التفسير و المفسرون(للمعرفة)

اشارة

سرشناسه : معرفت هادي

عنوان و نام پديدآور : التفسير و المفسرون في ثوبه القشيب تاليف محمدهادي معرفه

مشخصات نشر : مشهد: الجامعه الرضويه للعلوم الاسلاميه 1418ق 1377 -

مشخصات ظاهري : ج.

شابك : 3500 ريال (دوره) ؛ 150000 ريال ( دوره، چاپ چهارم) ؛ ج.1، چاپ چهارم : 978-964-7673-55-6 ؛ 120000 ريال ج.2، چاپ سوم : 978-964-7673-34-1

يادداشت: عربي

يادداشت: ج. 1 (چاپ چهارم: 1429ق. = 1387).

يادداشت : ج 2 (چاپ اول 1419ق = 1377).

يادداشت : ج.2 (چاپ سوم: 1428 ق.=1386).

يادداشت : كتابنامه

موضوع : مفسران.

موضوع : تفسير -- فن

شناسه افزوده : دانشگاه علوم اسلامي رضوي

رده بندي كنگره : ‮ BP91/5 /م 6ت 7 1377

رده بندي ديويي : ‮ 297/171

شماره كتابشناسي ملي : م 77-13769

[الجزء الاول]

[كلمة الناشر]

بسم اللّه الرحمن الرحيم تظلّ الحاجة قائمة إلى تفسير القرآن الكريم بوصفه دستور الإسلام الرفيع، و معجزة النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الخالدة لأسباب عرضها هذا الكتاب. من هنا كان الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أوّل من تولّى تفسيره عبر إعداده ثلّة من الصحابة الأكفاء الذين كان أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام أكثرهم تألّقا. و يليه عبد اللّه بن مسعود، و أبيّ بن كعب، و عبد اللّه بن عباس، و كانت لهؤلاء معرفة ملحوظة في تفسير القرآن.

و ازدادت الحاجة إلى تفسير القرآن الكريم أكثر فأكثر بعد وفاة النّبي الأكرم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بسبب البعد عن زمن نزول الوحي، و اتّساع نطاق الفتوحات الإسلامية، و بروز مسائل علمية جديدة. فتوزّع عدد من الصحابة على الأمصار، فاستقرّ عبد اللّه بن عباس بمكة، و عبد اللّه

بن مسعود بالكوفة، و أبيّ بن كعب بالمدينة و أبو موسى الأشعرى بالبصرة، و أبو الدرداء بالشّام. و ألقى هؤلاء دروسهم في تفسير القرآن، و جهدوا في سبيل ذلك، فأثمرت مساعيهم من خلال إعداد شريحة من التابعين، و ظهور مدارس تفسيرية متنوّعة.

و هكذا انتقل التراث الثمين لتفسير القرآن الكريم من التابعين إلى تابعي التابعين ... و حفظته الصدور و تناقلته الألسن إلى أن حان تدوين أوّل التفاسير، فأشرق فصل جديد في عرض المعارف القرآنية السامقة للأجيال القادمة، و ظهرت أساليب مختلفة في التفسير.

و اضطلع التوّاقون إلى القرآن الكريم بتدوين مئات التفاسير- كاملة كانت أم ناقصة- رغبة منهم في خدمة هذا الكتاب المقدّس بعد أن تجشّموا عناء كبيرا على تواتر الأيّام، و بعد أن شهد العالم الإسلامي انبثاق مدارس فكرية متنوّعة في حقل الفلسفة، و الكلام، و العرفان، و التصوف، و شهد ظهور المعتزلة، و الأشاعرة. و لعلّ تعرّف الأمم و الشعوب على الإسلام و رغبتها في رسالة هذا الدين فرضا ضرورة

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 4

تعريف القرآن لها، ممّا أفضى إلى بروز ظاهرة جديدة باسم «الترجمة».

إن مرور أربعة عشر قرنا على تفسير القرآن، و ظهور مدارس تفسيرية مختلفة، و جهود الفرق الإسلامية و علماء المسلمين لاستيعاب المعارف القرآنية، و الاهتمام بمستلزمات تفسير القرآن، و عشرات الموضوعات الأخرى، كلّ ذلك حفّز الجميع على الاتّجاه الجادّ نحو فصل مهم في علوم القرآن، تحت عنوان «التفسير و المفسرون».

و أوّل كتاب مستقل تمّ تدوينه في هذا المجال هو كتاب «مذاهب التفسير الإسلامي» الذي ألّفه جولد تسيهر. و ترجم هذا المستشرق في الكتاب المذكور و غيره من كتبه الأخرى جهله، بل حقده على الإسلام. و حذا حذوه الدكتور

محمد حسين الذهبي في كتابه «التفسير و المفسرون» الذي ألّفه في جزءين. و لقي هذا الكتاب ترحيبا من قبل الأوساط العلمية و الجامعية من لدن صدوره حتّى اليوم. و هو الكتاب الوحيد الذي تبسّط في مباحثه حول التفسير و المفسرين.

بيد أنّه مني أيضا بمثالب فاظعة؛ إذ أنّه غفل عن كثير من الكتب التي صنّفت قبله في التفسير، و وهم في تعريف المفسرين و كتبهم لاعتماده على مصادر ضعيفة، و الأنكى من ذلك كلّه أنّ مؤلّفه عبّر عن بغضه و إجحافه بحقّ بعض المذاهب الإسلامية و تفاسيرها ممّا قلّل من قيمة الكتاب كثيرا.

و من بين المذاهب التي أسخطته، و تجرّعت مضض جفائه أكثر من غيرها هو المذهب الجعفري؛ إذ تحامل الذهبي على عقائد الشيعة، و ذكر تفاسيرهم في عداد التفاسير المشوبة بالبدع.

إنّ ما يؤلمنا حقا هو تدريس هذا الكتاب في جامعات بلادنا، و ذلك يعود إلى غياب كتاب يستبدل به. و قيّض اللّه تعالى من يملأ هذا الفراغ، و هو الأستاذ المحقق، الباحث القرآني سماحة آية اللّه محمد هادي معرفة- دام ظلّه- الذي هبّ إلى تأليف كتاب «التفسير و المفسرون» بعزم راسخ و جهد كبير و بحث شامل.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 5

و نلحظ أن هذا المؤلّف الكريم- كما ذكر هو نفسه- قد أمضى ما ينيف على ثلاثين سنة في البحث و التحقيق متحدّيا الصعاب دفاعا عن كيان التشيع، و إثباتا لدور علمائه في بثّ العلوم و المعارف القرآنية.

و كان عطاء تلك الجهود تدوين مجموعة كاملة في مباحث العلوم القرآنية بصورة واسعة و جامعة، و تشتمل هذه الدورة على سبعة أجزاء تحت عنوان «التمهيد في علوم القرآن»، طبع منها لحدّ الآن ستة أجزاء.

و في

هذا المضمار تمّ تأليف كتاب «التفسير و المفسرون» في جزءين. و ممّا يميّز هذا الكتاب هو أن مؤلّفه زاول تدريس موضوعاته في حوزة قم، و الجامعة الرضوية للعلوم الإسلامية بمشهد المقدسة قبل نشره. و جدّ في تحبيره من خلال إضافة فصول جديدة أثناء التدريس.

و يحسن هنا أن نشير إلى بعض خصائص الكتاب:

1- كلّ من يراجع الكتاب مراجعة يسيرة يدرك أنّ مؤلّفه أخذ من كل مصدر يمكن أن يغني بحثه، و لم يغفل عن التتبّع اللازم.

2- ازّيّن الكتاب بدراسات شاملة تتناول نقد الآراء و تحليلها بعد نقلها، على عكس بعض الكتب التي تكتفي بنقل الآراء و الأقوال.

3- ظاهرة الإبداع معلم بارز من معالم الكتاب إذ نجد فيه مباحث جديدة كضوابط التأويل، و المنهج البياني للقرآن، و دور أهل البيت عليهم السّلام في تفسير القرآن. و هي مباحث يمكننا أن نقول عنها إنها تعرض لأوّل مرّة في كتاب علمي، مطعّمة بالدليل.

4- لقد بذل المؤلّف جهودا ملحوظة و مشكورة من أجل تحقيق هدفه المتمثل بالدفاع عن المذهب الجعفري من خلال طرحه فصولا جديدة في الكتاب، منها: دور أهل البيت في تفسير القرآن، و تحقيق جامع حول الموالين لأهل البيت من الصحابة و التابعين، و تفاسير الشيعة، و غير ذلك.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 6

5- توفّر المؤلّف في دراسة دور المفسرين من الصحابة و التابعين على نقد الآراء المطروحة حولهم و تحليلها اعتمادا على المصادر الرجالية، و ذهب إلى براءة كثير منهم ممّا ألصق بهم جرحا و تضعيفا، و أثبت موالاة الكثيرين منهم لأهل البيت عليهم السّلام.

6- إذا أنعمنا النظر في الأبحاث التي تدور حول تاريخ التفسير، فاننا نجد مجموعة كاملة من هذا العلم قد طرحت في

الكتاب اعتبارا من الاصطلاحات المستعملة حتى عصور تبلور التفسير، و المدوّنات التفسيرية التي نلحظها في ذكر تفاسير الفريقين جميعهما و ذلك كلّه بأسلوب شامل مقبول. و أن مسائل هذا العلم تغني كلّ مراجع.

من المعالم البارزة في كتب المؤلّف قوّة قلمه. و يستبين هذا المعلم من مقايسة كتبه ببعض الكتب المؤلفة باللغة العربية. و نلحظ في كتبه كلّها ملكة عربية، و إلماما بالزوايا البيانية للغة العربية من أجل تبيان أهدافه.

و مؤلفنا القدير يزاول التدريس في الجامعة الرضوية للعلوم الإسلامية عدد سنين، مهتما بنشر الثقافة القرآنية و إعداد الطلاب الكفوءين. و قد تفضّل بالموافقة على اقتراح جامعتنا لطبع كتابه المذكور و اختصنا بشرف ذلك.

و أنجزت المراحل التمهيدية قبل الطبع كالمراجعة، و الإخراج الفني، و إعداد فهارسه، و تنضيد الحروف المطبعية بالحاسب الالكتروني و غيرها، في قسم الدراسات القرآنية في الجامعة الرضوية.

نبتهل إلى المولى القدير جلّ و علا أن يتقبل من المؤلّف الكريم و من كافّة الأخوة الذين ساهموا في إعداد الكتاب و طبعه هذا الجهد.

و انّه لمن دواعي سرورنا أن نقدّم هذا الكتاب الثمين لأودّاء القرآن الكريم جميعهم، و للّه الحمد أوّلا و آخرا.

الجامعة الرضويّة للعلوم الاسلامية قسم الدراسات القرآنيّة

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 7

التفسير و المفسّرون في ثوبه القشيب كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَ لِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ بحث مستوف بشئون التفسير:

نشأته و تطوّره و ألوانه مع عرض شامل لأشهر المفسرين و تحليل كامل لأهم كتب التفسير

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 9

[مقدمة الكتاب

بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد لله و سلام على عباده الذين اصطفى، محمد و آله الطّاهرين.

قال تعالى: وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْ ءٍ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً وَ

بُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ «1».

كان المسلمون في عهدهم الأوّل يفهمون القرآن على خالصته، و يستسيغون معانيه على بساطتها الأولى، صافية نقيّة عن كدر الأوهام و الدخائل؛ إذ كان قد نزل بلغتهم و على أساليب كلامهم الفصيح البليغ، كانوا يتلقّونه غضّا طريّا، و يجيدون فهمه عذبا رويّا.

و لئن كادت تكون لهم وقفات عند مبهمات التعابير؛ لدقّتها و رقّة معانيها، فإنّ الوقفة لم تكن لتطول بهم؛ حيث الرسول- و هو الذريعة العليا و الوسيلة الكبرى للوصول إلى فهم الشريعة في جميع مناحيها- في متناولهم القريب، فكان يبيّن لهم إذ ذاك ما خفي على أفهامهم أو دقّ عن أذهانهم؛ إذ كان عليه البيان، كما كان عليه البلاغ، قال تعالى: وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ «2».

(1) النحل/ 89.

(2) النحل/ 44.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 10

و هكذا ظلّ المسلمون يفهمون القرآن على حقيقته، و يعلمون به على بيّنة من أمره، أقوياء أعزّاء، في سلامة و سعادة و عيش هني ء، مستمسكين بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها. و قد تداومت بهم هذه الحياة العليا طوال عهد الرسالة، و شطرا بعدها غير قليل.

ثم خلف من بعدهم خلف- على تطاول الأيّام- أضاعوا بعض تلكم الطريقة المثلى، و اتّبعوا السبل، فتفرّقت بهم ذات اليمين و ذات الشمال، ربما في أهواء متباينة و آراء متضاربة؛ فكانت أحداث و بدع و ضلالات، و ابتداع مذاهب و انحيازات، كل يضرب على وتره، و يعمل على شاكلته ..

و كان من جرّاء ذلك أن دخلت في الحديث و التفسير دخائل و أساطير مستوردة من أبناء اسرائيل و مسلمة أهل الكتاب، كان يبثّها بين المسلمين فئات تظاهرت بالإسلام إمّا لغلبة الجوّ

و المحيط، أو لرغبة في الدسّ و التزوير.

تلك كانت بليّة المسلمين، و قد كثر الخبط و التخليط، و لم يفترق السليم عن السقيم، و كان نصيب التفسير من هذا الخبط الحظّ الأوفر بما أوتي هؤلاء من قدرة للاستحواذ على عقول الضعفاء و أهل الأطماع من الأمراء.

نعم كانت هناك معايير و مقاييس تميّز الغثّ من السمين، و قد عرّفها النبي الكريم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم للأمّة منذ أن أحسّ بدخائل أهل الضغائن على الإسلام، ممن يتّبعون المتشابهات من الآيات ابتغاء الفتنة و ابتغاء التأويل.

فوضع حدودا دون رسوب تلكم الدسائس الخبيثة، و كان من أهمّها: العرض على محكمات الآيات «هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ»، ثم اللجوء إلى العترة الطّاهرة «الثقل الأصغر» كما في حديث الثقلين، و أنهما لن يفترقا حتى يردا عليه الحوض. و عدم

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 11

الافتراق، يعني: تلازمهما و لا غناء بأحدهما دون الآخر، فالكتاب أساس الدين، و الطيّبون من العترة حملته و حرسته؛ لأنّهم ورثة سيّد المرسلين صلوات اللّه عليهم أجمعين.

و نحن إذ نحاول انتهاج منهج السلف الصالح: الصحابة الأخيار، و التابعين الكبار، و السادة الأطهار، نتتبّع طرائقهم في فهم كلام اللّه و استنباط معانيه و الوقوف على مبانيه، وفق ما رسمه لنا العلماء الأعلام و الأئمّة العظام، سائلين المولى تعالى التوفيق على ذلك و التسديد، إنّه ولي ذلك و هو المستعان.

قم- محمد هادي معرفة 12/ ع 1/ 1411

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 13

التفسير

التعريف بالتفسير

التفسير من فسر، بمعنى أبان و كشف.

قال الراغب: الفسر و السفر متقاربا المعنى كتقارب لفظيهما، لكن جعل الفسر لإظهار المعنى المعقول، و السفر لإبراز الأعيان للأبصار. يقال: سفرت المرأة عن وجهها و

أسفرت و أسفر الصبح، و قال تعالى: وَ لا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَ أَحْسَنَ تَفْسِيراً «1» أي بيانا و تفصيلا. «2»

و اصطلحوا على أن التفسير، هو: إزاحة الإبهام عن اللفظ المشكل، أي المشكل في إفادة المعنى المقصود.

و كانت صياغته من باب «التفعيل» نظرا للمبالغة في محاولة استنباط المعنى، كما في كشف و اكتشف، فإن في الثاني إفادة زيادة المحاولة في الكشف، فكان أخصّ من المجرّد؛ و ذلك بناء على أن زيادة المباني تدل على زيادة المعاني.

(1) الفرقان/ 33.

(2) ذكر ذلك في مقدمته للتفسير، ص 47.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 14

فالتفسير ليس مجرد كشف القناع عن اللفظ المشكل، بل هو محاولة إزالة الخفاء في دلالة الكلام، فلا بدّ أن يكون هناك إبهام في وجه اللفظ؛ بحيث ستر وجه المعنى، و يحتاج إلى محاولة و اجتهاد بالغ حتى يزول الخفاء و يرتفع الإشكال.

و هذا هو الفارق بين التفسير و الترجمة؛ لأنها حيث كان الجهل باللغة و عدم معرفة الوضع الذي يرتفع بمراجعة كتب اللغة المعروفة، و ليس في ذلك كثير جهد و عناء.

الحاجة إلى التفسير

ما وجه الحاجة إلى تفسير القرآن، و قد أنزله اللّه نورا و هدى و بصائر للناس و تبيانا لكل شي ء، «1» كما أنّه جاء ليكون بنفسه أحسن تفسيرا «2»، فهل هناك حاجة إلى تفسير؟

نعم أنزل اللّه الكتاب ليكون بذاته بيانا للناس عامة و تفصيلا لكلّ شي ء، «3» غير أن بواعث الإبهام أمر عارض، و لعله كان من طبيعة البيان القرآني، جاء

(1) قال تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً النساء/ 174.

هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَ هُدىً وَ مَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ آل عمران/

138.

هذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ وَ هُدىً وَ رَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ الجاثية/ 20.

وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْ ءٍ النحل/ 89.

(2) وَ لا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَ أَحْسَنَ تَفْسِيراً الفرقان/ 33، أي أحسن بيانا و توضيحا.

(3) وَ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا الأنعام/ 114، وَ تَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ يونس/ 37.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 15

تشريعا للأصول و المباني، و أجمل في البيان إيكالا إلى تبيين النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ليبيّن للناس تفاصيل ما نزّل إليهم «1».

قال الإمام الصادق عليه السّلام: «إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم نزلت عليه الصلاة و لم يسمّ لهم ثلاثا و لا أربعا، حتى كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم هو الذي فسّر لهم ذلك» «2».

هذا جانب من الإجمال (الإبهام) الحاصل في وجه لفيف من آيات الأحكام، و لعله طبيعي في مثل البيان القرآني، كما نبّهنا.

و جانب آخر أهمّ: احتواء القرآن على معان دقيقة و مفاهيم رقيقة، تنبؤك عن كمون الخليقة و أسرار الوجود، هي تعاليم و حكم راقية جاء بها القرآن، و كانت فوق مستوى البشرية آنذاك؛ ليقوم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بتبيينها و شرح تفاصيلها، و كذا صحابته العلماء هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ إِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ «3».

و ذلك في مثل صفاته تعالى- الجلال و الجمال- و معرفة وجود الإنسان، و سرّ خلقته، و مقدار تصرّفه في الحياة، و الهدف من الخلق و الإيجاد، و مسائل المبدإ و المعاد.

كل

ذلك جاء في القرآن في إشارات عابرة، و في ألفاظ و تعابير كنائية، و استعارة و مجاز؛ فكان حلّها و الكشف عن معانيها بحاجة إلى فقه و دراسة و تدبّر، و إمعان نظر و تفكير.

(1) وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ النحل/ 44.

(2) الكافي الشريف، ج 1، ص 286.

(3) الجمعة/ 2.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 16

و أيضا فإنّ في القرآن إلماعات إلى حوادث غابرة و أمم خالية، جاء ذكرها لأجل العظة و الاعتبار، إلى جنب عادات جاهلية كانت معاصرة، عارضها و شدّد النكير عليها، في مثل مسألة النسي ء، و أنّها زيادة في الكفر، «1» و نهيه عن دخول البيوت من ظهورها. «2» و نحو ذلك، فاستنكرها عليهم و عنّفهم عليها حتى أبادها، و قطع من جذورها. فلم يبق منها سوى إشارات عابرة، لو لا الوقوف عليها، لما أمكن فهم معاني تلكم الآيات.

كما تعرّض لأمور أتى عليها من وجه كلّيّها و أهمل جانب تعيينها، فجاءت مجملة هي بحاجة إلى شرح و بيان، في مثل الدابّة التي تخرج من الأرض فتكلّم الناس، «3» و البرهان الذي عصم يوسف من ارتكاب الإثم. «4»

هذا مضافا إلى غرائب اللغة التي جاءت في القرآن على أفصحها و أبلغها، و إن كان صعبا فهمها على عامة الناس، لو لا الشرح و البيان.

قال الراغب: فالتفسير إما أن يستعمل في غريب الألفاظ، نحو «البحيرة» و «السائبة» و «الوصيلة» أو في و جيز كلام يبيّن و يشرح، كقوله: وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ «5» أو في كلام مضمّن بقصّة لا يمكن تصوّره إلّا بمعرفتها، نحو

(1) التوبة/ 37.

(2) البقرة/ 189.

(3) النمل/

82.

(4) يوسف/ 24.

(5) المائدة/ 103. قال الراغب: البحيرة هي الناقة إذا ولدت عشرة أبطن، شقّوا أذنها و تركوها، فلا تركب و لا يحمل عليها. و السائبة، إذا ولدت خمسة أبطن، تسيّبت في المرعى، فلا تردّ عن حوض و لا كلاء. و الوصيلة، إذا ولدت الشاة توأمين ذكرا و أنثى، فلا يذبح الذكر، و يقال: وصلت أخاها، فيتركونه لأجلها. و الحام: الفحل إذا ضرب عشرة أبطن، كان يقال: حمي ظهره فلا يركب.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 17

قوله تعالى: إِنَّمَا النَّسِي ءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ «1» و قوله: وَ لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها «2».

قال الإمام بدر الدين الزركشي: التفسير علم يعرف به فهم كتاب اللّه، و بيان معانيه، و استخراج أحكامه و حكمه، و أن اللّه إنما خاطب خلقه بما يفهمونه؛ و لذلك أرسل كل رسول بلسان قومه، و أنزل كتابه على لغتهم ...

و القرآن إنّما أنزل بلسان عربيّ مبين في زمن أفصح العرب، و كانوا يعلمون ظواهره و أحكامه، و إنّما احتيج إلى التفسير، لما فيه من دقائق باطنة لا تظهر إلّا بعد البحث و النظر، مع سؤال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عنها في الأكثر، كسؤالهم لما نزل: وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ «3»، فقالوا: أيّنا لم يظلم نفسه! ففسّره النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بالشرك، و استدل بقوله تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ «4»، و كسؤال عائشة عن الحساب اليسير «5»،

فقال: «ذلك العرض، و من نوقش الحساب عذّب» «6» ، و كقصة عدي بن حاتم في الخيط الذي وضعه تحت رأسه، «7» و غير ذلك مما سألوه عن آحاد منه. «8»

(1)

التوبة/ 37.

(2) التوبة/ 37. راجع: مقدمته للتفسير ص 47- 48.

(3) الأنعام/ 82.

(4) لقمان/ 13.

(5) في قوله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً الانشقاق/ 7- 8.

(6) تفسير الطبري، ج 30، ص 74.

(7) تفسير الطبري، ج 2، ص 100.

(8) سوف نذكر نماذج من تفاسير مأثورة عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عند الكلام عن التفسير في عهد الرسالة.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 18

قال: و لم ينقل إلينا عنهم تفسير القرآن و تأويله بجملته، فنحن نحتاج إلى ما كانوا يحتاجون إليه و زيادة؛ لقصورنا عن مدارك أحكام اللغة بغير تعلّم، فنحن أشد الناس احتياجا إلى التفسير.

قال: و معلوم أن تفسير القرآن يكون بعضه من قبيل بسط الألفاظ الوجيزة و كشف معانيها، و بعضه من قبيل ترجيح بعض الاحتمالات على بعض؛ لبلاغته و لطف معانيه؛ و لهذا لا يستغنى عن قانون عام يعوّل في تفسيره عليه، و يرجع في تفسيره إليه، من معرفة مفردات ألفاظه و مركّباتها، و سياقه، و ظاهره و باطنه، و غير ذلك مما لا يدخل تحت الوهم، و يدقّ عنه الفهم.

بين أقداحهم حديث قصير هو سحر، و ما سواه كلام

و في هذا تتفاوت الأذهان، و تتسابق في النظر إليه مسابقة الرّهان. فمن سابق بفهمه، و راشق كبد الرمية بسهمه، و آخر رمى فأشوى «1» و خبط في النظر خبط عشواء، كما قيل: و أين الرقيق من الركيك، و أين الزلال من الزعاق. «2»

الفرق بين التفسير و التأويل

كان التأويل في استعمال السلف مترادفا مع التفسير، و قد دأب عليه أبو جعفر الطبري في جامع البيان. لكنه في مصطلح المتأخرين جاء

متغايرا مع التفسير، و ربما أخصّ منه.

التفسير- كما عرفت-: رفع الإبهام عن اللفظ المشكل، فمورده: إبهام المعنى

(1) يقال: أشوى الرّجل، إذا أصاب شواه، و لم يصب مقتله. و الشوى: قحف الرأس و جلدته. و أشوى السهم: أخطأ الغرض.

(2) البرهان في علوم القرآن، ج 1، ص 13- 15. و الزعاق: الماء المرّ، لا يطاق شربه.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 19

بسبب تعقيد «1» حاصل في اللفظ.

و أما التأويل فهو دفع الشبهة عن المتشابه من الأقوال و الأفعال، فمورده حصول شبهة في قول أو عمل، أوجبت خفاء الحقيقة (الهدف الأقصى أو المعنى المراد) فالتأويل إزاحة هذا الخفاء.

فالتأويل- مضافا إلى أنه رفع إبهام- فهو دفع شبهة أيضا، فحيث كان تشابه في اللفظ كان إبهام في وجه المعنى أيضا، فهو دفع و رفع معا.

و لنتكلم شيئا في التأويل، في حقيقته و المعاني التي جاء استعمالها في القرآن و الحديث، و ما قيل أو قد يقال فيه.

التأويل: من الأول، و هو الرجوع إلى حيث المبدأ؛ فتأويل الشي ء إرجاعه إلى أصله و حقيقته، فكان تأويل المتشابه توجيه ظاهره إلى حيث مستقر واقعه الأصيل.

و التشابه قد يكون في كلام إذا أوجب ظاهر تعبيره شبهة في نفس السامع، أو كان مثارا للشبهة،- كما في متشابهات القرآن-، كان يتّبعها أهل الزيغ ابتغاء الفتنة و ابتغاء تأويلها، إلى حيث أهدافهم الخبيثة.

و قد يكون التشابه في عمل كان ظاهره مريبا، كما في أعمال قام بها صاحب موسى؛ بحيث لم يستطع موسى الصبر عليها دون استجوابه، و السؤال عن تصرفاته تلك المريبة! و قد بحثنا عن المتشابهات و أنواعها، و الأسباب الموجبة لوقوع التشابه في القرآن، في الجزء الثالث من التمهيد.

(1) و

للتعقيد أسباب لفظيّة و معنويّة مرّ شرحها.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 20

و الآن فلنذكر المعاني التي يحملها لفظ «التأويل» في عرف القرآن و استعمال السلف.

معاني التأويل

جاء استعمال لفظ «التأويل» في القرآن على ثلاثة وجوه:

1- تأويل المتشابه، بمعنى توجيهه حيث يصحّ و يقبله العقل و النقل، إمّا في متشابه القول، كما في قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ .. «1»، أو في متشابه الفعل، كما في قوله: سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً، ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً «2».

2- تعبير الرؤيا، و قد جاء مكررا في سورة يوسف في ثمانية مواضع:

(6 و 21 و 36 و 37 و 44 و 45 و 100 و 101) 3- مآل الأمر و عاقبته، و ما ينتهى إليه الأمر في نهاية المطاف، قال تعالى: وَ زِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَ أَحْسَنُ تَأْوِيلًا «3»، أي أعود نفعا و أحسن عاقبة.

و لعلّ منه قوله: .. فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْ ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَ الرَّسُولِ، إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ، ذلِكَ خَيْرٌ وَ أَحْسَنُ تَأْوِيلًا «4»، أي أنتج فائدة و أفضل مآلا.

و يحتمل أوجه تفسيرا و أتقن تخريجا للمعنى المراد، نظير قوله تعالى:

(1) آل عمران/ 7.

(2) الكهف/ 78، 82.

(3) الإسراء/ 35.

(4) النساء/ 59.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 21

وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ «1»، و قال تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ «2»، أي هل ينتظرون ما ذا يؤول إليه أمر الشريعة و القرآن، لكن لا يطول بهم

الانتظار يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ «3»، كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ «4»، وَ لاتَ حِينَ مَناصٍ. «5»

4- و المعنى الرابع- للتأويل- جاء استعماله في كلام السلف: مفهوم عام، منتزع من فحوى الآية الواردة بشأن خاص؛ حيث العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص المورد.

و قد عبّر عنه بالبطن المنطوي عليه دلالة الآية في واقع المراد، في مقابلة الظهر المدلول عليه بالوضع و الاستعمال، حسب ظاهر الكلام.

قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «ما في القرآن آية إلّا و لها ظهر و بطن».

سئل الإمام أبو جعفر الباقر عليه السّلام عن هذا الحديث المأثور عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،

فقال: «ظهره تنزيله و بطنه تأويله، منه ما قد مضى و منه ما لم يكن، يجري كما تجري الشمس و القمر» «6».

و

قال عليه السّلام: «و لو أن الآية إذا نزلت في قوم ثم مات أولئك القوم، ماتت الآية و لما بقي من القرآن شي ء. و لكن القرآن يجري أوّله على آخره، ما دامت

(1) النساء/ 83.

(2) الأعراف/ 53.

(3) الفرقان/ 22.

(4) الاحقاف/ 35.

(5) ص/ 3.

(6) بصائر الدرجات، الصفار، ص 195.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 22

السماوات و الأرض، و لكل قوم آية يتلونها، هم منها من خير أو شر» «1».

و

في الحديث عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إنّ فيكم من يقاتل على تأويل القرآن، كما قاتلت على تنزيله، و هو عليّ بن أبي طالب» «2».

فإنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قاتل على تنزيل القرآن؛ حيث كان ينزل بشأن قريش و مشركي العرب ممن عاند

الحق و عارض ظهور الإسلام. أمّا عليّ عليه السّلام فقد قاتل أشباه القوم ممّن عارضوا بقاء الإسلام، على نمط معارضة أسلافهم في البدء.

و لهذا المعنى عرض عريض، و لعلّه هو الكافل لشمول القرآن و عمومه لكل الأزمان و الأحيان. فلولا تلك المفاهيم العامة، المنتزعة من موارد خاصة- وردت الآية بشأنها بالذات- لما بقيت لأكثر الآيات كثير فائدة، سوى تلاوتها و ترتيلها ليل نهار.

و إليك بعض الأمثلة على ذلك:

مفاهيم عامة منتزعة من الآيات

قال تعالى: وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى «3».

نزلت بشأن غنائم بدر، و غاية ما هناك أن عمّت غنائم جميع الحروب، على شرائطها.

لكنّ الإمام أبا جعفر محمد بن عليّ الباقر عليه السّلام نراه يأخذ بعموم الموصول، و يفسّر «الغنيمة» بمطلق الفائدة، و أرباح المكاسب و التجارات، يربحها أرباب

(1) تفسير العياشي، ج 1، ص 10، رقم 7.

(2) المصدر نفسه، ص 15، رقم 6.

(3) الأنفال/ 41.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 23

الصناعات و التجارات و غيرهم طول عامهم، في كل سنة بشكل عام.

قال عليه السّلام: «فأمّا الغنائم و الفوائد فهي واجبة عليهم في كل عام، قال اللّه تعالى:

وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى

و هكذا

عن الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السّلام: «الخمس في كل ما أفاد الناس من قليل أو كثير» «1».

و قال تعالى: وَ أَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ «2».

نزلت بشأن الإعداد للجهاد، دفاعا عن حريم الإسلام، فكان مفروضا على أصحاب الثروات القيام بنفقات الجهاد، دون سيطرة العدوّ الذي لا يبقي و لا يذر.

لكن «السبيل» لا يعني القتال فحسب، فهو يعمّ

سبيل إعلاء كلمة الدين و تحكيم كلمة اللّه في الأرض، و يتلخص في تثبيت أركان الحكم الإسلامي في البلاد، في جميع أبعاده: الإداري و الاجتماعي و التربوي و السياسي و العسكري، و ما شابه. و هذا إنما يقوم بالمال؛ حيث المال طاقة يمكن تبديلها إلى أيّ طاقة شئت، و من ثمّ قالوا: قوام الملك بالمال .. فالدولة القائمة بذاتها إنما تكون قائمة إذا كانت تملك الثروة اللازمة لإدارة البلاد في جميع مناحيها.

و هذا المال يجب توفّره على أيدي العائشين تحت لواء الدولة الحاكمة، و يكون مفروضا عليهم دفع الضرائب و الجبايات، كل حسب مكنته و ثروته، الأمر الذي يكون شيئا وراء الأخماس و الزكوات التي لها مصارف خاصة، لا تعني شئون الدولة فحسب.

(1) وسائل الشيعة، الحرّ العاملي، ج 6، ص 350، كتاب الخمس، باب 8، رقم 5 و 6.

(2) البقرة/ 195.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 24

و هذه هي (الماليّة) التي يكون تقديرها و توزيعها على الأموال و الممتلكات، حسب حاجة الدولة و تقديرها، و من ثمّ لم يتعين جانب تقديرها في الشريعة، على خلاف الزكوات و الأخماس؛ حيث تعيّن المقدار و المصرف و المورد فيها بالنص.

فقد فرض الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام على الخيل العتاق في كل فرس في كل عام دينارين، و على البراذين دينارا. «1»

ضابطة التأويل

و مما يجدر التنبّه له أن للأخذ بدلائل الكلام- سواء أ كانت جليّة أم خفيّة- شرائط و معايير، لا بدّ من مراعاتها للحصول على الفهم الدقيق. فكما أن لتفسير الكلام- و هو الكشف عن المعاني الظاهرية للقرآن- قواعد و أصول مقرّرة في علم الأصول و المنطق، كذلك كانت لتأويل الكلام- و هو الحصول على

المعاني الباطنيّة للقرآن- شرائط و معايير، لا ينبغي إعفاؤها و إلّا كان تأويلا بغير مقياس، بل كان من التفسير بالرأي الممقوت.

و ليعلم أن التأويل- و هو من الدلالات الباطنية للكلام- داخل في قسم الدلالات الالتزامية غير البيّنة، فهو من دلالة الألفاظ لكنها غير البيّنة، و دلالة الألفاظ جميعا مبتنية على معايير يشرحها علم الميزان؛ فكان التأويل- و هو دلالة باطنة- بحاجة إلى معيار معروف كي يخرجه عن كونه تفسيرا بالرأي.

فمن شرائط التأويل الصحيح- أي التأويل المقبول في مقابلة التأويل المرفوض- أوّلا: رعاية المناسبة القريبة بين ظهر الكلام و بطنه، أي بين الدلالة

(1) الوسائل، ج 6، ص 51.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 25

الظاهرية و هذه الدلالة الباطنية للكلام، فلا تكون أجنبيّة، لا مناسبة بينها و بين اللفظ أبدا. فإذا كان التأويل- كما عرفناه- هو المفهوم العام المنتزع من فحوى الكلام، كان لا بدّ أنّ هناك مناسبة لفظية أو معنوية استدعت هذا الانتزاع.

مثلا: لفظة «الميزان» وضعت لآلة الوزن المعروفة ذات الكفّتين، و قد جاء الأمر بإقامتها و عدم البخس فيها، في قوله تعالى: وَ أَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَ لا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ «1».

لكنا إذا جرّدنا اللفظ من قرائن الوضع و غيره و أخلصناه من ملابسات الأنس الذهني، فقد أخذنا بمفهومه العام: كل ما يوزن به الشي ء، أيّ شي ء كان ماديّا أم معنويّا، فإنه يشمل كل مقياس أو معيار كان يقاس به أو يوزن به في جميع شئون الحياة، و لا يختص بهذه الآلة المادية فحسب.

قال الشيخ أبو جعفر الطوسي: فالميزان آلة التعديل في النقصان و الرجحان، و الوزن يعدل في ذلك. و لو لا الميزان لتعذّر الوصول إلى كثير من الحقوق؛ فلذلك نبّه تعالى على

النعمة فيه و الهداية إليه. و قيل: المراد بالميزان: العدل؛ لأنّ المعادلة موازنة الأسباب «2».

و

روى محمد بن العباس المعروف بماهيار (ت ح 330)- في كتابه الذي وضعه لبيان تأويل الآيات- بإسناده إلى الإمام الصادق عليه السّلام قال: الميزان الذي وضعه اللّه للأنام، هو الإمام العادل الذي يحكم بالعدل، و بالعدل تقوم السماوات و الأرض، و قد أمر الناس أن لا يطغوا عليه و يطيعوه بالقسط و العدل، و لا يبخسوا من حقه،

(1) الرحمن/ 9.

(2) التبيان، ج 9، ص 463.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 26

أو يتوانوا في امتثال أوامره. «1» و هكذا قوله تعالى: قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ «2» كانت دلالة الآية في ظاهر تعبيرها واضحة؛ إنّ نعمة الوجود و وسائل العيش و التداوم في الحياة، كلها مرهونة بإرادته تعالى وفق تدبيره الشامل لكافة أنحاء الوجود.

و اللّه تعالى هو الذي مهّد هذه البسيطة لإمكان الحياة عليها، و لو لا فضل اللّه و رحمته لعباده لضاقت عليهم الأرض بما رحبت.

هذا هو ظاهر الآية الكريمة، حسب دلالة الوضع و المتفاهم العام.

و للإمام أبي جعفر الباقر عليه السّلام بيان يمسّ جانب باطن الآية و دلالة فحواها العام،

قال: «إذا فقدتم إمامكم فلم تروه فما ذا تصنعون».

و

قال الإمام عليّ الرضا عليه السّلام: «ماؤكم: أبوابكم الأئمّة، و الأئمّة: أبواب اللّه.

فمن يأتيكم بماء معين، أي يأتيكم بعلم الإمام» «3».

لا شكّ أنّ استعارة «الماء المعين» للعلم النافع، و لا سيّما المستند إلى وحي السماء- من نبيّ أو وصيّ نبيّ- أمر معروف و متناسب لا غبار عليه.

فكما أن الماء أصل الحياة المادّيّة و المنشأ الأوّل لإمكان المعيشة على الأرض، كذلك العلم النافع. و علم

الشريعة بالذات، هو الأساس لإمكان الحياة

(1) نقلا بالمعنى، راجع: تأويل الآيات الظاهرة للسيد شرف الدين الاسترابادي، ج 2، ص 632- 633.

(2) الملك/ 30.

(3) تفسير الصافي، الفيض الكاشاني، ج 2، ص 727، و راجع: تأويل الآيات الظاهرة، ج 2، ص 708.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 27

المعنويّة التي هي سعادة الوجود و البقاء مع الخلود.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ «1».

لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ إِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ «2».

فهنا قد لوحظ الماء- و هو أصل الحياة- في مفهومه العام المنتزع منه الشامل للعلم، فيعم الحياة المادية و المعنوية.

و أيضا قوله تعالى: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ ... «3»، أي فليمعن النظر في طعامه، كيف عملت الطبيعة في تهيئته و تمهيد إمكان الحصول عليه، و لم يأته عفوا، و من غير سابقة مقدمات و تمهيدات. لو أمعن النظر فيها؛ لعرف مقدار فضله تعالى عليه، و لطفه و رحمته؛ و بذلك يكون تناول الطعام له سائغا، و مستدعيا للقيام بالشكر الواجب.

هذا، و

قد روى ثقة الإسلام الكليني بإسناده إلى زيد الشحّام، قال: سألت الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السّلام قلت: ما طعامه؟ قال: «علمه الذي يأخذه عمّن يأخذه». «4».

و المناسبة هنا- أيضا- ظاهرة؛ لأن العلم غذاء الرّوح، و لا بدّ من الاحتياط في الأخذ من منابعه الأصيلة، و لا سيّما علم الشريعة و أحكام الدين الحنيف.

(1) الأنفال/ 24.

(2) آل عمران/ 164.

(3) عبس/ 24.

(4) تفسير البرهان، ج 4، ص 429.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص:

28

و ثانيا: مراعاة النظم و الدقة في إلغاء الخصوصيات المكتنفة بالكلام؛ ليخلص صفوه و يجلو لبابه في مفهومه العام، الأمر الذي يكفله قانون «السبر و التقسيم» من قوانين علم الميزان (علم المنطق) و المعبّر عنه في علم الأصول: بتنقيح المناط، الذي يستعمله الفقهاء للوقوف على الملاك القطعي لحكم شرعي؛ ليدور التكليف أو الوضع معه نفيا و إثباتا، و لتكون العبرة بعموم الفحوى المستفاد، لا بخصوص العنوان الوارد في لسان الدليل. و هذا أمر معروف في الفقه، و له شرائط معروفة.

و مثال تطبيقه على معنى قرآني، قوله تعالى- حكاية عن موسى عليه السّلام-: قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ «1».

هذه قوله نبيّ اللّه موسى عليه السّلام قالها تعهّدا منه لله تعالى، تجاه ما أنعم عليه من البسطة في العلم و الجسم: وَ لَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَ اسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَ عِلْماً وَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ «2» قضى على عدوّ له بوكزة وكزه بها، فحسب أنه قد فرط منه ما لا ينبغي له، فاستغفر ربّه فغفر له. فقال ذلك تعهدا منه للّه، أن لا يستخدم قواه و قدره الذاتيّة، و التي منحه اللّه بها، في سبيل الفساد في الأرض، و لا يجعل ما آتاه اللّه من إمكانات معنوية و ماديّة في خدمة أهل الإجرام.

هذا ما يخصّ الآية في ظاهر تعبيرها بالذات.

و هل هذا أمر يخصّ موسى عليه السّلام لكونه نبيّا و من الصالحين، أم هو حكم عقلي بات يشمل عامة أصحاب القدرات، من علماء و أدباء و حكماء و أرباب صنائع و فنون، و كل من آتاه اللّه العلم و الحكمة و فصل الخطاب؟ لا ينبغي في

(1) القصص/ 17.

(2) القصص/

14.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 29

شريعة العقل أن يجعل ذلك ذريعة سهلة في متناول أهل العبث و الاستكبار في الأرض، بل يجعلها وسيلة ناجحة في سبيل إسعاد العباد و إحياء البلاد هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَ اسْتَعْمَرَكُمْ فِيها «1».

و هذا الفحوى العام للآية الكريمة إنما يعرف وفق قانون «السبر و التقسيم» و إلغاء الخصوصيات المكتنفة بالموضوع، فيتنقّح ملاك الحكم العام.

و في القرآن كثير من هذا القبيل، إنما الشأن في إمعان النظر و التّدبّر في الذكر الحكيم؛ و بذلك يبدو وجه استفادة فرض الأخماس من آية الغنيمة، و دفع الضرائب من آية الإنفاق في سبيل اللّه.

مزاعم في التأويل

هناك من حسب من تأويل القرآن شيئا وراء المفاهيم الذهنيّة أو التعابير الكلاميّة، و كان من نمط الأعيان الخارجية، و كان ما ورد في القرآن من حكم و آداب و تكاليف و أحكام كلها تعود إليه؛ إذ تنتزع منه و تنتهي إليه في نهاية المطاف، فكان ذلك تأويلا للقرآن في جميع آياته الكريمة.

و قد اختلفوا في تبيين تلك الحقيقة التي تعود إليها جميع الحقائق القرآنية في أصول معارفه و الأحكام:

ذكر ابن تيميّة- في رسالة وضعها بشأن المتشابه و التأويل-: أن التأويل في عرف المتأخّرين صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى معنى مرجوح؛ لدليل يقترن به. فالتأويل- على هذا- يحتاج إلى دليل، و المتأوّل عليه وظيفتان: بيان احتمال اللفظ للمعنى الذي يدّعيه، و بيان الدليل الموجب للصرف إليه عن المعنى الظاهر.

(1) هود/ 61.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 30

قال: و أما التأويل- في عرف السلف- فله معينان: أحدهما: ما يرادف التفسير و البيان، و هو الذي عناه مجاهد بقوله: إن العلماء يعلمون تأويل القرآن، أي تفسيره و

تبيينه.

و الثاني: نفس المراد بالكلام، إن كان طلبا فتأويله نفس العمل المطلوب، و إن كان خبرا فتأويله نفس الشي ء المخبر به.

قال: و بين هذا المعنى- الأخير- و الذي قبله- الذي جاء أوّلا في عرف السلف، و الذي جاء في عرف المتأخرين- بون؛ فإن الذي قبله يكون التأويل فيه من باب العلم و الكلام كالتفسير و الشرح و الإيضاح و يكون وجود التأويل في القلب و اللسان، له الوجود الذهني و اللفظي و الرسمي.

و أما هذا- المعنى الثاني في عرف السلف- فالتأويل فيه نفس الأمور الموجودة في الخارج، سواء كانت ماضية أو مستقبلة. فإذا قيل: طلعت الشمس، فتأويل هذا نفس طلوعها.

قال: و هذا الوضع و العرف الثالث- الذي جاء ثانيا في عرف السلف- هو لغة القرآن التي نزل بها «1».

و قال في تفسير سورة الإخلاص- بعد كلام تفصيلي له عن تأويل المتشابه من الآيات، و أن الراسخين في العلم يعلمون تأويله، و استعظام أن يكون جبرائيل و محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و الصحابة و التابعون لهم بإحسان و أئمة المسلمين لا يعرفون تأويل متشابه القرآن، و يكون اللّه تعالى قد استأثر بعلم معاني هذه الآيات كما استأثر بعلم الساعة، و أنهم جميعا كانوا يقرءون ألفاظا لا يفهمون لها معنى، كما

(1) رسالة الإكليل، مطبوعة ضمن المجموعة الثانية من رسائله ص 10 و 17- 18.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 31

يقرأ أحدنا كلاما ليس من لغته فلا يعرف معناه، من قال ذلك فقد كذب على القوم، و المأثور عنهم متواترا يناقض هذا الزعم، و أنهم يفهمون معنى المتشابه كما يفهمون معنى المحكم- قال بعد ذلك:

فإن قيل: هذا يقدح فيما ذكرتم من الفرق

بين التأويل الذي يراد به التفسير، و بين التأويل الذي في كتاب اللّه.

قيل: لا يقدح في ذلك، فإن معرفة تفسير اللفظ و معناه و تصوّره في القلب، غير معرفة الحقيقة الموجودة في الخارج، المرادة بذلك الكلام.

فإن الشي ء له وجود في الأعيان، و وجود في الأذهان، و وجود في اللّسان، و وجود في البيان. فالكلام لفظ له معنى في القلب، و يكتب ذلك اللفظ بالخطّ.

فإذا عرف الكلام و تصوّر معناه في القلب و عبّر عنه باللّسان، فهذا غير الحقيقة الموجودة في الخارج، و ليس كل من عرف الأول عرف عين الثاني.

مثال ذلك: أن أهل الكتاب يعلمون ما في كتبهم من صفة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و خبره و نعته، و هذا معرفة الكلام و معناه و تفسيره، و تأويل ذلك هو نفس محمّد المبعوث؛ فالمعرفة بعينه معرفة تأويل ذلك الكلام.

و كذلك الإنسان قد يعرف الحجّ و المشاعر، كالبيت و المساجد و منى و عرفة و مزدلفة، و يفهم معنى ذلك و لا يعرف الأمكنة حتى يشاهدها، فيعرف أن الكعبة المشاهدة هي المذكورة في قوله: وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ و كذلك أرض عرفات و غيرها.

و كذلك الرؤيا يراها الرجل، و يذكر له العابر تأويلها فيفهمه و يتصوره، ثم إذا كان ذلك فهو تأويل الرؤيا، ليس تأويلها نفس علمه و تصوره و كلامه؛ و لهذا قال يوسف الصدّيق: هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ و قال: لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما فقد أنبأهما بالتأويل قبل أن يأتي التأويل،

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 32

فنحن نعلم تأويل ما ذكر اللّه في القرآن من الوعد و الوعيد، و إن

كنّا لا نعرف متى يقع هذا التأويل المذكور في قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ «1».

و قد أشاد السيد محمد رشيد رضا (منشئ مجلة المنار المصرية) من هذه النظرة التيميّة بشأن تأويل القرآن، و أعجبته غاية الإعجاب. قال- بعد أن نقل عن شيخه الأستاذ محمد عبده، أن التأويل بمعنى ما يؤول إليه الشي ء و ينطبق عليه، لا بمعنى ما يفسّر به «2»-: ليس في كتب التفسير المتداولة ما يروي الغليل في هذه المسألة، و ما ذكرناه آنفا هو صفوة ما قالوه، و خيرة كلام الأستاذ الإمام. و قد رأينا أن نرجع بعد كتابته إلى كلام في المتشابه و التأويل، لشيخ الإسلام أحمد بن تيميّة، فرجعنا إليه و قرأناه بإمعان، فإذا هو منتهى التحقيق و العرفان، و البيان الذي ليس وراءه بيان، أثبت فيه أنه ليس في القرآن كلام لا يفهم معناه، و أن المتشابه إضافي إذا اشتبه فيه الضعيف لا يشتبه فيه الراسخ، و أن التأويل الذي لا يعلمه إلّا اللّه تعالى هو ما تؤول إليه تلك الآيات في الواقع، ككيفية صفاته تعالى، و كيفية عالم الغيب، و كيفية قدرته تعالى و تعلقها بالإيجاد و الإعدام، و كيفية استوائه على

(1) راجع: رسالته في تفسير سورة الإخلاص، ص 102- 103. و نقله محمد رشيد رضا في تفسير المنار، ج 3، ص 195- 196.

(2) يرى الأستاذ عبده من متشابهات القرآن، الأمور الأخروية التي ورد ذكرها في القرآن، لأنها من ضرورة الدين و من مقاصد الوحي؛ حيث العقيدة بأحوال الآخرة من أركان الدين، فيجب الإيمان بها، الأمر الذي لا يمكن الوقوف على حقيقتها إلّا بعد مشاهدتها في الآخرة، فهي تأويلها ذلك اليوم،

كما قال تعالى: يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ، يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ الأعراف/ 53 (المنار، ج 3، ص 167)

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 33

العرش. و لا كيفية عذاب أهل النار، و لا نعيم أهل الجنة، كما قال تعالى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ «1» فليست نار الآخرة كنار الدنيا، و إنما هي شي ء آخر. و ليست ثمرات الجنة و لبنها و عسلها من جنس المعهود لنا في هذا العالم، و إنما هو شي ء آخر يليق بذلك العالم و يناسبه.

قال: و إننا نبيّن ذلك بالإطناب الذي يحتمله المقام، مستمدّين من كلام هذا الحبر العظيم، ناقلين بعض ما كتبه «2». و جعل ينقل ما سرده ابن تيميّة بإسهاب.

و هذا الذي ذكره ابن تيميّة و أشاد به رشيد رضا، لا يعدو ما يعود إليه أمر الشي ء، أخذا بالمفهوم اللغوي لمادة التأويل. أما العين الخارجية بالذات فلعلّه من اشتباه المصداق بالمفهوم، فإن الوجود العيني للأشياء هي عين تشخّصاتها المعبّر عنها بالمصاديق الخارجية، و لم يعهد إطلاق لفظ «التأويل» على المصداق في متعارف الاستعمال إلّا أن يكون من عرفهما الخاص، و لا مشاحّة في الاصطلاح.

و على أيّ تقدير، فإنهما لم يأتيا بشي ء جديد، فإن مسألة الوجودات الأربعة للأشياء (الذهني و اللفظي و الكتبي و العيني) أمر تعارف عليه أرباب المنطق منذ عهد قديم، إلّا أن الشي ء الذي لم يتعارف عليه هو إطلاق اسم «التأويل» على العين الخارجية، باعتبارها مصداقا للوجودات الثلاثة المنتزعة عنها، سوى كونه مصطلحا جديدا غير معروف.

و لسيدنا العلامة الطباطبائي كلام تحقيقي لطيف حول مسألة التأويل، يراه

(1) السجدة/ 17.

(2) تفسير المنار، ج 3، ص 172-

196.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 34

متغايرا مع المفاهيم، بعيدا عن جنس الألفاظ و المعاني و التعابير، و إنما هي حقائق راهنة، موطنها خارج الأذهان و العبارات.

إنّه رحمه اللّه تعرّض لكلام ابن تيميّة، فصحّحه من جهة، و خطّأه من جهة أخرى؛ صحّحه من جهة قوله: بشمول التأويل لجميع آي القرآن، محكمه و متشابهه، و قوله: بأنه خارج الأذهان و العبارات. لكن خطّأه في حصره للتأويل في العين الخارجية البحت، فإنه مصداق و ليس بتأويل. إنما التأويل حقائق راهنة، هي مصالح واقعية و أهداف و غايات مقصودة من وراء التكاليف و الأحكام، و كذا الحكم و المواعظ و الآداب، و حتى القصص و الأخبار و الآثار التي جاءت في القرآن.

قال- مناقشا لرأي ابن تيميّة-:

«إنه و إن أصاب في بعض كلامه، لكنه أخطأ في بعضه الآخر. إنّه أصاب في القول بأنّ التأويل لا يختص بالمتشابه، بل هو عام لجميع القرآن، و كذا القول: بأنّ التأويل ليس من سنخ المدلول اللفظي، بل هو أمر خارجي يبتنى عليه الكلام. لكنه أخطأ في عدّ كل أمر خارجي مرتبط بمضمون الكلام- حتى مصاديق الأخبار الحاكية عن الحوادث الماضية و المستقبلة- تأويلا للكلام» «1».

ثم قال: «الحقّ في تفسير التأويل أنّه الحقيقة الواقعية التي تستند إليها البيانات القرآنية، من حكم أو موعظة أو حكمة، و أنه موجود لجميع الآيات القرآنية محكمها و متشابهها، و أنه ليس من قبيل المفاهيم المدلول عليها بالألفاظ، بل هي من الأمور العينية المتعالية من أن يحيط بها شبكات الألفاظ. و إنما قيّدها اللّه سبحانه بقيد الألفاظ لتقريبها من أذهاننا بعض التقريب، فهي كالأمثال تضرب

(1) الميزان، ج 3، ص 48.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص:

35

ليقرّب بها المقاصد و توضّح، بحسب ما يناسب فهم السامع، كما قال تعالى:

وَ الْكِتابِ الْمُبِينِ إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ. وَ إِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ «1».

و قال- في شرح الآية-:

«إن هناك كتابا مبينا عرض عليه جعله مقروّا عربيّا، و إنما ألبس لباس القراءة و العربية ليعقله الناس، و إلّا فإنه- و هو في أمّ الكتاب- عند اللّه عليّ لا تصعد إليه العقول، حكيم لا يوجد فيه فصل و فصل. فالكتاب المبين- في الآية- هو أصل القرآن العربي المبين، و للقرآن موقع هو في الكتاب المكنون، و أن التنزيل حصل بعده، و هو الذي عبّر عنه بأم الكتاب و باللوح المحفوظ. فالكتاب المبين الذي هو أصل القرآن و حكمه الخالي عن التفصيل، أمر وراء هذا المنزل، و إنما هذا بمنزلة اللباس لذاك. إنّ هذا المعنى، أعني كون القرآن في مرتبة التنزيل بالنسبة إلى الكتاب المبين، و نحن نسمّيه بحقيقة الكتاب، بمنزلة اللباس من المتلبّس، و بمنزلة المثال من الحقيقة، و بمنزلة المثل من الغرض المقصود بالكلام ...» «2».

و أضاف: «فالحقيقة الخارجية التي توجب تشريع حكم من الأحكام أو بيان معرفة من المعارف الإلهية أو وقوع حادثة هي مضمون قصّة من القصص القرآنية، و إن لم تكن أمرا يدل عليه بالمطابقة نفس الأمر و النهي أو البيان أو الواقعة الكذائية، إلا أن الحكم أو البيان أو الحادثة، لمّا كان كلّ منها ينشأ منها و يظهر منها، فهو أثرها الحاكي لها بنحو من الحكاية و الإشارة» «3».

(1) الميزان، ج 3، ص 49، الزخرف/ 4.

(2) الميزان، ج 2، ص 14- 16.

(3) المصدر نفسه، ج 3، ص 53.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)،

ج 1، ص: 36

و أخيرا لخّص كلامه في بيان التأويل بما يلي:

«التأويل في عرف القرآن هو الحقيقة التي يتضمّنها الشي ء و يؤول إليها و يبتنى عليها، كتأويل الرؤيا، و هو تعبيرها، و تأويل الحكم، و هو ملاكه، و تأويل الفعل، و هو مصلحته و غايته الحقيقيّة، و تأويل الواقعة، و هو علّتها الواقعية، و هكذا» «1» غير أن وقفة فاحصة عند كلام هذا المحقق العلامة، تجعلنا نتردد في التوافق معه، إنه رحمه اللّه لو كان اقتصر على ما لخّصه أخيرا، من جعل ملاكات الأحكام و المصالح و الغايات الملحوظة في التشريعات و التكاليف تأويلا، أي أصلا لها و مرجعها الأساسي لكل ذلك المذكور؛ لأمكننا مرافقته.

لكنه توسّع في ذلك، و فرض من تأويل آي القرآن كلها أمرا بسيطا ذا إحكام رصين، ليس فيه شي ء من هذه التجزئة و التفصيل الموجود في القرآن الحاضر الذي يتداوله المسلمون منذ أول يومهم فإلى ما لا نهاية، فإن ذاك عار عن كونه آية آية و سورة سورة، وجودا واحدا بسيطا صرفا، مستقرا في محل أرفع، في كتاب مكنون لا يمسّه إلّا المطهّرون.

و فرض من القرآن ذا وجودين: وجودا ظاهريا يتشكل في ألفاظ و عبارات ذوات مفاهيم معروفة، و هو الذي يتلى و يقرأ و يدرس، و يتداوله الناس حسبما ألفوه طوال عهد الإسلام.

و وجودا آخر باطنيا، هو وجوده الحقيقي الأصيل، المترفع عن أن تناله العقول و الأحلام، فضلا عن الأوهام، و ذلك الوجود الحقيقي الرفيع هو تأويل

(1) الميزان، ج 13، ص 376.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 37

القرآن، أي أصله و مرجعه الأصيل.

قال- بصدد بيان نزول القرآن دفعة واحدة في ليلة القدر من شهر رمضان، و

أنه لم يكن هذا القرآن المتلوّ الذي بأيدي الناس، فإنه نزل تدريجا بلا ريب-:

«و الذي يعطيه التدبّر في آيات الكتاب أمر آخر، فإن الآيات الناطقة بنزول القرآن في شهر رمضان أو في ليلة القدر إنما عبّرت عن ذلك بلفظ الإنزال الدال على الدفعة، دون التنزيل، و اعتبار الدفعة إما بلحاظ المجموع أو البعض، و إما لكون الكتاب ذا حقيقة أخرى وراء ما نفهمه بالفهم العادي، الذي يقضي فيه بالتفرق و التفصيل و الانبساط و التدريج، هو المصحّح لكونه واحدا غير تدريجي و نازلا بالإنزال دون التنزيل؛ و هذا هو اللائح من الآيات الكريمة: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ «1» فإن هذا الإحكام مقابل التفصيل، و التفصيل هو جعله فصلا فصلا و قطعة قطعة؛ فالإحكام كونه بحيث لا يتفصّل فيه جزء من جزء، و لا يتميّز بعض من بعض؛ لرجوعه إلى معنى واحد لا أجزاء فيه و لا فصول. و الآية ناطقة بأن هذا التفصيل المشاهد في القرآن، إنما طرأ عليه بعد كونه محكما غير مفصّل، و أوضح منه قوله تعالى: حم وَ الْكِتابِ الْمُبِينِ. إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ. وَ إِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ «2» فإنه ظاهر في أن هناك كتابا مبينا عرض عليه جعله مقروّا عربيّا، و إنما ألبس لباس القراءة و العربية ليعقله الناس، و إلّا فإنه في أم الكتاب عند اللّه عليّ لا يصعد إليه العقول، حكيم لا يوجد فيه فصل فصل. فالكتاب المبين الذي هو أصل القرآن و حكمه

(1) هود/ 1.

(2) الزخرف/ 4.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 38

الخالي عن التفصيل أمر وراء هذا المنزل و إنما هذا بمنزلة اللباس لذاك. «1»

ثم

أحال تمام الكلام إلى بيانه الآتي حول آية المتشابهات، قال هناك:

«الحق في تفسير التأويل أنّه الحقيقة الواقعية التي تستند إليها البيانات القرآنية، و أنه موجود لجميع الآيات، و أنّه ليس من قبيل المفاهيم بل من الأمور العينية المتعالية من أن يحيط بها شبكات الألفاظ، و إنّما قيّدها اللّه بقيد الألفاظ لتقريبها من أذهاننا، قال تعالى: إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَ إِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ «2» و في القرآن تصريحات و تلويحات بهذا المعنى «3».

و بعد، فلنتساءل: ما هو السبب الداعي لفرض وجودين للقرآن الكريم:

وجودا لديه تعالى في كتاب مكنون، لا يمسّه إلا المطهرون، عاريا عن التجزئة و التفصيل، متعاليا عن شبكات الألفاظ و العبارات؛ و وجودا أرضيّا نزل تدريجا لهداية الناس، و ألبس لباس العربية لعلهم يعقلونه؟! و لعله للنظر إلى قوله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ... «4»

و قوله: حم وَ الْكِتابِ الْمُبِينِ. إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ. فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْراً مِنْ عِنْدِنا «5» و قوله: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ... «6».

و

قد ورد في الحديث- من طرق الفريقين-: أن القرآن نزل جملة واحدة في

(1) الميزان، ج 2، ص 14- 16.

(2) الزخرف/ 4.

(3) الميزان، ج 3، ص 49.

(4) البقرة/ 185.

(5) الدخان/ 5.

(6) القدر/ 1.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 39

ليلة القدر، ثم نزل تدريجا طوال عشرين عاما» «1».

و لذلك فرض علامتنا الطباطبائي وجودين للقرآن الكريم و نزولين. و كان نزوله الدفعي بوجوده البسيط الذي كان بمنزلة الروح لهذا القرآن، النازل تدريجا بوجوده التفصيلي.

و بذلك نراه قد جمع بين ظواهر الآيات و دلالة

الروايات، و أيّد ذلك بالفارق اللغوي بين لفظتي «الإنزال» و «التنزيل».

لكن تشريف شهر رمضان إنما كان بنزول هذا القرآن المعهود لدى المخاطبين بهذا الخطاب، لا بأمر لا يعرفونه! على أنّ القرآن النازل في هذا الشهر، قد وصف بكونه هُدىً لِلنَّاسِ وَ بَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَ الْفُرْقانِ «2» و معلوم أنّ الهداية و البيّنات، إنما هي بهذا الكتاب الذي يتداولونه، لا بكتاب مكنون عند اللّه محفوظ لديه في مكان عليّ لا تناله الأيدي و الأبصار.

كما أن الذي يبتغيه أهل الزيغ لأجل الفساد في الأرض، هو تفسير الآيات على غير وجهها، لا وجودا آخر للقرآن، هو في أعلى علّيين.

فقوله رحمه اللّه: «و أنه موجود لجميع الآيات محكمها و متشابهها، و أنه ليس من قبيل المفاهيم بل من الأمور العينية المتعالية من أن يحيط بها شبكات الألفاظ ...»

غير مفهوم لنا.

(1) بحار الأنوار، ج 94، ص 14، رقم 23.

(2) البقرة/ 185.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 40

و الفرق بين «الإنزال» و «التنزيل» أمر أبدعه الراغب الأصبهاني، و لا شاهد له.

قال: و إنما خصّ لفظ الإنزال دون التنزيل؛ لما روي أن القرآن نزل دفعة واحدة إلى سماء الدنيا، ثم نزل نجما فنجما. و لفظ الإنزال أعمّ من التنزيل، قال:

لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ «1» و لم يقل: لو نزّلنا، تنبيها إنا لو خوّلناه مرّة ما خوّلناك مرارا.

و يرد عليه ما حكاه اللّه عن قوله العرب: لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً «2».

و كذلك قوله تعالى: وَ قالُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ «3».

و قوله: وَ يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْ لا نُزِّلَتْ سُورَةٌ «4».

و قوله: وَ لَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ ...

«5».

و قوله: لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا «6».

كما جمع بين التعبيرين بشأن أمر واحد في قوله تعالى: وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ «7».

كما جاء استعمال «الإنزال» بشأن التدريجيات أيضا:

(1) الحشر/ 21.

(2) الفرقان/ 32.

(3) الأنعام/ 37.

(4) محمد/ 20.

(5) الأنعام/ 7.

(6) الإسراء/ 95.

(7) النحل/ 44.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 41

أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ «1».

هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ «2».

لأن الكتاب الذي منه محكم و متشابه، هو هذا الكتاب الذي نزل تدريجا.

أَ فَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا «3»؛ إذ الذي نزل مفصّلا هو هذا القرآن الذي نزل منجما.

و أخيرا فما هي الفائدة المتوخّاة من وراء نزول القرآن دفعة واحدة إلى السماء الدنيا أو إلى السماء الرابعة، في البيت المعمور أو بيت العزة- على الاختلاف في ألفاظ الروايات-، ثم نزوله بعد ذلك تدريجا في طول عهد الرسالة؟

و هل لوجود القرآن بوجوده البسيط الروحاني- في ذلك المكان الرفيع- فائدة تعود على أهل السماوات أو سكان الأرضين؟

و أجاب الفخر الرازي عن ذلك، و علل وجود القرآن هناك، في مكان أنزل من العرش و أقرب إلى الأرض؛ ليسهل التناول منه لجبرائيل عند مسيس الحاجة. «4»

و علّل بعض الأساتذة المعاصرين ذلك، بأنّ الرابط بين ذلك القرآن المحفوظ لديه تعالى، و هذا القرآن المعروض على الناس، هو «رابط العليّة» فكل ما في هذا القرآن من حكم و مواعظ و آداب، و تعاليم و معارف و أحكام، إنما تنشأ مما حواه

(1) البقرة/ 22.

(2) آل عمران/ 7.

(3) الأنعام/ 114.

(4)

التفسير الكبير، ج 5، ص 85.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 42

ذلك القرآن، على بساطته و علوّ رفعته؛ فهذا إشعاع من ذلك النور الساطع، و إفاضة من ذلك المقام الرفيع. «1»

غير أن هذا كله تكلّف في التأويل، و تمحّل في القول بلا دليل، و لعلّنا في غنىّ عن البسط فيه و التذييل.

و أما الآيات التي استندوا إليها لإثبات وجود آخر للقرآن محفوظ عند اللّه، في كتاب مكنون لا يمسّه إلّا المطهرون ... فهي تعني أمرا آخر غير ما راموه.

و ليعلم أن المقصود من الكتاب المكنون، هو: علم اللّه المخزون، المعبّر عنه ب (اللوح المحفوظ) أيضا، و هكذا التعبير ب (امّ الكتاب) كناية عن علمه تعالى الذاتي الأزلي، بما يكون مع الأبد.

و قد ذكر العلامة الطباطبائي- في تفسير سورة الرعد حديثا

عن الإمام الصادق عليه السّلام قال: «كل أمر يريده اللّه، فهو في علمه قبل أن يضعه، و ليس شي ء يبدو له إلّا و قد كان في علمه»

قال ذلك تفسيرا لقوله تعالى: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ «2».

فقوله تعالى: وَ إِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ «3» يعني قضى اللّه في علمه الأزلي الحتم أن القرآن- في مسيرته الخالدة- سوف يشغل مقاما عليّا، مترفعا عن أن تناله أيدي السفهاء، حكيما مستحكما قوائمه، لا يتضعضع و لا يتزلزل، يشق طريقه إلى الأمام بسلام «4».

(1) مباني و روشهاى تفسير، ص 73.

(2) تفسير الميزان، ج 11، ص 420، الرعد/ 39.

(3) الزخرف/ 4.

(4) راجع: الطبرسي، مجمع البيان، ج 9، ص 39. و الطوسي، التبيان، ج 9، ص 179. و أبا الفتوح الرازي، ج 10، ص 74. و الفخر الرازي، ج

27، ص 194.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 43

و كذا قوله: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ «1» أي هكذا قدر في علمه تعالى المكنون «2».

و هكذا ذكر الطبرسي و غيره في تفسير قوله تعالى: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ «3» أنه إشارة إلى مقامه الرفيع عند اللّه، و قد جرى في علمه تعالى أنه محفوظ عن مناوشة المناوئين.

قال سيد قطب: «إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ: كريم بمصدره، و كريم بذاته، و كريم باتجاهاته. في كتاب مكنون: مصون، و تفسير ذلك في قوله تعالى بعده: لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ. فقد زعم المشركون أن الشياطين تنزّلت به، فهذا نفي لهذا الزعم.

فالشيطان لا يمسّ هذا الكتاب المكنون في علم اللّه و حفظه، إنما تنزل به الملائكة المطهرون؛ و لذلك قال- بعدها-: تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ، أي لا تنزيل من الشياطين» «4».

هل يعلم التأويل غير اللّه؟

سؤال أثارته ظاهرة الوقف على إِلَّا اللَّهُ من قوله تعالى: وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ثم الاستئناف لقوله: وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا «5» و ما ورد في بعض الأحاديث من اختصاص علم التأويل باللّه تعالى، و أنّ

(1) البروج، 22.

(2) راجع: تصحيح الاعتقاد للشيخ المفيد، ص 29. و الفخر الرازي، ج 23، ص 66 و ج 28، ص 152.

(3) الواقعة/ 80.

(4) في ظلال القرآن، ج 7، ص 706. و راجع: المجمع، ج 9، ص 226.

(5) آل عمران/ 7.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 44

الراسخين في العلم لا يعلمون تأويله، و إنما يكلون علمه إلى اللّه سبحانه؛ من ذلك

ما ورد في خطبة الأشباح من كلام مولانا أمير

المؤمنين عليه السّلام: «فانظر أيّها السائل، فما دلّك القرآن عليه من صفته فائتمّ به و استضئ بنور هدايته، و مما كلّفك الشيطان علمه مما ليس في الكتاب عليك فرضه، و لا في سنّة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أئمة الهدى أثره، فكل علمه إلى اللّه سبحانه. فإن ذلك منتهى حقّ اللّه عليك».

«و اعلم أن الراسخين في العلم هم الذين أغناهم عن اقتحام السّدد المضروبة دون الغيوب، الإقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب. فمدح اللّه تعالى اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علما، و سمّى تركهم التعمّق فيما لم يكلّفهم البحث عن كنهه رسوخا، فاقتصر على ذلك، و لا تقدّر عظمة اللّه سبحانه على قدر عقلك فتكون من الهالكين» «1» هذه الخطبة من جلائل الخطب و أعلاها سندا، فلا مغمز في صحّة إسنادها، و إنما الكلام في فحوى المراد منها.

و قد أجمع شرّاح النهج «2» على أنّ مراده عليه السّلام بهذا الكلام هو الصفات، و أنّ صفاته تعالى إنما يجب التعبّد بها و التوقف فيها دون الولوج في معرفة كنهها؛ إذ لا سبيل إلى معرفة حقيقة الصفات، كما لا سبيل إلى معرفة حقيقة الذات.

حيث

قوله عليه السّلام: «فما دلّك القرآن من صفته فائتمّ به، و ما كلّفك الشيطان علمه مما ليس في الكتاب عليك فرضه».

(1) الخطبة رقم 91 نهج البلاغة. و بحار الأنوار، ج 4، ص 277.

(2) راجع: منهاج البراعة للراوندي، ج 1، ص 382. و ابن أبي الحديد، ج 6، ص 404. و ابن ميثم البحراني، ج 2، ص 330، شرح الخطبة. و المنهاج للخوئي، ج 6، ص 310.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص:

45

إذ من وظيفتنا أن نصفه تعالى بما وصف به نفسه في كلامه: سميع بصير، حكيم عليم، حيّ قيوم ... و لم نكلّف الولوج في معرفة حقائق هذه الصفات منسوبة إلى اللّه تعالى؛ إذ ضربت دون معرفتها السّدد و الحجب، فلا سبيل إلى بلوغها؛ فيجب التوقف دونها.

إذن فلا مساس لكلامه عليه السّلام هنا، مع متشابهات الآيات التي لا ينبغي الجهل بها للراسخين في العلم؛ حيث تحلّيهم بحلية العلم هي التي مكّنتهم من معرفة التنزيل و التأويل جميعا.

نعم لا نتحاشى القول بأنهم في بدء مجابهتهم للمتشابهات يقفون لديها، وقفة المتأمّل فيها؛ حيث المتشابه متشابه على الجميع على سواء، لو لا أنهم بفضل جهودهم في سبيل كشفها و إرجاعها إلى محكمات الآيات صاروا يعرفونها في نهاية المطاف. فعجزهم البادئ كان من فضل رسوخهم في العلم، بأنّ المتشابه كلام صادر ممن صدر عنه المحكم، فزادت رغبتهم في معرفتها بالتأمّل فيها و الاستمداد من اللّه في العلم بها، و من جدّ في أمر وجده بعون اللّه.

فوجه تناسب استشهاده عليه السّلام بهذه الآية بشأن الصفات محضا، هو العجز البادئ لدى المتشابهات، يقرّبه الراسخون في أوّل مجابهتهم للمتشابهات، و إن كان الأمر يفترق في نهاية المطاف.

قال ابن أبي الحديد: إن من الناس من وقف على قوله: إِلَّا اللَّهُ. و منهم من لم يقف. و هذا القول أقوى من الأوّل؛ لأنه إذا كان لا يعلم تأويل المتشابه إلّا اللّه لم يكن في إنزاله و مخاطبة المكلّفين به فائدة، بل يكون كخطاب العربي بالزنجيّة، و معلوم أن ذلك عيب قبيح.

و أما موضع يَقُولُونَ من الإعراب، فيمكن أن يكون نصبا على أنه حال من الراسخين، و يمكن أن يكون كلاما مستأنفا، أي هؤلاء العالمون

بالتأويل، يقولون:

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 46

آمنّا به.

و قد روي عن ابن عباس أنه تأوّل آية، فقال قائل من الصحابة: وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ فقال ابن عباس: وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ و أنا من جملة الراسخين. «1»

و نحن قد تكلمنا عن هذه الآية بتفصيل و توضيح، عند الكلام عن متشابهات القرآن، فراجع «2».

هل التفسير توقيف؟

ربما كان بعض السلف يحتشم عن القول في القرآن، خشية أن يكون قولا على اللّه بغير علم، أو تفسيرا برأيه الممنوع شرعا. و تبعهم على ذلك بعض الخلف، فأمسكوا عن تفسير القرآن، سوى ما ورد فيه أثر صحيح و نقل صريح.

فقد أخرج الطبري بإسناده إلى أبي معمر، قال: قال أبو بكر: «أيّ أرض تقلّني و أيّ سماء تظلّني إذا قلت في القرآن ما لا أعلم»، و في رواية أخرى أيضا عنه: «إذا قلت في القرآن برأيي» «3».

و هذا عند ما سئل عن «الأبّ» في قوله تعالى: وَ فاكِهَةً وَ أَبًّا، مَتاعاً لَكُمْ وَ لِأَنْعامِكُمْ «4»، فقد أخرج السيوطي بإسناده إلى إبراهيم التميمي، قال: سئل أبو بكر عن قوله تعالى: وَ أَبًّا، فقال: «أيّ سماء تظلّني و أيّ أرض تقلّني إذا

(1) شرح النهج لابن أبي الحديد، ج 6، ص 404- 405.

(2) التمهيد، ج 3، ص 35- 49.

(3) تفسير الطبري، ج 1، ص 27.

(4) سورة عبس، 31 و 32.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 47

قلت في كتاب اللّه ما لا أعلم» «1».

و هكذا روي عن عمر أنه جعل التكلم في الآية تكلّفا يجب تركه و إيكاله إلى اللّه، أخرج السيوطي بعدّة أسانيد أن عمر قرأ على المنبر: فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا وَ عِنَباً وَ قَضْباً- إلى

قوله- وَ أَبًّا قال: كل هذا قد عرفناه، فما الأبّ؟ ثم رفض عصا كانت في يده، فقال: هذا لعمرو اللّه هو التكلّف، فما عليك أن لا تدري ما الأبّ، اتّبعوا ما بيّن لكم هداه من الكتاب فاعملوا به، و ما لم تعرفوه فكلوه إلى ربّه «2».

و عن عبيد اللّه بن عمر قال: لقد أدركت فقهاء المدينة، و أنّهم ليعظّمون القول في التفسير، منهم سالم بن عبد اللّه، و القاسم بن محمد، و سعيد بن المسيّب، و نافع. و عن يحيى بن سعيد، قال: سمعت رجلا يسأل سعيد بن المسيّب عن آية من القرآن، فقال: لا أقول في القرآن شيئا. و في رواية أخرى: أنه كان إذا سئل عن تفسير آية من القرآن قال: أنا لا أقول في القرآن شيئا، و كان لا يتكلم إلّا في المعلوم من القرآن. قال يزيد: و إذا سألنا سعيدا عن تفسير آية من القرآن، سكت كأن لم يسمع ..

و عن ابن سيرين، قال: سألت عبيدة السلماني عن آية، قال: عليك بالسّداد، فقد ذهب الذين علموا فيم أنزل القرآن.

و جاء طلق بن حبيب إلى جندب بن عبد اللّه، فسأله عن آية من القرآن، فقال له: أحرج عليك إن كنت مسلما، لمّا قمت عنّي، أو قال: أن تجالسني.

و روي عن الشعبي، قال: ثلاث لا أقول فيهنّ حتى أموت: القرآن، و الرّوح، و الرأي، و كان يقول: و اللّه ما من آية إلّا قد سألت عنها، و لكنها الرواية عن اللّه.

(1) الدر المنثور، ج 6، ص 317.

(2) المصدر نفسه، و الطبري، ج 30، ص 38- 39.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 48

و روي عنه أنه قال: أدركتهم- أي الأوائل- و

ما شي ء أبغض إليهم أن يسألوا عنه و لا هم له أهيب، من القرآن. ذكره صاحب كتاب المباني.

و رووا في ذلك بطريق ضعيف عن عائشة، قالت: ما كان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يفسّر شيئا من القرآن إلّا آيا تعدّ، علّمهنّ إياه جبريل «1»، أي أنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لم يكن يفسّر إلا القلائل من الآيات، تلك القلائل أيضا كان بوحي و توقيف، و لم يكن عن فهمه.

و روي عن إبراهيم، قال: كان أصحابنا يتّقون التفسير و يهابونه.

قال ابن كثير: فهذه الآثار الصحيحة و ما شاكلها عن أئمة السلف، محمولة على تحرّجهم عن الكلام في التفسير بما لا علم لهم فيه. فأما من تكلم بما يعلم من ذلك لغة و شرعا فلا حرج عليه؛ و لهذا روي عن هؤلاء و غيرهم أقوال في التفسير، و لا منافاة؛ لأنهم تكلموا فيما علموه و سكتوا عما جهلوه. و هذا هو الواجب على كل واحد، فإنه كما يجب السكوت عما لا علم به، فكذلك يجب القول فيما سئل عنه مما يعلمه؛ لقوله تعالى: لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَ لا تَكْتُمُونَهُ «2».

و بعين ذلك ذكر ابن تيميّة في مقدمته «3».

