مصباح الهدایة في تحقیق الولایة

هوية الکتاب

بطاقة تعريف: البهبهاني،السیدعلي، 1264 -1353.

عنوان واسم المؤلف: مصباح الهدایة في تحقیق الولایة: تحقیق علمی دقیق فی اثبات الولایة و الامامة مما تضافرت علیه الایات و الروایات /تحقیق علی الموسوي البهبهاني ؛باشراف رضا الاستادي.

تفاصيل المنشور: اهواز: دار العلم آیة ا...البهبهاني ، 1388 .

مواصفات المظهر: 384 ص. ،مصور، نمونه

شابک : 978-964-8300-30-7

حالة الاستماع: فیپا

لسان : العربية

ملحوظة : متن احادیث از "غایه المرام و حجه الخصام: فی تعیین الامام من طریق الخاص و العام" نقل گردیده است.

ملحوظة : الطبعة السابقة : رهنمون، 1385

ملحوظة : کتابنامه : في شكل ترجمة

موضوع : علی بن ابی طالب (ع)، امام اول، 23 قبل از هجرت - 40ق -- اثبات خلافت

موضوع : اربعینات -- قرن 14

الإمامة -- أحاديث

الوصاية -- أحاديث

أحاديث الشيعة -- قرن 14

المعرف المضاف: استادی، رضا، 1316 -

المعرف المضاف: بحرانی، هاشم بن سلیمان، - 1107؟ق. . غایه المرام و حجه الخصام فی تعیین الامام من طریق الخاص و العام

ترتيب الكونجرس: BP143/9/ب87م6 1388

تصنيف ديوي: 297/218

رقم الببليوغرافيا الوطنية: 1 8 8 1 4 9 7

موسسة و انتشارات دار العلم آیت الله بهبهاني

رقم التسجيل : 199 - صندوق بريد : 6138- 37155

الهاتف الفاكس : (0251) 7739101

Email : Institute_behbahani@yahoo.com

* اسم الكتاب: مصباح الهداية

* المؤلّف: آية الله العظمى السيد علي الموسوى البهبهاني«ره»

* الناشر: مؤسسه انتشارات آيت الله بهبهاني قم

* الطبعة: الأول

* تاريخ الطبع: 1430 ه-ق

* عدد الصفحات: 384

* تنضيد الحروف: كمبيوتر رسانه المكتوب اهواز

* المطبعة: شريعت

* محلّ التوزيع مؤسسه انتشارات آيت الله بهبهاني قم

* الثمن: 6000 تومان

* الكمية: 2000 نسخه

* شابک: 7-30-8300-964-978

ص: 1

اشارة

مِصباح الهداية

في إثبات الولاية

تحقیق علمی دقيق في إثبات الولاية

و الإمامة ممّا تضافرت عليه الآيات و الروايات

تأليف

آية الله

سَماحة العلامة المُحقِّق

الحاج السيد علي الموسوى البهبهاني

قدس سره

باشراف

رضا الاستادى

ص: 2

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

مؤلف هذا الكتاب الثمين أحد الفقهاء المبرزين ، صاحب النظرات والمباني العلمية الخاصة والمؤلفات القيمة النافعة في الأدب والفقه والأصول والحديث والتفسير والعقائد الإسلامية وغيرها من العلوم الدينية .

اسمه واسم أبيه وجده

علي بن محمد بن علي

أبوه : السيد محمد البهبهاني كان من علماء بهبهان رحمه الله تعالى

ولادته : ولد في سنة 1303 أو 1304 في مدينة بهبهان .

مدة تحصيله ومكانه : إلى سنة 1322 كان ببهبهان ، تلقى فيه مقدمات العلوم ودراسة السطوح وإلى سنة 1328 بالنجف على مشرفه السلام ، تزود من فطاحل تلك الحوزة علما وخبرة وأصبح من ذوي الرأي والنظر .

ص: 3

مشايخه ببهبهان :

1 - السيد محمد شاه - ناظم الشريعة - البهبهاني المتوفى 1370 ق .

هو من تلاميذ الآخوند الخراساني صاحب الكفاية ، والسيد الطباطبائي صاحب العروة والشيخ هادي الطهراني صاحب المحجة .

وله إجازة من صاحب الكفاية دالة على فضله (1)

2 - الشيخ الميرزا حسن البهبهاني المتوفى بعد سنة 1320 ابن الشيخ المولى حسين البهبهاني .

كان أبوه تلمذ على الشيخ الأنصاري رضوان الله تعالى عليه بالنجف زمنا طويلا ثم عاد إلى وطنه فقام بالوظائف الشرعية أحسن قيام فكان من المراجع للأمور ، مع ورع ودين وتقوى وقدس . توفي حدود 1298 . (2) وأما الشيخ الميرزا حسن فإنه قرأ الفقه والأصول على والده العلامة وعلى العالم الجليل السيد المير محمد صالح بن الأمير علي نقي البهبهاني ، ولما توفي والده قام هو مقامه بالوظائف الشرعية وكان حسن السيرة طيب السريرة . (3) والسيد محمد صالح هذا كان من تلاميذ الشيخ الأنصاري رضوان الله تعالى عليه وغيره من الفحول في النجف ، وقد عاد إلى بهبهان بعد أن بلغ درجة سامية في العلم والعمل ، وصار من الفقهاء الأفاضل والعلماء الأجلاء فانثنت له الوسادة وقام بوظائف الشرع الشريف من التدريس والإمامة وفصل القضاء ، وكان له في ترويج الدين ونشر الأحكام بين الأنام أياد بيضاء تستحق التقدير والثناء إلى أن توفي حدود سنة 1309 .

ص: 4


1- گنجينهء دانشمندان 3 / 242 .
2- أعلام الشيعة (القرن 13) ص 415 .
3- أعلام الشيعة (القرن 14) ص 349 .

وله تلامذة .

أعلام منهم الفقيهان الفاضلان الميرزا حسن [ وأستاذ السيد علي البهبهاني ] والمولى محمد تقي بن محمد كاظم البهبهاني (1) وغيرهما . (2)

3 - الشيخ عبد الرسول البهبهاني " ره " . لم يذكر هذا الأستاذ في كتب التراجم التي بأيدينا ، وكفى له فضلا تتلمذ سيدنا البهبهاني عليه .

مشايخه بالنجف :

4 - الشيخ محمد كاظم الخراساني المتوفى 1329 صاحب الآثار الكثيرة . طبع منها :

ألف : كفاية الأصول .

ب : الحاشية على فرائد الأصول للشيخ الأنصاري .

ت : فوائد الأصول .

ث : الحاشية على المكاسب للشيخ الأنصاري .

ج : تكملة التبصرة للعلامة الحلي .

ح : اللمعات النيرة في شرح تكملة التبصرة .

خ : كتاب الوقف . .

د : كتاب الرضاع .

ص: 5


1- هو الشيخ المولى محمد تقي بن المولى محمد كاظم بن محمد جعفر بن المولى محمد صادق البهبهاني عالم جليل وورع تقي كان مرجع الإمامة وغيرها في بهبهان ، تشرف إلى العتبات المقدسة حدود 1320 ورجع وتوفي في نيف وعشرين وثلاثمائة . كان جده الأعلى من طبقة تلاميذ الوحيد البهبهاني ومعاصرا للمولى محمد كاظم تلميذ الوحيد . وكان ابنه العالم الفاضل الشيخ محمد علي من قدماء أصدقاء العلامة الطهراني صاحب الذريعة ، وكان شريكه في البحث سنين : أيام حضورهما على الآخوند الخراساني " ره " . راجع أعلام الشيعة (القرن 14) ص 266 .
2- أعلام الشيعة (القرن 14) ص 936 .

ذ : كتاب الدماء الثلاثة .

ر : كتيبات أخرى في الطلاق والعدالة والرهن طبعت هذه الستة (من ج - إلى - ر) ببغداد وسماها الناشر بالقطرات . . . والشذرات .

ز : روح الحياة في تلخيص نجاة العباد .

س : ذخيرة العباد (رسالة عملية فارسية) . (1) 5 - السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي المتوفى 1337 . له مصنفات قيمة طبع منها :

ألف : العروة الوثقى وملحقاتها .

ب : الحاشية على المكاسب للشيخ الأنصاري .

ج : السؤال والجواب .

د : الصحيفة الكاظمية .

ه: بستان نياز وگلستان راز .

و : الكلم الجامعة والحكم النافعة .

ز : التعادل والتراجيح .

ح : اجتماع الأمر والنهي .

ط : رسالة في حكم الظن في الصلاة وبيان كيفية صلاة الاحتياط .

ى : رسالة في منجزات المريض .

ك : الحاشية على تبصرة المتعلمين .

ل : وعدة أخرى من الحواشي على الرسائل العملية . (2) .

ص: 6


1- راجع كتاب " مرگى در نور " ص 326 - 346 .
2- راجع كتاب " المحقق الطباطبائي (السيد عبد العزيز) في ذكراه السنوية الأولى " 3 / 1301 - 1313 .

6 - السيد محسن الكوهكمري بن السيد محمد تقي من أجلة تلامذة الشيخ هادي الطهراني ، كما أن سيدنا البهبهاني من أجلة تلامذة السيد محسن " ره " هذا ، وكان يقول : أكثر تتلمذي عليه .

وللسيد الكوهكمري تأليفات ثمينة :

1 - رسالة الخمس : قال العلامة الطهراني " ره " في الذريعة : رسالة الخمس للسيد محسن ابن السيد محمد تقي الكوهكمري نزيل النجف . كان من وجوه تلامذة العلامة الحاج الشيخ هادي الطهراني النجفي [ المتوفى 1321 ] وصار من المدرسين بعد فوت أستاذه ، لكنه لم يطل أيامه .

رأيت نسخة منه بخط الشيخ شير محمد بن صفر علي الهمداني ، فرغ من كتابتها 1338 في النجف (1) وقال سيدنا البهبهاني في ذيل الحديث السادس عشر من " مصباح الهداية " - الكتاب الذي بين يديك - بعد بيان تفسير آية الخمس : واعلم أن هذه الآية الشريفة مع وجازتها يستفاد منها أغلب أحكام الخمس ، بل جميعها ، وقد صنف سيدنا الأستاذ العلامة أعلى الله مقامه في تفسير الآية الشريفة رسالة مستقلة ، وبين فيها كيفية استخراج أغلب أحكامه منها ، وهذه الرسالة من أنفس الرسائل ، إلا أنها بقيت غير مهذبة . (2) .

ص: 7


1- الذريعة 7 / 255 والشيخ شير محمد من تلاميذ الشيخ علي أصغر الخطائي ، وهو من تلامذة الشيخ هادي الطهراني أيضا . راجع أعلام الشيعة (القرن 14) ص 849 .
2- وقد ألف الشيخ فياض الزنجاني - وهو أيضا من أجلة تلاميذ الشيخ هادي الطهراني - رسالة " ذخائر الإمامة " وقال في مقدمتها : المقاصد في مسألة الخمس خمسة : الأول ما فيه الحق ، والثاني من هو عليه ، والثالث من هو له ، والرابع كيفية تعلقه ، والخامس بيان مصرفه ، والمتكفل لها كلها آية الخمس ، ثم بينها تفصيلا طبعت في 240 صفحة .

وفي مكتبة الأستاذ المحقق آية الله الحاج السيد موسى الشبيري الزنجاني دام ظله توجد نسخة من رسالة الخمس للسيد محسن بن محمد تقي في شرح صحيحة ابن مهزيار (1) .

ولعلها غير الرسالة الشارحة للآية الشريفة .

2 - رسالة في الإمامة . قال في الذريعة : الإمامة للسيد محسن بن محمد تقي الكوهكمري النجفي المعاصر من أجلة تلاميذ الحجة الشيخ هادي الطهراني والمتوفى بعده بسنين قلائل . فارسي مرتب على مقامات ثمانية .

رأيته بخط الشيخ شير محمد الهمداني ، تاريخ كتابته سنة 1338 . (2) وتوجد نسخة منه في مكتبة أستاذنا الزنجاني دام ظله (3) 3 - الإحكام في شرح حديث أبي الأسود الدؤلي .

توجد نسخة منه في تلك المكتبة أيضا . (4) 4 - رسالة في المشتق (لعلها منه " ره ") .

توجد نسخه منها فيها أيضا (5) .

5 - المواعظ . فارسي .

توجد نسخه منه فيها أيضا (6) .

ص: 8


1- آشنايي با چند نسخه خطى ص 222 .
2- الذريعة 1 / 333 .
3- آشنايي با چند نسخه خطى ص 223 .
4- آشنايي با چند نسخه خطى ص 223 .
5- آشنايي با چند نسخه خطى ص 223 .
6- آشنايي با چند نسخه خطى ص 223 .

رجوعه إلى إيران :

بعد سعت سنين من المكوث في النجف الأشرف والاستفاضة من هؤلاء الأساتذة العظام قفل راجعا سنة 1328 إلى مسقط رأسه ببهبهان .

فاشتغل فيها بالتدريس والإفاضة .

وبعد زواجه رجع مرة أخرى إلى النجف الأشرف وأخذ يدرس هناك ، ولكن لأجل عدم مساعدة المزاج والابتلاء ببعض الأمراض لم يلبث إلا سنة واحدة وعاد مرة أخرى إلى بهبهان مشتغلا بالتدريس وأمور الناس الشرعية ، وكان فيه إلى سنة 1338 ق .

وفي تلك السنة بدعوة جماعة من أفاضل درس أستاذه المرحوم آية الله السيد محسن الكوهكمري هاجر مرة ثالثة إلى النجف الأشرف ، وهيأ أسباب التوقف هناك ، ورجع إلى بهبهان ليحمل عائلته معه ، ولكن مرض زوجته في المسير - في رامهرمز - أوجب التوقف هناك عدة أشهر ، ثم بدعوة المؤمنين وإصرارهم ولعلة أو علل أخرى ، عزم على المكث في رامهرمز - العبد يدبر والله يقدر - وطال هذا المكث إلى سنة 1362 ، وكان فيه مدرسا ومرجعا للناس في أمر دينهم وأحكامهم الشرعية .

وفي سنة 1362 لأجل زيارة الأئمة الطاهرين عليهم السلام سافر إلى العتبات المقدسة ، وبطلب بعض أعاظم علماء كربلاء أقام فيها سنتين أخذ بتدريس خارج الفقه والأصول ، وبعدها هاجر إلى النجف الأشرف وبقي فيه سنة وعدة شهور يدرس الفقه الاستدلالي - خارج الفقه - وفي سنة 1365 أرسل من رامهرمز رسائل متعددة إليه وإلى آية الله العظمى الإصبهاني - المرجع العام للشيعة الإمامية في ذاك الزمن - طلبوا فيها أن يرجع السيد إلى مدينة رامهرمز . وعلى أساس ذلك طلب السيد الإصبهاني " ره " منه أن

ص: 9

لا يرد طلبهم ، ولذا عاد سماحته إلى رامهرمز وبقي فيه إلى سنة 1370 .

وفي تلك السنة هاجر إلى الأهواز وضمن تشكيل الحوزة العلمية أخذ يدرس الفقه والأصول .

ومن سنة 1386 رما بعدها إلى آخر عمره الشريف بدعوة بعض علماء إصبهان اختار الإقامة ستة أشهر من السنة في إصبهان وستة اشهر (أيام الخريف والشتاء) في الأهواز وكان في الأهواز وإصبهان من المراجع لأمور دين الناس ، وكان كثير من أهالي تلك الديار وغيرها مقلدين له في أحكامهم الشرعية ووظائفهم .

تلامذته :

ومن سنة 1328 ق إلى 1395 ق . في كل هذه السنوات وكل هذه البلاد والحوزات تتلمذ عليه واستفاد من إفاداته وتدريسه عدة كثيرة من الطلاب والفضلاء والعلماء نذكر هنا بعضا من مشاهيرهم وأفاضلهم :

1 - السيد فرج الله المصطفوي البهبهاني صاحب التأليفات ، منها رسالة في قاعدة لا ضرر . تلمذ عليه في بهبهان (1) 2 - الشيخ الدكتور جواد تارا (1274 - 1352 ش) تلمذ عليه بالنجف بعد رجوع الأستاذ من إيران إلى النجف ثانيا .

هو أيضا تلمذ على الشيخ علي أصغر الخطائي من أجلة تلاميذ الشيخ هادي الطهراني .

وله (أي الأستاذ تارا) مؤلفات كثيرة مطبوعة ، منها :

1 - رشد حكمت در اسلام .

ص: 10


1- گنجينهء دانشمندان 3 / 250 وهذا التلميذ صهر الأستاذ .

2 - آسايش زندگى يا تدبير منزل .

3 - اجتهاد در مسلك أصولي واخبارى . .

4 - دائرة المعارف العلوية حول الكلمات القصار للإمام أمير المؤمنين عليه السلام .

5 - علم كلام جديد يا چهار مقاله .

وغيرها . (1)

3 - الشيخ محمد رضا الجرقويي الإصفهاني الحائري المتوفى 1393 .

تلمذ عليه بكربلاء المقدسة .

وهو من أعلام كربلاء وله تأليفات :

منها إزالة الريبة عن حكم صلاة الجمعة في زمن الغيبة .

وتنبيه الغافلين عن معرفة رب العالمين . (2)

4 - السيد علي العلامة الفاني الإصبهاني كان " ره " من مراجع الشيعة الإمامية وله آثار علمية كثيرة ، مطبوعة وغير مطبوعة . (3) كان تتلمذه عليه بالنجف بعد رحلة الأستاذ من كربلاء إلى النجف ، وكان السيد الفاني " ره " قد هاجر سنة 1362 بعد وفاة أستاذه السيد علي النجف آبادي إلى النجف .

تلمذ على المؤلف في الأهواز وإصبهان عدة كثيرة ، منهم :

5 - السيد محمد رضا الشفيعي الدزفولي (1327 - 1385) صاحب المصنفات العديدة ، منها مفتاح الهداية في ترجمة مصباح الهداية لأستاذه .

ص: 11


1- مؤلفين كتب چاپى للمشار 2 / 409 . دائرة المعارف تشيع 4 / 27 . دائرة المعارف العلوية طبع قم .
2- ارمغان أصفهان ، ص 55 .
3- راجع ارمغان أصفهان ص 63 .

6 - السيد إسماعيل بن السيد أحمد المرعشي صاحب التأليفات ، منها .

شرح الأربعين حديثا . (1)

7 - السيد محمد بن السيد نعمة الله الجزائري - سلمه الله - مؤلف الكتاب القيم " نابغة فقه وحديث " في ترجمة جده الأمجد السيد الجزائري صاحب الأنوار النعمانية .

8 - السيد علي الشفيعي . له تقريرات درس أستاذه . (2)

9 - الشيخ ناصر الحمادي مؤلف كتاب صفايا العقول في علم الأصول . (3)

10 - السيد إسماعيل الهاشمي . تلمذ عليه بإصبهان وله تأليفات ، منها الدرة البيضاء في مناقب سيدة النساء عليها السلام .

11 - صهره السيد محمد كاظم الموسوي من علماء رامهرمز ثم الأهواز .

12 - نجله السيد عبد الله مجتهد زاده وكان هو أحسن معين للوالد في جميع أموره إلى آخر عمره الشريف المبارك ومات بعد والده رحمة الله عليهما .

13 - نجله الآخر السيد محمد جعفر مجتهد زاده صاحب التأليفات ، منها الكشكول في خمس مجلدات والمتوفى سنة 1394 في زمان حياة والده .

14 - نجله الأخير السيد محمد تقي مجتهد زاده ، المتوفى سنة 1386

ص: 12


1- راجع گنجينهء دانشمندان 3 / 154 .
2- مجلة نور العلم ، ش 39 .
3- ارمغان أصفهان ص 66 ونور العلم ش 39 .

في ريعان شبابه . .

المجازون منه (1)

1 - الأستاذ الشيخ علي الدواني صاحب التأليفات القيمة ، وهو كان مورد عناية السيد قدس سره طول ثلاثين سنة ، وسعيه - سلمه الله - في تعريف السيد وآثاره للحوزات العلمية ، مشكور جدا .

2 - السيد محمد علي الروضاتي ، مؤلف الآثار الكثيرة كجامع الأنساب والحواشي على روضات جده قدس سره وغيرهما دامت إفاداته .

3 - السيد عباس الحسيني الكاشاني - سلمه الله - مصنف الكتب المتعددة المطبوعة وغير مطبوعة .

4 - الشيخ أبو الحسن الأنصاري الدزفولي من أسباط الشيخ الأنصاري وأحد أعلام الأهواز .

5 - السيد محمد رضا الشفيعي المتوفى 1384 الذي مر ذكره في تلاميذ السيد " قدس سره " .

6 - السيد علي بن السيد محمد رضا الشفيعي سلمه الله الذي مر ذكره أيضا في تلاميذ السيد " قدس سره " .

تأليفاته :

1 - الاشتقاق أو كشف الأستار عن وجه الأسرار ، المودعة في الرواية الشريفة المسندة إلى باب مدينة العلم المنقولة عن أبي الأسود الدؤلي في أصول العربية .

ص: 13


1- راجع مجلة نور العلم ش 39 .

طبع سنة 381 بطهران (171 صفحة) . .

ويشتمل على مقامات ثلاثة :

الأول في تفسير مفردات الرواية .

والثاني في بيان المراد من مركباتها وأنها مساوية للمحدود ، وأوفى وأتم من جميع تعاريف أهل العربية .

والثالث في بيان الأمور المستفادة منها .

2 - مقالات حول مباحث الألفاظ من أصول الفقه .

طبع بطهران (192 صفحة) 3 - أساس النحو . رسالة موجزة في النحو .

4 - شرح أساس النحو .

وهو كتاب استدلالي بديع ، طبع مع متنه سنة 1385 بطهران .

(223 صفحة) .

5 - الفوائد العلية الشاملة للقواعد الكلية مما يبتنى عليه كثير من معضلات مسائل الفقه والأصول (72 فائدة) .

طبع في مجلدين سنة 1373 و 1380 ، وطبع ثانيا سنة 1405 بقم في مجلد (502 صفحة) .

6 - الفائق - أو التوحيد الفائق في معرفة الخالق - .

رسالة وجيزة في إثبات توحيد الباري تعالى . شاملة لست مراحل :

الأولى في إثبات حدوث العالم وبطلان أزليته .

والثانية في أنه لا بد له من صانع ومدبر واجب بذاته .

والثالثة : في أن الصانع تعالى شأنه لا يتطرق فيه النقص .

والرابعة في أن صفاته تعالى شأنه عين ذاته .

ص: 14

والخامسة في توحيده .

والسادسة في أن وجوده تعالى شأنه ليس مشتركا مع وجود الممكنات .

طبع أولا في (26 صفحه) سنة 1384 في خرم آباد . (1) طبع بطهران ضميمة كتاب التوحيد للشيخ هادي الطهراني " ره " (20 صفحة) .

7 - چهل پرسش پيرامون موضوعات اعتقادي وپاسخ آنها . (128 صفحه) .

طبعت هذه الرسالة أولا بعنوان " فوائد هشتگانه " ثم بعنوان " بيست پرسش وپاسخ آن " ثم ثالثا شاملة للثلاثين ، ورابعا شاملة للأربعين .

وهذه الطبعات الأربعة كلها كانت باهتمام الأستاذ الشيخ علي الدواني - سلمه الله - .

8 - الحاشية على توضيح المسائل لآية الله العظمى البروجردي .

مطبوع .

9 - الحاشية على وسيلة النجاة لآية الله العظمى الإصبهاني . طبع بطهران في هامش الوسيلة .

10 - الحاشية على العروة الوثقى لآية الله العظمى الطباطبائي اليزدي . طبعت بقم .

11 - جامع المسائل وهو أكبر وأشمل من توضيح المسائل . طبع مرات .

12 - رسالة عملية أخرى . مطبوعة .

ص: 15


1- شرح حال وآثار وأفكار آية الله بهبهاني ص 79 .

13 - هداية الحاج في مناسك الحج . طبعت مرات .

14 - مصباح الهداية في إثبات الولاية . وسنرجع إليه . .

آثاره المباركة الخالدة

1 - بناء المساجد الكثيرة في مختلف البلاد (الأهواز - ياسوج - كوه كيلويه وبوير احمد - إصبهان) .

2 - بناء المدرسة العلمية في ياسوج .

3 - بناء مؤسسة دار التبليغ في الأهواز .

4 - بناء مستشفى - درمانگاه - في إصبهان .

5 - وأحسنها وأنفعها إن شاء الله مدرسة دار العلم في الأهواز ومكتبته العامرة التي يشرف عليها اليوم حفيده الموفق السيد نور الدين بن السيد عبد الله مجتهد زاده . (1) مكانته العلمية وأخلاقه المرضية إنه رحمه الله بحق كان من فقهاء الطراز الأول ، ومن المراجع ، والكل يعترف بذلك . كان متبحرا في العلوم المتداولة كاللغة والصرف والنحو وعلوم البلاغة والكلام والتفسير والفقه والأصول وغيرها .

وأن سماحته كأستاذه السيد محسن الكوهكمري وأستاذ أستاذه العلامة الشيخ هادي الطهراني كان صاحب بعض المباني العلمية الخاص ، وتأليفاته التي ذكرناها حاكية عن صدق هذا الادعاء .

ص: 16


1- ومن أراد الاطلاع على تفصيل آثاره المباركة فليراجع كتاب ارمغان أصفهان ص 67 . ومجلة نور العلم العدد 39 وشرح حال آية الله البهبهاني للأستاذ الدواني ص 64 .

وكان رحمه الله بالإضافة - إلى مكانته العلمية زاهدا ورعا تقيا يعيش حياة ساذجة سليمة من التعقيد ، وكان يتواضع إلى أبعد حدود التواضع .

كان في النجف الأشرف إذا دخل المدرسة يأتي إليه الطلاب المبتدئون .

ويعرضون عليه إشكالاتهم ، فكان يحلها لهم مع كامل التواضع وفي بعض الأحيان كان هو يطرح عليهم بعض الأسئلة حتى يحركهم للأمور العلمية وإذا لم يحصلوا على الجواب يأتي لهم بالجواب مع كمال الملاطفة والمحبة وبعبارات واضحة ومفهومة . ومع أنه كرارا منع من الإنس بالطلاب المبتدئين لكنه لم يعبأ بذلك فبقي على سجيته في عنايته للطلاب المبتدئين .

كان لا يتكلم إلا بعد طول أناة وتفكر ، كما كان . قليل الكلام ، ويفوه في مجالات الرأي والبحث - بقول الحق ، وكان يراعي أدب المناظرة مع مناظره مهما كان .

وفي الجلسات العامة (أيام الجمع والأعياد) والتي يأتي الناس إليه لزيارته كان يأخذ كتابا كمجموعة ورام بن أبي فراس وغيره من الكتب الأخلاقية والحديث ويقرأ للناس ويترجم لهم والكل يسمعون له وينزه المجلس عن حالة الغفلة والسكوت والغيبة وغيرها .

ولم يشاهد عليه ولم يسمع منه بلسان أو حركة أو إشارة أنه اغتاب أحدا وكان يعظم ويحترم ويجلل عملا ولفظا ، حضورا وغيابا ، العلماء والمراجع .

كان زهده وتقواه وبساطته وعدم التكلف والتصنع (التشريفات) المتعارفة آنذاك درسا كبيرا ومؤثرا في حق أولاده نسبا ومعنويا من أب رحيم وأستاذ جامع .

ص: 17

كان يهتم بإقامة الصلاة جماعة في الأوقات الثلاثة حتى الصبح وفي السنين الأخيرة كان يقيم صلاة الصبح - في الأهواز - في البيت حيث يجتمع عدة من بعيد وقريب للاقتداء به - وبإصبهان - يقيم صلاة الصبح في مسجد رضوان .

كان يقضي أوقات فراغه بتلاوة القرآن وذكر النبي والأئمة الأطهار بالصلاة والسلام .

يقوم الليل وقت السحر ويحييه بالعبادة ، وكان مقيدا بالنوافل والمستحبات .

وعند حضوره مجالس أبي عبد الله عليه السلام كان يبكي بكاء خالصا وكثيرا .

وفي كلمة واحدة أقول : قد عجنت في وجوده الأخلاق الكريمة والسجايا الحسنة بصورة ذاتية وطبيعية من دون ذرة من التكلف والتصنع ، وكان ممن قيل في حقهم :

يذكركم الله رؤيته ، ويزيد في علمكم منطقه ويرغبكم في الآخرة عمله .

رحمة الله ورضوانه عليه ورزقنا الله تعالى هذه الكرائم والأعمال الخالصة الصالحة .

عناية أعلام الأمة به وجود هذه الفضائل في السيد المؤلف رضوان الله تعالى عليه كان يملك قلوب عامة الناس الذين يعاشرونه ويستفيدون منه بل قلوب أعلام الأمة ومراجعها وعلمائها ، ولذا كان - رحمه الله - منهم بموضع تجليل وتكريم واحترام .

ص: 18

كان بكربلاء المقدسة مورد تكريم شديد لأكبر مرجع ديني آية الله العظمى الحاج آغا حسين القمي الطباطبائي ، وبطلب منه أقام في كربلاء لمدة سنتين وأخذ فيها بالتدريس .

وكان بالنجف الأشرف مورد تجليل لرئيس الأمة والحوزات العلمية آية الله العظمى السيد أبي الحسن الإصبهاني ، وبطلب سماحته أجاب دعوة

أهل مدينة رامهرمز للمرة الثانية وتوقف فيها سنين .

وكان بإصبهان يعد شيخ العلماء ، وعلماء هذا البلد وهذه الحوزة المباركة كل يقر بفضله وقداسته ، وكان يقيم الجماعة ظهرا في مسجد الشيخ لطف الله وبعدها في مسجد السيد وبعدها في أعظم مسجد بإصبهان - مسجد الإمام - وجماعته من أعظم الجماعات وأشرفها .

وفي مشهد الرضا عليه السلام عند تشرف السيد للزيارة كرمه وجلله أحسن تكريم وتجليل الآية العظمى السيد محمد هادي الميلاني أحد المراجع قدس سره .

وفي الحوزة العلمية بقم كان مورد عناية المراجع العظام وبالأخص الإمام الخميني - رضوان الله تعالى عليه - وللسيد " ره " يد بيضاء في حمايته عن الإمام الخميني - رحمة الله عليه ورضوانه - ونهضته . قد دونتها تاريخ النهضة الإسلامية فراجع . (كتاب اسناد انقلاب اسلامى ص 28 و 107 و 126 و 156) ثلمة لا يسدها شئ مات قدس سره في ليلة 18 ذي القعدة الحرام سنة 1395 ق . وترك خلفه سيلا من الدموع والآهات ودفن في دار العلم - المدرسة التي

ص: 19

أسسها بنفسه النفيسة - وصار مضجعه مزارا لطلاب العلوم الدينية خصوصا وللمؤمنين عموما .

وأقيم بهذه المناسبة مجالس عظيمة في الأهواز وإصبهان وقم وغيرها من قبل مراجع الدين والعلماء وغيرهم تجليلا له وتكريما لمقام العلم والتقوى .

وقيل في رثائه :

علي والتقى وضعا لمعنى *** إذا لفظاهما مترادفان

فقدناه ويا خسران حظ *** وشكوانا لرب مستعان

وأما كتابنا الكريم (مصباح الهداية)

فهو من أحسن الكتب في إثبات إمامة أمير المؤمنين عليه السلام .

قال السيد صدر الدين الصدر أحد مراجع الشيعة الإمامية ومؤلف كتاب " المهدي " في بيان جلالة هذا الكتاب :

قلما يكون أن أقرأ كتابا من أوله إلى آخره ، ولكن طالعت " مصباح الهداية " من أوله إلى آخره . (1)

وقال بعض علماء السنة والجماعة : لم يؤلف إلى الآن في رد اعتقاد أهل السنة في الإمامة كتاب أمتن وأحسن من " مصباح الهداية " . (2)

وقال الشيخ محمد علي الكاظمي - وهو من الفقهاء الأعاظم - حينما أهدى له السيد البهبهاني نسخة من مصباح الهداية - وهو قرأ قسما منه - :

ص: 20


1- شرح حال وآثار آية الله بهبهاني ، ص 245 .
2- شرح حال وآثار آية الله بهبهاني ، ص 245 .

ألف السيد كتابا حسنا عميقا . (1)

وقال السيد مرتضى الحكمي في مقدمته لمصباح الهداية طبع مصر ونعم ما قال :

في هذا الكتاب الفريد حقائق قرآنية لا تقبل الرد أو الانكار ، ومأثورات إسلامية قاطعة لا ينابذها إلا متعصب أو مكابر .

تنحدر هذه الحقائق من معين الوحي ، وتندفق تلك المأثورات من معدن النبوة ، تنشر النور وتنشد الهداية ، وتلتمس الإيمان وتسير بالأمة إلى الصراط المستقيم وتقربهم إلى الكتاب المبين وتشدهم إلى العترة الميامين . .

وهما الخليفتان اللتان استخلفهما الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال : إني تارك فيكم خليفتين : كتاب الله . . . وعترتي أهل بيتي . . . .

وإذا كانت الخلافة الإلهية أمرا منزلا من السماء فلا بد لمن يعتقد هذه الخلافة الإلهية أن يتمثل لذلك بالكتاب المنزل الذي لا ريب فيه وأن يتذرع بالسنة المأثورة التي لا اختلاف فيها ولا إبهام لها كما يشارفنا بذلك هذا الكتاب الذي بين أيدينا ، وهو يتابع القرآن في بناء هذه الخلافة ويواكب السنة في إرساء قواعدها ليتبين لرواد الحق من الكتاب والسنة أن الخلفاء من بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم هم العترة الطاهرة سلام الله عليهم وفي طليعتهم قائد الإسلام ورائده علي بن أبي طالب عليه السلام أخو الرسول ووصيه ووزيره وخليفته من بعده .

والألمعية العلمية التي برز بها أبحاث هذا الكتاب إنما تتمثل في عمق الحجة وأصالة البرهان ، تلك الأصالة التي عالج بها هذه الموضوعات

ص: 21


1- شرح حال وآثار آية الله بهبهاني ، ص 245 .

القرآنية التي حرفتها الخصوم وحادوا بها عن منطقها الواضح إلى متاهات التأويل والتخرص بالظنون .

وإذ وفق الكتاب أن يثبت هذه الولاية بالنصوص التي يعضدها الوحي فماذا يعنيه - بعد ذلك - أن يبحث من هذه الإمامة بالطرق الكلامية المألوفة التي تستند إلى أفضلية الإمام في سمات العلم والعصمة والشجاعة وغيرها ، وقد أثبت هذه الإمامة بكل مستلزماتها من الكتاب العزيز والسنة المتواترة ، ومنها العصمة الإلهية والتعين الإلهي وكفى .

والكتاب بعد هذا من ألمع ما تستبان منه عبقرية السيد المؤلف وسعة علمه وعمق تحقيقه ، وهما مما سوف يستنير به المسلمون في مجالات الإيمان

والعقيدة والتزود من هداية القرآن ونوره وبرهانه . (1) وكاتب هذه السطور يقول : كتاب مصباح الهداية يكون من بركات عنايات أبي عبد الله الحسين عليه السلام (2) - والحسين عليه السلام مصباح هدى - والأسماء تنزل من السماء فينبغي أن يكون مدارا للبحث والدراسة في الحوزات العلمية الشيعية والسنية حتى يستضئ الكل من نورها ويتبين الحق من غيره ، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم .

ثم تأليفه في سنة 1364 ق بكربلاء المقدسة .

وطبع أولا في سنة 1365 بالطبع الحجري في 191 ص بطهران .

وثانيا في سنة 1387 في 218 ص بإصبهان .

وثالثا في سنة 1396 في 336 ص بمصر (مطبوعات النجاح بالقاهرة) .

ص: 22


1- مقدمة مصباح ، الهداية طبع مصر مع تلخيص وتصرف .
2- قال في خاتمته : قد وقع الفراغ منه مذ كنت متشرفا بعتبة سيد شباب أهل الجنة مولانا أبي عبد الله الحسين صلوات الله عليه وعلى جده وأبيه وعلى أمه وأخيه وعلى الأئمة من ذريته وبينه . . .

وهذه طبعته الرابعة مع مزايا لا تخفى على القارئ الكريم .

ترجمه بالفارسية أولا تلميذه المرحوم السيد محمد رضا الشفيعي الدزفولي ، وسماه " مفتاح العناية في ترجمة مصباح الهداية " (ولم يطبع) .

وثانيا الشيخ الدواني سلمه الله ، وسماه " شاهراه هدايت " وطبع في سنة 1376 - وهذه الترجمة هي نفس " مفتاح العناية " قد أصلحه وأكمله الشيخ الدواني وأعده للطبع بأمر السيد المؤلف قدس سره أو نجله المرحوم السيد عبد الله . .

وثالثا : الشيخ الدواني أيضا وسماه " فروغ هدايت " وطبع في سنة 1386 ، وهذه الترجمة حسنة بليغة مفيدة جدا ومن لم يستطع أن يستفيد من أصل الكتاب لكونه باللغة العربية فليغتنم هذه الترجمة ثم يغتنم .

مصادر الترجمة :

1 - " شرح حال وآثار وأفكار آية الله بهبهاني ، للأستاذ حجة الإسلام والمسلمين الشيخ علي الدواني سلمه الله .

2 - مقدمة كتاب " شاهراه هدايت في ترجمة مصباح الهداية " للشيخ الدواني أيضا .

3 - مقدمة كتاب " فروغ هدايت في ترجمة مصباح الهداية " له أيضا .

4 - مقدمة رسائل - فوائد هشتگانه وبيست پرسش وسى پرسش وچهل پرسش - للسيد المؤلف قدس سره بقلم الشيخ الدواني أيضا .

5 - مجلة " مكتب اسلام " ش 2 العام 17 .

6 - مجلة " پيام شادى " ش 5 .

7 - " گنجينهء دانشمندان " للشيخ محمد الشريف الرازي سلمه الله

ص: 23

ج 3 و 5 .

8 - " دانشمندان فارس " لمحمد حسين ركن زاده آدميت ج 3 .

9 - مقدمة كتاب " ترجمه تفسير آية النور " للشيخ حسن المصطفوي دامت بركاته في ترجمة الشيخ هادي الطهراني .

10 - " مؤلفين كتب چاپى " للمرحوم خان بابا مشار .

11 - دائرة المعارف تشيع .

12 - " مرگى در نور " في ترجمة الآخوند الخراساني .

13 - (شكوه پارسايى) في ترجمة السيد محمد كاظم الطباطبائي .

14 - " بيست مقاله " لكاتب هذه المقدمة .

15 - أعلام الشيعة للعلامة الطهراني .

16 - " آشنائى با چند نسخه خطى " للسيد المدرسي وكاتب هذه المقدمة .

17 - مقدمة " مصباح الهداية " طبع مصر بقلم السيد مرتضى الحكمي .

18 - الذريعة للعلامة الطهراني .

19 - " مجله نور علم " مقال للشيخ ناصر الباقري البيدهندي .

20 - ترجمة هذا المقال للشيخ ماجد الكاظمي - لم يطبع بعد - .

21 - " ارمغان أصفهان " للسيد مصلح الدين المهدوي رحمه الله .

22 - سيماى رامهرمز .

وكتب أخرى ذكرت في ذيل الصفحات .

وليعلم أن للشيخ الدواني دامت إفاضاته فضيلة السبق في هذا المجال ، إذ هو سلمه الله أول من كتب ترجمة السيد ونشر بعض آثاره القيمة (وهو لسبق حائز تفضيلا) .

ص: 24

الصفحة الأولى من نسخة الأصل بخط المؤلف رحمة الله عليه .

ص: 25

الصفحة الأخيرة من نسخة الأصل بخط المؤلف قدس سره .

ص: 26

صورة إجازة آية الله العظمى السيد البهبهاني قدس سره بخطه الشريف لحجة الإسلام والمسلمين السيد محمد علي الروضاتي.

ص: 27

صورة إجازة فقيه أهل البيت السيد البهبهاني رضوان الله تعالى عليه بخطه الكريم لحجة الإسلام والمسلمين الشيخ علي الدواني قدس سره.

ص: 28

صورة رسالة الإمام الخميني قدس سره بخطه الشريف إلى السيد البهبهاني رحمة الله عليه وهي حاكية عن عناية الإمام به وكرامته عنده ، إذ القلب يهدي إلى القلب .

ص: 29

ص: 30

فهرس مصادر التحقيق

1 - القرآن الكريم .

2 - الاحتجاج على أهل اللجاج ، لأبي منصور أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي (القرن السادس) إعداد السيد محمد باقر الخرسان ، مجلدان ، النجف الأشرف ، مطبعة النعمان ، 1386 ه/ 1966 م .

وأيضا طبع الأسوة بقم .

وأيضا الطبع الحجري .

3 - الاختصاص ، المنسوب إلى أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي المعروف بالشيخ المفيد (م 413 ق) تحقيق علي أكبر الغفاري ، قم ، مؤسسة النشر الإسلامي .

4 - إعلام الورى بأعلام الهدى ، لأبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي (م 548 ه) طبع طهران ، دار الكتب الإسلامية .

5 - إكمال الدين ، لأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي المعروف بالشيخ الصدوق (م 381 ق) طبع مكتبة الصدوق .

ص: 31

6 - أمالي الصدوق ، لأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بابويه القمي المعروف بالشيخ الصدوق (م 381 ق) ، طبع بيروت ، الأعلمي ، 1400 ه/ 1980 م .

وأيضا طبع طهران .

7 - أمالي الطوسي ، لأبي جعفر محمد بن الحسن المعروف بالشيخ الطوسي (م 460 ق) إعداد السيد محمد صادق بحر العلوم " مجلدان ، بغداد ، المكتبة الأهلية ، 1384 ه/ 1946 م وأيضا الطبع الحجري .

8 - أمالي المفيد ، لأبي عبد الله محمد بن محمد النعمان العكبري البغدادي المعروف بالشيخ المفيد (م 413 ق) تحقيق حسين أستاد ولي وعلي أكبر الغفاري ، قم ، مؤسسة النشر الإسلامي ، 1403 ه.

9 - الإمامة والسياسة ، لأبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (م 276) طبع المكتبة التجارية الكبرى ، بمصر .

10 - البحار = بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار عليهم السلام ، للعلامة محمد باقر بن محمد تقي المجلسي (م 1110 ق) ، الطبعة الثانية ، بيروت ، مؤسسة الوفاء ، 1403 ه/ 1983 م ، بالأوفست عن طبعة إيران .

11 - البرهان = تفسير البرهان ، للسيد هاشم البحراني ، 4 مجلدات ، طبع قم ، 1375 ه، مؤسسة اسماعيليان .

12 - بصائر الدرجات ، للصفار ، الطبع الحديث والطبع الحجري .

13 - تفسير العياشي ، لأبي النضر محمد بن مسعود بن عياش ، جزءان ، إعداد السيد هاشم الرسولي المحلاتي ، طبع المكتبة العلمية الإسلامية ، بطهران .

ص: 32

14 - تفسير فرات الكوفي ، لأبي القاسم فرات بن إبراهيم بن فرات الكوفي (القرن الرابع) إعداد محمد كاظم المحمودي ، الطبعة الأولى ، طهران ، وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي ، 1410 ه/ 1990 م .

15 - تفسير القمي ، لأبي الحسن علي بن إبراهيم بن هاشم القمي (م بعد 307 ق) إعداد السيد الطيب الموسوي الجزائري ، الطبعة الثالثة ، مجلدان ، قم ، دار الكتاب ، 1404 ق .

أيضا الطبع الحجري .

16 - تفسير الكبير = تفسير الفخر " لمحمد بن عمر الخطيب فخر الدين الرازي (م 606 ق) الطبعة الثالثة ، 32 جزءا في 16 مجلدا ، بيروت ، دار إحياء التراث العربي .

17 - تنقيح المقال في علم الرجال ، للشيخ عبد الله بن محمد حسن المامقاني (م 1351 ق) . الطبعة الثانية ، 3 مجلدات ، قم ، بالأوفست عن طبعة النجف الأشرف ، المطبعة المرتضوية ، 1352 ه.

18 - التهذيب = تهذيب الأحكام في شرح المقنعة ، لأبي جعفر محمد بن الحسن المعروف بالشيخ الطوسي (م 460 ق) إعداد السيد حسن الموسوي الخرسان ، الطبعة الثالثة ، 10 مجلدات ، طهران ، دار الكتب الإسلامية ، 1364 ق .

19 - ثواب الأعمال ، لأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي المعروف بالشيخ الصدوق (م 381 ق) تحقيق علي أكبر الغفاري ، طهران ، مكتبة الصدوق .

20 - الخصال ، لأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي المعروف بالشيخ السوق (م 381 ق) تحقيق علي أكبر الغفاري ،

ص: 33

مؤسسة النشر الإسلامي ، قم ، 1362 ش .

21 - الذريعة إلى تصانيف الشيعة ، للشيخ محمد محسن آقا بزرگ الطهراني (م 1389 ق) الطبعة الثالثة ، 26 جزءا في 29 مجلدا ، بيروت ، دار الأضواء ، 1403 ه/ 1983 م .

22 - ربيع الأبرار ونصوص الأخبار ، لأبي القاسم جار الله محمود بن عمر الزمخشري (م 538 ق) إعداد سليم النعيمي ، الطبعة الأولى ، 4 مجلدات + الفهرس ، قم ، منشورات الرضي ، 1410 ه، بالأوفست عن طبعة العراق .

23 - شرح صحيح مسلم = صحيح مسلم بشرح النووي ، 18 جزءا في 9 مجلدات ، بيروت ، دار الفكر ، 1401 ه/ 1981 م .

24 - شرح نهج البلاغة ، لابن أبي الحديد = عز الدين عبد الحميد بن محمد بن أبي الحديد المعتزلي (م 656 ق) تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ، 20 جزءا في 10 مجلدات ، قم ، إسماعيليان ، بالأوفست عن طبعته الأولى ، القاهرة ، دار إحياء الكتب العربية ، 1378 ه/ 1959 م .

25 - شواهد التنزيل ، لعبيد الله بن عبد الله بن أحمد المعروف بالحاكم الحسكاني ، (من أعلام القرن الخامس) تحقيق : محمد باقر المحمودي ،

3 مجلدات ، مؤسسة الطبع والنشر ، التابعة لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي ، الطبعة الأولى ، 1411 ه/ 1990 ق ، طهران .

26 - الصافي ، لمحمد بن المرتضى المعروف بالفيض الكاشاني (م 1901 ق) ، 5 مجلدات ، مطبعة سعيد ، مشهد ، الناشر : دار المرتضى للنشر .

أيضا طبع المكتبة الإسلامية بطهران .

أيضا الطبع الحجري .

27 - صحيح البخاري ، لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (م 256 ق)

ص: 34

8 جزءا في 4 مجلدات ، بيروت ، دار الفكر ، 1401 ه / 1981 م ، بالأوفست عن طبعة دار الطباعة العامرة باسطنبول .

28 - عوالي اللئالي ، لمحمد بن علي بن إبراهيم الإحسائي المعروف بابن أبي جمهور (م أوائل القرن العاشر) تحقيق مجتبى العراقي ، الطبعة الأولى ، 4 مجلدات ، قم 1403 - 1405 ق .

29 - غاية المرام للسيد هاشم البحراني ، الطبع الحجري .

30 - الغدير في الكتاب والسنة والأدب ، للعلامة الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني (م 1290 ق) الطبعة الثالثة ، 11 مجلدا ، بيروت ، دار الكتاب العربي ، 1378 ه/ 1967 م .

31 - الغيبة ، للشيخ محمد بن إبراهيم بن جعفر النعماني ، المعروف بابن أبي زينب ، طبع مكتبة الصدوق بطهران ، تحقيق علي أكبر الغفاري .

32 - الفصول المهمة في معرفة أحوال الأئمة عليهم السلام ، لعلي بن محمد بن أحمد المالكي المكي المعروف بابن صباغ (م 855 ق) طهران ، مؤسسة الأعلمي ، بالأوفست عن طبعة النجف الأشرف ، مكبة دار الكتب التجارية .

أيضا الطبع الحجري .

33 - القاموس المحيط ، لأبي طاهر مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزآبادي (م 817 ق) تحقيق مكتب تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة ، الطبعة الثانية ، بيروت ، مؤسسة الرسالة ، 1407 ه/ 1987 م .

34 - الكافي ، لأبي جعفر ثقة الإسلام محمد بن يعقوب بن إسحاق الكليني الرازي (م 329 ه) تحقيق علي أكبر الغفاري ، 8 مجلدات ، بيروت ، دار صعب ودار التعارف ، 1410 ه، بالأوفست عن طبعة دار الكتب

ص: 35

الإسلامية بطهران .

35 - كتاب سليم بن قيس ، لسليم بن قيس الهلالي العامري (م حوالي 90 ق) الطبع الحديث في 3 مجلدات .

36 - الكشاف = تفسير الكشاف ، لأبي القاسم جار الله محمود بن عمر الزمخشري (م 538 ق) 4 مجلدات ، قم : نشر أدب الحوزة .

37 - كشف الغمة ، للإربلي ، طبع المكتبة الإسلامية بطهران .

38 - الكنى والألقاب ، للشيخ عباس بن محمد رضا القمي (م 1359 ق) 3 مجلدات ، قم ، انتشارات بيدار بالأوفست عن طبعة طهران .

أيضا طبع النجف .

39 - مجمع البيان في تفسير القرآن ، لأبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي (م 548 ق) تحقيق الميرزا أبي الحسن الشعراني ، الطبعة الخامسة ، 10 أجزاء في 5 مجلدات ، طهران ، المكتبة الإسلامية ، 1395 ه.

40 - المحاسن ، لأبي جعفر أحمد بن محمد بن خالد البرقي (م 274 / 280) تحقيق جلال الدين الحسيني المشتهر بالمحدث الأرموي ، الطبعة الثانية ، قم ، دار الكتب الإسلامية .

41 - المحجة البيضاء ، لمحمد بن المرتضى المعروف بالفيض الكاشاني (م 1091 ق) تحقيق علي أكبر الغفاري ، الطبعة الثانية ، 8 أجزاء في 4 مجلدات ، مؤسسة النشر الإسلامي ، قم .

42 - مسند أحمد بن حنبل ، لأحمد بن حنبل (م 241 ق) 6 مجلدات ، بيروت ، دار الفكر ، بالأوفست عن طبعة مصر ، المطبعة الميمنة ، 1313 ه.

43 - المصباح المنير في غريب الشرح الكبير ، للرافعي (م 770 ه) لأحمد بن محمد بن علي الفيومي (م 770 ه) جزءان في مجلد واحد ، بيروت ،

ص: 36

دار الكتب العلمية ، 1398 ه/ 1978 م .

44 - معاني الأخبار ، لأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي ، المعروف بالشيخ الصدوق (م 381 ق) تحقيق علي أكبر الغفاري ، قم ، مؤسسة النشر الإسلامي ، 1361 ش .

45 - المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي ، عدة من المستشرقين ، 7 مجلدات ، مكتبة بريد في مدينة ليدن ، سنة 1936 م .

46 - مناقب آل أبي طالب ، لأبي جعفر رشيد الدين محمد بن علي بن شهرآشوب المازندراني (م 588 ه) إعداد : محمد حسين دانش الآشتياني والسيد هاشم الرسولي المحلاتي ، الطبعة الأولى ، 4 مجلدات ، قم ، انتشارات علامة .

أيضا طبع النجف .

أيضا الطبع الحجري .

47 - مناقب ابن المغازلي ، لأبي الحسن علي بن محمد بن محمد الواسطي الشافعي المعروف بابن المغازلي (م 483 ه) إعداد محمد باقر البهبودي ، الطبعة الثانية ، طهران ، المطبعة الإسلامية ، 1402 ه.

48 - مناقب الخوارزمي ، للموفق بن أحمد بن محمد المكي الخوارزمي (م 568 ق) إعداد مالك المحمودي ، الطبعة الثانية ، قم ، مؤسسة النشر الإسلامي ، 1411 ق .

أيضا طبع النجف .

أيضا الطبع الحجري .

49 - وسائل الشيعة ، للشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي (م 1104 ق) ، تحقيق آية الله الشيخ عبد الرحيم الرباني الشيرازي ، 20 مجلدا ، قم و

ص: 37

بيروت .

50 - ينابيع المودة ، لسليمان بن إبراهيم القندوزي الحنفي (م 1294 ه) طبع إسطنبول .

ص: 38

مصباح الهدایة فی تحقیق الولایة

اشارة

مصباح الهداية

في إثبات الولاية

تحقيق علمي دقيق في إثبات الولاية

والإمامة مما تضافرت عليه الآيات والروايات

تأليف

آية الله سماحة العلامة المحقق

الحاج السيد الموسوي البهبهاني قدس سره

الطبعة الرابعة

بإشراف رضا الاستادي

ص: 39

لا يخفى على القارئ الكريم أن تحقيق ضبط بعض أسماء رواة روايات هذا الكتاب يحتاج إلى المراجعة والدقة الكاملة ، إذ احتمال التصحيف في كثير منها غير بعيد ، ولكننا قد اعتمدنا في هذا المجال على المصادر التي أشرنا إليها في ذيل الصفحات ، ولم نراجع كتب الرجال وضوابط الأسماء إلا نادرا .

ص: 40

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم ، وهداه إلى الدين الحنيف والمنهج القويم ، فركب فيه العقل حجة باطنة دالة على خالقه ، وبعث الأنبياء ونصب الأوصياء حججا ظاهرة مؤيدين ، أدلاء على أمره ونهيه ، فخصهم بالمعجزات الواضحة ، والآيات الباهرة ، إتماما للحجة ، وإكمالا للنعمة ، والصلاة والسلام على أكمل الحجج ، وأفضل الرسل ، محمد وأهل بيته الهادين إلى خير السبل .

أما بعد : فيقول العبد المفتقر إلى الله الغني " علي بن محمد بن علي الموسوي البهبهاني " حشرهم الله تعالى مع آبائهم الطاهرين ، سلام الله عليهم أجمعين :

أنه قد روي - مسندا - عن مولانا الكاظم - سلام الله عليه وعلى آبائه الطاهرين وأبنائه المعصومين - أنه قال : " قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : من حفظ على أمتي أربعين حديثا مما يحتاجون إليه [ من أمر دينهم ] بعثه الله يوم القيامة فقيها عالما " . (1) .

ص: 41


1- الخصال ص 541 ، باب الأربعين . ثواب الأعمال ، الحديث 300 . بحار الأنوار 2 / 153 باب من حفظ أربعين حديثا .

ولما كان كتب الحديث وإيضاحه بما يسهل التفقه فيه للناظرين ، وبثه بينهم ، من أتم وجوه الحفظ عليهم ، أحببت أن أجمع أربعين حديثا مفسرة لأربعين آية متعلقة بولاية مولانا أمير المؤمنين والأئمة المعصومين من ذريته سلام الله عليهم أجمعين ، وأشرحها بما يسر الله تعالى لي فهمه ، ورزقني علمه ، فأقول :

ص: 42

الاحاديث في إثبات الولاية

الحديث الأول في تفسير قوله تعالى: قل كفى بالله شيهداً بيني و بينكم و من عنده علم الكتاب

في تفسير قوله تعالى : " قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب " . (1) في الكافي ، وبصائر الدرجات : عن مولانا الباقر عليه السلام : إيانا عنى ، وعلي عليه السلام أولنا وأفضلنا وخيرنا بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم . (2) وفي المجمع : عن مولانا الصادق عليه السلام مثله . (3) وفي الاحتجاج : سأل رجل علي بن أبي طالب عليه السلام عن أفضل منقبة له فقرأ الآية ، وقال : إيانا عنى بمن عنده علم الكتاب . (4) وفي الصافي عن المجالس : عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه سئل عن هذه الآية ، قال :

ذاك أخي علي بن أبي طالب عليه السلام . (5) وفي رواية أخرى ، عن بعض أصحابنا : كنت مع أبي جعفر عليه السلام في المسجد يحدث ، إذ مر بعض ولد عبد الله بن سلام ، فقلت : جعلت فداك هذا

ص: 43


1- الرعد : 43 .
2- الكافي 1 / 299 . بصائر الدرجات ص 214 و 216 .
3- مجمع البيان 6 / 301 .
4- الاحتجاج 1 / 232 .
5- الصافي 3 / 77 .

این الذي يقول الناس : الذي عنده علم الكتاب ؟ فقال : لا ، إنما ذاك علي بن أبي طالب عليه السلام . أنزلت فيه خمس آيات : إحداها : (قل كفى بالله . . . الخ) . (1) والقمي : عن الصادق عليه السلام : " هو أمير المؤمنين عليه السلام " . (2) وسئل عن الذي عنده علم من الكتاب أعلم أم الذي عنده علم الكتاب ؟ فقال : ما كان الذي عنده علم من الكتاب عند الذي عنده علم الكتاب إلا بقدر ما تأخذ البعوضة بجناحها من ماء البحر . (3) وقال أمير المؤمنين عليه السلام : " ألا إن العلم الذي هبط به آدم من السماء إلى الأرض ، وجميع ما فضلت به النبيون إلى خاتم النبيين في عترة خاتم النبيين " . (4) وفي تفسير البرهان من طريق العامة : روى الفقيه ابن المغازلي الشافعي بطريق ، والثعلبي بطريقين : أنه علي بن أبي طالب عليه السلام . (5) فينبغي التكلم في مقامات :

الأول : في اختصاص من عنده علم الكتاب بمولانا أمير المؤمنين وأولاده الطاهرين عليهم السلام ، وعدم صدقه على من عداهم ، كما دل عليه تقديم المفعول على الفعل في الحديث الشريف ، وأنه لا ينافي عمومها للأئمة .

الطاهرين من فريته عليهم السلام نزولها في شأنه عليهم السلام .

والثاني : في احتوائها على المنقبة الفاضلة .

والثالث : في أنه أفضل منقبة لمولانا أمير المؤمنين عليه السلام كما دلت عليه

ص: 44


1- بصائر الدرجات ص 214 - الصافي 3 / 77 مع اختلاف يسير .
2- تفسير القمي 1 / 367 .
3- تفسير القمي 1 / 367 .
4- تفسير القمي 1 / 367 .
5- البرهان 2 / 304 - مناقب ابن المغازلي ص 314 .

رواية الاحتجاج .

وقبل التكلم فيها لا بد من تمهيد مقدمة يذكر فيها أمور ستة ، تتضح بها حال المقامات الثلاثة :

الأول : في أن ضم من عنده علم الكتاب إلى شهادته تعالى أهو من قبيل ضم شهادة عدل إلى شهادة عدل آخر ، أو من قبيل ضم برهان إلى برهان آخر ؟ والثاني : في بيان المراد من الكتاب .

والثالث : في بيان كيفية شهادته تعالى ، وشهادة من عنده علم الكتاب ، أهي قولية أم فعلية ؟ والرابع : في بيان سبب حصول العلم واليقين من شهادة من عنده علم الكتاب بحيث تعد برهانا مستقلا ، وتستحق أن تجعل عديلا لشهادته تعالى ومكتفى بها في إثبات الرسالة .

والخامس : في بيان أن إضافة العلم إلى الكتاب تفيد العموم أم لا ؟ والسادس : في أن سورة الرعد التي فيها الآية الكريمة مكية أم مدنية ؟ أما الأول : فمن الواضح أنه من قبيل ضم برهان ودليل مستقل إلى برهان آخر ، ضرورة عدم تطرق النقص في شهادته تعالى ، حتى تتم بضم شهادة غيره إليها ، ولعل تقديمه عز وجل (شهيدا بيني وبينكم) على المعطوف تنبيه على هذا المعنى ، كما أن الاتيان بصيغة فعيل دون الفاعل لعله للتنبيه على أن الاتصاف بالشهادة على وجه الثبوت ، لا الحدوث .

وكيف كان فكل من الشهادتين دليل تام وبرهان قاطع مثبت لنبوته ورسالته صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا مجال لاحتمال أن يقال : ضم شهادة من عنده علم

ص: 45

الكتاب إلى شهادته تعالى ، من قبيل ضم الدليل الظني إلى الدليل العلمي ، لأن الأمر الظني لا يعقل التمسك به في المقام ، وجعله دليلا على المطلوب من وجوه ثلاثة :

الأول : أنه لا يتصور اعتبار الأمر الظني في المقام ، لأن الاعتبار إما ذاتي كالأدلة العلمية ، وإما تعبدي جعلي كالبينة ، والطرق ، والأمارات الشرعية ، وكلاهما منتف في المقام .

أما الأول فظاهر ، ضرورة عدم اعتبار الظن ذاتا ، وأما الثاني فلعدم تصور التعبد في المقام ، لأنه فرع التصديق بنبوته صلى الله عليه وآله وسلم فلا يعقل جعله دليلا تعبديا مثبتا لنبوته صلى الله عليه وآله وسلم .

والثاني : إن التعبد بالظن أو الظني إنما يتطرق في مورد الجهل بالواقع وعدم العلم بوفاته أو خلافه ، فلا يعقل أن يجعل دليلا على رسالته صلى الله عليه وآله وسلم مع وجود ما يوجب العلم بها وهو شهادته تعالى ، سيما مع تقديم شهادته تعالى عليه في الذكر .

والثالث : أن أصول الدين لأهميتها لا تثبت إلا بالعلم ، والظن أو الظني إنما يعتبر حيث يعتبر في الفروع لا في الأصول .

وقد ذم تعالى شأنه قوما ركنوا إلى الظن في أصول عقائدهم فقال جل ذكره : (إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا) (1) فكيف يحتج لإثبات رسالة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بما نهى عن اتباعه والركون إليه . .

فإن قلت : يمكن أن يقال ذكر (من عنده علم الكتاب) إنما يكون على وجه التأييد لا لاستقلاله في الاعتبار ، فلا ينافي كون شهادته ظنية غير معتبرة .

ص: 46


1- النجم : 28 .

قلت : عطفه على اسم الجلالة يقتضي اشتراكه معه في الحكم وهو الاكتفاء بشهادته في إثبات الرسالة ، وثبوت الحجة على الكفرة المكذبين لرسالته صلى الله عليه وآله وسلم فلا مجال لما ذكرت .

فإن قلت : قد احتج الله تعالى في مواضع من الكتاب المجيد بما لا يفيد العلم .

منها : قوله تعالى في سورة النحل : (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر) . (1) فإن المراد بأهل الذكر المسؤول عنهم : أهل الكتاب من اليهود والنصارى على ما فسره بعض المفسرين ، وشهادتهم لا توجب العلم بالمشهود به للسائلين وهم عبدة الأصنام ، لأنهم كما كانوا منكرين للرسول صلى الله عليه وآله وسلم مستبعدين أنه تعالى بعث رسولا من البشر ، كذلك كانوا منكرين لليهود والنصارى ، فلا تفيد شهادتهم بأن الله تعالى بعث رسلا من البشر علما بما شهدوا بالنسبة إلى منكريهم .

ومنها : قوله تعالى في سورة الشعراء : (أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل) . (2) فإن علماء بني إسرائيل لعدم عصمتهم لا تفيد شهادتهم بصدق الرسالة العلم بها ، وإنما تفيد الظن . .

منها : قوله تعالى في سورة الأحقاف : (قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم " . (3)

ص: 47


1- النحل : 43 - 44 .
2- الشعراء : 197 .
3- الأحقاف : 10 .

فإن شهادة شاهد من بني إسرائيل لا توجب العلم ، واليقين بصدق المشهود به .

قلت : المراد بأهل الذكر هم أهل بيت النبوة المعصومون المطهرون ، كما دلت عليه روايات الفريقين (1) ، ولا ينافي ذلك أن المأمورين بالسؤال عنهم هم الكفرة المنكرون لهم وللرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، لأن الغرض من السؤال استكشاف المسؤول عنه منهم بإقامة الحجة والبرهان الموجب للعمل ، كما يشهد به قوله تعالى : (بالبينات والزبر) . وتعليق الأمر بالسؤال على عدم علمهم ، ضرورة أن الأمر بالسؤال معلقا على عدم علم المأمور بعث على تحصيل ما يوجب العلم لا مجرد السؤال ، ولو لم يوجب العلم .

ولو أريد من أهل الذكر أهل الكتاب من اليهود والنصارى فالغرض من السؤال عنهم أيضا مطالبة الحجة والبرهان منهم لا تصديق قولهم من دون حجة وبرهان ، وعلى كل تقدير ليس فيه أمر باتباع الظن ، والركون إليه كما توهم .

وأما علم علماء بني إسرائيل الذي جعل آية كافية وحجة ظاهرة .

فإن أريد منه العلم بصحة نبوته وصدق رسالته صلى الله عليه وآله وسلم فالمراد من علمائهم حينئذ العلماء الذين هاجروا من أوطانهم قبل بعثته صلى الله عليه وآله وسلم إلى محل هجرته وهو جبل أحد ليدركوه ويؤمنوا به وينصروه ، وكانوا يستفتحون به صلى الله عليه وآله وسلم على .

العرب ، حتى أن العرب شكوا بهم إلى تبع فحصرهم ، وبعد أن علم بأن غرضهم درك النبي الأمي القرشي محمد صلى الله عليه وآله وسلم آمن به صلى الله عليه وآله وسلم وأسكن الأوس والخزرج معهم ، حارسين لهم ، و

ص: 48


1- راجع غاية المرام 240 - 242 . الكافي 1 / 210 - 212 . بصائر الدرجات 38 - 43 . الصافي 2 / 137 .

ناصرين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم من قبله وقت ظهوره .

ومن المعلوم أن علمهم ببعث النبي الأمي صلى الله عليه وآله وسلم وهجرته إلى هذا المكان قبل ظهوره ، الذي دعاهم إلى المهاجرة من أوطانهم المألوفة إلى هذا المكان ، وارتكابهم المشقة الشديدة من العرب ، واستفتاحهم به صلى الله عليه وآله وسلم ، ليس إلا من قبل إخبار أنبيائهم ، ووجود خبره في كتبهم ، إذ لا سبيل إلى العلم به - يومئذ إلا خبر الأنبياء وكتبهم .

ومن المعلوم - حينئذ - أن هذا العلم منهم يوجب العلم بصحة نبوة نبينا صلى الله عليه وآله ويشهد بذلك - أي أن المراد من العلماء : العلماء قبل البعثة - أن سورة الشعراء كلها مكية غير قوله تعالى : (والشعراء يتبعهم الغاوون) (1) إلى آخر السورة . فإنها نزلت بالمدينة على ما ذكره الطبرسي رحمه الله في المجمع . (2) ولم يسلم أحد من علماء بني إسرائيل في مكة وإنما أسلم من أسلم منهم بعد الهجرة ، فلم يكن قبل الهجرة منهم مسلم مصدق للنبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى يستشهد الله عز وجل بشهادته على الكفرة من المشركين ، وأهل الكتاب .

ويؤيده جعل علمهم آية لهم لا شهادتهم فإنهم لم يكونوا - يومئذ - موجودين حتى يشهدوا .

وإن أريد منه العلم بصحة ولاية مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ووجوده في زبر الأولين كما يناسبه تفسير الآية السابقة عليه ، وهي قوله تعالى :

ص: 49


1- الشعراء : 224 .
2- مجمع البيان 7 / 182 .

وإنه لتنزيل رب العالمين * نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين) (1) بولاية أمير المؤمنين عليه السلام على ما في الكافي والبصائر عن مولانا الباقر : (إنه هي الولاية لأمير المؤمنين) . وعن القمي ، عن مولانا الصادق عليه السلام : (هي الولاية التي نزلت لأمير المؤمنين عليه السلام يوم الغدير) . (2)

فالمراد منه المؤمنون بعد البعثة أو قبلها ، المخبرون بأن ولاية مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ثابتة في زبر الأولين وشهادتهم حينئذ تفيد العلم لاجتماع شرطية وهما : كون الشهود موثوقا بهم ، وكون المشهود به بديهيا لا نظريا .

وأما شاهد من بني إسرائيل فالمراد منه إما موسى عليه السلام كما فسره به بعض المفسرين (3) ، أو نبي آخر أو وصي منهم ، لا من شهد منهم بعد البعثة بنبوة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم مع كونه غير معصوم ، لأن سورة الأحقاف كلها مكية (4)

ولم يسلم أحد منهم في مكة حتى يشهد بنبوته ورسالته صلى الله عليه وآله وسلم .

قال في المجمع في تفسير (وشهد شاهد من بني إسرائيل) : يعني عبد الله بن سلام على مثله ، معناه عليه ، أي على أنه من عند الله ، وقيل :

على مثله أي على التوراة عن مسروق ، وقيل : الشاهد موسى شهد على التوراة كما شهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم على القرآن لأن السورة مكية وابن سلام أسلم بالمدينة انتهى . (5)

أقول : لا شاهد لتفسيره بابن سلام ، بل الشاهد على خلافه موجود و

ص: 50


1- الشعراء : 192 - 194 .
2- الكافي 1 / 412 . بصائر الدرجات ص 73 . تفسير القمي ص 474 الطبع الحجري .
3- راجع مجمع البيان 9 / 81 .
4- مجمع البيان 9 / 81 .
5- مجمع البيان 9 / 84 .

هو : نزول السورة في مكة ، وتوهم أن السورة كلها مكية إلا هذه الآية ، لنزولها في عبد الله بن سلام استنباط من القائل ، لا أنه ظفر برواية وخبر ، ونسبته في المجمع إلى ابن عباس ، كنسبة تفسير (من عنده علم الكتاب) بابن سلام إليه أيضا خطأ ، لما سيأتي من أن ابن عباس ممن يصر على أن الآية إنما نزلت في شأن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ولا تنطبق إلا عليه .

وبالجملة العقل يستقل بقبح الاحتجاج بما لا حجية له ، فكيف يحتج تعالى شأنه في كتابه المجيد بما لا يكون حجة ، ويجعلها حجة كافية قاطعة للخصومة .

وأما الثاني (1) فالظاهر أن لام الكتاب للعهد ، فينصرف إلى القرآن الذي فيه تبيان كل شئ ، أو اللوح المحفوظ المكتوب فيه كل شئ ، دون سائر الكتب المنزلة من التوراة والإنجيل والزبور وهكذا ويحتمل أن يكون اللام للجنس فيعم جميع الكتب السماوية ، إذ لا مجال لإرادة كتاب منه لا بعينه في المقام ، فيتحد الوجهان في المعنى .

وأما الثالث وهي كيفية الشهادة فمختلفة .

أما شهادته تعالى فهي فعلية ، إذ من الواضح أن الله تعالى لم يتكلم مع الناس بإيجاد صوت في شجرة ونحوها كما تكلم مع كليمه عليه السلام ، لعدم قابلية طبقات الناس لهذا المقام الجليل ، فالمراد من شهادته تعالى برسالة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم إظهار المعجزات على يده تصديقا لدعواه ، ومن جملتها بل أعظمها إنزال القرآن المجيد عليه ، البالغ في الفصاحة والبلاغة كمالهما ، بحيث تحدى به العرب ، وعجزت الفصحاء والبلغاء على إتيان سورة من .

مثله ، مع شيوع الفصاحة والبلاغة في عصره وحذاقتهم فيهما ، ومن

ص: 51


1- أي الثاني من الأمور الستة التي قلنا لا بد من ذكرها للإيضاح .

الواضح البين أنه يقبح إظهار المعجزة على يد الكاذب ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .

وأما شهادة (من عنده علم الكتاب) فهي قولية وفعلية أما القولية فبالإقرار له باللسان ، وأما الفعلية فبمتابعته له والائتمار بأمره والانتهاء بنهيه صلى الله عليه وآله وسلم .

لا يقال الشهيد من الشهود بمعنى الحضور حسا أو علما واطلاعا ، وهيئة الفاعل أو الفعيل لإفادة التلبس بالمبدأ ، وهو إنما يتحقق باتصاف الشخص به بنبوته له . وأما إظهار الشهود المنطبق على أداء الشهادة فإنما يجئ من قبل الإخبار به ، كقولك : أنا أشهد بكذا ، أو شاهد به ، وليس في المقام إخبار صريح عن شهادته تعالى أولا ، ولا يوجب الإخبار عن شهادته تعالى برسالته إظهار المعجزات على يده ، ثانيا .

لأنا نقول : أمره تعالى شأنه بالاحتجاج على منكري رسالته بالاكتفاء بشهادته تعالى ، وشهادة (من عنده علم الكتاب) إخبار عنها بالضرورة ، ولو لم يقترن إخباره تعالى بشهادته برسالته بإظهار المعجزات على يده لم يكن حجة على منكري رسالته ولم يتم الاحتجاج به ، ضرورة أن مجرد قول المدعي بأن الله تعالى يعلم ويشهد بصدق ادعائي من دون ظهور أثر تصديقه تعالى له في الخارج لا يكون حجة على المنكر ، فكيف يكتفي الله تعالى شأنه بالإخبار المجرد حجة لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم على منكر الرسالة ، حيث قال عز وجل (ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب) . (1) .

لا يقال : يمكن أن يقال : الآية الكريمة نزلت لتسلي نبيه ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم

ص: 52


1- الرعد : 43 .

بأن الله تعالى يعلم بأنك رسوله فلا يضرك تكذيب الكفرة ، ولا تكون في مقام الاحتجاج عليهم حتى يستلزم اقتران شهادته برسالته بإظهار المعجزات على يده الكاشف عنها .

لأنا نقول : لو كانت الآية هكذا : (كفى بالله شهيدا ومن عنده علم الكتاب) من دون ذكر (قل) في صدرها وضم (بيني وبينكم) لاحتملت ذلك ، وأما مع ذكر (قل) في صدرها وضم (بيني وبينكم) فهي صريحة في أنها في مقام الاحتجاج وجواب ورد على الكفرة المنكرين لرسالته المكذبين له صلى الله عليه وآله وسلم .

وأما الرابع : فكشف الحجاب عنه يتوقف على بيان معنى علم الكتاب .

فأقول : ليس المراد من علم الكتاب ، العلم بظاهره فقط ، إذ العلم به كذلك يجامع مع عدم العصمة ، ومتابعة الهوى كما هو ظاهر ، ومن هذا شأنه لا تكون شهادته مفيدة للعلم واليقين ، ولا تكون مقبولة عند العقل ، فكيف يستحق أن يجعل شهادته عديلا لشهادته تعالى ، وبرهانا مستقلا مثبتا لنبوته صلى الله عليه وآله وسلم .

فالمراد منه العلم بظاهر الكتاب وباطنه ، تأويله ، وتنزيله ، وخوافيه ، وأسراره المودعة فيه ، الذي هو موهبة إلهية غير كسبية ، لا يليق به إلا من كان معصوما مطهرا من الخطأ والزلل عمدا وسهوا ، فتكون شهادته حينئذ مفيدة للعلم ، ومقبولة عند العقل ، ولائقة لأن تجعل عديلا لشهادته تعالى .

ثم إن طريق استكثار العلم بالباطن لا ينحصر في إخبار النبي بأنه عالم به ، وإلا لزم أن لا تكون شهادته مثبتة لنبوته صلى الله عليه وآله وسلم إذ التصديق بعلمه بالباطن ،

وعصمته حينئذ فرع التصديق بنبوته صلى الله عليه وآله وسلم ، فكيف تكون شهادته

ص: 53

مثبتة لما يتفرع اعتبار شهادته عليه فالعلم بالباطن كما يستكشف من قبل إخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد التصديق بنبوته ، كذلك يستكشف من قبل ظهور آثاره فيه من ظهور المعجزات وخوارق العادات على يده عند طلبها منه لإثبات الحجة ، كما ظهر من الذي (عنده علم من الكتاب) وهو آصف وصي سليمان بن داود عليه السلام حين أتى بعرش بلقيس قبل ارتداد الطرف .

وأما الخامس : فمن الواضح أن الإضافة في أمثال المقام تفيد (1) العموم والاستغراق ، فلا يقال : زيد عنده علم الفقه ، أو النحو والصرف ، باعتبار العلم ببعض مسائله . لا أقول إن إضافة المصدر إلى فاعله أو مفعوله مطلقا تفيد العموم حتى ينتقض بضرب زيد ورؤية عمرو ونحوهما ، مما لا تفيد العموم بالضرورة . .

