شخصية الرسول الاعظم قرآنيا

اشارة

‏سرشناسه : حنفي جلال - ۱۹۱۵
‏عنوان و نام پديدآور : شخصيه الرسول الاعظم قرآنيا/ تاليف جلال الحنفي البغدادي
‏مشخصات نشر : بغداد: وزاره الثقافة و الاعلام دائرة الشوون الثقافيه ، م‌۱۹۹۷ = .ق‌۱۴۱۸ = .۱۳۷۶.
‏مشخصات ظاهري : ص ۳۸۸
‏وضعيت فهرست نويسي : فهرستنويسي قبلي
‏يادداشت : عنوان اصلي Sheikh Jalal Al Hanafi. The great prophet through the Holy Quran.
‏موضوع : محمد(ص ، پيامبر اسلام ۵۳ قبل از هجرت - ۱۱ق در قرآن
‏رده بندي كنگره : ‏‌BP۱۰۴/م۲۷‏‌ح۹ ۱۳۷۶
‏شماره كتابشناسي ملي : م‌۸۱-۸۳۰۴

المقدمة

بقلم / كبير المؤرخين العرب‌الدكتور / حسين امين‌ان شخصية الرسول محمد بن عبدالله صلي الله عليه و سلم من أبرز الشخصيات التي ظهرت علي مسرح التاريخ و انه صلوات الله عليه من اميز اولئك العظام الذين تركوا اثارا خالدة، فالرسول محمد صلي الله عليه و سلم اختاره الله عزوجل لتبليغ رسالته الي الناس كافة، لصفات تجمعت في شخصه الكريم و مزايا تحلي بها عن غيره من البشر، و ان الله سبحانه و تعالي قد أعده الاعداد العظيم لتحمل المسؤولية العظمي لانقاذ البشرية، و الجهاد الكبير من اجل هدايتها، و السعي الحثيث الي نشر الدعوة الاسلامية بين العرب و غيرهم من الاقوام، و كانت البداية غاية في الصعوبة اذ كان لابد عليه من نشر المبادي‌ء السامية بين ابناء جلدته العرب، اولئك القساة الجفاة الذين اتخذوا الاصنام آلهة والاوثان معابيد و كان ابناء قومه والاقربون من عشيرته اشد الناس مقاومة و عنادا كما كانوا الاشد اضطهادا و اذي لاصحابه و مؤيديه، و لاقي صلي الله عليه و سلم مالاقي من اولئك الذين كانت قلوبهم قاسية و عقولهم متحجرة، ولكن الله سبحانه و تعالي كان ابدا الي جانب الرسول محمد صلي الله عليه و سلم مؤيدا و ناصرا حتي كتب الله عزوجل النجاح و الفلاح و تكامل نزول القرآن الكريم علي نبيه صلوات الله عليه.ان القرآن الكريم هو معجزة الله تعالي لرسوله المختار محمد صلي الله عليه و سلم بل هو معجزة الاسلام و هو الوحي المنزل من عند الله تعالي علي محمد صلي الله عليه و سلم و المنقول عنه نقلا متواترا نظما و معني و هو آخر الكتب السماوية نزولا، والقرآن هو بدء تاريخ الاسلام، و انه دستور الامة و منه نستمد معاني السيرة الشريفة و تتعرف علي التوجيهات و الاوامر المرسله الي الرسول محمد صلي الله عليه و سلم ما تعني تلك التوجيهات و الاوامر و آثارها و ابعادها، ان تلك الامور المهمة و الخطيرة انتبه اليها عالم عربي عراقي كبير هو فضيلة الشيخ الجليل جلال الحنفي البغدادي، فشرع هذا العالم الكبير باقتباس الايات القرآنية الكريمة التي تضمنت نماذج من الاوامر و التوجيهات و الآيات التي تؤكد علي رسالة محمد صلي الله عليه و سلم، و ما يجب ان تكون عليه الجماعة الاسلامية من الخلق القويم و السيرة الحسنة و وحدة الكلمة لتصبح تلك الجماعة اهلا بتحمل المسؤولية العظيمة في نشر الرسالة السامية و قيادة الامة و انقاذها من براثن التخلف الديني و الاجتماعي و السياسي.و تتبع فضيلة الشيخ الجليل الحنفي تكوين شخصية الرسول صلي الله عليه و سلم قرآنيا، واثبت الباحث الجليل بالبراهين القاطعة، مستقرئا الايات القرآنية الكريمة التي ساندت الرسول صلي الله عليه و سلم و قومت شخصيته التي تكاملت بفضل العناية الالهية المباركة.و تدل دراسة الشيخ الجليل الحنفي لهذا الموضوع الخطير علي دراية عظيمة في فهم القرآن الكريم و ابعاد معانيه و احاطته الواسعة بمدارس التفسير الاسلامية، كما جاءت استنتاجاته العلمية صائبة و متميزة بالموضوعية و الصدق و النزاهة، و تتجلي بسعة الافق العلمي، فمن معالجاته القيمة علي سبيل المثال، اشارته الي نزول القرآن الركيم علي قلب النبي صلي الله عليه و سلم، قوله: بيان بوقوع القرآن الكريم في وعائه الذي احتواه، فما ينفلت منه و لا يزيغ عنه و لا يتوزع في اكثر [ صفحه 4] مله، آلا و هو قلب النبي صلوات الله عليه، و القلب في لغة القرآن الكريم هو مصدر العقل و الايمان و الصلاح و الرشاد و التقوي، و قد عنت الآية القرآنية الكريمة التي هي عنوان هذا النص [1] ، ان القرآن الكريم كان مستقرا في خير مستقر، كائنا في خير مكان و مؤتمنا عليه الائتمان التام و تلك مزية تمت للنبي صلي الله عليه و سلم، لم تكتب لغيره من رسل الله و انبيائه عليهم السلام.هذا نموذج من دراسة الشيخ الجليل لشخصية الرسول صلي الله عليه و سلم قرآنيا فهي كما نوهت دراسة علمية مستفيضة، تبحث في شخصية الرسول صلي الله عليه و سلم في سيرته الشريفة في قوته و جرأته، في ثباته و صبره، في امانته و شجاعته، في كل ما تحلي به الرسول صلي الله عليه و سلم من الصفات العظيمه التي اهلته لتحمل تلك المسؤولية العظيمة في تحدي المشركين الطغاة و العمل علي نصرة المستضعفين و نشر العدالة في الارض مستمدا القوة و العزم من الله عزوجل، و باسناد القرآن الكريم المعجزة العظمي، التي اخذت آياته العظيمة تسدد الي المشركين و المعاندين ضربات قاصمة أذهلتهم و كانت خير عون و سند للرسول صلي الله عليه و سلم في جهاده الكبير من اجل نشر المبادي‌ء الاسلامية النبيلة، مستمدا النصر و القوة من الله تعالي، قال عزوجل، و الله يعصمك من الناس و قال تعالي: و ان تظاهرا عليه فان الله هو مولاه و جبريل و صالح [2] المؤمنين و الملائكة بعد ذلك ظهير، و قال تعالي: و شاورهم في الامر فاذا عزمت فتوكل علي الله، هذه الايات الكريمة و غيرها تناولها الاستاذ الباحث الجليل برؤية علمية، فجاءت دراسته هذه اصيلة و مبتكرة، بل هي دراسة تاريخية شاملة لحياة الرسول صلي الله عليه و سلم، جديدة في عرضها ستمد الباحثين في التاريخ الاسلامي بآراء و افكار قدمها الباحث الجليل تساعد علي تحليل و تفسير و فهم العديد من القاضايا الاسلامية.ان الكتاب الذي اطلعت علي مسوداته و الذي قام بتأليفه شيخنا الجليل الاستاذ جلال الحنفي البغدادي سيكون له الاثر الكبير في توجيه الدراسات القرآنية وجهة علمية تتميز بطابعها العصري في تقييم شخصية الرسول الاعظم صلي الله عليه و سلم قرآنيا، و ان هذا الكتاب ستكون له اهمية علمية كبيرة لانه سيعمل علي خلق مدرسة عراقية جديدة في دراسة القرآن الكريم و دوره العظيم في مسيرة التاريخ الاسلامي.اسأل الله تعالي التوفيق لشيخنا الجليل جلال الحنفي البغدادي، و بورك له في جهده العلمي المبدع و متعه سبحانه و تعالي بالصحة و السلامة.والله ولي التوفيق.أ.د. حسين أمين‌بغداد في 21/ 12/ 1995 [ صفحه 5]

توطئة

من المعروف في الاوساط العلمية أن لنزول القرآن الكريم اسبابه يقال لها اسباب النزول، و يعني ذلك أن للايات القرآن صلة باحداث و وقائع يمكن أن توصف بانها يوميات. لان القرآن الكريم استمر نزوله نحوا من ثلاث و عشرين سنة. و من هنا كانت بعض سور القرآن الكريم موصوفة بأنها مكية و بعضها قد وصفت بأنها مدنية.. و هناك اوصاف اخري وردت في شأن اكثر من مجموعة قرآنية مما يعرفه اصحاب هذه الدراسات...و يمكن أن يفهم من هذا أن سيرة الرسول صلي الله عليه و سلم و وقائع حياته اليومية المتصلة بالتبليغ و نشر الدعوة الاسلامية قد كانت من بعض اسباب النزول او كانت مما وقع الاستطراد اليه. و ليس في ذلك من غرابة لا سيما اذا ما علمنا أن القرآن الكريم كان ينزل احيا علي هيئة خطاب او علي هيئة رد لسؤال او افتاء لأستفتاء من مثل قوله تعالي و يسألونك عن اليتامي...» البقرة /220.. و قد تكون الخصوصيات ذات الطابع اليومي في حياة النبي صلي الله عليه و سلم محل ايراد و اشارة مثل «و اذ أسر النبي الي بعض ازواجه حديثا» التحريم /003 و مثل «ثاني اثنين اذ هما في الغار اذ يقول لصاحبه لا تحزن ان الله معنا» التوبة /0040اما الخصوصيات التي لا تتحصل منها مقاصد تشريعية فان القرآن الكريم لم يشر الي شي‌ء منها علي الاطلاق مما تبدو ازاءه دعوة بعض المستشرقين بأن القرآن الكريم ليس كتابا سماويا دعوي فاشلة و باطلة اضافة الي أنها مريبة و حاقدة.. و اذا قرأنا القرآن الكريم وجدناه وحدة متكاملة الا تفاوت في مناحيه التعبيرية رغم أن هذه الوحدة المتكاملة انما تكاملت خلال الفترة التي اشرنا اليها و هي ما يقرب من ثلاث و عشرين سنة فلو كان القرآن غير سماوي لظهر فيه من التباين و تباعد الشقة ما لا يخفي. و في القرآن «و لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا» النساء/0082ان شخصية النبي صلي الله عليه و سلم لم يظهر لسلوكياتها النفسية اي اثر في القرآن الكريم مما يتصل بمفردات حياته اليومية الخاصة... فليس في القرآن الكريم اي تلميح او تصريح لخديجة زوج النبي صلي الله عليه و سلم و ليس فيه آي تلميح اوتعريف لمارية القبطية و ليس فيه ما يومي‌ء ايماءا الي ابنه ابراهيم الذي ولد له صلي الله عليه و سلم في آخر حياته و كانت وفاة ابراهيم و هو ما يبرح طفلا اشق شي‌ء عليه صلي الله عليه و سلم... و ما من شك ان الرسول صلي الله عليه و سلم كان يري لبعض اصحابه دورا طيبا في مسيرة السيرة مثل ابي‌بكر الصديق رضي الله عنه و ارضاه اذ صاحبه في الغار و رافقه في الهجرة من مكة الي المدينة، ولكن لم يرد لابي‌بكر ذكر باسمه الصريح...ان الذين آذوا النبي صلي الله عليه و سلم و حاربوه من بدء الدعوة لم يرد التصريح باسمائهم باستثناء ابي‌لهب الذي كان في ايراد اسمه في القرآن الكريم ما يعد من المعجزات الكبيرة جدا، اذ جاء النص بانه من اهل النار، و كان ذلك في السنة الاولي من سني الدعوة، و لم يكن من ابي‌لهب الا الاصرار علي الكفر و ما كان النبي يطلع علي الغيب فيجزم الجزم الاكبر بكفر ابي‌لهب الذي ظل كافرا مدي حياته. [ صفحه 6] ان القبائل العربية التي لو جاءت الاشارة الي اسماء فريق منها لكان ذلك مساعدا علي خدمة الاعلام الديني ولكن القرآن لم يشر الي شي‌ء من اسماء هذه القبائل باستثناء قريش في معرض المنة التي منها الله عليها و كذلك في معرض التكليف بوجوب اعتناق مبادئه و الانخراط في السلك الايماني «الذي اطعمهم من جوع و آمنهم من خوف...» قريش/004 والنبي صلي الله عليه و سلم يعرف ذلك فلو كان القرآن الكريم قرآنه لما تحفظ في ذكر اسماء بعض قبائل العرب الشهيرة...ان الخطة التي وضعنا و فقها منهجنا في تأليف هذا الكتاب تعتمد علي ذكر المفردات الرئيسية في سيرته صلي الله عليه و سلم و كذلك انشأنا ابوابا للمجاميع القرآنية الواردة بعناوين معينة مثل باب (رأيت) و باب (واذكر) و باب (اللاءات) التي هي من نحو «و لا تصل علي احد منهم مات ابدا» و مثل ذلك «و لا تقف ما ليس لك به علم»... و مثل باب (بشر) و باب (انذر) و باب (اذا جاءك) و باب (تري) و باب (يسألونك و أسالهم) الي اخر ذلك... فان هذه الابواب تكشف عن مضمون كبير واسع من حقائق السيرة النبوية و دور الرسول الاعظم في القراع و المنازلة و توضح صور المواقف النبوية في العهدين المكي و المدني في سائر حالات الفرج و الشدة و العسر و اليسر...و بذلك يعلم متتبع النهج القرآني لكتابه السيرة النبوية فضل هذا الرسول العظيم علي الامة و عظم عطائه مضافا ذلك الي ما سوف يعرفه عن نبيه العظيم من الاقتدارات التي مازه الله بها فكانت معوانا له علي الصدع برسالة السماء العظمي الي الناس اجمعين... [ صفحه 7]

بيئة الدعوة و مهام النبي

كان من عنعنات القوم التباهي بمظاهر الغني و الثروة و ترف المعيشة لدي اصحاب البذخ و الثراء و قد اتخذ بعضهم هذا اساسا لانكار ان يكون النبي و المؤمنون به ممن لا يملكون مثل ذلك «و اذا تتلي عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنو اي الفريقين خير مقاما و احسن نديا» مريم/0073 فكان من عجيب انماط التفاضل بين الناس و المقايسة بين منازلهم الاجتماعية و وزن اقدارهم و شخصياتهم ان يتخذ القوم يومذاك الاثاث و الفرش و الزينة و الفخفخة اصلا التقييم و التمييز في ذلك النبي في نظرهم يجب ان يكون من اهل النوادي و المضايف و المضارب التي تقدم فيها الموائد و التي يقبل الناس منها علي كل سماط كثير الطعام و ما اليه من مقليات و مشويات و طيور و اسماك و حلويات و اشربة ساخنة و باردة.ان النبي غير ذلك فهو ليس مقبلا علي ترشيح نفسه لانتخابات رئاسة لكي يقدم المغزيات للناخبين و انما هو رسول من الله الي امة متمزقة ضائعة و من ورائها امم اخري اراد الله ان يكون نبيه العربي العظيم منقذا لها من الظلال و الفساد و الشقاق و ان كانت امما ذات سلطان و قوة و جبروت كالفرس و الرومان. و الناس في هذه المواجهة يستوي عند الله ان يؤمنوا او لا يؤمنوا فالذين آمنوا هم الذين تحروا رشدا و الذين لم يؤمنوا كانوا لجهنم حطبا.ان اتخاذ الابهة و الفخفخة و المال و الغني مقياسا للتمييز في موضوع الرسالات السماوية لا قيمة لا البتة. و قديما قال قوم في ملك اختير لهم من فقرائهم «اني يكون له الملك علينا و نحن احق بالملك منه و لو يؤت سعة من المال...» البقرة /247.. فرد نبيهم عليهم قائلا «ان الله اصطفاه عليهم و زاده بسطة في العلم و الجسم...» البقرة/247.مما يفهم منه ان العلم و بسطة الجسم تعني الاقتدار علي التحرك و التنقل و القدرة علي المقاومة و الصبر و ذلك من الصفات النبوية المشترطة و ان كان ما نقلناه من حديث الملك الذي اوتي من بسطتي العلم و الجسم و لم يؤت من المال ما يعد به من عداد الاغنياء فاذا كان الله جعل لاختيار الملك الذي هو رجل دنيا و ليس رجل رسالة سماوية من بسطة العلم و الجسم فانه عز شأنه اذ يختار الانبياء يختارهم متمتعين بمزايا ذاتية اكثر من ذلك بكثير...@...بيئة الدعوة في دورها الاول هي مكة و فيها الغني و الخصاصة و السادة و الارقاء و مصدر الشخصيات البارزة و متاجر التجار و الاسواق و كانت تأوي اليها القبائل من كل فج من اجل التجارة و الحج و كانت التكتلات القبائلية هي التي يركن اليها الوضع الاجتماعي... و كانت العنعنات و مجالس القوم علي اختلافها و اسواق الرقيق و الجاليات المختلفة. و في بيت الله العتيق كانت تقوم الاصنام اذ كانت تعبد و تؤدي لها طقوس العبادة الوثنية... و كانت الجزيرة العربية مطمعا للدولتين الكبيرتين في ذلك الزمان اي الروم و الفرس. و قد كان شمال الجزيرة من جهة الغرب مستعمرة رومانية و من جهة الشرق مستعمرة فارسية و كانت اليمن في اقصي الجنوب من ممتلكات الفرس، و قد عرفت جزيرة العرب ابان ذلك بالانقسامات السياسية و كان الغزو بين قبائل الجزيرة مسألة في عداد ما هو مألوف من المسائل...كانت مكة تتميز بأنها مناخ حضاري متطور في نظام الحياة اليومية لانها كانت موطن كبار التجار و الروساء و كانت كذلك بيئة ادبية ارتقت فيها اللغة و الشعر و البيان.في هذه البيئة ظهر رسول الله صلي الله عليه و سلم. و كان ظهوره علي رأس الاربعين من عمره. و قد عرفه سكان مكة رجلا من خيرة الرجال اخلاقا و سلوكا و نباهة و رجولة و مكانة عالية... و كان محل اطرائهم و موضع تقديرهم انه من اسرة عبدالمطلب سيد الجزيرة و صاحب الكعبة و خطيب العرب المصقع الذي آتاه الله من الابناء عدة معدودة كانوا من ذوي الشأن و الشهرة. فهو من ابناء مكة التي لم يكن في ابنائها من يجهله و لا يعطيه حقه من الاكبار و الاجلال. فلما اعلن نبوته و دعا الي وحدانية الله قام بينه و بينهم نفور عظيم و عداء شديد و صاروا يعاملونه معاملة منافية لما كانوا يعاملونه به من قبل و ذاك أن حرصهم علي اصنامهم و آلهتهم كان اقوي من كل الاعتبارات الاجتماعية و السلوكية التي كانت قد [ صفحه 8] انعقدت بينهم و بين النبي خلال اربعين سنة الماضية انه يريد تحطيم اصنامهم و جرهم الي عقيدة تنكر عبادة الاصنام و تدعو الي عبادة الله وحده...و رغم أن سكان مكة قد احاطوا علما او بعض علم بوجود ديانات قديمة يعبد اصحابها الله و أن لها كتبا يقرأونها و لهم أديرة و معابد يتعبدون الله بها فانهم كان لهم بأصنامهم تعلق عظيم و أنهم استنكروا دينا جديدا يحل بينهم يدعو الي وحدانية الله «أجعل الآلهه الها واحدا ان هذا لشي‌ء عجاب» ص/005لقد كانت مهمة الرسول الاعظم مهمة جد شاقة في بيئة هذا هو واقعها و تلك هي حالها اذ كان عليه أن يقضي علي عبادة الاصنام بالحجة و الموعظة الحسنة و اذ أن البيئة كلها تحمل تجاه رأيه العناد و المخالفة و الخصومة، فلقد كان عليه أن يتحمل كل شي‌ء و أن يصبر و يبالغ في الحلم و كان عليه أن لا يكل و لا يمل و يواصل المسيرة لكسب الاعوان و المؤيدين و كان علي النبي أن يصحح كثيرا من احوال الناس و يقوم ما كان من معوج سلوكهم هذا. و لم يكن خصوم النبي من جنس واحد من الرجال انما كانوا اجناسا شتي ففيهم العقلاء و فيهم السفهاء و كان الجميع مطبقين علي انكار رسالته بالطريقة التي يتعامل بها كل منهم. من ذلك نري في مجادلاتهم للرسول ما يتهافت تماما و يسخف و يبعد عن المنطقية لأن كل قوم منهم كانوا في هذه الساحة علي ما ألفوه و عرفوه «أو تأتي بالله و الملائكة قبيلا» الاسراء/0092 فكان موقف النبي في هذه المعمعة موقفا لو وقف فيه غيره لانهار كل الانهيار و لعلق به الخذلان و الفشل العظيم.من هنا نعلم أن شخصية الرسول الاعظم كانت متميزة بمزايا لم يقدر مثلها للاخرين من الانبياء و القادات و الخشصيات التأريخية الكبري.. و قد صرح القرآن بأن مهمة النبي ثقيلة و ليست بالامر الهين و ذاك في قوله تعالي «انا سنلقي عليك قولا ثقيلا» المزمل/005 ففي هذا النص توضيح لثقل المهمة التي ناطها الله برسوله العظيم فهي تشريف و تكليف و هي عب‌ء شديد و ثقل ثقيل.. و قد كلم الله نبيه مصارحا اياه بان المهمة التي ناطها به مهمة جد عظيمة و ذاك بالنص الواضح «انا سنلقي عليك قولا ثقيلا» و قد كان حقا قولا ثقيلا..و كانت هناك بيئة ثانية للدعوة هي بيئة المدينة: التي كانت تتميز بأنماط من الخصوم ذوي مناهج في التعامل و الجدل و المراوغة مما لم يكن معروفا في البيئة الاولي كاليهود و المنافقين... و كانت هناك بيئة ثالثة هي التي تولي امرها اتباع النبي بعد وفاته صلي الله عليه و سلم، تلك هي بيئة العالم خارج الجزيرة اذ كانت هناك حضارات و دول و شعوب و لغات و قيم و ديانات شتي ولكنها ارتاحت للاسلام و قد كان قد ادخلها في حسابه منذ نزوله الاول لانه دين البشرية جمعاء و ان النبي الذي جاء به هو خاتم رسل الله الي عباد الله... و لا نخرج عن صدد الامر اذا قلنا ان الاديان انما قامت من اجل تصحيح مسيرة الامم و الشعوب و انما بعث الله الرسل لهذا الامر بعد توحيد الله عزوجل.و حين نتغلغل في مجالات القرآن الكريم نجد هذه الحقيقة تتألق كل التألق و تبرز كل البروز.. غير أن الرسالات القديمة كانت خاصة. و أن رسالة الرسول الاعظم صلي الله عليه و سلم هي رسالة عامة الي كل ابيض و اسود... و حين تتابع النصوص القرآنية التي جاء الكلام فيها علي ذكر النبي و اعماله و خطواته فسنري له صلي الله عليه و سلم مهام كثيرة يعجب الباحث في ذلك كيف كان النبي ينجز اعماله اليومية المستديمة. فهو امام القوم في الصلاة و هو قاضيهم في الاحداث اليومية، و هو قائد الفرق المحاربة هجوما او دفاعا و هو يستقبل الوفود القادمة اليه من اطراف الجزيرة و سائر القبائل. و هو كذلك ملزم أن يصلي الليل و يسبح لربه كما أنه يواجه في كل لحظة من سائل او مستفت او مجادل او متحد او [ صفحه 9] مستخف. بل كانت الايات القرآنية تنزل عليه في سائر الاوقات تقرر امورا و تعلن احكاما و تفرض فرائض شرعية يواجه النبي بها الناس من خصوم و مؤمنين.و عند وقوف من يقف منه الناس علي هذه التكاليف الكثيرة سيعجب كيف كان الرسول صلي الله عليه و سلم يتولاها جميعا باقتدار خارق عظيم..ان الله عزوجل نظم مهام النبي تنظيما زمنيا فجعل مبدأ اعماله هذه ان ينذر اهله و ذوي قرابته «و أنذر عشيرتك الاقربين» [3] الشعراء/00314 ثم عاني النبي من عشيرته ما عاني. ثم كانت دعوة قد راحت تشمل سائر الناس من اهل الجزيرة و من اهل الكتاب و اتسعت رقعة المناخ الاسلامي بعد الفتوحات العظيمة.ان دعوة الناس لاعتناق الاسلام لا تعتمد علي مطلق الشهادتين و انما هناك التزامات يجب أن يلتزم بها من يعتنق الاسلام هي الصلاة اليومية و هي الصيام في شهر رمضان و هي الزكاة لمن ملك نصابها و الحج و كذلك هناك احكام في الزواج و الطلاق و الميراث و البيوع و الحلال و الحرام والجهاد في سبيل الله و كذلك حفظ القرآن و حفظ السنن النبوية و معرفة ما يجوز و مالا يجوز و الاخذ بهدب الخلق الاسلامي الذي هو ملاك هذا الدين و قوام كيان هذه الامة و هناك امور تدخل في قانون السلم و الحرب و معاملة الاخرين. و هناك جنايات و عقوبات و كبائر و صغائر و هناك التزام بطاعة الله و طاعة رسوله.ان مهمة النبي في ايصال كل فرد من افراد الناس الي هذه المستوي الايماني ليست بالامر اليسير و ليست بالمسألة الهينة فمن هنا كانت مهام النبي في سائر الادوار من أشق المهام و اعسر التكاليف، غير أنه صلي الله عليه و سلم اكملها و اتمها و اتقنها، و من هنا كان هذا الاسلام الذي ضرب بأطناب خيمته في سائر ارجاء الارض شرقيها و غربيها...و قد صرح القرآن الكريم في كثير من سوره و آياته بالمهام الخطيرة التي ناطها الله برسوله محمد صلي الله عليه و سلم و من ذلك ما جاء في قوله تعالي «... كتاب أنزلناه اليك لتخرج الناس من الظلمات الي النور باذن ربهم الي صراط العزيز الحميد» ابراهيم/001 و كذلك قوله تعالي «انا انزلنا اليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله» النساء/105. وامر الحكم بين الناس ليس بالامر اليسير. فهو علي ثقل عبئه متكرر و متجدد. و امر الناس و اصلاح الناس و ارضاء الناس لم يكن شي‌ء من ذلك من هينات الامور يوما ما و كذلك قوله تعالي «و من الليل فتهجد به نافلة لك عسي ان يبعثك ربك مقاما محمودا» الاسراء/79.و من الليل فتهجد به نافلة لك بهذا التوجيه توجيه للنبي صلي الله عليه و سلم كان الغرض منه لفت انظار الامة الي ما في صلاة الليل و الناس نيام من عظيم اجر [ صفحه 10] و كبير ثواب فهو خطاب و ان كان الرسول صلي الله عليه و سلم مخاطبا به فانه مشمولة به الامة كلها اذ كان فيها من يسهر الليل و لا يهجع فيه الا قليلا و هم كائنون كل حين...اما قوله تعالي - عسي ان يبعثك ربك مقاما محمودا - فان (عسي) و هذه في موقعها هذا تعني التأكيد قصد بها من الاطمئنان و الاقتناع النفسي و ليس هي للتوقع و المقام المحمود علي ما عرف من استعمالاتها لدي اهل اللغة الذي قال الله جل جلاله فيه - عسي ان يبعثك ربك مقاما محمودا - و هو تعبير غير وارد له نظير او اكثر من نظير في القرآن الكريم في مخاطبة الانبياء فهو مما خصص للنبي صلي الله عليه و سلم من المكافآت العظيمة القيمة و ليست كلمة المقام المحمود مما تراجع فيه المعاجم استيضاحا لمعانيها و استخبارا عن مقاصدها فهي من الالفاظ الفصيحة المتميزة بالبساطة و الوضوح ولكن اذ كان المقام المحمود هو مقاما محمودا عند الله جل جلاله فهو مما يبيت محل تمني المتمنين و امل الآملين و رجاء الراجين و النص هنا جاء بلفظ (عسي ان يبعثك ربك) و فيه ما يومي‌ء الي ان المقام المحمود هو من كريم نعم الله جل جلاله المدخرة لهذا النبي العظيم صلي الله عليه و سلم و ما جاء قبل هذه الاية و كذلك ما جاء بعدها يعم و يخص. اذ يصيب منهما ما يصيبه و يصيب اتباعه رضي الله عنهم و ارضاهم من ذلك ما يصيبهم و قوله تعالي (و قل رب ادخلني مدخل صدق و اخرجني مخرج صدق) و قد وجدنا ان الله عزوجل كان يعلم النبي كيف يدعوه و كيف يسأله و يلقنه ما يلهج به في دعائه.لقد كان من مهام النبي ايقاع الحدود التي جاء النص بها في التنزيل العزيز من مثل «و السارق و السارقة فاقطعوا ايديهما المائدة/0038 و من مثل «الزانية و الزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة»... و من مثل «انما جزاء الذين يحاربون الله و رسوله و يسعون في الارض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا..» المائدة/33.

منطق الكفر و الايمان

للذين كفروا منطق غير منطق الذين امنوا و مثل ذلك منطق المنافقين... و في القرآن الكريم نماذج كثيرة لمنطق هؤلاء الاعراب... و ندوون من ذلك نماذج من الجدل بين الفئتين من يتابع ذلك ما هناك من اصالة في منطق المؤمن و ما هناك من زيغ في منطق الكافرين... «ان الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم و اما الذين كفروا فيقولون ماذا اراد الله بهذا مثلا...» البقرة/0026ان منطق الكافرين يعتمد علي الاستفزاز و المراوغة في الحوار خلافا لمنطق المؤمنين الذي يبتغي الاقناع و كسب المنتسبين الي الملة، و لمنطق الكفر شعار من العناد و الانتقام لمعابيدهم الباطلة... اجل اننا بعد التمييز بين اساليب الجدل هذه نعلم أية مهمة كبري ناطها الله برسوله الاعظم يوم بعثه نبيا و رسولا الي مشركي مكة و كفارها و منافي المدينة و يهودها و غيرهم من اهل الكتاب...ان اسلوب جدل الكافرين يعتمد النفي و الانكار لان ذلك في رأي القوم ينسف الدعوي القائمة من اساسها «و يقول الذين كفروا لست مرسلا» الرعد/0043 و هو يخرج عن نهج المعقولات عنه المناقشة التي يراد بها الوصول الي المسلمات اما التهويش فهو خلق اساسي في جدل اهل الكفر: «و قال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن و الغوا فيه لعلكم تغلبون» فصلت/0026و كلمات الاتهام اول شي‌ء يظهر علي لسان المجادل غير المؤمن. و من هنا جاء اتهامهم للرسول الاعظم بالسحر و الشعر و الجنون.. و عناد الكفار في سائر العهود التي بعث الله فيها الرسل للعباد امر متوارث متفق عليه «أتواصوا به بل هم قوم طاغون» الذاريات/0053 [ صفحه 11]

بشرية متميزة

في القرآن الكريم: «آمن الرسول بما انزل اليه من ربه المؤمنون كل امن بالله و ملائكته و كتبه و رسله، لا نفرق بين احد من رسله و قالوا سمعنا و اطعنا غفرانك ربنا و اليك المصير». البقرة/285الرسول في امر الايمان بمفردات الدين حاله كحال اي احد من المؤمنين بدينه و ملته فهو ملزم باداء شعائر العبادات من صوم و صلاة و ما اليها و هو صلي الله عليه و سلم يتوضا للصلاة وضوء سائر الناس و يصلي صلاته و قد تمت لها جميع الشروط و يقرا في صلاته ما يقرا المصلي اذا صلاها منفردا و يركع و يسجد و يقعد و يقرا خلال القعود كلمة (التحيات) التي يقول في نضاعيفها (السلام عليك ايها النبي و رحمة الله و بركاته) كالذي يقوله سائر المصلين و كذلك كان يتشهد في اخر الصلاة و يصلي علي النبي كحال المصلين الاخرين و كان النبي يؤذن في اذن الوليد عند ولادته قاتلا (اشهد ان لا الله الا الله و اشهد ان محمدا رسول الله) و كان يصوم فيمسك عند الفجر و يفطر عند الغروب و كان مخاطبا في امور الشريعة بما يخاطب به كل مسلم و تنطبق عليه شروط صحة الصلاة من الطهارة و استقبال قبله و ستر عورة و قيام و ركوع الا عند عروض المرض له فانه يصلي قاعدا و يقضي الصلاة اذا فات وقتها عن غير عمد و يتيمم للصلاة عند فقدان الماء و ذلك كله علي جاري الامر لدي سائر المؤمنين.و هكذا كان النبي يعد نفسه واحدا من المؤمنين و ان كان هو امامهم و مصدر شريعتهم.و قد طلق النبي بعض زوجاته وردها الي عصمته و فق شروط الطلاق و الرجعة المطبقة علي جميع المسلمين علي انه صلي الله عليه و سلم كانت تحكم امره في هذا الباب خصوصيات معلومة، و حج النبي فادي المناسك و الشعائر مثل غيره من المسلمين.و الخطابات القرآنية الموجهة الي الرسول فيها ما يختص به و منها ما يكون عاما بينه و بين المؤمنين و من هذه الناحية فان الرسول صلي الله عليه و سلم حين يؤي الشعائر و يتذوق حلاوتها او يعاني ما فيها من ثقل يعرف بالتفصيل حالة المسلمين الذين يؤدون هذه الشعائر و ما يجدونه فيها من امور قد تثقل عليهم او يستطيبونها و يرتاحون لها فهو صلي الله عليه و سلم اذن في صميم الوضوع و بحبوحة التكاليف الشرعية.و كان صلي الله عليه و سلم اذا حدث غزو او جرت معركة موجودا في مقدمة من يمارس ذلك و لذا تعرض لكثير من متاعب الحروب و كان النبي يقرا القرآن كما يقرأه الغير من اتباعه و النص الذي نحن في صدده يوضح هذه الحقائق ايضاحا لا يحتاج لمزيد و قد جاء فيه..(كل آمن بالله و ملائكته و كتبه و رسله) و النبي مشمول بهذه (الكلية) الايمانية و معني بها فهو يؤمن بالله و ملائكته و كتبه و رسله كأيمان أي من المؤمنين فصلي الله عيلك و سلم ايها النبي العظيم و الرسول الكريممن الامر الطبيعي ان الله جل جلاله اذا ارسل رسولا من الناس الي الناس فانه لابد ان يكون الرسول المرسل علي رغم بشريته شيئا متميزا علي الشريحة البشرية، و كانت الامم القديمة تواجه رسلها بانكار ما يدعون من رسالات السماء و كان يزيد من شكوكهم في صدق رسالات المرسلين ما يسمعونه من الانبياء من الاصرار علي كونهم - اي الانبياء - بشرا كسائر البشر يفهم من هذا ان النبي - اي نبي كان - يتميز باكثر من سحنة فوق مستوي البشرية و مع ذلك ظل الانبياء بشرا لا يعرف اتباعهم و المؤمنون لهم ذصلتهم بالاله الخالق العظيم و طريقة وصول الوحي الي رسله و ليس من الغريب أن نقول ان الانبياء شبوا عن طوق البشرية، بالرغم من ثبوت هذه الكينونه فيهم في سائر الحالات و الذين آمنوا بالرسالات السماوية كان عندهم هذا الامر واضحا و طبيعيا خلافا للفلاسفة و منكري الديانات، و لقد يصح ان توصف الحالة المضافة الي بشرية الانبياء بالروحانية اذ يتألق الروح في ملكوتها البشري فتستحق ان تعامل انذاك معاملة ليس من شأن البشرية و لا من حقهم ان يعاملوا بها في المجال البشري و كانت عائشة رضي الله عنها و صفت النبي صلي الله عليه و سلم بان خلقه القرآن و هذا اقصي ما وقع لها التعبير به في تصوير بشرية الرسول اذ لم تكن هناك مصطلحات لغوية يعبر بها عن شخصية ما يلفظ بها...و القرآن الكريم يوضح بعض الملامح الدالة علي هذه الحقيقة التي نعني بها وجود مميزات خاصة ترتفع بها البشر الي مستوي ملحوظ ففي قوله تعالي» و لا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض [ صفحه 12] أن تحيط اعمالكم و انتم لا تشعرون» الحجرات/002 و هنا نري الجانب البشري قد انحسر شي‌ء منه او طرف منه ليحل محله وضع آخر تتجلي فيه للنبي صلي الله عليه و سلم حالة تبدو البشرية فيها بشرية جد مكتملة وجد متسامية مما يتوجب ان ينظر اليها الناظر باكبار عظيم لا يتاح مثله لبني البشر و يحكم لها بالامتياز العظيم في جماعة البشرية و من ناحية ثانية نري ان الله جل جلاله اراد ان يعامل النبي صلي الله عليه و سلم معاملة تتميز بالتفرد في التعامل البشري و ذاك حين نقرأ قوله تعالي «قل ان كان آباؤكم و أبناؤكم و اخوانكم و ازواجكم و عشيرتكم و أموال اقترفتموها و تجارة تخشون كسادها و مساكن ترضونها احب اليكم من الله و رسوله و جهاد في سبيله فتربصوا حتي يأتي الله بأمره و الله لا يهدي القوم الفاسقين» التوبة/0034فلقد اوجب الله علي الامة ان تحب النبي صلي الله عليه و سلم حبا يطغي علي حب الناس آباءهم و ابناءهم و اخوانهم و ازواجهم و اموالهم و تجارتهم و مساكنهم و في الدهر الذي كان الانتماء القبائلي اصلا في استحقاق كل فرد ان يكون موجودا في الناس شرط ان يكون فوق حب الانسان لعشيرته...ان هذا النمط من الحب فوق كل ما يقع لدي المعروفين من عشاق العرب و غيرهم فهو اسمي و اوسع و ابلغ و اشد من كل ما علمنا من احداث الحب فليس قول القائل من عشاقهم و كما يقال:امر علي الديار ديار ليلي اقبل ذا الجدار و ذا الجداراان هذه النصوص القرآنية و نصوص اخري في معناها تعطينا اضاءة ساطعة في موضوع بشرية الرسول الاعظم المتميزة في اطارها البشري و سيمر بنا في آفاق الكتاب ما يقر هذه الحقيقة في النفوس و الافكار علي مستوي علمي قاطع البرهان و الدليل. و في مفردات هذا الكتاب تفاصيل وافية في الموضوع...

قداسة الشخصية النبوية

حين يختار الله لعباده نبيا من بينهم فانه جل شأنه يمنحه من اسباب التفضيل و التمييز الكثير ليكون للعالمين نذيرا و هاديا و ناطقا علي لسان ربه... كما انه جل شأنه يمنحه اكثر من سمة من سمات القداسة و البركة و السمو الروحي ليكون عند المستوي اللائق بمن يوسطه الله بينه و بين عباده في اخطر اسراره و توجيهاته. و مما لا شك فيه ان من يكون ذا صلة بالله ليحمل رسالته الي خلقه فانه لتزكو نفسه و تتطهر من ادران الشهوات التي يعرم بها وضعاء الناس و يترفع عن الدنايا و يبيت في سلوكياته ذا صدق و استقامة و خلق محمود و قد شهد الله لنبيه بذلك اذ قال فيه «و انك لعلي خلق عظيم» القلم/004 اجل ان شخصية النبي حين تكون علي هذا الصراط السوي من التكامل فان النفوس تهوي اليها و تقبل علي التعلق بها و الاستماع اليها و حبها و الذب عنها و مفاداتها، و علي هذا يمنحها الله القداسة و الطهر و العصمة. و اذا كان في الناس من هو ذو نفس خبيثة فان الانبياء منزهون قاطبة عن مثل ذلك بطبيعة حالهم و واقع امرهم و حسن موقعهم الذي اختارهم الله له.. ففي القرآن الكريم علي لسان يعقوب عليه‌السلام «اني لاجد ريح يوسف لولا ان تفندون» يوسف/0094 فلقد تم ذلك ليعقوب من فرط صفاء نفسه و صدق تعلقه بربه و سلامة بنيته النبوية اذ كان نبيا و ابن نبي و حفيد نبي و من كمال تفرده بالقدسية النبوية ان يقول الله فيه:«و ما كان الله ليعذبهم و انت فيهم و ما كان الله معذبهم و هم يستغفرون» الانفال/33.فهذا نص قرآني ظاهر فيه التزكية المطلقة لشخصية الرسول الاعظم و ان الوجاهة العظمي في النص القرآني أثبتت ان وجود النبي بين افراد قومه يعد حائلا دون ان يعذبهم الله او يبطش بهم و في هذا تمييز قاطع لشخصية الرسول بالمكانة البشرية بين الناس... [ صفحه 13] اجل ان النص القرآني يجعل وجود النبي في قومه حصانة أن يصيبهم الله بمثل ما اصاب الامم القديمة التي كفرت بالله و رسوله فاوقع بهم الخسف و الاغراق و غير ذلك من العقوبات... ان الشعوب القديمة عوقبت و انبياؤها فيها و لم يشأ الله ان ينكل بقوم رسول الله رغم رفضهم الملة التي جاء بها صلي الله عليه و سلم و ذاك اكراما لمكانة هذا النبي العالية عند ربه... لا احسب احدا يملك ان ينفي هذا المعني في النص فانه من وضوح البيان و نصاعة النص بحيث لايقال في تأويله غير هذا الذي قلناه، و السر في ذلك ان هذه الامة خلقت عصية علي الطاعة و غير ذات تقلب في جوهريات معتقداتها في حبها و كرها و تعلقها بعنعناتها و ما تأصل في نفسها من روائع افكارها و ثوابت قيمها... اللهم الا اذا تكدست الادلة و البراهين في ساحاتها و افرغت كل جهدها في مناقشة المعتقد الجديد الذي يريد الله به نسخ المعتقد القديم...ان الله عزوجل اذ بعث محمدا الي العالم جعل المراحلة الاولي في البيئة العربية التي هي بيئة النبي نفسه و ذاك الاعداد فئة منهم تنهض بعد اعتناقها الاسلام الي التبشير به في انحاء العالم خلافا لسائر الديانات المقفلة علي نفسها في ذات اقوامها و هكذا كان الامر و كان اكثر نصيبا من صبر الله عليها...و قال تعالي في تزكية مطلقة:«النبي اولي بالمؤمنين من انفسهم» الاحزاب/6و المراد بالمؤمنين سائر من آمن منهم و الكلام عليهم هنا يتناول مؤمني جميع الامم العربية و الاعجمية عبر ازمان الدهر كله ان الخطاب موجه اليهم علي عهده صلي الله عليه و سلم و علي كل عهد يكون فيه مؤمنون يؤمنون بالله و رسوله و اليوم الآخر.اما النبي فانه مراد بأنه بالمؤمنين من انفسهم في سائر حالات حياته و وفاته و عبر سائر ازمنة الدهر.. لانه لا يصح ان يكون اولي بالمؤمنين من انفسهم في جيل دون جيل لا سيما ان تكون كلماته مسموعةو متداوله و مطاعه و الاذان باسمه قائم و ذائع في جميع البقاع و العصور. و قوله تعالي «و ازواجه امهاتهم» يتضمن عمومية غير محددة بحياتهن فهن امهات المؤمنين اذا ذكرهن المؤمنون ذكروهن موصوفات بهذه الصفة و ملقبات بهذا اللقب التكريمي الجليل...و معني كون النبي اولي بالمؤمنين من انفسهم انه لو وقع الخيار في امر حياة و موت او نفع و ضرر فان علي المؤمن ان يرجح أحقية النبي في الحياة و المنفعة و أن يجعل من نفسه فداءا له - أي للنبي - و دينه و شريعته لان النبي اولي به من نفسه... و النص آت لأقرار معني الفناء في الولاء للنبي و هذا من ادق معاني قدسيته صلي الله عليه و سلم و هي قدسية منحها الله هذا الرسول العظيم، فما عرف مثلها في شخص سواه و قد ظهر عبر التاريخ أن امما آمنت بقدسية ملوك لها وقادة فكانت تعاملهم معاملة فوق معاملة البشر بعضهم بعضا ولكن ذلك لم يكن عن نص سماوي بل كان عن شعور اولئك الرعايا بأن قادتهم يستأهلون منهم هذا التمييز العظيم... و الأمة الاسلامية لو لم يقل الله في قرآنه «النبي أولي بالمؤمنين من انفسهم» لكان حريا بهم أن ينظروا الي رسول الله محمد بن عبدالله نظرة تعظيم و تقديس عظيمين لانه قدم للبشرية جمعاء في سائر مجالات العطاء الانساني و الاجتماعي اعظم ما قدمه احد لهذا البشر من خير و اصلاح و هدي و سعادة و كيان متكامل... حقا أنه صلي الله عليه و سلم اولي بالمؤمنين من انفسهم بل انه اولي من غير المؤمنين بأنفسهم كذلك لو انصفت الناس...اما قوله تعالي «ان شائنك هو الابتر» الكوثر/003 فان الدلالة فيه علي قدسية النبي صلي الله عليه و سلم ناشئة من أن الله استعظيم أن يكون هناك شاني‌ء للنبي. و النبي ليس ممن يملك شاني‌ء أن يشنأه... ذلك سبه الله سبا ذريعا بأن وصفه بأنه ابتر أي لا احد وراءه و لا احد امامه و لا عون له و لا رصيد له من خير او مروءة [ صفحه 14] او عقل او شرف او جاه او كمال. اما ان تكون كلمة الابتر بمعني من لا ولد له و لا ذرية و لا عقب فانه مستبعد جدا لان امثال هؤلاء قد وقع لهم ذلك بسبب العقم. و في القرآن الكريم «و يجعل من يشاء عقيما» الشوري/50 فالعقم اذن من اقدار الله التي لا يذم عليها المبتلي بها و لا تكون منقصة تؤدي الي الاحتقار و الازدراء.و كلمة «الشاني‌ء» لا تعني شخصا واحدا بعينه فلقد يكون هناك بل لقد كان هناك اكثر من شاني‌ء و عدو مبغض لرسول الله صلي الله عليه و سلم... و لو كان المراد بكلمة الابتر من لا عقب له لما كان في قوله تعالي «ان شانئك هو الابتر» زجر او كبير رد وردع لرجل او لاكثر من رجل ممن عادوا رسول الله.و نحن نعلم أن الذين عادوا النبي كانوا كثيرين تري هل كانوا جميعا بلا عقب و هل ينطبق علي كل معاد منهم للنبي القرار القرآني القائل «ان شائنك هو الابتر»...اذن ان كلمة الابتر لا تعني المعني الذي يكرره قوم بأنه يعني من لا عقب له بل هي كلمة ذم لمن راح يعادي النبي و يبغضه و يشنأه و انما حكم الله عليه بذلك لانه غمط حق النبي و حق النبي حق عظيم و قدسيته قدسية ثابتة و مكانته عند ربه جد عالية. و في القرآن الكريم «و لا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه» التوبة/120... لقد ورد هذا النص في قوله تعالي «ما كان لاهل المدينة و من حولهم من الاعراب أن يتخلفوا عن رسول الله و لا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه». فان قوله تعالي «و لا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه». اشارة الي قدسية صلي الله عليه و سلم بحيث لا تملك نفس أن تترجح عليه او أن تستأثر بشي‌ء دونه او أن يكون النبي في مرحلة تلي مرحلة قوم اخرين...و من الادلة القاطعة علي قدسية النبي قوله تعالي «يا ايها الذين آمنوا لا ترفعوا اصواتكم فوق صوت النبي و لا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض ان تحبط اعمالكم و انتم لا تشعرون» الحجرات/2...ان النص القرآني ميز النبي بأنه ليس من انماط الناس ممن يخاطبهم و يخاطبونه فهو اذ يخاطب من قبل من يخاطبونه يسمو علي الجميع فلابد من تهيبه و اجلال مكانته و غض الصوت عنده بل لقد جعل الله من لا يتأدب في مخاطبة النبي بهذا الادب العظيم جعله ممن يحبط الله علمه و يبطل صلاته و زكاته و يلغي من صفحة اعماله ما يقدم لله من قربات و ما يؤدي من حسنات «ان تحبط اعمالكم و انتم لا تعشرون»... فالرسول الاعظم صلي الله عليه و سلم قد وهبه الله جماع الفضائل فصير فيه طاقات من القدسية و الطهر و النزاهة التامة فكان من الهيبة و سمو الشخصية علي ما عرفناه فيه قرآنيا أي من طريق الآي القرآني المقول له و المقول فيه خلال ثلاث و عشرين سنة هي السقف الزمني لنزول كتاب الله العزيز... و لم نكن عند الكلام علي شخصيته صلي الله عليه و سلم بشي‌ء من خارج هذا المصدر العظيم الذي هو القرآن الكريم. فان سيرة النبي التي نكتبها هنا مصدرها الاول و الاخير هو كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لامن خلفه...ان الادلة القرآنية علي قدسية النبي كثيرة المعنا منها بما لجأنا في شرحه الي الايجاز و الي الاسهاب احيانا اخري وفق ما يسره الله لنا في هذا الامر من تيسير...ففي قوله تعالي «ان صلاتك سكن لهم» التوبة/103 مزية شخصية يتفرد بها الرسول صلي الله عليه و سلم. بل ان هناك ما يومي‌ء الي أن الناس كانوا يتحسسون بتفرد النبي ببعض الخصائص و السمات الجليلة الشأن التي يفهم أن قدسيته صلي الله عليه و سلم كانت معروفة لدي كثير من اتباعه و غيرهم ايضا...و من آيات القدسية قوله تعالي «ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك و ما تأخر» الفتح/3... في النص [ صفحه 15] معني قاطع علي قدسية شخصية النبي اذ ان الله عزوجل نزهه أن يكون له ذنب في آتي ايامه عقب فتح مكة، فان قوله تعالي «ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك و ما تأخر» لا يعني علي وجه الضرورة أن يكون للنبي ذنب يقترفه في ما بعد فيغفره الله له و انما يعني أن الله نزه نبيه أن يكون له ذنب يقترفه خلال ما بقي له من عمره. الا ان الله عزوجل عرض ذلك علي وجه الامتنان و التفضل فكان النص علي ذلك النحو...ان قدسية شخصية النبي ثابتة و جلية في هذا النص الكريم و مما يصح أن يعد من هذا الباب اي من باب قدسية النبي ما ورد في بعض الآيات القرآنية من مثل قوله تعالي «و ما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفان مت فهم الخالدون»... الانبياء/34 في هذا النص تفصيل جد واضح لمكانة الرسول صلي الله عليه و سلم عند رب العالمين فلو أن الله جل جلاله جعل لاحد خلودا في الدنيا علي وجه يتميز به المتميز بأنه خالد و باق في حين يري الناس ينساقون الي مصائرهم الابدية لكان الله جل جلاله جعل محمدا واحد منهم.ان قانون الله عزوجل قائم علي كل نفس بشرية و نافذ في كل نسمة وهبها الله الحياة و لذلك فلابد من ان يموت كل حي ولكن حين يكون هناك استثناء لبعض الخلق في الخلود و الحياة علي خلاف ما قضي الله جل جلاله في خلقه فان محمدا صلي الله عليه و سلم اولي بهذا الاستثناء. و لذلك جاء النص القرآني الشريف و كان عليه مسحة التعجب و الانكار «أفان مت فهم الخالدون» و التفضيل - هنا - علي سائر البشر كائنة ما كانت مساحات وجودهم و نفوذهم و غناهم و سلطانهم في هذه الحياة. اجل ان قوله تعالي «افان مت فهم الخالدون» هو تفضيل مطلق غايته الاطلاق علي انه ليس في الدنيا من يسبق محمدا في شي‌ء و ليس في الدنيا من يقع له الترجيح بميزة ما عند الله جل جلاله علي هذه الذات النبوية العظيمة. و من الآيات التي نلحقها بآيات القدسية قوله تعالي:«ان تتوبا الي الله فقد صغت قلوبكما و ان تظاهرا عليه فان الله هو مولاه و جبريل و صالح المؤمنين و الملائكة بعد ذلك ظهير...» التحريم/4.ففي هذا النص القرآني ما يشعر بعظيم حدب الله علي رسوله و كبير رعايته له و حرصه عليه فلقد جعل الله في مواجهة موقف اثنتين من نسائه وقفتا منه عليه الصلاة و السلام موقف التظاهر عليه فانه تعالي بدأ بذكر اسمه في طليعة من يتولون الدفاع عن نبيه «فان الله هو مولاه» اي وليه و ناصره و أتبع ذلك بقوله «و جبريل» و أتبع جبريل بجميع المؤمنين الصالحين ثم ختم الجمهرة المدافعة عن الرسول بسائر ملائكة الله، «و الملائكة بعد ذلك ظهير...».مثل هذا الكلام من الله واضح التنويه بعظم مكانة النبي عند الله و قياسا علي ذلك فان اية حركة معادية للرسول ستواجه باكثر من ذلك دفاعا عنه صلي الله عليه و سلم و المهم ما ينطوي عليه النص من بليغ رعاية الله لرسوله و عظيم لطفه به و مستعجل ما يقع من اسباب نصرة نبيه بحجم جد كبير... و ما من شك في أن شخصية تنال هذا الحفول الكريم من رب العالمين الا كانت شخصية مقدسة كل التقديس و محصنة كل الحصانة.و من ذلك «انك ميت و انهم ميتون...» الزمر/30...الاشارة الي ان النبي ميت و قد جاء ذلك بلفظ الخطاب و المواجهة انما هو امر طبيعي لان الموت عاقبة كل حي من ابناء البشر... ولكن قوله تعالي «و انهم ميتون» فيه ما يشبه التهوين و الملاحظة للرسول الاعظم اذ اورد النص أن الجميع سيموتون و في هذا من معاني القدسية النبوية ما هو جد ظاهر...ان الله اقسم بكثير من مخلوقاته من مثل الشمس و القمر و الليل و النهار ولكن ذلك القسم لم [ صفحه 16] يكن لقدسية هذه الجمادات الخالية من محتوي القدسية... اما البشر فان الله لم يقسم باحد منهم ولكن النبي وحده هو الذي اقسم الله بحياته من هذا التفرد و في قسم الله بحياة رسوله هو محل القدسية التي نقول بها...ان القسم بالجمادات لا يبرزها كشي‌ء مقدس و انما يبرزها بوصفها من بديع مخلوقات الله. اما القسم بحياة النبي و لم يقع مثله في التنزيل فانه يدل علي التشريف و التكريم و التقديس.و ها نحن اولاء نجد في التنزيل العزيز نصا يكشف عن جانب من قداسة هذه الذات النبوية العظيمة هو ان الله اقسم بحياته صلي الله عليه و سلم في قوله «لعمرك انهم لفي سكرتهم يعمهون» الحجر/72.و لم يكن الله قد أقسم بحياة احد من رسله و في ذلك من الدلالة علي قدسية النبي صلي الله عليه و سلم مالا يرقي اليه شك او يقوم في مواجهته جدل او اساءة تفسير او خروج عن التأويل الي التضليل... ممن عسي أن يصرفهم الهوي عن الهدي كبعض من وجدناهم شاقوا الله و الرسول فضنوا عليه بما هو اهل له من تكريم الله و القسم بحياته [4] .و في قوله تعالي «لتؤمنوا بالله و رسوله و تعز روه و توقروه و تسبحوه بكرة و أصيلا». الفتح/9فقد امرت الامة بتوقير نبيها محمد صلي الله عليه و سلم و التوقير لغة اغداق مظاهر الاحترام و التبجيل علي من يراد توقيره الي التعزير فهو من الفاظ الاضداد التي جاء افتراضها بالتوقير محددا معناها الذي هو التوقير نفسه.لم يرد في القرآن الكريم علي توقير شخصية من الشخصيات بالنص الواضح والامر القاطع الا شخصية رسول صلي الله عليه و سلم و انما كان ذلك لعظم منزلة الرسول عند ربه و بهذا النص يفسر ما عمد اليه الامويون بعد فتح كثير من الامصار و وقوف الناس علي صور التكريم و التوقير التي كانت تتعاطاها الشعوب تجاه رؤسائها و فلاسفتها فان العرب ابان جاهليتهم كانوا يرون من مظاهر تكريم الموتي دفنهم في عراء من الارض و تركهم لامطار السماء و شمسها و ريحها و كذلك فعل بجثمانه الطاهر عند دفنه في ساحة البيت الذي كان سكن زوجه عائشة ام‌المؤمنين رضي الله عنها و ليس في غرفتها فلما انتشر الاسلام و وصل جنوده الي كل فج من فجاج العالم تنبه المسلون الي ان الالتزام بالطريقة الجاهلية هذه في دفن الموتي لم يعد مقبولا و لا سيما هذا النبي العظيم صلي الله عليه و سلم الذي امر القوم بتوقيره لذا بادروا الي اتخاذ القبة علي قبره الشريف [5] لاجل ان يعطوه نصيبا من الرعاية و الحماية ليكون في مأمن من اوساخ الفضاء و نفايات الارض و المطر و تخريبه و من اماكن وقوع الدفن ثانية و ثالثة علي ذات مكان الجدث الطاهر فكان هذا في المفهوم اللغوي و الاجتماعي و النص هو بكل تأكيد معني التوقير الذي لا مبالغة و لا غلو فيه.ان للتوقير معالم و مظاهر في التعامل مع شخصية الرسول صلي الله عليه و سلم في حياته و بعد التحاقه بالرفيق الاعلي اذا ما رأتها الامة حسنة فهي جديرة ان يؤخذ بها في التعبير عن شتي صور توقيره عليه الصلاة و السلام ان الله عزوجل جعل جزاء رسله مؤجلا الي يوم الحساب و لم يوجه امة من الامم بان تجزي رسولها بالجزاء الحسن و تدفع له ثمن جهاده الا رسول الله و لا يفهم من هذا انه صلي الله عليه و سلم لم يكن قد اصابه هذا التوقير من امته فاراد الله جل جلاله ضمانة [ صفحه 17] له فان الامة المعنية بهذا الامر هي الامة التي اعتنقت الاسلام اما ما كان من تعامل الناس مع الرسول بالشكل العدائي المعروف اول ايام الدعوة الي الاسلام اذ آذوه أدي شديدا و لم يستجيبوا له فذاك امر طبيعي في سير سائر الانبياء عليهم‌السلام و قد قال ورقة بن نوفل للنبي صلي الله عليه و سلم في الهزيع الاول من ايام البعثة النبوية (ما جاء أحد بمثل ما جئت به الا عودي).و ايضا من آيات القدسية [6] قوله تعالي:«و رفعنا لك ذكرك». الشرح/4.و هذا نص يميز به الله عزوجل نبيه الكريم بانه رفع له ذكره و تلك لعمري منزلة عظيمة لا تنال الا بلطف الباري‌ء العظيم...و رفع الذكر ليس بالامر الذي يكون قاصرا لاحد في ايام حياته وحدها و انما يكون ذلك بمن يقع له ذلك مقرونا بايام الدهر كلها، فلقد علمنا ان مهمة التاريخ هي الاشادة بمآثر ذي المآثر بعد وفاته و لذلك كان تاريخا و ليس التاريخ ان تسير صفات التكريم في ظل السائر حتي اذا مات لم يكن هناك من مجد يذكر له و مفخرة يتحدث بها عنه.و جهلة القوم ممن يظنون ان الرسول اذ توفاه الله اليه لم يعد ثمة ما يذكر به علي وجه الاجلال و التبجيل والاعزاز و التكريم في حين يثبت النص القرآني له صلوات الله عليه. هذه الحقيقة التي لا يماري فيها الا جاهل و معاند و غبي لا يفهم معاني الالفاظ الواردة في الكلام...اذن ان الله رفع ذكر النبي في دنياه و اخراه و في حياته و مماته و ليس من المنطق ان يسلب ذو فضل و مكانة و مزية ما كان له من ذلك لانه مات او لانه غاب و لو نظرنا الي الرسل و شعوبهم و الي رجال كبار ظهروا في ما خلا من الزمان لوجدنا أن سيرتهم تتلي مقرونة بكل اكبار و تقدير.و التاريخ ينقل لقراء اسفاره محامد اناس و مساوي‌ء اخرين فمن كان اهلا للمحمدة و من لم يكن كذلك قيل في حقه ما يستحقه...«فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، و من يعمل مثقال ذرة شرا يره»... الزلزلة 8/7و علي هذا فان دخل التاريخ في ما اراده الله من رفع ذكر الرسول صلي الله عليه و سلم هو انه ينقل ذلك من جيل الي جيل فيروح الناس يلهجون بعظمة شخصية النبي في كل محفل من المحافل و في كل زمان و مكان و تظل صحف التاريخ تنوه بذلك اذ تظل الناس تطالعها و تقف مما فيها علي جلال قدر النبي و عظمة شخصيته و عظيم جهاده و كريم اعماله و جزيل خدماته و ذاك هو حقا معني رفع الذكر للانسان.و قد تنبه الشعراء لهذا المعني فقال قائلهم:و اجعل لنفسك بعد موتك ذكرها فالذكر للانسان عمر ثان‌ان ثمرة ما ذكره القرآن الكريم من آيات في اعزاز النبي و اجلال قدر و عظم منزلته عند ربه و ما كان من النصوص الواردة في تقديسه انما كان الهدف به شد الامة الي قيادة صالحة مخلصة فان ذلك اصل في تكوين الامم و اقامة كيان الشعوب... [ صفحه 18] ان الطاعة التي تمنحها الجيوش لقاداتها هي مصدر التوفيق و التمكين و كذلك كان الامر في النهج القرآني. و هو عين الصواب و لقد رأينا في العصر الحديث امما تم لها النهوض في عالم السياسة بفعل ماتم لها من قوة الارتباط بقائد يقودها و من هذه الامم الصين التي كانت تعد قيادتها في مستوي العصمة المطلقة و مثلها الا لمان بعد ظهور زعيمها «هتلر»...تلك ثمرة ما اراد الله من اسباغ سمات القدسية علي نبيه العظيم، و ما تلام امة تتعلق بقيادتها و انما تلام اذا تفككت عري التعلق بهذه القيادة فاذا كان ذلك كذلك و كان علي رأس القيادة من هو جدير بجميع سمات العظمة و الحنكة و التمكين ثم للامة التوفيق...ان الدول العظمي و الصغري تمنح ملوكها الحصانة و الحماية و الرعاية فلا تمكن خصومهم منهم و لا تأذن بمسهم بالكلمة الجارحة بل انها تجعلهم غير مسؤولين اي لا يحاكمون و لا تنسب اليهم جناية و هذا هو ذات المعني الذي نجده في نظام القيادة الاسلامية...

الرسول في مجموعة الرسل

في القرآن الكريم ما يتكرر فيه ذكر رسول الله محمد صلي الله عليه و سلم عند ذكر جمهرة الرسل الاقدمين و من ذلك قوله تعالي: «انا اوحينا اليك كما أوحينا الي نوح و النبيين من بعده و أوحينا الي ابراهيم و اسماعيل و اسحق و يعقوب و الاسباط و عيسي و أيوب و يونس و هرون و سليمان و آتينا داود زبورا»النساء/163... و في القرآن الكريم فيما يتصل بالجانب السلوكي جاء قوله تعالي: «قل ما كنت بدعا من الرسل و ما ادري ما يفعل بي و لا بكم ان اتبع الا ما يوحي الي و ما أنا الا نذير مبين» الاحقاف/9... و في القرآن الكريم:«ما يقال لك الا ما قد قيل للرسل من قبلك» فصلت/43.ففي هذا النص ايماء الي وحدة المقولات الدينية الاساسية لدي سائر اديان السماء. فما كان قد قاله الله للرسل و فيهم الانبياء اذ لا فرق في المصطلح بين رسول و نبي و بشير و نذير و ما الي ذلك من المفردات التي جاءت في التنزيل في معني واحد... ان ما قاله الله للرسل هو ما قاله لرسول صلي الله عليه و سلم من التوحيد و النهي عن الاشراك بالله و تحريم قتل النفس و غير ذلك من المحرمات السماوية. فان هذه المحرمات قائمة كلها علي جوهر واحد، و لم يرد النص بعبارة «ما قاله الله للرسل قاله لك» لان فعل «قيل» الآتي بصيغة المجهول واضح فيه ان مصدر القول هو الله عزوجل لان من البديهي الذي لا يجادل فيه مجادل ان الوحي من الله و ان ما يقال للرسل انما هو من قول مرسل الرسل الي العباد الا و هو الله و حين يصل الامر الي البديهيات المعترف بها في اكثر من جيل فان التعبير بالمختصرات يعد تعبيرا بالمطولات و من هنا قالوا المعروف عرفا كالمشروط شرطا...و في قوله تعالي «ما يقال لك الا ما قد قيل للرسل من قبلك» بيان برسالة الرسول و ان كان النص لم يخاطبه بذلك فيه اذ جعل القياس و المقارنة اسلوبا في التعريف برسول الله محمد بن عبدالله رسولا من الله مقولا له في وحي الله ما قيل لنظرائه من رسل الله. و كان النبي صلي الله عليه و سلم يلقب كل نبي من قبله بلقب - أخي - تنويها بعلاقة مهمة واحدة و العمل علي الخط الواحد و اعتزاز بأولئك الرسل الكرام صلوات الله و سلامه عليهم. و اذا رجعنا الي تفاصيل سيرة الرسل وجدناها تتشابه و تتماثل فهم اهل كفاح و رجال جهاد و دعاة اصلاح و ما منهم من احد الا كان قد لاقي من قومه ما لاقي النبي. و لئن كانت التوراة في بعض اسفارها قد تكلمت علي الانبياء بما لا يليق و ربما كان ذلك نهجا في سياستها قد التزمت به عند ايراد اسم كل نبي من انبيائهم. فان القرآن الكريم زكي هؤلاء الرسل تزكية مطلقة و كشط عنهم جميع ما زعمه كتبة التوراة في شأنهم من اقتراف اعمال غير لائقة... [ صفحه 19] ان القرآن الكريم لم يقتصر في امر امتداح الانبياء السابقين علي ايرادهم في سورة واحدة او سورتين و انما توزع الكلام عليهم في كثير من السور القرآنية و قد بات من المعتقدات الدينية في الملة الحنيفية السمحة وجوب الاعتقاد بعصمة الانبياء و قد آخذ الله اشد المؤاخذة اليهود بقتلهم الانبياء و تكذيبهم و اساءة القول فيهم.و لقد كان من الدروس القرآنية ايراد قصص الانبياء ليكون في بعض ذلك ما يشجع النبي علي الصبر و التحمل و الاقتداء «اولئك الذين هدي الله فبهداهم اقتده» الانعام/90... و من ذلك قوله تعالي «و اذ اخذنا من النبيين ميثاقهم و منك و من نوح و ابراهيم و موسي وعيسي بن مريم و اخذنا منهم ميثاقا غليظا» الاحزاب /7... و ايضا قوله تعالي «شرع لكم من الدين ما وصي به نوحا و الذي اوحينا اليك و ما وصينا به ابراهيم و موسي و عيسي أن اقيموا الدين و لا تتفرقوا كبر علي المشركين ما تدعوهم اليه الله يجتبي اليه من يشاء و يهدي اليه من ينيب» الشوري/13...

الوحي

تنهض رسالات السماء التي يرسل بموجبها الرسل الي اقوامهم بالاصل الواحد الذي هو الوحي وفقا لقوله تعالي «و ما كان لبشر أن يكلمه الله الا وحيا او من وراء حجاب او يرسل رسولا» الشوري/51...و كانت رسالة الرسول الاعظم محمد بن عبدالله صلي الله عليه و سلم علي وفق ذلك اذ اوحي الله اليه مفردات الشريعة و مفصل امرها المثبت في القرآن الكريم من طريق الوحي. و قد اثبت القرآن ذلك في عدة معدودة من النصوص بعبارات و صيغ متعددة. و ها نحن اولاء آخذون سرد آيات الوحي و الايحاءبمختلف صيغها في هذه الجمهرة من النصوص المستوعبة لموضوع الوحي [7] .«ذلك من انباء الغيب نوحيه اليك و ما كنت لديهم اذ يلقون اقلامهم أيهم يكفل مريم و ما كنت لديهم اذ يختصمون» آل‌عمران/44...«انا أوحينا اليك كما أوحينا الي نوح النبيين من بعده و أوحينا الي ابراهيم و اسماعيل و اسحق و يعقوب و الاسباط و عيسي و ايوب و يونس و هرون و سليمان آتينا داود زبورا» النساء/163...«و أوحي الي هذا القرآن لانذركم و من بلغ أئنكم لتشهدون ان مع الله آلهة أخري قل لا اشهد قل انما هو اله واحد و انني بري‌ء مما تشركون) الانعام/19...«اتبع ما أوحي اليك من ربك لا اله الا هو و أعرض عن المشركين» الانعام/106...«قل انما أتبع ما يوحي الي من ربي هذا بصائر من ربكم و هدي و رحمة لقوم يؤمنون» الاعراف/203...«ان أتبع الا ما يوحي الي اني أخاف ان عصيت ربي عذاب يوم عظيم» يونس/15... [ صفحه 20] «واتبع ما يوحي اليك واصبر حتي يحكم الله و هو خير الحاكمين» يونس/109...«تلك من انباء الغيب نوحيها اليك ما كنت تعلمها أنت و لا قومك من قبل هذا فاصبر ان العاقبة للمتقين» هود/49...«نحن نقص عليك احسن القصص بما أوحينا اليك هذا القرآن و ان كنت من قبله لمن الغافلين» يوسف/3...«كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلو عليهم الذي أوحينا اليك و هم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا اله الا هو عليه توكلت واليه متاب»الرعد/30...«ثم أوحينا اليك أن اتبع ملة ابراهيم حنيفا و ما كان من المشركين» النحل/123...«و ان كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا اليك لتفتري علينا غيره و اذن لاتخذوك خليلا» الاسراء/73...«واتل ما أوحي اليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته و لن تجد من دونه ملتحدا» الكهف/27...«قل انما أنا بشر مثلكم يوحي الي أنما الهكم اله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا و لا يشرك بعبادة ربه أحدا» الكهف/110...«قل انما يوحي الي أنما الهكم اله واحد فهل انتم مسلمون» الانبياء/108...«نزل به الروح الأمين. علي قلبك لتكون من المنذرين» الشعراء194/193.لم يرد مثل هذا التعبير في ما تكلم الله به علي الانبياء و الرسل عند ايحائه اليهم برسالته. و انما اقتصر به علي رسول الله صلي الله عليه و سلم و اختص به وحده فلقد ذكر الروح في هذا النص موصوفا بالامين في نزوله في القرآن الكريم متلقيا اياه من لدن رب العالمين. و قد عين الله منطقة النزول بقلب الرسول صلي الله عليه و سلم حين اراد الله ان يجعله نذيرا للعباد علي تعدد الامم و اختلاف الاقوام. و الاصطفاء ظاهر هنا ظهورا تاما كما ظهر في هذا التعبير في التنزيل بأدق الالفاظ و اوثقها و اجمل معانيها و انما جاء الكلام علي القلب لان القلوب في القرآن الكريم جاءت موصوفة بشتي الصفات فمنها ما وصف بالاطمئنان و الزوغان و الرعب و الاشمئزاز و العمي و التقلب و القسوة و الانغلاق و الوجيف و الميل، و كونها يطبع عليها و يختم عليها و الغل و المرض و ما الي ذلك فجاء النص بتفريغ قلب النبي صلي الله عليه و سلم للهيئة التي نزل بها الروح الامين علي قلبه كما ان القرآن الكريم ذكر اسم الملك الذي نزل بالذكر الحكيم علي قلب الرسول صلي الله عليه و سلم و هو جبريل عليه‌السلام لبيان تفرد هذا الملك بالمهمة العظيمة التي و كلها الله اليه فان لله عزوجل اكثر من ملك لا يعصونه في شي‌ء ولكن جبريل عليه‌السلام كان الملك الوحيد الذي انتدبه الله جل جلاله لامر الوحي فلم يبق هناك من مجال لادعاءات مدعين من منكري الدين و المكابرين فيه بحيث يزعمون ان للقرآن أكثر من طابع و سمة و جاء فيه بحيث يزعمون ان للقرآن أكثر من طابع و سمة و جاء الكلام علي هذا الملك بالتزكية التامة «قل من كان عدو لجبريل فانه نزله علي قلبك باذن الله مصدقا لما بين يديه و هدي و بشري للمؤمنين» البقرة/97...«اتل ما أوحي اليك من الكتاب و أقم الصلاة ان الصلاة تنهي عن الفحشاء و المنكر و لذكر الله أكبر و الله يعلم ما تصنعون» العنكبوت/45...«واتبع ما يوحي اليك من ربك ان الله كان بما تعملون خبيرا» الاحزاب/2...«و الذي أوحينا اليك من الكتاب هو الحق مصدقا لما بين يديه ان الله بعباده لخبير بصير» فاطر/31... [ صفحه 21] «قل انما أنا بشر مثلكم يوحي الي أنما الهكم اله واحد فاستقيموا اليه و استغفروه و ويل للمشركين» فصلت/6...«و كذلك اوحينا اليك قرآنا عربيا لتنذر ام القري و من حولها و تنذر يوم الجمع لا ريب فيه فريق في الجنة و فريق في السعير» الشوري/7...«شرع لكم من الدين ما وصي به نوحا و الذي أوحينا اليك و ما وصينا به ابراهيم و موسي و عيسي أن اقيموا الدين و لا تفرقوا فيه كبر علي المشركين ما تدعوهم اليه الله يجتبي اليه من يشاء و يهدي اليه من ينيب» الشوري/13...«و كذلك أوحينا اليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب و لا الايمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا و انك لتهدي الي صراط مستقيم» الشوري/52...قوله تعالي «ما كنت تدري ما الكتاب و لا الايمان» انما هو بمثل معني قوله تعالي «و ان كنت من قبله لمن الغافلين» و قوله تعالي «و وجدك ضالا فهدي». ولكن الروح الذي اوحاه الله الي رسوله من امره ملأه علما و حكمة و استيعابا لشرع الله و قرآنه فصار صلي الله عليه و سلم بذلك هاديا للعباد الي صراط مستقيم... و انها لشهادة الهية عظمي بحق الرسول الاعظم اذ جاء فيها الخطاب الصريح «و انك لتهدي الي صراط مستقيم» و كذلك كان قول الله في صفة الروح الذي هو روح من امره و نور من عنده و هو خطاب قرآني كريم أوجد لذاتية النبي ذاتية عالية المستوي فخمة الشأن عزيزة المقام... و قد بدأ هذا النص بكلمة (و كذلك) مما يفهم من استمرارية الألطاف الالهية في تدفقها علي شخصية هذا الرسول العظيم...«فاستمسك بالذي أوحي اليك انك علي صراط مستقيم» الزخرف/43...«و اذا تتلي عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للحق لما جاءهم هذا سحر مبين» الاحقاف/7.

او من وراء حجاب

أشرنا الي أن المصدر الاول للرسالات السماوية التي يكلف اداءها من يختارهم الله لهذه المهمة انما هو الوحي النازل بايصال المعلومات علي هيئة نصوص تعبيرية الي الرسول من طريق ملك يؤدي هذه المهمة و قد علمنا أن هناك ما هو خارج نطاق النصوص أي انه نمط من الوحي غير متلو او انه شي‌ء يقع بعلم الله في نطاق ما سماه الله «من وراء حجاب» [8] الشوري/51... و من ذلك ما يصل الي علم النبي في منامه «اذ يريكهم الله في منامك قليلا و لو اراكهم كثيرا فشلتم» الانفال/43... و من ذلك «و اذ اسر النبي الي بعض ازواجه حديثا فلما نبأت به و اظهره الله عليه عرف بعضه و أعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير» التحريم/3... فان تنبي‌ء العليم الخبير و هو الله انما هو من العلم الذي و صل الي النبي من غير نصوص الوحي المتلو...و كذلك قوله تعالي «و اظهره الله عليه» فان هذا الاظهار نمط من ابلاغ الله رسوله مسائل من غير طريق الوحي المتلو. و قوله تعالي «و انزل الله عليك الكتاب و الحكمة و علمك مالم تكن تعلم و كان فضل الله عليك عظيما» النساء/113... في النص ما يجمع بين الوحي و غيره من اسباب ايصال المعلومات الي الرسول. فان قوله تعالي «و علمك مالم تكن تعلم» ان بعض ذلك مما يقع في مجال الوحي المتلو اي القرآن الكريم و أن بعضه يقع في غير هذا المجال... و كذلك ذكره تعالي لكلمة الحكمة التي قد يكون ايرادها لبيان ما وصل الي الرسول من الحكمة القرآنية و كذلك ما وصل اليه من الحكمة و حسن التبصر مما هو من [ صفحه 22] بعض ما كان الله يظهر عليه رسوله خارج نطاق النصوص القرآنية.و جاءت في القرآن كلمة الاراءة في صفة ما يصل الي النبي في منامه اخذا من الرؤيا المنامية... و ما يعد من وراء حجاب في باب المعلومات التي تصل الي الرسول قوله تعالي «ففهمناها سليمان». في النص القرآني «و داود و سليمان اذ يحكمان في الحرث اذ نفشت فيه غنم القوم و كنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان و كلا آتينا حكما و علما...» الانبياء/79...ان هذا التفهيم تفهيم لم يوصله الله الي نبيه من طريق ملك الوحي و انما جعله مما ينقدح في ذهن نبيه من الرأي الصائب الذي يهتدي به في حكمه. و قوله تعالي «انا أنزلنا اليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما اراك الله و لا تكن للخائنين خصيما» النساء/105. فان قوله تعالي «لتحكم بين الناس بما اراك الله...» معني «اراك الله» من الرأي و هو ما يجعل الله الرأي ينقدح عن قرار سديد هو من بعض ما يلهمه الله رسوله من غير طريق الوحي القرآني و نعني بذلك أن الله يبلغ رسوله بأمور كثيرة خارج نطاق الكلام القرآني فهو صلي الله عليه و سلم في ترقب مستمر لوحي الله و الهامه و اظهاراته و اراءاته و القاء المعلومات في روعه. و في الحديث النبوي (ان روح القدس نفث في روعي أن النفس الخبيثة لن تخرج من الدنيا حتي تسي‌ء الي من أحسن اليها)... و قد يكون اختيار الرسول صلي الله عليه و سلم بيت‌المقدس قبلة في الصلاة في العهد المكي و صدر من العهد المدني قائما علي علم علمه النبي من ربه... و هو من الامور الخطيرة التي لا يقطع فيها الرسول برأي مستقل كما يلاحظ... و قد يصح أن يعد مما وصل الي الرسول من ربه من غير طريق الوحي المقروء... و قد يكون قوله تعالي «فلنولينك قبلة ترضاها» البقرة/144 معضدا بهذا الذي اسلفناه من القول في موضوع الاتجاه الي بيت‌المقدس اول عهد المسلمين في الصلاة. و قد تكون صيغة الاذان بصيغته المعلومة من بعض ذلك و احكام الصلاة و ركعاتها من بعض ذلك ايضا من الله عزوجل يخاطب من شاء من عباده من بشر و غير بشر بما يبلغهم به امورا يريدها فقد خاطب الجبال «يا جبال اوبي معه» سبأ/10 و كذلك «و أوحي ربك الي النحل ان اتخذي من الجبال بيوتا» النحل/68.و كذلك «فقال لها و للارض ائتيا طوعا او كرها فالتا اتينا طائعين» فصلت/11 و كذلك «يا ارض ابلعي ماءك و يا سماء أقلعي» هود/44 و كذلك وجدنا ان الله خاطب البشر و هم لم يكونوا بعد نطفا اي انه عزوجل خاطبهم قبل ظهورهم الي عالم الحياة بدهر بعيد و ذلك في قوله تعالي «و اذ اخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم و اشهدهم علي أنفسهم ألست بربكم قالوا بلي شهدنا...» الاعراف/172 حقا ان الله اذا خاطب من شاء من عباده لا يعييه ان يخاطبهم كما يشاء و ذاك ضمن اسراره البالغة التي لا يعلمها للناس...

الانزال والتنزيل

جاء في القرآن الكريم ما هو من قبيل الوحي المتلو و ذاك بلفظ الانزال و التنزيل كالذي في قوله تعالي «قل من كان عدوا لجبريل فانه نزله علي قلبك باذن الله» البقرة/97... و في باب «الانزال و التنزيل» جاءت الاشارة الي عدد من النصوص القرآنية التي استعمل فيها حرف الانزال و التنزيل و ذاك ما نسرده في هذا الجدول من غير ان نري ضرورة لشرح شي‌ء منه و ذاك لوضوحه و قد تكون بعض نصوص هذا الجدول قد وردت في ابواب اخري شرحت فيها.«قل من كان عدوا لجبريل فانه نزله علي قلبك باذن الله مصدقا لما بين يديه و هدي و بشري للمؤمنين». البقرة/97. [ صفحه 23] «و لقد انزلنا اليك آيات بينات و ما يكفر بها الا الفاسقون»... البقرة/99«نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه و أنزل التوراة و الانجيل من قبل هدي للناس»... آل‌عمران/3«هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب و أخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة و ابتغاء تأويله و ما يعلم تأويله الا الله و الراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا و ما يذكر الا أولوا الالباب»... آل‌عمران/7«انا أنزلنا اليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله و لا تكن للخائنين خصيما»... النساء/105«يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله و رسوله و الكتاب الذي نزل علي رسوله و الكتاب الذي أنزل من قبل و من يكفر بالله و ملائكته و كتبه و رسله و اليوم الاخر فقد ضل ضلالا بعيدا»... النساء/136«لكن الراسخون في العلم منهم و المؤمنون يؤمنون بما انزل اليك و ما انزل من قبلك و المقيمين الصلاة و المؤتون الزكاة و المؤمنون بالله و اليوم الاخر اولئك سنؤتيهم اجرا عظيما»... النساء/162«لكن الله يشهد بما انزل اليك انزله بعلمه والملائكة يشهدون و كفي بالله شهيدا»... النساء/166«و انزلنا اليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب و مهيمنا عليه فاحكم بينهم بما انزل الله و لا تتبع اهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة و منهاجا و لو شاء الله لجعلكم امة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات الي الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون». المائدة/48.«و أن احكم بينهم بما انزل الله و لا تتبع اهواءهم و احذرهم ان يفتنوك عن بعض ما انزل الله اليك فان تولوا فاعلم انما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم و ان كثيرا من الناس لفاسقون»... المائده/49«قل يا اهل الكتاب هل تنقمون منا الا أن آمنا بالله و ما أنزل الينا و ما انزل من قبل و أن اكثركم فاسقون»... المائدة/59«و اذا سمعوا ما انزل الي الرسول تري اعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين»... المائده/83«و هذا كتاب انزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه و لتنذر ام القري و من حولها و الذين يؤمنون بالاخرة يؤمنون به و هم علي صلاتهم يحافظون»... الانعام/92«أفغير الله ابتغي حكما و هو الذي انزل اليكم الكتاب مفصلا و الذين آتيناهم الكتاب يعلمون انه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين»... الانعام/114«و هذا كتاب انزلناه مبارك فاتبعوه و اتقوا لعلكم ترحمون»... الانعام/155«كتاب انزل اليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به و ذكري للمؤمنين»... الاعراف/2«فالذين آمنوا به و عزروه و نصروه و اتبعوا النور الذي انزل معه اولئك هم المفلحون»... الاعراف/157«فان كنت في شك مما انزلنا اليك فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين»... يونس/94«تلك آيات الكتاب المبين، انا انزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون»... يوسف/2«تلك آيات الكتاب و الذي انزل اليك من ربك الحق ولكن اكثر الناس لا يؤمنون»... الرعد/1 [ صفحه 24] «افمن يعلم أنما انزل اليك من ربك الحق كمن هو اعمي انما يتذكر اولوالألباب»... الرعد/19«و كذلك انزلناه حكما عربيا و لئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم ما لك من الله من ولي و لا واق»... الرعد/37«كتاب انزلناه اليك لتخرج الناس من الظلمات الي النور باذن ربهم الي صراط العزيز الحميد»... ابراهيم/1«انا نحن نزلنا الذكر و انا له لحافظون»... الحجر/9«و ما ارسلنا من قبلك الا رجالا نوحي اليهم فاسألوا اهل الذكر ان كنتم لا تعلمون بالبينات و الزبر و انزلنا اليك الذكر لتبين للناس ما نزل اليهم و لعلهم يتفكرون»... النحل 44/43«و ما انزلنا عليك الكتاب الا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه و هدي و رحمة لقوم يؤمنون»... النحل/64«و يوم نبعث في كل امة شهيدا عليهم من انفسهم و جئنا بك شهيدا علي هؤلاء و نزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شي‌ء و هدي و رحمة و بشري للمسلمين»... النحل/89«قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا. و هدي و بشري للمسلمين»... النحل/98«و قرآنا فرقناه لتقرأه علي الناس علي مكث و نزلناه تنزيلا»... الاسراء/106«الحمد لله الذي علي عبده الكتاب و لم يجعل عوجا»... الكهف/1«ما انزلنا عليك القرآن لتشقي»... طه/2«و كذلك انزلناه قرآنا عربيا و صرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون او يحدث لهم ذكرا»... طه/113«لقد أنزلنا اليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون»... الانبياء/10«و هذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون». الانبياء/50«و كذلك أنزلناه آيات بينات و أن الله يهدي من يريد»... الحج/16«تبارك الذي نزل الفرقان علي عبده ليكون للعالمين نذيرا»... الفرقان/1«و انه لتنزيل رب العالمين. نزل به الروح الامين. علي قلبك لتكون من المنذرين»... الشعراء 194/192«و كذلك أنزلنا اليك الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به و من هؤلاء من يؤمن به و ما يجحد بآياتنا الا الكافرون». العنكبوت/47«أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلي عليهم ان في ذلك لرحمة و ذكري لقوم يؤمنون»... العنكبوت/51«تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين. ام يقولون افتراه بل هو الحق من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون»... السجدة3/2«و يري الذين أوتوا العلم الذي أنزل اليك من ربك هو الحق و يهدي الي صراط العزيز الحميد». سبأ/6«و القرآن الحكيم. انك لمن المرسلين. علي صراط مستقيم. تنزيل العزيز الرحيم. لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون»... يس 6/2 [ صفحه 25] «كتاب أنزلناه اليك مبارك ليدبرو آياته و ليتذكر أولوا الالباب»... ص/29«تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم. انا انزلنا اليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين»... الزمر2/1«الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم و قلوبهم الي ذكر الله ذلك هدي الله يهدي به من يشاء و من يضلل الله فماله من هاد»... الزمر/23«انا أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق فمن اهتدي فلنفسه و من ضل فانما يضل عليها و ما أنت عليهم بوكيل»... الزمر/41«تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم. غافر الذنب و قابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا اله لا هو اليه المصير»... غافر (المؤمن) 3/2«تنزيل من الرحمن الرحيم. كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون». فصلت3/2«ان الذين كفروا بالذكر لما جاءهم و انه لكتاب عزيز. لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه تنزيل من حكيم حميد»... فصلت/42«انا انزلناه في ليلة مباركة انا كنا منذرين». الدخان/3«تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم». الجاثية/2«تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم». الاحقاف/2«الذين كفروا و صدوا عن سبيل الله أضل اعمالهم. و الذين آمنوا و عملوا الصالحات و آمنوا بما نزل علي محمد و هو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم و أصلح بالهم. محمد2/1«انه لقرآن كريم. في كتاب مكنون. لا يمسه الا المطهرون. تنزيل من رب العالمين». الواقعة 80/77«هو الذي ينزل علي عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات الي النور و ان الله بكم لرؤوف رحيم»... الحديد/9«لو أنزلنا هذا القرآن علي جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله و تلك الامثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون»... الحشر/21«انا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا»... الانسان (الدهر) /23«انا انزلناه في ليلة القدر. و ما ادراك ما ليلة القدر. ليلة القدر خير من ألف شهر. القدر 3/1

الرسول في رقابة ربه

نجد في التنزيل العزيز آيات كثيرات تشير الي عظم مكانة النبي محمد صلي الله عليه و سلم عند ربه فهو - علي جهة التنويه - يرمقه و يلاحظ تحركاته و يسمعه اذ تكلم و اذا قام الي صلاته او سجد او لقي لناس او خاطبهم و من ذلك او من بعضه «الذي يراك حين تقوم و تقلبك في الساجدين» الشعراء/219... «ان ربك يعلم أنك تقوم أدني من ثلثي الليل و نصفه و ثلثه» المزمل/20... «قد نري تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام» البقرة/144... «و اذ صرفنا اليك نفرا من الجن» الاحقاف/29... «ثاني اثنين اذ هما في الغار» التوبة/40... «قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها و تشتكي الي الله و الله يسمع تحاوركما ان الله سميع بصير» المجادلة/1... «و اذ تقول للذي أنعم الله عليه و أنعمت عليه امسك عليك زوجك» الاحزاب/37...و ما من شك في أن الله يعلم كل شي‌ء عن سائر خلقه اذ «ما يكون من نجوي ثلاثة الا هو رابعهم» المجادلة/7. ولكن ما جاء في القرآن من متابعة الله تحركات نبيه يخرج عن الاصل الذي نعرفه في احاطة الله بأحوال عباده الي امر اخر هو فرط عنايته عز [ صفحه 26] و جل برسوله الاعظم صلي الله عليه و سلم علي ما نطقت به آيات التنزيل العزيز... و من ذلك ايضا قوله تعالي «و أنه لما قام عبدالله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا» الجن/19...

اشهد ان محمدا رسول الله

الله اكبر الله اكبرالله اكبر الله اكبراشهد ان لا اله الا اللهاشهد ان لا اله الا اللهاشهد ان محمدا رسول اللهاشهد ان محمدا رسول اللهحي علي الصلاةحي علي الصلاةحي علي الفلاححي علي الفلاحالله اكبر الله اكبرلا اله الا اللهالأذان الذي يؤذنه المؤذن يدعو به الناس الي الصلاة خمس مرات في اليوم انما هو صورة مصغرة و ملخصة كل التلخيص للحجم العقائدي في الاسلام فانه يبدأ بتكبير للخالق العظيم الذي هو الله لا اله الا هو وحده بشهادة تتكرر اربع مرات في ألفاظ مثنيات. ثم تأتي الشهادة بألوهية الله و وحدانيته مرتين. ثم يلي ذلك الشهادة برسالة رسول الله محمد صلي الله عليه و سلم مرتين «اشهد ان محمدا رسول الله» ثم يلي ذلك الدعوة الي الصلاة مرتين بلفظ «حي علي الصلاة» و يتبعها قول المؤذن مرتين «حي علي الفلاح» تعميما بعد تخصيص، فان الصلاة ليست عملية شكلية محدودة و انما هي ذات عمومية شاسعة اذ انها تنهي عن الفحشاء و المنكر ثم يرد التكبير مرتين و كلمة الاعتراف بوحدانية تعالي «لا اله الا الله» مرة واحدة في غالب اذان المؤذنين، و قد تتكرر هذه الصيغة مرتين لدي بعضهم وفق المذهب الفقهي الذي يرتئي ذلك.ففي وجود اسم النبي بذات اسمه و بذات صفة الرسالة التي هي صفته الملازمة له «اشهد ان محمدا رسول الله» و يكون النداء بهذه الالفاظ علانية و علي مسمع كل سامع، و من اشراط هذا الاذان ان يكون علي مواقع مرتفعة من المساجد، و حين ظهرت الاجهزة الكهربائية الناقلة للاصوات صار لها دور في نقل الاذان من المسجد الي جهات بعيدة.والاصل في الاذان الشرعي ان يختار له من هو صيت ذو قدرة علي النداء الذي يتغلغل في احشاء الجو فيصل الي اصمخة سامعيه، ممن يقصد المسجد ان يصلي فيه او انه يؤثر الصلاة في مكانه...ان اركان الاذان هي هذه و قد ذكر فيها اسم النبي بذات اسمه الكريم و صفته التي شاءها الله له، فكان لهذا الاسم رنينه في اجواء الفضاء و في اسماع الناس من مؤمنين و غير مؤمنين، و قد وقع الاجماع علي ذلك اذ ليس في المسلمين من يقصي اسم النبي من مجموعة النداءات و الشهادات الكائنة في صيغة الاذان...ان دعوة الجموع الي الصلاة قد كان يكفي فيها نداؤهم الي الصلاة، ولكن صيغة الاذان كما قلنا بدء القول صيغة جاء فيها تلخيص امر الدين تلخيصا جد دقيق. و عند الاقامة يقال مرتين (قد قامت الصلاة) و في اذان الفجر و الناس فيهم من هو نائم. جاءت صيغة بلفظ «الصلاة خير من النوم» مكررة مرتين، و هي عبارة ظاهرة الرفق و الرقة يراد بها انهاض النائم من سنة نوم ترتوي به اجفان عينه.العبرة هنا ان اسم النبي محمد لا يتم الاذان الا بالمناداة به اسما و حلية... و في ذلك ما لا ينكر من تكريم شخصيته صلي الله عليه و سلم و اعزازها و اللهج بها خمس مرات في اليوم مضافة اليها صيغة الاقامة التي هي ذات صيغة الاذان الا انها يضاف اليها ان [ صفحه 27] يقال «قد قامت الصلاة» مرتين لدي الجمهور و هي كذلك تتكرر في اليوم بمعدل خمس مرات و هناك من يختصر المربعات الي مثنيات، و المثنيات الي احاديات، و اذا كان يجوز ذلك فانما يجوز في ضيق الوقت او يخشي مقيم الصلاة ان تفوته صلاة الوقت لدخول وقت صلاة و خروج وقت صلاة...اذن ان ايراد اسم النبي في الاذان للصلوات الخمس و لاقامتها امر جذري و جوهري في الملة السمحة... ان الفرق الشكلي بين الاذان و الاقامة او الاقامة و الاذان هو ان الاقامة تكون باسترسال و صوت هادي‌ء و سرعة املائية متعجلة فما يحسن فيها التمطيط و التراخي لان الاقامة تؤدي و الناس قيام او شبه قيام في المسجد ينتظرون الدخول في الصلاة...و في الحديث النبوي ان من سمع الاذان كان عليه ان يقول (اللهم رب هذه الدعوة التامة و الصلاة القائمة ات سيدنا محمدا الوسيلة و الفضيلة و الدرجة الرفيعة و ابعثه اللهم المقام المحمود الذي وعدته انك لا تخلف الميعاد)...كما ان النبي صلي الله عليه و سلم نبه الي ان يصلي عليه بعد الاذان و هكذا جرت العادة لدي المؤذنين في العراق الي اللهج بالصلاة علي النبي بعد الفراغ من الاذان علي الوجه المشروح او المسرود آنفا و الناس يعرفون مفردات الاذان و يعرفون متي تتم و تنتهي و يعرفون كذلك أن الصلاة علي الرسول بعد الفراغ من الاذان امر من نوافل الامور و من توابعها التي لا يلزم بادائها احد و لا يمنع من ادائها احد. اذ ليست الفاظ الصلاة علي النبي جزءا من الاذان... و التمييز ظاهر بين الاذان و بين الصلاة علي النبي بالشكل الذي لا يخفي علي احد...ان الاذان و هذا ما يجب ان يعلم ليس قرآنا و لا صلاة و لا ركنا من صلاة و لا شرطا فيها فان الحاقة بالفاظ الصلاة علي النبي لا يتأتي منه تغيير صيغة الاذان و بهذا لاحق لمن يتحرج في ايراد الصلوات علي النبي بعد الفراغ من الاذان. و قد فصلنا الكلام علي ذلك في مكان اخر من هذا الكتاب، و ليس هو مما تدخلت فيه الاجتهادات المعزوة الي مذهب دون مذهب و فئة دون فئة. [9] .ان اسم الرسول الاعظم حين يذيع به و يعلنه المؤذن من فوق اعالي القباب و الماذن لهو من بعض اعراق الاسلام و جذور الشريعة و أسسها الضاربة في الاعماق و اصولها التي قامت عليها شجرته العظيمة الباسقة.و كان الرسول الاعظم يختار مؤذنيه وفق مواصفات تتحقق بها المهمة الاعلامية. و في كتب السيرة اسماء عدة من هؤلاء المؤذنين و حيث ما وصل الاسلام من انحاء الجزيزة كان هناك مؤذن يؤدي هذه المهمة...و لبث الامر علي ذلك بعد وفاته صلي الله عليه و سلم و في سائر انحاء العالم الذي و صل اليه ركب الاسلام. لقد كان الرسول صلي الله عليه و سلم هو الذي يؤم المؤمنين في صلاتهم و صارت الامامة من ضرورات صلاة الجماعة الي ابد الايام و اخرالزمان علي ذات امرها في عهده صلي الله عليه و سلم...ان الشهادة بأن محمد رسول الله يؤديها المصلي و هو في اثناء صلاته عند قراءة (التحيات) اذ لم تكن تعني الا التعلق بشخصية الرسول الاعظم و التمسك بشريعته و حماية التعاليم التي استوعبتها هذه الشريعة.و بغير ذلك فان هذا التشهد لن يدل علي مفهوم محدد و سيكون مجرد كلمة خالية من المحتوي و هذا لا يقول به احد، فان الشهادة علي رسالة رسول الله عهد يتجدد كل صلاة بطاعة الله و اعظام مكانة النبي صلي الله عليه و سلم. [ صفحه 28] فالزعم بأن الرسول اذا مات انتهي كل ما يوجب التعلق برسول الله و توقف ما يجب لرسول الله من احترام و تقديس فانه قول فاسد لا يقوله الا من ظل سواء السبيل...

استمرارية الصفة النبوية في شخصية الرسول الاعظم

حين بعث الله محدا صلي الله عليه و سلم نبيا الي جميع شرائح العالم البشري لم يجعل فترة نبوته مرتبطة بفترة حياته بل جعل نبوته مستديمة و مستمرة الي اخرالزمان اي ان ما قاله و ما وصي به و ما امر به و ما استحسنه و ما رجحه كان ذلك ذا اثر مستمر غير منقطع اي ان شيئا من ذلك لا يلغي او يتوقف عن تنفيذه بعد وفاته... و ما زالت الامة و قد مرت عصور عديدة علي لحاقه صلي الله عليه و سلم بربه ما تزال مآذن المساجد يصدح مؤذنوها بأصواتهم قائلين - أشهد أن محمدا رسول الله -...و في القرآن الكريم مما يؤكد هذه الاستمرارية في نبوة محمد صلي الله عليه و سلم حيا و ميتا أن الله ذكر اسامي الرسول و النبيين و لم يذكر ما يفهم منه فقدان اولئك الرسل اسماءهم و عناوينهم بعد موتهم... و في القرآن الكريم جاء قوله تعالي «و ما آتاكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا...» الحشر/7... و لا يعني هذا انما آتاهم الرسول و ما نهاهم عنه لا يجري الالتزام به الا في ايام حياته الشريفة بل انه ينطبق الائتمار بأمره في ما أمر به والانتهاء عن نهيه في ما نهي عنه الي مدي ايام الزمان و حتي يرث الله الارض و من عليها و كذلك جاء قوله تعالي «و من يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدي و يتبع غير سبيل المؤمنين نوله منا تولي و نصله جهنم» النساء/115... فان هذا النص لا يرتبط بزمن حياة النبي وحده بل يتعداه الي ما وراءه من الازمنة. و كذلك القول علي المؤمنين فانه لا يراد به من كان من المؤمنين علي عهد رسول الله بل يراد به جميع المؤمنين في جميع الازمنة و الامكنة بعد رسول الله صلي الله عليه و سلم علي نفس الحال التي عني النص القرآني بها مؤمني عهد الرسول.اما قوله «و ما ارسلناك الا رحمة للعالمين» الانبياء/107... فمن البديهي أنه ليس المراد به عالمين زمانه وحدهم انما هم سائر افراد العالمين الي يوم الدين و ما نحسب احدا ينكر هذه الحقيقة الا من جهل و كابر... ان قوله تعالي «و ما ارسلناك الا رحمة لعالمين» في هذا النص و هو نص صريح اكثر من اشارة الي الدور الذي و كله الله الي رسوله العظيم محمد بن عبدالله في دعوة العالم البشري و الانساني اذ جعله الله مرسلا الي العالمين ليكون متنفس فرج لهم و منفذ أمن و خيرا للبشرية التي كانت معذبة بما تراكم عليها من ظلم حكامها و فساد اعرافها و ضلال خطتها.و الكلمة القرآنية آتية علي وجه الحصر أي ان الرسول الاعظم قد ارسله الله الي البشرية ليكون الرحمة المترحم بها علي جميع الخلائق و في هذا اعلان واضح لعمومية رسالة الاسلام الي عباد الله حيثما كانوا في هذا العالم. فهو صلي الله عليه و سلم رحمة لا يشوبها شي‌ء غير الرحمة. و الرحمة ظاهرة المعني و واضحة القصد و معروف في كل حرف من حروفها ماوراءها من بر و مروءة و احسان و اصلاح بين الناس.و في النص دلالة قاطعة علي استمرارية هذه الرحمة اي أنها كائنة و ملحوظة و متذوقة ايام حياته صلي الله عليه و سلم و بعد لحاقه بربه و الي ما بعد ذلك بعصور و قرون حتي يرث الله الارض و من عليها و هو خير الوارثين. فالذين يظنون ان مهمة النبي انتهت بعد وفاته آتون بمعني غير معني البتة في النص الكريم. والتاريخ اذا قلبنا صحفه يوضح لنا بل يعدد معاني هذه الرحمة التي جعلها الله شعار الرسالة التي بعث بها الي العباد.ان المهمة التي نهض النبي بادائها الي البشرية كانت كبيرة و بالغة الاهمية فانه صلوات الله عليه انقذ [ صفحه 29] العالم من جاهلية صلعاء كادت تهلك الحرث و النسل، فلقد عالج الرسل مشاكل المجتمعات البشرية و في طليعة ذلك مشاكل العرب في الجزيرة اذ نهض بتوحيد قبائلها و تصيحيح جهاز الحكم فيها فباتت الجزيرة رقعة واحدة تسكنها امة واحدة لا سلطان لتسلط احد عليها من خارج الجزيرة كالذري عرفت به خارطة وجودها يوم كان الفرس و الروم يسيطر كل منهما علي بعض رقاع هذه الجزيرة. واعطي الاسلام للمرأة كامل حقوقها و عامل الرقيق اكرم معاملة و وضع لتحريره مبادي‌ء و قواعد انسانية كريمة. وألغي ما كان سائدا يومذاك من ثأر و ترات بين القبائل فأحل مكانها حسن الصلات و المؤاخاة بينها و اصلح النظام الاقتصادي بارقي قانون وضعه للميراث و حمايه حقوق الورثة و دوي القربي من العصبات و أولي الارحام. و قضي علي الوثنية فحصن بذلك العقل و صان الفكر الانساني من لوثة الجهل و العبادات الوثنية و نظم الرسول العلاقات البشرية بين اتباعه و سائر اتباع الديانات الاخري.وحث علي التعلم و كافح الامية و اقام من الشريعة الخالدة معالم حضارة و سياسة و قيادة كانت من القوة و الرسوخ والافادة ذات ضوء اخضر نقي كريم و اكمل أتباعه بعد لحاق نبيهم بربه رسالته الاممية الجليلة ففتحوا انحاء الدنيا و ازالوا رموز الفساد و الطغيان فكانوا من الاقتدار العسكري بحيث لم تقف امامهم قوي الاكاسرة والقياصرة التي كانت ما تزال في عنفوانها و لم يكن العرب في الحقيقة بأكفأ منها لا في عدد و لا في خبرة قتالية متميزة بتفوق في السلاح و فنون القتال [10] .و في القرآن الكريم «فان تنازعتم في شي‌ء فردوه الي الله و الرسول ان كنتم تؤمنون بالله و اليوم الاخر ذلك خير و احسن تأويلا» النساء/59 الخطاب هنا و ان كان وجه للمؤمنين علي عهد رسول الله في ايام العهد المدني فانه موجه تلقائيا الي سائر افراد المؤمنين في سائر الدهور المتعاقبة و يكون رد ذلك الي الرسول بمراجعة اقواله المدونة في الكتب الموثوقة بعد وفاته.اما في حياته فقد تكون المراجعة في ذلك شخصية و قد تكون علي اساس مراجعة ما جاء به من شرع و بينات فقية فأي ذينك كان متيسرا فهو المطلوب و كذلك يكون رد الامر الي الله من طريق رد الامر الي شرعه و دينه...و في القرآن الكريم «و ما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل أفان مات او قتل انقلبتم علي اعقابكم و من ينقلب علي عقبيه فلن يضر الله شيئا و سيجزي الله الشاكرين» آل‌عمران/144... في [ صفحه 30] النص ما يشير الي استمرار علاقة الامة بنبيها و ذاك انه تعالي انكر عليهم ان ينفضوا عن نبيهم ان مات او قتل، في حين ان الرسالة قائمه دائمه لا تنقطع بانقطاع الحياة عن النبي، فهي قيم متلقاة من رب العالمين علي لسان نبيه الذي و كل اليه ايصال الرسالة و ابلاغ الامانة...و لو كان الامر مما ينتهي بانتهاء حياة الرسول لكان عمر كل رساله بعمر نبيها، و الذي عليه امر الامم انها تعيش فيها رسالات رسلها الي دهر بعيد. و قوله تعالي «قد خلت من قبله الرسل» يعني انه علي ذات حالهم في ان رسالته لا تنقطع بقتل او وفاة مادامت قد نسلمتها ايدي اتباعه من امته يعلمونها الناس و يستنبطون منها الاحكام و يصلون بها في المحاريب. و لعل الذين ينقلبون علي عقبهم يظنون ان وفاة النبي يتأتي منها انقطاع الوحي عن مسيرته في حين ان الله لا يميت نبيا قبل اكمال دينه و اكمال شريعته و قد وجدنا الرسول الاعظم تم نزول القرآن عليه قبل لحاقه بربه بمدة تبلغ الثلاثة اشهر.و كذلك وجدنا الانبياء و الرسل الذين جاءوا قبل رسول الله كان الله قد توفاهم بعد اكتمال الشرائع المنزلة عليهم و مهما يكن من امر فان شريعة كل نبي يلزم اتباعه بعد وفاته بالأخذ بها لا يغير من ذاك شيئا ان يكون النبي قد توفاه الله اليه... و علي هذا جرت سنة الله في خلقه و في رسله الي عباده و الاسلام علي ذات السنة و النهج الالهي السديد...و كان النبي صلي الله عليه و سلم يعلم هذا علما يقينا و يثق بان الله متم نوره و مكمل دينه و لذلك كان النبي يغشي ساحات القتال و يواجه السيوف و الرماح و لا يخاف عدوا و لم يكن في قومه و هو اجرء الجرءاء من يدانيه في جرأته... و رغم ان الله لمح في آياته القرآنية بان النبي ككل بشر عرضة للقتل و الموت «افان مات او قتل» فان النبي كان يدرك بوضوح ان الله لن يميته قبل اكتمال شريعته... فلما قال الله «اليوم أكملت لكم دينكم و اتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الاسلام دينا» [11] المائدة/3. علم النبي ان امانه الحياة التي يحيا عليها او يحيا بها سيردها الي بارئها في وقت قريب و من الامر البديهي ان النبي لو مات في العهد المكي لما كان في الاسلام من مله و لا تشريع و لا حرام و لا حلال و لا صوم و لا صلاة و لا مواريث محددة و لا احكام للزواج و الطلاق و لا احكام في البيوع و ما اليها و معني هذا ان حلقة الاسلام [ صفحه 31] ستكون حلقة مضيقة جدا و لن يملك الاسلام بذلك ان يكون دينا ينسخ ما هناك من الديانات و هو كذلك لن تكون له حيثية يراها الناس من الجهات الست.و هذا كله يدحض ادعاء من ظن ان النبي هو الذي نبأ نفسه و صنع قرآنه و ما الي ذلك من مقولات بعض المستشرقين الذين غلبتهم الحقيقة القرآنية و اقامت عليهم الحجة الي يوم القيامة فلو كان الامر علي حد قول المستشرقين و كان النبي هو مؤسس الشريعة بكل تفاصيلها لبادر الي عرض جميع هذه التفاصيل و المفردات في العهد المكي و لما ارجأ منها شيئا الي العهد المدني و صلي الله علي سيدنا محمد رسول الله العظيم الي سائر عباد الله حتي يوم العرض علي الله. «و كذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء علي الناس و يكون الرسول عليكم شهيدا»... البقرة/143...يشير النص القرآني الي ان الله جعل امة محمد امة متميزة بالكمالات و سلامة العقيدة في جمهرة الامم بحيث كان لها من ذلك ان تنال مركز الشهادة علي الناس، المراد بالشهادة علي الناس التعليم و التوجيه و التلقين مما يعد من الواجبات التي فرضها الله علي الامة و قد اثبت التاريخ ان هذه الامة احسنت التعليم و الدعوة الي الدين و نشره في سائر انحاء العالم من دون الاخذ باساليب القوة و التعسف و لم يقل احد ان الاسلام انتشر في العالم بفعل السيف اذ ان الذين تولوا نشره. نشروه بالحكمة و الموعظة الحسنة و ليس بالهيمنة و الفرعنة و من هنا نعلم ان المهمة التي و كلها الله الي الامة قائمة دائمة الي قيام الساعة و ليس الخطاب قاصرا علي من كان من اتباع النبي في ايام حياته. اما قوله تعالي «و يكون الرسول عليكم شهيدا» اي انكم تعملون بمقتضي وصاياه و ارشاداته التي كانت مصدر اسلامكم و ايمانكم و ما نيط بكم من امر الجهاد في نشر الدين و تعليم الناس احكامه و حقائقه و فرائضه و نوافله.فللرسول بمقتضي هذا قيمومة علي الامة دائمة مستمرة في حياته و بعد وفاته غير محددة بحدود الزمان و المكان... و قوله تعالي «و اذا جاءهم امر من الامن او الخوف اذاعوا به ولو ردوه الي الرسول و الي أولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم و لولا فضل الله عليكم و رحمته لاتبعتم الشيطان الا قليلا» النساء/83.ورد الامر الي الرسول غير محدد بفترة حياته عليه الصلاة و السلام و انما هو مستديم و المعني المتحصل من ذلك هو الرجوع الي ما حفظ المسلون من احاديثه و اقواله و أولو الامر من رؤساء الامة في سائر الاجيال كذلك يرجعون الي مصادر الشريعة ليستنبطوا منها ما يكون به الحل المقبول لمشكلات الناس في كل جيل. ان أولي الامر بهذا النص لا يعدون بدلاء عن النبي و انما يعدون من اتباعه و منفذي شريعته فليس لهم الا الاستنباط و هو استخراج الاحكام علي جهة الاجتهاد و تمحيص الادلة فالرسول اذن قائمة شخصيته في مثل هذه الامور و نافذة اوامره و اقواله في سائر الحالات...

