امثال القرآن

اشارة

سرشناسه : مکارم شیرازی، ناصر، 1305 -

Makarem Shirazi, Naser

عنوان و نام پديدآور : امثال القرآن/ تالیف مکارم الشیرازی؛ اعداد و تنظیم ابوالقاسم علیان نژاد؛ تعریب تحسین البدری

مشخصات نشر : قم: مدرسه الامام علی بن ابیطالب(ع)، 1382.

مشخصات ظاهری : 552 ص.

شابک : 50000 ریال : 978-964-6632-94-3

وضعیت فهرست نویسی : برون سپاری.

يادداشت : عربی.

يادداشت : عنوان اصلی: مثالهای زیبای قرآن (امثال القرآن).

يادداشت : چاپ سوم: 1429ق.= 1387.

یادداشت : کتابنامه به صورت زیرنویس

موضوع : قرآن -- امثال

شناسه افزوده : علیان نژادی، ابوالقاسم، 1343 - ، گردآورنده

شناسه افزوده : بدری، تحسین ، مترجم

رده بندی کنگره : BP84/4/م 7م 2043 1382

رده بندی دیویی : 297/154

شماره کتابشناسی ملی : م 82-13181

الإهداء

إلى المتعطشين لزلال معارف القرآن الطاهرة.

إلى الباحثين في علومه الرفيعة.

إلى عشاقه الذين أحبوا العيش في ظله و الحشر معه.

امثال القرآن، ص: 5

إنارة

إنّ كتاب (امثال القرآن) عبارة عن محاضرات القاها سماحة آية الله العظمى مكارم الشيرازي خلال شهري رمضان من عامى 1418 و 1419 و قد قام بتدوينها و اعدادها حجة الاسلام و المسلمين ابو القاسم عليان نژادي و قام دار النشر (نسل جوان) بنشر نسختها الفارسية، كما قام بنقلها إلى العربية الشيخ تحسين البدري و صُفت حروفها في المؤسسة الإسلامية للبحوث و المعلومات (دانا فجر) و برعاية خاصة منها.

و الموضوع باعتباره طُرح على شكل محاضرات قد يفقد بعض الترتيبات الفنية التي يستلزمها أي كتاب، لذا نأتي بعنوان مكتب المؤلف لتقبّل الاقتراحات و الانتقادات البناءة، و لإتاحة الفرصة لابداء الرأي لمن أحب ذلك.

ايران- قم- شارع الشهداء- مدرسة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام مركز نشر و تدوين آثار سماحة آية اللّه العظمى المكارم الشيرازي (مدّ ظلّه).

www. makaremshirazi. org

امثال القرآن، ص: 7

بسم اللّه الرحمن الرحيم

المقدمة

الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على جميع الانبياء و المرسلين، لا سيّما أفضلهم خاتم النبيين، و على آله الطاهرين المعصومين المنتجبين.

لقد عدّ الرسول صلى الله عليه و آله (في الخطبة الشعبانية المعروفة) شهر رمضان شهر المغفرة و البركة. «1»

انه شهر الرحمة، لان أعمال الانسان الروتينية مثل النوم و التنفس في هذا الشهر لها ثواب العبادة فضلًا عن العبادة نفسها.

إنّه شهر المغفرة و العفو، لأن بحر لطف الله و عفوه موّاج في هذا الشهر. أبواب الجنة فيه مفتوحة و أبواب جهنم مغلقة، و الشياطين في غلّ و سلاسل. يغفر في كل ليلة منه- حسب ما في رواية- لسبعين الف و في ليلة القدر يغفر بعدد الذين غفر لهم خلال هذا الشهر الا اولئك الذين يحملون البغض و العداوة عن اخوانهم في الدين،

و لا يغفر لهم حتى يتصالحوا. «2»

انه شهر البركة، لان فيه نزول انواع النعم و المواهب المعنوية و الالهية، انه شهر نزول وابل الرحمة على الانسانية، واهم نعمة فيه هو نزول القرآن المجيد (أي مائدة السماء العظمى). هنيئاً

______________________________

(1) وسائل الشيعة ج 7، ابواب احكام شهر رمضان، الباب 18، الرواية 20.

(2) وسائل الشيعة ج 7، ابواب احكام شهر رمضان، الباب 18، الرواية 21.

امثال القرآن، ص: 8

لاولئك الذين ينهلون من زلال معارفه و يتأملون فيها و يتدبرون و يلتقطون من بحر تعاليمه الجواهر و من حديقة حكمه و مواعظه الازهار.

ان بعضاً من الدول الاسلامية و بخاصة ايران الاسلامية تعطّر نفسها في هذا الشهر بالتبليغ و الاعلام للمعارف الالهية. ان الناس بدخولهم في ضيافة الله يستقبلون المبلغين و عشاق المعارف الالهية، لذلك نرى جلسات القرآن و تلاوته و تفسيره و بيان معارفه و الاحكام الدينية و التوسل بأهل البيت عليهم السلام في كل شارع و زقاق.

إنّ جلسات المرجع الكبير آية الله العظمى مكارم الشيرازي (مد ظله) من جملة تلك الجلسات حيث اختصت بتفسير القرآن، فانه في محاضراته هذه يسقي عشاق هذا الكتاب من زلال معارف القرآن المجيد.

ان موضوع التفسير في محاضرات آية الله مكارم الشيرازي لعامي 1418 و 1419 ه. ق هو (أمثال القرآن) و هو موضوع رغم بساطته يعدّ من اهم و أعقد المفاهيم القرآنية.

مع الالتفات إلى قوة طرح الموضوع و سلاسة بيان هذا المفسر الجليل و غنى المطالب التي تضمنتها المحاضرات، بادرت إلى جمع هذه المطالب و تدوينها و تنظيمها و نشرها بعد اخذ الرخصة من سماحته.

و ما في متناول ايدينا هنا هو عبارة عن الشكل المنظم و المرتب لمحاضراته تقدم لعشاق المعارف الالهية و القرآنية.

و

ننبه هنا على النقاط التالية:

1- قد يظن بعض القراء الاعزاء انّ آيات (أمثال القرآن) قد فسرت بالمقدار الكافي في تفسير (الأمثل)، الا ان مطالعة هذا الكتاب يكشف لنا ان الاستاذ الجليل قد توصل في هذه المحاضرات إلى حقائق جديدة و بديعة و مفيدة جداً لم يشر لها في تفسير (الامثل) رغم كل مزاياه و امتيازاته، و هو لا يغنينا عن مطالعة هذا البحث.

2- ينقل الاستاذ آية الله العظمى مكارم الشيرازي (زيد عزه): انّ البعض اعترض عند ما بدأت بتأليف تفسير (الامثل) قائلًا بكفاية (مجمع البيان) و لا ضرورة لتفسير جديد، الا ان

امثال القرآن، ص: 9

مضي الزمان و تدوين تفاسير جديدة مثل (الميزان) و (الامثل) كشف عن حاجة الناس و تطلعهم للجديد مما يستشف من كتاب الوحي الالهي.

انه كتاب مصداق للحديث الشريف للرسول صلى الله عليه و آله: «لا تشبع منه العلماء و لا يخلق عن كثرة رد و لا تنقضي عجائبه». «1» و ان المفسرين في كل عصر موظفون للنهل من مستجداته و ذلك بالافادة من العلوم و الاكتشافات الجديدة؛ و كما قيل (كم ترك الاول للاخر).

3- نقرّ بنواقص التدوين و التنظيم، لذلك نمدّ اليكم- أيها القراء الإفاضل- يد العون لنستقبل الإقتراحات و الانتقادات البناءة.

ربنا أحينا مع القرآن و امتنا معه، و احشرنا معه، آمين يا رب العالمين.

ربنا تقبل منا انك انت السميع العليم.

الحوزة العلمية في قم

ابو القاسم عليان نژادي

18/ 12/ 1376 الموافق للحادي عشر من ذي القعدة

يوم ولادة الامام علي بن موسى الرضا عليه السلام.

______________________________

(1) مجمع البيان 1: 61.

امثال القرآن، ص: 11

تحليل لأمثال القرآن

أهمية القرآن و شهر رمضان

شهر رمضان الذي هو شهر نزول القرآن له علاقة محكمة بالقرآن. و لأجل بيان هذه العلاقة نقوم بدراسة اجمالية

لبعض آيات القرآن المجيد.

يبيّن القرآن في الآية 183 من سورة البقرة حكم وجوب الصوم، و إيضاحاً لأهميته يطرح قضية شمولية الصوم للنحل الاخرى و يقول: «كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُم» ثم يعتبر التقوى و تربية الروح هي نتيجة الصيام.

ثم يستثني ثلاث طوائف من وجوب الصوم في الاية 184 اما الطائفة الاخيرة فملزمة باداء الكفارة و هي بحجم 750 غراماً من الحنطة او ما شابه.

كما أن هذا العجز المذكور في الاية يرفع وجوب الصوم على البنات اللاتي بلغن تواً باعتبارهن لم يتجاوزن العشر؛ فان البلوغ هو احد شروط وجوب الصوم؛ و الاطاقة هو الشرط الاخر له، و بذلك تحل مشكلة هذه البنات، فان الصوم غير واجب على البالغات تواً و اللاتي لم يطقن الصوم لضعف جسمهن و صغر سنهن.

و في الاية 185 من نفس السورة يعلن القرآن أن شهر رمضان شهر الصوم، و يبين اهمية هذا الشهر من حيث انه شهر نزول القرآن و يقول: «شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدَىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى والفُرْقَان ...» ان المستشف من هذه الآية هو ان نزول القرآن في ليلة القدر على صدر الرسول صلى الله عليه و آله هو اهم خصوصية يمتاز بها هذا الشهر الكريم.

امثال القرآن، ص: 12

علاقة شهر رمضان المبارك بالقرآن

شهر رمضان شهر العبادة و التربية و ترك المعصية و اداء الطاعة.

لاجل القيام بهذه المهمة نحتاج إلى التعليم و التربية معاً. ان (القرآن) يعلم الانسان و (الصوم) يربيه. و لا يصل الانسان إلى الكمال الا بهما. و في الحقيقة؛ ان (القرآن) من دون فريضة (الصوم) تعليم ناقص و من دون تربية. و الصوم من دون (قرآن) تربية فاقدة للعلم و المعرفة. و لذلك

فعلى المسلم ان يصوم و يحيي شهر رمضان لكي يتربى، و باقترابه بالقرآن و انسه معه يهتدي، و ذلك لان القرآن هداية و بينات و فرقان «هُدَىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى والفُرْقَانِ» إن كتاباً كهذا نزل في شهر رمضان، كما قد وجب الصوم في الشهر ذاته لذلك ينبغي الالتفات الخاص إلى هذين الهديتين.

موضوع البحث

تلاوة القرآن فضيلة كبرى، و بخاصة في شهر رمضان المبارك فان فضيلة ذلك لا تعد و لا تحصى.

و هذه الفضيلة تحصل في وقت تتزامن فيه التلاوة مع التدبر و التفكّر الذي يطهر الروح و يوفر الأرضية للعمل.

و لهذا الغرض ارتأينا ان يكون لنا درس تفسير القرآن في شهر رمضان هذا العام «1» و قد اخترنا موضوع (أمثال القرآن) ليكون ارضية جديدة في التفسير و لكي تعم فائدته.

لماذا جاء القرآن بالامثال؟

يشاهد في القرآن اكثر من خمسين مثلًا «2» ففي سورة البقرة التي هي ثاني سورة يوجد عشرة امثال على أقل تقدير. فما هي الحكمة في الامثال بحيث جاء بها القرآن و بهذا الحجم؟

______________________________

(1) شهر رمضان المبارك لعام 1418 ه. ق.

(2) لقد عدّت بعض الكتب (أمثال القرآن) بمائة و ثلاثين مثلًا، إلَّا أنّ ذلك يبدو غير صحيح؛ و ذلك لأن مضارب الأمثال ليست أمثالًا. فالآية الشريفة 164 من سورة الانعام: «وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخرى ...» و الآية 39 من سورة النجم: «لَيْسَ للإنْسَانِ إلَّا مَا سَعَى» مضارب للامثال؛ و ليست أمثالًا؛ لأنها تخلو من التشبيه.

امثال القرآن، ص: 13

الجواب: ان المثل يعني تشبيه الحقائق العقلية بالامور الحسية الملموسة. فمن جانب هناك أمور عقلية كثيرة لا يفهمها اكثر الناس. و من جانب آخر، فإن الناس اعتادوا على المحسوسات و العينات الملموسة، و لهذا كان

المثل (عقول الناس في عيونهم) و هو يعني ان ادراك الناس للامور الملموسة و المرئية اسهل لهم. و من هنا طرح القرآن بعض المفاهيم العقلية الرفيعة في قالب الامثال ليسهل على الناس ادراكها. و على هذا؛ فان فلسفة امثال القرآن هو تنزيل القضايا العميقة و الرفيعة إلى مستوى يتناسب مع أفق تفكير الناس.

الأمثال العملية و اللسانية

اشارة

ينبغي الالتفات هنا إلى نقطة و هي ان بعض الامثال عملية و تبين بلسان العمل، و بعضها لفظية تبين باللسان و القول.

ان أمثال القرآن هي من النوع الثاني، الا انه يشاهد بعضاً ما في سيرة الرسول صلى الله عليه و آله و اهل بيته الاطهار عليهم السلام امثال عملية، و هي بالطبع ذات تأثير اكثر، «1» نأتي هنا بنموذجين من ذلك.

1- عند ما تتراكم الذنوب الصغيرة

إنَّ رسول الله صلى الله عليه و آله نزل بارض قرعاء فقال لاصحابه: «ائتونا بحطب»- قد هدف الرسول من ذلك شيئاً غير الاعداد للنار- فقالوا: يا رسول اللّه نحن بارض قرعاء ما بها من حطب. قال: «فليأت كل انسان بما قدر عليه»، فجاؤوابه حتّى رموا بين يديه بعضه على بعض.

فقال رسول الله صلى الله عليه و آله: «هكذا تجتمع الذنوب» ثم قال: «اياكم و المحقرات من الذنوب فان لكل شي ء طالباً الا و ان طالبها يكتب ما قدموا و آثارهم. و كل شي ء احصيناه في امام مبين». «2»

نعم ان الذنوب الصغيرة قد تتراكم لتبلغ مستوى الجبل ارتفاعاً، و كثافة جبلٍ من النار. ان خطر الذنوب الصغيرة هو عدم الإنتباه إليها و اتخاذ موقف اللامبالاة تجاهها، فذكَّر الرسول صلى الله عليه و آله بخطرها بهذا المثل العملي.

______________________________

(1) لقد أثرنا بعض الأمثال اللفظية عن الرسول صلى الله عليه و آله و الأئمة عليهم السلام، راجع ميزان الحكمة الروايات 18106 إلى 18236.

(2) ميزان الحكمة، الباب 1372، الحديث 6593.

امثال القرآن، ص: 14

2- ترسيم نار جهنم

عند ما كان الامام علي عليه السلام خليفة كان له اخ صاحب اطفال و عائلة و ما كانت تكفيه مؤنة بيت المال فطلب من الامام سهماً اكبر من بيت المال فكان جواب الامام علي عليه السلام ... و لنقرأ القصة على لسان الامام نفسه:

«و الله لقد رأيت عقيلًا و قد املق «1» حتى استماحني «2» من بركم «3» صاعاً، و رأيت صبيانه شعث «4» الشعور، غبر الالوان «5» من فقرهم، كانما سودت وجوههم بالعظلم «6» و عاودني مؤكداً و كرر علي القول مردداً فاصغيت اليه سمعي فظن اني ابيعه ديني، و اتبع قياده «7» مفارقاً طريقتي، فأحميت

له حديدة ثم أدنيتها من جسمه ليعتبر بها، فضج ضجيج ذي دنف «8» من ألمها، و كاد ان يحترق من ميسمها. «9» فقلت له: ثكلتك الثواكل «10» يا عقيل! أ تئن من حديدة احماها انسانها للعبه و تجرني إلى نار سجرها جبارها لغضبه! اتئن من الاذى و لا ائن من لظى! «11» و أعجب من ذلك طارق طرقنا بملفوفة «12» في وعائها و معجونة شنئتها «13» كانما عجنت بريق حية او قيئها، فقلت أصِلة «14» ام زكاة ام صدقة؟ فذلك محرم علينا اهل البيت؟

______________________________

(1) افتقر أشد الفقر.

(2) استعطاني.

(3) البر هو الحنطة.

(4) الشعر المتلبد بالوسخ.

(5) متغير اللون و شاحبه.

(6) سواد يصبغ به.

(7) ما يقاد به.

(8) المرض.

(9) المكواة.

(10) الثكل هو فقدان الحبيب، و الثواكل هي النساء.

(11) من أسماء جهنم.

(12) نوع من الحلوى اهداها الاشعث بن قيس إلى علي.

(13) كرهتها.

(14) العطية.

امثال القرآن، ص: 15

فقال: لا ذا و لا ذاك و لكنها هدية. فقلت هبلتك الهبول! «1» أعن دين الله اتيتني لتخدعني؟

ا مختبط انت او ذو جنة «2» ام تهجر «3» و الله لو أعطيت الاقاليم السبعة بما تحت افلاكها على ان اعصي الله في نملة اسلبها جلب «4» شعيرة ما فعلته، و ان دنياكم عندي لاهون من ورقة في فم جرادة تقضمها «5» ما لعلي و لنعيم يفنى، و لذة لا تبقى!! نعوذ بالله من سبات «6» العقل، و قبح الزلل «7» و به نستعين». «8»

ان هذه الامثال تسهل ادراك و هضم كثير من المفاهيم، و لها وقع و تأثير يفوق النصيحة الموعظة ان هذا المثل لا يختص بعقيل و في ذلك الزمن و العصر فحسب بل انه مثل للجميع و في كل العصور و الازمنة. و لهذا

الغرض استخدم القرآن الامثال.

الهدف من الامثال من لسان القرآن

لقد بُيّن الهدف من الأمثال في بعض آيات القرآن، نأتي هنا بثلاثة نماذج:

1- في الاية 25 من سورة ابراهيم بعد ما شبّه (الكلمة الطيبة) بالشجرة الطيبة- و سيأتي بحث ذلك- يقول في اخر الاية: «وَيَضْرِبُ اللهُ الأمثالَ للناّس لَعَلّهُم يَتَذَكّرون» و على هذا فالتذكير هو من أهداف الامثال.

2- في الاية 21 من سورة الحشر بعد ما يشبّه بعض القلوب بالجبال و ان امكانية التأثير على الجبال اكثر من امكانية التأثير على هذه القلوب يقول في نهاية الاية: «وتِلْكَ الأمثَال نَضْرِبُها للناس لَعَلّهُم يَتَفَكّرُون» و على هذا فالتفكّر هو من اهداف هذه الامثال.

______________________________

(1) هبل أي ثكل، و الهبول هي الثكول.

(2) من أصابه مس من الشيطان.

(3) تهذي.

(4) قشر.

(5) تكسرها باسنانها.

(6) نوم.

(7) السقوط في الخطأ.

(8) نهج البلاغة، صبحي الصالح: 346- 347.

امثال القرآن، ص: 16

3- و في الايات 40- 43 من سورة العنكبوت، بعد ما يشبّه من اتخذ اولياء من دون الله بالعنكبوت الذي يتخذ بيتاً وهناً. يقول في نهاية الاية 43: «وَتِلْكَ الأمثال نَضْربُها للنّاسِ ومَا يَعْقِلُها إلّا العَالِمُون» و حسب ما في هذه الاية فإنَّ تعقل العلماء هو من اهداف تلك الامثال.

يمكننا استنتاج ثلاث مراحل لتأثير الأمثال على النفوس، هي كالتالي:

الاولى: مرحلة التذكر و هي مرحلة مرور حقيقة الخطاب الالهي في الذهن.

الثانية: مرحلة التفكر، و هي مرحلة التفكير في موضوع المثل و حكمته.

الثالثة: مرحلة التعقل و هي مرحلة ادراك و هضم الحقائق. «1»

أهمية خطاب المثل

إن الناس في كثير من الأمور يعدّون الكبير دليلًا على العظمة و الصغير دليلًا على قلة الأهمية، لكن الواقع ليس كذلك فالمهم هو الخطاب الذي يحمله ذلك الشي ء أو يستهدف المتكلم بيانه. و الأمر كذلك في القرآن فالمهم هو الخطاب الذي يوجهه و يهدفه

من خلال المثل لا عظمة او حقارة (الممثل به).

يقول الله في الاية الشريفة 26 من سورة البقرة: «إنَّ اللهَ لا يَسْتَحي أنْ يَضْرِبَ مَثْلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فأَمَّا الذَّينَ آمنُوا فيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقّ منْ رَبِّهمْ وأمَّا الذين كَفَرُوا فيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِى بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إلّا الفاسقين».

تأمُّل في الآية

إنَّ التأمل في الاية يرشدنا إلى النتائج التالية:

الاولى: ان الله تعالى اعتبر الهدف من الامثال هو هداية البشر.

الثانية: ان موضوع المثل و محتواه يحظى بأهمية تفوق اهمية المضمون الظاهري

______________________________

(1) يمكننا الاخذ بنظر الاعتبار احتمالين آخرين، الأول: تقسيم الامثال حسب النتائج، فبعضها تذكّر و بعضها تجعلنا نفكر و بعضها تؤدي إلى الاستيعاب و الادراك. الثاني: تقسيم الامثال حسب المخاطب، فالمخاطب على ثلاثة أقسام و كل من الاقسام الثلاثة الماضية للامثال تختص بقسم من المخاطبين.

امثال القرآن، ص: 17

و الموجودات المذكورة في المثل.

الثالثة: إن المخلوقات جميعاً و لو كانت بعوضة تكشف عن عظمة الخالق.

الشرح و التفسير

قبل البدء بتفسير الاية و لأجل اعداد الاذهان للاستيعاب الاعمق نذكر هنا باقتضاب شأن نزولها.

ان التحجج او التذرع بالحجج هو من مواصفات المنافقين. ان المنافق يتحجج و يماطل و يتذرع بالتبريرات الباطلة في كل قضية و مسألة، انه لا يهتم بتوجهات المخاطب و مواقفه؛ و ذلك لانه ينظر إلى القضية من موقف مخالف و يعمل على اساس هذه الرؤية. و كمثال على ذلك نفرض ان شخصاً او اشخاصاً بنوا مركزاً اسلامياً يضم مسجداً و مكتبة و مصلى و مستشفى و داراً للعجزة و .. ففي هذه الحالة سيعرب المنافق عن شعوره بالكلمات التالية:

هل من الصحيح بناء مركز بهذه الضخامة و الكلفة في هذه المدينة رغم ما تضم من الفقراء و الجياع؟ الم يكن من الصحيح ان تصرف هذه المبالغ لاجل اشباع الفقراء وسد رمقهم؟ الم يكن من الأفضل ان تصرف هذه المبالغ لاجل تزويج الشباب العزاب؟ ألم يكن من الأفضل أن يداوى بهذه المبالغ المرضى من المحتاجين و الفقراء؟ ألم يكن من الافضل أنْ تصرف هذه المبالغ في سبيل تعليم الشباب و تربيتهم؟!

إنّ

هذا الشخص او الاشخاص الخيرين لو صرفوا هذه المبالغ لاجل اطعام المساكين و اعانة الشباب و مداواة المرضى و .. لاحتج هذا المنافق بحجج اخرى و لتمسك بذرائع من قبيل قوله: أي اسلام هذا و اي مسلمين هؤلاء، فانا لا نجد في هذه المدينة مسجداً، و قد خصصتم هذه المبالغ الطائلة لامور تافهة لا فائدة فيها، انكم قد ضيّعتم الاسلام باعمالكم هذه!

تعلّموا من اليهود و النصارى؛ فانهم يبنون معابد فخمة و جميلة تجذب الانسان نحوها تعلموا من الهندوس فإنهم يبنون معابد عظيمة لاصنامهم الجامدة.

و الخلاصة؛ إنّ غاية المنافق هي المشاكسة و المخالفة و زرع بذور الشك و الاختلاف و ايذاء الآخرين.

امثال القرآن، ص: 18

و مع الالتفات إلى هذه المقدمة نقوم بشرح الاية المذكورة.

عند ما نزلت بعض الامثال القرآنية بدأ المنافقون بالترديد في المسألة و الاشكال فيها و القول: (ما هذه الامثال التي جاءت في القرآن)؟ إنّ شأن الله أرفع من ان يمثل بموجودات ضعيفة مثل الذباب «1» و العنكبوت، او ان يمثل بموجودات جامدة مثل الرعد و البرق «2» و قد كانوا يهدفون من هذا الحديث القاء التشكيك في الهية القرآن و مصدره الرباني، و ان القرآن ليس من الوحي الالهي.