و قال ابن جرير الطبري: إن معنى «إحجام» من أحجم عن القيل في تأويل القرآن و تفسيره من علماء السلف، إنما كان إحجامه عنه حذرا أن لا يبلغ أداء ما كلّف من إصابة صواب القول فيه، لا على أن تأويل ذلك محجوب عن علماء

(1) الطبري، في التفسير، ج 1، ص 29. و مقدمة كتاب المباني في نظم المعاني، ص 183- 184.

(2) تفسير ابن كثير، ج 1، ص 6. و آل عمران/ 187.

(3)

مقدمته في أصول التفسير، ص 55.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 49

الأمّة، غير موجود بين أظهرهم. «1»

قلت: و الدليل على صحة ذلك أنّ من تحرّج من القول في معاني القرآن من السلف، كانوا هم القلة القليلة من الأصحاب و التابعين، أما الأكثرية الساحقة من علماء الأمة و نبهاء الصحابة فقد عنوا بتفسير القرآن و تأويله عناية بالغة، كانت الوفرة الوفيرة من رصيدنا اليوم في التفسير.

قال ابن عطيّة: و كان جلّة من السلف كثير عددهم يفسرونه، و هم أبقى على المسلمين في ذلك.

فأما صدر المفسّرين و المؤيّد فيهم فعلي بن أبي طالب عليه السّلام، و يتلوه عبد اللّه ابن عباس، و هو تجرّد للأمر و كمّله، و تبعه العلماء عليه، كمجاهد، و سعيد بن جبير، و غيرهما. و المحفوظ عنه في ذلك أكثر من المحفوظ عن عليّ بن أبي طالب.

و قال ابن عباس: ما أخذت من تفسير القرآن فعن عليّ بن أبي طالب.

و كان عليّ بن أبي طالب يثني على تفسير ابن عباس، و يحضّ على الأخذ عنه. و كان عبد اللّه بن مسعود يقول: نعم ترجمان القرآن عبد اللّه بن عباس.

و هو الذي

قال فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «اللهمّ فقّهه في الدين»

، و حسبك بهذه الدعوة. و

قال عنه عليّ بن أبي طالب عليه السّلام: «ابن عباس كأنما ينظر إلى الغيب من ستر رقيق».

و يتلوه عبد اللّه بن مسعود، و أبيّ بن كعب، و زيد بن ثابت، و عبد اللّه بن عمرو بن العاص.

(1) الطبري- التفسير- ج 1، ص 30.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 50

قال: و كلّ ما أخذ عن الصحابة فحسن متقدم. «1»

و أما حديث

عائشة- فضلا عن تكلم ابن جرير و ابن عطية و غيرهما في تأويله و ضعف سنده- فالأرجح في تأويله: أنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كان يفسّر لهم القرآن أعدادا فأعدادا، كل فترة عددا خاصا حسبما كان جبرئيل يعلّمه عن اللّه- جلّ جلاله- و لم يكن التعليم فوضى من غير انتظام. و سيوافيك حديث ابن مسعود في ذلك: كان الرجل منا إذا تعلّم عشر آيات، لم يجاوزهنّ حتى يعرف معانيهنّ.

قال صاحب كتاب المباني: و أما ما روي عن عائشة، فإن ذلك يدل على أنه عليه السّلام كان يحتاج مع ما أنزل عليه من القرآن إلى تفسير آيات يعلّمهن إياه جبريل عليه السّلام و تلك آيات معدودة قد أجملت فيها أحكام الشريعة؛ بحيث لا يوقف عليه إلّا ببيان الرسول عن اللّه تعالى.

و أما ما ذكروه من امتناع من امتنع من القول في التفسير، فإن ذلك بمنزلة من امتنع منهم عن الرواية عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلّا فيما لم يجد فيه بدّا.

و لذلك قلّت روايات رجال من أكابر الصحابة، مثل عثمان و طلحة و الزبير و غيرهم.

روى عامر بن عبد اللّه بن الزبير عن أبيه قال: قلت للزبير: ما لي لا أسمعك تحدّث عن رسول اللّه، كما أسمع ابن مسعود و فلانا و فلانا؟ فقال: أما إنّي لم أفارقه منذ أسلمت، و لكنّي سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول: «من كذب عليّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النار».

و قيل لربيعة: إنا لنجد عند غيرك من الحديث ما لا نجد عندك! فقال: ما عندهم شي ء إلّا و قد سمعت منه، و لكني سمعت رجلا من آل

الهدير يقول:

(1) مقدمة ابن عطية لتفسيره الجامع المحرّر، المطبوعة مع مقدمة المباني، ص 262- 263.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 51

صحبت طلحة و ما سمعته يحدّث عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلّا حديثا واحدا.

قال: و هذا عبد اللّه بن عباس، لم يدع آية في القرآن إلّا و قد ذكر من تفسيرها، على ما روت عنه الرواة؛ و لذلك قيل: ابن عباس ترجمان القرآن.

و روي عن أبي مليكة قال: رأيت مجاهدا يسأل ابن عباس في تفسير القرآن و معه ألواحه، فيقول ابن عباس: اكتبه، حتى سأله عن التفسير كلّه.

و روي عن سعيد بن جبير أنه قال: من قرأ القرآن و لم يفسّره كان كالأعمى أو كالأعرابي.

و روى مسلم عن مسروق بن الأجدع قال: كان عبد اللّه يقرأ علينا السورة ثمّ يحدّثنا فيها، و يفسّرها عامة النهار.

و عن أبي عبد الرحمن قال: حدّثونا الذين كانوا يقرءوننا: أنهم كانوا يستقرءون من النبيّ، فكانوا إذا تعلّموا عشر آيات لم يخلفوها حتى يعلموا ما فيها من العمل، فيعلموا القرآن و العمل جميعا.

و عن ابن مسعود: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهنّ حتى يعرف معانيهنّ. «1»

و بعد، فقد ذكر الراغب الأصبهاني هنا شرائط يجب توفّرها في المفسّر، حتى لا يكون تفسيره تفسيرا بالرأي الممنوع شرعا و المقبوح عقلا، نذكره بتفصيله، فإنّ فيه الفائدة المتوخّاة في هذا الباب.

(1) مقدمة كتاب المباني، ص 191- 193.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 52

صلاحية المفسّر

قال الراغب: اختلف الناس في تفسير القرآن، هل يجوز لكلّ ذي علم الخوض فيه؟ فبعض تشدّد في ذلك، و قال: لا يجوز لأحد تفسير شي ء من القرآن، و إن كان

عالما أديبا، متّسعا في معرفة الأدلة و الفقه و النحو و الأخبار و الآثار. و إنما له أن ينتهي إلى ما روي عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و عن الذين شهدوا التنزيل من الصحابة، و الذين أخذوا عنهم من التابعين. و احتجّوا في ذلك بما

روي عنه عليه السّلام: «من فسّر القرآن برأيه فليتبوّأ مقعده من النار»

، و

قوله: «من فسّر القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ»

. و

في خبر: «من قال في القرآن برأيه فقد كفر».

قال: و ذكر آخرون أن من كان ذا أدب وسيع، فموسّع له أن يفسّره، فالعقلاء الأدباء فوضى فضا في معرفة الأغراض. و احتجوا في ذلك بقوله تعالى: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَ لِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ «1».

و ذكر بعض المحققين أنّ المذهبين هما: الغلوّ و التقصير، فمن اقتصر على المنقول إليه فقد ترك كثيرا مما يحتاج إليه، و من أجاز لكل أحد الخوض فيه فقد عرضه للتخليط، و لم يعتبر حقيقة قوله تعالى: لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَ لِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ.

قال: و الواجب أن يبيّن أوّلا ما ينطوي عليه القرآن، و ما يحتاج إليه من العلوم، فنقول و باللّه التوفيق:

إن جميع شرائط الإيمان و الإسلام التي دعينا إليها و اشتمل القرآن عليها ضربان: علم غايته الاعتقاد، و هو الإيمان باللّه و ملائكته و كتبه و رسله و اليوم الآخر. و علم غايته العمل، و هو معرفة أحكام الدين و العمل بها.

(1) ص/ 29.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 53

و العلم مبدأ، و العمل تمام. و لا يتم العلم من دون عمل، و لا يخلص العمل دون العلم؛ و لذلك لم يفرد تعالى أحدهما من الآخر في عامة القرآن،

نحو قوله:

وَ مَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَ يَعْمَلْ صالِحاً «1»، وَ مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَ هُوَ مُؤْمِنٌ «2». الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَ حُسْنُ مَآبٍ «3».

و لا يمكن تحصيل هذين (العلم و العمل) إلّا بعلوم لفظية، و عقلية، و موهبيّة:

فالأول: معرفة الألفاظ، و هو علم اللغة.

و الثاني: مناسبة بعض الألفاظ إلى بعض، و هو علم الاشتقاق.

و الثالث: معرفة أحكام ما يعرض الألفاظ من الأبنية و التصاريف و الإعراب، و هو النحو ..

و الرابع: ما يتعلق بذات التنزيل، و هو معرفة القراءات.

و الخامس: ما يتعلق بالأسباب التي نزلت عندها الآيات، و شرح الأقاصيص التي تنطوي عليها السور، من ذكر الأنبياء عليهم السّلام و القرون الماضية، و هو علم الآثار و الأخبار.

و السادس: ذكر السنن المنقولة عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و عمّن شهد الوحي، و ما اتّفقوا عليه و ما اختلفوا فيه، مما هو بيان لمجمل، أو تفسير لمبهم المنبأ عنه بقوله تعالى: وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ «4» و بقوله: أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ «5»، و ذلك علم السنن.

(1) التغابن/ 9.

(2) غافر/ 40.

(3) الرعد/ 29.

(4) النحل/ 44.

(5) الأنعام/ 90.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 54

و السابع: معرفة الناسخ و المنسوخ، و العموم و الخصوص، و الإجماع و الاختلاف، و المجمل و المفسّر، و القياسات الشرعيّة، و المواضع التي يصحّ فيها القياس، و التي لا يصحّ، و هو علم أصول الفقه.

و الثامن: أحكام الدين و آدابه، و آداب السياسات الثلاث التي هي سياسة النفس و الأقارب و الرعيّة؛ مع التمسّك بالعدالة فيها، و هو

علم الفقه و الزهد.

و التاسع: معرفة الأدلّة العقلية، و البراهين الحقيقية، و التقسيم و التحديد، و الفرق بين المعقولات و المظنونات و غير ذلك، و هو علم الكلام.

و العاشر: و هو علم الموهبة، و ذلك علم يورثه اللّه من عمل بما علم.

قال أمير المؤمنين عليه السّلام: قالت الحكمة: من أرادني فليعمل بأحسن ما علم، ثم تلا الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ «1» . و

روي عنه عليه السّلام حيث سئل: هل عندك علم عن النبي لم يقع إلى غيرك؟ قال: «لا، إلّا كتاب اللّه، و ما في صحيفتي، و فهم يؤتيه اللّه من يشاء».

و هذا هو التذكر الذي رجّانا اللّه تعالى إدراكه بفعل الصالحات؛ حيث قال:

إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ وَ إِيتاءِ ذِي الْقُرْبى إلى قوله- لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ «2»، و هو الهداية المزيدة للمهتدي في قوله: وَ الَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً «3»، و هو الطيّب من القول المذكور: وَ هُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ، وَ هُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ «4».

(1) الزمر/ 18.

(2) النحل/ 90.

(3) محمد/ 17.

(4) الحج/ 24.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 55

فجملة العلوم التي هي كالآلة للمفسّر، و لا تتمّ صناعته إلّا بها، هي هذه العشرة:

علم اللغة، و الاشتقاق، و النحو، و القراءات، و السير، و الحديث، و أصول الفقه، و علم الأحكام، و علم الكلام، و علم الموهبة.

فمن تكاملت فيه هذه العشرة و استعملها، خرج عن كونه مفسّرا للقرآن برأيه. و من نقص عن بعض ذلك ممّا ليس بواجب معرفته في تفسير القرآن، و أحسّ من نفسه في ذلك بنقصه، و استعان بأربابه، و اقتبس منهم، و استضاء بأقوالهم، لم يكن- إن شاء اللّه- من المفسّرين

برأيهم.

و أخيرا قال: و من حقّ من تصدّى للتفسير أن يكون مستشعرا لتقوى اللّه، مستعيذا من شرور نفسه و الإعجاب بها، فالإعجاب أسّ كل فساد. و أن يكون اتّهامه لفهمه أكثر من اتّهامه لفهم أسلافه الذين عاشروا الرسول و شاهدوا التنزيل و باللّه التوفيق «1».

و لقد أحسن و أجاد فيما أفاد، و أدّى الكلام حقّه في بيان الشرائط التي يجب توفّرها في كل مفسّر، حتى يخرج عن كونه مفسّرا برأيه، و بشرط أن يراعي تقوى اللّه، فلا يقول في شي ء بغير علم و لا كتاب منير.

قال جلال الدين السيوطي: و لعلك تستشكل علم الموهبة، و تقول: هذا شي ء ليس في قدرة الإنسان. و ليس كما ظننت من الإشكال، و الطريق في تحصيله ارتكاب الأسباب الموجبة له من العمل و الزهد. قال الإمام بدر الدين الزركشي: اعلم أنه لا يحصل للناظر فهم معاني الوحي، و لا يظهر له أسراره، و في قلبه بدعة أو كبر أو هوى أو حبّ الدنيا، أو هو مصرّ على ذنب، أو غير متحقّق

(1) مقدمته في التفسير، ص 93- 97.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 56

بالإيمان، أو ضعيف التحقيق، أو يعتمد على قول مفسّر ليس عنده علم، أو راجع إلى معقوله و هذه كلها حجب و موانع بعضها آكد من البعض. قال السيوطي: و في هذا المعنى قوله تعالى: سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ «1». قال سفيان بن عيينة: يقول تعالى: أنزع عنهم فهم القرآن «2».

قلت: و هكذا قوله تعالى: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ، فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ، لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ «3» فلا تتجلّى حقائق القرآن و معارفه الرشيدة إلّا لمن خلص باطنه و زكت نفسه

عن الأدناس و الأرجاس.

قال الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام- في خطبة خطبها بذي قار-: «إنّ علم القرآن ليس يعلم ما هو إلّا من ذاق طعمه، فعلم بالعلم جهله، و بصر به عماه، و سمع به صممه، و أدرك به علم ما فات، و حيي به بعد إذ مات، و أثبت به عند اللّه الحسنات، و محا به السيّئات، و أدرك به رضوانا من اللّه تبارك و تعالى، فاطلبوا ذلك من عند أهله خاصّة» «4» و

قال- في حديث آخر-: «إنّ اللّه قسّم كلامه ثلاثة أقسام، فجعل قسما منه يعرفه العالم و الجاهل، و قسما لا يعرفه إلّا من صفا ذهنه و لطف حسّه و صحّ تمييزه، ممن شرح اللّه صدره للإسلام، و قسما لا يعلمه إلّا اللّه و أمناؤه و الراسخون في العلم» «5».

(1) الأعراف/ 146.

(2) أخرجه ابن أبي حاتم، الإتقان، ج 4، ص 188.

(3) الواقعة/ 77- 79.

(4) الوسائل، ج 18، ص 137، رقم 26. عن روضة الكافي، ج 8، ص 390- 391، رقم 586.

(5) الوسائل، ج 18، ص 143، رقم 44. عن كتاب الاحتجاج، ج 1، ص 376.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 57

قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً «1»، و قال:

وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ يُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ «2».

أوجه التفسير

أخرج الطبري بعدّة أسانيد إلى ابن عباس، قال: التفسير أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، و تفسير لا يعذّر أحد بجهالته، و تفسير يعلمه العلماء، و تفسير لا يعلمه إلّا اللّه تعالى «3».

قال الزركشي- في شرح هذا الكلام-: و هذا تقسيم صحيح:

فأما الذي تعرفه العرب، فهو الذي يرجع فيه إلى لسانهم؛ و ذلك شأن

اللغة و الإعراب.

فأما اللغة، فعلى المفسّر معرفة معانيها، و مسمّيات أسمائها، و لا يلزم ذلك القارئ. ثم إن كان ما تتضمّنه ألفاظها يوجب العمل دون العلم، كفى فيه خبر الواحد و الاثنين، و الاستشهاد بالبيت و البيتين. و إن كان مما يوجب العلم، لم يكف ذلك، بل لا بدّ أن يستفيض ذلك اللفظ، و تكثر شواهده من الشعر.

و أما الإعراب، فما كان اختلافه محيلا للمعنى، وجب على المفسّر و القارئ تعلّمه، ليتوصّل المفسّر إلى معرفة الحكم و ليسلم القارئ من اللّحن. و إن لم يكن محيلا للمعنى، وجب تعلّمه على القارئ ليسلم من اللحن، و لا يجب على المفسّر؛ لوصوله إلى المقصود دونه، على أن جهله نقص في حقّ الجميع.

إذا تقرّر ذلك، فما كان من التفسير راجعا إلى هذا القسم، فسبيل المفسّر

(1) الأنفال/ 29.

(2) البقرة/ 282.

(3) تفسير الطبري، ج 1، ص 26.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 58

التوقّف فيه على ما ورد في لسان العرب، و ليس لغير العالم بحقائق اللغة و مفاهيمها تفسير شي ء من الكتاب العزيز، و لا يكفي في حقّه تعلّم اليسير منها، فقد يكون اللفظ مشتركا، و هو يعلم أحد المعنيين.

الثاني: ما لا يعذر أحد بجهله، و هو ما تتبادر الأفهام إلى معرفة معناه من النصوص المتضمّنة شرائع الأحكام و دلائل التوحيد. و كل لفظ أفاد معنى واحدا جليّا لا سواه، يعلم أنه مراد اللّه تعالى.

فهذا القسم لا يختلف حكمه، و لا يلتبس تأويله؛ إذ كل أحد يدرك معنى التوحيد، من قوله تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ «1» و أنه لا شريك له في إلهيّته، و إن لم يعلم أنّ «لا» موضوعة في اللغة للنفي

و «إلّا» للإثبات، و أنّ مقتضى هذه الكلمة الحصر. و يعلم كل أحد بالضرورة أن مقتضى قوله تعالى: وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ «2» و نحوها من الأوامر، طلب إدخال ماهية المأمور به في الوجود، و إن لم يعلم أن صيغة «أفعل» مقتضاها الترجيح وجوبا أو ندبا. فما كان من هذا القسم لا يقدر أحد أن يدّعي الجهل بمعاني ألفاظه؛ لأنها معلومة لكل أحد بالضرورة.

الثالث: ما لا يعلمه إلّا اللّه تعالى، فهو يجري مجرى الغيوب، نحو الآي المتضمنة قيام الساعة، و نزول الغيث، و ما في الأرحام، و تفسير الروح، و الحروف المقطّعة.

و كل متشابه في القرآن عند أهل الحق، فلا مساغ للاجتهاد في تفسيره،

(1) محمد/ 19.

(2) البقرة/ 43.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 59

و لا طريق إلى ذلك إلّا بالتوقيف، من أحد ثلاثة أوجه:

إما نصّ من التنزيل، أو بيان من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، أو إجماع الأمّة على تأويله.

فإذا لم يرد فيه توقيف من هذه الجهات، علمنا أنه مما استأثر اللّه تعالى بعلمه.

قلت: و هذا إنّما يصدق بشأن الحروف المقطّعة، فإنها رموز بين اللّه و رسوله، لا يعلم تأويلها إلّا اللّه و الرسول، و من علّمه الرسول بالخصوص.

و الرابع: ما يرجع إلى اجتهاد العلماء، و هو الذي يغلب عليه إطلاق التأويل، و هو صرف اللفظ إلى ما يؤول إليه. فالمفسّر ناقل، و المؤوّل مستنبط؛ و ذلك استنباط الأحكام، و بيان المجمل، و تخصيص العموم.

و كل لفظ احتمل معنيين فصاعدا، فهو الذي لا يجوز لغير العلماء الاجتهاد فيه؛ و على العلماء اعتماد الشواهد و الدلائل، و ليس لهم أن يعتمدوا مجرّد رأيهم فيه.

ثم أخذ في بيان كيفية

الاجتهاد و استنباط الأحكام من ظواهر القرآن، عند اختلاف اللفظ أو تعارض ظاهرين، بحمل الظاهر على الأظهر، و ترجيح أحد معنيي المشترك، و ما إلى ذلك مما يرجع إلى قواعد (علم الأصول) ثمّ قال: فهذا أصل نافع معتبر في وجوه التفسير في اللفظ المحتمل، و اللّه العالم.

و أخيرا قال: إذا تقرّر ذلك فينزّل

قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «من تكلّم في القرآن بغير علم فليتبوّأ مقعده من النار»

على قسمين من هذه الأربعة: أحدهما: تفسير اللفظ؛ لاحتياج المفسر له إلى التبحّر في معرفة لسان العرب، الثاني: حمل اللفظ المحتمل

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 60

على أحد معنييه؛ لاحتياج ذلك إلى معرفة أنواع من العلوم:

علم العربية و اللغة و التبحّر فيهما.

و من علم الأصول ما يدرك به حدود الأشياء، و صيغ الأمر و النهي، و الخبر، و المجمل و المبيّن، و العموم و الخصوص، و الظاهر و المضمر، و المحكم و المتشابه، و المؤوّل، و الحقيقة و المجاز، و الصريح و الكناية، و المطلق و المقيّد.

و من علوم الفروع ما يدرك به استنباطا، و الاستدلال على هذا أقلّ ما يحتاج إليه، و مع ذلك فهو على خطر. فعليه أن يقول: يحتمل كذا، و لا يجزم إلا في حكم اضطرّ إلى الفتوى به «1».

التفسير بالرأي

اشارة

و أما الذي هابه أهل الظاهر، و زعموا من التكلّم في معاني القرآن تفسيرا بالرأي، فيجب الاحتراز منه؛ فهو مما اشتبه عليهم أمره، و لم يمعنوا النظر في فحواه إمعانا.

و لا بدّ أن نذكر نصّ الحديث أوّلا، ثم النظر في محتواه: «2» 1-

روى أبو جعفر الصدوق بإسناده عن الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه

عليه و آله و سلّم: قال اللّه- جلّ جلاله-: «ما آمن بي من فسّر برأيه كلامي» «3».

2- و أيضا

روي عنه عليه السّلام قال- لمدّعي التناقض في القرآن-: «إيّاك أن تفسّر

(1) البرهان في علوم القرآن، ج 2، ص 164- 168.

(2) ممّا أورده العلامة المجلسي في بحار الأنوار، كتاب القرآن، باب/ 10، ج 89، ص 107- 112، (ط بيروت)

(3) الأمالي للصدوق (ط نجف)؛ ص 6، المجلس الثاني.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 61

القرآن برأيك، حتى تفقهه عن العلماء. فإنه ربّ تنزيل يشبه بكلام البشر، و هو كلام اللّه، و تأويله لا يشبه كلام البشر» «1».

3- و أيضا

عن الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السّلام قال لعلي بن محمد بن الجهم: «لا تؤوّل كتاب اللّه- عزّ و جلّ- برأيك، فإنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول: وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ «2».

4- و

روى أبو النضر محمد بن مسعود العياشي بإسناده عن الإمام أبي عبد اللّه الصادق عليه السّلام قال: «من فسّر القرآن برأيه فأصاب لم يؤجر، و إن أخطأ كان إثمه عليه»

، و

في رواية أخرى: «و إن أخطأ فهو أبعد من السماء» «3».

5- و

روى الشهيد السعيد زين الدين العاملي، مرفوعا إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: «من قال في القرآن بغير علم فليتبوّأ مقعده من النار»

، و

قال: «من تكلم في القرآن برأيه فأصاب فقد اخطأ»

، و

قال: «من قال في القرآن بغير ما علم، جاء يوم القيامة ملجما بلجام من نار»

، و

قال: «أكثر ما أخاف على أمّتي من بعدي، رجل يناول القرآن، يضعه على غير مواضعه» «4».

و

أخرج أبو جعفر محمد بن جرير الطبري بإسناده عن ابن عباس

عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «من قال في القرآن برأيه فليتبوّأ مقعده من النار».

و

في رواية أخرى: «من قال في القرآن برأيه أو بما لا يعلم ...».

(1) كتاب التوحيد، للصدوق، باب 36، الردّ على الثنوية و الزنادقة، ص 264، (ط بيروت)

(2) عيون الأخبار، للصدوق، (ط نجف) ج 1، ص 153، باب 14، ج 1، آل عمران/ 7.

(3) مقدمة تفسير العياشي، ج 1، ص 17، رقم 2 و 4.

(4) بحار الأنوار، ج 89، ص 111- 112، رقم 20 عن آداب المتعلمين، للشهيد، ص 216- 217.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 62

و أيضا

عنه: «من قال في القرآن بغير علم فليتبوّأ مقعده من النار».

و أيضا:

«من تكلّم في القرآن برأيه فليتبوّأ مقعده من النار».

و

بإسناده عن جندب عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ» «1».

و خصّ الطبري هذه الأحاديث بالآي التي لا سبيل إلى العلم بتأويلها إلّا ببيان الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، مثل تأويل ما فيه من وجوه أمره: واجبه و ندبه و إرشاده، و صنوف نهيه، و وظائف حقوقه و حدوده، و مبالغ فرائضه، و مقادير اللازم بعض خلقه لبعض، و ما أشبه ذلك من أحكام آية التي لم يدرك علمها إلّا ببيان الرسول لأمّته، و هذا وجه لا يجوز لأحد القول فيه إلّا ببيان الرسول له بتأويله، بنصّ منه عليه، أو بدلالة نصبها دالّة أمّته على تأويله.

قال: و هذه الأخبار شاهدة لنا على صحة ما قلنا: من أنّ ما كان من تأويل آي القرآن الذي لا يدرك علمه إلّا بنص بيان الرسول أو بنصبه الدلالة عليه،

فغير جائز لأحد القيل فيه برأيه، بل القائل في ذلك برأيه و إن أصاب الحق فيه فمخطئ فيما كان من فعله، بقيله فيه برأيه؛ لأن إصابته ليست إصابة موقن أنه محقّ، و إنما هو إصابة خارص و ظانّ، و القائل في دين اللّه بالظنّ قائل على اللّه ما لم يعلم؛ لأن قيله فيه برأيه ليس بقيل عالم، أن الذي قال فيه من قول حق و صواب، فهو قائل على اللّه ما لا يعلم، آثم بفعله ما قد نهى عنه و حظر عليه. «2»

(1) تفسير الطبري، ج 1، ص 27.

(2) تفسير الطبري، ج 1، ص 25- 26 و 27.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 63

قلت: و هذا يعني العمومات الواردة في القرآن، الوارد تخصيصاتها في السنّة ببيان الرسول، مثل قوله: أَقِيمُوا الصَّلاةَ و لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ و نحو ذلك مما ورد في القرآن عامّا، و أوكل بيان تفاصيلها و شرائطها و أحكامها إلى بيان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فلا يجوز شرح تفاصيلها إلّا عن أثر صحيح.

و هذا حق، غير أنّ حديث المنع غير ناظر إلى خصوص ذلك.

و

روى الترمذي بإسناده إلى ابن عباس عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: «اتّقوا الحديث عليّ إلّا ما علمتم، فمن كذب عليّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النار، و من قال في القرآن برأيه فليتبوّأ مقعده من النار» «1».

قال ابن الأنباري: فسّر حديث ابن عباس تفسيرين:

أحدهما: من قال في مشكل القرآن بما لا يعرف من مذهب الأوائل من الصحابة و التابعين، فهو متعرّض لسخط اللّه.

و الآخر:- و هو أثبت القولين و أصحهما معنى- من قال في القرآن قولا

يعلم أنّ الحق غيره، فليتبوّأ مقعده من النار.

و قال: و أما

حديث جندب عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ» «2» ، فحمل بعض أهل العلم هذا الحديث على أنّ الرأي معنيّ به الهوى. من قال في القرآن قولا يوافق هواه، لم يأخذه عن أئمّة السلف، فأصاب فقد أخطأ، لحكمه على القرآن بما لا يعرف أصله، و لا يقف على مذاهب أهل

(1) قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن. الجامع، ج 5، ص 199، كتاب التفسير، باب 1، رقم 2951.

(2) جامع الترمذي، ج 5، ص 200، رقم 2952.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 64

الأثر و النقل فيه.

و قال ابن عطيّة: «و معنى هذا أن يسأل الرجل عن معنى في كتاب اللّه عزّ و جلّ، فيتسوّر عليه برأيه «1» دون نظر فيما قال العلماء، و اقتضته قوانين العلم كالنحو و الأصول. و ليس يدخل في هذا الحديث، أن يفسّر اللغويّون لغته، و النحويّون نحوه، و الفقهاء معانيه، و يقول كل واحد باجتهاده المبنيّ على قوانين علم و نظر، فإنّ القائل على هذه الصّفة ليس قائلا بمجرّد رأيه».

قال القرطبي- تعقيبا على هذا الكلام-: هذا صحيح، و هو الذي اختاره غير واحد من العلماء، فإنّ من قال في القرآن بما سنح في وهمه و خطر على باله من غير استدلال عليه بالأصول فهو مخطئ، و إنّ من استنبط معناه بحمله على الأصول المحكمة المتّفق على معناها، فهو ممدوح.

و قال بعض العلماء: إنّ التفسير موقوف على السماع، للأمر بردّه إلى اللّه و الرسول «2».

قال: و هذا فاسد؛ لأنّ النهي عن تفسير القرآن لا يخلو: إما

أن يكون المراد به الاقتصار على النقل و السماع و ترك الاستنباط، أو المراد به أمرا آخر. و باطل أن يكون المراد به أن لا يتكلّم أحد في القرآن إلّا بما سمعه، فإنّ الصحابة قد قرءوا القرآن و اختلفوا في تفسيره على وجوه، و ليس كل ما قالوه سمعوه من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و

قد دعا لابن عباس: «اللهمّ فقّهه في الدين و علّمه التأويل».

فإن كان التأويل مسموعا كالتنزيل، فما فائدة تخصيصه بذلك، و هذا بيّن لا إشكال فيه.

(1) تسوّر الحائط: هجم عليه هجوم اللّص و تسلّقه. و يعني به هنا: التهجم و الإقدام بغير بصيرة و لا وعي.

(2) في الآية رقم 59 من سورة النساء.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 65

و إنّما النهي يحمل على أحد وجهين:

أحدهما: أن يكون له في الشي ء رأي، و إليه ميل من طبعه و هواه، فيتأوّل القرآن على وفق رأيه و هواه، ليحتجّ على تصحيح غرضه. و لو لم يكن له ذلك الرأي و الهوى؛ لكان لا يلوح له من القرآن ذلك المعنى.

و هذا النوع يكون تارة مع العلم، كالذي يحتجّ ببعض آيات القرآن على تصحيح بدعته، و هو يعلم أن ليس المراد بالآية ذلك، و لكن مقصوده أن يلبّس على خصمه.

و تارة يكون مع الجهل؛ و ذلك إذا كانت الآية محتملة، فيميل فهمه إلى الوجه الذي يوافق غرضه، و يرجّح ذلك الجانب برأيه و هواه، فيكون قد فسّر برأيه، أي رأيه حمله على ذلك التفسير، و لو لا رأيه لما كان يترجّح عنده ذلك الوجه.

و تارة يكون له غرض صحيح، فيطلب له دليلا من القرآن، و يستدل عليه بما يعلم أنه

ما أريد به، كمن يدعو إلى مجاهدة القلب القاسي، فيقول: قال اللّه تعالى:

اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى «1» و يشير إلى قلبه، و يومئ إلى أنه المراد بفرعون.

و هذا الجنس قد يستعمله بعض الوعّاظ في المقاصد الصحيحة، تحسينا للكلام و ترغيبا للمستمع، و هو ممنوع لأنه قياس في اللّغة، و ذلك غير جائز. و قد تستعمله الباطنية «2» في المقاصد الفاسدة لتغرير الناس و دعوتهم إلى مذاهبهم الباطلة، فينزّلون القرآن على وفق رأيهم و مذهبهم، على أمور يعلمون قطعا أنها غير مرادة.

فهذه الفنون أحد وجهي المنع من التفسير بالرأي.

(1) سورة طه/ 24.

(2) من أهل التصوّف.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 66

الوجه الثاني: أن يتسارع إلى تفسير القرآن بظاهر العربيّة، من غير استظهار بالسماع و النقل، فيما يتعلق بغرائب القرآن، و ما فيه من الألفاظ المبهمة و المبدلة، و ما فيه من الاختصار و الحذف و الإضمار و التقديم و التأخير. فمن لم يحكم ظاهر التفسير، و بادر إلى استنباط المعاني بمجرّد فهم العربية كثر غلطه، و دخل في زمرة من فسّر القرآن بالرأي. و النقل و السماع لا بدّ له منهما في ظاهر التفسير، أوّلا ليتّقي بهما مواضع الغلط، ثم بعد ذلك يتّسع الفهم و الاستنباط. و الغرائب التي لا تفهم إلّا بالسماع كثيرة، و لا مطمع في الوصول إلى الباطن قبل إحكام الظاهر، أ لا ترى أن قوله تعالى: وَ آتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها «1» معناه:

آية مبصرة فظلموا أنفسهم بقتلها. فالناظر إلى الظاهر يظنّ أن الناقة كانت مبصرة، فهذا في الحذف و الإضمار، و أمثاله في القرآن كثير «2».

و هذا الذي ذكره القرطبي و شرحه شرحا وافيا، هو الصحيح

في معنى الحديث، و أكثر العلماء عليه، بل و في لحن الروايات الواردة عن الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ما يؤيد إرادة هذا المعنى، نظرا للإضافة في «رأيه»، أي رأيه الخاص، يحاول توجيهه بما يمكن من ظواهر القرآن حتى و لو استلزم تحريفا في كلامه تعالى.

فهذا لا يهمّه القرآن، إنما يهمّه تبرير موقفه الخاص باتخاذ هذا الرأي الذي يحاول إثباته بأيّة وسيلة ممكنة. فهذا في الأكثر مفتر على اللّه، مجادل في آيات اللّه.

فقد روى أبو جعفر محمد بن عليّ بن بابويه الصدوق بإسناده إلى سعيد بن المسيب عن عبد الرحمن بن سمرة، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «لعن اللّه

(1) الإسراء/ 59.

(2) راجع: تفسير القرطبي، ج 1، ص 32- 34.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 67

المجادلين في دين اللّه على لسان سبعين نبيّا، و من جادل في آيات اللّه فقد كفر، و من فسّر القرآن برأيه فقد افترى على اللّه الكذب، و من أفتى الناس بغير علم فلعنته ملائكة السماوات و الأرض، و كل بدعة ضلالة، و كل ضلالة سبيلها إلى النار ...» «1».

و

روى ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني بإسناده إلى الإمام أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليه السّلام قال: «ما علمتم فقولوا، و ما لم تعلموا فقولوا: اللّه أعلم.

إنّ الرجل لينتزع بالآية فيخرّ بها أبعد ما بين السماء و الأرض» «2» و كذا إذا استبدّ برأيه و لم يهتمّ بأقوال السلف و المأثور من أحاديث كبار الأئمّة و العلماء من أهل البيت عليهم السّلام. و كذا سائر المراجع التفسيرية المعهودة، فإن من استبدّ برأيه هلك، و من ثمّ فإنه إن

أصاب أحيانا فقد أخطأ الطريق، و لم يؤجر.

روى أبو النضر محمد بن مسعود بن عياش بإسناده إلى الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السّلام قال: «من فسّر القرآن برأيه، إن أصاب لم يؤجر، و إن أخطأ فهو أبعد من السماء» «3» ، إلى غيرها من أحاديث يستشف منها أن السرّ في منع التفسير بالرأي أمران:

أحدهما: التفسير لغرض المراء و الغلبة و الجدال. و هذا إنما يعمد إلى دعم نظرته و تحكيم رأيه الخاص، بما يجده من آيات متشابهة صالحة للتأويل إلى

(1) كمال الدين للصدوق، ج 1، ص 256- 257، ب 24، رقم 1. و عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب العبشمي صحابي جليل، أسلم يوم الفتح و شهد غزوة تبوك مع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ثم شهد فتوح العراق، و هو الذي افتتح سجستان و غيرها في خلافة عثمان. ثم نزل البصرة و كان يحدّث بها.

روى عنه خلق كثير من التابعين. توفّي سنة (50) (الإصابة، ج 2، ص 401، رقم 5134)

(2) الكافي الشريف، ج 1، (الأصول)، ص 24، رقم 4.

(3) تفسير العياشي، ج 1، ص 17، رقم 4.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 68

مطلوبه، إن صحيحا أو فاسدا، غير أن الآية لا تهدف ذلك لو لا الالتواء بها في ذلك الاتجاه؛ و لذلك فإنه حتى لو أصاب في المعنى لم يؤجر؛ لأنه لم يقصد تفسير القرآن، و إنما استهدف نصرة مذهبه أيّا كانت الوسيلة.

و هذا ناظر في الأكثر إلى الآيات المتشابهة لغرض تأويلها، فالنهي إنما عنى التأويل غير المستند إلى دليل قاطع فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ

«1».

ثانيهما: التفسير من غير استناد إلى أصل ركين، اعتمادا على ظاهر التعبير محضا، فإن هذا هو من القول بلا علم، و هو ممقوت لا محالة، و لا سيما في مثل كتاب اللّه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه. و من ثمّ فإنّه أيضا غير مأجور على عمله حتى و لو أصاب المعنى؛ لأنه أورد أمرا خطيرا من غير مورده، و الأكثر الغالب في مثله الخطأ و الضلال، و افتراء على اللّه، و هو عظيم.

و قد أسلفنا كلام الراغب و شرحه بهذا الشأن «2»، و كذا ما ذكره الزركشي في هذا الباب «3»، و قد كان كلامهما وافيا بجوانب الموضوع، لم يختلف عما ذكرناه هنا، فراجع.

و لكن نقل جلال الدين السيوطي عن ابن النقيب محمد بن سليمان البلخي «4». في مقدمة تفسيره:

(1) آل عمران/ 7.

(2) ص 49. و راجع: مقدمته في التفسير، ص 93.

(3) ص 54. و راجع: البرهان، ج 2، ص 164- 168.

(4) توفي سنة 698.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 69

أن جملة ما تحصّل في معنى الحديث خمسة أقوال:

أحدها: التفسير من غير حصول العلوم، التي يجوز معها التفسير.

ثانيها: تفسير المتشابه الذي لا يعلمه إلّا اللّه.

ثالثها: التفسير المقرّر للمذهب الفاسد، بأن يجعل المذهب أصلا و التفسير تابعا، فيردّ إليه بأيّ طريق أمكن، و إن كان ضعيفا.

رابعها: التفسير بأنّ مراد اللّه كذا على القطع من غير دليل.

خامسها: التفسير بالاستحسان و الهوى. «1»

قلت: و يمكن إرجاع هذه الوجوه الخمسة إلى نفس الوجهين اللّذين ذكرناهما؛ إذ الخامس يرجع إلى الثالث، و الرابع و الثاني يرجعان إلى الأوّل، فتدبّر.

خلاصة القول في التفسير بالرأي
اشارة

يتلخص القول في تفسير

حديث «من فسّر القرآن برأيه ...»

: أن

الشي ء المذموم أو الممنوع شرعا، الذي استهدفه هذا الحديث، أمران:

أحدهما:

أن يعمد قوم إلى آية قرآنية، فيحاولوا تطبيقها على ما قصدوه من رأي أو عقيدة، أو مذهب أو مسلك، تبريرا لما اختاروه في هذا السبيل، أو تمويها على العامة في تحميل مذاهبهم أو عقائدهم، تعبيرا على البسطاء الضعفاء.

و هذا قد جعل القرآن وسيلة لإنجاح مقصوده بالذات، و لم يهدف تفسير القرآن في شي ء. و هذا هو الذي عني

بقوله عليه السّلام: فقد خرّ بوجهه أبعد من السماء، أو فليتبوّأ مقعده من النار.

(1) الإتقان في علوم القرآن، ج 4، ص 191.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 70

و ثانيهما:

الاستبداد بالرأي في تفسير القرآن، محايدا طريقة العقلاء في فهم معاني الكلام، و لا سيما كلامه تعالى. فإنّ للوصول إلى مراده تعالى من كلامه وسائل و طرقا، منها: مراجعة كلام السلف، و الوقوف على الآثار الواردة حول الآيات، و ملاحظة أسباب النزول، و غير ذلك من شرائط يجب توفّرها في مفسّر القرآن الكريم. فإغفال ذلك كله، و الاعتماد على الفهم الخاص، مخالف لطريقة السلف و الخلف في هذا الباب. و من استبد برأيه هلك، و من قال على اللّه بغير علم فقد ضلّ سواء السبيل، و من ثم فإنه قد أخطأ و إن أصاب الواقع- فرضا أو صدفة- لأنه أخطأ الطريق، و سلك غير مسلكه المستقيم.

قال سيدنا الأستاذ الإمام الخوئي- دام ظله-: إن الأخذ بظاهر اللفظ، مستندا إلى قواعد و أصول يتداولها العرف في محاوراتهم، ليس من التفسير بالرأي، و إنما هو تفسير بحسب ما يفهمه العرف، و بحسب ما تدل عليه القرائن المتصلة و المنفصلة، و إلى ذلك

أشار الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السّلام بقوله: «إنما هلك الناس في المتشابه؛ لأنهم لم يقفوا على

معناه، و لم يعرفوا حقيقته، فوضعوا له تأويلا من عند أنفسهم بآرائهم، و استغنوا بذلك عن مسألة الأوصياء فيعرّفونهم».

قال: و يحتمل أن معنى التفسير بالرأي، الاستقلال في الفتوى من غير مراجعة الأئمّة عليهم السّلام مع أنهم قرناء الكتاب في وجوب التمسّك، و لزوم الانتهاء إليهم. فإذا عمل الإنسان بالعموم أو الإطلاق الوارد في الكتاب، و لم يأخذ التخصيص أو التقييد الوارد عن الأئمّة عليهم السّلام كان هذا من التفسير بالرأي.

و على الجملة، حمل اللفظ على ظاهره بعد الفحص عن القرائن المتصلة و المنفصلة، من الكتاب و السنّة أو الدليل العقلي، لا يعدّ من التفسير بالرأي، بل و

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 71

لا من التفسير نفسه «1».

قلت: و عبارته الأخيرة إشارة إلى أن الأخذ بظاهر اللفظ، مستندا إلى دليل الوضع أو العموم أو الإطلاق، أو قرائن حالية أو مقالية و نحو ذلك، لا يكون تفسيرا؛ إذ لا تعقيد في اللفظ حتى يكون حلّه تفسيرا، و إنما هو جري على المتعارف المعهود، في متفاهم الأعراف.

إذ قد عرفت أن التفسير، هو: كشف القناع عن اللفظ المشكل، و لا إشكال حيث وجود أصالة الحقيقة أو أصالة الإطلاق أو العموم، أو غيرها من أصول لفظية معهودة.

نعم إذا وقع هناك إشكال في اللفظ؛ بحيث أبهم المعنى إبهاما، و ذلك لأسباب و عوامل قد تدعو إبهاما أو إجمالا في لفظ القرآن، فيخفى المراد خفاء في ظاهر التعبير، فعند ذلك تقع الحاجة إلى التفسير و رفع هذا التعقيد.

و التفسير- في هكذا موارد- لا يمكن بمجرد اللجوء إلى تلكم الأصول المقررة لكشف مرادات المتكلمين حسب المتعارف؛ إذ له طرق و وسائل خاصة غير ما يتعارفه العقلاء في فهم معاني الكلام العادي، على

ما يأتي في كلام السيد الطباطبائي.

و التفسير بالرأي المذموم عقلا و الممنوع شرعا، إنما يعني هكذا موارد متشابهة أو متوغّلة في الإبهام، فلا رابط- ظاهرا- لما ذكره سيدنا الأستاذ، مع موضوع البحث، و عبارته الأخيرة ربما تشي بذلك.

و قال سيدنا العلامة الطباطبائي: «الإضافة- في قوله: برأيه- تفيد معنى

(1) البيان، ص 287- 288.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 72

الاختصاص و الانفراد و الاستقلال، بأن يستقل المفسّر في تفسير القرآن بما عنده من الأسباب في فهم الكلام العربي، فيقيس كلامه تعالى بكلام الناس، فإن قطعة من الكلام من أيّ متكلم إذا ورد علينا، لم نلبث دون أن نعمل فيه القواعد المعمولة في كشف المراد الكلامي، و نحكم بذلك أنه أراد كذا، كما نجري عليه في الأقارير و الشهادات و غيرهما. كل ذلك لكون بياننا مبنيّا على ما نعلمه من اللغة، و نعهده من مصاديق الكلمات، حقيقة و مجازا.

و البيان القرآني غير جار هذا المجرى، بل هو كلام موصول بعضها ببعض، في حين أنه مفصول،

ينطق بعضه ببعض، و يشهد بعضه على بعض، كما قاله علي عليه السّلام.

فلا يكفي ما يتحصّل من آية واحدة بإعمال القواعد المقررة، دون أن يتعاهد جميع الآيات المناسبة لها، و يجتهد في التدبّر فيها.

فالتفسير بالرأي المنهيّ عنه أمر راجع إلى طريق الكشف دون المكشوف.

فالنهي إنما هو عن تفهّم كلامه تعالى على نحو ما يتفهّم به كلام غيره، حتى و لو صادف الواقع؛ إذ على فرض الإصابة يكون الخطأ في الطريق.

قال: و يؤيّد هذا المعنى، ما كان عليه الأمر في زمن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فإن القرآن لم يكن مؤلّفا بعد، و لم يكن منه إلّا سور أو

آيات متفرقة في أيدي الناس، فكان في تفسير كلّ قطعة قطعة منه خطر الوقوع في خلاف المراد.

قال: و المحصّل أن المنهي عنه إنما هو الاستقلال في تفسير القرآن، و اعتماد المفسّر على نفسه من غير رجوع إلى غيره، و لازمه وجوب الاستمداد من الغير بالرجوع إليه.

قال: و هذا الغير- لا محالة- إما هو الكتاب أو السنّة. و كونه هي السنّة، ينافي كون القرآن هو المرجع في تبيان كل شي ء، و كذا السنّة الآمرة بالرجوع إلى القرآن

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 73

عند التباس الأمور، و عرض الحديث عليه لتمييز صحيحه عن سقيمه، فلم يبق للمراجعة و الاستمداد في تفسير القرآن سوى نفس القرآن. فإن القرآن يفسر بعضه بعضا، و ينطق بعضه ببعض، و يشهد بعضه على بعض «1».

و هذا الذي ذكره سيدنا العلامة- هنا- تحقيق عريق بشأن طريقة فهم معاني كلامه تعالى.

قال- في مقدمة التفسير-:

إنّ الاتّكاء و الاعتماد على الأنس و العادة في فهم معاني الآيات، يشوّش على الفاهم سبيله إلى إدراك مقاصد القرآن؛ إذ كلامه تعالى ناشئ من ذاته المقدسة، التي لا مثيل لها و لا نظير لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ ءٌ، «2» لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ «3»، سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ. «4»

و هذا هو الذي دعا بالنابهين أن لا يقتصروا على الفهم المتعارف لمعاني الآيات الكريمة، و أجازوا لأنفسهم الاعتماد- لإدراك حقائق القرآن- على البحث و النظر و الاجتهاد.

و ذلك على وجهين: إما بحثا علميّا أو فلسفيا أو غيرهما، للوصول إلى مراده تعالى في آية من الآيات؛ و ذلك بعرض الآية على ما توصل إليه العلم أو الفلسفة من نظريات أو فرضيات مقطوع بها، و ربما

المظنون منها ظنّا راجحا، و هذه

(1) تفسير الميزان، ج 3، ص 77- 79، و راجع: ج 1، ص 10 أيضا.

(2) الشورى/ 11.

(3) الأنعام/ 103.

(4) الصّافّات/ 159.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 74

طريقة يرفضها ملامح القرآن الكريم.

و إمّا بمراجعة ذات القرآن، و استيضاح فحوى آية من نظيرتها، و بالتدبّر في نفس القرآن الكريم؛

فإن القرآن ينطق بعضه ببعض، و يشهد بعضه على بعض، كما قال عليّ عليه السّلام.

قال تعالى: وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْ ءٍ «1»، و حاشا القرآن أن يكون تبيانا لكلّ شي ء و لا يكون تبيانا لنفسه، و قد نزل القرآن ليكون هدى للناس و نورا مبينا و بيّنة و فرقانا، فكيف لا يكون هاديا للناس إلى معالمه و مرشدا لهم على دلائله؟! و قد قال تعالى: وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا «2»، و أيّ جهاد أعظم من بذل الجهد في سبيل فهم كتاب اللّه، و استنباط معانيه و استخراج لآلئه. نعم، القرآن هو أهدى سبيل إلى نفسه، لا شي ء أهدى منه إليه.

و هذه هي الطريقة التي سلكها النبي و عترته الأطهار- صلوات اللّه عليهم- في تفسير القرآن و الكشف عن حقائقه- على ما وصل إلينا من دلائلهم في التفسير- و لا يوجد مورد واحد استعانوا لفهم آية، على حجة نظريّة عقلية أو فرضيّة علمية، و نحو ذلك «3».

و توضيحا لما أفاده سيدنا العلّامة في هذا المجال، نعرض ما يلي:

كان للبيان القرآني أسلوبه الخاص في التعبير و الأداء، ممتازا على سائر الأساليب، و مختلفا عن سائر البيان؛ مما يبدو طبيعيّا، شأن كل صاحب فنّ جديد

(1) النحل/ 89.

(2) العنكبوت/ 69.

(3) الميزان، ج 1، ص 9-

10.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 75

كان قد أتى بشي ء جديد.

و من ثمّ كان للقرآن لغته الخاصّة به، و لسانه الذي يتكلّم به، و لهجته التي يلهج بها، ممتازة عن سائر اللهجات.

نعم، إنّ للقرآن مصطلحات في تعابيره عن مقاصده و مراميه، كانت تخصّه، و لا تعرف مصطلحاته إلّا من قبل نفسه، شأن كل صاحب اصطلاح.

و من المعلوم أنّ الوقوف على مصطلحات أيّ فنّ من الفنون، لا يمكن بالرجوع إلى اللغة و قواعدها، و لا إلى الأصول المقرّرة لفهم الكلام في الأعراف؛ لأنها أعراف عامّة، و هذا عرف خاص. فمن رام الوقوف على مصطلحات علم النحو- مثلا- فلا بد من الرجوع إلى النحاة أنفسهم لا غيرهم، و هكذا سائر العلوم و الفنون من ذوي المصطلحات.

و من ثمّ فإن القرآن هو الذي يفسّر بعضه بعضا، و ينطق بعضه ببعض، و يشهد بعضه على بعض.

نعم يختص ذلك بالتعابير ذوات الاصطلاح، و ليس في مطلق تعابيره التي جاءت وفق العرف العامّ.

و بعبارة أخرى: ليس كل تعابير القرآن مما لا يفهم إلّا من قبله، إنّما تلك التعابير التي جاءت وفق مصطلحه الخاصّ، و كانت تحمل معاني غير معاني سائر الكلام. أمّا التي جاءت وفق اللغة أو العرف العام، فطريق فهمها هي اللغة و الأصول المقررة عرفيّا لفهم الكلام.

و بعبارة ثالثة: الحاجة إلى عرفان مصطلحات القرآن، إنّما تكون في موارد التفسير؛ حيث الغموض و الإبهام في ظاهر التعبير، دون ترجمة الألفاظ و الكلمات، و إدراك مفاهيم الكلام وفق الأعراف العامّة، مما يعود إلى البحث عن

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 76

حجيّة الظواهر، فإنّها حجّة بلا كلام، سواء في القرآن أم في غيره، سواء بسواء.

و هذا غير المبحوث عنه

هنا، حيث خفاء المراد وراء ستار اللفظ، المعبّر عنه بالبطن المختفي خلف الظهر. فالظهر لعامة الناس حيث متفاهمهم، و يكون حجّة لهم و مستندا يستندون إليه في التكليف، أمّا البطن فللخاصّة ممن يتعمقون في خفايا الأسرار، و يستخرجون الخبايا من وراء الستار.

و من ثم كان المطلوب من الأمّة (العلماء و الأئمّة) التفكّر في الآيات و التدبّر فيها، و تعقّلها و معرفتها حقّ المعرفة.

قال تعالى: وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ «1».

قال: أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها «2».

و قال: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَ لِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ «3».

و

قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «له ظهر و بطن، فظاهره حكمة و باطنه علم، ظاهره أنيق و باطنه عميق، لا تحصى عجائبه و لا تبلى غرائبه، فليجل جال بصره، و ليبلغ الصفة نظره، فإنّ التفكّر حياة قلب البصير» «4».

قال العلامة الفيلسوف ابن رشد الأندلسي: «و قد سلك الشرع في تعاليمه و برامجه الناجحة مسلكا ينتفع به الجمهور، و يخضع له العلماء. و من ثم جاء بتعابير يفهمها كل من الصنفين: الجمهور يأخذون بظاهر المثال، فيتصورون عن

(1) النحل/ 44.

(2) محمد/ 24.

(3) ص/ 29.

(4) مقدمة تفسير الميزان، ج 1، ص 10. و الكافي الشريف، ج 2، ص 599.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 77

الممثّل له ما يشاكل الممثّل به، و يقتنعون بذلك. و العلماء يعرفون الحقيقة التي جاءت في طيّ المثال» «1».

و سنبحث عن منهج القرآن و أساليب بيانه في فصل قادم، إن شاء اللّه.

و إليك بعض الأمثلة، شاهدا لما ذكره سيّدنا العلامة:

قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا

لِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ. وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ قَلْبِهِ وَ أَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ «2».

هذا خطاب عام يشمل كافة الذين آمنوا، يدعوهم إلى الإيمان الصادق و الاستجابة- عقيدة و عملا- لدعوة الإسلام، و الاستسلام العام للشريعة الغرّاء؛ إذ في ذلك حياة القلب، و الطمأنينة في العيش، و إدراك لذائذ نعمة الوجود.

أمّا الحائد عن طريقة الدين و المخالف لمناهج الشريعة، فإنه في قلق من الحياة، يعيش مضطربا قد سلبت راحته كوارث الدهر، يخشى مفاجأتها في كل لحظة و أوان.

و أما المتّكل على اللّه، فهو آمن في الحياة، يداوم مسيرته، فارغ البال في كنفه تعالى وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ «3»، الَّذِينَ آمَنُوا وَ تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ. أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ «4».

هذا تفسير الدعوة إلى ما فيه الحياة، و لعله ظاهر لا غبار عليه.

(1) راجع: رسالته (الكشف عن مناهج الأدلة)، ص 97.

(2) الأنفال/ 24.

(3) الطلاق/ 3.

(4) الرعد/ 28.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 78

و أمّا قوله تعالى- بعد ذلك-: وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ قَلْبِهِ «1» فيعلوه غبار إبهام؛ إذ يبدو أنه تهديد بأولئك الحائدين عن جادّة الحق، أن سوف يجازون بحيلولة بينهم و بين أنفسهم.

و السؤال: كيف هذه الحيلولة، و ما وجه كونها عقوبة متقابلة مع نبذ أحكام الشريعة؟

و للإجابة على هذا السؤال وقع اختلاف عنيف بين أهل الجبر و أصحاب القول بالاختيار، كما تناوشها كل من الأشاعرة و أهل الاعتزال، كل يجرّ النار إلى قرصه، كما اختلف أرباب التفسير على وجوه أوردناها في الجزء الثالث من التمهيد، عند الكلام عن المتشابهات، ضمن آيات

الهداية و الضلال برقم (80) و الذي رجّحناه في تأويل الآية، هو معنى غير ما ذكره جلّ المفسرين، استفدناه من مواضع من القرآن نفسه: إنّ هذه الحيلولة كناية عن إماتة القلب، فلا يعي شيئا بعد فقد الحياة.

لا تعجبنّ الجهول حلّته فذاك ميت و ثوبه الكفن

الإسلام دعوة إلى الحياة، و في رفضها رفض للحياة، تلك الحياة المنبعثة عن إدراكات نبيلة، و الملهمة للإنسان شعورا فيّاضا يسعد به في الحياة، و يحظى بكرامته الإنسانية العليا.

أما إذا عاكس فطرته و أطاح بحظّه، فإنه سوف يشقى في الحياة، و لم يزل يسعى في ظلمات غيّه و جهله

(1) الأنفال/ 24.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 79

اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ «1».

فالإنسان التائه في ظلمات غيّه قد فقد شعوره، و افتقد كرامته العليا في الحياة، فهذا قد نسي نفسه و ذهل عن كونه إنسانا، يحسب من نفسه موجودا ذا حياة بهيميّة سفلى، إنما يسعى وراء نهمه و شبع بطنه، لا هدف له في الحياة سواه.

و هذا التسافل في الحياة كانت نتيجة تساهله بشأن نفسه و إهمال جانب كرامته، و هذا هو معنى قوله تعالى: وَ نُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَ أَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ «2»، قال تعالى: وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ «3».

فإنّ نسيان النفس كناية عن الابتعاد عن معالم الإنسانية و الشرف التليد وَ لَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَ لكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَ اتَّبَعَ هَواهُ «4».

و قال تعالى: وَ السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا «5».

اختلف الفقهاء في موضع القطع من يد السارق؛

حيث الإبهام في ذات اليد، أنها من الكتف أم من المرفق أم الساعد أم الكرسوع (طرف الزند) أم الأشاجع (أصول الأصابع)؟

روى أبو النضر العياشي في تفسيره بالإسناد إلى زرقان صاحب ابن أبي داود، قاضي القضاة ببغداد، قال: أتي بسارق إلى المعتصم و قد أقرّ بالسرقة، فسأل الخليفة تطهيره بإقامة الحدّ، فجمع الفقهاء يستفتيهم في إقامة حدّ السارق عليه،

(1) البقرة/ 257.

(2) الأنعام/ 110.

(3) الحشر/ 19.

(4) الأعراف/ 176.

(5) المائدة/ 38.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 80

و كان ممن أحضر محمد بن عليّ الجواد عليه السّلام، فسألهم عن موضع القطع.

فقال ابن أبي داود: من الكرسوع، استنادا إلى آية التيمّم؛ حيث المراد من اليد في ضربتيه هو الكف، و وافقه قوم. و قال آخرون: من المرفق، استنادا إلى آية الوضوء.

فالتفت الخليفة إلى الإمام الجواد يستعلم رأيه، فاستعفاه الإمام، فأبى و أقسم عليه أن يخبره برأيه.

فقال عليه السّلام: أمّا إذا أقسمت عليّ باللّه، إنّي أقول: إنّهم أخطئوا فيه السنّة، فإنّ القطع يجب أن يكون من مفصل أصول الأصابع، فيترك الكفّ.

قال المعتصم: و ما الحجّة في ذلك؟

قال الإمام: قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: السجود على سبعة أعضاء: الوجه و اليدين و الركبتين و الرجلين، فإذا قطعت يده من الكرسوع أو المرفق، لم يبق له يد يسجد عليها، و قد قال اللّه تعالى: وَ أَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ يعني به هذه الأعضاء السبعة التي يسجد عليها فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً «1»، و ما كان للّه لم يقطع.

فأعجب المعتصم هذا الاستنتاج البديع، و أمر بالقطع من الأشاجع. «2» انظر إلى هذه الالتفاتة الرقيقة، يجعل من آية المساجد، بتأويل ظاهرها (هي المعابد) إلى

باطنها (الشمول لما يسجد به، أي يتحقّق به السّجود)، منضمّة إلى كلام الرسول في بيان مواضع السجدة، يجعل من ذلك كلّه دليلا على تفسير آية القطع و تعيين موضعه، بهذا النمط البديع.

و قد استظهر عليه السّلام من الآية أنّ راحة الكف، و هي من مواضع السجود، كانت

(1) الجن/ 18.

(2) تفسير العياشي، ج 1، ص 319- 320.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 81

للّه، فلا تشملها عقوبة الحدّ التي هي جزاء سيئة، لا تحلّ فيما لا يعود إلى مرتكبها، فإنّ راحة الكف موضع السجود للّه.

و للأستاذ الذهبي- هنا- محاولة غريبة يجعل من التفسير بالرأي قسمين:

قسما جائزا و ممدوحا، و آخر مذموما غير جائز. و حاول تأويل حديث المنع إلى القسم المذموم.

قال: و المراد بالرأي هنا الاجتهاد، و عليه فالتفسير بالرأي عبارة عن تفسير القرآن بالاجتهاد، بعد معرفة المفسّر لكلام العرب و مناحيهم في القول، و معرفته للألفاظ العربية و وجوه دلالتها، و استعانته في ذلك بالشعر الجاهلي، و وقوفه على أسباب النزول، و معرفته بالناسخ و المنسوخ من آيات القرآن، و غير ذلك من الأدوات التي يحتاج إليها المفسّر.

قال: و اختلف العلماء قديما في جواز تفسير القرآن بالرأي، فقوم تشدّدوا في ذلك و لم يجيزوه، و قوم كان موقفهم على العكس فلم يروا بأسا من أن يفسّروا القرآن باجتهادهم، و الفريقان على طرفي نقيض فيما يبدو، و كل يعزّز رأيه بالأدلة و البراهين.

ثم جعل يسرد أدلّة لكل من الفريقين، و يجيب عليها واحدة واحدة بإسهاب، و أخيرا قال: و لكن لو رجعنا إلى أدلّة الفريقين و حلّلنا أدلتهم تحليلا دقيقا؛ لظهر لنا أن الخلاف لفظي، و أن الرأي قسمان:

قسم جار على موافقة كلام

العرب و مناحيهم في القول، مع موافقة الكتاب و السنّة، و مراعاة سائر شروط التفسير، و هذا القسم جائز لا شكّ فيه.

و قسم غير جار على قوانين العربيّة، و لا موافقة للأدلة الشرعيّة، و لا مستوف

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 82

لشرائط التفسير، و هذا هو مورد النهي و محطّ الذمّ. «1»

قلت: أما تورّع بعض السلف عن القول في القرآن، فلعدم ثقته بذات نفسه و ضآلة معرفته بمعاني كلام اللّه. أما العلماء العارفون بمرامي الشريعة، فكانوا يتصدّون التفسير عن جرأة علمية و إحاطة شاملة لجوانب معاني القرآن.

و أما التفسير بالرأي فأمر وقع المنع منه على إطلاقه، و ليس على قسم منه، كما زعمه هذا الاستاذ.

و الذي أوقعه في هذا الوهم، أنه حسب التفسير بالرأي هنا بمعنى الاجتهاد، في مقابلة التفسير بالمأثور، و لا شك من جواز الاجتهاد في استنباط معاني الآيات الكريمة إن وقع عن طريقه المألوف.

حجّية ظواهر الكتاب

قد يزعم البعض أن هناك من يرى عدم جواز الأخذ بظواهر كلام اللّه تعالى؛ حيث ظاهره أنيق و باطنه عميق، لا يسبر غوره و لا يبلغ أقصاه، و لا سيّما بعد كثرة الصوارف عن هذه الظواهر، من تخصيص و تقييد و نسخ و تأويل.

غير أنّ هذا يتنافى و الأمر بالتدبّر في آياته، و الحثّ على التعمّق فيها و استخراج لآلئها.

أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها «2».

فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ «3».

(1) التفسير و المفسرون، ج 1، ص 255 و ص 264.

(2) محمد/ 24.

(3) الدخان/ 58.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 83

وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ «1».

إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ «2».

قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ

يَتَّقُونَ «3».

كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَ لِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ «4».

و قد رغّب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في الرجوع إلى القرآن عند مدلهمّات الأمور و عرض مشتبهات الأحاديث عليه، و هكذا ندب الأئمّة من أهل البيت عليهم السّلام إلى فهم الأحكام من نصوص الكتاب، و الوقوف على رموزه و دقائقه في التعبير و البيان.

قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «فإذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن، فإنّه شافع مشفّع و ماحل مصدّق. «5» و من جعله أمامه قاده إلى الجنّة، و من جعله خلفه ساقه إلى النار. و هو الدليل يدلّ على خير سبيل، و هو كتاب فيه تفصيل و بيان و تحصيل، و هو الفصل ليس بالهزل. «6» و له ظهر و بطن، فظاهره حكم و باطنه علم «7»، ظاهره أنيق و باطنه عميق. له نجوم و على نجومه نجوم، «8»

(1) القمر/ 17.

(2) الزخرف/ 3.

(3) الزمر/ 28.

(4) ص/ 29.

(5) يعني: إن شفع لأحد قبلت شفاعته، و إن سعى بأحد صدّق.

(6) أي جاء لبيان الحق و فصله عن الباطل، و ليس مجرد تفنّن في الكلام و الأدب الرفيع.

(7) فإنّ ظواهر القرآن هي بيان الأحكام التكليفية و التشريعات الظاهرة. أما باطنه فملؤه علم و حكمة و حقائق راهنة.

(8) أي دلائل لائحة، بعضها على بعض شاهدة.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 84

لا تحصى عجائبه و لا تبلى غرائبه. «1» فيه مصابيح الهدى و منار الحكمة، و دليل على المعرفة، لمن عرف الصفة. «2» فليجل جال بصره، و ليبلغ الصفة نظره «3»، ينج من عطب، و يتخلص

من نشب. «4» فإن التفكر حياة قلب البصير، كما يمشي المستنير في الظلمات بالنور. فعليكم بحسن التخلّص و قلّة التربّص. «5» و بهذا المعنى

قال الإمام أبو عبد اللّه الصادق عليه السّلام: «إنّ هذا القرآن فيه منار الهدى و مصابيح الدجى. فليجل جال بصره، و يفتح للضياء نظره. فإن التفكّر حياة قلب البصير، كما يمشي المستنير في الظلمات بالنور». «6» و التفكر المندوب إليه هنا هو التعمّق في دلائل القرآن و دقائق تعبيره، قال تعالى: وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ. وَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ «7».

فالتفكر فيه- بعد التبيين و البيان- هو المندوب إليه، و هي الغاية القصوى من

(1) لأنّه أتى بحديث لا يبلى على مرّ الدهور.

(2) أي دلائله على الهداية واضحة لمن رام الاهتداء به، فمن عرف هذا الوصف للقرآن أمكنه الاستفادة منه، قال العلامة المجلسي: صفة التعرّف و الاستنباط (مرآة العقول، ج 12، ص 479)

(3) أي و ليلتفت بنظره إلى هذا الوصف للقرآن، و إنه هداية عامّة لكافة الناس، دلائله واضحة و معالمه لائحة، لمن استهدى أدلّاء.

(4) النشب: ما لا مخلص منه.

(5) الكافي الشريف، ج 2 (كتاب فضل القرآن رقم 2)، ص 598- 599. و المراد بحسن التخلص:

الصدق في الاخلاص .. و قلة التربّص: كناية عن سرعة الإقدام و أن لا يكف بنفسه عن السعي في الخير.

(6) الكافي الشريف، ج 2، ص 600، رقم 5.

(7) النحل/ 44.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 85

نزول القرآن.

قال الإمام الصادق عليه السّلام: «لقد تجلّى اللّه لخلقه في كلامه، و لكنهم لا يبصرون» «1».

و

قال: «إنما القرآن أمثال لقوم يعلمون دون غيرهم، و لقوم يتلونه حق تلاوته، و

هم الذين يؤمنون به و يعرفونه» «2».

قال الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام: «ألا لا خير في قراءة لا تدبّر فيها» «3».

و

قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «ما أنعم اللّه على عبد، بعد الإيمان باللّه، أفضل من العلم بكتاب اللّه و المعرفة بتأويله» «4».

و لما نزلت الآية إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ. الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَ قُعُوداً وَ عَلى جُنُوبِهِمْ. وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ «5»

قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «ويل لمن لاكها بين لحييه ثم لم يتدبّرها». «6» و بعد، فنقول: ويل لمن نظر في هذه الآيات الكريمة و الأحاديث المأثورة عن أهل بيت الوحي و الرسالة، و لاكها بين لحييه ثمّ لم يتدبّرها بإمعان، فأخذها بالهزل و لم يعتبرها الحكم الفصل.

(1) بحار الأنوار، ج 92، ص 107.

(2) المحاسن البرقي، ص 267.

(3) معاني الأخبار للصدوق، ص 67.

(4) بحار الأنوار، ج 92، ص 183.

(5) آل عمران/ 191- 192.

(6) مجمع البيان، ج 2، ص 554.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 86

و أيضا، فإن أخبار العرض على كتاب اللّه، خير شاهد على إمكان فهم معانيه و الوقوف على مبانيه.

قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إن على كلّ حقّ حقيقة، و على كلّ صواب نورا، فما وافق كتاب اللّه فخذوه، و ما خالف كتاب اللّه فدعوه».

و خطب بمنى، و كان من خطبته: «أيّها الناس ما جاءكم عنّي يوافق كتاب اللّه فأنا قلته، و ما جاءكم يخالف كتاب اللّه فلم أقله».

و

قال

الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السّلام: «كل شي ء مردود إلى الكتاب و السنّة، و كل حديث لا يوافق كتاب اللّه فهو زخرف».

و

قال: «إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهدا من كتاب اللّه، أو من قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و إلّا فالذي جاءكم به أولى به» «1».

و في كثير من إرجاعات الأئمّة عليهم السّلام أصحابهم إلى القرآن، لفهم المسائل و استنباط الأحكام منه، لدليل ظاهر على حجّية ظواهر القرآن، و ضرورة الرجوع إليه.

قال زرارة بن أعين: قلت لأبي جعفر الإمام محمد بن علي الباقر عليه السّلام: أ لا تخبرني من أين علمت و قلت: إن المسح ببعض الرأس و بعض الرجلين؟

فضحك، و قال: يا زرارة، قاله رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و نزل به الكتاب من اللّه؛ لأن اللّه عزّ و جلّ قال: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ فعرفنا أن الوجه كله ينبغي أن يغسل، ثم قال: وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ فوصل اليدين إلى المرفقين بالوجه، فعرفنا أنه

(1) الأحاديث مستخرجة من الكافي الشريف، باب الأخذ بالسنة و شواهد الكتاب، ج 1، ص 69، رقم 1 و 5 و 3 و 2.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 87

ينبغي لهما أن يغسلا إلى المرفقين، ثم فصل بين الكلام فقال: وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ فعرفنا حين قال: «بِرُؤُسِكُمْ» أن المسح ببعض الرأس، لمكان «الباء».

ثم وصل الرجلين بالرأس، كما وصل اليدين بالوجه، فقال: وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ «1» فعرفنا حين وصلهما بالرأس، أنّ المسح على بعضهما.

ثم قال: فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ مِنْهُ. فأثبت بعض الغسل مسحا «2».

فقد نبّه الإمام على أن زيادة «الباء» في

مدخول فعل متعدّ بنفسه لا بدّ فيها من نكتة لافتة، و ليست سوى إرادة الاكتفاء بمجرد مماسّة الماسح مع الممسوح؛ لأن الباء تدلّ على الربط و الإلصاق، و التكليف يتوجه إلى القيد الملحوظ في الكلام.

فإذا وضع الماسح يده على رأسه و أمرّها عليه، فبأوّل الإمرار يحصل التكليف فيسقط، و لا دليل على الإدامة، فالاستيعاب ليس شرطا في المسح.

هكذا نبّه الإمام على إمكان استفادة مثل هذا الحكم التكليفي الشرعي من الآية، بإمعان النظر في قيود الكلام.

و

عن عبد الأعلى مولى آل سام، قال: قلت لأبي عبد اللّه جعفر بن محمد الصادق عليه السّلام: عثرت فانقطع ظفري، فجعلت على إصبعي مرارة، فكيف أصنع بالوضوء؟

(1) هذا بناء على قراءة «و أرجلكم» بالخفض، كما هي أيضا قراءة مشهورة، غير أنّ القراءة بالنصب من العطف على المحلّ كما رجّحناه فى مجاله المناسب، غير أنّ خصوصيّة البعضيّة مفقودة فيها، حسبما نبهنا عليه.

(2) من لا يحضره الفقيه- أبو جعفر الصدوق، ج 1، ص 56- 57، باب 21، التيمم، رقم 1/ 212.

و الكافي الشريف، ج 3، ص 30. و الوسائل، ج 1، ص 291 (إسلامية)

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 88

قال: يعرف هذا و أشباهه من كتاب اللّه عزّ و جلّ، قال اللّه تعالى: ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ «1» امسح عليه «2».

يعني: أنّ آية نفي الحرج تدل على رفع التكليف؛ حيث وجود ضرر أو حرج على المكلّف، فيجب أن يفهم ذلك كلّ مسلم من القرآن ذاته.

و كذلك استدلالات الأئمّة عليهم السّلام في كثير من الموارد، بآيات قرآنية، لإثبات مطلوبهم لدى المخاطبين، ففي ذلك عرض مباشر لشمول فهم القرآن للعموم.

و قد أتى سيدنا الأستاذ الإمام الخوئي- حفظه اللّه- بأمثلة

على ذلك كثيرة، فليراجع «3».

نسبة خاطئة

اشارة

نعم نسب إلى جماعة الأخباريين- في عصر متأخّر- ذهابهم إلى رفض حجّية الكتاب، فلا يصح الاستناد إليه و لا استنباط الأحكام منه، و هي نسبة غير صحيحة على إطلاقها؛ إذ لم يذهب إلى هذا المذهب الغريب أحد من الفقهاء، لا في القديم و لا في الحديث، و لا لمسنا في شي ء من استناداتهم الفقهية ما يشي ء بذلك، بل الأمر بالعكس.

و لعلّ فيما فرط من بعض المتطرّفين منهم بصدد المغالاة بشأن أهل البيت- و موضعهم القريب من القرآن المجيد- بعض تعابير أوجبت هذا الوهم، و مع ذلك فإن له تأويلا، و ليس على ظاهره المريب.

(1) الحجّ/ 78.

(2) الوسائل، ج 1، ص 327، رقم 5.

(3) البيان، لسيدنا الإمام الخوئي- حفظه اللّه-، ص 283- 284.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 89

قال المولى محمد أمين الاسترابادي (ت 1033):

«الصواب عندي مذهب قدمائنا الأخباريين و طريقتهم. أما مذهبهم فهو أن كلّ ما يحتاج إليه الأمّة إلى يوم القيامة، عليه دلالة قطعية من قبله تعالى حتى أرش الخدش. و أن كثيرا ممّا جاء به النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من الأحكام، و مما يتعلق بكتاب اللّه و سنة نبيه، من نسخ و تقييد و تخصيص و تأويل، مخزون عند العترة الطاهرة، و أن القرآن في الأكثر ورد على وجه التعمية بالنسبة إلى أذهان الرعيّة «1»، و كذلك كثير من السنن النبويّة. و أنه لا سبيل لنا في ما لا نعلمه من الأحكام النظريّة «2» الشرعية، أصليّة كانت أو فرعيّة، إلا السماع من الصادقين عليهم السّلام و أنه لا يجوز استنباط الأحكام النظرية من ظواهر الكتاب و لا ظواهر السنن

النبوية، ما لم يعلم أحوالهما من جهة أهل الذكر عليهم السّلام، بل يجب التوقف و الاحتياط فيهما» «3».

و قال بصدد بيان انحصار مدرك ما ليس من ضروريات الدين من المسائل الشرعية، أصليّة كانت أو فرعيّة، في السماع عن الصادقين عليهم السّلام.

«الدليل الثاني: حديث الثقلين المتواتر بين الفريقين؛ إذ معناه: أنه يجب التمسّك بكلامهم عليهم السّلام ليتحقّق التمسّك بالأمرين. و السرّ فيه أنه لا سبيل إلى فهم مراد اللّه «4» إلّا من جهتهم؛ لأنهم عارفون بناسخه و منسوخه، و الباقي على إطلاقه،

(1) أي على وجه الإجمال و الإبهام من غير بيان التفصيل و ذكر القيود و الشرائط، فإنها خافية على أذهان العامة غير المطلعين على الشرح و التبيين الذي جاء في كلام الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

(2) مقصوده من الأحكام النظرية، المسائل غير الضرورية التي هي بحاجة إلى اجتهاد و إعمال نظر.

(3) الفوائد المدنية، ص 47.

(4) أي المراد الجدّي- الذي لا يعرف إلّا بعد الفحص و اليأس عن الصوارف من تخصيص أو تقييد أو

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 90

و المؤوّل و غير ذلك، دون غيرهم، خصّهم اللّه و النبي بذلك» «1».

قلت: ليس في كلامه- و لا في كلام من تبعه من الأخباريين المتأخّرين- ما يشي بترك كتاب اللّه و إبعاده عن مجال الفقه و الاستنباط. نعم سوى عدم إفراده في الاستناد، و لزوم مقارنته بالمأثور من صحاح الأحاديث الصادرة عن أئمة أهل البيت عليهم السّلام.

و لا شك أنّ في القرآن أصول التشريع و كلياته، و إيكال التفاصيل إلى بيان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الذي أودع الكثير من بيانه بشأن التشريع إلى خلفائه

المرضيّين، فعندهم ودائع النبوّة، و هم ورثة الكتاب و حملته إلى الخلائق.

فلا يجوز إفراد الكتاب عن العترة، و لا يفترقان حتى يردا على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عند الحوض.

و هذا هو مراد الاسترابادي «لا يجوز استنباط الأحكام من الكتاب و السنّة النبوية ما لم يعلم أحوالهما من جهة أهل الذكر»، أي بعد الفحص عن الدلائل في كلامهم بشأنهما، إمّا العثور على بيان منهم، أو اليأس من التخصيص أو التقييد، فعند ذلك يجوز.

و للمولى الكبير محمد بن الحسن الحرّ العاملي (1033- 1104) بيان مسهب بشأن مواضع آل البيت من القرآن الكريم، و أن لتفسيرهم بالذات مدخلية تامّة في

قرينة مجاز، دون المراد الاستعمالي المفهوم من ظاهر اللفظ لمجرد العلم بالوضع. و من الواضح أن التسرّع في الأخذ بظاهر الاستعمال، في نصوص الشريعة، غير جائز، إلّا بعد التريّث و الفحص التام.

(1) الفوائد المدنية، ص 128.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 91

فهم معاني الآيات، و لا سيما آيات الأحكام.

و قد توسّع في الكلام حول ذلك في فوائده الطوسيّة (فائدة 48)، كما عقد لذلك أبوابا في كتاب القضاء من كتابه وسائل الشيعة، ذكر فيها ما يقرب من مائتين و عشرين حديثا، قال بشأنها:

«أوردنا منها ما تجاوز حدّ التواتر، و هي لا تقصر سندا و لا دلالة عن النصوص على كل واحد من الأئمّة، و قد تضمّنت أنه لا يعلم المحكم و المتشابه، و الناسخ و المنسوخ، و العام و الخاص، و غير ذلك إلّا الأئمّة، و أنه يجب الرجوع إليهم في ذلك، و أنه لا يعلم تفسيره و لا تأويله، و لا ظاهره و لا باطنه غيرهم، و لا يعلم القرآن كما

أنزل غيرهم، و أن الناس غير مشتركين فيه كاشتراكهم في غيره، و أنّ اللّه إنما أراد بتعميته (أي الإجمال و الإبهام في لفظه) أن يرجع الناس في تفسيره إلى الإمام، و أنه كتاب اللّه الصامت، و الإمام كتاب اللّه الناطق. و لا يكون حجة إلّا بقيّم (أي من يقوم بتبيينه و تفسيره) و هو الإمام، و أنه ما ورث علمه إلّا الأئمّة، و لا يعرف ألفاظه و معانيه غيرهم، و أنه لاحتماله للوجوه الكثيرة، يحتج به كل محقّ و مبطل، و أنه إنما يعرف القرآن من خوطب به» «1».