الصلاة علي النبي...

الصلاة علي النبي من القربات التي تقرب المؤمن من ربه و هي كذلك من الطاعات التي أمرنا بها بنص القرآن الكريم «ان الله و ملائكته يصلون علي النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه و سلموا تسليما» الاحزاب/56... و ما يؤمر به العبد من ربه ما كان منه مرادا به الفرض او النافلة او الاستحباب فان تنفيذه يعد من الطاعات التي يثاب عليها من يؤديها...و الصلاة علي النبي معروفة الغاية هنا فانها صلاة تكريم و اجلال و تعظيم. اما ما جاء في قوله «هو الذي يصلي عليكم و ملائكته ليخرجكم من الظلمات الي النور و كان بالمؤمنين رحيما» الاحزاب/43... فانها صلاة مغفرة و تطهير و اخراج الناس من الظلمات الي النور فالنصان ليسا علي امر واحد... و الفرق بين الصلاتين فرق بين النبي و سائر الناس. و الدليل علي ان رسول الله يصلح ان يكون محل الخطاب بعد وفاته. خلافا لما يزعمه قوم من أن حقوق النبي التي كانت له ابان حياته تسقط و هي مقولة فاسدة. هو ان جماهير المصلين منذ عهد الرسول بالحياة حتي يوم الناس هذا يقولون في كلمة (التحيات) التي يقولونها [ صفحه 32] عند قعدة الصلاة الاولي و الثانية اي المفروضة و غير المفروضة (السلام عليك ايها النبي و رحمة الله و بركاته) فانه لم يرد في نحلة اسلامية ان اوقفت هذا التسليم علي النبي بعد وفاته... و لم يرد في أي نحلة اسلامية التوقف عن الصلاة علي النبي عند ذكر اسمه و ذاك أن ذلك مما منحه الله لنبيه صلي الله عليه و سلم و ميتا...مما يفهم منه سلامة العقيدة الاسلامية الذائعة في اوساط المسلمين اذ يسلمون عليه صلوات الله عليه. ان الرسول صلي الله عليه و سلم يعيش في ذاكرة التاريخ و في نفوس المسلمين و في مصادر الشريعة التي استمد منها الفقهاء اصول الدين و في ما ورد في الكلام علي ذاته الشريفة في التنزيل العزيز و في ما امرت به الامة من الصلاة و السلام عليه في كل حين دون تحديد مواقيت هذا الحين و مفرداته...واذا كانت لصلوات العبادة اوقات تؤدي فيها و اوقات يكره الاداء فيها كمثل الصلاة فور شروق الشمس وفور غروبها و كذلك اذا كانت الصلاة يحكم عليها بالبطلان عند فقدان بعض شروطها كالوضوء و استقبال القبلة فان الصلاة علي النبي ليست الا الفاظا محفوظة و معروفة تقال كلما شاء أن يقولها من يصلي علي النبي لا وقت كراهة لها. و في منع من يصلي علي النبي من الصلاة عليه ما يخالف حكم الامر الالهي بالصلاة عليه اذ جعل من يمنع الصلاة علي النبي استثناءات لعمومية ذلك الامر كيفية لا سند لها من فقه الامة كالذي يفعله بعضهم من منع مؤذنين من الصلاة علي النبي بعد الاذان...ان صيغة الاذان معروفة بمفرداتها. فاذا اذن بها المؤذن اذانه للصلوات الخمس فانه لا حرج عليه ان يتكلم بأي كلام شاءه مما يعد من مطالب الدين او حاجات الدنيا فما يفسد ذلك ما كان من اذانه و علي هذا فانه ليس هناك ما يقنع احدا بفساد الاذان لمجرد أن يعقب المؤذن اذانه بشي‌ء من الكلام. لا سيما اذا كان ذلك الكلام صلاة علي النبي...

الحب النبوي...

الامر بحبه صلي الله عليه و سلم امر الهي تبت في النص القرآني الصريح و ذلك في الآية الكريمة «قل ان كان اباؤكم و ابناؤكم و اخوانكم و ازواجكم و عشيرتكم و اموال اقترفتموها و تجارة تخشون كسادها و مساكن ترضونها احب اليكم من الله و رسوله و جهاد في سبيله فتربصوا حتي يأتي الله بأمره و الله لا يهدي القوم الفاسقين»... التوبة/24... فهو نص ذو قرار ظاهر و حكم قاطع بأن لا يكون حب اب و اخ و زوجة و عشيرة و مال و مسكن احب من حب النبي او اكثر او ابلغ او اكبر و الا فان ذلك نمط من الفسق عن امر الله...و قد جمع الله بين حبه و حب نبيه و قرن بهما الجهاد في سبيله. و قد علمنا ما للجهاد في الملة من شأن عظيم بحيث كان الفرار من ساحته مروقا من الاسلام و كبيرة من كبائر الاثم فيه... و النص كذلك واضح فيه كل الوضوح انه ليس امرا محددا بوقت موقوت و لا مخصصا بايام وجود الرسول علي قيد الحياة بحيث اذا مات سكت النص ان يطالب احدا بايجاب هذا للرسول... فان الديمومة فيه مقصودة بما قرنه الله من اسم رسوله باسمه و في الجهاد في سبيله...ان معني الحب في هذا النص و قد ذكر الله في جمهرة من ذكر ممن جرت عادة البشر الاقبال عليهم بالحب و الميل الانساني و التعلق الدائم و المودة الفطرية و الازواج والابناء و العشيرة و الاموال. و هي مفردات اذا ذكر الحب مقرونا بها ظهر معناه و وضحت فحواه... مضافا الي ذلك ان الحب مفردة معجمية متداولة علي ألسنة الشعراء و الكتاب و في كل حين [12] . [ صفحه 33] ان احب الله يعني طاعته التامة المرجحة علي كل طاعة و ان يتعلق القلب به و ان لا ينقطع اللسان عن اللياذ به و تسبيحه و ذكره و شكره و طول الندم عند التقصير في شي‌ء من ذلك و انشغال ساحة النفس كلها به... بحيث لا يكون شي‌ء من اهل و مال و ذرية اقرب اليها منه... و كل خسارة في مال من اجله أو في حياة لا يتوجع لضياعها و فقدانها لانها وقعت في سبيله و ابتغاء مرضاته و تلبية لقضاء قضاه و قرار قرره... فذاك هو جانب الحب الذي فرضه الله علي مؤمني عباده لذاته العظيمة...اما حب النبي و قد قرنه الله بحبه و منع ان يرجح عليه حب احد من ذوي القرابات النسبية و المقتنيات الغالية فهو كذلك يعني جعل النبي بمحل الروح من البدن و القلب من الجسم و ان لا ينشغل البال عن مودته و اجلاله و توقيره بشي‌ء آخر يميز بحجم اكبر و قدر اكثر و زمن اطول... و ان لا يبخل احد علي نبيه يوم يجب عليه ان يذود عنه و يحميه و يصون كرامته و يرد عنه العادية من اي جهة كانت. و ان يستمع الي ما جاء علي لسانه من التوجيه و التعليم و الترتيب و ان لا ينقطع عن ذكره في نوم و يقظة و صلاة و عبادة و ما زالت الامة تسلم علي نبيها في صلواتها اليومية قائلة (السلام عليك ايها النبي و رحمة الله و بركاته)...و هي تصلي عليه سائلة الله ان يزيد في اكرامه و اعلاء مقامه. هذا الحب هو ان يكون في التمسك بما جاء به من دين حنيف و شرع جليل و نظام سديد و تهذيب رشيد و عبادة خالصة لله رب العالمين...ان تناسي شخصية النبي و الغفلة عن اللهج بذكره و الصلاة عليه يتأتي منه نسيان ما آتاهم من شريعة و تعليم فضلا عن ان سيرته صلي الله عليه و سلم كانت ذات قراع و جهاد و صبر و تحمل لاذي من جاء لانقاذهم من الضياع و اخراجهم من ظلمة الكفر الي نور الهداية التي اضاءت فجاج الارض و آفاق السماء...و في القرآن الكريم من الدلالات و الوثائق الناصعة مما يتصل بامر الحب النبوي ما هو كثير و قد ورد الكلام فيه بصيغ شتي و منها قوله تعالي «ان الله و ملائكته يصلون علي النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه و سلموا تسليما» الاحزاب/56... و هذا نص ذو كثافة في الامر بالصلاة علي النبي اذ ان الله بدأ القول فيه بالاخبار عن انه و معه ملائكته يصلون علي النبي و هذا يكفي لفهم المعني المقصود بذلك الا انه عزوجل امرنا بصريح ما في الامر من صراحة ان نصلي عليه و نسلم علي هدي صلاته علي نبيه و صلاة ملائكته عليه.و في ذلك تركيز لدعوة الامة الي اعزاز مقام نبيها في نفسها و اجلال شخصيته في سائر مجالات تحركها و خطاب الناس موصوفين بالايمان دلالة علي جدارتهم لمثل هذا النداء و التوحيد.اما ايراد كلمة الجهاد في موجبات الحب الذي منع الله ان يكون اكثر من هذه التي ذكرها الله و هي اسمه جل شأنه و رسوله و الجهاد في سبيله... فان الجهاد هو عمود الاسلام فاذا سقط عمود خيمة الاسلام سقطت خيمته و اذا ترك الجهاد الذي هو ذود عن حمي البلاد فسد الدين وضاع امر المسلمين و حب الجهاد يعني المبادرة اليه و تفضيله علي ما سواه ممن ذكر الله في صدر الآية من مفردات نحو الآباء و الابناء و الاخوة و الازواج... و من النظر في معاجم اللغة و ادبياتها الشعرية و النشرية و قصص المحبين في التاريخ لا نري الامر الالهي بوجوب حب الله و رسوله و الجهاد في سبيله الا قائما علي ذات الركائز التي عرفت الناس فيها معني الحب... علي ان الحب النبوي المفروض علي الامة للرسول الاعظم انما يجول في مجالات تعبيرية منطقية و وجدانية واضحة المعالم لا سيما اذ قرن بحب الله و حب الجهاد في سبيل الله اذ لا يقع في مجال حب الله و الجهاد في سبيل الله الا الجد و التعقل و التصرف اللائق الذي يأخذ حجمه في سلوك المحبين. و هو سلوك [ صفحه 34] يتقيد بقيود عالية المكانة سليمة التعبير كبيرة الشرف... لذا فلا يمكن أن يكون حب النبي كائنا في مثل تصرفات العشاق و المدنقين الذين خرجوا علي المألوف في ذلك.ان تصرفات العشاق من عذريين و غير عذريين كانت في الغالب بل في المعتاد قد مالت الي اوضاع لا تستأهل أن توصف بالحب المعبر عن الحب الذي اراده الله في غلائل من القدسية و الطهر و التعلق العاطفي النبيل...ان حب العشاق و ما عرف عنهم في روايات تحركاتهم الغرامية من التبهلل و الجنة و الظهور بمظهر البهدلة و الشرود الذهني و النفسي و التسكع في البراري... فان النص القرآني الذي أوجب حب الأمة لنبيها لا يصل الي مثل هذه المراحل غير ذات المستوي اللائق.علي أن حب العشاق يغلب عليه الجانب الجنسي الرخيص الذي لم يكن الله يريده في ايجاب حبه جل جلاله علي الناس و لا في ايجاب هذا الحب لنبيه عليهم و لا كان هذا الحب هو المعني في مواجهة الجهاد في سبيل الله...من هنا نعلم أن الحب النبوي انما هو حب اسمي بكثير من سائر ما يسمي بالحب في التعامل البشري لا سيما ما كان منه غارقا في السذاجة و التعقيد... اذن حين نبحث عن معني الحب الذي عناه النص القرآني فليس من الضروري ان نلوذ باخبار المغرمين الذين وقعوا في غرام احباب أحبوهم و بالغوا كل المبالغة في حبهم...ان اكثر من حالة حب عنيف انقلبت الي حالة كره عنيف لان الناس تحب و تكره وفق اهوائها و حاجات تعرض لها و معظم ذلك من متغيرات الامور فلقد ينقلب الحب الي كره. و قوة الميل النفسي الي شدة حقد و نفور و لم يكن الامر الالهي بالحب النبوي جائلا في هذا المجال و لا حائما حول هذه الحومة...ان حب الامة لنبيها حب تعظيم و تقديس و طاعة و تفان و اخلاص لا حد يحده لان للرسول شريعة يعد حب الامة له صلي الله عليه و سلم لها و تعلقهم بشخصيته تعلقا بها و الذين يدرسون سيرته الذاتية يجدونه صلي الله عليه و سلم حقيقا بهذا الحب كله بل بما هو اعظم منه بكثير...ان المراد من هذا التوجيه القرآني العظيم في صدد الزام الامة بحب النبي هو أن تكون في خدمة الدين و الملة والالتزام التام بطاعة الله و رسوله و نكران ذاتها من اجل اثبات ذاته و ليس المراد بالحب الجانب الوجداني وحده بحيث يتغلب كل شي‌ء علي العقل فلا يبقي منه شي‌ء يرجع اليه و يستعاذ به... ان الحب اذا وصل الي حالة من غياب العقل فليس هو المطلوب البتة لأنه سينتهي الي فراغ و لا مصلحة للدين و الملة في حب ينتهي الي فراغ و ذهول و شذوذ في التصرف و ذهاب للعقل...فلقد علمنا ان الحكمة من فرض الله حبه وحب نبيه علي الامامة انما هو اعدادها للتضحية من اجل تثبيت الدين و الذياد عنه و ترجيح حقوقه علي سائر الحقوق الشخصية و هذا لا يتحقق منه كل و لا جزء يوم يفقد العقل سلطانه علي الانسان.ان الحب بريد الطاعة و دليل الاستجابة و لا تكون المعاداة عرقا لمودة و ألفة و انسجام...و من خلال آيات كثيرة جاء الكلام عليها في تضاعيف الكتاب ثبت ان الله ألزم الامة بحب نبيها. و المراد من هذا الحب ليس التقبيل و التغزل و الملازمة و اداء ضروب من الخدمة الشخصية و انما يعني الحب المفروض علي الامة لنبيها أن تكون ذات تعلق وجداني به و ميل قلبي اليه و أخذ بقوله و التزام بأوامره و نواهيه و ذياد عنه و دفاع عنه و هذا مما يكون في ايام حياته الشريفة و فيما بعد ذلك اي بعد انتقاله الي ربه لأن الامة تظل تهتدي بهديه و تصلي عليه و تحمد سيرته علي نحو ما تحمد من سير اهل [ صفحه 35] الخير و الصلاح فان النبي اولي بذلك من سائر من يستحقون الحمد و يستأهلون الذكر الجميل من الناس. فادعاء من ادعي ان الامة ملزمة بحب نبيها ايام حياته فقط ادعاء فاسد لانه ينتهي بالمسلم الي ان يعتقد ان نبيه لم يعد بعد وفاته مستأهلا لحب و تكريم و حماية و اجلال و توقير...و حين امر الله الامة بتوقير النبي بقوله «و تعزروه و توقروه» لم يكن يعني ان يكون ذلك في حياته فقط و انما عني ان يكون ذلك ذا ديمومة لا تنقطع في الحياة و في الممات. و اذ اجرينا الكلام علي هذا علي وجه الاستطراد وجدنا من يزعم ذلك و يدعيه اي يزعم ان الامر بحب النبي انتهي بوفاته و هذا ما فسر به بعضهم قوله تعالي «يحبهم و يحبونه»... تفسيرا كاد يمرق به من الاسلام...ان الامر بحب النبي ينبني عليه أن يطاع النبي طاعة تامة في سائر ما امر به ايام حياته و ما نقله عنه النقلة من اقوال و توجيهات احتوت عليها الكتب و المسانيد و ليس الامر في هذا الباب معقولا أن يقال فيه ان اوامر النبي تنفذ ايام حياته و لا تنفذ بعد لحاقه بالرفيق الاعلي. لان حقائق الدين واحدة في سائر الاجيال التي تتوارث هذا الدين و تلتزم بتطبيقه...

العصمة الالهية للنبي...

«و الله يعصمك من الناس» المائدة/67...هذا عهد من الله لرسوله يعلن به انه عاصم رسوله من كل سوء يراد به مما يكيده له خصومه و يدبره اعداؤه. في هذه الوثيقة الالهية ما يدل دلالة ظاهرة علي عظم رعاية الله لنبيه بحيث لم يتركه يواجه اعداء دعوته بمفرده و ان كان قد واجههم بمفرده في احرج الظروف التي تفتقر الي العون و المعين فكان ذا اقتدار عال علي القراع و المواجهة ولكن النص القرآني في ان الله تعهد لنبيه بان يعصمه من الناس و قد جاء ذلك بصيغة غير محددة بمستقبل او حالة معينة انما جاء بصيغة مطلقة، اجل لقد جعل الله ذلك مطلقا في عصمة نبيه [13] فكان ذلك من الخصوصيات التي عرفت للرسول [ صفحه 36] الاعظم وحده صلي الله عليه و سلم... و بهذا رددنا علي دعوي السحر و ما كان من قبيلها اذ تتنافي و وثيقة العصمة الالهية في مواجهة ما قيل في تصوير اثر السحر علي شخصية النبي مما اورده المحدثون و كتاب السيرة و اصحاب الاخبار...ان في ادعاء وقوع النبي في كماشة السحر الذي زعموا ان ابن الاعصم اليهودي كان قد وضعه و دبره بطلع وضع فيه مشط و خصلة من الشعر و القاه في البئر. مقولة غير صحيحة في حقه صلي الله عليه و سلم هي غير صحيحة ايضا لو عزيت الي اي انسان من الناس لان السحر رغم الاعتراف به علميا فانه لا يرقي الي هذا النمط من الباراسايكو لوجيات و غرائب الخوارق.و هناك نص يفهم منه تدارك الله نبيه لئلا يقع في ما يحوكه له خصومه من مكايد ذلك هو قوله تعالي:«و ان يريدوا أن يخدعوك فان حسبك الله هو الذي أيدك بنصره و بالمؤمنين» الانفال/62...خداع الناس للناس لا يشترط فيه ابدا ان يكون من تفعل الخديعة فيه فعلها غير واع و لا حذر و لا متثبت فلعل من يعرض له ذلك يعد من احذق الحذاق و اذكي الاذكياء و اكثر الحذرين حذرا... و ذلك ان المخادعين حين يعمدون الي المخادعة فانهم يتخذون لها ادق الوسائل و يحوكون لها اقوي الخيوط.و القرآن الكريم نبه الرسول الاعظم الي ان الله عالم بخداع المخادعين. و لقد جاء في النص ما يشبه العهد الالهي ان وراء النبي عند خداع المخادعين ربه يبدد خداعهم و يفسد عليهم خططهم و هناك المؤمنون الذين يكونون مع النبي فلا يضره من خداع المخادعين شي‌ء. ان دقة مكر الماكرين و قوة حبكهم خدعهم سيكشفها الله للنبي...اما قوله تعالي: «ما آتاكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا». الحشر/7... فانه لا يخصص هذا الاخد باقوال النبي في حياته، و الخطاب ب«ما آتاكم» يعم جميع المؤمنين في ايام حياة الرسول و بعد وفاته و كذلك ما كان قد نهي عنه النبي ايام حياته فانه لا تترك الاستجابة لشي‌ء من ذلك بعد وفاته و انما هو امر و نهي ملزمان باطاعة في سائر الحالات... حتي يرث الله الارض و من عليها.و قوله تعالي: «و ما كان لمؤمن و لا مؤمنة اذا قضي الله و رسوله امرا أن يكون لهم الخيرة من امرهم و من يعص الله و رسوله فقد ضل ضلالا مبينا» الاحزاب/36...فان ذلك ليس خاصا بفترة حياة النبي بحيث ان توفاه الله كان للمؤمن و المؤمنة الخيرة في القبول و اللاقبول... و يؤيد هذا ان الله قرن بين امره و بين أمر رسوله «اذا قضي الله و رسوله امرا» مما يدل علي الاستمرارية الابدية في وجوب الالتزام بأي من امر الله و رسوله.ان الشريعة الاسلامية السمحة ليست شريعة وقت محدد بحياة النبي و انما هي ماضية الي سائر اجيال الزمان فما يقع لها أن ينسخها الله بشريعة فما هي بالشريعة الخاصة بأمة بعث الله اليها نبيها وحدها علي ما كان في الشرائع القديمة...و حادثة بعد وفاته صلي الله عليه و سلم اذ زعم قوم انهم آمنوا بالنبي ايام حياته قامت علي أن القوم اطاعوا رسول الله اذ كان بينهم ففيم يطيعون بعده غيره و قد جهلوا ان الشرائع تعني بناء امة كانت مفككة الاوصال و ذاك يتطلب ان تنهض هذه الامة فتظل ناهضة الي ابد الايام و هذا ما شاءه الله للامة العربية و ما شاءه كذلك لسائر أمم العالم من اصلاح الاحوال أمة حتي كان الاسلام فصنع الذي صنع من توحيد العالم البشري في الثقافة و السلوك و العبادة... [ صفحه 37] الصفات الخلقية في شخصية الرسول...في النص القرآني «و انك لعلي خلق عظيم» القلم/4... شهادة الهية عظيمة شهد بها الله لرسوله ما تضارعها شهادة و لا تساوقها تزكية. حقا ان تزكية الله لمن شاء من عباده هي التزكية المطلقة التي لا تعلق بها مجاملة و لا تجر اليها غاية يتغياها هذا و ذاك لقد كان خلق الرسول الاعظم في البيئة التي عاش فيها مع الكفار من قومه و مؤمنيهم خلقا متميزا بالرفق و اللين و الطلف و العطف علي ما نصت عليه خديجة زوجته الكريمة اذ وصفته قائلة: انك لتحمل الكل و تغيث الملهوف و تعين ذا الحاجة و تؤوي الضيف. فتلك كانت خلاله و فعاله بين يدي مبعثه علي ما شهدت به الزوجة الكريمة الفاضلة و هي زوجته في حقبة غير قليلة من الزمن قبل اختيار الله اياه نبيا و رسولا...ان الخلق العظيم الذي كان سمة قرآنية لشخصية لرسول الاعظم تثبته بكل دليل و حجة مفردات السيرة النبوية المكتوبة بحيث لو ان الله لم ينص علي هذه الفضيلة في نبيه لنص عليها الناس و المؤرخون في اقوالهم...انها عبارة رائعة موجزة غير انها مزدحمة بالمعاني الجليلة و السمات المستشهد بها في هذه الجملة انه مستهشد بكلمة الهية لا تجد لها حدودا في عالم الفضائل و القيم الخلقية الكريمة... و في القرآن الكريم في الكلام علي بعض معالم الخلق الحميد في شخصية الرسول جاء قوله تعالي «فبما رحمة من الله لنت لهم و لو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم و استغفر لهم و شاورهم في الامر فاذا عزمت فتوكل علي الله ان الله يحب المتوكلين» آل‌عمران/159.و هذه من بعض شهادات الله في رسوله محمد بن عبدالله و هي شهادة صادقة قائمة علي ظاهر سلوك النبي في سائر حالاته قبل النبوة و بعدها و معايشته لقومه فانه لم يكن فظ لسان في مخاطبة و لا غليظ قاب في معاملة والا لأنفضت الناس عنه في حين كانت فئات كثيرة من الناس ملتمة عليه مرتاحة اليه تصدقة و تطمئن اليه و تستجيب لامره و نهيه و تهش له عند لقائه و تأتم به في صلاته و تحرص علي تطبيق قراراته... و ما قضية (كعب بن زهير) ببعيدة عن الموضوع اذ هدر النبي دمه فراح الي مشاهير اصحاب النبي يلوذ بهم فرضوا لجوءه و ايواءه و قال في ذلك...فقال كل خليل كنت آمله لا ألهينك اني عنك مشغول‌فاضطره هذا الموقف الموحد الي مراجعة الرسول في مسجده بقصيدته التي مطلعها...بانت سعاد فقلبي اليوم متبول متيم اثرها لم يفد مكبول‌و ما سعاد غداة البين اذ رحلوا الا أغن غضيض الطرف مكحول‌تجلو عوارض ذي ظلم اذا ابتسمت كأنه منهل بالراح معلول‌و استقبله الرسول بصدر رحب ثم عفو عنه و غفر له و انما اقبل (كعب) علي النبي و هو مهدور الدم لما يعلمه من ان النبي غير فظ و لا غليظ قلب و انه كما وصفه الله تعالي من عظمة الخلق و شرف النفس و الخلال... فقد كانت قصيدة (كعب) مثخنة بغريب اللفظ ولكن النبي كان يستوعب جميع مفرداتها و اذ كان (كعب) ينشد قصيدته انشادا منغما علي جاري عادة شعراء تلك الحقبة فكانت لالقائه رنة استحسان لا سيما اذ كان مخلوع الفؤاد يضرب الخوف جوانب قلبه و للنغمة في هذه الحالة ما فيها من شجي، و من حزن و رعب الا ان حسن موقف النبي من الشاعر بدد حزنه و خوفه و ارتاح النبي لتصحيح (كعب) موقفه لصحبه و خصومه علي حال سواء و هو مما من الله به علي نبيه «فبما رحمة من الله لنت لهم»... و كان من بعض محاسن صلي الله عليه و سلم انه كان حييا أي كثير الحياء... و الحياء و الاستحياء غلبة الخجل علي رجل او امرأة يظهر علي الوجوه عند عروض ما يخجل. و قول [ صفحه 38] العرب -]ان الملوك لا يستحيا من مسألتهم[- أي ان الاستجداء من الملوك ليس مما يخجل او يستوجب الحياء لانه ليس مثل الاستجداء من الناس...و الاستحياء منازل و درجات. و قول النبي صلي الله عليه و سلم (الحياء من الايمان) لان الحياء يمنع من اقتراف الدنايا و ارتكاب المخازي... و في الامثال العربية - اذا لم تستح فاصنع ما شئت - فاذا لم يخجلك العمل المخجل فلا عليك أن تصنع ما تريد. و في بعض الروايات بعد تناول آدم من الشجرة التي نهي عن الاكل منها راح يختبي‌ء بين الاشجار. فقال له الله (أفرارا مني يا آدم فقال بل حياءا منك يا رب)... و قال جرير...لولا الحياء لهاجني استعبار و لزرت قبرك و الحبيب يزاراي انه كان يستحي من الناس أن يزور قبر زوجته. اذ ان مثل ذلك يعد عيبا في نظر المجتمع يومذاك... فالحياء حلية نبلاء الناس و ذوي العقل و الوجاهة منهم يستوي في ذلك الرجال و النساء و قد عرف الرسول الاعظم بأنه كان اشد حياءا من الفتاة ذات الخدر اي انه كان يتهيب ان يري في موقف لا يليق به... و قولهم الحياء يمنع الرزق و الفسق يشير الي أن الرجل قد يكون جائعا فلا يكشف ذلك للاخرين و ان كانوا من اقرب الناس اليه بفعل الحياء.و قد تحمله الحاجة الي الاستدانة من معارفه في سد خلته و قضاء حاجته فلا يملك الجرأة علي مخاطبة صديق له في ذلك و قد يكون هو الدائن ولكنه لا يستطيع مطالبة المدين ببعض دينه من فرط حيائه و قد يكون في قوم فتقرب منه مائدة الطعام فيستحي أن يأخذ كامل حاجته و قد يكون في ملابسه ما هو قديم او مخلولق فانه لا يجرأ علي الخروج به الي الناس و هو كذلك لا يستطيع أن يقترف عملا يعاب عليه و هذا من حسنات الحياء و من جميل اثره في الناس. فاذا جئنا الي رسول الله فانه اكثر تحسسا بذلك من سائر الناس رغم انه كان أجرأ الناس علي الصدع بالحق. و النص القرآني: - «يا ايها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي الا أن يؤذن لكم الي طعام غير ناظرين اناه ولكن اذا دعيتم فادخلوا فاذا طعمتم فانتشروا و لا مستأنسين لحديث ان ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم و الله لا يستحيي من الحق» الاحزاب/53...اجل ولكن النبي لم يكن لفرط حياته من الذين اكلوا علي مائدته أن يطلب اليهم ان يغادروا بيته بعد الفراغ من تناول الطعام و ذاك من ضرورات امور المآدب اذ ان نساء الدار و من فيها من بقية الاهل و الابناء قد يقبلون علي تناول طعامهم بعد خروج الضيفان كما يقبلون علي تنظيف البيت و غسل الصحون ورد المستعار منها الي اصحابها من الجيران و لابد لاهل البيت من اخذ قسط من الراحة بعد ما بذلوه من جهد في اعداد الطعام و تقديمه الي الضيوف... و كانت الناس لا تعرف الاستئذان في دخول البيوت و لا تزال بعض الشعوب في العالم لا تعرف هذا الاستئذان رغم أن من الاداب المدنية المعاصرة الدعوة اليه و الحث عليه...و من آداب الاسلام الاجتماعية انه امر بالاستئذان، و الآيات في ذلك معروفة و من هنا كان الرسول يستحي أن يقول لاصحابه ذلك قبل نزول الوحي به. و لما نزل التشريع بذلك صار الامر من المطالب الشرعية الواجبة التنفيذ...ان قوله تعالي: «ان ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم» يدل علي أن حياء النبي كان اعلي انماط الحياء لانه كان يتحمل الاذي النفسي كل تحمل علي أن يأمر اصحابه بعمل شي‌ء او تركه في مثل هذه الامور التي هي من خصوصيات حياته...اجل ان الحياء كان من متممات الخصال الكريمة و الاداب العالية في شخصية الرسول محمد بن عبدالله صلي الله عليه و سلم...و لقد لخص النبي رسالته العظيمة بقوله انما بعثت لأتمم مكارم الاخلاق... و بذلك باتت الاخلاق الكريمة من بعض رموز الاسلام و معالمه... [ صفحه 39]

استقلال شخصية الرسول...

لشخصية الرسول الاعظم استقلال خاص في التعامل البشري و ان كان صلي الله عليه و سلم من بني البشر و من صميم جنسهم في عالمهم البشري... و ذاك ان طبيعة النبوة تتطلب كثيرا من صور التفرد عن العموميات الآدمية و هذا امر لا يملك احد ان ينكره لان النبوة تعني انتزاع كائن بشري من بيئته الي شي‌ء يتميز به عن مفردات تلك البيئة و شخوصها الدنيوية من اجل ان يؤدي مهمة ارتباط بسلطان من وراء الطبيعة يرسم من طريقة للناس نهجا سلوكيا و تعبديا...و من خصوصيات ما كان من امر شخصيته البشرية انه جعل له الحق في الزواج من اكثر من اربع كما ان الشريعة جعلت زوجاته امهات للمؤمنين منعا لزواجهن من احد من الرجال بعد رسول الله و قد ماز الله سائر نساء النبي علي سائر نساء المؤمنين. و من ذلك ان قانون الارث توقف عن تطبيقه عليه بعد وفاته لان معاشر الانبياء لا يورثون و كذلك فانه عند وجوده صلي الله عليه و سلم لا تنعقد لاحد امامة في صلاة تؤدي في ساحة واحدة و وقت واحد و ذلك ما يطلق عليه اسم صلاة الخوف. «و اذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك و ليأخدوا اسلحتهم فاذا سجدوا فليكونوا من ورائكم و لتأت طائفة اخري لم يصلوا فليصلوا معك و ليأخذوا حذرهم و اسلحتهم» السناء/102... و قد كان من حكمة الخالق الحكيم انه لم يترك للنبي ولدا من الذكور بعده و الا لترتب علي ذلك احكام تتدخل الناس في صنعها.اجل ان الله لم يترك للنبي ان يكون له ابناء من الذكور لئلا تذهب الامة في توليهم بعد وفاته الي مذاهب تختلف فيها. كما أن النبي سيكون في شغل شاغل بهموم ابنائه و احفاده و ما يقع منهم في بيئتهم و ما يقع منها او فيها و قد تتكرر قصة نوح و ابنه...ان الله عامل نبيه معاملة استفرده الله فيها فكان له وحده. حقا أن حكمة الله حكمة عظيمة... و نهي الناس عن رفع اصواتهم في مخاطبته «لا ترفعوا اصواتكم فوق صوت النبي و لا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط اعمالكم و انتم لا تشعرون» الحجرات/2...و من ذلك في القرآن الكريم... «خالصة لك من دون المؤمنين» و ذلك في النص القرآني الذي تمامه «و امرأة مؤمنة ان وهبت نفسها للنبي ان اراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين» الاحزاب/50. فلقد جعل الله هذا النمط من الانكحة مما اختص به الرسول صلي الله عليه و سلم و قوله تعالي «ان اراد النبي أن يستنكحها». فيه امتياز للارادة النبوية كانت هي المفتاح لنكاح تلك المرأة التي وهبت نفسها للنبي صلي الله عليه و سلم فلعله لا يريد ذلك فلا يكون لتلك الهبة شي‌ء من تقديم او تأخير... و ارادة كهذه الارادة تسجل للنبي في حياته البشرية تعد احدي الوثائق الدالة علي تمتعه صلي الله عليه و سلم بخصوصيات ثابتة... و ينبني علي قوله تعالي: «خالصة لك من دون المؤمنين»... ان للنبي تفردا يتفرد به عن حالات التقييد التي يخضع الناس بها و بهذا يفهم جليا ان النبي معترف له بمزية التفرد التي منها هذه اذ نص الله علي ذلك في النص الكريم...

الطاقة الجسدية للرسول الاعظم...

كانت للنبي طاقة جسدية وصفها يوما ما بانه يبيت يطعمه الله و يسقيه اذا ما واصل الصوم فهو في ذلك ليس كسائر الناس. علي ان الطاقة البشرية لديه صلي الله عليه و سلم ظاهرة التفرد في عطائها و قوة شخصيتها فانه كان يؤدي اعمال الامامة في مسجده بالمدينة خمس مرات في اليوم و خطابة الجمع و الوعظ المستمر و يقضي بين الناس و يتهجد الليل و يطوف علي نسائه و يقود كتائب الجهاد و الغزو... و كل اولئك يقصر عنها الوقت [ صفحه 40] و مع ذلك فلقد كان يملي علي الصحابة ما يوحي اليه من كلمات ربه آناء الليل و آناء النهار... و في تضاعيف الكتاب ما يقع منه في هذا الموضوع اكثر من ذلك بل ان النبي صلي الله عليه و سلم كان يحتكم لديه اقوام من غير المسلمين و كانوا يرجعون عنه بالرضا و الارتياح اذ كان اولئك اليهود لا يطمئنون الي فتاوي حاخاميهم و كهانهم في حل مشاكلهم فاذا قدموا علي النبي انصفهم في الحكم اذ لم يكن يتحيز لفريق منهم«فلا و ربك لا يؤمنون حتي يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في انفسهم حرجا مما قضيت و يسلموا تسليما» النساء/65.فلقد جاء الكلام مبدوءا بقسم الله عزوجل بلفظ - فلا و ربك - اي و رب محمد الذي خاطبه الله جل جلاله بكاف الخطاب صلي الله عليه و سلم ثم بين انهم سيسلمون بالقرار الذي يتخذه النبي في مسألة التحكيم هذه و قوله تعالي (حتي يحكموك فيما شجر بينهم). اي في امر يخص القوم و قد يكون عشائريا او عائليا او شخصيا و لعظم ثقتهم بالنبي رغم انهم لم يكونوا قد آمنوا برسالته فقد فرضوا هم بانفسهم الثقة بالنبي فان معني - شجر بينهم - هو ما يبلغ حد اشتجار القنا و شدة الخصومة و كثرة اللغط و اللجاجة. و القسم الوارد في صدر العبارة القرآنية ذو حجية علي حقيقة ما تضمنه النص و ما من شك في ان ايراد هذا النص القرآني انما كان لاثبات تسامي شخصية النبي صلي الله عليه و سلم في مجالات التحكيم و الاسترشاد و كذلك رجحان رأيه و حسن تبصره في الاحداث...و الذي يلفت النظر ان المقبلين علي النبي ابتغاء تحكيمه في امر كان قد شجر بينهم هم من غير اتباعه و اعوانه مما يفهم منه ان شخصية النبي كانت محل احترام سائر اصناف الناس من مؤمن و غير مؤمن... و قوله تعالي (لا يؤمنون) ليس المراد منه اعتناق الاسلام و الدخول في حظيرة الدين و انما يراد بها الاعتراف و الثقة و الاطمئنان الي اقتدار الرسول و تمكنه بسعة افقه و رشيد رأيه بحيث كان اهلا لان ينتدب لمهمات الامور و يراجع في حل معضلات القاضايا التي تعرض للناس يومذاك...المراد بالايمان هنا معناه اللغوي و ليس معناه العقائدي الشرعي و النص يتعلق بمكانة الرسول بين قومه من جهة ما اضطلع به صلي الله عليه و سلم من الحكمة و القدرة علي معالجة الخلافات المستعصية بين الناس فيما لو لجأوا اليه لحل عقد الخصومة بينهم. و الحلف بقوله تعالي (فلا و وربك) لبيان قوة الثقة في المقام الذي ورد فيه الكلام الالهي و قربه من الله و رسوله (حتي يحكموك فيما شجر بينهم) اي اذا عرض بينهم عارض شجار عنيف، علي ان القوم بعد الاحتكام الي الرسول في امر شجر بينهم آنسوا الرشاد في معالجة المشكلة.و مما يفهم من ذلك ان الرسول الاعظم صلي الله عليه و سلم لو لم يكن قد جعل نبيا و رسولا لامته فانه كان سيعامل من قبلها معاملة الحكيم الذي يستأنس بحكمته و يسترشد لسليم رأيه و يلاذ به كل لياذ.و من معالم الطاقة النادرة في شخصيته صلي الله عليه و سلم انه كان يقود الجيوش و ينظم الجند سوقيا و يقتحم اخطر الحروب وفق منهاج يدبره بنفسه و قليلا ما كان يشاركه فيه الغير و في القرآن الكريم: «و اذا غدوت من اهلك تبوي‌ء المؤمنين مقاعد للقتال» آل‌عمران/121.و سنتكلم علي شخصية النبي العسكرية بمكان آخر. و مما يستدل به علي قوته الجسدية انه اشترك في حفر الخندق في الغزوة المعلومة و كان يعمل اكثر مما يعمل غيره في الحفر و نقل الحجارة لا يعوقه عن ذلك جوع و لا طول سهر... [ صفحه 41]

الرسول الاعظم عسكريا...

كانت للرسول صلي الله عليه و سلم القيادة العامة للامة و لقد اقتحم كثيرا من الغزوات و امتطي صهوة جواده في اكثر من ساحة قتالية و خوطب من ربه بخطابات ذات منحي عسكري و منها قوله تعالي «يا أيها النبي حرض المؤمنين علي القتال...» الانفال/65...و في هذا النص تعليمات قتالية في تحديد واجبات المقاتل المسلم. بحيث ألزم المقاتل المسلم بأن يقاتل بطاقة قتالية تبلغ عشر مرات اكثر من الطاقة القتالية للمقاتل الكافر ثم جري التخفيف عن المقاتل المسلم بحيث كلف ان يقاتل بطاقة تبلغ ضعفي طاقة المقاتل الكافر و علي هذا ما يزال المقاتل المسلم في موقف هو فيه اقوي من موقف المقاتل الكافر و هذا معني قوله تعالي «ان يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين و ان يكن منكم مئة يغلبوا ألفا من الذين كفروا» و قوله تعالي «بأنهم قوم لا يفقهون» اي انهم لا يقاتلون وراء فكرة عقائدية او وطنية انما يقاتلون وراء اسلاب و مغانم. و ابرازا لمعالم القوة و الشجاعة و الجرأة فيهم...و المقاتل المسلم يبتغي في قتاله حماية عقيدته و طاعة ربه و اقتفاء خطي قيادته التي تدرك ما هو خير و ما هو اصلح... اما قرار التخفيف فقد جاء في قوله تعالي «الآن خفف الله عنكم و علم أن فيكم ضعفا فان يكن منكم مئة صابرة مئتين و ان يكن منكم الف يغلبوا ألفين بأذن الله و الله مع الصابرين» الانفال/66.و هذه اوامر قتالية تحدد فيها للمقاتلين طاقاتهم القتالية وفق كل موقع و كل حالة حربية. و قوله تعالي «يا أيها النبي حرض المؤمنين علي القتال» لم يرد فيه القول علي كيفية هذا التحريض و طريقته و ذلك لان الله يعلم قدرة رسوله علي تنفيذ هذا الامر فهو حقا قائد يحسن ادارة الوطيس الحربي بسائر مفرداته و اولياته و سوقياته و كذلك ما يسمي اليوم بستراتيجية الحرب. و للحرب جوانب تتعلق بالكر و الفر و تنظيم الجنود في الساحة وفق قوانين الحرب في تلك الازمنة...لقد كان رسول الله محيطا بذلك كله و ان توصياته العسكرية في اكثر من موقع دلت علي بعد نظره و حسن تبصره في هذه الامور... و نري في الآية التالية ما اوضحه الله لنبيه من رسوم الحرب و اعرافها و قوانينها «ما كان لنبي أن يكون له أسري حتي يثخن في الارض...» الانفال/67...ان خلاصة المعني الذي تعنيه هذه الآية هو ان الحرب التي تخوضها الجهة المسلمة مع جهة اخري كافرة يجب ان تكون حربا ذا خطة حاسمة [14] ... لان الحرب ضد جهة مقاتلة ذات سلاح و جند يجب الوصول الي مواقعها بأقرب وقت اي انها ان وقعت فانما تعني حماية الجهة المسلمة التي تريد الجهة التي تحاربها تنحيتها عن مكانها و ازالة وجودها بالمرة فلابد اذن ان تكون خطة هذه الجهة اي الجهة المسلمة خطة اندفاع ساحق يؤدي الي دحر العدو دحرا شديدا. و ذاك بعقلية تنصرف الي القضاء علي المحارب القادم بكل سلاحه لغرض التدمير و الاكتساح و القضاء علي فئة ذات عقيدة و فكر ديني اصلاحي. فالقيادة الاسلامية اذا كانت تتسامح بعض التسامح في القتال من اجل ان يكون في يدها عدد من اسري العدو فان ذلك ليس في صالحها الا اذا كانت من القوة بحيث لا يؤثر عليها وجود الاسري في ديارها اذ يحتاج الاسير لمأوي حصين يحول دون هربه و لتغذية دائمة و علاج حاضر و حماية و رقابة.ففي هذا النص توجيه عسكري حدي اراد الله توجيهه للنبي اذ كان هو قائد الامة في قيادة الحروب [ صفحه 42] و المواجهات المسلحة [15] . و لا يعني هذا اباحة قتل الاسير و اجاعته ولكنه يعني المبادرة الي كل قادم من جيش العدو لغزو البلاد بالقتل و الابادة و الاستئصال اي ان تكون الحرب حربا غير قائمة علي المداراة و المشاغلة و التناوش الذي لا سياسة حربية وراءه...و من آيات القتال قوله تعالي «و اذ غدوت من اهلك تبوي‌ء المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم» آل‌عمران/121. ففي هذا النص توكيد علي شخصية الرسول القيادية الثابتة له تلقائيا و قوله تعالي «و اذ غدوت من اهلك» بيان بان هذه القيادة لا تنشأ من رغبة القوم و لا من قرار يقررونه عند كل خروج و ان كان النبي يستشيرهم في مثل هذه المهام. و انما هي صفة مستديمة فيه صلي الله عليه و سلم و في النص ما يشير الي استعدادات النبي القيادية في سائر ضروب حالات الخروج للقتال... و تبوي‌ء المؤمنين مقاعد للقتال ظاهر الدلالة علي الدراية العسكرية التامة لدي الرسول الاعظم و فيها كذلك دلالة اخري علي انه صلي الله عليه و سلم كان يتولي ذلك بنفسه و بمقتضي علمه العسكري و دهائه الشخصي في ذلك. و في مثل هذا التفرد في تدبير امور القتال يتوفر ادق مسائل الكتمان التي هي في الغالب مناط النصر و الغلبة و كان صلي الله عليه و سلم يوزع المهام العسكرية و يعقد الرايات و يوزع الاسلحة و كان هو الذي يتصرف بأمر الغنائم وفق خطة معلومة. بل كان يحسن اختيار المقاتلين و يرفض خروج قوم معه للقتال و يؤمر علي السرايا و غيرها...لقد علمنا ان نشأة الرسول البيئية لم تكن نشأة عسكرية تجعله ملما كل الالمام بأمور الحرب، و عالم التجارة الذي كان له وجود في ساحاته و اسواقه ليس عالم حرب و طعن و ضرب ولكن الله عزوجل هو الذي علم النبي اسرار هذا الامر و سلمه مفاتيح النصر و مكه من أن يحسن القيادة و يدير دفة الحرب التي تكرر عروضها في العهد المدني فكان احذق قائد عسكري في سائر المهارات الحربية و المواقف القتالية بدءا و انتهاءا.اجل ان الله عزوجل كان وراء النبي يلقنه ما يتعلم به مسائل الحرب و ما اليها و في الآية التالية «فان رجعك الله الي طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي ابدا و لن تقاتلوا معي عدوا انكم رضيتم بالقعود اول مرة فاقعدوا مع الخالفين» التوبة/83...ففي هذا النص ارشاد للرسول صلي الله عليه و سلم بأن لا يعتمد في المواقف العسكرية علي اناس ثبتت انهزاميتهم و لا التزاميتهم في ظروف سابقة، و أمر الله نبيه أن يجاهر هؤلاء الناس - بأعيانهم - بقرار ابعادهم عن المجال العسكري الاسلامي الذي كانت السياسة الحربية فيه تعتمد الايمان بالقضية المشتركة و تؤمن بأن الحرب في الاسلام حرب عقيدة علي من يعتقدها أن يؤدي حقها لدرجة الاستشهاد...ان الحرب التي كان يشهدها النبي و اصحابه و اعوانه و سائر المقاتلين كانت في بعض الاحيان تحظي بمدد سماوي يؤيد الله به نبيه تأييدا مكينا و ينصره به نصرا عزيزا و من آيات القرآن في هذا المعني قوله تعالي «اذ يوحي ربك الي الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الاعناق واضربوا منهم كل بنان. ذلك بأنهم شاقوا الله و رسوله و من يشاقق الله و رسوله فان الله شديد العقاب» الانفال 13/12... لا سيما ما كان من امر القتال الالهي موجها الي النبي وحده في مثل قوله تعالي:«فقاتل في سبيل الله لا تكلف الا نفسك و حرض المؤمنين عسي الله أن يكف بأس الذين كفروا و الله اشد بأسا و اشد تنكيلا» النساء/84... [ صفحه 43] فان القتال هنا موجه ضمنا الي الامة التي خوطب بالقتال نبيها و قائدها اشعارا بوحدة المهمة و تمثيل القائد للامة...قوله تعالي «لا تكلف الا نفسك» اي اذا لم يكن في الساحة غيرك من المقاتلين و كان عددهم قليلا او جد قليل فان عليك اقتحام الساحة وحدك ان لم تكن هناك استجابة تامة لتحريضك و في هذا دليل علي عظم ثقة الله برسوله اذ يزج به في المعامع الثقال و هي شهادة من الله للذات النبوية المتميزه بأعظم المزايا و الطاقات و في مقدمتها اتسامها بالبطولة الرائعة المتفردة علي أن الله كان لطيفا بنبيه و كان فضله عليه عظيما ابدا ففي مثل الموقف الذي زج الله نبيه فيه منفردا كان الله يعينه بفريق قتال عظيم هو فريق الملائكة...ان امر القتال في الاسلام خرج غير قليل عن نظامه عند العرب قبل الاسلام. و لذلك كان الذين يقبلون علي المشاركة في الحرب مع الرسول انما يفعلون ذلك عن ايمان و رغبة في الحصول علي احدي الحسنيين الشهادة او كسب المعركة و لذا نري اناسا من المقاتلين يقبلون علي النبي يسألونه أن يجعل لهم حظا في المشاركات القتالية فكان عليه الصلاة و السلام يرد عليهم «لا أجد ما أحملكم عليه» فليس عنده سلاح و لا أفراس فكانوا يرجعون عنه و هم يبكون. و هذا معني قوله تعالي «و لا علي الذين اذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا و اعينهم تفيض من الدمع حزنا ان لا يجدوا ما ينفقون» التوبة/92...ان الحرب في اعراف اهل الجاهلية الاولي غير الحرب في عرف الاسلام و هذا - كما قلنا - جعل المقبلين علي المشاركة في الحروب النبوية يكون فيهم المتردد و المتقاعس و غير الجاد، و في القرآن الكريم ما يشير الي أن المنافقين خاصة يبذعرون عند نزول آية قتالية...«و اما تخافن من قوم خيانة فانبذ اليهم علي سواء ان الله لا يحب الخائنين» الانفال/58...حين يذر قرن الخيانة من قوم بما يريدون به الوقيعة بالاسلام و اتباعه و تقوم الادلة علي ذلك من طرق شتي تصل منها حقيقة الامر الي المسلمين و الي رسول الله مهما كان حجم تلك الخيانة فلا يجوز مباغتة العدو من غير اشعاره بالتحرك ضده و هذا معني قوله تعالي (فانبذ اليهم علي سواء) اي اخبرهم بانك اكتشفت خيانتهم و انك مقبل علي تأديبهم و استئصال شأفتهم و ذاك هو الخط الاسلامي في التعامل مع ألد الاعداء خبثا و اشدهم سطوة و بطشا مما يفهم ان لا عدوانية في السلوك العسكري الاسلامي علي احد...و قوله تعالي (و اما تخافن) لا يعني الظن المجرد من موجبات الثقة و اليقين و انما يعني الحالة التي يثبت بها ان هناك قوما يعتزمون خيانة عهدهم و نقض ميثاقهم بالقوة التي يستقر منها في النفس حجم كبير.و بديهي ان قيادة الامة في مواجهة جهة تنوي الغدر بها و غزوها انما يحسن ان تكون قيادة متأنية كتومة صابرة غير جزوعة و رغم ذلك ان علي هذه القيادة ان تعلم الجهة الثانية بقرارها في تأديب الخائنين و ناقضي العهود.و قوله تعالي (ان الله لا يحب الخائنين) يراد منه ان الله يبغض الخائنين و يمقتهم و لا يريد لهم الا النكال و شدة العقاب.و في هذا النص الذي خاطب الله به رسوله العظيم ادق ما هناك من تعبير فيما يسمي في لغة العصر المعاصر بضبط النفس لان اكتشاف خيانة قوم معاهدين يجر الي السخط و الغضب و هما يجران الي اتخاذ اجراءات فورية جدا غير ان نهج الاسلام كان غير ذلك.«و يقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة فاذا أنزلت سورة محكمة و ذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون اليك نظر المغشي عليه الموت...» محمد/20. [ صفحه 44] علي أن النبي صلي الله عليه و سلم عاني في مسيرته القتالية معاناة شديدة في حالات كثيرة و رغم ذلك يجتاز اصعب المحن الحربية بنجاح و تفوق عظيمين. و في الكتاب باب في موضوع هذه المعاناة فيه تفاصيل كافية.

الاسراء...

«سبحان الذي أسري بعبده ليلا من المسجد الحرام الي المسجد الاقصي الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا انه هو السميع البصير» الاسراء/1...الاسراء بالنبي صلي الله عليه و سلم من مكة الي القدس يعد الكلام عليه مسألة اعلامية تم لها سائر مقومات الابلاغ الاعلامي فلقد وصفت الكعبة بالمسجد الحرام رغم اكتظاظها بالاصنام و وصفت القدس و هي مقر النصرانية يومذاك بالمسجد الاقصي، و لقد كان في هذا لفت لأنظار الناس داخل الجزيرة العربية و خارجها اذ مكان فيه ما يقرر علي وجه الجزم ان الكعبة ستصبح مسجدا لأتباع الدين الجديد و ان القدس سيصبح مسجدا لهؤلاء الاتباع الذين سينقلون الدين الي تلك الانحاء التي كانت تحت سلطان الرومان و بهذا قويت عزائم المؤمنين بمكة و هم في غاية الضعف فاستبشروا خيرا و اطمأنوا الي ان الله جل جلاله ناصر دينه و مؤيد رسوله صلي الله عليه و سلم. و قلق الذين كانوا كغيرهم من الناطقين بغير العربية قلقا شديدا علي ما سمعوه من الاتجاه السياسي للرسول العربي في توسيع نطاق دعوته الي اماكن بعيدة و الاستيلاء علي بيت المقدس ليكون مسجدا...ان الجانب الاعلامي في هذا النص كان غاية متغياة قبل كل شي‌ء لتقوية الامة التي كانت ما تزال مهددة من المشركين بالابادة و الاستئصال و كانت خديجة زوجة النبي صلي الله عليه و سلم المرأة التي ناصرته كل المناصرة و عمه ابوطالب الذي كان من حماته قد توفيا قبل حادث الاسراء و لم يكن الذين هاجروا الي الحبشة قد عادوا بعد. و لذا تعد هذه الايات قد منحت مسلمي مكة القليلي العدد فيها ثقة و رجاءا عظيمين و احدثت في نفوس خصوم الدين قلقا و خوفا اذ دب الي اذهانهم ان هناك مصدر قوة عظمي بدأ يصل الي أوساط المسلمين.هناك جانب اخبر في قصة الاسراء التي تلاها المعراج ذلك الجانب هو ان الله عزوجل اراد للنبي صلي الله عليه و سلم ان يتصل باحداث غيبية استوعب النبي امورا يمكن ان توصف بانها امور مرئية رؤية محسوسة او انها رؤية تكاد ان تكون محسوسة و قد لخص ذلك بقول الرسول (زويت لي الارض) و ذلك بمجمله و مفصله ظاهر الدلالة علي ان النبي صلي الله عليه و سلم لقي من ربه عناية خاصة كانت باهرة النتائج مما لا يكون عروض مثله للبشر بالامر المعتاد و المألوف او المتوقع... و نزداد بذلك ثقة ان النبي لم يجعل الله رسالته و مخاطبته بالوحي الحالة الوحيدة بل اضاف الي ذلك انه اخذ بيده الي مواطن من غيبه و اسرار في كونه و كان ذلك علي حد قوله تعالي «عالم الغيب فلا يظهر علي غيبه احدا. الا من ارتضي من رسول فانه يسلك من بين يديه و من خلفه رصدا» الجن 27/26... و لا حاجة للتأكيد ان الاسراء و المعراج زادا من ثقتنا بان بشرية النبي صلي الله عليه و سلم كانت ذات مستوي متفرد زادت به شخصيته تساميا في ملكوتها البشري العظيم.

المعراج...

في القرآن الكريم «ما ضل صاحبكم و ما غوي» النجم /2... هذا نص من نصوص سورة النجم التي جاء في بدئها القسم بالنجم اذ هوي ثم كان الكلام الالهي نافيا ان يكون رسوله العظيم قد ضل او غوي، و جاء ذلك بتسمية النبي باسم «صاحبكم» لبيان انه معروف من قبلهم معرفة تامة اذ انه ليس غريبا عنهم نسبا و لا قومية و لا سكنا و ذاك امعانا في اثبات واقع ثابت. [ صفحه 45] و المراد بالضلال الخروج عن الحجة الواضحة والجد في القول و الصحة في الخطة و قوله تعالي «و ما ينطق عن الهوي» النجم/3... فيه تأييد مطلق لما قاله النبي لهم و ما يقوله و ذلك لدفع مظنة ان يكون كلام النبي لهم من غير كلام ربه. و جاء بعد ذلك قوله تعالي «ان هو الا وحي يوحي» النجم/4... و فيه حصر ظاهر لاقوال النبي التي كان قد قالها في موضوع الاسراء و المعراج فانها اقوال صدقها الله عزوجل. و قوله تعالي «علمه شديد القوي» النجم/5... المراد بذلك ذاته الالهية و قد نسب الله الي نفسه التعليم في اكثر من مكان في التنزيل العزيز و من ذلك «تعلمونهن مما علمكم الله...» المائدة/4... و «و علمناه من لدنا علما» الكهف/65... «و علمك ما لم تكن تعلم...» النساء/113 «علم الانسان مالم يعلم» العلق/5... «و علمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم...» الانبياء/80.اما قوله تعالي «ذو مرة فاستوي. و هو بالافق الاعلي. ثم دنا فتدلي. فكان قاب قوسين او ادني» النجم 8/6... فانه كلام علي النبي للتعبير عن حالة عروجه في السماء و هي حالة غير متصورة بصريا و لا مجال لتوضيحها صورة و اطارا لان الكلام عليها لا يدخل في شائع المصطلحات التي يتعارف عليها الناس و يتداولون بها فيما بينهم كما ان هذه المفردات ليست من فصيلة المفردات المعجمية التي ينظر الي معانيها في المعاجم.و في القرآن الكريم «أعنده علم الغيب فهو يري» النجم/35... مما يفهم منه ان الرؤية تعني انها تجول في مدار علم الغيب فهذه رؤية لا تشبه الرؤي لدي الرائين لأن الله جعل السبيل اليها معرفة الغيب و ادراك علمه «أعنده علم الغيب فهو يري» اي ان من يعلم الغيب يملك الرؤية الا انها رؤية من نمط لا نعلم تفصيل اسراره... و اراد النص ان يؤيد حقيقة ما نقله النبي الي قومه من احداث العروج الي السماء و ما كان قد رآه هناك من عظيم اسرار الله و باهر خلقه و مكنون غيبه...ان ما رآه النبي في مستوغل السماء و المراد بذلك عالم الغيب البعيد عن احاطة الناس و ادراكهم انما رآه بعين الفؤاد الذي كان وراء البصر «ما كذب الفؤاد ما رأي» النجم/11... و قوله تعالي «ما زاغ البصر و ما طغي» النجم/17... بيان بأن الامر وصل الي حد الابصار الطبيعي في النبي اذ وهبه الله علما ضروريا و طاقة متفردة خاصة فصار يدرك بذلك دقائق الامور مما هو خفي علي سائر البشر و اذا كان البصر يزيغ في البشر احيانا فانه لم يكن قد زاغ في رسول الله صلي الله عليه و سلم. و الدنو و التدلي يعنيان فرط القرب من الخالق العظيم و هو امر حين يوصف بالحسية فان المراد بذلك قوة التوكيد علما ان شيئا حدث للنبي من اقتراب مكانته من ربه. و قوله تعالي «قاب قوسين او ادني» يراد به فرط القرب لدرجة جد محددة لا مجال لتجاوزها الي ما هو اكثر قربا. فان اصل العبارة «فكانا قابي قوس» لان لكل قوس قابين اي طرفين فاذا اخذت خيزرانة لدنة فطويتها لتجعل منها قوسا فانك ملت بها الي مجال لا تستطيع تجاوزه الا اذا انكسرت الخيزرانة المطوية. اي ان الله قرب النبي منه اقصي ما يقع فيه قرب عبد من ربه... و تلك مزية عالية غالية اتاحها الله لرسوله صلي الله عليه و سلم و القصد من ذلك أن لا احد بلغ من عظيم تكريم الله بالتقريب مثل هذا المبلغ في خلق الله سوي رسول الله...ان رؤية النبي لربه ثبتت في هذه السورة الكريمة غير انها رؤيا شاء الله تعالي ان يحققها للنبي فانها مما كان قد تمناه انبياء و رسل علي الله. و يقول الرازي المفسر (ان الله خلق في النبي علما ضروريا) هو حتما ليس من نمط سائر العلوم امكن للنبي به فهم الاشياء و استيعابها والاحاطة بها و كذلك قلنا من قبل ان الله اذ يرسل الرسل الي اقوامهم و هم من بني البشر [ صفحه 46] يمنحهم مؤهلات و طاقات تمكنهم من تلك الوساطة بين السماء و الارض في التبليغ و متطلباته و نقلها الوحي.و قوله تعالي «أفتمارونه علي ما يري» النجم/12... يدل علي لغط حدث لدي القوم بعد وصول امر العروج اليهم و هو في الحقيقة لم يتهيأ لهم معرفة النقطة الاساسية في عالم ارسال الرسل اذ يتم اختيارهم من ربهم اختيارا مصحوبا بالتأهيل و التدريب و الزيادة في الخلق و التكوين مما يعلمه الله وحده و لا تعلم الناس منه الا الظواهر القليلة التي يؤمن بها المؤمن لصدق الدلائل عليها «الله أعلم حيث يجعل رسالته» الانعام/124...

التأديب النبوي...

في الحديث النبوي انه صلي الله عليه و سلم قال «ادبني ربي فاحسن تأديبي».و قد لمسنا جوانب من التأديب الالهي الذي ادب به الرسول الاعظم في آيات من التنزيل كانت تلقي عليه و فيها العبرة و التأسي و مفردات الادب و الخلق الانساني المحمود. و هذه النصوص تتردد بين الامر و الايجاب و بين النهي و التحذير و في ما يلي عدة معدودة من كل منهما اي مما هو امر و مما هو نهي... و كفي بمن يكون الله معلمه و مؤدبه ان يكون انجب النجباء في التحصيل و التلقي و الالتزام و الاستيعاب و التطبيق و من اوليات هذا النمط التأديبي سرد قصص الانبياء و الرسل الاقدمين و ما كان قد مر عليهم ايام حياتهم من الاحداث و ما كان منهم من عزم و صبر و لياذ بالله، و القرآن لا يشبه كتابا اخر و لا يشبهه كتاب غيره فانه يتلي سرا و علانية و تؤدي به الصلوات اليومية المتكررة و لا سيما اذا اضيفت اليها نوافل و صلوات تطوع ففيها كلها يقرأ القرآن فيتعظ به قارئه و يتعظ به سامعه...ان التأديب الالهي يعد من عناوين سائر الرسالات السماوية والمراد بالتأديب الالهي تكوين شخصيات الرسل والانبياء علي الوجه الذي يؤهلهم لاداء رسالاته عزوجل الي شعوبهم و أممهم. و ما زالت الآيات القرآنية تنزل علي رسول الله و فيها ما يعد من مسائل التأديب الالهي الخاص لهذه الذات النبوية المتميزة من قبل رب العالمين لهداية العباد و اصلاح الامم. و من تلك الاداب العالية التي لقنها الله نبيه فاحسن تلقيها و الاخذ بها قوله تعالي «و لا تقف ما ليس لك به علم ان السمع و البصر و الفؤاد كل اولئك كان عنه مسؤولا» الاسراء /36... و كذلك قوله تعالي «و لا تقولن لشي‌ء اني فاعل ذلك غدا الا ان يشاء الله و اذكر ربك اذا نسيت و قل عسي ان يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا» الكهف 24-23... و من ذلك «و لا تجعل يدك مغلولة الي عنقك و لا تبسطها كل البسط» الاسراء/29 و ما الي ذلك من الآيات التي قام علي ركائزها عمود الدين في اوساط الامة بدءا من شخصية الرسول الاعظم و انتهاءا بسائر افراد المسلمين... و كان رسول الله قد عني هذا بقوله ]اد بني ربي فأحسن تأديبي[...

التوجيهات التحذيرية...

وردت في التنزيل العزيز آيات حذر الله فيها نبيه أن يقع منه ما وقع من انبياء سبقوه في التاريخ الي أممهم اذ كان كل نبي يبعث الي قومه. و من هاتيك الآيات ما نثبته في هذا الجدول و علي ما هو ظاهر انها آيات ما نثبته في هذا الجدول و علي ما هو ظاهر انها آيات تنبيه و توجيه و تعليم و تقويم.«و لا تكن كصاحب الحوت اذ نادي و هو مكظوم. لو لا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء و هو مذموم» القلم/49/48...فهناك تنبيهات الهية و تحذيرات وجهها الله نبيه من اجل ان تكون من حلقات سيرته المنسقة و المؤتلقة في آن واحد... فان صاحب الحوت و هو يونس عليه‌السلام كان ناقما علي قومه لكن رسول الله لم يكن ناقما علي قومه بل كان شديد المودة لهم والعطف عليهم، و في النص اذ جاء بلفظ «و لا تكن» قيد [ صفحه 47] اتفاقي غير احترازي و سائر ما يرد من مثل هذه التحذيرات لا دلالة فيه علي المنع من حالة كائنة بل ان الدلالة فيه ظاهرة علي انها منع من حالة كائنة في الغير من أن تتسرب الي شخصية الرسول و ذاك قصد التمييز بين الشخصيتين النبويتين لا غير... و في العربية كثيرا ما يكون النهي عن شي‌ء اعلانا عن صفة شي‌ء يراد احاطته باطار... و كذلك من مثل قوله تعالي:«و احذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله اليك فان تولوا فاعلم أنما يريد الله ان يصيبهم ببعض ذنوبهم و ان كثيرا من الناس لفاسقون» المائدة/49...اشرنا في بعض آيات المواجهة ولدد الخصومة الي ما كان يبذله كفار قريش و مشركوهم من جهود يبتغون بها ايقاف مسيرة الاسلام و صد النبي عن اعمال الدعوة و التبليغ و اخافة اعوانه بالتهديد و الترويع و ذكرنا من فنون الشر الذي كانوا يتبعونه و يبتغونه الكثير و في النص الذي نحن في صدد الكلام عليه جاءت كلمة التحذير التي هي «و احذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله اليك...» و في استعمال هذا الحرف دليل علي تفنن المشركين في مكرهم و خبث محاولاتهم التي يظنون أنهم يغرون بها النبي و يجرونه الي مزالقهم و يحملونه علي الانشغال عن بعض ما انزل الله اليه و التقصير فيه اذ كان الرسول صلي الله عليه و سلم شديد الالتزام بواجب ايصال مفردات الدين الي القوم من غير هدنة يهادنهم بها او مجاملة او تسامح. و كان الله عزوجل مع النبي يحميه و يعصمه و يشد أزره...ان الكلمة الموجهة من الله الي نبيه بلفظ «واحذرهم» توضح لنا ما قلناه من لدد خصومة القوم و خبث نياتهم و سوء خططهم. و ظاهر من مثل هذه النصوص أن الله كان يوجه نبيه توجيها مستديما الي ما يسدده و يمكنه من اداء مهمة الرسالة علي أتم وجه و اهدي سبيل...«يحسبون كل صيحة عليهم من العدو فاحذرهم قاتلهم الله أني يؤفكون» المنافقون/4...حذر الله نبيه من جماعة يتصور من يراهم أنهم من نبلاء الناس و فضلاء الرجال اذ كانوا يتميزون بجمال الهندام و قوة البنية و اكتمال الهيئة و براعة الكلام ممن لا يتهم ظاهرهم بما يسوء او يبعث علي الشك ان هؤلاء وصفهم الله بأنهم يجب الحذر منهم. و يفهم من النص أن الله وهب النبي ملكة التوسم الصادق في الناس فلقد جعله اذا توسم خيرا في أحد جاء توسمه فيه مطابقا للحقيقة و اذا توسم فيه شرا كان ذلك مطابقا للواقع كل المطابقة لأن الله عندما وصف القوم لم ينبزهم بما تنكشف به حقيقتهم لأول وهلة لذلك وقع التحذير في النص من المنافقين و لذا فان التحذير يعتمد اعتماد كليا علي دقة التوسم و الفطنة في الحكم علي الرجال و هذا ما كان من بعض صفات الرسول الاعظم صلي الله عليه و سلم...

آيات المواجهة...

حين بعث الله صلي الله عليه و سلم الي العرب في بدء رسالته العالمية كذبوه و واجهوه بالاتهامات و برفض ما جاء من ربه و قالوا فيه و في شريعته اقوالا ثبتها القرآن الكريم ورد عليها و كذب مزاعمهم و سوء ظنهم في رسولهم. ان الناظر في آيات المواجهة هذه قد يأخذ منه العجب كل مأخذ لشدة هذه المواجهة و لعنف ما لقيه الرسول من هؤلاء الناس من مقاومة و لضروب كثيرة من اساليب رد الدعوة التي مما اتخذها المشركون و الكافرون مما هو منطقي و غير منطقي ليذهل العقل البشري اذ يري محمدا بن عبدالله واقفا امام هذا التيار الالحادي الرهيب حتي استطاع ان يجاوز هذه المحن المتتابعة...لم يكن من الهين علي أمة متشتتة الاهواء كل فرد من افرادها يري انه هو الأمة بكامل وجودها و هي في معتقدها الديني تعبد الاوثان و الاصنام كما أنها [ صفحه 48] تحتكم الي السيف في الامر الذي يحتاج للاحتكام فيه الي العصا... اجل لم يكن بالهين علي مثل هذه الامة أن تستجيب لرجل منها ظهر في اقرب مدنها الي الحضارة و التطور فتؤمن برسالته التي دعاها فيها الي عبادة الله وحده و نبذ ما هناك من الاصنام التي تصنعها بيدها و تقبل بكل طواعية علي عبادتها...أجل لم يكن من الهين علي مثل هذه الامة أن تتخلي بين عشية و ضحاها عن جميع ما ألفته من التقاليد التي لبثت عاكفة عليها الدهر الطويل، لا سيما حين تكون تلك التقاليد قد باتت قيما راسخة و مثلا ثابتة لها جذورها في اعماق نفوسهم و قد ورثوها من آبائهم و آباء آبائهم و من هنا كانت المواجهة بين القوم في مكة و بين النبي و قد قامت مواجهتهم تلك علي ركائز مهزورة [16] لا يكاد يحصيها من يحاول احصاءها... فمن مكاشرة في العداوة و مظاهرة في البغضاء الي مناقشات تقوم علي الاضجار و الاستفزاز الي التهديد بالقتل و الاخراج من الديار الي شتي انماط الاضطهاد و اعمال العنف و القسوة و كانت السخرية من بعض سلاحهم و الاتهام بالجنون و السحر و الشعر والكهانة من بعض تلك الاسلحة التي شهروها في وجه نبيهم.ان سائر الشعوب القديمة وقفت في وجوه انبيائها و عمدت الي ايذائهم و تسفيههم و كانت الرسل تتمسك بهدب الصبر و التحمل و الحلم، الا أن الذي فعله العرب في مواجهتهم الدعوة الناصحة و الكلمة الهادية قد جاوزوا كل حد في مساعي الشر و وسائل الشقاق و التعامل العدواني الشرس الأليم...و حين نتصفح آي القرآن الكريم نري فيها نصوصا واضحة كل الوضوح تدل علي ما وقع من اهل مكة و من بعدهم اهل المدينة من بليغ العدوان و شديد الشراسة تجاه الدعوة التي دعاهم بها النبي الي الله... و قد وجدنا في النصوص القرآنية خطابات الهية تدعو الرسول الي الصبر و التحمل و فيها ما يدعوه الي الحذر من أن يميل الي القوم بشي‌ء من المداراة و الممانعة و التوقف عن اداء المهمة علي فرط ما فيها من مشقة و شديد كلفة... و قد كان النبي الناصح الامين يعاني العناء الكبير الذي يتجدد علي مدي الايام مما لم يقع مثله لنبي من الاقدمين و أنا مشيرون الي هذه الجوانب بايراد الآيات التي تضمنت نصوصها و ربما عمدنا الي شرح فريق منها لوضع كل صورة في اطارها و كل نقطة علي حروفها ليعلم من ينظر في هذا الكتاب عظم جهد النبي صلي الله عليه و سلم في تدبير الامور و السير بخطوات الدعوة الي ابعد غايات التوفيق و النصر [ صفحه 49] و النجاح. ان ذلك كله بل بعضه ليدل علي عظمة هذه الشخصية التي شاء لها الله أن تنفرد برشيد الرأي و سديد الأمر و مزايا الكمال التي اجتازت بها جميع المصاعب و المشاكل و محدقات الاخطار فبات الاسلام دين العالم كله يري له في كل اقليم عمود من نور يهدي الناس الي البر و صالح الاعمال...ان بعض مفردات المواجهة تعتمد علي التكذيب المطلق بلا روية و لا حجة و لا شبهة لأن موقف هذا النفر الذين يقفون هذا الموقف ليس موقف جدال و حجاج و انما هو موقف الرد الشرس من اول لحظة... و بعض مفردات هذه المواجهة يقوم علي تكديس المقترحات غير المنطقية اي ما يتضمن المطالب التعجيزية لغاية التعجيز لا غير... و هؤلاء لو تمت الاستجابة لكثير من طلباتهم لما كان لذلك ما يقدم او يؤخر في ساحة الدعوة من استجابة و قبول...و قد كان من غريب ما حديث في المواجهة ان اكتشف القوم في المدينة وسيلة النفاق فراحوا يقولون «منوا وجه النهار و اكفروا آخره» آل‌عمران/72... و جاء في بعض ذلك النص القرآني «و اذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا و اذا خلو الي شياطينهم قالوا انا معكم انما نحم مستهزئون» البقرة/13...و في ما يلي نماذج من نصوص المواجهة علي تعدد اشكالها و اتساع احجامها و ثقل اوزانها...«و اذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما انزل علينا و يكفرون بما وراءه و هو الحق مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون انبياء الله من قبل ان كنتم مؤمنين» البقرة/91...من بعض آيات المواجهة في العهد المدني الكلام فيها كلام علي الكتاب و يكادون يكونون علي وجه الحصر من اليهود. اذ ان اليهود حين دعوا الي الايمان بكتاب الله يقولون انهم يؤمنون بكتابهم لا غير، و قد ناقشهم النص القرآني بأنهم كانوا يقتلون انبياء الله. و قتل انبياء الله ينفي الايمان، بما ادعوا الايمان به من كتابهم. و هي حجج تدحض حججهم و حقائق تبطل مزاعمهم...ان في آيات المواجهة لتأريخا لوقائع الكفر و الايمان و التجاذب العدواني الشرس في ساحة هذه المواجهة التي امتدت الي آخر ايام الاسلام. و كان رسول الله صلي الله عليه و سلم وحده الجهة التي تبرز في ساحة كل مواجهة دائمة غير منقطعة و متصلة غير منفصلة خلال ثلاث و عشرين سنة هن ملاك الدعوة الدينية في العهد المكي و المدني...«و اذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا و لا يهتدون» البقرة/170...من آيات المواجهة المدنية و غالب ما كان يرد من ذلك كان يعقب عليه بتعقيب قرآني يبطل به خطط الكفر و اساليب الشقاق و الذي تضمنه النص هنا هو علي ذات الخط الجدلي في آيات المواجهة...«فان كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاءوا بالبينات والزبر و الكتاب المنير» آل‌عمران/184...«أفلا يتدبرون القرآن و لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا» النساء/82...«و قد نزل عليكم في الكتاب أن اذا سمعتم آيات الله يكفر بها و يستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتي يخوضوا في حديث غيره انكم اذن مثلهم ان الله جامع المنافقين و الكافرين في جهنم جميعا» النساء/140. [ صفحه 50] في هذا النص المدني اشارة الي بعض انماط المواجهة اللئيمة اذ كانوا يجتمعون ساخرين عابثين عند نزول الآيات و ذلك علي نحو ما كان يقع من تصرفات الكفار ايام العهد المكي مما يفهم منه أن سبيل الكفر غالبا ما يكون واحدا رغم اختلاف البيئات...و قد حذر الله المؤمنين من مواصلة الصحبة و الرفقة مع الذين يكفرون بآيات الله و يسخرون منها اذ امرهم بمغادرة المكان استنكافا من مجالسة اهله و احتجاجا علي موقف العدوان الرخيص تجاه آيات الله البينات...«و اذا قيل لهم تعالوا الي ما أنزل الله و الي الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا و لا يهتدون»المائدة/104«و لو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا ان هذا الا سحر مبين». الانعام/7«قل لا اقول لكم عندي خزائن الله و لا اعلم الغيب و لا اقول لكم اني ملك ان اتبع الا ما يوحي الي قل هل يستوي الاعمي و البصير أفلا تتفكرون» الانعام/50.«قل اني نهيت أن اعبد الذين تدعون من دون اللهن قل لا أتبع اهواءكم قد ضللت اذن و ما أنا من المهتدين». الانعام/56«و ما قد روا الله حق قدره اذ قالوا ما أنزل الله علي بشر من شي‌ء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسي نورا و هدي للناس تجعلونه قراطيس تبدونها و تخفون كثيرا و علمتم مالم تعلموا انتم و لا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون». الانعام/91.«أن تقولوا انما أنزل الكتاب علي طائفتين من قبلنا و ان كنا عن دراستهم لغافلين. أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا اهدي منهم فقد جاءكم بينة من ربكم و هدي و رحمة فمن اظلم ممن كذب بآيات الله و صدف عنها سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون» الانعام 157/156.«أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة ان هو الا نذير مبين» الاعراف/184.«أكان للناس عجبا أن أوحينا الي رجل منهم أن انذر الناس و بشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم قال الكافرون ان هذا لساحر مبين» يونس/2.«و يقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه انما انت منذر و لكل قوم هاد». الرعد/7.«و قالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر انك لمجنون. لو ما تأتينا بالملائكة ان كنت من الصادقين. ما ننزل الملائكة الا بالحق و ما كانوا اذن منظرين» الحجر 7/6.من بعض آيات المواجهة التي تسجل علي كفار القوم موقفهم العدائي من رسول الله صلي الله عليه و سلم و رسالته السماوية السمحة فيري حجم المخاشنة و لؤم الخطاب ظاهرا في ما وجهوه الي الرسول من خطاب، اذ كان خطابا خاليا من آداب الخطاب كله لغو و هجو و سباب. و قد تكرر علي لسان هذا النمط من الزمر المنكرة للدين أنهم يطالبون بالالتقاء بالملائكة و قد عقب النص القرآني علي كلمتهم هذه بأن الملائكة لا تنزل استجابة للرغبات و الاهواء...«نحن اعلم بما يستمعون به اذا يستمعون اليك و اذ هم نجوي اذ يقول الظالمون ان تتبعون الا رجلا مسحورا» الاسراء/47.لم يكف القوم أن زعموا أن الرسول ساحر وانما راحوا يزعمونه مسحورا أي تحكم فيه السحرة. في حين أن الساحر لا يسحر... [ صفحه 51] «و ان كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا اليك لتفتري علينا غيره و اذن لاتخذوك خليلا» الاسراء/73.في النص ابراز صورة الكفر و العناد ولدد فالخصومة بما لا يقال فيه انه صورة مكبرة بل انه صورة لواقع المكر الشرس المخاشن الناهض بكل ما فيه من قوة تحد في وجه رجل واحد...اجل لقد حاولوا ان يصرفوا النبي عن وجهته و ان يمسكوه عن المضي في خطته و هم يدثرون دثار العداء السافر يغرونه لينهج منهجهم و هو ما وصفه الله بقوله «لتفتري علينا غيره» و من فرط مكابرتهم في عدائهم هذا كانوا يمنون النبي بأنهم سينتقلون الي عالم الود و الصداقة اذا استجاب لامرهم و مال الي معابيدهم و نزع من عنقه رقة الاسلام و الايمان...لقد كان النبي يسمع هذا الذي يقولون و ينظر الي هذا الذي يصنعون و هو يأسف لعقول هداها الله الي الحقيقة كيف تضل و ترضي لنفسها الشقاء في ظل اوثان و اصنام لا تعقل و لا تملك أن تصنع له خيرا او سوءا و لا تملك ان تدرأ عن نفسها ضربة فأس اذا اهوي به علي رأسها... ان هؤلاء القوم علي ما يلاحظ لم يكونوا ينسبون لأصنامهم شيئا من فضيلة او شيئا من مزية او انهم ينسبون للخالق العظيم الذي جاء النبي يدعوهم الي عبادته اجل لم يكونوا يملكون ان ينسبوا اليه عجزا او غيابا عن الوجود او ضعفا او حاجة يحتاجها للغير. لقد كان من اصول المواجهة التي و وجه الرسول الاعظم بهذا الذي جاء به النص القرآني الكريم.«و ان كادوا ليستفزونك من الارض ليخرجوك منها و اذن لا يلبثون خلافك الا قليلا»... الاسراء/76كانت تحركات كفار مكة و مشركيها تهدف الي احراج النبي و اخراجه من مكة، ولكن الآية الكريمة حذرتهم بأن النبي اذا خرج من مكة فانه سيرجع اليها بقرآنه و شريعته و جملة أتباعه و اعوانه...و انه اذا غادر مكة فسيرتاحون بعض الوقت و ليس الي الابد أو الي أمد طويل لان رسالته ستمتد في كل بطاح مكة و تنتقل الي شتي انجاء الجزيرة العربية...و ذاك هو معني النص الذي يفقد خصوم المتربصين به لذة انتصاراتهم الموهومة علي النبي اذا ما خرج من مكة أو أخرجوه...«ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث الا استمعوه و هم يلعبون لاهية قلوبهم و اسروا النجوي الذين ظلموا هل هذا الا بشر مثلكم أفتأتون السحر و انتم تبصرون. قال ربي يعلم القول في السماء و الارض و هو السميع العليم».الانبياء/4-2.«و ان يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح و عاد و ثمود. و قوم ابراهيم و قوط لوط. و اصحاب مدين و كذب موسي فأمليت للكافرين ثم اخدتهم فكيف كان نكير» الحج 44/42...«و ما أرسلنا من قبلك من رسول و لا نبي الا اذا تمني ألقي الشيطان في أمنية فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته و الله عليم حكيم» الحج/52.مما يدخل في مجال المواجهة أن مشركي القوم في مكة و كفرتهم كانوا اذا سمعوا النبي يتلوا القرآن في صدد انكار شركهم و الغاء شأن آلهتهم كانوا لفرط ضلالهم يتوهمون النص علي غير ما جاء به من صريح القول و واضحه كالذي وقع حين قرأن النبي قوله تعالي: «افرأيتم اللات و العزي، و مناة الثالثة الاخري. ألكم الذكر و له الانثي، تلك اذن قسمة ضيزي، ان هي الا اسماء سميتوها انتم و آباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان ان يتبعون الا الظن و ما تهوي الانفس و لقد جاءهم من ربهم الهدي» النجم 23/19... [ صفحه 52] فانهم من فرط رسوخ الكفر في نفوسهم و شدة الحقد علي نبيهم و رسولهم توهموا انه قال اشياء لصالحهم و راحوا يتناقلون هذا الوهم و هم يعلمون ان الخط الايماني الذي ناط الله بالرسول الالتزام به لا مجال لاي تحول فيه و ما زالت الايات القرآنيه تشدد النكير علي الدين يحرفون الكلم عن مواضعه و يروون امورا لم تقع و لا تصح روايه تروي وقوعها و في امر هذا النص قد قلنا ما فيه الكفاية في موقعه من الكتاب.«و اذا تتلي عليه آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالدين يتلون عليهم اياتنا قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار وعدها الله الدين كفروا و بئس المصير» الحج/72...لم يكن خصوم النبي صلي الله عليه و سلم في العهد المدني بأقل شرا و عدوانا علي المسلمين منهم ابان العهد المكي. و في النص ما يكشف عن هذه الحقيقة بوضوح كبير. و قد جاء وصف هؤلاء الخصوم بظهور المنكر علي وجوههم و التمعر و الشراسة و ليس ذلك وحده بل انهم وصفوا بأنهم يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آيات القرآن...و ذلك من آيات المواجهة و المعاناة التي كان الرسول الاعظم يواجههما هو و اتباعه في المدينة... و المراد بالذين «كفروا» - هنا - جمهرة خصوم النبي من مشركين و منافقين و يهود. و كان صلي الله عليه و سلم يقف كالطود الشامخ في وجوه هؤلاء جميعا...«و قالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام و يمشي في الاسواق لولا أنزل اليه ملك فيكون معه نذيرا» الفرقان/7.«و ما ارسلنا قبلك من المرسلين الا انهم ليأكلون الطعام و يمشون في الاسواق و جعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون و كان ربك بصيرا» الفرقان/20.المراد من أن النبي يمشي في الاسواق و يأكل الطعام أنه يتسوق طعامه من الاسواق و يأكله في بيته و ليس في الطريق و ما هو ماش...«و قال الرسول يا رب ان قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا...» الفرقان/30.كان الرسول صلي الله عليه و سلم يجنح الي الله بالشكوي من سوء موقف القوم من الدين و الشريعة و يتجه الي الله شارحا الوضع و مفصلا الحاله و عارضا المعاناة و في هذه دلالة علي عدم الانقطاع عن الله علي مدي ساعات الحياة و دقائقها و جاءت العبارة القرآنية بما لا يترك للظان ان يظن ان ما وقع من القوم في هجر القرآن و الغفلة عن بيناته انما كان عن غير قصد مقصود...اذ قال النص «اتخذوا هذا القرآن مهجورا» و الاتخاذ هو عمل اصراري غير طاري‌ء علي النفس من وسوسة شيطانية آتية.والعبارة القرآنية في سبكها هذا غاية في بلاغة التعبير و دقة ايقاع الحجة و توجيه التهمة و المسؤولية.اذ لو جاء النص بلفظ هجروا هذا القرآن لكان في ذلك ما يصور هذا الهجر و قد وقع عن غفلة أو جهل او عن غير عمد و هو مما يخفف المسؤولية و لا ينحي بشديد اللأئمة علي الجهة الهاجرة للقرآن لا سيما اذا ادعي هاجروه شيئا من ذلك... اما اذ جاء النص بلفظ اتخذوا فان العمد ظاهر فيه...قوله تعالي «و قال الرسول يا رب ان قومي» بنسبة القوم الي نفسه و هم مجرحون بجريرة اتخاذ القرآن مهجورا عن عمد لا عن سهو يفهم منه ان الانتماء القومي لا يبطل بسبب كفرأ و معصية و من هذا القبيل قوله تعالي «و الي عاد اخاهم هودا» و هود هو نبي معروف. و «عاد» قومه الذين بعث اليهم و هم كفار يومذاك لان الله لم يقطع الخيط الاخوي بينه و بين قومه.«و قال الذين كفروا لو لا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك و رتلناه ترتيلا. و لا يأتونك بمثل الا جئناك بالحق و أحسن تفسيرا» الفرقان/33-32... [ صفحه 53] من آيات المواجهة التي كان للكفار فيها بعض الحظ في الجدل و النقاش و المراجعة اذ قالوا انهم يرون أن ينزل القرآن مرة واحدة. فأوضح لهم الله الحكمة في هذا التنجيم و هو حقا النهج السديد في نزول التنزيل اذ استغرق امد نزوله ثلاثا و عشرين سنة تلقت الامة خلالها حقائق هذا الدين العظيم و استوعبت احكامه بتسلسل سليم و حفظته علي ادق وجه و اهدي سبيل...«ان كاد ليضلنا عن آلهتنا لو لا أن صبرنا عليها و سوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا» الفرقان/42...موضوع العبادات لا سيما ما كان منها باطلا لا شأن للعقل في ابطاله أو تزكيته، و كفار مكة - والآية مكية - ورثوا الوثنية من آبائهم و من اسلافهم فصار ذلك عرقا في نفوسهم عميقا. و النبي صلي الله عليه و سلم انما كان يخاطبهم بالعقل و المواعظة الرشيدة و الدلائل البينة. فالامر ليس بالهين اليسير و ان كانت حجة النبي تغلبهم و تدحض حججهم. و كان اصرارهم علي كفرهم شديدا و صبرهم علي ضلالتهم صبرا لا صبر علي شي‌ء يفوقه و يزيد عليه الا أن تمكن النبي من هز متتقداتهم و اضعاف شأنها في أنفسهم قد بلغ مبلغا ملحوظا في ساحة الدعوة و ذلك باعترافهم اذ قالوا «ان كاد ليضلنا علي آلهتنا لولا أن صبرنا عليها...» و من هنا يفهم عظم الاقتدار النبوي في مواجهة قوم كان عرق الكفر في نفوسهم عميقا جد عميق...«و قالوا لو لا أنزل عليه آيات من ربه قل انما الآيات عند الله و انما نذير مبين» العنكبوت/50.«و اذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه أباءنا أو لو كان الشيطان يدعوهم الي عذاب السعير» لقمان/21.«و من اظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم اعرض عنها انا من المجرمين منتقمون»... السجدة/22 مثل هذا النص قد تكرر في آيات التنزيل علي مختلف وجوه التعبير و ذاك لأنه يمثل حقيقة ثابتة في اصول الدعوة الدينية تحمل المعرضين عنها مسؤولية ذلك...«و قال الذين كفروا هل ندلكم علي رجل ينبئكم اذا مزقتم كل ممزق انكم لفي خلق جديد. أفتري علي الله كذبا أم به جنة بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب و الضلال البعيد» سبأ 8/7.«و اذا تتلي عليهم آياتنا بينات قالوا ما هذا الا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم و قالوا ما هذا الا افك مفتري و قال الذين كفروا للحق لما جاءهم ان هذا الا سحر مبين. سبأ/43.الآية مكية و هي من آيات المواجهة الذريعة التي اطلق فيها كفار القوم ألسنتهم بالسوء، اذا وصفوا القرآن بالافك المفتري و وصفوه بالسحر المبين و ليس في مثل هذه الاقاويل من معني جدلي أو من نقاش منطقي و انما هو صوت العناد و التكذيب و الاصرار علي الكفر و مثل ذلك يعد من اضعف الحجج في مواجهة شرع و عقيدة ينزلها لها الله من السماء لهداية عباده علي يد رجل من اكرم الرجال و اعظمهم خلقا و حكمة و حلما، و اطولهم باعا بكل ساحة جدال منطقي سديد.«و ان يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك والي الله ترجع الأمور» فاطر/4.«و أقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدي من احدي الأمم فلما جاءهم نذير مازادهم الا نفورا» فاطر/43...الآية مكية و فيها ما ينوه بأن بعض اهل مكة كانوا علي مستوي من الادراك جعلهم يتمنون أن يبعث الله فيهم نبيا منهم علي نحو ما كان من بعثه رسلا الي اقوامهم و هو مما يقع لكثير من العقلاء ينظرون في واقع امرهم المتخلف اذ ان عبادة الاصنام كانت تجرح كبرياء فريق منهم ولكنهم بعد أن جاءهم الرسول الاعظم صلي الله عليه و سلم [ صفحه 54] ركبوا مركب العناد القديم و الجاهلية المتواريه و الاصرار علي الكفر...«و اذا رأوا آية يستسخرون، و قالوا ان هذا الا سحر مبين» الصافات 15/14.«انهم كانوا اذا قيل لهم لا اله الا الله يستكبرون. و يقولون أئنا لتاركوا الهتنا لشاعر مجنون. بل جاء بالحق و صدق المرسلين». الصافات 37/35.«و عجبوا أن جاءهم منذر منهم و قال الكافرون هذا ساحر كذاب. أجعل الالهة آلها واحدا ان هذا لشي‌ء عجاب. و انطلق الملأ منهم أن امشوا و اصبروا علي ألهتكم ان هذا لشي‌ء يراد. ما سمعنا بهذا في الملة الاخرة ان هذا الا اختلاق. أأنزل عليه الذكر من بيننا بل هم في شك من ذكري بل يذوقوا عذاب» ص 8/4...من بعض آيات المواجهة التي كان القوم يواجهون بها النبي في البيئة المكية و تبدو علي مواجهتهم هذه صرامة الخطاب و شراسة اللقاء و اللجوء الي مخرقات القول في تكذيب الحجج القرآنية تكذيبا لا يقوم علي دليل او برهان و انما هو القول الملقي علي عواهنه...و بديهي أن اللغط الذي لا طائل فيه لا يقف في وجه ما جاء به الرسول الاعظم من عقيدة رشيدة و حكم سديد و ملة كلها هدي و رشاد... اما عجب القوم ان يبعث الله لهم نبيا منهم فانه ادعي الي العجب اذ انهم يعلمون بان هناك امما و شعوبا بعث الله اليهم انبياء منهم كاليهود و غيرهم و ذاك امر مستفيض غاية الاستفاضة و اليهود كانوا يعايشون العرب في اليمن و الحجاز و المسيحيون كانوا يعايشونهم في ديار الشام و يعرفون من امرهم ما يعرفون في الحبشة التي كان ذهابهم اليها و قدومهم منها حالة معتادة مألوفة لذلك يعد عجبهم من ان يبعث الله لهم نبيا منهم عجبا مصدره العناد و كان العناد ابدا عاهة لا علاج لها.اما قولهم (أجل الالهة الها واحدا ان هذا لشي‌ء عجاب) فان العجاب ان تكون الالهة متعدده و ليس الها واحدا غير ان مصدر هذه المقوله ان العرب كانوا يتحدون لهم الهة تختص كل قبيله باله منها و من هنا بعدت الشقه بين هذه القبائل و صار امر تجميعها و تاليفها مسأله من الصعوبه بمكان و اذ جاء النبي صلي الله عليه و سلم بشريعه توحد الا له و تبطل سائر المعابيد التي ألهها العرب يومذاك... و لم يكن هينا علي عبده الاوتان هؤلاء ان يهجروا ما اتحدوه لا نفسهم من اوثان يعبدونها و اصنام يقربون لها القرابين و تنتمي اليها قبائلهم و يعدونها رمز وجودهم و تجمعاتهم و في توحيد الالهه في اله واحد ما يرونه قاضيا علي انسباهم و اتتماءاتهم القبائلية و تقردهم في بيئتهم بالتمكين و السلطة في حين ان النبي جاء يجعل من سائر قبائل العرب امه واحدة لا تمايز بين قبائلهم و عشائرهم و بطونهم و افخاذهم، و قد تحقق ذلك بما بدله الرسول الاعظم من صبر و جلد و تحمل و كبير اصرار علي نشر الدعوة في سائر اوساط الجزيرة.و كان حريا بالعرب أن يهللوا لمن جاءهم بدعوة التوحيد ليخرجوا من مجالات التفرق الي ساحات التجمع لينجوا من اطماع الروم و الفرس و لينجوا كذلك مما يدب بينهم من الشحناء و الشقاق و الغزو الداخلي الذي اضعف من قوتهم و شتت من طاقاتهم و آونة علي بكر اخينا اذا ما لم نجد الا أخانا فكانوا اقسي امة قست علي نفسها و تجنت علي شخصيتها فلنستمع اليهم و هم يقولون في رسولهم (و قال الكافرون هذا ساحر كذاب، اجعل الآلهة الها واحدا ان هذا لشي‌ء عجاب ما سمعنا بهذا في الملة الاخرة ان هذا الا اختلاق).فأي سحر تري و اي كذب في دعوة النبي قومه الي الواحدة و نبذ الآلهة المتعددة.و حين انتهت جهود الرسول في هذا الميدان بالتوفيق بعد انتقاله للمدينة، و قد حقق الله له ما كان يصبو [ صفحه 55] اليه من توحيد الامة و القيادة ادركت العرب انها ضلت السبيل في مواجهة الرسول العظيم بأتهاماتها الجائرة لشخصيته العظيمة بالكذب و السحر و ما الي ذلك مما كان لا يليق ان يقع منهم تجاه هذا المحذر و الناصح و الناقد المجالد من اجل الحق جلادا لم يعلق به الفتور و لا التخاذل و لا اليأس...«و قالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا اليه و في آذاننا وقر و من بيننا و بينك حجاب فاعمل اننا عاملون» فصلت/5...المواجهة هنا ظاهرة الشراسة و هم يعلنون سلفا أنهم لن يسمعوا و لن يستوعبوا و لن يطيعوا و وصفوا اسماعهم بأن فيها و قرا و قلوبهم بأن عليها اغطية و مغاليق و أن بينهم و بينه عازلا و حاجزا يحول بينهم و بينه.و في النص شي‌ء من التحدي الذي لم يكن يفت في عضد النبي و لا يمسكه عن الصدع بالحق في اوساطهم المنغلقة علي العناد و العتو و العصيان... ان عظمة الرسول الاعظم صلي الله عليه و سلم لتتجلي في مثل هذه المواقف العدائية المكاشرة، اذ كان يعرف كيف يستحوذ علي عقولهم و قلوبهم و يسد عليهم منافذ حججهم ومزاعمهم حتي جاءه نصر الله. و في ذلك ما يوضح لنا عظمة هذه الشخصية التي لم تكن تتعرض للاستفزاز الذي كانوا يريدون تعريض النبي له عساه يلوذ بالصمت و لا يظل يلاحقهم و يناقشهم و يكبتهم...«و قال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن و الغو فيه لعلكم تغلبون». فصلت/26.من آيات المواجهة التي جاء فيها التصريح ببعض اساليب القوم في اسكات الصوت النبوي الناطق بالقرآن في الناس. فانهم علي ما وضح في النص كانوا يلغطون و يلغون عند قراءة النبي القرآن كان التصارخ و الزعيق من اساليب مواجهاتهم للدعوة القرآنية فلقد كان جهلاؤهم يفعلون ذلك علي قلة و ليس علي كثرة لأن النص لم يرد بصيغة الاخبار عن ذلك بل ورد بصيغة الاشارة الي تنادي القوم الي ذلك... و كانت بلاغة الاسلوب القرآني تجرهم الي الاصغاء اليه و الاستماع له و التأثر به فهو القرآن الذي لو انزله الله علي جبل لخشع له و ذاك كناية عن عظم تأثيره في ذوي الحس و الادراك من البشر لا سيما متذوقي البلاغة من العرب.ان النص القرآني يسرد لنا بعض محاولات المشركين في مكة تجاه النبي ليصرفوه عن المضي في وجهته التي امره الله أن يجد فيها و يصبر عليها و يفهم من النص الكريم ان التلاوة القرآنية كانت تجد صداها في كثير من البيئات و ذاك لحسن تلاوتها فضلا عن سمو كلماتها و جلالة محتوياتها، و الظاهر انها كانت تلاوة منغمة متلوة بلحون العرب يومذاك... و المعاناة هنا واضحة فان النبي اذ كان يتلو القرآن علي القوم فكان فيهم من يضجج و يهرج فان ذلك ليترك في النفس هما و حزنا كبيرين اذ قد يكون رد الفعل موجبا التوقف قليلا و الاستمرار مثل ذلك والمعاناة في كلتا الحالتين معاناة قاسية و ثقيلة و انا لنستدل بذلك علي حسن حكمة النبي التي كانت تسنده في معالجة الموقف العدائي الذي كان يتكرر في اكثر من بيئة و وقت... و قوله تعالي «و قالوا لا تسمعوا لهذا القرآن و الغوا فيه لعلكم تغلبون» يصرف الي ان متنفذين في القوم كانوا يدعون الناس الي اللجوء الي اللغو عند التلاوة... انها صورة من صور المواجهة المعادية للرسول الاعظم صلي الله عليه و سلم في أول نأنأة الاسلام يوم كان الاعوان قليلين و معظمهم من المستضعفين... و دعوة الداعين الي اللغو عند تلاوة القرآن لم يصرح القرآن بالفاظ لغوهم التي كانوا يلغونها ولكنها حتما من لئيم القول و قاسي الكلام و سيئه يبتغون بذلك السيطرة علي جو التلاوة و اشاعة الرعب و التهويش مكان الطمأنينة و حسن الاصغاء... علي ان هذه الوسيلة المتشنجة لم تفد القوم في الوقوف تجاه تيار القرآن فلقد آل الامر الي انصرافهم الي اخذهم بهديه و تمسكهم بحبله و انصياعهم اليه... فلقد ظهر الحق و جاء امر الله... [ صفحه 56] «و قالوا لولا نزل هذا القرآن علي رجل من القريتين عظيم. أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا و رفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا و رحمة ربك خير مما يجمعون» الزخرف 32/31...من متابعة آيات المواجهة نعلم ان النبي صلي الله عليه و سلم كان يتوقع من خصومة في العهد المكي خاصة ضروبا من الاعتراضات و المزاعم التي يرونها تمسك الجهة الداعية الي الله أن تصنع شئيا. و هنا نري القوم قد مالوا في جدلهم عن صميم الدعوة و عن صريح محتواها الذي كانوا انكروه جملة و تفصيلا الي مقترحات ترجح ان يكون النبي المرسل هو فلان و فلان و هم في ذلك مخفقون و خائبون لأن الرجل الذي اختاره الله كان ذا مكانة اجتماعية و سديد عقل و كبير حلم و سلطان في الناس و اداب عالية و نسب رفيع فما يكون لمن اقترحوه بحمل رسالة السماء أن يبلغ مبلغ رسول الله محمد صلي الله عليه و سلم...و في النص القرآني في الرد علي مقولة هؤلاء القوم ما يكبتهم و يفحمهم بأن الله آتاهم من الفضل ما ليس بزائدهم فيه من شي‌ء، و وبخهم النص توبيخا لاذعا و زجرهم أن يتدخلوا في اقدار الله في عباده... «أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا...»...«أني لهم الذكري و قد جاءهم رسول مبين. ثم تولوا عنه و قالوا معلم مجنون». الدخان 14/13.«و اذا تتلي عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للحق لما جاءهم هذا سحر مبين. أم يقولون افتراه قل ان افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا هو أعلم بما تفيضون فيه كفي به شهيدا بيني و بينكم و هو الغفور الرحيم. قل ما كنت بدعا من الرسل و ما ادري ما يفعل بي و لا بكم ان أتبع الا ما يوحي الي و ما أنا الا نذير مبين» الاحقاف 9/7.«بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شي‌ء عجيب. أئذا متنا و كنا ترابا ذلك رجع بعيد» ق 3/2...من بعض آيات المواجهة التي لجأوا فيها الي شي‌ء من الجدل العقلي اذ عجبوا أن يكون هناك حشر و نشر يعودن به الي الحياة... ان الجدل القرآني دائما يعلو بحجته علي كل جدل آخر، و في تضاعيف القرآن ما نوقشت به هذه الامور. و لا يري في شي‌ء مما يحتج به الكفار اذا لجأوا الي الجدل المنطقي ما فيه احراج للرسل او افحام للانبياء و النذر و انما تكون المواجهات مزعجة و مسئمة اذا لم يكن في محتواها سوي الانكار و التكذيب...«بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في امر مريج». ق/5«فذكر ما أنت بنعمة ربك بكاهن و لا مجنون. ام يقولون شاعر نتربص به ريب المنون. قل تربصوا فاني معكم من المتربصين». الطور 31/29«و ان يكاذ الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر و يقولون انه لمجنون» القلم/51.ليس في الآية ما يصح ان يفسر بالاصابة بالعين او ما يسمي بالعائنية و انما كان القوم اذا سمعوا الذكر الذي فيه من بليغ الكلام و جزله و رقيقه مما يحقر معابيدهم و ينفذ شركهم و ذاك من مثيرات الحقد في نفوسهم و الغيظ في قلوبهم بحيث يتمنون البطش بالرسول صلي الله عليه و سلم فلا يقدرون، فادعاء الجنون للرسول كسائر ادعاءات خصومه لا يقوم عليه من الادلة ما يحصيه في عداد الواقع و انما هو كلام يراد به التنفير و هي قالة اكثروا من اذاعتها في الناس سابقا مثل قالة الشعر و الكهانة، و اما الازلاق بالابصار اثر سماعهم الذكر فانه تعبير عن الهم بأيذاء الرسول و اخافته. و ورود النص بلفظ (و ان يكاد) ابعد هذا الامر عنه صلي الله عليه و سلم فلم يكن يؤثر فيه ادني تأثير [ صفحه 57] و التعبير جاء بالاخبار عن محاولات جماعية يغلب علي الظن انها اريد بها ذلك، و المعروف في التجمعات ان تكون علي احدي حالتين ان يأتي القوم او ان يؤتوا و الثابت ان الرسول كان هو الذي يقبل عليهم في مجالسهم فكان ذلك يؤجج سعار غيظهم فكانوا ينظرون اليه شزرا محرقين الأرم في رؤيته.«فما للذين كفروا قبلك مهطعين عن اليمين و عن الشمال عزين»... المعارج 37/36.من آيات المواجهة مما نزل في العهد المكي اذ كانت للكفر اكثر من صولة... اذ صور لنا النص القرآني جماعة الكافرين و قد التموا علي الرسول صلي الله عليه و سلم من سائر الجهات محدقين به و قد ظهروا بمظهر المستخف المستهزي‌ء المكابر، و يبدو من تمام النص انهم كانوا من بعض ذوي الشأن في البيئة اذ جاء فيه «فلا أقسم برب المشارق و المغارب انا لقادرون. علي أن نبدل خيرا منهم و ما نحن بمسبوقين» فانه بدأه الله بقسم عظيم و ذاك مما يشعر بأهمية الموضوع و قوة فحواه و محتواه ثم قال: «علي أن نبدل خيرا منهم» فلو كانوا من وضعاء القوم و رعاعهم لما قال فيهم ذلك...و قوله تعالي: «و ما نحن بمسوبقين» أي نجدت من يملك أن يسبقنا الي ما يريد دون ما نريد و قوله تعالي في صفتهم «عزين» اي متحلقين حلقات امعانا في التكتل و اخافة للنبي في وضعهم ذاك...و قوله تعالي أول النص: «فما للذين كفروا قبلك» يعني الاستفهام التهكمي الذي يحمل الاستغراب من وضع كان عليه القوم غير آبهين...والصورة التي صورها النص تبدو فيها العدوانية الشرسة القاهرة في الشكل و الموضوع. لدي تلك اللمة الجاحدة للدين الذي جاء به سيد المرسلين أما قوله تعالي: «أيطمع كل امري‌ء منهم أن يدخل جنة نعيم» يفهم منه أنهم كانوا يرون الجنة مرهونة بمعتقداتهم الباطلة فما يجدون في الاسلام اذا اعتنقوه مما يقدم او يؤخر...في هذا النص انموذج من المواجهات العدوانية التي كان النبي يلقاها من قومه ابان العهد المكي فكان عليها ذا صبر عظيم و تحمل ملحوظ كبير مما يتبين منه عظم حلمه صلي الله عليه و سلم و حسن دفعه الخصوم ناقل ضجة او توسيع لمجال الخصام و كان ما ينزل من القرآن لساعته امارة تدارك الباري العظيم لرسوله من اشتداد الهم في صدره و تكاثف الضجر في نفسه و تمكين التفاؤل بالنصر و الغلبة له...ان العربي يستعظم الهجو و يؤذيه أن توجه اليه القالة القاسية و ماداموا هم يلجأون الي ذلك في نعت النبي فقد كان جزاؤهم من جنس عملهم اذ اطلقها الله في من اشتد شره و عظم عدوانه فقال فيه «هماز مشاء بنميم مناع للخير معتد أثيم، عتل بعد ذلك زنيم ان كان ذا مال و بنين، اذا تتلي عليه آياتنا قال اساطير الاولين» القلم 15/11.و هذه الالفاظ علي ظاهر ما فيها من قسوة ليست ثالبة عرضا و لا جارحة كرامة و لا موجهة الي أحد ممن قيلت فيهم تهمة من شنيع التهم و انما هي الفاظ قصد بها الاستخفاف و الازدراء و التهكم ليشعروا بأثر ذلك في نفوسهم فلا يعمدوا الي مواجهة خصومهم بشي‌ء من مثل ذلك...