بالطبع، لو لم تنزل هذه الايات و الامثال او نزلت بكلمات و صياغات معقدة لتمسك المنافقون- قطعاً- بذرائع اخرى و لقالوا: (كيف يمكن لهذا ان يكون كلام الله مع انا لا نفهم منه شيئاً)؟ او لقالوا: (لماذا لم ينزل الله هذه المفاهيم و الحقائق بلغة بسيطة يفهمها الجميع)؟ كما ان هذا قد حصل لشعيب عليه السلام و قد حكته الآية الشريفة (91) من سورة هود:

«قَالُوا يَا شُعَيْبُ ما نَفْقَه كَثِيراً مِمّا تَقُولُ وَإنَّا لَنَرَاكَ فِينَا

ضَعِيفاً ولَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاك وَمَا أنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ».

يستفاد من الآية ان التمسك بالذرائع كان منطقهم، من جانب اخر كانوا يقولون: «لا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمّا تَقُولُ» أي لا نفهم ما تقول، و من جانب اخر يقولون: «لَوْلا رهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ» أي لو لا قبيلتك لقتلناك فيجيبهم شعيب عليه السلام: «قَالَ يَا قَوْم أرَهْطِى أعزُّ عَليْكُمْ مِنَ الله؟!». «3»

بما ان المنافقين اللجوجين كانوا يشككون و يحتجون على التمثيل بالجمادات او الموجودات الضعيفة جاءت الاية 26 من سورة البقرة لتجيب عليهم و تدحض حججهم: «إنّ اللهَ لا يَسْتَحِي أنْ يضرِبَ مَثلًا ما بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَها ...».

إنّ بلاغة الكلام تقتضي تارة التمثيل بالموجودات الكبيرة و تارة بالموجودات الصغيرة؛ فكلما اريد من التمثيل بيان العظمة شبّه بشي ء كبير، و اذا ما اريد بيان ضعف الشي ء و خواءه

______________________________

(1) الآية 73 من سورة الحج: «يَا أيّهَا النَّاس ضُرِبَ مَثَلٌ فاسْتَمِعُوا لَهُ إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابَاً وَ لَو اجْتَمَعُوا لَهُ و إنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ و المَطْلُوبُ».

(2) يأتي شرحها في المثل الأول و الثاني.

(3) هود الآية 92- 93.

امثال القرآن، ص: 19

شبّه بشي ء ضعيف و صغير من الحيوانات و الجمادات.

و على هذا؛ فان التمثيل بالشي ء الكبير لا يدل على فصاحة الكلام و بلاغته دائماً. اذن، لا اشكال على القران عند تمثيله بشي ء يتناسب مع موضوع المثل و الهدف منه مهما كان صغيراً او كبيراً.

ان المؤمنين و الصالحين، حيث يعلمون بحقيقة هذه الامثال و محتواها، يعلمون بانها الحق و أنها من ربهم و لا ينكرونها، لكن المنافقين و الكافرين لتعصبهم و لجاجتهم يقولون: «مَاذَا أرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً ويَهْدِى بِه كَثِيراً»؟!.

خطأ المنافقين

إنّ

خطأ المنافقين الكبير هو عدم توجههم او عدم رغبتهم للتوجه إلى أنّ بلاغة القرآن و فصاحته أحد وجوه إعجاز القرآن المجيد و الرسول الكريم. «1»

إنّ الفصاحة و البلاغة- و هما من العلوم التي تدرس في الحوزة العلمية؟- بتعبير مقتضب هما عبارة عن ما يلي: إنّ ظاهر البيان إذا كان جميلًا قيل انه فصيح، و اذا كان ذات معنى رفيع شاناً قيل انه بليغ.

و على هذا؛ الفصاحة و البلاغة- و هما من وجوه اعجاز القرآن- يعنيان الجمال الظاهري و الرفعة في محتوى الخطاب.

حقاً ان القرآن فصيح و بليغ أي ان ظاهره جميل و جذاب يدعو إلى الإصغاء اليه، و محتواه رفيع معنى و شأنا. ان بلاغة القرآن و فصاحته إلى درجة جعلت الاعداء تسميه السحر! و ذلك لأنه يجعل الصاغي يسلّم اليه و يخضع له، و هذا بحد ذاته اقرار و اعتراف بجاذبية القرآن

______________________________

(1) للقرآن وجوه اعجاز كثيرة و البلاغة و الفصاحة هي أحد تلك الوجوه؛ أما بقية الوجوه فعبارة عن: 1- اعجاز القرآن من وجهة نظر العلوم الحديثة و الاكتشافات العلمية. 2- اعجاز القرآن من الناحية التاريخية. 3- اعجازه من حيث وضعه للقوانين. 4- اعجازه من حيث اخباره عن الغيب. 5- اعجازه من حيث المعارف الالهية. 6- اعجازه من حيث عدم احتوائه على التضاد و الاختلاف. راجع نفحات القرآن 8: 93 فما بعدها إذا ما رغبت في التفصيل.

امثال القرآن، ص: 20

الشديدة و الخارجة عن المتعارف. إنّ كثيراً من الناس آمن اثر سماعه آيات من القرآن.

جاذبية القرآن و انقاذ المسلمين

هاجر الكثير من المسلمين في صدر الإسلام إلى الحبشة اثر الضغط المتزايد الذي لاقوه من المشركين في مكة. و لهذا بعث الكفار مبعوثين عنهم حاملين معهم هدايا وافرة إلى

النجاشي ملك الحبشة لارجاع المسلمين إلى مكة. طمَّع المبعوثان في البداية حاشية ملك الحبشة ثم جاءوا للملك قائلين له: (أيها الملك، انه قد ضوى (أي لجأ) إلى بلدك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم و لم يدخلوا في دينك و جاءوا بدين ابتدعوه، لا نعرفه نحن و لا أنت، و قد بعثنا اليك فيهم اشراف قومهم من آبائهم و أعمامهم و عشائرهم لتردهم اليهم، فهم أعلى بهم عيناً، و اعلم بما عابوا عليهم و عاتبوهم فيه).

كان المجلس لصالح الكفار من جميع النواحي و قد كان المشركون اعدوا من قبل المقدمات لكسب الموقف لصالحهم.

لكن باعتبار كياسة النجاشي و رفعته، طلب من المسلمين بيان مواقفهم؛ فبدأ جعفر بن أبي طالب (رض) بالحديث و عرّف بالاسلام و بالرسول صلى الله عليه و آله و القرآن فطلب النجاشي منه قراءة بعض من الآيات.

و باعتبار الزمان و المكان و باعتبار ان الحضور ينتمون إلى الديانة المسيحية قرأ آيات من القرآن تناولت ولادة عيسى- على نبينا و آله و عليه السلام- و هنا انقلب المجلس الذي كان قد أعد ليكون لصالح الكفار و بضرر المسلمين في البداية، انقلب لصالحهم و بدأت عيون النجاشي و رجال دينه تغرورق بالدموع. ان فصاحة القرآن و بلاغته و جاذبيته كانت بدرجة من التأثير على النجاشي حيث جعلته يرد هدايا الكفار و يسمح لجعفر و المسلمين بالاقامة في الحبشة إلى أي وقت شاءوا. «1»

______________________________

(1) انظر سيرة ابن هشام ج 1: 334- 335.

امثال القرآن، ص: 21

نموذج آخر لتأثير القرآن

ان النموذج الآخر لتأثير فصاحة القرآن و بلاغته هو قصة اسعد بن زرارة. ان قبيلة اسعد كانت لفترة طويلة في صراع محتدم بينها و بين قبيلة اخرى. فغادر اسعد يوماً ما

المدينة إلى مكة قاصداً زيارة بيت الله و الأصنام التي فيها، فواجه في الطريق احد المشركين حذره من السماع لساحر يجلس قرب حجر إسماعيل، فانشغل اسعد بالطواف الا انه عند ما شاهد وجه الرسول النوراني فكر، و رجح السماع و الاصغاء لما يقوله الرسول صلى الله عليه و آله و قرر ان يعرض عنه إذا كان كلامه غير منطقي «1» و عند ما اقترب من الرسول و سمع منه بعض الايات انجذب له إلى مستوى طلب منه تلاوة آيات أُخرى، فتلى الرسول له .. ثم أسلم. و حكى للرسول قصة الاختلاف بين قبائل المدينة و دعي الرسول للمجي ء إلى المدينة لأجل حل هذه الاختلافات. «2»

خطابات الاية

1- البعوضة ليست حيواناً حقيراً!

إنّ كثيراً من المفسرين المعروفين و منهم المرحوم الطبرسي (ره) في تفسيره القيم (مجمع البيان) ينقل حديثاً عن الامام الصادق عليه السلام في ذيل الاية، حيث قال: «إنما ضرب الله المثل بالبعوضة لأن البعوضة على صغر حجمها خلق الله فيها جميع ما خلق في الفيل مع كبره و زيادة عضوين آخرين فأراد الله تعالى أن يُنبّه بذلك المؤمنين على لطيف خلقه و عجيب صنعه». «3»

ان الله في الحقيقة أراد بهذا المثال بيان ضرافة الخلق، و ان التفكّر في هذا الحيوان الضعيف ظاهراً- الذي خلقه الله شبيهاً لأكبر حيوان في اليابسة- ليرشد الانسان إلى عظمة خالقه.

______________________________

(1) لقد أيدت الآية الشريفة التالية هذا المنطق: (فَبَشِّر عِبَادِ الَّذينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذينَ هَدَاهُمُ اللهُ و أُولئكَ هُم أُولُوا الألْبَابِ) الرمر 17- 18.

(2) نص القصة الكاملة في اعلام الورى: 35- 4، بحار الانوار: 9: 8- 11.

(3) مجمع البيان، ذيل الاية.

امثال القرآن، ص: 22

التوضيح: في جسد البعوضة ضعيفة الجسم نفس الاعضاء الموجودة في

فيل ضخم. ففيه جهاز الهضم، و خرطوم دقيق ذات منفذ رفيع، و أعضاء للحركة و اجهزة للتناسل و .. اضافة إلى هذا، فان للبعوضة قرنين تشبه الهوائيات و ذلك للتواصل فيما بينها و بين البيئة المحيطة بها و هو أمر يفقده الفيل.

2- حجابان عظيمان: كثرة النعم و التعود عليها

إنّ سبب غفلة الإنسان عن نعم الله العظيمة و عدم تفكره في دقة الخلق و ظرافته هو شيئان: الاول: حجاب كثرة النعم؛ فإن وفرة النعم تجعل الإنسان يستهين و لا يعتد و لا يفكر بها. و كمثال على ذلك: ان البعوضة لو كانت نادرة في العالم و وقعت بأيدي العلماء، لاعتبرها هؤلاء العلماء موجوداً ذات اهمية و أهلًا للدراسات و التحقيق العلمي.

الثاني: حجاب التعود؛ فان العين مثلًا من آيات الخلق العظمى؛ الا انا لم نفكر بها و لا نتمعّن في خلقها. الاذن كذلك، فهو مستلم قوي و دقيق و عجيب الا انا بسبب تعودنا عليه لا نعرف قدره و لا نثمنه مع انا لو دققنا ليس في هذين فقط بل في كل اشياء العالم لوجدناها عجيبة و مدهشة و تكشف عن اسرار الخلق و العظمة و التوحيد.

3- الهداية و الضلالة في القرآن

في نهاية الآية يجيب الله المنافقين الذين قالوا: «مَاذَا أرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِه كَثِيرَاً» حيث قال: «وما يُضِلُّ بِهِ إلَّا الفَاسِقِينَ» في هذه الاية و امثالها «1» نسبت الضلالة إلى الله كما نسبت الهداية في آيات اخرى «2» اليه كذلك.

إذا كانت الهداية و الضلالة من الله و نحن مجبورون عليهما و لا إرادة لنا في ذلك فلما ذا يثيب

______________________________

(1) مثل الآيات 88 و 143 من سورة النساء و الآيات 187 و 186 من سورة الاعراف و الآيات 23 و 36 من سورة الزمر و الآية 46 من سورة الشورى و غيرها.

(2) مثل الآيات 142 و 213 و 272 من سورة البقرة و الآية 16 من سورة المائدة و الآية 25 و 35 من سورة يونس و آيات اخرى.

امثال القرآن، ص: 23

الله المهتدين

و يعاقب الضالين رغم انهم مجبورون على ذلك؟

هناك آراء مختلفة في تفسير هذه الآية و أمثالها، فبعض قال: ان المراد من (يضل) هو (يمتحن) أي ان الله يريد امتحان الناس من خلال هذه الامثال. «1»

و يقول البعض الاخر: ان الهداية و الضلالة تعنيان إعداد المقدمات لهما لا نفسهما و القرار النهائي فيهما يرجع إلى ارادة الإنسان نفسه. و كأن الله يسلب الموفقية من الإنسان اللجوج، فيراد من الضلالة- على هذا- سلب الموفقية. «2»

ان سبب الاختلاف بين المفسرين يرجع إلى صعوبة معنى المفردتين و تعقدهما، و لهذا علينا ايضاحهما اولًا ثم البتّ في حل مشكلة الاختلاف في تفسيرهما.

معنى الهداية و الضلالة

انتبهوا إلى هذا المثال: ان قطرات الغيث الشفافة و السليمة و المانحة للحياة تنزل على الكرة الارضية اجمع، كما ان الشمس تسطع على هذه الكرة و تمنحها نوراً و طاقة. انّ الغيث و الشمس كلاهما من رحمة الله الا ان المحاصيل الزراعية التي تنتجها الأراضي التي تتمتع بهذين النعمتين تختلف، ففي الاراضي المالحة تنبت الادغال، بينما في الاراضي الاخرى تنبت الازهار و النباتات المطلوبة. هل سبب هذا الاختلاف الغيث و الشمس ام سببه ملوحة الارض؟

لا شك في ان منشأ الاشكال هو الارض فلو نثرت بذور الازهار مكان بذور الادغال في هذه الارض لتبدلت الارض إلى حديقة أزهار. و على هذا فلو قيل: ان المطر جاء لنا بالادغال فان ذلك لا يعني ان المطر هو السبب في ذلك بل الارض كانت سقيمة. ان قضية الهداية و الضلالة تجري هذا المجرى، فان وابل الرحمة الالهية نزل بواسطة الرسول صلى الله عليه و آله على قلوب جميع البشر، و قد اصغى الجميع لوحي القرآن، فالذين قد أعدوا أراضي قلوبهم من ذي

قبل، اهتدوا، اما اولئك الذين لم يغسلوا ملوحة قلوبهم بزلال الايمان و لم يعدوا انفسهم فضلُّوا.

______________________________

(1) انظر مجمع البيان 1: 68.

(2) انظر تفسير الامثل 1: 123- 124.

امثال القرآن، ص: 24

إنّ آيات القرآن تؤيد هذا الادعاء، فالاية الثانية من سورة البقرة تقول: «ذَلك الكِتَابُ لا رَيْبَ فِيْهِ هُدىً للمُتَّقِين» أي ان الهداية تتغمد اولئك الذين ازالوا ستار التعصب و اللجاجة عن نفوسهم و لهم اذن صاغية.

و في الاية المبحوثة هنا (26 من سورة البقرة) يقول الله: «مَا يُضِلُّ بِهِ إلّا الفاسِقينَ» أي انهم كانوا فاسقين و اراضي قلوبهم مالحة لذلك اضلهم الله، و نبتت في قلوبهم- اثر نزول مطر الرحمة و الإيمان- أدغال الكفر.

و يقول الله في سورة الروم الآية 10: «ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةُ الّذِينَ أسَاءوا السُّوأى أن كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ ..» أي أنّ تكذيب آيات الله و الضلالة كانا نتيجة أعمال الظالمين انفسهم. «1» و على هذا؛ فالهداية و الضلالة نتيجة لاعمالنا و الله- الحكيم على الاطلاق- وضع مقدرات للعباد حسب حكمته. إذا خطوتُ و خطوات لاجل كسب الالطاف الالهية فاني سافوز بهدايته و اذا ما خطوتُ و في طريق غير الحق فاني ساكون مصداقاً للآية الشريفة «إنَّ الله يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَنْ أنَابَ» و كان مصيري الضلالة.

ذيل الاية يفيد ان الهداية ليست من غير حساب، بل تتغمد الإنسان هداية ربانية إذا ما خطى باتجاه طريق الحق و تاب إلى الله، إلّا أنّ الذي يعادي الله فلا يكون مصيره الا الضلالة.

الخلاصة: لا جبر في البين، و ان الهداية و الضلالة هما نتيجتان لاعمال الإنسان ذاته، و ان الضلالة سم قاتل فلا يلوم الشخص إلّا نفسه إذا ما تجرّعه بارادته.

إن آيات (الهداية و الضلالة)

ليست بتلك الدرجة من التعقيد؛ و قد فسرتها آيات أخرى من القرآن.

و في النهاية ان تكليف المسلم هو العمل ما في وسعه لاجل اعداد ارض القلب لاستقبال مطر الرحمة الإلهية، و ان يطلب من الله التوفيق و العفو عما صدر منه من أخطاء.

______________________________

(1) عدت الآية 34 من سورة غافر، الاسراف سبباً للضلالة؛ و الآية 74 من نفس السورة عدت الكفر سبباً لذلك.

امثال القرآن، ص: 25

المثل الأول: المنافقون

اشارة

المثل الاول لموضوع بحثنا هو ما ورد في الآيات 17 و 18 من سورة البقرة:

«مَثَلُهُم كَمَثَلِ الَّذي اسْتَوقَدَ نَاراً فلمَّا أضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَب الله بِنُورِهِمْ وَتَرَكهُم في ظُلُمَاتٍ لا يُبْصُرون صُمٌ بُكُم عُميٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ».

تصوير البحث

تحدثت الاية عن المنافقين الذين تستروا بستار النفاق؛ الا ان التمزق كان عاقبة هذا الستار، و الخزي هو عاقبة المنافقين انفسهم.

ان المنافق شُبّه هنا بانسان ضلّ وحيداً في صحراء يسعى للحصول على طريق لانقاذ نفسه من خلال استيقاد النار، إلّا أنّ ذلك لم ينفعه و لا زال في حيرة من أمره.

الشرح و التفسير

دُوّن تفسيران للآية الشريفة:

التفسير الأول: إنَّ مثل المنافقين مثل الذين يضلون في صحراء ظلماء و مخوفة. افرضوا أنّ مسافراً تخلف وحيداً عن قافلته في صحراء ظلماء، فهو لا يملك نوراً و لا ضوءاً و لا دليلًا يرشده، و لا يعرف الطريق و لا يملك بوصلة. فهو يخاف قطاعي الطرق و الحيوانات المفترسة من جهة، و يخاف الهلاك من الجوع و العطش من جهة أخرى. و هذا يدفعه للتفكير بجدية

امثال القرآن، ص: 26

بطريق و السعي الأوفر للخلاص مما هو فيه. فيجد حطباً بعد البحث المتوالي فيستوقد ناراً ثم يأخذ بشعلة نار بيده، إلّا أنّ الريح تطفئ الشعلة فيبادر إلى جمع حطب آخر ليوقد ناراً أخرى إلّا ان بحثه هذا لا يؤدي به إلا إلى ضلال آخر و انحراف عن الطريق تارة اخرى.

إنَّ المنافقين كهذا المسافر فهم قد ضلوا الطريق. انهم يعيشون في ظلمات في حياةٍ مضيئة.

تخلفوا عن قافلة الانسانية و الايمان. و لا دليل لهم على الطريق، لأنّ الله سلب عنهم نور الهداية، و تركهم في ظلمات.

للمنافقين شخصيات مزدوجة، ظاهرها مسلمة و باطنها كافرة؛ ظاهرها صادقة و باطنها كاذب؛ ظاهرها مخلص و باطنها مرائي، ظاهرها أمين و باطنها خائن، ظاهرها الصداقة و باطنها العداوة و .. انهم يصنعون من ظاهرهم إنارة خادعة. يتظاهرون بالاسلام و ينتفعون بمزايا الإسلام؛ فذبيحتهم حلال و اعتبارهم و عرضهم محفوظ و أموالهم محترمة،

و يتمتعون بحق الزواج من المسلمين و .. انهم يتمتعون بمنافع مادية و دنيوية قليلة يحصلون عليها من خلال تلك النار التي استوقدوها، إلا ان هذه النار تخمد بعد الموت «ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ» و يتركهم الله آنذاك في ظلمات القبر و البرزخ و القيامة و حينئذ يدركون ان لا فائدة في اسلامهم الظاهري و ايمانهم الريائي.

النتيجة هي أن في الآية أو المثل تشبيهاً، المنافقون هم المشبهون و المسافر المحتار في الصحراء هو المشبه به و وجه الشبه هو الحيرة و الضلالة و أن لا أثر لسعيه الظاهري.

التفسير الثاني: فيما يخص التفسير الأول ينبغي التذكير هنا بان الاضاءة الظاهرية لتلك النار و الظلمات التي تلحق تلك الإضاءة لا تختص بعالم القيامة المعنوي؛ بل إنّ لها نتائج في هذه الدنيا كذلك.

لا يتمكن المنافق اخفاء نفاقه للابد فانه سيفتضح في النهاية؛ و هذا يحصل فيما لو وجد نفسه أو مصالحه عرضة للخطر و الفناء، فانه يفصح عن خلده القذر آنذاك كما افصح المنافقون في صدر الإسلام عن بواطنهم في الحروب و الحوادث المختلفة؟!

ألم نرَ بأم اعيننا في الثورة الاسلامية و خلال النهضة التي سبقتها كم من المنافقين كشفوا بمرور الزمن عن بواطنهم النتنة و أزالوا نقاب النفاق عمّا في دواخلهم و افتضحوا في هذه الدنيا

امثال القرآن، ص: 27

- أعاذنا الله من شرور أنفسنا- و على هذا؛ فان «ذَهَبَ الُله بِنُورِهِم» لا يختص بالاخرة و القيامة بل انه أمر يتحقق في هذا الدنيا كذلك.

خطابات الآية

1- أقسام المنافقين

ان المنافق ليس شخصاً بالضرورة، بل يمكن ان يكون جماعة أو منظمة أو حزب بل و حتى حكومة دولة ما. لقد شاهدنا افتضاح بعض الدول التي تتقمص بالاسلام ظاهراً و تشترك في المجالس و المؤتمرات

الاسلامية. و ذلك إثر اتضاح العلاقة بينها و بين أكبر أعداء الإسلام أي اسرائيل الغاصبة، و افشاء أمر العقود المبرمة بينها و بين اسرائيل ما خفى منها و ما ظهر. فان ضوء نار ادعاءاتها اخذت بالخمود و ثبتت ازدواجيتها و رياءها.

نعم؛ ان ذلك هو عاقبة النفاق «فاعْتَبِرُوا يَا أوِلي الأَبْصَار».

2- صور النفاق

من الأمور التي تستنتج من البحث الاجمالي السابق هو صور النفاق المختلفة و هي كالتالي:

أ- النفاق في العقيدة: و ذلك مثل الذي يدعي بلسانه الإسلام، الا انه لا يعد مسلماً، أو أنه يتظاهر بالايمان لكنه لا يحسب من زمرة المؤمنين.

ب- النفاق في الكلام: و هو كالذي ينطق بكلام لا يعتقد به. و على هذا، فان الكاذب منافق لأنه لا يتطابق قلبه مع لسانه.

ج- النفاق في العمل: و هو مثل الذي يتضاد و يختلف عمله مع نيته و باطنه، كالذي يتظاهر بالصلاة أو الامانة لكنه في الواقع لا يصلي و خائن. «1»

3- علائم النفاق

يحكي الرسول صلى الله عليه و آله في رواية له عن علائم المنافق حيث يقول: «ثلاث من كن فيه كان منافقاً

______________________________

(1) للمزيد راجع ميزان الحكمة، الباب 3966 الحديث 20599.

امثال القرآن، ص: 28

وان صام وصلى وزعم انه مسلم، من إذا أؤتمن خان، و إذا حدث كذب و إذا وعد اخلف ...».

الأولى: الخيانة، ان الخائن منافق و ذلك لانه يتظاهر بالأمانة و هو في الواقع خائن. و على هذا لا يمكننا أن نأتمنه بيت المال. قد يكون البعض امناء تجاه الأموال القليلة إلا انهم يفصحون عن واقعهم الخائن عند ائتمانهم على الأموال الطائلة.

الثانية: الكذب، ان الكاذب منافق و ذلك لانه يبطِّن نوايا قذرة و مخالفة للحقيقة و الواقع من خلال تملقه الكلامي، رغم انه يصلي و يقرأ دعاء الندبة و التوسل و غيرهما.

