التقیه ، مفهومها مدها، دلیلها

اشارة

سرشناسه : سبحانی تبریزی جعفر، - ۱۳۰۸
عنوان و نام پدیدآور : التقیه ، مفهومها مدها، دلیلها/ تالیف جعفر سبحانی تبریزی مشخصات نشر : قم موسسه الامام الصادق ع ، ۱۴۲۳ق = ۱۳۸۱.
مشخصات ظاهری : ص ۹۴
فروست : (سلسله المسائل الفقهیه‌۲۳)
شابک : 964-357-108-4۲۲۰۰ریال یادداشت : عربی یادداشت : کتابنامه به‌صورت زیرنویس موضوع : تقیه شناسه افزوده : موسسه امام صادق ع
رده بندی کنگره : BP۲۲۶/۵/س‌۲ت‌۷
رده بندی دیویی : ۲۹۷/۴۶۸
شماره کتابشناسی ملی : م‌۸۱-۴۷۳۶۷

مقدّمة المؤلّف

مقدّمة المؤلّف بسم الله الرحمن الرحیم الحمد للّه ربّ العالمین، والصلاة والسلام علی أفضل خلقه وخاتم رسله محمّد وعلی آله الطیّبین الطاهرین الذین هم عیبة علمه وحفظة سننه. أمّا بعد، فانّ الإسلام عقیدة وشریعة، فالعقیدة هی الإیمان باللّه ورسله والیوم الآخر،والشریعة هی الأحکام الإلهیة التی تکفل للبشریة الحیاة الفضلی وتحقّق لها السعادة الدنیویة والأُخرویة. وقد امتازت الشریعة الإسلامیة بالشمول، ووضع الحلول لکافّة المشاکل التی تعتری الإنسان فی جمیع جوانب الحیاة قال سبحانه: (الْیَوم أَکْمَلْتُ لَکُمْ دِینکُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَیْکُمْ نِعْمَتی وَرَضِیتُ لَکُمُ الإِسْلام دِیناً) .(1) ــــــــــــــــــــــــــــ
1-المائدة: 3 . ( 6 ) غیر أنّ هناک مسائل فرعیة اختلف فیها الفقهاء لاختلافهم فیما أثر عن مبلّغ الرسالة النبی الأکرم ـ صلَّی الله علیه وآله وسلَّم ـ ، الأمر الّذی أدّی إلی اختلاف کلمتهم فیها، وبما أنّ الحقیقة بنت البحث فقد حاولنا فی هذه الدراسات المتسلسلة أن نطرحها علی طاولة البحث، عسی أن تکون وسیلة لتوحید الکلمة وتقریب الخطی فی هذا الحقل، فالخلاف فیها لیس خلافاً فی جوهر الدین وأُصوله حتّی یستوجب العداء والبغضاء، وإنّما هو خلاف فیما روی عنه ـ صلَّی الله علیه وآله وسلَّم ـ ، وهو أمر یسیر فی مقابل المسائل الکثیرة المتّفق علیها بین المذاهب الإسلامیة. ورائدنا فی هذا السبیل قوله سبحانه: (وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِیعًا وَ لاَ تَفَرَّقُوا وَ اذْکُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَیْکُمْ إِذْ کُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَیْنَ قُلُوبِکُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً).(1) جعفر السبحانی قم ـ مؤسسة الإمام الصادق ـ علیه السَّلام ـ ــــــــــــــــــــــــــــ
1-آل عمران: 103 .

التقیّة من المفاهیم الإسلامیة السامیة

التقیّة من المفاهیم الإسلامیة السامیة تُعدّ التقیة من المفاهیم الإسلامیة الأصیلة، المنسجمة مع حکم العقل، وروح الإسلام، ومرونة الشریعة المقدسة وسماحتها، وضرورات العمل الإسلامی، وقد وردت فی القرآن الکریم، وأکّدتها السنة الشریفة، وآمن بمشروعیتها علماء المسلمین. ولا ریب فی أنّ الشیعة ـ و بحکم الظروف العصیبة التی حاقت بهم علی امتداد فترات تاریخیة طویلة ـ اشتهروا بالعمل بالتقیة، واللّیاذ بظلها کلما اشتدت علیهم وطأة القهر والظلم. وقد سعی الصائدون فی الماء العکر من حُکّام الجور والمغرضین والمتعصّبین إلی استغلال هذا الأمر، وذرّ الرماد فی العیون من خلال إیجاد تصوّرات وأوهام باطلة، وغرسها فی أذهان ( 8 )
الناس، بدعوی أنّ التقیة عند الشیعة ضرب من النفاق والخداع والتمویة، وأنّها تجعل منهم منظّمة سریة غایتها الالتفاف علی الإسلام وتشویه صورته وتهدیم أرکانه. إنّ العمل بالتقیة والاحتراز عن الإفصاح عن المبادئ والأفکار لا یعنیان أبداً أنّ للشیعة أسراراً وطلاسم یتداولونها بینهم، ولا یتیحون للآخرین فرصة الاطلاع علیها ومعرفتها،ولا یعنیان أیضاً أنّ لهم نوایا عدوانیة ضدّ الإسلام وأهله، وإنّما یتعلّق الأمر کلّه بإرهاب فکری وسیاسی مُورس ضدهم، وجرائم وحشیة ارتکبت بحقهم، ألجاتهم إلی اتخاذ التکتّم والاحتراز أسلوباً لصیانة النفوس والأعراض والمحافظة علیها. ونحن إذا نظرنا إلیهم فی بعض العهود التی استطاعوا أن یتنفسوا فیها نسائم الحریة، نجد کیف أنّهم بادروا وبنشاط إلی نشر أفکارهم وآرائهم وبثّ مبادئهم وتعالیمهم، وکیف أنّهم ساهموا ـ مع إخوانهم من سائر المذاهب والطوائف ـ فی صنع حضارة الإسلام الخالدة. وإذا کان الانصاف یدعو إلی تبریر موقف ضحایا القمع والاستبداد بالالتجاء إلی حمی التقیة لضمان السلامة والتوقّی من ( 9 )
الشر المستطیر... وإذا کان الضمیر الحی یدعو إلی مواساة هؤلاء المظلومین الذین تُحصی علیهم أنفاسهم ویعانون أفانین الضغط والإکراه، وأشکال التضییق والمحاربة، فإنّ شیئاً من هذا ولا ذاک لم یحصل، بل حصل العکس، إذ عمد الکثیر من أهل السنّة والجماعة ـ و مع الأسف ـ إلی الإغضاء عن الجزّارین أو معاضدتهم، وإلی التندید بالضحایا والتشهیر بهم!! وأخیراً، نحن نعتقد أنّ العمل بالتقیة أمر لا مفرّ منه، وأنّ مجانبتها تماماً وفـی کلّ الأحوال والعصـور أمـر لا واقع ولا حقیقـة لـه. وأنت إذا رمیت ببصرک إلـی بعض الشعوب التی تحکمها أنظمة قمعیة استبدادیة، لوجدت أنّها ـ و فیها من هم مـن أهـل السنـّة ـ تتجنّب الإعلان عـن آرائها وأهـدافها جهـرةً، و تسکت عمّا یُمارس بین ظهرانیها من أعمال منافیة للإسلام، وما ذلک إلاّ خوفاً من البطش والقتل والأذی الذی سیصیبها لو أنّها نطقت بما یخالف إرادة المستبدین. وهذه الرسالة المتواضعة، ستمیط الستر عن وجه الحقیقة وتثبت ، انّ التقیة ثمرة البیئة التی صودرت فیها الحریات، ولو کان ( 10 )
هناک لومٌ وانتقاد، فالأجدر أن نتوجه بهما إلی من حمل المستضعفین علی التقیة، لا أنفسهم. وستتضح للقارئ فی غضون هذه الرسالة، انّ التقیّة من المفاهیم القرآنیة التی وردت فی أکثر من موضع فی القرآن الکریم، وفی تلک الآیات إشارات واضحة إلی الموارد التی یلجأ فیها المؤمن إلی استخدام هذا المسلک الشرعی خلال حیاته أثناء الظروف العصیبة، لیصون بها نفسه وعرضه وماله، أو نفسَ من یمتُّ إلیه بصلة وعرضَه ومالَه، کما استعملها مؤمن آل فرعون لصیانة الکلیم عن القتل والتنکیل(1) ولاذ بها عمّـار عندما أُخذ وأُسِر و هُدِّد بالقتل (2) ، إلی غیر ذلک من الموارد الواردة فی الکتاب والسنّة، فمن المحتّم علینا أن نتعرّف علیها، مفهوماً (لغة و اصطلاحاً)، و تاریخاً وغایةً ودلیلاً وحدّاً، حتی نتجنَّب الافراط والتفریط فی مقام القضاء والتطبیق. وتحقیق المسألة یتم ببیان أُمور: ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . القصص: 20.
2 . النحل: 106. ( 11 )

التقیة لغة

التقیة لغة التقیة اسم مصدر لـ«إتقی یتقی» و أصل اتقی: إوتقی فقلبت الواو یاءً للکسرة قبلها، ثمّ أُبدلت تاءً وادغمت وقد تکرر ذکر الاتقاء فی الحدیث ومنه حدیث علی: «کنّا إذا احمّر البأس اتقینا برسول اللّه»، أی جعلناه وقایة لنا من العدو.(1) وقد أخذ «اتقی» من وقی الشیء، یقیه إذا صانه، قال اللّه تعالی: (فَوقاهُ اللّهُ سیّئاتِ ما مَکَرُوا)(2) أی حماه منهم فلم یضرّه مکرهم. وربما تستعمل مکان التقیة لفظة «التُّقاة» قال سبحانه: (لا یَتّخِذِ المُؤمِنُونَ الکافرینَ أولِیاءَ مِنْ دُونِ ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . النهایة: مادة وقی.
2 . غافر:45. ( 12 ) المؤمِنینَ ومَن یَفْعَلْ ذلِکَ فَلَیْسَ مِنَ اللّهِ فی شیْء إلاّ أن تَتَّقُوا مِنْهُم تُقاة).(1) قرأ الأکثر «تقاة» إلاّ یعقوب فقرأ «تقیّة» وکلاهما مصدر لفعل اتقی«فتقاة، أصله «وقیة» أبدلت الواو تاءً کما أبدلوها فی تُجاة وتکاة وانقلبت الیاء الفاً لتحرکها وانفتاح ما قبلها، وهو مصدر علی وزن فُعل کتؤدد وتخمة.(2) ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . آل عمران:28.
2 . عن تعلیق أحمد محمد شاکر علی دائرة المعارف الإسلامیة:5/423. ( 13 )

التقیة اصطلاحاً

التقیة اصطلاحاً التقیة کما عرّفها السرخسی هی أن یقی الإنسان نفسه بما یظهره وإن کان ما یضمر خلافه.(1) وقال ابن حجر: التقیة: الحذر من إظهار ما فی النفس من معتقد وغیره للغیر.(2) وعرفها صاحب المنار بأنّها ما یقال أو یفعل مخالفاً للحقّ لأجل توقّی الضرر.(3) وعرفها الشیخ محمد أبو زهرة بأنّها أن یخفی الشخص ما یعتقد دفعاً للأذی.(4) ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . المبسوط للسرخسی: 25/45.
2 . فتح الباری:12/314، ط المکتبة السلفیة.
3 . تفسیر المنار:3/280.
4 . محمد أبو زهرة: الإمام الصادق:255. ( 14 ) والتعریف الثالث أشمل من الرابع لاختصاص الأخیر بالعقیدة وعمومیة الآخر لها وللفعل. وأمّا الشیعة فقد عرّفها الشیخ المفید بقوله: التقیة کتمان الحقّ وستر الاعتقاد فیه، ومکاتمة المخالفین وترک مظاهرتهم بما یعقب ضرراً فی الدین أو الدنیا. وفُرض ذلک، إذا علم بالضرورة أو قوی فی الظن، فمتی لم یعلم ضرراً بإظهار الحقّ ولا قوی فی الظن ذلک لم یجب فرض التقیة.(1) وعرفها الشیخ الأنصاری بقوله: التحفّظ عن ضرر الغیر بموافقته فی قول أو فعل مخالف للحقّ.(2) ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . شرح عقائد الصدوق:66، ط تبریز.
2 . رسالة التقیة للشیخ الأنصاری:37. ( 15 )