آيات المعاناة...

ما من نبي في الاولين الا كان قد عاني العناء الثقيل من سائر فئات قومه خلال دعوته اياهم الي الهدي و طاعة الله و اصلاح ما فسد من امرهم ولكن الرسول الاعظم صلي الله عليه و سلم عاني من قومه الكثر من الآلام و المتاعب و الهموم مما يعد اكبر حجما من معاناة من سبق من الانبياء و المرسلين. لا سيما اذا علمنا ان النبي واجه قومه في اكثر من بيئة منها مكة [ صفحه 58] و منها المدينة و لكل بيئة طراز و نمط لا يشبهه الاخر و لا سيما اذا تذكرنا أن مهام النبي كانت كثيرة و شتي و لا سيما اذا علمنا ان الامة العربية كانت محاطة بدول كبري لها تأثيرها في الزمان و المكان. و الخلاصة أن معاناة النبي كانت معاناة لا نموذج لها في الاحتمال و طول الصبر في معاناة الرسل و القادة و غيرهم ممن تولوا امر اصلاح الامم و تصحيح مسار الشعوب...و في آيات المعاناة سنري بوضوح تام عظمة شخصيته اللهم صلي الله عليه و سلم في شق سائر التيارات العقائدية و النزعات السياسية و الاتجاهات الاجتماعية حتي حقق معجزة النصر العظمي علي الوجه الذي اعانه الله عليه.و المراد بالمعاناة جدية النبي في مخاطبة القوم علي اخلاف مشاربهم و قوة تمسكه صلي الله عليه و سلم بلعقيدة التي جاء بها قومه يضاف الي ذلك شدة عناد المشركين الذين كان رأس مالهم العناد و الشراسة... و انه لمن البديهي أن يلقي الانبياء و الرسل الاعظم احدهم من اقوامهم الرفض والانكار و التحدي و اللا تعقل من التصرف و ذلك من بعض روافد المعاناة التي تنصب علي رسل الله... و كان الانبياء قديما يعززون بأنبياء و رسل لتهوين الخطب عليهم و تخفيف عب‌ء المعاناة عنهم «... ارسلنا اليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث» يس/14...و اذا علمنا أن الانبياء كانوا يرسلون كل الي قومه دون غيره ثم وجدنا ان محمدا صلي الله عليه و سلم كان قد ارسل الي كافة البشر. ظهر لنا حجم معاناته هذه بحيث يعظم الفرق بين معاناته و معاناتهم... و في القرآن الكريم اشارة الي اكثر من ذلك مما سنتكلم عليه...«و اذا قيل لهم تعالوا الي ما انزل الله و الي الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا، فكيف اذا اصابتهم مصيبة بما قدمت ايديهم ثم جاؤك يحلفون بالله ان اردنا الا احسانا و توفيقا، اولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم و قل لهم في انفسهم قولا بليغا». النساء 63/61.في هذه الآيات ايماء الي جانب من معاناة الرسول صلي الله عليه و سلم في مهجرة بالمدينة فانه وجد فيها عدل ما كان قد وجد من اهل مكة قبل الهجرة.و في النص القرآني اشارة الي ان عقوبات الهية عاجلة كانت تعرض لبعض خصوم النبي فكانوا يدركون انها من بعض نقم الله عليهم جراء اساءتهم لرسوله العظيم. لذلك كانوا يقبلون عليه صلي الله عليه و سلم معتذرين من موقفهم السي‌ء الذي يروحون يفسرونه بما يظنون فيه تصحيح عملهم ذاك «ثم جاؤك يحلفون بالله ان اردنا الا احسانا و توفيقا) و قد وصي الله نبيه ان لا يأبه لما وقع منهم و ان يعرض عن ذلك اي لا يجعل منه محل نقمة عليهم، اذ ان قوله تعالي (فأعرض عنهم) لا يعني الزجر و الانصراف و انما يعني التسامح، و مثل ذلك قوله تعالي (يوسف اعرض عن هذا) اي لا تشغل بالك به و لا تحمل من اجله هما...ثم اوصي الله نبيه ان يعظ القوم بقوله تعالي (وعظهم و قل لهم في انفسهم قولا بليغا) و في هذا النص دلالة علي ان النبي صلي الله عليه و سلم كان قوي الحجة متين الاسلوب يحسن النقاش و يقنع الجهة التي يخاطبها و يأخذ بتقريعها وردها الي الصواب... و في هذا النص كذلك اشارة الي انه صلي الله عليه و سلم كان محل ثقة الله باقتدار نبيه علي تنفيذ اوامره و نواهيه...«و ان تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله و ان تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قد كل من عند الله فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا». النساء/78...المعاناة هنا واضحة في أن القوم اذا تعرضوا لخسارة في مال و غيره مما يكرهون نسبوا ذلك الي رسول الله و كون الامر من المعاناة يرجع الي ان الله [ صفحه 59] وصفهم بأنهم لا يكادون يفقهون حديثا علي هذا فانه لا ينض من مثلهم الا ما يؤذي و يزعج و يجر الي المعاناة.و لم يكونوا يخجلهم ان يتشاءموا من النبي علي دأب تشاؤم الامم القديمة من رسلها... و من ذلك ما كان من قوم صالح من تطيرهم منه و تشاؤمهم «قالوا اطيرنا بك و بمن معك قال طائركم عن الله بل أنتم قوم تفتنون» النمل/47 و كذلك قال قوم لرسلهم «قالوا انا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم و ليمسنكم منا عذاب أليم. قالوا طائركم معكم أإن ذكرتم بل أتتم قوم مسرفون» يس 19/18... و في تطير القوم من موسي عليه‌السلام جاء قوله تعالي «فاذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه و ان تصبهم سيئة يطيروا بموسي و من معه ألا انما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون» الاعراف/131...و آية المعاناة في النص القرآني كانت قاسية علي نفس النبي صلي الله عليه و سلم و هي لا تختلف عن موقف الاولين من انبيائهم...«و يقولون طاعة فاذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول والله يكتب ما يبيتون فأعرض عنهم و توكل علي الله و كفي بالله وكيلا» النساء/81.يشير النص الي ما كان يقع من القوم من خلاف متعمد و في مثل ذلك تطرأ المعاناة و يثقل الهم و يضيق الصدر، و قد وصي الله النبي بالتحمل و الصبر و هو تحمل لمكابرة، و تصبر علي مخاشنة. و مثل ذلك علي النفوس الخيرة الكريمة اثقل من الجبال مع كثرة المشاغل و تداعي المشاكل فلله هذه الشخصية العظيمة و لله صبرها النادر المثيل في صبر الصابرين علي احقاب الدهر و السنين...«و من يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدي و يتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولي و نصله جهنم و ساءت مصيرا» النساء/115.مشاقة القوم نبيهم بعد ما تبين لهم الهدي و ظهر الحق تعد من أجلب جوالب المعاناة علي النبي اذ ليست هناك نفس بشرية تهدأ عند بلوغ العناد و اللجاجة في الكفر و المشاقة مثل هذا المبلغ الموغل في الزيغ و الاصرار علي البغي الذي لا يشفع فيه منطق و لا يقره من هو ذو مزعة من عقل و رشاد و سلامة تصرف... و قوله تعالي «و من يشاقق الرسول» أريد به مجرد المشاقة الموجهة الي الرسول... ابتغاء االمشاقة لا غير... فالنبي في مواجهة عناء كهذا العناء كان يتأذي كل الأذي و يحمل من الكرب الحمل العظيم...علي أن الله عزوجل كان يعلن انكاره لمشاقتهم و ينزل بهم ما يتسأهلون لقاء ذلك من عقاب و تنكيل و جزاء وفاق... ولكن الذي يكون قد حصل و وقع في ساحة الدعوة انما هو ثقل وطأة المعاناة علي نفسه و انحصار صدره صلي الله عليه و سلم.و النص مدني و قد كان قوم يظنون ان بيئة المدينة كانت تمثل الربيع في السقف الزمني للسيرة النبوية الشاقة...«و ان يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم و الله عليم حكيم» الانفال/71.في هذه الآية تخفيف للهم الذي يعرض للنبي عندما يجد القوم قد أرادوا خيانته و مالوا الي شقاقه و ذاك ان الله تعالي اخبره بان القوم ألفوا هذا النمط من المكر و التعامل غير الكريم اذ خانوا الله من قبل و حين يري النبي انهم خانوا من هو اكبر منه و اعظم شأنا و اقتدارا فسيجد تصرفهم الخياني منه شيئا غير جدير بثقيل الهم و كما ان الله عزوجل عاقبهم علي خيانتهم ربهم بان امكن منهم و سلط عليهم و انتزع سلطانهم فانه فاعل ذلك بهم اذا خانوا النبي. و ما جاء في ختام الآية من قوله تعالي «و الله عليم حكيم» يوضح ان الخيانة التي يدبر لها اعداء النبي مهما احكموا تدبيرها و اغلقوا مغاليقها و غلفوها بالحذر و الكتمان الشديد فان الله يعلمها و اذا كان يعلمها فان سيبلغ نبيه [ صفحه 60] بكل ما يكون فيها و قوله تعالي ايضا في صفة نفسه بانه حكيم اي انه عندما يعلم من خيانة القوم ما يعلم فانه يعقب ذلك بما يفسد علي الماكرين مكرهم بحكمته و حسن تدبيره و الا فالعلم بخيانة الخائنين لا يتأتي منه احباط تلك الخيانة و اماطة اذاها عن طريق من يراد خيانتهم...ان النبي و هو يواجه امة ذات ديانات و معابيد باطلة و نزعات جاهلية و ميراث حياة مضطربة و هو يواجه كذلك اقواما ركبهم الغرور و علتهم الغطرسة و ظنوا انهم قادرون علي ان يرقوا اسباب السماء بسلم فان علي هذا النبي ان يعرف كيف يتعامل في مثل هذه الاجواء مع خصومه خاصة و هكذا كان تدريب الله نبيه و تعليمه و الاخذ باضباعه في مجالات التكليف الشاق في حملة روحانية عالية المستوي يراد بها تطهير القلوب و تربية الضمائر و اخراج الناس من الظلمات الي النور...«يا ايها الذين آمنوا ما لكم اذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم الي الارض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة الا قليل» التوبة/38.حين ينزل القرآن بايجاب الخروج الي الجهاد. يخرج قوم و لا يخرج آخرون و حين يكون الخطاب موجها الي الذين آمنوا بذات اللفظ فلا يخرجون فان ذلك لأمر يشق علي رسول الله فيعاني منه العناء الثقيل، اذ انه صلي الله عليه و سلم يعنيه أن تقبل الامة علي طاعة ربها و نبيها و أن تبادر الي الذياد عن عقيدتها و شريعتها و المكان الذي يلم شملها فهو صلي الله عليه و سلم يعظم كربه و يثقل همه حين يصل الامر بفريق من الذين آمنوا الي ما يشبه العصيان. و لا معاناة أشق من مثل هذه المعاناة و لا غم اشد من مثل هذا الغم...ان الشواهد من كتاب الله علي مواقع المعاناة الكثيرة التي كان النبي يعانيها و لا سيما في البيئة المدنية كثيرة جدا و ما منها من حالة الا هي أشد من اختها و هكذا كان الرسول الاعظم يشق طريقه الي النصر في سائر نيارات الخطوب و الهموم الثقال. فصلي الله عليك و سلم ايها النبي العظيم لقد كنت حقا جديرا بنصر الله و تاييده لقاء كبير صبرك و طويل احتمالك و وثيق رجائك في عون ربك صلي الله عليك و سلم يا رسول الله...«لو كان عرضا قريبا و سفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة و سيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون انفسهم و الله يعلم انهم لكاذبون» التوبة/42...من آيات المعاناة التي توضح ان فئة من المنافقين كان تحججهم عن المشاركه في اعمال الجهاد و هم يحلفون بالله مكثرين الايمان به علي أنهم لو كانوا يستطيعون الخروج للجهاد لخرجوا مع النبي و المؤمنين...و قد أشار القرآن الي ان الخروج لو كان لسفر فيه منافع لهم لاتبعوك و لما تقاعسوا عن الخروج معكم ولكنه خروج الي الجهاد و ما كان الايمان قد بلغ من نفوسهم مبلغ استقرار و تشبع و عقيدة متيقنة... ما من شك ان النبي صلي الله عليه و سلم كان يجد مثل هذه المواقف شديدة القسوة علي نفسه فهو منها في معاناة ثقيلة غير خفيفة و هو في مركز قيادة و امامة و مهمة منوطة به من ربه الذي اختاره لحمل رسالة السماء العظيمة الي بني البشر اجميعين...فلله هذه النفس الكبيرة في صبرها ومعاناتها و جهادها و تحملها. و لله هي. و لله كل لحظة من لحظات وجودها في هذه الساحة العريضة التي قل فيها العون الا من فئة المؤمنين الصادقين...«عفا الله عنك لم أذنت لهم حتي يتبين لك الذين صدقوا و تعلم الكاذبين» التوبة/43.في مسألة الاستئذان و هو وسيلة الي التملص من مهمة الجهاد في سبيل الله اجل في موضوع الاستئذان تتعقد عقد كثيرة و تتعرض الامة لتيارات انهزامية عنيفة [ صفحه 61] و الرسل لا يعلم الغيب و لا يدري ما في صدور الناس فاذا جاءه من يستأذنه للقعود في بيته بشتي المعاذير و النبي أحوج ما يكون الي النفر الواحد في المواجهات المسلحة فانه كان يعاني خلال ذلك من هم الأذن لأحد بالقعود عن الجهاد و يبدو أن حجج المعذرين كانت شبهة مقنعة و حاجة الساحة الحربية الي المقاتلين حاجة جد ماسة. و من هنا يثقل عب‌ء المعاناة و هي حالة كنيرة العروض و التكرار و علي ضوئها يكون تقرير المصير...و قد جعل الله لهذا الامر قاعدة هي غاية في الصفحة و ذاك أن الذين يستأذنون للتملص من الانخراط في المعركة انما هم مشكوك في ايمانهم «لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله و اليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم و انفسهم والله عليم بالمتقين. انما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله و اليوم و الآخر و ارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون»التوبة 45/44... و ذاك أن الامة تلقت عن نبيها من اركان الدين ما جعلها ترجح الشهادة علي الحياة و تتشوق الي الجنة تشوقا يجعلها تفر من الدنيا كل فرار فكانت تلبي داعية الجهاد لا تتخلف عنه لأي سبب كان... و كانت تعتقد أن الفرار من الزحف من الكبائر التي تغتفر... و لم يكن ضعفاء الايمان علي هذا المستوي من التشبع من العقيدة و علي ذلك لم يكن المؤمنون الصادقون ليراجعوا الرسول في طلب الاذن منه بعدم الخروج و انما كان يكثر طلب الاذن لدي من كانوا مهزوزي الايمان لا يرضون أن يسفك من دمهم شي‌ء من اجل قيم الدين و حرماته.أن مثل هذه المسائل لتنهض فيها المعاناة النبوية علي اكثر من ساق و قدم و في بقية النص القرآني من ذات السورة توضيح اكثر لدواعي المعاناة «لو خرجوا فيكم مازادوكم الا خبالا و لأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة و فيكم سماعون لهم و الله عليم بالظالمين» التوبة/47...«و يحلفون بالله انهم لمنكم و ما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون. لو يجدون ملجا او مغارات او مدخلا لولوا اليه و هم يجمحون. و منهم من يلمزك في الصدقات فإن اعطوا منها رضوا و ان لم يعطوا منها اذا هم يسخطون. و لو أنهم رضوا ما آتاهم الله و رسوله و قالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله و رسوله انا الي الله راغبون»... التوبة 59/56...في بيئة مثل هذه البيئة و علي ذات الوصف الذي وصفه الله به تتعب القيادة و ينهك الاخذ بهدب السلطة و تعظم المعاناة و لا يتهيأ لولي الامر اتخاذ القرار ولكن رسول الله صلي الله عليه و سلم علي رغم ما كان متعكرا من اجواء المدينة ابان ذلك كان اقوي من الجميع...«و منهم الذين يؤذون النبي و يقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله و يؤمن للمؤمنين و رحمة للذين آمنوا منكم و الذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم»... التوبة/61...في النص اشارة الي نمط من التحرشات الاستفزازية التي كان فريق من القوم يغمزون بها النبي علي جهة الاشغال و اقلال البال و قد دافع الله عن نبيه بما اسكت به صوت صلالتهم... انا لو لا حظنا الوضع القيادي في المدينة و ما يواجهه من امور و ما يتعرض له من شدائد فان كل تحرك صغر او كبر من الخصوم يتأتي منه ارباك جهة القيادة و الهاؤها عما هي في صدده من مهام الامور و دقائق الاعمال و من هنا عددنا هذه المقالة من بعض مسائل المعاناة في اليوميات النبوية.«و لئن سألتهم ليقولن انما كنا نخوض و نلعب قل أبا لله و آياته و رسوله كنتم تستهزؤن» التوبة/65.يجاهر خصوم الرسول بنهجهم الطائش غير حذرين من شي‌ء و حين يبلغ الامر بخصوم دين او معارضي فيادة قائد هذا المبلغ من الاستهتار و الاستخفاف فان معاناة الجهة التي تعمل علي الاصلاح و التوجيه الرشيد تكون معاناة شديدة و ثقيلة و صعبة الاحتمال... [ صفحه 62] «و منهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن و لنكونن من الصالحين. فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا و هم معرضون» التوبة 76/75...النكول عن مثل هذا العهد ممن عاهد الله عليه طواعية و من تلقاء نفسه انما هو امر جدير ان يكون محل المعاناة لدي كل قيادة تقود الامة و المجتمع الي أمر ديني او اجتماعي او سياسي، لأن العهود المنكول عن تنفيذها تنزع من الجد جديته و تفقد الحق واقعه و قدسيته و لا يكون هناك ملاك يعتد به و لا مساك يصار اليه و من هنا اكثرت النصوص الدينية من الحث علي احترام العقود و الاستمساك بالعهود و شددت النكير علي من يخرج علي ذلك...علي ان النكول في مثل هذه الاحوال يكون نكولا نبرأ منه المروءة و تنكره القيم الحميدة فان علي المملق اذا آتاه الله من فضله أن يحسن مكافأة هذا الفضل فان بخل و أخذ الشح منه مأخذه. فانه لبئس الناس في نكران نعمة الله عليه...لقد كانت بيئة المدينة يكثر فيها ذوو الحوائج الذين ينتقعون من عون المتصدقين فاذا انعدم هذا العون وشح اهل الصدقات فان الضرر سيكون جسيما علي امثال هذه البيئات و لا يعود بخل اصحاب الاموال مسألة شخصية تنسب اليهم وحدهم بل يعد بخلهم هذا خطرا يعم و لا يخص...«الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات و الذين لا يجدون الا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم و لهم عذاب أليم»... التوبة/79.وجود فئة في هذه الصفة في البيئة المدنية تتدثر بدثار اللؤم و تثبط المحسنين عن احسانهم الي الناس لتعد من أشد اسباب المعاناة التي يشغل بها الرسول صلي الله عليه و سلم، و ذاك لما في هذا المنحي الشائن من احباط مساعي الخير و اسماك افراد الامة ان يتعاونوا فيما بينهم علي معالجة كل ضائقة تصيبهم...«فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الهل و كرهوا أن يجاهدوا بأموالهم و أنفسهم في سبيل الله و قالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون»... التوبة/81.مثل هذه المواقف العدائية البحتة مما كان يملا قلب النبي صلي الله عليه و سلم هما يطيل من معاناته و ان كان يحمله علي أن يعمل فكره للوقوف في مواجهة ظواهر عنيفة مثل هذه الظواهر التي تقع علانية في البيئة التي اتخذها النبي مستقر الدين و مناخ المسلمين الذين صار عددهم هناك كثيرا و بات الرجاء في ظهورهم علي مسرح الحياة رجاءا قويا. حقا لقد كان جو المدينة بمثل هذه الضوضائية جوا ملبدا بغيوم المعاناة، و حين ننظر الي النتائج نراها رغم ذلك قد ظهرت لصالح الاسلام و المسلمين و خسر هنالك المبطلون...لقد كانت راية النصر عالية بيد النبي صلي الله عليه و سلم و وجدنا قراره هو النافذ و كلمته هي العليا و وجدناه صلي الله عليه و سلم يملي ارادته علي الجميع «فان رجعك الله الي طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي ابدا و لن تقاتلوا معي عدوا انكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخائفين. و لا تصل علي احد منهم مات أبدا و لا تقم علي قبره انهم كفروا بالله و رسوله و ماتوا و هم فاسقون. و لا تعجبك اموالهم و اولادهم انما يريد الله أن يعذبهم بها في الدينا و تزهق انفسهم و هم كافرون» التوبة 85/83...«و اذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله و جاهدوا مع رسوله استأذنك أولو الطول منهم و قالوا ذرنا نكن مع القاعدين» التوبة/86.من وقائع المعاناة الثقيلة علي نفسه صلي الله عليه و سلم ان يعمد اولو الطول و القوة الي الاستئذان من النبي بعدم المشاركة في القتال و واجبات الدفاع عن المؤمنين و انه لأمر جدير أن تضيق به الصدور و تعصر القلوب في حين كان المفروض و المتوقع أن تكون المبادرة [ صفحه 63] قد بدرت من ذوي الاقتدار المالي و الجسدي و المركز الاجتماعي لتبني الامة الرجاء علي النصر بالاعتماد عليهم...و المفروض عند نزول السور القرآنية أن تنشط عزائم الذين يحيطون بالنبي الي الاستجابة لجميع اسباب الطاعة غير أن أولي الطول هؤلاء كانوا يجاهرون بالاستئذان للتملص من واجبات الجهاد في سبيل الله و الرسول بحجج يختلقونها و معاذير يفتعلونها و كيف لا تكون المعاناة قاسية علي نفسه صلي الله عليه و سلم و الزمن زمن دفاع عن الارواح و الاموال و الاعراض و العقيدة... و قد وبخ الله هؤلاء المعذرين المنافقين بقوله: «رضوا بأن يكونوا مع الخوالف [17] و طبع علي قلوبهم فهم لا يفقهون» التوبة/87...و كيف لا يشق الخطب علي تلك النفس النبوية الكريمة و في الوسط الاسلامي من يجاهرون بالموقف المتخاذل و يواجهون الرسول علانية بالتنصل من كل مسؤولية و تباعة موجهة اليهم علانية...ان شخصية الرسول الاعظم لتتألق تألقا في سماء العظمة و قد بات محسوبا عليه أناس هم علي هذه الشاكلة... اجل كانت معاناة النبي اليومية علي اشدها في مثل هذه المواقف و الاحوال...«و جاء المعذرون من الاعراب ليؤذن لهم و قعد الذين كذبوا الله و رسوله سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم»... التوبة/90.قدوم الاعراب كان لغرض الاستئذان. و كان ذلك يكثر منهم و قد وسمهم الله بأنهم أشد كفرا و نفاقا و أجدر أن لا يعلموا حدود ما انزل الله و وصف الله القاعدين عن الجهاد بأنهم كذبوا الله و رسوله و أنهم سيصيبهم من الله عذاب أليم...«ليس علي الضعفاء و لا علي المرضي و لا علي الذين لا يجدون ما ينفقون حرج اذا نصحوا لله و رسوله ما علي المحسنين من سبيل الله غفور رحيم. و لا علي الذين اذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما احملكم عليه تولوا و اعينهم تفيض من الدمع حزنا أن يجدوا ما ينفقون»... التوبة 92/91...معاناة الهم كانت علي اشدها حين يتقدم متطوعون يبدون استعدادهم للجهاد في سبيل الله ورد الاعداء عن دين الله و ذاك حين لا يكون ثمة ما يعين علي تجهيزهم بمؤنة القتال من سلاح و كراع. فكان المتطوعون يرجعون يبكون اذ انهم كانوا حقا من الراغبين في الجهاد بمعية رسول الله...«و من الاعراب من يتخذ ما ينفق مغرما و يتربص بكم الدوائر عليهم دائرة السوء و الله سميع عليم» التوبة/98...المعاناة هنا كائنة بقضها و قضيضها و هي ذات جانب خفي يزداد به هم المعاني هما اذ وصفهم الله بأنهم يتربصون للمؤمنين بالدوائر و يعملون علي جلب الضرر اليهم من كل جانب...«و ممن حولكم من الاعراب منافقون و من أهل المدينة مردوا علي النفاق تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون الي عذاب عظيم». التوبة/101.المعاناة في تعرض لعدوان قوم مجهولين انما هي من اقسي انماط المعاناة اذ ان الحذر حين لا يجد لعدوه مكانا ينطلق منه او يأوي اليه او أن ينتمي الي من فيه. فان الهم في امثاله هم عظيم...«و الذين اتخذوا مسجدا ضرارا و كفرا و تفريقا بين المؤمنين و ارصادا لمن حارب الله و رسوله من قبل و ليحلفن ان أردنا الا الحسني والله يشهد إنهم لكاذبون. لا تقم فيه ابدا لمسجد أسس علي التقوي من أول يوم أحق أن تقوم فيه رجال يحبون أن يتطهروا و الله يحب المطهرين. أفمن أسس بنيانه علي تقوي من الله و رضوان خير ام من أسس بنيانه [ صفحه 64] علي شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم و الله لا يهدي القوم الظالمين»... التوبة 109/107...كان قيام أناس من سكنة المدينة ببناء مسجد جامع يبعد عن المسجد النبوي بعض الشي‌ء قد اثار همسا شديدا في نفسه صلي الله عليه و سلم لانه رمز تفريق بين المؤمنين و تعدد جماعتهم و افساد نظام وحدتهم و لذلك امر الله بهدم هذا المسجد و ازالته من علي الارض لانه مسجد لم يؤسس علي تقوي. ان المعاناة التي عاناها النبي و المسلمون ابان بناء مسجد الضرار كانت معاناة من اقسي انواع المعاناة و ذاك لان هذا المسجد سينطلق باسم مسجديته الي افساد الدين و تفريق جماعة المسلمين، و قد ظن الذين صنعوه أنهم يمتلكون به التستر علي دخائل انفسهم و سوء نياتهم الا أن مسجدهم هدم و عاد جمع المؤمنين يأتم برسول الله في مسجده الذي هو احد المساجد التي تشد اليها الرحال.«لقد تاب الله علي النبي و المهاجرين و الأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم انه بهم رؤوف رحيم»... التوبة / 117.في النص القرآني كلام علي ظروف قاسية مرت بالامة أقلقت بالها و حيرت جمعها فان غزوة تبوك كانت من اشق الغزوات علي الامة و ان لم تكن قد حدثت فيها احداث قتال لانها كانت مجرد استعراض علي الحدود...و قوله تعالي: «من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم». انما جاء تعبيرا عن شدة الخطب و عظم الهم و فرط المعاناة و كلمة التوبة هنا للتطمين و اشعار النفوس بالطمأنينة من وقوع لوم و معاتبة و تعرض لعقاب...«ما كان لاهل المدينة و من حولهم من الاعراب أن يتخلفوا عن رسول الله و لا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بانهم لا يصيبهم ظمأ و لا نصب و لا مخمصة في سبيل الله و لا يطأون موطئا يغيظ الكفار و لا ينالون من عدو نيلا الا كتب لهم به عمل صالح ان الله لا يضيع أجر المحسنين. و لا ينفقون نفقة صغيرة و لا كبيرة و لا يقطعون واديا الا كتب لهم ليجزيهم الله احسن ما كانوا يعملون»... التوبة 121/120.في النص تحذير لأهل المدينة ان يقفوا من رسول الله موقفا غير محمود من نحو التقصير و عدم الالتزام التام بالطاعة و ذاك لأن الله كان يكافئهم علي كل تحرك يتحركونه لمصلحة الاسلام و الدين و هذا ما يجعل مسؤوليتهم كبيرة حين تقع منهم هفوة صغرت او كبرت...«و اذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم الي بعض هل يراكم من أحد ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون» التوبة/127...عند نزول السور القرآنية التي كان الرسول صلي الله عليه و سلم يتلوها علي القوم كان هناك اكثر من موق عند ذلك فالخصوم كانت تظهر عليهم علامات الانكار و ان صورة المعاناة التي كان الرسول يعانيها ظاهرة في مثل هذا الموقف و ما اليه مما هو قاطع في الحكم علي فئة المنافقين هؤلاء...ان المعاناة و هي احتمال الهم الثقيل كانت تتكرر بغير حساب و كانت شديدة علي رسول الله تجلب اليه الحيرة و تجعله يطيل التفكير و تقليب الامور علي اكثر من وجه. فالمعارك تتطلب الجند، و الجند يلوذون بالاعتذار و الاعداء يصرون علي الغاء وجود الاسلام في المدينة و علي ابادة المسلمين و ازالتهم، و علي تضييق الخناق علي المؤمنين بحيث كانت المعاناة التي يعانيها الرسول الاعظم في العهد المدني اوسع دائرة و اعرض مجالا مما كان عليه الامر في العهد المكي...و قوله تعالي: «و جاء المعذرون» و قد اطلق عليهم هذه الصفة لغلبة ذلك عليهم فباتوا و كأن أيا منهم لا يصل الي المدينة لامر غير الاذن بالقعود عن الجهاد و مقاتلة الاعداء الغزاة. [ صفحه 65] «لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم. فان تولوا فقل حسبي الله لا اله الا هو عليه توكلت و هو رب العرش العظيم» التوبة 129/128.النص ظاهر في عظم فضل الرسول علي القوم اذ وصفه الله بالرأفة و الرحمة و فرط الحرص علي رشاد القوم و صدق تعاملهم و انه كان من أنفسهم و ليس غريبا عنهم و انه كان يتأذي بأدني شي‌ء يقع من تفريطهم في الطاعة و العبادة... و تبدأ المعاناة من عاقبة امرهم حين يتولون عن ذلك كله لذا وصاه الله ان يلوذ به قائلا «حسبي الله لا اله الا هو عليه توكلت و هو رب العرش العظيم»...و في هذا النص شهادة ناصعة لرسول الله توضح انه صلي الله عليه و سلم كان يشق عليه ما يري من صدود امته عنه و عن تعاليم دينه التي تدعو الي استنقاذهم من الضلال، و الصعود بهم الي معارج الهداية و الايمان و قد وصفه الله بانه رؤوف بالمؤمنين و انه رحيم بهم و انه عظيم الحرص عليهم و هذا يعني فرط انصراف النبي نفسيا الي قومه يحمل همومهم و يتمني هدايتهم و يصبر علي اذاهم و يدعو لهم الله بالتبصرة مكان الغفلة و بالايمان بدل الكفر و بطاعة الله بدل عصيانه و بترك المراء و الجدل و اللجاجة لحكم العقل و النظر السديد.و اخيرا حقق الله مراد نبيه و تمنياته لقومه و امته، من سعادة و صلاح حال و وحدة و رشاد و استقامة و هدي راسخ في النفوس لا يضل بعده من خرج الي الهدي من ضلال...اما قوله تعالي (لقد جاءكم رسول من انفسكم) فانه عرق الموضوع و سنخه الذي قام عليه أمر هذه الآية و هو استعمال (قد) التحقيق و (لام) التوكيد و التنويه بان الرسول المرسل اليهم من أنفسهم، و سائر الانبياء ارسلوا من ذات نسبهم لكي يكون ذلك مهمدا الي التعارف و حسن الالتقاء بينهم و بين الرسول المرسل اليهم. و قد علمت العرب من مجاورة اليهود لهم و النصاري ان الامم القديمة كانت الرسل ترسل اليها من ابنائها و النص القرآني فيه بعض التقريع لمنكري رسالة النبي علي معاداته و عدم الاستجابة له و هو من ذات انفسهم و هي كلمة فيها حجم كبير من التحبيب و التقريب... و الذين بادروا الي الايمان برسالة النبي فور سماعهم هذا النص كانوا حتما قد تذوقوه و استوعبوه و فهموا ما اراده الله به...«و اذا تتلي عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي ان أتبع الا ما يوحي الي اني أخاف ان عصيت ربي عذاب يوم عظيم. قل لو شاء الله ما تلوته عليكم و لا ادراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون»... يونس 16/15.لم تكن للخصوم حجة يبنون عليها طلبهم بتبديل القرآن و انما هو محض التعسف و التحكم و كان ذلك دأبهم في العهد المكي، و القرآن يرد عليهم موقفهم المتعسف هذا برفق و لين من اجل اشعارهم بما هم عليه من خطأ و ضلال في أسلوبهم الجدلي العقيم.و الاسلوب الجدلي القرآني يأخذ بهدب من التوجيه و المنطقية في الرد عليهم اذ يقول ان امر القرآن هو من امر الله فما يملك الرسول أن يغير ذلك من تلقاء نفسه... و بهذا اثبت لهم ان القول في هذا الامر لله و ليس لسواه...و لم يقل لهم ما الذي يدفعهم الي هذه المقولة و يغريهم بطلب تغيير القرآن و تبديله لان ذلك لا يعد من صلب الموضوع بل هو من حواشيه، و المهم هو اسكاتهم وردهم بالكلمة الدامغة و ليس المهم فتح باب جدل بينهم و بينه اذ انهم لا يصلحون ان يكونوا طرفا في جدل و غيره...«ومنهم من يستمعون اليك أفأنت تسمع الصم و لو كانوا لا يعقلون. و منهم من ينظر [ صفحه 66] اليك أفأنت تهدي العمي و لو كانوا لا يبصرون». يونس 43/42.المراد بالاستماع و النظر ما هو سطحي غير مقصود اي انه استماع و نظر بغير وعي و لا استعياب، و ذلك من بعض مواقف المعاناة ايام العهد المكي اذ كان ذلك يترك في نفسه صلي الله عليه و سلم هما وحزنا ذريعا... و انما تكون المعاناة حين لا يملك ذو كلمة أن يوصلها الي غير ذي سمع و لا بصيرة من مثل اولئك القوم الذين كانت مواقفهم مواقف عناد و تجاهل و اغماض عين و قلب...«و يستنبئونك أحق هو قل أي و ربي انه لحق و ما أنتم بمعجزين» يونس/53...الغريب في اسلوب القوم الجدلي ايام العهد المكي خاصة انهم بعد أن تتكشف لهم الحقائق و الدلائل الدامغة و تظهر لهم البينات بكل وضوح يروحون يستنبئون الرسول اذلك حق.ان مثل هذا الاسلوب في الجدل و النقاش و الاستيضاح لأسلوب في غاية السذاجة و العناد و التغابي...و كان الرسول صلي الله عليه و سلم يهضم ذلك كله و يصبر علي امثال تلك الفهاهات الغريبة التي ليس وراءها جد في نقاش و لا صدق في حجاج...«و ما تكون في شأن و ما تتلو منه من قرآن و لا تعملون من عمل الا كنا عليكم شهودا اذ تفيضون فيه و ما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الارض و لا في السماء و لا اصغر من ذلك و لا أكبر الا في كتاب مبين». يونس/61في النص بيان بأن الله عزوجل يعلم ما يبذله النبي من جهد جهيد في اعماله الوظائفية التي ناطها الله به و وكلها اليه مما هي في عداد المعاناة و مكابدة الصعاب.«و هو الذي خلق السماوات و الارض في ستة أيام و كان عرشه علي الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا و لئن قلت انكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا ان هذا الا سحر مبين». هود/7.معاناة الموقف القاسي في النص انما تكون اذ يخبرهم بأنهم سيبعثون بعد موتهم فيكون جوابهم ان ذلك سحر مبين... و الفرق بين الجواب و صلب المسألة فرق كبير و بعيد فلا مكان للسحر و ادعائه في هذا المكان... و من الامر البديهي ان الاجابات الخارجة علي الصدد المنطقي في كل مقدمة و نتيجة و منطوق و مفهوم ليثير الهم و يثقل المعاناة و ينفذ به الصبر و معظم آيات المعاناة تدور في هذا الفلك و قد اكتفينا بما اوردناه من نصوص التنزيل العزيز اذ انها كثيرة و كلها تكشف عن عظم صبر النبي و هو يصغي الي مقولات المعاندين من قومه اذ لا يرد في تضاعيف قولهم ما ينفع في ساحة جدال و في معرض جواب و سؤال...و هكذا كان علي النبي ان يصبر علي ما يسمع ان الخصوم و ان يهضم ذلك مما لا يهضم مثله عادة... و أنا لنجد في آيات المعاناة ما نجد من امارات تفرد الشخصية المحمدية بالحلم و الثبات و التماسك العقلي و التعالي علي السفاسف و الهنات و اجتياز اشق ظروف الجدل الفارغ من المحتوي السديد.و لم يكن امر هذه المعاناة كائنا من فترات زمينة قصيرة او محدودة بل كان ما مر عليها من الزمن قد استغرق سني الدعوة الممتدة الي نحو ثلاث و عشرين سنة خلال العهد المكي و المدني و صلي الله عليك ايها النبي العظيم...«فلعلك تارك بعض ما يوحي اليك و ضائق به صدرك»... هود/12.بدء الكلام في هذا المقام بكلمة لعل يشير اشارة واضحة الي عظم الجهد و شدة المقاومة فليس من الامر اليسير ان يطلب الي قوم استمرأوا عبادة الاوثان و وجدوا فيها غاية رجائهم ان يتركوا عبادتها. اذ كانت كل قبيلة من قبائلهم [ صفحه 67] تحرص علي ما عندها من آلهة تعبدها و تناشدها النصر علي اعدائها و تري فيها رمز كيانها القبائلي و لعلها وجدت انها قد انتصرت بأصنامها علي اعدائها في حرب ما. فأكد ذلك صدق عقيدتها فيها علي حين ان النصر الذي كانت قد احرزته انما احرزته بقوة سلاحها و رشيد رأيها و سلامة خطتها في تلك الحرب و لا شأن لأصنامها في شي‌ء من ذلك حتما...اما ضيق الصدور فانما يكون لمغالبة الهم. و في مفردات الكلام القرآني في صدد معاملة القوم للرسول و هو في مكة خاصة فانها تدل علي القسوة في سوء المعاملة و علي توخي اذلال النبي كل اذلال و اهانة من آمن معه و من استجاب لدعوته لا سيما من كان منهم من الموالي المستضعفين عادة و الذين لا يملكون جهدا ملموسا يقدمونه في نصرة الدين الذي اعتنقوه و ارتضوه و راحوا يتعبدون الله علي نهجه.ان التعبير القرآني «فلعلك تارك بعض ما يوحي اليك» تعبير يستحق ان يتوقف عنده الدارس لشخصية الرسول الاعظم اذ لم يكن الرسول متهما بالتنصل من المهمة الالهية الملقاة علي عاتقه و لا كان يري في موقفه من الصدع بالدين ما يومي‌ء الي انه تارك من ذلك شيئا. ان النص سرعان ما يبدد ظن من يظن ذلك من الناس بكلمة (لعل) و الكلام بها هنا كلام علي امر لم يقع بعد لانه كلام علي محاولة مستقبلية كل القصد من ايرادها وضعها موضع الحقيقة. ان الامر جد عسير وجد شاق في دعوة، طرفها الاول رجل واحد و طرفها الثاني سائر عرب الجاهلية، و بؤرة الامر و صميم الموضوع هو اخراج قوم من اعماق ظلمات دامسة الي عالم النور الوهاج و الهداية النقية الطيبة و ذاك حقا مما يشق علي القابليات كل المشقة و انا لو راجعنا القوم بعد ثلاث و عشرين سنة من بدء الدعوة الي الاسلام لوجدنا خارطة تعاليم هذا الدين قد تناولت بالتصحيح و التنقيح من عادات القوم و عباداتهم و سلوكهم الاجتماعي و الفكري ما تعد سنو الدعوة الي ذلك و هي ثلاث و عشرون سنة جد قليلة في صدد تحقيق النجاح الذي تحقق.«فلعلك باخع نفسك علي اثارهم ان لم يؤمنوا بهذا الحديث اسفا... الكهف/6اي لعلك قاض علي نفسك غما و حزنا ان لا تجد قومك قد فهموك بعد... انها لاشارة الي عظم حرص النبي ان يصل بقومه الي ما يريده لهم من كمال الايمان و البعد عن عبادة المعابيد الباطلة التي لا تتحقق بها للعابد كرامة و لا فضيلة، و كان رسول الله يعلم ان التمام قومه علي دينه و ملته سيجعل منهم خير امة اخرجت للناس و انهم سيكونون شئيا مذكورا بين امم الارض ذات الشأن يومذاك فكان صلي الله عليه و سلم يحز في نفسه موقفهم الذي يتمثل في انكار شريعته ورد دعوته و الاصرار علي الضلال الذي كان صلي الله عليه و سلم يعمل علي سحبهم من مواقعه و استنقاذهم من عمق هوته...في هذا النص تصور لفرط الغم الذي كان يتملك الرسول في موقف الدعوة الي الله و الدين الحق و هي شهادة الهية صادقة قيمة علي هذه الحقيقة الناصعة... ان حرص الرسول علي ان ينقذ قومه من هوة الوثنية الي قمة التوحيد ليكون الله وحده مصدر تفكيرهم في الحياة اذا ان الاوثان و الاصنام لا تمنح عبادها اي توجيه سديد و لا يصل اليهم من قبلها اي تعليم رشيد.اجل كان النبي يأكل معه و يشرب هم ثقيل ناشي‌ء من اصرار القوم علي كفرهم و هو كفر بواح لم يعد يخفي علي احد ممن صدع الرسول فهيم بامر رسالته التي اوضحت للجميع فساد العقيدة الوثنية الغائصة في الجهل الي الاعماق... ان النبي لم يكن في سيرته الجهادية تاركا الامر الي ما يتحقق له من توفيق او لا يتحقق... شأن من ينهض بمهمة ان نجحت او ان لم تنجح فانه علم الناس من امره انه بذل اصي جهوده في الوجهة التي [ صفحه 68] مضي فيها... فالنبي لم يكن يريد ان يعذر الي الله و الي نفسه في انه صدع بما امره الله ان يصدع به بل كان يهمه و يعنيه ان يكون وراءه ذلك التوفيق كل التوفيق لا قناع المعاندين بما يصحح و جهتهم فانهم حريون منه بكل ذلك الحرص العظيم علي اخراجهم من الظلمات الي النور...«و يستأذن فريق منهم النبي يقولون ان بيتوتا عورة و ما هي بعورة ان يريدون الا فرارا». الاحزاب/13كان هذا الاستئذان من اجل الفرار من الحرب و قد زعموا له زعما كذبه الله اذ قالوا ان بيوتهم عورة و ما هي بعورة... و من اقسي انواع المعاناة في ايامه صلي الله عليه و سلم بالمدينة أن يقبل عليه قوم ينكصون عن المشاركة في الدفاع عن المدينة في موقف وصفه النص القرآني بالجملة القرآنية «و اذ زاغت الابصار و بلغت القلوب الحناجر.» الاحزاب/10. و هو وصف لطغيان الرعب في المعركة و اشتداد قوة الاحزاب المهاجمين ولكن الله نصر نبيه في معمعان هذه المعاناة باشراك جند من السماء خاضوا المعركة التي انتهت لصالح المسلمين...«و لقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الادبار و كان عهد الله مسؤولا». الاحزاب/15النص ظاهر فيه أنه من آيات المعاناة. فان القوم خذلوا الجبهة الاسلامية بفرارهم بعد أن عاهدوا النبي أن لا يفروا... لقد كانت مثل هذه الاحداث تكلف النبي هما شديدا و تعرضه لمعاناة قاسية لا سيما حين تكون الحرب قائمة علي حساب دقيق لما يقدر من توفر عدد الاعوان الذين يقبلون علي خوض غمارها فاذا بعددهم جد قليل. فلله حنكة هذا النبي و شدة اصطباره و حسن تدبيره و توفيقه باجتياز مثل هذه الطواري‌ء التي تنهض عبر السيرة علي غير توقع.اجل الله هذا النبي في كسب النصر العظيم رغم المثبطين و الناكثين لعهود الله...«فاذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون اليك تدور اعينهم كالذي يغشي عليه من الموت فاذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة علي الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله اعمالهم و كان ذلك علي الله يسيرا. يحسبون الاحزاب لم يذهبوا و ان يأت الاحزاب يودوا لو أنهم بادون في الاعراب يسألون عن أنبائكم و لو كانوا فيكم ما قاتلوا الا قليلا»... الاحزاب 20/19في هذا النص صورة جلية لما كان يعانيه النبي صلي الله عليه و سلم و فئة المؤمنين من لمة الجبناء الملتمين علي ذعر و جبن و خوف شديد و وجود امثال هؤلاء في البيئة يجر الي تثبيط الهمم و اشاعة الذعر و الخوف و هم يتمنون عند وقوع غزو علي المدينة أن لا يكونوا فيها و أن يكونوا في البادية بعيدين عن شي‌ء اسمه ساحة قتال...ان ما ينشره هؤلاء من نار الانهزامية في وسط المدينة لهو اشد وقعا علي الناس من وقوع غزو حقيقي، فالمعاناة فيهم معاناة قاسية الوقع و شديدة الوطأة ولكن رسول الله بفعل اقتداره العسكري العالي كان يملك احتواء جميع هذه الارجافات رغم ضيق الوقت و الاحراجات الناشئة من قبل قوم يزعمون الاسلام و هم اشد خطرا عليه من كل خطر...و في مقابلة هؤلاء الذين أذلوا انفسهم و لم يملكوا أن يذلوا الاسلام نري الصادقين من المؤمنين يتجلي موقفهم الايماني الثابت يفعل فعله في الساحة و هذا ما اشار اليه النص الكريم «و لما رأي المؤمنون الاحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله و رسوله. و صدق الله و رسوله و مازادهم الا ايمانا و تسليما. من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من [ صفحه 69] قضي نحبه و منهم من ينتظر و ما بدلوا تبديلا» الاحزاب 23 /22.اجل لقد كان من عظيم عون الله لنبيه في مثل الظروف القاسية التي جاء الكلام عليها فيما اوردنا من نصوص قرآنية أن الله كتب النصر كله لرسول الله و الفئة المؤمنة الصادقة التي عاشت تأتمر بأمره و تأخذ بتوجيهه و تلتزم بسديد موقفه حتي جاء نصر الله و وجدنا آيات التنزيل في السورة التي نحن في صددها و في سورة الاحزاب تقول بالحرف الواحد «ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا و كفي الله المؤمنين القتال و كان الله قويا عزيزا. و انزل الذين ظاهروهم من اهل الكتاب من صياصيهم و قذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون و تأسرون فريقا. و اورثكم ارضهم و ديارهم و اموالهم و ارضا لم تطأوها و كان الله علي كل شي‌ء قديرا» الاحزاب 27/26/25.«و إذ تقول للذي أنعم الله عليه و أنعمت عليه امسك عليك زوجك و اتق الله و تخفي في نفسك ما الله مبديه و تخشي الناس و الله أحق أن تخشاه فلما قضي زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون علي المؤمنين حرج في ازواج ادعيائهم اذا قضوا منهن وطرا و كان امر الله مفعولا [18] » الاحزاب/37.النبي اطوع كائن بشري في يد الله يصرفه وفق ما قدره من امره و رسمه له في غيبه و هو - اي النبي - مطالب أن يكون اكثر من غيره عبادة و اشد من الاخرين صبرا و اعظم احتمالا للمتاعب و الهموم و التكاليف و اذا كان في الناس من يعصي الله فان هذا العصيان ابعد شي‌ء عن الانبياء لانهم اعدوا من قبله تعالي اعدادا متكاملا للمهمة التي ارادهم لها و علي ان الله شرف انبياءه و رسله لهذه المهمة و اضفي عليهم ألطافه و رعايته فانه قدر عليهم أن يقتلوا و يعذبوا و يتعرضوا لقسوة المعاملة من اممهم و شعوبهم... و قد وجدنا ان رسول الله صلي الله عليه و سلم تحمل من ذلك الكثير فكان حساب الله للانبياء شاقا مشقة ملحوظة و كان االانبياء يكثرون من الاعتذار الي الله و اللجوء الي مغفرته و هم معصومون و منهم ابراهيم عليه‌السلام اذ قال: «و لا تخزني يوم يبعثون، يوم لا ينفع مال و لا بنون، الا من اتي الله بقلب سليم» الشعراء 89/87 و نظراء ابراهيم في مثل هذا الموقف غير قليلين...كان العرب اذا تبني احدهم ولدا و رباه صار له حكم الابن الصلبي فلا يتزوج زوجة دعيه اي ابنه بالتبني و ذاك عندهم من القوانين الاجتماعية التي لا يصح خرقها... غير ان الله عزوجل ألغي هذا العرب المعروف عندهم بقوله: «و ما جعل ادعياءكم ابناءكم» غير انه تعالي اراد ان يكون هذا الحكم ذا صفة واقعية الطبيعة. اذ امر النبي بأن يتزوج زينب زوجة زيد متبني النبي اي ولده بالتبني و كان هذا الخرق لقاعدة قائمة في التقاليد العربية منذ ايام الجاهلية الاولي يعد خرقا جسيما يتطلب اقصي ما هناك من الاقدام و الجرأة و علي هذا كان النبي قد اخذته الخشية من الناس في تطبيق هذا الحكم المناقض للعرف العربي يومذاك ولكن الله دفع النبي الي الخروج من اطار الحذر و خشية الناس الي التطبيق الواقعي العلني قائلا له علي لسان الوحي: «و تخشي الناس و الله أحق ان تخشاه» و ظل النبي هدفا للمستهدفين الذين كبر عليهم أن يقع زواج رجل من زوجة دعيه.ان النبي صلي الله عليه و سلم يتلقي الاوامر من ربه فيبادر الي تنفيذها مهما كلفه ذلك و مهما سبب له [ صفحه 70] تنفيذ هذه الاوامر من اجتراء الناس عليه لانه اطاع في ذلك أوامر ربه و ان كان للخشية مكانها من موقفه فليس في ذلك ما يجر الي لومه و تسجيل موقف مخالف للوحي عليه... لقد خشي النبي الناس و قد تمني أن لا يقع في وجوده بين قومه مثل ذلك فهذا معني قوله تعالي: «و تخفي في نفسك ما الله مبديه» الا انه صلي الله عليه و سلم حين امره الله بأن يتزوج مطلقة زيد نفذ امر الله فالموضوع الذي اعترت النبي خشية في تنفيذه اول الامر لم يكن من العبادات و لا من الاحكام العامة التي كان علي النبي المبادرة الي الصدع بها...اما قصة زيد فهي قصة شخصية تتعلق بذات النبي صلي الله عليه و سلم و ان كانت تقوم عليها قاعدة شرعية اصولية ألغي بها القرآن بعض عقائد القوم القديمة. والانبياء يقع منهم الحذر و الخوف كالذي حدث من موسي عليه‌السلام من ايجاسه الخيفة عندما ألقي سحرة فرعون حبالهم و عصيهم التي خيل اليه من سحرهم انها تسعي و ذاك امر من شأنه ان يثير الرعب في النفوس و ما وقع من يونس عليه‌السلام اذ أبق الي الفلك المشحون و ما وقع من انبياء ضعفت مقاومتهم و قل صبرهم و كذلك ما جاء في التنزيل من قوله تعالي «حتي اذا استيأس الرسل و ظنوا انهم قد كذبوا جاءهم نصرنا» يوسف/110... فان بشرية الرسل يبرز بعض خصوصياتها في الساحة... و علي هذا فليس علي رسول الله من تباعة فيما كان منه من موقف شخصي في قضية زينب و زيد... اذ كان قد خشي الناس كمألوف عادة الناس في خشية الناس...و قد قطع النص القرآني بهذه القضايا في الاية الرابعة من سورة الاحزاب المدنية اذ جاء فيه «ما جعل الله لرجل قلبين في جوفه و ما جعل ازواجكم اللائي تظاهرون منهن امهاتكم و ما جعل ادعياءكم ابناءكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق و هو يهدي السبيل»...«أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فان الله يضل من يشاء و يهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ان الله عليم بما يصنعون» فاطر/8.كان النبي يتمني لأناس من المعارف و ذوي القربي أن يقبلوا علي الاسلام و يعتنقوه فيكون للاسلام بذلك انتفاع و فائدة فحين كان اولئك يأبون الانخراط في سلك المسلمين و يصرون علي الكفر و الضلالة و النبي يعلم انهم ان لم يؤمنوا فسيكونون من اصحاب النار لذا كان يتحسر علي موقفهم و الله جل شأنه هو الذي يضل و يهدي. و قد دعاه الي ان لا تذهب نفسه حسرات علي اولئك الناس، و في آية اخري «انك لا تهدي من أحببت» القصص/56.ان من حق النبي ان يأوي الي ملته اناس يحب لهم الهدي و يتمني لهم الايمان ولكن الذي عند الله غير هذا... ان الايمان من اعمال القلوب و لا يملك الحكم في القلوب الا الله فانه هو الذي يقلبها كيف يشاء و النبي ليس غير مبلغ يبلغ رسالات ربه الي العباد لا مسؤولية عليه في عدم ايمانهم...و قوله تعالي: «فلا تذهب نفسك عليهم حسرات» من ادق العبارات المعبرة عن فرط الهم و شدة الحسرة التي تختلج في صدر من يكون شديد الحرص عل أن تتحقق له امنياته التي يتمناها في عالم الخير و الصلاح. اي ان كثرة حسراتك ستهلك بها نفسك و لا يبقي منها شي‌ء بفرط التياعك و شديد قلقك.ان الله عزوجل هو صاحب الحق في أن يوجه انبياءه و يحول مسارهم الي ما يشاء و ليس الي ما يشاؤون. فان الرسل حين يرسلهم الله رسلا يفقدون كل ارادة كانوا يمتلكونها من قبل لتكون ارادة الله وحده هي الكل في الكل في حياتهم... و الانبياء يظلون يتلقون كلمات الله و يتأدبون بأدبه و يتعلمون من علمه فلا يلام احدهم اذا اراد شيئا فصحح الله ارادته... [ صفحه 71] «و اذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا اليها و تركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو و من التجارة و الله خير الرازقين»... الجمعة/11يشير النص القرآني الي أن قوما حين كانوا يحضرون صلاة الجمعة و خطبتها فجاءت قوافل التجار الي اسواق المدينة غادروا المسجد اليها و النبي قائم علي منبره يخطب الناس...و ما من شك في أن مثل لهذا التصرف له اثر في النفس موجع اذ كان الخطيب يهمه أن تصل كلمته الي قلوب الناس و لعل هناك ما كان من الكلام اكثر شي‌ء حاجة الي أن يتلقاه القوم اذ انهم غادروا المسجد بفعل غلبة سلطان التجارة و التكسب علي نفوسهم...و في تمام النص القرآني تعليم للناس و تهذيب اذ يأمرهم بالانصات الي خطيبهم حتي اذا انتهت الخطبة و الصلاة فان لهم أن يخرجوا الي اسواقهم و مبايعاتهم لا حرج عليهم في ذلك من بعد صلواتهم...حقا أن المعاناة هنا جد قاسية و هي ذات تصرف يرمي الي بعثرة الجماعة و تشتيت صفوف المصلين، و تشويش افكار القائم علي المنبر يعلم الناس دينهم و يهديهم الي صالحات الاعمال و محاسن الاخلاق و يعلمهم كيف يعبدون الله الخالق العظيم، فاذا خرج فريق من المصلين الي تجارة او لهو فان ذلك جدير أن يقلق له البال و يضطرب الفكر و يمسك اللسان عن مواصلة الكلام لو لا أن صاحب المنبر كان من العبقرية و الحكمة و سلامة التصرف و قوة الشخصية علي الحد الذي عرفناه لما تسني له ان يسيطر علي جو المسجد آنذاك.و لقد كان ذلك قد حدث في المدينة و للاسلام في نفوس أتباعه رسوخ تام، و من هنا عددنا هذا النص من نصوص المعاناة التي عاناها الرسول الاعظم في مسيرته العظيمة...«هم الذين يقولون لا تنفقوا علي من عند رسول الله حتي ينفضوا ولله خزائن السماوات والارض ولكن المنافقين لا يفقهون. يقولون لئن رجعا الي المدينة ليخرجن الاعز منها الاذل و لله العزة و لرسوله و للمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون» المنافقون 8/7حين يكون في بيئة المدينة قوم يثبطون الناس عن الانفاق علي ضعفاء المسلمين ممن يترددون علي الرسول الاعظم و حين يكون هناك قوم يقولون و هم يشاركون في بعض الوقائع خارج المدينة انهم اذا رجعوا الي المدينة فسيعمدون الي اخراج فئة المؤمنين منها اذ يصمونها بأنها تمثل الفريق الذليل علي حد قولهم فان مثل هذه النعرات تشير الي أن جو المدينة كان مشحونا بأكثر من مشكلة من مشاكل المعاناة...و حين تكون المعاناة عائشة بين سمع النبي و بصره في المدينة فانها حقا لامر شديد و عسير. لقد كان النبي يسمع هذا و تصل اليه انباؤه و اخباره، ولكنه كان صلي الله عليه و سلم من الخلق علي قسط عظيم و كان يكل أمر هؤلاء المذبذبين الي الله ليجري عليهم من احكامه و اقداره ما يشاء. لا سيما اذ كانوا عند الحساب و المعاتبة يلوذون بهدب الانكار و التبرؤ مما قالوا...«عبس و تولي ان جاءه الاعمي»... عبس 2/1هذا النص و تمامه «و ما يدريك لعله يزكي، او يذكر فتنفعه الذكري، أما من استغني، فانت له تصدي، و ما عليك ان لا يزكي، و أما من جاءك يسعي، و هو يخشي، فأنت عنه تلهي» عبس 10/3...يتجلي في شخصية الرسول الاعظم الحرص علي اجتلاب المشركين الي الاسلام، و ما من شك في أن ذلك يحتمل الكثير من المعاناة و المكابدة و بذل الجهد الجهيد و تغلب اليأس احيانا علي الرجاء و كل اولئك فيه الدلالات القاطعة علي هول المجاهدة و فرط المكابدة و ان حمل الرسالة يتطلب السياسة و الكياسة في عرض الامور و اداء المهمة و النهوض بعبئها و كان ذلك من اجلي خصائصه صلي الله عليه و سلم و ابرز سماته و اظهر معالم نشاطه في مجال الصدع بالامر [ صفحه 72] الا ان الله عزوجل و هو الموجه الاول لرسوله و مرسل الوحي اليه و الرقيب عليه قد يصحح بعض مواقف الدعوة هذه و ذلك مما عرف في تاريخ الرسل و النبيين اذ كان الله يصارحهم بتصحيح ذلك علي ضوء العلم الالهي الذي لم يعلم نبيه به، ان من طبيعة الدعوة الي الملة الجديدة في قوم عرفوا بالاعتداد بعنعناتهم [19] والاصرار علي شموخهم ان يلجأ الواعظ المرشد الي مداراتهم كل المداراة. للاعتبارات التي ذكرناها و لاعتبارات اجتماعية قائمة في البيئة.و كذلك كان موقف النبي من وفد متعالي متعاظم اراد الرسول ان يفرغ جهده في اخذهم الي الدين الحنيف فبالغ في ذلك دأب الدعاة ذوي الحرص علي ما يريدون الدعوة اليه.و صادف مجي‌ء اعمي الي الرسول اقبل ليعتنق الاسلام فكان من الامر الطبيعي ان يكون صاحب دعوة ما ظاهر الالتفات الي الجهة الاخري التي يجد في اعتناق دعوته من قبلها انتصارا عظيما... و المكفوف القادم لا يدري من ذلك شيئا و غالب سلوك المكفوفين ان كانوا من الطبقات الفقيرة قائم علي الالحاح و الاصرار بلا هوادة الا من كان من ذوي الفضل و الخلق و الادب...ولكن السياسة الالهية غير ذلك فقد اراد الله تعليم نبيه فصور الصورة و ذكر التفصيل و اورد الواقعة و عتب علي نبيه ان يقف هذا الموقف من ذلك الاعمي و جماعة الوفد... و عتاب الله هنا عتاب توجيه و ليس عتاب عقوبة... و بهذا نعلم ان الله جل شأنه كان وراء النبي في كل شي‌ء و لله المثل الاعلي في المساوات و الارض... كذلك نعلم الكثير من منهج النبي و سلوكيته التطبيقية من ايصال الدعوة الدينية الي الناس لا سيما في العهد المكي اذ كان في العهد المكي قليل الاعوان و الانصار و كذلك نجد في موقفه صلي الله عليه و سلم مما عاتبه الله عليه اجتهادا في الوصول الي كسب الاعوان بطريقة اعلامية تعد مألوفة و مرجحة عند كثير من الدعاة الدينيين و السياسيين والاجتماعيين.

التأييدات و البشائر الالهية

كتب الله علي نفسه أن يؤيد الدين و يثبت المسلمين و هذا ما جاء به قوله تعالي «و كان حقا علينا نصر المؤمنين» الروم/47... و عند الازمات الكبار و الهموم الثقال كان الله يتدارك نبيه بعون منه و نصر عزيز. و قد نصت آيات قرآنية كثيرة علي أن الله قوي جند المسلمين بجند من ملائكته قاتلوا معهم «اذ يوحي ربك الي الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الاعناق و اضربوا منهم كل بنان» الانفال/12... و جاء في القرآن الكريم «ان لا تنصروه فقد نصره الله اذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين اذ هما في الغار اذ يقول لصاحبه لا تحزن ان الله معنا فأنزل الله سكينته عليه و أيده بجنود لم تروها و جعل كلمة الذين كفروا السفلي و كلمة الله هي العليا و الله عزيز حكيم» التوبة/40...فان تعهد الله بنصر نبيه في هذا النص واضح و ظاهر حتي لو لم يكن هناك من يبادر الي نصره و في القرآن الكريم «و ان يريدوا أن يخدعوك فان حسبك الله هو الذي أيدك بنصره و بالمؤمنين» الانفال/62... و هذا نص من نصوص التأييدات الالهية للرسول الاعظم صلي الله عليه و سلم اذ يكون الله عزوجل في عون نبيه في احرج الظروف التي ينعقد فيها موقف الكفار علي المخادعة و هي ضرب من المواجهة مغلف بالخبث و المراوغة لا يملك النبي في مواجهتها من شي‌ء الا الاتكال علي الله وحده ولكن الله تعهد لنبيه بانه هو حسبه في مواجهة اولئك القوم مهما كانت اسلحتهم و اساليب مواجهتهم... و قد ذكر [ صفحه 73] الله هنا المؤمنين الذين هم خير اعوانه صلي الله عليه و سلم و اصدقهم في لقاء و اخلصهم للنبي صلي الله عليه و سلم في غيب و شهادة...و من آيات التأييد قال تعالي «و اذكروا اذ أنتم قليل مستضعفون في الارض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم و ايدكم بنصره و رزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون» الانفال/26... ففي هذا النص بشائر واضحة و تذكير بما كان من عظيم عون الله للأمة اذ كانت في احرج ظروف الضعف في محيط كان شديد العداوة، و مفردات الآية لا تحتاج للتفسير... و قوله تعالي «و اذكروا اذ أنتم قليل مستضعفون في الارض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم و ايدكم بنصره» واضح فيه أن من صنع هذا في حين ما فهو صانعه متي شاء و ذاك غاية ما يكون من بعث الرجاء و الطمأنينة في نفوس المؤمنين...و من آيات التأييد و البشائر المطمئنة للنفوس «يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا و في الاخرة و يضل الله الظالمين و يفعل الله ما يشاء» ابراهيم/27... ففي ذلك عهد من الله علي تثبيت الايمان في المؤمنين و خذلان الله للظالمين الذين يؤذون النبي و يشاكسون المؤمنين...فمن آيات التأييد و البشائر المطمئنة في النفوس قوله تعالي «انا فتحنا لك فتحا مبينا. ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك و ما تأخر و يتم نعمته عليك و يهديك صراطا مستقيما. و ينصرك الله نصرا عزيزا» الفتح 3/1... في هذا النص من بشائر النصر والتمكين و الغلبة ما هو واضح كل الوضوح بحيث امتلأت قلوب المؤمنين عند نزوله بالرجاء الوثيق والامل الوطيد و الفوز المبين... و الخطاب موجه الي النبي و فيه كل الفرج و النصر العزيز و اتمام النعمة و الهداية و التوفيق...و من آيات التأييد ايضا «هو الذي أخرج الذين كفرو من أهل الكتاب من ديارهم لاول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا و ظنوا أنهم ما نعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا و قذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم و أيدي المؤمنين قاعتبروا يا أولي الأبصار» الحشر/2...و من آيات التأييد قوله تعالي «ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا و كفي الله المؤمنين القتال و كان الله قويا عزيزا. و أنزل الذين ظاهروهم من اهل الكتاب من صياصيهم و قذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون و تأسرون فريقا. و أورثكم أرضهم و ديارهم و أموالهم و أرضا لم تطأوها و كان الله علي كل شي‌ء قديرا» الاحزاب 27/26/25. و في هذا النص من ظاهر التمكين و السلطان و الغلبة ما يبرهن علي أن الله كان مع النبي في مراحل التوفيق و النصر و لولاه جل و علا لما كان ذلك قد تحقق كما اننا عند احاطتنا علما بانتصار المسلمين و اندحار الكافرين نعلم لدرجة اليقين المطلق ان رسول الله محمدا بن عبدالله كان اهلا لهذا الانتصار الذي كتبه الله له و ذاك بما كان يمتلكه من عزم و حسن قيادة و قدرة علي تصريف الامور و تدبيرها حتي تم له صلي الله عليه و سلم نصر الله...و من آيات التأييد قوله تعالي «و لقد نصركم الله بدر و أنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون. اذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين. بلي ان تصبروا و تتقوا و يأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة الاف من الملائكة مسمومين. و ما جعله الله الا بشري لكم و لتطمئن قلوبكم به و ما النصر الا من عند الله العزيز الحكيم» آل‌عمران 126/123...و من آيات التأييد و بشائر النصر و التمكين قوله تعالي «اذا جاء نصر الله و الفتح. و رأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا. فسبح بحمد ربك و استغفره انه كان توابا» النصر 3/1... و قد كانت هذه السورة من اواخر ما نزل من كتاب الله علي رسول الله... و قد تم للأمة الكثير من اسباب التفوق و النصر المؤزر [ صفحه 74] و علو شأن الاسلام مما انتهي بعد ذلك علي عهد خلفائه صلي الله عليه و سلم الي الخروج الي ما وراء الجزيرة العربية ابتغاء تحرير العالم كله من رجس الضلال و الوثنية و الظلم و استغلال الانسان و بذلك دخلت امم و شعوب كثيرة في دين الهل و مازالت راية الاسلام لها في كل مكان وجود و شموخ...و البشارة بالنصر و التوفيق الاعظم واضحة في هذا النص و ما يبشر الله به نبيه من نجاح و نصر في آتي ايامه انما هو نصر محقق يملأ قلب النبي و اصحابه املا و رجاءا و قوة و طمأنينة الي المستقبل.

المحتوي القرآني‌

القرآن الكريم كتاب شريعة و قانون حلال و حرام ومباحات و ممنوعات و نظام حياة و آداب سلوك و منهج حكم و قد ذكرت فيه عبادات يتعبد بها الله كما ذكرت فيه سير انبياء و رسل بعثوا الي اممهم في الدهر القديم و يعد الرسول الاعظم صلي الله عليه و سلم اذ أنزل ذلك كله عليه مشرفا علي التطبيق و مرشدا الي اداء ذلك علي الوجه الدقيق و من اجل معرفة المدي الذي تنهض اليه مهمة الرسول الاعظم في هذا الباب لابد ان نعرف بشي‌ء يسير من التفصيل ما تضمنه المحتوي القرآني من مضامين...فلقد نظم القرآن احكام الميراث بقوله تعالي «يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين فان كن نساءا فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك و ان كانت واحدة فلها النصف و لأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك ان كان له ولد فان لم يكن له ولد و ورثه أبواه فلأمه الثلث فان كان له اخوة فلأمه السدس من بعد وصية يوصي بها أو دين. آباؤكم و أبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم قطعا فريضة من الله ان الله كان عليما حكيما» النساء/11...و في الجنايات كان القضاء الالهي قاضيا بقتل القاتل و قطع السارق و جلد الزناة و معاقبة المفسدين في الارض... و في الزواج و الطلاق جاءت النصوص واضحة غير غامضة. وامر الصلاة و الصوم و الزكاة و الحج معروف...كذلك نظر القرآن في علاقات الشعوب و الدول و شرحت مسائل الحرب و السلم في تضاعيف التنزيل العزيز... و موضوع البيوع و التجارات يعد من مهمات المواضيع القرآنية التي يقوم عليها أمر سلامة المجتمع. و الجانب الاخلاقي الذي يتعلق بالصدق و الكذب و الوفاء و نقض الوعود و ما يتصل بتهذيب النفوس و افراغها من الجشع و الطمع و الشراهة و النهم فان ذلك استوفي نصيبه في كتاب الله...و السور المكية و المدنية كلها سواء في اداء مهام التكليف و التزهيب و الترغيب بالاسلوب البليغ المتميز الذي تبدو علي جمله و حروفه معالم الشدة و الرقة و الاقناع القائم علي الحجة... و في القرآن الكريم ألفاظ و جمل في حكم المصطلحات التي يشاربها الي مقاصد تشريعية يفهم بها ما يعنيه النص من معان و ما يقصد اليه من مقاصد و من ذلك استعمال كلمة كتب في مثل قوله تعالي «كتب عليكم الصيام...» البقرة /183... و مثل كلمة أمر و فرض و قضي و وصي و سائر ما ورد في هذه المعاني من افعال الامر و النهي...ان الرسول الاعظم صلي الله عليه و سلم كان قيما علي الامة في تثقيفها الثقافة الدينية الكاملة وتعليمها اصول الايمان وردها الي منابع الملة و حملها علي الاعتصام بالكتاب و السنة و الاشراف علي سائر ظروفها و احوالها في السلم و الحرب و الالتزام بالعهد و تطبيق سائر الاحكام علي كل فرد من افرادها و في الحديث النبوي «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» و ذاك هو المحتوي القرآني الذي [ صفحه 75] يعد الرسول ادري به و اعلم به صلي الله عليه و سلم و يقابل ذلك من الالفاظ لفظ حرم و كره و نهي و لفظ الاجتناب و من بعض ذلك قوله تعالي «و بعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون. و أن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه و لا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون» الانعام 153/152...في هذا النص جماع الوصايا الاخلاقية و الانسانية و ما الي ذلك من توجيه سديد و تهذيب رشيد و تأديب حسن و هي من الآيات المكية التي جاء فيها ما جاء من تحليل و تحريم و كرر الله في اعقاب كل آية قوله الكريم «ذلكم وصاكم به» علي أن وصية الله تعني ما يساوي معني الفرض و الواجب و قد استعملت في التنزيل العزيز في مثل هذه المواقع... و اذا نظرنا الي اعمدة الايمان و ركائز السنن الاخلاقية في الملة فانا نري هذه الايات الكريمة تكاد تحتجنها جميعا...و من ملاحظة المحتوي القرآني الذي بين دفتي هذا التنزيل العظيم نعلم كثافة ما حمله الرسول الاعظم الي الناس من ربه و ندرك ما نهض بتبليغه الي الناس من دين و احكام شرعية و تهذيب خلقي و حكم عالية المستوي. لذلك عقدنا فصلا تاما في الكتاب استوفينا فيه ما نزل به الوحي علي رسول الله خلال ثلاث و عشرين سنة في كلتا فترتي النزول القرآني بمكة و المدينة مما يعد جماع هذا الدين و عمدة الملة و أس العقيدة الاسلامية العظيمة... كما ان في عرض ذلك كله او وضعه في جدول خاص ما يلفت انظار غير المسلمين و هم يتابعون سيرة الرسول في الكتاب الي مقاصد الرسالة العظمي التي بعث بها الي الخلق اجمعين و بذلك نملك ان نتم للصورة النبوية الخالدة اطارها التاريخي الكامل الذي يومي‌ء باكثر من اصبع تكريم و اعجاب و تقديس الي ذاتية هذه الشخصية القيادية الخالة التي كان الله عزوجل عالما بكفاءاتها العالية فألقي اليها امره فحقق بها لرسالته السماوية التي هي خاتمة الرسالات ما اراده سبحانه من هذه الاضاءة الشاملة للعالم بحيث نحي عنه الظلمات التي كان غائصا فيها الي الاذقان...ان الكلام علي المحتوي القرآني يتطلب اكثر من كتاب و اكثر من عنوان. و كل الذي نكتبه في هذا السفر علي ما يلاحظ فيه من تفصيل انما هو موجز غاية الايجاز و ذاك ما هو قصدنا في تأليف هذا الكتاب.

التوزيع القرآني

من البديهي ان القرآن الكريم كان ينزل علي رسول الله صلي الله عليه و سلم منذ بعثه نبيا علي راس الاربعين و هو الحيز الوحيد التي يستقر القرآن في ذاكرته الشريفة ثم ينتقل الي الناس جميعا من كان منهم مؤمنا و من كان منهم كافرا و ذاك هو امر كل دعوة دينية يدعي الناس الي اعتناقها...كان المؤمنون في اوائل العهد المكي يقبلون علي الآيات النازلة فيحفوظنها، و يقرأونها في صلواتهم و ينقلونها الي من يليهم و من حيث كان القرآن غاية في البلاغة و سمو البيان و كان يتضمن انماطا من الجدل اللاهوتي لم يكن مألوفا لديهم و لا معروفا فان جماعة الكفار و المشركين كان يعنيهم الوقوف علي اخر ما ينزل من نصوص هذا الكتاب العظيم، كما ان الكتابيين كانوا يبحثون عن الآيات التي تنزل في حقهم، و في العهد المدني اشتدت هذه الرغبة لدي المنافقين الذين صاروا يخشون ان ينزل فيهم من القرآن ما يفضح خططهم العدوانية الماكرة...و في القرآن الكريم مما يشير الي ذلك «يحذر المنافقون ان تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزئوا ان الله مخرج ما تحذورن» التوبة / 64.و قوله تعالي «تنزل عليهم» اي تنزل من اجلهم او في شأنهم و كيدهم و مكرهم و هكذا سعي اعداء [ صفحه 76] القرآن في نشره كما سعي المؤمنون في ذلك و قلما وقع لكتاب شريعة من سعة الانتشار ما وقع للتنزيل العزيز...و في قصيدة الاعشي جاء قولهنبي يري مالا يرون و ذكره أغار لعمري في البلاد و أنجداو بعضي آيات التنزيل كان يراد بها مخاطبة غير المسلمين مثل قوله تعالي:«يا أيها النبي قل لمن في ايديكم من الاسري ان يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم...» الانفال /70. و كذلك معظم آيات القول التي يراد ابلاغها الي الكفار و غيرهم من مثل «قل للذين كفروا ان ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف» الانفال /38. مما سنعلمه علي وجه التفصيل عند شرح الآيات القولية أي التي خوطب بها النبي صلي الله عليه و سلم مبدوءة بكلمة «قل»...و كانت آيات القرآن الكريم تتلي سرا و جهرا في ركعات الصلاة فما كان منها في الجهر كان المصلون يستعمون اليها و هي تتلي في المحاريب فيساعدهم ذلك علي حفظها و استظهارها مضافا ذلك الي تدوقها و فهم معانيها و العلم باحكامها و كان حسن صياغة النص القرآني مساعدا علي حفظه بحيث كثر حفظة القرآن الكريم كما أنه كان علي كل مسلم ان يقرأ في صلاته ما تيسر منه اي مما امكن له حفظه عن ظهر قلب... و قد أمرت الامة ان تتلو القرآن في سائر مجالاتها اليومية مما يكون خارج الصلاة... و قد ساعد وجود هذا الكتاب العظيم في صدور المؤمنين عند وصول الحملة الاسلامية الي خارج الجزيرة علي سرعة عملية التعريب في الألسنة الاعجمية و قد صار القرآن الكريم مجال دراسة مسهبة ذات جوانب كثيرة متعددة بحيث ظهرت إثر هذه الدراسات علوم و فنون لم تكن معهودة من قبل كعلم النحو و الصرف و البلاغة والاحكام و التفسير ولفقه و غير ذلك... لقد قال الله في حق كتابه «انا نحن نزلنا الذكر و انا له لحافظون» الحجر / 9 و هذا ما قد كان و ما زال كائنا...

القاب النبي...

خوطب الرسول صلي الله عليه و سلم بأكثر من لقب و تسمية كان من اشهرها - يا أيها الرسول - «يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك و ان لم تفعل فما بلغت رسالته» المائدة/67... و - يا ايها النبي - مثل قوله «يا أيها النبي حسبك الله و من اتبعك من المؤمنين» الانفال / 64... و كان منها - يا أيها المدثر - في قوله تعالي «يا ايها المدثر. قم فأنذر» المدثر 2/1 - يا أيها المزمل - في قوله تعالي «يا أيها المزمل. قم الليل الا قليلا» المزمل 2/1 و ذكر بلفظ النذير و البشير و الشاهد و الداعي الي الله مثل «انا أرسلناك شاهدا و مبشرا و نذيرا» الفتح /8... و وصف بانه سراج منير. «و داعيا الي الله باذنه و سراجا منيرا» الاحزاب /46... و وصف بأنه قد ارسله الله و قد بعثه «هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته...» الجمعة /2 و قد آتاه الكتاب و انزله عليه و نزل اليه القرآن «ما أنزلنا عليك القرآن لتشقي» طه /2... و انزل عليه الذكر «انا نحن نزلنا الذكر و انا له لحافظون...» الحجر / 9... و انه عزوجل اوحي اليه وحيه «فأوحي الي عبده ما أوحي» النجم / 10... و وصفه بأنه نزل عليه الروح الامين «نزل به الروح الامين. علي قلبك لتكون من المنذرين» الشعراء 194/193... و انه ارسل اليه روحا من امره «و كذلك أوحينا اليك روحا من أمرنا...» الشوري/52... و انه ارسل رحمة للعالمين «و ما أرسلناك الا رحمة للعالمين» الانبياء / 107 و انا نيط به الحكم بين الناس «و ان حكمت فاحكم بينهم بالقسط...» المائدة /42... و انه وصفه الله بعبده «سبحان الذي اسري بعبده ليلا...» الاسراء [ صفحه 77] /1. و بعبد الله «و أنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا» الجن / 19...و بعبدنا «و ما أنزلنا علي عبدنا يوم الفرقان يوم التقي الجمعان» الانفال/41...و انه كان يضيف ربوبيته اليه في مثل قوله تعالي «ان ربك حكيم عليم» الانعام/128... و قوله تعالي «ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل» الفيل/1... و استعملت في الخطابات القرآنية كلمة الالقاء و التلقي «و انك لتلقي القرآن من لدن حكيم عليم» النمل/6... الي غير ذلك من الآيات الكريمة التي كانت كلها من خطابات الله العزيز الحكيم. و قد سبقنا الي بعض هذا الكلام في مواقع اخري من الكتاب... و جاء ذكر النبي مجردا من الالقاب «و آمنوا بما نزل علي محمد و هو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم...» محمد/2... كما ذكره بلفظ رسولنا «قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب» المائدة/15... و سماه عند مخاطبة قومه بلفظ - صاحبكم - «و النجم اذا هوي. ما ضل صاحبكم و ما غوي» النجم 2/1... و يستفاد من ذلك اهمية شخصية النبي لدي ربه و عظم مقامه عنده و تفريده للمخاطبات الكريمة صلي الله عليه و سلم. و خوطب - بلفظ انك - «و انك لعلي خلق عظيم» القلم/4... و ينسب الله اليه اقرباء له من رجال و نساء «و بنات عمك و بنات عماتك و بنات خالك و بنات خالاتك...» الاحزاب/50... و ذكر ازواجه اللائي وصفهن بأنهن أمهات المؤمنين ولكنه لم يذكر اسم واحدة منهن و لا كان عزوجل قد ذكر اسماء بناته و اولاده و لا اسم ابيه و لا اعمامه و لا جده عبدالمطلب و لا ذكر نسبه و انما ترك ذلك للتاريخ...

النبي و الشوري...

يستمد النبي الختصاصاته النبوية من وحي ربه. و كثيرا ما تعقدت عليه صلي الله عليه و سلم امور فكان الوحي ينزل و هو يحمل الامر الالهي في حلها و رغم توفر هذه الدعائم الاساسية للدين و الملة فان الله عزوجل هدي النبي الي مبدأ الشوري فقال تعالي «و شاورهم في الامر...» آل‌عمران/159... و هناك نص ذو وضوح جلي في هذا الباب هو ما جاء في قوله تعالي «انما المؤمنون الذين آمنوا بالله و رسوله و اذا كانوا معه علي أمر جامع لم يذهبوا حتي يستأذنوه ان الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله و رسوله فاذا استأذنونك لبعض شأنهم فائذن لمن شئت منهم و استغفر لهم الله ان الله غفور رحيم» النور/62فلقد كان صلي الله عليه و سلم يجتمع اليه من اصحابه من ذوي الخبرة في أمور الوقت فيستمزج رأيهم في اشياء للامة خير و سداد أمر. و في مثل هذا المجلس الاستشاري كان علي المجتمعين فيه الي رسول الله ان لا يغادروا المجلس من دون استئذان و كان للنبي ان يأذن لهم أو لا يأذن، و هو نص في الشوري و الاستشارة...و كان النبي صلي الله عليه و سلم وفق التوجيه الالهي حين يستمزح آراء من يستشيرهم فانه يعمد الي اتخاذ القرار الذي يرجح اتخاذه و هذا معني قوله تعالي «و شاورهم في الامر فاذا عزمت فتوكل علي الله» آل‌عمران/159... ان للشوري اهمية كبيرة تنمي في دوي الرأي من الناس عند استشارتهم الشعور بالكرامة و بأن لهم حظا في تدارس الامور و معالجتها و انهم محل ثقة ولي الامر و صاحب الشأن الاول في الدولة. كما ان ذلك يعود سائر الناس علي التفكير الدقيق عندما يحزب الناس أمر او تظهر مشكلة او يقع خلاف او تكون مستجدات [ صفحه 78] و هكذا شاء الله ان تصل الأمة و علي رأسها نبيها الي ما فيه ضمان خيرها و سداد عقيدتها...و قد كان اصطحاب النبي ابابكر في هجرته الي المدينة ينم عن توقع الحاجة الي الاستشارة و ان كان من آداب الخروج الي سفر و ما اليه ان يقع الاعتماد علي رفيق مرافق و عون معاون بل ان التعليم الاسلامي يقتضي عند خروج اثنين في رحلة او شبه رحلة ان يكون احدهما هو الرئيس الذي يكون صاحب الرأي في تلك السفرة.... و كذلك من قوله تعالي «و الذين استجابوا لربهم و أقاموا الصلاة و أمرهم شوري بينهم و مما رزقناهم ينفقون» الشوري/38...بل ان الشريعة الاسلامية امرت الأبوين عند فطام طفلهما أن يتشاورا في ذلك فيتخذا قرارهما بعد التشاور «فان أرادا فصالا عن تراض منهما و تشاور فلا جناح عليهما...» البقرة/233... علي أنه لا غضاضة في اللجوء الي الاستشارة فانها من معالم سمو العقل و من أمارات الرغبة في وزن الامور وزنا دقيقا و مراجعة مقدماتها مراجعة شاملة. و ما كان أمر الله نبيه بمشاورة اصحابه قائما علي توقع الخطأ و التقصير بل انها الحكمة و هي خير هبات الله لعباده [20] ...

الرسول و المؤمنون...

كان من حصيلة جهاده صلي الله عليه و سلم في الساحتين المكية و المدنية خلال ثلاثة و عشرين عاما ان ثبت الله بالقول الثابت فريقا من المؤمنين من سائر قبائل العرب و فهيم من ذوي قرابة النبي غير قليل و فيهم الرجال والنساء و كان اهل السبق الي الايمان اظهر نصيبا من رضا الله و عظيم اجره و مغفرته. و في القرآن الكريم نجد اكثر من اشارة الي فئة المؤمنين هؤلاء محمودا دورهم و جهدهم و ايمانهم و حسن صحبتهم لرسول الله، و فيما يلي جمهرة من الآيات القرآنية مكية و مدنية في هذا الاطار...«آمن الرسول بما أنزل اليه من ربه و المؤمنون كل آمن بالله و ملائكته و كتبه و رسله لا نفرق بين أحد من رسله و قالوا سمعنا و أطعنا غفرانك ربنا و اليك المصير» البقرة/285...في النص صورة لمنطوق الايمان و مفهومه لدي المؤمنين و هو علي حد منطوقه و مفهومه لدي الرسول صلي الله عليه و سلم و انها لشهادة من الله لهؤلاء المؤمنين بصدق ايمانهم لا سيما اذ ذكرهم عند ذكر نبيه و في نفس المقام و الحيز...«ثم أنزل الله سكينته علي رسوله و علي المؤمنين و أنزل جنودا لم تروها و عذاب الذين كفروا و ذلك جزاء الكافرين». التوبة/26في النص ما يشير الي ان السكينة علي الرسول و علي المؤمنين علي حال سواء مما يستدل به علي استئهالهم هذا اللطف الالهي العظيم...«لكن الرسول و الذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم و أنفسهم و أولئك لهم الخيرات و أولئك هم المفلحون». التوبة/88في هذا النص شهادة بصدق ايمان المؤمنين الذين اتبعوا رسول الله و بحسن جهادهم بأموالهم و أنفسهم و قتالهم في سبيل الله و كانوا من ادوات كسب النصر و الحصول عليه. و قوله تعالي «آمنوا معه» بتثبيت المعية حيث ذكر الايمان يستدل منه علي مواصلة الصحبة و ملازمة الرفقة مما يجعل الايمان قد بلغ في نصاعته الذورة و في رسوخه اعماق النفوس... اجل [ صفحه 79] انهم اصحاب رسول الله من رضي الله عنهم و رضوا عنه...«و قل اعملوا فسيري الله عملكم و رسوله و المؤمنون و ستردون الي عالم الغيب و الشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون»... التوبة/105ان صدق المؤمنين في ايمانهم جعلهم جديرين ان تكون لهم الشهادة علي اعمال شهد الله و رسوله عليها فكانوا هم في جماعة الشاهدين...«بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول و المؤمنون الي أهليهم أبدا و زين ذلك في قلوبكم و ظننتم ظن السوء و كنتم قوما بورا». الفتح/12كان خصوم النبي و اعداؤه يلاحظون علي اتباعه المؤمنين الذين يرافقونه و يجاهدون بين يديه صدقهم في طاعته و اخلاصهم له بما يجعلهم يعاملون هؤلاء الاتباع المؤمنين معاملتهم النبي في كرههم الشديد... و لو لم يكن اتباع رسول الله علي هذا المستوي من النصح و الاخلاص و النقاء لما كانت معاملتهم علي هذا الوجه...ان اصحاب رسول الله الذين عايشوا رسول الله اكتسبوا من هذه المعايشة و المرافقة خيرا جد كثير و اذا كان هناك من نخر النفاق في قلبه فأولئك وضح امرهم و خذلهم الله كل خذلان...«محمد رسول الله و الذين معه أشداء علي الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجد يبتغون فضلا من الله و رضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود...»الفتح/29في النص تقييم كبير لاصحاب النبي من حيث جاءت صفتهم في النص بأنهم اشداء علي الكفار و انهم رحماء و لذلك في مجال العلاقات الشخصية و الاجتماعية... اما في مجال العلاقات الخاصة بين العباد و بين خالق العباد فانهم كانوا مستمسكين بالدين يؤدون فرائضه علي أتم وجه... اما قوله تعالي «سيماهم في وجوههم من اثر السجود...» فان للايمان سحنته في وجوه المؤمنين اذ يطفح عليها البشر و الرضا باقدار الله و التفاؤل بما يتمنون ان يكتبه الله لهم في الدينا و في الاخرة...ان وجوه نبلاء الناس و كرمائهم غير وجوه اخسائهم و لؤمائهم. لقد كان هؤلاء بشدتهم علي الكفار و رسوخ الرحمة في نفوسهم تجاه المؤمنين مصدر انتصار الاسلام و وصوله الي سائر افاق العالم و ما تزال البشرية التي تؤمن بالله و رسوله و تتمسك بعري الاسلام في سائر انحاء العالم اليوم هي من آثار فضل اولئك الاتباع المؤمنين الذين تذوقوا حلاوة الايمان في رفقة رسول الله و اصابوا من الهدي و التقوي علي يده صلي الله عليه و سلم ما جعلهم من الخالدين... فصلي الله علي سيدنا محمد بن عبدالله و رضي عن آله و صحبه و من تبعهم باحسان الي يوم الدين...الخصائص الذاتية للرسول...«فبما رحمة من الله لنت لهم و لو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم و استغفر لهم و شاورهم في الامر فاذا عزمت فتوكل علي الله ان الله يحب المتوكلين» آل‌عمران/159.في هذا النص تنويه بجمهرة من الخصائص الاخلاقية العالية التي اتصف بها الرسول الاعظم صلي الله عليه و سلم منها أنه كان هينا ولينا للناس علي اختلاف مشاربهم و سلوكياتهم و جعل الله ذلك من بعض رحمته التي اولاها الله نبيه كما اولاها الناس ايضا و منها - و قد يكون من بعض معاني اللين - أنه صلي الله عليه و سلم لم يكن فظاه و لا غليظ القلب مما لو كان فيه من ذلك شي‌ء لنفرت منه الناس و لما اقبلت عليه بالمودة و التعاطف و في ذلك دلالة واضحة علي أن الرسول صلي الله عليه و سلم كان محبوبا من غالبية ابناء الامة و افراد المجتمع... و لذلك وصي الله نبيه بالتسامح في معاملة القوم جزاء مودتهم و سلامة قلوبهم و امره بالعفو عن هنات يقعون فيها كما امره بالاستغفار [ صفحه 80] و هو فضيلة من فضائله كما أن الله وصي نبيه بمشاورتهم اذا حزبه أمر فان خير المشاورة مشاورة برءاء النفوس الذين خلت صدورهم من الحقد و النفاق فان هؤلاء يدلون بالنصيحة علي وجهها الذي تتمثل فيه النصيحة و القول السديد...و من خصائصه الذاتية فرط حيائه و قد اشار القرآن الكريم الي شي‌ء من ذلك «ان ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم» الاحزاب/53.و قد اشرنا الي حياء النبي في باب اخر من هذا الكتاب. و من مزاياه الذاتية و سماته و خصائصه سمو ذوقه و حسن تقديره لمحاسن الاشياء و لا سيما أمارات الجمال و ملامحه. و في قوله تعالي «و لا أن تبدل بهن من ازواج و لو أعجبك حسنهن» الاحزاب/52 و في ذاك اشارة الي ان الرسول الاعظم كان سوي التكوين البشري بحيث كان يتمتع بذوق متكامل و سلامة تقدير و حسن تمييز بين منازل الجمال و القبح و ذاك لا يكون الا لدي من تألق الذوق فيهم و نضجت اريحيتهم و طاب مذاق الحياة في نفوسهم... ان الاعجاب بملامح الحسن في النساء دليل اكتمال شخصية الرجل كما ان في ذلك دلالة علي سوية من يكون كذلك و علي درايته بالنهج الانساني العام في تقدير مثل هذه الامور...ان النبوة لا تحطم في الانبياء معالم الحياة و لا تبعدهم عن مصادر الذوق و لا تطفي‌ء فيهم الحس الوجداني الذي يميز اسوياء البشر عن غيرهم... فالانبياء مأذون لهم ان يتزوجوا و ان ينجبوا و ان فيهم و من كان نبيا و كان أبوه نبيا و جده. و في زواج النبي من امرأة ما يتوصل اليها به من طريق الاعجاب بحسن تلك الزواجة و بأهليتها للاقتران بذلك النبي... و حكاية الحسن منظور اليها في هذه الامور... و كان النبي معروفا بتذوق اطايب الطعام و التلذذ بذلك رغم تواضعه و اكتفائه باليسير من الطعام بحكم ما كان مجبولا عليه من القناعة و الرضا برزق الله... و من خصائصه صلي الله عليه و سلم و سماته الخلقية ما جاء في سورة المدثر من قوله تعالي:«... و ثيابك فطهر. و الرجز فاهجر [21] . و لا تمنن تستكثر. و لربك فاصبر» المدثر 7/4... فلقد نزلت هذه الآيات والرسول في اول ايام تنبيئه برسالة النبوة و قد لجأ الي الفراش و الادثار من فرط البرد يومذاك قال الفلكيون ان ايام المبعث النبوي كان في شهر شباط من ذلك العام و كانت تلك الايام قارسة البرد، و المهم ان ما جاء في النص من تطهير الثياب و عدم المن بالاستكثار و هجر الرجز و ما الي ذلك من الصفات و المآثر التي كان النبي يتصف بها قبل النبوة... يدل علي ذلك ما كانت قالته خديجة لرسول الله اذ ذكر لها نبأ الوحي الذي نزل عليه في غار حراء فانها قالت له: انك لتحمل الكل و تعين ذا الحاجة و تشيع المعروف... و ما جاء في نص السورة من اوصاف و أوامر الهية انما يقع علي الاتفاق بين خلقه صلي الله عليه و سلم بشريا من قبل النبوة و بين ما احتوت عليه تعاليم النبوة من مكارم الاخلاق و محامد الخصال و رشيد الاعمال. فتطهير الثياب و هجر الرجز و ما يومي‌ء ذلك اليه من القيم التي ثبتتها الآية الكريمة... فهي اذن من بعض صفاته صلوات الله عليه و قد اراد الله تذكيره بها و استمراره عليها لانها ان كانت قبل النبوة من شمائل الرجال فانها بعد النبوة من خصائص الانبياء... و ان مهمة النبوة مهمة غير يسيرة فهي جهد عظيم و قراع رهيب في ساحة من أشد الساحات خطرا و اوسعها جولانا. فالرسل جميعا منتدبون لاعمال عليهم أن يؤدوها مهما كان عبئها شديدا و رسول الله واحد منهم... [ صفحه 81]

امية النبي الامي

كان العرب اميين «هو الذي بعث في الاميين رسولا منهم» الجمعة/2 الاميون بالمعني اللغوي هم الذين لا يقرأون و لا يكتبون «و منهم اميون لا يعلمون الكتاب» البقرة/78 بل ان العالم كله او معظمه كان اميا لا سيما عوام الناس و سائر افراد الشعوب الا الكهنة و من ماثلهم من الحكماء. و ذاك أن الامية أمر طبيعي حني لا يكون ثمة ما يكتب و يقرأ لا سيما اذ كانت الحضارات ايام بعثه صلي الله عليه و سلم قد انهارت و انقرضت بفعل انصراف الامم و الشعوب القديمة الي الحروب الطاحنة و الغزوات المدمرة ان الامية لم تكن في تلك العهود عيبا او منقصة او تتخذ منها كلمة ثلب لاحد بل كانت اذا ذكرت يراد بها ذكر واقع الناس و الامم... بل ان من لم يكن اميا و كان يقرا و يكتب لا يجد في ذلك ما يحمله علي المباهاة و المفاخرة.علي ان وجود الذكاء و النباهة لدي اولئك الاجيال كان يعوض بعض التعويض في حياتهم اليومية عن حاجتهم الي القراءة و الكتابة...ان حروف الكتابة اشبه بأرقام الحساب يعرفها من يعرفها فان كان فقيرا مملقا فان معرفة تلك الارقام لا تجد به نفعا.«و ما كنت تتلو من قبله من كتاب و لا تخطه بيمينك اذن لارتاب المبطلون»... العنكوبت/48كان للكتابة في الجاهلية وجود لا مجال لانكاره ولكنه كان من كماليات الاشياء و مزوقات الصفات و لم يكن تعلم القراءة و الكتابة بالامر الهين اذ كان يتطلب نفقات كبيرة و تفرغا و متابعة مستمدين، كما ان متعلم القراءة و الكتابة اذا لم يجد مجالا لممارستها فانه سينسي الكثير مما تعلمه منهما و لم تكن البيئة العربية يومذاك بيئة تأليف و تدوين و مكاتبات و مراسلات لذلك كان معظم رجال العرب غير عابئين بتعلم القراءة و الكتابة، كما ان الاعتماد علي الذكاء و الفطنة و قوة الحفظ لديهم كان يصرفهم عن التفكير في الكتابة و تثبيت المعلومات التي لو كتبوها لم يجدوا من يقرأها و كانت تتجلي مزية الرجل فيهم لا سيما الرواة و الخطباء و الشعراء بالذهنية التي تستوعب الكثير من اخبار التاريخ و القصائد و ما الي ذلك بل بلغ الامر بهم ان اتهموا من يكتب بفساد المعلومات التي يكتبها و من هنا جاءت كلمة التحريف الذي يعني تغيير الالفاظ عن مواضعها و تشويه مقاصدها و انما جاء اللفظ من استعمال الحرف في الكتابة و مثل ذلك كلمة التصحيف التي جاءت من استعمال الصحف و ما يزال الناس عندنا يتسخفون بمن يكتب الاشياء البسيطة في ورقة او كتاب. و لم يكن النبي صلي الله عليه و سلم و قد مات كافله الذي هو جده عبدالمطلب في سن من الصغر مبكرة بالقادر علي ان يجد فرصة للتعلم علي ان فكرة تعليم الصبيان لم تكن معروفة يومذاك و لا كان النبي صلي الله عليه و سلم متيسرا له ان يتعلم الكتابة ايام كفالة عمه ابي‌طالب اياه لا سيما بعد اضطراب الاحوال المعاشية علي عمه و قد اشتغل النبي صلي الله عليه و سلم برعي الاغنام و لم يكن مثل ذلك مما يسمح بالقراءة او الكتابة او يتطلبهما و عندما اختير للاعمال التجارية التي كانت لخديجة كان الاوان قد فات علي حكاية القراءة و الكتابة علي انه يبدو ان التجار يومذاك لم يكونوا يتخذون السجلات لضبط امورهم التجارية اذ قد يكون العمل التجاري عندهم ذا طبيعة سرية يتكتمون فيها.و كانت عادة الامانة و الثقة تمنعهم من كتابة الديون و تحديد مواعيد تسليمها لولا ان القرآن الكريم كان اول من امر بذلك «يا أيها الذين آمنوا اذا تداينتم بدين الي أجل مسمي فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل و لا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله...» البقرة/282... و النقطة الثابتة ان التجارة يومئذ لم تكن خاضعة لموافقات جهات رسمية بحيث تتطلب الاجازات و اتخاذ الاضابير و كتابة اسماء المنشأ التجاري كما ان العملات لم تكن يومذاك تمر بظروف الصيرفة المعروفة ليصار امرها الي التسجيل و التثبت. و معظم ما نشأ في ظل الحضارة الاسلامية فيما بعد من اعراف تجارية و ما اشبه ذلك لم يكن معهودا عند العرب ايام جاهليتهم...و خلاصة ما قلناه هو أن النبي صلي الله عليه و سلم كان أميا لا يقرأ و لا يكتب و لو كان قد عرف بالدراسة [ صفحه 82] و القراءة و الكتابة مع ادعاء الامية بعد النبوة لو وجه بذلك و في القرآن الكريم قوله تعالي «و ما كنت تتلو من قبله من كتاب و لا تخطه بيمينك اذن لارتاب المبطلون»... و كلمة المبطلين كانت تشمل جميع من دعاهم النبي صلي الله عليه و سلم لرسالته اول الامر و قد نقل القرآن اقوالهم في النبي و كان ظاهرا فيها التعسف و الافتئات و الكذب فهم حين ذكروا النبي بانه ساحر و شاعر و كاهن فان كل هذه الصفات لم تكن لها أية صورة في حياته اليومية و لم نجدهم قالوا انه كان يقرأ و يكتب ولكنهم نسبوا الي رجل اعجمي انه كان هو الذي يعلم البني، و قال القرآن في ذلك «و لقد نعلم أنهم يقولون انما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون اليه أعجمي و هذا لسان عربي مبين» النحل/103...ان النبي صلي الله عليه و سلم لو كان يقرأ و يكتب لجاهره بذلك الذين يعلمون أنه يقرأ و يكتب بل لصرح من علمه القراءة و الكتابة بأنه هو الذي علمه القراءة والكتابة...و قد اتخذ النبي كتابا للوحي و الرسائل كما انه حث نفرا من الصحابة علي تعلم بعض اللغات الشائعة في ذلك الزمان اما دعوته للامة الي تعلم القراءة والكتابة فأمر ثابت. و رغم ان الاعتماد علي تلاوة القرآن كان من طريق استظهاره فان النبي حرص علي كتابته و كان هذا معروفا في سياسته القرآنية صلي الله عليه و سلم بحيث تولي عثمان بن عفان تحقيق هذه المهمة اذ ألف لجنة من كتبة الصحابة كتبوا القرآن كله و اتخذوا منه عدة نسخ و زعت علي الآفاق الاسلامية المعروفة و قد استغرق ذلك بضع سنين... و من المعلومات البديهية في موضوع القرآن الكريم أنه مؤلف من سور عدتها مئة و اربع عشرة سورة غالبها مكي و كل أياتها كثيرة تجاوز المئتين و بعضها تكون آياتها قليلة في نحو ثلاث آيات. و كان ذلك معروفا منذ العهد المكي. و في صلب القرآن ما يشير الي هذه التسميات اي الآية و السورة.و الكلام علي القرآن الكريم في نظمه و بلاغته و تنسيقه لا يستوعبه بحث موجز و انما هو مما تؤلف فيه الكتب و المطولات. ان امية الرسول صلي الله عليه و سلم مسألة ثابتة انعقد عليها اجماع الامة في جميع ازمنة التاريخ. و لم يكن مثل ذلك ليخفي علي من عايش النبي قبل النبوة و بعدها و لا علي من كان يراقبه صلي الله عليه و سلم مراقبة دقيقة من نمثل احبار اليهود و غيرهم... و الذين يدعون أن النبي كان يقرأ و يكتب يحسبون أن ذلك مما يقدح في صدق نبوته في حين أن النبوة لا يمكن أن يحققها الالمام بالقراءة و الكتابة فما اكثر الذين يقرأون و يكتبون و لا سهم لهم من نبوة او رسالة فان الذين يحسنون القراءة و الكتابة كثيرون ولكنهم لم يظهر فيهم من يملك ما ملكه النبي من الاقتدار علي الاتيان بشريعة حكيمة رشيدة عالجت مشاكل العالم و رسمت لحياة الامم منهجا سليما و سديدا...و في القرآن احكام لم تعرف في شرائع اخري كأحكام المواريث و الزواج و الطلاق و كذلك ما يتعلق بالعبادات من صوم و صلاة و ما الي ذلك من محتوي حين قورن بالديانات القديمة كان اغزر منها عطاءا و اكثر رشادا و أسد منحي في اصلاح الامم و الشعوب... علي أن في القرآن الكريم غيبيات يعد الكلام فيها من قبل كائن بشري مجازفة لم يقدم عليها احد من بني البشر. و في تضاعيف هذا الكتاب ما يوضح كثيرا من هذه النواحي لمن يقبل علي مطالعته بانعام نظر و اهتمام...ان كثافة التعاليم القرآنية و الاحكام المتعلقة بالعبادات و المعاملات التي قام عليها امر الشريعة الاسلامية بحيث كان ذلك سند الدولة الاسلامية الكبري في سائر معاملاتها. أجل ان ذلك لم يكن موجودا في دين سلف و لا شريعة سبقت و لا كتاب مكتوب ليقال ان النبي صلي الله عليه و سلم كان قد قراءه. بل ان التوراة و الانجيل لم يكن شي‌ء منهما معربا الي العربية يو مذاك اذ عربت التوراة في نهاية [ صفحه 83] القرن الهجري لاول. لذلك لا اهمية لادعاء من يدعي أن النبي كان يقرأ و يكتب. لقد وجدنا في آيات المواجهة أن خصوم النبي كانوا يتهمونه بما يظنونه مسقطا لنبوته فلم نجدهم قالوا انه كان يقرأ و يكتب مما نستخلص منه ان امية النبي كانت حقيقة لا يعجج علي مثلها نزاع او جدل او خلاف.