بل أقول : إن إضافة المصدر لفظا أو معنى إلى كل صالح كل جزء منه أن يكون متعلقا له ظاهرة في الاستيعاب والعموم ، إلا إذا كان الاستيعاب

ص: 54


1- لا يقال : قد تجئ الإضافة بمعنى " من " ، كما تجئ بمعنى " اللام " و " في " ، ويحتمل أن تكون الإضافة في المقام بمعنى " من " ، ومفاده في مثل المقام ليس إلا التبعيض . لأنا نقول : أولا : أن الإضافة إنما تجئ بمعنى (من) ، إذا كان المضاف إليه جنسا للمضاف ، كخاتم فضة وثوب قطن ، والكتاب ليس جنسا للعلم كما هو ظاهر . وثانيا : أن ما جاء منه بمعنى " من " ، إنما هو بمعنى " من " للتبيين ، لا للتبعيض . وثالثا : أن التحقيق - كما أوضحنا الكلام فيه في محله - أن الإضافة إنما تفيد الاختصاص فهي بمعنى اللام أبدا ، وإنما يصح وضع " من " للتبيين موضعهما في بعض الموارد " لا أن الإضافة جاءت بمعناه . ورابعا : إن ظهور الإضافة في العموم في مثل المقام بين ، ومجرد احتمال خلافه غير قادح . [ فظهر ] أن استفادة التبعيض منها لا تكون بالوضع ، كما توهم ، إنما تكون لخصوصية المورد . منه ره .

والعموم خارجا عن العادة ، ولذا يكون ملك العبد ، وعتقه ، وتحريره ، وشراء الدار وبيعها ، ونحوها منصرفة إلى العموم ، ظاهرة فيه ، دون نحو ضرب زيد ، ورؤية عمرو ، لعدم جريان العادة بتعلق الضرب والرؤية بكل من أجزائهما .

وأما السادس : أعني السورة فهي مكية ، كما رواه النيشابوري ، عن سعيد بن جبير ، وكذا رواه البغوي في " معالم التنزيل " .

إذا اتضحت لك هذه المقدمات اتضح لك غاية الاتضاح عدم صدق (من عنده علم الكتاب) على عبد الله بن سلام ونظرائه من وجوه عديدة :

الأول : الاكتفاء بشهادة (من عنده علم الكتاب) في إثبات النبوة التي هي أساس الدين ، وجعلها في عرض شهادته تعالى متوقف على إفادتها العلم واليقين ، وهي متوقفة على ثبوت عصمته وطهارته ، وهو متوقف على إرادة العلم بظاهر الكتاب وباطنه ، ولو ببعضه الملازم للطهارة والعصمة .

ومن المعلوم أن ابن سلام ونظرائه من علماء اليهود لم ينالوا مقام العصمة ، وإلا لم يبقوا على شريعة موسى عليه السلام المنسوخة بشريعة عيسى عليه السلام .

فإن بقاءهم على شريعة موسى ، إما من معاندتهم مع الحق ، وإما من جهلهم به ، وكل منهما مناف لمقام العصمة ، وإذا ثبت أنه غير معصوم فإسلامه لا يلازم الحق ، إذ كما يحتمل أن يكون الداعي على إسلامه علمه بنبوة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم من كتاب التوراة - كما هو الظاهر - يحتمل أن يكون الداعي عليه الخوف أو الطمع ، فلا يجوز الاحتجاج بإسلامه وشهادته على أحقية نبينا صلى الله عليه وآله وسلم .

والثاني : أن إضافة العلم إلى الكتاب تفيد الاستغراق والعموم ، كما

ص: 55

عرفت ، فالمراد منه العلم بكل الكتاب الذي لم يفرط فيه شئ ، ولا رطب ولا يابس إلا فيه ، ولو كان المراد العلم ببعضه لأتى عز وجل بكلمة (من) المفيدة للتبعيض في مثل المقام ونحوه ، كما أتى بها في قضية آصف ، فقال عز من قائل : (وقال الذي عنده علم من الكتاب) ، وعلم الكتاب كله لم يكن عند سائر الأنبياء سلام الله عليهم ، كما يظهر من الآيات والأخبار فإن علومهم محدودة وإنما يختص ذلك بنبينا صلى الله عليه وآله وسلم وأوصيائه الطيبين الطاهرين ، فكيف يفسر من هذا شأنه بعلماء أهل الكتاب من اليهود والنصارى .

والثالث : أن سورة الرعد كلها مكية وابن سلام وسائر علماء أهل الكتاب إنما أسلموا في المدينة بعد الهجرة ، ولذا قال سعيد بن جبير : كيف تكون هذه الآية نزلت في عبد الله بن سلام والسورة كلها مكية . (1) لا يقال : قال الكلبي ومقاتل : (2) أنها مكية إلا آخر آية منها نزلت في شأن عبد الله بن سلام . (3) لأنا نقول : المستند في استثنائهما آخر آية منها من كونها مكية نزولها في شأن عبد الله بن سلام بزعمهما ، كما يظهر من كلامهما ، لا عثورهما على رواية ، فإن قولهما نزلت في عبد الله بن سلام في مقام التعليل ، وقد ظهر لك أن هذا التوهم واضح الفساد ، وإنما نشأ هذا التوهم ممن توهم من عدم التأمل في أطراف الآية الكريمة ، ولو تأملوا فيها حق التأمل لا تضح لهم الحق كمال الاتضاح . .

ص: 56


1- مجمع البيان 6 / 273 .
2- في القاموس في مادة قتل : مقاتل بن سليمان المفسر الضعيف . منه ره .
3- مجمع البيان 6 / 273 .

وكيف كان فقد اتضح اتضاح الشمس في رابعة النهار أنه لا يصدق (من عنده علم الكتاب) على من أسلم من علماء أهل الكتاب ، فلم يبق إلا ما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعترته الطاهرين سلام الله عليهم أجمعين ، من نزولها في شأن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ، وجريانها في الأئمة من بعده من ذريته ، فإنهم المعصومون المطهرون (1) العالمون بالكتاب كله ، ظاهره وباطنه ، تأويله وتنزيله ، محكمه ومتشابهه ، ناسخه ومنسوخه .

وأما توهم أن المراد به الله تعالى والعطف تفسيري - كما نسب إلى بعض - (2) ففي غاية البرودة والسخافة ، بل لم يعهد العطف التفسيري مع الفصل بين المتعاطفين ، كما في المقام ولو كان الأمر كذلك لوجب تأخير (شهيدا بيني وبينكم) عنه .

وما حكي عن الزجاج من أنه يدل عليه قراءة : ومن عنده بكسر الميم والدال (3) ، غلط ، لأن الآية على هذه القراءة - على فرض صحتها - إنما تدل على أن علم الكتاب إنما يكون موهبة من قبله تعالى شأنه لمن وهبه ، فلا ينافي ما دلت عليه الروايات من أن الموهوب له هو مولانا أمير المؤمنين ، والأئمة المعصومون من ذريته ، بل يوافقه ويلائمه .

نعم لو قرأ : (وعنده علم الكتاب) بإسقاط (من) رأسا ، لكان لما ذكره وجه في الجملة .

فإن قلت : المنكر للأصل وهو النبي صلى الله عليه وآله وسلم منكر للفرع وهو الوصي .

بالضرورة ، فلا تكون شهادته قاطعة للخصومة بالنسبة إلى النبوة ، ولا

ص: 57


1- عن ابن عباس قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : (أنا وعلي والحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين مطهرون ، معصومون) ينابيع المودة ص 425 طبعة إسلامبول .
2- مجمع البيان 6 / 301 .
3- مجمع البيان 6 / 301 .

وقع لشهادته عند المنكر ، فكيف يستشهد الله عز وجل بشهادته على ثبوت النبوة ، ويحتج بها على منكري النبوة والرسالة ، ويجعلها كافية .

قلت : إنما لا يجوز الاكتفاء بشهادة الفرع إذا كان القبول مستندا إلى مجرد الاقرار والاعتراف ، مع قطع النظر عن ظهور مقامه ودرجته من كونه عالما بالكتاب ، واقفا على كل شئ ، قادرا على إظهار المعجزات وخوارق العادات الملازم للعصمة والصدق عقلا .

وأما إذا كان الاستشهاد به من حيث كونه كذلك كما في المقام ، حيث لم يذكر الشاهد باسمه بل بوصفه ، لينظر المنكر في شأنه ، ويراجع إليه ، ويظهر عنده ثبوت آثاره ، فينكشف عنده ثبوت الوصف للشاهد وحقية المشهود به ، فهو قاطع للخصومة ، ومثبت للدعوى بالضرورة ، وإن لم يعترف به المنكر عنادا .

وإذ قد اتضح لك مما بيناه أن (من عنده علم الكتاب) في الآية الكريمة لا يعقل أن ينطبق على عبد الله بن سلام ونظرائه : فقد اتضح لك أن تفسير من فسره بابن سلام ، أو غيره ممن أسلم من علماء أهل الكتاب تفسير بالرأي ، ناش عن الغفلة عن الخصوصيات التي تضمنتها الآية الكريمة .

وأما الرواية المسندة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو أهل البيت في تفسيرها فمتفقة من طريقنا وطريق العامة على أنها نزلت في شأن مولانا علي بن أبي طالب عليه السلام ولم يستند أحد منهم تفسيرها بابن سلام إلى رواية إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو أهل البيت عليهم السلام .

ثم إن نزولها في شأن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام لا ينافي مع استعمال الموصول في المعنى العام المنطبق على الأئمة المعصومين من ذريته ، لأن

ص: 58

النزول في شأنه إنما هو باعتبار أنه عليه السلام أول مصاديقه ، وأفضلها ، وأكملها ، لا باعتبار اختصاصه به .

والحصر المستفاد من بعض الروايات إضافي بالنسبة إلى ابن سلام ونظرائه ، هذا تمام الكلام في المقام الأول .

ومما بيناه تبين حال المقام الثاني ، بل الثالث أيضا (1) ، كما لا يخفى على من استشم رائحة من علم الكتاب بتوفيق الله تعالى وهدايته .

فإن سائر المناقب الفاضلة إما متفرعة على هذه المنقبة الجليلة أو ملازمة لها ، فإن منها العصمة والطهارة المصرحة بها في آية التطهير الدال عليها قوله عز من قائل : (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) (2) المفسر به وبأبنائه المعصومين سلام الله عليهم أجمعين ، والآية الشريفة تدل عليها بالملازمة من وجهين :

الأول : اكتفاؤه عز وجل بشهادته في إثبات نبوة سيد الأنبياء ورسالته صلى الله عليه وآله وسلم فإنه ملازم للعصمة والطهارة ، وعدم تطرق الخطأ بأنحائه إلى ساحة قدسه ، وإلا لم يكتف بها ، بل جعل شهادته عديلا لشهادة نفسه ، يدل على كمال عصمته وطهارته ، فإنها كالعدالة ، لها مراتب شتى .

ومن هنا لا يجوز صدر ترك الأولى من أولي العزم من الرسل ، مع جواز صدوره من غيرهم من الرسل ، مع عصمة الجميع .

والثاني : العلم بالكتاب كله ظهره وبطنه ، تنزيله وتأويله ، لما عرفت من إفادة الإضافة في مثل المقام العموم ، والعلم به كذلك ملازم لكمال العصمة ، ومنتهى طهارة النفس ، وتمام القدس . .

ص: 59


1- يعني المقام الثاني والثالث من المقامات الثلاثة التي قلنا في صدر البحث ينبغي التكلم فيها .
2- التوبة : 119 .

توضيحه : إن العلم بظهر الكتاب وبطنه - ولو ببعض منه - لا يحصل بالاكتساب ، وإنما هي موهبة جليلة ، لا يليق بها إلا من اجتمعت فيه الصفات الحميدة ، والفضائل الكريمة ، ومنها : العصمة ، والطهارة ، وإنما يؤتيه الله تعالى من يشاء حسب مراتب استعداده ، ولذا اختلف نصيب الأنبياء منه ، فمنهم : من أوتي حرفا واحدا ، ومنهم من أوتي حرفين أو ثلاثة أو أزيد ، ولم يؤت الجميع أحدا من الأنبياء والأوصياء سلام الله عليهم إلا نبينا وأوصياؤه صلى الله عليه وعليهم ، ولم يكن منع الجميع منهم من بخل في المبدأ الفياض ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، وإنما كان عدم إعطائه الجميع من جهة عدم استعدادهم له . فإعطاؤه عز وجل الجميع نبينا وأوصيائه صلى الله عليه وعليهم يدل على ارتقائهم درجات الكمال ، منتهاها وتمامها ، بحيث لا يتصور فوقها درجة ومرتبة ، ومنها العصمة والطهارة .

ومن مناقبه عليه السلام أنه أخو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الدنيا والآخرة ، ونفس الرسول كما نطقت به آية المباهلة .

ومنها كونه عليه السلام هاديا ، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم منذر .

ومنها الولاية والإمامة ، وأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، كما أن الرسول أولى بهم من أنفسهم .

فإن جميع هذه المناصب الجليلة متفرعة على ما تضمنته الآية الكريمة .

أما الإخوة للرسول صلى الله عليه وآله وسلم وكونه بمنزلة نفسه الشريفة فإنما يليق بهما من كان في مرتبته من العلم والعصمة ، وسائر صفات الكمالات وقد ظهر مما بيناه أن التعبير ب(من عنده علم الكتاب) دال على استجماع

ص: 60

جميع الكمالات فيه نصا والتزاما .

وأما الهداية فإنها متقومة بأمرين : العلم والعصمة ، لأن الاخلال

بالهداية إما من الجهل ، أو من الخالفة عمدا أو سهوا ، ومع العلم والعصمة لا يتطرق إليه الاخلال بها ، فيكون هاديا لا محالة ، فتفرعها على ما تضمنته الآية الكريمة أوضح وأظهر .

وهكذا الأمر في الولاية والإمامة .

توضيح الحال : إن استحقاق شخص لمرجعية أمر ديني أو دنيوي يتوقف على علمه وبصيرته به ، وأمانته فيه ، إذ مع عدم العلم والبصيرة لا يمكنه القيام به ، كما أنه مع عدم أمانته فيه لا يؤمن من إفساده وتضييعه ، فاستحقاق المرجعية إنما يكون على قدر البصيرة والأمانة ، فمن كانت له بصيرة ناقصة وأمانة ضعيفة لا يجوز أن يولى ما هو فوق بصيرته وأمانته .

فاستحقاق الولاية التامة ، والإمامة الكبرى ، والرئاسة العامة في أمور الدين والدنيا إنما هو بالعلم بجميع النواميس الإلهية ، والعصمة الصائنة عن السهو والخطأ والعمد .

وقد اتضح لك بما بيناه ثبوتهما في (من عنده علم الكتاب) على الوجه الأتم ، فالعدول عنه إلى من لم يكن كذلك مخالف للفطرة ، وبداهة حكم العقل ، قال عز من قائل : (أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون) (1) فظهر بما بيناه أن الصلة في (من عنده علم الكتاب) تدل على إمامة من اتصف بها وخلافته عن الله والرسول صلى الله عليه وآله وسلم وولايته التامة ، بل

ص: 61


1- يونس : 35 .

انحصارها فيه ، واختصاصه بها دلالة لمية - أي دلالة العلة على معلولها - كما أن دلالتها على عصمته وطهارته من قبيل الدلالة الآنية - أي دلالة المعلول على علته - .

فإن قلت : دلالتها على استحقاق من اتصف بها للإمامة مسلمة ، وأما .

انحصارها فيه فلا ، لجواز قيام علة أخرى مقامها .

قلت : المرجعية إنما تتبع العلم والأمانة ، وعدم تطرق قيام صفة أخرى مقامهما في استحقاق المرجعية من البديهيات الأولية .

فإن قلت : نعم المرجعية تابعة للعلم والأمانة فلا يعقل إمامة من لا علم له في الدين ولا أمانة له رأسا ، وأما تبعيتها لعلم الكتاب كله ، والعصمة الصائنة عن الخطأ - عمدا وسهوا - فلا ، بل يجوز تقدم من له علم بالدين وأمانة في الجملة على من كان معصوما عالما بالكتاب كله لمصلحة اقتضتها ، والمقدمون على علي أمير المؤمنين في الإمامة لهم أمانة وعلم بالدين في الجملة ، ولذا قدمهم أهل الحل والعقد لمصلحة رأوها .

قلت : أولا : إنك قد عرفت استحقاق شخص لمرجعيته في أمر إنما هو طبق بصيرته وأمانته فيه ، ولا يجوز تولية أمر إلى من لم يكن أمينا في بعض جهاته ، أو لم يكن بصيرا فيه بتمامه ، وتولية أمر إلى من كان ناقصا في بصيرته به أو أمانته فيه كتوليته إلى من لم يكن مأمونا بالمرة ، أو جاهلا به كذلك ضرورة أن الناقص - بالنسبة إلى ما زاد على بصيرته أو أمانته فيه - جاهل أو غير مأمون فيه .

والإمامة : عبارة عن الخلافة عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في أمور الدين والدنيا ، وافتراض طاعته على الأمة فيما أمر به أو نهي عنه ، وهو أمر جليل متفرع على معرفته بأحكام الدين وأمانته فيه جميعا ، والذين تولوا هذا

ص: 62

الأمر قبل مولانا أمير المؤمنين عليه السلام لم يكونوا عالمين بأحكام الدين كله بالضرورة ، لمراجعتهم في كثير من المسائل التي عجزوا عن حلها إلى مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ، كما هو مذكور في كتب الفريقين . وقد قال الخليفة الثاني غير مرة : " لولا علي لهلك عمر " ، بل اشتهر أنه قاله في سبعين موطنا .

وبالجملة قصور علمهم عما تولوه واضح غير قابل للإنكار . (1) وثانيا : إن الإمامة خلافة عن الله تعالى وعن رسوله صلى الله عليه وآله وسلم لا وكالة عن الناس ، حتى يكون لهم الاختيار في تفويضها إلى من شاءوا ، فالمرجع في تعيينه إنما هو الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، فلا اختيار للأمة في تعيين الإمام وإعمال المصلحة فيه بنظرهم .

ثالثا : إن الإمام في كل عصر لا يكون إلا واحدا كما اعترف به الخليفة الثاني ، وقال : (لا يجتمع سيفان في غمد واحد) ومن عداه من الأمة يجب أن يكون تحت طاعته وبيعته ، إذ لا يخلو الشخص من أن يكون إما إماما ، أو مأموما ، فحينئذ يلزم أن يكون العالم بالكتاب المعصوم من الزلل ، تحت طاعة غير معصوم من الزلل ، وهل يكون شئ أقبح من ذلك عند العقل ؟ كلا ثم كلا .

فإن قلت : إنما ثبت مما بينت أنه لا يصدق (من عنده علم الكتاب) على ابن سلام ونظرائه ، وأما نزول الآية في شأن علي أمير المؤمنين عليه السلام لم يثبت بالدليل القطعي ، إذ الأخبار الواردة في بيانه أخبار آحاد لا توجب علما ، فكيف يكتفي بها في إثبات الإمامة التي هي من أصول الدين التي لا يكتفي فيها بما دون العلم .

ص: 63


1- راجع الغدير 6 / 327 وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 12 / 205 .

قلت : إنه كما ثبت عما بيناه بالدليل القطعي عدم صدقه على ابن سلام ونظرائه ، ثبت أيضا اختصاصه بمولانا أمير المؤمنين عليه السلام والأئمة المعصومين من ذريته سلام الله عليهم أجمعين .

توضيحه : إن الآية الكريمة تدل دلالة قطعية على أن في المؤمنين الشاهدين على نبوته ورسالته صلى الله عليه وآله وسلم من يتصف بالوصف الذي ذكره ، ولولا ذلك لم يأمر نبيه بالاحتجاج بشهادته على من أنكر رسالته صلى الله عليه وآله وسلم من الكفرة ، وهذا الشاهد لا بد أن يكون معروفا أو معرفا بتعريف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، ولم يعرف في الروايات إلا مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ، ولو عرف غيره لورد فيه رواية ، وعدم ورود رواية في حق غيره في مثل هذه القضية دليل قاطع على عدم احتمال غيره .

وما احتمله بعض من كونه ابن سلام أو نظرائه ممن أسلم من علماء أهل الكتاب قد ظهر لك أنه تفسير بالرأي ، غفلة عن خصوصيات الآية ، مع أن اختصاص مولانا أمير المؤمنين عليه السلام بهذه الموهبة الكبرى يظهر من اتفاق المسلمين على أنه أعلم أمته ، إذ بعد ما ثبت بالآية الكريمة أن بعض المؤمنين الشاهدين على رسالته صلى الله عليه وآله وسلم متصف بهذا الوصف ، فحينئذ إن قلنا بأنه مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ثبت المطلوب ، وإن قيل بأنه غيره لزم أن لا يكون أعلم أمته ، أو أن يكون عالما بما فوق علم الكتاب حتى يصير أعلم من العالم بالكتاب ، وكلاهما باطل ، أما الأول فظاهر ، وأما الثاني فلأن الكتاب جامع للكل ، فليس فوق العلم به علم آخر إلا ما يختص بذاته تعالى .

وإلى ما بيناه ينظر ما روي عن ابن عباس أنه قال : لا والله ما هو إلا علي بن أبي طالب ، لقد كان عالما بالتفسير والتأويل ، والناسخ والمنسوخ ،

ص: 64

والحلال والحرام) (1) يعني أنه لم يكن في أمته من يكون عالما بجميعه إلا علي بن أبي طالب عليه السلام فلا يحتمل نزولها في شأن غيره .

وأيضا يظهر من الروايات (2) أن غير أتباع أهل البيت عليه السلام من الناس .

إنما زعموا أن (من عنده علم الكتاب) إنما هو ابن سلام ، والأئمة عليهم السلام وأتباعهم ، كابن الحنفية ، وابن عباس ، وزيد بن علي ، وسعيد بن جبير ، وأمثالهم ، نبهنا على أن ذلك لا ينطبق على عبد الله بن سلام ، وإنما هو مولانا أمير المؤمنين عليه السلام وليس فيهم من يدعي ثالثا ، فإذا بطل بالبرهان القاطع انطباقه على عبد الله بن سلام تعين أنه مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ولا مجال لاحتمال الثالث .

تنبيه : وبعد ما ظهر لك أن الآية الكريمة تدل على أن (علم الكتاب) كله عند مولانا أمير المؤمنين والأئمة المعصومين من ذريته سلام الله عليهم أجمعين ، ظهر لك أنهم أعلم وأفضل من أولي العزم من الأنبياء عليهم السلام ، لأن علومهم محدودة وليس عندهم " علم الكتاب " كله .

في كتاب الاحتجاج : روي عن محمد بن أبي عمير عن عبد الله بن الوليد السمان ، قال : قال أبو عبد الله عليه السلام : ما يقول الناس في أولي العزم وعن صاحبكم - يعني أمير المؤمنين - قال : قلت : ما يقدمون على أولي العزم أحدا ، فقال عليه السلام : إن الله تبارك وتعالى قال عن موسى : (وكتبنا له في الألواح من كل شئ موعظة) (3) ولم يقل كل شئ ، وقال عن عيسى :

(ولا بين لكم بعض الذي تختلفون فيه) (4) وقال لصاحبكم - يعني أمير المؤمنين عليه السلام -

ص: 65


1- غاية المرام ص 357 . وليست فيه جملة : والحلال والحرام .
2- راجع غاية المرام ص 357 - 358 وتفسير البرهان 2 / 303 .
3- الأعراف : 145 .
4- الزخرف : 63 .

(قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب) وقال عز وجل (ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين) (1) وعلم هذا الكتاب عنده (2) .

فقد علم مولانا الصادق عليه السلام الراوي طريق استنباط ما بينه من القرآن المجيد . ومنه يظهر أن علم كل نبي من أولي العزم بمقدار ما حواه كتابه ، وأن القرآن المجيد حاو للكل ، وأنه سيد الكتب السماوية كما أن نبينا محمدا سيد الأنبياء صلى الله عليه وعلى آله الطاهرين وعليهم أجمعين . .

ص: 66


1- الأنعام : 53 .
2- الاحتجاج 2 / 140 .

الحديث الثاني في تفسير قوله تعالى: أفمن كان على بينة من ربه و يتلوه شاهد منه

في تفسير قوله تعالى : (أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة) . (1) العياشي عن مولانا الباقر عليه السلام : الذي على بينة من ربه ، رسول الله ، والذي تلاه من بعده الشاهد منه أمير المؤمنين ثم أوصياؤه واحدا بعد واحد . (2) وعن مولانا الباقر والصادق سلام الله عليهما : إنما أنزلت (أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه) إماما ورحمة ، فقدموا وأخروا في التأليف . (3) وقد استفاضت الروايات عن أهل البيت عليهم السلام من طريقنا في أن المراد ب(شاهد منه) مولانا أمير المؤمنين عليه السلام بل كادت أن تكون متواترة . (4) وفي الاحتجاج : أنه سئل عن أفضل منقبة له فتلا هذه الآية ، وقال :

ص: 67


1- هود : 17 .
2- تفسير العياشي 1 / 142 .
3- تفسير القمي 1 / 324 .
4- راجع غاية المرام ص 361 والبرهان 2 / 212 .

(أنا الشاهد من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) . (1)

وقد استفاضت الروايات أيضا من طريق العامة مسندة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومولانا أمير المؤمنين عليه السلام ومولانا الباقر عليه السلام وابن عباس أن المراد به مولانا أمير المؤمنين عليه السلام . (2)

ومع ذلك قد اختلف المفسرون في المعنى بالموصول وشاهد منه .

وفي المجمع - بعد أن ذكر أن المعنى بالموصول : النبي ، وبالبينة : القرآن - قال :

وقيل : المعني به كل محق يدين بحجة وبينة ، لأن " من " يتناول العقلاء .

وقيل : هم المؤمنون من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن الجبائي .

ثم قال في تفسير (ويتلوه شاهد منه) واختلف في معناه .

فقيل : الشاهد جبرائيل يتلو القرآن على النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الله تعالى ، عن ابن عباس ومجاهد والزجاج .

وقيل : شاهد من الله تعالى محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، روي ذلك عن الحسين بن علي عليهما السلام وابن زيد واختاره الجبائي .

وقيل : شاهد منه لسانه ، أي يتلو القرآن بلسانه ، عن محمد بن علي أعني ابن الحنفية والحسن وقتادة .

وقيل : الشاهد منه علي بن أبي طالب عليه السلام ، يشهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو منه ، وهو المروي عن أبي جعفر وعلي بن موسى الرضا عليهما السلام ، ورواه الطبري بإسناده عن جابر بن عبد الله عن علي عليه السلام . .

ص: 68


1- الاحتجاج 1 / 131 و 232 .
2- راجع غاية المرام 359 وبحار الأنوار 35 / 386 .

وقيل : الشاهد ملك يحفظه الله ويسدده ، عن مجاهد .

وقيل : بينة من ربه حجة من عقله ، وأضاف البينة إليه تعالى لأنه ينصب الأدلة العقلية والشرعية يتلوه شاهد منه يشهد بصحته وهو القرآن ، عن أبي مسلم ، انتهى . (1) وينبغي التكلم في مقامات ثلاثة :

المقام الأول : في عدم صدق الموصول إلا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم .

والمقام الثاني : في عدم صدق شاهد منه إلا على مولانا أمير المؤمنين والأئمة المعصومين من ذريته واحدا بعد واحد ، وفساد سائر التفاسير المخالفة للروايات المستفيضة من الطرفين .

والمقام الثالث : في اشتمالها على المنقبة الفاضلة لمولانا أمير المؤمنين عليه السلام وأوصيائه الطاهرين ، بل أفضل منقبة كما دلت عليه رواية الاحتجاج .

أما الأول : فلأن صدق الموصول على غير النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتوقف على استجماع الصلات الثلاثة . (2) ومن الواضح أن كل محق يدين بحجة وبينة لا تتحقق فيه الصلة الثالثة ، إذ لا يصدق قوله تعالى : (ومن قبله كتاب موسى) بالنسبة إلى من تقدم عليه من الأنبياء وأممهم بالضرورة ، بل الثانية أيضا ، كما سيظهر لك إن شاء الله تعالى ، فمجرد تناول " من " للعقلاء لا يوجب الحكم بإرادة العموم ، مع عدم وجود الصلات فيهم .

وأما تفسيره بالمؤمنين من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم فلا ينطبق عليهم

ص: 69


1- مجمع البيان 5 / 150 .
2- يعني : كان على بينة من ربه - ويتلوه شاهد منه - ومن قبله كتاب موسى . . .

الصلة الثانية لأن المراد من شاهد منه حينئذ إما النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو القرآن ، إذ لا مجال لاحتمال سائر الوجوه من كونه جبرائيل ، أو الملك الحافظ للنبي صلى الله عليه وآله وسلم حينئذ .

والفعل مأخوذ إما من التلاوة أو التلو ، فيحصل هناك وجوه أربعة وكل منها باطل .

أما الأول : وهو إرادة كون النبي صلى الله عليه وآله وسلم تاليا للبينة - أي القرآن - عليهم ففاسدة معنى ولفظا .

أما معنى فمن جهة أن من كان على بينة من ربه - أي القرآن المنزل من الرب تعالى - إنما هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا المؤمنون من أصحابه ، إذ القرآن إنما نزل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكان بينة لنبوته ، فكيف يجوز أن يقال المؤمنون على هذه البينة ، ويجعل النبي تاليا لهذه البينة عليهم ، فيلزم حينئذ أن يكون المؤمنون أصلا في هذه البينة والنبي فرعا وهو غلط .

وأما لفظا فلأن الجملة المعطوفة على الصلة يجب أن تشتمل على الضمير الراجع إلى الموصول ، إلا إذا كانت معطوفة بالفاء ، والجملة خالية عن العائد حينئذ ، لأن الضمير المنصوب يرجع إلى " بينة " حينئذ والمجرور إلى الرب .

وأما الثاني وهو كون النبي صلى الله عليه وآله وسلم تاليا - أي تابعا - فأفسد ، لأنه إن قيل حينئذ برجوع الضمير المنصوب إلى الموصول ففساده واضح ، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليس تاليا وتابعا للمؤمنين من أصحابه ، وإن قيل برجوعه إلى بينة ، ففيه - مضافا إلى ما ذكر في الوجه الأول من الفساد لفظا ومعنى - أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليس تاليا وتابعا للبينة أي القرآن بالنسبة إلى المؤمنين ، وإنما القرآن تال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بالنسبة إليهم ، فإنه المخلف عنه صلى الله عليه وآله وسلم والباقي

ص: 70

فيهم مع العترة الطاهرة إلى أن يردا عليه الحوض . (1)

وأما الثالث : وهو كون القرآن تاليا بمعنى التلاوة ، فلا مجال له ، لأنه بهذا المعنى متلو لا تال .

وأما الرابع : وهو أن القرآن تال أي تابع فمع رجوع الضمير المنسوب إلى الموصول لا مجال له كما هو ظاهر ، ومع رجوعه إلى (بينة) ففاسد لفظا ومعنى .

أما لفظا فقد ظهر . وأما معنى فلأن المراد بالبينة حينئذ البصيرة العقلية ، لا القرآن ، وإلا لزم أن يتحد التالي والشاهد والمشهود به ، والبصيرة العقلية ليس من قبلها كتاب موسى وإنما ثبتت القبلية بالنسبة إلى نفس المؤمنين ، لا على بصائرهم ، ولو رجع ضمير من قبله حينئذ إلى الموصول للزم التفكيك بين الضميرين ، وأن يكون التالي بالنسبة إلى شئ ، والمتقدم بالنسبة إلى شئ آخر ، وهو تعسف ركيك لا يليق به كلام البلغاء ، بل من له أدنى مرتبة في البلاغة ، فضلا عن كلام الخالق تعالى شأنه .

ثم إن إرجاع الضمير المذكر إلى بينة في أغلب الصور المذكورة خلاف الظاهر ، لا يرتكب إلا مع قيام دليل عليه .

ومما بيناه تبين أن الصلة الثانية كما لا تنطبق على المؤمنين من الأصحاب ، كذلك لا تنطبق على كل محق يدين بحجة وبينة ، لأن المراد من الشاهد حينئذ إما الكتاب أو النبي ، فيرد جميع ما أوردناه على التفسير الثاني ، وكيف كان فقد اتضح لك غاية الاتضاح أن المعنى بالموصول ليس إلا نبينا صلى الله عليه وآله وسلم . .

ص: 71


1- كما يدل عليه حديث الثقلين .

وأما المقام الثاني : وهو اختصاص شاهد منه بمولانا أمير المؤمنين والأئمة المعصومين من ذريته سلام الله عليهم أجمعين ، فتوضيح الأمر فيه إلى إبطال سائر التفاسير التي ذكرها المفسرون فيه بالرأي .

فأقول :

أما تفسيره بجبرائيل الأمين ، أو الملك الحافظ للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فباطل من وجوه :

الأول : أن الله تبارك وتعالى في مقام إثبات رسالة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم والاحتجاج على المنكرين بأنه لا ينبغي التردد فيها من شاعر متعقل ، مع استجماع هذه الأمور الثلاثة التي كل منها دليل قاطع ، وبرهان مستقل على إثبات دعواه .

ومن المعلوم : أن الدليل لا بد أن يكون ظاهرا منكشفا حتى ينكشف به المدعى الذي هو مجهول ، وشهادة أمين الوحي ، أو الملك الحافظ من الأمور المجهولة التي يحتاج إثباتها إلى دليل ، فكيف تجعل دليلا عديلا لبينة من ربه ، وثبوته بخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يصلح لجعله دليلا على نبوته صلى الله عليه وآله وسلم كما هو ظاهر ، كما أن ثبوته بالقرآن لا يصلح لجعله دليلا مستقلا في قبال بينة من ربه .

الثاني : أن الظاهر من الكلام أن الضمير المنصوب والمجرور يرجع إلى الموصول وهو النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا يصدق على الملك أنه شاهد منه صلى الله عليه وآله وسلم لعدم كونه من البشر .

الثالث : أن الفعل إن أخذ من التلاوة ورجع الضمير المنصوب إلى بينة ، والمجرور إلى الرب لزم خلو المعطوف عن العائد .

والقول برجوع الضمير المجرور إلى الموصول حينئذ لا يستقيم من

ص: 72

جهة عدم صدق شاهد منه على الملك ، وإن أخذ من التلو فهو باطل من وجهين :

الأول : أنهما ليسا تاليين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وإنما هما معه صلى الله عليه وآله وسلم لانقطاع الوحي والحفظ بوفاته صلى الله عليه وآله وسلم .

والثاني : عدم صدق شاهد منه على منهما لما عرفت .

وإعادة الضمير المجرور على الرب تعالى حينئذ مخالفة للظاهر ، ضرورة أن الظاهر من الكلام رجوع الضمير الثاني إلى ما رجع عليه الأول مع صلوحه له .

وأما تفسيره بالقرآن فمع تفسير الموصول بالمؤمنين من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد ظهر لك فساده .

وأما مع تفسير الموصول بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم فأفسد ، إذ أظهر بينة من ربه وأكملها وأتمها هو القرآن ، الذي جعله الله تعالى معجزا ودليلا على صدقه ، وتحدى به فصحاء العرب وبلغائهم .

فبينة من ربه إما تختص به كما زعمه بعض المفسرين ، أو تعمه وغيره من المعجزات ، فلا يمكن - والحال هذه - إرادة القرآن من شاهد يتلوه ، مع أنه لا يصدق على القرآن أنه شاهد منه ، إذ التعبير بكلمة " من " حينئذ إما بلحاظ أن تأليفه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو بملاحظة تحقق النسبة والقرابة ، وبطلان كلا الأمرين في غاية الوضوح .

وأما تفسيره بلسانه الشريف فهو فاسد من وجوه عديدة أيضا :

الأول : أن الظاهر من يتلوه بقرينة مقابلته مع قوله تعالى : (ومن قبله كتاب موسى) التلو لا التلاوة .

والثاني : أن التالي حينئذ نفس الرسول ، لأن اللسان آلة التلاوة ، فحق

ص: 73

التعبير حينئذ أن يقال : أفمن كان على بينة من ربه ، ويتلوه من دون ذكر شاهد منه .

والثالث : أنه لا يصدق الشاهد على اللسان .

والرابع : أنه حينئذ لا يكون دليلا آخر ، وبرهانا على حدة ، مع أن الظاهر الواضح أنه عز وجل في مقام الاتيان بحجة أخرى ، ونسبته إلى محمد بن علي - أي ابن الحنفية - غلط ، فإنه أجل شأنا من أن يصدر منه مثله ، ولعله عبر عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام بلسان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كما وقع ذلك في خبر حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس ، قال : (أفمن كان على بينة من ربه) رسول الله و (يتلوه شاهد منه) هو علي بن أبي طالب عليه السلام كان والله لسان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (1) ، فوهم الراوي ولم يفهم مراده .

وأما تفسيره بالنبي فمع تفسير الموصول بالمؤمنين من أصحابه قد ظهر لك فساده .

وأما مع تفسيره به صلى الله عليه وآله وسلم فأظهر فسادا ، إذ لا يصدق على الشخص أنه شاهد بالنسبة إلى نفسه ، ولا شاهد منه ولا أنه تال له أو عليه ، فنسبته إلى مولانا الحسين بن علي عليه السلام لا أصل لها وغلط قطعا .

ثم إن نسبة تفسير " شاهد منه " بجبرائيل إلى ابن عباس خطأ أيضا ، إذ قد ذكر في تفسير البرهان عن الحافظ أبي نعيم بثلاثة طرق عن ابن عباس :

أنه علي بن أبي طالب عليه السلام . (2) قال وذكر الخطيب الخوارزمي مثله . (3)

ص: 74


1- البرهان 2 / 214 ومناقب ابن شهرآشوب 3 / 85 .
2- البرهان 2 / 214 وغاية المرام ص 360 .
3- مناقب الخوارزمي ص 278 الطبع الحديث . البرهان 2 / 214 . غاية المرام ص 359 .

ونقل أيضا عن الثعلبي في تفسيره ، وعن موفق بن أحمد ، عن ابن عباس أنه علي خاصة يشهد للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو منه . (1) فلم يبق في البين إلا ما استفاضت الروايات من الطريقين أنه مولانا أمير المؤمنين ، بل تواترت الروايات عن أهل البيت عليهم السلام في هذا المعنى . (2) ولا ينافي نزولها في شأن مولانا أمير المؤمنين جريانها في الأئمة المعصومين من ذريته سلام الله عليهم أجمعين لما مر (3) ، ولا ينافيه صيغة الإفراد ، لأن كلا منهم شاهد منه في عصره ، كما أشار إليه مولانا الباقر حيث قال عليه السلام : (ثم أوصياؤه واحدا ، بعد واحد) (4) ولعله لأجل تعدده وقيام الشهادة في كل عصر بواحد أتى عز وجل بصيغة الإفراد منكرة .

وأما الاتيان ببينة منكرة ، فلعله لأجل التنبيه على أن ذات البينة من قبل الرب تعالى كافية في إثبات دعواه من دون فرق بين مصاديقها ، ولأجل عمومها للقرآن وغيره من المعجزات وخوارق العادات ، وللتعظيم ، إذ قد يقصد بالتنكير التعظيم .

وأما المقام الثالث : وهو الاحتواء على المنقبة الفاضلة فيظهر من مواضع منها :

الأول : كونه شاهدا للرسول صلى الله عليه وآله وسلم على رسالته .

والثاني : أنه من الرسول .

والثالث : أنه تال له . .

ص: 75


1- البرهان 2 / 214 . غاية المرام ص 360 . مناقب الخوارزمي ص 278 الطبع الحديث .
2- راجع البرهان وغاية المرام .
3- أي في شرح الحديث الأول حيث قال : ثم إن نزولها في شأن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام لا ينافي . . .
4- العياشي 2 / 142 . غاية المرام ص 362 .

والرابع ، والخامس : أنه إمام ورحمة .

توضيح الأمر : إن من الآثار المترتبة على الشهادة برسالته صلى الله عليه وآله وسلم إسلام الشاهد ، وهو مترتب عليها في جميع الموارد ، سواء كان الشاهد معصوما أم لا .

ومنها : ثبوت الرسالة بها ، وهو إنما يترتب عليها إذا كان الشاهد عالما معصوما من الخطأ والزلل عمدا وسهوا وجهلا .

والغرض من المقام إنما هو الثاني لا الأول ، ضرورة أنه عز وجل في مقام إثبات رسالة رسوله بالحجج القاطعة التي لا ينبغي الارتياب فيها ممن له حظ من مراتب التعقل ، فلو لم يكن هذا الشاهد الذي ذكره تعالى معصوما من الجهل والزلل عمدا وسهوا لم يكن لذكره في هذا المقام ، وجعل شهادته في مقابل بينة الرب تعالى مقدمة على شهادة كتاب موسى مجال .

وبالجملة : ما بيناه في كمال الوضوح ونهاية الظهور ولذا لم يتجاوز المفسرون في تفسيرهم إلى من لم يكن معصوما مع اضطراب كلماتهم وكثرة اختلافهم فيه كما رأيت .

فتبين بما بيناه أن كونه عليه السلام شاهدا للرسول صلى الله عليه وآله وسلم من ألقابه الشريفة الدالة على عصمته وطهارته ، بل تقديم شهادته على شهادة كتاب موسى في الذكر يدل على تقدمها عليها رتبة المستلزم لتقدمه على موسى الكليم في الرتبة ، لما عرفت من أن علم كل نبي طبق ما حواه كتابه ، فدرجته أيضا طبق درجة كتابه ، فالمقدم على الكتاب في الرتبة مقدم على صاحبه كذلك .

هذا كله بالنسبة إلى كونه عليه السلام شاهدا للرسول صلى الله عليه وآله وسلم على رسالته .

ص: 76

وأما كونه من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فمنقبة أخرى قد كشف عنها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على ما رواه الفريقان ، أنه قال صلى الله عليه وآله وسلم :

(أنا وعلي من شجرة واحدة والناس من أشجار شتى (1) وعلي مني وأنا منه) . (2) وهي منقبة جليلة دالة على اتحادهما وتساويهما في الكمال ، وعدم ارتقاء أحد من الناس مرتبته ودرجته .

وأما كونه تاليا للرسول صلى الله عليه وآله وسلم بناء على أخذ يتلوه من التلو ورجوع الضمير المنصوب إلى الموصول ، كما هو الظاهر بقرينة مقابلته مع قوله عز وجل : (ومن قبله كتاب موسى) وتذكير الضمير الظاهر في الرجوع إلى المذكر وهو الموصول لا البينة ، فهو دليل على أنه خير الناس وأفضلهم بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وخلافته صلى الله عليه وآله وسلم بلا فصل ، إذ لو تلاه غيره ابتداء لكان أحق بالذكر ، بل لا مجال لذكر المتأخر وترك المتقدم .

فإن قلت : يصدق التلو باعتبار التأخر والمتابعة ولا يتوقف تحققه على الخلافة عن المتلو حتى يدل عليها .

قلت : مجرد التأخر والمتابعة لا يكفي في صدق التلو في جميع الموارد ، بل يعتبر في صدقه في مثل المورد كون التالي بعد المتلو في شؤونه القائمة به ، ألا ترى أنه لا يقال لواحد من الرعايا أو المقلدين أو الفقراء أنه يتلو السلطان ، أو العالم المقلد أو التاجر ، وإنما يعتبر بتالي السلطان عن ولي عهده ، والقائم مقامه في السلطنة ، وتالي العالم المقلد عن العالم الذي يستحق القيام مقامه في التقليد والمرجعية ، وتالي التاجر عن

ص: 77


1- مناقب ابن المغازلي ص 400 .
2- غاية المرام ص 456 .

تاجر آخر مثله .

بل يمكن أن يقال إن ذلك معتبر في صدق التلو في جميع الموارد ، غاية الأمر أن الشؤون والخصوصيات تختلف باختلاف الموارد . .

هذا إن أخذ الفعل من التلو كما هو الظاهر ، وإن أخذ من التلاوة بإرجاع الضمير المنصوب إلى بينة على تأويلها بالقرآن ، فهو دليل أيضا على خلافته عليه السلام عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، لأن المراد من تلاوة القرآن ليس مجرد قراءته ، وإلا لم يكن لذكره في مقام إثبات رسالته صلى الله عليه وآله وسلم محل ومجال ، فالمراد تلاوته على الناس في مقام إرشادهم وهدايتهم إلى دين الحق ، كما أرشدهم وهداهم إليه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم .

ومن الواضح : أن هذا شأن خليفته ، وولي عهده ، والقائم بأمره ، ومنه يعلم أنه عليه السلام عالم بالكتاب ظاهره وباطنه ، تنزيله وتأويله . وإلا لم يكن لتخصيص التلاوة به وجه ، ولم يتمكن من الهداية التامة المستفادة من الآية الكريمة ، إذ لو كان ناقصا في الهداية لم يحتج عز وجل به على إثبات رسالة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم .

وأما الرابع والخامس : فدلالتهما على المنقبة الفاضلة والإمامة صريحة غنية عن البيان وكأنه لإخراج دلالة الآية الكريمة على إمامة مولانا أمير المؤمنين عليه السلام أخروهما في التأليف عن كتاب موسى ولم يعلموا أن الله تعالى أنزل القرآن على وجه بحيث يبقى دلالته على المطلوب للعلماء مع التغيير في تأليفه وهذا من جملة وجوه إعجاز القرآن المجيد .

ومما يبين أن قوله عز من قائل : (إماما ورحمة) حال عن شاهد منه ، لا كتاب موسى ، ما رواه في تفسير البرهان عن طريق العامة .

قال : أخبرنا أبو بكر بن مردويه قال : أخبرنا أبو بكر بن أحمد السري

ص: 78

بن يحيى التميمي ، حدثنا أبي ، حدثنا عمي الحسين بن سعيد بن أبي الجهم ، حدثنا أبي عن أبان بن تغلب ، عن مسلم ، قال : سمعت أبا ذر ، والمقداد ، وسلمان الفارسي قالوا : " كنا قعودا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولكن ما معنا غيرنا إذ

أقبل ثلاثة رهط من المهاجرين البدريين ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " تفرق بعدي ثلاث فرق : فرقة أهل حق لا يشوبه باطل ، مثلهم كمثل الذهب كلما فتنته بالنار زاد جودة وطيبا ، وإمامهم هذا لأحد الثلاثة ، وهو الذي أمر الله في كتابه (إماما ورحمة) ، وفرقة أهل باطل لا يشوبونه بحق ، مثلهم كمثل خبث الحديد كلما فتنته بالنار ازداد خبثا وإمامهم هذا لأحد الثلاثة ، وفرقة أهل ضلالة مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ، وإمامهم هذا لأحد الثلاثة " قال : فسألتهم عن أهل الحق وإمامهم فقالوا : " هذا علي بن أبي طالب عليه السلام إمام المتقين وأمسك عن الاثنين فجهدت أن يسميهما فلم يفعل) . (1) وروى هذا الحديث أخطب خطباء خوارزم موفق بن أحمد ، ورواه أيضا أبو الفرج المعافي وهو شيخ جامع صحيح البخاري ، انتهى . (2) فتبين - بحمد الله تعالى - مما بيناه أن هذه الآية الكريمة أخت الآية الأولى من حيث اشتمالها على فضائل جليلة ، ومناقب كريمة ، لمولانا أمير المؤمنين ، والأئمة المعصومين من ذريته صلى الله عليه وآله وسلم من ثبوت رسالة الرسول في بشهادته الملازم للعصمة والطهارة ، وأنه من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وخلافته عنه ، وكونه تلوا له في الكمالات فاستحقت بدلالتها على هذه المناقب الكريمة أن تكون أفضل منقبة .

ص: 79


1- البرهان 2 / 214 .
2- البرهان 2 / 214 .

تبصرة : الآية الكريمة تدل على انحصار من يتلو الرسول في (شاهد منه) ، إذ لو تلاه غير من اتصف بالوصف المذكور لذكره الله تعالى ، إذ .

لا يجوز الاخلال بذكره في الحكمة مع كونه في درجة شاهد ، فتدل على انحصار الخلافة والإمامة في من كان من الرسول ، مع اتصافه بكونه شاهدا على رسالته فتنحصر الإمامة والخلافة في مولانا أمير المؤمنين وأولاده المعصومين الطاهرين .

فيخرج غير أقارب الرسول من كلمة (منه) وأقاربه غير المعصومين من وصف الشاهد ، لما ظهر لك من أن المقصود بهذه الشهادة " المثبتة للرسالة الملازمة لعصمة الشاهد وطهارته) ، ولم يدع العصمة أحد من العلويين وغيرهم سوى أئمتنا الطيبين من ذريته سلام الله عليه وعليهم أجمعين .

ص: 80

الحديث الثالث في تفسير قوله تعالى: واعتصموا بحبل الله جميعاً

في تفسير قوله تعالى : (واعتصموا بحبل الله جميعا) . (1) العياشي بإسناده عن جابر ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : آل محمد هم حبل الله الذي أمر بالاعتصام به فقال : (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) . (2) وقد أخرج السيد قدس سره (3) في غاية المرام في تفسير حبل الله ، بآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم ستة أخبار من طريقنا ، وأربعة من طريقهم . (4) ويبين ذلك أيضا ما تواترت الروايات من الطريقين من أنه صلى الله عليه وآله وسلم أمر بالتمسك بالثقلين : كتاب الله وعترته ، وقال صلى الله عليه وآله وسلم : " إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي ، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا ، ألا وإنهما لن يفترقا

ص: 81


1- آل عمران : 103 .
2- العياشي 1 / 194 .
3- يعني السيد هاشم البحراني مؤلف " غاية المرام " و " البرهان " وغيرهما .
4- غاية المرام ص 242 - 244 .

حتى يردا علي الحوض " . (1)

وفي رواية أبي سعيد الخدري أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال : (أيها الناس إني تركت فيكم حبلين إن أخذتم بهما لن تضلوا بعدي ، أحدهما أكبر من الآخر : كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، ألا وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض) . (2) وقد ذكر في غاية المرام من الروايات الواردة في هذا الباب من طريقنا اثنين وثمانين ، ومن طريقهم تسعة وثلاثين ، وذكر الروايات مفصلة . (3) أقول : ولا يضر الاختلاف اليسير بينها في بعض الألفاظ لتطابقها في المعنى .

واعلم أن حديث العترة المتواتر ، الذي لا ريب في صحته من الطريقين يدل على أن العترة الهادية أفضل الناس وخيرهم بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، واحتياج جميع الناس إليهم ، واستغنائهم عن جميعهم ، وعصمتهم وعلمهم بالكتاب كله ، وخلافتهم عن الله ورسوله ، وانحصار الإمامة فيهم ، والاهتداء بالتمسك بذيلهم ، وعدم خلو الأرض منهم إلى يوم القيامة .

أما الأول : فيعلم من جعل كل من الكتاب والعترة قرينا للآخر وعديلا له غير مفترق عن صاحبه ، ومتمسكا لهم جميعا ، وجعل التمسك بهم رافعا للضلالة ، إذ لو كان فيهم من كان مقدما على العترة أو مساويا

ص: 82


1- راجع غاية المرام ص 211 .
2- مجمع البيان 2 / 482 .
3- غاية المرام ص 211 - 234 .

لهم في الفضيلة لما جعلهم متمسكين والعترة متمسكا بهم ، بل لو كان فيهم من استحق التقدم عليهم لوجب أن يجعل العترة متمسكين به .

وأما الثاني : فيعلم من عدم افتراق الكتاب عن العترة ، وعدم افتراقهم عنه ، فإن الأول يدل على احتياج جميع الأمة إلى العترة ، والثاني على استغنائهم عن الجميع .

توضيحه : إن جميع الأمة محتاجون إلى العلم بما في كتاب الله ، لأجل معرفة أحكامهم ووظائفهم ، وفصل القضاء في خصوماتهم ، ومعرفة حقوقهم ، والحكم بالعدل فيهم ، وإصلاح معاشهم ، ومعادهم .

والكتاب المجيد مع وفائه بجميع ما يحتاجون إليه إذ لا رطب ولا يابس إلا فيه منه مجمل كفواتح السور ، ومحكم كنصوص الآيات ، ومتشابه يحتمل وجوها ، وله ظهر وبطن وتنزيل وتأويل ، ولبطنه أيضا بطن إلى سبعين بطنا ، والمحكمات منه لا يستنبط منها إلا قليل من الأحكام ولا سبيل لأحد إلى تفسير المجمل والمتشابه وتأويله وبطونه إلا من اختاره الله تعالى ترجمانا له ، وجعله مطلعا عليه ، وقد أعلمهم صلى الله عليه وآله وسلم بقوله " لن يفترقا " إن المفسرين لكتابه المجيد ، والعالمين بمجملاته ومحكماته ومتشابهاته وتأويله وتنزيله وظهره وبطنه ، إنما هو العترة الهادية ، وهم المترجمون الربانيون ، فدل قوله صلى الله عليه وآله وسلم " لن يفترقا " على علم العترة بجميع ما في الكتاب ، وإلا لافترقوا عنه ، وعلى اختصاصهم (1) بالعلم به ، وإلا افترق الكتاب عنهم ، فعدم الافتراق من الجانبين يدل على علم العترة

ص: 83


1- ويبين ذلك أيضا أنه لو كان في الأمة من كان عالما بالكتاب كله لوجب أن يجعله قرينا للعترة ، ومتمسكا لسائر الأمة كالعترة ، فجعله صلى الله عليه وآله وسلم جميع الأمة متمسكين بالعترة من دون استثناء أحد منهم ، يدل على احتياجهم إلى العترة وعدم علمهم بالكتاب كله . منه ره .

بجميع ما في الكتاب ، وعدم وجود علم الكتاب عند غيرهم ، فثبت استغناؤهم عن الكل لعلمهم بالكتاب كله واحتياج الجميع إليهم لانحصار سبيل العلم بما في الكتاب في المراجعة إليهم والتمسك بهم .

وأما الثالث : فيعلم من عدم افتراقهم عن الكتاب ، وعدم تطرق .

الضلالة في التمسك بهم ، إذ لو لم يكونوا معصومين من ارتكاب الذنب ، وعروض السهو والنسيان لافترقوا عن الكتاب عند ارتكاب الذنب ، وطرو السهو والنسيان ، ولما كان التمسك بهم مصونا عن الضلالة .

وأما الرابع : وهو العلم بالكتاب كله فيظهر من الفقرتين ، إذ لو كانوا جاهلين ببعض الكتاب ، لافترقوا عنه ، إذ الجاهل مفترق عما جهله ، ولما كان التمسك بهم مصونا عن الضلالة .

وأما الخامس : فيعلم صريحا من قول صلى الله عليه وآله وسلم :

" ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا " ضرورة أن التمسك به يكون أمانا للمتمسك ، فجعلهم قرناء للقرآن ، ومحلا لتمسك الأمة صريح في إمامتهم ، وولايتهم ، وخلافتهم عن الله تعالى ، وعن رسوله صلى الله عليه وآله وسلم . وفي بعض الروايات ذكر " خليفتين " عقيب " الثقلين " .

والتزاما عقليا من قوله صلى الله عليه وآله وسلم : لن يفترقا ، لدلالته على استغنائهم عن الكل واحتياج الكل إليهم كما عرفت .

ولا يعقل إمامة الجاهل ، والمحتاج إلى العالم المستغني .

أما حال جهله وحاجته إلى العلم فبديهي ، بل وكذلك بعد رجوعه إلى المستغني وأخذ العلم من عنده ، ضرورة أن رجوعه إلى المستغني وأخذ العلم من عنده ينافي مع إمامته له وائتمام العالم به ، هل يرضى جاهل أن يقول :

يجب على العالم المستنبط أن يقلد الجاهل الذي يرجع إليه في معرفة

ص: 84

وظيفته بعد أن أخبره بالحكم والوظيفة ، كلا ، ثم كلا .

بل تقسيمه تعالى شأنه كتابه المجيد إلى مجمل ومحكم ومتشابه ، يدل على أنه تعالى جعل لكتابه مترجمين ربانيين مراجع للأمة ، وإنه علم بوجود أشخاص تدعي مقامهم .

إذ لو لم يجعل الله تعالى له مترجما من عنده ، مع تقسيم كتابه المجيد إلى الأقسام الثلاثة لزم الاخلال بالحكمة ، حيث جعل كلامه الذي هو وسيلة الهداية موجبا للحيرة والضلالة ، تعالى شأنه عن ذلك علوا كبيرا .

ولو لم يكن في الأمة من يدعي منزلتهم لم يحتج إلى ذلك ، لأن بيان المقصد بالرمز والتشابه إنما هو للإخفاء عن غير أهله ، فلو كانت الأمة مجتمعة على الطاعة والانقياد لهم ، لم يكن في البين غير أهل ، حتى يحتاج إلى الرمز والتشابه .

وقد ورد عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام أنه تعالى شأنه قسم كتابه إلى مجمل ومحكم ومتشابه ، حتى يتميز المتولون على الخلافة عمن هو أهل للخلافة ويكون خليفة له . (1)

وأما السادس : وهو انحصار الإمامة فيهم ، فيعلم من قوله صلى الله عليه وآله وسلم : " لن يفترقا " أيضا ، لأن دلالته على احتياج غير العترة عن الأمة إليهم تنبئ عن عدم تطرق الخلافة والإمامة فيهم ، وإلا لكان الإمام منهم مستغنيا كالعترة ، وهو مناقض لقوله صلى الله عليه وآله وسلم : " لن يفترقا " ، بل يدل عليه أيضا قوله : ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي " إذ لو كان فيهم إمام لوجب استثناؤه من المتمسكين ، ضرورة أن الإمام لا يتمسك بغيره من الأمة .

ص: 85


1- الصافي ذيل الآية 7 من آل عمران نقلا عن الاحتجاج للطبرسي . والمؤلف (ره) نقل الحديث بالمعنى فلا تغفل .

وأما السابع : وهو انحصار الاهتداء في التمسك بهم ، والرجوع إليهم فتدل عليه الفقرتان أيضا ظهورا وصراحة .

أما ظهورا فمن الفقرة الأولى ، فإن قوله صلى الله عليه وآله وسلم : " ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا " في مقام بيان أن سبيل الهداية ينحصر فيهما ، ولا تكون الأمة مصونة .

عن الضلالة ما لم يتمسك بهما ، وظهوره في الحصر بمثابة يكون كالصراحة .

وأما تصريحا فمن الفقرة الثانية ، إذ لو وجد علم الكتاب عند غيرهم ، وحصل الاهتداء بالرجوع إلى من عداهم ، لم يصدق عدم افتراق الكتاب عنهم .

وأما الثامن : فيظهر من الفقرة الأخيرة بضميمة قوله صلى الله عليه وآله وسلم : " حتى يردا علي الحوض " إذ لو خلت الأرض منهم قبل ورودهم الحوض عليه صلى الله عليه وآله وسلم لافترق كل من الكتاب والعترة عن صاحبه ، ولم يصدق قوله صلى الله عليه وآله وسلم : " لن يفترقا حتى يردا علي الحوض " مع أنه يظهر من الفقرة الأولى التزاما أيضا ، لأن ضم العترة إلى الكتاب في الصون عن الضلالة ، إنما هو لحاجة الكتاب إلى ترجمان رباني في بيان مقاصده ، كما هو ظاهر ، ولا يكون ترجمانا له إلا العترة الهادية ، لما عرفت من انحصار الاهتداء في التمسك بهم ، فلو جاز خلو الأرض عنهم عليهم السلام حينا من الأحيان لزم انقطاع سبيل الهداية ، ونقصان الدين بعد إكماله ، ويستحيل على الحكيم أن لا يكمل دينه ، وسبيل هدايته ، أو يجعله ناقصا بعد إكماله ، ولا ينافي ذلك غيبة إمامنا عجل الله تبارك وتعالى فرجه في عصرنا ، لأنه ينتفع به عليه السلام في حال الغيبة ، كما ينتفع بالشمس من وراء السحاب .

إذا اتضح لك ما بيناه ، فقد ظهر لك أن حديث العترة من جوامع الكلم

ص: 86

الذي قد جمع فيه فضائل العترة الطاهرة سلام الله عليهم .

فإن قلت : ليس في الروايات الأمر بالتمسك بهما ، وإنما قال صلى الله عليه وآله وسلم :

" ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا " فأخبر الأمة أن في التمسك بهما ، صونا عن الضلالة ، ولم يأمرهم بالتمسك بهما .

قلت : التعبير بهذا النحو أتم وأكمل في إفادة الوجوب من التعبير

بصيغة الأمر ، لأن صيغة الأمر تحتمل الحمل على الندب مع قطع النظر عن خصوصية المورد ، وأما حصر الهداية وعدم الضلالة في التمسك بهما المستفاد من التعبير المذكور فصريح في وجوب التمسك بهما ، ولا يتطرق إليه احتمال الندب ، ضرورة أن التمسك بسبيل الهداية والتحرز عن طريق الضلالة واجب عقلا ، فذكر الموضوع هنا يغني عن بيان حكمه ، لكمال وضوحه وظهوره ، مع أن التمسك بالكتاب واجب بالضرورة ، ولا مجال للتفكيك بينه وبين العترة التي قرنها به وعبر عنهما بالثقلين اللذين تركهما فيهم ، وجعلهما حبلين تتمسك الأمة بهما ، صونا عن أن يضلوا بجعل التمسك بأحدهما واجبا دون الآخر .

فإن قلت : العترة ليس نصا في أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم لمجيئه بمعنى الرهط والطائفة ، ومنه قول أبي بكر : نحن عترة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التي خرج منها ، وبيضته التي تفقأت عنه . (1) قلت أولا : إن العترة لم يجئ بمعنى مطلق الرهط ، وإنما جاء بمعنى ذرية الشخص وأهله .

وفي المصباح المنير : العترة نسل الإنسان . قال الأزهري ، وروى ثعلب عن ابن الأعرابي : إن العترة ولد الرجل ، وذريته ، وعقبه من صلبه ،

ص: 87


1- المصباح المنير 1 / 45 .

ولا تعرف العرب من العترة غير ذلك ، ويقال رهطه الأدنون - وإن ذكر بعد ذلك - ويقال إنه والرهط بمعنى ، ومنه قول أبي بكر إلخ . (1)

إلا أن التحقيق أن قول أبي بكر من باب التجوز ، كما قال ابن أبي الحديد . .

قال في شرح كلام مولانا أمير المؤمنين عليه السلام " وآخر قد يسمى عالما ليس به ، فاقتبس جهائل من جهال ، وأضاليل من ضلال ، إلى آخر الخطبة " :

وعترة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أهله ونسله ، وليس بصحيح قول من قال إنه رهطه وإن بعد ، وإنما قال أبو بكر - يوم السقيفة أو بعده - : " نحن عترة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبيضته التي تفقأت عنه " على طريق المجاز ، لأنهم بالنسبة عترة له لا في الحقيقة ، ألا ترى أن العدناني يفاخر القحطاني فيقول له : أنا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، يعني ليس أنه ابن عمه على الحقيقة ، لكنه بالإضافة إلى القحطاني ابن عمه ، وإنما استعار ذلك ونطق به مجازا " انتهى . (2) وثانيا : إن الروايات مصرحة بأن المراد من العترة أهل بيته صلى الله عليه وآله وسلم كما اعترف بذلك أيضا ابن أبي الحديد في الشرح ، حيث قال بعد ذلك : " وقد بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن عترته من هي لما قال " إني تارك فيكم الثقلين - فقال : - وعترتي أهل بيتي " . (3) وقد ذكر في ذيل الروايات التي أسندها العامة إلى زيد بن أرقم - بعد أن أوضح العترة بأنهم أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم - أنه سئل زيد عن أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم هل تدخل فيه نساؤه ؟ فقال : لا ، ولكن أهل بيته من حرم

ص: 88


1- المصباح المنير 1 / 45 .
2- شرح نهج البلاغة 6 / 375 .
3- شرح نهج البلاغة 6 / 375 .

الصدقة عليهم (1) ويظهر منه أن تفسير العترة بأهل بيته صلى الله عليه وآله وسلم كان واضحا عندهم ، ولذا سألوا عن دخول نسائه في أهل بيته لا في عترته صلى الله عليه وآله وسلم .

وثالثا : إن الأوصاف التي وصف بها العترة من العصمة والطهارة ، وأن التمسك بهم مصون من الضلالة ، وعلمهم بالكتاب كله ، إنما تنطبق .

على أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا .

وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في شأنهم بالنصوص المستفيضة ، بل المتواترة من الطريقين :

مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها هلك . (2) وإن عليا خير البرية ، وسيد العرب ، وخير الوصيين . (3) وأنا مدينة العلم ، وعلي بابها . (4) وعلي مني وأنا منه . (5) وعلي مع القرآن والقرآن معه . (6) والحق مع علي وعلي مع الحق يدور معه حيث دار (7) وحق علي على هذه الأمة كحق الوالد على ولده . (8) إلى غير ذلك من الفضائل التي لا تحصى مما رواه الفريقان ولا

ص: 89


1- البرهان 3 / 324 نقلا عن صحيح مسلم .
2- غاية المرام ص 237 .
3- غاية المرام ص 326 و 618 .
4- غاية المرام ص 521 .
5- غاية المرام ص 456 .
6- غاية المرام ص 540 .
7- غاية المرام ص 539 .
8- غاية المرام ص 543 .

شبهة فيها .

وليس في الأمة من غير أهل البيت عليهم السلام من كان معصوما مطهرا من الرجس ، عالما بالكتاب كله ، لا يفارق القرآن ولا يفارقه حتى تنطبق أوصاف العترة عليه ، ويحتمل صدقها عليه .

إذا تبين لك ذلك فاعلم أن الآية الكريمة تدل على وجوب الاعتصام .

بالعترة الطاهرة ، لأنه إن فسر حبل الله بهم - كما دلت عليه الروايات المفسرة - (1) فهو ، وإن فسر بالقرآن - كما نسب إلى أبي سعيد الخدري ، و عبد الله وقتادة والسدي (2) - يدل عليه التزاما للروايات المتواترة الدالة على عدم افتراق أحدهما عن الآخر ، فالمعتصم بأحدهما لا بد له من الاعتصام بالآخر . وإن فسر بالإسلام ودين الله ، كما عن ابن عباس وأبي زيد ، فكذلك لأن المعتصم به لا بد له من الاعتصام بكتاب الله ، الذي لا يفارق العترة ، ولا ينكشف أحكامه إلا بهم .

ثم إن في التعبير بالاعتصام دلالة على أن الأخذ بالمعتصم به يوجب الصون عن الضلالة ، فهو أو في من التعبير بالتمسك ونحوه .

وأما الروايات فلأجل التصريح فيها بأن الأخذ به يوجب عدم الضلالة ، عبر فيها بالتمسك والأخذ به . .

ص: 90


1- غاية المرام ص 242 . الصافي 1 / 337 . مجمع البيان 2 / 482 . العياشي 1 / 194 .
2- مجمع البيان 2 / 482 .

الحديث الرابع في تفسير قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله و كونوا مع الصادقين

في تفسير قوله تعالى : (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) . (1)

في الكافي عن مولانا الباقر عليه السلام : (إيانا عني) . (2)

وعن مولانا الرضا عليه السلام : (الصادقون هم الأئمة الصديقون بطاعتهم) . (3)

وفي الاكمال عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال في جمع من المهاجرين والأنصار : " أسألكم بالله أتعلمون أنه لما نزلت هذه الآية قال سلمان لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : عامة هذه الآية أم خاصة ؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم : أما المأمورون فعامة المؤمنين أمروا بذلك ، وأما الصادقون فخاصة لأخي وأوصيائي من بعده إلى يوم القيامة ، قالوا : اللهم نعم . (4) وقد استفاضت الروايات من طريقنا وطريق العامة : أن الصادقين هم

أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم المطهرون .

ص: 91


1- سورة التوبة : 120 .
2- الكافي 1 / 208 .
3- الكافي 1 / 208 .
4- إكمال الدين ص 264 . البحار 33 / 149 .

وقد ذكر في غاية المرام عشرة أخبار من طريقنا ، وسبعة أخبار من طريق العامة . (1) أقول : ويدل على اختصاص الصادقين في الآية الكريمة ، بالأئمة المعصومين الطيبين من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وعدم إرادة مطلق الصادقين منه ، كما دلت عليه الروايات المستفيضة من الطرفين : أنه لو كان المراد بالصدق مطلق الصدق الشامل لكل مرتبة منه ، المطلوب من كل مؤمن ، وبالصادقين المعنى العام ، الشامل لكل من اتصف بالصدق في أي مرتبة كان ، لوجب أن يعبر مكان " مع " بكلمة " من " ، ضرورة أنه يجب على كل مؤمن أن يتحرز عن الكذب ، ويكون من الصادقين ، فالعدول عن كلمة " من " إلى " مع " يكشف عن أن المراد بالصدق مرتبة مخصوصة ، وبالصادقين طائفة معينة .

ومن المعلوم أن هذه المرتبة مرتبة كاملة ، بحيث يستحق المتصفون بها أن يتبعهم سائر المؤمنين جميعا ، وهذه المرتبة الكاملة التي تكون بهذه المثابة ليست إلا العصمة والطهارة ، التي لم يتطرق معها كذب في القول والفعل ، إذ في الأمة من طهره الله تعالى ، وأذهب عنه الرجس ، وهم أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، بنص آية التطهير ، واتفاق جميع المسلمين ، فلو أريد من الصادقين غير المعصومين لزم أن يكون المعصومون مأمورون بمتابعة غير المعصومين المتطرق فيهم الكذب ولو جهلا أو سهوا ، وهو قبيح عقلا ، فتعين أن يكون المراد الصادقون المطهرون ، الحائزون جميع مراتب الصدق قولا وفعلا ، ولا يصدق ذلك إلا على أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، وإليه يشير قول مولانا

ص: 92


1- غاية المرام ص 248 .

الرضا عليه السلام : " هم الأئمة الصديقون بطاعتهم ."(1)

ويدل على كونهم أئمة كما نبه عليه مولانا الرضا عليه السلام في هذه الرواية أمره سبحانه وتعالى جميع المؤمنين - بعد أمرهم بالاتقاء عن محارمه - بأن يكونوا مع الصادقين ، ولا يصدق الكون معهم إلا بأن يكونوا تحت طاعتهم ، متحرزين عن مخالفتهم ، وليس للإمامة معنى إلا افتراض طاعة الإمام على المأموم من قبله تعالى ، بل لا تعبير أقرب إلى معنى الإمامة من أمر المؤمنين بأن يكونوا معه ، إذ حقيقة الائتمام عبارة عن متابعة المأموم إمامه ، وعدم مفارقته عنه .

فإن قلت : افتراض الطاعة لا يكشف عن الإمامة ، إذ يجب على الولد طاعة والده ، وعلى الزوجة طاعة زوجها ، مع عدم الإمامة لهما .

قلت : افتراض طاعتهم على جميع المؤمنين - كما يقتضيه عموم الموصول - من دون استثناء لا في مدلول الموصول ، ولا في الطاعة يلازم الإمامة ، بخلاف افتراض الطاعة على شخص مخصوص بعلاقة الأبوة أو الزوجية ، وهكذا في جهات خاصة محدودة ، فإنه لا يلازم الإمامة كما هو ظاهر .

ويكشف أيضا عن عموم الأمر بالكون مع الصادقين لجميع المؤمنين :

أنه تعالى أمرهم بالاتقاء عن محارمه ، وعطف عليه الأمر بالكون مع الصادقين ، فإن الأمر بالتقوى يعم الجميع ، ولا يحتمل فيه تخصيص وتقييد ، فعطفه تعالى شأنه الأمر بالكون مع الصادقين على الأمر بالاتقاء تصريح بالعموم ، فليس لأحد أن يتقدم على الصادقين من آل محمد : علي وأولاده الطيبين الطاهرين ، صلى الله عليه وعليهم أجمعين . .

ص: 93


1- في المصدر : (والصديقون بطاعتهم) فراجع .

الحديث الخامس في تفسير قوله تعالى: و اني لغفّار لمن تاب و آمن و عمل صالحاً ثم اهتدى

في تفسير قوله تعالى : (وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى) . (1) في غاية المرام : أحمد بن محمد بن خالد البرقي ، في المحاسن ، عن أبيه ، عن حماد بن عيسى - فيما أعلم - عن يعقوب بن شعيب ، قال : (سألت أبا عبد الله عليه السلام من قول الله عز وجل (وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى) قال : (إلى ولايتنا والله ، أما ترى كيف اشترط الله عز وجل . (2) أقول : ويدل على ذلك (3) أيضا أن الذي يعتبر في قبول التوبة و

ص: 94


1- طه : 82 .
2- غاية المرام ص 333 . المحاسن ص 142 .
3- توضيحه : أن عطف (اهتدى) ب(ثم) دون الواو يدل على أن هذا الاهتداء مترتب على التوبة والإيمان والعمل الصالح ، والاهتداء المترتب عليها المعتبر في قبولها ليس إلا الاهتداء بولاية أهل البيت عليهم السلام . والحاصل أنه لو كان معطوفا بالواو لاحتمل أن يكون من قبيل عطف السابق على اللاحق كقوله تعالى : (وكذلك يوحى إليك وإلى الذين من قبلك) ويكون المراد منه الاهتداء إلى التوحيد والإيمان بالله تعالى وبرسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولكن العدول عنه إلى العطف ب(ثم) صريح في أن العطف من قبيل عطف اللاحق على السابق ، والاهتداء على الإيمان والعمل الصالح ، فالمعتبر في قبولهما أنه هو الاهتداء بولاية أهل البيت عليهم السلام ، ضرورة عدم اعتبار ما عدا الولاية في قبول الإيمان والعمل الصالح باتفاق المسلمين . وبما بيناه تبين سر تغيير السياق في المتعاطفات وعطف " اهتدى " ب" ثم " دون " آمن وعمل " . كما تبين أن تفسير الاهتداء بلزوم الإيمان إلى الموت ، أو عدم الشك في إيمانه ، أو الأخذ بالسنة وعدم سلوك سبيل البدعة ، في غير محله ، لأن مرجع الأولين إلى بقاء الإيمان لا إلى اهتداء مترتب عليه وعلى العمل الصالح كما أن مرجع الثالث إلى الثالث وهو العمل الصالح . ثم إنه اختير " ثم " على الفاء ، لأنه أوفى وأبلغ بخصوصية المقام من الفاء ، إذ قد تأتي للتفريع ومع احتمال إرادته لا يستفاد أن الاهتداء أمر آخر وراء الإيمان والعمل الصالح ، بخلاف لفظة " ثم " فإنها لعدم تطرق التفريع فيها صريحة . [ في أن ما بعد ما أمر مستقل مترتب على ما قبلها ] . وما يكون لاحقا على الإيمان والعمل الصالح بحيث يتحقق بتحققه الاهتداء وبفقده الضلالة ، ولم ينفعه إيمانه وما عمله من الصالحات إلا بقبوله ، ليس إلا ولاية أهل البيت عليهم السلام ، ضرورة عدم اعتبار ما عدا الولاء . منه " ره " . هذه التعليقة بطولها موجودة في الطبعة الأولى ، والمؤلف رحمه الله قد أدرجها في المتن في الطبعة الثانية مع تصرف فيها ومع ذلك نحن نقلناها لبعض الفوائد فيها .

الإيمان والعمل الصالح إنما هو ولاية أهل البيت عليهم السلام ، على ما تواترت فيه روايات الفريقين .

من أنه لا يكمل الإيمان ، ولا يقبل عمل صالح إلا بولاية مولانا أمير المؤمنين ، والأئمة المعصومين من ذريته سلام الله عليهم أجمعين . (1) وإن معرفة الله لا تتم إلا بمعرفتهم وولايتهم . (2) ولو أن رجلا قام ليله ، وصام نهاره ، وتصدق بجميع ماله ، وحج

ص: 95


1- غاية المرام ص 250 الباب 46 و 47 . الكافي 1 / 180 .
2- غاية المرام ص 253 .

جميع دهره ، ولم يعرف [ ولاية ] ولي الله فيواليه ، ويكون جميع أعماله بدلالته إليه ، ما كان على الله عز وجل حق في ثوابه ، ولا كان من أهل الإيمان ، [ ثم قال ] أولئك المحسن منهم يدخله الله الجنة [ بفضل رحمته ] . (1) والروايات فيه من طريق الفريقين كثيرة جدا ، وإلى ذلك أشار مولانا الصادق عليه السلام حيث قال بعد أن قال : اهتدى إلى ولايتنا والله ، أما ترى كيف اشترط الله عز وجل) معنى أن الشرط المعتبر في كمال الإيمان وقبول العمل الصالح الموجب للغفران ليس إلا ولايتنا أهل البيت عليهم السلام ، (2) وهذا واضح لمن نظر في روايات الفريقين .

