرج في اعتقاده]
قال شيخنا البهائي رحمه الله بعد كلامه المتقدم الظاهر في تكفير من قال بتأثير الكواكب أو مدخليتها ما هذا لفظه و إن قالوا إن اتصالات تلك الأجرام و ما يعرض لها من الأوضاع علامات علي بعض حوادث هذا العالم مما يوجده الله سبحانه بقدرته و إرادته كما أن حركات النبض و اختلافات أوضاعه علامات يستدل بها الطبيب علي ما يعرض للبدن من قرب الصحة و اشتداد المرض و نحوه و كما يستدل باختلاج بعض الأعضاء علي بعض الأحوال المستقبلة فهذا لا مانع منه و لا حرج في اعتقاده و ما روي في صحة علم النجوم و جواز تعلمه محمول علي هذا المعني انتهي.

[ما أفاده العلامة]

[ما أفاده العلامة]
و ممن يظهر منه خروج هذا عن مورد طعن العلماء علي المنجمين ما تقدم من قول العلامة رحمه الله إن المنجمين بين قائل بحياة الكواكب و كونها فاعلة مختارة و بين من قال إنها موجبة

[ما يظهر من كلام السيد المرتضي]

[ما يظهر من كلام السيد المرتضي]
و يظهر ذلك من السيد رحمه الله حيث قال بعد إطالة الكلام في التشنيع عليهم ما هذا لفظه المحكي و ما فيهم أحد يذهب إلي أن الله تعالي أجري العادة بأن يفعل عند قرب بعضها من بعض أو بعده أفعالا من غير أن يكون للكواكب أنفسها تأثير في ذلك قال و من ادعي منهم هذا المذهب الآن فهو قائل بخلاف ما ذهب إليه القدماء و منتحل بهذا المذهب عند أهل الإسلام انتهي

[إنكار السيد ابن طاوس علي علم الهدي]

[إنكار السيد ابن طاوس علي علم الهدي]
لكن ظاهر المحكي عن ابن طاوس إنكار السيد رحمه الله لذلك حيث إنه بعد ما ذكر أن للنجوم علامات و دلالات علي الحادثات لكن يجوز للقادر الحكيم تعالي أن يغيرها بالبر و الصدقة و الدعاء و غير ذلك من الأسباب و جوز تعلم علم النجوم و النظر فيه و العمل به إذا لم يعتقد أنها مؤثرة و حمل أخبار النهي علي ما إذا اعتقد أنها كذلك ثم أنكر علي علم الهدي تحريم ذلك ثم ذكر لتأييد ذلك أسماء جماعة من الشيعة كانوا عارفين به انتهي. و ما ذكر رحمه الله حق إلا أن مجرد كون النجوم دلالات و علامات لا يجدي مع عدم الإحاطة بتلك العلامات و معارضاتها و الحكم مع عدم الإحاطة لا يكون قطعيا بل و لا ظنيا

[خلاصة ما أنكره السيد أمران]

[خلاصة ما أنكره السيد أمران]
و السيد علم الهدي إنما أنكر من المنجمين أمرين أحدهما اعتقاد التأثير و قد اعترف به ابن طاوس و الثاني غلبة الإصابة في أحكامهم كما تقدم منه ذلك في صدر المسألة و هذا أمر معلوم بعد فرض عدم الإحاطة بالعلامات و معارضاتها.

[ما أفاده الشيخ البهائي]

[ما أفاده الشيخ البهائي]
و لقد أجاد شيخنا البهائي أيضا حيث أنكر الأمرين و قال بعد كلامه المتقدم في إنكار التأثير و الاعتراف بالأمارة و العلامة اعلم أن الأمور التي يحكم بها المنجمون من الحوادث الاستقبالية أقسام لها أصول بعضها مأخوذة من أصحاب الوحي ع و بعضها يدعون لها التجربة و بعضها مبتن علي أمور متشعبة لا تفي القوة البشرية بضبطها و الإحاطة بها كما يومئ إليه قول الصادق ع: كثيره لا يدرك و قليله لا ينتفع به و لذلك وجد الاختلاف في كلامهم و تطرق الخطأ إلي بعض أحكامهم و من اتفق له الجري علي الأصول الصحيحة صح كلامه و صدقت أحكامه لا محالة كما نطق به الإمام الصادق ع و لكن هذا أمر عزيز المنال لا يظفر به إلا القليل و الله الهادي إلي سواء السبيل انتهي.

[ما أفاده الشيخ البهائي هو الذي صرح به الإمام الصادق عليه السلام]

اشارة

[ما أفاده الشيخ البهائي هو الذي صرح به الإمام الصادق عليه السلام]
و ما أفاده رحمه الله أولا من الاعتراف بعدم بطلان كون الحركات الفلكية أمارات و علامات و آخرا من عدم النفع في علم النجوم إلا مع الإحاطة التامة هو الذي صرح به الإمام الصادق ع في رواية هشام الآتية بقوله: إن أصل الحساب حق و لكن لا يعلم ذلك إلا من علم مواليد الخلق و يدل أيضا علي كل من الأمرين الأخبار المتكثرة. فما يدل علي الأول و هو ثبوت الدلالة و العلامة في الجملة

[الأخبار الدالة علي صحة علم النجوم في نفسه]

[الأخبار الدالة علي صحة علم النجوم في نفسه]
مضافا إلي ما تقدم من رواية سعد المنجم المحمولة بعد الصرف عن ظاهرها الدال علي سببية طلوع الكواكب لهيجان الإبل و البقر و الكلاب علي كونه أمارة و علامة عليه المروي في الاحتجاج: عن رواية الدهقان المنجم الذي استقبل أمير المؤمنين حين خروجه إلي النهروان فقال له يومك هذا يوم صعب قد انقلب منه كوكب و انقدح من برجك النيران و ليس لك الحرب بمكان فقال ع له أيها الدهقان المنبئ عن الآثار المحذر عن الأقدار ثم سأله عن مسائل كثيرة من النجوم فاعترف الدهقان بجهلها إلي أن قال ع له أما قولك انقدح من برجك النيران فكان الواجب أن تحكم به لي لا علي أما نوره و ضياؤه فعندي و أما حريقه و لهبه فذهب عني فهذه مسألة عميقة فاحسبها إن كنت حاسبا و في رواية أخري أنه ع قال له احسبها إن كنت عالما بالأكوار و الأدوار قال لو علمت هذا لعلمت أنك تحصي عقود القصب في
المكاسب، ج‌1، ص 29
هذه الأجمة و في الرواية الآتية لعبد الرحمن بن سيابة: هذا حساب إذا حسبه الرجل و وقف عليه عرف القصبة التي في وسط الأجمة و عدد ما عن يمينها و عدد ما عن يسارها و عدد ما خلفها و عدد ما أمامها حتي لا يخفي عليه من قصب الأجمة واحدة

[عدة أخبار أوردها في البحار]

[عدة أخبار أوردها في البحار]
و في البحار وجد في كتاب عتيق عن عطاء قال: قيل لعلي بن أبي طالب ع هل كان للنجوم أصل قال نعم نبي من الأنبياء قال له قومه إنا لا نؤمن بك حتي تعلمنا بدء الخلق و آجالهم فأوحي الله عز و جل إلي غمامة فأمطرتهم و استنقع حول الجبل ماء صاف ثم أوحي الله [عز و جل] إلي الشمس و القمر و النجوم أن تجري في ذلك الماء ثم أوحي الله [عز و جل] إلي ذلك النبي أن يرتقي هو و قومه علي الجبل فقاموا علي الماء حتي عرفوا بدء الخلق و آجاله بمجاري الشمس و القمر و النجوم و ساعات الليل و النهار و كان أحدهم يعرف متي يموت و متي يمرض و من ذا الذي يولد له و من ذا الذي لا يولد له فبقوا كذلك برهة من دهرهم ثم إن داود ع قاتلهم علي الكفر فأخرجوا علي داود ع في القتال من لم يحضر أجله و من حضر أجله خلفوه في بيوتهم فكان يقتل من أصحاب داود و لا يقتل من هؤلاء أحد فقال داود ع رب أقاتل علي طاعتك و يقاتل هؤلاء علي معصيتك يقتل أصحابي و لا يقتل من هؤلاء أحد فأوحي الله عز و جل إليه أني علمتهم بدء الخلق و آجالهم و إنما أخرجوا إليك من لم يحضره أجله و من حضر أجله خلفوه في بيوتهم فمن ثم يقتل من أصحابك و لا يقتل منهم أحد قال داود ع رب علي ما ذا علمتهم قال علي مجاري الشمس و القمر و النجوم و ساعات الليل و النهار قال فدعا الله عز و جل فحبس الشمس عليهم فزاد النهار و لم يعرفوا قدر الزيادة فاختلط حسابهم قال علي ع فمن ثم كره النظر في علم النجوم و في البحار أيضا عن الوافي بالإسناد عن أبي عبد الله ع قال: سئل عن النجوم فقال لا يعلمها إلا أهل بيت من العرب و أهل بيت من الهند و بالإسناد عن محمد بن سالم قال قال أبو عبد الله ع: قوم يقولون النجوم أصح من الرؤيا و ذلك كانت صحيحة حين لم ترد الشمس علي يوشع بن نون و أمير المؤمنين ع فلما رد الله الشمس عليهما ضل فيها علوم علماء النجوم و خبر يونس قال: قلت لأبي عبد الله ع جعلت فداك أخبرني عن علم النجوم ما هو قال هو علم من علوم الأنبياء قال فقلت كان علي بن أبي طالب ع يعلمه قال كان أعلم الناس به و خبر ريان بن الصلت قال: حضر عند أبي الحسن الرضا ع الصباح بن نصر الهندي و سأله عن النجوم فقال هو علم في أصل صحيح ذكروا أن أول من تكلم في النجوم إدريس ع و كان ذو القرنين بها ماهرا و أصل هذا العلم من [عند] الله [عز و جل] و عن معلي بن خنيس قال: سألت أبا عبد الله ع عن النجوم أ حق هي فقال نعم إن الله عز و جل بعث المشتري إلي الأرض في صورة رجل فأخذ رجلا من العجم فعلمه فلم يستكملوا ذلك فأتي بلد الهند فعلم رجلا منهم فمن هناك صار علم النجوم بها. و قد قال قوم هو علم من علوم الأنبياء خصوا به لأسباب شتي فلم يستدرك المنجمون الدقيق منها فشاب الحق بالكذب إلي غير ذلك مما يدل علي صحة علم النجوم في نفسه.

[الأخبار الدالة علي كثرة الخطإ و الغلط في حساب المنجمين]

[الأخبار الدالة علي كثرة الخطإ و الغلط في حساب المنجمين]
و أما ما دل علي كثرة الخطإ و الغلط في حساب المنجمين فهي كثيرة منها ما تقدم في الروايات السابقة مثل قوله ع في الرواية الأخيرة فشابوا الحق بالكذب و قوله ع ضل فيها علماء النجوم و قوله ع في تخطئة ما ادعاه المنجم من أن زحل عندنا كوكب نحس إنه كوكب أمير المؤمنين ع و الأوصياء و تخطئة أمير المؤمنين ع للدهقان الذي حكم بالنجوم بنحوسة اليوم الذي خرج فيه أمير المؤمنين ع. و منها خبر عبد الرحمن بن سيابة قال:
قلت لأبي عبد الله ع جعلت فداك إن الناس يقولون إن النجوم لا يحل النظر فيها و هي تعجبني فإن كانت تضر بديني فلا حاجة لي في شي‌ء يضر بديني و إن كانت لا يضر بديني فو الله إني لأشتهيها و أشتهي النظر فيها فقال ليس كما يقولون لا يضر بدينك ثم قال إنكم تنظرون في شي‌ء كثيره لا يدرك و قليله لا ينتفع به إلي آخر الخبر و منها خبر هشام قال: قال لي أبو عبد الله ع كيف بصرك بالنجوم قلت ما خلقت بالعراق أبصر بالنجوم مني ثم سأله عن أشياء لم يعرفها ثم قال فما بال العسكرين يلتقيان في هذا حاسب و في هذا حاسب فيحسب هذا لصاحبه بالظفر و يحسب هذا لصاحبه بالظفر فيلتقيان فيهزم أحدهما الآخر فأين كانت النجوم قال فقلت لا و الله لا أعلم ذلك قال فقال ع صدقت إن أصل الحساب حق و لكن لا يعلم ذلك إلا من علم مواليد الخلق كلهم و منها المروي في الاحتجاج عن أبي عبد الله ع في حديث: إن زنديقا قال له ما تقول في علم النجوم قال ع هو علم قلت منافعه و كثرت مضاره لأنه لا يدفع به المقدور و لا يتقي به المحذور إن أخبر المنجم بالبلاء لم ينجه التحرز عن القضاء و إن أخبر هو بخير لم يستطع تعجيله و إن حدث به سوء لم يمكنه صرفه و المنجم يضاد الله في علمه بزعمه أنه يرد قضاء الله عن خلقه إلي آخر الخبر إلي غير ذلك من الأخبار الدالة علي أن ما وصل إليه المنجمون أقل بقليل من أمارات الحوادث من دون وصول إلي معارضاتها. و من تتبع هذه الأخبار لم يحصل له ظن بالأحكام المستخرجة منها فضلا عن القطع. نعم قد يحصل من التجربة المنقولة خلفا عن سلف الظن بل العلم بمقارنة حادث من الحوادث لبعض الأوضاع الفلكية.

فالأولي التجنب عن الحكم بها

فالأولي التجنب عن الحكم بها
و مع الارتكاب فالأولي الحكم علي سبيل التقريب و أنه لا يبعد أن يقع كذا عند كذا و الله المسدد
حفظ كتب الضلال

المسألة السابعة حفظ كتب الضلال حرام

اشارة

المسألة السابعة حفظ كتب الضلال حرام
في الجملة بلا خلاف كما في التذكرة و المنتهي

[أدلة الحرمة]

[أدلة الحرمة]
و يدل عليه مضافا إلي حكم العقل بوجوب قطع مادة الفساد و الذم المستفاد من قوله تعالي وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ و الأمر بالاجتناب عن قول الزور قوله ع فيما تقدم من رواية تحف العقول: إنما حرم الله تعالي الصناعة التي يجي‌ء منها الفساد محضا إلي آخر الحديث. بل قوله ع قبل ذلك: أو ما يقوي به الكفر في جميع وجوه المعاصي أو باب يوهن به الحق إلي آخره و قوله ع في رواية عبد الملك المتقدمة: حيث شكا إلي الإمام الصادق ع أني ابتليت بالنظر إلي النجوم فقال ع أ تقضي قال نعم قال أحرق كتب بناء علي أن الأمر للوجوب دون الإرشاد للخلاص من الابتلاء بالحكم بالنجوم.

[جواز الحفظ إذا لم يترتب علي إبقائها مفسدة]

[جواز الحفظ إذا لم يترتب علي إبقائها مفسدة]
و مقتضي الاستفصال في هذه الرواية أنه إذا لم يترتب علي إبقاء كتب الضلال مفسدة لم يحرم و هذا أيضا مقتضي ما تقدم من إناطة التحريم بما يجي‌ء منه الفساد محضا.

نعم المصلحة الموهومة أو المحققة النادرة لا اعتبار بها

نعم المصلحة الموهومة أو المحققة النادرة لا اعتبار بها
فلا يجوز الإبقاء بمجرد احتمال ترتب مصلحة علي ذلك مع كون الغالب ترتب المفسدة و كذلك المصلحة النادرة غير المعتد بها. و قد
المكاسب، ج‌1، ص 30
تحصل من ذلك أن حفظ كتب الضلال لا يحرم إلا من حيث ترتب مفسدة الضلالة قطعا أو احتمالا قريبا فإن لم يكن كذلك أو كانت المفسدة المحققة معارضة بمصلحة أقوي أو عارضت المفسدة المتوقعة مصلحة أقوي أو أقرب وقوعا منها فلا دليل علي الحرمة إلا أن يثبت إجماع أو يلزم بإطلاق عنوان معقد نفي الخلاف الذي لا يقصر عن نقل الإجماع

[المراد بالضلال]

[المراد بالضلال]
و حينئذ فلا بد من تنقيح هذا العنوان و أن المراد بالضلال ما يكون باطلا في نفسه فالمراد الكتب المشتملة علي المطالب الباطلة أو أن المراد به مقابل الهداية فيحتمل أن يراد بكتبه ما وضع لحصول الضلال و أن يراد ما أوجب الضلال و إن كانت مطالبها حقه كبعض كتب العرفاء و الحكماء المشتملة علي ظواهر منكرة يدعون أن المراد غير ظاهرها فهذه أيضا كتب ضلال علي تقدير حقيتها.

ثم الكتب السماوية المنسوخة غير المحرفة

ثم الكتب السماوية المنسوخة غير المحرفة
لا تدخل في كتب الضلال. و أما المحرفة كالتوراة و الإنجيل علي ما صرح به جماعة فهي داخلة في كتب الضلال بالمعني الأول بالنسبة إلينا حيث إنها لا توجب للمسلمين بعد بداهة نسخها ضلالة نعم توجب الضلالة لليهود و النصاري قبل نسخ دينهما فالأدلة المتقدمة لا تدل علي حرمة حفظهما.

[ما قاله الشيخ رحمه الله في المبسوط]

[ما قاله الشيخ رحمه الله في المبسوط]
قال رحمه الله في المبسوط في باب الغنيمة من الجهاد فإن كان في المغنم كتب نظر فيها فإن كانت مباحة يجوز إقرار اليد عليها مثل كتب الطب و الشعر و اللغة و المكاتبات فجميع ذلك غنيمة و كذلك المصاحف و علوم الشريعة كالفقه و الحديث [و نحوه] لأن هذا مال يباع و يشتري كالثياب و إن كانت كتبا لا يحل إمساكها كالكفر و الزندقة و ما أشبه ذلك فكل ذلك لا يجوز بيعه و ينظر فيه فإن كان مما ينتفع بأوعيته كالجلود و نحوها فإنها غنيمة و إن كان مما لا ينتفع بأوعيته كالكاغد فإنها تمزق و تحرق إذ ما من كاغذ إلا و له قيمة و حكم التوراة و الإنجيل هكذا كالكاغد فإنه يمزق لأنه كتاب مغير مبدل انتهي. و كيف كان فلم يظهر من معقد نفي الخلاف إلا حرمة ما كان موجبا للضلال و هو الذي دل عليه الأدلة المتقدمة.

[حكم الكتب الباطلة غير الموجبة للضلال]

[حكم الكتب الباطلة غير الموجبة للضلال]
نعم ما كان من الكتب جامعا للباطل في نفسه من دون أن يترتب عليه ضلالة لا يدخل تحت الأموال فلا يقابل بالمال لعدم المنفعة المحللة المقصودة فيه مضافا إلي آيتي لهو الحديث و قول الزور أما وجوب إتلافها فلا دليل عليه.

[حكم تصانيف المخالفين]

[حكم تصانيف المخالفين]
و مما ذكرنا ظهر حكم تصانيف المخالفين في الأصول و الفروع و الحديث و التفسير و أصول الفقه و ما دونها من العلوم فإن المناط في وجوب الإتلاف جريان الأدلة المتقدمة فإن الظاهر عدم جريانها في حفظ شي‌ء من تلك الكتب إلا القليل مما ألف في خصوص إثبات الجبر و نحوه و إثبات تفضيل الخلفاء أو فضائلهم و شبه ذلك

[استثناء الحفظ للنقض و الاحتجاج]

[استثناء الحفظ للنقض و الاحتجاج]
و مما ذكرنا أيضا يعرف وجه ما استثنوه في المسألة من الحفظ للنقض و الاحتجاج علي أهلها أو للاطلاع علي مطالبهم ليحصل به التقية أو غير ذلك و لقد أحسن جامع المقاصد حيث قال إن فوائد الحفظ كثيرة.

[لو كان بعض الكتاب موجبا للضلال]

[لو كان بعض الكتاب موجبا للضلال]
و مما ذكرنا يعرف أيضا حكم ما لو كان بعض الكتاب موجبا للضلال فإن الواجب رفعه و لو بمحو جميع الكتاب إلا أن يزاحم مصلحة وجوده لمفسدة وجود الضلال و لو كان باطلا في نفسه كان خارجا عن المالية- فلو قوبل بجزء من العوض المبذول يبطل المعاوضة بالنسبة إليه

[المراد بالحفظ المحرم]

[المراد بالحفظ المحرم]
ثم إن الحفظ المحرم يراد منه الأعم من الحفظ بظهر القلب و النسخ و المذاكرة و جميع ما له دخل في بقاء المطالب المضلة
الرشوة

المسألة الثامنة الرشوة حرام

اشارة

المسألة الثامنة الرشوة حرام
و في جامع المقاصد و المسالك أن علي تحريمها إجماع المسلمين

[أدلة حرمة الرشوة]

[أدلة حرمة الرشوة]
و يدل عليه الكتاب و السنة و في المستفيضة: أنه كفر بالله العظيم أو شرك ففي رواية الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين ع قال: أيما وال احتجب عن حوائج الناس احتجب الله عنه يوم القيامة و عن حوائجه و إن أخذ هدية كان غلولا و إن أخذ الرشوة فهو مشرك و عن الخصال في الصحيح عن عمار بن مروان قال: كل شي‌ء غل من الإمام فهو سحت و السحت أنواع كثيرة منها ما أصيب من أعمال الولاة الظلمة و منها أجور القضاة و أجور الفواجر و ثمن الخمر و النبيذ المسكر و الربا بعد البينة فأما الرشا يا عمار في الأحكام فإن ذلك الكفر بالله العظيم و برسوله: و مثلها رواية سماعة عن أبي عبد الله ع: و في رواية يوسف بن جابر: لعن رسول الله ص من نظر إلي فرج امرأة لا تحل له و رجلا خان أخاه في امرأته و رجلا احتاج الناس إليه لفقهه فسألهم الرشوة و ظاهر هذه الرواية سؤال الرشوة لبذل فقهه فتكون ظاهرة في حرمة أخذ الرشوة للحكم بالحق أو للنظر في أمر المترافعين ليحكم بعد ذلك بينهما بالحق من غير أجرة.

[كلمات اللغويين حول الرشوة]

[كلمات اللغويين حول الرشوة]
و هذا المعني هو ظاهر تفسير الرشوة في القاموس بالجعل و إليه نظر المحقق الثاني حيث فسر في حاشية الإرشاد الرشوة بما يبذله المتحاكمان. و ذكر في جامع المقاصد أن الجعل من المتحاكمين للحاكم رشوة و هو صريح الحلي أيضا في مسألة تحريم أخذ الرشوة مطلقا و إعطائها إلا إذا كان علي إجراء حكم صحيح فلا يحرم علي المعطي هذا و لكن عن مجمع البحرين قلما تستعمل الرشوة إلا فيما يتوصل به إلي إبطال حق أو تمشية باطل و عن المصباح هي ما يعطيه الشخص للحاكم أو غيره ليحكم له أو يحمله علي ما يريد و عن النهاية أنها الوصلة إلي الحاجة بالمصانعة و الراشي الذي يعطي ما يعينه علي الباطل و المرتشي الآخذ و الرائش هو الذي يسعي بينهما ليزيد لهذا أو ينقص لهذا و مما يدل علي عدم عموم الرشا لمطلق الجعل علي الحكم ما تقدم في رواية عمار بن مروان من جعل الرشا في الحكم مقابلا لأجور القضاة خصوصا بكلمة إما.

[عدم اختصاص الحرمة بما يبذل علي الحكم الباطل]

[عدم اختصاص الحرمة بما يبذل علي الحكم الباطل]
نعم لا يختص بما يبذل علي خصوص الباطل بل يعم ما يبذل لحصول غرضه و هو الحكم له حقا كان أو باطلا و هو ظاهر ما تقدم عن المصباح و النهاية. و يمكن حمل رواية يوسف بن جابر علي سؤال الرشوة للحكم للراشي حقا أو باطلا أو يقال إن المراد الجعل فأطلق عليه الرشوة تأكيدا للحرمة.

[حرمة أخذ الحاكم للجعل مع تعين الحكومة عليه]

[حرمة أخذ الحاكم للجعل مع تعين الحكومة عليه]
و منه يظهر حرمة أخذ الحاكم للجعل من المتحاكمين مع تعين الحكومة عليه كما يدل عليه قوله ع احتاج الناس إليه لفقهه و المشهور المنع مطلقا بل في جامع المقاصد دعوي النص و الإجماع و لعله لحمل الاحتياج في الرواية علي الاحتياج إلي نوعه و لإطلاق ما تقدم في رواية عمار بن مروان من جعل أجور القضاة من السحت بناء علي أن الأجر في العرف يشمل الجعل و إن كان بينهما فرق عند المتشرعة.

[الاستدلال علي المنع عن أخذ الأجر مطلقا بصحيحة ابن سنان]

[الاستدلال علي المنع عن أخذ الأجر مطلقا بصحيحة ابن سنان]
و ربما يستدل علي المنع بصحيحة ابن سنان قال: سئل أبو عبد الله ع عن قاض بين قريتين يأخذ علي القضاء الرزق من السلطان قال ع ذلك السحت و فيه أن ظاهر الرواية كون القاضي منصوبا من قبل السلطان الظاهر بل الصريح في سلطان الجور إذ ما يؤخذ من العادل لا يكون سحتا قطعا و لا شك أن هذا المنصوب غير قابل للقضاء فما يأخذه سحت من هذا
المكاسب، ج‌1، ص 31
الوجه و لو فرض كونه قابلا للقضاء لم يكن رزقه من بيت المال أو من جائزة السلطان محرما قطعا فيجب إخراجه عن العموم إلا أن يقال إن المراد الرزق من غير بيت المال و جعله علي القضاء بمعني المقابلة قرينة علي إرادة العوض و كيف كان فالأولي في الاستدلال علي المنع ما ذكرناه خلافا لظاهر الغنية و المحكي عن القاضي الجواز.

[مستند الجواز الأصل و ظاهر رواية حمزة بن حمران]

[مستند الجواز الأصل و ظاهر رواية حمزة بن حمران]
و لعله للأصل و ظاهر رواية حمزة بن حمران قال سمعت أبا عبد الله ع يقول: من استأكل بعلمه افتقر فقلت إن في شيعتك قوما يتحملون علومكم و يبثونها في شيعتكم فلا يعدمون منهم البر و الصلة و الإكرام فقال ع ليس أولئك بمستأكلين إنما ذاك الذي يفتي بغير علم و لا هدي من الله ليبطل به الحقوق طمعا في حطام الدنيا إلي آخر الخبر و اللام في قوله ليبطل به الحقوق إما للغاية أو للعاقبة. و علي الأول فيدل علي حرمة أخذ المال في مقابل الحكم بالباطل. و علي الثاني فيدل علي حرمة الانتصاب للفتوي من غير علم طمعا في الدنيا و علي كل تقدير فظاهرها حصر الاستيكال المذموم فيما كان لأجل الحكم بالباطل و مع عدم معرفة الحق فيجوز الاستيكال مع الحكم بالحق. و دعوي كون الحصر إضافيا بالنسبة إلي الفرد الذي ذكره علي حرمة السائل فلا يدل إلا علي عدم الذم علي هذا الفرد دون كل من كان غير المحصور فيه خلاف الظاهر

[تفصيل العلامة في جواز الأخذ للقاضي بين حاجته و عدمها]

[تفصيل العلامة في جواز الأخذ للقاضي بين حاجته و عدمها]
و فصل في المختلف فجوز أخذ الجعل و الأجرة مع حاجة القاضي و عدم تعيين القضاء عليه و منعه مع غناه أو عدم الغني عنه و لعل اعتبار عدم تعين القضاء لما تقرر عندهم من حرمة الأجرة علي الواجبات العينية و حاجته لا تسوغ أخذ الأجرة عليها و إنما يجب علي القاضي و غيره رفع حاجته من وجوه أخر. و أما اعتبار الحاجة فلظهور اختصاص أدلة المنع بصورة الاستغناء كما يظهر بالتأمل في روايتي يوسف و عمار المتقدمتين و لا مانع من التكسب بالقضاء من جهة وجوبه الكفائي كما هو أحد الأقوال في المسألة الآتية في محلها إن شاء الله.

و أما الارتزاق من بيت المال

و أما الارتزاق من بيت المال
فلا إشكال في جوازه للقاضي مع حاجته بل مطلقا إذا رأي الإمام المصلحة فيه لما سيجي‌ء من الأخبار الواردة في مصارف الأراضي الخراجية. و يدل عليه ما كتبه أمير المؤمنين ع إلي مالك الأشتر من قوله ع: و افسح له أي للقاضي بالبذل ما يزيح علته و تقل معه حاجته إلي الناس

[جواز أخذ الرزق من السلطان الجائر]

[جواز أخذ الرزق من السلطان الجائر]
و لا فرق بين أن يأخذ الرزق من السلطان العادل أو من الجائر لما سيجي‌ء من حلية بيت المال لأهله و لو خرج من يد الجائر. و أما ما تقدم في صحيحة ابن سنان من المنع من أخذ الرزق من السلطان فقد عرفت الحال فيه

[حكم الهدية و بيان الفرق بينها و بين الرشوة]

[حكم الهدية و بيان الفرق بينها و بين الرشوة]
و أما الهدية و هي ما يبذله علي وجه الهبة ليورث المودة الموجبة للحكم له حقا كان أو باطلا و إن لم يقصد المبذول له الحكم إلا بالحق إذا عرف و لو من القرائن أن الباذل قصد الحكم له علي كل تقدير فيكون الفرق بينها و بين الرشوة أن الرشوة تبذل لأجل الحكم و الهدية تبذل لإيراث الحب المحرك له علي الحكم علي وفق مطلبه فالظاهر حرمتها لأنها رشوة أو بحكمها بتنقيح المناط. و عليه يحمل ما تقدم من قول أمير المؤمنين ع: و إن أخذ يعني الوالي هدية كان غلولا و ما ورد من أن هدايا العمال غلول و في آخر سحت. و عن عيون الأخبار عن مولانا أبي الحسن الرضا ع عن أمير المؤمنين ع: في تفسير قوله تعالي أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ قال هو الرجل يقضي لأخيه حاجته ثم يقبل هديته و للرواية توجيهات تكون الرواية علي بعضها محمولة علي ظاهرها من التحريم و علي بعضها محمولة علي المبالغة في رجحان التجنب عن قبول الهدايا من أهل الحاجة إليه لئلا يقع في الرشوة يوما.

و هل تحرم الرشوة في غير الحكم

اشارة

و هل تحرم الرشوة في غير الحكم
بناء علي صدقها كما يظهر مما تقدم عن المصباح و النهاية كأن يبذل له مالا علي أن يصلح أمره عند الأمير

[التفصيل بين الحاجة المحرمة و غيرها]

[التفصيل بين الحاجة المحرمة و غيرها]
فإن كان أمره منحصرا في المحرم أو مشتركا بينه و بين المحلل لكن بذل علي إصلاحه حراما أو حلالا فالظاهر حرمته لا لأجل الرشوة لعدم الدليل عليها عدا بعض الإطلاقات المنصرف إلي الرشا في الحكم بل لأنه أكل للمال بالباطل فتكون الحرمة هنا لأجل الفساد فلا يحرم القبض في نفسه و إنما يحرم التصرف لأنه باق علي ملك الغير. نعم يمكن أن يستدل علي حرمته بفحوي إطلاق ما تقدم في هدية الولاة و العمال و أما بذل المال علي وجه الهدية الموجبة لقضاء الحاجة المباحة فلا حظر فيه كما يدل عليه ما ورد: في أن الرجل يبذل الرشوة ليتحرك من منزله فيسكنه قال لا بأس به و المراد المنزل المشترك كالمدرسة و المسجد و السوق و نحوها

و مما يدل علي التفصيل في الرشوة بين الحاجة المحرمة و غيرها رواية الصيرفي

و مما يدل علي التفصيل في الرشوة بين الحاجة المحرمة و غيرها رواية الصيرفي
قال: سمعت أبا الحسن ع و سأله حفص الأعور فقال إن عمال السلطان يشترون منا القرب و الإداوة فيوكلون الوكيل حتي يستوفيه منا فنرشوه حتي يظلمنا فقال لا بأس بما تصلح به مالك ثم سكت ساعة ثم قال إذا أنت رشوته يأخذ منك أقل من الشرط قلت نعم قال فسدت رشوتك. و مما يعد من الرشوة أو يلحق بها المعاملة المشتملة علي المحاباة كبيعه من القاضي ما يساوي عشرة دراهم بدرهم

[حكم المعاملة المشتملة علي المحاباة مع القاضي]

[حكم المعاملة المشتملة علي المحاباة مع القاضي]
فإن لم يقصد من المعاملة إلا المحاباة التي في ضمنها أو قصد المعاملة لكن جعل المحاباة لأجل الحكم له بأن كان الحكم له من قبيل ما تواطئا عليه من الشروط غير المصرح بها في العقد فهي الرشوة و إن قصد أصل المعاملة و حابي فيها لجلب قلب القاضي فهو كالهدية ملحقة بالرشوة. و في فساد المعاملة المحاباة فيها وجه قوي

[حكم المال المأخوذ حراما من حيث الضمان و عدمه]

اشارة

[حكم المال المأخوذ حراما من حيث الضمان و عدمه]
ثم إن كل ما حكم بحرمة أخذه وجب علي الآخذ رده و رد بدله مع التلف إذا قصد مقابلته بالحكم كالجعل و الأجرة- حيث حكم بتحريمها. و كذا الرشوة لأنها حقيقة جعل علي الباطل و لذا فسره في القاموس بالجعل

[الظاهر عدم ضمان ما أخذ هدية]

[الظاهر عدم ضمان ما أخذ هدية]
و لو لم يقصد بها المقابلة بل أعطي مجانا ليكون داعيا علي الحكم و هو المسمي بالهدية فالظاهر عدم ضمانه لأن مرجعه إلي هبة مجانية فاسدة إذ الداعي لا يعد عوضا و ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده و كونها من السحت إنما يدل علي حرمة الأخذ لا علي الضمان و عموم علي اليد مختص بغير اليد المتفرعة علي التسليط المجاني و لذا لا يضمن بالهبة الفاسدة في غير هذا المقام.

[احتمال عدم الضمان في الرشوة مطلقا و مناقشته]

[احتمال عدم الضمان في الرشوة مطلقا و مناقشته]
و في كلام بعض المعاصرين أن احتمال عدم الضمان في الرشوة مطلقا غير بعيد معللا بتسليط المالك عليها مجانا و لأنها تشبه المعاوضة و ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده. و لا يخفي ما بين تعليله من التنافي لأن تشبيهه الرشوة بالمعاوضة يستلزم الضمان لأن المعاوضة الصحيحة يوجب ضمان كل منهما ما وصل إليه بعوضه الذي دفعه فيكون مع الفساد مضمونا بعوضه الواقعي و هو المثل أو القيمة و ليس في المعاوضات ما لا يضمن العوض بصحيحه حتي لا
المكاسب، ج‌1، ص 32
يضمن بفاسده. نعم قد يتحقق عدم الضمان في بعض المعاوضات بالنسبة إلي غير العوض كما أن العين المستأجرة غير مضمونة في يد المستأجر بالإجارة فربما يدعي أنها غير مضمونة إذا قبض بالإجارة الفاسدة. لكن هذا كلام آخر [قد ثبت فساده بما ذكرنا في باب الغصب من أن المراد مما لا يضمن بصحيحه أن يكون عدم الضمان مستندا إلي نفس العقد الصحيح لمكان الباء و عدم ضمان عين المستأجرة ليس مستندا إلي الإجازة الصحيحة بل إلي قاعدة الأمانة المالكية و الشرعية لكون التصرف في العين مقدمة لاستيفاء المنفعة مأذونا فيه شرعا فلا يترتب عليه الضمان بخلاف الإجازة الفاسدة فإن الإذن الشرعي فيها مفقود و الإذن المالكي غير مثمر لكونه تبعيا و لكونه لمصلحة القابض فتأمل] و الكلام في ضمان العوض بالمعاوضة الفاسدة و التحقيق أن كونها معاوضة أو شبيهة بها وجه لضمان العوض فيها لا لعدم الضمان

فروع في اختلاف الدافع و القابض

[دعوي الدافع الهدية و القابض الهبة الصحيحة]

[دعوي الدافع الهدية و القابض الهبة الصحيحة]
لو ادعي الدافع أنها هدية ملحقة بالرشوة في الفساد و الحرمة و ادعي القابض أنها هبة صحيحة لداعي القربة أو غيرها احتمل تقديم الأول لأن الدافع أعرف بنيته و لأصالة الضمان في اليد إذا كانت الدعوي بعد التلف و الأقوي تقديم الثاني لأنه يدعي الصحة.

[دعوي الدافع الرشوة و القابض الهبة الصحيحة]

[دعوي الدافع الرشوة و القابض الهبة الصحيحة]
و لو ادعي الدافع أنها رشوة أو أجرة علي المحرم و ادعي القابض كونها هبة صحيحة احتمل أنه كذلك لأن الأمر يدور بين الهبة الصحيحة و الإجارة الفاسدة. و يحتمل العدم إذ لا عقد مشترك هنا اختلفا في صحته و فساده فالدافع منكر لأصل العقد الذي يدعيه القابض لا لصحته فيحلف علي عدم وقوعه و ليس هذا من مورد التداعي كما لا يخفي.

[دعوي الدافع الرشوة و القابض الهبة الفاسدة]

[دعوي الدافع الرشوة و القابض الهبة الفاسدة]
و لو ادعي أنها رشوة و القابض أنها هدية فاسدة لدفع الغرم عن نفسه بناء علي ما سبق من أن الهدية المحرمة لا توجب الضمان ففي تقديم الأول لأصالة الضمان في اليد أو الآخر لأصالة عدم سبب الضمان و منع أصالة الضمان وجهان أقواهما الأول لأن عموم خبر علي اليد يقضي بالضمان إلا مع تسليط المالك مجانا و الأصل عدم تحققه و هذا حاكم علي أصالة عدم سبب الضمان فافهم
سب المؤمن

التاسعة سب المؤمنين حرام في الجملة

اشارة

التاسعة سب المؤمنين حرام في الجملة
بالأدلة الأربعة لأنه ظلم و إيذاء و إذلال

[الروايات الواردة في حرمة السب]

[الروايات الواردة في حرمة السب]
ففي رواية أبي بصير عن أبي جعفر ع قال قال رسول الله ص: سباب المؤمن فسوق و قتاله كفر و أكل لحمه معصية و حرمة ماله كحرمة دمه و في رواية السكوني عن أبي عبد الله ع قال قال رسول الله ص: سباب المؤمن كالمشرف علي الهلكة و في رواية أبي بصير عن أبي جعفر ع قال:
جاء رجل من تميم إلي رسول الله ص فقال له أوصني فكان فيما أوصاه لا تسبوا فتكتسبوا العداوة و في رواية ابن الحجاج عن أبي الحسن ع: في رجلين يتسابان قال البادي منهما أظلم و وزره و وزر صاحبه عليه ما لم يعتذر إلي المظلوم و في مرجع الضمائر اغتشاش و يمكن الخطأ من الراوي. و المراد و الله أعلم أن مثل وزر صاحبه عليه لإيقاعه إياه في السب من غير أن يخفف عن صاحبه شي‌ء فإن اعتذر إلي المظلوم عن سبه و إيقاعه إياه في السب برأ من الوزرين. ثم إن المرجع في السب إلي العرف

[تفسير السب]

[تفسير السب]
و فسره في جامع المقاصد بإسناده ما يقتضي نقصه إليه مثل الوضيع و الناقص و في كلام بعض آخر أن السب و الشتم بمعني واحد و في كلام ثالث أن السب أن تصف الشخص بما هو إزراء و نقص فيدخل في النقص كل ما يوجب الأذي كالقذر و الحقير و الوضيع و الكلب و الكافر و المرتد و التعبير بشي‌ء من بلاء الله تعالي كالأجذم و الأبرص.

ثم الظاهر أنه لا يعتبر في صدق السب مواجهة المسبوب

ثم الظاهر أنه لا يعتبر في صدق السب مواجهة المسبوب
نعم يعتبر فيه قصد الإهانة و النقص فالنسبة بينه و بين الغيبة عموم و خصوص من وجه و الظاهر تعدد العقاب في مادة الاجتماع لأن مجرد ذكر الشخص بما يكرهه لو سمعه و لو لغير قصد الإهانة غيبة محرمة و الإهانة محرم آخر.

ثم إنه يستثني من المؤمن المظاهر بالفسق

ثم إنه يستثني من المؤمن المظاهر بالفسق
لما سيجي‌ء في الغيبة من أنه لا حرمة له و هل يعتبر في جواز سبه كونه من باب النهي عن المنكر فيشترط بشروطه أم لا ظاهر النصوص و الفتاوي كما في الروضة الثاني و الأحوط الأول

و يستثني من ذلك المبتدع أيضا

و يستثني من ذلك المبتدع أيضا
لقوله ص: إذا رأيتم أهل البدع من بعدي فأظهروا البراءة منهم و أكثروا من سبهم و الوقيعة فيهم

و يمكن أن يستثني من ذلك ما إذا لم يتأثر المسبوب عرفا

و يمكن أن يستثني من ذلك ما إذا لم يتأثر المسبوب عرفا
بأن لا توجب قول هذا القائل في حقه مذلة و لا نقصا كقول الوالد لولده أو السيد لعبده عنده مشاهدة ما يكرهه يا حمار و عند غيظه يا خبيث و نحو ذلك سواء لم يتأثر بذلك بأن لم يكرهه أصلا أم تأثر به بناء علي أن العبرة بحصول الذل و النقص فيه عرفا. و يشكل الثاني بعموم أدلة حرمة الإيذاء نعم لو قال السيد ذلك في مقام التأديب جاز لفحوي جواز الضرب. و أما الوالد فيمكن استفادة الجواز في حقه مما ورد من مثل قولهم ع: أنت و مالك لأبيك فتأمل مضافا إلي استمرار السيرة بذلك إلا أن يقال إن استمرار السيرة إنما هو مع عدم تأثر السامع و تأذيه بذلك من هنا يوهن التمسك بالسيرة في جواز سب المعلم للمتعلم فإن السيرة إنما نشأت في الأزمنة السابقة من عدم تألم المتعلم بشتم المعلم لعد نفسه أدون من عبده بل ربما كان يفتخر بالسب لدلالته علي كمال لطفه. و أما زماننا هذا الذي يتألم المتعلم فيه من المعلم مما لم يتألم به من شركائه في البحث من القول و الفعل فحل إيذائه يحتاج إلي الدليل و الله الهادي إلي سواء السبيل
السحر

العاشرة السحر [فهو] حرام في الجملة

اشارة

العاشرة السحر [فهو] حرام في الجملة
بلا خلاف بل هو ضروري كما سيجي‌ء

و الأخبار بالحرمة مستفيضة

و الأخبار بالحرمة مستفيضة
منها ما تقدم من أن الساحر كالكافر. و منها قوله ع: من تعلم شيئا من السحر قليلا أو كثيرا فقد كفر و كان آخر عهده بربه وحده أن يقتل إلا أن يتوب و في رواية السكوني عن الصادق ع قال قال رسول الله ص: ساحر المسلمين يقتل و ساحر الكفار لا يقتل قيل يا رسول الله لم لا يقتل ساحر الكفار قال لأن الشرك أعظم من السحر و لأن السحر و الشرك مقرونان و في نبوي آخر: ثلاثة لا يدخلون الجنة مدمن خمر و مدمن سحر و قاطع رحم إلي غير ذلك من الأخبار
ثم إن الكلام هنا يقع في مقامين

الأول في المراد بالسحر

اشارة

الأول في المراد بالسحر
و هو لغة علي ما عن بعض أهل اللغة ما لطف مأخذه و دق و عن بعضهم أنه صرف الشي‌ء عن وجهه و عن ثالث أنه الخديعة و عن رابع أنه إخراج الباطل في صورة الحق و قد اختلفت عبارات الأصحاب في بيانه

[كلمات الفقهاء]

اشارة

[كلمات الفقهاء]
قال العلامة رحمه الله في القواعد و التحرير إنه كلام يتكلم به أو يكتبه أو رقية أو يعمل شيئا تؤثر في بدن المسحور أو قلبه أو عقله من غير مباشرة و زاد في المنتهي أو عقدا

[اعتبار الإضرار في السحر عند بعض]

[اعتبار الإضرار في السحر عند بعض]
و زاد في المسالك أو أقساما أو عزائم يحدث بسببها ضرر علي الغير و زاد في الدروس الدخنة و التصوير و النفث و تصفية النفس و يمكن أن يدخل جميع ذلك في قوله في القواعد أو يعمل شيئا. نعم ظاهر المسالك و محكي الدروس أن المعتبر في السحر الإضرار.
فإن أريد من التأثير في عبارة القواعد و غيرها خصوص الإضرار بالمسحور فهو و إلا كان أعم. ثم إن الشهيدين رحمهما الله عدا من السحر- استخدام الملائكة و استنزال الشياطين في كشف الغائبات و علاج المصاب و استحضارهم و تلبيسهم ببدن صبي أو امرأة و كشف الغائبات علي لسانه و الظاهر أن المسحور فيما ذكراه هم الملائكة و الجن و الشياطين و الإضرار
المكاسب، ج‌1، ص 33
بهم يحصل بتسخيرهم و تعجيزهم من المخالفة له و إلجائهم إلي الخدمة. و قال في الإيضاح إنه استحداث الخوارق- إما بمجرد التأثيرات النفسانية و هو السحر أو بالاستعانة بالفلكيات فقط و هي دعوة الكواكب أو بتمزيج القوي السماوية بالقوي الأرضية و هي الطلسمات أو علي سبيل الاستعانة بالأرواح الساذجة و هي العزائم و يدخل فيه النيرنجات و الكل حرام في شريعة الإسلام و مستحله كافر انتهي. و تبعه علي هذا التفسير في محكي التنقيح و فسر النيرنجات في الدروس بإظهار غرائب خواص الامتزاجات و أسرار النيرين. و في الإيضاح أما ما كان علي سبيل الاستعانة- بخواص الأجسام السفلية فهو علم الخواص أو الاستعانة بالنسب الرياضية فهو علم الحيل و جر الأثقال و هذان ليسا من السحر انتهي. و ما جعله خارجا قد أدخله غيره و في بعض الروايات دلالة عليه و سيجي‌ء المحكي و المروي و لا يخفي أن هذا التعريف أعم من الأول لعدم اعتبار مسحور فيه فضلا عن الإضرار ببدنه أو عقله. و عن الفاضل المقداد في التنقيح أنه عمل يستفاد منه ملكه نفسانية يقتدر بها علي أفعال غريبة بأسباب خفية و هذا يشمل علمي الخواص و الحيل

[ما أفاده العلامة المجلسي في البحار في بيان أقسام السحر]

اشارة

[ما أفاده العلامة المجلسي في البحار في بيان أقسام السحر]
و قال في البحار بعد ما نقل عن أهل اللغة إنه ما لطف و خفي سببه إنه في عرف الشرع مختص بكل أمر مخفي سببها و يتخيل علي غير حقيقته و يجري مجري التمويه و الخداع انتهي و هذا أعم من الكل لأنه ذكر بعد ذلك ما حاصله أن السحر علي أقسام

الأول سحر الكلدانيين

الأول سحر الكلدانيين
الذين كانوا في قديم الدهر و هم قوم كانوا يعبدون الكواكب و يزعمون أنها المدبرة لهذا العالم و منها تصدير الخيرات و الشرور و السعادات و النحوسات ثم ذكر أنهم علي ثلاثة مذاهب فمنهم من يزعم أنها الواجبة لذاتها الخالقة للعالم و منهم من يزعم أنها قديمة لقدم العلة المؤثرة فيها و منهم من يزعم أنها حادثة مخلوقة فعالة مختارة فوض خالقها أمر العالم إليها و الساحر عند هذه الفرق من يعرف القوي الغالبة الفعالة بسائطها و مركباتها و يعرف ما يليق بالعالم السفلي معداتها ليعدها و عوائقها ليرفعها بحسب الطاقة البشرية فيكون من استحداث ما يخرق العادة.

الثاني سحر أصحاب الأوهام

الثاني سحر أصحاب الأوهام
و النفوس القوية.

الثالث الاستعانة بالأرواح الأرضية

الثالث الاستعانة بالأرواح الأرضية
و قد أنكرها بعض الفلاسفة و قال بها الأكابر منهم و هي في أنفسها مختلفة فمنهم خيرة و هم مؤمنو الجن و شريرة و هم كفار الجن و شياطينهم.

الرابع التخيلات الآخذة بالعيون مثل راكب السفينة

الرابع التخيلات الآخذة بالعيون مثل راكب السفينة
يتخيل نفسه ساكنا و الشط متحركا.

الخامس الأعمال العجيبة

الخامس الأعمال العجيبة
التي تظهر من تركيب الآلات المركبة علي نسب الهندسة كرقاص يرقص و فارسان يقتتلان.

السادس الاستعانة بخواص الأدوية

السادس الاستعانة بخواص الأدوية
مثل أن يجعل في الطعام بعض الأدوية المبلدة أو المزيلة للعقل أو الدخن المسكر أو عصارة البنج المجعول في الملبس و هذا مما لا سبيل إلي إنكاره و أثر المغناطيس شاهد.

السابع تعليق القلب

السابع تعليق القلب
و هو أن يدعي الساحر أنه يعرف الكيمياء و علم السيمياء و الاسم الأعظم حتي يميل إليه العوام و ليس له أصل.

الثامن النميمة

الثامن النميمة
انتهي الملخص منه

[الإشارة إلي بعض أقسام السحر في الرواية]

[الإشارة إلي بعض أقسام السحر في الرواية]
و ما ذكره من وجوه السحر بعضها قد تقدم عن الإيضاح و بعضها قد ذكر فيما ذكره في الاحتجاج من حديث الزنديق الذي سأل أبا عبد الله ع عن مسائل كثيرة منها ما ذكره بقوله: أخبرني عن السحر ما أصله و كيف يقدر الساحر علي ما يوصف من عجائبه و ما يفعل قال أبو عبد الله ع إن السحر علي وجوه شتي منها بمنزلة الطب كما أن الأطباء وضعوا لكل داء دواء فكذلك علماء السحر احتالوا لكل صحة آفة و لكل عافية عاهة و لكل معني حلية و نوع آخر منه خطفة و سرعة و مخاريق و خفة و نوع آخر منه ما يأخذه أولياء الشياطين منهم قال فمن أين علم الشياطين السحر قال من حيث علم الأطباء الطب بعضه بتجربة و بعضه بعلاج قال فما تقول في الملكين هاروت و ماروت و ما يقول الناس إنهما يعلمان الناس السحر قال إنما هما موضع ابتلاء و موقف فتنة و تسبيحهما اليوم لو فعل الإنسان كذا و كذا لكان كذا و لو تعالج بكذا و كذا لصار كذا فيتعلمون منهما ما يخرج عنهما فيقولان لهم إنما نحن فتنة فلا تأخذوا عنا ما يضركم و لا ينفعكم قال أ فيقدر الساحر علي أن يجعل الإنسان بسحره في صورة كلب أو حمار أو غير ذلك قال هو أعجز من ذلك و أضعف من أن يغير خلق الله إن من أبطل ما ركبه الله تعالي و صوره و غيره فهو شريك الله في خلقه تعالي الله عن ذلك علوا كبيرا لو قدر الساحر علي ما وصفت لدفع عن نفسه الهرم و الآفة و الأمراض و لنفي البياض عن رأسه و الفقر عن ساحته و إن من أكبر السحر النميمة يفرق بها بين المتحابين و يجلب العداوة بين المتصافين و يسفك بها الدماء و يهدم بها الدور و يكشف بها الستور و النمام شر من وطئ علي الأرض بقدمه فأقرب أقاويل السحر من الصواب أنه بمنزلة الطب إن الساحر عالج الرجل فامتنع من مجامعة النساء فجاءه الطبيب فعالجه بغير ذلك فأبرأه إلي آخر الحديث. ثم لا يخفي أن الجمع بين ما ذكر في معني السحر في غاية الإشكال لكن المهم بيان حكمه لا موضوعه.

المقام الثاني في حكم الأقسام المذكورة

اشارة

المقام الثاني في حكم الأقسام المذكورة
فنقول أما الأقسام الأربعة المتقدمة من الإيضاح فيكفي في حرمتها مضافا إلي شهادة المحدث المجلسي رحمه الله في البحار بدخولها في المعني المعروف للسحر عند أهل الشرع فتشملها الإطلاقات

[دعوي ضرورة الدين علي حرمة أربعة أقسام منه]

[دعوي ضرورة الدين علي حرمة أربعة أقسام منه]
دعوي فخر المحققين في الإيضاح كون حرمتها من ضروريات الدين و أن مستحلها كافر و دعوي الشهيدين في الدروس و المسالك أن مستحله يقتل فإنا و إن لم نطمئن بدعوي الإجماعات المنقولة إلا أن دعوي ضرورة الدين مما يوجب الاطمئنان بالحكم و اتفاق العلماء عليه في جميع الأعصار.

[ما ذكره شارح النخبة حول الطلسمات]

[ما ذكره شارح النخبة حول الطلسمات]
نعم ذكر شارح النخبة أن ما كان من الطلسمات مشتملا علي إضرار أو تمويه علي المسلمين أو استهانة بشي‌ء من حرمات الله كالقرآن و أبعاضه و أسماء الله الحسني و نحو ذلك فهو حرام بلا ريب سواء عد من السحر أم لا و ما كان للأغراض كحضور الغائب و بقاء العمارة و فتح الحصون للمسلمين و نحوه فمقتضي الأصل جوازه و يحكي عن بعض الأصحاب و ربما يستندون في بعضها إلي أمير المؤمنين ع و السند غير واضح و ألحق في الدروس تحريم عمل الطلسمات بالسحر و وجهه غير واضح انتهي. و لا وجه أوضح من دعوي الضرورة من فخر المحققين و الشهيدين قدس سرهما

[حرمة السحر المضر بالنفس المحترمة]

[حرمة السحر المضر بالنفس المحترمة]
و أما غير تلك الأربعة فإن كان مما يضر بالنفس المحترمة فلا إشكال أيضا في حرمته و يكفي في الضرر صرف نفس المسحور عن الجريان علي مقتضي إرادته فمثل
المكاسب، ج‌1، ص 34
إحداث حب مفرط في الشخص يعد سحرا. روي الصدوق في الفقيه في باب عقاب المرأة علي أن تسحر زوجها بسنده عن السكوني عن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه ع قال: قال رسول الله ص لامرأة سألته أن لي زوجا و به غلظة علي و إني صنعت شيئا لأعطفه علي أف لك كدرت البحار و كدرت الطين و لعنتك الملائكة الأخيار و ملائكة السماوات و الأرض قال فصامت المرأة نهارها و قامت ليلها و حلقت رأسها و لبست المسوح فبلغ ذلك النبي ص فقال إن ذلك لا يقبل منها بناء علي أن الظاهر من قولها صنعت شيئا المعالجة بشي‌ء غير الأدعية و الصلوات و نحوها و لذا فهم الصدوق منها السحر و لم يذكر في عنوان سحر المرأة غير هذه الرواية.

[الظاهر جواز ما لا يضر مع الشك في صدق اسم السحر عليه]

[الظاهر جواز ما لا يضر مع الشك في صدق اسم السحر عليه]
و أما ما لا يضر فإن قصد به دفع ضرر السحر أو غيره من المضار الدنيوية أو الأخروية فالظاهر جوازه مع الشك في صدق اسم السحر عليه للأصل بل فحوي ما سيجي‌ء من جواز دفع الضرر بما علم كونه سحرا و إلا فلا دليل علي تحريمه إلا أن يدخل في اللهو أو الشعوذة.

نعم لو صح سند رواية الاحتجاج صح الحكم بحرمة جميع ما تضمنته

نعم لو صح سند رواية الاحتجاج صح الحكم بحرمة جميع ما تضمنته
و كذا لو عمل بشهادة من تقدم كالفاضل المقداد و المحدث المجلسي رحمهما الله بكون جميع ما تقدم من الأقسام داخلا في السحر اتجه الحكم بدخولها تحت إطلاقات المنع عن السحر لكن الظاهر استناد شهادتهم إلي الاجتهاد مع معارضته بما تقدم من الفخر من إخراج علمي الخواص و الحيل من السحر.
و ما تقدم من تخصيص صاحب المسالك و غيره السحر بما يحدث ضررا بل عرفت تخصيص العلامة له بما يؤثر في بدن المسحور أو قلبه أو عقله فهذه شهادة من هؤلاء علي عدم عموم لفظ السحر لجميع ما تقدم من الأقسام. و تقديم شهادة الإثبات لا يجري في هذا الموضع لأن الظاهر استناد المثبتين إلي الاستعمال و النافين إلي الاطلاع علي كون الاستعمال مجازا للمناسبة

و الأحوط الاجتناب عن جميع ما تقدم من الأقسام

و الأحوط الاجتناب عن جميع ما تقدم من الأقسام
في البحار بل لعله لا يخلو عن قوة لقوة الظن من خبر الاحتجاج و غيره

بقي الكلام في جواز دفع ضرر السحر بالسحر

اشارة

بقي الكلام في جواز دفع ضرر السحر بالسحر
و يمكن أن يستدل له مضافا إلي الأصل بعد دعوي انصراف الأدلة إلي غير ما قصد به غرض راجح شرعا بالأخبار

[الأخبار الواردة في جواز دفع ضرر السحر بالسحر]

اشارة

[الأخبار الواردة في جواز دفع ضرر السحر بالسحر]
منها ما تقدم في خبر الاحتجاج و منها ما في الكافي عن القمي عن أبيه عن شيخ من أصحابنا الكوفيين قال: دخل عيسي بن سقفي علي أبي عبد الله ع قال جعلت فداك إنا رجل كانت صناعتي السحر و كنت آخذ عليه الأجر و كان معاشي و قد حججت منه و قد من الله علي بلقائك و قد تبت إلي الله عز و جل من ذلك فهل لي في شي‌ء من ذلك مخرج فقال له أبو عبد الله ع حل و لا تعقد. و كان الصدوق رحمه الله في العلل أشار إلي هذه الرواية حيث قال روي أن توبة الساحر أن يحل و لا يعقد و ظاهر المقابلة بين الحل و العقد في الجواز و العدم كون كل منهما بالسحر فحمل الحل علي ما كان بغير السحر من الدعاء و الآيات و نحوهما كما عن بعض لا يخلو عن بعد.

[ما ورد في قصة هاروت و ماروت]

[ما ورد في قصة هاروت و ماروت]
و منها ما عن العسكري عن آبائه ع: في قوله تعالي وَ ما أُنْزِلَ عَلَي الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَ مارُوتَ قال كان بعد نوح قد كثرت السحرة و الموهون فبعث الله ملكين إلي نبي ذلك الزمان يذكر ما يسحر به السحرة و يذكر ما يبطل به سحرهم و يرد به كيدهم فتلقاه النبي عن الملكين و أداه إلي عباد الله بأمر الله و أمرهم أن يقضوا به علي السحر و أن يبطلوه و نهاهم أن يسحروا به الناس و هذا كما يقال إن السم ما هو و إن ما يدفع به غائلة السم ما هو ثم يقال للمتعلم هذا السم فمن رأيته سم فادفع غائلته بهذا و لا تقتل بالسم إلي أن قال و ما يعلمان من أحد ذلك السحر و إبطاله حتي يقولا للمتعلم إنما نحن فتنة و امتحان للعباد ليطيعوا الله فيما يتعلمون من هذا و يبطل به كيد السحرة و لا تسحروهم فلا تكفر باستعمال هذا السحر و طلب الإضرار و دعاء الناس إلي أن يعتقدوا أنك تحيي و تميت و تفعل ما لا يقدر عليه إلا الله عز و جل فإن ذلك كفر إلي أن قال وَ يَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَ لا يَنْفَعُهُمْ لأنهم إذا تعلموا ذلك السحر ليسحروا به و يضروا به فقد تعملوا ما يضر بدينهم و لا ينفعهم إلي آخر الحديث و في رواية محمد بن الجهم عن مولانا الرضا ع في حديث قال: أما هاروت و ماروت فكانا ملكين علما الناس السحر ليحترزوا به عن سحر السحرة فيبطلوا به كيدهم و ما علما أحدا من ذلك شيئا حتي قالا إنما نحن فتنة فلا تكفر فكفر قوم باستعمالهم لما أمروا بالاحتراز عنه و جعلوا يفرقون بما تعلموه بين المرء و زوجه قال الله تعالي وَ ما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ يعني بعلمه.
هذا كله مضافا إلي أن ظاهر أخبار الساحر إرادة من يخشي ضرره كما اعترف به بعض الأساطين و استقرب لذلك جواز الحل به بعد أن نسبه إلي كثير من أصحابنا.

[منع جمع من الأعلام من حل السحر بالسحر]

[منع جمع من الأعلام من حل السحر بالسحر]
لكنه مع ذلك كله فقد منع العلامة في غير واحد من كتبه و الشهيد رحمه الله في الدروس و الفاضل الميسي و الشهيد الثاني من حل السحر به و لعلهم حملوا ما دل علي الجواز مع اعتبار سنده علي حالة الضرورة و انحصار سبب الحل فيه لا مجرد دفع الضرر مع إمكانه بغيره من الأدعية و التعويذات و لذا ذهب جماعة منهم الشهيدان و الميسي و غيرهم إلي جواز تعلمه ليتوقي به من السحر و يدفع به دعوي المتنبي. و ربما حملت أخبار الجواز الحاكية لقصة هاروت و ماروت علي جواز ذلك في الشريعة السابقة و فيه نظر.

ثم الظاهر أن التسخيرات بأقسامها داخلة في السحر

ثم الظاهر أن التسخيرات بأقسامها داخلة في السحر
علي جميع تعاريفه و قد عرفت أن الشهيدين مع أخذ الإضرار في تعريف السحر ذكرا أن استخدام الملائكة و الجن من السحر و لعل وجه دخوله تضرر المسخر بتسخيره. و أما سائر التعاريف فالظاهر شمولها لها و ظاهر عبارة الإيضاح أيضا دخول هذه في معقد دعواه الضرورة علي التحريم لأن الظاهر دخولها في الأقسام و العزائم و النفث و يدخل في ذلك تسخير الحيوانات- من الهوام و السباع و الوحوش و غير ذلك خصوصا الإنسان.

و عمل السيمياء ملحق بالسحر اسما أو حكما

و عمل السيمياء ملحق بالسحر اسما أو حكما
و قد صرح بحرمته الشهيد في الدروس و المراد به علي ما قيل إحداث خيالات لا وجود لها في الحس يوجب تأثيرا في شي‌ء آخر
الشعوذة

الحادية عشرة الشعوذة و هي حرام بلا خلاف

[تعريف الشعوذة]

و هي الحركة السريعة بحيث يوجب علي الحس الانتقال من الشي‌ء إلي شبهه كما تري النار المتحركة علي الاستدارة دائرة متصلة لعدم إدراك السكونات المتخللة بين الحركات.

[أدلة الحرمة]

و يدل علي الحرمة بعد الإجماع مضافا إلي أنه من الباطل و اللهو دخوله في السحر في الرواية المتقدمة عن الاحتجاج المنجبر وهنها بالإجماع المحكي. و في بعض التعاريف المتقدمة للسحر ما يشملها
الغش

الثانية عشرة الغش حرام بلا خلاف

[الروايات الدالة علي الحرمة]

و الأخبار به متواترة نذكر بعضها متيمنا فعن النبي ص بأسانيد متعددة: ليس من المسلمين من غشهم
المكاسب، ج‌1، ص 35
و في رواية العيون بأسانيد قال رسول الله ص: ليس منا من غش مسلما أو ضره أو ماكره و في عقاب الأعمال عن النبي ص: من غش مسلما في بيع أو شراء فليس منا و يحشر مع اليهود يوم القيامة لأنه من غش الناس فليس بمسلم إلي أن قال و من غشنا فليس منا قالها ثلاثا و من غش أخاه المسلم نزع الله بركة رزقه و أفسد عليه معيشته و وكله إلي نفسه و في مرسلة هشام عن أبي عبد الله ع: أنه قال لرجل يبيع الدقيق إياك و الغش فإن من غش غش في ماله فإن لم يكن له مال غش في أهله و في رواية سعد الإسكاف عن أبي جعفر ع قال: مر النبي ص في سوق المدينة بطعام فقال لصاحبه ما أري طعامك إلا طيبا فأوحي الله إليه أن يدس يده في الطعام ففعل فأخرج طعاما رديا فقال لصاحبه ما أراك إلا و قد جمعت خيانة و غشا للمسلمين و رواية موسي بن بكر عن أبي الحسن ع: أنه أخذ دينارا من الدنانير المصبوبة بين يديه فقطعها نصفين ثم قال ألقه في البالوعة حتي لا يباع بشي‌ء فيه غش و قوله فيه غش جملة ابتدائية و الضمير في لا يباع راجع إلي الدينار. و في رواية هشام بن الحكم قال: كنت أبيع السابري في الظلال فمر بي أبو الحسن فقال لي يا هشام إن البيع في الظلال غش و الغش لا يحل و في رواية الحلبي قال: سألت أبا عبد الله ع عن الرجل يشتري طعاما فيكون أحسن له و اتفق له أن يبله من غير أن يلتمس زيادته فقال إن كان بيعا لا يصلحه إلا ذلك و لا ينفقه غيره من غير أن يلتمس فيه زيادة فلا بأس و إن كان إنما يغش به المسلمين فلا يصلح و روايته الأخري قال: سألت أبا عبد الله ع عن الرجل يكون عنده لونان من الطعام سعرهما شتي و أحدهما أجود من الآخر و يخلطهما جميعا ثم يبيعهما بسعر واحد فقال لا يصلح له أن يغش المسلمين حتي يبينه و رواية داود بن سرحان قال: كان معي جرابان من مسك أحدهما رطب و الآخر يابس فبدأت بالرطب فبعته ثم أخذت اليابس أبيعه فإذا أنا لا أعطي باليابس الثمن الذي يسوي و لا يزيدوني علي ثمن الرطب فسألت أبا عبد الله ع عن ذلك أ يصلح لي أن أنديه قال لا إلا أن تعلمهم قال فنديته ثم أعلمتهم قال لا بأس.

ثم إن ظاهر الأخبار هو كون الغش بما يخفي

كمزج اللبن بالماء و خلط الجيد بالردي‌ء في مثل الدهن و منه وضع الحرير في مكان بارد ليكتسب ثقلا و نحو ذلك

و أما المزج و الخلط بما لا يخفي فلا يحرم

لعدم انصراف الغش إليه.
و يدل عليه مضافا إلي بعض الأخبار المتقدمة صحيحة ابن مسلم عن أحدهما ع: أنه سئل عن الطعام يخلط بعضه ببعض و بعضه أجود من بعض قال إذا رؤيا جميعا فلا بأس ما لم يغط الجيد الردي‌ء. و مقتضي هذه الرواية بل رواية الحلبي الثانية و رواية سعد الإسكاف أنه لا يشترط في حرمة الغش كونه مما لا يعرف إلا من قبل البائع فيجب الإعلام بالعيب غير الخفي إلا أن تنزيل الحرمة في موارد الروايات الثلاث علي ما إذا تعمد الغش برجاء التلبيس علي المشتري و عدم التفطن له و إن كان من شأن ذلك العيب أن يتفطن له فلا تدل الروايات علي وجوب الإعلام إذا كان العيب من شأنه التفطن له فقصر المشتري و سامح في الملاحظة

[وجوب الإعلام بالعيب الخفي لو حصل الغش]

ثم إن غش المسلم إنما هو بيع المغشوش عليه مع جهله فلا فرق بين كون الاغتشاش بفعله أو بغيره فلو حصل اتفاقا أو لغرض وجب الإعلام بالعيب الخفي و يمكن أن يمنع صدق الأخبار المذكورة إلا علي ما إذا قصد التلبيس و أما ما هو ملتبس في نفسه فلا يجب عليه الإعلام. نعم يحرم عليه إظهار ما يدل علي سلامته من ذلك فالعبرة في الحرمة بقصد تلبيس الأمر علي المشتري سواء أ كان العيب خفيا أم جليا كما تقدم لا بكتمان العيب مطلقا أو خصوص الخفي و إن لم يقصد التلبيس و من هنا منع في التذكرة من كون بيع المعيب مطلقا مع عدم الإعلام بالعيب غشا. و في التفصيل المذكور في رواية الحلبي إشارة إلي هذا المعني حيث إنه ع جوز بل الطعام بدون قيد الإعلام إذا لم يقصد به الزيادة و إن حصلت به و حرمه مع قصد الغش. نعم يمكن أن يقال في صورة تعيب المبيع بخروجه عن مقتضي خلقته الأصلية بعيب خفي أو جلي أن التزام البائع بسلامته عن العيب مع علمه به غش للمشتري كما لو صرح باشتراط السلامة فإن العرف يحكمون علي البائع بهذا الشرط مع علمه بالعيب أنه غاش

[أقسام الغش]

ثم إن الغش يكون بإخفاء الأدني في الأعلي كمزج الجيد بالردي‌ء أو غير المراد في المراد كإدخال الماء في اللبن أو بإظهار الصفة الجيدة المفقودة واقعا و هو التدليس أو بإظهار الشي‌ء علي خلاف جنسه كبيع المموه علي أنه ذهب أو فضة

[ما أفاده المحقق الثاني في صحة المعاملة و فسادها]

ثم إن في جامع المقاصد ذكر في الغش بما يخفي- بعد تمثيله له بمزج اللبن بالماء وجهين في صحة المعاملة و فسادها من حيث إن المحرم هو الغش و المبيع عين مملوكة ينتفع بها و من أن المقصود بالبيع هو اللبن و الجاري عليه العقد هو المشوب. ثم قال و في الذكري في باب الجماعة ما حاصله إنه لو نوي الاقتداء بإمام معين علي أنه زيد فبان عمرا إن في الحكم نظرا و مثله ما لو قال بعتك هذا الفرس فإذا هو حمار و جعل منشأ التردد تغليب الإشارة أو الوصف انتهي.

[نقد ما ذكره المحقق الثاني]

و ما ذكره من وجهي الصحة و الفساد جار في مطلق العيب لأن المقصود هو الصحيح و الجاري عليه العقد هو المعيب و جعله من باب تعارض الإشارة و الوصف مبني علي إرادة الصحيح من عنوان المبيع فيكون قوله بعتك هذا العبد بعد تبين كونه أعمي بمنزلة قوله بعتك هذا البصير. و أنت خبير بأنه ليس الأمر كذلك كما سيجي‌ء في باب العيب بل وصف الصحة ملحوظ علي وجه الشرطية و عدم كونه مقوما للمبيع كما يشهد به العرف و الشرع. ثم لو فرض كون المراد من عنوان المشار إليه هو الصحيح لم يكن إشكال في تقديم العنوان علي الإشارة بعد ما فرض رحمه الله أن المقصود بالبيع هو اللبن و الجاري عليه العقد هو المشوب لأن ما قصد لم يقع و ما وقع لم يقصد و لذا اتفقوا علي بطلان الصرف فيما إذا تبين أحد العوضين معيبا من غير الجنس. و أما التردد في مسألة تعارض الإشارة و العنوان فهو من جهة اشتباه ما هو المقصود بالذات بحسب الدلالة اللفظية فإنها مرددة بين كون متعلق القصد أولا و بالذات هو العين الحاضرة و يكون اتصافه بالعنوان مبنيا علي الاعتقاد و كون متعلقة هو العنوان و الإشارة إليه باعتبار حضوره. أما علي تقدير العلم بما هو المقصود بالذات و مغايرته للموجود الخارجي كما فيما نحن فيه فلا يتردد أحد في البطلان.

[توجيه ما عن الذكري في مسألة الاقتداء]

و أما وجه تشبيه مسألة الاقتداء في الذكري بما يتعارض فيه الإشارة و الوصف في الكلام مع عدم الإجمال في النية فباعتبار عروض الاشتباه
المكاسب، ج‌1، ص 36
للناوي بعد ذلك فيما نواه إذ كثيرا ما يشتبه علي الناوي أنه خطر في ذهنه العنوان و نوي الاقتداء به معتقدا لحضوره المعتبر في إمام الجماعة فيكون الإمام هو المعنون بذلك العنوان و إنما أشار إليه معتقدا لحضوره أو أنه نوي الاقتداء بالحاضر و عنونه بذلك العنوان لإحراز معرفته بالعدالة أو تعنون به بمقتضي الاعتقاد من دون اختيار هذا.

[الاستدلال علي فساد بيع المغشوش بورود النهي عنه]

ثم إنه قد يستدل علي الفساد- كما نسب إلي المحقق الأردبيلي رحمه الله بورود النهي عن هذا البيع فيكون المغشوش منهيا عن بيعه كما أشير إليه في رواية قطع الدينار و الأمر بإلقائه في البالوعة معللا بقوله حتي لا يباع بشي‌ء و لأن نفس البيع غش منهي عنه

[المناقشة في هذا الاستدلال]

و فيه نظر فإن النهي عن البيع لكونه مصداقا لمحرم هو الغش لا يوجب فساده كما تقدم في بيع العنب علي من يعمله خمرا. و أما النهي عن بيع المغشوش لنفسه فلم يوجد في خبر و أما خبر الدينار فلو عمل به لخرجت المسألة عن مسألة الغش لأنه إذا وجب إتلاف الدينار و إلقاؤه في البالوعة كان داخلا فيما يكون المقصود منه حراما نظير آلات اللهو و القمار و قد ذكرنا ذلك فيما يحرم الاكتساب به لكون المقصود منه محرما فيحمل الدينار علي المضروب من غير جنس النقدين أو من غير الخالص منهما لأجل التلبيس علي الناس و معلوم أن مثله بهيئته لا يقصد منه إلا التلبيس فهي آلة الفساد لكل من دفعت إليه و أين هو من اللبن الممزوج بالماء و شبهه.