الرسول و العناية الالهية...

في القرآن الكريم اشارات و عبارات يعلم منها ما كان لله عزوجل من عناية تامة برسله و انبيائه منذ كانوا علي عهد الصغر و الطفولة فلقد علمنا اللطف الالهي الذي تدارك الله به موسي عليه‌السلام في قصة كرر القرآن الكلام عليها بما يشبه التفصيل «اذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم علي من يكفله فرجعناك الي أمك كي تقر عينها و لا تحزن» طه/40...والكلام علي ابراهيم عليه‌السلام «قالوا سمعنا فتي يذكرهم يقال له ابراهيم» الانبياء/60 و كذلك كان لطف الله جل و علا قد اسبغه الله علي محمد بن عبدالله الذي ولدته امه و كان ابوه قد مات قبل ان يري ابنه فكان الله عزوجل قد عوض عن ابيه بجد جليل القدر هو عبدالمطلب و عم بار هو ابوطالب و في سورة الضحي جاءت الاشارة التي ينوه بها النص القرآني قوله تعالي:«و الضحي و الليل اذا سجي. ما ودعك ربك و ما قلي. و للاخرة خير لك من اولي. و لسوف يعطيك ربك فترضي» الضحي 5/1... القسم هنا قائم علي ظرف تتفتح الاضواء فيه بحيث يري فيه كل شي‌ء جهرة و علي نقيضه و هو الظلام الدامس الذي يلف الليل فلا يظهر فيه لعين الرائي ما كان يظهر علي ضوء النهار. و هو يدل علي عهد من الله بانه لم ينصرف عن عبده محمد و لا كان بقاليه و تاركه. و قوله تعالي «و للاخرة خير لك من الاولي» و هو و ان كان امرا خالصا برسول الله فان فيه اشارة الي ان ما يقع للعبد من بعض اقدار الله و هموم الحياة و شدائد الايام فانه معقب بما هو خير و رخاء فالفرج أبدا يأتي في اعقاب الشدة فان ذلك في عالم الحياة يكون به للفرج مذاق ملحوظ بالذوق الحسي و المعنوي فيكون لوجوده اكثر من جوده...و قوله تعالي «و لسوف يعطيك ربك فترضي». و هذا نص صريح بوعد وعده الله نبيه محمدا بن عبدالله اذ تعهد له بالعطاء الكثير الذي يرضاه. و في هذا النص معني الاسترضاء الذي لا نقول انه في معني الاعتذار و ذلك لان الله لا يعتذر لاحد. ولكنه فيه يعني الاستلطاف و حسن البشارة و قد اقترن الوعد بلام التوكيد و في ظلل هذا الوعد الالهي القاطع كان التفاؤل ابدا يسود حياة النبي اليومية في صدد ما يعطيه الله و ما يرضيه. و قوله تعالي «فترضي» جاءت الفاء و كأنها تعني معني «حتي ترضي» امعانا في رعايته تعالي لرسوله الاعظم و مبالغة في الاعتزاز به و تكريمه الذي هو حقيق به و اهل له صلي الله عليه و سلم، اما (سوف) فلأنها قرنت بلام التوكيد فقد زالت مظنة التسويف منها و صار يراد بها الوعد الحق القاطع.«ألم يجدك يتيما فآوي. و وجدك ضالا فهدي. و وجدك عائلا [22] فأغني» الضحي 8/6...ان في هذا النص استدلالا علي واقع تارخي مشهود اراد الله اقراره و لفت النظر اليه، و لقد كان النبي يتيما حقا - و يتم الايتام كثير في الناس - فكان ايواء الله اياه كائنا في ايواء جده و حسن تربيته و حدبه البالغ عليه فان عبدالمطلب جده كان قد استدعي عددا من شهيرات القوابل في بطاح مكة فأشرفن علي ولادته اشرافا يلاحظ فيه من الأبهة و المبالغة في العطف و الحنان ما فيه... و راح عبدالمطلب يبعث وراء حليمة السعدية مرضعة الاسرة فراحت تحتضن النبي فتحمله الي اهلها فترضعه في مضارب بادية بني [ صفحه 84] سعد من بوادي العرب المعروفة بالفصاحة و طيب المناخ...و كان عبدالمطلب يكثر من اكرامها و اغداق الرعايه عليها ثم كان من امر عمه ابي‌طالب ان تولي رعاية ابن اخيه بعد وفاة الجد الجليل القدر و الكبير الشأن. اما قوله تعالي «و وجدك ضالا فهدي». فانه يعني ان النبي كان حاله كحال من لا دين له فجعله الله علي رأس دين من خير اديان السماء... و هو الاسلام...و مر النبي بهذه الحالة التي اراد الله بها ترويضه علي تحمل لون من اقسي الوان الحياة هو الفقر ثم اكرمه الله بما صرف عنه ضائقة ذلك الفقر و لا يعني هذا انه صلي الله عليه و سلم صار من مشاهير الاغنياء و الموسرين فان ذلك ليس من مفاخر الرجال و لا من اسباب عظمة كرام الناس و اجلائهم و لعل زواج النبي من خديجة ملحوظ في هذا النص اذ كانت خديجة ذات غني و يسار و كان الرسول يعمل في تجارتها التي كانت رابحة غير خاسرة... و قد جاء ذلك في سورة الضحي التي بدأها الله بالقسم الظاهر الذي اقسمه علي انه لم يكن قد ودع النبي أي تركه و لا قلاه اي اهمله و جاءت تلو ذلك انه وعده ببشارة عظمي هي قوله تعالي «و للاخرة خير لك من الاولي» فكان ذلك كذلك و صار محمد رسولا منه تعالي الي خلقه بل كان خاتم انبيائه و رسله...ان عناية الله بالرسول الاعظم ظلت ابدا تتولاه صلي الله عليه و سلم في كل مرحلة من مراحل حياته و في كل فترة من فترات وجوده. و في كتابنا اكثر من نقطة و اكثر من خط علي هذه المنة العظيمة التي عاش النبي في ظلالها و تمتع بالكريم من افيائها فكان الي اخبر لحظة من لحظات حياته يعلن عبوديته التامة لله و اخلاصه و ولاءه لرب العالمين اذ اسبغ عليه ربه من نعمه ما لم يسبغه علي احد من العالمين و عند ملاحظة ما جاء من آيات «الضحي» عند ختام السورة «و أما بنعمة ربك فحدث» فلقد وصي الله نبيه بان يتحدث بما اضفاه عليه من بالغ نعمه و عظيم كرمه ما اتاه من النبوه ما ناطه به من مهمة اصلاح الامة و اخراج الناس من ظلمات الكفر الي نور الايمان.و قبل ايصائه بالتحدث بالنعمة الالهية عليه جاءت التوصية برعاية اليتيم «فأما اليتيم فلا تقهر» و باجابة السائل الملحاح الذي يسكب ماء وجهه من اجل الحصول علي لقمة العيش «و أما السائل فلا تنهر». ان التحدث بنعمة الله لا يعني اللهج بتفاصيل ذلك بالسرد التاريخي و الواقعي و انما يراد به اللهج بشكران الباري‌ء علي ما كان من ذلك من احاطة عبده بكل أسباب اللطف و التكريم.لقد كان النبي صلي الله عليه و سلم حقا محل لطف الله به بدءا و ختاما و مما يعد من بعض عناية الله لنبيه ما جاء من الايات التي تشير الي حالة النبي في معاملة قومه له بما يضجر و يؤذي. ففي القرآن الكريم «و لو لا أن ثبتناك لقد كدت تركن اليهم شيئا قليلا» الاسراء/74... فلقد كان قومه آخذين بالتضييق عليه يريدونه ان يستجيب لامرهم و توجيههم ولكن الله كان يحيط النبي بكل حماية و رعاية و صيانة. و كان الله ابدا يتدارك انبياءه و رسله من جسيم الاخطار و الشدائد. و في القرآن من الاشارات الي ذلك ما يلاحظ في كثير من سوره و آياته...

المتابعة الالهية...

في القرآن الكريم ما ينوه بان الله يتابع حركات نبيه و سكناته متابعة لطف و رفق و يلاحظ ذلك في بعض ما ينزل علي نبيه من القرآن من مثل قوله تعالي «ان ربك يعلم أنك تقوم أدني من ثلثي الليل و نصفه و ثلثه و طائفة من الذين معك و الله يقدر الليل و النهار...» المزمل/20... و من مثل قوله تعالي «و توكل علي العزيز الرحيم، الذي يراك حين تقوم. و تقلبك في الساجدين. انه هو السميع العليم» الشعراء 220/217... [ صفحه 85] و من مثل قوله تعالي «و اذا تقول للذي انعم الله عليه أنعمت عليه أمسك عليك زوجك و اتق الله...» الاحزاب/37... النعم كلها من الله جل جلاله «صراط الذين أنعمت عليهم» الفاتحة/6... و هنا وصف النبي صلي الله عليه و سلم بالانعام علي رجل انعم الله عليه جل جلاله. و ظاهر في هذا اعطاء نصيب وافر من التكريم للنبي صلي الله عليه و سلم بحيث كان انعامه قرينا بانعام الله جل جلاله و الانعام لا يمكن ان تكون له صورة واحدة فان قوله تعالي «أنعم الله عليه» من دون ذكر شي‌ء عند النظر في ملامح هذا الانعام و مفرداته يدل علي انه انعام متكرر مستديم متفرد به...و من مثل «ان لا تنصروه فقد نصره الله اذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين اذ هما في الغار اذ يقول لصاحبه لا تحزن ان الله معنا فأنزل الله سكينته عليه...» التوبة/40... و من مثل «قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها و تشتكي الي الله و الله يسمع تحاوركما» المجادلة/1... و من مثل «قد نري تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام و حيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره» البقرة/144... يلاحظ من هذا سعة الرعاية الالهية التي يوليها الباري‌ء عزوجل نبيه الكريم و المدي العريض للمتابعة الالهية التي يحيطها الله بالرسول الكريم مما لا يعرف له مثل في الموقف الالهي من سائر الانبياء و الرسل...ان في هذا دلالة علي ان الله جعل اعزاز نبيه صلي الله عليه و سلم و اكرامه و تقريبه من ذاته العلية و حفوله الكبير مسألة منهجية مستمدة في معاملة النبي من خلال الوحي و خارجه و ان ملامح ذلك و صوره متناثرة في التنزيل العزيز و متوزعة فيه فلقد كان رسول الله من هذه الناحية يحيا في اجواء الرعاية الالهية محدوبا عليه و مشمولا من ربه العظيم بكل نعمة عظيمة... و من معالم ذلك ما جاء في القرآن الكريم من قوله تعالي:«قد نري تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبله ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام...» البقرة/144. فان في هذا النص ان الله كان ينظر الي تقلب وجه النبي في السماء و قد اورد ذلك بكلمة «قد» المؤكدة للامر. اذ كان النبي صلي الله عليه و سلم اذ فرضت الصلاة ايام العهد المكي ينجه الي بيت المقدس في صلاته... و من هنا قيل في صفة بيت‌المقدس انه أولي القبلتين ثم قيل فيه انه ثالث الحرمين [23] ... و كان صلي الله عليه و سلم يتمني لو كانت الكعبة هي القبلة لا سيما بعد شخوصه و صحبه الي المدينة في الهجرة المعروفة... و لقد استجاب الله لنبيه استجابة قال فيها جل شأن «فلنولينك قبلة ترضاها قول وجهك شرط المسجد الحرام و حيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره».و كان المسلون طوع هذا الامر اذ انهم عندما نبهوا الي تحويل القبلة و كان فريق منهم في حال صلاة جامعة بادروا الي الاستدارة فورا و في ذلك ما يشير الي ان الامر الالهي بتحويل القبلة من بيت‌المقدس الي الكعبة لقي هوي لدي المسلمين، فان لمكة في نفوس العرب جميعا معني لا يزاحمه من أرض الله و بقاع دنياه شي‌ء. لقد كان اقتراح النبي علي ربه في صدد تحويل القبلة. و الموضوع في ذلك موضوع عبادة و صلاة قد حاز قبولا عند الله اكرم به نبيه و نفذ له مقترحه ورد للكعبة اعتبارها القديم اذ اجمعت العرب منذ جاهليتها علي النظر اليها نظرة سامية عالية. و قد جرت تسميتها بلفظ «بكة» عدولا عن اسمها الشائع «مكة» لانها كانت ما تزال غير آئلة الي حظيرة الاسلام و كذلك من اجل عدم اثارة حنين المهاجرين الهيا. و ان تسميتها بالمسجد الحرام معروفة عند [ صفحه 86] المسلمين علي اعتبار ذلك مما ستؤول اليه هذه البلدة الكريمة العظيمة لن احتضان الاسلام و الانتماء اليه...و قوله تعالي «قد نري تقلب وجهك في السماء» يدل علي ان النبي صلي الله عليه و سلم كثر تقلب وجهه في السماء علي جهة يفهم منها فرط حرصه و تعاظم رجائه و تكرر توسلاته و وقوفه مكان اللائذ بلطف الله و عون الله في تحقيق رجائه هذا... و مما يدخل في اطار المتابعة الالهية قوله تعالي «قد نعلم انه ليحزنك الذي يقولون فانهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون» الانعام/33... فان الله جل شأنه اذ يتابع موقف الناس من رسوله فانه شهد انهم لا يتهمونه بالكذب لانهم لم يسجلوا عليه من ذلك شيئا قل او كثير فهو الصادق الأمين منذ ايام شبابه الي ايام مبعثه رسولا الي قومه و من وراءهم من الاقوام...لقد كان النبي صلي الله عليه و سلم يعمل في تجارة خديجة قبل الزواج منها و بعده. و مجال التجارة مجال تبرز فيه المزالق و تظهر فيه سلوكيات يتنبه الناس اليها ان كانت حسنة او كانت غير حسنة. و التجارة همزة وصل بين من يعمل في حقلها و بين من يتعامل مع ذويها بغض النظر عن الديانات و المعتقدات و مراتب الناس و قد يكون فيهم الغريب و الساذج و الضعيف و الحر و الرقيق و الغافل ممن يتعرضون لتعامل فيه خروج علي المألوف و المعتاد في تعامل ذوي الغني و القوة و الشأن و القرابة و غير ذلك... فقد اجتاز النبي هذه المرحلة الحرجة و هو في رأي الناس كلهم صادق و امين و نزيه و كما قلنا لقد شهد الله علي تنزيه الناس رسوله من انه لم يكن محل تكذيب احد منهم و لا محل اتهام و لا شك في تمتعه بالفضائل و الكمالات التي يحمد عليها المتصف بها و التي لا ينساها من تعرف عليها و كان قريبا منها و هي اي فترة التجارة هذه لم تكن مما يعد بالاشهر بل كانت تعد بالاعوام الطوال...و في القرآن الكريم «... و يوم حنين ا أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا و ضاقت عليكم الارض بما رحبت ثم وليتم مدبرين» التوبة/25... و فيها تصوير لحالة الادبار و الكثرة التي وقع اعجاب القوم بها و ما الي ذلك من المشاهد التي جاء بها النص و المتابعه هنا كائنة و قائمة...و من المتابعة الالهية قوله تعالي «و اذ غدوت من أهلك تبوي‌ء المؤمنين مقاعد للقتال و الله سميع عليم» آل‌عمران/121... فان غدو النبي من بيته للقيام بمهمة التسويق العسكري اشار اليه الله و هي اشارة تعني تقدير الموقف و ان علم الله به يتبعه عونه تسديد التحرك فيه و قرن عاقبته بالنجاح و التوفيق...و من آيات المتابعة قوله تعالي «اذ تصعدون و لا تلوون علي أحد و الرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا علي ما فاتكم و لا ما أصابكم و الله خبير بما تعملون» آل‌عمران/153... فان الله ينبي‌ء الرسول بأنه كان يشهد موقفه في المعركة اذ انفضوا عنه و هو ثابت القدم يدعوهم ان يرجعوا اليه لكسب المعركة و اشعار الله نبيه بأنه كان يراه في هذه الحالة يدل علي فرط حفول الباري‌ء به صلي الله عليه و سلم...و من آيات المتابعة قوله تعالي «ان الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون، و لو أنهم صبروا حتي تخرج اليهم لكان خيرا لهم و الله غفور رحيم» الحجرات 5/4... في النص وصف لما وقع من قوم كانوا يتصارخون يخبرون رسول الله بقدومهم عليه من وراء باحات البيوت. اذ ان الحجرات تعني ذلك و لا تعني الغرف في هذا المكان من النص القرآني. فلقد صور الله المشهد علي ما كان قد كان و حكم الله علي اولئك القوم بأن أكثرهم علي جهل و غياب عقل لان تصرفهم لم يكن لائقا و لا مقبولا و لا مرضيا. و قوله تعالي «و لو أنهم صبروا حتي تخرج اليهم» فيه [ صفحه 87] من معاني المتابعة ما يجعلهم لو كانوا قد صبروا لنظر اليهم الله و هم علي حال من الصبر و الانتظار و قد خرج اليهم النبي...و من آيات المتابعة الالهية لاعمال النبي قوله «عفا الله عنك لم أذنت لهم حتي يتبين لك الذين صدقوا و تعلم الكاذبين» التوبة/43...بدأ النص بكلمة العفو التي هي هنا كلمة الهية تسقط بها كل مسؤولية، ولكن الله تولي تعليم نبيه و متاعبة اعماله و اقواله التي يتولي تعليم نبيه و متابعة اعماله و اقواله التي يتولي تصحيحها بالوحي و التنبيه علي ما يدق منها و يجل فان ذلك مسألة طبيعية في عالم النبوات فما من نبي لم يصحح الله له تصرفا فعليا او قوليا. و آيات التنزيل صريحة في ذلك لان الحكمة كلها من الله يتابع تلقين الانبياء بها في كل حين. و في كلمة العتاب هذه تعليم للنبي كيف يعمل في مثل هذه المطالب... فقد كان التنبيه منصرفا الي تخطيط القاعدة التي يتم وفقها اجراء ما يجب علي النبي عمله عند الاذن و الاستئذان... و من بالغ لطف الله برسوله انه بدأ القول بالعفو الالهي الصريح عن النبي و لو لم يكن قد بدأه بذلك لما كان فيه من ايذاء للنبي او ما يجب التعزير فيه، ولكن اللطف الالهي المسبغ علي النبي ابدا هو الذي جعل كلمة العفو تسبق ما يشبه العتب في موضوع ذلك الاذن.و في النص تركيز علي ان النبي لا يعلم الغيب و لا تتكشف له اسرار النفوس لان علم تكنه الصدور بين اضلاعها انما هو من اختصاص الله وحده و في النص بيان بان الرسول كان يجتهد في اصدار بعض القرارات علي ضوء المقدمات التي تكون لديه... و في الحديث النبوي الشريف (لعل بعضكم يكون ألحن بحجته فأحكم له و انما احكم له بقطعة من النار...).و فيما اوردناه في هذا الباب كفاية لما اردنا اثباته من أن الله عزوجل كان يتابع تحركات رسوله متابعة عناية و تفقد و رعاية...

القرآن الكريم و قراءته...

القرآن الكريم كتاب الله الذي انزله منجما علي رسوله محمد صلي الله عليه و سلم و قد اودع فيه حقائق الدين و أحكام الشريعة و انباء الرسل و احداث الامم من آمن منها بالله و من جحده و كفر به... و قد استغرق نزول القرآن ثلاثا و عشرين سنة لو راجعها المراجع لرأي فيها مراحل الدعوة الاسلامية و خطوات النبي في مراودة الاحداث و شاهد مواقف الناس في ساحة الدعوة و لاستطاع ان يلم بسائر ما حدث للرسول و هو يدعو قومه الي الله و لرأي رأي العين تمام نصر الله عزوجل... و من اجل ذلك جعلنا القرآن مصدرنا الوحيد في تتبع سيرة الرسول الاعظم محمد صلي الله عليه و سلم... علي ان القرآن قد جاء وصفه في تضاعيف آياته و في طي كلام منزله جل شأنه فهو الذي يهدي للتي هي اقوم علي ما جاء به النص في سورة الاسراء الآية التاسعة «ان هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم و يبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات ان لهم اجرا كبيرا»...و القرآن معدن شفاء الصدور «ننزل من القرآن ما هو شفاء و رحمة للمؤمنين و لا يزيد الظالمين الا خسارا» الاسراء/82 و هو الذي صرف الله فيه للناس الامثال و العبر و مواقع الموعظة الحسنة «و لقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل و كان الانسان اكثر شي‌ء جدلا» الكهف/54... و هو الذي انزله الله لسعادة البشر «ما انزلنا عليك القرآن لتشقي» سورة طه الآية الثانية... و كذلك جاء فيه النص القائل «و لقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل...» الروم/58...و لقد لقي القرآن من القوم رفضا و عنادا عن تقبله من غير ما حجة يعلمونها في رفضه علي طبحة موفقهم منه و أحقية انكارهم اياه «و قال الذين [ صفحه 88] كفروا لن نؤمن بهذا القرآن و لا بالذي بين يديه» سبأ/31...كذلك كانت اقاويل القوم في الاعتراض علي القرآن و منها قولهم «لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة، كذلك لنثبت به فؤادك و رتلناه ترتيلا» الفرقان/32 و كان من سوء مواجهة القوم للصوت القرآني الذي كان يدخل الي نفوسهم من غير ان يجدوا القدرة علي منع تسربه اليها. «و قال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن و الغوا فيه لعلكم تغلبون» فصلت/26... و من اعتراضاتهم علي الشخصية التي نزل عليها القرآن قولهم «و قالوا لو لا نزل هذا القرآن علي رجل من القريتين عظيم» الزخرف/31... و كل اولئك من الاقاويل التي لا تنهض حجة لكفار مكة في انصرافهم عنه... و كان القرآن يناقشهم النقاش المنطقي الهادي‌ء من غير أن يدخل و اياهم في مآزق جدلية فارغة من المحتوي المنطقي «أفلا يتدبرون القرآن ام علي قلوب أقفالها» محمد/24. و ما جاء من صفة القرآن في القرآن كان جديرا بترقيق القلوب و اخذها الي الهدي بكل رفق «فذكر بالقرآن من يخاف وعيد» ق/45 و كذلك قوله تعالي «و لقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر» القمر/17... اما قوله تعالي «لو انزلنا هذا القرآن علي جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله و تلك الامثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون» الحشر/21 فانه نص ذائع الوصف لهذا الكتاب الخالد العظيم و فيه ما يعطيه مكانته التي يستحقها ما بين كتب الله و صفحه و المراد بهذه العبارة البليغة أن للقرآن أثره القوي التأثير في عالم الحياة اذ انه معدن هدي و رشاد و نبع خير و اصلاح و مناط امل و رجاء... و من صفات القرآن المثبتة في آياته قوله تعالي: «شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدي للناس و بينات من الهدي و الفرقان» البقرة/185...ان القرآن كتاب انذار و تبليغ للناس علي اختلافه اماكنهم و ازمنتهم «و أوحي الي هذا القرآن لانذركم به و من بلغ» الانعام/19... و قد امر الله الأمة أن تستمع الي القرآن عند قراءته و ان تنصت اليه كل انصات «و اذا قري‌ء القرآن فاستمعوا له و أنصتوا لعلكم ترحمون» الاعراف/204... و لتلاوة القرآن الكريم آداب و رسوم جاءت الاشارة اليها في القرآن «فاذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم» النحل/98... و اذ ان النبي حين كان يقرأ القرآن فان ذلك يغيظ الكفار و المشركين غيظا وراء غيظ و كان الله يعصمه اذاهم و سخطهم و موقفهم العدائي «و اذا قرأت القرآن جعلنا بينك و بين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا» الاسراء/45. و في النص ان الله يكبتهم و يخذلهم و يروح النبي يتلو كتاب ربه من غير أن يملك خصومه اسكاته و منعه عنه رغم تضجيجهم و لغوهم و استفزازاتهم العدوانية الخائبة و هناك و كان يدلي باقتراحات فاشلة لا تدل علي غير الفهاهة في الجدل و المتاهة في النقاش و المناظرة و من ذلك «و اذا تتلي عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا أئت بقرآن غير هذا أو بدله...» يونس/15.ان جميع الشواهد من دخل القرآن و خارجه تؤكد ان القرآن هو قرآن الله و هو كتابه و وحيه الي رسوله محمد صلي الله عليه و سلم...«و ما كان هذا القرآن ان يفتري من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه و تفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين» يونس/37 و كذلك نقرأ في القرآن قوله تعالي «افلا يتدبرون القرآن و لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا» النساء/82... و قد كانت للقرآن طريقة التلاوة سميت الترتيل «و رتل القرآن ترتيلا» المزمل/4... و مثل ذلك «... كذلك لنثبت به فؤادك و رتلناه ترتيلا» الفرقان/33... [ صفحه 89] لقد كان النبي يتلقي القرآن من ربه بوحي منه تعالي يفرغه في قلبه من غير ان يصل الي علم البشر سر ذلك «و انك لتلقي القرآن من لدن حكيم عليم» النمل/6... و التلقي لفظ يعبر به عن ثقل محتوي ما يتلقاه متلقيه... و القرآن ينص علي ان الرسول كان يستقبل الوحي القرآني بدقة تامة و توجيه الهي حكيم «لا تحرك به لسانك لتعجل به ان علينا جمعه و قرآنه فاذا قرأناه فاتبع قرآنه...» القيامة 18/16 و كذلك جاء في القرآن الكريم «و قرآنا فرقناه لتقرأه علي الناس علي مكث و نزلناه تنزيلا» الاسراء/106... اما قوله تعالي «سنقرئك فلا تنسي» الاعلي/6... فانه يعني ان الله ضمن للقرآن السلامة بحسن الاقراء و مراقبته... غير ان قوله تعالي اثر ذلك «الا ما شاء الله» فانه ليس استثناءا في وقوع النسيان عليه و انما هو استثناء مما وعد الله نبيه ان سيقرئه... فان ما يصل الي النبي من شرع الله ليس كله قرآنا متلوا فان هناك ما هو غير متلو و هذا ماعناه الاستثناء في الاية الكريمة... و علي هذا فان قوله تعالي «الا ماشاء الله» فالمراد به - و الله اعلم - انه ما يلقي علي الرسول من امور هي من غير الوحي المتلو مما يريد الله افهام نبيه به علي نحو ما ذكرنا في باب الوحي من ايصال بعض الامور الي النبي من غير القرآن و لذا جاء النص بصيغة «سنقرئك» اذ جعل حكم بعض هذه المسائل حقيقا بالرسوخ في الذهن علي حجم ما فيها من معان و معلومات اراد الله لنبيه ان يلم بها...اما ما يكون من الامور التي يطلع الله رسوله عليها مما هي خارج اطار الوحي فان فيها ما يؤدي مهمة آنية يقتضيها ظرف آني و لذا قال تعالي «سنقرئك فلا تنسي. الا ما شاء الله» ما لا نقرئكه، فما اقرأناك فانا نريد له البقاء لانه محل الانتقاع و المراجعة و ما لم نشأ قراءته عليك و هو الذي قد يكون فيه ما لا يراد له البقاء. و المشيئة الالهية هنا في الاقراء و عدمه و ليس في النسيان و عدمه...قلنا و ليس في هذا مما يدخل في حيز الآي القرآني شي‌ء... و السورة مكية و هي كذلك من قصار السور فلو كان المراد بقوله تعالي «سنقرئك» - ان يقرئه القرآن - فان التحذير من النسيان لا يكون من نسيان قصار السور كما انه صلي الله عليه و سلم غاية في النباهة و الذكاء و الفطنة و قد جاء بقرآن فيه الألوف الكثيرة من الايات فكان حافظا ذلك أدق الحفظ و قارئا اياه في المجتمعات يتحدي به اهل الارض جميعا بل ان حفظ القرآن بكل دقة و ضبط نراه علي عهدنا هذا لدي كثير من المكفوفين الذين لا يتميزون بذكاء خاص فان في حفظهم اياه دليلا علي امكانية حفظه من قبل كل ذي رغبة في حفظه و استظهاره و تلاوته من غير تقصير في شي‌ء من ذلك... و استعدادات الحفظ لدي الصبيان و غيرهم ثابتة و مشهودة... و كان علي عهده صلي الله عليه و سلم آلاف من الصحابة يستظهرون القرآن فليس في استظهاره ما يعد من المعجزات لذا لا يقبل قول من قال من تفسير قوله تعالي «فلا تنسي الا ماشاء الله» اي ان النسيان كان يعرض للنبي و قوله تعالي «انه يعلم الجهر و ما يخفي» دليل قاطع علي ان المقروء ليس قرآنا و ان ما استثناه الله مما قد ينسي هو من هذا الباب اي من باب «انه يعلم الجهر و ما يخفي» و في ذات السورة «و نيسرك لليسري. فذكر ان نفعت الذكري. سيذكر من يخشي» في النص أمر أمر به الباري‌ء رسوله قائلا له «فذكر ان نفعت الذكري». و التذكير هنا قد يكون بالقرآن و قد يكون بما وراء القرآن و بما علم الله نبيه من امور الدين كل ذلك يقوله النبي عند مخاطبة الناس خلال وعظه و ارشاده و خطبه... [ صفحه 90] و علي هذا يكون قوله تعالي «سنقرئك فلا تنسي» مما لا يعد من الآيات و السور و النصوص القرآنية المقروءة. فلو كان ذلك كذلك لما ورد في النص «فلا تنسي الا ماشاء الله» و ذاك لان الله اذ ينزل النص القرآني لا يعقبه بما يشكك فيه و يقضي برفعه و الغاء حكمه لان الله تعهد بتثبيت دينه و حفظ قرآنه و اذا كان الله يوصي النبي بقوة الحفظ فكيف يعمد الي استثناء ما ينسي من وحيه «سنقرئك فلا تنسي الا ماشاء الله...»ان قراءة القرآن الكريم من الاوامر المرجحة و العبادات الخالصة داخل الصلاة و خارجها و قد أمر المسلمون بقراءة القرآن و تلاوته. و الرسول كذلك دعي الي قراءة القرآن لتكون قراءة سبيلا لا يصاله الي الناس قصد التبليغ و الدعوة الي الدين في سائر الاوقات من غير تحديد زمن ذلك فيما يقرأ منه خارج الصلاة... و لقراءة القرآن عند القائه الي النبي توجيه الهي من اجل ضمان سلامته. و كان اول ما نزل من القرآن نزل مبدوءا بمخاطبة النبي بلفظ «اقرأ» لبيان ان أعمدة الشريعة ستقوم علي أمر القراءة و علي ان هناك قرآنا سينزل علي النبي يعمد الي قرائته و يفرض ذلك علي الامة اذ انه لا تصح الصلاة الا به... و ذاك قوله تعالي «اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الانسان من علق، اقرأ و ربك الاكرم الذي علم بالقلم» العلق4/1 و انما ذكر القلم هنا لبيان ان القراءة انما تكون في امور هي من عطائه...و للقرآن اكثر من اسم و لقب اذ يقال (القرآن الكريم. القرآن المجيد. التنزيل العزيز. الذكر الحكيم. الفرقان. الكتاب. المصحف الشريف) و من القرآن و محتواه الغزير العطاء و الكثيف المادة أستخرجنا تفاصيل سيرته صلي الله عليه و سلم فبثثناها علي عناوين و فصول و ابواب جاء منها هذا الكتاب...الله و الرسول...

الله والرسول

الرسول الاعظم اذ ارسله الله نبيا و رسولا الي العالم انما هو متكلم باسم مرسله و ناطق بكلام ربه و لذلك فان طاعة الناس اياه طاعة لله. معصيته معصية لله و هذا أمر بديهي في أمر الرسالات ولكن الرسول الاعظم نال من ربه منزلة عظمي اذ جاء ذكره في القرآن الكريم تبعا لذكر الله بل ان الله اورد اسم نبيه بعد اسمه في مواقع ظاهر فيها أن الله اراد تكريم نبيه و اجلاله و رفع ذكره و اعزاز شأنه في مثل قوله تعالي «اذ تقول للذي أنعم الله عليه و أنعمت عليه» الاحزاب/37 و مثل «الا أن أغناهم الله و رسوله من فضله» التوبة/74 و مثل ذلك «فان تنازعتم في شي‌ء فردوه الي الله و الرسول» النساء/59... و قد جعلت طاعة الرسول طاعة الله «و من يطع الرسول فقد اطاع الله» النساء/80... و اذ كانت خيانة الله كبيرة منهيا عنها فان خيانة الرسول هي كذلك «لا تخونوا الله و الرسول» الانفال/27. و جعل الله للرسول حصة في الغنائم مقرونة بحصة الله «فان لله خمسة و للرسول» الانفال/41... و جاء ذكر الايمان بالرسول مقرونا بالايمان بالله «و يقولون آمنا بالله و بالرسول» النور/47... و هددهم الله بحربه كما هددهم بحرب رسوله و هذا منتهي التكريم لشخص النبي اذ جعله ذا قوة يملك المحاربة بها «فان لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله و رسوله» البقرة/279. كما عد حرب رسوله امرا معاقبا عليه بما يعاقب به من يحارب الله «انما جزاء الذين يحاربون الله و رسوله و يسعون في الارض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا...» المائدة/33...و كذلك جعل الله الهجرة الي رسوله كالهجرة اليه عزوجل «و من يخرج من بيته مهاجرا الي الله و رسوله» النساء/100...و جعل ولاية الرسول كحكم ولاية الله «انما وليكم الله و رسوله...» المائدة/55... و جعل مشاقة الرسول كمشاقة الله «ذلك بأنهم [ صفحه 91] شاقوا الله و رسوله و من يشاقق الله و رسوله فان الله شديد العقاب» الانفال/13...و فيما يلي سرد للايات التي جاء فيها أسم الرسول و قد ألحق باسم الله و قرن به لبيان عظمة مركز الرسول عند ربه. و انما كان للرسول عند ربه هذا المركز اذ كان الله عزوجل قد صير منه شخصية متميزة جديرة بكل ثقة و تقدير و تكريم.«فان لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله و رسوله و ان تبتم فلكم رؤوس اموالكم لا تظلمون لا تظلمون [24] ... البقرة/279«قل أطيعوا الله و الرسول فان تولوا فان الله لا يحب الكافرين» آل‌عمران/32.«و اتقوا النار التي اعدت للكافرين. و أطيعوا الله و الرسول لعلكم ترحمون»... آل‌عمران 132/131«الذين استجابوا لله و الرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم و اتقوا أجر عظيم» آل‌عمران/172...«تلك حدود الله و من يطع الله و رسوله يدخله جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها و ذلك الفوز العظيم. و من يعص الله و رسوله و يتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها و له عذاب مهين»... النساء 14/13«يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله و أطيعوا الرسول و أولي الامر منكم فان تنازعتم في شي‌ء فردوه الي الله و الرسول ان كنتم تؤمنون بالله و اليوم الاخر ذلك خير و أحسن تأويلا»... النساء/59«و اذا قيل لهم تعالوا الي ما أنزل الله و الي الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا»... النساء/61«و من يطع الله و الرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين و حسن أولئك رفيقا»... النساء/69.«من يطع الرسول فقد أطاع الله و من تولي فما ارسلناك عليهم حفيظا»... النساء/80«و من يخرج من بيته مهاجرا الي الله و رسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره علي الله و كان الله غفورا رحيما»... النساء/100«يا ايها الذين آمنوا آمنوا بالله و رسوله و الكتاب الذي نزل علي رسوله و الكتاب الذي أنزل من قبل و من يكفر بالله و ملائكته و كتبه و رسله و اليوم الاخر فقد ضل ضلالا بعيدا»... النساء/136«انما جزاء الذين يحاربون الله و رسوله و يسعون في الارض فسادا أن يقتلوا او يصلبوا أو [ صفحه 92] تقطع أيديهم و أرجلهم من خلاف أو ينفوا من الارض...» المائدة/33...«انما وليكم الله و رسوله و الذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة و يؤتون الزكاة و هم راكعون، و من يتول الله و رسوله و الذين آمنوا فان حزب الله هم الغالبون»... المائدة 56/55.«و اطيعوا الله و أطيعوا الرسول و احذروا فان توليتم فاعلموا أنما علي رسولنا البلاغ المبين»... المائدة/92«واذا قيل لهم تعالوا الي ما أنزل الله و الي الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا و لا يهتدون»... المائدة/104«قل يا أيها الناس اني رسول الله اليكم جميعا الذي له ملك السماوات و الارض لا اله الا هو يحيي و يميت فآمنوا بالله و رسوله النبي الامي الذي يؤمن بالله و كلماته واتبعوه لعلكم تهتدون»... الاعراف/158«يسألونك عن الانفال قل الانفال لله و الرسول فاتقوا الله و أصلحوا ذات بينكم و أطيعوا الله و رسوله ان كنتم مؤمنين»... الانفال/1...«ذلك بأنهم شاقوا الله و رسوله و من يشاقق الله و رسوله فان الله شديد العقاب»... الانفال/13«يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله و رسوله و لا تولوا عنه و أنتم تسمعون»... الانفال/20«يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله و للرسول اذا دعاكم لما يحييكم و اعلموا أن الله يحول بين المرء و قلبه و أنه اليه تحشرون»... الانفال/24«يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله و الرسول و تخونوا أماناتكم و انتم تعلمون»... الانفال/27«و اعلموا أن ما غنمتم من شي‌ء فان الله خمسة و للرسول ولذي القربي و اليتامي و المساكين و ابن السبيل ان كنتم آمنتم بالله و ما أنزلنا علي عبدنا يوم الفرقان يوم التقي الجمعان و الله علي كل شي‌ء قدير»...الانفال/41«و أطيعوا الله و رسوله و لا تنازعوا فتفشلوا و تذهب ريحكم و اصبروا ان الله مع الصابرين»... الانفال/46«براءة من الله و رسوله الي الذين عاهدتم من المشركين، فسيحوا في الارض أربعة أشهر و اعلموا أنكم غير معجزي الله و ان الله مخزي الكافرين» [25] ... التوبة 2/1«و أذان من الله و رسوله الي الناس يوم الحج الاكبر أن الله بري‌ء من المشركين و رسوله فان تبتم فهو خير لكم و ان توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله و بشر الذين كفروا بعذاب أليم»... التوبة/3«كيف يكون للمشركين عهد عند الله و عند رسوله الا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ان الله يحب المتقين»... التوبة/7 [ صفحه 93] «أم حسبتم أن تتركوا و لما يعلم الله الذين جاهدوا منكم و لم يتخذوا من دون الله و لا رسوله و لا المؤمنين وليجة و الله خبير بما تعملون»... التوبة/16«قل ان كان آباؤكم و أبناؤكم و اخوانكم و أزواجكم و عشيرتكم و أموال اقترفتموها و تجارة تخشون كسادها و مساكن ترضونها أحب الله اليكم من الله و رسوله و جهاد في سبيله فتربصوا حتي يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين»... التوبة/24«قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله و لا باليوم الآخر و لا يحرمون ما حرم الله و رسوله و لا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتي يعطوا الجزية عن يد و هم صاغرون»... التوبة/29...«و ما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم الا أنهم كفروا بالله و برسوله و لا يأتون الصلاة الا و هم كسالي و لا ينفقون الا و هم كارهون»... التوبة/54«و لو أنهم رضوا ما اتاهم الله و رسوله و قالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله و رسوله انا الي الله راغبون»... التوبة/59«يحلفون بالله لكم ليرضوكم و الله و رسوله أحق أن يرضوه ان كانوا مؤمنين، ألم يعلموا أنه من يحادد الله و رسوله فأن له نار جهنم خالدا فيها ذلك الخزي العظيم»... التوبة 63/62«و لئن سألتهم ليقولن انما كنا نخوض و نلعب قل أبالله و آياته و رسوله كنتم تستهزئون»... التوبة/65«و المؤمنون و المؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر و يقيمون الصلاة و يؤتون الزكاة و يطيعون الله و رسوله أولئك سيرحمهم الله ان الله عزيز حكيم»... التوبة/71«يحلفون بالله ما قالوا و لقد قالوا كلمة الكفر و كفروا بعد اسلامهم و هموا بما لم ينالوا و ما نقموا الا أن أغناهم الله و رسوله من فضله فان يتوبوا يك خيرا لهم و ان يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا و الاخرة و ما لهم في الارض من ولي و لا نصير»... التوبة/74«استغفر لهم أو لم تستغفر لهم ان تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ذلك بأنهم كفروا بالله و رسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين»... التوبة/80«و اذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله و جاهدوا مع رسوله استأذنك أولوا الطول منهم و قالوا ذرنا نكن مع القاعدين»... التوبة/86«و جاء المعذرون من الاعراب ليؤذن لهم و قعد الذين كذبوا الله و رسوله سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم، ليس علي الضعفاء و لا علي المرضي و لا علي الذين لا يجدون ما ينفقون حرج اذا نصحوا لله و رسوله ما علي المحسنين من سبيل و الله غفور رحيم»... التوبة 91/90«و من الاعراب من يؤمن بالله و اليوم الاخر و يتخذ ما ينفق قربات عند الله و صلوات الرسول ألا انها قربة لهم سيدخلهم الله في رحمته ان الله غفور رحيم»... التوبة/99«و قل اعملوا فسيري الله عملكم و رسوله و المؤمنون و ستردون الي عالم الغيب و الشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون»... التوبة/105«و الذين اتخذوا مسجدا ضرارا و كفرا و تفريقا بين المؤمنين و ارصادا لمن حارب الله و رسوله من قبل و ليحلفن إن أردنا الا الحسني و الله يشهد انهم لكاذبون»... التوبة/107«و يقولون آمنا بالله و بالرسول و أطعنا ثم يتولي فريق منهم من بعد ذلك و ما اولئك بالمؤمنين، و اذا دعوا الي الله و رسوله ليحكم بينهم اذا فريق منهم معرضون»... النور 48/47«أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم و رسوله بل أولئك هم الظالمون، انما [ صفحه 94] كان قول المؤمنين اذا دعوا الي الله و رسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا و أطعنا و أولئك هم المفلحون، و من يطع الله و رسوله و يخش الله و يتقه فأولئك هم الفائزون»... النور 52/50«ق أطيعوا الله و أطيعوا الرسول فان تولوا فانما عليه ما حمل و عليكم ما حملتم و ان تطيعوه تهتدوا و ما علي الرسول الا البلاغ المبين»... النور/54«انما المؤمنون الذين آمنوا بالله و رسوله و اذا كانوا معه علي أمر جامع لم يذهبوا حتي يستأذنوه ان الذين يستأذنون أولئك الذين يؤمنون بالله و رسوله فاذا استأذنوك لبعض شأنهم فائذن لمن شئت منهم و استغفر لهم الله ان الله غفور رحيم»... النور/62«و اذ يقول المنافقون و الذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله و رسوله الا غرورا»... الاحزاب/12«و لما رأي المؤمنون الاحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله و رسوله و صدق الله و رسوله و ما زادهم الا ايمانا و تسليما»... الاحزاب/22«و ان كنتن تردن الله و رسوله و الدار الاخرة فان الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما»... الاحزاب/29«و من يقنت منكن لله و رسوله و تعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين و أعتدنا لها رزقا كريما» [26] ... الاحزاب/31«و قرن في بيوتكن و لا تبرجن تبرج الجاهلية الاولي و اقمن الصلاة و آتين الزكاة و أطعن الله و رسوله انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهركم تطهيرا»... الاحزاب/33«و ما كان لمؤمن و لا مؤمنة اذا قضي الله و رسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم و من يعص الله و رسوله فقد ضل ضلالا مبينا»... الاحزاب/36«ان الذين يؤذون الله و رسوله لعنهم الله في الدنيا و الآخرة و أعد لهم عذابا مهينا»... الاحزاب/57«يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله و أطعنا الرسولا»... الاحزاب/66«يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله و قولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم و يغفر لكم ذنوبكم و من يطع الله و رسوله فقد فاز فوزا عظيما»...الاحزاب71/70«يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله و اطيعو الرسول و لا تبطلوا اعمالكم»... محمد/33«لتؤمنوا بالله و رسوله و تعز روه و توقروه و تسبحوه بكرة و أصيلا»... الفتح/9«و من لم يؤمن بالله و رسوله فانا أعتدنا للكافرين سعيرا»... الفتح/13«و من يطع الله و رسوله يدخله جنات تجري من تحتها الانهار و من يتول يعذبه عذاب أليما»... الفتح/17«يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله و رسوله و اتقوا الله ان الله سميع عليم»... الحجرات/1«قالت الاعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا و لما يدخل الايمان في قلوبكم و ان تطيعوا الله و رسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا ان الله غفور رحيم، انما المؤمنون الذين آمنوا بالله و رسوله ثم لم يرتابوا و جاهدوا بأموالهم و أنفسهم في سبيل الله اولئك هم الصادقون»... الحجرات 15/14 [ صفحه 95] «آمنوا بالله و رسوله و أنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فالذين آمنوا منكم و انفقوا لهم أجرا كبير»... الحديد/7«يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله و آمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته و يجعل لكم نورا تمشون به و يغفر لكم و الله غفور رحيم»... الحديد/28«فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل ان يتماسا فمن لم يستطع فاطعام ستين مسكينا ذلك لتؤمنوا بالله و رسوله و تلك حدود الله و للكافرين عذاب أليم، ان الذين يحادون الله و رسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم و قد أنزلنا آيات بينات و للكافرين عذاب مهين»... المجادلة 5/4«أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فاذ لم تفعلوا و تاب الله عليكم فأقيموا الصلاة و آتوا الزكاة و أطيعوا الله و رسوله و الله خبير بما تعملون»... المجادلة/13«ان الذين يحادون الله و رسوله اولئك في الأذلين»... المجادلة/20«لا تجد قوما يؤمنون بالله و اليوم الاخر يوادون من حاد الله و رسوله و لو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو اخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الايمان و ايدهم بروح منه و يدخلهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها رضي الله عنهم و رضوا عنه اولئك حزب الله ألا ان حزب الله هم المفلحون»...المجادلة/22«و لو لا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا و لهم في الاخرة عذاب النار، ذلك بانهم شاقوا الله و رسوله و من يشاق الله فان الله شديد العقاب». الحشر 4/3«و ما أفاء الله علي رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل و لا ركاب ولكن الله يسلط رسله علي من يشاء و الله علي كل شي‌ء قدير، ما أفاء الله علي رسوله من اهل القري فلله و للرسول و لذي القربي و اليتامي و المساكين و ابن السبيل كي لا يكون دولة بين الاغنياء منكم و ما آتاكم [27] الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا و اتقوا الله ان الله شديد العقاب، للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم و أموالهم يبتغون فضلا من الله و رضوانا و ينصرون الله و رسوله أولئك هم الصادقون» الحشر 8/7/6«يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم علي تجارة تنجيكم من عذاب أليم، تؤمنون بالله و رسوله و تجاهدون في سبيل الله بأموالكم و أنفسكم ذلكم خير لكم ان كنتم تعلمون»... الصف/11«يقولون لئن رجعنا الي المدينة ليخرجن الاعز [28] منها الأذل و لله العزة و لرسوله و للمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون»... المنافقون/8«فآمنوا بالله و رسوله و النور الذي أنزلنا و الله بما تعملون خبير»... التغابن/8 [ صفحه 96] «و أطيعوا الله و أطيعوا الرسول فان توليتم فانما علي رسولنا البلاغ المبين»... التغابن/12«قل اني لن يجيرني من الله أحد و لن أجد من دونه ملتحدا، الا بلاغا من الله و رسالاته و من يعص الله و رسوله فان له نار جهنم خالدين فيها أبدا»... الجن23/22لقد قرن الله بين اسمه جل شأنه و بين اسم رسوله الاعظم في الزام الامة بالطاعة التامة لله و لرسوله مما يرد بشتي الصيغ و العبارات التي تحتمل أي تأويل يخرجها عن هذا الخط ففي هذا السرد ما يدل علي ان الله انما قرن اسمه رسوله باسمه اعزازا بمكانة نبيه منه و تقريبا له و تكريما.

الاعمال النبوية الخاصة...

الامور التي ناطها الله بالرسول الاعظم فكانت خاصة به لا يليها و لا تقع فيها الوكالة و النيابة الي من سواه و لا يليها خلفاؤه من بعده انما هي أمور تختلف عن أمور التبليغ و العبادات و عموميات القضايا الشرعية و الدنيوية. و من هذه الاعمال ما جاء في القرآن الكريم من الكلام علي صلاة الخوف التي ورد بها النص التالي:«و اذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك...» [29] النساء/102... هذا نمط الصلاة الجماعية التي وصفت بصلاة الخوف علمها الله رسوله العظيم تطبيقا لمبدأ القيادة الواحدة فاذا كان يجوز المسلمين يوما ما ان يؤمهم اكثر من قائد فلا مكان لصلاة الخوف عند ذلك فاذا التزمت الامة بوحدة القيادة فلعله قد يفتي عندئذ بتطبيق صلاة الخوف فيلي امامتها امام واحد...اما القيادة السياسية و العسكرية فهي له صلي الله عليه و سلم و ليست لغيره الا اذا دفع راية القتال لمن شاء من فرسان الصحابة و بعد وفاة الرسول لم يقع ان طبقت القيادة هذه الصلاة مما يدل علي احد امرين الاول ان تكون صلاة الخوف من خصوصيات اعمال النبي و الثاني ان تكون صلاة الخوف مسألة اجتهادية. و في النص ايضاح للدور القيادي لرسول الله في سائر الساحات و منها ساحات القتال...و مما يدخل في اطار الاعمال النبوية الخاصة ما كان لرسول الله من حق الزواج بأكثر من اربع نساء و كذلك ما كان من منع زواج نسائه من قبل أي من الناس. و يعد من هذا الباب أن بناته و ازواجه لم يكن لهن من ميراثه شي‌ء: و قد جاء في الحديث النبوي الشريف «نحن معاشر الانبياء لا نورث ما تركناه صدقة»...و من ذلك منع المسلمين مواصلة الصوم و لو شاء النبي ذلك فان له ذلك. فانه صلي الله عليه و سلم قال انه يبيت يطعمه ربه و يسقيه مما يستدل به علي وجود استعداد لديه صلي الله عليه و سلم يعينه علي تحمل الجوع و العطش. كما أن منع المسلمين من مواصلة الصوم انما كان من اجل حمايتهم من التعرض لما يشق عليهم مما لا ضرورة تقتضيه...و ما كان من خصوصيات اعماله صلي الله عليه و سلم انما كان ضمن عدد يسير غير كثير و ذلك ليكون النبي علي ذات الحالة التي تكون عليها الامة من العبودية الخالصة لله و التساوي في مجالات طاعة الله و التقيد بأوامر و نواهيه. فما كانت الامة قد خوطب به فهو مما كان قد خوطب به النبي ايضا و لذلك كانت صلاته صلي الله عليه و سلم من نفس صلاة [ صفحه 97] المسلمين يقرأ فيها ما يقرأون و يقرأون فيها ما يقرأ و يركعون و يسجدون علي حال واحدة. و كذلك القول علي سائر شعائر الحج... اما امتيازاته صلي الله عليه و سلم علي الناس فانما كانت بامور غير امور الناس...القصص القرآني [30] ...كلمة القصص تعني سرد الاحداث من قبل من رآها و واقعها «فلما جاءه و قص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين» القصص/25... ان ما في القصص القرآني من سير الانبياء و الرسل و اخبار الامم القديمة في صدد كفرها و ايذائها رسلها و تحمل اولئك الرسل ما كان يصيبهم من سفهاء قومهم كل اولئك يعد من الدروس التثقيفية للنبي صلي الله عليه و سلم و هي كذلك من الدروس الوعظية التي تدعو الي التصبر و التحمل و احتواء الاحداث المؤلمة المثبطة للعزائم فكان الرسول الاعظم يري كيف ان اخوانه المرسلين الاولين كانوا علي جانب عظيم من التحلم و التصبر و لين الخطاب و لطف الحديث فان قوم نوح حين قالوا له «انا لنراك فينا سفيها...» قال لهم بكل هدوء و ضبط اعصاب: «يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين. ابلغكم رسالات ربي و أنا لكم ناصح أمين» الاعراف 68/67.ان السخرية بالمصلحين و اهانة ذوي الرسالات الكريمة و ايذاء العلماء بالطعن في شخصياتهم لهو عمل لا يقترفه ذو خلق محمود و سلوك مريم و انما يقترفه من سفلت قيمته و جبنت نفسه و صغرت كل الصغار... و كان الرسل صلوات الله عليهم اذا وقف منهم اقوامهم مثل هذا الموقف اللئيم يتجاهلون ذلك بما يلجأون اليه من ضبط اعصابهم ضبطا لا يقع مثله لاكثر من ذوي الحلم في الناس حلما... و ليس يضير الكريم ان يسبه اللئام و الرعاع و الجهلة فان هؤلاء انما يصنعون ذلك تعبيرا عن جبنهم وضعة نفوسهم، اذ تنشأ في مثل هذه النفوس احقاد تنمو فيها حزازات تحملهم علي الانتقام من ظهور رجال فيهم يمتلكون الاخلاق العالية و القيم الفاضلة و قد أحسن الشاعر في وصفه مثل اخلاق الفريقين:يخاطبني السفيه بكل قبح و أكره أن اكون له مجيبايزيد سفاهة و أزيد حلما كعود زاده الاحراق طيباو اخيرا حين نصر الله نبيه و أقام به معالم دينه ادرك من كان من اشداء خصومه و عتاة اعدائه انهم فرطوا و أفراطوا. ذلك هو مثل الانبياء و الرسول الاعظم في مقدمتهم من حيث ما وهبه الله من الصبر و الحلم فان في النبوة شرفا عظيما يدفع النبي في مكافأته و مقابلته ما يدفع من اعصابه و من صبره و طاقة تحمله و لا عيب في ذلك و لا ضير... و ذاك ما ظهر به الجوهر الانساني العظيم في الرسول الكريم محمد بن عبدالله صلي الله عليه و سلم... و ذاك ما جاء به النص «و انك لعلي خلق عظيم» القلم/4...يصرح القرآن الكريم بأنه يقص علي رسول الله احسن ما هناك من قصص «نحن نقص عليك أحسن القصص» يوسف/3... و ذاك علي وجه التعليم و الاطلاع علي سير الاقدمين من النبيين و غيرهم مما لم يكن الرسول ذا علم او دراية به «تلك من انباء الغيب توجيها اليك ما كنت تعلمها انت و لا قومك من قبل هذا» هود/49 و كان الرسول صلي الله عليه و سلم [ صفحه 98] يزداد صبرا و يزداد صمودا و حرصا علي اداء مهام الدعوة التي نيطت به كلما وجد اخوانه لمرسلين قد صمدوا في مواجهة خصومهم و صبروا علي اذاهم و قد علمنا ان معظم الامم و الاقوام الذين بعث الله اليهم انبياء منهم كانوا كثيري العدوان علي انبيائهم...و قوله تعالي «نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا اليك هذا القرآن...» يفهم منه أن مخاطبة الرسول في هذا القصصص تعني أن الله عزوجل اراد بذلك تثقيف رسوله و تعليمه و توجيهه و تبصيره فان في سورة يوسف من احداث الحياة و غرائب الوقائع ما يتضح لدي قاري‌ء السورة. و من ينعم النظر فيها يخرج بفكرة مجملة عن قضايا لا يتوصل اليها بسهولة ولكن الله عزوجل أوصل من ذلك الكثير الي نبيه لا سيما ما كان منها في قضايا الظلم و العدوان و الغدر و ايذاء الناس و لا سيما - كذلك - مما يتعلق بمعاملات الشعوب لانبيائهم و ما يتعلق بصبر اولئك الانبياء علي ما تقلبوا فيه من المآسي و النكبات و الاحداث القاسية. و في سورة يوسف من معالم الفرج الالهي بعد استقرار اليأس في النفوس. و انا عندما نقرأ قصة أيوب في القرآن الكريم نراه عليه‌السلام قد بات مضرب المثل في الصبر و هو صبر علي قدر الله و قضائه و علي امتحانه و ابتلائه. و لم يضجر أيوب مما اصابه بل تحمله و عالج مصيبته فيه بكثرة الابتهال الي الله و الدعاء و الانابة و الاستغفار و قد كافأه الله علي ذلك اذ رد اليه عافيته و اهله...و حين نقرأ قصة نوح و ما قام به من صنع السفينة التي بذل في صنعها جهدا عظيما و كابد نصبا ثقيلا و لقي من ابن له استنكافا أن يتبعه و يركب معه في سفينته و قد علمنا من معاناة نوح عليه‌السلام في دعوة قومه الي دينه ما لا يطاق من الهم «قال رب اني دعوت قومي ليلا و نهارا. فلم يزدهم دعائي الا فرارا. و اني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا اصابعهم في آذانهم و استغشوا ثيابهم و أصروا و استكبروا استكبارا. ثم اني دعوتهم جهارا. ثم اني أعلنت لهم و أسررت لهم اسرارا» نوح 9/5... و كان قومه كثيري السخرية به. «و يصنع الفلك و كلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه...» هود/38...و حين نتابع سيرة موسي عليه‌السلام في القصص القرآني نري ضروبا من الهم و الاقدار تتكدس عليه. و كثيرا ما كان الخوف يركبه و يحيط به «فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين» القصص/21 و في قصة يونس و ابراهيم و زكريا و غيرهم تفاصيل من معاناة الانبياء لا يطيق حملها البشر...ان القصص القرآني غالب ما نزل منه نزل في السور المكية لتعرف الناس شرف هذا القرآن العظيم و حسن تسلكه في نفوسهم و قوة تأثيره فيهم و كان قصص القرآن قد استحضر تاريخ اجيال قديمة تعلم العرب من الوقوف عليه الكثير... ان سياسة القرآن في سرد قصص الانبياء كانت سياسة تأتي منها تحبيب لقوم ليسوا قومهم و حملهم علي الايمان بهم ايمانا صادقا و الدفاع عنهم بكل حرارة خلافا لما جرت عليه عادة التوراة من تبشيع سيرهم و اساءة سمعتهم و غمط حقوقهم صلوات الله و سلامه عليهم.و في القرآن الكريم «و كلا نقص عليك من انباء الرسل ما نثبت به فؤادك و جاءك في هذه الحق و موعظة و ذكري للمؤمنين» هود/120... مما يفهم منه عظم اثر القصص القرآني في سيرته صلي الله عليه و سلم.و في القرآن الكريم «نحن نقص عليك نبأهم بالحق...» الكهف/13. في قصة اهل الكهف. و كما ان الله عزوجل يقص علي رسوله ما يقص تعليما و تبيينا فانه يأمره كذلك ان يقص هو بدوره ذلك علي الناس و قد جاء في القرآن الكريم قوله «و لو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد الي الارض و اتبع هواه فمثله كمثل الكلب ان تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون» الاعراف/176... [ صفحه 99] و جاءت كلمة القصص في معني الاخبار و الاعلام و الانباء يستوي في ذلك ما كان من مفصل الكلام و ما كان من موجزه و من ذلك في موضوع الرسل «و رسلا قد قصصناهم عليك من قبل و رسلا لم نقصصهم عليك» النساء/164... اي احصيناهم و عددناهم. و مثل ذلك ايضا «و لقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك و منهم من لم نقصص عليك...» (المؤمن) غافر/78... في نفس المعني الذي أوردناه في الاية...و من آيات القصص القرآني «و علي الذين هادوا حرمنا قصصنا عليك من قبل و ما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون» النحل/118... و كذلك قوله تعالي «ذلك من أنباء القري نقصه عليك منها قائم و حصيد» هود/100... و بهذا نعلم أن استعمال كلمة القصص أدي مهمة التبليغ و التنبي‌ء و ايصال معلومات قرآنية الي النبي بهذا اللفظ و باسلوب القصص احيانا...

التثقيف القرآني...

من يقرأ القرآن الكريم يجد فيه قصصا و سيرا و احكاما و تشريعا ذا مسالك شتي من معاملات ترسم صور البيع و الشراء و تحدد صيغ العلاقات الاجتماعية من زواج و طلاق و ميراث و وصايا و ما هناك من حلال و حرام و قضايا عسكرية و اجتماعية و تحديد لحقوق ذوي الحقوق من النساء و الاطفال و الاعداء و الاصدقاء و ذوي القربي و بعض شرائح المجتمع كاليتامي و الاسري و الإماء. و كذلك الكلام علي قواعد العدل و الحكم بين الناس و كذلك ما يتعلق من نهي عن التصرفات السيئة و الاخلاق المذمومة من كذب و غش و تطفيف المكيال و الميزان و اكل اموال الناس بالباطل و شهادة الزور و الأيمان الفاجرة و ما الي ذلك ما تتكون منه ثقافة فقهية واسعة و ينشأ منه اطلاع علي كثير من مفردات الحياة علي تعدد فروعها الاجتماعية و الاخلاقية و السياسية و غيرها...و قد علمنا أن القرآن الكريم كان بما احتواه من علوم و احكام و تعاليم رشيدة قد اقام حضارة ضاهت حضارات الامم القديمة و قد نبغ في ما بعد في التخصص في سائر هذه العلوم علماء و فلاسفة و فقهاء و قضاة شهد لهم التأريخ الحضاري و المحافل العلمية بثقل الوزن و عظم الاقتدار...لقد كان ما ينزل من القرآن الكريم علي الرسول الاعظم في ما ينطوي في الاطر التي أشرنا اليها قد تأتي منه أن يكتسب الرسول الاعظم صلي الله عليه و سلم جماع الثقافة القرآنية لانه كان يتلقي مفردات القرآن بوعي و فهم و استيعاب يسمو علي ما يتهيأ للناس من ذلك...لم يكن النبي قد احاط علما من قبل بالمحتوي القرآني الذي كان يتلقاه من رب العالمين علي مدي ما يقرب من ربع قرن هو عمر السيرة النبوية الجليلة الشأن و العظيمة المكانة... و في القرآن الكريم «تلك من أنباء الغيب نوحيها اليك ما كنت تعلمها أنت و لا قومك من قبل هذا فاصبر ان العاقبة للمتقين»هود/49...و كذلك نقرأ في التنزيل العزيز قوله تعالي «و ما كنت لديهم اذ يلقون اقلامهم أيهم يكفل مريم و ما كنت لديهم اذ يختصمون» آل‌عمران/44...و في الآيات التالية اشارة جلية الي أن النبي لم يتلق قبل نزول القرآن شيئا مما جاء فيه من ثقافة و تحصيل علمي و دراية باخبار الرسل من قبله أي ان ثقافته صلي الله عليه و سلم انما تكونت مما تلقاه من آي القرآن الحكيم «و ما كنت بجانب الغربي اذ قضينا الي موسي الامر و ما كنت من الشاهدين. ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر و ما كنت ثاويا في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين. و ما كنت بجانب الطور اذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون. و لولا ان [ صفحه 100] تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت الينا رسولا فنتبع آياتك و نكون من المؤمنين» القصص 47/44.و في القرآن الكريم «نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا اليك هذا القرآن و ان كنت من قبله لمن الغافلين» يوسف/3...ان القرآن الكريم يؤكد علي توصية النبي صلي الله عليه و سلم بحسن تلقي القرآن من ربه و دقة الاصغاء الي ذلك بل ان النص الكريم يوضح انه صلي الله عليه و سلم كان يتعلم من ربه امورا يعلمه الله اياها. و ذاك واضح في قوله تعالي «لا تحرك به لسانك لتعجل به، ان علينا جمعه و قرآنه فاذا قرأناه فاتبع قرآنه... ثم ان علينا بيانه» القيامة 19/16...و في ذلك يكون الرسول الاعظم قد تعلم الكثير مما اراد له الله تعالي أن يتعلمه فكان فيه اعلم اهل زمانه و من سبقهم و من جاء بعدهم و القرآن اصدق شاهد علي هذه الجقيقة «... و أنزل الله عليك الكتاب [31] و الحكمة و علمك ما لم تكن تعلم و كان فضل الله عليك عظيما» النساء/113...و من القصص القرآني التعليمي قوله تعالي «نحن نقص عليك نبأهم بالحق انهم فتية آمنوا بربهم و زدناهم هدي و ربطنا علي قلوبهم اذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات و الارض لن ندعو من دونه الها لقد قلنا اذن شططا» الكهف/13... فان الله عزوجل قد قص علي نبيه قصة اهل الكهف و هي قصة تاريخية فيها عبر و حكم و اخبار فتية مؤمنين فروا بدينهم من الظالمين...

الجدل القرآني...

للجدل القرآني نظام و طراز خاص و كنت عزمت في دهر سبق علي أن أؤلف في ذلك كتابا في جدل القرآن ولكن عاقني عن ذلك اكثر من عائق. ان الجدل القرآني لا يشبه ما يقع بين الناس من جدل. اذ يعتمد علي مناقشة نقاط يرجح الكلام عليها في النقاش و يصرف النظر عن نقاط اخري و قد يبدو بعض ذلك غريبا علي من يتلو النصوص القرآنية في هذا الوجه و سنشير الي آيات انتضمها الجدل القرآني و سنتكلم علي ما فيها من دقائق هذا الامر... و من ذلك قوله تعالي «و قالت اليهود و النصاري نحن أبناء الله و احباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل انتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء و يعذب من يشاء و لله ملك السماوات و الارصض و ما بينها و اليه المصير» المائدة/18... ان الزعم اليهودي في ادعاء ان اليهود ابناء الله و احباؤه زعم ظاهر فيه الاستعلاء و البروز الي الساحة بحجم كبير من الغرور المصطنع. و لم يكن الرد عليهم متناولا تكذيبهم في زعمهم هذا لانه زعم مفضوح واضح الادعاء جسيم الكذب و الافتراء علي الله...اجل لم يقل لهم الله انكم كذبتم في ادعاء أنكم ابناء الله و احباؤه و انما قال لهم علي لسان نبيه اي ان الله أبلغ نبيه ان يرد عليهم جهارا في اكثر من ساحة «قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل انتم بشر ممن خلق» و بهذا فند دعواهم بالبنوة لله و واجههم بالواقع فهم علي ذات حال الناس ممن يسيئون فيعاقبون أو يحسنون فيكافأون... و كان اليهود يزعمون انهم شعب الله المختار و ان أهل الارض جميعا خول لهم و خدم و عبيد فكان في الرد القرآني لهم ما يفند هذا ايضا «بل انتم بشر ممن خلق»...و كانت مهمة الرسول في تكذيب اليهود ما ادعوه لانفسهم مهمة ليست بالهينة اذ ان الرد الذي ابلغهم به [ صفحه 101] أتي علي كل عرق من اعراق وجودهم و مسح كل عظمة زعموها لانفسهم بالتراب.ان شخصية الرسول الاعظم في المواقف الجدلية الخطيرة كانت تتجلي بالاقتدار الرائع في المواجهة و المصارحة و اسكات الخصوم مهما كانوا من المخاتلة و المراوغة و ادعاء المخرقات... و ظاهر في هذا ان اليهود حاولوا ان يشغلوا الرسول عن مهمته القيادية في المدينة بما كانوا يطرحونه عليه من طروحات و مخروقات و لجاجة تأخذ من وقته ما يجعلهم يظنون وقوع ذلك كسبا لهم لولا ان الرسول كان ذا صمود ملحوظ في مواجهة مثل هذه الفئة التي وصفها الله بقوله «لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود و الذين أشركوا...» المائدة/82...اجل ان تفنيد مقواة اليهود التي اقاموا عليها كيان وجودهم ليتطلب اقتدارا كبيرا في المواجهة و قد كان الرسول يملك هذا الاقتدار الذي هز كل سارية في الكيان الاسرائيلي المعروف بأشد أنماط اللدد في الخصومة و الشجار و الجدل العقيم...و من آيات الجدل القرآني:«قل لمن الارض و من فيها ان كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا تذكرون. قل من رب السماوات السبع و رب العرش العظيم. سيقولون لله قل أفلا تتقون. قل من بيده ملكوت كل شي‌ء و هو يجير و لا يجار عليه ان كنتم تعلمون. سيقولون لله قل فأني تسحرون»... المؤمنون 89/84.الجواب في السؤال الاول مطابق للصيغة التي ورد بها السؤال اذ كان السؤال بلفظ (لمن) فكان الجواب (لله). اما السؤال الثاني فهو سؤال عن رب السماوات و الارض و مطابقة الجواب للسؤال تكون بلفظ (الله) و السؤال الثالث و هو «من بيده ملكوت كل شي‌ء» و طبيعة الجواب تكون بلفظ (الله)... ولكن الجواب جاء بالسؤالين الاخيرين بلفظ (لله). و يفهم من هذا قوة الافحام الذي اصاب أولئك القوم فانهم اذ أجابوا بكلمة (لله) في السؤال الاول لم يعودوا يدققون في شكل السؤال الملقي اليهم فصاروا قبل أن يتبينوا ما في السؤال من محتوي يردون بلفظ واحد هو قولهم (لله) كناية عن مطلق الاذعان و الاستسلام و عدم الاستعداد لخوض معمعان الجدل و ذاك من فرط يأسهم من أن ينالوا بأساليبهم الجدلية و عنادهم الفطري شيئا من الغلبة في هذا المجال. و بذلك يعلم من وجوه الجدل القرآني ما تنسد به جميع سبل العناد الحدلي في مواجهة ما كان الرسول الاعظم يجابههم به من بينات الجدل القرآني السديد...

اتخاذ القرار...

ناط الله بنبيه اموارا يتولاها بما وهبه الله من تبصر و صدق ملاحظة و بعد نظر و من ذلك قوله تعالي للنبي في آيات التحريض علي القتال «و حرض المؤمنين علي القتال...» الانفال/65. فان التحريض علي القتال يتطلب اقتدارا بيانيا له تأثيره في نفوس المخاطبين ممن يراد منهم ان يبادروا الي اقتحام سوح القتال و مواجهة اعداء الدين و كذلك يتطلب ذلك السيطرة التامة علي نفسيات الناس بحيث يمشون الي الحرب طواعية و النبي صلي الله عليه و سلم كان يمتلك الاستعداد كله في مجال تحريض المؤمنين علي القتال ببلاغة لسانه و حسن بيانه و ثقته بسلامة قراره و رشيد رأيه و مرضي نتائجه و من ذلك قوله تعالي «فاذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم و استغفر لهم الله ان الله غفور رحيم» النور/62...المشيئة هي ارادة لاتصرف تعبيرا عن امتلاك الحرية في ذلك، مما يستدل به علي القدرة المطلقة في اصدار القرار، من غير أن تحدد لذلك شروط، اذ الشروط تكمن في مجال التقدير الخاص لموجبات الاذن و عدمه حين يريد النبي ذلك او لا يريده لان التصرف النبوي منطقي لا يقع عليه الاعتراض فان وقع عليه الاعتراض فهو من فعل التعسف لا غير او من فعل [ صفحه 102] الجهل و النعناد في المعاندين... اما النبي فسيظل قراره قائما فانه له الحق المطلق و المشيئة الحرة في اتخاذ قرار لادن و عدمه...و من ذلك «فاذا استأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا و لن تقاتلوا معي عدوا انكم رضيتم بالقعود اول مرة فاقعدوا مع الخالفين» التوبة/83... فاتخاذ القرار هنا وفق ما اذن الله لنبيه أن يتخذه يتعلق برفض خروج قوم الي معركة يخرج اليها النبي و اصحابه و مثل ذلك يتطلب موقفا حديا لا رجعة عنه في ساعة حرجة يصعب فيها اتخاذ قرار قاطع يتم تطبيقه دون لغط و ضوضاء الا ان يكون صاحب القرار علي درجة عالية من الحزم و الصلابة و كون القرار المتخذ صائبا و كان النبي اهلا للاتصاف بهذه الصفات القيادية المعترف بها من قبل اعوانه و خصومه علي حد سواء...لا سيما حين يكون في مخاطبة من رفض النبي خروجهم الي القتال معه في جيشه مما فيه القاء اكثر من تباعة خيانة و سمة هزيمة علي من طردهم النبي عن المشاركة في حرب جهاد يكون القتيل فيه شهيدا عند الله. ان قرارا مثل هذا القرار يواجه به من و وجه به علي ملأ الاشهاد لأمر جد عظيم.ان النبي صلي الله عليه و سلم كان اذا اتخذ قرارا في امر ما اعلنه اعلانا و صرح به تصريحا بفعل ما طبعت عليه نفسه من صدق كلمة و سلامة طوية و جدية موقف و حرص علي آنية لا تحتمل التأجيل و التوسيف (قلت لا اجد ما احملكم عليه تولوا و اعينهم تفيض من الدمع حزنا أن لا يجدوا ما ينفقون) التوبة/92. و من ملاحظة هذا القرار نري الرسول الاعظم في جلده و ضبط اعصابه و صدق موقفه رجلا ندر مثله في الرجال فلقد صرح بالحقيقة التي كان عليها اقتداره العسكري في تجهيز المقاتلين بآليات القتال فانه صلي الله عليه و سلم لم يكتم هذه الحقيقة بل جهر بها كما انه و الموقف موقف ضعف يتطلب متلاك ادوات القوة التي هي السلاح و الكراع فلم يظهر علي النبي من أمارات الجزع و اليأس شي‌ء يستعل من قبل الخصوم الدين كانوا يراقبون الوضع من كل جانب.ان ذلك ليدل علي عظمة هذه الشخصية العظيمة في سائر ظروف قوتها و ضعفها و انما يقدر الله التوفيق لقيادة قائد فانما يقدره علي هدي هذه الاوصاف و السجايا و السمات...

في دعاء ابي الانبياء...

في القرآن الكريم حين دعا ابراهيم عليه‌السلام لذريته قال: «ربنا اني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي اليهم و ارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون» ابراهيم/37... فقد جعل عليه‌السلام اول امر رجا الله ان يحققه لذريته هو ان تهوي اليهم افئدة الناس بالرعاية و التقدير و الالفة و الكلمة الطيبة. و جعل طلب رزقهم و مؤنة معيشتهم المسألة الثانية...ان ذاك هو الاصل في الانسجام الاجتماعي و في حياة الناس و كان ابراهيم بذلك قد رجا لاهله الخير كله... فان ابراهيم عليه‌السلام حين قدم الي مكة كانت مأهولة بالسكان و فيهم سدنة البيت العتيق الذي كان قائما يتعبد الناس الله فيه و لذلك قال «فاجعل افئدة من الناس تهوي اليهم» و هو يريد سكان مكة يومئذ... و وجود الناس يدل علي وجود الماء و الغذاء و لذلك قال ابراهيم عليه‌السلام «وارزقهم من الثمرات». و هو يعني ما هناك من ثمرات موجودة في تلك البيئة. و لا يمارض ذلك ما جاء في النص «ربنا اني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع» فان كون المكان لا زرع فيه لا يحول دون أن تجبي اليه الثمرات من اماكن اخري. و في القرآن الكريم «... أو لم نمكن لهم حرما آمنا يجبي اليه ثمرات كل شي‌ء...» القصص/57...«و اذ يرفع ابراهيم القواعد من البيت و اسماعيل ربنا تقبل منا انك أنت السميع العليم، ربنا و اجعلنا مسلمين لك و من ذريتنا أمة مسلمة لك و أرنا مناسكنا [ صفحه 103] و تب علينا انك أنت تواب الرحيم. ربنا و ابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك و يعلمهم الكتاب و الحكمة و يزكيهم انك أنت العزيز الحكيم» البقرة 129/127... فلقد اطمئن ابراهيم الي أن مقام ابنه اسماعيل و امه هاجر في مقامها الجديد بين القبائل التي كانت تشغل تلك المنطقة و هي قبائل عربية تزوج منها اسماعيل فأنجبت له زوجته ابناءه الذين تألف منهم النسب النبوي الشريف و كان البيت قد تعرض للسقوط و الانهدام فرفع ابراهيم قواعده و اسماعيل...ان ابراهيم عليه‌السلام كان جوالا في الافاق فاذ أطمأن علي اهله غادر مكة ليعود اليها بين حين و اخر متفقدا ابنه و اهله و كما قلنا من قبل ان ام‌اسماعيل غريبة من اصل يماني و هي من بقايات ملوك الرعاة الذين قامت منهم بعض السلالات التي حكمت مصر في قديم الزمان.لقد دعا ابراهيم و ابنه اسماعيل دعاءهما الكريم و هما يطوفان بالبيت العتيق من ربهما أن يرعي ذريتهما التي ارادا أن تكون ذرية كريمة صالحة طيبة و ان يبعث الله منها رسولا كان هو الرسول الاعظم محمد صلي الله عليه و سلم. و ان الله عزوجل استجاب لدعوة ابراهيم و اسماعيل في أن يكون لامته العربية نبي يقودهم الي معارج الفلاح و قد كان الامر كذلك...«ربنا و ابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم اياتك و يحلمهم الكتاب و الحكمة و يزكيهم انك انت العزيز الحكيم». تلك هي دعوة ابراهيم الخليل من ربه اذ دعا الله أن يبعث في الامة العربية النبي الذي وصفه بما وصفه به من تعليم الناس الكتاب و الحكمة و تزكيته اياهم و هي تعني تطهيرهم من ادران الشرك و تنقية نفوسهم تنقية تزول بها الشوائب و كذلك كان الرسول الاعظم معلما و مزكيا و هاديا هذه البشرية الضالة و لم يعد الامر خاصا بالعرب وحدهم و انما عم العالم كله فانتفعت البشريشة في سائر اقطارها بمآثر الاسلام و خيراته و محاسنه و مكارمه و ما فيه من تهذيب للعقول و اصلاح للنفوس و هداية للقلوب...و كذلك قوله تعالي «ان أولي الناس بابراهيم للذين اتبعوه و هذا النبي و الذين آمنوا و الله ولي المؤمنين» آل‌عمران/68... حاولت اليهودية أن تجعل ابراهيم عليه‌السلام من حصتها وحدها في حين لم ينل ابراهيم من القوم ادني شأن و القرآن الكريم يعلن ان ابراهيم لم يكن يهوديا و لا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما و لم يكن من المشركين. و التوراة اشارت الي ابراهيم و الي ابنه اسماعيل في سفر التكوين و تنبأت بان اسماعيل سيكون أبا لامة ذات شأن في الامم و تنبأت التوراة كذلك بظهور نبي لها من صلبه. و علاقة العرب بابراهيم معروفة في انسابهم و بذلك ضرب القرآن الكريم احتكار اليهود بنوتهم لابراهيم الاحتكار الذي ظل خاليا من كل محتوي، و باتت آيات القرآن تتكلم في أمر ابراهيم في شتي السور بما يعز من شخصيته و يعلي من مقامه و ينسب اليه جلائل الاعمال و الخدمات الناصعة من اجل التوحيد، و المعروف ان ابراهيم عليه‌السلام من ابناء عرب العراق و قد جال في بعض الاقطار المعروفة في زمانه ثم حمل ابنه اسماعيل و ام‌اسماعيل هاجر و هي جارية مصرية وفق تسمية التوراة الا انها كانت من بقايا الاسر اليمنية التي حكمت مصر في عصور سالفة و قد اشرنا الي ذلك غير مرة...فالكعبة المشرفة التي كانت قائمة في مكة قبل ابراهيم تمت اعادة بنائها من قبله و بيده و لا يخامرنا ادني شك في ان الله اوحي الي ابراهيم ان يتخذ لابنه اسماعيل مقاما عند الكعبة و ان يقوم له نسل في تلك الارجاء حتي يأتي اليوم الذي يخرج فيه نبي من العرب للعرب و لسائر ابناء البشر في العالم يختتم به الله الرسالات و ينهي عهد الانبياء المحليين و قد تحقق ذلك بالمبعث النبوي الشريف...و كان لدي العربل من بعض ادبيات شريعة ابراهيم ما تناقلوه جيلا بعد جيل و هو ما عرف لدي عارفي ذلك [ صفحه 104] و المتمسكين به باسم الحنيفية اذ كان ابراهيم عليه‌السلام قد وصف بأنه كان حنيفا مسلما و ما كان من المشركين هذا رغم ان العرب ابان جاهليتهم مالوا الي الشرك و اتخذوا آلهة من الاوثان و جنحوا عن اصول الملة الحنيفية و حين جاء الاسلام راح يردهم الي ذات الطريقة في دين شامل واسع المناحي صالح للبقاء الي أبد الدهر.و من هنا كان محمد بن عبدالله بشهادة القرآن الكريم اولي الناس بابراهيم و ان كان صلي الله عليه و سلم نبيا مستقل الشخصية و ذا شريعة لا شريعة تفوقها في الشرائع القديمة لانه لا نبي بعد رسول الله صلي الله عليه و سلم.

السور المكية و المدنية

السور المكية هي ما نزل من السور قبل الهجرة وعدتها ست و ثمانون سورة، و السور المدنية ما نزل بعد الهجرة و عدتها ثمان و عشرون سورة.ان في السور المكية سورا طوالا و قصارا و كذلك القول علي السور المدنية اذ جاءت فيها سور جد طوال و سور جد قصار...تتناول السور المكية في آياتها مسائل من التعليم و التثقيف و الجدل و التأكيد علي وحدانية الخالق و قد ازدحمت هذه السور بقصص الانبياء و ما كان من عبر و عظات و دروس اخلاقية ذات فعل حسن في المجتمعات البشرية...ان ستا و ثمانين سورة منزلة في مكة لهي امر ذو حجم كبير اذ كان الرسول لا يجد معه في الساحة الا النزر اليسير من السابقين الاولين.اجل انه لامر عجيب ان يحمل الرسول بمفرده عب‌ء المواجهة مع اناس كانوا ذوي حرص شديد علي عبادة معابيدهم الباطلة يذودون عنها من يتحرش بها بكلمة نبز مهما كانت طفيفة...و من السور المكية سورة يوسف و يونس و الرعد و الشعراء و الفرقان و الاسراء و الانبياء و طه و الانعام و الكهف و مريم و النحل و الحجر و ابراهيم والنعكبوت و يس و الزمر و غافر و الدخان و الجاثية و الاحقاف...حقا انها سور تحتجن من مطالب الاسلام و أسسه و ركائزه الحجم المتكامل الكبير و بذلك كان المهاجرون الذين عاشوا في مكة و قد خرجوا الي المدينة يحملون القرآن علي جانب عظيم ن الثقافة الدينية، فان ذلك يعد مدرسة متكاملة الدروس متعددة الفصول...و لم يجد المسلمون حاجة اذ كانوا في المدينة لتعلم شي‌ء من احكام اليهودية و سير الانبياء في الامم الخالية لذا لم يراجعوا اليهود ليسمعوا من افواههم شيئا...والاسلام منذ كان في مكة كان قد اظهر عظيم رعايته للانبياء الاقدمين و لقد عرض انباءهم و ذكر اخبارهم ورثي لحال اقوامهم الذين عاملوا رسلهم معاملة غير لائقة...و في السور المدينة كانت الآيات تستهدف امرا من التثقيف و الجدل غير الذي كانت قد جالت في مجاله ايام العهد المكي. اذ اكتظت السور المدنية باحكام الدين التفصيلية و كان من ذلك ما يتعلق بالمواريث و بنظام الزواج و الطلاق و الصوم و احكام القتال و الصلوات و احكام الحج مضافا الي ذلك نمط من الجدل الكتابي اي مجادلة اهل الكتاب و هو جدل كان اهل الكتاب يبدأونه آونة و الفئة الاسلامية تبدأ الكلام فيه آونة اخري...ان جهد النبي صلي الله عليه و سلم كان ظاهر في مكة و في المدينة علي حد سواء الا انه صلي الله عليه و سلم كان علي ضرب واحد من القوة في كلتا المدينتين غير ان نقطة الاستقرار كانت ذات ابعاد في المدينة بسبب ان الرسول كان قد حذر ظهور اعداء له في بيئتها...ان دراسة السور المكية يتلخص فيها تاريخ رائع للسيرة النبوية و كذلك القول علي دراسة السور المدنية.. و قد رجحنا اقوال بعض الرواة الثقات في [ صفحه 105] انتماءات بعض السور القرآنية و اخذنا برأي فريق منهم في أن السورة الفلانية هي مكية لا مدنية او انها مدنية لا مكية و ذلك بمقتضي مقدمات و ادلة و ثقنا بها فلا يحسبن احد ممن يقف علي ذلك أنا توهمنا الامر توهما و انما قررناه علي بينة من ذلك أنا نري أن سورة الفاتحة مدنية و أن الرعد مكية و غير ذلك من السور التي استقر في علمنا ما كان لها من انتماء الي احد العهدين المكي و المدني...

الشفاعة

ليست الشفاعة ان تاتي الي سجن مغلق فتكسر اقفاله فتخرج منه سجينا تحرره بمحض رغبتك. فان للشفاعة طرفين احدهما من يشفع اليه و الآخر من يشفع فيه اما الثالث فهو الشفيع...من شروط الشفاعة ان تحسن مخاطبة من تتشفع اليه أي ان تصفه عند مخاطبته بأطيب النعوت و تلتزم عنده بشعائر الاحلال و التوقير و ان تشير الي توفر المعاني الدالة فيه علي مكان تحقق المطلوب... الامر الثاني الخاص بالمتشفع فيه فأنه ينعقد علي ان تصفه بالضعف و الحاجة الي العون و اللطف فيه رغم ثبوت اساءته و تقصيره لانك ان اثبت تبرئته فلست شفيعا له و انما انت مطالب بحقه الذي لا يحتاج لشفاعة شفيع...ان في الشفاعة معاني انسانية ظاهرة يراد بها التخفيف من شدة البطش بمن اقترف ذنبا عن جهالة... و التوبة نمط من الشفاعة و مخاطبة الباري بما يوصف به اذا وصف بالقوة و شدة العقاب و باللطف و المغفرة انما تعني نمطا من الشفاعة و قول نبي خاطب الله بقوله «ان تعذبهم فانهم عبادك و ان تغفر لهم فانك انت الغفور الرحيم» المائدة/118... ضرب من الشفاعة...لقد ظهرت للشفاعة معالم علي عهد الرسل الاقدمين فمن ذلك قول نوح عليه‌السلام «ان ابني ممن اهلي و ان وعدك الحق و انت احكم الحاكمين» هود/45... و علي لسان ابراهيم الخليل عليه السلام «و من عصاني فانك غفور رحيم» ابراهيم/36.و ان ما جاء في الدعاء المشهور «اللهم انا لا نسألك رد القضاء ولكنا نسألك اللطف فيه» هو شفاعة... و قد قسمت الشفاعة الي شفاعة حسنة و شفاعة سيئة «و من يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها» النساء/85 و بذلك يعلم الشفيع انه لن يكون مقبول الشفاعة ان تشفع في امر يتعلق بحدود اللهو الشفعاء كثيرون فيهم من هم من اهل الوجاهة في الغالب و قد يكون فيهم من وصفه النبي بقوله «رب اشعث أغبر ذي طمرين لو اقسم علي الله لابره»...و قوله تعالي «و ما كان الله ليعذبهم و نت فيهم...» الانفال/33 هو الشفاعة بعينها و قوله تعالي «و ما كان الله معذبهم و هم يستغفرون» هو كذلك شفاعة لان للمذنب ان يشفع لنفسه بذكر محاسن سبقت و بذكر عفو الله و سابغ رحمته...القرآن الكريم مشحون بالآيات الدالة علي ان الشفاعة مسألة من حقوق الشفعاء ما كانت شفاعتهم شفاعة حسنة. و سائر انبياء الله ممن لهم الاستحقاق العالي في ذلك و قد افضنا في الكلام في هذا الموضوع في بعض فصول الكتاب...ان الذين نفوا ان يكون النبي ذا شفاعة عند الله في امته انما قام نفيهم هذا علي ايراد بعض الاحاديث النبوية التي قالوا فيها ان في سندها من لا تقبل روايته فاذا كان الامر كذلك فكيف اباحوا لانفسهم و هم يبطلون رواية احاديث الشفاعة ان يبطلوا ما ثبت من نصوص الشفاعة في القرآن الكريم...الشفاعة نمط من السعي في استنقاذ متعرض للاذي و العقاب و أي من ضروب الضرر مما هو محل استحقاقه او عدم استحقاقه و استئهاله و عدم استئهاله. فالتشفع في صبي لدي اهله يأخذون بتأديبه. نوع من الشفاعة فان المتشفع فيه يسأل اهله ان يعفوه من العقاب و يروح يكلمهم بلغة فيها رفق كبير و استعطاف ظاهر بحيث ينشأ من ذلك ان تثفأ قدر غضب القوم علي صبيهم... و مثل هذا الموقف محمود لا يعاب عليه من ينهض به... و هكذا تكون الشفاعة في الابرياء يؤخذون بجريرة لم تثبت عليهم و قد تكون قد ثبتت عليهم الا أنهم يستأهلون العطف و الرفق و التخفيف من حجم العقاب...ان كل مأخوذ الي سيف الشريعة و القانون مهما كان بريئا و مهما كان قويا فانه يأخذ منه الخوف ماخذه و ذاك لطبيعة ما يعرض لمثله من الضعف... و قد قال أبوبكر رضي الله عنه: (اقواكم عندي الضعيف حتي آخذ الحق منه)... فالشفاعة في مثل هذه المواقف يتطوع للقيام بها ذوو القربي و الاصحاب و من تكون لهم ازاء امثالهم قلوب رقيقة و رغبة في التسامح و دعوة الي الاصلاح من غير طريق العقوبة...و القرآن الكريم يزكي الشفاعة اذا جاءت حيث يحسن أن تجي‌ء «من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب [ صفحه 106] منها و من يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها» النساء/85... و في الشفاعة تهذيب و فيها اصلاح و فيها تهوين من غضب غاضب و قسوة معاقب فهي درس انساني و تربوي لذي قوة يحق حقه و لذي ضعف ينتظر أن تقام عليه التبعة و يتمني ان يحال بينه و بين ذلك. و مذهب القرآن الكريم في صدد الشفاعة انه يقر المداخلة فيها لانها أمر بالعرف و تهدئة لشبوب اوار السخط في ذوي حق مغتصب و تعرض لعدوان شديد...و الشفاعة تكون لدي الحكام و الوجهاء و ذوي الحيثيات و من هم أصحاب حق و الآباء تستندي مروءاتهم و تناشد معروفهم و ما هي بالامر يؤمرون به و لا الفرض يفرض عليهم و ليس في الشفاعة ابطال حق و احقاق باطل و ما كان كذلك فهو الشفاعة السيئة التي وصف الله شفاءها بأنهم ينالهم كفل من سوء شفاعتهم...«و لو انهم اذ ظلموا انفسهم جاؤوك فاستغفروا الله و استغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما». النساء/64...في النص القرآني ايماء الي الشفاعة التي جعلها الله من امتيازات الرسول صلي الله عليه و سلم... و الشفاعة مما ندب القرآن اليه بين الناس كسرا للفتنة و حيلولة دون ذيوع الشر و اطفاءا لنار الاحقاد و تشجيعا علي الوساطات الكريمة التي تسعي في الاصلاح بين الناس «من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها و من يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها» النساء/85... و الشفاعة التي يشفع بها عند الله قال فيها «من ذا الذي يشفع عنده الا باذنه» البقرة/225... و قال «و لا يشفعون الا لمن ارتضي» الانبياء/28... «فما تنفعهم شفاعة الشافعين» المدثر/48...و حين قال سواد بن قارب:فكن لي شفيعا يوم لاذو شفاعة بمغن فتيلا عن سواد بن قارب‌لم ينكر عليه النبي ذلك. و القائلون انه لاوساطة بين الله و الناس - و قد صدقوا في جزء يسير من ذلك - فاتهم ان الرسل هم وسطاء بين الله و الناس فاذا كان الله قد اختارهم لنقل رسالاته و اطمأن الي صدقهم في هذا النقل و كانوا امناء علي الوحي و الآيات المنزلة فكيف لا تكون لهم الوساطة و الشفاعة علي ان الشفاعة التي يتقدم بها نبي او رسول الله لا يعني ذلك انها تقبل مئة بالمئة و انها تفرض علي الله فرضا بحيث يستجيب للطلب المطلوب من دون ابطاء. ففي القرآن الكريم «و لا تنفع الشفاعة عنده الا لمن أذن له...» سبأ/23 و في القرآن الكريم «انك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء و هو أعلم بالمهتدين» القصص/56... ولكن استحقاق النبي للمنزلة التي يشفع بها لمن يستحقها كائنة و الله قبولها ان شاء علي ان الرسول لا يورط نفسه في الشفاعة بين يدي الله لمن يعلم ان الله غاضب عليهم غضبا شديدا لا تنفع الشفاعة فيه. و لقد رد الله شفاعة ابراهيم عليه‌السلام في ابيه و كان قد رجع عنها «و كان استغفار ابراهيم لابيه الا عن موعدة وعدها اياه فلما تبين له انه عدو لله تبرأ منه» التوبة/114. و لما شفع نوح عليه‌السلام في ابنه الذي «قال سآوي الي جبل بعصمني من الماء» هود/43 قال له الله «انه ليس من اهلك انه عمل عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم اني اعظك ان تكون من الجاهلين» هود/46...والنبي صلي الله عليه و سلم و قد نال من منزلة القرب من ربه و التزكية العظمي لا يقع منه ان يشفع في احد الا بعد وثوقه باستحقاق ذلك العبد لشفاعته و من ذلك انه لا يتوقع ادبا ان يشفع رسول الله في ابي‌لهب و زوجه لانه - صلي الله عليه و سلم - يعلم ان الله حك علي ابي‌لهب و زوجه بأنهما من اهل النار.و قول أخوة يوسف «يا أبانا استغفر لنا ذنوبا انا كنا خاطئين قال سوف أستغفر لكم ربي انه هو الغفور الرحيم» يوسف 98/97... فيه دلالة علي ان يعقوب عليه‌السلام لبث يفكر ايستحق اولئك النفر من ابنائه ان يتشفع فيهم بعد جنايتهم المعروفة... [ صفحه 107] موضوع الشفاعة قد طرق في آيات التنزيل غير مرة و كانت شفاعة الرسول الاعظم معروفة منذ اول حياته صلي الله عليه و سلم. و من خير اقوال المؤذنين الذين يصلون علي الرسول بعد الفراغ من الاذان للصلاة قولهم - الصلاة و السلام عليك. عليك و علي آلك و اصحابك يا سيدنا يا من بالشفاعة العظمي خصك الله...

الامر الالهي...

استعملت كلمة «الامر» في القرآن الكريم في الكلام علي عدد من الرسل و الانبياء القدامي من نحو قوله تعالي «و ما أمروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين...» البينة/5... و جاء علي لسان نوح عليه‌السلام قوله «و أمرت أن اكون من المسلمين» يونس/72... و علي هذا فان ايمان الانبياء يقوم علي الامر الالهي القاطع الذي لا مناص من طاعته اذ انهم يؤمرون به ليكونوا مؤمنين فالايمان عنده لا يقبل العصيان و التردد... و كان نصيب الرسول الاعظم صلي الله عليه و سلم من هذا غير قليل...ان استعمال هذه الصيغة مع الانبياء و الرسل يدل علي ان الصلة بين الله و رسله هي فوق الصلات التي بين الله و غيرهم فهم اشبه بالموظفين في تعامل الرؤساء معهم... و كذلك جاء هذا الحرف في التعبير عن علاقة الملائكة بربهم ففي القرآن الكريم «لا يعصون الله ما أمرهم و يفعلون ما يؤمرون» التحريم/6... «انما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها و أمرت أن اكون من المسلمين» النمل/91... «قل اني أمرت أن اعبد الله مخلصا له الدين و أمرت لأن اكون اول المسلمين» الزمر 12/11 «قل اني أمرت أن اكون اول من اسلم» الانعام/14... «قل ان صلاتي و نسكي و محياي و مماتي لله رب العالمين لا شريك له و بذلك أمرت و أنا اول المسلمين» الانعام/163...«قل يا أيها الناس ان كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ولكن اعبد الله الذي يتوفاكم و أمرت أن اكون من المؤمنين» يونس/104.«قل انما أمرت أن اعبد الله و لا أشرك به اليه أدعو و اليه مآب» الرعد/36 «فلذلك فادع واستقم كما أمرت و لا تتبع اهواءهم و قل آمنت بما أنزل الي من كتاب و أمرت لاعدل بينكم الله ربنا و ربكم لنا اعمالنا و لكم اعمالكم لا حجة بيننا و بينكم الله يجمع بيننا و اليه المصير» الشوري/15... «فاستقم كما أمرت و من تاب معك و لا تطغوا انه بما تعملون بصير» هود/112...«فاصدع بما تؤمر و أعرض عن المشركين» الحجر/94... و جاء استعمال الامر بين رب الاسرة و ذوي قرباه «و أمر أهلك بالصلاة و اصطبر عليها» [32] طه/132... مما يدل علي أن استعمال هذا الحرف في مخاطبة الانبياء قائم علي هذا الاصل...و يفهم من استعمال هذه الصيغة في مخاطبة الرسل و النبي في جمهرتهم لا يراد بها التحكم و فرض الارادة و الرغبة في مجرد الامرة لذاتها و الاستعلاء و ان كان الله عزوجل اعلي من كل شي‌ء. انما يراد باستعمال الامرة الاطمئنان الي موقف المأمور من الطاعة و الثقة بأنه اهل لعظيم رجاء الله فيه و قد قالت العرب قديما ]اذا اردت أن تطاع فأمر بما يستطاع[ و ذاك من أجل أن لا يواجه الآمر شيئا من العصيان فكانوا يوصون بأن يكون الامر غير متوقع للآمر أن يعصي فيه فلا ينفذه المأمور عجزا او عصيانا. فما كان الرسل و الملائكة يعصون الله ما أمرهم بل كانوا يفعلون ما يؤمرون... [ صفحه 107]

اللاءات القرآنية...