ومن جملة روايات العامة أنه قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (من مات على حب آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم مات شهيدا ، ومن مات على حب آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم مات مغفورا له ، ألا ومن مات على حب آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم مات تائبا ، ألا ومن مات على حب آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم مات مؤمنا مستكمل الإيمان ، ألا ومن مات على حب آل محمد [ صلى الله عليه وآله ] بشره ملك الموت بالجنة ثم منكر ونكير ، ألا ومن مات على حب آل محمد [ صلى الله عليه وآله ] مات على السنة والجماعة ، ألا ومن مات على بغض آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه : آيس من رحمة الله ، ألا ومن مات على بغض آل محمد [ صلى الله عليه وآله ] مات كافرا ، ألا ومن مات على بغض آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم لم يستشم رائحة الجنة " . (3)

والحمد لله الذي هدانا لمحبتهم وولايتهم ، ورزقنا البراءة من

ص: 96


1- الكافي 2 / 19 . غاية المرام ص 257 .
2- غاية المرام ص 333 .
3- الكشاف 4 / 220 . غاية المرام ص 252 .

أعدائهم ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله . .

ويدل على ذلك أيضا أن الله تعالى جعل لكل قوم هاديا من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم علي ما استفاضت روايات الفريقين ، بل كادت أن تكون متواترة من أن قوله عز وجل : (إنما أنت منذر ولكل قوم هاد) ، (1)

إنما نزل في شأن مولانا أمير المؤمنين والأئمة المعصومين عليه السلام وأنه لكل قوم هاد بعد هاد من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا تخلو الأرض منهم . (2) ومن المعلوم أن من جعله تعالى هاديا لأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم يجب الاهتداء إليه بمعرفته وولايته أولا ، ثم الاهتداء به ثانيا ، فهذا الاهتداء الذي بعد التوبة والإيمان بالله ورسوله والعمل الصالح ، ليس إلا الاهتداء بالهادي الذي جعله الله هاديا . (3)

ص: 97


1- الرعد : 7 .
2- الكافي 1 / 191 . بصائر الدرجات ص 29 . مناقب آل أبي طالب 3 / 83 . العياشي 2 / 203 . غاية المرام ص 235 .
3- ثم إن تغيير السياق في المتعاطفات وعطف " اهتدى " ب" ثم " دون " آمن وعمل " لعله لأجل التنبيه على أمرين : الأول : أن آخر ما يعتبر في الغفران الذي لا يتحقق كمال الإيمان وقبول العمل الصالح إلا به هو الاهتداء إلى ولاية أهل البيت عليهم السلام ولا شئ بعده . والثاني : تراخي الأمة عن الاهتداء دون المتعاطفين الآخرين فإنه لم يكن أمر أشق عليهم من الاهتداء بولاية أهل البيت عليهم السلام كما يظهر لمن كان له أدنى تتبع في حالات الصحابة وروايات الفريقين . هذه العبارة كانت في المتن في الطبعة الأولى والمؤلف رحمه الله قد بدلها في الطبعة الثانية بما ترى من قوله : ثم إن تغير السياق - إلى قوله - وقد أسند في غاية المرام . . . ونحن نقلناها - مع كونها تكرارا لما في المتن - لبعض الفوائد فيها .

ثم إن تغيير السياق في المتعاطفات ، وعطف اهتدى ب" ثم " ، (1) دون .

(آمن وعمل) يدل على أن الإيمان والعمل الصالح لا يوجب الاهتداء والخروج عن الضلالة ، بل الخروج عنها والاهتداء إلى الحق يحتاج إلى أمر آخر ، لأن كلمة " ثم " تدل على أن ما بعده مترتب على ما قبله بتراخ ، فلو كان الإيمان والعمل الصالح كافيا في الاهتداء والخروج عن الضلالة لم يكن مجال للعطف بكلمة " ثم " ، ولا ضلالة بعد الإيمان والعمل الصالح على طريقة أهل السنة ، لأن الخلافة عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عندهم من فروع الدين ، ولذا تتحقق عندهم بالبيعة ، فعدم الخروج عن الضلالة بالإيمان والعمل الصالح إنما يتم على طريقة الشيعة الإمامية من أن معرفة الإمام والخليفة من أصول الدين ، ولا تثبت الخلافة والإمامة إلا بالنص من الله تعالى ومن رسوله صلى الله عليه وآله وسلم فقد ورد من الطريقين : " أن من مات ولم يعرف إمام زمانه فقد مات ميتة الجاهلية) . (2) وأما المفسرون بالرأي فقد فسروا الاهتداء مرة بلزوم الإيمان واستمراره إلى موته ، وأخرى بأن لا يشك في إيمانه ، وتارة بأن كان عاملا بالسنة وتاركا للبدعة .

وقد ذكر في مجمع البيان كلا من هذه الوجوه ، ونسب كلا منها إلى قائل . (3) .

ص: 98


1- وقد يستعمل " ثم " إيذانا بحاجة السابق إلى المعطوف به مع أن الظاهر في بدو النظر عدم الحاجة إليه ، والمقام من هذا القبيل ، فإن الظاهر أن الإيمان مع العمل الصالح بعد التوبة كاف في الغفران ، فنبه بالإتيان ب" ثم " على وجود الحاجة إلى أمر آخر ، وهو الاهتداء إلى الهادي الذي نصبه تعالى شأنه للعباد . منه " ره " .
2- الكافي 1 / 378 . المحاسن ص 153 . مناقب آل أبي طالب 1 / 246 . البحار 68 / 339 .
3- مجمع البيان 7 / 23 .

وفيه أن الوجه الثالث راجع إلى العمل الصالح ، فلا مجال لترتيبه عليه ، وعطفه بكلمة " ثم " ، والوجهين الأولين إلى وجه واحد ، وهو استمرار الإيمان ، وثباته عليه إلى موته ، وهو مناف لكلمة " اهتدى " الدال على قبول الهداية ، الملازم لعدم خروجه عن الضلالة ، قبل قبوله الهداية ، لأن قبول الهداية مسبوق بالضلالة ، واستمرار الإيمان مسبوق بالإيمان الذي هو أساس الهداية ، فلا مجال لتفسير أحدهما بالآخر .

وأيضا المتميز بكلمة " ثم " الدالة على التراخي ، لعله لأجل التنبيه على تراخي الأمة عن الاهتداء ، دون المتعاطفين الآخرين ، فإنه لم يكن أمر أشق عليهم من الاهتداء بولاية أهل البيت عليهم السلام كما يظهر لمن كان له أدنى تتبع في حالات الصحابة ، وروايات الفريقين .

وقد أسند في غاية المرام إلى أنس بن مالك أنه قال : " رجعنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قادمين من تبوك ، فقال لي في بعض الطريق : ألقوا إلي الأحلاس والأقتاب ففعلوا ، وصعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فخطب فحمد الله وأثنى عليه كما هو أهله ثم قال : " معاشر الناس ما لي إذا ذكر آل إبراهيم تهللت وجوهكم ، وإذا ذكر آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم كأنها تفقأ في وجوهكم حب الرمان ، فوالذي بعثني بالحق نبيا لو جاء أحدكم يوم القيامة بأعمال كأمثال الجبال ، ولم يجئ بولاية علي بن أبي طالب لأكبه الله عز وجل في النار " . (1) أقول : ويكفي في بغض آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم تقديم غيرهم عليهم ، ومتابعة أمرهم ، وتنفيذ أحكامهم ، والمراجعة إليهم دون آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما نطقت به الروايات ، ووجهه واضح ، لأن المحب لا يعرض (2) حبيبه ، ومحقق

ص: 99


1- أمالي الشيخ الطوسي 1 / 314 الباب 11 . غاية المرام ص 257 .
2- كذا في النسخة المطبوعة والظاهر : عن حبيبه .

لما حققه ، ومبطل لما أبطله .

ومن الواضح البين الذي لا ريب فيه : أن مولانا أمير المؤمنين والأئمة المعصومين [ عليهم السلام ] من ذريته يرون أن الخلافة والولاية تختص بهم ، وأن الناس منعوهم عن حقهم ، فمن تابع مانعيهم ، وأنفذ أمرهم ، ويرى أن لهم حقا : مكذب لآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم وكاذب في دعوى محبتهم قطعا .

ص: 100

الحديث السادس في تفسير قوله تعالى: وقفوهم انهم مسؤولون

في تفسير قوله تعالى : (وقفوهم إنهم مسؤولون) . (1) في غاية المرام : ابن شهرآشوب من طريق العامة وغيرهم ، عن محمد بن إسحاق الشعبي ، والأعمش ، وسعيد بن جبير ، وابن عباس ، وأبو نعيم الإصفهاني ، والحاكم الحسكاني ، والنظيري (كذا) ، وجماعة أهل البيت عليهم السلام : (وقفوهم إنهم مسؤولون) عن ولاية أهل البيت ، وحبهم . (2) وقد روى الشيخ في أماليه بإسناده عن عبد الله بن عباس ، قال : (قلت يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أوصني ، فقال : عليك بمودة علي بن أبي طالب عليه السلام ، والذي بعثني بالحق نبيا لا يقبل الله من عبد حسنة حتى يسأله عن حب علي بن أبي طالب عليه السلام وهو تعالى أعلم ، فإن جاء بولايته ، قبل عمله على ما كان منه ، وإن لم يأت بولايته لم يسأله عن شئ ، ثم أمر به إلى النار) . (3) وقد استفاضت الروايات في هذا الباب ، وفي عدم جواز العبد على الصراط ودخول الجنة إلا بجواز من أمير المؤمنين عليه السلام بولايته ، وولاية

ص: 101


1- الصافات : 24 .
2- غاية المرام ص 259 نقلا عن المناقب .
3- الأمالي 1 / 103 ، الباب 4 .

أهل البيت من الطريقين .

وقد ذكر في غاية المرام - في هذا الباب - من طريقهم عشرين حديثا ، ومن طريقنا ثمانية عشر . (1) ومن جملة الروايات من طريقهم ما ذكره عن موفق بن أحمد من أعيان العامة في " كتاب فضائل أمير المؤمنين عليه السلام مسندا إلى الحسن البصري ، عن عبد الله قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إذا كان يوم القيامة يقعد علي بن أبي طالب على الفردوس - وهو جبل قد علا على الجنة - وفوقه عرش رب العالمين ، ومن سفحه تتفجر أنهار الجنة ، وتتفرق في الجنان ، وهو جالس على كرسي من نور يجري من بين يديه التسنيم ، لا يجوز أحد الصراط إلا ومعه براءة بولايته وولاية أهل بيته ، يشرف على الجنة فيدخل محبيه الجنة ومبغضيه النار " . (2) أقول : ويدل ذلك على اختصاص الإمامة والخلافة بأهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعدم اختصاص من عداهم لها .

توضيح ذلك : أن مولانا أمير المؤمنين ، والأئمة المعصومين من ذريته سلام الله عليهم أجمعين ، كانوا مدعين للإمامة بالضرورة ، معلنين بأنها حق خاص لهم ، إن أطاعتهم الأمة قاموا بها ، وإن منعوهم عنها ودفعوهم عن مقامهم صبروا على ذلك حتى يحكم الله لهم ، والمبايعة مع من عداهم لم تكن عن طوع ورغبة ، فإن شواهد مخالفة أهل البيت عليهم السلام مع المتصدين لأمر الخلافة واضحة لائحة . .

منها : استنصار مولانا أمير المؤمنين عليه السلام من المهاجرين والأنصار

ص: 102


1- غاية المرام ص 259 - 261 .
2- غاية المرام ص 262 . مناقب الخوارزمي ص 31 .

ليلا ، واحتجاجه عليهم ، وعدم بيعته مع أبي بكر إلا بعد ظهور الغدر منهم ، وعدم وفائهم بما وعدوه من نصرته إلا أربعة ، بل في صحيح البخاري أنه عليه السلام لم يبايع أبا بكر مدة حياة فاطمة عليها السلام وذكر أن مدة بقائها بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ستة أشهر . (1) ومنها : هجر القرآن الذي ألفه ، وجمعه مولانا أمير المؤمنين عليه السلام بحيث لا يطلع عليه أحد من المسلمين إلا أهل البيت عليهم السلام ، مع أنه عليه السلام أول من جمعه بأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ووصيته ، وأعلم الأمة باتفاقهم ، وأحد الثقلين الذي لا يفارق القرآن ولا يفارقه ، فردهم القرآن الذي ألفه بأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما أنزل عليه أمين الوحي جبرائيل لا يكون إلا عن مخالفتهم معه عليه السلام .

لا يقال : إنما لم يقبلوا ما جمعه وألفه لأنه شاهد واحد ، ولم يشارك معه غيره ، والشاهد الواحد غير مقبول ، ولذا لم يقبلوا شرعا من غيره آية إلا إذا شهد به عدلان .

لأنا نقول : لم يكن عليه السلام شاهدا بل كان وصيا من قبل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في جمعه وتأليفه كما أنزل عليه صلى الله عليه وآله وسلم : " وقول الوصي نافذ " وإن كان واحدا ولا يعتبر فيه التعدد بالضرورة ، ولو تنزلنا وقلنا : إنه عليه السلام كان شاهدا وجب تنفيذ شهادته لعصمته وطهارته ، بنص آية التطهير ، ولا يجوز رد شهادة من تبينت عصمته .

ومنها : تصرف فدك وعزل عمال فاطمة عليها السلام وإسناد الحديث إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنا معاشر الأنبياء لا نورث وما تركناه صدقه ، ومخاصمتهم مع .

فاطمة عليها السلام ، ومطالبة البينة منها ، ورد شهادة مولانا أمير المؤمنين ، والحسن ، والحسين ، سلام الله عليهم أجمعين ، مع إثبات الحجة عليهم بأنه

ص: 103


1- صحيح البخاري 5 / 177 ، طبع 1378 .

ليس لأحد أن يطالب بالبينة ممن نزلت في شأنه آية التطهير ، وشهد الله تعالى بطهارته وعصمته ، ولا رد شهادة من كان كذلك ، مع أن فدك كانت في يدها عليها السلام ، ولا يطالب ذو اليد بإقامة البينة ، فهل هذا إلا مخالفة بينة وهل يكون أمر أبين من هذا ؟ ومنها : دفن فاطمة الزهراء عليها السلام ليلا ، وإخفاء قبرها وامتناعه عليه السلام من حضورهما في تشييع جنازتها والصلاة عليها حسب وصيتها عليها السلام الكاشفة من عدم رضائها منهما .

ومنها : مناشدة مولانا أمير المؤمنين عليه السلام مع أصحاب الشورى واحتجاجه عليهم (1) بفضائله ، ومناقبه التي لا تحصى بأن الحق كان من أول الأمر له خاصة ، وأن بيعته معهما لم تكن إلا عن كره وإجبار ، والمناشدة مفصلة وقد رواها الفريقان في كتبهم .

ومنها : شكايته عليه السلام من الخلفاء - قبله - في خطبه عليه السلام في مواطن كثيرة (2) حتى قال الأشعث بن قيس لأمير المؤمنين عليه السلام : (يا بن أبي طالب : ما منعك حين بويع أخو تيم بن مرة ، وأخو عدي ، وأخو بني أمية بعدهما أن تقاتل وتضرب بسيفك فإنك لم تخطبنا منذ قدمت العراق إلا قلت فيها :

والله إني أولى الناس بالناس وما زلت مظلوما ، قال عليه السلام قد قلت فاستمع الجواب : لم يمنعني من ذلك الجبن ، ولا كراهة للقاء ربي ، ولا أن أعلم بما عند الله خير لي من الدنيا بما فيها ، ولكن منعني من ذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

وعهده إلي : أخبرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بما الأمة [ صانعة بي ] بعده ، فلم أكن بما صنعوا حين عاينته بأعلم مني به ، ولا أشد يقينا به مني ، بل أنا بقول

ص: 104


1- كتاب سليم بن قيس 2 / 636 . والغدير 1 / 159 طبع دار الكتب الإسلامية .
2- راجع الخطبة الشقشقية في نهج البلاغة .

رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أشد يقينا لما عاينت وشاهدت ، فقلت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فما تعهد إلي إذا كان ذلك ؟ قال : إن وجدت أعوانا ، فانبذ إليهم وجاهدهم . وإن لم تجد أعوانا فكف يدك واحقن دمك حتى تجد على إقامة كتاب الله وسنتي أعوانا ، وأخبرني أن الأمة ستخذلني ، وتتبع غيري ، وأخبرني أني منه بمنزلة هارون من موسى ، وأن الأمة سيصيرون بعده بمنزلة هارون ومن تبعه ، ومنزلة العجل ومن تبعه ، فقال موسى : (يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا * ألا تتبعن أفعصيت أمري) (1) قال : (يا ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني) . (2) (وقال يا بن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي) . (3) وإنما يعني أن موسى أمر هارون حين استخلفه عليهم إن ضلوا ، ثم وجد أعوانا أن يجاهدهم ، وإن لم يجد أعوانا أن يكف يده ويحقن دمه ، ولا يفرق بينهم ، وإني خشيت أن يقول أخي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرقت بين الأمة ولم ترقب قولي ، وقد عهدت إليك إن لم تجد أعوانا فكف يدك واحقن دمك ودم أهل بيتك وشيعتك ، فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قام الناس إلى أبي بكر فبايعوه - وأنا مشغول - وآليت على نفسي أن لا أرتدي برداء إلا للصلاة حتى أجمعه في كتاب ، ثم حملت فاطمة عليها السلام وأخذت بيد ابني الحسن والحسين عليهما السلام فلم أدع أحدا من أهل البدر ، وأهل السابقة من المهاجرين والأنصار إلا ناشدتهم الله في حقي ، ودعوتهم إلى نصرتي فلم يستجب لي من الناس إلا أربعة نفر : الزبير ، وسلمان ، وأبو ذر ، والمقداد)

ص: 105


1- طه : 92 - 93 .
2- الأعراف : 150 .
3- طه : 94 .

هكذا في غاية المرام عن كتاب سليم بن قيس . (1)

ومنها : خطبة مولانا أبي محمد الحسن عليه السلام في مجلس معاوية ، والخطبة مفصلة ، وقد ذكر عليه السلام فيها جملة من مناقب مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ومناقبه عليه السلام ومناقب سائر أهل البيت سلام الله عليهم ، ثم قال بعد ذلك :

" وإن معاوية بن صخر زعم أني رأيته للخلافة أهلا ولم أر نفسي لها أهلا فكذب معاوية - وأيم الله - لأنا أولى الناس بالناس في كتاب الله ، وعلى لسان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، غير أنا لم نزل أهل البيت مخيفين مظلومين مضطهدين ، منذ قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فالله بيننا وبين من ظلمنا حقنا ، ونزل على رقابنا ، وحمل الناس على أكتافنا ، ومنعنا سهمنا في كتاب الله من الفئ والغنائم ، ومنع أمنا فاطمة [ سلام الله عليها ] ما جعل لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى آخر الخطبة . (2) وبالجملة مخاصمة أهل البيت عليهم السلام مع المتصدين لأمر الخلافة والإمامة في استحقاق الخلافة واضحة لائحة ، فحينئذ يدور الأمر بين أن يكون أهل البيت عليهم السلام صادقين في دعواهم أو كاذبين ، والكاذب مبغوض عند الله تعالى ولا تكون ولايته وحبه واجبا مسؤولا عنها يوم القيامة . ومن كمال الإيمان به وبرسوله بحيث لا يجوز أحد على الصراط إلا بولايتهم ، وأخذ الجواز والبراءة منهم ، فتعين أن يكونوا صادقين ، وإذا ثبت أنهم صادقون ثبت [ اختصاص الإمامة والخلافة بهم ] . .

ص: 106


1- غاية المرام ص 72 . كتاب سليم بن قيس 2 / 663 . مع اختلاف يسير في بعض الجملات .
2- البحار 44 / 63 نقلا عن أمالي الطوسي .

الحديث السابع في تفسير قوله تعالى: ألقيا في جهنّم كلّ كفّار عنيد

في تفسير قوله تعالى : (ألقيا في جهنم كل كفار عنيد) . (1) في غاية المرام : أسند الحديث من طرقنا ، وطرق العامة إلى شريك بن عبد الله القاضي ، أنه قال : (حضرت سليمان الأعمش في العلة التي قبض فيها ، فبينما أنا عنده إذ دخل عليه ابن شبرمة ، وابن أبي ليلى ، وأبو حنيفة ، فسألوه عن حاله ، وذكر ضعفا شديدا ، وذكر ما يتخوف من خطيئاته ، وأدركته رقة فبكى ، وأقبل عليه أبو حنيفة ، فقال : يا أبا محمد اتق الله وانظر نفسك ، فإنك في آخر يوم من أيام الدنيا ، وأول يوم من أيام الآخرة ، وقد كنت تحدث في علي بن أبي طالب بأحاديث لو رجعت عنها لكان خيرا لك ، قال الأعمش : مثل ماذا يا نعمان ؟ قال : مثل حديث عباية : أنا قسيم النار ، قال : ولمثلي تقول - يا يهودي - أقعدوني وسندوني ؟ حدثني - والذي إليه مصيري - موسى بن طريف ، ولم أر أسديا كان خيرا منه ، قال : سمعت عباية بن ربعي إمام الحي ، فقال : سمعت عليا أمير المؤمنين عليه السلام يقول : أنا قسيم النار ، أقول وقولي : هذا وليي دعيه ، وهذا

ص: 107


1- سورة ق : 24 .

عدوي خذيه .

وحدثني أبو المتوكل الناجي في إمرة الحجاج ، وكان يشتم عليا شتما مقذعا - يعني الحجاج - نعم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " إذا كان يوم القيامة قال الله عز وجل لي ولعلي بن أبي طالب : أدخلا النار من أبغضكما ، وأدخلا الجنة من أحبكما " وذلك قوله تعالى : (ألقيا في جهنم كل كفار عنيد) ، قال : فقام أبو حنيفة وقال : قوموا لا يأتي بأطم من هذا ، قال شريك بن عبد الله : فما أمسى - يعني الأعمش - حتى فارق الدنيا . (1) أقول : سليمان الأعمش من أجلاء الشيعة ، مشهور بحب أهل البيت ، معروف عند الخاصة والعامة ، وله قصة مشهورة مع أبي جعفر المنصور ، من الخلفاء العباسيين - وقد سأله المنصور في الليلة التي حضرها عنده - فقال :

سألتك بالله كم حديث ترويه في فضائل علي عليه السلام ، فقال : يسيرا ، قال كم ؟ قال : عشرة آلاف وما زاد . (2) والروايات في هذا الباب مستفيضة من الطرفين ، ويدل عليه الروايات المتقدمة في الباب السابق من عدم جواز العبد على الصراط ، وعدم دخوله الجنة إلا ببراءة مولانا أمير المؤمنين عليه السلام وجوازه والروايات المستفيضة المتكاثرة من الجانبين على أنه ساقي الحوض ، (3) وأنه يذود رجالا من الحوض كما يذاد البعير الضال عن الماء ، (4) وأنه قسيم الجنة و

ص: 108


1- غاية المرام ص 390 و 687 .
2- راجع تنقيح المقال للمامقاني 2 / 66 والكنى والألقاب للقمي 2 / 40 .
3- راجع غاية المرام ص 685 .
4- بحار الأنوار 39 / 216 نقلا من إعلام الورى للطبرسي 189 وفيه : " الصادي " بدل " الضال " ومناقب الخوارزمي ص 60 .

النار . (1) .

ومن جملة روايات العامة ما رواه موفق بن أحمد بإسناده عن نافع عن عبد الله بن عمر قال :

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي بن أبي طالب عليه السلام : " إذا كان يوم القيامة يؤتى بك - يا علي - بنجيب من نور ، وعلى رأسك تاج ، قد أضاء نوره ، وكاد يخطف أبصار أهل الموقف ، فيأتي النداء من عند الله جل جلاله : أين خليفة محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ فتقول : ها أنذا ، قال : فينادي المنادي : أدخل من أحبك الجنة ومن عاداك في النار ، فأنت قسيم الجنة وقسيم النار . (2) وأيضا موفق بن أحمد ، بإسناده عن نافع عن ابن عمر ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : (علي عليه السلام صاحب لوائي ، وأميني على الحوض ، ومعيني على مفاتيح خزائن الجنة) . (3) والحمويني من علماء العامة ذكر رواية مفصلة مسندة إلى أبي سعيد الخدري ، وذكر في آخرها : إن مفاتيح الجنة ، ومقاليد النار تسلم إلى علي بأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيقف على عجزة جهنم ، وقد تطاير شررها ، واشتد حرها ، وعلي عليه السلام آخذ بزمامها ، فتقول له جهنم : يا علي جزني فقد أطفأ نورك لهبي ، فيقول لها علي عليه السلام : قري يا جهنم خذي هذا عدوي ، واتركي هذا وليي فلجهنم يومئذ أشد مطاوعة لعلي عليه السلام فيما يأمرها به من جميع الخلائق . (4) وبالجملة : الروايات المتظافرة المتكاثرة من الجانبين في أنه عليه السلام

ص: 109


1- غاية المرام ص 542 .
2- غاية المرام ص 684 .
3- غاية المرام ص 684 .
4- غاية المرام ص 685 نقلا عن فرائد السمطين .

الساقي من الحوض وليه ، والذائد عنه عدوه ، وأنه حامل اللواء ، ولا يجوز العبد على الصراط ، ولا يدخل الجنة إلا بإذنه ، وأنه قسيم النار والجنة ، وأنه الآمر على النار بأخذ عدوه وترك وليه ، (1) تنبئ عن معنى واحد ، وهو تفويض أمر الجنة والنار إليه عليه السلام ، يسكن في الجنة من والاه ، ويدخل في النار من عاداه .

ومجموع الأخبار في إفادة هذا المعنى متواترة ، ومن هذا شأنه يدور مع الحق والحق معه لا محالة ، ضرورة أنه لو لم يكن كذلك لم يستحق هذه الموهبة العظيمة من الله تعالى ، فلا يقول إلا صدقا ولا يعمل إلا حقا ، وإذا ثبت ذلك ثبت اختصاص الإمامة والخلافة به ، وبذريته الطاهرين سلام الله تعالى عليهم أجمعين ، لما عرفت من أنه عليه السلام لم ير للخلافة أهلا إلا نفسه الشريفة وأولاده الطيبين عليهم السلام . .

ص: 110


1- قد مر مصدر جميع هذه الروايات .

الحديث الثامن في تفسير قوله تعالى: إنما أنت منذر و لكل قوم هاد

في تفسير قوله تعالى : (إنما أنت منذر ولكل قوم هاد) . (1) عن بريد العجلي عن مولانا أبي جعفر عليه السلام في قول الله عز وجل :

(إنما أنت منذر ولكل قوم هاد) فقال : رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المنذر ، ولكل زمان منا هاد يهديهم إلى ما جاء به نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم الهداة من بعده : علي عليه السلام ثم الأوصياء واحدا بعد واحد) . (2) وفي غاية المرام : إبراهيم بن محمد الحمويني من أعيان علماء العامة ، في كتاب فرائد السمطين في فضائل المرتضى وفاطمة والسبطين عليه السلام قال :

أنبأنا شيخنا العلامة نجم الدين عثمان بن الموفق ، أنبأنا المؤيد بن محمد بن علي الطوسي إجازة ، أنبأنا الشيخ عبد الجبار بن محمد الجواري البيهقي ، أنبأنا الإمام أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي ، قال : من الآيات فيها علي تلو النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله : (إنما أنت منذر ولكل قوم هاد) . (3) وذكر أيضا : عن إبراهيم الحمويني - مسندا إلى أبي هريرة الأسلمي -

ص: 111


1- الرعد : 7 .
2- الكافي 1 / 191 . العياشي 2 / 214 . غاية المرام ص 235 .
3- غاية المرام ص 235 نقلا عن فرائد السمطين .

قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : (إنما أنت منذر) وضع يده على صدر نفسه ، ثم وضعها على يد علي عليه السلام ويقول : (لكل قوم هاد) . (1)

ونقل فيه عن الثعلبي مسندا إلى ابن عباس ، قال : (لما نزلت هذه الآية وضع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يده على صدره ، وقال : أنا المنذر ، وأومأ بيده إلى منكب علي بن أبي طالب عليه السلام : أنت الهادي يا علي ، بك يهتدي المهتدون) . (2) والروايات في هذا المعنى من الطريقين كثيرة مستفيضة ، بل الرواية عن خصوص ابن عباس في هذه الآية بهذا المعنى مستفيضة من الطريقين ، كما ذكره في غاية المرام . (3) وقال ابن شهرآشوب : صنف أحمد بن محمد بن سعيد - يعني ابن عقدة - كتابا في قوله تعالى : (إنما أنت منذر ولكل قوم هاد) إنما نزلت في أمير المؤمنين عليه السلام . (4) أقول : ويدل على ذلك أيضا الروايات المتواترة من الجانبين في وصف العترة الطاهرة ، بأنهم : مع الكتاب ، لا يفارقهم ولا يفارقونه ، وأنه لا صون عن الضلالة إلا مع التمسك بهم . (5) والروايات المستفيضة من الطرفين ، في أن مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح ، من ركبها نجا ، ومن تخلف عنها غرق . (6) ووجه الدلالة واضح : إذ لو كان الهادي الذي أخبر الله تعالى به في

ص: 112


1- غاية المرام ص 235 نقلا عن فرائد السمطين .
2- غاية المرام ص 235 .
3- غاية المرام ص 237 .
4- المناقب 3 / 83 . غاية المرام ص 237 .
5- غاية المرام ص 211 .
6- غاية المرام ص 237 - 240 .

كتابه من غير أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم لكان التمسك به مصونا عن الضلالة وسببا .

للنجاة ، وكان قرينا لكتابه المجيد ، مع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يقرن مع الكتاب إلا أهل بيته وصرح بأنهما لن يفترقا ، أي لا يوجد علم الكتاب إلا عندهم ، وجعل جميع الأمة متمسكين بهم بقوله صلى الله عليه وآله وسلم : " ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا " وحصر النجاة في التمسك بهم بقوله صلى الله عليه وآله وسلم : " ومن تخلف عنها غرق " .

وشعر حسان من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم معروف مشهور .

إنما أنت منذر لعباد *** وعلي لكل قوم هاد

واعلم أن الآية الكريمة تدل على احتياج الأمة إلى الهادي ، الذي جعله الله تعالى هاديا لهم ، لأنه تعالى حصر وصف نبيه صلى الله عليه وآله وسلم في الانذار .

ومن الواضح أن الدين والإسلام لا يكمل بالإنذار فقط ، لأن الانذار إنما يوجب تأسيس الأساس ، ومجرد التأسيس لا يوجب البقاء ، لأنه معرض للزوال والنقصان ، فلا بد في إبقائه من وجود قيم وحافظ وهاد يهدي إليه في القرون الآتية ، فقال عز من قائل بعد ذلك : (ولكل قوم هاد) يعني أني كما جعلتك نبيا منذرا ، وأسست أساس الدين بك ، أكملته وأحكمته ، وأتممت نعمتي على الناس ، بأن جعلت لكل قوم في القرون اللاحقة هاديا ، به يهتدي المهتدون ، وينفي عن الدين تحريف الغالين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين . فدلت الآية الكريمة على أمور :

الأول : الاحتياج إلى هاد بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في إبقاء الدين ، وصونه عن النقصان والزوال .

ص: 113

والثاني : أن منصب الهداية (1) كمنصب الانذار ، إنما هو من المناصب .

الإلهية التي لا يتطرق فيه اختيار الناس .

والثالث : أنه تلو النبوة ، لأن تأثير أحدهما في التأسيس والآخر في الابقاء ، فكلاهما من أصول الدين ، ويجب على الناس معرفة الهادي والاعتراف بمقامه ، واتباعه ، كما يجب عليهم معرفة المنذر ، والإقرار برسالته وإطاعته .

وإذا اتضح لك : أن هذا المنصب من المناصب الرفيعة الإلهية اتضح لك أن معرفة صاحبه لا تكون إلا بتوسط المنذر صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا سبيل للناس إلى معرفته إلا من قبله عليه السلام فوجب عليه صلى الله عليه وآله وسلم تعريفه لهم ، ولم يعرف في الروايات الواردة من الجانبين إلا مولانا أمير المؤمنين عليه السلام وأولاده الطاهرين سلام الله عليهم أجمعين ، فدل ذلك على أنه المعني بالهادي قطعا ، مع أن حديث الثقلين المتفق عليه عند الفريقين ، " ومثل أهل بيتي مثل سفينة نوح " يدلان على أن الهادي إنما هو من أهل البيت ، ولم يخرج منهم .

ثم إن تنكير " هاد " متأخرا عن قوله تعالى " ولكل قوم " يدل على تعدد الهادي ، وأنه لكل قوم هاد بعد هاد ، كما نبه عليه مولانا الباقر عليه السلام بقوله : ولكل زمان منا هاد يهديهم إلى ما جاء به نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم ودلالة اللفظ على التعدد في مثل هذا التركيب واضحة ، ألا ترى أنه لا يصدق قولك :

لكل قوم عالم ، ولكل شخص من هؤلاء دينار ، إلا مع تعدد العالم والدينار ، ولا ينافي ذلك ما في كثير من الروايات من تفسيره بمولانا

ص: 114


1- يعني أن الهادي المذكور في الآية ليس مطلق من يهدي ولو في بعض الأحكام ، لعدم جبر الحاجة . فالمراد منه هاد إلى جميع ما تحتاج الأمة وفي جميع الموارد ، وهو يتوقف على العلم بجميع ما في الكتاب ، وعصمته عن الهوى ، واختيار الردى على الهدى ، فهو تلو للنبي المختار . لا يعرفه إلا الله تعالى ، فوجب عليه نصبه علما للعباد حتى يتم به الحجة . منه " قدس سره " .

أمير المؤمنين عليه السلام ونزول الآية في شأنه ، لأنه من جهة أنه عليه السلام أول المصاديق وأكملها .

ومنه تبين أن ما نقله الطبرسي رحمه الله عن بعض المفسرين بالرأي من تفسير هاد به تعالى (1) باطل جدا ، مع أنه تعالى منذر وهاد بواسطة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وخلفائه المعصومين ، فإن أريد أنه هاد بواسطة فهو كذلك .

ولكن لا مجال للتفكيك حينئذ بين المنذر والهادي وإن أريد أنه هاد بلا واسطة فهو غلط ، لأنه تعالى أبى أن يجري الأمور إلا بأسبابها ، ولو هدى الله تعالى بلا واسطة لأنذر أيضا بلا واسطة .

وبالجملة : دلالة اللفظ على التعدد في غاية الوضوح والظهور ولا ينبغي الارتياب فيه ومع ذلك أقول مزيدا للإيضاح :

إن الآية الكريمة دلت على احتياج الأمة إلى هاد بعد المنذر ، وهو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولو كان الهادي في قرن كافيا للأقوام الذين يأتون في القرون اللاحقة للزم عدم الحاجة إلى هاد بعده صلى الله عليه وآله وسلم ، لأنه كان عليه السلام هاديا في قرنه ، وهو خلف ، فعلم أن كل زمان وقرن لا بد له من هاد ، ولا يتم ذلك إلا بأن يكون متعددا ، والهداة بعد مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ليسوا إلا العترة الطاهرين ، الذين وصفهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنهم مع القرآن والقرآن معهم ، وأنه لا يخلو الأرض منهم بقوله صلى الله عليه وآله وسلم " لن يفترقا حتى يردا على الحوض " . (2) وإذا تبين لك هذا المعنى تبين لك أن الولاية والإمامة لا تكون إلا لمولانا أمير المؤمنين وأولاده الطاهرين سلام الله عليهم أجمعين ، لأن

ص: 115


1- مجمع البيان 6 / 278 .
2- غاية المرام ص 211 - 225 .

الإمامة تدور مدار الهداية ، ضرورة أنه لا يعقل أن يكون الهادي مأموما لمن لا يهتدى إلا به . .

قال عز من قائل : (أفمن يهدى إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون) . (1) فإن قلت : يجوز أن يقال إن (هاد) معطوف على منذر ، كما نقله الطبرسي رحمه الله عن بعض العامة ، (2) فيصير المعنى حينئذ أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم منذر وهاد لكل قوم .

قلت : مع أنه خلاف ظاهر التركيب ، ومناف للروايات المفسرة من الجانبين ، يستلزم تعلق المجرور ب(هاد) دون (منذر) ، إذ لو كان متعلقا بهما ، وكان من قبيل باب التنازع للزم أن يقال : إنما أنت منذر وهاد لكل قوم ، فيلزم حينئذ أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم هاديا لكل قوم ، ولم يكن منذرا كذلك وهو غلط ، إذ الانذار والهداية بلا واسطة يختص بهما من كان في عصره صلى الله عليه وآله وسلم وبواسطته تعمان كل عصر وكل قوم ، فلا مجال للتفكيك بينهما بتخصيص هدايته بكل قوم ، دون إنذاره ، فتعين أن يكون المجرور خبرا مقدما عن هاد ، والعطف من قبيل عطف الجملة على الجملة .

والحمد لله الذي أوضح الحق لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد . .

ص: 116


1- يونس : 35 .
2- مجمع البيان 6 / 278 .

الحديث التاسع في تفسير قوله تعالى: اخواناً على سرر متقابلين

في تفسير قوله تعالى : (إخوانا على سرر متقابلين) . (1)

في غاية المرام عن عبد الله بن أحمد بن حنبل ، منتهيا إسناده إلى زيد بن أبي أو في ، قال : " دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مسجده فذكر قصة مؤاخاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين أصحابه ، فقال علي عليه السلام : - يعني للنبي صلى الله عليه وآله وسلم - لقد ذهبت روحي ، وانقطع ظهري حين رأيتك فعلت بأصحابك ما فعلت غيري ، فإن كان هذا من سخط منك فلك العتبى (2) والكرامة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :

والذي بعثني بالحق نبيا ما أخرتك إلا لنفسي ، فأنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ، وأنت أخي ووارثي ، قال : وما أرث منك يا رسول الله ؟ قال : ما ورث الأنبياء قبلي ، قال : وما ورث الأنبياء قبلك ؟ قال : كتاب الله وسنة نبيهم ، وأنت معي في قصري في الجنة مع ابنتي فاطمة ، وأنت أخي ورفيقي ، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (إخوانا على سرر متقابلين) المتحابون في الله ينظر بعضهم إلى بعض . (3)

ص: 117


1- الحجر : 47 .
2- بضم العين بمعنى الرضا في المقام .
3- غاية المرام ص 399 .

أقول : قد اشتملت هذه الرواية على مناقب ثلاثة لمولانا أمير المؤمنين عليه السلام : المنزلة ، والأخوة ، والوراثة .

أما الأولان : فقد تواترت الروايات فيهما من الطريقين ، فقد ذكر في غاية المرام (1) الروايات المصرحة بهما من طرق العامة ما تجاوز عن مائة طريق ، وأما الوراثة فقد استفاضت الروايات فيها من الجانبين ، بل كادت تبلغ التواتر أيضا . (2) وبالجملة لا شبهة في ما اشتملت عليه هذه الرواية من المناقب الثلاثة ، ولا بأس بذكر روايتين منها مسندين إلى الخليفة الثاني ، ومعاوية الأولى ما ذكره في غاية المرام :

قال الخامس والثلاثون : ابن المغازلي الشافعي ، قال : أخبرنا أبو القاسم عبد الواحد بن علي بن العباس البزاز ، رفعه إلى إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس قال : " سأل رجل معاوية عن مسألة ، فقال سل عنها علي بن أبي طالب فإنه أعلم ، قال : يا أمير المؤمنين قولك فيها أحب إلي من قول علي ، فقال : بئس ما قلت ولؤم ما جئت به ، لقد كرهت رجلا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يغره العلم غرا ، ولقد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا إنه لا نبي بعدي " ولقد كان عمر بن الخطاب يسأله فيأخذ عنه ، ولقد شهدت عمر إذا أشكل عليه شئ قال : هاهنا علي ؟ ولا أقام الله رجليك ، ومحى اسمه من الديوان) : (3)

ومناقب شهد العدو بفضلها *** والفضل ما شهدت به الأعداء

ص: 118


1- غاية المرام ص 109 - 126 و 478 - 491 .
2- غاية المرام ص 612 - 615 .
3- غاية المرام ص 112 . مناقب ابن المغازلي ص 34 .

ورواه أيضا عن مسند أحمد بن حنبل . (1)

والثانية ما ذكره فيه أيضا قال :

الثاني والتسعون علي بن أحمد المالكي في " الفصول المهمة من أعيان علماء العامة " نقله عن كتاب الخصائص ، عن العباس بن عبد المطلب ، قال :

" سمعت عمر بن الخطاب يقول : كفوا عن علي بن أبي طالب إلا بخير ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : في علي ثلاث خصال ، وودت أن لي واحدة منها أحب إلي مما طلعت عليه الشمس ، وذاك أني كنت أنا وأبو بكر وأبو عبيدة بن الجراح ، ونفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ ضرب النبي صلى الله عليه وآله وسلم على كتف علي بن أبي طالب عليه السلام وقال : يا علي أنت أول المسلمين إسلاما ، وأنت أول المؤمنين إيمانا ، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى ، كذب من زعم أنه يحبني ويبغضك ، يا علي أحبك فقد أحبني ، ومن أحبني أحبه الله تعالى وأدخله الجنة ، ومن أبغضك أبغضني ، ومن أبغضني أبغضه الله تعالى وأدخله النار " . (2) وقد نقله فيه أيضا ، عن موفق بن أحمد ، بإسناد آخر منتهيا إسناده إلى ابن عباس ، عن عمر بن الخطاب ، ولكن بحذف قوله : " كذب من زعم إلى آخره . . .) . (3) ثم اعلم أن المراد من إرث الكتاب والسنة : العلم بهما ، فإن الأنبياء لم يورثوا درهما ولا دينارا ، وإنما ورثوا العلم ، فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر ، (4) ولا مجال لاحتمال غير العلم في إرث الكتاب والسنة . .

ص: 119


1- غاية المرام ص 114 نقلا عن مسند أحمد .
2- غاية المرام ص 124 . الفصول المهمة ص 126 .
3- غاية المرام ص 114 نقلا عن الخوارزمي .
4- الكافي 1 / 32 .

وما روي من طريقهم من أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال : " نحن معاشر الأنبياء لا نورث وما تركناه صدقة " (1) من المجعولات من جهة تحريف الرواية وحذف عجزها ووضع (ما تركناه صدقة) مكانه .

والعجب أنه كيف خفيت الرواية على وارث الكتاب والسنة وظهرت على غيره .

وإذا اتضح لك ما بيناه فاعلم أن كل واحد من المناقب الثلاثة يدل على اختصاص الإمامة والخلافة بمولانا أمير المؤمنين عليه السلام وعدم استحقاق غيره من الأمة لها مع وجوده عليه السلام .

أما المنزلة فلأن قوله صلى الله عليه وآله وسلم : " أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ، (2) يدل على ثبوت جميع منازل هارون من موسى لمولانا

ص: 120


1- راجع المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي 7 / 184 .
2- تنبيه : لا بأس بذكر شبهات القوشجي في المقام ، وبيان دفعها تتميما لما أوضحناه ، قال في ذيل كلام المحقق الطوسي قدس سره : " ولحديث المنزلة المتواتر : بيانه : أن المنزلة اسم جنس أضيف إلى العلم فيه ، كما إذا عرف باللام ، بدليل صحة الاستثناء ، وإذا استثنى منه مرتبة النبوة بقيت عامة في باقي المنازل التي من جملتها كونه خليفة له ، ومتوليا في تدبير الأمر ومتصرفا في مصالح العامة ، ورئيسا مفترض الطاعة - لو عاش بعده - إذ لا يليق بمرتبة النبوة زوال هذه المنزلة الرفيعة الثابتة في حياة موسى عليه السلام بوفاته ، وإذ قد صرح بنفي النبوة لم يكن ذلك إلا بطريق الإمامة . وأجيب بأنه غير متواتر ، بل هو خبر واحد في مقابل الاجماع . وبمنع عموم المنازل ، بل غاية الاسم المفرد المضاف إلى العلم الاطلاق ، وربما يدعى كونه معهودا معينا ، كغلام زيد ، وليس الاستثناء المذكور إخراجا لبعض أفراد المنزلة بمنزلة قولك : إلا النبوة ، بل منقطع بمعنى لكن . فلا يدل على العموم ، كيف ومن منازله الأخوة في النسب ، ولم تثبت لعلي عليه السلام اللهم إلا أن يقال : إنها بمنزلة المستثنى ، لظهور انتفائها . ولو سلم العموم فليس من منازل هارون الخلافة والتصرف بطريق النيابة ، على ما هو مقتضى الإمامة ، لأنه شريك له في النبوة ، وقوله اخلفني ليس استخلافا ، بل مبالغة ، وتأكيدا في القيام بأمر القوم . ولو سلم فلا دلالة على بقائها بعد الموت ، وليس انتفاؤها بموت المستخلفة عزلا ولا نقصا ، بل ربما يكون عودا إلى حالة أكمل منه ، وهي الاستقلال بالنبوة والتبليغ من الله تعالى ، فتصرف هارون وإنفاذ أمره لو بقي بعد موسى عليه السلام إنما يكون لنبوته ، وقد انتفت النبوة في حق علي فينتفي ، ما يبتنى عليها ، ويتسبب عنها . وبعد اللتيا والتي لا دلالة له على نفي إمامة الأئمة الثلاثة قبل علي عليه السلام . أقول : من وقف على روايات حديث المنزلة لا يسعه إلا الاعتراف بتواتره ، فالمنكر له إما مكابر أو جاهل بحاله ، وكثرة رواته ، كما أن من وقف على قصة سقيفة بني ساعدة ، وما جرى بين الأصحاب ، وكيفية أخذ البيعة منهم يعلم علما ضروريا بأنه لم ينعقد الاتفاق على بيعة أبي بكر ، حتى يعارض النص ، مع أنه لو تم فإنما يكون حجة - على فرض حجيته - إذا فقد النص ، وأما مع وجوده فلا مجال للاتفاق على خلافه ، حتى يعارضه ويتقدم عليه . وأما منع العموم فلا وجه له بعد استثناء النبوة المنزلة المتفرع على إرادة العموم منها ، وادعاء العهد جزاف ، مع أنه - لو سلم - فالمعهود من منزلة هارون من موسى عليه السلام إنما هي الخلافة والوزارة . ثم إن ما توهمه من أن الاستثناء منقطع ، فلا يدل على العموم ، وهم ظاهر ، لعدم المصير إلى الانقطاع ، مع احتمال الاتصال وصلوح المورد له . بل التحقيق أنه لا انقطاع أبدا في الاستثناء ، وما توهم أنه كذلك فهو متصل دال على عموم الحكم المستثنى ، وإن لم يعمه الموضوع ، ولا منافاة بين عموم الحكم مع عدم عموم الموضوع كما حققناه في الأصول . ويمكن أن يقال إن الموضوع يعم المستثنى حينئذ على وجه الالتزام ، فإنه إنما يصح استثناء الغلمان أو الدواب مثلا من القوم في قولك : جاءني القوم إذا جرت العادة بمجئ دوابهم وغلمانهم معهم ، وأما إذا لم تجر العادة بمجيئهم معهم فلا مجال للاستثناء حينئذ . وأما ما توهم من أنه ينافي العموم عدم ثبوت الأخوة في النسب فبطلانه ظاهر ، لأن عموم المنزلة إنما هو في الجهات الصالحة ، ومنها الأخوة التنزيلية منزلة النسبية الثابتة له عليه السلام باتفاق الفريقين . وأما قوله ولو سلم العموم فليس من منازل هارون الخلافة إلخ ، فأغرب من الجميع ، لأن شراكته مع موسى عليه السلام إنما هي في مطلق النبوة ، لا في النبوة التي اختص بها موسى ، من كونه صاحب كتاب وشرع ودين مستقل ، ناسخ لشرع من تقدم عليه ، فالأصل الذي هو من أولي العزم إنما هو موسى ، وهارون كسائر أنبياء بني إسرائيل المتأخرين عنه إلى زمان المسيح عليه السلام من أتباعه وتحت شريعته ، فلا ينافي نبوته حينئذ مع خلافته عن موسى فيما اختص به من الإمامة . وقوله : اخلفني في قومي صريح في أن المرجع إنما هو موسى عليه السلام ولو كان هارون شريكا معه في الشرع والدين لقال : في قومي وقومك . وأما قوله : ولو سلم فلا دلالة له على بقائها بعد موت موسى فواضح البطلان . وتحرير الكلام - بحيث ينحسم به مادة الشبهة - يتوقف على بيان وجوهها ودفعها . فأقول : توهم عدم البقاء ناش من أمور : الأول : كون الخلافة كالوكالة غير قابلة للبقاء في حد نفسها ، فكما تبطل الوكالة بموت الموكل ، فكذلك تبطل الخلافة بموت المستخلف . والثاني : أن استقلال هارون عليه السلام في النبوة بعد موت موسى عليه السلام مانع من قيام الخلافة به ، إذ لا يعقل قيام الولاية التبعية به بعد ثبوت الولاية الأصلية له . والثالث : أن الإمامة إنما هي الخلافة بعد الموت ولا يجوز أن تكون الخلافة في حال حياة المستخلف إمامة ، وإلا لزم أن يكون في زمان واحد إمامان مفترضا الطاعة ، فالخلافة في حال الحياة إنما هي من قبيل الوكالة لا الإمامة ، فلا تبقى بعد الموت ، وقد حكى هذا الوجه عن بعضهم . والرابع : أن خلافة هارون عن موسى لم تكن مطلقة حتى تبقى بعد الموت ، وإنما هي مقيدة بحال غيبة موسى ، فلا يدل التنزيل منزلته حينئذ على الخلافة المطلقة الباقية بعد موت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم . والخامس : أن الخلافة لو سلمت أنها مطلقة لا يحكم ببقائها بعد الموت ، إلا مع التصريح بالتأييد . وفيه : أن الوكالة إنما تبطل بموت الموكل من أجل أن المال الموكل في بيعه مثلا ينتقل بموت الموكل إلى وارثه ، فلا مجال لبقاء الوكالة حينئذ ، لأن حقيقتها عبارة عن الإذن في التصرف في ماله . وأما شأن النبوة فلا تنتقل بموت النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى غيره حتى لا يتطرق في الخلافة فيه البقاء ، ولو كان الأمر كذلك للزم عدم نفوذ الاستخلاف بالنسبة إلى ما بعد الموت ، مع التصريح بالبقاء بعده ، وهو بديهي البطلان ، فاندفع الوجه الأول . وأما الوجه الثاني : فقد ظهر اندفاعه بما بيناه من أن نبوة هارون لا تكون في عرض نبوة موسى عليه السلام حتى يستقل بعد موت موسى ، ولا يكون مجال لقيام الخلافة به ، فما توهمه من أن انتفاءها بموت المستخلف ليس عزلا ولا نقصا بل عودا إلى حالة أكمل - وهي الاستقلال بالنبوة - في غير محله ، لأن النبوة الثابتة له تقتضي الاستقلال فيما هو من شأن موسى عليه السلام من الإمامة ، فنفوذ أمر هارون - لو بقي بعد موسى - إنما يكون لخلافته ، لا لأجل نبوته . وأما الوجه الثالث : ففيه أنه لا مانع عقلا ولا شرعا من عقد عهد الإمامة للفرع بعنوان الخلافة عن الأصل ، بحيث يستقل في التصرف مع غيبة الأصل ، أو بعد موته . فتوهم أن الإمامة إنما هي الخلافة بعد الموت غلط لا وجه له . وأما الوجه الرابع : ففيه أن قوله تعالى : (هارون اخلفني في قومي) (الأعراف : 142) مطلق غير مقيد بزمان غيبته ، ومجرد كون إرادة الاستخلاف على السفر لا يوجب تقييده بحال سضره وغيبته ما لم يقيده بقوله : ما دمت غائبا مثلا ، فوجب الحكم ببقائها بعد موت موسى عليه السلام أو عاش بعده . وتوهم أن الخلافة حقيقة في قيام شخص مقام آخر فيما لا يتمكن الأصل من مباشرته بنفسه ، وهو لا يتم إلا بغيبته ، وهم ، لصدق الخليفة على النائب ، مع قدرة المنوب عنه على المباشرة بالضرورة ، مع أنه - لو تم - لم يتم ما ذكره من أنه لا يتم إلا بغيبة ، لتحقق الخلافة حينئذ بأحد أمرين : غيبة المنوب عنه أو موته ، ضرورة أنه كما يتحقق عدم التمكن من المباشر بالغيبة كذلك يتحقق بالموت ، فتقييده بأحدهما لا وجه له . وأما الوجه الخامس : فواضح الفساد ، إذ مع الاطلاق يجب الحكم بالبقاء ، لتحقق المقتضي وعدم المانع ، ولا حاجة إلى التصريح بالتأييد . وأما ما ذكره من أنه بعد اللتيا والتي لا دلالة على نفي إمامة الثلاثة ، فقد اتضح اندفاعه بما بيناه في المتن . منه (قدس سره) .

ص: 121

ص: 122

أمير المؤمنين من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا النبوة التي استثناها ، ومن جملة منازل

هارون من موسى ، بل أظهرها وأجلاها خلافته عنه ووزارته له ، كما قص الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم في كتابه المجيد . (1)

فإن قلت : دلالة حديث المنزلة على الخلافة مسلمة ، وإنما الكلام في

ص: 123


1- الأعراف : 142 وطه : 21 .

الاختصاص وعدم استحقاق غيره التقدم عليه .

قلت أولا : من جملة منازل هارون من موسى الخلافة عنه بلا فضل ، فيدل على الاختصاص ، وعدم استحقاق غيره التقدم عليه .

وثانيا : إن هذا الحديث الشريف يدل على استخلافه صلى الله عليه وآله وسلم مولانا أمير المؤمنين عليه السلام كما استخلف موسى هارون فثبتت خلافته عنه صلى الله عليه وآله وسلم بالنص ، ولم يعارضه نص آخر ، حتى يجوز العدول عنه إلى غيره ، إذ لا نص لهم من النبي صلى الله عليه وآله وسلم على خلافة الخلفاء الثلاثة ، وإنما أثبتوا خلافة الأول بالبيعة ، وخلافة الثاني بنص الأول عليها ، وخلافة الثالث بالشورى التي جعلها الثاني ، والبيعة لا تعارض النص ، قال عز من قائل : (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا " . (1) فكيف جاز لهم أن يختاروا خليفة بعد نص الرسول على خلافته عنه صلى الله عليه وآله وسلم مع أن الخلافة عن الرسول لا تكون من أمورهم وشؤونهم ، بل هي من الأمور الراجعة إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، وإذا لم يجز لهم الخيرة في أمورهم - بعد قضاء الرسول - فكيف جاز لهم الاختيار في أمر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بعد قضائه .

وأما أخوته عليه السلام لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهي دالة على أنه عليه السلام أقرب الناس شرفا ومنزلة منه صلى الله عليه وآله وسلم ، ومن هذا شأنه كيف يجوز لغيره التقدم عليه في الخلافة عنه صلى الله عليه وآله وسلم .

توضيح ذلك : إن الأخوة في الدين ثابتة بين جميع المؤمنين بقوله

ص: 124


1- الأحزاب : 36 .

تعالى : (إنما المؤمنون إخوة) (1) وأما المؤاخاة التي اتخذها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين كل اثنين من الصحابة فهي - حسب ما مر - بينهما من الدين والإيمان ، كما هو ظاهر ، فاتخاذه صلى الله عليه وآله وسلم عليا أخا لنفسه دون غيره يدل على أنه عليه السلام أقرب الخلق إليه صلى الله عليه وآله وسلم في الدين والإيمان بالله وبرسوله صلى الله وآله وسلم والعلم بالكتاب والسنة ، والعمل بهما .

ومن هذا شأنه يستحق الخلافة عنه ويكون مكملا لما بعث لأجله من قبل الله تعالى من هداية العباد ، وتبليغ أحكامه تعالى بالضرورة ، ولا يجوز لغيره أن يتقدم عليه .

وهل ترى من نفسك أن تحكم بأن البعيد عن الشخص يرثه ، مع وجود القريب أو يتقدم القريب على من هو أقرب منه ، كلا ثم كلا ، وهذه قضية ضرورية فطرية ، يكون المخالف لها مخالفا لفطرته ، وبداهة عقله .

وأما وراثته عنه صلى الله عليه وآله وسلم فدلالتها على اختصاص الخلافة والإمامة به عليه السلام أوضح وأبين .

بيان ذلك : إن الوراثة عبارة عن قيام الوارث مقام مورثه فيما تركه ، وتركة النبي صلى الله عليه وآله وسلم حيث نبوته ورسالته إنما هي الكتاب والسنة ، لا المال ، وهذا معنى : (نحن معاشر الأنبياء لا نورث درهما ولا دينارا وإنما نورث العلم والإمامة) . (2) والخلافة عنه صلى الله عليه وآله وسلم عبارة عن قيام الخليفة والإمام مكانه صلى الله عليه وآله وسلم فيما هو من شؤون نبوته ورسالته ، لا في تركته من الأموال كما هو ظاهر ، ولذا يجب طاعته على الأمة كما يجب طاعة النبي عليهم .

ص: 125


1- الحجرات : 10 .
2- راجع الكافي 1 / 32 .

فبعد قوله صلى الله عليه وآله وسلم : " أنت أخي ووارثي " (1) وتصريحه بأن هذه الوراثة ليست وراثة مال بل وراثة ما هو من شؤون نبوته ورسالته صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال : ما ورث الأنبياء قبلي " وتبيينه بعد ذلك : أن ما تركه الأنبياء هو الكتاب والسنة لا يبقى مجال لجعل الخلافة لغيره ، لأن الخلافة والإمامة لا حقيقة لها إلا هذه الوراثة التي أثبتها لمولانا أمير المؤمنين عليه السلام وجعلها مختصة به فجعل الخلافة لغيره نقض صريح لقوله صلى الله عليه وآله وسلم : " وأنت أخي ووارثي " وتوريث للأجنبي ومنع للوارث عن إرثه .

فإن قلت : كون الإمامة خلافة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من حيث نبوته أمر معلوم ، ولذا يفترض طاعة الإمام على الأمة كما يجب طاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليهم ، ولكن شؤون النبوة متعددة ، فمنها : العلم بالكتاب والسنة ، ومنها :

افتراض الطاعة ، ومنها : العصمة والطهارة ، ومنها : نزول الوحي عليه صلى الله عليه وآله وسلم وهكذا من شؤون . والحديث الشريف يدل على ثبوت الشأن الأول لمولانا أمير المؤمنين عليه السلام ، وأي مانع من قيام شأنه الآخر وهو افتراض الطاعة بغيره .

قلت : افتراض الطاعة من الشؤون المترتبة على الشأن الأول ، ضرورة استحالة افتراض طاعة الجاهل في حد نفسه ، لأنه مع عدم ترتب هداية عليه إلقاء في الحيرة والضلالة .

وأشد محذورا منه تقديم طاعته على طاعة العالم ، قال عز من قائل :

(أفمن يهدى إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى ما لكم كيف تحكمون) . (2) .

ص: 126


1- غاية المرام ص 612 - 614 .
2- يونس : 35 .

وأقبح منه إيجاب طاعة الجاهل على العالم ، والحكم بوجوب بيعته مع الجاهل .

بل يفهم من الرواية : أن عمدة ما تركه الأنبياء - سلام الله عليهم - إنما هو العلم بالكتاب والسنة ، حيث حصر إرثهم فيه وهو كذلك ، لأن المقصود من بعث الأنبياء عليهم السلام إنما هو إرشاد العباد ، وهدايتهم إلى الحق ، وإخراجهم من ظلمات الحيرة والضلالة إلى نور العلم واليقين ، واستكمالهم في العلم والعمل ، وهذا لا يتم إلا بالعلم بالكتاب والسنة ، فسائر الشؤون تابعة له ولا يعقل وجود التابع من دون وجود متبوعه .

والعجب أن الآخذين بزمام الخلافة لم يقضوا دينه ، ولم ينجزوا عداته ، وجعلوا قضاء دينه وإنجاز عداته صلى الله عليه وآله وسلم على عهدة مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ، فوفى بهما - روحي فداه - فأخذوا غنم الوراثة وتركوا غرمها .

ص: 127

الحديث العاشر في تفسير قوله تعالى: إنّي جاعلك للناس إماماً قال و من ذريتي قال لاينال عهدي الظالمين

في تفسير قوله تعالى : (إني جاعلك للناس إماما ، قال ومن ذريتي ، قال لا ينال عهدي الظالمين) . (1) في غاية المرام : أبو الحسن الفقيه ابن المغازلي الشافعي ، قال : أخبرنا أحمد بن الحسن بن أحمد بن موسى القندجاني ، قال : أخبرنا أبو الفتح هلال بن أحمد الحفار ، قال : حدثنا إسماعيل بن علي بن رزين ، قال : حدثني أبي وإسحاق بن إبراهيم الديري ، قالا : حدثنا عبد الرزاق ، قال : حدثني أبي عن مينا مولى عبد الرحمن بن عوف ، عن عبد الله بن مسعود ، قال : قال رسول الله " أنا دعوة أبي إبراهيم ، قلت : يا رسول الله وكيف صرت دعوة أبيك إبراهيم ؟ قال : أوحى الله عز وجل إلى إبراهيم : (إني جاعلك للناس إماما) ، فاستخف إبراهيم الفرح ، قال ومن ذريتي أئمة مثلي ، فأوحى الله عز وجل : أن يا إبراهيم إني لا أعطيك عهدا لا أفي لك به ، قال : يا رب ما العهد الذي لا تفي لي به ، قال : لا أعطيك لظالم من ذريتك عهدا ، قال : إبراهيم عندما : واجنبني وبني أن نعبد الأصنام ، رب إنهن أضللن كثيرا

من الناس . فقال

ص: 128


1- البقرة : 126 .

النبي صلى الله عليه وآله وسلم : فانتهت الدعوة إلي وإلى علي ، لم يسجد أحدنا لصنم قط ، فاتخذني نبيا ، واتخذ عليا وصيا) . (1)

وقد رواه الشيخ قدس سره في أماليه ، عن ابن مسعود بهذا الإسناد . (2) وقد استفاضت الروايات من طرقنا عن أهل البيت عليهم السلام في أن الآية أبطلت إمامة كل ظالم ، (3) فصارت في الصفوة من ذرية إبراهيم الخليل عليه السلام .

أقول : الآية الكريمة تدل على أمور ثلاثة :

الأول : أن الإمامة عهد إلهي ومنصب رباني ، لا يتطرق فيه اختيار الناس .

والثاني : أن الإمامة مرتبة فوق النبوة .

والثالث : عدم قابلية من مسه الظلم لهذا العهد الشريف .

أما الأول : فمن قوله عز وجل (لا ينال عهدي) فإنه صريح في أن الإمامة عهد للرب تعالى ، ويدل عليه أيضا قوله تعالى : (إني جاعلك للناس إماما) وإذا ثبت أنه عهد للرب تعالى تبين لك عدم جواز اختيار الناس فيه ، ضرورة أن الناس إنما لهم الاختيار في العهود التي ترجع إليهم ، لا في عهد الرب تعالى .

وأما الثاني : فلأن قوله تعالى : (إني جاعلك للناس إماما) .

وطلب (4)

ص: 129


1- غاية المرام ص 270 . مناقب ابن المغازلي 276 .
2- غاية المرام ص 270 نقلا عن أمالي الطوسي 1 / 388 .
3- راجع غاية المرام ص 270 - 272 والبرهان 1 / 147 - 151 .
4- وما يتوهم من أن ما طلبه الخليل عليه السلام لذريته هي السلطنة الظاهرية التكوينية لا التشريعية وهم ظاهر ، لأنها لا تكون عهدا لربه تعالى لا ينال الظالمين . إذ نالها كثير منهم ، بل لم ينلها من المؤمنين إلا قليل ، مع أنه مناف لصدر الآية أيضا ، لأن الذي طلبه الخليل عليه السلام لذريته هو الذي جعله الله تعالى واختصه به ، وما جعله الله تعالى إنما هو الإمامة والولاية التشريعية لا السلطنة الظاهرية التكوينية . منه " ره " .

الخليل عليه السلام منه تعالى شأنه هذه المرتبة الجليلة لبعض ذريته ، وقوله تعالى : (لا ينال عهدي الظالمين) إنما كان بعد نيله درجة النبوة ، إذ الوحي إليه بجعله إماما للناس ، وطلبه منه تعالى شأنه ذلك لبعض ذريته ، وجوابه عز وجل بقوله : (لا ينال عهدي الظالمين) لا يصلح إلا لمن كان نبيا ، وحيا أو كليما ، بل في روايات أهل البيت عليهم السلام أنه كان بعد الخلة ، والخلة بعد النبوة والرسالة .

في غاية المرام : ابن يعقوب عن محمد بن الحسن عمن ذكره عن محمد بن خالد عن محمد بن سنان ، عن زيد الشحام ، قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول : إن الله تبارك وتعالى اتخذ إبراهيم عليه السلام عبدا قبل أن يتخذه نبيا ، وإن الله اتخذه نبيا قبل أن يتخذه رسولا ، وإن الله اتخذه رسولا قبل أن يتخذه خليلا ، وإن الله اتخذه خليلا قبل أن يتخذه إماما ، فلما جمع له الأشياء ، قال : (إني جاعلك للناس إماما) ، فمن عظمها في عين إبراهيم ؟ قال : ومن ذريتي ، قال : لا ينال عهدي الظالمين ، قال : لا يكون السفيه إمام التقي . (1) وإذا ثبت أن إمامته كانت بعد نبوته ، بل رسالته وخلته ، تبين لك أنها مرتبة فوق النبوة ، ومن هنا يتبين لك أيضا : أنها عهد إلهي لا يجوز فيه .

اختيار الناس بالضرورة ، وباتفاق جميع المسلمين .

وإذا كانت المرتبة النازلة عهدا إلهيا لا يتطرق فيه اختيار الناس ، فكيف يجوز أن تكون المرتبة الفائقة عليها مما يتطرق فيه اختيار الناس ،

ص: 130


1- الكافي 1 / 175 . غاية المرام ص 271 .

عقدا وحلا ؟

وأما الثالث : فيظهر من الأمر الثاني ، إذ يعتبر في المرتبة الفائقة ما يعتبر في المرتبة النازلة ، مع أمر زائد ، والعصمة معتبرة في النبوة ، فكذا في الإمامة بطريق أولى ، ومن مسه الظلم لا يكون معصوما فلا يكون إماما .

فالمراد من الظالمين في الآية الكريمة من جاز عليه الظلم ، وتطرق فيه ، أو من وجد فيه الظلم ولو انقضى عنه .

فإن قلت : المشتق حقيقة في المتلبس بالمبدأ ، وإطلاقه على من تطرق فيه التلبس بالمبدأ ، أو انقضى عنه المبدأ مجاز ، لا يصار إليه إلا بدليل .

قلت : إنما لا يصدق المشتق حقيقة على ما انقضى عنه المبدأ ، إذا كان المبدأ من قبيل الصفات كالعالم والجاهل والقائم والقاعد ، وأما إذا كان المبدأ من قبيل الأفعال التي يكون العنوان المأخوذ منها منتزعا من حدوث المبدأ من الذات ، كالضارب والقاتل والوالد والولد ، فصدق المشتق فيها دائر مدار حدوث المبدأ ، ولا يعتبر فيه بقاؤه ، أترى أن الأب والد مجازا ، والابن ولد كذلك ، وقاتل عمرو وضارب بكر لا يصدق عليه العنوانان حقيقة ؟ كلا ثم كلا ! والظالم من قبيل الثاني ، لأن الظلم فعل لا صفة ، فلو أريد من وجد فيه الظلم فهو صادق عليه حقيقة ، ولا يكون مخالفا للظاهر حتى لا يصار إليه إلي بدليل .

نعم إذا أريد منه من جاز عليه الظلم فهو مخالف للظاهر ، ولكن الدليل على المصير إليه موجود ، وهو منافاة عدم العصمة وتطرق الظلم لنيل الإمامة التي هي عهد إلهي فوق مرتبة النبوة .

وكيف كان فالآية الكريمة تدل على عدم استحقاق الخلفاء الثلاثة

ص: 131

للخلافة من وجوه ثلاثة :

الوجه الأول : أن الإمامة عهد إلهي لا يثبت إلا بالنص من قبله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم .

وإمامة الخليفة الأول إنما كانت ببيعة أهل العقد والحل معه بزعمهم ، مع عدم اتفاقهم على بيعته عندنا ، لخروج خيار الأصحاب عنهم .

وإمامة الثاني : بنص الأول عليها .

وإمامة الثالث : بحكم أهل الشورى التي جعلها الثاني ولم يدع أحد منهم نصا على خلافته من قبله تعالى ، ومن قبل رسوله صلى الله عليه وآله وسلم .

والوجه الثاني : عدم عصمتهم مع اعتبارها في النبوة التي هي مرتبة نازلة من الإمامة ، الموجب لاعتبارها فيها بطريق أولى .

لا يقال : إن القدر المسلم من اعتبار العصمة إنما هو حال النبوة لا قبلها ، فيلزم منه اعتبار العصمة في الإمام حال إمامته ، فلا ينافي مع إمامتهم حينئذ كونهم مشركين عابدين للأوثان قبل إسلامهم .

لأنا نقول : الحق اعتبار العصمة في النبي من حين تولده إلى حين وفاته ، ولو سلمنا عدم اعتبارها إلا حال نبوته ، كما ذهبوا إليه فالمنافاة أيضا ثابتة لعدم عصمتهم قبل تصدي الخلافة وبعدها ، باتفاق المسلمين ، ولم يدع أحد منهم العصمة فيهم ، ولو ادعى ذلك فهو باطل قطعا ، إذ لا سبيل إلى العلم بالعصمة إلا من قبل النص ، ولا نص على عصمتهم باتفاق المسلمين ، وإنما ورد النص على عصمة أهل البيت عليهم السلام .

والوجه الثالث : تصريحه تعالى شأنه بعدم نيل عهده الظالمين وهم

ظالمون ، لما عرفت من أن الآية الكريمة إما بمعنى من جاز عليه الظلم ، أو من وجد فيه وهو بكلا المعنيين منطبق عليهم .

ص: 132

وبما بيناه تبين أن الإمامة من أصول الدين والاعتراف بإمامة الإمام وولايته ، كالإقرار بنبوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الأصول ، لا من الفروع ، ولذا قال صلى الله عليه وآله وسلم :

" من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية " (1) بل معرفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما يكون أصلا واجبا باعتبار كونه رسولا أو إماما ، لأن النبي مع قطع النظر عن رسالته وإمامته لا يجب على الناس معرفته ، كمن كان نبيا على نفسه ولا يكون رسولا إلى أحد ، ولا إماما على الأمة .

فالمعرفة إنما تجب لأحد الوصفين ، فإن وجبت المعرفة لأجل الرسالة استلزم وجوب معرفة الإمام بطريق أولى ، لأن الإمامة مرتبة فوق الرسالة ، وإن وجبت لأجل الإمامة ، فالوجوب أوضح لاتحاد الموضوع واستحالة التفكيك .

تنبيه : قد تبين مما بيناه من أن الإمامة أعلى مرتبة ، وأكمل درجة من النبوة والرسالة ، سر تقديمه صلى الله عليه وآله وسلم منزلته من الأمة من حيث الإمامة ، لا من حيث النبوة حين استخلف مولانا أمير المؤمنين عليه السلام مكانه صلى الله عليه وآله وسلم وأثبت له الولاية فقال صلى الله عليه وآله وسلم : " ألست أولى بكم من أنفسكم " ولم يقل : " لست نبيكم أو رسولكم " فإن إمامة الفرع وولايته متفرعة على إمامة الأصل وولايته .

لا على نبوته ورسالته ، إذ لا توجب نبوة الأصل أو رسالته ثبوت الإمامة لخليفته ، والقائم مقامه .

وقد تبين مما بيناه أيضا أن أئمتنا سلام الله عليهم أفضل من سائر الأنبياء ، حتى أولي العزم منهم ، أما تقدمهم على غير أولي العزم منهم فقد .

اتضح مما ظهر لك من أن مرتبة الإمامة فوق مرتبة النبوة والرسالة .

وأما تقدمهم على أولي العزم منهم مع ثبوت الإمامة لهم ، فمن جهة

ص: 133


1- الكافي 1 / 278 . المحاسن ص 153 . مناقب آل أبي طالب 1 / 246 . بحار الأنوار 68 / 339 .

أن الإمامة والولاية لها مراتب ، وأتم مراتبهما وأكملها ما ثبت لنبينا صلى الله عليه وآله وسلم ولذا كان أفضل الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم ومرتبة إمامة الفرع في مرتبة إمامة أصله ، فإمامة أئمتنا سلام الله عليهم أيضا أتم مراتب الإمامة والولاية .

وقد تبين أيضا أن النبوة والإمامة قد يجتمعان ، كما في نبينا صلى الله عليه وآله وسلم وإبراهيم الخليل ، بل في أولي العزم مطلقا ، وقد تفترق النبوة عن الإمامة ، كما في غير أولي العزم من الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم وقد تفترق الإمامة عن النبوة ، كما في أئمتنا سلام الله عليهم .

فإن قلت : ما ذكرت من أن الإمامة مرتبة فوق النبوة ينافي مع افتراق الإمامة عنها ، لأن نيل المرتبة الفائقة متفرع على نيل المرتبة النازلة .

قلت : استحقاق المرتبة الفائقة - أي الإمامة - على استحقاق المرتبة النازلة وهي النبوة واستحقاقها ثابت في أئمتنا سلام الله عليهم ، وإنما منع عنها ثبوت مرتبة الخاتمية لخاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم وعلى آله الطاهرين .

وإليه يشير قوله صلى الله عليه وآله وسلم في بعض أحاديث المنزلة ، المروي عن طرق العامة بعد قوله صلى الله عليه وآله وسلم : (إلا أنه لا نبي بعدي ولو كان لكنت) . (1) .

ص: 134


1- مناقب آل أبي طالب 3 / 16 .

الحديث الحادي عشر في تفسير قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله و اطيعوا الرسول و أولي الأمر منكم

في تفسير قوله تعالى : (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) . (1) في غاية المرام : ابن يعقوب ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه عن حماد بن عيسى ، عن إبراهيم بن عمر اليماني ، عن ابن أذينة ، عن أبان بن أبي عياش ، عن سليم بن قيس ، قال : سمعت عليا صلوات الله عليه يقول :

وأتاه رجل فقال له : أدنى ما يكون به العبد مؤمنا ، وأدنى ما يكون به العبد كافرا ، وأدنى ما يكون به العبد ضالا ؟ فقال : قد سألت فافهم الجواب :

أما أدنى ما يكون به العبد مؤمنا أن يعرف (2) الله تبارك وتعالى نفسه فيقر له بالطاعة ، ويعرف نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فيقر له بالطاعة ، ويعرف إمامه وحجته في أرضه ، وشاهده على خلقه ، فيقر له بالطاعة ، قلت : يا أمير المؤمنين [ عليه السلام ] : وإن جهل جميع الأشياء إلا ما وصفت ؟ قال : نعم إذا أمر أطاع ، وإذا نهي انتهى .

ص: 135


1- النساء : 57 .
2- في المصدر : يعرفه الله . . . ويعرفه نبيه . . . ويعرفه إمامه . . . .

وأدنى ما يكون به كافرا من زعم أن شيئا نهى الله عنه أن الله أمر به ونصبه دينا يتولى عليه ، ويزعم أنه يعبد الذي أمره به ، وإنما يعبد الشيطان .