فالأقوي حينئذ في المسألة صحة البيع في غير القسم الرابع

ثم العمل علي ما تقتضيه القاعدة عند تبين الغش فإن كان قد غش في إظهار وصف مفقود كان فيه خيار التدليس و إن كان من قبيل شوب اللبن بالماء فالظاهر هنا خيار العيب لعدم خروجه بالمزج عن مسمي اللبن فهو لبن معيوب و إن كان من قبيل التراب الكثير في الحنطة كان له حكم تبعض الصفقة و ينقص من الثمن بمقدار التراب الزائد لأنه غير متمول و لو كان شيئا متمولا بطل البيع في مقابله
الغناء

الثالثة عشرة الغناء لا خلاف في حرمته في الجملة

[الأخبار المستفيضة الدالة علي الحرمة]

و الأخبار بها مستفيضة و ادعي في الإيضاح تواترها منها ما ورد مستفيضا في تفسير قول الزور في قوله تعالي وَ اجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ففي صحيحة زيد الشحام و مرسلة ابن أبي عمير و موثقة أبي بصير المرويات عن الكافي و رواية عبد الأعلي المحكية عن معاني الأخبار و حسنة هشام المحكية عن تفسير القمي رحمه الله تفسير قَوْلَ الزُّورِ بالغناء. و منها ما ورد مستفيضا في تفسير لهو الحديث كما في صحيحة ابن مسلم و رواية مهران بن محمد و رواية الوشاء و رواية حسن بن هارون و رواية عبد الأعلي السابقة. و منها ما ورد في تفسير الزور في قوله تعالي وَ الَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ كما في صحيحة ابن مسلم عن أبي عبد الله ع تارة بلا واسطة و أخري بواسطة أبي الصباح الكناني.
[المناقشة في دلالة الروايات علي حرمة الكيفية]
و قد يخدش في الاستدلال بهذه الروايات بظهور الطائفة الأولي بل الثانية في أن الغناء من مقولة الكلام لتفسير قول الزور به. و يؤيده ما في بعض الأخبار من أن قول الزور أن تقول للذي يغني أحسنت و يشهد له قول علي بن الحسين ع في مرسلة الفقيه الآتية: في الجارية التي لها صوت لا بأس لو اشتريتها فذكرتك الجنة يعني بقراءة القرآن و الزهد و الفضائل التي ليست بغناء و لو جعل التفسير من الصدوق دل علي الاستعمال أيضا. و كذا لهو الحديث بناء علي أنه من إضافة الصفة إلي الموصوف فيختص الغناء المحرم بما كان مشتملا علي الكلام الباطل فلا تدل علي حرمة نفس الكيفية و هو لم يكن في كلام باطل و منه تظهر الخدشة في الطائفة الثالثة حيث إن مشاهد الزور التي مدح الله تعالي من لا يشهدها هي مجالس التغني بالأباطيل من الكلام

[إشعار بعض النصوص بكون اللهو علي إطلاقه مبغوضا لله تعالي]

فالإنصاف أنها لا تدل علي حرمة نفس الكيفية إلا من حيث إشعار لهو الحديث بكون لهو الحديث علي إطلاقه مبغوضا لله تعالي. و كذا الزور بمعني الباطل و إن تحققا في كيفية الكلام لا في نفسه كما إذا تغني في كلام حق من قرآن أو دعاء أو مرثية. و بالجملة فكل صوت يعد في نفسه مع قطع النظر عن الكلام المتصوت به لهوا و باطلا فهو حرام

[الروايات الدالة علي حرمة الغناء من حيث كونه لهوا و باطلا و لغوا]

و مما يدل علي حرمة الغناء من حيث كونه لهوا و باطلا و لغوا رواية عبد الأعلي و فيها ابن فضال قال: سألت أبا عبد الله ع عن الغناء و قلت إنهم يزعمون أن رسول الله ص رخص في أن يقال جئناكم جئناكم حيونا حيونا نحيكم فقال كذبوا إن الله تعالي يقول ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما لاعِبِينَ لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَي الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَ لَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ ثم قال قال ويل لفلان مما يصف رجل لم يحضر المجلس إلي آخر الخبر. فإن الكلام المذكور المرخص فيه بزعمهم ليس بالباطل و اللهو اللذين يكذب الإمام ع رخصة النبي ص فيه فليس الإنكار الشديد و جعل ما زعموا الرخصة فيه من اللهو بالباطل إلا من جهة التغني به. و رواية يونس قال: سألت الخراساني ص عن الغناء و قلت إن العباسي زعم أنك ترخص في الغناء فقال كذب الزنديق ما هكذا قلت له سألني عن الغناء فقلت له إن رجلا أتي أبا جعفر ع فسأله عن الغناء فقال له يا فلان إذا ميز الله بين الحق و الباطل فأين يكون الغناء قال مع الباطل فقال ع حسبك فقد حكمت و رواية محمد بن أبي عباد و كان مستهترا بالسماع و بشرب النبيذ قال: سألت الرضا ع عن السماع قال لأهل الحجاز فيه رأي و هو في حيز الباطل و اللهو أ ما سمعت الله عز و جل يقول وَ إِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً. و الغناء من السماع كما نص عليه في الصحاح و قال أيضا جارية مسمعة أي مغنية. و في رواية الأعمش الواردة في تعداد الكبائر قوله: و الملاهي التي تصد عن ذكر الله كالغناء و ضرب الأوتار و قوله ع: و قد سئل عن الجارية المغنية قد يكون للرجل جارية تلهيه و ما ثمنها إلا كثمن الكلب. و ظاهر هذه الأخبار بأسرها حرمة الغناء من حيث اللهو و الباطل فالغناء و هي من مقولة الكيفية للأصوات كما سيجي‌ء إن كان مساويا للصوت اللهوي و الباطل كما هو الأقوي و سيجي‌ء فهو و إن كان أعم وجب تقييد بما كان من هذا العنوان كما أنه لو كان أخص وجب التعدي منه إلي مطلق الصوت الخارج علي وجه اللهو.

[المحرم ما كان من لحون أهل الفسوق و المعاصي]

و بالجملة فالمحرم هو ما كان من لحون أهل الفسوق و المعاصي التي ورد النهي عن قراءة القرآن بها سواء أ كان مساويا للغناء أم أعم أو أخص مع أن الظاهر أنه ليس الغناء إلا هو

[كلمات اللغويين في معني الغناء]

و إن اختلفت فيه عبارات الفقهاء و اللغويين فعن المصباح أن الغناء الصوت و عن آخر أنه مد الصوت و عن النهاية عن الشافعي أنه تحسين الصوت و ترقيقه و عنها أيضا أن كل من رفع صوتا و والاه فصوته عند العرب غناء. و كل هذه المفاهيم مما يعلم عدم حرمتها و عدم صدق الغناء عليها فكلها إشارة إلي المفهوم المعين عرفا

[تعريف المشهور للغناء]

و الأحسن
المكاسب، ج‌1، ص 37
من الكل ما تقدم من الصحاح و يقرب منه المحكي عن المشهور بين الفقهاء من أنه مد الصوت المشتمل علي الترجيع المطرب

[معني الطرب]

و الطرب علي ما في الصحاح خفة تعتري الإنسان لشدة حزن أو سرور و عن الأساس للزمخشري خفة لسرور أو هم. و هذا القيد هو المدخل للصوت في أفراد اللهو و هو الذي أراده الشاعر بقوله أ طربا و أنت قنسري أي شيخ كبير و إلا فمجرد السرور أو الحزن لا يبعد عن الشيخ الكبير.

[مجرد مد الصوت لا مع الترجيع المطرب لا يعد لهوا]

و بالجملة فمجرد مد الصوت لا مع الترجيع المطرب أو و لو مع الترجيع لا يوجب كونه لهوا و من اكتفي بذكر الترجيع كالقواعد أراد به المقتضي للإطراب.
قال في جامع المقاصد في الشرح ليس مجرد مد الصوت محرما و إن مالت إليه النفوس ما لم ينته إلي حد يكون مطربا بالترجيع المقتضي للإطراب انتهي.

[هل المراد بالمطرب كونه مطربا فعلا]

ثم إن المراد بالمطرب ما كان مطربا في الجملة بالنسبة إلي المغني أو المستمع أو ما كان من شأنه الإطراب و مقتضيا له لو لم يمنع عنه مانع من جهة قبح الصوت أو غيره. و أما لو اعتبر الإطراب فعلا خصوصا بالنسبة إلي كل أحد و خصوصا بمعني الخفة لشدة السرور أو الحزن فيشكل لخلو أكثر ما هو غناء عرفا عنه و كان هذا هو الذي دعا الشهيد الثاني إلي أن زاد في الروضة و المسالك بعد تعريف المشهور قوله أو ما يسمي في العرف غناء و تبعه في مجمع الفائدة و غيره.

[ما زعمه صاحب مفتاح الكرامة من أن الإطراب غير الطرب]

و لعل هذا أيضا دعا صاحب مفتاح الكرامة إلي زعم أن الإطراب في تعريف الغناء غير الطرب المفسر في الصحاح بخفة لشدة سرور أو حزن و إن توهمه صاحب مجمع البحرين و غيره من أصحابنا. و استشهد علي ذلك بما في الصحاح من أن التطريب في الصوت مدة و تحسينه. و ما عن المصباح من أن طرب في صوته مدة و رجعة. و في القاموس الغناء ككساء من الصوت ما طرب به و أن التطريب الإطراب كالتطرب و التغني. قال رحمه الله فتحصل من ذلك أن المراد بالتطريب و الإطراب غير الطرب بمعني الخفة لشدة حزن أو سرور كما توهمه صاحب مجمع البحرين و غيره من أصحابنا فكأنه قال في القاموس الغناء من الصوت ما مد و حسن و رجع فانطبق علي المشهور إذ الترجيع تقارب ضروب حركات الصوت و النفس فكان لازما للإطراب و التطريب انتهي كلامه.

[نقد ما أفاده في مفتاح الكرامة]

و فيه أن الطرب إذا كان معناه علي ما تقدم من الجوهري و الزمخشري هو ما يحصل للإنسان من الخفة لا جرم يكون المراد بالإطراب و التطريب إيجاد هذه الحالة و إلا لزم الاشتراك اللفظي به مع أنهم لم يذكروا للطرب معني آخر ليشتق منه لفظ التطريب و الإطراب. مضافا إلي أن ما ذكر في معني التطريب من الصحاح و المصباح إنما هو للفعل القائم بذي الصوت لا الإطراب القائم بالصوت و هو المأخوذ في تعريف الغناء عند المشهور دون فعل الشخص فيمكن أن يكون معني تطريب الشخص في صوته إيجاد سبب الطرب بمعني الخفة بمد الصوت و تحسينه و ترجيعه كما أن تفريح الشخص إيجاد سبب الفرح بفعل ما يوجبه فلا ينافي ذلك ما ذكر ما معني الطرب. و كذا ما في القاموس من قوله ما طرب به يعني ما أوجد به الطرب
مع أنه لا مجال لتوهم كون التطريب بمادته بمعني التحسين و الترجيع
إذ لم يتوهم أحد كون الطرب بمعني الحسن و الرجوع أو كون التطريب هو نفس المد فليست هذه الأمور إلا أسبابا للطرب يراد إيجاده من فعل هذه الأسباب. هذا كله مضافا إلي عدم إمكان إرادة ما ذكر من المد و التحسين و الترجيع من المطرب في قول الأكثر إن الغناء مد الصوت المشتمل علي الترجيع المطرب كما لا يخفي مع أن مجرد المد و الترجيع و التحسين لا يوجب الحرمة قطعا لما مر و سيجي‌ء فتبين من جميع ما ذكرنا أن المتعين حمل المطرب في تعريف الأكثر للغناء علي الطرب بمعني الخفة. و توجيه كلامهم بإرادة ما يقتضي الطرب و يعرض له بحسب وضع نوع ذلك الترجيع و إن لم يطرب شخصه لمانع من غلظة الصوت و مج الإسماع له. و لقد أجاد في الصحاح حيث فسر الغناء بالسماع و هو المعروف عند أهل العرف و قد تقدم في رواية محمد بن أبي عباد المستهتر بالسماع.

[المتحصل من الأدلة حرمة الصوت المرجع فيه علي سبيل اللهو]

و كيف كان فالمحصل من الأدلة المتقدمة حرمة الصوت المرجع فيه علي سبيل اللهو فإن اللهو كما يكون بآلة من غير صوت كضرب الأوتار و نحوه و بالصوت في الآلة كالمزمار و القصب و نحوهما فقد يكون بالصوت المجرد فكل صوت يكون لهوا بكيفية و معدودا من ألحان أهل الفسوق و المعاصي فهو حرام و إن فرض أنه ليس بغناء و كل ما لا يعد لهوا فليس بحرام و إن فرض صدق الغناء عليه فرضا غير محقق لعدم الدليل علي حرمة الغناء إلا من حيث كونه باطلا و لهوا و لغوا و زورا
ثم إن اللهو يتحقق بأمرين
أحدهما قصد التلهي و إن لم يكن لهوا الثاني كونه لهوا في نفسه عند المستمعين و إن لم يقصد به التلهي
ثم إن المرجع في اللهو إلي العرف
و الحاكم بتحققه هو الوجدان حيث يجد الصوت المذكور مناسبا لبعض آلات اللهو و الرقص و لحضور ما يستلذ القوي الشهوية من كون المغني جارية أو أمرد أو نحو ذلك و مراتب الوجدان المذكور مختلفة في الوضوح و الخفاء فقد يحس بعض الترجيع من مبادي الغناء و لم يبلغه.
و ظهر مما ذكرنا أنه لا فرق بين استعمال هذه الكيفية في كلام حق أو باطل
فقراءة القرآن و الدعاء و المراثي بصوت يرجع فيه علي سبيل اللهو لا إشكال في حرمتها و لا في تضاعف عقابها لكونها معصية في مقام الطاعة و استخفافا بالمقرو و المدعو و المرثي. و من أوضح تسويلات الشيطان أن الرجل المتستر- قد تدعوه نفسه لأجل التفرج و التنزه و التلذذ إلي ما يوجب نشاطه و رفع الكسالة عنه من الزمزمة الملهية فيجعل ذلك في بيت من الشعر المنظوم في الحكم و المراثي و نحوها فيتغني به أو يحضر عند من يفعل ذلك. و ربما يعد مجلسا لأجل إحضار أصحاب الألحان و يسميه مجلس المرثية فيحصل له بذلك ما لا يحصل له من ضرب الأوتار من النشاط و الانبساط. و ربما يبكي في خلال ذلك- لأجل الهموم المركوزة في قلبه الغائبة عن خاطره من فقد ما يستحضره القوي الشهوية و يتخيل أنه بكي في المرثية و فاز بالمرتبة العالية و قد أشرف علي النزول إلي دركات الهاوية فلا ملجأ إلا إلي الله من شر الشيطان و النفس الغاوية.

[عروض بعض الشبهات في الحكم أو الموضوع]

اشارة

[عروض بعض الشبهات في الحكم أو الموضوع]
و ربما يجري علي هذا عروض الشبهة في الأزمنة المتأخرة في هذه المسألة فتارة من حيث أصل الحكم و أخري من حيث الموضوع و ثالثة من اختصاص الحكم ببعض الموضوع.

[الأول الشبهة في أصل الحكم]

[كلام الكاشاني في جواز الغناء في نفسه]

اشارة

أما الأول فلأنه حكي عن المحدث الكاشاني- أنه خص الحرام منه بما اشتمل علي محرم من خارج مثل اللعب بآلات اللهو و دخول الرجال علي النساء و الكلام بالباطل و إلا فهو في نفسه غير محرم. و المحكي من كلامه في الوافي أنه بعد حكاية الأخبار التي يأتي بعضها قال الذي يظهر من مجموع الأخبار الواردة فيه اختصاص حرمة الغناء و ما يتعلق به من الأجر و التعليم و الاستماع و البيع و الشراء كلها بما كان علي النحو المعهود المتعارف في زمن الخلفاء [بني أمية و بني العباس] من دخول الرجال عليهن و تكلمهن بالأباطيل
المكاسب، ج‌1، ص 38
و لعبهن بالملاهي من العيدان و القصب و غيرهما دون ما سوي ذلك من أنواعه كما يشعر به قوله ع ليست بالتي يدخل عليها الرجال إلي أن قال و علي هذا فلا بأس بسماع التغني بالأشعار المتضمنة لذكر الجنة و النار و التشويق إلي دار القرار و وصف نعم الله الملك الجبار و ذكر العبادات و الترغيب في الخيرات و الزهد في الفانيات و نحو ذلك كما أشير إليه في حديث الفقيه بقوله فذكرتك الجنة و ذلك لأن هذا كله ذكر الله و ربما تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم و قلوبهم إلي ذكر الله.
و بالجملة فلا يخفي علي أهل الحجي بعد سماع هذه الأخبار تمييز حق الغناء عن باطله و أن أكثر ما يتغني به المتصوفة في محافلهم من قبيل الباطل انتهي.

[نقد ما أفاده المحدث الكاشاني]

[نقد ما أفاده المحدث الكاشاني]
أقول لو لا استشهاده بقوله ليست بالتي يدخل عليها الرجال أمكن بلا تكلف تطبيق كلامه علي ما ذكرناه من أن المحرم هو الصوت اللهوي الذي يناسبه اللعب بالملاهي و التكلم بالأباطيل و دخول الرجال علي النساء لحظ السمع و البصر من شهوة الزني دون مجرد الصوت الحسن الذي يذكر أمور الآخرة و ينسي شهوات الدنيا. إلا أن استشهاده بالرواية ليست بالتي يدخل عليها الرجال ظاهر في التفصيل بين أفراد الغناء لا من حيث نفسه فإن صوت المغنية التي تزف العرائس علي سبيل اللهو لا محالة و لذا لو قلنا بإباحته فيما يأتي كنا قد خصصناه بالدليل

[نسبة ما قاله المحدث الكاشاني إلي صاحب الكفاية]

و نسب القول المذكور إلي صاحب الكفاية أيضا. و الموجود فيها بعد ذكر الأخبار المتخالفة جوازا و منعا في القرآن و غيره

[كلام صاحب الكفاية في الجمع بين الأخبار]

اشارة

أن الجمع بين هذه الأخبار يمكن بوجهين أحدهما تخصيص تلك الأخبار الواردة المانعة بما عدا القرآن و حمل ما يدل علي ذم التغني بالقرآن علي قراءة تكون علي سبيل اللهو كما يصنعه الفساق في غنائهم و يؤيده رواية عبد الله بن سنان المذكورة: اقرءوا القرآن بألحان العرب و إياكم و لحون أهل الفسوق و الكبائر و سيجي‌ء من بعدي أقوام يرجعون القرآن ترجيع الغناء. و ثانيهما أن يقال و حاصل ما قال حمل الأخبار المانعة علي الفرد الشائع في ذلك الزمان قال و الشائع في ذلك الزمان الغناء علي سبيل اللهو من الجواري و غيرهن في مجالس الفجور و الخمور و العمل بالملاهي و التكلم بالباطل و إسماعهن الرجال فحمل المفرد المعرف يعني لفظ الغناء علي تلك الأفراد الشائعة في ذلك الزمان غير بعيد. ثم ذكر رواية علي بن جعفر الآتية و رواية اقرءوا القرآن المتقدمة و قوله ليست بالتي يدخل عليها الرجال مؤيدا لهذا الحمل قال إن فيه إشعارا بأن منشأ المنع في الغناء هو بعض الأمور المحرمة المقترنة به كالالتهاء و غيره إلي أن قال إن في عدة من أخبار المنع عن الغناء إشعارا بكونه لهوا باطلا و صدق ذلك في القرآن و الدعوات و الأذكار المقروة بالأصوات الطيبة المذكرة للجنة المهيجة للشوق إلي العالم الأعلي محل تأمل علي أن التعارض واقع بين أخبار الغناء و الأخبار الكثيرة المتواترة الدالة علي فضل قراءة القرآن و الأدعية و الأذكار بالصوت الحسن مع عمومها لغة و كثرتها و موافقتها للأصل. و النسبة بين الموضوعين عموم من وجه فإذا لا ريب في تحريم الغناء علي سبيل اللهو و الاقتران بالملاهي و نحوهما ثم إن ثبت إجماع في غيره و إلا بقي حكمه علي الإباحة و طريق الاحتياط واضح انتهي

[نقد ما أفاده صاحب الكفاية]

أقول لا يخفي أن الغناء علي ما استفدناه من الأخبار بل و فتاوي الأصحاب و قول أهل اللغة هو من الملاهي نظير ضرب الأوتار و النفخ في القصب و المزمار و قد تقدم التصريح بذلك في رواية الأعمش الواردة في الكبائر فلا يحتاج في حرمته إلي أن يقترن بالمحرمات الأخر كما هو ظاهر بعض ما تقدم من المحدثين المذكورين.

[المظنون عدم إفتاء أحد بحرمة الصوت الحسن]

نعم لو فرض كون الغناء موضوعا لمطلق الصوت الحسن كما يظهر من بعض ما تقدم في تفسير معني التطريب توجه ما ذكر بل لا أظن أحدا يفتي بإطلاق حرمة الصوت الحسن. و الأخبار بمدح الصوت الحسن و أنه من أجمل الجمال و استحباب القراءة و الدعاء به و أنه حلية القرآن و اتصاف الأنبياء و الأئمة به في غاية الكثرة

[الأخبار في مدح الصوت الحسن في غاية الكثرة]

و قد جمعها في الكفاية بعد ما ذكر أن غير واحد من الأخبار يدل علي جواز الغناء في القرآن بل استحبابه بناء علي دلالة الروايات علي استحباب حسن الصوت و التحزين و الترجيع به و الظاهر أن شيئا منها لا يوجد بدون الغناء علي ما استفيد من كلام أهل اللغة و غيرهم علي ما فصلناه في بعض رسائلنا انتهي و قد صرح في شرح قوله ص: اقرءوا القرآن بألحان العرب إن اللحن هو الغناء. و بالجملة فنسبة الخلاف إليه في معني الغناء أولي من نسبة التفصيل إليه بل ظاهر أكثر كلمات المحدث الكاشاني أيضا ذلك لأنه في مقام نفي التحريم عن الصوت الحسن المذكر لأمور الآخرة المنسي لشهوات الدنيا.

[ظهور بعض كلمات المحقق السبزواري و المحدث الكاشاني في ما نسب إليهما]

نعم بعض كلماتهما ظاهرة فيما نسب إليهما التفصيل في الصوت اللهوي الذي ليس هو عند التأمل تفصيلا بل قول بإطلاق جواز الغناء و أنه لا حرمة فيه أصلا و إنما الحرام ما يقترن به من المحرمات فهو علي تقدير صدق نسبته إليهما في غاية الضعف لا شاهد له يقيد الإطلاقات الكثيرة المدعي تواترها إلا بعض الروايات التي ذكراها

[بعض الروايات التي يمكن أن تكون شاهدة لما نسب إليهما]

اشارة

منها ما عن الحميري بسند لم يبعد في الكفاية إلحاقه بالصحاح عن علي بن جعفر عن أخيه ع قال: سألته عن الغناء في الفطر و الأضحي و الفرح قال لا بأس به ما لم يعص به و المراد به ظاهرا ما لم يصر الغناء سببا للمعصية و لا مقدمة للمعاصي المقارنة له و منها ما في كتاب علي بن جعفر عن أخيه قال: سألته عن الغناء هل يصلح في الفطر و الأضحي و الفرح قال لا بأس ما لم يزمر به و الظاهر أن المراد بقوله ما لم يزمر به ما لم يلعب معه بالمزمار أو ما لم يكن الغناء بالمزمار و نحوه من آلات الأغاني. و رواية أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله ع عن كسب المغنيات فقال التي يدخل عليها الرجال حرام و التي تدعي إلي الأعراس لا بأس به و هو قول الله عز و جل وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ و عن أبي بصير عن أبي عبد الله ع قال: أجر المغنية التي تزف العرائس لبس به بأس ليست بالتي يدخل عليها الرجال فإن ظاهر الثانية و صريح الأولي أن حرمة الغناء منوطة بما يقصد منه فإن كان المقصود إقامة مجلس اللهو حرم و إلا فلا. و قوله في الرواية و هو قول الله إشارة إلي ما ذكره من التفصيل و يظهر منه أن كلا الغناءين من لهو الحديث لكن يقصد بأحدهما إدخال الناس في المعاصي و الإخراج عن سبيل الحق و طريق الطاعة دون الآخر.

[توجيه الروايات]

و أنت خبير بعدم مقاومة هذه الأخبار للإطلاقات لعدم ظهور يعتد به في دلالتها فإن الرواية الأولي لعلي بن جعفر
المكاسب، ج‌1، ص 39
ظاهرة في تحقق المعصية بنفس الغناء فيكون المراد بالغناء مطلق الصوت المشتمل علي الترجيع و هو قد يكون مطربا ملهيا فيحرم و قد لا ينتهي إلي ذلك الحد فلا يعصي به و منه يظهر توجيه الرواية الثانية لعلي بن جعفر ع فإن معني قوله لم يزمر به لم يرجع فيه ترجيع المزمار أو أن المراد من الزمر التغني علي سبيل اللهو. و أما رواية أبي بصير مع ضعفها سندا بعلي بن أبي حمزة البطائني فلا تدل إلا علي كون غناء المغنية التي يدخل عليها الرجال داخلا في لهو الحديث في الآية و عدم دخول غناء التي تدعي إلي الأعراس فيه و هذا لا يدل علي دخول ما لم يكن منهما في القسم المباح مع كونه من لهو الحديث قطعا فإذا فرضنا أن المغني يغني بإشعار باطلة فدخول هذا في الآية أقرب من خروجه. و بالجملة فالمذكور في الرواية تقسيم غناء المغنية باعتبار ما هو الغالب من أنها تطلب للتغني إما في المجالس المختصة بالنساء كما في الأعراس و إما للتغني في مجالس الرجال.

[عدم رفع اليد عن إطلاق الحرمة لأجل إشعار بعض الروايات بالجواز]

نعم الإنصاف أنه لا يخلو من إشعار بكون المحرم هو الذي يدخل فيه الرجال علي المغنيات لكن المنصف لا يرفع اليد عن الإطلاقات لأجل هذا الإشعار خصوصا مع معارضته بما هو كالصريح في حرمة غناء المغنية و لو لخصوص مولاها كما تقدم من قوله ع: قد يكون للرجل الجارية تلهيه و ما ثمنها إلا ثمن الكلب فتأمل. و بالجملة فضعف هذا القول بعد ملاحظة النصوص أظهر من أن يحتاج إلي الإظهار و ما أبعد ما بين هذا و بين ما سيجي‌ء من فخر الدين من عدم تجويز الغناء في الأعراس لأن الروايتين و إن كانتا نصين في الجواز إلا أنهما لا تقاومان الأخبار المانعة لتواترها. و أما ما ذكره في الكفاية من تعارض أخبار المنع للأخبار الواردة في فضل قراءة القرآن فيظهر فساده عند التكلم في التفصيل

و أما الثاني و هو الاشتباه في الموضوع

فهو ما ظهر من بعض من لا خبرة له من طلبة زماننا تقليدا لمن سبقه من أعياننا من منع صدق الغناء في المراثي و هو عجيب فإنه إن أراد أن الغناء مما يكون لمواد الألفاظ دخل فيه فهو تكذيب للعرف و اللغة. أما اللغة فقد عرفت و أما العرف فلأنه لا ريب في أن من سمع من بعيد صوتا مشتملا علي الإطراب المقتضي للرقص أو ضرب آلات اللهو لا يتأمل في إطلاق الغناء عليه إلي أن يعلم مواد الألفاظ و إن أراد أن الكيفية التي يقرأ بها للمرثية لا يصدق عليها تعريف الغناء فهو تكذيب للحسن.

و أما الثالث و هو اختصاص الحرمة ببعض أفراد الموضوع

اشارة

فقد حكي في جامع المقاصد قولا لم يسم قائله باستثناء الغناء في المراثي نظير استثنائه في الأعراس و لم يذكر وجهه و ربما وجهه بعض من متأخري المتأخرين لعمومات أدلة الإبكاء و الرثاء و قد أخذ ذلك مما تقدم عن صاحب الكفاية من الاستدلال بإطلاق أدلة قراءة القرآن.

[المناقشة فيه أن أدلة المستحبات لا تقاوم أدلة المحرمات]

و فيه أن أدلة المستحبات لا تقاوم أدلة المحرمات خصوصا التي تكون من مقدماتها فإن مرجع أدلة الاستحباب- إلي استحباب إيجاد الشي‌ء بسببه المباح لا بسببه المحرم أ لا تري أنه لا يجوز إدخال السرور في قلب المؤمن و إجابته بالمحرمات كالزنا و اللواط و الغناء و السر في ذلك أن دليل الاستحباب إنما يدل علي كون الفعل لو خلي و طبعه خاليا عما يوجب لزوم أحد طرفيه فلا ينافي ذلك طرو عنوان من الخارج يوجب لزوم فعله أو تركه كما إذا صار مقدمة لواجب أو صادفه عنوان محرم فأجابه المؤمن و إدخال السرور في قلبه ليس في نفسه شي‌ء ملزما لفعله أو تركه فإذا تحقق في ضمن الزني فقد طرأ عليه عنوان ملزم لتركه كما أنه إذا أمر به الوالد أو السيد طرأ عليه عنوان ملزم لفعله. و الحاصل أن جهات الأحكام الثلاثة أعني الإباحة و الاستحباب و الكراهة لا تزاحم جهة الوجوب أو الحرمة فالحكم لهما مع اجتماع جهتيهما مع إحدي الجهات الثلاث.

[الاستشهاد بالنبوي]

و يشهد لما ذكرنا من عدم تأدي المستحبات في ضمن المحرمات قوله ص: اقرءوا القرآن بألحان العرب و إياكم و لحون أهل الفسوق و الكبائر و سيجي‌ء بعدي أقوام يرجعون القرآن ترجيع الغناء و النوح و الرهبانية لا يجوز تراقيهم قلوبهم مقلوبة و قلوب من يعجبه شأنهم قال في الصحاح اللحن واحد الألحان و اللحون و منه الحديث اقرءوا القرآن بلحون العرب و قد لحن في قراءته إذا طرب بها و غرد و هو ألحن الناس إذا كان أحسنهم قراءة أو غناء انتهي.

[ما أفاده صاحب الحدائق حول كلمة اللحن]

و صاحب الحدائق جعل اللحن في هذا الخبر بمعني اللغة أي بلغة العرب و كأنه أراد باللغة اللهجة و تخيل أن إبقاءه علي معناه يوجب ظهور الخبر في جواز الغناء في القرآن.

[المناقشة في ما أفاده صاحب الحدائق]

و فيه ما تقدم من أن مطلق اللحن إذا لم يكن علي سبيل اللهو ليس غناء. و قوله ص و إياكم و لحون أهل الفسوق نهي عن الغناء في القرآن ثم إن في قوله لا يجوز تراقيهم إشارة إلي أن مقصودهم ليس تدبر معاني القرآن بل هو مجرد الصوت المطرب.

[لا منافاة بين حرمة الغناء في القرآن و بين ما روي في الترجيع بالقرآن]

و ظهر مما ذكرنا أنه لا تنافي بين حرمة الغناء في القرآن و ما ورد من قوله ع: و رجع بالقرآن صوتك فإن الله يحب الصوت الحسن فإن المراد بالترجيع ترديد الصوت في الحلق و من المعلوم أن مجرد ذلك لا يكون غناء إذا لم يكن علي سبيل اللهو فالمقصود من الأمر بالترجيع أن لا يقرأ كقراءة عبائر الكتب عند المقابلة لكن مجرد الترجيع لا يكون غناء و لذا جعله نوعا منه في قوله ص يرجعون القرآن ترجيع الغناء. و في محكي شمس العلوم أن الترجيع ترديد الصوت مثل ترجيع أهل الألحان و القراءة و الغناء انتهي. و بالجملة فلا تنافي بين الخبرين و لا بينهما و بين ما دل علي حرمة الغناء حتي في القرآن كما تقدم زعمه من صاحب الكفاية في بعض ما ذكره من عدم اللهو في قراءة القرآن و غيره

[ما ذكره المحقق الأردبيلي في تأييد استثناء المراثي و المناقشة فيه]

تبعا لما ذكره المحقق الأردبيلي رحمه الله حيث إنه بعد ما وجه استثناء المراثي و غيرها من الغناء بأنه ما ثبت الإجماع إلا في غيرها. و الأخبار ليست بصحيحة صريحة في التحريم مطلقا أيد استثناء المراثي بأن البكاء و التفجع مطلوب مرغوب و فيه ثواب عظيم و الغناء معين علي ذلك و أنه متعارف دائما في بلاد المسلمين من زمن المشايخ إلي زماننا هذا من غير نكير ثم أيده بجواز النياحة و جواز أخذ الأجرة عليها و الظاهر أنها لا تكون إلا معه و بأن تحريم الغناء للطرب علي الظاهر و ليس في المراثي طرب بل ليس إلا الحزن انتهي. و أنت خبير بأن شيئا مما ذكره لا ينفع في جواز الغناء علي الوجه الذي ذكرناه

[منع كون الغناء معينا علي البكاء]

أما كون الغناء معينا علي البكاء و التفجع فهو ممنوع بناء علي ما عرفت من كون الغناء هو الصوت اللهوي بل و علي ظاهر تعريف المشهور من الترجيع المطرب لأن الطرب الحاصل منه إن كان سرورا فهو مناف للتفجيع لا معين له و إن كان حزنا فهو علي ما هو المركوز في النفس الحيوانية من فقد
المكاسب، ج‌1، ص 40
المشتهيات النفسانية لا علي ما أصاب سادات الزمان مع أنه علي تقدير الإعانة لا ينفع في جواز الشي‌ء كونه مقدمة لمستحب أو مباح بل لا بد من ملاحظة عموم دليل الحرمة له فإن كان فهو و إلا فيحكم بإباحته للأصل و علي أي حال فلا يجوز التمسك في الإباحة بكونه مقدمة لغير حرام لما عرفت

[توجيه كلام الأردبيلي في نفيه الطرب في المراثي]

ثم إنه يظهر من هذا و ما ذكر أخيرا من أن المراثي ليس فيها طرب أن نظره إلي المراثي المتعارفة لأهل الديانة التي لا يقصدونها إلا للتفجع و كأنه لم يحدث في عصره المراثي التي يكتفي بها أهل اللهو و المترفون من الرجال و النساء بها عن حضور مجالس اللهو و ضرب العود و الأوتار و التغني بالقصب و المزمار كما هو الشائع في زماننا الذي قد أخبر النبي ص بنظيره في قوله يتخذون القرآن مزامير كما أن زيارة سيدنا و مولانا أبي عبد الله ع صار سفرها من أسفار اللهو و النزاهة لكثير من المترفين. و قد أخبر النبي ص بنظيره في سفر الحج: و أنه يحج أغنياء أمتي للنزهة و الأوساط للتجارة و الفقراء للسمعة و كان كلامه ص كالكتاب العزيز واردا في مورد و جاريا في نظيره. و الذي أظن أن ما ذكرناه في معني الغناء المحرم من أنه الصوت اللهوي أن هؤلاء و غيرهم غير مخالفين فيه و أما ما لم يكن علي جهة اللهو المناسب لسائر آلاته فلا دليل علي تحريمه لو فرض شمول الغناء له لأن مطلقات الغناء منزلة علي ما دل علي إناطة الحكم فيه باللهو و الباطل من الأخبار المتقدمة خصوصا مع انصرافها في أنفسها كأخبار المغنية إلي هذا الفرد.

بقي الكلام فيما استثناه المشهور

اشارة

و هو أمران

أحدهما الحداء

بالضم كدعاء صوت يرجع فيه للسير بالإبل. و في الكفاية أن المشهور استثناؤه و قد صرح بذلك في شهادات الشرائع و القواعد و في الدروس و علي تقدير كونه من الأصوات اللهوية كما يشهد به استثناؤهم إياه عن الغناء بعد أخذهم الإطراب في تعريفه فلم أجد ما يصلح لاستثنائه مع تواتر الأخبار بالتحريم عدا رواية نبوية ذكرها في المسالك من تقرير النبي ص لعبد الله بن رواحة حيث حدا للإبل و كان حسن الصوت و في دلالته و سنده ما لا يخفي.

الثاني غناء المغنية في الأعراس

إذا لم يكتنف بها محرم آخر من التكلم بالأباطيل و اللعب بآلات الملاهي المحرمة و دخول الرجال علي النساء و المشهور استثناؤه للخبرين المتقدمين عن أبي بصير في أجر المغنية التي تزف العرائس و نحوهما ثالث عنه أيضا. و إباحة الأجر لازمة لإباحة الفعل و دعوي أن الأجر لمجرد الزف لا للغناء عنده مخالفة للظاهر لكن في سند الروايات أبو بصير و هو غير صحيح و الشهرة علي وجه يوجب الانجبار غير ثابتة لأن المحكي عن المفيد رحمه الله و المرتضي و ظاهر الحلبي و صريح الحلي و التذكرة و الإيضاح بل كل من لم يذكر الاستثناء بعد التعميم المنع. لكن الإنصاف أن سند الروايات و إن انتهت إلي أبي بصير إلا أنه لا يخلو من وثوق فالعمل بها تبعا للأكثر غير بعيد و إن كان الأحوط كما في الدروس الترك و الله العالم
الغيبة

الرابعة عشرة الغيبة حرام بالأدلة الأربعة

و يدل عليه من الكتاب

قوله تعالي وَ لا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ فجعل المؤمن أخا و عرضه كلحمه و التفكه به أكلا و عدم شعوره بذلك بمنزلة حالة موته.
و قوله تعالي وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ و قوله تعالي لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ و قوله تعالي إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ.

و يدل عليه من الأخبار

ما لا يحصي فمنها ما روي عن النبي ص بعده طرق: أن الغيبة أشد من الزني و إن الرجل يزني فيتوب و يتوب الله عليه و إن صاحب الغيبة لا يغفر له حتي يغفر له صاحبه و عنه ص: أنه خطب يوما فذكر الربا و عظم شأنه فقال إن الدرهم يصيبه الرجل من الربا أعظم من ستة و ثلاثين زنية و إن أربي الربا عرض الرجل المسلم و عنه ص: من اغتاب مسلما أو مسلمة لم يقبل الله صلاته و لا صيامه أربعين صباحا إلا أن يغفر له صاحبه و عنه ص: من اغتاب مؤمنا بما فيه لم يجمع الله بينهما في الجنة و من اغتاب مؤمنا بما ليس فيه انقطعت العصمة بينهما و كان المغتاب خالدا في النار و بئس المصير و عنه ع: كذب من زعم أنه ولد من حلال و هو يأكل لحوم الناس بالغيبة فاجتنب الغيبة فإنها إدام كلاب النار و عنه ع: من مشي في غيبة أخيه و كشف عورته كانت أول خطوة خطاها وضعها في جهنم و روي: أن المغتاب إذا تاب فهو آخر من يدخل الجنة و إن لم يتب فهو أول من يدخل النار و عنه ص: إن الغيبة حرام علي كل مسلم و إن الغيبة لتأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب و أكل الحسنات إما أن يكون علي وجه الإحباط أو لاضمحلال ثوابها في جنب عقابه أو لأنها تنقل الحسنات إلي المغتاب كما في غير واحد من الأخبار. و منها النبوي ص: يؤتي بأحد يوم القيامة فيوقف بين يدي الرب عز و جل و يدفع إليه كتابه فلا يري حسناته فيه فيقول إلهي ليس هذا كتابي لا أري فيه حسناتي فيقال له إن ربك لا يضل و لا ينسي ذهب عملك باغتياب الناس ثم يؤتي بآخر و يدفع إليه كتابه فيري فيه طاعات كثيرة فيقول إلهي ما هذا كتابي فإني ما عملت هذه الطاعات فيقال له إن فلانا اغتابك فدفعت حسناته إليك الخبر و منها ما ذكره كاشف الريبة رحمه الله رواية عن عبد الله بن سليمان النوفلي الطويلة عن الصادق ع و فيها عن النبي ص: أدني الكفر أن يسمع الرجل من أخيه كلمة فيحفظها عليه يريد أن يفضحه بها أولئك لا خلاق لهم و حدثني أبي عن آبائه عن علي ع أنه: من قال في مؤمن ما رأته عيناه و سمعت أذناه مما يشينه و يهدم مروته فهو من الذين قال الله عز و جل إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ.

ثم إن ظاهر هذه الأخبار كون الغيبة من الكبائر

كما ذكر جماعة بل أشد من بعضها- و عد في غير واحد من الأخبار من الكبائر الخيانة و يمكن إرجاع الغيبة إليها فأي خيانة أعظم من التفكه بلحم الأخ علي غفلة منه و عدم شعوره بذلك. و كيف كان فما سمعناه من بعض من عاصرناه من الوسوسة في عدها من الكبائر إظهار في غير المحل

ثم إن ظاهر الأخبار اختصاص حرمة الغيبة بالمؤمن

فيجوز اغتياب المخالف كما يجوز لعنه و توهم عموم الآية كبعض الروايات لمطلق المسلم مدفوع بما علم بضرورة المذهب من عدم احترامهم و عدم جريان أحكام الإسلام عليهم إلا قليلا مما يتوقف استقامة نظم معاش المؤمنين عليه مثل عدم انفعال ما يلاقيهم بالرطوبة و حل ذبائحهم و مناكحتهم
المكاسب، ج‌1، ص 41
و حرمة دمائهم لحكمة دفع الفتنة و نسائهم لأن لكل قوم نكاحا و نحو ذلك مع أن التمثيل المذكور في الآية مختص بمن ثبت إخوته فلا يعم من وجب التبري عنه و كيف كان فلا إشكال في المسألة بعد ملاحظة الروايات الواردة في الغيبة و في حكمه حرمتها و في حال غير المؤمن في نظر الشارع.

ثم الظاهر دخول الصبي المميز المتأثر بالغيبة لو سمعها

لعموم بعض الروايات المتقدمة و غيرها الدالة علي حرمة اغتياب الناس و أكل لحومهم مع صدق الأخ عليه كما يشهد به قوله تعالي وَ إِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ في الدين مضافا إلي إمكان الاستدلال بالآية و إن كان الخطاب للمكلفين بناء علي عد أطفالهم منهم تغليبا و إمكان دعوي صدق المؤمن عليه مطلقا أو في الجملة و لعله لما ذكرنا صرح في كشف الريبة بعدم الفرق بين الصغير و الكبير و ظاهره الشمول لغير المميز أيضا

و منه يظهر حكم المجنون

إلا أنه صرح بعض الأساطين باستثناء من لا عقل له و لا تمييز معللا بالشك في دخوله تحت أدلة الحرمة و لعله من جهة أن الإطلاقات منصرفة إلي من يتأثر لو سمع و سيتضح ذلك زيادة علي ذلك.

بقي الكلام في أمور

الأول [حقيقة] الغيبة

اشارة

اسم مصدر لاغتاب أو مصدر لغاب ففي المصباح اغتابه إذا ذكره بما يكرهه من العيوب و هو حق و الاسم الغيبة و عن القاموس غابه أي عابه و ذكره بما فيه من السوء و عن النهاية أن يذكر الإنسان في غيبته بسوء مما يكون فيه. و الظاهر من الكل خصوصا القاموس المفسر لها أولا بالعيب أن المراد ذكره في مقام الانتقاص و المراد بالموصول هو نفس النقص الذي فيه و الظاهر من الكراهة في عبارة المصباح كراهة وجوده و لكنه غير مقصود قطعا فالمراد إما كراهة ظهوره و لو لم يكره وجوده كالميل إلي القبائح و إما كراهة ذكره بذلك العيب. و علي هذا التعريف دلت جملة من الأخبار مثل: قوله ع و قد سأله أبو ذر عن الغيبة أنها ذكرك أخاك بما يكرهه و في نبوي آخر قال ص: أ تدرون ما الغيبة قالوا الله و رسوله أعلم قال ذكركم أخاكم بما يكرهه

[ما قاله في جامع المقاصد في حقيقة الغيبة]

و لذا قال في جامع المقاصد إن حد الغيبة علي ما في الأخبار أن تقول في أخيك ما يكرهه لو سمعه مما هو فيه. و المراد بما يكرهه كما تقدم في عبارة المصنف ما يكرهه ظهوره سواء كره وجوده كالبرص و الجذام أم لا كالميل إلي القبائح و يحتمل أن يراد بالموصول نفس الكلام الذي يذكر الشخص به و يكون كراهته إما لكونه إظهارا للعيب و إما لكونه صادرا علي جهة المذمة و الاستخفاف و الاستهزاء و إن لم يكن العيب مما يكره إظهاره لكونه ظاهرا بنفسه و إما لكونه مشعرا بالذم و إن لم يقصد المتكلم الذم به كالألقاب المشعرة بالذم قال في الصحاح الغيبة أن يتكلم خلف إنسان مستور بما يغمه لو سمعه. و ظاهره التكلم بكلام يغمه لو سمعه

بل في كلام بعض من قارب عصرنا

أن الإجماع و الأخبار متطابقان علي أن حقيقة الغيبة أن يذكر الغير بما يكره لو سمعه سواء أ كان بنقص في نفسه أو بدنه أو دينه أو دنياه أو فيما يتعلق به من الأشياء و ظاهره أيضا إرادة الكلام المكروه.

و قال الشهيد الثاني في كشف الريبة

أن الغيبة ذكر الإنسان في حال غيبته بما يكره نسبته إليه مما يعد نقصا في العرف بقصد الانتقاص و الذم و يخرج علي هذا التعريف ما إذا ذكر الشخص بصفات ظاهرة يكون وجودها نقصا مع عدم قصد انتقاصه بذلك مع أنه داخل في التعريف عند الشهيد أيضا حيث عد من الغيبة ذكر بعض الأشخاص بالصفات المعروف بها كالأعمش و الأعور و نحوهما. و كذلك ذكر عيوب الجارية التي يراد شراؤها إذا لم يقصد من ذكرها إلا بيان الواقع و غير ذلك مما ذكره هو و غيره من المستثنيات و دعوي أن قصد الانتقاص يحصل بمجرد بيان النقائص موجبة لاستدراك ذكره بعد قوله مما يعد نقصا.

[أولي التعاريف بملاحظة الأخبار و كلمات الأصحاب]

و الأولي بملاحظة ما تقدم من الأخبار و كلمات الأصحاب بناء علي إرجاع الكراهة إلي الكلام المذكور به لا إلي الوصف ما تقدم من أن الغيبة أن يذكر الإنسان بكلام يسوؤه إما بإظهار عيبه المستور و إن لم يقصد انتقاصه و إما بانتقاصه بعيب غير مستور إما بقصد التكلم أو بكون الكلام بنفسه منقصا له كما إذا اتصف الشخص بالألقاب المشعرة بالذم. نعم لو أرجعت الكراهة إلي الوصف الذي يسند إلي الإنسان تعين إرادة كراهة ظهورها فيختص بالقسم الأول و هو ما كان إظهارا لأمر مستور.

و يؤيد هذا الاحتمال بل يعينه الأخبار المستفيضة الدالة علي اعتبار كون المقول مستورا غير منكشف

مثل قوله ع فيما رواه العياشي بسنده عن ابن سنان: الغيبة أن تقول في أخيك ما فيه مما قد ستره الله عليه و رواية داود بن سرحان المروية في الكافي قال: سألت أبا عبد الله ع عن الغيبة قال هو أن تقول لأخيك في دينه ما لم يفعل و تبث عليه أمر قد ستره الله تعالي عليه لم يقم عليه فيه حد و رواية أبان عن رجل لا يعلمه إلا يحيي الأزرق قال: قال لي أبو الحسن ع من ذكر رجلا من خلفه بما هو فيه مما عرفه الناس لم يغتبه و من ذكره من خلفه بما هو فيه مما لا يعرفه الناس فقد اغتابه و من ذكره بما ليس فيه فقد بهته و حسنة عبد الرحمن بن سيابة بابن هاشم قال قال سمعت أبا عبد الله ع يقول: الغيبة أن تقول في أخيك ما ستره الله عليه و أما الأمر الظاهر فيه مثل الحدة و العجلة فلا و البهتان أن تقول فيه ما ليس فيه و هذه الأخبار كما تري صريحة في اعتبار كون الشي‌ء غير منكشف. و يؤيد ذلك ما في الصحاح من أن الغيبة أن يتكلم خلف إنسان مستور بما يغمه لو سمعه فإن كان صدقا سمي غيبة و إن كان كذبا سمي بهتانا فإن أراد من المستور من حيث ذلك المقول وافق الأخبار و إن أراد مقابل المتجاهر احتمل الموافقة و المخالفة.

و الملخص من مجموع ما ورد في المقام أن الشي‌ء المقول إن لم يكن نقصا

فلا يكون ذكر الشخص حينئذ غيبة و إن اعتقد المقول فيه كونه نقصا عليه نظير ما إذا نفي عنه الاجتهاد و ليس ممن يكون ذلك نقصا في حقه إلا أنه معتقد باجتهاد نفسه. نعم قد يحرم هذا من وجه آخر

و إن كان نقصا شرعا أو عرفا بحسب حال المغتاب

فإن كان مخفيا للسامع بحيث يستنكف عن ظهوره للناس و أراد القائل تنقيص المغتاب به فهو المتيقن من أفراد الغيبة و إن لم يرد القائل التنقيص فالظاهر حرمته لكونه كشفا لعورة المؤمن و قد تقدم الخبر من مشي في غيبة أخيه و كشف عورته. و في صحيحة ابن سنان عن أبي عبد الله ع قال: قلت عورة المؤمن علي المؤمن حرام قال نعم قلت تعني سفلتيه قال ليس حيث تذهب إنما هي إذاعة سره و في رواية محمد بن فضل عن أبي الحسن ع: و لا
المكاسب، ج‌1، ص 42
تذيعن عليه شيئا تشينه به و تهدم به مروته فتكون من الذين قال الله عز و جل في كتابه إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ و لا يقيد إطلاق النهي بصورة قصد الشين و الهدم من جهة الاستشهاد بآية حب شياع الفاحشة بل الظاهر أن المراد مجرد فعل ما يوجب شياعها مع أنه لا فائدة كثيرة في التنبيه علي دخول القاصد لإشاعة الفاحشة في عموم الآية و إنما يحسن التنبيه علي أن قاصد السبب قاصد للمسبب و إن لم يقصده بعنوانه.

[إذاعة ما يوجب مهانة المؤمن هل هي غيبة أم لا]

و كيف كان فلا إشكال من حيث النقل و العقل في حرمة إذاعة ما يوجب مهانة المؤمن و سقوطه عن أعين الناس في الجملة. و إنما الكلام في أنها غيبة أم لا مقتضي الأخبار المتقدمة بأسرها ذلك خصوصا المستفيضة الأخيرة فإن التفصيل فيها بين الظاهر و الخفي إنما يكون مع عدم قصد القائل المذمة و الانتقاص و أما مع قصده فلا فرق بينهما في الحرمة و المنفي في تلك الأخبار و إن كان تحقق موضوع الغيبة دون الحكم بالحرمة إلا أن ظاهر سياقها نفي الحرمة فيما عداها أيضا لكن مقتضي ظاهر التعريف المتقدم عن كشف الريبة عدمه لأنه اعتبر قصد الانتقاص و الذم إلا أن يراد اعتبار ذلك فيما يقع علي وجهين دون ما لا يقع إلا علي وجه واحد فإن قصد ما لا ينفك عن الانتقاص قصد له

و إن كان المقول نقصا ظاهرا للسامع

فإن لم يقصد القائل الذم و لم يكن الوصف من الأوصاف المشعرة بالذم نظير الألقاب المشعرة به فالظاهر أنه خارج عن الغيبة لعدم حصول كراهة للمقول فيه لا من حيث الإظهار و لا من حيث ذم المتكلم و لا من حيث الإشعار و إن كان من الأوصاف المشعرة بالذم أو قصد المتكلم التعيير و المذمة لوجوده فلا إشكال في حرمة الثاني بل و كذا الأول لعموم ما دل علي حرمة إيذاء المؤمن و إهانته- و حرمة التنابز بالألقاب و حرمة تعيير المؤمن علي صدور معصية منه فضلا عن غيرها. ففي عدة من الأخبار: من عير مؤمنا علي معصية لم يمت حتي يرتكبه و إنما الكلام في كونهما من الغيبة فإن ظاهر المستفيضة المتقدمة عدم كونهما منها. و ظاهر ما عداها من الأخبار المتقدمة بناء علي إرجاع الكراهة فيها إلي كراهة الكلام الذي يذكر به الغير و كذلك كلام أهل اللغة عدا الصحاح علي بعض احتمالاته كونهما غيبة. و العمل بالمستفيضة لا يخلو عن قوة و إن كان ظاهر الأكثر خلافه فيكون ذكر الشخص بالعيوب الظاهرة التي لا يفيد السامع اطلاعا لم يعلمه و لا يعلمه عادة من غير خبر مخبر ليس غيبة- فلا يحرم إلا إذا ثبتت الحرمة من حيث المذمة و التعيير أو من جهة كون نفس الاتصاف بتلك الصفة مما يستنكفه المغتاب و لو باعتبار بعض التعبيرات فيحرم من جهة الإيذاء و الاستخفاف و الذم و التعيير.

[عدم الفرق في النقص بين أن يكون في بدنه أو نسبه أو خلقه أو فعله أو قوله أو دينه أو دنياه]

ثم الظاهر المصرح به في بعض الروايات- عدم الفرق في ذلك علي ما صرح به غير واحد بين ما كان نقصانا في بدنه أو نسبه أو خلقه أو فعله أو قوله أو دينه أو دنياه حتي في ثوبه أو داره أو دابته أو غير ذلك. و قد روي عن مولانا الصادق ع الإشارة إلي ذلك بقوله: وجوه الغيبة تقع بذكر عيب في الخلق و الفعل و المعاملة و المذهب و الجهل و أشباهه

[ما أفاده بعض في بيان وجوه النقص]

قيل أما البدن فكذكرك فيه العمش و الحول و العور و القرع و القصر و الطول و السواد و الصفرة و جميع ما يتصور أن يوصف به مما يكرهه. و أما النسب فبأن تقول أبوه فاسق أو خبيث أو خسيس أو إسكاف أو حائك أو نحو ذلك مما يكره. و أما الخلق فبأن تقول إنه سيئ الخلق بخيل مراء متكبر شديد الغضب جبان ضعيف القلب و نحو ذلك. و أما في أفعاله المتعلقة بالدين فكقولك إنه سارق كذاب شارب خائن ظالم متهاون بالصلاة لا يحسن الركوع و السجود و لا يجتنب من النجاسات ليس بارا بوالديه لا يحرس نفسه من الغيبة و التعرض لإعراض الناس. و أما أفعاله المتعلقة بالدنيا فكقولك إنه قليل الأدب متهاون بالناس لا يري لأحد عليه حقا كثير الكلام كثير الأكل نئوم يجلس في غير موضعه. و أما في ثوبه فكقولك إنه واسع الكم طويل الذيل وسخ الثياب و نحو ذلك.

[حرمة الاغتياب بغير اللسان من الفعل و الإشارة]

ثم إن ظاهر النص و إن كان منصرفا إلي الذكر باللسان لكن المراد حقيقة الذكر فهو مقابل الإغفال فكل ما يوجب التذكر للشخص من القول و الفعل و الإشارة و غيرها فهو ذكر له و من ذلك المبالغة في تهجين المطلب الذي ذكره بعض المصنفين بحيث يفهم منها الإزراء بحال ذلك المصنف فإن قولك إن هذا المطلب بديهي البطلان تعريض لصاحبه بأنه لا يعرف البديهيات- بخلاف ما إذا قيل إنه مستلزم لما هو بديهي البطلان لأن فيه تعريضا بأن صاحبه لم ينتقل إلي الملازمة بين المطلب و بين ما هو بديهي البطلان و لعل الملازمة نظرية و قد وقع من بعض الأعلام بالنسبة إلي بعضهم ما لا بد له من الحمل و التوجيه- أعوذ بالله من الغرور و إعجاب المرء بنفسه و حسده علي غيره و الاستيكال بالعلم.

ثم إن دواعي الغيبة كثيرة

روي عن مولانا الصادق ع التنبيه عليها إجمالا بقوله ع: أصل الغيبة تتنوع بعشرة أنواع شفاء غيظ و مساعدة قوم و تصديق خبر بلا كشف- و تهمة و سوء ظن و حسد و سخرية و تعجب و تبرم و تزين- إلي آخر الخبر.

ثم إن ذكر الشخص قد يتضح كونها غيبة و قد يخفي علي النفس لحب أو بغض

فيري أنه لم يغتب و قد وقع في أعظمها و من ذلك أن الإنسان قد يغتم بسبب ما يبتلي به أخوه في الدين لأجل أمر يرجع إلي نقص في فعله أو رأيه فيذكره المغتم في مقام التأسف عليه بما يكره ظهوره للغير مع أنه كان يمكنه بيان حاله للغير علي وجه لا يذكر اسمه ليكون قد أحرز ثواب الاغتمام علي ما أصاب المؤمن لكن الشيطان يخدعه و يوقعه في ذكر الاسم.

بقي الكلام في أنه هل يعتبر في الغيبة حضور مخاطب عند المغتاب

أو يكفي ذكره عند نفسه ظاهر الأكثر الدخول كما صرح به بعض المعاصرين.
نعم ربما يستثني من حكمها عند من استثني ما لو علم اثنان صفة شخص فيذكر أحدهما بحضرة الآخر و أما علي ما قويناه من الرجوع في تعريف الغيبة إلي ما دلت عليه المستفيضة المتقدمة من كونها هتك سر مستور فلا يدخل ذلك في الغيبة.

[حكم غيبة شخص مجهول]

و منه يظهر أيضا أنه لا يدخل فيها ما لو كان الغائب
المكاسب، ج‌1، ص 43
مجهولا عند المخاطب مرددا بين أشخاص غير محصورة كما إذا قال جاءني اليوم رجل بخيل دني ذميم فإن ظاهر تعريف الأكثر دخوله و إن خرج عن الحكم بناء علي اعتبار التأثير عند السامع و ظاهر المستفيضة المتقدمة عدم الدخول. نعم لو قصد المذمة و التعيير حرم من هذه الجهة فيجب علي السامع نهي المتكلم عنه إلا إذا احتمل أن يكون الشخص متجاهرا بالفسق فيحمل فعل المتكلم علي المصلحة كما سيجي‌ء في مسألة الاستماع و الظاهر أن الذم و التعيير لمجهول العين لا يجب الردع عنه مع كون الذم و التعبير في موقعهما بأن كان مستحقا لهما- و إن لم يستحق مواجهته بالذم أو ذكره عند غيره بالذم

هذا كله لو كان الغائب المذكور مشتبها علي الإطلاق أما لو كان مرددا بين أشخاص

فإن كان بحيث لا يكره كلهم ذكر واحد مبهم منهم كان كالمشتبه علي الإطلاق كما لو قال جاءني عجمي أو عربي كذا و كذا إذا لم يكن الذم راجعا إلي العنوان كأن يكون في المثالين تعريض إلي ذم تمام العجم أو العرب و إن كان بحيث يكره كلهم ذكر واحد مبهم منهم كأن يقول أحد ابني زيد أو أحد أخويه كذا و كذا ففي كونه اغتيابا لكل منهما لذكرهما بما يكرهانه من التعريض لاحتمال كونه هو المعيوب و عدمه لعدم تهتك ستر العيوب منهما كما لو قال أحد أهل البلد الفلاني كذا و كذا و إن كان فرق بينهما من جهة كون ما نحن فيه محرما من حيث الإساءة إلي المؤمن بتعريضه للاحتمال دون المثال أو كونه اغتيابا للمعيوب الواقعي منهما و إساءة بالنسبة إلي غيره لأنه هتك بالنسبة إليه لأنه إظهار في الجملة لعيبه بتقليل مشاركيه في احتمال المعيب فيكون الاطلاع عليه قريبا. و أما الآخر فقد أساء بالنسبة إليه حيث عرضه لاحتمال العيب وجوه

[ما حكاه في جامع المقاصد عن بعض الفضلاء]

قال في جامع المقاصد و يوجد في كلام بعض الفضلاء أن من شرط الغيبة أن يكون متعلقها محصورا و إلا فلا تعد غيبة فلو قال عن أهل بلدة غير محصورين ما لو قاله عن شخص واحد كان غيبته لم يحتسب غيبته انتهي.

[نقد ما أفاده الفاضل المذكور]

أقول إن أراد أن ذم جمع غير محصور لا يعد غيبة و إن قصد انتقاص كل منهم كما لو قال أهل هذه القرية أو هذه البلدة كلهم كذا و كذا فلا إشكال في كونها غيبة محرمة و لا وجه لإخراجه عن موضوعها أو حكمها و إن أراد ذم المتردد بين غير المحصور لا يعد غيبة فلا بأس كما ذكرنا و لذا ذكر بعض تبعا لبعض الأساطين في مستثنيات الغيبة ما لو علق الذم بطائفة أو أهل بلدة أو أهل قرية مع قيام القرينة علي عدم إرادة الجمع كذم العرب أو العجم أو أهل الكوفة أو البصرة أو بعض القري انتهي. و لو أراد الأغلب ففي كونه اغتيابا لكل منهم و عدمه ما تقدم في المحصور
و بالجملة فالمدار في التحريم غير المدار في صدق الغيبة و بينهما عموم من وجه.

الثاني في كفارة الغيبة الماحية لها

اشارة

و مقتضي كونها من حقوق الناس توقف رفعها علي إسقاط صاحبها حقه.

أما كونها من حقوق الناس

فلأنه ظلم علي المغتاب و للأخبار في أن من حق المؤمن علي المؤمن أن لا يغتابه و أن حرمة عرض المسلم كحرمة دمه و ماله و أما توقف رفعها علي إبراء ذي الحق فللمستفيضة المعتضدة بالأصل-

[الأخبار الدالة علي توقف رفعها علي إبراء ذي الحق]

منها ما تقدم من أن الغيبة لا تغفر حتي يغفر صاحبها و أنها نافلة للحسنات و السيئات. و منها ما حكاه غير واحد عن الشيخ الكراجكي بسنده المتصل إلي علي بن الحسين عن أبيه عن آبائه عن أمير المؤمنين ع قال قال رسول الله ص: للمؤمن علي أخيه ثلاثون حقا لا براءة منها إلا بأدائها أو العفو إلي أن قال سمعت رسول الله ص يقول إن أحدكم ليدع من حقوق أخيه شيئا فيطالبه به يوم القيامة فيقضي له و عليه و النبوي المحكي في السرائر و كشف الريبة: من كانت لأخيه عنده مظلمة في عرض أو مال فليستحلها من قبل أن يأتي يوم ليس هناك درهم و لا دينار فيؤخذ من حسناته فإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فتتزايد علي سيئاته و في نبوي آخر: من اغتاب مسلما أو مسلمة لم يقبل الله صلاته و لا صيامه أربعين يوما و ليلة إلا أن يغفر له صاحبه. و في دعاء التاسع و الثلاثين من أدعية الصحيفة السجادية و دعاء يوم الاثنين من ملحقاتها ما يدل علي هذا المعني أيضا.

[عدم الفرق بين التمكن من الاستبراء و تعذره]

و لا فرق في مقتضي الأصل و الأخبار بين التمكن من الوصول إلي صاحبه و تعذره لأن تعذر البراءة لا يوجب سقوط الحق كما في غير هذا المقام

[النبوي المعارض للإطلاقات المتقدمة]

لكن روي السكوني عن أبي عبد الله ع عن النبي ص: إن كفارة الاغتياب أن تستغفر لمن اغتبته كلما ذكرته و لو صح سنده أمكن تخصيص الإطلاقات المتقدمة به فيكون الاستغفار طريقا أيضا إلي البراءة مع احتمال العدم أيضا لأن كون الاستغفار كفارة لا يدل علي البراءة فلعله كفارة للذنب من حيث كونه حقا لله تعالي- نظير كفارة قتل الخطاء التي لا توجب براءة القاتل إلا أن يدعي ظهور السياق في البراءة.

[ما أفاده في كشف الريبة في الجمع بين النبويين المتعارضين]

قال في كشف الريبة بعد ذكر النبويين الأخيرين المتعارضين و يمكن الجمع بينهما بحمل الاستغفار- علي من لم تبلغه غيبته المغتاب فينبغي له الاقتصار علي الدعاء و الاستغفار لأن في محالته إثارة للفتنة و جلبا للضغائن و في حكم من لم تبلغه من لم يقدر علي الوصول إليه لموت أو غيبة و حمل المحالة علي من يمكن التوصل إليه مع بلوغه الغيبة

[ما أفاده المؤلف]

أقول إن صح النبوي الأخير سندا فلا مانع عن العمل به بجعله طريقا إلي البراءة مطلقا في مقابل الاستبراء و إلا تعين طرحه و الرجوع إلي الأصل لإطلاق الأخبار المتقدمة و تعذر الاستبراء أو وجود المفسدة فيه لا يوجب وجود مبرئ آخر. نعم أرسل بعض من قارب عصرنا عن الإمام الصادق ع: أنك إن اغتبت فبلغ المغتاب فاستحل منه و إن لم يبلغه فاستغفر الله له و في رواية السكوني المروية في الكافي في باب الظلم عن أبي عبد الله ع قال قال رسول الله ص: من ظلم أحدا ففاته فليستغفر الله له فإنه كفارة له

و الإنصاف أن الأخبار الواردة في هذا الباب كلها غير نقية السند

و أصالة البراءة تقتضي عدم وجوب الاستحلال و الاستغفار و أصالة بقاء الحق الثابت للمغتاب بالفتح- علي المغتاب بالكسر تقتضي عدم الخروج منه إلا بالاستحلال خاصة لكن المثبت لكون الغيبة حقا بمعني وجوب البراءة منه ليس إلا الأخبار غير نقية السند مع أن السند لو كان نقيا كانت الدلالة ضعيفة- لذكر حقوق أخري في الروايات لا قائل بوجوب البراءة منها. و معني
المكاسب، ج‌1، ص 44
القضاء يوم القيامة لذيها علي من عليها المعاملة معه معاملة من لم يراع حقوق المؤمن لا العقاب عليها كما لا يخفي علي من لاحظ الحقوق الثلاثين المذكورة في رواية الكراجكي.

[مختار المؤلف في المسألة]

فالقول بعدم كونه حقا للناس بمعني وجوب البراءة نظير الحقوق المالية لا يخلو عن قوة و إن كان الاحتياط في خلافه بل لا يخلو عن قرب من جهة كثرة الأخبار الدالة علي وجوب الاستبراء منها بل اعتبار سند بعضها و الأحوط الاستحلال إن تيسر و إلا الاستغفار غفر الله لمن اغتبناه و لمن اغتابنا بحق محمد و آله الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين.

الثالث فيما استثني من الغيبة و حكم بجوازها بالمعني الأعم

. [استثناء ما فيه مصلحة عظمي]

فاعلم أن المستفاد من الأخبار المتقدمة و غيرها- أن حرمة الغيبة لأجل انتقاص المؤمن و تأذيه منه فإذا فرض هناك مصلحة راجعة إلي المغتاب بالكسر أو بالفتح أو ثالث دل العقل أو الشرع علي كونها أعظم من مصلحة احترام المؤمن بترك ذلك القول فيه وجب كون الحكم علي طبق أقوي المصلحتين كما هو الحال في كل معصية من حقوق الله و حقوق الناس و قد نبه عليه غير واحد. قال في جامع المقاصد بعد ما تقدم عنه في تعريف الغيبة إن ضابط الغيبة المحرمة كل فعل يقصد به هتك عرض المؤمن أو التفكه به أو إضحاك الناس منه و أما ما كان لغرض صحيح فلا يحرم كنصح المستشير و التظلم و سماعه و الجرح و التعديل و رد من ادعي نسبا ليس له و القدح في مقالة باطلة خصوصا في الدين انتهي و في كشف الريبة اعلم أن المرخص في ذكر مساوئ الغير غرض صحيح لا يمكن التوصل إليه إلا بها انتهي. و علي هذا فموارد الاستثناء لا تنحصر في عدد

نعم الظاهر استثناء موضعين لجواز الغيبة من دون مصلحة

أحدهما ما إذا كان المغتاب متجاهرا بالفسق

اشارة

فإن من لم يبال بظهور فسقه بين الناس لا يكره ذكره بالفسق نعم لو كان في مقام ذمه كرهه من حيث المذمة لكن المذمة علي الفسق المتجاهر به لا تحرم كما لا يحرم لعنه. و قد تقدم عن الصحاح أخذ المستور في المغتاب

[الأخبار المستفيضة الدالة علي الجواز]

و قد ورد في الأخبار المستفيضة جواز غيبة المتجاهر منها قوله ع في رواية هارون بن الجهم:
إذا جاهر الفاسق بفسقه فلا حرمة له و لا غيبة و قوله ع: من ألقي جلباب الحياء فلا غيبة له و رواية أبي البختري: ثلاثة ليس لهم حرمة صاحب هوي مبتدع و الإمام الجائر و الفاسق المعلن بفسقه و مفهوم قوله ع: من عامل الناس فلم يظلمهم و حدثهم فلم يكذبهم و وعدهم فلم يخلفهم فهو ممن كملت مروته و ظهرت عدالته و وجبت إخوته و حرمت غيبته و في صحيحة ابن أبي يعفور الواردة: في بيان العدالة بعد تعريف العدالة أن الدليل علي ذلك أن يكون ساترا لجميع عيوبه حتي يحرم علي المسلمين تفتيش ما وراء ذلك من عثراته دل علي ترتب حرمة التفتيش علي كون الرجل ساترا فتنتفي عند انتفائه. و مفهوم قوله ع في رواية علقمة المحكية عن المحاسن: من لم تره بعينك يرتكب ذنبا و لم يشهد عليه بذلك شاهدان فهو من أهل العدالة و الستر و شهادته مقبولة و إن كان في نفسه مذنبا و من اغتابه بما فيه فهو خارج عن ولاية الله تعالي داخل في ولاية الشيطان إلي آخر الخبر دل علي ترتب حرمة الاغتياب و قبول الشهادة علي كونه من أهل الستر و كونه من أهل العدالة علي طريق اللف و النشر أو علي اشتراط الكل- بكون الرجل غير مرئي منه المعصية و لا مشهود عليه بها و مقتضي المفهوم جواز الاغتياب مع عدم الشرط خرج منه غير المتجاهر.
و كون قوله من اغتابه إلي آخره جملة مستأنفة غير معطوفة علي الجزاء خلاف الظاهر.

[عدم اعتبار قصد الغرض الصحيح في غيبة المتجاهر]

ثم إن مقتضي إطلاق الروايات جواز غيبة المتجاهر فيما تجاهر به و لو مع عدم قصد غرض صحيح و لم أجد من قال باعتبار قصد الغرض الصحيح و هو ارتداعه عن المنكر. نعم تقدم عن الشهيد الثاني- احتمال اعتبار قصد النهي عن المنكر في جواز سب المتجاهر مع اعترافه بأن ظاهر النص و الفتوي عدمه

و هل يجوز اغتياب المتجاهر في غير ما تجاهر به

صرح الشهيد الثاني و غيره بعدم الجواز و حكي عن الشهيد أيضا. و ظاهر الروايات النافية لاحترام المتجاهر و غير الساتر هو الجواز و استظهره في الحدائق من كلام جملة من الإعلام و صرح به بعض الأساطين.
و ينبغي إلحاق ما يتستر به بما يتجاهر فيه إذا كان دونه في القبح فمن تجاهر باللواط العياذ بالله جاز اغتيابه بالتعرض للنساء الأجنبيات و من تجاهر بقطع الطرق جاز اغتيابه بالسرقة و من تجاهر بكونه جلاد السلطان يقتل الناس و ينكلهم جاز اغتيابه بشرب الخمر و من تجاهر بالقبائح المعروفة جاز اغتيابه بكل قبيح و لعل هذا هو المراد بمن ألقي جلباب الحياء لا من تجاهر بمعصية خاصة و عد مستورا بالنسبة إلي غيرها كبعض عمال الظلمة

ثم المراد بالمتجاهر

من تجاهر بالقبيح بعنوان أنه قبيح فلو تجاهر به مع إظهار محمل له لا يعرف فساده إلا القليل كما إذا كان من عمال الظلمة ادعي في ذلك عذرا مخالفا للواقع أو غير مسموع منه لم يعد متجاهرا. نعم لو كان اعتذاره واضح الفساد لم يخرج عن التجاهر

و لو كان متجاهرا عند أهل بلده أو محلته مستورا عند غيرهم

هل يجوز ذكره عند غيرهم ففيه إشكال من إمكان دعوي ظهور روايات المرخصة فيمن لا يستنكف عن الإطلاق علي عمله مطلقا فرب متجاهر في بلده متستر في بلاد الغربة أو في طريق الحج و الزيارة لئلا يقع عن عيون الناس. و بالجملة فحيث كان الأصل في المؤمن الاحترام علي الإطلاق وجب الاقتصار علي ما تيقن خروجه فالأحوط الاقتصار علي ذكر المتجاهر بما لا يكرهه لو سمعه و لا يستنكف من ظهوره للغير. نعم لو تأذي من ذمه بذلك دون ظهوره لم يقدح في الجواز و لذا جاز سبه بما لا يكون كذبا

و هذا هو الفارق بين السب و الغيبة

حيث إن مناط الأول المذمة و التنقيص فيجوز و مناط الثاني إظهار عيوبه فلا يجوز إلا بمقدار الرخصة.

الثاني تظلم المظلوم و إظهار ما فعل به الظالم

اشارة

و إن كان متسترا به كما إذا ضربه في الليل الماضي و شتمه أو أخذ ماله جاز ذكره بذلك عند من لا يعلم ذلك منه

[أدلة الاستثناء]

لظاهر قوله تعالي وَ لَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَي الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ و قوله تعالي لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ فعن تفسير القمي أنه لا يحب الله أن يجهر الرجل بالظلم و السوء و يظلم إلا من ظلم فقد أطلق له
المكاسب، ج‌1، ص 45
أن يعارضه بالظلم و عن تفسير العياشي عنه ع: من أضاف قوما فأساء ضيافتهم فهو ممن ظلم فلا جناح عليهم فيما قالوا فيه و هذه الرواية و إن وجب توجيهها إما بحمل الإساءة علي ما يكون ظلما و هتكا لاحترامهم أو بغير ذلك إلا أنها دالة علي عموم من ظلم في الآية الشريفة و أن كل من ظلم فلا جناح عليه فيما قال في الظالم و نحوها في وجوب التوجيه رواية أخري في هذا المعني محكية عن المجمع: إن الضيف ينزل بالرجل فلا يحسن ضيافته فلا جناح عليه في أن يذكره بسوء ما فعله

و يؤيد الحكم فيما نحن فيه أن في منع المظلوم من هذا الذي هو نوع من التشفي حرجا عظيما

و لأن في تشريع الجواز مظنة ردع للظالم و هي مصلحة خالية عن مفسدة فيثبت الجواز لأن الأحكام تابعة للمصالح. و يؤيده ما تقدم من عدم الاحترام للإمام الجائر بناء علي أن عدم احترامه من جهة جوره لا من جهة تجاهره و إلا لم يذكره في مقابل الفاسق المعلن بالفسق و في النبوي: لصاحب الحق مقال.

[هل يقيد جواز الغيبة بكونها عند من يرجو إزالة الظلم عنه]

و الظاهر من جميع ما ذكر عدم تقييد جواز الغيبة بكونها عند من يرجو إزالة الظلم عنه بسببه و قواه بعض الأساطين خلافا لكاشف الريبة و جمع ممن تأخر عنه فقيدوه اقتصارا في مخالفة الأصل علي المتيقن من الأدلة لعدم عموم في الآية و عدم نهوض ما تقدم في تفسيرها للحجية مع أن المروي عن الإمام الباقر ع في تفسيرها المحكي عن مجمع البيان أنه: لا يحب الله الشتم في الانتصار إلا من ظلم فلا بأس له أن ينتصر ممن ظلمه بما يجوز الانتصار به في الدين. قال في الكتاب المذكور و نظيره وَ انْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا و ما بعد الآية لا يصلح للخروج بها عن الأصل الثابت بالأدلة العقلية و النقلية و مقتضاه الاقتصار علي مورد رجاء تدارك الظلم فلو لم يكن قابلا للتدارك لم تكن فائدة في هتك الظالم

[ظاهر بعض الأخبار جواز الاشتكاء لترك الأولي]

و كذا لو لم يكن ما فعل به ظلما- بل كان من ترك الأولي و إن كان يظهر من بعض الأخبار جواز الاشتكاء لذلك فعن الكافي و التهذيب بسندهما عن حماد بن عثمان قال: دخل رجل علي أبي عبد الله ع فشكا إليه رجلا من أصحابه فلم يلبث إن جاء المشكو عليه فقال أبو عبد الله ع ما لفلان يشكوك فقال له يشكوني أني استقضيت منه حقي قال فجلس أبو عبد الله ع مغضبا ثم قال فقال كأنك إذا استقضيت حقك لم تسئ أ رأيت ما حكي الله عز و جل في كتابه وَ يَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ أ تري أنهم خافوا الله عز و جل أن يجوز عليهم لا و الله ما خافوا إلا الاستقضاء فسماه الله عز و جل سوء الحساب فمن استقضي فقد أساء و مرسلة ثعلبة بن ميمون المروية عن الكافي قال: كان عنده قوم يحدثهم إذ ذكر رجل منهم رجلا فوقع فيه و شكاه فقال له أبو عبد الله ع و أني لك بأخيك الكامل و أي الرجال المهذب فإن الظاهر من الجواب أن الشكوي إنما كانت من ترك الأولي الذي لا يليق بالأخ الكامل المهذب. و مع ذلك كله فالأحوط عد هذه الصورة من الصور العشر الآتية التي رخص فيها في الغيبة لغرض صحيح أقوي من مصلحة احترام المغتاب كما أن الأحوط جعل الصورة السابقة خارجة عن موضوع الغيبة بذكر المتجاهر بما لا يكره نسبته إليه من الفسق المتجاهر به و إن جعلها من تعرض لصور الاستثناء منها

فيبقي من موارد الرخصة لمزاحمة الغرض الأهم صور تعرضوا لها

منها نصح المستشير

فإن النصيحة واجبة للمستشير فإن خيانته قد تكون أقوي مفسدة من الوقوع في المغتاب. و كذلك النصح من غير استشاره فإن من أراد تزوج امرأة و أنت تعلم بقبائحها التي توجب وقوع الرجل من أجلها في الغيبة و الفساد فلا ريب أن التنبيه علي بعضها و إن أوجب الوقيعة فيها أولي من ترك نصح المؤمن مع ظهور عدة من الأخبار في وجوبه.