الثالثة: خلف الوعد، ان الذي يخلف الوعد منافق، و ذلك لأنَّ الوفاء بالوعد ضروري من الناحية الاخلاقية و من الناحية الفقهية قد يكون واجباً أحياناً. «1» و خلاصة الكلام هنا ان كل نوع من الأزدواجية يعدّ نفاقاً.

4- نبذة من تاريخ المنافقين
اشارة

لم تخل المجتمعات البشرية من المنافقين ابداً، و يمكن ان يقال ان النفاق وجد منذ ان بدأ الإنسان حياته على الكرة الأرضية، و عداء المنافقين للبشرية اتضح منذ ذلك الحين.

إذا عد المنافقون اخطر أعداء المجتمعات البشرية فذلك بسبب انهم يتقمصون قميص الاصدقاء و يبطنون العداء.

ان مقارعة الأعداء هي احد صفات المجتمعات البشرية، و هي آلية تفقد فاعليتها عند المنافق، و ذلك لانه يظهر نفسه صديقاً، و لهذا كان ألد الأعداء، و لأجل ذلك كانت التعابير القرآنية في حقه شديدة جداً.

المنافقون في القرآن

كلما قلنا سابقاً، فإنَّ القرآن أشار إلى المنافقين بتعابير شديدة نشير إلى بعضٍ منها هنا:

أ- يقول الله في الآية 4 من سورة المنافقين: «هُمُ العَدُوُّ فاحْذَرْهُمْ».

______________________________

(1) ميزان الحكمة، الباب 3931، الحديث 20577، و في الباب روايات اخرى عدَّت علائم اخرَى للنفاق.

امثال القرآن، ص: 29

لقد أشار القرآن المجيد إلى أعداء المسلمين «1» من خلال آياته الشريفة لكنه لم يستخدم هكذا اسلوب تجاه أىٍّ من الأعداء. و حسب قواعد اللغة العربية فان الجملة تفيد ان المنافقين هم الاعداء الحقيقيون للانسان.

ب- يقول الله في تتمة الاية: «قَاتَلَهُمُ اللهُ أنَّى يُؤْفَكُونَ» أي ينحرفون عن الحق.

إنَّ هذا الخطاب الشديد فريد و لم يستعمله القرآن في مورد اخر. «2»

ج- يقول الله في الاية 145 من سورة النساء: «إنَّ المُنَافِقِينَ فِي الدَّرْك الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ ولَنْ تَجِدَ لهُمْ نَصِيراً» و على هذا ينبغي تجنب صداقة أعداء الله التي هي من علائم النفاق.

إن (الدرج) أو (الدرجة) ذات معنى واحد و هو نفسه الذي في (دَرْك) أو (دَرَك) إلّا أنّ المفردتين الأوليتين تستخدمان للسّلم بلحاظ الاتجاه إلى الأعلى، بينما تستخدم المفردتان الاخيرتان بلحاظ اتجاه السلم إلى الأسفل. كما أنّ كلًا منهما استخدم مرة واحدة

في القرآن. «3»

ان (الدرك الاسفل) هو قعر جهنم أو اخفض نقطة فيها، و من البديهي ان يكون العذاب في هذه النقطة اشد، و من هنا نستنتج أنّ الله أعدّ أشد العذاب للمنافقين. و هذا يكشف عن مدى حساسية موضوع النفاق و خطر المنافقين في جميع العهود ماضياً و حاضراً.

خطر المنافقين من وجهة نظر رسول الإسلام صلى الله عليه و آله

ينقل المرحوم الشيخ عباس القمي (رض) في كتابه القيّم (سفينة البحار) تحت مادة (نَفَق) حديثاً ملفتاً عن الرسول صلى الله عليه و آله نأتي به هنا:

______________________________

(1) عدّ القرآن الشيطان و الكافرين و المجرمين و المنافقين أعداءً للإنسان؛ و لأجل المزيد يراجع المعجم المفهرس للقرآن المجيد كلمة (عدو).

(2) لقد استخدم القرآن هذا الخطاب في اليهود في الاية 30 من سورة التوبة لكن ينبغي الالتفات إلى ان اليهود كانوا مبتلين بنوع من النفاق.

(3) (الدَرْك) استخدمت في الاية المذكورة في النص. اما (دَرَك) فقد استخدمت في الاية 77 من سورة طه عند بيانه لعبور موسى عليه السلام و الاسرائيليين من نهر النيل للاشارة إلى المسير الذي ينتهي إلى سطح النهر.

امثال القرآن، ص: 30

«إني لا أخاف على أمتي مؤمناً و لا مشركاً، أمّا المؤمن فيمنعه الله بايمانه و أما المشرك فيقمعه الله بشركه، و لكني أخاف عليكم كل منافق عالم اللسان، يقول ما تعرفون و يفعل ما تنكرون». «1»

وفقاً لهذه الرواية، إنَّ الرسول صلى الله عليه و آله كان قلقاً على المجتمع الاسلامي من خطر المنافقين، و قلقه لم ينحصر في العهود الماضية و في الحجاز فحسب؛ بل ان قلقه شامل لجميع العصور و البلاد الاسلامية و حتى الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

5- التعبير ب (النار) في القرآن

هناك نتيجتان تترتبان على استخدام القرآن لمفردة (نار) لا (نور):

الاولى: ان الدخان و الرماد من لوازم النار، و المنافق يبلي الآخرين بما ينجم من مضار عن هذه النار التي اججها بنفسه، المضار التي نتيجتها التفرقة و الضغوط التي تفرض على الناس، هذا مع ان المؤمن ينهل من النور الخالص و المشعل المضي ء للايمان.

الثانية: رغم تظاهر المنافقين بنور الإيمان الا ان واقعهم نار، و اذا تمتعوا فبشعلة ضعيفة و

قصيرة مدتها. «2»

6- النور و الظلمات

يقول الله «وَتَرَكَهُمْ فى ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ».

إنَّ مفردة (ظلمات) استخدمت 23 مرة في القرآن، و لم تستخدم في مورد من الموارد بصيغتها المفردة بل كانت في جميع هذه الموارد جمعاً. أما مفردة (النور) فقد استخدمت 43 مرة في القرآن و في صيغة المفرد لا الجمع. و يا ترى أ ليس في ذلك خطاب؟

سر هذا يرجع إلى أنّ القرآن يريد بيان ان النور واحد مهما كان نوعه، و هو نور الله «اللهُ

______________________________

(1) نهج البلاغة الرسالة 27 و كذا ميزان الحكمة، الباب 3934.

(2) للمزيد راجع تفسير الأمثل 1: 96- 100.

امثال القرآن، ص: 31

نُورُ السَّمَواتِ والأَرْضِ». «1» أما نور الايمان و نور العلم و نور اليقين و نور الاتحاد و التلاحم و فكلها ترجع إلى نور واحدٍ، و هو نور الله و لا نور غيره؛ لذلك لم يستخدم القرآن النور الا بصيغة المفرد.

أمّا النفاق و الكفر و الاختلاف و التفرقة فهي ليست ظلمة واحدة، بل ظلمات متعددة، هناك ظلمة الجهل و ظلمة الكفر و ظلمة البخل و ظلمة الحسد و ظلمة عدم الخوف من الله و ظلمة الهوى و الهوس و ظلمة الوساوس الشيطانية و .. و خلاصة الظلمات متنوعة و ليست واحدة، لذلك استخدمت بصيغة الجمع.

7- خصال المنافقين الثلاث

إنّ المنافقين- حسب هذه الآية (18)- لهم ثلاث خصال:

الأولى: صمّ، و هي صيغة جمع لأصم و تعني عدم السمع.

الثانية: بكم، و هي صيغة جمع لأبكم و تعني أخرس.

و الآية تعني أنهم لا يسمعون و لا ينطقون. إنّ الاصم لا يستطيع التكلم رغم سلامة جهاز النطق عنده؛ لأنَّ الإنسان لا يمكنه ان ينطق بكلمة لم يسمعها و لم يتعلمها، و لذلك جاء القرآن بصفة الاصم قبل صفة الابكم، و هي تعني

في النهاية ان المنافقين صمّ و بكم دائماً.

الثالثة: عمي، و هي جمع (أعمى) و تعني فاقد البصر، و على هذا فان المنافقين صم بكم و عمي، أي لا اذن لهم يسمعون بها و لا لسان لهم ينطقون به و لا عين لهم يبصرون بها. و مع هذا الحال، كيف يمكنهم معرفة الطريق الصحيح و كيف يمكنهم ادراك انحرافهم و خطأهم؟

إنَّ هذه الحواس و العناصر الثلاثة هي وسائل معرفة الإنسان، فالاذن وسيلة للتعلم، و اللسان وسيلة لنقل العلوم من جيل إلى آخر، و البصر هو وسيلة لاكتشاف العلوم و الظواهر الجديدة، و الذي يفقد هذه العناصر الثلاثة لا يمكنه الخروج من الطريق المنحرف كما لا يمكنه الرجوع إلى طريق الحق. لكن يطرح سؤال هنا و هو: انا نشهد المنافقين يتمتعون بالحواس الثلاث، فلم القرآن ينفيها عنهم؟

______________________________

(1) النور: 35.

امثال القرآن، ص: 32

نقول في الجواب: للقرآن منطقاً خاصاً فينُظر إلى كل شي ء في معجم القرآن من حيث الاثار التي تترتب عليه، و وجود الشي ء و عدمه يتوقف على وجود آثاره و عدمها.

و على هذا؛ فالذين يتمتعون بنعمة النظر لكنهم لم يستخدموه لمشاهدة آيات الله و الاعتبار من مناظر الدنيا هم في الحقيقة عمي حسب رؤية القرآن. و اولئك الذين يتمتعون بنعمة السمع لكنهم لا يصغون لكلام الله و لا صوت المظلومين و المستضعفين فهم صم في منطق القرآن.

و اولئك الذين يتمتعون بنعمة اللسان لكنهم لا يشغلونه في ذكر الله و الامر بالمعروف و النهي عن المنكر و ارشاد الجاهل و .. فهم بكم في معجم القرآن. و وفقاً لهذا المعجم في مقياس اوسع اعتبر بعض الاحياء من الناس أمواتاً، و بعض الاموات احياءً، كمثال على ذلك يصف القرآن

شهداء طريق الحق بأنهم احياء رغم انهم اموات ظاهراً.

«وَلَا تَحْسَبَنَّ الّذين قُتِلُوا فِي سَبِيْلِ اللهِ أمْوَاتاً بَلْ أحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ». «1»

إنَّ الشهداء من وجهة نظر القرآن احياء؛ و ذلك لانهم يحضون بالتأثير الذي يحضى به الإنسان الحي، فانهم يقوّون الإسلام و ذكرهم يداعي في الاذهان المعروف و الحسنات.

و يقول القرآن في مكان آخر: «إنْ هُوَ إلّا ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُبِينٌ ليُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيّاً وَيَحِقَّ القَولُ على الكَافِرِينَ». «2»

إنّ الأحياء من وجهة نظر القرآن المجيد وفق هذه الاية هم طائفتان: الاولى: المؤمنون الذين يعيشون حياة قرآنية. الثانية: غير المؤمنين و هم اموات يعيشون بين الأحياء، فإنّ الذين يفقدون الأذن الصاغية أموات حسب رأي القرآن.

و في النتيجة إنّ المنافقين رغم ما يحضون به من اذن و عين و لسان، يفقدون الآثار الوجودية المترتبة على هذه الحواس. لذلك عُدّوا صمّاً و بُكماً و عُمياً من وجهة نظر القرآن، فهم إذن (لا يْرجِعُونَ) أي لا يرجعون عن طريق الباطل؛ و ذلك لأنهم يفقدون آليات المعرفة؛ شأنهم شأن الذي تجتمع فيه صفات الصم و البكم و العمي و قد أخذ بالسقوط، فإنّا لا يمكننا انقاذه أبداً؛

______________________________

(1) آل عمران: 169.

(2) يس: 69 و 70.

امثال القرآن، ص: 33

لأنه لا لسان له ليستنجد و لا اذن له ليسمع تحذيرنا، و لا يملك عيناً ليرى بها علائم الخطر قبل أن يسقط.

8- منشأ (النفاق)

للنفاق ثلاثة مناشى ء:

الأول- العجز عن المواجهة و النزاع المباشر: ان الاعداء عند ما يخسرون النزاع و يفقدون القدرة عليه بشكل مباشر، يتقمصون قميص النفاق ليستمروا بالعداء و الخصومة. إنّ اعداء الرسول صلى الله عليه و آله كانوا يتظاهرون بالعداء له، لكنهم تظاهروا بالاستسلام عند ما تغلب الرسول عليهم و استمروا يبطنون الكفر و العداء

له و للإسلام و إنَّ أبا سفيان و أمثاله ضلوا منافقين إلى آخر عمرهم. «1»

و لأجل ذلك كان الإعتقاد بأن النفاق بدأ من المدينة؛ لأن الإسلام في مكة كان ضعيفاً، و ما كان أحد يخافه. لذلك ما كان حاجة للتظاهر بالإسلام و تبطين الكفر الا انا نعتقد ان النفاق بدأ من مكة رغم ان دواعي النفاق في مكة لم تكن الخوف، بل داعي النفاق آنذاك هو توقع البعض مستقبلًا زاهراً للإسلام، الأمر الذي يضمن لهم مستقبلًا و موقعاً جيداً.

يمكننا مشاهدة هذا الاسلوب من النفاق في جميع الازمنة و الثورات منها الثورة الإسلامية في ايران؛ فان بعض المنافقين هم الأعداء الذين خسروا المعركة ضد الثورة و عيوا النزاع المباشر و العلني.

الثاني- الإحساس بالحقارة الباطنية: ان الشخصيات الضعيفة و الجبانة و التي تفقد الشجاعة اللازمة لابراز الاعتراض و التفوه بما يخالف الآخرين، تسعى هذه الشخصيات ان تسلك النفاق منهجاً لحياتها و لتتجنب المواجهة بل تتظاهر بالاتفاق مع الجميع.

إن المنافق يتظاهر بالإسلام عند المسلمين و يتظاهر بعبادة النار عند عبدة النار، و يتظاهر

______________________________

(1) إنَّ الرسول صلى الله عليه و آله كان يعلم بحالهم لكن باعتبار ان مواجهتهم العلنية و المباشرة كانت تؤدي إلى نتائج لا يحمد عقباها اجتنب عن منازعتهم و مخاصمتهم و قد قال: «لو لا اني اكره ان يقال: ان محمداً استعان بقوم حتى إذا ظفر بعدوه قتلهم لضربت أعناق قوم كثير» وسائل الشيعة ج 18، ابواب حد المرتد، الباب 5، الحديث 3.

امثال القرآن، ص: 34

بالعلمانية عند العلمانيين؛ و ذلك لضعف الشخصية، فهو لا يتجرأ التفوه بعقيدته الواقعية. «1»

الثالث- حب الدنيا: إنّ النفاق الدولي و العالمي لهذا العصر ينبع من هذا المنشأ. إن سبب الازدواجية في

التعامل و انطلاق دعواتٍ لاحترام حقوق البشر من قبل بعض الدول الاستكبارية في موارد، و سكوت ذات الدول في موارد أخرى، رغم ما تحصل من انتهاكات و جرائم ضد البشرية، هو حب الدنيا. فالدول تطلق هذه الدعوات متى ما تعرضت مصالحها للخطر و تستخدم هذه الحربة ضد الدول التي تعرض مصالحها للأخطار؛ إلّا أنها تتغاضى عن هذه الانتهاكات إذا ما صدرت عن احد صديقاتها التي لا تعرّض مصالحها للخطر، حتى لو كانت الانتهاكات واضحة و لا شبهة فيها و لا تبرير لها.

القرآن المجيد يحكي نماذج بارزة و مؤلمة عن هذه الطائفة من المنافقين في الايات 75- 77 من سورة التوبة:

«وَمِنْهُم مَنْ عَاهَدَ اللَه لَئِنْ آتينا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَدَّقَنَّ ولنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فَلَمّا آتاهُم مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُو بِه وتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ فأعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فى قُلُوبِهِمْ إلى يَومِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أخْلَفُوا الله مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ».

هذه الايات نزلت في ثعلبة بن حاطب، و كان من الانصار فقال للنبي صلى الله عليه و آله: ادع الله ان يرزقني مالًا. فقال: «يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه «2» أمّا لك في رسول الله اسوة حسنة؟ و الذي نفسي بيده لو أردت ان تسير الجبال معي ذهباً و فضة لسارت».

ثم اتاه بعد ذلك فقال: يا رسول الله ادع الله ان يرزقني مالًا و الذي بعثك بالحق، لئن رزقني الله مالًا لاعطين كل ذي حق حقه. «3» فقال صلى الله عليه و آله: «اللهم ارزق ثعلبة مالًا».

______________________________

(1) في حديث للامام علي عليه السلام اشار فيه إلى هذا المنشأ «نفاق المرء من ذل يجده في نفسَه» ميزان الحكمة الباب 9392، الحديث 20258.

(2) مراد الرسول الاكتفاء بالحياة البسيطة

و القناعة بها.

(3) من الأمور المستفادة من هذه الرواية هو عدم الاصرار على الطلب. و قد جربت هذه القضية لمرات عديدة، فان عدم الاستجابة قد تكون لصالح الإنسان و هو لا يعلم بذلك كما يقول الله (عَسَى أن تُحِبُّوا شَيْئاً وَ هُو خَيْرٌ لَكُم) الأمر صادق حتى بالنسبة إلى الطلبات المعقولة مثل الاصرار على التوفيق لاداء صلاة الليل فان عدم توفيقه قد يكون لاجل الحول دون ابتلائه بالعجب و الرياء.

امثال القرآن، ص: 35

فاتخذ غنماً فنمت كما ينمو الدود فضاقت عليه المدينة فتنحى عنها فنزل وادياً من أوديتها، ثم كثرت نمواً حتى تباعد من المدينة فاشتغل بذلك عن الجمعة و الجماعة. و بعث رسول الله صلى الله عليه و آله اليه المصدق ليأخذ الصدقة فابى و بخل و قال: ما هذه الا اخت الجزية، «1» فقال رسول الله صلى الله عليه و آله: «يا ويح ثعلبة، يا ويح ثعلبة»، و أنزل الله الآيات. «2»

أرجع القرآن سبب نفاق ثعلبة إلى بخله و حبه للدنيا و خلفه للوعد. و المدهش أنّ الآية الشريفة اعتبرت نفاق امثال ثعلبة مستمراً إلى يوم القيامة و لا يخرج من قلوبهم إلى يوم يلقون الله. اللهم اجعل عواقب امورنا خيراً.

إذا اردنا ان لا نبتلى بهذا المرض الخطر علينا تجنب مناشى ء النفاق و الابتعاد عنها، و بخاصة أنا في ليالي شهر رمضان المباركة، علينا ان ننهل من بركة هذه الليالي في الاسحار و ذلك باداء صلاة الليل و لو باختصار و من دون المستحبات جميعها و السجود و اللجوء إلى الله و العوذ به من النفاق و جميع الذنوب و الرذائل الأخلاقية.

______________________________

(1) كثير اولئك الذين لا يؤدون ما عليهم من خمس و يبررون عملهم

باقاويل مثل: «نحن حصلنا على هذه الاموال بعرق جبيننا فلما ذا نعطيها لغيرنا؟».

(2) تفسير الأمثل 7: 124- 125.

امثال القرآن، ص: 37

المثل الثاني: تمثيل آخر للمنافقين

اشارة

يقول الله في الايتين 19 و 20 من سورة البقرة:

«أَوْ كَصَيِّبٍ منَ السَّماءِ فيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبْرقٌ، يَجْعَلُونَ أصَابِعَهُم فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ المَوْتِ واللُه مُحِيطٌ بالكَافِرِينَ يَكَادُ البَرْقُ يَخْطِفُ أبصارَهُمْ كُلَّمَا أضاءَ لهُم مَشَوا فيه وإذا أظْلَمَ عليهم قامُوا ولو شَاء اللهُ لذَهَبَ بِسَمْعِهِم وأبصَارِهِم إنّ اللهَ عَلى كُلِّ شَي ءٍ قَدِيْرٌ».

تنوع أمثال القرآن

أمثال القرآن متنوعة جداً. و الله استعان بمختلف الأمثال لاجل ايضاح حقائق مهمة لها تأثير بالغ في تربية الإنسان و سعادته. تارة يمثل الله بالجمادات كما في الآية 17 من سورة الرعد: (أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً فسَالَتْ أودِيَةٌ بِقَدَرِها فاحْتمَلَ السَّيْلُ زبَداً رابياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ في النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةً أو مَتَاعٍ زَبَدٌ مثلُهُ كَذَلك يَضْرِبُ اللُه الحقَّ والبَاطِل ..».

لأجل ايضاح ماهية الحق و الباطل استعان القرآن هنا بالتمثيل بالمطر، فانه عند ما ينزل من السماء ينزل زلالًا طاهراً، الا انه عند ما يجري على الارض يتسخ بالوحل و بما على الارض من أوساخ، و تتبدل الاوساخ أحياناً إلى رغوة (زبد) و عند ما يصل هذا الماء الجاري إلى أودية يفقد رغوته تدريجياً ليرجع إلى زلاله. و الحق و الباطل مثل هذا الماء فالرغوة الوسخة بمثابة الباطل و الماء الجاري الطاهر بمثابة الحق.

و قد يمثل القرآن بالنباتات كما هو الحال في الاية 24 من سورة ابراهيم: «ألَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ

امثال القرآن، ص: 38

اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيّبةً كَشَجَرَةٍ طَيّبَةٍ أصلُهَا ثَابِتٌ وفَرْعُهَا فِي السَّماء».

إنّ أبرز مصداق للكلمة الطيبة هو كلمة (لا اله الا الله) فمثّلها الله بالشجرة الطيبة الخضراء دائماً.

و قد يمثل القرآن بالحيوانات و نموذج ذلك ما جاء في الاية 26 من سورة البقرة: «إنَّ اللهَ لا يَسْتَحِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا

مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ...» فمثّل هنا بحيوان صغير، كما مثل في سورة العنكبوت الآية 41 بالعنكبوت.

و قد يمثل القرآن بإنسان كما فعل في الآية 171 من سورة البقرة: «وَمَثَلُ الّذينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الذي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إلّا دُعاءً وندَاءً صُمٌ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ».

مثل الله تعالى الرسول صلى الله عليه و آله في الاية بالراعي و الكفار بالحيوانات التي يرعاها الراعي.

إنّ اهم سبب لتنوع أمثال القرآن هو تبسيط الفهم و تعميقه عند المخاطبين الاوائل للقران و هم العرب الاميون في عهد الجاهلية و كذا المسلمون فانهم باستثناء عدد قليل منهم كانوا اميين و ما كانوا يتمتعون بحظ وافر من الفهم و التعقل.

و ما كان بالامكان تفهيمهم المفاهيم القرآنية الا بهذا الأسلوب و بآلية التمثيل التي تجسد المفاهيم القرآنية الرفيعة.

على الجميع و بخاصة العلماء و الفقهاء و الخطباء و .. ان ينتهجوا منهج القرآن هذا، ليسهلوا على المخاطب إدراك المفاهيم و يؤثروا في نفسه و يجذبوه نحوها. إنَّ القرآن الذي هو من تجليات الجمال الإلهي هو بنفسه مظهر للجمال الكلامي. و على هذا ينبغي اتباع القرآن في تسهيل الكلام و تنميقه، و نحن نعدُّ هذا أصلًا قيمياً.

اولئك الذين تحضى كتابتهم بالتعقيد و صعوبة الفهم و يعدون استخدام اسلوب التسهيل في الكتابة علامة على قلة العلم، هم في الحقيقة انتهجوا منهجاً عكس المنهج الذي سلكه القرآن. «1» نأمل من الجيل الشاب للحوزة العلمية و طلاب الجامعة ان يعدوا سهولة البيان فناً

______________________________

(1) يقول الله في الاية 4 من سورة ابراهيم (وَ مَا أرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلَّا بِلسَانٍ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) كما قال الرسول صلى الله عليه و آله مراراً: «أمرنا ان نكلم الناس على قدر

عقولهم» بحار الانوار 1: 85.

امثال القرآن، ص: 39

و قيمة و يعدوا صعوبة الكلام و تعقده كعمل غير قيمي بل مخالف للقيم.

الشرح و التفسير

الآيات ماضية الذكر «1» تحدثت عن المنافقين و خطر النفاق، و قد تكون آيات المثل السابق ناظرة إلى مجموعة خاصة من المنافقين؛ و هذه الايات ناظرة إلى مجموعة أخرى من ذوي الوجهين.