و ظاهر كلامه هو ظاهر عنوان الباب الذي عقده أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني، في كتاب الحجة من الكافي الشريف، لبيان: «أنه لم يجمع القرآن كله و لم يحط به علما، ظاهره و باطنه، سوى الأئمّة من أهل البيت عليهم السّلام، و أن علم المحكم و المتشابه، و الناسخ و المنسوخ، و العام و الخاص علما كاملا، مودع

(1) الفوائد الطوسية، ص 191- 192. و راجع: صفحات: 163- 196. و الوسائل، ج 18، باب 4 و 5 و 6 و 7 من كتاب القضاء أبواب صفات القاضي. صفحات: 9- 41 (ط إسلاميه)

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 92

عندهم، ورثوه من جدهم الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم» «1».

و هذا شي ء لا ينكر، و لا يجوز الأخذ بظاهر الكتاب، ما لم يرجع إلى ما ورد عن الرسول و خلفائه العلماء، فإن في كلامهم التبيين و التفصيل لما جاء في القرآن من الإجمال و الإبهام، في التكليف و التشريع.

و هكذا فهم معاصره السيد نعمة اللّه الجزائري (1050- 1112) من ظاهر الروايات، و بذلك جمع

بين متعارضاتها.

قال: «ذهب المجتهدون- رضوان اللّه عليهم- إلى جواز أخذ الأحكام من القرآن، و بالفعل قد أخذوا الأحكام منه، و طرحوا ما ظاهره المنافاة أو أوّلوه، و من ثم دوّنوا كتبا بشأن «آيات الأحكام» و استنبطوا منها ما هداهم إليه أمارات الاستنباط.

و أما الأخباريّون- قدّس اللّه ضرائحهم- فذهبوا إلى أن القرآن كله متشابه بالنسبة إلينا، و أنه لا يجوز لنا أخذ حكم منه، إلّا من دلالة الأخبار على بيانه.

قال: حتى أنّي كنت حاضرا في المسجد الجامع من شيراز، و كان أستاذي المجتهد الشيخ جعفر البحراني، و شيخي المحدّث صاحب جوامع الكلم- قدّس اللّه روحيهما- يتناظران في هذه المسألة. فانجرّ الكلام بينهما حتى قال له الفاضل المجتهد: ما تقول في معنى قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فهل يحتاج في فهم معناها إلى الحديث؟ فقال: نعم، لا نعرف معنى «الأحديّة» و لا الفرق بين الأحد و الواحد و نحو ذلك.

ثم عقّبه بكلام الشيخ في التبيان- على ما سنذكر- و اردفه بتحقيق عن المولى

(1) الكافي الشريف (الأصول)، ج 1، ص 228.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 93

كمال الدين ميثم البحراني، بشأن حديث التفسير بالرأي. و أخيرا قال: و كلام الشيخ أقرب من هذا، بالنظر إلى تتبع الأخبار، و الجمع بين متعارضات الأحاديث.

و حاصل هذه المقالة: أن أخذ الأحكام من نصّ القرآن أو ظاهره أو فحواه و نحو ذلك، جائز كما فعله المجتهدون.

قال: يرشد إلى ذلك ما رواه أمين الإسلام الطبرسي- في كتاب الاحتجاج- من جملة حديث طويل

عن الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام قال فيه: «إنّ اللّه قسّم كلامه ثلاثة أقسام: فجعل قسما منه يعرفه العالم و الجاهل، و قسما لا يعرفه إلّا من صفا ذهنه

و لطف حسّه و صحّ تمييزه و شرح صدره للإسلام، و قسما لا يعرفه إلّا اللّه و أمناؤه و الراسخون في العلم» «1» . و أصرح من الجميع كلام الفقيه البارع الشيخ يوسف البحراني (1107- 1186) في موسوعته الفقهية الكبرى (الحدائق الناضرة) ذكر أوّلا الأخبار من الطرفين، ثم عقّبها بما حقّقه شيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي (385- 460) في المقام، و جعله (القول الفصل و المذهب الجزل) الذي تلقّاه العلماء بالقبول، قال:

قال الشيخ أبو جعفر الطوسي- بعد نقل الروايات المتعارضة و الدلائل المتناقضة- ما ملخّصه: «

أن معاني القرآن على أربعة أقسام:
أحدها:

ما اختصّ اللّه تعالى بعلمه فلا يجوز لأحد التكلّف فيه. و لعل منه الحروف المقطعة في أوائل السور.

ثانيها:

ما يكون ظاهره متطابقا مع معناه، معروفا من اللغة و العرف، لا غبار عليه. فهذا حجة على الجميع، لا يعذر أحد الجهل به، مثل قوله تعالى:

(1) رسالة (منبع الحياة)، ص 48- 52 م 5.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 94

وَ لا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ .. «1».

ثالثها:

ما أجمل في تعبيره و أوكل التفصيل فيه إلى بيان الرسول، كالأوامر بالصلاة و الزكاة و الحج و الصيام، فتكلّف القول فيه- من دون مراجعة دلائل الشرع- محظور منه.

رابعها:

ما جاء مشتركا محتملا لوجوه فلا يجوز البتّ في تبيين مراده تعالى بالذات، إلّا بدليل قاطع من نصّ معصوم أو حديث متواتر» «2».

و بذلك قد جمع الشيخ بين روايات المنع و دلائل الترخيص، باختلاف الموارد.

قال المحدّث البحراني- تعقيبا على كلام الشيخ-: «و عليه تجتمع الأخبار على وجه واضح المنار» «3».

قلت: فهذا شيخ المحدثين و رائد الأخباريين في العصور المتأخرة نراه قد وافق القول مع شيخ الطائفة و رأس الأصوليين بشأن التفسير، و الخوض في فهم معاني كلام اللّه العزيز الحميد.

فيا ترى، ما الذي يدعو إلى فرض الافتراق في هذا المجال العصيب!! و الحمد لله على ما أنعم علينا من لمس نعومة الوفاق و ذوق حلاوة الاتفاق.

(1) الأنعام/ 151.

(2) الحدائق الناضرة، ج 1، ص 32. و راجع: التبيان، ج 1، ص 5- 6. و رسالة (منبع الحياة) للسيد نعمة اللّه الجزائري، ص 48- 51 (ط بيروت)

(3) الحدائق الناضرة، ج 1، ص 32.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 95

دلائل مزعومة

لم نجد في كلام من يعتدّ به من المنتسبين إلى الأخباريّة احتجاجا يرفض حجيّة الكتاب، سوى ما جاء في كلام غيرهم من حجج مفروضة، و لعله تطوّع لهم في تدليل أو حدس وهموه بشأنهم، و إليك أهم ما ذكروه:

1- اختصاص فهم معاني القرآن بمن خوطب به.

2- احتواؤه على مطالب غامضة، لا تصل إليها أفكار ذوي الأنظار.

3- النهي عن الأخذ بالمتشابه، الشامل للظواهر أيضا؛ لوجود احتمال الخلاف.

4- النهي عن التفسير بالرأي، الشامل لحمل اللفظ على ظاهره.

5- العلم إجمالا بطروء التخصيص و التقييد و المجاز، في كثير من ظواهر القرآن.

6- احتمال التحريف و لو بتغيير حرف عن موضعه.

قالوا: إنها حجج احتج بها نافو حجية ظواهر القرآن

«1».

لكن المراجع يجد كلمات من نوّهنا عنهم خلوا عن مثل هذا الترصيف الغريب، و لا سيّما مسألة التحريف لا تجدها في كلامهم البتة، و إنما أوردها صاحب الكفاية تبعا للشيخ في الرسائل، احتمالا في المقام، من غير نسبته إلى الأخبارية أو غيرهم «2».

(1) راجع: كفاية الأصول للمحقق الخراساني (آل البيت) ص 281- 282. و البيان للإمام الخوئي، ص 291.

(2) راجع: رسائل الشيخ (ط رحمة اللّه) ص 40. و الكفاية، ص 284- 285. و قد حققنا عن مسألة التحريف في رسالة (صيانة القرآن)

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 96

و العمدة: أن نظر القوم في مسألة حجّية الكتاب، إنما يعود إلى جانب آيات الأحكام التي اكتنفها لفيف- في حجم ضخم- من الأحاديث المأثورة بوفرة؛ حيث جاءت أصول الأحكام في الكتاب و فروعها في الأحاديث، فلا تخلو آية من تلكم الآيات إلّا و حولها روايات عدّة.

و في ذلك- بالذات- يقول الأخباريون، كسائر الفقهاء الأصوليين: لا يجوز إفراد الكتاب بالاستنباط، بعيدا عن ملاحظة الروايات الواردة بشأنها.

و هذا هو مقتضى التمسّك بالثقلين: الكتاب و العترة، لا يفترقان بعضهما عن بعض.

نعم لا يتضايقون القول بجواز مراجعة سائر الآيات، بشأن فهم معارف الدين و الحكم و الآداب مراجعة ذاتية «1»، اللهمّ إلّا إذا وجدت رواية صحيحة صريحة المفاد، فيجب ملاحظتها أيضا، كما هي العادة المتعارفة عند المفسرين.

(1) راجع: الفوائد الطوسيّة للحرّ العاملي، ص 194.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 97

منهج القرآن في الإفادة و البيان

اشارة

إن للقرآن في إفادة معانيه منهجا يخصّه، لا هو في مرونة أساليب كلام العامّة، و لا هو في صعوبة تعابير الخاصّة، جمع بين السهولة و الامتناع، وسطا بين المسلكين، سهلا في التعبير و الأداء؛ بحيث يفهمه كل

قريب و بعيد، و يستسيغه كل وضيع و رفيع، و هو في نفس الوقت ممتنع في الإفادة بمبانيه الشامخة، و الإدلاء بمراميه الشاسعة، ذلك أنه جمع بين دلالة الظاهر و خفاء الباطن، في ظاهر أنيق و باطن عميق.

قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «و هو الدليل يدلّ على خير سبيل، و هو كتاب فيه تفصيل و بيان و تحصيل، و هو الفصل ليس بالهزل، و له ظهر و بطن، فظاهره حكم و باطنه علم، ظاهره أنيق و باطنه عميق. له نجوم و على نجومه نجوم، لا تحصى عجائبه و لا تبلى غرائبه. فيه مصابيح الهدى و منار الحكمة، و دليل على المعرفة لمن عرف الصفة» «1».

«فما من آية إلّا و لها ظهر و بطن»، كما في حديث

آخر مستفيض «2»، فهناك

(1) الكافي الشريف، ج 2، ص 599.

(2) رواه الفريقان. راجع: تفسير العياشي، ج 1، ص 11. و بحار الأنوار، ج 89 (ط بيروت)، ص 88-

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 98

عبارات لائحة يستجيد فهمها العامّة فهما كانت لهم فيه قناعة نفسيّة كاملة، و لكنّها إلى جنب إشارات غامضة كانت للخاصة، فيحلّوا من عقدها، و يكشفوا من معضلها، حسبما أوتوا من مهارة علمية فائقة.

و بذلك قد وفّق القرآن في استعمالاته للجمع بين معان ظاهرة و أخرى باطنة؛ لتفيد كل لفظة معنيين أو معاني متراصّة، و ربما مترامية حسب ترامي الأجيال و الأزمان، الأمر الذي كان قد امتنع حسب المتعارف العام، فيما قال الأصوليون: من امتناع استعمال لفظة واحدة و إرادة معان مستقلة. لكن القرآن رغم هذا الامتناع نراه قد استسهله، و أصبح منهجا له في الاستعمال.

كان ممن

سلف من الأصوليين من يرى امتناع استعمال اللفظ و إرادة معنيين امتناعا عقليّا، نظرا إلى أن حقيقة الاستعمال ليس مجرّد جعل اللّفظ علامة لإرادة المعنى، بل جعله وجها و عنوانا له، بل بوجه نفسه كأنّه الملقى؛ و لذا يسري إليه قبحه و حسنه. و عليه فلا يمكن جعل اللفظ كذلك إلّا لمعنى واحد، ضرورة أن لحاظه كذلك لا يكاد يمكن إلّا بتبع لحاظ المعنى، فانيا فيه فناء الوجه في ذي الوجه، و العنوان في المعنون، و معه كيف يمكن إرادة معنى آخر كذلك في استعمال واحد، مع استلزامه للحاظ آخر غير لحاظه الأوّل في نفس الوقت. هكذا جاء في تقرير كلام العلّامة الأصولي الكبير المحقق الخراساني «1».

و جاء الخلف ليجعلوا من هذا الامتناع العقلي ممكنا في ذاته، و ممتنعا في

95.

(1) هو المولى محمد كاظم الخراساني صاحب كفاية الأصول. (راجع: حقائق الأصول للإمام الحكيم، ج 1، ص 89- 90)

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 99

العادة؛ حيث لم يتعارف ذلك و لم يعهد استعمال لفظة و إرادة معنيين مستقلّين في المتعارف العام، فالاستعمال كذلك كان خلاف المتعارف حتى و لو كان ممكنا في ذاته، نظرا لأن الاستعمال (استعمال اللفظة و إرادة المعنى) إنّما هو بمثابة جعل العلامة من قبيل الإشارات و العلائم الإخطاريّة، فلا مانع عقلا من استعمال علامة لغرض الإخطار إلى معنيين أو أكثر؛ إذا كان اللفظ صالحا له بالذات، فيما إذا كان قد وضع لكلا المعنيين مشتركا لفظيا، أو أمكن انتزاع مفهوم عام. نعم لم يعهد ذلك في الاستعمالات المتعارفة.

الأمر الذي استهسله القرآن و خرج على المتعارف، و جعله جائزا و واقعا في استعمالاته. «1» فقد استعمل اللفظة و أراد معناها الظاهري،

حسب دلالته الأوّلى، لكنه في نفس الوقت صاغ منه مفهوما عاما و شاملا ثانيا، يشمل موارد أخر ليكون هذا المفهوم العام الثانوي هو الأصل المقصود بالبيان، و الضامن لبقاء المفاهيم القرآنية عامة و شاملة عبر الأيام، و ليست بالمقتصرة على موارد النزول الخاصة.

و كان المفهوم البدائي للآية، و الذي كان حسب مورد نزولها الخاص، هو معناها الظاهر، و يسمّى ب «التنزيل». أما المفهوم العام المنتزع من الآية الصالح للانطباق على الموارد المشابهة، فهو معناها الباطن، المعبّر عنه ب «التأويل»، و هذا المفهوم الثانوي العام للآية هو الذي ضمن لها البقاء عبر الأيام.

سئل الإمام أبو جعفر محمد بن علي الباقر عليه السّلام عن الحديث المتواتر عن

(1) و ذلك نظرا لإحاطته تعالى و شمول عنايته لجميع عباده. و لا يخفى أن المفهوم العام المنتزع من الآية، هو بنفسه معنى آخر مقصود مستقلا وراء إرادة المعنى الظاهري الأوّلي، فكل من المعنيين الظاهر و الباطن مقصود بذاته، و ليس مندرجا تحت الآخر، فهو من موضوع البحث و ليس خارجا عنه، كما زعم.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 100

رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «ما من آية إلّا و لها ظهر و بطن ...»، فقال: «ظهره تنزيله، و بطنه تأويله، منه ما قد مضى و منه ما لم يجئ، يجري كما تجري الشمس و القمر، كلّما جاء شي ء منه وقع ...» «1».

و

قال: «ظهر القرآن: الذين نزل فيهم، و بطنه: الذين عملوا بمثل أعمالهم» «2».

و أضاف عليه السّلام: «و لو أنّ الآية إذا نزلت في قوم، ثم مات أولئك القوم، ماتت الآية، لما بقي من القرآن شي ء، و لكنّ القرآن يجري أوّله على آخره ما

دامت السماوات و الأرض، و لكل قوم آية يتلونها هم منها من خير أو شرّ» «3».

نعم كان العلم بباطن الآية، أي القدرة على انتزاع مفهوم عام صالح للانطباق على موارد مشابهة، خاصا بالراسخين في العلم، و ليس يفهمه كل أحد حسب دلالة الآية في ظاهرها البدائي.

و الخلاصة:

أنّ لتعابير القرآن دلالتين: دلالة بالتنزيل؛ و هو ما يستفاد من ظاهر التعبير، و دلالة أخرى بالتأويل؛ و هو المستفاد من باطن فحواها، و ذلك بانتزاع مفهوم عام صالح للانطباق على الموارد المشابهة عبر الأيام. إذن أصبح القرآن ذا دلالتين: ظاهرة و باطنة، الأمر الذي امتاز به على سائر الكلام.

مثلا آية الإنفاق في سبيل اللّه، نزلت بشأن الدفاع عن حريم الإسلام، فكان واجبا على المسلمين القيام بهذا الواجب الديني؛ ليأخذوا بأهبة الأمر و يعدّوا له عدّته، و منها بذل الأموال فضلا عن بذل النفوس. هذا شي ء كان واجبا على عامّة المكلّفين أنفسهم كلّ حسب إمكانه، هذا ما يفهم من ظاهر الآية البدائي.

(1) بحار الأنوار، ج 89 (ط بيروت)، ص 94، رقم 47 و 46.

(2) المصدر نفسه، ص 97، رقم 64.

(3) تفسير العياشي، ج 1، ص 10 رقم 7.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 101

أما الفقيه النابه فيستفيد من الآية شيئا أوسع، يشمل كل ضرورات الدولة القائمة على أساس العدل، و إحياء كلمة اللّه في الأرض؛ فيجب بذل المال في سبيل تثبيت دعائم الحكم العادل و التشييد من مبانيه، فيجب دفع الضرائب الماليّة حسبما يقرّره النظام، مستفادا من الآية الكريمة في باطن فحواها، أخذا بالتأويل حسب المصطلح.

و هكذا المستفاد من آية خمس الغنائم، وجوب دفع الخمس في مطلق الفوائد و أرباح المكاسب، حسبما فهمه الإمام الصادق

عليه السّلام من الآية، أخذا بعموم الموصول، و إطلاق الغنيمة على مطلق الفائدة.

و في القرآن من هذا القبيل الشي ء الكثير، الأمر الذي ضمن للقرآن بقاءه مع الخلود.

و جهة أخرى

إنّ للقرآن لغته الخاصة به، شأن كل صاحب اصطلاح، فللقرآن اصطلاحه الخاص، يستعمل ألفاظا و تعابير في معان أرادها بالذات، من غير أن يكون في اللغة أو في سائر الأعراف دليل يدلّ عليه؛ لأنه من اصطلاحه الخاص و لا يعرف إلّا من قبله. و من ثمّ كان القرآن ينطق بعضه ببعض، و يشهد بعضه على بعض، كما جاء في كلام الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام «1».

إنّ في القرآن تعابير كثيرة لا تكاد تدرك معانيها إلّا إذا سبرت القرآن سبرا و فحصته فحصا، لتعرف مفاهيمها التي اصطلح عليها القرآن من القرآن ذاته، و ليس من غيره إطلاقا.

هكذا ذهب سيدنا العلّامة الطباطبائي قدّس سرّه إلى أنّ الدلالة على مفاهيم القرآن،

(1) نهج البلاغة الخطبة رقم 133.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 102

إنما هي من ذات القرآن، و ليس من خارجه أبدا، لأنه تبيان لكل شي ء، و حاشاه أن لا يكون تبيانا لنفسه، فإن القرآن يفسّر بعضه بعضا. و هذا هو أصل التفسير المعتمد، و قد بنى تفسيره في الميزان على هذا الأساس «1».

مثلا: لفظة «الإذن» في الاستعمال القرآني، جاء بمعنى: إمكان التداوم في التأثير الحاصل وفق مشيئة اللّه و إرادته الخاصّة، أي تداوم الإفاضة من قبله تعالى؛ حيث التأثير في عالم التكوين، موقوف على إذنه تعالى، بأن يفيض على عامل التأثير خاصيّته التأثيرية؛ حالة التأثير، أي يديمها و لا يقطع إفاضته عليه حينذاك، و إلّا لما أمكن لعامل التأثير أن يؤثّر شيئا وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ

رَبُّ الْعالَمِينَ «2» تلك إرادته تعالى الحادثة، هي التي أمكنت للأشياء تأثيرها و تأثّرها في عالم الطبيعة، و لولاها لما أمكن لعامل طبيعي أن يؤثر شيئا في عالم الوجود، و هذا هو المراد من تداوم إفاضته تعالى في عالم التكوين.

قال تعالى: وَ ما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ «3» فلو لا إذنه تعالى، أي تداوم إفاضة- إمكان التأثير من قبله تعالى- لما أمكن لسحرهم أن يؤثر شيئا.

و ذلك نظرا لأن عوامل التأثير في عالم الوجود، إنما هي متأثّرة- في إمكان تأثيرها- بتأثيره تعالى؛ إذ لا مؤثّر في الوجود إلّا اللّه؛ حيث الممكنات بأسرها فقيرات في ذوات أنفسها، فكما أنها بذاتها محتاجة إلى إفاضة الوجود عليها، كذلك أثرها في عالم الطبيعة أمر ممكن، و محتاج لإفاضة الوجود عليه. ففور إرادة التأثير يجب تداوم إفاضة إمكان التأثير عليه حتى يتمكّن من التأثير

(1) راجع: مقدمة التفسير، ج 1، ص 9.

(2) التكوير/ 29.

(3) البقرة/ 102.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 103

وَ الْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ «1» أي بإمكان التأثير الحاصل من قبله تعالى.

و هذا هو معنى «الإذن» في التكوين، حسب المصطلح القرآني، مستفادا من قوله تعالى: وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ «2».

و قد دأب القرآن على إسناد الأفعال الصادرة في عالم الوجود كلها إلى اللّه، سواء أ كان فاعلها فاعلا إراديا كالإنسان و الحيوان، أم غير إرادي كالشمس و القمر، و ليس ذلك إلّا من جهة أنه المؤثّر في تحقّق الأفعال مهما كانت، اختيارية أم غير اختيارية. إنه تعالى هو الذي أقدر الأشياء على فعل الأفعال، و أمدّهم بالقوى، و أفاض عليهم الإقدار بصورة مستديمة.

قال تعالى: وَ نُقَلِّبُ

أَفْئِدَتَهُمْ وَ أَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ «3» أي انقلبت أهواؤهم و أبصارهم، و هم الذين أوجبوا هذا القلب.

و هكذا قوله: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَ عَلى سَمْعِهِمْ وَ عَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ «4» بدليل قوله تعالى: وَ قالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ. بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ «5».

قال تعالى: وَ نُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَ ذاتَ الشِّمالِ «6» أي تتقلّب أجسادهم ذات اليمين و ذات الشمال، غير أن هذا التقلّب كان بإذنه تعالى؛ فصحّ إسناد الفعل

(1) الأعراف/ 58.

(2) الإنسان/ 30.

(3) الأنعام/ 110.

(4) البقرة/ 7.

(5) البقرة/ 88.

(6) الكهف/ 18.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 104

إليه.

و لفظة «القلب» في القرآن الكريم، يعني: شخصيّة الإنسان الباطنة، وراء شخصيّته هذه الظاهرة، و هي التي كانت منبعث إدراكاته النبيلة، و أحاسيسه الكبرى الرفيعة، المتناسبة مع شخصيته الإنسانية الكريمة إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَ هُوَ شَهِيدٌ «1».

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ. وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ قَلْبِهِ وَ أَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ «2».

المراد ب «القلب» في هذه الآية، هي شخصيّة الإنسان الكريمة إذا ما تمرّد الإنسان على قوانين الشريعة، فإنه يصبح بهيمة لا يعرف من الإنسانية شيئا نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ «3».

و لفظة «المشيئة» في القرآن، مصطلح خاص يراد بها الإرادة الحادثة المنبعثة عن مقام حكمته تعالى، و ليست مطلق الإرادة.

فقوله تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَ تَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَ تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَ تُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْ ءٍ قَدِيرٌ «4».

كان المقصود: المشيئة وفق الحكمة، فيؤتى

الملك من اقتضت حكمته

(1) ق/ 37.

(2) الأنفال/ 24.

(3) الحشر/ 19.

(4) آل عمران/ 26.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 105

تعالى، و ينزع الملك ممن اقتضت حكمته.

و هكذا نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ «1»، أي من تقتضيه حكمتنا أن نرفعه، أي من كانت المقتضيات متوفرة في ذات نفسه، فالاقتضاء إنما هو في ذاته، فهو محل صالح لهذه العناية الربانية، و ليس اعتباطا أو ترجيحا من غير مرجّح؛ حيث الحكمة هي وضع الأشياء في مواضعها.

و الدليل على ذلك، تذييل الآية بقوله: إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ فالحكيم لا يشاء شيئا إلّا ما كان وفق حكمته، و ليس مطلق المشيئة.

و التعابير من هذا القبيل كثيرة في القرآن، و إنما هي مصطلحات قرآنية، لا تعرف إلّا من قبله؛ ليكون القرآن هو الذي يفسّر بعضه بعضا.

و من المصطلح المتعارف في القرآن، اعتماده المعهود من قرائن حاليّة، ليصدر أحكاما في صورة قضايا خارجية- إشارة إلى المعهود الحاضر حال الخطاب- و ليست بقضايا حقيقيّة، حتى تكون الأحكام مترتبة على الموضوعات، متى وجدت و أين وجدت. هذه الظاهرة كثيرة الدور في القرآن الكريم، و ربما زعم زاعم أنّها قضايا حقيقية دائمة، و ليست كذلك.

مثلا قوله تعالى: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ. وَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا. وَ لَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَ رُهْباناً وَ أَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ «2».

ليس المراد مطلق اليهود، سواء من عاصر نبيّ الإسلام أم غيرهم، و لا مطلق

(1) الأنعام/ 83.

(2) المائدة/ 82.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 106

من أشرك، و لا مطلق النصارى بل يهود يثرب ممن عاصر نبي الإسلام، و مشركو قريش،

و نصارى نجران، و قيل: وفد النجاشي ذلك العهد؛ لأنها حكاية عن أمّة ماضية أسلم من أسلم منهم، و عاند من عاند.

فقد جاء تعقيب الآية بقوله: وَ إِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ، يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ. وَ ما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ ما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَ نَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ. فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ. وَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِآياتِنا- يعني بهم اليهود و المشركين- أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ «1».

و هذا نظير قوله تعالى عن المخلّفين من الأعراب: سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَ أَهْلُونا «2» إشارة إلى خصوص من قعد عن الحرب أيام الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

و كذا «الناس» في قوله: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ «3» حيث المراد بالناس الأول: هم المنافقون المرجفون من أهل المدينة، و الناس الثاني: هم مشركو قريش رهط أبي سفيان، بعد هزيمتهم من أحد.

و هكذا قوله تعالى: الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَ نِفاقاً وَ أَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ «4» المراد من عاصروا النبي من أهل

(1) المائدة/ 83- 86.

(2) الفتح/ 11.

(3) آل عمران/ 173.

(4) التوبة/ 97.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 107

الجفاء و النفاق، كما في قوله: وَ مِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ «1» و غير ذلك مما وقع هذا التعبير في مواضع من سورة براءة (الآيات: 90/ 97/ 98/

99/ 101) حيث المقصود من الجميع: أعراب المدينة و من حولها.

وجهة ثالثة:

إيفاؤه بالوفرة الوفيرة من المطالب و مختلف المسائل، في أقصر تعابير و أيسر كلمات، ربما يكون حجم المطالب أضعاف حجم الكلمات و التعابير. و القرآن ملؤه ذلك، و هو من اختصاصه، أن يدلي بأوفر المعاني في أوجز الألفاظ.

هذه سورة الحجرات على قصرها، و هي ثماني عشرة آية، تحتوي على أكثر من عشرين مسألة من أمهات المسائل الإسلامية العريقة، نزلت بالمدينة؛ لتنظيم الحياة الاجتماعية العادلة. و قد تعرّض لها المفسرون و لا سيّما المتأخرين بتفصيل، و تعرّضنا لأكثرها في تفسيرنا للسورة.

و مما جاء فيها التعرّض لقاعدة «اللطف» التي هي أساس الشرائع، و مسألة «الحبّ في اللّه و البغض في اللّه» التي هي أساس الإيمان، في أقصر عبارة:

وَ لكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَ زَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَ كَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَ الْفُسُوقَ وَ الْعِصْيانَ «2». فمن لطفه تعالى و عنايته بعباده أن مهّد لهم أسباب الطاعة و قرّبها إليهم، ليتمكنوا من طاعة اللّه و يجتنبوا الفسوق و العصيان، و ذلك بأنّ زيّن الإيمان و الطاعة في قلوبهم، أي أبدى لهم زينة الإيمان، بأن رفع عن أعينهم غشاء

(1) التوبة/ 101.

(2) الحجرات/ 7.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 108

التّعامي، كما أنه تعالى كرّه إليهم العصيان بأن أظهر قبحه في أعينهم فكرهوه في ذات أنفسهم. فالمؤمن إنما يطيع اللّه و هو محبّب له الطاعة، و من ثمّ فإنّه يقدم على الطاعة في وداعة و طمأنينة و يسر، كما أنه يجتنب المعاصي في يسر؛ لأنه عن نفرة لها في نفسه.

و هذه هي قاعدة اللطف تمهيد ما يوجب قرب العباد إلى الطاعة و بعدهم عن المعصية، مستفادة

من الآية الكريمة.

و شي ء آخر: مسألة «الحبّ في اللّه و البغض في اللّه» و هي أساس الإيمان و صلب العقيدة، و الباعث على الجدّ في العمل، و من ثم

قال الإمام الصادق عليه السّلام: «و هل الإيمان إلّا الحب و البغض، ثم تلا الآية الكريمة» «1» و قد قال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ «2».

و أمر ثالث مستفاد من الآية الكريمة: أن هدايته للناس كانت فضلا من اللّه و رحمة، ناشئة عن مقام فيضه القدوسي، و ليس عن حق عليه سبحانه فَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ «3»، وَ ما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ «4».

فالإنسان بذاته لا يستحق شيئا على ربّه، و إنما اللّه هو الذي تفضّل على الإنسان برحمته الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَ ما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ «5»، و من ثم عقّب سبحانه الآية بقوله:

(1) الكافي، ج 2، ص 125 رقم 5.

(2) آل عمران/ 31.

(3) البقرة/ 64.

(4) القصص/ 86.

(5) الأعراف/ 43.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 109

فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَ نِعْمَةً وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ «1».

و في السورة إشارة إلى مسألة التعاون في الحياة الاجتماعية، جاءت في قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى وَ جَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَ قَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ «2».

و فيها الإشارة إلى مسألة «المساواة» و أن لا شعوبية في الإسلام، و لا عنصريّة، و لا قوميّة، و أن لا فضل لأحد على غيره إطلاقا، لا حسبا و لا نسبا، إلّا بفضيلة التقوى، و هو التعهّد في ذات

اللّه.

كما فيها الإشارة أيضا إلى مسألة «الأخوّة الإسلاميّة» المتطلبة للإيثار و التضحية، فوق قانون العدل و الإنصاف.

و في القرآن كثير من عبارات يسيرة انطوت على مفاهيم ذات أحجام كبيرة، كقوله تعالى في سورة الانفال: وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى «3» إشارة إلى مسألة «الأمر بين الأمرين» و أن لا جبر و لا تفويض، و هي من المسائل المذيّلة ذات تفصيل طويل.

و كقوله تعالى في سورة الواقعة: أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ «4» إشارة إلى مسألة «الاستطاعة» و أن لا استقلال للعباد فيما يتصرّفون

(1) الحجرات/ 8.

(2) الحجرات/ 13.

(3) الأنفال/ 17.

(4) الواقعة/ 63.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 110

من أفعالهم الاختيارية.

و الأمثلة على ذلك كثيرة و منبثّة في القرآن الكريم، غير خفية على الناقد البصير.

و جهة رابعة:

قد سلك القرآن في تعاليمه و برامجه الناجحة مسلكا، ينتفع به الجمهور، و يخضع له العلماء، و من ثم جاء بتعابير يفهمها كل من الصّنفين:

الجمهور يأخذون بظاهر الكلام و يتصورون له من المعاني ما ألفت بها أذهانهم في الأمور المحسوسة، و يحسبون فيما وراء محسوسهم ما يشاكل المحسوس، و يقتنعون بذلك، و يستريح بالهم.

و العلماء يعرفون حقيقة الحال التي جاءت في طيّ المقال، و يأخذون بلطائف الإشارات و ظرائف الكنايات التي مثّلت لهم الحقيقة في واقع الأمر، بما يخضعهم له و يطمئنّون إليه.

خذ لذلك مثلا قوله تعالى- تعبيرا عن ذاته المقدّسة في عالم الكون-: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ ... لمّا كان أرفع الموجودات في الحسّ هو النور، ضرب اللّه به المثال، و بهذا النحو من التصور أمكن للجمهور أن يفهموا من الذات المقدسة موجودا أجلى و

أظهر فيما وراء الحسّ، يشبه أن يكون مثل النور في المحسوس شبها ما، و يقتنعون بذلك.

أما العلماء فيرون من هذا التشبيه أقرب ما يكون تصوّرا من ذاته المقدسة، فليس في عالم المحسوس ما يكون على مثاله، و في أخص أوصافه تعالى كالنور الذي هو ظاهر في نفسه، و مظهر لغيره، و ليس شي ء في عالم المحسوس (المبصرات) إلّا و يكون ظهوره بالنور، أما النور فهو ظاهر بنفسه و ليس بغيره.

و كذا لا يكون- في عالم المحسوس- شي ء أكثر ظهورا و في نفس الوقت

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 111

أشدّ خفاء من النور، ظاهر بآثاره، خفيّ بكنهه و حقيقته.

و هذه هي نفس صفاته تعالى إذا ما لاحظنا حقيقة وجوده، القائم بذاته، المظهر لغيره، الذي خفيت حقيقته و ظهرت آثاره، و هو اللّه جلّ جلاله، و عظمت كبرياؤه.

و هكذا نجد القرآن، في استدلالاته، قد جمع بين أسلوبين يختلفان في شرائطهما، هما: أسلوب الخطابة، و أسلوب البرهان، ذاك إقناع للجمهور بما يتسالمون به من مقبولات القضايا و مظنوناتها، و هذا إخضاع للعلماء بما يتصادقون عليه من أوّليات و يقينيّات. و من الممتنع في العادة أن يقوم المتكلم بإجابة ملتمس كلا الفريقين، ليجمع بين المظنون و المتيقّن، في خطاب واحد، الأمر الذي حقّقه القرآن بعجيب بيانه و غريب أسلوبه.

و قد بحثنا عن ذلك و أتينا بأمثلة عليه في مباحثنا عن الإعجاز البياني للقرآن «1».

و جهة خامسة:

قد أكثر القرآن من أنواع الاستعارة و أجاد في فنونها، و كان لا بدّ منه و هو آخذ في توسّع المعاني توسّع الآفاق، في حين تضايقت الألفاظ عن الإيفاء بمقاصد القرآن، لو قيّدت بمعانيها الموضوعة لها المحدودة النطاق.

جاء القرآن بمعان جديدة على العرب

لم تكن تعهدها، و ما وضعت ألفاظها إلّا لمعان قريبة، حسب حاجاتها في الحياة البسيطة البدائيّة القصيرة المدى. أما التعرّض لشئون الحياة العليا المترامية الأبعاد، فكان غريبا على العرب الأوائل

(1) راجع: التمهيد، ج 5، ص 499 فصل (الاستدلال في القرآن)

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 112

المتوغّلة في الجاهلية الأولى.

و من ثمّ لجأ القرآن في إفادة معانيه و الإشادة بمبانيه إلى أحضان الاستعارة و الكناية و المجاز، ذوات النطاق الواسع، حسب إبداع المتكلم في تصرّفه بها، و القدرة على الإحاطة في تصريف المباني و الإفادة بما يرومه من المعاني. و قد أبدع القرآن في الاستفادة بها و تصريفها حيثما شاء من المقاصد و الأهداف، و لم يعهد له نظير في مثل هذه القدرة و مثل هذه الإحاطة، على مثل هذا التصرف الواسع الأكناف، الأمر الذي أبهر و أعجب و أتى بالإعجاز.

و لعل هذا هو السبب أيضا في عروض التشابه في لفيف من آيات الخلق و التكوين، نظرا لقصور الألفاظ عن الإيفاء بتلك المعارف الجليلة الواسعة الأكناف.

و بذلك أصبحت لغة القرآن- من هذه الجهة- ذات طابع خاص؛ حيث وفرة الاستعارة من النمط الراقي، و عروض بعض التشابه بسبب هذا الشموخ و التعالي.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 113

ترجمة القرآن في كفّة الميزان

اشارة

* التعريف بالترجمة و أساليبها* نواحي القرآن الثلاث* الترجمة الحرفية للقرآن* الترجمة المعنوية (الحرّة)* أخطار الترجمة* دفاع حاسم* ترجمة القرآن من الوجهة الشرعية* وثائق شرعية* ترجمة القرآن ضرورة دعائيّة* كيفية الترجمة و عرضها* نماذج من تراجم خاطئة

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 115

ترجمة القرآن

مسائل ثلاث
أوّلا:
ثانيا:
ثالثا:
التعريف بالترجمة

الترجمة رباعية الوزن، و تكون بمعنى: التبيين و الإيضاح. و يبدو من القاموس أنّه لا بدّ من اختلاف اللغة؛ لأنه قال: الترجمان: المفسّر للّسان. و من ثمّ فالترجمة: نقل الكلام من لغة إلى أخرى، كما في المعجم الوسيط. أما التعبير عن معنى بلفظ، بعد التعبير عنه بلفظ آخر، فهذا من التبيين المحض، و ليس ترجمة اصطلاحا.

و يجب في الترجمة أن تكون وافية بتمام أبعاد المعنى المراد من الأصل، حتى في نكاته و دقائقه الكلامية ذات الصلة بأصل المراد، كناية أو تعريضا أو تحزّنا أو تحسّرا أو تعجيزا، و نحو ذلك من أنحاء الكلام المختلف في الإيفاء و البيان، و المختلف في الأسلوب و النظم، و غير ذلك مما هو معروف.

و من ثمّ يجب أن تتوفّر في المترجم صلاحية هذا الشأن؛ بالإحاطة الكاملة على مزايا اللّغتين الكلامية، واقفا على أسرار البلاغة و البيان في كلتا اللغتين، عالما بمواضع نظرات صاحب المقال الأصل، عارفا بالمستوى العلمي الذي حواه الكلام الأصل، قادرا على إفراغ تمام المعنى و كماله- بمميّزاته و دقائقه- في قالب آخر يحاكيه و يماثله جهد الإمكان، الأمر الذي قلّ من ينتدب له من الكتّاب و أصحاب الأقلام؛ إذ قد زلّت فيه أقدام كثير ممّن حام حول هذا المضمار الخطير.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 117

خطورة أمر الترجمة

قلنا: إن شرائط الترجمة ثقيلة، و قلّ من توجد فيه هذه الصلاحية الخطيرة؛ إذ من الصّعب جدّا أن يحيط إنسان علما باللغتين في جميع مزاياهما الكلامية:

اللفظية و المعنوية، عارفا بأنواع الاستعارات و الكنايات الدارجة في كلتا اللغتين، قادرا على إفراغ جميع مناحي الكلام من قالب إلى قالب آخر، يماثله و يحاكيه تماما.

هذا فضلا عن لزوم ارتقاء مستواه العلمي و

الأدبي إلى حيث مستوى الكلام المترجم أو ما يقاربه، و هذا أثقل الشروط و أخطرها عند مزلّات الأقدام و مزالق الأقلام.

و سنذكر نماذج من تراجم قام بها رجال كبار، و لكن لم يسعد لهم الحظّ لمواصلة المسيرة بسلام، فكم من زلّات أعفوها و لا مجال لإعفائها، و لا سيما في مثل كلام اللّه العزيز الحميد.

أساليب الترجمة
اشارة

إذ كانت الترجمة نوعا من التفسير و الإيضاح بلغة أخرى في إيجاز و إيفاء، و بالأحرى هو إفراغ المعنى من قالب إلى قالب آخر أكشف للمراد، بالنسبة إلى اللغة المترجم إليها، فلا بدّ أن يعمّد المترجم إلى تبديل قوالب لفظية إلى نظيراتها من غير لغتها، بشرط الوفاء بتمام المراد، الأمر الذي يمكن الحصول عليه من وجوه:

الأوّل:

أن يعمد المترجم إلى تبديل كل لفظة إلى مرادفتها من لغة أخرى، فيضعها بإزائها، ثم ينتقل إلى لفظة ثانية بعدها و ثالثة، و هكذا على الترتيب حتى نهاية الكلام.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 118

و هذه هي «الترجمة الحرفية» أو الترجمة تحت اللّفظية. و هذه أردأ أنحاء الترجمة، و في الأغلب توجب تشويشا في فهم المراد أو تشويها في وجه المعنى، و ربما خيانة بأمانة الكلام؛ حيث المعهود من هكذا تراجم لفظية هو تغيير المعنى تماما؛ لأنّ المترجم بهذا النمط إنما يحاول التحفّظ على أسلوب الكلام الأصل في نظمه و ميزاته البلاغية، ليأتي بكلام يماثله تماما في النظم و الأسلوب، الأمر الذي لا يمكن بتاتا، بعد اختلاف اللّغات في أساليب البلاغة و الأداء، و كذا في النكات و الدقائق الكلامية السائدة في كل لغة حسب عرفها الخاص. فربّ كناية أو تعريض أو مثل سائر في لغة، لا تعرفه لغة أخرى و لا تأنس به، فلو عمد المترجم إلى ترجمة ذلك بعينه؛ لأصبح غير مفهوم المراد، و ربّما استبشعوا مثل هذا التعبير الغريب عن متفاهمهم.

مثلا قوله تعالى: وَ لا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَ لا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً «1» جاء «غلّ اليد إلى العنق و بسطها كل البسط»، كناية عن القبض و البسط الفاحش، أي

التقتير و الإسراف في المعيشة و في الإنفاق، و هي كناية معروفة عند العرب و مأنوسة الاستعمال لديهم. فلو أريد الترجمة بنفس التعبير من لغة أخرى كان ذلك غريبا عليهم حيث لم يألفوه، فربما استبشعوه و أنكروا مثل هذا التعبير غير المفهم؛ لأنهم يتصورون من مثل هذا التعبير: النهي عن أن يربط إنسان يديه إلى عنقه برباط من سلاسل و أغلال، أو يحاول بسط يديه يمينا و شمالا بسطا مبالغا فيه. و لا شكّ أن مثل هذا الإنسان إنما يحاول عبثا و يعمل سفها؛ لأنه يبالغ في إجهاد نفسه و إتعابها من غير غرض معقول، الأمر الذي لا ينبغي التعرض له في مثل كتاب اللّه العزيز الحميد.

(1) الإسراء/ 29.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 119

الثاني:

أن يحاول إفراغ المعنى في قالب آخر، من غير تقيّد بنظم الأصل و أسلوبه البياني، و إنما الملحوظ هو إيفاء تمام المعنى و كماله؛ بحيث يؤدّي إفادة مقصود المتكلم بغير لغته، بشرط أن لا يزيد في البسط بما يخرجه عن إطار الترجمة، إلى التفسير المحض.

نعم إن هكذا «ترجمة معنوية» قد تفوت بمزايا الكلام الأصل اللّفظيّة، و هذا لا يضرّ ما دام سلامة المعنى محفوظة. و هذا النمط من الترجمة هو النمط الأوفى و المنهج الصحيح الذي اعتمده أرباب الفنّ. لا يتقيّدون بنظم الأصل، فيقدّمون و يؤخّرون، و ينظّمون الترجمة حسب أساليب اللغة المترجم إليها، كما لا يزيدون بكثير على مثال الألفاظ و التعابير التي جاءت في الأصل. فإن حصلت زيادة مطّردة فهو من الشرح و التفسير، و ليس من الترجمة المصطلحة في شي ء.

ذكر الشيخ محمد بهاء الدين العاملي (1031)- نقلا عن الصّفوي-: أنّ للترجمة طريقين، أحدهما: طريق يوحنّا

بن بطريق و ابن الناعمة الحمّصي، و هو:

أن يعمد إلى كل لفظة من ألفاظ الأصل ليأتي بلفظة أخرى ترادفها في الدلالة فيثبتها، و ينتقل إلى أخرى و هكذا، حتى يأتي على جملة ما يريد ترجمتها، و هي طريقة رديئة لوجهين:

الأوّل: أنه قد لا توجد في اللغة المترجم إليها لفظة تقابل الأصل تماما، و من ثمّ فتقضي الحاجة إلى استيراد نفس الكلمة الأجنبيّة و استعمالها في الترجمة بلا إمكان تبديل، و من ثمّ كثرت اللغات الدخيلة اليونانيّة في مصطلحات العلوم المترجمة إلى العربية.

الآخر: أنّ خواصّ التركيب و النسب الكلاميّة في الإسناد الخبري و سائر الإنشاءات و المجاز و الاستعارة و ما شابه، تختلف أساليبها في سائر اللغات، و ليست تتّحد في التعبير و الإيفاء، فالترجمة تحت اللّفظيّة قد توجب خللا في

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 120

الإفادة بأصل المراد.

أمّا الطريق الثاني- و هو طريق حنين بن إسحاق و الجوهري- فهو: أن يأتي بتمام الجملة و يتحصّل معناها في ذهنه، ثم يعبّر عنها من اللغة الأخرى بجملة تطابقها في إفادة المعنى المراد و إيفائه، سواء أ ساوت الألفاظ أم خالفتها. و هذا الطريق أجود، و لهذا لم يحتج كتب حنين بن إسحاق إلى تهذيب إلّا في العلوم الرياضية؛ لأنه لم يكن قيّما بها، بخلاف كتب الطبّ و المنطق و الطبيعي و الإلهي، فإنّ الذي عرّبه منها لم يحتج إلى الإصلاح ... «1»

الثالث:

أن يبسّط في الترجمة و يشرح مقصود الكلام شرحا وافيا، فهذا من التفسير بلغة أخرى، و ليست ترجمة محضة حسب المصطلح.

و قد تلخّص البحث في أنحاء الترجمة إلى ثلاثة أساليب:

1- الترجمة الحرفية، أو الترجمة اللفظية، أو تحت اللفظية، و هي طريقة مرفوضة و

غير موفّقة إلى حدّ بعيد.

2- الترجمة المعنوية، أو الترجمة التفسيرية غير المبسّطة، و يطلق عليها:

الترجمة المطلقة (المسترسلة) غير المتقيّدة بنظم الأصل، و هي طريقة معقولة.

3- الترجمة التفسيرية المبسّطة، و هي إلى الشرح و التفسير أقرب منه إلى الترجمة.

و لننظر الآن في مسألة ترجمة القرآن الكريم بالذات، من نواحيها المختلفة، و على كلا أسلوبي الترجمة: الحرفية و المعنوية، فنقول:

(1) الكشكول (ط حجرية)، ص 208. و (ط مصر 1370 ه)، ج 1، ص 388.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 121

نواحي القرآن الثلاث

للقرآن الكريم نواح ثلاث تجمّعن فيه، و بذلك أصبح القرآن كتابا سماويا ذا قدسيّة فائقة، و ممتازا على سائر الكتب النازلة من السماء:

أوّلا: كلام إلهي ذو قدسيّة ملكوتيّة، يتعبّد بقراءته و يتبرّك بتلاوته.

ثانيا: هدى للناس، يهدي إلى الحق و إلى صراط مستقيم.

ثالثا: معجزة خالدة، دليلا على صدق الدعوة عبر العصور.

تلك نواح ثلاث خطيرة تجمّعن في هذا الكتاب، رهن نظمه الخاص في لفظه و معناه، و أسلوبه الفذّ في الفصاحة و البيان، و محتواه الرفيع في نظمه و تشريعاته.

و بعد، فهل بإمكان الترجمة- من أيّة لغة كانت- الوفاء بتلكم النواحي أم ببعضها على الأقلّ، أم تذهب بهنّ جمع أدراج الرّياح؟! الأمر الذي يحدّد أبعاد بحثنا في هذا المجال، فنقول:

أما الترجمة الحرفيّة فإنها تفتقد دلائل الإعجاز أوّلا، و لا سيما البيانيّ منها القائم على أعلى درجات البلاغة، كما تعوزها تلك القدسيّة المعهودة بشأن القرآن، فلا تجري عليها الأحكام الشرعية المترتّبة على هذا العنوان الخاص (القرآن الكريم)، و أخيرا فإنها تخون في التأدية أحيانا، إن لم يكن في الأغلب.

لكن الترجمة المعنوية- الحرّة غير المتقيّدة بنظم الأصل- فإنها تواكب أختها غالبا في افتقاد دلائل الإعجاز، و كذا في الذهاب

بقدسيّة القرآن الخاصة بهذا العنوان، نعم سوى الإيفاء بالمعنى إن قامت على شروطها اللازمة، و إليك التفصيل:

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 122

الترجمة الحرفية للقرآن

الترجمة الحرفية إن كانت بالمثل تماما، فمعناها: إفراغ المعنى في قالب لفظي يشاكل قالبه الأول في جميع خصوصياته و مميزاته الكلامية تماما، سوى كونه من لغة أخرى، الأمر الذي لا يمكن الإتيان به بشأن القرآن بتاتا؛ لأنّ الإتيان بما يماثل القرآن نظما و أسلوبا، هو الأمر الذي تحدّى به القرآن الكريم كافّة الناس لو يأتوا بمثله، و قد دلّت التجربة على استحالته.

و إن كانت بغير المثل، بأن يقوم المترجم بإنشاء كلام يشاكل نظم القرآن حسب المستطاع، فهذا أمر ممكن في نفسه، إلّا أنه حينئذ يفتقد الكثير من المميّزات اللفظية و المعنوية التي كان القرآن مشتملا عليها، و كانت من دلائل الإعجاز لا محالة.

كما أنه إذا غيّر الكلام إلى غير لفظه و بسوى نظمه و لا سيما بغير لغته، فهذا لا يعدّ من كلام المتكلم الأوّل؛ لأنّ من مقوّمات كلام كل متكلم هو البقاء على نفس الكلمات و التعابير و النظم و الأسلوب الذي جاء في كلامه، فإن غيّر في أحد المذكورات، فإنه يصبح أجنبيّا عنه و لا يعدّ من كلامه البتّة، الأمر الذي لا يحتاج إلى مزيد بيان.

و عليه فلو كان كلام خاص، يحمل قدسيّة خاصّة، و له أحكام خاصة به، و باعتبار انتسابه إلى متكلّم خاص، فإنّ هذه الميزة سوف تذهب بأدنى تغيير شكلي في كلامه. فكيف إذا كان تغييرا في الكلمات و الألفاظ من غير اللّغة، و مغيّرا للنظم و الأسلوب أيضا و لو يسيرا، الأمر الذي يتحقق في الترجمة الحرفية لا محالة.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 123

من أجل ذلك نرى الفقهاء «1»- و لا سيّما فقهاء الإماميّة- متّفقين على عدم إجزاء القراءة بغير العربية في الصلاة، حتى على العاجز عن النطق بالعربية، و إنما يعوّض بآيات اخرى، أو دعاء و تهليل و تسبيح إن أمكن. أما الفارسية أو غيرها فلا تجوز إطلاقا، اللهمّ إلّا بعنوان الذكر المطلق، إذا جوّزناه بغير العربية، و فيه إشكال أيضا.

قال المحقق الهمداني: يعتبر في كون المقروء قرآنا حقيقة، كونه بعينه هي الماهيّة المنزلة من اللّه تعالى على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مادّة و صورة، و قد أنزله اللّه بلسان عربيّ، فالإخلال بصورته التي هي عبارة عن الهيئات المعتبرة في العربية بحسب وضع الواضع كالإخلال بمادّته، مانع عن صدق كونه هي تلك الماهيّة «2».

و قال: و لا يجزئ المصلّي عن الفاتحة ترجمتها، و لو بالعربية فضلا عن الفارسيّة، اختيارا بلا شبهة، فإنّ ترجمتها ليست عين فاتحة الكتاب المأمور بقراءتها، كي تكون مجزئة «3».

قال- بشأن العاجز عن العربية-: الأقوى عدم الاعتبار بالترجمة- في حالة العجز عن الفاتحة و بدلها (من قرآن غيرها أو تحميد و تسبيح)- من حيث هي أصلا، ضرورة عدم كونها قرآنا و لا ميسوره، بعد وضوح أن لألفاظ القرآن دخلا في قوام قرآنيّتها. نعم بناء على الاجتزاء بمطلق الذكر لدى العجز عن قراءة شي ء من القرآن مطلقا، أو لدى العجز عن التسبيح و التحميد و التهليل أيضا، اتّجه الاجتزاء بترجمة الفاتحة و نظائرها، لا من حيث كونها ترجمة للقرآن، بل من

(1) من عدا أبي حنيفة و من رأى رأيه، حسبما يأتي.

(2) راجع: مصباح الفقيه، كتاب الصلاة، ص 273.

(3) المصدر نفسه، ص 277.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص:

124

حيث كونها من مصاديق الذكر، و أما ترجمة الآيات التي هي من قبيل القصص فلا يجتزئ بها أصلا، بل لا يجوز التلفّظ بها لكونها من الكلام المبطل «1».

و هذا إجماع من الإمامية: أن ترجمة القرآن ليست بقرآن. و في ذلك أحاديث متظافرة عن النبيّ و الأئمة الصادقين عليهم السّلام:

قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «تعلّموا القرآن بعربيّته».

و

عن الإمام الصادق عليه السّلام: «تعلّموا العربيّة، فإنها كلام اللّه الّذي كلّم به خلقه و نطق به للماضين» «2».

و لا يزال الفقهاء يفتون بالمسائل التالية:

1- من لا يعرف قراءة الحمد، يجب عليه التعلّم.

2- و من تعذّر عليه تعلّمها استبدل من قراءتها ما تيسّر من سائر آيات القرآن.

3- و من لم يتيسّر له ذلك أيضا يعوّض عنه بما يعرفه من أذكار و أدعية على قدر سورة الفاتحة «3»، بشرط أدائها بالعربية.

4- و إذا كانت الترجمة لا تصدق عليها عنوان الذكر أو الدعاء، فغير جائزة البتة.

5- و إذا كانت من قبيل الدعاء و الذكر فتجوز في الدرجة الثالثة، بناء على جواز الدعاء بغير العربية في الصلاة، و هو محلّ خلاف بين الفقهاء.

و الخلاصة: أن فقهاء الإماميّة متّفقون على عدم إجراء أحكام القرآن- بصورة

(1) مصباح الفقيه، كتاب الصلاة، ص 282.

(2) راجع: وسائل الشيعة للشيخ حرّ العاملي، ج 4، ص 865- 866، الباب (30) من كتاب الصلاة، رقم 1 و 2.

(3) الوسائل، ج 4، ص 735.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 125

عامة- على ترجمته، بأيّة لغة كانت. و يوافقهم على هذا الرأي أصحاب سائر المذاهب من عدا أبي حنيفة و أصحابه، فقد أجازوا في الصلاة قراءة ترجمة الفاتحة بالفارسيّة استنادا إلى ما روي: أنّ

الفرس كتبوا إلى سلمان الفارسي رضى اللّه عنه أن يكتب لهم الفاتحة بالفارسيّة، فكانوا يقرءون ذلك في صلاتهم، حتى لانت ألسنتهم للعربية.

أما أبو حنيفة فقد أجاز ذلك مطلقا، و أمّا صاحباه (أبو يوسف و محمد) فقد أجازا لمن لا يحسن العربية «1». و كان الحبيب العجمي- صاحب الحسن البصري- يقرأ القرآن في الصلاة بالفارسيّة، لعدم انطلاق لسانه باللّغة العربية «2».

و قد أفتى بالجواز- عند العجز- الشيخ محمّد بخيت، مفتي الديار المصرية- سابقا- فتوى لأهل الترانسفال، استنادا إلى فعلة الحبيب العجمي «3»، و سيأتي تفصيل ذلك مشروحا.

هذا و من ناحية أخرى فإن الترجمة الحرفية (تحت اللفظية) تخون في التأدية و لا تفي بإفادة المعنى المراد في كثير من الأحيان، إن لم تشوّه المعنى و تشوشه على أذهان القرّاء و المستمعين، على ما سبق بعض الأمثلة على ذلك، و سيأتي مزيد بيان.

و عليه فقد صحّ القول: بأن الترجمة الحرفية تذهب برواء الكلام، فضلا عن بلاغته الأولى التي كانت من أهل دلائل الإعجاز في القرآن، كما لم يصح إسناد

(1) راجع: المبسوط للسرخسي، ج 1، ص 37.

(2) شرح مسلّم الثبوت، بنقل المراغي شيخ الأزهر في رسالته (بحث عن ترجمة القرآن)، ص 17.

(3) الأدلة العلمية لفريد و جدي، ص 58.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 126

الترجمة إلى صاحب الكلام الأوّل، بعد تبديله إلى غيره لفظا و أسلوبا. و أخيرا فإنها تخون في تأدية المراد في كثير من الأحيان، الأمر الذي يحتم ضرورة اجتنابها، و لا سيما في مثل القرآن العظيم.

الترجمة المعنوية (التفسيريّة)

أما الترجمة المعنوية- الترجمة الحرّة غير المتقيدة بنظام الأصل، إن دعت ضرورة الإيفاء بالمعنى إلى مخالفة النظم- فهو أمر معقول، و تختلف عن الترجمة الحرفية بوفائها

بتمام المراد، و إن كانت توافقها في الأمرين الأوّلين (انتقاد دلائل الإعجاز و المميّزات اللفظية التي كانت في الأصل، و عدم إجراء أحكام القرآن عليه) أما الوفاء بالمعنى تماما فهو الأمر الذي يختص به هذا النوع من الترجمة الحرّة، على شريطة الدقّة و الإحاطة، بتمام جهات المعنى المقصودة من الكلام.

و صاحب هذا النوع من الترجمة إنّما يقوم بعملية إيفاء المعنى و بيان مقصود الكلام، و هو نوع من الشرح و التفسير، و لكن في قالب لفظي متناسب مع الأصل مهما أمكن، فهو في الغالب (بل الأكثرية الساحقة) متوافق مع الأصل في النظم و الترتيب و حتى في الأسلوب البياني، إن أمكن ذلك، و كانت اللغة المترجمة إليها متقاربة مع اللغة المترجم عنها في تلكم المصطلحات و فنون المحاورة غالبا.

و المعهود أن لغات الأمم المتجاورة، قريبات بعضهنّ مع البعض في آفاق التعبير و البيان.

و الترجمة المعنوية، هي الراجحة و المتداولة في الأوساط العلمية و الأدبية، منذ عهد سحيق، و هي الوسيلة الناجحة لبثّ الدعوة بين الملأ على مختلف لغاتهم و ألسنتهم، و قد جرت عليها سيرة المسلمين و لا تزال قائمة على ساق.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 127

و لا شك أن عرض مفاهيم القرآن و حقائقه الناصعة، على ذوي الأحلام الراجحة من سائر الأمم، من أنجح الوسائل في أداء رسالة اللّه إلى الخلق، التي تحمّلتها عواتق هذه الأمة «1»، الأمر الذي لا يمكن إلّا بتبيين و ترجمة النصوص الإسلامية- كتابا و سنة- و عرضها بألسن الأمم و لغاتهم المألوفة «2». و من ثم كانت ترجمة القرآن ترجمة صحيحة، ضرورة دعائية يستدعيها صميم الإسلام و واقع القرآن، حسبما يأتي.

المنع من الترجمة و أخطارها

لم تسبق من علماء الإسلام نظرة

منع من ترجمة القرآن، بعد أن كانت ضرورة دعائية، لمسها دعاة الإسلام من أوّل يومه. و إنما حدث القول بعدم الجواز في عصر متأخّر (في القرن الماضي، في تركيا العثمانية، و في مقاطعاتها العربية، مثل سوريا و مصر) و لعلها فكرة استعمارية تبشيريّة، محاولة لشدّ حصار قلعة الإسلام، دون نشره و بثّ تعاليم الإسلام، في المناطق غير العربية.

قال الدكتور علي شواخ: فلو تدبّرنا و تعمّقنا لوجدنا أنّ القول بالمنع عاصر فتوى النصارى الغربيّين و استعمارهم لبلاد الإسلام، فقد حاولوا تنصير المسلمين بكل وسيلة، و لم يكتفوا بإرسال المبشّرين في شتّى الملابس، بل منعوا أيضا تدريس اللغة العربية حتى في المستعمرات العربيّة مثل شمال إفريقيّة. و الظاهر أنهم ارادوا إتمام حصار قلعة الإسلام بمنع تراجم القرآن بلغات أجنبيّة، فالمسلمون غير العرب لا يعرفون العربية، و لن يجدوا تراجم القرآن بلغات

(1) البقرة/ 143.

(2) إبراهيم/ 4.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 128

يعرفونها، فتبقى الساحة فارغة للديانات الأخرى. قال أحد المبشّرين (و بتعبير أصحّ: أحد المنصّرين) لبعض علماء الإسلام الساذجين: «القرآن معجزة حقّا، لا تتحمّل بلاغته الترجمة!». فوثب هذا العالم الساذج- لشدّة السرور- و قال: «الفضل ما شهدت به الأعداء!» و خطب و كتب: «القرآن تصعب أو تستحيل ترجمته»، و تبعه آخرون، و في الخطوة الثانية قالوا: «القرآن لا تجوز ترجمته».

و لكن الإنسان يدبّر، و اللّه يقدّر. فالنصارى الذين دسّوا هذه الفكرة، ظنّوا أنّ العرب سوف لا يقومون بترجمة القرآن، و لقد صدق ظنّهم بشأن العرب. أما سائر المسلمين من غير العرب، فإن التاريخ يشهد بأنهم اهتمّوا بهذا الأمر، فقاموا بالترجمة إلى لغاتهم على يد علماء كانوا عارفين بالعربيّة، فترجموه إلى لغاتهم لتدريس أبنائهم و

عامّة أهل بلادهم الذين لم يدرسوا العربيّة «1».

قال الدكتور شواخ: و هكذا يتّضح لنا، أنّ الحركة ضد ترجمة القرآن إلى سائر اللغات، انحصرت في بلاد العرب، و بالدولة العثمانية خاصّة! «2» و على هذا الغرار ساق الأستاذ الشاطر- رأس المعارضين- أدلّة في المنع عن الترجمة، و ذكر أخطارا سوف تتّجه نحو حامية الإسلام الحصينة (القرآن الكريم) إن أصبح عرضة للترجمة إلى لغات أجنبيّة، نذكر أهمها:

1- يقول: إن الترجمة تضيع بالقرآن، كما ضاعت التوراة و الإنجيل من جرّاء ترجمتهما إلى غير لغتهما الأصل، فقد ضاع الأصل بضياع لغته و ضياع الناطقين بها. فيخشى أن يحلّ بالقرآن- لا سمح اللّه- لو ترجم إلى غير لغته، ما حلّ بأخويه

(1) و سيوافيك- في نهاية المقال- جدول عن مائة و ثماني عشرة لغة حيّة ترجم القرآن إليها، على يد أبنائها الغيارى على الإسلام، و لا تزال تتزايد مع اتساع رقعة الزمان.

(2) معجم مصنفات القرآن الكريم للدكتور علي شواخ إسحاق، ج 2، ص 13.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 129

من ذي قبل! «1» قلت: هذا قياس مع الفارق؛ إذ السبب في ضياع التوراة و كذا الإنجيل، إنّما يعود إلى إخفاء الأصل عن العامة و إبداء تراجمهما المحرّفة للناس، لغرض التمويه عليهم. كان الأحبار و القساوسة يدأبون في تحريف تعاليم العهدين تحريفا في معاني الكلم دون نصّ اللّفظ؛ إذ لم يكن ذلك بمقدورهم، فعمدوا إلى تفسيرهما على غير وجهه، و إبداء ذلك إلى الملأ باسم التعاليم الإلهية الأصيلة.

قال تعالى- بشأن التوراة-: الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَ هُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَ تُخْفُونَ كَثِيراً ... «2»، أي تبدون منه مواضع و تخفون أكثره.

و قد أسبقنا- في

مسألة تحريف الكتاب- أنّ التحريف في العهدين إنّما يعني التحريف في معناهما؛ أي التفسير على غير وجهه، الأمر الذي حصل في تراجم العهدين دون نصّهما.

قال تعالى: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْ ءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ «3» و قال: قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ «4».

فالكارثة كل الكارثة إنما هي في إخفاء نصّ العهدين الأصليين عن أعين الناس، و هذا هو السبب الوحيد لضياعهما، دون مجرد ترجمتهما.

(1) القول السديد، ص 15- 16.

(2) الأنعام/ 91.

(3) المائدة/ 68.

(4) آل عمران/ 93.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 130

أما القرآن فهو الكتاب الذي يتعاهده المسلمون جيلا بعد جيل، بل العالم كله من مسلم معتقد و آخر محقق مضطلع، يحرسون على نصّ القرآن العزيز، و قد قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ «1»، أي في صدور الرجال و على أيدي الناس، الأولياء و الأعداء جميعا، معجزة قرآنية خالدة.

2- يقع- بطبيعة الحال- اختلاف بين التراجم؛ لاختلاف السلائق بل العقائد التي يذهب إليها كل مذهب من المذاهب، و كذا اختلاف المواهب و الاستعدادات في فهم معاني القرآن و ترجمتها وفق الأفهام و الآراء المتضاربة؛ و لهذا الاختلاف في تراجم القرآن آثار سيّئة؛ إذ يستتبعها اختلاف الاستفادة و استنباط الأحكام و الآداب الشرعية، و كل قوم من الأقوام إنّما يرتئي حسب ما فهم من الترجمة التي أتيحت له، و ربّما لا يدري مدى اختلافها مع سائر التراجم «2».

لكن هذا خروج عن مفروض الكلام، فإن للترجمة ضوابط يجب مراعاتها، و لا سيما ترجمة القرآن الكريم، يجب أن تكون تحت إشراف لجنة رسميّة، و من هيئة علماء

و أدباء اختصاصيّين برعاية حكومة إسلامية قاهرة، لا تدع مجالا لتناوش أيدي الأجانب فيجعلوا القرآن عضين، كما هو الشأن في رسم خط المصحف الشريف، و طباعته على أصول مقرّرة، تحفظه عن الاختلاف و الاضطراب.

نعم يجب أن يعلم كل الأمم الإسلامية، أنّ الترجمة لا تضمن واقع القرآن، و أنّ المصدر للاستنباط و استخراج الأحكام و السنن للمجتهدين هو نص القرآن

(1) الحجر/ 9.

(2) محمد مصطفى الشاطر في «القول السديد في حكم ترجمة القرآن المجيد»، ص 17- 18.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 131

الأصل، ليس ما سواه. هذا أمر يجب الإعلان به، فلا يذهب و هم الواهمين إلى حيث لا ينبغي.

نعم، على كل محقق إسلامي أن يتعلّم القرآن بلغته العربية الفصحى، و ليست الترجمة بذاتها لتفي بمقصوده أو تشبع نهمه.

3- أنّ للقرآن في كثير من آياته حقائق غامضة، قد تخفى على كثير من العلماء، و قد يعلمها غيرهم ممن جاء بعدهم؛ و لذلك أمثلة كثيرة. فلو ترجمنا القرآن وفق معلومنا اليوم، ثم جاء الغد ليرتفع مستوى العلوم و ينكشف من حقائق القرآن ما كان خافيا علينا، فهل نخطّئ أنفسنا بالعلانية و نغيّر الترجمة و نعلن للملإ، أن الذي ترجمناه أمس أصبح خطأ، و أن الصحيح غيره.

فما ذا يقول لنا الناس؟ و ما الذي يضمن بقاء ثقتهم اليوم كثقتهم بالأمس؟ ثم ضرب لذلك أمثلة:

1- منها: قوله تعالى: وَ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ «1» فسّر القدامى «الزوجين» بالصنفين. ثم جاء العلم الحديث ليكشف النقاب عن المعنى الصحيح، و هو أنّ كلّ ثمرة فيها ذكر و أنثى «2».

قال: فلو حصلت الترجمة وفق التفسير الأول لأضاعت على قارئيها تلك الحقيقة التي أظهرها العلم الحديث!

(1)

الرعد/ 3.

(2) و للآيات التي يذكرها معاني أخر أوفى سوف نتعرّض لها، و لقد اشتبه على الأستاذ الشاطر مواضع كثيرة من هذه الآيات، فتنبّه.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 132

2- و منها: قوله تعالى: وَ اللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ «1». فقد فسّر «تثير» بمعنى «تسوق»، و بذلك قد ضاع المعنى البديع الذي أصبح معجزة للقرآن. و هو أنّ لفظ «تثير» من الإثارة و هو التهييج، نظير تهييج الغبار و الدخان، و هذا مبدأ «عملية التبخير» و تكوين الأمطار. فإنّ التبخير يحصل من الحرارة المركزيّة و الحرارة الجوية و الريح، أي لا بدّ من هذه العوامل الثلاثة لتكوين «عملية التبخير»، ثم بعد ذلك تحمل الرياح هذا البخار إلى حيث شاء اللّه، و هذا المعنى لم يظهر إلّا حديثا.

3- و منها: قوله تعالى: وَ فِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ «2». فسّروا «الأوتاد» بكثرة الجنود، أو أنها كانت مسامير أربعة كان يعذّب الناس بها. و قد تبيّن الآن أن المراد هي هذه الأهرام و هي تشبه الجبال، و قد عبّر القرآن عن الجبال بالأوتاد في قوله تعالى: أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً وَ الْجِبالَ أَوْتاداً «3».

4- و منها: قوله تعالى: وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها «4». فسّر «الدحو» بعض المفسرين بالبسط. فلو ترجم إلى هذا المعنى ضاع المعنى الذي يؤخذ من «الدحو»، و هو التكوير غير التام، كتكوير البيضة مع الدوران. و لا يزال أهل الصعيد- و أصل أكثرهم عرب- يعبّرون عن «البيض» بالدحو أو الدحى أو الدح.

(1) فاطر/ 9.

(2) الفجر/ 10.

(3) النبأ/ 7.

(4) النازعات/ 30.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 133

5- و كذلك إذا ترجم قوله

تعالى: يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَ يُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ «1» بما يقوله بعض المفسرين «2»، ذهب المعنى المستفاد من الآية، و هو كرويّة الأرض؛ لأنّ تكوير الضوء أو تقوّسه يستلزم تكوير المضاء و تقوّسه؛ لأنّ النور و الظلمة إنما يتشكّلان بأشكال الجسم الواقعين عليه. فلو ترجمت الآية بذلك المعنى (التغشية) ثم دلّتنا الأدلة على صحة المعنى الثاني، لكنّا قد خسرنا معجزة من معجزات القرآن.

قال الأستاذ الشاطر: إني لأخشى أن ينطبق علينا

الحديث الشريف: «لتتّبعنّ سنن من قبلكم شبرا بشبر و ذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضبّ خرب لاتّبعتموهم.

قيل: يا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم اليهود و النصارى؟ قال: فمن؟!» «3»

دفاع حاسم

و لقد أحسن الأستاذ محمد فريد و جدي الدفاع عن «مشروع ترجمة القرآن إلى اللّغات الأجنبيّة» و أجاب عن اعتراض الأستاذ (الشاطر) قائلا: نحن نعتقد أنّ القرآن كتاب لا تنقضي عجائبه و لا يدرك غوره، كما يعتقد الأستاذ (الشاطر) و لكنّا لا نذهب بالغلوّ في هذا المعنى إلى درجة التعطيل، و اعتباره طلسما تضلّ العقول في فهمه، و لا تصل منه إلى حقيقة ثابتة. فإنّ هذا الفهم يصطدم بالقرآن نفسه، فقد وصفه في غير آية بأنه آيات بيّنات، و بأنه منزل ليتدبّر الناس هذه الآيات، حتى

(1) الزمر/ 5.

(2) فسروا «التكوير» بمعنى التغشية.

(3) أخرجه مسلم، ج 8، ص 57. راجع القول السديد، ص 21- 26.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 134

قال: وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ «1»، أي سهّلناه للاتّعاظ. و كرّرت هذه الآية أربع مرات في سورة واحدة! فلا يجوز أن ندّعي أنّ ما يسّره اللّه للتذكّر و الاتعاظ، معمّى لا يمكن

فكّه، و طلسم لا يستطاع حلّه.

نعم إنّ المفسّرين بعد القرنين الأوّلين تذرّعوا بالفنون الآليّة التي وضعوها لضبط قواعد اللّغة، من: نحو و بيان و بديع و معاني، إلى زيادة التعمّق في تمحيص الآيات لهذا السبب- و أكثر هذا التعدّد آلي محض- و لكن المعاني لم تخرج قطّ عن دائرة الفهم، فلم يدّع أحد أنّ القرآن لم يفهم في عصر من العصور، و لا سيما الآيات المحكمات. و كيف يمكن أن يقال: إنّ محكمات القرآن لم تفهم على حقيقتها، و قد انبنى عليها الدين كله عقائده و عباداته و معاملاته؟! فاللّجنة التي ستدّعي لترجمة القرآن ستنظر في المعاني التي قرّرها أئمة التفسير، فإن آنسوا في بعضها- خلافا بينهم- عمدوا إلى اختيار ما رضيه جمهورهم، مشيرين في الهامش إلى بقية الاحتمالات؛ فتكون الترجمة قد استوعبت جميع الآراء.

هذا في آيات العقائد و العبادات و المعاملات. و أمّا الآيات الكونية و التاريخية و المتشابهات، فإنّ اللجنة ستترجم معانيها على ما يحتمله اللّفظ العربيّ، و لا تتعرّض لشرحها، فمثل قوله تعالى: وَ اللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً ... مثل هذه الآية تتولّاها لجنة التفسير فتعطي معناها الصحيح للجنة الترجمة لتترجمه، دون أن تتعرّض- هذه الأخيرة- لما تشير إليه الألفاظ من الدلالات العلمية. و لكنها تجتهد في ترجمة كلمة «تثير» مثلا لتكون واجدة لجميع

(1) القمر/ 17، 22، 32، 40.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 135

خصائصها اللّغويّة «1»، تاركة دلالاتها العلمية إلى عقول القارئين، تفاديا من الوقوع في مثل هذا الخطأ الكبير الذي وقع فيه الأستاذ (الشاطر) في هذا الموطن نفسه «2»، و حفظا للقرآن الكريم مما عسى أن يرجع عنه العلم من مقرّراته الحاليّة، و هو دائم

التغيّر بطبيعته.

قال: و هنا يسوغ لنا أن نقول: إذا جرينا على مذهب الأستاذ الشاطر في تفسير الآيات و ترجمتها، ثم رجع العلم عن رأيه الأوّل، أ نعيد إذ ذاك ترجمة القرآن، أم نترك الترجمة على خطائها. و لكن الترجمة على الأسلوب الذي ذكرناه فلا تجعل محلا لمثل هذا الندم؛ لأن الكلمة قد تبدّلت إلى ما يرادفها في الإفادة، من دون التعرّض للشرح و البيان، تاركين ذلك إلى فهم القرّاء، كما هو الحال بالنسبة إلى الكلمة في موضعها من القرآن «3».

و أمّا الآيات التي استشهد بها، فأظنّه مشتبها فيها، فضلا عن أنّ الاختلاف في الترجمة لا يزيد خطرا عن الاختلاف في التفسير الذي لا محيص عنه البتة.

و قد تعرّض الأستاذ و جدي لبيان الآيات على وجه يخالف رأي الأستاذ الشاطر، نذكرها على الترتيب:

أما الآية الأولى التي قال فيها: لكن العلم الحديث كشف لنا أنّ كل ثمرة فيها ذكر و أنثى.

(1) و قد جاءت ترجمة كلمة «تثير» في التراجم الفارسية ب «بر مى انگيزد»، لأن معنى «الإثارة» بالفارسية «برانگيختن». و هي تنطبق مع الكلمة في العربية تماما.

(2) سنذكر مواضع اشتباهه.

(3) راجع: الأدلّة العلمية على جواز ترجمة معاني القرآن، بقلم الأستاذ و جدي، ص 28- 30، (ملحق العدد الثاني من مجلّة الأزهر، ع 1/ 1355)

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 136

فقال الأستاذ و جدي: هذا خطأ؛ إذ الثمار ليس فيها ذكر و لا أنثى على الإطلاق، نعم إنّ الذكورة و الأنوثة من أعضاء الأزهار لا الأثمار. فقد يكون هناك عضوان ذكر و أنثى في زهرة واحدة، و قد يكونان في زهرتين من نفس الشجرة، أو في زهور شجرتين مستقلّتين. و هذا اللّقاح النباتي كان معروفا

منذ أقدم العصور، حتى أنّ عرب الجاهلية كانوا يعرفونه، فكانوا يلقّحون إناث النخيل بالطلع المستخرج من ذكورها.

إذن فلم يكن هذا المعنى خافيا على المفسرين القدامى، و من ثم أخذوا الآية حسب مفهومها الظاهر اللغوي، و هو الصحيح، بعد ملاحظة آية أخرى جاء فيها وصف الجنّتين اللّتين وعد اللّه بهما المتّقين، قال تعالى: فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ «1» و لا يمكن صرف هذه الآية بحال من الأحوال إلى المعنى الذي أراده الأستاذ (الشاطر) و الآية الثانية، التي جعل لفظة «تثير» فيها إشارة إلى «عملية التبخير» بفعل الحرارة و الرياح، فالمعروف في علم الطبيعة أنّ عملية التبخير- في المياه و الرطوبات- إنما تقوم على فعل الحرارة المركزيّة للأرض، و الحرارة الجوّية للشمس، أمّا الرياح فلا دور لها في ذلك، و لم يقل به أحد من العلماء.

و قد كان العلماء منذ خمسمائة عام قبل ميلاد المسيح عليه السّلام يعرفون تكوّن الأبخرة الأرضية، التي هي المؤلّفة للسحب. و هذه كتب الطبيعيات القديمة شاهدة بذلك، و ليس أمرا اكتشفه العلم حديثا.

و الآية الثالثة- التي زعم «الأوتاد» فيها هي الأهرام- فلا يمكن المصادقة عليه، بعد أن كان السبب في إطلاق «الوتد» على الجبل باعتبار تأثيره في ضبط الأرض

(1) الرحمن/ 52.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 137

عن الميدان و عن التفتّت و الاندثار، الأمر الذي يرجع إلى ضخامته و صلابته، مما لا تناسب بينه و بين أكبر هرم من أهرام مصر، الذي يبلغ ارتفاعه مائة و خمسين مترا، و طول قاعدته عن ثلاثمائة و ثلاثة و ثلاثين مترا. فأين ذلك من جبل «هماليا» الذي يزيد ارتفاعه عن ثمانية آلاف متر و ثمانمائة متر، و يشغل شمالي الهند كله.