و منها الاستفتاء

بأن يقول للمفتي ظلمني فلان في حقي فكيف طريقي في الخلاص هذا إذا كان الاستفتاء موقوفا علي ذكر الظالم بالخصوص و إلا فلا يجوز
[حكاية هند زوجة أبي سفيان]
و يمكن الاستدلال عليه بحكاية هند زوجة أبي سفيان و اشتكائها إلي رسول الله ص و قولها إنه رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني و ولدي فلم يرد ص عليها غيبة أبي سفيان. و لو نوقش في هذا الاستدلال بخروج غيبة مثل أبي سفيان عن محل الكلام أمكن الاستدلال بصحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله ع قال: جاء رجل إلي النبي ص فقال إن أمي لا تدفع يد لامس فقال احبسها قال قد فعلت فقال ص فامنع من يدخل عليها قال قد فعلت قال ص فقيدها فإنك لا تبرها بشي‌ء أفضل من أن تمنعها عن محارم الله عز و جل إلي آخر الخبر و احتمال كونها متجاهرة مدفوع بالأصل.

و منها قصد ردع المغتاب عن المنكر الذي يفعله

فإنه أولي من ستر المنكر عليه فهو في الحقيقة إحسان في حقه مضافا إلي عموم أدلة النهي عن المنكر.

و منها قصد حسم مادة فساد المغتاب عن الناس

كالمبتدع الذي يخاف من إضلاله الناس و يدل عليه مضافا إلي أن مصلحة دفع فتنته عن الناس أولي من ستر المغتاب ما عن الكافي بسنده الصحيح عن أبي عبد الله ع قال قال رسول الله ص: إذا رأيتم أهل الريب و البدع من بعدي فأظهروا البراءة منهم و أكثروا من سبهم و القول فيهم و الوقيعة و باهتوهم كيلا يطمعوا في الفساد في الإسلام و يحذرهم الناس و لا يتعلموا من بدعهم يكتب الله لكم بذلك الحسنات و يرفع لكم به الدرجات.

و منها جرح الشهود

فإن الإجماع دل علي جوازه و لأن مصلحة عدم الحكم بشهادة الفساق أولي من الستر علي الفاسق و مثله بل أولي بالجواز جرح الرواة فإن مفسدة العمل برواية الفاسق أعظم من مفسدة شهادته و يلحق بذلك الشهادة بالزني و غيره لإقامة الحدود.

و منها دفع الضرر عن المغتاب و عليه يحمل ما ورد في ذم زرارة

من عدة أحاديث و قد بين ذلك الإمام ع بقوله في بعض ما أمر به عبد الله بن زرارة بتبليغ أبيه: اقرأ مني علي والدك السلام فقل له إنما أعيبك دفاعا مني عنك فإن الناس يسارعون إلي كل من قربناه و حمدناه لإدخال الأذي عليه فيمن نحبه و نقربه و يذمونه لمحبتنا له و قربه و دنوة منا و يرون إدخال الأذي عليه و قتله و يحمدون كل من عيبناه نحن و إنما أعيبك لأنك رجل اشتهرت منا بميلك إلينا و أنت في ذلك مذموم غير محمود الأمر بمودتك لنا و ميلك إلينا فأحببت أن أعيبك ليحمدوا أمرك في الدين بعيبك و نقصك و يكون ذلك منا دافع شرهم عنك يقول الله عز و جل أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَ كانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً هذا التنزيل من عند الله ألا و الله ما عابها إلا لكي
المكاسب، ج‌1، ص 46
تسلم من الملك و لا تغصب علي يديه و لقد كانت صالحة ليس للعيب فيها مساغ و الحمد لله فافهم المثل رحمك الله فإنك أحب الناس إلي و أحب أصحاب أبي إلي حيا و ميتا و إنك أفضل سفن ذلك البحر القمقام الزاخر و إن وراءك لملكا ظلوما غصوبا يرقب عبور كل سفينة صالحة ترد من بحر الهدي ليأخذها غصبا و يغصب أهلها فرحمة الله عليك حيا و رحمة الله عليك ميتا إلي آخر الخبر.

و يلحق بذلك الغيبة للتقية علي نفس المتكلم

أو ماله أو عرضه أو علي ثالث فإن الضرورات تبيح المحظورات.

و منها ذكر الشخص بعيبه الذي صار بمنزلة الصفة المميزة له

التي لا يعرف إلا بها كالأعمش و الأعرج و الأشتر و الأحول و نحوها و في الحديث جاءت زينب العطارة الحولاء إلي نساء رسول الله ص. و لا بأس بذلك فيما إذا صارت الصفة في اشتهار يوصف الشخص بها إلي حيث لا يكره ذلك صاحبها و عليه يحمل ما صدر عن الإمام ع و غيره من العلماء الأعلام لكن كون هذا مستثني مبني علي كون مجرد العيب الظاهر من دون قصد الانتقاص غيبة و قد منعنا ذلك سابقا إذ لا وجه لكراهة المغتاب لعدم كونها إظهارا لعيب غير ظاهر و المفروض عدم قصد الذم أيضا اللهم إلا أن يقال إن الصفات المشعرة بالذم كالألقاب المشعرة به يكره الإنسان الاتصاف بها و لو من دون قصد الذم بها فإن إشعارها بالذم كاف في الكراهة.

و منها [ذكر الشخص بما لا يؤثر عند السامع شيئا لكونه عالما به]

ما حكاه في كشف الريبة عن بعض من أنه إذا علم اثنان من رجل معصية شاهداها فأجري أحدهما ذكره في غيبته ذلك العاصي جاز لأنه لا يؤثر عند السامع شيئا و إن كان الأولي تنزيه النفس و اللسان عن ذلك لغير غرض من الأغراض الصحيحة خصوصا مع احتمال نسيان المخاطب لذلك أو خوف اشتهارها عنهما انتهي. أقول إذا فرض عدم كون ذكرهما في مقام التعيير و المذمة و ليس هنا هتك ستر أيضا فلا وجه للتحريم و لا لكونها غيبة إلا علي ظاهر بعض التعاريف المتقدمة.
و منها رد من ادعي نسبا ليس له
فإن مصلحة حفظ الأنساب أولي من مراعاة حرمة المغتاب

و منها القدح في مقالة باطلة

و إن دل علي نقصان قائلها إذا توقف حفظ الحق و إضاعة الباطل عليه و أما ما وقع من بعض العلماء بالنسبة إلي من تقدم عليه منهم من الجهر بالسوء من القول فلم يعرف له وجه مع شيوعه بينهم من قديم الأيام ثم إنهم ذكروا موارد للاستثناء لا حاجة إلي ذكرها بعد ما قدمنا أن الضابط في الرخصة وجود مصلحة غالبة علي مفسدة هتك احترام المؤمن و هذا يختلف باختلاف تلك المصالح و مراتب مفسدة هتك المؤمن فإنها متدرجة في القوة و الضعف فرب مؤمن لا يساوي عرضه شي‌ء فالواجب التحري في الترجيح بين المصلحة و المفسدة.

الرابع يحرم استماع الغيبة بلا خلاف

اشارة

فقد ورد: أن السامع للغيبة أحد المغتابين. و الأخبار في حرمته كثيرة إلا أن ما يدل علي كونه من الكبائر كالرواية المذكورة و نحوها ضعيفة السند ثم المحرم سماع الغيبة المحرمة دون ما علم حليتها

و لو كان متجاهرا عند المغتاب مستورا عند المستمع

و قلنا بجواز الغيبة حينئذ للمتكلم- فالمحكي جواز الاستماع من احتمال كونه متجاهرا إلا مع العلم بعدمه.

قال في كشف الريبة إذا سمع أحد مغتابا لآخر و هو لا يعلم المغتاب مستحقا للغيبة

و لا عدمه قيل لا يجب نهي القائل لإمكان الاستحقاق فيحمل فعل القائل علي الصحة ما لم يعلم فساده لأن ردعه يستلزم انتهاك حرمته و هو أحد المحرمين ثم قال و الأولي التنزيه عن ذلك حتي يتحقق المخرج منه لعموم الأدلة و ترك الاستفصال فيها و هو دليل إرادة العموم حذرا من الإغراء بالجهل و لأن ذلك لو تم لتمشي فيمن يعلم عدم استحقاق المقول فيه بالنسبة إلي السامع مع احتمال اطلاع القائل علي ما يوجب تسويغ مقالته و هو هدم قاعدة النهي عن الغيبة انتهي أقول و المحكي بقوله قيل لا دلالة فيه علي جواز الاستماع و إنما يدل علي عدم وجوب النهي عنه و يمكن القول بحرمة استماع هذه الغيبة مع فرض جوازها للقائل لأن السامع أحد المغتابين فكما أن المغتاب تحرم عليه الغيبة إلا إذا علم التجاهر المسوغ كذلك السامع يحرم عليه الاستماع إلا إذا علم التجاهر و إما نهي القائل فغير لازم مع دعوي القائل العذر المسوغ بل مع احتماله في حقه و إن اعتقد الناهي عدم التجاهر. نعم لو علم عدم اعتقاد القائل بالتجاهر وجب ردعه

[مختار المؤلف]

هذا و لكن الأقوي جواز الاستماع إذا جاز للقائل لأنه قول غير منكر فلا يحرم الإصغاء إليه للأصل. و الرواية علي تقدير صحتها تدل علي أن السامع لغيبة كقائل تلك الغيبة فإن كان القائل عاصيا كان المستمع كذلك فتكون دليلا علي الجواز فيما نحن فيه. نعم لو استظهر منها أن السامع للغيبة كأنه متكلم بها فإن جاز السامع التكلم بغيبة جاز سماعها و إن حرم عليه حرم سماعها أيضا لكانت الرواية علي تقدير صحتها دليلا للتحريم فيما نحن فيه لكنه خلاف الظاهر من الرواية علي تقدير قراءة المغتابين بالتثنية و إن كان هو الظاهر علي تقدير قراءته بالجمع لكن هذا التقدير خلاف الظاهر و قد تقدم في مسألة التشبيب أنه إذا كان شك السامع في حصول شرط حرمته من القائل لم يحرم استماعه فراجع

ثم إنه يظهر من الأخبار المستفيضة وجوب رد الغيبة

. فعن المجالس بإسناده عن أبي ذر رضوان الله عليه عن النبي ص: من اغتيب عنده أخوه المؤمن و هو يستطيع نصره فنصره نصره الله تعالي في الدنيا و الآخرة و إن خذله و هو يستطيع نصره خذله الله في الدنيا و الآخرة و نحوها عن الصدوق بإسناده عن الصادق عن آبائه ع في وصية النبي ص لعلي ع. و عن عقاب الأعمال بسنده عن النبي ص: من رد عن أخيه غيبة سمعها في مجلس رد الله عنه ألف باب من الشر في الدنيا و الآخرة فإن لم يرد عنه و أعجبه كان عليه كوزر من اغتابه و عن الصدوق بإسناده عن الصادق ع في حديث الملاهي عن النبي ص: من تطول علي أخيه في غيبة سمعها فيه في مجلس فردها عنه رد الله عنه ألف باب من الشر في الدنيا و الآخرة فإن هو لم يردها و هو قادر علي ردها كان عليه كوزر من اغتابه سبعين مرة إلي آخر الخبر. و لعل وجه زيادة عقابه أنه إذا لم يرده تجري المغتاب علي الغيبة فيصر علي هذه الغيبة و غيرها

[المراد بالرد الانتصار للغائب لا صرف النهي عن الغيبة]

و الظاهر أن الرد غير النهي عن الغيبة و المراد به الانتصار للغائب بما يناسب تلك الغيبة فإن كان عيبا دنيويا انتصر له بأن العيب ليس إلا ما عاب الله به من المعاصي التي من أكبرها ذكرك أخاك بما لم يعبأ الله به و إن كان عيبا دينيا وجهه بمحامل تخرجه عن المعصية فإن لم يقبل
المكاسب، ج‌1، ص 47
التوجيه انتصر له بأن المؤمن قد يبتلي بالمعصية فينبغي أن تستغفر له و تهتم له لا أن تعيره و أن تعييرك إياه لعله أعظم عند الله من معصيته و نحو ذلك. ثم إنه يظهر من الأخبار المستفيضة وجوب رد الغيبة
. فعن المجالس بإسناده عن أبي ذر رضوان الله عليه عن النبي ص: من اغتيب عنده أخوه المؤمن و هو يستطيع نصره فنصره نصره الله تعالي في الدنيا و الآخرة و إن خذله و هو يستطيع نصره خذله الله في الدنيا و الآخرة و نحوها عن الصدوق بإسناده عن الصادق عن آبائه ع في وصية النبي ص لعلي ع. و عن عقاب الأعمال بسنده عن النبي ص: من رد عن أخيه غيبة سمعها في مجلس رد الله عنه ألف باب من الشر في الدنيا و الآخرة فإن لم يرد عنه و أعجبه كان عليه كوزر من اغتابه و عن الصدوق بإسناده عن الصادق ع في حديث الملاهي عن النبي ص: من تطول علي أخيه في غيبة سمعها فيه في مجلس فردها عنه رد الله عنه ألف باب من الشر في الدنيا و الآخرة فإن هو لم يردها و هو قادر علي ردها كان عليه كوزر من اغتابه سبعين مرة إلي آخر الخبر. و لعل وجه زيادة عقابه أنه إذا لم يرده تجري المغتاب علي الغيبة فيصر علي هذه الغيبة و غيرها

[الأخبار الواردة في عقوبة ذي اللسانين و ذمه]

ثم إنه قد يتضاعف عقاب المغتاب إذا كان ممن يمدح المغتاب في حضوره و هذا و إن كان في نفسه مباحا إلا أنه إذا انضم مع ذمه في غيبته سمي صاحبه ذا لسانين يوم القيامة و تتأكد حرمتها و لذا ورد في المستفيضة أنه يجي‌ء ذو لسانين يوم القيامة و له لسانان من النار فإن لسان المدح في الحضور و إن لم يكن لسانا من نار إلا أنه إذا انضم إلي لسان الذم في الغياب صار كذلك. و عن المجالس بسنده عن حفص بن غياث عن الصادق عن أبيه عن آبائه عن علي ع قال رسول الله ص:
من مدح أخاه المؤمن في وجهه و اغتابه من ورائه فقد انقطع ما بينهما من العصمة و عن الباقر ع: بئس العبد عبد يكون ذا وجهين و ذا لسانين يطرأ أخاه شاهدا و يأكله غائبا إن أعطي حسده و إن ابتلي خذله

[البهتان أغلظ تحريما من الغيبة]

و اعلم أنه قد يطلق الاغتياب علي البهتان و هو أن يقال في شخص ما ليس فيه و هو أغلظ تحريما من الغيبة و وجهه ظاهر لأنه جامع بين مفسدتي الكذب و الغيبة و يمكن القول بتعدد العقاب- من جهة كل من العنوانين و المركب. و في رواية علقمة عن الصادق ع حدثني أبي عن آبائه ع عن رسول الله ص أنه قال: من اغتاب مؤمنا بما فيه لم يجمع الله بينهما في الجنة أبدا و من اغتاب مؤمنا بما ليس فيه فقد انقطعت العصمة بينهما و كان المغتاب في النار خالدا فيها و بئس المصير.

خاتمة في بعض ما ورد من حقوق المسلم علي أخيه

اشارة

ففي صحيحة مرازم عن أبي عبد الله ع: ما عبد الله بشي‌ء أفضل من أداء حق المؤمن و روي في الوسائل و كشف الريبة عن كنز الفوائد للشيخ الكراجكي عن الحسين بن محمد بن علي الصيرفي عن محمد بن علي الجعابي عن القاسم بن محمد بن جعفر العلوي عن أبيه عن آبائه عن علي ع قال: قال رسول الله ص للمسلم علي أخيه ثلاثون حقا لا براءة له منها إلا بأدائها أو العفو يغفر زلته و يرحم عبرته و يستر عورته و يقيل عثرته و يقبل معذرته و يرد غيبته و يديم نصيحته و يحفظ خلته و يرعي ذمته و يعود مرضه و يشهد ميته و يجيب دعوته و يقبل هديته و يكافئ صلته و يشكر نعمته و يحسن نصرته و يحفظ حليلته و يقضي حاجته و يستنجح مسألته و يسمت عطسته و يرشد ضالته و يرد سلامه و يطيب كلامه و يبر إنعامه- و يصدق أقسامه و يوالي وليه و لا يعاديه و ينصره ظالما و مظلوما فأما نصرته ظالما فيرده عن ظلمه و أما نصرته مظلوما فيعينه علي أخذ حقه و لا يسلمه و لا يخذله و يحب له من الخير ما يحب لنفسه و يكره له من الشر ما يكره لنفسه ثم قال ع سمعت رسول الله ص يقول إن أحدكم ليدع من حقوق أخيه شيئا فيطالبه به يوم القيامة فيقضي له و عليه. و الأخبار في حقوق المؤمن كثيرة و الظاهر إرادة الحقوق المستحبة التي ينبغي أداؤها. و معني القضاء لذيها علي من هي عليه المعاملة معه معاملة من أهملها بالحرمان عما أعد لمن أدي حقوق الإخوة

ثم إن ظاهرها و إن كان عاما إلا أنه يمكن تخصيصها بالأخ العارف بهذه الحقوق المؤدي لها بحسب اليسر

أما المؤمن المضيع لها فالظاهر عدم تأكد مراعاة هذه الحقوق بالنسبة إليه و لا يوجب إهمالها مطالبته يوم القيامة لتحقق المقاصة فإن التهاتر يقع في الحقوق كما يقع في الأموال.

و قد ورد في غير واحد من الأخبار ما يظهر منه الرخصة في ترك هذه الحقوق

لبعض الإخوان بل لجميعهم إلا القليل منهم. فعن الصدوق رحمه الله في الخصال و كتاب الإخوان و الكليني بسندهما عن أبي جعفر ع قال: قام إلي أمير المؤمنين ص رجل بالبصرة فقال أخبرنا عن الإخوان فقال ع الإخوان صنفان إخوان الثقة و إخوان المكاشرة فأما إخوان الثقة فهم كالكف و الجناح و الأهل و المال فإذا كنت من أخيك علي ثقة فابذل له مالك و يدك و صاف من صافاه و عاد من عاداه و اكتم سره و عيبه و أظهر منه الحسن و اعلم أيها السائل أنهم أعز من الكبريت الأحمر و أما إخوان المكاشرة فإنك تصيب منهم لذتك فلا تقطعن ذلك منهم و لا تطلبن ما وراء ذلك من ضميرهم و ابذل لهم ما بذلوا لك من طلاقة الوجه و حلاوة اللسان

[حدود الصداقة]

و في رواية عبيد الله الحلبي المروية في الكافي عن أبي عبد الله ع قال: لا تكون الصداقة إلا بحدودها فمن كانت فيه هذه الحدود أو شي‌ء منها فانسبه إلي الصداقة و من لم يكن فيه شي‌ء منها فلا تنسبه إلي شي‌ء من الصداقة فأولها أن تكون سريرته و علانيته لك واحدة و الثانية أن يري زينك زينه و شينك شينه و الثالثة أن لا تغيره عليك ولاية و لا مال و الرابعة أن لا يمنعك شيئا تناله مقدرته و الخامسة و هي تجمع هذه الخصال أن لا يسلمك عند النكبات و لا يخفي أنه إذا لم تكن الصداقة لم تكن الأخوة فلا بأس بترك الحقوق المذكورة بالنسبة إليه. و في نهج البلاغة: لا يكون الصديق صديقا حتي يحفظ أخاه في ثلاث في نكبته و في غيبته و في وفاته و في كتاب الإخوان بسنده عن الوصافي عن أبي جعفر ع قال: قال لي أ رأيت من قبلكم إذا كان الرجل ليس عليه رداء و عند بعض إخوانه رداء يطرحه عليه قلت لا قال فإذا كان ليس عنده إزار يوصل إليه بعض إخوانه بفضل إزاره حتي يجد له إزارا قلت لا قال فضرب بيده علي فخذه و قال ما هؤلاء بإخوة إلي آخر الخبر دل علي أن من لا يواسي المؤمن ليس بأخ له فلا يكون له حقوق الأخوة المذكورة في روايات الحقوق. و نحوه رواية ابن أبي عمير عن خلاد رفعه قال: أبطأ علي رسول الله ص رجل فقال ما أبطأ بك فقال العري يا رسول الله فقال ص أ ما كان لك جار له ثوبان يعيرك أحدهما فقال بلي يا رسول الله فقال ص ما هذا لك بأخ و في رواية يونس بن ظبيان قال قال أبو عبد الله ع: اختبروا إخوانكم بخصلتين فإن كانتا فيهم و إلا فأعزب ثم اعزب ثم اعزب المحافظة علي الصلاة في مواقيتها و البر بالإخوان في اليسر و العسر
القمار

الخامسة عشرة القمار و هو حرام إجماعا

اشارة

و يدل عليه الكتاب و السنة المتواترة

[معني القمار لغة و شرعا]

و هو بكسر القاف كما عن بعض أهل اللغة الرهن علي اللعب بشي‌ء بالآلات المعروفة و حكي عن جماعة أنه قد يطلق علي اللعب بهذه الأشياء مطلقا و لو من دون رهن و به صرح في جامع المقاصد و عن بعض أن أصل المقامرة المغالبة.
فكيف كان فهنا مسائل أربع لأن اللعب قد يكون بآلات القمار مع الرهن و قد يكون بدونه و المغالبة بغير آلات القمار قد تكون مع العوض و قد تكون بدونه.

فالأولي اللعب بآلات القمار مع الرهن

و لا إشكال في حرمتها و حرمة العوض و الإجماع عليها محقق و الأخبار بها متواترة.

الثانية اللعب بآلات القمار من دون رهن

اشارة

المكاسب، ج‌1، ص 48
و في صدق القمار عليه نظر لما عرفت و مجرد الاستعمال لا يوجب إجراء أحكام المطلقات و لو مع البناء علي أصالة الحقيقة في الاستعمال لقوة انصرافها إلي الغالب من وجود الرهن في اللعب بها. و منها تظهر الخدشة في الاستدلال علي المطلب بإطلاق النهي عن اللعب بتلك الآلات بناء علي انصرافه إلي المتعارف من ثبوت الرهن. نعم قد يبعد دعوي الانصراف في رواية أبي الربيع الشامي: عن الشطرنج و النرد قال لا تقربوهما قلت فالغناء قال لا خير فيه لا تقربه.

[الأخبار الدالة علي الحرمة]

و الأولي الاستدلال علي ذلك بما تقدم في رواية تحف العقول من أن ما يجي‌ء منه الفساد محضا لا يجوز التقلب فيه من جميع وجوه الحركات. و في تفسير القمي عن أبي الجارود عن أبي جعفر ع: في قوله تعالي إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصابُ وَ الْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ قال أما الخمر فكل مسكر من الشراب إلي أن قال و أما الميسر فالنرد و الشطرنج و كل قمار ميسر إلي أن قال و كل هذا بيعه و شراؤه و الانتفاع بشي‌ء من هذا حرام محرم. و ليس المراد بالقمار هنا المعني المصدري حتي يرد ما تقدم من انصرافه إلي اللعب مع الرهن بل المراد الآلات بقرينة قوله بيعه و شراؤه و قوله و أما الميسر فهو النرد إلي آخر الحديث. و يؤيد الحكم ما عن مجالس المفيد الثاني ولد شيخنا الطوسي رحمهما الله بسنده عن أمير المؤمنين ع: في تفسير الميسر في أن كل ما ألهي عن ذكر الله فهو الميسر و رواية الفضيل قال: سألت أبا جعفر ع عن هذه الأشياء التي يلعب بها الناس من النرد و الشطرنج حتي انتهيت إلي السدر قال إذا ميز الله الحق من الباطل مع أيهما يكون قال مع الباطل قال و مالك و الباطل و في موثقة زرارة عن أبي عبد الله ع: أنه سئل عن الشطرنج و عن لعبة الشبيب التي يقال لها لعبة الأمير و عن لعبة الثلاث فقال رأيت إذا ميز الله بين الحق و الباطل مع أيهما يكون قلت مع الباطل قال فلا خير فيه و في رواية عبد الواحد بن مختار: عن اللعب بالشطرنج قال إن المؤمن لمشغول عن اللعب فإن مقتضي إناطة الحكم بالباطل و اللعب عدم اعتبار الرهن في حرمة اللعب بهذه الأشياء و لا يجري دعوي الانصراف هنا.

الثالثة المراهنة علي اللعب بغير الآلات المعدة للقمار

اشارة

كالمراهنة علي حمل الحجر الثقيل و علي المصارعة و علي الطيور و علي الطفرة و نحو ذلك مما عدوها في باب السبق و الرماية من أفراد غير ما نص علي جوازه و الظاهر الإلحاق بالقمار في الحرمة و الفساد بل صريح بعض أنه قمار.

و صرح العلامة الطباطبائي رحمه الله في مصابيحه بعدم الخلاف في الحرمة و الفساد

و هو ظاهر كل من نفي الخلاف في تحريم المسابقة فيما عدا المنصوص مع العوض و جعل محل الخلاف فيه بدون العوض فإن ظاهر ذلك أن محل الخلاف هنا هو محل الوفاق هناك و من المعلوم أنه ليس هنا إلا الحرمة التكليفية دون خصوص الفساد.

[الأخبار الدالة علي الحرمة]

و يدل عليه أيضا قول الإمام الصادق ع إنه قال رسول الله ص: إن الملائكة لتحضر الرهان في الخف و الحافر و الريش و ما سوي ذلك قمار حرام و في رواية أبي العلاء بن سيابة عن الإمام الصادق ع عن النبي ص: إن الملائكة لتنفر عند الرهان و تلعن صاحبه ما خلا الحافر و الخف و الريش و النصل و المحكي عن تفسير العياشي عن ياسر الخادم عن الإمام الرضا ع قال: سألته عن الميسر قال الثفل من كل شي‌ء قال و الثفل ما يخرج بين المتراهنين من الدراهم و غيرها و في صحيحة معمر بن خلاد: كل ما قومر عليه فهو ميسر و في رواية جابر عن أبي جعفر ع: قيل يا رسول الله ما الميسر قال كل ما تقومر به حتي الكعاب و الجوز و الظاهر أن المقامرة بمعني المغالبة علي الرهن

[استظهار بعض اختصاص الحرمة بما كان بالآلات المعدة للقمار و المناقشة فيه]

و مع هذه الروايات الظاهرة بل الصريحة في الحرمة المعتضدة بدعوي عدم الخلاف في الحكم ممن تقدم فقد استظهر بعض مشايخنا المعاصرين اختصاص الحرمة بما كان بالآلات المعدة للقمار. و أما مطلق الرهان و المغالبة بغيرها فليس فيه إلا فساد المعاملة و عدم تملك الراهن فيحرم التصرف فيه لأنه أكل مال بالباطل و لا معصية من جهة العمل كما في القمار بل لو أخذ الرهن بعنوان الوفاء بالعهد الذي هو نذر له- لا كفارة له مع طيب النفس من الباذل لا بعنوان أن المقامرة المذكورة أوجبته و ألزمته أمكن القول بجوازه. و قد عرفت من الأخبار إطلاق القمار عليه- و كونه موجبا للعن الملائكة و تنفرهم و أنه من الميسر المقرون بالخمر. و أما ما ذكره أخيرا من جواز أخذ الرهن بعنوان الوفاء بالعهد فلم أفهم معناه لأن العهد الذي تضمنه العقد الفاسد لا معني لاستحباب الوفاء به إذ لا يستحب ترتيب آثار الملك علي ما لم يحصل فيه سبب تملك إلا أن يراد صورة الوفاء بأن يملكه تمليكا جديدا بعد الغلبة في اللعب لكن حل الأكل علي هذا الوجه جار في القمار المحرم أيضا غاية الأمر الفرق بينهما بأن الوفاء لا يستحب في المحرم لكن الكلام في تصرف المبذول له بعد التمليك الجديد لا في فعل الباذل و أنه يستحب له أو لا

[عدم الخلاف في الحكم بالحرمة و الفساد]


و كيف كان فلا أظن أن الحكم بحرمة الفعل مضافا إلي الفساد محل إشكال بل و لا محل خلاف كما يظهر من كتاب السبق و الرماية و كتاب الشهادات و قد تقدم دعواه صريحا من بعض الأعلام.

[قضاء أمير المؤمنين (ع) في رجل آكل و أصحاب له شاة]

نعم عن الكافي و التهذيب بسندهما عن محمد بن قيس عن أبي جعفر ع قال: قضي أمير المؤمنين ع في رجل أكل و أصحاب له شاة- فقال إن أكلتموها فهي لكم و إن لم تأكلوها فعليكم كذا و كذا فقضي فيه و أن ذلك باطل لا شي‌ء في المؤاكلة في الطعام ما قل منه أو كثر و منع غرامة فيه.

[ظهور الرواية في الجواز]

و ظاهرها من حيث عدم ردع الإمام ع عن فعل مثل هذا أنه ليس بحرام إلا أنه لا يترتب عليه الأثر لكن هذا وارد علي تقدير القول بالبطلان و عدم التحريم أيضا لأن التصرف في هذا المال مع فساد المعاملة حرام أيضا فتأمل.

ثم إن حكم المعوض من حيث الفساد

حكم سائر المأخوذ بالمعاملات الفاسدة يجب رده علي مالكه مع بقائه و مع التلف فالبدل مثلا أو قيمة.

و ما ورد من قي‌ء الإمام ع- البيض الذي قامر به الغلام

فلعله للحذر من أن يصير الحرام جزء من بدنه لا للرد علي المالك لكن يشكل بأن ما كان تأثيره كذلك كيف أكل المعصوم ع له جهلا بناء علي عدم إقدامه علي المحرمات الواقعية غير المتبدلة بالعلم لا جهلا و لا غفلة لأن ما دل علي عدم جواز الغفلة عليه في ترك الواجب و فعل الحرام دل علي عدم جواز الجهل عليه في ذلك اللهم إلا أن يقال إن مجرد التصرف من المحرمات العلمية- و التأثير الواقعي غير المتبدل بالجهل إنما هو في بقائه و صيرورته بدلا عما يتحلل من بدنه ع و الفرض اطلاعه عليه في أوائل وقت تصرف المعدة و لم يستمر جهله. هذا كله لتطبيق فعلهم علي القواعد و إلا فلهم في حركاتهم من أفعالهم و أقوالهم شئون لا يعلمها
المكاسب، ج‌1، ص 49
غيرهم.

الرابعة المغالبة بغير عوض- في غير ما نص علي جواز المسابقة فيه

اشارة

و الأكثر علي ما في الرياض علي التحريم بل حكي فيها عن جماعة دعوي الإجماع عليه و هو الظاهر من بعض العبارات المحكية عن التذكرة.

[الظاهر من بعض عبارات التذكرة الإجماع علي التحريم]

فعن موضع منها أنه لا يجوز المسابقة في المصارعة بعوض و بغير عوض عند علمائنا أجمع لعموم النهي إلا في الثلاثة الخف و الحافر و النصل و ظاهر استدلاله أن مستند الإجماع هو النهي و هو جار في غير المصارعة أيضا. و عن موضع آخر لا يجوز المسابقة علي رمي الحجارة باليد و المقلاع و المنجنيق سواء أ كان بعوض أم بغير عوض عند علمائنا و فيه أيضا لا يجوز المسابقة علي المراكب و السفن و الطيارات عند علمائنا و قال أيضا لا يجوز المسابقة علي مناطحة الغنم و مهارشة الديك بعوض و بغير عوض قال و كذلك لا يجوز المسابقة بما لا ينتفع به في الحرب و عد فيما مثل به اللعب بالخاتم و الصولجان و رمي البنادق و الجلاهق و الوقوف علي رجل واحدة و معرفة ما في اليد من الزوج و الفرد و سائر الألعاب و كذلك اللبث في الماء قال و جوزه بعض الشافعية و ليس بجيد انتهي.

و ظاهر المسالك الميل إلي الجواز

و استجوده في الكفاية و تبعه بعض من تأخر عنه للأصل و عدم ثبوت الإجماع و عدم النص عدا ما تقدم من التذكرة من عموم النهي و هو غير دال لأن السبق في الرواية يحتمل التحريك بل في المسالك أنه المشهور في الرواية و عليه فلا تدل إلا علي تحريم المراهنة بل هي غير ظاهرة في التحريم أيضا لاحتمال إرادة فسادها بل هو الأظهر لأن نفي العوض ظاهر في نفي استحقاقه و إرادة نفي جواز العقد عليه في غاية البعد. و علي تقدير السكون فكما يحتمل نفي الجواز التكليفي فيحتمل نفي الصحة لوروده مورد الغالب من اشتمال المسابقة علي العوض

و قد يستدل للتحريم أيضا بأدلة القمار

بناء علي أنه مطلق المغالبة و لو بدون العوض كما يدل عليه ما تقدم من إطلاق الرواية- بكون اللعب بالنرد و الشطرنج بدون العوض قمارا. و دعوي أنه يشترط في صدق القمار أحد الأمرين إما كون المغالبة بالآلات المعدة للقمار و إن لم يكن عوض و إما المغالبة مع العوض و إن لم يكن بالآلات المعدة للقمار علي ما يشهد به إطلاقه في رواية الرهان في الخف و الحافر في غاية البعد بل الأظهر أنه مطلق المغالبة. و يشهد له أن إطلاق آلة القمار موقوف علي عدم دخول الآلة في مفهوم القمار كما في سائر الآلات المضافة إلي الأعمال حيث إن الآلة غير مأخوذة في المفهوم و قد عرفت أن العوض أيضا غير مأخوذ فيه فتأمل.

و يمكن أن يستدل علي التحريم أيضا بما تقدم من أخبار حرمة الشطرنج و النرد

معللة بكونها من الباطل و اللعب و أن كل ما ألهي عن ذكر الله عز و جل فهو الميسر. و قوله ع: في بيان حكم اللعب بالأربعة عشر لا تستحب شيئا من اللعب غير الرهان و الرمي و المراد رهان الفرس و لا شك في صدق اللهو و اللعب فيما نحن فيه ضرورة أن العوض لا دخل له في ذلك.

و يؤيده ما دل علي أن كل لهو المؤمن باطل

خلا ثلاثة و عد منها إجراء الخيل و ملاعبة الرجل امرأته و لعله لذلك كله استدل في الرياض تبعا للمهذب في مسألتنا بما دل علي حرمة اللعب لكن قد يشكل الاستدلال فيما إذا تعلق بهذه الأفعال غرض صحيح يخرجه عن صدق اللهو عرفا فيمكن إناطة الحكم باللهو و يحكم في غير مصاديقه بالإباحة إلا أن يكون قولا بالفصل و هو غير معلوم و سيجي‌ء بعض الكلام في ذلك عند التعرض لحكم اللهو و موضوعه إن شاء الله
القيادة

السادسة عشرة القيادة- و هو السعي بين الشخصين لجمعهما علي الوطء المحرم

السادسة عشرة القيادة- و هو السعي بين الشخصين لجمعهما علي الوطء المحرم
و هي من الكبائر و قد تقدم تفسير الواصلة و المستوصلة بذلك في مسألة تدليس الماشطة. و في صحيحة ابن سنام: أنه يضرب ثلاثة أرباع حد الزاني خمسة و سبعون سوطا و ينفي من المصر الذي هو فيه
القيافة

السابعة عشرة القيافة و هو حرام في الجملة

اشارة

السابعة عشرة القيافة و هو حرام في الجملة
نسبه في الحدائق إلي الأصحاب و في الكفاية لا أعرف له خلافا و عن المنتهي الإجماع.

[القائف لغة و اصطلاحا]

و القائف كما عن الصحاح و القاموس و المصباح هو الذي يعرف الآثار- و عن النهاية و مجمع البحرين زيادة أنه يعرف شبه الرجل بأخيه و أبيه و في جامع المقاصد و المسالك كما عن إيضاح النافع و الميسية أنها إلحاق الناس بعضهم ببعض و قيد في الدروس و جامع المقاصد كما في التنقيح حرمتها بما إذا ترتب عليها محرم و الظاهر أنه مراد الكل و إلا فمجرد حصول الاعتقاد العلمي أو الظني بنسب شخص لا دليل علي تحريمه

[الأخبار الناهية عن مراجعة القائف]

و لذا نهي في بعض الأخبار عن إتيان القائف و الآخذ بقوله. ففي المحكي عن الخصال ما أحب أن تأتيهم و عن مجمع البحرين أن في الحديث لا تأخذ بقول القائف. و نسب بعض أهل السنة أن رسول الله ص قضي بقول القافة و قد أنكر ذلك عليهم في أخبارنا كما يشهد به ما في الكافي عن زكريا بن يحيي بن نعمان الصيرفي قال: سمعت علي بن جعفر يحدث حسن بن الحسين بن علي بن الحسين فقال و الله لقد نصر الله أبا الحسن الرضا ع فقال الحسن إي و الله جعلت فداك لقد بغي عليه إخوته فقال علي بن جعفر إي و الله و نحن عمومته بغينا عليه فقال له الحسن جعلت فداك كيف صنعتم فإني لم أحضركم قال قال له إخوته و نحن أيضا- ما كان فينا إمام قط حائل اللون فقال لهم الرضا ع هو ابني قالوا فإن رسول الله ص قد قضي بالقافة فبيننا و بينك القافة قال ابعثوا أنتم إليهم فأما أنا فلا و لا تعلموهم لما دعوتموهم إليه و لتكونوا في بيوتكم فلما جاءوا أقعدونا في البستان و اصطف عمومته و إخوته و أخواته و أخذوا الرضا ع و ألبسوه جبة من صوف و قلنسوة منها و وضعوا علي عنقه مسحاة و قالوا له ادخل البستان كأنك تعمل فيه ثم جاءوا بأبي جعفر ع فقالوا ألحقوا هذا الغلام بأبيه فقالوا ليس له هاهنا أب و لكن هذا عم أبيه و هذا عمه و هذه عمته و إن يكن له هاهنا أب فهو صاحب البستان فإن قدميه و قدميه واحدة فلما رجع أبو الحسن ع قالوا هذا أبوه قال علي بن جعفر فقمت فمصصت ريق أبي جعفر ع ثم قلت له أشهد أنك إمامي إلي آخر الخبر نقلناه بطوله تيمنا
الكذب

الثامنة عشرة الكذب و هو حرام بضرورة العقول و الأديان

اشارة

الثامنة عشرة الكذب و هو حرام بضرورة العقول و الأديان
و يدل عليه الأدلة الأربعة إلا أن الذي ينبغي الكلام فيه مقامان أحدهما في أنه من الكبائر ثانيهما في مسوغاته

أما الأول [هل المستفاد من الأخبار أن الكذب من الكبائر]

اشارة

فالظاهر من غير واحد من الأخبار كالمروي في العيون بسنده عن الفضل بن شاذان لا يقصر عن الصحيح و المروي عن الأعمش في حديث شرائع الدين عده من الكبائر. و في الموثقة بعثمان بن عيسي: إن الله تعالي جعل
المكاسب، ج‌1، ص 50
للشر أقفالا و جعل مفاتيح تلك الأقفال الشراب و الكذب شر من الشراب و أرسل عن رسول الله ص: أ لا أخبركم بأكبر الكبائر الإشراك بالله و عقوق الوالدين و قول الزور أي الكذب و عنه ص: إن المؤمن إذا كذب بغير عذر لعنه سبعون ألف ملك خرج من قلبه نتن حتي يبلغ العرش و كتب عليه بتلك الكذبة سبعين زنية أهونها كمن يزني مع أمه و يؤيده ما عن العسكري ع: جعلت الخبائث كلها في بيت واحد و جعل مفتاحها الكذب إلي آخر الحديث فإن مفتاح الخبائث كلها كبيرة لا محالة. و يمكن الاستدلال علي كونه من الكبائر بقوله تعالي إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ فجعل الكاذب غير مؤمن بآيات الله كافرا بها و لذلك كله أطلق جماعة كالفاضلين و الشهيد الثاني في ظاهر كلماتهم كونه من الكبائر من غير فرق بين أن يترتب علي الخبر الكاذب مفسدة أو لا يترتب عليه شي‌ء أصلا. و يؤيده ما روي: عن النبي ص في وصيته لأبي ذر ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك القوم ويل له ويل له ويل له فإن الأكاذيب المضحكة لا يترتب عليها غالبا إيقاع في المفسدة.

[هل الكذب كله من الكبائر]

نعم في الأخبار ما يظهر من عدم كونه علي الإطلاق كبيرة- مثل رواية أبي خديجة عن أبي عبد الله ع: إن الكذب علي الله و علي رسوله من الكبائر فإنها ظاهرة باختصاص الكبيرة بهذا الكذب الخاص لكن يمكن حملها علي كون هذا الكذب الخاص من الكبائر الشديدة العظيمة و لعل هذا أولي من تقييد المطلقات المتقدمة. و في مرسلة سيف بن عميرة عن أبي جعفر ع قال: كان علي بن الحسين ع يقول لولده اتقوا الكذب الصغير منه و الكبير في كل جد و هزل فإن الرجل إذا كذب في الصغير اجترأ علي الكبير- إلي آخر الخبر و يستفاد منه أن عظم الكذب باعتبار ما يترتب عليه من المفاسد.

[هل الكذب من اللمم]

و في صحيحة ابن الحجاج: قلت لأبي عبد الله ع الكذاب هو الذي يكذب في الشي‌ء قال لا ما من أحد إلا يكون ذاك منه و لكن المطبوع علي الكذب فإن قوله ما من أحد إلا يكون ذاك منه يدل علي أن الكذب- من اللمم التي تصدر من كل أحد لا من الكبائر. و عن الحارث الأعور عن علي ع قال: لا يصلح من الكذب جد و لا هزل و أن لا يعد أحدكم صبيه ثم لا يفي له إن الكذب يهدي إلي الفجور و الفجور يهدي إلي النار و ما زال أحدكم يكذب حتي يقال كذب و فجر إلي آخر الخبر و فيه أيضا إشعار بأن مجرد الكذب ليس فجورا.

[حكم الإنشاء المنبئ عن الكذب]

و قوله و لا أن يعد أحدكم صبيه ثم لا يفي له لا بد أن يراد منه النهي عن الوعد مع إضمار عدم الوفاء و هو المراد ظاهرا بقوله تعالي كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ بل الظاهر عدم كونه كذبا حقيقيا و أن إطلاق الكذب عليه في الرواية- لكونه في حكمه من حيث الحرمة أو لأن الوعد مستلزم للإخبار بوقوع الفعل كما أن سائر الإنشاءات كذلك و لذا ذكر بعض الأساطين أن الكذب و إن كان من صفات الخبر إلا أن حكمه يجري في الإنشاء المنبئ عنه كمدح المذموم و ذم الممدوح و تمني المكاره و ترجي غير المتوقع و إيجاب غير الموجب و ندب غير النادب و وعد غير العازم

[خلف الوعد لا يدخل في الكذب]

و كيف كان فالظاهر عدم دخول خلف الوعد في الكذب لعدم كونه من مقولة الكلام. نعم هو كذب للوعد بمعني جعله مخالفا للواقع كما أن إنجاز الوعد صدق له بمعني جعله مطابقا للواقع فيقال صادق الوعد و وعد غير مكذوب و الكذب بهذا المعني ليس محرما علي المشهور و إن كان غير واحد من الأخبار ظاهرا في حرمته و في بعضها الاستشهاد بالآية المتقدمة

[الكذب في الهزل]

ثم إن ظاهر الخبرين الأخيرين خصوصا المرسلة حرمة الكذب حتي في الهزل و يمكن أن يراد بها الكذب في مقام الهزل. و أما نفس الهزل و هو الكلام الفاقد للقصد إلي تحقق مدلوله فلا يبعد أنه غير محرم مع نصب القرينة علي إرادة الهزل كما صرح به بعض و لعله لانصراف الكذب إلي الخبر المقصود و للسيرة و يمكن حمل الخبرين علي مطلق المرجوحية- و يحتمل غير بعيد حرمته لعموم ما تقدم خصوصا الخبرين الأخيرين- و النبوي في وصية أبي ذر لأن الأكاذيب المضحكة أكثرها من قبيل الهزل. و عن الخصال بسنده عن رسول الله ص: أنا زعيم بيت في أعلي الجنة و بيت في وسط الجنة و بيت في رياض الجنة لمن ترك المراء و إن كان محقا و لمن ترك الكذب و إن كان هازلا و لمن حسن خلقه و قال أمير المؤمنين ص: لا يجد الرجل طعم الإيمان حتي يترك الكذب هزله و جده

ثم إنه لا ينبغي الإشكال في أن المبالغة في الادعاء و إن بلغت ما بلغت ليست من الكذب

و ربما يدخل فيه إذا كانت في غير محلها كما لو مدح إنسانا قبيح المنظر و شبه وجهه بالقمر إلا إذا بني علي كونه كذلك في نظر المادح فإن الأنظار تختلف في التحسين و التقبيح كالذائقات في المطعومات.

و أما التورية

اشارة

و هو أن يريد بلفظ معني مطابقا للواقع و قصد من إلقائه أن يفهم المخاطب منه خلاف ذلك مما هو ظاهر فيه عند مطلق المخاطب أو المخاطب الخاص كما لو قلت في مقام إنكار ما قلته في حق أحد علم الله ما قلته و أردت بكلمة ما الموصولة و فهم المخاطب النافية و كما لو استأذن رجل بالباب فقال الخادم له ما هو هاهنا و أشار إلي موضع فارغ في البيت و كما لو قلت اليوم ما أكلت الخبز تعني بذلك حالة النوم أو حالة الصلاة إلي غير ذلك فلا ينبغي الإشكال في عدم كونها من الكذب و لذا صرح الأصحاب فيما سيأتي من وجوب التورية عند الضرورة بأنه يؤدي بما يخرجه عن الكذب بل اعترض جامع المقاصد علي قول العلامة في القواعد في مسألة الوديعة إذا طالبها ظالم بأنه يجوز الحلف كاذبا و تجب التورية علي العارف بها بأن العبارة لا تخلو عن مناقشة حيث تقتضي ثبوت الكذب مع التورية و معلوم أن لا كذب معها انتهي. و وجه ذلك أن الخبر باعتبار معناه و هو المستعمل فيه كلامه ليس مخالفا للواقع و إنما فهم المخاطب من كلامه أمرا مخالفا للواقع لم يقصده المتكلم من اللفظ. نعم لو ترتبت عليها مفسدة حرمت من تلك الجهة اللهم إلا أن يدعي أن مفسدة الكذب و هو الإغراء موجودة فيها و هي ممنوعة لأن الكذب محرم لا لمجرد الإغراء.

[الملاك في اتصاف الخبر بالكذب عند بعض الأفاضل]

و ذكر بعض الأفاضل أن المعتبر في اتصاف الخبر بالصدق و الكذب هو ما يفهم من ظاهر الكلام لا ما هو المراد منه فلو قال رأيت حمارا و أراد منه البليد من دون نصب قرينة فهو متصف بالكذب و إن لم يكن المراد مخالفا للواقع انتهي موضع الحاجة. أقول فإن أراد اتصاف الخبر في
المكاسب، ج‌1، ص 51
الواقع فقد تقدم أنه دائر مدار موافقة المخبر و مخالفته للواقع لأنه معني الخبر و المقصود منه دون ظاهره الذي لم يقصد. و إن أراد اتصافه عند الواصف فهو حق مع فرض جهله بإرادة خلاف الظاهر. لكن توصيفه حينئذ باعتقاد أن هذا هو مراد المخبر و مقصوده فيرجع الأمر إلي إناطة الاتصاف بمراد المتكلم و إن كان الطريق إليه اعتقاد المخاطب.

و مما يدل علي سلب الكذب عن التورية

ما روي في الاحتجاج: أنه سئل الإمام الصادق ع عن قول الله عز و جل في قصة إبراهيم علي نبينا و آله و عليه السلام بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ قال ما فعله كبيرهم و ما كذب إبراهيم قيل و كيف ذلك فقال إنما قال إبراهيم فسئلوهم إن كانوا ينطقون أي إن نطقوا فكبيرهم فعل- و إن لم ينطقوا فلم يفعل كبيرهم شيئا فما نطقوا و ما كذب إبراهيم: و سئل [أبو عبد الله ع] عن قول الله تعالي [في يوسف] أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ قال إنهم سرقوا يوسف من أبيه أ لا تري أنهم قالوا نفقد صواع الملك و لم يقولوا سرقتم صواع الملك: و سئل عن قول الله عز و جل حكاية عن إبراهيم ع إِنِّي سَقِيمٌ قال ما كان إبراهيم سقيما و ما كذب إنما عني سقيما في دينه أي مرتادا و في مستطرفات السرائر من كتاب ابن كثير قال: قلت لأبي عبد الله ع الرجل يستأذن عليه فيقول للجارية قولي ليس هو هاهنا فقال ع لا بأس ليس بكذب فإن سلب الكذب مبني علي أن المشار إليه بقوله هاهنا موضع خال من الدار إذ لا وجه له سوي ذلك. و روي في باب الحيل من كتاب الطلاق للمبسوط: أن واحدا من الصحابة صحب واحدا آخر فاعترضهما في الطريق أعداء المصحوب فأنكر الصاحب أنه هو فأحلفوه فحلف لهم أنه أخوه فلما أتي النبي ص قال له صدقت المسلم أخو المسلم إلي غير ذلك مما يظهر منه ذلك

أما الكلام في المقام الثاني و هي مسوغات الكذب

اشارة

فاعلم أنه يسوغ الكذب لوجهين

أحدهما الضرورة إليه

اشارة

فيسوق معها بالأدلة الأربعة قال الله تعالي إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ و قال تعالي لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْ‌ءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً. و قوله ع: ما من شي‌ء إلا و قد أحله الله لمن اضطر إليه و قد اشتهر أن الضرورات تبيح المحظورات. و الأخبار في ذلك أكثر من أن تحصي و قد استفاضت أو تواترت بجواز الحلف كاذبا لدفع الضرر البدني أو المالي عن نفسه أو أخيه. و الإجماع أظهر من أن يدعي أو يحكي و العقل مستقل بوجوب ارتكاب أقل القبيحين مع بقائه علي قبحه أو انتفاء قبحه لغلبة الآخر عليه علي القولين و هما كون القبح العقلي مطلقا أو في خصوص الكذب لأجل الذات فيختلف الوجوه و الاعتبارات و لا إشكال في ذلك

و إنما الإشكال و الخلاف في أنه هل يجب حينئذ التورية لمن يقدر عليها أم لا

اشارة

ظاهر المشهور هو الأول كما يظهر من المقنعة و المبسوط و الغنية و السرائر و الشرائع و القواعد و اللمعة و شرحها و التحرير و جامع المقاصد و الرياض و محكي مجمع البرهان في مسألة جواز الحلف لدفع الظالم عن الوديعة.

[ما يدل علي الوجوب من كلمات الفقهاء]

قال في المقنعة من كانت عنده أمانة فطالبه ظالم بتسليمها إليه و خيانة صاحبها فيها فليجحدها ليحفظها علي المؤتمن له عليها و إن استحلفه علي ذلك فليحلف و يوري في نفسه بما يخرجه عن الكذب فليجهد و إن استحلفه ظالم علي ذلك فليحلف و يوري في نفسه بما يخرجه عن الكذب إلي أن قال فإن لم يحسن التورية و كانت نيته حفظ الأمانة أجزأته النية و كان مأجورا انتهي. و قال في هذه المسألة أعني مطالبة الظالم الوديعة فإن قنع الظالم منه بيمينه فله أن يحلف و يوري في ذلك انتهي. و في الغنية في هذه المسألة و يجوز له أن يحلف أنه ليس عنده وديعة و يوري في يمينه بما يسلم به من الكذب بدليل إجماع الشيعة انتهي و قال في المختصر النافع حلف موريا و في القواعد و تجب التورية علي العارف بها انتهي و في السرائر في باب الحيل من كتاب الطلاق لو أنكر الاستدانة خوفا من الإقرار بالإبراء أو القضاء جاز الحلف مع صدقه بشرط التورية بما يخرجه عن الكذب انتهي و في اللمعة يحلف عليه فيوري و قريب منه في شرحها و في جامع المقاصد في باب المكاسب تجب التورية بما يخرجه عن الكذب انتهي.

[وجه ما ذكره الفقهاء في وجوب التورية]

و وجه ما ذكروه أن الكذب حرام و لم يحصل الاضطرار إليه مع القدرة علي التورية فيدخل تحت العمومات مع أن قبح الكذب عقلي فلا يسوغ إلا مع تحقق عنوان حسن في ضمنه يغلب حسنه علي قبحه و يتوقف تحققه علي تحققه و لا يكون التوقف إلا مع العجز عن التورية

[مقتضي الإطلاقات عدم الوجوب]

و هذا الحكم جيد إلا أن مقتضي إطلاقات أدلة الترخيص في الحلف كاذبا لدفع الضرر البدني أو المالي عن نفسه أو أخيه عدم اعتبار ذلك. ففي رواية السكوني عن الإمام الصادق عن أبيه عن آبائه عن علي ع قال قال رسول الله ص: احلف بالله كاذبا و نج أخاك من القتل و صحيحة إسماعيل بن سعد الأشعري عن أبي الحسن الرضا ع قال: سألته عن رجل يخاف علي ماله من السلطان فيحلف له لينجو به منه قال لا بأس و سألته هل يحلف الرجل علي مال أخيه كما يحلف علي مال نفسه قال نعم و عن الفقيه قال قال الصادق ع: اليمين علي وجهين إلي أن قال فأما اليمين التي يؤجر عليها الرجل إذا حلف كاذبا و لم تلزمه الكفارة فهو أن يحلف الرجل في خلاص امرأ مسلم أو خلاص ماله من متعد يتعدي عليه من لص أو غيره و في موثقة زرارة بابن بكير: أنا نمر علي هؤلاء القوم فيستحلفوننا علي أموالنا و قد أدينا زكاتها فقال يا زرارة إذا خفت فاحلف لهم بما شاءوا و رواية سماعة عن أبي عبد الله ع: إذا حلف الرجل تقية لم يضره إذا هو أكره أو اضطر إليه و قال ليس شي‌ء مما حرم الله إلا و قد أحله لمن اضطر إليه إلي غير ذلك من الأخبار الواردة في هذا الباب و فيما يأتي من جواز الكذب في الإصلاح التي يصعب علي الفقيه التزام تقييدها بصورة عدم القدرة علي التورية. و أما حكم العقل بقبح الكذب في غير مقام توقف تحقق المصلحة الراجحة عليه فهو و إن كان مسلما إلا أنه يمكن القول بالعفو عنه شرعا- للأخبار المذكورة كما عفي عن الكذب في الإصلاح و عن السب و التبري مع الإكراه مع أنه قبيح عقلا أيضا مع أن إيجاب التورية علي القادر لا يخلو عن الالتزام بالعسر كما لا يخفي

[المختار اشتراط جواز الكذب بعدم إمكان التورية]

فلو قيل بتوسعة الشارع علي العباد بعدم ترتب الآثار علي الكذب فيما نحن فيه و إن قدر علي التورية كان حسنا إلا أن الاحتياط في خلافه بل هو المطابق للقواعد لو لا استبعاد التقييد في هذه المطلقات لأن النسبة بين هذه المطلقات و بين ما دل كالرواية الأخيرة و غيرها علي اختصاص الجواز بصورة الاضطرار المستلزم للمنع مع عدمه
المكاسب، ج‌1، ص 52
مطلقا عموم من وجه فيرجع إلي عمومات حرمة الكذب فتأمل. هذا مع إمكان منع الاستبعاد المذكور لأن مورد الأخبار عدم التفات إلي التورية في مقام الضرورة إلي الكذب إذ مع الالتفات فالغالب اختيارها إذ لا داعي إلي العدول عنها إلي الكذب

[هل يتحقق الإكراه في صورة القدرة علي التورية]

ثم إن أكثر الأصحاب مع تقييدهم جواز الكذب بعدم القدرة علي التورية أطلقوا القول بلغوية ما أكره عليه من العقود و الإيقاعات و أقوال المحرمة كالسب و التبري من دون تقييد بصورة عدم التمكن من التورية بل صرح بعض هؤلاء كالشهيد في الروضة و المسالك في باب الطلاق بعدم اعتبار العجز عنها بل في كلام بعض ما يشعر بالاتفاق عليه مع أنه يمكن أن يقال إن المكره علي البيع إنما أكره علي التلفظ بالصيغة. و أما إرادة المعني فمما لا يقبل الإكراه فإذا أراده مع القدرة علي عدم إرادته فقد اختاره فالإكراه علي البيع الواقعي يختص بغير القادر علي التورية لعدم المعرفة بها أو عدم الالتفات إليها كما أن الاضطرار إلي الكذب يختص بغير القادر عليها

[الفرق بين الإكراه و الكذب]

و يمكن أن يفرق بين المقامين بأن الإكراه إنما يتعلق بالبيع الحقيقي أو الطلاق الحقيقي غاية الأمر قدرة المكره علي التفصي عنه بإيقاع الصورة من دون إرادة المعني لكنه غير المكره عليه. و حيث إن الأخبار خالية عن اعتبار العجز عن التفصي بهذا الوجه لم يعتبر ذلك في حكم الإكراه و هذا بخلاف الكذب فإنه لم يسوغ إلا عند الاضطرار إليه و لا اضطرار مع القدرة. نعم لو كان الإكراه من أفراد الاضطرار بأن كان المعتبر في تحقق موضوعه عرفا أو لغة العجز عن التفصي كما ادعاه بعض أو قلنا باختصاص رفع حكمه بصورة الاضطرار بأن كان عدم ترتب الأثر علي المكره عليه من حيث إنه مضطر إليه لدفع الضرر المتوعد عليه به عن النفس و المال كان ينبغي فيه اعتبار العجز من التورية لعدم اضطرار مع القدرة عليها. و الحاصل أن المكره إذا قصد المعني مع التمكن من التورية صدق علي ما أوقع أنه مكره عليه فيدخل في عموم رفع ما أكرهوا عليه. و أما المضطر فإذا كذب مع القدرة علي التورية لم يصدق أنه مضطر إليه فلا يدخل في عموم رفع ما اضطروا إليه هذا كله علي مذاق المشهور من انحصار جواز الكذب بصورة الاضطرار إليه حتي من جهة العجز عن التورية. و أما علي ما استظهرناه من الأخبار كما اعترف به جماعة من جوازه مع الاضطرار إليه من غير جهة العجز عن التورية فلا فرق بينه و بين الإكراه كما أن الظاهر أن أدلة نفي الإكراه راجعة إلي الاضطرار لكن من غير جهة التورية. فالشارع رخص في ترك التورية في كل كلام مضطر إليه للإكراه عليه أو دفع الضرر به هذا و لكن الأحوط التورية في البابين

ثم إن الضرر المسوغ للكذب هو المسوغ لسائر المحرمات

. نعم يستحب تحمل الضرر المالي الذي لا يجحف و عليه يحمل قول أمير المؤمنين ع في نهج البلاغة: علامة الإيمان أن تؤثر الصدق حيث يضرك علي الكذب حيث ينفعك-

[الأنسب حمل روايات التقية علي خلاف الظاهر لا الكذب لمصلحة]

ثم إن الأقوال الصادرة عن أئمتنا في مقام التقية في بيان الأحكام مثل قولهم: لا بأس بالصلاة في ثوب أصابه خمر و نحو ذلك و إن أمكن حمله علي الكذب لمصلحة بناء علي ما استظهرنا جوازه من الأخبار إلا أن الأليق بشأنهم ع هو الحمل علي إرادة خلاف ظواهرها من دون نصب قرينة بأن يريد من جواز الصلاة في الثوب المذكور جوازها عند تعذر الغسل و الاضطرار إلي اللبس و قد صرحوا بإرادة المحامل البعيدة في بعض الموارد مثل أنه: ذكر ع أن النافلة فريضة ففزع المخاطب ثم قال إنما أردت صلاة الوتر علي النبي ص

و من هنا يعلم أنه إذا دار الأمر في بعض المواضع بين الحمل علي التقية و الحمل علي الاستحباب

كما في الأمر بالوضوء عقيب بعض ما قال العامة بكونه حدثا تعين الثاني لأن التقية تتأدي بإرادة المجاز و إخفاء القرينة.

الثاني من مسوغات الكذب إرادة الإصلاح

و قد استفاضت الأخبار بجواز الكذب عند إرادة الإصلاح.
ففي صحيحة معاوية بن عمار: المصلح ليس بكذاب و نحوها رواية معاوية بن حكم عن أبيه عن جده عن أبي عبد الله ع. و في رواية عيسي بن حسان في الوسائل عن الصادق ع: كل كذب مسئول عنه صاحبه يوما إلا كذبا في ثلاثة رجل كائد في حربه فهو موضوع عنه أو رجل أصلح بين اثنين يلقي هذا بغير ما يلقي به هذا يريد بذلك الإصلاح أو رجل وعد أهله و هو لا يريد أن يتم لهم و بمضمون هذه الرواية في استثناء هذه الثلاثة روايات. و في مرسلة الواسطي عن أبي عبد الله ع قال: الكلام ثلاثة صدق و كذب و إصلاح بين الناس قال قيل له جعلت فداك ما الإصلاح بين الناس قال تسمع من الرجل كلاما يبلغه فتخبث نفسه فيقول سمعت من فلان قال فيك من الخير كذا و كذا خلاف ما سمعت منه و عن الصدوق في كتاب الإخوان بسنده عن أبي الحسن الرضا ع قال: إن الرجل ليصدق علي أخيه فيصيبه عنت من صدقه فيكون كذابا عند الله و إن الرجل ليكذب علي أخيه يريد به نفعه فيكون عند الله صادقا ثم إن ظاهر الأخبار المذكورة عدم وجوب التورية و لم أر من اعتبر العجز عنها في جواز الكذب في هذا المقام. و تقييد الأخبار المذكورة بصورة العجز عنها في غاية البعد و إن كان مراعاته مقتضي الاحتياط. ثم إنه قد ورد في أخبار كثيرة جواز الوعد الكاذب مع الزوجة بل مطلق الأهل و الله العالم
الكهانة

التاسعة عشرة الكهانة

اشارة

من كهن يكهن ككتب يكتب كتابة كما في الصحاح إذا تكهن قال و يقال كهن بالضم كهانة بالفتح إذا صار كاهنا. و عن القاموس أيضا الكهانة بالكسر لكن عن المصباح كهن يكهن كقتل يقتل كهانة بالفتح

[من هو الكاهن]

و كيف كان فعن النهاية أن الكاهن من يتعاطي الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان. فقد كان في العرب كهنة فمنهم من كان يزعم أن له تابعا من الجن يلقي إليه الأخبار و منهم من كان يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات و أسباب يستدل بها علي مواقعها من كلام من سأله أو فعله أو حاله و هذا يخصونه باسم العراف. و المحكي عن الأكثر في تعريف الكاهن ما في القواعد من أنه من كان له رأي من الجن يأتيه الأخبار. و عن التنقيح أنه المشهور و نسبه في السرائر إلي القيل و رأي علي فعيل من رأي يقال فلان رأي القوم أي صاحب رأيهم قيل و قد تكسر راؤه اتباعا و عن القاموس و السرائر رأي كغني جني يري فيخبر و عن النهاية يقال للتابع من الجن رأي بوزن كمي.
المكاسب، ج‌1، ص 53

[تفسير الكهانة في رواية الاحتجاج]

أقول روي الطبرسي في الاحتجاج: في جملة الأسئلة التي سأل الزنديق عنها أبا عبد الله ع قال الزنديق فمن أين أصل الكهانة و من أين يخبر الناس بما يحدث قال ع إن الكهانة كانت في الجاهلية في كل حين فترة من الرسل كان الكاهن بمنزلة الحاكم يحتكمون إليه فيما يشتبه عليهم من الأمور بينهم فيخبرهم عن أشياء تحدث و ذلك من وجوه شتي فراسة العين و ذكاء القلب و وسوسة النفس و فطنة الروح مع قذف في قلبه لأن ما يحدث في الأرض من الحوادث الظاهرة فذلك يعلم الشيطان و يؤديه إلي الكاهن و يخبره بما يحدث في المنازل و الأطراف و أما أخبار السماء فإن الشياطين كانت تقعد مقاعد استراق السمع إذ ذاك و هي لا تحجب و لا ترجم بالنجوم و إنما منعت من استراق السمع لئلا يقع في الأرض سبب يشاكل الوحي من خبر السماء و يلبس علي أهل الأرض بما جاءهم من الله تعالي لإثبات الحجة و نفي الشبهة و كان الشيطان يسترق الكلمة الواحدة من خبر السماء بما يحدث الله في خلقه فيختطفها ثم يهبط بها إلي الأرض فيقذفها إلي الكاهن فإذا قد زاد كلمات من عنده فيخلط الحق بالباطل فلما أصاب الكاهن من خبر يخبر به فهو ما أداه إليه شيطانه مما سمعه و ما أخطأ فيه فهو من باطل ما زاد فيه فمنذ منعت الشياطين عن استراق السمع انقطعت الكهانة. و اليوم إنما تؤدي الشياطين إلي كهانها أخبار الناس بما يتحدثون به و ما يحدثونه و الشياطين تؤدي إلي الشياطين ما يحدث في البعد من الحوادث من سارق سرق و من قاتل قتل و من غائب غاب و هم بمنزلة الناس أيضا صدوق و كذوب إلي آخر الخبر. و قوله ع مع قذف في قلبه يمكن أن يكون قيدا للأخير و هو فطنة الروح فتكون الكهانة بغير قذف الشياطين كما هو ظاهر ما تقدم من النهاية و يحتمل أن يكون قيدا لجميع الوجوه المذكورة فيكون المراد تركب أخبار الكاهن مما يقذفه الشيطان و ما يحدث في نفسه لتلك الوجوه و غيرها كما يدل عليه قوله ع بعد ذلك زاد كلمات من عنده فيخلط الحق بالباطل و كيف كان ففي قوله ع انقطعت الكهانة دلالة ما عن المغرب من أن الكهانة في العرب كانت قبل المبعث و قبل منع الشيطان عن استراق السمع لكن قوله ع إنما تؤدي الشياطين إلي كهانها أخبار الناس و قوله ع قبل ذلك مع قذف في قلبه إلي آخر الكلمات دلالة علي صدق الكاهن علي من لا يخبر إلا بإخبار الأرض فيكون المراد من الكهانة المنقطعة الكهانة الكاملة التي يكون الكاهن بها حاكما في جميع ما يتحاكمون إليه من المشتبهات كما ذكر في أول الرواية

و كيف كان فلا خلاف في حرمة الكهانة

. و في المروي عن الخصال: من تكهن أو تكهن له فقد برأ من دين محمد ص و قد تقدم رواية أن الكاهن كالساحر و أن تعلم النجوم يدعو إلي الكهانة. و روي في مستطرفات السرائر عن كتاب المشيخة للحسن بن محبوب عن الهيثم قال: قلت لأبي عبد الله ع إن عندنا بالجزيرة رجلا ربما أخبر من يأتيه يسأله عن الشي‌ء يسرق أو شبه ذلك فنسأله فقال قال رسول الله ص من مشي إلي ساحر أو كاهن أو كذاب يصدقه فيما يقول فقد كفر بما أنزل الله من كتاب.

[حرمة الإخبار عن الغائبات جزما و لو بغير الكهانة]

و ظاهر هذه الصحيحة أن الإخبار عن الغائبات علي سبيل الجزم محرم مطلقا سواء أ كان بالكهانة أم بغيرها لأنه ع جعل المخبر بالشي‌ء الغائب بين الساحر و الكاهن و الكذاب و جعل الكل حراما و يؤيدها النهي في النبوي المروي في الفقيه في حديث المناهي أنه نهي عن إتيان العراف.
و قال ص: من أتاه و صدقه فقد برأ بما أنزل الله عز و جل علي محمد ص. و قد عرفت من النهاية أن المخبر عن الغائبات في المستقبل كاهن و يخص باسم العراف و يؤيد ذلك ما تقدم في رواية الاحتجاج من قوله ع لئلا يقع في الأرض سبب يشاكل الوحي إلي آخر الحديث فإن ظاهر قوله هذا أن ذلك مبغوض للشارع من أي سبب كان فتبين من ذلك أن الإخبار عن الغائبات بمجرد السؤال عنها من غير نظر في بعض ما صح اعتباره كبعض الجفر و الرمل محرم و لعله لذا عد صاحب المفاتيح من المحرمات المنصوصة الإخبار عن الغائبات علي سبيل الجزم لغير نبي أو وصي نبي سواء أ كان بالتنجيم أم الكهانة أم القيافة أو غير ذلك
اللهو

العشرون اللهو حرام

العشرون اللهو حرام

اشارة

علي ما يظهر من المبسوط و السرائر و المعتبر و القواعد و الذكري و الجعفري و غيرها حيث عللوا لزوم الإتمام في سفر الصيد بكونه محرما من حيث اللهو.

[كلمات الفقهاء في حرمة اللهو]

قال في المبسوط السفر علي أربعة أقسام و ذكر الواجب و الندب و المباح ثم قال الرابع سفر المعصية و عد من أمثلتها من طلب الصيد للهو و البطر و نحوه بعينه عبارة السرائر. و قال في المعتبر قال علماؤنا اللاهي بسفره كالمتنزه بصيده بطرا لا يترخص لنا أن اللهو حرام فالسفر له معصية انتهي و قال في القواعد الخامس من شروط القصر إباحة السفر فلا يرخص العاصي بسفره كتابع الجائر و المتصيد لهوا انتهي و قال في المختلف في كتاب المتاجر حرم الحلي الرمي من قوس الجلاهق قال و هذا الإطلاق ليس بجيد بل ينبغي تقييده باللهو و البطر و قد صرح الحلي في مسألة اللعب بالحمام بغير رهان بحرمته و قال إن اللعب بجميع الأشياء قبيح و رده بعض بمنع حرمة مطلق اللعب. و انتصر في الرياض للحي بأن ما دل علي قبح اللعب و ورود الذم به من الآيات و الروايات أظهر من أن يخفي فإذا ثبت القبح ثبت النهي ثم قال و لو لا شذوذه بحيث كاد أن يكون مخالفا للإجماع لكان المصير إلي قوله ليس بذلك البعيد انتهي. و لا يبعد أن يكون القول بجواز خصوص هذا اللعب و شذوذ القول بحرمته مع دعوي كثرة الروايات بل الآيات علي حرمة مطلق اللهو لأجل النص علي الجواز فيه في قوله ع: لا بأس بشهادة من يلعب بالحمام و استدل في الرياض أيضا تبعا للمهذب علي حرمة المسابقة بغير المنصوص علي جوازه بغير عوض بما دل علي تحريم اللهو و اللعب قال لكونها منه بلا تأمل انتهي.

و الأخبار الظاهرة في حرمة اللهو كثيرة جدا

منها ما تقدم من قوله ع في رواية تحف العقول: و ما يكون منه و فيه الفساد محضا و لا يكون منه و لا فيه شي‌ء من وجوه الصلاح فحرام تعليمه و تعلمه و العمل به و أخذ الأجرة عليه و منها ما تقدم من رواية الأعمش حيث عد في الكبائر الاشتغال بالملاهي التي تصد عن ذكر الله كالغناء و ضرب الأوتار فإن الملاهي جمع ملهي مصدرا أو ملهي وصفا لا الملهاة آلة لأنه لا يناسب التمثيل و نحوها في عد الاشتغال بالملاهي من الكبائر رواية العيون الواردة في الكبائر و هي حسنة كالصحيحة بل صحيحة. و منها ما تقدم في روايات القمار في قوله ع: كل ما ألهي عن ذكر الله فهو الميسر و منها: قوله ع في جواب من خرج في السفر يطلب الصيد بالبزاة و الصقور إنما خرج في لهو لا يقصر و منها ما تقدم في رواية الغناء في حديث الرضا ع: في جواب من سأله عن السماع فقال
المكاسب، ج‌1، ص 54
إن لأهل الحجاز فيه رأي قال و هو في حيز اللهو: و قوله ع في رد من زعم أن النبي ص رخص في أن يقال جئناكم جئناكم إلخ [حيونا نحيكم إلي آخر الحديث] كذبوا إن الله يقول لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إلي آخر الآيتين و منها ما دل علي أن اللهو من الباطل بضميمة ما يظهر منه حرمة الباطل كما تقدم في روايات الغناء. ففي بعض الروايات: كل لهو المؤمن من الباطل ما خلا ثلاثة المسابقة و ملاعبة الرجل أهله إلي آخر الحديث و في رواية علي بن جعفر عن أخيه ع قال: سألته عن اللعب بالأربعة عشر و شبهها قال لا تستحب شيئا من اللعب غير الرهان و الرمي إلي غير ذلك مما يتوقف عليه المتتبع و يؤيدها أن حرمة اللعب بآلات اللهو الظاهر أنه من حيث اللهو لا من حيث خصوص الآلة. ففي رواية سماعة قال قال أبو عبد الله ع: لما مات آدم شمت به إبليس و قابيل فاجتمعا في الأرض فجعل إبليس و قابيل المعازف و الملاهي شماتة بآدم علي نبينا و آله و عليه السلام فكل ما كان في الأرض من هذا الضرب الذي يتلذذ به الناس فإنما هو من ذلك فإن فيه إشارة إلي أن المناط هو مطلق التلهي و التلذذ و يؤيدها ما تقدم من أن المشهور حرمة المسابقة علي ما عدا المنصوص بغير عوض فإن الظاهر أنه لا وجه له عدا كونه لهوا- و إن لم يصرحوا بذلك عدا القليل منهم كما تقدم. نعم صرح في التذكرة بحرمة المسابقة علي جميع الألعاب كما تقدم في نقل كلامه في مسألة القمار

هذا و لكن الإشكال في معني اللهو

فإنه إن أريد به مطلق اللعب كما يظهر من الصحاح و القاموس فالظاهر أن القول بحرمته شاذ مخالف للمشهور و السيرة فإن اللعب هي الحركة لا لغرض عقلائي و لا خلاف ظاهرا في عدم حرمته علي الإطلاق. نعم لو خص اللهو بما يكون من بطر و فسر بشدة الفرح كان الأقوي تحريمه و يدخل في ذلك الرقص و التصفيق و الضرب بالطست بدل الدف و كل ما يفيد فائدة آلات اللهو و لو جعل مطلق الحركات التي لا يتعلق بها غرض عقلائي مع انبعاثها عن القوي الشهوية ففي حرمته تردد.
و اعلم أن هنا عنوانين آخرين اللعب و اللغو.

أما اللعب

فقد عرفت أن ظاهر بعض ترادفهما و لكن مقتضي تعاطفهما في غير موضع من الكتاب العزيز تغايرهما و لعلهما من قبيل الفقير و المسكين إذا اجتمعا افترقا و إذا افترقا اجتمعا و لعل اللعب يشمل مثل حركات الأطفال غير المنبعثة عن القوي الشهوية.
و اللهو ما تلتذ به النفس و ينبعث عن القوي الشهوية. و قد ذكر غير واحد أن قوله تعالي أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ وَ زِينَةٌ إلي آخر الآية بيان ملاذ الدنيا علي ترتيب تدرجه في العمر و قد جعلوا لكل واحد منها ثمان سنين و كيف كان فلم أجد من أفتي بحرمة اللعب عدا الحلي علي ما عرفت من كلامه- و لعله يريد اللهو و إلا فالأقوي الكراهة.