إنَّ مثل هؤلاء المنافقين حسب هذه الايات كمثل المسافر الذي يضل في صحراء و يتخلف عن قافلته في يوم ممطر و لا ملجأ يأويه و لا صديق يعينه و لا يعلم الطريق و لا ضوء ينير له الطريق، في وقت ملئت ظلمات الغيوم السماء بحيث لا يصله حتى نور النجوم الضعيف، و السماء ترتعد، و البرق لا يزيده الا خوفاً و دهشة، و ذلك لشدة صوت و وقع الرعد و البرق في الصحاري، و كأنّ البرق يريد أن يخطف بصره و يعميه، و خوفه من الرعد يجره لوضع اصابعه في اذنيه و هو مرتجف خوف موت الصاعقة. ان المنافق بمثابة هذا المسافر.

«... واللهُ مُحِيطٌ بالْكَافِرِينَ» لقد فسرت الاحاطة في الاية بتفسيرين: الاول: الاحاطة العلمية لله. الثاني: احاطة الله من حيث قدرته. فاذا كانت الاحاطة بمعناها الاول فالاية تعني أنَّ الله يعلم بالكافرين. و اذا كانت الاحاطة بمعناها الثاني فالاية تعني ان الله قادر على كل شي ء و لا يخرج شي ء عن دائرة قدرته.

«يَكَادُ البَرْقُ يَخْطِفُ أبْصَارَهُم» و ذلك لأنَّ الإنسان إذا اعتاد على مكان مظلم، ثُمَّ يُسلِّط على عينه ضوءً قوياً، فانه سيكون حينئذٍ عرضة للعماء و فقدان البصر.

«كُلَّمَا أضَاءَ لَهُم مَشَوْا فِيه» هذا المسافر عند ما يشاهد البرق يفرح لأنّه اضاء له الطريق، لكن فرصته لم تدم؛ لأن الضوء سريعاً ما ينطفئ.

«وإذا

أظْلِمَ عَلَيْهِم قَامُوا» أي يتوقف المسافر بعد ان انطفئ نور البرق، و يرجع إلى حيرته السابقة.

______________________________

(1) الايات 19- 20 من سورة البقرة.

امثال القرآن، ص: 40

«وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبْصَارِهِمْ».

شأن المنافق شأن هذا المسافر حيث يفيد من نور الايمان، لكن بما أنّ ايمانه ظاهري لم يستمر الا لمدة محدودة و ما يمضي زمن طويل حتى يفتضح و يغرق تارة أخرى في ظلمات ريائه و كفره و نفاقه.

خطابات الآية

1- كيفية ايجاد البرق و الرعد و الصاعقة

إنّ البرق يحصل اثر اصطدام غيمتين أحدهما تحمل شحنات موجبة و اخرى شحنات سالبة و الاصطدام هذا يولد الضوء المعروف بالبرق؛ كما ان صوتاً شديداً يحصل اثر هذا الاصطدام يعرف بالرعد. و كلما كانت الغيمتان كبيرتين كان البرق و الرعد أعظم؛ و ذلك لكثرة الشحنات المحمولة من قبل كل من الغيمتين.

أمّا الصاعقة فتحصل اثر اصطدام غيمة ذات شحنات موجبة مع مانع ارضي من قبيل الجبل أو الشجرة أو الإنسان، و نتيجة ذلك هي اشتعال الشي ء المصطدم به- إذا كان قابلًا للاشتعال- و تبدله إلى كومة من الرماد بسرعة مدهشة، و لذلك يقال: إنَّ الصاعقة خطرة على الإنسان إذا كان في سهل.

ما يلفت الانتباه هنا هو أنَّ بعض الروايات عدت الرعد و البرق نتيجتين لاعمال موجودات ميتافيزيقية، فاعتبرت الرعد اصواتاً للملائكة و البرق من آثار جلد الملائكة للغيوم و السحب. «1» و هذا أمر يتنافى مع المسلمات العلمية للعصر الحاضر، كما ان هذا الاختلاف يطبع تساؤلًا في ذهن المتأمّل.

يا ترى أي الامرين هو السبب الحقيقي و الواقعي للرعد و البرق؟

في الجواب نقول: لا تضاد بين التبرير العلمي و الديني لظاهرتي البرق و الرعد؛ و ذلك لأنَّ احد معاني مفردة الملك الواردة في الروايات هو القوى الطبيعية التي خلقها الله،

فالجاذبية

______________________________

(1) من لا يحضره الفقيه 1: 334، الحديث 9 و 10.

امثال القرآن، ص: 41

و السحاب و غيرها من الظواهر الطبيعية التي سميت في الروايات ملكاً. لقد جاء في رواية أنَّ كل قطرة تنزل من السماء يحتضنها ملك و ينزلها إلى الارض. «1»

و بهذا التبرير أي اعتبار الجاذبية ملكاً يمكن القول بعدم التضاد بين الرؤى و الكشفيات العلمية مع ما ورد في الروايات الدينية، بل ينطبق احدهما على الاخر و تحل بذلك عقدة التضاد الظاهري بينهما.

2- الاختلاف بين المثلين

المثلان يتعلقان بالمسافر الذي ضل الطريق في صحراء؛ لكن المسافر في المثل الأول يواجه خطر المجاعة و العطش و الافتراس من قبل الحيوانات، أمّا في المثل الثاني فان الأخطار التي تحدق به هي الاعصار و السيول و الرعد و البرق و الصاعقة. و من الطبيعي ان تكون شدة الاخطار في المورد الثاني اكثر من المورد الأول و تجعل حياته عرضة للموت بشكل اشد.

يعتقد البعض أنَّ المثلين يحكيان حال طائفة خاصة و هي طائفة المنافقين عموماً، إلّا أنِّي أرى أنَّ كلًا من المثلين يحكي حال قسم من المنافقين، فان المنافقين ينقسمون إلى قسمين:

القسم الاول: هم المسلمون الذين ضعف ايمانهم عن مواجهة المطامع المادية و الدنيوية مثل المال و الجاه و المقام، فلا يهابون الكذب و خلف الوعد و نكث العهد؛ وصولًا لمآربهم الشخصية، فهم في النتيجة (مسلمون ضعيفو الإيمان) امثال ثعلبة بن حاطب الذي تكلمنا عنه في الصفحات الماضية.

و القسم الآخر للمنافقين: هم اولئك الذين لم يدخل الايمان في قلوبهم ابداً و قد تظاهروا به فحسب دون ان يحملوه، و ذلك خوفاً من قدرة الإسلام أو طمعاً بمصالح المسلمين، فهم في النتيجة (كفار متظاهرون بالاسلام) أمثال أبي سفيان و معاوية و

مروان.

و من الواضح أنّ القسم الثاني هم الاعداء اللدودون للإسلام و وجودهم يشكل خطراً على الإسلام و المسلمين يفوق خطر القسم الاول بمرات، و لذلك نرى أنّ المثل الأول ناظر إلى

______________________________

(1) من لا يحضره الفقيه 1: 333، الحديث 5.

امثال القرآن، ص: 42

القسم الاول من المنافقين، و المثل الثاني ناظر إلى القسم الثاني من المنافقين الذين يعدّ خطرهم أشد و أعظم من خطر القسم الأول.

3- عالم النفاق أو النفاق العالمي

للنفاق مستويات مختلفة، فمنه ذات المستوى الفردي و منه ذات المستوى الجماعي و الحكومي و العالمي. و مما يؤسف له أنّ عالمنا اليوم عالم منافق حيث يدعو لشي ء و يعمل بما يخالف دعوته، و الحدث الآتي ذكره من أبسط مظاهر النفاق العالمي و اوضحها في ذات الوقت.

أرسل الإنسان في سنة من السنوات الماضية كلباً في مركب فضائي و ذلك لدراسة تأثير الفضاء على الموجودات الحية، و بعد هبوط المركبة على وجه الارض وجد الكلب ميتاً.

اذاعة هذا الخبر آثار إعتراضاً من قبل منظمات الدفاع عن حقوق الحيوانات و كذا غيرها من المؤسسات و الجمعيات و قد كان محور الاعتراضات هو: لماذا قتلتم حيواناً في سبيل تجربة علمية؟

إنَّ هذه الاعتراضات تكشف عن الوجه الظاهري النزيه للمجتمع الدولي، إلّا أنا نشاهد حالياً مقتل العشرات بل المئات و الآلاف من المواطنين الجزائريين في مجازر جماعية دون أنْ تطلق صرخات ضد هذه المجازر.

لمن تلك الايادي التي ترتكب هذه المجازر من دون ان تلاقي اعتراضات معتد بها؟ يا لها من أيد لا تستطيع الشرطة بل و لا الجيش ان تقف امامها؟ انها ايدي العالم المتستر و المتقمص قميص الدفاع عن حقوق الحيوانات فضلًا عن حقوق البشر. أ لا يمكن ان نقول: ان هذا العالم هو عالم

منافق؟ و اي نفاق يرتكبه؟ انه نفاق وقح، فيه صرخات تعلو و تشتد لاجل قتل كلب، كما فيه سكوت على قتل الشعوب و ارتكاب المجازر الجماعية.

إن الإسلام و وجدان البشرية ينفر من هذا النفاق العالمي و نحن مطمئنون بان زعماء النفاق سيفتضحون يوماً ما.

الهي اكف المستضعفين و بخاصة المسلمين شر هذا النوع من النفاق.

امثال القرآن، ص: 43

4- ظهور المنافقين في الإسلام

هل (جذور النفاق) بدأت من المدينة ام من مكة؟ قضية مختلف فيها.

و لاجل ايضاح الموضوع و دراسة تاريخ النفاق و المنافقين في الإسلام نستعين بالقرآن المجيد، فقد جاءت آيات كثيرة في مجال النفاق، و الدراسة الاجمالية للموضوع يكشف عن استخدام هذه المادة 37 مرة في القرآن.

لكن أمر النفاق و المنافقين لا ينحصر في هذه الموارد المحدودة؛ و ذلك لانا نجد الكثير من الايات تعرضت لهذه القضية من دون ذكر لهذه المادة أبداً، كما هو الحال بالنسبة لثلاثة عشر آية من الايات الاوائل لسورة البقرة «1» فقد كان موضوعها النفاق من دون ان يأتي ذكر لمادة النفاق مباشرة بل استخدمت مواد مرادفة لمادة النفاق.

إنَّ الايات السبع و الثلاثين التي تضمنت مادة النفاق، نزلت كلها في المدينة؛ و من هنا يمكننا ان نستنتج ان القائلين ببدء النفاق من المدينة نظروا إلى ظاهر القرآن، إلّا أنّ الافضل لنا ان نرجع إلى الوراء قليلًا لننظر إلى تاريخ حياة الرسول صلى الله عليه و آله و النبوة و كيفية التبليغ و مراحل جهاد الرسول لاعداء الإسلام.

مراحل جهاد الرسول لاعداء الإسلام

اشارة

ان مواجهة الكفار و المشركين للرسول صلى الله عليه و آله و الدين الاسلامي الحنيف ذات مراحل ست:

المرحلة الاولى: الاستهزاء و الاستخفاف بالدين

بُعث محمد نبياً في غار حراء و نزلت آنذاك اول آيات القرآن عليه، و أصبحت دعوته علنية بعد ثلاث سنوات من الكتمان و التستر في دعوة الناس إلى الدين الجديد.

كان المشركون و الوثنيون يعتبرون هذا الدين خطراً على مصالحهم، لكنهم ما كانوا يأخذونه مأخذاً جدياً لذا بادروا إلى الاستهزاء بالرسول و نسبة الجنون اليه.

يقول الله في هذا المجال في الاية 6 من سورة الحجر: «قَالُوا يَا أيُّها الّذي نُزّلَ عَلَيْهِ الذّكْرَ إنَّكَ

______________________________

(1) من الاية الثامنة و حتى العشرين.

امثال القرآن، ص: 44

لَمَجْنُونٌ» «1» و كانوا يستهدفون من ذلك عدم اخذ الناس هذا الدين مأخذاً جدياً، و عدم الاعتناء و التصديق بكلام الرسول؛ إلّا أنّ المسلمين رغم هذه الاتهامات كانوا يزدادون يوماً بعد اخر، و كان الناس و بخاصة الشباب «2» منهم يصغون لكلام الرسول و ينجذبون اليه، لذلك باءت مواجهتهم في هذه المرحلة بالفشل، و باتوا يفكرون بمواجهة أخرى و مرحلة أخرى من التصدي.

المرحلة الثانية: نسبة السحر و الشعر للرسول صلى الله عليه و آله

بما أنّ الكفار لم ينجحوا في الحد من تأثير الرسول على الناس، من خلال المرحلة الاولى من المواجهة، بادروا إلى التصدي له بنعته بالكذب و الشعر و السحر. إنّ النسبة هذه تعني أنهم قالوا للناس: إنّ تأثير الرسول فيهم لأجل كونه- نعوذ بالله- ساحراً ذكياً و شخصية مرموقة و يجذب النفوس نحوه لعلمه بالشعر و امتهانه مهارة انشاده. و لو كان كلامه كلاماً عادياً ما كان يجذب الناس بهذه الشدة. يقول القرآن في هذا المجال في الاية 4 من سورة (ص):

«وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذّابٌ». «3»

لم توفّر آلية المواجهة هذه جميع الاهداف التي كانوا يستهدفونها، و ذلك لأن عدد المسلمين لا زال في تزايد مستمر و

الرجال و النساء و الشباب و الشيوخ لا زالوا يتوافدون على الرسول ليعلنوا الإسلام، و كان نتيجة ذلك ان بادر الكفار إلى تغيير اسلوبهم في المواجهة.

______________________________

(1) و قد تكررت هذه الإتهامات في آيات أخرى نقلًا عن المشركين، و هي: الدخان: 14 و الطور: 92، و القلم: 2، و 51 و التكوير: 21. و يستفاد من آيات القرآن ان اول مواجهة يخوضها المشركون و الكفار لرسول يبعث لهم هي نسبة الجنون إليه. و للمزيد يمكن مراجعة الايات التالية: الذاريات: 39 و 52، الصافات: 36، الشعراء: 72، نوح: 9.

(2) لقد كان لجيل الشباب دور فاعل في تمكن الإسلام و امتداده في بقاع الارض؛ و حالياً للشباب نفس الدور الذي كان للشباب في صدر الإسلام؛ فما دام الشباب في حضن الإسلام لا خطر يواجه هذا الدين. و لهذا ينبغي العناية الخاصة بهذه الشريحة في بلداننا.

(3) ان هذه التهمة لم تختص برسولنا، بل شملت الكثير من الرسل حيث يقول الله في الاية 52 من سورة الذاريات: (كَذِلك ما أتَى الّذين مِنْ قَبْلِهِم مِنْ رَسُولٍ إلّا قَالُوا سَاحِرٌ مَجْنُونٌ) و قد جاءت آيات كثيرة من القرآن متناولة الموضوع ذاته.

امثال القرآن، ص: 45

المرحلة الثالثة: المحاصرة الاقتصادية و قطع العلاقات

إنَّ فشل أساليب التهم و نسبة الجنون و غيره إلى الرسول جعلت الكفار و المشركين يفكرون بالمواجهة العملية، لذلك فرضوا حضراً على المسلمين و حبسوهم في مكان يدعى (شعب ابي طالب)، فمنعوا التردد عليهم و التعامل معهم.

لقد صبر المسلمون مدة ثلاث سنوات في ذلك الشعب الخالي من الماء و الكلاء، و تحملوا المشاكل التي واجهتهم آنذاك و ثبتوا و لم تزل أقدامهم. «1» و المكان هذا رغم انه مشجر حالياً إلّا أن الإنسان لا يطيق قراءة الفاتحة على

قبر ابي طالب عليه السلام هناك، و ذلك لشدة الحرارة، و المسلمون آنذاك صمدوا و ثبتوا، و قد قضى البعض نحبه هناك، رغم ذلك لم يستسلموا للاعداء.

و بعد تجييش عواطف اهالي مكة بادر البعض إلى فك الحصار عنهم شيئاً فشيئاً إلى ان فقد الحصار تأثيره و باءت جهود الكفار مرة أخرى بالفشل الذريع و ما باتت هذه الآلية تجدي نفعاً.

المرحلة الرابعة: التدبير لاغتيال الرسول صلى الله عليه و آله

لقد شاهد المشركون من جانب فشل آليات التصدي للرسول و المسلمين و من جانب اخر شاهدوا انتشار الدعوة الاسلامية بشكل سريع بين الناس و إدبارهم عن الاصنام؛ لذا فكروا باجراءات جدية و خطرة اكثر من ذي قبل و قد استهدفوا في هذه المرحلة شخصية الرسول صلى الله عليه و آله ذاتها. فقد وجد زعماء قريش حلولًا ثلاثة لمشكلتهم:

الأول: نفي الرسول صلى الله عليه و آله خارج مكة حفظاً لمصالح الكفار في مكة.

الثاني: حبسه للحيلولة دون اتصاله بالناس و المسلمين.

الثالث: قتله.

______________________________

(1) ان الإسلام الذي بلغنا حالياً هو نتيجة للمشاق و الزحمات و الشهادات و التضحيات التي تحملها الاوائل، لذلك كان علينا لزاماً ان نسعى لحفظ هذا الدين بالقول و العمل.

امثال القرآن، ص: 46

نتيجة شوراهم كان قرار قتل الرسول في ليلة المبيت «1» حيث حاصر أربعون شخصاً من شجعان العرب بيت الرسول صلى الله عليه و آله ليقتلوه في صباح تلك الليلة. اطّلع الرسول صلى الله عليه و آله على مؤامرتهم بوحي الهي فامر الامام علي عليه السلام ان ينام في فراشه آنذاك، و خرج بشكل معجز من بيته قاصداً يثرب (المدينة)، إلّا أنه تحرك خلاف اتجاه و طريق المدينة لخداع المشركين، و بعد ان اطلع المشركون على تملُّص الرسول قاموا بتعقيبه و تتبع خطواته، لكنَّ الله

شاء بقدرته ان يصل الرسول المدينة بسلامة ليقيم اول حكومة اسلامية زادت من قدرة المسلمين و شوكتهم.

المرحلة الخامسة: الحروب المتوالية ضد المسلمين

بعد ما نجع الكفار من النيل من شخصية الرسول صلى الله عليه و آله سلكوا طريق المواجهة المسلحة، و ذلك لعدم نجاح آليات الحرب النفسية التي سلكوها ضد المسلمين لردهم عن دينهم و للحد من توسع رقعة الإسلام.

إنّ الإسلام يهدد سلطة الكفار و مصالحهم؛ و لاجل القيام بمهمة المواجهة العسكرية هموا في البداية اعداد رجال مكة ثم رجال القبائل الاخرى لبدء سلسلة حروب عسكرية متوالية و متواصلة كانت معركة (بدر) البداية و معركة الاحزاب «2» هي الذروة.

لقد استفاد كفار قريش في معركة الاحزاب من جميع ما توفر لهم من امكانيات و قوى، و كما يبدو من اسمها فان جميع قبائل العرب و طوائفهم اجتمعوا واعدوا انفسهم للنزال ضد الإسلام و لقتل الرسول و رجال المسلمين و للإغارة على اموالهم و لهدم بيوتهم، و سبي نسائهم و القضاء على الإسلام في النهاية.

تشير الآيتان 9 و 10 من سورة الاحزاب إلى هذه المرحلة من المواجهة: «يَا أيُّها الّذِيْنَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللِهِ عَلَيْكُم إذْ جَاءَتْكُم جُنُودٌ فأرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيْحَاً وجُنُودَاً لَم تَرَوْهَا وَكَانَ اللهُ

______________________________

(1) الاصطلاح يطلق على الليلة التي نام فيها الامام علي عليه السلام مكان الرسول صلى الله عليه و آله ليموّه على خروج الرسول من بيته. و لاجل هذه التضحية العظيمة نزلت الاية الشريفة التالية في حقه عليه السلام: (وَ مِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللهِ و اللهُ رؤوفٌ بالعِبَادِ).

(2) بعد الاحزاب كانت معارك أخرى الا انها ليست بمستوى الاحزاب من حيث الاهمية.

امثال القرآن، ص: 47

بِمَا تَعْمَلُون بَصِيْراً، إذ جَاؤوكُم مِنْ فَوْقِكُم وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ

وَإذْ زَاغَتِ الأبْصَارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجرَ وتَظُنُّونَ باللهِ الظَّنُونا».

إنّ هذه الايات أهل للتأمل من حيث أنها تكشف عن معاناة المسلمين في صدر الإسلام.

و حسب هذه الآيات، فإنّ العَدُو حاصر المدينة مِنْ جميع الجهات، و قد بلغت اعدادات الاعداء وعدتهم إلى مستوى جعلت أبصار المؤمنين تزيغ، و قلوبهم تبلغ الحناجر؛ و ذلك لأن المسلمين قليلون وعدتهم محدودة و أسلحتهم بسيطة، و هذا هو السبب في نفوذ الرعب و الخوف في قلوب ضعاف الايمان من المسلمين حيث كانت عبارات التزلزل و الشك تدور في اذهانهم و قد يكون المسلمون جميعاً باستثناء الرسول صلى الله عليه و آله و الإمام علي عليه السلام و عدة قليلة من المسلمين تزلزلوا إيماناً. فان ضعيف الإيمان يتزلزل عند مواجهته لأزمة شديدة، عكس قوي الايمان حيث يقوى ايمانه و يزداد ثباته عند مواجهة الأزمات و المشاكل.

إنّ معركة الاحزاب كانت ساحة للإختبار لتمييز المؤمنين الحقيقيين عن غيرهم من ضعاف الايمان و المترددين في إيمانهم. إنّ نهاية هذه المعركة كان لصالح المسلمين و لم تحصل مواجهة و اراقة دماء الا في مورد واحد، حيث قتل الإمام علي عليه السلام عمرو بن ود.

عسكر الاعداء ابتلي باعصار شديد، و لشدته كانت تقلع خيامهم من اماكنها و تقلب قدور الطعام، كما سادهم خوف و اضطراب و خيبة امل اجبرت أبا سفيان و غيره من زعماء الكفر على الرجوع كالجيش الخاسر، و بذلك تحقق وعد الله بنصر المؤمنين تارة أخرى، و نجى المؤمنون من خطر كبير كان يهدد وجودهم و دينهم، فكان نصراً للمسلمين اضفى عليهم قدرة و عظمة جعلت مكة و ضواحيها لا تفكر بعدئذ بحرب مع المسلمين. و لاجل هذا استسلمت بعد فترة من الزمن مكة

و اهاليها ليصبح الإسلام القوة الوحيدة في بلاد الحجاز.

المرحلة السادسة، اللجوء إلى اخطر سلاح (النفاق)

رغم انتكاسة الاعداء في حرب الاحزاب و خسرانهم الحرب آنذاك، و رغم ما ترتب على هذه الانتكاسة من عدم تفكيرهم بعدئذ بدخول حرب مع المسلمين، إلّا أنّ ذلك ما كان يعني تركهم لمعارضة الإسلام و مخالفته. إنّ الأعداء، اثر ادراكهم فشل وسائل المواجهة السابقة

امثال القرآن، ص: 48

و اقرارهم بذلك، بدأوا يفكرون بوسيلة ناجحة و فضلى للتخريب و الدمار، و ما كانت وسيلتهم الجديدة إلّا النفاق.

إنّ الأعداء خسروا الحرب مع المسلمين، و هو أمر جعلهم في النهاية يستسلمون و يفتضحون إلّا أنهم لم ينسوا حربهم مع الإسلام و عدائهم له، و قد تستروا في هذه المرحلة من المواجهة بنقاب النفاق و انتظروا يترصدون الفرصة للنيل من الإسلام و انزال الضربة القاصمة فيه. و الآية الشريفة الأولى من سورة المنافقين ناظرة إلى هذه المرحلة من المواجهة «إذا جاءَكَ المُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إنّكَ لَرَسُولُ اللهِ والُله يَعْلَمُ إنّكَ لَرَسُولُه واللهُ يَشْهَدُ إنّ المُنَافِقِينَ لكَاذِبُونَ».

و بهذا الشكل تشكّل تيار النفاق ليصبح تدريجياً كالسيل الجارف، «1» و ظاهر هذه الآية و آيات أخرى هو أنّ النفاق بدأ من المدينة. لكن هذا لا يعني أنّ مكة كانت تخلو من النفاق و المنافقين، فقد يملك البعض قدرة حدس و تخمين المستقبل و فكراً سياسياً قوياً، و كان من خلال ذلك قد رأى النصر النتيجة الحتمية لنشاطات الرسول صلى الله عليه و آله، و لا يمكن بلوغ المقامات العليا آنذاك إلا من خلال التظاهر بالايمان الواقعي و القوي و التماشي مع هذا التيار.