أو

جبال أنده في أمريكا الجنوبية التي يبلغ طول قاعتها نحو سبعة آلاف كيلومترا، و ارتفاعها بضعة آلاف متر. لا جرم كان أطول الأهرام لا يساوي أصغر تلال الأرض، فلا يتناسب و الإطلاق و تد الأرض عليه؛ إذ لا مناسبة حينذاك. على أنّ «الأهرام» هي قبور فراعنة مصر ممن سبقوا فرعون موسى نحو ثلاثة آلاف عام، و لم يكن هذا الأخير ممن شيّدها، فكيف يصحّ نسبتها إليه؟! و الآية الرابعة، و كذا الخامسة، فإنّ الذي ذكره احتمال، لا نستبعد إمكان الدّلالة عليه إجمالا، لكن ليس من الحتم، فهو احتمال كسائر الاحتمالات التي تحتملها جلّ آيات الذكر الحكيم، كما

قال علي عليه السّلام: «القرآن حمّال ذو وجوه»،

لكن لا يرتبط الأمر و قضيّة إمكان الترجمة بشكل يبقى احتمالات اللفظ على حالها في الترجمة، كما هي في الأصل.

و على أيّة حال فليست الترجمة بذاتها مما يتنافى و احتمالات لفظ القرآن، إن كانت الترجمة- كما ذكره الأستاذ و جدي «1»- قائمة على أصولها حسبما عرفت.

الترجمة من الوجهة الشرعيّة

سبق أنّ الغاية من الترجمة هي الإيفاء بمفاهيم القرآن و إيضاح ما يحويه هذا الكتاب السماويّ الخالد، إيضاحا بسائر اللّغات لسائر الأمم، تقريبا لهم إلى تعاليم

(1) راجع: الأدلة العلمية، ص 31- 35.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 138

القرآن و آداب الإسلام و أحكامه و سننه، الأمر الذي لا بأس به- فضلا عن كونه من ضرورة الدعاء إلى الإسلام- ما دام لا تعتبر الترجمة قرآنا، بل ترجمة له محضا.

فلا تشملها أحكام القرآن الخاصة به، و إنما شأنها شأن التفسير الذي وضع على أساس الإيجاز و الإيفاء حسب المستطاع.

و أما

الحديث المأثور عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «تعلّموا القرآن بعربيّته»

، فإنّما

هو حثّ على تعلّم العربيّة؛ حيث عبادات الإسلام عربيّة، و على كل مسلم أن يتقنها مهما أمكن.

قال الإمام الصادق عليه السّلام: «تعلّموا العربية فإنها كلام اللّه الذي كلم به خلقه و نطق به للماضين»

و روى ابن فهد الحلي في «عدّة الداعي ص 18» عن الإمام الجواد عليه السّلام، قال: ما استوى رجلان في حسب و دين قطّ إلّا كان أفضلهما عند اللّه- عزّ و جلّ- أأدبهما. قال الراوي: قلت: قد علمت فضله عند الناس في النادي و المجلس، فما فضله عند اللّه؟ قال عليه السّلام: بقراءة القرآن كما أنزل، و دعائه من حيث لا يلحن؛ و ذلك أنّ الدعاء الملحون لا يصعد إلى اللّه.

هذا إن أريد قراءة القرآن ذاته، و ليس نهيا عن تفسيره أو ترجمته بغير لغة العرب إذا دعت الضرورة إلى ذلك، كما نبّهنا. و مع ذلك فقد أجيز القراءة بلحن غير عربي لمن يتعذر عليه التلهّج بلهجة العرب.

قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إن الرجل الأعجمي من أمّتي ليقرأ القرآن بعجميّته، فترفعه الملائكة على عربيّته» «1».

وثائق شرعيّة
اشارة

لم يبحث علماؤنا السلف رحمهم اللّه عن مسألة «ترجمة القرآن إلى سائر اللغات» بحثا مستوفى يشمل جوانب المسألة و في تمام أبعادها بتفصيل، و إنما جاء

(1) الأحاديث مستخرجة من كتاب الوسائل، ج 4، ص 866.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 139

كلامهم عن الترجمة عرضا عند التكلّم في شروط القراءة في الصلاة. و يبدو من كلماتهم هناك: أنّ الترجمة في حدّ ذاتها لا ضير فيها، و من ثم وقع البحث منهم في جواز قراءتها في الصلاة بدلا عن الفاتحة بحثا ثانويا، مفروغا عن جواز أصل الترجمة ذاتها.

كما أنه في طول حياة المسلمين،

قام رجال من أهل الفضيلة و الأدب بترجمة القرآن، تماما أو بعض آية و سورة، عرضا على أناس كانوا لا يحسنون العربية «1»، و كان ذلك بمرأى و مسمع من فقهاء الإسلام من غير نكير منهم، مما ينبؤك عن تسالمهم على الجواز، و لا سيما للهدف المذكور.

نعم صدرت- أخيرا- فتاوي بشأن جواز الترجمة، و كتب كثيرون حول المسألة، نقضا و إبراما. أما الفقهاء فقد توافقوا على الجواز، بشروط ذكروها، و قد نوّهنا عن طرف منها. و نورد هنا بعضا من تلك النظرات و الآراء:

فتوى الحجة كاشف الغطاء

جاء فيما كتبه سماحة الحجة الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء- تغمّده اللّه برحمته- جوابا على استفتاء الأستاذ عبد الرحيم محمد علي، بشأن جواز ترجمة القرآن إلى اللغات الأجنبيّة- ما نصّه-:

«إذا أمعنّا النظر في هذه القضيّة نجد أن إعجاز القرآن الذي أدهش العلماء، بل و أدهش العالم، يرجع إلى أمرين: فصاحة المباني إلى فصاحة الألفاظ، و بلاغة الأساليب و التراكيب. و الثاني قوّة المعاني. و ما في القرآن من التشريع البديع و الوضع الرفيع، و الأحكام الجامعة في صلاح البشر عامّة من العبادات و الاجتماعيّات، يعني من أوّل كتاب الطهارة إلى الحدود و الديات، بعد العقائد

(1) سوف نوفي لك عن تراجم عقيدة قام بها رجالات الإسلام منذ عهد قديم.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 140

المبرهنة في التوحيد و النبوّة و المعاد. و بالجملة فقد تكفل القرآن بصلاح عامّة البشر معاشهم و معادهم بما لم يأت بمثله أيّ كتاب سماويّ، و أيّ شريعة من الشرائع السابقة. و لا شك أنّ الترجمة مهما كانت من القوّة و البلاغة في اللّغة الأجنبيّة فإنها لا تقدر على الإتيان بها بلسان آخر، مهما

كان المترجم قويّا ماهرا في كلتا اللّغتين العربيّة و الأجنبيّة. فإذا صحّت الترجمة و لم يكن فيها أيّ تغيير و تحريف، فهي جائزة، بل نقلها واجب على المقتدر فردا كان أو جماعة؛ لأنّ فيها أبلغ دعوة للإسلام و دعاية للدّين، و يشمله قوله تعالى: وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ «1» و أيّ خير أهم و أعظم من الدعوة إلى الإسلام! و لم تزل ترجمة القرآن باللّغة الفارسيّة شائعة من زمن قديم، و لم يذكّر أحد من علمائنا الأفاضل رحمهم اللّه المنع عنها، و إذا جاز بالفارسيّة جاز بغيرها قطعا. و بهذا البيان لا حاجة إلى التمسّك بأصالة الإباحة و نحوها، فإن الأمر أوضح و أصحّ و أجلى من أن يحتاج إلى دليل أو أصل أصيل، و حسبنا اللّه و نعم الوكيل» «2».

نظرة الإمام الخوئي

لسيّدنا الأستاذ الإمام الخوئي- دام ظله- نظرة وافية بشأن ترجمة القرآن إلى سائر اللغات، ذكرها في ملحق كتابه «البيان» مع إشارة إجمالية إلى شروطها الأوّلية، و إليك نصّها:

«لقد بعث اللّه نبيّه لهداية الناس فعزّزه بالقرآن، و فيه كل ما يسعدهم و يرقى بهم إلى مراتب الكمال. و هذا لطف من اللّه لا يختصّ بقوم دون آخر، بل يعمّ

(1) آل عمران/ 104.

(2) نقلا عن رسالة «القرآن و الترجمة» بقلم الأستاذ عبد الرحيم، ص 3- 4، طبعة النجف الأشرف، 1375 ه. ق.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 141

البشر عامّة. و قد شاءت حكمته البالغة أن ينزل قرآنه العظيم على نبيّه بلسان قومه، مع أنّ تعاليمه عامّة و هدايته شاملة؛ و لذلك فمن الواجب أن يفهم القرآن كل أحد ليهتدي به. و لا شكّ أنّ ترجمته مما يعين على

ذلك، و لكنه لا بدّ أن تتوفّر في الترجمة براعة و إحاطة كاملة باللغة التي ينقل منها القرآن إلى غيرها؛ لأنّ الترجمة مهما كانت متقنة لا تفي بمزايا البلاغة التي امتاز بها القرآن، بل و يجري ذلك في كل كلام؛ إذ لا يؤمن أن تنتهي الترجمة إلى عكس ما يريد الأصل. و لا بدّ إذن في ترجمة القرآن من فهمه، و ينحصر فهمه في أمور ثلاثة: 1- الظهور اللّفظي الذي تفهمه العرب الفصحى، 2- حكم العقل الفطري السليم، 3- ما جاء من المعصوم في تفسيره. و على هذا تتطلّب إحاطة المترجم بكل ذلك لينقل منها معنى القرآن إلى لغة أخرى. و أما الآراء الشخصيّة التي يطلقها بعض المفسّرين في تفاسيرهم، و لم تكن على ضوء تلك الموازين، فهي من التفسير بالرأي و ساقطة عن الاعتبار، و ليس للمترجم أن يتّكل عليها في ترجمته. و إذا روعي في الترجمة كل ذلك، فمن الراجح أن تنقل حقائق القرآن و مفاهيمه إلى كل قوم بلغتهم؛ لأنّها نزلت للناس كافّة. و لا ينبغي أن تحجب ذلك عنهم لغة القرآن، ما دامت تعاليمه و حقائقه لهم جميعا» «1».

كتاب شيخ الأزهر

جاء في كتاب رسمي قدّمه شيخ الجامع الأزهر الأسبق الشيخ محمد مصطفى المراغي إلى رئيس مجلس الوزراء المصري عام (1355 ه. ق) ما نصّه:

«اشتغل الناس قديما و حديثا بترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللّغات المختلفة، و تولّى ترجمته أفراد يجيدون لغاتهم و لكنّهم لا يجيدون اللغة العربيّة،

(1) البيان- قسم التعليقات- رقم 5، ص 540، (ط نجف)

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 142

و لا يفهمون الاصطلاحات الإسلامية، الفهم الذي يمكنهم من أداء معاني القرآن على وجه صحيح؛ لذلك حدث في

التراجم أخطاء كثيرة، و انتشرت تلك التراجم و لم يجد الناس غيرها، فاعتمدوا عليها في فهم أغراض القرآن الكريم و فهم قواعد الشريعة الإسلاميّة، فأصبح لزاما على أمّة إسلامية كالأمّة المصريّة التي لها المكان الرفيع في العالم الإسلامي أن تبادر إلى إزاحة هذه الأخطاء، و إلى إظهار معاني القرآن الكريم نقيّة في اللغات الحيّة لدى العالم.

و لهذا العمل أثر بعيد في نشر هداية الإسلام بين الأمم التي لا تدين بالإسلام، ذلك أنّ أساس الدعوة إلى الدين الإسلامي إنما هو الإدلاء بالحجة الناصعة و البرهان المستقيم. و في القرآن من الحجج الباهرة و الأدلّة الدامغة ما يدعو الرجل المنصف إلى التسليم بالدين و الإذعان له.

و فائدة أخرى للأمم الإسلاميّة التي لا تعرف العربيّة و تشرئبّ أعناقها إلى اقتطاف ثمرات الدين من مصدرها الرفيع، فلا تجد أمامها إلّا تراجم قد ملئت بالأخطاء. فإذا ما قدّمت لها ترجمة صحيحة تصدرها هيئة لها مكانتها الدينيّة في العالم، اطمأنّت إليها و ركنت إلى أنّها تعبّر عن الوحي الإلهي تعبيرا دقيقا.

و نرى أنّ عهد حضرة صاحب الجلالة الملك فؤاد الذي تمّت فيه أعمال جليلة لخير الإسلام و المسلمين، خليق بأن يتمّ هذا المشروع الجليل، أطال اللّه بقاء جلالته نصيرا للعلم و الدين.

لذلك أقترح: أن يقرّر مجلس الوزراء ترجمة معاني القرآن الكريم ترجمة رسميّة، على أن تقوم بذلك مشيخة الأزهر بمساعدة وزارة المعارف، و أن يقرّر مجلس الوزراء الاعتماد اللازم لذلك المشروع الجليل، فأرجو النظر في هذا ..».

و هناك كتاب رسمي آخر من وزير المعارف المصريّة إلى رئيس مجلس

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 143

الوزراء، بشأن تأييد كتاب شيخ الأزهر و التأكيد من إنجاز الطلب «1».

فتوى علماء الأزهر

قدّم إلى هيئة علماء

الأزهر استفتاء بشأن ترجمة القرآن إلى سائر اللغات، ضمّنه الشروط المقرّرة لهذا المشروع. فكان الجواب هي الموافقة الصريحة.

و إليك نصّ الاستفتاء مشفوعا بجوابه:

«ما قول السادة أصحاب الفضيلة العلماء في السؤال الآتي بعد ملاحظة المقدمات الآتية؟

1- لا شبهة في أنّ القرآن الكريم اسم للنظم العربي الذي نزل على سيدنا محمد بن عبد اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و لا شبهة أيضا في أنه إذا عبّر عن معاني القرآن الكريم بعد فهمها من النّص العربى بأيّة لغة من اللغات، لا تسمّى هذه المعاني و لا العبارات التي تؤدّى هذه المعاني قرآنا.

2- و ممّا لا خلاف فيه أيضا أنّ الترجمة اللفظيّة، بمعنى نقل المعاني مع خصائص النظم العربي المعجز مستحيلة.

3- وضع الناس تراجم للقرآن الكريم بلغات مختلفة اشتملت على أخطاء كثيرة، و اعتمد على هذه التراجم بعض المسلمين الذين لا يعرفون اللغة العربيّة، و بعض العلماء من غير المسلمين ممّن يريد الوقوف على معاني القرآن الكريم.

4- و قد دعا هذا التفكير في نقل معاني القرآن الكريم إلى اللغات الأخرى على الوجه الآتي: يراد- أولا- فهم معاني القرآن الكريم بوساطة رجال من خيرة علماء الأزهر الشريف، بعد الرجوع لآراء أئمة المفسّرين، و صوغ هذه المعاني بعبارات دقيقة محدودة. ثم نقل المعاني التي فهمها العلماء، إلى اللّغات الأخرى،

(1) راجع: كتاب «حدث الأحداث» للشيخ محمد سليمان، ص 33- 35.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 144

بوساطة رجال موثوق بأماناتهم و اقتدارهم في تلك اللغات؛ بحيث يكون ما يفهم في تلك اللغات من المعاني هو ما تؤدّيه العبارات العربيّة التي يضعها العلماء.

فهل الإقدام على هذا العمل جائز شرعا أو هو غير جائز؟

هذا مع العلم بأنه سيوضع تعريف

شامل يتضمّن أنّ الترجمة ليست قرآنا، و ليس لها خصائص القرآن، و ليست هي ترجمة كل المعاني التي فهمها العلماء، و أنه ستوضع الترجمة وحدها بجوار النّص العربي للقرآن الكريم».

و جاء الجواب ما نصّه:

«الحمد للّه و الصلاة و السلام على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و بعد فقد اطّلعنا على جميع ما ذكر بالاستفتاء المدوّن بباطن هذا، و نفيد بأن الإقدام على الترجمة على الوجه المذكور تفصيلا في السؤال، جائز شرعا، و اللّه سبحانه و تعالى أعلم».

و قد وقّعه كبار علماء الأزهر و أسماؤهم كما يلى:

محمود الدنياوي عضو جماعة كبار العلماء، و شيخ معهد طنطا.

عبد المجيد اللبّان شيخ كلية أصول الدين، و عضو جماعة كبار العلماء.

إبراهيم حمروش شيخ كلية اللغة العربية و عضو جماعة كبار العلماء.

محمد مأمون الشناوي شيخ كلية الشريعة و عضو جماعة كبار العلماء.

عبد المجيد سليم مفتي الديار المصريّة و عضو جماعة كبار العلماء.

محمد عبد اللطيف الفحّام وكيل الجامع الأزهر و عضو جماعة كبار العلماء.

دسوقي عبد اللّه البدري عضو جماعة كبار العلماء.

أحمد الدلبشاني عضو جماعة كبار العلماء.

يوسف الدجوي عضو جماعة كبار العلماء.

محمد سبيع الذهبي شيخ الحنابلة و عضو جماعة كبار العلماء.

عبد الرحمن قراعة عضو جماعة كبار العلماء.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 145

أحمد نصر عضو جماعة كبار العلماء.

محمد الشافعي الظواهري عضو جماعة كبار العلماء.

عبد الرحمن عليش الحنفي عضو جماعة كبار العلماء.

و عقّب شيخ الجامع الأزهر محمد مصطفى المراغي على الفتوى المذكورة بالنص التالي، و أبدى موافقته لهم في الجواب. و هذا نصّه:

«بسم اللّه الرّحمن الرّحيم. وجّهت هذا السؤال إلى حضرات أصحاب الفضيلة جماعة كبار العلماء. و إنّي أوافقهم على ما رأوه».

رئيس جماعة كبار العلماء محمد مصطفى

المراغي

قرار مجلس الوزراء المصري

أقرّ مجلس الوزراء المصري المشروع و وافق عليه، و أدخل عليه عشرة آلاف جنيه في ميزانيّة السّنة الجديدة، لتنفيذ بعضها في ميزانية وزارة المعارف، و بعضها في ميزانية الجامع الأزهر، و بعضها في ميزانية المطبعة الأميريّة. و أصبح المشروع نافذ المفعول من الوجهة القانونيّة، و استوفى الإجراءات من الناحيتين العلمية و الرسميّة، و هذا قرار مجلس الوزراء المصري كما يلي:

«بعد الاطلاع على كتاب فضيلة شيخ الجامع الأزهر، و كتاب سعادة وزير المعارف العموميّة، بشأن ترجمة معاني القرآن الكريم، و مع تقدير مجلس الوزراء لمشقّة هذا العمل و صعوبته، و منعا لإضرار التراجم المنتشرة إلى الآن، رأى بجلسته المنعقدة في (12 آبريل/ 1936 م) الموافقة على ترجمة معاني القرآن الكريم، ترجمة رسمية تقوم بها مشيخة الجامع الأزهر، بمساعدة وزارة المعارف

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 146

العموميّة؛ و ذلك وفقا لفتوى جماعة كبار العلماء، و أساتذة كليّة الشريعة». «1»

محاولة دون تنفيذ القرار

تكتّلت الجماعة المعارضة بزعامة الشيخ محمد سليمان نائب المحكمة الشرعيّة العليا، و قاومت المشروع مقاومة عنيفة. و انحاز إليهم شخصيّات كبيرة، أمثال الشيخ محمد الأحمدي الظواهري، شيخ الجامع الأزهر السابق و العضو في هيئة كبار العلماء، فلم يشهد الاجتماع الذي عقدته هيئة كبار العلماء لإقرار المشروع، و لم يوافق عليه، أضف إلى ذلك أنه أرسل كتابا إلى علي ماهر پاشا رئيس الوزارة السابقة، يحمله على رفض المشروع.

و عقد مقاومو المشروع اجتماعات، و أسّسوا جمعيّة لمقاومته، و وزّعوا بعض نشرات، و طافوا بمضابط في الأسواق، يسألون الناس توقيعها، فوقّعها كثيرون يعدّون بالألوف، و رفعوها إلى البرلمان. و أصدر فريق كبير من العلماء فتوى ضدّ المشروع، و في مقدّمتهم الشيخ موسى الغراوي رئيس المحكمة الشرعيّة العليا السابق،

و غيره من قضاة المحاكم الشرعيّة و رؤسائها، و رفعوها إلى البرلمان.

و تألّف حزب في البرلمان، بزعامة الشيخ عباس الجمل المحامي الشرعي، يضمّ عددا كبيرا من النّواب و الشيوخ لمقاومة المشروع، و الإلحاح بحذف المخصّصات المرصدة له في الميزانيّة.

و أرسل فريق من أهل الشام و فلسطين و العراق كتبا إلى رئيس الوزراء (النحاس پاشا) يطلبون إليه بكل إلحاح و يستحلفونه باسم الإيمان الذي يملأ صدره و باسم القرآن و الدين، أن يحول دون ترجمة القرآن.

(1) حدث الأحداث، ص 40.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 147

فكانت مغبّة هذه النعرات المعارضة أن حالت دون تحقيق المشروع و أوقفته و شيك تنفيذه. و قام النحّاس پاشا بحلّ المشكلة شكليّا، فقرّر ترجمة تفسير جديد للقرآن دون ترجمة نفسه؛ و بذلك حاول إرضاء كلا الفريقين ظاهريّا، و تخلّص بنفسه عن خوض المعركة، فانتهت بهذا الشكل الاسمي الباهت! «1».

مناقشات فقهيّة

سبق أنّ فقهاء الإماميّة متّفقون على أنّ الترجمة ليست قرآنا، ذلك الكتاب العلي الحكيم، الذي لا يمسّه إلّا المطهّرون. فبالتالي لا تجري عليها الأحكام الخاصة بالقرآن، التي منها جواز القراءة بها في الصلاة. و قد عرفت كلام المحقق الهمداني: عدم إجزاء الترجمة عن القراءة في الصلاة، حتى للعاجز عن النطق بالعربية. و هذا إجماع من علمائنا- قديما و حديثا- أن الترجمة ليست قرآنا إطلاقا.

أما سائر المذاهب، فقد ذهب أبو حنيفة إلى جواز قراءة الترجمة بدلا عن القرآن نفسه، مطلقا سواء أقدر على العربية أم عجز عنها، و استدل على ذلك بأن القرآن الواجب قراءته في الصلاة، هي حقيقة القرآن و معناه الذي نزل على قلب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لقوله تعالى: وَ إِنَّهُ لَفِي زُبُرِ

الْأَوَّلِينَ «2»، إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى «3»، و الضمير في «أنه»، و الإشارة في «إنّ هذا» إنما هو للقرآن، و معلوم أنه لم يكن في تلك الصحف إلّا معانيه.

(1) راجع: مجلّة الرابطة العربيّة المصرية. صفر و ربيع الأول سنة 1355 ه. ق. يونيو سنة 1936 م.

(2) الشعراء/ 196.

(3) الأعلى/ 18- 19.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 148

و أيضا قوله تعالى: وَ أُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَ مَنْ بَلَغَ «1». و إنما ينذر كل قوم بلسانهم «2». و زاد السرخسي استدلال أبي حنيفة بما روى أن الفرس كتبوا إلى سلمان الفارسي، أن يكتب لهم الفاتحة بالفارسية، فكانوا يقرءون ذلك في صلاتهم حتى لانت ألسنتهم للعربية «3».

أمّا صاحباه (أبو يوسف و محمد) فقد أجازا قراءة الترجمة للعاجز عن العربية دون القادر عليها، و بذلك أفتى الشيخ محمد بخيت مفتي الديار المصريّة في فتوى له لأهل الترانسفال، قال فيها: «و تجوز القراءة و الكتابة (أي للقرآن) بغير العربيّة للعاجز عنها، بشرط أن لا يختل اللفظ و لا المعنى. فقد كان تاج المحدّثين الحسن البصري يقرأ القرآن في الصلاة بالفارسيّة! لعدم انطلاق لسانه باللّغة العربيّة» و قد أرسل بها إلى مسلمي الترانسفال سنة (1903 م) و نشرتها مجلة المنار في ذلك الحين «4».

و بقية المذاهب وافقوا الإماميّة في المنع إطلاقا، فلا يجوز عندهم قراءة الفاتحة بغير العربيّة على كل حال «5».

(1) الأنعام/ 19.

(2) راجع: المغني لابن قدامة، ج 1، ص 526. و مدارك الأحكام للعاملي، ج 3، ص 341. و رسالة ترجمة القرآن للمراغي، ص 9.

(3) المبسوط للسرخسي، ج 1، ص 37. و في رواية

تاج الشريعة الحنفي زيادة «فكتب (بسم اللّه الرحمن الرحيم: بنام يزدان بخشاونده ...) و بعد ما كتب ذلك، عرضه على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم» (حاشية الهداية لتاج الشريعة ج 1، ص 86. طبع دلهي، 1915 م)، معجم مصنفات القرآن لشواخ، ج 2، ص 12.

(4) محمد فريد و جدي في الأدلّة العلمية، ص 61.

(5) راجع الفقه على المذاهب الأربعة، ج 1، ص 230.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 149

و هكذا أفتى الشيخ محمد مصطفى المراغي شيخ الجامع الأزهر (1932 م) بالجواز للعاجز عن العربيّة.

قال- في رسالته التي كتبها بهذا الشأن-: «و أنتهي من البحث في هذه المسألة إلى ترجيح رأي قاضي خان و من تابعه من الفقهاء، و هو وجوب القراءة في الصلاة بترجمة القرآن للعاجز عن قراءة النظم العربي».

و قال- ردّا على المانعين و منهم صاحب الفتح-: «إن حجّة المانع هو أن ترجمة القرآن ليست قرآنا، و ما كان كذلك كان من كلام الناس، فهو مبطل للصلاة.

قال: و هذا الاستدلال غير صحيح؛ لأنّ الترجمة و إن كانت غير قرآن، لكنها تحمل معاني كلام اللّه، لا محالة. و معاني كلام اللّه ليست كلام الناس. قال: و عجيب أن توصف معاني القرآن بأنها من جنس كلام الناس، بمجرّد أن تلبس ثوبا آخر غير الثوب العربي، كأنّ هذا الثوب هو كل شي ء» «1».

قال السيد محمد العاملي- في شرح كلام المحقق الحلّي: «و لا يجزئ المصلي ترجمتها»-:

«هذا الحكم ثابت بإجماعنا، و وافقنا عليه أكثر علماء سائر المذاهب، لقوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا «2»؛ و لأن الترجمة مغايرة للمترجم، و إلّا لكانت ترجمة الشعر شعرا» «3».

و أمّا استدلال أبي حنيفة بأنه جاء

ذكر القرآن في «زبر الأولين» و في

(1) بحث في ترجمة القرآن للمراغي، ص 32.

(2) يوسف/ 2.

(3) مدارك الأحكام في شرح شرايع الإسلام، ج 3، ص 341.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 150

«الصحف الأولى»، فهذا يعني وصفه و نعته، و ليس نفسه. قال الطبرسي: أي و أنّ ذكر القرآن و خبره جاء في كتب الأوّلين على وجه البشارة به و بمحمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لا بمعنى أنه تعالى أنزله على غير محمد «1».

و قال- في آية الصحف الأولى-: يعني أنّ هذا الذي ذكر من فلاح المتزكّي إلى تمام ما في الآيات الأربع، لفي الكتب الاولى. فقد جاء فيها ذكر فلاح المصلي و المتزكّي و إيثار الناس الحياة الدنيا على الآخرة، و أن الآخرة خير و أبقى. «2»

و هذا لا يعني نفس الكتاب و أنه مذكور بذاته في تلك الصحف، ليستلزم ذلك أن يكون ذكر المعاني ذكرا للقرآن نفسه.

و قال السيد العاملي- في آية البلاغ-: الإنذار بالقرآن لا يستلزم نقل اللفظ بعينه؛ إذ مع إيضاح المعنى يصدق أنه أنذرهم به، بخلاف صورة النزاع «3». يعني أنّ هناك فرقا بين قولنا: أنذر بهذا القرآن، و قولنا: اقرأ بهذا القرآن. فإنّ الأول لا يستدعي حكاية نفس القرآن و نقله بالذات إلى المنذرين، بل يكفي تخويفهم بما يستفاد من القرآن من الوعد و الوعيد. و هذا بخلاف الثاني المستلزم تلاوة نفسه كما في قراءة الصلاة.

قال ابن حزم: «و من قرأ أم القرآن أو شيئا منها أو شيئا من القرآن، في صلاته مترجما بغير العربيّة، أو بألفاظ عربيّة غير الألفاظ التي أنزل اللّه تعالى، عامدا لذلك، أو قدّم كلمة أو أخّرها

عامدا لذلك، بطلت صلاته، و هو فاسق؛ لأن اللّه

(1) مجمع البيان، ج 8، ص 204.

(2) المصدر السابق، ج 10، ص 476.

(3) المدارك، ج 3، ص 341.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 151

تعالى قال: «قُرْآناً عَرَبِيًّا» و غير العربي ليس عربيّا، فليس قرآنا. و إحالة رتبة القرآن «1» تحريف كلام اللّه تعالى، و قد ذمّ اللّه تعالى قوما فعلوا ذلك، فقال:

«يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ».

«و قال أبو حنيفة: تجزئة صلاته. و احتج له من قلّده بقول اللّه تعالى: «وَ إِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ».

«قال علي «2»: لا حجة لهم في هذا؛ لأن القرآن المنزل علينا على لسان نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لم ينزل على الأوّلين، و إنما في زبر الأوّلين ذكره و الإقرار به فقط، و لو أنزل على غيره عليه السّلام لما كان آية له و لا فضيلة له، و هذا لا يقوله مسلم.

«و من كان لا يحسن العربية فليذكر اللّه تعالى بلغته؛ لقوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها «3». و لا يحلّ له أن يقرأ أمّ القرآن و لا شيئا من القرآن مترجما على أنه الذي افترض عليه أن يقرأه؛ لأنه غير الذي افترض عليه كما ذكرنا، فيكون مفتريا على اللّه تعالى» «4».

و أما فتوى الشيخ محمّد بخيت لأهل الترانسفال، فقد تشابه عليه الحسن بصاحبه؛ لأن الذي كان يقرأ في الصلاة بالفارسية هو حبيب العجمي صاحب الحسن البصري.

قال- في شرح مسلّم الثبوت-: «يجوز القرآن بالفارسية للعذر- و هو عدم العلم بالعربية و عدم انطلاق اللسان بها- و قد سمعت من بعض الثقات أن تاج

(1) أي تحويل نظم القرآن و

تغيير ترتيبه اللفظي.

(2) يريد نفسه: علي بن أحمد بن سعيد بن حزم. توفي 456.

(3) البقرة/ 286.

(4) المحلّى لابن حزم، ج 3، ص 254، المسألة رقم 367، من كتاب الصلاة.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 152

العرفاء و الأولياء الحبيب العجمي صاحب تاج المحدثين و إمام المجتهدين الحسن البصري كان يقرأ في الصلاة بالفارسية لعدم انطلاق لسانه باللغة العربيّة» «1».

و أما حديث ترجمة سلمان للفاتحة، و قراءة الفرس لها في صلاتهم، فلم نعثر على مستند له وثيق، و إنما أرسله السرخسي عن أبي حنيفة إرسالا، لا يعلم مصدره. و لعل الترجمة- على فرض الثبوت- كانت لمجرد العلم بمعناها لا للقراءة بها في الصلاة!

ترجمة القرآن ضرورة دعائية
اشارة

و بعد، فإذ قد جازت ترجمة القرآن في حدّ ذاتها، ترجمة معنويّة وافية بإفادة معاني القرآن كملا، فعندئذ نقول:

إنّ ترجمة القرآن إلى سائر اللغات أصبحت ضرورة دينية و واجبا إسلاميا عامّا (وجوبا بالكفاية) و كان من وظيفة كل مسلم يحمل رسالة اللّه في طيّات وجوده، أن يهتمّ بهذا الأمر الذي يمسّ صميم الإسلام، لغرض انتشار الدعوة و بثّ تعاليم الإسلام عبر الخافقين.

الإسلام دين البشرية عامّة وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَ نَذِيراً «2»، تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً «3» فلا يخصّ أمّة دون أخرى و لا جيلا دون جيل، و كان في ذمّة كل مسلم متعهّد بدينه الاهتمام ببثّ الدعوة و نشرها بين الملأ، وظيفة دينيّة في الصميم

(1) رسالة المراغي في الترجمة، ص 17.

(2) سبأ/ 28.

(3) الفرقان/ 1.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 153

وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ أُولئِكَ

هُمُ الْمُفْلِحُونَ «1». وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً «2».

و لا شك أنّ القرآن هو السند الوثيق الوحيد لبناء الدعوة و نشر تعاليم الإسلام، و قد نزل بيانا للناس هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَ هُدىً وَ مَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ «3» فكان حقيقا أن يبيّن للناس وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ «4».

فالمنع عن ترجمته و بثّها بين الناس كتمان لما أنزله اللّه من البيّنات و الهدى إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَ الْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ «5».

قال تعالى- عن لسان نبيه-: وَ أُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَ مَنْ بَلَغَ «6».

إنّ في القرآن مقاصد عالية و مطالب سامية، هي ذوات أهداف عالمية كبرى عبر الآفاق و مرّ الأيام، يجب بثها و الإعلام بها لكافة الأنام، مما لا يتم إلا بتعميم نشر القرآن و عرضه على العالمين جميعا، الأمر الذي لا يمكن إلّا بترجمة معانيه إلى كل اللغات الحيّة في العالم كله.

(1) آل عمران/ 104.

(2) البقرة/ 143.

(3) آل عمران/ 138.

(4) النحل/ 44.

(5) البقرة/ 159.

(6) الأنعام/ 19.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 154

أما و لو أهملت هذه الأمة بالقيام بهذه المهمّة، و تقاعست عن الإتيان بواجبها الديني الفرض، و قصّرت دون أداء رسالة اللّه في الأرض، فإنّ اللّه تعالى سوف يستبدل بهم قوما غيرهم ثم لا يكونوا أمثالهم وَ إِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ «1».

و قد عرفت أنّ الأوائل كانوا يجيزون ترجمة معاني القرآن لأقوام كانوا جديدي عهد بالإسلام، ممن لم

تكن لهم سابقة إلمام باللغة العربية، فكانت تعرض عليهم الآية مصحوبة بترجمتها؛ لغرض إفهام معاني الذكر الحكيم و بيان مقاصده و تعاليمه الرشيدة لملأ الناس.

لا شك أنّ في الهجرة الأولى (إلى الحبشة) حيث عرضت آي من القرآن الكريم على حاضري مجلس النجاشي من الوزراء و أعيان الدولة، قد ترجمت ما تليت من آي الذكر الحكيم، باللغة الحبشية (الأمهريّة)؛ إذ لم يكن الحضور يحسنون العربية بطبيعة الحال، و في ذلك يقول صدر الأفاضل: و إني اعتقد أن جعفر بن أبي طالب عليه السّلام كان يجيد اللغة الحبشية، و هو الذي قام بترجمة الآيات التي تلاها حينذاك من سورة مريم «2»، فكان ذلك التأثير العجيب في نفوس القوم و لا سيما النجاشي نفسه؛ حيث قال: «و اللّه إن كلام محمد، لا يختلف شيئا عن تعاليم سيدنا المسيح ...»، و بكى بكاء شديدا.

و هكذا لما طلب الراجا (رائك مهروق)- الذي كان أميرا على منطقة الرور- من عبد اللّه بن عمر بن عبد العزيز، مندوب الحكومة الإسلامية هناك سنة

(1) محمد/ 38.

(2) عن مقال له في مجلة التوحيد، السنة الثانية، العدد 9، ص 216.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 155

(230 ه. ق) أن يفسّر القرآن له، أي يترجمه بالهندية. و عند إنجاز الطلب على يد كاتب قدير، يقول المترجم: فانتهيت من التفسير إلى سورة (يس) حتى وصلت إلى الآية قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ. قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ «1». قال: فلمّا فسرت له هذا- أي ترجمته له باللغة السنسكرتية (الهندية القديمة) خرّ من سريره على الأرض واضعا خدّه عليها و هي مبتلّة، فتأثر وجهه من بلّة الأرض،

و قال- باكيا-: «هذا هو الربّ المعبود، و الذي لا يشبه شي ء». و كان قد أسلم سرّا، فكان بعد ذلك يخلو بنفسه في بيت عزلة يعبد اللّه و يناجي ربه سرّا «2».

هذا من ناحية، و من ناحية أخرى أنّ كثيرا من الناس قاموا- في زعمهم- ينقل القرآن إلى لغات كثيرة و ترجمات متعدّدة، قد بلغت المآت في خمس و ثلاثين لغة حيّة في العالم المتمدّن اليوم. و قد طبعت بعض هذه التراجم عدة طبعات بل عشرات الطبعات، فقد طبعت الترجمة الإنجليزية التي قام بها (سيل) أكثر من أربعين مرّة. و هكذا بالنسبة إلى تراجم فرنسيّة و ألمانيّة و إيطاليّة و فارسيّة و تركيّة و أورديّة و صينيّة و جاويّة، إلى غيرها من لغات العالم الحيّة.

و من هؤلاء المترجمين من يحمل عداء للإسلام و المسلمين عداوة ظاهرة، و منهم من تعوّزه كفاءة المقدرة على ترجمة تامة، وافية بمعاني القرآن، و هذا الأخير لا يقلّ ضرره عن الأوّل الذي يتعمّد الدسّ و التزوير. فمن هذا و ذاك قد

(1) يس/ 78- 79.

(2) المصدر نفسه و راجع كتاب (عجائب الهند)، طبعة ليدن 1883 م لمؤلفه بزرك. و كان عائشا حتى سنة (339 ه. ق)

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 156

حصل تحريف في معاني القرآن كثيرا، الأمر الذي يعود ضرره في نهاية المطاف إلى كيان الإسلام و المسلمين، فضلا عن الأخطاء الفاحشة التي وقعت في هكذا تراجم، قام بها غير الأهل.

إذن ينبغي أن لا نقف- نحن أبناء الإسلام و دعاته- مكتوفي الأيدي ملجمين بلجام العار و الشغار، مصمّمي الإخوان تجاه هذه الحوادث الفادحة و الحقائق المرّة الماثلة بين أيدينا، نحن المسلمين.

و قد تصدّى لترجمة القرآن- لغرض خبيث-

قبل ثمانية قرون، مطران مسيحيّ يدعى «يعقوب بن الصليبي» ترجمه إلى السريانية، و نشرت خلاصتها سنة (1925 م) و تابع هذا المطران أحبار و رهبان كانوا أسبق من غيرهم في هذا الميدان، و اللّه أعلم بما يبيّتون «1».

قال العلامة أبو عبد اللّه الزنجاني: و ربما كانت أوّل ترجمة إلى اللغة اللاتينية- لغة العلم في أروپا- و ذلك سنة (1143 م) بقلم «كنت» الذي استعان في عمله ببطرس طليطلي و عالم ثان عربي، و كان الغرض من الترجمة عرضه على «دي كلوفي» و بقصد الردّ على القرآن الكريم، و في عام (1594 م) أصدر «هنكلمان» ترجمته، و جاءت على الأثر (1598 م) طبعة مرانشى مصحوبة بالردود «2».

و بعد، فأيّ عذر يبديه زعماء الأمّة تجاه هذا التلاعب بأساس الدين؟! و ما هو المبرّر للسكوت أمام هذا التناوش المقيت بمقدّسات الإسلام من قريب و بعيد، لو لا قيام المضطلعين بأعباء رسالة الإسلام- حفظا على ناموس الدين- فيستعيدوا نشاطهم بأمر الشريعة الغرّاء، و يؤلّفوا لجنة مركزيّة من علماء مبرّزين،

(1) المصدر نفسه.

(2) تاريخ القرآن للزنجاني، ص 69.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 157

فيقدّموا إلى العالم تراجم صحيحة من القرآن الكريم، معترفا بها رسميّا من مراجع دينية صالحة؛ فيكون ذلك مكافحة صريحة مع تلكم المناوشات الخبيثة، و مقابلة عملية تجاه أعداء الإسلام.

و سنوفّي لك نماذج خاطئة في نهاية المقال دليلا على ضرورة القيام بهذه المقابلة الإيجابيّة.

تراجم إسلامية عريقة

قد عرفت حديث ترجمة (سلمان الفارسي) لسورة الحمد، بطلب من فرس اليمن المسلمين «1». و هكذا قام دعاة الإسلام و علماء المسلمين بتراجم لسور و آيات قرآنية، لغرض إفهام معانيها لسائر الأمم ممن دخلوا في الإسلام، و كانوا لا يحسنون فهم العربية

آنذاك.

و أضخم هيئة علمية قامت بترجمة القرآن، مصحوبة بترجمة أكبر موسوعة تفسيريّة، في أواسط القرن الرابع للهجرة، هم علماء ما وراء النهر (شرقيّ بلاد إيران) بطلب من السلطان منصور بن نوح الساماني (350- 365) و ذلك لمّا أن أرسل إليه التفسير الكبير (جامع البيان) لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري (توفّي سنة 310) في أربعين مجلدا ضخما، فاستعظمه و أكبر من شأنه، لكنه تأسّف على عدم إمكان استفادة شعبه من هذا التفسير العظيم، فاستفتى- أوّلا- جميع علماء و فقهاء ما وراء النهر (بلخ و بخارى و باب الهند و سمرقند و سپيجاب و فرغانة ...) في جواز الترجمة، فأجازوه جميعا. فطلب منهم أن

(1) المبسوط للسرخسي، ج 1، ص 37. و تقدم- في الهامش- عن تاج الشريعة الحنفي: أنه ترجم البسملة ب «بنام يزدان بخشاونده ... الخ ..» ثم عرضها على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم (معجم مصنفات القرآن لشواخ، ج 2، ص 12).

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 158

ينتدب منهم من يصلح لهذا الشأن. فاجتمع لفيف من العلماء المعروفين من تلك الديار، فترجموا القرآن بدء، ثم التفسير بكامله. و يوجد من نسخ هذه الترجمة في مكتبات العالم ما فوق العشرة، و طبع منها سنة () في إيران- طهران- نسخة صحيحة في طباعة جيّدة.

و قد وضع- في النسخ المخطوطة- نص القرآن الكريم- في عدد من آياته- أوّلا، ثم ترجمته، و أخيرا ترجمة التفسير. لكن النسخة المطبوعة أهملت ذكر النص، و اكتفت بترجمة الآيات مسبقا ثم ترجمة التفسير، الأمر الذي يؤخذ على مسئول الطبع، و لا يقبل منه اعتذاره غير العاذر «1».

و إليك نصّ ما جاء في مقدمة الأصل (الترجمة السامانيّة):

«اين كتاب تفسير بزرگ است، از روايت محمد بن جرير الطبري، ترجمه كرده بزبان پارسى و درى راه راست. و اين كتاب بياوردند از بغداد چهل مصحف بود. اين كتاب نبشته بزبان تازى و به اسنادهاى دراز بود. و بياوردند سوى امير سعيد مظفّر ابو صالح منصور بن نوح بن نصر بن احمد بن اسماعيل ... پس دشخوار آمد بر وى خواندن اين كتاب و عبارت كردن آن بزبان تازى، و چنان خواست كه مر اين را ترجمه كند بزبان پارسى.

پس علماء ما وراء النهر را گرد كرد و اين از ايشان فتوى كرد كه روا باشد خواندن و نبشتن تفسير قرآن بپارسى، مر آن كس را كه او تازى نداند؟ از قول خداى عزّ و جل كه گفت: وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ «2» گفت: من هيچ پيغامبرى را نفرستادم مگر بزبان قوم او و آن زبانى كه ايشان دانستند ... و اينجا

(1) راجع مقدمة الناشر، ص 14.

(2) إبراهيم/ 4.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 159

بدين ناحيت زبان پارسى است، و ملوكان اين جاى ملوك عجم اند. پس بفرمود ملك مظفّر ابو صالح تا علماى ما وراء النهر را گرد كردند از شهر «بخارا» چون فقيه ابو بكر بن احمد بن حامد، و چون خليل بن احمد سجستانى. و از شهر «بلخ» ابو جعفر بن محمد بن على. و از «باب الهند» فقيه الحسن بن على مندوس را، و ابو الجهم خالد بن هانى المتفقه را. و هم ازاين گونه از شهر «سمرقند» و از شهر «سپيجاب» و «فرغانه» و از هر شهرى كه بود در ماوراء النهر. و همه

خطبها بدادند بر ترجمه اين كتاب، كه اين راه راست است.

پس بفرمود امير سعيد ملك مظفر ابو صالح اين جماعت را تا ايشان از ميان خويش هركدام فاضل تر و عالم تر اختيار كنند تا اين كتاب را ترجمه كنند، پس ترجمه كردند. «1»

و لعلّ أقدم ترجمة رسمية للقرآن، قام بها رجال الحكم، هي التي وقعت بطلب من الراجا (رائك مهروق) في مقاطعة (الرور) من بلاد السند. طلب من عبد اللّه بن عمر بن عبد العزيز- و كان واليا هناك سنة (230)- أن يترجم له معاني القرآن، فأمر عبد اللّه بن عمر أحد العلماء العرب ممن كانوا يجيدون لغة الهند القديمة (السنسكريتية) هناك، فترجم له حسبما مرّت عليك «2».

و ترجمة فارسية أخرى قام بها الفقيه الحنفي أبو حفص نجم الدين عمر بن

(1) ترجمة الطبري، ص 5- 6.

(2) عن كتاب (عجائب الهند) للسائح السندهي (بزرگ شهريار) و كان عائشا حتى عام (339 ه. ق)

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 160

محمد النسفي «1» (462- 538) من علماء ماوراء النهر. له تفسير لطيف باللغة الفارسية، يبدأ فيه بترجمة الآية ثم تفسيرها على أسلوب بديع.

و للخواجه عبد اللّه الأنصاري تفسير فارسي للقرآن الكريم وصفه على أسلوب الذوق العرفاني، و كان موجزا و مختصرا فشرحه و أضاف إليه أبو الفضل رشيد الدين الميبدي عام (520) يبدأ بالترجمة ثم بالتفسير في تنوع لطيف و سمّاه (كشف الأسرار و عدة الأبرار) طبع أخيرا في عشر مجلدات كبار. و سيأتي شرحه عند الكلام عن تفاسير أهل العرفان.

و للخواجه- عند تفسير قوله تعالى: وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ «2»- استظهار لطيف بجواز تبليغ القرآن إلى سائر الأمم

بلغاتهم، نظرا لأنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مبعوث إلى كافة الناس، و يستشهد على ذلك بعدّة من الأدلّة لإثبات مطلوبه.

و الأحسن الأكمل من الجميع تفسير مبسّط باللغة الفارسية، قام بها العلم العلّامة جمال الدين أبو الفتوح الحسين بن علي بن محمد بن أحمد الرازي، من أحفاد نافع بن بديل بن ورقاء الخزاعي، من صحابة الرسول الأكرم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم. قام بهذا التفسير و أكمله- في عشر مجلدات ضخام- في المنتصف من القرن السادس للهجرة.

(1) و (نسف) و يقال لها: (نخشب) بلدة عامرة واقعة على طريق بلخ إلى بخارا.

و هذا غير تفسير النسفي لأبي البركات عبد اللّه بن أحمد بن محمود النسفي.

(2) إبراهيم/ 4.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 161

يبدأ فيه بالنص العربي، ثم ترجمته تحت اللفظ، ثم التفسير. و يعدّ من أفصح النثر الفارسي القديم في أسلوب رائع و جيّد للغاية، مع البسط و الشرح لمناحي معاني الآيات، بصورة مستوعبة و مستوفاة. و هو من أكبر الذخائر الإسلامية العريقة. طبع هذا التفسير القيم في إيران عدة طبعات أنيقة، و قد اعتنى به العلماء الأفذاذ.

و لنظام الدين الحسن بن محمد القمي النيسابوري (728) تفسير بديع باسم (غرائب القرآن و رغائب الفرقان) يترجم الآية أوّلا باللغة الفارسية، ثم التفسير بالعربي، و يتعرّض للتفسير الظاهري، و يعقبه بالتفسير الباطني على أسلوبه العرفاني المعروف. و قد طبع هذا التفسير مع حذف الترجمة في مصر على هامش الطبري، لكن النسخ المخطوطة و المطبوعة في الهند و إيران مشتملة عليها.

كيفية ترجمة القرآن

تبيّن- ضمن المباحث السابقة- أسلوب الترجمة الذي نتوخّاه، و هو:

أن يعمد المترجم إلى آية آية من القرآن، وفق الترتيب الموجود، فيستجيد-

أوّلا- فهم مضامينها عن دقة و إمعان، بما فيها من دلالات أصليّة و دلالات تبعيّة لفظية، دون الدلالات التبعيّة العقليّة؛ اذ التصدّي لهذه الأخيرة شأن التفسير دون الترجمة.

فيفرغ المستفاد من كل آية، في قالب لفظي من اللغة المترجم إليها. و يتحرّى الكلمات التي تفي بتأدية المعاني التي كانت ألفاظ الأصل تؤدّيها، وفاء كاملا حتى في الدلالات التبعيّة اللفظية مهما أمكن، و إلّا فيحاول تأديتها أيضا و لو بمعونة

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 162

قرائن؛ لينعكس المعنى في الترجمة كما هو في الأصل. كما يحاول- مبلغ جهده- أن لا يصطدم القالب اللفظي المشابه للأصل بشي ء من التحوير أو التحريف.

و هذه الكيفية من الترجمة- التي تحافظ على سلامة المعنى بالدرجة الأولى- قد تستدعي تبديلا في مواضع بعض الألفاظ و التعابير- من تقديم أو تأخير- أو تغييرا في روابط كلامية معمولة في الأصل، و في الترجمة على سواء.

كما قد تستدعي زيادة لفظة في التعبير؛ لغرض الوفاء بأصل المراد تماما. الأمر الذي لا بأس به، ما دامت الغاية هي المحافظة على سلامة المعنى.

غير أن الأولى أن يضع اللفظ المزيد بين قوسين، فلا يلتبس على القارئ هذه الزيادة مع ألفاظ الأصل.

و بالجملة فالواجب على المترجم- ترجمة معنوية صحيحة- أن يتابع الخطوات التالية:

1- فهم المعنى الجملي فهما جيّدا دقيقا، و التأكّد من ذلك.

2- تحليل جملة ألفاظ الأصل إلى كلماتها و روابطها الموجودة، و فصل بعضها عن بعض، ليعرف ما لكل من معنى و مفاد استقلالي أو رابطي في لغة الأصل، و التدقيق فيما إذا كان للوضع التركيبي الخاص معنى زائد على ما للألفاظ من معاني، و يتأكّد ذلك عن إمعان.

3- التحرّي لكلمات و روابط من اللغة المترجم إليها، تشاكل الكلمات

و الروابط الأصل، تشاكلا في الإفادة و المعاني، إن حقيقة أو مجازا.

4- تركيب هذه الكلمات و الألفاظ تركيبا صحيحا يتوافق مع أدب اللغة المترجم إليها، أدبا عاليا، و مراعيا ترتيب الأصل مهما أمكن.

5- إفراز الألفاظ و الكلمات الزائدة، التي لا تقابلها كلمات و ألفاظ في الأصل، و إنما زيدت في الترجمة لغرض الإيفاء بتمام المعنى، فيضعها- مثلا- بين

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 163

قوسين. لكن يمسك عن تكرار ذلك كثيرا في كلام واحد؛ لأنه يملّ، و قد يسبب تشويش فهم المعاني.

6- و أخيرا مقابلة الترجمة مع الأصل في حضور هيئة ناظرة، تحكم بالمطابقة في الآراء و الإيفاء.

أما الشروط التي يجب توفّرها في المترجم أو المترجمين؛ لتقع الترجمة مأمونة عن الخطأ و الخلل، فهي كما يلي:

1- أن يكون المترجم مضطلعا بكلتا اللغتين: لغة الأصل و اللغة المترجم إليها.

عارفا بآدابهما و المزايا الكلامية التي تبنّتها كلتا اللغتين، معرفة كاملة.

2- أن يتناول المعنى المستفاد من كل آية، بمعونة التفاسير المعتمدة الموثوق بها، و لا يقتنع بما استظهره من الآية حسب فهمه العادي، و حسب معرفة أوضاع اللغة فحسب؛ إذ قد يكون دلائل و شواهد على إرادة غير الظاهر قد خفيت عليه، لو لا مراجعته للمصادر التفسيرية المعتبرة.

3- أن لا يحمل ميلا إلى عقيدة بذاتها، أو انحيازا إلى مذهب بخصوصه؛ لأنه حينذاك قد تجرفه رواسبه الذهنية التقليدية إلى منعطفات السّبل الضالة، فتكون تلك ترجمة لعقيدة، و ليست ترجمة لمعاني القرآن.

4- أن يترك الألفاظ المتشابهة كما هي، و يكتفي بتبديلها إلى مرادفاتها من تلك اللغة، فلا يتعرّض لشرحها و بسط معانيها، فإنّ هذا الأخير من مهمّة التفسير فقط.

5- أن يترك فواتح السور على حالها؛ لإنّها رموز يجب أن

تبقى بألفاظها من غير تبديل و لا تفسير.

6- أن يترك استعمال المصطلحات العلمية أو الفنيّة في الترجمة؛ لأنّ مهمة

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 164

المترجم إفراغ المعاني المستفادة إفراغة لغوية بحتة.

7- أن لا يتعرّض للآراء و النظريات العلمية، فلا يترجم الكلمات الواردة في القرآن بمعاني اكتشفها العلم، بل يترجمها حسب الاستفادة اللغوية؛ لتكون التأدية لغوية بحتة.

تلك شروط خاصة يجب توفّرها في كل مترجم يقوم بترجمة القرآن الكريم.

و هناك شروط عامّة يجب مراعاتها في ترجمة القرآن ترجمة رسمية، معترفا بها لدى جامعة المسلمين العامة، هي:

8- أن تقوم هيئة أو لجنة متشكّلة من علماء صالحين لذلك، و معروفين بسلامة الفكر و النظر و الاجتهاد، لأنّ الترجمة الفردية كالتفاسير الفردية غير مأمونة عن الخطأ و الاشتباه كثيرا، و على الأقل يكون العمل الجماعي أبعد من الزلل مما يكون عملا فرديّا؛ و لذلك يكون آمن و أحوط بالنسبة إلى كتاب اللّه العزيز الحميد.

و هذه الهيأة يجب أن تحمل تأييدا من قبل مقامات رسمية إسلامية، إما حكومات عادلة أو مراجع دينية عالية؛ ذلك لكي يتنفّذ القرار تنفيذا رسميا قاطعا.

9- أن يشترك مع اللجنة شخصية أو شخصيّات معروفة من اللغة المترجم إليها، لغرض التأكّد من صحة الترجمة أولا، و ليطمئن إليها أصحاب تلك اللغة.

10- و الشرط الأخير- المتمّم للعشر- أن توضع الترجمة مع الأصل، مصحوبا معها، فلا يقدّم إلى مختلف الأقوام و الملل، تراجم مجرّدة عن النص العربي الأصل.

و ذلك لغرض خطير، هو أن لا يلتبس على سائر الملل، فيحسبوا من الترجمة قرآنا هو كتاب المسلمين، لا، بل هي ترجمة محضة و ليست قرآنا، و إنما القرآن

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 165

هو الأصل، و كانت الترجمة إلى

جنبه توضيحا و تبيينا لمعانيه فحسب.

و بذلك نكون قد أمّننا على القرآن ضياعه، فلا يضيع كما ضاعت التوراة و الإنجيل من قبل؛ بتجريد تراجمهما عن النصّ الأصل، الأمر الذي يجب أن لا يتكرّر بشأن هذا الكتاب السماوي الخالد إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ «1».

نماذج من تراجم خاطئة

لا ريب أنّ كل عمل فردي قد يتحمّل أخطاء لا يتحمّلها عمل جماعي، و من ثم وقع الكثير من الأفاضل في مآزق الانفراد فزلّوا أو أخطئوا المقصود، هذا الإمام بدر الدين الزركشي، المضطلع باللّغة و الأدب، و كذا تلميذه جلال الدين السيوطي الخبير بمواضع الكلام، نراهما قد اشتبها في اشتقاق «هدنا» «2»، فزعماه من: هدى يهدي «3». مع العلم أنه من: هاد يهود.!

لكن الزمخشري في تفسيره يقول: هدنا- بالضم-: فعلنا. من: هاده يهيده «4».

و قال الراغب: الهود: الرجوع برفق، و منه التهويد و هو مشي كالدبيب. و صار

(1) الحجر/ 9.

(2) من قوله تعالى: وَ اكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَ فِي الْآخِرَةِ، إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ- الأعراف/ 156.

(3) قال الزركشي (البرهان، ج 1، ص 103- 104): فمنه الهدى سبعة عشر حرفا- إلى قوله- أو بمعنى التوبة: «إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ» أي تبنا:

و قال السيوطي (الإتقان، ج 2، ص 122- 123): من ذلك الهدى يأتي على سبعة عشر وجها- إلى قوله- و التوبة: «إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ»!

(4) الكشاف، ج 2، ص 165.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 166

«الهود» في التعارف التوبة، قال تعالى: إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ أي تبنا «1».

و الأعجب اشتباه مثل الراغب، ذكر في مادة (عنت) قوله تعالى: وَ عَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ «2» أي ذلّت و خضعت «3»، في حين أنه من (عني)

بمعنى العناء و هو ذلّ الاستسلام؛ و لذلك يقال للأسير: العاني. و قد غفل الراغب فذكره في (عنى) أيضا. قال الطبرسي: أي خضعت و ذلّت خضوع الأسير في يد من قهره ... «4»

فإذا كان مثل هؤلاء الأئمة الأعلام يزلّون مغبّة انفرادهم في المسيرة، فكيف بمن دونهم من ذوي الأقلام؟! هذا العلّامة المعاصر «إلهى قمشه اى» مع اضطلاعه بالأدب و العلوم الإسلامية، تراه لم يسلم- في ترجمته الفارسية للقرآن الكريم- من ذلّة الانفراد، فقد ترجم قوله تعالى: فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا «5» بما يلي:

«آنگاه قوم مريم كه به جانب او آمدند كه از اين مكان همراه ببرند گفتند ...»

فحسب من القوم فاعلا، و أنهم أتوا مريم! كما حسب أن الضمير المنصوب في «تحمله» يعود إلى مريم، و أنّهم أتوها ليحملوها معهم! في حين أن الآية تعني: «أنّ مريم عليها السّلام هي التي أتت إلى القوم، في حال كونها تحمل الوليد المسيح عليه السّلام على عكس ما زعمه المترجم.

(1) المفردات، ص 546.

(2) طه/ 111.

(3) المفردات، ص 349.

(4) مجمع البيان، ج 7، ص 31.

(5) مريم/ 27.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 167

و هكذا ترجم قوله تعالى: وَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ «1» إلى قوله:

«تو خود بر آن مردم گواه و ناظر اعمال بودى مادامى كه من در ميان آنها بودم»! و لم يلتفت إلى أن الضمير في «كنت» للمتكلم لا للمخاطب، فضلا عن تهافت المعنى على حسابه.

و ترجم قوله تعالى: فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ وَ لا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ «2»، إلى قوله: «و آن روز بمانند عذاب انسان كافر هيچ كس عذاب نكشد، و

آن گونه جز انسان كافر، كسى به بند (هلاك) گرفتار نشود»! فحسب من «لا يُعَذِّبُ» و «لا يُوثِقُ» مضارعا مبنيّا للمفعول، كما حسب من الضمير عوده إلى الإنسان المعذّب و الموثق.

و هذه غفلة عجيبة في قراءة الآية القرآنية، لا يمكن إعفاؤها أبدا.

و قد جمع الدكتور السيد عبد الوهاب الطالقاني «3» من ذلك لمّة من تراجم قام بها أساتذة ذووا كفاءة راقية، فكيف بغير الأكفّاء! و من التراجم الأجنبيّة، جاءت ترجمة «كازانوفا» لكلمة «الأمّي»- وصفا للنبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بمعنى «الشعبي» مأخوذا من «الأمّة» حسبما زعم. في حين أنه من «أمّ القرى»- اسما لمكة المكرمة- ليكون بمعنى «المكّي»، أو نسبة إلى «الأمّ» كناية عن الذي لا يكتب و لا يقرأ.

و ترجم «كازيميرسكي» «اسجدوا» في قوله تعالى:

(1) المائدة/ 117.

(2) الفجر/ 24- 25.

(3) نشر بعضها في مجلة (كيهان انديشه)، ع 28، ص 223.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 168

وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ «1» بمعنى «اعبدوا لآدم»! في حين أنه بمعنى الخضوع التامّ لآدم عليه السّلام أو جعله قبلة للسجود لله تعالى- كما عن بعض التفاسير-.

و ترجم «هواء» قوله تعالى: وَ أَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ «2» بمعنى الهوى و الميل النفساني، في حين أنه بمعنى «الفارغة الجوفاء»! «3».

(1) البقرة/ 34.

(2) إبراهيم/ 14.

(3) من رسالة «القرآن و الترجمة» ص 11، للأستاذ عبد الرحيم محمد علي النجفي.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 169

التفسير نشأته و تطوّره في مراحل:

اشارة

أولا- في عهد الرسالة.

ثانيا- في دور الصحابة ثالثا- في دور التابعين رابعا- دور أهل البيت في التفسير خامسا- التفسير في دور التدوين

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 171

المرحلة الأولى التفسير في عهد الرسالة

اشارة

* النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مفسّرا!* هل تناول القرآن كله بالتفسير؟

* حجم المأثور من تفاسيره!* أوجه بيانه لمعاني القرآن!* نماذج من تفاسيره!

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 173

التفسير في نشأته الأولى (في عهد الرسالة)

قال تعالى: وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْ ءٍ. وَ هُدىً وَ رَحْمَةً وَ بُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ «1».

إنّ في القرآن الكريم من أصول معارف الإسلام و شرائع أحكامه، الأسس الأوّليّة التي لا غنى لأيّ مسلم يعيش على هدى القرآن و يستظل بظلّ الإسلام، أن يراجع دلائله الواضحة و يتلمّس حججه اللائحة، و إن أبهم عليه شي ء فليستطرق أبواب أهل الذكر ممن نزل القرآن في بيوتهم، فيهدوه سواء السبيل.

نعم كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم هو المرجع الأوّل لفهم غوامض الآيات و حلّ مشاكلها، مدة حياته الكريمة؛ إذ كان عليه البيان كما كان عليه البلاغ. قال تعالى: وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ «2»، فكان

(1) النحل/ 89.

(2) النحل/ 44.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 174

دوره صلّى اللّه عليه و آله و سلّم دور مرشد و معين، و كان الناس هم المكلّفين بالتفكّر في آيات اللّه و التماس حججه.

و قد تصدّى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لتفصيل ما أجمل في القرآن إجمالا، و بيان ما أبهم منه إمّا بيانا في أحاديثه الشريفة و سيرته الكريمة، أو تفصيلا جاء في حلّ تشريعاته من فرائض و سنن و أحكام و آداب، كانت سنّته صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قولا و عملا و تقريرا، كان كلها بيانا و تفسيرا لمجملات الكتاب العزيز و حلّ مبهماته في التشريع و التسنين.

فقد كان

قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «صلّوا كما رأيتموني أصلي ..» شرحا و بيانا لما جاء في القرآن، من قوله تعالى: فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ .. «1» و لقوله: إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً «2» و كذا

قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «خذوا عنّي مناسككم»

بيان و تفسير لقوله تعالى: وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ... «3»،

و هكذا فكلّ ما جاء في الشريعة من فروع أحكام العبادات و السنن و الفرائض، و أحكام المعاملات، و الأنظمة و السياسات، كل ذلك تفصيل لما أجمل في القرآن من تشريع و تكليف.

و هكذا كان الصحابة يستفهمونه كلّما تلا عليهم القرآن أو أقرأهم آية أو آيات، كانوا لا يجوزونه حتى يستعلموا ما فيه من مرام و مقاصد و أحكام؛ ليعملوا بها و يأخذوا بمعالمها.

أخرج ابن جرير بإسناده عن ابن مسعود، قال: كان الرجل منّا إذا تعلّم عشر آيات لم يجاوزهنّ حتى يعرف معانيهنّ و العمل بهنّ. و قال أبو عبد الرحمن

(1) البقرة/ 43.

(2) النساء/ 103.

(3) آل عمران/ 97.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 175

السّلمي: حدثنا الذين كانوا يقرءوننا، أنهم كانوا يستقرءون من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فكانوا إذا تعلّموا عشر آيات لم يخلفوها حتى يعملوا بما فيها من العمل، قال: فتعلّمنا القرآن و العمل جميعا «1».

نعم، ربما كانوا يحتشمون هيبة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فتحجبهم دون مساءلته، فكانوا يترصّدون مجي ء الأعراب المغتربين عن البلاد، ليسألوه عن مسائل، فيغتنموها فرصة كانوا يترقبونها.

قال علي عليه السّلام: و ليس كل أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كان يسأله و

يستفهمه، حتى كانوا ليحبّون أن يجي ء الأعرابيّ أو الطارئ فيسأله عليه السّلام حتى يسمعوا ... قال:

و كان لا يمرّ من ذلك شي ء إلّا سألت عنه و حفظته. «2» و هكذا

حدّث أبو أمامة ابن سهل بن حنيف «3» قال: كان أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقولون: إن اللّه ينفعنا بالأعراب و مسائلهم، قال: أقبل أعرابي يوما فقال: يا رسول اللّه، لقد ذكر اللّه في القرآن شجرة مؤذية، و ما كنت أرى أنّ في الجنة شجرة تؤذي صاحبها! فقال رسول اللّه: و ما هي؟ قال: السدر، فإنّ لها شوكا.

فقال رسول اللّه: فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ «4» يخضد اللّه شوكه فيجعل مكان كل شوكة ثمرة، فإنها تنبت ثمرا، تفتق الثمرة معها عن اثنين و سبعين لونا، ما منها لون يشبه الآخر «5».

(1) تفسير الطبري، ج 1، ص 27- 28 و ص 30.

(2) المعيار و الموازنة للإسكافي، ص 304.

(3) اسمه أسعد، سماه بذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و دعا له و برك عليه توفّي سنة (100) و هو ابن نيف و تسعين. (أسد الغابة، ج 5، ص 139)

(4) الواقعة/ 28.

(5) أخرجه الحاكم و صحّحه، المستدرك، ج 2، ص 476.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 176

و من ثم كان ابن مسعود يقول: و اللّه الذي لا إله غيره ما نزلت آية في كتاب اللّه إلّا و أنا أعلم فيم نزلت و أين نزلت. و هكذا تواتر عن الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام، و تلميذه ابن عباس، و غيرهم من علماء الصحابة، حسبما يأتي في تراجمهم. «1»

هل تناول النبيّ القرآن كلّه بالبيان؟

عقد الأستاذ الذهبي بابا ذكر فيه الجدل بين فريقين،

يرى أحدهما: أن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قد بيّن لأصحابه معاني القرآن كله إفرادا و تركيبا. و يترأس هذا الفريق أحمد بن تيميّة، كان يرى أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بيّن جميع معاني القرآن كما بيّن ألفاظه؛ لقوله تعالى: لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ «2» فإنه يشمل الألفاظ و المعاني جميعا. «3»

و الفريق الثاني- و يترأسهم الخويّي و السيوطي-: يرون أنّه لم يبيّن سوى البعض القليل، و سكت عن البعض الآخر، ثمّ فرض لهم دلائل، أهمّها ما أخرجه البزّاز عن عائشة، قالت: ما كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يفسّر شيئا من القرآن إلّا آيا بعدد، علّمه إياهنّ جبريل «4».

و أسهب في النقض و الإبرام، و أخيرا نسب كلّا من الفريقين إلى المغالاة، و اختار هو وسطا بين الرأيين- فيما حسب- و أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بيّن الكثير دون الجميع، و ترك ما استأثر اللّه بعلمه، و ما يعلمه العلماء، و تعرفه العرب بلغاتها،

(1) عند الكلام عن دور الصحابة في التفسير.

(2) النحل/ 44.

(3) راجع: مقدمته في أصول التفسير، ص 5- 6.

(4) تفسير ابن كثير، ج 1، ص 6. و تفسير الطبري، ج 1، ص 29.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 177

مما لا يعذر أحد في جهالته. قال: و بديهي أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لم يفسّر ما يرجع فهمه إلى معرفة كلام العرب، كما لم يفسّر ما استأثر اللّه بعلمه، كقيام الساعة و حقيقة الروح، مما يجري مجرى علم الغيوب التي لم يطّلع اللّه عليها نبيّه «1».

قلت: لم أجد،

كما لا أظن أحدا ذهب إلى أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لم يبيّن من معاني القرآن سوى البعض القليل و سكت عن الباقي (الكثير طبعا)، بعد الذي قدّمنا، و بعد ذلك الخضمّ من تفاصيل الأحكام و التكاليف التي جاءت في الشريعة، و كانت تفسيرا و بيانا لما أبهم في القرآن من تشريعات جاءت مجملة و بصورة كليّة، فضلا عمّا بيّنه الرسول و فضلاء صحابته و العلماء من أهل بيته، شرحا لمعضلات القرآن و حلّا لمشكلاته.

أمّا الذي نسبه إلى شمس الدين الخويّي «2» و جلال الدين السيوطي، من ذهابهما إلى ذلك، فإنّ كلامهما ناظر إلى جانب المأثور من تفاسير الرسول، المنقول بالنصّ فإنه قليل «3»، لو أغفلنا ما رويناه بالإسناد إليه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عن طرق أهل البيت الأئمّة من عترته الطاهرة- صلوات اللّه عليهم- كما أغفله القوم، و إلّا فالواقع كثير و شامل، و لا سيما إذا ضممنا تفاصيل الشريعة (السنّة الشريفة) إلى ذلك

(1) التفسير و المفسرون، ج 1، ص 53- 54.

(2) هو أبو العباس أحمد بن خليل المهلبي الخويّي (583- 637) صاحب الإمام الرازي و المتمّم لتفسيره. ولد في خوي من أعمال آذربيجان، و تعلم بها و بخراسان، ثم ولى قضاء دمشق و توفّى بها.

(3) قال الخويّي: و أما القرآن فتفسيره على وجه القطع لا يعلم إلّا بأن يسمع من الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و ذلك متعذّر إلّا في آيات قلائل (الإتقان، ج 4، ص 171) و قال السيوطي- عند بيان مآخذ التفسير-: الذي صحّ من ذلك (المنقول عن النبيّ) قليل جدّا.

(الإتقان، ج 4، ص 181)

التفسير

و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 178

المنقول من التفسير الصريح.

و قد جعل السيوطي جلّ تفاصيل الشريعة الواردة في السنّة تفسيرا حافلا بمعاني القرآن و مقاصده الكريمة. و نقل عن الإمام الشافعي: أن كل ما حكم به رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فهو مما فهمه من القرآن و بيّنه، و

قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: ألا إنّي أوتيت القرآن و مثله معه

، يعني السنّة. و أخيرا نقل كلام ابن تيميّة الآنف، و عقّبه بالتأييد، بما أخرجه أحمد و ابن ماجة عن عمر، أنه قال: من آخر ما نزل آية الرّبا، و أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قبض قبل أن يفسّرها. قال السيوطي: دلّ فحوى الكلام على أنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كان يفسّر لهم كل ما أنزل، و أنه إنما لم يفسّر هذه الآية؛ لسرعة موته بعد نزولها، و إلّا لم يكن للتخصيص بها وجه. «1»

و أمّا حديث عائشة- لو صح السند، و لم يصح كما قالوا- «2» فهو ناظر إلى جانب رعاية الترتيب في تفسير الآي، أعدادا فأعدادا، أو حسب عدد الآي التي كان ينزل بها جبرائيل. و هذا يشير إلى نفس المعنى الذي رويناه عن ابن مسعود و تلميذه السّلمي، و قد نقله ابن تيميّة نقلا بالمعنى. قال السلمي: حدّثنا الذين كانوا يقرءوننا القرآن، أنهم كانوا إذا تعلّموا من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عشر آيات، لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم و العمل، قالوا: فتعلمنا القرآن و العلم و العمل جميعا «3».

قال الخطيب: هذا أقدم نصّ تاريخي عرفنا به الطريقة التي كان يتعلم بها

المسلمون الأوّلون، كانوا لا يعنون بالإكثار من العلم إلّا بعد إتقان ما يتعلّمونه منه،

(1) الإتقان، ج 4، ص 174 و 175 و 258.

(2) ذكروا أنه حديث منكر غريب، و الاستدلال به باطل. (التفسير و المفسرون، ج 1، ص 55)

(3) راجع: رسالة الإكليل، المطبوعة ضمن المجموعة الثانية من رسائل ابن تيميّة، ص 32.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 179

و بعد العمل به «1».

و أما الوسط الذي اختاره، و أن الذي لم يبيّنه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من القرآن: هو ما استأثر اللّه بعلمه، كقيام الساعة، و حقيقة الروح، و ما يجري مجرى ذلك من الغيوب التي لم يطلع اللّه عليها نبيّه ... «2» فشي ء غريب! إذ لم نجد في معاني القرآن ما استأثر اللّه بعلمه، و لو كان لكان الأجدر عدم إنزاله، و الكفّ عن جعله في متناول الناس عامّة. و قد تعرّض المفسرون لتفسير آي القرآن جميعا حتى الحروف المقطعة، فكيف يا ترى خفي عليهم أن لا يتعرضوا لما لا يريد اللّه بيانه للناس؟! إذن فالصحيح من الرأي هو: أنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قد بيّن لأمته- و لأصحابه بالخصوص- جميع معاني القرآن الكريم، و شرح لهم جلّ مراميه و مقاصده الكريمة، إما بيانا بالنص، أو ببيان تفاصيل أصول الشريعة و فروعها، و لا سيما إذا ضممنا إليه ما ورد عن الأئمّة من عترته، في بيان تفاصيل الشريعة و معاني القرآن، و الحمد للّه.

حجم المأثور من تفاسير الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم

قد يستغرب البعض إذ يجد قلّة في التفسير المأثور عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بالنصّ! لكن، لا موضع للاستغراب بعد الذي قدّمنا؛ أوّلا: وفرة الوسائل

لفهم معاني القرآن حينذاك، ثانيا: جلّ بيانات الشريعة كانت تفسيرا لمبهمات القرآن و تفصيلا لمجملاته.

(1) هامش مقدمة ابن تيميّة في أصول التفسير، ص 6.

(2) التفسير و المفسّرون، ج 1، ص 56 و 57.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 180

نعم، كانت موارد السؤال و الإجابة عليه فيما يخصّ تفسير القرآن بالنصّ قليل، نظرا لعدم الحاجة إلى أكثر من ذلك حسبما عرفت. غير أن لهذا القليل من تفاسير الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كثيرا في واقعه، قليلا في نقله و حكايته. فالمأثور منه قليل، لا أصله و منبعه الأصيل.

قال جلال الدين السيوطي: الذي صحّ من ذلك قليل جدا، بل أصل المرفوع منه في غاية القلّة. و قد أنهاهنّ في خاتمة كتاب الإتقان إلى ما يقرب من مائتين و خمسين حديثا في التفسير، مأثورا عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بالنص. «1»

و هذا عدد ضئيل جدا، لا نسبة له مع عدد آي القرآن الكريم، و مواضع إبهامه الكثير، الأمر الذي دعا بابن حنبل أن ينكره رأسا، إلحاقا له بالعدم. قال: ثلاثة ليس لها أصول، أو لا أصل لها: المغازي، و الملاحم، و التفسير. قال بدر الدين الزركشي: قال المحققون من أصحابه: يعني أن الغالب أنها ليس لها أسانيد صحاح متصلة الإسناد، و إلّا فقد صح من ذلك كثير «2». هذا مع أنّ ابن حنبل قد جعل السنّة برمّتها تفسيرا للقرآن، و سنذكره.

فلو ضممنا سيرته الكريمة و سنّته في الشريعة، و أحاديثه الشريفة في أصول الدين و فروعه و معارف الإسلام و دلائل الأحكام، لو ضممنا ذلك كلّه إلى ذلك العدد القليل- في الظاهر- لأصبح التفسير المأثور عن عهد الرسالة-

على مشرفها آلاف التحية و الثناء- في حجم كبير و في كمّية ضخمة، كان الرصيد الأوفى للتفاسير الواردة في سائر العصور.

(1) راجع: الإتقان، ج 4، ص 180 و 214- 257.

(2) البرهان للزركشي، ج 2، ص 156.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 181

أضف إلى ذلك ما ورد عن طريق أهل البيت عليهم السّلام من التفسير المأثور «1» المستند إلى جدّهم الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هو عدد وفير، يضاف إلى ذلك الكثير الوارد عن غير طرقهم.

و بعد، فإنها تكون مجموعة كبيرة من التفسير المستند إلى صاحب الرسالة، لها شأن في عالم التفسير عبر القرون.

أوجه بيان النبيّ لمعاني القرآن

قد عرفت كلام السيوطي: إنّ السنّة بجنب القرآن شارحة له و موضّحة له.

قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «ألا إني أوتيت القرآن و مثله معه»

يعني السنّة الشريفة «2».

قال الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السّلام: «إن اللّه أنزل على رسوله الصلاة و لم يسمّ لهم: ثلاثا و لا أربعا، حتى كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم هو الذي فسّر ذلك لهم.

و أنزل الحج فلم ينزل: طوفوا أسبوعا، حتى فسّر ذلك لهم رسول اللّه- و في رواية أخرى زيادة قوله- فنزلت عليه الزكاة فلم يسمّ اللّه: من كل أربعين درهما درهما، حتى كان رسول اللّه هو الذي فسّر ذلك لهم ...» «3».

و معنى ذلك أن الفرائض و السنن و الأحكام إنما جاءت في القرآن بصورة إجمال في أصل تشريعاتها، أمّا التفصيل و البيان فقد جاء في السنّة في تفاصيل

(1) قام زميلنا الفاضل السيد محمد برهاني- نجل العلامة المحدث السيد هاشم البحراني صاحب تفسير البرهان- بجمع ما أسند إلى

النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من التفسير، المروي عن طرق أهل البيت عليهم السّلام فبلغ لحدّ الآن حوالي أربعة آلاف حديث، و لا يزال يزيد، ما دام العمل مستمرا، وفّقه اللّه.

(2) الإتقان، ج 4، ص 174.

(3) الكافي الشريف، ج 1، ص 286. و العياشي، ج 1، ص 249- 251، رقم 169 و 170. و الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل، ج 1، ص 149.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 182

الشريعة، التي بيّنها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم طيلة حياته الكريمة. فكانت السنّة إلى جنب القرآن تفسيرا لمواضع إجماله، و شارحة لمواضع إبهامه.

روى القرطبي بالإسناد إلى عمران بن حصين، أنه قال لرجل- كان يزعم كفاية الكتاب عن السنّة-: إنك رجل أحمق، أ تجد الظهر في كتاب اللّه أربعا لا يجهر فيها بالقراءة! ثم عدّد عليه الصلاة و الزكاة و نحو هذا. ثم قال: أ تجد هذا في كتاب اللّه مفسّرا! إن كتاب اللّه تعالى أبهم هذا، و إنّ السنّة تفسّر هذا.

و عن حسّان بن عطية قال: كان الوحي ينزل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و يحضره جبرئيل بالسنّة التي تفسّر ذلك. و عن مكحول قال: «القرآن أحوج إلى السنّة من السنّة إلى القرآن»، و قال يحيى بن أبي كثير: «السنّة قاضية على الكتاب و ليس الكتاب بقاض على السنّة»، قال الفضل بن زياد: سمعت أحمد بن حنبل- و سئل عن هذا الحديث الذي

روي أن «السنّة قاضية على الكتاب»

- فقال: ما أجسر على هذا أن أقوله، و لكنّي أقول: إنّ السنّة تفسّر الكتاب و تبيّنه «1».