التقیة تاریخیَّاً

التقیة تاریخیَّاً ربما یتصوّر لأول وهلة انّ للتقیة مبدأً تاریخیاً ظهر فی المجتمع الإنسانی، ولکن هذا التصور یجانب الحقّ، فظاهرةُ التقیة زامنت وجود الإنسان علی هذا الکوکب یوم برز بین البشر القویّ و الضعیف، وصادر الأوّل حریات الثانی ولم یسمح له بإبداء ما یضمره عن طریق القول والفعل. فظهور التقیة فی المجتمع البشری إذن، کان تعبیراً عن مصادرة الحریات، وسلاحاً لم یجد الضعیف بدّاً من الجوء إلیه للدفاع عن نفسه وعرضه وماله. 1. التقیّة فی عصر الکلیم وأظهر مورد تبنّاه القرآن الکریم فی هذا الصدد هو ( 16 )
مؤمن آل فرعون، یقول اللّه تعالی: (وَقالَ رَجُلٌ مُؤمِنٌ مِنْ آلِ فِرعَوْنَ یکْتُمُ إِیمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن یَقُولَ رَبّی اللّهُ وقَدْ جاءَکُمْ بِالبَیِّنات مِنْ رَبِّکُمْ وَإِن یَکُ کاذِباً فَعَلَیْهِ کَذِبُهُ وَإِن یَکُ صادِقاً یُصِبکُمْ بَعْضُ الّذِی یَعِدُکُم إِنَّ اللّهَ لا یَهْدِی مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ کَذّاب).(1) وکانت عاقبة أمره أن(فَوقاهُ اللّه سیّئاتِ ما مَکَرُوا وحَاقَ بآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذاب).(2) وما کان ذلک إلاّ لأنّه بتعمیته، استطاع أن ینجّی نبیَّ اللّه من القتل کما یحکیه سبحانه عنه ویقول: (قالَ یا مُوسی إِنَّ المَلأَ یَأتمِرُونَ بِکَ لَیَقْتُلُوکَ فَاخْرُجْ إِنّی لَکَ مِنَ النّاصِحِین).(3) نقل الثعلبی عن السدی و مقاتل انّ مؤمن آل فرعون کان ابن عم فرعون و هو الذی أخبر اللّه تعالی عنه فقال: (وجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أقْصَی المَدِینَةِ یَسْعَی).(4) ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . غافر:28.
2 . غافر:45 .
3 . القصص:20.
4 . القصص:20. ( 17 ) وقال آخرون: کان إسرائیلیاً، ومجاز الآیة:« وقال رجل مؤمن یکتم إیمانه من آل فرعونْ، واختلفوا أیضاً فی اسمه. فقال ابن عباس وأکثر العلماء: اسمه حزبیل. وقال وهب بن منبه: اسمه حزیقال. وقال ابن إسحاق: خبرل.(1) 2. التقیة فی عصر الرسول هناک حوادث تاریخیة تدلّ علی شرعیة التقیة فی عصر الرسول - صلَّی الله علیه وآله وسلَّم ـ نکتفی بهذین النموذجین: 1.یقول سبحانه: (مَنْ کَفَرَ بِاللّهِ مِنْ بَعْدِ إِیمانِهِ إِلاّ مَنْ أُکْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِّنٌ بِالإِیمان).(2) قال المفسرون: قد نزلت الآیة فی جماعة أُکْرِهُوا علی الکفر، وهم عمّار و أبوه یاسر وأُمّه سُمیّة، و قُتل الأبوان لأنّهما لم یُظهرا الکفر ولم ینالا من النبی، وأعطاهم عمّارُ ما أرادوا ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . تفسیر الثعلبی:8/273.
2 . النحل:106. ( 18 )
منه فأطلقوه، ثمّ أخبر بذلک رسول اللّه، وانتشر خبره بین المسلمین، فقال قوم: کفر عمار، فقال الرسول - صلَّی الله علیه وآله وسلَّم ـ : «کلاّ انّ عماراً ملئ إیماناً من قرنه إلی قدمه، واختلط الإیمان بلحمه ودمه». وفی ذلک نزلت الآیة السابقة، وکان عمّار یبکی، فجعل رسول اللّه یَمْسَحَ عینیه ، ویقول:« إن عادُوا لک فعُد لهم بما قلت».(1) 2. أخرج ابن أبی شیبة عن الحسن، انّ مسیلمة الکذاب أخذ رجلین من أصحاب رسول اللّه - صلَّی الله علیه وآله وسلَّم ـ فقال لأحدهما: أتشهد انّ محمّداً رسول اللّه؟ قال: نعم، قال: أفتشهد أنّی رسول اللّه؟ قال: نعم، ثمّ دعا بالآخر فقال: أتشهد أنّ محمّداً رسول اللّه؟ قال: نعم، فقال له: أفتشهد انّی رسول اللّه؟ قال: إنّی أصمّ. قالها ثلاثاً، کل ذلک یجیبه بمثل الأوّل، فضرب عُنقُه، فبلغ ذلک رسول اللّه - صلَّی الله علیه وآله وسلَّم ـ فقال: أمّا ذلک المقتول فقد ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . مجمع البیان:3/388 ( 19 )
مضی علی صدقه ویقینه، وأخذ بفضله، فهنیئاً له. وأمّا الآخر فقبلَ رخصة اللّه فلا تبعةَ علیه.(1) 3. التقیة بعد رحیل الرسول - صلَّی الله علیه وآله وسلَّم ـ قد استغل الأمویُّون مسألة القضاء والقدر ورکّزوا علی أنّ کلّ ما یجری فی المجتمع الإسلامی بقضاء و قدر من اللّه سبحانه ولیس لأحد فیه الاختیار ولا الاعتراض، وعلی ذلک فالفقر المدقع السائد بین أکثر المسلمین تقدیر من اللّه، والترف الذی یعیشه الأمویون، والظلم الذی یُلحقونه بالمسلمین تقدیر من اللّه. ولما کانت تلک المزعمة مخالفة لضرورة الدین وبعثة الأنبیاء، قام غیر واحد بوجه هذه الفکرة، وسکت کثیرون خوفاً من بطش الأمویین، فکتموا عقیدتهم وسلکوا مسلک ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . مسند ابن أبی شیبة:12/358، ط السلفیة; التبیان:2/453، وقد علق الطوسی علی الروایة وقال: وعلی هذا التقیة رخصة، والافصاح بالحق فضیلة، وظاهر أخبارنا یدلّ علی انّها واجبة، وخلافها خطأ وسیوافیک أنّها علی أقسام خمسة. ( 20 )
التقیّة. 1. هذا هو ابن سعد یروی عن الحسن البصری بانّه کان یخالف الأمویین فی القدر بالمعنی الذی تتبنّاه السلطة آنذاک فلما خوّفه بعض أصدقائه من السلطان، وعد أن لا یعود. روی ابن سعد فی طبقاته عن أیوب قال: نازلت الحسن فی القدر غیر مرة حتّی خوّفته من السلطان، فقال: لا أعود بعد الیوم.(1) 2. کتب المأمون إلی إسحاق بن إبراهیم رئیس الشرطة فی بغداد أن یُشخص إلیه سبعة نفر من المحدثین منهم: 1. محمد بن سعد کاتب الواقدی، 2. أبو مسلم، مستملی یزید بن هارون، 3. یحیی بن معین، 4. زهیر بن حرب أبو خثیمة، 5. إسماعیل بن داود، 6. إسماعیل بن أبی مسعود، 7. أحمد بن الدورقی فامتحنهم المأمون وسألهم عن خلق القرآن، فأجابوا جمیعاً انّ القرآن مخلوق فأشخصهم إلی مدینة ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . طبقات ابن سعد:7/167، ط بیروت. ( 21 )
السلام، وأحضرهم إسحاق بن إبراهیم داره فشهّر أمرهم وقولهم بحضرة الفقهاء والمشایخ من أهل الحدیث فأقرّوا بمثل ما أجابوا به المأمون فخلّی سبیلهم. وقد فعل إسحاق بن إبراهیم ذلک بأمر المأمون. یذکر أن الرأی الذی کان سائداً بین المحدّثین هو قدم القرآن أو عدم حدوثه ولکنّهم اتّقوا واعترفوا بخلق القرآن، و هذا هو نفس التقیة التی یعمل بها الشیعة، وقد مارسها المحدِّثون فی عصر المأمون. وهناک رسالة أُخری للمأمون إلی إسحاق بن إبراهیم رئیس الشرطة، وممّا جاء فیها: ولیس یَری أمیر المؤمنین لمن قال بهذه المقالة(القرآن لیس بمخلوق) حظاً فی الدین ولا نصیباً من الإیمان.... فلما جاءت الرسالة إلی إسحاق بن إبراهیم أحضر لفیفاً من المحدّثین ربما یبلغ عددهم إلی 26 فقرأ علیهم رسالة المأمون مرتین حتّی فهموها ثمّ انّ إسحاق دعا بهم رجلاً رجلاً فأجاب القوم کلّهم واعترفوا بانّ القرآن مخلوق إلاّ أربعة نفر منهم: ( 22 ) أحمد بن حنبل، وسجادة، والقواریری، ومحمد بن نوح المضروب، فأمر بهم إسحاق بن إبراهیم فشُدُّوا فی الحدید، فلما کان من الغد دعا بهم جمیعاً یساقون فی الحدید فأعاد علیهم المحنة فأجابه سجادة إلی أنّ القرآن مخلوق فأمر بإطلاق قیده وخلّی سبیله وأصرّ الآخرون علی قولهم. فلما کان من بعد الغد عاودهم أیضاً فأعاد علیهم القول، فأجاب القواریری بأنّ القرآن مخلوق فأمر بإطلاق قیده وخلّی سبیله، وأصرّ أحمد بن حنبل و محمد بن نوح علی قولهما ولم یرجعا فشدّا جمیعاً فی الحدید ووُجِّها إلی طرسوس وکتب معهما کتاباً بإشخاصهما. ثمّ لما اعتُرض علی الراجعین عن عقیدتهم، برّرّوا عملهم بعمل عمار بن یاسر حیث أکره علی الشرک وقلبه مطمئن بالإیمان.(1) کلّ ذلک یدلّ علی انّ التقیة أصل مشروع التزم بها المسلمون عند الشعور بالضعف أمام السلطة الغاشمة. ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . لاحظ تاریخ الطبری:7/197، حوادث 218هـ. ( 23 ) وبذلک یظهر انّ اتهام الشیعة بتفرّدها بالقول بالتقیة یضادُّ الذکر الحکیم والسنة النبویة وسیرة المسلمین عبر التاریخ. إنّ التقیة سلاح الضعیف، سلاح من صُودرتْ حقوقه وحرّیاته من قبل سلطة غاشمة، قاهرة، لا تُبدی أیة مرونة فی مواقفها، وهذا هو حکم العقل وهو دفع الضرر عن النفس والنفیس بإظهار الموافقة لساناً وعملاً حتّی یرتفع الضرر ثمّ یعود الإنسان إلی ما کان علیه. ومثل هذا لا یمکن أن یختص بفرقة دون أُخری. ( 24 )