وأدنى ما يكون العبد به ضالا ، أن لا يعرف حجة الله تبارك وتعالى ، وشاهده على عباده الذي أمر الله عز وجل بطاعته ، وفرض ولايته ، قلت : يا أمير المؤمنين صفهم لي ، قال : الذين قرنهم الله تعالى بنفسه وبنبيه فقال :

(يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) فقلت :

يا أمير المؤمنين - جعلني الله فداك - أوضح لي ، فقال : الذين قال رسول الله في آخر خطبته يوم قبضه الله عز وجل إليه : (إني قد تركت فيكم أمرين لن تضلوا بعدي إن تمسكتم بهما ، كتاب الله عز وجل ، وعترتي أهل بيتي ، فإن اللطيف الخبير قد عهد إلى أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض - وجمع بين مسبحتيه - ولا أقول كهاتين - وجمع بين المسبحة والوسطى فتسبق إحداهما الأخرى - فتمسكوا بهما لا تزلوا ، ولا تقدموهم ، فتضلوا) . (1) والروايات في هذا المعنى من طريقنا مستفيضة ، بل كادت أن تكون متواترة ، (2) وأما من طريق العامة فقد ذكر في غاية المرام أربع روايات . (3) وينبغي التنبيه على أمور يتضح بها عدم صدق عنوان أولي الأمر إلا على مولانا أمير المؤمنين وذريته الطيبين سلام الله عليهم أجمعين ، ودلالة الآية الكريمة على إمامتهم وخلافتهم عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم

ص: 136


1- الكافي 2 / 414 . غاية المرام ص 266 .
2- راجع غاية المرام ص 265 - 268 ففيها 14 حديثا من طريقنا .
3- غاية المرام ص 264 .

غاية الاتضاح .

الأول : إن عنوان أولي الأمر إنما يصدق على من كان صاحبا للأمر واقعا ، لا من كان متغلبا على الأمر من دون حق كما أن صاحب المال إنما هو مالكه ، لا من في يده غصبا أو سرقة ، وأولي الألباب من كان ذا عقل واقعا لا من تظاهر أنه ذو لب وليس به .

والحاصل أن صحابة الشئ إنما هو بثبوته له واقعا ، لا بالاستظهار والادعاء - كما هو ظاهر - فصحابة الأمر إنما تحقق بكونه حقا له ، ولا يكون حقا له إلا بثبوت ولاية الأمر له .

والثاني : إن ولاية الأمر ذاتا وابتداء إنما هو للخالق تعالى شأنه ، لأن ولايته تعالى شأنه منتزعة من خلقه تعالى ، وتكوينه إياهم ، وأما الخلق فلا ولاية لبعضهم على بعض ذاتا ، وإنما تثبت الولاية لبعضهم على بعض آخر بجعله تعالى ، والانتهاء إلى أمره عز وجل ، لأن ما بالغير لا بد وأن ينتهي إلى ما بالذات ، ولا يعقل أن تحصل الولاية من قبل تولية بعضهم بعضا ، لأن المولى فاقد للولاية في حد نفسه ، فكيف تثبت الولاية لغيره من قبله .

ذات نايافته از هستى بخش *** كي تواند كه شود هستى بخش (1) والثالث : إن وجوب الإطاعة يدور مدار الولاية ، ضرورة أنه مع عدم ولاية الأمر على المأمور لا يستحق الطاعة ، فاستحقاق الطاعة إنما هو من شؤون الولاية ، ولا يقوم مقامها صفة أخرى ، حتى العصمة ، فإنها إنما توجب تصديق قوله ، وإن ما قاله صدق وحق ، فلو قال من ثبتت عصمته إني أولى بالأمر ، يجب علينا تصديقه بالولاية ، وبعد ثبوتها بقوله يجب علينا إطاعته فيما أمر به ونهى عنه ، ولا حاجة في إثبات وجوب إطاعته

ص: 137


1- أي أن فاقد الشئ كيف يكون معطيا .

إلى أمر آخر بعد ثبوت ولايته ، لأن وجوبها حينئذ مما يستقل به العقل ، وما ورد في الشرع من وجوب إطاعته تأكيد لحكم العقل ، وإرشاد إليه . .

والرابع : إن ثبوت الولاية من قبل التولية فرع ثبوت الولاية للمولى وإلا لم ينفذ توليته ، فوجوب إطاعة الولي حينئذ إنما هو بالنسبة إلى غير المولى ، ولا يعقل ثبوت الولاية على نفس المولى بتوليته ، حتى يجب عليه إطاعة الولي من قبله عليه ، بل يجب على الولي أن لا يخالف من حدود ما ولاه عليه ، فهو تحت طاعة من ولاه الأمر ، لا أن من ولاه الأمر تحت طاعته .

والخامس : إن الولاية على قسمين : مطلقة ومحدودة .

والولاية التامة المطلقة إنما تكون لله تعالى شأنه ، لأن منشأ انتزاع علقة المولوية والعبودية بينه تعالى شأنه وبين عباده هو خلقه تعالى ، وتربيته إياهم ، ومن المعلوم أن المخلوق والمربوب يرجع بكله إليه عز وجل ، فلا يعقل حينئذ حصر وتحديد في الولاية ، وإلا لزم أن يستقل الممكن في بعض جهاته ، وهو مناقض لإمكانه ، ولا تثبت الولاية المطلقة لأحد من المخلوقين إلا بالاستخلاف عنه تعالى شأنه ، فثبوت هذا النحو من الولاية لنبينا صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال عز من قائل : (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) (1) كاشف عن ثبوت الخلافة الكبرى له صلى الله عليه وآله وسلم عنه تعالى شأنه .

وأما الولاية المحدودة فيجوز ثبوتها من قبل الاستخلاف عنه تعالى شأنه ، كولاية القيم من قبل الحاكم الشرعي في أمر الصغير ، أو من قبل أسباب أخر ، كولاية الأب على ابنه الصغير ، والمستأجر على أجيره ، والزوج على زوجته ، المنتزعة من علقة الأبوة والبنوة ، والزوجية ، وعقد الإجارة .

والولاية في جميع الصور مجعولة بجعل الشارع ابتداء وتبعا

ص: 138


1- الأحزاب : 6 .

لتقرير موضوعها ، ولكن يختلف منشأ انتزاعها باختلاف الموارد ، فقد يكون منشأ الانتزاع الاستخلاف عنه تعالى شأنه ، وقد يكون المنشأ أسباب أخر .

إذا اتضحت لك هذه الأمور فقد اتضح لك أنه لا تحديد في وجوب إطاعته تعالى شأنه ، ولا في وجوب إطاعة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم مطلقة غير محدودة .

بيان ذلك : أنه لو قال تعالى شأنه : يا أيها الذين آمنوا أطيعوا أولي الأمر منكم ، ولم يقيده بقيد لكان ظاهرا في الاطلاق والعموم ، كما هو ظاهر ، ولكنه تعالى شأنه صدر الكلام بإطاعة نفسه ، وإطاعة رسوله المطلقتين بالضرورة ، وعطف عليه أولي الأمر من غير تقييد تأكيدا لإفادة الاطلاق ، وتصريحا به ، وهذا معنى قول مولانا أمير المؤمنين عليه السلام روحي فداه ، الذين قرنهم الله تعالى بنفسه ونبيه صلى الله عليه وآله وسلم وحيث إن هذه المرتبة من الولاية التامة لا يعقل ثبوتها لأحد من الخلق إلا أن يكون قرينا لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم في العلم بما في الكتاب كله ، والعصمة والطهارة ، تعين أنها ليست إلا لمن أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم عنهم ، بأنهم المتصفين بهما ، ولذا قال صلى الله عليه وآله وسلم بعد طلب السائل الايضاح : الذين قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في آخر خطبته إلى آخر كلامه صلى الله عليه وآله وسلم .

ثم اعلم أنه ليس معنى قوله صلى الله عليه وآله وسلم في آخر خطبته أنه لم يقل ذلك إلا في آخر خطبته ، لوضوح أنه صلى الله عليه وآله وسلم أخبر به تكرارا في مواضع متعددة ، ومواطن كثيرة ، يوم الغدير وغيره من المواضع ، كما يشهد به روايات الفريقين ، بل معناه أن ذكره صلى الله عليه وآله وسلم في آخر خطبته تأكيدا لما بينه من قبل ، دفعا لتوهم من يتوهم أنه صلى الله عليه وآله وسلم عدل عنهم إلى غيرهم .

وما نسب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أنه قال ، بعد ذلك : " إنا أهل بيت اصطفانا الله تعالى ، واختار لنا الآخرة على الدنيا ، فإن الله لم يكن ليجمع لنا

ص: 139

- أهل البيت - النبوة والخلافة) تكذبه الرواية الشريفة أولا ، وقول الخليفة الأول : أقيلوني ولست بخيركم وعلي فيكم (1) ثانيا : إذ لو كان الخبر صدقا لم يكن لاستقالته عن الخلافة بملاحظة مولانا أمير المؤمنين عليه السلام مجال ، وصنع الخليفة الثاني في الشورى ثالثا ، حيث أدخل مولانا أمير المؤمنين عليه السلام في الشورى ، وجعله من الستة الذين يصلحون للخلافة ، وأن الخلافة كالنبوة من الشؤون الدينية لا الدنيوية رابعا ، ضرورة أن نصب الخليفة كبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما هو لهداية الأمة ، وأمرهم بالمعروف ، ونهيهم عن المنكر ، لا لمجرد السلطنة والرئاسة .

وبعد ما تبين لك أن المراد من أولي الأمر في الآية الكريمة من كانت له الولاية المطلقة كولاية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بشهادة السياق ، وإطلاق الكلام ، تبين لك أن تفسيره بسلاطين الإسلام ، أو القضاة المنصوبة من قبلهم ، أو أمراء الجيش ، وهكذا ، من الخرافات التي نسجها المفسرون بالرأي غلط بين .

وأما تفسيره بالعلماء ، كما عن بعضهم مستدلا عليه بقوله تعالى :

(ولو ردوه إلى أولي الأمر لعلمه الذين يستنبطونه منهم) (2) فهو حق إن أريد بهم أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذين قرنهم بالكتاب وتركهما في أمته وأمر بالتمسك بهما كما ورد عنهم عليهم السلام : نحن العلماء وشيعتنا المتعلمون ، (3) وإن أريد به مطلق العلماء فهو باطل أيضا ، لاختصاص الولاية المطلقة بأهل بيت النبوة الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، وجعلهم ورثة الكتاب .

ص: 140


1- غاية المرام ص 549 .
2- النساء : 83 .
3- الكافي 1 / 34 .

وبما بيناه تبين أنه لا يعقل تأثير بيعة الرعية مع واحد منهم في صيرورته ولي الأمر مفترضا طاعته عليهم ، لأن رقبة الرعية مشدودة بحبل الإمامة .

وولاية الأمر ، وليس الحبل بأيديهم ، وإنما هو بيد من له الأمر ، وهو الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم بالاستخلاف عنه تعالى شأنه . ومن الواضح أنه لا اختيار لمن في رقبته الحبل ، ولا تأثير لبيعتهم مع واحد منهم ، إلا الإباق والخروج عن تحت طاعة ولي الأمر ، الذي نصبه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولو فرض أن لهم الولاية على ذلك للزم افتراض طاعتهم على من ولوه هذا الأمر وبايعوه ، لا افتراض طاعته عليهم ، لأن ولايته حينئذ فرع ولايتهم ، وتابعة لها .

ومن الواضح البين أنه لا تجب طاعة الفرع على الأصل ، وإنما تجب طاعة الأصل على الفرع ، ولذا يجب طاعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على الإمام القائم مقامه ، لإطاعته على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم .

فإن قلت : مقتضى ما ذكرت عدم ثبوت الولاية للزوج على زوجته ، والمستأجر على أجيره ، لأن ولايتهما متفرعة على ولاية الزوجة والأجير على أنفسهما وإعطائهما الولاية للزوج والمستأجر بسبب اختيارهما عقد التزويج والإجارة .

قلت : عقد التزويج والإجارة وهكذا ، من العقود الشرعية من جهات المتعاقدين وشؤونهما ، وهما المرجع فيها ، فإذا اختارا عقدا من العقود التي هما المرجع فيه حكم على كل منهما بما يقتضيه ، وثبت لكل منهما الولاية على الآخر حسبما يوجبه ، فيستحق الزوج التمتع من زوجته ، كما تستحق النفقة عليه ، ويستحق المستأجر استيفاء المنفعة من أجيره ، كما أنه يستحق وجه الإجارة في ذمة المستأجر ، فالولاية المستتبعة من العقود

ص: 141

تابعة لها ، فإذا تحقق عقد في الخارج تحققت الولاية لكل من المتعاقدين ، حسبما يقتضيه العقد .

والبيعة لا تقتضي ثبوت الولاية على المبايعين ، لأن مرجع هذه البيعة إن كانت إلى استخلاف أبي بكر عن المسلمين فهي لا تقتضي وجوب طاعته عليهم ، ضرورة عدم وجوب طاعة الخليفة على المستخلف ، وإن كانت إلى استخلافه عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم فليس لهم هذا الاستخلاف لأنه ليس من شؤونهم وجهاتهم .

فإن قلت : للناس الولاية على أنفسهم في الشرع ولذا ينفذ تقريرهم ومعاملاتهم وعهودهم ، ومن جملتها البيعة مع واحد منهم ، وأي دليل على خروج خصوص البيعة من العهود التي تنفذ عليهم بعد إيجابها على أنفسهم ، وإذا نفذت البيعة وجبت الطاعة .

قلت : البيعة بمنزلة القبض والإقباض ، فإن كانت عن استحقاق كبيعة الرعية مع من نصبه الله تعالى إماما ، وجعله قيما عليهم نفذت ووجبت الطاعة ، وإلا ألغيت وبطلت ، فالمبايعون مع أبي بكر إن أرادوا منها عقد الاستخلاف ، فقد ظهر بطلانه ، وإن أرادوا مجرد عقد البيعة من دون استخلاف ونحوه فبطلانه أوضح وأظهر ، لأن البيعة المجردة من دون عنوان لا توجب الطاعة .

بل التحقيق أن نفوذ البيعة مسبوق بوجوب الطاعة دائما ، لا أنه من أحكام البيعة كما توهم ، ضرورة أن البيعة مع من لا يستحقها لا توجب الطاعة ، ووجوب الطاعة - مع البيعة مع من يستحقها سابق على البيعة ، ونفوذها حينئذ إنما هو من آثار وجوب الطاعة .

فإن قلت : لعله فوض إليهم تعيين الإمام والخليفة من قبل

ص: 142

النبي صلى الله عليه وآله وسلم فينفذ أمرهم فيه من جهة التفويض ، لا من جهة ولايتهم على أنفسهم ، كما فوض أحيانا تعيين إمارة الجيش إلى المسلمين بعد قتل الأمير المنصوب .

قلت : الإمامة الكبرى ، والخلافة العظمى ، وهي الرئاسة العامة في أمور الدين والدنيا من الشؤون العظيمة التي لا ينالها شأن النبوة وتتوقف على العصمة ، وعلم الكتاب كله .

والعصمة من الأمور الخفية التي لا يطلع عليها إلا عالم السرائر ، فكيف يجوز للحكيم تعالى شأنه أن يفوضها إلى اختيار الأمة الجاهلين بمواقعها وحدودها ، وهل هذا إلا إهمال وإخلال بالحكمة ! ! تعالى الله عنه علوا كبيرا ، مع أنه لم يدل دليل على التفويض ، ولم يدعه الخصم ، وإنما زعموا أنه لم ينص على أحد .

ثم إن الآية الكريمة كما تدل على أن الله تعالى نصب للأمة ولي الأمر بعد رسوله صلى الله عليه وآله وسلم حيث أمر بطاعته وقرن طاعته بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، تدل على تعدده ، وعدم انحصاره في فرد واحد ، حيث عبر بصيغة الجمع .

ثم اعلم أن بعض المتجددين من أهل السنة أنكر دلالة الكتاب والسنة على وجود الخلافة العظمى ، والإمامة الكبرى في دين الإسلام ، فقال :

أما الكتاب فما يصلح منه أن يستدل به عليها قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم " . (1) وأما السنة فما يصلح منها أن يستدل به عليها ، فأخبار معدودة ، مثل ما روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم " الأئمة من قريش " ، (2) (ومن مات وليس في عنقه

ص: 143


1- النساء : 59 .
2- مسند أحمد 2 / 129 و 4 / 421 .

بيعة ، فقد مات ميتة جاهلية " (1) وذكر أخبارا يقرب منهما ، ثم ناقش في دلالة الآية والروايات - بعد تسليم صحة سندها - بوجهين : .

أحدهما : أن وجوب الطاعة لا يدل على أن الخلافة حق ثابت في الدين ، وأن للخلفاء شأنا عنده تعالى ، فقال : أو لسنا مأمورين شرعا بطاعة البغاة والعاصين ، وتنفيذ أمرهم إذا تغلبوا علينا ، وكان في مخالفتهم فتنة تخشى ، من غير أن يكون ذلك مستلزما لمشروعية البغي ، وجواز الخروج عن الحكومة .

وثانيهما : أنه لا يدل على وجوب نصبه علينا أو وجوده في الخارج ، وإنما يدل على حكم هذا الموضوع إذا وجد في الخارج ، فقال : أو لسنا مأمورين بإكرام السائلين واحترام الفقراء ، فهل يستطيع ذو عقل أن يقول :

ذلك يوجب علينا أن نوجد بيننا فقراء ومساكين .

أقول : أما عدم دلالة الكتاب والسنة على وجوب نصب الإمام علينا فهو حق متين ، بل قد عرفت أن تأثير نصب الرعية في ثبوت الإمامة غير معقول ، وأما وجوده وأنه تالي الرسول ، فدلالة الآيات الكثيرة ، والروايات الصحيحة المتظافرة المسلمة بين فرق المسلمين عليه واضحة لائحة ، كما مر شطر يسير منها ، وسيأتي جملة منها إن شاء الله تعالى .

والحري الآن بيان دفع مناقشته في دلالة آية أولي الأمر ، والروايات التي ذكرها سندا ودلالة فأقول :

أما المناقشة في السند فلا مجال لها بعد وجود الروايات في الكتب المعتمدة .

وأما دلالتها على ثبوت الإمامة في الدين - سيما الخبر الثاني -

ص: 144


1- راجع البحار 23 / 94 وشرح صحيح مسلم للنووي 12 / 482 .

فواضحة ظاهرة ، إذ لو لم يكن إمام منصوب من قبله تعالى شأنه ووجبت معرفته والبيعة معه ، لم يكن لإطلاق القول ، بأن (من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية) مجال ، فإن هذا التعبير كاشف من أن الإمامة من أركان دين الإسلام ، بحيث يكون ترك البيعة مع متقلدها خروجا عن الإسلام ، ولو كان المراد بيان حكم موضوع إذا وجد في الخارج ، كما زعمه وجب حينئذ أن يقال : إذا تغلب رجل على المسلمين وخافوا الفتنة في مخالفته وجب عليهم البيعة معه .

وأما دلالة الآية الكريمة على الخلافة الكبرى والإمامة العظمى فقد ظهرت بما بيناه من أن أولي الأمر إنما تصدق على من كان صاحبا للأمر واقعا ، وكان الأمر حقا له ، لا من تغلب على الأمر من دون استحقاق ، حتى يحتمل أن يكون وجوب طاعته من قبيل وجوب طاعة البغاة ، مع أن ذكر (منكم) بعد (أولي الأمر) يصرح بما بيناه ، إذ وجوب التحرز عن مخالفة المتغلب على الأمر الذي يخاف منه لا يختص بكونه من المؤمنين .

ومما بيناه تبين دفع شبهة أخرى ، فإن ولاية الأمر بهذا المعنى لا تتحقق إلا بالاستخلاف ونصبه تعالى شأنه ، فلو لم ينصبه الله تعالى شأنه للمؤمنين لم يأمرهم بإطاعته ، فأمره تعالى شأنه بإطاعته مقرونا بإطاعته وإطاعة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم دليل على نصبه لهم .

والتعبير بصيغة الجمع يدل على تعدده ، وعدم انحصاره في فرد واحد ، وحيث إن المستشكل من العامة وجرت عادتهم بإطلاق أولي الأمر على المتغلبين على الأمر وصرف التعبير عن محله الأصلي غفل عما بيناه ، مع وضوحه في حد نفسه .

ص: 145

الحديث الثاني عشر في تفسير قوله تعالى: فتلقی آدم من ربّه كلمات فتاب عليه إنّه هو التواب الرحيم

في تفسير قوله عز من قائل : (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم) . (1) في غاية المرام : ابن المغازلي الشافعي في مناقبه ، قال أحمد بن محمد بن عبد الوهاب إجازة ، أخبرنا محمد بن عثمان ، قال : حدثني محمد بن سليمان بن الحرث ، قال : حدثنا محمد بن علي بن خلف العطار ، قال : حدثنا حسين الأشقر ، قال : حدثنا عثمان بن أبي المقدام ، عن أبيه ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : " سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الكلمات التي تلقاها آدم من ربه فتاب عليه ، قال : سأله بحق محمد ، وعلي عليه السلام ، وفاطمة عليها السلام ، والحسن والحسين عليهما السلام : إلا ما تبت علي ، فتاب عليه " . (2) وذكر في هذا الباب ثلاثة أحاديث من طريق العامة ، وتسعة أحاديث من طريقنا . (3) أقول : ويدل على ذلك ما رواه في أول الكتاب من طريقنا ، وطريق

ص: 146


1- البقرة : 37 .
2- غاية المرام ص 393 . مناقب ابن المغازلي ص 63 .
3- غاية المرام ص 393 .

العامة : من أنه لولا الخمسة الطيبة : محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم ما خلق الله جل جلاله آدم عليه السلام ، ولا الجنة والنار ، ولا العرش ولا الكرسي ، ولا السماء ولا الأرض ، ولا الملائكة والإنس والجن .

وذكر هنا تسعة عشر خبرا من طريقهم وأربعة عشر من طريقنا ، (1) فمن الأحاديث التي رواه من طريقهم :

ما رواه عن الحمويني من أعيان علماء العامة - في كتابه المسمى بفرائد السمطين في فضائل المرتضى والبتول والسبطين - بإسناده ، منتهيا إلى أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : " لما خلق الله تعالى أبا البشر ، ونفخ فيه من روحه التفت آدم بيمنة العرش ، فإذا نور خمسة أشباح سجدا وركعا ، قال آدم : يا رب هل خلقت أحدا من طين قبلي ؟ قال : لا يا آدم ، قال : فمن هؤلاء الخمسة الذين أراهم في هيأتي وصورتي ؟ قال : هؤلاء خمسة أسماء من ولدك لولاهم ما خلقتك ، هؤلاء خمسة شققت لهم خمسة أسماء من أسمائي ، لولاهم ما خلقت الجنة ولا النار ، ولا العرش ولا الكرسي ، ولا السماء ولا الأرض ، ولا الملائكة ولا الإنس ولا الجن ، فأنا المحمود وهذا محمد ، وأنا العالي وهذا علي ، وأنا الفاطر وهذه فاطمة ، وأنا الاحسان وهذا الحسن ، وأنا المحسن وهذا الحسين ، آليت بعزتي أنه لا يأتيني أحد بمثقال حبة من خردل من بغض أحدهم أن أدخلته ناري ولا أبالي يا آدم ، هؤلاء صفوتي بهم أنجيهم ، وبهم أهلكهم ، فإذا كان لك إلي حاجة فبهؤلاء توسل ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : (نحن سفينة النجاة ، من تعلق بها نجا ، ومن حاد .

عنها هلك ، فمن كان له إلى الله حاجة فليسأل بنا أهل

ص: 147


1- غاية المرام ص 5 - 13 .

البيت) . (1)

ومنها ما رواه الحمويني أيضا بإسناده ، منتهيا إلى ابن عباس ، أنه قال :

" سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لعلي عليه السلام : (خلقت أنا وأنت من نور الله تعالى " . (2)

بيان وجه اشتقاق اسم فاطمة عليها السلام من اسم الفاطر لعله بملاحظة أن الفطر بمعنى الخلقة أو الشق يوجب فطم المخلوق عن حالته الأولية ، وهو العدم إلى الوجود ، فهو حاو لمعنى الفطم ، فاشتق اسم فاطمة من اسم الفاطر اشتقاقا معنويا .

واعلم أن هذه الروايات المستفيضة من الجانبين تدل على أن الخمسة الطيبة صلوات الله عليهم أفضل الخلائق أجمعين من الأولين والآخرين ، حتى أولي العزم من الأنبياء سلام الله عليهم ، ضرورة أنهم لو لم يكونوا أفضل من جميعهم لم يكونوا واسطة في إيجادهم .

ومن هذا شأنه كيف يجوز أن يتقدم عليه في الإمامة والخلافة الإلهية ، من كان برهة من زمانه في الشرك ؟ وهل يكون تقديمه في الإمامة على من فضله الله تعالى على جميع خلقه إلا مخالفة لضرورة حكم العقل ؟ .

ص: 148


1- غاية المرام ص 6 نقلا عن فرائد السمطين .
2- غاية المرام ص 7 نقلا عن فرائد السمطين .

الحديث الثالث عشر في تفسير قوله تعالى: و أنذر عشيرتك ...

في تفسير قوله تعالى : (وأنذر عشيرتك الأقربين) . (1) أبو علي الطبرسي في مجمع البيان ، قال : عند الخاص والعام في الخبر المأثور عن البراء بن عازب ، أنه قال : " لما نزلت هذه الآية جمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بني عبد المطلب - وهم يومئذ أربعون رجلا - الرجل منهم يأكل المسنة ، ويشرب العس ، فأمر عليا عليه السلام برجل شاة فأدمها ثم قال لهم : ادنوا بسم الله ، فدنا القوم عشرة عشرة ، فأكلوا حتى صدروا ، ثم دعا بقعب من لبن ، فجرع منه جرعة ، ثم قال لهم : اشربوا فشربوا حتى رووا ، فبدرهم أبو لهب فقال : هذا ما سحركم به الرجل ، فمكث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولم يتكلم ، فدعاهم من الغد على مثل ذلك من الطعام والشراب ، ثم أنذرهم رسول الله [ صلى الله عليه وآله ] فقال : يا بني عبد المطلب : إني أنا النذير إليكم من الله عز وجل والبشير ، فأسلموا وأطيعوا تهتدوا ، ثم قال : من يؤاخيني ويؤازرني على هذا الأمر يكون وليي ، ووصيي بعدي ، وخليفتي في أهلي ، ويقضي ديني ، فسكت القوم ، فأعادها ثلاثا ، كل ذلك يسكت القوم ، ويقول

ص: 149


1- الشعراء : 214 .

علي :

أنا ، فقال له في المرة الثالثة أنت هو ، فقام القوم وهم يقولون لأبي طالب :

أطع ابنك ، فقد أمر عليك) أورده الثعلبي في تفسيره .

وروى عن أبي رافع هذه القصة : " وأن جمعهم في الشعب ، فصنع لهم رجل شاة فأكلوا حتى تضلعوا ، وسقاهم عسا فشربوا كلهم حتى رووا ، ثم قل : إن الله تعالى أمرني أن أنذر عشيرتك الأقربين ، وأنتم عشيرتي ورهطي ، وإن الله لم يبعث نبيا إلا جعل له من أهله أخا ، ووزيرا ، ووارثا ، ووصيا ، وخليفة في أهله ، فأيكم يقوم فيبايعني على أنه أخي ، ووارثي ، ووزيري ، ووصيي ، ويكون مني بمنزلة هارون من موسى ، إلا أنه لا نبي بعدي ، فسكت القوم ، فقال : ليقومن قائمكم أو ليكونن في غيركم ، ثم لتندمن ، ثم أعاد الكلام ثلاث مرات ، فقام علي رابعة ، فأجابه ، ثم قال :

ادن مني ، فدنا منه ، ففتح فاه ومج في فيه من ريقه ، وتفل بين كتفيه وثدييه ، فقال أبو لهب : بئس ما حبوت به ابن عمك ، أن أجابك فملأت فاه ووجهه بزاقا ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : ملأته حكمة وعلما " وفي قراءة عبد الله بن مسعود (وأنذر عشيرتك الأقربين) ورهطك منهم المخلصين .

وروى ذلك عن أبي عبد الله عليه السلام . (1) والروايات في هذا المعنى من الطريقين مستفيضة . (2) واعلم أن دلالة الروايات المذكورة على إمامة مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ، وولايته ، وخلافته ، ووصايته ، ووزارته عنه صلى الله عليه وآله وسلم

ص: 150


1- مجمع البيان 7 / 206 .
2- راجع غاية المرام ص 320 - 323 .

واضحة ظاهرة .

فإن قلت : الروايات إنما تدل على أنه عليه السلام خليفة عنه صلى الله عليه وآله وسلم في أهله ، فلا تدل على خلافته عنه بالنسبة إلى جميع الأمة ، حتى تدل على الإمامة والولاية المطلقة .

قلت : هذه الخلافة - بقرينة الشرط - إنما هي الخلافة الراجعة إلى مقام النبوة والرسالة . والخلافة عنه صلى الله عليه وآله وسلم في شأن الرسالة ليست إلا الإمامة .

بيان ذلك : إن الشرط وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم (من يؤاخيني (1) ويؤازرني على هذا الأمر) صريح في المؤاخاة والمؤازرة على أمر الانذار والرسالة ، فإن المشار لا يحتمل غيره ، فالجواب - وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم " يكون وليي ووصيي بعدي وخليفتي في أهلي ويقضي ديني " - إنما يرجع حينئذ إلى الخلافة والوصاية بالنسبة إلى مقام الرسالة والإنذار أيضا ، والخلافة بالنسبة إلى مقام الرسالة ليست إلا الإمارة ، وهذا في غاية الوضوح ، وحيث إن دلالة كلامه صلى الله عليه وآله وسلم على ثبوت الإمارة والإمامة لخليفته في نهاية الظهور ، استهزؤوا من قوله صلى الله عليه وآله وسلم وقالوا لأبي طالب عليه السلام : أطع ابنك فقد أمر عليك ، والإمارة والإمامة بالنسبة إلى أهله صلى الله عليه وآله وسلم وهم بنو عبد المطلب يستلزم الإمامة بالنسبة إلى غيرهم ، إذ لا يجوز أن يكون لطائفة إمام ، ولطائفة أخرى إمام آخر ، كما هو ظاهر ، واعترف به الخليفة الثاني حيث قال في جواب الأنصار القائلين : منا أمير ومنكم أمير : " لا يجتمع سيفان في غمد واحد " . (2)

ص: 151


1- المراد تضمنه معنى الشرط ، فلم يناف ذلك عدم جزمه الفعلين . منه " ره " .
2- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2 / 38 .

والسر في تخصيص خلافته عنه صلى الله عليه وآله وسلم بأهله ، أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يومئذ مأمور بإنذار عشيرته الأقربين وأهله ، مع أن اختصاص أهله به صلى الله عليه وآله وسلم أشد من اختصاص سائر الأمة به ، وخلافته على أهل النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قبله من حيث مقام نبوته ورسالته صلى الله عليه وآله وسلم توجب الخلافة والإمامة على سائر أمته بطريق أولى . .

ومما يوضح لك أيضا أن الوصاية والخلافة في المقام عبارة عن الإمامة ، قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ويقضي ديني - بعد قوله - وخليفتي في أهلي ، لأن تعهد قضاء دين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من لوازم الخلافة عن مقام الرسالة الراجعة إلى ولاء الإمامة ، التي لها طرفان : الغنم والغرم .

وأما الخلافة عن الميت ، لا من جهة الإمامة فلا تقتضي إلا تلقي المال عن الميت ، وأما دينه فإنما هو على عهدة تركته لو كانت ، بل تصدير الجزاء بقوله : يكون وليي ، وعطف وصيي وخليفتي في أهلي عليه صريح في ولاء الإمامة ، وأن المراد وليي من قبلي كما لا يخفى . بل يستفاد من الرواية الثانية التي أوردها الثعلبي في تفسيره : أن خليفة كل نبي لا يكون إلا من أهله .

وكيف كان فالروايات المفسرة للآية الكريمة دالة على النص على خلافة مولانا أمير المؤمنين عليه السلام عنه صلى الله عليه وآله وسلم وإمامته عليه السلام وعدول أكثر الناس عن نص الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، والبيعة مع غيره لا يوجب بطلان النص ، ونسخ حكم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كما هو ظاهر .

ص: 152

الحديث الرابع عشر في تفسير قوله تعالی: و ربّك يخلق ما يشاء و يختار ما كان لهم الخيرة

في تفسير قوله تعالى : (وربك يخلق ما يشاء ويختار ، ما كان لهم الخيرة " . (1) في غاية المرام : الحافظ محمد مؤمن الشيرازي في كتابه المستخرج من تفاسير الاثني عشر - وهو من مشايخ أهل السنة - في تفسير قوله تعالى :

(وربك يخلق ما يشاء ويختار ، ما كان لهم الخيرة) يرفعه إلى أنس بن مالك قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن هذه الآية فقال : إن الله خلق آدم من الطين ، كيف يشاء ويختار ، وإن الله تعالى اختارني وأهل بيتي على جميع الخلق ، فانتجبنا فجعلني الرسول ، وجعل علي بن أبي طالب الوصي ، ثم قال : (ما كان لهم الخيرة) يعني ما جعلت للعباد أن يختاروا ، ولكني أختار من أشاء ، فأنا وأهل بيتي صفوته وخيرته من خلقه ، ثم قال : " سبحان الله " ، يعني تنزها لله " عما يشركون " به كفار مكة ، ثم قال : (وربك) يعني يا محمد (يعلم ما تكن صدورهم) من بغض

ص: 153


1- القصص : 68 .

المنافقين لك ، ولأهل بيتك (وما يعلنون) (1) من الحب لك ، ولأهل بيتك . (2)

أقول : ويدل على ذلك أي أن أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم هم الذين اختارهم الله على جميع خلقه روايات مسلمة عند الفريقين ، لا ريب في صحتها .

منها : خبر الطير المشوي ، فقد رواه في غاية المرام عن طريق العامة بخمس وثلاثين طريقا (3) نذكر واحدا منها تيمنا .

قال الثامن والعشرون : موفق بن أحمد أخبرنا الشيخ الزاهد الحافظ أبو الحسن علي بن أحمد العاصمي الخوارزمي ، أخبرنا القاضي الإمام شيخ القضاة إسماعيل بن أحمد الواعظ ، أخبرني والدي أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي ، أخبرنا أبو علي الحسين بن محمد بن علي الدوربادي ، أخبرنا أبو بكر محمد بن هرويه بن عباس بن سنان الرازي ، أخبرنا أبو حاتم الرازي ، حدثنا عبد الله بن موسى ، أخبرنا إسماعيل الأزرق ، عن أنس بن مالك ، قال :

(أهدي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طيرا فقال : " اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير " ، فقلت : اللهم اجعله رجلا من الأنصار ، فجاء علي عليه السلام فقلت : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على حاجة ، قال : فذهب ، قال : ثم جاء فقلت :

إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على حاجة ، قال : فذهب ، ثم جاء فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :

افتح الباب ففتح ، ثم دخل فقال : ما حديثك يا علي ؟ فقال : ثلاث مرات قد أتيت ويردني أنس ، يزعم أنك على حاجة ، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ما حملك على ما صنعت يا أنس ، قال : سمعت دعاءك فأحببت أن يكون في

ص: 154


1- القصص : 69 .
2- غاية المرام ص 331 .
3- غاية المرام ص 448 - 454 .

رجل من قومي ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم إن الرجل ليحب قومه " . (1)

ولكافي الكفاة ابن عباد في هذا المقام شعر :

يا أمير المؤمنين المرتضى *** إن قلبي عندكم قد وقفا

كلما جددت مدحي فيكم *** قال ذو النصب تسب السلفا

من كمولاي علي زاهد *** طلق الدنيا ثلاثا ووفى

من دعا بالطير كي يأكله *** ولنا في بعض هذا مكتفى

من وصي المصطفى عندكم *** فوصي المصطفى من يصطفى (2) ومنها : ما سبق ذكره (3) من أنه لولا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام ما خلق الله آدم ومن دونه ، ولا الملائكة ولا الجن ، ولا السماء ولا الأرض ، ولا العرش ولا الكرسي ، ولا الجنة ولا النار .

ومنها : ما رواه الفريقان مستفيضا ، بل متواترا من أن عليا خير الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وخير البرية ، وخير البشر ، خير العرب ، وخير الأمة .

وقد ذكر في غاية المرام - في هذا الباب - ثلاثة وعشرين حديثا من طريق العامة . (4) ومنها : قوله صلى الله عليه وآله وسلم " علي مني وأنا منه " المروي مستفيضا ، بل متواترا من الطريقين ، وقد رواه في غاية المرام - من طريقهم - بخمسة وثلاثين طريقا أيضا ، (5) نذكر ثلاثة منها تبركا . قال :

ص: 155


1- غاية المرام ص 473 نقلا عن مناقب الخوارزمي ص 65 .
2- مناقب الخوارزمي 65 .
3- في ذيل الحديث الثاني عشر .
4- غاية المرام ص 471 - 475 .
5- غاية المرام ص 456 - 458 .

" الثاني والعشرون ، ومن الجمع بين الصحاح الستة لرزين العبدري من الجزء الثاني في مناقب علي بن أبي طالب ، قال : وقال عمر بن الخطاب : .

توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو عنه راض ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " أنت مني وأنا منك " . (1) الثالث والعشرون : ومن الجمع بين الصحاح الستة - من الباب أيضا - من سنن أبي داود ، وصحيح الترمذي ، قال : عن عمران بن الحصين ، قال :

بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سرية واستعمل عليهم عليا ، فلما غنموا أصاب علي عليه السلام من السبي جارية ، فتعاقدوا أن يخبروا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلما أخبروه أعرض عنهم ، ثم أقبل عليهم - والغضب يعرف في وجهه - فقال : " وما تريدون من علي ؟ إن عليا مني وأنا منه " . (2) الرابع والعشرون - ومن الباب أيضا - من سنن أبي داود ، وصحيح الترمذي ، قال : عن أبي جنادة : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : " علي مني وأنا من علي ، ولا يؤدي عني إلا أنا أو علي " . (3) ومنها : قوله صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة خيبر : " لا عطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله " وقد أعطاها عليا عليه السلام وهو مما تواترت فيه روايات الفريقين ، (4) ولم ينكره أحد من المسلمين .

ومنها : قوله صلى الله عليه وآله وسلم : " أنا مدينة العلم وعلي بابها ، فمن أراد العلم فليأت الباب " وهو أيضا من المتواترات التي لم ينكرها أحد . (5)

ص: 156


1- غاية المرام ص 458 .
2- غاية المرام ص 458 .
3- غاية المرام ص 458 .
4- غاية المرام ص 465 - 471 .
5- غاية المرام ص 520 - 523 .

ومنها : قوله صلى الله عليه وآله وسلم : " إن أقضى أمتي علي بن أبي طالب ، وأعلم أمتي من بعدي علي بن أبي طالب " (1) وهو من المسلمات التي اتفق عليها الفريقان .

ومنها : قوله صلى الله عليه وآله وسلم : " علي مع الحق والحق مع علي ، يدور الحق معه حيثما دار " وهو من الأخبار المستفيضة ، بل المتواترة ، وقد رواه في غاية المرام بخمسة عشر طريقا من طرقهم . (2) ومن جملتها : ما نقله عن الزمخشري الذي هو من أعاظم علماء العامة في ربيع الأبرار ، قال : " استأذن أبو ثابت مولى علي عليه السلام على أم سلمة رضي الله عنها فقالت : مرحبا بك يا أبا ثابت ، أين طار قلبك حين طارت القلوب مطائرها ؟ قال : تبع علي ، قالت : وفقت ، والذي نفسي بيده لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : " علي مع الحق والقرآن ، والحق والقرآن مع علي ، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض " . (3) ومنها : قوله صلى الله عليه وآله وسلم : " حق علي على هذه الأمة كحق الوالد على ولده " (4) و " أنا وعلي أبوا هذه الأمة " (5) وقد رواه في غاية المرام بعدة طرق من طريقهم ولنتبرك بذكر واحد منها ، قال :

الثاني : موفق بن أحمد ، وقد ذكر إسناده منتهيا إلى عمار بن ياسر ، وأبي أيوب ، قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " حق علي على المسلمين كحق

ص: 157


1- غاية المرام ص 528 - 530 .
2- غاية المرام ص 539 - 542 .
3- غاية المرام ص 540 . وراجع ربيع الأبرار 1 / 828 .
4- غاية المرام ص 543 - 544 .
5- غاية المرام ص 543 - 544 .

الوالد على ولده " . (1) .

ومنها : سد الأبواب من المسجد إلا باب علي عليه السلام ، وهو مما اتفق عليه المسلمون ، وقد رواه في غاية المرام من طريق العامة بتسعة وعشرين طريقا ، (2) ولنتبرك بذكر روايتين منها قال :

الرابع : ابن المغازلي الفقيه الشافعي في كتاب المناقب ، قال : أخبرنا أحمد بن محمد إجازة ، قال : أخبرنا عمر بن شوذب ، قال : حدثنا أحمد بن عيسى بن هيثم ، قال : حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة ، قال : حدثنا إبراهيم بن محمد بن ميمون ، قال : حدثنا علي بن عابس ، عن الحارث بن حصين ، عن عدي بن ثابت قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المسجد فقال : " إن الله أوحى إلى نبيه موسى أن ابن لي مسجدا طاهرا ، لا يسكنه إلا موسى وهارون وابنا هارون ، وإن الله أوحى إلي أن أبني مسجدا طاهرا ، لا يسكنه إلا أنا وعلي وابنا علي عليهم السلام . (3)

قال : الخامس ابن المغازلي أيضا ، وانتهى إسناده إلى حذيفة بن أسيد الغفاري ، قال : لما قدم أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن لهم بيوت يبيتون فيها فيحتلمون ، ثم إن القوم بنو بيوتا حول المسجد وجعلوا أبوابها إلى المسجد ، وإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث إليهم معاذ بن جبل ، فنادى أبا بكر ، فقال : إن الله أمرك أن تخرج من المسجد ، فقال : سمعا وطاعة ، فسد بابه طاعة ، وخرج من المسجد ، ثم أرسل إلى عمر فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأمرك أن تسد بابك في المسجد وتخرج منه ، فقال : سمعا وطاعة لله و

ص: 158


1- غاية المرام ص 543 .
2- غاية المرام ص 639 - 647 .
3- غاية المرام ص 639 . مناقب ابن المغازلي ص 252 .

لرسوله صلی الله علیه و آله و سلم، غير أني أرغب إلى الله في خوخة إلى المسجد ، فأبلغه معاذ ما قال عمر ، ثم أرسل إلى عثمان - وعنده رقية - فقال : سمعا وطاعة لله ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم فسد بابه ، وخرج من المسجد ، ثم أرسل إلى حمزة فسد بابه ، وقال : سمعا وطاعة ، وعلي على .

ذلك يتردد ولا ندري ما هو فيمن يقيم ، أو فيمن يخرج ، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد بنى له بيتا في المسجد بين أبياته ، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم : اسكن طاهرا مطهرا ، فبلغ حمزة قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعلي فقال : يا محمد تخرجنا وتمسك غلمان علي بن أبي طالب عليه السلام فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم : لو كان الأمر إلي ما جعلت من دونكم من أحد ، والله ما أعطاه إياه إلا الله ، وإنك لعلى خير من الله ورسوله ، أبشر ، فبشره النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقتل يوم أحد شهيدا ، وحقد (1) من ذلك رجال على علي ، فوجدوا (2) في أنفسهم وتبين فضله عليهم ، وعلى غيرهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقام خطيبا فقال : إن رجالا يجدون في أنفسهم في أن اسكن عليا في المسجد ، والله ما أخرجتكم ولا أسكنته . إن الله عز وجل أوحى إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا ، واجعلوا بيوتكم قبلة ، وأقيموا الصلاة ، وأمر موسى أن لا يسكن مسجده ، ولا ينكح فيه ، ولا يدخله إلا هارون وذريته ، وإن عليا بمنزلة هارون من موسى ، وهو أخي دون أهلي ، ولا يحل مسجدي لأحد ينكح فيه النساء إلا علي وذريته ، فمن ساءه فهاهنا ، وأومأ بيده نحو الشام . (3) ومنها : ما ورد متواترا من الفريقين في فضل محبي علي عليه السلام و

ص: 159


1- في المناقب : " ونفس ذلك " مكان " وحقد من ذلك " .
2- الوجد : الحزن والغضب .
3- غاية المرام ص 640 . مناقب ابن المغازلي ص 253 - 255 . مع تفاوت يسير في بعض الجملات .

شيعته ، وقد ذكر في غاية المرام في هذا الباب خمسة وتسعين حديثا من طرق العامة ، (1) وأذكر روايتين منها تبركا . .

قال فيه : الحادي والثلاثون ، موفق بن أحمد ، وانتهى الإسناد إلى علقمة ، مولى بني هاشم ، قال : صلى بنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم الصبح ، ثم التفت إلينا ، وقال : معاشر أصحابي رأيت البارحة عمي حمزة بن عبد المطلب ، وأخي جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وبين أيديهما من نبق فأكلا ساعة ، ثم تحول النبق عنبا ، فأكلا ساعة ، ثم تحول العنب رطبا ، فأكلا ساعة ، فدنوت منهما ، وقلت : بأبي أنتما وأمي ، أي الأعمال وجدتما أفضل ؟ فقالا : فديناك بالآباء والأمهات ، وجدنا أفضل الأعمال الصلاة عليك ، وسقي الماء ، وحب علي بن أبي طالب عليه السلام . (2) قال : الثاني والثلاثون ، موفق بن أحمد ، وانتهى الإسناد إلى أبي بريدة ، عن أبيه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم : إن الله تعالى أمرني أن أحب أربعة من أصحابي ، أخبرني أنه يحبهم ، قال : فقلنا : من يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : إن عليا منهم ، ثم قال في اليوم الثاني مثل ما قال في اليوم الأول ، فقلنا : من هم يا رسول الله ؟ قال : إن عليا منهم ، ثم قال مثل ذلك في اليوم الثالث ، فقلنا : من هم يا رسول الله ؟ فقال : إن عليا منهم ، وأبا ذر الغفاري ، ومقداد بن أسود الكندي ، وسلمان الفارسي رضي الله عنهم . (3) أقول : حب سلمان ، وأبو ذر ، ومقداد ، سلام الله عليهم يرجع إلى حب مولانا علي أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه ، لأنهم من شيعته

ص: 160


1- غاية المرام ص 578 - 587 .
2- غاية المرام ص 581 . مناقب الخوارزمي ص 33 .
3- غاية المرام ص 581 . مناقب الخوارزمي ص 34 .

الذين لم يتخلفوا عن أمره ، ولم يفارقوه صلى الله عليه وآله وسلم .

وقد اتضح لك غاية الاتضاح [ من ] هذه المناقب الثابتة عند جميع المسلمين : أن مولانا أمير المؤمنين وأبناءه الطاهرين سلام الله عليهم أجمعين هم الذين اختارهم الله على جميع خلقه ، ومن المعلوم بالضرورة أنه لا يجوز للناس أن يختاروا على من اختارهم الله على جميع خلقه من لم يكن كذلك .

ص: 161

الحديث الخامس عشر في تفسير قوله تعالى: ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فللّه و للرسول و لذي القربى واليتامى و المساكين و ابن السبيل

في تفسير قوله تعالى : (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل " . (1) في الكافي عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام " نحن والله الذين عنى الله بذي القربى الذين قرنهم الله بنفسه ونبيه صلى الله عليه وآله وسلم فقال : (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل " منا خاصة ، ولم يجعل لنا سهما في الصدقة ، أكرم الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وأكرمنا أن يطعمنا أوساخ ما في أيدي الناس . (2) واعلم أن الآية الكريمة تدل على انحصار الخلافة والإمامة في أهل بيت النبوة والرسالة ، وتوضيح ذلك موقوف على بيان أمور :

الأول : في معنى الفئ والمراد منه في المقام .

والثاني : في معنى ذي القربى والمراد منه في الآية .

والثالث : في بيان كيفية اختصاص الفئ به ، أهو على وجه المصرفية

ص: 162


1- الحشر : 7 .
2- الكافي 1 / 539 .

أو الملكية أو على وجه آخر أتم منهما .

أما الأول : فمفاده المطرد في موارد استعمالاته : هو الرجوع .

في المصباح المنير : فاء الرجل ، يفئ فيئا - من باب باع - رجع ، وفي التنزيل : (حتى تفئ إلى أمر الله) أي حتى يرجع إلى الحق ، وفاء المولى فئة رجع عن يمينه إلى زوجته ، وله علي امرأته فئة أي رجعة ، وفاء الظل يفئ فياء رجع من جانب المغرب إلى جانب المشرق " انتهى . (1) أقول : ومنه إطلاق الفئة على الجماعة ، باعتبار رجوع بعضهم إلى بعض ، وإطلاق الفئ على الخراج والغنيمة التي تختص به تعالى شأنه ، لرجوعهما إلى المحل الأصلي ، بعد أن كانتا في أيدي الكفرة . هذا مفهومه لغة .

وأما المراد منه في المقام بقرينة قوله تعالى (من أهل للقرى) كلما أخذ من دار الحرب بغير قتال ، وكل أرض انجلى عنها أهلها بغير قتال ، أو لقوم صولحوا وأعطوها بأيديهم .

وأما الثاني : فذو بمعنى صاحب ، وقربى مصدر قرب خلاف بعد ، وله مصادر خمسة : قرب وقربة وقربان وقرابة وقربى .

قال في المصباح : " ويقال القرب في المكان ، والقربة في المنزلة ، والقربى والقرابة في الرحم ، ثم قال : والقربان بالضم مثل القربة . (2) واللام للتعريف والإشارة إلى المدخول ، والمراد منه ذو القرابة والرحم من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إذ لا يحتمل غيره .

أما الثالث : وهو كيفية اختصاص الفئ به فلا بد من استعلامها من .

ص: 163


1- المصباح المنير ص 585 .
2- المصباح المنير ص 597 .

بيان كيفية اختصاصه بالمعطوف عليه .

فأقول بعون الله تعالى ومشيئته : إن لأم الجر تفيد الاختصاص في جميع الموارد ، ويختلف أنحاؤه وخصوصياته باختلاف خصوصيات الموارد ، ففي بعضها يتلبس بلباس التعليل ، كقولك : ضربت للتأديب ، وقعدت للجبن ، فإن اختصاص الضرب بالتأديب لا يصلح إلا للتعليل تحصيلا ، كما أن اختصاص القعود بالجبن لا يصلح إلا للتعليل حصولا .

وفي بعض المواضع يتلبس بلباس التوقيت ، نحو قوله تعالى : (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل) (1) فإن اختصاص إقامة الصلاة بدلوك الشمس لا يصلح إلا للتوقيت .

وقد يتلبس بلباس الملكية ، كقولك : المال لزيد ، أو بلباس الاستحقاق ، كقولك : الحمد لله ، أو بلباس الاختصاص على وجه المصرفية ، كقوله تعالى : (إنما الصدقات للفقراء) (2) أو بلباس الاختصاص الوضعي ، كقولك : هذا اللفظ لهذا المعنى ، أو اللبسي ، كقولك : الجل للفرس ، وهكذا من الخصوصيات المختلفة باختلاف الموارد .

والخصوصية الصالحة للمورد إنما هو حق السلطنة والولاية والإمارة ، إذ الخصوصيات الصالحة في بدو النظر في المقام أربعة : المصرفية ، والملكية بمعنى الجدة والملكية تكوينا ، وحق السلطنة ، ولا سبيل إلى الثلاثة المتقدمة .

أما الأول : فلعدم تطرق الحاجة إليه تعالى ، حتى يصير مصرفا للمال . .

ص: 164


1- الإسراء : 78 .
2- التوبة : 60 .

وأما الثاني : فلاستحالة قيام الجدة به تعالى شأنه ، فإنه منزه عن أن يكون محلا للحوادث .

وأما الثالث : فلعدم اختصاصه بالفئ ، فإن لله تعالى ملك السماوات والأرض ، فتعين الرابع .

فإن قلت : ما معنى رجوع الفئ إليه تعالى شأنه بعنوان حق السلطنة والولاية ، مع ثبوت ولايته تعالى على جميع الأشياء .

قلت : حق الولاية على نحوين : تكويني وتشريعي .

والأول مجامع مع الحرية ، والرقية ، والملكية ، وعدمها ، ولا يتصور فيه تحديد .

وأما الثاني فهو محدود بتحديد الشارع ، ولا يجامع مع كونه ملكا للغير .

واختصاص الفئ به تعالى شأنه إنما هو على الوجه الثاني ، يعني أنه منقطع عنه ربط ملكية المخلوق ، فيختص به تعالى شأنه ، وليس لأحد من المسلمين التصرف فيه بوجه من الوجوه .

وإذا اتضح لك أن رجوع الفئ إليه تعالى شأنه لا يكون إلا من باب حق الإمارة والسلطنة ، اتضح لك أن رجوعه إلى الرسول وذي القربى من هذا الباب أيضا ، لأن العطف يقتضي مشاركة المعطوف مع المعطوف عليه في الحكم ، ويؤكد هذا المعنى ، ويبينه أنه تعالى شأنه عطف الرسول ، وذي القربى ، على نفسه ، وأعاد اللام في كل منهما ، مع عدم وجوب إعادة الجار في العطف على الظاهر ، وعطف اليتامى ، والمساكين ، وابن السبيل ، وترك اللام تصريحا بأن رجوع الفئ إلى الرسول وذي القربى ، طبق رجوعه إلى نفسه ، من دون اختلاف في كيفية الرجوع ، وأن الاختلاف في

ص: 165

الكيفية إنما يكون في المتعاطفات التالية ، إذ لو كان رجوع الفئ إلى ذي القربى ، مثل رجوعه إلى تواليه ، ولم يكن كرجوعه إلى سابقيه لوجب جعله مثل التوالي ، لا مثل سابقيه ، فإعادة اللام فيه تصريح بأنه مثل سابقيه ، وهذا معنى قول مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ، روحنا وأرواح العالمين فداه : (نحن والله الذين عنى الله بذي القربى الذين قرنهم الله بنفسه ونبيه صلى الله عليه وآله وسلم) .

ويبين هذا المعنى أيضا الاتيان بذي القربى مفردا ، دلالة على أن ذي القربى الراجع إليه الفئ في كل عصر لا يكون إلا واحدا ، لأن الإمارة والإمامة في كل عصر لا تقوم إلا بواحد .

فإن قلت : لو كان رجوع الفئ إلى المعطوف عليه من باب حق السلطنة والإمارة - كما ذكرت - للزم عدم صحة عطف اليتامى ، والمساكين ، وابن السبيل عليه ، لعدم رجوعه إليهم ، على وجه حق الإمارة بالضرورة وإلا لزم أن يكونوا ولاة على الناس .

قلت : رجوع الفئ إليهم على وجه حق الإمارة لا يتنافى مع عدم إمارتهم على الناس ، لأن رجوع حق الإمارة لشخص على وجهين : الأول لكونه واليا وأميرا ، كالرسول ، وذي القربى ، حيث قرنهما بنفسه ، والثاني :

لكونه من توابع الأمير كأهليه (1) ، وأقاربه .

واليتامى ، والمساكين ، وابن السبيل من التوابع ، وأفاد تعالى شأنه بتغيير السياق ، وترك اللام فيها إنهم من توابع ذي القربى ، فهم كذي القربى من حيث أخذ الفئ ، وليسوا مثله في الإمارة والاستقلال ، فدل على أن اليتامى ، والمساكين ، وابن السبيل - في الآية الكريمة - ليست مطلقة ، وإنما هم .

الذين من توابع ذي القربى ، وهذا معنى قوله عليه السلام روحي

ص: 166


1- كذا في الأصل ، ولعل الصحيح : كاهله .

فداه " واليتامى ، والمساكين ، وابن السبيل منا خاصة " .

وإذا اتضح لك أن رجوع الفئ إلى ذي القربى إنما هو على وجه حق السلطنة والإمارة ، اتضح لك أنه خليفة الله والإمام القائم مقام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بعده ، وإلا لم يقرنه بنفسه ونبيه صلى الله عليه وآله وسلم في رجوع الفئ الذي هو من شؤون السلطنة والإمارة إليه .

كما اتضح لك انحصار الخلافة والإمامة فيهم ، وإلا لم يقتصر على ذي القربى ، مع أنه يكفينا في القول باختصاص الخلافة بهم ثبوت خلافتهم بنص الآية الكريمة ، لأن خلافة الأول منهم إنما كان بالبيعة ، والثاني بنصب الأول إياه ، والثالث بحكم الشورى التي جعلها الثاني ، ولا مجال لكل منها مع وجود النص . والحمد لله الذي أوضح الحق لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد .

ص: 167

الحديث السادس عشر في تفسير قوله تعالى: و اعلموا أن ما غنمتم من شيء فأن الله خمسه و للرسول ولذي القربى

في تفسير قوله تعالى : (واعلموا أن ما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شئ قدير " . (1) عن سليم بن قيس الهلالي عن أمير المؤمنين عليه السلام قال : سمعته يقول كلاما كثيرا ، ثم قال : وأعطاهم من ذلك سهم ذي القربى الذين قال الله :

(إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان) نحن والله ذو القربى والذين قرنهم الله بنفسه ونبيه صلى الله عليه وآله وسلم فقال : فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل " منا خاصة ، ولم يجعل لنا في سهم الصدقة نصيبا ، أكرم نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وأكرمنا أن يطعمنا أوساخ الناس . (2)

ص: 168


1- الأنفال : 41 .
2- الكافي 4 / 357 . التهذيب 4 / 126 .

وعن مولانا الصادق صلى الله عليه وآله وسلم في قوله تعالى : (واعلموا أن ما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى " قال : أمير المؤمنين والأئمة عليهم السلام . (1) وفي التهذيب عن أحدهما عليهما السلام : خمس الله تعالى للإمام ، وخمس الرسول صلى الله عليه وآله وسلم للإمام ، وخمس ذي القربى لقرابة الرسول والإمام ، واليتامى ، يتامى آل الرسول ، والمساكين منهم ، وأبناء السبيل منهم فلا يخرج منهم إلى غيرهم . (2) وفي الكافي عن مولانا الرضا عليه السلام أنه سئل عن هذه الآية ، فقيل له :

فما كان لله فلمن هو ؟ فقال : لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما كان لرسول الله فهو للإمام فقيل له : أرأيت إن كان صنف من الأصناف أكثر ، وصنف أقل ما يصنع به ، قال : ذاك إلى الإمام أرأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كيف يصنع ، أليس إنما كان يعطى على ما يراه ، كذلك الإمام . (3) واعلم أن هذه الآية الكريمة كالآية السابقة في دلالتها على اختصاص ذي القربى بالإمامة والخلافة عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم وقد اتضح لك بما بيناه هنا وجه دلالتها على ما ذكرناه ، ثم إنه ينبغي هنا بيان أمور :

الأول : وجه تقديم الخبر على الاسم ، والعطف بعد تتميم الكلام ، واستكماله .

والثاني : احتواء الآية الشريفة على ضروب من التأكيد ووجهه .

ص: 169


1- البرهان 2 / 83 نقلا عن الكافي 1 / 414 .
2- التهذيب 4 / 125 .
3- الكافي 1 / 544 .

والثالث : أن موضوع الخمس وهو غنم يختص بغنائم دار الحرب أم لا ؟ مبائن مع الفئ أم لا ؟ .

والرابع : وجه كون الصدقة وسخا دون الخمس والفئ .

فأقول : أما الأول : وهو تقديم ما حقه التأخير ، فقد يكون لإفادة الحصر ، وقد يكون للاهتمام والعناية بشأنه ، والمقام يحتمل كلا منهما ، بل يحتملهما معا ، إذ لا منافاة بينهما ، كما أنه لا ينافي الحصر رجوع الخمس إلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وذي القربى أيضا ، لأن رجوعه إليهما إنما هو بالاستخلاف عنه تعالى شأنه ، فرجوعه إليهما عين رجوعه إليه تعالى شأنه ، وهذا معنى قول مولانا الرضا عليه السلام " وما كان لله فهو لرسول الله [ صلى الله عليه وآله ] ، وما كان لرسول الله [ صلى الله عليه وآله ] فهو للإمام عليه السلام " ومنه يتبين سر العطف على الخبر - بعد الاستكمال - فإنه تنبيه على أن الأصل في الحكم إنما هو المعطوف عليه ، واشتراك المتعاطفات معه في الحكم إنما هو لوقوعها في طوله لا في عرضه .

وأما الثاني : فالتأكيد فيه من وجوه ستة :

أولا : تصدير الكلام بقوله عز من قائل (واعلموا) فإنه توجيه للمخاطبين إلى الاستماع والتصديق بما يذكره عز وجل ، وهذه الكلمة أبلغ وأكمل من أدوات التنبيه ، لاستحضار الطرف .

ثانيا : تصدير الاسم بكلمة " أن " المفيدة للتأكيد والتحقيق .

ثالثا : تصدير الجملة الخبرية بها أيضا .

رابعا : تعليق الحكم بإيمانهم بالله تعالى شأنه ، بل بثباتهم على الإيمان به ، حيث قال عز من قائل : (إن كنتم آمنتم بالله) ولم يقل إن آمنتم بالله .

ص: 170

خامسا : تعليقه بالإيمان بما أنزله من الآيات والملائكة والنصر يوم الفرقان ، يوم بدر ، يوم التقى الجمعان ، أي ليلة البدر على ما في بعض الأخبار .

سادسا : قوله عز من قائل : " والله على كل شئ قدير " عقيب هذه التأكيدات البليغة .

ومن المعلوم أنه لا يحسن التأكيد إذا لم يكن الطرف منكرا ، ولا مترددا ، ولا منزلا منزلته . فهذه التأكيدات البليغة الراجعة إلى تحقيق الحكم وتقريره وتثبيته تكشف عن كمال اهتمام الباري جل شأنه بهذا الحكم ، كما تكشف عن شدة إنكارهم لهذا الأمر ، واستنكافهم عن قبوله والانقياد له ، وليس هذا إلا من طرف ذي القربى ، الذين منعوا عن حقهم ، وخمسهم وفيئهم الذي جعله الله لهم .

وأما الثالث : وهو موضوع الخمس فهو أعم من غنائم دار الحرب ، لأن الغنم مقابل للغرم ، ولا يختص ذاتا بغنائم دار الحرب ، لعموم الغنم لكل فوز بالمال مجانا ، وليس في الآية ما يوجب تخصيصه بها ، بل الآية مصرحة بالعموم .

تقريره : إن كلمة " ما " من المبهمات ، وهي ظاهرة في العموم لكل مغنوم ، مع قطع النظر عن بيانه ، إذ لا عهد في البين ، ولا سبيل إلى إرادة فرد منه لا بعينه في المقام ، فتعين أن يراد منه العموم .

وأما مع ملاحظة بيانه فهو صريح في العموم لأن تبيين المبهم بشئ الذي هو مبهم أيضا ، تصريح بأنه لا يكون في البين تخصيص وتقييد ، ولو كان لقيده به في مقام البيان .

ص: 171

والحاصل : أن جعل المبهم بيانا للمبهم أبلغ من تأكيده به في إفادة العموم ، وأصرح منه كما لا يخفى ، فتبين أن ما ذهب إليه العامة من تخصيصه بغنائم دار الحرب مخالف لصريح الآية .

ثم إن المستفاد من الآية الكريمة أن موضوع الخمس هو الذي غنمه المسلمون ، لا مطلق الغنيمة ، فانتساب الغنم إليهم مقوم لموضوع الخمس ، كغنائم دار الحرب التي حازتها عسكر الإسلام وأخذوها بالغلبة والمقاتلة ، وأرباح المكاسب التي اكتسبوها وسائر ما غنموه بالغوص ، أو الاستنباط من المعدن وما وجدوه من كنز ونحوه ، فهو مغاير مع الفئ ، إذ الفئ - وإن صدق عليه الغنيمة - إلا أنه ليس مما غنمه المسلمون ، وانتسب إليهم ، إذ الفئ ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب ، فلم يدخل تحت حيازتهم حتى ينتسب إليهم ، فهو بجميعه راجع ابتداء إليه تعالى وإلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وذي القربى ، بخلاف ما غنموه ودخل تحت سلطنتهم بالحيازة أو الاكتساب بوجه آخر ، فإن الراجع منه إليه تعالى وإلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وذي القربى إنما هو خمسه .

وبما بيناه تبين أن ما ذهب إليه بعض العامة من أن الأنفال والفئ منسوخة بآية الخمس من الأغلاط ، لأن النسخ إنما يتحقق مع اتحاد الموضوع ، وقد تبين لك أن موضوع الخمس مباين مع الفئ والأنفال .

وأما الرابع : وهو كون الصدقة وسخا دون الفئ والخمس ، فالسر فيه أن المال يعرضه الوسخ عند الشارع ، ولو باعتبار صاحبه ، ولذا أمر بتطهيره وتزكيته بتصدق مقدار معين منه ، فهذا المقدار المعين الذي أمر بإخراجه عن ماله كان وسخا عند الشارع ، حيث جعل إخراجه عن المال والتصدق به سببا لتطهير الباقي ، ولذا نزه نفسه ونبيه صلى الله عليه وآله وسلم و

ص: 172

ذي القربى عنها ، وجعل لها مصارف مخصوصة ، فقال عز من قائل : " إنما الصدقات للفقراء والمساكين " إلى آخر الآية . (1) وأما الفئ والخمس فهما مما اصطفاه الله تعالى لنفسه ، وجعلهما من حقوقه ، وخص بهما رسوله وذي القربى ، وتوابعهم من يتاماهم ، ومساكينهم ، وأبناء سبيلهم ، فليس فيهما شائبة وسخ ، بل هما من أنظف الأموال وأطيبها ، حيث رجعا إليه تعالى بعنوان أنهما حق له تعالى شأنه ، ثم رجعا إلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وذي القربى إكراما منه عز وجل .

واعلم أن هذه الآية الشريفة مع وجازتها يستفاد منها أغلب أحكام الخمس ، بل جميعها ، وقد صنف سيدنا الأستاذ العلامة أعلى الله مقامه في تفسير الآية الشريفة رسالة مستقلة وبين فيها كيفية استخراج أغلب أحكامه منها ، وهذه الرسالة من أنفس للرسائل ، إلا أنها بقيت غير مهذبة . (2) .

ص: 173


1- التوبة : 60 .
2- راجع كتاب ذخائر الإمامة تأليف الشيخ فياض الزنجاني " ره " في تفسير الآية الشريفة ، فإنه ورسالة السيد الأستاذ العلامة أي السيد محسن الكوهكمري رضيعا لبن واحد وكلاهما من تلاميذ الشيخ هادي الطهراني " ره " . راجع مقدمة الكتاب .

الحديث السابع عشر في تفسير قوله تعالى: قل لا اسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى

في تفسير قوله تعالى : (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) (1) الآية .

في غاية المرام : (من مسند أحمد بن حنبل ، قال : وفيما كتب إلينا محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي يذكره : أن الحارث بن الحسن الطحان حدثه قال : حدثنا حسين الأشقر ، عن قيس ، عن الأعمش ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : لما نزل قوله : (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى " قالوا : يا رسول الله من قرابتك الذين وجبت علينا مودتهم ؟ قال : علي وفاطمة وابناهما ، صلوات الله عليهم أجمعين " (2) والروايات في هذا المعنى مستفيضة من الجانبين ، بل كادت أن تكون متواترة ، وقد ذكر في غاية المرام سبعة عشر حديثا من طريقهم ، واثنين وعشرين حديثا من طريقنا . (3)

ص: 174


1- الشورى : 23 .
2- غاية المرام ص 306 .
3- غاية المرام ص 306 - 310 .

ومن جملة ما ذكره عن طريقهم : ما عن محمد بن جرير برجاله في كتاب المناقب أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي عليه السلام : أخرج فناد : ألا من ظلم أجيرا أجرته فعليه لعنة الله ، ألا ومن تولى غير مواليه فعليه لعنة الله ، ألا ومن سب أبويه فعليه لعنة الله ، فنادى بذلك فدخل عمر وجماعة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وقالوا : هل من تفسير لما نادى ، قال : نعم إن الله يقول : (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى " فمن ظلمنا فعليه لعنة الله ، ويقول : " النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم " ومن كنت مولاه فعلي مولاه ، فمن والى غيره وغير ذريته فعليه لعنة الله ، وأشهدكم أنا وعلي أبوا المؤمنين ، فمن سب أحدنا فعليه لعنة الله ، فلما خرجوا قال عمر : يا أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم ما أكد النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعلي بغدير خم ولا غيره أشد من تأكيده في يومنا هذا ، قال حسان بن الأرت : كان ذلك قبل وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بتسعة عشر يوما . (1) أقول : جعل المودة في القربى أجر الرسالة يدل على أمرين :

الأول : وجوب مودة القربى من حيث كونه أجرا للرسالة ، ضرورة أنه لا يعقل ثبوت الأجر عليهم مع عدم وجوب الوفاء به ، ولغاية وضوحه وظهوره ، قالوا : يا رسول الله من قرابتك الذين وجبت علينا مودتهم ؟ بل يدل على أنه من أجل الواجبات الدينية وأكملها ، لأن أمر الرسالة من أعظم أمور الدين وأقواها ، إذ لا أمر بعد التوحيد أجل وأنبل من الرسالة ، وأجر الشئ ما يعادله ويوازنه ، فأجرها ما يساويها ويوازنها في الجلالة والنبالة .

والثاني : أنهم أفضل وأحب عند الله تعالى من جميع الأمة ، حيث أوجب على جميعهم مودة القربى ، وجعلها أجر رسالة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ،

ص: 175


1- غاية المرام ص 306 .

بحيث من وفى بها أدى حق الرسالة وأجرها ، ومن لم يف بها ظلم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وعليه لعنة الله ولا يكون شخص أحب وأفضل عنده تعالى إلا لأجل أنه أشد إطاعة ، وأقوم إيمانا بالله تعالى وبرسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، ومن هذا شأنه يستحق الإمامة والخلافة عنه تعالى وعن رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا يجوز لأحد التقدم عليه ، ومن أجاز أن يكون الناقص مرجعا وملاذا وإماما للكامل فقد خالف حكم الفطرة .

فإن قلت : لو كان الأمر كما ذكرت من دلالة الآية على أن أقارب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أحب وأفضل عنده تعالى شأنه من جميع الأمة ، للزم أن لا يكون من أقاربه من يعصي الله تعالى طرفة عين ، مع أن ظلم خلفاء بني العباس ، وعتوهم وتمردهم عن الحق مشاهد مخصوص .

قلت : الآية الكريمة لا تدل على أنه جعلت مودة جميع أقارب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أجرا للرسالة ، إذ القربى مفرد محلي باللام ، والمفرد المحلي لا يفيد العموم ، بل العدول عن إضافة المودة إليه ، وجعله مدخولا لكلمة " في " متعلقة بالمودة يصرف الحكم عن العموم لو فرض أنه يقتضيه ، فالآية الكريمة إنما تدل على أن المودة التي هي أجر الرسالة إنما هي في القربى ، دون الأجنبي .

ولغاية وضوح عدم دلالة الآية على العموم ، بل دلالتها على الخصوص سألوا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عن الذين وجبت مودتهم من القربى ، وقالوا :

يا رسول الله من قرابتك الذين وجبت علينا مودتهم ؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم : علي وفاطمة وابناهما .

وقد ورد هذا السؤال والجواب في عدة من روايات العامة ، وفي جملة من رواياتنا ، بل في بعض رواياتنا التصريح بعدم العموم .

ص: 176

قال في غاية المرام : الثاني محمد بن يعقوب أيضا ، عن محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن علي بن الحكم ، عن إسماعيل بن عبد الخالق ، قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول لأبي جعفر الأحول ، وأنا أسمع : فقال : لقيت البصرة ؟ قال : نعم ، فقال : كيف رأيت مسارعة الناس إلى هذا الأمر ودخولهم فيه ؟ فقال : والله إنهم لقليل ، وقد فعلوا ، وإن ذلك لقليل ، فقال : عليك بالأحداث ، فإنهم أسرع إلى كل خير ، ثم قال : ما يقول أهل البصرة في هذه الآية : (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى " قلت : جعلت فداك إنهم يقولون أنهم لأقارب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال :

كذبوا ، إنما نزلت فينا خاصة ، في أهل البيت ، في علي وفاطمة والحسن والحسين أصحاب الكساء عليهم السلام . (1) أقول : بعد ما تبين لك أن المودة التي هي أجر الرسالة إنما هي لبعض قربي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم تعين أنها إنما هي لأهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، لأنهم أقرب منه صلى الله عليه وآله وسلم رحما ومنزلة ، فلا يجوز أن يكون أجر الرسالة مودة سائر أقاربه دون أهل بيته صلى الله عليه وآله وسلم ، بل قيل إن هيئة فعلى من أبنية المصادر تفيد مزية (2) وجود المبدأ ، فعلى هذا يكون مفاد " قربى " هي القرابة القريبة ، فلا ينطبق حينئذ على مطلق أقاربه صلى الله عليه وآله وسلم فيخرج منه ولد عباس ، لعدم القرابة القريبة فيهم .

هذا وللمفسرين بالرأي كلمات غريبة في المقام ، ففسر بعضهم القربى بالتقرب إلى الله تعالى ، وبعضهم المودة بمودة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم .

قال في مجمع البيان بعد ذكر الآية : اختلف في معناه على أقوال :

ص: 177


1- الكافي 8 / 93 . غاية المرام ص 307 .
2- كذا في الأصل ، ولعل الصحيح : مزيد

أحدها : لا أسألكم على تبليغ الرسالة وتعليم الشريعة أجرا إلا التواد والتحاب فيما يقرب إلى الله تعالى من العمل الصالح ، عن الحسن ، والجبائي ، وأبي مسلم ، قالوا : هو التقرب إلى الله تعالى والتودد إليه بالطاعة .

وثانيها : إن معناه أن تودوني في قرابتي منكم ، وتحفظوني لها ، عن ابن عباس ، وقتادة ، ومجاهد ، قالوا : وكل قرشي كانت بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قرابة ، وهذا للقرشي خاصة ، والمعنى إن لم تودوني لأجل النبوة فودوني لأجل القرابة التي بيني وبينكم .

وثالثها : أن معناه إلا أن تودوا قرابتي وعترتي وتحفظوني فيهم .

انتهى . (1) أقول :

وفي الأول منها أن تفسير القربى بالتقرب غلط ، فإن قربى وقرابة إنما يستعملان في الرحم كما أن قربة وقربان إنما يستعملان في المنزلة وقد صرح بذلك الفيومي في المصباح المنير كما مر ، (2) مع أنه لو كان المراد ذلك لكان حقيقا أن يقال : إلا العمل بالقربى ، لأن الفرض من المقربات هو العمل ، لا مجرد المودة .

وفي الثاني منهما : أن المسؤول من الأجر إنما هم المؤمنون لا المشركون ، لأن المنكرين لرسالته معادون له ، فكيف يسألهم الأجر على رسالته ؟ والمؤمنون المعتقدون برسالته يكون مودتهم للرسول صلى الله عليه وآله وسلم لأجل رسالته .

أشد من مودتهم إياه للقرابة ، فلا موقع للسؤال عن مودته حينئذ مع أن ما ذكره من أن معناه إن لم تودوني لأجل النبوة فودوني

ص: 178


1- مجمع البيان 9 / 28 .
2- في ذيل الحديث الخامس عشر .

لأجل القرابة صرف للنظر عن الرسالة ، وأخذ بمودة القربى ، لا أخذ بأجر الرسالة ، فهو مخالف لصريح الآية الكريمة .

وأيضا استعمال " في " في موضع اللام - لو صح - فهو مخالف للظاهر ، لا يصار إليه ، بلا دليل ، فهو غلط في غلط .

ونسبته إلى ابن عباس غلط آخر ، فإن الروايات المفسرة للقربى بقربى آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن ابن عباس من طرقهم مستفيضة ، (1) مع أن التفسير بالرأي غلط في حد نفسه ، خصوصا مع مخالفته للروايات المستفيضة من الجانبين غاية الاستفاضة ، بحيث كادت أن تكون متواترة ، فتعين التفسير الثالث الموافق للروايات المستفيضة ، المطابق للقواعد اللفظية . .

ص: 179


1- راجع غاية المرام ص 306 .