ما جاء من النصوص القرآنية في معني النهي بمثل «لا الناهية» في الخطابات القرآنية الموجهة الي الرسول الاعظم صلي الله عليه و سلم انما هي أوامر جاءت بصيغة النواهي. لان صيغة النهي تؤدي في بعض الاحيان معني الامر المؤكد وفق الاسلوب البلاغي في التنزيل العزيز و في لغة العرب فبدلا من أن تقول لشخص اصدق تقول له لا تكذب ففي قولك لا تكذب امر في الصدق و نهي عما يضاده من الكذب. فان قلت له اصدق و ان كان الامر بالصدق يتضمن النهي عن الكذب ولكن ذلك غير واضح فيه و قولك لشخص لا تكذب. لا يقع به من معاني الكلام دائما أنه كان كاذبا فمنعته من الكذب و انما أريته عاقبة من لا يصدق و ابرزت له بشاعة الاستهانة بالصدق حين نهيته عن الكذب و أطلعته علي شرف الصدق الذي تريد أن تأمره به فنهيته عن الكذب. فان النهي عن شي‌ء هو امر بما يخالفه و قد يكون المنهي عن ذلك مواقعا لما نهيته عنه و قد لا يكون فان نهيت من اقترف جناية عن جنايته فذاك هو الحقيقة. و ان نهيت عن شي‌ء لم يقترفه من نهيته عنه فذاك انما يكون للتحذير و التنبيه و هو الذي يعد من اساليب البلاغة في التعبير و ذاك هو النهج القرآني في سائر ما وقع من مخاطبات النبي وفقه.ان قوله تعالي «و لا تكونن من الممترين» البقرة/247... لا يعني نهي النبي عن الامتراء فيما هو حق ولكن صيغة النهي اذ كانت اقوي من صيغة الامر جاء استعمالها في هذا المقام. و ان استعمال صيغة الامر كثيرا ما يفهم منه أن الخطاب بهذه الصيغة معني به من تخاطبه لا تجاوزه الي غيره ولكن النهي عن شي‌ء اذا نهيت عنه من نهيت و ان كان واحدا بعينه فان في ذلك دلالة علي أن هذا النهي ينسحب علي اكثر من واحد لا سيما من يكونون علي حال واحدة او صفات متجانسة.النص مسبوق بقوله تعالي: «الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون ابناءهم و ان فريقا منهم ليكتمون الحق و هم يعلمون. الحق من ربك...» البقرة/146...و علي هذا سنتناول النصوص اللائية اي التي جاءت فيها «لا الناهية» بشي‌ء من التفصيل ان كان في النص ما يستوجب ذلك...ان امثال هذه الخطابات التي خوطب بها النبي بالوحي الالهي تدل علي أن الله عزوجل كان يلقن النبي بما يزيد من تعليمه و يسدد من توجيهه و يكون ابدا محل رعايته و رقابته و تأديبه و عظته علي تعدد اساليب الخطاب القرآني البليغ الذي خوطب به النبي من قبل ربه في العهدين المكي و المدني و سنشير عند تفسير هذه اللاءات الي وجوه الكلام فيها و مقاصده و غاياته ان كان في ذلك ما يدعو الي ذلك.«و لا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله امواتا بل احياء عند ربهم يرزقون، فرحين بما آتاهم الله من فضله و يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم أن لا خوف عليهم و لا هم يحزنون». آل‌عمران 170/169.في النص اثبات حقيقة تقرر أن الشهداء الذين يموتون في سبيل الله هم احياء يرزقون... و لم يرد ذلك بصيغة الاخبار و انما جاء بالصيغة التي جاء بها و هي صيغة النهي عن حسبان هؤلاء القوم موتي...و ظاهر في ذلك قوة التعبير و حسن لفت الانظار الي هذه الحقيقة، و كذلك كان الخطاب الي سائر الناس لانهم معنيون به و انما خوطب به النبي لبيان اهميته لأن ما يخاطب به النبي يرمز الي عظم الاهمية و هو لو خوطب به الناس لفقد من هذه الاهمية الشي‌ء الكثير...«و لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر انهم لن يضروا الله شيئا يريد الله أن لا يجعل لهم حظا في الاخرة و لهم عذاب عظيم»... آل‌عمران/176في سائر النصوص القرآنية نري أن الله يهون علي النبي امر الحزن و يصرف عنه هم الانشغال بالهموم [ صفحه 109] الناشئة من سوء عمل الكافرين فانه من البديهي أن يحزن المسارعة الكفار الي الكفر غير أن دواعي الهم و الحزن كثيرة العروض فليست هي بالواحدة و لا بالاثنتين و علي هذا أدب الله نبيه بأدب الصبر و التحمل و مواجهة الصعاب و المشاكل و مكايد الكائدين بالاتكال علي الله و الثقة بنصره و ترك ما يشق علي النبي حله الي الله ربه فذلك اولي من الحزن الذي نهي الله نبيه أن يجاوز حده في نفسه.و في النص تعليل لامر الله و رسوله بالصبر و التحمل في قوله سبحانه «يريد الله أن لا يجعل لهم حظا في الآخرة...»...و معني قوله تعالي «يسارعون في الكفر» اي يتعجلون الكفر بلا ترو و لا اقبال علي تمييز مفردات الامور و مثل هؤلاء لو آمنوا لما كان في ايمانهم شي‌ء من جدوي...«لا تحسبن الذين يفرحون بما أوتوا و يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب و لهم عذاب أليم»... آل‌عمران/188هذا النص. نص تهذيبي اخلاقي يعيب علي من يفعل شيئا من الخير أن يتبجح به و كذلك من لم يكن قد فعل شيئا فيروح يطلب من الناس أن يحمدوه و انه لنعم الخلق هذا الذي دعا اليه كتاب الله. اذ ينعدم بالتأديب به ذيوع التبجحات الكاذبة و التطاول علي الناس بالفخر و المباهاة... و قد جعل الله امثال هؤلاء القوم عرضة للعقاب لان وجودهم في الامة مفسدة لاخلاق الامة...ان مثل هؤلاء في سلوكهم هذا قد يظن الظان أنهم لا شي‌ء عليهم من عقاب الله بالحجم الذي جاء به النص و من هنا نبه الله رسوله الكريم بعاقبة من يكون علي هذه الشاكلة من الناس فانهم لا منجاة لهم من النار و لا محيص لهم من عذاب الله.و جاءت «لا» مرتين في بدء النص و نهايته «لا تحسبن الذين يفرحون بما آتوا و يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب و لهم عذاب أليم»...و بذلك نفهم أن الله عزوجل يلقن نبيه ما يجعله محيطا بكل عاهات المجتمع و مساءاته مادق منها و ما جل...«و لا تجادل عن الذين يختانون انفسهم ان الله لا يحب من كان خوانا أثيما»... النساء/107نهي الله النبي أن يكون له موقف رفق و تسامح مع الذين يصمون أنفسهم بوصمة الخيانة علي وجه الظن او الحقيقة. و الاختيان يرد في مورد سوء الظن بالنفس كالذي في قوله تعالي «علم الله انكم كنتم تختانون انفسكم فتاب عليكم و عفا عنكم» البقرة/187...و في ذاك تعليم للرسول أن يكون دائما مع الحق الذي لا شبهة فيه. و الموقف التربوي الالهي أفاد رسول الله كثيرا في تكوين شخصيته المتكاملة و فيما زوده الله به من ادب و حكمة و حسن تصرف و نقي سيرة و صدق تعامل، والنص آت في هذه الموارد...«يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بافواههم و لم تؤمن قلوبهم». المائدة/41المراد في قوله تعالي بمخاطبة الرسول: «لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم و لم تؤمن قلوبهم» أن لا يحفل بهم و لا يحمل لهم هما و لا يتعكر صفو فكره لامثال هؤلاء الذين اوضح الله مسارعتهم للكفر منذ كانوا اعلنوا ايمانهم من قبل. انما كانت مسارعتهم هذه الي الكفر ناشئة من انهم منذ آمنوا بألسنتهم لم تكن قلوبهم قد آمنت...انه لمن المحزن أن تجد من آمن قد بات في عداد من نكل عن الايمان و صار من الكفار ولكن حين يعلم [ صفحه 110] أنه لم يكن قد آمن اصلا فان الفجيعة فيه غير جديرة به و لعل مسارعته كانت مبادرة منه الي الاعلان عن حقيقة امره و كذب ما سبق أن اعلنه من ايمانه... و عند وضوح مثل هذه الحقائق يكون في ذلك من كسب هو عدل ما هناك من الخسارة. و قد علمنا ان الله عزوجل كان يرشد الرسول الاعظم الي المصابرة و التمالك فلا يكون للجزع الي نفسه من سبيل و بذلك مرن الله نبيه علي الجلد و الثبات و قوة المقاومة و تحمل الهموم و الظهور امام جميع الاحداث بمظهر الحازم الحكيم.«و انزلنا اليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب و مهيمنا عليه فاحكم بينهم بما انزل الله و لا تتبع اهواءهم عما جاءك من الحق...»المائدة/48ان بعض هذده اللاءات ترد مسبوقة بنصوص فيها اوامر محددة و بذلك يكون اثر هذه اللاءات اثرا اضافيا و ليس جذريا او اساسيا... فالنهي هنا عن اتباع اهواء القوم يعد حالة تفسير للحكم الذي امر الله نبيه أن يحكم به. ملتزما بما انزل الله و من ذلك الآية التي نحن في صدد الكلام عليها...و يفهم من هذا أن النبي كان قد ناط الله به مهام كثيرة تتعدي مهام الصوم و الصلاة و الامامة في الناس الي القضاء و الحكم و اصدار القرار في اخطر الامور و الاحداث التي كانت تواجهه و فيها ما يتعلق بكيان الامة و سلامة و المجتمع و حل المشاكل التي يثيرها خصوم الملة و اعداء الشريعة، و ما كان اكثر ما يحدث منها في عالم المدينة بحيث يبيت الرسول لها و لا مثالها في شغل شاغل و هم متفاعل و لا يكون معه من يشاطره مثل هذا العناء او يبتلي معه بمثل هذا البلاء...أجل لقد كانت شخصية رسول الله شخصية قيادة و رئاسة و ادارة مضافا هذا فيها الي أنها شخصية نبي و رسول تهدف رسالته الي اصلاح العالم كله و انقاذ البشرية من محنتها في اخلاقها و عقلها و حاضرها و مستقبلها و عللها و مشاكلها و سائر احوالها حيث ما كانت مواقعها من هذه الارض و ذاك فوق ما كان علي النبي من امر توحيد الامة العربية و تطعيمها بالقوة والخروج من قوقعتها الي سائر افاق الله الواسعة لتصنع من اجل الانسانية ما ناط الله بها أن تصنع...حقا ان مهمة الرسول كانت مهمة عظيمة و ثقيلة و شاقة... و قد تكررت هذه التوصيات و النواحي في آية تالية توكيدا لما جاء في الاية التي انتهينا من الكلام عليها و ذاك هو قوله تعالي: «و ان احكم بينهم بما انزل الله و لا تتبع اهواءهم و احذرهم أن يفتنوك عن بعض ما انزل الله اليك فان تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم و ان كثيرا من الناس لفاسقون». المائدة/49.و في هذه الآية شي‌ء من التفصيل في الكلام علي نزعة الشر و الخصام و الفتنة و الشقاق في مواجهة الاسلام و مواجهة النبي باشرس وسائل العناد و الغدر و المكاشرة اللئيمة...«قل يا اهل الكتاب لستم علي شي‌ء حتي تقيموا التوراة و الانجيل و ما انزل اليكم من ربكم و ليزيدن كثيرا منهم ما أنزل اليك من ربك طغيانا و كفرا فلا تأس علي القوم الكافرين»... المائدة/68مخاطبة النبي ب«لا تأس علي القوم الكافرين» و قد جاءت بصيغة النهي القاطع تعني قاعدة مقعدة في هذا الشأن هي أن الكافرين لا يستحق احد منهم ان يأسي عليهم احد أو يأسف أو يحزن. لان النبي صلي الله عليه و سلم لم يقع منه شي‌ء من الاسي لهؤلاء الناس و لا يتوقع أن يقع منه شي‌ء من الاسي عليهم. و ذاك لانهم ليسوا من ذوي قرباه و لا من عشيرته و قد كانوا يزدادون علي مر الايام حقدا علي النبي و عداوة له و يشتد كفرهم بملته و عقيدته و لذا لا يتصور أن يأسي النبي علي امثالهم و اشباههم و قوله تعالي «فلا تأس علي القوم الكافرين» يعد ذما للقوم و لمن نهج علي نهجهم من الضالين المكذبين...«و لا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة و العشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شي‌ء و ما من حسابك عليهم من شي‌ء فتطردهم فتكون من الظالمين»... الانعام/52 [ صفحه 111] كان من دأب الاقوام الذي جاءتهم رسلهم بالبينات أن ذوي المكانة و الوجاهة فيهم كانوا ينكرون علي رسلهم أن يتقبلوا ايمان من يحسبونه من السوقة ودهماء الناس في حين أن الشرائع السماوية قاطبة لم تفرق بين الناس تفريقا طبقيا و انما ساوت بينهم حين يقبلون علي انبيائهم باعتناق الدين و تقبله و قد قال قوم لنبي لهم «انؤمن لك و اتبعك الارذلون» الشعراء/111 و كذلك قال قوم النبي لهم «ان نراك اتبعك الا الذين هم اراذلنا» هود/27.والاسلام تقبل من اعتنقه من العبيد و الاماء و المنتمين الي الطبقات الدنيا في المجتمع و كان يشق علي سادات قريش ان يكونوا في عرف الدين الجديد سواسية هم و عبيدهم و اماؤهم و ما يملكون من ارقاء و كان ذلك مما تعد من المشاكل الاجتماعية الكبري التي واجهت الرسول في العهد المكي اول الامر...ان النبي صلي الله عليه و سلم كان يعير هذه الطبقات الدنيا الرعاية التامة اذ كان تحرير الارقاء من بعض مهمامه، و رعاية النساء من بعض مطالب دينه، و القضاء علي معظم العنعنات الجاهلية من بعض شأنه، لذا لم يكن يعير مقولات المشركين في هذا الامر ادني اهتمام و حفول و ان كان كثير التطلع و التوقان الي ايمان الفئات القوية و ذات النفوذ في مكة.ان الرسول كان علي ما هو ثابت و معروف من شرفه الانتمائي الاسري كان يعاني من اضطهاد القوم... «و اذا رأوك ان يتخذونك الا هزوا اهذا الذي بعث الله رسولا» الفرقان/41... و كان يري اتباعه المستضعفين يعانون من الظلم و الاضطهاد الكثير اذ اقبل علي اعتناق الاسلام من الارقاء غير قليل و كان النبي صلي الله عليه و سلم يصبرهم و يوصيهم بالتحمل و لم يعرف عنه أنه خذلهم او أسلمهم بل عرف عنه انه كان يطلب من اغنياء الصحابة شراءهم من اسيادهم كالذي وقع من شراء ابي‌بكر الصديق رضي الله عنه لبلال الحبشي غير أن النص القرآني جاء بصيغة النهي عن طرد امثال هؤلاء المؤمنين للتركيز علي قسوة ذلك ان وقع و بشاعته لو حصل و وفق القاعدة التي أشرنا اليها لم يكن النهي نبيه أن يطرد الذين يدعون ربهم بالغداة و العشي قد كان من أجل أن النبي طرد احدا منهم و انما سبق هذا النهي ما كان عسي أن يقع مثل هذا الطرد لأولئك المؤمنين رغم أن احتمال وقوعه احتمال جد ضئيل لما اسلفنا من الكلام في هذا الوجه. و النص القرآني «و لا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة و العشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شي‌ء و ما كان حسابك عليهم من شي‌ء فتطردهم فتكون من الظالمين».كان ذا ردع عظيم للمشركين و تيئيس لهم من أن يغروا النبي بشي‌ء مما يريدون من ابعاد اولئك المستضعفين عن ساحة الاسلام و عن اهتمام الرسول بهم. و ذاك هو معني هذا النص القرآني الوارد في سورة مكية اوضحت لنا آياتها أهم احداث السيرة النبوية في مكة...«و لا تتبع اهواء الذين كذبوا بآياتنا و الذين لا يؤمنون بالاخرة و هم بربهم يعدلون». الانعام/150في النص ما يشير الي وجود قوي معادية للرسول و لما بعثه الله به من الشريعة السمحة الكريمة اذ كانت اهواء المكذبين هي التي تصول و تجول في الساحة... و قد امر الله النبي أن يكون في مواجهة ذلك. و في قوله تعالي «و لا تتبع» هنا ما يشير الي فساد تلك الاهواء و ضلال اولئك الاقوام و قد وصفهم الله بقوله انهم كذبوا بآياته و أنهم لا يؤمنون بحسابه و عقابه و انهم بربهم يعدلون اي يزيغون عن عبادته من العدول و هو الميل و النكول عن الايمان به و العدول عن عهد الطاعة له...«فلا تعجبك اموالهم و لا اولادهم انما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا و تزهق انفسهم و هم كافرون»... التوبة/55... [ صفحه 112] النص مسبوق بقوله تعالي «قل أنفقوا طوعا او كرها لن يتقبل منكم انكم كنتم قوما فاسقين و ما منعهم ان تقبل منهم نفقاتهم الا انهم كفروا بالله و برسوله و لا يأتون الصلاة الا و هم كسالي و لا ينفقون الا و هم كارهون»... من سياسة الرسول صلي الله عليه و سلم في مطالب الجهاد و مقاتلة الكفار أن لا يستعين عليهم بغير المؤمنين الصادقين في ايمانهم اذا ما وقع الاقتتال و الاقتحام بل رفض النبي العون المالي الذي يقدمه فريق من هؤلاء الذين وصفهم النص بأنهم لا يؤدون الصلاة الا عن كسل و تثاقل و لا يقدمون من مالهم شيئا الا عن كره و ليس عن تشوق الي هذا العطاء...و لم تكن في سيرة الرسول صلي الله عليه و سلم أية صورة فيها استغلال و انتهازية و لا لأخذ اموال هؤلاء الناس و صرفها فيما تعرض الحاجة الي مثلها.و تكررت الاشارة في القرآن الكريم الي ما كان من مظاهر هؤلاء الناس في كثرة الاموال و الاولاد و ما كانوا يضفونه علي انفسهم من معالم الهيبة و البروز و الفخفخة فان ذلك عند الله ليس بشي‌ء...و النهي عن الاعجاب بالاموال و الاولاد يعني اعطاءهم الكثير من اعتبار في حين انهم لا يستحقون من ذلك لا كثيرا و لا قليلا و قد يكون النبي صلي الله عليه و سلم قد لفت نظره في القوم مثل ذلك فنبأه الله الي أنهم لا يستحقون منه اي تقدير و اهتمام... و قال الله في ذلك «انما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا و تزهق انفسهم و هم كافرون».ان مثل هذا النص كان يفعل فعله في نفوس المؤمنين. اذ كان اولئك الذين مر الكلام عليهم محل استخفاف المؤمنين و استغنائهم عمن يكونوا علي مثل تلك الحال و ما كان احد يلوذ بهم او يكون له رجاء في اموالهم فلقد عزلهم القرآن عن صميم البيئة و فضحهم أشد فضيحة...و موضوع الاعجاب و النهي عنه تكرر في النص الذي اوردته الآية الخامسة و الثمانون من نفس السورة «و لا تعجبك اموالهم و اولادهم انما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا و تزهق انفهسم و هم كافرون»...«و لا تصل علي أحد منهم مات أبدا و لا تقم علي قبره انهم كفروا بالله و رسوله و ماتوا و هم فاسقون». [33] التوبة/84الضمير هنا في «منهم» يرجع الي نص جاء في آية سبقت هذه الاية هي «فان رجعك الله الي طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا و لن تقاتلوا معي عدوا انكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين». لقد نهي الله عن الصلاة علي اولئك القوم ان مات منهم احد و المراد بالصلاة هذه صلاة الجنازة التي تؤدي من قبل فرد واحد او اكثر من فرد واحد اي جماعة يتقدمهم امام علي ان تكون جنازة المتوفي موجودة بين يدي من يصلي عليها و ذاك وفق مذهب الامام الاعظم ابي‌حنيفة النعمان بن ثابت رحمه الله و فقهاء آخرين رأوا رأيه الذين نهي النبي عن الصلاة عليهم كانوا قد تخلفوا في الخروج معه في بعض الاحوال القتالية و كان النبي قد جاهرهم بأنه يرفض خروجهم معه لمثل ذلك.و في النص ما يشير الي جواز القيام علي قبور المسلمين قصد الدعاء لهم و الترحم عليهم و الاعتبار بالموت و الاتعاظ بمشاهد القبور التي تحتوي علي فئات من البشر كانوا قد عاشوا علي هذه الارض يأمرون و ينهون و يتمتعون بتمع الحياة و يملكون الاموال الطائلة [ صفحه 113] فانه كفي بالموت واعظا و يقول الزهاوي في صفة بعض المقابر:و اذا نظرت الي القبور وجدتها كفلول جيش بالعراء مخيم‌و ما جاء في نهاية النص من وصف القوم «انهم كفروا بالله و رسوله و ماتوا و هم فاسقون» يومي‌ء بأن التخلف عن الجهاد و الفرار من الزحف و ترك الرسول وحده مع من معه و قد يكونون قليلين في مواجهة عدو غاز او عدو يجب تنحيته عن حدود ديار المسلمين ليعد كفرا بواحا و فسقا مبينا.و وجود القبور في المقابر و حيثما وقع لها أن توجد تقوم به الدلالة علي سلطان الله في خلقه [34] اذ كان قد قهرهم بالموت و في بعض الفترات التي يسيطر فيها علي الناس الطاعون و الاوبئة الاخري و فيضان الانهار و انهدام البيوت علي الناس تكثر القبور في كل مكان من البيوت و المساجد و غيرها و لا يصح الاستيحاش من ذلك أو استنكاره و الحكم علي تلك المواقع و المساجد بأنها لا تصح الصلاة فيها فان الصلاة لله و هي فرض مفروض علي الامة لا يعطل فرضيتها وجود قبر حيثما وجد و قد صلي النبي صلاة الجنازة في المقابر.ان الصلاة تؤدي مقرونة بالنية الخالصة لله رب العالمين و ما كان لمصل كائنا من كان أن ينوي أداء صلاته لميت من الموتي و لم يقع عبر التاريخ من ذلك شي‌ء و بهذا لا يكون لوجود قبر معروف الهوية او غير معروفها من دخل في ابطال صلاة مصل او قبولها لا احد يعلم ان صلاة المصلي حتي لو أداها في ساحة الكعبة الشريفة أتقبل ام لا؟ لان ذلك من علم الله وحده.«و الذين اتخذوا مسجدا ضرارا و كفرا و تفريقا بين المؤمنين و ارصادا لمن حارب الله و رسوله من قبل و ليحلفن ان اردنا الا الحسني والله يشهد انهم لكاذبون، لا تقم فيه ادبا لمسجد أسس علي التقوي من اول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين»... التوبة 108/107حين أتخذ في المدينة مسجد اخر غير المسجد النبوي كان ذلك من قبل اتباع ابي‌عامر الراهب نهي الله نبيه أن يقوم فيه و كان المسجد قد اتخذ للتفريق بين المسلمين. و كان القائمون علي انشائه فئة من المنافقين و قد وصفهم الله بالكاذبين من زعمهم انهم ارادوا الحسني في بناء مسجدهم. و في النص القرآني ما نتعلم به ان قدسية الاماكن لا تنشأ من شكلها انما تنشأ من موضوعها فكون بناية ما مسجدا لا ينبغي اعظامه و تقديسه مالم يكن محققا لشرف المسجدية فيه و لذا قال تعالي في صفة المسجد الذي يستأهل أن يقام فيه «لمسجد أسس علي التقوي من اول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا».و لقد انتهي امر هذا المسجد بهدمه و ازالة معامله علي ان هناك مساجد منصوصا علي قدسيتها و هي المساجد الثلاثة التي وصفت بانها تشد الرحال اليها و هي الكعبة المشرفة و المسجد النبوي و المسجد الاقصي.«و لا يحزنك قولهم، ان العزة لله جميعا هو السميع العليم... يونس/65هذا النص منظور فيه الي قوله تعالي في آيات آتية: «ألا ان لله من في السماوات و من في الارض و ما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء ان يتبعون الا الظن و ان هم لا يخرصون»..ينهي الله نبيه في النص أن يحزن لمقولات المشركين في حق الله من كفر و شرك و ما الي ذلك فان الله له العزة التي لا تملك مقولات المشركين من أن تنقيها أو تتنقصها...و نهي النبي عن هذا الحزن نهي عن حال واقعة فقد كان من حق النبي أن يحزن لما يراه من موقف الكفار تجاه الخالق العظيم. فلقد جهلوه كل الجهل و انكروه كل الانكار ولكن الله عزوجل هون علي نبيه هذا الامر و جعله يواجه الاحداث بعزم و جلد مكان للحزن معه. فلقد كانت مهمة النبي أن يصحح الاوضاع و يغير الاحوال و يأخذ المشركين و المعاندين الي جانب الايمان [ صفحه 114] والاعتقاد بوحدانية الخالق العظيم في اجواء من الجد و الصبر و المثابرة فان ذلك من منابع العطاء و من مصادر النجاح و ليس في الحزن من ذلك شي‌ء و علي هذا كان النبي بعد هذه التنبيهات الالهية اشد مراسا و اكثر صبرا و اقوي عزما في سائر مواجهاته مع صناديد الكفر في قريش...«لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين. و لا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين». يونس 95/94هذا النص يشبه ما جاء في آيات البقرة/147... و هو قوله تعالي «الحق من ربك فلا تكونن من الممترين»... و قد تم شرحه آنفا... كما أن النص الذي نحن بصدده قد اتبع بقوله تعالي «و لا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين»...النص و ان كان قد خوطب به النبي فانه مراد به سائر الناس و هو نص مغموز به الذين وصفهم الله بأنهم كذبوا بآيات الله فكانوا من الخاسرين و نهي الله نبيه أن يكون كذلك انما اراد الله كما قلنا في مخاطبة النبي مخاطبة الغير لاقرار قاعدة تقرر أن الكذب علي الله مصيره الخسران المبين... و ما كان للنبي أن يكون من هؤلاء القوم انما كان المراد استبشاع حالة الكذب علي الله و سوء مصير من يصنع ذلك تحذيرا للامة أن تفي‌ء الي هؤلاء القوم و في النص ردع شديد لمن يكونون علي هذه الشاكلة...و توصية النبي بأن لا يكون من الممترين قد تكررت في القرآن الكريم و قد سلف القول علي معني الامتراء فيها. و الآيات الواردة في هذا المعني يراد بها تثبيت النبي و شد أزره في مواجهة العدد العديد من الممترين و المكذبين و الخصوم المخاصمين...«و أن أقم وجهك للدين حنيفا و لا تكونن من المشركين، و لا تدع من دون الله مالا ينفعك و لا يضرك فان فعلت فانك اذن من الظالمين»... يونس 106/105في هذا النص تصوير للايمان الحق الذي هو اقامة المؤمن وجهه للدين حنيفا و عكس ذلك هو الشرك بالله اذ فصل الله بين الشرك و بين التوحيد الخالص. و قد جاء النص في هذا لمخاطبة النبي صلي الله عليه و سلم و التعليم الالهي هنا تعليم عام يراد به سائر المخاطبين. فان النبي صلي الله عليه و سلم لم يكن مقيما وجهه لغير الدين حنيفا و لا كان ممن اشرك بالله شيئا...و بعبارة اخري ان هذا النص الذي يتألف من آيتي يونس 106/105... يعد ناموس الشريعة و قانون العقيدة والاصل الذي قامت عليه الملة و جاء به رسول الله من ربه اذ جاء فيه «و لا تدع من دون الله مالا ينفعك و لا يضرك فان فعلت فانك اذن من الظالمين»... و الغرض من مخاطبة النبي بذلك تثبيت هذا الاصل و تحديد حدود الدين به و هو كذلك من الخطابات التي يعني بها سائر افراد الامة لانها كما قلنا تتضمن جوهر العقيدة الاسلامية و خلاصة التوحيد و اللجوء الي الله وحده علي أن في توجيه ذلك الي النبي بدءا ما يدل علي شرف الموضوع و عظم موقعه في تعاليم الدين اذ وجه الي النبي قبل أن يوجه الي المسلمين.و مما يتمم الحلقات في سلسلة هذا التعليم النقي و التهذيب السليم ما جاءة لو تلك الاية و هو قوله تعالي: «و ان يمسسك الله بضر فلا كاشف له الا هو و ان يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده و هو الغفور الرحيم» يونس/107... ان هذا النص من متممات النص الاول في صرف انظار العباد الي الله و التوكل عليه و الانابة اليه يستوي في الامر بالالتزام بذلك في الانبياء و الرسل و سائر اتباعهم...«فلا تك في مرية منه انه الحق من ربك ولكن اكثر الناس لا يؤمنون»... هود/17اي لا تك في مرية من الكتاب الذي هو القرآن... مخاطبة الرسول بمثل هذه المخاطبات يراد بها كذلك مخاطبة سائر المؤمنين... و لذلك جاء في ذات النص القول علي ان اكثر الناس لا يؤمنون... و ايمان الناس [ صفحه 115] بهذه الحقيقة مما يجب أن يستمسكوا به و يطمئنوا اليه و يعلموا أنه الحق الذي لا مرية فيه فما يخاطب به النبي من مثل ذلك مراد به مخاطبة سائر الناس و البدء بالرسول في هذه المسائل من سنن النظام القرآني و منهاجه و الناس في عبادة الله يستوي رسولهم و من ارسل اليهم علي ما يلمسه من يتتبع آيات القرآن و ما جاء فيها من التعاليم و الاحكام. فان النبي صلي الله عليه و سلم مأمور بأداء شعائر الدين من صوم و صلاة و حج و زكاة و مأمور كذلك بالالتزام بما هناك من حلال و حرام و التقيد بكل شعيرة من شعائر الدين و فريضة من فرائضه و الناس هم كذلك، و لأجل هذا نري خطابات الاحكام و الاسس الدينية للعقيدة يخاطب بها النبي بدءا كما أن النواهي و المحرمات و اللاءات الالهية ترد موجهة الي الجميع في الغالب. اذ قد تكون في الخطابات القرآنية خصوصيات يكلم بها النبي وحده...«فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء ما يعبدون الا كما يعبد آباؤهم من قبل و انا لموفوهم نصيبهم غير منقوض»... هود/109النص القرآني و ان كان مخاطبا به الرسول الاعظم انما هو نص مراد به انكار المعابيد التي يعبدها اولئك الكافرون و لم يكن النبي صلي الله عليه و سلم في مرية من ذلك و انما نهاه الله عن أن يكون في مرية مما يعبد القوم قصد الاعلان عن بطلان هاتيك العبادات. و ذاك من بليغ التعبير القرآني في استنكار امور يستنكرها...«فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله ان الله عزيز ذو انتقام»... ابراهيم/47الخطاب و ان كان موجها الي النبي. فان النبي غير مقصود به و انما المقصود به من اراد الله ان يفرض عليهم عزته و أن يخيفهم نقمته...«لا تمدن عينيك الي ما متعنا به ازواجا منهم و لا تحزن عليهم و اخفض جناحك للمؤمنين»... الحجر/88في النص القرآني تهذيب و موعظة. اذ يريد الله من نبيه أن لا يجعل غني من اغناه الله محل اعتبار عنده و لا يجعل عقوق اولاء ربهم محل حزنه و تكدر خاطره و أمره بأن يصرف همه في رعاية المؤمنين فانهم عرق الامة و أرومتها و جذعها و عمودها...و مثل ذلك مما يستحق التفاؤل الحسن و قوله تعالي «و قل اني انا النذير المبين» فيه ما يشير الي أن امام هذا النذير المبين مستقبلا حافلا بالنجاح و التوفيق.«لا تجعل مع الله الها اخر فتقعد مذوما مخذولا»... الاسراء/22يتضمن هذا النص الذي خوطب به الرسول الاعظم صلي الله عليه و سلم قاعدة عقائدية تقرر أن مصير من يجعل مع الله الها اخر هو القعود مذموما مخذولا.فالخذلان و التعرض للذم من عواقب الشرك بالله لان المشرك بالله لا يدري اين يتجه في دعائه و رجائه و بمن يستعين و بمن يستجير و من من هؤلاء الشركاء يقصد في طلب الرزق و الشفاء و النصر علي الاعداء. و كذلك الخذلان و الخزي يلقاه من ربه يوم عرضه عليه و حسابه... و مخاطبة النبي بذلك اصل من اصول التعليم القرآني و الله عزوجل لا مجاملة تكون في خطابه لعباده في امور تخص وحدانيته و قيمومته علي مخلوقاته، و لذلك يبدون النص علي جانب من صراحة الخطاب الذي تضمن التوعد الالهي لمن يجعل مع الله الها اخر... و هو من الخطابات التي يراد بها الناس لأنهم هم المقصودون بها...و لا يعني شي‌ء من هذه الخطابات المضمخة بالشدة و القسوة انها النمط الاسلوبي في مخاطبة الله نبيه محمدا صلي الله عليه و سلم و انما يعد ذلك كما قلنا هو النهج القرآني العام في سائر البلاغات القرآنية لان الجانب المهم و المقصود فيها هو ايصال محتوي هذه الخطابات الي سائر الناس، و في الناس هؤلاء المعاندون و المستكبرون و الملاحدة و الكافرون و من كان اشباههم و نظرائهم...«و لا تجعل يدك مغلولة الي عنقك و لا تبسطها كل البسط فتعقد ملوما محسورا»... الاسراء/29 [ صفحه 116] في هذا النص درس في بعض آداب الحياة الاجتماعية الجاءت فيه التوصية بالاعتدال بالنفقة و عدم الشح و البخل علي الوجه الذي لخصه شاعر بقوله:بين اسراف و بخل رتبة و كلي هذين ان زاد قتل‌والخطاب و ان كان وجه الي النبي و خوطب به فانه مراد به جميع الناس من اسخياء و بخلاء و من مبذرين و مقترين...و النبي يعد انموذجا بشريا يصلح أن يخاطب بمثل ذلك من غير أن تكون هناك خصوصية في مخاطبته، فانه لم يعرف في شخصية النبي أنه كان مبذرا او كان مقترا. و انما كان يعرف بأنه كان جوادا ذا تصرف رشيد في منعه و عطائه. ولكن النص كما قلنا انما وجه اليه وفق السنة المسنونة في الخطابات القرآنية الرشيدة و الحكيمة... و كذلك ليعلم الكفار و غيرهم جدية الأمر الالهي في هذه المخاطبة...«و لا تقف ما ليس لك به علم ان السمع و البصر و الفؤاد كل اولئك كان عنه مسؤولا. و لا تمش في الارض مرحا انك لن تخرق الارض و لن تبلغ الجبال طولا. كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها». الاسراء 38/36في هاتين الايتين الكريمتين عظات عالية المستوي في الاخلاق و السلوك الحميد و أن ذلك لمن بعض مكونات شخصية الرسول الاعظم، اذ كان يريد الله بهذه العظات و بنظائرها أن تمتلي‌ء شخصية النبي حكمة و سدادا و رشادا و هذا ما كان علي الوجه الذي اراده الله و علي الحالة التي شاءها الله لنبيه و صفيه و حبيبه و خليله محمد بن عبدالله صلي الله عليه و سلم...و الخطاب هنا و ان كان مخاطبا به النبي انما هو خطاب للناس علي وجه الترغيب و الترهيب فان الرسول لم تعرف فيه هذه الخصال الممنوعة التي هي من السيئات المكروهة و لا كان عليه الصلاة و السلام متكبرا و جبارا في الارض يمشي فيها بمرح و خيلاء و لا كان خطاب الله له بأنه لن يخرق الارض و لن يبلغ الجبال طولا بمقصودة ذاته الشريفة به و انما هي السنة الاعلامية في القرآن ليتأدب كبراء القوم قبل صغرائهم بالادب العالي و السلوك المحمود...«ذلك مما اوحي اليك ربك من الحكمة و لا تجعل مع الله الها آخر فتلقي في جهنم ملوما مدحورا». الاسراء/39و هذا نص اخر قرآني علي غرار ما اوردناه من النصوص يلاحظ عليه انقمت الالهي في المخاطبة التي تتمثل فيها القواعد العامة في الترغيب و الترهيب و البلاغات الالهية. فان الناس في ذلك سواسية كأسنان المشط حين يكلمهم الله في شأن ذاته العلية و صفاته القدسية...و النبي و غيره مخاطبون بهذا الخطاب الحدي الحاسم «و لا تجعل مع الله الها آخر فتلقي في جهنم ملوما مدحورا». فان الله جل جلاله هو الله القاهر فوق عباده. غير أن من الامر البديهي أن لا خصوصية للنبي في مثل هذا الخطاب و نظائره لانه المؤتمن علي عقيدة التوحيد و الرافع لواءها علي كل صعيد. و قد لقي من اجلها ما لقي من اذي المشركين و عدوان المعتدين و سخرية الساخرين. الا أن النهج الالهي كما قلنا في حق الخالق العظيم ماض علي هذا الوجه و هذه السنة منذ عهد اول نبي بعثه الله الي اخر نبي ارسله الله و هو محمد بن عبدالله...«و لا تجهر بصلاتك و لا تخافت بها و ابتغ بين ذلك سبيلا»... الاسراء/110في هذا النص تعليم يعلمه الله نبيه في كيفية ادائه صلاته و الخطاب في امر الصلاة. فان ذلك أليق بأداء العبادات و اجدر بمن يستقبل القبلة للصلاة و قد امره الله أن يتخذ بين الجهر و المخافتة سبيلا لاتصارخ فهي و لا تهامس و هو لعمري سبيل تبدو فيه الصلاة و لها رونق و وقار و قنوت و خشوع تطمئن الله النفوس و ترتاح الاسماع و تهش القلوب... [ صفحه 117] و قد قال النبي صلي الله عليه و سلم لرجل جهر في صلاته ]انك لا تدعو أصم[... و الخطاب في امر الصلاة خطاب لجميع المصلين الذين يجب عليهم الاهتداء بهذا الهدي و الاقتداء بهذا المقتدي... و الجهر المنهي عنه هو ما يكون فيه غلو ظاهر تفسد به الصلاة و تبدو و كأنها من بعض لغط اللاغطين و نداء الباعة في الاسواق. فما ينبغي لمصل أن يصنع ذلك.«فلا تمار فيهم الا مراءا ظاهرا. و لا تستفت فيهم منهم احدا. و لا تقولن لشي‌ء اني فاعل ذلك غدا. الا ان يشاء اله و اذكر ربك اذا نسيت...»... الكهف 24/23/22في النص ما يوصي النبي بأن يعد ما جاء في شأن اهل الكهف في كتاب الله مقصورا علي المعلومات التي جاءت فيه لان انباء اهل الكهف قد تضاربت فيها الاراء و تعارضت فيها الاقوال و الانباء...و قصة اهل الكهف قصة كان المراد من سردها الوصول الي حكمة او اكثر من حكمة. فالجانب التاريخي فيها غير ذي شأن و لا اهمية و لذا لم تورد في القصة اسماء القوم و لا مكان الكهف و لا المدينة التي بعثوا احدهم اليها ليشتري طعاما. و امثال هذه الامور لم نجد القرآن يعيرها شيئا من الاهمية.اما قوله تعالي «و لا تقولن لشي‌ء اني فاعل ذلك غدا. الا ان يشاء الله و اذكر ربك اذا نسيت. و قل عسي ان يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا» فانه من التعاليم القرآنية التي تجعل المؤمن متكلا علي الله في كل شي‌ء و أن يعلم انه لا ارادة له يتحكم فيها بيومه و غده و مستقبله...و في قوله تعالي «و لا تقولن لشي‌ء اني فاعل ذلك غدا الا ان يشاء الله و اذكر ربك اذا نسيت»...في هذا النص توصية بتعلق البعد بربه و اتكاله عليه و ثقته به فانه جل و علا هو الذي يمنح الناس الحياة و بحدد لهم الآجال و يقدر لهم الارزاق و من هنا فان في يده وحده الغد و ما بعد الغد... و حين يعرف العبد ذلكيكون تصرفه وفق هذا التعليم الرشيد الذي يسقط انانية الاناني و اعتداد المعتد بنفسه...ان هذا الخطاب و ان كان موجها الي النبي فهو خطاب تربوي القاه الله الي سمع الامة كلها. و النبي صلوات الله و سلامه عليه لقربه من الله و المامه باحكام دينه يعرف ذلك جيدا فما كان يجهل منه شيئا الا أن النص قد ورد موجها اليه لتعلم الامة اهمية ذلك و هو من بليغ اسلوب القرآن في الموعظة و الارشاد و التعليم...ان جماع هذه التوصيات القرآنية الملقاة الي رسول الله صلي الله عليه و سلم كانت هي مفردات تكوين شخصيته النبوية العظيمة النادرة المثيل في الاداب و السلوك و الايمان و العقيدة...«و اصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة و العشي يريدون وجهه و لا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدينا و لا تطع من اغفلنا قلبه عن ذكرنا و اتبع هواه و كان امره فرطا»... الكهف/28الكلام علي تصبير النفس مررنا به في جدول الآيات الداعية الي الصبر و الموصية به. و يبدو أن فريقا من مستضعفي المؤمنين من الموالي و غيرهم ممن اعتنقوا الاسلام اوائل العهد المكي كانوا يؤلفون من بعض افرادهم جماعة او اكثر من جماعة يتعبدون الله علي ضوء تعاليم الدين الحنيف. و قد امر الله رسوله أن يرعاهم و أن يتفقدهم. و طبيعي أن من بعض ذلك مدهم بالايات النازلة و الاحكام المقررة، ولكن صيغة هذا التوجيه جاءت بالفاظ الامر و النهي علي جاري عدة الاسلوب القرآني في امثال هذه الخطابات...و في النص اشارة ظاهرة الي وجود قوي كافرة غير مؤمنة من المشركين ما تزال تتربص بالمؤمنين الدوائر و تتعمد الاساءة الي الدين الجديد بكل ما تملك من نزعة العدوان و الاساءة اليه و من بعض ذلك قوله تعالي «و لا تطع من اغفلنا قلبه عن ذكرنا و اتبع هواه و كان امره فرطا»... و بديهي أن النبي صلي الله عليه و سلم لم يكن بالذي يطيع امثال هؤلاء الناس ولكن النهج [ صفحه 118] التعبيري القرآني المعتاد في معظم الاوامر و النواهي كان هذا النهج... و قوله تعالي: «و لا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا» لا يعني أن النبي كان يريد زينة الحياة الدنيا ولكنه القياس و المقارنة بين امرين اثنين متناقضين و متعارضين...والنبي رجل حكمة و تبصر و تواضع و ادب كريم يضاف الي ذلك ما كان الله عزوجل يكثره من تلقينه و تعليمه لذا فان مفهوم المخالفة في النص لا وجود له...«... و لا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضي اليك وحيه. و قل رب زدني علما». طه/114كان ما يقع للمسلمين امور يجعل الرسول صلي الله عليه و سلم يترقب أن ينزل في ذلك وحي يقرر الامر الذي يجب اتخاذ القرار فيه اذ لم يكن الرسول يقطع امرا في النوازل و معقد المسائل و مثل هذا الترقب يتأتي منه انشغال النفس و قلق الفكر و ثقل التربص و علي هذا أوحي الله لنبيه ما يهون عليه ذلك و قوله تعالي «و قل رب زدني علما» وصية للنبي بالاستزادة من العلم و الحكمة فانها العمود الذي تقوم عليه خيمة القيادة التي آتاها الله نبيه. فاذا عملنا ان الاية من الايات المكية علمنا أية توجيهات هذه التي يبادر الله نبيه بها و هو في اول نأنأة الاسلام و عند بزوغ الضياء الاول لفجر يومه العظيم...«و لا تمدن عينيك الي ما متعنا به ازواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فهي و رزق ربك خير و ابقي»... طه/131من التوجيهات الالهية الموجهة الي الرسول الاعظم يوصيه الله فيها بأن ينظر الي الارزاق بأنها محددة من الخالق الرازق علي الوجه الذي اراده و قرره وفق خكمة هو ادري بما يتحصل منها من خير و هذا ما يجعل كل عبد مؤمن مطمئنا الي رزقه فلا يطمع في حصة غيره من هذا الرزق و لا يحسده و لا يتمني زوال نعمته. و قوله تعالي «ازواجا» أي اناسا كثيرين و قوله تعالي «لنفتنهم فيه» اي نختبر شكرهم للنعمة و كفرهم بها و ليس توسيع الرزق علي احد من عباد الله بالذي يكون لكبير مزية فيه او عظيم فضل فان ذلك ليس مما يعد اصلا في هذا الباب...ان النبي صلي الله عليه و سلم يعلم ذلك لانه من اصول العقيدة التي تسع الاعتراض علي الله في مثل هذه الامور لذا لا يكون قوله تعالي «و لا تمدن عينيك الي ما متعنا به ازواجا منهم زهرة الحياة الدنيا» نهيا عن شي‌ء وقع للنبي اراد الله أن لا يتكرر منه و انما هو مطلق النهي اي انه نهي عن اشياء لا يراد لها أن تقع و ذاك من سنن التعبير القرآني و من ركائز الموعظة الحسنة و أسس التوجيه السديد لا سيما حين يكون الخطاب محصورا في اطار الازمنة المستقبله. و قوله تعالي: «و رزق ربك خير و ابقي» يؤيد المعني الذي شرح به النص...«لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الارض. و مأواهم النار و لبئس المصير»... النور /57الكلام علي هذا النص تم في باب - حسب، يحسب - في هذا الكتاب...«و لو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا، فلا تطع الكافرين و جاهدهم به جهادا كبيرا». الفرقان 52/51المراد بالقري هنا ما يتناثر من البلدان علي اختلاف مساحاتها اذ ان الله بعث في القري الكبيرة رسلا و انبياء... و القري هذه انما هي ما تسكنه أمم و شعوب و اقوام معروفون بالانتماء الواحد الي لغة او قومية او جنس من اجناس البشر...كما أن الله عزوجل امر نبيه بمقاطعة الكافرين و المضي في مجاهدتهم حتي يحين يوم انتصاره الذي وعده الله...«فلا تدع مع الله الها آخر فتكون من المعذبين... و أنذر عشيرتك الاقربين... و اخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين... فان عصوك فقل اني بري‌ء مما تعملون...»... الشعراء 216/125/214/213 [ صفحه 119] النهي الذي خوطب به النبي ليس نهيا عن أمر وقع منه و حدث له لان النبي لم يكن قد فعل ذلك او شيئا من ذلك ولكن صيغة النهي يعبر بها بالبلاغة القرآنية في معني صيغة الامر و قد كثرت اشارتنا الي ذلك عند الكلام علي آيات قرآنية جاءت بهذه الصيغة... علي أن هذا الامر مخاطب به سائر الناس، و في تخصيصه بالنبي تنويه بعظيم اهميته في مخاطبة الغير...«و لا تحزن عليهم و لا تكن في ضيق مما يمكرون»... النمل/70المراد بقوله تعالي «و لا تحزن عليهم» أن لا يحزن بسببهم و أن لا يقلق لما يتخذون من قرارات ما كرة ضده و ضد دينه فان الله مبطل مكرهم و جاعل كيدهم في نحورهم و هو الذي يتولي عنه كل شي‌ء...و يفهم من ذلك أن الهم كان يأخذ من نفس النبي موقعا عميقا و القلق يساور افكاره تجاه المواقف الشريرة التي يقفها منه جماعة المشركين. و كان الله عزوجل يهون ذلك عليه و يطيب خاطره و ينشر ألوية التفاؤل بالنصر و التوفيق امامه.«و ما كنت ترجوا أن يلقي اليك الكتاب الا رحمة من ربك فلا تكونن ظهيرا للكافرين. و لا يصدنك عن آيات الله بعد اذ انزلت اليك وادع الي ربك و لا تكونن من المشركين، و لا تدع مع الله الها آخر، لا اله الا هو كل شي‌ء هالك الا وجهه له الحكم واليه ترجعون»... القصص 88/86في هذه الآيات جماعة من التوجيهات الالهية للرسول الاعظم و فيها اوامر و نواه و خلاصات عقائدية تعد من اصول الاسلام و ركائزه الاساسية و قد جاء ذلك بأسلوب بليغ رصين العبارة واضح القصد سريع النفوذ الي النفس و قوي التأثير فيها...ان المعاناة التي كان يعانيها النبي خلال ادائه رسالته ربه و انذاره قومه و عشيرته و من وراءهم من الناس كانت معاناة قاسية نوهت بها مفردا هذا النص القرآني الذي تلاحظ فيه و عليه ملامح الجو المكي الذي كان النبي يمخر عبابه بعزم شديد و همه عالية...و كذلك نكرر هنا أن صيغ النهي التي فيه لم ترد لذاتها انما وردت لملابسات هناك و جاءت وفق نهج قرآني اعلامي خاص يراد به من صيغة كل نهي صيغة أمر أو صيغة تحذير أو صيغة خطاب لقوم آخرين...«و من كفر فلا يحزنك كفره الينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا ان الله عليم بذات الصدور»... لقمان/23أي لا يأخذ منك كفر من كفر منهم مأخذا عميقا فتغتم و تهتم. فان الله يتكفل امر هذا النمط من الناس. والايات التي ترد في مثل هذا المعني من تصوير النبي و صرف الهم عن نفسه كانت تفعل فعلها في اراحة بال النبي ليكون ابدا في جو يساعده علي اداء المهمة الرسالية العظيمة...و يفهم من ذلك أن ظروف الدعوة التي يحمل النبي لواءها و هو في مكة كانت من اقسي الظروف و اشدها عناءا و اكثرها اذي...«و لقد آتينا موسي الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه و جعلناه هدي لبني‌إسرائيل»... السجدة/23يخبر الله نبيه - و قد كثر ذلك في الايات القرآنية - باخبار من قبلهم من الرسل الذين كانت مهمتهم محصورة حصرا في الدعوة الي توحيد الله عزوجل و الحث علي عبادته و الرجوع اليه و الاستعاذة به و الاتكال عليه. و قد ذكر النص القرآني ان الله آتي موسي عليه‌السلام الكتاب اي التوراة التي هي الاسفار الخمسة مع تحفظنا في ذلك و قد صار اسم التوراة شاملا لجميع ما كتبه انبياء اليهود بعد موسي في اسفارهم...اما قوله تعالي «فلا تكن في مرية من لقائه» فالمخاطب به الرسول الاعظم صلي الله عليه و سلم أي [ صفحه 120] لا تكن في مرية من لقاء الله لان المقام كلام علي الرسالات السماوية و صلب موضوعها هو الله عزوجل و لقاؤه. لذا جاء هذا النص استطرادا اقتضته و دلت علي حقيقة معناه القرينة الواضحة، و لم يكن النبي في مرية من لقاء الله ولكن النهج التعبيري في القرآن الكريم يأخذ باللاءات ابتغاء تثبيت معان في تثبيتها تثبيت لعقائد من صميم الدين تأتي العبارة القرآنية عليها بأسلوب النفي أي ان قوله تعالي «فلا تكن في مرية من لقائه» مراد به امره بالاستيقان من ذلك أي كن مطمئنا الي لقائه و واثقا من لقاء الله كل الوثوق...«يا ايها النبي اتق الله و لا تطع الكافرين و المنافقين ان الله كان عليما حكيما... و أتبع ما يوحي اليك من ربك ان الله كان بما تعملون خبيرا... و توكل علي الله و كفي بالله وكيلا»... الاحزاب 3/1في هذه الآيات المدنيات تثبيت لقدم النبي في ساحة المواجهة تجاه من كان هناك من خصوم الدين من يهود و منافقين و غيرهم و ذاك بقوله «يا ايها النبي اتق الله و لا تطع الكافرين و المنافقين ان الله كان عليما حكيما» و لم يكن النبي قد اطاع الكافرين و لا المنافقين ولكنه التعليم الالهي يرد بصيغة النهي و التحذير لما في هذه الصيغة من قوة الاداء و شدة الحكم. و قوله تعالي «ان الله كان عليما حكيما» أي انه تعالي محيط باعمال هؤلاء الكافرين و المنافقين و عالم بما يسرون و ما يعلنون و أنه حكيم فيما يحكم به في شأنهم، و بهذا تطمين للنبي الي أن كل شي‌ء سيتم بعلم الله و حكمته.«و لا تطع الكافرين و المنافقين ودع اذاهم و توكل علي الله و كفي بالله وكيلا»... الاحزاب/48في هذا النص ما يشعر بالحاح اهل الكفر و الماردين علي النفاق من اهل المدينة في اضجار الرسول الاعظم و ايذائه اذ يوصيه الله بأن يتحمل ذلك و لا يأبه بما يعرض له من اذي اولئك الكافرين و المنافقين.فأنه أذي سيصرفه الله عنه فليتوكل علي الله فانه خير حام و خير منقذ و خير منجد.والآية كما قلنا مدينة تسجل علي خصوم النبي في المدينة من العدوان و الفساد في الارض ما سجلته علي خصومه في مكة...«لا يحل لك النساء من بعد و لا أن تبدل بهن من ازواج و لو اعجبك حسنهن الا ما ملكت يمينك و كان الله علي كل شي‌ء رقيبا»... الاحزاب/52كان الرسول قد أحل له الزواج من اكثر من امرأة و قد ظهر لنا من السيرة العائلية له صلي الله عليه و سلم أن زواجه كان ذا مغزي يبعد كثيرا عن زواج الاخرين و لسنا في صدد تفصيل ذلك الكتاب و قد كان مألوفا تعدد الزوجات في تلك الازمنة و ما قبلها و ما من أحد من الشخصيات العربية ذات المال و النفوذ الا كان متزوجا عددا عديدا من الزوجات اذ كان العرب يباهون بكثرة الابناء من الذكور خاصة...ان النص القرآني الذي نحن في صدده حدد زواج الرسول بمن كان قد تزوجهن من النساء و قوله تعالي «و لو اعجبك حسنهن» لا يعني أن النبي كان يتزوج من يتزوج من النساء بمن كان يعجبه حسنها... اذ لا نجد الامر كذلك عند استعراض اولئك النساء انما كان الامر كما اشرنا منوطا بأمور مصلحية غير خاصة...اما ملك اليمين فانه صلي الله عليه و سلم لم يستعمل من هذا الحق لا قليلا و لا كثيرا الا ما وقع من هدية صاحب مصر اليه اذا اهداه مارية القبطية التي عاملها الرسول معاملة حرائر النساء، فلقد كان النبي يرعي المرأة رعاية تامة فما كان يجعل في بيته امرأة مسترقة يشتريها من هنا و هناك لما كان يري في وجود الاماء في بيته - ان وجدن - من تسيب البيت و اقامته علي قاعدة مهزوزة و ذلك من بعض من وهبه الله من حكمة و تبصر و بعد نظر و حسن تصرف... [ صفحه 121] و هذا مالا مصلحة للنبي فيه... و كذلك يترتب علي ملك اليمين أن تباع الواحدة منهن و تشري. و لم يكن النبي قد فعل ذلك فاشتري الجواري و باعهن و ذاك لجلالة قدره و عظم مكانته في الامة و من هنا كان النص يتعلق بملك اليمين نصا آتيا علي القاعدة التي تحل ملك اليمين لسائر الناس و لا مفهوم للنص... الا هذا ان قوله تعالي «الا ما ملكت يمينك» لا يعني الاستثناء في الاباحة و انما هو الاستثناء الجاري علي أصل القاعدة التي هي أن يكون للنبي اماء يتملكهن و يقمن في بيوته و ذاك قياسا علي ان النبي لا تنكح ازواجه من بعده، و حكم الاماء كمثل ذلك الحكم و حكم اولئك اللاتي هن من بعض ملك اليمين كحكم سائر ازواجه، كما أن الاماء يتقلبن من يد الي يد تقلب امتلاك و استرقاق...و قوله تعالي «و ما ملكت يمينك» قول ورد في معني الاباحة العامةاي التي هي من حق سائر الناس و ان لم يكن لها مفهوم معين في حق الرسول... و الاباحة العامة لا يرد فيها تحجير او استناء بعض الافراد منها ولكن خصوصيات شخصية الرسول هي التي يفهم منها ما يفهم من أمر هذه الاباحة...«افمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فان الله يضل من يشاء و يهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ان الله عليه بما يصنعون»... فاطر/8في النص ما هو من قبيل تهوين جرائر الامور يقترفها اناس في خاصة انفسهم كانت تؤذي رسول الله نفسيا اذ كان يتمني أن لا يكون هذا الذي كان من القوم قد وقع منهم... و قوله تعالي «فلا تذهب نفسك عليهم حسرات» اي لا تحمل هم هذا النمط من الناس، و التعبير القرآني يدل علي أن النبي كان شديد الاغتمام بالامر المنوه به في الآية... و الحال التي وصفها الله يتزيين الاعمال السيئة من قبل من يعنيهم النص...ان سياسة التوجيه القرآني لبثت تنصب علي تفريغ نفس النبي من الهموم بما قد يتأتي منه تعويق المهام الكبري التي هي دعائم الدين و ركائز الدعوة...و مما جاء في القرآن الكريم من مثل تهوين الامور علي النبي قوله تعالي: «فلا يحزنك قولهم، انا نعلم ما يسرون و ما يعلنون»... يس/7«ما يجادل في آيات الله الا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد»... (المؤمن) غافر/4يبدو من النص أن ذوي الغني و السعة في الرزق كانوا اشد تعلقا بالجدل و تكذيب الدين من فقراء الناس و بسطائهم. و النص يضع قاعدة اساسية في مثل هذه الامور. فانه ليس من الضروري أن يسكت الله كل مجادل أو أن يبطش بكل متعلق بباطل و أن يفقر الله كل غني منهم و يسلب من كل ذي ماله ماله. و ما يناله هؤلاء من تقلب في البلاد و اكتساب المنافع و الارباح امر لا علاقة له بكفر أو ايمان. و قوله تعالي «فلا يغررك تقلبهم في البلاد» يعني تنبيه النبي الي أن لا يقلق باله من جدل الكافرين الذين يتمتعون بنعم الحياة رغم كفرهم...«ثم جعلناك علي شريعة من الامر فاتبعها و لا تتبع أهواء الذين لا يعلمون»... الجاثية/18يلاحظ الكلام عليها في هذا النص و نظائره في باب - تبع - يتبع -«فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل و لا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا الا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك الا القوم الفاسقون»... الاحقاف/35قوله تعالي «و لا تستعجل لهم» و ان كان قائما علي النهي فان المراد به زف بشارة الي النبي لأن القوم مقبلون علي التعرض لعذاب الله... و في زف البشارة اليه صلي الله عليه و سلم شد لعزمه... و تنويه بباهر [ صفحه 122] مستقبله و آتي ايامه... و للبشائر الالهية في نفس النبي اشراق عظيم و تفاؤل بالتوفيق كبير...«يا أيها النبي اذا طلقتم السناء فطلقوهن لعدتهن و أحصوا العدة و اتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن و لا يخرجن الا أن ياتين بفاحشة مبينة و تلك حدود الله و من يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدي لعل الله يحدث بعد ذلك امرا»... الطلاق/1الآية آية تشريعية فيها احكام الطلاق و العلاقات الزوجية جاء ذلك بهذه الصيغة لئلا ينصرف معني النص الي الجانب الخصوصي في حياة الرسول صلي الله عليه و سلم اذ كانت بعض الاحكام تدور علي خصوصياته صلي الله عليه و سلم والكلام علي مثل ذلك في القرآن الكريم قليل جدا في مسائل الاحكام و العبادات و الاحوال الشخصية.«فلا تطع المكذبين ودوا لو تدهن فيدهنون و لا تطع كل حلاف مهين. هماز مشاء بنميم. مناع للخير معتد أثيم. عتل بعد ذلك زنيم»... القلم 13/12/11/10/9/8في النص شهادة و ثقي بان الرسول كان صريحا في سلوكه و تعامله في بيئته و مع سائر الناس من قومه و سائر اعدائه و مخالفي خصومه اذ نص علي أنه صلي الله عليه و سلم لم يكن مداهنا و هو لو داهن لداهنوا و لضاعت حقائق و قيم كثيرة في هذا التيار. ان المكذبين الذين عناهم النص لم يكونوا من ضعفاء الناس بل كانوا من ذوي الطول و الشأن فيهم. و قوله تعالي «و لا تطع المكذبين» يفهم منه أنهم علي حد ما وصفناهم به من الطول والقول...و قد يميل الانسان لا سيما من كان كريم الطبع سليم القلب الي تصديق من يقسم في كلامه و يحلف من اجل تأييد مقاله ولكن الله نبه النبي الي أن لا يكون مثل هذا الحلف بالأيمان آخذا في نفسه مأخذ الثقة و القناعة. بل ان النص غمز الذين يكثرون من الحلف و جعلهم ممن ينبزون بالمهانة كأنهم لا يجدون في انفسهم من خصال الصدوق و الكمال النفسي و الخلق ما يزكيهم امام الغير لذا تراهم يعمدون الي اللياذ بالأيمان يقسمون بها و يحلفون بغير حساب. فمثل هؤلاء نهي الله النبي أن يصدقهم في شي‌ء...و قد زاد النص هؤلاء الحلافين صفات اخري فضحت حقيقة شخصيتهم بأنهم همازون مشاؤون بالنميمة و انهم مناعون للخير و انهم معتدون آثمون... و معني النهي عن اطاعتهم أن لا يعيرهم النبي شيئا من الاهمية و أن يواجههم بأنهم غير جديرين بالتصديق. و الذين نزل فيهم هذا النص يعرفون ما نزل فيهم منه...ان المواجهة كانت حادة في هذا المجال بين النبي و بين القوم و بينهم و بينه و ان قوله تعالي «و لا تطع كل حلاف مهين» كشف به تعالي عما في قلوب هؤلاء الناس من الزيغ و الكفر و ابيتغاء الشقاق و الفتنة و قد كان مثل هذه الآيات الصريحة في حق كفرة القوم ما يدخل في نفوسهم الخوف و الرعب، و اليأس من ادخال النبي في كماشة محاولاتهم الفاشلة. ان في مخاطبة اناس من الكفار من ذوي الطول و الصولة بمثل هذه اللهجة العنيفة دلالة علي القوة التي يتمتع بها الجانب الاسلامي الذي هو مجموع من كان مع النبي من المؤمنين، اذ كانت القوة و الضعف يترددان بين الفئتين فئة المؤمنين و فئة القوم الكافرين.«فاصبر لحكم ربك و لا تكن كصاحب الحوت اذ نادي و هو مكظوم، لو لا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء و هو مذموم»... القلم 49/48خاطب الله رسوله له الاعظم في أن لا يكون كصاحب الحوت و هو النبي يونس عليه‌السلام اذ كان قد نفد صبره، و قد جاء هذا الوصف بعد كلمة الصبر التي أمر النبي به... و قد مر بنا الكلام علي آيات الصبر التي خوطب بها الرسول الاعظم من استدلالنا به علي ان هذه التوصيات بالصبر لا تعني ان النبي صلي الله عليه و سلم نقد صبره و انما هي التوصية الالهية التي تعد [ صفحه 123] اصلا في كل دعوة سماوية يبعث الباري عزوجل في صددها نبيا الي عباده... و في القرآن الكريم...«لو لا أن ثبتناك لقد كدت تركن اليهم شيئا قليلا». الاسراء/74 النص يتكلم علي التوفيقات الالهية التي حباها رسوله، و ينوه بالتداركات التي كان يحيطه بها، و ذلك لما تكون له ملازمة و ديمومة تحصن بها الرسل و ذاك لما تكون له حالات متوقعة ينتظرها الرسل من ربهم عند اللجوء اليه في الازمات و في القرآن الكريم في الكلام علي يونس عليه‌السلام «لو لا أن تداركه نعمة من به لنبذ بالعراء...»...«و لا تمن تستكثر. و لربك فاصبر»... المدثر 7/6النص آت في مخاطبة الرسول الاعظم و ان كان مرادا به سائر المخاطبين من الناس من مؤمنين و غير مؤمنين. و من النظام التوجيهي في القرآن الكريم اذ توجه هذه الاوامر الي الرسول ابتداءا ليكون مستقرا في نفوس الناس و افكارهم أهمية ذلك و عظم قيمته عند الله. اذ يدل ذلك علي استكمال خصائص النبي في المجال التهذيبي و بديهي ان الناس أولي بهذا الاستكمال لحاجتهم الي سائر مفرداته في حين يعد النبي متميزا عنهم بالرسالات والكمالات العالية...و المعني في قوله تعالي «و لا تمنن تستكثر» اي اذا اعطيت فلا تكثر من التباهي بعطائك كما أن المن يعني استرداد العطاء و الرجوع فيه. و ليس هو في الحقيقة نهيا عن خصلة في النبي يراد تصحيحها بل هو بدء لتوصية تراض النفوس عليها ابتداءا... ان النبي صلي الله عليه و سلم يتلقي التعليم العالي و التهذيب من ربه الذي تهتدي بهداه السماوات و الارض... و الانبياء و الرسل جميعا الي التهذيب الصادر من ربهم لمحتاجون و التأديب الذي يؤدب به الله عباده لمفتقرون...«لا تحرك به لسانك تعجل به. ان علينا جمعه و قرآنه. فاذا قرأناه فاتبع قرآنه. ثم ان علينا بيانه». القيامة 19/16في النص القرآني تعليم لطريقة تلقي القرآن و نطقه و قراءته. والنص لا يتضمن نقدا لطريقة ما كان النبي يؤدي بها التلاوة القرآنية، و انما كان ذلك ابتداءا علي جهة التعليم و التوجيه «و قرآنا فرقناه لتقرأه علي الناس علي مكث». الاسراء/106ان طريقة تلاوة القرآن الكريم كانت علي هيئة منغمة و ذاك علي ما جرت عليه عادة اصحاب الكتب السماوية في تلاوتها و قراءتها و كان الرسول قد عرف بحسن الالقاء و الحديث و كل داعية دين تعرف الأناة في كلامه و الوضوح في نطقه و لذا قال موسي عليه‌السلام في اختيار أن يكون اخوه هرون عليه‌السلام معه اذ قال «هو افصح مني لسانا». القصص/34و سأل الله أن يحل عقدة كانت في لسانه... و لذا فان النص آت علي تعليم سائر من يقرأ القرآن الكريم بالطريقة المفضلة في التلاوة و القراءة... و قوله تعالي «فاذا قرأناه فاتبع قرآنه». اراد بذلك من ينزل بالقرآن عليه صلي الله عليه و سلم...و اذ ان القرآن كانت تنزل آياته علي مدي الفترة المكية و المدنية بحيث اعتاد الناس التلقيات القرآنية من غير سابق انذار فانهم في بعض الاحيان كانوا يستعجلون ذلك. «يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء ان تبد لكم تسؤكم و ان تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم»... المائدة/101و في تأزم الاحداث كانت الامة تنتظر نزول الوحي ليبت في ما استعصي من الامور الطارئة منها... يفهم من هذا ان الرسول صلي الله عليه و سلم كان كثير التلهف الي سماع الوحي و تلقيه و حفظ ما ينزل آياته و سوره فطمأنه الله الي أنه لن يفوته شي‌ء منه [ صفحه 124] فانه هو جامعه و حافظه و منزله و موضح بيانه... و كان يظهر علي الرسول من الحرص في استقبال الوحي و استعجاله ما عرف في اكثر من مكان، من ذلك حرصه علي مسألة القبلة و هذا ما نص عليه النص القرآني «قد نري تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها» البقرة/144... و من ذاك «و لا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضي اليك وحيه»...«فاصبر لحكم ربك و لا تطع منهم آثما أو كفورا»... الانسان/24في النص ما يكشف عن وجود اعداء من الاثمة كثيرين يتناولون احباط دعوة النبي الي الهدي والحق والاصلاح بين الناس و لذلك نبه الله نبيه أن لا يأبه لهؤلاء و لا يعيرهم أدني اهتمام او خشية...و كذلك جاء في هذا المعني قوله تعالي «كلا لا تطعه و اسجد و اقترب» العلق/19... و قد جاء ذلك بعد آيات وردت في آخر سورة العلق. يتجلي فيها المراد بمن نهي الله عن اطاعته...

باب حسب و تحسب

تعني حسب معني الظن مقرونا بشي‌ء من التأكد... «و حسبوا ان لا تكون فتنة فعموا و صموا» النحل/88... و مثل ذلك «و تحسبهم أيقاظا و هم رقود» الكهف/18... اي انك تتحسس في شأنهم أنهم ايقاظ و ذاك لكون معالم اليقظة ظاهرة عليهم و هم رقود اي و هم نيام لا مستيقظون... فان «حسب» تعني الظن الذي هو في قوة الواقع «و يطوف عليهم ولدان مخلدون اذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا» الانسان/19... كأنما جاء النص يصفهم بالبياض و الالتماع و النظافة المكتملة... و اللؤلؤ لا حياة فيه كالحياة التي في البشر ولكن التشبيه به مألوف ابتغاء وصف أناس بالجمال و الصباحة... ان النبي صلي الله عليه و سلم اذ يخاطب بذلك انما يخاطب به لانه هو الذي يطمأن اليه لقوة الصفة الظاهرة عليه، و هو كذلك اسلوب في البلاغة العربية يرد في التعبير عن الاحاطة في المدح و الذم كالذي في قوله تعالي «تحسبهم جميعا و قلوبهم شتي» الحشر/14... و هذا مقول فيهم علي وجه الذم... اي ان ظاهرهم معجب مرضي و باطنهم شي‌ء غير مرضي... و ما جاء من هذه الالفاظ مسبوقا بلا الناهية من مثل «و لا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله امواتا...» آل‌عمران/169 فان معني النهي هنا غير وارد و انما هو اسلوب في العربية يراد به توكيد الشي‌ء من طريق نفيه او النهي عنه و شواهد ذلك في القرآن الكريم كثيرة...«و لا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله امواتا بل احياء عند ربهم يرزقون». آل‌عمران/169من اساليب العربية عند الكلام علي اثبات حقيقة من الحقائق أن يتم التوصل اليها من طريق ايرادها علي وجه النفي... فالنص يقرر أن الذين قتلوا في سبيل الله انما هو احياء عند ربهم يرزقون، ولكنه جاء بمقدمة تنهي أن يكونوا قد ماتوا لأنهم في حكم الملة الحنيفية السمحة احياء غير اموات... و بذلك تكون الحقيقة التي أريد ايرادها في امر الشهداء قد أديرت في مجال النقاش حتي ظهر امرها...و لم يكن النبي قد كان قد حسب الشهداء امواتا ليصحح الله ذلك... بل أن الكلام الالهي جاء ابتداءا قطع الله به الشك في أن الشهداء الذين قتلوا في سبيله احياء... و ما قلناه من قاعدة اثبات الحقائق من طريق ايراد الكلام عليها علي وجه النفي او النهي تكرر في اكثر من مكان من هذا الكتاب...«لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا و يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب و لهم عذاب أليم»... آل‌عمران/188 [ صفحه 125] «لا تحسبن» هنا لم ترد علي وجه النهي عن امر وقع. بل جاءت ابتداءا بالحكم برفضه و نقيه ليكون ذلك قاعدة ثابتة من زجر الذين يحبون ان يحمدوا بما لم يفعلوا لانه حسد علي لا شي‌ء فهو يعد منتهي الغش و الزور اذ لا يصح ان ينسب الي من لم يكن قد عمل عملا حسنا شي‌ء مما يستأهل الذكر الحسن و الحمد و التقدير...و علي هذا افان نهي النبي ان يحسب اولئك القوم بمفازة من العذاب لا يعد نهيا. و انما هو بدء كلام اثبت الله به القاعدة التي نصصنا عليها آنفا، فان النبي يعمل أن امثال اولئك الناس ليسوا بمنجاة من غضب الله و عظيم عذابه و نقمته...و في النص تنبيه الي أن يكون عطاء من يحسن الي الناس غير مراد به التبجح و ابتغاء الحمد، هذا ان كان هناك من اعطي و من احسن في عطائه اما اذا لم يكن ثمة عطاء و لا احسان فان هؤلاء ان طمعوا في الحمد فهم حقا من اخسر الناس اعمالا يوم القيامة...«و لا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون. انما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الابصار مهطعين مقنعي رؤوسهم لا يرتد اليهم طرفهم و افئدتهم هواء»... ابراهيم 43/42ليس النهي هنا نهيا [35] بل هو بدء كلام اراد الله به اثبات حقيقة قاطعة تقرر أن الله عالم بما يعمل الظالمون. فان النبي علي علم و عقيدة راسخة في نفسه أن الله غير غافل عن اولئك الناس و انما جاء النهي في مقام توكيد الحقيقة لان اثبات شي‌ء بعد نقيه يقوي الاعتقاد بوجوده و قيامه... علي ما سبق ان اسلفنا من الاشارة الي ان ذلك نمط من انماط البلاغة العربية. و قوله تعالي «انما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الابصار...» أي ان حسابهم سيكون يوم يحشرون الي ربهم، و حالة الناس في ساحة الحشر غير حالتهم في الدنيا اذ يتملكهم الخوف و الرعب و الخجل مما اقترفوه ايام الحياة من ظلم ظلموا به انفسهم و ظلموا الناس و ذاك ما عناه النص بقوله «مهطعين مقنعي رؤوسهم لا يرتد اليهم طرفهم و افئدتهم هواء»...«فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله ان الله عزيز ذو انتقام»... ابراهيم/47النبي يعلم ان الله لا يخلف رسله وعده اذا وعدهم بالنصر علي الخصوم و تحقيق امانيهم بهداية الناس. ولكن النص جاء علي قاعدة التوصل الي الاثبات باسلوب النفي و تثبيت الامر باسلوب النهي... فالنص و ان ورد بلا الناهية فان النهي فيه غير مراد لذاته. و انما المراد اثبات ان الله لا يخلف رسله وعده... و توجيه النهي الي النبي ينبه جميع الناس الي قوة المعني المراد اثباته فيه...«ام حسبت أن أصحاب الكهف و الرقيم كانوا من آياتنا عجبا اذ أوي الفتية الي الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة و هيي‌ء لنا من امرنا رشدا. فضربنا علي آذانهم في الكهف سنين عددا. ثم بعثناهم لنعلم اي الحزبين أحصي لما لبثوا أمدا. نحن نقص عليك نبأهم بالحق انهم فتية آمنوا بربهم و زدناهم هدي. و ربطنا علي قلوبهم اذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات و الارض لن ندمو من دونه الها. لقد قلنا اذن شططا»... الكهف /14في النص تصديق لما كان النبي قد ظنه في اهل الكهف اي حسبه فكأن الجواب كان علي جهة التصديق اي انهم كذلك علي ما حسبتهم فانهم فتية آمنوا بربهم فكانوا مثلا صالحا لهذا الايمان بما كان منهم من التمسك بالعقيدة الصحيحة. و بما قدموه من اجلها من تضحية بالنفس و النفيس. لقد اكد النص القرآني ما حسبه النبي في اصحاب الكهف من انهم نماذج [ صفحه 126] صلاح و ايمان و انتساب الي الله اذ أووا الي الكهف فكانت لهم فيه نومة لم يصرح القرآن بطول أمدها ثم اراهم الله من لذة النصر ما اراهم بعد يقظتهم ثم اماتهم في مكانهم فاتخذ المؤمنون من اهل دينهم عليهم معبدا اي مسجدا. و قد سماه الله مسجدا تزكية منه تعالي للعقيدة التي كان يعتقدها اهل الكهف و للعبادة التي يتعبدون الله وفق شعائر و طقوسها لان كلمة المسجد اظهر دلالاتها الايمانية المعتبرة من كلمة المعبد...«و تحسبهم أيقاظ و هم رقود و نقلبهم ذات اليمين و ذات الشمال...»...الكهف/18في النص ايراد لصفتهم و هم مستغرقون في النوم و ذاك علي جهة الامتداح اذ ان النائم تظهر عليه أعراض تتحكم ف يمعالم وجهه فتغيرها ولكن جماعة اصحاب الكهف اذ كانوا نائمين كانوا و هم كالذين هم في حاله صحو و استيقاظ و ذاك من بعض لطف الله بهم و منه علهيم بالرضوان و الرحمة تقديرا لحسن ايمانهم و صدق جهادهم... و قوله تعالي في مخاطبة النبي «و تحسبهم ايقاظا» توكيد لصحة نظرة النبي اليهم و لم يكن النبي قد رآهم اذ كانوا في زمن سبق زمنه، ولكن النص جاء علي تقدير أن يكون النبي قد رآهم و بلغ مكانهم خلال وجودهم في كهفهم... و انما ذكر القرآن ذلك للاستشهاد علي الحالة التي اراد القرآن تصويرها فاستشهد عليها أن يكون رسوله العظيم موجودا ابانها.«لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الارض و مأواهم النار و لبئس المصير»... النور/57الذين كفروا لا يعجزون الله في شي‌ء و ذاك من صميم العقيدة الاسلامية التي يعتقدها المؤمنون و النبي صلي الله عليه و سلم في طليعتهم و علي رأسهم. ولكن النص «اللائي» [36] اي المقرون بحرف «لا» هو نص ايجابي آت بلفظ النفي... ارادة لتقوية المعني القرآني الرشيد...و النص مدني اي وارد في سورة مدنية و ذاك اذ كثر عدد الذين كفروا و ظهر لهم شي‌ء من الشوكة اقر الله في نفس نبيه أن القوم لا يعجزون الله مهما كثر جمعهم و قوي شأنهم حيث هم، فانه عزوجل اقوي منهم جميعا. و في ذلك ما يزيد في طمأنينة النبي و المؤمنين...«ام تحسب ان أكثرهم يسمعون او يعقلون، ان هم الا كالانعام بل هم اضل سبيلا»... الفرقان/44في النص حكم قاطع علي القوم بأنهم في غاية الغباء الذي لا تستوعب بمثله حقائق الدين و هدي الشريعة فالقوم كالانعام بل هم اضل سبيلا، و ذاك لتزكيتهم الشرك و تشبثهم بالكفر و انعدام مذاق الهدي في عقولهم و قلوبهم...و قوله تعالي «ام تحسب أن اكثرهم يسمعون او يعقلون» انما هو استبعاد أن يكون القوم جديرين بالسماع و العقل و ادراك الامور، فاذا كانوا يظهرون كذلك ظاهر الرأي فإن حقيقتهم انهم كالانعام بل هم اضل... اي اذا حسبتهم علي شي‌ء من استيعاب الامور و فهمها فهم ليسوا كذلك و النص ظاهر في أن الله في النص قد نزه نبيه أن يحسبهم كذلك اي نزهه ان يزكيهم في نظرته اليهم... و في النص شدة في الخطاب و ازدراء ظاهر بأولئك الكفار و تحد مكشوف لما كانوا يظهرونه في مواجهة الرسول من صلف و عجرفة و في استعمال هذا الاسلوب في مخاطبة الكافرين ما يشعر المؤمنين بالقوة و الانتصار و في ذاك بن رفع معنوياتهم ما هو ملحوظ...«و تري الجبال تحسبها جامدة و هي تمر مر الحساب صنع الله الذي أتقن كل شي‌ء انه خبير بما تفعلون». النمل/88قد لا يكون القصد المقصود في هذه الاية تصوير يوم القيامة و ان كان ذلك قد خامر ظن المفسرين لقرب [ صفحه 127] النص من قوله تعالي «و يوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات و من في الارض الا من شاء الله» و قد قال الشوكاني في تفسيره ]و يحتمل أن ذلك في الدنيا، و يكون اشارة الي دوران الارض يحسبها اهلها ساكنة و هي متحركة[... و الذي نراه ان الله عزوجل اراد أن يوضح أن اسراره في ملكوته لا يعرفها الناس فالجبال الشاهقة الراسية علي الارض هي في واقع امرها في عالم اسرار الله شي‌ء اخر و أن ذلك من متقن صنع الله عزوجل...و قوله تعالي «تحسبها جامدة» أعم من أن يكون ذلك فيما يحسبه الرسول صلي الله عليه و سلم اي انه من الامور التي يشترك في استحقاق لفت النظر اليها جميع الناس، و قد جعل الرسول صلي الله عليه و سلم اولي من يخاطب بذلك. و الاشارة الي الجبال و هي اعظم ما يري في الارض من معالم لا تتأثر بالرياح و لا بغيرها في حين أن الله حين يشاء يجعلها تتناثر في الجو كالسحب المتناثرة علي أن المعني القرآني في هذا التعبير غيبي لا يبلغه علم الناس و لا تدركه حواسهم مهما بلغ علمهم...و الرسول اقدر ممن سواه من البشر علي فهم النكتة الالهية في هذا الامر و ما سواه... و ذلك لفرط لماحيته و شفافية نفسه وحدة بصره و دقة تقديره و صدق تذوقة و أبعاد روحانية...«بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا و قلوبهم شتي...»... الحشر/14في الاية معني تهكمي بقوم يبدو ظاهرهم علي حال من الوفاق في حين أن باطنهم مثخن بالخلاف و الشاق... و النظرة هنا الي ظاهر وفاقهم و اكتمال جماعتهم نظرة يلاحظها كل ناظر اليهم و النبي علي مثل هذه النظرة لان للنبي ظاهر احوال الناس فما استبطنوه يعلمه الله أو تنم عليه تصرفات يتصرفونها...و من ملاحظة النص «بأسهم بينهم شديد»، يفهم أن للتكاشر و النزاع بينهم مجالا عريضا بحيث كان شي‌ء من ذلك ظاهرا علي سجية حياتهم اليومية و ان كانوا يغطون ذلك بغطاء يظنونه ساترا عاهة الفرقة بينهم. و قوله تعالي «تحسبهم جميعا و قلوبهم شتي» يراد به أن ذلك مالا يخص النبي وحده، بل هو أعم من أن يكون خاصا به اي انهم يوهمون من يراهم بأنهم علي وفاق فيما بينهم لما يبدو من قوة التحامهم و تراص صفوفهم و ان لم يكونوا كذلك. و المعني التهكمي لا يزال قائما عند ذلك للتفسير و التأويل...«و يطوف عليهم والدان مخلدون اذ رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا» الانسان/19في النص وصف لبعض اجواء الجنة التي وعد التقون اذ يغمرهم الله بالرعاية و الاكرام العظيم فالذين يطوفون علي خدمتهم هم غلمان علي أرقي حالات النظافة و حسن الخدمة و الزي الذي يلاحظ علي خدمة الملوك و القائمين علي موائدهم. و قد جاء ذلك بلفظ «اذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤ منثورا» استشهادا بالنبي فهو خير شاهد لا ترد شهادته و لا يزن تقديره للاشياء بالنقص و فقدان دقة التقدير و تلا ذلك قوله تعالي «و اذا رأيت ثم رأيت نعيما و ملكا كبيرا. عاليهم ثياب سندس خضر و استبرق و حلوا أساور من فضة و سقاهم ربهم شرابا طهورا». و بذلك اكمل الله شهادة نبيه في عظم مكافأته عزوجل لعباده المؤمنين في عالم المكافأة و الجزاء الكريم يوم القيامة... و علي هذا يظهر بوضوح أن الله جعل لشهادة نبيه علي ذلك واقعا ملموسا و مرئيا و امرا ثابتا لا يمتري فيه... و العبرة في باب - حسب - أن الله كان يخاطب نبيه آمرا و ناهيا و منبها و مستشهدا و موردا له دورا يؤديه و موقفا يقفه و ذاك لمكانة الاختصاص و أهمية الموقع اذ انه صلي الله عليه و سلم و رسوله.حقا لقد كان في استعمال كلمة - حسب - التي خوطب بها الرسول صلي الله عليه و سلم ما يمثل جوانب من مهام الرسول التي ناطها الله به و هي كثيرة ألممنا بها في مسائل هذا الكتاب و مقولاته... [ صفحه 128]

المعية النبوية...

المراد بالمعية من وصفهم الله بأنهم كانوا مع النبي في رفقته ايام الجهاد و سائر ظروف الدعوة الي الله. و من هنا حازوا شرف الصحبة فصاروا يقال لهم صحابة النبي او صحابة رسول الله. و في القرآن الكريم نزه الله نبيه ان يكون له اصحاب لا يستحقون صحبته و لا رفقته و لا السير في ركابه و لا الخروج معه لغزو و جهاد اذ ان صحبة النبي تتطلب اخلاقا يتخلق بها مصاحبوه و آدابا يتأدب بها مرافقوه... و في النصوص القرآنية ما يحوم حول ذلك و منها قوله تعالي: «فان رجعك الله الي طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي ابدا و لن تقاتلوا معي عدوا انكم رضيتم بالقعود اول مرة فاقعدوا مع الخائفين» التوبة/83...و من آيات المعية ما نورده آتيا:«اذ يقول لصاحبه لا تحزن ان الله معنا...» التوبة/40هذه المعية تشير الي ان العون الالهي في الملمات اذ يصيب النبي صلي الله عليه و سلم فانه يصيب اتباعه كذلك و ان من واقع ادب الخطاب النبوي ان يأتي القول هنا بلفظ «معنا» لا بلفظ «معي»...«لكن الرسول و الذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم و انفسهم و أولئك لهم الخيرات و اولئك هم المفلحون»... التوبة/88في هذا النص اشارة الي وجود اعوان و اتباع جاهدوا مع النبي صلي الله عليه و سلم و قد وصفهم الله بخير الصفات و جزاهم خير الجزاء و يفهم من ذلك انه كانت هناك قيادة دينية حكيمة تحسن الامر و يحسن اتباعها الطاعة و سلامة التنفيذ بالنفس و النفيس و الدم و المال و ينسحب ذلك علي حكمة هذه القياة و رجحان تصرفها في ما تأمر به و تنهي عنه و هي قيادته صلي الله عليه و سلم و كفي بقيادته أن تكون مناط الهدي والتوفيق و الغلبة و السبق والفوز العظيم...«فاستقم كما أمرت و من تاب معك و لا تطعوا انه بما تعملون بصير»... هود/112النص هنا يأمر بالاستقامة لانها من اوليات الاوامر الدينية التي تصحح بها العقيدة و تنقح العبادة و تتجلي بها ملامح الايمان و ذاك من بعض التهذيب الالهي لرسوله الكريم و كان الله يتولي رسوله بمثل ذلك باستمرار مرغبا و مرهبا ليكون الرسول بما يتلقاه من هذه الدروس القيمة و النصائح الثمينة مستوعبا للخلاق العالية و التعاليم المتكاملة التي يتلقاها من ربه جل جلاله. و قوله تعالي «و من تاب معك» اي ممن صح اسلامه و نصح لله و رسوله، و ليس المعية أن يكون ما وقع لهم من التوبة و الانابة الي الله قد وقع في مكان واحد و وقت واحد. و نهاهم بعد ذلك عن الطغيان أي التعسف باستعمال الحق و مجاوزة الحدود و التعالي علي الناس و التعاظم فانه مما يناقض الاستقامة و التقوي التي هي لب الايمان و معدنه الاصيل. و قوله تعالي «و من تاب معك» اشارة الي ان الجماعة التي قد احيطت بالنبي كانت ذات متاب الي الله و مثل هؤلاء اذا كانوا في رفقة احد فانهم يكونون نعم الرفقة. و الرسول في مرافقته لرفقة كريمة صادقة العقيدة محمودة النصيحة يكون بطبيعة الحال مطمئن الفكر مرتاح البال لا يقلق باله شي‌ء من داخل بيئته و لا من خارجها...«و قالوا ان نتبع الهدي معك نتخطف من ارضنا أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبي اليه ثمرات كل شي‌ء رزقا من لدنا ولكن اكثرهم لا يعلمون». القصص/57يبدو أن الخوف من بطش طغاة اهل الكفر بالمؤمنين او بمن يستجيب لرسول الله فيؤمن بدينه كان حائلا دون اقبال اناس منهم علي الايمان و اعتناق الاسلام و قد رد الله عليهم ذلك بالتنويه بما من به عليهم من الحرم الآمن الذي يسر الله لاهله أرزاقهم. ما يفهم منه أنه هو المتكفل برد عادية المعتدين عنهم اذا هم تمسكوا بعري الاسلام و دانوا دينه... [ صفحه 129] و شبح الخوف الراعد ظاهر في قولهم «ان نتبع الهدي معك نتخطف من ارضنا». اي انهم لا يتعرضون لاذي يسير عند اتباعهم النبي بل ان الاذي الذي يخشونه ذريع و شديد و عنيف لا يرأف و لا يرحم...و يفهم من هذا أن فئات من الكفار كانت متكونة لترويع المؤمنين الجدد و ذاك باختطافهم من بيوتهم الي اماكن اخري بعيدة مقرونا ذلك بشديد الاذي و أليم الانتقام. و صيغة النص الذي نحن في صدده جاءت بلفظ «و قالوا ان نتبع الهدي معك نتخطف من ارضنا» بلفظ الجمع و ليس بلفظ الافراد. ففي ذلك تصوير دقيق لما كانوا يخشونه علي انفسهم من العدوان. [37] .«و بنات عمك و بنات عماتك و بنات خالك و بنات خالاتك اللاتي هاجرن معك». الاحزاب/50الكلام علي هذا الموضوع جاء في مكان اخر و خلاصته ان المدينة المنورة كان للنبي فيها ذوو قرابة من العصبات و الارحام حلوا فيها مهاجرين اليها في عدة فترات زمنية. و قوله تعالي: «هاجرن معك» تعني المعية فيه الاشتراك في واقع الهجرة و ليس في تحديد زمنها...«محمد رسول الله و الذين معه اشداء علي الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله و رضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة و مثلهم في الانجيل كزرع اخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوي علي سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا و عملوا الصالحات منهم مغفرة و أجرا عظيما»... الفتح/29في هذا النص من قمة العلاقة و وثوق الصلة بين الرسول الاعظم و اتباعه و من في معيته ما كان الوصف الذي وصفهم الله به من جنس واحد فهم جميعا اشداء علي الفكار. و هم جميعا رحماء بينهم. و هم جميعا يعبدون الله عبادة مخلصة. و هم جميعا عليهم سمات الايمان الوضاءة. و هم جميعا يتمتعون بصفات زكيت في الكتب المقدسة القديمة لان سمات الاخلاق الكريمة واحدة لدي الناس قديما و حديثا...و بهذا يفهم أن رسول الله صلي الله عليه و سلم كان مرتاحا نفسيا من اصحابه الذين وصفهم الله في هذا النص وصفا محمودا. و في ارتياح ذي قيادة من مقوديه ما يمكنه من اداء سائر مهماته من دون أن يشاب شي‌ء من ذلك بالهم و القلق و يبلبل الفكر و انشغال البال... و قوله تعالي: «وعد الله الذين آمنوا و عملوا الصالحات منهم مغفرة و اجرا عظيما» أي وعد هؤلاء الاصحاب... و كلمة «منهم» للبيان لا للتبعيض و هي تعني أن صفة الايمان التي وصفوا بها صدر هذه الآية صفة ثابتة لا يتصور فهيا التغير و النكول...«يا أيها الذين آمنوا توبوا الي الله توبة نصوحا عسي ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم و يدخلكم جنات تجري من تحتها الانهار يوم لا يخزي الله النبي و الذين آمنوا معه نورهم يسعي بين ايديهم و بأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا انك علي كل شي‌ء قدير»... التحريم/8في هذا النص معان كثيرة متعانقة و متماسكة يعنينا منها في موضوعنا هذا المعية التي بين النبي و اصحابه اذ جاء في النص «يوم لا يخزي الله النبي و الذين آمنوا معه». فقد عصم الله المؤمنين من خزي يوم القيامة اي الافتضاح بجناية تسجل عليهم او عمل غير محمود يؤاخذون به او سيئة من السيئات تدون في صحيفة اعمالهم لقد كانوا حقا جديرين بصحبة النبي و برفقته و باتباعه و التعلم منه و الاقتداء بهديه ثم وصف الله اولئك الاتباع المؤمنين بقوله «نورهم يسعي بين [ صفحه 130] ابديهم و بأيمانهم» و انها لحقا وثيقة تزكية من الباري العظيم للفئة التي آمنت بالله و رسوله و جاهدت في سبيل الله مخلصة في عقيدتها و ناصحة لله و لرسوله فاستحقت بذلك رضا الله و غفرانه و كريم جزائه. و في ذلك دلالة واضحة علي أن الرسول صلي الله عليه و سلم احسن اصطفاء اصحابه و أحسن تأديبهم و تربيتهم و توجيههم و تزكيتهم فكانوا محل رضاه و رضا الله...ان خزي يوم القيامة شي‌ء كانت الرسل تستعيذ منه بالله و قد قال ابراهيم عليه‌السلام في بعض دعائه و قنوته «و لا تخزني يوم يبعثون، يوم لا ينفع مال و لا بنون، الا من اتي الله بقلب سليم...» الشعراء/الآيات 89-88-87...«ان ربك يعلم انك تقوم ادني من ثلثي الليل و نصفه و ثلثه و طائفة من الذين معك و الله يقدر الليل و النهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم»... المزمل/20هذه (المعية) لا تعني وجودهم جميعا مع النبي في مكان واحد و انما تعني انهم يؤدون نافلة الليل حيث ما كانوا. و انما جاء النص بذكر هذه المعية لبيان انه كان هناك اي في العهد المكي اتباع للنبي يتهجدون تهجده و يصلون صلاته و في ذلك تثبيت لبعض مراحل لعبادة المهمة اذ كان اصحاب النبي يؤدونها في جنح الليل لا بفعل الحذر و الاستخفاء من المشركين ولكن فعل ما علموه من ان لصلاة الليل عند الله من قبول و جزاء كريم. و هي صلاة لا يشغل فيها بال المصلي بشي‌ء من اشياء الحياة من بيع و شراء و تعلقات اخري و غير ذلك.

الحكم و القضاء النبوي...

من مهمات اعمال الانبياء الحكم بين الناس عند اشتداد مشاكلهم و تأزم اوضاعهم و خصوماتهم «كان الناس امة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين و منذرين و انزل معهم الكتاب ليحكم بين الناس بالحق» البقرة/213. و كان الرسول الاعظم صلي الله عليه و سلم قد نيط به مثل ذلك بل انه كان يراجع في مثل هذه القضايا من قبل غير المؤمنين من اتباعه و ذاك لفرط عدله و حسن قضائه [38] و كان اهل الكتاب رغم ادعائهم أن في التوراة من حكم الله ما يحتكم اليه فانهم كانوا يراجعون النبي يسألونه الحكم بينهم. و اشار النص الي ذلك في غير مكان من [ صفحه 131] كتاب الله منه قوله تعالي «و كيف يحكمونك و عندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك و ما اولئك بالمؤمنين» المائدة/43...والاستفهام القرآني مراد به العجب لاهل الكتاب ينصرفون عن كتابهم الدي يؤمنون به ايمانا تاما في ما يزعمون ليقبلوا علي النبي صلي الله عليه و سلم في امر الاحتكام اليه... و من الآيات القرآنية الدالة علي ان من وظائف النبي الحكم بين الناس اذ ان ذلك من بعض اعماله اليومية و وظائفه القيادية و القضائية... و اتحد الاسلام قواعد للحكم و قوانين لادارة الجمتمعات حقوقيا و جزائيا فكانت هناك للعدل في البيئة الاسلامية موازين دقيقة ذات قدرة عالية علي تحقيق النهج السديد في ادارة الامة... و هكذا تم لهذه الموازين و القواعد و الاصول و التطبيق الصحيح في سائر ارجاء العالم حيث وصل الاسلام و طبقت قوانينه.ان القواعد القانونية التي تتخذها الدول في حكمها الامم انما تقوم علي ضوابط ترتئيها هاتيك الدول و تنهض محاكمها و دور قضائها بطبيعتها و تنفيذها... و عند وصول الاسلام الي آفاق شتي من العالم كانت قواعده العامة هي التي يجري القضاء في الناس بمقتضاها... اما العقوبات في الاسلام فقد تناولت جريمة القتل و ما كان منه عمدا و ما كان خطأ و السرقة التي عاقبت عليها بالقطع و عاقبت علي جرائم اخري بعضها جاء وفق ما ذهبت اليه الاديان القديمة...و الحكم في الاسلام من الناحية التطبيقية انما نهض علي اكتمال شخصية المة و رسوخ وقع الكيان الدولي فيها اذ لم يكن هناك ما يحصل لتطبيق القطع في السرقة مجالا ايام العهد المكي و ذاك لعدم وجود السلطة القادرة علي التنفيذ [39] ... ان الحكم في الاسلام حقوقيا و جزائيا طبقت بغاية الاحكام و الدقة و قد قام عليه القضاء الاسلامي الذي يعد أتقن قضاء و اعدله في العالم...و كان الحياد في القضاء من المزايا التي عرفت في ابان الدولة الاسلامية بحيث صارت سيرة قضاة الامة محل الاشتهار و التقدير... و اذ كان الحكم الاسلامي يحمل معه حيثياته الواقعية فلقد كان محل ارتياح المتقاضين من سائر الملل و الديانات.و في ما يلي سرد هذه الايات:«فلا و ربك لا يؤمنون حتي يحكموك في ما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت و يسلموا تسليما»... النساء/65في النص توثيق لقوة قضاء النبي بسبب ما يقوم عليه قضاؤه صلي الله عليه و سلم من التزام بالعدل و الحكمة و الهدي الالهي...«انا انزلنا اليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما اراك الله و لا تكن للخائنين خصيما». النسا/105و هو اقرار الهي بأن ما يترآي للنبي صلي الله عليه و سلم من رأي في مسائل الاحكام و ذاك مما يريه الله عزوجل انما هو في حكم الشهادة لوقوع ما يراه النبي صلي الله عليه و سلم موقع الصحة في الحكم بين الناس و هذا نمط من الالهام الالهي غير النمط الذي نؤمن به في الهام القرآن. و هناك نص قرآني يشبه هذا قوله تعالي «و داود و سليمان اذ يحكمان في الحرث اذ نقشت فيه غنم القوم و كنا لحكمهم شاهدين. ففهمناها سليمان...». الانبياء 79-78 و تلك حادثة واحدة او انها صورة واحدة ذكرت لنبي من الانبياء الاقدمين اما الذي جاء في خطاب الرسول صلي الله عليه و سلم من الحكم بما اراه الله جل جلاله فانه متكرر و مستديم...في النص ما يجعل قضاء الرسول الاعظم قضاءا نافذا لا مجال للتهرب منه او الالتفاف عليه لانه واجب التنفيذ لا يزيد منه شي‌ء و لا يمسك فيه عن شي‌ء...«سماعون للكذب أكالون للسحت فان جاءوك فاحكم بينهم او أعرض عنهم و ان تعرض عنهم فلن [ صفحه 132] يضروك شيئا و ان حكمت فاحكم بينهم بالقسط ان الله يحب المقسطين».المائدة/42«و أنزلنا اليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب و مهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله و لا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة و منهاجا و لو شاء الله لجعلكم امة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات الي الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون» المائدة/48«و أن احكم بينهم بما أنزل الله و لا تتبع أهواءهم و احذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله اليك فان تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم و ان كثيرا من الناس لفاسقون»... المائدة/49«و ما كان لمؤمن و لا مؤمنة اذا قضي الله و رسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم و من يعص الله و رسوله فقد ضل ضلالا مبينا»... الاحزاب/36«قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها و تشتكي الي الله و الله يسمع تحاوركما». المجادلة/1في هذا النص اشارة الي ان المسلمين علي عهده صلي الله عليه و سلم قد اعتمدوا عليه في مهمات امورهم و كبريات مشاكلهم. فهذه المرأة راحت شاكية الي الرسول امرا بينها و بين زوجها و كان الرسول حسن الاستقبال و التعامل مع تلك المرأة و كذلك سمي الله كلامها و كلامه تحاورا و قال انه جل شأنه كان يسمعه، و كلمة الجدال هنا تدل علي فرط هم المرأة و شدة كربها الذي قدمت الي النبي من أجله شكواها...و في النص ما يدل علي حسن تفهم النبي شكاوي الناس و اخذه ذلك بهدوء نفسي تام فلقد كان صلوات الله عليه محايدا كل الحياد في الاصغاء لشكوي تلك الشاكية و ذاك ان الزوج كان غائبا عن ساحة التحاور فلابد ان تكون القيادة التي تقع الشكوي عندها متأنية في اصدار اي قرار، و غير ماخوذة ببعض الظواهر الظاهرة علي سحنة القضية المعروفة و كانت المرأة الشاكية تري الحق كله في جنبها و هي نفس المرأة التي لقيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه و هو خليفة فأوصته بان يرعي امر الامة و قال (عمر) فيها انها هي التي سمع الله كلامها من فوق سبع سماوات.

باب ذر

الاوامر الالهية التبليغية الموجهة الي النبي صلي الله عليه و سلم في كتاب الله ترد بألفاظ متنوعة علي مقتضي ما تتسم به ألفاظها من ملامح بلاغية تتلاءم و مواقع الكلام القرآني البليغ فمن ذلك ما جاء بلفظ «ذر» فانا لا حظنا أنه من الاستعمالات المخصوصة بآيات العهد المكي اذ كان سلوك من استعمل هذا الحرف في شأنهم يستوجب استعماله حقا و لم يكن الامر كذلك في العهد المدني لذلك لا نري في نصوص هذا العهد شيئا من الكلام الالهي مقرونا به. و في ما يلي ما جاء من ذلك في التنزيل العزيز في السور المكية...«و ذر الذين اتخذوا دينهم لعبا و لهوا و غرتهم الحياة الدنيا و ذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي و لا شفيع و ان تعدل كل عدل لا يؤخذ منها، أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم و عذاب أليم بما كانوا يكفرون»... الانعام/70ترد كلمة «ذر» في مخاطبة الرسول الاعظم صلي الله عليه و سلم في معني تجاهل شأن اناس جاءت اوصافهم في ذات النص موجبة لهذا التجاهل و النص الذي في صدد الكلام عليه يصف القوم بأنهم اتخذوا الدين ألعوبة و ملهاة كشأن ما يلهون به من وسائل اللهو المتعادة لديهم. كما أنهم وصفوا بالاغترار بما اصابوه من مال و جاه. و قد اسقط الله حيثيتهم الشخصية فما [ صفحه 133] تقبل منهم شفاعة و لا عدل. و قد حكم الله عليهم بأنهم من أهل النار...ان مثل هؤلاء جديرون بأن لا يشغل النبي باله بهم و أن لا يقيم لهم وزنا و لا يمنحهم ثقة و لا يطمئن اليهم في شي‌ء... و في كلمة «ذر» هنا ما يدل علي الاحتقار و الازدراء و الاهمال مقرونا ذلك بالاسباب الموجبة و معللا بالعلل التي تزكي القرار الصادر بحق اولئك القوم...«ثم ذرهم في خوضهم يلعبون»... الانعام/91معني «ذر» هنا النهي عن اعارة القوم أدني أهمية... فان الظاهر في سلوكهم أنهم اهل لعب و هزل و عبث. و يفهم من هذا أن النبي صلي الله عليه و سلم اذ كان يبلغ الناس تفاصيل الوحي الالهي و يدعوهم الي التوحيد و نبذ عبادة الاوثان. لم يكن يقترب من بعض أنماط الناس ممن هم علي هذه الشاكلة و علي هذه الصفة صيانة لكلمة الله أن تكون محل الاهانة و المهازلة... لان كلمة الله و ان كانت واجبة التبليغ فان ذلك حري أن يقع في الموقع الكريم الذي لا تعلق به خساسة و لا وضاعة...و ليس في قوله تعالي «ذرهم في خوضهم يلعبون...» شي‌ء من اقرار هذا الخوض و اللعب و انما هو نمط من التهكم و الازدراء و انكار هذا الخوض و اللعب...«و كذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الانس و الجن يوحي بعضهم الي بعض زخرف القول غرورا و لو شاء ربك ما فعلوه فذرهم و ما يفترون»... الانعام/112كلمة «ذرهم» هنا تعني رفض افتراءاتهم و النهي عن جعلها موضع نقاش و محاجة و انشغال بال. و من اجل أن لا يشق علي رسول الله امر هذا النمط من الاعداء اشار النص الي أن سائر الانبياء أبتلوا بمثلهم...و تكرر قوله تعالي: «فذرهم و ما يفترون» في آية اخري من الانعام هي الآية الثالثة و الثلاثون بعد المئة و قد جاءت هذه العبارة القرآنية في التعقيب علي اناس وصفوا بأنهم زين لهم شركاؤهم قتل اولادهم...«ذرهم يأكلوا و يتمتعوا و يلههم الامل فسوف يعلمون»... الحجر/3ان اناسا هذا دأبهم و مثل هذا سلوكهم لا يعلمون من الحياة الا انهم في الاكل و الشراهة فيه بحيث يحسبون أنهم خلقوا لذلك لا غير فهو مناط تكليفهم و تشريفهم. أجل ان أناسا علي هذا الخلق الفاشل و النهج الخائب لجديرون أن لا يلتفت اليهم و أن يذرهم«فذرهم في غمرتهم حتي حين...». المؤمنون/54في هذا النص مقدمة و لا حقة أما المقدمة فهي «فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون» و اما اللاحقة فهي قوله تعالي: «أيحسبون أنما نمدهم به من مال و بنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون»...من استيعاب معاني مفردات النص الوارد في الايات الثلاث يعلم أن امثال هؤلاء الناس لجديرون بأن لا يحسب لهم حساب في ميزان التقييم و الحفول و لذلك أمر الله نبيه أن يذرهم في الغمرة التي هم فيها و لا يجعل لهم حظا من انشغال باله بهم و تكدر خاطره بصدد سلوكهم... فلقد كان الرسول الاعظم صلي الله عليه و سلم من فرط حد به علي قومه و محبته لأمته يشتد قلقه عليهم و اغتمامه لحالهم فكانت الآيات القرآنية تنزل في تهدئته و تطبيب خاطره و تهوين ما يشتد من الامر عليه...«فذرهم يخوضوا و يلعبوا حتي يلاقوا يومهم الذي يوعدون»... الزخرف/83كلمة «ذرهم» هنا تعني لا تشغل بالك بهم و لا تحمل همهم... فلقد كان الرسول صلي الله عليه و سلم يحمل هما شديدا حين يري بعض افراد الناس [ صفحه 134] و أبناء الامة في شغل عن تعاليمه و ارشاداته و في هذا المكان يخاطبه الله في ان لا يتكدر خاطره لانصراف امثال هذا النمط من الناس عن ساحة الدين لاعتناقه و الاستمساك بقيمه و تعاليمه...و لا يعني هذا ان يكف النبي عن ملاحقتهم بالدعوة الي اعتناق الدين و الاخذ من العقيدة بهدب اليقين...«فذرهم حتي يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون»... الطور/45لهذه الآية لاحقة هي قوله تعالي «يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا و لا هم ينصرون». و في هذه اللاحقة توضيح للعلة الكامنة وراء امر الله لرسوله بأن يذر امثال هؤلاء الناس أي أن لا يشق عليه قولهم الذي يقولونه و زعمهم الذي يزعمونه...«فذرهم يخوضوا و يلعبوا حتي يلاقوا يومهم الذي يوعدون»... المعارج/44جاء الكلام علي مثل هذا النص في الآية الواردة في سورة الطور الآية الخامسة و الاربعين...

الذرنيات

كلمة «ذرني» المضافة الي ياء المتكلم و هو الله عزوجل. ذات منحي غير الذي استعملت فيه كلمة «ذر» و «ذرهم» مما اسلفنا الكلام عليه ففي «ذرني» خطاب للنبي صلي الله عليه و سلم تكون فيه كلمة ضمير الجلالة في محل المفعولية وفق قاعدة الاعراب و هي تعني أن الله يجعل في هذا الخطاب لرسوله دورا في ايقاع شي‌ء ما من العذاب و نحوه علي الجهة التي يريد الله ايقاعه بها و في ذلك دلالة علي عظم مكانة الرسول لدي مرسله الذي هو الله جل جلاله اذ يمنحه سبحانه و تعالي حظا من الحق في تقرير مصير من يحوم حولهم الوعد و الوعيد و من ذلك ما جاء في الايات ذات العلاقة بالموضوع.«ذرني و من خلقت وحيدا، و جعلت له مالا ممدودا، و بنين شهودا، و مهدت له تمهيدا، ثم يطمع أن أزيد، كلا انه كان لآياتنا عنيدا، سأرهقة صعودا»... المدثر17/11معني «ذرني» هنا اي دع لي وحدي أن اتولي معاقبة هذا الكافر الشرس بما يستحقه من أليم العقاب...و هذا من كريم خطاب الله النبي صلي الله عليه و سلم الذي شاء الله به اعلاء منزلة النبي لمخاطبته و ليس هو استئذانا يستأذنه الله من النبي لان الله لا يستأذن احدا مهما علا مقامه في امر قضائه و قدره...«فذرني و من يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون، و أملي لهم ان كيدي متين»... القلم 45/44ففي هذا النص في المكذبين بكتاب الله و شريعته السمحة المبينة يعلم الله به نبيه بأنه سيكون عقابه لهؤلاء الناس عقابا شديدا كأن الله لا يريد أن يعاقب قومه صلي الله عليه و سلم الا وفق ما يرضاه النبي من شكل هذا العقاب و موضوعه... و السمة البلاغية في هذا التعبير واضحة...و منطق التهديد لاولئك المكذبين واضح في النص و فيه كذلك بيان بأن لا شفاعة هناك تشفع فهيم. فلقد جعلوا في منطقة التيئيس و امام قنوط كبير.«و ذرني و المكذبين أولي النعمة و مهلهم قليلا». المزمل/11استعمال «ذرني» في هذا المكان يفهم منه أن الله يمسك النبي أن يشفع في القوم المبطوش بهم لاستحقاقهم ذلك البطش الشديد الذي لا تخفف منه او تحول دونه شفاعة الشافعين...أما قوله تعالي «و مهلهم قليلا...» فكأن فهي تمكينا للنبي في شأن القوم و شيئا من اطلاق يده فيهم و ان كان التمهيل من شأن الله عزوجل و من حقه في خلقه. ولكن الله لم يشأ أن يصرف النبي عن التدخل في هذا الامر بالمرة و انما جعل له مقابلة ذلك بعض الوجود اليسير و ذلك في قوله تعالي «و مهلهم قليلا». [ صفحه 135]

باب عسي

ترد كلمة «عسي» في معني الترجي و التوقع و قد يكون هذا الترجي و التوقع بحجم من القوة كبير او بحجم منها صغير فالشاعر القائل:عسي سائل ذو حاجة ان منعته من اليوم سؤلا أن ييسر في غديتمني لهذا السائل ان يكون موسرا بعد املاقه و خصاصته و قد يتحقق ذلك و قد لا يتحقق و الشاعر القائل:عسي الايام أن يرجعن قوما كالذي كانوافانه عبر عن امنية يتمني من الايام أن تحققها له و قد يكون قائل ذلك مستبعدا هذه الامنية او مستقر بها ولكن «عسي» اذا جاءت في القرآن في موعدة يعدها الله عباده فانها غير الذي يرد في كلام الناس أي «عسي» تدل علي التحقيق اي انها لا تحتمل التردد بين الوقوع و عدمه. و من المواقع التي جاءت فيها «عسي» من آيات الذكر الحكيم ما سنورده و نتكلم عليه...«و من الليل فتهجد به نافلة لك عسي أن يبعثك ربك مقاما محمودا». الاسراء/79في النص أمر من الله لرسوله بأن يشغل بعض ليله - و هو وعاء النوم و محل الراحة - بالصلاة التي يختلي فيها بربه اذ التهجد هو الصلاة من جوف الليل و تكون اكثر خشوعا و قنوتا من صلاة النهار و ذاك لفرط سكون في الليل و فرط الضجيج في النهار و التفرغ التام من الاعمال في الليل و هو مالا يحصل مثله في النهار. و تكون صلاة الليل اطول زمنا و اعرض مساحة لعدم تعرض المصلي المتهجد لطارق او زائر او حاجة بعض أهله اليه... و مثل هذا الامر عند الاستجابة له يستحق الجزاء الوفاق و النصيب الاوفي من ثواب الله و بذلك تكون «عسي» في مقام التحقيق أي ان الله باعثك مقاما محمودا لقاء عبادتك الخالصة له هذه... و المقام المحمود هو ما يكون للنبي عند الله و عند سائر الخلائق من رفيع المكان و جليل القدر و عظيم الشأن...«و لا تقولن لشي‌ء اني فاعل ذلك غدا. الا ان يشاء الله و اذكر ربك اذ نسيت و قل عسي أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا»... الكهف 24/23يجول النص القرآني هنا في مجال الدعاء و التوصية ببعض الاداب التي دعي الله اليها النبي و الله هو مؤدب النبي و مهذبه و مدربه و قد نوه له بأن الغيب كله لله فلا يطمئن الي شي‌ء يريده في غده الي ذلك الغد لانه غيب لا يملك معرفة كنهه غير الله و كان من بعض هذا الدعاء الذي القاه الله الي نبيه أن يتمني علي الله أن ييسر له سبل الرشاد للوصول الي ما يبتغيه في آتي ايامه. و لعظم ثقة النبي بربه و هو كذلك موصا منه تعالي أن يقول في دعائه هذا. فان «عسي» هنا للتحقيق اذ جاء في النص «عسي أن يهدين ربي» و الهداية من شأن الله لا يمنعها من يسألها لا سيما حين يكون سائلها نبيا هو الرسول الاعظم صلي الله عليه و سلم.«عسي ربه أن طلقكن أن يبد له ازواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات و أبكارا»... التحريم/5وردت «عسي» هنا في موقع معلق علي شرط مشروط هو قوله تعالي «ان طلقكن» - اي اذا طلقكن النبي -... فاذا تحقق هذا الشرط فان «عسي» تكون فيه علي درجة من التحقيق لان النساء الموصوفات بما ورد صفاتهن في النص موجودات في البيئة بأوسع حجم و اكبر مقدار لا سيما اذ جاء النص في موقع تحذير نساء النبي من أن يقع منهن ما يؤذيه فظاهر فيه اخافتهن مما يجر الي طلاقهن... [ صفحه 136]

باب ادع...