و بعد، فإن تبيين مجملات القرآن، من

تفاصيل واردة في السنّة، يمكن على وجوه:

الأوّل: ما ورد في القرآن بصورة تشريعات كليّة، لا تفصيل فيها و لا تبيين عن شرائطها و أحكامها، فهذا يجب طلب تفاصيلها من السنّة، في أقوال الرسول و أفعاله و تقاريره، كما في قوله تعالى: أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ «2»، و قوله:

(1) تفسير القرطبي- المقدمة- ج 1، ص 39.

(2) البقرة/ 43.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 183

وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ «1» و ما شابه، من تكاليف عباديّة جاء تشريعها في القرآن بهذا الوجه الكلي. فلا بدّ لمعرفة أعداد الصلاة و ركعاتها و أفعالها و أذكارها و سائر شروطها و أحكامها «2»، من مراجعة السنّة، و فيها البيان الوافي بجميع هذه التفاصيل، و هكذا مسألة الزكاة المفروضة و الحج الواجب.

و هكذا ما جاء في مختلف أبواب المعاملات، من قوله تعالى: وَ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبا «3» فإن للبيع الجائز أنواعا، و للربا أحكاما، ينبغي طلبها من السنّة، فهي التي تحدّد موضوع كل معاملة و تبيّن الشرائط التي فرضتها الشريعة في تفاصيل هذه المعاملات.

الوجه الثاني: عمومات ذوات تخصيص، جاء العام في القرآن و كانت موارد تخصيصه في السنّة. و هكذا مطلقات ذوات تقييد، جاء الإطلاق في القرآن و كان التقييد في السنّة. و لا شكّ أن التخصيص و كذا التقييد بيان للمراد الجدّي من العام و كذا من المطلق، و هذا الذي دلّ عليه العام في ظاهر عمومه و المطلق في ظاهر إطلاقه، إنما هو المعنى الاستعمالي المستند إلى الوضع أو دليل الحكمة. و الذي يكشف عن الجدّ في المراد هو الخاصّ الوارد بعد ذلك، و كذا القيد المتأخّر.

و هذا معروف في علم

الأصول.

(1) آل عمران/ 97.

(2) مثلا قوله تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً (النساء/ 103) ما هذا الوقت المحدّد للصلاة؟ فقد أحيل بيان ذلك إلى السنّة. و هكذا بيان الأوقات الخمسة التي جاءت الإشارة إليها إجماليا في قوله: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ ... (الإسراء/ 78)

(3) البقرة/ 275.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 184

و مثال الأول قوله تعالى: وَ الْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ «1» و هذا عام لمطلق المطلّقات. و في السنّة تخصيص هذا الحكم بالمدخول بهنّ، أما غير المدخول بهنّ فلا اعتداد لهنّ. و كذلك قوله- بعد ذلك-: وَ بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ مخصوص بالرجعيّات.

مثال الثاني: (تقييد المطلق)

قوله تعالى: وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَ لَعَنَهُ وَ أَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً «2» و قد تقيّد هذا الإطلاق بما إذا لم يتب، و كان قد قتله لإيمانه، كما رواه العياشي عن الإمام الصادق عليه السّلام «3». و

قوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَ هُمْ مُهْتَدُونَ «4»؛ إذ ليس المراد مطلق الظلم، بل هو «الشرك» خاصّة. روي ذلك عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم «5»

، و هكذا فسّر اليد (في القطع بالسرقة «6») باليمين من مفصل الأصابع. و مثله جلد الزاني المتقيد بغير المحصن.

و أيضا قوله تعالى: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ «7». فقد كان الميراث بعد إخراج ما أوصى به الميت و كذا دينه. فالدين مطلق، أما الوصية فقيّدت بما إذا لم تتجاوز ثلث التركة بعد وضع الدين. فهذا التقييد تعرّضت له السنّة، و

كان

(1) البقرة/ 228.

(2) النساء/ 93.

(3) راجع: مجمع البيان للطبرسي، ج 3، ص 92- 93. و العياشي، ج 1، ص 267.

(4) الأنعام/ 82.

(5) مجمع البيان، ج 4، ص 327.

(6) الآية رقم 38 من سورة المائدة.

(7) النساء/ 12.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 185

قد أبهم في القرآن إبهاما.

الوجه الثالث: ما إذا ورد عنوان خاص في القرآن، و كان متعلقا لتكليف، أو قيدا في عبادة مثلا، و لكنه كان مصطلحا شرعيا من غير أن يكون مفهومه العام مرادا، فهذا أيضا مما يجب تبيينه من السنّة. و هذا في جميع المصطلحات الشرعية- أي الحقائق الشرعية على حدّ تعبيرهم- مما لم تكن لها سابقة في العرف العام.

و هذا كما في الصلاة و الزكاة و الحج و الجهاد و ما شاكل، إنها مصطلحات شرعية خاصة، «1» لا بدّ لمعرفة حقائقها و ماهيّاتها من مراجعة الشريعة، كما كان يجب الرجوع إليها لمعرفة أحكامها و شرائطها؛ إذ ليست الصلاة مطلق الدعاء و المتابعة- كما هي في اللغة و العرف العام غير الإسلامي- بل عبادة خاصة ذات كيفية و أفعال و أذكار خاصة، أعلن بها الشرع الحنيف، و تصدّى لبيانه الرسول الكريم،

قال: «صلّوا كما رأيتموني أصلّي».

و هكذا ليست الزكاة مطلق النموّ، بل إنفاق خاصّ في كيفية خاصّة، توجب تنمية المال بفضل اللّه تعالى إن وقعت عن صدق و إخلاص، الأمر الذي جاء تبيينه في السنّة الشريفة. و مثلها الحج ليس مطلق القصد، و كذا الجهاد ليس مطلق الاجتهاد و السعي، و هكذا ..

و كذلك موضوع الخطأ و العمد في القتل، تعرّضت السنّة لبيانهما، و ليس مطلق ما يفهم من هذين اللفظين لغة أو في المتفاهم

العام، فقد جاء في السنّة أن الخطأ محضا هو ما لم يكن المقتول مقصودا أصلا. أما إذا كان مقصودا و لكن

(1) المقصود بالشرع: مطلق الشرائع الإلهية و ليس شرع الإسلام فحسب. نعم لم تكن هذه المفاهيم مما وضعه العرف العام و لا اللغة، و إنما هو أمر جاء به الشرع في مصطلحه الخاص.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 186

لم يقصد قتله- بأن لم يكن العمل الذي وقع عليه مما يقتل به غالبا- فوقع قتله اتفاقا، فهو شبيه العمد. أما إذا كان مقصودا بالقتل فهو العمد محضا. فهذا التفصيل و البيان إنما تعرضت له السنّة تفسيرا لما أبهم في القرآن من بيان هذه المفاهيم.

الوجه الرابع: موضوعات تكليفيّة تعرّض لها القرآن من غير استيعاب و لا شمول؛ إذ لم يكن الاستقصاء مقصودا بالكلام، و إنما هو بيان أصل التشريع و ذكر جانب منه، مما كان موضع الابتلاء ذلك الحين و من ثم يبدو ناقصا غير مستقصى، و مجملا في الشمول و البيان.

أما الاستقصاء و الشمول فالسنّة الشريفة موردها، ففيها البيان و الكمال، كما لم تأت في القرآن شريعة (رجم المحصن) و إنّما فصّلته السنّة عن مطلق حكم الزاني الوارد في القرآن.

و مثل أحكام الخطأ و العمد في القتل لم يتعرّض لها القرآن باستيعاب؛ إذ هناك خطأ محض، و شبه العمد، و العمد المحض. ليترتب على الأول أنّ الدية على العاقلة، و على الثاني كانت الدية على القاتل، و في الثالث كان تشريع القصاص هو الأصل إلّا إذا رضي الأولياء بالدية أو العفو.

فهذا الاستيعاب و الاستقصاء إنما تعرضت له السنّة، فأكملت بيان القرآن و رفعت من إبهامه، في هذا الجانب الذي كان يبدو مجملا لو

كان بصدد البيان و لم يكن أصل التشريع مقصودا فقط.

الوجه الخامس: بيان الناسخ من المنسوخ في أحكام القرآن؛ إذ في القرآن أحكام أوّليّة منسوخة، و أحكام أخر هي ناسخة نزلت متأخرا؛ فلتمييز الناسخ من المنسوخ لا بدّ من مراجعة السنّة. أما القرآن ذاته فلا تمييز فيه بين ناسخه و منسوخه، و لا سيّما و الترتيب الراهن بين الآيات و السور قد تغير عمّا كان عليه النزول في البعض على الأقل. إذن لم يبق لمعرفة وجه التمايز بين الحكم المنسوخ

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 187

و الحكم الناسخ إلّا مراجعة نصوص الشريعة. و من ثم

قال مولانا أمير المؤمنين عليه السّلام لقاض مرّ عليه بالكوفة: أ تعرف الناسخ من المنسوخ؟ فهاب الإمام و أجاب بالنفى! فقال له الإمام: إذن هلكت و أهلكت. «1» فمن ذلك قوله تعالى- بشأن المتوفّى عنها زوجها-: وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْواجاً، وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ «2» كانت الشريعة في البدء أن المرأة المتوفّى عنها زوجها لا ميراث لها سوى الإمتاع في التركة حولا كاملا، و كان ذلك عدّتها أيضا. لكنها نسخت بآية المواريث «3» و بآية التّربّص أربعة أشهر و عشرا «4» (و آية التربّص الناسخة مثبتة في سورة البقرة قبل آية الحول المنسوخة) هكذا ورد في الحديث عن الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام، و عن الإمامين الباقر و الصادق عليهما السّلام «5».

و من ذلك أيضا آية جزاء الفحشاء، فما في سورة النساء (15- 16) منسوخة بشريعة الجلد (سورة النور/ 2) و الرجم، هكذا ورد عن الإمام الصادق عليه السّلام «6».

و نظير ذلك كثير، و لا سيّما إذا عمّمنا النسخ ليشمل التخصيص و الاستثناء

و سائر القيود أيضا، و قد كان معهودا ذلك الحين.

(1) تفسير العياشي، ج 1، ص 12، رقم 9. و الإتقان، ج 2، (ط 1)، ص 20.

(2) البقرة/ 240.

(3) النساء/ 12.

(4) البقرة/ 234.

(5) راجع: بحار الأنوار، ج 93، ص 6. و الصافي، ج 1، ص 204.

(6) العياشي، ج 1، ص 227- 228.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 188

نماذج من تفاسير مأثورة عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم

قلنا: إن الصحابة كانوا في غنى- في الأغلب- عن مساءلة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بشأن معاني القرآن، أو كانوا يحتشمون سؤاله، لما كان القرآن قد نزل بلغتهم و في مناسبات كانوا هم حضور مشهدها. و أحيانا إذا كان إبهام في وجه آية، أو خفي المراد من سياقها، كانوا يراجعونه لا محالة، و في الأكثر كانوا يترصّدون أسئلة الأعراب أو الطارئين فيتبادرون إلى تفهّم ما يجري بينهم و بين الرسول بشأن معاني القرآن، حتى قالوا: إنّ اللّه ينفعنا بالأعراب و مسائلهم. «1»

و بعد فقد جمع من هذا و ذاك حشد كبير من تفاسير مأثورة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم رواها أئمة الحديث في أمهات الجوامع الحديثية المعروفة.

و الأكثر سؤالا إنما وقع عن مرادات القرآن، بعد وضوح الكلمة في مفهومها اللغوي؛ حيث ظاهر اللّفظ ينبئ عن شي ء، لكن المراد غير هذا الظاهر المفهوم حسب دلالة الوضع، أو يشك في إرادة هذا الظاهر، لقرائن حاليّة أو مقالية، تبعث على السؤال عن المراد الواقعي.

* فقد سئل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عن «السّائحين» في قوله تعالى: التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ «2»، فقال: هم الصائمون «3» . فلا غموض في معنى السياحة،

و لكن أيّ مصاديق السياحة مقصودة هنا؟ و لعلّ هنا استعارة جاءت لأمر معنويّ، مما يدعو إلى السؤال عنه و مراجعة أهل الذكر. قال الطبرسي: السائح من: ساح في الأرض يسيح سيحا، إذا استمر في الذهاب، و منه

(1) سبق ذلك في أول الفصل.

(2) التوبة/ 112.

(3) المستدرك، ج 2، ص 335.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 189

السيح للماء الجاري، و من ذلك يسمّى الصائم سائحا، لاستمراره على الطاعة في ترك المشتهى. قال: و

روي عن النبي أنه قال: «سياحة أمّتي الصيام» «1».

* و

سئل عن الاستطاعة في قوله تعالى: وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا «2» قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «الزاد و الراحلة» «3» . فإن مفهوم الاستطاعة عام يشمل أيّ نحو من الاستطاعة و بأيّ وسيلة مقدورة و كانت بالإمكان، غير أن هذا غير المراد بالاستطاعة إلى الحجّ الواجب، فبيّن عليه السّلام أنه القدرة على الزاد و الراحلة، إن كان ذلك بوسعه من غير تكلّف. و هذا كناية عن الاستطاعة المالية، كما فهمه الفقهاء رضوان اللّه عليهم.

* و هكذا

لما سألته عائشة عن الكسوة الواجبة في كفّارة الأيمان، في قوله تعالى: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ، أَوْ كِسْوَتُهُمْ «4» أجاب صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «عباءة لكلّ مسكين» «5».

* و

سأله رجل من هذيل عن قوله تعالى: وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ «6» قال: يا رسول اللّه، من تركه فقد كفر؟! نظرا لأن هذا العنوان «من كفر» أطلق على من ترك الحج! فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «من تركه لا يخاف عقوبته و لا

يرجو مثوبته» «7» كناية عمّن تركه جحودا لا يؤمن بعاقبته، فهذا كافر بالمعاد و بيوم الجزاء

(1) مجمع البيان، ج 5، ص 75 و 76.

(2) آل عمران/ 97.

(3) الإتقان، ج 4، ص 218.

(4) المائدة/ 89.

(5) الإتقان، ج 4، ص 221.

(6) آل عمران/ 97.

(7) الإتقان، ج 4، ص 218.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 190

و الحساب، الأمر الذي يعود إلى إنكار ضروريّ للدين و إنكار الشريعة رأسا، أما الذي تركه لا عن نكران فهو فاسق عاص و ليس بكافر جاحد.

و هكذا

روي عن الإمام موسى الكاظم عليه السّلام حينما سأله أخوه عليّ بن جعفر:

من لم يحجّ منّا فقد كفر؟! قال: لا، و لكن من قال: ليس هذا هكذا فقد كفر «1».

* و

سئل عن قوله تعالى: كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ «2»، ما معنى «عضين»؟ فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «آمنوا ببعض و كفروا ببعض» «3» . فالآية الكريمة إنكار على الذين فرّقوا بين أجزاء القرآن. الأمر يثير السؤال عن المراد من هذه التجزئة المستنكرة؟ و من ثمّ كان الجواب: إنها التفرقة في الإيمان بالبعض و الكفر بالبعض.

* و

سئل عن قوله تعالى: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ «4»، كيف يشرح صدره؟ قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «نور يقذف به فينشرح له و ينفسح!» قالوا: فهل لذلك من أمارة يعرف بها؟ قال: «الإنابة إلى دار الخلود، و التجافي عن دار الغرور، و الاستعداد للموت قبل لقاء الموت» «5».

* و

سأله عبادة بن الصامت «6» عن قوله تعالى:

(1) الصافي- الفيض الكاشاني- ج 1، ص 282.

(2) الحجر/ 91.

(3) الإتقان، ج

4، ص 234. عضون: جمع عضة بمعنى عضو، كقولهم: ثبة و ظبة، و الجمع: ثبون و ظبون.

و معنى العضين: جعله عضوا عضوا، أي في أجزاء متفرقة كالتعضية، بمعنى التفرقة، فهو تجزئة الأعضاء.

(4) الأنعام/ 125.

(5) الإتقان، ج 4، ص 222.

(6) كان ممن جمع القرآن على عهده صلى الله عليه و آله و سلم و كان يعلم أهل الصفة القرآن و شهد المشاهد كلها مع

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 191

لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ «1»، ما ذا تكون تلك البشارة؟ قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل، أو ترى له» «2».

و

روى الكليني في الكافي و الصدوق في الفقيه بإسنادهما عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: «البشرى في الحياة الدنيا هي الرؤيا الحسنة يراها المؤمن فيبشّر بها في دنياه».

و

زاد في الفقيه: «و أما قوله: فِي الْآخِرَةِ، فإنها بشارة المؤمن عند الموت، يبشّر بها عند موته: أنّ اللّه عزّ و جلّ قد غفر لك و لمن يحملك إلى قبرك ...».

و قال عليّ بن إبراهيم القمّي: و فِي الْآخِرَةِ عند الموت، و هو قوله تعالى: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ «3».

* و

سئل عن قوله تعالى: الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَ أَضَلُّ سَبِيلًا «4» كيف يحشر أهل النار على وجوههم؟ فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر أن يمشيهم على وجوههم» «5».

و بهذا المعنى آية أخرى أوضحت الحشر على الوجوه بالسحب على وجوههم، قال تعالى: يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ، ذُوقُوا مَسَّ

سَقَرَ «6»، و قوله: وَ نَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَ بُكْماً وَ صُمًّا «7».

رسول اللّه. و استعمله النبي على بعض الصّدقات، و كان نقيبا في الأنصار. كان طويلا جسيما جميلا.

توفّي سنة 72.

(1) يونس/ 64.

(2) المستدرك، ج 2، ص 340.

(3) النحل/ 32؛ تفسير الصافي، ج 1، ص 758.

(4) الفرقان/ 34.

(5) المستدرك، ج 2، ص 402.

(6) القمر/ 48.

(7) الإسراء/ 97.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 192

* و

أخرج الحاكم بإسناده إلى الأصبغ بن نباتة- و قال: إنه أحسن الروايات في هذا الباب- عن الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام، قال: لما نزلت الآية فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ «1» قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: يا جبرئيل، ما هذه النحيرة التي أمرني بها ربّي؟

قال: إنها ليست بنحيرة، و لكنه يأمرك إذا تحرّمت للصلاة أن ترفع يديك إذا كبّرت و إذا ركعت و إذا رفعت رأسك من الركوع؛ فإنها صلاتنا و صلاة الملائكة الذين في السماوات السبع «2» . و

في رواية أخرى زيادة قوله: إنّ لكل شي ء زينة، و زينة الصلاة رفع الأيدي.

قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: رفع الأيدي من الاستكانة التي قال اللّه- عزّ و جلّ-: فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَ ما يَتَضَرَّعُونَ «3».

* و سألته أمّ هانئ (بنت أبي طالب) عن المنكر الذي كان قوم لوط يأتونه في ناديهم؛ حيث قوله تعالى: وَ تَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ «4»؟

فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «كانوا يخذفون أهل الطريق و يسخرون» «5».

و لعل هذا كان بعض أعمالهم المنكرة، ففي المجمع: كانت مجالسهم تشتمل على أنواع من المناكير و القبائح، مثل الشتم و السخف

و الصفع و القمار، و ضرب المخارق و خذف الأحجار على المارّين و ضرب المعازف و المزامير، و كشف العورات و اللواط، و قيل: كانوا يتضارطون من غير حشمة و لا حياء «6».

(1) الكوثر/ 2.

(2) المستدرك، ج 2، ص 532.

(3) المؤمنون/ 76. المستدرك، ج 2، ص 538.

(4) العنكبوت 29.

(5) المستدرك، ج 2، ص 409.

(6) مجمع البيان للطبرسي، ج 8، ص 280.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 193

* و ربما سألوه عن عموم حكم و شموله لبعض ما اشتبه عليهم أمره،

فقد سأله جرير بن عبد اللّه الجبلي «1» عن نظرة الفجأة، و قد قال تعالى: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ .. «2»، فهل يشمل عموم الأمر بالغضّ لما إذا كانت النظرة فجأة، و هي غير إراديّة؟

قال جرير: فأمرني صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أن أصرف بصري «3»، أي لا يداوم في النظرة، و يصرف ببصره من فوره.

* و

عن أبي جعفر الباقر عليه السّلام قال: جاء رجل إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و سأله عن أمر اليتامى؛ حيث قوله تعالى: وَ آتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَ لا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَ لا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً إلى قوله: وَ لا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَ بِداراً أَنْ يَكْبَرُوا، وَ مَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ، وَ مَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ .... «4» فقال: يا رسول اللّه، إن أخي هلك و ترك أيتاما و لهم ماشية، فما يحلّ لي منها؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: إن كنت تليط حوضها، و تردّ ناديتها، و تقوم على رعيّتها، فاشرب من ألبانها، غير

مجتهد و لا ضارّ بالولد، و اللّه يعلم المفسد من المصلح «5». إشارة إلى قوله تعالى:

(1) أسلم قبل وفاة النبي بأربعين يوما. كان سيد قومه وجيها حسن الصورة و كان يلقب بيوسف هذه الأمة. و لما دخل على النبي رحب به و أكرمه، و

قال: إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه. و بعثه في مائة و خمسين فارسا إلى ذي الخلصة ليهدم بيت صنم كان هناك لخثعم، و دعا له، و قال: اللهم اجعله هاديا مهديا . توفي سنة 51.

(2) النور/ 30.

(3) المستدرك، ج 2، ص 396.

(4) النساء/ 2 و 6. و الحوب: الإثم.

(5) العياشي، ج 1، ص 107، رقم 321. لاط الحوض: مدره لئلا ينشف الماء. و النادية: النوق

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 194

وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَ إِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ ... «1».

و أحيانا كانت الأسئلة لغويّة، على ما أسبقنا أن القرآن أخذ من لغات القبائل كلّها، و ربما كانت اللفظة المتداولة في قبيلة، غير معروفة عند الآخرين.

* من ذلك ما

سأله قطبة بن مالك الذبياني «2» عن معنى «البسوق» من قوله تعالى: وَ النَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ «3» قال: ما بسوقها؟ فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: طولها «4» . قال الراغب: باسقات، أي طويلات. و الباسق هو الذاهب طولا من جهة الارتفاع، و منه بسق فلان على أصحابه: علاهم.

* و

سأله عبد اللّه بن عمرو بن العاص عن الصور في قوله تعالى: وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ، «5» قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: هو قرن ينفخ فيه «6».

* و

عن الإمام جعفر بن محمد

الصادق عليه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في قوله تعالى: فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً «7»- الإحسار: الإقتار. «8» الحسر: كشف الملبس عما عليه. و الحاسر: من لا درع له و لا مغفر. و ناقة

المتفرّقة.

(1) البقرة/ 220.

(2) كان من الصحابة الذين سكنوا الكوفة. روى عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و عن زيد بن أرقم و غيره.

(3) ق/ 10.

(4) المستدرك، ج 2، ص 464.

(5) الزمر/ 68.

(6) المستدرك، ج 2، ص 436.

(7) الإسراء/ 29.

(8) تفسير العياشي، ج 2، ص 289.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 195

حسير: انحسر عنها اللحم و القوّة. و الحاسر: المعيا، لانكشاف قواه.

إذن فالمحسور: من افتقد أسباب المعيشة التي أهمها المال، و ليس من الحسرة كما توهّم، فصحّ تفسير المحسور بالمقتر؛ لأنّ القتر فقد النفقة أو تقليلها، و المقتر: الفقير.

و ربما كانت الآية شديدة الوطأة، قد تجعل المسلمين في قلق، لو لا مراجعته صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ليفسّرها لهم بما يرفع عنهم ألم اليأس و قلق الاضطراب.

من ذلك ما

رواه محمد بن مسلم عن الإمام أبي جعفر الباقر عليه السّلام قال: لما نزلت الآية: مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ «1»، قال بعض أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:

ما أشدّها من آية! فقال لهم رسول اللّه: أما تبتلون في أموالكم و أنفسكم و ذراريكم؟ قالوا: بلى، قال: هذا مما يكتب اللّه لكم به الحسنات و يمحو به السيئات «2».

* و

سئل فيما النجاة غدا؟ فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «النجاة أن لا تخادعوا اللّه فيخدعكم، فإنه من يخادع اللّه

يخدعه و يخلع منه الإيمان، و نفسه يخدع لو يشعر».

فقيل: كيف يخادع اللّه؟ قال: «يعمل بما أمره اللّه ثم يريد به غيره، فاتّقوا اللّه فاجتنبوا الرياء فإنه شرك باللّه.» «3»، و ذلك قوله تعالى: إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَ هُوَ خادِعُهُمْ وَ إِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ. «4»

(1) النساء/ 123.

(2) تفسير العياشي، ج 1، ص 277. رقم 278.

(3) تفسير العياشي، ج 1، ص 283، رقم 295.

(4) النساء/ 142.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 196

* و

لما نزلت الآية: وَ إِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ «1» قالوا: يا رسول اللّه، من هؤلاء الذين إذا تولّينا استبدلوا بنا؟!- و سلمان إلى جنبه- فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: هم الفرس، هذا و قومه

. و

في رواية الطبري: فضرب على منكب سلمان و قال: من هذا و قومه. و الذي نفسي بيده لو أن الدين تعلّق بالثريّا لنالته رجال من أهل فارس

. و

في رواية البيهقي: لو كان الإيمان منوطا بالثريّا لتناوله رجال من فارس «2» .* و ربما سألوه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عن غير الأحكام مما جاء ذكره في القرآن إجمالا، ليبعثهم حبّ الاستطلاع على السؤال عنه. من ذلك

سؤال فروة بن مسيك المرادي «3» عن «سبأ»: رجل أو امرأة أم أرض؟ فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: هو رجل ولد عشرة من الولد، ستة من ولده باليمن، و أربعة بالشام. فأمّا اليمانيّون فمذحج و كندة و الأزد و الأشعريون و أنمار و حمير، خير كلها، و أما الشاميّون فلخم و جذام و عاملة و غسّان. «4»

(1) محمد/ 38.

(2) راجع: المستدرك للحاكم، ج 2، ص 458. و الطبري في التفسير، ج 26، ص 42. و الدر المنثور، ج 6، ص 67.

(3) قدم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم سنة عشر فأسلم، فبعثه على مراد و زبيد و مذحج.

قال ابن إسحاق: فلما انتهى إلى رسول اللّه، قال له- فيما بلغنا-: يا فروة، هل ساءك ما أصاب قومك يوم الردم؟ قال: يا رسول اللّه، و من ذا الذي يصيب قومه ما أصاب قومي يوم الردم و لا يسوؤه؟! فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:

أما إن ذلك لم يزد قومك في الإسلام إلا خيرا. (أسد الغابة، ج 4، ص 180) (4) المستدرك، ج 2، ص 423- 424.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 197

قال الطبرسي: سبأ، هو أبو عرب اليمن كلها، و قد تسمّى به القبيلة «1»، و هو الظاهر من عود ضمير العقلاء إليهم في قوله تعالى: لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ، جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَ شِمالٍ، كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ، وَ اشْكُرُوا لَهُ. بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَ رَبٌّ غَفُورٌ «2».

* و

سأله أبو هريرة عن قوله تعالى: وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْ ءٍ حَيٍّ «3»، قال: أنبئنى عن «كل شي ء»؟ قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «كل شي ء خلق من الماء» «4»، بمعنى أن الماء أصل الحياة، حيوانا كان أم نباتا

. و

ورد في الحديث: أوّل ما خلق اللّه الماء. «5» * و أحيانا كان صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يتصدّى لتفسير آية أو آيات لغرض العظة أو الاعتبار، كالذي

رواه أبو سعيد الخدري «6» عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه

و آله و سلّم في قوله تعالى: تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَ هُمْ فِيها كالِحُونَ «7» قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: تشويها النار فتتقلّص شفاهها العليا حتى تبلغ وسط الرءوس، و تسترخي شفاهها السفلى حتى تبلغ الأسرّة.

(1) مجمع البيان، ج 8، ص 386.

(2) سورة سبأ/ 15.

(3) الأنبياء/ 30.

(4) الإتقان، ج 4، ص 238.

(5) كتاب التوحيد، للصدوق، ص 67، رقم 82.

(6) هو سعد بن مالك بن سنان الأنصاري. كان من الحفّاظ للحديث المكثرين، و من العلماء الفضلاء النبلاء. غزا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هو ابن خمس عشرة سنة، مات سنة 74. (أسد الغابة، ج 2، ص 289 و ج 5، ص 211)

(7) المؤمنون/ 104.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 198

أخرجه الحاكم

، و قال: صحيح الإسناد «1».

* و

عن أبي هريرة، قال: قرأ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها ثم قال:

أ تدرون ما أخبارها؟ قالوا: اللّه و رسوله أعلم! قال: أن تشهد على كل عبد و أمة بما عمل على ظهرها، تقول: عمل كذا و كذا في يوم كذا و كذا «2».

* و

عن أبي الدرداء «3» قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قرأ: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا، فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ، ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ، جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها .. «4» ثم قال:

«السابق و المقتصد يدخلان الجنّة غير حساب، و الظالم لنفسه يحاسب حسابا يسيرا ثم يدخل الجنة» «5».

* و هكذا

روى عمران بن حصين «6» قال: كان النبيّ صلّى

اللّه عليه و آله و سلّم يحدثنا عامّة ليله عن بني إسرائيل، لا يقوم إلّا لعظيم صلاة «7».

(1) المستدرك، ج 2، ص 395.

(2) المستدرك، ج 2، ص 532.

(3) هو عويمر بن مالك بن زيد. كان من أفاضل الصحابة و فقهائهم و حكمائهم، و كان مشاهده الخندق. مات سنة 32.

(4) فاطر/ 32.

(5) المستدرك، ج 2، ص 426.

(6) أسلم عام خيبر، و غزا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم غزوات. بعثه عمر على البصرة ليفقّه أهلها و يتولّى قضاءها. فاستعفى بعد قليل عن ولاية القضاء، و كان من فضلاء الصحابة، و لم يكن بالبصرة من يفضّل عليه. ابتلى بمرض الاستسقاء و دام به المرض ثلاثين يوما، و هو مسجّى على سريره. توفّي سنة 52. (أسد الغابة، ج 4، ص 137.)

(7) المستدرك، ج 2، ص 379.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 199

و لعله ذات ليلة أو ليالي معدودة كانت معهودة.

هذا غيض من فيض و رشف من رشح، فاضت به ينبوع الحكمة و مهبط الوحي الكريم، و لا زالت بركاته متواصلة عبر الخلود.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 201

المرحلة الثانية التفسير في دور الصحابة

اشارة

* هم درجات عند اللّه* المفسرون من الصحابة* أعلم الصحابة بمعاني القرآن* قيمة تفسير الصحابي* ميزات تفاسير الصحابة

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 203

التفسير في دور الصحابة
هم درجات عند اللّه

قال تعالى: نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ وَ فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ «1».

لا شكّ أن الصحابة، ممن رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ «2» كانوا هم مراجع الأمّة بعد الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إذ كانوا حاملي لوائه و مصادر شريعته إلى الملأ، ليس يعدل عنهم إلى الأبد.

نعم كانوا على درجات من العلم و الفضيلة حسبما أوتوا من فهم و ذكاء و سائر المواهب و الاستعداد أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها «3»، يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً «4».

(1) يوسف/ 76.

(2) التوبة/ 100.

(3) الرعد/ 17.

(4) البقرة/ 269.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 204

قال مسروق بن الأجدع الهمداني «1»: جالست أصحاب محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فوجدتهم كالإخاذ- يعني الغدير من الماء- فالإخاذ يروي الرجل، و الإخاذ يروي الرجلين، و الإخاذ يروي العشرة، و الإخاذ يروي المائة، و الإخاذ لو نزل به أهل الأرض لأصدرهم «2».

و في لفظ ابن الأثير: تكفي الإخاذة الراكب، و تكفي الإخاذة الراكبين، و تكفي الإخاذة الفئام من الناس. قال: و الإخاذ ككتاب: مصنع للماء يجتمع فيه. و الفئام:

الجماعة الكثيرة «3».

و يعني بالأخير (لأصدرهم) الإمام أمير المؤمنين، عليه صلوات المصلّين؛ حيث كان- سلام اللّه عليه- ينحدر عنه السيل و لا يرقى إليه الطير. «4» قال مسروق:

«انتهى العلم إلى ثلاثة: عالم بالمدينة عليّ بن أبي طالب، و عالم بالعراق عبد اللّه ابن مسعود، و عالم بالشام أبي الدرداء،

فإذا التقوا سأل عالم الشّام و عالم العراق عالم المدينة و هو لم يسألهم» «5».

قال الأستاذ محمد حسين الذهبي: الحق أن الصحابة كانوا يتفاوتون في القدرة على فهم القرآن و بيان معانيه المرادة منه؛ و ذلك راجع إلى اختلافهم في أدوات الفهم. فقد كانوا يتفاوتون في العلم بلغتهم، فمنهم الواسع الاطلاع الملمّ بغريبها (كعبد اللّه بن عباس)، و منهم دون ذلك، و منهم من لازم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم

(1) كان من التابعين، فقيه عابد. قال الشعبي: ما رأيت أطلب منه للعلم. كان معلّما و مقرئا و مفتيا.

صحب عليا عليه السّلام و لم يتخلّف عن حروبه. توفّي سنة 62، و له من العمر 63 سنة.

(2) التفسير و المفسرون، ج 1، ص 36.

(3) النهاية، ج 1، ص 28.

(4) راجع: الخطبة الشقشقية من نهج البلاغة، رقم 3.

(5) راجع: تاريخ دمشق لابن عساكر، ترجمة الإمام عليّ بن أبي طالب، ج 3، ص 51، رقم 1086.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 205

فعرف من أسباب النزول ما لم يعرفه غيره (كعليّ بن أبي طالب عليه السّلام) أضف إلى ذلك أن الصحابة لم يكونوا في درجتهم العلمية و مواهبهم العقليّة سواء، بل كانوا مختلفين في ذلك اختلافا عظيما «1».

هذا

عديّ بن حاتم «2»، العربيّ الصميم، حسب من قوله تعالى: وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ... «3» أنه تمايز أحد خيطين: أبيض و آخر أسود، أحدهما عن الآخر في ضوء الفجر، فأخذ عقالين أبيض و أسود و جعلهما تحت و ساده، فجعل ينظر إليهما فلا يتبيّن له أحدهما عن الآخر، فلما أصبح غدا إلى

رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يخبره بما صنع، فضحك رسول اللّه من صنيعه ذلك، حتى بدت نواجذه

، و

في رواية، قال له: إنّ وسادك إذن لعريض- كناية عن عدم تنبّهه لحقيقة الأمر- ثم قال له: إنما ذاك بياض النهار من سواد الليل «4»، إنه البياض المعترض على الأفق تحت سواد الليل المنصرم.

و

في الدرّ المنثور: لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال و لا الفجر

(1) التفسير و المفسرون، ج 1، ص 35.

(2) هو ابن حاتم الموصوف بالجود الذي يضرب به المثل، وفد على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم سنة تسع. كان جوادا شريفا في قومه. و كان ثابت الإيمان راسخ العقيدة، روي عنه أنه قال: ما دخل عليّ وقت صلاة إلّا و أنا مشتاق إليها. و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يكرمه إذا دخل عليه. قال الشعبي: أرسل إليه الأشعث يستعير منه قدور حاتم فملأها و حملها الرجال إليه. فقال: إنما أردناها فارغة، فقال عديّ: إنّا لا نعيرها فارغة. كان منحرفا عن عثمان، ثابتا مع أمير المؤمنين عليه السّلام فقئت عينه يوم الجمل و قتل ابنان له في ركاب علي عليه السّلام و شهد صفين بنفسه. توفّي سنة 67 بالكوفة أيام المختار، و له مائة و عشرون سنة، (أسد الغابة، ج 3، ص 392)

(3) البقرة/ 187.

(4) فتح الباري بشرح البخاري لابن حجر، ج 4، ص 113- 114. و تفسير الطبري، ج 2، ص 100.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 206

المستطيل- و هو الساطع المصعد- و لكن الفجر المستظهر في الأفق، هو المعترض الأحمر، يلوح إلى الحمرة

. و

في حديث: لا يمنعكم

أذان بلال من سحوركم فإنه ينادي بليل، فكلوا و اشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم، فإنه لا يؤذّن حتى يطلع الفجر «1».

قال الإمام أبو جعفر الباقر عليه السّلام: «الفجر هو الخيط الأبيض المعترض، و ليس هو الأبيض صعدا» «2».

و زعمت عائشة من قوله تعالى: يُؤْتُونَ ما آتَوْا إرادة ارتكاب المآثم، الأمر الذي يتنافى مع سياق الآية الواردة بشأن الإشادة بموضع المؤمنين حقا، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ- إلى قوله- وَ الَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَ قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ. أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ.

(1) الدر المنثور، ج 1، ص 198- 200.

هكذا رواه القوم بشأن بلال و ابن أم مكتوم، و لعله اشتباه من الراوي أو الناسخ؛ لأن بلالا كان هو المؤذن المعتمد عند رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و الأصحاب. و كان ابن أم مكتوم مكفوفا، يؤذن قبيل طلوع الفجر، و كان ذلك سبب تشريع أذانين. و قد تداوم عليه أهل المدينة، حتى اليوم.

قال أبو جعفر الصدوق: كان لرسول الله صلى الله عليه و آله و سلم مؤذنان، بلال و الآخر ابن أم مكتوم و كان أعمى، و كان يؤذن قبل الصبح. و كان بلال يؤذن بعد الصبح، فقال النبي صلى الله عليه و آله و سلم: إن ابن أم مكتوم يؤذن بالليل، فإذا سمعتم أذانه فكلوا و اشربوا، حتى تسمعوا أذان بلال. فغيرت العامة هذا الحديث عن جهته، و

قالوا: إنه عليه السلام قال: إن بلالا يؤذن بليل، فإذا سمعتم أذانه فكلوا و اشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم (من لا يحضره الفقيه، ج 1، ص 193- 194) (2) وسائل الشيعة، ج 3، ص 153، رقم

4، باب 27، المواقيت.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 207

أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَ هُمْ لَها سابِقُونَ «1».

فسألت عن ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و قالت: هو الذي يسرق و يزني و يشرب الخمر، و هو يخاف اللّه؟! فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: لا، و لكنّه الذي يصوم و يصلّي و يتصدّق و يخاف اللّه. «2» كناية عن إتيانه الطاعات، و جلا أن لا يكون مؤدّيا لها تامّة حسبما أراده اللّه.

و لعلّها كانت تتصور من الكلمة أنها مقصورة (يأتون ما أتوا) بمعنى: (يعملون ما عملوا)، و قد أسلفنا الكلام عن تزييفه. «3» و أنّ الصحيح هو قراءة المدّ (يؤتون ما آتوا) بمعنى: يؤدّون ما أدّوا، أي من أفعال البرّ و الخيرات، من غير إعجاب و لا رياء، و إلى ذلك ينظر تفسيره صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

و

روى زرارة عن الإمام أبي جعفر الباقر عليه السّلام قال: أتى عمّار بن ياسر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال: يا رسول اللّه، أجنبت اللّيلة و لم يكن معي ماء. قال: كيف صنعت؟ قال: طرحت ثيابي ثم قمت إلى الصعيد فتمعّكت «4»!! فعلّمه رسول اللّه التيمّم، سواء أ كان بدل وضوء أم بدل غسل «5».

و قرأ عمر بن الخطّاب من سورة «عبس» حتى وصل إلى قوله تعالى:

(1) المؤمنون/ 57- 61.

(2) الإتقان، ج 4، ص 238.

(3) عند المبحث عن مسألة التحريف عند حشوية العامة برقم 20. و راجع: المستدرك، ج 2، ص 235 و 246.

(4) التمعك: التمرغ في التراب.

(5) العياشي، ج 1، ص 244، رقم 144 و 145 و ص

302، رقم 63.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 208

فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ، أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا، ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا، فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا، وَ عِنَباً وَ قَضْباً، وَ زَيْتُوناً وَ نَخْلًا، وَ حَدائِقَ غُلْباً، وَ فاكِهَةً وَ أَبًّا، مَتاعاً لَكُمْ وَ لِأَنْعامِكُمْ «1»، فقال: هذه الفاكهة قد عرفناها، فما الأبّ؟ ثم رجع إلى نفسه فقال:

إنّ هذا لهو التكلّف يا عمر! و في رواية: ثم رفض- أو نقض- عصا كانت في يده، و قال: هذا لعمر اللّه هو التكلّف، فما عليك أن لا تدري ما الأبّ، اتّبعوا ما بيّن لكم هداه من الكتاب فاعملوا به، و ما لم تعرفوه فكلوه إلى ربّه!- و لعلّه سئل عن تفسير الآية فحار في الجواب.

و قد ورد أن أبا بكر- أيضا- سئل قبل ذلك عن تفسير الآية، فقال: أيّ سماء تظلّني، و أيّ أرض تقلّني، إذا قلت في كتاب اللّه ما لم أعلم. «2»

قال الذهبي: و لو أنّنا رجعنا إلى عهد الصحابة لوجدنا أنهم لم يكونوا في درجة واحدة بالنسبة لفهم معاني القرآن، بل تتفاوت مراتبهم، و أشكل على بعضهم ما ظهر لبعض آخر منهم. و هذا يرجع إلى تفاوتهم في القوّة العقليّة، و تفاوتهم في معرفة ما أحاط بالقرآن من ظروف و ملابسات. و أكثر من هذا أنهم كانوا لا يتساوون في معرفة المعاني التي وضعت لها المفردات، فمن مفردات القرآن ما خفي معناه على بعض الصحابة، و لا ضير في هذا، فإنّ اللغة لا يحيط بها إلّا معصوم، و لم يدّع أحد أنّ كل فرد من أمّة يعرف جميع ألفاظ لغتها.

(1) عبس/ 24- 32.

(2) راجع: الدر المنثور، ج 6، ص 317، و المستدرك للحاكم، ج

2، ص 514.

و الأبّ: العشب المتهيّئ للرّعي و الجزّ، من قولهم: أبّ لكذا، إذا تهيّأ له. كما أنّ الفاكهة هي الثمرة الناضحة للأكل و القطف. جاء في المعجم الوسيط: الأبّ: العشب رطبه و يابسه. يقال: فلان راع له الحبّ، و طاع له الأبّ، إذا زكا زرعه و اتّسع مرعاه.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 209

قال: و مما يشهد لهذا الذي ذهبنا إليه، ما أخرجه أبو عبيدة في الفضائل عن أنس: أن عمر بن الخطاب قرأ على المنبر وَ فاكِهَةً وَ أَبًّا فقال: هذه الفاكهة قد عرفناها، فما الأب؟ ثم رجع إلى نفسه فقال: إنّ هذا لهو التكلّف يا عمر! و ما روي من أن عمر كان على المنبر فقرأ: أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ «1» ثم سأل عن معنى التخوّف، فقال له رجل من هذيل: التخوّف عندنا التنقّص، ثم أنشد:

تخوّف الرحل منها تامكا قردا كما تخوّف عود النّبعة السّفن «2»

قال الطبرسي: التخوّف: التنقّص، و هو أن يأخذ الأوّل فالأوّل حتى لا يبقى منهم أحد، و تلك حالة يخاف معها الهلاك و الفناء و هو الغناء تدريجا، ثم أنشد البيت بتبديل الرحل إلى السير «3».

قال الفراء: جاء التفسير بأنه التنقّص. و العرب تقول: تحوّفته- بالحاء المهملة-: تنقّصه من حافاته. «4»

و معنى الآية- على ذلك-: أنه تعالى يهلكهم على تدرّج شيئا فشيئا، بما

(1) النحل/ 47.

(2) الموافقات، ج 2، ص 87- 88. (الذهبي، ج 1، ص 34)

(3) مجمع البيان، ج 6، ص 363.

و الرحل: القتب و هو ما يجعل على ظهر البعير كالسرج للفرس. و التامك: السنام، لارتفاعه، يقال: تمك السنام تموكا إذا طال و ارتفع. و القرد: الذي تجعّد شعره فصار كأنه

وقاية للسنام. و النبع:

شجر للقسيّ و السهام. و السفن: ما ينحت به كالمبرد و نحوه.

و معنى البيت: أنّ الرحل قد أخذ من جوانب السنام فجعل يأكله و ينقص من أطرافه، رغم سموكه و تجعّده بالشعر المتلبّد. كما يأخذ المبرد من أطراف عود النبعة لبريه سهما أو قوسا.

(4) معاني القرآن، ج 2، ص 101.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 210

يجعلهم على خوف الفناء؛ حيث يرون أنهم في تنقيص، و الأخذ من جوانبهم تدريجا، و هذا نظير ما ورد في آية أخرى: أَ فَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها «1» و قوله: وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْ ءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَ الْجُوعِ وَ نَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَ الْأَنْفُسِ وَ الثَّمَراتِ «2».

و أيضا أخرج أبو عبيدة من طريق مجاهد عن عبد اللّه بن عباس، قال: كنت لا أدري ما «فاطر السماوات» حتى أتاني أعرابيّان يتخاصمان في بئر. فقال أحدهما:

أنا فطرتها، و الآخر يقول: أنا ابتدأتها ... «3»

قال الذهبي: فإذا كان عمر بن الخطاب يخفى عليه معنى «الأبّ» و معنى «التخوّف»، و يسأل عنهما غيره، و ابن عباس- و هو ترجمان القرآن- لا يظهر له معنى «فاطر» إلّا بعد سماعه من غيره، فكيف شأن غيرهما؟! لا شكّ أنّ كثيرا منهم كانوا يكتفون بالمعنى الإجمالي للآية: فيكفيهم- مثلا- أن يعلموا من قوله تعالى:

«وَ فاكِهَةً وَ أَبًّا» أنه تعداد للنعم التي أنعم اللّه بها عليهم، و لا يلزمون أنفسهم بتفهّم معنى الآية تفصيلا، ما دام المراد واضحا جليّا «4».

المفسّرون من الأصحاب

اشتهر بالتفسير من الصحابة أربعة، لا خامس لهم في مثل مقامهم في العلم بمعاني القرآن، و هم: عليّ بن أبي طالب عليه السّلام و كان رأسا و أعلم الأربعة، و

عبد اللّه

(1) الأنبياء/ 44. و نظيرتها آية أخرى في سورة الرعد/ 41 أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ ....

(2) البقرة/ 155.

(3) الإتقان، ج 2، ص 4 (ط 2) و ج 1، ص 113، (ط 1)

(4) التفسير و المفسرون، ج 1، ص 35.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 211

ابن مسعود، و أبيّ بن كعب، و عبد اللّه بن عباس، كان أصغرهم و أوسع باعا في نشر التفسير.

أمّا غير هؤلاء الأربعة فلم يعهد عنهم في التفسير سوى النزر اليسير.

قال جلال الدين السيوطي: اشتهر بالتفسير من الصحابة عشرة: الخلفاء الأربعة، و ابن مسعود، و ابن عباس، و أبيّ بن كعب، و زيد بن ثابت، و أبو موسى الأشعري، و عبد اللّه بن الزبير. أما الخلفاء فأكثر من روي عنه منهم عليّ بن أبي طالب، و الرواية عن الثلاثة (أبي بكر و عمر و عثمان) نزرة جدّا «1».

قال الأستاذ الذهبي: و هناك من تكلّم في التفسير من الصحابة غير هؤلاء، كأنس بن مالك، و أبي هريرة و عبد اللّه بن عمر، و جابر بن عبد اللّه، و عبد اللّه بن عمرو بن العاص، و عائشة. غير أن ما نقل عنهم في التفسير قليل جدّا، كما أن العشرة الذين اشتهروا بالتفسير، تفاوتوا قلّة و كثرة، و المخصوصون بكثرة الرواية في التفسير منهم أربعة: عليّ بن أبي طالب، و ابن مسعود، و أبيّ بن كعب، و ابن عباس. أما باقي العشرة، و هم: زيد، و أبو موسى و ابن الزبير، فقد قلّت عنهم الرواية، و لم يبلغوا ما بلغه الأربعة.

قال: لهذا نرى الإمساك عن الكلام في شأن السّتّة، و نتكلّم عن (عليّ بن أبي

طالب) و (ابن مسعود) و (أبيّ بن كعب) و (ابن عباس) نظرا لكثرة الرواية عنهم في التفسير، كثرة غذّت مدارس الأمصار على اختلافها و كثرتها «2».

(1) الإتقان، ج 4، ص 204.

(2) التفسير و المفسرون، ج 1، ص 63- 64.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 212

أعلم الصحابة بمعاني القرآن فالأعلم

قال الإمام بدر الدين الزركشي: و صدر المفسّرين من الصحابة هو عليّ بن أبي طالب، ثم ابن عباس. و هو تجرّد لهذا الشأن، و المحفوظ عنه أكثر من المحفوظ عن علي عليه السّلام، إلّا أنّ ابن عباس كان قد أخذ عن علي عليه السّلام «1».

قال الأستاذ الذهبي: كان عليّ عليه السّلام بحرا من العلم، و كان قويّ الحجّة سليم الاستنباط، أوتي الحظّ الأوفر من الفصاحة و الخطابة و الشعر، و كان ذا عقل ناضج و بصيرة نافذة إلى بواطن الأمور. و كثيرا ما كان يرجع إليه الصحابة في فهم ما خفي، و استجلاء ما أشكل. و قد دعا له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حين ولاه قضاء اليمن،

بقوله: «اللّهمّ ثبّت لسانه و اهد قلبه».

فكان موفّقا مسدّدا، فيصلا في المعضلات «2»، حتى ضرب به المثل، فقيل: «قضيّة و لا أبا حسن لها».

قال: و لا عجب، فقد تربّى في بيت النبوّة، و تغذّى بلبان معارفها، و عمّته مشكاة أنوارها. و قيل لعطاء: أ كان في أصحاب محمد أعلم من علي؟ قال: لا، و اللّه لا أعلمه. و عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: إذا ثبت لنا الشي ء عن عليّ، لم نعدل عنه إلى غيره «3».

قال ابن عباس: جلّ ما تعلّمت من التفسير، من عليّ بن أبي طالب. و قال: عليّ علم علما علّمه

رسول اللّه، و رسول اللّه علّمه اللّه؛ فعلم النبي من علم اللّه، و علم

(1) البرهان، ج 2، ص 157، و البحار، ج 89، ص 105 (بيروت)

(2) و ناهيك قولة ابن الخطاب: «لا أبقاني اللّه لمعضلة ليس لها أبو حسن» (أنساب الأشراف، ص 100، رقم 29)

(3) التفسير و المفسرون، ج 1، ص 89.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 213

علي من علم النبيّ، و علمي من علم عليّ عليه السّلام. و ما علمي و علم أصحاب محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في علم علي إلّا كقطرة في سبعة أبحر. و في حديث آخر: فإذا علمي بالقرآن في علم علي عليه السّلام كالقرارة في المثعنجر، قال: القرارة: الغدير، و المثعنجر:

البحر «1».

و قال: لقد أعطي عليّ بن أبي طالب عليه السّلام تسعة أعشار العلم، و أيم اللّه لقد شاركهم في العشر العاشر، الأمر الذي أحوج الكل إليه و استغنى عن الكل، كما قال الخليل.

و قال سعيد بن جبير: كان ابن عباس يقول: إذا جاءنا الثبت عن علي عليه السّلام لم نعدل به. و في لفظ ابن الأثير: إذا ثبت لنا الشي ء عن علي لم نعدل عنه إلى غيره.

و قد عرفت أن ما أخذه ابن عباس من التفسير فإنما أخذه عن علي عليه السّلام.

و قال سعيد بن المسيب: ما كان أحد من الناس يقول سلوني غير عليّ بن أبي طالب

. قال: كان عمر يتعوّذ من معضلة ليس لها أبو حسن. و قد روى البلاذري في الأنساب قولة عمر: «لا أبقاني اللّه لمعضلة ليس لها أبو حسن».

و

قال أبو الطفيل: كان علي عليه السّلام يقول: سلوني، سلوني، سلوني عن كتاب اللّه تعالى، فو

اللّه ما من آية إلّا و أنا أعلم أنزلت بليل أو نهار ...

و قال عبد اللّه بن مسعود: إنّ القرآن أنزل على سبعة أحرف، ما منها حرف إلّا و له ظهر و بطن، و أنّ عليّ بن أبي طالب عنده منه الظاهر و الباطن. «2»

(1) بحار الأنوار، ج 89، (ط بيروت)، ص 105- 106 عن كتاب سعد السعود للسيد ابن طاوس، ص 285- 286.

(2) راجع في ذلك: أسد الغابة لابن الأثير، ج 4، ص 22- 23. و الإصابة لابن حجر، ج 2، ص 509 و حلية الأولياء لأبي نعيم، ج 1، ص 65. و أنساب الأشراف للبلاذري، ج 2، ص 100، رقم 29.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 214

و روى أبو عمرو الزاهد (261- 345) بإسناده إلى علقمة، قال: قال لنا عبد اللّه بن مسعود ذات يوم في حلقته: لو علمت أحدا هو أعلم منّي بكتاب اللّه عزّ و جلّ، لضربت إليه آباط الإبل. قال علقمة: فقال رجل من الحلقة: ألقيت عليّا عليه السّلام؟

فقال: نعم، قد لقيته، و أخذت عنه، و استفدت منه، و قرأت عليه، و كان خير الناس و أعلمهم بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و لقد رأيته كان بحرا يسيل سيلا ... «1»

قال ابن أبي الحديد- بصدد كونه عليه السّلام مرجع العلوم الإسلامية كلها-: و من العلوم علم تفسير القرآن و عنه أخذ، و منه فرّع. و إذا راجعت إلى كتب التفسير علمت صحّة ذلك؛ لأنّ أكثره عنه و عن عبد اللّه بن عباس. و قد علم الناس حال ابن عباس في ملازمته له و انقطاعه إليه، و أنه تلميذه و خرّيجه. و قيل

له: أين علمك من علم ابن عمّك؟ فقال: كنسبة قطرة من المطر إلى البحر المحيط. «2»

و

أخرج الحاكم بإسناده عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: «عليّ مع القرآن و القرآن مع علي، لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض»

و

قال: «أنا مدينة العلم و عليّ بابها، فمن أراد المدينة فليأتها من بابها» «3».

و الآن فلنستمع إلى ما يصف عليه السّلام نفسه و موضعه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم

قال: «سلوني عن كتاب اللّه، فإنه ليست آية إلّا و قد عرفت بليل نزلت أم بنهار، في سهل أو جبل»، «و اللّه ما نزلت آية إلّا و قد علمت فيم أنزلت و أين نزلت. و أنّ ربّي و هب لي قلبا عقولا و لسانا سئولا».

قيل له: «ما بالك أكثر أصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حديثا؟ فقال: لأني كنت إذا سألته

(1) سعد السعود، ص 285. البحار، ج 89، ص 105.

(2) شرح النهج، ج 1، ص 19.

(3) المستدرك للحاكم، ج 3، ص 126 و 124.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 215

أنبأني، و إذا سكتّ ابتدأني» «1».

قال عليه السّلام: «كنت أول داخل على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و آخر خارج من عنده، و كنت إذا سألت أعطيت، و إذا سكتّ ابتديت. و كنت أدخل على رسول اللّه في كل يوم دخلة، و في كل ليلة دخلة و ربّما كان ذلك في بيتي، يأتيني رسول اللّه أكثر من ذلك في منزلي. فإذا دخلت عليه في بعض منازله أخلى بي و أقام نساءه، فلم يبق عنده غيري. و إذا أتاني لم يقم

فاطمة و لا أحدا من ولدي. و إذا سألته أجابني، و إذا سكتّ عنه و نفدت مسائلي ابتدأني. فما نزلت على رسول اللّه آية من القرآن إلّا أقرأنيها و أملاها عليّ و كتبتها بخطّي، فدعا اللّه أن يفهمني و يعطيني، فما نزلت آية من كتاب اللّه إلّا حفظتها و علّمني تأويلها ...» «2».

و

في الكافي: «فما نزلت على رسول اللّه آية من القرآن إلّا أقرأنيها و أملاها عليّ، فكتبتها بخطي، و علّمني تأويلها و تفسيرها، و ناسخها و منسوخها، و محكمها و متشابهها، و خاصّها و عامّها. و دعا اللّه أن يعطيني فهمها و حفظها.

فما نسيت آية من كتاب اللّه و لا علما أملاه عليّ و كتبته، منذ دعا اللّه لي بما دعا.

و ما ترك شيئا علّمه اللّه من حلال و لا حرام، و لا أمر و لا نهي كان أو يكون، و لا كتاب منزل على أحد قبله من طاعة أو معصية، إلّا علّمنيه و حفظته، فلم أنس حرفا واحدا. ثم وضع يده على صدري و دعا اللّه لي أن يملأ قلبي علما و فهما و حكما و نورا. فقلت: يا نبيّ اللّه- بأبي أنت و أمّي- منذ دعوت اللّه لي بما دعوت، لم أنس شيئا و لم يفتني شي ء لم أكتبه، أ فتتخوّف عليّ النسيان فيما بعد؟ فقال: لا،

(1) أنساب الأشراف للبلاذري، ص 98- 99، رقم 26 و 27 و 28.

(2) المعيار و الموازنة للإسكافي، ص 300.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 216

لست أتخوّف عليك النسيان و الجهل!» «1».

و

قد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لعلي عليه السّلام: «إنّ اللّه أمرني أن أدنيك و لا أقصيك، و

أن أعلّمك و لا أجفوك. فحقيق عليّ أن أعلّمك، و حقيق عليك أن تعي» «2».

و

في الخطبة القاصعة- من نهج البلاغة-: «و قد علمتم موضعي من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بالقرابة القريبة، و المنزلة الخصيصة. وضعني في حجره و أنا ولد، يضمّني إلى صدره، و يكنفني إلى فراشه، و يمسّني جسده، و يشمّني عرفه، «3» و كان يمضغ الشي ء ثمّ يلقمنيه. و ما وجد لي كذبة في قول، و لا خطلة «4» في فعل.

و لقد قرن اللّه به صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، من لدن أن كان فطيما أعظم ملك من ملائكته، يسلك به طريق المكارم، و محاسن أخلاق العالم، ليله و نهاره.

و لقد كنت أتّبعه اتّباع الفصيل أثر أمّه، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علما، و يأمرني بالاقتداء به.

و لقد كان يجاور في كلّ سنة بحراء، فأراه و لا يراه غيري. و لم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و خديجة و أنا ثالثهما. أرى نور الوحي و الرسالة، و أشمّ ريح النبوّة.

و لقد سمعت رنّة الشيطان حين نزل الوحي عليه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقلت: يا رسول اللّه، ما هذه الرّنّة؟ فقال: هذا الشيطان أيس من عبادته. إنك تسمع ما أسمع، و ترى

(1) الكافي الشريف، ج 1، ص 64، كتاب فضل العلم، باب اختلاف الحديث، رقم 1.

(2) المعيار و الموازنة، ص 301.

(3) بفتح العين: رائحته الذكيّة.

(4) الخطل: الخطأ ينشأ من عدم الرويّة.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 217

ما أرى، إلّا أنك لست بنبيّ و لكنّك لوزير.

و أنك لعلى خير ...» «1» و أما عبد اللّه بن مسعود، فهو من السابقين في الإيمان، و أوّل من جهر بالقرآن بمكّة، و أسمعه قريشا بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أوذي في اللّه من أجل ذلك. و كان قد أخذه رسول اللّه إليه، فكان يخدمه في أكثر شئونه، و هو صاحب طهوره و سواكه و نعله، و يلبسه إيّاه إذا قام، و يخلعه و يحمله في ذراعه إذا جلس، و يمشي أمامه إذا سار، و يستره إذا اغتسل، و يوقظه إذا نام، و يلج داره بلا حجاب، حتى لقد ظنّ أنه من أهل بيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

هاجر الهجرتين، و صلّى إلى القبلتين، و شهد المشاهد كلها مع رسول اللّه.

كان من أحفظ الناس لكتاب اللّه، و كان رسول اللّه يحبّ أن يسمع القرآن منه، و

كان صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول: «من سرّه أن يقرأ القرآن غضّا طريّا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد».

و كان حريصا على طلب العلم و لا سيّما معاني آيات القرآن الكريم، قال: كان الرجل منّا إذا تعلّم عشر آيات، لم يجاوزهنّ حتى يعرف معانيهنّ و العمل بهنّ، و من ثم كان يقول: و الذي لا إله غيره، ما نزلت آية من كتاب اللّه إلّا و أنا أعلم فيم نزلت و أين نزلت، كما كان شديد الحرص أيضا على بثّ العلم و نشره بين العباد.

قال مسروق بن الأجدع: كان عبد اللّه يقرأ علينا السورة ثم يحدّثنا فيها و يفسّرها، عامّة النهار، و قد أذعن له عامة صحابة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم

بالفضيلة و العلم بالكتاب و السنّة. «2»

(1) الخطبة، رقم 192، النهج، ج 1، ص 392- 394.

(2) حلية الأولياء، ج 1، ص 124- 139. و أسد الغابة، ج 3، ص 256- 260 و الاستيعاب بهامش

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 218

و من ثم كانت له مكانة سامية في التفسير، و بذلك طار صيته، و عنه في التفسير الشي ء الكثير، و الطرق إليه متقنة.

قال الخليلي في الإرشاد: و لإسماعيل السّدّي تفسير يورده بأسانيد إلى ابن مسعود و ابن عباس. و روى عن السدّي الأئمّة، مثل الثوريّ و شعبة، و أضاف: أن أمثل التفاسير تفسير السّدّي.

قال جلال الدين السيوطي- تعقيبا على كلام صاحب الإرشاد-: و تفسير السدّي الذي أشار إليه، يورد منه ابن جرير (الطبري) كثيرا من طريق السدّي عن أبي مالك، و عن أبي صالح عن ابن عباس، و عن مرّة عن ابن مسعود، و ناس من الصحابة هكذا. قال: و الحاكم يخرج منه في مستدركه أشياء و يصحّحه، لكن من طريق مرّة عن ابن مسعود، و ناس فقط دون الطريق الأول «1»، أي طريق أبي صالح عن ابن عباس.

و كان بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قد أخذ العلم من عليّ عليه السّلام و ليس من غيره بتاتا.

و قد تقدم حديث علقمة، قال: قال ابن مسعود ذات يوم، و كنّا في حلقته: لو علمت أن أحدا هو أعلم منّي بكتاب اللّه عزّ و جلّ لضربت إليه آباط الإبل. قال علقمة: فقال رجل من الحلقة. ألقيت عليا؟ فقال: نعم، قد لقيته، و أخذت عنه، و استفدت منه، و قرأت عليه. و كان خير الناس و أعلمهم بعد رسول اللّه

صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و لقد رأيته كان بحرا يسيل سيلا. «2»

الإصابة، ج 2، ص 316- 324 و الإصابة، ج 2، ص 368- 370.

(1) الإتقان، ج 4، ص 207- 208.

(2) سعد السعود، ص 285. البحار، ج 89، ص 105.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 219

و عدّه الخوارزمي و شمس الدين الجزري في «أسنى المطالب» من رواة حديث الغدير من الصحابة. «1»

و أخرج جلال الدين السيوطي عنه نزول آية التبليغ (سورة المائدة/ 67) بشأن عليّ عليه السّلام يوم الغدير، قال: و أخرج ابن مردويه عن ابن مسعود، قال: كنّا نقرأ على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك- أن عليّا مولى المؤمنين- و إن لم تفعل فما بلّغت رسالته، و اللّه يعصمك من الناس». «2»

نعم كان ابن مسعود ممن شدّ وثاقه بولاء آل بيت الرسول، لم يشذّ عن طريقتهم المثلى منذ أوّل يومه فإلى آخر أيام حياته.

روى الصدوق أبو جعفر ابن بابويه بإسناده إلى زيد بن وهب الجهني أبي سليمان الكوفي «3»: أنّ اثني عشر رجلا من صحابة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنكروا على أبي بكر تقدّمه على عليّ عليه السّلام و عدّ منهم: عبد اللّه بن مسعود.

و كان هو الذي أشاد بذكر أهل البيت، و بثّ حديث «الخلفاء اثنا عشر ...» في الكوفة و ما والاها «4».

قال المرتضى علم الهدى- بشأنه-: لا خلاف بين الأمّة في طهارة ابن مسعود

(1) راجع: الغدير، ج 1، ص 53، رقم 79.

(2) الدر المنثور، ج 2، ص 298. و الآلوسي في روح المعاني، ج 6،

ص 172.

(3) وثّقه أصحاب التراجم. قال الأعمش: إذا حدّثك زيد بن وهب عن أحد فكأنك سمعته من الذي حدّثك عنه. أسلم في حياة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هاجر إليه، فبلغته وفاته في الطريق. فهو معدود من كبار التابعين، سكن الكوفة و كان في الجيش الذي مع عليّ عليه السّلام في حربه الخوارج. و هو أوّل من جمع خطب عليّ عليه السّلام في الجمع و الأعياد و غيرهما. توفّي سنة 96، و قد عمّر طويلا. (الخصال، ج 2، ص 461، باب 12)

(4) راجع: بحار الأنوار، ج 36 (بيروت) صفحات 229 و 230 و 233 و 234.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 220

و فضله و إيمانه، و مدح النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم له و ثنائه عليه، و أنه مات على الحالة المحمودة «1».

و سيأتي من تقي الدين أبي الصلاح الحلبي، عدّه و أبيّا من المخصوصين بولاية آل البيت «2».

و

روى رضي الدين أبو القاسم عليّ بن موسى بن طاوس (664) عن كتاب أبي عبد اللّه محمد بن علي السرّاج في تأويل قوله تعالى: وَ اتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً «3» بالإسناد إلى عبد اللّه بن مسعود، أنه قال:

قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «يا ابن مسعود، أنه قد أنزلت عليّ آية وَ اتَّقُوا فِتْنَةً ... و أنا مستودعكها، فكن لما أقول لك واعيا و عنّي له مؤدّيا، من ظلم عليّا مجلسي هذا كمن جحد نبوّتي و نبوّة من كان قبلي. فقال له الراوي: يا أبا عبد الرحمن، أسمعت هذا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم؟ قال:

نعم. قال: فكيف ولّيت للظالمين؟ قال:

لا جرم حلّت عقوبة عملي «4»، و ذلك أني لم استأذن إمامي كما استأذن جندب و عمّار و سلمان، و أنا أستغفر اللّه و أتوب إليه» «5».

و مما يجدر التنبّه له أنّ عامّة الكوفيين من مفسّرين و فقهاء و محدّثين، كان طابعهم الولاء لأهل البيت عليهم السّلام و قد خصّ أصحاب ابن مسعود بالميل لعلي عليه السّلام الأمر الذي كانت البيئة الكوفيّة تستدعيه بالذات، على أثر وفرة العلماء من صحابة

(1) قاموس الرجال للتستري، ج 6، ص 136، ط 1، نقلا عن الشافي.

(2) تقريب المعارف، ص 168.

(3) الأنفال/ 25.

(4) و في نسخة: جلبت.

(5) الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف، ص 36، برقم 25. و قاموس الرجال، ج 6، ص 141- 142.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 221

الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم هناك. و لا غرو فإنهم أعرف بموضع أهل البيت و لا سيّما سيدهم و كبيرهم عليّ بن أبي طالب، من رسول اللّه، و كثرة وصاياه بشأنهم، و التمسّك بأذيالهم و السير على هديهم، فلا يضلّوا أبدا.

و من ثم فقد امتازت الكوفة في أمور جعلتها في قمة العظمة و الإكبار، على مدى الدهور:

أوّلا: كانت مهجر علماء الصحابة الأخيار و أعلام الأمة الكبار، و بلغ أوجها عند مهاجرة الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام.

أخرج ابن سعد عن إبراهيم، قال: هبط الكوفة ثلاثمائة من أصحاب الشجرة، و سبعون من أهل بدر. و بذلك قال ابن عمرو: ما من يوم إلّا ينزل في فراتكم هذا مثاقيل من بركة الجنة. كناية عن مهاجرة أصحاب الرسول إليها فوجا فوجا. «1»

و ثانيا: أصبحت معهد العلم في الإسلام في دور نضارته

و ازدهار معارفه، فمن الكوفة صدرت العلوم و المعارف الإسلامية، بشتّى أنحائها إلى البلاد، و سارت به الركبان إلى الأمصار في عهد طويل. أخرج ابن سعد- أيضا- عن عبيد اللّه بن موسى، قال: أخبرنا عبد الجبار بن عباس عن أبيه، قال: جالست عطاء، فجعلت أسأله. فقال لي: ممّن أنت؟ فقلت: من أهل الكوفة. فقال عطاء: ما يأتينا العلم إلا من عندكم. «2»

و ثالثا: كانت أرضا خصبة لتربية ولاء آل الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في نفوس مؤمنة صادقة في إيمانها، مؤدّية أجر رسالة نبيّها، حافظة لكرامة رسول اللّه في ذريّته الأنجاب، عارفة بأنهم سفن النجاة، و أحد الثقلين، و العروة الوثقى التي لا انفصام

(1) الطبقات، ج 6، (ط ليدن)، ص 40، س 15 و 20.

(2) الطبقات، ج 6، ص 5، س 20.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 222

لها، و من ثم

روى ابن سعد: «إنّ أسعد الناس بالمهديّ أهل الكوفة» «1».

أما أصحاب ابن مسعود (الصحابي الجليل الموالي لآل بيت الرسول) فكانوا أصدق عند الناس على عليّ عليه السّلام على ما أخرجه ابن سعد بإسناده عن أبي بكر ابن عياش عن مغيرة «2»، كانوا لا يغالون و لا ينتقصون. و من ثمّ روي عن عليّ عليه السّلام ما يدلّ على رضائه عن موقفهم هذا المشرّف،

قال: «أصحاب عبد اللّه سرج هذه القرية» «3».

ملحوظة

إنما يعرف صلاح الرجل و استقامته في الدّين، بتقواه عن محارم اللّه و استسلامه لأوامره و نواهيه، و في إطاعة الرسول و اتّباع سنّته و العمل بوصاياه، من غير أن يكون له الخيرة من أمره بعد ما قضى اللّه و رسوله؛ إذ مقتضى الإيمان الصادق أن يسلّم

أمره إلى اللّه و رسوله تسليما.

و من أهمّ وصاياه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و الذي جعله أجر رسالته، هو الانضواء تحت لواء أهل البيت و الاستمساك بعرى وثائقهم مدى الحياة. و قد كان علي عليه السّلام شاخص هذا البيت الرفيع، فمن كان معه كان مع الحق، و من دار معه دار مع الحق، و من حاد عنه حاد عن الإسلام و نبذ وصية الرسول وراء ظهره، و أعرض عن الحقّ الصريح. فكيف الثقة به و هو حائد عن الجادّة، ضالّ عن الطريق، فلا يصلح أن يكون هاديا، و هو لم يهتد السبيل.

(1) الطبقات، ج 6، ص 4، س 19.

(2) المصدر نفسه، ص 5، س 4.

(3) المصدر نفسه، ص 4، س 24.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 223

الأمر الذي يحفز بنا أن نجعل من الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام محورا أساسيا في هذا الحقل، و ميزانا يفصل بين الصالح و الطالح من الصحابة و التابعين- الفقهاء و المفسّرين و المحدّثين- و ليس ذلك منّا بدعا، بعد ما جعله الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بابه الذي منه يؤتى، و سفينة النجاة، و ثاني الثقلين اللذين ما أن تمسّكت الأمّة بهما معا (و لن يفترقا حتى يردا عليه الحوض) لن يضلّوا أبدا.

و لسنا نأخذ العلم إلّا ممن عرفنا صلاحه و وثقنا بإيمانه الصادق.

تلك وصية إمامنا أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليه السّلام قال في قوله تعالى: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ «1»: «إلى العلم الذي يأخذه عمّن يأخذه» «2».

و هكذا أبيّ بن كعب الأنصاري الخزرجي، هو أوّل من كتب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم

عند مقدمه المدينة، و كان قد لقّب بسيّد المسلمين؛ لشرفه و فضله و علوّ منزلته في العلم و الفضيلة، كما لقّب بسيّد القرّاء؛

لقوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «و أقرؤهم أبيّ بن كعب».

و كان هو الذي تولّى رئاسة لجنة توحيد المصاحف على عهد عثمان، عند ما عجز القوم الذين انتدبهم الخليفة لذلك، و لم يكونوا أكفّاء، حسبما أسلفنا.

و عنه في التفسير الشي ء الكثير، و الطرق إليه متقنة أيضا.

قال جلال الدين: و أما أبيّ بن كعب، فعنه نسخة كبيرة يرويها أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عنه، و هذا إسناد صحيح. و قد أخرج ابن جرير و ابن أبي حاتم منها كثيرا، و كذا الحاكم في مستدركه، و أحمد في

(1) عبس/ 24.

(2) وسائل الشيعة، ج 18، ص 109، رقم 44.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 224

مسنده. «1»

و ذكر أبو الصلاح تقي الدين الحلبي (374- 447) أبيّا و ابن مسعود من الثابتين على ولاء آل بيت الرسول، المتخصّصين بهم في العهد الأول بعد وفاة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم «2»، و أضاف: أن أبيّا حاول الإجهار بما يكنه ضميره في أخريات حياته لو لا حؤول الموت. «3» و قد كان من النفر الاثني عشر الذين نقموا على أبي بكر تصدّيه ولاية الأمر دون الإمام أمير المؤمنين «4»، و كابد الأمرين على ذاك الحادث الجلل، رافعا شكواه إلى اللّه (قال: و إلى اللّه المشتكى) «5» و قد سمع من سعد بن عبادة ما نطق بما يوجب فرض ولاية الإمام عليه السّلام «6».

و أما عبد اللّه بن عباس، فهو حبر الأمّة و ترجمان القرآن، و أعلم

الناس بالتفسير- تنزيله و تأويله- تلميذ الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام، الموفّق و تربيته الخاصة، و قد بلغ من العلم مبلغا

قال في حقّه الإمام أمير المؤمنين: «كأنما ينظر إلى الغيب من ستر رقيق».

و لا غرو فإنّه

دعاء الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بشأنه: «اللهمّ فقّهه في الدين و علّمه التأويل»

، أو

قوله: «اللهمّ علّمه الكتاب و الحكمة»، أو: «اللهمّ بارك فيه و أنشر منه». «7»

(1) الإتقان، ج 4، ص 209- 210.

(2) تقريب المعارف لأبي الصلاح، ص 168. و راجع: سفينة البحار، ج 1، ص 8.

(3) بنقل التستري في قاموس الرجال، ج 1، ص 237.

(4) الخصال للصدوق، ج 2، ص 461.

(5) شرح النهج لابن أبي الحديد، ج 2، ص 52.

(6) المصدر نفسه، ج 6، ص 44.

(7) الإصابة، ج 2، ص 330- 334. و أسد الغابة، ج 3، ص 192- 195.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 225

قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «و لكل شي ء فارس، و فارس القرآن ابن عباس» «1».

ولد في الشعب قبل الهجرة بثلاث سنين، فحنّكه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و بارك له.

فتربّى في حجره، و بعد وفاته صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كان قد لازم بيت النبوّة. و ربّاه الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام فأحسن تربيته، و من ثم كان من المتفانين في ولاء الإمام عليه السّلام.

و قد صحّ قوله: «ما أخذت من تفسير القرآن فمن عليّ بن أبي طالب». هذا في أصول التفسير و أسسه.

و كان يراجع سائر الأصحاب ممن يحتمل عنده شي ء من أحاديث الرسول و سننه، مجدّا في طلب العلم مهما

كلّف الأمر. فكان يأتي أبواب الأنصار ممن عنده علم من الرسول، فإذا وجد أحدهم نائما كان ينتظره حتى يستيقظ، و ربما تسفي على وجهه الريح، و لا يكلّف من يوقظه حتى يستيقظ هو على دأبه، فيسأله عما يريد و ينصرف، و بذلك كان يستعيض عما فاته من العلم أيام حياة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لصغره، باستطراق أبواب العلماء من صحابته الكبار.

قيل لطاوس: لزمت هذا الغلام- يعني ابن عباس لكونه أصغر الصحابة يومذاك- و تركت الأكابر من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم؟ قال: إنّي رأيت سبعين رجلا من أصحاب رسول اللّه، إذا تدارءوا في أمر، صاروا إلى قول ابن عباس.

و عن عبيد اللّه بن عليّ بن أبي رافع، قال: كان ابن عباس يأتي جدّي أبا رافع، فيسأله عما صنع النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يوم كذا، و معه من يكتب له ما يقول.

قال مسروق بن الأجدع: كنت إذا رأيت ابن عباس قلت: أجمل الناس، فإذا نطق قلت: أفصح الناس، فإذا تحدّث قلت: أعلم الناس.

و قال أبو بكرة: قدم علينا ابن عباس البصرة، و ما في العرب مثله حشما،

(1) بحار الأنوار، ج 22، (ط بيروت)، ص 343.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 226

و علما، و ثيابا، و جمالا، و كمالا.

و قد لقّب حبر الأمة، و البحر؛ لكثرة علمه. و ترجمان القرآن، و ربانيّ هذه الأمّة؛ لاضطلاعه بمعاني القرآن و وجوه السنّة و الأحكام.

و له مواقف مشهودة مع أمير المؤمنين عليه السّلام في جميع حروبه: صفين، و الجمل، و النهروان. مات بالطائف سنة (68) و قد ناهز السبعين، و صلّى عليه محمد ابن الحنفيّة

«1».

روى أبو عمرو محمد بن عمر بن عبد العزيز الكشّي بإسناده إلى عبد اللّه بن عبد ياليل- رجل من أهل الطائف- قال: أتينا ابن عباس رحمه اللّه نعوده في مرضه الذي مات فيه، فأغمي عليه فأخرج إلى صحن الدار، فأفاق، و قال كلمته الأخيرة:

إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنبأني أني سأهجر هجرتين: فهجرة مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و هجرة مع عليّ عليه السّلام. و أمرني أن أبرأ من خمسة: من الناكثين: و هم أصحاب الجمل، و من القاسطين: و هم أصحاب الشام، و من الخوارج: و هم أهل النهروان، و من القدرية، و من المرجئة. ثم قال: «اللهمّ إني أحيا على ما حيي عليه عليّ بن أبي طالب، و أموت على ما مات عليه عليّ بن أبي طالب، ثم مات رحمه اللّه» «2».

و هذا الذي

رواه الكشّي عن رجل من أهل الطائف (عبد اللّه بن عبد ياليل)، رواه أبو القاسم عليّ بن محمد الخزّاز الرازي- من وجوه العلماء في القرن الرابع- في كتابه «كفاية الأثر»- بصورة أوسع-، بإسناده إلى عطاء، قال: دخلنا على عبد اللّه ابن عباس و هو عليل بالطائف، في العلّة التي توفّي فيها- و نحن زهاء ثلاثين

(1) الإصابة، ج 2، ص 330- 334، رقم 4781. أسد الغابة، ج 3، ص 192- 195.