محنة الشیعة فی عصر الأمویین والعباسیین

محنة الشیعة فی عصر الأمویین والعباسیین اشتهرت الشیعة بالتقیّة أکثر من سائر الفرق، ولکونهم أکثر من غیرهم من حیث التعرّض للضغط، ومصادرة الحریّات، بالظنّة، والتشرید وقتل تحت کلّ حجر ومدر. إنّ الذی دفع بالشیعة إلی التقیة بین إخوانهم وأبناء دینهم إنّما هو الخوف من السلطات الغاشمة، فلو لم یکن هناک فی غابر القـرون ـ من عصـر الأمویین ثمّ العباسیین والعثمانیین ـ أیُّ ضغط علی الشیعة، ولم تکن بلادهم وعُقر دارهم مخضّبة بدمائهم (والتاریخ خیر شاهد علی ذلک)، لأصبح من المعقول أن تَنْسی الشیعة کلمة التقیة وأن تحذفها ( 25 )
من قاموس حیاتها، ولکن ـ یاللأسف ـ إنّ کثیراً من إخوانهم کانوا أداة طیّعة بید الأمویین والعباسیین الذین کانوا یرون فی مذهب الشیعة خطراً علی مناصبهم، فکانوا یؤلِّبون العامة من أهل السنّة علی الشیعة یقتلونهم ویضطهدونهم وینکلون بهم، ولذا ونتیجة لتلک الظروف الصعبة، لم یکن للشیعة، بل لکل من یملک شیئاً من العقل وسیلة إلاّ اللجوء إلی التقیة أو رفع الید عن المبادئ المقدّسة التی هی أغلی عنده من نفسه وماله. والشواهد علی ذلک أکثر من أن تُحصی أو أن تعدَّ، إلاّ أنّا سنستعرض جانباً مختصراً منها: فمن ذلک ما کتبه معاویة بن أبی سفیان باستباحة دماء الشیعة أینما کانوا وکیفما کانوا، وإلیک نص ما ذکرته المصادر عن هذه الواقعة لتدرک محنة الشیعة: محنة الشیعة فی العصر الأموی روی أبو الحسن علی بن محمّد بن أبی سیف المدائنی فی کتاب «الأحداث» قال: کتب معاویة نسخة واحدة إلی عُمّاله بعد عام الجماعة: أن برئت الذمة ممن روی شیئاً من ( 26 )
فضل أبی تراب وأهل بیته، فقامت الخطباء فی کل کورة، وعلی کل منبر، یلعنون علیاً ویتبرأون منه ویقعون فیه وفی أهل بیته، وکان أشد الناس بلاء حینئذ أهل الکوفة، لکثرة مَن بها من شیعة علی ـ علیه السَّلام ـ فاستعمل علیها زیاد بن سمیة، وضم إلیه البصرة، فکان یتتبّع الشیعة وهو بهم عارف، لأنّه کان منهم أیام علی ـ علیه السَّلام ـ ، فقتلهم تحت کل حجر ومدر، وأخافهم، وقطع الأیدی والأرجل، وسَمَلَ العیون، وصلبهم علی جذوع النخل، وطردهم وشرَّدهم عن العراق، فلم یبق بها معروف منهم، وکتب معاویة إلی عمّـاله فی جمیع الآفاق: ألاّ یجیزوا لأحد من شیعة علی وأهل بیته شهادة. ثمّ کتب إلی عمّـاله نسخة واحدة إلی جمیع البلدان: انظروا من قامت علیه البیّنة أنّه یحبّ علیاً وأهل بیته، فامحوه من الدیوان، وأسقطوا عطاءه ورزقه، وشفع ذلک بنسخة أُخری: مَن اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم، فنکّلوا به، واهدموا داره. فلم یکن البلاء أشد ولا أکثر منه بالعراق، ولا سیّما بالکوفة حتّی أنّ الرجل من شیعة علی ـ علیه السَّلام ـ لیأتیه من یثق به، ( 27 )
فیدخل بیته، فیُلقی إلیه سرّه، ویخاف من خادمه ومملوکه، ولایحدّثه حتی یأخذ علیه الأیمان الغلیظة، لیکتمنَّ علیه. وأضاف ابن أبی الحدید: فلم یزل الأمر کذلک حتی مات الحسن بن علی علیمها السَّلام ، فازداد البلاء والفتنة، فلم یبق أحد من هذا القبیل إلاّ وهو خائف علی دمه، أو طـرید فی الأرض. ثمّ تفاقم الأمر بعد قتل الحسین ـ علیه السَّلام ـ ، وولی عبد الملک بن مروان، فاشتد علی الشیعة، وولّـی علیهم الحجاج بن یوسف، فتقرَّب إلیه أهل النسک والصلاح والدین ببغض علی وموالاة أعدائه، وموالاة من یدعی من الناس أنّهم أیضاً أعداؤه، فأکثروا فی الروایة فی فضلهم وسوابقهم ومناقبهم، وأکثروا من البغض من علی ـ علیه السَّلام ـ وعیبه، والطعن فیه، والشنآن له، حتی أنّ إنساناً وقف للحجاج ـ ویقال إنّه جد الأصمعی عبد الملک بن قریب ـ فصاح به: أیّها الأمیر إنّ أهلی عقونی فسمّونی علیاً، وإنّی فقیر وبائس وأنا إلی صلة الأمیر محتاج، فتضاحک له الحجاج، وقال: للطف ما توسّلتَ به، قد ولّیتک ( 28 )
موضع کذا.(1) واستمر الحزب الأموی فی الإرهاب وسفک الدماء علی امتداد مراحل وجوده فی السلطة، حیث سجّل لنا التاریخ حوادث أُخری تحکی أبشع صور الإرهاب والاستخفاف بقیم الحق والعدل أیام عبد الملک بن مروان وقتله سعید بن جبیر. وقد جاء فی کتاب عبد الملک بن مروان الذی ولّی فیه خالد بن عبد اللّه القسری: أمّا بعد، فانّی ولّیت علیکم خالد بن عبد اللّه القسری، فاسمعوا له وأطیعوا، ولا یجعلن امرؤ علی نفسه سبیلاً، فإنّما هو القتل لا غیر، وقد برئت الذمة من رجل آوی سعید بن جبیر، والسلام. ثمّ التفت إلیهم خالد، وقال: والذی نحلف به، ونحجُّ إلیه، لا أجده فی دار أحد إلاّ قتلته وهدمت داره ودار کلّ من جاوره واستبحت حرمته،وقد أجلّت لکم فیه ثلاثة أیّام.(2) ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . شرح نهج البلاغة:11/44ـ 46.
2 . الإمامة والسیاسة:2/47، ط مصر. ( 29 ) ثمّ یُلقی القبض علی سعید بن جبیر الذی کان من طلائع الموالین لآل البیت النبوی، ویُسلَّم إلی الحجاج السفّاح الشهیر فی تاریخ الإسلام الذی قتل عشرات الآلاف من معارضی السلطة، فیقتله. وهذا هو الإمام الباقر ـ علیه السَّلام ـ یصف بیئته والمجتمع الذی کان یعیش فیه حیث قال لبعض أصحابه: یا فلان، ما لقینا من ظلم قریش إیانا، وتظاهرهم علینا، وما لقی شیعتنا ومحبونا من الناس... ـ إلی أن قال ـ ثمّ لم نزل ـ أهلَ البیت ـ نُستذل ونُستضام، ونُقصی ونُمتهن، ونُحرم ونُقتل، ونخاف ولا نأمن علی دمائنا ودماء أولیائنا، ووجد الکاذبون الجاحدون، لکذبهم وجحودهم موضعاً یتقربون به إلی أولیائهم، وقضاة السوء وعمال السوء فی کلّ بلدة، فحدثوهم بالأحادیث الموضوعة المکذوبة ورووا عنّا ما لم نقله وما لم نفعله، لیبغّضونا إلی الناس، وکان عُظم ذلک وکبره زمن معاویة بعد موت الحسن ـ علیه السَّلام ـ فقتلت شیعتنا بکلّ بلدة، وقطعت الأیدی و الأرجل علی الظنة، وکان من یذکر بحبنا ( 30 )
والانقطاع إلینا سُجن أو نُهب ماله، أو هدمت داره، ثمّ لم یزل البلاء یشتد ویزداد إلی زمان عبید اللّه بن زیاد قاتل الحسین ـ علیه السَّلام ـ ثمّ جاء الحجاج فقتلهم کلّ قتلة وأخذهم بکلّ ظنة وتهمة، حتّی انّ الرجل لیقال له زندیق أو کافر أحبّ إلیه من أن یقال شیعة علی.(1) محنة الشیعة فی العصر العباسی لقد مارست السلطة العباسیة سیاسة البطش والقتل والتشرید کنظیرتها السلطة الأمویة بل کانت أکثر بطشاً وتنکیلاً ، وهذا هو أبو الفرج الاصفهانی یقول فی حقّ المتوکل: کان المتوکل شدید الوطأة علی آل أبی طالب، غلیظاً فی جماعتهم، شدید الغیظ والحقد علیهم، وسوء الظن والتهمة لهم... واستعمل علی المدینة ومکة عمر بن الفرج الرخجی، فمنع آل أبی طالب من التعرض لمسألة الناس ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . شرح ابن أبی الحدید:11/43ـ 44. ( 31 )
ومنع الناس من البرّ بهم، وکان لا یبلغه انّ أحداً أبرّ أحداً منهم بشیء، وإن قل إلاّ أنهکه عقوبة، واثقله غرماً، حتّی کان القمیص یکون بین جماعة من العلویات یصلّین فیه واحدة بعد واحدة ثمّ یرقعنه، ویجلسن علی مغازلهن عواری حاسرات.(1) هکذا شاء أمیرالمؤمنین المتوکل علی اللّه، أن تقبع العلویات فی بیوتهن عاریات یتبادلن القمیص المرقع عند الصلاة، وان تختال الفاجرات العاهرات بالحلی وحلل الدیباج بین الاماء والعبید... لقد أرسل الرشید إلی بنات الرسول من یسلب الثیاب عن أبدانهن، أمّا المتوکّل فقد شدد و ضیق علیهن، حتّی ألجأهن إلی العری، وهکذا تتطور الفلسفات والمناهج مع الزمن علی أیدی القرشیین العرب أبناء الأمجاد والأشراف! لقد تفرق العلویون أیام المتوکل، فمنهم من تواری فمات فی حال تواریه کأحمد بن عیسی الحسین و عبد اللّه بن ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . مقاتل الطالبیین:395ـ 396. ( 32 )
موسی الحسینی، و منهم من ثار علی القهر والجور کمحمد بن صالح و محمد بن جعفر. ولم یکتف المتوکل بالتنکیل بالأحیاء، حتّی اعتدی علی قبور الأموات فهدم قبر الحسین ـ علیه السَّلام ـ وما حوله من المنازل والدور، ومنَع الناس من زیارته ونادی منادیه من وجدناه عند قبر الحسین ـ علیه السَّلام ـ حبسناه فی المطبق ـ سجن تحت الأرض ـ فقال الشاعر: تاللّه إن کانت أمیة قد أتت * قتل ابن بنت نبیها مظلوماً فلقد أتاه بنو أبیه مثلها * هذا لعمرک قبره مهدوماً أسفوا علی أن لا یکونوا شایعوا * فی قتله فتَتّبعوه رمیماً (1) ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . الشیعة والحاکمون:169ـ 170. ( 33 ) نعم کانت التقیة بین الشیعة تزداد تارة وتتضاءل أُخری، حسب قوّة الضغط وضآلته، فشتّان بین عصر المأمون الذی یجیز مادحی أهل البیت، ویکرم العلویین، وبین عصر المتوکل الذی یقطع لسان ذاکرهم بفضیلة. فهذا ابن السکیت أحد أعلام الأدب فی زمن المتوکل، وقد اختاره معلّماً لولدیه فسأله یوماً: أیّهما أحبُّ إلیک ابنای هذان أم الحسن والحسین؟ قال ابن السکیت: واللّه إنّ قنبر خادم علی ـ علیه السَّلام ـ خیر منک ومن ابنیک. فقال المتوکل: سلّوا لسانه من قفاه، ففعلوا ذلک به فمات. ولما مات سیَّـر المتوکل لولده یوسف عشرة آلاف درهم وقال: هذه دیة والدک!! (1) وهذا ابن الرومی الشاعر العبقری یقول فی قصیدته التی یرثی بها یحیی بن عمر بن الحسین بن زید بن علی: ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . ابن خلکان: وفیات الأعیان: 3/33. الذهبی: سیر أعلام النبلاء : 12/16. ( 34 ) أکلّ أوان للنبیّ محمّد * قتیل زکیّ بالدماء مضرَّجُ بنی المصطفی کم یأکل الناس شلوکم * لبلواکم عمّـا قلیل مفرِّجُ أبعد المکنّی بالحسین شهیدکم * تضیء مصابیح السماء فتسرجُ (1) وکان العباسیون أشدّ کرهاً للعلـوییـن مـن الأموییـن، وأعظم بغضاً فأمعنوا فیهم قتلاً وحـرقاً واضطهاداً وتعذیبـاً، فهذا هو المنصور یُحمل إلیه من المدینة کلّ من کـان فیهـا مـن العلویین مقیـدین بالسلاسل والأغلال، ولما وصلوا إلیه حبسهم فی سجن مظلم لا یعرف فیه لیل من نهار، و کـان إذا مات أحدهم تُرک معهم و أخیراً أمر بهدم السجن علیهم، وفی ذلک یقول أحد شعراء الشیعة: ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . دیوان ابن الرومی : 2/243. ( 35 ) واللّه مـا فعـلت أمیـة فیهـم * معشار ما فعلت بنو العباس وقال آخر: یا لیت جـور بنـی مـروان دام لنـا * ولیت عدل بنی العباس فی النار(1) وقال أبو فراس: ما نال منهم بنو حرب وإن عظمت * تلـک الجــــرائـم إلاّ دون نیلکــم وقال الشریف الرضی: ألا لیـس فعـل الأولیـن وإن علا * علـی قبـح فعـل الآخـرین بـزائد وقال الشیخ الطوسی الذی کان یعیش فی عصر ازدهار الخلافة العباسیة، وهو یصف حال الشیعة : لم تلق فرقة ولا بُلی أهل مذهب بما بُلیت به الشیعة، حتّی إنّا لانکاد نعرف زماناً تقدّم سلمت فیه الشیعة من ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . الشعر لأبی عطاء السندی. ( 36 )
الخوف و لزوم التقیة، ولا حالاً عریت فیه من قصد السلطان وعصبیته ومیله وانحرافه.(1) هذه لمحة خاطفة لمحنة الشیعة فی العصر العباسی وقد دام الأمر علی هذه الوتیرة فی العصور المتأخرة لاسیما فی عصر الأیوبیین والعثمانیین. محنة الشیعة فی العصرین: الأیوبی والعثمانی ما إن انتزع صلاح الدین الأیوبی الملک من الفاطمیین حتّی قام بعزل القضاة الشیعة واستناب عنهم قضاة شافعیـة، وأبطل من الأذان«حی علی خیر العمـل» وتظاهر الناس بمذهب مالک والشافعی، واختفی مذهب التشیـع إلی أن نسی من مصر، و کان یحمل الناس علی التسنن وعقیدة الأشعری، ومن خالف ضربت عنقه، وأمر أن لاتقبل شهادة أحد ولا یقـدم للخطابة ولا للتدریس إلاّ إذا کان مقلـداً لأحد المـذاهب الأربعة، قـال الخفاجی فی ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . الطوسی: تلخیص الشافی:2/59. ( 37 )
کتابـه «الأزهـر فی ألف عام» (1) ما نصه: فقد غالی الأیوبیون فی القضاء علی کلّ أثر للشیعة. وأمّا فی العصر العثمانی فقد تولی السلطان سلیم زعامة السنة واستحصل علی فتوی من شیوخ السوء بأنّ الشیعة خارجون علی الدین یجب قتلهم ولذلک أمر بقتل کلّ من کان معروفاً بالتشیع داخل بلاده. وبهذا الأمر قُتل فی الاناضول وحدها أربعون ألفاً وقیل سبعون، لا لشیء إلاّ لأنّهم شیعة. وجاء فی «الفصول المهمة» للسید شرف الدین انّ الشیخ نوح الحنفی أفتی بکفر الشیعة ووجوب قتلهم، فقتل من جراء هذه الفتوی عشرات الألوف من شیعة حلب حتّی لم یبق فیها شیعی واحد وکان التشیّع فیها راسخاً و منتشراً منذ کانت حلب عاصمة الدولة الحمدانیة، وقد نشأ فی حلب منذ القدیم العدید من کبار العلماء وأئمة الفقه کبنی زهرة وآل أبی جرادة وغیرهم ممن جاء ذکرهم فی کتب السیر والتراجم خاصة کتاب «أمل ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . الأزهر فی ألف عام:1/58. ( 38 )
الآمل».(1) وقتل العثمانیون الشهید الثانی المشهور بفضله وورعه وکتبه العلمیة الجلیلة التی یدرس بعضها حتّی الیوم فی جامعة النجف وقم، وفعل الجزار والی عکا بجبل عامل ما فَعل الحجاج فی العراق. وانتهب الجزار أموال العاملیین ومکتباتهم، وکان فی مکتبة آل خاتون خمسة آلاف مجلد و بقیت أفران عکا توقد أسبوعاً کاملاً من کتب العاملیین، ولم یسلم من ظلم الجزار إلاّ من استطاع الفرار، وفی عهده هاجر علماء جبل عامل مشردین فی الأقطار، ومن هؤلاء الشاعر الشیعی إبراهیم یحیی الذی هرب إلی دمشق، و فی نفسه لوعة وحسرة، وذکری فظائع الجزار لا تفارقه بحال وقد صورها وهو شاهد عیان فی قصائد تدمی الأفئدة والقلوب منها قصیدة طویلة ، یقول فیها: ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . راجع الفصول المهمة:206، الفصل التاسع; غنیة النزوع:11، المقدمة. ( 39 ) یعز علینا أن نروح ومصرنا * لفرعون مغنی، یصطفیه ومغنم منازل أهل العدل منهم خلیّة * وفیها لأهل الجور جیش عرمرم هذه لمحة خاطفة لمحنة الشیعة فی العصر العثمانی، وعلی الرغم من شیوع الحریة فی عصرنا الراهن فلم تزل الشیعة فی أکثر نقاط العالم تمارس التقیه، وإلاّ یضیق علیها الخناق. یقول العلاّمة السیّد هبة الدین الشهرستانی: إنّ التقیة شعار کلّ ضعیف مسلوب الحریة. إنّ الشیعة قد اشتهرت بالتقیة أکثر من غیرها لأنّها مُنیت باستمرار الضغط علیها أکثر من أیة أُمّة أُخری، فکانت مسلوبة الحریة فی عهد الدولة الأمویة کلّه، وفی عهد العباسیین علی طوله، وفی أکثر أیام الدولة العثمانیة، ولأجله استشعروا بشعار التقیة أکثر من أیّ قوم، ولما کانت الشیعة، تختلف عن الطوائف المخالفة لها فی قسم مهم من الاعتقادات فی أُصول الدین وفی کثیر من ( 40 )
الأحکام الفقهیّة، والمخالفة تستجلب بالطبع رقابة وتصدقه التجارب، لذلک أضحت شیعة الأئمّة من آل البیت مضطرّة فی أکثر الأحیان إلی کتمان ما تختص به من عادة أو عقیدة أو فتوی أو کتاب أو غیر ذلک، تبتغی بهذا الکتمان، صیانةَ النفس والنفیس، والمحافظة علی الوداد والاخوة مع سائر اخوانهم المسلمین، لئلاّ تنشق عصا الطاعة، ولکی لا یحسّ الکفّار بوجود اختلاف ما فی المجتمع الإسلامی فیوسع الخلاف بین الأُمّة المحمدیة. لهذه الغایات النزیهة کانت الشیعة تستعمل التقیة وتحافظ علی وفاقها فی الظواهر مع الطوائف الا ُخری، متبعة فی ذلک سیرة الأئمّة من آل محمد وأحکامهم الصارمة حول وجوب التقیة من قبیل: «التقیة دینی ودین آبائی»، إذ أنّ دین اللّه یمشی علی سنّة التقیة لمسلوبی الحریة، دلّت علی ذلک آیات من القرآن العظیم. (1) روی عن صادق آل البیتعلیهم السَّلام فی الأثر الصحیح: «التقیة دینی ودین آبائی» . ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . غافر:28; النحل:106. ( 41 ) لقد کانت التقیة شعاراً لآل البیتعلیهم السَّلام دفعاً للضرر عنهم، وعنأتباعهم، وحقناً لدمائهم، واستصلاحاً لحال المسلمین، وجمعاً لکلمتهم، ولمّاًلشعثهم، وما زالت سمة تُعرف بها الإمامیة دون غیرها من الطوائف والأُمم.وکل إنسان إذا أحسّ بالخطر علی نفسه، أو ماله بسبب نشر معتقده، أوالتظاهر به لا بد أن یتکتم ویتقی مواضع الخطر. وهذا أمر تقتضیه فطرة العقول. من المعلوم أنّ الإمامیة وأئمّتهم لاقوا من ضروب المحن، وصنوف الضیق علی حریاتهم فی جمیع العهود ما لم تلاقه أیة طائفة، أو أُمّة أُخری، فاضطروا فی أکثر عهودهم إلی استعمال التقیة فی تعاملهم مع المخالفین لهم، وترک مظاهرتهم، وستر عقائدهم، وأعمالهم المختصة بهم عنهم، لما کان یعقب ذلک من الضرر فی الدنیا. ولهـذا السبب امتـازوا بالتقیة وعـرفـوا بها دون سواهـم.(1) ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . مجلة المرشد: 3/252، 253ولاحظ تعالیق اوائل المقالات ص 96. ( 42 ) حصیلة البحث فحصیلة البحث انّ أوساط الشیعة شهدت مجازر بشعه علی ید السلطات الغاشمة، فقتل الآلاف منهم، وأمّا من بقی منهم علی قید الحیاة فقد تعرض إلی شتی صنوف التنکیل والارهاب والتخویف، والحقّ یقال: انّ من الأُمور العجیبة أن یبقی لهذه الطائفة باقیة رغم کلّ ذلک الظلم الکبیر والقتل الذریع بل العجب العجاب أن تجد هذه الطائفة قد ازدادت قوة وعدة وأقامت دولاً وشیّدت حضارات وبرز منها الکثیر من العلماء والمفکرین. فلو کان الأخ السنی یری التقیة أمراً محرماً فلیعمل علی رفع الضغط عن أخیه الشیعی وأن لا یضیق علیه فی الحریة التی سمح بها الإسلام لأبنائه، ولیعذره فی عقیدته وعمله کما عذَرَ أُناساً کثیرین خالفوا الکتاب والسنّة وأراقوا الدماء ونهبوا الدیار فکیف بطائفة تدین بدینه وتتفق معه فی کثیر من معتقداته، وإذا کان معاویة وأبناء بیته والعباسیون کلّهم عنده مجتهدین فی بطشهم وإراقة دماء مخالفیهم فماذا یمنعه ( 43 )
عن إعذار الشیعة باعتبارهم مجتهدین. وإذا کانوا یقولون ـ و ذاک هو العجیب ـ انّ الخروج علی الإمام علی ـ علیه السَّلام ـ غیر مضرّ بعدالة الخارجین والثائرین علیه، وفی مقدمتهم طلحة والزبیر وأُمّ المؤمنین عائشة، وإنّ إثارة الفتن فی صفّین ـ التی انتهت إلی قتل کثیر من الصحابة والتابعین وإراقة دماء الآلاف من العراقیین والشامیین ـ لا تنقص شیئاً من ورع المحاربین!! وهم بعد ذلک مجتهدون معذورون لهم ثواب من اجتهد وأخطأ، فَلِمَ لا یتعامل مع الشیعة ضمن هذا الفهم ولایذهب إلی أنّهم معذورون ومثابون!! ( 44 )