الحديث الثامن عشر في تفسير قوله تعالى: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلّوا عليه و سلّموا تسليماً

في تفسير قوله تعالى : (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) . (1) في غاية المرام من صحيح البخاري في الجزء الرابع منه ، في الكراس الرابعة منه ، وكان الجزء تسعة كراريس فهي أو في من ثلاثة ، قال : حدثنا قيس بن حفص ، وموسى بن إسماعيل ، قالا : حدثنا عبد الواحد بن زياد قال : حدثنا أبو فروة مسلم بن سالم الهمداني ، حدثني عبد الله بن عيسى ، أنه سمع عبد الرحمن بن أبي ليلى ، قال : لقيني كعب بن عجرة ، فقال : ألا أهدي لك هدية سمعتها من النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : بلى ، فاهدها إلي ، فقال : سألنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلنا : يا رسول الله كيف الصلاة عليكم أهل البيت ، فإن الله علمنا كيف نسلم ؟ قال : " قولوا اللهم على محمد وآل محمد ، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيدا " . (2) أقول : والروايات في هذا الباب مستفيضة ، بل متواترة من الجانبين ،

ص: 180


1- الأحزاب : 56 .
2- صحيح البخاري 3 / 1233 . غاية المرام ص 311 .

وقد ذكر في غاية المرام ثلاثة وعشرين حديثا من طرقهم ، وتسعة عشر من طريقنا ، (1) ولنذكر عدة منها تيمنا .

قال فيها : السابع ، من صحيح مسلم في الجزء الرابع في أوسطه ، بإسناده قال : قلنا يا رسول الله أما السلام عليك فقد عرفنا ، فكيف الصلاة عليك ؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم : " قولوا اللهم صل على محمد وآل محمد ، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم " . (2) قال : الثامن ، الثعلبي في تفسيره ، قال : أخبرنا الحسين ، حدثنا أبو العباس محمد بن همام ، حدثنا إسحاق بن عبد الله بن محمد بن رزين ، حدثني حسان - يعني ابن حسان - حدثنا حماد بن سلمة ابن أخت حميد الطويل ، عن علي بن زيد بن جذعان ، عن شهر بن حوشب ، عن أم سلمة رضي الله عنها ، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لفاطمة عليها السلام : إيتيني بزوجك وابنيك فجاءت ، فألقى عليهم كساء ، ثم رفع يده عليهم فقال : اللهم هؤلاء آل محمد ، فاجعل صلواتك وبركاتك على آل محمد ، فإنك حميد مجيد ، قلت : فرفعت الكساء لأدخل معهم فاجتذبه ، فقال : إنك على خير .

قال : وروى أبو حاتم عن أبي هريرة ، قال : نظر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى علي ، وفاطمة ، والحسن ، والحسين صلوات الله عليهم ، فقال : " إني حرب لمن حاربتم ، وسلم لمن سالمتم " . (3) قال : التاسع ، إبراهيم بن محمد الحمويني المتقدم ، وذكر الإسناد مفصلا منتهيا إلى أنس بن مالك ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " من صلى علي .

ص: 181


1- غاية المرام ص 311 - 314 .
2- غاية المرام ص 311 .
3- غاية المرام ص 311 .

واحدة صلى الله عليه عشر صلوات ، وحطت عنه عشر خطيئات ، ورفع له عشر درجات . (1) قال : العاشر ، الحمويني هذا ، وبالإسناد المتقدم إلى عبد الرحمن النسابي ، قال : أخبرنا سعيد بن يحيى بن سعيد الأمويني في حديثه عن أبيه ، عن عثمان بن حكيم ، عن خالد بن سلمة ، قال : أنا سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : صلوا علي ، واجتهدوا في الدعاء ، وقولوا : اللهم صل على محمد وآل محمد . (2) قال : الحادي عشر ، الحمويني هذا ، قال : أخبرنا الشيخ الإمام المفتي حرم الله تعالى ، محب الدين أحمد بن عبد الله بن أبي بكر الطبري المكي بمكة المعظمة بالحرم الشريف تجاه الكعبة المقدسة زيدت قدسا ، قدام قبة الصخرة زيدت شرفا ، يوم السبت بعد صلاة العصر ، الرابع عشر من شهر الله الحرام ، ذي الحجة ، سنة تسع وسبعين وستمائة ، وعدهن في يدي ، قال :

أنبأنا قاضي الحرم الشريف إسحاق بن أبي بكر البطري ، وعدهن في يدي ، قال : أنبأنا الشيخ الإمام شرف الدين أبو المظفر محمد بن علوان بن مهاجر الموصلي ، وعدهن في يدي ، قال : نبأنا الشيخ أبو الفرج يحيى بن محمود بن سعد الثقفي وعدهن في يدي ، قال : نبأنا جدي ، وعدهن في يدي ، قال :

أنبأنا الشيخ أبو بكر بن خلف ، وعدهن في يدي ، قال : أنبأنا الإمام أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نعيم الحاكم ، وعدهن في يدي ، وقال : وعدهن في يدي أبو بكر بن أبي حازم الحافظ بالكوفة ، وقال لي : عدهن في يدي حرب بن الحسن الطحان ، وقال لي عدهن في يدي ،

ص: 182


1- غاية المرام ص 311 نقلا عن فرائد السمطين .
2- غاية المرام ص 312 نقلا عن فرائد السمطين .

يحيى بن المساور الحناط ، وقال لي : عدهن في يدي ، عمر بن خالد ، وقال لي : عدهن في يدي علي بن الحسين بن علي عليه السلام وقال لي : عدهن في يدي علي بن أبي طالب عليه السلام ، وقال لي : عدهن في يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : عدهن في يدي جبرائيل ، وقال جبرائيل عليه السلام : هكذا نزلت بهن من رب العزة : " اللهم صل على محمد وآل محمد ، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد ، اللهم بارك على محمد وآل محمد ، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد ، اللهم ترحم على محمد وآل محمد ، كما ترحمت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد ، اللهم وتحنن على محمد وآل محمد ، كما تحننت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد ، اللهم سلم على محمد وآل محمد ، كما سلمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد) . (1) ثم قال بعد ذكر أخبار أخر عن الحمويني ، قال : إبراهيم بن محمد الحمويني - وهو من أعيان علماء العامة - عقيب ذكر هذه الأحاديث : فائدة ، قال الإمام العلامة فخر الدين محمد بن عمر الرازي : جعل الله أهل بيت نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم مساويا له في خمسة أشياء :

1 - في المحبة ، قال الله تعالى : " فاتبعوني يحببكم الله " (2) قال لأهل بيته : (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى " . (3) 2 - والثاني تحريم الصدقة ، قال صلى الله عليه وآله وسلم : " حرمت الصدقة علي وعلى أهل بيتي " . .

ص: 183


1- غاية المرام ص 312 نقلا عن فرائد السمطين .
2- آل عمران : 31 .
3- الشورى : 306 .

3 - والثالث : في الطهارة قال الله تعالى : (طه * ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى * إلا تذكرة لمن يخشى) (1) وقال لأهل بيته : " ويطهركم تطهيرا " . (2) 4 - الرابع في السلام ، قال : السلام عليك أيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وقال : في أهل بيته " سلام على آل يس " (3) .

5 - الخامس : في الصلوات على الرسول ، وعلى الآل ، كما في آخر التشهد . (4) (5) وقد نقل أيضا ، من الجزء الثاني من كتاب الفردوس ، من باب الميم بالإسناد ، قال عن أمير المؤمنين عليه السلام : ما من دعاء إلا بينه وبين السماء حجاب حتى يصلي على النبي وعلى آل محمد ، فإذا فعل ذلك انخرق ذلك الحجاب ، ودخل الدعاء ، فإذا لم يفعل ذلك رجع الدعاء . (6) هذه جملة من الروايات المروية عن طرقهم .

وأما الروايات من طريقنا فأكثر من أن تحصى ، ولنتبرك بذكر روايات منها .

قال في غاية المرام : الثالث ، ابن بابويه قال : حدثنا الحسن بن أحمد بن . .

إدريس ، قال : حدثنا أحمد بن محمد بن خالد عن حميد عن محمد بن

ص: 184


1- طه : 1 - 3 .
2- الأحزاب : 33 .
3- الصافات : 130 .
4- أقول : بل في ستة أشياء والسادس في الولاية قال عز من قائل : (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) منه (قدس سره) .
5- غاية المرام ص 312 نقلا عن فرائد السمطين .
6- غاية المرام ص 312 .

أبي عمير ، عن عبد الله بن الحسن بن علي ، عن أبيه ، عن جده ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من قال صلى الله على محمد وآله ، قال الله جل جلاله :

صلى الله عليك ، فليكثر من ذلك ، ومن قال صلى الله على محمد ولم يصل على آله لم يجد ريح الجنة ، وريحها يوجد من مسيرة خمسمائة عام . (1) قال : الرابع ، ابن بابويه ، قال : حدثنا جعفر بن محمد بن مسرور رضي الله عنه قال : حدثنا الحسين بن محمد بن عامر ، قال : حدثنا المعلى بن محمد بن جمهور القمي ، عن أحمد بن حفص البزاز الكوفي ، عن أبيه ، عن ابن أبي حمزة ، عن أبيه ، قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عز وجل :

(إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما " (2) فقال الصلاة من الله عز وجل رحمته ، ومن الملائكة تزكيته ، ومن الناس دعاء . وأما قوله وسلموا تسليما فإنه يعني التسليم له فيما ورد عنه ، قال : فقلت : كيف نصلي على محمد وآل محمد ؟ قال : يقولون صلوات الله ، وصلوات ملائكته ، وأنبيائه ، ورسله ، وجميع خلقه على محمد وآل محمد ، والسلام عليه وعليهم ورحمة الله وبركاته ، قال : قلت :

فما ثواب من صلى على النبي وآله بهذه الصلوات ؟ قال : الخروج من الذنوب كهيئة يوم ولدته أمه . (3) ثم سرد الروايات إلى أن قال : .

الثالث عشر : ابن يعقوب ، عن عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن إسماعيل بن مهران ، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة ، عن

ص: 185


1- غاية المرام ص 313 . أمالي الصدوق ص 310 (المجلس 60) .
2- الأحزاب : 56 .
3- غاية المرام ص 313 نقلا عن معاني الأخبار ص 367 .

أبيه ، وحصين بن أبي العلا ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد الله عليه السلام ، قال : قال إذا ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأكثروا الصلاة عليه ، فإنه من صلى على النبي صلاة واحدة صلى الله عليه ألف صلاة في ألف صف من الملائكة ، ولم يبق شئ مما خلق الله إلا صلى على العبد لصلاة الله وصلاة ملائكته ، فمن لم يرغب في هذا فهو جاهل مغرور . (1) واعلم أن الروايات الشريفة المفسرة للآية الكريمة تدل على أن المراد من الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الآية الكريمة الصلاة عليه وعلى آله ، فالله جل جلاله أخبر أولا بأنه تعالى شأنه وملائكته يصلون على النبي وآله ، ثم أمر المؤمنين كافة بأن يصلوا عليه وعلى آله ويسلموا أمره تسليما ، أو يسلموا عليه وعلى آله ، فدلهم جل جلاله على أن منزلة أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عنده تعالى شأنه ، منزلته صلى الله عليه وآله وسلم عنده تعالى شأنه ، وأن منزلتهم من الأمة منزلته صلى الله عليه وآله وسلم منهم ، فإخباره تعالى شأنه ، وملائكته يصلون على النبي وآله يدل على أن منزلتهم عنده تعالى شأنه ، منزلته صلى الله عليه وآله وسلم عنده جل جلاله ، كما أن أمره المؤمنين بأن يصلوا عليه ، وعلى آله يدل على أن منزلتهم من المؤمنين منزلته صلى الله عليه وآله وسلم منهم .

ثم إن التعبير بصيغة المضارع لا الماضي في المقام يدل على أنه تعالى شأنه وملائكته يتصفون بالصلاة عليه وعلى آله على وجه الدوام والاستمرار ، ضرورة أنه ليس المراد من المضارع في المقام الإخبار بالصلاة .

عليه في الحال أو الاستقبال دون الماضي ، وهذا شرف وفضل لا يدانيه فضل وشرف ، ومن هذا شأنه يكون خليفة الله تعالى وحجته على العباد بالضرورة ، ويستحيل عند العقل أن يتقدم عليهم في الخلافة و

ص: 186


1- الكافي 2 / 492 . غاية المرام ص 314 .

الإمامة والولاية من كان مأمورا بالصلاة والتسليم عليهم صلى الله على محمد وآله وسلم .

والحمد لله الذي هدانا لولايتهم ومحبتهم ، ورزقنا البراءة من أعدائهم .

ثم اعلم أن اختلاف كيفية الصلاة عليهم محمول على اختلاف مراتب الفضل .

ص: 187

الحديث التاسع عشر في تفسير قوله تعالى: فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم ...

في تفسير قوله تعالى : (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين " . (1) في غاية المرام : الشيخ المفيد في كتاب الاختصاص ، عن محمد بن الحسن بن أحمد - يعني ابن الوليد - عن أحمد بن إدريس ، عن محمد بن .

أحمد ، عن محمد بن إسماعيل العلوي ، قال : حدثني محمد بن الزبرقان الدامغاني الشيخ ، قال : قال أبو الحسن موسى بن جعفر عليه السلام ، قال : اجتمعت الأمة برها وفاجرها أن حديث النجراني حين دعاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المباهلة ، لم يكن في الكساء إلا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهما السلام ، فقال الله تبارك وتعالى : (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم ، فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم " ، فكان تأويل أبناءنا الحسن والحسين ، ونساءنا فاطمة ، وأنفسنا علي بن

ص: 188


1- آل عمران : 61 .

أبي طالب سلام الله عليهم . (1)

وقد روى العامة بأسانيد صحيحة أن معاوية بن أبي سفيان ، قال لسعد : ما يمنعك أن تسب أبا تراب ، فقال : لما ذكرت ثلاثا قالهن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلن أسبه ، لأن يكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم .

سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول حين خلفه في بعض مغازيه ، فقال له علي عليه السلام : يا رسول الله ، خلفتني مع النساء والصبيان ؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ، إلا أنه لا نبي بعدي ؟ " .

وسمعته يقول يوم خيبر : " لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله " قال : فتطاولنا لها ، فقال : ادعوا لي عليا ، فأتي به أرمد العين ، فبصق في عينيه ، ودفع الراية إليه ففتح الله على يده .

ولما نزلت هذه الآية : (قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل) دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليا وفاطمة وحسنا وحسينا ، وقال : اللهم هؤلاء أهل بيتي . (2) أقول : انحصار أصحاب الكساء في الخمسة الطيبة سلام الله عليهم مما اجتمعت عليه الأمة ، ولم يختلف فيه أحد منهم ، كما نبه عليه مولانا الكاظم عليه السلام ، وتواترت فيه روايات الفريقين ، (3) ولا ينافي ذلك التعبير بصيغة الجمع في كل من الفقرات ، مع عدم تعدد النساء والأنفس ، لأن التعبير عن الواحد بصيغة الجمع في مقام التعظيم شائع ، مع أن التعبير بصيغة الجمع

ص: 189


1- الاختصاص : 56 . غاية المرام : 304 .
2- غاية المرام ص 302 نقلا عن الفصول المهمة عن صحيح مسلم وسنن الترمذي .
3- راجع غاية المرام ص 257 - 300 .

في المقام إنما هو لتبيين أن كلا من المتباهلين ينبغي أن يدعو خواص أهل بيته من هذه الأصناف الثلاثة في مقام المباهلة ، سواء تعدد أفراد كل صنف أم لا فإحضاره صلى الله عليه وآله وسلم من البنين سيدي شباب أهل الجنة : الحسن والحسين عليهما السلام ، ومن النساء الصديقة الطاهرة عليها السلام ، ومن الأنفس مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ، يكشف عن أنهم أخص أهل بيته صلى الله عليه وآله وسلم ، ولم يكن فيهم من يدانيهم في الفضل ، حتى يدعوه معهم ، فالآية الكريمة دلت على أن الذين اختارهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم للمباهلة مع النصارى بأمر الله عز وجل ، وجعلهم تحت الكساء كانوا أحب الخلق وأقربهم إلى الله تعالى ، وإلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، كما أنها دلت على أن مولانا أمير المؤمنين [ عليه السلام ] من بينهم أخص وأقرب ، حيث نزله تعالى شأنه منزلة نفس النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، إذ لا مجال لدخوله عليه السلام في غير أنفسنا . (1) ولا ينافي ذلك تأخيره في الذكر عن " أبناءنا ونساءنا " لأن الترقي إنما هو من الخاص إلى الأخص ، ومن العالي إلى الأعلى ، مع أنه لو قدم لتوهم كونه تأكيدا للضمير ، فيفوت المقصود حينئذ .

وكيف كان ، فقد اتضح لك أن الآية الكريمة تدل على أن منزلة مولانا

ص: 190


1- كما أنه لا مجال لتأويل أنفسنا بغير مولانا أمير المؤمنين ، إذ الذين دعاهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم للمباهلة باتفاق الأمة لم يكونوا إلا مولانا أمير المؤمنين ، وفاطمة الزهراء ، والحسن ، والحسين عليهم السلام وتأويله بنفس الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لا يجوز من وجوه : الأول : أنه يلزم أن لا يكون حينئذ ذكر عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام مع دخوله عليه السلام في المدعوين للمباهلة باتفاق الأمة . والثاني : أنه يلزم اتحاد الداعي والمدعو ، وبطلانه واضح . والثالث : أنه يلزم زيادة قوله تعالى : (وأنفسنا وأنفسكم) وعدم الحاجة إليه ، لدخوله في قوله تعالى (قل تعالوا ندع) . منه (قدس سره) .

أمير المؤمنين من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منزلة نفسه منه صلى الله عليه وآله وسلم ، ويدل على ذلك أيضا ما رواه العامة والخاصة من أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال لبني وليعة : لتنتهين يا بني وليعة أو لأبعثن إليكم رجلا كنفسي ، يقتل مقاتليكم ، ويسبي ذراريكم ، وإنما عنى عليا عليه السلام .

في غاية المرام : قال ابن أبي الحديد : الخبر المشهور عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لبني وليعة : لتنتهين يا بني وليعة ، أو لأبعثن إليكم رجلا عديل نفسي ، يقتل مقاتليكم ، ويسبي ذراريكم ، قال عمر بن الخطاب : فما تمنيت الإمارة إلا يومئذ ، وجعلت أنصب له صدري رجاء أن يقول هو هذا ، فأخذ علي عليه السلام . (1) ويدل عليه أيضا ما رواه في غاية المرام ، عن موفق بن أحمد بإسناده ، عن أنس بن مالك ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ما من نبي إلا وله نظير في أمته ، وعلي نظيري . (2) وعن أحمد بن حنبل في مسنده ، قال : أخبرنا أبو غالب محمد بن أحمد بن سهل النحوي ، يرفعه إلى سعد بن حذيفة ، عن أبيه حذيفة بن اليمان ، قال : آخى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين المهاجرين والأنصار ، وكان يؤاخي بين الرجل ونظيره ، ثم أخذ بيد علي بن أبي طالب عليه السلام ، فقال : هذا أخي ، قال حذيفة : فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سيد المسلمين ، وإمام المتقين ، ورسول رب العالمين ، الذي ليس له شبه ونظير . وعلي عليه السلام أخوه . (3) وإذا اتضح لك أن منزلته من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم منزلة نفسه منه صلى الله عليه وآله وسلم

ص: 191


1- غاية المرام ص 455 . ولعل الصحيح : فأخذ بيد علي عليه السلام .
2- غاية المرام ص 455 . مناقب الخوارزمي ص 85 .
3- غاية المرام ص 455 .

اتضح لك اختصاص الخلافة والإمامة به ، ضرورة أن خلافة شخص عن شخص آخر عبارة عن تنزيله منزلته ، وقيامه مقامه ، وصيرورته بمنزلة نفسه ، ولا حقيقة للخلافة إلا ذلك .

فبعد ثبوت هذه المنزلة لمولانا أمير المؤمنين عليه السلام من رسول الله بنص الآية الكريمة ، لا يعقل (1) سلب الخلافة عنه ، ويكون السلب في حكم المناقضة بل عينها ، ويكون التصريح بالخلافة تأكيدا وإرشادا إلى ثبوت هذه المنزلة .

وأيضا خلافة شخص عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من جهة رسالته وولايته المستتبعة لافتراض طاعته على الناس ، ووجوب البيعة معه فرع اتصافه بصفات الأصل الموجبة لاستحقاقه الخلافة ، وصيرورته أهلا لها ، بحيث لا يكون جعلها له للشئ في غير محله ، والاتصاف بصفات الأصل له مراتب متدرجة ، ودرجات متصاعدة ، وأقوى المراتب وأكمل الدرجات ، بحيث لا يتصور فوقها مرتبة ، هو درجة بلوغه مرتبة يصح معها أن يقال إنه نفس الأصل على وجه الاطلاق ، من دون تقييد بصفة خاصة ، فمن له هذه المنزلة يستحق الخلافة عن الأصل قطعا ، ولا يعقل العدول عنه إلى من لم يكن كذلك ، مع وجوده بالضرورة .

وأيضا بعد ما تبين لك أن الآية الكريمة تدل على أن أصحاب الكساء أقرب الخلق ، وأحبهم إلى الله تعالى ، تبين لك أنه لا يعقل صرف الخلافة عنهم إلى غيرهم ، ضرورة استحالة أن يكون الأبعد مولى للأقرب ،

ص: 192


1- إذ تنزيله منزلة نفسه صلى الله عليه وآله وسلم إطلاقا لا يجتمع مع عدم خلافته عليه السلام عنه صلى الله عليه وآله وسلم ، لأنها من أحد وجوه التنزيل ، بل أظهرها وأجلاها ، بحيث لو نزل منزلة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لا في مقام الولاية والإمامة التي هي عمدة شؤونه لا يصح التعبير عنه عليه السلام بأنه نفس الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قطعا . منه " قدس سره " .

فتبين أن الآية الكريمة تدل على اختصاص الخلافة والإمامة بمولانا أمير المؤمنين عليه السلام من وجوه متعددة ، والفرق بين الوجوه ظاهر للمتأمل .

فإن قلت : دلالة قوله عز من قائل : (وأنفسنا) على خلافته وإمامته عليه السلام مسلمة ، ولكن لا دلالة له على اختصاص الإمامة به عليه السلام إذ لا ينافي ذلك مع تنزيل شخص آخر بمنزلة نفسه صلى الله عليه وآله وسلم أيضا ، فلا مانع من ثبوت الخلافة للخلفاء الثلاثة حينئذ .

قلت : ثبوت الخلافة له عليه السلام بنص الآية الكريمة مانع عن ثبوت الخلافة لغيره بالبيعة واتفاق أهل الحل والعقد من الناس ، إذ لا مجال للبيعة والاتفاق مع وجود النص بالضرورة ، واتفاق الأمة وخلافة الخلفاء الثلاثة عند القائلين بها ، لا تكون بالنص ، بل خلافة الأول بالبيعة ، وخلافة الثاني بنصبه الأول ، وخلافة الثالث بحكم الشورى التي جعلها الثاني بزعمهم .

وأيضا لو كانت منزلتهم من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم منزلة نفسه منه صلى الله عليه وآله وسلم لأدخلهم تحت الكساء للمباهلة ، لأن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بدعوة من كان كذلك للمباهلة ، فعدم دعوته إياهم للمباهلة كاشف عن عدم ثبوت هذه المنزلة لهم .

ص: 193

الحديث العشرون في تفسير قوله تعالى: انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيراً

في تفسير قوله تعالى : " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " . (1) في غاية المرام : الحادي والعشرون ، الثعلبي ، قال : أخبرني أبو عبد الله ، حدثنا عبد الله بن أحمد بن يوسف بن مالك ، حدثنا محمد بن إبراهيم بن زياد ، حدثنا الحرث بن عبد الله الحارثي ، حدثنا قيس بن الربيع ، عن الأعمش ، عن عباية بن ربعي ، عن ابن عباس رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " قسم الله الخلق قسمين : فجعلني في خيرها قسما ، فذلك قوله تعالى : " وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين " (2) فأنا خير أصحاب اليمين ، ثم جعل القسمين أثلاثا ، فجعلني في خيرها قسما ، فذلك قوله تعالى : " فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة والسابقون السابقون " (3) فأنا من السابقين ، ومن خير السابقين ، ثم جعل الأثلاث قبائل ، فجعلني من

ص: 194


1- الأحزاب : 33 .
2- الواقعة : 27 .
3- الواقعة : 8 و 10 .

خيرها قبيلة ، ثم جعل القبائل بيوتا ، فجعلني من خيرها بيتا ، فذلك قوله تعالى : " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " . (1)

قال : الثاني والعشرون ، الحميدي ، قال : الرابع والستون : من المتفق عليه من الصحيحين ، عن البخاري ، ومسلم ، من مسند عائشة ، عن مصعب بن شيبة ، عن صفية بنت شيبة ، عن عائشة ، قالت : خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذات غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود ، فجاء الحسن بن علي فأدخله ، ثم جاء الحسين فأدخله معه ، ثم جاءت فاطمة فأدخلها ، ثم جاء علي فأدخله ، ثم قال : " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " وليس لمصعب بن شيبة ، عن صفية بنت شيبة ، في مسند من الصحيحين غير هذا . (2) قال : الثالث والعشرون ، ومن الجمع بين الصحاح الستة ، من موطأ مالك بن أنس الأصبحي ، وصحيح مسلم البخاري ، وسنن أبي داود السجستاني ، وصحيح الترمذي ، والنسخة الكبيرة من صحيح النسائي ، من جمع الشيخ أبي الحسن رزين بن معاوية العبدري السرقسطي الأندلسي ، من صحيح أبي داود السجستاني ، وهو كتاب السنن في تفسير قوله تعالى :

" إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " ، عن عائشة قالت : " خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعليه مرط مرحل من شعر أسود فجاء الحسن فأدخله ، ثم جاء الحسين فأدخله ، ثم جاءت فاطمة فأدخلها ، ثم جاء علي فأدخله ، ثم قال : " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " . .

ص: 195


1- غاية المرام ص 289 نقلا عن تفسير الثعلبي .
2- غاية المرام ص 289 نقلا عن الجمع بين الصحيحين .

قال : وعن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، أن هذه الآية نزلت في بيتها :

" إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " قالت :

وأنا جالسة عند الباب ، فقلت يا رسول الله ألست من أهل البيت ؟ فقال إنك إلى خير ، إنك من أزواج رسول الله ، قالت : وفي البيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام فجللهم بكساء ، وقال : " اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا " . (1) قال : الرابع والعشرون ، في سنن أبي داود ، وموطأ مالك ، عن أنس :

إن رسول الله [ صلى الله عليه وآله ] كان يأتي بباب فاطمة عليها السلام إذا خرج إلى صلاة الفجر ، حين نزلت هذه الآية ، قريبا من ستة أشهر ، يقول : الصلاة يا أهل البيت " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " . (2) ثم سرد الروايات إلى أن قال : الحادي والثلاثون ، ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ، وهو من أعيان علماء المعتزلة ، قال : قد بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عترته من هي ، لما قال : أنا تارك فيكم الثقلين ، فقال : وعترتي أهل بيتي ، وبين في مقام آخر من أهل بيته حين طرح عليهم الكساء ، وقال حين نزل " إنما يريد الله " اللهم هؤلاء أهل بيتي ، فأذهب عنهم الرجس .

ثم قال ابن أبي الحديد : فإن قلت : فمن العترة التي عناها أمير المؤمنين بهذا الكلام ؟ قلت : نفسه وولديه ، والأصل في الحقيقة نفسه لأن ولديه تابعان له ، ونسبتهما إليه مع وجوده نسبة الكواكب المضيئة مع طلوع الشمس المضيئة ، وقد نبه النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك بقوله : وأبوكما خير

ص: 196


1- غاية المرام ص 289 .
2- غاية المرام ص 289 .

منكما . قوله : وهم أزمة الحق جمع زمام كأنه جعل الحق دائرا معهم حيثما داروا ، وذاهبا معهم حيثما ذهبوا ، كما أن الناقة طوع زمامها ، وقد نبه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على صدق هذه القضية بقوله : وأدر الحق معه حيث دار قوله : والسنة الصدق من الألفاظ الشريفة القرآنية ، قال الله تعالى : " واجعل لي لسان صدق في الآخرين " (1) كما كان لا يصدر عنهم حكم ولا قول إلا وهو موافق للحق والصواب ، كأنهم ألسنة الصدق ، لا يصدر عنها قول كاذب أصلا ، بل هي كالمطبوعة على الصدق ، قوله : فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن تحت سر عظيم وذاك أنه أمر المكلفين بأن يجرى العترة في إجلالها وإعظامها والانقياد لها والطاعة لأوامرها مجرى القرآن .

ثم قال ابن أبي الحديد : فإن قلت : فهذا القول منهم مشعر بأن العترة معصومة فما قول أصحابكم في ذلك ؟ قلت : نص أبو محمد بن متويه رحمه الله في كتاب الكفاية على : " أن عليا عليه السلام معصوم ، وإن لم يكن واجب العصمة ، ولا العصمة شرط في الإمامة ، لكن أدلة النصوص قد دلت على عصمته والقطع على باطنه ومغيبه ، وإن ذلك أمر اختص هو عليه السلام به دون غيره من سائر الناس ، والفرق ظاهر بين قولنا : زيد معصوم ، وبين قولنا : زيد واجب العصمة لأنه إمام ، ومن شرط الإمام أن يكون معصوما ، فالاعتبار الأول مذهبنا ، والاعتبار الثاني مذهب الإمامية " انتهى . (2) أقول : لا شبهة في نزول آية التطهير في شأن الخمسة الطيبة صلوات الله عليهم وقد اتفق عليه المسلمون ، وتواترت فيه روايات الفريقين ، والشأن إنما هو في بيان معنى الآية الكريمة ، ووجه دلالتها على عصمة .

أهل

ص: 197


1- الشعراء : 84 .
2- غاية المرام ص 261 نقلا عن شرح نهج البلاغة 6 / 375 .

البيت عليهم السلام ، واختصاص الإمامة بهم ، دون غيرهم من الأمة .

توضيح الكلام فيه : يتوقف على تقديم مقدمة تحتوي أمورا أربعة :

الأول : أن الإرادة على قسمين تكوينية وتشريعية ، والأول لا يتخلف عن المراد " إذا أراد الله شيئا أن يقول له كن فيكون " والثاني لا يستلزم وقوع المراد في الخارج ، لرجوعه إلى أمره تعالى شأنه عباده بالطاعة ، ونهيهم عن المعصية ، ومن المعلوم أن مجرد الأمر والنهي لا يستلزم تحقق الامتثال بالضرورة ، وإلا لأجبروا على الطاعة وترك المعصية .

والثاني : أن الرجس مطلق ما يعد قذارة ، فالمعصية مطلقا صغيرة كانت أو كبيرة رجس ، بل الأخلاق الذميمة ولو لم تترتب عليه ، بل مطلق متابعة الهوى ولو في المباحات ، بل مطلق ما يرجع إلى الشيطان وله مدخل فيه .

والثالث : أن النكرة وما في حكمها إذا وقعت في سياق النفي أو ما في معناه تعم جميع الأفراد ، كما هو ظاهر واشتهر بينهم .

والرابع : أن إذهاب الرجس والتطهير على قسمين : الأول إذهابه بعد ثبوته بسبب الاتيان بما يزيله ، كتطهير الأعيان المتنجسة بالماء ، وتطهير المذنب نفسه من رجس الذنوب بالتوبة والإنابة ، والثاني إذهابه عن المحل بدفعه عنه ، بسبب قوة ملكوتية قدسية ، دافعة عنه ، مانعة عن عروضه على المحل ، والتعبير بإذهاب الرجس والتطهير حينئذ مثل قولك للحفار : ضيق فم الركية ، ونظير قول النحاة : المبتدأ هو المجرد عن العوامل اللفظية ، وهو تعبير شائع في العرف ، فيما إذا كان المحل في حد نفسه صالحا لعروضه عليه ، وإنما حصل الدفع بسبب خارج عن ذاته . وإذا اتضحت لك هذه الأمور .

ص: 198

فاعلم أنه لا يجوز أن يراد من الإرادة في الآية الكريمة الإرادة التشريعية ، لأن الله تعالى خلق الجن والإنس للطاعة والعبادة ، ويسرهم لذلك ، وأمرهم به ، قال الله تعالى : " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " فلا وجه لاختصاص أهل البيت عليهم السلام به ، وحصر المراد في طاعتهم ، فتعين أن يكون المراد هي الإرادة التكوينية التي لا تتخلف عن المراد .

ثم إن الرجس الذي هو مفرد معرف باللام ، وإن كان لا يفيد العموم في حد نفسه ، إلا أنه يفيده باعتبار وقوعه مفعولا ليذهب ، لأن الاذهاب رفعا أو دفعا في معنى سلب الرجس ونفيه ، ولا يصدق سلبه إطلاقا إلا بانتفاء كل فرد منه ، وأوضح منه في إفادة العموم قوله عز من قائل : " ويطهركم تطهيرا " ضرورة عدم حصول التطهير برفع بعض الأقذار دون بعض ، وإنما يتحقق التطهير برفع جميع الأقذار ، ودفعه عن المحل .

فتبين بما بيناه غاية التبين دلالة الآية الكريمة على عصمة أهل البيت عليهم السلام ، وتنزههم عن كل رجس وقذر ، ذنبا كان أو غيره .

فإن قلت : الآية الكريمة إنما تدل على عصمتهم حين نزولها ، لا قبله ، لأن الله تعالى أخبر عن إرادته في الحال ، وعبر بصيغة المضارع التي هي للحال أو للاستقبال ، فلا تدل على عصمتهم من حين تولدهم ، كما تدعيه الإمامية - رضوان الله عليهم - خصوصا مع التعبير بالتطهير ، وإذهاب الرجس المتوقف على ثبوته في المحل .

قلت : إن تأليف الكلام المجيد سابق على تنزيله على خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم فلو دل الكلام على الحال فإنما يدل على حال التأليف ، لا حال التنزيل ، والتأليف سابق على ولادتهم عليهم السلام كما يظهر من الأخبار ، مع أن دلالة المضارع على الحال في مثل المقام ممنوعة .

ص: 199

توضيح الكلام فيه : إن الفعل لا يتقوم باقترانه بإحدى الأزمنة وضعا ، كما اشتهر بين المتأخرين من أهل العربية ، وإنما يتقوم بالإنباء عن حركة المسمى ، كما أفاده مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ، والفرق بين أنواعه إنما هو باختلاف أنحاء الإسناد ، فصيغة الماضي إنما وضعت لإفادة تحقيق المبدأ من الذات ، كما أن صيغة المضارع لإفادة اتصاف الذات بالمبدأ وصيغة الأمر لإفادة البعث على اتصاف الذات بالمبدأ ، كما يشهد به الاطراد في موارد الاستعمالات ، واستفادة الزمان الماضي من الفعل الماضي ، والحال والاستقبال من المضارع ، حيث استفيد منها ، إنما هي بالانصراف ، لا بالوضع ، كما أوضحنا الكلام فيه في محله ، ولا انصراف للمضارع في مثل المقام إلى الحال أو الاستقبال ، فإنه إذا استعمل في مقام المدح أو الذم أو الشكر ونحوه ، إنما يفيد الاستمرار في الاتصاف ، ألا ترى أن قوله عز من قائل : " الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون " (1) ليس ناظرا إلى أنه يستهزئ بهم في الحال أو الاستقبال ، ولم يستهزئ بهم في الماضي ، وإنما يفيد أنه تعالى يتصف بالاستهزاء بهم ، لأجل نفاقهم واستهزائهم برسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، وهكذا الحال في المقام ، فإنه تعالى شأنه في مقام تنزيه أهل بيت النبوة عن الرجس ، فقوله تعالى : " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت " ناظر إلى أنه عز وجل إنما يتصف بإرادة تنزيه أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الرجس ، ويستمر في هذا الاتصاف ، ولا نظر للكلام إلى أنه يتصف بها في الحال ، ولم يتصف بها قبل ، بل تبيين ضمير المخاطب بقوله تعالى : .

" أهل البيت " تنبيه على أنه تعالى شأنه إنما يريد إذهاب الرجس عنهم من جهة أنهم أهل بيت النبوة ، وهذه الخصوصية

ص: 200


1- البقرة : 15 .

ثابتة لهم في الماضي والحال والاستقبال ، فلا مجال حينئذ للتفكيك بين الأزمنة ، وتعتق الإرادة بالتنزيه في الحال ، دون الماضي .

ومما بيناه تبيين أن إذهاب الرجس والتطهير في المقام إنما هو على وجه الدفع ، لا الرفع ، فاندفع بحمد الله تعالى ما توهمه الخصم .

هذا كله من حيث استفادتهم من الآية الكريمة بمقتضى القواعد اللفظية ، مع قطع النظر عن الروايات المفسرة والشاهدة لها ، وأما مع ملاحظتها فالأمر أوضح وأظهر ، فإن قوله عليه السلام في الرواية الأولى : فجعلني من خيرها بيتا واستشهاده صلى الله عليه وآله وسلم بقوله تعالى : " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت " يدل على أن أهل بيته كانوا من أفضل السابقين ، واصطفاهم الله تعالى ، واختارهم على بريته ، وطهرهم من الرجس ، وعصمهم من الزلل حين خلقهم ، كما تدل عليه الروايات المروية من الطريقين ، الدالة على أن الكلمات التي تلقاها آدم من ربه فتاب عليه : هي أسماء الخمسة الطيبة عليهم السلام ، (1) وأنه لولاهم ما خلق الله آدم ومن دونه ، (2) إذ لا يعقل ثبوت هذه المنزلة لهم مع عدم ثبوت العصمة لهم من أول الأمر ، ولا ينافي ذلك ما ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : " اللهم هؤلاء أهل بيتي أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا " فإنه تنبيه منه صلى الله عليه وآله وسلم على أن الابقاء على الموهبة بعد الهبة نعمة أخرى يحتاج إلى الدعاء وطلبه منه تعالى شأنه .

وإذا تبين لك عصمة أهل البيت عليهم السلام بنص الآية الكريمة والروايات .

المتواترة من الجانبين ، تبين لك اختصاص الإمامة بهم ، إذ لم تثبت العصمة لغيرهم من الأمة ولم يدعها أحد منهم ، والإمامة تدور مدار

ص: 201


1- غاية المرام ص 393 - 394 .
2- غاية المرام ص 5 - 7 .

العصمة ، لأنها عبارة عن الرئاسة العامة في أمور الدين والدنيا ، وما هذا شأنه لا يجوز أن يتقلده غير معصوم من الرجس والزلل .

ولو قيل بعدم اعتبار العصمة في تقلد الإمامة في حد نفسه كما يقوله العامة ، فاختصاصهم عليهم السلام بها ثابت أيضا ، إذ لا يعقل أن يكون من يتطرق إليه الرجس والزلل مرجعا وملاذا وإماما مفترض الطاعة لمن عصمه الله من الرجس والزلل وطهره تطهيرا ، والقول بجوازه مخالفة لضرورة حكم العقل ، ولا يجوز أن يقال المعصوم حينئذ إمام لنفسه ، ولا يكون مأموما ، ولا إماما للأمة لعدم التزام الخصم به ، وبطلانه في حد نفسه ، ضرورة أن الشخص لا يخلو من أن يكون مطاعا أو مطيعا ، وخلوه عنهما مستلزم للفساد .

ص: 202

الحديث الحادي و العشرون في تفسير قوله تعالى: فاسألوا أهل الذكر ان كنتم لا تعلمون

في تفسير قوله تعالى : " فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " . (1) في غاية المرام ، بعد أن ذكر أن المراد من أهل الذكر أهل البيت عليهم السلام ، وأن فيه أحد وعشرون حديثا من طريقنا . (2) قال : الحديث الأول : محمد بن يعقوب ، عن الحسين بن محمد ، عن معلى بن محمد ، عن الوشاء ، عن عبد الله بن عجلان ، عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله عز وجل : (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : الذكر أنا والأئمة عليهم السلام أهل الذكر ، وقوله عز وجل (وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون) (3) قال أبو جعفر عليه السلام نحن قومه ونحن المسؤولون . (4) الحديث الثاني : عن ابن يعقوب ، عن الحسين بن محمد ، عن معلى بن محمد بن أورمة ، عن علي بن حسان ، عن عمه عبد الرحمن بن كثير ،

ص: 203


1- الأنبياء : 7 .
2- غاية المرام ص 240 - 242 .
3- الزخرف : 44 .
4- الكافي 1 / 210 . غاية المرام ص 240 .

قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : " فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " قال :

الذكر محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ونحن المسؤولون ، قال : قلت قوله : وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون " قال : إيانا عني ، ونحن أهل الذكر ، ونحن المسؤولون . (1)

الحديث الثالث : ابن يعقوب ، عن الحسين بن محمد ، عن معلى بن محمد ، عن الوشاء قال : قال سألت الرضا عليه السلام فقلت له : جعلت فداك " فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " فقال : نحن أهل الذكر ، ونحن المسؤولون ، قلت : أنتم المسؤولون ، ونحن السائلون ؟ قال نعم ، قلت : حقا علينا أن نسألكم ؟ قال : نعم ، قلت : حقا عليكم أن تجيبونا ؟ قال : لا ، ذاك إلينا إن شئنا فعلنا ، وإن شئنا لم نفعل ، أما تسمع قول الله تبارك وتعالى :

" هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب " (2) (3) وسرد الروايات إلى أن قال :

الثاني عشر : ابن بابويه ، قال : حدثنا علي بن الحسين بن شاذويه المؤدب ، وجعفر بن محمد بن مسرور - رضي الله عنه - قالا : حدثنا محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري ، عن أبيه ، عن الريان بن الصلت ، قال : حضر الرضا عليه السلام مجلس المأمون بمرو ، وقد اجتمع إليه في مجلسه من علماء أهل العراق وخراسان ، وذكر الحديث في الفرق بين الآل والأمة ، والحديث المذكور بطوله في عيون أخبار الرضا عليه السلام ، وتقدم عن قريب ، (4) وذكر الحديث إلى أن قال فيه الرضا عليه السلام : نحن أهل

ص: 204


1- الكافي 1 / 210 . غاية المرام ص 240 .
2- طه : 38 .
3- الكافي 1 / 210 . غاية المرام ص 240 .
4- يعني في غاية المرام .

الذكر الذين قال الله تعالى في كتابه : " فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " فاسألوا إن كنتم لا تعلمون ، فقالت العلماء : إنما عنى بذلك اليهود والنصارى ، فقال أبو الحسن عليه السلام :

سبحان الله ، وهل يجوز ذلك ؟ إذن يدعوننا إلى دينهم ، ويقولون هو أفضل من دين الإسلام ، فقال المأمون : هل عندك في ذلك شرح بخلاف ما قالوا ؟ فقال : نعم ، الذكر رسول الله ، ونحن أهله ، وذلك بين في كتاب الله حيث يقول في سورة الطلاق " فاتقوا الله يا أولي الألباب الذين آمنوا قد أنزل الله إليكم ذكرا * رسولا يتلو عليكم آيات الله مبينات " . (1) فالذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ونحن أهله (2)

هذه جملة من الروايات من طريقنا .

وأما من طريق العامة فقد ذكر في غاية المرام ثلاثة أحاديث ، منها ، قال :

الحديث الأول : الثعلبي في تفسير قوله تعالى : " فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " قال : قال جابر : لما نزلت هذه الآية ، قال علي عليه السلام :

نحن أهل الذكر . (3) الحديث الثاني : في تفسير يوسف القطان ، عن وكيع ، عن الثوري ، عن السدي ، قال : كنت عند عمر بن الخطاب إذ أقبل عليه كعب بن الأشرف ، ومالك بن الصيف ، وحي بن أخطب ، فقالوا : إن في كتاب الله : .

" وجنة عرضها السماوات والأرض " (4) إذا كانت سعة جنة واحدة

ص: 205


1- الطلاق : 10 و 11 .
2- أمالي الصدوق ص 428 ، المجلس 79 . غاية المرام ص 241 .
3- غاية المرام ص 240 .
4- آل عمران : 133 .

كسبع سماوات وسبع أرضين ، فالجنان كلها يوم القيامة أين تكون ؟ فقال عمر :

لا أعلم ، فبينما هم كذلك إذ دخل علي عليه السلام فقال : أفي شئ كنتم ، فألقى اليهودي المسألة عليه ، فقال لهم : خبروني أن النهار إذا أقبل الليل أين يكون ؟ قالوا له : في علم الله تعالى ، فقال علي عليه السلام : كذلك الجنان ، تكون في علم الله ، فجاء علي عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأخبره بذلك فنزل " فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " . (1) الحديث الثالث : ما رواه الحافظ محمد مؤمن الشيرازي في المستخرج من تفاسير الاثني عشر ، في تفسير قوله تعالى : " فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " يعني أهل بيت النبوة ، ومعدن الرسالة ، ومختلف الملائكة ، والله ما سمى المؤمن مؤمنا إلا كرامة لعلي بن أبي طالب عليه السلام . (2) أقول : قد أطلق الذكر على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، كقوله تعالى في سورة الطلاق ، (3) وعلى القرآن كقوله تعالى : " وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس " (4) والمعنى واحد وإنما الاختلاف في المصداق ، فإن كلا منهما ممحض لذكره تعالى شأنه ، وأهل البيت عليهم السلام أهل لهما معا ، أما الأول فواضح ، وأما الثاني : فلأنهم الذين قرنهم الرسول بكتاب الله ، وخلفهما .

في أمته وأمر بالتمسك بهما ، وقال : " ألا إنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض "

ص: 206


1- غاية المرام ص 240 .
2- غاية المرام ص 240 .
3- " فاتقوا الله يا أولي الألباب الذين آمنوا قد أنزل الله إليكم ذكرا * رسولا يتلو عليكم آيات الله مبينات " . الآية : 10 - 11 .
4- النحل : 44 .

فهم أهل القرآن العالمون به ، الذين لا يفارقون القرآن ، ولا يفارقهم ، فتفسير الذكر في أكثر الروايات بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم لا ينافي مع تفسيره في بعضها بالقرآن ، لرجوع التفسيرين إلى معنى واحد .

وبما بيناه تبين أن تفسير أهل الذكر بمطلق العلماء - كما قد يتوهم - في غير محله .

وأما تفسيره بعلماء اليهود والنصارى ، كما توهموه فبطلانه في غاية الوضوح والظهور ، إذ لو أريد من الذكر مطلق الكتب السماوية لم يشملهم أهل الذكر لأن إضافة الأهل إلى الذكر إنما تصح مع العلم به ، والموافقة والمتابعة له . وأما مع العلم به والمخالفة له ، فلا يصدق على العالم به كذلك أهل الذكر قطعا ، وعلماء اليهود والنصارى خالفوا الذكر ، وإلا أسلموا ، بل لو شملهم أهل الذكر لم يشملهم الأمر بالسؤال ، ضرورة أن الأمر بالسؤال إنما هو بالنسبة إلى المأمونين منهم ، وعلماء اليهود والنصارى خالفوا الذكر ، فكيف يأمر الله عز وجل بالسؤال عنهم ؟ إذا اتضح لك ذلك فاعلم أن الآية الكريمة تدل على اختصاص الخلافة والإمامة بهم ، دون غيرهم من الأمة ، لأن التعبير عنهم بأهل الذكر ، وأمره تعالى شأنه سائر الأمة بسؤال ما لا يعلمون عنهم ، يدل على أنهم الهداة الذين نصبهم وجعلهم مرجعا للأمة في أخذ العلم واقتباسه منهم ، ومن هذا شأنه يكون خليفة للرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وإماما للأمة لا محالة ، لأن الخلافة عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في شأن رسالته المستتبعة لافتراض الطاعة ، ووجوب البيعة معه إنما هو بقيام هداية الأمة به ، ودلالتهم إلى الحق ، وإرشادهم إلى الصواب ، وإخراجهم من ظلمات

ص: 207

الجهل إلى نور اليقين ، ومن لم يجعله الله تعالى كذلك لا يعقل أن يكون خليفة عن رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، وإماما لأمته ، وأوضح منه استحالة تقديمه على الهادي الذي نصبه الله تعالى هاديا لأمته ، ومرجعا لأخذ العلم منه ، والحكم بافتراض طاعته على الذي أمره الله تعالى بالرجوع إليه ، والاهتداء به .

فإن قلت : الآية الكريمة إنما تدل على استحقاقهم الخلافة والإمامة ، لا اختصاصها بهم ، لجواز أن يكون المقدمون على علي أمير المؤمنين عليه السلام متصفين بصفات أهل الذكر ، فيستحقونها أيضا .

قلت : عدم اتصافهم بصفات أهل الذكر واضح بين لرجوعهم في كثير من المسائل التي عجزوا عن حلها إلى مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ، كما هو مذكور في كتب الفريقين ، (1) فهم مندرجون تحت المأمورين بالسؤال عن أهل الذكر ، فكيف يستحقون الخلافة ، فضلا عن استحقاقهم التقدم ؟ .

ص: 208


1- راجع الغدير 6 / 327 .

الحديث الثاني و العشرون في تفسير قوله تعالى: و سئل من ارسلنا من قبلك من رسلنا

في تفسير قوله تعالى : " وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا " . (1) وقد ذكر في غاية المرام ثلاثة أحاديث من طريق العامة ، في تفسيره ، فقال :

الحديث الأول : إبراهيم بن محمد الحمويني من أعيان علماء العامة ، قال : أنبأني الشيخ الحافظ شهردار بن شيرويه بن شهردار الديلمي إجازة ، قال : أنبأنا أحمد بن خلف ، حدثنا الحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد الله البيع ، حدثنا محمد بن المظفر ، حدثنا عبد الله بن محمد بن غزوان ، حدثنا علي بن جابر ، حدثنا محمد بن خالد الحافظ ابن عبد الله ، حدثنا محمد بن فضل ، حدثنا محمد بن سوقه ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عبد الله بن مسعود ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " أتاني ملك فقال يا محمد ، واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا على ما بعثوا ؟ قال : على ولايتك وولاية علي بن أبي طالب عليه السلام . (2)

ص: 209


1- الزخرف : 45 .
2- غاية المرام ص 249 نقلا عن فرائد السمطين .

الحديث الثاني : أبو نعيم المحدث الإصفهاني في حلية الأولياء ، في تفسير قوله تعالى : " وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا " ليلة أسرى به ، جمع الله بينه وبين الأنبياء ، قال : سلهم يا محمد على ماذا بعثتم ؟ قالوا :

بعثنا على شهادة أن لا إله إلا الله والإقرار بنبوتك ، والولاية لعلي عليه السلام . (1) الحديث الثالث : أبو الحسن الفقيه ابن شاذان ، من طريق العامة ، عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " لما عرج بي إلى السماء انتهى بي المسير مع جبرائيل إلى السماء الرابعة ، فرأيت بيتا من ياقوت أحمر ، فقال لي جبرائيل : يا محمد هذا البيت المعمور خلقه الله تعالى قبل خلق السماوات والأرضين بخمسين ألف عام قم يا محمد فصل إليه ، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : جمع الله النبيين صلى الله عليه وآله وسلم ، فصفهم جبرائيل عليه السلام ورائي صفا ، فصليت بهم ، فلما سلمت أتاني آت من عند ربي ، فقال لي : يا محمد ربك يقرؤك السلام ، ويقول لك : سل الرسل على ماذا أرسلتم من قبلي ؟ فقلت : معاشر الرسل على ماذا بعثكم ربي قبلي ، فقال الرسل : على ولايتك وولاية علي بن أبي طالب عليه السلام ، وهو قوله تعالى : " وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا " . (2) وأما الروايات من طريقنا فكثيرة جدا ، وقد رويت الرواية الأولى والثانية عن ابن مسعود ، وابن عباس من طرقنا أيضا . (3) ومن جملة الروايات عن طريقنا : ما عن محمد بن يعقوب ، عن محمد بن يحيى ، عن سلمة بن الخطاب ، عن علي بن سبت ، عن العباس بن عامر ، عن أحمد بن درن العمشاني ، عن محمد بن عبد الرحمن ، عن أبي عبد الله عليه السلام ،

ص: 210


1- غاية المرام ص 249 .
2- غاية المرام ص 249 .
3- غاية المرام ص 249 .

قال : " ولايتنا ولاية الله التي لم يبعث الله نبيا قط إلا بها " . (1)

وما عن محمد بن الحسن الصفار - في بصائر الدرجات - عن يعقوب بن يزيد ، عن الحسن بن محبوب ، عن محمد بن فضيل ، عن أبي الحسن عليه السلام قال : " ولاية علي عليه السلام مكتوبة في جميع صحف الأنبياء عليهم السلام ولم يبعث الله نبيا إلا بنبوة محمد وولاية وصيه علي عليهما السلام " . (2) إذا اتضح لك تفسير الآية الكريمة بروايات الفريقين : فاعلم أنها تدل على اختصاص الإمامة والخلافة بمولانا أمير المؤمنين عليه السلام وأبنائه الطاهرين سلام الله عليهم أجمعين .

توضيح ذلك : إن ولاية مولانا أمير المؤمنين عليه السلام التي بعث الله الأنبياء عليهم السلام عليها ، إن كانت بمعنى ولاية التصرف في الأمور - كما هو ظاهر - فقد ثبت أن خلافته عليه السلام عن الله تعالى ، وعن رسوله صلى الله عليه وآله وسلم منصوصة في الكتاب المجيد وفي سائر الصحف السماوية ، والنص على خلافته وإمامته يوجب اختصاصها به عليه السلام إذ لا مجال مع النص للعدول إلى غيره باختيار الأمة ، وتقديمه عليه عليه السلام .

وإن كانت بمعنى المودة والمحبة ، فبعث الأنبياء عليهم السلام عليها وجعلها تلو ولاية سيد الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم ورسالته ، يدل على أنها أقرب وسيلة يتوسل بها إلى الخالق تبارك وتعالى بعد التوحيد والإقرار برسالته ونبوته صلى الله عليه وآله وسلم ، فيدل .

على أنه عليه السلام أفضل الخلق بعد خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم حتى الأنبياء عليهم السلام ومن كان هذا شأنه لا يجوز أن يتقدم عليه من مضى برهة من زمانه في عبادة الأوثان بالضرورة ، فهل يجوز أن يتقدم من أشرك بالله مدة عمره على من

ص: 211


1- الكافي 1 / 437 . غاية المرام ص 250 .
2- بصائر الدرجات ص 72 . غاية المرام ص 250 .

تقدم شأنه ودرجته عند الله تعالى شأنه على جميع الأنبياء ، سوى خاتم النبيين صلى الله عليه وآله الطاهرين ؟ كلا ثم كلا ، حاشا ثم حاشا ، وما أرى مجوزه إلا مخالفا للحكم الفطري الضروري .

ص: 212

الحديث الثالث و العشرون في تفسير قوله تعالى: إن الذين آمنوا و عملوا الصالحات اولئك هم خير البرية

في تفسير قوله تعالى : " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية " . (1) في غاية المرام من طريق العامة .

قال : الخامس ، الأعمش ، عن عطية ، عن الخدري ، وروى الخطيب الخوارزمي ، عن جابر : أنه لما نزلت هذه الآية ، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : " علي خير البرية " .

وفي رواية جابر : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أقبل علي قالوا :

جاء خير البرية . (2) قال : السادس ، أبو المؤيد موفق بن أحمد ، في كتاب المناقب ، قال :

أخبرني سيد الحفاظ أبو منصور شهردار بن شهرويه بن شهردار الديلمي ، فيما كتب لي من همدان ، حدثنا أبو الفتح عبدوس بن عبد الله بن عبدوس الهمداني إجازة ، عن الشريف أبي طالب الفضل بن محمد بن

ص: 213


1- البينة : 7 .
2- غاية المرام ص 327 .

طاهر الجعفري رضي الله عنه بداره بأصبهان ، في سكة الخوارج ، أخبرني الشيخ الحافظ أبو بكر بن أحمد بن موسى بن مردويه بن فورك الإصبهاني ، حدثنا أحمد بن محمد السري ، أخبرنا المنذر بن محمد بن المنذر ، حدثني أبي ، حدثني عمي الحسين بن سعيد ، عن أبيه ، عن إسماعيل بن زياد البزاز ، عن إبراهيم بن مهاجر ، حدثنا يزيد بن شرحبيل الأنصاري - كاتب علي عليه السلام - قال : سمعت عليا كرم الله وجهه يقول : " حدثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا مسنده إلى صدري ، فقال : يا علي ألم تسمع قول الله تعالى : " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية " أنت وشيعتك ، وموعدي وموعدكم الحوض ، إذا جيئت الأمم للحساب تدعون غرا محجلين " . (1) قال : السابع ، الجيري يرفعه إلى ابن عباس ، قال : " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية " في علي عليه السلام وشيعته . (2) قال : الثامن ، في كتاب شواهد التنزيل ، للحاكم أبي إسحاق الحسكاني ، قال : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، بالإسناد المرفوع إلى يزيد بن شرحبيل الأنصاري - كاتب علي عليه السلام - قال : سمعت عليا عليه السلام يقول : قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا مسنده إلى صدري ، فقال : يا علي ألم تسمع قول الله تعالى : " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية " هم شيعتك ، موعدي وموعدكم الحوض تدعون غرا محجلين . (3) قال : التاسع ، مقاتل بن سليمان ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، في

ص: 214


1- غاية المرام ص 327 . مناقب الخوارزمي ص 265 .
2- غاية المرام ص 327 .
3- غاية المرام ص 327 . نقلا عن شواهد التنزيل .

قوله : " هم خير البرية " قال : نزلت في علي وأهل بيته . .

قال : العاشر ، صاحب كتاب الأربعين ، وهو الثامن والعشرون من أحاديث الأربعين ، قال : أخبرنا أبو علي الحسن بن علي بن الحسن الصفار بقراءتي عليه ، قال : أخبرنا أبو عمرو بن مهدي ، قال : أخبرنا أبو العباس بن عقدة ، قال : حدثنا محمد بن أحمد القطواني ، قال : حدثنا إبراهيم بن جعفر بن عبد الله بن محمد بن مسلم ، عن ابن الزبير ، عن جابر بن عبد الله ، قال : كنا عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأقبل علي بن أبي طالب عليه السلام فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم " قد أتاكم أخي ، ثم التفت إلى الكعبة فضربها بيده ، ثم قال : والذي نفسي بيده إن هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة ، ثم قال : إنه أولكم إيمانا معي ، وأوفاكم بعهد الله ، وأقومكم بأمر الله ، وأعدلكم في الرعية ، وأقسمكم بالسوية ، وأعظمكم عند الله مزية ، قال : فنزلت " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية " قال : فكان أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم إذا أقبل علي عليه السلام قالوا : قد جاء خير البرية . (1) قال : الحادي عشر ، أبو نعيم الإصفهاني ، يرفعه إلى تميم بن جذلم ، عن ابن عباس رحمه الله قال : لما نزلت هذه الآية ، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : " هم أنت وشيعتك تأتي أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين ، ويأتي عدوكم غضبانا مقحمين " . (2) هذه جملة من الروايات المروية من طريقهم .

وأما الروايات من طريقنا فكثيرة جدا ، ولنتبرك بذكر واحدة منها :

في غاية المرام ، عن الشيخ الطوسي رحمه الله في أماليه ، منتهيا

ص: 215


1- غاية المرام ص 327 .
2- غاية المرام ص 327 .

إسناده إلى يعقوب بن ميثم التمار ، مولى علي بن الحسين عليه السلام قال : دخلت على أبي جعفر عليه السلام فقلت له : جعلت فداك يا بن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إني وجدت في كتب أبي : أن عليا عليه السلام قال لأبي ميثم : أحبب حبيب آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإن كان فاسقا زانيا ، وأبغض مبغض آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم لا وإن كان صواما قواما ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقول : " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية " ثم التفت وقال : هم والله شيعتك يا علي ، وميعادك وميعادهم الحوض غدا غرا محجلين ، فقال : أبو جعفر عليه السلام : هكذا هو عندنا في كتاب علي عليه السلام . (1) أقول : الروايات المستفيضة من الجانبين تدل على أن أكمل مصاديق " الذين آمنوا وعملوا الصالحات " الخبر عنهم بأنهم خير البرية إنما هو مولانا أمير المؤمنين ، ولا ينطبق الموصول على غيره إلا من كان من شيعته وأتباعه فمن كان هذا شأنه فهو أقرب الخلق إلى الله تعالى بعد رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، فلا يجوز أن يتقدم غيره عليه في الخلافة عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، بل التقدم عليه مناف لانحصار المؤمنين الصالحين فيه وفي شيعته .

فإن قلت : لا ينافي كونهم من شيعته عليه السلام تقدمهم عليه في الخلافة ، لجواز أن يكون ذلك التقديم لتفويضه الأمر إليهم ، لمصلحة رآها .

قلت : من وقف على قصة سقيفة بني ساعدة ، وكيفية أخذ البيعة منه عليه السلام ومن أتباعه ، وتصرفهم فدكا ، ورد شهادة مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ، وشهادة الحسن والحسين عليهما السلام ، وهمهم بإحراق بيت فاطمة عليها السلام ومن فيه ، واستخلاف الأول الثاني ، وجعل الثاني الشورى لتعيين الخليفة من بين

ص: 216


1- غاية المرام ص 328 . أمالي الطوسي 2 / 418 ، المجلس 14 .

ستة ، وسائر ما جرى بينهم يعلم بعدم موافقتهم لمولانا أمير المؤمنين عليه السلام وعدم موافقته معهم ، وهذه الأمور الواقعة مما اتفقت عليه الأمة ، وصرحت به أخبار الفريقين ، وإن زادت أخبار بعضهم على بعض في بعض الخصوصيات .

قال ابن قتيبة في تاريخه - المعروف بالإمامة والسياسة - بعد تصريحه بأن ما ذكره مما اتفقت عليه الأخبار . (1) قال : في بيان كيفية بيعته عليه السلام مع أبي بكر ، وإن أبا بكر تفقد قوما تخلفوا عن بيعته عند علي كرم الله وجهه ، فبعث إليهم عمر فجاء فناداهم وهم في دار علي فأبوا أن يخرجوا ، فدعا بالحطب : وقال والذي نفس عمر بيده لتخرجن أو لأحرقنها على من فيها ، فقيل له : يا أبا حفص إن فيها فاطمة ، قال : وإن ، فخرجوا فبايعوا إلا عليا ، فإنه زعم أنه قال : حلفت أن لا أخرج . ولا أضع ثوبي على عاتقي حتى أجمع القرآن ، فوقفت فاطمة رضي الله عنها على بابها . فقالت لا عهد لي بقوم حضروا أسوأ محضر منكم ، تركتم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جنازة بين أيدينا ، وقطعتم أمركم بينكم ، لم تستأمرونا ولم تردوا لنا حقا ، فأتى عمر أبا بكر فقال ألا تأخذ هذا المتخلف عنك بالبيعة ، فقال أبو بكر لقنفذ وهو مولى له : فادع لي عليا ، قال :

فذهب إلى علي عليه السلام فقال : ما حاجتك ، فقال : يدعوك خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال علي : لسريع ما كذبتم على رسول الله ، فرجع فأبلغ الرسالة ، قال :

فبكى أبو بكر طويلا ، فقال عمر الثانية أن لا تمهل هذا المتخلف عنك بالبيعة ، فقال : أبو بكر رضي الله عنه لقنفذ : عد إليه فقل له أمير المؤمنين يدعوك لتبايع فجاءه قنفذ فأدى ما أمر به ، فرفع على صوته فقال : سبحان الله لقد

ص: 217


1- الإمامة والسياسة ص 12 - 15 طبع المكتبة التجارية الكبرى بمصر .

ادعى ما ليس له ، فرجع قنفذ ، فأبلغ الرسالة ، فبكى أبو بكر طويلا . .

ثم قال عمر : فمشى معه جماعة حتى أتوا فاطمة عليها السلام فدقوا الباب فلما سمعت أصواتهم نادت بأعلى صوتها : يا أبت يا رسول الله ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب ، وابن أبي قحافة ، فلما سمع القوم صوتها وبكاءها انصرفوا باكين ، وكادت قلوبهم تتصدع ، وأكبادهم تتفطر ، وبقي عمر ومعه قوم ، فأخرجوا عليا ، فمضوا به إلى أبي بكر ، فقالوا له : بايع ، فقال : إن لم أفعل فمه ، قالوا : إذا والله الذي لا إله إلا هو نضرب عنقك ، قال : تقتلون عبدا لله وأخا رسوله ؟ قال عمر : أما عبد الله فنعم وأما أخو رسوله فلا ، وأبو بكر ساكت لا يتكلم ، فقال له عمر : ألا تأمر فيه بأمرك ، فقال : لا أكرهه على شئ ما كانت فاطمة إلى جنبه ، فلحق علي بقبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في يصيح ويبكي وينادي : " يا بن أم ، إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني " .

فقال عمر لأبي بكر : انطلق بنا إلى فاطمة ، فإنا قد أغضبناها ، فاستأذنا على فاطمة ، فلم تأذن لهما ، فأتيا عليا فكلماه ، فأدخلهما عليها .

فلما قعدا عندها حولت وجهها إلى الحائط ، فسلما عليها فلم ترد السلام ، فتكلم أبو بكر ، فقال : يا حبيبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، والله إن قرابة رسول الله أحب إلي من قرابتي ، وإنك لأحب إلي من عائشة ابنتي ، ولوددت يوم مات أبوك أني مت ، ولا أبقى بعده ، أفتراني أعرفك ، وأعرف فضلك ، وشرفك ، وأمنعك حقك وميراثك من رسول الله ، إلا أني سمعت أباك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : لا نورث ، ما تركنا فهو صدقة .

فقالت : أرأيتكما إن حدثتكما حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تعرفانه وتفعلانه ، قالا : نعم ، فقالت : ناشدتكما الله ، ألم تسمعا رسول الله يقول :

رضا فاطمة من رضاي ، وسخط فاطمة من سخطي ، فمن أحب فاطمة ابنتي فقد

ص: 218

أحبني ، ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني ، ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني ، قالا : نعم ، سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، قالت : فإني أشهد الله وملائكته إنكما أسخطتماني ، وما أرضيتماني ، ولئن لقيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأشكونكما إليه ، فقال أبو بكر : أنا عائذ بالله تعالى من سخطه وسخطك يا فاطمة ، ثم انتحب أبو بكر يبكي حتى كادت نفسه أن تزهق ، وهي تقول : والله لأدعون الله عليك في كل صلاة أصليها .

ثم خرج باكيا ، فاجتمع إليه الناس ، فقال لهم : يبيت كل رجل منكم معانقا حليلته مسرورا بأهله ، وتركتموني وما أنا فيه ، لا حاجة لي في بيعتكم ، أقيلوني بيعتي ، قالوا : يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن هذا الأمر لا يستقيم ، وأنت أعلمنا بذلك ، إنه إن كان هذا لم يقم لله دين ، فقال : والله لولا ذلك وما أخافه من رخاوة هذه العروة ما بت ليلة ولي في عنق مسلم بيعة ، بعد ما سمعت ورأيت من فاطمة عليها السلام .

قال : فلم يبايع علي كرم الله وجهه حتى ماتت فاطمة رضي الله عنها ، ولم تمكث بعد أبيها إلا خمسا وسبعين ليلة ، قال : فلما توفيت أرسل علي إلى أبي بكر ، أن أقبل إلينا ، فأقبل أبو بكر حتى دخل على علي عليه السلام وعنده بنو هاشم ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال :

أما بعد يا أبا بكر فإنه لم يمنعنا أن نبايعك إنكارا لفضيلتك ، ولانفاسة عليك ، ولكنا كنا نرى أن لنا في هذا الأمر حقا فاستبددت علينا ، ثم ذكر علي عليه السلام قرابته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم يزل يذكر ذلك حتى بكى أبو بكر ، فقال أبو بكر : لقرابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحب إلي أن أصل من قرابتي ، وإني والله لا أدع أمرا رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، يصنعه إلا صنعته إن شاء الله تعالى ، فقال علي عليه السلام : موعدك غدا في المسجد الجامع للبيعة إن شاء الله

ص: 219

تعالى .

ثم خرج فأتى المغيرة بن شعبة ، فقال : ألا ترى يا أبا بكر أن تلقوا العباس فتجعلوا له في هذا الأمر نصيبا يكون له ولعقبة ، وتكون لكما الحجة على علي وبني هاشم ، إذا كان العباس معكم ، قال : فانطلق أبو بكر وعمر وأبو عبيدة حتى دخلوا على العباس رضي الله عنه ، فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه ، ثم قال : إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وآله وسلم نبيا وللمؤمنين وليا ، فمن الله تعالى بمقامه بين أظهرنا ، حتى اختار له الله ما عنده ، فخلى على الناس أمرهم ليختاروا لأنفسهم في مصلحتهم ، متفقين لا مختلفين ، فاختاروني عليهم وليا ، ولأمورهم راعيا ، وما أخاف بحمد الله وهنا ، ولا حيرة ، ولا جبنا ، وما توفيقي إلا بالله العلي العظيم ، عليه توكلت وإليه أنيب ، وما زال يبلغني من طاعن يطعن بخلاف ما اجتمعت عليه عامة المسلمين ، ويتخذونكم لحافا ، فاحذروا أن تكونوا جهد المنيع ، فلما دخلتم فيما دخل فيه العامة أو دفعتموهم عما مالوا إليه . وقد جئناك ونحن نريد أن نجعل لك في هذا الأمر نصيبا ، يكون لك ولعقبك من بعدك ، إذ كنت عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وإن كان الناس قد رأوا مكانك ، ومكان أصحابك ، فعدلوا الأمر عنكم (1) على رسلكم بني عبد المطلب ، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منا ومنكم ، ثم قال عمر : أي والله وأحرى (2) إنا لم نأتكم حاجة منا إليكم ، ولكن كرهنا أن يكون الطعن منكم ، فيما اجتمع عليه العامة فيتفاقم الخطب بكم وبهم ، فانظروا لأنفسكم ولعامتكم ، فتكلم العباس ، فحمد الله وأثنى عليه .

ثم قال إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وآله وسلم كما زعمت نبيا ، وللمؤمنين وليا ،

ص: 220


1- في المصدر : وعلى .
2- في المصدر : وأخرى .

فمن الله بمقامه بين أظهرنا حتى اختار ما عنده ، فخلى على الناس أمرهم ليختاروا لأنفسهم مصيبين للحق ، لا مائلين عنه بزيغ الهوى ، فإن كنت برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طلبت فحقنا أخذت ، وإن كنت بالمؤمنين طلبت ، فنحن منهم متقدمون فيهم ، وإن كان هذا الأمر إنما يجب لك بالمؤمنين ، فما وجب إذ كنا كارهين ، فأما ما بذلت لنا فإن يكن حقا لك فلا حاجة لنا فيه ، وإن يكن حقا للمؤمنين فليس لك أن تحكم عليهم ، وإن كان حقا لنا لم ترض عنك فيه ببعض دون بعض .

وأما قولك إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منا ومنكم فإنه قد كان من شجرة نحن أغصانها وأنتم جيرانها .

قال : ثم خرج أبو بكر إلى المسجد الشريف فأقبل على الناس فعذر عليا عليه السلام بمثل ما اعتذر عنده ، ثم قام علي عليه السلام فعظم حق أبي بكر ، وذكر فضيلته وسابقته ، ثم مضى فبايعه ، فأقبل الناس على علي عليه السلام فقالوا :

أصبت يا أبا الحسن ، وأحسنت ، قال : فلما تمت البيعة لأبي بكر أقام ثلاثة أيام يقيل الناس ، ويستقيلهم ، يقول : أقلتكم في بيعتي ، هل من كاره هل من مبغض ؟ فيقوم علي عليه السلام في أول الناس فيقول : والله لا نقيلك ولا نستقيلك أبدا ، قد قدمك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لتوحيد ديننا ، من ذا الذي يؤخرك لتوجيه دنيانا " انتهى كلامه . وقد ذكر قبل ذلك :

ثم إن عليا كرم الله وجهه أتي به إلى أبي بكر وهو يقول : أنا عبد الله وأخو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقيل له : بايع أبا بكر ، فقال : أنا أحق بهذا الأمر منكم ، لا أبايعكم وأنتم أولى بالبيعة لي ، أخذتم هذا الأمر من الأنصار ، واحتججتم عليهم بالقرابة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وتأخذونه منا أهل البيت غصبا ، ألستم زعمتم للأنصار أنكم أولى بهذا الأمر منهم لما كان محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيكم ،

ص: 221

فأعطوكم المقادة ، وسلموا إليكم الإمارة ، فإذا احتج عليكم بمثل ما احتججتم على الأنصار نحن أولى برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم حيا وميتا ، فانصفوا إن كنتم تؤمنون ، وإلا فبوءوا بالظلم ، وأنتم تعلمون ، فقال له عمر : إنك لست متروكا حتى تبايع ، فقال له علي عليه السلام : " احلب حلبا لك شطره واشدد له اليوم يردده عليك غدا ، ثم قال : والله يا عمر لا أقبل قولك ، ولا أبايعه ، فقال له أبو بكر : فإن لم تبايع فلا أكرهك .

فقال أبو عبيدة بن الجراح لعلي كرم الله وجهه : يا ابن عم إنك حديث السن ، وهؤلاء مشيخة قومك ، ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالأمور ، ولا أرى أبا بكر إلا أقوى على هذا الأمر منك ، وأشد احتمالا واستضلاعا ، فسلم لأبي بكر هذا الأمر ، فإنك إن تعش ويطل بك بقاء فأنت لهذا الأمر خليق وحقيق في فضلك ، ودينك ، وعلمك ، وفهمك ، وسابقتك ، ونسبك ، وصهرك فقال علي كرم الله وجهه : " الله الله يا معشر المهاجرين لا تخرجوا سلطان محمد صلى الله عليه وآله وسلم في العرب من داره ، وقعر بيته إلى دوركم وقعور بيوتكم ، وتدفعون أهله عن مقامه في الناس وحقه ، فوالله يا معشر المهاجرين لنحن أحق الناس به لأنا أهل البيت ، ونحن أحق بهذا الأمر منكم ما كان فينا القارئ لكتاب الله ، الفقيه في دين الله ، العالم بسنن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، المتطلع لأمر الرعية الدافع عنهم الأمور السيئة ، القاسم بينهم بالسوية ، والله إنه لفينا فلا تتبعوا الهوى فتضلوا عن سبيل الله ، فتزدادوا من الحق بعدا " .

وقال بشير بن سعد الأنصاري : لو كان هذا الكلام سمعته الأنصار منك يا علي قبل بيعتها لأبي بكر ما اختلف عليك .

قال : وخرج علي كرم الله وجهه يحمل فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

ص: 222

على دابة ليلا في مجالس الأنصار ، تسألهم النصرة ، فكانوا يقولون : يا بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد مضت بيعتنا لهذا الرجل ، ولو أن زوجك ، وابن عمك سبق إلينا قبل أبي بكر ما عدلنا به ، فيقول علي كرم الله وجهه : أفكنت أدع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بيت لا أدفنه ، وأخرج أنازع الناس بسلطانه ، فقالت :

فاطمة عليها السلام : ما صنع أبو الحسن عليه السلام إلا ما كان ينبغي ، لقد صنعوا ما الله حسيبهم وطالبهم " انتهى . (1) وإذا وقفت على ما جرى بينهم وبين مولانا أمير المؤمنين عليه السلام اتضح لك اتضاح الشمس في رابعة النهار أن احتمال الموافقة وتفويض الأمر إليهم لا مجال له ، كما تبين لك أن بيعته عليه السلام وبيعة أتباعه مع أبي بكر لم يكن إلا عن كره وإجبار ، فلم يحصل اتفاق على بيعته .

والعجب من هذا المؤرخ الفاضل ، كيف زعم بعد ذكر هذه التفاصيل أنه عليه السلام بايع أبا بكر باختيار ، كما يظهر من آخر كلامه في بيان كيفية بيعته عليه السلام مع أبي بكر ، وليت شعري ما وجه إنكار عمر ؟ وتكذيبه أنه عليه السلام أخا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع أن قضية مؤاخاته عليه السلام مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أظهر من الشمس ، وأبين من الأمس ، وقد تواترت روايات الفريقين على أنه صلى الله عليه وآله وسلم اتخذ عليا أخا لنفسه . (2) .

ص: 223


1- الإمامة والسياسة ص 18 - 22 ، طبع 1378 .
2- غاية المرام ص 478 - 491 .