(2) اختيار معرفة الرجال، ج 1، ص 277، رقم 106.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 227

رجلا من شيوخ الطائف- و قد ضعف، فسلّمنا عليه و جلسنا، فقال لي: يا عطاء، من القوم؟ قلت: يا سيّدي، هم شيوخ هذا البلد! منهم عبد اللّه بن سلمة بن حصرم

الطائفي، و عمّارة بن أبي الأجلح، و ثابت بن مالك. فما زلت أعدّ له واحدا بعد واحد. ثم تقدّموا إليه، فقالوا: يا ابن عمّ رسول اللّه، إنك رأيت رسول اللّه و سمعت منه ما سمعت، فأخبرنا عن اختلاف هذه الأمّة؛ فقوم قدّموا عليّا على غيره، و قوم جعلوه بعد الثلاثة؟

قال عطاء: فتنفّس ابن عبّاس الصعداء، فقال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول:

«عليّ مع الحقّ و الحقّ معه، و هو الإمام و الخليفة من بعدي، فمن تمسّك به فاز و نجا، و من تخلّف عنه ضلّ و غوى ...»، و أخيرا قال: و تمسّكوا بالعروة الوثقى من عترة نبيّكم، فإني سمعته يقول: «من تمسّك بعترتي من بعدي كان من الفائزين».

قال عطاء: ثم بعد ما تفرّق القوم، قال لي: يا عطاء، خذ بيدي و احملني إلى صحن الدار، فأخذنا بيده، أنا و سعيد، و حملناه إلى صحن الدار، ثم رفع يديه إلى السماء، و قال: «اللّهمّ»، إنّي أتقرّب إليك بمحمّد و آل محمّد، اللّهم إنّي أتقرّب إليك بولاية الشيخ، عليّ بن أبي طالب عليه السّلام». فما زال يكرّرها حتى وقع إلى الأرض. فصبرنا عليه ساعة ثم أقمناه فإذا هو ميّت، رحمة اللّه عليه «1».

و له في فضائل أهل البيت و لا سيّما الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام أقوال و آثار باقية، إلى جنب مواقفه الحاسمة.

و يكفيك أنه من رواة حديث الغدير الناصّ على ولاية عليّ بالأمر، و مفسّرا

(1) كفاية الأثر، ص 290- 291، و البحار، ج 36، ص 287- 288، رقم 109.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 228

له بالخلافة و الوصاية بعد الرسول صلّى اللّه عليه و آله و

سلّم، مصرّا على ذلك.

أخرج الحافظ السجستاني بإسناده إلى ابن عباس، قال: «وجبت و اللّه في أعناق القوم ...» «1».

و أما مواقفه بشأن الدفاع عن حريم أهل البيت فكثير «2».

و أخيرا فإنه هو القائل: «إنّ الرزيّة كل الرزيّة ما حال بين رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و بين أن يكتب لهم ذلك الكتاب! الذي كان فيه فصل الخطاب. و أيضا قوله: «يوم الخميس، و ما يوم الخميس!». ثم بكى حتى بلّ دمعه الحصى، إلى غير ذلك مما لا يحصى «3».

الأمر الذي ينبؤك عن مدى صلته بهذا البيت الرفيع، و مبلغ ولائه و عرفانه

(1) راجع: الغدير للعلّامة الأميني، ج 1، ص 49- 52 رقم 76.

(2) من ذلك ما نظمه الشاعر العبقري أبو محمد سفيان بن مصعب العبدي الكوفي، في أنشودة رثابها الإمام أبا عبد اللّه الحسين سيّد الشهداء عليه السّلام، استنشده إيّاها الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السّلام، قال فيها:

و قد روى عكرمة في خبر ما شكّ فيه أحد و لا امترا

مرّ ابن عباس على قوم و قد سبّوا عليّا فاستراع و بكا

و قال مغتاظا لهم: أيّكم سبّ إله الخلق جلّ و علا؟!

قالوا: معاذ اللّه. قال: أيّكم سبّ رسول اللّه ظلما و اجترا؟!

قالوا: معاذ اللّه. قال: أيّكم سبّ عليّا خير من وطئ الحصا؟!

قالوا: نعم، قد كان ذا. فقال: قد سمعت و اللّه النبي المجتبى

يقول: من سبّ عليّا سبّني و سبّتي سبّ الإله، و اكتفى!

(الغدير، ج 2، ص 294- 300)

(3) شرح النهج لابن أبي الحديد، ج 2، ص 54- 55.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 229

بشأن آل الرسول صلوات

اللّه عليهم أجمعين. «1»

و من ثمّ كان الأئمّة من ذريّة الرسول عليهم السّلام يحبّونه حبّا جمّا و يعظّمون من قدره و يشيدون بذكره.

روى المفيد في كتاب الاختصاص بإسناده إلى الإمام أبي عبد اللّه الصادق عليه السّلام، قال: كان أبي (الإمام أبو جعفر الباقر عليه السّلام) يحبّه (أي ابن عباس) حبّا شديدا. و كان أبي، و هو غلام، تلبسه أمّه ثيابه، فينطلق في غلمان بني عبد المطّلب، فأتاه (أي ابن عباس) بعد ما أصيب بصره، فقال: من أنت؟ قال: أنا محمد بن عليّ بن الحسين بن علي فقال: حسبك، من لم يعرفك فلأعرفك «2»، أي يكفي أني أعرفك من أنت.

كانت ولادة الإمام أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليه السّلام، سنة (60) على قول راجع «3»، قبل واقعة الطفّ (61) بسنة. و قد كفّ بصر ابن عباس بعد واقعة الطفّ؛ لكثرة بكائه على مصائب أهل البيت عليهم السّلام. «4» و في رواية: أنه كفّ بصره قبل وفاته بسنة «5»، و كانت وفاته عام (68) و عليه- إن صحت الرواية- فقد كانت سنّ الإمام أبي جعفر حينذاك بين السادسة و السابعة.

قال العلّامة- في الخلاصة-: عبد اللّه بن العباس من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، كان محبّا لعلي عليه السّلام و تلميذه- حاله في الجلالة و الإخلاص لأمير المؤمنين أشهر من أن يخفى. و قد ذكر الكشّي أحاديث تتضمن قدحا فيه، و هو أجلّ من ذلك.

(1) راجع: بحار الأنوار، ج 36، ص 243 و 285 و ج 41، ص 16- 18.

(2) بحار الأنوار، ج 42، ص 181، رقم 39.

(3) رجّحه ابن حجر في تهذيب التهذيب، ج 9، ص 351.

(4)

بحار الأنوار، ج 89، ص 105، عن كتاب سعد السعود للسيد ابن طاوس، ص 285.

(5) سفينة البحار، ج 2، ص 151.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 230

و قد حمل السيد ابن طاوس- في التحرير الطاوسي- ما ورد في جرحه بعد تضعيف الإسناد- على الحسد، قد صدر من الحاسدين الحاقدين عليه، قال:

و مثل حبر الأمّة- رضوان اللّه عليه- موضع أن يحسده الناس و ينافسوه، و يقولوا فيه و يباهتوه.

حسدوا الفتى إذ لم ينالوا فضله الناس أعداء له و خصوم

كضرائر الحسناء قلن لوجهها حسدا و بغيا: إنه لدميم

و قد بحث الأئمّة النقّاد عن روايات القدح، و لا سيّما ما قيل بشأنه من الهروب ببيت مال البصرة، و ما ورد من التعنيف لفعله ذلك، فاستخرجوا في نهاية المطاف من ذلك دلائل الوضع و الاختلاق بشأن هذا العبد الصالح الموالي لآل بيت الرسول. نعم كان الرجل ممقوتا عند رجال السلطة الحاكمة، لا سيّما و كان يجابههم بما يخشون صراحته و صرامته، و من ثمّ كان طاغية العرب معاوية الهاوية، يلعنه ضمن النفر الخمسة الذين كان يلعنهم في قنوته «1»، و كان ذلك من شدّة قنوطه من رحمة اللّه التي وسعت كل شي ء، أنّه من قوم غضب اللّه عليهم قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور «2».

و للمولى محمد تقي التستري- أدام اللّه فضله و ألبسه ثوب العافية- تحقيق لطيف بشأن براءة الرجل من إلصاق هكذا تهم مفضوحة، و أنّه لم يزل في خدمة المولى أمير المؤمنين عليه السّلام لم يبرح البصرة حتى قتل الإمام عليه السّلام. و كان من المحرّضين لبيعة الإمام الحسن المجتبى عليه السّلام. و بعد أن

تمّ الصلح اضطرّ إلى

(1) و هم: علي و الحسن و الحسين و ابن عباس و الأشتر. شرح النهج لابن أبي الحديد، ج 15، ص 98 و راجع: بحار الأنوار، ج 42 (ط بيروت) ص 176.

(2) من الآية رقم 13 من سورة الممتحنة.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 231

المغادرة إلى بيت اللّه الحرام حتى توفّاه اللّه، عليه رضوان اللّه «1».

و لسيدنا الأستاذ العلّامة الفاني- رحمة اللّه عليه- رسالة وجيزة في براءة الرجل، استوفى فيها الكلام بشأنه، جزاه اللّه خيرا عن الحق و أهله. «2»

توسّعه في التفسير

و لم تمض العشرة الأولى من وفاة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلّا و نرى ابن عباس قد تفرّغ للتفسير و استنباط معاني القرآن. «3» بينما سائر الصحابة كانت قد أشغلتهم شئون شتى، مما يرجع إلى جمع القرآن أو إقرائه، أو تعليم السنن و القضاء بين الناس، أو التصدّي لسياسة البلاد، و ما شاكل. و إذا بابن عباس نراه صارفا همّته في فهم القرآن و تعليمه و استنباط معانيه و بيانه، مستعيضا بذلك عمّا فاته أيام حياة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لمكان صغره و عدم كفاءته ذلك الحين. فكان يستطرق أبواب العلماء من الصحابة الكبار، كادّا و جادّا في طلب العلم من أهله أينما وجده، و لا سيّما من الإمام أمير المؤمنين باب علم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، كما لم يفته عقد حلقات في مسجد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لمدارسة علوم القرآن و معارفه و نشر تعاليم الإسلام من أفخم بؤرته القرآن. و يقال: «4» إن ذلك كان بأمر من الإمام أمير المؤمنين

عليه السّلام؛ و بذلك فقد تحقّق بشأنه

دعاء الرسول: «اللّهمّ بارك فيه و أنشر منه»

.

(1) راجع: قاموس الرجال (ط الأولى) ج 6، ص 2- 65.

(2) طبعت في قم المقدسة، سنة 1398 ه. ق.

(3) كما قال الزركشي في البرهان، ج 2، ص 157. قال: «و هو تجرّد لهذا الشأن».

(4) حدّثني بذلك السيد محمد باقر الأبطحي عن المرحوم زعيم الملّة في وقته السيد آغا حسين البروجردي قدّس سرّه.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 232

لكن بموازاة انتشار العلم منه في الآفاق، راجع الوضع على لسانه، لمكان شهرته و معرفته في التفسير. و من ثمّ فإن التشكيك في أكثر المأثور عنه أمر محتمل. قال الأستاذ الذهبي: روي عن ابن عباس في التفسير ما لا يحصى كثرة، و تعدّدت الروايات عنه، و اختلفت طرقها. فلا تكاد تجد آية من كتاب اللّه إلّا و لابن عباس فيها قول مأثور أو أقوال، الأمر الذي جعل نقّاد الأثر و رواة الحديث يقفون إزاء هذه الروايات- التي جاوزت الحدّ- وقفة المرتاب «1».

قال جلال الدين السيوطي: و رأيت في كتاب فضائل الإمام الشافعي، لأبي عبد اللّه محمد بن أحمد بن شاكر القطّان، أنه أخرج بسنده من طريق ابن عبد الحكم، قال: سمعت الشافعي يقول: لم يثبت عن ابن عباس في التفسير إلا شبيه مائة حديث «2».

و ذكر ابن حجر العسقلاني: أن البخاري لم يخرّج من أحاديث ابن عباس، في التفسير و غيره، سوى مائتين و سبعة عشر حديثا، بينما يذكر أن ما خرّجه من أحاديث أبي هريرة الدوسي، يبلغ أربعمائة و ستة و أربعين حديثا. «3»

غير أنّ معرفته الفائقة في التفسير، و أنّ الخرّيجين من مدرسته جعلته في قمة علوم

التفسير. و هذا المأثور الضخم من التفسير الوارد عنه أو عن أحد تلامذته المعروفين- و هم كثرة عدد نجوم السماء- لما يفرض من مقامه الرفيع في إعلاء ذروة التفسير. منه يصدر و عنه كلّ مأثور في هذا الباب.

و لقد كان موضع عناية الأمّة، و لا سيّما الكبار و الأئمّة، من الصحابة و من

(1) التفسير و المفسرون، ج 1، ص 77.

(2) الإتقان، ج 4، ص 209.

(3) مقدمة شرح البخاري، ص 476- 477.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 233

عاصره و ممن لحقه على مدى الأحقاب. فما أكثر ما يدور اسمه في كتب التفسير على اختلاف مبانيها و مناهجها، و متنوّع مسالكها و منازعها في السياسة و المذهب.

قال الدكتور الصاوي: و لعلّ في كثرة ما وضع و نسب إليه آية على تقدير له و إكبارا من الوضّاع، و رغبة في تنفّق بضاعتهم، موسومة بمن في اسمه الرواج العلمي «1».

منهجه في التفسير
اشارة

كان ابن عباس تلميذ الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام، و منه أخذ العلم و تلقّى التفسير، سواء في أصول مبانيه أم في فروع معانيه، فقد سار على منهج مستقيم في استنباط معاني القرآن الحكيم.

إنه لم يحد عن منهج السلف الصالح في تفسير القرآن و فهم معاني كتاب اللّه العزيز الحميد، ذلك المنهج الذي رست قواعده على أسس قويمة و مبان حكيمة.

و قد حدّد ابن عباس معالم منهجه في التفسير بقوله: «التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، و تفسير لا يعذر أحد بجهالته، و تفسير يعلمه العلماء، و تفسير لا يعلمه إلّا اللّه» «2».

و

قد فسّرته رواية أخرى عنه: أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: «أنزل القرآن على

أربعة أحرف: حلال و حرام لا يعذر أحد بالجهالة به، و تفسير تفسّره العرب، و تفسير تفسّره العلماء، و متشابه لا يعلمه إلا اللّه ...» «3».

(1) مناهج في التفسير، ص 41.

(2) أبو جعفر الطبري- جامع البيان- ج 1، ص 26.

(3) المصدر نفسه.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 234

فالقرآن، فيه مواعظ و آداب و تكاليف و أحكام، يجب على المسلمين عامة المعرفة بها و العمل عليها؛ لأنها دستور الشريعة العام. فهذا يجب تعليمه و تعلّمه، و لا يعذر أحد بجهالته.

و فيه أيضا غريب اللغة و مشكلها، مما يمكن فهمها و حلّ معضلها، بمراجعة الفصيح من كلام العرب الأوائل؛ لأن القرآن نزل بلغتهم، و على أساليب كلامهم المعروف.

و فيه أيضا نكات و دقائق عن مسائل المبدأ و المعاد، و عن فلسفة الوجود و أسرار الحياة، لا يبلغ كنهها و لا يعرفها على حقيقتها غير أولي العلم، ممن وقفوا على أصول المعارف، و تمكّنوا من دلائل العقل و النقل الصحيح.

و بقي من المتشابه ما لا يعلمه إلا اللّه، إن أريد به الحروف المقطعة في أوائل السور؛ حيث هي رموز بين اللّه و رسوله، لم يطلع اللّه عليها أحدا من العباد سوى النبي و الصّفوة من آله؛ علّمهم إياها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

و إن أريد به ما سوى ذلك مما وقع متشابها من الآيات، فإنه لا يعلم تأويلها إلا اللّه و الراسخون في العلم، و هم رسول اللّه و العلماء الذين استقوا من منهل عذبه الفرات، لا سبيل إلى معرفتها عن غير طريق الوحي. فالعلم به خاصّ باللّه و من ارتضاه من صفوة خلقه.

و على ضوء هذا التقسيم الرباعي يمكننا

الوقوف على مباني التفسير التي استندها ابن عباس في تفسيره العريض:

أوّلا- مراجعة ذات القرآن في فهم مراداته

إذ خير دليل على مراد أيّ متكلم، هي القرائن اللفظية التي تحفّ كلامه، و التي

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 235

جعلها مسانيد نطقه و بيانه، و قد قيل: للمتكلم أن يلحق بكلامه ما شاء ما دام متكلّما، هذا في القرائن المتّصلة. و كثيرا ما يعتمد المتكلمون على قرائن منفصلة من دلائل العقل أو الأعراف الخاصّة، أو ينصب في كلام آخر له ما يفسّر مراده من كلام سبق، كما في العموم و الخصوص، و الإطلاق و التقييد، و هكذا ...

فلو عرفنا من عادة متكلم اعتماده على قرائن منفصلة، ليس لنا حمل كلامه على ظاهره البدائي، قبل الفحص و اليأس عن صوارفه.

و القرآن من هذا القبيل، فيه من العموم ما كان تخصيصه في بيان آخر، و هكذا تقييد مطلقاته و سائر الصوارف الكلاميّة المعروفة.

و ليس لأيّ مفسّر أن يأخذ بظاهر آية ما لم يفحص عن صوارفها و سائر بيانات القرآن التي جاءت في غير آية، و لا سيّما و القرآن قد يكرّر من بيان حكم أو حادثة و يختلف بيانه حسب الموارد، و من ثم يصلح كل واحد دليلا و كاشفا لما أبهم في مكان آخر.

و هكذا نرى مفسّرنا العظيم، عبد اللّه بن عباس، يجري على هذا المنوال، و هو أمتن المجاري لفهم معاني القرآن، و مقدّم على سائر الدلائل اللفظية و المعنوية. فلم يغفل النظر إلى القرآن الكريم نفسه، في توضيح كثير من الآيات التي خفي المراد منها في موضع، ثم وردت بشي ء من التوضيح في موضع آخر.

شأنه في ذلك شأن سائر المفسرين الأوائل، الذين ساروا على هدى الرسول صلّى اللّه عليه و

آله و سلّم.

فمن هذا القبيل ما رواه السيوطي بأسانيده إلى ابن عباس، في قوله تعالى:

قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَ أَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ ... «1» قال: كنتم أمواتا قبل أن يخلقكم؛

(1) غافر/ 11.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 236

فهذه ميتة، ثم أحياكم؛ فهذه حياة، ثم يميتكم فترجعون إلى القبور؛ فهذه ميتة أخرى، ثم يبعثكم يوم القيامة؛ فهذه حياة. فهما ميتتان و حياتان، فهو كقوله تعالى:

كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَ كُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ «1»، و هكذا أخرج عن ابن مسعود و أبي مالك و قتادة أيضا «2».

ثانيا- رعايته لأسباب النزول

و لأسباب النزول دورها الخطير في فهم معاني القرآن؛ حيث الآيات و السور نزلت نجوما، و في فترات و شئون يختلف بعضها عن بعض. فإذ كانت الآية تنزل لمناسبة خاصّة و لعلاج حادثة وقعت لوقتها، فإنها حينذاك ترتبط معها ارتباطا وثيقا. و لو لا الوقوف على تلك المناسبة، لما أمكن فهم مرامي الآية بالذات، فلا بدّ لدارس معاني القرآن أن يراعي قبل كل شي ء شأن نزول كل آية آية، و يهتمّ بأسباب نزولها. هذا إذا كان لنزولها شأن خاص، فلا بدّ من النظر و الفحص.

و هكذا اهتمّ حبر الأمّة بهذا الجانب، و اعتمد كثيرا لفهم معاني القرآن على معرفة أسباب نزولها، و كان يسأل و يستقصي عن الأسباب و الأشخاص الذين نزل فيهم قرآن و سائر ما يمسّ شأن النزول، و هذا من امتيازه الخاص الموجب لبراعته في التفسير. و قد مرّ حديث إتيانه أبواب الصحابة يسألهم الحديث عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، «3» كان حريصا على طلب العلم و منهوما لا يشبع:

من ذلك ما رواه جماعة كبيرة

من أصحاب الحديث، بإسنادهم إلى ابن

(1) البقرة/ 28.

(2) الدر المنثور، ج 5، ص 347. و راجع: الطبري تفسيره، ج 24، ص 31.

(3) الإصابة، ج 2، ص 331- 332.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 237

عباس، قال: لم أزل حريصا أن أسال عمر عن المرأتين من أزواج النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم اللّتين قال اللّه تعالى بشأنهما إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما ... «1» حتى حجّ عمر و حججت معه، فلما كان ببعض الطريق عدل عمر و عدلت معه بالإداوة، فتبرّز ثم أتى، فصببت على يديه فتوضّأ، فقلت: يا أمير المؤمنين، من المرأتان من أزواج النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم اللتان قال اللّه: إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما؟ فقال: وا عجبا لك يا ابن عباس! هما: عائشة، و حفصة «2».

و في تفسير القرطبي، قال ابن عباس: مكثت سنتين أريد أن اسأل عمر عن المرأتين اللتين تظاهرتا على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ما يمنعني إلّا مهابته، فسألته، فقال: هما حفصة و عائشة «3».

و لقد بلغ في ذلك الغاية، حتى لنجد اسمه يدور كثيرا في أقدم مرجع بين أيدينا عن سبب النزول، و هو سيرة ابن إسحاق التي جاء تلخيصها في سيرة ابن هشام.

قال: و كان ابن عباس يقول: فيما بلغني نزل في النضر بن حارث ثمان آيات من القرآن: قول اللّه عز و جل: إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ «4»، و كل ما ذكر فيه من الأساطير من القرآن «5».

قال: و حدثت عن ابن عباس أنه قال- و سرد قصّة سؤال أحبار اليهود

(1) التحريم/ 4.

(2)

الدّر المنثور، ج 6، ص 242.

(3) الجامع لأحكام القرآن، ج 1، ص 26.

(4) القلم/ 15.

(5) ابن هشام، ج 1، ص 321. تكرر لفظ «الأساطير» في تسع سور مكية: الأنعام/ 25. الأنفال/ 31.

النحل/ 24. المؤمنون/ 83. الفرقان/ 5. النمل/ 68. الأحقاف/ 17. القلم/ 15. المطّفّفين/ 13.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 238

النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عند مقدمه المدينة-: فأنزل اللّه عليه فيما سألوه عنه من ذلك: وَ لَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ ... «1».

قال: و أنزل اللّه تعالى عليه فيما سأله قومه من تسيير الجبال وَ لَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ ... «2».

قال: و أنزل عليه في قولهم: خذ لنفسك وَ قالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ ... «3»،

و أنزل عليه في ذلك من قولهم: وَ ما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَ يَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ ... «4»، و كذا في قوله تعالى: وَ لا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَ لا تُخافِتْ بِها .. «5»: إنما أنزلت من أجل أولئك النفر ... «6» و هكذا يتابع ذكر أسباب نزول آيات، و في الأكثر يسندها إلى ابن عباس.

و قد برع ابن عباس في هذه الناحية من نواحي أدوات التفسير، حتى كان يخلص آي القرآن المدني من المكي. فقد سأل أبو عمرو ابن العلاء مجاهدا عن تلخيص آي القرآن المدني من المكي، فقال: سألت ابن عباس عن ذلك، فجعل ابن عباس يفصلها له. و هكذا نجد ابن عباس بدوره قد سأل أبيّ بن كعب عن ذلك «7».

كما تقصّى أسباب النزول فأحسن التقصّي، فكان يعرف الحضري من

(1) لقمان/ 27.

(2) الرعد/ 31.

(3) الفرقان/ 7.

(4)

الفرقان/ 20.

(5) الإسراء/ 110.

(6) راجع: ابن هشام، ج 1، ص 330 و 335.

(7) راجع: الإتقان، ج 1، ص 24 و 26.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 239

السفري، و النهاري من الليلي، و فيم أنزل و فيمن أنزل، و متى أنزل و أين أنزل، و أول ما نزل و آخر ما نزل، و هلم جرّا «1»، مما يدلّ على براعته و نبوغه في تفسير القرآن.

ثالثا- اعتماده المأثور من التفسير المرويّ

اعتمد ابن عباس في تفسيره على المأثور عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و الطيّبين من آله و المنتجبين من أصحابه. و قد أسلفنا تتبّعه عن آثار الرسول و أحاديثه. كان يستطرق أبواب الصحابة العلماء، ليأخذ منهم ما حفظوه من سنة النبيّ و سيرته الكريمة. و قد جدّ في ذلك و اجتهد مبلغ سعيه وراء طلب العلم و الفضيلة، حتى بلغ أقصاها. و قد سئل: أنّى أدركت هذا العلم؟ فقال: بلسان سئول و قلب عقول «2».

هو حينما يقول: «جلّ ما تعلّمت من التفسير من عليّ بن أبي طالب عليه السّلام» «3»، أو «ما أخذت من تفسير القرآن فعن عليّ بن أبي طالب» «4»، إنما يعني اعتماده المأثور من التفسير، إذا كان الأثر صحيحا صادرا من منبع وثيق.

و هكذا عند ما كان يأتي أبواب الصحابة بغية العثور على أقوال الرسول في مختلف شئون الدين و منها المأثور عنه في التفسير، إنّ ذلك كلّه لدليل على مبلغ اعتماده على المنقول صحيحا من التفسير.

(1) الإتقان، ج 1، ص 51- 57 و 60- 64 و 68- 76 و غير ذلك ..

(2) التصحيف و التحريف للصاحبي، ص 3.

(3) سعد السعود لابن طاوس، ص 285.

(4) التفسير

و المفسرون للذهبي، ج 1، ص 89.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 240

فهو عند كلامه الآنف إنما يلقي الضوء على تفاسيره بالذات، و أنها من النمط النقلي في أكثره، و إن كان لا يصرّح به في الموارد، بعد إعطاء تلك الكلية العامّة.

رابعا- اضطلاعه بالأدب الرفيع

لا شكّ أن القرآن نزل بالفصحى من لغة العرب، سواء في موادّ كلماته أم في هيئات الكلم و حركاتها البنائية و الإعرابيّة، اختار الأفصح الأفشى في اللغة دون الشاذّ النادر. و حتى من لغات القبائل اختار المعروف المألوف بينهم دون الغريب المنفور. فما أشكل من فهم معاني كلماته، لا بدّ لحلّها من مراجعة الفصيح من كلام العرب المعاصر لنزول القرآن؛ حيث نزل بلغتهم و على أساليب كلامهم المألوف.

و هكذا نجد ابن عباس يرجع، عند مبهمات القرآن و ما أشكل من لفظه، إلى فصيح الشعر الجاهلي، و البديع من كلامهم الرفيع. و كان استشهاده بالشعر إنما جاءه من قبل ثقافته الأدبيّة و اضطلاعه باللغة و فصيح الكلام. و في تاريخ الأدب العربي آنذاك شواهد رائعة تشيد بنبوغه و مكانته السامية في العلم و الأدب.

و ساعده على ذلك ذكاء مفرط و حافظة قويّة لاقطة، كان لا يسمع شيئا إلّا و كان يحفظه بكامله لوقته.

يروي أبو الفرج الأصبهاني بإسناده إلى عمر الركاء، قال: بينا ابن عباس في المسجد الحرام و عنده نافع بن الأزرق (رأس الأزارقة من الخوارج) و ناس من الخوارج يسألونه؛ إذ أقبل عمر بن أبي ربيعة في ثوبين مصبوغين مورّدين أو ممصّرين «1» حتى دخل و جلس. فأقبل عليه ابن عباس فقال: أنشدنا، فأنشده:

(1) ثوب ممصّر: مصبوغ باللون الأحمر، و فيه شي ء من صفرة.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 241

أ من آل نعم أنت غاد فمبكر غداة غد أم رائح فمهجّر؟

حتى أتى على آخرها فأقبل عليه نافع بن الأزرق، فقال: اللّه يا ابن عباس! إنّا نضرب إليك أكباد الإبل من أقاصي البلاد نسألك عن الحلال و الحرام فتتثاقل عنّا، و يأتيك غلام مترف من مترفي قريش فينشدك:

رأت رجلا أمّا إذا الشمس عارضت فيخزى و أما بالعشيّ فيخسر!

فقال: ليس هكذا قال. قال: فكيف قال؟ فقال: قال:

رأت رجلا أما إذا الشمس عارضت فيضحى و أما بالعشيّ فيحصر! فقال: ما أراك إلا و قد حفظت البيت! قال: أجل! و إن شئت أن أنشدك القصيدة أنشدتك إيّاها. قال: فإنّي أشاء. فأنشده القصيدة حتى أتى على آخرها. و ما سمعها قطّ إلّا تلك المرّة صفحا «1»، و هذا غاية الذكاء.

فقال له بعضهم: ما رأيت أذكى منك قطّ! فقال: و لكنّي ما رأيت قطّ أذكى من عليّ بن أبي طالب عليه السّلام.

و كان ابن عباس يقول: ما سمعت شيئا قطّ إلّا رويته.

ثم أقبل على ابن أبي ربيعة، فقال: أنشد، فأنشده:

تشطّ غدا دار جيراننا ... و سكت.

فقال ابن عباس: و للدار بعد غد أبعد! فقال له عمر: كذلك قلت- أصلحك اللّه- أ فسمعته؟ قال: لا، و لكن كذلك ينبغي!! «2» و هذا غاية في الفطنة و الذكاء، مضافا إليه الذوق الأدبي الرفيع!

(1) أي مرورا و عرضا.

(2) الأغاني، ج 1، ص 81- 83.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 242

و هو الذي كان يحفظ خطب الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام الرنّانة فور استماعها، فكان راوية الإمام في خطبه و سائر مقالاته.

و كان ذوقه الأدبي الرفيع و ثقافته اللغوية العالية، هو الذي حدا به إلى استخدام هذه الأداة

ببراعة، حينما يفسّر القرآن و يشرح من غريب لفظه. كان يقول: الشعر ديوان العرب، فإذا خفي علينا الحرف من القرآن، الذي أنزله اللّه بلغة العرب، رجعنا إلى ديوانها، فالتمسنا معرفة ذلك منه.

و أخرج ابن الأنباري من طريق عكرمة عن ابن عباس، قال: إذا سألتموني عن غريب القرآن، فالتمسوه في الشعر، فإن الشعر ديوان العرب «1».

و أخرج الطبري من طريق سعيد بن جبير- في تفسير قوله تعالى: وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ «2»- عن ابن عباس، و قد سئل عن (الحرج)، قال: إذا تعاجم شي ء من القرآن فانظروا في الشعر فإن الشعر عربيّ. ثم دعا أعرابيا فقال: ما الحرج؟ قال: الضيق. قال ابن عباس: صدقت «3».

و كان إذا سئل عن القرآن، في غريب ألفاظه، أنشد فيه شعرا. قال أبو عبيد:

يعني كان يستشهد به على التفسير.

قال ابن الأنباري: و قد جاء عن الصحابة و التابعين كثيرا، الاحتجاج على غريب القرآن و مشكله بالشعر، قال: و أنكر جماعة- لا علم لهم- على النحويّين ذلك، و قالوا: إذا فعلتم ذلك جعلتم الشعر أصلا للقرآن. و ليس الأمر كما زعموا،

(1) الإتقان، ج 2، ص 55.

(2) الحج/ 78.

(3) الطبري، ج 17، ص 143.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 243

بل المراد تبيين الحرف الغريب من القرآن بالشعر؛ لأنه تعالى يقول: إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا «1»، و قال: وَ هذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ «2».

مسائل ابن الأزرق

و لعلّ أوسع ما أثر عن ابن عباس في هذا الباب هي مسائل نافع بن الأزرق الخارجي «3»، جاء ليسأل حبر الأمّة تعنّتا لا تفهّما. و كان متقنا للعربية و أمير قومه و فقيههم، فحاول إفحام مثل ابن عباس استظهارا لمذهبه.

و القصّة

كما رواها السيوطي في الإتقان، فيها شي ء من الغرابة، و لعلّ فيها زيادة و تحريفا، غير أنها على كل حال تحدّد من اتجاه ابن عباس اللّغوي في التفسير، و اضطلاعه بالأدب الرفيع.

قال جلال الدين السيوطي: قد روينا عن ابن عباس كثيرا من استشهاده بالشعر لحلّ غريب القرآن، و أوعب ما رويناه عنه مسائل ابن الأزرق- و ساقها تماما حسب استخراجه من كتاب الوقف لابن الأنباري، و المعجم الكبير للطبراني- «4» و لنذكر منها طرفا:

قال بينا عبد اللّه بن عباس جالس بفناء الكعبة، قد اكتنفه الناس يسألونه عن تفسير القرآن، و إذا بنافع بن الأزرق قال لنجدة بن عويمر «5»: قم بنا إلى هذا الذي

(1) الزخرف/ 3.

(2) النحل/ 103، الإتقان، ج 2، ص 55.

(3) نافع بن الأزرق الحنفي الحروري، رأس الأزارقة من الخوارج و إليه نسبتهم. هلك سنة (65 ه)

(4) راجع الإتقان، ج 2، ص 56- 88.

(5) نجدة بن عامر الحنفي الحروري، رأس الفرقة النجدية. كان من أصحاب الثورات ذلك العهد. هلك سنة (69) ه.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 244

يجترئ على تفسير القرآن بما لا علم له به، فأتياه و قالا: نريد أن نسألك عن أشياء من كتاب اللّه، فتفسّرها لنا، و تأتينا بمصادقة من كلام العرب، فإنّ اللّه إنما أنزل القرآن بلسان عربيّ مبين. قال ابن عباس: سلاني عمّا بدا لكما.

فسأله نافع عن قوله تعالى: عَنِ الْيَمِينِ وَ عَنِ الشِّمالِ عِزِينَ «1»؟ قال:

العزون: الحلق الرقاق. قال نافع: و هل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت عبيد بن الأبرص و هو يقول:

فجاءوا يهرعون إليه حتّى يكونوا حول منبره عزينا

قال الراغب: عزون، واحدته عزة، و أصله

من: عزوته فاعتزى، أي نسبته فانتسب.

و قال الطبرسي: عزون، جماعات في تفرقة، واحدتهم عزة. و إنما جمع بالواو و النون؛ لأنه عوض، مثل سنة و سنون. و أصل عزة عزوة من: عزاه يعزوه، إذا أضافه إلى غيره. فكل جماعة من هذه الجماعات مضافة إلى الأخرى «2».

و سأله عن قوله: إِذا أَثْمَرَ وَ يَنْعِهِ «3»؟ قال: نضجه و بلاغه. و استشهد بقول الشاعر:

إذا مشت وسط النساء تأوّدت كما اهتزّ غصن ناعم النبت يانع «4»

و سأله عن الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ «5»؟ قال: السفينة الموقرة الممتلئة. و استشهد بقول ابن الأبرص:

(1) المعارج/ 37.

(2) مجمع البيان، ج 10، ص 357.

(3) الأنعام/ 99.

(4) أود و تأوّد: اعوجّ و انحنى.

(5) الشعراء/ 119.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 245

شحنّا أرضهم بالخيل حتى تركناهم أذلّ من الصراط «1»

و سأله عن زَنِيمٍ «2»؟ قال: ولد زنى. و استشهد بقول الخطيم التميمي:

زنيم تداعته الرّجال زيادة كما زيد في عرض الأديم الأكارع «3»

قال الراغب: الزنيم: الزائد في القوم و ليس منهم. و هو المنتسب إلى قوم هو معلّق بهم لا منهم.

و سأله عن جَدُّ رَبِّنا «4»؟ قال: عظمة ربّنا. و استشهد بقول أمية بن أبي الصلت:

لك الحمد و النعماء و الملك ربّنا فلا شي ء أعلى منك جدّا و أمجدا

و كان يبحث عن لغات القبائل و يترصّد أخبارهم، استطلاعا للغريب من ألفاظهم الواقعة في القرآن، و كان إذا أشكل عليه فهم كلمة أرجأها حتى يتسمّع قول الأعراب ليعثر على معناها، طريقة متّبعة لدى أهل التحقيق.

أخرج الطبري بإسناده إلى ابن أبي يزيد قال: سمعت ابن عباس، و هو يسأل عن قوله تعالى: ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ

فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ «5»، قال: ما هاهنا من هذيل «6» أحد؟ فقال رجل: نعم، قال: ما تعدّون الحرجة فيكم؟ قال: الشي ء الضيّق.

(1) شحن المدينة بالخيل: ملأها.

(2) القلم/ 13.

(3) تداعوا الشي ء: ادّعوه. تداعى القوم: دعا بعضهم بعضا. و الأديم: وجه الأرض. و أكارع الأرض:

أطرافها القاصية.

(4) الجن/ 3.

(5) الحج/ 78.

(6) تروى الأخبار أنّ هذيلا كانت أحسن القبائل ثقافة و أوسعها في اللغة، و من ثم تمنّى عثمان- عند ما

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 246

قال ابن عباس: فهو كذلك «1».

و أخرج من طريق قتادة عن ابن عباس، قال: لم أكن أدري ما افْتَحْ بَيْنَنا وَ بَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ «2» حتى سمعت ابنة ذي يزن تقول لزوجها: تعال أفاتحك، تعني أقاضيك «3».

و أخرج أبو عبيد في الفضائل من طريق مجاهد عن ابن عباس، قال: كنت لا أدرى ما فاطِرِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ «4» حتى أتاني أعرابيّان يختصمان في بئر،

رفع إليه المصحف و رأى فيه شيئا من اللحن- قال: لو كان المملئ من هذيل، و الكاتب من ثقيف، لم يقع فيه هذا. (مصاحف السجستاني، ص 32- 33) و يروى أن عمر قرأ على المنبر: أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ النحل/ 47، و لم يدر ما معنى التخوّف هنا! فسأل القوم عن ذلك، فقام إليه شيخ من هذيل و قال: هذه لغتنا التخوّف: التنقّص.

فقال له عمر: أو هل تعرف العرب ذلك؟ قال الشيخ: نعم، يقول الشاعر:

تخوّف الرّحل منها تامكا قردا كما تخوّف عود النّبعة السّفن

و السّفن: الحديدة التي يبرد بها خشب القوس. و القرد: الكثير القردان. و التامك: العظيم السنام.

يقول: إن الرحل تنقص سنام الناقة كما تأكل الحديدة خشب القوس.

(فجر الإسلام لأحمد أمين، ص 196 عن الموافقات، ج 2، ص 57 و 58. و الذهبي، ج 1، ص 74، عنه ج 1، ص 88)

(1) تفسير الطبري، ج 17، ص 143.

(2) الأعراف/ 89.

(3) الطبري، ج 9، ص 3. و في رواية: انطلق أفاتحك، تعني أخاصمك ... و راجع: الإتقان، ج 2، ص 5.

و جاءت القصة في تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة، ج 1، ص 48 محرّفة. و راجع: أيضا مناهج التفسير للصاوي، ص 34.

(4) فاطر/ 1.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 247

فقال أحدهما: أنا فطرتها، يقول: أنا ابتدأتها «1».

و في تفسير الزمخشري- عند قوله تعالى: إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ «2»-: و عن ابن عباس: ما كنت أدري ما معنى «يحور» حتى سمعت أعرابيّة تقول لبنيّة لها:

حوري، أي ارجعي.

و استشهد الزمخشري بقول لبيد:

و ما المرء إلّا كالشّهاب وضوئه يحور رمادا بعد إذ هو ساطع «3»

و قد جاء نفس الاستشهاد في مسائل ابن الأزرق أيضا «4».

و هكذا استطاع بثقافته اللّغوية أن يحيط بلغات القبائل، و يميّز عن بعضها البعض.

روي عنه في قوله تعالى: وَ كُنْتُمْ قَوْماً بُوراً «5» أنه قال: البور، في لغة أذرعات الفاسد، فأما عند العرب فإنه لا شي ء «6».

و قال في قوله تعالى: وَ أَنْتُمْ سامِدُونَ «7» السمود: الفناء، و هي يمانيّة.

(1) الإتقان، ج 2، ص 4.

(2) الانشقاق/ 14.

(3) الكشاف، ج 4، ص 727.

(4) الإتقان، ج 4، ص 64.

(5) الفتح/ 12.

(6) رواه ابن قتيبة مسندا له إلى ابن عباس (تأويل مشكل القرآن، ج 2، ص 133) و فيه شي ء من التصحيف، صحّحناه على تفسير الطبري (ج 26، ص 49) من

غير أن ينسبه إلى ابن عباس.

(7) النجم/ 61.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 248

و في قوله تعالى: أَ تَدْعُونَ بَعْلًا «1» قال: ربّا، بلغة أهل اليمن.

و في قوله: كَلَّا لا وَزَرَ «2» قال: الوزر: ولد الولد، بلغة هذيل.

و في قوله: فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً «3» قال: مكتوبا، و هي لغة حميريّة، يسمّون الكتاب أسطورا «4».

بل نراه لم يقتصر على الإحاطة بلغات القبائل، حتى ضمّ إليها التعرّف إلى الكلمات الوافدة إلى العربية من لغات الأمم المجاورة. قال في قوله تعالى: إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَ أَقْوَمُ قِيلًا بلسان الحبشة، إذا قام الرجل من الليل قالوا: نشأ «5».

و قال في قوله تعالى: فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ هو بالعربية الأسد، و بالفارسية شار (شير)، و بالقبطية أريا، و بالحبشية قسورة «6».

هذا، مضافا إلى معرفته بآداب سائر الأمم و رسومهم، كان يقول في قوله تعالى: يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ هو قول الأعاجم: «زه، نوروز، مهرجان حر.» «7».

و عن تلميذه سعيد بن جبير: هو قول بعضهم لبعض إذا عطس: زه هزار

(1) الصافات/ 125.

(2) القيامة/ 11.

(3) الإسراء/ 58.

(4) الإتقان، ج 2، ص 89- 91.

(5) تفسير الطبري، ج 1، ص 6، المزمّل/ 6.

(6) المصدر نفسه، المدّثر/ 51.

(7) الطبري، ج 1، ص 340، البقرة/ 96.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 249

سال، و في رواية عن ابن عباس: هو قول أحدهم: زه هزار سال، يقول: عش ألف سنة. «1» «زه» و «زى» بالفارسية بمعنى الدعاء بطول العمر، من «زيستن» بمعنى الحياة.

أضف إلى ذلك معرفته بالتاريخ و الجغرافية، و ما جرت على جزيرة العرب من حوادث و أيام، و قد أتاح له حظّا

وافرا من هذه الثقافة، تنقّله في البلاد، بين مكة و المدينة، ثم ولايته على البصرة و اشتراكه في غزوة إفريقية، بل و تنقّله بين أنحاء الجزيرة في طلب العلم؛ إذ كان يهتم الاهتمام كلّه بتعرّف قصّة كل اسم أو موطن أو موضع جرى له ذكر في القرآن، إن مبهما أو صريحا. يقول: «الأحقاف، المذكور في الكتاب العزيز: واد بين عمّان و أرض مهرة». و أرض مهرة هي حضرموت كما جاء في كلام ابن إسحاق. و قال قتادة: الأحقاف: رمال مشرفة على البحر بالشحر من أرض اليمن. قال ياقوت: هذه ثلاثة أقوال غير مختلفة في المعنى «2».

و قال- في البحرين-: روي عن ابن عباس: البحرين من أعمال العراق، و حدّه من عمّان ناحية جرّ فار، و اليمامة على جبالها «3».

و قال- في عرفة-: و قال ابن عباس: حدّ عرفة من الجبل المشرف على بطن عرنة إلى جبالها إلى قصر آل مالك و وادي عرفة «4».

(1) الطبري، ج 1، ص 340 و الدر المنثور، ج 1، ص 89.

(2) معجم البلدان، ج 1، ص 115.

(3) المصدر نفسه، ج 1، ص 347.

(4) معجم البلدان، ج 4، ص 104.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 250

و قال- في تحديد جزيرة العرب-: و أحسن ما قيل في تحديدها ما ذكره أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب الكلبي مسندا إلى ابن عباس، قال: اقتسمت العرب جزيرتها على خمسة أقسام. قال: و إنما سمّيت بلاد العرب جزيرة؛ لإحاطة الأنهار و البحار بها من جميع أقطارها و أطرافها، فصاروا منها في مثل الجزيرة من جزائر البحر «1».

إلى غيرها من موارد تدلّك على سعة معرفة ابن عباس بالأوضاع و الأحوال

التي تكتنفه، شأن أيّ عالم و محقق خبير.

و بعد فإنّ إحاطته باللغة و بالشعر القديم، لتدلّك على قوة ثقافته البالغة حدّا لم يصل إليه غيره، ممّن كان في طرازه ذلك العهد، الأمر الذي جعله بحقّ زعيم هذا الجانب من تفسير القرآن، حتى لقد قيل في شأنه: هو الذي أبدع الطريقة اللغويّة في التفسير «2» فضلا عن كونه أبا للتفسير في جميع جوانبه و مجالاته.

و بذلك كان قد كشف النقاب عن وجه كثير من آيات أحاطت بها هالة من الإبهام، لو لا معرفة سبب النزول.

مثلا نتساءل: ما هي العلاقة بين (ذكر اللّه و ذكر الآباء) في قوله تعالى: فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً «3» و السياق وارد بشأن أحكام الحج و مناسكه؟

و هنا يأتي ابن عباس ليوضّح من موضع هذه العلاقة. قال: «إنّ العرب كانوا

(1) معجم البلدان، ج 2، ص 137.

(2) التفسير و المفسرون، ج 1، ص 75 عن مذاهب التفسير الاسلامي لجولد تسيهر، ص 89.

(3) البقرة/ 200.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 251

عند الفراغ من حجّتهم بعد أيّام التشريق، يقفون بين مسجد منى و بين الجبل، و يذكر كل واحد منهم فضائل آبائه في السماحة و الحماسة و صلة الرحم، و يتناشدون فيها الأشعار، و يتكلمون بالمنثور من الكلام، و يريد كل واحد منهم من ذلك الفعل، حصول الشّهرة و الترفّع بمآثر سلفه. فلما أنعم اللّه عليهم بالإسلام أمرهم أن يكون ذكرهم لربّهم كذكركم لآبائهم أو أشدّ ذكرا» «1».

و هكذا لما تساءل بعضهم: ما وجه قوله تعالى: فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما «2» أي لا حرج عليه و لا مأثم في السعي بين الصفا و

المروة. و ظاهره نفي البأس، أي عدم المنع، و هو لا يقتضي الوجوب، مع أنّ قوله تعالى- في صدر الآية-: إِنَّ الصَّفا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ ... يستدعي الوجوب؛ لأنه خبر في معنى الأمر؟! و قد كان ذلك موضع تساؤل منذ أوّل يومه. أخرج الطبري بإسناده إلى عمرو ابن حبيش قال: قلت لعبد اللّه بن عمر: إِنَّ الصَّفا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ، فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما، قال: انطلق إلى ابن عباس فاسأله فإنه أعلم من بقي بما أنزل على محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

قال: فأتيت ابن عباس فسألته، فقال: إنّه كان عندهما أصنام، فلما أسلموا أمسكوا عن الطّواف بينهما حتى أنزلت إِنَّ الصَّفا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ «3».

كان المشركون قد وضعوا على الصفا صنما يقال له: «أساف»، و على المروة «نائلة». فلمّا اعتمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عمرة القضاء تحرّج المسلمون عن السعي

(1) الفخر الرازي، ج 5، ص 183.

(2) البقرة/ 158.

(3) تفسير الطبري، ج 2، ص 28، الدر المنثور، ج 1، ص 159، البقرة/ 158.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 252

بينهما، زعما منهم أنّ السعي بينهما شي ء كان صنعه المشركون تزلّفا إلى الصنمين، فأنزل اللّه أن لا حرج و لا موضع لما و همه أناس «1».

مراجعة أهل الكتاب!

و هل كان ابن عباس يراجع أهل الكتاب في فهم معاني القرآن؟

سؤال أجيب عليه بصورتين: إحداهما مبالغ فيها، و الأخرى معتدلة إلى حدّ ما؛ كانت مراجعته لأهل الكتاب- كمراجعة سائر الاصحاب- في دائرة ضيّقة النطاق، في أمور لم يتعرّض لها القرآن، و لا جاءت في بيان

النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم؛ حيث لم تعد حاجة ملحّة إلى معرفتها، و لا فائدة كبيرة في العلم بها كعدد أصحاب الكهف، و البعض الذي ضرب به موسى من البقرة، و مقدار سفينة نوح، و ما كان خشبها، و اسم الغلام الذي قتله الخضر، و أسماء الطيور التي أحياها اللّه لإبراهيم، و نحو ذلك مما لا طريق إلى معرفة الصحيح منه. فهذا يجوز أخذه من أهل الكتاب، و التحدّث عنهم و لا حرج، كما

ورد «حدّثوا عن بني إسرائيل و لا حرج» «2» ، المحمول على مثل هذه الأمور.

قال ابن تيميّة: و في بعض الأحيان ينقل عنهم (عن بعض الصحابة مثل ابن مسعود و ابن عباس و كثير من التابعين) ما يحكونه من أقاويل أهل الكتاب التي أباحها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم؛ حيث

قال: «بلّغوا عنّي و لو آية، و حدّثوا عن بني إسرائيل و لا حرج». رواه البخاري عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص

، و لهذا

(1) مجمع البيان للطبرسي، ج 1، ص 240.

(2) مسند أحمد، ج 2، ص 159 و 202 و 214. عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص. و ص 474 و 502 عن أبي هريرة. و ج 3، ص 13 و 46 و 56 عن أبي سعيد الخدري.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 253

كان عبد اللّه بن عمرو قد أصاب يوم اليرموك زاملتين «1» من كتب أهل الكتاب، فكان يحدّث منهما، بما فهمه من هذا الحديث من الإذن في ذلك. و لكن هذه الأحاديث الإسرائيلية إنما تذكر للاستشهاد لا للاعتقاد، فإنها من الأمور المسكوت عنها، و لم نعلم صدقها

و لا كذبها مما بأيدينا، فلا نؤمن به و لا نكذّبه، و تجوز حكايته، و غالب ذلك مما لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني، و قد أبهمه اللّه في القرآن، لا فائدة في تعيينه تعود على المكلّفين في دنياهم و لا دينهم. «2»

و وافقه على هذا الرأي الأستاذ الذهبي، قال: كان ابن عباس يرجع إلى أهل الكتاب و يأخذ عنهم، بحكم اتفاق القرآن مع التوراة و الإنجيل، في كثير من المواضع التي أجملت في القرآن و فصّلت في كتب العهدين. و لكن في دائرة محدودة ضيّقة، تتّفق مع القرآن و تشهد له. أمّا ما عدا ذلك مما يتنافى مع القرآن و لا يتّفق مع الشريعة، فكان لا يقبله و لا يأخذ به.

قال: فابن عباس و غيره من الصحابة، كانوا يسألون علماء اليهود الذين اعتنقوا الإسلام فيما لا يمسّ العقيدة أو يتّصل بأصول الدين و فروعه، كبعض القصص و الأخبار الماضية.

قال: و بهذا المسلك يكون الصحابة قد جمعوا بين

قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «حدّثوا عن بني إسرائيل و لا حرج»

، و

قوله: «لا تصدّقوا أهل الكتاب و لا تكذبوهم».

فإن الأوّل محمول على ما وقع فيهم من الحوادث و الأخبار؛ لما فيها من العظة و الاعتبار، بدليل

قوله بعد ذلك: «فإنّ فيهم أعاجيب».

و الثاني محمول على ما إذا

(1) أي ملفّتين، من زمّل الشي ء بثوبه أو في ثوبه: لفّه.

(2) راجع: مقدمته في أصول التفسير، ص 45- 47.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 254

كان المخبر به من قبلهم محتملا، و لم يقم دليل على صدقه و لا على كذبه. قال:

كما أفاده ابن حجر، و نبّه عليه الشافعي «1».

و أمّا المستشرقون فقد ذهبوا

في ذلك مذاهب بعيدة، بالغوا فيها إلى حدّ ترفضه شريعة النقد و التمحيص. يقول العلّامة المستشرق إجنتس جولد تسيهر:

«و ترى الرواية الإسلامية أن ابن عباس تلقّى بنفسه- في اتصاله الوثيق بالرسول- وجوه التفسير التي يوثق بها وحدها. «2» و قد أغفلت هذه الرواية بسهولة- كما في أحوال أخرى مشابهة- أن ابن عباس عند وفاة الرسول كان أقصى ما بلغ من السّنّ (10- 13) سنة.

«و أجدر من ذلك بالتصديق، الأخبار التي تفيد أن ابن عباس كان لا يرى غضاضة أن يرجع، في الأحوال التي يخامره فيها الشك، إلى من يرجو عنده علمها. و كثيرا ما ذكر أنه كان يرجع- كتابه- في تفسير معاني الألفاظ إلى من يدعى (أبا الجلد) و الظاهر أنه (غيلان بن فروة الأزدي) الذي كان يثنى عليه بأنّه قرأ الكتب «3».

(1) التفسير و المفسرون، ج 1، ص 70- 71 و 73 و 170- 173. و راجع: فتح الباري لابن حجر، ج 8، ص 129 و ج 13، ص 282.

(2) هنا يعلّق المترجم الدكتور عبد الحليم النجار. يقول: و أين الرواية التي يزعمها، و ما قيمتها في نظر رجال النقد؟ (مذاهب التفسير الإسلامي، ص 84) و الصحيح- كما أسلفنا- أنّ ابن عباس أخذ تفسيره من الصحابة و لا سيّما من أمير المؤمنين علي عليه السّلام، فهو إنّما أخذ التفسير من الرسول بواسطة أصحابه الأخيار.

(3) يقول فيه العسكري في كتاب التصحيف و التحريف: هو صاحب كتاب و جمّاع لأخبار الملاحم.

(مذاهب التفسير، ص 85 الهامش رقم 3)

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 255

«و كثيرا ما نجد بين مصادر العلم المفضّلة لدى ابن عباس، اليهوديّين اللّذين اعتنقا الإسلام: كعب

الأحبار، و عبد اللّه بن سلام، كما نجد أهل الكتاب على وجه العموم، أي رجالا من طوائف ورد التحذير من أخبارها- عدا ذلك- في أقوال تنسب إلى ابن عباس نفسه. و من الحقّ أن اعتناقهم للإسلام قد سما بهم على مظنّة الكذب، و رفعهم إلى مرتبة مصادر العلم التي لا تثير ارتيابا «1».

«و لم يعدّ ابن عباس أولئك الكتابيّين الذين دخلوا في الاسلام، حججا فقط في الإسرائيليات و أخبار الكتب السابقة، التي ذكر كثيرا عنها الفوائد «2»، بل كان يسأل أيضا كعب الأحبار مثلا عن التفسير الصحيح للتعبيرين القرآنيّين: أُمُّ الْكِتابِ «3» و الْمَرْجانُ «4».

«كان يفترض عند هؤلاء الأحبار اليهود، فهم أدقّ للمدارك الدينية العامة الواردة في القرآن و في أقوال الرسول، و كان يرجع إلى أخبارهم في مثل هذه المسائل، على الرغم من ضروب التحذير الصادرة من جوانب كثيرة فيهم» «5».

هذه هي عبارة (جولد تسيهر) البادي عليها غلّوه المفرط بشأن مسلمة اليهود،

(1) سترى أن الأمر كان بالعكس، كان هؤلاء موضع ارتياب المسلمين عامة، سوى أهل المطامع كانوا قد استغلّوا من مواضع هؤلاء غير النزيهة، أمثال معاوية و ابن العاص و من على شاكلتهما.

(2) مثل ما أخرجه ابن سعد في الطبقات (ج 1، ق 2، ص 87) بإسناده إلى ابن عباس أنّه سأل كعب الأحبار عن صفة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في التوراة و الإنجيل.

و كذا ما أسنده إلى مولى عمر بن الخطاب أن كعبا أخبر بموته قبل ثلاثة أيام؛ إذ وجد ذلك مكتوبا عندهم في التوراة. (الطبقات، ج 3، ق 2، ص 240)

(3) من سورة الرعد/ 39. راجع الطبري، ج 13، ص 115.

(4) من

سورة الرحمن/ 22. راجع: الطبري، ج 27، ص 76- 77.

(5) مذاهب التفسير الإسلامي، ص 84- 88.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 256

و دورهم في التلاعب بمقدّرات المسلمين، الأمر الذي لا يكاد يصدّق في أجواء كانت السيطرة مع الصحابة النبهاء، إنّما كان ذلك في عهد طغى سطو أميّة على البلاد و قد أكثروا فيها الفساد، على ما سننبّه.

و قد تابعه على هذا الرأي الأستاذ أحمد أمين، قال: و لم يتحرّج حتى كبار الصحابة مثل ابن عباس من أخذ قولهم.

روي أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: «إذا حدّثكم أهل الكتاب فلا تصدّقوهم و لا تكذّبوهم»

. و لكن العمل كان على غير ذلك، و أنّهم كانوا يصدّقونهم و ينقلون عنهم! و إن شئت مثلا لذلك فاقرأ ما حكاه الطبري و غيره عند تفسير قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَ الْمَلائِكَةُ «1».

و عقّبه بقوله: و قد رأيت ابن عباس كان يجالس كعب الأحبار و يأخذ عنه «2»، إشارة إلى ما سبق من قوله: و أمّا كعب الأحبار أو كعب بن ماتع فيهوديّ من اليمن، و أكبر من تسرّبت منهم أخبار اليهود إلى المسلمين، أسلم في خلافة أبي بكر أو عمر- على خلاف في ذلك- و انتقل بعد إسلامه إلى المدينة ثم إلى الشام. و قد أخذ عنه اثنان، هما أكبر من نشر علمه: ابن عباس- و هذا يعلّل ما في تفسيره من إسرائيليات- و أبو هريرة «3».

نقد و تمحيص

و إنا لنأسف كثيرا أن يغترّ كتّابنا النقّاد- أمثال الأستاذ أحمد أمين و الأستاذ

(1) البقرة/ 210.

(2) فجر الإسلام، ص 201.

(3) المصدر نفسه، ص 160.

التفسير و

المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 257

الذهبي- بتخرّصات لفّقها أوهام مستوردة، فلنترك المستشرقين في ريبهم يتردّدون، و لكن ما لنا- نحن معاشر المسلمين- أن نحذو حذوهم و نواكبهم في مسيرة الوهم و الخيال؟! لا شكّ أنّ نبهاء الصحابة أمثال ابن عباس كانوا يتحاشون مراجعة أهل الكتاب و يستقذرون ما لديهم من أساطير و قصص و أوهام، و إنما تسرّبت الإسرائيليات إلى حوزة الإسلام، بعد انقضاء عهد الصحابة، و عند ما تسيطر الحكم الأموي على البلاد لغرض العيث في الأرض و شمول الفساد، الأمر الذي أحوجهم إلى مراجعة الأنذال من مسلمة اليهود و من تبعهم من سفلة الأوغاد.

و سنذكر أن مبدأ نشر الإسرائيليات بين المسلمين كان في هذا العهد المظلم بالخصوص، حاشا الصحابة و حاشا ابن عباس بالذات أن يراجع ذوي الأحقاد من اليهود، و يترك الخلّص من علماء الإسلام أمثال الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السّلام، و كان سفط العلم و لديه علم الأوّلين و الآخرين، علما ورثه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في شمول و عموم.

و قد مرّ عليك أنه كان يستطرق أبواب العلماء من الصحابة بغية العثور على أطراف العلم الموروث من الرسول الأكرم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و قد سئل: أنّى أدركت هذا العلم؟ فقال: بلسان سئول و قلب عقول «1».

و إليك من تصريحات ابن عباس نفسه، يحذّر مراجعة أهل الكتاب بالذات، فكيف يا ترى، ينهى عن شي ء ثم يرتكبه؟!

(1) التصحيف و التحريف للصاحبي، ص 3.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 258

التحذير عن مراجعة أهل الكتاب

أخرج البخاري بإسناده إلى عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة عن ابن عباس، قال:

«يا معشر المسلمين كيف تسألون أهل

الكتاب، و كتابكم الذي أنزل على نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أحدث الأخبار بالله تقرءونه لم يشب «1»، و قد حدّثكم اللّه أنّ أهل الكتاب بدّلوا ما كتب اللّه و غيّروا بأيديهم الكتاب، فقالوا: هو من عند اللّه ليشتروا به ثمنا قليلا، أ فلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسائلتهم، و لا و اللّه ما رأينا منهم رجلا قطّ يسألكم عن الذي أنزل عليكم» «2».

و

أخرج عن أبي هريرة قال: كان أهل الكتاب «3» يقرءون التوراة بالعبرانية و يفسّرونها بالعربيّة لأهل الإسلام، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «لا تصدّقوا أهل الكتاب و لا تكذّبوهم، و قولوا: آمنّا باللّه و ما أنزل إلينا و ما أنزل إليكم» «4».

و أخرج عبد الرزاق من طريق حريث بن ظهير، قال: قال عبد اللّه بن عباس:

«لا تسألوا أهل الكتاب، فإنهم لن يهدوكم و قد أضلوا أنفسهم، فتكذبوا بحقّ أو تصدّقوا بباطل» «5».

و هذا الحديث وضّح من كلام النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في عدم تصديقهم و لا تكذيبهم؛

(1) جاء في موضع آخر: «و كتابكم الذي أنزل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أحدث، تقرءونه محضا لم يشب» قوله: لم يشب، أي لم يخلطه شي ء من غير القرآن، تعريضا بكتب العهدين التي دسّ فيها ما ينبو عن كونه وحيا.

(2) جامع البخاري، ج 9، ص 136، باب قول النبي: لا تسألوا أهل الكتاب عن شي ء و ج 3، ص 237 باب لا يسأل أهل الشرك عن الشهادة و غيرها، و اللفظ على الأخير.

(3) و يعني بهم اليهود بالذات. صرّح بذلك ابن حجر في

الشرح، ج 3، ص 282.

(4) جامع البخاري، ج 9، ص 136.

(5) فتح الباري بشرح البخاري، ج 13، ص 284.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 259

لأنهم كانوا يخلطون الحق بالباطل، فلا يمكن تصديقهم؛ لأنه ربما كان تصديقا لباطل، و لا تكذيبهم؛ لأنه ربما كان تكذيبا لحق، فالمعنى: أن لا يعتبر من كلامهم شي ء و لا يترتّب على ما يقولونه شي ء. فلا حجيّة لكلامهم و لا اعتبار لأقوالهم على الإطلاق، إذن فلا ينبغي مراجعتهم و لا الأخذ عنهم في وجه من الوجوه.

و

أخرج أحمد و ابن أبي شيبة و البزّاز من حديث جابر، أن عمر أتى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فغضب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و قال:

«لقد جئتكم بها بيضاء نقيّة، لا تسألوهم عن شي ء، فيخبروكم بحق فتكذبوا به، أو باطل فتصدّقوا به، و الذي نفسي بيده لو أنّ موسى كان حيّا ما وسعه إلّا أن يتّبعني»

. و

في رواية أخرى: «لا تسألوا أهل الكتاب عن شي ء ...» «1».

تلك مناهي الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الصريحة في المنع عن مراجعة أهل الكتاب إطلاقا، لا في كبير و لا صغير، فهل يا ترى أحدا من صحابته الأخيار خالف أوامره و راجعهم في شي ء من مسائل الدين و القرآن؟! كما حسبه الأستاذ أحمد أمين، زعم أن العمل كان على ذلك، و أنهم كانوا يصدّقون أهل الكتاب و ينقلون عنهم! «2» و أمّا الذي استشهدوا به على مراجعة مثل ابن عباس لليهود، فكلّه باطل و زور، لم يثبت منه شي ء.

أمّا الذي جاء به الأستاذ مثلا من قوله تعالى:

(1) فتح الباري،

ج 13، ص 284.

(2) نقلنا كلامه آنفا. راجع: فجر الإسلام، ص 201.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 260

هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ «1» قال: فاقرأ ما حكاه الطبري و غيره عند تفسير الآية.

فقد راجعنا تفسير الطبري و الدر المنثور و ابن كثير و غيرها من أمهات كتب التفسير بالنقل المأثور «2»، فلم نجد فيها ذكرا لكعب و لا مساءلته من قبل أحد من الأصحاب، أو غيرهم من التابعين أيضا. و لم ندر من أين أخذ الأستاذ هذا المثال، و من الذي عرّفه ذلك، فأوقعه في هذا الوهم الفاضح.

و أمّا قوله: كان ابن عباس يجالس كعب الأحبار، و كان أكثر من نشر علمه ... «3»، فكلام أشدّ و هما و أكثر جفاء على مثل ابن عباس الصحابي الجليل؛ إذ لم نجد و لا رواية واحدة تتضمّن نقلا لابن عبّاس عن أحد من اليهود، فضلا عن مثل كعب الأحبار الساقط الشخصيّة «4».

نعم أشار المستشرق جولد تسيهر إلى موارد، زعم فيها مراجعة ابن عباس لأهل الكتاب، و لعلها كانت مستند الأستاذ أحمد أمين تقليدا من غير تحقيق.

و لكنا راجعنا تلك الموارد، فلم نجدها شيئا، كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء.

منها: أن ابن عباس سأل كعب الأحبار عن تفسير تعبيرين قرآنيّين: أمّ الكتاب، و المرجان «5».

روى الطبري بإسناده إلى عبد اللّه بن ميسرة الحرّاني: أنّ شيخا بمكّة من أهل

(1) البقرة/ 210.

(2) جامع البيان للطبري، ج 2، ص 190- 192. و الدر المنثور للسيوطي، ج 1، ص 241- 242.

و تفسير ابن كثير، ج 1، ص 245- 249.

(3) فجر الإسلام، ص 160.

(4) سوف ننبّه أنّ كعب الأحبار كان من صنايع

معاوية، صنعه لنفسه لغرض الحطّ من كرامة الإسلام.

(5) مذاهب التفسير الإسلامي، ص 88.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 261

الشام سمع كعب الأحبار يسأل عن المرجان (الرحمن/ 22) فقال: هو البسّذ «1».

لكن من أين علم جولد تسيهر أن الذي سأل كعبا هو شيخ مكة و زعيمها ابن عباس؟! و كذا روي عن معتمر بن سليمان عن أبيه عن شيبان، أنّ ابن عباس سأل كعبا عن أمّ الكتاب (الرعد/ 39) فقال: علم اللّه ما هو خالق و ما خلقه عاملون، فقال لعلمه: كن كتابا، فكان كتابا «2».

غير أنّ شيبان هذا- هو ابن عبد الرحمن التميمي مولاهم، النحوي أبو معاوية البصري المؤدّب، سكن الكوفة ثم انتقل إلى بغداد- مات في خلافة المهدي سنة (164) و كان من الطبقة السابعة «3»، و عليه فلم يدرك ابن عباس المتوفّى سنة (68) و لا كعب الأحبار الذي هلك في خلافة عثمان سنة (32) فالرواية مرسلة لم يعرف الواسطة، فكانت ساقطة عن الاعتبار.

و أيضا روي عن إسحاق بن عبد اللّه بن الحرث عن أبيه، أن ابن عباس سأل كعبا عن قوله تعالى: يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ و يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ هُمْ لا يَسْأَمُونَ «4» فقال: هل يئودك طرفك؟ هل يئودك نفسك؟ قال:

لا، قال: فإنهم ألهموا التسبيح، كما ألهمتم الطرف و النفس «5».

(1) تفسير الطبري، ج 27، ص 76.

(2) المصدر نفسه، ج 3، ص 115.

(3) تهذيب التهذيب، ج 4، ص 373- 374. و تقريب التهذيب أيضا له، ج 1، ص 356، رقم 115.

(4) الأنبياء/ 20، فصّلت/ 38.

(5) تفسير الطبري، ج 17، ص 10.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 262

و عبد

اللّه هذا هو ابن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، ولد على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بالمدينة و أصبح من فقهائها، و تحوّل إلى البصرة و رضيته العامة، و اصطلحوا عليه حين هلك يزيد بن معاوية. توفّي سنة (84) بالأبواء و دفن بها، و كان خرج إليها هاربا من الحجاج «1».

غير أنّ الطبري روى بإسناده إلى حسّان بن مخارق عن عبد اللّه بن الحرث، أنه هو الذي سأل كعبا عن ذلك، قال: قلت لكعب الأحبار: يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ ... أما يشغلهم رسالة أو عمل؟ قال: يا ابن أخي، إنهم جعل لهم التسبيح كما جعل لكم النفس، أ لست تأكل و تشرب و تقوم و تقعد و تجي ء و تذهب و أنت تتنفّس؟ قلت: بلى! قال: فكذلك جعل لهم التسبيح «2».

قلت: يا ترى، هل كان هو الذي سأل كعبا أو أنه سمع ابن عباس يسأل كعبا؟

في حين أنه لا يقول: سمعت ابن عباس يسأله، بل مجرد أنّ ابن عباس سأله، الأمر الذي لا يوثق بكون الرواية منتهية إلى سماع، و الظاهر أنه إرسال.

على أنه من المحتمل القريب أن السائل هو بالذات، لكنّ ابنه إسحاق كره نسبة السؤال من مثل كعب إلى أبيه، فذكر الحديث عن أبيه مع إقحام واسطة إرسالا من غير إسناد. و يؤيد ذلك أنّه لم تأت رواية غير هذه تنسب إلى ابن عباس أنه سأل مثل كعب، فالأرجح في النظر أنه مفتعل عليه لا محالة.

و استند جولد تسيهر- في مراجعة ابن عباس لأهل الكتاب- أيضا إلى ما رواه الطبري بإسناده إلى أبي جهضم موسى بن سالم مولى ابن عباس، قال: كتب ابن

(1) تهذيب التهذيب، ج 5، ص 180- 181.

(2) تفسير الطبري، ج 17، ص 10.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 263

عباس إلى أبي جلد (غيلان بن فروة الأزدي، كان قرأ الكتب، و كان يختم القرآن كل سبعة أيام و يختم التوراة كل ثمانية أيام) «1» يسأله عن «البرق» في قوله تعالى:

هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَ طَمَعاً فقال: البرق: الماء «2».

لكن في طبقات ابن سعد «3» أن أبا الجلد الجوني- حيّ من الأزد- اسمه جيلان بن فروة، كان يقرأ الكتب. و زعمت ابنته ميمونة: أنّ أباها كان يقرأ القرآن في كل سبعة أيّام، و يختم التوراة في ستّة، يقرأها نظرا، فإذا كان يوم يختمها حشد لذلك ناس.

لا شك أنها مغالاة من ابنته. يقول جولد تسيهر: و لا يتّضح حقّا من هذا الخبر الغامض، الذي زادته مغالاة ابنته غموضا، أيّ نسخة من التوراة كان يستخدمها في دراسته. «4»

لأن التوراة المعهودة اليوم و هي تشتمل على (39) كتابا تكون في حجم كبير، ثم هي قصة حياة إسرائيل طول عشرين قرنا، و فيها تاريخ حياة أنبياء بني إسرائيل و ملوكهم و رحلاتهم و حروبهم طول التاريخ، و هي بكتب التاريخ أشبه منها بكتب الوحي. فهل كان يقرأ ذلك كله في ستة أيّام؟ و ما هي الفائدة في ذلك التكرار؟! على أنّ راوي الخبر- و هو موسى بن سالم أبو جهضم- لم يلق ابن عباس و لا أدركه؛ لأنّه مولى آل العباس، و ليس مولى لابن عباس. ففي نسخة الطبري

(1) مذاهب التفسير الإسلامي، ص 85.

(2) تفسير الطبري، ج 13، ص 82، الرعد/ 12.

(3) ج 7، ق 1، ص 161، س 15.

(4) مذاهب

التفسير الإسلامي، ص 86.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 264

المطبوعة خطأ قطعا. قال ابن حجر: موسى بن سالم أبو جهضم مولى آل العباس، أرسل عن ابن عباس. و هو من رواة الإمام أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليه السّلام «1».

و في الخلاصة: موسى بن سالم مولى العباسيين أبو جهضم عن أبي جعفر الباقر، و عنه الحمّادان «2». و الإمام الباقر توفّي سنة (114) و أخيرا، فإنّ الموارد التي ذكروا مراجعة ابن عباس فيها لأهل الكتاب لا تعدو معاني لغوية بحتة، لا تمسّ قضايا سالفة عن أمم خلت كما زعموا، و لا سيّما السؤال عن «البرق»، و هو لفظ عربي خالص، لا موجب للرجوع فيه إلى رجال أجانب عن اللّغة. كيف يا ترى يرجع مثل ابن عباس- و هو عربي صميم و عارف بمواضع لغته أكثر من غيره- إلى اليهود الأجانب؟! و هل يخفى على مثله ما للفظ البرق من مفهوم؟ ثم كيف اقتنع بتفسيره بالماء؟ اللهم إن هذا إلّا اختلاق! الأمر الذي يقضي بالعجب، كيف يحكم هذا العلّامة المستشرق حكمه الباتّ، بأنّ كثيرا ما ذكر أنه كان يرجع- كتابة- في تفسير معاني الألفاظ إلى من يدعى أبا الجلد؟! «3» و يجعل مستنده هذه المراجعة المفتعلة قطعا، إذ كيف يعقل أن يراجع، مثله في مثل هذه المعاني؟! و أسخف من الجميع تبرير ما نسب إلى ابن عباس من أقاصيص أسطورية جاءت عنه، بأنه من جرّاء رجوعه إلى أهل الكتاب في هكذا أمور بعيدة عن صميم الدين. قال الأستاذ أمين: و هذا يعلّل ما في تفسيره من إسرائيليات. قال

(1) تهذيب التهذيب، ج 10، ص 344.

(2) خلاصة التهذيب، ص 390.

(3) مذاهب التفسير

الإسلامي، ص 85.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 265

ذلك بعد قوله: و كان ابن عباس و أبو هريرة أكبر من نشر علم كعب الأحبار «1».

و قال الدكتور مصطفى الصاوي: و كثيرا ما ترد عن ابن عباس روايات في بدء الخليقة و قصص القرآن، مما لا يمكن أن يكون قد رجع فيها إلّا إلى أهل الكتاب؛ حيث يرد هذا القصص مفصلا، مثال هذا تفسيره للآية: قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ «2» قال: لكنه حين يرجع إليهم مستفسرا، فإنما يرجع رجوع العالم الذي يعير سمعه لما يقال، ثم يعمل فكره و عقله فيما يسمع، ثم ينخله مبعدا عنه الزيف «3».

قلت: إن كانت فيما روي عنه في ذلك و أمثاله غرابة أو غضاضة، فإنّ العتب إنما يرجع إلى الذي نسبه إلى ابن عباس، ترويجا لأكذوبته، و لا لوم على ابن عباس في كثرة الوضع عليه. نعم و لعل هذه الكثرة في الوضع عليه آية على تقدير له و إكبار من الوضّاع، لكنه في نفس الوقت، رغبة منهم في أن تنفق بضاعتهم، موسومة بمن في اسمه الرواج العلمي. و قد اعترف بذلك الدكتور الصاوي «4»، فلما ذا حكم عليه ذلك الحكم القاسي؟! فالصحيح: أن ابن عباس كان في غنى عن مراجعة أهل الكتاب، و عنده الرصيد الأوفى بالعلوم و المعارف و التاريخ و اللغة، و لا سيّما في مثل تلكم الأساطير السخيفة التي كانت كل ما يملكه اليهود من بضاعة مزجاة كاسدة، بل إن

(1) فجر الاسلام، ص 160.

(2) البقرة/ 30، راجع: الطبري، ج 1، ص 158.

(3) مناهج في التفسير، ص 38.

(4) مناهج في التفسير، ص 41.

التفسير و

المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 266

موقف ابن عباس من أهل الكتاب عموما، و من كعب الأحبار خصوصا، ما يصوّره معتزّا بدينه كريما على نفسه و ثقافته.

يروى أنّ رجلا أتى ابن عباس يبلغه زعم كعب الأحبار: أنه يجاء بالشمس و القمر يوم القيامة كأنّهما ثوران عقيران فيقذفان في النار! فغضب ابن عباس و قال: كذب كعب الأحبار، كذب كعب الأحبار، كذب كعب الأحبار، بل هذه يهوديّة يريد إدخالها في الإسلام «1».

يقال: لما بلغ ذلك كعبا، اعتذر له بعد و تعلّل «2».

و ربما كان كعب يجالس ابن عباس يحاول مراودته العلم فيما زعم، فكان ابن عباس يجابهه بما يحطّ من قيمته. روي أنه ذكر الظلم في مجلس ابن عباس، فقال كعب: إني لا أجد في كتاب اللّه المنزل (يريد التوراة) «3» أن الظلم يخرّب الديار، فقال ابن عباس: أنا أوجدكه في القرآن، قال اللّه عزّ و جلّ: فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا «4».

هذه حقيقة موقف ابن عباس من اليهود كما ترى، و هو إذ كان يدعو إلى تجنّب الرجوع إلى أهل الكتاب، لما يدخل بسبب ذلك من فساد على العقول و تشويه على العامة، فكيف يا ترى أنه كان يرجع إليهم رغم نهيه و تحذيره! و هل لا طرق سمعه، و هو الحافظ لكلام اللّه

(1) العرائس للثعالبي، ص 18. (مناهج في التفسير، ص 29)

(2) المصدر نفسه، ص 24.

(3) حسب التصريح به في الرواية: كتاب الله المنزل، يعني التوراة (راجع: ابن قتيبة في عيون الأخبار، ج 1، ص 146، س 13)

(4) عيون الأخبار لابن قتيبة، ج 1، ص 26 (مناهج، ص 39)، النمل/ 52.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 267

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا

لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ «1»، فحاشا ابن عباس أن يراجع أهل الكتاب، و حاشاه حاشاه!!

استعمال الرأي و الاجتهاد

و هل استعمل ابن عباس رأيه في تفسير القرآن؟

إذا كان المراد من الرأي، ما انتجه الفكر و الاجتهاد بعد تمام مقدماته المعروفة، فأمر طبيعي لا بدّ منه، و لا يستطيع أحد محايدته، إنما هو شي ء كان عليه الأصحاب و العلماء من التابعين لهم بإحسان.

كان ابن عباس كغيره من الصحابة الذين اشتهروا بالتفسير، يرجعون في فهم معاني القرآن إلى القرآن ذاته أولا، و إلى ما وعوه من أحاديث الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أقواله في بيان معاني القرآن، ثم إلى ما يفتح اللّه به عليهم من طريق النظر و الاجتهاد، مع الاستعانة في ذلك بمعرفة أسباب النزول، و الظروف و الملابسات التي نزل فيها القرآن، بالإضافة إلى توسّعهم في المعارف، و لا سيّما مثل ابن عباس، كان متوسعا في علومه فيما يتعلق بمواقع النزول و أنحائه، و معرفته بالأحكام و التاريخ و الجغرافية، حسبما مرّ عليك.

فالرأي المستند إلى مثل هذه المقدمات المعروفة المتناسبة بعضها مع البعض، رأي ممدوح و أمر طبيعي، ليس ينكر البتة.

هذا هو المنهج الذي سار عليه ابن عباس في التفسير، لم يحد عن مناهج سائر الصحابة النبهاء. و قد ساهمت ثقافته العميقة في كثير من جوانب المعرفة، على أن يتألّق في منهجه، كما ساعده على ذلك- إضافة على ما ذكرنا- تبحّره في

(1) الصف/ 3 و 2.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 268

معرفة مواقع النزول، و استيعابه للمحكم و المتشابه، و القراءة و الأحكام و التاريخ و الجغرافية، فضلا عن اللغة و

الأدب الرفيع.