الغایة من تشریع التقیة

الغایة من تشریع التقیة الغایة من التقیة: هی صیانة النفس والعرض والمال، وذلک فی ظروف قاهرة لا یستطیع فیها المؤمن أن یعلن عن موقفه الحق صریحاً خوفاً من أن تترتّب علی ذلک مضار وتهلکة من قوی ظالمة غاشمة تمارس الارهابَ، والتشرید والنفی، والقتل والتنکیل، ومصادرة الأموال، وسلب الحقوق الحقة، وعندئذ لا یجد صاحبُ العقیدة ـ الذی یری نفسه محقاً ـ محیصاً عن إبطانها، والتظاهر بما یوافق هوی الحاکم وتوجّهاته حتی یسلم من الاضطهاد والتنکیل والقتل، إلی أن یُحدِث اللّه أمراً. إنّ التقیة سلاح الضعیف فی مقابل القوی الغاشم، سلاح من یُبتلی بمن لا یحترم دمه وعرضه وماله، لا لشیء إلاّ ( 45 )
لأنّه لا یتفق معه فی بعض المبادئ والأفکار. إنّما یمارس التقیة من یعیش فی بیئة صودرت فیها الحریة فی القول والعمل، والرأی والعقیدة فلا ینجو المخالف إلاّ بالصمت والسکوت مُرغماً أو بالتظاهر بما یوافق هوی السلطة وأفکارها، أو قد یلجأ إلیها البعض کوسیلة لابد منها من أجل اغاثة الملهوف المضطهد والمستضعف الذی لا حول له ولا قوة، فیتظاهر بالعمل إلی جانب الحکومة الظالمة وصولاً إلی ذلک کما کان علیه مؤمن آل فرعون الذی حکاه سبحانه فی الذکر الحکیم. إنّ أکثر من یَعیبُ التقیة علی مستعملها، یتصوّر أو یصوِّر أنّ الغایة منها هو تشکیل جماعات سریة هدفها الهدم والتخریب، کما هو المعروف من الباطنیین والأحزاب الإلحادیة السریة، وهو تصوّر خاطئ ذهب إلیه أُولئک جهلاً أو عمداً دون أن یرتکزوا فی رأیهم هذا علی دلیل ما أو حجة مقنعة، فأین ما ذکرناه من هذا الذی یُذکر، ولو لم تستبد الظروف القاهرة والأحکام المتعسفة بهذه الجموع المستضعفة ( 46 )
من المؤمنین لما کانوا عمدوا إلی التقیة، ولما تحمّلوا عبء إخفاء معتقداتهم ولَدَعوا الناس إلیها علناً ودون تردّد. أین العمل الدفاعی بصورة بدائیة من الأعمال التی یرتکبها أصحاب الجماعات السریة للإطاحة بالسلطة وامتطاء منصّة الحکم؟ وهی أعمال کلها تخطیطات مدبّرة لغایات ساقطة. وهؤلاء هم الذین یحملون شعار «الغایات تبرّر الوسائل» فکل قبیح عقلی أو ممنوع شرعی یستباح عندهم لغایة الوصول إلی المقاصد المشؤومة. إنّ القول بالتشابه بین هؤلاء وبین من یتخذ التقیة غطاءً، وسلاحاً دفاعیاً لیسلم من شر الغیر، حتی لا یُقْتَل ولا یُستأصل، ولا تُنهب داره وماله، إلی أن یُحدث اللّه أمراً، من قبیل عطف المبائن علی مثله. إنّ المسلمین القاطنین فی الاتحاد السوفیتی السابق قد لاقوا من المصائب والمحن ما لا یمکن للعقول أن تحتملها ( 47 )
ولا أن تتصورها، فإنّ الشیوعیّین طیلة تسلّطهم علی المناطق الإسلامیة قلبوا لهم ظهر المِجَنّ، فصادروا أموالهم وأراضیهم، ومساکنهم، ومساجدهم، ومدارسهم، وأحرقوا مکتباتهم، وقتلوا کثیراً منهم قتلاً ذریعاً ووحشیاً، فلم ینج منهم إلاّ من اتقاهم بشیء من التظاهر بالمرونة، وإخفاء المراسیم الدینیة، والعمل علی إقامة الصلاة فی البیوت إلی أن نجّاهم اللّه سبحانه بانحلال تلک القوة الکافرة، فبرز المسلمون إلی الساحة من جدید، فملکوا أرضهم ودیارهم، وأخذوا یستعیدون مجدهم وکرامتهم شیئاً فشیئاً، وما هذا إلاّ ثمرة من ثمار التقیة المشروعة التی أباحها اللّه تعالی لعباده بفضله وکرمه سبحانه علی المستضعفین. فإذا کان هذا معنی التقیة ومفهومها، وکانت هذه غایتَها وهدفَها، فهی أمر فطریّ، یسوق الإنسان إلیها قبل کل شیء عقلُه ولبُّه، وتدعوه إلیها فطرته، ولأجل ذلک یلوذ بها کل من ابتُلی بالملوک والساسة الذین لا یحترمون شیئاً سوی رأیهم وفکرتهم ومطامعهم وسلطتهم ولا یترددون عن التنکیل بکل ( 48 )
من یعارضهم فی ذلک، من غیر فرق بین المسلم ـ شیعیاً کان أم سنیّاً ـ وغیره، ومن هنا تظهر جدوی التقیة وعمق فائدتها. ولأجل دعم هذا الأصل الحیویّ، ندرس دلیله من القرآن والسنّة.