و أما اللغو

فإن جعل مرادف اللهو كما يظهر من بعض الأخبار كان في حكمه. ففي رواية محمد بن أبي عباد المتقدمة عن أبي الحسن الرضا ع: إن السماع في حيز اللهو و الباطل أ ما سمعت قول الله تعالي وَ إِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً و نحوها رواية أبي أيوب حيث أراد باللغو الغناء مستشهدا بالآية و إن أريد به مطلق الحركات اللاغية فالأقوي فيها الكراهة. و في رواية أبي خالد الكابلي عن سيد الساجدين: تفسير الذنوب التي تهتك العصم بشرب الخمر و اللعب بالقمار و تعاطي ما يضحك الناس من اللغو و المزاح و ذكر عيوب الناس: و في وصية النبي ص لأبي ذر رضي الله عنه أن الرجل ليتكلم بالكلمة فيضحك الناس فيهوي ما بين السماء و الأرض
مدح من لا يستحق المدح

الحادية و العشرون مدح من لا يستحق المدح أو يستحق الذم

اشارة

ذكره العلامة في المكاسب المحرمة و الوجه فيه واضح من جهة قبحه عقلا.

[ما يدل علي الحرمة]

و يدل عليه من الشرع قوله تعالي وَ لا تَرْكَنُوا إِلَي الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ و عن النبي ص فيما رواه الصدوق: من عظم صاحب دنيا و أحبه طمعا في دنياه سخط الله عليه و كان في درجته مع قارون في التابوت الأسفل من النار و في النبوي الآخر الوارد في حديث المناهي: من مدح سلطانا جائرا أو تخفف أو تضعضع له طمعا فيه كان قرينة في النار.

[وجوب مدح من لا يستحق المدح لدفع شره]

و مقتضي هذه الأدلة حرمة المدح طمعا في الممدوح و أما لدفع شره فهو واجب و قد ورد في عدة أخبار: أن شرار الناس الذين يكرمون اتقاء شرهم
معونة الظالمين

الثانية و العشرون معونة الظالمين في ظلمهم حرام بالأدلة الأربعة

الثانية و العشرون معونة الظالمين في ظلمهم حرام بالأدلة الأربعة

اشارة

و هو من الكبائر. فعن كتاب الشيخ ورام بن أبي فراس قال قال ع: من مشي إلي ظالم ليعينه و هو يعلم أنه ظالم فقد خرج عن الإسلام قال و قال ع: إذا كان يوم القيامة ينادي مناد أين الظلمة أين أعوان الظلمة أين أشباه الظلمة حتي من بري‌ء لهم قلما أو لاق لهم دواة فيجتمعون في تابوت من حديد ثم يرمي بهم في جهنم و في النبوي ص: من علق سوطا بين يدي سلطان جائر جعلها الله حية طولها سبعون ألف ذراع فيسلط الله عليه في نار جهنم خالدا فيها مخلدا.

و أما معونتهم في غير المحرمات

فظاهر كثير من الأخبار حرمتها أيضا كبعض ما تقدم. و قول الصادق ع في رواية يونس بن يعقوب: لا تعنهم علي بناء مسجد و قوله ع ما أحب أني عقدت لهم عقدة أو وكيت لهم وكاء و أن لي ما بين لابتيها لا و لا مدة بقلم إن أعوان الظلمة يوم القيامة في سرادق من نار حتي يفرغ الله من الحساب لكن المشهور الحرمة حيث قيدوا المعونة المحرمة بكونها في الظلم و الأقوي التحريم مع عد الشخص من الأعوان فإن مجرد إعانتهم علي بناء المسجد ليست محرمة إلا أنه إذا عد الشخص معمارا للظالم أو بناء له في خصوص المساجد بحيث صار هذا العمل منصبا له في باب السلطان كان محرما و يدل علي ذلك جميع ما ورد في ذم أعوان الظلمة. و قول أبي عبد الله ع في رواية الكاهلي: من سود اسمه في ديوان ولد سابع حشره الله يوم القيامة خنزيرا و قوله ع: ما اقترب عبد من سلطان جائر إلا تباعد من الله و عن النبي ص: إياكم و أبواب السلطان و حواشيها فإن أقربكم من أبواب السلطان و حواشيها أبعدكم عن الله عز و جل

و أما العمل له في المباحات لأجره أو تبرعا من غير أن يعد معينا له في ذلك

اشارة

فضلا من أن يعد من أعوانه فالأولي عدم الحرمة للأصل و عدم الدليل

[ظهور بعض الأخبار في التحريم]

اشارة

عدا ظاهر الأخبار مثل رواية ابن أبي يعفور قال: كنت عند أبي عبد الله ع إذ دخل عليه رجل من أصحابنا فقال له جعلت فداك ربما أصاب الرجل منا الضيق و الشدة فيدعي إلي البناء يبنيه أو النهر يكريه أو المسناة يصلحها فما تقول في ذلك فقال أبو عبد الله ع ما أحب أني عقدت لهم عقدة أو وكيت لهم وكاء و أن لي ما بين لابتيها إلي آخر ما تقدم. و رواية محمد بن عذافر عن أبيه قال: قال لي أبو عبد الله ع يا عذافر بلغني أنك تعامل أبا أيوب و أبا الربيع فما حالك إذا نودي بك في أعوان الظلمة قال فوجم أبي فقال له
المكاسب، ج‌1، ص 55
أبو عبد الله ع لما رأي ما أصابه أي عذافر إنما خوفتك بما خوفني الله عز و جل به قال محمد فقدم أبي فما زال مغموما مكروبا حتي مات و رواية صفوان بن مهران الجمال: دخلت علي أبي الحسن الأول ع فقال لي يا صفوان كل شي‌ء منك حسن جميل ما خلا شيئا واحدا فقلت جعلت فداك أي شي‌ء قال ع إكراؤك جمالك من هذا الرجل يعني هارون قلت و الله ما أكريته أشرا و لا بطرا و لا للصيد و لا لهو و لكني أكريته لهذا الطريق يعني طريق مكة و لا أتولاه بنفسي و لكن أبعث معه غلماني فقال لي يا صفوان أ يقع كراؤك عليهم قلت نعم جعلت فداك قال أ تحب بقاءهم حتي يخرج كراؤك قلت نعم قال من أحب بقاءهم فهو منهم و من كان منهم كان وروده إلي النار قال صفوان فذهبت و بعت جمالي عن آخرها فبلغ ذلك إلي هارون فدعاني فقال لي يا صفوان بلغني أنك بعت جمالك قلت نعم قال و لم قلت أنا شيخ كبير و إن الغلمان لا يقومون بالأعمال فقال هيهات هيهات إني لأعلم من أشار عليك بهذا إنما أشار عليك بهذا موسي بن جعفر قلت ما لي و لموسي بن جعفر قال دع هذا عنك فو الله لو لا حسن صحبتك لقتلتك. و ما ورد في تفسير الركون إلي الظالم من أن الرجل يأتي السلطان فيحب بقاءه إلي أن يدخل يده في كيسه فيعطيه و غير ذلك مما ظاهره وجوب التجنب عنهم. و من هنا لما قيل لبعض إني رجل أخيط للسلطان ثيابه فهل تراني بذلك داخلا في أعوان الظلمة قال له المعين من يبيعك الإبر و الخيوط و أما أنت فمن الظلمة أنفسهم. و في رواية سليمان الجعفري المروية عن تفسير العياشي: أن الدخول في أعمالهم و العون لهم و السعي في حوائجهم عديل الكفر و النظر إليهم علي العمد من الكبائر التي يستحق بها النار

[مناقشة ظهور الأخبار في التحريم]

لكن الإنصاف أن شيئا مما ذكر لا ينهض دليلا لتحريم العمل لهم علي غير جهة المعونة. أما الرواية الأولي فلأن التعبير فيها في الجواب بقوله لا أحب ظاهر في الكراهة. و أما قوله ع إن أعوان الظلمة إلي آخر الحديث فهو من باب التنبيه علي أن القرب إلي الظلمة و المخالطة معهم مرجوح و إلا فليس من يعمل لهم الأعمال المذكورة في السؤال خصوصا مرة أو مرتين خصوصا مع الاضطرار معدودا من أعوانهم و كذلك يقال في رواية عذافر مع احتمال أن تكون معاملة عذافر مع أبي أيوب و أبي الربيع علي وجه يكون معدودا من أعوانهم و عمالهم. و أما رواية صفوان فالظاهر منها أن نفس المعاملة معهم ليست محرمة بل من حيث محبة بقائهم و إن لم تكن معهم معاملة و لا يخفي علي الفطن العارف بأساليب الكلام أن قوله ع و من أحب بقاءهم كان منهم لا يراد به من أحبهم مثل محبة صفوان بقاءهم حتي يخرج كراؤه بل هذا من باب المبالغة في الاجتناب عن مخالطتهم حتي لا يفضي ذلك إلي صيرورتهم من أعوانهم و أن يشرب القلب حبهم لأن القلوب مجبولة علي حب من أحسن إليها.

و قد تبين مما ذكرنا أن المحرم من العمل للظلمة قسمان

أحدهما الإعانة لهم علي الظلم. الثاني ما يعد معه من أعوانهم و المنسوبين إليهم بأن يقال هذا خياط السلطان و هذا معماره. و أما ما عدا ذلك فلا دليل معتبر علي تحريمه
النجش

الثالثة و العشرون النجش بالنون المفتوحة و الجيم الساكنة أو المفتوحة- حرام

الثالثة و العشرون النجش بالنون المفتوحة و الجيم الساكنة أو المفتوحة- حرام

اشارة

لما في النبوي المنجبر بالإجماع المنقول عن جامع المقاصد من لعن الناجش و المنجوش له و قوله ص: و لا تناجشوا. و يدل علي قبحه العقل لأنه غش و تلبيس و إضرار

[معني النجش]

و هو كما عن جماعة أن يزيد الرجل في ثمن السلعة و هو لا يريد شراءها ليسمعه غيره فيزيد لزيادته بشرط المواطاة مع البائع أو لا بشرطها كما حكي عن بعض و حكي تفسيره أيضا بأن يمدح السلعة في البيع لينفقها و يروجها لمواطأة بينه و بين البائع أو لا معها. و حرمته بالتفسير الثاني خصوصا لا مع المواطاة يحتاج إلي دليل و حكيت الكراهة عن بعض
النميمة

الرابعة و العشرون النميمة محرمة بالأدلة الأربعة

الرابعة و العشرون النميمة محرمة بالأدلة الأربعة

[معني النميمة]

و هي نقل قول الغير إلي المقول فيه كأن يقول تكلم فلان فيك بكذا و كذا قيل هي من نم الحديث من باب قتل و ضرب أي سعي به لإيقاع فتنة أو وحشة

و هي من الكبائر

قال الله تعالي وَ يَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَ لَهُمْ سُوءُ الدَّارِ و النمام قاطع لما أمر الله بصلته و مفسد. قيل و هو المراد بقوله تعالي وَ الْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ. و قد تقدم في باب السحر قوله فيما رواه في الاحتجاج من وجوه السحر: و أن من أكبر السحر النميمة بين المتحابين و عن عقاب الأعمال عن النبي ص: من مشي في نميمة بين اثنين سلط الله عليه في قبره نارا تحرقه و إذا خرج من قبره سلط الله عليه تنينا أسود ينهش لحمه حتي يدخل النار. و قد استفاضت الأخبار بعدم دخول النمام الجنة و يدل علي حرمتها مع كراهة المقول عنه لإظهار القول عند المقول فيه جميع ما دل علي حرمة الغيبة و تتفاوت عقوبتها بتفاوت ما يترتب عليها من المفاسد.

و قيل إن حد النميمة بالمعني الأعم كشف ما يكره كشفه

سواء كرهه المنقول عنه أم المنقول إليه أم كرهه ثالث و سواء أ كان الكشف بالقول أم بغيره من الكتابة و الرمز و الإيماء و سواء أ كان المنقول من الأعمال أم من الأقوال و سواء أ كان ذلك عيبا و نقصانا علي المنقول عنه أم لا بل حقيقة النميمة إفشاء السر و هتك الستر عما يكره كشفه انتهي موضع الحاجة.

[متي تباح النميمة و متي تجب]

ثم إنه قد يباح ذلك لبعض المصالح التي هي آكد من مفسدة إفشاء السر كما تقدم في الغيبة بل قيل إنها قد تجب لإيقاع الفتنة بين المشركين لكن الكلام في النميمة علي المؤمنين
النوح بالباطل

الخامسة و العشرون النوح بالباطل

اشارة

ذكره في المكاسب المحرمة الشيخان و سلار و الحلي و المحقق و من تأخر عنه

[وجه حرمة النوح بالباطل]

و الظاهر حرمته من حيث الباطل يعني الكذب و إلا فهو في نفسه ليس بمحرم و علي هذا التفصيل دل غير واحد من الأخبار. و ظاهر المبسوط و ابن حمزة التحريم مطلقا كبعض الأخبار و كلاهما محمول علي المقيد جمعا
الولاية

السادسة و العشرون الولاية من قبل الجائر

اشارة

و هي صيرورته واليا علي قوم منصوبا من قبله محرمة

[وجه حرمة الولاية من قبل الجائر]

لأن الوالي من أعظم الأعوان و لما تقدم في رواية تحف العقول من قوله ع: و أما وجه الحرام من الولاية فولاية الوالي الجائر و ولاية ولاته و العمل لهم و الكسب لهم بجهة الولاية معهم حرام محرم معذب فاعل ذلك علي قليل من فعله أو كثير لأن كل شي‌ء من جهة المعونة له معصية كبيرة من الكبائر و ذلك أن في ولاية الوالي الجائر دروس الحق كله و إحياء الباطل كله و إظهار الظلم و الجور و الفساد و إبطال الكتب و قتل الأنبياء و هدم المساجد و تبديل سنة الله و شرائعه فلذلك حرم العمل معهم و معونتهم و الكسب معهم إلا بجهة الضرورة نظير الضرورة إلي الدم و الميتة إلي آخر الخبر و في رواية زياد بن أبي سلمة: أهون ما يصنع الله
المكاسب، ج‌1، ص 56
عز و جل بمن تولي لهم عملا أن يضرب عليه سرادق من نار إلي أن يفرغ الله من حساب الخلائق.

ثم إن ظاهر الروايات كون الولاية محرمة بنفسها مع قطع النظر عن ترتب معصية عليه

من ظلم الغير مع أن الولاية عن الجائر لا تنفك عن المعصية و ربما كان في بعض الأخبار إشارة إلي كونه من جهة الحرام الخارجي- . ففي صحيحة داود بن زربي قال أخبرني مولي لعلي بن الحسين ع قال: كنت بالكوفة فقدم أبو عبد الله ع الحيرة فأتيته فقلت له جعلت فداك لو كلمت داود بن علي- أو بعض هؤلاء فأدخل في بعض هذه الولايات فقال ما كنت لأفعل فانصرفت إلي منزلي فتفكرت فقلت ما أحسبه منعني إلا مخافة أن أظلم أو أجور و الله لآتينه و أعطينه الطلاق و العتاق و الأيمان المغلظة أن لا أجورن علي أحد و لا أظلمن و لأعدلن قال فأتيته فقلت جعلت فداك إني فكرت في إبائك علي و ظننت أنك إنما منعتني و كرهت ذلك مخافة أن أظلم أو أجور و إن كل امرأة لي طالق و كل مملوك لي حر إن ظلمت أحدا أو جرت علي أحد و إن لم أعدل قال كيف قلت قلت فأعدت عليه الإيمان فرفع رأسه إلي السماء فقال تناول السماء أيسر عليك من ذلك بناء علي أن المشار إليه هو العدل و ترك الظلم و يحتمل أن يكون هو الترخص في الدخول.

ثم إنه يسوغ الولاية المذكورة أمران

أحدهما القيام بمصالح العباد

اشارة

بلا خلاف علي الظاهر المصرح به في المحكي عن بعض حيث قال أن تقلد الأمر من قبل الجائر جائز إذا تمكن معه من إيصال الحق لمستحقه بالإجماع و السنة الصحيحة. و قوله تعالي اجْعَلْنِي عَلي خَزائِنِ الْأَرْضِ

و يدل عليه

قبل الإجماع أن الولاية إن كانت محرمة لذاتها جاز ارتكابها لأجل المصالح و دفع المفاسد التي هو أهم من مفسدة انسلاك الشخص في أعوان الظلمة بحسب الظاهر و إن كانت لاستلزامها الظلم علي الغير فالمفروض عدم تحققه هنا و يدل عليه النبوي الذي رواه الصدوق في حديث المناهي قال: من تولي عرافة قوم أتي به يوم القيامة و يداه مغلولتان إلي عنقه فإن قام فيهم بأمر الله تعالي أطلقه الله و إن كان ظالما يهوي به في نار جهنم و بئس المصير و عن عقاب الأعمال: و من تولي عرافة قوم و لم يحسن فيهم حبس علي شفير جهنم بكل يوم ألف سنة و حشر و يداه مغلولتان إلي عنقه فإن قام فيهم بأمر الله أطلقه الله و إن كان ظالما هوي به في نار جهنم سبعين خريفا و لا يخفي أن العريف سيما في ذلك الزمان لا يكون إلا من قبل الجائر. و صحيحة زيد الشحام المحكية عن الأمالي عن أبي عبد الله ع: من تولي أمرا من أمور الناس فعدل فيهم و فتح بابه و رفع ستره و نظر في أمور الناس كان حقا علي الله أن يؤمن روعته يوم القيامة و يدخل الجنة و رواية زياد بن أبي سلمة عن أبي الحسن موسي ع: يا زياد لأن أسقط من شاهق فأتقطع قطعة قطعة أحب إلي من أن أتولي لأحد منهم عملا أو أطأ بساط رجل منهم إلا لما ذا قلت ما أدري جعلت فداك قال إلا لتفريج كربة عن مؤمن أو فك أسره أو قضاء دينه و رواية علي بن يقطين: إن لله تبارك و تعالي مع السلطان من يدفع بهم عن أوليائه قال الصدوق و في آخر أولئك عتقاء الله من النار قال و قال الصادق ع:
كفارة عمل السلطان قضاء حوائج الإخوان و عن المقنع: سئل أبو عبد الله ع عن رجل يحب آل محمد و هو في ديوان هؤلاء يقتل تحت رايتهم قال يحشره الله علي نيته إلي غير ذلك. و ظاهرها إباحة الولاية من حيث هي مع المواساة و الإحسان بالإخوان فيكون نظير الكذب في الإصلاح و ربما يظهر من بعضها الاستحباب و ربما يظهر من بعضها أن الدخول أولا غير جائز إلا أن الإحسان إلي الإخوان كفارة له كمرسلة الصدوق المتقدمة. و في ذيل رواية زياد بن أبي سلمة المتقدمة: فإن وليت شيئا من أعمالهم فأحسن إلي إخوانك فواحدة بواحدة

و الأولي أن يقال إن الولاية غير المحرمة.

منها ما يكون مرجوحة

و هو من تولي لهم لنظام معاشه قاصدا الإحسان في خلال ذلك إلي المؤمنين و دفع الضرر عنهم. ففي رواية أبي بصير: ما من جبار إلا و معه مؤمن يدفع الله به عن المؤمنين و هو أقلهم حظا في الآخرة لصحبة الجبار

و منها ما يكون مستحبة

و هي ولاية من لم يقصد بدخوله إلا الإحسان إلي المؤمنين فعن رجال النجاشي في ترجمة محمد بن إسماعيل بن بزيع عن أبي الحسن الرضا ع قال: إن لله بأبواب الظالمين من نور الله به البرهان و مكن له في البلاد ليدفع بهم عن أوليائه و يصلح الله بهم أمور المسلمين إليهم ملجأ المؤمنين من الضر و إليهم يفزع ذو الحاجة من شيعتنا و بهم يؤمن الله روعة المؤمنين في دار الظلمة أولئك المؤمنون حقا أولئك أمناء الله في أرضه أولئك نور الله في رعيته يوم القيامة و يزهر نورهم لأهل السماوات كما يزهر نور الكواكب الدرية لأهل الأرض أولئك من نورهم يضي‌ء يوم القيامة خلقوا و الله للجنة و خلقت الجنة لهم فهنيئا لهم ما علي أحدكم أن لو شاء لنال هذا كله قال قلت بما ذا جعلت فداك قال يكون معهم فيسرنا بإدخال السرور علي المؤمنين من شيعتنا فكن منهم يا محمد

و منها ما يكون واجبة و هو ما توقف الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر الواجبان عليه

اشارة

فإن ما لا يتم الواجب إلا به واجب مع القدرة و ربما يظهر من

كلمات جماعة عدم الوجوب في هذه الصورة أيضا

قال في النهاية

تولي الأمر من قبل السلطان العادل جائز مرغوب فيه و ربما بلغ حد الوجوب لما في ذلك من التمكن من الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و وضع الأشياء مواقعها و أما السلطان الجور فمتي علم الإنسان أو غلب علي ظنه أنه متي تولي الأمر من قبله أمكن التوصل إلي إقامة الحدود و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و قسمة الأخماس و الصدقات في أربابها و صلة الإخوان و لا يكون جميع ذلك مخلا بواجب و لا فاعلا لقبيح فإنه استحب له أن يتعرض لتولي الأمر من قبله انتهي

و قال في السرائر

و أما السلطان الجائر فلا يجوز لأحد أن يتولي شيئا من الأمور مختارا من قبله إلا أن يعلم أو يغلب علي ظنه إلي آخر عبارة النهاية بعينها

و في الشرائع

و لو أمن من ذلك أي اعتمار ما يحرم و قدر علي الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر استحبت

قال في المسالك

اشارة

بعد أن اعترف أن مقتضي ذلك وجوبها و لعل وجه عدم الوجوب كونه بصورة النائب عن الظالم و عموم النهي عن الدخول معهم و تسويد الاسم في ديوانهم فإذا لم تبلغ حد المنع فلا أقل من عدم الوجوب.

و لا يخفي ما في ظاهره من الضعف

كما اعترف به غير واحد لأن الأمر بالمعروف واجب فإذا لم يبلغ ما ذكره من كونه بصورة النائب عن الظالم حد المنع فلا مانع من الوجوب المقدمي للواجب

و يمكن توجيهه بأن نفس الولاية قبيحة محرمة

المكاسب، ج‌1، ص 57
لأنها توجب إعلاء كلمة الباطل و تقوية شوكة الظالم فإذا عارضها قبيح آخر و هو ترك الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و ليس أحدهما أقل قبحا من الآخر فللمكلف فعلها تحصيلا لمصلحة لأمر بالمعروف و تركها دفعا لمفسدة تسويد اسمهم في ديوانهم الموجب لإعلاء كلمتهم و تقوية شوكتهم. نعم يمكن الحكم باستحباب اختيار أحدهما لمصلحة لم تبلغ حد الإلزام حتي يجعل أحدهما أقل قبحا ليصير واجبا. و الحاصل أن جواز الفعل و الترك هنا ليس من باب عدم جريان دليل قبح الولاية و تخصيص دليله بغير هذه الصورة بل من باب مزاحمة قبحها بقبح ترك الأمر بالمعروف فللمكلف ملاحظة كل منهما و العمل بمقتضاه نظير تزاحم الحقين في غير هذا المقام هذا ما أشار إليه الشهيد بقوله لعموم النهي إلي آخره.

و في الكفاية

أن الوجوب فيما نحن فيه حسن لو ثبت كون وجوب الأمر بالمعروف مطلقا غير مشروط بالقدرة فيجب عليه تحصيلها من باب المقدمة و ليس بثابت و هو ضعيف لأن عدم ثبوت اشتراط الوجوب بالقدرة الحالية العرفية كاف مع إطلاق أدلة الأمر بالمعروف السالم عن التقييد بما عدا القدرة العقلية المفروضة في المقام. نعم ربما يتوهم انصراف الإطلاقات الواردة إلي القدرة العرفية غير المحققة في المقام لكنه تشكيك ابتدائي لا يضر بالإطلاقات

و أضعف منه ما ذكره بعض [صاحب الجواهر]

اشارة

بعد الاعتراض علي ما في المسالك بقوله و لا يخفي ما فيه قال و يمكن تقوية عدم الوجوب- بتعارض ما دل علي وجوب الأمر بالمعروف و ما دل علي حرمة الولاية عن الجائر بناء علي حرمتها في ذاتها و النسبة عموم من وجه فيجمع بينهما بالتخيير المقتضي للجواز رفعا لقيد المنع من الترك من أدلة الوجوب و قيد المنع من الفعل من أدلة الحرمة. و أما الاستحباب فيستفاد من خبر محمد بن إسماعيل و غيره الذي هو أيضا شاهد للجمع خصوصا بعد الاعتضاد بفتوي المشهور و بذلك يرتفع إشكال عدم معقولية الجواز بالمعني الأخص في مقدمة الواجب ضرورة ارتفاع الوجوب للمعارضة إذ عدم المعقولية مسلم فيما لم يعارض الوجوب انتهي.

[مناقشة ما أفاده صاحب الجواهر]

و فيه أن الحكم في التعارض بالعموم من وجه هو التوقف و الرجوع إلي الأصول لا التخيير كما قرر في محله و مقتضاها إباحة الولاية للأصل و وجوب الأمر بالمعروف لاستقلال العقل به كما ثبت في بابه ثم علي تقدير الحكم بالتخيير الذي يصار إليه عند تعارض الوجوب و التحريم هو التخيير الظاهري و هو الأخذ بأحدهما بالتزام الفعل أو الترك لا التخيير الواقعي ثم المتعارضان بالعموم من وجه لا يمكن إلغاء ظاهر كل منهما مطلقا بل بالنسبة إلي مادة الاجتماع لوجب إبقاؤهما علي ظاهرهما في مادتي الافتراق فيلزمك استعمال كل من الأمر و النهي في أدلة الأمر بالمعروف و النهي عن الولاية في الإلزام و الإباحة ثم دليل الاستحباب أخص لا محالة من أدلة التحريم- فتخصص به فلا ينظر بعد ذلك في أدلة التحريم بل لا بد بعد ذلك من ملاحظة النسبة بينه و بين أدلة وجوب الأمر بالمعروف. و من المعلوم المقرر في غير مقام أن دليل استحباب الشي‌ء الذي قد يكون مقدمة للواجب لا يعارض أدلة وجوب ذلك الواجب فلا وجه لجعله شاهدا علي الخروج عن مقتضاها لأن دليل الاستحباب مسوق لبيان حكم الشي‌ء في نفسه مع قطع النظر عن الملزمات العرضية كصيرورته مقدمة لواجب أو مأمورا به لمن يجب إطاعته أو منذورا و شبهه

فالأحسن في توجيه كلام من عبر بالجواز

مع التمكن من الأمر بالمعروف إرادة الجواز بالمعني الأعم. و أما من عبر بالاستحباب فظاهره إرادة الاستحباب العيني الذي لا ينافي الوجوب الكفائي نظير قولهم يستحب تولي القضاء لمن يثق من نفسه مع أنه واجب كفائي لأجل الأمر بالمعروف الواجب كفاية أو يقال إن مورد كلامهم ما إذا لم يكن هناك معروف متروك يجب فعلا الأمر به أو منكر مفعول يجب النهي عنه كذلك بل يعلم بحسب العادة تحقق مورد الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر بعد ذلك و من المعلوم أنه لا يجب تحصيل مقدمتهما قبل تحقق موردهما خصوصا مع عدم العلم بزمان تحققه و كيف كان فلا إشكال في وجوب تحصيل الولاية إذا كان هناك معروف متروك أو منكر مرتكب يجب فعلا الأمر بالأول و النهي عن الثاني

الثاني مما يسوغ الولاية الإكراه عليه بالتوعيد علي تركها من الجائر

اشارة

بما يوجب ضررا بدنيا أو ماليا عليه أو علي من يتعلق به بحيث يعد الإضرار به إضرارا به و يكون تحمل الضرر عليه شاقا علي النفس كالأب و الولد و من جري مجراهما و هذا مما لا إشكال في تسويغه ارتكاب الولاية المحرمة في نفسها لعموم قوله تعالي إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً في الاستثناء عن عموم لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ و النبوي ص: رفع عن أمتي ما أكرهوا عليه و قولهم ع: التقية في كل ضرورة و ما من شي‌ء إلا و قد أحله الله لمن اضطر إليه. إلي غير ذلك مما لا يحصي كثرة من العمومات و ما يختص بالمقام.

و ينبغي التنبيه علي أمور

الأول [إباحة ما يلزم الولاية بالإكراه من المحرمات عدا إراقة الدم]

اشارة

أنه كما يباح بالإكراه نفس الولاية المحرمة كذلك يباح به ما يلزمها من المحرمات الأخر و ما يتفق في خلالها مما يصدر الأمر به من السلطان الجائر ما عدا إراقة الدم إذا لم يمكن التفصي عنه و لا إشكال في ذلك و إنما الإشكال في أن ما يرجع إلي الإضرار بالغير من نهب الأموال و هتك الأعراض و غير ذلك من العظائم هل تباح كل ذلك بالإكراه و لو كان الضرر المتوعد به علي ترك المكره عليه أقل بمراتب من الضرر المكره عليه كما إذا خاف علي عرضه من كلمة خشنة لا تليق به فهل يباح بذلك أعراض الناس و أموالهم و لو بلغت ما بلغت كثرة و عظمة أم لا بد من ملاحظة الضررين و الترجيح بينهما وجهان من إطلاق أدلة الإكراه و أن الضرورات تبيح المحظورات و من أن المستفاد من أدلة الإكراه تشريعه لدفع الضرر فلا يجوز دفع الضرر بالإضرار بالغير و لو كان ضرر الغير أدون فضلا عن أن يكون أعظم. و إن شئت قلت إن حديث رفع الإكراه و رفع الاضطرار مسوق للامتنان علي جنس الأمة و لا حسن في الامتنان علي بعضهم بترخيصه في الإضرار بالبعض الآخر فإذا توقف دفع الضرر عن نفسه علي الإضرار بالغير لم يجز و وجب تحمل الضرر هذا و لكن الأقوي هو الأول لعموم دليل نفي الإكراه لجميع المحرمات حتي الإضرار بالغير ما لم يبلغ الدم و عموم نفي الحرج فإن إلزام الغير تحمل الضرر و ترك ما أكره عليه حرج. و قوله ص: إنما جعلت التقية لتحقن بها الدماء فإذا بلغ الدم فليس تقية حيث إنه دل علي أن حد التقية بلوغ الدم فتشرع لما عداه.

[حكم دفع الضرر بالإضرار بالغير]

و أما
المكاسب، ج‌1، ص 58
ما ذكر من استفادة كون نفي الإكراه لدفع الضرر فهو مسلم بمعني دفع توجه الضرر و حدوث مقتضية لا بمعني دفع الضرر المتوجه بعد حصول مقتضية. بيان ذلك أنه إذا توجه الضرر إلي شخص بمعني حصول مقتضية فرفعه عنه بالإضرار بغيره غير لازم بل غير جائز في الجملة فإذا توجه ضرر علي المكلف بإجباره علي مال و فرض أن نهب مال الغير دافع له فلا يجوز للمجبور نهب مال غيره لرفع الجبر عن نفسه و كذلك إذا أكره علي نهب مال غيره فلا يجب تحمل الضرر بترك النهب لدفع الضرر المتوجه إلي الغير و توهم أنه كما يسوغ النهب في الثاني لكونه مكرها عليه فترتفع حرمته كذلك يسوغ في الأول لكونه مضطرا إليه أ لا تري أنه لو توقف دفع الضرر علي محرم آخر غير الإضرار بالغير كالإفطار في شهر رمضان أو ترك الصلاة أو غيرهما ساغ له ذلك المحرم. و بعبارة أخري الإضرار بالغير من المحرمات فكما ترتفع حرمته بالإكراه كذلك ترتفع بالاضطرار لأن نسبة الرفع إلي ما أكرهوا عليه و ما اضطروا إليه علي حد سواء مدفوع بالفرق بين المثالين في الصغري بعد اشتراكهما في الكبري المتقدمة و هي أن الضرر المتوجه إلي شخص لا يجب دفعه بالإضرار بغيره بأن الضرر في الأول متوجه إلي نفس الشخص فرفعه عن نفسه بالإضرار بالغير غير جائز و عموم رفع ما اضطروا إليه لا يشمل الإضرار بالغير المضطر إليه لأنه مسوق للامتنان علي الأمة فترخيص بعضهم في الإضرار بالآخر لدفع الضرر عن نفسه و صرفه إلي غيره مناف للامتنان بل يشبه الترجيح بلا مرجح فعموم ما اضطروا إليه في حديث الرفع مختص بغير الإضرار بالغير من المحرمات. و أما الثاني فالضرر فيه أولا و بالذات متوجه إلي الغير بحسب التزام المكره بالكسر و إرادته الحتمية و المكره بالفتح و إن كان مباشرا إلا أنه ضعيف لا ينسب إليه توجيه الضرر إلي الغير حتي يقال إنه أضر بالغير لئلا تتضرر نفسه. نعم لو تحمل الضرر و لم يضر بالغير فقد صرف الضرر عن الغير إلي نفسه عرفا لكن الشارع لم يوجب هذا و الامتنان بهذا علي بعض الأمة لا قبح فيه كما أنه لو أراد ثالث الإضرار بالغير لم يجب علي الغير تحمل الضرر و صرفه عنه إلي نفسه هذا كله مع أن أدلة نفي الحرج كافية في الفرق بين المقامين فإنه لا حرج في أن لا يرخص الشارع في دفع الضرر عن أحد بالإضرار بغيره بخلاف ما لو ألزم الشارع الإضرار علي نفسه لدفع الضرر المتوجه إلي الغير فإنه حرج قطعا.

الثاني أن الإكراه يتحقق بالتوعد بالضرر

اشارة

علي ترك المكره عليه ضررا متعلقا بنفسه أو ماله أو عرضه أو بأهله ممن يكون ضرره راجعا إلي تضرره و تألمه و أما إذا لم يترتب علي ترك المكره عليه إلا الضرر علي بعض المؤمنين ممن يعد أجنبيا من المكره بالفتح فالظاهر أنه لا يعد ذلك إكراها عرفا إذ لا خوف له يحمله علي فعل ما أمر به و بما ذكرنا من اختصاص الإكراه بصورة خوف لحوق الضرر بالمكره نفسه أو بمن يجري مجراه كالأب و الولد صرح في الشرائع و السرائر و التحرير و الروضة البهية و غيرها. نعم لو خاف علي بعض المؤمنين جاز له قبول الولاية المحرمة بل غيرها من المحرمات الإلهية التي أعظمها التبري من أئمة الدين لقيام الدليل علي وجوب مراعاة المؤمنين و عدم تعريضهم للضرر مثل ما في الاحتجاج عن أمير المؤمنين ع قال: و لأن تبرأ منا ساعة بلسانك و أنت موال لنا بجنانك لتبقي علي نفسك روحك التي بها قوامها و مالها الذي به قيامها و جاهها الذي به تمسكها و تصون من عرف بذلك من أوليائنا و إخواننا فإن ذلك أفضل من أن تتعرض للهلاك و تتقطع به عن عمل في الدين و صلاح إخوانك المؤمنين و إياك ثم إياك أن تترك التقية التي أمرتك بها فإنك شائط بدمك و دماء إخوانك معرض بنعمتك و نعمتهم للزوال مذل لهم في أيدي أعداء دين الله و قد أمرك الله بإعزازهم فإنك إن خالفت وصيتي كان ضررك علي إخوانك و نفسك أشد من ضرر الناصب لنا الكافر بنا إلي آخر الحديث. لكن لا يخفي أنه لا يباح بهذا النحو من التقية الإضرار بالغير لعدم شمول أدلة الإكراه لهذا لما عرفت من عدم تحققه مع عدم لحوق ضرر بالمكره بالفتح و لا بمن يتعلق به و عدم جريان أدلة نفي الحرج إذ لا حرج علي المأمور لأن المفروض تساوي من أمر بالإضرار به و من يتضرر بترك هذا الأمر من حيث النسبة إلي المأمور مثلا لو أمر الشخص بنهب مال المؤمن و لا يترتب علي مخالفة المأمور به إلا نهب مال مؤمن آخر فلا حرج حينئذ في تحريم نهب مال الأول بل تسويغه لدفع النهب عن الثاني قبيح بملاحظة ما علم من الرواية المتقدمة من الغرض في التقية خصوصا مع كون المال المنهوب للأول أعظم بمراتب فإنه يشبه بمن فر من المطر إلي الميزاب بل اللازم في هذا المقام عدم جواز الإضرار بمؤمن و لو لدفع الضرر الأعظم من غيره. نعم إلا لدفع ضرر النفس في وجه مع ضمان ذلك الضرر

[المناقشة في إطلاق تسويغ ما عدا إراقة الدم بالإكراه]

و بما ذكرنا ظهر أن إطلاق جماعة لتسويغ ما عدا الدم من المحرمات بترتب ضرر مخالفة المكره عليه علي نفس المكره أو علي أهله أو علي الأجانب من المؤمنين لا يخلو عن بحث إلا أن يريدوا الخوف علي خصوص نفس بعض المؤمنين فلا إشكال في تسويغه لما عدا الدم من المحرمات إذ لا يعادل نفس المؤمن شي‌ء فتأمل. قال في القواعد و تحرم الولاية من الجائر إلا مع التمكن من الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أو مع الإكراه بالخوف علي النفس أو المال أو الأهل أو علي بعض المؤمنين فيجوز ائتمار ما يأمره إلا القتل انتهي. و لو أراد بالخوف علي بعض المؤمنين الخوف علي أنفسهم دون أموالهم و أعراضهم لم يخالف ما ذكرناه و قد شرح العبارة بذلك بعض الأساطين فقال إلا مع الإكراه بالخوف علي النفس من تلف أو ضرر في البدن أو المال المضر بالحال من تلف أو حجب أو العرض من جهة النفس أو الأهل أو الخوف فيما عدا الوسط علي بعض المؤمنين فيجوز حينئذ ائتمار ما يأمره انتهي. و مراده بما عدا الوسط الخوف علي نفس بعض المؤمنين و أهله

[الفرق بين الإكراه و دفع الضرر المخوف]

و كيف كان فهنا عنوانان الإكراه و دفع الضرر للخوف عن نفسه و عن غيره من المؤمنين من دون إكراه. و الأول يباح به كل محرم و الثاني إن كان متعلقا بالنفس جاز له كل محرم حتي الإضرار المالي بالغير لكن الأقوي استقرار الضمان عليه إذا تحقق سببه لعدم الإكراه المانع عن الضمان أو استقراره. و أما الإضرار بالعرض بالزني و نحوه ففيه تأمل و لا يبعد ترجيح النفس عليه و إن كان متعلقا بالمال فلا يسوغ معه الإضرار بالغير أصلا حتي في اليسير من المال فإذا توقف دفع السبع عن فرسه بتعريض حمار غيره للافتراس لم يجز و إن كان متعلقا بالعرض- ففي جواز الإضرار
المكاسب، ج‌1، ص 59
بالمال مع الضمان أو العرض الأخف من العرض المدفوع عنه تأمل. و أما الإضرار بالنفس أو العرض الأعظم فلا يجوز بلا إشكال هذا و قد وقع في كلام بعض تفسير الإكراه بما يعم لحوق الضرر. قال في المسالك ضابط الإكراه المسوغ للولاية الخوف علي نفس أو المال أو العرض عليه أو علي بعض المؤمنين انتهي. و يمكن أن يريد بالإكراه مطلق المسوغ للولاية لكن صار هذا التعبير منه منشأ لتخيل غير واحد أن الإكراه المجوز لجميع المحرمات هو بهذا المعني.

الثالث [في اعتبار عدم القدرة علي التفصي]

أنه قد ذكر بعض مشايخنا المعاصرين أنه يظهر من الأصحاب أن في اعتبار عدم القدرة علي التفصي من المكره عليه و عدمه أقوالا ثالثها التفصيل بين الإكراه علي نفس الولاية المحرمة فلا تعتبر و بين غيرها من المحرمات فيعتبر فيه العجز عن التفصي و الذي يظهر من ملاحظة كلماتهم في باب الإكراه عدم الخلاف في اعتبار العجز عن التفصي إذا لم يكن حرجا و لم يتوقف علي ضرر كما إذا أكره علي أخذ المال من مؤمن فيظهر أنه أخذ المال و جعله في بيت المال مع عدم أخذه واقعا أو أخذه جهرا ثم رده إليه سرا كما كان يفعله ابن يقطين و كما إذا أمره بحبس مؤمن فيدخله في دار واسعة من دون قيد و يحسن ضيافته و يظهر أنه حبسه و شدد عليه و كذا لا خلاف في أنه لا يعتبر العجز عن التفصي إذا كان فيه ضرر كثير و كأن منشأ زعم الخلاف ما ذكره في المسالك في شرح عبارة الشرائع مستظهرا منه خلاف ما اعتمد عليه. قال في الشرائع بعد الحكم بجواز الدخول في الولاية دفعا للضرر اليسير مع الكراهة و الكثير بدونها إذا أكرهه الجائر علي الولاية جاز له الدخول و العمل بما يأمره مع عدم القدرة علي التفصي منه إلا في دماء المحرمة فإنه لا تقية فيها انتهي قال في المسالك ما ملخصه أن المصنف ذكر في هذه المسألة شرطين الإكراه و العجز عن التفصي و هما متغايران و الثاني أخص و الظاهر أن مشروطهما مختلف فالأول شرط في أصل قبول الولاية و الثاني شرط للعمل بما يأمره ثم فرع عليه أن الولاية إن أخذت مجردة عن الأمر بالمحرم فلا يشترط في جوازه بالإكراه. و أما العمل بما يأمره من المحرمات فمشروط بالإكراه خاصة و لا يشترط فيه الإلجاء بحيث لا يقدر علي خلافه و قد صرح به الأصحاب في كتبهم فاشتراط العجز عن التفصي غير واضح إلا أن يريد به أصل الإكراه إلي أن قال إن الإكراه مسوغ لامتثال ما يؤمر به و إن قدر علي المخالفة مع خوف الضرر انتهي موضع الحاجة من كلامه. أقول لا يخفي علي المتأمل أن المحقق رحمه الله لم يعتبر شرطا زائدا علي الإكراه إلا أن الجائر إذا أمر الوالي بأعمال محرمة في ولايته كما هو الغالب و أمكن في بعضها المخالفة واقعا و دعوي الامتثال ظاهرا كما مثلنا لك سابقا قيد امتثال ما يؤمر به بصورة العجز عن التفصي. و كيف كان فعبارة الشرائع واقعة علي طبق المتعارف من تولية الولاة و أمرهم في ولايتهم بأوامر كثيرة يمكنهم التفصي عن بعضها و ليس المراد بالتفصي المخالفة مع تحمل الضرر كما لا يخفي. و مما ذكرنا يظهر فساد ما ذكره من نسبة عدم الخلاف المتقدم إلي الأصحاب و من أنه علي القول باعتبار العجز عن التفصي لو توقف المخالفة علي بذل مال كثير لزم ثم قال و هو أحوط بل أقرب.

الرابع أن قبول الولاية مع الضرر المالي

الذي لا يضر بالحال رخصة لا عزيمة فيجوز تحمل الضرر المذكور لأن الناس مسلطون علي أموالهم بل ربما يستحب تحمل ذلك الضرر للفرار عن تقوية شوكتهم.

الخامس لا يباح بالإكراه قتل المؤمن

اشارة

و لو توعد علي تركه بالقتل إجماعا علي الظاهر المصرح به في بعض الكتب و إن كان مقتضي عموم نفي الإكراه و الحرج الجواز إلا أنه قد صح عن الصادقين ص أنه: إنما شرعت التقية ليحقن بها الدم فإذا بلغت الدم فلا تقية. و مقتضي العموم أنه لا فرق بين أفراد المؤمنين من حيث الصغر و الكبر و الذكورة و الأنوثة و العلم و الجهل و الحر و العبد و غير ذلك

و لو كان المؤمن مستحقا للقتل لحد

ففي العموم وجهان من إطلاق قولهم لا تقية في الدماء و من أن المستفاد من قوله ليحقن بها الدم فإذا بلغ الدم فلا تقية أن المراد الدم المحقون دون المأمور بإهراقه و ظاهر المشهور الأول.

و أما المستحق للقتل قصاصا

فهو محقون الدم بالنسبة إلي غير ولي الدم

و مما ذكرنا يظهر سكوت الروايتين عن حكم دماء أهل الخلاف

لأن التقية إنما شرعت لحقن دماء الشيعة فحدها بلوغ دمهم لآدم غيرهم و بعبارة أخري محصل الرواية لزوم نقض الغرض من تشريع التقية في إهراق الدماء لأنها شرعت لحقنها فلا يشرع لأجلها إهراقها و من المعلوم أنه إذا أكره المؤمن علي قتل مخالف فلا يلزم من شرعية التقية في قتله إهراق ما شرع التقية لحقنه هذا كله في غير الناصب و أما الناصب لأنه غير محقون الدم و إنما منع منه حدوث الفتنة فلا إشكال في مشروعية قتله للتقية و مما ذكرنا يظهر حكم دم الذمي و شرعية التقية في إهراقه. و بالجملة فكل دم غير محترم بالذات عند الشارع خارج عن مورد الروايتين فحكم إهراقه حكم سائر المحرمات التي شرعت التقية فيها.

بقي الكلام في أن الدم يشمل الجرح و قطع الأعضاء أو يختص بالقتل

وجهان من إطلاق الدم و هو المحكي عن الشيخ و من عمومات التقية و نفي الحرج و الإكراه و ظهور الدم المتصف بالحقن في الدم المبقي للروح و هو المحكي عن الروضة البهية و المصابيح و الرياض و لا يخلو عن قوة

خاتمة فيما ينبغي للوالي العمل به في نفسه و في رعيته

[رسالة النجاشي إلي الإمام الصادق عليه السلام]

روي شيخنا الشهيد الثاني رحمه الله في رسالته المسماة بكشف الريبة عن أحكام الغيبة بإسناده عن شيخ الطائفة عن المفيد عن جعفر بن محمد بن قولويه عن أبيه عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمد بن عيسي عن أبيه محمد بن عيسي الأشعري عن عبد الله بن سليمان النوفلي قال: كنت عند أبي عبد الله ع فإذا بمولي لعبد الله النجاشي- و قد ورد عليه فسلم و أوصل إليه كتابا ففضه و قرأه فإذا أول سطر فيه بسم الله الرحمن الرحيم أطال الله بقاء سيدي و جعلني من كل سوء فداه و لا أراني فيه مكروها فإنه ولي ذلك و القادر عليه اعلم سيدي و مولاي إني بليت بولاية الأهواز فإن رأي سيدي و مولاي أن يحد لي حدا و يمثل لي مثالا استدل به علي ما يقربني إلي الله عز و جل و إلي رسوله و يلخص لي في كتابه ما يري لي العمل به و فيما أبذله و أين أضع زكاتي و فيمن أصرفها و بمن آنس و إلي من أستريح و بمن أثق و آمن و ألجأ إليه في سري فعسي أن يخلصني الله تعالي بهدايتك و ولايتك
المكاسب، ج‌1، ص 60
فإنك حجة الله علي خلقه و أمينه في بلاده لا زالت نعمته عليك

[جواب الإمام الصادق عليه السلام عن رسالة النجاشي]

اشارة

قال عبد الله بن سليمان فأجابه أبو عبد الله ع بسم الله الرحمن الرحيم أحاطك الله بصنعه و لطف بك بمنه و كلأك برعايته فإنه ولي ذلك أما بعد فقد جاءني رسولك بكتابك فقرأته و فهمت جميع ما ذكرته و سألت عنه و ذكرت أنك بليت بولاية الأهواز فسرني ذلك و ساءني و سأخبرك بما ساءني من ذلك و ما سرني إن شاء الله تعالي

[علة سرور الإمام عليه السلام بولاية النجاشي]

فأما سروري بولايتك فقلت عسي أن يغيث الله بك ملهوفا خائفا من أولياء آل محمد ص و يعز بك ذليلهم و يكسو بك عاريهم و يقوي بك ضعيفهم و يطفئ بك نار المخالفين عنهم

[علة استياء الإمام عليه السلام بولاية النجاشي]

و أما الذي ساءني من ذلك فإن أدني ما أخاف عليك أن تعثر بولي لنا فلا تشم رائحة حظيرة القدس فإني ملخص لك جميع ما سألت عنه إن أنت عملت به و لم تجاوزه رجوت أن تسلم إن شاء الله تعالي أخبرني يا عبد الله أبي عن آبائه عن علي ع عن رسول الله ص أنه قال من استشاره أخوه المؤمن فلم يمحضه النصيحة سلب الله لبه عنه

[ما رسمه الإمام عليه السلام للنجاشي للنجاة من تبعات الولاية]

و أعلم أني سأشير عليك برأي إن أنت عملت به تخلصت مما أنت تخافه و اعلم أن خلاصك و نجاتك في حقن الدماء و كف الأذي عن أولياء الله و الرفق بالرعية و التأني و حسن المعاشرة مع لين في غير ضعف و شدة في غير عنف و مداراة صاحبك و من يرد عليك من رسله و أرفق برعيتك بأن توقفهم علي ما وافق الحق و العدل إن شاء الله تعالي و إياك و السعاة و أهل النمائم فلا يلزقن بك منهم أحد و لا يراك الله يوما و ليلة و أنت تقبل منهم صرفا و لا عدلا فيسخط الله عليك و يهتك سترك و احذر مكر خوزي الأهواز فإن أبي أخبرني عن آبائه عن أمير المؤمنين ع قال إن الإيمان لا يثبت في قلب يهودي و لا خوزي أبدا و أما من تأنس به و تستريح إليه و تلجي‌ء أمورك إليه فذلك الرجل الممتحن المستبصر الأمين الموافق لك علي دينك و ميز أعوانك و جرب الفريقين فإن رأيت هناك رشدا فشأنك و إياه

[ما ينبغي للوالي الحذر منه]

و إياك أن تعطي درهما أو تخلع ثوبا أو تحمل علي دابة في غير ذات الله لشاعر أو مضحك أو ممزح إلا أعطيت مثله في ذات الله و لتكن جوائزك و عطاياك و خلعك للقواد و الرسل و الأجناد و أصحاب الرسائل و أصحاب الشرط و الأخماس و ما أردت أن تصرفه في وجوه البر و النجاح و الفطرة و الصدقة و الحج و الشرب و الكسوة التي تصلي فيها و تصل بها و الهدية التي تهديها إلي الله عز و جل و إلي رسول الله ص من أطيب كسبك يا عبد الله اجهد أن لا تكنز ذهبا و لا فضة فتكون من أهل هذه الآية وَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ وَ لا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ و لا تستصغرن من حلو و لا من فضل طعام تصرفه في بطون خالية تسكن بها غضب الرب تبارك و تعالي و أعلم أني سمعت أبي يحدث عن آبائه عن أمير المؤمنين ع أنه سمع عن النبي ص يقول لأصحابه يوما ما آمن بالله و اليوم الآخر من بات شبعانا و جاره جائع فقلنا هلكنا يا رسول الله فقال من فضل طعامكم و من فضل تمركم و رزقكم و خلقكم و خرقكم تطفئون بها غضب الرب

و سأنبئك بهوان الدنيا و هوان شرفها علي من مضي من السلف

و التابعين فقد حدثني أبي محمد بن علي بن الحسين ع قال لما تجهز الحسين ع إلي الكوفة أتاه ابن عباس فناشده الله و الرحم أن يكون هو المقتول بالطف فقال أنا أعلم بمصرعي منك و ما وكدي من الدنيا إلا فراقها أ لا أخبرك يا بن عباس بحديث أمير المؤمنين ع و الدنيا فقال له بلي لعمري إني أحب أن تحدثني بأمرها

[تجسم الدنيا لعلي عليه السلام و رفضه لها]

فقال أبي قال علي بن الحسين سمعت أبا عبد الله يقول حدثني أمير المؤمنين ع قال إني [كنت] بفدك في بعض حيطانها و قد صارت لفاطمة ع فإذا أنا بامرأة قد قحمت علي و في يدي مسحاة و أنا أعمل بها فلما نظرت إليها طار قلبي مما يداخلني من جمالها فشبهتها ببثينة الجمحي بنت عامر و كانت من أجمل نساء قريش فقالت يا بن أبي طالب هل لك أن تتزوج بي فأغنيك عن هذه المسحاة و أدلك علي خزائن الأرض فيكون لك الملك ما بقيت و لعقبك من بعدك فقال لها علي ع من أنت حتي أخطبك من أهلك فقالت أنا الدنيا قال لها فارجعي و اطلبي زوجا غيري فأقبلت علي مسحاتي و أنشأت أقول
لقد خاب من غرته دنيا دنية و ما هي إن غرت قرونا بطائل
أتتنا علي زي العزيز بثينة و زينتها في مثل تلك الشمائل
فقلت لها غري سواي فإنني عزوف عن الدنيا و لست بجاهل
و ما أنا و الدنيا فإن محمدا أحل صريعا بين تلك الجنادل
و هيها أتتني بالكنوز و درها و أموال قارون و ملك القبائل
أ ليس جميعا للفناء مصيرها و يطلب من خزانها بالطوائل
فغري سواي إنني غير راغب بما فيك من ملك و عز و نائل
فقد قنعت نفسي بما قد رزقته فشأنك يا دنيا و أهل الغوائل
فإني أخاف الله يوم لقائه و أخشي عذابا دائما غير زائل فخرج من الدنيا و ليس في عنقه تبعة لأحد حتي لقي الله تعالي محمودا غير ملوم و لا مذموم ثم اقتدت به الأئمة من بعده بما قد بلغكم لم يتلطخوا بشي‌ء من بوائقها

[ما يكفر عن الوالي]

و قد وجهت إليك بمكارم الدنيا و الآخرة: و عن الصادق المصدق رسول الله ص فإن أنت عملت بما نصحت لك في كتابي هذا ثم كانت عليك من الذنوب و الخطايا كمثل أوزان الجبال و أمواج البحار رجوت الله أن يتجاوز عنك جل و عز بقدرته

[جملة من حقوق المؤمن علي المؤمن]

يا عبد الله إياك أن تخيف مؤمنا فإن أبي محمد بن علي ع حدثني عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب ع أنه كان يقول من نظر إلي مؤمن نظره ليخيفه بها أخافه الله يوم لا ظل إلا ظله و حشره في صورة الذر لحمه و جسده و جميع أعضائه حتي يورده مورده و حدثني أبي عن آبائه عن علي ع عن النبي ص قال من أغاث لهفانا من المؤمنين أغاثه الله يوم لا ظل إلا ظله و آمنه الفزع الأكبر و آمنه من سوء المنقلب و من قضي لأخيه المؤمن حاجة قضي الله له حوائج كثيرة إحداها الجنة و من كسا أخاه المؤمن جبة عن عري كساه الله من سندس الجنة و إستبرقها و حريرها و لم يزل يخوض في رضوان الله ما دام علي المكسو منها سلك و من أطعم أخاه من جوع أطعمه الله من طيبات الجنة و من سقاه من ظمإ سقاه الله من الرحيق المختوم و من أخدم أخاه أخدمه الله من الولدان المخلدين و أسكنه مع أوليائه الطاهرين و من حمل أخاه المؤمن علي راحلة حمله الله علي ناقة من نوق الجنة و باهي به الملائكة المقربين يوم القيامة و من زوج أخاه المؤمن امرأة يأنس بها و تشد عضده و يستريح إليها زوجه الله من الحور العين و آنسه بمن أحبه من الصديقين من أهل بيت نبيه ع و إخوانه
المكاسب، ج‌1، ص 61
و آنسهم به و من أعان أخاه المؤمن علي سلطان جائر أعانه الله علي إجازة الصراط عند زلة الأقدام و من زار أخاه المؤمن في منزله لا لحاجة منه إليه كتب من زوار الله و كان حقيقا علي الله أن يكرم زائره يا عبد الله و حدثني أبي عن آبائه عن علي ع أنه سمع رسول الله ص يقول لأصحابه يوما معاشر الناس إنه ليس بمؤمن من آمن بلسانه و لم يؤمن بقلبه فلا تتبعوا عثرات المؤمنين فإنه من تتبع عثرة مؤمن أتبع الله عثراته يوم القيامة و فضحه في جوف بيته و حدثني أبي عن آبائه عن علي ع أنه قال أخذ الله ميثاق المؤمن أن لا يصدق في مقالته و لا ينتصف من عدوه علي أن لا يشفي غيظه إلا بفضيحة نفسه لأن كل مؤمن ملجم و ذلك لغاية قصيرة و راحة طويلة و أخذ الله ميثاق المؤمن علي أشياء أيسرها عليه مؤمن مثله يقول بمقالته يعيبه و يحسده و الشيطان يغويه و يمقته و السلطان يقفو أثره و يتبع عثراته و كافر بالذي هو مؤمن به يري سفك دمه دينا و إباحة حريمه غنما فما بقاء المؤمن بعد هذا يا عبد الله و حدثني أبي عن آبائه ع عن علي عن النبي ص قال نزل جبرئيل ع فقال يا محمد إن الله يقرئك السلام و يقول اشتققت للمؤمن اسما من أسمائي سميته مؤمنا فالمؤمن مني و أنا منه من استهان بمؤمن فقد استقبلني بالمحاربة يا عبد الله و حدثني أبي عن آبائه عن علي عن النبي صلي الله عليهم أجمعين أنه قال يوما يا علي لا تناظر رجلا حتي تنظر في سريرته فإن كانت سريرته حسنة فإن الله عز و جل لم يكن ليخذل وليه و إن كانت سريرته ردية فقد تكفيه مساوية فلو جهدت أن تعمل به أكثر مما عمل به عن معاصي الله عز و جل ما قدرت عليه يا عبد الله و حدثني أبي عن آبائه عن علي ع عن النبي ص قال إنه قال أدني الكفر أن يسمع الرجل عن أخيه الكلمة فيحفظها عليه يريد أن يفضحه بها أولئك لا خلاق لهم يا عبد الله و حدثني أبي عن آبائه عن علي ع أنه قال من قال في مؤمن ما رأت عيناه و سمعت أذناه ما يشينه و يهدم مروته فهو من الذين قال الله عز و جل إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ يا عبد الله و حدثني أبي عن آبائه عن علي ع أنه قال من روي عن أخيه المؤمن رواية يريد بها هدم مروته و ثلبه أوبقه الله بخطيئته يوم القيامة حتي يأتي بمخرج مما قال و من أدخل علي أخيه المؤمن سرورا فقد أدخل علي أهل بيت نبيه ص سرورا و من أدخل علي بيت نبيه سرورا فقد أدخل علي رسول الله ص سرورا و من أدخل علي رسول الله ص سرورا فقد سر الله و من سر الله فحقيق علي الله أن يدخله جنته ثم إني أوصيك بتقوي الله و إيثار طاعته و الاعتصام بحبله فإنه من اعتصم بحبل الله فقد هدي إلي صراط مستقيم فاتق الله و لا تؤثر أحدا علي رضاه و هواه فإنه وصية الله عز و جل إلي خلقه لا يقبل منهم غيرها و لا يعظم سواها و اعلم أن الخلق لم يوكلوا بشي‌ء أعظم من تقوي الله فإنه وصيتنا أهل البيت فإن استطعت أن لا تنال من الدنيا شيئا تسأل عنه غدا فافعل

[ما قاله النجاشي عند وصول كتاب الإمام إليه]

قال عبد الله بن سليمان فلما وصل كتاب الصادق ع إلي النجاشي نظر فيه فقال صدق و الله الذي لا إله إلا هو مولاي فما عمل أحد بما في هذا الكتاب إلا نجا قال فلم يزل عبد الله يعمل به أيام حياته
هجاء المؤمن

السابعة و العشرون هجاء المؤمن حرام بالأدلة الأربعة

اشارة

لأنه همز و لمز و أكل اللحم و تعيير و إذاعة سر و كل ذلك كبيرة موبقة

[تفسير الهجاء]

و يدل عليه فحوي ما تقدم في الغيبة بل البهتان أيضا بناء علي تفسير الهجاء بخلاف المدح كما عن الصحاح فيعم ما فيه من المعايب و ما ليس فيه كما عن القاموس و النهاية و المصباح لكن مع تخصيصه فيها بالشعر. و أما تخصيصه بذكر ما فيه بالشعر كما هو ظاهر جامع المقاصد فلا يخلو عن تأمل و لا فرق في المؤمن بين الفاسق و غيره. و أما الخبر: محصوا ذنوبكم بذكر الفاسقين فالمراد به الخارجون عن الإيمان أو المتجاهرون بالفسق

[هجاء المخالف و الفاسق المبدع]

و احترز بالمؤمن عن المخالف فإنه يجوز هجوه لعدم احترامه و كذا يجوز هجاء الفاسق المبدع لئلا يؤخذ ببدعة لكن بشرط الاقتصار علي المعايب الموجودة فيه فلا يجوز بهته بما ليس فيه لعموم حرمة الكذب و ما تقدم من الخبر في الغيبة- من قوله ع في حق المبتدعة: باهتوهم كيلا يطمعوا في إضلالكم محمول علي اتهامهم و سوء الظن بهم بما يحرم اتهام المؤمن به بأن يقال لعله زان أو سارق و كذا إذا زاد ذكر ما ليس فيه من باب المبالغة- و يحتمل إبقاؤه علي ظاهره بتجويز الكذب عليهم لأجل المصلحة فإن مصلحة تنفير الخلق عنهم أقوي من مفسدة الكذب.
و في رواية أبي حمزة عن أبي جعفر ع قال: قلت له إن بعض أصحابنا يفترون و يقذفون من خالفهم فقال الكف عنهم أجمل ثم قال لي و الله يا أبا حمزة إن الناس كلهم أولاد بغايا ما خلا شيعتنا ثم قال نحن أصحاب الخمس و قد حرمناه علي جميع الناس ما خلا شيعتنا و في صدرها دلالة علي جواز الافتراء و هو القذف علي كراهة ثم أشار ع إلي أولوية قصد الصدق بإرادة الزني من حيث استحلال حقوق الأئمة
الهجر

الثامنة و العشرون الهجر بالضم و هو الفحش من القول و ما استقبح

التصريح به منه
ففي صحيحة أبي عبيدة: البذاء من الجفاء و الجفاء في النار و في النبوي: إن الله حرم الجنة علي كل فحاش بذي قليل الحياء لا يبالي بما قال و لا ما قيل فيه و في رواية سماعة: إياك أن تكون فحاشا و في النبوي: إن من شر عباد الله من يكره مجالسته لفحشه و في رواية: من علامات شرك الشيطان الذي لا شك فيه أن يكون فحاشا لا يبالي بما قال و لا ما قيل فيه إلي غير ذلك من الأخبار. هذا آخر ما تيسر تحريره من المكاسب المحرمة
الأجرة علي الواجبات

[النوع] الخامس مما يحرم التكسب به ما يجب علي الإنسان فعله

[أخذ الأجرة علي الواجب]

اشارة

عينا أو كفاية تعبدا أو توصلا علي المشهور كما في المسالك بل عن مجمع البرهان كان دليله الإجماع و الظاهر أن نسبته إلي الشهرة في المسالك في مقابل قول السيد المخالف في وجوب تجهيز الميت علي غير الولي لا في حرمة أخذ الأجرة علي تقدير الوجوب عليه. و في جامع المقاصد الإجماع علي عدم جواز أخذ الأجرة علي تعليم صيغة النكاح أو إلقائها علي المتعاقدين انتهي. و كأن لمثل هذا و نحوه ذكر في الرياض أن علي هذا الحكم الإجماع في كلام جماعة و هو الحجة انتهي.

[تحديد موضوع المسألة]

و اعلم أن موضوع هذه المسألة ما إذا كان للواجب علي العامل منفعة تعود إلي من يبذل بإزائه المال كما لو كان كفائيا و أراد سقوطه منه فاستأجر غيره أو كان عينيا علي العامل و رجع نفعه منه إلي باذل المال كالقضاء للمدعي إذا وجب عينا. و بعبارة أخري مورد الكلام ما لو فرض مستحبا لجاز الاستيجار عليه لا أن الكلام في كون مجرد
المكاسب، ج‌1، ص 62
الوجوب علي الشخص مانعا عن أخذ الأجرة عليه فمثل فعل الشخص صلاة الظهر عن نفسه لا يجوز أخذ الأجرة عليه لا لوجوبها بل لعدم وصول عوض المال إلي باذله فإن النافلة أيضا كذلك

و من هنا يعلم فساد الاستدلال علي هذا المطلب بمنافاة ذلك للإخلاص في العمل

لانتقاضه طردا و عكسا بالمندوب و الواجب التوصلي. و قد يرد ذلك بأن تضاعف الوجوب بسبب الإجارة يؤكد الإخلاص و فيه مضافا إلي اقتضاء ذلك الفرق بين الإجارة و الجعالة حيث إن الجعالة لا توجب العمل علي العامل أنه إن أريد أن تضاعف الوجوب يؤكد اشتراط الإخلاص فلا ريب أن الوجوب الحاصل بالإجارة توصلي لا يشترط في حصول ما وجب به قصد القربة مع أن غرض المستدل منافاة قصد أخذ المال لتحقق الإخلاص في العمل لا لاعتباره في وجوبه. و إن أريد أنه يؤكد تحقق الإخلاص من العامل فهو مخالف للواقع قطعا لأن ما لا يترتب عليه أجر دنيوي أخلص مما يترتب عليه ذلك بحكم الوجدان هذا مع أن الوجوب الناشئ من الإجارة إنما يتعلق بالوفاء بعقد الإجارة. و مقتضي الإخلاص المعتبر في ترتب الثواب علي موافقة هذا الأمر و لو لم يعتبر في سقوطه هو إتيان الفعل من حيث استحقاق المستأجر له بإزاء ماله فهذا المعني ينافي وجوب إتيان العبادة لأجل استحقاقه تعالي إياه و لذا لو لم يكن هذا العقد واجب الوفاء كما في الجعالة لم يمكن قصد الإخلاص مع قصد استحقاق العوض فلا إخلاص هنا حتي يؤكده وجوب الوفاء بعد إيجاب بالإجارة فالمانع حقيقة هو عدم القدرة علي إيجاد الفعل الصحيح بإزاء العوض سواء أ كانت المعاوضة لازمة أم جائزة

و أما تأتي القربة في العبادات المستأجرة

- فلأن الإجارة إنما تقع علي الفعل المأتي به تقربا إلي الله نيابة عن فلان. توضيحه أن الشخص يجعل نفسه نائبا عن فلان في العمل متقربا إلي الله فالمنوب عنه يتقرب إليه تعالي بعمل نائبه و تقربه و هذا الجعل في نفسه مستحب لأنه إحسان إلي المنوب عنه و إيصال نفع إليه و قد يستأجر الشخص عليه فيصير واجبا بالإجارة وجوبا توصليا لا يعتبر فيه التقرب فالأجير إنما يجعل نفسه لأجل استحقاق الأجرة نائبا عن الغير في إتيان العمل الفلاني تقربا إلي الله فالأجرة في مقابل النيابة في العمل المتقرب به إلي الله التي مرجع نفعها إلي المنوب عنه و هذا بخلاف ما نحن فيه لأن الأجرة هنا في مقابل العمل تقربا إلي الله لأن العمل بهذا الوجه لا يرجع نفعه إلي العامل لأن المفروض أنه يمتثل ما وجب علي نفسه بل في مقابل نفس العمل فهو يستحق نفس العمل و المفروض أن الإخلاص هو إتيان العمل لخصوص أمر الله تعالي و التقرب يقع للعامل دون الباذل و وقوعه للعامل يتوقف علي أن لا يقصد بالعبادة سوي امتثال أمر الله تعالي. فإن قلت يمكن للأجير أن يأتي بالفعل مخلصا لله تعالي بحيث لا يكون للإجارة دخل في إتيانه فيستحق الأجرة فالإجارة غير مانعة من قصد الإخلاص. قلت الكلام في أن مورد الإجارة لا بد أن يكون عملا قابلا لأن يوفي به بعقد الإجارة و يؤتي به لأجل استحقاق المستأجر إياه و من باب تسليم مال الغير إليه و ما كان من قبيل العبادة غير قابل لذلك. فإن قلت يمكن أن تكون غاية الفعل التقرب و المقصود من إتيان هذا الفعل المتقرب به استحقاق الأجرة كما يؤتي بالفعل تقربا إلي الله و يقصد منه حصول المطالب الدنيوية كأداء الدين و سعة الرزق و غيرهما من الحاجات الدنيوية. قلت فرق بين الغرض الدنيوي المطلوب من الخالق الذي يتقرب إليه بالعمل و بين الغرض الحاصل من غيره و هو استحقاق الأجرة فإن طلب الحاجة من الله تعالي سبحانه و لو كانت دنيوية محبوب عند الله فلا يقدح في العبادة بل ربما يؤكدها. و كيف كان فذلك الاستدلال حسن في بعض موارد المسألة و هو الواجب التعبدي في الجملة إلا أن مقتضاه جواز أخذ الأجرة في التوصليات و عدم جوازه في المندوبات التعبدية فليس مطردا و لا منعكسا.

[استدلال بعض الأساطين علي الحرمة و توضيحه]

اشارة

نعم قد استدل علي المطلب بعض الأساطين في شرحه علي القواعد بوجوه أقواها أن التنافي بين صفة الوجوب و التملك ذاتي لأن الملوك المستحق لا يملك و لا يستحق ثانيا. توضيحه أن الذي يقابل المال لا بد أن يكون كنفس المال مما يملكه المؤجر حتي يملكه المستأجر في مقابل تمليكه المال إياه فإذا فرض العمل واجبا لله ليس للمكلف تركه فيصير نظير العمل المملوك للغير. أ لا تري أنه إذا آجر نفسه لدفن الميت لشخص لم يجز له أن يؤجر نفسه ثانيا من شخص آخر لذلك العمل و ليس إلا لأن الفعل صار مستحقا للأول و مملوكا له فلا معني لتمليكه ثانيا للآخر مع فرض بقائه علي ملك الأول و هذا المعني موجود فيما أوجبه الله تعالي خصوصا فيما يرجع إلي حقوق الغير حيث إن حاصل الإيجاب هنا جعل الغير مستحقا لذلك العمل من هذا العامل كأحكام تجهيز الميت التي جعل الشارع الميت مستحقا لها علي الحي فلا يستحقها غيره ثانيا هذا.

[المناقشة في الاستدلال]

و لكن الإنصاف أن هذا الوجه أيضا لا يخلو عن الخدشة لإمكان منع المنافاة بين الوجوب الذي هو طلب الشارع الفعل و بين استحقاق المستأجر له و ليس استحقاق الشارع للفعل و تملكه المنتزع من طلبه من قبيل استحقاق الآدمي و تملكه الذي ينافي تملك الغير و استحقاقه

[الاستدلال علي الحرمة في الواجب الكفائي و مناقشته]

ثم إن هذا الدليل باعتراف المستدل يختص بالواجب العيني. و أما الكفائي فاستدل علي عدم جواز أخذ الأجرة عليه بأن الفعل متعين له فلا يدخل في ملك آخر و بعدم نفع المستأجر فيما يملكه أو يستحقه غيره لأنه بمنزلة قولك استأجرتك لتملك منفعتك المملوكة لك أو لغيرك و فيه منع وقوع الفعل له بعد إجارة نفسه للعمل للغير فإن آثار الفعل حينئذ ترجع إلي الغير فإذا وجب إنقاذ غريق كفاية أو إزالة النجاسة عن المسجد فاستأجر واحدا غيره فثواب الإنقاذ و الإزالة يقع للمستأجر دون الأجير المباشر لهما. نعم يسقط الفعل عنه لقيام المستأجر به و لو بالاستنابة و من هذا القبيل الاستيجار للجهاد مع وجوبه كفاية علي الأجير و المستأجر.

[عدم وجدان الدليل علي الحرمة غير الإجماع]

و بالجملة فلم أجد دليلا علي هذا المطلب وافيا بجميع أفراده عدا الإجماع الذي لم يصرح به إلا المحقق الثاني لكنه موهون بوجود القول بخلافه من أعيان الأصحاب من القدماء و المتأخرين علي ما يشهد به الحكاية و الوجدان.

[وهن الإجماع بنقل الخلاف عن الفقهاء]

إما الحكاية فقد نقل المحقق و العلامة رحمهما الله و غيرهما القول بجواز أخذ الأجرة علي القضاء عن بعض. فقد قال في الشرائع أما
المكاسب، ج‌1، ص 63
لو أخذ الجعل من المتحاكمين ففيه خلاف و كذلك العلامة في المختلف. و قد حكي العلامة الطباطبائي في مصابيحه عن فخر الدين و جماعة التفصيل بين العبادات و غيرها.
و يكفي في ذلك ملاحظة الأقوال التي ذكرها في المسالك في باب المتاجر و أما ما وجدناه فهو أن ظاهر المقنعة بل النهاية و محكي المرتضي جواز الأجر علي القضاء مطلقا و إن أول بعض كلامهم بإرادة الارتزاق. و قد اختار جماعة جواز أخذ الأجرة عليه إذا لم يكن متعينا أو تعين و كان القاضي محتاجا. و قد صرح فخر الدين في الإيضاح بالتفصيل بين الكفائية التوصلية و غيرها فجوز أخذ الأجرة في الأول قال في شرح عبارة والده في القواعد في الاستيجار علي تعليم الفقه ما لفظه الحق عندي أن كل واجب علي شخص معين لا يجوز للمكلف أخذ الأجرة عليه و الذي وجب كفاية فإن كان مما لو أوقعه بغير نية لم يصح و لم يزل الوجوب فلا يجوز أخذ الأجرة عليه لأنه عبادة محضة قال الله تعالي وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حصر غرض الأمر في انحصار غاية الفعل في الإخلاص و ما يفعل بالعوض لا يكون كذلك و غير ذلك يجوز أخذ الأجرة عليه إلا ما نص الشارع علي تحريمه كالدفن انتهي. نعم رده في محكي جامع المقاصد لمخالفة هذا التفصيل لنص الأصحاب. أقول لا يخفي أن الفخر أعرف بنص الأصحاب من المحقق الثاني فهذا والده قد صرح في المختلف بجواز أخذ الأجرة علي القضاء إذا لم يتعين و قبله المحقق في الشرائع غير أنه قيد صورة عدم التعيين بالحاجة و لأجل ذلك اختار العلامة الطباطبائي في مصابيحه ما اختاره فخر الدين من التفصيل و مع هذا فمن أين الوثوق علي إجماع لم يصرح به إلا المحقق الثاني مع ما طعن به الشهيد الثاني علي إجماعاته بالخصوص في رسالته في صلاة الجمعة

[مقتضي القاعدة في المقام]

و الذي ينساق إليه النظر- أن مقتضي القاعدة في كل عمل له منفعة محللة مقصودة جواز أخذ الأجرة و الجعل عليه و إن كان داخلا في العنوان الذي أوجبه الله علي المكلف ثم إن صلح ذلك الفعل المقابل بالأجرة لامتثال الإيجاب المذكور أو إسقاطه به أو عنده سقط الوجوب مع استحقاق الأجرة و إن لم يصلح استحق الأجرة و بقي الواجب في ذمته لو بقي وقته و إلا عوقب علي تركه. و أما مانعية مجرد الوجوب من صحة المعاوضة علي الفعل فلم تثبت علي الإطلاق

[اللازم التفصيل بين العيني التعييني فلا يجوز و بين غيره فيجوز]

بل اللازم التفصيل فإن كان العمل واجبا عينيا تعيينيا لم يجز أخذ الأجرة لأن أخذ الأجرة عليه مع كونه واجبا مقهورا من قبل الشارع علي فعله أكل للمال بالباطل لأن عمله هذا لا يكون محترما لأن استيفاءه منه لا يتوقف علي طيب نفسه لأنه يقهر عليها مع عدم طيب النفس و الامتناع. و مما يشهد بما ذكرناه أنه لو فرض أن المولي أمر بعض عبيده بفعل لغرض و كان مما يرجع نفعه أو بعض نفعه إلي غيره فأخذ العبد العوض من ذلك الغير علي ذلك العمل عد أكلا للمال مجانا و بلا عوض ثم إنه لا ينافي ما ذكرناه حكم الشارع بجواز أخذ الأجرة علي العمل بعد إيقاعه كما أجاز للوصي أخذ أجرة المثل أو مقدار الكفاية لأن هذا حكم شرعي لا من باب المعاوضة

ثم لا فرق فيما ذكرناه بين التعبدي من الواجب و التوصلي

مضافا في التعبدي إلي ما تقدم من منافاة أخذ الأجرة علي العمل للإخلاص كما نبهنا عليه سابقا و تقدم عن الفخر و قرره عليه بعض من تأخر عنه.