و هكذا كان ابن عباس بمعارفه الوسيعة يهتمّ بتعرّف كل شي ء في القرآن، حتى ليقول: إني لآتي على آية من كتاب اللّه تعالى، فوددت أنّ المسلمين كلّهم يعلمون منها مثل ما أعلم «1». و يقول مصوّرا مدى اقتداره على استنباط معاني القرآن: لو ضاع لي عقال بعير لوجدته في كتاب اللّه تعالى «2». قال الجويني: و ما كان له أن يقول ذلك لو لا أخذه من كل ثقافة بطرف، و تسخيرها جميعا لخدمة تفسير القرآن «3».

و لهذا ظلّ ابن عباس دوما موضع الاعتبار و التقدير من الصحابة الأوّلين و من معاصريه من التابعين، و ممن لحقه بعد، منذ عهد التدوين و لا يزال. فما أكثر ما يدور اسمه في كتب التفسير على اختلاف مناهجها و منازعها السياسية و المذهبية حتى الآن، فرحمه اللّه من مفسّر لكلامه البليغ الوجيز.

الطرق إليه في التفسير

ذكر السيوطي تسعة طرق إلى ابن عباس في التفسير «4»، وصف بعضها بالجودة و بعضها بالوهن حسبما يلى:

أوّلها- و هو من جيّدها-: طريق معاوية بن صالح عن عليّ بن أبي طلحة الهاشمي عن ابن عباس. قال أحمد بن حنبل: بمصر صحيفة في التفسير، رواها

(1) الإصابة لابن حجر، ج 2، ص 334.

(2) الإتقان، ج 3، ص 26 عن تفسير ابن أبي الفضل المرسي.

(3) مناهج في التفسير، ص 40- 41.

(4) راجع: الإتقان، ج 4، ص 207- 209.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 269

عليّ بن أبي طلحة. و لو رحل رجل فيها إلى مصر قاصدا، ما كان كثيرا. قال ابن حجر: و هذه النسخة كانت عند أبي صالح كاتب الليث، رواها معاوية بن صالح عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس. و هي

عند البخاري عن أبي صالح، و قد اعتمد عليها في صحيحه كثيرا فيما يعلّقه عن ابن عباس. و أخرج منها ابن جرير الطبري، و ابن أبي حاتم، و ابن المنذر كثيرا، بوسائط بينهم و بين أبي صالح.

و قد غمز بعضهم في هذا الطريق؛ حيث إن ابن أبي طلحة لم يسمع التفسير من ابن عباس. قال ابن حبّان: روى عن ابن عباس و لم يره، و مع ذلك عدّه في الثقات «1». قالوا: و إنما أخذ التفسير عن مجاهد أو سعيد بن جبير، و أسنده إلى ابن عباس رأسا، و ذلك أنه توفّي سنة (143) و قد توفّي ابن عباس سنة (68)، و ما بين الوفاتين (75) سنة، الأمر الذي يمتنع معه الرواية عن ابن عباس مباشرة. قال الخليلي: و أجمع الحفّاظ على أن ابن أبي طلحة لم يسمع التفسير من ابن عباس. «2»

و حاول بعضهم رميه بالضعف و سوء الرأي و الخروج بالسيف أيضا. قال يعقوب بن سفيان: ليس محمود المذهب.

قال ابن حجر- بصدد ردّ الاعتراض-: أمّا إسقاط الواسطة فلا ضير فيه بعد أن عرفنا الواسطة و هو ثقة «3»، لا سيّما و قد روى عنه الثقات. قال صالح بن محمد:

روى عنه الكوفيّون و الشاميّون- لأنه انتقل إلى حمص-، قال ابن حجر: و نقل

(1) تهذيب التهذيب، ج 7، ص 340.

(2) الإتقان، ج 4، ص 207.

(3) المصدر نفسه.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 270

البخاري من تفسيره رواية معاوية بن صالح عنه عن ابن عباس شيئا كثيرا.

قال: و قد وقفت على السبب الذي رمى به الرأي بالسيف؛ و ذلك فيما ذكره أبو زرعة الدمشقي عن عليّ بن عياش الحمصي، قال: لقي العلاء

بن عتبة الحمصي عليّ بن أبي طلحة تحت القبّة، فقال (عليّ لعلاء): يا أبا محمد، تؤخذ قبيلة من قبائل المسلمين فيقتل الرجل و المرأة و الصبيّ، لا يقول أحد: اللّه، اللّه! و اللّه لئن كانت بنو أميّة أذنبت، لقد أذنب بذنبها أهل المشرق و المغرب! (يشير بذلك إلى استباحة دماء بني أميّة من قبل بني العباس يومذاك و أنّهم يستحقون ذلك، فطائفة منهم بارتكاب جرائم، و طائفة أخرى بالسكوت عما يفعله إخوانهم) ثم قال عليّ بن أبي طلحة: يا عاجز- خطابا مع العلاء؛ لأنه كان من أشياع بني أميّة «1»- أو ذنب على أهل بيت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم (يريد بهم بني العباس) أن أخذوا قوما بجرائرهم و عفوا عن آخرين؟! فقال له العلاء: و إنه لرأيك؟ قال: نعم. فقال له العلاء: لا كلّمتك من فمي بكلمة أبدا. إنما أحببنا آل محمد بحبّه، فإذا خالفوا سيرته و عملوا بخلاف سنّته، فهم أبغض الناس إلينا «2».

إذن فلا مغمز فيما يرويه ابن أبي طلحة من تفسير يسنده إلى ابن عباس، كما

(1) قال الذهبي: كان فيه لين. أخذ عن خالد بن معدان و عمير بن هانئ (ميزان الاعتدال، ج 3، ص 103) و قد تركه ابن حجر. أما عمير بن هانئ فكان ممن ولّاه الحجاج قضاء الكوفة، و كان يرى البيعة ليزيد بن الوليد هجرة ثانية بعد الهجرة إلى اللّه و رسوله (الميزان، ج 2، ص 297) و أمّا خالد بن معدان فكان من فقهاء الشام و كان يروي عن معاوية بن أبي سفيان (تهذيب التهذيب، ج 3، ص 118)، و قد حيكت حوله خرافات و أوهام، و أنه كان إصبعه يتحرك بالتسبيح

حين وضع على المغتسل! (الخلاصة لصفي الدين الخزرجي، ص 103)

(2) تهذيب التهذيب، ج 7، ص 340.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 271

لا ضعف في الإسناد.

قال الخليلي- في الإرشاد-: تفسير معاوية بن صالح قاضي الأندلس عن عليّ ابن أبي طلحة عن ابن عباس، رواه الكبار عن أبي صالح كاتب الليث، عن معاوية «1».

قلت: سبب الغمز فيه أنه كان متأثرا بمدرسة ابن عباس- و هو في حمص من بلاد الشام في تلك الأوساط المتأثّرة بنفثات آل أميّة المعادية للإسلام- فكان يحمل ولاء آل بيت الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و يعادي أعداءهم، في أوساط ما كانت تتحمله ذلك العهد، و من ثمّ ألصقت به تهما هو منها براء.

الثاني- أيضا من جيّد الطرق-: طريق قيس بن الربيع أبي محمد الأسدي الكوفي. توفّي سنة (168) عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس.

قال جلال الدين: هذه طريق صحيحة على شرط الشيخين. و كثيرا ما يخرّج منها الفريابي و الحاكم في مستدركه «2».

و ذكر ابن حجر عن أحمد بن حنبل أن قيسا هذا كان يتشيّع. و لكن قال ابن أبي شيبة: هو عند جميع أصحابنا صدوق و كتابه صالح «3».

و أمّا عطاء بن السائب فكان ممن أخلص الولاء لآل بيت الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم وفقا لتعاليم أشياخه سعيد و ابن عباس و غيرهما، و له حديث مع الإمام عليّ بن

(1) الإتقان، ج 4، ص 207.

(2) الإتقان، ج 4، ص 208.

(3) تهذيب التهذيب، ج 8، ص 394.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 272

الحسين زين العابدين عليه السّلام ينبؤك عن مدى قربه لحضرته السنيّة «1».

***

الثالث- كذلك جيّد الطريق-: طريق محمد بن إسحاق صاحب السير و المغازي عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد- هكذا بالترديد- عن ابن عباس.

و ابن إسحاق معروف بتشيّعه. كما ذكره ابن حجر في التقريب، و شيخنا الشهيد الثاني في تعليقته على خلاصة الرجال «2». قال صاحب الكشف: هو أوّل من صنّف في علم السير، و هو رئيس أهل المغازي «3».

قال السيوطي: و هذه طريق جيّدة و إسنادها حسن. و قد أخرج منها ابن جرير و ابن أبي حاتم كثيرا. و في معجم الطبراني منها أشياء. «4»

*** الرابع- و هو طريق حسن لا بأس به-: طريق إسماعيل بن عبد الرحمن أبو محمد القرشي الكوفي السدّي الكبير، عن أبي مالك و أبي صالح، عن ابن عباس. و كذلك عن مرّة بن شراحيل الهمداني عن ابن مسعود، و ناس من الصحابة.

قال جلال الدين: و هذا التفسير يورد منه ابن جرير كثيرا، و كذا الحاكم في مستدركه يخرّج منه أشياء، و يصحّحه، لكن من طريق مرّة عن ابن مسعود، دون

(1) معجم رجال الحديث للإمام الخوئي، ج 11، ص 145، رقم 7688.

(2) تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام للسيد الصدر، ص 233 و راجع: التقريب، ج 2، ص 144، رقم 40.

(3) كشف الظنون، ج 2، ص 1012.

(4) الإتقان، ج 4، ص 209.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 273

الطريق الأول.

و يرى صاحب التراث: أنه من الممكن جمع نصوص هذا التفسير، و إعادة تكوينه من جديد «1».

و قال الخليلي- في الإرشاد-: و تفسير السّدي يورده بأسانيد إلى ابن مسعود و ابن عباس، و روى عن السدّي الأئمّة مثل الثوري و شعبة. لكن التفسير الذي جمعه رواه

أسباط بن نصر، و أسباط لم يتفقوا عليه. قال: غير أنّ أمثل التفاسير تفسير السدّي «2».

كان إسماعيل بن عبد الرحمن السدّي «3» من الأئمّة الكوفيين، و كان شديد التشيّع هو و الكلبي. و مع ذلك فقد وثّقه القوم، و أخرج مسلم عنه أحاديث؛ لأنه كان يرجّح تعديله على تجريحه. «4» فقد ذكره ابن حبّان في الثقات، و قال ابن عديّ: له أحاديث يرويها عن عدّة شيوخ، و هو عندي مستقيم الحديث صدوق لا بأس به «5».

و عدّه الشيخ أبو جعفر الطوسي من أصحاب الأئمّة: عليّ بن الحسين زين العابدين، و محمد بن علي الباقر، و جعفر بن محمد الصادق عليهم السّلام. قال: إسماعيل ابن عبد الرحمن السدّي أبو محمد المفسّر الكوفي «6».

قال المولى الوحيد- في التعليقة-: وصفه بالمفسر مدح. قال المامقاني:

(1) تاريخ التراث العربي، ج 1، ص 191- 192. معجم مصنفات القرآن الكريم، ج 2، ص 165.

(2) الإتقان، ج 4، ص 208.

(3) كان يقعد في سدّة باب الجامع في الكوفة فسمّي بذلك. توفّي سنة 127.

(4) قيل كان يتناول الشيخين. تهذيب التهذيب، ج 1. ص 314.

(5) تهذيب التهذيب لابن حجر، ج 1، ص 314.

(6) رجال الطوسي، ص 82، رقم 5، و ص 105، رقم 19، و ص 148، رقم 105.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 274

و المتحصل من مجموع ما ذكر بشأنه كون الرجل من الحسان «1»، و قد اعتمده الشيخ في تفسيره (التبيان) كثيرا.

و هكذا عدّه ابن شهرآشوب من أصحاب الإمام زين العابدين عليه السّلام «2».

و هو الذي روى قصة الأخنس بن زيد، الذي كان قد وطأ جسم الحسين عليه السّلام و فعل ما فعل، فابتلى في تلك

الليلة بحريق أصابه من فتيلة السراج، فلم تزل به النار، حتى صار فحما على وجه الماء «3».

*** الخامس- و هو أيضا حسن-: طريق عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، أبو خالد المكّي من أصل رومي، أحد الأعلام الثقات، فقيه أهل مكة في زمانه «4».

قال ابن خلّكان: كان عبد الملك أحد العلماء المشهورين، و يقال: إنه أول من صنّف الكتب في الإسلام. كانت ولادته سنة (80) و توفّي سنة (150) قال:

و جريح، بضم الجيم و فتح الراء و سكون الياء و بعدها جيم ثانية «5».

قال الخطيب: و سمع الكثير من عطاء بن أبي رباح و غيره. و عن أحمد بن حنبل، قال: قدم ابن جريج بغداد على أبي جعفر المنصور، و كان صار عليه دين.

فقال: جمعت حديث ابن عباس ما لم يجمعه أحد. فلم يعطه شيئا.

و عن عليّ بن المديني: نظرت فإذا الإسناد يدور على ستّة- فذكرهم- قال: ثم صار علم هؤلاء الستة إلى أصحاب الأصناف، ممّن يصنّف العلم، منهم من أهل

(1) تنقيح المقال، ج 1، ص 137، رقم 861.

(2) المناقب، ج 4، ص 177.

(3) بحار الأنوار، ج 45، ص 321- 322.

(4) ميزان الاعتدال للذهبي، ج 2، ص 659 رقم 5227.

(5) وفيات الأعيان، ج 3، ص 163، رقم 375.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 275

مكة عبد الملك بن عبد العزيز (ابن جريج) و كان قد تعلم على يد عطاء بن أبي رباح، و لزمه سبع عشرة سنة. و سئل عطاء: من نسأل بعدك؟ فقال: هذا الفتى، يعني ابن جريج، و كان يصفه بأنه سيّد أهل الحجاز.

و عن أحمد بن حنبل: كان ابن جريج من أوعية العلم. و قال

ابن معين:

أصحاب الحديث خمسة، و عدّ منهم ابن جريج. و قال يحيى بن سعيد القطّان:

كتب ابن جريج كتب الأمانة، و إذا لم يحدثك عن كتابه لم ينتفع به.

قال أحمد: إذا قال ابن جريج: أخبرني و سمعت، فحسبك به. قال: الذي يحدّث من كتاب أصحّ، و كان في بعض حفظه- إذا حدّث حفظا- سيّئ. قال ابن معين: ابن جريج ثقة في كل ما روي عنه من الكتاب.

كان ابن جريج و مالك بن أنس (إمام المالكية) قد أخذا الفقه من نافع. و لكن ابن جريج كان مفضّلا على مالك. فعن أحمد بن زهير، قال: رأيت في كتاب ابن المديني: سألت يحيى بن سعيد، من أثبت أصحاب نافع؟ قال: أيّوب، و عبيد اللّه، و مالك بن أنس. و ابن جريج أثبت من مالك في نافع. قلت: و من ثم كان مالك ينافسه في هذه الفضيلة، و ربما كان يرميه بالخلط. قال المخارقي: سمعت مالك ابن أنس يقول: كان ابن جريج حاطب ليل.

و إذا كان مقدّما في الفقه عن نافع، فهو مقدّم في التفسير عن عطاء بن أبي رباح. فقد حدّث صالح بن أحمد بن حنبل عن أبيه، قال: عمرو بن دينار و ابن جريج أثبت الناس في عطاء. «1»

و ذكره ابن حبّان في الثقات، و قال: كان من فقهاء أهل الحجاز و قرّائهم

(1) تاريخ بغداد، ج 10، ص 400- 407.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 276

و متقنيهم. و أضاف: و كان يدلّس «1»، لكن بم كان تدليسه؟

روى البخاري في تفسير (سوره نوح) حديثين أخرجهما عن طريق ابن جريج، قال: قال عطاء عن ابن عباس. فزعم أبو مسعود- في الأطراف- أنّ هذا هو عطاء الخراساني البلخي

نزيل الشام. و عطاء هذا لم يسمع من ابن عباس، و ابن جريج لم يسمع التفسير من عطاء هذا. قال ابن حجر: فيكون الحديثان منقطعين في موضعين. «2» و من ثم رموه بأنه كان يدلّس! و قد ردّ ابن حجر على هذا الوهم بما يبرّئ ساحة ابن جريج من هذه التهمة، فراجع.

و أما حديثه عن ابن عباس فلا ضير فيه بعد أن كان الواسطة- و هو ثقة- معلوما، ألا و هو عطاء بن أبي رباح تلميذ ابن عباس. و قد لازمه ابن جريج سبعة عشر عاما يتلقّى منه العلم.

*** إذن فقد صحّ ما ذكره ابن حبّان بشأن ابن جريج أوّلا من كونه ثقة ثبتا متقنا، و أن لا منشأ للغمز فيه، و بذلك نرى أنه كان موضع اعتماد الأئمّة من أهل البيت أيضا. على ما

رواه ثقة الإسلام الكليني بإسناده الصحيح عن إسماعيل بن الفضل الهاشمي، قال: سألت أبا عبد اللّه الصادق عليه السّلام عن المتعة، فقال: الق عبد الملك بن جريج فسله عنها، فإنّ عنده منها علما. فأتيته فأملى عليّ منها شيئا كثيرا في استحلالها فكتبته، و أتيت بالكتاب أبا عبد اللّه عليه السّلام فعرضت عليه. فقال: صدق،

(1) تهذيب التهذيب، ج 6، ص 406.

(2) المصدر نفسه، ج 7، ص 213- 214.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 277

و أقرّ به «1».

و قد استظهر المولى الوحيد البهبهاني من ذلك كون جريج موضع ثقة الإمام عليه السّلام، و ممن يرى رأي الشيعة في فقه الشريعة، و لا سيّما ما ذكره ابن أذينة- الراوي عن الهاشمي- في ذيل الحديث: و كان زرارة بن أعين يقول هذا و حلف أنه الحق. فهذا من المقارنة الظاهرة بين موضع

الرجلين (ابن جريج و زرارة) في المسألة «2».

و هكذا استظهر تشيّعه منها كلّ من المولى محمد تقي المجلسي الأول، و الشيخ يوسف البحراني، على ما جاء في كلام الحائري «3».

و أيضا

روى الشيخ أبو جعفر الطوسي بإسناده إلى الحسن بن زيد، قال: كنت عند الإمام أبي عبد اللّه عليه السّلام إذ دخل عليه عبد الملك ابن جريج المكّي، فقال له أبو عبد اللّه: ما عندك في المتعة؟ قال: حدّثني أبوك محمد بن علي عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري، أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم خطب الناس، فقال: أيّها الناس، إنّ اللّه أحلّ لكم الفروج على ثلاثة معان: فرج مورّث و هو البتات، و فرج غير مورّث و هو المتعة، و ملك أيمانكم «4».

و في سؤال الإمام منه عما لديه في المتعة، دلالة على عنايته به و لطف سابق.

كما في الإجابة بأنه حديث أبيك ظرافة و طرافة. أما الرواية عن جابر فلعلّه تغطية لما عسى القوم ينكرون كيف الرواية عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و لم يدركه! كما فعله

(1) الكافي الشريف، ج 5، ص 451، رقم 6. و راجع: الوسائل، ج 18، ص 100، رقم 5.

(2) راجع: التعليقة (هامش رجال الاسترآبادي)، ص 215.

(3) راجع: تنقيح المقال للمامقاني، ج 2، ص 229.

(4) تهذيب الأحكام، ج 7، ص 241، رقم 1051/ 3، باب 23. و راجع: الوافي، ج 12، مج 3، ب 52، من النكاح، ص 52.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 278

الإمام الباقر عليه السّلام عند ما واجه إنكار القوم.

و مسألة استحلال المتعة كانت حينذاك من اختصاص خلّص الصحابة و التابعين ممن

يميلون إلى مذهب أهل البيت عليهم السّلام أمثال ابن مسعود و أبيّ بن كعب و ابن عباس و جابر بن عبد اللّه و أضرابهم، فلا غرو أن ينخرط مثل ابن جريج في تلك الزمرة الفائزة، الأمر الذي دعا بابن جريج أن يكافح القوم رأيا و عملا أيضا. فقد ذكر ابن حجر عن الشافعي، قال: استمتع ابن جريج بسبعين امرأة، مع أنه كان من العبّاد، و كان يصوم الدهر إلّا ثلاثة أيام من الشهر «1».

هذا و قد وقع في إسناد الصدوق من كتابه «من لا يحضره الفقيه»: ابن جريج عن الضحّاك عن ابن عباس، في قضية الناقة التي اشتراها النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من الأعرابي أربعمائة درهم، فقبضها الأعرابي و لم يسلّم الناقة إلى النبي، و أنكر البيع رأسا، حتى جاء علي عليه السّلام فقضى قضاءه المبرم. «2» و ظاهر الصدوق اعتماده. و قد عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الصادق عليه السّلام «3».

نعم ذكر أبو عمرو الكشّي: أن محمد بن إسحاق، و محمد بن المنكدر، و عمرو بن خالد الواسطي، و عبد الملك بن جريج، و الحسين بن علوان الكلبي، هؤلاء من رجال العامّة، إلّا أنّ لهم ميلا و محبّة شديدة «4» بالنسبة لآل البيت عليهم السّلام.

قال المامقاني: لا يبعد أن يكون بناء الكشّي- على كونه عاميّا- ناشئا من شدّة تقيّته، فإن مثل ذلك كثير في رجال الشيعة «5».

(1) تهذيب التهذيب، ج 6، ص 406.

(2) من لا يحضره الفقيه، ج 3، ص 61، رقم 2.

(3) رجال الطوسي، ص 233، رقم 162.

(4) رجال الكشّي (ط نجف) ص 333، رقم 248- 252.

(5) تنقيح المقال، ج 2 (ط 1)، ص

229، رقم 7493.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 279

السادس- حسن أيضا-: طريق الضحّاك بن مزاحم الهلالي الخراساني. قال ابن شهرآشوب: أصله من الكوفة، و كان من أصحاب السجّاد. «1» و قال ابن قتيبة:

هو من بني عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة، و كان معلّما، أتى خراسان فأقام بها. مات سنة (102) «2».

و ذكره ابن حبّان في الثقات، و قال: لقى جماعة من التابعين، و لم يشافه أحدا من الصحابة، و كان معلّم كتّاب. و قال عبد اللّه بن أحمد عن أبيه: ثقة مأمون. و قال ابن معين و أبو زرعة: ثقة.

قال أبو داود سلمة بن قتيبة عن شعبة: حدّثني عبد الملك بن ميسرة، قال: لم يلق الضحاك ابن عباس، إنما لقى سعيد بن جبير بالرّي فأخذ عنه التفسير «3».

قال الذهبي: الضحاك بن مزاحم البلخي المفسّر، أبو القاسم، و كان يؤدّب، فيقال: كان في مكتبه ثلاثة آلاف صبّي، و كان يطوف عليهم «4».

و نقل المامقاني عن ملحقات الصراح: أنه كان يقيم ببلخ و بمرو، و أيضا ببخارا و سمرقند مدّة، و يعلّم الصبيان احتسابا، و له التفسير الكبير و التفسير الصغير. «5»

و عدّه الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين، قال: الضحّاك بن مزاحم الخراساني، أصله الكوفة، تابعي «6».

(1) المناقب، ج 4، ص 177.

(2) المعارف، ص 201- 202.

(3) تهذيب التهذيب، ج 4، ص 454.

(4) ميزان الاعتدال، ج 2، ص 325.

(5) تنقيح المقال، ج 2، ص 105/ 5832.

(6) رجال الطوسي، ص 94.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 280

و استظهر المامقاني من عبارة الشيخ هذه كونه إماميّا، و لعله من جهة كونه من الكوفة مهد التشيّع آنذاك.

نعم روى عنه

القمي (عليّ بن إبراهيم بن هاشم) في تفسيره، و قد تعهد في مقدمة التفسير أن لا يروي إلّا عن مشايخه الثقات «1»، فقد روى- عند تفسير سورة الناس- بإسناده عن مقاتل بن سليمان عن الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس «2» و قد جعل سيدنا الأستاذ الإمام الخوئي- عافاه اللّه و أعاذه من شرّ الأعداء الظلمة الطغاة- تبعا للحر العاملي، ذلك دليلا على وثاقة كل من وقع في إسناد هذا الكتاب «3».

و إنما غمزوا فيه جانب إرساله في الحديث، و لا سيّما عن ابن عباس. قال ابن حجر في التقريب: صدوق كثير الإرسال! «4» قلت: لا ضير في الإرسال بعد معلومية الواسطة، و كون الرجل صدوقا. كما ذكره ابن حجر بشأن عليّ بن أبي طلحة الهاشمي.

إذن لا وجه لما ذكره السيوطي: أن طريق الضحاك إلى ابن عباس منقطعة، فإن الضحاك لم يلقه.

و أضاف: فإن انضم إلى ذلك رواية بشر بن عمارة عن أبي روق عنه، فضعيفة لضعف بشر. قال: و قد أخرج من هذه النسخة ابن جرير و ابن أبي حاتم كثيرا.

قال: و إن كان من رواية جويبر عن الضحاك فأشدّ ضعفا؛ لأنّ جويبرا شديد

(1) التفسير، ج 1، ص 4.

(2) التفسير، ج 2، ص 450.

(3) معجم رجال الحديث، ج 1، ص 49 و ج 9، ص 145- 146.

(4) تقريب التهذيب، ج 1، ص 373/ 7.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 281

الضعف متروك. و لم يخرج ابن جرير و لا ابن أبي حاتم من هذا الطريق شيئا، و إنما أخرجها ابن مردويه و أبو الشيخ ابن حبّان «1».

السابع: طريق صالح، هو طريق أبي الحسن مقاتل بن سليمان بن بشير الخراساني، المروزي.

أصله من بلخ و انتقل إلى البصرة و دخل بغداد و حدّث بها.

و كان مشهورا بتفسير كتاب اللّه العزيز، و له التفسير المشهور. قال ابن خلكان:

أخذ الحديث عن مجاهد بن جبر و عطاء بن أبي رباح و الضحاك و غيرهم، و كان من العلماء الأجلّاء. قال الإمام الشافعي: الناس كلهم عيال على مقاتل بن سليمان في التفسير. «2» توفّي سنة (150) كان تفسيره موضع إعجاب العلماء من أول يومه، غير أنهم كانوا يتّهمونه بأشياء هو منها براء. قال القاسم بن أحمد الصفّار: قلت لإبراهيم الحربي: ما بال الناس يطعنون على مقاتل؟ قال: حسدا منهم له.

فعن ابن المبارك- لما نظر إلى شي ء من تفسيره-: يا له من علم، لو كان له

(1) الإتقان، ج 4، ص 208.

(2) وفيات الأعيان، ج 5، ص 255، رقم 733. قال شواخ: و توجد قائمة بالتفاسير الثابتة التي أخذت من هذه التفاسير عند مسينون. و كان هذا التفسير أحد مراجع الثعلبي في كتابه «الكشف و البيان». و قد حصل الخطيب البغدادي في دمشق على إجازته و روايته. كما في مشيخته.

و قد استخدمه الطبري في تفسيره و في تاريخه. و قد حققه الدكتور شحاتة، و هو في رواية أبي صالح الهذيل بن حبيب الدنداني الذي كان يعيش في سنة (190) ه و قد أضاف هذا في بعض المواضيع في نصّ مقاتل من أسانيد بعض الآخرين. راجع: معجم مصنّفات القرآن الكريم، ج 2، ص 170، رقم 1007.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 282

إسناد! و عن سفيان بن عبد الملك، عنه قال: ارم به، و ما أحسن تفسيره، لو كان ثقة! قال عبد الرزاق: سمعت ابن عيينة يقول: قلت لمقاتل: تحدّث

عن الضحّاك، و زعموا أنك لم تسمع منه! قال: سبحان اللّه، لقد كنت آتيه مع أبي، و لقد كان يغلق عليّ و عليه الباب! كناية عن أنه كان يبادله الحديث ساعات طوال «1».

و رماه أبو حنيفة بالتشبيه. و لكن لما سأله بعضهم عن ذلك، فقال: بلغني أنك تشبّه؟ قال: إنما أقول: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ فمن قال غير ذلك فقد كذب «2».

و أخرج الخطيب عن القاسم بن أحمد الصفار، قال: كان إبراهيم الحربي يأخذ منّي كتب مقاتل، فينظر فيها. فقلت له ذات يوم: أخبرني يا أبا اسحاق، ما للناس يطعنون على مقاتل؟ قال: حسدا منهم لمقاتل، قال: و قال مقاتل: أغلق عليّ و على الضحاك باب أربع سنين.

قال الخطيب: و كان له معرفة بتفسير القرآن، و لم يكن في الحديث بذاك.

و أخرج عن أحمد بن حنبل، قال: كانت له كتب ينظر فيها، إلّا أني أرى أنه كان له علم بالقرآن. و عن يحيى بن سبل، قال: قال لي عباد بن كثير: ما يمنعك من مقاتل؟

قال: قلت: إن أهل بلادنا كرهوه! قال: فلا تكرهنّه، فما بقي أحد أعلم بكتاب اللّه منه. و كان عند سفيان بن عيينة كتاب مقاتل، كان يستدل به و يستعين به. و قال مقاتل بن حيان- لما سئل أنت أعلم أم مقاتل بن سليمان-: ما وجدت علم مقاتل في علم الناس إلا كالبحر الأخضر (المحيط) في سائر البحور. و عن بقية بن الوليد، قال: كنت كثيرا أسمع شعبة و هو يسأل عن مقاتل، فما سمعته قطّ ذكره إلّا بخير.

(1) تهذيب التهذيب، ج 10، ص 280.

(2) المصدر نفسه،

ص 281- 282.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 283

و من طريف ما يذكر عنه- و هو حالّ ببغداد-: إن أبا جعفر المنصور كان جالسا ذات يوم، و كان ذباب قد ألحّ عليه يقع على وجهه و ألحّ في الوقوع مرارا حتى أضجره. فأرسل من يحضر مقاتل بن سليمان، فلما دخل عليه قال له: هل تعلم لما ذا خلق اللّه الذّباب؟ قال: نعم، ليذلّ اللّه به الجبّارين، فسكت المنصور «1».

نعم كان الرجل صريحا في لهجته، واسع العلم، بعيد النظر، شديدا في دينه، صلبا في عقيدته. و فوق ذلك كان يميل مع مذهب أهل البيت، ذلك المنهج الذي انتهجه أشياخه من قبل، من المتأثّرين بمدرسة ابن عباس رضوان اللّه عليه، الأمر الذي جعل من نفسه مرمى سهام الضعفاء القاصرين، و كم له من نظير.

يدلك على استقامة الرجل في المذهب، كما يدل على وثاقته و اعتماد الأصحاب عليه أيضا، ما

رواه أبو جعفر الصدوق بإسناده الصحيح إلى الحسن بن محبوب- و هو من أصحاب الإجماع- عن مقاتل بن سليمان عن الإمام أبي عبد اللّه الصادق عليه السّلام- يرفعه إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: قال: أنا سيّد النبيين و وصيّي سيّد الوصيّين و أوصياؤه سادة الأوصياء- ثم جعل يذكر الأنبياء و أوصياءهم حتى انتهى إلى بردة، من أوصياء عيسى بن مريم عليهما السّلام- قال: و دفعها (أي الوصاية) إلى بردة، و أنا أدفعها إليك يا عليّ- إلى قوله- و لتكفرنّ بك الأمّة، و لتختلفنّ عليك اختلافا شديدا، الثابت عليك كالمقيم معي، و الشاذ عنك كالشاذ منّي، و الشاذّ منّى في النار، و النار مثوى الكافرين «2».

هذه الرواية إن دلّت فإنما تدلّ على كون

الرجل من أخصّ الخواصّ لدى الإمام عليه السّلام. و قد عدّه الشيخ أبو جعفر الطوسي، من أصحاب الباقر

(1) تاريخ بغداد، ج 13، ص 160- 169. و ابن خلكان، ج 5، ص 255، رقم 733.

(2) من لا يحضره الفقيه، ج 4، ص 129- 130، باب 27/ 1.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 284

و الصادق عليهما السّلام. «1»

و له رواية أخرى، رواها الكليني بإسناده الصحيح إلى ابن محبوب عنه عن الصادق عليه السّلام «2».

و عدّه أبو عمرو الكشّي من البتريّة (الزيدية) «3». لكن يبعّده أن عقيدته كانت امتدادا لعقيدة ابن عباس.

و بعد، فلعلّك تعرف السبب فيما ذكره السيوطي بشأنه: الكلبي يفضّل عليه، لما في مقاتل من المذاهب الرديئة. «4» أما الخليلي فقد أنصف حيث قال: فمقاتل في نفسه ضعّفوه، و قد أدرك الكبار من التابعين. و الشافعي أشار إلى أن تفسيره صالح «5».

الثامن- أيضا صالح-: طريق أبي الحسن عطية بن سعد بن جنادة، العوفي الكوفي المتوفّى سنة (111) قال الذهبي: تابعي شهير «6»، روى عن ابن عباس و عكرمة و زيد بن أرقم و أبي سعيد. قال عطية: عرضت القرآن على ابن عباس ثلاث مرّات على وجه التفسير، و أمّا على وجه القراءة فقرأت عليه سبعين مرة.

و عن ملحقات الصراح: أنّ له تفسيرا في خمسة أجزاء «7». قال ابن عديّ: قد روى عن جماعة من الثقات، و هو مع ضعفه يكتب حديثه، و كان يعدّ مع شيعة أهل

(1) رجال الطوسى، ص 138، رقم 49 و ص 313، رقم 536.

(2) روضة الكافي، ج 8، ص 233، رقم 308.

(3) رجال الكشّي، ص 334، رقم 252.

(4) الإتقان، ج 4، ص 209.

(5)

المصدر نفسه، ص 208.

(6) ميزان الاعتدال، ج 3، ص 79- 80 رقم 5667.

(7) تنقيح المقال للمامقاني، ج 2، ص 253، رقم 7941.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 285

الكوفة. كتب الحجّاج إلى عامله محمد بن القاسم أن يعرضه على سبّ عليّ عليه السّلام فإن لم يفعل فاضربه أربعمائة سوط و احلق لحيته، فاستدعاه فأبى أن يسبّ، فأمضى فيه حكم الحجّاج. ثم خرج إلى خراسان، فلم يزل بها حتى ولّى عمر بن هبيرة العراق، فقدمها فلم يزل بها إلى أن توفّي سنة (111) و قال ابن حجر: و كان ثقة إن شاء اللّه، و له أحاديث صالحة، قال: و من الناس من لا يحتجّ به. و قال ابن معين: صالح الحديث.

قال أبو بكر البزّار: كان يعد في التشيّع، و روى عنه جلّة الناس. و قال الساجي:

ليس بحجّة، و كان يقدّم عليّا على الكلّ «1».

قال السيوطي: و طريق العوفي عن ابن عباس، أخرج منها ابن جرير و ابن أبي حاتم كثيرا. و العوفي ضعيف ليس بواه. و ربّما حسن له الترمذي «2».

قلت: لا قدح فيه بعد أن كان منشأ الغمز هو تشيّعه لآل بيت الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و الدفاع عن حريمهم الطاهر. و من ثم فقد اعتمده القوم و رأوا أحاديثه صالحة و كان عندهم مرضيّا.

فقد ذكر أبو عبد اللّه الذهبي- في ترجمة أبان بن تغلب، بعد أن يصفه بأنه شيعي جلد، لكنه صدوق، فلنا صدقه و عليه بدعته، و قد وثّقه ابن حنبل و ابن معين و أبو حاتم-: فلقائل أن يقول: كيف ساغ توثيق مبتدع، و حدّ الثقة العدالة و الإتقان؟ فكيف يكون عدلا من هو صاحب بدعة؟!

قال: و جوابه، إن البدعة على ضربين، فبدعة صغرى كغلوّ التشيّع أو كالتشيّع بلا غلوّ و لا تحرّف، فهذا كثير في التابعين و تابعيهم، مع الدين و الورع و الصدق.

(1) تهذيب التهذيب، ج 7، ص 224- 226.

(2) الإتقان، ج 4، ص 209.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 286

فلو ردّ حديث هؤلاء، لذهب جملة من الآثار النبويّة، و هذه مفسدة بيّنة «1».

قال ابن حجر- بعد أن ذكر توثيق ابن عديّ لأبان بن تغلب قائلا: له نسخ عامتها مستقيمة، إذا روي عنه ثقة. و هو من أهل الصدق في الروايات، و إن كان مذهبه مذهب الشيعة، و هو في الرواية صالح لا بأس به- قال ابن حجر: هذا قول منصف، و أما الجوزجاني فلا عبرة بحطّه على الكوفيين «2».

و ذكر النجاشي أن عطية العوفي، روى عنه أبان بن تغلب، و خالد بن طهمان السلولي، و زياد بن المنذر (أبو الجارود) «3».

قال المحدّث القمي: عطيّة العوفي أحد رجال العلم و الحديث يروي عنه الأعمش و غيره، و روي عنه أخبار كثيرة في فضائل أمير المؤمنين عليه السّلام، و هو الذي تشرّف بزيارة الحسين عليه السّلام مع جابر الأنصاري يوم الأربعين، الذي يعدّ من فضائله أنه كان أوّل من زاره بعد شهادته. قال: و يظهر من كتاب بلاغات النساء أنه سمع عبد اللّه الحسن يذكر خطبة فاطمة الزهراء عليهما السّلام في أمر فدك «4».

و من مواقفه الحاسمة دون بني هاشم، أنه كان رأس الفريق الذين انتدبهم أبو عبد اللّه الجدلي مبعوث المختار بن أبي عبيدة الثقفي في أربعة آلاف لإنقاذ بني هاشم- و فيهم محمد ابن الحنفية و عبد اللّه بن عباس- من دور قد جمع

عبد اللّه بن الزبير لهم حطبا ليحرقهم بالنار، إن لم يبايعوا، فدخل عطية بن سعد بن جنادة العوفي مكة، فكبّروا تكبيرة سمعها ابن الزبير، فانطلق هاربا حتى دخل دار

(1) ميزان الاعتدال، ج 1، ص 5.

(2) تهذيب التهذيب، ج 1، ص 93.

(3) رجال النجاشي (ط حجرية)، ص 7 و 110 و 121.

(4) سفينة البحار، ج 2، ص 205. و أما الزيارة فقد نقلها السيد أمين في اللواعج، ص 237- 238 عن كتاب بشارة المصطفى لعماد الدين الطبري.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 287

الندوة، و يقال: تعلّق بأستار الكعبة، و قال: أنا عائذ اللّه. فأقبل عطية فأخّر الحطب عن الأبواب، و أنقذهم. في تفصيل ذكره محمد بن سعد كاتب الواقدي في الطبقات «1».

قال الدكتور شواخ: كان عطية شيعيّا و عدّه الكلبي حجّة في تفسير القرآن.

و هذا التفسير مروي، فقد نقل الطبري من هذا التفسير نقولا استخدمها في (1560) موضعا من تفسيره بالسند التالي: «حدّثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمّي الحسين بن الحسن عن أبيه عن جدّه (عطيّة بن سعد العوفي) عن ابن عباس». كما استخدم الطبري في تاريخه أيضا نقولا و شواهد من هذا التفسير. و قد استخدم الثعلبي السند السابق في كتابه «الكشف و البيان». و هذا التفسير يدخل ضمن الكتب التي حصل الخطيب البغدادي على حق روايتها من أساتذته في دمشق، كما في مشيخته، و تاريخ التراث العربي (1/ 187- 188) «2».

و ذكر أبو جعفر محمد بن جرير الطبري- في المنتخب من ذيل المذيّل- فيمن توفّي سنة (111)، قال: و منهم عطيّة بن سعد بن جنادة العوفي من جديلة قيس و يكنّى أبا الحسن.

قال ابن سعد:

أخبرنا سعيد بن محمد بن الحسن بن عطيّة، قال: جاء سعد بن جنادة إلى عليّ بن أبي طالب عليه السّلام و هو بالكوفة فقال: يا أمير المؤمنين، أنه ولد لي غلام فسمّه، فقال: هذا عطيّة اللّه، فسمّي عطيّة

. و كانت أمّة روميّة. و خرج عطيّة مع ابن الأشعث. هرب عطيّة إلى فارس، و كتب الحجاج

(1) الطبقات، ج 5، ص 74- 75 في ترجمة محمد ابن الحنفية. (ط ليدن 1322 ه)

(2) معجم مصنفات القرآن الكريم، ج 2، ص 162، رقم 997.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 288

إلى محمد بن القاسم الثقفي أن ادع عطيّة فإن لعن عليّ بن أبي طالب عليه السّلام و إلّا فاضربه أربعمائة سوط و احلق رأسه و لحيته. فدعاه و أقرأه كتاب الحجاج، و أبي عطيّة أن يفعل، فضربه أربعمائة سوط و حلق رأسه و لحيته. فلمّا ولّى قتيبة بن مسلم خراسان خرج إلى عطية، فلم يزل بخراسان حتى ولّي عمر بن هبيرة العراق، فكتب إليه عطيّة يسأله الإذن له في القدوم فأذن له، فقدم الكوفة فلم يزل بها إلى أن توفّي سنة (111) و كان كثير الحديث ثقة إن شاء اللّه «1».

التاسع- و هو أيضا طريق صالح على الأرجح-: طريق أبي النضر محمد بن السائب بن بشر الكلبي الكوفي، النسّابة المفسر الشهير. عن أبي صالح مولى أمّ هانئ، عن ابن عباس.

و قد وصفه السيوطي بأنه أوهى الطرق، و أضاف: فإن انضمّ إلى ذلك رواية محمد بن مروان السدّي الصغير، فهي سلسلة الكذب. قال: و كثيرا ما يخرّج منها الثعلبي «2» و الواحدي «3».

ثم استدرك ذلك بقوله: لكن قال ابن عديّ في الكامل: للكلبي أحاديث صالحة، و خاصّة

عن أبي صالح، و أخيرا قال: و هو- الكلبي- معروف بالتفسير،

(1) منتخب ذيل المذيّل، ص 128 الملحق بالجزء الثامن من تاريخ الطبري (ط القاهرة 1358 ه)

(2) هو أبو اسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم النيسابوري. و قد اعتمده أكابر المفسرين أمثال الزمخشري و الطبرسي و غيرهما. قال القمي: كان يتشيّع، أو لم يكن يتعصّب كما يتعصّب أقرانه.

توفّي سنة 427 أو 437 (الكنى و الألقاب، ج 2، ص 131)

(3) هو أبو الحسن عليّ بن أحمد النيسابوري أستاذ عصره و واحد دهره، و كان النظام يكرمه و يعظّمه. توفّي سنة 468. (الكنى و الألقاب، ج 3، ص 277)

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 289

و ليس لأحد تفسير أطول و لا أشبع منه «1».

قال ابن خلّكان: صاحب التفسير و علم النسب، كان إماما في هذين العلمين. «2»

قال ابن سعد: كان محمد بن السائب عالما بالتفسير و أنساب العرب و أحاديثهم، و توفّي بالكوفة سنة (146) في خلافة أبي جعفر المنصور «3».

و كان يتشيّع عن إرث تليد، و ليس طارفا. قال ابن سعد: و كان جدّه بشر بن عمرو و بنوه: السائب و عبيد و عبد الرحمن، شهدوا الجمل مع عليّ بن أبي طالب عليه السّلام. «4»

و للكليني شهادة راقية بشأن الكلبي، يذكر قصّة استبصاره، ثمّ يعقّبها بقوله: «فلم يزل الكلبي يدين اللّه بحبّ آل هذا البيت حتى مات» «5».

و من ثمّ رموه بالضعف تارة و بالابتداع أخرى، و مع ذلك فلم يجدوا بدّا من الانصياع لمقام علمه الرفيع، و أن يلمسوا أعتابه بكل خضوع و بخوع. فقد اعتمده الأئمّة و جهابذة التفسير و الحديث «6».

أما ما ألصقوه به من الغلوّ في التشيّع فلا أساس

له، و إنما وضعوه عليه قصدا لتشويه سمعته، بعد أن لم يكن رميه بمجرّد التشيّع قدحا فيه. فعن المحاربي قال:

قيل لزائدة بن قدامة: ثلاثة لا تروي عنهم، ابن أبي ليلى، و جابر الجعفي، و الكلبي؟

(1) الإتقان، ج 4، ص 209.

(2) وفيات الأعيان، ج 4، ص 309، رقم 634.

(3) الطبقات، ج 6، ص 249 (ط ليدن)

(4) المصدر نفسه. و تهذيب التهذيب، ج 9، ص 180.

(5) الكافي الشريف، ج 1، ص 351، رقم 6.

(6) تهذيب التهذيب، ج 9، ص 178 رقم 266.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 290

قال: أما ابن أبي ليلى فلست أذكره، و أما جابر فكان يؤمن بالرجعة «1»، و أما الكلبي- و كنت اختلف إليه- فسمعته يقول: مرضت مرضة فنسيت ما كنت أحفظ، فأتيت آل محمد، فتفلوا في فيّ فحفظت ما كنت نسيت! قال: فتركته «2» و عن أبي عوانة: سمعت الكلبي بشي ء، من تكلّم به كفر. قال الأصمعي: فراجعت الكلبي و سألته عن ذلك، فجحده. قال الساجي: كان ضعيفا جدّا، لفرطه في التشيّع «3».

هذا، و لكن ابن عديّ قال بشأنه: له غير ذلك (الذي رموه بالغلوّ) أحاديث

(1) بما ذا يفسّر منكروا الرجعة، قوله تعالى: وَ إِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ. وَ يَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ النمل/ 82- 83.

ما ذاك اليوم الذي تخرج الدابّة لتكلمهم و لتلزمهم الحجّة، و قد وقع القول عليهم؟! (مجمع البيان، ج 7، ص 234- 235) في حين أن يوم الحشر الأكبر هو اليوم الذي يحشر من كل أمة فوج؟ و قد صرّح

المفسرون بأنّ «من» هنا للتبعيض (الفخر، ج 24، ص 218) في حين أن يوم الحشر الأكبر هو اليوم الذي يحشر فيه الناس جميعا وَ حَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً الكهف/ 47، قال تعالى: وَ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ وَ كُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ النمل/ 87.

(2) هذا كلام من أعمته العصبية الجهلاء، كيف يستنكر ذلك بشأن آل محمد الطيّبين الذين أذهب اللّه عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا! أ ليس اللّه قد شافى عليّا عليه السّلام من الرمد يوم خيبر، بريق النبي الكريم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حسبما رواه الفريقان و اتفقت عليه كلمة الأئمّة الثقات.

قال أبو نعيم: فبصق رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في عينيه و دعا له فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع (حلية الأولياء، ج 1، ص 62، رقم 4) و هذا من فضل اللّه على عباده المخلصين، يجيب دعاءهم و يجعل الشفاء على يديهم رحمة منه على العباد.

(3) تهذيب التهذيب، ج 9، ص 179- 180.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 291

صالحة، و خاصّة عن أبي صالح، و هو معروف بالتفسير، و ليس لأحد أطول من تفسيره. قال: و حدّث عنه ثقات من الناس و رضوه في التفسير «1».

و لأبي حاتم- هنا- كلام غريب، ننقله بلفظه:

قال: يروي الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس التفسير، و أبو صالح لم ير ابن عباس و لا سمع منه شيئا، و لا سمع الكلبي من أبي صالح إلّا الحرف بعد الحرف، فجعل لما احتيج له، تخرج له الأرض أفلاذ كبدها! قال: لا يحلّ ذكره في

الكتب، فكيف الاحتجاج به! و اللّه جلّ و علا ولّى رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم تفسير كلامه. «2» و محال أن يأمر اللّه نبيّه أن يبيّن لخلقه مراده و يفسره لهم، ثمّ لا يفعل، بل أبان عن مراد اللّه و فسّر لأمته ما يهمّ الحاجة إليه، و هو سننه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فمن تتّبع السّنن، حفظها و أحكمها، فقد عرف تفسير كلام اللّه، و أغناه عن الكلبي و ذويه.

قال: و ما لم يبيّنه من معاني الآي، و جاز له ذلك، كان لمن بعده من أمّته أجوز و ترك التفسير لما تركه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أحرى. و من أعظم الدليل على أن اللّه لم يرد تفسير القرآن كله، أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ترك من الكتاب متشابها من الآي، و آيات ليس فيها أحكام، فلم يبيّن كيفيّتها لأمّته؛ فدلّ ذلك على أن المراد من قوله:

لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ كان بعض القرآن لا كلّه «3».

قلت: هذا كلام ناشئ عن عصبيّة عمياء. كيف يجرأ مسلم متعهّد أن ينسب إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنه لم يفسّر لأمته جميع ما أبهم في القرآن إبهاما، و قد أمره

(1) تهذيب التهذيب، ج 9، ص 180.

(2) في الآية، رقم 44 من سورة النحل.

(3) كتاب المجروحين لابن حبّان، ج 2، ص 255.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 292

تعالى بذلك: و قد أثبتنا فيما قبل أن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بيّن الجميع إمّا في إيجاز أو تفصيل، و لم يترك شيئا تحتاج

إليه أمّته- و منها فهم معاني القرآن كله- لم يبيّنه لهم، إنما عليه البيان كما كان عليه البلاغ.

أما توسّع الكلبي في التفسير فأمر معقول، بعد كونه ناجما عن توسّعه في العلم، و تربيته في مهد العلم كوفة العلماء الأعلام من صحابة الرسول الأخيار.

و هذا لا يعدّ عيبا في الرجل.

و لا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهنّ فلول من قراع الكتائب

و تفسير الكلبي هذا لا يزال موجودا منعما بالحياة، و قد استقصى الدكتور شواخ نسخه المخطوطة في المكتبات اليوم، منذ نسخته التي كتبت سنة (144) ه حتى القرن (12) «1».

و أما أبو صالح- و يقال له: باذام أو باذان، مولى أم هانئ بنت أبي طالب- فقد روى عن علي عليه السّلام و ابن عباس و مولاته أم هانئ، و روى عنه الأجلّاء كالأعمش و السدّي الكبير و الكلبي و الثوري و غيرهم.

قال عليّ بن المديني عن يحيى القطان: لم أر أحدا من أصحابنا تركه، و ما سمعت أحدا من الناس يقول فيه شيئا.

قال ابن حجر: وثّقه العجلي وحده. قال: و لمّا قال عبد الحق- في الأحكام-:

إن أبا صالح ضعيف جدّا، أنكر عليه أبو الحسن ابن القطان في كتابه «2». و قال ابن معين: ليس به بأس. و قال ابن عديّ: عامة ما يرويه تفسير «3».

(1) معجم مصنفات القرآن الكريم، ج 2، ص 166- 169، رقم 1005.

(2) تهذيب التهذيب، ج 1، ص 416.

(3) ميزان الاعتدال، ج 1، ص 296.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 293

قلت: ما وجه تضعيفه إلّا ما ضعّف به نظراؤه ممن حام حول هذا البيت الرفيع؛ إذ من الطبيعي أن مولى أمّ هانئ أخت الإمام أمير المؤمنين،

و قد كانت كأخيها الإمام موضع عناية النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من أوّل يومها «1»، و كانت ذات علاقة بأخيها أمير المؤمنين عليه السّلام تخلص له الولاء، فلا يكون مولاها- و هو تحت تربيتها- بالذي يختار غير سبيلها المستقيم، فلا غرو إذن ممن لا يعرف ولاء لهذا البيت أن يتّهم الموالين لهم، و أقلّه الرمي بالضعف! هذا الجوزجاني يقول: كان يقال له: ذو رأي غير محمود! «2» نعم غير محمود عندهم، و لا كان مرضيّا لديهم، ما دام لم ينخرط في زمرتهم من ذوي الرأي العام.

و بعد، فقد تفرّد ابن حبّان بأن أبا صالح باذان لم يسمع عن ابن عباس. كيف لم يسمع منه و هو معه في زمرة عليّ مع سائر أوليائه الكرام! قال ابن سعد: أبو صالح، و اسمه باذام، و يقال: باذان، مولى أم هانئ بنت أبي طالب، و هو صاحب التفسير الذي رواه عن ابن عباس، و رواه عنه الكلبي محمد ابن السائب، و أيضا سماك بن حرب و إسماعيل بن أبي خالد «3».

و أما محمد بن مروان بن عبد اللّه الكوفي، السدّي الصغير، فقد روى عن جماعة من أهل العلم كالأعمش و يحيى بن سعيد الأنصاري و محمد بن السائب الكلبي و أضرابهم. و روى عنه الكثير من الأعلام كالأصمعي و هشام بن عبيد اللّه الرازي و يوسف بن عديّ و أمثالهم. مما ينبؤك عن موضع الرجل، و أنه موضع

(1) راجع: الإصابة لابن حجر، ج 4، ص 503.

(2) تهذيب التهذيب، ج 1، ص 417.

(3) الطبقات، ج 6، ص 207 (ط ليدن)

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 294

الثقة من أئمة الحديث.

و قد

ضعّفه كثير من أصحاب التراجم «1» على ديدنهم في التحامل على الكوفيين، على ما أسلفنا، سوى أن محمد بن إسماعيل البخاري لم يضعّفه صريحا؛ اذ لم يجد إلى ذلك سبيلا، و اكتفى بأن لا يكتب حديثه. قال: محمد بن مروان الكوفي، صاحب الكلبي، سكتوا عنه، لا يكتب حديثه البتة. «2» و قال النسائي: متروك الحديث «3».

و قد عدّه ابن شهرآشوب من أصحاب الإمام محمد بن علي الباقر عليه السّلام، قال:

و محمد بن مروان الكوفي، من ولد أبي الأسود «4»، و لعله من جهة البنت. و كذا عدّه الشيخ من رجال الباقر عليه السّلام «5»، لكن وصفه بالكلبي نسبة إلى شيخه محمد بن السائب. و في الكشّي- في ترجمة معروف بن خربوذ- رواية عن محمد بن مروان- و لعله السدّي- تدل على ملازمته للإمام الصادق عليه السّلام عند ما كان يقدم عليه المدينة، أو عند ما كان الإمام مبعدا إلى الحيرة في العراق «6».

و أما التفسير الذي يحمل عنوان «تفسير ابن عباس» باسم «تنوير المقباس» «7»، فقد ذكروا أنه من جمع الفيروزآبادي صاحب القاموس، لكنه بنفس

(1) تهذيب التهذيب، ج 9، ص 436، رقم 719.

(2) كتاب الضعفاء للبخاري، ص 105، رقم 340.

(3) كتاب الضعفاء و المتروكين للنسائي، ص 94، رقم 538.

(4) المناقب، ج 4، ص 211.

(5) رجال الطوسي، ص 135، رقم 4.

(6) رجال الكشّي، ص 184، رقم 88.

(7) طبع مرارا و على هامش الدر المنثور أيضا.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 295

الإسناد الذي وصفه السيوطي بأنه سلسلة الكذب حسب تعبيره.

و إليك بعض الكلام عنه:

تفسير ابن عباس

هناك تفاسير منسوبة إلى ابن عباس، منها: ما رواه مجاهد بن جبر. ذكره ابن

النديم في الفهرست بروايتين: إحداهما عن طريق حميد بن قيس، و الأخرى عن طريق أبي نجيح يسار الثقفي الكوفي، توفّي سنة (131) يرويه عنه ابنه أبو يسار عبد اللّه بن أبي نجيح، و عنه و رقاء بن عمر اليشكري «1».

و هذا الطريق صححته الأئمّة و اعتمده أرباب الحديث. و قد طبع أخيرا باهتمام مجمع البحوث الإسلامية بباكستان سنة (1367) ه. ق «2»، و قد مر شرحه في ترجمة مجاهد.

الثاني: تفسير ابن عباس عن الصحابة، لأبي أحمد عبد العزيز بن يحيى الجلودي المتوفّى سنة (332) و هذا ذكره أبو العباس النجاشي، قال: الجلودي الأزدي البصري أبو أحمد شيخ البصرة و أخباريّها، و كان من أصحاب أبي جعفر الباقر عليه السّلام. و جلود: قرية في البحر، و قيل: بطن من الأزد. قال: و له كتب ذكرها الناس- و عدّها أكثر من سبعين كتابا- و ذكر منها الكتب المتعلقة بابن عباس مسندة عنه، منها: كتاب التنزيل عنه، و كتاب التفسير عنه، و كتاب تفسيره عن الصحابة «3».

الثالث: تفسير ابن عباس الموسوم ب «تنوير المقباس» من تفسير عبد اللّه بن

(1) الفهرست لابن النديم، ص 56.

(2) راجع: معجم مصنفات القرآن الكريم للدكتور شواخ، ج 2، ص 160، برقم 994.

(3) فهرست مصنفي الشيعة للنجاشي، ص 168.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 296

عباس، في أربعة أجزاء، من تأليف محمد بن يعقوب الفيروزآبادي صاحب القاموس (729- 817) «1». و قد طبع مكررا، و في هامش الدر المنثور أيضا.

و السند في أوّله هكذا: أخبرنا عبد اللّه- الثقة- ابن المأمون الهروي، قال:

أخبرنا أبي، قال: أخبرنا أبو عبد اللّه، قال: أخبرنا أبو عبيد اللّه محمود بن محمد الرازي، قال: أخبرنا عمار

بن عبد المجيد الهروي، قال: أخبرنا عليّ بن إسحاق السمرقندي، عن محمد بن مروان، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس «2».

غير أنّ عليّ بن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي السمرقندي، قال ابن حجر: مات في شوال سنة (237) «3». و أما محمّد بن مروان السدّي الصغير، فقد توفّي سنة (186) و عليه فيكون تحمّله عنه في حال الصغر جدّا «4».

و سائر رجال السند مجهولون، كما لم يأت تصريح باسم الجامع الذي يقول:

«أخبرنا عبد اللّه الثقة»، هل هو الفيروزآبادي صاحب القاموس أم غيره؟ و إنما ذكره الحلبي في كشف الظنون «5». و سار خلفه (سائر أصحاب التراجم) و على أيّ تقدير فإن هذا التفسير الموجود يعتبر مجهول السند و مجهول النسبة إلى مؤلّف خاص، فضلا عن مثل ابن عباس.

هذا و لا سيما بعد ملاحظة متن التفسير؛ حيث لا يعدو ترجمة ألفاظ القرآن ترجمة غير مستندة و مختصرة إلى حدّ بعيد، مما يبعّد كونه من تفسير حبر الأمّة و ترجمان القرآن.

(1) الذريعة إلى تصانيف الشيعة لآغا بزرگ الطهراني، ج 4، ص 244.

(2) هامش الجزء الأول من الدر المنثور، ص 2.

(3) تهذيب التهذيب، ج 7، ص 283.

(4) فلو فرض أنّ السمرقندي عاش سبعين عاما، فيكون حين وفاة السدّي الصغير تحت العشرة.

(5) كشف الظنون، ج 1، ص 502. و راجع: الذريعة، ج 4، ص 244.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 297

على أنّ للكلبي، و كذا للسدّي الصغير، تفسير جامع و موضع اعتبار لدى الأئمّة على ما أسلفنا، فلو كانا هما الراويين لهذا التفسير لكان فيه شي ء من آثارهما، و على تلك المرتبة من الجلالة و الشأن.

كما أنّ المأثور من ابن عباس،

على ما جمعه الطبري و غيره، لا يشبه شيئا من محتوى هذا التفسير الساذج جدّا، مثلا يقول: عن ابن عباس في قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ بالتناسل ... «1» و هلّم جرّا.

و الذي يبدو لنا من مراجعة هذا التفسير أنّ جامعه عمد إلى تفسير القرآن تفسيرا ساذجا في حدّ ترجمة بسيطة، تسهيلا على عموم المراجعين، و هذا أمر مطلوب و مرغوب فيه شرعا. و لكنه صدّر كل سورة برواية عن ابن عباس، تيمّنا و تبرّكا باسم ترجمان القرآن. و لم يقصد أن كل ما ورد في تفسير السورة من تفسيره بالذات، الأمر الذي اشتبه على الأكثر، فزعموه تفسيرا مستندا إلى ابن عباس في الجميع. و هذا و هم أوهمه ظاهر التعبير، فليتنبّه.

قيمة تفسير الصحابي

مما يجدر التنبّه له أن الدور الأوّل على عهد الرسالة، كان دور تربية و تعليم، و لا سيّما بعد الهجرة إلى المدينة، كان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قد ركّز جلّ حياته على تربية أصحابه الأجلاء و تعليمهم الآداب و المعارف، و السنن و الأحكام و ليجعل منهم أمّة وسطا ليكونوا شهداء على النّاس «2»، فقد جاء صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ل

(1) أول سورة النساء (الدر المنثور- الهامش، ج 1، ص 233)

(2) من الآية رقم 143 من سورة البقرة.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 298

يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ إِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ «1».

و لا شك أنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فعل ما كان من شأنه أن يفعل و ربّى من أصحابه ثلة من علماء ورثوا علمه و حملوا حكمته إلى الملأ

من الناس.

و إذا كان القرآن تِبْياناً لِكُلِّ شَيْ ءٍ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً وَ بُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ «2»، و قد بلّغه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلى الناس، فقد بيّن معالمه و أرشدهم إلى معاني حكمه و معاني آياته؛ إذ كان عليه البيان كما كان عليه البلاغ وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ «3».

و هل كان دور النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في أمّته، و في أصحابه الخلّص بالخصوص، سوى دور معلم و مرشد حكيم؟ فلقد كان صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حريصا على تربيتهم و تعليمهم في جميع أبعاد الشريعة، و بيان مفاهيم الإسلام.

هذا من جهة، و من جهة أخرى، فإن من صحابته الأخيار- ممّن رضي اللّه عنهم و رضوا عنه- من كان على وفرة من الذكاء، طالبا مجدّا في طلب العلم و الحكمة و الرشاد، مولعا بالسؤال و الازدياد من معارف الإسلام، و كانوا كثرة من ذوي النباهة و الفطنة و الاستعداد رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ «4»، و استقاموا على الطريقة، فسقاهم ربهم ماءً غَدَقاً «5».

و قد عرفت كلام ابن مسعود: «كان الرجل منّا إذا تعلّم عشر آيات، لم

(1) الجمعة/ 2.

(2) النحل/ 89.

(3) النحل/ 44.

(4) الأحزاب/ 23.

(5) الجنّ/ 16.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 299

يجاوزهنّ حتى يعلم معانيهنّ و العمل بهنّ» «1».

و هو أقدم نصّ تاريخي يدلّنا على مبلغ اهتمام الصحابة بمعرفة معاني القرآن و اجتهادهم في العمل بأحكامه.

و هذا

الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام يقول- بشأن ما كان يصدر منه من عجائب أحكام و غرائب أخبار-: «و إنّما هو تعلّم من ذي

علم، علم علّمه اللّه نبيّه فعلّمنيه، و دعا لي بأن يعيه صدري، و تضطمّ عليه جوانحي» «2».

و هذا ابن عباس- تلميذه الموفّق- كان من أحرص الناس على تعلّم العلم و معرفة الأحكام و الحلال و الحرام من شريعة الإسلام. و كان قد تدارك- لشدة حرصه في طلب العلم- ما فاته أيّام حياة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لصغره «3» بمراجعة العلماء من صحابته الكبار بعد وفاته صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و

قد كان النبي قد دعا له: «اللّهم علّمه التأويل و فقّهه في الدين، و اجعله من أهل الإيمان» «4».

روى الحاكم في المستدرك بشأن حرصه على طلب العلم: أنه بعد وفاة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال لرجل من الأنصار: هلّم، فلنطلب العلم، فإنّ أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أحياء. فقال: عجبا لك يا ابن عباس، ترى الناس يحتاجون إليك، و في الناس من أصحاب رسول اللّه من فيهم. فأقبل ابن عباس يطلب العلم، قال: إن كان الحديث ليبلغني عن الرجل من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قد سمعه منه، فآتيه فأجلس ببابه، فتسفي الرّيح على وجهي، فيخرج إليّ فيقول: يا ابن عمّ رسول اللّه،

(1) تفسير الطبري، ج 1، ص 27 و 30.

(2) نهج البلاغة، خ 128، ص 186 (ص ص)

(3) ولد قبل الهجرة بثلاث سنين.

(4) أخرجه الحاكم و صححه. المستدرك، ج 3، ص 536.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 300

ما جاء بك، ما حاجتك؟ فأقول: حديث بلغني عنك ترويه عن رسول اللّه، فيقول:

أ لا أرسلت إليّ؟! فأقول: أنا أحقّ أن آتيك

«1».

و من ثم كان يسمّى «البحر» لكثرة علمه. و عن مجاهد: هو حبر الأمّة. و عن ابن الحنفية: ربّاني هذه الأمّة «2»، إلى غيرها من تعابير تنمّ عن مدى رفعته في درجات العلم.

و قد كان يجلس للتفسير فيقع موضع إعجاب. قال أبو وائل: حججت أنا و صاحب لي، و ابن عباس على الحج، فجعل يقرأ سورة النور و يفسّرها. فقال صاحبي: يا سبحان اللّه، ما ذا يخرج من رأس هذا الرجل، لو سمعت هذا الترك لأسلمت. و في رواية عن شقيق: ما رأيت و لا سمعت كلام رجل مثله، لو سمعته فارس و الروم لأسلمت. و قال عبد اللّه بن مسعود: نعم ترجمان القرآن ابن عباس «3».

و أسلفنا حديث مسروق بن الأجدع: وجدت أصحاب محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كالإخاذ، فالإخاذة تكفي الراكب، و الإخاذة تكفي الراكبين، و الإخاذة تكفي الفئام من الناس. و في لفظ آخر: لو نزل به أهل الأرض لأصدرهم «4».

كناية عن أنهم كانوا على درجات من العلم، كانوا يصدرون الناس عن رويّ كان مستقاه و مادته الأولى، هو النبي الأكرم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم هو ربّاهم و أدّبهم فأحسن تأديبهم، و إن كانوا هم على تفاوت في استعداد الأخذ و التلقّي

(1) المستدرك، ج 3، ص 538.

(2) المصدر نفسه، ص 535.

(3) المستدرك، ج 3، ص 537.

(4) التفسير و المفسرون، ج 1، ص 36.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 301

أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها «1».

و بعد، فإذ كانت تلك حالة العلماء من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لا يصدرون الناس إلّا عن مصدر الوحي

الأمين، و لا ينطقون إلّا عن لسانه الناطق بالحق المبين، فكيف يا ترى مبلغ اعتبار ما يصدر عن ثلّة، هم حملة علم الرسول، و الحفظة على شريعته الأمناء؟! نعم كان الشرط في الحجية و الاعتبار أوّلا: صحة الإسناد إليهم، و ثانيا: كونهم من الطراز الأعلى. و إذ قد ثبت الشرطان، فلا محيص عن جواز الأخذ و صحة الاعتماد، و هذا لا شك فيه بعد الذي نوّهنا.

إنما الكلام في اعتبار ذلك حديثا مسندا و مرفوعا إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، بالنظر إلى كونه الأصل في تربيتهم و تعليمهم، أو أنه استنباط منهم، لمكان علمهم و سعة اطّلاعهم فربما أخطئوا في الاجتهاد، و إن كانت إصابتهم في الرأي أرجح في النظر الصحيح.

الأمر الذي فصّل القوم فيه، بين ما إذا كان للرأي و النظر مدخل فيه، فهذا موقوف على الصحابي، لا يصحّ إسناده إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم. و ما إذا لم يكن كذلك، مما لا سبيل إلى العلم به إلّا عن طريق الوحي، فهو حديث مرفوع إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لا محالة؛ و ذلك لموضع عدالة الصحابي و وثاقته في الدين. فلا يخبر عما لا طريق للحسّ إليه، إلّا إذا كان قد أخبره ذو علم عليم صادق أمين.

و إليك بعض ما ذكره القوم بهذا الشأن:

قال العلامة الطباطبائي- عند تفسير قوله تعالى:

(1) الرعد/ 17.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 302

وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ... «1»-:

و في الآية دلالة على حجية قول النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في بيان الآيات القرآنية، و يلحق به بيان أهل

بيته؛ لحديث الثقلين المتواتر و غيره. و أما سائر الأمّة من الصحابة أو التابعين أو العلماء، فلا حجّية لبيانهم، لعدم شمول الآية و عدم نصّ معتمد عليه، يعطي حجّية بيانهم على الإطلاق.

قال: هذا كلّه في نفس بيانهم المتلقّى بالمشافهة. و أما الخبر الحاكي له، فما كان منه بيانا متواترا أو محفوفا بقرينة قطعيّة و ما يلحق به، فهو حجة لكونه بيانهم.

و أما ما لم يكن متواترا و لا محفوفا بالقرينة، فلا حجية فيه؛ لعدم إحراز كونه بيانا لهم.

قال: و أما قوله تعالى: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ... «2» فإنه إرشاد إلى حكم العقلاء برجوع الجاهل إلى العالم، من غير اختصاص بطائفة دون أخرى «3».

هل المأثور من الصحابي حديث مسند؟

قال الحاكم النيسابوري: ليعلم طالب هذا العلم أن تفسير الصحابي الذي شهد الوحي و التنزيل، عند الشيخين، حديث مسند، أي إذا انتهت سلسلة الرواية إلى صحابي جليل، فإنّ ذلك يكفي في إسناد الحديث إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و إن كان الصحابي لم يسنده إليه.

(1) النحل/ 44.

(2) النحل/ 43.

(3) الميزان، ج 12 (ط اسلامية)، ص 278.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 303

ذكر ذلك في موضعين من مستدركه «1»، و هو عام سواء أ كان ذلك مما لا طريق إلى معرفته سوى الوحي أم لم يكن كذلك، و كان مما يمكن أن يراه الصحابي أو شاهده بنفسه. و من ثم كان هذا الكلام على عمومه و إطلاقه محل إشكال؛ لذلك رجع عنه في كتابه الذي وصفه لمعرفة علوم الحديث.

قال هناك: إن من الحديث ما يكون موقوفا على الصحابي، غير مرفوع إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، كما

إذا قال الصحابي: رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يفعل كذا أو يأمر بكذا، أو إن أصحابه كانوا يصنعون كذا، مثل ما روي عن المغيرة بن شعبة، قال:

كان أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقرعون بابه بالأظافير. قال الحاكم: هذا حديث يتوهمه من ليس من أهل الصنعة مسندا؛ لذكر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و ليس بمسند فإنه موقوف على صحابي، حكى عن أقرانه من الصحابة فعلا. و هكذا إذا قال الصحابي: إنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كان يقول كذا، و كان يفعل كذا، و كان يأمر بكذا و كذا.

قال: و من الموقوف ما رويناه عن أبي هريرة، في قول اللّه- عزّ و جلّ- لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ «2» قال: تلقاهم جهنم يوم القيامة فتلفحهم لفحة، فلا تترك لحما على عظم إلّا وضعت على العراقيب.

قال: و أشباه هذا من الموقوفات، تعدّ في تفسير الصحابة «3».

قال: فأما ما نقول في تفسير الصحابي، مسند، فإنما نقوله في غير هذا النوع، كما في حديث جابر، قال: كانت اليهود تقول: من أتى امرأته من دبرها في قبلها

(1) المستدرك، ج 2، ص 258، و في ص 263 أيضا.

(2) المدثّر/ 29.

(3) بناء على أن هذا التفسير من أبي هريرة كان من عنده، و لعلّه استظهارا من لفظ الآية! و لكن سيأتي عن السيوطي أنه مما لا سبيل إلى معرفته سوى الوحي، فهو من المسند المرفوع إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 304

جاء الولد أحول، فأنزل اللّه عزّ و جلّ نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ... «1». قال: هذا

الحديث و أشباهه مسندة عن آخرها، و ليست بموقوفة، فإن الصحابي الذي شهد الوحي و التنزيل، فأخبر عن آية من القرآن أنها نزلت في كذا و كذا، فإنه حديث مسند «2».

و هكذا قيّد ابن الصلاح و النووي و غيرهما ذاك الإطلاق بما لا يرجع إلى معرفة أسباب النزول المشاهدة، و نحو ذلك مما يمكن معرفته للصحابة بالمشاهدة و العيان. نعم إذا كان مما لا مجال للرأي فيه، مما يعود إلى ما وراء الحسّ من قبيل أمر الآخرة و نحو ذلك، فإن مثل ذلك حديث مسند، مرفوع إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم نظرا لموضع عدالة الصحابة، و تنزيهه عن القول على اللّه بغير علم، و لا مستند إلى ركن وثيق.

قال النووي- في التقريب-: و أما قول من قال: تفسير الصحابي مرفوع، فذاك في تفسير يتعلّق بسبب نزول آية أو نحوه، و غير موقوف.

قال السيوطي- في شرحه-: كقول جابر: كانت اليهود تقول: من أتى امرأته من دبرها في قبلها، جاء الولد أحول، فأنزل اللّه تعالى: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ...

رواه مسلم، أو نحوه مما لا يمكن أن يؤخذ إلّا عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و لا مدخل للرأي فيه.

قال: و كذا يقال في التابعي، إلّا أن المرفوع من جهته مرسل.

قال: ما خصّص به المصنف كابن الصلاح و من تبعهما قول الحاكم، قد صرح به الحاكم في «علوم الحديث»، ثم ذكر حديث أبي هريرة في قوله تعالى: لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ

(1) البقرة/ 223.

(2) معرفة علوم الحديث ص 19- 20.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 305

فالحاكم أطلق في المستدرك و خصّص في علوم الحديث، فاعتمد الناس تخصيصه. و أظن أن ما

حمله في المستدرك على التعميم الحرص على جمع الصحيح، حتى أورد ما ليس من شروط المرفوع، و إلّا ففيه من الضرب الأول الجمّ الغفير. على أني أقول: ليس ما ذكره عن أبي هريرة من الموقوف؛ لما تقدّم من أنّ ما يتعلّق بذكر الآخرة و ما لا مدخل للرأي فيه، من قبيل المرفوع «1».

و على أيّة حال، فإن التفسير المأثور عن صحابي جليل- إذا صحّ الطريق إليه- فإنّ له اعتباره الخاص. فإمّا أن يكون قد أخذه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و هو الأكثر فيما لا يرجع إلى مشاهدات حاضرة أو فهم الأوضاع اللغوية الأولى أو ما يرجع إلى آداب و رسوم جاهلية بائدة، كان الصحابة يعرفونها، و أشباه ذلك. فإن كان لا يرجع إلى شي ء من ذلك، فإنّ من المعلوم بالضرورة أنه مستند إلى علم تعلّمه من ذي علم. هذا ما يقتضيه مقام إيمانه الذي يحجزه عن القول الجزاف.

و إلّا فهو موقوف عليه و مستند إلى فهمه الخاص، و لا ريب أنه أقرب فهما إلى معاني القرآن، من الذي ابتعد عن لمس أعتاب الوحي و الرسالة، و حتى عن إمكان معرفة لغة الأوائل، و عادات كانت جارية حينذاك.

و هكذا صرّح العلامة الناقد السيد رضي الدين بن طاوس المتوفى سنة (664) بشأن العلماء من صحابة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: «إنهم أقرب علما بنزول القرآن» «2».

(1) تدريب الراوي، ج 1 ص 193 (ط 2- 1399 ه)

(2) في كتابه القيّم (سعد السعود) الذي عالج فيه نقد أكثر من سبعين كتابا في تفسير القرآن، كانت في متناوله ذلك العهد. (ط نجف) ص 174.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1،

ص: 306

قال الإمام بدر الدين الزركشي: لطالب التفسير مآخذ كثيرة، أمهاتها أربعة:

الأوّل: النقل عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و هذا هو الطراز الأول، لكن يجب الحذر من الضعيف فيه و الموضوع، فإنه كثير.

الثاني: الأخذ بقول الصحابي، فإن تفسيره عندهم بمنزلة المرفوع إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كما قاله الحاكم في تفسيره. و قال أبو الخطاب- من الحنابلة-:

يحتمل أن لا يرجع إليه إذا قلنا: إنّ قوله ليس بحجة! و الصواب الأول؛ لأنه من باب الرواية لا الرأي.

و قد أخرج ابن جرير عن مسروق بن الأجدع قال: قال عبد اللّه بن مسعود:

و الذي لا إله الا هو، ما نزلت آية في كتاب اللّه إلّا و أنا أعلم فيمن نزلت و أين نزلت، و لو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب اللّه منّي تناله المطايا لأتيته. و قال أيضا:

كان الرجل منّا إذا تعلّم عشر آيات لم يتجاوزهنّ حتى يعلم معانيهنّ، و العمل بهنّ.

قال: و صدور المفسّرين من الصحابة، عليّ ثم ابن عباس- و هو تجرّد لهذا الشأن- و المحفوظ عنه أكثر من المحفوظ عن عليّ، إلّا أن ابن عباس كان أخذ عن عليّ عليه السّلام، و يتلوه عبد اللّه بن عمرو بن العاص. و كل ما ورد عن غيرهم من الصحابة فحسن مقدم «1».

و أخيرا قال: و اعلم أنّ القرآن قسمان: أحدهما ورد تفسيره بالنقل عمّن يعتبر تفسيره، و قسم لم يرد. و الأول ثلاثة أنواع: إما أن يرد التفسير عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أو عن الصحابة، أو عن رءوس التابعين. فالأول: يبحث فيه عن صحة السند. و الثاني: ينظر في تفسير الصحابي، فإن

فسّره من حيث اللغة، فهم أهل اللّسان، فلا

(1) البرهان، ج 2، ص 156- 157.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 307

شك في اعتمادهم، و إن فسّره بما شاهده من الأسباب و القرائن فلا شك فيه. و حينئذ إن تعارضت أقوال جماعة من الصحابة، فإن أمكن الجمع فذاك، و إن تعذّر قدّم ابن عباس «1».

و سيأتي نقل كلامه في الرجوع إلى التابعي.

هذا ما يقتضيه ظاهر البحث في هذا المجال. و أمّا الذي جرى عليه مذهب علمائنا الأعلام، فهو: إنّ التفسير المأثور من الصحابي- مهما كان على جلالة من القدر و المنزلة- فإنّه موقوف عليه، لا يصحّ إسناده إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ما لم يسنده هو بالذات. و هذا منهم مطلق، سواء أ كان للرأي فيه مدخل أم لا؛ لأنه إنّما نطق عن علمه، حتى و لو كان مصدره التعليم من النبي، ما لم يصرّح به؛ إذ من الجائز أنه من استنباطه الخاص، استخرجه من مبان و أصول تلقّاها من حضرة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

أمّا التنصيص على هذا الفرع المستنبط بالذّات فلم يكن من النبي، و إنما هو من اجتهاد الصحابي الجليل، و مرتبط مع مبلغ فطنته و سعة دائرة علمه، و المجتهد قد يخطأ، و ليس الصواب حليفه دائما، ما لم يكن معصوما.

و من ثم فإنّ الذي يصدر من أئمتنا المعصومين عليهم السّلام نسنده إليهم، و إن كنا على علم و يقين أنه تعلّم من ذي علم عليم، ذلك أنّه حجة لدينا؛ لأنّه صادر من منبع معصوم.

ميزان تفسير الصحابي

يمتاز تفسير الصحابي بأمور خمسة لم تتوفّر جميعا في سائر التفاسير

(1) البرهان، ج 2، ص 172.