نتائج الأمثال

يمكننا الخروج بالنتيجة التالية من الآيات الأربع للمثلين السابقين: (المنافق لا ثبات له) و انه يعاني من حالات نفسية منها الوحدة و الخوف و الوحشة و الاضطراب و الفضيحة، كما

تُتصور في حقه جميع الأخطار التي عدت للمسافر الذي ضلّ الطريق في الصحراء. أمّا المؤمن فيحضى بهدوء و سكينة و اطمئنان خاص يحصل في ظلّ الإيمان الخالص باللّه.

ما أحسن ما قال الله تعالى في هذا المجال: «الّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ». «2»

______________________________

(1) ان الثورة الاسلامية في ايران واجهت نفس المراحل الست، و قد شهدناها قبل الثورة و بعدها فكان منها الاستهزاء بالامام الخميني (قده) و اهانته و نفيه إلى الخارج و الحصار الاقتصادي و الحروب المسلحة الداخلية منها و الخارجية، و النهاية هو النفاق الذي كانت منظمة خلق ايران نموذجاً بارزاً له.

(2) الأنعام: 82.

امثال القرآن، ص: 49

و قد فسّر الظلم في الاية بتفسيرين، الاول: هو الشرك، أي أنّ «إيْمَانَهُمْ بِظُلْمٍ» تعني الإيمان الخالص الذي لم يمتزج بالشرك. و الثاني: هو المعنى المعروف و المتبادر من المفردة، أي أنّ المؤمن الذي لم يمتزج ايمانه بظلم لأحد فله الأمن و هو مهتد.

و نقرأ في آيات أخرى: «ألا إنّ أوْلِيَاءَ الله لا خَوْفٌ عَلَيْهِم وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الّذينَ آمنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُم البُشرَى فِي الحيوةِ الدُّنْيَا وفي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللهِ ذَلك هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ». «1»

إنَّ عدم الأمن و الاضطراب و الخوف و الوحشة في الدنيا، و عذاب جهنم في الآخرة هو نصيب المنافقين، أمّا المؤمنون فنصيبهم الأمن و السعادة و الفلاح.

و هذا أمر اثبت العلم الحديث صحته، ففي مؤتمر حمل عنوان (تأثير الدين على نفس الإنسان)، توصل العلماء المشتركون فيه إلى ان المؤمنين قليلًا ما يبتلون بالامراض النفسية و كثيراً ما نجد هذا النوع من الامراض في الذين يفقدون الايمان بالله؛ و ذلك لأنّ غير المؤمن يشعر بالوحدة دائماً و

تهزه ابسط المشاكل.

أمّا المؤمن فيرى الله معه، يتوكل عليه في الحوادث و يبدي الثبات و الصبر من نفسه دائماً، فإذا فقد أحد أعزته قال: «إنَّا للهِ وإنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ» «2» و بهذا الإعتقاد تسهل عليه الوطئة و تتغمده رحمة الله و ألطافه كما تقول الاية 157 من سورة البقرة.

و هو إذا فقد رأس ماله لا يأسى و لا يحزن، كما انه إذا اتاه شي ء ثمين لا يفرح و لا يفخر «لَكَيْلا تأسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ واللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ» «3»

و إذا حصلت له حوادث أخرى فيعدها امتحانات الهية تسلك به نحو الكمال في الدنيا و تدرُّ عليه الثواب و الأجر في الآخرة. فهو لا يلعن الزمان و لا المكان بل يشكر الله و يحكّم ايمانه بالله و يقوّيه. و اذا ما تصفحنا سيرة عظمائنا لوجدنا مفاهيم هذه الايات متجسدة فيهم عملياً.

______________________________

(1) يونس: 26- 64.

(2) البقرة: 165.

(3) الحديد: 23.

امثال القرآن، ص: 50

امثال القرآن 99

سعيد بن جبير عند الموت

إن سعيد بن جبير من العظماء و الأولياء، كما انه من انصار الامام السجاد عليه السلام، فقد كان مؤمناً حنيفاً و متوكلًا على الله في اعماله، و قد ابتسم عند مقتله.

عند ما جي بسعيد بن جبير إلى الحجاج «1» دار نقاش بينهما استهدف الحجاج عبره النيل و الاستهزاء بسعيد، إلّا أنَّه ما استطاع، لقدرة سعيد على الكلام، فامر بقتله و قال له: اختر أي قتلة شئت! قال: اختر لنفسك فان القصاص امامك. و لما أمر بقتله قال «وَجَّهْتُ وَجْهِي للّذي فَطَرَ السَّمَواتِ والأَرْضَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكينَ» «2» فقال: شدوا به لغير القبلة.

فقال: «أيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ». «3» قال: كُبوَّه على

وجهه. فقال: «مِنْها خَلَقْنَاكُم وَفِيْها نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارةً أُخْرَى». «4»

و بعد ما أمر الحجاج بقتله دعى سعيد بهذا الدعاء (اللهم لا تسلّطه على احد بعدي)، و قد استجيب دعاؤه و لم يبق الحجاج بعده الا خمسة عشرة ليلة «5» و لم يقتل بعده الحجاج احداً.

و قد مات الحجاج اثر مرض كان يشعر خلاله بالبرودة و الرعشة بحيث كان يدخل يديه في النار و تحترق و هو لا يشعر بها. و لما جاءه احد الوجهاء و طلب منه ان يدعو له، ذكّره بما قد أوصاه سابقاً من عدم الاكثار في القتل.

نعم إنَّ الامان في الدنيا للمؤمنين فقط دون المنافقين، و دين الله ليس للاخرة فقط بل هو منهج للحياة الدنيا كذلك.

______________________________

(1) يقول احد الكتّاب في الحجاج: «لو كانت هناك مسابقة تعرّف من خلالها الملل و النحل طغاتها وجناتها و عرّفنا نحن المسلمون الحجاج في تلك المسابقة لربحنا تلك المسابقة قطعاً».

و يبدو انه منصف في كلامه و ليس الأمر بعيداً عن الواقع؛ فانَّ قطع رؤوس المعارضين له و مشاهدة فوران الدم من الجسد و الشرايين هي احد موارد ترفيهه و التذاذه، و كان يصّرح بالتذاذه بمشاهدة هذه المناظر.

(2) الأنعام: 79.

(3) البقرة: 115.

(4) طه: 55.

(5) سفينة البحار، مادة سعد.

امثال القرآن، ص: 51

المثل الثالث: قسوة القلب

اشارة

يقول الله في الاية المباركة 74 من سورة البقرة:

«ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْد ذَلك فَهِيَ كالحِجَارَةِ أوْ أشَدُّ قُسْوَةً وإنَّ مِنَ الحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وإنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَقّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ المَاءَ وإنّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وما اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ».

الآية الشريفة جاءت في بني اسرائيل و ضربت مثلًا جميلًا في قسوة قلوبهم؛ فان دفتر أعمالهم مسوَّد على طول التاريخ. و

إن التعصب و اللجاجة و التحجج و الغرور و الضغينة تجاه الانبياء و المقاومة قبال الحق من خصال هذا القوم العاصي و الكافر لنعم الله.

لقد شاكس هذا القوم المسلمين و نافق ضدهم، فمن جانب كانوا يتعاهدون مع المسلمين و من جانب اخر ينالون منهم بخنجر من الخلف. إنَّ عداء هذا القوم المعاند للمسلمين لم تنته ابداً و لا زال مشهوداً في عصرنا هذا، بل هو حالياً بلغ ذروته. و يمكن القول: إنَّ اكبر صفعة نالتها الامة الاسلامية كانت من بني اسرائيل و من قسم خاص منهم معروف باسم (الصهاينة)؛ انهم في الدول الاسلامية منشأ الفساد و القتل و النزاعات و الاختلافات و الفحشاء و اللامبالاة تجاه الاحكام الاسلامية و الربا و .. إنَّ انتهاكاتهم و مظالمهم لو جمعت في مكان واحد لاصبحت كتاباً ضخماً بل كتباً. إنَّ قسوة قلوبهم بلغت درجة حيث لا يرحمون حتى انبيائهم فضلًا عن غيرهم، و قد حمل منهم نبيهم موسى عليه السلام الكثير.

امثال القرآن، ص: 52

قصة بقرة بني اسرائيل

الاية الشريفة جاءت بعد آيات حكت قصة بقرة بني اسرائيل؛ و خلاصة القصة محكية في الايات 67- 73 من سورة البقرة نأتي بها هنا:

قُتِل شخص من بني اسرائيل من دون ان يعرف القاتل، و هو أمر سبب اختلافاً بين القوم.

و عادة عند ما يُقتل شخص يسعى البعض ان يرجعه إلى عملية تصفية الحسابات فيلقي القتل على عاتق اطراف خاصة. و قد كان اصل الحادث ان شخصاً قتل عمه الثري، و قد كان الشاب الوارث الوحيد لعمه و كان منزعجاً من جراء تأخر وفاة عمه فقتله لينال نصيبه من الارث في وقت مبكر. و قد عدَّ البعض حبّ الشاب لابنة عمه هو سبب القتل؛ و

ذلك لان العم رغم حبه لابن اخيه زوج ابنته من شخص آخر.

إنَّ بث خبر مقتل هذا الشخص اثار ضجة شديدة جعلت البعض و منهم القاتل الحقيقي يبحثون عن القاتل، فكانت الفتنة العظيمة و كان الموقف يوشك على نزاع بين القبائل ليتبدل إلى حرب شاملة، فطلبوا من موسى ان يحل لهم المشكلة فكانت المساءلة التالية حسب ما دونها القرآن:

«وإذْ قَالَ مُوسَىَ لِقَومهِ إنَّ الله يَأمُرُكُم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أتتَّخذُنا هُزُواً»؟ «قَالَ أعُوذُ باللهِ أن أكُون مِنَ الجَاهِلِينَ». أي أنَّ الاستهزاء من عمل الجاهلين، و الانبياء مبرؤون من ذلك.

بعد أن ايقنوا جدية المسألة، «قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّك يُبَيِّنُ لَنَا مَا هِي»؟

أجابهم موسى عليه السلام: «قَالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلك»، أي لا كبيرة هرمة و لا صغيرة بل متوسطة بين الحالتين «فافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ» لكن بني اسرائيل لم يكفوا عن لجاجتهم، «قَالُوا ادعُ لَنَا رَبَّك يُبَيِّنُ لَنَا مَا لَوْنُها» أجابهم موسى «قَالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّهَا بَقرَةٌ صَفْرَاءٌ فَاقِعٌ لَوْنُها تُسِرُّ النَاظِرِينَ» أي أنَّها حسنة و لا يشوبها لون آخر.

ثم لجوا مرة أخرى و عاودوا السؤال: «قَالُوا ادْعُ لَنَا ربَّك يُبَيِّنُ لَنَا مَا هِيَ إنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وإنَّا إنْ شَاءَ اللهُ لمُهْتَدُونَ».

أجابهم موسى «قَالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُول تُثِيرُ الأرضَ ولا تُسْقِى الحَرْثَ»، أي ليست

امثال القرآن، ص: 53

من النوع المذلل لحرث الارض و سقيها. و بعد المساعي الحثيثة وجدوا هذه البقرة و ذبحوها و لمسوا الاعجاز الالهي.

الشرح و التفسير

المفروض بهذه الاية العظيمة ان تزيد من ايمان القوم إلا أنَّ ذلك لم يحصل، بل الآية الشريفة حكت حالهم بعد ذلك بالقول: «قَسَتْ فَهِيَ كالحِجَارَةِ أوْ أشدُّ قَسْوَةً» أي لم

تزد هذه الاية الكبرى القوم الا لجاجة و قسوة و تمرداً و عصياناً و انتهاكاً لحرمات الانبياء و .. و ذلك بسبب قسوة قلوبهم تحجّرها.

ان مفردة (قلب) استخدمت مائة و ثلاثين مرة في القرآن، لكن يا ترى هل يراد من هذه المفردة ذلك العضو الصنوبري الذي يدق في الدقيقة اكثر من سبعين مرة في الجسم ليضخ دم الإنسان إلى جميع اجزاء جسمه مرتين في الدقيقة؟ إنَّ هذا العضو من عجائب خلق الله حقاً و له في الجسم وظائف مهمة، لكن مراد الله من القلب في القرآن ليس ذلك العضو.

نشير هنا باقتضاب إلى مهام هذا العضو و ذلك لايضاح اهميته:

أولًا: تغذية جميع خلايا الجسم؛ إنَّ الاغذية التي تصل المعدة تمتزج مع ترشحات المعدة لتتهيّأ للذهاب إلى الأمعاء؛ و تتم عملية هضم و جذب الاغذية في الامعاء من خلال الدم، و الأخير يوزعها على جميع خلايا الجسم و بذلك تتم عملية تغذية الجسم.

ثانيا: ارواء الإنسان؛ إنَّ الجزء الاكبر من جسم الإنسان عبارة عن الماء و اذا ما قلت نسبة الماء في الجسم فانه قد يؤول ذلك الامر إلى الموت إذا ما بلغ مستوى الجفاف.

ثالثاً: ايصال الحرارة الموحدة للجسم؛ ان جسم الإنسان حار، لكن هل فكرتم من اين قدمت له هذه الحرارة؟ ان الاوكسجين يدخل الجهاز التنفسي و من خلال هذا الجهاز يدخل الدم ليصل من خلاله إلى جميع خلايا الجسم، و اثر الاحتراق الذي يوجده الاوكسجين عند تركبه مع اغذية الخلايا تتولد حرارة تنتقل هذه الحرارة بشكل ثابت إلى جميع اجزاء الجسم بواسطة الدم.

رابعاً: جمع المواد الزائدة و السمية و دفعها. ان احتراق الاغذية في الجسم يولد مواد سمية

امثال القرآن، ص: 54

و زائدة يطرح جسم الإنسان بعضها

من خلال الزفير و بعضها الاخر من خلال الكلية و الادرار، و هذه العمليات كلها تتم من خلال الدم.

حقاً ان القلب مع هذه الظرافة و العمل المتواصل آية إلهية عظمى، فلو كان هذا القلب من حديد لصدأ و تلف خلال سبعين سنة من عمر الإنسان الا ان قدرة الله اللامتناهية صنعت منه عضواً يعمل اكثر من مائة سنة في بعض الموارد. و المدهش هنا أنَّ القلب من الاعضاء التي تعمل ليل نهار و في النوم و اليقظة رغم أنَّ نشاطه عند النوم أقل.

و من هنا نجد سر تعظيم المؤمنين و تمجيدهم مقولة الله تعالى: «وفِي الأرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أنْفُسِكُمْ أفَلَا تُبْصِرُونَ». «1»

لو لم يكن لدينا دليل على عظمة الخالق غير القلب لكان كافياً لادراك قدرته و حكمته السرمدية.

و لأجل استيعاب عظمة الخلق و ادراك اكبر لهذه الهدية الالهية القيمة نقرأ الموضوع التالي:

القلب الصناعي مرآة لعظمة قلب الإنسان

كلّفت صناعة قلب صناعي قبل عدة سنوات ثلاثين مليون دولاراً، إلَّا أنَّ هذا القلب لم يدم عمله اكثر من ستة أيام، كما أنَّ المستفيد منه لم يكن قادراً على الحركة و المشي خلال هذه الفترة. كيف يمكننا شكر الخالق على نعمة القلب التي منحها اياناً مجاناً؟

ما أجمل ما قاله القرآن: «وَفِي أنْفُسِكُم أفَلَا تُبْصِرُونَ».

و بعد ما عرفنا أنَّ المراد من القلب في الاية ليس ذلك العضو الصنوبري نقول هنا: إنَّ المراد منه هو العقل و العاطفة. يقول الله في سورة الاعراف الاية 179: «وَلَهُم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا» فالمراد من القلب هنا هو العقل و العاطفة؛ لأن الفهم و الادراك من شأن العقل، كما أنّ الإحساس و الشعور و الحب و المعرفة من شأن العاطفة و العقل، و كنموذج على ذلك يقول

الله في الاية 10 من سورة البقرة: «فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فزَادَهُم اللهُ مَرَضَاً».

______________________________

(1) الذاريات: 20- 21.

امثال القرآن، ص: 55

هل إنَّ قلب المنافق الصنوبري يعطل من جراء مرض النفاق؟ أو أنَّ مرض النفاق يؤدي إلى اتساع في صمام القلب؟

من الواضح أنَّه لا يراد من القلب ذلك العضو الصنوبري، و لا يراد من المرض تلك الحالة الطبيعية التي تعرض للإنسان و أعضائه. إنّ القلب هنا هو العقل و العاطفة اللتان قد يضعفان بسبب مرض النفاق إلى مستوى يسمحان للانسان قتل الابرياء في حرم الامام الرضا عليه السلام، فهما في الحقيقة يموتان.

نقرأ في رواية أنّ للأمر بالمعروف ثلاث مراحل: الأمر بالقلب أولًا، و باللسان ثانياً، و بالعمل ثالثاً. فاذا كانت المرحلة الأخيرة غير ممكنة فتتوجب المرحلتان الاوليتان. و إذا استحالت المرحلة الثانية و الثالثة فعلينا بالاولى أي علينا ان نكون متذمرين من الظالمين و سلوكهم و أن نكون محبين للمؤمنين و المصلحين. و اذا ترك شخص الامر بالمعروف بمراحله الثلاث فقد صدق عليه الحديث التالي: «فمن لم يعرف بقلبه معروفاً و لم ينكر منكراً قُلبَ؛ فَجُعِلَ أعلاه اسفله». «1» و هل يراد من القلب هنا هو ذلك العضو الصنوبري؟ بالطبع لا، لان ذلك العضو لا يتحرك من مكانه و لا يتزلزل بل المراد منه هو العاطفة و الادراك.

مما مضى نستنتج ان للقلب معينين في القرآن و الروايات: 1- العقل الانساني 2- العواطف الانسانية. و هما ظاهرتان روحيتان يعدان مركزاً للادراك و الشعور. و لهذا عند ما يقال: (لهم قلوب لكن لا يفقهون) فان المراد كونهم يملكون القلب لكن ملكة الادراك عندهم معطلة و إذا قيل (قَسَتْ قُلُوبُهُمْ) فإنَّ المراد أنَّ عواطفهم ميتة.

القلب الذي في الاية 46 من سورة

الحج «فإنَّهَا لا تَعْمَى الأبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى القُلُوبُ التي فِي الصُّدُورِ» قد يعني ذلك العضو الصنوبري بقرينة (في الصدور)، لكن هل الواقع كذلك؟

رغم أنَّ العقل ليس في صدر الإنسان، إلّا أنَّ له ارتباطاً بالدماغ و لذلك نرى البعض قد تعطل دماغه لكنَّ قلبه لا زال يعمل. و على هذا فالصدر الذي في الاية ليس ذلك الجزء من البدن المكسو بالقفص بل المراد منه الروح. و عليه فالقلب هنا يعني العقل و الإدراك، فمفهوم

______________________________

(1) بحار الانوار 97: 89 (طبع بيروت).

امثال القرآن، ص: 56

الآية هو (العقول التي في الأرواح).

و هناك إحتمال آخر و هو: رغم أنّ هذا العضو الصنوبري ليس مركزاً للعواطف و العقل، إلّا أنَّ الأمر لا يخلو عن علاقة بينهما؛ و ذلك لان هناك علاقة مباشرة بين القلب و الروح أو العقل و العاطفة فان القلب يتأثر مباشرة و أولًا في أي ظاهرة تطرأ على الإنسان، فاذا واجه الإنسان موقفاً مفرحاً ازدادت ضربات قلبه و سرعت؛ و إذا واجه موقفاً مؤلماً شعر في قلبه التعب و الثقل، و كذا الامر في كل الحوادث و القضايا الروحية. إنَّ العلاقة بين القضايا الروحية و القلب هي كالعلاقة بين الماء و العين و سطح الارض. إنَّ الماء يعلو من الطبقات التحتية للارض ثم ينبع من نقطة خاصة من الارض و الظواهر الروحية مثل ذلك، فإنها تنبع من القلب. و من خلال التفاسير الماضية يمكننا معرفة الكلام الالهي في الاية الكريمة «قَسَتْ قُلُوبُهُمْ».

تصوير القرآن لقلوب بني إسرائيل

لقد وصف القرآن قلوب بني اسرائيل في الاية 74 من سورة البقرة بانها كالحجارة أو اشد قسوة: «ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُهُم مِنْ بَعْدِ ذلك فَهِيَ كالحِجَارةِ أو أشدّ قَسْوَةً» و قد اختلف

المفسرون في تفسير «فَهِيَ كالحِجَارَةِ» و في «أو أشَدَّ قَسْوَةً».

بما أنَّ الآية نزلت في المنافقين و بما أنَّ للنفاق درجات و مراتب فإنَّ صفة كالحجارة ترجع إلى طائفة خاصة من المنافقين، و أمّا «أو أشَدُّ قَسْوَةً» فترجع إلى طائفة أخرى أسوء حالًا من السابقة.

لكن كيف يمكن للقلب أنْ يَكُون أشدَّ قسوةً من الحجارة؟

إنَّ القُرآن يعدّ ثلاث بركات من بركات الحجارة:

الأُولى: بعض الاحجار في الجبال تتفجر لينبع منها الماء و الأنهار و بجريانه تُروى المزارع و النباتات و الحيوانات. نعم، ان للحجارة بركة التفجر لينبع الماء، و هي بركة عظيمة إلّا أنَّ قلوب بني اسرائيل لا ينبع منها الفضيلة و لا العلم و لا الحكمة كما انها ليست مراكز للعواطف و الحب و الحنان؛ إنَّ قُلُوبهم أشدّ قَسوة من الحجارة حقاً.

الثانية: إنَّ من الاحجار تتشقق لتضم في شقوقها مقداراً من الماء. و رغم أنَّ هذا الماء لا يروي المزارع و الحيوانات، إلّا أنه قد ينقذ حياة سائرٍ عطشان. أمّا قلوب بني اسرائيل فهي لا

امثال القرآن، ص: 57

تضم حتى ذلك المقدار القليل من المحبة و الحنان.

الثالثة: بعض الاحجار تهبط و تسقط خشية من الله و خضوعاً امام قدرته و استطاعته العظمى كما تؤكد ذلك الآية 21 من سورة الحشر «لَوْ أنْزَلْنَا هذا القُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأيْتَه خاشِعاً مُتَصَدّعاً مِن خَشْيَةِ اللهِ وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُها للنّاسِ لَعَلّهُمْ يَتَفكَرُونَ».

تسبيح الموجودات جميعاً

إن خضوع و خشوع الاحجار و الجبال امام قدرة الله و عظمته و تسبيحها عموماً أمر يمكن استظهاره من الايات العديدة للقران، و الآية 44 من سورة الاسراء نموذج على ذلك: «وَإنْ مِنْ شَي ءٍ إلّا يُسَبّحُ بِحَمْدِه وَلَكِن لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيْحَهُم ...» «1» و قد اعتبر بعض المفسرين الجمادات حية

و منحها حياة ذات نوع خاص من الشعور و الاحساس الذاتي يختلف عن الشعور الإنساني، فشعورها مثل تسبيحها الذي لا يُفقه «لا يَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُم» حيث نجد مقابل الحمد و الخشوع و الخضوع امام الله القادر الذي يشهد من الموجودات و بخاصة الاحجار قلوباً قاسية لا تسبّح و لا تذكر الله و لا تخضع أمامه.

القسوة

للانسان قوتان قوة العقل و الفكر و قوة العاطفة الإنسانية، الجهاز الذي يستطيع الإنسان من خلاله فهم الحقائق يقال له عقل، و كل ما يدركه الإنسان و يفهمه يتم من خلال عقله.

أمّا العاطفة فهي القوة التي يتمكن الإنسان من خلالها ادراك القضايا الاخلاقية مثل الحب و البغض، فنحن مثلًا نتأثر من جراء سماعنا للمجازر الجماعية التي ترتكب من قبل اناس فقدوا العاطفة في الدولة المسلمة (الجزائر). أو نتأثر بالاوضاع المتأزمة لافغانستان الذي ابتلي بحب و بغض بعض الزعماء الانانيين.

______________________________

(1) نجد هذا المضمون في آيات أخرى منها الاية 14 من سورة النور و الآية 24 من سورة الحشر، و الآية 1 من سورة الجمعة، و في سورة التغابن و الحديد و الحشر و الصف.