التقیة فی الکتاب العزیز

التقیة فی الکتاب العزیز شرّعت التقیة بنص القرآن الکریم، حیث وردت فیها جملة من الآیات الکریمة(1) سنحاول استعراضها فی الصفحات التالیة: الآیة الأُولی: قال سبحانه: (مَنْ کَفَرَ بِاللّهِ مِنْ بَعْدِ إِیمَانِهِ إلاَّ مَنْ أُکْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإیمَـانِ وَلَـکِن مَنْ شَرَحَ بِالْکُفْرِ صَدْرَاً فَعَلَیْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِیمٌ).(2) ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . غافر : الآیة 28 و 45، والقصص: الآیة 20، وستوافیک نصوص الآیات فی ثنایا البحث.
2 . النحل:106. ( 50 ) تری أنّه سبحانه یجوّز إظهار الکفر کرهاً ومجاراةً للکافرین خوفاً منهم، بشرط أن یکون القلب مطمئناً بالإیمان، وصرّح بذلک لفیف من المفسرین القدامی والجُدد، سنحاول أن نستعرض کلمات البعض منهم تجنّباً عن الإطالة والاسهاب، ولمن یبتغی المزید فعلیه مراجعة کتب التفسیر المختلفة: 1. قال الطبرسی: قد نزلت الآیة فی جماعة أُکرهوا علی الکفر، وهم عمّـار وأبوه یاسر وأُمّه سمیة، وقُتلَ الأبوان لأنّهما لم یظهرا الکفر ولم ینالا من النبیّ، وأعطاهم عمّـار ما أرادوا منه، فأطلقوه، ثمّ أخبر عمّـار بذلک رسول اللّه، وانتشر خبره بین المسلمین، فقال قوم: کفر عمّـار، فقال الرسول: «کلاّ إنّ عمّـاراً مُلئ إیماناً من قرنه إلی قدمه، واختلط الإیمان بلحمه ودمه». وفی ذلک نزلت الآیة السابقة، وکان عمّـار یبکی، فجعل رسول اللّه یمسح عینیه ویقول: «إن عادوا لک فعد لهم بما قلت».(1) ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . مجمع البیان: 3/388. ( 51 ) 2. وقال الزمخشری: روی أنّ أُناساً من أهل مکّة فُتِنُوا فارتدّوا عن الإسلام بعد دخولهم فیه، وکان فیهم من أُکره وأجری کلمة الکفر علی لسانه وهو معتقد للإیمان، منهم عمّـار بن یاسر وأبواه: یاسر وسمیة، وصهیب وبلال وخبّاب. أمّا عمّـار فأعطاهم ما أرادوا بلسانه مکرهاً .... (1) 3. وقال الحافظ ابن ماجة: والایتاء: معناه الاعطاء أن وافقوا المشرکین علی ما أرادوا منهم تقیة، والتقیة فی مثل هذه الحال جائزة، لقوله تعالی: (إلاّ مَنْ أُکْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِیمَـانِ). (2) 4. وقال القرطبی: قال الحسن: التقیة جائزة للإنسان إلی یوم القیامة ـ ثمّ قال: ـ أجمع أهل العلم علی أنّ من أُکره علی الکفر حتّی خشی علی نفسه القتل إنّه لا إثم علیه إن کفر وقلبه مطمئن بالإیمان ولا تَبین منه زوجته ولا یُحکم علیه ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . الکشاف عن حقائق التنزیل: 2/430.
2 . ابن ماجة: السنن: 1/53، شرح حدیث رقم 150. ( 52 )
بالکفر، هذا قول مالک والکوفیین والشافعی. (1) 5. قال الخازن: التقیة لا تکون إلاّ مع خوف القتل مع سلامة النیّة، قال اللّه تعالی: (إلاّ من أُکره وقلبه مطمئن بالإیمان) ثمّ هذه التقیة رخصة.(2) 6. قال الخطیب الشربینی: (إلاّ من أُکره) أی علی التلفّظ به (وقلبه مطمئن بالإیمان) فلا شیء علیه لأنّ محل الإیمان هو القلب.(3) 7. وقال إسماعیل حقّی: (إلاّ من أُکره) أُجبر علی ذلک اللفظ بأمر یخاف علی نفسه أو عضو من أعضائه ... لأنّ الکفر اعتقاد، والإکراه علی القول دون الاعتقاد، والمعنی: «ولکن المکره علی الکفر باللسان»، (وقلبه مطمئن بالإیمان) لا تتغیر عقیدته، وفیه دلیل علی أنّ الإیمان المنجی المعتبر عند اللّه، هو التصدیق بالقلب. (4) ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . الجامع لأحکام القرآن : 4/57.
2 . تفسیر الخازن: 1/277.
3 . السراج المنیر. فی تفسیر الآیة.
4 . تفسیر روح البیان: 5/84. ( 53 ) الآیة الثانیة: قال سبحانه: (لا یَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْکَافِرِینَ أَوْلِیَاءَ مِن دُونِ الْمؤْمِنِینَ وَمَن یَفْعَل ذَلِکَ فَلَیْسَ مِنَ اللّهِ فِـی شَـیْء إلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَیُحَذِّرُکُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلی اللّهِ الْمصیرُ ). (1) وکلمات المفسّـرین حول الآیة تغنینا عن أی توضیح: 1. قال الطبری: ( إلاّ أن تتقوا منهم تقاة ) : قال أبو العالیة: التقیة باللسان، ولیس بالعمل، حُدّثت عن الحسین قال: سمعت أبا معاذ قال: أخبرنا عبید قال: سمعت الضحّاک یقول فی قوله تعالی: ( إلاّ أن تتّقوا منهم تقاة ) قال: التقیّة باللسان من حُمِلَ علی أمر یتکلّم به وهو للّه معصیة فتکلم مخافة نفسه (وقلبه مطمئن بالإیمان) فلا إثم علیه، إنّما التقیة باللسان. (2) 2. وقال الزمخشری فی تفسیر قوله تعالی: ( إلاّ أن تتّقوا منهم تقاة ): رخّص لهم فی موالاتهم إذا خافوهم، والمراد ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . آل عمران: 28.
2 . جامع البیان : 3/153. ( 54 )
بتلک الموالاة: مخالفة ومعاشرة ظاهرة، والقلب مطمئن بالعداوة والبغضاء وانتظار زوال المانع.(1) 3. قال الرازی فی تفسیر قوله تعالی: ( إلاّ أن تتّقوا منهم تقاة): المسألة الرابعة: اعلم: أنّ للتقیة أحکاماً کثیرة، ونحن نذکر بعضها: ألف: إنّ التقیّة إنّما تکون إذا کان الرجل فی قوم کفّار، ویخاف منهم علی نفسه، وماله، فیداریهم باللسان، وذلک بأن لا یظهر العداوة باللسان، بل یجوز أیضاً أن یظهر الکلام الموهم للمحبة والموالاة، ولکن بشرط أن یضمر خلافه وأن یعرض فی کل ما یقول، فإنّ للتقیّة تأثیرها فی الظاهر لا فی أحوال القلوب. ب: التقیّة جائزة لصون النفس، وهل هی جائزة: لصون المال؟ یحتمل أن یحکم فیها بالجواز، لقوله - صلَّی الله علیه وآله وسلَّم ـ : «حرمة مال المسلم کحرمة دمه»، ولقوله - صلَّی الله علیه وآله وسلَّم ـ : «من قتل دون ماله فهو شهید».(2) ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . الکشاف: 1/422.
2 . مفاتیح الغیب: 8/13. ( 55 ) 4. وقال النسفی: ( إلاّ أن تتّقوا منهم تقاة ) إلاّ أن تخافوا جهتهم أمراً یجب اتّقاؤه، أی ألاّ یکون للکافر علیک سلطان فتخافه علی نفسک ومالک فحینئذ یجوز لک اظهار الموالاة وإبطان المعاداة.(1) 5. وقال الآلوسی: وفی الآیة دلیل علی مشروعیة التقیة وعرَّفوها بمحافظة النفس أو العرض أو المال من شر الأعداء. والعدو قسمان: الأوّل: من کانت عداوته مبنیة علی اختلاف الدین، کالکافر والمسلم. الثانی: من کانت عداوته مبنیة علی أغراض دنیویة، کالمال والمتاع والملک والامارة. (2) 6. وقال جمال الدین القاسمی: ومن هذه الآیة: ( إلاّ أن تتّقوا منهم تقاة ) استنبط الأئمّة مشروعیة التقیة عند الخوف، وقد نقل الإجماع علی جوازها عند ذلک الإمام مرتضی ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . تفسیر النسفی بهامش تفسیر الخازن: 1/277.
2 . روح المعانی: 3/121. ( 56 )
الیمانی فی کتابه (إیثار الحق علی الخلق).(1) 7. وفسّـر المراغی قوله تعالی: ( إلاّ أن تتّقوا منهم تقاة) بقوله: أی انّ ترک موالاة المؤمنین للکافرین حتم لازم فی کل حال إلاّ فی حال الخوف من شیء تتّقونه منهم، فلکم حینئذ أن تتّقوهم بقدر ما یتقی ذلک الشیء، إذ القاعدة الشرعیة: «إنّ درء المفاسد مقدّم علی جلب المصالح». وإذا جازت موالاتهم لاتّقاء الضرر فأولی أن تجوز لمنفعة المسلمین، إذاً فلا مانع من أن تحالف دولة إسلامیة دولة غیر مسلمة، لفائدة تعود إلی الأُولی، إمّا بدفع ضرر أو جلب منفعة، ولیس لها أن توالیها فی شیء یضر المسلمین، ولا تختص هذه الموالاة بحال الضعف، بل هی جائزة فی کل وقت. وقد استنبط العلماء من هذه الآیة جواز التقیة بأن یقول الإنسان أو یفعل ما یخالف الحق، لأجل التوقّی من ضرر یعود من الأعداء إلی النفس، أو العرض، أو المال. ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . محاسن التأویل: 4/82. ( 57 ) فمن نطق بکلمة الکفر مکرهاً وقایة لنفسه من الهلاک، وقلبه مطمئن بالإیمان، لا یکون کافراً بل یُعذر کما فعل عمّـار بن یاسر حین أکرهته قریش علی الکفر فوافقها مکرهاً وقلبه مطمئن بالإیمان، وفیه نزلت الآیة: (مَنْ کَفَرَ بِاللّهِ مِنْ بَعْدِ إِیمَانِهِ إلاَّ مَنْ أُکْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإیمان).(1) هذه الجمل الوافیة والعبارات المستفیضة لا تدع لقائل مقالاً إلاّ أن یحکم بشرعیة التقیّة بالمعنی الذی عرفته، بل قد لا یجد أحد مفسّـراً أو فقیهاً وقف علی مفهومها وغایتها، وهو یتردد فی الحکم بجوازها، کما أنّک ـ أخی القارئ ـ لا تجد إنساناً واعیاً لا یستعملها فی ظروف عصیبة، ما لم تترتّب علیها مفسدة عظیمة، کما سیوافیک بیانها عند البحث عن حدودها. وإنّما المعارض لجوازها أو المغالط فی مشروعیتها، فإنّما ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . تفسیر المراغی: 3/136. ( 58 )
یفسّـرها بالتقیة الرائجة بین أصحاب التنظیمات السریة والمذاهب الهدّامة کالباطنیة وأمثالهم، إلاّ أنّ المسلمین جمیعاً بریئون من هذه التقیة الهدّامة لکل فضیلة رابیة. الآیة الثالثة: قوله سبحانه: (وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ یَکْتُمُ إِیمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ یَقُولَ رَبِّـیَ اللّهُ وَقَدْ جَآءَکُمْ بِالْبَیِّنَاتِ مِن رَبِّکُمْ وَإِن یَکُ کَاذِباً فَعَلَیْهِ کَذِبُهُ وَإِنْ یَکُ صَادِقَاً یُصِبْکُم بَعْضُ الَّذِی یَعِدُکُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ یهدِی مَنْ هُوَ مُسْـرِفٌ کَذَّابٌ).(1) وکانت عاقبة أمره أن:(فَوَقَاهُ اللّهُ سِیِّئَاتِ مَا مَکَرُواْ وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ) .(2) وما کان ذلک إلاّ لأنّه بتقیّته استطاع أن ینجی نبیّ اللّه ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . غافر: 28.
2 . غافر: 45. ( 59 )
من الموت: (قَالَ یَامُوسَی إِنَّ الملأ یَأْتَمِرُونَ بِکَ لِیَقْتُلُوکَ فَاخْرُجْ إِنِّی لَکَ مِنَ النَّاصِحِینَ).(1) وهذه الآیات تدل علی جواز التقیة لإنقاذ المؤمن من شرّ عدوّه الکافر. ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . القصص:20. ( 60 )

التقیّة فی السنّة النبویّة

التقیّة فی السنّة النبویّة دلّت الروایات علی أنّ الوجوب والحرمة ترتفع عند طروء الاضطرار، الذی تعدّ التقیة من مصادیقه وأوضح دلیل علی ذلک هو حدیث الرفع الذی رواه الفریقان. 1. روی الصدوق بسند صحیح فی خصاله عن أبی عبد اللّه ـ علیه السَّلام ـ قال: قال رسول اللّه - صلَّی الله علیه وآله وسلَّم ـ : «رفع عن أُمّتی تسعة: الخطأ، والنسیان، وما أُکرهوا علیه، وما لا یطیقون، وما لا یعلمون، وما اضطروا إلیه، والحسد، والطیرة، والتفکّر فی الوسوسة فی الخلق ما لم ینطق بشفة».(1) إنّ للحدیث دوراً فی مبحث البراءة والاشتغال فی علم الأُصول، وقد فصلنا الکلام حوله فی بحوثنا الأُصولیة .(2) ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . الخصال:417.
2 . لا حظ إرشاد العقول:1/347ـ 364. ( 61 ) وعلی کلّ تقدیر فالحدیث صریح فی أنّ الاضطرار یبیح المحظور. 2. روی الکلینی بسند صحیح عن زرارة، عن أبی جعفر ـ علیه السَّلام ـ ، قال: «التقیة فی کلّ ضرورة، وصاحبها أعلم بها حین تنزل به».(1) 3. روی الکلینی عن محمد بن مسلم و زرارة قالوا: سمعنا أبا جعفر ـ علیه السَّلام ـ یقول: «التقیة فی کلّ شیء یضطر إلیه ابن آدم فقد أحلّه اللّه له».(2) 4. وعن الإمام الصادق ـ علیه السَّلام ـ انّه قال:«وکلّ شیء یعمل المؤمن بینهم لمکان التقیة ممّا لا یؤدی إلی الفساد فی الدین فانّه جائز».(3) 5. وعنه ـ علیه السَّلام ـ انّه قال: «ولا حنث ولا کفّارة علی من حلف تقیة یدفع بذلک ظلماً عن نفسه».(4) ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . الوسائل:11، الباب25 من أبواب الأمر والنهی، الحدیث1.
2 . الوسائل:11، الباب25 من أبواب الأمر والنهی، الحدیث2.
3 . الکافی:2/168.
4 . الخصال:607. ( 62 ) 6. وعنه ـ علیه السَّلام ـ قال: «وانّ التقیة لأوسع ممّا بین السماء والأرض».(1) إلی غیر ذلک من الروایات الواردة فی هذا الموضوع. ولک أن تضیف إلی ذلک الاستدلال بالآیات التی رخصت عند الاضطرار، فال تعالی: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَیْرَ باغَ ولاَ عَاد فَلاَ إِثْمَ عَلَیْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِیمٌ)(2) ومورد الآیة وإن کان الاضطرار لأجل الجوع، ولکن الموضوع هو الاضطرار، سواء أکان العامل داخلیاً کاضطراره إلی أکل المیتة، أو خارجیاً قاهراً مُلْزِماً علی العمل بالخلاف علی نحو لو لم یفعله لأدّی إلی إلحاق الضرر بنفسه ونفیسه. التقیة فی کلمات العلماء 1. قال ابن عباس: التقیّة باللسان والقلب مطمئن بالإیمان ولا یبسط یده للقتل.(3) ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . بحارالأنوار:75/412.
2 . البقرة:173.
3 . فتح الباری:12/279. ( 63 ) 2. قال الحسن البصری: التقیة جائزة للمؤمن إلی یوم القیامة إلاّ فی قتل النفس.(1) 3. وقال الرازی: تجوز التقیة لصون المال علی الأصح کما یجوز صون النفس.(2) 4. وقال السیوطی: یجوز أکل المیتة فی المخمصة وإساغة اللقمة فی الخمر، والتلفظ بکلمة الکفر، ولو عمّ الحرام قطراً بحیث لا یوجد فیه حلال إلاّ نادراً فانّه یجوز استعمال ما یحتاج إلیه.(3) وقد أنکر الشاطبی علی الخوارج إنکارهم التقیة فی القول والفعل، وعدّها من جملة مخالفاتهم للکلیات الشرعیة أصلیة أو عملیة.(4) 5. وقال الطوسی: والتقیة عندنا واجبة عند الخوف علی النفس، وقد روی رخصة فی جواز الإفصاح بالحق ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . تفسیر النیسابوری فی هامش الطبری:3/178.
2 . التفسیر الکبیر:8/13.
3 . الأشباه والنظائر:76.
4 . الموافقات:4/180. ( 64 )
عنده.(1) 6. وقال العلاّمة الطباطبائی: الکتاب والسنّة متطابقان فی جوازها فی الجملة، والاعتبار العقلی یؤیده، إذ لا بغیة للدین ولا همَّ لشارعه إلاّ ظهور الحقّ وحیاته، وربما یترتّب علی التقیة و المجاراة مع أعداء الدین ومخالفی الحقّ حفظ مصلحة الدین وحیاة الحق ما لا یترتب علی ترکها وإنکار ذلک مکابرة وتعسف.(2) مجال التقیة هو الأُمور الشخصیة عُرِفَتِ الشیعة بالتقیة وأنّهم یتّقون فی أقوالهم وأفعالهم، فصار ذلک مبدأ لوهم عَلِقَ بأذهان بعض السطحیین والمغالطین، فقالوا: بما أنّ التقیة من مبادئ التشیّع فلا یصح الاعتماد علی کلّ ما یقولون ویکتبون وینشرون، إذ من المحتمل جداً أن تکون هذه الکتب دعایات والواقع عندهم غیرها. هذا ما نسمعه منهم مرّة بعد مرّة، ویکرّره الکاتب الباکستانی ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . التبیان:2/435.
2 . المیزان:3/153. ( 65 )
«إحسان إلهی ظهیر» فی کتبه السقیمة التی یتحامل بها علی الشیعة. ولکن نلفت نظر القارئ الکریم إلی أنّ مجال التقیة إنّما هو فی حدود القضایا الشخصیة الجزئیة عند وجود الخوف علی النفس والنفیس، فإذا دلّت القرائن علی أنّ فی إظهار العقیدة أو تطبیق العمل علی مذهب أهل البیت ما یُلحق بالمؤمن الضرر، یُصبح هذا المورد من مواردها، ویحکم العقل والشرع بلزوم الاتقاء حتی یصون بذلک نفسه ونفیسه عن الخطر. وأمّا الأُمور الکلّیة الخارجة عن إطار الخوف فلا تتصوّر فیها التقیة، والکتب المنتشرة من جانب الشیعة داخلة فی هذا النوع الأخیر، إذ لا خوف هناک حتی یکتب خلاف ما یعتقد، حیث لیس هناک أیُّ مُلْزم للکتابة أصلاً فی هذه الأحوال فله أن یسکت ولا یکتب شیئاً. فما یدعیه هؤلاء أنّ هذه الکتب دعایات لا واقعیات ناشئ عن قلّة معرفتهم بحقیقة التقیة عند الشیعة. والحاصل: أنّ الشیعة إنّما کانت تتّقی فی عصر لم تکن ( 66 )
لهم دولة تحمیهم، ولا قدرة ولا منعة تدفع عنهم الأخطار. وأمّا هذه الأعصار فلا مسوّغ ولا مبرّر للتقیة إلاّ فی موارد جزئیّة خاصة. إنّ الشیعة کما ذکرنا لم تلجأ إلی التقیة إلاّ بعد أن اضطرّت إلی ذلک، وهو حق لا أعتقد أنّ أحداً ینظر إلی الا ُمور بلبّه لا بعواطفه یخالفها فیه، إلاّ أنّ من الأُمور المسلّمة فی تاریخ التشیّع، کثرة التقیة علی مستوی الفتاوی، وأمّا علی المستوی العملیّ فالشیعة من أکثر الناس تضحیة، وبوسع کل باحث أن یرجع إلی مواقف رجال الشیعة مع معاویة وغیره من الحکّام الأمویین، والحکام العباسیین، أمثال حجر بن عدی، ومیثم التمار، ورشید الهجری، وکمیل بن زیاد، ومئات من غیرهم، وکمواقف العلویین علی امتداد التاریخ وثوراتهم المتتالیة و قد مرّ تفصیله فی بعض الفصول. ( 67 )