الحديث الرابع و العشرون في تفسير قوله تعالى: و لما ضرب ابن مريم مثلاً اذا قومك منه يصدون

في تفسير قوله تعالى : " ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون " . (1) في غاية المرام : محمد بن يعقوب ، عن عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن محمد بن سليمان ، عن أبيه ، عن أبي بصير ، قال : بينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم جالسا إذ أقبل أمير المؤمنين عليه السلام ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :

" إن فيك شبها من عيسى بن مريم ، لولا أن يقول فيك طوائف من أمتي ما قالت النصارى في عيسى بن مريم ، لقلت فيك قولا لا تمر بملا من الناس إلا أخذوا التراب من تحت قدميك ، يلتمسون بذلك البركة " قال : فغضب الأعرابتان ، والمغيرة بن شعبة ، وعدة من قريش ، فقالوا : ما رضى أن يضرب لابن عمه مثلا إلا عيسى بن مريم ، فأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فقال : " ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون * وقالوا أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون * إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل * ولو نشاء لجعلنا منكم - يعني من بني

ص: 224


1- الزخرف : 57 .

هاشم - ملائكة في الأرض يخلفون " (1) قال : فغضب الحارث بن عمرو الفهري ، فقال : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء ، أو ائتنا بعذاب أليم ، أنزل الله عليه مقالة الحارث ، ونزلت عليه هذه الآية : " وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون " (2) ثم قال له : يا أبا عمرو إما تبت وإما رحلت ، فقال : يا محمد تجعل لسائر قريش مما في يدك ، فقد ذهبت بنو هاشم بمكرمة العرب والعجم فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ليس ذلك لي ولك ، إلى الله تبارك وتعالى ، فقال : يا محمد قلبي لا يتابعني على التوبة ، ولكن أرحل عنك فدعا براحلته فركبها ، فلما صار بظهر المدينة أتته جندلة ، فرضت هامته ، ثم أتى الوحي إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : سأل سائل بعذاب واقع * للكافرين ليس له دافع * من الله ذي المعارج " . (3) قال : قلت جعلت فداك إنا لا نقرأها هكذا ، فقال : هكذا أنزل الله بها جبرائيل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وهكذا والله مثبت في مصحف فاطمة عليه السلام فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لمن حوله من المنافقين : انطلقوا إلى صاحبكم ، فقد أتاه ما استفتح به ، قال الله عز وجل : " واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد " . (4) (5) وقد روي في باب المنزلة من طريق المخالفين وطريقنا مسندا إلى جابر بن عبد الله الأنصاري أنه قال : لما قدم علي من فتح خيبر قال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم : " يا علي لولا أن طائفة من أمتي يقولون فيك ما قالت النصارى

ص: 225


1- الزخرف : 57 - 60 .
2- الأنفال : 33 .
3- المعارج : 1 - 3 .
4- إبراهيم : 15 .
5- الكافي 8 / 57 . غاية المرام ص 425 .

في عيسى بن مريم لقلت فيك مقالا لا تمر بملأ من الناس إلا أخذوا التراب من تحت رجليك وفضول طهورك يستشفون به ، ولكن حسبك أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ، إلا أنه لا نبي بعدي ، وأنت تبرئ ذمتي ، وتستر عورتي ، وتقاتل على سنتي ، وأنت غدا في الآخرة أقرب الخلق مني ، وأنت على الحوض خليفتي ، وإن شيعتك ومحبيك في القيامة مبيضة وجوههم حولي ، أشفع لهم فيكونون في الجنة جيراني ، يا علي حربك حربي ، وسلمك سلمي ، وسرورك سروري ، وأنت تقضي ديني ، وتنجز وعدي ، وأن الحق يجري على لسانك ، ويجري على قلبك ، ومعك ، وبين يديك ، ونصب عينيك ، والإيمان مخالط لحمك ودمك ، كما خالط لحمي ودمي ، ولا يرد علت الحوض مبغض لك ، ولا يغيب عنه محب لك " .

فخر علي عليه السلام ساجدا لله تعالى ، وقال :

الحمد لله الذي من علي بالإسلام ، وعلمني القرآن ، وحببني إلى خير البرية ، وأعز الخليفة ، وأكرم أهل السماوات والأرض على ربه ، خاتم النبيين ، وسيد المرسلين ، وصفوة الله من جميع العالمين إحسانا من الله تعالى ، وتفضلا علي " ، فقال له يا علي : " ما عرف الإسلام بعدي إلا بك ، يا علي لقد جعل الله نسل كل نبي من صلبه ، ونسلي من صلبك ، فأنت أعز الخلق لدي ، وأكرمهم لدي ، ومحبوك أكرم علي من أمتي " . (1) أقول : والأخبار في هذا الباب مستفيضة ، وقد ذكر في غاية المرام في هذا المقام سبعة أخبار من طريقنا وثلاثة عشر من طريقهم . (2) فقال : الأول ، أبو نعيم الحافظ الإصفهاني ، في كتابه الموسوم بنزول .

ص: 226


1- راجع غاية المرام ص 109 - 152 .
2- غاية المرام ص 424 - 426 .

القرآن في علي عليه السلام ، قال قوله تعالى : " ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون " عن ربيعة ابن ناجد ، قال : سمعت عليا عليه السلام يقول : في نزلت هذه الآية . (1) فقال : الثاني ، محمد بن العباس ، من طريق العامة ، قال : حدثنا عبد العزيز بن يحيى ، عن محمد بن زكريا ، عن مخدج بن عمر الحنفي ، عن عمر بن قايد ، عن الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس ، قال : بينا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في نفر من أصحابه ، إذ قال : الآن يدخل عليكم نظير عيسى ابن مريم في أمتي ، فدخل أبو بكر فقالوا : هو هذا ؟ فقال : لا ، فدخل عمر فقالوا : هو هذا ؟ فقال : لا ، فدخل علي عليه السلام فقالوا : هو هذا ؟ فقال : نعم ، فقال قوم : لعبادة اللات والعزى أهون من هذا ، فأنزل الله عز وجل " ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون * وقالوا أآلهتنا خير " الآيات . (2) وقال : الثالث ، محمد بن العباس ، قال : حدثنا محمد بن سهل العطار ، قال : حدثنا أحمد بن عمر الدهقان ، عن محمد بن كثير الكوفي ، عن محمد بن السائب ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس ، قال : جاء قوم إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فقالوا : يا محمد إن عيسى بن مريم عليه السلام يحيى الموتى فأحي لنا الموتى ، فقال لهم : من تريدون ، فقالوا : نريد فلان ، وأنه قريب عهد بموت ، فدعا علي بن أبي طالب عليه السلام فأصغى إليه بشئ لا نعرفه ، ثم قال له : انطلق معهم إلى الميت ، فادعه باسمه ، واسم أبيه ، فمضى معهم حتى وقف على قبر الرجل ، ثم ناداه يا فلان بن فلان ، فقام الميت ، فسألوه ، ثم اضطجع في لحده ، ثم انصرفوا وهم يقولون : إن هذا من أعاجيب بني عبد المطلب أو نحوها ،

ص: 227


1- غاية المرام ص 424 .
2- غاية المرام ص 424 .

فأنزل الله عز وجل : " ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون " أي يضجون . (1) ثم سرد الروايات إلى آخرها .

إذا تبين لك أن الآية الكريمة تدل على أن في أمة خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم نظير عيسى ابن مريم ، وشبيهه الذي يحيى الموتى بإذن الله ، ويبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله ، وهو مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ، تبين لك اختصاص الخلافة والإمامة به عليه السلام .

توضيح ذلك : إن هذا المقام مقام منيع من أطوار مقام الولاية ، فهو إن لم يكن عين الإمامة فمن لوازمها وتوابعها ، والتنصيص عليه تنصيص على الخلافة والإمامة ، ومن هنا يضج القوم ، كما في قراءة أهل البيت عليهم السلام " يصدون " أي يضحكون ، كما فسر في بعض الأخبار ، (2) ولا مجال للعدول مع النص إلى غيره بالضرورة .

ثم إن هذه الأخبار المروية من الطريقين صريحة في أنه صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن ذكر ما ذكر من فضائل مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ومناقبه ، من خبر المنزلة ، ومقام الأخوة ، وأنه أحب الخلق إلى الله تعالى وإلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأنه مع الحق والحق معه يدور معه حيثما دار ، وسائر المناقب التي لا تحصى ، لم يبين كمال فضائله ومناقبه عليه السلام خوفا من أن يرتد فيه عليه السلام طوائف من أمته ، وتقول فيه عليه السلام ما قالت النصارى في عيسى ابن مريم عليه السلام .

ومن هذا شأنه كيف يستحق أن يتقدم عليه من أشرك بالله تعالى برهة من زمانه ؟ ! .

ص: 228


1- غاية المرام ص 424 .
2- راجع مجمع البيان 9 / 53 وتفسير القمي ص 611 الطبع الحجري وغاية المرام ص 426 .

الحديث الخامس و العشرون في تفسير قوله تعالى: و سلام علی آل یس قراءة آل يس صحيحة

في تفسير قوله تعالى : " وسلام على آل يس " . (1) في غاية المرام : أبو نعيم الإصفهاني بإسناده عن الأعمش ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، في قوله تعالى : " وسلام على آل يس " قال :

" آل يس " آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم . (2) أقول : والروايات عن أهل البيت عليهم السلام " وعن ابن عباس رضي الله عنه مستفيضة في أن " آل " بالمد ، لا بكسر الهمزة ، (3) بل في بعض الأخبار متنهيا إلى أبي عبد الرحمن السلمي : أن عمر بن الخطاب كان يقرأ : " سلام على آل يس " بالمد قال عبد الرحمن : " آل يس " آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم . (4) بل يظهر مما احتج به مولانا الرضا عليه السلام في مجلس المأمون على العلماء : أن قراءة الآل بالمد مسلمة عند المسلمين ، فقال عليه السلام في مقام بيان الآيات الدالة على اصطفاء أهل البيت على الأمة .

وأما الآية السابقة ، فقوله تبارك وتعالى : " إن الله وملائكته يصلون

ص: 229


1- الصافات : 130 .
2- غاية المرام ص 382 . البرهان 4 / 33 .
3- البرهان 4 / 33 . غاية المرام ص 382 .
4- غاية المرام ص 382 .

على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما " (1) وقد علم المعاندون منهم أنه لما نزلت هذه الآية قيل : يا رسول الله قد عرفنا التسليم عليك ، فكيف الصلاة عليك ؟ فقال : تقولون : " اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد " فهل بينكم معاشر الناس في هذا خلاف ؟ فقالوا : لا ، فقال المأمون : هذا ما لا خلاف فيه أصلا ، وعليه إجماع الأمة ، فهل عندك في الآل شئ أوضح من هذا في القرآن ، قال أبو الحسن عليه السلام : نعم ، أخبروني عن قول الله عز وجل " يس " قال العلماء : " يس " محمد صلى الله عليه وآله وسلم لم يشك فيه أحد ، قال أبو الحسن عليه السلام : إن الله أعطى محمدا وآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم من ذلك فضلا لا يبلغ أحد كنه وصفه إلا من عقله ، وذلك لأن الله لم يسلم على أحد إلا على الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين ، فقال تبارك وتعالى : " سلام على نوح في العالمين ، (2) سلام على إبراهيم ، (3) وسلام على موسى وهارون (4) " ، ولم يقل سلام على آل نوح ، ولا على آل موسى ، ولا على آل إبراهيم " فقال : " سلام على آل يس " يعني آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم . (5) ولم يرد أحد من العلماء في مجلس المأمون على مولانا الرضا عليه السلام :

أن القراءة بكسر الهمزة لا بمدها ، وهو كاشف عن أن القراءة بالمد عندهم مسلمة .

وناهيك في ذلك أن العلامة الرازي - مع تشكيكه في أغلب الأمور ،

ص: 230


1- الأحزاب : 56 .
2- الصافات : 79 .
3- الصافات : 109 .
4- الصافات : 120 .
5- غاية المرام ص 382 .

بحيث صار ملقبا بإمام المشككين - جزم بقراءة المد ، واحتج بالآية الكريمة على مساواة أهل البيت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في التسليم عليهم ، (1) وهو يكشف عن كمال وضوح قراءة الآل عنده ، بحيث لا تكون محلا للشك والتشكيك ، وإلا لشك فيه هو كما هو دأبه وديدنه في سائر الموارد .

وإذا تبين ذلك فاعلم أن الله تبارك وتعالى أشرك آل إبراهيم وآل عمران مع الأنبياء في الاصطفاء ، فقال جل ذكره : " إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين " (2) ولكن لم يشرك آل أحد منهم عليهم السلام معهم في التسليم عليهم سوى آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم وذلك يدل على أن الله أعطاهم فضلا وشرفا لا يدانيه فضل وشرف ، ولا يبلغ أحد كنه وصفه إلا من عقله كما أفاده مولانا الرضا عليه السلام .

ومن هذا شأنه لا يقاس بسائر الناس من الأمة ، فلا يعقل أن تتخلف الإمامة والخلافة عنهم إلى غيرهم . والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله . .

ص: 231


1- تفسير الفخر الرازي 26 / 162 .
2- آل عمران : 33 .

الحديث السادس و العشرون في تفسير قوله تعالى : وتعيها أذن واعية

في تفسير قوله تعالى : " وتعيها أذن واعية " . (1) في غاية المرام بعد أن قال : أنها نزلت في شأن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ذكر فيه تسعة أحاديث من طريق العامة ، وثمانية من طريقنا . (2) فقال : الأول أبو المؤيد موفق بن أحمد ، من أعيان علماء العامة ، من كتاب فضائل أمير المؤمنين عليه السلام : أخبرنا الشيخ الزاهد الحافظ أبو الحسن علي بن أحمد العاصمي ، أخبرنا شيخ القضاة إسماعيل بن أحمد الواعظ ، أخبرنا والدي أحمد بن الحسين البيهقي ، أخبرنا أبو القاسم الحسين بن محمد بن حبيب المقري - من أصل كتابه - أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار ، أخبرنا أبو بكر الفضل بن جعفر الصيدلاني الواسطي بواسط ، حدثنا يحيى بن زكريا بن حمويه ، حدثنا سنان بن هارون ، عن الأعمش ، عن علي بن ثابت ، عن زر بن حبيش ، عن علي بن أبي طالب

ص: 232


1- الحاقة : 12 .
2- غاية المرام ص 366 .

رضي الله عنه قال : " ضمني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال : أمرني ربي أن أدنيك ولا أقصيك وأذني تسمع وتعي ، وحقا على الله أن تسمع وتعي ، فنزلت هذه الآية " وتعيها أذن واعية " . (1) وقال : الثاني الموفق بن أحمد أيضا بإسناده السابق ، عن أحمد بن الحسين هذا ، أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أخبرنا أبو علي الحسين بن محمد الصفاني بمرو ، وأخبرنا أبو رجاء محمد بن حمدون الشيخي ، أخبرنا العلا بن مسلمة أبو سالم البغدادي ، حدثنا أبو قتادة الحسن بن عبد الله بن رائد ، عن جعفر بن يرقان ، عن ميمون بن مرهان ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم :

" سألت ربي عز وجل أن يجعلها أذن علي " قال علي كرم الله وجهه : ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئا إلا ووعيته وحفظته ، ولم أنسه . (2) وقال : الثالث الثعلبي في تفسيره ، في تفسير قوله تعالى : " أذن واعية " قال : أخبرني ابن فنجويه ، قال : حدثنا ابن حيان ، حدثنا إسحاق بن مجة ، حدثنا أبي ، حدثنا إبراهيم بن عيسى ، حدثنا علي بن علي ، حدثني أبو حمزة الثمالي ، حدثني عبد الله بن الحسين ، قال : حين نزلت هذه الآية " وتعيها أذن واعية " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " سألت الله عز وجل أن يجعلها أذنك يا علي " قال علي : فما نسيت شيئا بعد ذلك وما كان لي أن أنساه . (3) وقال : الرابع الثعلبي ، أخبرني ابن فنجويه ، حدثنا ابن حبش ، حدثنا أبو القاسم بن الفضل ، حدثنا محمد بن الغالب بن حرب ، حدثنا بشر بن آدم ، حدثنا عبد الله بن زبير الأسدي ، حدثنا صالح بن هيثم ، قال : سمعت

ص: 233


1- غاية المرام ص 366 . مناقب الخوارزمي ص 283 الطبع الحديث .
2- غاية المرام ص 367 . مناقب الخوارزمي ص 283 - 284 .
3- غاية المرام ص 367 نقلا عن تفسير الثعلبي .

بريدة الأسلمي يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام : " إن الله عز وجل أمرني أن أدنيك ولا أقصيك ، وأن أعلمك ، وأن تعي ، وحق على الله أن تعي " قال : فنزلت " وتعيها أذن واعية " . (1) وقال : الخامس الحافظ أبو نعيم الإصفهاني ، بإسناده عن عمر بن علي بن أبي طالب ، عن أبيه علي بن أبي طالب ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :

" إن الله عز وجل أمرني أن أدنيك وأعلمك لتعي ، وأنزل علي هذه الآية :

" وتعيها أذن واعية " ، فأنت الأذن الواعية " . (2) ثم سرد الروايات إلى آخر ما رواه من طريق العامة .

وأما الروايات من طريقنا فكثيرة جدا ، فقد روي في غاية المرام ، عن محمد بن العباس بن ماهيار الثقة في تفسيره أنه أورد ثلاثين حديثا من الخاص والعام .

منها : ما رواه عن محمد بن سهل القطان ، عن محمد بن عمر الدهقان ، عن محمد بن كثير ، عن الحرث بن الحضيرة ، عن أبي داود ، عن أبي بريدة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " إني سألت الله ربي أن يجعل لعلي أذن واعية ، فقيل لي : قد فعل ذلك به " . (3) ومن جملة روايات الخاصة : ما عن محمد بن الحسن الصفار في بصائر الدرجات ، عن الأصبغ بن نباته ، قال : لما قدم علي عليه السلام الكوفة صلى بهم أربعين صباحا يقرأ بهم " سبح اسم ربك الأعلى " فقال المنافقون والله .

ما يحسن أن يقرأ علي بن أبي طالب عليه السلام القرآن ، ولو أحسن أن يقرأ بنا

ص: 234


1- غاية المرام ص 367 نقلا عن تفسير الثعلبي .
2- غاية المرام ص 367 .
3- غاية المرام ص 367 .

غير هذه السورة لفعل ، قال فبلغه ذلك ، فقال : ويلهم إني لأعرف ناسخه ومنسوخه ، ومحكمه ومتشابهه ، وفصله من فاصله ، وحروفه عن معانيه ، والله ما حرف نزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلا وأنا أعرف فيمن أنزل ، وفي أي يوم نزل ، وفي أي موضع ، ويلهم أما يقرأون : " إن هذا لفي الصحف الأولى * صحف إبراهيم وموسى " (1) والله هي عندي ، ورثتها من رسول الله من إبراهيم وموسى ، ويلهم والله أنا الذي أنزل الله في " وتعيها أذن واعية " فإنا كنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيخبرنا بالوحي : فأعيه أنا ويفوتهم ، فإذا خرجنا قالوا : ماذا ، قال آنفا . (2) أقول : ويشهد لذلك أي إنه عليه السلام الأذن الواعية التي أخبر الله تعالى عنها في كتابه المجيد بأنها تعي علوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، الروايات المتواترة من الجانبين معنى بل لفظا ، من أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال :

أنا مدينة العلم وعلي بابها . (3)

وأنا مدينة الحكمة وعلي بابها . (4)

وأنا دار الحكمة وعلي مفتاحها . (5)

وإن عليا أعلم أمتي . (6) .

وإن عليا أقضاكم . (7)

ص: 235


1- الأعلى : 18 و 19 .
2- غاية المرام ص 367 . بصائر الدرجات ص 135 .
3- غاية المرام ص 520 .
4- غاية المرام ص 521 .
5- غاية المرام ص 523 .
6- غاية المرام ص 510 .
7- غاية المرام ص 528 .

وعلي مع القرآن والقرآن معه . (1)

وأن العلم خمسة أجزاء ، وأعطي علي بن أبي طالب من ذلك أربعة أجزاء وأعطي سائر الناس واحدا ، وشاركهم في هذا الجزء . (2) إلى غير ذلك من الأخبار الدالة على أن تمام العلم عنده عليه السلام .

إذا تبين لك ذلك فاعلم أن الآية الكريمة تدل على اختصاص الخلافة والإمامة بمولانا أمير المؤمنين عليه السلام .

توضيح ذلك : إن قوله عز وجل : " وتعيها أذن واعية " إخبار عن أن الشرع والدين والكتاب مصون عن الضياع بوعيها وضبطها ، كما هو ظاهر ، وهذا كما يدل مطابقة على علمه عليه السلام بجميع أحكام الدين وعدم تطرق السهو والنسيان إليه ، يدل التزاما على عصمته وأمانته ، إذ لو لم يكن مأمونا مصونا عن العمد في المخالفة ، لتطرق الضياع إلى الكتاب والدين من جهة عدم عصمة واعيه وحامله ، فلا يتم المخبر به إلا باجتماع أمرين : الوعي المصون معه عن الجهل والسهو والنسيان ، والعصمة المانعة عن اتباع الهوى وارتكاب المعصية .

فالكلام الملقي في هذا المقام ناظر إلى إفادة الأمرين قطعا ، فكل منهما مستفاد من اللفظ ، غاية الأمر أن استفادة أحدهما منه على وجه المطابقة ، والآخر على وجه الالتزام .

وأيضا الغرض من دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يجعلها أذن علي عليه السلام وإجابته تعالى شأنه ، وتنزيل الآية في شأن علي عليه السلام إجابة لدعاء نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ليس إلا حفظ الدين والكتاب بسبب وعيها ، فلو لم يكن عنده معصوما من الزلل و

ص: 236


1- غاية المرام ص 541 .
2- غاية المرام ص 511 .

الخطأ ، كما عصمه من السهو والنسيان للزم نقض الغرض ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .

والفرق بين هذا الوجه وسابقه : أن هذا ناظر إلى الالتزام العقلي ، والأول إلى الالتزام اللفظي .

وإذا اتضح لك هذا المعنى اتضح لك أنه صلى الله عليه وآله وسلم هاد إلى الحق بقول مطلق ، لا يفارق عن الحق أبدا ، يدور معه الحق أينما دار .

ومن هذا شأنه يستحق الخلافة والإمامة قطعا لأن الخلافة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من حيث نبوته ورسالته صلى الله عليه وآله وسلم المستتبعة لافتراض طاعته على الأمة إنما هي من شؤون الهداية إلى الدين الحنيف ، التي لم يبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا لها ، وليس للخلفاء المقدمين عليه هذا الشأن قطعا ، لمراجعتهم (1) في كثير من الموارد التي أشكل عليهم الأمر إلى مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ، كما هو مذكور في كتب الفريقين ، فتختص الخلافة والإمامة به حينئذ ، إذ لا مجال للعدول عن مثله عليه السلام إلى غيره من الأمة ، قال الله تعالى : " أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون " (2) فالآية الكريمة دالة وناصة على اختصاص الخلافة والإمامة به عليه السلام ، لأن النص على الشئ قد يكون بالتنصيص على وجود علته وسببه ، كما في المقام ، فيستدل به على .

وجود المعلول استدلالا لميا ، وقد يكون بالتنصيص على ثبوت ما يتفرع عليه كإرجاع الخمس والفئ الذين هما من حقوق الإمارة والولاية إلى ذي القربى ، طبق رجوعه إليه تعالى ، وإلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم كما في آية الخمس والفئ ، فيستدل به على وجود العلة

ص: 237


1- في الأصل : " ولمراجعتهم " والظاهر زيادة الواو .
2- يونس : 35 .

استدلالا إنيا ، وقد يكون بالنص على الإمامة والولاية ابتداء كآية أولي الأمر ، فالكل ناصة على الخلافة ودليل عليها ، وإن اختلف في كيفية الدلالة .

ص: 238

الحديث السابع و العشرون في تفسير قوله تعالى: و أذان من الله و رسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر انّ الله بريء من المشركين و رسوله

في تفسير قوله تعالى : " وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله برئ من المشركين ورسوله " . (1) في غاية المرام ، ابن شهرآشوب ذكره عن جماعة من العامة ، قال :

فصل في الاستنابة والولاية ، ولاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أداء سورة براءة ، وعزل به أبا بكر بإجماع المفسرين ، ونقلة الأخبار ، رواه الطبري ، والبلاذري ، والترمذي ، والواقدي ، والشعبي ، والسدي ، والثعلبي ، والواحدي ، والقرطبي ، والقشيري ، والسمعاني ، وأحمد بن حنبل ، وابن بطة ، ومحمد بن إسحاق ، وأبو يعلى الموصلي ، والأعمش ، وسماك بن حرب - في كتبهم - عن عروة بن الزبير ، وأبي هريرة ، وأنس ، وأبي رافع ، وزيد بن نقيع ، وابن عمر ، وابن عباس ، واللفظ له :

إنه لما نزل براءة من الله ورسوله إلى تسع آيات أنفذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر إلى مكة لأدائها ، فنزل جبرائيل ، قال : إنه لا يؤديها إلا أنت أو رجل منك ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأمير المؤمنين عليه السلام : اركب ناقتي الغضباء والحق

ص: 239


1- براءة : 3 .

أبا بكر ، وخذ براءة من يده ، قال : ولما رجع أبو بكر إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم جزع : وقال يا رسول الله إنك أهلتني لأمر طالت الأعناق فيه ، فلما له توجهت رددتني عنه ، قال صلى الله عليه وآله وسلم :

الأمين هبط إلي عن الله تعالى ، أنه لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك ، وعلي مني ولا يؤدي عني إلا علي . (1) أقول : والأخبار في هذا الباب متواترة من الجانبين ، وقد ذكر في غاية المرام ثلاثة وعشرين خبرا من طريقهم ، وستة عشر من طريقنا . (2) ومن جملة ما رواه عن طريقهم : ما رواه عن الجمع بين الصحاح الستة لرزين العبدري ، في الجزء الثاني ، في تفسير سورة براءة من صحيح أبي داود - وهو السنن - وصحيح الترمذي ، قال عن ابن عباس رضي الله عنه ، قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر وأمره أن ينادي في الموسم ببراءة ، ثم أردفه عليا فبينا أبو بكر في بعض الطريق ، إذ سمع رغاء ناقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الغضباء ، فقام أبو بكر فزعا يظن أنه حدث أمر ، فدفع إليه علي كتابا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن عليا ينادي بهؤلاء الكلمات ، فإنه لا ينبغي أن يبلغ عني إلا رجل من أهل بيتي ، فانطلق فقام علي عليه السلام أيام التشريق ينادي : " ذمة الله ورسوله برئت من كل مشرك ، فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ، ولا يحجن بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت بعد العام عريان ، ولا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة " ، قال : وكان علي عليه السلام ينادي بها فإذا أعيى أمر غيره فنادى . (3) وقد ذكر أيضا في قوله صلى الله عليه وآله وسلم : (علي مني وأنا منه) خمسة وثلاثين حديثا من طريقهم ، وفي كثير منها بعد قوله صلى الله عليه وآله وسلم : " علي مني وأنا منه ،

ص: 240


1- غاية المرام ص 463 نقلا عن مناقب ابن شهرآشوب 2 / 126 طبع قم .
2- غاية المرام ص 461 - 465 .
3- غاية المرام ص 462 .

لا يؤدي عني إلا أنا أو علي " . (1) .

إذا وقفت على ذلك فاعلم أن عزل سيد الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر ، ونصب مولانا أمير المؤمنين عليه السلام لتبليغ سورة البراءة معللا بأنه لا يؤدي عني إلا أنا أو من كان مني ، وعلي مني وأنا منه ، تصريح بعدم أهلية أبي بكر ، ومن يحذو حذوه لمقام الخلافة والإمامة ، وإن المستحق لها ليس إلا أهل بيته صلى الله عليه وآله وسلم ، الذين هم منه ، وهو منهم ، لأن الخلافة عنه صلى الله عليه وآله وسلم تولية لتأدية ما هو من وظيفته وشأنه صلى الله عليه وآله وسلم ، فقوله صلى الله عليه وآله وسلم : بأن الأمين جبرائيل عليه السلام هبط إلي ، وقال : (أنه لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك ، وعلي مني وأنا منه ، فلا يؤدي عني إلا علي " وعزل أبي بكر ، لأنه ليس منه تصريح بأن التأدية عنه صلى الله عليه وآله وسلم من وظائف نفسه الشريفة ، ومن كان منه ، ولا يجوز لغيره القيام بها ، فكيف يجوز حينئذ لأبي بكر وتاليه أن يباشروا الخلافة ، ويؤدوا عنه وظائف النبوة والرسالة .

فإن قلت : لو كان الأمر كذلك لم يجز لأحد من الصحابة أن يبلغ ما سمعوه من الأحكام ، مع أنه صلى الله عليه وآله وسلم أمر بتبليغ الشاهد منهم الغائب ، وقال :

رحم الله امرءا سمع مقالتي فوعاها ، كما سمعها ، فرب حامل فقه ليس بفقيه ، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ، ألا فليبلغ الشاهد الغائب ، والوالد الولد . (2) قلت : تبليغ الأحكام على وجه الرواية وظيفة كل صحابي سمع منه صلى الله عليه وآله وسلم ، والذي هو من وظيفته صلى الله عليه وآله وسلم ووظيفة أهل بيته عليهم السلام إنما هو التأدية عنه بمعنى التولية لأداء ما هو من وظيفته ، وتنفيذه ، والخلافة عنه ليس مجرد الرواية عنه ، وإلا لاشترك فيها جميع الصحابة ، وإنما هي تولية لأمر الدين ، وتنفيذ لما هو من وظيفته فتختص بأهل بيته . .

ص: 241


1- غاية المرام 456 - 459 .
2- الكافي 1 / 403 .

الحديث الثامن و العشرون في تفسير قوله تعالى: في بيوت اذن الله أن ترفع ...

في تفسير قوله تعالى : (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال * رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار " . (1) في غاية المرام ، بعد أن قال في تفسيره من طريق العامة أربعة أحاديث .

فقال : الأول ، عن أنس ، وبريدة ، قالا : قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (في بيوت أذن الله أن ترفع) إلى قوله : " القلوب والأبصار " فقام رجل فقال :

أي بيوت هذه يا رسول الله قال : بيوت الأنبياء ، فقال : يا رسول الله : هذا البيت منها ، بيت علي وفاطمة ؟ قال : نعم من أفاضلها . (2) وقال : الثاني ، من تفسير مجاهد ، وأبي يوسف ، ويعقوب بن سفين ، قال ابن عباس في قوله تعالى : " وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما " (3) أن دحية الكلبي جاء يوم الجمعة من الشام بالميرة فنزل

ص: 242


1- النور : 36 - 37 .
2- غاية المرام ص 317 .
3- الجمعة : 11 .

عند أحجار الزيت ، ثم ضرب بالطبول ليؤذن بقدومه ، ومضوا (كذا) الناس إليه إلا علي والحسن والحسين ، وفاطمة ، وسلمان ، وأبو ذر ، والمقداد ، وصهيب ، وتركوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم قائما يخطب على المنبر ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : لقد نظر الله يوم الجمعة إلى مسجدي ، فلولا هؤلاء الثمانية الذين جلسوا في مسجدي لاضطرمت المدينة على أهلها نارا ، وحصبوا بالحجارة ، كقوم لوط ، ونزل فيهم : " رجال لا تلهيهم تجارة " . (1)

وقال : الثالث ، الثعلبي في تفسيره ، في تفسير الآية برفع الإسناد إلى أنس بن مالك ، قال : قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذه الآية ، فقام رجل ، فقال : يا رسول الله هذا البيت منها ؟ يعني بيت علي وفاطمة قال : نعم ، من أفاضلها . (2) وقال : الرابع ، الثعلبي في تفسيره في معنى الآية ، قال : حدثنا المنذر بن محمد القابوسي ، حدثنا الحسين بن سعيد ، حدثني أبي ، عن أبان بن تغلب ، عن مصقع بن الحرث ، عن أنس بن مالك ، وعن بريدة ، قالا : قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذه الآية : " في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه " إلى قوله " والأبصار " فقام إليه أبو بكر فقال : يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذا البيت منها ، يعني بيت علي وفاطمة قال : نعم ، من أفاضلها . (3) وأما الروايات من طريقنا فكثيرة جدا .

منها : ما ذكره في غاية المرام ، عن محمد بن يعقوب ، عن عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن أبيه ، عن من ذكره ، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن أبيه ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال :

" إنكم لا تكونون

ص: 243


1- غاية المرام ص 317 .
2- غاية المرام ص 317 نقلا عن تفسير الثعلبي .
3- غاية المرام ص 317 نقلا عن تفسير الثعلبي .

صالحين حتى تعرفوا ، ولا تعرفون حتى تصدقوا ، ولا تصدقون حتى تسلموا أبوابا أربعة ، لا يصلح أولها إلا بآخرها ، ضل أصحاب الثلاثة وتاهوا فيها تيها بعيدا ، أن الله تبارك وتعالى : لا يقبل إلا العمل الصالح ، ولا يقبل إلا بالوفاء بالشروط والعهود ، فمن وفى لله عز وجل بشرطه ، واستكمل ما وصف في عهده نال ما عنده ، واستكمل ما وعده الله ، إن الله تبارك وتعالى أخبر العباد بطريق الهدى ، وشرع لهم فيها المنار ، وأخبرهم كيف يسلكون ، فقال : " وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى " (1) وقال : " إنما يتقبل الله من المتقين " (2) فمن اتقى الله فيما أمره لقى الله مؤمنا بما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم هيهات هيهات مات قوم وماتوا قبل أن يهتدوا ، فظنوا أنهم آمنوا ، وأشركوا من حيث لا يعلمون ، إنه من أتى البيوت من أبوابها اهتدى ، ومن أخذ في غيرها سلك طريق الردى ، وطاعة ولي أمره بطاعة الله له ، وطاعة رسوله بطاعته ، فمن ترك طاعة ولاة الأمر لم يطع الله ولا رسوله ، وهو الاقرار بما أنزل من عند الله عز وجل ، خذوا زينتكم عند كل مسجد ، والتمسوا البيوت التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه ، فإنه أخبركم أنهم : " رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار " إن الله قد استخلص الرسل لأمره ثم استخلصهم مصدقين بذلك في نذره ، فقال :

" وإن من أمة إلا خلا فيها نذير " (3) تاه من جهل ، واهتدى من أبصر وعقل ، .

إن الله عز وجل يقول : " إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى

ص: 244


1- طه : 82 .
2- المائدة : 27 .
3- فاطر : 24 .

القلوب التي في الصدور " (1) وكيف يهتدي من لم يبصر ، وكيف يبصر من لم يتدبر ، اتبعوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته ، وأقروا بما أنزل الله ، واتبعوا آثار الهدى " فإنهم علامات الأمانة والتقى ، واعلموا أنه لو أنكر رجل عيسى بن مريم عليه السلام وأقر بمن سواه من الرسول لم يؤمن . اقتصوا الطريق بالتماس المنار ، والتمسوا من رواء الحجة الآثار ، تستكملوا أمر دينكم ، وتؤمنوا بالله ربكم . (2) وعن أبي حمزة الثمالي أنه حضر قتادة بن دعامة البصري عند مولانا الباقر عليه السلام في مسجد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فقال أبو جعفر عليه السلام : أنت فقيه أهل البصرة ؟ فقال : نعم ، فقال له أبو جعفر : ويحك يا قتادة إن الله عز وجل خلق خلقا من خلقه فجعلهم حججا على خلقه ، فهم أوتاد في الأرض قوام بأمره ، نجباء في علمه ، اصطفاهم قبل خلقه أظلة عن يمين العرش ، قال : فسكت قتادة طويلا ، ثم قال : أصلحك الله ، والله لقد جلست بين يدي الفقهاء ، وقدام ابن عباس فما اضطرب قلبي قدام واحد منهم ما اضطرب قدامك ، فقال أبو جعفر عليه السلام : ما تدري أين أنت ؟ أنت بين يدي : " بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال * رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة " ونحن أولئك ، فقال له قتادة : صدقت والله ، جعلني الله فداك ، والله ما هي بيوت حجارة ، ولا طين . (3) .

أقول : وبعد ما تبين لك من روايات الفريقين أن المراد من " بيوت

ص: 245


1- الحج : 46 .
2- غاية المرام ص 317 . الكافي 2 / 47 .
3- غاية المرام ص 318 نقلا عن الكافي 6 / 256 .

أذن الله أن ترفع " بيوت الأنبياء سلام الله عليهم لا بيوت حجارة وطين ، وأن بيت علي وفاطمة سلام الله عليهما من أفاضلها ، تبين أنهم صفوة الصفوة من الخلق ، وأن الإمامة والخلافة تختص بهم دون سائر الأمة .

توضيح ذلك : إن الله تبارك وتعالى أخبر في كتابه المجيد باصطفاء آل إبراهيم وآل عمران على العالمين ، قال عز من قائل : " إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين " ، (1) فهم صفوة العالمين ، وآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم من أفاضلها بمقتضى روايات الفريقين ، فهم صفوة الصفوة من العالمين .

وإذا تبين لك أنهم عليهم السلام كذلك ، تبين لك اختصاص الإمامة والخلافة بهم ، أترى أنه يجوز أن تكون صفوة الصفوة من العالمين بنص عالم السر والخفيات تحت بيعة من لم يعلم أمر باطنهم ، وخبيات سرائرهم .

والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله وصلى الله على محمد وآله الطاهرين . .

ص: 246


1- آل عمران : 33 .

الحديث التاسع والعشرون في تفسير قوله تعالى: الله نور السموات و الأرض...

في تفسير قوله تعالى : " الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضئ ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شئ عليم " . (1) في غاية المرام : ابن المغازلي الشافعي في كتاب المناقب ، يرفعه إلى علي بن جعفر عليه السلام ، قال : سألت أبا الحسن عليه السلام ، عن قول الله عز وجل :

" كمشكاة فيها مصباح المصباح " قال : المشكاة فاطمة عليها السلام ، والمصباح الحسن والحسين عليهما السلام و " الزجاجة كأنها كوكب دري " قال : كانت فاطمة كوكبا دريا بين نساء العالمين " يوقد من شجرة مباركة " إبراهيم " لا شرقية ولا غربية " ولا يهودية ، ولا نصرانية ، " يكاد زيتها يضئ " قال : كاد العلم ينطق منها ، " ولو لم تمسسه نار نور على نور " قال : منها إمام بعد إمام " يهدي الله لنوره من يشاء " يهدي الله لولايتنا من يشاء . (2)

ص: 247


1- النور : 35 .
2- غاية المرام ص 315 . مناقب ابن المغازلي ص 317 .

هذا من طريق العامة .

وأما من طريقنا ، فعن جابر عن مولانا أبي جعفر عليه السلام قال : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وضع العلم الذي كان عنده عند الوصي ، وهو قول الله عز وجل : " الله نور السماوات والأرض مثل نوره " يقول : أنا هادي السماوات والأرض مثل العلم الذي أعطيته ، هو نوري الذي يهتدى به ، مثل المشكاة ، فيها مصباح ، والمشكاة قلب محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، والمصباح النور الذي فيه العلم وقوله : " المصباح في زجاجة " ، يقول إني أريد أن أقبضك ، فاجعل الذي عندك عند الوصي ، كما يجعل المصباح في الزجاجة " كأنها كوكب دري " فأعلمهم فضل الوصي " يوقد من شجرة مباركة " فأصل الشجرة المباركة إبراهيم عليه السلام ، وهو قول الله عز وجل : " رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد " (1) وهو قول الله عز وجل : " إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين * ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم " (1) لا شرقية ، ولا غربية ، فيقول : لا يهود فتصلون قبل المغرب ولا نصارى فتصلون قبل المشرق ، وأنتم على ملة إبراهيم ، وقد قال الله عز وجل : " ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين " ، (2) وقوله : " يكاد زيتها يضئ ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء " يقول مثل أولادكم الذين يولدون منكم كمثل الزيت الذي يتخذ من الزيتون " يكاد زيتها يضئ ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء " يقول يكادون أن يتكلموا

ص: 248


1- آل عمران : 33 - 34 .
2- آل عمران : 67 .

بالنبوة ، ولو لم ينزل عليهم ذلك . (1)

وفي رواية أخرى عن عيسى بن راشد ، عن مولانا أبي جعفر عليه السلام أيضا ، في قول الله عز وجل : " كمشكاة فيها مصباح " قال : المشكاة نور العلم في صدر محمد صلى الله عليه وآله وسلم " المصباح في زجاجة " الزجاجة صدر علي عليه السلام صار علم النبي صلى الله عليه وآله وسلم عنده عليه السلام ، " الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة " ، قال : نور العلم " لا شرقية ولا غربية " ، قال لا يهودية ، ولا نصرانية ، " بكاد زيتها يضئ ولو لم تمسسه نار " ، قال يكاد العالم من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، بتكلم بالعلم قبل أن يسأل " نور على نور " ، يعني إماما مؤيدا بنور العلم والحكمة في إثر إمام من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة . (2) وفي رواية أخرى : عن جابر عن مولانا الباقر عليه السلام ، في قول الله عز وجل : " الله نور السماوات والأرض مثل نوره " فهو محمد صلى الله عليه وآله وسلم " فيها مصباح " هو العلم " المصباح في زجاجة الزجاجة " أمير المؤمنين عليه السلام ، وعلم نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم عنده . (3) وفي رواية أخرى : عن مولانا الرضا عليه السلام : " الله نور السماوات والأرض " ، أي هاد لأهل السماء ولأهل الأرض . (4) وفي رواية أخرى : عن جابر ، قال : دخلت مسجد الكوفة وأمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه يكتب بأصبعه ويتبسم فقلت له :

يا أمير المؤمنين ما الذي يضحكك ؟ فقال عليه السلام : عجبت لمن يقرأ هذه الآية ولم يعرفها حق معرفتها ، فقلت له : أي آية يا أمير المؤمنين عليه السلام ، فقال : قوله تعالى :

ص: 249


1- غاية المرام ص 315 نقلا عن الكافي 8 / 380 .
2- غاية المرام ص 315 - 316 نقلا عن الصدوق .
3- غاية المرام ص 316 نقلا عن الصدوق .
4- غاية المرام ص 315 نقلا عن الكافي 1 / 115 .

" الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة " المشكاة محمد " فيها مصباح " أنا المصباح " في زجاجة ، الزجاجة " الحسن والحسين " كأنها كوكب دري " وهو علي بن الحسين " يوقد من شجرة مباركة " محمد بن علي " زيتونة " جعفر بن محمد " لا شرقية " موسى بن جعفر " ولا غربية " علي [ بن ] موسى الرضا " يكاد زيتها يضئ " محمد بن علي " ولو لم تمسسه نار " علي بن محمد " نور على نور " الحسن بن علي " يهدي الله لنوره من يشاء " القائم المهدي " ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شئ عليم " . (1) إذا وقفت على روايات الباب ، فاعلم أن توضيح الأمر في المقام وتطبيق الآية الكريمة على ما في الروايات ، من جهة القواعد اللفظية يتوقف على تقديم مقدمة ، وهي : أن المراد بالنور في المقام هو النور المعنوي ، وهو لعلم والهداية ، لا الحسي وهو ضوء الشمس والقمر والنجوم وهذا لأمور : (2) الأول : أن التشبيه بمشكاة فيها مصباح والمصباح في زجاجة ، وتشبيه الزجاجة بكوكب دري ، وتوصيفه بأنه يوقد من شجرة مباركة زيتونة إلى آخر الآية لا يجري في ضوء الشمس والقمر والنجوم ، وهكذا من الأنوار المحسوسة الظاهرة ، كما هو ظاهر .

والثاني : أن الخفي إنما يشبه بالجلي ، لا الجلي بالخفي ، وخفاء المشبه بالنسبة إلى المشبه به إما من جهة كون المشبه أمرا معقولا معنويا والمشبه به .

أمرا حسيا مدركا بذاته ، وإما من جهة كون المشبه به أقوى

ص: 250


1- غاية المرام ص 317 .
2- في الأصل : " وهكذا الأمور " والصحيح ظاهرا ما أثبتناه .

من المشبه مع تساويهما في أنهما مدركان حسا ، أو معنى ، والأمر في المقام بالعكس ، لأن ضوء الشمس والقمر والنجوم مع كونه حسيا أقوى من نور المصباح في المشكاة ، فيكون أظهر .

والثالث : قوله تعالى : " يهدي الله لنوره من يشاء " إذ الهداية إلى الأنوار الحسية كضوء الشمس والقمر والنجوم يشترك فيها جميع الخلق ممن هداه الله ولم يهده ، وإنما الذي يختص به من يشاء هو الاهتداء إلى نور الله في أرضه وسمائه ، وحجته على عباده ، وخليفته في خلقه .

والرابع : قوله تعالى : " في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه " (1) إلى آخر الآية ، لأنه متعلق بقوله تعالى : " مثل نوره " يعني أن هذا النور الذي : " كمشكاة فيها مصباح " إلى آخر الآية كائن في بيوت موصوفة بالأوصاف المذكورة ، ومن المعلوم أن ضوء الشمس والقمر والنجوم لا تعلق لها بالبيوت الموصوفة بالأوصاف المذكورة سواء أريد من البيوت المساجد ، كما زعمه بعض المفسرين ، (2) أو بيوت الأنبياء سلام الله عليهم ، كما دلت عليه روايات الفريقين ، فما عن الحسن ، وأبي العالية ، والضحاك من أن معنى " الله نور السماوات والأرض " الله منور السماوات والأرض ، والشمس والقمر والنجوم (3) غلط ، لا يلائم ما بعده بوجه ، مع أن ضوء الشمس والقمر والنجوم لا يظهر إلا في الأرض وما جاورها من الهواء الواصل إليه أثر الانعكاس من الأرض .

فتبين بما بيناه أنه لا مجال لتفسير " نور السماوات والأرض " في

ص: 251


1- النور : 36 .
2- مجمع البيان 7 / 144 .
3- مجمع البيان 7 / 144 .

الآية الكريمة إلا بما أطبقت عليه الروايات من هادي السماوات والأرض .

بيانه : إن النور كسائر الحقائق من الممكنات ، فلا يحمل على الواجب تعالى شأنه حقيقة تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا ، فحمله عليه تعالى شأنه إنما هو باعتبار ثبوت أثره له تعالى ، وعدم تطرق الضد فيه عز وجل ، كما أن إثبات صفات الكمال له تعالى إنما هو بهذا المعنى ، والأثر الظاهر للنور إنما هو ظهور الأشياء به ، فحينئذ إما أن يراد ظهور الأشياء به حسا أو معنى ، وقد تبين لك أن إرادة الأول لا يلائم مع ما بعده بوجه ، فتعين الثاني ، وهو رفع ظلمات الجهل بنور العلم والهداية .

وإذا ثبت ذلك : تبين أن إضافته إلى السماوات والأرض لا تكون إلا باعتبار أهلها ، لأن العلم والهداية لا يتعلق بنفس السماء والأرض ، فالتعبير بالسماوات حينئذ إنما هو باعتبار عدم اختصاص الهداية ، بفرد دون فرد ، فإن التعبير بالجمع المحلى وغيره حينئذ شائع في العرف ، كقوله تعالى :

" وسئل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها " ، (1) ولا يكون هذا من باب التجوز في الكلمة بعلاقة الحال ، كما توهموه ، وإنما هو من باب التجوز في الإسناد ، كما حققناه في محله .

وبما بيناه تبين أيضا أن تفسير " نور السماوات والأرض " بمزين السماء بالملائكة ، ومزين الأرض بالأنبياء والعلماء - كما نسب إلى أبي كعب - (2) في غير محله ، إلا أن يرجع إلى ما بيناه ، لأن التزيين وإن كان من آثار النور إلا أنه ليس من الحيثيات الظاهرة له ، فالتفسير التام إنما هو ما في الروايات أي هاد لأهل السماء ، وهاد

ص: 252


1- يوسف : 82 .
2- مجمع البيان 7 / 142 .

لأهل الأرض ، وحيث إن هدايته تعالى لأهل الأرض لا تكون بلا واسطة ، فلا بد من هاد بينه تعالى شأنه وبينهم .

فقال عز من قائل : " مثل نوره " أي الهادي الذي اختاره الله تعالى هاديا لهم ، ويمكن أن يكون التفصيل بين السماء والأرض بالتعبير في الأول بصيغة الجمع ، وفي الثاني بصيغة الإفراد تنبيها على هذا المعنى " وهو ثبوت الواسطة في الهداية بينه تعالى شأنه ، وبين أهل الأرض ، وعدم ثبوتها بالنسبة إلى أهل السماوات ، حيث إن هداية أهل الأرض بواسطة خلفائه ، وهداية أهل السماوات بالإلهام ، أو ما بمنزلته .

وكيف كان فالنور المضاف إليه تعالى في قوله عز وجل : " مثل نوره " غير النور المحمول عليه أولا إذ لا يجوز إضافة المحمول إلى موضوعه ، فالمراد منه الهادي المنتسب إليه تعالى شأنه ، الذي جعله واسطة بينه وبين خلقه ، وسببا لهدايتهم ، فالمثل إنما هو له ، لا لله تعالى .

والتشبيه إنما هو لمثل خليفته في خلقه ، أي العنوان المناسب اللائق له ، والغرض من التشبيه توضيح مقام خليفته ، وبيان عدم انقطاع حبل الخلافة بما يناسبه عالم الحس والظاهر ، حتى يتوسل الخلق إلى إدراك مقامه بواسطة تطبيق المعقول على المحسوس .

إذا عرفت ذلك فقد تبين لك أن تفسير " مثل نوره " بالإيمان في قلوب المؤمنين ، وبطاعتهم لله تعالى في غير محله ، لأن الإيمان والطاعة نتيجة الهداية ، لا سببها ، مع أن التشبيه بمشكاة فيها مصباح - إلى آخر الآية - لا يلائمه أصلا ، ضرورة أن المشبه به سبب الهداية ووسيلة إلى رفع الظلمة ، فالذي يشبه به إنما هو ما يكون سببا للهداية ، لا ما هو نتيجة له .

ص: 253

توضيح ذلك : أن المنظور من المشبه به بيان سبب الإنارة والإضاءة لمن استضاء به ، لاستنارة المشكاة بالمصباح ، سواء أريد من المشكاة الكوة أو القنديل ، أو العمود الذي فيه الفتيلة ، كما هو ظاهر .

والحاصل أن المشكاة من توابع المضئ الذي يستضئ به الناس ، لا أن حيثيتها الاستضاءة بالمصباح ، فلا مجال لتشبيه الإيمان في قلب المؤمن ، أو طاعة الله في قلبه بمشكاة فيها مصباح ، لأن قلب المؤمن إنما يستنير بالإيمان والطاعة ، لا أنه يصير سببا لاستنارة غيره به .

وأما ما عن أبي من أنه كان يقرأ مثل نور . من آمن به " (1) فلا ينافي ما بيناه ، لأن خليفة الله في خلقه نور الله باعتبار أنه منصوب من قبله ، هاديا للخلق ، ونور المؤمنين بواسطة أنهم يهتدون به ، فتصح إضافته إليه تعالى ، وإلى المؤمنين بالاعتبارين .

وبما بيناه تبين أن تفسير " مثل نوره " بالقرآن في القلب (2) في غير محله أيضا ، مع أنه لا ينطبق عليه قوله تعالى : " يوقد من شجرة مباركة زيتونة " ، لأن الموقد من شجرة الخليل عليه السلام إنما هو نبينا صلى الله عليه وآله وسلم ومولانا أمير المؤمنين عليه السلام والأئمة المعصومين من ذريته سلام الله عليهم أجمعين ، لا القرآن بل لا يناسبه قوله تعالى : " يهدي الله لنوره من يشاء " لأن التعبير باللام إنما يلائم إذا كان الاهتداء إليه مقصودا ، كخليفة الله تعالى في عباده ، حيث اعتبر ولايته والاهتداء إلى معرفته في الإيمان . وأما القرآن فليس له هذا الشأن وإنما هو سبب للهداية فقط ، فالتعبير المناسب له : " يهدي الله بنوره من يشاء " . .

ص: 254


1- مجمع البيان 7 / 142 .
2- مجمع البيان 7 / 142 .

وأما تفسيره بالأدلة الدالة على توحيده وعدله التي هي في الوضوح والظهور مثل النور ، كما عن بعض المفسرين بالرأي أيضا (1) فأفسد من الجميع ، إذ مع عدم ملائمته لما ذكرنا من الوجوه المتعددة لا يلائم مع قوله تعالى : " في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه " .

فلم يبق إلا ما فسر في روايات أهل البيت عليهم السلام من أن المراد من " مثل نوره " خليفة الله في خلقه ، الذي هو نور الله في أرضه ، وأن مشكاة فيها مصباح منطبق على خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم ، الذي فيه مصباح النبوة ، وأن الزجاجة ينطبق على سيد الأوصياء مولانا أمير المؤمنين عليه السلام الذي ظهر فيه علم خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم ومنه أشرق ، وكانت منزلته عليه السلام منه صلى الله عليه وآله وسلم منزلة الباب من المدينة ، فلا يدخلها إلا من أتاها من بابها ، الذي هو كوكب دري يوقد من شجرة الخليل عليه السلام التي هي شجرة ميمونة مباركة ، وأن الزيت المتخذ من الزيتونة المباركة منطبق على أولاده المعصومين ، الذين هم نور على أثر نور ، ولا تخلو الأرض منهم إلى يوم القيامة .

وأما تطبيق كل فقرة من الآية الشريفة على واحد من الأئمة عليهم السلام ، كما في رواية جابر ، عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام فلعله من التفسير بالباطن .

وقد رام شيخ مشايخنا العلامة أعلى الله في الفردوس مقامه (2) في رسالته النورية (3) تطبيق فقرات الآية على الأئمة عليهم السلام كما في الرواية ، ببيان لطيف من أراد الاطلاع عليه فليرجع إليها . .

وأما تطبيق : " مشكاة فيها مصباح " على سيدة العالمين فاطمة

ص: 255


1- مجمع البيان 7 / 143 .
2- يعني الشيخ هادي الطهراني " ره " .
3- المطبوع بالطبع الحجري وطبعت ترجمته أيضا .

الزهراء عليها السلام ، كما في رواية علي بن جعفر عليه السلام من طريق العامة ، (1) وفي بعض الروايات المروية عن أهل البيت عليهم السلام من طريقنا (2) فمشكل ، ولعله تأويل إن لم يقع فيها خلط من الراوي .

وكيف كان فقد ظهر من الآية الشريفة أن الله تعالى لم يهمل عباده ، ولم يترك أرضه بغير قيم ، ولم يفوض أمر الولاية والإمامة إلى اختيار الناس ، بل جعل في أرضه أنوارا ، نورا في إثر نور ، مطهرين معصومين ، هادين مهديين ، لم يكن ظلمة وكدورة ، فإن التعبير عنهم عليهم السلام بنوره ، وتوصيفهم بما وصفه تصريح بعصمتهم وطهارتهم ، إذ لو لم يكونوا معصومين مطهرين ، لتطرق إليهم ظلمة المعصية ، وكدورة الجهل ، والسهو ، والنسيان ، ولم يكونوا خالصين في النورانية ، مع أنه تعالى شأنه وصفهم بكمال النورانية ، ولا ينطبق ذلك إلا على مولانا أمير المؤمنين عليه السلام والأئمة المعصومين من ذريته سلام الله عليهم أجمعين ، إذ لم يدع أحد من الأمة ادعاء النص والعصمة في شأن الخلفاء الثلاثة وغيرهم من الأئمة .

والحمد لله الذي نور قلوبنا ، وهدانا لنوره ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين . .

ص: 256


1- غاية المرام ص 315 . مناقب ابن المغازلي ص 317 .
2- غاية المرام ص 316 .

الحديث الثلاثون في تفسير قوله تعالى: والسابقون السابقون اولئک المقربون في جنات النعيم

في تفسير قوله تعالى : " والسابقون السابقون * أولئك المقربون * في جنات النعيم " . (1) في غاية المرام من طريق العامة إبراهيم بن محمد الحمويني بإسناده المتصل إلى سليم بن قيس الهلالي - في حديث طويل - يذكر أمير المؤمنين عليه السلام فضائله بمشهد جمع كثير من المهاجرين والأنصار ويناشدهم الاقرار بفضائله عليه السلام التي يذكرها - إلى أن قال عليه السلام - : فأنشدكم الله أتعلمون أن الله عز وجل فضل في كتابه السابق على المسبوق في غير آية . وإني لم يسبقني إلى الله عز وجل ، وإلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أحد من الأمة ؟ قالوا : اللهم نعم ، فأنشدكم الله أتعلمون حيث نزلت " والسابقون الأولون * من المهاجرين والأنصار " (2) " والسابقون السابقون أولئك المقربون " . سئل عنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : أنزلها الله تعالى ذكره في الأنبياء وأوصيائهم ، فأنا أفضل أنبياء الله ورسله ، وعلي بن أبي طالب وصيي

ص: 257


1- الواقعة : 10 - 12 .
2- التوبة : 10 .

أفضل الأوصياء ؟ قالوا : اللهم نعم . . . (1) والحديث طويل .

والثعلبي في تفسيره ، قال : أخبرني أبو عبد الله ، حدثنا عبد الله بن أحمد بن يوسف بن مالك ، حدثنا محمد بن إبراهيم بن زياد الرازي ، حدثنا الحارث بن عبد الله الحارثي ، حدثنا قيس بن الربيع ، عن الأعمش ، عن عباية بن ربعي ، عن ابن عباس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : قسم الله الخلق قسمين : فجعلني في خيرها قسما ، فذلك قوله تعالى :

" وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين " ، (2) فأنا خير أصحاب اليمين ، ثم جعل القسمين أثلاثا ، فجعلني في خيرها ثلاثا ، فذلك قوله تعالى :

" فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة * وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة * والسابقون السابقون " (3) وأنا من السابقين ، وأنا من خير السابقين ، ثم جعل إلا ثلاث قبائل ، وجعلني من خيرها قبيلة ، وذلك قوله عز وجل :

" وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم " (4) فأنا أتقى ولد آدم ، وأكرمهم على الله عز وجل ثناءه ، ولا فخر ، ثم جعل القبائل بيوتا فجعلني من خيرها بيتا ، فذلك قوله تعالى : " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " (5) . (6) والفقيه ابن المغازلي الشافعي في المناقب ، في قوله تعالى : .

" والسابقون السابقون " يرفعه إلى ابن عباس ، قال : " السابق ثلاثة : سبق

ص: 258


1- غاية المرام ص 355 نقلا عن فرائد السمطين .
2- الواقعة : 27 .
3- الواقعة : 8 - 10 .
4- الحجرات : 13 .
5- الأحزاب : 33 .
6- غاية المرام ص 386 نقلا عن تفسير الثعلبي .

يوشع بن نون إلى موسى عليه السلام ، وسبق صاحب يس إلى عيسى عليه السلام ، وسبق علي عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو أفضلهم " . (1) وأبو نعيم الحافظ عن رجاله ، مرفوعا إلى ابن عباس : سابق هذه الأمة علي بن أبي طالب عليه السلام . (2) وأبو المؤيد موفق بن أحمد ، بإسناده إلى إبراهيم بن سعيد الجوهري وصي المأمون ، حدثني أمير المؤمنين الرشيد ، عن أبيه ، عن جده ، عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنه - قال : سمعت عمر بن الخطاب - وعنده جماعة - فتذكروا السابقين إلى الإسلام فقال عمر : أما علي فسمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : فيه ثلاث خصال ، لوددت أن تكون لي واحدة منهن ، وكانت أحب إلي مما طلعت عليه الشمس ، كنت أنا وأبو عبيدة ، وأبو بكر ، وجماعة من أصحابه ، إذ ضرب النبي صلى الله عليه وآله وسلم على منكب علي رضي الله عنه وقال له : ويا علي أنت أول المؤمنين إيمانا ، وأول المسلمين إسلاما ، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى . (3) وموفق بن أحمد بإسناده إلى مجاهد ، عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : السبق ثلاثة : السابق إلى موسى عليه السلام يوشع بن نون ، والسابق إلى عيسى عليه السلام صاحب يس ، والسابق إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم علي بن أبي طالب عليه السلام . (4) .

وأما الروايات من طريقنا فكثيرة جدا بالغة حد التواتر ، ولنتبرك بذكر واحدة منها .

ص: 259


1- غاية المرام ص 386 . مناقب ابن المغازلي ص 320 .
2- غاية المرام ص 386 .
3- غاية المرام ص 356 . مناقب الخوارزمي ص 19 .
4- غاية المرام ص 356 . مناقب الخوارزمي ص 20 .

علي بن إبراهيم ، في تفسيره ، أخبرنا الحسن بن علي ، عن أبيه ، عن الحسين بن سعيد ، عن الحسين بن علوان الكلبي ، عن الحسين بن علي العبدي ، عن أبي هارون العبدي ، عن ربيعة السعدي ، عن حذيفة بن اليمان :

أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أرسل إلى بلال فأمره أن ينادي بالصلاة قبل وقت كل يوم في رجب لثلاثة عشر خلت منه ، قال : فلما نادى بلال بالصلاة فزع الناس من ذلك فزعا شديدا ، وذعروا وقالوا : رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين أظهرنا ، لم يغب عنا ، ولم يمت ، فاجتمعوا وحشدوا ، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يمشي حتى انتهى إلى باب من أبواب المسجد ، فأخذ بمضاديته ، وفي المسجد مكان يسمى السدة ، فسلم ثم قال : " هل تسمعون يا أهل السدة ؟ فقالوا : سمعنا وأطعنا ، فقال : هل تبلغوه ؟ قالوا : ضمنا ذلك لك يا رسول الله ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أخبركم أن الله خلق الخلق قسمين : فجعلني في خيرها قسما ، وذلك قوله : " أصحاب اليمين وأصحاب الشمال " فأنا من أصحاب اليمين ، وأنا من خير أصحاب اليمين ، ثم جعل القسمين أثلاثا ، فجعلني من خيرها ثلاثا ، وذلك قوله : " أصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة * والسابقون السابقون " فأنا من السابقين ، وأنا خير السابقين ، ثم جعل الأثلاث قبائل ، فجعلني في خيرها قبيلة ، وذلك قوله : " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم " فقبيلتي خير القبائل ، وأنا سيد ولد آدم ، وأكرمهم على الله ، ولا فخر ، ثم جعل القبائل بيوتا ، فجعلني من خيرها بيتا ، وذلك قوله : " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت

ويطهركم تطهيرا " ألا وإن الله اختارني في ثلاثة من أهل بيتي ، وأنا سيد الثلاثة وأتقاهم لله ، اختارني ، وعليا وجعفرا ابني

ص: 260

أبي طالب ، وحمزة بن عبد المطلب ، كنا رقودا بالأبطح ، ليس منا إلا مسجى بثوبه على وجهه ، علي بن أبي طالب عن يميني ، وجعفر عن يساري ، وحمزة عند رجلي ، فما نبهتني عن رقدتي غير حفيف أجنحة الملائكة ، وبرد ذراعي علي بن أبي طالب في صدري ، فانتبهت من رقدتي ، وجبرائيل في ثلاثة أملاك ، يقول له أحد الأملاك الثلاثة : جبرائيل إلى أي هؤلاء أرسلت ؟ فرفسني برجله ، فقال : إلى هذا ، قال : ومن هذا يستفهم ، فقال : هذا رسول الله سيد النبيين صلى الله عليه وآله وسلم وهذا علي بن أبي طالب سيد الوصيين ، وهذا جعفر بن أبي طالب عليه السلام له جناحان يطير بهما في الجنة ، وهذا حمزة بن عبد المطلب سيد الشهداء " عليهم الصلاة والسلام . (1) أقول : لا شبهة عند الفريقين أن أول من آمن بالله تعالى وبرسوله صلى الله عليه وآله وسلم وصلى معه من الرجال مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ، كما أن أول من آمن به من النساء خديجة الكبرى أم المؤمنين ، وقد تواترت الأخبار فيه من الجانبين .

وقد ذكر في غاية المرام في هذا الباب سبعة وأربعين حديثا من طريق العامة ، وثمانية عشر من طريقنا . (2) ومن جملة ما رواه من طريقهم : ما رواه عن موفق بن أحمد بإسناده ، إلى معاذ بن جبل ، أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام : " اختصمت بالنبوة ولا نبوة بعدي وتخصم الناس بسبع لا يحاجك فيهن أحد من قريش ، أنت أولهم إيمانا بالله ، وأوفاهم بعهد الله ، وأقومهم بالله ضرابة ، وأقسمهم بالسوية ، وأعدلهم في الرعية ، وأبصرهم في القضية ، وأعظمهم

ص: 261


1- غاية المرام ص 356 نقلا عن تفسير القمي 661 . الطبع الحجري .
2- غاية المرام ص 499 .

عند الله يوم القيامة مزية " . (1)

وما عن إبراهيم الحمويني من أعيان علماء العامة ، بإسناده إلى ابن سخيلة ، قال : حججت أنا وسلمان ، فنزلنا بأبي ذر فكنا عنده ما شاء الله ، فلما حان منا خفوق ، قلت : يا أبا ذر ، إني أرى أمورا قد حدثت وإني خائف على الناس الاختلاف ، فإن كان ذلك فما تأمرني ؟ قال : إلزم كتاب الله وعلي بن أبي طالب عليه السلام ، فأشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : علي أول من آمن بي ، وأول من يصافحني يوم القيامة ، وهو الصديق الأكبر ، والفاروق يفرق بين الحق والباطل . (2) وما عن الحمويني المتقدم ، بإسناده عن أبي أيوب ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " لقد صلت الملائكة علي وعلى علي سبع سنين ، لأنا كنا نصلي ليس معنا أحد يصلي غيرنا " . (3) وما عن ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ، قال : روى عبد السلام بن صالح ، عن إسحاق الأزرق ، عن جعفر بن محمد عليه السلام عن آبائه عليهم السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما زوج فاطمة دخل النساء عليها ، فقلن : يا بنت رسول الله خطبك فلان وفلان فردهم عنك وزوجك فقيرا لا مال له ، فلما دخل عليها أبوها صلى الله عليه وآله وسلم رأى ذلك في وجهها ، فسألها فذكرت له ذلك ، فقال :

" يا فاطمة إن الله أمرني فأنكحتك أقدمهم سلما ، وأكثرهم علما ، وأعظمهم حلما ، وما زوجتك إلا بأمر من السماء ، أما علمت أنه أخي في الدنيا وفي الآخرة . (4) ومن جملة ما رواه من طريقنا : ما عن ابن بابويه ، قال : حدثنا

ص: 262


1- غاية المرام ص 502 نقلا عن مناقب الخوارزمي ص 61 .
2- غاية المرام ص 502 نقلا عن فرائد السمطين .
3- غاية المرام ص 502 نقلا عن فرائد السمطين .
4- غاية المرام ص 503 .

محمد بن علي رحمه الله عن عمه محمد بن أبي القاسم ، عن محمد بن علي الكوفي ، عن محمد بن سنان ، عن مفضل ، عن جابر بن يزيد ، عن أبي الزبير المكي ، عن جابر بن عبد الله الأنصاري ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن الله تبارك وتعالى اصطفاني ، واختارني ، وجعلني رسولا ، وأنزل علي سيد الكتب ، فقلت : إلهي وسيدي إنك أرسلت موسى إلى فرعون فسألك أن تجعل معه أخاه هارون وزيرا ، يشد به عضده ، ويصدق به قوله ، وإني أسألك يا سيدي وإلهي أن تجعل لي من أهلي وزيرا تشد به عضدي ، فاجعل لي عليا وزيرا وأخا ، واجعل الشجاعة في قلبه ، وألبسه الهيبة على عدوه ، وهو أول من آمن بي ، وصدقني ، وأول من وحد الله معي ، وإني سألت ذلك ربي عز وجل فأعطانيه ، فهو سيد الأوصياء ، اللحوق به سعادة ، والموت في طاعته شهادة ، واسمه في التوراة مقرون إلى اسمي ، وزوجته صديقة الكبرى ابنتي ، وابناه سيدا شباب أهل الجنة ابناي ، وهو ، وهما ، والأئمة من بعدهم حجج الله على خلقه بعد النبيين ، وهم أبواب العلم في أمتي ، من تبعهم نجا من النار ، ومن اقتدى بهم هدي إلى صراط مستقيم ، لم يهب الله محبتهم لعبد إلا أدخله الله الجنة " . (1) إذا وقفت على ما بيناه ورويناه في تفسير الآية الكريمة من روايات الفريقين ، من أنها نزلت في شأن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ، فاعلم أن الآية الكريمة تدل على اختصاص الخلافة والإمامة به عليه السلام من وجهين : .

الأول : إخباره تعالى شأنه عن السابقين في الإيمان بالله تعالى وبرسوله صلى الله عليه وآله وسلم بأنهم السابقون على وجه الاطلاق ، يعني أنهم استحقوا السبق في جميع الموارد ، ومن جملتها : الخلافة ، والإمامة ، والإمارة ،

ص: 263


1- غاية المرام ص 504 . أمالي الصدوق ص 28 المجلس 6 .

فجعل السابق مسبوقا في الخلافة عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم نقض صريح لقوله تعالى ، ورد عليه عز وجل .

والثاني : إخباره تعالى عنهم بأنهم المقربون ، فإن مقتضى كون السابقين هم المقربون إلى الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، تقدمهم على المسبوقين ، فتقديم المسبوقين على السابقين في الخلافة تقريب للبعيد ، وتبعيد للقريب ، وهو ضروري البطلان ، إذ لا يمكن أن يكون المحمول نافيا للموضوع .

بيانه إن التقرب (1) إليه تعالى لا يكون بالمكان ، بل بالمنزلة ، كما هو ظاهر فإذا صار البعيد خليفة عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم والقريب تحت طاعته ، وبيعته من قبل الله تعالى صار البعيد قريبا إليه تعالى شأنه ، إذ لا منزلة أقرب إليه تعالى من منزلة الخلافة عنه ، والقريب بعيدا ، لتمسكه بذيل البعيد ، فهو خلف للموضوع ، واستحالته أوضح من استحالة اجتماع الضدين .

فإن قلت : لا شبهة في أن الأقرب إلى الله تعالى يستحق التقدم على غيره ولكن قد تقتضي الحكمة تقديم البعيد على القريب ، كما قال .

ابن أبي الحديد في خطبته : (2) " الحمد لله الذي قدم المفضول على الفاضل " لحكمة اقتضتها ،

ص: 264


1- وببيان أوضح قرب العبد إلى الله تعالى وصيرورته من المقربين : إنما هو بظهور آثار القرب فيه ، وترتب آثاره عليه من سبق دخوله في الجنة ، وإنزال الرحمة عليه وإكرامه بما لا يكرم به غيره ، وهكذا من الآثار المترتبة على القرب ، لا بصيرورته قريبا حقيقة في المكان أو في سائر الجهات المتطرقة في الخلق ، فلو رتب آثار القرب على المسبوق بجعله خليفة لله تعالى ، والسابق تحت طاعته وولايته للزم أن يكون المسبوق مقربا إليه تعالى ، دون السابق " وهو مناقض لقوله عز وجل " أولئك هم المقربون " . منه " قدس سره " .
2- يعني خطبة كتاب شرح نهج البلاغة .

فلا مانع حينئذ من القول بتقديم البعيد على القريب ، مع وجود ما يقتضيه .

قلت : إنك قد عرفت أن تقديم البعيد على القريب في الخلافة والإمامة مما لا يعقل ، لأن القرب بالنسبة إليه تعالى إنما هو في المنزلة ، لا في المكان أو النسب وهكذا من أسباب القرب المتطرقة في الممكنات ، وتقديم البعيد عنه تعالى منزلة على القريب إليه كذلك في الخلافة والإمامة يوجب انقلاب الموضوع ، وصيرورة البعيد قريبا ، والقريب بعيدا ، وهو خلف محال ، مع أنه لو قطعنا النظر عما بيناه من عدم إمكانه في حد نفسه ، فالقول بوقوعه ونسبته إليه تعالى شأنه باطل ، إذ لو أريد من نسبة تقديم المفضول على الفاضل إليه تعالى شأنه ثبوت النص على تقديم الخلفاء الثلاثة على مولانا أمير المؤمنين عليه السلام فهو بديهي البطلان ، إذ لم يدع أحد منهم وجود النص على خلافتهم ، بل استخلاف الأول منهم بالبيعة بزعمهم ، والثاني بنصب الأول إياه ، والثالث بالشورى التي جعلها الثاني .

وإن قيل إن نسبة التقديم إليه تعالى باعتبار اتفاق الأمة على البيعة معه ، الكاشف عن استحقاقه الخلافة كقوله صلى الله عليه وآله وسلم : " لا تجتمع أمتي على الخطأ " (1) فهو بديهي البطلان أيضا لعدم انعقاد الاجماع على بيعته طوعا ، كما مر لك ذكره .

وإن قيل إنها باعتبار تفويض أمر الخلافة إليهم من قبل مولانا أمير المؤمنين ، فهو أبين بطلانا ، إذ المراد من التفويض إما الإنابة والتوكيل أو إلقاء حبل الخلافة إليهم ، معرضا عنها ، مسقطا حقه فيها أم لا والكل باطل .

أما الأول فمع أنه فرية بينة ، لا يجامع مع إصرارهم على أخذ البيعة

ص: 265


1- راجع البحار ج 2 / 225 و ج 28 / 104 ، والمعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي ج 1 / 367 .

منه عليه السلام حتى اهتموا بإحراق بيت سيدتنا فاطمة الزهراء عليها السلام لإخراجه وإحضاره وأخذ البيعة منه عليه السلام كرها ، كما رواه نقلة الأخبار من الفريقين ، إذ لا مجال لأخذ النائب البيعة من المنوب عنه .

وأما الثاني فهو غير معقول في حد نفسه ، لأن حبل الخلافة بيده تعالى شأنه ، ولا يقبل السقوط بإسقاط الإمام عليه السلام مع أنه باطل مع قطع النظر عما بينا ، لمنافاته مع شكايته عليه السلام عنهم في مواضع كثيرة ، كما عرفت .

وأما الثالث فهو راجع في الحقيقة إلى الأول .

وكيف كان لا يجامع هذا النحو من التفويض ، مع أخذ البيعة منه عليه السلام وينافي مع شكايته عليه السلام عنهم ، فلا معنى للتفويض على كل ، بل لم يدعه أحد من الأمة .

نعم صبر عليه السلام على غصب حقه ، ولا يطالبه بالسيف خوفا من ارتداد الناس عن الإسلام رأسا .

وإن أريد أن خلافة الخلفاء كانت بمشيئته تعالى وإلا لم تكن ، إذ " ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن " ففيه : أن مشيئته تعالى بمعنى التقدير ، وعدم منع العبد عن مراده ، وإبقاء الاختيار له ، حتى يتمكن من فعل ما أراده جارية في الطاعة والمعصية ، وإلا لم يصدر منهم ، مع أن صدور المعصية منهم من الشرك والإلحاد وهكذا ، واضح بين ، فلا تكشف المشيئة بهذا المعنى من رضائه تعالى شأنه بما فعله العبد . فتبين بما بيناه غاية التبين أن نسبة تقديم الخلفاء إلى الله تعالى غلط بين فإن قلت : إسلام مولانا أمير المؤمنين عليه السلام وإيمانه بالله تعالى وبرسوله صلى الله عليه وآله وسلم إنما كان في حال صباه ، وقبل بلوغه ، ولا عبرة بإسلام الصبي ، فلا يكون فضلا له موجبا لتقدم إسلامه على إسلام الخلفاء .