امثال القرآن، ص: 58

إنّ هذه الاحاسيس تتعلق بقوة العاطفة الإنسانية، و الشعوب الانسانية حية ما دامت عواطفها حية، و في الحقيقة ان موت هذه العواطف يعني موت المجتمعات البشرية.

تباً للإنسان في اليوم الذي تموت فيه عواطفه حباً للدنيا؛ فإنّه يصبح انذاك انساناً خطراً اخطر من الحيوان المفترس و الوحشي!

من الذي صنع القنابل الكيمياوية؟ العلماء الذين فقدوا عواطفهم حباً للدنيا، اولئك الذين اشتروا العواطف الانسانية بالدولارات و غضوا اطرافهم عن الذين قتلوا في حلبجة! من هم الذين قصفوا مدينتي هيروشيما و ناكازاكي و قتلوا فيهما مئات الالاف بالقنابل النووية في

لحظة. «1»

انهم العلماء الذين ماتت عندهم العواطف و الذين لم يأثروا من الإنسانية شيئاً، و الذين يرون اللذة في تدمير الاخرين! من هم الذين زرعوا اكثر من عشرين مليون لغم من النوع المضاد للافراد على سطح الكرة الارضية؟ هم اولئك الذين اتسموا بصفات حيوانية و لم يأثروا من الانسانية الا اسمها و ما كان لهم نصيب من العواطف الإنسانية.

إنَّ العالم قرر منع تصنيع هذا النوع من اللغم؛ و ذلك لاجل كونها غير اخلاقية و ذات ابعاد غير انسانية؛ إلا أن الدولة العطوفة و المهتمة بحقوق البشر، أي امريكا، خالفت ذلك، كما خالفت مشروع حضر تصنيع اسلحة الدمار الشامل رغم تظاهرها بالدفاع عن حقوق البشر و تزعمها لمنظمات انسانية تهتم بهذه المجالات. هذا كله بسبب الضغوط التي تمارسها اسرائيل و الصهاينة المنافقين على أمريكا، و هي تستخدم هذه المنظمات و الآليات الاعلامية دائماً لاجل تدمير الأعداء، و كأنّ رعاية حقوق البشر أمر ينبغي ان يحصل في الدول المناهضة لامريكا فحسب دون الصديقة لها.

______________________________

(1) يقول الطيار الذي ألقى بهذه القنابل: (في مدة ساعة وجدت المدينة كالخيمة التي تلتهب و ترتفع ألسنة النار فيها إلى مستوى مائة متر).

امثال القرآن، ص: 59

العلم و العاطفة وجه تمايز الإنسان عن الحيوان

اختلاف الإنسان عن الحيوان في أنَّ الاول يتمتع بالعقل و العاطفة، أو بتعبير آخر يمكنه الادراك و الشعور، أمّا الحيوان فانه يفقد هذين الامتيازين. و رغم أنَّ بعض الحيوانات تحضى بذكاء و احساس ضعيفين و في بعضها نرى نوعاً خاصاً من العاطفة البسيطة، كدفاع الدجاجة عن افراخها عند الاحساس بالخطر، فإنَّ هذا لا يعد شيئاً بالنسبة للعاطفة الإنسانية، بل إنَّ بعض الحيوانات تأكل أفراخها و بعضها الاخر تطرد افراخها عند البلوغ.

إن الإنسان إذا فقد عقله عُدَّ احمقاً

و لا يستحق اطلاق الإنسان عليه، أمّا إذا فقد العاطفة فسوف لا يرى معنى للترحم و المروة و الحب و العشق، فهو حينئذ بهيمة بل أسوأ حالًا.

دنيا دون عاطفة

من المؤسف أنَّ عالم اليوم عالم يخلو من العواطف رغم أنَّ الإنسان بلغ المدارج العليا في مجال العلم و المعرفة و قد حصل على المزيد من التقنيات، إلَّا أنَّه بنفس المقدار فقد العواطف و الاحاسيس البشرية في ذات الوقت.

إنَّ القيم في الدول الصناعية هي المال و المادة؛ أمّا سلعة المحبة و العاطفة فغير متوفرة، و اذا وجدت فلا مشتري لها!

إنَّ العواطف هناك حتى في العائلة الواحدة قليلة و ضعيفة. الوالدان يتخلّان عن أبنائهما بمجرد ان يبلغوا، و الأولاد يتخلون عن والديهم بمجرد ان يشيبوا و يضعفوا، و اذا شعروا بعاطفة جزئية تجاههم أو دعوهم في دار العجزة، و تركوا السؤال عنهم حتى الموت.

إنّ نسبة الطلاق في هذه الدول كبيرة جداً و قد تقدر هذه النسبة في بعض الدول إلى اكثر من خمسين بالمائة، أي أنَّ نصف حالات الزواج أو اكثر من ذلك تؤول إلى الطلاق. إلَّا أنَّ نسبة الطلاق في بلدنا هي واحد بالعشرين رغم ذلك نعدها نسبة كبيرة.

إنَّ البيئة التي تفقد العواطف لا تجد معنى لاعانة الفقراء و المحتاجين، فلا نسمع شيئاً عن

امثال القرآن، ص: 60

(حفلة العواطف) و (تعالوا لنتقاسم افراحنا) «1» و لا شأن للناس هناك حتى لو سمعوا بشخص يوشك ان يموت من الجوع و العطش.

لقد ورد في الأخبار أنَّ شخصاً نفد وقود سيارته في طريق مزدحم و في يوم بارد جداً، فأخذ بوعاء البنزين يؤشر للسيارات المارة طلباً للوقود، إلَّا أنَّه لم يجد عوناً رغم انتظاره مدة احدى عشرة ساعة هناك، و ما

كانت النتيجة الا موته في الطريق. في الحقيقة ان موت العواطف في هكذا مجتمعات ادى إلى موت هذا الشخص.

و لاجل هذه الشواهد نعتقد أنَّ الغرب لا قدرة له على استيعاب المفاهيم الاسلامية الرفيعة، مثل الشهادة و الجهاد و الايثار و اعانة المحتاجين و غيرها، و حتى دفاعهم عن حقوق البشر لا يكشف عن عواطفهم، بل انها وسيلة لتدمير و تسقيط أعدائهم. فاذا قُتل اسرائيلي مثلًا على يد فلسطيني في عملية استشهادية ارتفعت اصوات مدوية لهذه الموجودات الفاقدة للعواطف؛ و ذلك دفاعاً عن حقوق البشر، إلَّا أنه عند مقتل النساء و الرجال و الاطفال و الشباب في الجزائر و تقطّع أبدانهم إرباً إرباً لا تثار حفيضة هؤلاء المنافقين المترائين، و كأنه لم يحدث شي ء ابداً.

الدين أو المذهب يقويان العاطفة

الدين أو المذهب هو اهم عامل يقوي العاطفة الانسانية؛ و ذلك لأن الدين عُرّف في الروايات (بالحب و البغض) أي محبة المسلمين و بغض الكافرين.

جاء في رواية عن الصادق عليه السلام يسأله فضيل بن يسار عن الحب و البغض، أمن الايمان هو؟

فقال: «و هل الايمان الا الحب و البغض»؟! «2» و نقرأ في رواية أخرى أن رسول الله صلى الله عليه و آله قبّل

______________________________

(1) ان حفلة العواطف حفلة تقام في نهاية السنة الهجرية الشمسية في ايران تجمع خلالها التبرعات للفقراء و المحتاجين و يرفع في خلال هذه الحفلة شعار (تعالوا نتقاسم افراحنا).

(2) ميزان الحكمة، الباب 658 الحديث 3096، و في هذا الباب نرى ثلاث روايات أخرى حكت نفس المضمون.

امثال القرآن، ص: 61

الحسن و الحسين عليهما السلام فقال الاقرع بن حابس: إنَّ لي عشرة من الاولاد ما قبلت واحداً منهم.

فقال: «ما علي ان نزع الله الرحمة منك». «1»

القلب الذي يخلو من

الحب ليس قلباً بل قطعة من الحجر، و ليس اهلًا لاستقبال نعم الجنة، بل اهل لعقوبة جهنم.

ببركة دين الإسلام و ببركة تمتع شعبنا المؤمن بالعواطف الإنسانية النبيلة نرى تسارع الإيرانيين للخيرات و نصبهم للخيم لاجل جمع الاعانات في الشوارع و الاحياء بمجرد حصول حادثة أو كارثة تستدعي المساعدة و الاعانة ..

يا له من منظر رائع و جميل للعواطف الانسانية.

عوامل القسوة في القرآن

يشير الله من خلال الايات التالية إلى عوامل القسوة و أسبابها.

الأول: يقول في الاية 13 من سورة المائدة: «فَبِمَا نَقْضِهِم مِيْثَاقَهُمْ لَعَنّاهُمْ وَجَعلنَا قُلوبَهُمْ قَاسِيَةً».

القرآن هنا يعتبر (نقض الميثاق) من عوامل قسوة القلب، نقض الميثاق مع الله و مع الرسول صلى الله عليه و آله و مع الفطرة الانسانية و مع البشرية. نعم إنّ بني اسرائيل لم يحترموا أيّاً من المواثيق و كأنّهم- لأجل الدعامة العسكرية القوية التي كانوا يتمتعون بها- لم يبرموا ميثاقاً إلّا مع مصالحهم الدنيوية و لم يفوا بميثاق إلّا به.

الثاني: يقول الله في الآية 16 من سورة الحديد:

«ألَمْ يَأن للّذِينَ آمنوا أنْ تَخْشَعَ قُلوبُهُم لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَّلَ مِنَ الحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالذِّيِن أُوتُوا الكِتَاب مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيْرٌ مِنْهُم فَاسِقُونَ».

إنَّ الآية الشريفة توقظ في البداية الغافلين بكلام حق.

يا انسان متى تصدق الموت و انت ترى موت اعزتك و أقاربك؟!

______________________________

(1) مكارم الاخلاق: 474، طبع جامعة المدرسين في قم، نقلًا عن اخلاق الأنبياء: 416.

امثال القرآن، ص: 62

إلى متى تستمر في تعلقك بالدنيا رغم ما ترى منها من الفناء و عدم الوفاء.

ثم تحذّر المؤمنين خوف ان يصبحوا مثل بني اسرائيل الذين قست قلوبهم بعد ما طالت اعمارهم، و تأخرت بعثة الرسول اللاحق، و نسيانهم تدريجاً لتعاليم نبيهم، و عدم نزول

العذاب الإلهي عليهم، فكانت الغفلة التي لحقتها قسوة القلوب و كثرة الذنوب.

يمكننا معرفة السبب الثاني لقسوة القلب من خلال هذه الآية و هو (الابتعاد عن تعاليم الأنبياء و الأولياء و الأديان الإلهية).

و من خلال هذه العوامل التي بينها القرآن يتضح لنا أن بعضاً من العذاب الالهي في الحياة الدنيا هو نوع من ألطافه تعالى؛ و ذلك لأنَّه يؤدي إلى التوبة و الابتعاد عن الذنوب و الرجوع إلى الله، و هو في الحقيقة الحائل دون الابتلاء بقسوة القلب. «1»

إخوتي و أخواتي الأعزاء! اتصلوا بالشباب و الأشبال من خلال المجالس الدينية و اذهبوا بهم إلى هكذا مجالس لتعريفهم بالتعاليم الدينية الاسلامية لكي لا يبتعدوا عنها فيبتلوا بقسوة القلوب و ترحل عنهم العواطف الإنسانية.

القسوة في الروايات الاسلامية

اشارت روايات المعصومين عليهم السلام إلى عوامل عديدة يمكنها ان تؤدي إلى قسوة القلب نشير إلى بعض منها هنا:

الاول: يقول الامام علي عليه السلام: «ما جفَّت الدموع الا لقسوة القلوب و ما قست القلوب الا بكثرة الذنوب». «2»

إذا شاهدنا إنساناً لم يتأثر بالمصائب الدنيوية و لا يبكي و لا يشتاق للعبادة و المناجاة، أو يفتقد العواطف و الترحم على أبناء جنسه و لا يفكر الا بنفسه و ضمان مصالحه، و لا يقلقه ما يصيب الآخرين، فتلك جميعها بسبب كثرة الذنوب و تراكمها.

______________________________

(1) ان الايات 42 و 43 من سورة الأنعام تؤيدان ما اوردناه هنا: (وَ لَقَدْ أرْسَلْنَا إلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فأخَذنَاهُمْ بِالبَأْسَاءِ و الضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرّعُونَ فَلَوْلا إذْ جَاءَهُم بأسُنا تَضَرَّعُوا وَ لكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُم وَ زَيَّنَ لهُمُ الشَيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُون).

(2) علل الشرائع: 18، ميزان الحكمة الباب 3402، الحديث 16699.

امثال القرآن، ص: 63

في إحدى رحلاتي إلى بيت الله الحرام كنت جالساً في

المسجد الحرام، جاءني شاب و قال لي: إنّي احج الصرورة و لم اسبق بالمجئ إلى هذا المكان المقدس رغم ذلك لا اشعر بالمعنوية و لا بالحيوية في هذا المجال، فلم اشتق للمناجاة و البكاء و التضرع؟ فكان يريد معرفة سبب ذلك.

اجبته يبدو أنَّك ارتكبت ذنوباً كثيرة في حياتك؟ عليك اولًا طلب المغفرة من الله على تلك الذنوب، ثم اشتغل بالزيارة و العبادة و المناجاة.

الثاني: طول الامل هو من العوامل الاخرى لقسوة القلب.

جاء في احدى الروايات أنَّ الله قال لموسى عليه السلام: «لا تطول في الدنيا أملك فيقسو قلبك و القاس القلب مني بعيد». «1»

الثالث: حب الدنيا و الغرق في الطلبات المادية.

ان هذه الأمور من شأنها ان لا تترك مجالًا لنمو و بروز العواطف الانسانية و لا لتقرب الإنسان لله؛ و ذلك لان اكبر هدف للانسان العطوف هو الوصال بالحق. و على هذا فحب الدنيا و الابتعاد عن الله هو ثالث عامل لقسوة القلب.

يقول الرسول صلى الله عليه و آله: «لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فان كثرة الكلام بغير ذكر الله تقسو القلب». «2»

فالرسول صلى الله عليه و آله هنا يصرح بان كثرة الكلام بالاشاعة و الكذب و الاتهام و المزاح الخارج عن حده و التدخل بما لا يعني الشخص و غيرها من مظاهر كثرة الكلام هي اسباب لقسوة القلب.

الرابع: هناك رواية أخرى عن الرسول صلى الله عليه و آله يقول فيها: «ثلاث يُقِسْنَ القلب استماع اللهو و طلب الصيد و اتيان باب السلطان». «3»

إنَّ الاصغاء إلى الموسيقى حرام و يؤدي إلى قسوة القلب و ينبغي هنا أنْ نكون نبهين دون الوقوع في مصيدة الشيطان بتبريرات من قبيل: إنّ الموسيقى تنشطنا روحياً، و أنَّ الموسيقى

______________________________

(1) ميزان الحكمة، الباب 3402، الحديث 16700.

(2) ميزان الحكمة، الباب 3402 الحديث 16702.

(3) ميزان الحكمة، الباب 3402، الحديث 16703.

امثال القرآن، ص: 64

ليست للنزهة فقط، أو أنَّ الموسيقى المحلية و التقليدية جائزة و ما شابه ذلك.

الصيد إذا كان طلباً للمعيشة فلا اشكال فيه، أمّا إذا كان لاجل التسلية و الترفيه فهو حرام في الإسلام، و على الصيّاد حينئذٍ التمام في الصلاة دون القصر؛ و ذلك لان سفره معصية. أكثر الملوك و الحكام كانت لهم اماكن خاصة يصطادون فيها للتسلية و الترفيه. كيف يمكن ان يكون سلب روح حيوان ما سبباً للتسلية و الترفيه؟!

إنَّ الحكام أشخاص قساة القلب، كما أنَّهُم ظلمة و هم مستعدون لارتكاب ابشع الجرائم لاجل حفظ كراسيهم و مواقعهم القيادية، و قد يستعد الحاكم لقتل أبيه أو اخيه لديمومة عرشه، كما فعل المأمون بالأمين العباسيين، فقد قتل الأول الثاني، رغم انه كان أخاه. و في الفترة الاخيرة قتل احد الملوك العرب اباه ليحكم بذلك موقعه القيادي.

ان الاشخاص الذين يرتبطون بهذه الطبقة من الناس تقسو قلوبهم و يبتعدون عن الله لما يرون من زخارف الدنيا التي تجذبهم إليها.

نسأل الله ان يمنحنا قلباً عطوفاً، قلباً ينضح من حبه، و يجري دموع العين من ذكره.

الخامس: يقول الامام علي عليه السلام: «كثرة المال مفسدة للدين و مقاساة للقلب». «1»

مما لا شك فيه أنَّ المال وسيلة جيدة لبلوغ المقامات المعنوية العليا و لعمل الخير، و قد يكون هذا هو مغزى مقولة القرآن في الآية 180 من سورة البقرة «... انْ تَرَك خَيْراً الوَصِيَّةَ» فقد فسّر المفسرون (خيراً) هنا بالمال و الثروة. لكن الذين يحسنون الافادة من المال هم العدة القليلة بل نادراً ما يحصل ذلك. «2»

إنَّ اكثر المتمولين لا

ينفقون اموالهم في مجالات الخير و هذا يعني أنَّ كثرة اموالهم سبب لابتعادهم عن الله، الامر الذي يؤدي إلى قسوة القلب.

السادس: يقول الامام الصادق عليه السلام في احدى الروايات المنقولة عنه: «أنهاكم أنْ تطرحوا

______________________________

(1) ميزان الحكمة، الباب 3402 الحديث 16707.

(2) كما هو الحال بالنسبة لخديجة سلام الله عليها حيث وضعت اموالها تحت اختيار الرسول صلى الله عليه و آله لتبليغ الدين الاسلامي.

امثال القرآن، ص: 65

التراب على ذوي الارحام فإنّ ذلك يورث القسوة و من قسي قلبه بَعُدَ من ربّه عز و جل». «1»

لقد وضع الإسلام منهجاً لجميع شؤون الإنسان حتى في القضايا التي تبدو قليلة الاهمية، فعند استقبال الضيف مثلًا يأمر الإسلام إعانة المضيف للضيف في حمل امتعته لادخالها في البيت، إلَّا أنَّه عند التوديع يأمر بعدم اعانة الضيف على اخراج امتعته؛ و ذلك لأن هذا يعني رغبة صاحب البيت في التخلص من الضيف و هذا يؤدي إلى قسوة في القلب.

و في هذا الحديث اشارة أخرى لاحد القوانين الدقيقة التي تصب في هذا المجال، فبما أنَّ ذوي الارحام يحملون العواطف الوافرة تجاه احدهم الاخر فان طرح التراب و نثره على موتاهم يحد من العواطف و يجلب للناس قسوة في القلب و ابتعاداً عن الله.

السابع: يقول الامام علي عليه السلام: «النظر إلى البخيل يقسي القلب» «2» إنَّ الشخص إذا نظر إلى البخيل تذكّر بخله، و تذكُّر البخل يتداعى معه تذكُّر القساوة، و تذكُّر القساوة يؤثر تدريجياً على الإنسان.

______________________________

(1) ميزان الحكمة، الباب 3402، الحديث 16710.

(2) ميزان الحكمة، الباب 3402، الحديث 16709.

امثال القرآن، ص: 67

المثل الرابع: الكفار

اشارة

يقول الله في الآية 171 من سورة البقرة:

«وَمَثَلُ الّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إلّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ

لَا يَعْقِلُونَ».

العقبة الكبرى امام دعوة الانبياء هو التقليد الأعمى

إنّ تقليد الآباء و الاسلاف كان مانعاً مهما و متواصلًا امام دعوة الأنبياء. عند ما كان الانبياء يدعون اممهم للتوحيد و الدين كانوا يسمعون الجواب التالي: «بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَائَنا». «1»

و في الحقيقة، إنَّ سبب رد دعوة الانبياء هو عبادة الاصنام من قبل الاسلاف، و التقليد الأعمى للمعاصرين و الأنبياء. و عند ما دعى رسول الإسلام صلى الله عليه و آله الناس إلى الإسلام و عبادة الله الواحد كان رد فعلهم هو التعجب مما يدعو اليه الرسول من عقائد مخالفة لسننهم و تقاليدهم و كان و تبريرهم لرد دعوته هو اتباعهم لما كان عليه اسلافهم من عبادة اصنام كانوا يصنعونها بايديهم من التمر، و يأكلونها عند شعورهم بالجوع.

يقول الله في هذا المجال حكاية عن لسان الكافرين: «أَجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهاً واحداً إنّ هَذَا لَشَي ءٌ عُجَابٌ». «2»

______________________________

(1) لقمان: 21، كما جاء هذا المعنى في آيات اخرى من القران، منها: المائدة: 104، الأعراف: 28، يونس: 78، الأنبياء: 53، الشعراء: 74، الزخرف: 22 و 23.

(2) سورة ص: الآية 5.

امثال القرآن، ص: 68

جاء في بعض كتب التاريخ أنّ أبا طالب (رضي الله عنه) مرض يوماً و كان محمد ابن أخيه منشغلًا بالتبليغ خارج البيت فاتى اشراف قريش ابا طالب بحجة العيادة له و قالوا:

أنت شيخنا و كبيرنا و قد أتيناك لتقضي بيننا و بين ابن اخيك فانه سفّه احلامنا و شتم الهتنا.

فدعا ابو طالب رسول الله صلى الله عليه و آله و قال: يا بن أخي! هؤلاء قومك يسألونك فقال: «ما ذا يسألونني»؟ قالوا: دعنا و آلهتنا ندعك و إلهك. فقال صلى الله عليه و آله: «أ تعطوني كلمة

واحدة تملكون بها العرب و العجم»؟ فقال ابو جهل: لله أبوك نعطيك ذلك عشر أمثالها. فقال: «قولوا لا إله الا الله». فقاموا و قالوا: أجعل الالهة الهاً واحداً. «1»

و هو يدعوهم للتوحيد في عبارته الأخيرة.

الشرح و التفسير

شُبِّه الكفار في هذا المثل القرآني بالحيوانات؛ و لاجل تبرير هذا التمثيل اكد على تقليدهم التام و الأعمى لأسلافهم.

يقول الله في الآية 170 من سورة البقرة: «وَإذَا قِيْلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أنْزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا ألفَيْنَا عَلَيْهِ آبائَنا أوَلَو كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلَا يَهْتَدُونَ».

و كأنّه يَقول: يا جهّال! هل أنَّ اتباعكم للاسلاف الذين لا يعقلون شيئاً اتّباع عن بصيرة؟! ثم يمثل الرسول (عند ما يقرأ الايات على هذا القوم المشرك) بالراعي الذي ينادي رعيته بالاصوات لتوجيه حركتها، إلّا أنَّ هذه البهائم لا تعقل من كلامه شيئاً إلَّا الأصوات التي تتأثر بها، فاذا كانت اصوات الراعي شديدة و ذات ايقاع قوي اثرت في البهائم و إلّا فلا. إنّ مثل المشركين كمثل هذه البهائم لا تفهم ما تقرأه عليهم من المعاني و المفاهيم الرفيعة لكنهم يفهمون الأصوات و موسيقى كلامك فحسب لذا يستمرون في تقليدهم الأعمى للاسلاف.

______________________________

(1) مجمع البيان 8: 343 طبع مؤسسة الاعلمي بيروت.

امثال القرآن، ص: 69

خطابات الآية

الاول: إن الآية جواب لائق للسؤال التالي: إذا كان القرآن المجيد وحياً الهياً فينبغي أن ينفذ في القلوب و يترك اثره فيها، فلما ذا لا نشاهد هذا الامر في بعض المشركين الذين ظلّت قلوبهم نائمة دون يقظة إلى اخر عمرها؟

إنَّ التأثير على أي شي ء يستدعي وجود عاملين:

1- فاعلية الفاعل.

2- قابلية القابل.

و مما لا شك فيه أنَّ القرآن فاعل و ذات تأثير و نفوذ، إلّا أنَّ الكافرين ليست لهم القابلية لاستقبال مفاهيم القرآن و استقطابها. لا خلاف في لطافة طبع الغيث لكنه إذا هبط على الحجر فانا لا نتوقع منه انبات الشجر؛ و ذلك لان الحجر ليست له قابلية على تنمية البذور، و كذلك هو شأن

الكافرين. فإنَّ كلام الله بروعة قطرات المطر و قلوب الكافرين بقسوة و شدة الحجر و لا تؤثر هذه القطرات اللطيفة في الحجر، لكن بمجرد أن تحصل ادنى قابلية لهذه الأحجار على الانبات نرى الغيث يؤثر فيها. و قلوب الكافرين المتحجرة إذا تبلورت فيها أي قابلية على التأثر كان كلام الله نافذاً فيها و تاركاً اثره.