أقسام التقیة

أقسام التقیة تنقسم التقیة حسب انقسام الأحکام إلی خمسة، والمهم هو الإشارة إلی الأقسام الثلاثة: 1. التقیة الواجبة: وهی ما کانت لدفع الخوف علی نفس أو عرض محترمین، أو ضرر لا یتحمل عن نفسه أو غیره من المؤمنین. 2. التقیة المندوبة: وهی ما کانت لدفع ما یرجح دفعه من ضرر یسیر یتحمّل عادة، سواء تعلق بنفسه أو بغیره. 3. التقیة المحرمة وهی ما یترتّب علیها مفسدة أعظم، کهدم الدین وخفاء الحقیقة علی الأجیال الآتیة، وتسلّط الأعداء علی شؤون المسلمین وحرماتهم ومعابدهم، ولأجل ذلک تری أنّ کثیراً من أکابر الشیعة رفضوا التقیة فی بعض ( 68 )
الأحیان وقدّموا أنفسهم وأرواحهم أضاحی من أجل الدین، فللتقیة مواضع معینة، کما أنّ للقسم المحرم منها مواضع خاصة أیضاً. إنّ التقیة فی جوهرها کتم ما یحذر من إظهاره حتی یزول الخطر، فهی أفضل السبل للخلاص من البطش، ولکن ذلک لا یعنی أنّ الشیعی جبان خائر العزیمة، خائف متردّد الخطوات یملأ حنایاه الذل، کلاّ إنّ للتقیة حدوداً لا تتعداها، فکما هی واجبة فی حین، هی حرام فی حین آخر، فالتقیة أمام الحاکم الجائر کیزید بن معاویة مثلاً محرّمة، إذ فیها الذل والهوان ونسیان المُثُل والرجوع إلی الوراء، فلیست التقیة فی جوازها ومنعها تابعة للقوّة والضعف، وإنّما تحددها جوازاً ومنعاً مصالح الإسلام والمسلمین. إنّ للإمام الخمینی ـ قدّس اللّه سرّه ـ کلاماً فی المقام ننقله بنصّه حتی یقف القارئ علی أنّ للتقیة أحکاماً خاصة وربّما تحرم لمصالح عالیة. قال ـ قدّس اللّه سرّه ـ: تحرم التقیة فی بعض المحرّمات والواجبات التی تمثّل ( 69 )
فی نظر الشارع والمتشرّعة مکانة بالغة، مثل هدم الکعبة، والمشاهد المشرّفة، والرد علی الإسلام والقرآن والتفسیر بما یفسد المذهب ویطابق الإلحاد وغیرها من عظائم المحرّمات، ولا تعمّها أدلة التقیة ولا الاضطرار ولا الإکراه. وتدلّ علی ذلک معتبرة مسعدة بن صدقة وفیها: «فکلّ شیء یعمل المؤمن بینهم لمکان التقیة ممّا لا یؤدی إلی الفساد فی الدین فإنّه جائز». (1) ومن هذا الباب ما إذا کان المتقی ممن له شأن وأهمیة فی نظر الخلق، بحیث یکون ارتکابه لبعض المحرّمات تقیة أو ترکه لبعض الواجبات کذلک مما یعد موهناً للمذهب وهاتکاً لحرمه، کما لو أُکره علی شرب المسکر والزنا مثلاً، فإنّ جواز التقیة فی مثله متمسّکاً بحکومة دلیل الرفع(2) وأدلّة التقیة مشکل بل ممنوع، وأولی من ذلک کلّه فی عدم جواز التقیة، ما لو کان أصل من أُصول الإسلام أو المذهب أو ضروری من ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . الوسائل:10، الباب25 من أبواب الأمر والنهی، الحدیث8.
2 . الوسائل:10، الباب56 من أبواب جهاد النفس، الحدیث1. ( 70 )
ضروریات الدین فی معرض الزوال والهدم والتغییر، کما لو أراد المنحرفون الطغاة تغییر أحکام الإرث والطلاق والصلاة والحج وغیرها من أُصول الأحکام فضلاً عن أُصول الدین أو المذهب، فإنّ التقیة فی مثلها غیر جائزة، ضرورة أنّ تشریعها لبقاء المذهب وحفظ الا ُصول وجمع شتات المسلمین لإقامة الدین وأُصوله، فإذا بلغ الأمر إلی هدمها فلا تجوز التقیة، وهو مع وضوحه یظهر من الموثقة المتقدمة.(1) وعلی ضوء ما تقدّم، نخرج بالنتائج التالیة: 1. إنّ التقیة أصل قرآنی مدعم بالسنّة النبویة، وقد عمل بها فی عصر الرسالة من ابتلی من الصحابة، لصیانة نفسه، فلم یعارضه الرسول، بل أیّده بالنص القرآنی کما فی قضیة عمّـار بن یاسر، حیث أمره - صلَّی الله علیه وآله وسلَّم ـ بالعودة إذا عادوا. 2. انّ التقیّة لیست بمعنی تشکیل جماعات سریة لغایة التخریب و الهدم، وهذا لا یمتّ إلی التقیة بصلة. ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . رسالة فی التقیة مطبوعة ضمن الرسائل العشر:14، باب حول موارد استثنیت من الأدلّة. ( 71 ) 3. اتّفق المفسّرون عند التعرّض لتفسیر الآیات الواردة فی التقیة علی ما ذهبت إلیه الشیعة من إباحتها للتقیة. 4. تنقسم التقیة حسب انقسام الأحکام إلی أقسام خمسة، فبینما هی واجبة فی موضع، تجدْها محرّمة فی موضع آخر. 5. إنّ مجال التقیة لا یتجاوز القضایا الشخصیة، وهی فیما إذا کان الخوف قائماً، وأمّا إذا ارتفع الخوف والضغط، فلا مجال للتقیة. وفی ختام هذا البحث نقول: نفترض أنّ التقیة جریمة یرتکبها المتقی لصیانة دمه وعرضه وماله، ولکنّها فی الحقیقة ترجع إلی السبب الذی یفرض التقیّة علی الشیعی المسلم ویدفعه إلی أن یتظاهر بشیء من القول والفعل الذی لا یعتقد به، فعلی من یعیب التقیة للمسلم المضطهد، أن یسمح له بالحریة فی مجال الحیاة ویترکه بحاله، وأقصی ما یصح فی منطق العقل، أن یسأله عن دلیل عقیدته ومصدر عمله، فإن کان علی حجّة بیّنة ( 72 )
یتبعه، وإن کان علی خلافها یعذره فی اجتهاده وجهاده العلمی والفکری. نحن ندعو المسلمین للتأمّل فی الدواعی التی دفعت بالشیعة إلی التقیة، وأن یعملوا قدر الإمکان علی فسح المجال لإخوانهم فی الدین فإنّ لکل فقیه مسلم، رأیَه ونظرَه، وجهدَه وطاقتَه. إنّ الشیعة یقتفون أثر أئمّة أهل البیت فی العقیدة والشریعة، ویرون رأیهم، لأنّهم هم الذین أذهب اللّه عنهم الرجس وطهّرهم تطهیراً، وأحد الثقلین اللّذین أمر الرسول - صلَّی الله علیه وآله وسلَّم ـ بالتمسّک بهما فی مجالی العقیدة والشریعة، وهذه عقائدهم لا تخفی علی أحد، وهی حجّة علی الجمیع. نسأل اللّه سبحانه، أن یصون دماء المسلمین وأعراضهم عن تعرض أی متعرض، ویوحّد صفوفهم، ویؤلّف بین قلوبهم، ویجمع شملهم، ویجعلهم صفّاً واحداً فی وجه الأعداء، إنّه علی ذلک قدیر وبالإجابة جدیر. ( 73 )