[حرمة أخذ الأجرة علي المندوب التعبدي]

و منه يظهر عدم جواز أخذ الأجرة علي المندوب إذا كان عبادة يعتبر فيها التقرب.

[جواز أخذ الأجرة علي الواجب التوصلي التخييري]

و أما الواجب التخييري فإن كان توصليا فلا أجد مانعا عن جواز أخذ الأجرة علي أحد فرديه بالخصوص بعد فرض كونه مشتملا علي نفع محلل للمستأجر و المفروض أنه محترم لا يقهر المكلف عليه فجاز أخذ الأجرة بإزائه فإذا تعين دفن الميت علي شخص و تردد الأمر بين حفر أحد موضعين فاختار الولي أحدهما بالخصوص لصلابته أو لغرض آخر فاستأجر ذلك لحفر ذلك الموضع بالخصوص لم يمنع من ذلك كون مطلق الحفر واجبا عليه مقدمة للدفن

[التفصيل في الواجب التعبدي التخييري]

و إن كان تعبديا فإن قلنا بكفاية الإخلاص بالقدر المشترك و إن كان إيجاد خصوص بعض الأفراد لداع غير الإخلاص فهو كالتوصلي و إن قلنا إن اتحاد وجود القدر المشترك مع الخصوصية مانع عن التفكيك بينهما في القصد كان حكمه كالتعيني.

[التفصيل في الكفائي بين التوصلي و التعبدي]

و أما الكفائي فإن كان توصليا أمكن أخذ الأجرة علي إتيانه لأجل باذل الأجرة فهو العامل في الحقيقة و إن كان تعبديا لم يجز الامتثال به و أخذ الأجرة عليه. نعم يجوز النيابة إن كان مما يقبل النيابة لكنه يخرج عن محل الكلام لأن محل الكلام أخذ الأجرة علي ما هو واجب علي الأجير لا علي النيابة فيما هو واجب علي المستأجر فافهم- .

[حرمة أخذ الأجرة في الكفائي لو كان حقا لمخلوق علي المكلفين]

ثم إنه قد يفهم من أدلة وجوب الشي‌ء كفاية كونه حقا لمخلوق يستحقه علي المكلفين فكل من أقدم عليه فقد أدي حق ذلك المخلوق فلا يجوز له أخذ الأجرة منه و لا من غيره ممن وجب عليه أيضا كفاية و لعل من هذا القبيل تجهيز الميت و إنقاذ الغريق بل و معالجة الطبيب لدفع الهلاك.

[الإشكال علي أخذ الأجرة علي الصناعات التي يتوقف عليها النظام]

اشارة

ثم إن هنا إشكالا مشهورا و هو أن الصناعات التي يتوقف النظام عليها تجب كفاية لوجوب إقامة النظام بل قد يتعين بعضها علي بعض المكلفين عند انحصار المكلف القادر فيه مع أن جواز أخذ الأجرة عليها مما لا كلام لهم فيه و كذا يلزم أن يحرم علي الطبيب أخذ الأجرة علي الطبابة لوجوبها عليه كفاية أو عينا كالفقاهة

و قد تفصي عنه بوجوه

أحدها

الالتزام بخروج ذلك بالإجماع و السيرة القطعيين.

الثاني الالتزام بجواز أخذ الأجرة علي الواجبات إذا لم تكن تعبدية

و قد حكاه في المصابيح عن جماعة و هو ظاهر كل من جوز أخذ الأجرة علي القضاء بقول مطلق يشمل صورة تعينه عليه كما تقدم حكايته في الشرائع و المختلف عن بعض و فيه ما تقدم سابقا- من أن الأقوي عدم جواز أخذ الأجرة عليه.

الثالث ما عن المحقق الثاني من اختصاص جواز الأخذ بصورة قيام من به الكفاية

فلا يكون حينئذ واجبا و فيه أن ظاهر العمل و الفتوي جواز الأخذ و لو مع بقاء الوجوب الكفائي بل و مع وجوبه عينا للانحصار.

الرابع ما في مفتاح الكرامة من أن المنع مختص بالواجبات الكفائية المقصودة لذاتها

كأحكام الموتي و تعليم الفقه دون ما يجب لغيره كالصنائع و فيه أن هذا التخصيص إن كان لاختصاص معاقد إجماعاتهم و عنوانات كلامهم فهو خلاف الموجود منها و إن كان الدليل يقتضي الفرق فلا بد من بيانه.

الخامس أن المنع عن أخذ الأجرة علي الصناعات الواجبة لإقامة النظام يوجب اختلال النظام

لوقوع أكثر الناس في المعصية بتركها أو ترك الشاق منها و الالتزام بالأسهل فإنهم لا يرغبون بالصناعات
المكاسب، ج‌1، ص 64
الشاقة أو الدقيقة إلا طمعا في الأجرة و زيادتها علي ما يبذل لغيرها من الصناعات و تسويغ أخذ الأجرة عليها لطف في التكليف بإقامة النظام. و فيه أن المشاهد بالوجدان أن اختيار الناس للصنائع الشاقة و تحملها ناش عن الدواعي الأخر غير زيادة الأجرة مثل عدم قابليته لغير ما يختار أو عدم ميلة إليه أو عدم كونه شاقا عليه لكونه ممن نشأ في تحمل المشقة أ لا تري أن أغلب الصنائع الشاقة من الكفائيات كالفلاحة و الحرث و الحصاد و شبه ذلك لا تزيد أجرتها علي الأعمال السهلة.

السادس أن الوجوب في هذه الأمور مشروط بالعوض

. قال بعض الأساطين بعد ذكر ما يدل علي المنع عن أخذ الأجرة علي الواجب أما ما كان واجبا مشروطا فليس بواجب قبل حصول الشرط فتعلق الإجارة به قبله لا مانع منه و لو كانت هو الشرط في وجوبه فكل ما وجب كفاية من حرف و صناعات لم تجب إلا بشرط العوض بإجارة أو جعالة أو نحوهما فلا فرق بين وجوبها العيني للانحصار و وجوبها الكفائي لتأخير الوجوب عنها و عدمه قبلها كما أن بذل الطعام و الشراب للمضطر إن بقي علي الكفاية أو تعين يستحق فيه أخذ العوض علي الأصح لأن وجوبه مشروط بخلاف ما وجب مطلقا بالأصالة كالنفقات أو بالعارض كالمنذور و نحوه انتهي كلامه رحمه الله و فيه أن وجوب الصناعات ليس مشروطا ببذل العوض لأنه لإقامة النظام التي هي من الواجبات المطلقة فإن الطبابة و الفصد و الحجامة و غيرها مما يتوقف عليه بقاء الحياة في بعض الأوقات واجبة بذل له العوض أم لم يبذل

السابع أن وجوب الصناعات المذكورة لم يثبت من حيث ذاتها

و إنما ثبت من حيث الأمر بإقامة النظام غير متوقفة علي العمل تبرعا بل يحصل به و بالعمل بالأجرة فالذي يجب علي الطبيب لأجل إحياء النفس و إقامة النظام بذل نفسه للعمل لا بشرط التبرع به بل له أن يتبرع به و له أن يطلب الأجرة و حينئذ فإن بذل المريض الأجرة وجب عليه العلاج و إن لم يبذل الأجرة و المفروض أداء ترك العلاج إلي الهلاك أجبره الحاكم حسبة علي بذل الأجرة للطبيب و إن كان المريض مغمي عليه دفع عنه وليه و إلا جاز للطبيب العمل بقصد الأجرة فيستحق الأجرة في ماله و إن لم يكن له مال ففي ذمته فيؤدي في حياته أو بعد مماته من الزكاة أو غيرها. و بالجملة فما كان من الواجبات الكفائية ثبت من دليله وجوب نفس ذلك العنوان فلا يجوز أخذ الأجرة عليه بناء علي المشهور و أما ما أمر به من باب إقامة النظام فأقامه النظام تحصل ببذل النفس للعمل في الجملة و أما العمل تبرعا فلا و حينئذ فيجوز طلب الأجرة من المعمول له إذا كان أهلا للطلب منه و قصدها إذا لم يكن ممن يطلب منه كالغائب الذي يعمل فيما له عمل لدفع الهلاك عنه و كالمريض المغمي عليه و فيه أنه إذا فرض وجوب إحياء النفس و وجب العلاج مقدمة له فأخذ الأجرة عليه غير جائز- .

[مختار المؤلف]

فالتحقيق علي ما ذكرنا سابقا أن الواجب إذا كان عينيا تعينيا لم يجز أخذ الأجرة عليه و لو كان من الصناعات فلا يجوز للطبيب أخذ الأجرة علي بيان الدواء أو بعد تشخيص الدواء و أما أخذ الوصي الأجرة علي تولي أموال الطفل الموصي عليه الشامل بإطلاقه لصورة تعين العمل عليه فهو من جهة الإجماع و النصوص المستفيضة علي أن له أن يأخذ شيئا و إنما وقع الخلاف في تعيينه فذهب جماعة إلي أن له أجرة المثل حملا للأخبار علي ذلك و لأنه إذا فرض احترام عمله بالنص و الإجماع فلا بد من كون العوض أجرة المثل. و بالجملة فملاحظة النصوص و الفتاوي في تلك المسألة ترشد إلي خروجها عما نحن فيه و أما باذل المال للمضطر- فهو إنما يرجع بعوض المبذول لا بأجرة البذل- فلا يرد نقضا في المسألة و أما رجوع الأم المرضعة بعض إرضاع اللبأ مع وجوبه عليها بناء علي توقف حياة الولد عليه فهو إما من قبيل بذل المال للمضطر و إما من قبيل رجوع الوصي بأجرة المثل من جهة عموم الآية فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فافهم و إن كان كفائيا جاز الاستيجار عليه فيسقط الواجب بفعل المستأجر عليه عنه و عن غيره و إن لم يحصل الامتثال. و من هذا الباب أخذ الطبيب الأجرة علي حضوره عند المريض إذا تعين عليه علاجه فإن العلاج و إن كان معينا عليه إلا أن الجمع بينه و بين المريض مقدمة للعلاج واجب كفائي بينه و بين أولياء المريض فحضوره أداء للواجب الكفائي كإحضار الأولياء إلا أنه لا بأس بأخذ الأجرة عليه. نعم يستثني من الواجب الكفائي ما علم من دليله صيرورة ذلك العمل حقا للغير يستحقه من المكلف كما قد يدعي أن الظاهر من أدلة وجوب تجهيز الميت أن للميت حقا علي الأحياء في التجهيز فكل من فعل شيئا منه في الخارج فقد أدي حق الميت فلا يجوز أخذ الأجرة عليه و كذا تعليم الجاهل أحكام عباداته الواجبة عليه و ما يحتاج إليه كصيغة النكاح و نحوها لكن تعيين هذا يحتاج إلي لطف قريحة هذا تمام الكلام في أخذ الأجرة علي الواجب.

و أما الحرام

فقد عرفت عدم جواز أخذ الأجرة عليه

و أما المكروه و المباح

فلا إشكال في جواز أخذ الأجرة عليهما

و أما المستحب

اشارة

و المراد منه ما كان له نفع قابل لأن يرجع إلي المستأجر لتصح الإجارة من هذه الجهة فهو بوصف كونه مستحبا علي المكلف لا يجوز أخذ الأجرة عليه لأن الموجود من هذا الفعل في الخارج لا يتصف بالاستحباب إلا مع الإخلاص الذي ينافيه إتيان الفعل لاستحقاق المستأجر إياه كما تقدم في الواجب. و حينئذ فإن كان حصول النفع المذكور منه متوقفا علي نية القربة لم يجز أخذ الأجرة عليه كما إذا استأجر من يعيد صلاته ندبا ليقتدي به لأن المفروض بعد الإجارة عدم تحقق الإخلاص و المفروض مع عدم تحقق الإخلاص عدم حصول نفع منه عائد إلي المستأجر و ما يخرج بالإجارة عن قابلية انتفاع المستأجر به لم يجز الاستيجار عليه و من هذا القبيل الاستيجار علي العبادة لله تعالي أصالة- لا نيابة و إهداء ثوابها إلي المستأجر فإن ثبوت الثواب للعامل موقوف علي قصد الإخلاص المنفي مع الإجارة و إن كان حصول النفع غير متوقف علي الإخلاص جاز الاستيجار عليه كبناء المساجد و إعانة المحاويج فإن من بني لغيره مسجدا عاد إلي الغير نفع بناء المسجد و هو ثوابه و إن لم يقصد البناء من عمله إلا أخذ الأجرة. و كذا من استأجر غيره لإعانة المحاويج و المشي في حوائجهم فإن الماشي لا يقصد إلا الأجرة إلا أن نفع المشي عائد إلي المستأجر

و من هذا القبيل استيجار الشخص للنيابة عنه في العبادات التي تقبل النيابة

المكاسب، ج‌1، ص 65
كالحج و الزيارة و نحوهما فإن نيابة الشخص عن غيره فيما ذكر و إن كانت مستحبة إلا أن ترتب الثواب للمنوب عنه و حصول هذا النفع له لا يتوقف علي قصد النائب الإخلاص في نيابته بل متي جعل نفسه بمنزلة الغير و عمل العمل بقصد التقرب الذي هو تقرب المنوب عنه بعد فرض النيابة انتفع المنوب عنه سواء فعل النائب هذه النيابة بقصد الإخلاص في امتثال أو أمر النيابة عن المؤمن أم لم يلتفت إليها أصلا و لم يعلم بوجودها فضلا عن أن يقصد امتثالها أ لا تري أن أكثر العوام الذين يعملون الخيرات لأمواتهم لا يعلمون ثبوت الثواب لأنفسهم في هذه النيابة بل يتخيلون النيابة مجرد إحسان إلي الميت لا يعود نفع منه إلي نفسه و التقرب الذي يقصده النائب بعد جعل نفسه نائبا هو تقرب المنوب عنه لا تقرب النائب فيجوز أن ينوب لأجل مجرد استحقاق الأجرة عن فلان بأن ينزل نفسه منزلته في إتيان الفعل قربة إلي الله ثم إذا عرض هذه النيابة الوجوب بسبب الإجارة فالأجير غير متقرب في نيابته لأن الفرض عدم علمه أحيانا بكون النيابة راجحة شرعا يحصل بها التقرب لكنه متقرب بعد جعل نفسه نائبا عن غيره فهو متقرب بوصف كونه بدلا و نائبا عن الغير فالتقرب يحصل للغير.

[الإشكال بكون الإخلاص منافيا للإجارة و الجواب عنه]

فإن قلت الموجود في الخارج من الأجير ليس إلا الصلاة عن الميت مثلا و هذا متعلق الإجارة و النيابة فإن لم يمكن الإخلاص في متعلق الإجارة لم يترتب علي تلك الصلاة نفع للميت و إن أمكن لم يناف الإخلاص لأخذ الأجرة كما ادعيت و ليست النيابة عن الميت في الصلاة المتقرب بها إلي الله تعالي شيئا و نفس الصلاة شيئا آخر حتي يكون الأول متعلقا للإجارة و الثاني موردا للإخلاص. قلت القربة المانع اعتبارها من تعلق الإجارة هي المعتبرة في نفس متعلق الإجارة و إن اتحد خارجا مع ما يعتبر فيه القربة مما لا يكون متعلقا للإجارة فالصلاة الموجودة في الخارج علي جهة النيابة فعل للنائب من حيث إنها نيابة عن الغير و بهذا الاعتبار ينقسم في حقه إلي المباح و الراجح و المرجوح و فعل للمنوب عنه بعد نيابة النائب يعني تنزيل نفسه منزلة المنوب عنه في هذه الأفعال و بهذا الاعتبار تترتب عليه الآثار الدنيوية و الأخروية لفعل المنوب عنه الذي لم يشترط فيه المباشرة و الإجارة تتعلق به بالاعتبار الأول و التقرب بالاعتبار الثاني فالموجود في ضمن الصلاة الخارجية فعلان نيابة صادرة عن الأجير النائب فيقال ناب عن فلان و فعل كأنه صادر عن المنوب عنه فيمكن أن يقال علي سبيل المجاز صلي فلان و لا يمكن أن يقال ناب فلان فكما جاز اختلاف هذين الفعلين في الآثار فلا ينافي اعتبار القربة في الثاني جواز الاستيجار علي الأول الذي لا يعتبر فيه القربة.

[جواز الاستئجار للميت]

و قد ظهر مما قررناه وجه ما اشتهر بين المتأخرين فتوي و عملا من جواز الاستيجار علي العبادات للميت و أن الاستشكال في ذلك بمنافاة ذلك لاعتبار القربة فيها ممكن الدفع- خصوصا بملاحظة و ما ورد من الاستيجار للحج و دعوي خروجه بالنص فاسدة لأن مرجعها إلي عدم اعتبار القربة في الحج و أضعف منها دعوي أن الاستيجار علي المقدمات كما لا يخفي مع أن ظاهر ما ورد في استيجار مولانا الصادق ع للحج عن ولده إسماعيل كون الإجارة علي نفس الأفعال.

[عدم جواز إتيان ما وجب بالإجارة عن نفسه]

ثم اعلم أنه كما لا يستحق الغير بالإجارة- ما وجب علي المكلف علي وجه العبادة كذلك لا يؤتي علي وجه العبادة لنفسه ما استحقه الغير منه بالإجارة فلو استؤجر لإطافة صبي أو مغمي عليه فلا يجوز الاحتساب في طواف نفسه كما صرح به في المختلف بل كذلك لو استؤجر لحمل غيره في الطواف- كما صرح به جماعة تبعا للإسكافي لأن المستأجر يستحق الحركة المخصوصة عليه لكن ظاهر جماعة جواز الاحتساب في هذه الصورة لأن استحقاق الحمل غير استحقاق الإطافة به كما لو استؤجر لحمل متاع. و في المسألة أقوال قال في الشرائع و لو حمله حامل في الطواف أمكن أن يحتسب كل منهما طوافه عن نفسه انتهي و قال في المسالك هذا إذا كان الحامل متبرعا أو حاملا بجعالة أو كان مستأجرا للحمل في طوافه أما لو استؤجر للحمل مطلقا لم يحتسب للحامل لأن الحركة المخصوصة قد صارت مستحقة عليه لغيره فلا يجوز صرفها إلي نفسه- و في المسألة أقوال هذا أجودها انتهي و أشار بالأقوال إلي القول بجواز الاحتساب مطلقا كما هو ظاهر الشرائع و ظاهر القواعد علي إشكال. و القول الآخر ما في الدروس من أنه يحتسب لكل من الحامل و المحمول ما لم يستأجره للحمل لا في طوافه انتهي. و الثالث ما ذكره في المسالك من التفصيل. و الرابع ما ذكره بعض محشي الشرائع من استثناء صورة الاستيجار علي الحمل. و الخامس الفرق بين الاستيجار للطواف به و بين الاستيجار لحمله في الطواف و هو ما اختاره في المختلف. و بني فخر الدين في الإيضاح جواز الاحتساب في صورة الاستيجار للحمل التي استشكل والده رحمه الله فيها علي أن ضم نية التبرد إلي الوضوء قادح أم لا. و المسألة مورد نظر و إن كان ما تقدم من المسالك لا يخلو عن وجه.

[أخذ الأجرة علي الأذان]

اشارة

ثم إنه قد ظهر مما ذكرناه- من عدم جواز الاستيجار علي المستحب إذا كان من العبادات أنه لا يجوز أخذ الأجرة علي أذان المكلف لصلاة نفسه إذا كان مما يرجع نفع منه إلي الغير لأجله يصح الاستيجار كالإعلام بدخول الوقت و الاجتزاء به في الصلاة و كذا أذان المكلف للإعلام عند الأكثر كما عن الذكري و علي الأشهر كما في الروضة و هو المشهور كما في المختلف و مذهب الأصحاب إلا من شذ كما عنه و عن جامع المقاصد و بالإجماع كما عن محكي الخلاف بناء علي أنه عبادة يعتبر فيها وقوعها لله فلا يجوز أن يستحقه الغير.

[ما يدل علي عدم جواز الأجرة علي الأذان]

و في رواية زيد بن علي عن أبيه عن آبائه عن علي ع: أنه أتاه رجل فقال له و الله إني أحبك لله فقال له لكني أبغضك لله قال و لم قال لأنك تبغي في الأذان أجرا و تأخذ علي تعليم القرآن أجرا و في رواية حمران الواردة في فساد الدنيا و اضمحلال الدين و فيها قوله ع: و رأيت الأذان بالأجرة و الصلاة بالأجر و يمكن أن يقال إن مقتضي كونه عبادة عدم حصول الثواب إذا لم يتقرب به لا فساد الإجارة مع فرض كون العمل مما ينتفع به و إن لم يتقرب به نعم لو قلنا بأن الإعلام بدخول الوقت المستحب كفاية لا يتأتي بالأذان الذي لا يتقرب به صح ما ذكر لكن ليس كذلك و أما الرواية فضعيفة- و من هنا استوجه الحكم بالكراهة في الذكري و المسالك و مجمع البرهان و البحار بعد أن حكي عن علم الهدي رحمه الله و لو اتضحت دلالة الروايات أمكن جبر سند الأولي
المكاسب، ج‌1، ص 66
بالشهرة مع أن رواية حمران حسنة علي الظاهر بابن هاشم

[الأجرة علي الإمامة]

و من هنا يظهر وجه ما ذكروه في هذا المقام من حرمة أخذ الأجرة علي الإمامة مضافا إلي موافقتها للقاعدة المتقدمة من أن ما كان انتفاع الغير به موقوفا علي تحققه علي وجه الإخلاص لا يجوز الاستيجار عليه لأن شرط العمل المستأجر عليه قابلية إيقاعه لأجل استحقاق المستأجر له حتي يكون وفاء بالعقد و ما كان من قبيل العبادة غير قابل لذلك

[الأجرة علي تحمل الشهادة]

ثم إن من الواجبات التي يحرم أخذ الأجرة عليها عند المشهور تحمل الشهادة بناء علي وجوبه كما هو أحد الأقوال في المسألة لقوله تعالي وَ لا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا المفسر في الصحيح بالدعاء للتحمل و كذلك أداء الشهادة لوجوبه عينا أو كفاية و هو مع الوجوب العيني واضح و أما مع الوجوب الكفائي فلأن المستفاد من أدلة الشهادة كون التحمل و الأداء حقا للمشهود له علي الشاهد فالموجود في الخارج من الشاهد حق للمشهود له لا يقابل بعوض للزوم مقابلة حق الشخص بشي‌ء من ماله فيرجع إلي أكل المال بالباطل.
و منه يظهر أنه كما لا يجوز أخذ الأجرة من المشهود له كذلك لا يجوز من بعض من وجبت عليه كفاية إذا استأجره لفائدة إسقاطها عن نفسه ثم إنه لا فرق في حرمة الأجرة بين توقف التحمل أو الأداء علي قطع مسافة طويلة و عدمه. نعم لو احتاج إلي بذل مال فالظاهر عدم وجوبه و لو أمكن إحضار الواقعة عند من يراد تحمله للشهادة فله أن يمتنع من الحضور و يطلب الإحضار.

[الارتزاق من بيت المال لمن يحرم عليه أخذ الأجرة]

اشارة

بقي الكلام في شي‌ء و هو أن كثيرا من الأصحاب صرحوا في كثير من الواجبات و المستحبات التي يحرم أخذ الأجرة عليها بجواز ارتزاق مؤديها من بيت المال المعد لمصالح المسلمين و ليس المراد أخذ الأجرة أو الجعل من بيت المال لأن ما دل علي تحريم العوض لا فرق فيه بين كونه من بيت المال أو من غيره بل حيث استفدنا من دليل الوجوب كونه حقا للغير يجب أداؤه إليه عينا أو كفاية فيكون أكل المال بإزائه أكلا له بالباطل كان إعطاؤه العوض من بيت المال أولي بالحرمة لأنه تضييع له و إعطاء مال المسلمين بإزاء ما يستحقه المسلمون علي العامل بل المراد أنه إذا قام المكلف بما يجب عليه كفاية أو عينا مما يرجع إلي مصالح المؤمنين و حقوقهم كالقضاء و الإفتاء و الأذان و الإقامة و نحوها و رأي ولي المسلمين المصلحة في تعيين شي‌ء من بيت المال له في اليوم أو الشهر أو السنة من جهة قيامه بذلك الأمر لكونه فقيرا يمنعه القيام بالواجب المذكور عن تحصيل ضرورياته فيعين له ما يرفع حاجته و إن كان أزيد من أجرة المثل أو أقل منها. و لا فرق بين أن يكون تعيين الرزق له بعد القيام أو قبله حتي أنه لو قيل له اقض في البلد و أنا أكفيك مئونتك من بيت المال جاز و لم يكن جعالة

و كيف كان فمقتضي القاعدة عدم جواز الارتزاق إلا مع الحاجة

علي وجه يمنعه القيام بتلك المصلحة عن اكتساب المئونة فالارتزاق مع الاستغناء و لو بكسب لا يمنعه القيام بتلك المصلحة غير جائز و يظهر من إطلاق جماعة في باب القضاء خلاف ذلك بل صرح غير واحد بالجواز مع وجدان الكفاية

خاتمة تشتمل علي مسائل

الأولي [بيع المصحف]

اشارة

صرح جماعة كما عن النهاية و السرائر و التذكرة و الدروس و جامع المقاصد بحرمة بيع المصحف و المراد به كما صرح في الدروس خطه و ظاهر المحكي عن نهاية الأحكام اشتهارها بين الصحابة حيث تمسك علي الحرمة بمنع الصحابة و عليه تدل ظواهر الأخبار المستفيضة.

[روايات المنع عن بيع المصحف]

ففي موثقة سماعة: لا تبيعوا المصاحف فإن بيعها حرام قلت فما تقول في شرائها قال اشتر منه الدفتين و الحديد و الغلاف و إياك أن تشتري منه الورق و فيه القرآن مكتوب فيكون عليك حراما و علي من باعه حراما و مضمرة عثمان بن عيسي قال: سألته عن بيع المصاحف و شرائها فقال لا تشتر كلام الله و لكن اشتر الجلد و الحديد و الدفتر و قل أشتري منك هذا بكذا و كذا: و رواها في الكافي عن عثمان بن عيسي عن سماعة عن أبي عبد الله ع: و رواية جراح المدائني: في بيع المصاحف قال لا تبع الكتاب و لا تشتره و بع الورق و الأديم و الحديد 258 و رواية عبد الرحمن بن سيابة قال سمعت أبا عبد الله ع يقول: إن المصاحف لن يشتري فإذا اشتريت فقل إنما أشتري منك الورق و ما فيه من الأديم و حليته و ما فيه من عمل يدك بكذا و كذا. و ظاهر قوله ع إن المصاحف لن تشتري أنها لا تدخل في ملك أحد علي وجه العوضية عما بذله من الثمن و أنها أجل من ذلك و يشير إليه تعبير الإمام في بعض الأخبار بكتاب الله و كلام الله الدال علي التعظيم و كيف كان فالحكم في المسألة واضح بعد الأخبار و عمل من عرفت حتي مثل الحلي الذي لا يعمل بأخبار الآحاد.

[توهم استفادة الجواز من بعض الروايات]

و ربما يتوهم هنا ما يصرف هذه الأخبار عن ظواهرها مثل رواية أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله ع عن بيع المصاحف و شرائها فقال إنما كان يوضع عند القامة و المنبر قال كان بين الحائط و المنبر قيد ممر شاة أو رجل و هو منحرف فكان الرجل يأتي فيكتب البقرة و يجي‌ء آخر فيكتب السورة كذلك كانوا ثم إنهم اشتروا بعد ذلك- قلت فما تري في ذلك قال أشتريه أحب إلي من أن أبيعه: و مثلها رواية روح بن عبد الرحيم و زاد فيها: قلت فما تري إن أعطي علي كتابته أجرا قال لا بأس و لكن هكذا كانوا يصنعون فإنها تدل علي جواز الشراء من جهة حكايته عن المسلمين بقوله ثم إنهم اشتروا بعد ذلك و قوله أشتريه أحب إلي من أن أبيعه و نفي البأس عن الاستيجار لكتابته كما في أخبار أخري غيرها فيجوز تملك الكتابة بالأجرة فيجوز وقوع جزء من الثمن بإزائها عند بيع المجموع المركب منها و من القرطاس و غيرها

[عدم دلالة الروايات علي جواز المعاوضة علي الخط]

لكن الإنصاف أن لا دلالة فيها علي جواز اشتراء خط المصحف و إنما تدل علي أن تحصيل المصحف في الصدر الأول كان بمباشرة كتابته ثم قصرت الهمم فلم يباشروها بأنفسهم و حصلوا المصاحف بأموالهم شراء و استئجارا و لا دلالة فيها علي كيفية الشراء و أن الشراء و المعاوضة لا بد أن لا تقع إلا علي ما عدا الخط من القرطاس و غيره. و في بعض الروايات دلالة علي أن الأولي- مع عدم مباشرة الكتابة بنفسه أن يستكتب بلا شرط ثم يعطيه ما يرضيه مثل رواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن أبي عبد الله ع قال: إن أم عبد الله بن الحارث أرادت أن تكتب مصحفا فاشترت ورقا من عندها و دعت رجلا فكتب لها علي غير شرط فأعطته حين
المكاسب، ج‌1، ص 67
فرغ خمسين دينارا و أنه لم تبع المصاحف إلا حديثا

[رواية عنبسة الوراق و توجيها]

و مما يدل علي الجواز رواية عنبسة الوراق قال: قلت لأبي عبد الله ع أنا رجل أبيع المصاحف فإن نهيتني لم أبعها قال أ لست تشتري ورقا و تكتب فيه قلت بلي و أعالجها قال لا بأس بها و هي و إن كانت ظاهرة في الجواز إلا أن ظهورها من حيث السكوت عن كيفية البيع في مقام الحاجة إلي البيان فلا تعارض ما تقدم من الأخبار المتضمنة للبيان و كيف كان فالأظهر في الاخبار- ما تقدم من الأساطين المتقدمة إليهم الإشارة.

بقي الكلام في المراد من حرمة البيع و الشراء

بعد فرض أن الكاتب للمصحف في الأوراق المملوكة مالك للأوراق و ما فيها من النقوش فإن النقوش إن لم تعد من الأعيان المملوكة بل من صفات النقوش التي تتفاوت قيمته بوجودها و عدمها فلا حاجة إلي النهي عن بيع الخط فلا يقع بإزائه جزء من الثمن حتي يقع في حيز البيع- و إن عدت من الأعيان المملوكة فإن فرض بقاؤها علي ملك البائع بعد بيع الورق و الجلد فيلزم شركته مع المشتري و هو خلاف الاتفاق و إن انتقلت إلي المشتري فإن كان بجزء من العوض فهو البيع المنهي عنه لأن بيع المصحف المركب من الخط و غيره ليس إلا جعل جزء من الثمن بإزاء الخط و إن انتقلت إليه قهرا تبعا لغيرها لا لجزء من العوض نظير بعض ما يدخل في المبيع فهو خلاف مقصود المتبايعين مع أن هذا كالتزام كون المبيع هو الورق المقيد بوجود هذه النقوش فيه لا الورق و النقوش فإن النقوش غير مملوكة بحكم الشارع مجرد تكليف صوري إذ لا أظن أن تعطل أحكام الملك فلا تجري علي الخط المذكور إذا بنينا علي أنه ملك عرفا قد نهي عن المعاوضة عليه بل الظاهر أنه إذا لم يقصد بالشراء إلا الجلد و الورق كان الخط باقيا علي ملك البائع فيكون شريكا بالنسبة فالظاهر أنه لا مناص عن التزام التكليف الصوري أو يقال إن الخط لا يدخل في الملك شرعا و إن دخل فيه عرفا فتأمل. و لأجل ما ذكرناه التجأ بعض إلي الحكم بالكراهة و أولوية الاقتصار في المعاملة علي ذكر الجلد و الورق بترك إدخال الخط فيه احتراما و قد تعارف إلي الآن تسمية ثمن القرآن هدية

[بيع المصحف من الكافر]

ثم إن المشهور بين العلامة رحمه الله و من تأخر عنه عدم جواز بيع المصحف من الكافر علي الوجه الذي يجوز بيعه من المسلم و لعله لفحوي ما دل علي عدم تملك الكافر للمسلم و أن الإسلام يعلو و لا يعلي عليه فإن الشيخ رحمه الله قد استدل به علي عدم تملك الكافر للمسلم و من المعلوم أن ملك الكافر للمسلم إن كان علوا علي الإسلام فملكه للمصحف أشد علوا عليه و لذا لم يوجد هنا قول بتملكه- و إجباره علي البيع كما قيل به في العبد المسلم و حينئذ فلو كفر المسلم انتقل مصحفه إلي وارثه و لو كان الوارث هو الإمام هذا

[تملك الكفار للمصاحف]

و لكن ذكر في المبسوط في باب الغنائم أن ما يوجد في دار الحرب من المصاحف و الكتب التي ليست بكتب الزندقة و الكفر داخل في الغنيمة و يجوز بيعها و ظاهر ذلك تملك الكفار للمصاحف و إلا لم يكن وجه لدخولها في الغنيمة بل كانت من مجهول المالك المسلم- و إرادة غير القرآن من الصاحف بعيدة

و الظاهر أن أبعاض المصحف في حكم الكل

إذا كانت مستقلة. و أما المتفرقة في تضاعيف غير التفاسير من الكتب للاستشهاد بلفظه أو معناه فلا يبعد عدم اللحوق لعدم تحقق الإهانة و العلو و في إلحاق الأدعية المشتملة علي أسماء الله تعالي كالجوشن الكبير مطلقا أو مع كونه الكافر ملحدا بها دون المقر بالله المحترم لأسمائه- لعدم الإهانة و العلو وجوه.

و في إلحاق الأحاديث النبوية بالقرآن

وجهان حكي الجزم به عن الكركي و فخر الدين قدس سرهما و التردد بينهما عن التذكرة. و علي اللحوق فيلحق اسم النبي ص بطريق أولي لأنه أعظم من كلامه و حينئذ فيشكل أن يملك الكفار الدراهم و الدنانير المضروبة في زماننا المكتوب عليها اسم النبي ص إلا أن يقال إن المكتوب عليها غير مملوك عرفا و لا يجعل بإزاء الاسم الشريف المبارك من حيث إنه اسمه جزء من الثمن فهو كاسمه المبارك المكتوب علي سيف أو علي باب دار أو جدار إلا أن يقال إن مناط الحرمة التسليط لا المعاوضة بل و لا التمليك و يشكل أيضا من جهة مناولتها الكافر مع العلم العادي بمسه إياه خصوصا مع الرطوبة

الثانية جوائز السلطان و عماله

اشارة

بل مطلق المال المأخوذ منهم مجانا أو عوضا لا يخلو عن أحوال لأنه إما أن لا يعلم أن في جملة أموال هذا الظالم مالا محرما يصلح لكون المأخوذ هو من ذلك المال و إما أن يعلم و علي الثاني فإما أن لا يعلم ذلك المحرم أو شيئا منه داخل في المأخوذ و إما أن يعلم ذلك و علي الثاني فإما أن يعلم تفصيلا و إما أن يعلم إجمالا فالصور أربع

[الصورة الأولي أن لا يعلم بأن للجائر مال حرام يحتمل كون الجائزة منها]

أما الأولي فلا إشكال فيها في جواز الأخذ و حلية التصرف للأصل و الإجماع و الأخبار الآتية لكن ربما يوهم بعض الأخبار أنه يشترط في حل مال الجائر ثبوت مال حلال له مثل ما عن الاحتجاج عن الحميري: أنه كتب إلي صاحب الزمان عجل الله فرجه يسأله عن الرجل يكون من وكلاء الوقف مستحلا لما في يده لا يتورع عن أخذ ماله ربما نزلت في قريته و هو فيها أو أدخل منزله و قد حضر طعامه فيدعوني إليه فإن لم آكل عاداني عليه فهل يجوز لي أن آكل من طعامه و أتصدق بصدقة و كم مقدار الصدقة و إن أهدي هذا الوكيل هدية إلي رجل آخر فيدعوني إلي أن أنال منها و أنا أعلم أن الوكيل لا يتورع عن أخذ ما في يده فهل علي فيه شي‌ء إن أنا نلت منها الجواب إن كان لهذا الرجل مال أو معاش غير ما في يده فكل طعامه و اقبل بره و إلا فلا بناء علي أن الشرط في الحلية هو وجود مال آخر فإذا لم يعلم به لم يثبت الحل لكن هذه الصورة قليلة التحقق.

و أما الثانية [أن يعلم بوجود مال محرم للجائر لكن لا يعلم بكون الجائزة منها]

[الحالة الأولي أن تكون الشبهة غير محصورة]

اشارة

فإن كانت الشبهة فيها غير محصورة فحكمها كالصورة الأولي و كذا إذا كانت محصورة بين ما لا يبتلي المكلف به و بين ما من شأنه الابتلاء به كما إذا علم أن الواحد المردد بين هذه الجائزة و بين أم ولده المعدودة من خواص نسائه مغصوب و ذلك لما تقرر في الشبهة المحصورة من اشتراط تنجز تعلق التكليف فيها بالحرام الواقعي بكون كل من المشتبهين بحيث يكون التكليف بالاجتناب عنه منجزا لو فرض كونه هو المحرم الواقعي لا مشروطا بوقت الابتلاء المفروض انتفاؤه في أحدهما في المثال فإن التكليف غير منجز بالحرام الواقعي علي أي تقدير لاحتمال كون المحرم في المثال هي أم الولد و توضيح المطلب في محله

ثم إنه صرح جماعة بكراهة الأخذ

اشارة

و عن المنتهي الاستدلال له باحتمال الحرمة و بمثل قوله ع: دع ما يريبك و قولهم ع: من ترك الشبهات نجا من المحرمات إلي آخر الحديث. و ربما يزاد علي ذلك بأن أخذ المال منهم يوجب محبتهم فإن القلوب مجبولة علي حب من أحسن
المكاسب، ج‌1، ص 68
إليها و يترتب عليها من المفاسد ما لا يخفي. و في الصحيح: إن أحدكم لا يصيب من دنياهم شيئا إلا أصابوا من دينه مثله و ما عن الإمام الكاظم ع من قوله: لو لا أني أري من أزوجه من عزاب آل أبي طالب لئلا ينقطع نسله ما قبلتها أبدا

ثم إنهم ذكروا ارتفاع الكراهة بأمور-

منها أخبار المجيز بحليته

بأن يقول هذه الجائزة من تجارتي أو زراعتي أو نحو ذلك مما يحل للآخذ التصرف فيه. و ظاهر المحكي عن الرياض تبعا لظاهر الحدائق أنه مما لا خلاف فيه و اعترف ولده في المناهل بأنه لم نجد له مستندا مع أنه لم يحك التصريح به إلا عن الأردبيلي ثم عن العلامة الطباطبائي و يمكن أن يكون المستند ما دل علي قبول قول ذي اليد فيعمل بقوله كما لو قامت البينة علي تملكه و شبهه الحرمة و إن لم ترتفع بذلك إلا أن الموجب للكراهة ليس مجرد الاحتمال و إلا لعمت الكراهة أخذ المال من كل أحد بل الموجب له كون الظالم مظنة الظلم و الغصب و غير متورع عن المحارم نظير كراهة سؤر من لا يتوقي النجاسة و هذا المعني يرتفع بإخباره إلا إذا كان خبره كيده مظنة للكذب لكونه ظالما غاصبا فيكون خبره حينئذ كيده و تصرفه غير مفيد إلا للإباحة الظاهرية غير المنافية للكراهة فيختص الحكم برفع الكراهة بما إذا كان مأمونا في خبره و قد صرح الأردبيلي بهذا القيد في إخبار وكيله و بذلك يندفع ما يقال من أنه لا فرق بين يد الظالم و تصرفه و بين خبره في كون كل منهما مفيدا للملكية الظاهرية غير مناف للحرمة الواقعية المقتضية للاحتياط فلا وجه لوجود الكراهة الناشئة عن حسن الاحتياط مع اليد و ارتفاعها مع الأخبار فتأمل.

و منها إخراج الخمس منه

حكي عن المنتهي و المحقق الأردبيلي و ظاهر الرياض هنا أيضا عدم الخلاف و لعله لما ذكر في المنتهي في وجه استحباب إخراج الخمس من هذا المال أن الخمس مطهر للمال المختلط يقينا بالحرام فمحتمل الحرمة أولي بالتطهير به فإن مقتضي الطهارة بالخمس صيرورة المال حلالا واقعيا فلا يبقي حكم الشبهة- كما لا يبقي في المال المختلط يقينا بعد إخراج الخمس. نعم يمكن الخدشة في أصل الاستدلال بأن الخمس إنما يطهر المختلط بالحرام حيث إن بعضه حرام و بعضه حلال فكان الشارع جعل الخمس بدل ما فيه من الحرام فمعني تطهيره تخليصه بإخراج الخمس مما فيه من الحرام فكان مقدار الحلال طاهرا في نفسه إلا أنه قد تلوث بسبب الاختلاط مع الحرام فصار محكوما بحكم الحرام و هو وجوب الاجتناب فإخراج الخمس مطهر له عن هذه القذارة العرضية و أما المال المحتمل لكونه بنفسه حراما و قذرا ذاتيا فلا معني لتطهيره بإخراج خمسة بل المناسب لحكم الأصل- حيث جعل الاختلاط قذارة عرضية كون الحرام قذر العين و لازمه أن المال المحتمل الحرمة غير قابل للطهارة فلا بد من الاجتناب عنه. نعم يمكن أن يستأنس أو يستدل علي استحباب الخمس بعد فتوي النهاية التي هي كالرواية ففيها كفاية في الحكم بالاستحباب و كذلك فتوي السرائر مع عدم العمل فيها إلا بالقطعيات: بالموثقة المسئول فيها عن عمل السلطان يخرج فيه الرجل قال ع لا إلا أن لا يقدر علي شي‌ء يأكل و يشرب و لا يقدر علي حيلة فإن فعل فصار في يده شي‌ء فليبعث بخمسه إلي أهل البيت فإن موردها و إن كان ما يقع في يده بإزاء العمل إلا أن الظاهر عدم الفرق بينه و بين ما يقع في اليد علي وجه الجائزة و يمكن أن يستدل له أيضا بما دل علي وجوب الخمس في الجائزة مطلقا- و هي عدة أخبار مذكورة في محلها و حيث إن المشهور غير قائلين بوجوب الخمس في الجائزة حملوا تلك الأخبار علي الاستحباب ثم إن المستفاد مما تقدم من اعتذار الإمام الكاظم ع من قبول الجائزة بتزويج عزاب الطالبيين لئلا ينقطع نسلهم و من غيره أن الكراهة ترتفع بكل مصلحة هي أهم في نظر الشارع من الاجتناب عن الشبهة و يمكن أن يكون اعتذاره ع إشارة إلي أن لو لا صرفها فيما يصرف فيه المظالم المردودة لما قبلها فيجب أو ينبغي أن يأخذها ثم يصرفها في مصارفها. و هذه الفروع كلها بعد الفراغ عن إباحة أخذ الجائزة و المتفق عليه من صورها صورة عدم العلم بالحرام في ماله أصلا أو العلم بوجود الحرام من كون الشبهة غير محصورة أو محصورة ملحقة بغير المحصورة علي ما عرفت

[الحالة الثانية] و إن كانت الشبهة محصورة

اشارة

بحيث تقتضي قاعدة الاحتياط لزوم الاجتناب عن الجميع لقابلية تنجز التكليف بالحرام المعلوم إجمالا فظاهر جماعة المصرح به في المسالك و غيره الحل و عدم لحوق حكم الشبهة المحصورة هنا.

[ظاهر جماعة حلية الجائزة في هذه الحالة]

قال في الشرائع جوائز السلطان الجائر [الظالم] إن علمت حراما بعينها فهو حرام و نحوه عن نهاية الأحكام و الدروس و غيرهما. قال في المسالك التقييد بالعين إشارة إلي جواز أخذها إن علم [إجمالا] أن في أمواله مظالم كما هو مقتضي حال الظالم و لا يكون حكمها حكم المال المختلط بالحرام في وجوب اجتناب الجميع للنص علي ذلك انتهي.

[مناقشة القول بالحلية]

أقول ليس في أخبار الباب ما يكون حاكما علي قاعدة الاحتياط في الشبهة المحصورة بل هي مطلقة أقصاها كونها من قبيل قولهم ع كل شي‌ء لك حلال أو كل شي‌ء فيه حلال و حرام فهو لك حلال. و قد تقرر حكومة قاعدة الاحتياط علي ذلك فلا بد حينئذ من حمل الأخبار علي مورد لا تقتضي القاعدة لزوم الاجتناب عنه كالشبهة غير المحصورة أو المحصورة التي لم يكن كل محتملاتها موردا لابتلاء المكلف- أو علي أن ما يتصرف فيه الجائر بالإعطاء يجوز أخذه حملا لتصرفه علي الصحيح أو لأن تردد الحرام بين ما ملكه الجائر و بين غيره من قبيل التردد بين ما ابتلي به المكلف و ما لم يبتل به و هو ما لم يعرضه الجائر لتمليكه فلا يحرم قبول ما ملكه لدوران الحرام بينه و بين ما لم يعرضه لتمليكه فالتكليف بالاجتناب عن الحرام الواقعي غير منجز عليه كما أشرنا إليه سابقا فلو فرضنا موردا خارجا عن هذه الوجوه المذكورة كما إذا أراد أخذ شي‌ء من ماله مقاصة أو أذن له الجائر في أخذ شي‌ء من أمواله علي سبيل التخيير أو علم أن المجيز قد أجازه من المال المختلط في اعتقاده بالحرام بناء علي أن اليد لا تؤثر في حل ما كلف ظاهرا بالاجتناب عنه كما لو علمنا أن شخصا أعارنا أحد الثوبين المشتبهين في نظره فإنه لا يحكم بطهارته. فالحكم في هذه الصور بجواز أخذ بعض ذلك مع العلم بوجود الحرام فيه و طرح قاعدة الاحتياط في الشبهة المحصورة في غاية الإشكال بل الضعف.

فلنذكر النصوص الواردة في هذا المقام و نتكلم في مقدار شمول كل واحد منها

اشارة

بعد ذكره حتي يعلم عدم
المكاسب، ج‌1، ص 69
نهوضها للحكومة علي القاعدة.

[قوله عليه السلام كل شي‌ء فيه حلال و حرام و المناقشة فيه]

فمن الأخبار التي استدل بها في هذا المقام قول الإمام الصادق ع: كل شي‌ء فيه حلال و حرام فهو لك حلال أبدا حتي تعرف الحرام منه بعينه فتدعه و قوله ع:
كل شي‌ء هو لك حلال حتي تعرف أنه حرام بعينه و لا يخفي أن المستند في المسألة- لو كان مثل هذا لكان الواجب إما التزام أن القاعدة في الشبهة المحصورة عدم وجوب الاحتياط مطلقا كما عليه شرذمة من متأخري المتأخرين أو أن مورد الشبهة المحصورة من جوائز الظلمة خارج عن عنوان الأصحاب و علي أي تقدير فهو علي طرف النقيض مما تقدم عن المسالك.

[صحيحة أبي ولاد و المناقشة فيها]

و منها صحيحة أبي ولاد قال: قلت لأبي عبد الله ع ما تري في رجل يلي أعمال السلطان ليس له مكسب إلا من أعمالهم و أنا أمر به و أنزل عليه فيضيفني و يحسن إلي و ربما أمر لي بالدراهم و الكسوة و قد ضاق صدري من ذلك فقال لي كل و خذ منها فلك المهنأ و عليه الوزر إلي آخر الخبر. و الاستدلال بها علي المدعي لا يخلو عن نظر لأن الاستشهاد إن كان من حيث حكمه ع بحل مال العامل المجيز للسائل- فلا يخفي أن الظاهر من هذه الرواية و من غيرها من الروايات حرمة ما يأخذه عمال السلطان بإزاء عملهم له و أن العمل للسلطان من المكاسب المحرمة فالحكم بالحل ليس إلا من حيث احتمال كون ما يعطي من غير أعيان ما يأخذه من السلطان بل مما اقترضته أو اشتراه في الذمة و أما من حيث إن ما يقع من العامل بيد السائل لكونه من مال السلطان حلال لمن وجده فيتم الاستشهاد لكن فيه مع أن الاحتمال الأول مسقط للاستدلال علي حل المشتبه المحصور الذي تقتضي القاعدة لزوم الاحتياط فيه لأن الاعتماد حينئذ علي اليد كما لو فرض مثله في غير الظلمة أن الحكم بالحل علي هذا الاحتمال غير وجيه إلا علي تقدير كون المال المذكور من الخراج و المقاسمة المباحين للشيعة إذ لو كان من صلب مال السلطان أو غيره لم يتجه حله لغير المالك بغير رضاه لأن المفروض حرمته علي العامل لعدم احترام عمله و كيف كان فالرواية إما من أدلة حل مال السلطان المحمول بحكم الغلبة إلي الخراج و المقاسمة و إما من أدلة حل المأخوذ من المسلم لاحتمال كون المعطي مالكا له و لا اختصاص له بالسلطان أو عماله أو مطلق الظالم أو غيره و أين هذا من المطلب الذي هو حل ما في يد الجائر مع العلم إجمالا بحرمة بعضه المقتضي مع حصر الشبهة للاجتناب عن جميعه

[روايات أخر]

و مما ذكرنا يظهر الكلام في مصححة أبي المعزي: أمر بالعامل فيجيزني بالدراهم آخذها قال نعم قلت و أحج بها قال نعم و رواية محمد بن هشام: أمر بالعامل فيصلني بالصلة أقبلها قال نعم قلت و أحج بها قال نعم و حج بها و رواية محمد بن مسلم و زرارة عن أبي جعفر ع: جوائز السلطان ليس بها بأس

[حمل النصوص علي الشبهة غير المحصورة]

إلي غير ذلك من الإطلاقات التي لا تشمل من صورة العلم الإجمالي بوجود الحرام إلا الشبهة غير المحصورة.

[محامل أخر للنصوص علي فرض شمولها للشبهة المحصورة]

و علي تقدير شمولها لصورة العلم الإجمالي مع انحصار الشبهة فلا تجدي- لأن الحل فيها مستند إلي تصرف الجائر بالإباحة و التمليك و هو محمول علي الصحيح مع أنه لو أغمض النظر عن هذا أو رده بشمول الأخبار لما إذا أجاز الجائر من المشتبهات في نظره بالشبهة المحصورة و لا يجري هنا أصالة الصحة في تصرفه فيمكن استناد الحل فيها إلي ما ذكر سابقا من أن تردد الحرام بين ما أباحه الجائر أو ملكه و بين ما بقي تحت يده من الأموال التي لا دخل فيها للشخص المجاز تردد بين ما ابتلي به المكلف من المشتبهين و بين ما لم يبتل به و لا يجب الاجتناب حينئذ عن شي‌ء منهما من غير فرق بين هذه المسألة و غيرها من موارد الاشتباه مع كون أحد المشتبهين مختصا بابتلاء المكلف به ثم لو فرض نص مطلق في حل هذه الشبهة مع قطع النظر عن التصرف و عدم الابتلاء بكلا المشتبهين لم ينهض للحكومة علي قاعدة الاحتياط في الشبهة المحصورة كما لا ينهض ما تقدم من قولهم ع كل شي‌ء حلال إلي آخر الحديث. و مما ذكرنا يظهر أن إطلاق الجماعة لحل ما يعطيه الجائر مع عدم العلم بحرمته عينا إن كان شاملا لصورة العلم الإجمالي بوجود حرام في الجائزة مردد بين هذا و بين غيره مع انحصار الشبهة إنما هو مستند إلي حمل تصرفه علي الصحة- أو علي عدم الاعتناء بالعلم الإجمالي لعدم ابتلاء المكلف بالجميع لا لكون هذه المسألة خارجة بالنص عن حكم الشبهة المحصورة. نعم قد يخدش في حل تصرف الظالم علي الصحيح- من حيث إنه مقدم علي التصرف فيما في يده من المال المشتمل علي الحرام- علي وجه عدم المبالاة بالتصرف في الحرام فهو كمن أقدم علي ما في يده من المال المشتبه المختلط عنده بالحرام و لم يقل أحد بحمل تصرفه حينئذ علي الصحيح لكن الظاهر أن هذه الخدشة غير مسموعة عند الأصحاب فإنهم لا يعتبرون في الحمل علي الصحيح احتمال تورع المتصرف عن التصرف الحرام لكونه حراما بل يكتفون باحتمال صدور الصحيح منه و لو لدواع أخري- . و أما عدم الحمل فيما إذا أقدم المتصرف علي الشبهة المحصورة الواقعة تحت يده فلفساد تصرفه في ظاهر الشرع فلا يحمل علي الصحيح الواقعي فتأمل فإن المقام لا يخلو عن إشكال.

[عدم ثبوت ما يدل علي إلغاء قاعدة الاحتياط]

و علي أي تقدير فلم يثبت من النص و لا الفتوي مع شرائط إعمال قاعدة الاحتياط في الشبهة المحصورة عدم وجوب الاجتناب في المقام و إلغاء تلك القاعدة. و أوضح ما في هذا الباب من عبارات الأصحاب ما في السرائر حيث قال إن كان يعلم أن فيه شيئا مغصوبا إلا أنه غير متميز العين بل هو مخلوط في غيره من أمواله أو غلاته التي يأخذها علي جهة الخراج فلا بأس أيضا بشرائه منها و قبول صلته منها لأنها صارت بمنزلة المستهلك لأنه غير قادر علي ردها بعينها انتهي. و قريب منها ظاهر عبارة النهاية بدون ذكر التعليل و لا ريب أن الحلي لم يستند في تجويز أخذ المال المردد إلي النص بل إلي ما زعمه من القاعدة و لا يخفي عدم تماميتها إلا أن يريد بها الشبهة غير المحصورة بقرينة الاستهلاك فتأمل.

و أما الصورة الثالثة أن يعلم تفصيلا حرمة ما يأخذه و لا إشكال في حرمته حينئذ علي الأخذ

إلا أن الكلام في حكمه إذا وقع في يده
فنقول علمه بحرمته إما أن يكون قبل وقوعه في يده و إما أن يكون بعده
[إذا علم بحرمة الجائزة قبل وقوعها في اليد]
فإن كان قبله لم يجز له أن يأخذه بغير نية الرد إلي صاحبه سواء أخذه اختيارا أم تقية لأن أخذه بغير هذه النية تصرف لم يعلم رضا صاحبه به و التقية تتأدي بقصد الرد فإن أخذه بغير هذه النية كان غاصبا ترتبت عليه أحكامه و إن أخذه بنية الرد كان محسنا و كان في يده أمانة شرعية
و إن كان العلم بها بعد وقوعه في يده
كان كذلك و يحتمل قويا الضمان هنا لأنه أخذه بنية التملك لا بنية الحفظ و الرد و مقتضي عموم علي اليد الضمان. و ظاهر المسالك عدم
المكاسب، ج‌1، ص 70
الضمان رأسا مع القبض جاهلا- قال لأنه يد أمانة فتستصحب و حكي موافقته عن العلامة الطباطبائي رحمه الله في مصابيحه لكن المعروف من المسالك و غيره في مسألة ترتب الأيدي علي مال الغير ضمان كل منهم و لو مع الجهل غاية الأمر رجوع الجاهل علي العالم- إذا لم يقدم علي أخذه مضمونا- و لا إشكال عندهم ظاهرا في أنه لو استمر جهل القابض المتهب إن تلف في يده كان للمالك الرجوع عليه و لا دافع لهذا المعني مع حصول العلم بكونه مال الغير فيستصحب ضمان لا عدمه. و ذكر في المسالك فيمن استودعه الغاصب مالا مغصوبا أنه يرده إليه مع الإمكان و لو أخذه منه قهرا ففي الضمان نظر و الذي تقتضيه قواعد الغصب أن للمالك الرجوع علي أيهما شاء و إن كان قرار الضمان علي الغاصب انتهي. و الظاهر أن مورد كلامه ما إذا أخذ الودعي المال من الغاصب جهلا بغصبه ثم تبين له و هو الذي حكم فيه هنا بعدم الضمان لو استرده الظالم المجيز أو تلف بغير تفريط
و علي أي حال فيجب علي المجاز رد الجائزة- بعد العلم بغصبيتها إلي مالكها أو وليه
و الظاهر أنه لا خلاف في كونه فوريا. نعم تسقط بإعلام صاحبه به و ظاهر أدلة وجوب أداء الأمانة وجوب الإقباض و عدم كفاية التخلية إلا أن يدعي أنها في مقام حرمة الحبس و وجوب التمكين لا تكليف الأمين بالإقباض و من هنا ذكر غير واحد كما عن التذكرة و المسالك و جامع المقاصد أن المراد برد الأمانة رفع اليد عنها و التخلية بينه و بينها و علي هذا فيشكل حملها إليه لأنه تصرف لم يؤذن فيه إلا إذا كان الحمل مساويا لمكانة الموجود فيه أو أحفظ فإن الظاهر جواز نقل الأمانة الشرعية من مكان إلي ما لا يكون أدون من الأول في الحفظ
[هل يجب الفحص عن المغصوب منه]
و لو جهل صاحبه وجب الفحص مع الإمكان لتوقف الأداء الواجب بمعني التمكين و عدم الحبس علي الفحص- مضافا إلي الأمر به في الدين المجهول المالك ثم لو ادعاه مدع ففي سماع قول من يدعيه مطلقا لأنه لا معارض له- أو مع الوصف تنزيلا له منزلة اللقطة أو يعتبر الثبوت شرعا للأصل وجوه و يحتمل غير بعيد عدم وجوب الفحص لإطلاق غير واحد من الأخبار ثم إن المناط صدق اشتغال الرجل بالفحص نظير ما ذكروه في تعريف اللقطة
و لو احتاج الفحص إلي بذل مال
كأجرة دلال صائح عليه فالظاهر عدم وجوبه علي الواجد بل يتولاه الحاكم ولاية عن صاحبه- و يخرج عن العين أجرة الدلال ثم يتصدق بالباقي إن لم يوجد صاحبه و يحتمل وجوبه عليه لتوقف الواجب عليه. و ذكر جماعة في اللقطة أن أجرة التعريف علي الواجد لكن حكي عن التذكرة أنه إن قصد الحفظ دائما يرجع أمره إلي الحاكم ليبذل أجرته من بيت المال أو يستقرض علي المالك أو يبيع بعضها إن رءاه أصلح و استوجه ذلك جامع المقاصد.
ثم إن الفحص لا يتقيد بالسنة
علي ما ذكره الأكثر هنا بل حده اليأس و هو مقتضي الأصل- القول بوجوب الفحص سنة في المال المغصوب إلا أن المشهور كما في جامع المقاصد أنه إذا أودع الغاصب مال الغصب لم يجز الرد إليه بل يجب رده إلي مالكه فإن جهل عرف سنة ثم يتصدق به عنه
[تأييد ذلك برواية حفص الواردة في اللص]
و به رواية حفص بن غياث لكن موردها في من أودعه رجل من اللصوص دراهم أو متاعا و اللص مسلم فهل يرد عليه فقال لا يرده فإن أمكنه أن يرده علي صاحبه فعل و إلا كان في يده بمنزلة اللقطة يصيبها فيعرفها حولا فإن أصاب صاحبها ردها عليه و إلا تصدق بها فإن جاء صاحبها بعد ذلك خير بين الغرم و الأجر فإن اختار الأجر فالأجر له و إن اختار الغرم غرم له و كان الأجر له و قد تعدي الأصحاب من اللص إلي مطلق الغاصب بل الظالم و لم يتعدوا من الوديعة المجهول مالكها إلي مطلق ما يعطيه الغاصب و لو بعنوان غير الوديعة كما فيما نحن فيه. نعم ذكر في السرائر فيما نحن فيه أنه روي أنه بمنزلة اللقطة ففهم التعدي من الرواية. و ذكر في السرائر أن إجراء حكم اللقطة فيما نحن فيه ليس ببعيد كما أنه عكس في النهاية و التحرير فألحقا الوديعة بمطلق مجهول المالك. و الإنصاف أن الرواية يعمل بها في الوديعة و فيما أخذ من الغاصب بعنوان الحسبة للمالك لا مطلق ما أخذ منه حتي لمصلحة الآخذ فإن الأقوي فيه تحديد التعريف باليأس للأصل بعد اختصاص المخرج عنه بما عدا ما نحن فيه مضافا إلي ما ورد من الأمر بالتصدق بمجهول المالك مع عدم معرفة المالك كما في الرواية الواردة في بعض عمال بني أمية من الأمر بالصدقة بما لا يعرف صاحبه مما يقع في يده من أموال الناس بغير حق.
ثم الحكم بالصدقة هو المشهور فيما نحن فيه أعني جوائز الظالم
- و نسبه في السرائر إلي رواية أصحابنا فهي مرسلة مجبورة بالشهرة المحققة مؤيدة بأن التصدق أقرب طرق الإيصال. و ما ذكره الحلي من إبقائها أمانة في يده و الوصية بها معرض المال للتلف مع أنه لا يبعد دعوي شهادة حال المالك للقطع برضاه بانتفاعه بماله في الآخرة علي تقدير عدم انتفاعه به في الدنيا هذا
[الحكم بالصدقة]
و العمدة ما أرسله في السرائر مؤيدا بأخبار اللقطة و ما في منزلتها و ببعض الأخبار الواردة في حكم ما في يد بعض عمال بني أمية الشامل بإطلاقه لما نحن فيه من جوائز بني أمية: حيث قال له ع أخرج من جميع ما اكتسبت في ديوانهم فمن عرفت منهم رددت عليه ماله و من لم تعرف تصدقت به. و يؤيده أيضا الأمر بالتصدق بما يجتمع عند الصياغين من أجزاء النقدين و ما ورد من الأمر بالتصدق بغلة الوقف المجهول أربابه و ما ورد من الأمر بالتصدق بما يبقي في ذمة الشخص لأجير استأجره و مثله مصححة يونس: فقلت جعلت فداك كنا مرافقين لقوم بمكة فارتحلنا عنهم و حملنا بعض متاعهم بغير علم و قد ذهب القوم و لا نعرفهم و لا نعرف أوطانهم و قد بقي المتاع عندنا فما نصنع به قال ع تحملونه حتي تحملوه إلي الكوفة قال يونس قلت له لست أعرفهم و لا ندري كيف نسأل عنهم قال بعه و أعط ثمنه أصحابك قلت جعلت فداك أهل الولاية قال نعم.
نعم يظهر من بعض الروايات أن مجهول المالك مال الإمام ع
كرواية داود بن أبي يزيد عن أبي عبد الله قال: قال له رجل إني قد أصبت مالا و إني قد خفت فيه علي نفسي فلو أصبت صاحبه دفعته إليه و تخلصت منه فقال له أبو عبد الله ع لو أصبته كنت تدفعه إليه فقال إي و الله فقال ع فأنا و الله ما له صاحب غيري قال فاستحلفه أن يدفعه إلي من يأمره قال فحلف قال فاذهب فاقسمه بين إخوانك و لك الأمن مما خفت فيه قال فقسمته بين إخواني هذا.
[المناقشة فيما ذكر توجيها للحكم بالتصدق]
و أما ما ذكرناه في وجه التصدق من أنه إحسان و أنه أقرب طرق الإيصال و أن الإذن فيه حاصل بشهادة الحال فلا يصلح شي‌ء منها للتأييد فضلا عن الاستدلال لمنع جواز كل إحسان في مال الغائب و منع كونه
المكاسب، ج‌1، ص 71
أقرب طرق الإيصال بل الأقرب دفعه إلي الحاكم الذي هو ولي الغائب- . و أما شهادة الحال فغير مطردة إذ بعض الناس لا يرضي بالتصدق لعدم يأسه عن وصوله إليه خصوصا إذا كان المالك مخالفا أو ذميا يرضي بالتلف و لا يرضي بالتصدق علي الشيعة
فمقتضي القاعدة لو لا ما تقدم من النص هو لزوم الدفع إلي الحاكم
- ثم الحاكم يتبع شهادة حال المالك فإن شهدت برضاه بالصدقة أو بالإمساك عمل عليها و إلا تخير بينهما لأن كلا منهما تصرف لم يؤذن فيه من المالك و لا بد من أحدهما و لا ضمان فيهما و يحتمل قويا تعين الإمساك لأن الشك في جواز التصدق يوجب بطلانه لأصالة الفساد. و أما بملاحظة ورود النص بالتصدق فالظاهر عدم جواز الإمساك أمانة لأنه تصرف لم يؤذن فيه من المالك و لا الشارع- و يبقي الدفع إلي الحاكم و التصدق- .
[القول بالتخيير بين الصدقة و الدفع إلي الحاكم و المناقشة فيه]
و قد يقال إن مقتضي الجمع بينه و بين دليل ولاية الحاكم- هو التخيير بين الصدقة و الدفع إلي الحاكم فلكل منهما الولاية و يشكل بظهور النص في تعيين الصدقة. نعم يجوز الدفع إليه من حيث ولايته علي مستحقي الصدقة و كونه أعرف بمواقعها
[توجيه أخبار التصدق]
و يمكن أن يقال إن أخبار التصدق واردة في مقام إذن الإمام بالصدقة- أو محمولة علي بيان المصرف فإنك إذا تأملت في كثير من التصرفات الموقوفة علي إذن الحاكم وجدتها واردة في النصوص علي طريق الحكم العام كإقامة البينة و الإحلاف و المقاصة
[مقتضي قاعدة الاحتياط]
و كيف كان فالأحوط خصوصا بملاحظة ما دل علي أن مجهول المالك مال الإمام ع مراجعة الحاكم في الدفع إليه أو استيذانه و يتأكد ذلك في الدين المجهول المالك إذا الكلي لا يتشخص للغريم إلا بقبض الحاكم الذي هو وليه و إن كان ظاهر الأخبار الواردة فيه ثبوت الولاية للمدين
ثم إن حكم تعذر الإيصال إلي المالك المعلوم تفصيلا حكم جهالة المالك
و تردده بين غير محصورين في التصدق استقلالا أو بإذن الحاكم كما صرح به جماعة منهم المحقق في الشرائع و غيره
ثم إن مستحق هذه الصدقة هو الفقير
لأنه المتبادر من إطلاق الأمر بالتصدق
و في جواز إعطائها للهاشمي قولان
من أنها صدقة مندوبة علي المالك و إن وجبت علي من هي بيده إلا أنه نائب كالوكيل و الوصي و من أنها مال تعين صرفه بحكم الشارع لا بأمر المالك حتي تكون مندوبة مع أن كونها من المالك غير معلوم فلعلها ممن تجب عليه
ثم إن في الضمان لو ظهر المالك و لم يرض بالتصدق و عدمه
مطلقا أو بشرط عدم ترتب يد الضمان كما إذا أخذه من الغاصب حسبة لا بقصد التمليك وجوه من أصالة براءة ذمة المتصدق- و أصالة لزوم الصدقة بمعني عدم انقلابها عن الوجه الذي وقعت عليه- و من عموم ضمان من أتلف. و لا ينافيه إذن الشارع لاحتمال أنه أذن في التصدق علي هذا الوجه- كإذنه في التصدق باللقطة المضمونة بلا خلاف و بما استودع من الغاصب و ليس هنا أمر مطلق بالتصدق ساكت عن ذكر الضمان حتي يستظهر منه عدم الضمان مع السكوت عنه و لكن يضعف هذا الوجه- بأن ظاهر دليل الإتلاف كونها علة تامة للضمان و ما نحن فيه ليس كذلك- و إيجابه للضمان مراعي بعدم إجازة المالك يحتاج إلي دليل آخر إلا أن يقال إنه ضامن بمجرد التصدق و يرتفع بإجازته فتأمل.
[عدم الضمان فيما لو كان الإتلاف إحسانا إلي المالك]
هذا مع أن الظاهر من دليل الإتلاف اختصاصه بالإتلاف علي المالك لا الإتلاف له و الإحسان إليه و المفروض أن الصدقة إنما قلنا بها لكونها إحسانا و أقرب طرق الإيصال بعد اليأس من وصول إليه. و أما احتمال كون التصدق مراعي كالفضولي- فمفروض الانتفاء إذ لم يقل أحد برجوع المالك علي الفقير مع بقاء العين و انتقال الثواب من شخص إلي غيره حكم شرعي و كيف كان فلا مقتضي للضمان- و إن كان مجرد الإذن في الصدقة غير مقتض لعدمه فلا بد من الرجوع إلي الأصل لكن الرجوع إلي أصالة البراءة إنما يصح فيما لم تسبق يد الضمان و هو ما إذا أخذ المال من الغاصب حسبة و أما إذا تملكه منه ثم علم بكونه مغصوبا فالأجود استصحاب الضمان في هذه الصورة لأن المتيقن هو ارتفاع الضمان بالتصرف الذي يرضي به المالك بعد الاطلاع لا مطلقا.
[الأوجه الضمان مطلقا]
فتبين أن التفصيل بين يد الضمان و غيرها أوفق بالقاعدة لكن الأوجه الضمان مطلقا إما تحكيما للاستصحاب حيث يعارض البراءة و لو بضميمة عدم القول بالفصل و إما للمرسلة المتقدمة عن السرائر و إما لاستفادة ذلك من خبر الوديعة إن لم نتعد عن مورده إلي ما نحن فيه من جعله بحكم اللقطة لكن يستفاد منه أن الصدقة بهذا الوجه حكم اليأس عن المالك
[متي يثبت الضمان]
ثم الضمان هل يثبت بمجرد التصدق و إجازته رافعة أو يثبت بالرد من حينه أو من حين التصدق وجوه من دليل الإتلاف و الاستصحاب و من أصالة عدم الضمان قبل الرد- و من ظاهر الرواية المتقدمة في أنه بمنزلة اللقطة.
[هل إجازة التصدق حق موروث يرثه الوارث]
و لو مات المالك ففي قيام وارثه مقامه في إجازة التصدق و رده وجه قوي لأن ذلك من قبيل الحقوق المتعلقة بتلك الأموال فيورث كغيره من الحقوق و يحتمل العدم لفرض لزوم التصدق بالنسبة إلي العين فلا حق لأحد فيه و المتيقن من الرجوع إلي القيمة هو المالك.
[رد المالك بعد موت المتصدق]
و لو مات المتصدق فرد المالك فالظاهر خروج الغرامة من تركته لأنه من الحقوق المالية اللازمة عليه بسبب فعله
[هل يضمن لو دفعه إلي الحاكم و تصدق بعد اليأس]
هذا كله علي تقدير مباشرة المتصدق له و لو دفعه إلي الحاكم فتصدق به بعد اليأس فالظاهر عدم الضمان لبراءة ذمة الشخص بالدفع إلي ولي الغائب و تصرف الولي كتصرف المولي عليه و يحتمل الضمان- لأن الغرامة هنا ليست لأجل ضمان المال و عدم نفوذ التصرف الصادر من المتصدق حتي يفرق بين تصرف الولي و غيره لثبوت الولاية للمتصدق في هذا التصرف لأن المفروض ثبوت الولاية له كالحاكم و لذا لا تسترد العين من الفقير إذا رد المالك فالتصرف لازم و الغرامة حكم شرعي تعلقت بالمتصدق كائنا من كان فإذا كان المكلف بالتصدق هو من وقع في يده لكونه هو المأيوس و الحاكم وكيلا كان الغرم علي الموكل- و إن كان المكلف هو الحاكم لوقوع المال في يده قبل اليأس عن مالكه فهو المكلف بالفحص ثم التصدق كان الضمان عليه.

و أما الصورة الرابعة- و هو ما علم إجمالا اشتمال الجائزة علي الحرام

[صور المسألة]
فإما أن يكون الاشتباه موجبا لحصول الإشاعة و الاشتراك و إما أن لا يكون. و علي الأول فالقدر و المالك إما معلومان أو مجهولان أو مختلفان و علي الأول فلا إشكال. و علي الثاني فالمعروف إخراج الخمس علي تفصيل مذكور في باب الخمس و لو علم القدر فقد تقدم في القسم الثالث و لو علم المالك وجب التخلص معه بالمصالحة و علي الثاني تتعين القرعة أو البيع و الاشتراك في الثمن و تفصيل ذلك كله في كتاب الخمس
[انقسام الأخذ من الظالم بحسب الأحكام الخمسة و انقسام المأخوذ إلي المحرم و الواجب و المكروه]
و اعلم أن أخذ
المكاسب، ج‌1، ص 72
ما في يد الظالم ينقسم باعتبار نفس الأخذ إلي الأحكام الخمسة و باعتبار نفس المال إلي المحرم و المكروه و الواجب فالمحرم ما علم كونه من مال الغير مع عدم رضاه بالأخذ و المكروه المال المشتبه و الواجب ما يجب استنقاذه من يده من حقوق الناس حتي أنه يجب علي الحاكم الشرعي استنقاذ ما في ذمته من حقوق السادة و الفقراء و لو بعنوان المقاصة بل يجوز ذلك لآحاد الناس خصوصا نفس المستحقين مع تعذر استيذان الحاكم
[ما يتلفه الظالم غصبا يحتسب من ديونه]
و كيف كان فالظاهر أنه لا إشكال في كون ما في ذمته من قيم المتلفات غصبا من جملة ديونه نظير ما استقر في ذمته بقرض أو ثمن مبيع أو صداق أو غيرها. و مقتضي القاعدة كونها كذلك بعد موته فيقدم جميع ذلك علي الإرث و الوصية إلا أنه ذكر بعض الأساطين أن ما في يده من المظالم تالفا- لا يلحقه حكم الديون في التقديم علي الوصايا و المواريث لعدم انصراف الدين إليه و إن كان منه و بقاء عموم الوصية و الميراث علي حاله و للسيرة المأخوذة يدا بيد من مبدإ الإسلام إلي يومنا هذا فعلي هذا لو أوصي بها بعد التلف أخرجت من الثلث و فيه منع عدم الانصراف فإنا لا نجد بعد مراجعة العرف فرقا بين ما أتلفه هذا الظالم عدوانا و بين ما أتلفه نسيانا و لا بين ما أتلفه هذا الظالم عدوانا و بين ما أتلفه شخص آخر من غير الظلمة مع أنه لا إشكال في جريان أحكام الدين عليه في حال حياته من جواز المقاصة من ماله كما هو المنصوص و لعدم تعلق الخمس و الاستطاعة و غير ذلك فلو تم عدم الانصراف لزم إهمال الأحكام المنوطة بالدين وجودا و عدما من غير فرق بين حياته و موته. و ما ادعاه من السيرة فهو ناش من قلة مبالاة الناس كما هو دينهم في أكثر السير التي استمروا عليها و لذا لا يفرقون في ذلك بين الظلمة و غيرهم ممن علموا باشتغال ذمتهم بحقوق الناس من جهة حق السادة و الفقراء أو من جهة العلم بفساد أكثر معاملاتهم و لا في إنفاذ وصايا الظلمة و توريث ورثتهم بين اشتغال ذممهم بعوض المتلفات و أرش الجنايات و بين اشتغالهم بديونهم المستقرة عليهم من معاملاتهم و صدقاتهم الواجبة عليهم و لا بين ما علم المظلوم فيه تفصيلا و بين ما لم يعلم فإنك إذا تتبعت أحوال الظلمة وجدت ما استقر في ذممهم من جهة المعاوضات و المداينات مطلقا أو من جهة خصوص أشخاص معلومين تفصيلا أو مشتبهين في محصور كافيا في استغراق تركتهم المانع من التصرف فيها بالوصية أو الإرث. و بالجملة فالتمسك بالسيرة المذكورة أوهن من دعوي عدم الانصراف السابقة فالخروج بها عن القواعد المنصوصة المجمع عليها غير متوجه.