و على هذا فتأثير المؤثر غير كافية بل قابلية القابل مهمة أيضاً، و الكافرين ما كانت لهم تلك القابلية.

الثاني: افادة الناس من المعارف القرآنية يتوقف على مستوى لياقتهم و قدرتهم على الافادة.

القرآن حديقة يستطيع أنْ يتمتع بها كل شخص بمستوى ذوقه، أو هو ينبوع من الماء الزلال يستطيع كل واحد أنْ ينهل منه ماء الحياة و يروي عطشه. و الاختلاف بين الجميع في مقدار ما ينهلون منه.

إنّ هؤلاء الكفار لا هم يملكون الاناء للنهل من هذا الينبوع، و لا هم قادرون على تجرع الفيض و الرحمة الالهية؛ و ذلك لأنّ تقليدهم الأعمى لدين آبائهم يمنعهم من النهل من زلال المعرفة الربانية.

امثال القرآن، ص: 70

و بتعبير آخر: إنَّ اتباعهم لدين آبائهم ضرب حجاباً ضخماً على وسائل معرفتهم حال دون سمعهم أو ابصارهم أو نطقهم فاصبحوا عمياً بكماً صماً لا يفقهون شيئاً.

و قد فسرت الآية المذكورة بشكل آخر، هو: أيُّها المشركين! إنَّكم تركعون لاصنام تعبدونها و تناجونها و هي لا تسمع حاجاتكم و لا ترى اعمالكم و لا تستطيع النطق و الكلام معكم، فهي بكم و عمي و صم كالبهائم. أيُّها الإنسان! إنَّك قد كسرت شخصيتك بنفسك من خلال العبادة و الخضوع لهذه الاصنام الجامدة.

بما أنَّ ضمير (هم) في (فهم) و الضمير الذي في (لا يعقلون) يشيران إلى العقلاء لذا كان التفسير الاول

اقرب للمنطق و العقل.

على أي حال، فإنَّ الخطاب الرئيسي للاية هو رفض التقليد الاعمى للاسلاف و الآباء.

التقليد في القرآن

تحدثت آيات كثيرة عن التقليد، و من الايات ما تذم التقليد و تعتبره عملًا مضاداً للقيم، و نموذج ذلك الآية 170 من سورة البقرة. «1»

لكن بعض الايات التي وردت في التقليد لا أنّها لم تذمه فحسب، بل دعت له و شجعت الناس عليه، كما في الآية 7 من سورة الأنبياء: «فاسْئَلُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ».

و مع الالتفات إلى التضاد الظاهري بين هذين الطائفتين من الايات، ما هي وظيفة المسلم المؤمن؟ هل التقليد أمر مستحسن ام ممنوع و محرم؟ و هل يتمكن المؤمن من تقليد أهل العلم؟

أقسام التقليد

لاجل ايضاح الموضوع من الافضل ان ندرس اقسام التقليد.

1- تقليد الجاهل للجاهل: و مثل هذا هو تقليد الكفار و المشركين الجهال لابائهم الجهال.

______________________________

(1) و كذلك في الايات 136 و 138 من سورة الشعراء و الآية 104 من سورة المائدة و الآية 28 من سورة الاعراف و الآية 21 من سورة لقمان و الآية 23 من سورة الزخرف.

امثال القرآن، ص: 71

و هذا النوع من التقليد ممنوع و غير صحيح حسب الموازين الشرعية و العقلية.

2- تقليد العالم للعالم: إنَّ العالم هو صاحب الرأي و ليس من الصحيح ان يقلد العالم عالماً اخر؛ لانه إذا كان صاحب رأي فعليه أن يفكر في أن يبدي رأيه و يفيد من علمه الذاتي، و لهذا قيل في الفقه (يحرم التقليد على المجتهد).

3- تقليد العالم للجاهل: بأن يترك صاحب الرأي رؤاه و افكاره و يبحث عن رأي الجاهل ليعمل على اساسه. من المؤسف أنَّ هذا النوع من التقليد يكثر في عالمنا اليوم، و نموذج ذلك هو الديمقراطية الغربية، فإنّ أصحاب الرأي و المفكرين يتركون من خلال هذه الديمقراطية رؤاهم في مجال تخصصهم و يبحثون

عن آراء الناس فيها فاذا ابدى الناس خلاف ما يمنحهم تخصصهم من افكار طرحوا افكارهم و اخذوا بما يشاء الناس.

4- تقليد الجاهل للعالم: بأنْ يَسْأل الشخص الذي يفقد المعرفة في مجال أو تخصص ما من العالم و المتخصص في ذلك المجال، فالمريض يراجع الطبيب، و الذي يريد بناء بيت يراجع المهندس، و الفلاح الذي يريد حفر بئر يراجع المهندس المختص في هذا المجال و .. و الناس يرجعون في مسائلهم الشرعية إلى مرجع تقليدهم. و خلاصة الكلام هنا أنَّ تقليد الجاهل للعالم يعني الرجوع إلى المتخصصين و الخبراء، و هذا أمر متداول في جميع شؤون الحياة، كما أنَّه أمر معقول.

و على هذا، فالانواع الثلاثة الاولى من التقليد هي الاقسام الممنوعة منه، و الآيات التي تذم التقليد ناظرة إلى هذه الأقسام. أمّا القسم الرابع فهو ممدوح لا جائز فحسب، و الآيات التي تشجع التقليد و تحث عليه ناظرة إلى هذا النوع منه. «1»

لكن ينبغي الالتفات هنا إلى ان التخصص و العلم في مجال ما، هو الشي ء الوحيد الذي يمنح الانسان امكانية ابداء الرأي، و لا شي ء اخر يجيز للانسان ابداء الراي في موضوع ما. و من المؤسف أنَّا نشهد مؤخراً البعض يبدي رأيه في مواضيع مختلفة قد لا تدخل في مجال تخصصه.

إنَّه يُبدي رأياً في مجال الحجاب و القصاص و العاقلة و الارث و قضاء النساء و اجتهادهن

______________________________

(1) للمزيد في هذا المجال راجع نفحات القرآن 1: 340 فما بعدها.

امثال القرآن، ص: 72

و الديات و غيرها، رغم أنَّه لا يملك الارضية اللازمة في هذه المجالات. لكن يا ترى هل هؤلاء يجيزون لانفسهم الدواء عند التمرض من دون مراجعة الطبيب؟ و هل هؤلاء يقومون بعمليات جراحية عند

الابتلاء بامراض حادة؟ بالطبع لا. اذن كيف يمكن لهم أن يسمحوا لانفسهم في ابداء الرأي في القضايا الشرعية من دون أن يحملوا المعرفة الكافية في مجال الفقه و المسائل الشرعية؟

امثال القرآن، ص: 73

المثل الخامس: الإنفاق

اشارة

يقول الله تعالى في الآية 261 من سورة البقرة:

«مَثَلُ الّذِيْنَ يُنْفِقُونَ أمْوَالَهُم فِي سَبِيْلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّة أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ واللهُ وَاسِعٌ عَلِيْمٌ».

تصوير البحث

تحدثت الآية الشريفة عن (الإنفاق) و ذكرت مثالًا رائعاً للانفاق في سبيل الله.

إنَّ الفقر معضلة، و البشر لا زال يعاني منها في مختلف مجتمعاته، و هي مشكلة ترجع في الحقيقة إلى عدم التوزيع العادل للثروة، الأمر الذي يؤدي إلى تقسيم البشر إلى فقير و غني.

التاريخ يشهد بأنَّه كانت هناك شخصيات مثل قارون تمتلك ثروات عظيمة، بحيث حمل مفتاح مخازن ثروته يحتاج إلى طاقة عدة اشخاص أقوياء. «1» و في مقابل هؤلاء كان هناك اشخاص بحاجة إلى قرص من الخبز يقضوا بها ليلتهم. إنَّ هذه المشكلة اشتدت في عصرنا الحاضر.

كمثال على ما نقول: إن بعض الاحصائيات حكت عن أن نسبة 80 خ من ثروة الكرة

______________________________

(1) لقد جاءت قصة قارون في القرآن المجيد في سورة القصص الآية 76 فما بعد، و منها الآية التالية: (و آتَيْنَاهُ مِنَ الكُنُوزِ مَا انْ مَفَاتِحَهُ لتَنُوأ بالعُصْبَة أُولِى القُوَّة ...) و قصة قارون من قصص القرآن الجميلة و المليئة بالعبر.

امثال القرآن، ص: 74

الارضية يمتلكها نسبة 20 خ من الناس فاذا كان مجموع البشر في الكرة الارضية عبارة عن خمس مليارات؛ فان 80 خ من الثروة تحت تصرف مليار من البشر و 20 خ من الثروة العالمية يتقاسمها اربعة مليارات.

و بعبارة أخرى: إذا كان مجموع شعوب الدول الصناعية يقدر بمليار فهذا المليار يملك اربعة اخماس من ثروة الكرة الارضية و ما تبقى من البشر فلهم خمس تلك الثروة.

و المدهش هنا أنّ هذه النسبة و تلك المفارقات تزداد يوماً بعد آخر

و لصالح الأغنياء.

طرق علاج الفقر

لحل هذه المعضلة قدّم العلماء منذ القدم علاجات، و البشرية جربت علاجين مختلفين.

الأول: يعتقد الاشتراكيون و الشيوعيون أنَّ الفقر مشكلة نجد جذورها في الملكية الخاصة، فاذا ما اجتثثنا جذور هذه المشكلة فانَّ المشكلة ستُحل.

إنّ اصحاب هذه الفكرة جربوا هذا العلاج مدة سبعين عاماً، قتلوا خلالها الملايين من البشر، و ارتكبوا جرائم كثيرة و تحلموا التكاليف الباهضة و واعدوا الناس و عوداً كاذبة كثيرة، و أمّلوهم بحياة متعالية، و تحدثوا مع الناس عن جنة الأرض، بل اعتبروا جنة الانبياء هي نتيجة اعمالهم و .. إلّا انهم اعترفوا بفشلهم بعد هذه التجربة و تلاشى نظامهم، الامر الذي أراح الناس الذين كانوا يرضخون تحت حكومتهم.

الثانى: رسمت الدول الرأسمالية خططاً اخرَى لرفع معظلة الفقر، فشكلوا لأجل ذلك مؤسسات و منظمات كثيرة، مثل: الهلال الأحمر و صندوق النقد الدولي و البنك الدولي و صندوق التعاون و مؤسسات الاعانات الاقتصادية و الغذائية للدول الفقيرة، و خصصوا لأجل ذلك ميزانيات، لكنها جميعاً كانت تعاني من نقطتي ضعف:

الاولى إجراءاتها محدودة و قليلة و غير متناسبة مع نفوس الدول الفقيرة، و لذلك لم تحدث تغييراً في مستوى الفقر في هذه الدول.

الثانية: كثيراً ما تقترن هذه الاعانات بأغراض سياسية، فاذا اقتضت مصالح هذه الدول الاعانة أعانوا و الَّا امتنعوا عن الاعانة، و أحياناً يعترف بعض مسؤولي هذه الدول بهذه

امثال القرآن، ص: 75

الامور. «1»

و على هذا فان العلاج الثاني ما حل عقدة من عقد الفقر العالمي.

علاجات الإسلام

إنّ العلاج الاخر لمعضلة الفقر هو وصايا الإسلام، فإنَّ العمل بها يؤدي إلى مل ء فجوة الفقر و تقليل الفاصلة بين الطبقات الفقيرة و الغنية.

لقد حصل هذا في عهد الرسول صلى الله عليه و آله فإنَّ العمل بها حصل لاول

مرة في التاريخ في ذلك العهد و كانت نتيجة ذلك هو مجتمع غير مقسم إلى طبقات، أو مجتمع مع مفارقات طبقية محدودة جداً.

إذا تمكنا اليوم تطبيق هذه الوصايا و الاوامر الالهية في مجتمعنا هذا بل و في المجتمعات البشرية لكانت الثروة موزعة على البشر بشكل عادل و لصغرت الفجوة بين الفقير و الغني في مجتمعات الكرة الارضية.

الإنفاق طريق لرفع الفقر

الانفاق هو احد الوصايا و الأوامر الالهية القيمة التي هي موضوع بحثنا هنا. إنَّ القرآن المجيد أكَّد كثيراً على موضوع الانفاق و قد كان هذا الامر موضوعاً لكثير من آياته، و الآيات التي تضمنت مادة الانفاق تقدر بسبعين آية، و إذا اضفنا اليها الايات التي اشارت لهذا الموضوع من دون أنْ تأتي بمادة الانفاق، فالعدد يتجاوز عن هذا الحد بكثير.

أمر الله في القرآن الإنسان أنْ يدفع مقداراً مما كان من نصيبه في هذه الحياة الدنيا. الآية 19 من سورة الذاريات أمرت بهذا بتعبير جميل: «وَفِي أمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ والمَحْرُومِ»، و بناء على هذه الآية فان للفقراء و المساكين حقاً في أموال الناس.

______________________________

(1) كما شهدنا ذلك في حرب البوسنة و في شتائها القارص، إذا اعترف بعض رؤساء هذه الدول بعدم وجود مصالح لها في البوسنة لكي تتدخّل عسكرياً في النزاع الدائر هناك.

امثال القرآن، ص: 76

و لأجل تشجيع الناس على الإنفاق جاء القرآن بآيات عبرت عن الأمر بتعابير جميلة:

1- يقول الله في الآية 96 من سورة النحل: «مَا عِنْدَكُم يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللهِ بَاقٍ».

يا له من تعبير جميل! فالعبارة تضم معان كثيرة رغم صغرها. و هي تعني أنّ الإنسان إذا صرف الملايين من امواله فان تلك الملايين تعد نافدة و مستهلكة، بينما إذا صرف اقل مقدار من امواله انفاقاً في

سبيل الله فإنَّ ذلك سيبقى في خزينة الله الغيبية و لا ينفد، و هذا خلاف ما يتصوره اكثر الناس.

2- جاء في الآية 89 من سورة النمل: «مَنْ جَاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها» و نفسها في سورة القصص الآية 84.

و حسب ما صرحت به هذه الآية، فإنَّ الصدقة و الانفاق لا يذهبان سدى فحسب، بل يمنح الله عليهما شيئاً افضل منهما عوضاً عن ذلك.

3- الآية 160 من سورة الانعام رفعت من قيمة الانفاق لتصرح بما يلي: «مَنْ جَاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثَالِهَا».

الآية تحدثت عن الحسنات عموماً، و باعتبار أنَّ الانفاق من الحسنات العظيمة فهي تشمله. و حسب ما صرحت به، فإنَّ للإنفاق عشرة أضعاف من الثواب و الأجر.

أمّا الآية المبحوث هنا (261 من سورة البقرة) فقد رفعت مستوى الانفاق إلى أعلى مستوى ممكن، فمثلت الانفاق بالسنابل التي تضمّ حبات كثيرة و كل حبة تنبت سنابل كثيرة، و هي بذلك تشير إلى التضاعف التصاعدي للثواب المترتب على الانفاق. و لكي تجيب الآية عن بعض التساؤلات التي تتراود في اذهان البعض عن مصدر هذه العطاءات أشارت إلى أن ذلك كله من كنوز الله العظيمة، و هو واسع و أوسع من أنْ يتصور.

خطابات الآية

1- المراد من (في سَبِيلِ اللهِ)

اشارة

إنَّ اصطلاح «فِي سَبِيْلِ اللهِ» استخدم اكثر من 45 مرة في القرآن، و اصطلاح «عَنْ سَبِيْلِ اللهِ» استخدم 25 مرة. و قد أُريد من «سَبِيْلِ اللهِ» الجهاد في كثير من الموارد كما في الآية

امثال القرآن، ص: 77

الشريفة 169 من سورة آل عمران التي جاءت لبيان المقام الرفيع للشهداء: «وَلَا تَحَسَبَنَّ الَّذِيْنَ قُتِلُوا فِي سَبِيْلِ اللهِ أمْوَاتاً بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِهِمْ يُرْزَقُونَ» فقد اريد من «سَبِيْلِ اللهِ» هنا الجهاد كما اريد منه هذا المعنى في موارد كثيرة

أخرى.

إلَّا أنَّ (سبيل الله) اختلف معناه في الآية 26 من سورة (ص): «وَلَا تَتَّبِع الهَوَى فَيضِلَّكَ عَنْ سِبِيلِ اللهِ ..» فقد نهت الآية النبي داود عليه السلام عن اتباع الهوى في القضاء ودعته للقضاء في سبيل الله، أي القضاء العادل و الذي يصل المحق إلى حقه من خلاله.

و على هذا؛ فلا نصحح ما ادعاه البعض من أنَّ المراد من «فِي سَبِيْلِ اللهِ» هو الانفاق لاجل الجهاد فقط؛ و ذلك لأنَّ المُراد منه مطلق سبيل الله سواء كان في الجهاد العسكري أو الجهاد الثقافي أو الجهاد العمراني أو تأسيس مكتبة أو اعانة المحتاجين أو بناء المستشفيات و المستوصفات أو تأسيس صندوق للقروض أو غير ذلك.

بالطبع، إنَّ رعاية الأولوليات و الضروريات أمر مهم و في محله، كما أنَّ الابداع في هذا المجال سوف يؤدي إلى جذب الناس إلى هذه الاعمال بشكل واسع، نأتي هنا بنموذجين لهذه المقولة:

الأول: صندوق إعانة عوائل السجناء

مهما كان سبب سجن الرجل فإنه غالباً ما يكون معيلًا لعائلته. و خلال فترة حبسه- بخاصة إذا كانت طويلة- تواجه عائلته مشاكل جمة، فمن جانب تهددهم مشكلة الفقر المالي، و من جانب آخر تترصدهم المشاكل الإجتماعية و الأخلاقية، و هنا إذا لم نلتفت إلى الأوضاع التي تعيشها عوائل السجناء و لم نجد حلًا لها فإنَّ عملية حبس رب العائلة سوف تورث بالقوة سجناء و مجرمين آخرين. و من المؤسف أنَّ هذا الأمر لم يُلتفت اليه في المجتمع و قلما نجد شخصاً يفكر فيه.

إذا قمنا بمثل العمل الذي حصل في بعض المحافظات و هو تأسيس صندوق القرض الحسن فإنَّ عملنا هذا سيكون علاجاً لكثير من المشكلات الخاصة بعوائل السجناء و بالسجناء انفسهم، و بذلك نقي المجتمع من كثير من الشذوذ و

الجرائم المحتمل وقوعها.

إنَّ شخصا إذا كان سجيناً بسبب دين في ذمته يعطى من هذا الصندوق قرضاً لكي يطلق سراحه، و بعد أن يحصل على عمل شريف يقوم بالدفع لهذا الصندوق. و بذلك نكون قد

امثال القرآن، ص: 78

عالجنا مشكلته و مشكلة عائلته و انقذناهم من المشاكل الأخلاقية و الاجتماعية التي تترصدهم.

الثاني: جمعية اعانة مرضى الكلية

هناك الكثير ممن يعانون من امراض الكلية و قد يحتاج بعضهم للديلزة اكثر من مرة في الاسبوع و خلال هذه الفترة يعانون آلاماً حادة. و اكثر هؤلاء يشفون إذا ما زرعت لهم كلية جديدة، لكنهم في الغالب غير قادرين على دفع مبلغ الكلية الجديدة، و في هذه الحالة إذا تشكلّت جمعية لاعانة هؤلاء المرضى المحتاجين لأجل زرع كلية فإن الجمعية ستقوم بعمل جبار في سبيل انقاذهم من الالام التي يعانون منها، كما تخرج عوائلهم من حالة الاضطراب و القلق.

و يمكن تأسيس جمعيات مشابهة لهذه الجمعية تعم منافعها قطاعات و مجالات أخرى، و ذلك سعياً لتقليل المشاكل الاجتماعية و المالية عن الناس.

2- المراد من «الحبّة» في الآية الشريفة

هناك بحوث كثيرة قام بها المفسرون متناولين فيها موضوع الحبة و المراد منها.

قيل: معنى ذلك أنَّ الله يقوم بهذه المضاعفة لمن يشاء، و هي قد تصل إلى سبعمائة ضعف. «1»

إنّ هذا المثل قد لا يكون له وجود في الخارج لكن هذا لا يضر، فإنَّ شأن أكثر الأمثال هو هذا سواء كانت بالفارسية أو العربية أو باي لغة أخرى. فالعنقاء و غيرها من الحيوانات التي لا وجود لها في الخارج تستخدم في الامثال.

لكن بما أنَّ المثل صدر من الله الحكيم و العالم، فلا بد و أن يكون له وجود خارجي.

و لاجل ذلك قال البعض: المراد من الحبة في المثل هو حبة الدِّخن لا حبة القمح؛ لأنَّ حبة الدخن قد تنتج سبعمائة حبة. لكن بما أنَّ مزارعاً بوشهرياً (مدينة في جنوب إيران) استطاع في

______________________________

(1) الميزان 2: 387، طبعة جامعة المدرسين في الحوزة العلمية- قم.

امثال القرآن، ص: 79

السنوات الأخيرة ان ينتج 4000 حبة من حبة واحدة، لذلك فسرنا الحبة هنا بالقمح، و أمكننا القول بان لذلك

وجوداً خارجياً. «1»

3- المراد من (يضاعف) في الآية الشريفة

هل المراد من عبارة «واللهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ» أنَّ الله يمنح للمحسن و المنفق ما يشاء من دون حساب بأن يمنح الشخص (أ) ضعفين من الثواب بينما يمنح الشخص (ب) ثلاثة أضعاف؟

أو أنَّ المضاعفة لها حساب خاص و قواعد خاصة؟

إنّ حكمة الله تقتضي بأن لا يكون منح الثواب بشكل اعتباطي و من دون حساب، بل جعل الأمر مرتبطاً بمفارقات من قبيل درجة الاخلاص و كيفية الانفاق و مورده و شخصية المُنْفِق و المنفَق عليه، أي أنَّ ثواب الشخص الذي انفق خالصاً لوجه الله يختلف عن ثواب الشخص الذي لم يبلغ تلك الدرجة من الاخلاص، و الشخص الذي ينفق سراً و من دون منة و اذى يختلف ثواباً عن الشخص الذي ينفق علناً، فهما يقعان في مرتبتين لا مرتبة واحدة.

و المسلم الذي ينفق قرصاً من قرصي الخبز اللذين يمتلكهما يختلف عن المسلم الذي ينفق قرصاً و هو يملك عشرة أقراص من الخبز. كما أنَّ الشخص الذي يعين عائلة مسكينة لم يتفوهوا بحاجتهم لاحد يختلف عن الشخص الذي يعين عائلة طلبت الاعانة منه.

أرفع نموذج للإنفاق في القرآن

في القرآن سورة باسم (الدهر) أو (الإنسان) أو (الابرار) نزلت في شأن الانفاق الخالص، و قد ادرجت هذه السورة اجمل نعم الجنة للمنفقين.

العامة و الخاصة نقلوا أنَّ السورة نزلت في الامامين الحسن و الحسين عليهما السلام حيث مرضا فنذر الامام علي عليه السلام صيام ثلاثة ايام لشفائهما، فالتحقت فاطمة عليها السلام بهذا النذر، ثم فضة كذلك.

و بعد الشفاء صام الجميع و قد اعدت فاطمة في اليوم الاول خمسة اقراص من خبز الشعير

______________________________

(1) تفسير الأمثل 2: 206.

امثال القرآن، ص: 80

و عند الافطار طرق فقير الباب طالباً العون فاعطى الجميع اقراصهم له و افطروا على الماء

فحسب. و في اليوم الثاني جاءهم يتيم، و في اليوم الثالث جاءهم اسير، و قد أعطوهما مثل ما اعطوا الفقير في الليلة الاولى، و في اليوم الرابع نزلت هذه السورة في حقهم، «1» و فيها توصيف و تمجيد للانفاق و وعود بنعم عظيمة في الجنة.

و على هذا، فإنّ هذه العائلة حصلت على ثواب عظيم اثر انفاقها لخمسة عشر قرصاً من الخبز.

تقول الايات 9 و 10 من سورة الدهر: «إنَّمَا نُطْعِمَكُم لِوَجْهِ اللهِ لِا نُرِيْدُ مِنْكُم جَزَاءً وَلَا شُكُوْراً إنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوْساً قَمْطَرِيْراً».