الخطابات القرآنية التبليغية التي تحدد مهمة النبي و واجباته جاءت بصيغ شتي منها صيغة الانذار و الابلاغ و الفاظ القول و السؤال و الاستفتاء و ضرب الامثال و الجدال و منها الامر بالدعوة الي الدين و الي الله. و من ذلك الآيات التالية...«أدع الي سبيل ربك بالحكمة و الوعظة الحسنة و جادلهم بالتي هي أحسن ان ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله و هو أعلم بالمهتدين». النحل/125«لكل امة جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا يناز عنك في الامر وادع الي ربك انك لعلي هدي مستقيم»... الحج/67«و لا يصدنك عن آيات الله بعد اذ أنزلت اليك وادع الي ربك و لا تكونن من المشركين، و لا تدع مع الله الها اخر لا اله الا هو، كل شي‌ء هالك إلا وجهه له الحكم و اليه ترجعون»... القصص 88/87«فلذلك فادع و أستقم كما أمرت و لا تتبع أهواءهم و قل آمنت بما أنزل الله من كتاب و أمرت لاعدل بينكم، الله ربنا و ربكم لنا اعمالنا و لكم اعمالكم لا حجة بيننا و بينكم الله يجمع بيننا و اليه المصير»... الشوري/15يلاحظ أن اسلوب الدعوة التي امر النبي بمواجهة الناس بها قد ترك اسلوبها و طريقة الصدع بها النبي صلي الله عليه و سلم في اطار الحكمة و الموعظة الحسنة مما يفهم منه عظم اقتدار النبي علي اداء هذه المهمة في اوساط الكافرين و المشركين و المعاندين و الخصوم الكثيرين و قد اظهرت النتائج توفيق النبي في هذا الصدد و نجاحه الباهر في عالم الدعوة الي الله و الملة الحنيفية السمحة...و هناك آيات تصور مواقف الرسول في مجالات هذه الدعوة نشير الي فريق منها...«قل هذه سبيلي أدعو الي الله علي بصيرة انا و من اتبعني و سبحان الله و ما انا من المشركين»... يوسف/108«قل انما أمرت ان اعبد الله و لا أشرك به. اليه ادعو و اليه مآب» [40] ... الرعد/36«قل انما ادعو ربي و لا أشرك به احدا»... الجن/20

الاكراه...

اعتناق اي دين من الاديان انما يكون عن قناعة و تقبل. لان الاديان تحتوي علي اوامر و نواهي و احكام و عبادات يجب أن تمارس من قبل معتنقي تلك الاديان فاذا لم يكن اعتناقها عن رضي و قناعة فان جانب الطاعة والالتزام في ذلك يكون مهزوزا و غير ذي وجود و عن ذلك تكون هناك مقدمات لسلوك سبيل النفاق اي أن يصلي معتنق الدين الذي اكره علي اعتناقه صلاته مع المصلين فاذا انفرد و خلا في ارضه فانه يمسك عن اداء هذه الصلاة. و ليس من مصلحة دين من الاديان أن يكون اتباعه علي مثل هذه الحال و لذا لم تكن الدعوة الاسلامية التي جاء بها النبي صلي الله عليه و سلم قائمة علي اكراه الناس أن يكونوا مؤمنين.ان اعتناق اي دين من الاديان قد يحمل في بعض الاحيان معتنق هذا الدين علي الاستشهاد من اجله. فان لم لكن مقتنعا بمفرداته و تفاصيل امره فمن غير الممكن أن يقدم نفسه قربانا لهذا الدين و قد رأينا سبيل الدعوة الي الاسلام هو القول المقنع، و كان القرآن هو الاداة التي استعملت لجلب الناس الي الدين وحثهم علي اعتناقه. و كان النبي يتولي هذا الامر كله اي مهمة التبليغ وحده و كان معظمهم من المستضعفين و كانت هجرتهم الي الحبشة خير دليل علي هذا الاستضعاف، و عندما انتقل النبي الي [ صفحه 137] المدينة و أذن الله للمسلمين ان يستعملوا السلاح فانما كان ذلك بغية الدفاع عن انفسهم. لذلك لم يكن الاكراه سبيلا الي حمل الناس علي اعتناق الاسلام و كان الخط الاسلامي ابان الفتح قائما علي ثلاثة اركان هي: اعتناق الاسلام من قبل من واجهوا الجيوش الاسلامية او القتال او دفع شي‌ء يسير من المال سنويا [41] للدولة المسلمة لا قيمة له في مجال الانتفاع المادي فانه مبلغ يسير او جد يسير... فلا يمكن أن يرجح انسان من ابناء الشعوب التي استولي الفاتحون المسلمون عليها أن يرجح الاحتفاظ بالدرهم و الدرهمين فيعتنق الاسلام من غير قناعة مع العلم أن هذا الذي اعتنق الاسلام بخلا بالدرهم و الدرهمين سنويا راح يدفع اضعاف ذلك للدولة بأسم الصدقات و الزكاة و غير ذلك. اذن لم يكن هناك استهداف للمسلمين الي اكراه الناس علي اعتناق الاسلام.والاسلام دين رشيد المحتوي سديد الغاية حكيم القرارات محمود السلوك يأخذ بهدب التقوي و الصلاح و التصرف الحميد و لذلك اعتنقه من اعتنقه مطمئنا اليه و راضيا به. و اذا كانت هناك اديان جري اعتناقها بالسيف المسلول فليس الاسلام من هذه الاديان...و قد كان قوله تعالي: «لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي» البقرة/256... واضحا في معناه و محتواه. فمن أين جاء اكراه الناس علي اعتناق الاسلام بالحجم الكبير الذي ملأ فجاج الارض و أقيمت له المساجد في كل مكان و صار اتباعه يعدون بالملايين يتفانون بالدفاع و قوله تعالي: «و لو شاء ربك لآمن من في الارض كلهم جميعا أفانت تكره الناس حتي يكونوا مؤمنين»يونس/99...هو مما نزل في السور المكية و قد أسلفنا أن المسلمين في مكة لم يكونوا يملكون حماية انفهسم من خصومهم فمن اين لهم و للنبي صلي الله عليه و سلم اكراه الناس علي الدخول في الاسلام... اما المعني الذي تضمنه النص القرآني «افأنت تكره الناس حتي يكونوا مؤمنين» فانه يعبر عن شدة رغبة النبي اعتناق الناس دينه و الدخول في اطار ملته. و قوله «تكره الناس» أي تأخذهم الي الاسلام و هم كارهون. و هذا يشبه قوله تعالي: «قال يا قوم ارأيتم ان كنت علي بينة من ربي و آتاني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها و انتم لها كارهون» هود/28...علي أن السلوك الخفي الذي كان يمتاز به الرسول الاعظم صلي الله عليه و سلم كان سلوك رفق و تسامح و لين و كان ذلك من اوائل المغريات التي اضافت الي جماعة المسلمين عددا ممن اقبلوا علي هذا الدين من الكفار و المشركين. و الصفة التي اشرنا اليها في هذا الباب قد جاء النص عليها «فبما رحمة من الله لنت لهم و لو كنت فظا غليظ القلب لأنفضوا من حولك فأعف عنهم و استغفر لهم و شاورهم في الامر فاذا عزمت فتوكل علي الله ان الله يحب المتوكلين» آل‌عمران/159... فمن كان علي مثل هذا الخلق الكريم لا يكره الناس علي اعتناق دينه ليجمع من حوله اناسا من الخصوم و ليس من الاعوان... [ صفحه 138]

البلاغ و الابلاغ

مهمة الانبياء و المرسلين هي ابلاغ رسالات الله الي من أرسلوا اليهم من الاقوام و الامم. ينقلون ذلك بكل امانة و من دون ادني تصرف الي الناس، فمن آمن فقد اهتدي و من لم يؤمن فانه ليس علي الرسول من تباعة بسبب عدم ايمانه. و الرسل موصون من ربهم بضبط الاعصاب و الاخذ بهدب التحمل و الصبر مهما كلفهم الامر...في القرآن الكريم اكثر من آية جاءت فيها كلمة «البلاغ» مخاطبا بها رسول الله صلي الله عليه و سلم و في ذاك ما يسقط عنه لوم الناس و شدة تعنيفهم. اذ يريدون من الرسول أن لا يلح عليهم بالدعوة الي اعتناق الدين الذي جاء به من ربه. والانبياء و ان كانوا يشق عليهم امر الدعوة و الارشاد و الموعظة فان الناس يشق عليهم كذلك تقبل ذلك. و من هنا وجدنا الصراع و المقاومة الشديدة و ما الي ذلك من الامور التي تقعد في طريق الرسل الي هداية شعوبهم... و من ذلك تكذيب الرسل و اتهامهم بالجنون و السفاهة و السحر و قد كان في الرسل من تعرض للقتل و البطش الشديد.و حماية لرسل الملوك الي نظرائهم صار هناك عرف دولي يحمي حاملي رسائل هؤلاء الملوك و الرؤساء من التعرض للبطش والايذاء و العقوبة مهما كانت محتويات الرسائل التي يحملونها. فكأنما كان مانوه به القرآن من امر المهمة الابلاغية للرسل تستوجب ان لا يتعرضوا للاذي ولكن الشعوب كانت تؤذي رسلها المرسلين اليها بشرائع الله و لا تكتفي بتكذيبهم و رفض شريعتهم و تعاليم دينهم... و كما ان رسل الملوك يفرض فيهم عند حمل رسالات ملوكهم التحلي بالتصرف المحمود و التجرد مما يعد من الاعمال الاستفزازية التي تجر عليهم الاذي و المهانة فان رسل الله كانوا مأمورين بان يتحلوا بكثير من اللين و التلطف عند الصدع بأوامر الله و ابلاغ محتويات وحيه الي الناس و هم و ان كانوا كذلك فانهم لم ينجوا من اساءات شعوبهم و أممهم اليهم... و في ما يلي النصوص (البلاغية) [42] للقرآن الكريم نسردها سردا دون تفسير او شرح و ذلك لوضوح القصد في هذه الايات:«و أطيعوا الله و أطيعوا الرسول و احذروا فان توليتم فاعلموا أنما علي رسولنا البلاغ المبين». المائدة/93«ما علي الرسول الا البلاغ و الله يعلم ما تبدون و ما تكتمون»... المائدة/92«و ان ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك [43] فانما عليك البلاغ و علينا الحساب»... الرعد/40«هذا بلاغ للناس و لينذورا به و ليعلموا أنما هو اله واحد و ليذكر أولو الالباب»... ابراهيم/52«و قال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شي‌ء نحن و لا آباؤنا و لا حرمنا من دونه من شي‌ء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل علي الرسل الا البلاغ المبين»... النحل/35«فان تولوا فانما عليك البلاغ المبين»... النحل/82«ان في هذا لبلاغا لقوم عابدين. و ما ارسلناك إلا رحمة للعالمين»...النحل/82«ان في هذا لبلاغا لقوم عابدين. و ما ارسلناك الا رحمة للعالمين» [44] الانبياء 107/106«قل أطيعوا الله و أطيعوا الرسول فان تولوا فانما عليه ما حمل و عليكم ما حملتم و ان تطيعوه تهتدوا و ما علي الرسول إلا البلاغ المبين»... النور/54 [ صفحه 139] «و ان تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم و ما علي الرسول إلا البلاغ المبين»... العنكبوت/18«فان أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا ان عليك إلا البلاغ...»... الشوري/48«و أطيعوا الله و أطيعوا الرسول فان توليتم فلانما علي رسولنا البلاغ المبين»... التغابن/12

باب ربك...

حين يتحدث الله عن نفسه الي نبيه في اكثر من امر من الامور التي يكشف عنها لنبيه او يصفها او يشرحها او يخبر عنها فانه سبحانه و تعالي بدلا من أن يذكر اسمه بلفظ «الله» يورد كلمة «ربك» و في بعض ذلك تري مناسبة هذا الاستعمال واضحة من مثل قوله تعالي «ألم تر كيف فعل ربك باصحاب الفيل» الفيل/1... فان واقعة اصحاب الفيل وقعت في العام الذي ولد فيه النبي. فكأنما يمن الله علي نبيه بما فعله من البطش باصحاب الفيل الذين غزوا مكة للاستيلاء علي الكعبة ليكون بذلك بعض الربط بين مولد النبي و هلاك اصحاب الفيل اذ كان ذلك من يمن المولد النبوي علي الامة... و من ذلك قوله تعالي: «و اذ قال ربك للملائكة اني جاعل في الارض خليفة...» البقرة/30... و هناك آيات اخري تساوق هذا المعني في اللفظ و قد جاءت لبيان أن شخصية الرسول كان منظورا اليها منذ خلق آدم عند الله [45] ... و قوله تعالي «و ربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب...» الكهف/58... فكأنما كان هذا الرفق بالقوم من بعض ما يجعل الله به للرسول ضلع شفاعة او اعزاز مكانة...لقد وردت كلمة «ربك» بمختلف وجوه الاعراب في معاني كثيرة جدا اشارة الي أن الله يريد لنبيه أن يكون مذكورا ابدا في كل خطاب بلفظ تصاف به كلمة الرب الي (كاف) الخطاب التي تعني النبي امعانا في اكرام النبي و تبجيله في كل خطاب و لو جاءت كلمة الجلالة بدلا من كلمة الرب المقرونة ب«كاف» الخطاب لكان هناك غياب للاشارة الي النبي في هذه الخطابات اي «و اذ قال ربك للملائكة» و قد جعل بدلا منها - و اذ قال الله للملائكة - فان التعبير مستقيم الا أن استحضار شخصية النبي لا يكون تصور لدي سامع ذلك او قارئه...حقا ان كثرة ماورد في التنزيل من ايراد كلمة «ربك» ليدل علي القصد الالهي في ان يكون لنبيه حضور في سائر المناسبات و المواقع و هي مناسبات كثيرة و مواقع عديدة فيها من معاني البر و الرحمة و معاني الغضب و النقمة علي من يستحقون كلا الامرين من المؤمنين و الكافرين... علي أن بعض ألفاظ الرب المقرونة الي (كاف) الخطاب - اي كاف الخطاب الذي خوطب به النبي - قد جاء بلفظ القسم و ذاك هو قوله تعالي: «فلا و ربك لا يؤمنون حتي يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا فلي أنفسهم خرجا مما قضيت و يسلموا تسليما» النساء/65... فان الله أقسم هنا بذاته العلية قسما مقرونا باسم نبيه من طريق الاضافة اعزازا لنبيه و رفعا لمكانته و توفيقا للتثمين بذكره... و كذلك قوله تعالي «فو ربك لنحشرنهم و الشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا» مريم/68... فان في هذا القسم توكيدا و تقوية لما جري القسم في شأنه و صرفا لظن المشركين أن يكون به رجاء لهم في الحنث فيه و لا يتصور مثل ذلك في صيغ الأيمان الاخري حتي ما كان من قبيل فو رب السماء و الارض. و ذلك لعظم منزلة الرسول الاعظم محمد بن عبدالله صلي الله عليه و سلم ربه... علي أن استعمال «ربك» قد ورد في مخاطبة النبي: «اذ يوحي ربك الي الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين [ صفحه 140] كفروا الرعب فاضربوا فوق الاعناق و اضربوا منهم كل بنان» الانفال/12...فان ذلك يعبر عن أن الله يريد تصبير نبيه و شد أزر اتباعه و خذلان الكافرين بأمره تعالي للملائكة أن يؤدوا هذه المهمة القتالية العظيمة في ساحة حرب يعد النبي أحد طرفيها. و من ذلك قوله تعالي «ذلك مما أوحي اليك ربك من الحكمة...» الاسراء/39... فان في كلمة «ربك» من التحبيب و الادناء و التقريب اذ جاء النص في معني المن بالحكمة علي النبي و ذاك كله يجول في فلك الرعاية و اللطف الالهي المسبغ علي نبيه العظيم...و فيما يلي الآيات القرآنية التي ورد فيها هذا التعبير الذي شاء الله ان يجعله بديلا عن اسمه العظيم الذي هو «الله». اما البدائل الاخري فانها علي وجود شي‌ء منها فهي خارجة عن مجال الخطاب الذي اختص به النبي بكثرة كاثرة و في ما يلي نصوص ذلك.«و اذ قال ربك للملائكة اني جاعل في الارض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها و يسفك الدماء و نحن نسبح بحمدك و نقدس لك قال اني اعلم مالا تعلمون»... البقرة/30«الحق من ربك فلا تكونن من الممترين»... البقرة/147«فلا و ربك لا يؤمنون حتي يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حربا مما قضيت و يسلموا تسليما»... النساء/65«و هذا صراط ربك مستقيما قد فصلنا الايات لقوم يذكرون». الانعام/126«ذلك أن لم يكن ربك مهلك القري بظلم و أهلها غافلون». الانعام/131«و لكل درجات مما عملوا و ما ربك بغافل عما يعملون» الانعام/132«و ربك الغني ذو الرحمة ان يشأ يذهبكم و يستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين»... الانعام/133«فان ربك غفور رحيم»... الانعام/145«ان ربك سريع العقاب و انه لغفور رحيم». الانعام/165«و الذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها و آمنوا ان ربك من بعدها لغفور رحيم»... الاعراف/153«و اذ تأذن ربك ليبعثن عليهم الي يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب ان ربك لسريع العقاب و انه لغفور رحيم»... الاعراف/167«و اذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم و اشهدهم علي أنفسهم ألست بربكم قالوا بلي شهدنا أن تقولوا يوم القيامة انا كنا عن هذا غافلين»... الاعراف/172«ان الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته و يسبحونه و له يسجدون»... الاعراف/206«كما أخرجك ربك من بيتك بالحق و ان فريقا من المؤمنين لكارهون». الانفال/5«اذ يوحي يربك الي الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الاعناق و اضربوا منهم كل بنان». الانفال/12«و ما كان الناس الا امة واحدة فاختلفوا و لو لا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون»... يونس/19«كذلك حقت كلمة ربك علي الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون»... يونس/33«و منهم من يؤمن به و منهم من لا يؤمن به و ربك أعلم بالمفسدين» يونس/40 [ صفحه 141] «و ما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الارض و لا في السماء و لا أصغر من ذلك و لا اكبر إلا في كتاب مبين». يونس/61«ان ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون»... يونس/93«و لو شاء ربك لآمن من في الارض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتي يكونوا مؤمنين»... يونس/99«فلما جاء أمرنا نجينا صالحا و الذين آمنوا معه برحمة منا و من خزي يومئذ ان ربك هو القوي العزيز». هود/66«فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها و أمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود، مسمومة عند ربك و ما هي من الظالمين ببعيد»... هود 83/82«و ما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شي‌ء لما جاء أمر ربك و ما زادوهم غير تتبيب»... هود/101«و كذلك أخذ ربك اذا أخذ القري و هي ظالمة ان أخذه أليم الشديد»... هود/102«فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير و شهيق، خالدين فيها مادامت السماوات و الارض إلا ما شاء ربك ان ربك فعال لما يريد»... هود/107«و أما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها مادامت السماوات و الارض الا ما شاء ربك عطاءا غير مجذوذ»... هود/108«و لقد آتينا موسي الكتاب فاختلف فيه و لولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم و انهم لفي شك منه مريب»... هود/110«و ان كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم انه بما يعملون خبير»... هود/111«و ما كان ربك ليهلك القري بظلم و أهلها مصلحون»... هود/117«و لو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة و لا يزالون مختلفين»... هود/118«الا من رحم ربك و لذلك خلقهم و تمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة و الناس أجمعين»... هود/119«و لله غيب السماوات و الارض و اليه يرجع الامر كله فاعبده و توكل عليه و ما ربك بغافل عما تعملون»... هود/123«المر تلك آيات الكتاب و الذي أنزل اليك من ربك الحق ولكن أكثر الناس لا يؤمنون»... الرعد/1«و يستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة و قد خلت من قبلهم المثلات و ان ربك لذو مغفرة للناس علي ظلمهم و ان ربك لشديد العقاب»... الرعد/6«أفمن يعلم أنما أنزل اليك من ربك الحق كمن هو أعمي انما يتذكر أولو الالباب»... الرعد/19«و ان ربك هو يحشرهم انه حكيم عليم». الحجر/25«و اذ قال ربك للملائكة اني خالق بشرا من صلصال من حمأ مسنون»... الحجر/28«و ما خلقنا السماوات و الارض و ما بينهما الا بالحق و ان الساعة لاتية فاصفح الصفح الجميل، ان ربك هو الخلاق العليم»... الحجر 86/85«فسبح بحمد ربك و كن من الساجدين»... الحجر/98«و اعبد ربك حتي يأتيك اليقين»... الحجر/99«هل ينظرون الا أن تأتيهم الملائكة او يأتي أمر ربك كذلك فعل الذين من قبلهم و ما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون»... النحل/33«و أوحي ربك الي النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا و من الشجر و مما يعرشون»... النحل/68 [ صفحه 142] «ثم ان ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا و صبروا ان ربك من بعدها لغفور رحيم»... النحل/110«ثم ان ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك و أصلحوا ان ربك من بعدها لغفور رحيم»... النحل/119«انما جعل السبت علي الذين اختلفوا فيه و ان ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون»... النحل/124«ادع الي سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة و جادلهم بالتي هي أحسن ان ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله و هو أعلم بالمهتدين»... النحل/125«و كم أهلكنا من القرون من بعد نوح و كفي بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا»... الاسراء/17«كلا نمد هؤلاء من عطاء ربك و ما كان عطاء ربك محظورا»... الاسراء/20«و قضي ربك أن لا تعبدوا الا اياه و بالوالدين احسانا اما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف و لا تنهرهما و قل لهما قولا كريما»... الاسراء/23«و إما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا»... الاسراء/28«ان ربك يبسط الرزق لمن يشاء و يقدر انه كان بعباده خبيرا بصيرا»... الاسراء/30«كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها»... الاسراء/38«ذلك مما أوحي اليك ربك من الحكمة و لا تجعل مع الله الها اخر فتلقي في جهنم ملوما مدحورا»... الاسراء/39«و جلعنا علي قلوبهم أكنة أن يفقهوه و في آذانهم و قرا و اذا ذكرت ربك في القرآن وحده و لوا علي أدبارهم نفورا»... الاسراء/46«و ربك أعلم بمن في السماوات و الارض و لقد فضلنا بعض النبيين علي بعض و آتينا داود زبورا»... الاسراء/55«أولئك الذين يدعون يبتغون الي ربهم الوسيلة أيهم أقرب و يرجون رحمته و يخافون عذابه ان عذاب ربك كان محذورا»... الاسراء/57«و اذ قلنا لك ان ربك أحاط بالناس و ما جعلنا الرؤيا التي أريناك الا فتنة للناس...»... الاسراء/60«و من الليل فتهجد به نافلة لك عسي أن يبعثك ربك مقاما محمودا»...الاسراء/79«و ان ربك لهو العزيز الرحيم» [46] . الشعراء/104«و ان ربك لذو فضل علي الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون»... النمل/73«و ان ربك ليعلم ما تكن صدورهم و ما يعلنون»... النمل/74«ان ربك يقضي بينهم بحكمه و هو العزيز العليم»... النمل/78«و قل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها و ما ربك بغافل عما تعملون»... النمل/93«و ما كنت بجانب الطور اذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون»... القصص/46«و ما كان ربك مهلك القري حتي يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا و ما كنا مهلكي القري إلا و أهلها ظالمون»... القصص/59«و ربك يخلق ما يشاء و يختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله و تعالي عما يشركون»... القصص/68«و ربك يعلم ما تكن صدورهم و ما يعلنون»... القصص/69 [ صفحه 143] «و ما كنت ترجو أن يلقي اليك الكتاب الا رحمة من ربك فلا تكونن ظهيرا للكافرين»... القصص/86«و لا يصدنك عن آيات الله بعد اذ أنزلت اليك وادع الي ربك و لا تكونن من المشركين»... القصص/87«و لئن جاء نصر من ربك ليقولن انا كنا معكم أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين»... العنكبوت/10«أم يقولون افتراه بل هو الحق من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون»... السجدة/3«ان ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون»... السجدة/25«و اتبع ما يوحي اليك من ربك ان الله كان بما تعملون خبيرا»... الاحزاب/2«و يري الذين أوتوا العلم الذي أنزل اليك من ربك هو الحق و يهدي الي صراط العزيز الحميد»... سبأ/6«و ما كان له عليهم من سلطان الا لنعلم من يؤمن بالاخرة ممن منها في شك و ربك علي كل شي‌ء حفيظ»... سبأ/21«فاستفتهم ألربك البنات و لهم البنون»... الصافات/149«سبحان ربك رب العزة عما يصفون»... الصافات/180«اذ قال ربك للملائكة اني خالق بشرا من طين»... ص/71«و كذلك حقت كلمة ربك علي الذين كفروا أنهم أصحاب النار»... المؤمن/6«فان استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل و النهار و هم لا يسأمون»... فصلت/38«ما يقال لك الا ما قد قيل للرسل من قبلك ان ربك لذو مغفرة و ذو عقاب أليم»... فصلت/43«و لقد آتينا موسي الكتاب فاختلف فيه و لولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم و انهم لفي شك منه مريب». فصلت/45«من عمل صالحا فلنفسه و من أساء فعليها و ما ربك بظلام للعبيد»... فصلت/46«سنريهم آياتنا في الآفاق و في أنفسهم حتي يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه علي كل شي‌ء شهيد»... فصلت/53«و ما تفرقوا الا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم و لو لا كلمة سبقت من ربك الي أجل مسمي لقضي بينهم و ان الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب»... الشوري/14«أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا و رفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا و رحمة ربك خير مما يجمعون»... الزخرف/32«و لو لا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة و معارج عليها يظهرون و لبيوتهم ابوابا و سررا عليها يتكئون، و زخرفا و ان كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا و الاخرة عند ربك للمتقين»...الزخرف 35/33«حم، و الكتاب المبين، انا أنزلناه في ليلة مباركة انا كنا منذرين، فيها يفرق كل أمر حكيم، أمرا من عندنا انا كنا مرسلين، رحمة من ربك انه هو السميع العليم»... الدخان 6/1«لا يذوقون فيها الموت الا الموتة الاولي و وقاهم عذاب الجحيم، فضلا من ربك ذلك هو الفوز العظيم»... الدخان 57/56«ان عذاب ربك لواقع»... الطور/7«فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن و لا مجنون»... الطور/29 [ صفحه 144] «و اصبر لحكم ربك فانك بأعيننا و سبح بحمد ربك حين تقوم»... الطور/48«ان ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله و هو أعلم بمن اهتدي»... النجم/30«ان ربك واسع المغفرة هو أعلم بكم اذ أنشأكم من الارض و اذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقي»... النجم/32«و أن الي ربك المنتهي»... النجم/42«و يبقي وجه ربك ذو الجلال و الاكرام»... الرحمن/27«تبارك اسم ربك ذي الجلال و الاكرام»... الرحمن/78«فسبح باسم ربك العظيم» [47] ... الواقعة/74«ن و القلم و ما يسطرون، ما أنت بنعمة ربك بمجنون»... القلم 2/1«ان ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله و هو أعلم بالمهتدين»... القلم/7«فطاف عليها طائف من ربك و هم نائمون»... القلم/19«فاصبر لحكم ربك و لا تكن كصاحب الحوت اذ نادي و هو مكظوم»... القلم/48«و الملك علي أرجائها و يحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية»... الحاقة/17«و اذكر اسم ربك و تبتل اليه تبتيلا»... المزمل/8«ان ربك يعلم أنك تقوم أدني من ثلثي الليل و نصفه و ثلثه و طائفة من الدين معك...»... المزمل/20«و ربك فكبر»... المدثر/3«و لربك فاصبر»... المدثر/7«و ما يعلم جنود ربك الا هو و ما هي الا ذكري للبشر»... المدثر/31«يقول الانسان يومئذ أين المفر، كلا لا وزر، الي ربك يومئذ المستقر»... القيامة 12/10«و قيل من راق، و ظن أنه الفراق، و التفت الساق بالساق، الي ربك يومئذ المساق»... القيامة 30/27«فاصبر لحكم ربك و لا تطع منهم آثما أو كفورا، و اذكر اسم ربك بكرة و أصيلا»... الدهر«الانسان» 25/24«ان للمتقين مفازا، حدائق و أعنابا، و كواعب أترابا و كأسا دهاقا، لا يسمعون فيها لغوا و لا كذابا، جزاءا من ربك عطاءا حسابا»... النبأ 36/31«و يسألونك عن الساعة أيان مرساها، فيم أنت من ذكراها، الي ربك منتهاها»... النازعات 44/42«ان بطش ربك لشديد»... البروج/12«سبح اسم ربك الاعلي، الذي خلق فسوي، والذي قدر فهدي، و الذي أخرج المرعي، فجعله غثاءا أحوي». الاعلي 5/1«الم تر كيف فعل ربك بعاد»... الفجر/6«فصب عليهم ربك سوط عذاب»... الفجر/13«و جاء ربك و الملك صفا صفا»... الفجر/22«ما ودعك ربك و ما قلي»... الضحي/3 [ صفحه 145] «و لسوف يعطيك ربك فترضي»... الضحي/5«و أما بنعمة ربك فحدث»... الضحي/11«و الي ربك فارغب»... الانشراح/8«أقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الانسان من علق، اقرأ و ربك الاكرم»... العلق 3/1«ان الي ربك الرجعي»... العلق/8«يومئذ تحدث اخبارها، بأن ربك أوحي لها»... الزلزلة 5/4«ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل»... الفيل/1«فصل لربك وانحر»... الكوثر/2«فسبح بحمد ربك و استغفره...»... النصر/3يلاحظ من الآيات الآنفة الذكر أن كلمة «ربك» فيها اكثر من موقع ذي عطاء بياني مقصود و في كتب البلاغة توضيح في موارد هذه الكلمة و ما تعنيه من معان... و من زاوية نظرنا في هذا الكتاب نري ان الله عزوجل جعل هذا الحرف بديلا عن اسمه لتكون لرسوله الاعظم المكانة التي لا تنفك عن هذه الصلة ابتغاء التنويه بعظمة شخصيته صلي الله عليه و سلم...

النبي...

النبي صفة وظائفية شاءها الله لبعض عباده و هي كصفة الرسالة لا تختلف عنها في قليل و لا كثير... فما من فرق بين النبي و الرسول علي حد علمنا بالمصادر التي تحدد معاني هذه المفردات. و قد جاءت الاشارة الي نبوة النبي في القرآن الكريم ايجازا و تفصيلا، و لما في هذا الحرف من مطالب تتصل بمهمة النبي بوصفه نبيا فانا ساردون بهذا الجدول ما جاء من آيات التنزيل في هذا الشأن...«ان أولي الناس بابراهيم للذين اتبعوه و هذا النبي و الذين آمنوا و الله ولي المؤمنين»... آل‌عمران/68«و ما كان النبي أن يغل و من يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفي كل نفس ما كسبت و هم لا يظلمون».. آل‌عمران/161«و كذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الانس و الجن يوحي بعضهم الي بعض زخرف القول غرورا و لو شاء ربك ما فعلوه فذرهم و ما يفترون»... الانعام/112«الذين يتبعون الرسول النبي الامي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة و الانجيل يأمرهم بالمعروف و ينهاهم عن المنكر و يحل لهم الطيبات و يحرم عليهم الخبائث و يضع عنهم اصرهم و الاغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به و عز روه و نصروه و اتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون»...الاعراف/157«فآمنوا بالله و رسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله و كلماته و اتبعوه لعلكم تهتدون»... الاعراف/158«و منهم الذين يؤذون النبي و يقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله و يؤمن للمؤمنين و رحمة للذين آمنوا منكم و الذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم»... التوبة/61«ما كان للنبي و الذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين و لو كانوا أولي قربي من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم»... التوبة/113«لقد تاب الله علي النبي و المهاجرين و الانصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم انه بهم رؤوف رحيم»... التوبة/117«و ما أرسلنا من قبلك من رسول و لا نبي إلا اذا تمني ألقي الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته و الله عليم حكيم»... الحج/52 [ صفحه 146] «النبي أولي بالمؤمنين من أنفسهم و أزواجه أمهاتهم و أولو الارحام بعضهم أولي ببعض في كتاب الله من المؤمنين و المهاجرين الا أن تفعلوا الي أوليائكم معروفا، كان ذلك في الكتاب مسطورا»... الاحزاب/6«و اذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا و يستأذن فريق منهم النبي يقولون ان بيوتنا عورة و ما هي بعورة ان يريدون الا فرارا»... الاحزاب/13«يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين و كان ذلك علي الله يسيرا»... الاحزاب/30«يا نساء النبي لستن كأحد من النساء ان اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض و قلن قولا معروفا»... الاحزاب/32«ما كان علي النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل و كان أمر الله قدرا مقدورا»... الاحزاب/38«يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي الا أن يؤذن لكم الي طعام غير ناظرين إناه ولكن اذا دعيتم فادخلوا فاذا طعمتم فانتشروا و لا مستأنسين لحديث ان ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم و الله لا يستحيي من الحق و اذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم و قلوبهن و ما كان لكم أن تؤذوا رسول الله و لا تنكحوا ازواجه من بعده أبدا ان ذلكم كان عند الله عظيما»... الاحزاب/53«ان الله و ملائكته يصلون علي النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه و سلموا تسليما»... الاحزاب/56«يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي و لا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم و أنتم لا تشعرون»... الحجرات/2«و اذ اسر النبي الي بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به و أظهره الله عليه عرف بعضه و أعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من انبأك هذا قال نبأني العليم الخبير»... التحريم/3«يا أيها الذين آمنوا توبوا الي الله توبة نصوحا عس ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم و يدخلكم جنات تجري من تحتها الانهار يوم لا يخزي الله النبي و الذين آمنوا معه نورهم يسعي بين أيديهم و بأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا و اغفر لنا انك علي كل شي‌ء قدير»... التحريم/8و لعله مما يلاحظ في هذا الباب ان يراد ذكر النبي في القرآن الكريم نتعلق به مطالب عامة و خاصة و امور تشريعية و تهذيبية، و قد تكون بعض هذه الآيات عرض لها شي‌ء و من الشرح و التفصيل في بعض فصول الكتاب و لقد توخينا هنا الايجاز و عدلنا عن الاسهاب و ان كان الكثير من الكلام في حق الرسول الاعظم صلي الله عليه و سلم هو جد قليل.

باب يبايعونك...

تعني كلمة البيعة. الاعلان بالثقة التامة و الولاء المطلق للجهة التي يقصد اليها المبايعون و كان النبي صلي الله عليه و سلم هو الجهة الاولي و الاخيرة التي رأت الامة يومذاك أن تقبل عليها باخلاصها و طاعتها و ولائها... و قد اشارت آيات البيعة الي ذلك باسلوب فيه وضوح و تفصيل و فيه كذلك دلالة علي أن رسول الله كان من المهابة و ثقل الوزن الشخصي و استحقاق الاجلال والتكريم بحيث كانت تقبل عليه الجموع التي تمثل علية القوم و فضليات نسائهم ليسجلوا امامه بيعتهم و اقرارهم بالطاعة بوصفهم الرعية التي انصهر في نفسها الايمان كله و التعلق كله و العهد بالولاء كله... و فيما يلي نصوص آيات البيعة مقرونة بشي‌ء من الشرح يسير... [ صفحه 147] «ان الذين يبايعونك انما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فانما ينكث علي نفسه و من أوفي بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما»... الفتح/10هذا النص يبرز مقام الرسول صلي الله عليه و سلم عند الله اذ جاء فيه «ان الذين يبايعونك انما يبايعون الله» و تلك مزية عظمي لم يتهيا مثلها لنبي من انبياء الله و لا لرسول من رسله و تأكيدا لكون الذين يبايعون النبي يبايعون الله ان النص جاء قائلا «يد الله فوق أيديهم» و المراد بذلك كما قلنا تأكيد ان مبايعتهم للنبي هي عين مبايعتهم لله ولكن موضوع اليد هنا هو موضوع معنوي اي الله عزوجل يؤيد هؤلاء الذين بايعوا رسوله بوضع أيديهم بعضها فوق بعض وفق قاعدة البيعة التي كانت مألوفة في تعاملهم يومذاك بل في تعامل كثير من الامم و الشعوب حتي اليوم.و في النص جاء قوله تعالي «عليه الله» بضم الهاء و ذاك لان لفظ الجلالة هنا يجب ان يكون محل التفخيم و لذلك نطقت الهاء في «عليه» مضمومة ليقع التفخيم في لفظ الجلالة وفق النظام الصوتي في اللغة العربية. و هنا كان العهد خاصا بالله عزوجل اذ لم يقرن به اسم الرسول لان الله هو المتفرد بكل سلطان و المتفرد بكل احسان و هو الذي ارسل رسوله بالرسالة العظيمة الي العالم كله. و البيعة المشار اليها هي ان اصحابه رضوان الله عليهم اعلنوا للنبي شدة تعلقهم به و بدينه و انهم سيلبثون وراءه و تحت قيادته في الدفاع عن الدين و مواجهة الخصوم المعتدين.و قد جاء النص بلفظ «انما يبايعون الله» لان «انما» للحصر اذ أحل الله عزوجل ذاته الكريمة في هذا المقام و كأنها هي التي بويعت بالذات امعانا في ان شخصية الرسول الاعظم قد أدت مهمة هي مهمة الله عزوجل...«لقد رضي الله عن المؤمنين اذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فانزل السكينة عليهم و أثابهم فتحا قريبا»... الفتح/18في هذا النص ما يشير الي قوة موقف النبي صلي الله عليه و سلم اذ هيأ له الله اعوانا مخلصين و صادقين و ناصحين و دوي قوة و اقتدار علي تقديم المشورة و حسب كل قيادة توفيقا ان يكون هيكل من يكون في معيتها هيكلا علي مثل هذه الصفة. و قد شهد النص لتلك الرفقة المرافقة للنبي بأنهم مرضي عنهم عند الله و ان الله علم ما في قلوبهم و انه عزوجل انزل السكينة عليهم و انه رعاهم رعايه خاصة و اثابهم الفتح القريب. و المهم هنا ان ما جاء به النص اوضح سلامه البيئة القيادية التي يقوم علي رأسها الرسول الاعظم صلي الله عليه و سلم.«يا أيها النبي اذا جاءك المؤمنات يبايعنك علي أن لا يشركن بالله شيئا و لا يسرقن و لا يزنين و لا يقتلن أولادهن و لا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن و أرجلهن و لا يعصينك في معروف فبايعهن و استغفر لهن الله ان الله غفور رحيم»... الممتحنة/12في النص تعداد لجمهرة من العاهات الاجتماعية التي كانت سائدة في بيئات الجزيرة و قد جاء جماعة النساء يعلن امام النبي عهدهن بان يكن عند حسن ظنه من طاعة الله و تجنب مالا يرضاه و لا يرضاه رسوله من تلك العاهات و ما اليها و النقطة الثانية و قد تكون هي الاولي ان الاسلام اقام للمرأة شأنا معترفا به بحيث امر الله نبيه ان يبايعن حين يأتينه مبايعات و يفهم من ذلك ان طي هذا الامر الالهي ان يحسن النبي استقبالهن و ان يكون لطيفا بهن و ان يستغفر لهن الله و يعني الاستغفار هنا الرجاء من الله عزوجل ان يسبغ عليهن رضاه و رحمته... و كان النبي صلي الله عليه و سلم معروفا بالرفق بالنساء و الرأفة بهن و اعزاز مكانتهن و يفهم من ذلك كذلك ان المؤمنات يوم ذاك كن يتدارسن امورهن و يقررن في ما ينبغي ان يعملن و يفهم من ذلك [ صفحه 148] كذلك ان النساء المعنيات في هذا النص كن يجدن لقيادة النبي في الامة ما يعترفن عن قناعة بكون ذلك جديرا بالطاعة و التأييد و التعلق الشديد و ان ذلك مما يعني النساء كما يعني الرجال. حقا ان احصاء مشغوليات الرسول في حياته اليومية التي كان اطارها واسعا بسعة عموميات الاختصاص و قلة خصوصياته.

ما يتعلق باتباع الرسول و الانقلاب عليه

الكلام علي هذا العنوان ينصرف الي الكلام علي تحويل القبلة من بيت‌المقدس الي الكعبة المشرفة و ذاك علي هدي ما جاء في النص الكريم...«سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق و المغرب يهدي من يشاء الي صراط مستقيم، و كذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء علي الناس و يكون الرسول عليكم شهيدا و ما جعلنا القبلة التي كنت عليها الا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب علي عقبيه و ان كانت لكبيرة الا علي الذين هدي الله و ما كان الله ليضيع ايمانكم ان الله بالناس لرؤوف رحيم، قد نري تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فوق وجهك شطر المسجد الحرام و حيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره و ان الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم و ما الله بغافل عما يعملون، و لئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك و ما تبعوا قبلتك و ما أنت بتابع قبلتهم و ما بعضهم بتابع قبلة بعض و لئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم انك اذن لمن الظالمين»... البقرة 145/142حين كان النبي صلي الله عليه و سلم يدعو الناس الي الصلاة في العهد المكي كان الاتجاه القبلي فيها الي بيت‌المقدس و ذاك لان الصلاة الي الكعبة في تلك الايام يستغلها الكفار و المشركون و عبدة الاوثان بأن فيها اعترافا بالاصنام التي هناك و حين بدلت القبلة في العهد المدني و صارت الي الكعبة كانت الاصنام ما تزال فيها الا ان قدم الاسلام اذ رسخت و عموده قد قام و موضوع التوحيد قد استقر في العقول و القلوب فلم يعد هناك من مجال للادعاء نفسه.و في اوائل ايام النبي في العهد المدني كان صلي الله عليه و سلم يرفع رأسه الي السماء يتمني أن يستجيب الله لرغبته في تحويل القبلة الي الكعبة التي هي اول بيت وضع للناس في الارض و التي هي مما كان لابراهيم عليه‌السلام ببنائه من يد ظاهرة و معه ابنه اسماعيل و ظلت الكعبة محل عبادة المتعبدين من ذلك العهد [48] الي عهد الاسلام علي ما في بعض تلك الانماط من العبادات من اوضاع عولجت في الاسلام بالتصحيح و التعديل و قوله تعالي «قد نري تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام و حيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره». يعد مبدأ التحرك نحو اقرار القبلة الجديدة... و قد شعر اليهود بان هذا التعديل للقبلة ضرب قدسية بيت‌المقدس عرض الحائط. غير أن قدسية بيت‌المقدس ظللت قائمة في نفوس المسلمين و صاروا يشيرون اليها بأنها أولي القبلتين و ثالث الحرمين. و الموضوع ليس موضوع اختيار جهة محددة فان لله المشرق و المغرب. ولكن مسألة القبلة لا شأن لها بالجهوية و انما هي رمز لبيئة الاسلام الاولي و اتجاه الي مقام ابراهيم الذي قدسته العرب كل تقديس من قديم الزمان. و في الاتجاه اليه ما يعد من اوائل مراحل الحج اليه و قد استجاب الله لرغبة النبي بهذا الشأن و خاطبه بهذه الاستجابة «فلنولينك قبلة ترضاها» فصارت القبلة الي الكعبة علي ما وقع عليه رضا النبي صلي الله عليه و سلم، و قد أمر المسلمون بالاتجاه الي البيت الحرام في سائر الصلوات حيثما كانوا من العالم «و حيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره»... [ صفحه 148] و يبدو ان هناك من لم يستجب لهذا التحول و قال السفهاء من الناس و هم الذين يصرفون حياتهم العملية و الفكرية بعيدا عن الاتزان المنطقي اذ يشوب تصرفهم هذا شي‌ء من البلاهة و الغباء و قد رد الله عليهم مقولتهم التي انكروا بها تحويل القبلة الي الكعبة و يبدو ان الحسن القومي لدي ابناء الامة العربية يومذاك كان ضعيفا ان لم يكن معدوما و ذلك بسبب الميل الي القبائلية التي كانت تعد مرجحة علي القومية الكبري التي هي الاصل و الاساس في كيان الامة العربية... و لم ينشط فيهم الحس القومي الا بعد أن اثبت الاسلام شخصيتهم بما حملهم من مسؤوليات عظيمة في مجالات السياسة و الحضارة و الوجود الكياني... اذ كانوا قبل ذلك عرضة لعوامل تفتيت الشمل و تطيع أوصال الخارطة و اصرار دول من خارج الجزيرة علي إلتهام كل منها الحصة الممكنة.و قد صارت القبلة رمزا للملة فكأنها اذا ذكرت ذكر بذكرها الدين كله و هذا معني قوله تعالي «و لئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك»... اي ما تبعوا جوهر دينك و الاصول التي قامت عليها شريعتك و هكذا صار يقال في صفة المسلمين انهم اهل القبلة...ان الكعبة المشرفة و ان كانت تجمع قبائل العرب عند باحتها فانها لم تكن قد خلقت فيهم الحس القومي الجامع لسائر شعوبهم و قبائلهم فلما جاء الاسلام كان لها ان تحقق ذلك [49] ... و هنا نري ان من اركان تحويل القبلة الاستجابة الالهية التكريمة لرغبة الرسول الاعظم في هذا التحويل. و الركن الثاني هو الكشف عن من يتبع الرسول و عن من لا يتبعه. و الركن الثالث هو ضضخ الحس القومي المتنامي الي هذه الامة التي كان لما بعد ان عرفت نفسها ان تعرف ربها فتصنع جلائل الاعمال في اطار ايمانها الخالص فتكون حقا خير أمة أخرجت للناس»...

باب العجب و الاعجاب...

العجب هو التحير و الاندهاش و إعمال الفكر في امر حدث. علي غير الوجه المألوف في حدوث نظائره... فعندنا ما أخبرت زوجة نبي طعن في السن انها مستلد ضحكت و عجبت لذلك. مما يفهم منه أن بعض العجب يجر الي الضحك و بعضه يكون مدعاة تفكير طويل كم يحاول حل لغز او الخروج من مأزق وقع فيه... و قوله تعالي «بل عجبت و يسخرون» اي انك في حال جد و أخذ الامور اخذ من يزنها بالعقل و التبصر و هم يسخرون و يهزلون فالفرق اذن فرق جسيم...لا تعجبي يا سلم من رجل ضحك المشيب برأسه فبكي‌اي لا تستغربي من بكاء رجل هو علي هذه الصفة فانه يحق له البكاء... ان وقوع امر ما علي غير المألوف يثير العجب اي الحيرة في تفسير السبب المادي لوقوع ذلك و حدوثه. و قول القائل في مثل ذلك: هذا شي‌ء عجيب او عجاب او غريب هو التعبير عن العجب. قد يكون العجب من عظمة الشي‌ء او ندرته او غرابته او من استحالة وقوعه يوم يخبر احد بوقوعه و من ذاك «أتعجبين من أمر الله» هود/73. لامرأة نبي طاعنة في السن قيل لها انها ستلد...اما الاعجاب فهو ابداء منتهي التقبل و الارتياح لشي‌ء يقع علي حال متكاملة بحيث يكون لتقديم التهنئة فيه مجال و للاطراء سبب... الاعجاب يكون بما يقع من الاشياء مقرونا بالابداع و الجمال و النبوغ و ما [ صفحه 150] يستأهل التقدير و الاستحسان. و في ما يلي بعض الآيات في هذا المعني...«و من الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا و يشهد الله علي ما في قلبه و هو ألد الخصام»... البقرة/204الاقوال التي يعبر بها اناس عن حب و تعلق و اخلاص و وعود كانت مصوغة باجمل الالفاظ و افصح الكلمات. و كثيرا ما غلفت اقوال بعض الناس بالخداع و المداهنة و الكدب و الغش ممن اذا اطمان اليه سامعه و نال اعجابه تعرض بذلك لا كثر من ضرر جسيم. و من هنا نقم الله من الشعراء انهم يقولون ما لا يفعلون و لا يؤمنون بما يقولونه و انهم يبالغون في مدح الناس و ذمهم فيجعلون الجبان شجاعا و البخيل جوادا و الكاذب صادقا و العيي منطقيا و ذلك هو الخط الاسلامي الذي نبه الله اليه النبي محذرا اياه أن يفتن بالذين يعجب الناس قولهم و في الحديث «احثوا في وجوه المادحين التراب»... و قد يكون مما يغري القاضي باصدار قرار لصالح احد الخصمين ذلاقة لسانه و فصاحة كلامه و انه ألحن في حجته... و النص القرآني فيه من ظاهر التوجيه و حسن التعليم من قبل الله عزوجل لرسوله العظيم. فلقد اراد الله لنبيه ان لا يحكم لاحد بحكم ما بناءا علي ظواهر تستدعي الاعجاب به...«فلا تعجبك أموالهم و لا أولادهم انما يريد الله ليعذبهم بها في اليحاة الدنيا و تزهق أنفسهم و هم كافرون»... التوبة/55في الاية الكريمة اشارة الي انه ليس من الضروري ان يكون غني الغني دالا علي انه في موقع من رضوان الله و تزكيته فان رضوان الله و تزكيته من اسرار الله عزوجل فقد يكون في من اغناهم الله من فضله من هم من اخيار الناس و قد يكونون من شرار الناس. و النص القرآني نص توجيهي و تعليمي للرسول صلي الله عليه و سلم... و المراد بالاولاد هنا ما يكون من كثرتهم و تعدد مجالات نفوذهم و بسطة عيشهم فقد يكون ذلك امتحانا من الله لهم لينظر كيف يعملون...«و لا تعجبك أموالهم و لا اولادهم انما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا و تزهق أنفسهم و هم كافرون»... التوبة/85هذا النص علي هدي النص الذي سبقه...«أكان للناس عجبا أن أوحينا الي رجل منهم أن أنذر الناس و بشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم قال الكافرون ان هذا لساحر مبين»... يونس/2كانت عبادات الناس في الجاهلية منصرفة الي الاصنام و الاوثان و كان لكل قبيلة صنم يعبدونه. كما ان هذا الصنم كان شعارا سياسيا لتلك القبيلة و لذلك عجبت القبائل ان يظهر فيهم من يعلن بطلان هذه المعابيد و يدعو كذلك الي انكار تعدد الآلهة و يدعو الي اله واحد فاذ ان النبي صلي الله عليه و سلم و يدعو الي الله الذي بعثه لهداية الناس و ابطال الوثنية الضاربة اطنابها في الجزيرة فانه صلي الله عليه و سلم واجه من يصر علي وثنيته و علي شركه و كفره غير مقتنع بان هناك الها واحدا لا شريك له و ان هناك نبيا بعثه الله اليهم بل جاوزوا ذلك الي ادعاء انه ساحر مبين... و قد وجدوا أن الايمان باله واحد هو غير ما اتخذوه لكل قبيلة من اله من الاوثان وجدوا أن ذلك يلغي آلهتهم بل يلغي ذاتيتهم و يفرض أن يكون الوجود كله للمجموعة الكبري و ليس للوجود القبائلي المتعدد [50] ... [ صفحه 151] «و ان تعجب فعجب قولهم أئذا كنا ترابا أإنا لفي خلق جديد أولئك الذين كفروا بربهم و أولئك الاغلال في أعناقهم و أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون»... الرعد/5الخطاب للرسول الاعظم و قد جاء فيه ان مما يستدعي العجب في مواقف المشركين انهم انكروا الحشر و النشر و زعموا و ظنوا أن من مات و آل جسده الي التراب فانه لن يعود الي الحياة من جديد و هو قول يخالف العقيدة القائمة في الاسلام علي عالم الاخرة و علي الثواب و العقاب و الجنة و النار. و مثل هؤلاء كانوا كثيرين في زمن الدعوة الاسلامية في العهد المكي و قد رد الله عليهم بما أكد به وجود الحشر و النشر و الثواب و العقاب و ذاك بقوله «و أولئك الاغلال في أعناقهم و أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون». و قد ووجهوا بالعقاب و الجزاء في نفس العالم الذي انكروه بعد اعادة الحياة اليهم ليحاسبوا علي كفرهم و يعاقبوا عليه في عالم الاخرة الذي انكروه و انكروا انهم ستعاد اليهم الحياة فيه ليواجهوه علي أن النصوص القرآنية استفاضت في الكلام علي اعادة الخلائق الي عالم الحياة بعد هلاكهم و فنائهم و قد كان ذلك من مهمات المقاصد العقائدية...«لا يحل لك النساء من بعد و لا أن تبدل بهن من أزواج و لو أعبجك حسنهن الا ما ملك يمينك و كان الله علي كل شي‌ء رقيبا»... الاحزاب/52ورد الكلام علي هذا النص في موقع اخر من الكتاب اما قوله تعالي «و لو أعجبك حسنهن» اي بهرك حسنهن، و قد نزيد علي ما ذكرناه من قبل ان مستوي الجمال و الحسن كان عاليا في العرب و كان مشهودا. و من هنا كثر شعراء الغزل في العهد الجاهلي و الاسلامي في سائر انحاء الجزيرة...«بل عجبت و يسخرون، و اذا ذكروا لا يذكرون، و اذا رأوا أية يستسخرون»...الصافات 14/12هذا النص مسبوق بنص آخر او آية اخري هي «فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنا إنا خلقناهم من طين لازب»... المراد من العجب في هذا النص هو ما يستوجب اطالة النظر و دقة التفكير و تمحيص القضية المعروضة أما قوله تعالي اثر ذلك «و يسخرون» فانه اشار به الي ان القوم كانوا يأخذون بهدب السخرية في مقام الجد، و الهزل في مقام الحكمة، و تلك حجة من فقد الحجة و ذاك منحي من نحا في مواجهة الحق نحو الباطل علي جاري عادة المشركين في تعاملهم مع رسل الله، و الرسول الاعظم احد هؤلاء الرسل. ان العجب لا يعني الاستغراب الانكاري دائما و هو في قولا تعالي «بل عجبت» اي شغل بالك و أخذ نصيبا من تفكيرك مما عليه القوم من ضلال و شتاب رأي و متاهة تسيب...«و عجبوا أن جاءهم منذر منهم و قال الكافرون هذا ساحر كذاب»... ص/4العجب هنا عجب انكار و استغراب و استبعاد و تكذيب...«بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شي‌ء عجيب»... ق/2اي هذا امر لا يصدق و هو عجب لا شأن له باعمال الفكر و انما هو محض انكار و تكذيب علي نحو مامر في آيات مماثلة.«و اذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وان يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أني يؤفكون»... المنافقون/4هنا جاء النص بلفظ الاعجاب و ليس العجب و يقع الاعجاب في الاشكال و الالوان و الزينة و متع الحياة و غير ذلك. فلقد كان المنافقون الذين أقبلوا علي رسول الله في غاية البهرجة و الزينة و الهندام يظنون ان ذلك مما يقوم به لهم وزن بين الناس، اما قوله تعالي «و اذا رأيتهم تعجبك أجسامهم» فانه يبدو انهم كانوا علي جانب من القبول او الكمال الجسماني و ما الي ذلك [ صفحه 152] مما استأثر بلفت نظر النبي صلي الله عليه و سلم و قد كان في القوم من يجعل مثل ذلك اصلا في رفع مكانة الناس و قد عرف شعراء العرب ذلك فقال قائلهم:تري الرجل النحيف فتزدريه و في اثوابه اسد هصورو يعجبك الطرير فتشتهيه فيخلف ظنك الرجل الطريرو كان المنافقون علي مثل هذا الحال، و قد سخر بهم النص وفضحهم اسوأ فضيحة...

باب فاستفتهم

من الخطابات القرآنية الموجهة الي النبي صلي الله عليه و سلم بلفظ الاستفتاء و يكون تارة باستفتائه صلي الله عليه و سلم القوم و تارة اخري باستفتائهم اياه و ذاك مما لم يكثر في القرآن و انما ورد فيه بقلة و ها نحن اولاء شارحون ذلك و عارضوه...«فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنا انا خلقناهم من طين لازب»... الصافات/11امر النبي بالاستفسار منهم عما اذا كانوا أشد خلقا من السماوات و الارض و غيرهما. و ما من شك في أن احدا منهم لن يقول ذلك. لانه ان قاله فقد ثبت كذبه و ظهر بهتانه وبان من غروره ما يسقط من حيثيته... و استعملت كلمة الاستفتاء هنا لان الاجابة علي الاستفتاء تتطلب الصدق و الاعتماد علي العلم - خلافا كلمة السؤال - فان من يرد عليه رد من يجد في الرد اذ انه جعل محل ثقة و اعطي مكانة استأهل بها ان يستفتي. و التعبير بالاستفتاء كما قلنا قليل الورود في التنزيل...«فاستفتهم ألربك البنات و لهم البنون، أم خلقنا الملائكة إناثا و هم شاهدون»... الصافات 50/49الاستفتاء هو نوع من السؤال و الاستفهام يكاد يكون مصحوبا بالاستحلاف. و بهذا يكون الاستفتاء اقوي انواع الاسئلة لأن السائل المستفتي يمنح المسؤول المستفتي شيئا من الثقة بصدق جوابه «فاستفتهم ألربك البنات و لهم البنون، أم خلقنا الملائكة اناثا و هم شاهدون»... و طبيعة السؤال لا يقع لها من الجواب الا امر واحد هو نفي ما اعتقدوه في الملائكة من أنها اناث فان لم يجيبوا علي ذلك بنعم ام لا فانهم سيجيبون عليه بالصمت المطبق. يفهم من مثل هذه الصيغ الاستفهامية التي امر الله النبي باستعمالها في مخاطبة القوم ان الله كان يعهد اليه مواجهة المشركين بتكذيب معتقداتهم و تسفيه ارائهم ولكن باسلوب يتميز بالحكمة و التعقل و الاستدراج الي جواب يفحم المجاوبين انفسهم.و قد يكون استعمال كلمة الاستفتاء هنا قد أريد به التهكم بالقوم لانه نسب اليهم فهم الحقائق و الدقائق حين استفتاهم فيما استفتاهم فيه. اذ اوهمهم أنهم يعلمون و هم لا يعلمون...

باب يستفتونك

كان النبي صلي الله عليه و سلم محل استفتاء اتباعه المؤمنين فيما يعن علي بالهم من مسائل الشريعة مما لم يكن قد نزل منها او كان قد نزل و لم يفهموه. فكان النبي يستمد الجواب من وحي الله اليه لان الله هو منزل الشريعة و باعث الرسول بتعاليمها و احكامها و مفردات العقيدة فيها... و مراجعة المسلمين النبي في مثل هذه الامور و المطالب كثيرة ولكن ما جاء منها بلفظ الاستفتاء قليل اذ كان يغلب علي تلك المراجعات أن يرد الكلام عليها بالقرآن الكريم بلفظ السؤال. و فيما يلي ما جاء بهذا الحرف في التنزيل العزيز...«و يستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن و ما يتلي عليكم في الكتاب في يتامي النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن و ترغبون أن تنكحوهن [ صفحه 153] و المستضعفين من الولدان و أن تقوموا لليتامي بالقسط و ما تفعلوا من خير فان الله كان به عليما»... النساء/127«و يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن أمرؤ هلك ليس له ولد و له أخت فلها نصف ما ترك و هو يرثها ان لم يكن لها ولد فان كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك و ان كانوا اخوة رجالا و نساءا فللذكر مثل حظ الانثيين يبين الله لكم أن تضلوا و الله بكل شي‌ء عليم»... النساء/176فيبدو من هذين الاستفتاءين و من غالب ما يوجه الي الرسول من اسئلة مدنية. أن الغاية منها الحصول علي معلومات فقهية ينتفع منها المستفتون السائلون و ذاك خلافا للاسئلة المكية التي تغلب عليها من الرغبة في التعجيز و الاضجار و الاستفزاز و المماحكة و اشغال النبي بما لا حصيلة فيه لاولئك السائلين من نفع و فائدة... و كان مثل ذلك كثيرا ما يقع في الاسئلة المدنية من قبل اليهود في معظم الاحيان و من ذلك. «يسألك اهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء...» النساء/153...فان اليهود لا يعنيهم نزول الكتاب الذي يريدون نزوله من السماء او عدم نزوله ولكن الذي كان يجرهم الي مثل ذلك هو الميل الي المشاكسة لا غير...

الرسول الاعظم و السكينة الالهية

السكينة التي جاءت في القرآن الكريم مشار الي أن الله عزوجل انزلها علي النبي و المؤمنين و قد تكرر ذلك - غير مرة - يراد بها الاطمئنان النفسي الي عروض الفرج بعد الشدة و قوة الرجاء و اليقين بلطف الله و تداركه نبيه و المؤمنين من عباده... و فيما يلي ما هناك من آيات وردت فيها كلمة السكينة في القرآن الكريم...«ثم انزل الله سكينته علي رسوله و علي المؤمنين و انزل جنودا لم تروها و عذاب الذين كفروا و ذلك جزاء الكافرين»... التوبة/26النص مسبوق بآية ذكرت فيها الموقعة الحربية التي هي في «حنين» و ذاك في قوله تعالي «و يوم حنين اذ اعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا و ضاقت عليكم الارض بما رحبت ثم و ليتم مدبرين»... فان الجيش الاسلامي علي كثرته تعرض في وقعة حنين للفشل اول الامر و عظم القلق في النفوس و استولت الخشية علي القوم من عدم كسب النصر في هذه المعركة فأنزل الله سكينة علي المسلمين اي قوي رجاءهم بالنصر و شد من عزائمهم في المواجهة و طمأنهم علي العاقبة فذاك هو معني السكينة في هذا النص...«فأنزل الله سكينته عليه و أيده بجنود لم تروها»... التوبة/40اول النص هو قوله تعالي «ان لا تنصروه فقد نصره الله اذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين اذ هما في الغار اذ يقول لصاحبه لا تحزن ان الله معنا فأنزل الله سكينته عليه و أيده بجنود لم تروها و جعل كلمة الذين كفروا السفلي و كلمة الله هي العليا و الله عزيز الحكيم»... السكينة المنزلة علي رسول الله هنا كانت في الغار و هي نعني جعل النبي مستيقنا من الفرج و مطمئنا الي النصر بما ألقاه الله عليه من الاستقرار النفسي و لم يرد في النص أن السكينة نزلت علي النبي و صاحبه لان النبي هو رأس الامر الموحي اليه بالرسالة و لا يتسع المجال لشمول احد سواه بالسكينة في هذا المقام و قد جاء النص بقول النبي لابي‌بكر «لا تحزن ان الله معنا» و لم يرد بلفظ «ان الله معي»... و القلق الذي يصيبه هو اضعاف القلق الذي يصيب من يكون معه و في النص القرآني ايماء الي أن النصر انما هو من الله فاذا نصرت الناس النبي أم لم تنصره فان نصر الله هو الذي يضع كل شي‌ء في نصابه فقوله تعالي «اذ أخرجه الذين كفروا» لا يعني انهم اقتادوه و معه صاحبه ابوبكر الصديق رضي الله عنه الي خارج الحدود و انما كان [ صفحه 154] يعني أن خطة اعدائه في مكة قامت علي اخراجه [51] و أصرت علي احد الامور الثلاثة منها التخلص منه بالقتل او اخراجه او رده او حمله علي اعتناق ملتهم... و قد جاء في شعر لحسان بن ثابت يقول فيه واصفا هذه اللحظات من ايام الهجرة:الثاني اثنين في الغار المنيف و قد طاف العدو به اذ صعدا الجبلاو من هنا كان حزن ابي‌بكر و طمأنة النبي له. اذ كان جماعة الكفار يمشطون المنطقة...«هو الذي انزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا ايمانا»... الفتح/4يشير النص القرآني الي أن هذه السكينة نزلت في قلوب المؤمنين... و القلوب في المنهج العقائدي الاسلامي - و في كلام العرب - المعبر عن طبيعة المعقولات التي يعقلونها هي مصدر الفكر و الوعي و مسؤولية اتخاذ القرار و كذلك هي مركز حمل الهوم و مواجهة المشاكل و تباعة الكفر و الايمان فحين نزلت السكينة في هذه القلوب فقد استقر كل شي‌ء في مكانه من الطمأنينة و الراحة فلم يبق ما تقلق له النفس او يشغل البال... اما زيادة الايمان فالمراد به تثبيته و تقويته لان الايمان مسألة معنوية لا حجم لها فهو - اي الايمان - اشبه بانتماء الانسان الي وطن معلوم مما يسمي في لغة العصر بالجنسية... فان العراقي مثلا لا تزداد عراقيته و لا تنقص بالقياس الي حسن عمله او سوئه و بتعبير اخر ان زيادة الايمان هي بروزه بوضوح و رسوخه في اعماق النفس و لا علاقة للحجم و الكمية بذلك... و قوله تعالي «ليزدادوا ايمانا»... يراد به التنويه بهذه السكينة التي جعلت من طمأنينة النفس ما يؤدي الي التحسس بالايمان و القناعة به و الانتماء اليه...«لقد رضي الله عن المؤمنين اذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم و أثابهم فتحا قريبا»... الفتح/18قوله تعالي «فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم و أثابهم فتحا قريبا» اي ان الله علم ما في قلوب المؤمنين من قوة رجائهم في رحمته و تطلعهم الي نصره فأنزل السكينة عليهم اي آمنهم من الخوف و قوي رجاءهم بالنصر... و قد كانوا رضي الله عنهم و هم المنوه به في النص من بعض اسباب انزال السكينة الالهية عليهم... و تكاد السكينة هنا تعبر عن معني اللطف و الرعاية و اسباغ الطمأنينة و راحة البال علي القوم اذ انزل الله سكينته عليهم...ان نزول هذه السكينة كان جزاءا للقوم و مكافأة لهم علي حسن موقفهم من رسول الله و صدق بيعته و صدق ايمانهم الذي وجده الله مكتنزا في اوعية قلوبهم و هي شهادة من الله بحق من كانوا مع الرسول في تلك البيعة التي سميت ببيعة الرضوان أخذا بما ورد في النص بقوله تعالي «لقد رضي الله عن المؤمنين اذ يبايعونك تحت الشجرة»... و هذا يدل علي مامنحه الله نبيه من التوفيق في حسن اختيار الاصحاب و الاعوان الذين كانوا سند هذا الدين و حماة الملة و ورثة الدعوة الاسلامية...«فأنزل الله سكينته علي رسوله و علي المؤمنين و ألزمهم كلمة التقوي و كانوا أحق بها و اهلها و كان الله بكل شي‌ء عليما»... الفتح/26اول هذا النص في الآية هو قوله تعالي «اذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية»... و هو بقية كلام قرآني ذكر بشي‌ء من التفصيل بخروج المسلمين الي مكة و قد منعهم الكفار عن دخولها و لم يأذن الله للمسلمين بقتال القوم اذ كان في مكة خلق من المسلمين فيهم الرجال و النساء و هم محتفظون بانتمائهم الاسلامي و لم تكن شخصياتهم و عناوينهم [ صفحه 155] معروفة للمسلمين فلو وقعت الحرب بين الفريقين فلعل هؤلاء المسلمين سيصيبهم من الاذي ما هم غير مقصودين به فيشق ذلك علي النبي و اصحابه حين يعلمون أن فريقا من المسلمين قد تعرضوا لأذاهم و هذا ما سماه القرآن «معرة» اي شيئا يستعير منه من يصنعه... و في الآية حكم شرعي يقرر عدم الهجوم علي قوم من الاعداء اذا كان فيهم فريق من المؤمنين لئلا ينال هؤلاء المؤمنين ما ينال الكافرين من تقتيل و ايداء و أسر و ما الي ذلك...ان نزول السكينة هنا كان علي الرسول و علي المؤمنين الذين معه و قد يكون المؤمنون الذين في مكة مشمولين بهذه السكينة التي تعني انهاء المشكلة المحتدمة بين القوم - اي كفار مكة و الفئة التي يقودها الرسول صلي الله عليه و سلم - بما كان لهم به من منجاة من اللجوء الي الشدة في المواجهة...ان ورود «السكينة» في النصوص التي وردت بها انما كانت مقرونة بكلمة الانزال و ان كان يعني مطلق التفضل و المنة فانه كذلك يعبر عن نزول شي‌ء من السماء علي الامة تنشرح له صدورها و تطمئن به الي لطف ربها و تعلم انها أبدا محل الرعاية ممن ارسل اليها و رسولها و بعث اليها نبيها نبي الخير و الرحمة محمد بن عبدالله عليه افضل الصلاة و التسليم. و النزول من السماء يعني ظهور العطاء الالهي و تفشيه و وضوحه و عمومية الانتفاع منه...اما قوله تعالي: «فصل عليهم ان صلاتك سكن لهم» التوبة/103... فان كلمة «السكن» هنا في معني السكينة و معني الاستقرار و الطمأنينة و الفأل الحسن و ترقب بشائر الخير و الرجاء كل اولئك مما يتحقق عند نزول السكينة...

باب الجدل‌

الجدل هو النقاش في امور يقع الخلاف عليها بين الناس و يكون في كثير من شؤونهم و اهوائهم كما يكون في معتقداتهم. و بعض الجدل يكون علي جانب من المحاسنة و اللين و هذا ما جاء النص فيه بقوله تعالي «و لا تجادلوا اهل الكتاب الا بالتي هي أحسن». العنكبوت/46. فالتي هي أحسن من بعض اوصاف الجدل المقبول و المرضي ولكنه غلب علي الجدل في عرف الناس انه نوع من الشقاق و ابتغاء الفتنة و الرغبة في ايقاع الحجة علي الخصم و افحامه بالحق و بالباطل و هذا ما جاء في فحواه و محتواه قوله تعالي «ما ضربوه لك الا جدلا بل هم قوم خصمون» الزخرف/58 اي ارادوا بجدالهم ذلك أن يجروك الي الشقاق و ما الي لا طائل فيه من امر ذي فائدة او ذي بال...و الجدل بين ذوي الديانات و المذاهب العلمية كائن في سائر المجتمعات اذ يبدي كل شبهاته و وجهات نظره و يبسط ادلته و براهينه و من أستمزاج الاراء مرادا بذلك الوصول الي الحقيقة... و الاصل في الجدال يقع بين طرفين علي حال من التكافؤ تام او غير تام... و بعض انواع الجدال يعني النقاش و الاستيضاح عن امور وقعت و امور لم تقع فهو من نمط ما يكون في مناقشة الناس من اصحاب الخبرة في شأن امر يراد الاقبال علي اعداده و التشاور في ادارته مما لا يصل الي مستوي الشقاق و المماراة و يقع الجدال من قبل صاحب رأي يريد فرضه علي الناس و من ذلك قوله تعالي «قالوا يا نوح لقد جادلتنا فاكثرت جدالنا» هود/32... و من الجدال ما يكون من باب التظلم كالذي في النص القرآني «قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها و تشتكي الي الله...» المجادلة/1. و قد سمي الله هذا الجدال بالتحاور و قد يكون بعض الجدال من باب الشفاعة كقوله تعالي «يجادلنا في قوم لوط» هود/74. و فيما سنورد من الكلام علي آيات [ صفحه 156] الجدل في القرآن الكريم انماط من الجدل تدل علي اختلاف مناحي هذا الامور و تعدد وجوهه الكثيرة...«و لا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم ان الله لا يحب من كان خوانا أثيما». السناء/107في النص نهي عن التحيز لمن يقف موقفا خيانيا و ذاك لئلا يكون هناك من يدافع عن الخائنين فتقوي بذلك شوكتهم. و ليس المراد مخاطبة الرسول بهذا النهي ولكنه اريد به تقرير قاعدة يوضع فيها كل امر في نصابه...«حتي اذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا الا أساطير الاولين»... الانعام/25هذا النمط الجدال هو جدال عناد يقوم به المشركون لاحباط العقيدة التي جاء بها النبي صلي الله عليه و سلم من غير استدلال بحجة عندهم او لياذ بشبهة لان البحث في الموضوع قائم علي مجرد العناد و الانكار و لذلك اكتفوا بقولهم «ان هذا الا اساطير الاولين» و ليس في شي‌ء في هذه المقولة ما يدل علي حجة مقبولة تصلح للنقاش و المحاجة و كان رسول الله صلي الله عليه و سلم يواجه في كل حين بمثل هذا النمط من الجدال العقيم فكان يحسن الرد علي المتعلقين بحباله...«يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون الي الموت و هم ينظرون»... الانفال/6هذا نمط من جدال المحقوقين و هو جدال من يجادل من غير أن يكون في يده و لو جزء ضئيل من حجة معقولة مقبولة بحيث لا يقوي علي التمسك برأيه اذ يضطر الي الانصياع للحجة القائمة عليه... و قد نزل النص في قوم لم يكونوا يريدون الخروج مع النبي في امر قتالي ولكنهم اضطروا الي الخروج مع النبي عندما تقطعت بهم الاسباب فكانوا كمن يساق الي الموت و هو ينظر اجله و قد حان. و مثل هذا الجدال يمكن أن يوصف بأنه جدل الخائبين...يفهم من هذا أن مركز النبي القيادي كان جد قوي بحيث لم يستطع هؤلاء المجادلون ان يفلتوا من قبضة القيادة التي كانت قوية التحكم و الاقناع و ذات سلطة مقتدرة...«و جادلهم بالتي هي أحسن ان ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله و هو أعلم بالمهتدين»... النحل/125اول هذا النص هو قوله تعالي «ادع الي سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة...» المراد بذلك ان التوصل الي بث الدعوة الدينية اليت يحملها النبي صلي الله عليه و سلم الي الناس انما يكون في اطار الحكمة و الموعظة الحسنة و اذا جر الامر الي الجدل فليكن بالتي هي احسن. و الخطاب الموجه الي النبي صلي الله عليه و سلم ينسحب علي سائر من يأخذ علي عاتقه الدعوة الي الملة اذ يكون عليه أن يلتزم بهذا الاصل السديد في دعوة الناس الي الدين و اشاردهم الي الهدي...ان تغيير معتقدات الناس و الزامهم بمعتقدات جديدة ليس بالامر الهين مهما كانت المعتقدات القائمة ظاهرة البطلان و المعتقدات البديلة ظاهرة الحجة فلابد وفق هذا الاصل أن يؤخذ الناس بالرفق و الحسني للوصول الي الغاية المبتغاة في هذا الوجه. و هذا اما جاء به النبي صلي الله عليه و سلم هذا ايضا نري ايضا أن الله اكثر من توصية نبيه العظيم بالصبر علي ما يتعرض من اذي قومه الذين كانوا شديدي الحرص علي كفرهم و شركهم حتي امكن له أن يقيم عمود الدين و يتوصل الي إيلاف القلوب التي اقتنعت بعد حين بأحقية دعوته صلي الله عليه و سلم و آمنت و انصاعت و أذعنت بل راحت تستميت في الدفاع عن مفردات ايمانها الذي رسخ في قلبها كل رسوخ...«و ان جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون»... الحج/68النص له ما يشبه المقدمة في قوله تعالي «و ادع الي ربك انك لعلي هدي مستقيم». كان النبي عرضة للمجادلين من سائر اصناف الناس من اهل الديانات و غيرهم. و قد وصاه الله في الرد علي جدال المجادلين [ صفحه 157] ممن همهم المنازعة و خطتهم المعاندة أن يرد ردا جميلا يضع به حدا لما لا طائل فيه و هذا ما عناه النص...«و قالوا أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك الا جدلا بل هم قوم خصمون»... الزخرف/58هذا النوع من الجدل عقيم لانه اراد به القوم المفاضلة بين آلهتهم التي هي معابيد من الاصنام و الاوثان «و قالوا أآلهتنا خير ام هو...» و بين ما جاء به النبي من عبادة رشيدة. اذ ارادوا بذلك الترجيح بين ما تفرضه عليهم آلهتهم بمقتضي عقيدتهم الوثنية و بين ما يفرضه عليهم النبي من عبادة اله واحدا... و قوله تعالي «ما ضربوه لك الا جدلا» اي ما جاءوا بهذا القول الا رغبة في مطلق الجدل الذي لا موضوعية له... و وصفهم الله بأنهم خصمون أي يحبون الشقاق و الخصومة و لا يريدون الوصول الي ما يحق الحق و يبطل الباطل...«قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها و تشتكي الي الله و الله يسمع تحاوركما ان الله سميع بصير»... المجادلة/1يشير النص الي امرأة جلست الي النبي تحاوره و تجادله في زوجها الذي وجهت اليه مسؤولية معينة و كان يتردد بينها و بين الرسول ما سماه الله تحاورا و لا يفهم من ذلك أن تلك المرأة كانت تجهر للنبي بقولها وصوتها لان كلمة التحاور تدل علي التساوي في طريقة الكلام و الحديث و كانت في مقام الشاكي اللائذ بالنبي و لم يكن صلي الله عليه و سلم يفتيها بشي‌ء لانه ليس مؤسس الشريعة و لا هو صانعها و انما هو رسول من رب العالمين و علي ذلك انزل الله سورة في هذا و الشأن حل بها عقدة تلك الزوجة و صرف عنها سبب الشكوي بتشريع صار يطبق علي الامة كلها في مثل تلك الحالة التي عرضت لخولة بنت ثعلبة...ان الغالب علي امر الجدل و المجادلين في مسائل الدين و العقيدة و الرسل هو اللجاجة و قد وصف الله الذين يولعون بذلك بعدة آيات وصفا قام علي الذم و من ذلك قوله تعالي «ما يجادل في آيات الله الا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد» غافر/4... «و من الناس من يجادل في الله بغير علم و لا هدي و لا كتاب منير» لقمان/20... «و من الناس من يجادل في الله بغير علم و يتبع كل شيطان مريد» الحج/3... «و يجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق» الكهف/56...بل ان القرآن الكريم حذر الامة عند ادائها شعائر الحج أن تلجأ الي شي‌ء من الجدال «فلا رفث و لا فسوق و لا جدال في الحج...» البقرة/197... و قد قرن الجدال في هذا النص بالرفث و الفسوق تبشيعا له و توكيدا لصرف الناس عنه... و ما من شك أن مواجهة الرسول الاعظم صلي الله عليه و سلم بجدل المجادلين و مماحكة المماحكين امر فيه من تلبس ظروف الجدال بكثير من دواعي الاضجار و العناء. و هذا امر يطرد في ما يقوم من جدال بين الناس لا سيما ان كان جدالا بين جاهل و بين حكيم و بين ذي جهل و بين عليم...و يفهم من آيات الجدل هذه ان النبي صلي الله عليه و سلم كان يؤخذ الي الجدل أخذا يراد به اضاعة الوقت في الاخذ و الرد و النقاش غير الموضوعي و ذاك من اجل ان يصل الامر بالنبي الي حال من الاضطراب و التشنج غير أن النبي لم يكن كذلك. و في بعض الاحيان يأمره الله أن يبادي‌ء القوم بالجدل الذي هو منطقي وجد سليم... و الجدل في عرض قرارات دينية جديدة علي قوم يراد اصلاح احوالهم و تصحيح معتقداتهم ليس بالامر الهين. علي أنا نفهم من فحوي آيات الجدل أن الرسول صلي الله عليه و سلم كان موفقا فيه بسبب أخذه بأهداب المنطق السديد و الصبر علي لغط المجادلين فكان له صلي الله عليه و سلم موقف الغلبة و الرجحان و افحام الخصم في سائر ما جادلهم فيه و خالفهم عليه... [ صفحه 158]

باب تري

يرد هذا الحرف في الخطابات القرآنية في مواقع و مشاهد حاضرة و غير حاضرة. و من ذلك ما كان قد وقع في دهر غابر و منه ما سوف يقع في دهر آت و قد يكون ذلك يوم الاخرة و في الجنة او في النار. اذ المراد بالتنويه بهذه الرؤية التي ترد في النصوص القرآنية من مثل «تري» و من مثل «و لو تري» و ما الي ذلك استحضار شخصية الرسول للاستشهاد بها علي حقيقة تلك الحقائق المتحدث في شأنها، و في هذا ما يدل علي عظم قدر النبي و انه يستشهد به علي امور و احداث لم يكن قد شهدها بالعين الباصرة و انما كان قد شهدها بعين غير تلك العين لانه شاء الله له ان يكون ذا حضور في سائر ازمنة الحضور... و ذاك في عالم التمثيل و عرض احداث غيبية لشخوص اراد الله حضورهم عند حدوث تلك الاحداث و وقوع تلك الوقائع لتكون لهم الشهادة المصدقة علي ذلك...و النبي و ان كان بشرا من هذا البشر فان الله اصطفاه ليكون ذا شيئية ليست من اشياء البشر والله خواص في الازمنة و الامكنة و الاشخاص... و في ما يلي نأخذ بشرح المقولات القرآنية التي جاء فيها استعمال كلمة «تري» و مشتقاتها...«فتري الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشي أن تصيبنا دائرة فعسي الله أن يأتي بالفتح او امر من عنده فيصبحوا علي ما أسروا في انفسهم نادمين»... المائدة/52في النص استحضار صورة المتجمهرة المتجمهرة من المنافقين و اليهود ممن وصفهم الله بان في قلوبهم مرضا اذ كانوا يسارعون ان يتعجلوا وقوع الاحداث و بذلك يزداد الخوف في نفوسهم و القلق علي مصيرهم، و قوله تعالي «فعسي الله أن يأتي بالفتح او امر من عنده» ليس من بعض كلامهم و انما هو من الكلام القرآني، و لذا جاء في اثره قوله تعالي «فيصبحوا علي ما أسروا في أنفسهم نادمين»...«و تري كثيرا منهم يسارعون في الاثم و العدوان و اكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون». المائدة/62ما جاء في النص من الكلام علي القوم الذين كانوا يأكلون السحت و يرتكبون ضروب الاثم و العدوان صوره القرآن بصورة الواقع المشهود و الحقيقة الملموسة و ذاك باستعمال الرؤية في كلمة «و تري كثيرا منهم يسارعون في الاثم و العدوان»... و جعلت الرؤية لراء خاطبه النص القرآني بها...«تري كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئسما قدمت لهم انفسهم أن سخط الله عليهم و في العذاب هم خالدون»... المائدة/80النص مسبوق بقوله تعالي: «كانوا يتناهون عن منكر فعلوه لبئسما كانوا يفعلون» المائدة/79... في النص وصف فريق من المتظاهرين بالاسلام و قد جعلوا انتماءهم الي قوم من الكافرين، والانتماء الي الكافرين يتأتي منه اطاعتهم اطاعة تامة و افشاء اسرار المسلمين اليهم...و الآيات القرآنية تحذر من مثل هذه الانتماءات التي لا تجعل للمسلم لونا متميزا في الناس... و مثل ذلك ما يستوجب سخط الله عزوجل و شديد نقمته لان مسخ وجه الهوية مسخ لكل كيان الذين يحملون هوية يريدون بها ابراز عناوينهم لان هناك من ذوي العناوين التي تنم عن واقع انتمائهم الذي يفترض فيه ان يكون محل التباهي و التبجح بين الناس...«و اذا سمعوا ما أنزل الي الرسول تري اعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين»... المائدة/83هذه الرؤية رؤية واقعية اذ شوهد قسس نجران يبكون عند سماعهم القرآن و قد كان قد تلي عند الصلاة به او خارج الصلاة به... و الخشوع كثيرا ما يعرض لمستمعي القرآن من قبل من هم غير منتمين الي ملته و لا مؤمنين به... [ صفحه 159] و قسس نجران ضرب لهم النبي خيمة في المسجد فكان صوت القرآن يصل الي اسماعهم فتفعل آياته فعلها في نفوسهم... و مسألة معرفة الحق الذي تلتمع معالمه في اجواء القرآن مسألة لا يملك مكذبوها ان يسارعوا الي تكذيب الحقائق... اما اعلان القسس بايمانهم اذ جاء في النص «يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين» فان ذلك لا يعني اعتناقهم الاسلام و لا اعترافهم بنبوة النبي بالضرورة، و انما يعني انهم وجدوا لحلاوة الايمان مذاقا في نفوسهم بحيث لو هداهم الله الي الايمان لآمنوا... ان مبادي‌ء الايمان تنزع اليها النفوس ولكنها لا تصل الي الواقع الايماني الذي ينشده المؤمنون...«و لو تري اذ وقفوا علي النار فقالوا يا ليتنا نرد و لا نكذب بآيات ربنا و نكون من المؤمنين»... الانعام/27كلمة «تري» هنا تعد من الكلام علي ازمان الآخرة، و مخاطبة الرسول الاعظم بمثل ذلك يدل علي ان شخصية الرسول كانت ذات حضور و اشراف اذ خاطب النص النبي بلفظ «تري» في امر لم يكن الرسول من افراد ناسه يومذاك ولكن الله جعل له صلي الله عليه و سلم حضورا قد جاء بلفظ افتراض التصور و ذاك شي‌ء واقعي يقرر امكان ان تكون للنبي هناك حالة من الحضور و المشاهدة. لان الذاكرة تري ما سبق لها ان رأته، بل انها تري ما لم تكن قد رأته مدفوعة الي ذلك بفعل احضار الشاهد قصد اثبات انها من الحقائق التي لا تواجه بالتكذيب و الابطال...ان استحضار الاحداث و الصور في ايضاح ما يراد له ان يقع امر لا يستغرب وقوعه في عالم الاذهان. لان في امكان الاذهان استحضار ما تشاء من الصور علي الهيئة التي تتخيلها و تتصورها و تنشي‌ء لها واقعا مشهودا...«و لو تري اذ وقفوا علي ربهم قال أليس هذا بالحق قالوا بلي و ربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون»... الانعام/30فلقد اري الله النبي القوم موقوفين عند ربهم بالصورة التي خلقها الله في عين النبي فكانت معبرة عن الواقع الذي كان القوم في اطاره و رهن مداره... و استعمال «لو» هنا لا يغير من الحقيقة التي يحتجنها النص القرآني، فكأن النص يعني ان يقال: - ليتك تري ذاك يومذاك اذن لرأيت الامر علي الهيئة التي جاء تفصيلها في النص...اذن ان الله يخاطب الرسول بأمر لا يتحقق الا لمن جعل له الله امكانيات خارقة يتأتي بها تحقيقه...«و لو تري اذ الظالمون في غمرات الموت و الملائكة باسطوا ايديهم اخرجوا انفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون علي الله غير الحق و كنتم عن اياته تستكبرون»... الانعام/93في التعبير بالكلمة القرآنية «و لو تري» امكانية وقوع شي‌ء غير واقع، و انما كان لما هو غير واقع ان يقع في الخطابات القرآنية للرسول الاعظم من اجل ان الرسول ذو اهلية أهله الله بها في مثل هذه الامور... علي أن هذا الاسلوب في الكلام الذي يجري بين الناس في شعر و نثر و خطاب و جدال لا يقع فيه ورود الاحتمالات غير المحتملة في ظاهر العقل و مألوف التعامل الجدلي و البياني الا أن الله جعل ذلك مما خوطب به النبي من غير ان يقع مثله لسواه من الرسل... ان الله جعل لرسوله الاعظم امتيازا في الحضور في سائر احداث الزمان ليتعلم من ذلك الكثير و ليكون شاهدا علي سائر اعمال الناس في كل عصر و جيل... فالظالمون الذين هم في غمرات الموت و الملائكة باسطوا ايديهم ينتزعون ارواحهم و يأمرونهم باخراجها و يضعونهم موضع [ صفحه 160] المذعنين لذلك فانه مما لا يري بالعين المجردة. ولكن الباري‌ء الكريم جعل لنبيه اقتدارا خاصا أمكن له به ان يري هذه المشاهد و يطلع علي ما وراءها من وقائع لا تملك الناس الوقوف عليها والالمام بها...ان الخطابات الالهية للرسول لا يمكن ان تجري في عالم التصورات الموهومة ما لم تكن وراءها حقائق يريد الله بها لنبيه الدراية التامة و الا كان ذلك الخطاب لا مفهوم له و لا غاية وراءه، في حين يريد الله لنبيه أن يري مالا يراه الناس في العادة. لا سيما مالا يناقض قانونا من قوانين الشريعة و أصلا من اصولها...«و لو تري اذ يتوفي الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم و ادبارهم و ذوقوا عذاب الحريق»... الانفال/50في هذا النص ما يدل علي امكانية رؤية الرسول الاعظم للوضع الذي جاء في النص من كون الملائكة كانوا يضربون وجوه الكفار و ادبارهم - اي ظهورهم - و حين يذكر الله الملائكة و ما كان من ضربهم وجوه الكفار و ادبارهم انما هو خبر الهي يحتجن الحقيقة التي لا يعلق بها الكذب لان الخبر القرآني يعد من اصدق الاخبار التي يخبر بها الناس...«و تري المجرمين يومئذ مقرنين في الاصفاد، سرابيلهم من قطران و تغشي وجوههم النار، ليجزي الله كل نفس ما كسبت ان الله سريع الحساب»... ابراهيم 51/49سبق هذا النص بالآية التي جاء فيها قوله تعالي «يوم تبدل الارض غير الارض و السماوات و برزوا لله الواحد القهار»... و علي هذا يكون المراد برؤية المجرمين العصاة مقرنين في الاصفاد. اي مصفدين و مسلسلين بالسلاسل و النار تلفحهم من كل جانب و لتوكيد حقيقة ذلك جاء النص القرآني مشيرا الي أنه كان يراه النبي توكيدا لوقوع ذلك و تنويها بأن النبي صلي الله عليه و سلم كان يراه بالعين المجردة التي يري بها الاشياء... و يفهم من هذا أن الله امكن للنبي أن يحيط علما باوضاع النار و المعاقبين فيها بأنماط من العقاب الالهي الذي كان جزاءا وفاقا لما اقترفوه في الحياة الدنيا من الجرائم التي حذروا منها و انذورا لانهم سوف يعاقبون يوم القيامة عليها...«و تري الفلك مواخر فيه و لتبتغوا من فضله و لعلكم تشكرون»... النحل/14أول النص هو قوله تعالي: «و هو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا و تستخرجوا منه حلية تلبسونها...» هذه الرؤيا رؤيا بصرية في عالم الحياة المألوفة لدي الاحياء و قد جاءت الاشارة اليها في معرض فضل الله علي الناس بما أودعه في البحار التي تثير الرهبة في النفوس من الحصول علي المنافع العظيمة التي منها ما يعد من الغذاء و منها ما يعد من اسباب الزينة و ما هناك من الفلك التي تجري في البحر حاملة البضائع و انواع التجارات و الناس. اذ يعد جريان الفلك في البحر بثقيل وزن ما فيها من الناس و البضائع من آيات الله القائمة علي دقيق ما أودع في الطبيعة من قوانين و نظم يتم وفقها أن يكون سهلا و هو صعب و يسيرا و هو عسير...و ذكرت الرؤية هنا و هي في المرئيات البديهية التي يراها الناس جميعا ليكون معني الرؤية فيها و في ما سواها من الغيبيات بخوارق الاشياء مما تشير اليه الايات القرآنية المبدوءة بالكلمة التي هي عنوان هذا الفصل و هي كلمة «تري» و مشتقاتها...و الغاية من إيراد ذلك تنبيه الناس الي وجوب شكر الله علي كبير مننه، و عبادته لعظيم سلطانه، و الايمان بوحدانيته و حكمته، و تفضله علي خلقه بالافضال التي لا تعد و لا تحصي... و في جملة النص و تفصيله ما يحقر الذين يعبدون الاوثان التي لا تملك أن تصنع من ذلك شيئا...«و تري الشمس اذ طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين و اذا غربت تقرضهم ذات الشمال و هم [ صفحه 161] في فجوة منه ذلك من آيات الله. من يهد الله فهو المهتد [52] و من يضلل فلن تجد له وليا مرشدا»... الكهف/17الكلام هنا علي اهل الكهف الذين قصص القرآن قصتهم التي تعبر عن احتمال الاذي و الفرار بالايمان و عدم الانصياع للكفر و سلطان اهله و كان زمنهم قد سبق عهد الرسالة ولكن الله أشار الي حضور النبي في بعض ما كان لاهل الكهف من احداث و وقائع فجعل النبي رائيا للشمس التي كانت تطلع عليهم و تغيب و كان القصد من ايراد ذلك التنويه بأن الله أراد أن تكون لنبيه العظيم احاطة بهذه القصص التي تصور صدق الجهد في سبيل الله و الطاعة العظمي له.كان النبي في مقام الشهادة علي صدق ايمان اولئك الفتية الذين لجأوا الي الكهف فرارا بعقيدتهم من البغاة الظالمين...و في النص ما يومي‌ء الي الجو الذي يلاحظ علي الكهف فهو قديم و رهيب كشأن معظم الكهوف. و يبدو ان طبيعة الكهف طبيعة مخوفة فما ان يصل اليه احد و لذلك أوي الفتية الهاربون اليه و من طبيعة الخائف ان يلوذ من اجل النجاة بنفسه بما هو مخوف و غير مخوف...ان فتية الكهف ضرب الله عليهم من المهابة و الحال التي ترعب المشاهد من اجل ان لا يتعرضوا للاذي من أية جهة آتية من الخارج... فهم يبدون ايقاظا رغم أنهم في حال سبات و نوم عميق... و لابد أن يكون الكهف عميقا و ليس ظاهر العمق و ذلك لا مكان الاحتماء فيه من الضواري و سباع البهائم... اما ان المطلع عليهم يولي منهم فرارا و يمتلي‌ء رعبا... فكأن ذلك مما جعله الله لهم امام من يدخل عليهم الكهف حماية لهم فعساهم يصل اليهم رجال السلطة فلا يتهيأ لهم ايذاؤهم لمكان رهبتهم في النفوس...و للمبالغة في اضفاء هذه الصفة عليهم جاء النص موجها الي النبي بأنه سيكون مشهده لهم ذات مشهد سائر من يراهم. و النص انشائي لا اخباري اذ لم يأت بلفظ انه اطلع عليهم فولي فرارا و ملي‌ء رعبا و انما جاء بلفظ «لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا و للمئت منهم رعبا» امعانا في ابراز الصورة و تعميقها في النفوس... ان اهل الكهف و ان لم ينص القرآن علي فترة مكثهم في الكهف لنعلم من طولها ما يجب ان نعلم فانها علي أي حال فترة غير فترة غير اعتيادية و لا مألوفة في حياة الناس... و يعني امر انهم طالت شعورهم و لحي من كانت لهم لحي و هذا امر بطبعه يخيف و لا ترتاح له النفوس فكأن النص القرآني جاء لتصوير ذلك و الايماء اليه [53] ...«و يوم نسير الجبال و تري الارض بارزة و حشرناهم فلم نغادر منهم أحدا، و عرضوا علي ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة بل زعمتم أن لن نجعل لكم موعدا»... الكهف 48/47تسيير الارض و بروز جبالها من خلال هذا التسيير و حشد الناس الي القاء الله عند الحشر الاكبر شي‌ء لم يقع بعد ولكنه واقع يوم تقوم الساعة و اتخذ الله من نبيه شاهدا علي وقوع ذلك برؤيته صلي الله عليه و سلم الارض بارزة بكل ما فيها من خفي و منكتم و هي رؤية اثبتها الله للنبي ليجعله شاهدا علي ذلك و كفي النبي عظمة و جلالة قدر و علو مقام عند ربه ان يشهده الله مثل هذه الاسرار العظيمة...«و وضع الكتاب فتري المجرمين مشفقين مما فيه و يقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة و لا كبيرة الا أحصاها و وجدوا ما عملوا حاضرا و لا يظلم ربك احدا»... الكهف/49يذكر النص أن النبي صلي الله عليه و سلم كان يري جموع المجرمين المكذبين قد أحضروا اذ يرون [ صفحه 162] عاقبة كفرهم و جحودهم يوم كفروا بالله و جحدوا بآياته... و هذه المشاهد كثر عرضها في السور المكية اذ كانت و طأة العقاب الالهي تهز الكفار و المشركين هزا عنيفا... و يلاحظ كذلك ما في العبارات القرآنية من جبروت بياني جد بليغ كان يفعل فعله في نفوس القوم فلا يجد من لم يكن منهم مقبلا علي الايمان غير الصمت المطبق و النكوص بعيدا عن مواقع التلاوة التي كان النبي يصدع سمعهم بها...«لا تري فيها عوجا و لا أمتا» طه/107و قد سبق هذا النص بقوله تعالي «و يسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا، فيذرها قاعا صفصفا»... و في هذه الرؤية للجبال المنسوفة التي ازال منها كل ارتفاع و شموخ و طول و عرض و هيبة و رهبة أشهد الله نبيه علي أنه رأي من تمت اليه مما تناوله الوصف القرآني بالواقع الذي آل اليه... فان الله أراد ان لا يكون النبي بعيدا عن مثل هذه الاحداث التي ينتهي اليها عالم الارض و الجبال.«و تري الناس سكاري و ما هم بسكاري ولكن عذاب الله شديد»... الحج/2صدر هذه الآية هو قوله تعالي: «يا أيها الناس اتقوا ربكم ان زلزلة الساعة شي‌ء عظيم، يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما ارضعت و تضع كل ذات حمل حملها...»... لم تكن الساعة تقوم علي عهد الرسول و كانت سائر المعلومات في شأنها مشيرة الي ان وقتها مجهول غير معلوم و قوله تعالي: «و تري الناس سكاري و ما هم بسكاري ولكن عذاب الله شديد» يقرر أن الرسول صلي الله عليه و سلم سيري ذلك المشهد بنفسه حين تقوم الساعة و كان قد رآه اذ قرب الله له ما بعد و ادني اليه ما نأي عنه. و مثل ذلك نعلمه يقينا و ان كنا لا نعلم تفاصيله في الزمان و المكان و الغيب و الشهادة. اما قوله تعالي في مخاطبة الناس «يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما ارضعت و تضع كل ذات حمل حملها» فهو خطاب لمن سيدركون الساعة و يكونون ممن اذا وقعت كانوا من شهودها. فالامر مختلف بين مخاطبة الناس بذلك و بين مخاطبة الرسول الاعظم به...«و تري الارض هامدة فاذا انزلنا عليها الماء اهتزت و ربت وانبتت من كل زوج بهيج»... الحج/5و هذا من بعض مشاهد الطبيعة في عالم الحياة اذ ينزل الله من السماء المطر الذي تنبت به الارض ما تنبت من الخيرات التي ينتفع منها الناس. فالرؤية هنا رؤية واقعية لطرفين كل منهما نقيض الاخر اذ كان احدهما هامدا لا نبات فيه و لا خضرة فاذا به بعد نزول الماء عليه تنبت فيه الناباتات التي يأكل منها الانسان و ترعاها الحيوانات... و ايراد هذا النص فيه ما يوحي الي الناس بوجوب شكر الله علي عظيم فضله و جزيل نعمه...«و تري الجبال تحسبها جامدة و هي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شي‌ء انه خبير بما تفعلون»... النمل/88هذه الرؤية للجبال انما هي رؤية لها بعد انهيار عالم الدنيا اذ ذكر الله فيها أن النبي يري هذه الجبال و هي بين السكون المطلق و الحركة المطلقة و كأن النبي صلوات الله عليه يري ذلك عن كثب من موقف يطل اخر عهد حياة بها و قد جاء قبل هذا النص قوله تعالي: أن يري النبي مفردات هذا الكون تتفتت و هي في اخر عهد حياة بها و قد جاء قبل هذا النص قوله تعالي: «و يوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات و من في الارض الا من شاء الله و كل أتوه داخرين»...«... فتري الودق يخرج خلاله فاذا اصاب به من يشاء من عباده اذا هم يستبشرون»... الروم/48بدء هذا النص قوله تعالي «الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء و يجعله كسفا»... [ صفحه 163] الاشارة الي رؤية النبي الودق يخرج من خلال السحاب يراد بها وضوح النعمة الالهية علي الناس بالغيث الذي يغيثهم به لتعلم الناس من كفرة اهل مكة خاصة عظيم فضل الله عليهم و في ذاك تعريض لعباد الاوثان التي يعبدونها من دون الله و هي لم تنزل عليهم قطرة واحدة من السماء و لا أنبتت نبتة واحدة من الارض لان الامطار و الانبات من خلق الله و متقن صنعه و كريم منته و رحمته...«و لو تري اذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا و سمعنا فارجعنا نعمل صالحا انا موقنون»... السجدة/12في هذا النص بعض مشاهد الناس يوم الحشر الاكبر اذ يشتد خجلهم امام ربهم فينكسون رؤوسهم من فرطه و يروحون يتمنون الرجوع الي الدنيا و الي عالم الحياة فيها ليكونوا من اكثر الناس ايمانا و اشدهم تقوي و صلاحا و ليصححوا سوء عملهم عند وجودهم علي ظهر الارض اذ كفروا بربهم و جحدوا رسالة رسوله. و كان الرسول و هو يراهم علي مثل هذه الحالة الزرية المثخنة بالذل و المهانة قد كان قد رآهم في عالم الحياة علي أشد ما يكون المغرورون غرورا و صلفا و جحودا و استخفافا بمعايير الخير و الايمان و الفضيلة و ذاك لما كان يدعوهم الي الله و يحذرهم عاقبة كفرهم و ضلالهم...«و لو تري إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم الي بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لو لا أنتم لكنا مؤمنين»... سبأ/31النص مسبوق بقوله تعالي «و قال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن و لا بالذي بين يديه...»مشهد الظالمين و هم موقوفون عند ربهم من مشاهد الاخرة و قد جاء النص في معرض التنويه بان يري الرسول ذلك المشهد من سائر جهاته فانه مشهد يناقض ما كانوا عليه في مكة من بطر و كبرياء و عجرفة...«و تري الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله و لعلكم تشكرون»... فاطر/12في هذا النص بعض مظاهر عظمة الخالق فيما خلق من مفردات هذا الكون مما ينفع الناس و يصلح امر معاشهم. فان الناظر الي ذلك يذهله حسن صنع الله فيما صنع من هذا الكون الشاسع الكبير... و جاءت الاشارة الي رؤية النبي «الفلك» و هي تمخر عباب البحر متهادية علي صفحة مائه... و بعض هذه المعاني نوهت بها نصوص قرآنية أخري...«و تري الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم و قضي بينهم بالحق و قيل الحمد لله رب العالمين»... الزمر/75الكلام هنا علي بعض مشاهد الاخرة و قوله تعالي: «و تري الملائكة حافين من حول العرش» بيان بأن النبي رأي الملائكة و كانت رؤيته اياهم كثيرة التنوع و منها هذا الذي ينوه به النص اذ رآهم النبي حافين من حول عرش الله العظيم...و في الاية تعريض بالمشركين الذين ظنوا أن لاصنامهم من العظمة و الخلود مثل الذي لله رب العالمين...«و من آياته أنك تري الارض خاشعة فاذا أنزلنا عليها الماء اهتزت و ربت ان الذي احياها لمحيي الموتي انه علي كل شي‌ء قدير»... فصلت/39الكلام علي نزول الغيث و سقوط المطر و اخضرار الارض و حصول الخلائق منها موارد المعيشة تكرر في القرآن الكريم لما تحمله هذه المعاني من الدلالة علي وجود الخالق العظيم و علي رائع حكمته اذ خلق الخلائق و خلق أرزاقها و اقواتها من ماء ينزل من السماء فتصبح الارض به مخضرة تنتج للناس ما يأكلون منه و ما ترعاه انعامهم...و قوله تعالي: «و تري الارض خاشعة» يبدو منه أن رؤية النبي للارض موصوفة بالخشوع هي رؤية نبي حكيم تنفذ نظراته الي مدي بعيد من عالم التبصر و النظر السليم... [ صفحه 164] «أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله و لولا كلمة الفصل لقضي بينهم و ان الظالمين لهم عذاب أليم... تري الظالمين مشفقين مما كسبوا و هو واقع بهم و الذين امنوا و عملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاؤون عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير»... الشوري/22الرؤيا هنا تنصرف الي جهتين مختلفتين احداهما جهة الظالمين و هم يلقون الهوان و العذاب الشديد. و جهة المتقين الذين يلقون اللطف الالهي و الجزاء الكريم... و انها حقا لرؤية يستمتع فيها الرائي بصدق وعد الله و صدق وعيده و وجود فئتين تمثل في وجودهما الحقيقتان المختلفتان...«و تري كل أمة جاثية كل أمة تدعي الي كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون»... الجاثية/28رؤية النبي هنا تبدو ممتدة الي ابعاد بعيدة اذ شملت امما كثيرة من ذوي الديانات والكتب السماوية فانها يراها النبي في ساحة العرض بين يدي الله جاثية جثو من ينتظر صدور القرار الالهي بحقه... و في هذا اشارة الي مقام رسول الله في هذه الساحة ان يكون له الاشراف و الشهادة علي هذه الخلائق المتعددة الديانات و الاهواء...«يوم تري المؤمنين و المؤمنات يسعي نورهم بين ايديهم و بأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم»... الحديد/12ان المشاهد الاخروية التي رآها الرسول رأي فيها ما ينعش القلب و يسر النفس من عظيم فضل الله الي امته التي رزقها مغفرته و أثابها فضله فكان لها في دنياها و أخراها الفوز العظيم... و كأن الله عزوجل يبشر نبيه بهذه البشارة التي لا تعدلها بشارة.«ما تري في خلق الرحمن من تفاوت»... الملك/3ان النص مشار فيه الي ما جاء في صدر النض قوله تعالي «الذي خلق سبع سماوات طباقا». و في هذا استشهاد صريح بأن ما خلق الله من هذه الالوان بسماواتها و أروضها ليس فيه من اختلال و تفاوت... ان رؤية النبي في هذه الحقيقة لرؤية شاء الله أن يقيم منها دليلا و برهانا علي عظم خلقه و دقة نظام ملكوته...«فتري القوم فيها صرعي كأنهم اعجاز نخل خاوية، فهل تري لهم من باقية»... الحاقة 8/7الكلام هنا علي ما جري لقوم ثمود من العقاب الالهي العادل اذ سخر العواصف الشديدة التي كانت تفزع الناس فلا يملك احدهم ان يثبت قدميه في مكانه حتي كانت النتيجة المشهودة أنهم باتوا علي الارض صرعي كانهم اعجاز نخل خاوية. و الحادث كان قد وقع منذ زمن بعيد... ولكن الله امكن لنبيه رؤية اولئك القوم و هم صرعي يستثير منظرهم العبرة و يستدل به المستدل علي ان الله اقوي من كل قوي و أقدر من كل قدير و اعظم من كل عظيم...