الثالثة ما يأخذه السلطان المستحل لأخذ الخراج و المقاسمة من الأراضي باسمهما- و من الأنعام باسم الزكاة

اشارة

يجوز أن يقبض منه مجانا أو بالمعاوضة و إن كان مقتضي القاعدة حرمته لأنه غير مستحق لأخذه فتراضيه مع من عليه الحقوق المذكورة في تعيين شي‌ء من ماله لأجلها فاسد- كما إذا تراضي الظالم مع مستأجر دار الغير في دفع شي‌ء إليه عوض الأجرة هذا مع التراضي و أما إذا قهره علي أخذ شي‌ء بهذه العنوانات ففساده أوضح

[دعوي الإجماع علي جواز شراء ما يأخذه الجائر]

و كيف كان فما يأخذه الجائر باق علي ملك المأخوذ منه و مع ذلك يجوز قبضه من الجائر بلا خلاف يعتد به بين الأصحاب و عن بعض حكاية الإجماع عليه. قال في محكي لأن الدليل علي جواز شراء الثلاثة من التنقيح الجائر و إن لم يكن مستحقا له النصوص الواردة عنهم ع و الإجماع و إن لم يعلم مستنده و يمكن أن يكون مستنده- أن ذلك حق للأئمة ع و قد أذنوا لشيعتهم في شراء ذلك فيكون تصرف الجائر كتصرف الفضولي إذا انضم إليه إذن المالك انتهي. أقول و الأولي أن يقال إذا انضم إليه إذن متولي الملك كما لا يخفي.
و في جامع المقاصد أن عليه إجماع فقهاء الإمامية و الأخبار المتواترة عن الأئمة الهداة ع و في المسالك أطبق عليه علماؤنا و لا نعلم فيه مخالفا و عن المفاتيح أنه لا خلاف فيه و في الرياض أنه استفاض نقل الإجماع عليه- . و قد تأيدت دعوي هؤلاء بالشهرة المحققة بين و من تأخر عنه

[الاستدلال علي الجواز بلزوم الحرج و اختلال النظام من عدمه]

و يدل عليه قبل الإجماع مضافا إلي لزوم الحرج العظيم في الاجتناب عن هذه الأموال بل اختلال النظام و إلي الروايات المتقدمة لأخذ الجوائز من السلطان خصوصا الجوائز العظام التي لا يحتمل عادة أن تكون من غير الخراج و كان الإمام ع يأبي عن أخذها أحيانا معللا بأن فيها حقوق الأمة

[الاستدلال بالروايات علي جواز الشراء من الجائر]

اشارة

روايات عن أبي جعفر ع

منها صحيحة الحذاء

اشارة

قال: سألته عن الرجل منا يشتري من عمال السلطان من إبل الصدقة و غنمها و هو يعلم أنهم يأخذون منهم أكثر من الحق الذي يجب عليهم فقال ما الإبل و الغنم الأمثل الحنطة و الشعير و غير ذلك لا بأس به حتي تعرف الحرام بعينه فيجتنب قلت فما تري في متصدق يجيئنا فيأخذ منا صدقات أغنامنا فنقول بعناها فيبيعنا إياها فما تري في شرائها منه فقال إن كان قد أخذها و عزلها فلا بأس قيل له فما تري في الحنطة و الشعير يجيئنا القاسم فيقسم لنا حظنا و يأخذ حظه فيعزله بكيل فما تري في شراء ذلك الطعام منه فقال إن كان قد قبضه بكيل و أنتم حضور فلا بأس بشرائه منهم بغير كيل. دلت هذه الرواية علي أن شراء الصدقات من الأنعام و الغلات من عمال السلطان كان مفروغ الجواز عند السائل و إنما سأل أولا عن الجواز مع العلم الإجمالي بحصول الحرام في أيدي العمال و ثانيا من جهة توهم الحرمة أو الكراهة في شراء ما يخرج في الصدقة كما ذكر في باب الزكاة و ثالثا من جهة كفاية الكيل الأول و بالجملة ففي هذه الرواية سؤالا و جوابا إشعار بأن الجواز كان من الواضحات غير المحتاجة إلي السؤال و إلا لكان أصل الجواز أولي بالسؤال حيث إن ما يأخذونه باسم الزكاة معلوم الحرمة تفصيلا فلا فرق بين أخذ الحق الذي يجب عليهم و بين أخذ أكثر منه. و يكفي قوله ع حتي تعرف الحرام بعينه في الدلالة علي مفروغية حل ما يأخذونه من الحق و أن الحرام هو الزائد و المراد بالحلال هو الحلال بالنسبة إلي من ينتقل إليه و إن كان حراما بالنسبة إلي الجائر الآخذ له بمعني معاقبته علي أخذه و ضمانه و حرمة التصرف في ثمنه

[دفع ما قيل من أن الرواية مختصة بالشراء]

ففي وصفه ع للمأخوذ بالحلية- دلالة علي عدم اختصاص الرخصة بالشراء بل يعم جميع أنواع الانتقال إلي الشخص. فاندفع ما قيل إن الرواية مختصة بالشراء فليقتصر في مخالفة القواعد عليه

[مناقشة الفاضل القطيفي و المحقق الأردبيلي و الجواب عنها]

ثم الظاهر من الفقرة الثالثة السؤال و الجواب عن حكم المقاسمة فاعتراض الفاضل القطيفي الذي صنف في الرد علي رسالة المحقق الكركي المسماة بقاطعة اللجاج في حل الخراج رسالة زيف فيها جميع ما في الرسالة من أدلة الجواز بعدم دلالة الفقرة الثانية علي حكم المقاسمة و احتمال كون القاسم هو زارع الأرض- أو وكيله ضعيف جدا و تبعه علي هذا الاعتراض المحقق الأردبيلي و زاد عليه ما سكت هو عنه من عدم دلالة الفقرة الأولي علي حل شراء الزكاة بدعوي أن قوله ع
المكاسب، ج‌1، ص 73
لا بأس حتي تعرف الحرام بعينه لا يدل إلا علي جواز شراء ما كان حلالا بل مشتبها و عدم جواز شراء ما كان معروفا أنه حرام بعينه و لا يدل علي جواز شراء الزكاة بعينها صريحا. نعم ظاهرها ذلك لكن لا ينبغي الحمل عليه لمنافاته العقل و يمكن أن يكون سبب الإجمال فيه التقية. و يؤيد عدم الحمل علي الظاهر أنه غير مراد بالاتفاق إذ ليس بحلال ما أخذه الجائر فتأمل انتهي. و أنت خبير بأنه ليس في العقل ما يقتضي قبح الحكم المذكور و أي فارق بين هذا و بين ما أحلوه لشيعتهم مما فيه حقوقهم و لا في النقل إلا عمومات قابلة للتخصيص بمثل هذه الصحيحة و غيرها المشهورة بين الأصحاب رواية و عملا مع نقل الاتفاق عن جماعة و أما الحمل علي التقية فلا يجوز بمجرد معارضة العمومات كما لا يخفي.

و منها رواية إسحاق بن عمار

قال: سألته عن الرجل يشتري من العامل و هو يظلم قال يشتري منه ما لم يعلم أنه ظلم فيه أحدا. وجه الدلالة أن الظاهر أن الشراء من العامل شراء ما هو عامل فيه و هو الذي يأخذه من الحقوق من قبل السلطان. نعم لو بني علي المناقشة احتمل أن يريد السائل شراء أملاك العامل منه مع علمه بكونه ظالما غاصبا فيكون سؤالا عن معاملة الظلمة لكنه خلاف الإنصاف و إن ارتكبه صاحب الرسالة.

و منها رواية أبي بكر الحضرمي

قال: دخلت علي أبي عبد الله ع و عنده ابنه إسماعيل فقال ما يمنع ابن أبي سماك أن يخرج شباب الشيعة فيكفونه ما يكفيه الناس و يعطيهم ما يعطي الناس قال ثم قال لي لم تركت عطاءك قلت مخافة علي ديني قال ما منع ابن أبي سماك أن يبعث إليك بعطائك أ ما علم أن لك في بيت المال نصيبا. فإن ظاهره حل ما يعطي من بيت المال عطاء أو أجرة للعمل فيما يتعلق به بل قال المحقق الكركي إن هذا الخبر نص في الباب لأنه ع بين أن لا خوف علي السائل في دينه لأنه لم يأخذ إلا نصيبه من بيت المال و قد ثبت في الأصول تعدي الحكم بتعدي العلة المنصوصة انتهي و إن تعجب منه الأردبيلي رحمه الله فقال أنا ما فهمت منه دلالة ما و ذلك لأن غايته ما ذكر و قد يكون الشي‌ء من بيت المال [و] يجوز أخذه و إعطاؤه للمستحقين بأن يكون منذورا أو وصية لهم بأن يعطيهم ابن أبي سماك و غير ذلك انتهي. و قد تبع في ذلك صاحب الرسالة حيث قال إن الدليل لا إشعار فيه بالخراج. أقول الإنصاف أن الرواية ظاهرة في حل ما في بيت المال مما يأخذه الجائر.

و منها الأخبار الواردة في أحكام تقبل الخراج من السلطان

اشارة

علي وجه يستفاد من بعضها كون أصل التقبل مسلم الجواز عندهم.

و منها صحيحة الحلبي

عن أبي عبد الله ع في جملة الحديث قال: لا بأس بأن يتقبل الرجل الأرض و أهلها من السلطان و عن مزارعة أهل الخراج بالنصف و الربع و الثلث قال نعم لا بأس به و قد قبل رسول الله ص خيبر أعطاها اليهود حيث فتحت عليه بالخبر و الخبر هو النصف

و منها الصحيح عن إسماعيل بن الفضل الهاشمي

عن أبي عبد الله ع قال: سألته في الرجل يتقبل خراج الرجال و جزية رءوسهم و خراج النخل و الشجر و الآجام و المصائد و السمك و الطير و هو لا يدري لعل هذا لا يكون أبدا أو يكون أ يشتريه أو في أي زمان يشتريه يتقبل منه فقال إذا علمت أن من ذلك شيئا واحدا قد أدرك فاشتره و تقبل به.

و نحوها الموثق المروي في الكافي و التهذيب عن إسماعيل بن الفضل الهاشمي

بأدني تفاوت.

و رواية الفيض بن المختار

قال: قلت لأبي عبد الله ع جعلت فداك ما تقول في الأرض أتقبلها من السلطان ثم أؤاجرها من أكرتي علي أن ما أخرج الله تعالي منها من شي‌ء كان لي من ذلك النصف أو الثلث بعد حق السلطان قال لا بأس كذلك أعامل أكرتي
إلي غير ذلك من الأخبار الواردة في باب قبالة الأرض و استيجار أرض الخراج من السلطان ثم إجارتها للزارع بأزيد من ذلك

و قد يستدل بروايات أخري لا تخلو عن قصور في الدلالة

منها الصحيح عن جميل بن صالح

قال: أرادوا بيع تمر عين أبي زياد فأردت أن أشتريه فقلت لا حتي أستأذن أبا عبد الله ع فسألت معاذا أن يستأمره فسأله فقال قل له فليشتره فإنه إن لم يشتره اشتراه غيره و دلالته مبنية علي كون عين أبي زياد من الأملاك الخراجية و لعلها من الأملاك المغصوبة من الإمام أو غيره الموقوف اشتراء حاصلها علي إذن الإمام ع و يظهر من بعض الأخبار أن عين أبي زياد كانت ملكا لأبي عبد الله ع.

و منها صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج

قال: قال لي أبو الحسن موسي ع ما لك لا تدخل مع علي في شراء الطعام إني أظنك ضيقا قال قلت نعم فإن شئت وسعت علي قال اشتره. و بالجملة ففي الأخبار المتقدمة غني عن ذلك

و ينبغي التنبيه علي أمور

الأول أن ظاهر عبارات الأكثر بل الكل أن الحكم مختص بما يأخذه السلطان

فقبل أخذه الخراج لا يجوز المعاملة عليه بشراء ما في ذمة مستعمل الأرض أو الحوالة عليه و نحو ذلك و به صرح السيد العميد فيما حكي من شرحه علي النافع حيث قال إنما يحل ذلك بعد قبض السلطان أو نائبه و لذا قال المصنف يأخذه انتهي. لكن صريح جماعة عدم الفرق بل صرح المحقق الثاني بالإجماع- علي عدم الفرق بين القبض و عدمه و في الرياض صرح بعدم الخلاف و هذا هو الظاهر من الأخبار المتقدمة الواردة في قبالة الأرض و جزية الرءوس حيث دلت علي أنه يحل ما في ذمة مستعمل الأرض من الخراج لمن تقبل الأرض من السلطان. و الظاهر من الأصحاب في باب المساقاة- حيث يذكرون أن خراج السلطان علي مالك الأشجار إلا أن يشترط خلافه إجراء ما يأخذه العادل في إبراء ذمة مستعمل الأرض- الذي استقر عليه أجرتها بأداء غيره بل ذكروا في المزارعة أيضا أن خراج الأرض كما في كلام الأكثر أو الأرض الخراجية كما في الغنية و السرائر علي مالكها و إن كان يشكل توجيهه من جهة عدم مالك للأراضي الخراجية و كيف كان فالأقوي أن المعاملة علي الخراج جائزة و لو قبل قبضها. و أما تعبير الأكثر بما يأخذه فالمراد به إما الأعم مما يبني علي أخذه و لو لم يأخذه فعلا و إما المأخوذ فعلا لكن الوجه في تخصيص العلماء العنوان به جعله كالمستثني من جوائز السلطان التي حكموا بوجوب ردها علي مالكها إذا علمت حراما بعينها فافهم- . و يؤيد الثاني سياق كلام بعضهم حيث يذكرون هذه المسألة عقيب مسألة الجوائز خصوصا عبارة القواعد حيث صرح بتعميم الحكم بقوله و إن عرفت أربابه فافهم. و يؤيد الأول أن المحكي عن الشهيد عن حواشيه علي القواعد أنه علق علي قول العلامة أن الذي يأخذه الجائر إلي آخر قوله و إن لم يقبضها الجائر انتهي.

الثاني [هل للجائر سلطنة علي أخذ الخراج فلا يجوز منعه منه]

اشارة

هل يختص الخراج من حيث الخروج عن قاعدة كونه مالا مغصوبا محرما بمن ينتقل إليه فلا استحقاق للجائر في أخذه أصلا فلم يمض الشارع من هذه المعاملة إلا حل ذلك
المكاسب، ج‌1، ص 74
للمنتقل إليه أو يكون الشارع قد أمضي سلطنة الجائر عليه فيكون منعه عنه أو عن بدله المعوض عنه في العقد معه حراما

صريح الشهيدين و المحكي عن جماعة ذلك

. قال المحقق الكركي في رسالته ما زلنا نسمع من كثير ممن عاصرناهم و لا سيما شيخنا الأعظم الشيخ علي بن هلال رحمه الله أنه لا يجوز لمن عليه الخراج سرقته و لا جحوده و لا منعه و لا شي‌ء منه- لأن ذلك حق واجب عليه انتهي و في المسالك في باب الأرضين- و ذكر الأصحاب أنه لا يجوز لأحد جحدها و لا منعها و لا التصرف فيها بغير إذنه- بل ادعي بعضهم الاتفاق عليه انتهي و في آخر كلامه أيضا أن ظاهر الأصحاب أن الخراج و المقاسمة لازم للجائر حيث يطلبه أو يتوقف علي إذنه انتهي و علي هذا عول بعض الأساطين في شرحه علي القواعد حيث قال و تقوي حرمة سرقة الحصة و خيانتها و الامتناع من تسليم ثمنها بعد شرائها إلي الجائر و إن حرمت عليه و دخل تسليمها في الإعانة علي الإثم في البداية أو الغاية لنص الأصحاب علي ذلك و دعوي الإجماع عليه انتهي أقول إن أريد منع الحصة مطلقا فتصرف في الأرض من دون أجرة فله وجه لأنها ملك المسلمين فلا بد لها من أجرة تصرف في مصالحهم و إن أريد منعها من خصوص الجائر فلا دليل علي حرمته لأن اشتغال ذمة مستعمل الأرض بالأجرة لا يوجب دفعها إلي الجائر بل يمكن القول بأنه لا يجوز مع التمكن لأنه غير مستحق فيسلم إلي العادل أو نائبه الخاص أو العام و مع التعذر يتولي صرفه في المصالح حسبة

مع أن في بعض الأخبار ظهورا في جواز الامتناع

مثل صحيحة زرارة:

اشتري ضريس بن عبد الملك و أخوه أرزا من هبيرة بثلاثمائة ألف درهم قال قلت له ويلك أو ويحك انظر إلي خمس هذا المال فابعث به إليه و احتبس الباقي قال فأبي علي و أدي المال و قدم هؤلاء فذهب أمر بني أمية قال فقلت ذلك لأبي عبد الله ع فقال مبادرا للجواب هو له هو له فقلت له إنه أداها فعض علي إصبعه فإن أوضح محامل هذا الخبر أن يكون الأرز من المقاسمة و أما حمله علي كونه من الناصب أعني هبيرة أو بعض بني أمية فيكون دليلا علي حل مال الناصب بعد إخراج خمسة كما استظهرها في الحدائق فقد ضعف في محله بمنع هذا الحكم و مخالفته لاتفاق أصحابنا كما حقق في باب الخمس و إن ورد بها غير واحد من الأخبار و أما الأمر بإخراج الخمس في هذه الرواية فلعله من جهة اختلاط مال المقاسمة بغيره من وجوه الحرام فيجب تخميسه أو من جهة احتمال اختلاطه بالحرام فيستحب تخميسه كما تقدم في جوائز الظلمة.

و ما روي: من أن علي بن يقطين قال له الإمام [أبو الحسن موسي] ع إن كنت و لا بد فاعلا فاتق أموال الشيعة

و [قال فأخبرني علي] أنه كان يجبيها من الشيعة علانية و يردها عليهم في السر
قال المحقق الكركي في قاطعة اللجاج
إنه يمكن أن يكون المراد به ما يجعل عليهم من وجوه الظلم المحرمة و يمكن أن يراد به وجوه الخراج و المقاسمات و الزكوات لأنها و إن كانت حقا عليهم لكنها ليست حقا للجائر فلا يجوز جمعه لأجله إلا عند الضرورة و ما زلنا نسمع من كثير ممن عاصرناهم و لا سيما شيخنا الأعظم إلي آخر ما تقدم نقله عنه عن مشايخه
[مناقشة كلام المحقق الكركي]
أقول ما ذكره من الحمل علي وجوه الظلم المحرمة مخالف لظاهر العام في قول الإمام ع فاتق أموال الشيعة فالاحتمال الثاني أولي لكن بالنسبة إلي ما عدا الزكوات لأنها كسائر وجوه الظلم المحرمة خصوصا بناء علي عدم الاجتزاء بها عن الزكاة الواجبة لقوله ع: إنما هؤلاء قوم غصبوكم أموالكم و إنما الزكاة لأهلها و قوله ع: لا تعطوهم شيئا ما استطعتم فإن المال لا ينبغي أن يزكي مرتين. و فيما ذكره المحقق من الوجه الثاني- دلالة علي أن مذهبه ليس وجوب دفع الخراج و المقاسمة إلي خصوص الجائر و جواز منعه عنه و إن نقل بعد عن مشايخه في كلامه المتقدم ما يظهر منه خلاف ذلك- لكن يمكن بل لا يبعد أن يكون مراد مشايخه المنع عن سرقة الخراج أو جحوده رأسا حتي عن نائب العادل لا منعه عن خصوص الجائر مع دفعه إلي نائب العادل أو صرفه حسبة في وجوه بيت المال كما يشهد لذلك تعليل المنع بكونه حقا واجبا عليه فإن وجوبه عليه إنما يقتضي حرمة منعه رأسا لا عن خصوص الجائر لأنه ليس حقا واجبا له. و لعل ما ذكرناه هو مراد المحقق حيث نقل هذا المذهب عن مشايخه رحمهم الله بعد ما ذكره من التوجيه المتقدم بلا فصل من دون إشعار بمخالفته لذلك الوجه و مما يؤيد ذلك أن المحقق المذكور بعد ما ذكر أن هذا يعني حل ما يأخذه الجائر من الخراج و المقاسمة مما وردت به النصوص و أجمع عليه الأصحاب بل المسلمون قاطبة قال فإن قلت فهل يجوز أن يتولي من له النيابة حال الغيبة ذلك أعني الفقيه الجامع للشرائط قلنا لا نعرف للأصحاب في ذلك تصريحا لكن من جوز للفقهاء حال الغيبة تولي استيفاء الحدود و غير ذلك من توابع منصب الإمامة ينبغي له تجويز ذلك بطريق أولي- و لا سيما المستحقون لذلك موجودون في كل عصر- و من تأمل في أقوال كبراء علمائنا الماضين مثل علم الهدي و علم المحققين نصير الملة و الدين و بحر العلوم جمال الملة و الدين العلامة و غيرهم نظر متأمل منصف لم يشك في أنهم كانوا يسلكون هذا المسلك و ما كانوا يودعون في كتبهم إلا ما يعتقدون صحته انتهي. و حمل ما ذكره من تولي الفقيه علي صورة عدم تسلط الجائر خلاف الظاهر و أما قوله و من تأمل إلي آخره فهو استشهاد علي أصل المطلب- و هو حل ما يؤخذ من السلطان من الخراج علي وجه الاتهاب و من الأراضي علي وجه الانقطاع و لا دخل له بقوله فإن قلت قلنا أصلا فإن علماءنا المذكورين و غيرهم لم يعرف منهم الاستقلال علي أراضي الخراج بغير إذن السلطان.

[ما قاله الشهيد في حرمة منع الخراج و توجيهه]

و ممن يتراءي منه القول بحرمة منع الخراج عن خصوص الجائر شيخنا الشهيد في الدروس حيث قال يجوز شراء ما يأخذه الجائر باسم الخراج و المقاسمة و الزكاة و إن لم يكن مستحقا له ثم قال و لا يجب رد المقاسمة و شبهها علي المالك و لا يعتبر رضاه و لا يمنع تظلمه من الشراء و كذا لو علم أن العامل يظلم إلا أن يعلم الظلم بعينه نعم يكره معاملة الظلمة و لا يحرم لقول الإمام الصادق ع: كل شي‌ء فيه حلال و حرام فهو حلال حتي تعرف الحرام بعينه و لا فرق بين قبض الجائر إياها أو وكيله و بين عدم القبض فلو أحاله بها و قبل الثلاثة- أو وكله في قبضها أو باعها و هي في يد المالك أو في ذمته جاز التناول و يحرم علي المالك المنع- و كما يجوز الشراء تجوز سائر المعاوضات و الوقف و الهبة و الصدقة و لا يحل تناولها بغير ذلك انتهي لكن الظاهر من قوله و يحرم علي المالك المنع أنه عطف علي قوله جاز التناول فيكون من أحكام الإحالة بها و التوكيل و البيع فالمراد منع المالك المحال و
المكاسب، ج‌1، ص 75
المشتري عنها و هذا لا إشكال فيه لأن اللازم من فرض صحة الإحالة و الشراء تملك المحال و المشتري فلا يجوز منعهما عن ملكهما. و أما قوله رحمه الله و لا يحل تناولها بغير ذلك فلعل المراد به ما تقدم في كلام مشايخ الكركي من إرادة تناولها بغير إذن أحد حتي الفقيه النائب عن السلطان العادل و قد عرفت أن هذا مسلم فتوي و نصا- و أن الخراج لا يسقط من مستعملي أراضي المسلمين ثم إن ما ذكره من جواز الوقف لا يناسب ذكره في جملة التصرفات فيما يأخذه الجائر و إن أراد وقف الأرض المأخوذة منه إذا نقلها السلطان إليه لبعض مصالح المسلمين فلا يخلو عن إشكال

[توجيه كلام الشهيد الثاني في حرمة منع الخراج]

و أما ما تقدم من المسالك من نقل الاتفاق علي عدم جواز المنع عن الجائر و الجحود فالظاهر منه أيضا ما ذكرناه من جحود الخراج و منعه رأسا لا عن خصوص الجائر مع تسليمه إلي الفقيه النائب عن العادل فإنه رحمه الله بعد ما نقلنا عنه من حكاية الاتفاق قال بلا فصل و هل يتوقف التصرف في هذا القسم- علي إذن الحاكم الشرعي إذا كان متمكنا من صرفها علي وجهها بناء علي كونه نائبا عن المستحق- و مفوضا إليه ما هو أعظم من ذلك الظاهر ذلك و حينئذ يجب عليه صرف حاصلها في مصالح المسلمين و مع عدم التمكن أمرها إلي الجائر. و أما جواز التصرف فيها كيف اتفق لكل واحد من المسلمين فبعيد جدا بل لم أقف علي قائل به لأن المسلمين بين قائل بأولوية الجائر و توقف التصرف علي إذنه و بين مفوض الأمر إلي الإمام ع و مع غيبته يرجع الأمر إلي نائبه فالتصرف بدونهما لا دليل عليه انتهي. و ليس مراده رحمه الله من التوقف التوقف علي إذن الحاكم بعد الأخذ من الجائر و لا خصوص صورة عدم استيلاء الجائر علي الأرض كما لا يخفي

و كيف كان فقد تحقق مما ذكرناه أن غاية ما دلت عليه النصوص و الفتاوي كفاية إذن الجائر في حل الخراج

و كون تصرفه بالإعطاء و المعاوضة و الإسقاط و غير ذلك نافذا و أما انحصاره بذلك فلم يدل عليه دليل و لا أمارة بل لو نوقش في كفاية تصرفه في الحلية و عدم توقفها علي إذن الحاكم الشرعي مع التمكن بناء علي أن الأخبار الظاهرة في الكفاية منصرفة إلي الغالب من عدم تيسر استيذان الإمام ع أو نائبه أمكن ذلك إلا أن المناقشة في غير محلها لأن المستفاد من الأخبار الإذن العام من الأئمة الأطهار ع بحيث لا يحتاج بعد ذلك إلي إذن خاص في الموارد الخاصة منهم ع و لا من نوابهم

[عدم نفوذ إذن الجائر فيما لا تسلط له عليه]

هذا كله مع استيلاء الجائر علي تلك الأرض و التمكن من استيذانه و أما مع عدم استيلائه علي أرض خراجية لقصور يده عنها لعدم انقياد أهلها له ابتداء أو طغيانهم عليه بعد السلطنة عليهم فالأقوي خصوصا مع عدم الاستيلاء ابتداء عدم جواز استيذانه و عدم مضي إذنه فيها كما صرح به بعض الأساطين حيث قال بعد بيان أن الحكم مع حضور الإمام مراجعته أو مراجعة الجائر مع التمكن و أما مع فقد سلطان الجور أو ضعفه عن التسلط أو عدم التمكن من مراجعته فالواجب الرجوع إلي الحاكم الشرعي إذ ولاية الجائر إنما ثبتت علي من دخل في قسم رعيته حتي يكون في سلطانه و يكون مشمولا لحفظه من الأعداء و حمايته فمن بعد عن سلطانهم أو كان علي الحد فيما بينهم أو يقوي عليهم فخرج عن مأموريتهم فلا يجري عليه حكمهم اقتصارا علي المقطوع به من الأخبار و كلام الأصحاب في قطع الحكم بالأصول و القواعد و تخصيص ما دل علي المنع عن الركون إليهم و الانقياد لهم.

الثالث [هل يحل ما يعتقده الجائر خراجيا و إن كان عندنا من الأنفال أم يثبت حق الاختصاص]

أن ظاهر الأخبار و إطلاق الأصحاب حل الخراج و المقاسمة المأخوذين من الأراضي التي يعتقد الجائر كونها خراجية و إن كانت عندنا من الأنفال و هو الذي يقتضيه نفي الحرج. نعم مقتضي بعض أدلتهم و بعض كلماتهم هو الاختصاص فإن العلامة قد استدل في كتبه علي حل الخراج و المقاسمة بأن هذا مال لا يملكه الزارع و لا صاحب الأرض بل هو حق الله عز و جل أخذه غير مستحقة فبرأت ذمته و جاز شراؤه و هذا الدليل و إن كان فيه ما لا يخفي من الخلل إلا أنه كاشف عن اختصاص محل الكلام بما كان من الأراضي التي لها حق علي الزارع و ليست الأنفال كذلك لكونها مباحة للشيعة. نعم لو قلنا بأن غيرهم يجب عليه أجرة الأرض كما لا يبعد أمكن تحليل ما يأخذه منهم الجائر بالدليل المذكور لو تم و مما يظهر منه الاختصاص ما تقدم من الشهيد و مشايخ المحقق الثاني من حرمة جحود الخراج و المقاسمة معللين ذلك بأن ذلك حق عليه فإن الأنفال لا حق و لا أجرة في التصرف فيها و كذا ما تقدم من التنقيح حيث ذكر بعد دعوي الإجماع علي الحكم أن تصرف الجائر في الخراج و المقاسمة من قبيل تصرف الفضولي إذا أجاز المالك. و الإنصاف أن كلمات الأصحاب بعد التأمل في أطرافها ظاهرة في الاختصاص بأراضي المسلمين خلافا لما استظهره المحقق الكركي قدس سره من كلمات الأصحاب و إطلاق الأخبار مع أن الأخبار أكثرها لا عموم فيها و لا إطلاق- . نعم بعض الأخبار الواردة في المعاملة علي الأراضي الخراجية التي جمعها صاحب الكفاية شاملة لمطلق الأرض المضروب عليها الخراج من السلطان. نعم لو فرض أنه ضرب الخراج علي ملك غير الإمام أو علي ملك الإمام لا بالإمامة أو علي الأراضي التي أسلم أهلها عليها طوعا لم يدخل في منصرف الأخبار قطعا و لو أخذ الخراج من الأرض المجهولة المالك معتقدا لاستحقاقه إياها ففيه وجهان.

الرابع ظاهر الأخبار و منصرف كلمات الأصحاب الاختصاص بالسلطان المدعي للرئاسة العامة و عماله

اشارة

الرابع ظاهر الأخبار و منصرف كلمات الأصحاب الاختصاص بالسلطان المدعي للرئاسة العامة و عماله
فلا يشمل من تسلط علي قرية أو بلدة خروجا علي سلطان الوقت فيأخذ منهم حقوق المسلمين. نعم ظاهر الدليل المتقدم من العلامة شموله له لكنك عرفت أنه قاصر عن إفادة المدعي كما أن ظاهره عدم الفرق بين السلطان المخالف المعتقد لاستحقاق أخذ الخراج و المؤمن و الكافر و إن اعترفا بعدم الاستحقاق إلا أن ظاهر الأخبار الاختصاص بالمخالف

و المسألة مشكلة

من اختصاص موارد الأخبار بالمخالف المعتقد لاستحقاق أخذه و لا عموم فيها لغير المورد فيقتصر في مخالفة القاعدة عليه و من لزوم الحرج- و دعوي الإطلاق في بعض الأخبار المتقدمة مثل قوله ع في صحيحة الحلبي: لا بأس بأن يتقبل الرجل الأرض و أهلها من السلطان و قوله ع في صحيحة محمد بن مسلم: كل أرض دفعها إليك سلطان فعليك فيما أخرج الله منها الذي قاطعك عليه و غير ذلك

[دفع بعض وجوه الإشكال]

و يمكن أن يرد لزوم الحرج بلزومه علي كل تقدير لأن المفروض أن السلطان المؤمن خصوصا في هذه الأزمنة
المكاسب، ج‌1، ص 76
يأخذ الخراج عن كل أرض و لو لم تكن خراجية و أنهم يأخذون كثيرا من وجوه الظلم المحرمة منضما إلي الخراج و ليس الخراج ممتازا عندهم عن سائر ما يأخذونه ظلما من العشور و سائر ما يظلمون به الناس كما لا يخفي علي من لاحظ سيرة عمالهم فلا بد إما من الحكم بحل ذلك كله لدفع الحرج و إما من الحكم بكون ما في يد السلطان و عماله من الأموال المجهولة المالك و أما الإطلاقات فهي مضافا إلي إمكان دعوي انصرافها إلي الغالب كما في المسالك مسوقة لبيان حكم آخر كجواز إدخال أهل الأرض الخراجية في تقبل الأرض في صحيحة الحلبي لدفع توهم حرمة ذلك كما يظهر من أخبار أخري- و كجواز أخذ أكثر مما تقبل به الأرض من السلطان في رواية الفيض بن المختار و كغير ذلك من أحكام قبالة الأرض و استيجارها فيما عداها من الروايات. و الحاصل أن الاستدلال بهذه الأخبار علي عدم البأس بأخذ أموالهم- مع اعترافهم بعدم الاستحقاق مشكل

[ما يدل علي عدم شمول كلمات الأصحاب للجائر المؤمن]

و مما يدل علي عدم شمول كلمات الأصحاب أن عنوان المسألة في كلامهم ما يأخذه الجائر لشبهة المقاسمة أو الزكاة كما في المنتهي أو باسم الخراج و المقاسمة كما في غيره. و ما يأخذه الجائر المؤمن ليس لشبهة الخراج و المقاسمة لأن المراد بشبهتهما- شبهه استحقاقهما الحاصلة في مذهب العامة نظير شبهه تملك سائر ما يأخذون مما لا يستحقون لأن مذهب الشيعة أن الولاية في الأراضي الخراجية إنما هي للإمام أو نائبه الخاص أو العام فما يأخذه الجائر المعتقد لذلك- إنما هو شي‌ء يظلم به في اعتقاده معترفا بعدم براءة ذمة زارع الأرض من أجرتها شرعا نظير ما يأخذه من الأملاك الخاصة التي لا خراج عليها أصلا و لو فرض حصول شبهه الاستحقاق لبعض سلاطين الشيعة من بعض الوجوه لم يدخل ذلك في عناوين الأصحاب قطعا لأن مرادهم من الشبهة الشبهة من حيث المذهب التي أمضاها الشارع للشيعة لا الشبهة في نظر شخص خاص لأن الشبهة الخاصة إن كانت عن سبب صحيح كاجتهاد أو تقليد فلا إشكال في حليته له و استحقاقه للآخذ بالنسبة إليه و إلا كانت باطلة غير نافذة في حق أحد.

[ما يؤيد عدم شمول الكلمات للجائر الموافق]

و الحاصل أن آخذ الخراج و المقاسمة لشبهة الاستحقاق في كلام الأصحاب ليس إلا الجائر المخالف و مما يؤيده أيضا عطف الزكاة عليها مع أن الجائر الموافق لا يري لنفسه ولاية جباية الصدقات و كيف كان فالذي أتخيل أنه كلما ازداد المنصف المتأمل في كلماتهم يزداد له هذا المعني وضوحا فما أطنب به بعض في دعوي عموم النص و كلمات الأصحاب مما لا ينبغي أن يغتر به

[تفسير الفاضل القطيفي للجائر]

و لأجل ما ذكرنا و غيره فسر صاحب إيضاح النافع- الجائر [الواقع] في عبارة النافع بالمخالف فالقول بالاختصاص كما استظهره في المسالك و جزم به في إيضاح النافع و جعله الأصح في الرياض لا يخلو عن قوة.

[لزوم مراجعة الحاكم الشرعي]

فينبغي في الأراضي التي بيد الجائر الموافق في المعاملة علي عينها أو علي ما يؤخذ عليها مراجعة الحاكم الشرعي
و لو فرض ظهور سلطان مخالف لا يري نفسه مستحقا لجباية تلك الوجوه
و إنما أخذ ما يأخذ نظير ما يأخذه علي غير الأراضي الخراجية من الأملاك الخاصة فهو أيضا غير داخل في منصرف الأخبار و لا في كلمات الأصحاب فحكمه حكم السلطان الموافق

و أما السلطان الكافر

فلم أجد فيه نصا. و ينبغي لمن تمسك بإطلاق النص و الفتوي التزام دخوله فيهما لكن الإنصاف انصرافهما إلي غيره مضافا إلي ما تقدم في السلطان الموافق من اعتبار كون الأخذ بشبهة الاستحقاق و قد تمسك في ذلك بعض بنفي السبيل للكافر علي المؤمن فتأمل.

الخامس الظاهر أنه لا يعتبر في حل الخراج المأخوذ أن يكون المأخوذ منه ممن يعتقد استحقاق الأخذ للآخذ

فلا فرق حينئذ بين المؤمن و المخالف و الكافر لإطلاق بعض الأخبار المتقدمة- و اختصاص بعضها الآخر بالمؤمن كما في روايتي الحذاء و إسحاق بن عمار و بعض روايات قبالة الأراضي الخراجية و لم يستبعد بعض اختصاص الحكم بالمأخوذ من معتقد استحقاق الأخذ مع اعترافه بأن ظاهر الأصحاب التعميم و كأنه أدخل هذه المسألة يعني مسألة حل الخراج و المقاسمة في القاعدة المعروفة من إلزام الناس بما ألزموا به أنفسهم و وجوب المضي معهم في أحكامهم علي ما يشهد به تشبيه بعضهم ما نحن فيه باستيفاء الدين من الذمي من ثمن ما باعه من الخمر و الخنزير و الأقوي أن المسألة أعم من ذلك و أن الممضي فيما نحن فيه تصرف الجائر في تلك الأراضي مطلقا.

السادس ليس للخراج قدر معين

اشارة

بل المناط فيه ما تراضي فيه السلطان و مستعمل الأرض لأن الخراج هي أجرة الأرض فيناط برضا الموجر و المستأجر. نعم لو استعمل أحد الأرض قبل تعيين الأجرة تعين عليه أجرة المثل و هي مضبوطة عند أهل الخبرة و أما قبل العمل فهو تابع لما يقع التراضي عليه و نسب ما ذكرناه إلي ظاهر الأصحاب و يدل عليه قول أبي الحسن ع في مرسلة حماد بن عيسي: و الأرضون التي أخذت عنوة بخيل أو ركاب فهي موقوفة متروكة في يدي من يعمرها و يحييها و يقوم عليها علي ما صالحهم الوالي- علي قدر طاقتهم من الحق الخراج النصف أو الثلث أو الثلثين علي قدر ما يكون لهم صلاحا و لا يضرهم إلي آخر الحديث.

حكم ما إذا كان الخراج المجعول مضرا بحال المزارعين]

و يستفاد منه أنه إذا جعل عليهم من الخراج أو المقاسمة ما يضر بهم لم يجز ذلك كالذي يؤخذ من بعض مزارعي بعض بلادنا بحيث لا يختار الزارع الزراعة من كثرة الخراج فيجبرونه علي الزراعة و حينئذ ففي حرمة كل ما يؤخذ أو المقدار الزائد علي ما تضر الزيادة عليه وجهان. و حكي عن بعض أنه يشترط أن لا يزيد علي ما كان يأخذه المتولي له الإمام العادل إلا برضاه و التحقيق أن مستعمل الأرض بالزرع و الغرس إن كان مختارا في استعمالها فمقاطعه الخراج و المقاسمة باختياره و اختيار الجائر فإذا تراضيا علي شي‌ء فهو الحق قليلا كان أو كثيرا و إن كان لا بد من استعمال الأرض لأنها كانت مزرعة له مدة سنين و يتضرر بالارتحال عن تلك القرية إلي غيرها فالمناط ما ذكر في المرسلة من عدم كون المضروب عليهم مضرا بأن لا يبقي لهم بعد أداء الخراج ما يكون بإزاء ما أنفقوا علي الزرع من المال و بذلوا له من أبدانهم الأعمال.

السابع ظاهر إطلاق الأصحاب- أنه لا يشترط فيمن يصل إليه الخراج [الاستحقاق]

اشارة

أو الزكاة من السلطان علي وجه الهدية أو يقطعه الأرض الخراجية إقطاعا أن يكون مستحقا له- و نسبه الكركي في رسالته إلي إطلاق الأخبار و الأصحاب و لعله أراد إطلاق ما دل علي حل جوائز السلطان و عماله مع كونها غالبا من بيت المال- و إلا فما استدلوا به لأصل المسألة إنما هي الأخبار الواردة في جواز ابتياع الخراج و المقاسمة و الزكاة و الواردة في حل تقبل الأرض الخراجية من السلطان و لا ريب في عدم اشتراط
المكاسب، ج‌1، ص 77
كون المشتري و المتقبل مستحقا لشي‌ء من بيت المال و لم يرد خبر في حل ما يهبه السلطان من الخراج حتي يتمسك بإطلاقه عدا أخبار جوائز السلطان مع أن تلك الأخبار واردة أيضا في أشخاص خاصة فيحتمل كونهم ذوي حصص من بيت المال فالحكم بنفوذ تصرف الجائر علي الإطلاق في الخراج من حيث البذل و التفريق كنفوذ تصرفه علي الإطلاق فيه بالقبض و الأخذ و المعاملة عليه مشكل.

[عدم دلالة رواية الحضرمي و كلام العلامة علي الاشتراط] و أما قوله ع في رواية الحضرمي السابقة:

ما يمنع ابن أبي سماك أن يبعث إليك بعطائك أ ما علم أن لك نصيبا من بيت المال فإنما يدل علي أن كل من له نصيب في بيت المال يجوز له الأخذ لا أن كل من لا نصيب له لا يجوز أخذه. و كذا تعليل العلامة رحمه الله فيما تقدم من دليله بأن الخراج حق لله أخذه غير مستحقة فإن هذا لا ينافي إمضاء الشارع لبذل الجائر إياه كيف شاء كما أن للإمام ع أن يتصرف في بيت المال كيف شاء. فالاستشهاد بالتعليل المذكور في الرواية المذكورة و بالمذكور في كلام العلامة رحمه الله علي اعتبار استحقاق الآخذ لشي‌ء من بيت المال كما في الرسالة الخراجية محل نظر

[الإشكال في تحليل الزكاة الذي يأخذه الجائر لكل أحد]

ثم أشكل من ذلك تحليل الزكاة المأخوذة منه لكل أحد كما هو ظاهر إطلاقهم القول بحل اتهاب ما يؤخذ باسم الزكاة.
[كلام الشهيد الثاني في اتهاب ما يؤخذ باسم الزكاة]
و في المسالك أنه يشترط أن يكون صرفه لها علي وجهه المعتبر بحيث لا يعد عندهم عاصيا إذ يمتنع الأخذ منه عندهم أيضا ثم قال و يحتمل الجواز مطلقا نظرا إلي إطلاق النص و الفتوي قال و يجي‌ء مثله في الخراج و المقاسمة فإن مصرفهما بيت المال و له أرباب مخصوصون عندهم أيضا انتهي.

الثامن [ما يعتبر في كون الأرض خراجية]

اشارة

أن كون الأرض بحيث يتعلق بما يؤخذ منها ما تقدم من أحكام الخراج و المقاسمة يتوقف علي أمور ثلاثة

الأول كونها مفتوحة عنوة

اشارة

أو صلحا علي أن تكون الأرض للمسلمين إذ ما عداهما من الأرضين لا خراج عليها. نعم لو قلنا بأن حكم ما يأخذه الجائر من الأنفال حكم ما يأخذه من أرض الخراج دخل ما يثبت كونه من الأنفال في حكمها.

[كيف يثبت كون الأرض مفتوحة عنوة]

فنقول يثبت الفتح عنوة بالشياع الموجب للعلم و بشهادة عدلين و بالشياع المفيد للظن المتاخم للعلم بنا علي كفايته في كل ما يعسر إقامة البينة عليه كالنسب و الوقف و الملك المطلق و أما ثبوتها بغير ذلك من الأمارات الظنية حتي بقول من يوثق به من المؤرخين فمحل إشكال لأن الأصل عدم الفتح عنوة و عدم تملك المسلمين. نعم الأصل عدم تملك غيرهم أيضا- فإن فرض دخولها بذلك في الأنفال- و ألحقناها بأرض الخراج في الحكم فهو و إلا فمقتضي القاعدة حرمة تناول ما يؤخذ من زراعها قهرا و أما الزراع فيجب عليهم مراجعة حاكم الشرع فيعمل فيها معهم علي طبق ما تقتضيه القواعد عنده من كونه مال الإمام ع أو مجهول المالك أو غير ذلك.

و المعروف بين الإمامية بلا خلاف ظاهر أن أرض العراق فتحت عنوة

و حكي ذلك عن التواريخ المعتبرة. و حكي عن بعض العامة أنها فتحت صلحا و ما دل علي كونها ملكا للمسلمين يحتمل الأمرين. ففي صحيحة الحلبي: أنه سئل أبو عبد الله ع عن أرض السواد ما منزلته فقال هو لجميع المسلمين لمن اليوم مسلم و لمن يدخل في الإسلام بعد اليوم و لمن لم يخلق بعد و رواية أبي الربيع الشامي: لا تشتر من أرض السواد شيئا إلا من كانت له ذمة فإنما هي في‌ء للمسلمين و قريب منها صحيحة ابن الحجاج.

[حكم غير أرض العراق]

اشارة

و أما غير هذه الأرض مما ذكر و اشتهر فتحها عنوة فإن أخبر به عدلان يحتمل حصول العلم لهما من السماع- أو الظن المتاخم من الشياع أخذ به علي تأمل في الأخير- كما في العدل الواحد- و إلا فقد عرفت الإشكال في الاعتماد علي مطلق الظن

و أما العمل بقول المؤرخين

بناء علي أن قولهم في المقام نظير قول اللغوي في اللغة و قول الطبيب و شبههما فدون إثباته خرط القتاد

و أشكل منه إثبات ذلك باستمرار السيرة علي أخذ الخراج من أرض

لأن ذلك إما من جهة ما قيل من كشف السيرة عن ثبوت ذلك من الصدر الأول من غير نكير إذ لو كان شيئا حادثا لنقل في كتب التواريخ لاعتناء أربابها بالمبتدعات و الحوادث و إما من جهة وجوب حمل تصرف المسلمين و هو أخذهم الخراج علي الصحيح. و يرد علي الأول مع أن عدم التعرض يحتمل كونه لأجل عدم اطلاعهم الذي لا يدل علي العدم أن هذه الأمارات ليست بأولي من تنصيص أهل التواريخ الذي عرفت حاله. و علي الثاني أنه إن أريد بفعل المسلم تصرف السلطان بأخذ الخراج فلا ريب أن أخذه حرام و إن علم كون الأرض خراجية فكونها كذلك لا يصحح فعله. و دعوي أن أخذه الخراج من أرض الخراج أقل فسادا من أخذه من غيرها توهم لأن مناط الحرمة في المقامين واحد و هو أخذ مال الغير من غير استحقاق و اشتغال ذمة المأخوذ منه بأجرة الأرض الخراجية و عدمه في غيرها لا يهون الفساد.
نعم بينهما فرق من حيث الحكم المتعلق بفعل غير السلطان و هو من يقع في يده شي‌ء من الخراج بمعاوضة أو تبرع فيحل في الأرض الخراجية دون غيرها مع أنه لا دليل علي وجوب حمل الفاسد علي الأقل فسادا إذا لم يتعدد عنوان الفساد كما لو دار الأمر بين الزني مكرها للمرأة و بين الزني برضائها حيث إن الظلم محرم آخر غير الزني بخلاف ما نحن فيه مع أن أصالة الصحة لا تثبت الموضوع و هو كون الأرض خراجية إلا أن يقال إن المقصود ترتب آثار الأخذ الذي هو أقل فسادا و هو حل تناوله من الأخذ و إن لم يثبت كون الأرض خراجية بحيث تترتب عليها آثار أخري مثل وجوب دفع أجرة الأرض إلي حاكم الشرع ليصرفه في المصالح إذا فرض عدم السلطان الجائر و مثل حرمة التصرف فيه من دون دفع أجرة أصلا لا إلي الجائر و لا إلي حاكم الشرع و إن أريد بفعل المسلم تصرف المسلمين فيما يتناولونه من الجائر من خراج هذه الأرض ففيه أنه لا عبرة بفعلهم إذا علمنا بأنهم لا يعلمون حال هذه الأراضي كما هو الغالب في محل الكلام إذ نعلم بفساد تصرفهم من جهة عدم إحراز الموضوع و لو احتمل تقليدهم لمن يري تلك الأرض خراجية لم ينفع و لو فرض احتمال علمهم بكونها خراجية- كان اللازم من ذلك جواز التناول من أيديهم لا من يد السلطان كما لا يخفي.

الثاني أن يكون الفتح بإذن الإمام

اشارة

و إلا كان المفتوح مال الإمام بناء علي المشهور بل عن المجمع أنه كاد يكون إجماعا و نسبه في المبسوط إلي رواية أصحابنا و هي مرسلة العباس الوراق: و فيها أنه إذا غزا قوم بغير إذن الإمام فغنموا كانت الغنيمة كلها للإمام ع قال في المبسوط و علي هذه الرواية يكون جميع ما فتحت بعد النبي ص إلا ما فتحت في زمان الوصي ع من مال الإمام انتهي. أقول فيبتني حل المأخوذ منها خراجا علي ما تقدم من حل الخراج المأخوذ من الأنفال

و الظاهر أن أرض العراق مفتوحة بالإذن

المكاسب، ج‌1، ص 78
كما يكشف عن ذلك ما دل علي أنها للمسلمين

و أما غيرها مما فتحت في زمان خلافة الثاني

اشارة

و هي أغلب ما فتحت

فظاهر بعض الأخبار كون ذلك أيضا بإذن مولانا أمير المؤمنين ع و أمره

اشارة

. ففي الخصال في أبواب السبعة في باب أن الله تعالي يمتحن أوصياء الأنبياء في حياة الأنبياء في سبعة مواطن و بعد وفاتهم في سبعة مواطن عن أبيه و شيخه عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن الحسين بن سعيد عن جعفر بن محمد النوفلي عن يعقوب بن الرائد عن أبي عبد الله جعفر بن أحمد بن أبي طالب عن يعقوب بن عبد الله الكوفي عن موسي بن عبيد عن عمرو بن أبي المقدام عن جابر الجعفي عن أبي جعفر ع: أنه أتي يهودي أمير المؤمنين ع في منصرفة عن وقعة النهروان فسأله عن تلك المواطن و فيه قوله ع و أما الرابعة يعني من المواطن الممتحن بها بعد النبي ص فإن القائم بعد صاحبه يعني عمر بعد أبي بكر كان يشاورني في موارد الأمور و مصادرها فيصدرها عن أمري و يناظرني في غوامضها فيمضيها عن رأي لا يعلمه أحد و لا يعلمه أصحابي و لا يناظرني غيره إلي آخر الخبر. و الظاهر أن عموم الأمور إضافي بالنسبة إلي ما يقدح في رئاسته مما يتعلق بالسياسة و لا يخفي أن الخروج إلي الكفار و دعاءهم إلي الإسلام من أعظم تلك الأمور بل لا أعظم منه.

[المناقشة في سند الرواية و دفعها]

و في سند الرواية جماعة تخرجها عن حد الاعتبار إلا أن اعتماد القميين عليها و روايتهم لها مع ما عرف من حالهم لمن تتبعها من أنهم لا يثبتون في كتبهم رواية في راويها ضعف إلا بعد احتفافها بما يوجب الاعتماد عليها جابر لضعفها في الجملة

[ما يؤيد مضمون الرواية]

مضافا إلي ما اشتهر من حضور أبي محمد الحسن ع في بعض الغزوات و دخول بعض خواص أمير المؤمنين ع من الصحابة كعمار في أمرهم. و في صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر ع قال: سألته عن سيرة الإمام ع في الأرض التي فتحت بعد رسول الله ص فقال إن أمير المؤمنين ع قد سار في أهل العراق بسيرة فهي إمام لسائر الأرضين إلي آخر الخبر. و ظاهرها أن سائر الأرضين المفتوحة بعد النبي ص حكمها حكم أرض العراق مضافا إلي أنه يمكن الاكتفاء عن إذن الإمام- المنصوص في مرسلة الوراق بالعلم بشاهد الحال برضا أمير المؤمنين ع و سائر الأئمة بالفتوحات الإسلامية الموجبة لتأييد هذا الدين. و قد ورد أن الله تعالي يؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم منه مع أنه يمكن أن يقال بحمل الصادر من الغزاة من فتح البلاد علي الوجه الصحيح- و هو كونه بأمر الإمام ع مع أنه يمكن أن يقال إن عموم ما دل من الأخبار الكثيرة علي تقييد الأرض المعدودة من الأنفال بكونها ما لم يوجف عليه بخيل و لا ركاب معارض بالعموم من وجه- و علي أن ما أخذت بالسيف من الأرضين يصرفها في مصالح المسلمين لمرسلة الوراق فيرجع إلي عموم قوله تعالي وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبي وَ الْيَتامي وَ الْمَساكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ فيكون الباقي للمسلمين إذ ليس لمن قاتل شي‌ء من الأرضين نصا و إجماعا

الثالث أن يثبت كون الأرض المفتوحة عنوة بإذن الإمام ع محياة حال الفتح

اشارة

لتدخل في الغنائم و يخرج منها الخمس أولا علي المشهور و بقي الباقي للمسلمين فإن كانت حينئذ مواتا كانت للإمام ع كما هو المشهور بل المتفق عليه علي الظاهر المصرح به عن الكفاية و محكي التذكرة و يقتضيه إطلاق الإجماعات المحكية علي أن الموات من الأنفال لإطلاق الأخبار الدالة علي أن الموات بقول مطلق له ع و لا يعارضها إطلاق الإجماعات و الأخبار الدالة علي أن المفتوحة عنوة للمسلمين لأن موارد الإجماعات هي الأرض المغنومة من الكفار كسائر الغنائم التي يملكونها منهم و يجب فيها الخمس و ليست الموات من أموالهم و إنما هي مال الإمام و لو فرض جريان أيديهم عليها كان بحكم المغصوب لا يعد في الغنيمة و ظواهر الأخبار خصوص المحياة- مع أن الظاهر عدم الخلاف.

نعم لو ماتت المحياة حال الفتح

فالظاهر بقاؤها علي ملك المسلمين بل عن ظاهر الرياض استفادة عدم الخلاف في ذلك من السرائر لاختصاص أدلة الموات بما إذا لم يجر عليه ملك مسلم دون ما عرف صاحبه

ثم إنه تثبت الحياة حال الفتح

بما كان يثبت به الفتح عنوة و مع الشك فيها فالأصل العدم و إن وجدناها الآن محياة لأصالة عدمها حال الفتح فيشكل الأمر في كثير من محياة أراضي البلاد المفتوحة عنوة. نعم ما وجد منها في يد مدع للملكية حكم بها له أما إذا كانت بيد السلطان أو من أخذها منه فلا يحكم لأجلها بكونها خراجية لأن يد السلطان عادية علي الأراضي الخراجية أيضا

و ما لا يد لمدعي الملكية عليها كان مرددا بين المسلمين

و مالك خاص مردد بين الإمام لكونها تركة من لا وارث له و بين غيره فيجب مراجعة حاكم الشرع في أمرها و وظيفة الحاكم في الأجرة المأخوذ منها إما القرعة و إما صرفها في مصرف مشترك بين الكل كفقير يستحق الإنفاق من بيت المال لقيامه ببعض مصالح المسلمين

[هل كانت أرض السواد كلها عامرة حال الفتح]

ثم اعلم أن ظاهر الأخبار تملك المسلمين لجميع أرض العراق المسمي بأرض السواد من غير تقييد بالعامر فينزل علي أن كلها كانت عامرة حال الفتح.

[حد سواد العراق]

اشارة

و يؤيده أنهم ضبطوا أرض الخراج كما في المنتهي و غيره بعد المساحة بستة أو اثنين و ثلاثين ألف ألف جريب و حينئذ فالظاهر أن البلاد الإسلامية المبنية في العراق و هي مع ما يتبعها من القري من المحياة حال الفتح التي تملكها المسلمون.

[ما ذكره العلامة في تحديد سواد العراق]

و ذكر العلامة في كتبه تبعا لبعض ما عن ظاهر المبسوط و الخلاف أن حد سواد العراق ما بين منقطع الجبال بحلوان إلي أطراف القادسية المتصل بعذيب من أرض العرب عرضا و من تخوم الموصل إلي ساحل البحر ببلاد عبادان طولا و زاد العلامة رحمه الله قوله من شرقي دجلة فأما الغربي الذي تليه البصرة فإنما هو إسلامي مثل شط عثمان بن أبي العاص و ما والاها كانت سباخا مماتا فأحياها عثمان و يظهر من هذا التقييد- أن ما عدا ذلك كانت محياة كما يؤيده ما تقدم من تقدير الأرض المذكور بعد المساحة بما ذكر من الجريب

[النظر فيما قيل من أن البلاد المحدثة في العراق لم تفتح عنوة]

فما قيل من أن البلاد المحدثة بالعراق مثل بغداد و الكوفة و الحلة و المشاهد المشرفة إسلامية بناها المسلمون و لم تفتح عنوة و لم يثبت أن أرضها تملكها المسلمون بالاستغنام و التي فتحت عنوة و أخذت من الكفار قهرا قد انهدمت لا يخلو عن نظر لأن المفتوح عنوة لا يختص بالأبنية حتي يقال إنها انهدمت فإذا كانت البلاد المذكورة و ما يتعلق بها من قرأها غير مفتوحة عنوة فأين أرض العراق المفتوحة عنوة المقدرة بستة و ثلاثين ألف ألف جريب و أيضا من البعيد عادة أن يكون بلد المدائن علي طرف العراق بحيث يكون الخارج منها مما يليه [و هي] البلاد المذكورة مواتا غير معمورة وقت الفتح و الله العالم و لله الحمد أولا و آخرا و ظاهرا و باطنا [و به نستعين]
المكاسب، ج‌2، ص 79

الجزء الثاني

اشارة

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام علي محمد و آله الطاهرين و لعنة الله علي أعدائهم إلي يوم الدين
كتاب البيع

[تعريف البيع

اشارة

و هو في الأصل كما عن المصباح المنير مبادلة مال بمال

و الظاهر اختصاص المعوض بالعين

فلا يعم إبدال المنافع بغيرها و عليه استقر اصطلاح الفقهاء في البيع. نعم ربما يستعمل في كلمات بعضهم في نقل غيرها بل يظهر ذلك من كثير من الأخبار كالخبر الدال علي جواز بيع خدمة المدبر و بيع سكني الدار التي لا يعلم صاحبها و كأخبار بيع الأرض الخراجية و شرائها و الظاهر أنها مسامحة في التعبير كما أن لفظة الإجارة تستعمل عرفا في نقل بعض الأعيان كالثمرة علي الشجرة.

و أما العوض فلا إشكال في جواز كونه منفعة

كما في غير موضع من القواعد و التذكرة و جامع المقاصد و لا يبعد عدم الخلاف فيه. نعم نسب إلي بعض الأعيان الخلاف فيه و لعله لما اشتهر في كلامهم من أن البيع لنقل الأعيان و الظاهر إرادتهم بيان المبيع نظير قولهم إن الإجارة لنقل المنافع.

[جعل عمل الحر عوضا]

و أما عمل الحر فإن قلنا إنه قبل المعاوضة عليه من الأموال فلا إشكال و إلا ففيه إشكال من حيث احتمال اعتبار كون العوضين في البيع مالا قبل المعاوضة يدل عليه ما تقدم عن المصباح.

[أقسام الحق و ما يقع منها عوضا]

و أما الحقوق فإن لم تقبل المعاوضة بالمال- كحق الحضانة و الولاية فلا إشكال و كذا لو لم تقبل النقل كحق الشفعة و حق الخيار لأن البيع تمليك الغير و لا ينتقض ببيع الدين علي من هو عليه لأنه لا مانع من كونه تمليكا فيسقط و لذا جعل الشهيد في قواعده الإبراء مرددا بين الإسقاط و التمليك. و الحاصل أنه يعقل أن يكون مالكا في ذمته فيؤثر تمليكه السقوطو لا يعقل أن يتسلط علي نفسه و السر أن مثل هذا الحق سلطنة فعلية لا يعقل قيام طرفيها بشخص واحد بخلاف الملك فإنها نسبة بين المالك و المملوك و لا يحتاج إلي من يملك عليه يستحيل اتحاد المالك و المملوك عليه فافهم. و أما الحقوق القابلة للانتقال كحق التحجير و نحوه فهي و إن قبلت النقل و قوبلت بالمال في الصلح إلا أن في جواز وقوعها عوضا للبيع إشكالا من أخذ المال في عوضي المبايعة لغة و عرفا مع ظهور كلمات الفقهاء عند التعرض لشروط العوضين و لما يصح أن يكون أجرة في الإجارة في حصر الثمن في المال.

[تعاريف الفقهاء و المناقشة فيها]

ثم الظاهر أن لفظ البيع ليس له حقيقة شرعية و لا متشرعية بل هو باق علي معناه العرفي كما سنوضحه إن شاء الله إلا أن الفقهاء قد اختلفوا في تعريفه ففي المبسوط و التذكرة و غيرهما انتقال عين من شخص إلي غيره بعوض مقدر علي وجه التراضي و حيث إن في هذا التعريف مسامحة واضحة عدل آخرون إلي تعريفه بالإيجاب و القبول الدالين علي الانتقال و حيث إن البيع من مقولة المعني دون اللفظ مجردا أو بشرط قصد المعني و إلا لم يعقل إنشاؤه باللفظ عدل جامع المقاصد إلي تعريفه بنقل العين بالصيغة المخصوصة.
و يرد عليه مع أن النقل ليس مترادفا للبيع و لذا صرح في التذكرة بأن إيجاب البيع لا يقع بلفظ نقلت و جعله من الكنايات و أن المعاطاة عنده بيع مع خلوها عن الصيغة أن النقل بالصيغة أيضا لا يعقل إنشاؤه بالصيغة و لا يندفع هذا بأن المراد أن البيع نفس النقل الذي هو مدلول الصيغة فجعله مدلول الصيغة إشارة إلي تعيين ذلك الفرد من النقل لا أنه مأخوذ في مفهومه حتي يكون مدلول بعت نقلت بالصيغة لأنه إن أريد بالصيغة خصوص بعت لزم الدور لأن المقصود معرفة مادة بعت و إن أريد بها ما يشمل ملكت وجب الاقتصار علي مجرد التمليك و النقل

[أولي التعاريف للبيع

اشارة

فالأولي تعريفه بأنه إنشاء تمليك عين بمال و لا يلزم عليه شي‌ء مما تقدم.

نعم يبقي عليه أمور

منها أنه موقوف علي جواز الإيجاب بلفظ ملكت

و إلا لم يكن مرادفا له و يرده أنه الحق كما سيجي‌ء.

و منها أنه لا يشمل بيع الدين علي من هو عليه

لأن الإنسان لا يملك مالا علي نفسه و فيه مع ما عرفت و ستعرف من تعقل تملك ما علي نفسه- و رجوعه إلي سقوطه عنه نظير تملك ما هو مساو لما في ذمته و سقوطه بالتهاتر أنه لو لم يعقل التمليك لم يعقل البيع إذ ليس للبيع لغة و عرفا معني غير المبادلة و النقل و التمليك و ما يساويها من الألفاظ و لذا قال فخر الدين إن معني بعت في لغة العرب ملكت غيري فإذا لم يعقل ملكية ما في ذمة نفسه لم يعقل شي‌ء مما يساويها فلا يعقل البيع.

و منها أنه يشمل التمليك بالمعاطاة

مع حكم المشهور بل دعوي الإجماع علي أنها ليست بيعا و فيه ما سيجي‌ء من كون المعاطاة بيعا و أن مراد النافين نفي صحته.

و منها صدقه علي الشراء

فإن المشتري بقبوله للبيع يملك ماله بعوض المبيع و فيه أن التمليك فيه ضمني و إنما حقيقته التملك بعوض و لذا لا يجوز الشراء بلفظ ملكت تقدم علي الإيجاب أو تأخر و به يظهر اندفاع الإيراد بانتقاضه بمستأجر العين بعين حيث إن الاستيجار يتضمن تمليك العين بمال أعني المنفعة.

و منها انتقاض طرده بالصلح علي العين بمال

اشارة

و بالهبة المعوضة و فيه أن حقيقة الصلح و لو تعلق بالعين ليست هو التمليك علي وجه المقابلة و المعاوضة بل معناه الأصلي هو التسالم- و لذا لا يتعدي بنفسه إلي المال. نعم هو متضمن للتمليك إذا تعلق بعين لا أنه نفسه

[حقيقة الصلح

و الذي يدلك علي هذا أن الصلح قد يتعلق بالمال عينا أو منفعة فيفيد التمليك و قد يتعلق بالانتفاع فيفيد فائدة العارية و هو مجرد التسليط و قد يتعلق بالحقوق فيفيد الإسقاط أو الانتقال و قد يتعلق بتقرير أمر بين المتصالحين كما في قول أحد الشريكين
المكاسب، ج‌2، ص 80
لصاحبه صالحتك علي أن يكون الربح لك و الخسران عليك فيفيد مجرد التقرير فلو كانت حقيقة الصلح هي عين كل من هذه المعاني الخمسة لزم كونه مشتركا لفظيا و هو واضح البطلان فلم يبق إلا أن يكون مفهومه معني آخر و هو التسالم فيفيد في كل موضع فائدة من الفوائد المذكورة بحسب ما يقتضيه متعلقة.
فالصلح علي العين بعوض تسالم عليه و هو يتضمن التمليك لا أن مفهوم الصلح في خصوص هذا المقام و حقيقته هو إنشاء التمليك و من هنا لم يكن طلبه من الخصم إقرارا له بخلاف طلب التمليك.

و أما الهبة المعوضة

و المراد بها هنا ما اشترط فيه العوض فليست إنشاء تمليك بعوض علي جهة المقابلة و إلا لم يعقل تملك أحدهما لأحد العوضين من دون تملك الآخر للآخر مع أن ظاهرهم عدم تملك العوض بمجرد تملك الموهوب الهبة بل غاية الأمر أن المتهب لو لم يؤد العوض كان للواهب الرجوع في هبته فالظاهر أن التعويض المشترط في الهبة كالتعويض الغير المشترط فيها في كونه تمليكا مستقلا يقصد به وقوعه عوضا لا أن حقيقة المعاوضة و المقابلة مقصودة في كل من العوضين كما يتضح ذلك بملاحظة التعويض الغير المشترط في ضمن الهبة الأولي. فقد تحقق مما ذكرنا أن حقيقة تمليك العين بالعوض ليست إلا البيع فلو قال ملكتك كذا بكذا كان بيعا و لا يصح صلحا و لا هبة معوضة و إن قصدهما إذ التمليك علي جهة المقابلة الحقيقية ليس صلحا و لا هبة فلا يقعان به. نعم لو قلنا بوقوعهما بغير الألفاظ الصريحة توجه تحققهما مع قصدهما فما قيل من أن البيع هو الأصل في تمليك الأعيان بالعوض فيقدم علي الصلح و الهبة المعوضة محل تأمل بل منع لما عرفت من أن تمليك الأعيان بالعوض هو البيع لا غير. نعم لو أتي بلفظ التمليك بالعوض و احتمل إرادة غير حقيقته كان مقتضي الأصل اللفظي- حمله علي المعني الحقيقي فيحكم بالبيع لكن الظاهر أن الأصل بهذا المعني ليس مراد القائل المتقدم و سيجي‌ء توضيحه في مسألة المعاطاة في غير البيع إن شاء الله

بقي القرض داخلا في ظاهر الحد

و يمكن إخراجه بأن مفهومه ليس نفس المعاوضة بل هو تمليك علي وجه ضمان المثل أو القيمة لا معاوضة للعين بهما و لذا لا يجري فيه ربا المعاوضة و لا الغرر المنفي فيها و لا ذكر العوض و لا العلم به فتأمل.

[استعمال البيع في معان أخر]

اشارة

ثم إن ما ذكرناه تعريف للبيع المأخوذ في صيغة بعت و غيره من المشتقات و يظهر من بعض من قارب عصرنا استعماله في معان أخري غير ما ذكر

أحدها التمليك المذكور

لكن بشرط تعقبه بتملك المشتري و إليه نظر بعض مشايخنا حيث أخذ قيد التعقب بالقبول مأخوذا في تعريف البيع المصطلح و لعله لتبادر التمليك المقرون بالقبول من اللفظ بل و صحة السلب عن المجرد و لهذا لا يقال باع فلان ماله إلا بعد أن يكون قد اشتراه غيره و يستفاد من قول القائل بعت مالي أنه اشتراه غيره لا أنه أوجب البيع فقط.

الثاني الأثر الحاصل من الإيجاب و القبول

و هو الانتقال كما يظهر من المبسوط و غيره.

الثالث نفس العقد المركب من الإيجاب و القبول

و إليه ينظر من عرف البيع بالعقد قال بل الظاهر اتفاقهم علي إرادة هذا المعني في عناوين أبواب المعاملات حتي الإجارة و شبهها التي ليست في الأصل اسما لأحد طرفي العقد.

[المناقشة في هذه الاستعمالات

أقول أما البيع بمعني الإيجاب المتعقب للقبول فالظاهر أنه ليس مقابلا للأول و إنما هو فرد انصرف إليه اللفظ في مقام قيام القرينة علي إرادة الإيجاب المثمر إذ لا ثمرة في الإيجاب المجرد فقول المخبر بعت إنما أراد الإيجاب المقيد فالقيد مستفاد من الخارج لا أن البيع مستعمل في الإيجاب المتعقب للقبول و كذلك لفظ النقل و الإبدال و التمليك و شبهها مع أنه لم يقل أحد بأن تعقب القبول له دخل في معناها. نعم تحقق القبول شرط للانتقال في الخارج في نظر الشارع لا في نظر الناقل إذ التأثير لا ينفك عن الأثر فالبيع و ما يساويه معني من قبيل الإيجاب و الوجوب- لا الكسر و الانكسار كما تخيله بعض فتأمل و منه يظهر ضعف أخذ القيد المذكور في معني البيع المصطلح فضلا عن أن يجعل أحد معانيه. و أما البيع بمعني الأثر و هو الانتقال فلم يوجد في اللغة و لا في العرف و إنما وقع في تعريف جماعة تبعا للمبسوط و قد يوجه بأن المراد من البيع المحدود المصدر من المبني للمفعول أعني المبيعية و هو تكلف حسن و أما البيع بمعني العقد فقد صرح الشهيد الثاني رحمه الله بأن إطلاقه عليه مجاز لعلاقة السببية و الظاهر أن المسبب هو الأثر الحاصل في نظر الشارع لأنه المسبب عن العقد لا النقل الحاصل من فعل الموجب لما عرفت من أنه حاصل بنفس إنشاء الموجب من دون توقفه علي شي‌ء كحصول وجوب الضرب في نظر الأمر بمجرد الأمر و إن لم يصر واجبا في الخارج في نظر غيره. و إلي هذا نظر جميع ما ورد في النصوص و الفتاوي من قولهم لزم البيع أو وجب أو لا بيع بينهما أو إقالة في البيع و نحو ذلك. و الحاصل أن البيع الذي يجعلونه من العقود يراد به النقل بمعني اسم المصدر مع اعتبار تحققه في نظر الشارع المتوقف علي تحقق الإيجاب و القبول فإضافة العقد إلي البيع بهذا المعني ليست بيانية و لذا يقال انعقد البيع و لا ينعقد البيع.

[البيع و نحوه من العقود اسم للصحيح أو الأعم

[اختيار الشهيدين كونه للصحيح

اشارة

ثم إن الشهيد الثاني نص في كتاب اليمين من المسالك علي أن عقد البيع و غيره من العقود حقيقة في الصحيح مجاز في الفاسد لوجود خواص الحقيقة و المجاز كالتبادر و صحة السلب قال و من ثم حمل الإقرار به عليه حتي لو ادعي إرادة الفاسد لم يسمع إجماعا و لو كان مشتركا بين الصحيح و الفاسد لقبل تفسيره بأحدهما كغيره من الألفاظ المشتركة و انقسامه إلي الصحيح و الفاسد أعم من الحقيقة انتهي و قال الشهيد الأول في قواعده الماهيات الجعلية كالصلاة و الصوم و سائر العقود لا تطلق علي الفاسد إلا الحج لوجوب المضي فيه و ظاهره إرادة الإطلاق الحقيقي

[المناقشة فيما أفاده الشهيدان

و يشكل ما ذكراه بأن وضعها للصحيح يوجب عدم جواز التمسك بإطلاق نحو وَ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ و إطلاقات أدلة سائر العقود في مقام الشك في اعتبار شي‌ء فيها مع أن سيرة علماء الإسلام التمسك بها في هذه المقامات.

[توجيه ما أفاده الشهيدان

نعم يمكن أن يقال إن البيع و شبهه في العرف إذا استعمل في الحاصل من المصدر الذي يراد من قول القائل بعت عقد الإنشاء لا يستعمل حقيقة- إلا فيما كان صحيحا مؤثرا و لو في نظر القائل ثم إذا كان مؤثرا في نظر الشارع كان بيعا عنده و إلا كان صورة بيع نظير الهازل عند العرف. فالبيع الذي يراد منه ما حصل عقيب قول القائل بعت عند العرف و الشرع حقيقة في الصحيح المفيد
المكاسب، ج‌2، ص 81
للأثر و مجاز في غيره إلا أن الإفادة و ثبوت الفائدة مختلف في نظر العرف و الشرع.

و أما وجه تمسك العلماء بإطلاق أدلة البيع و نحوها

فلأن الخطابات لما وردت علي طبق العرف حمل لفظ البيع و شبهه في الخطابات الشرعية علي ما هو الصحيح المؤثر عند العرف أو علي المصدر الذي يراد من لفظ بعت فيستدل بإطلاق الحكم بحله أو بوجوب الوفاء علي كونه مؤثرا في نظر الشارع أيضا فتأمل فإن للكلام محلا آخر

الكلام في المعاطاة

[حقيقة المعاطاة]

اعلم أن المعاطاة علي ما فسره جماعة أن يعطي كل من اثنين عوضا عما يأخذه من الآخر

[صور المعاطاة]

و هو يتصور علي وجهين أحدهما أن يبيح كل منهما للآخر التصرف فيما يعطيه من دون نظر إلي تمليكه. الثاني أن يتعاطيا علي وجه التمليك. و ربما يذكر وجهان آخران أحدهما أن يقع النقل من غير قصد البيع و لا تصريح بالإباحة المزبورة بل يعطي شيئا ليتناول شيئا فدفعه الآخر إليه. الثاني أن يقصد الملك المطلق دون خصوص البيع. و يرد الأول بامتناع خلو الدافع عن قصد عنوان من عناوين البيع أو الإباحة أو العارية أو الوديعة أو القرض أو غير ذلك من العناوين الخاصة و الثاني بما تقدم في تعريف البيع من أن التمليك بالعوض علي وجه المبادلة هو مفهوم البيع لا غير. نعم يظهر من غير واحد منهم في بعض العقود كبيع لبن الشاة مدة و غير ذلك كون التمليك المطلق أعم من البيع

ثم إن المعروف بين علمائنا في حكمها أنها مفيدة لإباحة التصرف

اشارة

و يحصل الملك بتلف إحدي العينين و عن المفيد و بعض العامة القول بكونها لازمة كالبيع و عن العلامة رحمه الله في النهاية احتمال كونها بيعا فاسدا في عدم إفادتها إباحة التصرف

[محل النزاع في المعاطاة]

و لا بد أولا من ملاحظة أن النزاع في المعاطاة هل المقصود بها الإباحة أو المقصود بها التمليك الظاهر من الخاصة و العامة هو المعني الثاني.
[تنزيل المحقق الثاني الإباحة علي الملك الجائز]
و حيث إن الحكم بالإباحة بدون الملك قبل التلف و حصوله بعده لا يجامع ظاهرا قصد التمليك من المتعاطيين نزل المحقق الكركي الإباحة في كلامهم علي الملك الجائز المتزلزل و أنه يلزم بذهاب إحدي العينين و حقق ذلك في شرحه علي القواعد و في تعليقه علي الإرشاد بما لا مزيد عليه

[توجيه صاحب الجواهر بأن محل النزاع هي المعاطاة بقصد الإباحة]

لكن بعض المعاصرين لما استبعد هذا الوجه التجأ إلي جعل محل النزاع هي المعاطاة المقصود بها مجرد الإباحة و رجح بقاء الإباحة في كلامهم علي ظاهرها المقابل للملك و نزل مورد حكم قدماء الأصحاب بالإباحة علي هذا الوجه و طعن علي من جعل محل النزاع في المعاطاة بقصد التمليك قائلا إن القول بالإباحة الخالية عن الملك مع قصد الملك مما لا ينسب إلي أصاغر الطلبة فضلا عن أعاظم الأصحاب و كبرائهم.