التفسير و

المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 308

المتأخّرة:

أوّلا: بساطته، بما لم يتجاوز بضع كلمات في حلّ معضل أو رفع إبهام، في بيان واف شاف و مع كمال الإيجاز و الإيفاء. فإذ قد سئل أحدهم عن معنى غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ «1»، أجاب على الفور: «غير متعرّض لمعصية»، من غير أن يتعرض لاشتقاق الكلمة، أو يحتاج إلى بيان شاهد و دليل، و ما شاكل ذلك، مما اعتاده المفسرون. و إذا سئل عن سبب نزول آية، أو عن فحواها العام، أجاب بشكل قاطع من غير ترديد، و على بساطة من غير تعقيد، كان قد ألفه المتأخرون.

ثانيا: سلامته عن جدل الاختلاف، بعد وحدة المبنى و الاتجاه و الاستناد، ذلك العهد؛ إذ لم يكن بين الصحابة في العهد الأول اختلاف في مباني الاختيار، و لا تباين في الاتجاه، و لا تضارب في الاستناد، و إنّما هي وحدة في النظر و الاتجاه و الهدف، جمعت طوائف الصحابة على خطّ مستو مستقيم. فلم تكن ثمّة داعية لنشوء الاختلاف و التضارب في الآراء، و لا سيما و الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أدّبهم على التزام سبيل الرشاد.

على أن التفسير ذلك العهد لم يكن ليتعدّ- في شكله و هندامه- حدود الحديث و شكله، بل كان جزء منه و فرعا من فروعه، كما دأب عليه جامعو الأحاديث.

ثالثا: صيانته عن التفسير بالرأي، بمعنى الاستبداد بالرأي غير المستند إلى ركن وثيق، ذلك تعصّب أعمى أو تلبيس في الأمر، كان يتحاشاه الأجلاء من الصحابة الأخيار. و سنشرح من معنى التفسير بالرأي الممنوع شرعا، و المذموم عقلا، بما يرفع الإبهام عن المراد به إن شاء اللّه.

(1) المائدة/ 3.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 309

رابعا: خلوصه عن أساطير

بائدة، و منها الأقاصيص الإسرائيلية، لم تكن لتجد مجالا للتسرب في الأوساط الإسلامية العريقة، ذلك العهد المناوئ لدسائس إسرائيل، الأمر الذي انقلب ظهرا لبطن بعد حين، و جعلت الدسائس السياسية تلعب دورها في ترويج أساطير بني إسرائيل.

خامسا: قاطعيته عن احتمال الشكّ و تحمّل الظّنون، بعد وضوح المستند و صراحته، و وفرة وسائل الإيضاح و دلائل التفسير المعروضة ذلك العهد؛ لسذاجتها و سلامتها عن التعقيد الذي طرأ عليها في عهد متأخر.

لا سيّما و الدلائل العلمية و الفلسفية التي استند إليها المتأخرون في تفسير معاني القرآن، لم تكن معهودة حينذاك، أو لم تكن مشروعة، و لا صالحة للاستناد في العهد الأول. و إنما كان استنادهم إلى العرف و اللغة، و العلم بأسباب النزول، إلى جنب النصوص الشرعية الصادرة في مختلف شئون الدين و القرآن، هذا لا غير.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 311

المرحلة الثالثة التفسير في دور التابعين

اشارة

* مدارس التفسير* أعلام التابعين* قيمة تفسير التابعي* ميزات تفسير التابعي* منابع التفسير في هذا العهد

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 313

مدارس التفسير:
اشارة

* مدرسة مكة أقامها ابن عباس* مدرسة المدينة أقامها أبيّ بن كعب* مدرسة الكوفة أقامها ابن مسعود* مدرسة البصرة أقامها أبو موسى* مدرسة الشام أقامها أبو الدرداء

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 315

مدارس التفسير

نعم الخلف لخير سلف

لم يكد ينصرم عهد الصحابة إلّا و قد نبغ رجال أكفاء، ليخلفوهم في حمل أمانة اللّه و أداء رسالته في الأرض، و هم التابعون الذين اتبعوهم بإحسان، رضي اللّه عنهم و رضوا عنه، و ذلك هو الفوز العظيم.

إنهم رجال لم تمكّنهم الاستضاءة من أنوار ذلك العهد (عهد الرسالة) الفائض بالخير و البركات، فاستعاضوا عنها بالمثول بين يدي أكابر الصحابة الأعلام، و العكوف على أعتابهم المقدسة؛ يستفيدون من علومهم و يهتدون بهداهم.

و قد كان أعيان الصحابة كثرة منتشرين في البلاد كنجوم السماء، مصابيح الدجى و أعلام الهدى، أينما حلّوا أو ارتحلوا من بقاع الأرض؛ و بذلك انتشرت تعاليم الإسلام، و شاع و ذاع مفاهيم الكتاب و السنّة النبوية بين العباد، في مختلف البلاد.

مدارس التفسير

و حيثما ارتحل صحابي جليل و حلّ به من بلد إسلامي كبير، كان قد شيّد فيه مدرسة واسعة الرحب، بعيدة الأرجاء، يبثّ بها معالم الكتاب و السنّة، و يقصدها

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 316

الروّاد من كل صوب. و كان أشهر هذه المدارس- حسب شهرة مؤسّسيها- خمسة:

1- مدرسة مكّة: أقامها عبد اللّه بن عباس، يوم ارتحل إليها عام الأربعين من الهجرة؛ حيث غادر البصرة و قدم الحجاز، بعد استشهاد الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام، و كان واليا من قبل الإمام، فلم يتصدّ ولاية بعده، عاكفا على أعتاب حرم اللّه، يؤدّي رسالته هناك في بثّ العلوم و نشر المعارف التي تعلّمها و أخذها عن الإمام عليه السّلام. و قد دامت المدرسة مدّة حياته حتى عام ثمانية و ستين؛ حيث وفاته بالطائف، رضوان اللّه عليه.

و قد تخرّج من هذه المدرسة أكبر رجالات العلم في العالم الإسلامي حينذاك، و كان لهذه المدرسة و لمن تخرّج

منها صدى محمود في أرجاء البلاد، و بقيت آثارها الحسنة سنّة متبعة بين العباد، و لا تزال. و لعلّ أعلم التابعين بمعاني القرآن هم المتخرّجون من مدرسة ابن عباس و المتعلمون على يديه.

قال ابن تيميّة: و أما التفسير فإنّ أعلم الناس به أهل مكة؛ لأنهم أصحاب ابن عباس، كمجاهد و عطاء و عكرمة. و غيرهم من أصحاب ابن عباس كطاوس و أبي الشعثاء و سعيد بن جبير و أمثالهم. و كذلك أهل الكوفة من أصحاب ابن مسعود. و من ذلك تميّزوا به على غيرهم «1».

2- مدرسة المدينة: قيامها على الصحابة الموجودين بها، و لا سيما أبيّ بن كعب الأنصاري سيّد القراء. كان من أصحاب العقبة الثانية، و شهد بدرا و المشاهد كلها.

قال له النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: ليهنك العلم، أبا المنذر.

(1) مقدمته في أصول التفسير، ص 23- 24 (المطبعة السلفية 1385)

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 317

و كان أوّل من كتب لرسول اللّه مقدمه المدينة، فإذا لم يحضر أبيّ كتب زيد ابن ثابت. كان أقرأ أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و كان ممن جمع القرآن حفظا على عهد رسول اللّه، و تأليفا بعد وفاته. و كان قد تفرّغ للإقراء بالمدينة ما لم يتفرّغ له سائر الصحابة الباقين فيها.

و من ثمّ تصدّى الإملاء على لجنة توحيد المصاحف على عهد عثمان، و كانوا يرجعون إليه عند الاختلاف. توفّي سنة (30) في خلافة عثمان، حسبما قدّمنا.

3- مدرسة الكوفة: أقام دعائمها الصحابي الكبير عبد اللّه بن مسعود، كان خصيصا برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يخدمه و يتربّى على يديه. قال حذيفة: أقرب الناس برسول

اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم هديا و دلّا و سمتا، ابن مسعود. و لقد علم المحفوظون من أصحاب محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنّ ابن أم عبد من أقربهم إلى اللّه زلفى. كان أوّل من جهر بالقرآن على ملأ من قريش، فأوذي في اللّه و اصطبر على البلاء. كان قد هاجر الهجرتين و شهد المشاهد كلها.

قدم الكوفة- على عهد ابن الخطاب- معلّما و مؤدّبا، حتى أحضره عثمان سنة (31) و كانت فيها وفاته. و لما بلغ أبا الدرداء نعيه قال: ما ترك بعده مثله.

تربّى على يديه خلق كثير، فمن التابعين: علقمة بن قيس النخعي، و أبو وائل شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي، و الأسود بن يزيد النخعي، و مسروق بن الأجدع، و عبيدة بن عمرو السلماني، و قيس بن أبي حازم، و غيرهم.

و قد عرفت أنّ مدرسة الكوفة كانت أهم المدارس بعد مدرسة مكة، توسعا و شمولا لمعاني القرآن و الفقه و الحديث.

4- مدرسة البصرة: أقامها أبو موسى الأشعري: عبد اللّه بن قيس (44) قدم

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 318

البصرة سنة (17) واليا عليها من قبل عمر، بعد أن عزل المغيرة، ثم أقرّه عثمان، و بعد فترة عزله، فسار إلى الكوفة. و لما أن عزل سعيدا استعمله عليها، و عزله الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام، فكان يراود معاوية في سرّ، و لأخوّة قديمة كانت بينهما، كما يبدو من وصية معاوية لابنه يزيد بشأن أبي بردة ابن أبي موسى الأشعري «1». كان منحرفا عن علي عليه السّلام و افتضح أمره يوم الحكمين.

و هو الذي فقّه أهل البصرة و أقرأهم. قال ابن حجر: و تخرّج على يديه جماعة

من التابعين و من بعدهم «2». و أخرج الحاكم عن أبي رجاء، قال: تعلّمنا القرآن عن أبي موسى الأشعري في هذا المسجد- يعني مسجد البصرة- و كنّا حلقا حلقا، و كأنما أنظر إليه بين ثوبين أبيضين «3».

و كانت مدرسته ذات انحراف شديد، و من ثم كانت البصرة من بعده أرضا خصبة لنشوء كثير من البدع و الانحرافات الفكريّة و العقائدية، و لا سيّما في مسائل الأصول و الإمامة و العدل.

قال عبد الكريم الشهرستاني: و سمعت من عجيب الاتفاقات أن أبا موسى الأشعري (المتوفّى سنة 44) كان يقرّر عين ما يقرّر حفيده أبو الحسن الأشعري (المتوفّى سنة 324) في مذهبه، و ذلك قد جرت مناظرة بين عمرو بن العاص و بينه، فقال عمرو: أين أجد أحدا أحاكم إليه ربّي؟ فقال أبو موسى: أنا ذلك المتحاكم إليه. فقال عمرو: أو يقدّر عليّ شيئا ثم يعذّبني عليه؟ قال أبو موسى: نعم،

(1) طبقات ابن سعد، ج 4، ص 83 ق 1.

(2) تهذيب التهذيب، ج 5، ص 362.

(3) المستدرك على الصحيحين، ج 2، ص 220.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 319

قال عمرو: و لم؟ قال: لأنه لا يظلمك! فسكت عمرو و لم يحر جوابا «1».

و ذكر ابن أبي الحديد أبا بردة ابن أبي موسى الأشعري فيمن أبغض عليّا، و كان من القالين له، ثم قال: ورث البغضة له، لا عن كلالة «2»، أي كان هذا الحقد للإمام أمير المؤمنين- صلوات اللّه عليه- قد أتاه مستقيما من قبل والده، فكانت البغضة منه تليدا، و لم تأته من عرض عارض، لا تلد الحيّة إلّا الحيّة.

5- مدرسة الشّام: قام بها أبو الدرداء عويمر بن عامر الخزرجي الأنصاري. كان من

أفاضل الصحابة و فقهائهم و حكمائهم. أسلم يوم بدر، و شهد أحدا و أبلى فيها بلاء حسنا.

روي أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال بشأنه حينذاك: نعم الفارس عويمر، و قال: هو حكيم أمّتي.

تولّى قضاء دمشق أيّام خلافة عمر، و توفّي في خلافة عثمان سنة (32) و لم ينزل دمشق من أكابر الصحابة سوى أبي الدرداء، و بلال بن رباح المؤذّن الذي مات في طاعون عمواس سنة (20) و دفن بحلب. و كذا واثلة بن الأسقع، و كان آخر من مات بدمشق من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم. مات سنة (85) في خلافة عبد الملك بن مروان.

تخرّج على يدي أبي الدرداء جماعة من أكابر التابعين، منهم: سعيد بن المسيّب، و علقمة بن قيس، و سويد بن غفلة، و جبير بن نفير، و زيد بن وهب، و أبو إدريس الخولاني، و آخرون.

كان أبو الدرداء من الثابتين على ولاء آل الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لم تزعزعه

(1) الملل و النحل، ج 1، ص 94 ط القاهرة 1387 ه ق.

(2) شرح النهج، ج 4، ص 99.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 320

العواصف.

روى الصدوق- في أماليه- بإسناده إلى هشام بن عروة بن الزبير عن أبيه عروة، قال: كنّا جلوسا في حلقة في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم نتذاكر أهل بدر و بيعة الرضوان، فقال أبو الدرداء: يا قوم، أ لا أخبركم بأقل القوم مالا و أكثرهم ورعا و أشدهم اجتهادا في العبادة؟ قالوا: من؟ قال: ذاك أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام.

قال عروة: فو اللّه، ما

نطق أبو الدرداء بذلك إلّا و أعرض عنه بوجهه من في المجلس. ثم انتدب له رجل من الأنصار، فقال له: يا عويمر، لقد تكلّمت بكلمة ما وافقك عليها أحد منذ أتيت بها. فقال أبو الدرداء: يا قوم، إنّي قائل ما رأيت، و ليقل كل قوم منكم ما رأوا ... ثم أخذ في بيان مواضع علي عليه السّلام من العبادة و البكاء، عند ما كان يختلي بربّه في ظلمة الليل و الناس نيام «1».

(1) بحار الأنوار، ج 41، ص 11، عن أمالي الصدوق مج 18، ص 69- 70 (ط نجف)

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 321

أعلام التابعين المفسرين:
اشارة

1- سعيد بن جبير 2- سعيد بن المسيّب 3- مجاهد بن جبر 4- طاوس بن كيسان 5- عكرمة مولى ابن عباس 6- عطاء بن أبي رباح 7- عطاء بن السائب 8- أبان بن تغلب 9- الحسن البصري 10- علقمة بن قيس 11- محمد بن كعب القرظي 12- أبو عبد الرحمن السّلمي 13- مسروق بن الأجدع 14- الأسود بن يزيد النخعي 15- مرّة الهمداني 16- عامر الشعبي 17- عمرو بن شرحبيل 18- زيد بن وهب 19- أبو الشعثاء الكوفي 20- أبو الشعثاء الأزدي 21- الأصبغ بن نباتة 22- زرّ بن حبيش 23- ابن أبي ليلى 24- عبيدة بن قيس 25- الربيع بن أنس 26- الحارث بن قيس 27- قتادة بن دعامة 28- زيد بن أسلم 29- أبو العالية 30- جابر الجعفي

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 323

أعلام التابعين
اشارة

قلنا: إن كثيرا من روّاد العلم، كانوا قد نهضوا نهضتهم الكبرى، في سبيل كسب المعرفة و الحصول على معالم الدين الحنيف. و حيث كان قد أعوزتهم الاستضاءة المباشرة من أنوار عهد الرسالة، استعاضوا عنها باللجوء إلى أعتاب الصحابة الأعلام، فأخذوا منهم العلوم و نشروها بين العباد. فكانوا هم الواسطة و الحلقة الواصلة بين منابع العلم الأوّلية و بين الأمّة على الإطلاق، ليس لذلك الدور فحسب، بل لجميع الأدوار و الأعصار. فأصبحوا هم حاملي لواء هداية الإسلام إلى كافة الأنام.

و هم جماعات، لا يحصون عددا، كنجوم السماء المتألّقة في دياجي الظلام، و مبثوثون في الأرض منتشرون في الأقطار و الأكناف.

غير أنا نقتصر على الأعلام، و المعروفين بتعليم القرآن، و نشر علومه و بيان معارفه بين الناس. و هم المتخرجون من المدارس التفسيرية المعهودة، و لا سيّما مدرسة ابن

عباس بمكة المكرمة، حسبما عرفت، و إليك منهم:

1. سعيد بن جبير

أبو عبد اللّه، أو أبو محمد الأسدي بالولاء، الكوفي، من أصل حبشي، أسود اللون أبيض الخصال. كان من كبار التابعين و متقدميهم في الفقه و الحديث

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 324

و التفسير. أخذ القراءة من ابن عباس، و سمع منه التفسير، و أكثر روايته عنه. كان قد تفرّغ للعلم و القرآن حتى صار علما و إماما للناس. قال أبو القاسم الطبري: هو ثقة، حجة، إمام على المسلمين، و كان مجمعا عليه بين أرباب الحديث و التفسير.

له مناظرة مع الطاغية الحجاج بن يوسف الثقفي، حينما أراد قتله، تدلّ على قوّة إيمانه و صلابته في الولاء لآل البيت عليهم السّلام، قتله صبرا سنة (95) و هو ابن (49)

روى أبو عمرو محمد بن عمر بن عبد العزيز الكشّي بإسناده إلى الإمام أبي عبد اللّه الصادق عليه السّلام قال: إنّ سعيد بن جبير كان يأتمّ بعليّ بن الحسين عليهما السّلام، و كان عليّ عليه السّلام يثني عليه

. و ما كان سبب قتل الحجاج له إلا على هذا الأمر، و كان مستقيما «1».

و في مصنفات أصحابنا الإمامية عنه وصف جميل «2»، و كذا في سائر المصنفات الرجالية و غيرها «3».

(1) ذكر الكشّي في رجاله (ط رجائي)، ج 1، ص 335، رقم 190-: لما دخل سعيد على الحجاج، قال له: أنت شقي بن كسير. قال: كانت أمّي أعرف باسمي. قال: ما تقول في فلان و فلان، هما في الجنة أو في النار؟ قال: لو دخلت الجنة فنظرت إلى أهلها لعلمت من فيها، و إن دخلت النار و رأيت أهلها لعلمت من فيها. قال: فما قولك في الخلفاء؟ قال:

لست عليهم بوكيل. قال: أيّهم أحبّ إليك؟ قال:

أرضاهم لخالقي. قال: و أيّهم أرضى للخالق؟ قال: علم ذلك عند الذي يعلم سرهم و نجواهم. قال:

أبيت أن تصدّقني! قال: بلى، لم أحبّ أن أكذّبك!

(2) راجع: أعيان الشيعة للأمين العاملي، ج 7، ص 234- 236. و سفينة البحار للقمي، ج 1، ص 621- 622. و مناقب ابن شهرآشوب، ج 4، ص 176.

(3) راجع: حلية الأولياء لأبي نعيم، ج 4، ص 272- 310. و ابن خلكان، ج 2، ص 371- 374، رقم 261. و المعارف لابن قتيبة، ص 197. و تهذيب التهذيب لابن حجر، ج 4، ص 11- 14.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 325

روى أبو نعيم الأصبهاني بإسناده إلى خلف بن خليفة عن أبيه قال: شهدت مقتل سعيد بن جبير، فلمّا بان رأسه، قال: لا إله إلّا اللّه، ثم قالها الثالثة فلم يتمّها «1».

و ذكر ابن قتيبة: أنه أمر الحجاج فضربت عنقه، فسقط رأسه إلى الأرض يتدحرج، و هو يقول: لا إله إلّا اللّه، فلم يزل كذلك، حتى أمر الحجاج من يضع رجله على فيه، فسكت.

و لم يدم الحجاج بعده غير سنة، و لم يستطع إراقة دم بعد دمه الطاهر. و كان الحجاج عند ما حضره الموت يقول: ما لي و لسعيد بن جبير، كان يقول ذلك و هو يغوص ثم يفيق. و كان يراه في المنام، و قد أخذ بمجامع ثوبه يقول له: يا عدو اللّه، فيم قتلتني؟ فيستيقظ مذعورا، و يقول: ما لي و لسعيد. ذكر ذلك ابن خلكان في الوفيات.

مكانته العلمية: أخذ العلم عن عبد اللّه بن عباس، و كان قد لازمه في طلب العلم، فأجازه ابن عباس في التحديث. قال له:

حدّث، فقال- متحاشيا-: أحدّث و أنت هاهنا؟!- و في رواية- و أنت موجود! فقال ابن عباس: أ ليس من نعم اللّه عليك أن تحدّث و أنا شاهد؟! فإن أصبت فذاك، و إن أخطأت علّمتك.

قال أحمد بن حنبل: قتل الحجّاج سعيد بن جبير، و ما على وجه الأرض أحد إلّا و هو مفتقر إلى علمه! «2». و رواه أبو نعيم عن عمرو بن ميمون عن أبيه.

و كان ابن عباس إذا أتاه أهل الكوفة يستفتونه يقول: أ ليس فيكم ابن أمّ

(1) حلية الأولياء، ج 4، ص 291.

(2) ابن خلكان، ج 2، ص 371- 374. رقم 261. و راجع: الحلية، ج 4، ص 273.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 326

الدهماء، يعني سعيد بن جبير.

قال يحيى بن سعيد: مرسلات ابن جبير أحبّ إليّ من مرسلات عطاء و مجاهد. و كان سفيان يقدّم سعيدا على إبراهيم النخعي في العلم، و كان أعلم من مجاهد و طاوس «1».

و كان سعيد يعظّم من شيخه تعظيما بالغا، قال: كنت أسمع الحديث من ابن عباس، فلو أذن لي لقبّلت رأسه «2».

و قد جمع أبو نعيم من التفسير المأثور عن سعيد بن جبير نخبا، و عقد له فصلا، و عنونه بآثاره في التفسير «3». فقد روى عنه في قوله تعالى- حكاية عن نبي اللّه موسى عليه السّلام-: رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ «4». قال: إنه يومئذ لفقير إلى شقّ تمرة. و في قوله تعالى: أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً «5» قال: أوفاهم عقلا «6».

2- سعيد بن المسيّب
اشارة

قال أبو نعيم الأصبهاني: فأما أبو محمّد سعيد بن المسيب بن حزن المخزومي، فكان من الممتحنين، أمتحن فلم تأخذه في اللّه لومة لائم. صاحب عبادة و جماعة

و عفّة و قناعة. و كان كاسمه بالطاعات سعيدا، و من المعاصي

(1) تهذيب التهذيب لابن حجر، ج 4، ص 11- 14. و الحلية، ج 4، ص 273.

(2) حلية الأولياء لأبي نعيم الأصبهاني، ج 4، ص 283.

(3) في الجزء الرابع من الحلية من الصفحة 283 فما بعد.

(4) القصص/ 24.

(5) طه/ 104.

(6) الحلية، ج 4، ص 288.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 327

و الجهالات بعيدا «1».

قال ابن المديني: لا أعلم في التابعين أوسع علما من سعيد بن المسيب. قال:

و إذا قال سعيد: مضت السنّة، فحسبك به. قال: هو عندي أجلّ التابعين.

و قال أبو حاتم: ليس في التابعين أنبل منه.

و قال سليمان بن موسى: كان أفقه التابعين.

و قال أبو زرعة: مدني قرشي ثقة إمام.

و قال قتادة: ما رأيت أحدا قطّ أعلم بالحلال و الحرام منه.

و قال ابن شهاب: قال لي عبد اللّه بن ثعلبة: إن كنت تريد هذا- يعني- الفقه- فعليك بهذا الشيخ، سعيد بن المسيّب.

و عن عمرو بن ميمون بن مهران عن أبيه، قال: قدمت المدينة فسألت عن أعلم أهلها، فدفعت إلى سعيد بن المسيّب.

قال مكحول: طفت الأرض كلها في طلب العلم فما لقيت أعلم منه.

قال أحمد بن حنبل: مرسلات سعيد صحاح، لا نرى أصحّ من مرسلاته.

و قال الشافعي: إرسال ابن المسيّب عندنا حسن «2».

قال ابن خلّكان: كان سعيد بن المسيّب سيّد التابعين من الطراز الأوّل، جمع بين الحديث و الفقه و الزهد و العبادة و الورع، و هو أحد الفقهاء السبعة بالمدينة «3». ولد سنة (15) و توفّي سنة (95) و

أسند ابن سعد- كاتب الواقدي- إلى الإمام أبي جعفر الباقر عليه السّلام قال:

(1) الحلية، ج 2، ص

161 رقم 170.

(2) تهذيب التهذيب لابن حجر، ج 4، ص 84- 88.

(3) وفيات الأعيان، ج 2، ص 375 رقم 262.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 328

سمعت أبي، عليّ بن الحسين عليهما السّلام يقول: «سعيد بن المسيّب أعلم الناس بما تقدّمه من الآثار، و أفقههم في رأيه».

و له ترجمة مسهبة في الطبقات، و فيها من أحواله و قضاياه العجيبة الشي ء الكثير «1».

أضف إلى ذلك ما ورد بشأنه من الثناء عليه عند أصحابنا الإماميّة:

و أول شي ء، أنه تربية الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام، ربّاه في حجره بوصية من جدّه «حزن». فقد نشأ و ترعرع في أهل بيت العلم و الورع و الطهارة، كما و أصبح من خلّص أصحاب الإمام عليّ بن الحسين زين العابدين، و أحد الأوتاد الخمسة الذين ثبتوا على الاستقامة في الدين على ما وصفهم الفضل بن شاذان. قال:

و لم يكن في زمان عليّ بن الحسين في أوّل أمره إلّا خمسة أنفس: سعيد بن جبير، سعيد بن المسيّب، محمد بن جبير بن مطعم، يحيى بن أمّ الطويل، أبو خالد الكابلي.

و كان يرى من الإمام السجاد عليه السّلام النفس الزكية، لم يعرف له نظيرا و لا رأى مثله. كما كان يرى في مثاله القدّوسي مثال داود القدّيس عليه السّلام تسبح معه الجبال بالعشي و الإشراق و الطير محشورة كل له أوّاب.

روى الكشّي بإسناده إلى الزهري عن ابن المسيّب، قال: كان القوم لا يخرجون من مكّة حتى يخرج عليّ بن الحسين سيّد العابدين. فخرج و خرجت معه، فنزل في بعض المنازل، فصلّى ركعتين فسبّح في سجوده، فلم يبق شجر و لا مدر إلّا سبّحوا معه، ففزعنا! فرفع رأسه فقال: يا سعيد! أفزعت؟ فقلت: نعم،

يا ابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال: هذا التسبيح الأعظم، حدّثني أبي عن جدّي رسول

(1) طبقات ابن سعد، ج 5، ص 88- 106.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 329

اللّه؛ إنه لا يبقي الذنوب مع هذا التسبيح. فقلت: علّمنا ...

و روى عن محمد بن قولويه بإسناده إلى أسباط بن سالم عن الإمام موسى بن جعفر عليهما السّلام في حديث حوارييّ «1» النبي و الأئمّة عليهم السّلام، و عدّ من حواريي الإمام زين العابدين: جبير بن مطعم، و يحيى بن أم الطويل، و أبا خالد، و سعيد بن المسيب.

كما

روى عنه بإسناده إلى أبي مروان عن أبي جعفر قال: سمعت عليّ بن الحسين يقول: «سعيد بن المسيّب أعلم الناس بما تقدمه من الآثار و أفهمهم- أو أفقههم- في زمانه» «2» . و قد تقدم الحديث، برواية ابن خلكان عن أبي مروان أيضا، مع اختلاف في العبارة الأخيرة: «أفقههم في رأيه».

و روى الشيخ المفيد بإسناده إلى أبي يونس محمد بن أحمد قال: حدثني أبي و غير واحد من أصحابنا، أنّ فتى من قريش جلس إلى سعيد بن المسيّب، فطلع عليّ بن الحسين، فقال القرشي لابن المسيّب: من هذا يا أبا محمد؟ قال: هذا سيّد العابدين عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهم السّلام «3».

و

روى الحميري بإسناده إلى البزنطي قال: و ذكر عند الرضا عليه السّلام القاسم بن محمد بن أبي بكر خال أبيه، و سعيد بن المسيّب، فقال: «كانا على هذا الأمر» «4».

و

روى ثقة الإسلام الكليني- في باب مولد الصادق عليه السّلام- بإسناده إلى إسحاق ابن جرير، قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: «كان سعيد بن المسيّب، و

القاسم بن محمد

(1) الحواري: من الحوار، أي صاحب السرّ.

(2) اختيار معرفة الرجال، ج 1، ص 43 و ص 332- 335.

(3) الإرشاد للمفيد، ص 257 (ط نجف)

(4) قرب الإسناد (ط حجرية)، ص 157 الجزء الثالث.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 330

ابن أبي بكر، و أبو خالد الكابلي، من ثقات عليّ بن الحسين عليهما السّلام «1».

و في مناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب بشأن كرامات الإمام زين العابدين عليه السّلام، روايات عن سعيد بن المسيّب، تدلّ على مبلغ ولائه لآل البيت و مدى صلته بسيّد الساجدين، فراجع «2».

و للمحقق البحراني- في حاشية البلغة- استظهار تشيّعه من كلام الشيخ في أوائل التبيان «3».

و هو الذي روى قضيّة بجدل الجمّال و قطعه لإصبع السبط الشهيد، و تعلّقه بأستار الكعبة، آيسا من رحمة اللّه «4».

و قد عدّه الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين و من السابقين الأوّلين.

قال: سعيد بن المسيّب بن حزن أبو محمد المخزومي سمع من الإمام عليّ بن الحسين، و روى عنه عليه السّلام. و هو من الصدر الأوّل «5».

و قد استوفى السيد الأمين الكلام بشأنه و شأن ولائه لآل البيت، و ذكر أنه صحب عليّا أمير المؤمنين عليه السّلام و لم يفارقه حتى في حروبه. و نقل عن ابن أبي الحديد و غيره بعض الطعن عليه، و فنّده على أسلوب حكيم «6».

نموذج من تفسيره

أخرج أبو نعيم- في الحلية- بإسناده إلى يحيى بن سعيد عن سعيد بن

(1) الكافي الشريف، ج 1، ص 472 كتاب الحجة.

(2) المناقب، ج 4، ص 133 و 134 و ص 143.

(3) تنقيح المقال للمامقاني، ج 2، ص 31 رقم 4870.

(4) بحار الأنوار، ج 45 (ط

بيروت)، ص 316.

(5) رجال الطوسي، ص 90.

(6) راجع: أعيان الشيعة للسيد محسن الأمين العاملي طبعة دار التعارف، ج 7، ص 249- 255.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 331

المسيّب، في قوله تعالى: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ، إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً «1»، قال: «الذي يذنب الذنب ثم يتوب ثم يذنب ثم يتوب، و لا يعود في شي ء قصدا» «2».

و هذا أدقّ تفسير للآية الكريمة. فإنّ الآية قد فسّرت على وجوه:

1- فقيل: هم المسبّحون. عن ابن عباس و عمرو بن شرحبيل.

2- و قيل: المطيعون المحسنون. عن ابن عباس أيضا.

3- هم المطيعون و أهل الصلاة. عن قتادة.

4- الذين يصلّون بين المغرب و العشاء. عن ابن المنكدر يرفعه، و كذلك عن الإمام الصادق عليه السّلام.

5- يصلّون صلاة الضحى. عن عون العقيلي.

6- الراجع من ذنبه التائب إلى اللّه.

و هذا المعنى الأخير هو الراجح، و اختلفوا في شرائطه و كيفيته:

فمن سعيد بن جبير: الراجعون إلى الخير.

و عن مجاهد: الذي يذكر ذنوبه في الخلاء فيستغفر اللّه منها.

و عن عطاء بن يسار: يذنب العبد ثم يتوب، فيتوب اللّه عليه، ثم يذنب فيتوب اللّه عليه، ثم يذنب الثالثة فإن تاب تاب اللّه عليه توبة لا تمحى.

و عن عبيد بن عمير: الأوّاب: الحفيظ أن يقول: اللهم اغفر لي ما أصبت في مجلسي هذا.

(1) الإسراء/ 25.

(2) حلية الأولياء، ج 2، ص 165. و راجع: مجمع البيان للطبرسي، ج 6، ص 410. و جامع البيان للطبري، ج 15، ص 51- 52.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 332

لكن سعيد بن المسيب فسّرها بالذي يذنب و يتوب ثم يذنب و يتوب، و لكن ليس يعود في شي ء من ذنوبه قصدا،

و إنما هو شي ء فرط منه. و هذه النكتة الظريفة هي بيت القصيد، نظرا لأن «الأوّاب» مبالغة في الأوب و الرجوع. و المراد:

الكثرة و التكرار فيه، لكنه هل هو مطلق، أم الذي يصدر منه الذنب لا تمرّدا و عصيانا، و إنما هو شي ء قد يفرط منه أو تغلبه نفسه ثم يتذكّر عن قريب؟

قال تعالى: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ «1».

و قال: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ «2».

و هذا هو معنى اللّمم المغفور في الآية الكريمة: وَ يَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَ الْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ. إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ. هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ «3».

قال الإمام الصادق عليه السّلام: «اللّمم: الرجل يلمّ بالذنب فيستغفر اللّه منه. قال: ما من ذنب إلّا و قد طبع عليه عبد مؤمن يهجره الزمان ثم يلمّ به. قال: اللّمام: العبد الذي يلمّ بالذنب ليس من سليقته»

أي من طبيعته. و

في رواية قال: «الهنة بعد الهنة»

أي الذنب بعد الذنب يلمّ به العبد. و

في أخرى: «هو الذنب يلم به الرجل، فيمكث ما شاء اللّه ثم يلمّ به بعد» «4».

(1) النساء/ 17.

(2) الأعراف/ 201.

(3) النجم/ 32.

(4) تفسير الصافي للمولى محسن الفيض، ج 2، ص 626.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 333

فالعبد قد تغلبه نفسه فيرتكب إثما ليس من دأبه، و من ثم يتذكّر فيتوب إلى اللّه مما اغترف، و هكذا فلو عاد ليس من عادته، و تاب تاب اللّه عليه، إنّ اللّه هو التواب الرحيم.

و هذه هي النكتة الدقيقة التي جاءت الإشارة إليها في تفسير ابن المسيّب «و لا يعود

في شي ء قصدا»، و هذا المعنى هو الذي يفيده صدر الآية رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ، إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ ... فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً ... «1».

و إلى هذا المعنى يشير التفسير الوارد

عن الإمام أبي عبد اللّه جعفر بن محمد الصادق عليه السّلام، قال: «و الأوّاب: النوّاح المتعبّد الراجع عن ذنبه»

. و هكذا روي عن مجاهد بن جبر أيضا «2».

النوّاح: مبالغة في النوح، و هو الذي ينوح على نفسه و ندبها ندما على ما فرط منه، منيبا مستغفرا أوّابا. و تدل أداة الإعراض «عن» على ندم بالغ، و عزم صارم على الترك أبدا.

و أما ما روي من التفسير ب «الصلاة» بين المغرب و العشاء، فهذا من الوسيلة التي يجب ابتغاؤها إلى اللّه عزّ شأنه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ ابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ «3». و من ثم سمّيت صلاة الأوّابين.

روى هشام بن سالم عن الإمام أبي عبد اللّه الصادق عليه السّلام، قال: صلاة أربع ركعات، يقرأ في كل ركعة خمسين مرّة «قل هو اللّه أحد ...» هي صلاة الأوّابين «4».

(1) الإسراء/ 25.

(2) راجع: مجمع البيان للطبرسي، ج 6، ص 410.

(3) المائدة/ 35.

(4) مجمع البيان، ج 6، ص 410.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 334

و قد ورد الترغيب في التنفّل بأربع ركعات بعد المغرب، لا يدعهنّ العبد في حضر و لا سفر «1».

من نوادر حكمته:

و لما أن جرّد ليضرب على امتناعه من البيعة للوليد و سليمان ابني عبد الملك، قالت امرأة: إن هذا لمقام الخزي. فقال سعيد: «من مقام الخزي فررنا» «2».

و قال: «يد اللّه فوق عباده، فمن رفع نفسه وضعه اللّه، و من وضعها رفعه اللّه.

الناس تحت كنفه يعملون أعمالهم، فإذا

أراد اللّه فضيحة عبد، أخرجه من تحت كنفه، فبدت للناس عورته» «3».

و قال: «لا خير فيمن لا يحب هذا المال، يصل به رحمه، و يؤدّي به أمانته، و يستغني به عن خلق ربه» «4».

و

روي عن الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام أنه سأل فاطمة عليها السّلام: ما خير للنساء؟

قالت: أن لا يرين الرجال و لا يرونهنّ. فذكره للنبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال: «إنما فاطمة بضعة مني».

و أيضا

عن الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام «من اتّقى اللّه عاش قويا و سار في بلاده آمنا» «5».

و

قال: «لا تملئوا أعينكم من أعوان الظلمة إلّا بإنكار من قلوبكم، لكي لا تحبط

(1) راجع: وسائل الشيعة للحر العاملي، ج 3، ص 63 باب 24 أعداد الفرائض و النوافل. و ج 5، ص 247 و 249.

(2) الحلية، ج 2، ص 172.

(3) المصدر نفسه، ص 166.

(4) المصدر نفسه، ص 173.

(5) المصدر نفسه، ص 175.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 335

أعمالكم الصالحة» «1».

و كان معبّرا للرؤيا، معروفا بذلك. فوجّه إليه عبد الملك بن مروان من يسأله عن منامه، كان قد رأى كأنّه قد بال في المحراب أربع مرّات! فقال سعيد بن المسيّب: يملك من ولده لصلبه أربعة. فكان كما قال، فإنه ولّي الوليد و سليمان و يزيد و هشام، و هم أولاد عبد الملك لصلبه «2».

3- مجاهد بن جبر
اشارة

هو أبو الحجاج المخزومي المكي، المقرئ المفسّر. ولد سنة (21)، و توفّي بمكة ساجدا سنة (104) كان أوثق أصحاب ابن عباس، و من ثم اعتمده الأئمّة و أصحاب الحديث و التفسير.

و روي عنه أنه قال: عرضت القرآن على ابن عباس ثلاث مرات، أقف عند كل آية، أسأله فيم نزلت، و

كيف نزلت.

قال ابن أبي مليكة «3»: رأيت مجاهدا يسأل ابن عباس عن تفسير القرآن و معه ألواحه، فيقول له ابن عباس: اكتب، حتى سأله عن التفسير كله. و من ثم قيل:

أعلمهم بالتفسير مجاهد.

و قال سفيان الثوري: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به.

قال الذهبي: أجمعت الأمة على إمامة مجاهد و الاحتجاج به. كان ثقة مأمونا،

(1) الحلية، ج 2، ص 170، و ابن خلكان، ج 2، ص 378.

(2) ابن خلّكان، ج 2، ص 378.

(3) هو عبد اللّه بن عبيد اللّه التميمي المدني أدرك ثلاثين من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ثقة فقيه مات سنة (117) ولّاه ابن الزّبير قضاء الطائف. (تهذيب التهذيب، ج 5، ص 307)

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 336

و فقيها ورعا، و عالما كثير الحديث، جيّد الحفظ متقنا.

قال الأعمش: إذا رأيت مجاهدا كأنه جمّال أو خربندج «1»، فإذا نطق خرج من فيه اللؤلؤ «2».

مكانته في التفسير: استفاضت شهادة العلماء بعلوّ مكانته في التفسير و ثقته و أمانته و سعة علمه. و قد احتجّ بتفسيره الأئمّة النقاد و العلماء و أصحاب الحديث.

اتّهم بالأخذ من أهل الكتاب، و لكن شدة نكير شيخه ابن عباس على الآخذين من أهل الكتاب، يتنافى و هذه التهمة. و الأرجح أنّ رجوعه إليهم كان في أمور لا تدخل في دائرة النهي الوارد عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و ربما كان لغرض التحقيق لا التقليد.

و كذلك اتّهم بأنه يفسّر القرآن برأيه- كان قد أعطى نفسه حرّية واسعة في التفسير العقلي- فقد روى ابنه عبد الوهاب أنّ رجلا قال لأبيه: أنت الذي تفسّر القرآن برأيك؟ فبكى أبي ثم قال:

إنّي إذن لجري ء، لقد حملت التفسير عن بضعة عشر رجلا من أصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم «3».

قلت: و هذه التهمة يرجع سببها إلى الجوّ الحاكم آنذاك من التحاشي عن الخوض في معاني القرآن، و لا سيّما المتشابهات، غير أن شريعة العقل ترفض كل

(1) ضلّ حماره فهو مهتمّ.

(2) راجع: ترجمته في الطبقات لابن سعد، ج 5، ص 343- 344 و تهذيب التهذيب لابن حجر، ج 10 ص 43- 44. و ميزان الاعتدال للذهبي، ج 3، ص 439. و مقدمة ابن تيميّة في أصول التفسير، ص 48. و الجرح و التعديل للرازي، ج 8، ص 319.

(3) التفسير و المفسّرون، ج 1، ص 107.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 337

مناشئ الجمود. و سنبحث عن مسألة التفسير بالرأي الممنوع.

حرّيته في التفسير العقلي: كان مجاهد حرّ الرأي، يفسّر القرآن حسبما يبدو له من ظاهر اللفظ، و يرشده إليه عقله الرشيد و فطرته السليمة، بعد إحاطته بمفاهيم الكلمات و الأوضاع اللغوية و العرفية (حسب متفاهم العرف العام آنذاك) و ما كان قد عهده من مباني الشريعة و أسس الدين القويمة. و بعد مراجعة كلمات أعلام الأمّة و خيار الصحابة الأوّلين، الأمر الذي يجب توفّره في كل مفسر حرّ الرأي و مضطلع خبير.

قال- في تفسير قوله تعالى: فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ «1»-:

لم يمسخوا قردة، و إنما هو مثل ضربه اللّه، كما قال: كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً «2». قال: إنه مسخت قلوبهم فجعلت كقلوب القردة لا تقبل وعظا و لا تتّقي زجرا. قال الطبرسي: و هذا يخالف الظاهر الذي عليه أكثر المفسرين من غير ضرورة تدعو إليه «3».

و للزمخشري هنا كلام يشبه تفسير

مجاهد، في دقّة أدبية لطيفة. قال: قوله تعالى: كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ خبران، أي كونوا جامعين بين القردية و الخسوء، و هو الصغار و الطرد «4».

و من ثمّ قال المولى جمال الدين أبو الفتوح الرازي- من أعلام القرن

(1) البقرة/ 65.

(2) الجمعة/ 5.

(3) مجمع البيان للطبرسي، ج 1، ص 129. و راجع: الطبري التفسير، ج 1، ص 263. و تفسير مجاهد، ص 75- 76.

(4) الكشاف، ج 1، ص 147.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 338

السادس-: مجاهد گفت: معنى آن است «اذلّاء صاغرين» ذليل و مهين. و در اين عظمتى و عبرتى است آنان را .. «1».

قال الإمام الرازي (544- 606): إنّ ما ذكره مجاهد- رحمه اللّه- غير مستبعد جدّا، لأن الإنسان إذا أصرّ على جهالته بعد ظهور الآيات و جلاء البينات، فقد يقال- في العرف الظاهر-: إنه حمار و قرد. و إذا كان هذا المجاز من المجازات الظاهرة المشهورة، لم يكن في المصير إليه محذور البتة «2».

قلت: و يشهد لهذا التأويل قوله تعالى- في سورة المائدة-: مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَ غَضِبَ عَلَيْهِ وَ جَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَ الْخَنازِيرَ وَ عَبَدَ الطَّاغُوتَ، أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَ أَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ «3».

بدليل عطف «و عبد الطاغوت»، و كذا عطف «الخنازير». و هذان لم يأت ذكرهما في سائر القرآن؛ فيكون المعنى: أن من شديد العقوبة أن يتحول الإنسان من شموخ كرامته و اعتلاء شرفه، إلى سافل مبتذل يحمل سمات القردة و الخنازير، مهانا لئيما، يرضخ للطواغيت رضوخ الذليل الحقير.

و عند تفسير قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ «4»، روى وكيع عن سفيان عن منصور عن مجاهد، قال: تنتظر الثواب من ربّها. و

عن الأعمش عنه: «تنتظر رزقه و فضله». و في حديث: «تنتظر من ربها ما أمر لها». قال

(1) تفسير أبي الفتوح، ج 1، ص 217.

(2) التفسير الكبير، ج 3، ص 111.

(3) المائدة/ 60.

(4) القيامة/ 23.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 339

منصور: قلت لمجاهد: إن أناسا يقولون: إنه تعالى يرى، فيرون ربهم؟! فقال مجاهد: لا يراه من خلقه شي ء. و في حديث آخر: يرى و لا يراه شي ء «1».

و أنت ترى أنّ القول بامتناع الرؤية يخالف عقيدة السلفيّين من أصحاب الظواهر، و من ثم رموه بالحياد عن طريقة السلف، و أنه يفسّر برأيه، أو أنه يرى مذهب الاعتزال، كما رموا تلاميذه حسبما يأتي في ابن أبي نجيح راوي تفسيره.

و من ثم قال الطبري- تعقيبا على ذلك-: و أولى القولين في ذلك عندنا بالصواب، القول الذي ذكرناه عن الحسن و عكرمة، من أنّ معنى ذلك: تنظر إلى خالقها.

قال الأستاذ الذهبي: و هذا التفسير عن مجاهد كان فيما بعد متّكأ قويّا للمعتزلة فيما ذهبوا إليه في مسألة الرؤية «2».

قلت: و العجيب أن الآراء المستقيمة المتوافقة مع الفطرة و العقل الرشيد؛ حيث صدرت قديما و حديثا، فإنها تعزى إلى فريق المعتزلة، أو هي منشأ لمذاهبهم في العقيدة الإسلامية، الأمر الذي يجعل من العقل و الفطرة- في نظر أهل الجمود- في قبضة أهل الاعتزال، و في منحصر آرائهم و مذاهبهم.

قال الزمخشري: ينظرون إلى أشياء لا يحيط بها الحصر، فإن المؤمنين نظّارة ذلك اليوم؛ لأنهم الآمنون الذين لا خوف عليهم و لا هم يحزنون. فاختصاصه بنظرهم إليه لو كان منظورا إليه، محال؛ فوجب حمله على معنى يصح معه الاختصاص. و الذي يصح منه أن يكون من

قول الناس: أنا إلى فلان ناظر ما يصنع بي، تريد معنى التوقّع و الرجاء، و منه قول القائل:

(1) تفسير الطبري، ج 29، ص 120.

(2) التفسير و المفسرون، ج 1، ص 106.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 340

و إذا نظرت إليك من ملك و البحر دونك زدتني نعما

و سمعت سرويّة مستجدية بمكة وقت الظهر، حين يغلق الناس أبوابهم و يأوون إلى مقائلهم، تقول: عيينتي نويظرة إلى اللّه و إليكم.

و المعنى: أنهم لا يتوقّعون النعمة و الكرامة إلّا من ربّهم، كما كانوا في الدنيا لا يخشون و لا يرجعون إلّا إيّاه «1».

و علّق عليه ابن المنير- في الهامش- بأنّ عدم كونه تعالى منظورا إليه، مبنيّ على مذهب المعتزلة، و هو عدم جواز رؤيته تعالى. و مذهب أهل السنّة جوازها!! و قال الفخر: اعلم أن جمهور أهل السنّة يتمسّكون بهذه الآية في إثبات أن المؤمنين يرون اللّه تعالى يوم القيامة. أما المعتزلة فأنكروا دلالة الآية على ذلك أولا، و إمكان تأويلها على الفرض ثانيا؛ حيث الرؤية تمتنع عليه تعالى عقلا و نقلا قطعيا، الأمر الذي لا يختلف في هذه الحياة أم في الآخرة «2».

أمّا المفسرون من علمائنا الإمامية فإنهم مطبقون على امتناع الرؤية مطلقا، و ليس في الآية دلالة صريحة على ذلك، مع شيوع استعمال النظر في التّوقّع و الانتظار.

قال الشيخ أبو جعفر الطوسي رضى اللّه عنه: معناه، منتظرة نعمة ربّها و ثوابه أن يصل إليهم. و يكون النظر بمعنى الانتظار، كما قال تعالى: وَ إِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ «3»، أي منتظرة. و قال الشاعر:

وجوه يوم بدر ناظرات إلى الرحمن يأتي بالفلاح

(1) الكشاف، ج 4، ص

662.

(2) التفسير الكبير، ج 30، ص 226.

(3) النمل/ 35.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 341

و قوله تعالى: وَ لا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ «1» معناه، لا ينيلهم رحمته.

قال رحمه اللّه: و ليس النظر بمعنى الرؤية أصلا، بدلالة أنهم يقولون: نظرت إلى الهلال فلم أره. فلو كان بمعنى الرؤية لتناقض؛ و لأنّهم يجعلون الرؤية غاية للنظر، يقولون: ما زلت أنظر إليه حتى رأيته، و لا يجعل الشي ء غاية لنفسه، فلا يقال: ما زلت أراه حتى رأيته. قال: و النظر- في الأصل- تقليب حدقة العين نحو المرئي طلبا للرؤية، فاستعمل في مطلق التأميل و التوقّع و الانتظار.

قال: و ليس لأحد أن يقول: إنّ ذا يخالف إجماع المفسرين القدامى؛ لأنا لا نسلم ذلك، بل قد قال مجاهد و أبو صالح (و الحسن «2») و سعيد بن جبير و الضحّاك: إن المراد نظر الثواب.

و روى مثله عن عليّ عليه السّلام ثم أخذ في التعمّق و الاستدلال، جزاه اللّه عن الإسلام خيرا «3».

تفسير مجاهد برواية ابن أبي نجيح

هناك تفسير متقطع و مرتّب على السور، يبتدئ من سورة البقرة حتى نهاية القرآن، منسوب إلى مجاهد، يرويه عنه أبو يسار عبد اللّه بن أبي نجيح يسار، الثقفي الكوفي (توفّي سنة 131)، بطريق عبد الرحمن بن الحسن بن أحمد الهمذاني، عن إبراهيم الحسين الهمذاني، عن آدم بن أياس، عن ورقاء بن عمر اليشكري عن ابن أبي نجيح. و قد صحّحه الأئمّة و اعتمده أرباب الحديث.

(1) آل عمران/ 77.

(2) ضم الحسن إلى هؤلاء الأعلام يخالف ما نقلناه عن الطبري، روى بإسناده عن الحسن، قال: تنظر إلى خالقها، و حقّ لها أن تنظر و هي تنظر إلى الخالق. (تفسير الطبري، ج 29، ص 119-

120)

(3) أورد هذا البحث في موضعين من تفسيره القيم «التبيان»، ج 1، ص 227- 229، و ج 10، ص 197- 199.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 342

قال وكيع بن الجراح «1»: كان سفيان يصحّح تفسير ابن أبي نجيح. قال أحمد ابن حنبل: ابن أبي نجيح ثقة، و كان أبوه من خيار عباد اللّه «2». قال الذهبي: هو من الأئمّة الثقات «3». و قد اعتمده البخاري فيما يرويه في التفسير عن مجاهد «4». قال ابن تيميّة: تفسير ابن أبي نجيح عن مجاهد من أصحّ التفاسير، بل ليس بأيدي أهل التفسير كتاب في التفسير أصحّ من تفسير ابن أبي نجيح عن مجاهد «5».

و قد طبع هذا التفسير باهتمام مجمع البحوث الإسلامية في باكستان سنة (1367 ه. ق) و هذا التفسير ينقص كثيرا عما جاء في الطبري من تفسير مجاهد، لكنه عن غير طريق ابن أبي نجيح.

قال شواخ: و قد نقل الطبري من هذا التفسير حوالي (700) مرة في مواضع مختلفة. و قد دخلت بعض أجزاء هذا التفسير في تفسير الطبري عن طريق تفاسير أخرى، مثل تفسير ابن جريج و الثوري و غيرهما «6».

(1) من أكابر الحفّاظ و من الأئمّة الأعلام (27- 96) من أصحاب سفيان الثوري. قال القعنبي كنّا عند حماد بن زيد فجاء وكيع، فقالوا: هذا راوية سفيان. فقال حماد: لو شئت قلت هذا أرجح من سفيان. و قال: أحمد: وكيع شيخ، مطبوع الحديث. (تهذيب التهذيب، ج 11، ص 125)

(2) تهذيب التهذيب، ج 6، ص 54- 55.

(3) ميزان الاعتدال، ج 2، ص 515 رقم 4651.

(4) انظر: فتح الباري بشرح البخاري- كتاب التفسير-، ج 8، ص 122 و 125.

(5) تفسيره

لسورة الإخلاص، ص 94. راجع: المقدمة بقلم عبد الرحمن الطاهر مندوب المجمع ص 60.

(6) معجم مصنفات القرآن الكريم، ج 2، ص 160 رقم 994.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 343

4- طاوس بن كيسان

أبو عبد الرحمن طاوس بن كيسان الخولاني الهمدانى اليماني، من أبناء الفرس، أحد الأعلام التابعين. كان فقيها جليل القدر، نبيه الذكر. قال ابن عيينة:

قلت لعبيد اللّه بن أبي يزيد: مع من تدخل على ابن عباس؟ قال: مع عطاء و أصحابه. قلت: و طاوس؟ قال: أيهات، كان ذلك يدخل مع الخواصّ. و قال عمرو بن دينار: ما رأيت أحدا قطّ مثل طاوس «1».

و قد شهد بشأنه الكثير من العلماء، فعن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس، قال: إني لأظن طاوسا من أهل الجنّة. و قال ابن حبّان: كان من عبّاد أهل اليمن، و من سادات التابعين، و كان قد حجّ أربعين حجّة، و كان مستجاب الدعوة. و قال ابن عيينة: متجنّبو السلطان ثلاثة: أبو ذر في زمانه، و طاوس في زمانه، و الثوري في زمانه. و كان ابن معين يعدله بسعيد بن جبير «2».

قال أبو نعيم: هو أوّل الطبقة من أهل اليمن، الذين

قال فيهم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: الإيمان يمان

. و قد أدرك خمسين رجلا من الصحابة و علماءهم و أعلامهم، و أكثر روايته عن ابن عباس. و روى عنه الصفوة من الأئمّة التابعين «3».

و عدّه ابن شهرآشوب من أصحاب الإمام زين العابدين عليه السّلام و وصفه بالفقيه «4». و له مع الإمام مواقف مشهودة، منها:

عند ما خرّ الإمام ساجدا عند بيت اللّه الحرام، فدنا منه و شال برأسه و وضعه

(1) ابن خلكان: وفيات الأعيان،

ج 2، ص 509 رقم 306. و الحلية، ج 4، ص 9.

(2) تهذيب التهذيب، ج 5، ص 8- 10.

(3) حلية الاولياء، ج 4، ص 3- 23.

(4) المناقب، ج 4، ص 177. و كذا الشيخ في رجاله. معجم رجال الحديث، ج 9، ص 155 رقم 5984.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 344

على ركبته، و بكى حتى جرت دموعه على خدّ الإمام، و عند ذلك استوى الإمام جالسا، و قال: من الذي أشغلني عن ذكر ربّي؟! فقال: أنا طاوس يا ابن رسول اللّه، ما هذا الجزع و الفزع؟! «1».

و أيضا موقفه الآخر مع الإمام في الحجر «2»، مما يدلّ على اختصاصه به و شدّة قربه منه عليه السّلام. و اليمانيّون- و لا سيّما همدان- معروفون بالولاء، و إن كانت النسبة بالولاء.

و هكذا كان يوم موته سنة (106) أيضا يوما مشهودا، و قد وضع عبد اللّه بن الحسن المثنّى سريره على كاهله، و قد سقطت قلنسوته و مزّق رداؤه، من كثرة الزحام «3».

كما أن له مع طواغيت زمانه مواقف حاسمة، إنما تدل على صلابته في جنب اللّه:

قال ابن خلكان: قدم هشام بن عبد الملك حاجّا إلى بيت اللّه الحرام، فلما دخل الحرم قال: آتوني برجل من الصحابة، فقيل له: قد تفانوا. قال: فمن التابعين، فأتي بطاوس اليماني. فلما دخل عليه خلع نعليه بحاشية بساطه، و لم يسلّم بإمرة المؤمنين، و لم يكنّه، و جلس إلى جانبه بغير إذنه، و قال: كيف أنت يا هشام؟

فغضب هشام من ذلك غضبا شديدا و همّ بقتله، فقيل له: أنت في الحرم، لا يمكن ذلك.

فقال: يا طاوس، ما حملك على ما صنعت؟ قال: و ما صنعت؟ فاشتدّ غضبه

(1) المناقب، ج 4، ص 151. و البحار، ج 46، ص 82.

(2) الإرشاد للمفيد، ص 273. و البحار، ج 46، ص 76.

(3) ابن خلكان، ج 2، ص 509 رقم 306.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 345

و غيظه، و قال: خلعت نعليك بحاشية بساطي، و لم تسلّم بإمرة المؤمنين، و لم تكنّني، و جلست بإزائي بغير إذني، و قلت: يا هشام، كيف انت؟! قال: أمّا خلع نعليّ بحاشية بساطك، فإني أخلعهما بين يديّ ربّ العزّة كل يوم خمس مرّات، فلا يعاتبني و لا يغضب عليّ. و أما ما قلت: لم تسلّم عليّ بإمرة المؤمنين، فليس كل المؤمنين راضين بإمرتك، فخفت أن أكون كاذبا. و أما ما قلت: لم تكنّني، فإن اللّه عزّ و جلّ سمّى أنبياءه، قال: يا داود، يا يحيى، يا عيسى. و كنّى أعداءه فقال: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ. و أما قولك: جلست بإزائي، فإني سمعت أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام يقول: «إذا أردت أن تنظر إلى رجل من أهل النار، فانظر إلى رجل جالس و حوله قوم قيام».

فقال له هشام: عظني! قال: إني سمعت أمير المؤمنين عليه السّلام يقول: «إن في جهنّم حيّات كالقلال، و عقارب كالبغال، تلدغ كلّ أمير لا يعدل في رعيّته»، ثم قام و خرج «1».

انظر كيف يكرّر لفظ «أمير المؤمنين» يعني به عليّ بن أبي طالب عليه السّلام في حين امتناعه من التسليم عليه بذلك، بحجة أنّ في المؤمنين- و يعني أمثال نفسه- من لا يرضى بإمرته! إن هذا إلّا تربية أهل الولاء لآل بيت الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم دون غيرهم إطلاقا.

و روى ابن خلكان بشأن ابنه عبد اللّه

ما يشبه صلابة أبيه في الدين، قال:

و روي أن أمير المؤمنين أبا جعفر المنصور، استدعى عبد اللّه بن طاوس و مالك ابن أنس، فأحضرهما. فلمّا دخلا عليه أطرق المنصور ساعة، ثم التفت إلى ابن

(1) ابن خلكان، ج 2، ص 510.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 346

طاوس، و قال له: حدّثني عن أبيك. فقال: حدّثني أبي أن أشدّ الناس عذابا يوم القيامة رجل أشركه اللّه تعالى في سلطانه، فأدخل عليه الجور في حكمه. فأمسك أبو جعفر ساعة، قال مالك: فضممت ثيابي خوفا أن يصيبني دمه. ثم قال له المنصور: ناولني تلك الدواة- ثلاث مرّات- فلم يفعل، فقال له: لم لا تناولني؟

فقال: أخاف أن تكتب بها معصية، فأكون قد شاركتك فيها! فلما سمع ذلك، قال:

قوما عني. قال عبد اللّه: ذلك ما كنّا نبغي. قال مالك: فما زلت أعرف لابن طاوس فضله من ذلك اليوم «1».

قلت: و هذا يتنافى مع تاريخ وفاته بسنة (132) حسبما ذكره ابن حجر «2»؛ لأن أبا جعفر إنّما تصدّى للخلافة بعد موت السفّاح سنة (136) «3». و قد ذكر ابن خلكان تلك الحكاية عن المنصور بعنوان أنه أمير المؤمنين.

كما يتنافى هذا الموقف من ابن طاوس مع ما ذكروا عنه أنه كان على خاتم سليمان بن عبد الملك، و كان كثير الحمل على أهل البيت «4».

و لعل عبد اللّه هذا هو ابن عطاء، الذي صحب الإمامين الباقر و الصادق عليهما السّلام، و كان من خلّص شيعتهما كأبيه عطاء بن أبي رباح «5». قال الكشّي: ولد عطاء بن أبي رباح تلميذ ابن عباس: عبد الملك، و عبد اللّه، و عريف، نجباء، من أصحاب

(1) ابن خلكان، ج 2، ص 511.

(2)

تهذيب التهذيب، ج 5، ص 267.

(3) تتمة المنتهى للقمي، ص 167.

(4) تهذيب الأحكام للشيخ أبي جعفر الطوسي، ج 9، ص 262. و تهذيب التهذيب لابن حجر، ج 5 ص 268.

(5) راجع: الإرشاد للمفيد، ص 263. و بصائر الدرجات للصفّار، ص 252- 253 و ص 257- 258 و روضة الكافي، ج 8، ص 276 رقم 417. و المناقب لابن شهرآشوب، ج 4، ص 188 و ص 204.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 347

أبي جعفر و أبي عبد اللّه عليهما السّلام. ثم روى حديثا يدل على اختصاص عبد اللّه بالصادق، و قربه منه حسبما يأتي «1».

و لطاوس مواقف و آراء تخصّه لا تخلو من طرافة و ظرافة، منها: أنه كان يكره أن يقول: حجّة الوداع، و يقول: حجة الإسلام! أخرج ذلك ابن سعد عن إبراهيم بن ميسرة عنه «2».

و كان ابنه يقول: إن العالم لا يخرف، يريد أباه. فقد أخرج أبو نعيم بإسناده إلى وكيع، قال: حدثنا أبو عبد اللّه الشامي، قال: أتيت طاوسا فخرج إليّ ابنه شيخ كبير، فقلت: أنت طاوس؟ فقال: أنا ابنه. قلت: فإن كنت ابنه فإن الشيخ قد خرف، يعني أباه طاوسا. فقال: إنّ العالم لا يخرف «3».

و

أخرج أبو نعيم بإسناده عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن طاوس عن بريدة عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: «من كنت مولاه فعليّ مولاه».

قال أبو نعيم: غريب من حديث طاوس، لم نكتبه إلّا من هذا الوجه «4».

و له ذيل قوله تعالى: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ حديث طريف جرى بين رسول اللّه و علي عليهما السّلام. و قد تفرّد بنقله عنه وهب بن منبّه

الذي وصفه أبو نعيم بالحكيم الحليم «5».

و جاء ابن سليمان بن عبد الملك فجلس إلى جنب طاوس، فلم يلتفت إليه،

(1) رجال الكشّي (ط نجف)، ص 188.

(2) الطبقات (ط ليدن)، ج 2، ص 135 س 18.

(3) حلية الأولياء، ج 4، ص 11.

(4) المصدر نفسه، ص 23.

(5) المصدر نفسه، ص 22- 23، و الآية من سورة الزخرف/ 67.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 348

فقيل له: جلس إليك ابن أمير المؤمنين، فلم تلتفت إليه؟! قال: أردت أن يعلم أن للّه عبادا يزهدون فيما في يديه، يعني يدي ابن الخليفة «1».

كما أنّ له مع سليمان بن عبد الملك موقفا حكيما يدلّ على صلابته في الدين و صدقه في جنب اللّه «2».

و فسر قوله تعالى: وَ خُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً قال: في أمور النساء، ليس يكون الإنسان في شي ء أضعف منه في أمور النساء «3».

و فسر قوله تعالى: أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ قال: بعيد من قلوبهم «4».

و كان يقول: لم يجهد البلاء من لم يتولّ اليتامى أو يكون قاضيا بين الناس في أموالهم، أو أميرا على رقابهم «5».

5- عكرمة مولى ابن عباس
اشارة

أبو عبد اللّه عكرمة بن عبد اللّه. أصله من البربر من أهل المغرب، كان لحصين بن الحرّ العنبري، فوهبه لابن عباس، حين ولّي البصرة لعليّ بن أبي طالب عليه السّلام، و اجتهد ابن عباس في تعليمه القرآن و السّنن، و سماه بأسماء العرب «6».

(1) حلية الأولياء، ج 4، ص 16.

(2) المصدر نفسه، ص 15.

(3) المصدر نفسه، ص 12، و الآية من سورة النساء/ 28.

(4) المصدر نفسه، ص 11، و الآية من سورة فصلت/ 44.

(5) المصدر نفسه، ص 13.

(6) ابن خلكان-

وفيات الأعيان-، ج 3، ص 265 رقم 421. و في الطبقات: كان ابن عباس يسمّي

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 349

قال ابن سعد: كان يقيّده فيعلّمه القرآن و يعلّمه السّنن «1». فربّاه فأحسن تربيته، و علّمه فأحسن تعليمه، و أصبح فقيها و أعلم الناس بالتفسير و معاني القرآن. قال ابن خلكان: أصبح عكرمة أحد فقهاء مكة و تابعيها، و كان ينتقل من بلد إلى بلد. قال: و روي أن ابن عباس قال له: انطلق فأفت للناس. و قيل لسعيد بن جبير: هل تعلم أحدا أعلم منك؟ قال: عكرمة.

و أخرج الذهبي عن عكرمة قال: طلبت العلم أربعين سنة، و كنت أفتي بالباب و ابن عباس في الدار «2».

و أخرج ابن سعد عن سلّام بن مسكين، قال: كان عكرمة من أعلم الناس بالتفسير. و عن عمرو بن دينار، قال: دفع إليّ جابر بن زيد مسائل أسأل عنها عكرمة، و جعل يقول: هذا عكرمة مولى ابن عباس، هذا البحر فسلوه. و أخرج عنه أبو نعيم، قال: هذا عكرمة مولى ابن عباس، هذا أعلم الناس.

و كان ابن عباس لا يدع فرصة لتعليمه، قال عكرمة: قال لي ابن عباس و نحن ذاهبون من منى إلى عرفات: هذا يوم من أيامك (أي هذه فرصة لك فاغتنمها) فجعلت أرجن به و يفتح عليّ ابن عباس «3».

و أخرج ابن سعد أيضا عن خالد بن القاسم البياضي قال: مات عكرمة و كثير

عبيده أسماء العرب، عكرمة و سميع و كريب. و كان يأمرهم بالتزويج و ترك العزوبة. (ابن سعد، ج 5، ص 212).

(1) الطبقات، ج 5 (ط ليدن)، ص 212. قال: كان يضع في رجله الكبل لذلك. و راجع: أيضا، ج 2،

ص 133. و راجع: حلية الأولياء لأبي نعيم الأصبهاني، ج 3، ص 326 رقم (245) و في الميزان، ج 3، ص 95 رقم 5716: كان يضع في رجلي الكبل على تعليم القرآن و الفقه.

(2) ميزان الاعتدال، ج 3، ص 95، رقم 5716.

(3) أرجن به، أي أوقفه فأسأله. (الطبقات، ج 5، ص 212).

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 350

عزّة الشاعر في يوم واحد سنة (105) فرأيتهما جميعا صلّي عليهما في موضع واحد بعد الظهر في موضع الجنائز، فقال الناس: مات اليوم أفقه الناس و أشعر الناس «1».

و أخرج أبو نعيم عن إسماعيل بن أبي خالد، قال: سمعت الشعبي يقول: ما بقي أحد أعلم بكتاب اللّه تعالى من عكرمة. و عن سلّام بن مسكين، قال: سمعت قتادة يقول: أعلمهم بالتفسير عكرمة.

و أخرج عن يزيد النحوي عن عكرمة، قال ابن عباس لي: انطلق فأفت للناس، فمن سألك عمّا يعنيه فأفته، و من سألك عما لا يعنيه فلا تفته، فإنك تطرح عنّي ثلثي مئونة الناس.

و عن عمرو بن دينار، قال: كنت إذا سمعت من عكرمة يحدّث عن المغازي، كأنّه مشرف عليهم ينظر كيف كانوا يصنعون و يقتتلون. و كان سفيان الثوري يقول بالكوفة: خذوا التفسير عن أربعة: سعيد بن جبير، و مجاهد، و عطاء، و عكرمة.

و في رواية: تبديل عطاء بالضحاك «2».

و أخرج ابن حجر عن يزيد النحوي عن عكرمة، قال: قال لي ابن عباس:

انطلق فأفت بالناس و أنا لك عون. قال: فقلت له: لو أن هذا الناس مثلهم مرّتين لأفتيتهم. قال: فانطلق فأفتهم، فمن جاءك يسألك عمّا يعنيه فأفته، و من سألك عمّا لا يعنيه فلا تفته، فإنك تطرح عنك ثلثي مئونة الناس.

و قال ابن

جوّاس: كنّا مع شهر بن حوشب بجرجان، فقدم علينا عكرمة، فقلنا لشهر: أ لا نأتيه؟ فقال: ائتوه، فإنه لم يكن أمّة إلّا كان لها حبر، و أن مولى ابن عباس

(1) الطبقات، ج 5، ص 216.

(2) حلية الأولياء، ج 3، ص 326- 329.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 351

حبر هذه الأمّة «1». فقد حمل هذا اللقب الرفيع من مؤدّبه ابن عباس و ورثه منه.

و قال المروزي: كان عكرمة أعلم شاكردي ابن عباس بالتفسير، و كان يدور البلدان يتعرّض «2».

و قال قتادة: كان أعلم التابعين عطاء و سعيد بن جبير و عكرمة، قال: و أعلمهم بالتفسير عكرمة.

و قال ابن عيينة: سمعت أيّوب يقول: لو قلت لك: إن الحسن ترك كثيرا من التفسير، حين دخل علينا عكرمة البصرة حتى خرج منها، لصدقت «3».

و قال ابن المديني: كان عكرمة من أهل العلم، و لم يكن في موالي ابن عباس أغزر علما منه.

و قال ابن مندة: قال أبو حاتم: أصحاب ابن عباس عيال على عكرمة.

و قال ابن خيثمة: كان عكرمة من أثبت الناس فيما يروي «4».

تلك شهادات ضافية و مستفيضة بشأن الرجل، تجعله في قمّة الفضيلة و العلم، و الثقة و الاعتماد عليه لدى الأئمّة، مما يوهن ماحيك حول الرجل من أوهام و أكاذيب مفضوحة، ليست تتناسب مع شخصيّة كانت تربية مثل ابن عباس، و موضع عنايته الخاصة.

قال أبو جعفر الطبري: و لم يكن أحد يدفع عكرمة عن التقدّم في العلم بالفقه

(1) تهذيب التهذيب، ج 7، ص 265، و ميزان الاعتدال، ج 3، ص 93، رقم 5716.

(2) المصدر نفسه. و شاگرد- بالكاف الفارسية-: التلميذ. و قد ذكره ابن حجر في مقدمة شرح البخاري

ص 428 بلفظ: «كان عكرمة أعلم موالي ابن عباس و أتباعه بالتفسير».

(3) المصدر نفسه، ص 266.

(4) ابن حجر في مقدمة شرح البخاري، ص 428.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 352

و القرآن و تأويله، و كثرة الرواية للآثار، و أنه كان عالما بمولاه. و في تقريظ جلّة أصحاب ابن عباس إيّاه و وصفهم له بالتقدّم في العلم و أمرهم الناس بالأخذ عنه، ما بشهادة بعضهم تثبت عدالة الإنسان، و يستحقّ جواز الشهادة. و من ثبتت عدالته لم يقبل فيه الجرح، و ما تسقط العدالة بالظنّ، و يقول فلان لمولاه:

لا تكذب عليّ، و ما أشبهه من القول الذي له وجوه و تصاريف و معان غير الذي وجّهه إليه أهل الغباوة، و من لا علم له بتصاريف كلام العرب «1».

و قال أبو نعيم: و منهم مفسّر الآيات المحكمة، و منوّر الروايات المبهمة، أبو عبد اللّه مولى ابن عباس عكرمة. كان في البلاد جوّالا، و من علمه للعباد بذّالا «2».

و أما الذين طعنوا فيه، فقد قصرت أنظارهم و لم يعرفوا وجه المخرج من ذلك، مع وضوح براءة الرجل مما قيل فيه. و يتلخص في رميه بالكذب، و ميله إلى رأي الخوارج. أما الأول فلرواية رووها عن ابن عمر أنه قال لمولاه نافع: لا تكذب عليّ كما كذب عكرمة على ابن عباس. و أما الثاني فلوهم توهّموه من سفرته إلى المغرب عند تجواله البلاد، و أن الخوارج هناك أخذوا عنه أحاديث.

و من الواضح أنّ هكذا تشبّثات غريبة إنما تنمّ عن حسد كان يحمله مناوئوه تجاه منزلة الرجل و شموخه في الفقه و العلم، بمعاني القرآن الكريم.

قال ابن حجر- بشأن الرواية عن ابن عمر-: إنها ضعيفة الإسناد، فضلا

عن اختلاف المتن و تباين النقل فيها. قال: إنها لم تثبت؛ لأنها من رواية أبي خلف الجزّار عن يحيى البكّاء، و البكّاء متروك الحديث.

(1) عن المقدمة لابن حجر، ص 428- 429.

(2) حلية الأولياء، ج 3، ص 326، رقم 245.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 353

و من ثم قال ابن حبّان: و من المحال أن يجرّح العدل بكلام المجروح. يقصد به البكّاء.

و أضاف ابن حجر: أن إسحاق بن عيسى سأل مالكا: أبلغك أن ابن عمر قال لنافع كذا؟ قال: لا. و لكن بلغني أن سعيد بن المسيّب قال ذلك لمولاه برد! «1» قلت: و لقد كان رميه بالكذب شائعا على عهده، و ربما على عهد سيّده ابن عباس أيضا؛ حيث ورد الذّبّ عن نفسه صريحا، و إنكار ابن عباس ذلك.

قال ابن حكيم: كنت جالسا مع أبي أمامة بن سهل بن حنيف، إذ جاء عكرمة، فقال: يا أبا أمامة، أذكّرك اللّه، هل سمعت ابن عباس يقول: «ما حدّثكم عكرمة عنّي فصدّقوه، فإنه لم يكذب عليّ»؟ فقال أبو أمامة: نعم «2».

و قال أيّوب: قال عكرمة: أ رأيت هؤلاء الذين يكذّبوني من خلفي، أ فلا يكذّبوني في وجهي! قال ابن حجر: يعني أنهم إذا واجهوه بذلك أمكنه الجواب عنه و المخرج منه. و ذلك أن عكرمة كان يسمع الحديث من شيخ و مثله من شيخ آخر، فربما حدّث و أسنده إلى الأول، ثم يحدّث و يسنده إلى الآخر، فمن ذلك رموه بالكذب، كما قال أبو الأسود: كان عكرمة ربما سمع الحديث من رجلين، فكان إذا سئل حدّث به عن رجل، ثم يسأل عنه بعد حين فيحدّث به عن الآخر، فيقولون: ما أكذبه! و هو صادق «3».

قال

ابن حجر: احتجّ بحديث عكرمة البخاري و أصحاب السّنن. و تركه مسلم- إلّا حديثا واحدا- و إنما تركه لكلام مالك فيه (كان مالك لا يراه ثقة و يأمر

(1) مقدمة شرح البخاري، ص 425.

(2) تهذيب التهذيب، ج 7، ص 265 و المقدمة، ص 427.

(3) مقدمة فتح الباري، ص 427.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 354

أن لا يؤخذ عنه) «1». قال: و قد تعقّب جماعة من الأئمّة ذلك، و صنّفوا في الذّبّ عن عكرمة، منهم: أبو جعفر ابن جرير الطبري، و محمّد بن نصر المروزي، و أبو عبد اللّه ابن مندة، و أبو حاتم ابن حبّان، و أبو عمرو ابن عبد البرّ، و غيرهم.

و قد لخّص ابن حجر ما قيل فيه، ثم عقّبه بالإجابة عليه، قائلا: فأما أقوال من أوهاه، فمدارها على ثلاثة أشياء: على رميه بالكذب، و على الطّعن فيه بأنه كان يرى رأي الخوارج، و على القدح فيه بأنه كان يقبل جوائز الأمراء. قال: أما قبول الجوائز فجمهور أهل العلم على الجواز، و قد صنّف في ذلك ابن عبد البرّ «2» قال:

على أن ذلك ليس بمانع من قبول روايته، و هذا الزهري قد كان في ذلك أشهر من عكرمة، و مع ذلك فلم يترك أحد الرواية عنه بسبب ذلك «3».

و أما تهمة البدعة فإنّها لم تثبت، و قد نفاها عنه جماعة من الأئمّة النقّاد. قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن عكرمة، فقال: ثقة. قلت: يحتجّ بحديثه؟ قال: نعم، إذا روى عنه الثقات. و الذي أنكر عليه مالك، إنما هو بسبب رأي، على أنه لم يثبت عنه من وجه قاطع أنه كان يرى ذلك، و إنما كان يوافق في بعض المسائل

«4»

(1) تهذيب التهذيب، ج 7، ص 268. و في الميزان، ج 3، ص 95: قال مطرف: سمعت مالكا يكره أن يذكر عكرمة، و لا رأى أن يروي عنه.

(2) لم نجد فقيها من فقهاء ذلك العهد، كان قد سلم من ذلك، لا سيّما إذا كان الأمير صالحا، و كان الفقيه بحاجة، كما هو الشأن في مثل عكرمة. فقد قيل له: ما جاء بك إلى هذه البلاد؟ قال: الحاجة.

(طبقات ابن سعد، ج 5، ص 214) و في رواية: أسعى على عيالي (مقدمة الفتح، ص 426)

(3) مقدمة فتح الباري، ص 424- 427.

(4) ما من مذهب و طريقة إلّا و يتوافق بعض مسائله مع مسائل مذاهب آخرين، و هذا لا يعني التوافق في الأصول و في كل الاتجاهات. نعم، الذين في قلوبهم زيغ، يتبعون ما تشابه، ابتغاء الفتنة و سعيا و راء الفساد في الأرض.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 1، ص: 355

فنسبوه إليهم. و قد برّأه أحمد و العجلي من ذلك، فقال- في كتاب الثقات له-:

عكرمة مولى ابن عباس، مكّيّ تابعي ثقة، بري ء مما يرميه الناس به من الحروريّة.

و قال ابن جرير: لو كان كل من أدّعي عليه مذهب من المذاهب الرّديئة، ثبت عليه ما أدّعي به، و سقطت عدالته، و بطلت شهادته بذلك؛ للزم ترك أكثر محدّثي الأمصار؛ لأنه ما منهم إلّا و قد نسبه قوم إلى ما يرغب به عنه «1».

قال الذهبي: عكرمة مولى ابن عباس، أحد أوعية العلم. تكلّم فيه، لرأيه لا لحفظه، فاتّهم برأي الخوارج. و قد وثّقه جماعة، و اعتمده البخاري «2».

و أما الكذب فلا منشأ لرميه به سوى حديث ابن عمر الآنف، و في طريقه ضعف الأمر الذي

لا يصطدم مع وفرة توثيقه: أخرج ابن حجر عن البخاري قال:

ليس أحد من أصحابنا إلّا احتج بعكرمة. و قال ابن معين: إذا رأيت إنسانا يقع في عكرمة فاتّهمه على الإسلام. و قال المروزي: قلت لأحمد بن حنبل: يحتج ب