ص: 266

قلت : هذا اعتراض على خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم حيث مدح مولانا أمير المؤمنين عليه السلام بأنه أول المؤمنين إيمانا ، وأول المسلمين إسلاما ، كما رواه الفريقان ، بل قد عرفت أن الخليفة الثاني من جملة رواة هذه الرواية الشريفة ، وأنه قال : لوددت أن يكون لي واحدة منهن ، وكانت أحب إلي مما طلعت عليه الشمس ، بل اعتراض على الله تعالى شأنه حيث أنزل في شأنه عليه السلام قوله عز وجل : " والسابقون السابقون * أولئك المقربون " (1) باتفاق روايات الفريقين ، فهو لا يستحق جوابا حينئذ ومع ذلك نقول تفضلا : إن الصبا لا يمنع من كمال العقل الموجب لقبول الإسلام والإيمان ، ألا ترى أن عيسى ويحيى عليه السلام أوتيا الحكمة في حال الصبا ومولانا أمير المؤمنين عليه السلام حسب أخبار النورانية وغيرها من الأخبار التي رواها الفريقان كان أكمل الخلق بعد خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم ، فلا مجال حينئذ لتوهم عدم قبول إيمانه في حال صباه ، بل يجب على من أسلم بعد عثوره على روايات الباب الاعتراف بفضيلة أخرى له عليه السلام وهو كماله قبل بلوغه عليه السلام لا الاستبعاد ، وإظهار التزلزل في قبول إيمانه عليه السلام . .

ص: 267


1- الواقعة : 9 - 10 .

الحديث الحادي والثلاثون في تفسير قوله تعالى: طوبى لهم و ...

في تفسير قوله تعالى : " طوبى لهم وحسن مآب " . (1) في غاية المرام : الثعلبي قال : أخبرني عبد الله بن محمد بن عبد الله بن محمد ، حدثنا محمد بن عثمان بن الحسن ، حدثنا محمد بن الحسين بن صالح ، قال : حدثنا علي بن محمد الدهان ، والحسين بن إبراهيم الجصاص ، قالا : حدثنا الحسين بن الحكم ، حدثنا حسن بن حسين ، عن حيان ، عن الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس : " طوبى لهم " قال : شجرة أصلها في دار علي عليه السلام في الجنة ، وفي كل دار مؤمن منها غصن يقال له : طوبي ، و " حسن مآب " حسن المرجع . (2) أيضا : الثعلبي ، عن أبي صالح ، أخبرنا عبد الله بن سواد ، حدثنا جندل بن والق النعماني ، حدثنا إسماعيل بن أمية القرشي ، عن داود بن عبد الجبار ، عن جابر ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن قوله :

" طوبى لهم وحسن مآب " فقال : شجرة في الجنة أصلها في داري وفرعها على أهل الجنة ، فقيل له : يا رسول الله سألناك عنها فقلت شجرة في

ص: 268


1- الرعد : 28 .
2- غاية المرام ص 392 نقلا عن تفسير الثعلبي .

الجنة ، أصلها في دار علي وفرعها على أهل الجنة ، فقال : إن داري ودار علي واحدة غدا في مكان واحد . (1) وعن محمد بن سيرين في قوله تعالى : " طوبى لهم " قال : هي شجرة في الجنة أصلها في حجرة علي وليس في الجنة حجرة إلا وفيها غصن من أغصانها . (2) وقد روى الثعلبي في وصف شجرة طوبى خبرين :

الأول : قال روى معاوية بن قرة عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :

" طوبى شجرة غرسها الله تعالى بيده ونفخ فيها من روحه تنبت بالحلي والحلل ، وإن أغصانها لترى من وراء ستور الجنة " .

والثاني : قال عندر بن عمير : هي شجرة في جنة عدن ، أصلها في دار النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفي كل دار وغرفة غصن منها ، لم يخلق الله لونا ولا زهرة إلا وفيها منها ، إلا السواد ، ولم يخلق الله فاكهة ولا ثمرة إلا وفيها منها ، ينبع من أصلها عينان : الكافور والسلسبيل - وبه قال مقاتل - كل ورقة تظل أمة عليها ملك يسبح بأنواع التسبيح . (3) هذا . وأما الروايات من طريقنا فكثيرة جدا ، ولنذكر خبرين منها تيمنا .

الأول : ابن بابويه ، بإسناده عن أبي بصير ، قال : قال الصادق عليه السلام : طوبى لمن تمسك بأمرنا في غيبة قائمنا ولم يزغ قلبه بعد الهداية ، فقلت له : جعلت فداك وما طوبى ؟ قال : شجرة في الجنة ، أصلها في دار علي بن

ص: 269


1- غاية المرام ص 392 نقلا عن تفسير الثعلبي .
2- غاية المرام ص 392 .
3- غاية المرام ص 391 - 392 نقلا عن تفسير الثعلبي .

أبي طالب عليه السلام وليس من مؤمن إلا وفي داره غصن من أغصانها ، وذلك قول الله عز وجل : " طوبى لهم وحسن مآب " . (1) والثاني : محمد بن يعقوب بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال : قال أمير المؤمنين عليه السلام : إن لأهل الدين علامات يعرفون بها صدق الحديث ، وأداء الأمانة ، ووفاء العهد ، وصلة الأرحام ، ورحمة الضعفاء ، وقلة المراقبة للنساء - أو قال : قلة المواتاة للنساء وبذل المعروف ، وحسن الخلق ، وسعة الحلم ، واتباع العلم فيما يقرب إلى الله زلفى طوبى لهم وحسن مآب ، وطوبى شجرة في الجنة ، أصلها في دار النبي صلى الله عليه وآله وسلم وليس من مؤمن إلا وفي داره غصن منها ، لا يخطر على قلبه شهوة شئ إلا أتاه به ذلك الغصن ، ولو أن راكبا مجدا سار في ظلها مائة عام ما خرج منه ، ولو أن غرابا طار من أسفلها ما بلغ أعلاها حتى يسقط هرما ، ألا في هذا فارغبوا ، أن المؤمن من نفسه في شغل ، والناس منه في راحة ، إذا جن عليه الليل افترش وجهه وسجد لله عز وجل بمكارم بدنه ، يناجي الذي خلقه في فكاك رقبته ، ألا فهكذا كونوا . (2) أقول : ويستفاد عن هذه الروايات الشريفة المفسرة للآية الكريمة المستفيضة من طريق العامة ، المتواترة من طريقنا ، أن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام سيد المؤمنين وخيرهم ، وأفضلهم بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأنه بمنزلة نفس النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وليس أحد أقرب منه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم درجة ومنزلة . .

توضيح ذلك : إن قوله صلى الله عليه وآله وسلم في جواب السائل : إن داري ودار علي

ص: 270


1- غاية المرام ص 392 نقلا عن الصدوق .
2- الكافي 2 / 239 . غاية المرام ص 396 .

واحدة غدا في مكان واحد ، يدل على أن منزلته عليه السلام منه صلى الله عليه وآله وسلم منزلة نفسه الشريفة وهما في درجة واحدة عند الله تعالى شأنه ، كما أن قوله صلى الله عليه وآله وسلم " أصلها في دار علي وفرعها على أهل الجنة ، وليس من مؤمن إلا وفي داره غصن منها " ، كاشف عن أنه عليه السلام أفضل المؤمنين ، وسيدهم ، وخيرهم بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويتبين المعنى الأول أيضا من آية " أنفسنا " (1) وخبر المنزلة ، وحديث المؤاخاة المتواترين من الجانبين ، ومنها يتبين المعنى الثاني أيضا ، ضرورة أن من كان بمنزلة نفس النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأخا له صلى الله عليه وآله وسلم يكون سيد المؤمنين ، وأفضلهم ، وخيرهم .

ويدل عليه بالخصوص الروايات المتواترة عند الفريقين ، وقد ذكر - في غاية المرام من طريق العامة - في هذا الباب ما تجاوز عن خمسين حديثا . (2) منها : ما رواه عن أبي المؤيد موفق بن أحمد أخطب خطباء خوارزم ، من أعيان علماء العامة في كتاب فضائل أمير المؤمنين عليه السلام بإسناده عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " يا أنس اسكب لي وضوءا ثم قام فصلي ركعتين ، ثم قال : يا أنس أول من يدخل عليك من هذا الباب : أمير المؤمنين وسيد المسلمين ، وقائد الغر المحجلين ، وخاتم الوصيين ، قال : قلت اللهم اجعله رجلا من الأنصار وكتمته إذ جاء علي عليه السلام : فقال : من هذا يا أنس ؟ فقلت : علي عليه السلام ، فقام مستبشرا فاعتنقه ، ثم جعل يمسح عرق وجه علي عن وجهه ، فقال علي : يا رسول الله لقد رأيتك صنعت أشياء ما صنعت بي من قبل ، قال : وما يمنعني وأنت تؤدي عني ، وتسمعهم صوتي ، وتبين لهم

ص: 271


1- آية المباهلة .
2- غاية المرام ص 454 - 460 .

ما اختلفوا فيه من بعدي . (1) بيان : المراد من خاتم (2) الوصيين : خاتم أوصياء الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم فلا ينافي مع أنه أول الأوصياء بالنسبة إلى نبينا صلى الله عليه وآله وسلم وبعد ما تبين لك أنه عليه السلام بمنزلة نفس النبي وأنه أفضل المؤمنين وسيدهم وخيرهم بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم تبين لك اختصاص الخلافة والإمامة به ، لاستحالة أن يكون من هذا شأنه تحت بيعة من دونه من المؤمنين . .

ص: 272


1- غاية المرام ص 619 نقلا عن مناقب الخوارزمي ص 42 .
2- هكذا في رواية موفق بن أحمد ، وروى غيره من العامة والخاصة ، عن أنس بدل خاتم الوصيين خير الوصيين ، فعلى هذا يحتمل أن يكون خاتم الوصيين سهوا من الراوي أو الناسخ ، ولو صح تعين حمله على ما ذكرناه ، إذ لم يدع أحد الوصاية لغيره عليه السلام ، والعامة فرقوا بين الوصاية والخلافة ، فجعلوا الوصاية لعلي عليه السلام والخلافة لأبي بكر بالبيعة ، ولم يدع أحد منهم الوصاية له .

الحديث الثاني والثلاثون في تفسير قوله تعالى: و من يطع الله ...

في تفسير قوله تعالى : " ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا " . (1) في غاية المرام : الشيخ الطوسي في مصابيح الأنوار . (2) عن أنس بن مالك قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بعض الأيام صلاة الفجر ، ثم أقبل علينا بوجهه الكريم ، فقلت : يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن رأيت أن تفسر لنا قول الله عز وجل : " أولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا " فقال صلى الله عليه وآله وسلم : أما النبيون فأنا ، وأما الصديقون فأخي علي بن أبي طالب عليه السلام وأما الشهداء فعمي حمزة ، وأما الصالحون فابنتي فاطمة عليها السلام

ص: 273


1- النساء : 69 .
2- هذا الكتاب ليس من الشيخ الطوسي " ره " . وفي غاية المرام هكذا : " ابن بابويه في كتاب مصباح الأنوار " وهذه النسبة أيضا غير صحيحة . راجع الذريعة 21 / 103 .

وأولادها الحسن والحسين عليهما السلام ، قال وكان العباس حاضرا فوثب وجلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وقال : ألسنا أنا وأنت وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهما السلام من نبعة واحدة ، قال : وكيف ذلك يا عم ، قال العباس : لأنك تعرف بعلي وفاطمة والحسن والحسين دوننا ، فتبسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال : أما قولك يا عم ألسنا من نبعة واحدة ، فصدقت ، ولكن يا عم إن الله خلقني وعليا وفاطمة والحسن والحسين عليه السلام قبل أن يخلق الله آدم ، حيث لا سماء مبنية ، ولا أرض مدحية ، ولا ظلمة ولا نور ، ولا جنة ولا نار ، ولا شمس ولا قمر . قال العباس : وكيف كان بدء خلقكم يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : يا عم لما أراد الله أن يخلقنا تكلم بكلمة خلق منها نورا ، ثم تكلم بكلمة ، فخلق منها روحا ، فمزج النور بالروح ، فخلقني وأخي عليا وفاطمة والحسن والحسين ، فكنا نسبحه حين لا تسبيح ، ونقدسه حين لا تقديس ، فلما أراد الله أن ينشئ الصنعة فتق نوري فخلق منه العرش ، فالعرش من نوري ، ونوري من نور الله ، ونوري أفضل من العرش ، ثم فتق نور أخي علي بن أبي طالب ، فخلق منه الملائكة ، فالملائكة من نور علي ، ونور علي من نور الله ، وعلي أفضل من الملائكة ، ثم فتق نور ابنتي فاطمة ، فلخلق منه السماوات والأرض ، ونور ابنتي فاطمة من نور الله عز وجل ، وابنتي فاطمة أفضل من السماوات والأرض ، ثم فتق نور ولدي الحسن ، وخلق منه الشمس والقمر ، فالشمس والقمر من نور ولدي الحسن ، ونور ولدي الحسن من نور الله ، والحسن أفضل من الشمس والقمر ، ثم فتق نور ولدي الحسين ، فخلق منه الجنة والحور العين ، فالجنة والحور العين من نور ولدي الحسين عليه السلام ونور ولدي من نور الله ، وولدي أفضل من الجنة و

ص: 274

الحور العين ، ثم أمر الله الظلمات أن تمر بسحائب الظلم ، فأظلمت السماوات على الملائكة ، فضجت الملائكة بالتسبيح والتقديس ، وقالت إلهنا وسيدنا منذ خلقتنا وعرفتنا هذه الأشباح لم نر بؤسا ، فبحق هذه الأشباح إلا ما كشفت عنا هذه الظلمة ، فأخرج الله من نور فاطمة قناديل فعلقها في بطنان العرش ، فأزهرت السماوات والأرض ، ثم أشرقت بنورها ، فلأجل ذلك سميت الزهراء ، فقالت الملائكة : إلهنا وسيدنا لمن هذا النور الزاهر الذي أشرقت به السماوات والأرض ؟ فأوحى الله إليها هذا نور اخترعته من نور جلالي لأمتي فاطمة بنت حبيبي ، وزوجة وليي ، وأخ نبيي ، وأب حججي على عبادي ، أشهدكم يا ملائكتي أني قد جعلت ثواب تسبيحكم وتقديسكم لهذه المرأة وشيعتها ومحبيها إلى يوم القيامة ، فلما سمع العباس من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وثب قائما وقبل ما بين عيني علي عليه السلام وقال : والله أنت يا علي الحجة البالغة ، لمن آمن بالله واليوم الآخر . (1) أقول : على ما في هذه الرواية من تفسير الصديقين بمولانا أمير المؤمنين عليه السلام ما رواه الفريقان عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مستفيضا بل متواترا من طريقنا : " ثلاثة : حبيب النجار مؤمن آل يس ، وحزقيل مؤمن آل فرعون ، وعلي بن أبي طالب عليه السلام وهو أفضلهم " وقد رواه في غاية المرام من طريق العامة بستة عشر طريقا . (2) منها : عن عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثنا محمد قال : حدثنا الحسن بن عبد الرحمن الأنصاري ، قال : حدثنا عمر بن جميع ، عن أبي ليلى ، عن

ص: 275


1- غاية المرام ص 427 .
2- غاية المرام ص 648 .

أخيه عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : الصديقون ثلاثة : حبيب بن موسى النجار ، وهو مؤمن آل يس ، وحزقيل مؤمن آل فرعون ، وعلي بن أبي طالب الثالث ، وهو أفضلهم . (1)

ومنها : من الجزء الثاني من جزئين اثنين من كتاب الفردوس ، وهو نصف الكتاب من تصنيف ابن شيرويه الديلمي ، في باب الصاد عن داود بن بلال ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " الصديقون ثلاثة : حبيب النجار مؤمن آل يس ، وحزقيل مؤمن آل فرعون ، وعلي بن أبي طالب عليه السلام وهو أفضلهم " . (2) ومنها : عن ابن المغازلي بطريقين ، مسندا إلى أبي ليلى ، عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . (3) ومنها : عن الثعلبي ، في تفسيره بالإسناد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن أبيه ، قال : سباق الأمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين :

علي بن أبي طالب عليه السلام ، وصاحب يس ، ومؤمن آل فرعون ، فهم الصديقون ، وعلي عليه السلام أفضلهم . (4) ومنها : عن علي بن الجعد ، عن الحسن ، عن ابن عباس ، في قوله تعالى : " والذين آمنوا بالله ورسوله أولئك هم الصديقون " (5) قال : صديق هذه الأمة علي بن أبي طالب هو الصديق الأكبر ، والفاروق الأعظم ، ثم قال : والشهداء عند ربهم . قال ابن عباس ، وهم : علي ، وجعفر وحمزة ، وهم صديقون ، وهم شهداء الرسل على أممهم ، أنهم قد بلغوا الرسالة ، ثم .

قال :

ص: 276


1- غاية المرام ص 647 .
2- غاية المرام ص 647 .
3- غاية المرام ص 648 . مناقب المنازلي ص 246 - 247 .
4- غاية المرام ص 648 نقلا عن تفسير الثعلبي .
5- الحديد : 19 .

لهم أجرهم على التصديق بالنبوة ، ونورهم على الصراط . (1)

بيان : المراد من مؤمن آل يس : صاحب يس ، فالإضافة فيه ظرفية أي آل مذكور في سورة يس .

أقول : يظهر من رواية الثعلبي أن الاتصاف بهذه المرتبة الجليلة - وهي مرتبة الصديقية - أو كمالها متفرع على السبق إلى الإيمان بالله تعالى وبرسوله صلى الله عليه وآله وسلم على سائر الناس فينحصر حينئذ الصديق الكامل في مولانا أمير المؤمنين عليه السلام لسبق إيمانه على إيمان سائر الناس باتفاق المسلمين . فيدل على ثبوت هذه المرتبة له عليه السلام جميع ما دل على سبقه على سائر الناس ، فيثبت له عليه السلام كمال مرتبة الصديقية بالأخبار المتواترة من الجانبين ، لأن مجموع الروايات الواردة من الطريقين ، بل من طريق المخالفين فقط يبلغ حد التواتر قطعا .

ثم اعلم أن صيغة فعيل تدل على ملازمة المبدأ ودوامه ، كما يشهد به الاطراد في موارد الاستعمالات ، فإن سكير لا يطلق إلا على دائم السكر ، وملازمه ، كما أن شريب لا يطلق إلا على دائم الشرب وملازمه ، فالصديق من كان ملازما للصدق ومداوما عليه ، ولا يتحقق هذا المعنى إلا بأن يصدق قوله فعله ، وفعله قوله ، وكمال هذه المرتبة ملازمة للعصمة .

وإذا تبين لك ما بيناه تبين لك اختصاص الخلافة والإمامة به عليه السلام ضرورة استحالة أن يكون من هذا شأنه تحت طاعة من لم يكن صديقا في قوله وفعله . .

فإن قلت : إن أبا بكر كان صديقا أيضا ، وقد اشتهر تلقبه بهذا اللقب

ص: 277


1- غاية المرام ص 648 نقلا عن مناقب ابن شهرآشوب . 3 / 89 طبع قم .

عند المسلمين .

قلت : إطلاق الصديق عليه كإطلاق خليفة رسول الله ، وأمير المؤمنين عليه ، من موضوعات الناس ، فلا عبرة به ، وأين اللقب الذي أعطاه الناس الذين لا اطلاع لهم على السرائر والضمائر ، حسب هواهم من اللقب الذي أعطاه الله تعالى العالم بسرائر عباده وضمائرهم .

ص: 278

الحديث الثالث والثلاثون في تفسير قوله تعالى: أن تقول نفس يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله و إن كنت لمن الساخرين

في تفسير قوله تعالى : " أن تقول نفس يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين " . (1) في غاية المرام بعد أن ذكر أن فيه ثلاثة أحاديث من طريق العامة .

قال : الأول ، محمد بن إبراهيم المعروف بابن زينب النعماني ، رواه من طريق العامة ، قال : حدثنا محمد بن عبد الله بن معمر الطبراني بطبرية ، سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة ، وكان هذا الرجل من موالي يزيد بن معاوية ومن النصاب ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثنا علي بن هاشم ، والحسن بن السكن ، قال : حدثنا عبد الرزاق بن همام ، قال : أخبرني أبي عن مينا مولى عبد الرحمن بن عوف ، عن جابر بن عبد الله الأنصاري ، قال : وفد على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أهل اليمن ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : جاءكم أهل اليمن يبسون بسيسا ، فلما دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : قوم رقيقة قلوبهم ، راسخ إيمانهم ، منهم المنصور ، يخرج في سبعين ألفا ، ينصر خلفي ، وخلف وصيي ، حمائل

ص: 279


1- الزمر : 57 .

سيوفهم المسك ، فقالوا يا رسول الله ، ومن وصيك ؟ فقال : هو الذي أمركم الله بالاعتصام به ، فقال عز وجل : " واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا " (1) فقالوا : يا رسول الله بين لنا ما هذا الحبل ؟ فقال : هو قول الله : " إلا بحبل من الله وحبل من الناس " (2) ، فالحبل من الله كتابه ، والحبل من الناس وصيي ، فقالوا : يا رسول الله ومن وصيك ؟ ، فقال : هو الذي أنزل فيه : " أن تقول نفس يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله " فقالوا : يا رسول الله وما جنب الله هذا ؟ فقال : هو الذي يقول الله فيه :

" ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا " (3) هو وصيي ، السبيل إلى من بعدي ، فقالوا : يا رسول الله بالذي بعثك بالحق أرناه ، فقد اشتقنا إليه ، فقال : هو الذي جعله الله آية للمتوسمين فإن نظرتم إليه نظر من " كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد " عرفتم أنه وصيكم ، كما عرفتم أني نبيكم فتخللوا الصفوف ، وتصفحوا الوجوه ، فمن أهوت إليه قلوبكم فإنه هو ، لأن الله عز وجل يقول في كتابه : " واجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم " (4) وإلى ذريته عليه السلام ، قال : فقام أبو عامر الأشعري في الأشعريين ، وأبو غرة الخولاني في الخولانيين وظبيان وعثمان بن قيس ، وغربة الدوسي في الدوسيين ، ولاحق بن علاقة ، فتخللوا الصفوف ، وتصفحوا الوجوه ، وأخذوا بيد الأصلع البطين ، وقالوا : إلى هذا أهوت أفئدتنا يا رسول الله ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : أنتم نخبة الله حين عرفتم وصي رسول الله قبل أن تعرفوه ، فيم عرفتم أنه هو ؟ فرفعوا أصواتهم يبكون ، .

و

ص: 280


1- آل عمران : 103 .
2- آل عمران : 112 .
3- الفرقان : 27 .
4- إبراهيم : 37 .

قالوا : يا رسول الله نظرنا إلى القوم فلم ينجس لهم ، ولما رأيناه وجلت قلوبنا ، ثم اطمأنت نفوسنا فانجاست أكبادنا ، وهملت أعيننا وتبلجت صدورنا حتى كأنه لنا أب ، ونحن له بنون ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : " وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم " (1) أنتم منه بالمنزلة التي سبقت لكم بها الحسنى ، وأنتم عن النار مبعدون ، قال : فبقي هؤلاء القوم المسمون حتى شهدوا مع أمير المؤمنين عليه السلام الجمل وصفين ، فقتلوا رضي الله عنهم بصفين ، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يبشرهم بالجنة وأخبرهم أنهم يستشهدون مع علي بن أبي طالب كرم الله وجهه . (2) وقال : الثاني ، صاحب المناقب الفاخرة في العترة الطاهرة قال : يروى عن أبي بكر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " خلقت أنا وأنت يا علي من جنب الله تعالى ، فقال : يا رسول الله ما جنب الله تعالى ؟ فقال : سر مكنون ، وعلم مخزون ، لم يخلق الله منه سوانا ، فمن أحبنا وفي بعهد الله ، ومن أبغضنا فإنه يقول في آخر نفس : " يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله " . (3) قال : الثالث ، إبراهيم الحمويني من أعيان علماء العامة بإسناده إلى أبي جعفر بن بابويه قال : حدثنا أبي قال : حدثنا سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن العباس بن معروف ، عن عبد الله بن عبد الرحمن البصري ، عن أبي المعز حميد بن المثنى العجلي ، عن أبي بصير ، عن خيثمة الجعفي ، عن أبي عبد الله عليه السلام ، قال : سمعته يقول : " نحن جنب الله ، ونحن صفوته ، ونحن خيرته ، ونحن مستودع مواريث

ص: 281


1- آل عمران : 7 .
2- غاية المرام ص 341 نقلا عن غيبة النعماني ص 39 - 41 طبع مكتبة الصدوق .
3- غاية المرام ص 341 .

الأنبياء ، ونحن أمناء الله عز وجل ، ونحن حجة الله ، ونحن أركان الإيمان ، ونحن دعائم الإسلام ، ونحن من رحمة الله على خلقه ، ونحن بنا يفتح ، وبنا يختم ، ونحن أئمة الهدى ، ونحن مصابيح الدجى ، ونحن منار الهدى ونحن السابقون ، ونحن الآخرون ، ونحن العلم المرفوع للحق من تمسك بنا لحق ومن تأخر غرق ، ونحن الغر المحجلون ، ونحن خيرة الله ، ونحن الطريق الواضح والصراط المستقيم إلى الله ، ونحن نعمة الله عز وجل على خلقه ، ونحن المنهاج ، ونحن معدن النبوة ، ونحن موضع الرسالة ، ونحن مختلف الملائكة ، ونحن السراج لمن استضاء بنا ، ونحن السبيل لمن اقتدى بنا ، ونحن الهداة إلى الجنة ، ونحن الجسور والقناطر ، من مضى عليها لم يسبق ، ومن تخلف عنها محق ، ونحن السنام الأعظم ، ونحن بنا ينزل الله عز وجل الرحمة ، وبنا يسقون الغيث ، ونحن الذين بنا يصرف عنكم العذاب ، فمن عرفنا وأبصرنا ، وعرف حقنا ، ويأخذ بأمرنا فهو منا وإلينا . (1)

والروايات من طريقنا كثيرة جدا .

منها : عن ابن بابويه رحمه الله بإسناده عن أبي بصير ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : قال أمير المؤمنين عليه السلام : أنا الهادي وأنا المهتدى وأنا أبو اليتامى والمساكين ، وزوج الأرامل ، وأنا ملجأ كل ضعيف ، ومأمن كل خائف ، وأنا قائد المؤمنين إلى الجنة ، وأنا حبل الله المتين ، وأنا عروة الله الوثقى ، وكلمة التقوى ، وأنا عين الله ، ولسانه الصادق ويده ، وأنا جنب الله الذي يقول : " أن تقول نفس يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله " ، وأنا يد الله المبسوطة على عباده بالرحمة والمغفرة ، وأنا باب حطة ، من .

عرفني

ص: 282


1- غاية المرام ص 341 - 342 .

وعرف حقي فقد عرف ربه ، لأني وصي نبيه صلى الله عليه وآله وسلم في أرضه وحجته على خلقه ، لا ينكر هذا إلا راد على الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم (1) ومنها : عن الطبرسي في الاحتجاج ، في حديث طويل عن أمير المؤمنين عليه السلام قال : قد زاد جل ذكره في التبيان وإثبات الحجة في قوله في أصفيائه وأوليائه عليهم السلام : " أن تقول نفس يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله " تعريفا للخليقة قربهم ، ألا ترى أنك تقول فلان إلى جنب فلان إذا أردت أن تصف قربه منه ، وإنما جعل الله تبارك وتعالى في كتابه هذه الرموز التي لا يعلمها غيره وغير أنبيائه ، وحججه في أرضه ، لعلمه ما يحدثه في كتابه المبدلون من إسقاط أسماء حججه وتلبيسهم ذلك على الأمة ، ليعينوهم على باطلهم فأثبت فيه الرموز ، وأعمى قلوبهم وأبصارهم لما عليهم في تركها وترك غيرها من الخطاب الدال على ما أحدثوه فيه . (2) أقول : ويدل على ما في الرواية الأولى من أن وصيه صلى الله عليه وآله وسلم مولانا أمير المؤمنين عليه السلام الأخبار المتواترة من الجانبين ، وقد روى في غاية المرام في هذا الباب من طريق العامة ما تجاوز عن خمسين حديثا . (3) والوصاية في هذا الخبر ، وفي سائر الأخبار صريحة في الخلافة عنه صلى الله عليه وآله وسلم في شأن الرسالة التي هي الولاية والإمامة الكبرى ، ضرورة أن سؤال أهل اليمن إنما هو عن وصيه صلى الله عليه وآله وسلم القائم مقامه في أمور المسلمين ، لا عن وصيه في صرف مال ونحوه ، وجوابه بأنه هو الذي أمركم بالاعتصام به وأنه هو الذي .

أنزل فيه " أن تقول نفس يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله " أصرح و

ص: 283


1- غاية المرام ص 342 نقلا عن الصدوق .
2- الاحتجاج 1 / 75 . غاية المرام ص 343 .
3- غاية المرام ص 341 - 343 .

أبين ، فلا مجال لاحتمال أن تكون الوصاية في غير مسألة الخلافة والإمامة .

وإذا تبين لك من روايات الفريقين أن جنب الله في الآية الكريمة مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ، تبين لك اختصاص الخلافة والإمامة به عليه السلام .

بيان ذلك : أنه لا يطلق جنب الله مطلقا على شخص إلا مع تمحضه في القرب إليه تعالى ، ضرورة أن من قرب إليه تعالى مرة بالطاعة ، وبعد عنه تارة بالمعصية لا يكون جنبه تعالى ، ولا يستحق إطلاق هذا الاسم عليه من الله تعالى ، بل يظهر من الرواية الثانية المنسوبة إلى الخليفة الأول من طريقهم أنه أكمل مراتب القرب بحيث خص بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وبعلي أمير المؤمنين ، والتمحض في القرب ملازم للعصمة والطهارة .

ومن هذا شأنه لا يقاس بجنب الناس ، وهو الخليفة الأول الذي اختاره أهل الحل والعقد للخلافة بزعمهم . أترى أنه لو دار الأمر بين جنب الله وجنب الناس في الخلافة عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم يجوز تقديم جنب الناس على جنب الله تعالى ؟ كلا ثم كلا ، فتبين أن الآية الكريمة تدل على وجود صفة في مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ، لا تنفك عنها الخلافة والإمامة ، ولا يجوز تقديم غيره عليه في الخلافة .

هذا كله مع قطع النظر عن الخصوصيات التي تحتوي عليها الروايات ، وأما مع ملاحظتها فالأمر أوضح وأظهر .

فإن دلالة الرواية الأولى في غاية الوضوح والظهور .

والرواية الثانية تدل على أنه أقرب الخلق إلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وأنه خير الخلق بعده صلى الله عليه وآله وسلم ومن المعلوم أنه لا مجال حينئذ لتقديم غيره عليه في الخلافة عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم .

وأما الرواية الثالثة ، فكل فقرة منها تدل على إمامته ، وخلافته عليه السلام و

ص: 284

خلافة الأئمة من ذريته سلام الله عليهم ، ولا يمنع من قبولها إسنادها إلى مولانا الصادق عليه السلام ، من دون إسناد إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأنه عليه السلام مقبول القول عند أهل السنة .

ص: 285

الحديث الرابع و الثلاثون في تفسير قوله تعالى: و ان تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه و جبريل و صالح المؤمنين

في تفسير قوله تعالى : " وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير " . (1) الطبرسي في مجمع البيان ، قال : ووردت الرواية من طريق الخاص والعام أن المراد بصالح المؤمنين علي عليه السلام وهو قول مجاهد ، وفي كتاب شواهد التنزيل بالإسناد عن سدير الصيرفي عن أبي جعفر عليه السلام قال : لقد عرف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليا أصحابه مرتين ، أما مرة فحيث قال : من كنت مولاه فعلي مولاه ، وأما الثانية فحيث نزلت هذه الآية : " فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين " أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيد علي ، فقال : أيها الناس ، هذا صالح المؤمنين . وقالت أسماء بنت عميس : سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول :

وصالح المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام . (2) وقد ذكر في غاية المرام في هذا الباب ستة أحاديث من طريق

ص: 286


1- التحريم : 4 .
2- مجمع البيان 10 / 316 .

العامة . (1)

منها : ما عن ابن شهرآشوب في مناقبه ، من طريق العامة ، عن تفسير أبي يوسف يعقوب بن سفيان النسوي ، والكلبي ، ومجاهد ، وأبي صالح والمغربي ، عن ابن عباس أنه رأت حفصة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حجرة عائشة ، مع مارية القبطية فقال صلى الله عليه وآله وسلم : اكتمي على حديثي ؟ قالت : نعم ، قال :

إنها علي حرام لطيب قلبها ، فأخبرت عائشة وسرتها من تحريم مارية ، فكلمت عائشة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك ، فنزل : " وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا " إلى قوله : " فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين " قال :

صالح المؤمنين والله علي عليه السلام ، يقول الله حسبه ، والملائكة بعد ذلك ظهير عن البخاري والموصلي ، قال ابن عباس : سألت عمر بن الخطاب عن المتظاهرتين ، فقال : حفصة وعائشة . (2) وأما الروايات من طريقنا فكثيرة جدا .

منها : ما في غاية المرام ، عن محمد بن العباس بن ماهيار الثقة في تفسيره ، فيما نزل في أهل البيت عليهم السلام أورد في هذه الآية اثنين وخمسين حديثا من طريق الخاصة والعامة .

منها : قال : حدثنا جعفر بن محمد الحسيني ، عن عيسى بن مهران ، عن مخاول (مخلول خ ل) بن إبراهيم ، عن عبد الرحمن بن الأسود ، عن محمد بن عبد الله بن أبي رافع ، عن فاطمة عليها السلام قالت : " لما كان اليوم الذي توفي فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غشي عليه ثم أفاق ، وأنا أبكي وأقبل يديه وأقول :

من لي وولدي بعدك يا رسول الله ؟ قال : لك الله بعدي ووصيي صالح المؤمنين

ص: 287


1- غاية المرام ص 365 - 366 .
2- مناقب آل أبي طالب 3 / 77 . صحيح البخاري 4 / 1868 . غاية المرام ص 365 - 366 .

علي بن أبي طالب عليه السلام " . (1) .

أقول : ويؤيد الروايات الدالة على نزول الآية في شأن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ، وأنه المراد من صالح المؤمنين ما ثبت بالروايات المتواترة بين الفريقين بل بالضرورة أن مولانا أمير المؤمنين أفضل المؤمنين وسيدهم وخيرهم بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وأنه كان أنصرهم لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم في جميع المواطن ، فلا يصلح تخصيص الصلاح والنصرة من المؤمنين إلا به ، ضرورة عدم جواز تخصيص غير الأكمل بهما ، مع وجوده ، وإذا تبين أنه المخصوص بالصلاح والنصرة لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم من بين المؤمنين ، لأن صلاحه أكمل ونصرته أتم ، تبين اختصاص الخلافة والإمامة به عليه السلام بداهة استحالة أن يكون الأخص عند الله وعند رسوله صلى الله عليه وآله وسلم تابعا تحت ولاية من لم يكن له هذا الشأن عنده تعالى .

أترى أنه يجوز أن يكون غير الأخص متبوعا ومولى ، للأخص الذي خصه الله بالصلاح والنصر لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم من بين جميع المؤمنين ، وقرن نصرته لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم بنصرة نفسه ونصرة الأمين جبريل عليه السلام ! ؟ والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله .

ص: 288


1- غاية المرام ص 366 .

الحديث الخامس والثلاثون في تفسير قوله تعالى: و من الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله و الله رؤوف بالعباد

في تفسير قوله تعالى : " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤوف بالعباد " . (1) في غاية المرام ، عن تفسير الثعلبي في الجزء الأول ، في تفسير سورة البقرة ، قوله تعالى : " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما أراد الهجرة خلف علي بن أبي طالب عليه السلام مكة ، لقضاء ديونه ، ورد الودائع التي كانت عندهم ، وأمره ليلة الخروج إلى الغار - وقد أحاط المشركون بالدار - أن ينام على فراشه ، فقال له : يا علي اتشح ببردي الحضرمي ، ثم نم على فراشي فإنه لا يخلص إليك منهم مكروه إن شاء الله عز وجل وفعل ذلك عليه السلام فأوحى الله عز وجل إلى جبرائيل وميكائيل : إني آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من الآخر ، فأيكما يؤثر صاحبه بالحياة ؟ فاختارا كلاهما الحياة ، فأوحى الله عز وجل إليهما : ألا كنتما مثل علي بن أبي طالب عليه السلام آخيت بينه وبين محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فنام على فراشه يفديه بنفسه ، ويؤثره بالحياة ، اهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوه ، فنزلا فكان جبرائيل عليه السلام عند رأسه ، وميكائيل عند رجله ، فقال جبرائيل بخ بخ من

ص: 289


1- البقرة : 207 .

مثلك ، يا ابن أبي طالب ، يباهي الله بك الملائكة ، فأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وهو متوجه إلى المدينة في شأن علي بن أبي طالب عليه السلام : " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله " . (1)

وعن المالكي في الفصول المهمة ، قال : أورد الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رحمه الله في كتابه إحياء علوم الدين : أن ليلة بات علي بن أبي طالب عليه السلام على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أوحى الله تعالى إلى جبرائيل وميكائيل : إني آخيت بينكما ، وجعلت عمر أحدكما أطول من عمر الآخر ، فأيكما يؤثر صاحبه الحياة ؟ فاختارا كلاهما الحياة وأحباها ، فأوحى الله تعالى إليهما ، أفلا كنتما مثل علي بن أبي طالب ، آخيت بينه وبين محمد ، فبات علي على فراشه يقيه بنفسه ، ويؤثره بالحياة ، اهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوه ، فكان جبرائيل عند رأسه وميكائيل عند رجليه ، ينادي ويقول : بخ بخ من مثلك يا ابن أبي طالب ، يباهي الله بك الملائكة ، فأنزل الله عز وجل : " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤوف بالعباد " . (2) في مجمع البيان روى السدي عن ابن عباس ، قال : نزلت هذه الآية في علي بن أبي طالب ، حين هرب النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن المشركين إلى الغار ونام علي عليه السلام على فراش النبي صلى الله عليه وآله وسلم فنزلت الآية بين مكة والمدينة . وروى ، أنه لما نام على فراشه ، قام جبرائيل عند رأسه ، وميكائيل عند رجليه ، وجبرائيل ينادي06

بخ بخ من مثلك يا ابن أبي طالب ، يباهي الله بك الملائكة . (3)

ص: 290


1- غاية المرام ص 344 .
2- غاية المرام ص 345 - 346 . الفصول المهمة ص 48 . المحجة البيضاء 6 / 80 . البرهان 1 / 206
3- مجمع البيان 2 / 301 .

أقول : والروايات من الطريقين مستفيضة بل كادت أن تكون متواترة وقد روى في غاية المرام أحد عشر حديثا من طريق العامة ، وأحد عشر حديثا من طريقنا . (1)

بل يظهر مما ذكره الثعلبي وحجة الإسلام الغزالي أن نزول الآية في شأنه عليه السلام وهبوط الملكين المقربين لحراسته ، وقول جبرائيل : بخ بخ من مثلك يا ابن أبي طالب يباهي الله بك الملائكة ، كمبيته عليه السلام على فراش النبي صلى الله عليه وآله وسلم تلك الليلة ، من المسلمات التي لا حاجة لها إلى ذكر الإسناد ، حيث ذكرا الحديث من دون إسناد ، وأرسلاه إرسال المسلمات وهو كذلك . وإن كان الجاحد في مقام الجحود لا يرى أبين منه .

ثم إن إتيانه عز وجل الشراء بصيغة " المضارع " لا الماضي - مع أن المترائي أن الأنسب الاتيان بصيغة الماضي ، حيث إنه إخبار عنا وقع - تنبيه على أنه عليه السلام يكون متصفا بشراء نفسه ابتغاء لمرضاة الله تعالى ، ويكون من فضائله الشريفة ، وخصاله الكريمة التي يستمر عليها ، لا أنه تحقق منه أحيانا ، إذ صيغة المضارع تدل على اتصاف الذات بالمبدأ ، كما يشهد به الاطراد في موارد الاستعمالات ، ولذا يؤتى به في مورد الاتصاف الذاتي ، كقولك :

" من لمن يعقل " والاتصاف العرضي الاستمراري ، كقولك : " فلان يتجر " ، أي شغله التجارة ، فالعدول عن صيغة الماضي - في مثل المقام - إلى صيغة المضارع تنبيه على أن اتصافه عليه السلام بهذه الصفة السامية من عادته الكريمة ، وسجيته الشريفة ، ومن هنا باهى الله تعالى به ملائكته المقربين ، ومن وقف على سيرته عليه السلام في الحروب وغيرها ، يعلم علما ضروريا بأن ذلك من سجيته .

ص: 291


1- غاية المرام ص 344 - 347 .

وإذا وقفت على ما بيناه تبين لك تبين الشمس في رابعة النهار اختصاص الخلافة والإمامة به عليه السلام ، إذ أكمل مراتب العبودية ، بين (1) البلوغ إلى هذه المرتبة الجليلة ومن كان له هذا الشأن عليه السلام يستحيل عند العقل أن يكون تحت ولاية من كان دونه بمرتبة ، فضلا أن يكون تحت ولاية من كان دونه بمراتب ، فإن فرار الخلفاء الثلاثة مع الفارين في أحد أو خيبر ، وعدم جرأتهم للبراز مع عمرو بن عبد ود كاشف عن غلبة حب أنفسهم على حب الله ورسوله ، ولذا قال صلى الله عليه وآله وسلم باتفاق الفريقين في خيبر : " لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله ، لا يرجع حتى يفتح الله على يديه " (2) فإن قوله صلى الله عليه وآله وسلم كما يدل على كمال مقام مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ، حيث أعطاه اللواء وفتح الله على يديه يدل على ضعف مقام الأولين في محبتهما الله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم حيث رجعا باللواء ، ولم يفتح الله على يديهما ، ومن كان ضعيفا في محبته لله تعالى ورسوله كيف يختاره الله على من أحب الله تعالى ورسوله ، وكان كاملا في المحبة ، بحيث لم يؤثر على رضاه تعالى شأنه شيئا .

فإن قلت : كما أن لمولانا علي أمير المؤمنين عليه السلام فضل المبيت على فراش النبي صلى الله عليه وآله وسلم وشراء نفسه ابتغاء لمرضاة الله تعالى . كذلك لأبي بكر فضل صحبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الغار ، ومرافقته معه صلى الله عليه وآله وسلم ، بل جعله ثاني اثنين من رسوله ، .

يدل على كمال فضيلته ، وكذا قوله صلى الله عليه وآله وسلم له : " لا تحزن إن الله معنا " . (3)

ص: 292


1- كذا في الأصل . ولعل الصحيح : " من البلوغ " .
2- غاية المرام ص 465 - 470 .
3- التوبة : 40 .

قلت : مجرد الصحبة والاجتماع في مكان واحد ، وتعبير أحد المتصاحبين عن الآخر بصاحبه ، لا يدل على فضل ولا نقص ، كما لا يدل التعبير بثاني اثنين ونحوه على فضل ، فضلا عن كمال الفضيلة .

ألا ترى أن الله تعالى شأنه جعل الكافر صاحب المؤمن ، والمؤمن صاحب الكافر ، فقال عز وجل في سورة الكهف : " فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا " (1) وقال أيضا : " قال له صاحبه أكفرت بالذي خلقك من تراب " (2) وقال تعالى شأنه : " ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا " (3) ولم يكن في التعبير المذكور فضيلة لأهل النجوى .

بل يمكن أن يقال : قوله تعالى : " فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها " (4) باعتبار إفراد الضمير يدل على أن اشتراكه مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إنما هو في المصاحبة ، واجتماعهما في الغار ، لا في نزول السكينة ، مع أنها مما تعم المؤمنين .

لا يقال : يحتمل رجوع الضمير إلى أبي بكر ، لأنه كان محزونا محتاجا إلى السكينة . .

لأنا نقول : ضمير " وأيده " راجع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قطعا ، والتفكيك بين الضميرين خارج عن أسلوب الكلام البليغ ، بل لا يجوز في المقام ، لأن صدر الآية في مقام بيان نصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال عز من قائل : " إلا

ص: 293


1- الكهف : 34 .
2- الكهف : 37 .
3- المجادلة : 7 .
4- التوبة : 40 .

تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها " . (1) فقوله تعالى : " فأنزل الله سكينته عليه " تبيين لنصرته تعالى إياه ، فلو رجع الضمير إلى أبي بكر لا يلائم ذيل الكلام مع صدره ، فتعين أن يكون الضمير عائدا إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم . .

ص: 294


1- التوبة : 40 .

الحديث السادس و الثلاثون في تفسير قوله تعالى: إنّ الذين آمنوا و عملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وداً

في تفسير قوله تعالى : " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا " . (1) قد ذكر في غاية المرام ثلاثة عشر حديثا من طريق العامة أنها نزلت في مولانا علي أمير المؤمنين عليه السلام . (2) منها : عن ابن المغازلي الشافعي في المناقب ، يرفعه إلى ابن عباس ، قال : أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيدي ، وأخذ بيد علي فصلى أربع ركعات ، ثم رفع يده إلى السماء ، فقال : اللهم سألك موسى بن عمران ، وأنا محمد أسألك أن تشرح لي صدري وتيسر لي أمري وتحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي ، واجعل لي وزيرا من أهلي عليا اشدد به أزري ، وأشركه في أمري ، قال ابن عباس فسمعت مناديا ينادي : يا أحمد قد أعطيت ما سألت .

فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : يا أبا الحسن ارفع يدك إلى السماء ، وادع ربك واسأله يعطك ، فرفع علي عليه السلام يده إلى السماء وهو يقول : اللهم اجعل لي عهدا و

ص: 295


1- مريم : 96 .
2- غاية المرام ص 373 - 374 .

اجعل لي عندك ودا ، فأنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا " فتلاها النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أصحابه فتعجبوا من ذلك عجبا شديدا ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : أتعجبون أن القرآن أربعة أرباع ، فربع فينا أهل البيت خاصة ، وربع حلال ، وربع حرام ، وربع فضائل وأحكام ، والله أنزل فينا كرائم القرآن . (1) ومنها : عن الثعلبي في تفسيره - في تفسير الآية - قال : أخبرنا عبد الخالق بن علي بن عبد الخالق ، أخبرنا أبو علي محمد بن أحمد بن الحسن الصواف ببغداد ، حدثنا أبو جعفر الحسن بن علي الفارسي ، حدثنا إسحاق بن بشير الكوفي ، حدثنا خالد بن يزيد ، عن حمزة ، عن أبي إسحاق السبيعي ، عن البراء بن عازب ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي بن أبي طالب عليه السلام : يا علي قل : اللهم اجعل لي عندك عهدا ، واجعل لي في صدور المؤمنين مودة ، فأنزل الله عز وجل : " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا " . (2) ومنها : عن إبراهيم بن محمد الحمويني ، قال : قال الواحدي : أنبأنا إسماعيل بن إبراهيم بن حموية ، نبأنا يحيى بن محمد العلوي ، نبأنا أبو علي الصواف ببغداد ، نبأنا الحسن بن علي بن الوليد بن النعمان الفارسي ، نبأنا إسحاق بن بشير ، عن خالد بن يزيد بن حجرة الزيات ، عن أبي إسحاق ، عن البراء ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام : يا علي قل : " اللهم اجعل لي عندك عهدا ، واجعل لي في صدور المؤمنين مودة " ، فأنزل الله تعالى : " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا " ، قال نزل في .

علي بن

ص: 296


1- غاية المرام ص 373 . مناقب ابن المغازلي ص 328 .
2- غاية المرام ص 373 .

أبي طالب عليه السلام . (1)

وقد ذكر من طريق الخاصة أحد عشر حديثا .

منها : عن محمد بن يعقوب ، عن محمد بن يحيى ، عن سلمة بن الخطاب ، عن الحسن بن عبد الرحمن ، عن علي بن أبي حمزة ، عن أبي بصير ، قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام قوله تعالى : " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا " ، قال : ولاية أمير المؤمنين عليه السلام ، هي الود الذي قال الله تعالى . (2) ومنها : عن علي بن إبراهيم في تفسيره ، قال : حدثنا جعفر بن أحمد ، عن عبيد الله بن موسى ، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة ، عن أبيه ، عن أبي بصير ، قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : قوله تعالى : " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا " قال : ولاية أمير المؤمنين هي الود الذي ذكره . (3) وإذا وقفت على ما ذكرناه من الروايات المستفيضة من الجانبين ، الدالة على نزول الآية الكريمة في شأن مولانا علي بن أبي طالب أمير المؤمنين عليه السلام ، فاعلم أنها تدل على اختصاص الخلافة والإمامة به عليه السلام .

توضيح الأمر : إن المراد من الجعل في الآية إما الجعل التشريعي أو التكويني ، ومن الود إما الولاية والإمامة ، وإما مطلق المحبة والمودة .

فإن قلنا بأن المراد منه الجعل التشريعي ، كما دلت عليه الروايات من طريقنا ، ورواية ابن المغازلي ، بل رواية الثعلبي والحمويني أيضا ،

ص: 297


1- غاية المرام ص 373 نقلا عن فرائد السمطين .
2- الكافي 1 / 431 . غاية المرام ص 374 .
3- غاية المرام ص 374 نقلا عن تفسير القمي ص 417 . الطبع الحجري .

لانصراف العهد المسؤول إلى عهد الخلافة والإمامة ، فالدلالة واضحة ظاهرة .

فإن قلت : لا مجال لأخذ الود بمعنى الولاية والإمامة ، إذ لا تكون معنى حقيقيا له ، كما هو ظاهر ، ولا معنى مجازيا له ، لعدم العلاقة المصححة للاستعمال بين المعنيين .

قلت : الحب الثابت الصادق بالنسبة إلى شخص يستلزم الموافقة معه ، وعدم التخلف عنه ، كما أنه بالنسبة إلى فعل ، إتيانه وإيجاده ، فيكنى الود بالنسبة إلى الشخص حينئذ عن الموافقة معه ، والاقتداء والائتمام به ، كما أنه يكنى بالنسبة إلى الفعل عن إتيانه ، كما كنى عن حب شيوع الفاحشة ، في قوله تعالى : " إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا " (1) عن الغيبة ، وحيث إن صدق المحبة ملازم لظهور أثرها في الخارج ، ويصح سلبها عمن لم يظهر عليه أثرها في الخارج ، يجوز أن يراد منها أثرها كناية ، فإرادة الولاية والإمامة من الود حينئذ على سبيل الحقيقة ، وغاية الأمر أنه على سبيل الكناية .

وإن قلنا بأن المراد من الجعل التشريعي من الود مطلق المحبة ، والمودة ، فالدلالة ثابتة .

بيانه : إنه لا شبهة في أن مولانا أمير المؤمنين كان مدعيا للخلافة والإمامة ، ولم ير غيره من الأمة أهلا لها ، وامتنع عن البيعة مع أبي بكر ، واحتج عليه ، وعلى غيره من الأصحاب ، واستنصر منهم لأخذ حقه من أبي بكر ، ولم يبايع عليه السلام معه اختيارا ، وهو كالشمس في رابعة النهار ، لا ينكره إلا معاند جاحد ، فمقتضى وده عليه السلام الذي جعله الله له تصديقه .

واتباعه ، وإلا

ص: 298


1- النور : 19 .

لم يكن مدعى وده صادقا في الود ، ضرورة أن الود الصادق إنما هو الود الذي يترتب عليه أثره في الخارج ، فكيف يصدق حينئذ ادعاء وده مع مخالفته عليه السلام ؟

فإن قلت : ثبوت المحبة لا يلزم تصديق دعوى من أحبه ، إذ قد أمر المؤمنون بأن يحب بعضهم بعضا ، ولم يؤمروا بتصديق ادعائهم بدون البينة .

قلت : الحب من قبل الإيمان يشترك فيه الكل ، فلا مجال لتخصيص التصديق ببعضهم دون بعض ، وتصديق كل منهم الآخر مستلزم لتصديق المدعى المنكر ، وبالعكس ، وهو تناقض .

وأما المقام : فعامة المؤمنين أمروا بمودة مولانا أمير المؤمنين عليه السلام فوجب عليهم تصديقه واتباعه .

وأيضا إيجاب مودته عليه السلام على جميع المؤمنين ليس إلا لكونه أكمل في طاعة الله ورسوله ، وأقرب وأحب عند الله تعالى ، وعند رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، فلا يعقل حينئذ تقديم غيره عليه في الخلافة عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم .

وإن أريد من الجعل الجعل التكويني ، فالدلالة أيضا ثابتة ، سواء أريد من المودة الولاية والإمامة ، أو مطلق المحبة والمودة .

توضيح : إن الجعل التكويني المتصور في المقام هو تقدير وده عليه السلام وتيسير أسبابه في قلوب المؤمنين ، بحيث يهتدون إليه ويختارون وده ومحبته ، فما من مؤمن إلا ويحبه ، وما من منافق إلا ويبغضه ، لا الجعل بمعنى الاضطرار والإلجاء ، كما هو ظاهر ، وتخصيصه عليه السلام من بين المؤمنين بجعل وده في قلوبهم ليس إلا لكونه أقرب وأحب عند الله تعالى ، وعند رسوله صلى الله عليه وآله وسلم فيكون أحق بالخلافة عنه تعالى وعن رسوله صلى الله عليه وآله وسلم من

ص: 299

غيره .

الحمد لله الذي وهبنا مودته ، ومودة الطيبين من ذريته ، سلام الله عليهم أجمعين ورزقنا البراءة من أعدائهم .

ص: 300

الحديث السابع و الثلاثون في تفسير قوله تعالى: مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لايبغيان

في تفسير قوله تعالى : " مرج البحرين يلتقيان * بينهما برزخ لا يبغيان " . (1) وقد ذكر في غاية المرام سبعة أحاديث من طريق العامة في تفسيره ، فقال :

الأول ، المالكي في الفصول المهمة ، عن أنس بن مالك ، في قوله تعالى : " مرج البحرين يلتقيان " قال : علي عليه السلام وفاطمة عليها السلام يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان " : الحسن والحسين عليهما السلام ورواه صاحب كتاب الدرر . (2) الثاني ، محمد بن العباس ، من طريق العامة ، قال : حدثنا علي بن عبد الله ، عن إبراهيم ، عن محمد بن الصلت ، عن أبي الجارود زياد بن المنذر ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، قال : قوله عز وجل " مرج البحرين يلتقيان " علي وفاطمة " بينهما برزخ لا يبغيان " ، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : " يخرج منهما

ص: 301


1- الرحمن : 19 - 20 .
2- غاية المرام ص 413 . الفصول المهمة ص 12 . الطبع الحجري .

اللؤلؤ والمرجان " ، قال : الحسن والحسين عليهما السلام . (1)

الثالث ، أبو علي الطبرسي روى من طريق العامة وغيرهم ، عن سلمان الفارسي رضي الله عنه ، وسعيد بن جبير ، وسفيان الثوري ، أن " البحرين " علي وفاطمة عليهما السلام " بينهما برزخ " محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، " يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان " الحسن والحسين عليهما السلام . (2) الرابع ، ابن شهرآشوب من طرق العامة وغيرهم " عن الحركوسي في كتاب اللوامع وشرف المصطفى ، وأبو بكر الشيرازي - في كتابه ، وأبي صالح ، وأبي إسحاق الثعلبي ، وعلي بن أحمد الطائي ، وابن علوية القطان - في تفاسيرهم - عن سعيد بن جبير ، وسفيان الثوري ، وأبو نعيم الإصفهاني - فيما نزل في القرآن في أمير المؤمنين عليه السلام - عن حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس ، وعن أبي هالك ، عن ابن عباس ، والقاضي النظيري ، عن سفيان بن عيينة ، عن جعفر الصادق عليه السلام - واللفظ له - في قوله تعالى : " مرج البحرين يلتقيان " قال : علي وفاطمة بحران عميقان ، لا يبغي أحدهما على صاحبه . وفي رواية " بينهما برزخ " رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، " يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان " ، قال : الحسن والحسين عليهما السلام " . (3) الخامس ، عن أبي معاوية الضرير ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس : إن فاطمة عليها السلام بكت للجوع والعرى ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : إقنعي يا فاطمة بزوجك ، فوالله إنه سيد في الدنيا ، وسيد في الآخرة ، وأصلح بينهما ، فأنزل الله تعالى : " مرج البحرين " يقول : أنا أرسلت البحرين علي بن

ص: 302


1- غاية المرام ص 413 .
2- مجمع البيان 9 / 201 . غاية المرام ص 413 .
3- مناقب آل أبي طالب 3 / 318 . غاية المرام ص 413 .

أبي طالب بحر العلم ، وفاطمة بحر النبوة " يلتقيان " يتصلان ، أنا الله أوقعت الوصلة بينهما ، ثم قال : بينهما برزخ مانع ، رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يمنع علي بن أبي طالب أن يحزن لأجل الدنيا ، ويمنع فاطمة أن تخاصم بعلها لأجل الدنيا ، يا معشر الجن والإنس " تكذبان " بولاية أمير المؤمنين عليه السلام وحب فاطمة الزهراء ، قال " اللؤلؤ " الحسن ، " المرجان " الحسين عليه السلام لأن اللؤلؤ الكبار ، والمرجان الصغار ، ولاغرو أن يكونا بحرين لسعة فضلهما ، وكثرة خيرهما ، فإن البحر إنما سمي بحرا لسعته ، وأجرى النبي فرسا فقال :

وجدته بحرا " . (1) السادس ، كتاب المناقب الفاخرة في العترة الطاهرة ، عن المبارك بن مسرور ، قال : أخبرني القاضي أبو عبد الله ، قال : حدثني أبي ، قال :

أخبرني أبو غالب محمد بن عبد الله ، يرفعه إلى أبي هارون العبدي ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : سألت ابن عباس عن قول الله عز وجل : " مرج البحرين يلتقيان " فقال : علي وفاطمة ، " بينهما برزخ لا يبغيان " رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، " يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان " الحسن والحسين عليهما السلام . (2) السابع ، الثعلبي وانتهى إسناده إلى سفيان الثوري هذا . (3) وأما رواياتنا فكثيرة جدا ، وقد ذكر في غاية المرام خمسة أحاديث من طريقنا ، (4) ولنتبرك بذكر روايتين منها .

إحداهما : عن ابن بابويه ، قال : حدثنا أبي ، قال : حدثنا سعد بن عبد الله ، عن القاسم بن محمد الإصبهاني ، عن سليمان بن داود المنقري ، عن يحيى

ص: 303


1- مناقب آل أبي طالب 3 / 319 . غاية المرام ص 414 .
2- غاية المرام ص 414 .
3- غاية المرام ص 414 .
4- غاية المرام ص 414 .

بن سعيد العطار ، قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول : " مرج البحرين يلتقيان * بينهما برزخ لا يبغيان " ، قال : علي وفاطمة بحران من العلم عميقان ، لا يبغي أحدهما على صاحبه " يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان " الحسن والحسين عليهما السلام . (1) ثانيهما : عن محمد بن العباس ، عن علي بن مخلد الدهان ، عن أحمد بن سليمان ، عن إسحاق بن إبراهيم الأعمش ، عن كثير بن هشام ، عن كهمش بن الحسن ، عن أبي السليل ، عن أبي ذر رضي الله عنه في قوله عز وجل : " مرج البحرين يلتقيان " قال : علي وفاطمة عليهما السلام ، " يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان " الحسن والحسين عليهما السلام ، فمن رأى مثل هؤلاء الأربعة : علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام لا يحبهم إلا مؤمن ، ولا يبغضهم إلا كافر ، فكونوا مؤمنين بحب أهل البيت عليهم السلام ، ولا تكونوا كفارا ببغضهم فتلقوا في النار . (2) وإذا وقفت على ما بيناه فاعلم أنه يستفاد من الآية الكريمة أمور خمسة :

الأول : علو مقام مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ، وسيدتنا فاطمة الزهراء عليها السلام ورفعة شأنهما عند الله تبارك وتعالى ، حيث عبر عنهما بالبحرين ، فإن البحر إنما يستعار للأمر الواسع ، بل قال في المصباح المنير : إنما سمي البحر بحرا لاتساعه ، (3) والمقام مقام إظهار آلائه ونعمه على عباده ، فهما من النعم الواسعة الجليلة التي أنعم بها على الجن والإنس ، فقال عز من قائل :

ص: 304


1- غاية المرام ص 414 نقلا عن الصدوق .
2- غاية المرام ص 414 .
3- المصباح المنير ص 48 .

" فبأي آلاء ربكما تكذبان " . (1)

والثاني : أن كلا منهما عديل للآخر ، وكفو له بحيث لا يبغي أحدهما على الآخر ، ويدل عليه أيضا الروايات في فضل سيدتنا الصديقة الطاهرة سلام الله عليها ، من أنه لولا علي عليه السلام لم يكن لفاطمة عليها السلام كفو من الأولين والآخرين . (2) والثالث : أن تزويجهما كان من الله تبارك وتعالى .

توضيحه : كما يستند التقاء البحرين الحسييين إلى مرسلهما ، حيث أرسلهما على وجه يلتقيان ويتصلان ، فكذلك التقاء بحرين معنويين مستند إلى من أرسلهما ، وهو الله تعالى شأنه ، فالتعبير بصيغة " مرج " معلوما مسندا إليه تعالى شأنه إرشاد إليه ، فإن الالتقاء في الحقيقة متولد عن كيفية الارسال ، لا أنه يتعقبه فقط ، ويدل على هذا المعنى روايات الفريقين .

ومن جملة روايات العامة : ما رواه في غاية المرام ، في باب أن عليا عليه السلام خير الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، عن أبي الحسن الفقيه ابن المغازلي الشافعي ، في كتاب المناقب ، بإسناده إلى أبي أيوب الأنصاري ، قال : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مرض مرضة ، فدخلت عليه فاطمة عليها السلام تعوده وما به من مرض ، فلما رأت ما برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الجهد والضعف خنقتها العبرة حتى جرت دمعتها ، فقال لها : يا فاطمة إن الله عز وجل اطلع إلى الأرض اطلاعة فاختار منها أباك فبعثه نبيا ، ثم اطلع إليها الثانية فاختار منها بعلك ، فأوحى إلي فأنكحته واتخذته وصيا ، أما علمت يا فاطمة أن

ص: 305


1- الرحمن : 21 .
2- البحار 43 / 107 .

لكرامة الله إياك زوجك أعظمهم حلما ، وأقدمهم سلما ، وأعلمهم علما ، فسرت بذلك فاطمة واستبشرت ، ثم قال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يا فاطمة ، وله ثمانية أضراس ثواقب : إيمان بالله وبرسوله ، وحكمته (حكمه خ ل) ، وتزويجه فاطمة ، وسبطاه الحسن والحسين عليهما السلام ، وأمره بالمعروف ، ونهيه عن المنكر وقضاؤه بكتاب الله عز وجل ، يا فاطمة إنا أهل البيت أعطينا سبع خصال لم يعطها أحد من الأولين قبلنا - أو قال : - الأنبياء ، ولا يدركها أحد من الآخرين غيرنا : منا أفضل الأنبياء وهو أبوك ، ووصينا خير الأوصياء وهو بعلك ، وشهيدنا خير الشهداء وهو حمزة عمك ، ومنا من له جناحان يطير بهما في الجنة حيث يشاء ، وهو جعفر ابن عمك ، ومنا سبطا هذه الأمة ، وهما ابناك ، والذي نفسي بيده منا مهدي هذه الأمة . (1) ورواه أيضا عن الحمويني بإسناد آخر ، عن علي بن الهلال ، عن أبيه مع زيادة . (2) وروى من طريقنا عن سلمان رضي الله عنه ، مع زيادات كثيرة . (3) والرابع ، علو شأن سيدي شباب أهل الجنة الحسن والحسين سلام الله عليهما عنده تعالى شأنه ، حيث عبر عنهما ب" اللؤلؤ والمرجان " ، وشبههما بهما ، فجعل تعالى شأنه منزلتهما من الجن والإنس منزلة اللؤلؤ والمرجان منهم في عالم الحسن والظاهر ، فكما أنهما زينة لهم في عالم الحسن تقر بهما أعينهم ، ويتسارع كل منهم في تحصيلهما حسب

ص: 306


1- غاية المرام ص : 449 . مناقب ابن المغازلي : 101 .
2- غاية المرام ص : 449 .
3- غاية المرام ص : 452 .

مقدورهم فكذلك هما - روحي فداهما - زينة للمؤمنين تقر بهما أعينهم ، ويتسارعون في محبتهما ومودتهما وولايتهما ، سلام الله عليهما ، وعلى جدهما ، وأبيهما ، وأمهما ، وبنيهما الأئمة الطاهرين .

والخامس ، اختصاص الإمامة والخلافة بمولانا أمير المؤمنين عليه السلام وولديه : الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة سلام الله عليهم ، ضرورة أن من كان بهذه المنزلة عند الله تبارك وتعالى من الجن والإنس ، حيث من بهم على جميع الجن والإنس ، فقال تعالى شأنه : " فبأي آلاء ربكما تكذبان " ، لا يجوز أن يتقدمهم أحد من الجن والإنس في الخلافة عن الله تعالى ورسوله ، ضرورة أنه لا يجوز أن يكون من من الله تعالى بوجوده على الإنس والجن مأموما وتابعا لمن كان في جملة المنعم عليهم بوجوده .

وإن شئت مزيد توضيح فاعلم أن تعبيره عز وجل عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام بالبحر كاشف عن اتساعه في العلم والخير ، والخلفاء الثلاثة لم يبلغوا في العلم ولا في سائر الصفات الكريمة مبلغا يستحقون المعارضة معه في الخلافة والولاية ، ومن وقف على قصصهم وأخبارهم لا يشك فيما بيناه .

قال ابن قتيبة في تاريخه المعروف : (1) قال أبو بكر في مرضه الذي توفي فيه في جواب عبد الرحمن بن عوف : " أجل والله ما آسى إلا على ثلاث فعلتهن ليتني كنت تركتهن ، وثلاث تركتهن ليتني فعلتهن ، وثلاث ليتني سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عنهن ، فأما اللاتي فعلتهن - وليتني لم أفعلهن - فليتني تركت بيت علي عليه السلام وإن كان أعلن علي الحرب ، وليتني يوم سقيفة

ص: 307


1- الإمامة والسياسة ص 18 طبع المكتبة التجارية الكبرى بمصر .

بني ساعدة كنت ضربت على يد أحد الرجلين أبي عبيدة أو عمر ، فكان هو الأمير وأنا الوزير ، وليتني حين أتيت بالفجأة السلمى أسيرا أني قتلته ذبيحا أو أطلقته نجيحا ، ولم أكن أحرقته بالنار .

وأما اللاتي (1) تركتهن - وليتني فعلتهن - حين أتيت بالأشعث بن قيس أسيرا أني قتلته ولم أستحيه ، فإني سمعت منه وأراه لا يرى غيا ولا شرا إلا أعان عليه ، وليتني حين بعثت خالد بن الوليد إلى الشام ، أني كنت بعثت عمر بن الخطاب إلى العراق ، فأكون قد بسطت يدي جميعا في سبيل الله .

وأما اللواتي كنت أود أني سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عنهن فليتني سألته لمن هذا الأمر من بعده ، فلا ينازعه فيه أحد ، وليتني كنت سألته هل للأنصار فيها من حق ، وليتني كنت سألته عن ميراث بنت الأخ والعمة ، فإن في نفسي من ذلك شيئا " انتهى .

ومن كان كذلك كيف جاز له الإقدام على هذا الأمر الخطير الذي هو تلو النبوة ، بل أعلى منها - كما عرفت - والعجب أنه مع هذا الحال كيف سارع اليوم الأول هو وسائر إخوانه واجتمعوا في سقيفة بني ساعدة لتعيين الخليفة ، وتركوا جنازة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعقدوا الخلافة لواحد منهم ، ولم يشاوروا مولانا أمير المؤمنين عليه السلام وسائر بني هاشم ، حتى لا تختلف كلمتهم ، وكيف أوصى الخلافة للثاني آخر يومه ، ولم يتركها بحالها ، كما تركها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بزعمه وزعمهم . هذا حال الخليفة الأول .

وأما الخليفة الثاني فيكفي منه ما اشتهر في كتب الفريقين ، من أنه

ص: 308


1- هكذا عبارة النسخة التي نقلتها منها ، ولا يخفى أن المذكور منها اثنان ولعله سقط الثالث من قلم الناسخ والله العالم ، وقد ظفرت على ذكر الثالث في العقد الفريد لابن عبد ربه بهذه اللفظة " ووددت أني يوم سيرت خالد بن الوليد إلى أهل الردة أقمت بذي القصة ، فإن ظفرت المسلمون ظفروا ، وإن انهزموا كنت بصدد لقاء أو مدد " منه " قدس سره " .

قال في عدة مواطن : " لولا علي لهلك عمر " (1) ، وأحصاها بعضهم إلى سبعين موطنا.

وأما الثالث فحاله أوضح ، كما لا يخفى على من تتبع أخبارهم .

والحاصل : إن الذين كانوا بهذا الشأن كيف يجوز لهم المعارضة مع باب مدينة علم النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي سماه الله تعالى في القرآن بحرا ، وجعله من الآية التي من بها على الجن والإنس .

والحمد لله الذي هدانا لمعرفة وليه وحجته ، ولم يجعلنا من المكذبين بالآية ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله . .

ص: 309


1- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 12 / 205 . الغدير 6 / 327 .

الحديث الثامن و الثلاثون في تفسير قوله تعالى: انّما وليكم الله و رسوله و الّذين آمنوا ...

في تفسير قوله تعالى : " إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون " . (1) وقد ذكر في غاية المرام في تفسيره من طريق العامة أربعة وعشرين حديثا .

فقال : الحديث الأول ، قال الثعلبي ، قال السدي ، وعتبة بن أبي حكيم وغالب بن عبد الله : إنما عنى بقوله سبحانه وتعالى : " إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون " علي بن أبي طالب عليه السلام ، لأنه مر به سائل - وهو راكع في المسجد - وأعطاه خاتمه .

ثم قال الثعلبي : أخبرنا أبو الحسن محمد بن القاسم الفقيه ، قال :

حدثنا عبد الله بن أحمد الشعراني ، قال : أخبرنا أبو علي أحمد بن علي بن رزين ، قال : حدثنا المظفر بن الحسن الأنصاري ، قال : حدثنا السري بن علي الوراق ، حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني ، عن قيس بن الربيع ، عن الأعمش ، عن عباية بن الربعي ، قال : حدثنا عبد الله بن عباس رضي الله عنه وهو جالس

ص: 310


1- المائدة : 55 .

بشفير زمزم ، يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ أقبل رجل معتم بعمامة ، فجعل ابن عباس لا يقول : قال رسول الله ، إلا وقال الرجل : قال رسول الله ، فقال له ابن عباس : سألتك بالله ، ممن أنت ؟ قال : فكشف العمامة عن وجهه ، وقال :

يا أيها الناس من عرفني فقد عرفني ، ومن لم يعرفني ، فأنا جندب بن جنادة البدري أبو ذر الغفاري ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بهاتين وإلا صمتا ، ورأيته بهاتين وإلا فعميتا ، يقول : " علي قائد البررة ، وقاتل الكفرة ، منصور من نصره ، مخذول من خذله " أما إني صليت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوما من الأيام صلاة الظهر ، فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد ، فرفع السائل يده إلى السماء وقال : اللهم اشهد أني سألت في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم يعطني أحد شيئا ، وكان علي راكعا فأومى إليه بخنصره اليمنى ، وكان يتختم فيها ، فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم من خنصره ، وذلك بعين النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فلما فرغ من صلاته رفع رأسه إلى السماء وقال : اللهم موسى سألك ، فقال :

" رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري * واحلل عقدة من لساني * يفقهوا قولي * واجعل لي وزيرا من أهلي * هارون أخي * اشدد به أزرى * وأشركه في أمري " (1) فأنزلت عليه قرآنا ناطقا : " سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا " (2) اللهم وأنا محمد نبيك وصفيك ، اللهم واشرح لي صدري ويسر لي أمري واجعل لي وزيرا من أهلي عليا اشدد به ظهري . .

قال أبو ذر : فما استتم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الكلمة حتى نزل عليه جبريل عليه السلام من عند الله تعالى فقال : يا محمد اقرأ ، قال : وما أقرأ ؟ قال اقرأ : " إنما وليكم

ص: 311


1- طه : 25 - 32 .
2- القصص : 35 .

الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون " . (1)

الحديث الثاني ، ومن الجمع بين الصحاح الستة لرزين ، من الجزء الثالث ، في تفسير سورة المائدة ، قوله تعالى : " إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون " . من صحيح النسائي ، عن ابن سلام ، قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلنا : إن قومنا حادونا لما صدقنا الله ورسوله ، وأقسموا أن لا يكلمونا ، فأنزل الله تعالى :

" إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون " .

ثم أذن بلال لصلاة الظهر ، فقام الناس يصلون فمن بين ساجد وراكع ، إذ سائل يسأل ، وأعطى علي عليه السلام خاتمه وهو راكع ، فأخبر السائل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون * ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون " . (2) (3) ثم سرد الروايات إلى أن قال :

الحديث العاشر ، موفق بن أحمد في جواب مكاتبة معاوية إلى عمرو بن العاص . .

قال عمرو بن العاص : لقد علمت يا معاوية ما أنزلت في كتابه في علي عليه السلام من الآيات المتلوات في فضائله التي لا يشاركه فيها أحد ، كقوله

ص: 312


1- غاية المرام ص 104 .
2- المائدة : 55 - 56 .
3- غاية المرام ص 104 .

تعالى : " يوفون بالنذر " ، (1) " إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون " (2) " أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله " (3) وقد قال الله تعالى : " رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه " (4) وقد قال الله تعالى لرسوله : " قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى " . (5) (6) وقال : الحديث الحادي عشر ، موفق بن أحمد ، وانتهى إسناده إلى ابن عباس رضي الله عنه ، قال : أقبل عبد الله بن سلام ، ومعه نفر من قومه ممن قد آمن بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا : يا رسول الله إن منازلنا بعيدة ، وليس لنا مجلس ومتحدث دون هذا المجلس ، وإن قومنا لما رأونا قد آمنا بالله ورسوله وقد صدقناه رفضونا وآلوا على أنفسهم أن لا يجالسونا ، ولا يناكحونا ، ولا يكلمونا ، وقد شق ذلك علينا ، فقال لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم : " إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون " .

ثم إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خرج إلى المسجد والناس بين قائم وراكع ، وبصر .

بسائل ، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم : هل أعطاك أحد شيئا ؟ قال نعم : خاتم من ذهب (7) فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم : من أعطاكه ، فقال : ذلك القائم ، وأومى بيده إلى علي بن

ص: 313


1- الإنسان : 7 .
2- المائدة : 55 .
3- هود : 17 .
4- الأحزاب : 23 .
5- الشورى : 23 .
6- غاية المرام ص 104 . مناقب الخوارزمي ص 200 .
7- سيأتي أنه خاتم من فضة ، في حديث عن أبي عبد الله عليه السلام .

أبي طالب عليه السلام ، فقال له : على أي حال أعطاك ؟ قال : أعطاني وهو راكع ، فكبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم قرأ : " ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون " (1) ، فأنشأ حسان بن ثابت يقول :

أبا حسن تفديك نفسي ومهجتي *** وكل بطئ في الهوا ومسار

أيذهب مدحي والمحبر ضائع *** وما المدح في جنب الإله بضائع

فأنت الذي لم أعطيت إذ كنت راكعا *** فدتك نفوس القوم يا خير راكع

فأنزل فيك الله خير ولاية *** وبينها في محكمات الشرائع (2)

ثم سرد الروايات إلى آخرها .

هذا ولا خلاف بين الأمة أن هذه الآية نزلت في مولانا أمير المؤمنين عليه السلام كما صرح به ابن شهرآشوب ، (3) فلا حاجة إلى إكثار ذكر الروايات من طريقهم ، ولنتبرك بذكر روايات من طريقنا .

منها : ما في الكافي عن مولانا الصادق عليه السلام في قول الله عز وجل :

" إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا . . . " قال : إنما يعني : أولى بكم ، أي أحق بكم ، وبأموالكم من أنفسكم " الله ورسوله والذين آمنوا " - يعني عليا وأولاده الأئمة عليهم السلام - إلى يوم القيامة ، ثم وصفهم الله عز وجل فقال :

" الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون " . .

وكان أمير المؤمنين عليه السلام في صلاة الظهر ، وقد صلى ركعتين وهو راكع ، وعليه حلة قيمتها ألف دينار ، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم كساه إياها وكان النجاشي أهداها له .

ص: 314


1- المائدة : 56 .
2- غاية المرام ص 105 . مناقب الخوارزمي ص 265 .
3- مناقب آل أبي طالب 3 / 3 .

فجاء سائل ، فقال : السلام عليك يا ولي الله وأولى بالمؤمنين من أنفسهم ، تصدق على مسكين ، فطرح الحلة إليه وأومى بيده أن احملها ، فأنزل الله عز وجل فيه هذه الآية وصير نعمة أولاده بنعمته ، فكل من بلغ من أولاده مبلغ الإمامة يكون بهذه النعمة مثله ، فيتصدقون وهم راكعون .

والسائل الذي سأل أمير المؤمنين عليه السلام من الملائكة ، والذين يسألون الأئمة من أولاده يكونون من الملائكة . (1) ومنها : ما في الكافي أيضا عن مولانا الصادق ، عن أبيه عن جذه عليهم السلام في قوله عز وجل : " يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها " (2) قال : لما نزلت " إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا " الآية ، اجتمع نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مسجد المدينة ، فقال بعضهم لبعض : ما تقولون في هذه الآية ؟ فقال بعضهم : إن كفرنا بهذه الآية نكفر بسائرها ، وإن آمنا فهذا ذل حين سلط علينا ابن أبي طالب عليه السلام فقالوا : قد علمنا أن محمد صلى الله عليه وآله وسلم صادق فيما يقول ، ولكن نتولاه ولا نطيع عليا فيما أمرنا ، فنزلت هذه الآية : " يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها " يعني ولاية علي وأكثرهم الكافرون بالولاية . (3) ومنها : عن احتجاج الطبرسي ، في رسالة أبي الحسن الثالث علي بن محمد الهادي عليه السلام إلى أهل الأهواز ، حين سألوه عن الجبر والتفويض . .

قال عليه السلام : اجتمعت الأمة قاطبة لا اختلاف بينهم في ذلك : أن القرآن حق لا ريب فيه عند جميع فرقها ، في حالة الاجتماع عليه مصيبون ، وعلى تصديق ما أنزل الله مهتدون ، لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : " لا تجتمع أمتي على

ص: 315


1- الكافي 1 / 288 .
2- النحل : 83 .
3- الكافي 1 / 427 .

ضلالة " (1) ، فأخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن ما اجتمعت عليه الأمة ولم يخالف بعضها بعضا هو الحق .

فهذا معنى الحديث ، لا ما تأوله الجاهلون ، ولا ما قاله المعاندون من إبطال حكم الكتاب ، واتباع أحكام الأحاديث المزورة ، والروايات المزخرفة ، واتباع الأهواء المردية المهلكة ، التي تخالف نص الكتاب ، وتحقيق الآيات الواضحات النيرات ، ونحن نسأل الله أن يوفقنا للصلاح ، ويهدينا إلى الرشاد .

ثم قال عليه السلام : فإذا شهد الكتاب بصدق خبر وتحقيقه ، فأنكرته طائفة من الأمة عارضته بحديث من هذه الأحاديث المزورة ، فصارت بإنكارها ودفعها الكتاب ضلالا وأصح خبر مما عرف تحقيقه من الكتاب مثل الخبر المجمع عليه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : إني مستخلف فيكم خليفتين : كتاب الله وعترتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي ، وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض واللفظة الأخرى عنه في هذا الكتاب المعنى بعينه قوله صلى الله عليه وآله وسلم " إني تارك فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا " وجدنا شواهد هذا الحديث نصا في كتاب الله مثل قوله : " إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا ، الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة " . (2) ثم اتفقت روايات العلماء في ذلك لأمير المؤمنين عليه السلام أنه تصدق بخاتمه وهو راكع ، فشكر الله ذلك له ، وأنزل الآية فيه .

ص: 316


1- راجع البحار 2 / 225 و 28 / 104 والمعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي 1 / 367 .
2- المائدة : 55 .

ثم وجدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أبانه من أصحابه بهذه اللفظة : " من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه " وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : " علي يقضي ديني وينجز وعدي ، وهو خليفتي ، عليكم بعدي " وقوله حيث استخلفه على المدينة ، فقال : يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتخلفني على النساء والصبيان ؟ فقال : " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي " .

فعلمنا أن الكتاب شهد بتصديق الأخبار ، وتحقيق هذه الشواهد ، فيلزم الأمة الاقرار بها ، إذا كانت هذه الأخبار وافقت القرآن .

فلما وجدنا ذلك موافقا لكتاب الله وكتاب الله موافقا لهذه الأخبار ، وعليها دليلا ، كان الاقتداء بها فرضا لا يتعداه إلا أهل العناد والفساد . (1) ومنها عن الاحتجاج أيضا في حديث عن أمير المؤمنين عليه السلام ، قال المنافقون لرسول الله : هل بقي لربك علينا بعد الذي فرض علينا شئ آخر يفترضه ، فيذكر فتسكن أنفسنا ، إنه لم يبق غيره ، فأنزل الله في ذلك : " قل إنما أعظكم بواحدة " (2) يعني الولاية ، فأنزل الله : " إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا . . . " الآية .

وليس بين الأمة خلاف أنه لم يؤت الزكاة يومئذ وهو راكع غير رجل .

واحد ، لو ذكر اسمه في الكتاب لأسقط مع ما أسقط من ذكره ، وهذا - وما أشبهه - من الرموز التي ذكرت لك ثبوتها في الكتاب ، ليجهل معناها المحرفون ، فيبلغ إلى أمثالك .

وعند ذلك قال الله عز وجل : " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت

ص: 317


1- الاحتجاج 2 / 251 - 253 .
2- سبأ : 46 .

عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا " . (1) (2)

بيان : يمكن التوفيق بين ما رواه في الكافي أن المتصدق به كان حلة ، وبين ما رواه غيره واشتهر بين الخاصة والعامة : أنه كان خاتما ، بأنه عليه السلام لعله تصدق في ركوع صلاة الظهر بالحلة ، وفي ركوع صلاة أخرى بالخاتم ، ونزلت الآية بعد الثانية .

ويدل على ذلك ما رواه الحمويني من طريقهم مسندا إلى عمار بن ياسر رضي الله عنه من أنه عليه السلام كان راكعا في صلاة التطوع وسأله سائل ، فنزع خاتمه وأعطاه السائل ، فنزلت الآية . (3) ثم إن الخاتم - على ما رواه عمار الساباطي - عن أبي عبد الله عليه السلام كان فصه ياقوتة حمراء ، وزنها خمسة مثاقيل ، وحلقته من فضة وزنها أربعة مثاقيل ، (4) فما في بعض روايات العامة من أن السائل قال : أعطاني خاتما من ذهب لعله اشتباه من السائل ، وكان مذهبا .

أقول : وقد تبين لك مما بيناه أنه لا خلاف بين المسلمين في نزول الآية الكريمة في شأن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام . .

ومما يوضح ذلك أيضا مع وضوحه وظهوره : أن المراد من " الذين يقيمون الصلاة " مصداق مخصوص ، لا العنوان العام الشامل لكل من آتى الزكاة في حال الركوع ، إذ ليس له مزية خاصة يختص به بعض المؤمنين ، حتى يناسب حصر الولاية في المتصف به دون غيره ، فالصفة المأخوذة في القضية إنما أخذت معرفة لا عنوانا يدور مداره الحكم ، بحيث يعم الحكم

ص: 318


1- المائدة : 3 .
2- غاية المرام ص 109 نقلا عن الاحتجاج 1 / 601 طبع الأسوة .
3- غاية المرام ص 106 نقلا عن فرائد السمطين .
4- غاية المرام ص 109 .

كل من يتصدق في حال الركوع ، فلا بد حينئذ من تعريف المصداق المخصوص الذي هو موضوع الحكم .

ولم يعرف في الروايات الواردة من الطريقين مع كثرتها واستفاضتها ، بل تواترها ، إلا مولانا أمير المؤمنين عليه السلام فلا مجال للتردد والتزلزل في عدم صدقه إلا على مولانا أمير المؤمنين عليه السلام .

ولا ينافي ذلك التعبير بصيغة الجمع لأن التعبير بها في مقام التعظيم شائع ، مع أن في التعبير عنه عليه السلام بصيغة الجمع إشارة إلى أمر آخر ، وهو أن إيمانه عليه السلام أكمل مراتب الإيمان سبقا وثباتا ويقينا ، وأن طاعته لله تعالى أتم درجات الطاعات إخلاصا ، متمحضة في وجه الله تعالى ، خالية عن شائبة الطمع والخوف ، كما هو المأثور عنه عليه السلام أنه قال : " ما عبدتك خوفا من نارك ولا طمعا في جنتك ، بل وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك " (1) فعبر عنه بصيغة الجمع تنبيها على هذا المعنى ، وتنزيلا له منزلة جميع المؤمنين ، من حيث استكمال جميع مراتب الإيمان ، وأشد درجات الطاعات فيه عليه السلام . وارتقاؤه على أعلى مراتب اليقين والإيمان وأكمل درجات الطاعات ، قد دلت عليه نصوص الفريقين في مواطن كثيرة ، مثل قوله صلى الله عليه وآله وسلم له حين برز عليه السلام إلى .

عمرو بن عبد ود : " برز الإيمان كله إلى الشرك كله " (2) وإنه أحب الخلق إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث الطير المشوي . (3) وفي غزوة تبوك " لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ، كرارا غير فرار ، لا يرجع حتى يفتح الله على يديه " . (4) و

ص: 319


1- عوالي اللئالي 1 / 404 و 2 / 11 .
2- كشف الغمة 1 / 272 وفيه : خرج الإسلام كله إلى الشرك كله .
3- غاية المرام ص 471 - 477 .
4- غاية المرام ص 465 - 470 .

هكذا من النصوص المسلمة وما هو مشهود من حاله عليه السلام ، لا يرتاب فيه من له أدنى اطلاع بحاله .

وإذا تبين لك ما بيناه ، فاعلم أن الآية الكريمة صريحة في اختصاص الولاية التامة والإمامة الكبرى ، والخلافة العظمى بمولانا أمير المؤمنين عليه السلام ، لأن الولي وإن أطلق على معان متعددة : مالك الأمر ، والصديق ، والمحب ، والناصر ، إلا أن المعنى الشائع المنصرف إليه الاطلاق هو الأول ، فولي الصغير من يملك أمره وولي المرأة من يملك تدبير نكاحها ، وولي الدم من كان له المطالبة بالقود ، وولي العهد من يملك عهد السلطنة ، وهكذا من الموارد .

في مجمع البيان : " قال المبرد في كتاب العبارة عن صفات الله : أصل الولي الذي هو أولى - أي أحق - ومثله المولى " انتهى . (1) فالولي بمعنى أولى وأحق ، هو الظاهر ، مع قطع النظر عن قرائن المقام ، وأما بملاحظتها فهو متعين ، وهي في المقام من وجهين :

الأول : أنه كما تكون إضافة الولي إلى من له حاجة إلى من يقوم بأمره قرينة معينة عند أهل العرف على إرادة مالك الأمر ، كولي الصغير ، .

وولي المرأة ، بحيث لا يحتمل أحد أن يراد من العبارتين محبهما ، أو ناصرهما ، أو صديقهما ، أو جارهما ، ويحكمون قطعا بأن المراد منه مالك الأمر .

فكذلك إسناد الولي إلى من كانت سلطنته ثابتة على الطرف عقلا ، أو شرعا ، أو عرفا ، قرينة معينة عندهم على إرادة مالك الأمر .

ألا ترى أنك إذا قلت : ولي الرعية السلطان ، وولي عهده والقائم مقامه من بعده ، لا يحتمل أحد أن يكون المراد منه المحب أو الناصر مثلا ،

ص: 320


1- مجمع البيان 3 / 209 .

بل يحكمون جزما بأن المراد منه مالك الأمر ، والمقام من هذا القبيل ، فإن سلطنته تعالى شأنه ثابتة على الخلق عقلا بالضرورة ، وكذا سلطنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم على الأمة من حيث رسالته وخلافته عن الرب تعالى شأنه ، فيتعين الولي حينئذ في المقامين في مالك الأمر ، وعطف : " الذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة . . . " الآية عليه تعالى شأنه أو على رسوله ، يوجب اشتراك المعطوف مع المعطوف عليه في الحكم كما هو ظاهر ، فتعين أن تكون الولاية الثابتة لمن آتى الزكاة في حال الركوع هي الولاية الثابتة له تعالى ، ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم وهي الولاية بمعنى الأحقية والأولوية وملك الأمر .

والثاني : أداة الحصر ، وهي كلمة " إنما " المفيدة للحصر باتفاق أهل العربية ، بل بالضرورة فإن الولاية بمعنى سائر المعاني لا تنحصر فيه تعالى شأنه وفي رسوله صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمن الموصوف بأنه يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة في حال الركوع ، فتحقيق معنى الحصر يوجب القطع بأن المراد بالولاية إنما هي ولاية الأمر ، وأولوية التصرف .

فإن قلت : الظاهر بقرينة الآية السابقة عليه بأربع آيات ، وهو قوله

تعالى : " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء . . . " (1) والآية اللاحقة عليه بآيتين ، وهو قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا . . . " إلى قوله تعالى : " والكفار أولياء " (2) إن المراد من الولاية هنا المحبة ، لأن المنهي عنها بالنسبة إلى اليهود والنصارى والكفار إنما هي الولاية ، بمعنى المحبة لا بمعنى الأولوية ، لأن المؤمنين لم يتخذوهم أولي الأمر حتى ينهوا عنه فحينئذ يحكم بأن المراد من الولاية

ص: 321


1- المائدة : 51 .
2- المائدة : 57 .

في الجميع بمعنى المحبة ، والحصر إنما يكون مجازيا لا حقيقيا .

قلت : مجرد كون الولي في آية أخرى سابقة أو لاحقة غير مربوطة بهذه الآية بمعنى المحب ، لا يوجب أخذ الولي في هذه الآية بمعناه أيضا ، مع أن المناسب للسابقة واللاحقة أخذ الولي هنا بمعنى ولي الأمر ، والأولى والأحق بالأمور . فهي إرشاد للمؤمنين بأن ولي أمركم هو الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمن الموصوف بما وصفه ، وأنتم تحت ولاية أمرهم ، ولا اختيار لكم في اتخاذ المودة بينكم وبين من كفر بهم ووجب عليكم إطاعة مواليكم ، والائتمار بأمرهم ، والانتهاء عما نهوا عنه ، فالآية تأكيد وتثبيت للنهي السابق واللاحق .

ثم إن التجوز في الحصر لا يكون إلا على سبيل التنزيل ، (1) ضرورة أن .

التجوز في الحروف إنما يكون بتبع مدخولها ، فما لم ينزل المدخول منزلة المحصور فيه لا يصح دخول أداة الحصر .

وحصر الولي فيه تعالى شأنه وفي رسوله ، والمؤمن الموصوف بما وصفه لو كان تنزيليا بأخذ الولي بمعنى المحب أو الناصر - مثلا - إنما يصح إذا نزلت محبتهم ومودتهم منزلة جميع من وجبت مودتهم ومحبتهم من المؤمنين ، وهذا لا يتم إلا بأن يكون المؤمن الموصوف بما وصفه قريبا لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم خليفة عنه ، وحجته على عباده وإلا فلا مجال

ص: 322


1- توضيح : إن حصر الولاية بمعنى المحبة فيه تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم إنما يصح باعتبار أن محبة سائر المؤمنين بعضهم بعضا من حيث الإيمان ترجع إلى محبته بعد محبة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، لأن الأصل إنما هو الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، والمؤمن الذي قرنه برسوله صلى الله عليه وآله وسلم إن كان إماما مفترضا طاعته لا يكمل الإيمان إلا بقبول ولايته ، والاستمساك بحبله يصح حصر المحبة فيه أيضا ، لأنه أصل في الإيمان ، كما أن الرسول أصل فيه ، وإلا فلا مجال لحصر المحبة فيه لعدم رجوع محبة المؤمنين إلى محبته . منه قدس سره .

للتنزيل .

وجعله قرينا لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم في حصر المحبة فيه ، وثبوت الخلاف له صلى الله عليه وآله وسلم بالآية الكريمة يقتضي اختصاصها به ، لعدم النص على خلافة الخلفاء الثلاثة بالضرورة ، وباعتراف الخصم ، مع أن حصر الولاية بعده تعالى شأنه وبعد رسوله صلى الله عليه وآله وسلم في المؤمن الموصوف بما وصفه ، ولو كان تنزيليا لا يجامع مع كونهم عند الله تعالى مستحقين لمقام الخلافة بل وجب حينئذ أن يقرنهم بالرسول كما قرن به المؤمن الموصوف بما وصفه .

فإن قلت : الحصر لا يتم على مذهبكم أيضا ، لا تحقيقا ، ولا تنزيلا ، لأن الإمامة والخلافة لا تنحصر في واحد باعتقادكم ، بل عدد الأئمة عندكم اثنا عشر ، كعدد الشهور ، وعدد أسباط بني إسرائيل .

قلت : إنما لا يصح حصر الولاية في مولانا أمير المؤمنين عليه السلام إذا كانت إمامة كل واحد من الأئمة عليهم السلام في عرض إمامة الآخر كاستحقاق الشركاء بالنسبة إلى ما اشتركوا فيه ، وأما إذا كانت إمامة كل واحد منهم على سبيل الترتيب ، بأن يكون الإمام في كل عصر واحد ، أو يكون كل منهم قائما مقام

الآخر ، فيصح حصر الولاية في المترتب عليه لرجوع ولاية المترتبين إلى ولايته عليه السلام ، فيصح حصر الولاية في مولانا أمير المؤمنين عليه السلام لرجوع ولاية سائر الأئمة عليهم السلام إلى ولايته عليه السلام ، كما يصح حصر الولاية في الرسول صلى الله عليه وآله وسلم باعتبار رجوع ولاية الجميع إلى ولايته ، كما يصح حصر الولاية في الله تعالى شأنه لأنه الأصل في الولاية ، وولاية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وولاية الأئمة عليهم السلام مترتبة على ولايته عز وجل .

نعم لا يصح حصر الولاية في المرتب لعدم رجوع ولاية المترتب عليه إلى ولايته ، فالحصر إنما لا يتم على مذهب الخالفين الذين جعلوا

ص: 323

مولانا أمير المؤمنين عليه السلام متأخرا عن خلفائهم ، وأما على مذهبنا من أنه صلى الله عليه وآله وسلم أول الخلفاء ، وسيد الأوصياء عليهم السلام ، فالحصر تام ولا غضاضة فيه بوجه .

فاتضح بحمد الله تعالى غاية الاتضاح بما بيناه أن الآية الكريمة صريحة الدلالة في اختصاص الإمامة بمولانا أمير المؤمنين عليه السلام .

والحمد لله الذي أوضح الحق لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد .

ص: 324

الحديث التاسع والثلاثون في تفسير قوله تعالى: يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل الیک من ربّك ...

في تفسير قوله تعالى : " يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس " . (1) وقد ذكر في غاية المرام تسعة أحاديث من طريق العامة في تفسيره .

فقال الأول : الثعلبي في تفسير هذه الآية ، قال :

قال أبو جعفر محمد بن علي عليهما السلام : " معناه بلغ ما أنزل إليك في فضل علي بن أبي طالب عليه السلام ، وفي نسخة أخرى أنه عليه السلام قال : يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك في علي عليه السلام ، وقال : هكذا نزلت ، رواه (كذا) جعفر بن محمد عليه السلام فلما نزلت هذه الآية أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيد علي عليه السلام وقال : " من كنت مولاه فعلي مولاه " . (2) وقال الثاني : قال أخبرني أبو محمد عبد الله بن محمد القاضي ، حدثنا أبو الحسين محمد بن عثمان النصيبي ، حدثنا أبو بكر محمد بن الحسين ، عن حسان ، عن الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس في قوله تعالى : " يا

أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك " الآية ، نزلت في علي بن أبي طالب ، أمر

ص: 325


1- المائدة : 71 .
2- غاية المرام ص : 334 نقلا عن تفسير الثعلبي .

النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن يبلغ فيه ، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيد علي عليه السلام وقال : " من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه " . (1) وقال الثالث : كشف الغمة ، عن زربن عبد الله ، قال : كنا نقرأ على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك " أن عليا مولى المؤمنين . " وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس " . (2) ثم سرد الروايات إلى آخرها .

أقول : ينبغي التكلم هنا في أمور ثلاثة :

الأول : في أن الآية الكريمة إنما نزلت في ولاية مولانا أمير المؤمنين عليه السلام في غدير خم .

والثاني : فيما بلغه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من الله تعالى في هذا المكان ، في شأن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام .

والثالث : في أن ما بلغه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في شأنه عليه السلام صريح في الإمامة والخلافة .

أما الأمر الأول : فقد استفاضت الروايات من الطريقين مسندة إلى أهل البيت عليهم السلام ، وابن عباس وجابر ، وأبي سعيد الخدري ، وأبي هريرة : إن الآية إنما نزلت فيه عليه السلام في غدير خم ، (3) بل الروايات من طريقنا عن .

أهل البيت عليهم السلام متواترة ، مع أن الآية الكريمة تدل من وجهين على أن المنزل من الرب تعالى ، والمأمور بتبليغه إنما هي الولاية .

توضيح الحال : إنه يظهر من الآية الكريمة أمران :

ص: 326


1- غاية المرام ص : 334 نقلا عن تفسير الثعلبي .
2- غاية المرام ص : 334 نقلا عن كشف الغمة . 1 / 437 طبع طهران وفيه : زر عن عبد الله .
3- مجمع البيان 3 / 223 . غاية المرام ص 334 - 335 .

الأول : اهتمامه تعالى شأنه بما أنزله إلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الموارد أشد من اهتمامه بسائر ما أنزله على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، حيث نفى رسالته رأسا لو لم يبلغ هذا الحكم بخصوصه .

والثاني : أن تبليغه كان ثقيلا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم لخوفه من استنكاف الناس عن قبوله ، وإيذائهم له ، حيث هدده تعالى شأنه وأوعده في ترك تبليغه بقوله عز وجل : " وإن لم تفعل فما بلغت رسالته " فإنه لا يقال مثل هذا التعبير إلا إذا كان الأمر ثقيلا على الطرف .

ومن المعلوم أنه لا ثقل على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في تبليغ ما أمر به الرب تعالى من قبل نفسه ، وإنما يكون الثقل من طرف الناس ، ولذا عصمه تعالى منهم ، وقال تعالى شأنه : " والله يعصمك من الناس " وكل منهما يدل على أن المنزل إليه هي الولاية والخلافة .

بيانه : إن سورة المائدة آخر سورة نزلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولذا نسخت ما قبلها ، ولم ينسخها شئ ، (1) فخوفه صلى الله عليه وآله وسلم ليس من المشركين لأن من لم يسلم منهما كانوا مقهورين في زمان نزول السورة ، فهذا الخوف إنما هو بالنسبة إلى من أسلموا بأفواههم ، ولم يؤمنوا بقلوبهم ، والذي يظهر من الأخبار ، وتاريخ حالاتهم أن الذي استنكف مثل هؤلاء المسلمين عنه إنما هو ولاية مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ، ولم يكن شئ أثقل عليهم من قبول ولايته ، ولم يكن لهم معارضة مع الصلاة ، والصوم ، والحج ، والجهاد ، والخمس ، والزكاة ، وهكذا من الأحكام ، نعم منعوا الخمس ، لأجل الولاية أيضا ، وكفى بذلك شاهدا قضية الحارث بن النعمان الفهري التي رواها

ص: 327


1- تفسير العياشي 1 / 288 .

الفريقان . (1) وملخصه لما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بغدير خم نادى الناس فاجتمعوا ، فأخذ بيد علي عليه السلام فقال : " من كنت مولاه فعلي مولاه " فشاع ذلك وطار في البلاد ، فبلغ ذلك الحارث بن النعمان الفهري فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ناقة له ، حتى أتى إلى الأبطح ، فنزل عن ناقته فأناخها ، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والرسول في ملأ من أصحابه ، فقال : يا محمد أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا إله إلا الله ، وأنك رسول الله فقبلنا ، وأمرتنا أن نصلي خمسا فقبلناه منك ، وأمرتنا بالزكاة فقبلنا ، وأمرتنا أن نصوم شهرا فقبلنا ، وأمرتنا بالحج فقبلنا ، ثم لم ترض لهذا حتى رفعت بضبعي ابن عمك ففضلته علينا وقلت :

" من كنت مولاه " فهذا شئ منك أم من الله عز وجل ؟ فقال : " والذي لا إله إلا هو إن هذا من الله " فولى الحارث يريد راحلته ، وهو يقول : " اللهم إن كان ما يقول محمد حقا ، فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم " فما وصل إليها حتى رماه الله تعالى بحجر فسقط على هامته ، وخرج من دبره ، فقتله ، وأنزل الله عز وجل :

" سأل سائل بعذاب واقع * للكافرين ليس له دافع " (2) . (3) فتبين أن الذي أمر بتبليغه من الرب تعالى وخاف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من الناس في تبليغه ، فوعده الله تعالى العصمة منهم ، وأكد تبليغه غاية التأكيد .

بحديث جعله بمنزلة تمام الدين ، إنما هي الولاية والخلافة ، لأن تبليغ غيرها من الأحكام لم يكن محلا لخوف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من الناس .

ص: 328


1- غاية المرام ص 397 - 398 .
2- المعارج : 1 و 2 .
3- غاية المرام ص 397 - 398 .

كما أن هذا الاهتمام والتأكيد لا يناسب غير الولاية من سائر الأحكام ، إذ لا يكون منزلة غيرها من الأحكام بهذه المثابة ، بحيث لو ترك ترك الجميع ، وإنما يناسب هذا الاهتمام الولاية والخلافة ، حيث يكون الدين محفوظا من الضياع بنصب الخليفة وتعيينه من قبله تعالى ، ومعرضا للضياع من حيث الزيادة والنقصان بتركه هذا .

ولا بأس بذكر التفاسير المخالفة للروايات ، وبيان ما فيه .

ففي مجمع البيان : أكثر المفسرون فيه الأقاويل .

فقيل : إن الله تعالى بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم برسالة ضاق بها ذرعا ، وكان يهاب قريشا ، فأزال الله بهذه الآية تلك الهيبة ، عن الحسن .

وقيل : يريد به إزالة التوهم من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كتم شيئا من الوحي للتقية ، عن عائشة .

وقيل غير ذلك . (1) وروى العياشي في تفسيره ، بإسناده عن ابن أبي عمير ، عن ابن أذينة ، عن الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وجابر بن عبد الله ، قالا : أمر الله محمدا صلى الله عليه وآله وسلم أن ينصب عليا للناس ، فيخبرهم بولايته ، فتخوف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يقولوا : حابى ابن عمه ، وأن يطعنوا في ذلك عليه ، فأوحى الله إليه الآية ، فقام بولايته يوم غدير خم . (2) وهذا الخبر - بعينه - قد حدثناه السيد أبو الحمد عن الحاكم أبي القاسم .

الحسكاني ، بإسناده عن ابن أبي عمير ، في كتاب شواهد التنزيل ،

ص: 329


1- مجمع البيان 2 / 223 .
2- العياشي 1 / 331 .

انتهى . (1) أقول : أما ما عن الحسن فلا يخالف ما في الروايات ، غاية الأمر أنه لم يعين شأن النزول ، إما لجهله بمحله ، أو تقية من الناس ، أو موافقة مع هو أهم ، والظاهر أحد الأخيرين ، بل الأخير كما يظهر من خبر العياشي ، بإسناده عن زياد بن المنذر أبي الجارود صاحب الزيدية الجارودية ، قال : كنت عند أبي جعفر محمد بن علي عليه السلام بالأبطح ، وهو يحدث الناس ، فقام إليه رجل من أهل البصرة يقال له عثمان الأعشى ، كان يروي عن الحسن البصري ، فقال : يا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جعلت فداك ، إن الحسن البصري يحدثنا حديثا يزعم أن هذه الآية نزلت في رجل ، ولا يخبرنا من الرجل :

" يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته " تفسيرها : أتخشى الناس ، فالله يعصمك من الناس ، فقال أبو جعفر عليه السلام :

ماله لا قضى الله دينه " انتهى ما أردناه . (2) وأما ما عن عائشة فبعيد عن الآية أبعد مما بين السماء والأرض ، إذ لو كان الفرض ما ذكر لكان حق العبارة : يا أيها الناس بلغ الرسول ما أنزل إليه من ربه جميعا بصيغة الماضي ونحو ذلك ، لا أمر رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بالتبليغ وإيعاده على تركه ، ولعل نسبته إلى عائشة خطأ .

ثم إنه ينبغي التنبيه على بعض خصوصيات الآية الشريفة .

فأقول : عبر بالرسول دون النبي ونحوه ، لأن المناسب لمقام التبليغ ذكر وصف الرسالة ، سيما إذا كان التبليغ مهتما به في الغاية كالمقام ، وبصيغة التفعيل دون الأفعال ، لكمال الاهتمام ببلوغ المنزل إلى الأمة ،

ص: 330


1- مجمع البيان 2 / 223 . شواهد التنزيل 2 / 381 .
2- العياشي 1 / 333 .

فناسب التعبير بصيغة التفعيل الدالة على اتصاف المحل بالمبدأ ، دون صيغة الأفعال الدالة على مجرد إيصال المبدأ بالمحل ، وبصيغة المجهول في " أنزل " تنبيها على أن الاهتمام التام الذي سيق له الآية إنما هو بشأن المنزل ، مع قطع النظر عن الإسناد إلى الفاعل . ثم أتى عز وجل بقوله : " من ربك " تصريحا بأن إنزال هذا الأمر المهم إنما هو من طرف الرب تعالى ، دفعا لتوهم الجهلة من الأمة ويستفاد من الآية الكريمة أن إنزال هذا الأمر المهم كان قبل نزولها ، وأخر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم تبليغه خوفا من استهزاء الجهلة منهم ، وانتظارا لأن تأتيه العصمة من الله تعالى ، وأكد الله تبليغه بهذه الآية ، وأوعد رسوله صلى الله عليه وآله وسلم على ترك تبليغه وأعطاه العصمة من الناس .

وفي روايات أهل البيت عليهم السلام إنه كان نزول آية الولاية يوم عرفة فخشى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قومه وأهل النفاق والشقاق أن يتفرقوا ويرجعوا إلى الجاهلية فسأل جبرائيل أن يسأل ربه العصمة من الناس ، وانتظر أن يأتيه جبرائيل بالعصمة من الناس من الله جل اسمه ، فأخر ذلك إلى أن بلغ مسجد الخيف ، فأتاه بالولاية ، ولم يأته العصمة ، فأخر تبليغها حتى أتى " كراع الغميم " بين مكة والمدينة ، فأتاه جبرائيل وأمره بالذي أتاه به من قبل الله ، ولم يأته بالعصمة .

فقال : يا جبرائيل إني أخشى قومي أن يكذبوني ، ولا يقبلوا قولي في علي عليه السلام فرحل ، فلما بلغ غدير خم قبل الجحفة بثلاثة أميال أتاه جبرائيل على خمس ساعات مضت من النهار بالزجر ، والانتهار ، والعصمة من الناس ، فقال : يا محمد إن الله تعالى يقرؤك السلام ، ويقول لك : " يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك في - علي - وإن لم تفعل فما بلغت

ص: 331

رسالته والله يعصمك من الناس " .

وأما الأمر الثاني : (1) فقد تواترت الأخبار من الطريقين على أنه عليه السلام نص على ولاية مولانا أمير المؤمنين عليه السلام في منصرفه من حجة الوداع في غدير خم ، وقال : " من كنت مولاه فعلي مولاه " ، وقد ذكر في غاية المرام (2) من طريق العامة تسعة وثمانين حديثا ، فقال :

الأول : من مسند أحمد بن حنبل ، قال : حدثنا عفان ، قال : حدثنا حماد بن سلمة ، قال : حدثنا زيد بن علي بن ثابت ، عن البراء بن عازب ، قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سفره فنزلنا بغدير خم ونودي فينا الصلاة جامعة ، وكسح لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تحت شجرة ، فصلى الظهر ، وأخذ بيد علي عليه السلام فقال : " ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قالوا بلى ، قال : ألستم تعلمون أني أولى بكل مؤمن من نفسه ؟ قالوا : بلى ، وأخذ بيد علي عليه السلام فقال لهم : (من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه) قال : فلقاه عمر ، فقال : هنيئا لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولى كل مؤمن ومؤمنة . (3) الثاني : أحمد بن حنبل ، قال : حدثنا عفان ، قال : حدثنا أبو عوانة عن المغيرة ، قال : حدثنا أبو عبيدة عن ابن ميمون بن عبد الله ، قال : قال زيد بن أرقم وأنا أسمع : نزلنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بواد يقال له : وادي " خم " فأمر بالصلاة فصلاها ، قال : فخطبنا - وظلل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بثوب علي شجرة من الشمس - فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : أو لستم تعلمون ، أو لستم تشهدون أني أولى

ص: 332


1- يعني من الأمور الثلاثة الذي قال : ينبغي التكلم فيها في ذيل الحديث 39 .
2- غاية المرام : 79 .
3- غاية المرام : 79 نقلا عن مسند أحمد .

بكل مؤمن من نفسه ؟ قالوا بلى ، قال : " من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه " . (1)

الثالث : عبد الله بن أحمد بن حنبل ، قال : حدثنا عبد الله بن نعيم عن أبيه ، قال : حسين بن محمد ، وأبو نعيم ، قالا حدثنا قطر عن أبي الطفيل ، قال : جمع علي عليه السلام الناس في الرحبة ، ثم قال : " أنشد الله كل امرئ مسلم سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : يوم غدير خم : ما سمع لما قام ، فقام ثلاثون من الناس ، قال أبو نعيم : فقام أناس كثير فشهدوا حين أخذ بيده فقال للناس :

أتعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قالوا : نعم يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، قال :

" من كنت مولاه فهذا مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه " . (2) ثم سرد الروايات إلى آخرها .

والثامن منها : أحمد بن حنبل ، قال : حدثنا ابن نمير ، قال :

حدثنا عبد الملك بن عطية العوفي ، قال : أتيت زيد بن أرقم فقلت : إن خالي حدثني عنك بحديث في شأن علي يوم غدير خم ، فأنا أحب أن أسمعه منك ، فقال : معشر أهل الكوفة فيكم ما فيكم ، فقلت : ليس عليك مني بأس ، قال : نعم كنا بالجحفة فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ظهرا وهو آخذ بيد علي عليه السلام فقال : " يا أيها الناس ألستم تعلمون أني أولى المؤمنين من أنفسهم ؟ قالوا : بلى ، قال : " من كنت مولاه فعلي مولاه " قال : فقلت له : هل قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " اللهم وال من والاه وعاد من عاداه " ؟ قال : إنما أخبرك ما سمعت . (3)

ص: 333


1- غاية المرام : 79 .
2- غاية المرام : 79 .
3- غاية المرام : 79 .

وقال : الخامس والعشرون منها ، من الجمع بين الصحاح الستة ، من الجزء الثالث ، من جمع أبي الحسن رزين العبدري - إمام الحرمين - في مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ، وذلك على حد ثلث الكتاب من صحيح أبي داود السجستاني ، وهو كتاب السنن ، ومن صحيح الترمذي ، قال عن أبي سرحة ، وزيد بن أرقم : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : " من كنت مولاه فعلي مولاه " . (1)

وقال : الثامن والعشرون منها ، أبو الحسن الشافعي ، قال : أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد بن طاوان قال : أخبرنا أبو الخير أحمد بن الحسين بن السماك ، قال : حدثني أبو محمد جعفر بن محمد بن نصير الجلدي ، حدثني علي بن سعيد بن قتيبة الرملي ، قال : حدثني حمزة بن ربيعة القرشي عن ابن شوذب ، عن مطرق الوراق ، عن شهر بن حوشب ، عن أبي هريرة ، قال :

" من صام يوم ثماني عشرة من ذي الحجة كتب له صيام ستين شهرا ، وهو يوم غدير خم لما أخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بيد علي بن أبي طالب عليه السلام فقال : " ألست أولى بالمؤمنين " ؟ قالوا : بلى يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : من كنت مولاه فعلي مولاه ، فقال عمر بن الخطاب : بخ بخ لك يا ابن أبي طالب ، أصحبت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة فأنزل الله تعالى : " اليوم أكملت لكم دينكم " . (2) وقال : الأربعون منها ، ابن المغازلي عن أحمد ، وانتهى الإسناد إلى زيد بن أرقم ، قال : نشد علي عليه السلام الناس في المسجد فقال : أنشد الله رجلا سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول : " من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه ، و

ص: 334


1- غاية المرام : 81 . مناقب ابن المغازلي 24 .
2- غاية المرام : 82 .

عاد من عاداه " فكنت أنا فيمن كتم فذهب بصري . (1) .

وقال : الحادي والأربعون منها ، ابن المغازلي ، عن أحمد ، قال :

أخبرنا أحمد بن محمد بن طاوان ، قال : أخبرنا الحسين بن محمد العلوي العدلي الواسطي ، يرفعه إلى عطية العوفي ، قال : رأيت ابن أبي أوفى في دهليز بعد ما ذهب بصره ، فسألته عن حديث فقال : إنكم - يا أهل الكوفة - فيكم ما فيكم ، قال : قلت أصلحك الله إني لست منهم ، ليس عليك مني عار ، قال : أي حديث ؟ قال : قلت حديث علي عليه السلام يوم غدير خم ، فقال :

خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حجه يوم غدير خم ، وهو آخذ بعضد علي عليه السلام فقال : " يا أيها الناس ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قالوا :

بلى يا رسول الله ، فقال : " من كنت مولاه فهذا مولاه " . (2) وقال : الحادي والخمسون منها ، من كتاب " الأنساب " لأحمد بن يحيى بن جابر البلاذري في الجزء الأول في فضائل أمير المؤمنين عليه السلام قال : قال علي عليه السلام على المنبر : أنشدت الله رجلا سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : يوم غدير خم " اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ، إلا قام فشهد ، وتحت المنبر أنس بن مالك ، والبراء بن عازب ، وجرير بن عبد الله البجلي ، فأعادها ، فلم يجبه أحد . فقال : " اللهم من كتم هذه الشهادة وهو يعرفها فلا تخرجه من الدنيا حتى تجعل به آية يعرف بها " فبرص أنس ، وعمى البراء ، ورجع جرير أعرابيا بعد هجرته ، فأتى السراة فمات في بيت أمه . (3) وقال : والرابع والثمانون منها ، ابن أبي الحديد في الشرح ، قال : ذكر

ص: 335


1- غاية المرام : 83 . مناقب ابن المغازلي : 23 .
2- غاية المرام : 83 .
3- غاية المرام : 84 .

جماعة من شيوخنا البغداديين أن عدة من الصحابة ، والتابعين ، والمحدثين كانوا منحرفين عن علي عليه السلام قائلين فيه السوء ، ومنهم من كتم مناقبه ، وأعان أعداءه ، ميلا مع الدنيا ، وإيثارا للعاجلة ، فمنهم : أنس بن مالك ، ناشد علي عليه السلام في رحبة القصر - أو قال في رحبة الجامع بالكوفة - : أيكم سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : " من كنت مولاه فعلي عليه السلام مولاه " فقام اثنا عشر رجلا فشهدوا بها ، وأنس بن مالك في القوم لم يقم ، فقال له : يا أنس ما يمنعك أن تقوم فتشهد ، فلقد حضرتها ، فقال : يا أمير المؤمنين عليه السلام كبرت ونسيت ، فقال :

" اللهم إن كان كاذبا فارم بها بيضاء لا تواريها العمامة " قال طلحة بن عمر: فوالله لقد رأيت الوضح به بعد ذلك أبيض بين عينيه .

وروى عثمان بن مطرف أن رجلا سأل أنس بن مالك في آخر عمره عن علي بن أبي طالب عليه السلام فقال : إني آليت ألا أكتم حديثا سألت عنه في علي عليه السلام بعد يوم الرحبة : ذاك رأس المتقين يوم القيامة . سمعت والله من نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم . (1) أقول : ومن الكاتمين بل الآمرين بإنكار خبر الغدير مع معرفته به أبو حنيفة أحد أئمة العامة .

فقد روى شيخنا المفيد في أماليه مسندا إلى محمد بن نوفل بن عابد الصيرفي ، قال : دخل علينا أبو حنيفة النعمان بن ثابت ، فذكرنا أمير المؤمنين ودار بيننا كلام في غدير خم ، فقال أبو حنيفة : قد قلت لأصحابنا لا تقروا لهم بغدير خم ، فيخصموكم ، فتغير وجه الهيثم بن حبيب الصيرفي ، وقال :

لم لا تقرون به ، أما هو عندك يا نعمان ، قال : هو عندي ، وقد رويته ، فقال :

ص: 336


1- غاية المرام : 89 .

لم لا تقرون به ، وقد حدثنا حبيب بن أبي ثابت ، عن أبي الطفيل ، عن زيد بن أرقم : أن عليا عليه السلام أنشد الله في الرحبة من سمعه ، فقال أبو حنيفة : أفلا ترون أنه قد جرى في ذلك خوض ، حتى شد على الناس لذلك ، فقال الهيثم : فنحن نكذب عليا أو نرد قوله ، فقال أبو حنيفة : ما نكذب عليا ولا نرد قولا قاله ، ولكنك تعلم أن الناس قد غلا منهم قوم ، فقال الهيثم :

يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويخطب به ، ونشفق نحن منهم ونتقيه بغلو غال أو قول قائل (1) هذا .

ويظهر من الأخبار أنه بعد ما استولى الخلفاء على الخلافة ، بنى غالب الناس على كتمان مناقبه عليه السلام تمايلا معهم ، سيما خبر الغدير لكمال صراحته ، ووضوح دلالته على اختصاص الولاية والخلافة به عليه السلام .

إذ بعد ما ظهر لك أن أنس بن مالك ، وزيد بن أرقم ، والبراء بن عازب ممن عرف صحبتهم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم كانوا ممن كتموا شهادتهم في خصوص خبر الغدير في زمان سلطة مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ، وفي محضره مع مناشدته عليه السلام حتى دعا عليه السلام فبرص أنس وذهب بصر الآخرين فرووا الخبر بعد ذلك ، فما ظنك بسائر الناس ، مع قلة المتقين في كل زمان ، وغلبة ميل الناس مع الأمراء والملوك ، ولكنه بحمد الله تعالى قد ظهر في خصوص خبر الغدير ، مع شدة كتمان الناس إياه ما يبلغ التواتر من طريق العامة .

وقد قال في غاية المرام - بعد تسعة وثمانين حديثا من طريقهم - " أن محمد بن جرير الطبري صاحب التاريخ أخرج خبر غدير خم ، وطرقه من خمسة وسبعين طريقا ، وأفرد له كتابا سماه " كتاب الولاية " وهذا الرجل عامي المذهب ، وذكر أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة

ص: 337


1- أمالي المفيد : 26 المجلس 3 .

خبر يوم الغدير ، وأفرد له كتابا وطرقه من مائة وخمسة طرق " انتهى . (1) .

وأشعار حسان بن ثابت من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم التي أنشدها في هذا اليوم مشهورة ، قد ذكرها المخالف والمؤالف في رواياتهم .

ففي رواية الحمويني وموفق بن أحمد : فقال حسان بن ثابت : ائذن لي يا رسول الله ، فأقول في علي عليه السلام أبياتا تسمعها ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : قل على بركة الله ، فقام حسان بن ثابت فقال : يا معشر مشيخة قريش اسمعوا قولي شهادة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الولاية الثابتة فقال :

يناديهم يوم الغدير نبيهم *** بخم وأسمع بالرسول مناديا

وقال فمن مولاكم ووليكم *** فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا

إلهك مولانا وأنت ولينا *** ولا تجدن في الخلق للأمر عاصيا

فقال له قم يا علي فإنني *** رضيتك من بعدي إماما وهاديا (2) وبالجملة : لا ريب في أصل الخبر ، ولا ينكره إلا معاند مكابر ، ولا حاجة إلى ذكر الروايات من طريقنا ، ولكن نتبرك بذكر واحد منها .

ففي غاية المرام : عن ابن بابويه ، تال : حدثني أبي رحمه الله قال :

حدثنا أحمد بن إدريس ، قال : حدثنا يعقوب بن يزيد ، عن محمد بن أبي عمير ، عن محمد القبطي ، قال : قال الصادق جعفر بن محمد عليه السلام : " أغفل الناس قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في علي بن أبي طالب عليه السلام في مشربة أم إبراهيم ، كما أغفلوا قوله يوم غدير خم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان في مشربة أم إبراهيم ، وعنده أصحابه ، إذ جاء علي عليه السلام فلم يفرجوا له فلما رآهم لا يفرجون له ، قال : يا معاشر الناس هذا أهل بيتي تستخفون بهم وأنا حي بين أظهركم !

ص: 338


1- غاية المرام : 89 .
2- غاية المرام : 87 . بحار الأنوار 37 / 112 و 150 و ج 38 / 267 .

أما والله لئن غبت عنكم إن الله لا يغيب عنكم ، إن الروح والراحة ، والبشر والبشارة لمن ائتم بعلي وتولاه ، وسلم له ، وللأوصياء من ولده ، حقا علي أن أدخلهم في شفاعتي ، لأنهم أتباعي ، ومن تبعني فإنه مني ، سنة جرت في أبي إبراهيم ، لأني من إبراهيم وإبراهيم مني ، وفضلي له فضل ، وفضله فضلي ، وأنا أفضل منه ، تصديق قول ربي " ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم " (1) (2) .

وأما الأمر الثالث ، وهي صراحة الخبر الشريف في إمامة مولانا أمير المؤمنين عليه السلام وخلافته عن الرسول بلا فصل ، فمما لا ريب فيه ، ولذا بنى أوائلهم على كتمان الخبر ، أو إنكاره لو وجدوا إليه سبيلا ، ولم ينقل منهم مناقشة في دلالته ، وأما الأواخر فلما رأوا أنه بعد الكتمان الشديد من أوائلهم قد ظهر الخبر ظهور المتواترات ، ولم يمكنهم إنكاره ، وإن أنكره بعض معانديهم - على ما نقل - بنوا على المناقشة في الدلالة فناقشوا فيه من وجوه .

الأول : أن " المولى " من الألفاظ المشتركة بين معان عديدة : السيد ، والعبد ، والجار ، والحليف ، والمعتق ، والناصر ، والمحب ، والصديق . . .

وهكذا ، ولا يكون هناك قرينة جلية على إرادة الأولى بالتصرف منه كما ذكره الشيعة ، فيصير اللفظ مجملا حينئذ ولا يصح الاستدلال به على إرادة أحد المعاني بعينه .

والثاني : ما نقل عن الفخر الرازي من أن المولى لم يأت لغة وعرفا

ص: 339


1- آل عمران : 34 .
2- غاية المرام : 90 . أمالي الصدوق : 98 المجلس 23 .

بمعنى الأولي بالتصرف ، حتى يحتمل الحمل عليه (1) . .

والثالث : إنه مع تسليم دلالة الخبر على الإمامة والخلافة ، لا دلالة له على ثبوتها له عليه السلام بلا فصل ، حتى ينافي مذهب العامة ، لأن إمامته في الجملة مسلمة بين الفريقين ، والخبر لا دلالة له على أزيد من ثبوت الإمامة له عليه السلام .

أقول : توهم أن المولى من الألفاظ المشتركة ، وهم ظاهر ، أما هيئة ، فلظهور أن هيئته هيئة مفعل ، وهي في جميع الموارد إنما تفيد نسبة المبدأ إلى شئ على وجه المحلية زمانا أو مكانا ، وأما مادة ، فلأن مادته الولي - وهي كما قال في المصباح المنير - (2) مثل فلس : القرب ، ولم يذكر له سوى هذا المعنى ، وإنما ذكر بعده موارد استعمالاته .

والتحقيق أنه بمعنى القرب بلا فصل ، حسا أو معنى ، كما يشهد به الاطراد في موارد استعمالاته . ومن الموارد التي ينطبق فيها هو على القرب الحسي الموالاة بين الفعلين ، فإنها عبارة عن إتيان أحدهما عقيب الآخر بلا فصل ، ومن هذا الباب قولك : توالت الأخبار ، وقولك : مما يليه ، أي يقاربه ، وجاءوا ولاء ، أي متتابعين ، ومن الموارد التي ينطبق فيها على القرب المعنوي الموالاة بين شخصين ، بمعنى المحبة أو النصرة أو السلطنة ، وهكذا ، فإنها أسباب للقرب المعنوي بين الطرفين ، ويكون كل منهما طرفا للولاء ، ومحلا ، فانطباق المولى على السيد والعبد باعتبار أن كلا منهما طرف لولاء الملك والسلطنة ، لا أنه من الأضداد حينئذ ، غاية الأمر أنه يختلف الطرفان في الطرفية ، فأحدهما حبل السلطنة بيده ، والآخر في رقبته .

ص: 340


1- تفسير الفخر الرازي 12 / 26 - 30 .
2- المصباح المنير : 840 .

وأما إطلاق التولي عن الشئ على الإعراض والإدبار عنه ، فهو من جهة كلمة " عن " ، فإن العطف عن الشئ إعراض وإدبار عنه ، كما أن الرغبة عنه كذلك : فالمعنى الأصلي ، وهو القرب والعطف محفوظ في جميع الموارد ، ولا يختلف باختلافها ، وإنما تختلف الخصوصيات الطارئة على أصل المعنى باختلاف الموارد ، واختلاف التعدية ب" عن " وغيره ، فيتوهم الجاهل أن المعنى يختلف في الموارد ، ويكون اللفظ مشتركا لفظيا بين معان عديدة .

وإذ تبين لك ذلك فقد تبين لك أنه لا مجال لما توهمه من الاجمال ، لعدم تعدد المعنى الأصلي الذي يستعمل فيه اللفظ ، حتى يتطرق الاجمال في المستعمل فيه عند عدم القرينة المعينة .

هذا بالنسبة إلى أصل المعنى .

وأما بالنسبة إلى الخصوصيات الطارئة باختلاف الموارد ، فالأمر أوضح ، لظهور لفظ المولى في مالك الأمر ، والأولى بالتصرف في حد نفسه ، مع قطع النظر عن المورد ، لانصراف اللفظ إليه عند الاطلاق ، مع قطع النظر عن خصوصية المورد ، وقد صرح به المبرد - على ما نقله عنه صاحب المجمع (1) ، كما عرفت - وكمال ظهوره ، بل صراحته فيه باعتبار المورد ، لأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الذي هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، إذا قال للأمة :

" من كنت مولاه " لا يفهم منه في العرف إلا الولاية والسلطنة الإلهية ، كما أن السلطان إذا قال للرعية : من كنت مولاه ، فابني أو أخي أو ابن عمي مولاه ، لا يفهم منه عند العرف إلا ولاية السلطنة ، وتعيين الخليفة لنفسه وصراحته ، بل كمال الصراحة باعتبار صدر الخبر ، وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم : " ألست

ص: 341


1- مجمع البيان 3 / 209 .

أولى بكم من أنفسكم " ؟ فإن الاستفهام في المقام ليس إلا للتقرير ، فهو صلى الله عليه وآله وسلم أخذ منهم الاقرار أولا بولايته عليهم من قبل الرب تعالى بقولهم : " اللهم نعم " ثم قال بعد إقرارهم بالولاية : " من كنت مولاه فعلي مولاه " فأي قرينة أجلى وأبين منه في أن المراد من هذه الولاية : الولاية والسلطنة الإلهية ؟ ! ولا ينافي ما بيناه عدم ذكر بعض الرواة صدر الخبر اختصارا ، أو نسيانا ، أو لغرض آخر ، لأن ذكره في كثير منها كاف للاعتبار ، وصيروته قرينة لتعيين كيفية الولاية المتعرضة لصدر الحديث الشريف ، والساكتة عنه ، حتى يتوهم سقوطه عن الاعتبار ، باعتبار المعارضة ، إذ لا معارضة بين الروايات .

وبما بيناه ظهر أنه لا إجمال في الحديث ، وإن سلمنا الاشتراك اللفظي في لفظ المولى ، للجهات الثلاثة المذكورة : انصراف لفظ المولى في حد نفسه إلى الأولى بالتصرف ، وتعينه له ظهورا وصراحة باعتبار المورد ، وصدر الخبر هذا .

وأما مناقشة الرازي فهو تشكيك في البديهيات ؟ لأنه إن أراد من عدم مجئ المولى بمعنى الأولى بالتصرف لغة ولا عرفا أنه لم يرد منه الأولى بالتصرف في استعمالاتهم ، ولو على سبيل الاطلاق فهو بديهي البطلان ، لأن إطلاق المولى على السيد ومالك الرقبة الذي هو الأولى بالتصرف من العبد في أمره ، من الاطلاقات الشائعة التي لا تقبل الانكار ، بل هو المتبادر عند الاطلاق ، وإن أراد منه عدم مجئ هيئة مفعل ، بمعنى هيئة التفضيل ، فهو صحيح ، ولا ينفعه ، لأن إطلاق المولى على السيد ، ومالك الأمر الذي هو أولى بالتصرف إنما هو باعتبار أنه محل لولاء العبد ، من حيث كونه

ص: 342

آخذا بحبله المستتبع لا ولويته بالتصرف في أمر المأخوذ ، لا باعتبار مجئ هيئته بمعنى هيئة أخرى ، حتى يقال إنه لم يعهد ذلك لغة ولا عرفا .

والحاصل أن إطلاق المولى على الأولى بالتصرف كإطلاقه على المعتق والصديق ، والجار ، والحليف ، والناصر ، وابن العم ، وهكذا من باب انطباق محل الولاء عليه ، فلا معنى لتسليم سائر الموارد ، وإنكار هذا المورد بخصوصه ، مع أنه أظهر إطلاقاته ، وأشيعها .

وأما المناقشة الثالثة فيكفي في رفعها ما بيناه كرارا ، من أن دلالة النص على إمامته وخلافته عليه السلام تكفي في اختصاصها به ، إذ لا مجال للبيعة ، ونصب الغير ، والشورى ، مع وجود النص من قبله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم مع أن دلالة الخبر الشريف على عموم ولايته لمن كان تحت ولاية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وعدم استثناء الخلفاء منه مع حضورهم في مجلس الخطاب ، تصريح بعدم الفصل ، إذ لا ولاية للمتأخر على المتقدم ، فلو كانوا مقدمين على مولانا أمير المؤمنين عليه السلام لوجب استثناؤهم منه .

وأغرب شئ في المقام ما نقل عن بعض الجهلة : من أن المولى في الخبر الشريف بمعنى من كان له ولاء الإرث ، فلا دلالة على ما ذهبت إليه طائفة الشيعة . لأن ظهور اللفظ انصرافا وصراحة ، موردا وصدرا ، في الأولى بالتصرف - كما عرفت - مانع من إرادة معنى آخر .

مع أن ولاء الإرث ينحصر في ثلاثة : ولاء العتق ، وولاء ضمان الجريرة ، وولاء الإمامة ، ولا ينطبق ما ذكره على شئ منها .

لأنه إن أريد منه ولاء الإمامة ، فهو تصديق بالمطلوب ، لا رد له ، وإن أريد ولاء ضمان الجريرة فهو باطل من وجهين :

الأول : أن عقد ضمان الجريرة لا يتطرق في النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأن من شرطه

ص: 343

أن لا يكون للمضمون عنه وارث نسبا وسببا ، ومع وجود هذا الشرط يكون المال له صلى الله عليه وآله وسلم بالإمامة والولاية ، فلا مجال لتأثير عقد الضمان حينئذ بالنسبة إليه .

والثاني : أن ولاء ضمان الجريرة لا يتعدى عن الضامن بالضرورة ، واتفاق المسلمين ، فلا مجال لجعله لغيره إرثا .

وإن أريد ولاء العتق ، فهو لعصبة المعتق من قبل أبيه ، ويشترك فيه العباس وبنوه وعقيل ، ولا يختص بمولانا أمير المؤمنين عليه السلام حينئذ ولا يتقدم في هذا المقام العصبة من قبل الأب والأم على العصبة من قبل أبيه ، حتى يقال :

يمنع عباس وبنوه منه ، لأجل انتسابهم إلى الأب فقط ، بل مقتضى تقدم الأقرب ثبوت الولاء للعباس فقط . وتقدم ابن العم من قبل الأب والأم على العم لأب ، إنما هو فيما إذا كان الانتساب من قبل الأم دخيلا في الإرث ، كالإرث بالنسب .

وأما الإرث بالولاء الذي يدور مدار الانتساب بالأب فقط ، فلا مجال لتقدم ابن العم من قبل الأبوين على العم من قبل الأب فيه .

وبالجملة هذا الجاهل قد سمع ولاء إرث ولم يتقنه حتى يتصور ما يقوله .

ص: 344

الحديث الأربعون في تفسير قوله تعالى: اليوم أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا

في تفسير قوله تعالى : " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا " (1) .

عن الشيخ في أماليه عن مولانا الصادق جعفر بن محمد عليه السلام ، عن أبيه ، عن آبائه عليهم السلام قال : حدثنا الحسن بن علي - صلوات الله عليه - أن الله عز وجل بمنه ورحمته لما فرض عليكم الفرائض لم يفرض ذلك عليكم لحاجة منه إليه ، بل رحمة منه ، لا إله إلا هو ، ليميز الخبيث من الطيب ، وليبتلي ما في صدوركم ، وليمحص ما في قلوبكم ، ولتتسابقوا إلى رحمته ، ولتتفاضل منازلكم في جنته ، ففرض عليكم الحج ، والعمرة ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، والصوم ، والولاية ، وجعل لكم بابا لتفتحوا به أبواب الفرائض ، ومفتاحا إلى سبيله ، ولولا محمد صلى الله عليه وآله وسلم والأوصياء من ولده عليهم السلام كنتم حيارى كالبهائم ، لا تعرفون فرضا من الفرائض ، وهل تدخل قرية إلا من بابها ، فلما من عليكم بإقامة الأولياء بعد نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم قال : " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا " ففرض عليكم لأوليائه حقوقا وأمركم بأدائها إليهم ، ليحل لكم ما وراء ظهوركم

ص: 345


1- المائدة : 3 .

من أزواجكم ، وأموالكم ، ومآكلكم ، ومشاربكم ، ويعرفكم بذلك البركة ، والنماء ، والثروة ، ليعلم من يطيعه منكم بالغيب ، ثم قال عز وجل : " قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى " (1) .

فاعلموا أن من يبخل فإنما يبخل عن نفسه ، إن الله هو الغني وأنتم الفقراء إليه ، فاعملوا من بعد ما شئتم ، فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ، ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون ، والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين .

سمعت جدي صلى الله عليه وآله وسلم يقول : خلقت من نور الله عز وجل ، وخلق أهل بيتي من نوري ، وخلق محبوهم من نورهم ، وسائر الناس في النار (2) .

وعن العياشي في تفسيره بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام آخر فريضة أنزلها الله الولاية : " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا " فلم ينزل من الفرائض شئ بعدها حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (3) .

وعن ابن بابويه ، عن مولانا الصادق جعفر بن محمد ، عن أبيه عن آبائه عليهم السلام ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم غدير خم : " أفضل أعياد أمتي وهو اليوم الذي أمرني الله تعالى ذكره بنصب أخي علي بن أبي طالب عليه السلام علما لأمتي ، يهتدون به من بعدي ، وهو اليوم الذي أكمل الله فيه الدين ، وأنا من علي ، خلق من طينتي ، وهو إمام الخلق بعدي ، يبين لهم ما اختلفوا فيه من .

سنتي ، وهو أمير المؤمنين عليه السلام ، وقائد الغر المحجلين ، ويعسوب المؤمنين ، و

ص: 346


1- الشورى : 23 .
2- أمالي الطوسي 2 / 667 . الباب 34 .
3- العياشي 1 / 292 .

خير الوصيين ، وزوج سيدة نساء العالمين ، وأبو الأئمة المهتدين .

معاشر الناس ! من أحب عليا أحببته ، ومن أبغض عليا أبغضته ، ومن وصل عليا وصلته " ومن قطع عليا قطعته ، ومن جفا عليا جفوته ، ومن والى عليا واليته ، ومن عادى عليا عاديته .

معاشر الناس ! أنا مدينة الحكمة وعلي بن أبي طالب عليه السلام بابها ، ولن تؤتي الحكمة إلا من قبل الباب ، وكذب من زعم أنه يحبني ويبغض عليا .

معاشر الناس ! والذي بعثني بالنبوة ، واصطفاني على جميع البرية ما نصبت عليا علما لأمتي في الأرض ، حتى نوه الله باسمه في سماواته ، وأوجب ولايته على جميع ملائكته (1) .

وعن الشيخ في أماليه عن مولانا الصادق عليه السلام قال : قال أمير المؤمنين عليه السلام : أعطيت تسعا لم يعطها أحد قبلي سوى النبي صلى الله عليه وآله وسلم : لقد فتحت لي السبل ، وعلمت المنايا ، والبلايا ، والأنساب ، وفصل الخطاب ، ولقد نظرت إلى الملكوت بإذن ربي ، فما غاب عني ما كان قبلي ، ولا ما يأتي بعدي ، فإن بولايتي أكمل الله لهذه الأمة دينهم ، وأتم عليهم النعم ، ورضي لهم إسلامهم ، إذ يقول يوم الولاية لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم : يا محمد أخبرهم أني أكملت اليوم دينهم ، وأتممت عليهم النعمة ، ورضيت لهم إسلامهم ، كل ذلك من الله علي ، فله الحمد (2) .

وفي الكافي عن عبد العزيز بن مسلم ، قال : كنا مع الرضا عليه السلام بمرو فاجتمعنا في الجامع يوم الجمعة في بدء مقدمنا ، فأداروا أمر الإمامة وكثرة .

اختلاف الناس فيها ، فدخلت على سيدي عليه السلام فأعلمته خوض الناس

ص: 347


1- أمالي الصدوق : 109 . المجلس 26 .
2- أمالي الطوسي 1 / 208 . الباب 8 .

فيها فتبسم عليه السلام ثم قال :

يا عبد العزيز ، جهل القوم ، وخدعوا عن أديانهم ، إن الله عز وجل لم يقبض نبيه حتى أكمل له الدين ، وأنزل عليه القرآن " فيه تبيان كل شئ " (1) وبين فيه الحلال والحرام ، والحدود والأحكام ، وجميع ما يحتاج إليه الناس كملا ، وقال عز وجل : " ما فرطنا في الكتاب من شئ " (2) وأنزل في حجة الوداع وهي آخر عمره صلى الله عليه وآله وسلم " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا " .

أمر الإمامة من تمام الدين ، ولم يمض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى بين لأمته معالم دينهم ، وأوضح لهم سبيلهم ، وتركهم على سبيل قصد الحق ، وأقام لهم عليا عليه السلام علما وإماما ، وما ترك شيئا تحتاج إليه الأمة إلا بينه ، فمن زعم أن الله عز وجل لم يكمل دينه فقد رد كتاب الله ، ومن رد كتاب الله فهو كافر .

هل تعرفون فضل الإمامة ومحلها من الأمة ، فيجوز فيها اختيارهم إن الإمامة أجل قدرا ، وأعظم شأنا ، وأعلى مكانا ، وأمنع جانبا ، وأبعد غورا من أن يبلغها الناس بعقولهم ، أو ينالوها بآرائهم ، أو يقيموا إماما باختيارهم . إن الإمامة خص الله عز وجل بها إبراهيم الخليل بعد النبوة ، والخلة مرتبة ثالثة ، وفضيلة شرف بها وأشار بها ذكره ، فقال : " إني جاعلك للناس إماما " فقال الخليل عليه السلام مسرورا بها " ومن ذريتي " قال الله تبارك .

وتعالى : " لا ينال عهدي الظالمين " (3) فأبطلت هذه الآية إمامة كل

ص: 348


1- اقتباس من " ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ " النحل : 89 .
2- الأنعام : 38 .
3- البقرة : 124 .

ظالم إلى يوم القيامة ، فصارت في الصفوة .

ثم أكرمه الله تعالى بأن جعلها في ذريته : أهل الصفوة والطهارة ، فقال : " ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين * وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين " (1) .

فلم تزل في ذريته يرثها بعض عن بعض قرنا فقرنا ، حتى ورثها الله عز وجل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال جل وتعالى : " إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين " (2) فكانت له خاصة فقلدها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليا عليه السلام بأمر الله عز وجل ، على رسم ما فرض الله ، فصارت في ذريته الأوصياء الذين آتاهم العلم والإيمان ، بقوله عز وجل : " وقال الذين أوتوا العالم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث " (3) فهي في ولد علي خاصة إلى يوم القيامة ، إذ لا نبي بعد محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فمن يختار هؤلاء الجهال (4) ؟ والحديث الشريف المنبئ عن إمامته - روحي فداء - مفصل ، وقد اقتصرت منه على هذا المقدار والأخبار في هذا الباب من طريقنا في غاية الكثرة ، بل وكذلك من طريق العامة . وقد ذكر في غاية المرام ستة أحاديث من طريقهم (5) ، كلها مسندة إلى أبي سعيد الخدري ، ولنذكر واحد منها .

ص: 349


1- الأنبياء : 72 و 73 .
2- آل عمران : 68 .
3- الروم : 56 .
4- الكافي 1 / 199 .
5- غاية المرام ص 87 .

في غاية المرام : إبراهيم بن محمد الحمويني من أعيان علماء العامة ، عن سيد الحفاظ أبو منصور بن شهرآشوب شيرويه بن شهردار الديلمي ، قال : أخبرنا الحسن بن أحمد بن الحسن الحداد المقري الحافظ قال : نبأنا أحمد بن عبد الله بن أحمد ، قال : نبأنا محمد بن أحمد بن علي ، قال : نبأنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة قال : نبأنا يحيى الحماني ، قال : حدثنا قيس بن الربيع ، عن أبي هارون العبدي ، عن أبي سعيد الخدري : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعا الناس إلى علي عليه السلام في غدير خم وأمر بما تحت الشجرة من الشوك فقم ، وذلك يوم الخميس ، فدعا صلى الله عليه وآله وسلم عليا فأخذ بضبعيه ، فرفعهما حتى نظر الناس إلى بياض إبطي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم لم يفترقوا حتى نزلت هذه الآية : " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا " فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : الله أكبر على إكمال الدين ، وإتمام النعمة ، ورضا الرب برسالتي ، والولاية لعلي من بعدي ، ثم قال : " من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله " .

فقال حسان بن ثابت : ائذن لي يا رسول الله ، فأقول في علي أبياتا تسمعها ، فقال : قل على بركة الله ، فقام حسان بن ثابت ، فقال : يا معشر مشيخة قريش اسمعوا قولي شهادة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الولاية الثابتة فقال :

يناديهم يوم الغدير نبيهم * بخم وأسمع بالرسول مناديا (1) .

وهذه الأبيات والحديث مشهور في كتب العامة والخاصة ، وقال الحمويني عقيب هذا الحديث والأبيات : هذا حديث له طرق كثيرة إلى أبي

ص: 350


1- تقدم الأبيات في ذيل الحديث 39 .

سعيد سعد بن مالك الخدري الأنصاري (1) .

أقول : وقد ذكر أبو نعيم الحديث مسندا إلى أبي سعيد الخدري ، مع زيادة بيتين في آخر الأبيات المتقدمة ، وهما :

فمن كنت مولاه فهذا وليه *** فكونوا له أنصار صدق مواليا

هناك دعا اللهم وال وليه *** وكن للذي عادى عليا معاديا

وإذا وقفت على ما بيناه فاعلم أن الآية الكريمة تدل دلالة قطعية على تعيين أمر الإمامة والخلافة من قبله تعالى شأنه ، إذ الإمامة من الدين ، بل من أركانه ، فلو أهمله تعالى شأنه لم يكمل دينه ، وهو مناقض لقوله تعالى :

" اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي . . . " ، الآية ، ورد عليه تعالى شأنه ، كما نبه عليه مولانا الرضا سلام الله عليه .

فإن قلت : الآية الكريمة تدل على إكمال الدين ، وعدم إهمال شئ عن أمر الدين ، ويكفي في عدم الاهمال تفويض أمر الإمامة إلى اختيار الأمة - كما ادعاه العامة - فلا يدل على نصب شخص خاص بعينه ، كما يقول الشيعة .

قلت : أولا : إن العامة لم يدعوا تفويض أمر الإمامة إلى اختيار الأمة بنص من قبله تعالى ، ومن قبل رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وإنما ادعوا أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أهمله ، ولم ينص فيه بشئ ، واجتمع الناس على بيعة أبي بكر ، وكان اجتماعهم عليه صوابا لقوله صلى الله عليه وآله وسلم : " لا تجتمع أمتي على ضلال " . .

ولو ادعوا أن الإمامة إنما تكون باجتماع الأمة بنص الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، لم ينصب أبو بكر عمر ، ولم يقل في حال احتضاره : ليتني سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لمن هذا الأمر من بعده ، فلا ينازعه فيه أحد ، وليتني كنت سألته

ص: 351


1- غاية المرام : 87 .

هل للأنصار فيها من حق ، فالأصل وهو الخليفة الأول كلامه صريح في أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سكت عن أمر الخلافة ، وأهمله ، وتمنى أن يكون سائلا عنه حتى لا ينازع فيه .

وثانيا : إن الإمامة أجل قدرا ، وأعظم شأنا ، وأمنع جانبا ، وأعلى مكانا ، من أن يصير الناس مرجعا في تعيينها ، لمن شاءوا واختاروه ، كما نبه عليه مولانا الرضا عليه السلام ، ضرورة أن المرجع لا بد أن يكون عارفا بحدود ما رجع إليه ، ويقبح من الحكيم تعالى شأنه أن يرجع الأمر في الإمامة التي هي تلو الرسالة ، بل أكمل منها إلى اختيار الناس ، الغير المطلعين على سرائر العباد وضمائرهم ، الجاهلين بحدودها ، وعلو مكانها ، وسمو شأنها ، فهل هذا إلا إهمال ؟ كيف وقد قال الله عز وجل : " الله أعلم حيث يجعل رسالته ، (1) فهو تعالى نبه العباد على أن السبيل منحصر في جعله تعالى .

فتبين بما بيناه أن ما ذهب إليه العامة وبنوا أصل مذهبهم عليه لا يلائم مع إكمال الدين المصرح به في الآية الكريمة .

واعلم أن الآية الكريمة تدل على نصب جميع خلفاء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، والأئمة من بعده صلى الله عليه وآله وسلم ، لا على نصب خليفة واحد منهم بعينه ، وإلا لزم الاهمال بالنسبة إلى من لم ينص على نصبه ، وهو مناقض لإكمال الدين ، وإتمام النعمة ، وهو صلى الله عليه وآله وسلم كما صرح بولاية أمير المؤمنين عليه السلام ونصبه يوم الغدير، صرح بأن الأوصياء من بعده صلى الله عليه وآله وسلم من ذريته ، ففي رواية الاحتجاج ، بعد أن قال صلى الله عليه وآله وسلم : " ثم من بعدي علي وليكم وإمامكم بأمر الله

ص: 352


1- الأنعام : 124 .

ربكم " ثم الإمامة في ذريتي من ولده إلى يوم القيامة (1) .

وعن كتاب سليم بن قيس الهلالي أنه صعد مولانا أمير المؤمنين عليه السلام المنبر في عسكره وبحضرته المهاجرون والأنصار ، فحمد الله وأثنى عليه ، وذكر شطرا من فضائله ومناقبه ، فقام نحو سبعين رجلا من أهل بدر كلهم من الأنصار ، وبقية من المهاجرين ، فشهدوا بأننا سمعنا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد ما صلى بهم الظهر - يوم الغدير - قال : " أيها الناس إن الله مولاي ، وأنا مولى المؤمنين ، وأنا أولى بهم من أنفسهم ، من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه " ، فقام إليه سلمان الفارسي ، فقال : يا رسول الله . . . ولاية ماذا ؟ فقال : ولاية كولايتي من كنت أولى به من نفسه ، فأنزل الله عز وجل :

" اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا " .

فقال سلمان : يا رسول الله هذه الآيات في علي خاصة ؟

فقال : نعم فيه وفي أوصيائه إلى يوم القيامة ، فقال سلمان : سمهم لي يا رسول الله ، فقال : علي أخي ، ووزيري ، وخليفتي في أمتي ، وولي كل مؤمن بعدي ، وأحد عشر إماما : ابني الحسن ، وابني الحسين ثم التسعة من ولده واحدا بعد واحد ، القرآن معهم ، وهم مع القرآن ، لا يفارقونه حتى يردوا علي الحوض . .

فقام اثني عشر من البدريين فشهدوا : أنا سمعنا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، كما قلت سواء ، لم تزد فيه ولم تنقص منه . وقال بقية السبعين : قد سمعنا - كما قلت - ولم نحفظ كله ، وهؤلاء الاثني عشر [ هم ] خيارنا ، و

ص: 353


1- الاحتجاج 1 / 74 .

أفضلنا ، قال : صدقتم ليس كل الناس يحفظ ، بعضهم أحفظ من بعض ، فقام من الاثني عشر أربعة : أبو الهيثم بن التيهان ، وأبو أيوب الأنصاري ، وعمار ، وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين . فقالوا : نشهد إنا قد حفظنا قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ ، وعلي قائم إلى جنبه : " يا أيها الناس إن الله أمرني أن أنصب لكم إمامكم ووصيي فيكم ، وخليفتي من أهل بيتي من بعدي ، والذي فرض الله طاعته على المؤمنين في كتابه ، فأمركم فيه بولايته ، فراجعت ربي خشية طعن أهل النفاق وتكذيبها ، فأوعدني لأبلغها أو ليعاقبني .

يا أيها الناس إن الله جل ذكره أمركم في كتابه بالصلاة ، وقد بينها لكم وسميتها ، والزكاة والصوم والحج فبينته وفسرته لكم ، وأمركم في كتابه بولايته وإني أشهدكم أيها الناس أنها خاصة لعلي وأوصيائي من ولدي وولده ، أولهم ابني حسن ، ثم ابني حسين ، ثم تسعة من ولدي الحسين ، لا يفارقون الكتاب حتى يردوا علي الحوض .

يا أيها الناس قد علمتكم المهدي ، ووليكم وإمامكم ، وهاديكم بعدي ، وهو أخي علي بن أبي طالب ، وموفيكم بمنزلتي فيكم ، فقلدوه ، وأطيعوه في جميع أموركم ، فإن عنده جميع ما علمني الله ، وأمرني أن أعلمكم أنه عنده فاسألوه وتعلموا منه ومن أوصيائه ، ولا تعلموهم ، ولا تتقدموهم ، ولا تخلفوا عنهم فإنهم مع الحق ، والحق معهم لا يزايلهم (1) . .

وقد ذكر في غاية المرام : روايات كثيرة من طرق العامة ، في أن عدة الأئمة اثني عشر ، ولنذكر عدة منها :

ص: 354


1- كتاب سليم بن قيس 2 / 757 .

قال : في الباب العاشر (1) - في أن عدة الأئمة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اثني عشر - بعد أن ذكر أن فيه تسعة أحاديث من طريق العامة ، فسرد الروايات .

فقال : الثالث ، أبو المؤيد موفق بن أحمد في كتاب فضائل أمير المؤمنين عليه السلام وهو من أعيان علماء العامة ، ثم ذكر إسناده إلى أن انتهى إلى أبان بن أبي عياش ، عن سليم بن قيس الهلالي ، عن سلمان المحمدي رضي الله عنه ، قال : دخلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وإذا الحسين عليه السلام على فخذه ، وهو يقبل عينيه ويلثم فاه ، وهو يقول : " أنت سيد ابن سيد ، وأخو سيد ، أبو السادة ، أنت إمام ابن الإمام ، أخو الإمام ، أبو الأئمة ، أنت حجة بن حجة ، أخو حجة ، أبو حجج تسع من صلبك ، تاسعهم قائمهم (2) .

وقال : الخامس منها : ما نقله عن موفق بن أحمد أيضا بإسناده إلى أبي سليمان راعي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : ليلة أسري بي إلى ا