[المناقشة في توجيه المحقق الثاني

و الإنصاف أن ما ارتكبه المحقق الثاني في توجيه الإباحة بالملك المتزلزل بعيد في الغاية عن مساق كلمات الأصحاب مثل الشيخ في المبسوط و الخلاف و الحلي في السرائر و ابن زهرة في الغنية و الحلبي في الكافي و العلامة في التذكرة و غيرها

[المناقشة في توجيه صاحب الجواهر]

بل كلمات بعضهم صريحة في عدم الملك كما ستعرف إلا أن جعل محل النزاع ما إذا قصد الإباحة دون التمليك أبعد منه بل لا يكاد يوجد في كلام أحد منهم ما يقبل الحمل علي هذا المعني

[دلالة كلام الفقهاء علي بعد التوجيهين

و لننقل أولا كلمات جماعة ممن ظفرنا علي كلماتهم ليظهر منه بعد تنزيل الإباحة علي الملك المتزلزل كما صنعه المحقق الكركي و أبعدية جعل محل الكلام في كلمات قدمائنا الأعلام ما لو قصد المتعاطيان مجرد إباحة التصرفات دون التمليك فنقول و بالله التوفيق قال في الخلاف إذا دفع قطعة إلي البقلي أو الشارب فقال أعطني بها بقلة أو ماء فأعطاه فإنه لا يكون بيعا و كذلك سائر المحقرات و إنما يكون إباحة له فيتصرف كل منهما فيما أخذه تصرفا مباحا من دون أن يكون ملكه و فائدة ذلك أن البقلي إذا أراد أن يسترجع البقل أو أراد صاحب القطعة أن يسترجع قطعته كان لهما ذلك لأن الملك لم يحصل لهما و به قال الشافعي. و قال أبو حنيفة يكون بيعا صحيحا و إن لم يحصل الإيجاب و القبول و قال ذلك في المحقرات دون غيرها. دليلنا أن العقد حكم شرعي و لا دلالة في الشرع علي وجوده هنا فيجب أن لا يثبت و أما الإباحة بذلك فهو مجمع عليه لا يختلف العلماء فيها انتهي. و لا يخفي صراحة هذا الكلام في عدم حصول الملك و في أن محل الخلاف بينه و بين أبي حنيفة ما لو قصد البيع لا الإباحة المجردة كما يظهر أيضا من بعض كتب الحنفية حيث إنه بعد تفسير البيع بمبادلة مال بمال قال و ينعقد بالإيجاب و القبول و بالتعاطي أيضا فتمسكه بأن العقد حكم شرعي يدل علي عدم انتفاء قصد البيع و إلا لكان الأولي بل المتعين التعليل به إذ مع انتفاء حقيقة البيع لغة و عرفا لا معني للتمسك بتوقفه علي الأسباب الشرعية كما لا يخفي. و قال في السرائر بعد ذكر اعتبار الإيجاب و القبول و اعتبار تقدم الأول علي الثاني ما لفظه فإذا دفع قطعة إلي البقلي أو إلي الشارب فقال أعطني فإنه لا يكون بيعا و لا عقدا لأن الإيجاب و القبول ما حصلا و كذلك سائر المحقرات و سائر الأشياء محقرا كان أو غير محقر من الثياب و الحيوان أو غير ذلك و إنما يكون إباحة له فيتصرف كل منهما فيما أخذه تصرفا مباحا من غير أن يكون ملكه أو دخل في ملكه و لكل منهما أن يرجع فيما بذله لأن الملك لم يحصل لهما و ليس ذلك من العقود الفاسدة لأنه لو كان عقدا فاسدا لم يصح التصرف فيما صار إلي كل واحد منهما و إنما ذلك علي جهة الإباحة انتهي. فإن تعليله عدم الملك بعدم حصول الإيجاب و القبول يدل علي أن ليس المفروض ما لو لم يقصد التمليك مع أن ذكره في حيز شروط العقد يدل علي ما ذكرناه و لا ينافي ذلك قوله و ليس هذا من العقود الفاسدة إلي آخر قوله كما لا يخفي. و قال في الغنية بعد ذكر الإيجاب و القبول في عداد شروط صحة انعقاد البيع كالتراضي و معلومية العوضين و بعد بيان الاحتراز لكل من الشروط عن المعاملة الفاقدة له ما هذا لفظه و اعتبرنا حصول الإيجاب و القبول تحرزا عن القول بانعقاده بالاستدعاء من المشتري و الإيجاب من البائع بأن يقول بعنيه بألف فيقول بعتك بألف فإنه لا ينعقد بذلك بل لا بد أن يقول المشتري بعد ذلك اشتريت أو قبلت حتي ينعقد و احترازا أيضا عن القول بانعقاده بالمعاطاة نحو أن يدفع إلي البقلي قطعة و يقول أعطني بقلا فيعطيه فإن ذلك ليس ببيع و إنما هو إباحة للتصرف. يدل علي ما قلناه الإجماع المشار إليه و أيضا فما اعتبرناه مجمع علي صحة العقد به و ليس علي صحة مما عداه دليل
المكاسب، ج‌2، ص 82
و لما ذكرناه نهي ص عن بيع المنابذة و الملامسة و عن بيع الحصاة علي التأويل الآخر و معني ذلك أن يجعل اللمس بشي‌ء أو النبذ له و إلقاء الحصاة بيعا موجبا انتهي. فإن دلالة هذا الكلام علي أن المفروض من قصد المتعاطيين التمليك من وجوه متعددة منها ظهور أدلته الثلاثة في ذلك. و منها احترازه عن المعاطاة و المعاملة بالاستدعاء بنحو واحد. و قال الحلبي في الكافي بعد ذكر أنه يشترط في صحة البيع أمور ثمانية ما لفظه و اشترط الإيجاب و القبول لخروجه من دونهما عن قبول حكم البيع إلي أن قال فإن اختل شرط من هذه لم ينعقد البيع و لم يستحق التسليم و إن جاز التصرف مع إخلال بعضها للتراضي دون عقد البيع و يصح معه الرجوع انتهي و هو في الظهور قريب من عبارة الغنية. و قال المحقق رحمه الله في الشرائع- و لا يكفي التقابض من غير لفظ و إن حصل من الأمارات ما دل علي إرادة البيع انتهي. و ذكر كلمة الوصل ليس لتعميم المعاطاة لما لم يقصد به البيع بل للتنبيه علي أنه لا عبرة بقصد البيع من الفعل. و قال في التذكرة في حكم الصيغة الأشهر عندنا أنه لا بد منها فلا يكفي التعاطي في الجليل و الحقير مثل أعطني بهذا الدينار ثوبا فيعطيه ما يرضيه أو يقول خذ هذا الثوب بدينار فيأخذه و به قال الشافعي مطلقا لأصالة بقاء الملك و قصور الأفعال عن الدلالة علي المقاصد و عن بعض الحنفية و ابن شريح في الجليل و قال أحمد ينعقد مطلقا و نحوه قال مالك فإنه قال بع بما يعتقده الناس بيعا انتهي و دلالته علي قصد المتعاطيين للملك لا تخفي من وجوه أدونها جعل مالك موافقا لأحمد في الانعقاد من جهة أنه قال بع بما يعتقده الناس بيعا و قال الشهيد في قواعده بعد قوله قد يقوم السبب الفعلي مقام السبب القولي و ذكر أمثلة لذلك ما لفظه و أما المعاطاة في المبايعات فهي تفيد الإباحة لا الملك و إن كان في الحقير عندنا و دلالتها علي قصد المتعاطيين للملك مما لا يخفي هذا كله مع أن الواقع في أيدي الناس- هي المعاطاة بقصد التمليك و يبعد فرض الفقهاء من العامة و الخاصة الكلام في غير ما هو الشائع بين الناس مع أنهم صرحوا بإرادة المعاملة المتعارفة بين الناس ثم إنك قد عرفت ظهور أكثر العبارات المتقدمة في عدم حصول الملك بل صراحة بعضها كالخلاف و السرائر و التذكرة و القواعد و مع ذلك كله فقد قال المحقق الثاني في جامع المقاصد أنهم أرادوا بالإباحة الملك المتزلزل فقال المعروف بين الأصحاب أن المعاطاة بيع و إن لم تكن كالعقد في اللزوم خلافا لظاهر عبارة المفيد و لا يقول أحد من الأصحاب إنها بيع فاسد سوي المصنف في النهاية و قد رجع عنه في كتبه المتأخرة عنها و قوله تعالي وَ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ يتناولها لأنها بيع بالاتفاق حتي من القائلين بفسادها لأنهم يقولون هو بيع فاسد و قوله تعالي إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ عام إلا ما أخرجه الدليل. و ما يوجد في عبارة جمع من متأخري الأصحاب من أنها تفيد الإباحة و تلزم بذهاب إحدي العينين يريدون به عدم اللزوم في أول الأمر و بالذهاب يتحقق اللزوم لامتناع إرادة الإباحة المجردة عن أصل الملك إذ المقصود للمتعاطيين إنما هو الملك فإذا لم يحصل كان بيعا فاسدا و لم يجز التصرف في العين و كافة الأصحاب علي خلافه و أيضا فإن الإباحة المحضة لا تقتضي الملك أصلا و رأسا فكيف يتحقق ملك شخص بذهاب مال آخر في يده. و إنما الأفعال لما لم تكن دلالتها علي المراد بالصراحة كالأقوال لأنها تدل بالقرائن منعوا من لزوم العقد بها فيجوز التراد ما دام ممكنا و مع تلف إحدي العينين يمتنع التراد فيتحقق اللزوم لأن إحداهما في مقابل الآخر و يكفي تلف بعض إحدي العينين لامتناع التراد في الباقي إذ هو موجب لتبعض الصفقة و الضرر انتهي و نحوه المحكي عنه في تعليقته علي الإرشاد و زاد فيه أن مقصود المتعاطيين إباحة مترتبة علي ملك الرقبة كسائر البيوع فإن حصل مقصودهما ثبت ما قلناه و إلا لوجب أن لا تحصل إباحة بالكلية بل يتعين الحكم بالفساد إذ المقصود غير واقع فلو وقع غيره لوقع بغير قصد و هو باطل و عليه يتفرع النماء و جواز وطء الجارية- و من منع فقد أغرب انتهي. و الذي يقوي في النفس إبقاء ظواهر كلماتهم علي حالها و أنهم يحكمون بالإباحة المجردة عن الملك في المعاطاة مع فرض قصد المتعاطيين التمليك و أن الإباحة لم
تحصل بإنشائها ابتداء بل إنما حصلت كما اعترف به في المسالك من استلزام إعطاء كل منهما سلعته مسلطا عليه الإذن في التصرف فيه بوجوه التصرفات فلا يرد عليهم عدا ما ذكره المحقق المتقدم في عبارته المتقدمة و حاصله أن المقصود هو الملك فإذا لم يحصل فلا منشأ لإباحة التصرف إذ الإباحة إن كانت من المالك فالمفروض أنه لم يصدر منه إلا التمليك و إن كانت من الشارع فليس عليها دليل و لم يشعر كلامهم بالاستناد إلي نص في ذلك مع أن إلغاء الشارع للأثر المقصود و ترتب غيره بعيد جدا مع أن التأمل في كلامهم يعطي إرادة الإباحة المالكية لا الشرعية. و يؤيد إرادة الملك أن ظاهر إطلاقهم إباحة التصرف شمولها للتصرفات التي لا تصح إلا من المالك كالوطئ و العتق و البيع لنفسه و التزامهم حصول الملك مقارنا لهذه التصرفات كما إذا وقعت هذه التصرفات من ذي الخيار أو من الواهب الذي يجوز له الرجوع بعيد. و سيجي‌ء ما ذكره بعض الأساطين و من أن هذا القول مستلزم لتأسيس قواعد جديدة لكن الإنصاف أن القول بالتزامهم لهذه الأمور أهون من توجيه كلماتهم فإن هذه الأمور لا استبعاد في التزامها إذا اقتضي الأصل عدم الملكية و لم يساعد عليها دليل معتبر و اقتضي الدليل صحة التصرفات المذكورة مع أن المحكي عن حواشي الشهيد علي القواعد المنع عما يتوقف علي الملك كإخراجه في خمس أو زكاة و كوطئ الجارية. [و صرح الشيخ في المبسوط بأن الجارية لا تملك بالهدية العارية عن الإيجاب و القبول و لا يحل وطؤها.] و مما يشهد علي نفي البعد عما ذكرنا من إرادتهم الإباحة المجردة مع قصد المتعاطيين التمليك أنه قد صرح الشيخ في المبسوط و الحلي في السرائر و كظاهر العلامة في القواعد بعدم حصول الملك بإهداء الهدية بدون الإيجاب و القبول و لو من الرسول نعم يفيد ذلك إباحة التصرف لكن الشيخ استثني وطء الجارية ثم إن المعروف بين المتأخرين- أن من قال بالإباحة المجردة في المعاطاة قال إنها ليست بيعا حقيقة كما هو ظاهر بعض العبائر المتقدمة و معقد إجماع الغنية و ما أبعد ما بينه و بين توجيه المحقق الثاني من إرادة نفي اللزوم و كلاهما خلاف الظاهر. و يدفع الثاني تصريح بعضهم بأن شرط لزوم البيع منحصر في مسقطات الخيار فكل بيع عنده لازم من غير جهة الخيارات و تصريح غير واحد أن الإيجاب و القبول من شرائط
المكاسب، ج‌2، ص 83
صحة انعقاد البيع بالصيغة و أما الأول فإن قلنا إن البيع عند المتشرعة حقيقة في الصحيح و لو بناء علي ما قدمناه في آخر تعريف البيع من أن البيع في العرف اسم للمؤثر منه في النقل فإن كان في نظر الشارع أو المتشرعة من حيث إنهم متشرعة و متدينون بالشرع صحيحا مؤثرا في الانتقال كان بيعا حقيقيا و إلا كان صوريا نظير بيع الهازل في نظر العرف فيصح علي ذلك نفي البيعية عنه علي وجه الحقيقة في كلام كل من اعتبر في صحته الصيغة أو فسره بالعقد لأنهم في مقام تعريف البيع بصدد بيان ما هو المؤثر في النقل في نظر الشارع. إذا عرفت ما ذكرناه فالأقوال في المعاطاة علي ما تساعده ظواهر كلماتهم ستة اللزوم مطلقا كما هو ظاهر شيخنا المفيد و يكفي في وجود القائل به قول العلامة رحمه الله في التذكرة الأشهر عندنا أنه لا بد من الصيغة و اللزوم بشرط كون الدال علي التراضي أو المعاملة لفظا حكي ذلك عن بعض معاصري الشهيد الثاني و بعض متأخري المحدثين لكن في عد هذا من الأقوال في المعاطاة تأمل و الملك الغير اللازم ذهب إليه المحقق الثاني و نسبه إلي كل من قال بالإباحة و سوغ جميع التصرفات و في النسبة ما عرفت و عدم الملك مع إباحة جميع التصرفات حتي المتوقفة علي الملك كما هو ظاهر عبائر كثيرة بل ذكر في المسالك أن كل من قال بالإباحة يسوغ جميع التصرفات و إباحة ما لا يتوقف علي الملك و هو الظاهر من الكلام المتقدم عن حواشي الشهيد علي القواعد و هو المناسب لما حكيناه عن الشيخ في إهداء الجارية من دون إيجاب و قبول و القول بعدم إباحة التصرف مطلقا نسب إلي ظاهر [المبسوط] و النهاية لكن ثبت رجوعه عنه في غيرها. و المشهور بين علمائنا عدم ثبوت الملك بالمعاطاة [و إن قصد المتعاطيان بها التمليك بل لم نجد قائلا به إلي زمان المحقق الثاني الذي قال به و لم يقتصر علي ذلك حتي نسبه إلي الأصحاب. نعم ربما يوهمه ظاهر عبارة السرائر حيث قال فيه الأقوي أن المعاطاة غير لازمة بل لكل منهما فسخ المعاوضة ما دامت العين باقية فإن تلفت لزمت انتهي و لذا نسب ذلك إليه في المسالك لكن قوله بعد ذلك و لا يحرم علي كل منهما الانتفاع بما قبضه بخلاف البيع الفاسد ظاهر في أن مراده مجرد الانتفاع إذ لا معني لهذه العبارة بعد الحكم بالملك. و أما قوله و الأقوي إلي آخره فهو إشارة إلي خلاف المفيد رحمه الله و العامة القائلين باللزوم و إطلاق المعاوضة عليها باعتبار ما قصده المتعاطيان و إطلاق الفسخ علي الرد بهذا الاعتبار أيضا و كذا اللزوم. و يؤيد ما ذكرنا بل يدل عليه أن الظاهر من عبارة التحرير في باب الهبة توقفها علي الإيجاب و القبول ثم قال و هل يستغني عن الإيجاب و القبول في هدية الأطعمة الأقرب عدمه نعم يباح التصرف بشاهد الحال انتهي. و صرح بذلك أيضا في الهدية فإذا لم يقل في الهدية بصحة المعاطاة فكيف يقول بها في البيع. و ذهب جماعة تبعا للمحقق الثاني إلي حصول الملك و لا يخلو عن قوة للسيرة المستمرة علي المعاملة المأخوذة بالمعاطاة معاملة الملك في التصرف فيه بالعتق و البيع و الوطي و الإيصاء و توريثه و غير ذلك من آثار الملك و يدل عليه أيضا عموم قوله تعالي وَ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ حيث إنه يدل علي حلية جميع التصرفات المترتبة علي البيع بل قد يقال إن الآية دالة عرفا بالمطابقة علي صحة البيع لا مجرد الحكم التكليفي لكنها محل تأمل. و أما منع صدق البيع عليه عرفا فمكابرة و أما دعوي الإجماع في كلام بعضهم علي عدم كون المعاطاة بيعا كابن زهرة في الغنية فمرادهم بالبيع المعاملة اللازمة التي هو أحد العقود و لذا صرح في الغنية بكون الإيجاب و القبول من شرائط صحة البيع و دعوي أن البيع الفاسد عندهم ليس بيعا قد عرفت الحال فيها. و مما ذكرنا يظهر وجه التمسك بقوله تعالي إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ- . و أما قوله ص: إن الناس مسلطون علي أموالهم فلا دلالة فيه علي المدعي- لأن عمومه باعتبار أنواع السلطنة فهو إنما يجدي فيما إذا شك في أن هذا النوع من السلطنة ثابتة للمالك و ماضية شرعا في حقه أم لا أما إذا قطعنا بأن سلطنة خاصة كتمليك ماله للغير نافذة في حقه و ماضية شرعا لكن شك في أن هذا التمليك الخاص هل يحصل بمجرد التعاطي مع القصد أم لا بد من القول الدال عليه فلا يجوز الاستدلال علي سببية المعاطاة في
الشريعة للتمليك بعموم تسلط الناس علي أموالهم و منه يظهر أيضا عدم جواز التمسك به لما سيجي‌ء من شروط الصيغة و كيف كان ففي الآيتين مع السيرة كفاية اللهم إلا أن يقال إنهما لا تدلان علي الملك و إنما تدلان علي إباحة جميع التصرفات حتي المتوقفة علي الملك كالبيع و الوطي و العتق و الإيصاء و إباحة هذه التصرفات إنما تستلزم الملك بالملازمة الشرعية الحاصلة في سائر المقامات من الإجماع و عدم القول بالانفكاك دون المقام الذي لا يعلم ذلك منهم- حيث أطلق القائلون بعدم الملك إباحة التصرفات. و صرح في المسالك أن من أجاز المعاطاة سوغ جميع التصرفات غاية الأمر أنه لا بد من التزامهم بأن التصرف المتوقف علي الملك يكشف عن سبق الملك عليه آنا ما فإن الجمع بين إباحة هذه التصرفات و بين توقفها علي الملك يحصل بالتزام هذا المقدار و لا يتوقف علي الالتزام بالملك من أول الأمر فيقال إن مرجع هذه الإباحة أيضا إلي التمليك. و أما ثبوت السيرة و استمرارها علي التوريث فهي كسائر سيرهم الناشئة عن المسامحة و قلة المبالاة في الدين مما لا يحصي في عباداتهم و معاملاتهم و سياساتهم كما لا يخفي و دعوي أنه لم يعلم من القائل بالإباحة- جواز مثل هذه التصرفات المتوقفة علي الملك كما يظهر من المحكي عن حواشي الشهيد علي القواعد من منع إخراج المأخوذ بالمعاطاة في الخمس و الزكاة و ثمن الهدي و عدم جواز وطء الجارية المأخوذ بها. و قد صرح الشيخ رحمه الله بالأخير في معاطاة الهدايا فيتوجه التمسك حينئذ بعموم الآية علي جوازها فيثبت الملك مدفوعة بأنه و إن لم يثبت ذلك إلا أنه لم يثبت أن كل من قال بإباحة جميع هذه التصرفات قال بالملك من أول الأمر فيجوز للفقيه حينئذ التزام إباحة جميع التصرفات مع التزام حصول الملك عند التصرف المتوقف علي الملك لا من أول الأمر. فالأولي حينئذ التمسك في المطلب بأن المتبادر عرفا من حل البيع صحته شرعا هذا مع إمكان إثبات صحة المعاطاة في الهبة و الإجارة ببعض إطلاقاتهما و تتميمه في البيع بالإجماع المركب هذا مع أن ما ذكر من أن للفقيه- التزام حدوث الملك عند التصرف المتوقف عليه لا يليق بالمتفقه فضلا عن الفقيه و لذا ذكر بعض الأساطين في شرحه علي القواعد
المكاسب، ج‌2، ص 84
في مقام الاستبعاد أن القول بالإباحة المجردة مع فرض قصد المتعاطيين التمليك و البيع مستلزم لتأسيس قواعد جديدة منها أن العقود و ما قام مقامها لا تتبع القصود. و منها أن يكون إرادة التصرف من المملكات- فتملك العين أو المنفعة بإرادة التصرف بهما أو معه دفعة و إن لم يخطر ببال مالك الأول الإذن في شي‌ء من هذه التصرفات لأنه قاصد للنقل من حين الدفع و أنه لا سلطان له بعد ذلك بخلاف من قال أعتق عبدك عني أو تصدق بمالك عني. و منها أن الأخماس و الزكوات و الاستطاعة و الديون و النفقات و حق المقاسمة و الشفعة و المواريث و الربا و الوصايا يتعلق بما في اليد مع العلم ببقاء مقابله و عدم التصرف فيه أو عدم العلم به فينفي بالأصل- فيكون متعلقة بغير الأملاك و أن صفة الغني و الفقر تترتب عليه كذلك فيصير ما ليس من الأملاك بحكم الأملاك. و منها كون التصرف من جانب مملكا للجانب الآخر مضافا إلي غرابة استناد الملك إلي التصرف. و منها جعل التلف السماوي من جانب مملكا للجانب الآخر و التلف من الجانبين مع التفريط معينا للمسمي من الطرفين و لا رجوع إلي قيمة المثل حتي يكون له الرجوع بالتفاوت و مع حصوله في يد الغاصب أو تلفه فيها فالقول بأنه المطالب لأنه يملك بالغصب أو التلف في يد الغاصب غريب و القول بعدم الملك بعيد جدا مع أن في التلف القهري إن ملك التالف قبل التلف فعجيب و معه بعيد لعدم قابليته حينئذ و بعده ملك معدوم و مع عدم الدخول في الملك يكون ملك الآخر بغير عوض و نفي الملك مخالف للسيرة و بناء المتعاطيين. و منها أن التصرف إن جعلناه من النواقل القهرية- فلا يتوقف علي النية فهو بعيد و إن أوقفناه عليها كان الواطئ للجارية من غيرها واطئا بالشبهة و الجاني عليها و المتلف لها جانيا علي مال الغير و متلفا له. و منها أن النماء الحادث قبل التصرف- إن جعلنا حدوثه مملكا له دون العين فبعيد و معها فكذلك و كلاهما مناف لظاهر الأكثر و شمول الإذن له خفي. و منها قصر التمليك علي التصرف مع الاستناد فيه إلي أن إذن المالك فيه إذن في التمليك فيرجع إلي كون المتصرف في تمليك نفسه موجبا قابلا و ذلك جار في القبض بل هو أولي منه لاقترانه بقصد التمليك دونه انتهي. و المقصود من ذلك كله استبعاد هذا القول لا أن الوجوه المذكورة تنهض في مقابل الأصول و العمومات إذ ليس فيها تأسيس قواعد جديدة لتخالف القواعد المتداولة بين الفقهاء أما حكاية تبعية العقود و ما قام مقامها للقصود ففيها أولا أن المعاطاة ليست عند القائل بالإباحة المجردة من العقود و لا من القائم مقامها شرعا فإن تبعية العقود للقصود- و عدم انفكاكها عنها إنما هو لأجل دليل صحة ذلك العقد بمعني ترتب الأثر المقصود عليه فلا يعقل حينئذ الحكم بالصحة مع عدم ترتب الأثر المقصود عليه أما المعاملات الفعلية التي لم يدل علي صحتها دليل فلا يحكم بترتب الأثر المقصود عليها كما نبه عليه الشهيد في كلامه المتقدم من أن السبب الفعلي لا يقوم مقام السبب القولي في المبايعات نعم إذا دل الدليل علي ترتب أثر عليه حكم به و إن لم يكن مقصودا. و ثانيا أن تخلف العقد عن مقصود المتبايعين كثير فإنهم أطبقوا علي أن عقد المعاوضة إذا كان فاسدا يؤثر في ضمان كل من العوضين القيمة لإفادة العقد الفاسد الضمان عندهم فيما يقتضيه صحيحة مع أنهما لم يقصدا إلا ضمان كل منهما بالآخر و توهم أن دليلهم علي ذلك قاعدة اليد مدفوع بأنه لم يذكر هذا الوجه إلا بعضهم معطوفا علي الوجه الأول و هو إقدامهما علي الضمان فلاحظ المسالك و كذا الشرط الفاسد لم يقصد المعاملة إلا مقرونة به غير مفسد عند أكثر القدماء و بيع ما يملك و ما لا يملك صحيح عند الكل و بيع الغاصب لنفسه يقع للمالك- مع إجازته علي قول كثير و ترك ذكر الأجل في العقد المقصود به الانقطاع يجعله دائما علي قول نسبه في المسالك و كشف اللثام إلي المشهور. نعم الفرق بين العقود و ما نحن فيه أن التخلف عن المقصود يحتاج إلي الدليل المخرج عن أدلة صحة العقود و فيما نحن فيه عدم الترتب مطابق للأصل. و أما ما ذكره من لزوم كون إرادة التصرف مملكا فلا بأس بالتزامه إذا كان مقتضي الجمع بين الأصل و دليل جواز تصرف المطلق و أدلة توقف بعض التصرفات علي الملك فيكون كتصرف ذي الخيار- و الواهب فيما انتقل عنهما بالوطء و البيع و العتق و شبههما
. و أما ما ذكره من تعلق الأخماس و الزكوات- إلي آخر ما ذكره فهو استبعاد محض و دفعه بمخالفته للسيرة رجوع إليها مع أن تعلق الاستطاعة الموجبة للحج و تحقق الغني المانع عن استحقاق الزكاة لا يتوقفان علي الملك. و أما كون التصرف مملكا للجانب الآخر فقد ظهر جوابه. و أما كون التلف مملكا للجانبين فإن ثبت بإجماع أو سيرة كما هو الظاهر كان كل من المالين مضمونا بعوضه فيكون تلفه في يد كل منهما من ماله مضمونا بعوضه نظير تلف المبيع قبل قبضه في يد البائع لأن هذا هو مقتضي الجمع بين هذا الإجماع و بين عموم علي اليد ما أخذت و بين أصالة عدم الملك إلا في الزمان المتيقن وقوعه فيه توضيحه أن الإجماع لما دل علي عدم ضمانه بمثله أو قيمته حكم بكون التلف من مال ذي اليد رعاية لعموم علي اليد ما أخذت فذلك الإجماع مع العموم المذكور بمنزلة الرواية في أن تلف المبيع قبل قبضه من مال بائعه فإذا قدر التلف من مال ذي اليد فلا بد من أن يقدر في آخر أزمنة إمكان تقديره رعاية لأصالة عدم حدوث الملكية قبله كما تقدر ملكية المبيع للبائع و فسخ البيع من حين التلف استصحابا لأثر العقد. و أما ما ذكر من صورة غصب المأخوذ بالمعاطاة فالظاهر علي القول بالإباحة أن لكل منهما المطالبة ما دام باقيا- و إذا تلف فظاهر إطلاقهم التملك بالتلف تلفه من مال المغصوب منه نعم لو قام إجماع كان تلفه من مال المالك لو لم يتلف عوضه قبله. و أما ما ذكره من حكم النماء فظاهر المحكي عن بعض أن القائل بالإباحة لا يقول بانتقال النماء إلي الآخذ بل حكمه حكم أصله و يحتمل أن يحدث النماء في ملكه بمجرد الإباحة ثم إنك بملاحظة ما ذكرنا تقدر علي التخلص من سائر ما ذكره مع أنه رحمه الله لم يذكرها للاعتماد و الإنصاف أنها استبعادات في محلها. و بالجملة فالخروج عن أصالة عدم الملك- المعتضدة بالشهرة المحققة إلي زمان المحقق الثاني و بالاتفاق المدعي في الغنية و القواعد هنا و في المسالك في مسألة توقف الهبة علي الإيجاب و القبول
المكاسب، ج‌2، ص 85
مشكل و رفع اليد عن عموم أدلة البيع و الهبة و نحوهما المعتضد بالسيرة القطعية المستمرة و بدعوي الاتفاق المتقدم عن المحقق الثاني بناء علي تأويله لكلمات القائلين بالإباحة أشكل. فالقول الثاني لا يخلو عن قوة و عليه فهل هي لازمة ابتداء مطلقا- كما حكي عن ظاهر المفيد أو بشرط كون الدال علي التراضي لفظا كما حكي عن بعض معاصري الشهيد الثاني و قواه جماعة من متأخري المحدثين أو هي غير لازمة مطلقا فيجوز لكل منهما الرجوع في ماله كما عليه أكثر القائلين بالملك بل كلهم عدا من عرفت وجوه أوفقها بالقواعد هو الأول بناء علي أصالة اللزوم في الملك- و للشك في زواله بمجرد رجوع مالكه الأصلي. و دعوي أن الثابت هو الملك المشترك بين المتزلزل و المستقر و المفروض انتفاء الفرد الأول بعد الرجوع و الفرد الثاني كان مشكوك الحدوث من أول الأمر فلا ينفع الاستصحاب بل ربما يزاد استصحاب بقاء علقة المالك الأول مدفوعة مضافا إلي إمكان دعوي كفاية تحقق القدر المشترك في الاستصحاب- فتأمل بأن انقسام الملك إلي المتزلزل و المستقر ليس باعتبار اختلاف في حقيقته و إنما هو باعتبار حكم الشارع عليه في بعض المقامات بالزوال برجوع المالك الأصلي و منشأ هذا الاختلاف اختلاف حقيقة السبب المملك لا اختلاف حقيقة الملك. فجواز الرجوع و عدمه من الأحكام الشرعية للسبب لا من الخصوصيات المأخوذة في المسبب و يدل عليه مع أنه يكفي في الاستصحاب الشك في أن اللزوم من خصوصيات الملك- أو من لوازم السبب المملك و مع أن المحسوس بالوجدان أن إنشاء الملك في الهبة اللازمة و غيرها علي نهج واحد أن اللزوم و الجواز لو كانا من خصوصيات الملك- فإما أن يكون تخصيص القدر المشترك بإحدي الخصوصيتين بجعل المالك أو بحكم الشارع فإن كان الأول كان اللازم التفصيل بين أقسام التمليك المختلفة بحسب قصد الرجوع و قصد عدمه أو عدم قصده و هو بديهي البطلان إذ لا تأثير لقصد المالك في الرجوع و عدمه و إن كان الثاني لزم إمضاء الشارع العقد علي غير ما قصده المنشئ و هو باطل في العقود لما تقدم من أن العقود المصححة عند الشارع تتبع القصود و إن أمكن القول بالتخلف هنا في مسألة المعاطاة بناء علي ما ذكرنا سابقا انتصارا للقائل بعدم الملك من منع وجوب إمضاء المعاملات الفعلية علي طبق قصود المتعاطيين لكن الكلام في قاعدة اللزوم في الملك تشمل العقود أيضا و بالجملة فلا إشكال في أصالة اللزوم في كل عقد شك في لزومه شرعا- و كذا لو شك في أن الواقع في الخارج هو العقد اللازم- أو الجائز كالصلح من دون عوض و الهبة. نعم لو تداعيا احتمل التحالف في الجملة و يدل علي اللزوم مضافا إلي ما ذكر عموم قوله ص: الناس مسلطون علي أموالهم فإن مقتضي السلطنة أن لا يخرج عن ملكيته بغير اختياره- فجواز تملكه عنه بالرجوع فيه من دون رضاه مناف للسلطنة المطلقة. فاندفع ما ربما يتوهم أن من غاية مدلول الرواية سلطنة الشخص علي ملكه و لا نسلم ملكيته له بعد رجوع المالك الأصلي و بما ذكرنا تمسك المحقق رحمه الله في الشرائع علي لزوم القرض بعد القبض بأن فائدة الملك السلطنة و نحوه العلامة في موضع آخر و منه يظهر جواز التمسك بقوله ع: لا يحل مال أمرا إلا عن طيب نفسه حيث دل علي انحصار سبب حل مال الغير أو جزء سببه في رضا المالك فلا يحل بغير رضاه. و توهم تعلق الحل بمال الغير و كونه مال الغير بعد الرجوع أول الكلام مدفوع بما تقدم من أن تعلق الحل بالمال يفيد العموم بحيث يشمل التملك أيضا فلا يحل التصرف فيه و لا تملكه إلا بطيب نفس المالك و يمكن الاستدلال أيضا بقوله تعالي لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ- إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ و لا ريب أن الرجوع ليس تجارة و لا عن تراض فلا يجوز أكل المال. و التوهم المتقدم في السابق غير جار هنا لأن حصر مجوز أكل المال في التجارة إنما يراد به أكله علي أن يكون ملكا للأكل لا لغيره و يمكن التمسك أيضا بالجملة المستثني منها حيث إن أكل المال و نقله عن مالكه بغير رضا المالك أكل و تصرف بالباطل عرفا. نعم بعد إذن المالك الحقيقي و هو الشارع و حكمه التسلط علي فسخ المعاملة من دون رضا المالك يخرج عن البطلان- و لذا كان أكل المارة من الثمرة الممرور بها أكلا بالباطل لو لا إذن المالك الحقيقي و كذا الأخذ بالشفعة و الفسخ بالخيار و غير ذلك من النواقل القهرية هذا كله مضافا إلي ما دل علي لزوم
خصوص البيع مثل قوله ع: البيعان بالخيار ما لم يفترقا. و قد يستدل أيضا بعموم قوله تعالي أَوْفُوا بِالْعُقُودِ بناء علي أن العقد هو مطلق العهد كما في صحيحة عبد الله بن سنان أو العهد المشدد كما عن بعض أهل اللغة و كيف كان فلا يختص باللفظ فيشمل المعاطاة و كذلك قوله ص: المؤمنون عند شروطهم فإن الشرط لغة مطلق الالتزام فيشمل ما كان بغير اللفظ. و الحاصل أن الحكم باللزوم في مطلق الملك و في خصوص البيع مما لا ينكر إلا أن الظاهر فيما نحن فيه قيام الإجماع علي عدم لزوم المعاطاة بل ادعاه صريحا بعض الأساطين في شرحه علي القواعد و تعضده الشهرة المحققة بل لم يوجد به قائل إلي زمان بعض متأخري المتأخرين فإن العبارة المحكية عن المفيد رحمه الله في المقنعة لا تدل علي هذا القول كما عن الخلاف الاعتراف به فإن المحكي عنه أنه قال ينعقد البيع علي تراض بين الاثنين فيما يملكان التبايع له إذا عرفاه جميعا و تراضيا بالبيع و تقابضا أيضا و افترقا بالأبدان انتهي.
و يقوي إرادة بيان شروط صحة العقد الواقع بين اثنين و تأثيره في اللزوم و كأنه لذلك حكي كاشف الرموز عن المفيد و الشيخ رحمهما الله أنه لا بد في البيع عندهما من لفظ مخصوص. و قد تقدم دعوي الإجماع من الغنية علي عدم كونها بيعا و هو نص في عدم اللزوم و لا يقدح كونه ظاهرا في عدم الملكية الذي لا نقول به. و عن جامع المقاصد يعتبر اللفظ في العقود اللازمة بالإجماع نعم قول العلامة رحمه الله في التذكرة إن الأشهر عندنا أنه لا بد من الصيغة يدل علي وجود الخلاف المعتد به في المسألة و لو كان المخالف شاذا لعبر بالمشهور و كذلك نسبته في المختلف إلي الأكثر. و في التحرير الأقوي أن المعاطاة غير لازمة ثم لو فرضنا الاتفاق من العلماء علي
المكاسب، ج‌2، ص 86
عدم لزومها مع ذهاب كثيرهم أو أكثرهم إلي أنها ليست مملكة و إنما تفيد الإباحة لم يكن هذا الاتفاق كاشفا إذ القول باللزوم فرع الملكية و لم يقل بها إلا بعض من تأخر عن المحقق الثاني تبعا له و هذا مما يوهن حصول القطع بل الظن من الاتفاق المذكور لأن قول الأكثر بعدم اللزوم سالبة بانتفاء الموضوع.
نعم يمكن أن يقال بعد ثبوت الاتفاق المذكور إن أصحابنا بين قائل بالملك الجائز و بين قائل بعدم الملك رأسا فالقول بالملك اللازم قول ثالث فتأمل و كيف كان فتحصيل الإجماع علي وجه استكشاف قول الإمام ع من قول غيره من العلماء كما هو طريق المتأخرين مشكل لما ذكرنا و إن كان هذا لا يقدح في الإجماع علي طريق القدماء كما تبين في الأصول. و بالجملة فما ذكره في المسالك من قوله بعد ذكر قول من اعتبر مطلق اللفظ في اللزوم- ما أحسنه و ما أمتن دليله إن لم ينعقد إجماع علي خلافه في غاية الحسن و المتانة و الإجماع و إن لم يكن محققا علي وجه يوجب القطع إلا أن المظنون قويا تحققه علي عدم اللزوم مع عدم لفظ دال علي إنشاء التمليك سواء لم يوجد لفظ أصلا أم وجد و لكن لم ينشأ التمليك به بل كان من جملة القرائن علي قصد التمليك بالتقابض و قد يظهر ذلك من غير واحد من الأخبار بل يظهر منها أن إيجاب البيع باللفظ دون مجرد التعاطي كان متعارفا بين أهل السوق و التجار بل يمكن دعوي السيرة علي عدم الاكتفاء في البيوع الخطيرة- التي يراد بها عدم الرجوع بمجرد التراضي. نعم ربما يكتفون بالمصافقة فيقول البائع بارك الله لك أو ما أدي هذا المعني بالفارسية نعم يكتفون بالتعاطي في المحقرات و لا يلتزمون بعدم جواز الرجوع فيها بل ينكرون علي الممتنع عن الرجوع مع بقاء العينين نعم الاكتفاء في اللزوم بمطلق الإنشاء القولي غير بعيد للسيرة و لغير واحد من الأخبار كما سيجي‌ء إن شاء الله تعالي في شروط الصيغة

بقي الكلام في الخبر الذي يتمسك به في باب المعاطاة

بقي الكلام في الخبر الذي يتمسك به في باب المعاطاة
تارة علي عدم إفادة المعاطاة إباحة التصرف و أخري علي عدم إفادتها اللزوم جمعا بينه و بين ما دل علي صحة مطلق البيع كما صنعه في الرياض و هو قوله ع:
إنما يحلل الكلام و يحرم الكلام و توضيح المراد منه يتوقف علي بيان تمام الخبر و هو ما رواه ثقة الإسلام الكليني في باب بيع ما ليس عنده و الشيخ في باب النقد و النسيئة عن ابن أبي عمير عن يحيي بن الحجاج عن خالد بن الحجاج أو ابن نجيح قال: قلت لأبي عبد الله ع الرجل يجيئني و يقول اشتر هذا الثوب و أربحك كذا و كذا فقال أ ليس إن شاء أخذ و إن شاء ترك قلت بلي قال لا بأس إنما يحلل الكلام و يحرم الكلام إلي آخر الخبر. و قد ورد بمضمون هذا الخبر روايات أخري مجردة عن قوله ع إنما يحلل إلي آخر كلامه كلها تدل علي أنه لا بأس بهذه المواعدة و المقاولة ما لم يوجب بيع المتاع قبل أن يشتريه من صاحبه و نقول إن هذه الفقرة مع قطع النظر عن صدر الرواية تحتمل وجوها الأول أن يراد من الكلام في المقامين اللفظ الدال علي التحريم و التحليل بمعني أن تحريم شي‌ء و تحليله لا يكون إلا بالنطق بهما فلا يتحقق بالقصد المجرد عن الكلام و لا بالقصد المدلول عليه بالأفعال دون الأقوال. الثاني أن يراد بالكلام اللفظ مع مضمونه كما في قولك هذا الكلام صحيح أو فاسد لا مجرد اللفظ أعني الصوت و يكون المراد أن المطلب الواحد يختلف حكمه الشرعي حلا و حرمة باختلاف المضامين المؤداة بالكلام مثلا المقصود الواحد و هو التسليط علي البضع مدة معينة يتأتي بقولها ملكتك بضعي أو سلطتك عليه أو آجرتك نفسي أو أحللتها لك و بقولها متعت نفسي بكذا فما عدا الأخير موجب لتحريمه و الأخير محلل و علي هذا المعني ورد قوله ع: إنما يحرم الكلام في عدة من روايات المزارعة منها ما في التهذيب عن ابن محبوب عن خالد بن جرير عن أبي الربيع الشامي عن أبي عبد الله ع: عن الرجل يزرع أرض رجل آخر فيشترط ثلاثة للبذر و ثلاثة للبقر قال لا ينبغي أن يسمي بذرا و لا بقرا و لكن يقول لصاحب الأرض ازرع في أرضك و لك منها كذا و كذا نصف أو ثلث أو ما كان من شرط و لا يسمي بذرا و لا بقرا فإنما يحرم الكلام. الثالث أن يراد بالكلام في الفقرتين الكلام الواحد و يكون تحريمه و تحليله باعتبار وجوده و عدمه فيكون وجوده محللا و عدمه محرما أو بالعكس أو باعتبار محله و غير محله فيحل في محله و يحرم في غيره و يحتمل هذا الوجه الروايات الواردة في المزارعة. الرابع أن يراد من الكلام المحلل خصوص المقاولة و المواعدة- و من الكلام المحرم إيجاب البيع و إيقاعه ثم إن الظاهر عدم إرادة المعني الأول لأنه مع لزوم تخصيص الأكثر حيث إن ظاهره حصر أسباب التحليل و التحريم في الشريعة في اللفظ يوجب عدم ارتباط له في الحكم المذكور في الخبر. جوابا عن السؤال مع كونه كالتعليل له لأن ظاهر الحكم كما يستفاد من عدة روايات أخر تخصيص الجواز بما إذا لم يوجب البيع علي الرجل قبل شراء المتاع من مالكه و لا دخل لاشتراط النطق في التحليل و التحريم في هذا الحكم أصلا فكيف يعلل به و كذا المعني الثاني إذ ليس هنا مطلب واحد حتي يكون تأديته بمضمون محللا و بآخر محرما فتعين الثالث و هو أن الكلام الدال علي الالتزام بالبيع لا يحرم هذه المعاملة إلا وجوده قبل شراء العين التي يريدها الرجل لأنه بيع ما ليس عنده و لا يحلل إلا عدمه إذ مع عدم الكلام الموجب لالتزام البيع لم يحصل إلا التواعد بالمبايعة و هو غير مؤثر. فحاصل الرواية أن سبب التحليل و التحريم في هذه المعاملة منحصر في الكلام عدما و وجودا و المعني الرابع و هو أن المقاولة و المراضاة مع المشتري الثاني قبل اشتراء العين محلل للمعاملة و إيجاب البيع معه محرم لها و علي كلا المعنيين يسقط الخبر عن الدلالة علي اعتبار الكلام في التحليل كما هو المقصود في مسألة المعاطاة. نعم يمكن استظهار اعتبار الكلام في إيجاب البيع بوجه آخر بعد ما عرفت من أن المراد بالكلام هو إيجاب البيع بأن يقال إن حصر المحلل و المحرم في الكلام لا يتأتي إلا مع انحصار إيجاب البيع في الكلام إذ لو وقع بغير الكلام لم ينحصر المحلل و المحرم في الكلام إلا أن يقال إن وجه انحصار إيجاب البيع في الكلام في مورد الرواية هو عدم إمكان المعاطاة في خصوص المورد إذ المفروض أن المبيع عند مالكه الأول فتأمل. و كيف كان فلا تخلو الرواية عن إشعار أو ظهور كما يشعر به قوله ع في
رواية أخري- واردة في هذا الحكم أيضا و هي رواية يحيي بن الحجاج قال: سألت أبا عبد الله ع
المكاسب، ج‌2، ص 87
عن رجل قال لي اشتر هذا الثوب أو هذه الدابة و بعنيها أربحك فيها كذا و كذا قال لا بأس بذلك اشترها و لا تواجبه البيع قبل أن تستوجبها أو تشتريها فإن الظاهر أن المراد من مواجبة البيع ليس مجرد إعطاء العين للمشتري و يشعر به أيضا رواية العلاء الواردة في نسبة الربح إلي أصل المال قال: قلت لأبي عبد الله ع الرجل يريد أن يبيع بيعا فيقول أبيعك به ده دوازده أو ده يازده فقال لا بأس إنما هذه المراوضة فإذا جمع البيع جعله جملة واحدة فإن ظاهره علي ما فهمه بعض الشراح أنه لا يكره ذلك في المقاولة التي قبل العقد و إنما يكره حين العقد و في صحيحة ابن سنان: لا بأس بأن تبيع الرجل المتاع ليس عندك تساومه ثم تشتري له نحو الذي طلب ثم توجبه علي نفسك ثم تبيعه منه بعده

و ينبغي التنبيه علي أمور

الأول الظاهر أن المعاطاة قبل اللزوم علي القول بإفادتها الملك بيع

- بل الظاهر من كلام المحقق الثاني في جامع المقاصد أنه مما لا كلام فيه حتي عند القائلين بكونها فاسدة كالعلامة في النهاية و دل علي ذلك تمسكهم له بقوله تعالي وَ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ و أما علي القول بإفادتها الإباحة فالظاهر أنها بيع عرفي لم تؤثر شرعا إلا الإباحة فنفي البيع عنها في كلامهم و معاقد إجماعاتهم هو نفي البيع المفيد شرعا للزوم زيادة علي الملك هذا علي ما اخترناه سابقا من أن مقصود المتعاطيين في المعاطاة التمليك و البيع و أما علي ما احتمله بعضهم بل استظهره من أن محل الكلام هو ما إذا قصدا مجرد الإباحة فلا إشكال في عدم كونها بيعا عرفا و لا شرعا و علي هذا فلا بد عند الشك في اعتبار شرط فيها من الرجوع إلي الأدلة الدالة علي صحة هذه الإباحة العوضية من خصوص أو عموم و حيث إن المناسب لهذا القول التمسك في مشروعيته بعموم: إن الناس مسلطون علي أموالهم كان مقتضي القاعدة هو نفي شرطية غير ما ثبتت شرطيته كما أنه لو تمسك لها بالسيرة كان مقتضي القاعدة العكس. و الحاصل أن المرجع علي هذا عند الشك في شروطها هي أدلة هذه المعاملة سواء اعتبرت في البيع أم لا و أما علي المختار من أن الكلام فيما إذا قصد به البيع فهل يشترط فيه شروط البيع مطلقا أم لا كذلك أم تبني علي القول بإفادتها الملك و القول بعدم إفادتها إلا الإباحة وجوه يشهد للأول كونها بيعا عرفا فيشترط فيها جميع ما دل علي اشتراطه في البيع و يؤيده أن محل النزاع بين العامة و الخاصة في المعاطاة هو أن الصيغة معتبرة في البيع كسائر الشروط أم لا كما يفصح عنه عنوان المسألة في كتب كثير من العامة و الخاصة فما انتفي فيه غير الصيغة من شروط البيع خارج عن هذا العنوان و إن فرض مشاركا له في الحكم و لذا ادعي في الحدائق أن المشهور بين القائلين بعدم لزوم المعاطاة صحة المعاطاة المذكورة إذا استكمل فيها شروط البيع غير الصيغة المخصوصة و أنها تفيد إباحة تصرف كل منهما فيما صار إليه من العوض و مقابل المشهور في كلامه قول العلامة رحمه الله في النهاية بفساد المعاطاة كما صرح به بعد ذلك فلا يكون كلامه موهما لثبوت الخلاف في اشتراط صحة المعاطاة باستجماع شروط البيع. و يشهد للثاني أن البيع في النص و الفتوي ظاهر فيما حكم به باللزوم و ثبت له الخيار في قولهم:
البيعان بالخيار ما لم يفترقا و نحوه أما علي القول بالإباحة فواضح لأن المعاطاة ليست علي هذا القول بيعا في نظر الشارع و المتشرعة إذ لا نقل فيه عند الشارع فإذا ثبت إطلاق الشارع عليه في مقام فنحمله علي الجري علي ما هو بيع باعتقاد العرف لاشتماله علي النقل في نظرهم. و قد تقدم سابقا في تصحيح دعوي الإجماع علي عدم كون المعاطاة بيعا بيان ذلك و أما علي القول بالملك فلأن المطلق ينصرف إلي الفرد المحكوم باللزوم في قولهم البيعان بالخيار و قولهم إن الأصل في البيع اللزوم و الخيار إنما ثبت لدليل و إن البيع بقول مطلق من العقود اللازمة و قولهم البيع هو العقد الدال علي كذا و نحو ذلك. و بالجملة فلا يبقي للمتأمل شك في أن إطلاق البيع في النص و الفتوي يراد به ما لا يجوز فسخه إلا بفسخ عقده بخيار أو بتقايل و وجه الثالث ما تقدم للثاني علي القول بالإباحة من سلب البيع عنه و للأول علي القول بالملك من صدق البيع عليه حينئذ و إن لم يكن لازما و يمكن الفرق بين الشرط الذي ثبت اعتباره في البيع من النص فيحمل علي العرفي و إن لم يفد عند الشارع إلا الإباحة و بين ما ثبت بالإجماع علي اعتباره في البيع بناء علي انصراف البيع في كلمات المجمعين إلي العقد اللازم. و الاحتمال الأول لا يخلو عن قوة لكونها بيعا ظاهرا علي القول بالملك كما عرفت من جامع المقاصد و أما علي القول بالإباحة فلأنها لم تثبت إلا في المعاملة الفاقدة للصيغة فقط فلا يشمل الفاقدة للشرط الآخر أيضا ثم إنه حكي عن الشهيد رحمه الله في حواشيه علي القواعد أنه بعد ما منع من إخراج المأخوذ بالمعاطاة في الخمس و الزكاة و ثمن الهدي إلا بعد تلف العين يعني العين الأخري ذكر أنه يجوز أن يكون الثمن و المثمن في المعاطاة مجهولين لأنها ليست عقدا و كذا جهالة الأجل و أنه لو اشتريت أمة بالمعاطاة لم يجز له نكاحها قبل تلف الثمن انتهي و حكي عنه في باب الصرف أيضا أنه لا يعتبر التقابض في المجلس في معاطاة النقدين. أقول حكمه قدس سره بعدم جواز إخراج المأخوذ بالمعاطاة في الصدقات الواجبة و عدم جواز نكاح المأخوذ بها صريح في عدم إفادتها للملك إلا أن حكمه رحمه الله بعدم اعتبار الشروط المذكورة للبيع و الصرف معللا بأن المعاطاة ليست عقدا يحتمل أن يكون باعتبار عدم الملك حيث إن المفيد للملك منحصر في العقد و أن يكون باعتبار عدم اللزوم حيث إن الشروط المذكورة شرائط للبيع العقدي اللازم و الأقوي اعتبارها و إن قلنا بالإباحة- لأنها بيع عرفي و إن لم يفد شرعا إلا الإباحة. و مورد الأدلة الدالة علي اعتبار تلك الشروط هو البيع العرفي لا خصوص العقدي بل تقييدها بالبيع العقدي تقييد بغير الغالب و لما عرفت من أن الأصل في المعاطاة بعد القول بعدم الملك الفساد و عدم تأثيره شيئا خرج ما هو محل الخلاف بين العلماء من حيث اللزوم و العدم و هو المعاملة الجامعة للشروط عدا الصيغة و بقي الباقي و بما ذكرنا يظهر وجه تحريم الربا فيه أيضا و إن خصصنا الحكم بالبيع بل الظاهر التحريم حتي عند من لا يراها مفيدة للملك لأنها معاوضة عرفية و إن لم تفد الملك بل معاوضة شرعية- كما اعترف بها الشهيد رحمه الله في موضع من الحواشي حيث قال إن المعاطاة معاوضة مستقلة جائزة أو لازمة انتهي و لو قلنا إن المقصود للمتعاطيين الإباحة لا الملك فلا يبعد أيضا جريان
المكاسب، ج‌2، ص 88
الربا لكونها معاوضة عرفا فتأمل و أما حكم جريان الخيار فيها قبل اللزوم فيمكن نفيه علي المشهور لأنها جائزة عندهم فلا معني للخيار و إن قلنا بإفادة الملك فيمكن القول بثبوت الخيار فيه مطلقا بناء علي صيرورتها بيعا بعد اللزوم كما سيأتي عند تعرض الملزمات فالخيار موجود من زمن المعاطاة إلا أن أثره يظهر بعد اللزوم و علي هذا فيصح إسقاطه و المصالحة عليه قبل اللزوم و يحتمل أن يفصل بين الخيارات المختصة بالبيع فلا تجري لاختصاص أدلتها بما وضع علي اللزوم من غير جهة الخيار و بين غيرها كخيار الغبن و العيب بالنسبة إلي الرد دون الأرش فتجري لعموم أدلتها و أما حكم الخيار بعدم اللزوم فسيأتي بعد ذكر الملزمات.

الأمر الثاني أن المتيقن من مورد المعاطاة هو حصول التعاطي فعلا من الطرفين

فالملك أو الإباحة في كل منهما بالإعطاء فلو حصل الإعطاء من جانب واحد و لم يحصل ما يوجب إباحة الآخر أو ملكيته فلا يتحقق المعاوضة و لا الإباحة رأسا لأن كلا منهما ملك أو مباح في مقابل ملكية الآخر أو الإباحة إلا أن الظاهر من جماعة من متأخري المتأخرين تبعا للشهيد في الدروس جعله من المعاطاة و لا ريب أنه لا يصدق معني المعاطاة- لكن هذا لا يقدح في جريان حكمها عليه بناء علي عموم الحكم لكل بيع فعلي فيكون إقباض أحد العوضين من مالكه تمليكا له بعوض أو مبيحا له به و أخذ الآخر له تملكا له بالعوض أو إباحة له بإزائه فلو كان المعطي هو الثمن كان دفعه علي القول بالملك و البيع اشتراء و أخذه بيعا للمثمن به فيحصل الإيجاب و القبول الفعليان بفعل واحد [في زمان واحد ثم صحة هذا علي القول بكون المعاطاة بيعا مملكا واضحة إذ يدل عليها ما دل علي صحة المعاطاة من الطرفين. و أما علي القول بالإباحة فيشكل بأنه بعد عدم حصول الملك بها لا دليل علي تأثيرها في الإباحة اللهم إلا أن يدعي قيام السيرة عليها كقيامها علي المعاطاة الحقيقي و ربما يدعي انعقاد المعاطاة بمجرد إيصال الثمن و أخذ المثمن- من غير صدق إعطاء أصلا فضلا عن التعاطي كما تعارف أخذ الماء مع غيبة السقاء و وضع الفلس في المكان المعد له إذا علم من حال السقاء الرضا بذلك و كذا غير الماء من المحقرات كالخضراوات و نحوها و من هذا القبيل الدخول في الحمام و وضع الأجرة في كوز صاحب الحمام مع غيبته فالمعيار في المعاطاة وصول العوضين أو أحدهما مع الرضا في التصرف و يظهر ذلك من المحقق الأردبيلي رحمه الله أيضا في مسألة المعاطاة و سيأتي توضيح ذلك في مقامه إن شاء الله. ثم إنه لو قلنا إن اللفظ غير المعتبر في العقد كالفعل في انعقاد المعاطاة أمكن خلو المعاطاة من الإعطاء و الإيصال رأسا فيتقاولان علي مبادلة شي‌ء بشي‌ء من غير إيصال و لا يبعد صحته مع صدق البيع عليه بناء علي الملك و أما علي القول بالإباحة فالإشكال المتقدم هنا آكد.

الأمر الثالث تمييز البائع عن المشتري في المعاطاة الفعلية

مع كون أحد العوضين مما تعارف جعله ثمنا كالدراهم و الدنانير و الفلوس المسكوكة واضح فإن صاحب الثمن هو المشتري ما لم يصرح بالخلاف و أما مع كون العوضين من غيرها فالثمن ما قصدا قيامه مقام المثمن في العوضية فإذا أعطي الحنطة في مقام اللحم قاصدا أن هذا المقدار من الحنطة يساوي درهما هو ثمن اللحم فيصدق عرفا أنه اشتري اللحم بالحنطة و إذا انعكس انعكس الصدق فيكون المدفوع بنية البدلية عن الدراهم و الدنانير هو الثمن و صاحبه هو المشتري و لو لم يلاحظ إلا كون أحدهما بدلا عن الآخر من دون نية قيام أحدهما مقام المثمن في العوضية أو لوحظت القيمة في كليهما بأن لوحظ كون المقدار من اللحم بدرهم و ذلك المقدار من الحنطة بدرهم فتعاطيا من غير سبق مقاولة تدل علي كون أحدهما بالخصوص بائعا ففي كونه بيعا و شراء بالنسبة إلي كل منهما بناء علي أن البيع لغة كما عرفت مبادلة مال بمال و الشراء ترك شي‌ء و أخذ غيره كما عن بعض أهل اللغة فيصدق علي صاحب اللحم أنه باعه بحنطة و أنه اشتري الحنطة فيحنث لو حلف علي عدم بيع اللحم و عدم شراء الحنطة. نعم لا يترتب عليهما أحكام البائع و لا المشتري لانصرافهما في أدلة تلك إلي من اختص بصفة البيع أو الشراء فلا تعم من كان في معاملة واحدة مصداقا لهما باعتبارين أو كونه بيعا بالنسبة إلي من يعطي أولا لصدق الموجب عليه و شراء بالنسبة إلي الآخذ لكونه قابلا عرفا أو كونه معاطاة مصالحة لأنها بمعني التسالم علي شي‌ء و لذا حملوا الرواية الواردة في قول أحد الشريكين لصاحبه لك ما عندك و لي ما عندي علي الصلح أو كونه معاوضة مستقلة لا يدخل تحت العناوين المتعارفة وجوه لا يخلو ثانيها عن قوة لصدق تعريف البائع لغة و عرفا علي الدافع أولا دون الآخر و صدق المشتري علي الآخذ أولا دون الآخر فتدبر.

الرابع أن أصل المعاطاة و هو إعطاء كل منهما الآخر ماله

يتصور بحسب قصد المتعاطيين علي وجوه أحدها أن يقصد كل منهما تمليك ماله بمال الآخر- و الآخر في أخذه قابلا و متملكا بإزاء ما يدفعه فلا يكون في دفعه العوض إنشاء تمليك بل دفع لما التزمه علي نفسه بإزاء ما تملكه فيكون الإيجاب و القبول بدفع العين الأولي و قبضها فدفع العين الثانية خارج عن حقيقة المعاطاة فلو مات الآخذ قبل دفع ماله مات بعد تمام المعاطاة و بهذا الوجه صححنا سابقا عدم توقف المعاطاة علي قبض كلا العوضين فيكون إطلاق المعاطاة عليه من حيث حصول المعاملة فيه بالعطاء دون القول لا من حيث كونها متقومة بالعطاء من الطرفين و مثله في هذا الإطلاق لفظ المصالحة و المساقاة و المزارعة و المؤاجرة و غيرها و بهذا الإطلاق يستعمل المعاطاة في الرهن و القرض و الهبة و ربما يستعمل في المعاملة الحاصلة بالفعل و لو لم يكن إعطاء و في صحته تأمل ثانيها أن يقصد كل منهما تمليك الآخر ماله بإزاء تمليك ماله إياه فيكون تمليك بإزاء تمليك فالمقابلة بين التملكين لا الملكين و المعاملة متقومة بالعطاء من الطرفين فلو مات الثاني قبل الدفع لم يتحقق المعاطاة و هذا بعيد عن معني البيع و قريب إلي الهبة المعوضة لكون كل من المالين خاليا عن العوض لكن إجراء حكم الهبة المعوضة عليه مشكل إذ لو لم يملكه الثاني هنا لم يتحقق التمليك من الأول لأنه إنما ملكه بإزاء تمليكه فما لم يتحقق تمليك من الثاني لم يتحقق تملكه إلا أن يكون تمليك الآخر له ملحوظا عند تمليك الأول علي نحو الداعي لا العوض فلا يقدح تخلفه فالأولي أن يقال إنها مصالحة و تسالم علي أمر معين أو
المكاسب، ج‌2، ص 89
معاوضة مستقلة. ثالثها أن يقصد الأول إباحة ماله بعوض- فيقبل الآخر بأخذه إياه فيكون الصادر من الأول الإباحة بالعوض و من الثاني بقبوله لها التمليك كما لو صرح بقوله أبحت لك كذا بدرهم. رابعها أن يقصد كل منهما الإباحة بإزاء إباحة أخري فيكون إباحة بإزاء إباحة أو إباحة بداعي إباحة علي ما تقدم نظيره في الوجه الثاني من إمكان تصوره علي نحو الداعي و علي نحو العوضية و كيف كان فالإشكال في حكم القسمين الأخيرين علي فرض قصد المتعاطيين لهما و منشأ الإشكال أولا الإشكال في صحة إباحة جميع التصرفات حتي المتوقفة علي ملكية المتصرف بأن يقول أبحت لك كل تصرف من دون أن يملكه العين و ثانيا الإشكال في صحة الإباحة بالعوض الراجعة إلي عقد مركب من إباحة و تمليك. فنقول أما إباحة جميع التصرفات حتي المتوقفة علي الملك فالظاهر أنه لا يجوز- إذ التصرف الموقوف علي الملك لا يسوغ لغير المالك بمجرد إذن المالك فإن إذن المالك ليس مشرعا و إنما يمضي فيما يجوز شرعا فإذا كان بيع الإنسان مال غيره لنفسه بأن يملك الثمن مع خروج المبيع عن ملك غيره غير معقول كما صرح به العلامة في القواعد فكيف يجوز للمالك أن يأذن فيه. نعم يصح ذلك بأحد الوجهين كلاهما في المقام مفقود أحدهما أن يقصد المبيح بقوله أبحت لك أن تبيع مالي أن ينشئ توكيلا له لنفسك [إنشاء توكيل له في بيع ماله له ثم نقل الثمن إلي نفسه بالهبة أو في نقله أولا إلي نفسه ثم بيعه أو تمليكا له بنفس هذه الإباحة فيكون إنشاء تمليك له و يكون بيع المخاطب بمنزلة قبوله كما صرح في التذكرة بأن قول الرجل لمالك العبد أعتق عبدك عني بكذا استدعاء لتمليكه و إعتاق المولي عنه جواب لذلك الاستدعاء فيحصل النقل و الانتقال بهذا الاستدعاء و الجواب و يقدر وقوعه قبل العتق آنا ما فيكون هذا بيعا ضمنيا لا يحتاج إلي الشروط المقررة لعقد البيع و لا شك أن المقصود فيما نحن فيه ليس الإذن في نقل المال إلي نفسه أولا و لا في نقل الثمن إليه ثانيا و لا قصد التمليك بالإباحة المذكورة و لا قصد المخاطب التملك عند البيع حتي يتحقق تمليك ضمني مقصود للمتكلم و المخاطب كما كان مقصودا و لو إجمالا في مسألة أعتق عبدك عني و لذا عد العامة و الخاصة من الأصوليين دلالة هذا الكلام علي التمليك من دلالة الاقتضاء التي عرفوها بأنها دلالة مقصودة للمتكلم تتوقف صحة الكلام عقلا أو شرعا عليه فمثلوا للعقلي بقوله تعالي وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ و للشرعي بهذا المثال و من المعلوم بحكم الفرض أن المقصود فيما نحن فيه ليس إلا مجرد الإباحة. الثاني أن يدل دليل شرعي- علي حصول الملكية للمباح له بمجرد الإباحة- فيكون كاشفا عن ثبوت الملك له عند إرادة البيع آنا ما فيقع البيع في ملكه أو يدل دليل شرعي علي انتقال الثمن عن المبيح بلا فصل بعد البيع فيكون ذلك شبه دخول العمودين في ملك الشخص آنا ما لا يقبل غير العتق فإنه حينئذ يقال بالملك المقدر آنا ما للجمع بين الأدلة و هذا الوجه مفقود فيما نحن فيه إذ المفروض أنه لم يدل دليل بالخصوص علي صحة هذه الإباحة العامة و إثبات صحته بعموم مثل الناس مسلطون علي أموالهم يتوقف علي عدم مخالفة مؤداه لقواعد أخري مثل توقف انتقال الثمن إلي الشخص علي كون المثمن مالا له و توقف صحة العتق علي الملك و صحة الوطي علي التحليل بصيغة خاصة لا بمجرد الإذن في مطلق التصرف. و لأجل ما ذكرنا صرح المشهور بل قيل لم يوجد خلاف في أنه لو دفع إلي غيره مالا و قال اشتر به لنفسك طعاما من غير قصد الإذن في اقتراض المال قبل الشراء أو اقتراض الطعام أو استيفاء الدين منه بعد الشراء لم يصح كما صرح به في مواضع من القواعد و علله في بعضها بأنه لا يعقل شراء شي‌ء لنفسه بمال الغير و هو كذلك فإن مقتضي مفهوم المعاوضة و المبادلة دخول العوض في ملك من خرج المعوض عن ملكه و إلا لم يكن عوضا و بدلا و لما ذكرنا حكم الشيخ و غيره بأن الهبة الخالية عن الصيغة تفيد إباحة التصرف لكن لا يجوز وطء الجارية مع أن الإباحة المتحققة من الواهب يعم جميع التصرفات. و عرفت أيضا أن الشهيد في الحواشي لم يجوز إخراج المأخوذ بالمعاطاة في الخمس و الزكاة و ثمن الهدي و لا وطء الجارية مع أن مقصود المتعاطيين الإباحة المطلقة و دعوي أن الملك التقديري هنا أيضا لا يتوقف علي دلالة دليل خاص بل تكفي الدلالة بمجرد الجمع بين عموم
الناس مسلطون علي أموالهم الدال علي جواز هذه الإباحة المطلقة و بين أدلة توقف مثل العتق و البيع علي الملك نظير الجمع بين الأدلة في الملك التقديري مدفوعة بأن عموم الناس مسلطون علي أموالهم إنما يدل علي تسلط الناس علي أموالهم لا علي أحكامهم فمقتضاه إمضاء الشارع لإباحة المالك كل تصرف جائز شرعا فالإباحة و إن كانت مطلقة إلا أنه لا يباح بتلك الإباحة المطلقة إلا ما هو جائز بذاته في الشريعة. و من المعلوم أن بيع الإنسان مال غيره لنفسه غير جائز بمقتضي العقل و النقل الدالين علي لزوم دخول العوض في ملك مالك المعوض فلا يشمله العموم في الناس مسلطون علي أموالهم حتي يثبت التنافي بينه و بين الأدلة الدالة علي توقف البيع علي الملك فيجمع بينهما بالتزام الملك التقديري آنا ما و بالجملة دليل عدم جواز بيع ملك الغير أو عتقه لنفسه حاكم علي عموم- الناس مسلطون علي أموالهم الدال علي إمضاء الإباحة المطلقة من المالك علي إطلاقها نظير حكومة الدليل علي عدم جواز عتق مال الغير علي وجوب الوفاء بالنذر و العهد إذا نذر عتق عبد غيره له أو لنفسه فلا يتوهم الجمع بينهما بالملك القهري للناذر. نعم لو كان هناك تعارض و تزاحم من الطرفين بحيث أمكن تخصيص كل منهما لأجل الآخر أمكن الجمع بينهما بالقول بحصول الملك القهري آنا ما فتأمل. و أما حصول الملك في الآن المتعقب بالبيع أو العتق فيما إذا باع الواهب عبده الموهوب أو أعتقه فليس ملكا تقديريا نظير الملك التقديري في الدية بالنسبة إلي الميت- أو شراء العبد المعتق عليه- بل هو ملك حقيقي حاصل قبل البيع من جهة كشف البيع عن الرجوع قبله في الآن المتصل بناء علي الاكتفاء بمثل هذا في الرجوع و ليس كذلك فيما نحن فيه. و بالجملة فما نحن فيه لا ينطبق علي التمليك الضمني المذكور أولا في أعتق عبدك عني لتوقفه علي القصد و لا علي الملك المذكور ثانيا في شراء من ينعتق عليه
المكاسب، ج‌2، ص 90
لتوقفه علي التنافي بين دليل التسلط و دليل توقف العتق علي الملك و عدم حكومة الثاني علي الأول و لا علي التمليك الضمني المذكور ثالثا في بيع الواهب و ذي الخيار لعدم تحقق سبب الملك هنا سابقا بحيث يكشف البيع عنه فلم يبق إلا الحكم ببطلان الإذن في بيع ماله لغيره- سواء صرح بذلك كما لو قال بع مالي لنفسك أو اشتر بمالي لنفسك أم أدخله في عموم قوله أبحت لك كل تصرف فإذا باع المباح له علي هذا الوجه وقع البيع للمالك إما لازما بناء علي أن قصد البائع البيع لنفسه غير مؤثر أو موقوفا علي الإجازة بناء علي أن المالك لم ينو تملك الثمن هذا و لكن الذي يظهر من جماعة- منهم قطب الدين و الشهيد رحمهما الله في باب بيع الغاصب أن تسليط المشتري البائع الغاصب علي الثمن و الإذن في إتلافه يوجب جواز شراء الغاصب به شيئا و أنه يملك الثمن بدفعه إليه فليس للمالك إجازة هذا الشراء و يظهر أيضا من محكي المختلف حيث استظهر من كلامه فيما لو اشتري جارية بعين مغصوبة أن له وطء الجارية مع علم البائع بغصبية الثمن فراجع.
و مقتضي ذلك أن يكون تسليط الشخص لغيره علي ماله و إن لم يكن علي وجه الملكية يوجب جواز التصرفات المتوقفة علي الملك فتأمل و سيأتي توضيحه في مسألة البيع الفضولي إن شاء الله. و أما الكلام في صحة الإباحة بالعوض- سواء صححنا إباحة التصرفات المتوقفة علي الملك أم خصصنا الإباحة بغيرها فمحصله أن هذا النحو من الإباحة المعوضة ليست معاوضة مالية ليدخل كل من العوضين في ملك مالك العوض الآخر بل كلاهما ملك للمبيح إلا أن المباح له يستحق التصرف فيشكل الأمر فيه من جهة خروجه عن المعاوضات المعهودة شرعا و عرفا مع التأمل في صدق التجارة عليها فضلا عن البيع إلا أن يكون نوعا من الصلح لمناسبة له لغة لأنه في معني التسالم علي أمر بناء علي أنه لا يشترط فيه لفظ الصلح كما يستفاد من بعض الأخبار الدال علي صحته بقول المتصالحين لك ما عندك و لي ما عندي و نحوه ما ورد في مصالحة الزوجين و لو كانت معاملة مستقلة كفي فيها عموم الناس مسلطون علي أموالهم و المؤمنون عند شروطهم و علي تقدير الصحة ففي لزومها مطلقا- لعموم المؤمنون عند شروطهم أو من طرف المباح له حيث إنه يخرج ماله عن ملكه دون المبيح حيث إن ماله باق علي ملكه فهو مسلط عليه أو جوازها مطلقا وجوه أقواها أولها ثم أوسطها. و أما حكم الإباحة بالإباحة فالإشكال فيه أيضا يظهر مما ذكرنا في سابقه و الأقوي فيها أيضا الصحة و اللزوم للعموم أو الجواز من الطرفين لأصالة التسلط.