شبهات حول التقیة

شبهات حول التقیة لقد تعرفت علی حقیقة التقیة: لغة واصطلاحاً وتاریخاً، کما تعرفت علی أدلّتها من الکتاب والسنّة وظهر انّ سیرة المسلمین جرت علی ممارسة التقیة عند الشدة، وبقیت ثَمّة شبهات تدور حول التقیة، نطرحها علی طاولة البحث. الشبهة الأُولی: التقیة من شعب النفاق إذا کانت التقیة إظهارَ ما یُضمر القلبُ خلافَه أو ارتکاب عمل یخالف العقیدة، فهی إذن شعبة من شعب النفاق، لأجل انّ النفاق عبارة عن التظاهر بشیء علی خلاف العقیدة. والجواب عنها واضح: لأنّ مفهوم التقیة فی الکتاب ( 74 )
والسنّة هو إظهار الکفر وإبطان الایمان، أو التظاهر بالباطل وإخفاء الحق، وإذا کان هذا مفهومها، فهی تقابل النفاق، تقابلَ الإیمان والکفر، فانّ النفاق ضدها وخلافها، فهو عبارة عن إظهار الإیمان و إبطان الکفر، والتظاهر بالحق وإخفاء الباطل، و مع وجود هذا التباین بینهما فلا یصحّ عدّها من فروع النفاق. وبعبارة أُخری: انّ النفاق فی الدین ستر الکفر بالقلب، وإظهار الإیمان باللسان، وأین هذا من التقیة التی هی علی العکس تماماً (إلاّ من أکره وقلبه مطمئن بالإیمان) فهی إظهار الکفر وإخفاء الإیمان و ستره بالقلب، وأمّا تقیة الشیعة فهی تَکْمُنُ فی إخفاء الاعتقاد بالإمامة والولایة لأهل البیتعلیهم السَّلام یعنی ستر التشیع مع التظاهر بموافقة الآخرین فی عقیدتهم تجاه الإمامة وفی الوقت نفسه یشارکون المسلمین فی الشهادتین والإیمان بالقیامة، ویمارسون العبادات ویعملون بالفروع ویعتقدون ذلک بقلوبهم ویعیشون هذه العقیدة بوجدانهم وبأرواحهم . ( 75 ) نعم من فسر النفاق بمطلق مخالفة الظاهر للباطن وبه صوّر التقیة ـ الواردة فی الکتاب والسنّة ـ من فروعه، فقد فسره بمفهوم أوسع ممّا هو علیه فی القرآن، فانّه یعرف المنافقین بالمتظاهرین بالإیمان و المبطنین للکفر بقوله تعالی: (إِذا جَاءَکَ الْمُنافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّکَ لَرَسُولُ اللّهِ وَاللّهُ یَعْلَمُ إِنَّکَ لَرَسُولُهُ واللّهُ یَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقینَ لَکاذِبُون)(1) فإذا کان هذا حدّ المنافق فکیف یعمّ من یستعمل التقیة تجاه الکفار والعصاة فیُخفی إیمانه أو عقیدته فی ولاء أهل البیت و یظهر الموافقة لغایة صیانة النفس والنفیس والعرض والمال من التعرض؟! ویظهر صدق ذلک إذا وقفنا علی ورودها فی التشریع الإسلامی، ولو کانت من قسم النفاق، لکان ذلک أمراً بالقبیح ویستحیل علی الحکیم أن یأمر به (قُلْ إِنّ اللّهَ لا یَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَی اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُون). (2) ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . المنافقون:1.
2 . الأعراف:28. ( 76 ) الشبهة الثانیة: لماذا عُدَّت التقیة من أُصول الدین؟ قد نقل عن أئمّة أهل البیتعلیهم السَّلام انّهم قالوا: التقیة دینی و دین آبائی، ولا دین لمن لا تقیة له.(1) وظاهر هذه الروایات انّ الاعتقاد بالتقیة وتطبیق العمل علی ضوئها من أُصول الدین فمن لم یتق فقد خرج عن الدین ولیس له من الإیمان نصیب. یلاحظ علیه: بأنّ التقیة من الموضوعات الفقهیة،تخضع کسائر الموضوعات للأحکام الخمسة، فتارة تجب وأُخری تحرم، وثالثة...، ومعه کیف یمکن أن تکون من أُصول الدین، وقد ذکرها فقهاء الشیعة فی باب الأمر بالمعروف والنهی عن المنکر. وأمّا الروایات التی عدتها من الدین فهی من باب الاستعارة وغایتها التأکید علی أهمیتها وتطبیقها فی الحیاة لصیانة النفس والنفیس، وبما انّ بعض الشیعة کانوا یجاهرون ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . الوسائل:10، الباب24 من أبواب الأمر بالمعروف، الحدیث3، 22. ( 77 )
بعقائدهم وشعائرهم، الأمر الذی یؤدّی إلی إلقاء القبض علیهم وتعذیبهم وإراقة دمائهم، فالإمام وللحیلولة دون وقوع ذلک یقول بأنّ (التقیة دینی ودین آبائی) لحثّهم علی الاقتداء بهم، وأمّا ما ورد فی الحدیث «لا دین لمن لا تقیّة له» فالغایة التأکید علی الالتزام بالتقیّة، نظیر قوله: لا صلاة لجار المسجد إلاّ فی المسجد. وبعبارة أُخری: لیس المراد من الدین هو الأُصول العامة کالتوحید والنبوة والمعاد التی بالاعتقاد بها یرد إلی حظیرة الإسلام وبإنکارها أو إنکار واحد منها أو إنکار ما یلازم إنکار أحد الأُصول الثلاثة یخرج عنها، وإنّما المراد به هو الشأن الذی یتعبد به الإمام ویعمل بدین اللّه، فقوله : «التقیة دینی و دین آبائی» أی هو من شؤوننا أهل البیتعلیهم السَّلام فاقتدوا بنا، وأمّا من یتصور انّ التقیة تمس کرامته فهو إنسان جاهل خارج عن هذا الشأن الذی علیه تدین الأئمة به. الشبهة الثالثة: التقیة تؤدی إلی محق الدین إذا مارست جماعةٌ التقیة فترة طویلة فی أُصول الدین ( 78 )
وفروعه، ربما یتجلی للجیل المقبل بأنّ ما مارسه آباؤهم من صمیم الدین وواقعه، فعند ذلک تنتهی التقیة إلی محق الدین واندثاره. یلاحظ علیه: أنّ الظروف مختلفة ولیست علی منوال واحد، فربما یشتد الضغط فلا یجد المحقّ مجالاً للإعراب عن رأیه وعقیدته وشریعته ، وقد تتبدّل الظروف إلی ظروف مناسبة تسمح بممارسة الشعائر بکلّ حریة، وقد عاشت الشیعة بین الحین والآخر فی هذه الظروف المختلفة، وبذلک صانت أُصولها وفروعها وثقافتها واللّه سبحانه هو المعین لحفظ الدین وشریعته. وبعبارة أُخری: انّ للتقیة سیطرة علی الظاهر دون الباطن، فالأقلّیة التی صودرت حریاتها یمارسونها فی الظاهر، و أمّا فی المجالس الخاصة فیقومون بواجبهم علی ما هو علیه ویربّون أولادهم علی وفق التعالیم التی ورثوها عن آبائهم عن أئمتهم. ولو افترضنا انّ مراعاة التقیة فترة طویلة تنتهی إلی محق ( 79 )
الدین فالتقیة عندئذ تکون محرمة یجب الاجتناب عنها. وقد مرّ انّ التقیة لها أحکام خمسة، فالتقیة المنتهیة إلی محق الدین محظورة. الشبهة الرابعة: التقیة تؤدی إلی تعطیل الأمر بالمعروف إنّ التقیة فکرة تحوّل المسلم إلی إنسان یتعایش مع الأمر الواقع علی ما فیه من ظلم وفساد وانحراف، فتعود إلی الرضا بکلّ ما یحیط بها من الظلم والفساد والانحراف. یلاحظ علیه: أنّ الأمر بالمعروف والنهی عن المنکر مشروط بالتمکن منه، فمرتبة منه وظیفة الفرد و هو الأمر بالمعروف بکراهیة القلب و اللسان، ومرتبة منه وظیفة المجتمع وعلی رأسه الدولة صاحبة القدرة والمنعة، فالممارس للتقیة یأمر بالمعروف وینهی عن المنکر حسب مقدرته ولولا القدرة فلا حکم علیه، لأنّ اللّه سبحانه لا یکلف نفساً إلاّ وسعها. ومع ذلک فالممارس للتقیة یتحیّن الفرص للانقضاض ( 80 )
علی الواقع الفاسد وتغییره، فلو ساعدته الظروف علی هذا التغییر فحینها یتخـلّی عن التقیـة ویجاهر بالحقّ قـولاً وعملاً. الشبهة الخامسة: التقیة من المسلم من البدع ربما یتصور انّ التقیة من اختلاقات الشیعة وانّها لا دلیل علیها من الکتاب والسنّة، وذلک لأنّ الآیات الواردة فی التقیة ترجع إلی اتّقاء المسلم من الکافر، وأمّا اتّقاء المسلم من المسلم فهذا ما لا دلیل علیه من الکتاب والسنة. الجواب إنّ مورد الآیات وإن کان هو اتّقاء المسلم من الکافر، ولکن المورد لیس بمخصّص لحکم الآیة فقط، إذ لیس الغرض من تشریع التقیة عند الابتلاء بالکفار إلاّ صیانة النفس والنفیس من الشر، فإذا ابتُلی المسلم بأخیه المسلم الذی یخالفه فی بعض الفروع ولا یتردد الطرف القوی عن إیذاء الطرف الآخر، کأن ینکل به أو ینهب أمواله أو یقتله، ( 81 )
ففی تلک الظروف الحرجة یحکم العقل السلیم بصیانة النفس والنفیس عن طریق کتمان العقیدة واستعمال التقیة، ولو کان هناک وزر فإنّما یحمله من یُتّقی منه لا المتّقی.ونحن نعتقد أنّه إذا سادت الحریة جمیع الفرق الإسلامیة، وتحمّلت کل فرقة آراء الفرقة الأُخری لوقفت علی أنّ الرأی الآخر هو نتیجة اجتهادها، وعندها لا یضطر أحد من المسلمین إلی استخدام التقیة، ولساد الوئام مکان النزاع. وقد فهم ذلک لفیف من العلماء وصرّحوا به، وإلیک نصوص بعضهم: 1. قال الشافعی: تجوز التقیة بین المسلمین کما تجوز بین الکافرین محاماة عن النفس.(1) 2. یقول الإمام الرازی فی تفسیر قوله سبحانه: (إلاّ أن تتّقوا منهم تقاة): ظاهر الآیة یدل علی أنّ التقیة إنّما تحل مع الکفّار الغالبین، إلاّ أنّ مذهب الشافعی ـ رضی اللّه عنه ـ: أنّ الحالة بین المسلمین إذا شاکلت الحالة بین المسلمین ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . تفسیر النیسابوری فی هامش تفسیر الطبری:3/178. ( 82 )
والکافرین حلّت التقیة محاماة عن النفس، وقال: التقیة جائزة لصون النفس، وهل هی جائزة لصون المال؟ یحتمل أن یحکم فیها بالجواز لقوله - صلَّی الله علیه وآله وسلَّم ـ : «حرمة مال المسلم کحرمة دمه»، وقوله - صلَّی الله علیه وآله وسلَّم ـ : «من قتل دون ماله فهو شهید» .(1) 3. ینقل جمال الدین القاسمی عن الإمام مرتضی الیمانی فی کتابه «إیثار الحق علی الخلق» ما نصّـه: وزاد الحق غموضاً وخفاءً أمران: أحدهما: خوف العارفین ـ مع قلّتهم ـ من علماء السوء وسلاطین الجور وشیاطین الخلق مع جواز التقیة عند ذلک بنص القرآن، وإجماع أهل الإسلام، وما زال الخوف مانعاً من إظهار الحق، ولا برح المحق عدوّاً لأکثر الخلق، وقد صحّ عن أبی هریرة ـ رضی اللّه عنه ـ أنّه قال ـ فی ذلک العصر الأوّل ـ: حفظت من رسول اللّه - صلَّی الله علیه وآله وسلَّم ـ وعاءین، أمّا أحدهما فبثثته فی الناس، وأمّا الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم.(2) ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . مفاتیح الغیب:8/13 فی تفسیر الآیة.
2 . محاسن التأویل:4/82. ( 83 ) 4. وقال المراغی فی تفسیر قوله سبحانه: (مَنْ کَفَرَ بِاللّهِ مِنْ بَعْدِ إِیمَانِهِ إلاَّ مَنْ أُکْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإیمَـان): ویدخل فی التقیة مداراة الکفرة والظلمة والفسقة، وإلانة الکلام لهم، والتبسّـم فی وجوههم، وبذل المال لهم، لکف أذاهم وصیانة العرض منهم، ولا یعد هذا من الموالاة المنهی عنها، بل هو مشروع، فقد أخرج الطبرانی قوله - صلَّی الله علیه وآله وسلَّم ـ : «ما وَقَی المؤمن به عرضَه فهو صدقة».(1) إنّ الشیعة تتقی الکفّار فی ظروف خاصة لنفس الغایة التی لأجلها یتّقیهم السنّی، غیر أنّ الشیعی ولأسباب لا تخفی، یلجأ إلی اتّقاء أخیه المسلم لا لتقصیر فی الشیعی، بل فی أخیه الذی دفعه إلی ذلک، لأنّه یدرک أنّ الفتک والقتل مصیره إذا صرّح بمعتقده الذی هو عنده موافق لا ُصول الشرع الإسلامی وعقائده، نعم کان الشیعی وإلی وقت قریب یتحاشی أن یقول: إنّ اللّه لیس له جهة، أو أنّه تعالی لایُری یوم القیامة، وإنّ المرجعیة العلمیة والسیاسیة لأهل البیت بعد ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . تفسیر المراغی:3/136. ( 84 )
رحلة النبی الأکرم، أو أنّ حکم المتعة غیر منسوخ. إنّ الشیعی إذا صرّح بهذه الحقائق ـ التی استنبطت من الکتـاب والسنّةـ سوف یُعرّض نفسه ونفیسه للمهالک والمخاطر. وقد مرّ علیک کلام الرازی وجمال الدین القاسمی والمراغی الصریح فی جواز هذا النوع من التقیة، فتخصیص التقیة بالتقیة من الکافر فحسب، جمود علی ظاهر الآیة وسد لباب الفهم، ورفض للملاک الذی شُـرّعت لأجله التقیة، وإعدام لحکم العقل القاضی بحفظ الأهم إذا عارض المهم. وقد مرّ الکلام عن لجوء جملة من کبار المحدّثین إلی التقیة فی ظروف عصیبة أوشکت أن تودی بحیاتهم وبما یملکون، وخیر مثال علی ذلک ما أورده الطبری فی تاریخه(1) عن محاولة المأمون دفع وجوه القضاة والمحدّثین فی زمانه إلی الإقرار بخلق القرآن قسراً وقد علموا انّ إنکاره یستعقب قتل الجمیع دون رحمة، ولما أبصر أُولئک المحدّثون لَمَعان، حد السیف عمدوا إلی مصانعة المأمون فی دعواه وأسرّوا معتقدهم ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . تاریخ الطبری:7/195ـ206. ( 85 )
فی صدورهم، ولمّا عُوتبوا علی ما ذهبوا إلیه من موافقة المأمون برّروا عملهم بعمل عمّـار بن یاسر حین أُکره علی الشرک وقلبه مطمئن بالإیمان، والقصّة شهیرة وصریحة فی جواز اللجوء إلی التقیة التی دأب البعض بالتشنیع فیها علی الشیعة وکأنّهم هم الذین ابتدعوها من بنات أفکارهم دون أن تکون لها قواعد وأُصول إسلامیة ثابتة ومعلومة. ( 86 )