باب انظر

ورد في الخطابات القرآنية ما بدأ الكلام فيه بكلمة «أنظر» و ذلك في معني الاعتبار و لفت النظر و وضع كل امر في نصابه لان من طبيعة هذا الحرف التركيز علي المرئيات يستوي في ذلك ان تكون مادية او ان تكون معنوية... ان في استعمال كلمة «أنظر» ما يشخص الاحداث و الوقائع و يخرجها من الظنيات الي الحقائق المرئية فلا يعرض لها بهذه النظرة شي‌ء من الشك و الارتياب. و قد وجدنا ان القرآن الكريم استعمل كلمات الرؤية بأساليب متعددة و متنوعة و قد شرحنا ذلك في مواقعه من الكتاب قصد التوكيد و ابتغاء الكلام علي ما هو وارد من العبر و سائر القصص أن يجي‌ء جليا ظاهرا لا يعترضه الشك و الارتياب... [ صفحه 165] «انظر كيف يفترون علي الله الكذب و كفي به اثما مبينا»... النساء/50هذا نص جعل الله النبي شاهدا فيه علي الذين وصفهم بأنهم يفترون علي الله الكذب الذي هو اثم مبين اي اثم كبير ضخم غير ضئيل. و الدعوة الي هذا النظر الذي اراد الله من نبيه ان ينظر في محتواه اضافة الي الاشهاد فيها ما يعرض في معني الاستغراب و الانكار و التهكم لان كل واحد يمكن ان يفتري عليه الكذب الا الله الذي يعلم خائنة الاعين و ما تخفي الصدور. لقد كان القوم قد اتخذوا لله شريكا فكان كفرهم بذلك كفرا بواحا الا انهم رغم ذلك زكوا أنفسهم «الم تر الي الذين يزكون انفهسم بل الله يزكي من يشاء و لا يظلمون فتيلا». النساء/49«انظر كيف كذبوا علي انفسهم و ضل عنهم ما كانوا يفترون»... الانعام/24النص مسبوق بكلام جاءت فيه كلمة «انظر» التي هي هنا موضحة له و مسببة لوروده و ذاك في الآيتين «و يوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين اشركوا اين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون، ثم لم تكن فتنتهم الا أن قالوا و الله ربنا ما كنا مشركين»... يتحدث النص في امر فريق من المشركين لقوا الله يوم القيامة بشركهم و قد خوطبوا في ساحة الحشر في صدد شركائهم الذين اشركوهم بالله عزوجل اذ طولبوا باستحضار اولئك الشركاء الذين لم يكونوا الا اصناما أو اوثانا أ معاييد اخري باطلة من مثل الشمس والقمر و بعض الاشجار و النار و غير ذلك و قد كان جواب هؤلاء المشركين لفرط غفلتهم و جهلهم انهم راحوا يقسمون الايمان علي انهم لم يشركوا بربهم شيئا في حين انهم امضوا حياتهم علي وجه الارض يعاقرون اصنام الشرك و لا يؤمنون بوحدانية الله. و قوله تعالي «ثم لم تكن فتنتهم» المراد بالفتنة انهم كانوا مفتونين غلبت عليهم فتنة الشيطان التي يفتنهم بها اي يستولي علي عقولهم و قلوبهم. و في هذا الموقف يأتي النص القرآني لافتا لنظر الرسول صلي الله عليه و سلم الي امر هؤلاء المشركين المخدوعين الذين يظنون انهم اذ لجأوا الي القسم بنفي الشرك عنهم فسيكون لهم في عالم الحشر من يصدقهم و في كلمة «انظر» التي هي معقد العلاقة بين ما جاء في نهاية هذه الآية و بين ما كان قد سبقها من النص القرآني الذي اوردناه فانه في كلمة «انظر» لفت لنظر النبي الي ما يقع من اناس يكذبون علي الله باقترافهم الشرك و ادعائهم التوحيد فهم نمط من ذوي العقول العارية عن التبصر والاستضاءة لهدي الايمان فانهم يشركون و ينفون انهم اشركوا و يعمدون الي توثيق كذبهم باللجوء الي اليمين الكاذبة و بذلك نبه الله نبيه الي ان يكون علي علم بهؤلاء الكذابين الذين كذبوا علي انفسهم و ليس علي غير انفهسم جاهلين أن ابشع انواع الكذب هو الكذب علي النفس و بذلك لم يقع في يدهم شي‌ء مما ادعوه و تمت فضيحتهم بالكذب الذي كذبوه علي انفسهم و علي ربهم و أخذوا يوم القيامة بجناية شركهم...في كلمة «انظر» التي خوطب بها الرسول الاعظم اشهاد فيه ما يدعو الي التعجب من فعل اولئك المشركين المكيين و كأنما جاء النص ليوصل الي النبي قدرا كبيرا من العجب و الاستغراب من تصرفات بعض الكفار الذين كانوا قد واجهوه ابان دعوته الي توحيد الله بمثل ما جابهوه به...«أنظر كيف نصرف الايات ثم هم يصدفون»... الانعام/46النص المنقول جزء من الاية التي اثبتنا رقمها في السورة و بدؤها «قل أرأيتم ان أخذ الله سمعكم و ابصاركم و ختم علي قلوبكم من اله غير الله يأتيكم به»... النص القرآني يتضمن محاجة في سلطان الله عزوجل القوم - في العهد المكي - قال الله فيها ان أخذ بسمعهم و ابصارهم و ختم علي قلوبهم اي اغلقها فلم تعد تفكر في شي‌ء أو تعقل شيئا او تحيط [ صفحه 166] به علما فمن الذي يستطيع ان يرجع اليها هذه الحواس الاساسية في كل جسم بشري... ان القصد من هذه المحاجة افهام هؤلاء القوم ان اصنامهم و اوثانهم لا تملك ان تصنع شيئا اذا تعرضت اجسامهم الي هذا الفراغ من ادوات السمع و البصر و العقل و الحياة... و هنا جاء النص القائل «أنظر كيف نصرف الايات» اي كيف نضعها في مواضعها آخذين بالجدية و صرمة المواجهة بما يكون به الامر واضحا للمخاطبين...والامر بالنظر هنا مراد به النظر الاعتباري و ليس النظر البصري ثم تختم الاية بقوله تعالي «ثم هم يصدفون» اي يميلون و يزيغون عن موقع الاعتبار بهذه الحكمة الالهية العظيمة اذ كان عليهم ان يستوعبوها و يجدوا فيها اضاءة تهديهم الي الايمان. و كلمة «أنظر» هي للعجب من السلوك الذي لجأ اليه القوم بعد وضوح الخطاب الالهي و صمتهم المطبق الذي لم يجيبوا فيه علي اصل السؤال و لا بحرف واحد. و هكذا كانت كلمة «أنظر» دعوة للرسول الاعظم الي ان يعجب لهؤلاء الذين تغلب الكفر علي كل شي‌ء فيهم. و لم يرعووا و لم ينصاعوا. و في الآية الكريمة اشهاد للنبي علي ما كان من امر هؤلاء المشركين المعاندين مما يستدل به علي عظم ثقة الله في هذا الموقع لرسوله صلي الله عليه و سلم.«انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون»... الانعام/65النص جزء من الاية التي هي «قل هو القادر علي ان يبعث عليكم عذابا من فوقكم او من تحت ارجلكم او يلبسكم شيعا و يذيق بعضكم بأس بعض أنظر كيف نصرف الايات لعلهم يفقهون»... تصريف الايات يراد به ما يوقعه الله بمن يعاقبهم و ينتقم منهم و ليست هي الايات بالايات المتلوة التي هي مفردات سور القرآن الكريم و انما هي العبر التي يعتبر بها أولو الالباب...و في النص دعوة الي الاعتبار بالعواقب التي تصيب العصاة من الكافرين و غيرهم و في ما يتعلق بالرسول الاظعم في هذا الباب انه احاطه علما بالعقوبات التي اوقعها بأولئك القوم. و في باب «قل» ذكرنا بعض ذلك...«فانظر كيف كان عاقبة المجرمين»... الاعراف/84لازال المعني الذي تستوعبه كلمة «انظر» يدور في اطاره الواحد الذي هو الاعتبار بالعقوبة النازلة باولئك القوم و كذلك ما يعني افتضاحهم بحيث صارت لهم صورة منظورة يراها رسول الله بعد دهر من وقوعها ليستقر بذلك في علمه عظم سلطان الله في كونه و شدة غيرته علي حرماته.«فانظر كيف كان عاقبة الظالمين»... يونس/39هذا النص جزء من الاية التالية التي أولها «بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه و لما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم». التكذيب هنا معلل بأن القوم لم يحيطوا علما بما أنزل الله علي الرسل من شرائع و قوله تعالي «و لما يأتهم تأويله» معناه انهم لم يصل اليهم ادراكه و فهمه و في ذاك وصف لهم بالغباء و البلادة بحيث لم يستوعبوا ما قاله لهم الرسل و قد عاقبهم الله علي هذا الموقف السلبي الذي وقفوه من رسالة الرسل الاعظم محمد صلي الله عليه و سلم و قد سماهم الله «الظالمين». و ظلمهم ناشي‌ء من انهم تجاهلوا عمدا حقائق الملة التي جاء بها النبي و قد كانت بلسان عربي مبين هو لسانهم الذي لا يملكون ادعاء جهله و غموض معانيه... و جعل الله المصير الذي صاروا اليه من العقوبة الاليمة منظورا اليه من قبل الرسول الاعظم لبيان ما تعرض له اولئك الكافرون من مفضوح العقاب فان مفضوح العقاب يكون اقسي علي المعاقبين من خفائه و انكتامه... [ صفحه 167] «فانظر كيف كان عاقبة المنذرين»... يونس/73النص جزء من الاية التي هي «فكذبوه فنجيناه و من معه في الفلك و جعلناهم خلائف و اغرقنا الذين كذبوا باياتنا». الكلام في هذا النص علي نوح عليه‌السلام و ما لقي من عدوان قومه و ما كان الله قد اصاب به قومه و عاقبهم باغراقهم و قد وقع ذلك منذ عهد نوح و هو عهد يرجع الي زمن بعيد ولكن الله كشف الصورة كلها امام نظر نبيه العظيم محمد بن عبدالله صلي الله عليه و سلم ليزداد يقينا بأنه تعالي قادر ان يصنع مثل ذلك أو ما هو اشد منه في سائر الذين ينكرون رسالة الله و يوذون رسله...«انظر كيف فضلنا بعضهم علي بعض و للاخرة اكبر درجات و اكبر تفضيلا»... الاسراء/21التفاضل بين الناس في معايشهم و في مداركهم و في رتبهم و مراكزهم في الحياة الدنيا يعد مسألة طبيعية ليكون للحياة بهذا التفاوت المعني الذي يدل علي التوسع و التنوع في عالم الخلق و التكوين و جعل ذلك مما دعي النبي الي النظر اليه ليستقر في ذهنه أن ذلك هو النظام الحكيم في هذا الوجود و الناس في الاخرة بمقتضي تفاوت مكافآتهم التي تجي‌ء وفق اعمالهم و حسناتهم هم ايضا متفاضلون في الحياة الآخرة...«انظر كيف ضربوا لك الامثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا»... الاسراء/48ضرب القوم الامثال للنبي صلي الله عليه و سلم هو أنهم اظهروه آونة بمظهر الساحر و آونة بمظهر الشاعر و عاملوه بمقتضي هذه التصورات و قد ضلوا حقا و الضلال هنا يعني المتاهة التي لا يدرون اي جهاتها توصلهم الي الرأي النهائي لفهم شخصية الرسول اذ انهم كانوا يترددون بين تلك التصورات ما عسي ان يكون النبي فيها اهو شاعر ام ساحر ام كاهن ام مجنون...ان الله عزوجل يطلع نبيه علي مقولات خصومه فيه و هي مقولات متهافتة و كاذبة تستوجب العجب العجاب لأولئك الخصوم الذين عوقبوا بشتات الرأي الذي هو اصلح عقاب لامثالهم، اما رسول الله صلي الله عليه و سلم فلم يحمل لمثل ذلك من هم لان مقولات القوم هذه تبطل نفسا بنفسها و كان الرسول كما قلنا مشرفا علي مثل هذه المواقف التي لم تكن تربكه و تقلق باله.«انظر كيف ضربوا لك الامثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا»... الفرقان/9النص في هذا المقام غيره في مقام سلف فانه هنا جاء اثر تحديات ساذجة تتضمن شروطا تعجيزية لم تكن لتتحقق و هي ان تحققت لما تبدل من موقف القوم شي‌ء لانهم بنوا مقولاتهم علي المكابرة و المغالطة و العناد...«فانظر كيف كان عاقبة المفسدين»... النمل/14هذا النص جزء من اية جاء فيها قوله تعالي «و جحدوا بها و استيقنتها انفهسم ظلما و علوا». في النص الذي جاءت فيه كلمة (فانظر) في موضع لفت النظر الي عناد القوم في مكة و اصرارهم علي الكفر يتعلقون به بمختلف الحجج الواهنة نري أن الله عزوجل يتابع ايراد الصفات التي يصف بها اولئك المعنادين بحيث تتنوع لا لغرض التنوع و انما لغرض التعدد فآونة يجري وصفهم بالمكذبين و آونة بالمنذرين و آونة بالمفسدين و المجرمين و الظالمين و هم حقا جدراء بمثل هذا التلقيب الحقيقي العادل...«فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم و قومهم أجمعين»... النمل/57الكلام علي قوم صالح الذين ناصبوه العداء و تنكروا له و صمموا علي تصفيته جسديا و ذاك هو [ صفحه 168] معني المكر انه يعني التدبير الخفي للقيام بعمل يحيط به الكتمان من كل جانب و علي هذا فان قوله تعالي «و مكروا مكرا و مكرنا مكرا»... اي اتخدوا خطة خفية للايقاع بصالح عليه‌السلام و اهله و اتخذ الله أمره في مواجهة امرهم فخابوا و فشلوا و كان أمر الله مفعولا.«فانظر كيف كان عاقبة الظالمين»... القصص/40عاقبة الظالمين غرق فرعون باليم و هو ذو ملك و جند و بطش و سلطان ولكن الله اراد القضاء عليه فقضي عليه. و قد كان النص جزاء من اية جاء فيها «فأخذناه و جنوده فنبذناهم في اليم». و ظاهر في النص انه يجعل الاعتبار بالعقوبات المنزلة علي الطغاة اصلا في اسباب ورود الاية الكريمة و قوله تعالي «فانظر كيف كان عاقبة الظالمين». مؤداه و محتواه اطلاع النبي علي تلك الاحداث التي انتهت بغرق فرعون و جنده [54] ...«فانظر الي آثار رحمة الله كيف يحيي الارض بعد موتها ان ذلك لمحيي الموتي و هو علي كل شي‌ء قدير»... الروم/50في هذا النص بيان عظمة الخالق فيما ابدع في كونه من بدائع و بث من خير و نشر من نعم تستأهل ان ينظر اليها الناظر بتسبيح الخالق علي ذلك و الموضوع يتطلب التفكير في العظمة الالهية و ذلك لمتابعة آثار رحمته تعالي بعباده اذ جعل غالب اقواتهم مما زرعه لهم في ارضه فحماهم من المجاعة. و في النص كذلك تحد قوي لاولئك الاصنام اذ انها ابطلت المقولات القرآنية ما عسي ان يتسرب الي اذهان الوثنيين المغفلين من ان هذده الاصنام هي التي زرعت و حصدت و افاضت الخير علي الناس...«فانظر كيف كان عاقبة المكذبين»... الزخرف/25النص مسبوق بما يلي «فانتقمنا منهم» و الكلام علي امم قديمة كذبت أنبياءها فعاقبهم الله بسوء اعمالهم و تفصيل ذلك مذكور قبل النص الذي نحن في صدده...بهذا النص ينتهي ما أوردناه في باب «انظر» من آيات كان الخطاب فيها موجها الي رسول الله صلي الله عليه و سلم لاكثر من عبرة لها فعلها في حثه علي الصبر و الجلد و الاعتبار و افهام الناس ما في هذه الايات من مطالب تعليمية و وعظية و قد تكون فيها دوافع اغرائية للمكيين بتقبل عقيدة التوحيد و ما جاء به نبيهم العظيم من هدي و رشاد و طاعة و توبة و انابة الي الله رب العالمين...

باب اعراض

في التوصيات القرآنية الموجهة الي الرسول الاعظم و فيها بعض معاني النهي عن ما جاء بلفظ الامر بالاعراض اي عدم الحفول بما يدعي الرسول الي الاعراض عنه لاسباب قد تكون واضحة و ظاهرة و قد تكون معللة في النص و مشارا اليها فلقد كان الله يلاحظ نبيه فيأمره بأمر و ينهاه عن امر... و في ما يلي بعض النصوص القرآنية الكريمة الواردة في هذا الباب...«اولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم و عظمهم و قل لهم في أنفسهم قولا بليغا»... النساء/63ان المراد بالاعراض هنا عدم التشديد في العقاب و المحاسبة و ذاك لما يتطلبه الامر من الاخذ بالرفق و حسن التوصية و الموعظة... و لقد كان من الادب النبوي الذي هدي اليه الرسول الاعظم ان يأخذ [ صفحه 169] بهدب الرفق في معاملة من يزيغ عن غير فساد في الارض و اساءة للغير و كفر بالدين و انشقاق عن محجة المسلمين... اذ ان في الاخذ باللين في مثل هذه المواطن ما يفيد في التهذيب و التعليم و تصحيح اخطاء المخطئين...«و يقولون طاعة فاذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول والله يكتب ما يبيتون فأعرض عنهم و توكل علي الله و كفي بالله وكيلا»...النساء/81اي فدعهم و شأنهم حتي يقع منهم من صلاح الحال و اسقامة السلوك والارعواء الذي يتوقع من كل زائغ غير مقيمعلي الزيغ... ان معني الاعراض هنا هو الامر بالرفق و اللين لا سيما اذ كان ذلك من بوادر الخلاف و الخروج عن الطاعة التامة في ايام العهد المدني... و في النص تهوين للاحداث علي النبي ليخف عن كاهله عبئها فلا يأخذ منه الضجر الشديد مأخذه فان اساءات الناس منازل لابد للحكيم الحازم أن يصنفها عند الحكم عليها فيجعلها مراتب و درجات يتولي كلا منها بما يستحق من المعاملة فقد يستقيم المنحرف و يعتدل المعوج و ينصاع الزائغ و يتوب المسي‌ء...«سماعون للكذب اكالون للسحت فان جاءوك فالحكم بينهم او أعرض عنهم و ان تعرض عنهم فلن يضروك شيئا و ان حكمت فاحكم بينهم بالقسط ان الله يحب المقسطين»... المائدة/42النص مقول في فريق من اهل الكتاب موصوفين بما وصفوا به من التذبذب في السلوك العقائدي. فهم أكالون للسحت و سماعون للكذب و قد شاءوا القدوم علي النبي للاختصام لديه فيما وقع بين اطراف منهم اذ كان من دأب اناس منهم أن يجدوا لدي النبي فرجا في الحكم بينهم اذ لا يجدون مثل ذلك لدي رؤسائهم و هذا نمط من الثقة الموقنة و القبول المبدئي بأحكام النبي و قد جعل الله للرسول صلي الله عليه و سلم حق النظر في مثل هذه الدعاوي و المراجعات لما في ذلك من لفت النظر الاعلامي الي عدل الرسول في الحكم و لو بين اهل أديان غير دين الاسلام فان شاء حكم بينهم و ان شاء صرفهم عن مجلسه من غير أن يحكم بينهم فيما اختلفوا فيه و ذاك حسب جدية الموضوع و لا جديته علي ما يتبين للرسول من الرأي يومذاك...و يفهم من هذا ان الرسول صلي الله عليه و سلم كان ينظر اليه من لا يعترف برسالته السماوية من اهل الكتاب و غيرهم نظرة ثقة بأنه اهل للصدق و العدل و الارشاد و النصيحة و الحكم الذي لا ظلم فيه... و قد جاء في القرآن في هذا المعني قوله تعالي «فلا و ربك لا يؤمنون حتي يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت و يسلموا تسليما» النساء/65... و في هذا ما يؤكد أن النبي كان اهلا لثقة المحكمين من سائر الناس...«و اذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتي يخوضوا في حديث غيره و اما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد بعد الذكري مع القوم الظالمين»...الانعام/68يقع في مجالس الناس و كان النبي يحضرها ما فيها من كلام يساء فيه الي العقيدة التي جاء بها الرسول و ذلك في معرض المواجهة، و قد اوصي الله نبيه ان يعرض عن مثل هذه المجالس فيغادرها من دون ضجة و صخب و جدال و ذاك حين لا يتهيأ تغيير مسار الحديث و الخوض في غيره مما لا يساء فيه الي الاسلام و العقيدة... لقد كان النبي طويل الصبر و كثير الحلم في مواجهة قومه حين في مواجهة قومه حين يواجهون دعوته بذلك الانكار و الرفض فكان لا يحفل بما يصنعون لانه لا يري في مجادلتهم من جدوي و انما امره الله ان يعرض عن هؤلاء الذين يخوضون في آيات الله سدا لمنافذ الجدل الذي لا يهدي الي نتيجة و قد أوصي الله النبي ان يغادر المجلس اذا حصل فيه مثل ذلك الا اذا غير القوم حديثهم الي مالا ضير فيه... [ صفحه 170] ان النبي صلي الله عليه و سلم كان يقرع اسماع اقوم بمبادي‌ء الدين ثم ينصرف الي غيرهم لانه اذا لازمهم فان ذلك يأخذ من وقته الكثير بل انه يفقد من وزنه الشخصي ما يفقد و هو متميز الشخصية بالوقار و السجايا التي تستحق الاحترام، و قوله تعالي «و اما ينسينك الشيطان» فانه يشير الي ان بعض ما كان يدور في تلك المجالس يعد مما تنشغل به الاسماع عادة من الاحاديث التي تختلط فيها المقولات ما بين جد و غير جد... و يفهم من هذا ان النبي لم يكن ينقطع عن مجالس قومه و تجمعاتهم و الالتقاء بهم في سائر مجالات الحياة اليومية و في ذلك دلالة ظاهرة علي راسخ حكمته و ثابت حنكته و ان حياته اليومية مع قومه تجمع بين المعايشة الاجتماعية و بين اداء المهمة الالهية المنوطة به و هي الدعوة الي الاسلام و محاربة المعتقدات الباطلة لدي القوم فانه صلي الله عليه و سلم صاحب رسالة جاء بها لتغيير الكثير من عنعنات القوم ضلالاتهم التي كانوا لا يرضون عنها بديلا... فكلمة الاعراض عنهم وصية بأن لا يجعل ذلك مدعاة خصام لا ينتهي الي خير و لا يصل الي المطلوب من الدعوة الي الله... و قوله تعالي «فلا تقعد بعد الذكري مع القوم الظالمين» فان فيه نمطا من الاحتجاج علي سلوك الكافرين و هو كذلك اي مغادرة المجلس مما يحمي المعاني التي كان النبي يدعو اليها و يحرص عليها و لا يتساهل فيها و يظهر عليه الغضب لتجاوزها و الاساءة اليها...«اتبع ما أوحي اليك من ربك لا اله الا هو و أعرض عن المشركين»... الانعام/106الامر بالاعراض عن المشكرين يعني عدم اطالة الجدال معهم في سائر ما يقولونه و ذلك تحلما و اتقاء الدخول في دائرة شقاق عريض...«خذ العفو و أمر بالعرف و أعرض عن الجاهلين»... الاعراف/199في هذا النص المكي دعوة الي التعامل وفق متطلبات الخلق السمح الكريم و قوله تعالي «و أعرض عن الجاهلين» اي أمسك عن محاسبتهم علي جهلهم و ما يصدر منهم من هنات و سيئات... و في ذلك يتجلي في شخصية الرسول ما كان يتمسك به من حلم و لطف تعامل و حسن تصرف... ان اولئك الجاهلين سيتعلمون يوما ان كان المراد من وصفهم بالجهل العقلي، و سيحسنون التصرف ان كان المراد بالجهل الذي وصفوا به الجهل النفسي و سيلينون و ينصاعون...«فاصدع بما تؤمر و أعرض عن المشركين» الحجر/94يوصي النص النبي صلي الله عليه و سلم بالأخذ برأس الأمر و عموده مما تكون له النتائج الناجحة في مجال الدعوة الدينية و هذا يتطلب عدم التشاغل بلغط المشركين الذين كان غالب جدالهم فارغا من محتوي الرغبة في الوصول الي الحقيقة المنشودة...«فأعرض عنهم و انتظر انهم منتظرون»... السجدة/30سبق هذا النص نص جاد فيه «و يقولون متي هذا الفتح ان كنتم صادقين. قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا ايمانهم و لا هم ينظرون»... و من هنا كان معني الاعراض الذي امر النبي به عن القوم يعني عدم التشاغل بما يلغطون به من اقوال لا طائل فيها... و بذلك علم الله النبي الحكمة في اختيار المواقف التي يصح قبول التحدي فيها و التي لا يصح فيها ذلك...«فأعرض عن من تولي عن ذكرنا و لم يرد الا الحياة الدنيا، ذلك مبلغهم من العلم ان ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله و هو أعلم بمن اهتدي»... النجم 30/29السورة من أواخر ما نزل علي الرسول في العهد المكي و قبل الخروج الي الهجرة التي هاجر بها النبي الي المدينة... و الامر بالاعراض هنا ينصرف الي من [ صفحه 171] تولي عن تقبل الدين و ما جاءت به العقيدة الرشيدة من التوحيد و الايمان بالله رب العالمين ممن شغلته شهوات الحياة الدنيا عن مثل هذه المعاني العالية... فان انشغال البال به لا طائل فيه و قد جاء في وصفهم ان مبلغهم من العلم محدود لا يبشر بخير. و قد ختم النص بقوله تعالي «ان ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله و هو أعلم بمن اهتدي»...بهذا ينتهي الكلام علي مفردات هذا الباب الذي هو باب «أعرض» الذي أحصينا به بعض ما كان يتلقاه النبي من ربه من تنبيهات و توجيهات و كان غالب آيات الاعراض من سمات العهد المكي...

باب اتل

في الخطابات القرآنية ما جاء بلفظ «واتل» امرا للرسول بتلاوة نصوص القرآن في غير مسألة واحدة أو أمر واحد... و في اللفظة جهر و اسماع لمن يكون في الساحة التي يتلي فيها ما يؤمر النبي بتلاوته علي القوم من المؤمنين و من كفرة و مشركين... و في التلاوة ابلاغ للقوم بما شرعه الله من الاحكام و الفرائض و انما نشير الي ذلك لبيان ما كا يقع علي الرسول من تكليف و قد كان الامر الالهي للرسول بالتلاوة ضمن جمهرة الاوامر الالهية التي تلقي الي الرسول لأبلاغ الشريعة التي الناس و كان منها لفظ «قل» و لفظ «أنذر» «واستفتهم»... «و أسألهم» و غير ذلك... و في ما يلي ما جاء في القرآن من الخطابات الالهية المبدوءة بلفظ «واتل»...«واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق اذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما و لم يتقبل من الاخر قال لأقتلنك قال انما يتقبل الله من المتقين، لئن بسطت الي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي اليك لأقتلك اني أخاف الله رب العالمين، اني أريد أن تبؤأ باثمي و اثمك فتكون من أصحاب النار و ذلك جزاء الظالمين، فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين»... المائدة 30/27للاية تتمة فليراجعها من شاء للوصول الي نهاية الكلام القرآني أمر الله عزوجل رسوله بأن يتلو علي الناس قصة ابني آدم اللذين هما قابيل و هابيل و قد قتل قابيل هابيل و كانا قد قدما قربانا تقبل من هابيل و لم يتقبل من قابيل. و حين جاهر قابيل اخاه بانه سيقتله رد عليه بانه لن يعتمد الي قتل اخيه لانه يخاف الله رب العالمين. ولكن قابيل لم يرتدع لهذا الموقف الاخوي الكريم بل اصر علي قتل اخيه فقتله... النص القرآني فيه تهذيب و ارشاد للناس بان يكون موقفهم مع الاقربين خاصة موقف تراحم و لطف و تسامح و النص القرآني هنا آت لتهذيب النفوس التي تتعطش الي الثارات و الانتقام و ما الي ذلك مما يهدم الامة و يضعف من أمر القومية الواحدة التي كانوا ينتمون اليها في حملهم علي التعاون و علي التغاضي عن هنات الامور و قد عرف العرب بانهم كانوا يستمرؤن الغزو و سبي النساء و ما الي ذلك حتي لو وقع منهم هذا في معاملة جيرانهم و ذوي قرابتهم...و آونة علي بكر اخينا اذا ما لم نجد الا أخاناو قد اراد النص القرآني الذي أمر به النبي علنا و جهرا علي الناس من اجل تصوير صورة البر في تعامل احد الاخوين مع اخيه و في زجر القسوة و الضراوة من قبل احد الاخوين مع الاخر. و الحقيقة ان تلاوة هذه الأيات علي الناس بصوت الرسول صلي الله عليه و سلم و باسلوب التلاوة المنغمة عادة له عظيم التأثير علي الاسماع التي تأنس للصوت و تستوعب المحتوي و تتأثر بالمعني الذي يعنيه مضمون تلك الآيات و هو اسلوب يشبه ما يسمي بوسائل الايضاح التي تقرب المنطوق و المفهوم ممن يراد ايصال ذلك اليهم... و انا لنري في القرآن الكريم استخداما للقصص لما فيه من تقريب الصورة الموضحة لتفاصيل القضية المعروضة بحيث يكون للنص القرآني فعله الفاعل للناس. و بهذا تؤدي القصة مهمة الارشاد و الموعظة و التلقين التربوي [ صفحه 172] بأحسن اسلوب و اوضح عبارة و اجلي بيان و ألذ ما يطرق السمع من كلام و هذا تحقق في قوله تعالي «واتل عليهم نبأ ابني آدم...» بما قد لا يتحقق في مثله بلفظ آخر...«واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين و لو شئنا لرفعناه بها ولكنه اخلد الي الارض و اتبع هواه فمثله كمثل الكلب ان تحمل عليه يلهث او تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتذكرون. ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا و انفسهم كانوا يظلمون». الاعراف/157في بعض الاحيان يكون النص المكي ذا اسلوب فيه شي‌ء من الصرامة و عند تأمل ذلك نري تلك الصرامة هي اقل مما يستحق من عوملوا بها و خوطبوا بها و ذاك لفرط عداونهم و كثرة مساءاتهم و شدة غدرهم و خروجهم علي المألوف في خصومة ما يخاصمون من اجله، و من يخاصمون. ان كثيرا من كفار مكة لم يرد في حقهم مثل هذا القول القاطع و ذاك لان كثيرا من كفار مكة انتهي امرهم الي الطاعة و الاذعان و اعتناق الاسلام اما من هو في صدد كلامنا عليه فانه لم يسلم و لم ينتفع بما وصل اليه من الدلائل علي قبح الشرك و حسن التوحيد و ما الي ذلك مما كان القرآن الكريم ينزل به الي الناس.ان الامر بالتلاوة لا يتطلب بالضرورة ان يكون ما يتلي شيئا ينتمي الي ازمنة قديمة بل قد يكون كذلك و قد لا يكون كذلك... و من هنا يكون الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها هو من اهل مكة و ما اكثر من كان منهم جديرا بان يقال فيه القول القرآني من تبشيع عمله و اعلان اساءته و الكلام علي فرط ظلمه و عتوه من اولئك الذين حار الرسول في أمر اصلاحهم و ارشادهم و قد ذهب بعض اهل التفسير الي ان المعني بذلك هو أمية ابن ابي‌الصلت الذي قال النبي فيه انه آمن لسانه و كفر قلبه و نستبعد ان يكون أمية هو المعني بالنص القرآني لانه في رأينا لا يوصف بانه مثله كمثل الكلب و لابد انه رجل آخر من كفرة اهل مكة او من الكفرة الاخرين الذين هم من خارج مكة و لا نري هذا الرجل الي آخر عهده بالحياة قد اعتنق الاسلام. و من عادة القرآن ان لا يصرح باسماء الناس من اخيارهم و لا من اشرارهم فان القرآن لم يصرح باسم ابي‌بكر و هو صاحب رسول الله في الغار و لا صرح باسم التي جادلته في زوجها و لا ذكر من اسامي القبائل العربية احدا و لا ذكر من اسامي ملوك ذلك الزمان اسما و لا من قوميات الناس قومية و لا من معالم الارضين معلما و لا ذكر اسماء زوجات النبي و لا ذكر نسب النبي و لا غرابة في ذلك فالقرآن ليس كتاب تأريخ و قد يكون اولاد بعض الكفار من خيرة المؤمنين من امثال عكرمة ابن ابي‌جهل فان عكرمة صحابي جليل...«واتل عليهم نبأ نوح اذ قال لقومه يا قوم ان كان كبر عليكم مقامي و تذكيري بآيات الله فعلي الله توكلت فأجمعوا امركم و شركاءكم ثم لا يكن امركم عليكم غمة ثم اقضوا الي و لا تنظرون فان توليتم فما سألكتكم من أجر ان اجري الا علي الله و أمرت ان اكون من المسلمين»... يونس/71في قصة نوح التي امر النبي بتلاوتها علي الناس عبر تقرب من العبر التي تقع للنبي من قومه. فلقد كان قوم نوح يؤذون نوحا و يعاملونه بكثير من السخرية حتي عندما كان يبني السفينة مما يدل علي شراسة هؤلاء القوم و انعدام الحياء في معاملة نبيهم نوح عليه‌السلام. و ليس الامر الذي نستهجنه من قوم نوح خاصا بهم في معاملة نوح ان سائر الانبياء اصابوا من سوء معاملة قومهم ما اصابوا فلقد قال قوم عاد لنبيهم هود «انا لنراك في سفاهة و انا لنظنك من الكاذبين»... الاعراف/66... فرد عليهم قائلا «يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العامين» الاعراف/67... و هكذا نجد [ صفحه 173] الرسل يعانون من بغي قومهم و عدوانهم مالا يصبر عليه الا الرسل المرسلون...والقرآن الكريم في ما يقصه من قصص الانبياء يثبت به قلب النبي فيجعله يتأسي بسير اخوانه الانبياء الاولين و حين يسمع سكان مكة بمثل ذلك يعلمون أنهم قد حذوا حذو الامم الغابرة في معاملة نبيهم و لعل في ذلك ما يخجلهم و يجعل للحياء سبيلا الي نفوسهم و الا فان سلوكهم مع نبيهم كسلوك من سبقهم من الامم مما يجعل الرسول غير مستغرب للذي يقع له من قومه من سوء الخطاب وصلف المواجهة و الاستهزاء و السخرية و انكار الحقائق الالهية التي جاء يدعوهم الي اعتناقها...«واتل ما أوحي اليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته و لن تجد من دون ملتحدا»... الكهف/27المراد في ذلك هو أن يجاهر النبي المشركين و الكفار من اهل مكة بتلاوة القرآن الكريم لما في ذلك من ابلاغ الرسالة الي الناس باسلوب فيه ما يغري القوم بالاصغاء و الاستماع... و للنبي أن يتخير الزمان و المكان لمثل هذه التلاوة بحيث يتحقق بذلك معني التبليغ و الدعوة و الصدع بما أنزل الله خاصة ان ذلك كان من مهام النبي و من صميم عمله الذي بعث الي الناس لادائه و الجهر به...«واتل عليهم نبأ ابراهيم اذ قال لابيه و قومه ما تعبدون قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين قال هل يسمعونكم اذ تدعون. او ينفعونكم أو يضرون. قالوا بل وجدنا اباءنا كذلك يفعلون. قال افرأيتم ما كنتم تعبدون. انتم و آباؤكم الاقدمون. فانهم عدو لي الا رب العالمين. الذي خلقني فهو يهدين. و الذي هو يطعمني و يسقين. و اذ مرضت فهو يشقين. و الذي يميتني ثم يحيين»... الشعراء 81/69في النص القرآني الذي امر الله نبيه أن يتلوه علي قومه نقاش في صدد عبادة الاصنام لو وعاه من يعبد الاصنام لعدل عن عبادتها فذاك لانه نقاش منطقي سليم تبرز فيه حجة التوحيد علي حجة الاشراك في الخالق العظيم. فلقد ذكر ابراهيم عليه‌السلام من صفات الله مالا تملكه كلا و لا جزءا اصنامهم التي كانوا يعبدون. علي أنهم لم يكونوا قد استعملوا العقل و المنطق لعبادة تلك الاصنام و انما ورثوا عبادتها من آبائهم. و في النص ابطال لكل ذلك و تفنيد له...و في قصة ابراهيم ما يدفع مشركي مكة و كفارها الي استعمال عقولهم في مناقشة معتقداتهم الوثنية الباطلة و بذلك يعلمون أن الله لم يبعث محمدا وحده بهذا الامر الرشيد و انما بعث من قبله رسلا كثيرين في ذات الشأن و المهمة و ذاك الفساد الشرك و ضلال عبادة الاصنام و للهدي الناصع الذي يصل اليه من يعبدون الله و لا يشركون به شيئا...«اتل ما أوحي اليك من الكتاب و أقم الصلاة ان الصلاة تنهي عن الفحشاء و المنكر و لذكر الله اكبر و الله يعلم ما تصنعون»... العنكبوت/45يتميز القرآن الكريم بخصيصة التلاوة العلنية و من هنا جاء النص القرآني «و اذكرن ما يتلي في بيوتكن من آيات الله و الحكمة ان الله كان لطيفا خبيرا» الاحزاب/34... فان ما كان يتلي كان يتلي جهرا لا سرا و رغم ان عباد الاصنام كانوا يجهرون بالالفاظ التي يعبرون بها عن عباداتهم الوثنية و طقوسهم التي يؤدونها عند الطواف بتلك الاصنام و كانت منغمة فان ذلك لم يكن علي النمط الذي جاء به الاسلام من حسن الاداء و الترتيل و النطق القرآني الفصيح الذي علم الله اياه نبيه لتكون تلاوته في اعلي منازل التصلاوة. ففي القرآن الكريم اوضح الله كيف تكون تلاوة القرآن «لا تحرك به لسانك لتعجل به. ان علينا جمعه و قرآنه. فاذا قرأناه فاتبع قرآنه» القيامة 19/18/17... و في القرآن الكريم كذلك «و قرآنا فرقناه لتقرأه علي الناس علي مكث و نزلناه تنزيلا» [ صفحه 174] الاسراء/106... و في القرآن ايضا «و رتل القرآن ترتيلا» المزمل/4... في هذه النصوص جعلت التلاوة نظاما و نهجا و اسلوبا اذ تكون بها التلاوة القرآنية متميزة علي سائر ما يتلي و ينشد و يتغني به...لم تكن في المؤمنين تجمعات في مكة علي نحو ما صار لهم من التجمعات في المدينة. اذ كانت الصلاة تؤدي في المسجد النبوي جهرا في الفجر و العشاء الاخرة و المغرب. و قوله تعالي «ان قرآن الفجر كان مشهودا» الاسراء/78. يراد به وصف صلاة النبي في بيته حين يصلي الفجر فيه... اما ما أمر النبي بتلاوته في مكة فانه كان يقع بالمجامع و المحافل و في ساحة الكعبة و حيث ما وجد النبي بهذه التلاوة من المناسبات ما يجعله يقوم بادائها علنا... و قوله تعالي «و قال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن و الغوا فيه لعلكم تغلبون» فصلت/26... دلالة علي أن هناك من كان يجتمع الي رسول الله من القوم ليسمعوا القرآن و كان هناك من يريد ابعادهم عن سماعه... ان المهمة النبوية الملقاة علي عاتق النبي في هذه التلاوة مهمة ظاهر فيها عظم معاناة النبي للغط قومه و خصومتهم و شجارهم الذي لا ينقطع...

باب الاستغفار

في آيات الاستغفار ملامح واضحة التعبير عن معان خاصة في شخصية الرسول الاعظم موزعة علي اكثر من مناسبة مما سنحيط به علما عند مراجعتنا تلك الايات علي الوجه التالي... ان دعوة النبي الي الاستغفار ينض منها أن علي الامة أن تكون اكثر استغفار و اكثر لياذا بأذيال التوبة و تشبثا برضوان الله عزوجل...«انا أنزلنا اليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما اراك الله و لا تكن للخائنين خصيما، و استغفر الله ان الله كان غفورا رحيما»... النساء 106/105اعتياد النفوس استغفار الله دليل رسوخ التقوي فيها و تألق الايمان في أرجائها و ان لم يكن العبد مشيرا في استغفاره الي خطايا و آثام يسجلها علي نفسه فان مطلق الاستغفار بعد عبادة استمرارية يتعبد بها الله علي مدي ما يمر عليه من دقائق الوقت و ساعاته... حقا أنها عبادة تكاد تشبه الصلاة من غير اذان و لا اقامة...«استغفر لهم أولا تستغفر لهم ان تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ذلك بأنهم كفروا بالله و رسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين»... التوبة/80في هذه الآية نهي عن الشفاعة لقوم كفروا بالله و رسوله و ذاك أن للشفاعة حدودا مرسومة لا يتحقق بتجاوزها شي‌ء مما ينفع من تأتي الشفاعة من اجل الرأفة به او اعطائه حقا حرم منه او التغاضي عن ما بدر منه من اخطاء و مساءات... في النص بيان في جماع ذلك. والاستغفار سبعين مرة لا يعني سبعين بصفتها عقدا عدديا من نحو الثمانين و التسعين و ما الي ذلك و انما كانت العرب تجعل هذا العدد اقصي الاعداد و تأتي به في موضع المبالغة و لذا قال علماء الاصول ان الاعداد لا مفهوم لها... و قوله تعالي «سبعين مرة» لا يعني سبعين استغفارا بل يعني سبعين حالة استغفار لتوضيح صورة التكرار الزمني و تعاقبه كأن يستغفر في الصباح و الضحي و عند غروب الشمس و في منتصف الليل و عند الفجر و هكذا لأن المرة لا تعني العدد المعدود و انما تعني السقف الزمني الذي تقع فيه حالة ما كالطلاق مثلا. فان قوله تعالي «الطلاق مرتان» لا يعني العدد الحسابي و انما يعني العدد الزمني و قوله تعالي «الطلاق مرتان» هو أن يطلقها في شعبان مثلا ثم يطلقها في رمضان... و المرتان و الثلاث مرات لا تجتمع في مرة واحدة «أو لا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين...» التوبة/126... فالمرة هي مرة و المرتان هما اثنتان لا واحدة. و علي هذا يكون [ صفحه 175] جمع المرتين و الثلاث مرات في الطلاق غير متصور... و في القرآن الكريم «و قضينا الي بني‌اسرائيل في الكتاب لتفسدن في الارض مرتين.» الاسراء/4... و هما مرتان متباعدتان...ان الشفاعة حق للنبي صلي الله عليه و سلم والاستغفار نمط من انماطها و باب من ابوابها و قد جعل الله للناس حق الشفاعة «من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها و من يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها» النساء/85... و المراد بالشفاعة السيئة هنا ما يتأتي منه جعل الحرام حلالا والاثم ثوابا و الكفر ايمانا و نحو ذلك... علي ان المهم في الشفاعة قبولها من قبل الله و من ذلك قوله تعالي «سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم و الله لا يهدي القوم الفاسقين» المنافقون/6...و بعبارة اخري ان الاستغفار هو الرجوع الي الله بالانابة و التذلل و المتاب اليه و التبرؤ من العودة الي تقصير وقع منه أو سهو أو خطأ أو تسرع أو عدم تورع...«فأذن لمن شئت منهم و استغفر لهم الله ان الله غفور رحيم»... النور/62اي اسأل الله لهم المسامحة و تمحل لهم المعاذير التي تخفف عنم نفوسهم ثقل اللوم النفسي و النقد الذاتي... و يفهم من مواقفه صلي الله عليه و سلم في هذه الاستغفارات انه كان كثير الرفق و التلطف في معاملة من يعايشهم و يعايشونه من المؤمنين و بعض غير المؤمنين و هذا ما كان قد حببه الي الناس و الي بعض ذلك يرجع ارتياح الناس الي الاقبال علي اعتناق الدين لأن سلوك الداعية اذا كان رقيقا و سمحا يعجل بذلك الاستجابة و يجد رد الفعل الحسن من سائر الاوساط...«فاصبر ان وعد الله حق و استغفر لذنبك و سبح بحمد ربك بالعشي و الابكار»... غافر/55المراد بهذه الاوامر انها لم ترد علي وجه الابتداء و انما وردت بعد الوقوع قصد الاستمرارية و المثابرة لأن الاوامر الالهية لا تأتي مكدسة تكديسا بحيث يأمر الله نبيه بالصبر ثم بالتسبيح ثم بالاستغفار و الي اخره... ولكن الرسول كان يمارس هذه الامور فجاء النص لتزكية ذلك و الحث عليه و ملازمته... و استغفار العبد كائنا ما كان ذنبه - من ندرة و كثرة - حق الله عليه و ان لم يكن متهما بشي‌ء من التقصير في حق الله و التفريط في جنب الله...«فاعلم أنه لا اله الا الله و استغفر لذنبك و للمؤمنين و المؤمنات و الله يعلم متقلبكم و مثواكم»... محمد/19الاستغفار من بعض ما ينبغي للنفوس ان تتعاطاه اثر معرفة الله فانه من متممات الايمان و من آدابه. و معرفة الله تعني الالمام بصفاته عزوجل من رحمة و نقمة و قدرة و حكمة مما يهدي العبد الي التقرب من ربه بالتسبيح و الاستغفار و الطاعات المقبولة و ان لم يكن المستغفر مسجلا علي نفسه شيئا من الآثام و الاوزار...و اتهام الانسان نفسه بالتقصير في خدمة ضيف أو زائر كريم أو في طاعة الوالدين أو التعامل مع ذوي الفضل و المآثر المحمودة انما هو من الآداب التي تدخل في اطار التواضع و حسن المعاملة... و اذ كان الاستغفار من هنات الامور و لممها مطهرا للنفوس و ما حيا عنها ما يستوجب اللوم و التثريب فانه تعالي اذ يدعو في كل مناسبة الي الاستغفار انما يريد ان يجعل ذلك طهرة تتطهر بها الذات النبوية - علي ثبوت قدسيتها - في جميع الاوقات...«سيقول لك المخلفون من الاعراب شغلتنا اموالنا و اهلونا فاستغفر لنا يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم قل فمن يملك لكم من الله شيئا ان اراد بكم ضرا او اراد بكم نفعا بل كان الله بما تعملون خبيرا». الفتح/11 [ صفحه 176] في هذا النص ما يوضح أن النبي صلي الله عليه و سلم امتنع عن الاستغفار لهؤلاء الذين فروا من الزحف و لم يقاتلوا مع مقاتلة المسلمين. و الاستغفار لقوم انما يقع عن قناعة المستغفر لهم. و لم يكن النبي هنا قانعا او مقتنعا لاستحقاق القوم أن يستغفر لهم ربه او أن يدعوه لهم بالرأفة و الرحمة لان جريرة هؤلاء الناس كانت من نمط الفرار من الزحف و عصيان القيادة النبوية في امر فيه الذود عن حرمات الامة و صيانة كيانها السياسي و الدفاع عن ذاتيتها التي في الدفاع عن ذاتيتها دفاع عن ذاتية الاسلام. و المعذرون الذين ادعوا المعاذير لتخلفهم عن اللحاق بجيش المسلمين كانت اساءتهم ثقيلة و باهضة لذلك لم يشفع لهم النبي و لم يقبل معذرتهم.و مما يفهم من ذلك أن الشفاعة موقف منطقي لا يتورط الشفيع فيه الا عن بينة و من هنا جاء في التنزيل العزيز من قوله تعالي: «فما تنفعهم شفاعة الشافعين» المدثر/48... و مثل قوله تعالي: «ما للظالمين من حميم و لا شفيع يطاع...» غافر/18. و في باب التهكم «و لا يقبل منها شفاعة و لا يؤخذ منها عدل و لا هم ينصرون» البقرة/48...«يا أيها النبي اذ جاءك المؤمنات يبايعنك علي أن لا يشركن بالله شيئا و لا يسرقن و لا يزنين و لا يقتلن اولادهن و لا يأتين ببهتان يفترينه بين ايديهن و ارجلهن و لا يعصينك في معروف فبايعهن و استغفر لهن الله ان الله غفور رحيم»... الممتحنة/12الاستغفار هنا في معني الدعاء لهؤلاء المؤمنات برعاية الله لهن و رضوانه عليهن و تسديد خطاهن و تحقيق ما جرت عليه بيعتهن و قوله تعالي: «فبايعهن» أي واثقهن علي ذلك قوم عزمهن فيما مضين فيه. و في النص اشارة واضحة لحقوق النبي في قيادته للامة. اذ جاء فيه «و لا يعصينك في معروف» اي في أي امر تأمر فئات النساء به و ذاك كذلك حق النبي علي الرجال في قيادته أي فئة منهم فما يحق لاحد منهم أن يعصي النبي في معروف. و المعروف و العصيان فيه قيد اتفاقي لا احترازي أي ان المعروف سمة ثابتة في كل اوامره صلي الله عليه و سلم فما يقع منه أن يأمر بغير المعروف. و البيعة هذه هي بيعة عهد علي نمط من الايمان مستوف لشرائط الايمان كلها. و في النص كذلك ايماء الي أن لعالم المرأة في الاسلام وجودا معترفا به في مجالات الحقوق و الواجبات...«اذا جاء نصرالله و الفتح و رأيت الناس يدخلون في دين الله افواجا فسبح بحمد ربك و استغفره انه كان توابا»... النصر 3/1جري الكلام في تفسير هذا النص في باب التسبيح اما الاستغفار فانه جاء تبعا لذلك لتقوية ركن العبودية لله عزوجل فان من سماتها التذلل الي الله و افتراض التقصير في عبادته تعبيرا عن التواضع له و اللياذ به و اعظامه و الأعتراف بربوبيته و في اختتام النص بقوله تعالي «انه كان توابا» بيان بأن الله لا يضيع لعباده ثواب حالات التوجه اليه و الخشوع لديه و الاخلاص في طاعته و الانابة اليه...ان نصر الله هو الغلبة التي يقدرها الله للمسلمين علي الكافرين في كل غزوة و ما كان من نحوها... والفتح لفظ يعني النصر الا انه في هذا النص يعني فتح مكة الذي يعد اكتسابا لمعقل عظيم من معاقل الكفر يومذاك و ليس مجرد بلد فيه قوم لا يزالون في يوم الفتح غير مستجيبين للاسلام بل انه البلدة التي تقوم فيها الكعبة المشرفة بيت الله الحرام الذي وقع الاسراء منه الي بيت‌المقدس...لقد كان في فتح مكة وردها الي سلطان المسلمين اكمال للحكام الشرعية و اتمام لعقائد الامة اذ يقوم عندها امر الحج و شعائره و مناسكه و قد اقترن بفتح مكة اقبال الناس بحجم كبير علي الدخول في دين الله [ صفحه 177] لما كان في ذلك من اشتداد قوة الفئة المسلمة و خذلان القوي المعادية رغم ان المدينة بقيت هي المقر الرسمي للقيادة الاسلامية الي ما بعد وفاة النبي و قيام ثلاثة خلفاء [55] بعده علي امر الدولة التي راحت تفتح سائر الانحاء في مشرق العالم و مغربه...التسبيح هنا يعبر عن تعظيم الله و الثناء عليه في تحقيقه النصر العظيم الذي لم يكن ليتحقق لولا انه جل جلاله كان يريد تحقيقه... و الامر بالاستغفار ليس مكانه بكائن عند التقصير ابدا و انما هو امر مستديم يراد به شدة التعلق بعبادة الخالق و الانابة اليه.غير ان اعباء النبوة الملقاة علي عاتق اي نبي قد يعلق بها في بعض الحالات نمط مما يشبه اليأس و استبطاء العون الالهي و شي‌ء من الضجر النفسي من مواجهات الاعداء فان مثل هذه المضجرات لابد من عروض شي‌ء منها في حياة الرسل و قد جرت اشارات في النصوص الي بعض ذلك فكان الاستغفار من أمثالها استغفارا طبيعيا علي وجه التواضع لله و التصاغر امامه عزوجل و بالعصر الحديث حين تنتهي اعمال عسكرية كبيرة تكون عاقبتها النصر و التوفيق فان المجالس التشريعية في تلك الدول تصدر قانونا بالعفو عن القائمين بتلك الحركات من غير تحديد او تعيين و قد يكون فيهم الكثير من القادة الذين لم يقع منهم ما يخالف القوانين أو ما يسي‌ء الي أحد من الناس...لقد أوجزنا الكلام علي الشفاعة، و موضوعها موضوع يستأهل الكلام الطويل و في ما مر منه الكفاية...

باب ارايت

في هذا الباب يجري الكلام علي ما جاء من كلمة «رأيت» في خطاب النبي مرفقة بهمزة الاستفهام اذ ان ذلك يكون في الغالب محل نقاش و استفسار و عروض امور جديرة بالملاحظة و الاهتمام. و لكل منها في موردها شأن سيتم شرحه في ما يلي من النصوص القرآنية الكريمة الاتية...«أفرأيت الذي كفر بآياتنا و قال لأوتين مالا و ولدا، أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا، كلا سنكتب ما يقول و نمد له من العذاب مدا، و نرثه ما يقول و يأتينا فردا»... مريم 80/77النص من نصوص العهد المكي و فيه تذكير للرسول بأحد دهاقنة الكفر من المعتدين بأنفسهم و اموالهم و اولادهم والمتباهين بكفرهم و ضلالهم و حين يرد النص بلفظ «أرأيت، أفرأيت... فانه يقترن بتتمة يقع بها التعليق علي اصل السؤال. و التتمة هنا هي قوله تعالي «كلا سنكتب ما يقول و نمد له من العذاب مدا و نرثه ما يقول و يأتينا فردا». و انما يرد الكلام بلفظ الاستفهام بصيغة «أرأيت» او «أفرأيت» تمهيدا للتعقيب علي ذلك بالامر الذي يريده الله...«أرأيت من اتخذ الهه هواء أفأنت تكون عليه وكيلا»... الفرقان/43في النص لفت لنظر الرسول الي انماط من الناس ركبوا رؤوسهم و أصروا علي ضلالهم و أصموا سمعهم عن كل صوت يدعو الي الهدي والايمان جاعلين هواهم مصدر توجيههم و تحركهم و التصرف في حياتهم و هذا ما عبر عنه النص بقوله تعالي «اتخذ الهه هواه». و كان التعقيب علي هذا الاستفهام هو قوله تعالي «افأنت تكون عليه وكيلا»... أي ان مثل هؤلاء لا تنجح فيهم النصيحة و لا ينجح فيهم وعظ و ارشاد و توجيه... [ صفحه 178] «أفرأيت ان متعنا هم سنين، ثم جاءهم ما كانوا يوعدون، ما اغني عنهم ما كانوا يمتعون»... الشعراء 207/205في النص اشارة الي أن ما يمد به للكافر من مال و نعيم لا يغنيه شيئا اذا جاءت ساعة البطش الالهي وحان حين النقمة و العقاب العادل... و في هذا زجر ظاهر و تحذير واضح للذين تغر هم الحياة الدنيا فلا ينصاعون الي سماع كلمة الحق و الدعوة الي عبادة الي الله و الأخذ بأهداب طاعته و ابتغاء رضاه و عفوه...«أفرأيت من اتخذ الهه هواه و اضله الله علي علم و ختم علي سمعه و قلبه و جعل علي بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون»... الجاثية/23في النص القرآني اعلام للنبي صلي الله عليه و سلم بلفظ فيه استحضار للحالة المتكلم فيها اذ يراد بها شخص موصوف بكل صفات الضلال الذي تكدس لديه بسبب حرمانه من ادوات العلم و الاعتبار و التبصر و هو لا يري و لا يسمع و لا يعقل فان من كان كذلك لا جدوي في افراغ النصيحة في اذنه لانه اتخذ الهه هواه و اضله الله علي علم... و مثل هذه الآيات المكية ترسم للرسول الاعظم خطط الدعوة الناجحة التي يهديه الله اليها و يدعوه الي اتباعها. و كان الرسول صلي الله عليه و سلم يتمني أن يؤمن الناس جميعا بما جاءهم به من رسالة الاسلام السمحة الكريمة... و في آيات اخري خوطب بها الرسول جاء فيها «و ما اكثر الناس و لو حرصت بمؤمنين» يوسف /103...و يفهم من هذا ان في كفار مكة من مرد علي عناد في الجهل لا عناد يضاهيه و علي اصرار علي الكفر لا اصرار يوازيه. و من لم تجد حقائق الايمان الناصعة الي قلبه سبيلا فلا ينفع فيه نصح و لا تؤثر فيه موعظة...«افرأيت الذي تولي، و اعطي قليلا و أكدي، أعنده علم الغيب فهو يري، أم لم ينبأ بما في صحف موسي، و ابراهيم الذي وفي، أن لا تزر وازرة وزر اخري، و أن ليس للانسان الا ما سعي، و أن سعيه سوف يري، ثم يجزاه الجزاء الأوفي»... النجم 41/33الصيغة الواردة بلفظ الاستفهام واردة في معني الشرط الذي سيأتي جوابه و ذاك فيما لا حظناه علي ما جاء من مثل «أرأيت» من استعمالات بيانية و اسلوبية و الذي تولي هو من انصرف عن الاصغاء الي الدعوة الايمانية فقوله تعالي: «واعطي قليلا و اكدي» أي كان تجاو به مع الخير نزرا جد نزر و قوله تعالي: «واكدي» تصوير للتوقف عن المضي في امر يجد الماضي فيه كل جد ثم يتوقف عنه كل التوقف و كلمة «واكدي» تعني التعرض لكدية تكون في طريقه... و الكدية هي الحجر الضخم الذي لا يملك حافر الارض أن يزيحه من امامه فيتوقف عن الاستمرار في الحفر و ذاك هو معني الاكداء في العطاء...و كان التعليق علي ذلك هو قوله تعالي: «أعنده علم الغيب فهو يري». أي ان هذا الذي تولي أهو مطمئن الي عاقبة امره و مستقبل ايامه اذ يتصور أنه سيكون في منجاة من عقاب الله عزوجل و مما يسلطه الله عليه من نكال في الحياة الدنيا والاخرة.«أرأيت الذي ينهي، عبدا اذا صلي، أرأيت ان كان علي الهدي، أو امر بالتقوي، أرأيت ان كذب و تولي، ألم يعلم بأن الله يري، كلا لئن لم ينته لنسفعن بالناصية، ناصية كاذبة خاطئة، فليدع ناديه، سندعو الزبانية»... العلق 18/9لانزال عند قولنا في أن عبارة - أرأيت - و مثلها - أفرأيت - تحمل معني الشرط الذي ينتظر جزاءه و قد تكررت ارأيت هنا ثلاث مرات لتثبيت الصورة المرئية المنقوم منها مع ايراد الجواب عليها فان هذا الذي راح ينهي متعبدا يعبد الله عن صلاته فانه مقترف بذلك اقصي درجات الاثم و هو كذلك ينهي من كان علي [ صفحه 179] الهدي ان يستمر علي هداه و كذلك ينهي من كان قد امر بالتقوي أن لا يأمر بالتقوي. انه حقا لنمط من الايغال في الاثم و الجريمة أن يتطوع رجل فينهي عن كل شعيرة من شعائر الخير من غير تأثم او تحرج و كان التعليق الذي جاء وراء ذلك هو قوله تعالي: «ألم يعلم بأن الله يري». جاء بعد ذلك التهديد بالعقوبة الرادعة اذ قال الله تعالي: «كلا لئن لم ينته لنسفعن بالناصية، ناصية كاذبة خاطئة، فليدع ناديه، سندعو الزبانية». و يبدو من النص أن صانع ذلك و مقترف وزره و عاره كان يعتمد علي نادي القوم في افاعيله الشريرة و مواقفه اللئيمة و غروره الذي جاوز فيه حد الاسراف و المبالغة و تحداه الله بأنه اذا دعا ناديه يستعين به فان الله سيدعو زبانية جهنم للبطش به و بمن وراءه...الموقف المصور في هذا النص هو احد المواقف التي واجهها النبي صلي الله عليه و سلم في مكة مما يفهم منه و النبي يوم ذاك وحيد يواجه قوة الكفر و الشرك. أن الامر لعظيم و أن المهمة عسيرة و أن امام النبي طريقا غير معبد و هو جد طويل و هكذا كان النبي يؤدي رسالته العظيمة في مثل تلك الاجواء الدامسة العداء و البغضاء فصلي الله عليه و سلم من نبي كريم و رسول عظيم...«ارأيت الذي يكذب بالدين، فذلك الذي يدع اليتيم، و لا يحض علي طعام المسكين». الماعون 3/1الظاهر في غالب من يكذبون بالدين و ينكرون رسالة الله التي يحملها الي الناس نبي منهم أنهم لا يعادون الرسل وحدهم و لا يتنكرون لفحوي العقيدة التي يدعون الي اعتناقها والاخذ بقيم المفردات التي فيها بل انهم يتميزون اضافة الي ذلك بالبراءة من المروءة والانسانية علي ما وصفتهم الاية الكريمة بأنهم يدعون اليتيم و يغمطونه حقه و يعاملونه معاملة من لا كرامة له. كما أنهم لا يرعون لمسكين و لا جائع و لا حائر حقا يعملون علي رده اليه و حفظه له...و سورة الماعون سورة مدنية و ذاك ما اخذنا به من الاقوال التي قيلت في عائدية السورة علي ما اورده غير واحد من المفسريبن منهم النيسابوري...

باب رايت

الخطابات التي يخاطب بها النبي بمثل لفظ «رأيت او تري» يرد ذلك في احداث لم تقع بعد و في احداث وقعت في قديم الزمان يراد بها مخاطبته بصفته موجودا حينئذ بحيث تصح مخاطبته و من ذلك مثلا قوله تعالي عند قيام الساعة «و تري الناس سكاري و ما هم بسكاري ولكن عذاب الله شديد» الحج/2...و هو خطاب للرسول الاعظم صلي الله عليه و سلم نستدل به علي ان الرسول معني بهذا الخطاب و قد خاطبه الله به اذ جعله موجودا يري قيام الساعة و يري الناس سكاري من هول ذلك و ما هم بسكاري... و من ذلك قوله تعالي في قصة اهل الكهف التي وقعت قبل مولد النبي بزمن بعيد اذ جاء فيها قوله تعالي «و تري الشمس اذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين و اذا غربت تقرضهم ذات الشمال...» الكهف/17... فلقد حكم الله لنبيه برؤية ذلك اذ اعتبره موجودا يري الشمس اذا طلعت علي القوم و يراها اذا غربت كذلك... و ما نشير اليه من آيات الرؤيا في الجدول التالي نذهب فيه الي هذا المعني من غير شك... الا اذا كان الخطاب بالرؤيا قد وقع علي عهده صلي الله عليه و سلم في مكة او في المدينة ابان الصدع بما امره الله ان يصدع به من الصدع بهذا الدين العظيم...«و اذا قيل لهم تعالوا الي ما أنزل الله و الي الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا»... النساء/61 [ صفحه 180] الخطاب هنا موجه الي الرسول الاعظم صلي الله عليه و سلم و قد أخبر بان المنافقين كانوا يصدون عن النبي كل الصدود حين كانوا يدعون الي الاستماع الي ما انزل الله... و كان في هذا التصرف الذي عرف في القوم اول المشاهد دلاله علي النفاق اذ لم يكن المنافقون يملكون من الحذق ما يخفون به امارات نفاقهم، و قد قيل في الحكم انه (ما أضمر أحد شيئا الا ظهر علي فلتات لسانه)...«فاذا أنزلت سورة محكمة و ذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون اليك نظر المغشي عليه من الموت فأولي لهم»... محمد/20رغم أن العرب كانوا في ايام جاهليتهم اهل سيف و غزو و قتال فان هذا لا ينطبق عليهم جميعا و لذا وجدنا فيهم من لا يشارك في القتال و يفر من ساحته و يفزع منه علي ما تقصه آيات الذكر الحكيم في مثل هده المواطن في حين أن قتيل الحرب في الاسلام شهيد و لم يكن قتيلها قبل الاسلام بشهيد... و الشهيد في الاسلام حي يرزق ولكن هذا لم يكن كافيا في تشجيع جبناء الناس علي خوض غمرات الحرب و الجهاد في سبيل الله...والآية التي نحن في صدد الكلام عليها تشير الي أن قوما ممن كانوا قد اعتنقوا الاسلام من العرب عندما نزلت سورة ذكر فيها القتال شخصت ابصارهم الي السماء دليل الرعب و الخوف الشديد و قد راحوا ينظرون الي النبي نظر المغشي عليه من الموت و قد تهكم بهم الباري عزوجل بقوله (فأولي لهم) و هو لفظ يعني ما يعنيه الويل من التوجع المصحوب بالازدراء.«و يطوف عليهم ولدان مخلدن اذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا، و اذا رأيت ثم رأيت نعيما و ملكا كبيرا، عاليهم ثياب سندس خضر و إستبرق و حلوا أساور من فضة و سقاهم ربهم شرابا طهورا، ان هذا كان لكم جزاءا و كان سعيكم مشكورا».. هذه احدي صور النعيم في الآخرة جاءت فيها مخاطبة النبي بأنه يري ذلك...«و رأيت الناس يدخلون في دين الله افواجا»... النصر/2هذه رؤيا رآها النبي صلي الله عليه و سلم بعد الفتح المكي اذ صارت الناس تعتنق الاسلام بكثرة كاثرة و تقبل عليه جمهورا بعد جمهور، بعد أن كان الذين يعتنقون الاسلام يقبلون علي النبي باعتناق الدين فرادي و بأعداد قليلة جدا...باب)

و اضرب

بعض الخطابات القرآنية التي خاطب الله بها الرسول و الاملاءات التي املاها عليه ما يسبق بكلمة (اضرب) و المراد بذلك ضرب الامثال التي تحتجن العبر و المطالب التهذيبية و التشريعية و من ذلك قوله تعالي «و اضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لاحدهما جنتين من اعناب و حففناهما بنخل و جعلنا بينهما زرعا كلتا الجنتين آتت أكلها و لم تظلم منه شيئا و فجرنا خلالهما نهرا و كان له ثمر فقال لصاحبه و هو يحاوره انا اكثر منك مالا و اعز نفرا و دخل جنته و هو ظالم لنفسه قال ما اظن ان تبيد هذه ابدا و ما اظن الساعة قائمة و لئن رددت الي ربي لاجدن خيرا منها منقلبا قال له صاحبه و هو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم نطفة ثم سواك رجلا لكن - هو الله ربي و لا اشرك بربي احدا و لو لا اذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة الا بالله ان ترن انا اقل منك مالا و ولدا فعسي ربي ان يؤتين خيرا من جنتك و يرسل عليها حسبانا من السماء فتصبح صعيدا زلقا او يصبح ماؤها غورا فلن تستطيع له طلبا و أحيط بثمره فاصبح يقلب كفيه علي ما انفق فيها و هي خاوية علي عروشها و يقول يا ليتني لم اشرك بربي احدا و لم تكن له فئة ينصرونه من دون الله و ما كان منتصرا هنالك الولاية لله الحق هو خير ثوابا و خير عقبا». الكهف 44/32 [ صفحه 181] في هذا النص حوار بين الكفر و الايمان و بين العقوق و الوفاء و فيه اشعار بنعم الله الكثيرة علي الناس و فيه تهذيب و تأديب و تعليم و دروس في الاخلاق و السيرة الذاتية لكل انسان والايات المقتبسة هنا كثيرة ناط الله بالرسول ان يشرحها للقوم ليوعظوا بها و ينتهوا الي اتخاذ العبرة منها و ذاك من بعض المهام التي ينهض بها في قومه.«و اضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الارض فأصبح هشيما تذروه الرياح و كان الله علي كل شي‌ء مقتدرا، المال والبنون زينة الحياة الدنيا و الباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا و خير املا». الكهف 46/45يلي هذا النص ما سبق ايراده و التعليق عليه و كانه تلخيص لقصة الحور السالف العرض فان الحياة في حقيقة امرها ليست الا مسألة زمن مهما طال فهو قصير و مهما زها و نضر فانه يبيت امام عين الناظر و المشاهد شيئا لا شيئية له و في ذلك تصوير لقدرة الله في ملكوته. ان اعظم العبر التي يوردها القرآن الكريم هي ما يعتمد علي الحواس التي تري و تلمس و تسمع و تبصر... و كان صلي الله عليه و سلم يأخذ بايضاح هذه الحقائق و استعراض ما تنطوي عليه ما عظات و عبر و ذاك هو القصد من تكليف الله اياه أن يضرب الامثال...حقا ان مشغولية النبي و هو في بيئة قومه مشغولية دائمة مستمرة كثيرة السبل و الوسائل و هذا يعني ان اتصال النبي بالجماهير من جاءه منهم و من ذهب هو اليه، انما هو اتصال غير منقطع ابان مسيرة الدعوة علي ان السورة مكية و يعني ذلك ان الاتين الي النبي قليلون و معظم جهده في الدعوة الي الدين وحث الناس علي تقبله و اعتناقه انما يقع ذلك اذ يقصدهم النبي قصدا لا سيما ان كانوا مجتمعين في الكعبة او في مجالسهم او في القري التي يشخص اليها و هم هناك، و ذاك من صميم عمل الرسل منذ ظهور الرسالات فلله هذا النبي في مواصلته دعوة قومه الي الايمان لا يفتر عن ذلك الليل و النهار.«و اضرب لهم مثلا اصحاب القرية اذ جاءها المرسلون، اذ ارسلنا اليهم اثنين فكذبو هما فعززنا بثالث فقالوا انا اليكم مرسلون، قالوا ما انتم الا بشر مثلنا و ما انزل الرحمن من شي‌ء ان انتم الا تكذبون قالوا ربنا يعلم انا اليكم لمرسلون، و ما علينا الا البلاغ المبين، قالوا انا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم و ليمسنكم منا عذاب اليم قالوا طائركم معكم أان ذكرتم بل انتم قوم مسرفون». سورة يس 19/13في هذا النص اشارة الي بعض معاناة الانبياء الاقدمين في مواجهة اقوامهم فقد كانوا يتحملون اللسان السليط و المجابهة العارية من الرفق و المثخنة بالزجر و قبيح القول و قد امر الله نبيه ان يذكر ذلك في المثل الذي يضربه لقومه بحيث كان بعض الانبياء يبعثون الي اقوامهم بالجملة (اذ ارسلنا اليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث) علي ان رسول الله صلي الله عليه و سلم كان وحده في الساحة يتلقي من قومه من ضروب الاذي ما يتلقي مما كان يوصيه الله بالصبر عليه...في هذه الامثال التي امر الله نبيه ان يضربها للناس دروس و احكام و عظات و عبر و لم يرد في موضوع المثال التي امر الله نبيه بضربها غير هذه المواقع الثلاثة و لا يعني ضرب المثل ان يقرأ النبي عليهم الايات دون شرح و تأويل و عرض للشريعة بالكلام الذي يتطلبه الموقف لا سيما في البيئة المكية.

باب آيات الاتباع

فريق كبير مما نزل من آيات الذكر الحكيم جاء علي هيئة خطابات و اوامر الهية وجهت الي الرسول الاعظم محمد بن عبد الله صلي الله عليه و سلم من مثل (قل) و من مثل «واتل» «و بشر» «و سبح» «واصبر» «وادع» و بعض هذه الاوامر جاءت مسبوقة ب «لا الناهية» و من هذه الصيغ. الصيغة التي استعمل فيها فعل الامر «واتبع» مما نحن شارحوا [ صفحه 182] آيات قرآنية وردت علي هذا الوجه و هذه الهيئة مما يعلم به ان الاسلوب القرآني اسلوب تحكم فيه الجانب البلاغي فكان علي مستوي بياني عال و كان ذلك من بعض معالم الاعجاز في كلام الله رب العالمين...«الذين يتبعون الرسول النبي الامي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل يأمرهم بالمعروف و ينهاهم عن المنكر و يحل لهم الطيبات و يحرم عليهم الخبائث و يضع عنهم اصرهم والاغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به و عزروه و نصروه و اتبعوا النور الذي انزل معه اولئك هم المفلحون»... الاعراف/157في عرض ما قصه الله في القصص القرآني ايام العهد المكي جاءت الاشارة عند الكلام علي موسي عليه‌السلام الي أن الله خاطب موسي في شي‌ء مما يتعلق بنبينا محمد صلي الله عليه و سلم و قد جاء وصف القرآن المنزل عليه بأنه النور الذي انزل معه... و نوه بالذين يتبعون هذا الرسول النبي الامي. و الاتباع هو مطلق الانقياد و الالتزام بالسمع و الطاعة... و في النص بعض سمات العقيدة التي يحمل النبي رسالتها الي الناس و منها أنه يحرم الخبائث و يحل الطيبات و يضع الاغلال عن الناس. و امتدح الله الذين يؤمنون به و الذين يعظمونه و يجلونه و وصفهم بأنهم المفلحون...«نحن اعلم بما يستمعون به اذ يستمعون اليك و اذ هم نجوي اذ يقول الظالمون ان تتبعون الا رجلا مسحورا»... الاسراء/47المراد بالظالمين من اسرف في مواجهة الرسول بالعداوة اذ كانوا يلاحقون المؤمنين مستهجنين أنهم اتبعوا رجلا مسحورا... و كان القوم يتهمون النبي آونة بأنه ساحر و أونة بأنه مسحور و ذاك من فرط تخليطهم و ابتغائهم الحجة التي يحتجون بها لانكار نبوة النبي انكارا من غير علم و لا تبصر و انما هو انكار قائم علي البغي و التعسف و العدوان و الجهل...و قد تكررت هذه المقولة التي لا محتوي فيها من الجدل السديد في مواقع اخري من التنزيل اذ جاءت في سورة الفرقان الاية الثامنة «و قال الظالمون ان تتبعون الا رجلا مسحورا» مما يفهم منه أنهم استطابوا مقولتهم هذه ولكن الله في مواجهة ذلك ألقي عليهم صفة الظالمين اي الباغين و المعتدين الناشزين عن العدل و الانصاف و الراكبين متن الجهل و الضلال.و قد كان القوم علي اصرار شديد باتباع آبائهم و التمسك بأهوائهم و رفض دعوة من يدعوهم الي الهدي و الرشاد و هذا في قوله تعالي: «و اذا قيل لهم اتبعوا ما انزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا أو لو كان الشيطان يدعوهم الي عذاب السعير» لقمان/21... و مثل ذلك الاية السبعون بعد المئة من سورة البقرة «و اذا قيل لهم اتبعوا ما انزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا و لا يهتدون»...«اتبع ما أوحي اليك من ربك لا اله الا هو و أعرض عن المشركين»... الانعام/106 الامر الالهي الذي يوجهه الله الي نبيه يحتوي دعوة النبي الي اتباع ما انزل الله عليه و ما اوحاه اليه، و لم يكن النبي منصرفا الي اتباع شي‌ء غير هذا ولكن النص القرآني جاء بلفظ الاتباع لبيان اهمية القرار الالهي المنزل علي النبي و وجوب الالتزام بوحيه تعالي فان ذلك يظهر النبي امام القوم بأنه لا يتلوا النص القرآني علي ما جاء من آيات الامر بالتلاوة فحسب بل انه يوجب عليه ان يتبعه و يستمسك به... [ صفحه 183] و في النص مما يقوي الامر بالاتباع قوله تعالي في نهاية الاية «و أعرض عن المشركين» فان الاعراض عن المشركين يعني الانصراف عن اقوالهم التي يقولونها في مواجهاتهم النبي و في اخذهم باللغط و الجدل الفارغ في رد دعوة التوحيد...و قد ظهر أن النص القرآني يرد في توكيد رسالة الرسول و في دعوته عليه‌السلام الي التمسك بالوحي الموحي اليه من ربه كلما حاول الكفار و المشركون اغراء النبي بالعدول عن دعوة القوم الي توحيد الله و رفض عبادة الاوثان و لم يكن ذلك ناشئا عن ميل النبي الي شي‌ء من هذا، ولكن في امر الله النبي بالتمسك بالوحي و اتباعه ما يروع المشركين و يخيب رجاءهم الذي يسعون اليه في معركة الشرك و الايمان و كأن ما تكون هذه النصوص الواردة باتباع الوحي والاستمساك به معلنة أن الله عزوجل هو مع نبيه في صميم المعركة لذلك يظل يؤازر نبيه و يشد عزمه و يقوي رجاءه و يضمن له التوفيق كله في مسعاه...و مثل ذلك النص الذي في سورة يونس الآية التاسعة بعد المئة و هو قوله تعالي «واتبع ما يوحي اليك واصبر حتي يحكم الله و هو خير الحاكمين» يونس/109...«ثم اوحينا اليك ان‌اتبع ملة ابراهيم حنيفا و ما كان من المشركين»...النحل/123جاء الامر باتباع النبي ملة ابراهيم مقرونا بكلمة الوحي التي هي «ثم اوحينا اليك ان اتبع ملة ابراهيم حنيفا و ما كان من المشركين»... ان اتباع النبي ملة ابراهيم لم يكن علي جاري عادة الحنفاء في الاخذ بما كان عندهم من سنن ابراهيم و بقية وصاياه و تعاليمه و انما كان الله عزوجل قد اوحي الي نبيه باتباع ذلك و كان هناك من يظن أن النبي تابع الحنفاء علي مألوف عباداتهم تلك الايام...ان في اتباع النبي ملة ابراهيم و تكرر اسم اب الانبياء ابراهيم عليه‌السلام في القرآن ما ينوه بقوة آصرة النسب بين الامة العربية و بين ابراهيم عليه‌السلام «ملة ابيكم ابراهيم هو سماكم المسلمين من قبل» الحج/78... و في ذلك اي في هذا النهج القرآني المتعلق بتثبيت سيرة ابراهيم في الثقافة العربية ما يخرس ألسنة اليهود و غيرهم من اللهج بأنهم ابناء ابراهيم دون يعترفوا للاخرين بهذه النبوة و كان اليهود يزعمون يهودية ابراهيم فرد القرآن عليهم قائلا: «ما كان ابراهيم يهوديا و لا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما و ما كان من المشركين» آل‌عمران/67... و في المصادر العربية و اشعار القوم ما يؤكد هذه الصلة توكيدا تاما. و في النسب النبوي ما يدل علي ذلك دلالة قاطعة و في التوراة ما ينم عن ذلك و يومي‌ء اليه...«واتبع ما يوحي اليك من ربك ان الله كان بما تعملون خبيرا»... الاحزاب/2الامر الالهي موجه الي الرسول الاعظم صلي الله عليه و سلم و هو يأمره بأن يتبع ما يوحي اليه ليس فيه ما يومي‌ء الي أن النبي لم يكن ملتزما باتباع ما يوحي اليه ولكن النص جاء بقصد التركيز علي هذا الاتباع و ان كان النبي آخذا بهدب هذه الوصية و متمسكا بما يوحي اليه... و لما كانت الشريعة هي شريعة الامة و أن الامة هي التي تتلقي احكام الوحي من الرسول و هي محل الطاعة و العصيان و القبول و الرفض و لذلك انتقل الكلام من مخاطبة شخصية مفردة هي شخصية الرسول صلي الله عليه و سلم الي جهة اخري هي جهة الاتباع و الاقوام الذين [ صفحه 184] جاءهم النبي بالشريعة. لانهم يكون فيهم المحقون المحقوقون.من ابواب البلاغة القرآنية الانتقال او الالتفات بحيث يكون الخطاب لجهة ثم ينتقل الي جهة اخري و من ذلك هذه الاية: «واتبع ما يوحي اليك من ربك ان الله كان بما تعملون خبيرا»... الاحزاب/2 أن الالتفات في هذا النص من مخاطبة الرسول الي مخاطبة من ارسل اليهم تستوجبه القرائن البيانية. فان ما اوحاه الله الي نبيه انما اوحاه ليبلغه الي هؤلاء الناس الذين خاطبهم قائلا «ان الله كان بما تعملون خبيرا»...و لم يكن من طبيعة الخطاب القرآني أن يرد النص بما يجعل الخطاب هنا موجها الي النبي و ان كان النص قد بدأ بمخاطبة النبي...«ثم جعلناك علي شريعة من الامر فاتبعها و لا تتبع اهواء الذين لا يعلمون»... الجاثية/18يشير النص القرآني هنا الي أن النبي محمدا صلي الله عليه و سلم تلقي من ربه شريعة متكاملة و قد أمر باتباعها و نهي عن اتباع ما سواها «و لا تتبع اهواء الذين لا يعلمون»... نفهم من هذا أن الله عزوجل احكم آيات كتابه احكاما تاما و كان يتولي هذا القرآن الكريم بحفظه و رعايته و صيانته و حمايته بما كان يلقيه علي رسوله من التنبيهات و التحذيرات و بذلك كان هذا القرآن المعجز للعالم...ان كلمة «ثم» جاءت في اول النص لبيان أنها جاءت لحل اكثر من مشكلة كانت قائمة هناك و في الايات التي سبقت هذه الاية ما يدل علي ذلك «و اتيناهم بينات من الامر فما اختلفوا الا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ان ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون»...«لا تحرك به لسانك لتعجل به، ان علينا جمعه و قرآنه، فاذا قرأناه فاتبع قرآنه، ثم ان علينا بيانه»... القيامة 19/16علم الله نبيه كيف يتلقي القرآن الكريم حين يوحي اليه و كيف يتلوه عندما يتلوه في صلاة و غير صلاة. و النص و ان كان مخاطبا به النبي وحده فان في ذلك ما يومي‌ء الي تعليم الامة كيف تقرأ قرآنها و كيف تتلوه: «لا تحرك به لسانك لتعجل به، ان علينا جمعه و قرآنه» والجمع و القرآنية مما تكفل به الباري عزوجل. و يؤيد ذلك قوله تعالي «انا نحن نزلنا الذكر و انا له لحافظون» الحجر/9... و قوله تعالي «فاذا قرأناه فاتبع قرآنه» بيان بأن النبي صلي الله عليه و سلم يتلقي القرآن بقلبه و بسمعه. يجد آياته تطبع في صدره و يراها تتموج في ذهنه و بذلك تكون رواية النص القرآني من اصدق من روي نصا و نقل قولا... فالوحي القرآني وصل الي الامة عن طريق رسولها و هو في حرز حريز من كل تعديل و تغيير... «ثم ان علينا بيانه» و المراد بالبيان تنوير بصر النبي و قلبه بما وراء هذه النصوص من احكام الهية مفصلة تنقل الي النبي من غير طريق النص المتلو...ان ورود هذا النص في السور المكية دليل علي أن التوعية الالهية للرسول الاعظم كانت منذ بدء الوحي في العهد المكي مما يدل علي أن الرسول الاعظم لم يقع منه شي‌ء من التقصير في التلاوة و ذاك لان الله تداركه منذ الهزيع الاول. و لو جاء هذا النص في سورة مدنية لربما قال قوم من خصوم الدعوة الاسلامية. ان النبي وقع منه أن نقل القرآن غير متثبت منه نصا و منطوقا و ما اكثر ما يزعم الخصوم و ما اكثر ما يفترون علي الله الكذب و هم يعلمون... لا سيما فريق من المستشرقين... [ صفحه 185]

في باب الاوامر

«خذ العفو [56] و أمر بالعرف و أعرض عن الجاهلين»... الاعراف/199يتضمن هذا النص حثا علي آداب اخلاقية محمودة هي الاخذ بالعفو و التسامح واللين و خفض الجناح للناس من اعتذر و من لم يعتذر... و التعامل بالحسني مع مستحقيها و غير مستحقيها و الاعراض عن الجاهلين أي ان الله يوصي نبيه بأن لا يجسم زلات الجاهلين و يحملهم مسؤولياتها فان كثيرا من هؤلاء قد يدركون اخطاءهم فيلوذون بالاستغفار و التوبة و تصحيح الاعمال. و النص و ان كان مخاطبا به الرسول صلي الله عليه و سلم فهو مما يقع الخطاب به ايضا لسائر افراد الامة لان التخلق بهذه الاخلاق يفيد الجميع... و قوله تعالي «خذ» اي تمسك...«خذ من اموالهم صدقة تطهرهم و تزكيهم بها وصل عليهم ان صلاتك سكن لهم و الله سميع عليم»... التوبة/103كلمة «خذ» هنا تدل علي أن الرسول صلي الله عليه و سلم كان يومذاك في مركز القوة و النفوذ لان اخذ الاموال قلت او كثرت أمر يتطلب القدرة علي اخذها و انتزاعها من ايدي اصحابها و هذا الاخذ أخذ تقضي به الشريعة مع أن أخذ هذه الاموال انما يتم من اجل تطهيرهم و تزكيتهم لانها - أي الاموال - انما تؤخذ منهم لتوزع علي ذوي الاستحقاق من الفقراء و المملقين و اليتامي و المساكين و غيرهم... و قوله عز من قائل «وصل عليهم»... اي ادع لهم و تشفع فيهم فان لهم في ذلك الخير الكثير...

باب حرض المؤمنين

التحريض هو الحث بقوة و شدة و اقناع و اغراء فاذا حرضت رجلا علي قوم فان عليك أن تعرف كيف تغري هذا الرجل باولئك القوم و كيف تقر في نفسه الامر الذي تريد تحقيقه. فلابد اذن من بذل جهد و اطالة كلام و معاودة و مراجعة لكي يثمر ذلك ثمرة في الذين تدعوهم الي ما تريد و حين يأمر الله نبيه بتحريض قوم علي القتال فان ذلك يتطلب من النبي أن يعتمد علي طاقة الاقناع التي لديه في جر القوم الي القتال و حين يأمر الله نبيه بتحريض المؤمنين علي قتال المشركين فانه لا يلزمه باتخاذ خطة معينة أو يلقنه استعمال اسلوب محدد في هذا الوجه لذا تبقي المهمة يعتمد النبي [ صفحه 186] في تحقيقها علي اقتداره الشخصي و بذلك نعلم أن النبي كان محل ثقة الله لينهض بأخطر المهام التي يأمره بها ولدينا من آيات التحريض ما ندونه في هذا الباب.«فقاتل في سبيل الله لا تكلف الا نفسك و حرض المؤمنين عسي الله ان يكف بأس الذين كفروا و الله أشد بأسا و أشد تنكيلا»... النساء/84من استيعاب معاني هذا النص نري ان الامر غير هين اذ جاء فيه ما يصور شدة البأس لدي المشركين و انهم كانوا يتوخون ببأسهم هذا ايذاء المؤمنين و من اجل كف بأسهم عن المؤمنين فانه يجب علي المؤمنين الوقوف في وجه اولئك الخصوم الذين يتميزون علي ما يبدو بشراسة الية و مثل ذلك يتطلب أن تتجه قيادة الامة الي تجميع جمع يحسن اللقاء و يجيد القتال و يصبر في ساحة المواجهة و مثل ذلك يتطلب ما سماه الله بتحريض المؤمنين فكانت مهمته صلي الله عليه و سلم ان يخاطب القوم بكلام من شأنه في مثل هذه الملمات ان يكون طويلا و مؤثرا و باعثا للهمم الراكدة و كان ذلك كذلك. و انما كان ذلك كذلك لما كان عليه الرسول صلي الله عليه و سلم من اقتدار في الاقناع و الخطابة و كذلك ما كانت عليه شخصيته من اتصاف بالهيبة و قوة التأثير و فصاحة اللسان و بذلك كان قوله تعالي «و حرض المؤمنين» كائنا في مكانه الطبيعي و واقعا في موقعه الحقيقي و لو لا ذلك لكان التحريض آتيا من عند الله بصيغة خاصة... النبي اذن هو الذي علقت به مسؤولية التحريض بدءا و ختاما... و بدأ النص كما يلاحظ بصدور الامر الي النبي بالقتال و بديهي أن النبي انما يقاتل بجيش يجيشه و يسلحه و ينظم تحركه و توقفه فكان في ذلك التحريض علي ذلك و هو امر كان علي النبي ان يتدبره بنفسه و يواجهه ببيانه و اقتداره الخطابي و هو صلي الله عليه و سلم ذو قدرة علي ذلك و اهل له...«يا أيها النبي حرض المؤمنين علي القتال ان يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين و ان يكن منكم مئة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون»... الانفال/65بدأ النص بتسمية النبي و مخاطبته بهذه التسمية و نيط به أن يحرض المؤمنين علي القتال. و قد يعد من مطالب التحريض و مفرداته أن يكون علي مستوي المعركة و أن تستثار فيه عزائم المحاربين و هكذا كان الامر في تلك المعركة اذ جعل علي كل مقاتل أن يكون كفأ لعدد من جند الاعداء حدد بالنص ثم أعيد تحديد هذا العدد الي اقل من ذلك بما تبقي به كفة المؤمنين راجحة و قد ذكرنا ذلك و فصلنا الكلام عليه في مكان آخر من الكتاب غير هذا المكان...لقد ترك الله امر التحريض علي القتال الي النبي يتولاه بما عنده من اقتدار قيادي و مهارة عسكرية ثقة منه تعالي بما يملكه نبيه من هذه الاقتدارات و لو لا ذلك لفصل الكلام في مفردات هذا الموضوع كل تفصيل...

باب و ما يدريك

ما جاء من هذا الحرف في القرآن الكريم لم ترد الاجابة عليه بشي‌ء واضح و ظل منكتما و كأنه من الاسرار التي لم يحن الوقت لافشائها و توضيح مقاصدها و معانيها، فان قوله تعالي في الجمل القرآنية التي وردت فيها كلمة «و ما يدريك» و في هذه النصوص ظل بعيدا عن الشرح و التأويل. و الجواب لان في ذلك من بعض مالا يحسن افشاؤه الي يوم يحين امر الله لا فشاء ذلك و كان من اسباب نزول هذه النصوص في شأن الساعة أن القوم اكثروا من الاستفسار عنها و ذلك في قوله تعالي «يسألك الناس عن الساعة قل انما علمها عند الله و ما يدريك لعل الساعة تكون قريبا» الاحزاب/63... «الله الذي أنزل الكتاب بالحق و الميزان و ما يدريك لعل الساعة قريب» الشوري/17و قد نزل نص قرآني آخر و فيه هذا الحرف اي «و ما يدريك» في الاعمي الذي اشارت اليه سورة [ صفحه 187] عبس و تولي و هو قوله تعالي «و ما يدريك لعله يزكي أو يذكر فتنفعه الذكري» عبس 4/3... فانه رغم ظهور ايمانه و اعلان اسلامه فانه لم يتكشف لاحد ما يدل علي تزكيته او انتفاعه من التذكر و علي هذا ظلت صيغة «و ما يدريك» تجول في مجال واحد. علي أن النبي صلي الله عليه و سلم لم يكن يدري من امر ايمان الرجل شيئا... و في استعمال صيغة «و ما يدريك» في هذه النصوص ما يومي‌ء الي نوع من التحاور شاء الله أن يجعله بينه و بين رسوله تعبيرا عن التبسط في مخاطبته صلي الله عليه و سلم و لم يقع مثل هذا التبسط في مخاطبة أحد من الانبياء سواه...

باب و ما أدراك

ما جاء في التنزيل بلفظ «و ما ادراك» يكون له جوابه في ذات النص «و ما ادراك ماهية، نار حامية» القارعة 11/10... و مثل ذلك «و ما ادراك ما يوم الدين ثم ما ادراك ما يوم الدين» الانفطار 18/17. فلفد جاء بعد ذلك جواب للتفسير «يوم لا تملك نفس لنفس شيئا... الانفطار/19... و جميع ما جاء من هذه الصيغ في القرآن كان متبعا للتفسير و الرد علي السؤال... و في ما يلي الايات المنزلة في هذا المعني...«الحاقة، ماالحاقة، و ما ادراك ما الحاقة، كذبت ثمود و عاد بالقارعة، فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية، و أما عاد فاهلكوا بريح صرصر عاتية، سخرها عليهم سبع ليال و ثمانية ايام حسوما فتري القوم فيها صرعي كانهم اعجاز نخل خاوية، فهل تري لهم من باقية»... الحاقة 8/1.«ان هذا الا قول البشر، سأصليه سقر، و ما ادراك ما سقر، لا تبقي و لا تذر، لواحة للبشر، عليها تسعة عشر»... المدثر 30/25«لأي يوم أجلت، ليوم الفصل، و ما أدراك ما يوم الفصل، ويل يومئذ للمكذبين»... المرسلات 15/12«يصلونها يوم الدين، و ما هم عنها بعاتبين، و ما ادراك ما يوم الدين، ثم ما أدراك ما يوم الدين، يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والامر يومئذ لله»... الانفطار 19/15«كلا ان كتاب الفجار لفي سجين، و ما أدراك ما سجين، كتاب مرقوم، ويل يومئذ للمكذبين»... المطففين 10/7«كلا ان كتاب الابرار لفي عليين، و ما أدراك ما عليون، كتاب مرقوم، يشهده المقربون، ان الابرار لفي نعيم، علي الارائك ينظرون»... المطففين 23/18«و السماء و الطارق، و ما أدراك ما الطارق، النجم الثاقب»... الطارق 3/1«فلا اقتحم العقبة، و ما أدراك ما العقبة، فك رقبة، أو اطعام في يوم ذي مسغبة، يتيما ذا مقربة، أو مسكينا ذا متربة»... البلد 16/11«انا أنزلناه في ليلة القدر، و ما أدراك ما ليلة القدر، ليلة القدر خير من ألف شهر»... القدر 3/1«فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية و أما من خفت موازينه، فأمه هاوية، و ما أدراك ماهية، نار حامية»... القارعة 11/6«كلا لينبذن في الحطمة، و ما أدراك ما الحطمة، نار الله الموقدة، التي تطلع علي الافئدة، انها عليهم مؤصدة، في عمد ممددة»... الهمزة 9/4ان صيغة «و ما ادراك» تعني زيادة معلومات النبي في مثل هذه القضايا التي تبدأ بالاستفهام عن معني الحرف و الرد عليه بجواب يأتي بايضاح شاف... و من تمام اهمية الموضوع أن يأخذ الله بيد نبيه اليه ليوقفه علي ما هناك من تقديرات عظيمة و اسرار الهية كبري... [ صفحه 188]

باب صاحبكم

وردت في القران الكريم كلمة «صاحبكم» غير مرة في معاني يرد بها علي كفار مكة فان وصف النبي بصاحبهم يومي‌ء الي انه صلي الله عليه و سلم كان قائما بينهم و ظاهرا فيهم فاذا نبزوه بالسحر أو الجنة و ما الي ذلك فان الكذب و الاختلاق في ذلك ظاهر كل الظهور. و اتهامات الامم لرسلها انما تعتمد علي عقائدها المتوارثة من آبائها و أسلافها اذ جاءت الرسل لابطالها و نقضها في اقوامهم و بذلك يري الكفار ان الغاية تبرر الوسيلة... و كلمات السب و الشتم بين الناس يكثر فيها الافتئات و القاء الكلام علي عواهنه و الشعر يعتمد في الهجو علي افتعال التهم و اختلاق المساوي‌ء لتحطيم شخصيات الخصوم.و مما جاء في القرآن الكريم مما وردت فيه كلمة «صاحبكم» ما نسرده هنا:«ما ضل صاحبكم و ما غوي، و ما ينطق عن الهوي».والنجم 3/2ايراد كلمة «صاحبكم» هنا يومأ بها الي أن النبي عرف في قومه بالصدق و لم يكن قد ظهر علي لسانه من الكذب شي‌ء في سائر تعامله مع الناس...و علي هذا لا يصح اتهامه بانه ادعي ما ليس بحقيقة لان من عرف بأنه ألف الصدق و اطمأن الناس الي صحة كلامه و ائتمنوه علي مهمات حياتهم من مال و غيره فانه حري ان لا ينسب الي الكذب و الزور في سائر ما يقول...«و ما صاحبكم بمجنون». التكوير/22ورد الجنون عن النبي في هذا المقام جاء ردا علي القوم اذ زعموه مجنونا حين جاءهم بالدين الذي يدعوهم الي التوحيد و ما اليه... و قد عرف في تاريخ كثير من الشعوب اتهامهم المصلحين من رجالهم بالجنون فبات ذلك في حكم ما أتفقت الامم الجاهلة عليه في مواجهة المصلحين و الرسل و غيرهم...«أو لم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة ان هو الا نذير مبين». الاعراف/184ادعاء الجنة في شخص ما يتطلب ان تكون هناك مقدمات و شواهد و أدلة علي الحالة الجنونية التي يتهم بها من يقال فيه ذلك...وعاب النص القرآني علي القوم من مدعي ذلك انهم قالوا قالتهم في النبي من غير تفكير و مراجعة فلو فكروا في الامر و راجعوا مزاعمهم تلك لما قالوا ما قالوه في نبز النبي بالجنة... و انما امرهم الله بالتفكير في مقولتهم هذه من اجل ما يترتب علي اتهام احد بالجنة من اضرار جسيمة كثيرة منها اسقاط شخصيته و هدر انسانية و منع الناس من الوثوق به و الاعتماد عليه و العمل علي اضاعة جهده و الحط من كرامته و في ذلك من الظلم ما فيه. و كانت الشعوب القديمة تقسو بحق المجانين و تسلط عليهم صبيانها و تعاملهم معاملة الحيوانات و تخرجهم من دائرة بني الانسان و هذا كله من بعض ما كان يريده من يتهم الانبياء بالجننون الا أن وضوح الحكمة في مقولات الانبياء و حسن تبصرهم و رعاية الله لشخصياتهم كانت في مقدمة ما احبط الله به كيد خصومهم و ها نحن أولاء نري بعد اربعة عشر قرنا كتاب الله الذي جاء به محمد بن عبدالله لا شي‌ء فيه مما يظهر عليه أثر من الجنة أو يستدل بها علي حالة من حالاتها او لون من ألوانها... و يبدو ان الناس بعد حين أمسكوا عن تكرار مثل هذا الزعم. اذ وجدوه لا يفيدهم شيئا في تبشيع الرسالة التي جاء بها النبي و لا في صرف الناس عنه صلي الله عليه و سلم فان هذه التهمة و ما من قبيلها إنما هي من الباطل الذي تكون له جولة واحدة ثم يضمحل كل الاضمحلال...ان ادعاءات الجنة في النبي لم ترد الا في السور المكية، اما السور المدنية فالامر هناك خرج من التعامل بالمهاترة الي التعامل بمواجهة الجد و الواقع، و لكل قبيل من اهل مكة و المدينة نهج في الجدل و الخصومة... [ صفحه 189] «قل انما اعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثني و فرادي ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة ان هو الا نذير لكم بين يدي عذاب شديد»... سبأ/46في رد ما زعموه من جنة النبي جاء وعظهم في النص بان يبتعدوا عن مجلس الاتهام ليكونوا احرارا في التفكير في الموضوع بعيدا عن التاثر و الالتزام بمبدأ التضامن العشوائي بما سبق من وقوع اتفاقهم علي ادعائهم ما بالرسول من جنة... اي ان يخرجوا عن دائرة الارتباط الجماعي التعسفي للفئة التي ارادت نبز النبي بالجنة بالحق و بالباطل... و هذا ما عناه النص القرآني من دعوتهم الي التفرق الي اكثر من مجموعة و النظر بعيدا عن المؤثرات المؤثرة فيهم ليظهر الحق بذلك بعيدا عن سلطان القرار الجماعي المتعسف و قد أشرنا الي مثل ذلك في مكان اخر...في قوله تعالي «ثاني اثنين اذ هما في الغار اذ يقول لصاحبه لا تحزن ان الله معنا» التوبة/40 و الكلام وارد في حق ابي‌بكر الصديق رضي الله عنه فلقد كان ابوبكر حقا ذا صحبة للنبي منذ أيام الشباب الاول... فهي صحبة كائنة و ليست مفترضة و قد جاءت تحكي الواقع التأريخي لعلاقة الصداقة بين النبي و ابي‌بكر... و ما سبق من الاشارة الي امر الصحبة في قوله تعالي «و ما صاحبكم» انما هو للتقريع...