الخامس في حكم جريان المعاطاة في غير البيع من العقود و عدمه

اعلم أنه ذكر المحقق الثاني رحمه الله في جامع المقاصد- علي ما حكي عنه أن في كلام بعضهم ما يقتضي اعتبار المعاطاة في الإجارة و كذا في الهبة و ذلك لأنه إذا أمره بعمل علي عوض معين فعمله استحق الأجرة و لو كانت هذه إجارة فاسدة لم يجز له العمل و لم يستحق أجرة مع علمه بالفساد و ظاهرهم الجواز بذلك و كذا لو وهب بغير عقد فإن ظاهرهم جواز الإتلاف و لو كانت هبة فاسدة لم يجز بل يمنع من مطلق التصرف و هي ملاحظة وجيهة انتهي.
و فيه أن معني جريان المعاطاة في الإجارة علي مذهب المحقق الثاني- الحكم بملك المأمور الأجر المعين علي الأمر و ملك الأمر العمل المعين علي المأمور به و لم نجد من صرح به في المعاطاة. و أما قوله لو كانت إجارة فاسدة لم يجز له العمل فموضع نظر لأن فساد المعاملة لا يوجب منعه عن العمل و لا سيما إذا لم يكن العمل تصرفا في عين من أموال المستأجر. و قوله لم يستحق أجرة مع علمه بالفساد ممنوع لأن الظاهر ثبوت أجرة المثل لأنه لم يقصد التبرع و إنما قصد عوضا لم يسلم إليه. و أما مسألة الهبة فالحكم فيها بجواز إتلاف الموهوب لا يدل علي جريان المعاطاة فيها إلا إذا قلنا في المعاطاة بالإباحة فإن جماعة كالشيخ و الحلي و العلامة صرحوا بأن إعطاء الهدية من دون الصيغة يفيد الإباحة دون الملك لكن المحقق الثاني رحمه الله ممن لا يري كون المعاطاة عند القائلين بهما مفيدة للإباحة المجردة و توقف الملك في الهبة علي الإيجاب و القبول كاد أن يكون متفقا عليه كما يظهر من المسالك و مما ذكرنا يظهر المنع في قوله بل مطلق التصرف هذا و لكن الأظهر بناء علي جريان المعاطاة في البيع جريانها في غيره من الإجارة و الهبة لكون الفعل مفيدا لتمليك فيهما. و ظاهر المحكي عن التذكرة عدم القول بالفصل بين البيع و غيره حيث قال في باب الرهن إن الخلاف في الاكتفاء فيه بالمعاطاة و الاستيجاب و الإيجاب عليه المذكور في البيع آت هنا لكن استشكله في محكي جامع المقاصد بأن البيع ثبت فيه حكم المعاطاة بالإجماع بخلاف ما هنا و لعل وجه الإشكال عدم تأدي المعاطاة بالإجماع في الرهن علي النحو الذي أجروها في البيع- لأنها هناك إما مفيدة للإباحة أو الملكية الجائزة علي الخلاف و الأول غير متصور هنا و أما الجواز فكذلك لأنه ينافي الوثوق الذي به قوام مفهوم الرهن خصوصا بملاحظة أنه لا يتصور هنا ما يوجب رجوعها إلي اللزوم ليحصل به الوثيقة في بعض الأحيان و إن جعلناها مفيدة للزوم كان مخالفا لما أطبقوا عليه من توقف العقود اللازمة علي اللفظ و كان هذا هو الذي دعا المحقق الثاني إلي الجزم بجريان المعاطاة في مثل الإجارة و الهبة و القرض و الاستشكال في الرهن. نعم من لا يبالي مخالفة ما هو المشهور بل المتفق عليه بينهم من توقف العقود اللازمة علي اللفظ أو حمل تلك العقود علي اللازمة من الطرفين فلا يشمل الرهن و لذا جوز بعضهم الإيجاب بلفظ الأمر كخذه و الجملة الخبرية أمكن أن يكون بإفادة المعاطاة في الرهن اللزوم لإطلاق بعض أدلة الرهن و لم يقم هنا إجماع- علي عدم اللزوم كما قام في المعاوضات. و لأجل ما ذكرنا في الرهن يمنع من جريان المعاطاة في الوقف بأن يكتفي فيه بالإقباض لأن القول فيه باللزوم مناف لما اشتهر بينهم من توقف اللزوم علي اللفظ و الجواز غير معروف في الوقف من الشارع فتأمل. نعم يظهر الاكتفاء بغير اللفظ في باب وقف المساجد من الذكري تبعا للشيخ رحمه الله ثم إن الملزم فيما تجري فيه من العقود الأخر هو الملزم في باب البيع كما سننبه به بعد هذا

الأمر السادس في ملزمات المعاطاة علي كل من القول بالملك و القول بالإباحة

. اعلم أن الأصل علي القول بالملك اللزوم لما عرفت من الوجوه الثمانية المتقدمة و أما علي القول بالإباحة فالأصل عدم اللزوم- لقاعدة تسلط الناس علي أموالهم و أصالة سلطنة المالك
المكاسب، ج‌2، ص 91
الثابتة قبل المعاطاة و هي حاكمة علي أصالة بقاء الإباحة الثابتة قبل رجوع المالك لو سلم جريانها إذا عرفت هذا فاعلم أن تلف العوضين ملزم إجماعا علي الظاهر المصرح به في بعض العبائر أما علي القول بالإباحة فواضح لأن تلفهما من مال المالك و لم يحصل ما يوجب ضمان كل منهما مال صاحبه- و توهم جريان قاعدة الضمان باليد هنا مندفع بما سيجي‌ء. و أما علي القول بالملك فلما عرفت من أصالة اللزوم و المتيقن من مخالفتها جواز تراد العينين و حيث ارتفع مورد التراد امتنع و لم يثبت قبل التلف جواز المعاملة علي نحو جواز البيع الخياري- حتي يستصحب بعد التلف لأن هذا الجواز من عوارض العقد لا العوضين- فلا مانع من بقائه- بل لا دليل علي ارتفاعه بعد تلفهما بخلاف ما نحن فيه فإن الجواز فيه هنا بمعني جواز الرجوع في العين نظير جواز الرجوع في العين الموهوبة فلا يبقي بعد التلف متعلق الجواز بل الجواز هنا يتعلق بموضوع التراد لا مطلق الرجوع الثابت في الهبة هذا مع أن الشك في أن متعلق الجواز هل هو أصل المعاملة أو الرجوع في العين أو تراد العينين يمنع من استصحابه فإن المتيقن تعلقه بالتراد إذ لا دليل في مقابلة أصالة اللزوم علي ثبوت أزيد من جواز تراد العينين الذي لا يتحقق إلا مع بقائهما و منه يعلم حكم ما لو تلفت إحدي العينين- أو بعضها علي القول بالملك. و أما علي القول بالإباحة فقد استوجه بعض مشايخنا وفاقا لبعض معاصريه تبعا للمسالك أصالة عدم اللزوم لأصالة بقاء سلطنة مالك العين الموجودة و ملكه لها- و فيه أنها معارضة- بأصالة براءة ذمته عن مثل التالف عنده أو قيمته- و التمسك بعموم علي اليد هنا في غير محله- بعد القطع بأن هذه اليد قبل تلف العين لم يكن يد ضمان و لا بعده إذا بني مالك العين الموجودة علي إمضاء المعاطاة و لم يرد الرجوع إنما الكلام في الضمان إذا أراد الرجوع و ليس هذا من مقتضي اليد قطعا هذا و لكن يمكن أن يقال إن أصالة بقاء السلطنة حاكمة علي أصالة عدم الضمان بالمثل أو القيمة مع أن ضمان التالف ببدله معلوم- إلا أن الكلام في أن البدل هو البدل الحقيقي أعني المثل أو القيمة أو البدل الجعلي أعني العين الموجودة فلا أصل هذا مضافا إلي ما قد يقال من أن عموم الناس مسلطون علي أموالهم يدل علي السلطنة علي المال الموجود بأخذه و علي المال التالف بأخذ بدله الحقيقي و هو المثل أو القيمة فتدبر. و لو كان أحد العوضين دينا في ذمة أحد المتعاطيين- فعلي القول بالملك يملكه من في ذمته فيسقط عنه و الظاهر أنه في حكم التلف لأن الساقط لا يعود و يحتمل العود و هو ضعيف- و الظاهر أن الحكم كذلك علي القول بالإباحة فافهم. و لو نقلت العينان أو إحداهما بعقد لازم فهو كالتلف علي القول بالملك لامتناع التراد- و كذا علي القول بالإباحة إذا قلنا بإباحة التصرفات الناقلة. و لو عادت العين بفسخ ففي جواز التراد علي القول بالملك لإمكانه فيستصحب و عدمه لأن المتيقن من التراد هو المحقق قبل خروج العين عن ملك مالكه وجهان أجودهما ذلك إذ لم يثبت في مقابلة أصالة اللزوم جواز التراد بقول مطلق بل المتيقن منه غير ذلك- فالموضوع غير محرز في الاستصحاب.
و كذا علي القول بالإباحة لأن التصرف الناقل يكشف عن سبق الملك للمتصرف فيرجع بالفسخ إلي ملك الثاني فلا دليل علي زواله بل الحكم هنا أولي منه علي القول بالملك لعدم تحقق جواز التراد في السابق هنا حتي يستصحب بل المحقق أصالة بقاء سلطنة المالك الأول المقطوع بانتفائها. نعم لو قلنا إن الكاشف عن الملك هو العقد الناقل فإذا فرضنا ارتفاعه بالفسخ عاد الملك إلي المالك الأول و إن كان مباحا لغيره ما لم يسترد عوضه كان مقتضي قاعدة السلطنة جواز التراد لو فرض كون العوض الآخر باقيا علي ملك مالكه الأول أو عائدا إليه بفسخ و كذا لو قلنا إن البيع لا يتوقف علي سبق الملك بل يكفي فيه إباحة التصرف و الإتلاف و يملك الثمن بالبيع كما تقدم استظهاره عن جماعة في الأمر الرابع لكن الوجهين ضعيفان بل الأقوي رجوعه بالفسخ إلي البائع. و لو كان الناقل عقدا جائزا لم يكن لمالك العين الباقية إلزام الناقل بالرجوع فيها و لا رجوعه بنفسه إلي عينه فالتراد غير متحقق و تحصيله غير واجب و كذا علي القول بالإباحة لكون المعاوضة كاشفة عن سبق الملك. نعم لو كان غير معاوضة كالهبة- و قلنا إن التصرف في مثله لا يكشف عن سبق الملك إذ لا عوض فيه حتي لا يعقل كون العوض ما لا لأحد و انتقال المعوض إلي الآخر بل الهبة ناقلة للملك عن ملك المالك المتهب فيتحقق حكم جواز الرجوع بالنسبة إلي المالك لا الواهب اتجه الحكم بجواز التراد مع بقاء العين الأخري أو عودها إلي مالكها بهذا النحو من العود إذ لو عادت بوجه آخر كان حكمه حكم التلف. و لو باع العين ثالث فضولا فأجاز المالك الأول علي القول بالملك لم يبعد كون إجازته رجوعا كبيعه و سائر تصرفاته الناقلة. و لو أجاز المالك الثاني نفذت بغير إشكال و ينعكس الحكم إشكالا و وضوحا علي القول بالإباحة و لكل منهما رد العين قبل إجازة الآخر- . و لو رجع الأول فأجاز الثاني فإن جعلنا الإجازة كاشفة لغا الرجوع و يحتمل عدمه لأنه رجوع قبل تصرف الآخر فينفذ و تلغو الإجازة و إن جعلناها ناقلة لغت الإجازة قطعا. و لو امتزجت العينان أو إحداهما سقط الرجوع علي القول بالملك لامتناع التراد و يحتمل الشركة و هو ضعيف. أما علي القول بالإباحة فالأصل بقاء التسلط علي ماله الممتزج بمال الغير فيصير المالك شريكا مع المال الممتزج به نعم لو كان المزج ملحقا له بالإتلاف- جري عليه حكم التلف. و لو تصرف في العين تصرفا مغيرا للصورة- كطحن الحنطة و فصل الثوب فلا لزوم علي القول بالإباحة و علي القول بالملك ففي اللزوم وجهان مبنيان علي جريان استصحاب جواز التراد و منشأ الإشكال أن الموضوع في الاستصحاب عرفي أو حقيقي ثم إنك قد عرفت مما ذكرنا أنه ليس جواز الرجوع في مسألة المعاطاة- نظير الفسخ في العقود اللازمة حتي يورث بالموت و يسقط بالإسقاط ابتداء أو في ضمن معاملة بل هو علي القول بالملك نظير الرجوع في الهبة- و علي القول بالإباحة نظير الرجوع في إباحة الطعام بحيث يناط الحكم فيه بالرضا
المكاسب، ج‌2، ص 92
الباطني بحيث لو علم كراهة المالك باطنا لم يجز له التصرف فلو مات أحد المالكين لم يجز لوارثه الرجوع علي القول بالملك للأصل لأن من له و إليه الرجوع هو المالك الأصلي و لا يجري الاستصحاب. و لو جن أحدهما فالظاهر قيام وليه مقامه في الرجوع علي القولين.

السابع أن الشهيد الثاني في المسالك ذكر وجهين في صيرورة المعاطاة بيعا بعد التلف أو معاوضة مستقلة

قال يحتمل الأول لأن المعاوضات محصورة و ليست إحداها و كونها معاوضة برأسها يحتاج إلي دليل و يحتمل الثاني لإطباقهم علي أنها ليست بيعا حال وقوعها فكيف تصير بيعا بعد التلف و تظهر الفائدة في ترتب الأحكام المختصة بالبيع عليها كخيار الحيوان لو كان التالف الثمن أو بعضه- و علي تقدير ثبوته فهل الثلاثة من حين المعاطاة أو من حين اللزوم كل محتمل و يشكل الأول بقولهم إنها ليست بيعا و الثاني بأن التصرف ليس معاوضة بنفسها اللهم إلا أن تجعل المعاطاة جزء السبب و التلف تمامه و الأقوي عدم ثبوت خيار الحيوان هنا بناء علي أنها ليست لازمة و إنما يتم علي قول المفيد و من تبعه و أما خيار العيب و الغبن فيثبتان علي التقديرين كما أن خيار المجلس منتف انتهي. و الظاهر أن هذا تفريع علي القول بالإباحة في المعاطاة و أما علي القول بكونها مفيدة للملك المتزلزل فينبغي الكلام في كونها معاوضة مستقلة أو بيعا متزلزلا قبل اللزوم حتي يتبعه حكمها بعد اللزوم إذ الظاهر أنه عند القائلين بالملك المتزلزل بيع بلا إشكال في ذلك عندهم علي ما تقدم من المحقق الثاني فإذا لزم صار بيعا لازما فتلحقه أحكام البيع عدا ما استفيد من دليله ثبوته للبيع العقدي الذي مبناه علي اللزوم لو لا الخيار. و قد تقدم أن الجواز هنا لا يراد به ثبوت الخيار و كيف كان فالأقوي أنها علي القول بالإباحة بيع عرفي لم يصححه الشارع و لم يمضه إلا بعد تلف إحدي العينين أو ما في حكمه و بعد التلف تترتب عليه أحكام البيع- عدا ما اختص دليله بالبيع الواقع صحيحا من أول الأمر. و المحكي من حواشي الشهيد- أن المعاطاة معاوضة مستقلة جائزة أو لازمة- و الظاهر أنه أراد التفريع علي مذهبه من الإباحة و كونها معاوضة قبل اللزوم من جهة كون كل من العينين مباحا عوضا عن الأخري لكن لزوم هذه المعاوضة لا يقتضي حدوث الملك كما لا يخفي فلا بد أن يقول بالإباحة اللازمة فافهم.

الثامن لا إشكال في تحقق المعاطاة المصطلحة التي هي معركة الآراء بين الخاصة و العامة بما إذا تحقق إنشاء التمليك أو الإباحة بالفعل

و هو قبض العينين أما إذا حصل بالقول غير الجامع لشرائط اللزوم فإن قلنا بعدم اشتراط اللزوم بشي‌ء زائد علي الإنشاء اللفظي كما قويناه سابقا بناء علي التخلص بذلك عن اتفاقهم علي توقف العقود اللازمة علي اللفظ فلا إشكال في صيرورة المعاملة بذلك عقدا لازما و إن قلنا بمقالة المشهور من اعتبار أمور زائدة علي اللفظ فهل يرجع ذلك الإنشاء القولي إلي حكم المعاطاة مطلقا أو بشرط تحقق قبض العين معه أو لا يتحقق به مطلقا. نعم إذا حصل إنشاء آخر بالقبض المتحقق بعده تحقق المعاطاة فالإنشاء القولي السابق كالعدم لا عبرة به و لا بوقوع القبض به خاليا عن قصد الإنشاء بل بانيا علي كونه حقا لازما لكونه من آثار الإنشاء القولي السابق نظير القبض في العقد الجامع للشرائط ظاهر كلام غير واحد من مشايخنا المعاصرين الأول تبعا لما يستفاد من ظاهر كلام المحقق و الشهيد الثانيين. قال المحقق في صيغ عقوده [علي ما حكي عنه بعد ذكره الشروط المعتبرة في الصيغة] إنه لو أوقع البيع بغير ما قلناه و علم التراضي منهما كان معاطاة انتهي و في الروضة في مقام عدم كفاية الإشارة مع القدرة علي النطق أنها تفيد المعاطاة مع الإفهام الصريح انتهي و ظاهر الكلامين صورة وقوع الإنشاء بغير القبض بل يكون القبض من آثاره و ظاهره كصريح جماعة منهم المحقق و العلامة أنه لو قبض ما ابتاعه بالعقد الفاسد لم يملك و كان مضمونا عليه هو الوجه الأخير لأن مرادهم بالعقد الفاسد إما خصوص ما كان فساده من جهة مجرد اختلال شروط الصيغة كما ربما يشهد به ذكر هذا الكلام بعد شروط الصيغة و قبل شروط العوضين و المتعاقدين و إما ما يشتمل هذا و غيره كما هو الظاهر و كيف كان فالصورة الأولي داخلة قطعا و لا يخفي أن الحكم فيها بالضمان مناف لجريان الحكم بالمعاطاة و ربما يجمع بين هذا الكلام و ما تقدم من المحقق و الشهيد الثانيين فيقال إن موضوع المسألة في عدم جواز التصرف بالعقد الفاسد ما إذا علم عدم الرضا إلا بزعم صحة المعاطاة فإذا انتفت الصحة انتفي الإذن لترتبه علي زعم الصحة فكان التصرف تصرفا بغير إذن و أكلا للمال بالباطل لانحصار وجه الحل في كون المعاملة بيعا أو تجارة عن تراض أو هبة أو نحوها من وجوه الرضا بأكل المال بغير عوض. و الأولان قد انتفيا بمقتضي الفرض و كذا البواقي للقطع من جهة زعمهما صحة المعاملة بعدم الرضا بالتصرف مع عدم بذل شي‌ء في المقابل فالرضا المتقدم كالعدم فإن تراضيا بالعوضين بعد العلم بالفساد و استمر رضاهما فلا كلام في صحة المعاملة و رجعت إلي المعاطاة كما إذا علم الرضا من أول الأمر بإباحتهما التصرف بأي وجه اتفق سواء صحت المعاملة أم فسدت فإن ذلك ليس من البيع الفاسد في شي‌ء. أقول المفروض أن الصيغة الفاقدة لبعض الشرائط لا تتضمن إلا إنشاء واحدا هو التمليك و من المعلوم أن هذا المقدار لا يوجب بقاء الإذن الحاصل في ضمن التمليك بعد فرض انتفاء التمليك و الموجود بعده إن كان إنشاء آخر في ضمن التقابض خرج عن محل الكلام لأن المعاطاة حينئذ إنما تحصل به لا بالعقد الفاقد للشرائط مع أنك عرفت أن ظاهر كلام الشهيد و المحقق الثانيين حصول المعاوضة و المراضاة بنفس الإشارة المفهمة بقصد البيع و بنفس الصيغة الخالية عن الشرائط لا بالتقابض الحاصل بعدهما و منه يعلم فساد ما ذكره من حصول المعاطاة بتراض جديد بعد العقد غير مبني علي صحة العقد ثم إن ما ذكره من التراضي الجديد بعد العلم بالفساد مع اختصاصه بما إذا علما بالفساد دون غيره من الصور مع أن كلام الجميع مطلق. يرد عليه أن هذا التراضي إن كان تراضيا آخر حادثا بعد العقد فإن كان لا علي وجه المعاطاة بل كل منهما رضي بتصرف الآخر في ماله من دون ملاحظة رضا صاحبه بتصرفه في ماله فهذا ليس
المكاسب، ج‌2، ص 93
من المعاطاة بل هي إباحة مجانية من الطرفين تبقي ما دام العلم بالرضا و لا يكفي فيه عدم العلم بالرجوع لأنه كالإذن الحاصل من شاهد الحال و لا يترتب عليه أثر المعاطاة من اللزوم بتلف إحدي العينين أو جواز التصرف إلي حين العلم بالرجوع أو مع ثبوت أحدهما و إن كان علي وجه المعاطاة فهذا ليس إلا التراضي السابق علي ملكية كل منهما لمال الآخر و ليس تراضيا جديدا بناء علي أن المقصود بالمعاطاة التمليك كما عرفته من كلام المشهور خصوصا المحقق الثاني فلا يجوز له أن يريد بقوله المتقدم عن صيغ العقود أن الصيغة الفاقدة للشرائط مع التراضي يدخل في المعاطاة التراضي الجديد الحاصل بعد العقد لا علي وجه المعاوضة. و تفصيل الكلام أن المتعاملين بالعقد الفاقد لبعض الشرائط إما أن يقع تقابضهما بغير رضا من كل منهما في تصرف الآخر بل حصل قهرا عليهما أو علي أحدهما و إجبارا علي العمل بمقتضي العقد فلا إشكال في حرمة التصرف في المقبوض علي هذا الوجه و كذا إن وقع علي وجه الرضا الناشئ عن بناء كل منهما علي ملكية الآخر اعتقادا أو تشريعا كما في كل قبض وقع علي هذا الوجه لأن حيثية كون القابض مالكا مستحقا لما يقبضه جهة تقييدية مأخوذة في الرضا ينتفي بانتفائها في الواقع كما في نظائره. و هذان الوجهان مما لا إشكال فيه في حرمة التصرف في العوضين كما أنه لا إشكال في الجواز إذا أعرضا عن أثر العقد و تقابضا بقصد إنشاء التمليك ليكون معاطاة صحيحة عقيب عقد فاسد و إما إن وقع الرضا بالتصرف بعد العقد من دون ابتنائه علي استحقاقه بالعقد السابق و لا قصد لإنشاء تمليك بل وقع مقارنا لاعتقاد الملكية الحاصلة بحيث لولاها لكان الرضا أيضا موجودا و كان المقصود الأصلي من المعاملة التصرف و أوقعا العقد الفاسد وسيلة له و يكشف عنه أنه لو سئل كل منهما عن رضاه بتصرف صاحبه علي تقدير عدم التمليك أو بعد تنبيهه علي عدم حصول الملك كان راضيا فإدخال هذا في المعاطاة يتوقف علي أمرين الأول كفاية هذا الرضا المركوز في النفس بل الرضا الشأني لأن الموجود بالفعل هو رضاه من حيث كونه مالكا في نظره و قد صرح بعض من قارب عصرنا بكفاية ذلك و لا يبعد رجوع الكلام المتقدم ذكره إلي هذا و لعله لصدق طيب النفس علي هذا الأمر المركوز في النفس. الثاني أنه لا يشترط في المعاطاة إنشاء الإباحة أو التمليك بالقبض بل و لا بمطلق الفعل بل يكفي وصول كل من العوضين إلي المالك الآخر و الرضا بالتصرف قبله أو بعده علي الوجه المذكور و فيه إشكال من أن ظاهر محل النزاع بين العامة و الخاصة هو العقد الفعلي كما ينبئ عنه قول العلامة رحمه الله في رد كفاية المعاطاة في البيع إن الأفعال قاصرة عن إفادة المقاصد و كذا استدلال المحقق الثاني علي عدم لزومها بأن الأفعال ليست كالأقوال في صراحة الدلالة و كذا ما تقدم من الشهيد رحمه الله في قواعده من أن الفعل في المعاطاة لا يقوم مقام القول و إنما يفيد الإباحة إلي غير ذلك من كلماتهم الظاهرة في أن محل الكلام هو الإنشاء الحاصل بالتقابض و كذا كلمات العامة فقد ذكر بعضهم أن البيع ينعقد بالإيجاب و القبول و بالتعاطي. و من أن الظاهر أن عنوان التعاطي في كلماتهم لمجرد الدلالة علي الرضا و أن عمدة الدليل علي ذلك هي السيرة و لذا تعدوا إلي ما إذا لم يحصل إلا قبض أحد العوضين و السيرة موجودة في المقام فإن بناء الناس علي أخذ الماء و البقل و غير ذلك من الجزئيات من دكاكين أربابها مع عدم حضورهم و وضعهم الفلوس في الموضع المعد له و علي دخول الحمام مع عدم حضور صاحبه و وضع الفلوس في كوز الحمامي. فالمعيار في المعاطاة وصول المالين أو أحدهما مع التراضي بالتصرف و هذا ليس ببعيد علي القول بالإباحة

مقدمة في خصوص ألفاظ عقد البيع

اشارة

قد عرفت أن اعتبار اللفظ في البيع بل في جميع العقود مما نقل عليه عقد الإجماع و تحقق فيه الشهرة العظيمة مع الإشارة إليه في بعض النصوص لكن هذا يختص بصورة القدرة أما مع العجز عنه كالأخرس فمع عدم القدرة علي التوكيل لا إشكال و لا خلاف في عدم اعتبار اللفظ و قيام الإشارة مقامه و كذا مع القدرة علي التوكيل لا لأصالة عدم وجوبه كما قيل لأن الوجوب بمعني الاشتراط كما فيما نحن فيه هو الأصل بل لفحوي ما ورد من عدم اعتبار اللفظ في طلاق الأخرس فإن حمله علي صورة عجزه عن التوكيل حمل للمطلق علي الفرد النادر مع أن الظاهر عدم الخلاف في عدم الوجوب. ثم لو قلنا إن الأصل في المعاطاة اللزوم بعد القول بإفادتها الملكية فالقدر المخرج صورة قدرة المتبايعين علي مباشرة اللفظ و الظاهر أيضا كفاية الكتابة مع العجز عن الإشارة لفحوي ما ورد من النص علي جوازها في الطلاق مع أن الظاهر عدم الخلاف فيه و أما مع القدرة علي الإشارة فقد رجح بعض الإشارة و لعله لأنها أصرح في الإنشاء من الكتابة. و في بعض روايات الطلاق ما يدل علي العكس و إليه ذهب الحلي رحمه الله هناك. ثم الكلام في الخصوصيات المعتبرة في اللفظ تارة يقع في مواد الألفاظ من حيث إفادة المعني بالصراحة و الظهور و الحقيقة و المجاز و الكناية و من حيث اللغة المستعملة في معني المعاملة و أخري في هيئة كل من الإيجاب و القبول من حيث اعتبار كونه بالجملة الفعلية و كونه بالماضي و ثالثة في هيئة تركيب الإيجاب و القبول من حيث الترتيب و الموالاة أما الكلام من حيث المادة فالمشهور عدم وقوع العقد بالكنايات. قال في التذكرة الرابع من شروط الصيغة التصريح فلا يقع بالكناية بيع البتة مثل قوله أدخلته في ملكك أو جعلته لك أو خذه مني أو سلطتك عليه بكذا عملا بأصالة بقاء الملك و لأن المخاطب لا يدري بم خوطب انتهي. و زاد في غاية المراد علي الأمثلة مثل قوله أعطيتكه بكذا أو تسلط عليه بكذا و ربما يبدل هذا باشتراط الحقيقة في الصيغة فلا ينعقد بالمجازات حتي صرح بعضهم بعدم الفرق بين المجاز القريب و البعيد. و المراد بالصريح كما يظهر من جماعة من الخاصة
المكاسب، ج‌2، ص 94
و العامة في باب الطلاق و غيره ما كان موضوعا بعنوان ذلك العقد لغة أو شرعا و من الكناية ما أفاد لازم ذلك العقد بحسب الوضع فيفيد إرادة نفسه بالقرائن و هي علي قسمين عندهم جلية و خفية. و الذي يظهر من النصوص المتفرقة في أبواب العقود اللازمة و الفتاوي المتعرضة لصيغها في البيع بقول مطلق و في بعض أنواعه و في غير البيع من العقود اللازمة هو الاكتفاء بكل لفظ له ظهور عرفي معتد به في المعني المقصود فلا فرق بين قوله بعت و ملكت و بين قوله نقلت إلي ملكك أو جعلته ملكا لك بكذا و هذا هو الذي قواه جماعة من متأخري المتأخرين. و حكي عن جماعة ممن تقدمهم كالمحقق حيث حكي عن تلميذه كاشف الرموز أنه حكي عن شيخه المحقق أن عقد البيع لا يلزم فيه لفظ مخصوص و أنه اختاره أيضا و حكي عن الشهيد رحمه الله في حواشيه أنه جوز البيع بكل لفظ دل عليه مثل أسلمت إليك و عاوضتك. و حكاه في المسالك عن بعض مشايخه المعاصرين بل هو ظاهر العلامة رحمه الله في التحرير حيث قال إن الإيجاب هو اللفظ الدال علي النقل مثل بعتك أو ملكتك أو ما يقوم مقامهما و نحوه المحكي عن التبصرة و الإرشاد و شرحه لفخر الإسلام فإذا كان الإيجاب هو اللفظ الدال علي النقل فكيف لا ينعقد بمثل نقلته إلي ملكك أو جعلته ملكا لك بكذا بل قد يدعي أنه ظاهر كل من أطلق اعتبار الإيجاب و القبول فيه من دون ذكر لفظ خاص كالشيخ و أتباعه فتأمل. و قد حكي عن الأكثر تجويز البيع حالا بلفظ المسلم. و صرح جماعة أيضا في بيع التولية بانعقاده بقوله وليتك العقد أو وليتك السلعة و التشريك في المبيع بلفظ شركتك. و عن المسالك في مسألة تقبل أحد الشريكين في النخل حصة صاحبه بشي‌ء معلوم من الثمرة أن ظاهر الأصحاب جواز ذلك بلفظ التقبيل مع أنه لا يخرج عن البيع أو الصلح أو معاملة ثالثة لازمة عند جماعة هذا ما حضرني من كلماتهم في البيع و أما في غيره فظاهر جماعة في القرض عدم اختصاصه بلفظ خاص فجوزوه بقوله تصرف فيه أو انتفع به و عليك رد عوضه أو خذه بمثله و أسلفتك و غير ذلك مما عدوا مثله في البيع من الكنايات مع أن القرض من العقود اللازمة علي حسب لزوم البيع و الإجارة. و حكي عن جماعة في الرهن أن إيجابه يؤدي بكل لفظ يدل عليه مثل قوله هذه وثيقة عندك. و عن الدروس تجويزه بقوله خذه أو أمسكه بمالك. و حكي عن غير واحد تجويز إيجاب الضمان الذي هو من العقود اللازمة بلفظ تعهدت المال و تقلدته و شبه ذلك. و لقد ذكر المحقق و جماعة ممن تأخر عنه جواز الإجارة بلفظ العارية معللين بتحقق القصد و تردد جماعة في انعقاد الإجارة بلفظ بيع المنفعة و قد ذكر جماعة جواز المزارعة بكل لفظ يدل علي تسليم الأرض للمزارعة. و عن مجمع البرهان كما في غيره أنه لا خلاف في جوازها بكل لفظ يدل علي المطلوب مع كونه ماضيا و عن المشهور جوازها بلفظ ازرع.
و قد جوز جماعة الوقف بلفظ حرمت و تصدقت مع القرينة الدالة علي إرادة الوقف مثل أن لا يباع و لا يورث مع عدم الخلاف كما عن غير واحد علي أنهما من الكنايات و جوز جماعة وقوع النكاح الدائم بلفظ التمتع مع أنه ليس صريحا فيه. و مع هذه الكلمات كيف يجوز أن يسند إلي العلماء أو أكثرهم وجوب إيقاع العقد باللفظ الموضوع له و أنه لا يجوز بالألفاظ المجازية خصوصا مع تعميمها للقريبة و البعيدة كما تقدم عن بعض المحققين و لعله لما عرفت من تنافي ما اشتهر بينهم من عدم جواز التعبير بالألفاظ المجازية في العقود اللازمة مع ما عرفت منهم من الاكتفاء في أكثرها بالألفاظ غير الموضوعة لذلك العقد جمع المحقق الثاني علي ما حكي عنه في باب السلم و النكاح بين كلماتهم بحمل المجازات الممنوعة علي المجازات البعيدة و هو جمع حسن و لعل الأولي أن يراد باعتبار الحقائق في العقود اعتبار الدلالة اللفظية الوضعية سواء أ كان اللفظ الدال علي إنشاء العقد موضوعا له بنفسه أو مستعملا فيه مجازا بقرينة لفظ موضوع آخر ليرجع الإفادة بالأخرة إلي الوضع إذ لا يعقل الفرق في الوضوح الذي هو مناط الصراحة بين إفادة لفظ للمطلب بحكم الوضع أو إفادته له بضميمة لفظ آخر يدل بالوضع علي إرادة المطلب من ذلك اللفظ و هذا بخلاف اللفظ الذي يكون دلالته علي المطلب لمقارنة حال أو سبق مقال خارج عن العقد فإن الاعتماد عليه في متفاهم المتعاقدين و إن كان من المجازات القريبة جدا رجوع عما بني عليه من عدم العبرة بغير الأقوال في إنشاء المقاصد و لذا لم يجوزوا العقد بالمعاطاة و لو مع سبق مقال أو اقتران حال يدل علي إرادة البيع جزما. و مما ذكرنا يظهر الإشكال في الاقتصار علي المشترك اللفظي اتكالا علي القرينة الحالية المعينة و كذا المشترك المعنوي و يمكن أن ينطبق علي ما ذكرنا الاستدلال المتقدم في عبارة التذكرة بقوله قدس سره لأن المخاطب لا يدري بم خوطب إذ ليس المراد أن المخاطب لا يفهم منها المطلب و لو بالقرائن الخارجية بل المراد أن الخطاب بالكناية لما لم يدل علي المعني المنشأ ما لم يقصد الملزوم لأن اللازم الأعم كما هو الغالب بل المطرد في الكنايات لا يدل علي الملزوم ما لم يقصد المتكلم خصوص الفرد المجامع مع الملزوم الخاص فالخطاب في نفسه محتمل لا يدري المخاطب بم خوطب و إنما يفهم المراد بالقرائن الخارجية الكاشفة عن قصد المتكلم. و المفروض علي ما تقرر في مسألة المعاطاة أن النية بنفسها أو مع انكشافها بغير الأقوال لا تؤثر في النقل و الانتقال فلم يحصل هنا عقد لفظي يقع التفاهم به لكن هذا الوجه لا يجري في جميع ما ذكروه من أمثلة الكناية. ثم إنه ربما يدعي أن العقود المؤثرة في النقل و الانتقال أسباب شرعية توقيفية كما حكي عن الإيضاح من أن كل عقد لازم وضع الشارع له صيغة مخصوصة بالاستقراء فلا بد من الاقتصار علي المتيقن و هو كلام لا محصل له عند من لاحظ فتاوي العلماء فضلا عن الروايات المتكثرة الآتي بعضها. و أما ما ذكره الفخر قدس سره فلعل المراد فيه من الخصوصية المأخوذة في الصيغة شرعا هي اشتمالها علي العنوان المعبر به عن تلك المعاملة في كلام الشارع فإذا كانت العلاقة الحادثة بين الرجل و المرأة معبرا عنها في كلام الشارع بالنكاح أو الزوجية أو المتعة فلا بد من اشتمال عقدها علي هذه العناوين
المكاسب، ج‌2، ص 95
فلا يجوز بلفظ الهبة أو البيع أو الإجارة أو نحو ذلك و هكذا الكلام في العقود المنشئة للمقاصد الأخر كالبيع و الإجارة و نحوهما. فخصوصية اللفظ من حيث اعتبار اشتمالها علي هذه العناوين الدائرة في لسان الشارع أو ما يرادفها لغة أو عرفا لأنها بهذه العناوين موارد للأحكام الشرعية التي لا تحصي. فعلي هذا فالضابط وجوب إيقاع العقد بإنشاء العناوين الدائرة في لسان الشارع إذ لو وقع بإنشاء غيرها فإن كان لا مع قصد تلك العناوين كما لو لم تقصد المرأة إلا هبة نفسها أو إجارة نفسها مدة الاستمتاع لم تترتب عليه الآثار المحمولة في الشريعة علي الزوجية الدائمة أو المنقطعة و إن كان بقصد هذه العناوين دخل في الكناية التي عرفت أن تجويزها رجوع إلي عدم اعتبار إفادة المقاصد بالأقوال. فما ذكره الفخر رحمه الله مؤيد لما ذكرناه و استفدناه من كلام والده قدس سره و إليه يشير أيضا ما عن جامع المقاصد من أن العقود متلقاة من الشارع فلا ينعقد عقد بلفظ آخر ليس من جنسه. و ما عن المسالك من أنه يجب الاقتصار في العقود اللازمة علي الألفاظ المنقولة شرعا المعهودة لغة و مراده بالمنقولة شرعا هي المأثورة في كلام الشارع. و عن كنز العرفان في باب النكاح أنه حكم شرعي حادث فلا بد له من دليل يدل علي حصوله و هو العقد اللفظي المتلقي من النص ثم ذكر لإيجاب النكاح ألفاظا ثلاثة و عللها بورودها في القرآن. و لا يخفي أن تعليله هذا كالصريح فيما ذكرناه من تفسير توقيفية العقود و أنها متلقاة من الشارع و وجوب الاقتصار علي المتيقن و من هذا الضابط تقدر علي تميز الصريح المنقول شرعا المعهود لغة من الألفاظ المتقدمة في أبواب العقود المذكورة من غيره و أن الإجارة بلفظ العارية غير جائزة و بلفظ بيع المنفعة أو السكني مثلا لا يبعد جوازه و هكذا. إذا عرفت هذا فلنذكر ألفاظ الإيجاب و القبول

[الإشارة إلي بعض ألفاظ عقد البيع

منها لفظ بعت في الإيجاب

و لا خلاف فيه فتوي و نصا و هو و إن كان من الأضداد بالنسبة إلي البيع و الشراء لكن كثرة استعماله في البيع وصلت إلي حد تغنيه عن القرينة.

و منها لفظ شريت

[فلا إشكال في وقوع البيع به لوضعه له كما يظهر من المحكي عن بعض أهل اللغة بل قيل لم يستعمل في القرآن الكريم إلا في البيع. و عن القاموس شراه يشريه ملكه بالبيع و باعه كاشتراه فهما ضدان و عنه أيضا كل من ترك شيئا و تمسك بغيره فقد اشتراه و ربما يستشكل فيه بقلة استعماله عرفا في البيع و كونه محتاجا إلي القرينة المعينة و عدم نقل الإيجاب به في الأخبار و كلام القدماء و لا يخلو عن وجه

و منها لفظ ملكت بالتشديد

و الأكثر علي وقوع البيع به بل ظاهر نكت الإرشاد الاتفاق عليه حيث قال إنه لا يقع البيع بغير اللفظ المتفق عليه كبعت و ملكت و يدل عليه ما سبق في تعريف البيع من أن التمليك بالعوض المنحل إلي مبادلة العين بالمال هو المرادف للبيع عرفا و لغة كما صرح به فخر الدين حيث قال إن معني بعت في لغة العرب ملكت غيري. و ما قيل من أن التمليك يستعمل في الهبة بحيث لا يتبادر منه عند الإطلاق غيرها فيه أن الهبة إنما يفهم من تجريد اللفظ عن العوض لا من مادة التمليك فهي مشتركة معني بين ما يتضمن المقابلة و بين المجرد عنها فإن اتصل بالكلام ذكر العوض أفاد المجموع المركب بمقتضي الوضع التركيبي البيع و إن تجرد عن ذكر العوض اقتضي تجريد الملكية المجانية. و قد عرفت سابقا أن تعريف البيع بذلك تعريف بمفهومه الحقيقي فلو أراد منه الهبة المعوضة أو قصد المصالحة بنيت صحة العقد علي صحة عقد بلفظ غيره مع النية. و يشهد لما ذكرنا قول فخر الدين في شرح الإرشاد إن معني بعت في لغة العرب ملكت غيري و أما الإيجاب باشتريت ففي مفتاح الكرامة أنه قد يقال بصحته كما هو الموجود في بعض نسخ التذكرة و المنقول عنها في نسختين من تعليق الإرشاد. أقول و قد يستظهر ذلك من عبارة كل من عطف علي بعت و ملكت شبههما أو ما يقوم مقامهما إذ إرادة خصوص لفظ شريت من هذا بعيد جدا و حمله علي إرادة ما يقوم مقامهما في اللغات الأخر للعاجز عن العربية أبعد فيتعين إرادة ما يراد فهما لغة أو عرفا فيشمل شريت و اشتريت لكن الإشكال المتقدم في شريت أولي بالجريان هنا لأن شريت استعمل في القرآن الكريم في البيع بل لم يستعمل فيه إلا فيه بخلاف اشتريت. و دفع الإشكال في تعيين المراد منه بقرينة تقديمه الدال علي كونه إيجابا إما بناء علي لزوم تقديم الإيجاب علي القبول و إما لغلبة ذلك غير صحيح لأن الاعتماد علي القرينة غير اللفظية في تعيين المراد من ألفاظ العقود قد عرفت ما فيه إلا أن يدعي أن ما ذكر سابقا من اعتبار الصراحة مختص بصراحة اللفظ من حيث دلالته علي خصوص العقد و تميزه عما عداه من العقود. و أما تميز إيجاب عقد معين عن قبوله الراجع إلي تمييز البائع عن المشتري فلا يعتبر فيه الصراحة بل يكفي استفادة المراد و لو بقرينة المقام أو غلبته أو نحوهما و فيه إشكال. و أما القبول فلا ينبغي الإشكال في وقوعه بلفظ قبلت و رضيت و اشتريت و ابتعت و تملكت و ملكت مخففا. و أما بعت فلم ينقل إلا من الجامع مع أن المحكي عن جماعة من أهل اللغة اشتراكه بين البيع و الشراء و لعل الإشكال فيه كإشكال اشتريت في الإيجاب. و اعلم أن المحكي عن نهاية الأحكام و المسالك أن الأصل في القبول قبلت و غيره بدل لأن القبول علي الحقيقة مما لا يمكن به الابتداء و الابتداء بنحو اشتريت و ابتعت ممكن و سيأتي توضيح ذلك في اشتراط تقديم الإيجاب. ثم إن في انعقاد القبول بلفظ الإمضاء و الإجازة و الإنفاذ و شبهها وجهين.

فرع لو أوقعا العقد بالألفاظ المشتركة بين الإيجاب و القبول

ثم اختلفا في تعيين الموجب و القابل إما بناء علي جواز تقديم القبول و إما من جهة اختلافهما في المتقدم فلا يبعد الحكم بالتحالف ثم عدم ترتب الآثار المختصة بكل من البيع و الاشتراء علي واحد منهما.

مسألة المحكي عن جماعة منهم السيد عميد الدين و الفاضل المقداد و المحقق و الشهيد الثانيان اعتبار العربية

في العقد للتأسي كما في جامع المقاصد لأن عدم صحته بالعربي غير الماضي يستلزم عدم صحته بغير العربي بطريق أولي و في الوجهين ما لا يخفي و أضعف منهما منع صدق العقد علي غير العربي مع التمكن من العربي فالأقوي صحته بغير العربي.
و هل يعتبر عدم اللحن من حيث المادة و الهيئة بناء علي اشتراط العربي الأقوي ذلك بناء علي أن دليل اعتبار العربية هو لزوم الاقتصار علي المتيقن من أسباب
المكاسب، ج‌2، ص 96
النقل و كذا اللحن في الأعراب. و حكي عن فخر الدين الفرق بين ما لو قال بعتك بفتح الباء و بين ما لو قال جوزتك بدل زوجتك فصحح الأول دون الثاني إلا مع العجز عن التعلم و التوكيل و لعله معني صحيح في الأول إلا البيع بخلاف التجويز فإن له معني آخر فاستعماله في التزويج غير جائز و منه يظهر أن اللغات المحرفة لا بأس بها إذا لم يتغير بها المعني. ثم هل المعتبر عربية جميع أجزاء الإيجاب و القبول كالثمن و المثمن أم تكفي عربية الصيغة الدالة علي إنشاء الإيجاب و القبول حتي لو قال بعتك أين كتاب را به ده درهم كفي و الأقوي هو الأول لأن غير العربي كالمعدوم فكأنه لم يذكر في الكلام. نعم لو لم يعتبر ذكر متعلقات الإيجاب كما لا يجب في القبول و اكتفي بانفهامها و لو من غير اللفظ صح الوجه الثاني لكن الشهيد رحمه الله في غاية المراد في مسألة تقديم القبول نص علي وجوب ذكر العوضين في الإيجاب. ثم إنه هل يعتبر كون المتكلم عالما تفصيلا بمعني اللفظ بأن يكون فارقا بين معني بعت و أبيع و أنا بائع أو يكفي مجرد علمه بأن هذا اللفظ يستعمل في لغة العرب لإنشاء البيع الظاهر هو الأول لأن عربية الكلام ليست باقتضاء نفس الكلام بل بقصد المتكلم منه المعني الذي وضع له عند العرب فلا يقال إنه تكلم و أدي المطلب علي طبق لسان العرب إذا ميز بين معني بعت و أبيع و أوجدت البيع و غيرها بل علي هذا لا يكفي معرفة أن بعت مرادف لقوله فروختم حتي يعرف أن الميم في الفارسي عوض عن تاء المتكلم فيميز بين بعتك و بعت بالضم و بعت بفتح التاء فلا ينبغي ترك الاحتياط و إن كان في تعينه نظر و لذا نص بعض علي عدمه

مسألة المشهور كما عن غير واحد اشتراط الماضوية

بل في التذكرة الإجماع علي عدم وقوعه بلفظ أبيعك أو اشتر مني و لعله لصراحته في الإنشاء إذ المستقبل أشبه بالوعد و الأمر استدعاء لا إيجاب مع أن قصد الإنشاء بالمستقبل خلاف المتعارف. و عن القاضي في الكامل و المهذب عدم اعتبارها و لعله لإطلاق البيع و التجارة و عموم العقود و ما دل في بيع الآبق و اللبن في الضرع من الإيجاب بلفظ المضارع و فحوي ما دل عليه في النكاح و لا يخلو هذا من قوة لو فرض صراحة المضارع في الإنشاء علي وجه لا يحتاج إلي قرينة المقام فتأمل.

مسألة الأشهر كما قيل لزوم تقديم الإيجاب علي القبول

و به صرح في الخلاف و الوسيلة و السرائر و التذكرة كما عن الإيضاح و جامع المقاصد و لعله الأصل بعد حمل آية وجوب الوفاء علي العقود المتعارفة كإطلاق البيع و التجارة في الكتاب و السنة. و زاد بعضهم أن القبول فرع الإيجاب فلا يتقدم عليه و أنه تابع له فلا يصح تقدمه عليه. و حكي عن غاية المراد عن الخلاف الإجماع عليه و ليس في الخلاف في هذه المسألة إلا أن البيع مع تقديم الإيجاب متفق عليه فيؤخذ به فراجع خلافا للشيخ في المبسوط في باب النكاح و إن وافق الخلاف في البيع إلا أنه عدل عنه في باب النكاح بل ظاهر كلامه عدم الخلاف في صحته بين الإمامية حيث إنه بعد ما ذكر أن تقديم القبول بلفظ الأمر في النكاح بأن يقول الرجل زوجني فلانة جائز بلا خلاف قال أما البيع فإنه إذا قال بعينها فقال بعتكها صح عندنا و عند قوم من المخالفين و قال قوم منهم لا يصح حتي يسبق الإيجاب انتهي. و كيف كان فنسبة القول الأول إلي المبسوط مستندة إلي كلامه في باب البيع و أما في باب النكاح فكلامه صريح في جواز التقديم كالمحقق رحمه الله في الشرائع و العلامة في التحرير و الشهيدين في بعض كتبهما و جماعة ممن تأخر عنهما للعمومات السليمة عما يصلح لتخصيصها و فحوي جوازه في النكاح الثابت بالأخبار مثل: خبر أبان بن تغلب الوارد في كيفية الصيغة المشتمل علي صحة تقديم القبول بقوله للمرأة أتزوجك متعة علي كتاب الله و سنة رسول الله ص إلي أن قال فإذا قالت نعم فهي امرأتك و أنت أولي الناس بها. و رواية سهل الساعدي المشهورة في كتب الفريقين كما قيل المشتملة علي تقديم القبول من الزوج بلفظ زوجنيها. و التحقيق أن القبول إما أن يكون بلفظ قبلت و رضيت و إما أن يكون بطريق الأمر و الاستيجاب نحو بعني فيقول المخاطب بعتك و إما أن يكون بلفظ اشتريت و ملكت مخففا و ابتعت فإن كان بلفظ قبلت فالظاهر عدم جواز تقديمه وفاقا لما عرفت في صدر المسألة بل المحكي عن الميسية و المسالك و مجمع الفائدة أنه لا خلاف في عدم جواز تقديم لفظ قبلت و هو المحكي عن نهاية الأحكام و كشف اللثام في باب النكاح و قد اعترف به غير واحد من متأخري المتأخرين أيضا بل المحكي هناك عن ظاهر التذكرة الإجماع عليه. و يدل عليه مضافا إلي ما ذكر و إلي كونه خلاف المتعارف من العقد أن القبول الذي هو أحد ركني عقد المعاوضة فرع الإيجاب فلا يعقل تقدمه عليه و ليس المراد من هذا القبول الذي هو ركن للعقد مجرد الرضا بالإيجاب سواء تحقق قبل ذلك أم لا حيث إن الرضا لشي‌ء لا يستلزم في تحققه في الماضي فقد يرضي الإنسان بالأمر المستقبل بل المراد منه الرضا بالإيجاب علي وجه يتضمن إنشاء نقل ماله في الحال إلي الموجب علي وجه العوضية لأن المشتري ناقل كالبائع و هذا لا يتحقق إلا مع تأخر الرضا عن الإيجاب إذ مع تقدمه لا يتحقق النقل في الحال فإن من رضي بمعاوضة ينشأها الموجب في المستقبل لم ينقل في الحال ماله إلي الموجب بخلاف من رضي بالمعاوضة التي أنشأها الموجب سابقا فإنه يرفع بهذا الرضا يده من ماله و ينقله إلي غيره علي وجه العوضية. و من هنا يتضح فساد ما حكي عن بعض المحققين في رد الدليل المذكور و هو كون القبول فرع الإيجاب و تابعا له و هو أن تبعية القبول للإيجاب ليس تبعية اللفظ للفظ و لا القصد للقصد حتي يمتنع تقديمه و إنما هو علي سبيل الفرض و التنزيل بأن يجعل القابل نفسه متناولا لما يلقي إليه من الموجب و الموجب مناولا كما يقول السائل في مقام الإنشاء أنا راض بما تعطيني و قابل لما تمنحني فهو متناول قدم إنشاءه أو أخر فعلي هذا يصح تقديم القبول و لو بلفظ قبلت و رضيت إن لم يقم إجماع علي خلافه انتهي. و وجه الفساد ما عرفت سابقا من أن الرضا بما يصدر من الموجب في المستقبل من نقل ماله بإزاء مال صاحبه ليس فيه إنشاء نقل من القابل في الحال بل هو رضا منه بالانتقال في الاستقبال و ليس المراد أن أصل الرضا بشي‌ء تابع لتحققه في الخارج أو لأصل الرضا به حتي يحتاج إلي توضيحه بما ذكره من المثال بل المراد الرضا الذي يعد قبولا و ركنا في العقد. و مما ذكرنا
المكاسب، ج‌2، ص 97
يظهر الوجه في المنع عن تقدم القبول بلفظ الأمر كما لو قال يعني هذا بدرهم فقال بعتك لأن غاية الأمر دلالة طلب المعاوضة علي الرضا بها لكن لم يتحقق بمجرد الرضا بالمعاوضة المستقلة نقل في الحال للدرهم إلي البائع كما لا يخفي. و أما ما يظهر من المبسوط من الاتفاق هنا علي الصحة به فموهون بما ستعرف من مصير الأكثر علي خلافه و أما فحوي جوازه في النكاح ففيها بعد الإغماض عن حكم الأصل بناء علي منع دلالة رواية سهل- علي كون لفظ الأمر هو القبول لاحتمال تحقق القبول بعد إيجاب النبي ص و يؤيده أنه لولاه يلزم الفصل الطويل بين الإيجاب و القبول منع الفحوي و قصور دلالة رواية أبان من حيث اشتمالها علي كفاية قول المرأة نعم في الإيجاب ثم اعلم أن في صحة تقديم القبول بلفظ الأمر اختلافا كثيرا بين كلمات الأصحاب فقال في المبسوط إن قال بعنيها بألف فقال بعتك صح و الأقوي عندي أنه لا يصح حتي يقول المشتري بعد ذلك اشتريت و اختار ذلك في الخلاف و صرح به في الغنية فقال و اعتبرنا حصول الإيجاب من البائع و القبول من المشتري حذرا عن القول بانعقاده بالاستدعاء من المشتري و هو أن يقول بعنيه بألف فيقول بعتك فإنه لا ينعقد حتي يقول المشتري بعد ذلك اشتريت أو قبلت و صرح به أيضا في السرائر و الوسيلة. و عن جامع المقاصد أن ظاهرهم أن هذا الحكم اتفاقي و حكي الإجماع عن ظاهر الغنية أيضا أو صريحها. و عن المسالك المشهور بل قيل إن هذا الحكم ظاهر كل من اشتراط الإيجاب و القبول و مع ذلك كله فقد صرح الشيخ في المبسوط في باب النكاح بجواز التقديم بلفظ الأمر بالبيع و نسبته إلينا مشعر بقرينة السياق إلي عدم الخلاف فيه بيننا فقال إذا تعاقدا فإن تقدم الإيجاب علي القبول فقال زوجتك فقال قبلت التزويج صح و كذا إذا تقدم الإيجاب علي القبول في البيع صح بلا خلاف و إما أن تأخر الإيجاب و سبق القبول فإن كان في النكاح فقال الزوج زوجنيها فقال زوجتكها صح و إن لم يعد الزوج القبول بلا خلاف لخبر الساعدي: قال الرجل زوجنيها يا رسول الله فقال زوجتكها بما معك من القرآن فقدم القبول و تأخر الإيجاب و إن كان هذا في البيع فقال بعنيها فقال بعتكها صح عندنا و عند قوم من المخالفين و قال قوم منهم لا يصح حتي يسبق الإيجاب انتهي. و حكي جواز التقديم بهذا اللفظ عن القاضي في الكامل بل يمكن نسبة هذا الحكم إلي كل من جوز تقديم القبول علي الإيجاب بقول مطلق و تمسك له في النكاح برواية سهل الساعدي المعبر فيها عن القبول بطلب التزويج إلا أن المحقق مع تصريحه في البيع بعدم كفاية الاستيجاب و الإيجاب صرح بجواز تقديم القبول علي الإيجاب. و ذكر العلامة قدس سره الاستيجاب و الإيجاب و جعله خارجا عن قيد اعتبار الإيجاب و القبول كالمعاطاة و جزم بعدم كفايته مع أنه تردد في اعتبار تقديم القبول و كيف كان فقد عرفت أن الأقوي المنع في البيع لما عرفت بل لو قلنا بكفاية التقديم بلفظ قبلت يمكن المنع هنا بناء علي اعتبار الماضوية فيما دل علي القبول ثم إن هذا كله بناء علي المذهب المشهور بين الأصحاب من عدم كفاية مطلق اللفظ في اللزوم و عدم القول بكفاية مطلق الصيغة في الملك. و أما علي ما قويناه سابقا في مسألة المعاطاة من أن البيع العرفي موجب للملك و أن الأصل في الملك اللزوم فاللازم الحكم باللزوم في كل مورد لم يقم إجماع علي عدم اللزوم و هو ما إذا خلت المعاملة عن الإنشاء باللفظ رأسا أو كان اللفظ المنشأ به المعاملة مما قام الإجماع علي عدم إفادتها اللزوم و أما في غير ذلك فالأصل اللزوم. و قد عرفت أن القبول علي وجه طلب البيع قد صرح في المبسوط بصحته بل يظهر منه عدم الخلاف فيه بيننا و حكي في الكامل أيضا فتأمل و إن كان التقديم بلفظ اشتريت أو ابتعت أو تملكت أو ملكت هذا بكذا فالأقوي جوازه لأنه إنشاء ملكيته للمبيع بإزاء ماله عوضا ففي الحقيقة إنشاء المعاوضة كالبائع إلا أن البائع ينشئ ملكية ماله لصاحبه بإزاء مال صاحبه و المشتري ينشئ ملكية مال صاحبه لنفسه بإزاء ماله ففي الحقيقة كل منهما يخرج ماله إلي صاحبه و يدخل مال صاحبه في ملكه إلا أن الإدخال في الإيجاب مفهوم من ذكر العوض و في القبول مفهوم من نفس الفعل و الإخراج بالعكس و حينئذ فليس في حقيقة الاشتراء من حيث هو معني القبول لكنه لما كان الغالب وقوعه
عقيب الإيجاب و إنشاء انتقال مال البائع إلي نفسه إذا وقع عقيب نقله إليه يوجب تحقق المطاوعة و مفهوم القبول أطلق عليه القبول و هذا المعني مفقود في الإيجاب المتأخر- لأن المشتري إنما ينقل ماله إلي البائع بالالتزام الحاصل من جعل ماله عوضا و البائع إنما ينشئ انتقال الثمن إليه كذلك لا بمدلول الصيغة. و قد صرح في النهاية و المسالك علي ما حكي بأن اشتريت ليس قبولا حقيقة و إنما هو بدل و أن الأصل في القبول قبلت لأن القبول في الحقيقة ما لا يمكن الابتداء به و لفظ اشتريت يجوز الابتداء به و مرادهما أنه بنفسه لا يكون قبولا فلا ينافي ما ذكرنا من تحقق مفهوم القبول فيه إذا وقع عقيب تمليك البائع كما أن رضيت بالبيع ليس فيه إنشاء لنقل ماله إلي البائع إلا إذا وقع متأخرا و لذا منعنا عن تقديمه فكل من رضيت و اشتريت بالنسبة إلي إفادة نقل المال و مطاوعة البيع عند التقدم و التأخر متعاكسان. فإن قلت إن الإجماع علي اعتبار القبول في العقد يوجب تأخير قوله اشتريت حتي يقع قبولا لأن إنشاء مالكيته لمال الغير إذا وقع عقيب تمليك الغير له يتحقق فيه معني الانتقال و قبول الأثر فيكون اشتريت متأخرا التزاما بالأثر عقيب إنشاء التأثير من البائع بخلاف ما لو تقدم فإن مجرد إنشاء المالكية لمال لا يوجب تحقق مفهوم القبول كما لو نوي تملك المباحات أو اللقطة فإنه لا قبول فيه رأسا. قلت المسلم من الاجتماع هو اعتبار القبول من المشتري بالمعني الشامل للرضا بالإيجاب و أما وجوب تحقق مفهوم القبول المتضمن للمطاوعة و قبول الأثر فلا- فقد تبين من جميع ذلك أن إنشاء القبول لا بد أن يكون جامعا لتضمن إنشاء النقل و للرضا بإنشاء البائع تقدم أو تأخر و لا يعتبر إنشاء انفعال نقل البائع. فقد تحصل مما ذكرناه صحة تقديم القبول إذا كان بلفظ اشتريت وفاقا لمن عرفت بل هو ظاهر إطلاق
المكاسب، ج‌2، ص 98
الشيخ في الخلاف حيث إنه لم يتعرض إلا للمنع عن الانعقاد بالاستيجاب و الإيجاب و قد عرفت عدم الملازمة بين المنع عنه و المنع عن تقديم مثل اشتريت و كذا السيد في الغنية حيث أطلق اعتبار الإيجاب و القبول و احترز بذلك عن انعقاده بالمعاطاة و بالاستيجاب و الإيجاب و كذا ظاهر إطلاق الحلبي في الكافي حيث لم يذكر تقديم الإيجاب من شروط الانعقاد. و الحاصل أن المصرح بذلك فيما وجدت من القدماء الحلي و ابن حمزة فمن التعجب بعد ذلك حكاية الإجماع عن الخلاف علي تقديم الإيجاب مع أنه لم يزد علي الاستدلال بعدم كفاية الاستيجاب و الإيجاب بأن ما عداه مجمع علي صحته و ليس علي صحته دليل و لعمري أن مثل هذا مما يوهن الاعتماد علي الإجماع المنقول و قد نبهنا علي أمثال ذلك في مواردها نعم يشكل الأمر بأن المعهود المتعارف من الصيغة تقديم الإيجاب و لا فرق بين المتعارف هنا و بينه في المسألة الآتية و هو الوصل بين الإيجاب و القبول فالحكم لا يخلو عن شوب الإشكال. ثم إن ما ذكرنا جار في كل قبول يؤدي بإنشاء مستقل كالإجارة التي يؤدي قبولها بلفظ تملك منك منفعة كذا أو ملكت و النكاح الذي يؤدي قبولها بلفظ نكحت و تزوجت و أما بالإنشاء في قبوله إلا قبلت أو ما يتضمنه كارتهنت فقد يقال بجواز تقديم القبول فيه إذ لا التزام في قبوله لشي‌ء كما كان في قبول البيع التزام بنقل ماله إلي البائع بل لا ينشئ به معني غير الرضا بفعل الموجب و قد تقدم أن الرضا يجوز تعلقه بأمر مترقب كما يجوز تعلقه بأمر محقق فيجوز أن يقول رضيت برهنك هذا عندي فيقول رهنت. و التحقيق عدم الجواز لأن اعتبار القبول فيه من جهة تحقق عنوان المرتهن و لا يخفي أنه لا يصدق الارتهان علي قبول الشخص إلا بعد تحقق الرهن لأن الإيجاب إنشاء للفعل و القبول إنشاء للانفعال و كذا القول في الهبة و القرض فإنه لا يحصل من إنشاء القول فيهما التزام بشي‌ء- و إنما يحصل به الرضا بفعل الموجب و نحوهما قبول المصالحة المتضمنة للإسقاط أو التمليك بغير عوض. و أما المصالحة المشتملة علي المعاوضة فلما كان ابتداء الالتزام بها جائزا من الطرفين و كانت نسبتها إليهما علي وجه سواء و ليس الالتزام الحاصل من أحدهما أمرا مغايرا للالتزام الحاصل من الآخر كان البادي منهما موجبا لصدق الموجب عليه لغة و عرفا. ثم لما انعقد الإجماع علي توقف العقد علي القبول لزم أن يكون الالتزام الحاصل من الآخر بلفظ القبول إذ لو قال أيضا صالحتك كان إيجابا آخر- فيلزم تركيب العقد من إيجابين و تحقق من جميع ذلك أن تقديم القبول في الصلح أيضا غير جائز إذ لا قبول فيه بغير لفظ قبلت و رضيت. و قد عرفت أن قبلت و رضيت مع التقديم لا يدل علي إنشاء لنقل العوض في الحال.
فتلخص مما ذكرنا أن القبول في العقود علي أقسام لأنه إما أن يكون التزاما بشي‌ء من القابل كنقل مال عنه أو زوجية و إما أن لا يكون فيه سوي الرضا بالإيجاب. و الأول علي قسمين لأن الالتزام الحاصل من القابل إما أن يكون نظير الالتزام الحاصل من الموجب كالمصالحة أو متغايرا كالاشتراء. و الثاني أيضا علي قسمين لأنه إما أن يعتبر فيه عنوان المطاوعة كالارتهان و الاتهاب و الاقتراض و إما أن لا يثبت فيه اعتبار أزيد من الرضا بالإيجاب كالوكالة و العارية و شبههما فتقديم القبول علي الإيجاب لا يكون إلا في القسم الثاني من كل من القسمين. ثم إن مغايرة الالتزام في قبول البيع لالتزام إيجابه اعتبار عرفي فكل من التزم بنقل ماله علي وجه العوضية لمال آخر يسمي مشتريا و كل من نقل ماله علي أن يكون عوضه مالا من آخر يسمي بائعا. و بعبارة أخري كل من ملك ماله غيره بعوض فهو البائع و كل من ملك مال غيره بعوض ماله فهو المشتري و إلا فكل منهما في الحقيقة يملك ماله غيره بإزاء مال غيره و يملك مال غيره بإزاء ماله.

و من جملة شروط العقد الموالاة بين إيجابه و قبوله

ذكره الشيخ في المبسوط في باب الخلع ثم العلامة و الشهيدان و المحقق الثاني و الشيخ المقداد. قال الشهيد في قواعده الموالاة معتبرة في العقد و نحوه و هي مأخوذة من اعتبار الاتصال بين المستثني و المستثني منه. و قال بعض العامة لا يضر قول الزوج بعد الإيجاب الحمد لله و الصلاة علي رسول الله قبلت نكاحها و منه الفورية في استتابة المرتد فيعتبر في الحال و قيل إلي ثلاثة أيام و منه السكوت في أثناء الأذان فإن كان كثيرا أبطله و منه السكوت الطويل في أثناء القراءة أو قراءة غيرها و كذا التشهد و منه تحريم المأمومين في الجمعة قبل الركوع فإن تعمدوا أو نسوا حتي ركع فلا جمعة و اعتبر بعض العامة تحريمهم معه قبل الفاتحة و منه الموالاة في التعريف بحيث لا ينسي أنه تكرار و الموالاة في سنة التعريف فلو رجع في أثناء المدة استؤنفت ليتوالي انتهي. أقول حاصله أن الأمر المتدرج شيئا فشيئا إذا كان له صورة اتصالية في العرف فلا بد في ترتب الحكم المعلق عليه في الشرع من اعتبار صورته الاتصالية فالعقد المركب من الإيجاب و القبول القائم بنفس المتعاقدين بمنزلة كلام واحد مرتبط بعضه ببعض فيقدح تخلل الفصل المخل بهيئته الاتصالية و لذا لا يصدق المعاقدة إذا كان الفصل مفرطا في الطول كسنة أو أزيد و انضباط ذلك إنما يكون بالعرف فهو في كل أمر بحسبه فيجوز الفصل بين كل من الإيجاب و القبول بما لا يجوز بين كلمات كل واحد منهما و يجوز بين الكلمات الفصل بما لا يجوز بين الحروف كما في الأذان و القراءة. و ما ذكره حسن لو كان حكم الملك و اللزوم في المعاملة منوطا بصدق العقد عرفا كما هو مقتضي التمسك بآية الوفاء بالعقود و بإطلاق كلمات الأصحاب في اعتبار العقد في اللزوم بل الملك أما لو كان منوطا بصدق البيع أو التجارة عن تراض فلا يضره عدم صدق العقد و أما جعل المأخذ في ذلك اعتبار الاتصال بين الاستثناء و المستثني منه فلأنه منشأ الانتقال إلي هذه القاعدة فإن أكثر الكليات إنما يلتفت إليها من التأمل في مورد خاص. و قد صرح في القواعد مكررا بكون الأصل في هذه القاعدة كذا و يحتمل بعيدا أن يكون الوجه فيه أن الاستثناء أشد ربطا بالمستثني منه من سائر اللواحق لخروج المستثني منه معه عن
المكاسب، ج‌2، ص 99
حد الكذب إلي الصدق فصدقه يتوقف عليه فلذا كان طول الفصل هناك أقبح فصار أصلا في اعتبار الموالاة بين أجزاء الكلام ثم تعدي منه إلي سائر الأمور المرتبطة بالكلام لفظا أو معني أو من حيث صدق عنوان خاص عليه لكونه عقدا أو قراءة أو أذانا و نحو ذلك ثم في تطبيق بعضها علي ما ذكره خفاء كمسألة توبة المرتد فإن غاية ما يمكن أن يقال في توجيهها إن المطلوب في الإسلام الاستمرار فإذا انقطع فلا بد من إعادته في أقرب الأوقات. و أما مسألة الجمعة فلأن هيئة الاجتماع في جميع أحوال الصلاة من القيام و الركوع و السجود مطلوبة فيقدح الإخلال بها و للتأمل في هذه الفروع و في صحة تفريعها علي الأصل المذكور مجال ثم إن المعيار في الموالاة موكول إلي العرف كما في الصلاة و القراءة و الأذان و نحوها و يظهر من رواية سهل الساعدي المتقدمة في مسألة تقديم القبول جواز الفصل بين الإيجاب و القبول بكلام طويل أجنبي بناء علي ما فهمه الجماعة من أن القبول فيها قول ذلك الصحابي زوجنيها و الإيجاب قوله ص بعد فصل طويل زوجتكها بما معك من القرآن و لعل هذا موهن آخر للرواية فافهم.

و من جملة الشرائط التي ذكرها جماعة التنجيز في العقد

بأن لا يكون معلقا علي شي‌ء بأداة الشرط بأن يقصد المتعاقدان انعقاد المعاملة في صورة وجود ذلك الشي‌ء لا في غيرها و ممن صرح بذلك الشيخ و الحلي و العلامة و جميع من تأخر عنه كالشهيدين و المحقق الثاني و غيرهم قدس الله أرواحهم. و عن فخر الدين في شرح الإرشاد في باب الوكالة أن تعليق الوكالة علي الشرط لا يصح عند الإمامية و كذا غيره من العقود لازمة كانت أو جائزة. و عن تمهيد القواعد دعوي الإجماع عليه و ظاهر المسالك في مسألة اشتراط التنجيز في الوقف الاتفاق عليه و الظاهر عدم الخلاف فيه كما اعترف به غير واحد و إن لم يتعرض الأكثر في هذا المقام و يدل عليه فحوي فتاويهم و معاقد الإجماعات في اشتراط التنجيز في الوكالة مع كونه من العقود الجائزة التي يكفي فيها كل ما دل علي الإذن حتي أن العلامة ادعي الإجماع علي ما حكي عنه علي عدم صحة أن يقول الموكل أنت وكيلي في يوم الجمعة أن تبيع عبدي و علي صحة قوله أنت وكيلي و لا تبع عبدي إلا في يوم الجمعة مع كون المقصود واحدا و فرق بينهما جماعة بعد الاعتراف بأن هذا في معني التعليق بأن العقود لما كانت متلقاة من الشارع أنيطت بهذه الضوابط و بطلت فيما خرج عنها و إن أفادت فائدتها فإذا كان الأمر كذلك عندهم في الوكالة فكيف الحال في البيع و بالجملة فلا شبهه في اتفاقهم علي الحكم. و أما الكلام في وجه الاشتراط فالذي صرح به العلامة في التذكرة أنه مناف للجزم حال الإنشاء بل جعل الشرط هو الجزم ثم فرع عليه عدم جواز التعليق. قال الخامس من الشروط الجزم فلو علق العقد علي شرط لم يصح و إن كان الشرط المشية- للجهل بثبوتها حال العقد و بقائها مدته- و هو أحد قولي الشافعي و أظهرهما عندهم الصحة لأن هذه صفة يقتضيها إطلاق العقد لأنه لو لم يشأ لم يشتر انتهي و تبعه علي ذلك الشهيد رحمه الله في قواعده قال لأن الانتقال بحكم الرضا و لا رضا إلا مع الجزم و الجزم ينافي التعليق انتهي. و مقتضي ذلك أن المعتبر هو عدم التعليق علي أمر مجهول الحصول كما صرح به المحقق في باب الطلاق. و ذكر المحقق و الشهيد الثانيان في الجامع و المسالك في مسألة إن كان لي فقد بعته أن التعليق إنما ينافي الإنشاء في العقود و الإيقاعات حيث يكون المعلق عليه مجهول الحصول لكن الشهيد في قواعده ذكر في الكلام المتقدم أن الجزم ينافي التعليق لأنه بعرضة عدم الحصول و لو قدر العلم بحصوله كالتعليق علي الوصف كان الاعتبار بجنس الشرط دون أنواعه فاعتبر المعني العام دون خصوصيات الأفراد ثم قال فإن قلت فعلي هذا يبطل قوله في صورة إنكار التوكيل- إن كان لي فقد بعته منك بكذا قلت هذا تعليق علي واقع لا متوقع الحصول فهو علة للوقوع أو مصاحب له لا معلق عليه الوقوع و كذا نقول لو قال في صورة إنكار وكالة التزويج و إنكار التزويج حيث تدعيه المرأة إن كانت زوجتي فهي طالق انتهي كلامه رحمه الله و علل العلامة في القواعد صحة إن كان لي فقد بعته بأنه أمر واقع يعلمان وجوده فلا يضر جعله شرطا و كذا كل شرط علم وجوده فإنه لا يوجب شكا في البيع و لا في وقوعه انتهي. و تفصيل الكلام أن المعلق عليه- إما أن يكون معلوم التحقق و إما إما يكون محتمل التحقق و علي الوجهين فإما أن يكون تحققه المعلوم أو المحتمل في الحال أو المستقبل و علي التقادير فإما أن يكون الشرط مما يكون مصححا للعقد ككون الشي‌ء مما يصح تملكه شرعا أو مما يصح إخراجه عن الملك كغير أم الولد و غير الموقوف و نحوه و كون المشتري ممن يصح تملكه شرعا كأن لا يكون عبدا و ممن يجوز العقد معه بأن يكون بالغا و إما أن لا يكون كذلك. ثم التعليق إما مصرح به و إما لازم من الكلام كقوله ملكتك هذا بهذا يوم الجمعة و قوله في القرض و الهبة خذ هذا بعوضه أو خذه بلا عوض يوم الجمعة فإن التمليك معلق علي تحقق الجمعة في الحال أو في الاستقبال و لهذا احتمل العلامة في النهاية و ولده في الإيضاح بطلان بيع الوارث لمال مورثه بظن موته معللا بأن العقد و إن كان منجزا في الصورة إلا أنه معلق و التقدير إن مات مورثي فقد بعتك فما كان منها معلوم الحصول حين العقد فالظاهر أنه غير قادح وفاقا لمن عرفت كلامه كالمحقق و العلامة و الشهيدين و المحقق الثاني و الصيمري. و
حكي أيضا عن المبسوط و الإيضاح في مسألة ما لو قال إن كان لي فقد بعته بل لم يوجد في ذلك خلاف صريح و لذا ادعي في الرياض في باب الوقف عدم الخلاف فيه صريحا و ما كان منها معلوم الحصول في المستقبل و هو المعبر عنه بالصفة فالظاهر أنه داخل في معقد اتفاقهم علي عدم الجواز و إن كان تعليلهم للمنع باشتراط الجزم لا يجري فيه كما اعترف به الشهيد فيما تقدم عنه و نحوه الشهيد الثاني فيما حكي عنه بل يظهر من عبارة المبسوط في باب الوقف كونه مما لا خلاف فيه بيننا بل بين العامة فإنه قال إذا قال الواقف إذا جاء رأس الشهر فقد وقفته لم يصح الوقف بلا خلاف لأنه مثل البيع و الهبة و عندنا مثل العتق أيضا انتهي فإن ذيله يدل علي أن مماثلة الوقف للبيع و الهبة غير
المكاسب، ج‌2، ص 100
مختص بالإمامية. نعم مماثلته للعتق مختصة بهم و ما كان منها مشكوك الحصول و ليست صحة العقد معلقة عليه في الواقع كقدوم الحاج فهو المتيقن من معقد اتفاقهم و ما كانت صحة العقد معلقة عليه كالأمثلة المتقدمة فظاهر إطلاق كلامهم يشمله إلا أن الشيخ في المبسوط حكي في مسألة إن كان لي فقد بعته قولا من بعض الناس بالصحة و أن الشرط لا يضره مستدلا بأنه لم يشترط إلا ما يقتضيه إطلاق العقد لأنه إنما يصح البيع لهذه الجارية من الموكل إذا كان أذن له في الشراء فإذا اقتضاه الإطلاق لم يضر إظهاره و شرطه كما لو شرط في البيع تسليم الثمن أو تسليم المثمن أو ما أشبه ذلك انتهي و هذا الكلام و إن حكاه عن بعض الناس إلا أن الظاهر ارتضاؤه له و حاصله أنه كما لا يضر اشتراط بعض لوازم العقد المترتبة عليه كذلك لا يضر تعليق العقد بما هو معلق عليه في الواقع فتعليقه ببعض مقدماته كالالتزام ببعض غاياته فكما لا يضر الالتزام بما يقتضي العقد إلزامه كذلك التعليق بما كان الإطلاق معلقا عليه و مقيدا به. و هذا الوجه و إن لم ينهض لدفع محذور التعليق في إنشاء العقد لأن المعلق علي ذلك الشرط في الواقع هو ترتب الأثر الشرعي علي العقد دون إنشاء مدلول الكلام الذي هو وظيفة المتكلم فالمعلق في كلام المتكلم غير معلق في الواقع علي شي‌ء و المعلق علي شي‌ء ليس معلقا في كلام المتكلم علي شي‌ء بل و لا منجزا بل هو شي‌ء خارج عن مدلول الكلام إلا أن ظهور ارتضاء الشيخ له كاف في عدم الظن بتحقق الإجماع عليه مع أن ظاهر هذا التوجيه لعدم قدح التعليق يدل علي أن محل الكلام فيما لم يعلم وجود المعلق عليه و عدمه فلا وجه لتوهم اختصاصه بصورة العلم. و يؤيد ذلك أن الشهيد في قواعده جعل الأصح صحة تعليق البيع علي ما هو شرط فيه كقول البائع بعتك إن قبلت و يظهر منه ذلك أيضا في أواخر القواعد. ثم إنك قد عرفت أن العمدة في المسألة هو الإجماع و ربما يتوهم أن الوجه في اعتبار التنجيز- هو عدم قابلية الإنشاء للتعليق و بطلانه واضح لأن المراد بالإنشاء إن كان هو مدلول الكلام فالتعليق غير متصور فيه إلا أن الكلام ليس فيه و إن كان الكلام في أنه- كما يصح إنشاء الملكية المتحققة علي كل تقدير فهل يصح إنشاء الملكية المتحققة علي تقدير دون آخر كقوله هذا لك إن جاء زيد غدا و خذ المال قرضا أو قراضا إذا أخذته من فلان و نحو ذلك فلا ريب في أنه أمر متصور واقع في العرف و الشرع كثيرا كما في الأوامر و المعاملات من العقود و الإيقاعات. و يتلو هذا الوجه في الضعف ما قيل من أن ظاهر ما دل علي سببية العقد ترتب مسببه عليه حال وقوعه فتعليق أثره بشرط من المتعاقدين مخالف لذلك. و فيه بعد الغض عن عدم انحصار أدلة الصحة و اللزوم في مثل قوله تعالي أَوْفُوا بِالْعُقُودِ- لأن دليل حلية البيع و تسلط الناس علي أموالهم كاف في إثبات ذلك أن العقد سبب لوقوع مدلوله فيجب الوفاء به علي طبق مدلوله فليس مفاد أَوْفُوا بِالْعُقُودِ إلا مفاد أوفوا بالعهد في أن العقد كالعهد إذا وقع علي وجه التعليق فترقب تحقق