الآثار البنّاءة للتقیة

الآثار البنّاءة للتقیة إذا ساد الاستبداد المجتمعَ الإنسانی وصودرت فیه الحریات وهُضمت فیه الحقوق وأُخمدت فیه أصوات الأحرار، فحینئذ لا تجد الأقلیة المهضومة، حیلة سوی اللجوء إلی التقیة والتعایش مع الأمر الواقع، وهذا الأمر وان یتلقّاه البعض أمراً مرغوباً عنه، ولکن الإمام أمیر المؤمنین ـ علیه السَّلام ـ ـ کما سیوافیک کلامه ـ یصفه بأنّه رخصة من اللّه تفضّل اللّه بها علی المؤمنین. کیف و قد یترتّب علی ممارسة التقیة آثار بنّاءة تتلخّص فی الأُمور التالیة: 1. حفظ النفس والنفیس إنّ ممارسة التقیة والمداراة مع الظالم المستبد یصون ( 87 )
الأقلیة من البطش والکبت والقتل ومصادرة الأموال بخلاف عدم ممارستها فانّه یعرِّضها للقتل والفناء، ولذلک یعبر عنها بالترس والجُنّة ، قال الإمام الصادق ـ علیه السَّلام ـ : «إنّ التقیة ترس المؤمن، ولا إیمان لمن لا تقیة له».(1) وقال ـ علیه السَّلام ـ : «کان أبی یقول: وأی شیء أقرّ لعینی من التقیة، انّ التقیة جُنّة المؤمن».(2) روی شیخنا المفید قال: کتب علی بن یقطین (الوزیر الشیعی للرشید) إلی الإمام الکاظم ـ علیه السَّلام ـ یسأله عن الوضوء؟ فکتب إلیه أبو الحسن ـ علیه السَّلام ـ :«فهمت ما ذکرت من الاختلاف فی الوضوء، والذی آمرک به فی ذلک أن تمضمض ثلاثاً، و تستنشق ثلاثاً، وتغسل وجهک ثلاثاً، وتخلّل شعر لحیتک، وتغسل یدیک من أصابعک إلی المرفقین ثلاثاً، وتمسح رأسک کلّه، وتمسح ظاهر أُذنیک وباطنهما، وتغسل رجلیک إلی الکعبین ثلاثاً، ولا تخالف ذلک إلی غیره. فلمّا وصل الکتاب إلی علی بن یقطین تعجب مما رسم ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . الوسائل:11، الباب24 من أبواب الأمر بالمعروف، الحدیث4و6.
2 . الوسائل:11، الباب24 من أبواب الأمر بالمعروف، الحدیث4و6. ( 88 )
له أبو الحسن ـ علیه السَّلام ـ فیه ممّا أجمع العصابة علی خلافه، ثمّ قال: مولای أعلم بما قال: وأنا أمتثل أمره، فکان یعمل فی وضوئه علی هذا الحد، ویخالف ما علیه جمیع الشیعة امتثالاً لأمر أبی الحسن ـ علیه السَّلام ـ ، وسُعِیَ بعلی بن یقطین إلی الرشید، و قیل: إنّه رافضی، فامتحنه الرشید من حیث لا یشعر، فلمّا نظر إلی وضوئه ناداه: کذب یا علی بن یقطین من زعم أنّک من الرافضة، وصلحت حاله عنده، وورد علیه کتاب أبی الحسن ـ علیه السَّلام ـ : «ابتدأ من الآن یا علی بن یقطین و توضّأ کما أمرک اللّه تعالی، اغسل وجهک مرة فریضة وأُخری إسباغاً و اغسل یدیک من المرفقین کذلک، وامسح بمقدم رأسک وظاهر قدمیک من فضل نداوة وضوئک، فقد زال ما کنّا نخاف منه علیک، والسلام».(1) تری أنّ الإمام أنقذ علی بن یقطین من الموت من خلال أمره بالتقیة وکم له فی التاریخ من نظیر، و کفی شاهداً قصة عمّار و أبیه وأُمّه المتقدّمة. ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . الوسائل:1، الباب32 من أبواب الوضوء، الحدیث3. ( 89 ) 2. حفظ وحدة الأُمّة لا شکّ انّ وحدة الکلمة هی مصدر قوة الأُمّة وازدهارها، وهی حبل اللّه الوثیق الذی لابدّ من الاعتصام به، حیث قال فی محکم کتابه: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِیعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا).(1) فقد عدّ سبحانه التفریق والتشرذم والتشتت عذاباً یستأصل الأُمّة ویستنفد قواها، قال سبحانه: (قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلی أَنْ یَبْعَثَ عَلَیْکُمْ عَذاباً مِنْ فَوقِکُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرجُلِکُمْ أَو یَلْبِسَکُمْ شِیَعاً ویُذِیقَ بَعضَکُمْ بَأْسَ بَعْض). (2) إلی غیر ذلک من الآیات الحاثّة علی الوحدة والمحذِّرة من التفرق والتبدد. وتشریع التقیة یعین علی الوحدة ویمسک الأُمة عن التبدد، فلذلک یصفها الإمام بأنّها «رخصة تفضّل بها اللّه علی المؤمنین رحمة لهم». ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . آل عمران:103.
2 . الأنعام:65. ( 90 ) وهذ لا یعنی الإفراط فی ممارسة التقیة حتّی إذا توفرت الفرص المناسبة للتعبیر عن رأیه ومنهجه، فعند ذلک تحرم التقیة، لأنّه یترتب علیها طمس الدین وکتمان الحقیقة. 3. الحفاظ علی القوی من الاستنزاف إنّ الجماعة المهضومة، بممارسة التقیة تحمی قواها وطاقاتها من الاستنزاف، وبالتالی تربّی جماعة واعیة لأهدافها، فإذا هبّ علی مجتمعهانسیم الحریة فیتیسّر عندها أن تُجاهر بأفکارها وآرائها دون أی خوف أو وجل و تطالب بحقوقها، وهذا من آثار التقیة حیث صانت الجماعة الضعیفة من استنزاف قواها. وبما انّ هذه الآثار البنّاءة تعبیر واضح للرحمة، التی أشار إلیها الإمام أمیر المؤمنین، نأتی بنص کلمته: روی الشریف المرتضی فی رسالة «المحکم والمتشابه» نقلاً عن «تفسیر النعمانی» عن علی ـ علیه السَّلام ـ أنّه قال :«و انّ اللّه منّ علی المؤمن بإطلاق الرخصة له عند التقیة فی الظاهر، أن ( 91 )
یصوم بصیامه ویفطر بإفطاره ویصلّی بصلاته ویعمل بعمله ویظهر له استعمال ذلک، موسعاً علیه فیه، وعلیه أن یدین اللّه تعالی فی الباطن بخلاف ما یظهر لمن یخافه من المخالفین المستولین علی الأُمّة، فهذه رخصة تفضّل اللّه بها علی المؤمنین رحمة لهم لیستعملوها عند التقیة فی الظاهر».(1) والحمد للّه الذی بنعمته تتم الصالحات ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . الوسائل:1، الباب 25 من أبواب مقدمة العبادات، الحدیث1.

تعريف مرکز القائمیة باصفهان للتحریات الکمبیوتریة

جاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ في سَبيلِ اللَّهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (التوبة/41).
قالَ الإمامُ علیّ ُبنُ موسَی الرِّضا – علـَیهِ السَّلامُ: رَحِمَ اللّهُ عَبْداً أحْيَا أمْرَنَا... َ يَتَعَلَّمُ عُلُومَنَا وَ يُعَلِّمُهَا النَّاسَ؛ فَإِنَّ النَّاسَ لَوْ عَلِمُوا مَحَاسِنَ كَلَامِنَا لَاتَّبَعُونَا... (بَــنـادِرُ البـِحـار – فی تلخیص بحـار الأنوار، للعلاّمة فیض الاسلام، ص 159؛ عُیونُ أخبارِ الرِّضا(ع)، الشـَّیخ الصَّدوق، الباب28، ج1/ ص307).
مؤسّس مُجتمَع "القائمیّة" الثـَّقافیّ بأصبَهانَ – إیرانَ: الشهید آیة الله "الشمس آباذی" – رَحِمَهُ اللهُ – کان أحداً من جَهابـِذة هذه المدینة، الذی قدِ اشتهَرَ بشَعَفِهِ بأهل بَیت النبیّ (صلواتُ اللهِ علـَیهـِم) و لاسیَّما بحضرة الإمام علیّ بن موسَی الرِّضا (علیه السّلام) و بـِساحة صاحِب الزّمان (عَجَّلَ اللهُ تعالی فرجَهُ الشَّریفَ)؛ و لهذا أسّس مع نظره و درایته، فی سَنـَةِ 1340 الهجریّة الشمسیّة (=1380 الهجریّة القمریّة)، مؤسَّسة ًو طریقة ًلم یـَنطـَفِئ مِصباحُها، بل تـُتـَّبَع بأقوَی و أحسَنِ مَوقِفٍ کلَّ یومٍ.
مرکز "القائمیّة" للتحرِّی الحاسوبیّ – بأصبَهانَ، إیرانَ – قد ابتدَأَ أنشِطتَهُ من سَنـَةِ 1385 الهجریّة الشمسیّة (=1427 الهجریّة القمریّة) تحتَ عنایة سماحة آیة الله الحاجّ السیّد حسن الإمامیّ – دامَ عِزّهُ – و مع مساعَدَةِ جمع ٍمن خِرّیجی الحوزات العلمیّة و طلاب الجوامع، باللیل و النهار، فی مجالاتٍ شتـَّی: دینیّة، ثقافیّة و علمیّة...
الأهداف: الدّفاع عن ساحة الشیعة و تبسیط ثـَقافة الثـَّقـَلـَین (کتاب الله و اهل البیت علیهـِمُ السَّلامُ) و معارفهما، تعزیز دوافع الشـَّباب و عموم الناس إلی التـَّحَرِّی الأدَقّ للمسائل الدّینیّة، تخلیف المطالب النـّافعة – مکانَ البَلاتیثِ المبتذلة أو الرّدیئة – فی المحامیل (=الهواتف المنقولة) و الحواسیب (=الأجهزة الکمبیوتریّة)، تمهید أرضیّةٍ واسعةٍ جامعةٍ ثـَقافیّةٍ علی أساس معارف القرآن و أهل البیت –علیهم السّلام – بباعث نشر المعارف، خدمات للمحققین و الطـّلاّب، توسعة ثقافة القراءة و إغناء أوقات فراغة هُواةِ برامِج العلوم الإسلامیّة، إنالة المنابع اللازمة لتسهیل رفع الإبهام و الشـّـُبُهات المنتشرة فی الجامعة، و...
- مِنها العَدالة الاجتماعیّة: التی یُمکِن نشرها و بثـّها بالأجهزة الحدیثة متصاعدة ً، علی أنـّه یُمکِن تسریعُ إبراز المَرافِق و التسهیلاتِ – فی آکناف البلد - و نشرِ الثـَّقافةِ الاسلامیّة و الإیرانیّة – فی أنحاء العالـَم - مِن جـِهةٍ اُخرَی.
- من الأنشطة الواسعة للمرکز:
الف) طبع و نشر عشراتِ عنوانِ کتبٍ، کتیبة، نشرة شهریّة، مع إقامة مسابقات القِراءة
ب) إنتاجُ مئات أجهزةٍ تحقیقیّة و مکتبیة، قابلة للتشغیل فی الحاسوب و المحمول
ج) إنتاج المَعارض ثـّـُلاثیّةِ الأبعاد، المنظر الشامل (= بانوراما)، الرّسوم المتحرّکة و... الأماکن الدینیّة، السیاحیّة و...
د) إبداع الموقع الانترنتی "القائمیّة" www.Ghaemiyeh.com و عدّة مَواقِعَ اُخـَرَ
ه) إنتاج المُنتـَجات العرضیّة، الخـَطابات و... للعرض فی القنوات القمریّة
و) الإطلاق و الدَّعم العلمیّ لنظام إجابة الأسئلة الشرعیّة، الاخلاقیّة و الاعتقادیّة (الهاتف: 00983112350524)
ز) ترسیم النظام التلقائیّ و الیدویّ للبلوتوث، ویب کشک، و الرّسائل القصیرة SMS
ح) التعاون الفخریّ مع عشراتِ مراکزَ طبیعیّة و اعتباریّة، منها بیوت الآیات العِظام، الحوزات العلمیّة، الجوامع، الأماکن الدینیّة کمسجد جَمکرانَ و...
ط) إقامة المؤتمَرات، و تنفیذ مشروع "ما قبلَ المدرسة" الخاصّ بالأطفال و الأحداث المُشارِکین فی الجلسة
ی) إقامة دورات تعلیمیّة عمومیّة و دورات تربیة المربّـِی (حضوراً و افتراضاً) طیلة السَّنـَة
المکتب الرّئیسیّ: إیران/أصبهان/ شارع"مسجد سیّد"/ ما بینَ شارع"پنج رَمَضان" ومُفترَق"وفائی"/بنایة"القائمیّة"
تاریخ التأسیس: 1385 الهجریّة الشمسیّة (=1427 الهجریة القمریّة)
رقم التسجیل: 2373
الهویّة الوطنیّة: 10860152026
الموقع: www.ghaemiyeh.com
البرید الالکترونی: Info@ghaemiyeh.com
المَتجَر الانترنتی: www.eslamshop.com
الهاتف: 25-2357023- (0098311)
الفاکس: 2357022 (0311)
مکتب طهرانَ 88318722 (021)
التـِّجاریّة و المَبیعات 09132000109
امور المستخدمین 2333045(0311)
ملاحَظة هامّة:
المیزانیّة الحالیّة لهذا المرکز، شـَعبیّة، تبرّعیّة، غیر حکومیّة، و غیر ربحیّة، اقتـُنِیَت باهتمام جمع من الخیّرین؛ لکنـَّها لا تـُوافِی الحجمَ المتزاید و المتـَّسِعَ للامور الدّینیّة و العلمیّة الحالیّة و مشاریع التوسعة الثـَّقافیّة؛ لهذا فقد ترجَّی هذا المرکزُ صاحِبَ هذا البیتِ (المُسمَّی بالقائمیّة) و مع ذلک، یرجو مِن جانب سماحة بقیّة الله الأعظم (عَجَّلَ اللهُ تعالی فرَجَهُ الشَّریفَ) أن یُوفـِّقَ الکلَّ توفیقاً متزائداً لِإعانتهم - فی حدّ التـّمکـّن لکلّ احدٍ منهم – إیّانا فی هذا الأمر العظیم؛ إن شاءَ اللهُ تعالی؛ و اللهُ ولیّ التوفیق.