باب سبح

ان التوصية الالهية الموجهة الي الرسول الاعظم بالتسبيح تكررت في القرآن الكريم و قد حدد النص القرآني مواقع ذلك في بعض الاحيان فانه أشبه بالورد اليومي الذي يؤدي او يراد تأديته في الليل عند الاختلاء و عند الفراغ من هموم النهار و مطالب الحياة و بالتسبيح ملامح و معالم من الاقرار بوحدانية الله و عظم سلطانه و كبير مغفرته و حسن اللياذ به و الاعتماد عليه في الرزق والصحة والامان و انجاح المطالب و الوصول الي الغايات والنجاة من محن الزمان و غدرات الايام. و في التسبيح كذلك صدق التعلق بالله و نشدان رحمته و مغفرته مع خلو ذلك من ظنون الرياء لانه غالبا ما يكون في الليل و الناس نيام او يكون بلسان القلب الذي لا تسمعه الناس انما يسمعه الله و لو سمعته الناس فهو في موضع التعليم و التلقين و الهداية و الارشاد... ان التسبيح نوع من التوبة المستمرة و للتوبة المستمرة عند الله شأن عظيم. ان الامر بالتسبيح اذ يطالب النبي به في كل حين انما هو نوع من اشغال الزمان بما يعد من غذاء الروح و مستلذ الطاعات. و تفهم من هذا أن النبي كان كثير اللهج بتسبيح الباري و تنزيهه و حسن الظن به. و فيما يلي ما نشير اليه من آيات التسبيح: -«واذكر ربك كثيرا و سبح بالعشي والابكار». آل‌عمران/41في هذا التسبيح جاءت الاشارة الي أنه ورد يؤديه النبي من أول يومه الي نهايته و هو من الاعمال التي تؤدي في الصلاة و خارج الصلاة... و النص مدني...«و لقد نعلم انك يضيق صدرك بما يقولون، فسبح بحمد ربك و كن من الساجدين». الحجر 98/97في هذا الامر بالتسبيح تصبير للنبي علي ما يسبب له من ضيق الصدر بفعل مواقف المشركين منه و تحدياتهم اياه. و المراد بالسجود في هذه الآية مطلق الرضا باقدار الله و الاطمئنان الي لطفه و رحمته.«و سبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس و قبل غروبها و من اناء الليل فسبح و أطراف النهار لعلك ترضي»... طه/130في هذا النص امر للنبي للتسبيح بما يكاد يستغرق اليوم كله من غير انقطاع عنه مما يتأتي منه ديمومة الابتهال الي الخالق و اللجوء اليه و الاستمداد من عونه و لطفه و سلطانه...«و توكل علي الحي الذي لا يموت و سبح بحمده و كي به بذنوب عباده خبيرا». الفرقان/58 [ صفحه 190] جاء الامر بالتسبيح مقرونا بكلمة الحمد مما يعني أن يكون التسبيح في معني الشكر و الثناء علي الله لان الحمد غالبا ما يكون تجاه ما يستحق الحمد.«فاصبر ان وعد الله حق و استغفر لذنبك و سبح بحمد ربك بالعشي و الابكار»... المؤمن/غافر/55جاء الامر بالتسبيح بحمد الله مقرونا بالدعوة الي الاستغفار و الي الصبر و مع التنبيه الي الزمن الذي يقع فيه هذا التسبيح و هو العشي و الابكار. و ما جاء من كلمة الاستغفار يراد به الاشارة الي ما كان يقع من النبي ابان العهد المكي من التضجر و التشكي من سوء مواجهات قومه له...«و سبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس و قبل الغروب و من الليل فسبحه و ادبار السجود». ق 40/39تعني كلمة التسبيح هنا شكر الله علي رعايته نبيه. و اذ لم تكن الصلاة جماعة في العصر المكي بالحجم الذي عرف في المدنية، فان النبي كان يسبح لله بعد السجود لما مكنه الله من ادائه علي نحو ما امره الله أن يؤديه... و في الاشارة الي طلوع الشمس و الغروب تنويه بسلامة النظام الكوني الذي هو من صنع الله. اذ انه متصل منذ بدء الخليقة الي نهايتها و فيه دلالة علي حسن خلق الله و دقة تصرفه في ملكوت السماء و الارض. و ان الانسان ليري من جميل الشكر للخالق العظيم أن يسبحه قبل طلوع الشمس حين يأخذ الكون بالاضاءة و الابيضاض بعد ظلمته فتبدو معالم الحياة زاهية و جميلة شيئا فشيئا في انظار الناس و التسبيح قبل الغروب اذ ينتهي اليه النهار و تنتهي اليه شمسه اي الي عالم جديد يختلف كل الاختلاف و عالم النهار و ان سلطان الله في التصرف في كونه يبرز في مثل هذه اللحظات الدقيقة و ذاك مما يحسن فيه التسبيح و تمجيد الله و اعظام شأنه.و في ذلك من تربية النبي و ترويض لسانه علي تسبيح الخالق و صرفه الي التذوق بجمال الكون و الحياة في كل لحظة من لحظات هذا الكون و الحياة...«و اصبر لحكم ربك فانك بأعيننا و سبح بحمد ربك حين تقوم، و من الليل فسبحه و ادبار النجوم». الطور/ 49  48ما يكون للنبي صلي الله عليه و سلم من فراغ زمني في ليله او نهاره فانه كان يشغله بالتسبيح لله تعبيرا عن مصيره لما يلقي من اذي قومه رغم اطمئنانه الي أنه محل رعاية ربه. و قوله تعالي: «حين تقوم» أي تقوم الي صلاتك او بعض عملك فان في هذا التسبيح عونا علي ذلك و هذا من تسبيحات النهار و قد اضيف اليه الامر بتسبيحات الليل: «و من الليل فسبحه»... و يفهم من هذا ان النبي صلي الله عليه و سلم كان يألف صلاة التهجد و يؤديها منذ العهد المكي...«فسبح باسم ربك العظيم». الواقعة/74 [57] .الامر بالتسبيح هنا انما هو تسبيح باعلان الشكر لله ازاء ما صنعه في الخلق من تدبير الامر و حسن تخليق الخلق و ما جعل في الارض من ضوابط انتظم بها عقد الكائن البشري لهذا العالم و ذاك أن هذا الامر بالتسبيح قد سبق بقوله تعالي في ذات السورة: «أفرأيتم ما تمنون، أأنتم تخلقونه ام نحن الخالقون، نحن قدرنا بينكم الموت و ما نحن بمسبوقين، علي أن نبدل امثالكم و ننشئكم في مالا تعلمون، و لقد علمتم النشأة الاولي فلولا تذكرون، أفرأيتم ما تحرثون، أأنتم تزرعونه ام نحن الزارعون، لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون، انا لمغرمون، بل نحن محرومون، أفرأيتم الماء الذي تشربون، أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون، لو نشاء جعلناه أجاجا فلو لا تشركون، أفرأيتم النار التي تورون، أأنتم انشاتم [ صفحه 191] شجرتها ام نحن المنشئون، نحن جعلناها تذكرة و متاعا للمقوين، فسبح باسم ربك العظيم».الواقعة 58 / و ما بعدها حتي 74التسبيح هنا تسبيح شكر علي الطاف الله بعباده و علي سابغ رزقه الذي رزقهم به و علي ما اودع في حياة الاحياء من خير...«ان هذا لهو حق اليقين، فسبح باسم ربك العظيم». الواقعة 96/95هذا التسبيح فيه معني اعظام العدل في وضع كل شي‌ء في نصابه من حق و باطل و قد جاء ذلك بعد قوله تعالي «فأما ان كان من المقربين، فروح و ريحان و جنة نعيم، و أما ان كان من اصحاب اليمين، فسلام لك من اصحاب اليمين، و أما ان كان من المكذبين الضالين، فنزل من حميم، و تصلية جحيم، ان هذا لهو حق اليقين، فسبح باسم ربك العظيم» الواقعة / 969594939291908988.«و انه لحق اليقين، فسبح باسم ربك العظيم». الحاقة / 5251الضمير في - انه - يرجع الي القرآن الكريم...و التسبيح باسم الله العظيم تسبيح اعظام و اجلال للخالق علي ما كان من نزول القرآن و اعزاز امر المؤمنين و اذلال الكافرين... و قد يكون التسبيح ابتداء و اغراءا و قد يكون انتهاءا و جزاءا أي نتيجة أمر من الامر يستوجب شكران النعمة و تمجيد المنعم و اللهج بما يرضي الله من خالص الطاعات. و كريم الثناء عليه بله ثناءه...«سبح اسم ربك الأعلي، الذي خلق فسوي، و الذي قدر فهدي، و الذي اخرج المرعي فجعله غثاءا أحوي». الاعلي 5/1هذا التسبيح و ان جاء ابتداءا فانما هو في شكر الله و تمجيده علي ما من به علي خلقه من كبير نعمه و كثيرها...و هي نعم تستوجب التسبيح و من عادة النص القرآني عند الامر بالتسبيح و التوصية به أن تذكر موجبات ذلك و هذا ما وجدناه في سورة الاعلي...«فسبح بحمد ربك و استغفره انه كان توابا»... النصر/3الامر بالتسبيح هنا يأخذ صفة الجزاء و الشكران علي ما حققه الله للنبي و للأمة من الانتصار علي الشرك و اهله و دخول الناس في دين الله افواجا في حين كانوا يدخلون فيه فرادي مع الخوف من تربص الاعداء و اذي الخصوم...ان كلمة التسبيح لا تعني ان يقع ذلك مرة او مرتين و لا تعني أن يقع ذلك غب الفتح الذي تحقق و انما ينبغي ان يظل هذا التسبيح مستمرا ابد الاحابين و جاء التسبيح مقرونا بالاستغفار تطمينا الي مرضاة الله عن نبيه في فترة الدعوة الي الدين و حمل رسالته الي العالمين عبر العهد المكي و المدني...لقد علمنا أن الرسول كان يتلقي علي مدي ساعات ليلة و نهاره الاوامر الالهية لاداء المهام التي يلزمه الله بادائها و قد كان بعضها يرد بلفظ غير الذي يرد ما سواه حتي احصينا عدة الفاظ في هذا الامر منها امر التسبيح و أمر الابلاغ و أمر البشارة و الانذار و السؤال و الاستفتاء و الذكر و النظر و ضرب الامثال و غير ذلك.

باب ألم تعلم

في بعض الخطابات القرآنية التي خوطب بها الرسول الاعظم ما يرد بلفظ «ألم تعلم» و من ذلك قوله تعالي: «ما ننسخ من آية او ننسها نأت بخير منها او مثلها ألم تعلم أن الله علي كل شي‌ء قدير، ألم تعلم أن الله له ملك السماوات و الارض و ما لكم من دون الله من ولي و لا نصير» البقرة 107/406.«ألم تعلم» هنا تعني الاستدلال بقدرة الله علي ما يستعبد وقوعه منكروا ذلك. فان آية النسخ هنا تعني الشرائع اذا ان الاسلام نسخ اليهودية [ صفحه 192] و النصرانية - و نسخ كذلك ما كان هناك من اديان قديمة - و أمر نسخهما يتطلب القدرة العالية علي مثل ذلك و لا شك في قدرة الله عليه. و من هنا جاء قوله تعالي «ألم تعلم أن الله علي كل شي‌ء قدير» ثم قال بعد ذلك «ألم تعلم أن الله له ملك السماوات و الارض...»... لذا كانت قدرة الله قادرة علي التحكم في الاديان و غيرها وفق الحكمة الالهية الحكيمة و بذلك كان استعمال «ألم تعلم» في موقع التأكيد و الجزم علي حدوث النسخ في عالم الديانات... و من قال ان هذا النسخ وقع عالم الديانات... و من قال ان هذا النسخ وقع في الآيات القرآنية قلنا ان ذلك لو كان مرادا هنا لما جري الاستدلال علي امكان وقوعه بمثل هذا النص المفصل الدال علي عظيم قدرة الله، و ليس لما قالوه مكان في هذا المكان... «ألم تعلم» استشهاد بالرسول لصحة علمه و قوة شهادته علي ماتم استشهاده عليه صلي الله عليه و سلم فكان ذلك من عظيم ثقة الله به و هو اهل لثقة الله به و من ذلك ايضا قوله تعالي: -«ألم تعلم أن الله له ملك السماوات و الارض يعذب من يشاء و يغفر لمن يشاء و الله علي كل شي‌ء قدير»... المائدة/40ان ملك الله السماوات و الارض و سلطانه علي الكون أمر من بديهيات الامور و قوله تعالي «ألم تعلم» اي ألست متيقنا من علم ذلك و من حقيقته و من أن الله اذ يسلك امر السماوات و الارض فان له فيهما التصرف المطلق. و لذلك جاء في النص «يعذب من يشاء و يغفر لمن يشاء» و التعذيب و المغفرة يتمثل فيهما من صفات الله العنف و اللطف و العقاب و المسامحة والاخذ بالشدة و اللين و هو شأن من يملك شيئا و الله خير المالكين... ان استعمال صيغة «ألم تعلم» استعمال ينوه بقيام امره و وجود شي‌ء معلوم و لا يقع مثل هذا المعني في ان يقال «اعلم» لان هذه الصيغة تنشي‌ء علما جديدا قد لا يكون معلوما من قبل. و قوله تعالي من مخاطبة النبي «ألم تعلم» ما يعد من قبيل الاعتراف بأن ما يخاطب في هذا المعني بهذه الصيغة هو كائن و ثابت و معلوم لديه صلي الله عليه و سلم...«ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء و الارض ان ذلك في كتاب ان ذلك علي الله يسير»... الحج/70في هذا الخطاب الذي هو استفهام تقريري ما يعد تقريعا للناس يومذاك ممن طال عليهم ان يعلموا ان الله يعلم كل شي‌ء. لأن الله عزوجل اراد بمخاطبة النبي بهذه الصيغة ان الامر جدير ان يكون واضحا و معلوما لأرباب العقوب و الالباب. اذ ان ألوهية الاله من شأنها أن تكون محيطة بكل شي‌ء علما. علي ان في النص ابرازا لجانب مما يتصف به النبي من العلم و المعرفة لا سيما في ما يختص بذات الباري‌ء عزوجل و صفاته...

باب فاعلم

من التوجيهات الالهية التي ترد فيما يحمله الوحي الي رسول الله صلي الله عليه و سلم من جديد الامور و الحقائق و ما ينبغي أن يصل الي علم النبي في جمهرة مفردات العقيدة التي يحمل لواءها الي الناس ما يكون مسبوقا او مبدوءا بلفظ «فاعلم» و من ذلك قوله تعالي:«فان تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم و ان كثيرا من الناس لفاسقون»... المائدة/49«فان لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم و من أضل ممن اتبع هواه بغير هدي من الله ان الله لا يهدي القوم الظالمين»... القصص/50ان كلمة «فاعلم» تعني توثيق المعلومات المبلغة للنبي في شأن من تولي و عصي و اساء و كفر فان الله اذ قال لرسوله عند الكلام علي مصير هؤلاء «فاعلم» فان في ذلك اشهادا للنبي علي أن الله صانع بهم ما يستحقون [ صفحه 193] «فاعلم أنه لا آله الا الله و استغفر لذنبك و للمؤمنين و المؤمنات والله يعلم متقلبكم و مثواكم»... محمد/19في هذا النص الذي يشير الي وجوب العلم بوجود الله عزوجل نري ملامح التحدي ظاهرد في ذلك اذ انه ورد في أعقاب الكلام علي الذين قال الله فيهم انه طبع علي قلوبهم... ففي كلمة «فاعلم» بيان بقوة هذا المعني و أهمية ايراده اما امره تعالي للنبي بالاستغفار فذاك في مجال التوصية بديمومة الاستغفار في كل حين لما فيه من التقرب المستديم من لطف الله و رحمته...

باب بشر

من الخطابات الالهية الموجهة الي الرسول الاعظم في القرآن المكي و المدني النص الامري الذي هو - بشر -... و للبشارة اثر عظيم في النفوس التي توعد بالخير او المغفرة او النصر و قد تكون كلمة «بشر» مكافأة للمبشرين و جزاءا علي اعمال من الطاعات قاموا بها و قد تكون كلمة «بشر» حاملة معني الاغراء و الاستحثات علي اداء اعمال يرضاها الله... و في بعض الاحيان تأتي كلمة البشارة هذه علي عكس معناها قصد التهكم بمن يبشرون بعقاب او عذاب. و ذاك من بعض الاساليب البلاغية في القرآن الكريم و مما جاء في باب «بشر» ما نسرده في هذا المجال...«و بشر الذين آمنوا و عملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الانهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل و أتوا به متشابها و لهم فيها ازواج مطهرة و هم فيها خالدون». البقرة/25«بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما، الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فان العزة لله جميعا»... النساء 139/138في هذا النص ما يشير الي المواجهة التي تثقل علي من بشروا بالعذاب الاليم و امعانا في وصف سوء عملهم جاء النص يتكلم علي ذلك ببعض التفصيل... و التهكم هنا و الاستخفاف بالقوم ظاهران بوضوح...«و بشر الذين كفروا بعذاب أليم»... التوبة/3و المعنيون بذلك هم من سبقت الاشارة اليهم في اول النص اذ جاء فيه: «و أذان من الله و رسوله الي الناس يوم الحج الاكبر أن الله بري‌ء من المشركين و رسوله فان تبتم فهو خير لكم و ان توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله و بشر الذين كفروا بعذاب أليم»... علي أن المعنيين ببشارة العذاب الاليم أعم من المذكورين لان جميع الكافرين في سائر الظروف معنيون بهذا التهديد الالهي...«و من الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم و يتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين. و اذا تتلي عليه آياتنا ولي مستكبرا كأن لهم يسمعها كأن في أذنيه وقرا فبشره بعذاب أليم»... لقمان 7/6في هذه البشارة و هي لا تتضمن من معاني البشارة شيئا لطمة علي وجه من بشروا بها ممن يستحقون هذه اللطمة و في تفاصيل النص حيثيات هذا الجزاء العادل و العقاب الذي هو وفاق الاستحقاق و كان علي النبي أن يواجه هؤلاء بما انزله الله عليه في شأنه في الحكم و ذاك ليس بالامر الهين في مكة لقلة انصار النبي و نذرة اعوانه...«و بشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا»... الاحزاب /47هذا النص جاء مسبوقا بقوله تعالي: «يا أيها النبي انا ارسلناك شاهدا و مبشرا و نذيرا. و داعيا الي الله بأذنه و سراجا منيرا»... مما يفهم منه ان الرسول كان يوصل الي المؤمنين دائما بشائر رحمة الله و ما اعده لهم من أجر عظيم و ثواب كبير. فالنبي بهذه الحاله علي اتصال دائم غير منقطع بمن لحق به من المؤمنين [ صفحه 194] يفر في نفوسهم تقبل الله ايمانهم و مثوبته لهم علي ذلك...«انما تنذر من اتبع الذكر و خشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة و أجر كريم»... يس/11البشارة هنا مرشحة لمن يستحق المغفرة والاجر الكريم لأنه اتبع الذكر و خشي الرحمن بالغيب... و هي بشارة تدخل السرور الي النفوس و تشجع الغير الي ان يتمناها لنفسه بعبادة الله و حسن طاعته لأن الامر ينعقد علي قاعدة اصولية عامة و كل من كان من الناس علي ذلك استحق هذه البشارة. و كان النبي صلي الله عليه و سلم يخاطب من يتوسم فيهم انطباق تلك الصفات و السماوات بحسن موقفه و رفعة مكانته عند الله...«ويل لكل أفاك أثيم. يسمع آيات الله تتلي عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها فبشره بعذب أليم»... الجاثية 8/7بهذه ننتهي من باب البشائر الالهية الواردة بلفظ «بشر» علي أن جمهرة ذلك ما يعد من البشائر الواردة في التعذيب و الزجر وفقا لجاري عادة الناطقين بالعربية من استعمال الفاظ في غير ظاهر معناها...

باب الفضل الالهي علي النبي

تتضمن كلمة الفضل صنوفا كثيرة من البر و الخير و النعم معنويها و ماديها لا سيما اذا كانت منسوبة الي الله عزوجل «و أن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم» الحديد/29... و يكون الفضل في المقامات و المنازل و الدرجات و الرتب و قد اشارت النصوص القرآنية الي عظم فضل الله علي النبي في اكثر من موقع قرآني و ها نحن اولاء موردون هذه النصوص مقرونة بشرح يسير...«و لولا فضل الله عليك و رحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك و ما يضلون الا أنفسهم و ما يضرونك من شي‌ء و أنزل الله عليك الكتاب و الحكمة و علمك مالم تكن تعلم و كان فضل الله عليك عظيما»... النساء/113في هذا النص تنويه ببعض مفردات الفضل الالهي علي النبي و كان في ذلك العلم الذي علمه اياه. اذ لم يكن يعلمه من قبل و كذلك الحكمة والكتاب... و من فضل الله كذلك انه عز شأنه احاط النبي بالامانة و الحصانة فلم يستطع اهل الضلالة و الفتنة ان يضروه شيئا و جاء في نهاية النص «و علمك مالم تكن تعلم و كان فضل الله عليك عظيما»... و في ذلك دلالة علي اتساع نطاق الحدب الالهي علي النبي... و في النص تصريح ظاهر بعظم فضل الله علي رسوله اذ وقاه مكايد مكثفة كان اعداؤه يسعون الي ايقاعه في فخها، و من ظاهر النص نعلم عظم المكر الذي كانوا يمكرونه و المكيدة التي كانوا يكيدونها و تهكم الله بهم اذ رد ضلالتهم اليهم... و قرن الله فضله برحمته و هما أمر ان عظيمان غاية العظم اذ كان الرسول الاعظم ينعم من ربه بالفضل و الرحمة و ناهيك بذلك رعاية و حماية و عصمة... و نفي الله اقتدار القوم علي ايقاع الضرر برسوله محمد بن عبدالله. «و ما يضرونك من شي‌ء» و بذلك خاب فأل الخصوم كل خيبة ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا...و تلا ذلك من بعض فضل الله و رحمته علي رسوله ما جاء التنويه به من أنه تعالي انزل الكتاب عليه و الحكمة و كلاهما من أهم لطف الله السابغ علي الرسول الذي جعله الله معدن الحكمة «و من يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا»...و علم الله النبي مالم يكن يعلم فكان بذلك اعظم الرسل شأنا و أعلاهم قدرا و أقربهم الي ربه مكانة. و ختم النص بالتنويه باللطف الالهي العظيم «و كان فضل الله عليك عظيما»... و في هذا الاطراء السابغ ما يدل دلالة واضحة علي جلالة قدر الشخصية المحمدية عند الله، و علي نصاعة صفحات سيرتها الكريمة و تاريخها الحافل باللطف العظيم مما كان قد علمه الله نبيه فعلمه النبي أمته و مما كان قد ألقاه اليه من الحكمة فالقاه النبي الي امته [ صفحه 195] و مثل ذلك لا يقال فيه انه زائل غير ثابت و منقطع غير متصل. فالعلم و الحكمة و بصائر الشريعة منتفع بها من قبل سائر البشر الي يوم القيامة. و لو لا أن يكون كذلك لما جاء النص في ذلك بلفظ الفضل الذي تكرر في النص مرتين موصوفا في احداهما بأنه عظيم.«و ان يمسسك الله بضر فلا كاشف له الا هو و ان يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده و هو الغفور رحيم»... يونس/107في النص ما يثبت ان فضل الله اذا من به الله علي احد فانه لا تملك قوة في الدنيا الحيلولة دون ذلك اذ ان فضل الله الذي يسبغه علي من يسبغه عليه قائم و واسع و ثابت و مستفيض...«الا رحمة من ربك ان فضله كان عليك كبيرا»... الاسراء/87و ما من شك في ما يملكه النبي من حسن تصرف وجد في اداء المهام النبوية و عظم طاعته للاوامر الالهية. و النص الذي تحقق للنبي صلي الله عليه و سلم كل ذلك مرده الي فضل العظيم علي النبي صلي الله عليه و سلم...

باب لا يحزنك، و لا تحزن

من اجل أن لا يتعرض النبي من جراء اساءات قومه الكثيرة الي انشغال نفسه بالحزن و ما يكدر الخاطركانت هناك آيات قرآنية تنزل في صرف النبي عن الحزن و الهموم فهي أولاه كثيرة و ثانيا يكون تأثيرها علي النبي ثقيلا. و لاجل ان يتحرر النبي من ذلك ليمضي في وجهته الاصلاحية العظيمة كان الله يوصيه بأن لا يجزع و أن لا يحزن و من كان منوطا به ما نيط بالنبي من مهمة اصلاح البشرية و انقاذها و اخراجها من الظلمات الي النور جدير ان يكون فوق الهم و الحزن و التأثر و بالهموم... و فيما يلي من آيات الكتاب المبين ما هو من بعض هذا الحديث...«و لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر انهم لن يضروا الله شيئا يريد الله ان لا يجعل لهم حظا في الاخرة و لهم عذاب عظيم»... آل‌عمران/176من الامر البديهي ان الرسول الاعظم صلي الله عليه و سلم كان يحزنه انصراف امته الي الكفر و قد اراده الله منقدا لها منه و مخرجا اياها الي نور الهدي من ظلماته... و علي هذا كان الله يصبره علي تحمل ذلك و يدعوه الي أن يطول حزنه علي مواقف قومه من الكفر و الضلال. و قد اكد النص علي ان هؤلاء مطبوع علي قلوبهم فلا يتأتي من الحزن عليهم بسبب كفرهم شي‌ء من جدوي أو فائدة...«يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا امنا بافواههم و لم تؤمن قلوبهم و من الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه...»... المائدة/41.من آيات التصبير علي ثقال الهموم و المعاناة الشاقة ما جاء في هذا النص من دعوة النبي الي عدم الحزن لما يقع من مساءات قومه و من اهل الكتاب و قد استقصي النص القرآني مساءاتهم هذه و جرائرهم مما جعلنا للكلام عليه مجالا في آيات المعاناة من هذا الكتاب. و في آية الانعام الثالثة و الثلاثين و هي سورد مكية جاء قوله تعالي «قد نعلم انه ليحزنك الذي يقولون فانهم لا يكذبوك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون»...النهي الذي يرد الي النبي عن الحزن في مثل هذه الامور لا يعني أنها لا تستأهل الحزن فهي في الحقيقة جديرة به ولكن الله يهون علي نبيه الامور لئلا تأخذ منه مأخذا عميقا فان الهموم اذا جرت من النفوس في مجار عميقة ادت الي امساكها قليلا او كثيرا عن المضي في وجهتها الجدية الصائبة... و قد جاء النص مشيرا الي تزكية النبي من أن يكون محل تكذيب القوم الذين يجحدون آيات الله. فانهم لا يتهمون النبي بالكذب شخصيا و فيما يقوي قصد التهوين علي النبي فلا يذهب بعيدا في الحزن... [ صفحه 196] «و لا يحزنك قولهم. ان الغزة لله جمعيا هو السميع العليم»... يونس/65القول الذي كان يحزن النبي صلي الله عليه و سلم هو من انماط اقوال الكفار و المشركين لا سيما ما كان منها في ذات الله ما يصل الي هذه العزة بخدش او اساءة... و من هنا كان النهي الالهي للنبي أن يأخذ منه الحزن أي مأخذ. و في الاية السادسة و السبعين من سورة يس جاء قوله تعالي «فلا يحزنك قولهم انا نعلم ما يسرون و ما يعلنون»... فان النص اذ يوصي النبي بأن لا يحزن علي مقولات المشركين ينوه للنبي بأن ما يحزنه من قولهم انما هو ما يعلنونه و يجاهرون به في حين أن الله يعلم انهم يكتمون في صدورهم ما هو شر من ذلك...«لا تمدن عينيك الي ما متعنا به أزواجا منهم و لا تحزن عليهم و اخفض جناحك للمؤمنين، و قل اني أنا النذير المبين»... الحجر 89/88في هذا النص و هو توجيهي تربوي و وعظي يقول الله لنبيه فيه أن لا يستكثر ما آتاهم الله من خير نعيم لم يحسنوا مكافأنه فيحزن لذلك... و أمره في نفس الوقت بمعاملة المؤمنين و هم الذين اخلصوا في عبادتهم و رضوا ما قسمه الله لهم في حياتهم من رزق يسير وليكن موقفك دائما علي مستوي كونك النذير المبين من الله لسائر عباد الله.«و اصبر و ما صبرك الا بالله و لا تحزن عليهم ولاتك في ضيق مما يمكرون»... النحل/127من الايات التي خوطب بها النبي في شأن ما يدعو الي الحزن و احتمال الهم. و قد نهي عن الحزن لتكون وجهته الي اداء مهمته الرسالية وجهة في غاية الجد و الحزم و الصبر و قوله تعالي «و لا تحزن عليهم» اي لا تحزن بسبب ما يقفونه من مواقف تجر الي الحزن و الاكتئاب. كما نهاه الله عن أن يكون في ضيق. و الضيق هو الحزن نفسه و الضجر و القلق مما يبلغك من محاولاتهم التي يدبرونها ضدك...«و من كفر فلا يحزنك كفره الينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا ان الله عليم بذات الصدور»... لقمان/23يشير النص الي ان كفر هؤلاء الكفرة سيكون محل حسابهم و جزائهم و اذ ان الامر كذلك فليس للحزن من فائدة او جدوي لانهم قد أحاط الله بكفرهم علما فتوعدهم بالعقاب الاليم يوم يحاسبهم الله علي كفرهم و سوء عملهم...في هذه الآيات التي دعي الرسول فيها الي عدم الحزن ما يشير الي أن الرسول صلي الله عليه و سلم كان كثير الحزن لما يراه من سيي‌ء مقولات المشركين فيه و في الخالق العظيم و ما يلاحظه كذلك من خبيث تصرفاتهم فان اخلاصه لربه و حرصه علي دينه و مهمته في دعوة الظالمين من قومه الي هدي الله و تقواه بعمله علي أن يلوذ بالحزن الذي كان علي ما يبدو في هذه النصوص ثقيل الوطأة عليه و شديد التأثير و لذلك كان الله يتداركه بآيات التهوين و وصايا التخفيف مما يجعل النبي يفي‌ء الي الصبر و يأخذ بهدبه و انها حقا من الغم الذي يكون له معتركه في الصدور المترعة ايمانا و هدي و مخافة من الله عزوجل...

باب اقم الصلاة

الصلاة في الاسلام عمود هذا الدين العظيم لا سيما اذ انها تجعل العبد قريبا من ربه و هي كذلك حين تؤدي مع الجماعة فانها تشعر كل فرد من المصلين بانه جزء من المجموعة و هذا معني حرصت الشريعة علي اظهاره و ابرازه و تثبيته في احكامها و اهدافها و أوامرها و نواهيها... و هاهنا آيات في هذا الصدد نسردها مقرونة بشي‌ء من الشرح و التأويل...«و أن أقم وجهك للدين حنيفا و لا تكونن من المشركين، و لا تدع من دون الله مالا ينفك و لا يضرك فان فعلت فانك اذن من الظالمين»... يونس 106/105 [ صفحه 197] هذا أمر ينتمي الي ما هو من الامر الواقع. فقد جاء لتثبيت استمرارية ما كان الرسول الاعظم صلي الله عليه و سلم قد اعتاده و ألفه من الطاعات... فكان الله يدعو الي ملازمة ذلك. و الخطاب موجه الي النبي اقرار لما هو عليه و تثبيتا و هو كذلك موجه الي الامة تعليما واستحثاثا علي الصدق في العبادة و تجنب نزغات الشرك...و من بارع ما يرد من الاوامر الالهية الموجهة الي الرسول انها يراد بهاد في كثير من الاحيان مخاطبة افراد الامة علي التأويل الذي اشرنا اليه آنفا... و قد حدد النص كذلك في سورة الروم الآية الموفية علي الثلاثين بالصيغة التالية «فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن اكثر الناس لا يعلمون» كما ورد ذلك في سورة الروم ايضا الاية الثالثة و الاربعين بلفظ «فأقم وجهك للدين القيم قبل ان يأتي يوم لا مرد له من الله يومئذ يصدعون»...«و أقم الصلاة طرفي النهار و زلفا من الليل ان الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكري للذاكرين، و اصبر فان الله لا يضيع أجر المحسنين»... هود 115/114من مظاهر الاعجاز البلاغي في القرآن الكريم انه دقيق الاوامر و التوجيهات و ذو عبارات و اساليب من شأنها علي تباين حروفها و كلماتها أن تؤدي نفس المؤدي و تعني نفس المعني. فقوله تعالي: «و اقم الصلاة طرفي النهار و زلفا من الليل ان الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكري للذاكرين» و قد ختم بقوله تعالي: «و اصبر فان الله لا يضيع أجر المحسنين» اذ تتطلب العبادات الصبر الذي يعد من اهم اشراطها و ملامحها و في القرآن الكريم: «و أمر اهلك بالصلاة و اصطبر عليها»...«أقم الصلاة لدلوك الشمس الي غسق الليل و قرآن الفجر ان قرآن الفجر كان مشهودا، و من الليل فتهجد به نافلة لك عسي أن يبعثك ربك مقاما محمودا، و قل رب أدخلني مدخل صدق و أخرجني مخرج صدق و اجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا، و قل جاء الحق و زهق الباطل ان الباطل كان زهوقا»... الاسراء 81/78من الاوامر الالهية الوجيهية التي تلقاها النبي صلي الله عليه و سلم من ربه و فيها دعوة الي الصلاة في مواقيت محددة مقررة... اما قوله تعالي: «و قرآن الفجر» فهذه الصلاة تؤدي في هذا الوقت تبعا للصلوات التي جري الامر باقامتها عند دلوك الشمس و غسق الليل و ربما أعربت كلمة «قرآن الفجر» منصوبة بنزع الخافض علي تقدير و تمسك بقرآن الفجر... و التقديرات هنا كثيرة تشير كلها الي هذا الوجه و كون قرآن الفجر مشهودا اي يشهده الله و الملائكة المقربون علي ان الله يشهد كل شي‌ء ولكن قصد الاطراء و تخصيص الفجر به ظاهر في النص اضافة الي ان الفجر هنا ما توضح من الضوء المنتشر في الافق بين يدي طلوع الشمس و في هذا النص تنويه بديمومة الصلاة في كل يوم اذا ان دلوك الشمس و غسق الليل و بزوغ الفجر ظواهر طبيعية تتكرر كل يوم علي مدي أيام الزمان. والامر هنا مشمولة به الامة كلها لأن الرسول هو اقوي المؤمنين ايمانا و اشدهم تمسكا بطاعة الله اذا كان أمر بأداء هذه الصلوات فان الامة مأمورة بها من باب أولي... و هذا الخطاب ليس من الخصوصيات الخاصة بالنبي و انما هو مما يدخل في عموميات الخطابات الالهية...«اتل ما أوحي اليك من الكتاب و أقم الصلاة ان الصلاة تنهي عن الفحشاء و المنكر و لذكر الله اكبر و الله يعلم ما تصنعون»... العنكبوت/45جاء الامر بالصلاة هنا في مخاطبة الرسول صلي الله عليه و سلم مقرونا بالتنويه ببعض عطائها و آثارها و مزاياها اذ جاء القول بانها تنهي عن الفحشاء و المنكر بما تتركه في نفوس المصلين القانتين من آثار تربوية عالية... [ صفحه 198]

باب واصبر

كان النبي صلي الله عليه و سلم طاقة عظمي ذات اقتدار اقتحامي و صمود نادر في الصامدين و صبر لا بوازيه صبر في الصابرين و كان ذا جلد و تحمل و تحل بضبط النفس و بعد نظر و رجحان رأي و صلابة موقف حين تجب الصلابة و تسامح حيث يحسن التسامح و بذلك صمد في مكة ثلاثة عشر عاما و في المدينة عشرة اعوام. و لا شك ان بعض ذلك كان استجابة لاوامر الله المنزلة عليه بوجوب التدرع بدرع الصبر اذ كانت النصوص في هذا المعني تكرر علي سمعه صلي الله عليه و سلم. بل ان المؤمنين كانوا يوصون بالصبر و التحمل و الحلم و ضبط النفس... و فيما يلي آيات في هذا المعني نشرحها شرحا يسيرا لنعلم ان الله كان يوصي رسوله به ابدا...«و اتبع ما يوحي اليك و اصبر حتي يحكم الله و هو خير الحاكمين»... يونس/109النص يقضي بالالتزام التام بوحي الله المنزل علي رسوله و الصبر علي ذلك اذ ان وحي الله الموحي الي للرسول فيه الاحكام والاوامر والوعد و الوعيد و مجاهرة الكفار بما اعده الله لعقابهم من نار. و في التصريح بذلك للمشركين ما فيه من معاناة جهد كبير، لذا أعقب الله كلمة الاتباع بالصبر، و في النص ما يدل علي أن وراء الصبر الذي أمر به النبي فرجا مهما بعد فهو قريب و ذاك معني قوله تعالي مما جاء في نهاية النص «حتي يحكم الله و هو خير الحاكمين»... فهو اذن صبر لا يأس معه لأن اله سيحكم امر دينه و يحقق لرسوله النصر و يعزه و يذل خصومه مالم يسلموا او يؤمنوا...«تلك من انباء الغيب نوحيها اليك ما كنت تعلمها أنت و لا قومك من قبل هذا فاصبر ان العاقبة للمتقين»... هود/49ما قصه الله علي رسوله في التنزيل مراد به الاعتبار و التأسي اذ كان الرسل قد عانوا من اقوامهم كثيرا من الاذي و التكذيب و علي ذلك امر الله نبيه بالصبر كما كان حال اولئك الرسل صلوات الله عليهم اجمعين اذ كانوا قد أمروا بالصبر كذلك. فيكون للصبر مكانه و موقعه في نفس النبي اذ انه توجيه الهي ألف الانبياء من قبل تلقيه من ربهم و لم يكن النبي صلي الله عليه و سلم وحده قد جرت توصيته به و ذاك ان الصبر علي الخطوب و المصابرة علي المعاناة الشديدة امر غير يسير علي الصابرين و من هنا كان من تهوين امر الصبر علي النبي ما كان من الاشارة الي ان الرسل الاقدمين عرفوا بالصبر و كتبوا في الصابرين فلقد كانت مهمة الانبياء ذات مهمة النبي صلي الله عليه و سلم لذا كانت الوصية بالصبر موجهة الي الجميع... و الناس هم الناس. و ذوو العقائد الباطلة لا يستطاع تصحيح عقائدهم بين عشية و ضحاها انما يتطلب ذلك ما يتطلب من مجاهدة و صبر و تحمل الهم الثقيل...«و أقم الصلاة طرفي النهار و زلفا من الليل ان الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكري للذاكرين، و اصبر فان الله لا يضيع أجر المحسنين»... هود 115/114وصف الصابرون بالمحسنين في النص الانف الذكر، و قد دعا الله نبيه الي الصبر بعد أن دعاه الي اقامة الصلاة طرفي النهار و زلفا من الليل و في النص تشجيع للذين يؤدون الصلوات لما فيها من زيادة في البركة و تطهير للنفوس و انها حسنات تمحي بها السيئات... و تضمن النص الاشارة الي أن للصابر اجرا يؤاجره الله عليه اذ جاء في النص «فان الله لا يضيع اجر المحسنين»... و الوصية بالصبر في معرض الامر باقامة الصلاة وصية ذات موقع طبيعي فان اداء الصلاة استمرارية مطردة او متعاقبة امر تحتاج النفوس فيه الي اغراء وحث مستديم... و قد جاء في القرآن الكريم في هذا المعني «و أمر اهلك بالصلاة و اصطبر عليها». [ صفحه 199] «و اصبر و ما صبرك الا بالله و لا تحزن عليهم و لا تك في ضيق مما يمكرون»... النحل/127في النص ايماء الي بعض منافع الصبر و محاسنه و عطائه و موجباته فانه يعين علي تأطير دواعي الحزن و تحمل المضايقة من الناس من فرط عدوان الكافرين و قد جاء في ختام النص «ان الله مع الذين اتقوا و الذين هم محسنون»... فبان بذلك ان الصبر من معالم التقوي والاحسان.و في النص كذلك تعبير علي احتمال الهموم و دواعي الاضجار و سوء معاملة من يدعون الي الدين فيصدون عنه أسوأ صدود... و قد يظن ظان أن أمر الله نبيه بالصبر علي المكارم يستوجب طول النظر اذ يحسب أن علي الله مادام قد ارسل رسله الي الناس ان يدرأ عنهم هذه الهموم و أن يطوع لهم نفوس الناس لكي يستجيبوا لهم بدون تعريض الرسل لما يتعرضون له من معاناة الصبر و ثقل و طأته. و الجواب علي ذلك ان الله لو شاء ان يحمل الناس علي الايمان به حملا بالسهولة المقترحة لهداهم من غير أن يجشم الرسل عناء القيام بهذه المهمة...«و اصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه و لا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا و لا تطع من اغفلنا قلبه عن ذكرنا و اتبع هواه و كان أمره فرطا»... الكهف/28في النص تعليمات في مسائل العبادة اذ يوصي الله نبيه بالصبر مع جمهرة من هناك من المؤمنين. و النهي عن اطاعة من اتخذ الهه هواه انما يعني أن هناك من هم علي هذه الشاكلة من العناد و المشاكسة، و لم يكن النبي مطيعهم في شي‌ء الا أن النص اراد و صم القوم بما وصمهم به من غفلة القلب و التفريط في السلوك السديد...«فاصبر ان وعد الله حق و لا يستخفنك الذين لا يوقنون»... الروم/60يتضمن النص دعوة النبي الي الصبر في موقف يعد من اشد المواقف التي يقع الجزع فيها و يكاد ينعدم الصبر و ذاك ان الذين وصفهم الله بأنهم لا يؤمنون و هم فئة المشركين الذين كان سلاحهم الاستخفاف بصاحب الرسالة. فالتوصية الالهية هذه بالصبر تعني أن لا يستهين الرسول بسلوك الكفار يومذاك مهما كان سلوكا يغلب عليه سلوكهم من الطيش و الحماقة و الجهر بما يؤذي النفوس الكريمة... و هي توصية فيها درس تربوي كريم لضبط النفس و التحلم في مواجهة مساءات الجاهلين...«فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل و لا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا الا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك الا القوم الفاسقين»... الاحقاف/35في النص ايراد لصبر أولي العزم من الرسل ممن ظهروا علي مسرح الاصلاح علي مماحكات اقوامهم الزائغة عن محجة الدين و الهدي... و في دعوة النبي الي الصبر في هذا المقام تشجيع له علي تحمل مرارة الصبر و ثقل عبئه. فلقد كان اولوالعزم من الرسل قد سموا هذه التسمية - اي اولي‌العزم - بسبب صبرهم في تحملهم عناء مواجهة اممهم برسالات ربهمو قد يكون أولواالعزم من الرسل اكثر عددا مما يحصي في هذا الباب... و بهذا يكون القصد اتفاقيا لا احترازيا...«فاصبر علي ما يقولون...»... ق/39بعض الصبر الذي أمر النبي به انما هو الصبر علي مقولات يقولها اهل الشرك و هي مما يستثير الغضب و يتطلب الرد و الزجر الشديد... فان في اقوال الالسنة ما هو أشد ايذاءا من جراحات الأسنة... ولكن الله وصي نبيه بالصبر في مثل هذه الحالات التي كانت تتكرر من جهلة قومه و ضلال الناس هناك...«و اصبر لحكم ربك فانك باعيننا...»... الطور/48 [ صفحه 200] الدعوة الي الصبر و الامر به قد يكون لاجتياز مساحات من الزمن شديدة القسوة و عظيمة الوطأة و لا يجد الصابر عليها من قوة الرجاء و عظم الامل ما يهون عليه مشقة الصبر الذي قد يكون في غالب الاحيان اكثر مرارة مما يراد الصبر عليه و بهذا كان الصبر الوسيلة التي لابد منها في مواجهة الخطوب و الهموم و ما اليهما ولكن النص القرآني ألحق بالصبر الكلمة التالية «فانك باعيننا» فان الدعوة الي الصبر مع هذا التعهد و هذه الموعدة يجعل الصبر علي جانب كبير من الاستمراء فيخف بذلك العناء به والتثاقل منه و اللارجاء في عواقبه، حقا ان قوله تعالي «فانك باعيننا» لتطييب الخاطر و يقع معه من عظم الثقة باللطف الالهي و رعاية الباري عزوجل ما هو ذو قدر كبير و حجم عظيم. ان الله عزوجل اذ امر نبيه محمدا بالصبر علي قضائه و بلائه و ما يقدره في عرض مسيرة السيرة النبوية من اقدار تبدو قاسية يعدها من لا يعلم حكمة الباري في مثل هذه الامور مما يجر الي الاخفاق و اليأس لذا جرد الله ذهن النبي من ان يظن ان الصبر علي ما امر بالصبر عليه سيدخل الي نفسه الرعب من الاحداث التي تجد في ساحة الدعوة الدينية حقا ان كلمة «فانك باعيننا» قربت النبي تقريبا جد قريب من الثقة بالنتائج المرضية وحببت اليه الصبر الذي تعده الناس من ثقال التكاليف فان قوله تعالي «فانك باعيننا» قد ملأت اجواء نفس النبي بالامان و الطمأنينة و الفأل الحسن بما سيجد وراء ذلك من احداث و اقدار. و قد طمأن ذلك النبي الي ان ما دعي الي الصبر عليه من حكم ربه لن يكون اقسي مما رأي و تحمل...«فاصبر لحكم ربك و لا تكن كصاحب الحوت اذ نادي و هو مكظوم، لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء و هو مذموم، فاجتباه ربه فجعله من الصالحين»... القلم 50/48قد يكون الصبر ثقيلا في مواجهة بعض الامور كالذي وقع ليونس عليه‌السلام و قد اراد الله ان يقوي القدرة علي الصبر لدي نبيه محمد بن عبدالله فلا تجره موجة العدوان و شطط معاملة الكفار الي الجزع. فليصبر ما استطاع الي ذلك سبيلا.هذا النمط من التوصيات الالهية بالصبر فيه جانب عظيم من التربية و التوجيه بضبط النفس و تحمل عب‌ء الدعوة العظمي المرسل بها الرسول الي قومه و انها تستاهل كل الصبر لما وراء ذلك من فوز جد عظيم...«فاصبر صبرا جميلا».. المعارج/5وصف الصبر الذي دعي الرسول الي الاتصاف به بأنه جميل و قد صارت ادبيات العربية تنعت الصبر ابدا بأنه جميل و ذاك نظرا لما يتحقق في عواقبه من معالم التوفيق و اسباب الخير و النجاح و التيسير...«و لربك فاصبر»... المدثر/7كان الامر بالصبر و التوصية به مما جاء في اول ايام المبعث النبوي و ذاك في سورة المدثر «و لربك فاصبر»... سورة المدثر من اوائل السور التي نزلت علي النبي في مكة بعد وقت قريب من ابلاغه بالنبوة و الوحي السماوي...«فاصبر لحكم ربك و لا تطع منهم آثما او كفورا» (الدهر) الانسان/24قبل هذا النص جاء قوله تعالي «انا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا»... و كان حريا ان يكون وراء النص الآمر بالصبر علي تحمل ما يواجه به النبي من الاثمة و الغامطين فضل الله عليهم و المنكرين عظيم سلطانه.و يبدو- و هو امر طبيعي - ان الساعين في هدم الدعوة الاسلامية كانوا يريدون النبي يقلع عن دعوته و ينسحب من المجال الذي فتحه لنفسه في مواجهة الشرك السائد لدي القوم.والآثم و الكفور صفتان تدلان علي وجود رهط من المعاندين الذين لا يتوقع ارعواؤهم و انصياعهم الي الهدي... و الآثم و الكفور انما سميا هذه التسمية بما يتقمصانه من قميص الشر و اللدد في الخصومة و قد [ صفحه 201] يكون في الناس من ينكر الدين الجديد و لا يرضي ان يبدل من اجل التوحيد ما هو عليه من عبادة الاوثان ولكنه لا يوصف أبدا بالأثم و الكفر و مثل هؤلاء يكون اذاهم غير ذي شأن ولكن من يروح بغلالة العناد و الاعتداد بعقيدة الوثنية التي لا يرضي الا بالجهر بها فأولئك يكون شرهم شديدا و عدوانهم كبيرا و لذا قال الله «و لا تطع منهم اثما او كفورا» فمن هنا نعلم جسامة الصبر الذي امر الرسول به فقد كان يملأ آفاق حياته صلي الله عليه و سلم...ان هذا النص يرينا ان النبي كان علي جانب من الصمود و القوة في مواجهة انماط من الخصوم الذين وصفوا في النص القرآني بانهم أولو إثم و عناد و كفر بواح و تجاهل لكل الدلائل التي توثق الوثائق و تؤيد الحقائق.بهذا يتم الكلام علي آيات الصبر و التصبير التي يلاحظ أنها من الايات المكية اذ كانت المواجهات يومذاك جد قاسية و عنيفة مما يتطلب الصبر و ضبط النفس و التحلم في حين أن مواجهات الخصوم في العهد المدني كانت تتطلب التبصر و أخذ كل حالة بما يلائمها من الحكمة و دقة التصرف...

باب الم تر

من الخطابات القرآنية التي خوطب بها الرسول الاعظم صلي الله عليه و سلم ما بدأ الخطاب بلفظ (ألم تر) لفتا لأنظار النبي الي أحداث و أمور وقعت في أزمنة شتي و كذلك كان منها ما حدث في زمنه و كان علي شي‌ء من العلم بها و في استعمال هذا الحرف ما يدل علي أن الله أراد أن يوصل الي نبيه تلك المعلومات والانباء والاحداث علي وجه اشهاده عليها و اشراكه في وقوع عليه بها ليكون ما يرد من ذلك في القرآن الكريم حجة علي من سبق من الامم و الرسل و ما وقع لقومه و لغيرهم من ذلك اذ كان النص يستحضر الصورة بكامل اطارها لتكون في متناول استيعاب النبي صلي الله عليه و سلم.و فيما يلي مما جاء في التنزيل العزيز من الايات التي تدخل في هذا الباب قوله تعالي:«ألم تر الي الذين خرجوا من ديارهم و هم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم ان الله لذو فضل علي الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون»... البقرة/243قال الشوكاني في تفسير هذه الاية ]و الغرض من ايراد هذه القصة تشجيع المسلمين علي الجهاد (والمعني ان الحذر من الموت و ترك الجهاد لاجل ذلك لا ينجي من الموت ان اراده الله)[.«ألم تر الي الملأ من بني‌اسرائيل من بعد موسي اذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم ان كتب عليكم القتال أن لا تقاتلوا قالوا و مالنا أن لا نقاتل في سبيل الله و قد أخرجنا من ديارنا و أبنائنا فلما كتب عليهم القتال تولوا الا قليلا منهم و الله عليم بالظالمين، و قال لهم نبيهم ان الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أني يكون له الملك علينا و نحن أحق الملك منه و لم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم و زاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء و الله واسع عليم». البقرة/247  246في قوله تعالي هنا «ألم تر» ما يستحق الاستغراب لسوء عمل القوم و قد جاء النص القراني و كأنه الصورة المصورة التي تكاد تري بالعين المجردة. و أخبار بني‌إسرائيل ذات الصيت السي‌ء متكلم عليها في القرآن بكثرة.و في النص أشارة اي أصول الملك و شروط الملك اذ كان القوم يريدونه من ذوي الثروات الطائلة ولكن نبيهم صحح رأيهم في ذلك فأفهمهم أن هناك معايير لتولي الملك و ذكر منها أن الله اصطفي ذلك الملك [ صفحه 202] عليهم و زاده بسطة في العلم و الجسم و يفهم من ذلك ان الله اذ يملك الملوك يمنحهم طاقات عالية لم يكونوا يملكونها من قبل فاذا كان ذلك هو أمر الملوك فان امر الانبياء يكون اكثر استئهالا لبسطة العلم و الجسم و القدرات الاخري بحجم اكبر من ذلك.«ألم تر الي الذي حاج ابراهيم في ربه أن آتاه الله الملك اذ قال ابراهيم ربي الذي يحيي و يميت قال أنا أحي و أميت قال ابراهيم فان الله يأتي بالشمس من الشمرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين»... البقرة/258في (ألم تر) هذه صورة صورها الله لنبيه و قد ظهر فيها ابراهيم عليه‌السلام و هو يعلن رسالة الله الي ملك زمانه الذي ادعي ردا علي ابراهيم انه يحيي و يميت و لم يناقشه ابراهيم في كيفية هذا الاحياء و الاماتة لان قاعدة الجدل في هذا المقام تقتضي جر من يجادل فيه الي الاعتراف بالعجز ليكون ذلك ابطالا لربوبيته لذلك انتقل ابراهيم الي موضوع اخر أفحم به مدعي الالوهية اذ قال له (فان الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب) و بذلك بهت الذي كفر. ان مدعي الالوهية هذا لو كان قد طالب ابراهيم بأن يدعو ربه بالاتيان بالشمس من المغرب لا من المشرق لكان ذلك كذلك مشيرا الي بطلان ألوهيته لان أي عجز يصدر ممن يدعي الالوهية عن تنفيذ شي‌ء مما هو من أختصاص الربوبية فانه لدليل قاطع علي فقدان ربوبيته و حسب قوم ان هذا الذي حاج ابراهيم في ربه لو قال ذلم لجعل ابراهيم في حيرة من أمره ولكن ابراهيم كان قد أعد لذلك الملك المنكر لألوهية الله و الزاعم صلفا و جهلا أنه هو الاله: سيلا من الحجج التي تبطل ألوهيته من طريق اعلانه العجز الكلي عن الاستجابة بما يراد منه و يقترح عليه... أما الوهية الله رب العالمين فأنها الوهية ثابتة له سبحانه و تعالي أأجاب الناس الي ما أرادوه أم لم يجبهم الي ذلك اذ ان موضوع المناقشة قائم بين بشر و أله. و لله عزوجل قوانينه الطبيعية لا يخرقها نزولا علي رغبات و مسائل جدلية كائنة ما كانت أما مدعي الالوهية من البشر فان عليه أن يثبت استئهاله للقبها مهما كلفه الامر من غير أن يلوذ بالعجز والصمت بما يجعله مفتضحا بين الذين يدعوهم الي عبادته.«الم تر الي الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون الي كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولي فريق منهم و هم معرضون» آل‌عمران/23في هذه الاية ما يستثير العجب من فعل قوم من اهل الكتاب دعاهم النبي صلي الله عليه و سلم الي الاحتكام الي كتابهم فتملص فريق منهم من ذلك... و قد وصفهم القرآن - و هم من احبار اليهود - بأنهم أوتوا نصيبا من الكتاب أي أنهم لم يكونوا ذوي علم بالكتاب كله.و الحادث ليس من اخبار التاريخ القديمة و انما هو من الحوادث المعاصرة التي وقعت في العصر المدني مما يفهم به أن (ألم تر) ترد في الكلام علي المشاهد القديمة والحديثة.«ألم تر الي الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة و يريدون أن تضلوا السبيل». النساء/44في (ألم تر) هذه و ما بعدها استخفاف بأهل الكتاب الذين يرتقب منهم و يتوقع ان يكونوا دعاة هدي و خير لا دعاة كفر و ضلالة و في (الم تر) هذه مما يدعو الي القاء نظرة احتقار لهؤلاء الذين أوتوا نصيبا من الكتاب لجهلهم و فساد تصرفهم و خروجهم علي ما يزعمون من قيم دينهم.«ألم تر الي الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء و لا يظلمون قتيلا». النساء/49.في (ألم تر) هذه اشهاد للنبي فيما يقع من أناس كانوا يومذاك يزعمون في انفسهم المزاعم و يدعون الدعاوي الكبار و هم علي غير ما يعرف الله فيهم، و الله هو الذي يزكي من يشاء من عباده. [ صفحه 203] أن من آداب الاسلام أن لا يزكي الانسان نفسه فيجعلها في مقام العصمة التي لا يصل اليها أثم و لا معصية فان ظهور ذلك في الناس يسقط حقائق الاشياء و يغري الناس بتصديق الكاذبين و الادعياء و في ذلك ما يجر عليهم من الضرر الجسيم ما يجر.و في (ألم تر) هذه تعبير صريح عن الازدراء بمثل هؤلاء الناس و قد جعل النبي محل الاستشهاد علي أمثال هذه الزمر الضالة.«ألم تر الي الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت و الطاغوت و يقولون للذين كفروا هؤلاء أهدي من الذين آمنوا سبيلا»... النساء/51في (ألم تر) هذه يدعو الله نبيه الي العجب من موقف أناس ممن أوتوا الكتاب اذ يخرجون عن عهدة دينهم الذي هو دين التوحيد ليروحوا يزكون عبدة الاوثان والاصنام... ان في (ألم تر) هذه فضحا لموقف شنيع يفضل فيه اهل الكتاب فئة المشركين و عبدة الاوثان علي عبدة الله المسلمين فكان النص يلفت نظر النبي الي غريب ما يقع من اهل الكتاب في المدينة ليعلن الله بذلك خيانة هؤلاء الناس لدينهم و لكتابهم و لذلك جاء النص مشيرا الي وصفهم بأنهم أوتوا نصيبا من الكتاب تهكما بهم و تقبيحا بعملهم.«ألم تر الي الذين يزعمون أنهم آمنوا بما انزل اليك و ما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا الي الطاغوت و قد أمروا أن يكفروا به و يريد الشيطان ان يضلهم ضلالا بعيدا». النساء/60في هذا النص كلام علي المنافقين و فضح لهم و تشهير بهم اذ زعموا الايمان بما انزل الله الي النبي و ما انزل الي الانبياء من قبله ولكنهم يفضلون الاحتكام الي الباطل و يفيئون الي ما لا يؤمن بالله و رسوله.«ألم تر الي الذين قيل لهم كفوا ايديكم و أقيموا الصلاة و آتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال اذ فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية». النساء/77الكلام علي أناس من المنافقين كانوا يتصفون بالشراسة و أدعاء القوة فجاء الامر بالطلب منهم ان يمسكوا عن ذلك و أن يكون حالهم كحال المسلمين يقيمون الصلاة و يؤتون الزكاة.لكنهم لما كتب عليهم القتال اذا انهم في غاية الجبن والخوف...ان مثل هؤلاء جديرر أن يدعو الله نبيه الي الازدراء بهم و احتقارهم و عدم ائتمانهم و الاطمئنان اليهم...و في كلمة «الم تر» ما يعني معني قول القائل: فاعجب لقوم هم علي مثل هذه الحال من سوء الطباع و الخصال...و رغم ان المنافقين لم يكونوا يعرفون بأعيانهم فان مشاهد اعمالهم و سوء خطابهم و لؤم نفوسهم كان يظهر منها للناس ما يحكم عليهم به أنهم من المنافقين...«ألم تر أن الله خلق السماوات و الارض بالحق ان يشأ يذهبكم و يات بخلق جديد، و ما ذلك علي الله بعزيز». ابراهيم 20/19جاءت «الم تر» هنا في مجال فلسفي يشار فيه الي قدرة الخالق العظيم اذ خلق السماوات و الارض و هو اذا افني الناس ان شاء كان قادرا علي ان يأتي بخلق آخر سواهم...ان النص يثبت في النفوس قدرة الله علي الخلق و أهلاكه و أعادته فهو صاحب هذا الملك و رب كل شي‌ء...و كلمة (الم تر) تحمل معني الاستشهاد بالنبي علي ان ذلك كائن لا مرية فيه. و في مثل هذه الخطابات الواردة بكلمة الرؤية بصيغة الاستفهام دليل علي عظمة الرسول بحيث يتخذ الله من رؤيته للأمور ما يقرر واقعيتها و وضوحها و ظهور معالمها... [ صفحه 204] «الم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت و فرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين باذن ربها و يضرب اله الامثال للناس لعلهم يتذكرون، و مثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الارض مالها من قرار، يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا و في الاخرة و يضل الله الظالمين و يفعل الله ما يشاء». ابراهيم 27/24في النص المبدوء بكلمة (الم تر) ما يومي‌ء الي استعراض حقيقة عقائدية و اخلاقية هي ان الكلمة الطيبة جديرة بالحمد و جديرة بالاكبار و أن الله شبه الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة ذات الثمار و الظلال ينتفع الناس منها في مواسم عطائها فما تخطي‌ء حدس أحد فيها... و يعد ذلك بما ضربه من مثل الكلمة الطيبة مثل الكلمة الخبيثة التي شبهها بالشجرة الخبيثة التي لا خير فيها و لا رجاء. و قديما قال الشاعر في شجرات وصفهن:اذا لم يكن فيكن ظلل و لا جنا فأبعد كن الله من شجرات‌لقد صارت كلمة (الم تر) عنوانا علي ثبوت ما يرد في مجالها من امور اعلامية او عقائدية أو مما يدخل في اطار الاعتبار و الذكري و الموعظة التي تصحح اخطاء الناس...«الم تر الي الذين بدلوا نعمة الله كفروا و أحلوا قومهم دار البوار... جهنم يصلونها و بئس القرار». ابراهيم 29/28في كلمة «الم تر» هنا ما يشار الي تعامل قوم بالاثم الذي جرهم الي ان يكونوا من اصحاب النار... و يلاحظ ان التعبير بهذه الكلمة مقطوع بحقيقة ما يرد في النص بعد تلك الكلمة من حقائق و وقائع... و من هنا أستعملت الرؤية في هذه المعاني لانها أوضح الادلة علي يراد ابانته و اظهاره و الاعلان به...«ألم تر أنا أرسلنا الشياطين علي الكافرين تؤزهم أزا، فلا تعجل عليهم انما نعد لهم عدا، يوم نحشر المتقين الي الرحمن وفدا و نسوق المجرمين الي جهنم وردا»... مريم 83 و ثلاث آيات بعدهاالرؤية هنا غير بصرية و انما هي ذهنية و عقلية تستند علي العقيدة القائلة بأن الله يملك أن يفعل ذلك.ان الشياطين ابدا رمز شر ذريع لذك إذ يبعثهم الله الي الكافرين فانهم يأخذون هؤلاء الكافرين بالشر و يسدون عيلهم جميع آفاق التملص و النجاة...و تبدو الرؤية في ارسال الله الشياطين علي الكافرين من النظر الي افاعيل الكافرين الشنيعة و خبث مكرهم و لئيم تعاملهم و صلف مواجهاتهم...و قوله تعالي: «فلا تعجل عليهم» يراد به أن عاقبة أمرهم تظهر لأن من كان كذلك فلابد ان يكون له من العاقبة ما يكافي‌ء ذلك...«ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات و من في الارض و الشمس و القمر و النجوم و الجبال و الشجر و الدوآب و كثير من الناس و كثير حق عليه العذاب و من يهن الله فماله من مكرم ان الله يفعل ما يشاء». الحج/18الرؤية هنا في «الم تر» رؤية تؤكد وضوح الحقيقة الثابتة التي تقرر أن كل شي‌ء في الكون مما خلقه الله يقر بوجود الله و عظيم سلطانه، و معني السجود المنسوب الي السماوات و الارض و الشمس و القمر و الجبال و غيرها انما هو الاعتراف بأن لا أحد يستحق العبادة سوي الله...و جاء ذكر الشمس و القمر و النجوم و ما الي ذلك لانها كانت من بعض ما عبده الناس من دون الله...و النبي صلي الله عليه و سلم أقدر من غيره بتذوق هذا المعني في النص القرآني لانه صلي الله عليه و سلم يفهم من أمره هذه المفردات الكونية مالا يفهمه الاخرون من غير الانبياء و الرسل الذين يرون في كل ذرة من ذرات الكون اكثر من دليل علي وجود خالق [ صفحه 205] الكون الذي هو مسبب الاسباب و رب الارباب سبحانه و تعالي عما يشركون...«ألم تر أن الله أنزل من السماء ماءا فتصبح الارض مخضرة ان الله لطيف خبير، له ما في السماوات و ما في الارض و ان الله لهو الغني الحميد»... الحج 64/63في هذه الرؤية ما يعد من الامور البصرية النبي يراها الجميع و التي يرون آثارها و آثار عطائها اذ جاء فيها ذكر المطر و ماتم به من اخضرار الارض و بديهي ان اخضرار الارض يعني الانبات و الاثمار و توفير الرزق للعباد...ان في الاشهاد علي ذلك بكلمة «ألم تر» من معاني الاستمتاع بجمال الطبيعة و أنتظام أدائها مهمتها الزاخرة بالخير و النعم الالهية العظيمة لعبرة من اكبر العبر علي سلطان الله في ملكوته الواسع العريض... و قد وجدنا القرآن الكريم يثبت وجود الله بمثل هذه الادلة التي تقع عليها عيون الناس من مؤمنين و غير مؤمنين و لا تري الادلة التي جاء بها الفلاسفة علي وجوده من مثل الدور و التسلسل و ما الي ذلك من الكلام السوفسطائي مغنية شيئا في هذا المجال...«ألم تر أن الله سخر لكم ما في الارض و الفلك تجري في البحر بأمره و يمسك السماء أن تقع علي الارض الا باذنه ان الله بالناس لرؤوف رحيم»... الحج/65الخطاب هنا موجه الي النبي صلي الله عليه و سلم بلفظ (لكم) للدلالة علي عمومية القصد في مخاطبة الناس جميعا...و في النص ما يقوم حجة علي وجود الله و باهر قدرته. و بالغ تصرفه في ملكوت السماوات و الارض...«ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات و الارض و الطير صافات كل قد علم صلاته و تسبيحه والله عليم بما يفعلون»... النور/41بعض ما جاء من الخطابات الالهية للنبي مقرونا بكلمة «الم تر» ينتمي الي السور المكية و بعض ذلك ينتمي الي السور المدنية، لان في «الم تر» ما يوافق الخطابات التي خوطب بها الرسول في العهدين المكي و المدني، و ان كان لكل مقام مقال.المراد من تسبيح من نسب اليهم النص التسبيح من الكائنات المختلفة أنما هو من وسائل الايضاح الموصلة الي الحقيقة الكونية الظاهرة الدالة علي أن الله هو الذي خلق هذه الخلائق جميعا.و لا غرابة في نسبة التسبيح اليها فلعلها تملك التسبيح لخالقها و بارئها بلسان عندها هو غير لسان الادميين و الحيوانات الاخري...«الم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فتري الودق يخرج من خلاله و ينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء و يصرفه عن من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالابصار، يقلب الله الليل و النهار ان في ذلك لعبرة لأولي الابصار». النور 44/43الرؤية هنا في قوله تعالي «الم تر» تتردد بين النظر بالعين الباصرة و النظر بعين الاعتبار و أستيعاب ماوراء الاشكال من صور و معان. و الجانب البصري في هذا النص كثير المعالم و المفردات اذ جاء فيه من الفاظ السحاب و البرق و ما الي ذلك ما هو مرئي و ملاحظ أما الجانب الاخر الذي هو الجانب المعنوي فانه يرمز الي حسن تصرف الله عزوجل في آفاق هذا الملكوت ليظل جاريا علي نظام دقيق ذي ديمومة مستمرة.في كلمة (الم تر) حث للنبي صلي الله عليه و سلم علي ادامة التفكير في مفردات الكون و في ما يعرض لها من التصريف الالهي الدال علي عظمة الخالق و ما أودعه من حكمة بالغة في سائر مفردات كونه.بل ان الله عزوجل حث سائر أبناء البشر علي التفكر في ملكوت السماوات و الارض و السير في [ صفحه 206] الارض و تتبع ما فيها من معالم الخلق و الابداع و اذا كان ذلك مما أراد الناس ان يفعلوه فانه عزوجل قد أمر به نبيه أمرا يبلغ حد الفرض و الالزام.«ألم تر الي ربك كيف مد الظل و لو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا ثم قبضناه الينا قبضا يسيرا». الفرقان 46/45في هذا النص جاءت كلمة (الم تر) في أمر منظور و مشهود و أمر الظل يمتد و يقصر و يخفي وراء ذلك أسرارا تتحدد بها الازمنة و المواقيت و تتبين بها أجزاء النهار. و ما زال الفقهاء يقيسون أوقات الصلاة النهارية بالظل الذي يكون علي الارض حين تكون الشمس مشرقة... ان الظل - و لم يكن الناس يعرفون ذلك من قبل - هو رمز النظام الفلكي الكوني اضافة الي ما فيه للناس من منافع ينتفعون بها في حياتهم اليومية.في النص ما يستدعي تسبيح الخالق اذ جاءت فيه كلمة (ألم تر) مصروفة الي الله بلفظ (الي ربك) لأن ما جاء من ذلك مراد به اثبات ربوبية هذا الرب العظيم و في النص تعليم للنبي ببعض أدلة الاثبات الدالة علي أن ربه قادر علي أن يصنع كل شي‌ء في هذا الكون العظيم و قوله تعالي (و لو شاء لجعله ساكنا) بيان بأن الله اذا صنع شيئا فانه يستطيع أن يصنع ما يخالفه و يناقضه ولكن الله عزوجل رسم خارطة هذا الملكوت العريض علي الهيئة التي اقتضتها حكمته فبات الكون لابد من وجوده لضرورة وجوده و انعدام ضرورة وجود ما سواه.«ألم تر أنهم في كل واد يهيمون، و أنهم يقولون مالا يفعلون» الشعراء 226/225هذه الرؤية من الرؤي التي تعرف بالمشاهدة و الملاحظة و الكلام هنا آت في حق الشعراء الذين جاء في شأنهم قبل هذه الاية قوله تعالي (والشعراء يتعهم الغاوون) و جاء بعد النص المبحوث في شرحه قوله تعالي (انهم يقولون مالا يفعلون الا الذين امنوا و عملوا الصالحات و ذكروا الله كثيرا و انتصروا من بعد ما ظلموا و سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.ان قوله تعالي ]الم تر انهم في كل واد يهيمون[ اشارة الي ما يستدعي العجب من أمر الشعراء في تقلبهم و تناقض مذاهبهم في الوقت الواحد و أستثني منهم الذين امنوا و انتصروا من بعد ما ظلموا و في النص اشارة لطيفة الي أن الشعراء لا يبصرون علي شي‌ء من الظلم يصيبهم... و قد أستعان النبي بالشعراء في ردع المشركين وكيل صاعهم بأكثر من صاع بالهجو و ما اليه من كلام مما هو مألوف في عالم الشعر من قديم الزمان.«ألم تر أن الله يولج الليل في النهار و يولج النهار في الليل و سخر الشمس و القمر كل يجري الي اجل مسمي و أن الله بما تعملون خبير، ذلك بأن الله هو الحق و أن ما يدعون من دونه الباطل و أن الله هو العلي الكبير».لقمان 30/29في (ألم تر) هذه ما ينبه النبي صلي الله عليه و سلم الي بعض المعاني الفلكية التي تعد من اقوي الادلة علي وجود صانع حكيم صنع هذا الكيان الكوني الرحيب. بعض هذه الرؤيا بصري يراه الرائي في طلوع الشمس و غروبها فتحول الليل الي النهار و النهار الي ليل و بعضها نظري عقلي لا يدرك بالعين المجردة هو سر هذا الكون الذي لا يعلم أحد سر تكوينه و المراد من (ألم تر) هذه في هذا المكان اقرار هذه المعاني في نفس الرسول و افحام للكفار و المشركين الذين لا يملكون أن يزعموا أن أيلاج الليل في النهار و النهار في الليل و تسخير الشمس و القمر و ما الي ذلك من صنع الاصنام التي يعبدونها.«ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمة الله ليريكم من اياته ان في ذلك لايات لكل صبار شكور». لقمان/31ما جاء بعد (الم تر) في هذا النص مما تدركه الابصار فيراه الناس و يعيشون في اطاره أن الفلك التي [ صفحه 207] تجري في البحر و هي السفن التي تنقل الركاب و السلع التجارية لتعد من نعم الله علي الناس.و عقلاء النسا و ذوو البصائر فيهم لا يخفاهم أن ما يجري في الكون من مثل حركة الفلك في البحر انما يجري وفق ارادة الله. و في عرف العلم الحديث أن كل ما يجري في الكون يتم بمقتضي قوانين مادية ثابتة غير متبدلة... و ما يريه الله للناس من آياته انما يريد به ردهم اليه والايمان به و الاعتراف بعظمته.«الم تر أن الله أنزل من السماء ماءا فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانا و من الجبال جدد بيض و حمر مختلف ألوانا و غرابيب سود و من الناس و الدواب و الانعام مختلف ألوانه كذلك انما يخشي الله من عباده العلماء ان الله عزيز غفور». فاطر 28/27كل ما يرد من النصوص بعد كلمة (ألم تر) معبر به عن حقائق ثابتة بفعل المعرفة البصرية أو المعرفة الجدلية و في هذا النص مشاهد من الطبيعة تقع تحت أنظار الناس جميعا و قد سردت في النص سردا دقيقا من شأنه إيقاع الحجة علي الذين يساق اليهم الكلام الالهي من الذين لم يؤمنوا بعد لان كل شي‌ء في هذا الكون ينبه عقول ذوي العقول أنه من صنع الله و ليس من صنع الاصنام و المعابيد الباطلة المتخذة من الاحجار و غيرها و لذلك جاء في أخر الاية قوله تعالي (انما يخشي الله من عباده العلماء) أي ان العلماء يخشون الله خشية تامة لانهم يرون آثار وجوده في كل شي‌ء كائن في كونه.أن مثل هذه الايات المبدوءة بكلمة (الم تر) فيها تثقيف شامل لاطراف العقيدة و مفرداتها يثقف بها الله نبيه ليتولي إبلاغ الامة بها.«ألم تر أن الله أنزل من السماء ماءا فسلكه ينابيع في الارض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله حطاما ان في ذلك لذكري لأولي الالباب». الزمر/21من الايات المكية المستدل بها من طريق الامور المحسوسة علي وجود الله ما جاء في هذا النص أنه اليه و الي نظائر من النصوص القرآنية يرجع الفضل الاكبر في القضاء علي الشرك و اثبات عقيدة التوحيد لدي كفرة اهل مكة لان ما كان دليلا مشهودا متكررا يراه الرائي صباح يومه و مساءه فانه يعطي عطاءه الكامل للناس من كان منهم من أولي العقول و ذوي الالباب و في النص بيان لمهمات أسباب الايجاد و الافناء اذ ينشأ النبات و يترعرع بفعل ما ينزل من السماء من ماء ثم يصوح بعد أن تكون الناس قد أفادت منه فوائد كثيرة و ذلك أمر لا يختلف و القانون الالهي في خلق الناس و الحيوانات و ما هو مادي من المخلوقات. فالاية اذن من الدلائل علي وجود الله و قد أستحضر الله صورتها المرئية في عاملها الواقع ليراها النبي بعين التبصر و الحكمة و التقدير السليم. ان كثيرا من الناس يمرون علي ذلك أو أن هذه الامور و المشاهد تمر بهم في كل حين من غير أن يعتبروا بها أو يتنهبوا اليها و لعلنا نلاحظ أن عالم الزرع و الفلك و المطر و ما الي ذلك يتكرر في القرآن الكريم في معرض الاستدلال علي وجود الله لانه حقا من خيرة الادلة علي وجوده عز شأنه.أن الادلة العقلية هي كذلك تعين الداعي الي الله في اثبات ربوبيته و وحدانية و عظم سلطانه في ملكوته إذ كانت ناصعة الحجة و قوية البرهان و منطقية الدليل فلقد رأينا بعض حجج الفلاسفة في هذا الباب متهافتة يمجها العقل السليم من مثل اللجوء الي الادعاء بالدور و التسلسل فان الاستدلال بذلك علي وجود الخالق لا يستقيم دليلا علي وجود شي‌ء يراد أثبات وجوده: أن الادلة العقلية المنوط بها اثبات وجود الله لتنهض سندا للادلة السمعية القرآنية حيثما وردت و ذكرت لان الحقيقة أبدا واحدة لا تعدد.«ألم تر الي الذين يجادلون في آيات الله أني يصرفون». المؤمن (غافر) /69 [ صفحه 208] كان كفار مكة يهبون في وجه النبي يجادلونه في أبسط الحقائق التي لا يماري فيها عاقل من عقلاء الناس و ذوي العلم فيهم. و جدل الكفار من اهل مكة يشوبه من اصرار المشركين علي شركهم و كفر الكافرين بكفرهم يضاف الي ذلك ما كان مألوفا لدي كفرة القوم من اللجوء الي السخرية و اتهام النبي صلي الله عليه و سلم بالاتهامات الباطلة من نحو السحر و الكهانة و غير ذلك.«ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات و ما في الارض، ما يكون من نجوي ثلاثة الا هو رابعهم و لا خمسة الا هو سادسهم ولا أدني من ذلك ولا اكثر الا هو معهم اين ماكانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة ان الله بكل شي‌ء عليم».المجادلة/7في هذا النص مسائل من الغيبيات التي تتعلق بصفات الله تعالي عزوجل و بأسراره في خلقه و قد نزل ذلك منزلة الحقائق المرئية و هي فعلا حقائق مرئية و إن لم تكن مرئية و ذاك لان الله تعالي مما يملك الرسل تصوره حين تنهض المخاطبات الالهية به عند الحديث بذلك الي الرسل فان ما يرد بعد الكلمة القرآنية (الم تر) يعد مما يمكن أن يراه النبي بأقتدار يكون لديه علي رؤيته و لذلك أستعملت صيغة الرؤيا في هذا المقام.«ألم تر الي الذين نهوا عن النجوي ثم يعودون لما نهوا عنه و يتناجون بالاثم و العدوان و معصية الرسول و اذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله و يقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير». المجادلة/8في هذا النص لفت نظر النبي الي قوم من المنافقين كانوا يجتمعون للخوض في أمور لا منفعة للاسلام منها و لا للمسلمين و قد نهوا عن ذلك و حذروا مما يفعلون فلم ينتهوا و لم يبالوا التحذير و كان يظهر علي سلوكهم عند قدومهم علي الرسول ما ينم عما في بواطنهم من ابطان الاثم و المعصية و شعائر الكفر و الضلال و قد جاء في النص ما صرح بان هؤلاء القوم هم من أهل النار و في النص القائل (الم تر الي الذين نهوا عن النجوي ثم يعودون لما نهوا عنه) فضح لهم و تشنيع عليهم و اعلان لفاسد تصرفهم و باطل أعمالهم اذ شاء الله ان يستعرض ذلك كله في صورة قربها من أنظار نبيه ابان حياته صلي الله عليه و سلم في المدينة و قد كشف الله لنبيه عما كان يقوله المنافقون في انفسهم من قول كتموه و فضحه الله.«الم تر الي الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ما هم منكم و لا منهم و يحلفون علي الكذب و هم يعلمون»... المجادلة/14في هذا النص ابراز لحالة قوم من المنتمين الي الاسلام يوادون قوما غير مسلمين و يتولونهم رغم أنهم من أشد اعداء المسلمين بحيث وصفوا بانهم غضب الله عليهم و في كلمة (الم تر) استحضار لصورة القوم أمام النبي و كان كأنه يشهد أفاعيلهم كلها كلها و ما جاء في كلمة (الم تر) في اكلام علي المنافقين يراد به اشهار مكايدهم و مفاسدهم و كفرهم و ضلالهم و افكهم و نفاقهم و خبيث مواقفهم ليكونوا عبرة للناس. ان تولي المنافقين قوما من غير المؤمنين يعني انشدادهم اليهم و استنصارهم بهم علي المؤمنين و ذاك من اشد الجنايات و الجرائم التي يلجأ اليها من ينشقون عن قومهم و أمتهم و رسولهم و من هنا اعلن القرآن الكريم تهديدهم باشد العقاب يوم القيامة.و في مثل هذه المواقف يري النبي و هو يعاني من أفراد يعيش بينهم و يعيشون قريبا منه ما يعانيه من سوء ايذائه و التظاهر عليه والاساءة الي المخلصين من أتباعه أجل انها لمعاناة قاسية تشغل البال و تؤذي المسلمين في حين كان النصر يدب الي الفئة المسلمة و يتعالي شأن الاسلام في الجزيرة خارج المدينة و قد وصل خبره الي خارجها فما أعظم قيادة هذا القائد العظيم صلي الله عليه و سلم و ما أجمل صبره و أشده [ صفحه 209] حزمه و ما أقوي يقينه بالله ربه الذي حقق له النصر علي جميع خصومه لا سيما من أظهر الايمان و أبطن الكفر و الانسلاخ من الايمان.«ألم تر الي الذين نافقوا يقولون لاخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم و لا نطيع فيكم أحدا أبدا و ان قوتلتم لننصرنكم و الله يشهد انهم لكاذبون لئن أخرجوا لا يخرجون معهم و لئن قوتلوا لا ينصرونهم و لئن نصروهم ليولن الادبار ثم لا ينصرون». الحشر 12/11المنافقون فئة من مدعي الايمان يخفون في صدورهم الكفر القديم و يبدون لمن حولهم بعض معالم الايمان ولكن رقة الدين و فساد العقيدة ظاهرة فيهم و ما يلبسونه من ثوب الرياء يكشف عن كل ما في بواطنهم لذلك صارت اصابع الاتهام تومي‌ء اليهم و صار الشك فيهم ينعقد في نفوس سائر المؤمنين و راحت الايات القرآنية تكشف عوارهم و تنم عن فاسد عقيدتهم و عن سوء نياتهم لما يجعلهم يشعرون بالمقت الذي يحاطون به من كل جانب و هم في الصورة التي أوضحها الله لنبيه علي ما جاء به النص القرآني الاتي بعد كلمة (الم تر) و راحوا يعربون لخصوم النبي و هم هنا اليهود عما قرره النبي بشأنهم من اخراجهم من الجزيرة اذ يقولون لهم ان النبي اذا اخرجكم من الجزيرة فانا سنتضامن معكم و نخرج معكم كما انهم يقولون لهم اذا قاتلكم المسلمون فسننضم الي جهتكم و قال الله في ذلك ان تضامنهم هذا كذب في كذب... و لم يتم الاجلاء النهائي لليهود في عهد النبي اذ وافته المنية قبل ذلك و انما تم اجلاؤهم منها علي عهد عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) و بذلك ارتاحت الجزيرة و ارتاح عربها و ارتاح المسلمون فيها من مكايد اليهود.«ألم تر كيف فعل ربك بعاد، إرم ذات العماد». الفجر 7/6قصة عاد التي كانت تعد من عجائب الدنيا القديمة حيكت حولها الاساطير و قيلت فيها الاقاويل و كان القرآن الكريم قد اشار الي تاريخ هذه القبائل ايام قوتهم و بطشهم و أشار الي أن الله بعث اليهم هودا (عليه‌السلام) نبيا لهم كما أشار القرآن الي سوء معاملتهم نبيهم (عليه‌السلام) و في النص الذي نحن في صدده استحضر الله صورة عاد يوم هلاكهم و ضياع ملكهم فقال (ألم تر كيف فعل ربك بعاد، ارم ذات العماد، التي لم يخلق مثلها في البلاد) كما أشار الي ثمود التي هي عاد الثانية و قال فيهم (و ثمود الذين جابوا الصخر بالواد) و أشار الله كذلك الي فرعون بقوله (و فرعون ذي الاوتاد) و المراد بالاوتاد الاهرام التي ما تزال كائنة في مصر و وصف الله هؤلاء الاقوام (الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد) ثم ذكر عقابه لهم (فصب عليهم ربك سوط عذاب، ان ربك لبالمرصاد).«ألم تر كيف فعل ربك باصحاب الفيل، ألم يجعل كيدهم في تضليل، و أرسل عليهم طيرا أبابيل. ترميهم بحجارة من سجيل، فجعلهم كعصف مأكول». الفيل/1 و ما بعدهاكان مولد الرسول صلي الله عليه و سلم في عام الفيل، ذلك العام الذي هاجمت فيه جيوش الحبشة مكة قصد الاستيلاء علي كعبتها المقدسة عند العرب...و قد لقي الجيش الحبشي في غزوته تلك عاقبة مروعة قضت عليه و أفقدته صوابه و اعادت فلوله هاربة من حيث أقبلت.و قوله تعالي (الم تر كيف فعل ربك باصحاب الفيل) يتم فيه استحضار الصورة بكامل هيئتها في ذهن الرسول الاعظم لما يفهم منه ان اهل مكة و من حولها ظلوا يتناقلون سيرة تلك المسيرة الطائشة الضالة التي لبثت سيئة الي وقت بعيد.و كيفية ما فعله الله بالغزاة كيفية لها هيئتها المعلومة في ذاكرة القوم من كلا الطرفين الغازي و المغزو فتسمية القوم باصحاب الفيل ظاهر فيها التهكم بهم [ صفحه 210] و بجحافلهم العسكرية التي ظنوا ان تهويلها باستصحاب الفيل سيترك أثرا عميقا من الرعب لدي أهل مكة و ذاك لفخامة الفيل و لما كان عليه من عدد و عدة قتالية قادرة علي التدمير دون أن يصل اليها حملة السيوف والرماح والرجالة...والتضليل الذي أشار اليه النص... (الم يجعل كيدهم في تضليل) يومي‌ء الي دقة المحاولة العسكرية و التدبير المعقود عليها و التضليل هو التبديد و الهدر و جعل جميع الطموحات في المغنم قد باتت هواءا في شبك و كانت كلمة الختام في هذا الصدد ان الله جعل الجيش الغازي كالعصف المأكول و هي صورة يبرز فيها الاخفاق و الانهيار العسكري و الخسارة القادمة باجلي الاوضاع المشهودة ان كل ذلك مما جعل الله الرسول يراه بالعين الباصرة و ان كان يعلم منه ما علم بعين الذاكرة و المهم في هذا التعبير أن يضيف الله نفسه الي رسوله (الم تر كيف فعل ربك) للتنويه بان ذلك ذو علاقة عضوية بمولد نبيه محمد بن عبدالله فلقد كان من بركات يوم مولده و يمنه علي الامة ان انجاها الله و أنجي الكعبة مما اراده بها الخصم القوي المتغطرس الذي كانت جريمته شديدة الخطر و جسمية الضرر.فلمولد النبي في هذه السورة مكان عليه من حجول اليمن و غرر البركة الكثير. و في غالب ما يرد في النص القرآني من اضافة الرب الي النبي ما يشير الي غاية متغياه يراد بها التنويه بوجود خيط من الصلة الادبية بين النبي و بين ذلك.و في فصل اخر من هذا الكتاب كلام ذو شي‌ء من التفصيل علي ما كان من ايراد كلمة (ربك) و الحديث عليها أشرنا اليه في عدة نصوص جاء بها ايراد هذه الصيغة.كانت ولادة النبي صلي الله عليه و سلم في عام الفيل و قد نزلت هذه السورة و النبي موف علي الاربعين من عمره الشريف و كأن السورة ترمز الي أن ميلاده صلي الله عليه و سلم كان في عام الفيل اي العام الذي هجم به القائد الحبشي ابرهة أبن الاشرم علي مكة ليستولي عليها الا أن الله أبتلي جيشه بالجدري - علي ما قال بعض المفسرين - و هم في طريقهم الي مكة فبادوا جميعا و وصف الله هلاكهم بقوله (و ارسل عليهم طيرا ابابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول) ولكن المسلمين عندما هاجروا الي الحبشة انما وقعت هجرتهم إليها بعد أن تغير اللون السياسي لحكام الحبشة اذ حدث هناك انقلاب عقائدي سيطرت به علي الحبشة فئة كان معتقدها الديني و هي فئة مسيحية مشابها للعقيدة الاسلامية في المسيح و من هنا كان هذا التقارب عونا للفئة التي هاجرت من المسلمين الي الحبشة فلقيت من حاكمها النجاشي الطمأنينة و الامان علي أن الحبشة كانت يومذاك من الاسواق التجارية للتجار العرب في بيوتات كثيرة تتعاطي التجارة و الاستيراد و التصدير بين الحبشة و بين الجزيرة العربية و قوله تعالي (الم تر كيف فعل ربك باصحاب الفيل) فيها كامل الصورة بكل اطارها و هي تري النبي عبرها ما حدث لغزاة الحبشة عندما غزوا مكة و وصلوا الي مشارف الكعبة و كانت صورة ذلك و كأن النبي صلي الله عليه و سلم يشهدها من جميع آفاقها.ان ما ورد في النصوص المستعرضة في هذا الباب و قد افتتح الكلام فيها بكلمة (الم تر) يكاد من يراجع هذه النصوص اكثر من مرة يفهم منها أن الله يخاطب نبيه في أمر كان ملما به و واقفا عليه فيروح عز شأنه يذكره به و هذا منتهي ما يكون من كريم الخطاب بين قائل و سامع و بين متحدث و متحدث اليه و بين آمر بأمر و مأمور به وسائل بسؤال و مسؤول عنه فما يقع في مثل ذلك من تجهيل من يخاطب في موضوع من اجل تلقينه و تعليمه... [ صفحه 211] و قد علمنا أن «لم» حين تدخل علي الفعل المضارع و هو فعل زمنه المستقبل فانها تقلبه الي فعل زمنه الماضي و لذلك قيل في «لم» هذه انها حرف نفي و جزم و قلب فالكلام الوارد بمثل هذه الصيغ يراد به الاستفسار عن احداث الماضي فكأنك اذا قلت «ألم تر» قلت أما رأيت متحدثا عن الماضي و ليس عن المستقبل كما أن الباري عزوجل كان يري محمدا بن عبدالله جديرا أن يكون له وجود علي مدي السقف الزمني من زمن آدم الي يوم خوطب به. و يستتبع هذا أن يكون النبي جديرا أن يكون موجودا حتي قيام الساعة...فما أعظيم رسول الله اذ تكون مخاطبات الله له علي هذا المستوي العالي من التوقير و التقدير و المقدمات التي تحمل شريف الخطاب و كريم الاسلوب و جميل الحديث كيف لا و من كان مخاطبا بذلك هو النبي العظيم محمد بن عبدالله صلي الله عليه و سلم.

العصيان للنبي عصيان لله

في عصيان الله اثم كبير و ضلال مبين و كذلك يعد عصيان النبي صلي الله عليه و سلم. فان عصيانه عصيان الله الذي ارسله بالهدي و دين الحق ليظهره علي الدين كله. و لذلك جاء اسم النبي مقرونا باسمه تعالي في المقولات التي يقع فيها عصيان الله و ذاك اشعارا بعظيم معصية النبي و انه عدل معصية الله اذ لا وجود للنبي الا من وجود الله الذي اختاره رسولا منه الي عباده و لا يتهم الله في اختيار يختاره لانه عزوجل أعلم حيث يجعل رسالته... و في الايات التالية ما جاء من هذا الاقتران في ذكر المعصية...«يومئذ يود الذين كفروا و عصوا الرسول لو تسوي بهم الارض و لا يكتمون الله حديثا»... النساء/42عصيان القوم رسول الله لم يرد القول فيه مقرونا بعصيان الله انما جاء بلفظ «الذين كفروا». و في الاكتفاء بذكر عصيان القوم رسول الله زيادة واضحة في التعبير عن أهمية الرسول في مقام الايمان و عدمه... فان الذين عصوا الرسول كانت جنايتهم جسيمة و كبيرة بحيث واجهوا من العقبات ما تمنوا أن تسوي بهم الارض. اي أن يمسحوا بها فلا يبقي لهم وجود و بروز لعلهم بذلك يتسترون علي انفهسم و علي ما اقترفوه من عصيان الرسول في ايام حياتهم... و يفهم من هذا عظم شأن الرسول عند الله و أن عصيانه كعصيان الله و أن العقوبة واحدة فيهما. و قد كان من وضوح التصريح بذلك أن عصيان الرسول جاء بعد وصف القوم بأنهم كفروا و عصوا الرسل. اشارة الي أن عصيان الرسول انما ينشأ من انصراف النفوس الي الكفر...«و من يعص الله و رسوله فقد ضل ضلالا مبينا»... الاحزاب/36الضلال المبين حكم حكمه الله علي من عصاه و عصي رسوله... و عصيان الرسول انما هو عصيان الله لان الرسول لا يعد متصرفا في ايصال الاحكام الالهية الي الناس من تلقاء نفسه و انما هو مرسل من ربه. و قد أمره أن يقول للناس ما أمره به...«يا أيها النبي اذا جاءك المؤمنات يبايعنك علي أن لا يشركن بالله شيئا و لا يسرقن و لا يزنين و لا يقتلن أولادهن و لا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن و أرجلهن و لا يعصينك في معروف فبايعهن و استغفر لهن الله ان الله غفور رحيم»... الممتحنة/12جاءت الاشارة الي مبايعة النساء رسول الله في أن لا يعصينه في معروف و فيها اكتفاء عن الاشارة الي عصيان الله لما في ذلك من دلالة علي ذلك. و فيها ايضا [ صفحه 212] اشارة الي أن اوامر النبي واجبة الطاعة و في عصيانها ما يستوجب المؤاخذة... و لقد وجدنا ان بيعة النساء قد التمت علي مطالب هي لباب الايمان و ركائز العقيدة. و كان من متممات ذلك أن لا يعصي النبي في أمر بالمعروف يأمر به و نهي عن المنكر ينهي عنه...و كلمة - المعروف - هنا من القيود الاتفاقية [58] لا الاحترازية اي ان كل امر يأمر به النبي دون النص هو امر بالمعروف...«و من يعص الله و رسوله فان له نار جهنم خالدين فيها ابدا»... الجن/23يوضح النص بان عصيان الرسول و قد قرن بعصيان الله يستوجب الخلود في النار...«يا ايها الذين آمنوا اذا تناجيتم فلا تتناجوا بالاثم و العدوان و معصية الرسول و تناجوا بالبر و التقوي و اتقوا الله الذي اليه تحشرون»... المجادلة/9جاءت الاشارة الي معصية الرسول تلو كلمة الاثم و العدوان في تناجي القوم اشعارا بأن معصية الرسول ضرب من الاثم و العدوان و هي حقا كذلك و مجال المعصية هنا مجال واسع يتناول العبادات و المعاملات و السلوك الخلقي و شؤون الحرب و القتال و اخراج الزكاة و سائر التصرفات مما يفهم منه أن الرسول كان هو القيم الاول علي الامة فما يصح من عاص ان يعصيه و لا سامع امر يأمره النبي به أن يسد اذنيه عنه فلا يطيعه و لا ينفذه ما كان ذلك في مستطاعه...في هذه الاية توكيد للمضمون الذي ورد في الاية التي سبقتها. و ما جاء فيها واضح لا يحتاج لطويل شرح و لا قصيره. و كان النص الاول اذ سجل عليهم التناجي السي‌ء في خلواتهم و اجتماعاتهم. جاء النص الذي يليه يهديهم الي التناجي الصحيح كما هو ظاهر.

آيات البعث

المراد بايات (البعث) ما جاء من النص القرآني مشارا به الي بعثة النبي بالدين الحنيف و كلمة البعث تساوق كلمة الارسال اي ان ارسل و بعث شي‌ء واحد. و قد استعمل هذا المصطلح في السور المكية و المدنية. و في ما يلي الايات التي تتناول ذلك...«ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك و يعلمهم الكتاب و الحكمة و يزكيهم انك أنت العزيز الحليم»... البقرة/129هذه دعوة ابي الانبياء ابراهيم عليه‌السلام دعاها ربه و هو يرفع القواعد من البيت في مكة يوم حل فيها و قد استجاب الله لدعائه فبعث في الامة النبي المعني لينهض بالرسالة المنشودة...«كان الناس امة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين و منذرين و أنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه و ما اختلف فيه الا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدي الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق باذنه و الله يهدي من يشاء الي صراط مستقيم»... البقرة/213النص دلالة قاطعة علي ان مهمة الانبياء عدل مهمة الرسل لا فرق بين هؤلاء و هؤلاء و ان كان هناك من يظن ان الانبياء غير الرسل حتي ان بعضهم يعتقدون ان النبي ليس معه كتاب و لا يبعث الي الامم انما يبعث الي زوجته او الي نفسه و هو قول متهافت و قد جاء [ صفحه 213] النص القرآني ينقضه و يقرر ان الانبياء كالرسل يبعثهم الله مبشرين و منذرين و ينزل معهم رسلا مبشرين و منذرين لئلا يكون للناس علي الله حجة بعد الرسل و كان الله عزيزا حكيما.«لقد من الله علي المؤمنين اذ بعث فيهم رسولا من انفسهم يتلو عليهم آياته و يزكيهم و يعلمهم الكتاب و الحكمة و ان كانوا من قبل لفي ضلال مبين.» آل‌عمران/164جاء النص مقرونا بلفظ المنة و التفضل عليهم «رسولا من انفسهم يتلوا عليهم آياته و يزكيهم و يعلمهمم الكتاب و الحكمة» فقد كانوا من قبل ذلك في ضلال مبين و في كلمة الامتنان هذه بيان بكبير نعمة الله علي الامة و في هذا ما ينبي‌ء بان الله احسن اختيار النبي الذي تفضل ببعثه الي هذه الامة و في المن من معاني اعظام النبي و اعظام رسالته ما هو ظاهر و ملحوظ.ان الله يبعث الرسل الي الامم لهدايتهم رضوا بذلك ام لم يرضوا اما الرسول الاعظم محمد صلي الله عليه و سلم فانه صار محل منة الله عليهم اذ ارسله اليهم لهدايتهم.«و يوم نبعث في كل امة شهيدا عليهم من انفسهم و جئنا بك شهيدا علي هؤلاء و نزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شي‌ء و هدي و رحمة و بشري للمسلمين». النحل/89يصور النص القرآني هنا صورة في اجتماع الرسل بين يدي الله يوم القيامة. و الكلام علي انزال الكتاب يراد به التنويه بما كان من نزول الكتاب ايام حياة الرسول في قومه و قد احضرت صورة ذلك للربط بين الحالتين، حالة النبوة في الدنيا و حالة الشهادة يوم القيامة اذ كان للنبي في الاولي دور عطاء و في الاخري دور جزاء.«من اهتدي فانما يهتدي لنفسه و من ضل فانما يضل عليها و لا تزر وازرة وزر اخري و ماكنا معذبين حتي نبعث رسولا». الاسراء/15من عادل قانون الله في ثوابه و عقابه ان لا يعذب الا بعد ارسال الرسل و تشريع الشرائع و ثبوت عصيان العصاة و هذا ما نص عليه النص القرآني الكريم.«و ما منع الناس أن يؤمنوا اذ جاءهم الهدي الا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا». الاسراء/94المراد بالبشر الرسول هو النبي محمد صلي الله عليه و سلم و قد تكرر في التنزيل مثل هذا الاعتراض علي رسالة الرسول فوقع الرد عليهم بما كان وراءه من القبول و الاقتناع.«و ما كان ربك مهلك القري حتي يبعث في أمها رسولا يتلوا عليهم اياتنا و ما كنا مهلكي القري الا و أهلها ظالمون». القصص/59ام القري هي مكة و قد بعث الله في ام القري هذه الرسول الذي جاء الناس بكتاب الله العزيز و ذاك لاقامة الحجة علي من يستأهل العقوبة الالهية وفق عدالة الله.«هو الذي بعث في الاميين رسولا منهم يتلوا عليهم أياته و يزكيهم و يعلمهم الكتاب و الحكمة و ان كانوا من قبل لفي ضلال مبين». الجمعة/2المراد بالاميين الامة العربية التي عرفت بهذه التسمية و ان كان سائر امم الارض أميين بالفعل و الواقع التأريخي... و المراد بالرسول هو الرسول الاعظم محمد بن عبدالله صلي الله عليه و سلم و قوله تعالي «و يزكيهم» اي يأخذهم بالترويض و التربية و التزكية لتزكو نفوسهم و تسمو أخلاقهم بعد أن كانوا في تسيب و ضلال كبير.«و أنهم ظنوا كما ظننتهم أن لن يبعث الله احدا»... الجن/7رغم ان العرب يعلمون علم اليقين ان سائر الشعوب قد بعث الله فيهم الانبياء و ارسل الرسل فانهم كانوا لا يتصورون هذا المعني ادني تصور فلما طافت رسالة الرسول الاعظم اليهم استعظموا الامر و لم يصدقوا و اشتراك في هذه الجهالة و الظن المظنون جهنم و انسهم... و هذا ما عناه النص القرآني الكريم. [ صفحه 214]

يا أيها النبي

«يا أيها النبي حسبك الله و من اتبعك من المؤمنين». الانفال/64في هذا النص اشارة جاءت في توثيق علاقة المؤمنين بالرسول الاعظم صلي الله عليه و سلم من انهم يصلحون ان يكونوا حسب النبي و معتمده. و قوله تعالي «و من اتبعك من المؤمنين» و هو تصريح قاطع بان للنبي اتباعا من المؤمنين يقفون في وجه الفئات المعادية للدين الحنيف... و في النص تطمين للنبي بتحقق النصر و حسن العاقبة لان الله هو قائل ذلك و هو معلنه و مذيعه. اذ كانت فيه الدلالة علي انه تعالي وراء النبي و هو كاف رسوله هم خصومه «فسيكفيكهم الله و هو السميع العليم». البقرة/137«يا أيها النبي حرض المؤمنين علي القتال ان يكن منكم صابرون يغلبوا مئتين و ان يكن منكم مئة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون... الآن خفف الله عنكم و علم ان فيكم ضعفا فان يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين و ان يكن منكم ألف يغلبوا ألفين باذن الله و الله مع الصابرين»... الانفال 66/65في النص القرآني امر من الله للنبي أن يحرض المؤمنين علي القتال اذ كان وطيسه و ساحته ساخنة و كان الامر القتالي صادرا بالزام كل نفر من المسلمين بأن يكون عدل عشرة من الاعداء و قد أمر المسلمون بالصبر علي احتمال هموم القتال و شدته... و قد جاء في النص ان الله جعل الامر القتالي ملزما لافراد الجيش الاسلامي بأن يكون كل فرد من افراده عدل اثين من الذين كفروا اذ خفف الله عن الامة هذا التكليف، علي أن الامر القتالي أوجب علي المقاتلين المؤمنين أن تكون طاقتهم القتالية مضاعفة لطاقة المقاتلين الكفار و كذلك كان الحال... و بذلك غلبت الفئة المؤمنة الفئة الكافرة...ان النص ورد بلفظ الانشاء و لم يرد بلفظ الاخبار اذ ان الانشاء يقع فيه نصريف التكاليف التي تناط للمكلفين خلافا للخبر الذي لا يقع فيه شي‌ء من التكثير و التقليل... و اخبار القرآن من حيث يوصف الخبر فيه لدي الاصوليين بأنه يحتمل الصدق و الكذب نستثنيها - أي اخبار القرآن - من أن تنسحب عليها القواعد التي وضعها علماء الاصول فان الخبر القرآني لا يحتمل الا الصدق ألبتة. و من هنا لم يكن النص الذي تكلمنا عليه مخبرا بل كان منشئا. و قد ذهب غير واحد من المفسرين الي ما ذهبنا اليه في هذا الوجه...ان تكليف المؤمنين بان تكون طاقتهم القتالية عدل اكثر من واحد من المشركين و غيرهم ينبني علي ان من يقاتل في سبيل عقيدة يعتقدها غير من يقاتل في فراغ عقائدي او من اجل الحصول علي منافع محددة... كما ان تحديد هذه الطاقة في المقاتلين تحول دون تراخيهم في ساحة القتال عند الاخذ بالجد و الحزم و قاعدة الحسم السريع...«يا أيها النبي قال لمن في أيديكم من الاسري ان يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم... و يغفر لكم و الله غفور رحيم»... الانفال/70الخطابات الالهية التي توجه الي الرسول الاعظم صلي الله عليه و سلم منها ما يختص بالرسول شخصيا و منها ما يوكل اليه ابلاغ محتوياتها الي المؤمنين، و منها ما يراد به ان ينقله النبي الي المشركين و غيرهم...والنص الذي نحن في صدده هو خطاب اراد الله ابلاغه الي من وقع من محاربي قريش في - وقعة بدر - اسري في يد المسلمين... و القرآن يأمر هنا بمخاطبة الاسري برفق تام و ادخال التفاؤل الي نفوسهم و فيه كذلك ما يغريهم باعتناق الاسلام من غير تصريح بذلك لئلا يكون هناك ما يظن من استغلال المواقف الضعيفة لدي بعض الناس من غير المسلمين في جرهم الي الاسلام و حملهم علي اعتناقه [ صفحه 215] اجل لئلا يكون جر الناس الي الاسلام آتيا من مثل هذه المداخل و انما قال عزوجل «ان يعلم الله في قلوبكم خيرا» اي ان اقبلتم علي الاسلام و قوله تعالي «يؤتكم خيرا مما اخذ منكم» اي مما دفعتموه من الفدية و قوله تعالي «و يغفر لكم» انما ينصب علي حالة تلبسهم بالايمان و اعتناقهم الاسلام و الا فان غير المؤمنين لا يخاطبون بمثل ذلك، و قوله تعالي «و الله غفور رحيم» من الصفات الدائمة للباري عزوجل حسن بها خطاب النص.فلقد كان النبي هنا وسيطا مكلفا باستدعاء الاسري و نقل الموعدة الالهية اليهم، و قوله تعالي «في ايديكم من الاسري» اي الذين هم مطوقون بطوق الاسر و مقيدون بقيده. و هم كذلك يفتقدون الحرية و قد بات قدرهم بأيدي الجهة الآسرة و هم اذن في غاية الضعف و ضياع العز و فقدان الرجاء اذ كانت الجهة التي خرجوا في جيشها محاربين للمسلمين قد كانت مهزومة علي فرط غرورها و شدة كبريائها و بذلك يكون الاسير المنتمي الي الجهة المغلوبة اسيرا في غاية المذلة و الانصياع.فاذا كان الله عزوجل قد امر نبيه بان يخاطب اولئك الاسري باسلوب من الرفق جميل و لطيف و النبي قائد تلك الامة الغالبة فان في هذا معني من معاني البر و الانسانية و الرحمة.ان من شأن الخطابات الالهية التي توجه الي النبي ان فيها ضروبا من التعليم و التوجيه و التنشئة الرشيدة مما يخرج النبي من مثلها من التوجيهات و قد تعلم من ربه الكثير الذي يجعله يقتحم ساحة الجهاد و مواجهة سائر الناس من عدو و من صديق و قد افرغ النص في نفوس الاسري المشركين معني يفقهه المؤمنون قبل غيرهم و هو ان الله عزوجل يقيم احكامه علي ما يعلم في قلوب الناس فلقد لمح للمشركين ان اي خاطرة من الايمان تنقدح في قلوبهم يعلمها الله و ان اي مراوغة او محاولة خداع تتلجلج في صدورهم يعلمها الله و لذلك كان في مراجعة النبي لهم ما يغني عن النقاش و المفاوضة الجدل و الاستدراج.«يا أيها النبي جاهد الكفار و المنافقين و اغلظ عليهم و مأوالهم جهنم و بئس المصير». التوبة/73السورة مدنية و في المدينة كانت المواجهة المسلحه التي صارت الفئتان فيها متكافئة أو شبه متكافئة و كانت الحرب سجالا بينهما... ان الله يأمر نبيه بالوقوف في وجه اهل الكفر و المنافقين و اليهود و من جال في صفوفهم... و النص لم يرد صريحا في القتال ولكنه كان صريحا في استعمال الشدة و عدم اللين في المواقف التي تستعرض فيها القوي...فالامر الموجه الي الرسول الاعظم بهذا النص هو مجاهدة الكفار و اخذهم بما يستحقون من شدة و غلظة... و قد عطف في العبارة القرآنية المنافقون علي الكفار لبيان استحقاقهم لما يستحقه الكافرون من زجر و استقباح و انهم مثلهم في الشكل و الموضوع و ان كان المنافقون مبرقعين ببراقع الاسلام بحيث لا يظهرون ظهور الكافرين و انما كان الكلام عليهم معطوفا علي الكفار لاثبات انهم في مصاف الكافرين و علي خطهم...«يا أيها النبي اتق الله و لا تطع الكافرين و المنافقين ان الله كان عليما حكيما». الاحزاب/1الكافرون و المنافقون الي شر و فساد و فتنة و عدوان فما يقترح مقترحهم الا ما يؤذي المسلمين و يضر بمصلحة المؤمنين لذا كان لابد من اخذ الحذر الشديد في مخالطتهم... و التحذير الالهي من اطاعة هذه الفئات المخاصمة كائن عن علم يعلمه الباري العظيم و حكمة يحيط بها عزوجل... و لا نعلم النبي اطاع الكافرين و المنافقين ولكن النص علي ذلك فيه تنبيه للأمة الي ما يجب أن يكون موقفهم عنده في مجال العلاقات [ صفحه 216] و المواجهات في مجتمع ملتم علي انماط متخالفة في الناس...«يا أيها النبي