النموذج المذكور و غيره من النماذج التي اثرناها عن المعصومين عليهم السلام، هي في الحقيقة موارد نتأسى بها نحن المسلمون لنسير قدماً نحو مجتمع اسلامي مقبول خلو من المفارقات الإقتصادية.

مما يمكن أنْ يُستشف من الاحاديث و الروايات هو: أنَّ عدم الفقر و الحاجة من خصائص المجتمع الاسلامي المطلوب.

أي أنَّا إذا بلغنا يوماً مستوى اقتصادياً رفيعاً و تنمية صحيحة بحيث توزع الثروة في المجتمع الاسلامي توزيعاً عادلًا في جميع البلاد الاسلامية فانا قد بلغنا- من الناحية الاقتصادية- مستوى المجتمع الاسلامي المطلوب.

إنَّ هذه العقيدة ليست شعراً و لا شعاراً و لا كلاماً عاطفياً و ذات صبغة احساسية بل إنَّه مضمون رواية منقولة عن الامام الصادق عليه السلام: محمد بن مسلم من اصحاب الامام الصادق عليه السلام ينقل عن الامام قوله: «إنَّ الله عز و جل فرض للفقراء في مال الأغنياء ما يسعهم و لو علم أنَّ ذلك لا يسعهم لزادهم. إنهم لم يؤتوا من قبل فريضة الله عز و جل و لكن اوتوا من منع من منعهم حقهم لا مما فرض الله لهم و لو أنَّ الناس ادوا حقوقهم لكانوا عايشين بخير». «2»

______________________________

(1)

التبيان ج 9: 211.

(2) وسائل الشيعة ج 6، ابواب ما تجب فيه الزكاة، الباب 1 الحديث 2، و كذا من لا يحضره الفقيه ج 2، ابواب الزكاة، الباب 1 (علة وجوب الزكاة) الحديث 4، و كذا الكافي ج 3 (كتاب الزكاة) باب فرض الزكاة، الحديث الاول.

امثال القرآن، ص: 81

المجتمع الذي يضمُّ فُقَرَاء، لا يكون الفقراء المتضرّرين الوحيدين من هذا المجتمع، بل اضرار الفقر تعم جميع المجتمع، فإنَّ الفقر منشأ كثير من الذنوب منها: السرقة و الاعمال المنافية للعفة و غير ذلك.

و قد جاء في رواية أخرى للامام الصادق عليه السلام: «و لو أنَّ الناس ادوا زكاة اموالهم ما بقي مسلم فقيراً محتاجاً لاستغنى بما فرض الله و أنَّ الناس ما افتقروا و لا احتاجوا و لا جاعوا و لا عروا الا بذنوب الأغنياء». «1»

و حسب هذه الرواية فإنَّ الحقوق الشرعية الواجبة مثل الخمس و الزكاة تسد حاجة المحتاجين، و اذا ما تم العمل بهذه الواجبات، فإنَّ هذه المعضلة ستُجتث جذورها بالكامل.

يطرح هنا تساؤل و هو: ما الحاجة إلى الانفاق و التبرعات المستحبة إذا كانت التبرعات الواجبة تعمل عملها و تسد حاجة الفقراء إلى المال؟ و على هذا فما دور الآية 261 من سورة البقرة في هذا المجال؟

يمكننا الاجابة عن هذا السؤال بطريقتين:

الاولى: قد يتخلّف بعض المتمولين و الاغنياء عن وظائفهم الشرعية و لا يدفع ما عليه من الزكاة الواجبة- كما هو الحال في الوقت الحاضر فان كثيراً من المتمولين غير موفقين في دفع ما عليهم من الزكاة الواجبة، و في هذه الحالة يأتي دور الصدقات و التبرعات المستحبة لتملأ الفراغ الناشئ عن عدم دفع الاغنياء لما عليهم من صدقات واجبة.

و على هذا، فالمحسنون من المؤمنين

يقومون بدور الاغنياء العصاة و يتحملون نتائج عصيانهم، هذا اضافة إلى ما يتحملون من دفع الصدقات الواجبة عليهم.

الثانية: إنّ الزكاة و غيرها من التبرعات الواجبة و المفروضة على الاغنياء تسد الحاجة الضرورية للفقراء إذا ما دفعت. و اما الانفاق فدوره يبرز في التوسيع على الفقراء ليبلغ بهم مستوى رفاهي نسبي و معتد به.

في النتيجة: إذا اخذنا بنظر الاعتبار مستوى الفقر و نوعيته في المجتمع يمكننا الحكم في ضوئه على مستوى اقترابنا من المجتمع الاسلامي المطلوب.

______________________________

(1) وسائل الشيعة ج 6 ابواب ما تجب فيه الزكاة، الباب الاول، الرواية السادسة.

امثال القرآن، ص: 82

4- دراسة المشبَّه في آية الانفاق

للمفسرين رأيان في تحديد المشبّه في الآية 261 من سورة البقرة، فبعض قال بأنه المال المنفق، حيث شُبِّه بالحبة المباركة التي تنتج سبعمائة حبة.

و قال بعض آخر: بأنَّ المشبَّه هو المنفِق الذي ينمو و يتكامل إلى مستوى رفيع جداً.

اكثر المفسرين يعتقد بأنَّ المشبَّه هو المال المنفق و يقدرون جملة محذوفة هنا لتكون حقيقة الآية كالتالي: (مثل اموال الذين ينفقون ..).

و نحن نعتقد أنَّ الآية لا تحتاج إلى التقدير، و حسب الظاهر فإنَّ المشبَّه هو الإنسان المنفِق الذي تعلو شخصيته و تتكامل و تنمو إلى مستوى سبعمائة ضعف، و مصداق هذا الاعتقاد هو الايات و الروايات التي دلت على أنَّ الإنسان كالنبات ينمو و يتكامل.

أولًا: يقول الله في الايات 17 و 18 من سورة نوح: «واللهُ أنْبَتَكُم مِنَ الأرْضِ نَبَاتاً ثم يُعيدُكُمْ فيهَا ويُخْرِجُكُمْ إخْرَاجاً» فقد شُبّه الإنسان هنا بالنبات الّذي يُزرع لينمو و يتكامل ثم يجف ثم يحيا مرة أخرى ثم يجف ثم يحيا و هكذا ...

ثانياً: يقول الله في الآية 37 من سورة آل عمران: «فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وأنْبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَها

زَكَريا ...» فقد استخدم هنا مادة الانبات للاشارة إلى تربية مريم من قبل زكريا، و الشاهد هو تشبيه تربية الإنسان بتنمية الزرع بعد انباته.

ثالثاً: جاء في حديث نقل عن الرسول صلى الله عليه و آله: «إياكم و خضراء الدمن!» قيل و ما خضراء الدمن؟ قال: «المرأة الحسناء في منبت السوء» «1» فقد شبه الإنسان هنا بالنبات الذي قد ينبت في مكان سي ء.

من جانب آخر، انَّ في هذا الحديث خطاباً واضحاً و وصية مهمة للشباب المقبلين على تشكيل عائلة. ففي هذا الحديث يوصي الرسول صلى الله عليه و آله المؤمنين أنْ لا يجعلوا الجمال المقياس الوحيد لانتخاب الزوجة بل اضافة اليه ينبغي النظر إلى العائلة، أي المكان الذي تربت فيه الزوجة، و ذلك رغم أنَّ الجمال بحد ذاته قيمة إلّا أنّه يرضي الزوج في الفترة الوجيزة الاولى من

______________________________

(1) وسائل الشيعة ج 41، أبواب مقدمات النكاح، الباب 7، الحديث 7. و الدمن تعني المزبلة.

امثال القرآن، ص: 83

الحياة المشتركة، أمّا القيم الأساسية و المهمة في الحياة العائلية، و هي التربية و الثقافة و الفكر و القيم المكتسبة في البيت فيبرز دورها في المراحل اللاحقة من حياة الإنسان. و الجميلة إذا لم تتميز بسيرة حسنة و اخلاق جميلة بدلت محيط العائلة المقدس إلى جهنم يصعب تحملها.

كما شاهدنا في الايات و الروايات السابقة، فإنَّ الإنسان شبّه بالنبات الذي ينمو و يتكامل، و بهذا يمكن أنْ نستدل على أنَّ المُراد من المشبَّه في الآية هو الإنسان نفسه. و في النتيجة يكون مفهوم الآية كالتالي: أيها الإنسان أنت كالنبات و الإنفاق بمثابة الماء الذي يسقي النبات ليمنحه حياة و نمواً. و بعبارة أخرى: إنَّ الانفاق يُحيي في الإنسان الصفات العليا مثل

السخاء و العطاء و المروة و الانصاف و الشجاعة و غير ذلك.

إنَّ هذه الصفات في البداية تكون (فعلًا) أو عملًا مجرداً، و اذا ما تكررت تصبح عادة و في صورة الاستمرار تصبح (حالات) و في النهاية تكون (ملكة) «1» و جزءاً من وجود الإنسان.

و على هذا، فالانفاق، قبل ان تكون له عوائد مادية، له مردودات معنوية، و كلما كان الانفاق عن اخلاص اشد و كلما كان اطهر و انسب كلما كانت هذه المردودات اكثر و أوسع. و قد نكون جميعاً جربنا عطاءنا مسكيناً لم يصّرح بحاجته لنا مقداراً من المال (رغم حاجتنا له) وجدنا في ذلك لذة معنوية احسسناها بكل وجودنا، و بلغنا إثر ذلك هدوءاً باطنياً و حالة روحانية و معنوية خاصة.

ذلك هو النمو و التعالي الذي تشير اليه الآية من خلال مثلها. إنَّ الله القادر و الحكيم بامكانه أنْ يغني الجميع و يجتث جذور الفقر من المجتمعات، لكنه شاء أن تكون هناك فجوة بين الفقراء و الأغنياء يسعى المؤمنون في ملئها ليروا آثار أعمالهم الحسنة و بركات انفاقهم في الدنيا و يشعروا بهذه الاثار و يبلغوا اثر ذلك الدرجات العليا من الكمال و المعنوية. و على هذا فلا نمن على الله بالانفاق و لا على المنفق عليه، بل الله هو الذي يمن علينا أنْ وفقنا لهذا العمل العظيم (اللهم وفقنا لما تحب و ترضى).

______________________________

(1) ان الملكة تعني (الصفة الراسخة في البدن)، و توضيح ذلك: إذا حصلت للانسان هيئة خاصة من جراء فعل ما قيل لهذه الهيئة: (كيفية نفسانية)، و اذا كانت هذه الكيفية سريعة الزوال قيل لها: (حال)، و اذا كانت بطيئة الزوال كانت ملكة أو عادة (موسوعة دهخدا ينقلها عن الجرجاني).

امثال القرآن،

ص: 84

و من مجموع ما مضى يمكننا ان نفسر الآية 261 من سورة البقرة بصراحة من دون حاجة إلى تقدير جملة محذوفة. رغم ذلك فانا لا نصر على تفسيرنا بل نعتبر أنَّ كلا التفسيرين مقبولان، أي يمكننا القول: الآية تفيد أنَّ مال الفرد المنفق ينمو كما أنَّ شخصيته تنمو من خلال نمو و تكامل خصالها الحسنة. «1»

نمو المال المنفق في كلام الرسول صلى الله عليه و آله

في مجال نماء المال المنفق، للرسول صلى الله عليه و آله كلام جميل ننقله هنا: «ما تصدق احد بصدقة من طيب- و لا يقبل الله الا الطيب- إلَّا أخذها الله الرحمن بيمينه و إن كانت تمرة فتربو في كف الرحمن حتى تكون اعظم من الجبل». «2»

في هذه الرواية نرى عدة نقاط أهلًا للإنتباه:

الاولى: الرواية صرحت بأنَّ الله ياخذ الصدقة بيمينه و هذا أمر يطرح تساؤلًا: هل لله جسم و أعضاء؟

من البديهي أنّ الله غير مجسم، و تعبير (الاخذ باليمين) كناية عن قدرة الله الكاملة، و ذلك لأنَّ اليمنى عند الإنسان غالباً اقوى، لذلك كان مفهوم العبارة أنَّ الله يأخذ الصدقة بقدرة كاملة مع احترام.

الثانية: انّ ما يحضى بالأهمية في الإسلام هو كيفية العمل و دوافعه لا كميته و ظاهره. و على هذا، فإنّ اعطاء تمرة حلال لمسكين من دون منة و لا أذى افضل عند الله من تمر كثير غير حلال أو تزامن مع منة أو أذى.

الثالثة: وفقاً لهذه الرواية، فإنّ المال المنفق ينمو إلى سبعمائة ضعف أو أكثر. و على هذا الأساس، فإنَّ المال يبقى عند الله ينمو و يرد إلى صاحبه يوم القيامة ليكون سبباً لانقاذه من نار الجحيم.

______________________________

(1) الاستاذ كغيره من محققي علم الاصول يجوّز استعمال اللفظ في اكثر من معنى واحد. و بناء على

هذا الرأي يتمكن المتكلم النطق بلفظ و ارادة عدة معاني منه. و للمزيد راجع انوار الاصول 1: 141 فما بعدها.

(2) صحيح مسلم 2: 702، و قد جاء نفس المضمون في روايات اهل البيت عليهم السلام في وسائل الشيعة ج 6، ابواب الصدقة الباب 7، الحديث 5- 8.

امثال القرآن، ص: 85

(الانفاق) في تعابير القرآن الجميلة

لاجل بيان اهمية الانفاق في الإسلام و قيمته في القران، وردت في القرآن تعابير كثيرة عن هذا الأمر، و هي اهل للالتفات و الدقة نكتفي هنا بذكر نموذجين منها:

الأول: جاء في الآية الشريفة 245 من سورة البقرة ما يلي: «مَنْ ذَا الّذِي يَقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فيُضَاعِفَهُ لَهُ أضْعَافاً كَثِيْرَةً».

التعبير بالقرض الحسن عن الانفاق تعبير بديع و مدهش. كيف يمكن لله القادر و المالك لكل شي ء أنْ يقترض من الإنسان الفقير و المحتاج لربه في كل حركاته و سكناته و حتى في الشهيق و الزفير؟ و مع لحاظ أنَّ القرض الربوي في الإسلام حرام فإنّ التعبير عن الانفاق بالقرض الحسن لا يكشف إلّا عن اهمية الانفاق و تشجيع للعباد لاجل اداء هذا العمل بإخلاص.

و يبدو أنَّ ذكر هذه النقطة ضروري، و هي أنَّ (القرض الربوي) ناظر إلى العباد و سلوكهم بينما القرض الحسن ناظر إلى رب العباد، و هو يعني أنَّ من يقرض الله قرضاً فالله يرجعه مع اضعاف مضاعفة. و النقطة المدهشة كثيراً هنا هي أنَّ يَد الفقير- حسب الآية و الروايات المذكورة- هي يد الله، و بيته هو بيت الله. و في الحقيقة ان ما يوضع في يد الفقير يوضع في يد الله، و لذلك كانت الروايات توصينا بأنْ نضع ايدينا في مستوى ادنى من يد الفقير عند التصدق إليه، لأجل أنْ يَأخذها

من أيدينا، و لأنَّ يده هي يد الله و قدرته الكاملة، و هو الذي يستلم المال من المتصدق. حذارا أن تصدر منا اهانة أو تحقير لفقير.

و قد تكررت العبارة المذكورة هنا في الآية 11 من سورة الحديد، كما قد اضيف لها جملة أخرى: «مَنْ ذَا الذي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضَاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أجْرٌ كَرِيمٌ ...».

الثاني: جاء في الآية 92 من سورة آل عمران: «لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شِي ءٍ فإنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ ...».

و كذا جاء في الآية الشريفة 267 من سورة البقرة «يَا أيَّها الَّذِينَ آمنُوا أنْفِقُوا مِنْ طَيّباتِ مَا كَسَبْتُم وَمِمَّا أخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأرْضِ»، أي عليكم أن لا تنفقوا الا من الطيبات فلا تنفقوا من

امثال القرآن، ص: 86

الاشياء التي لا فائدة فيها أو مضرة مثل الملابس الخلقة أو الفواكه و المأكولات الفاسدة و ما شابه ذلك، بل تذهب الآية إلى ابعد من ذلك لتأمر بانفاق ما يحبه الإنسان، و الذي هو أهل لان يعطى بيد الله، فإنَّ غير ذلك ليس أهلًا لوضعه بيد الله، فالانفاق بالاكل ينبغي أنْ يكون من النوع الذي يحبه المنفق له و لعياله و في الملابس من النوع الذي يحب لبسه المنفق و اهل بيته.

إنَّ نظام القيم الحاكم في الإسلام يحكى عن منح الإسلام القيمة و الاهمية لكيفية العمل لا كميته و مقداره، و لهذا يضاعف الله أجرة تمرة واحدة ألف ضعف، بينما لا يفعل ذلك في تمرة أُخرى؛ لأنَّها قد لا تكون مكتسبة من حلال أو قد تنفق بنية الرياء و ما شابه. ننقل هنا حكاية عن الرسول صلى الله عليه و آله تكشف عن دقائق الانفاق:

كان الرسول يعدُّ العدة

لاحد غزواته و كان المسلمون يتبرعون لاجل هذه الغزوة .. فجاء رجل فتصدق بشي ء كثير فقالوا: مراء، و هذا القول صدر من المنافقين الذين لا يا من احد من لسانهم، و جاء أبو عقيل، الذي ما كان مورده يسعه للتصدق فاضطر للعمل ليل نهار لاجل الاشتراك في هذه التعبئة الجماهيرية، بنصف صاع فقال المنافقون: إنّ الله لغني عن صدقة هذا، فنزلت الآية 79 من سورة التوبة: «الّذِيْنَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ والّذينَ لَا يَجِدُونَ إلّا جُهْدَهُم فَيَسْخَرُونَ مِنْهُم سَخِرَ اللهُ مِنْهُم وَلَهُمْ عَذَابٌ ألِيْمٌ». «1»

______________________________

(1) انظر الامثل 6: 130- 133.

امثال القرآن، ص: 87

المثل السادس: الإنفاق مع المنِّ و الأذى

اشارة

يقول الله تعالى في الآية 264 من سورة البقرة:

«يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالمَنِّ والأذَى كَالّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ النَّاسِ وَلَا يُؤمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِر فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فأصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لَا يَقْدِرُونَ عَلى شَي ءٍ مِمّا كَسَبُوا وَاللهُ لَا يَهْدِي القَوْمَ الكَافِرِيْنَ».

المثلان الخامس و السادس كلاهما حول الانفاق لكنهما غير مكررين، بل إنَّ المثل الخامس حكى فضل الانفاق و قيمته، أمّا في المثل السادس فالحديث عن الانفاق ذات الصبغة السلبية و أنَّ المؤمنين لا ينبغي أنْ يبطلوا صدقاتهم و انفاقهم بالمنّ و أذى الآخرين.

الشرح و التفسير

الآية بدأت حديثها بخطاب المؤمنين، و معنى ذلك أنَّ ما ورد في الآية من اوامر فهي خاصة بالمؤمنين، و شرطها الاول هو الايمان و أن الذي خرج مصداقاً عن هذه الآية و كان غير عامل بها فهو ليس بمؤمن.

عبارة «لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالمَنِّ والأذَى» تفيد أنَّ شيئين يبطلان الصدقة، الأول: المنّ، و الثاني: ايصال الاذى للاخرين؛ و ذلك لأنَّه قد لوحظ أنَّ البعض يتصدق على آخرين لكن صدقته تتزامن مع اذى إلى آخر العمر، بأن يقول له: (لولاي لكنت محتاراً و ما كان لك شأن و اعتبار) أو (خذ هذا المبلغ و لا تريني وجهك بعد ذلك).

امثال القرآن، ص: 88

ليس المنّ و الاذى هما الوحيدان اللذان يبطلان الصدقة، بل قطع كلام الفقير الذي يريد حكاية حاله و مشاكله أيضاً أمر غير صحيح و مرفوض.

جاء في رواية: «لا تقطعوا على السائل مسألته، فلولا أنَّ المساكين يكذبون ما افلح من ردهم». «1»

لا بأس هنا ان نبتّ بتوضيح مفردة (المنّ). إنَّ أصل هذه المفردة هو (مَن) و هو وزن خاص، و قد استخدمت هذه المفردة للاشارة إلى المعنى المراد

في الآية؛ لأجل أنَّ الشخص المانَّ يحمِّل الممنون عليه عبئاً و ثقلًا يشعر به.

من جانب آخر، فإنَّ انعام الشخص على آخر يقال له (منّ) و هو على قسمين:

الأول: المنّ العملي بأنْ ينعم شخص عملياً على شخص اخر، و هذا أمر مستحسن.

الثاني: المنّ الادعائي بان ينعم شخص على اخر بالقول دون العمل، فهو عملياً لم ينعم عليه أبداً. و قد استخدمت هذه المادة في القرآن المجيد عشرين مرة.

من موارد استخدام هذه المادة هو ما جاء في الآية 17 من سورة الحجرات: «يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَىَّ إسْلَامَكُم بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُم أنْ هَدَاكُم للإيمَانِ».

فالمنُّ الاول في الآية هو منٌّ إدعائي، و ذلك لأنّ الاعراب لم يمنوا على النبي بأي نعمة. فإنَّ المريض إذا جاء طبيباً و طلب منه الدواء فكتب الطبيب الدواء له و شفى من جرّاء استخدام هذا الدواء، فهل هذا يعني انعام المريض و منه على الطبيب؟!

أمّا المنُّ الثاني في الآية فهو مَنٌّ عَمَلَيٌ؛ وَ ذلك لأنّ الله أنعم عليهم نعمة الإسلام، فَمَنَّ عليهم بهذا العطاء.

و على هذا، فالمَنّ الصادر من الله يعني البذل و العطاء أو المنّ العملي، أمّا المنّ الصادر من الإنسان فيحتمل كلا المعنيين العملي و الادعائي. و المنّ الأول في الآية هو منّ ادعائي و قولي.

ثم تمثل الآية هؤلاء الاشخاص بقطعة من الحجر و تقول: «... كالّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ باللهِ واليَومِ الآخر فَمَثَلهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فأصَابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لَا

______________________________

(1) وسائل الشيعة ج 6، ابواب الصدقة الباب 22، الحديث 3.

امثال القرآن، ص: 89

يَقْدِرُونَ عَلى شَي ءٍ مِمَّا كَسَبُوا ...».

فالذي ينفق مع منّ و اذى (كالكافر المرائي) انفاقه غير مقبول عند الله؛ لأنَّ

الإيمان هو شرط القبول، و مثل هذين (أي المان و المؤذي من جهة و الكافر المرائي من جهة اخرى) كمثل صفوان، أي قطعة من الحجر تراكمت عليها طبقة من التراب بحيث تبدو صالحة للزراعة، فاذا بوابل (مطر) يصيبها ليكشف عن واقعها الصلد المتحجر و عدم صلاحيتها للزراعة، فيجدون أنفسهم «لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَي ءٍ» فذهبت مساعيهم هباءً؛ لأنَّ عَملهم لم يكن عن علم و معرفة بل كان بناءً على النظر إلى الظاهر لا الباطن و العمق.

الغيث نعمة يمكنه أنْ يروي المزارع و ينمي البذور، كما يمكنه ان يدمر الزرع. كذلك سائر آيات الله فهي تفيد المؤمنين و الصالحين من بركاتها، كما تفضح و تضل الكافرين و المنافقين.

إنَّ كلفة و زحمة المزارع الذي يزرع بذور الاخلاص و المزارع الذي يزرع بذور الرياء واحدة لكنَّ حاصل الزرعين ليس واحداً، فاحدهما يحصل على سبعمائة ضعف و الآخر قد لا يحصل على ادنى شي ء بل يفقد كل ما كان لديه.

خطابات الآية

1- خطابات القرآن المجيد غالباً ما تكون عامة (يا أيُّها النَّاس) و (يا بَنِي آدَمَ) و (يا أيُّها الإنْسَانُ) و (يَا أيُّها الَّذِين آمَنُوا) و هذا يعني تعميم خطابات القرآن لجميع البشر مهما كان جنسهم و مهما كانت قوميتهم، و لذلك لا نجد في خطاباته عبارات من قبيل: (يا أيُّهَا العَرَبُ) أو (يا قريش) و ما شابه ذلك.

هذه الخطابات تتضمن نقطة ظريفة و هي عولمة الدين الاسلامي، أي ان الإسلام دين لا يختص بقوم أو بلدٍ أو قبيلة أو جنس بل هو للجميع اينما وجدوا.

2- إنَّ الرياء و التظاهر عمل لا أساس له و لا تواصل، و المترائي و المتظاهر يحكم عليه بالفضيحة؛ و ذلك لأنَّ كلّ وقتٍ يحتمل أنْ

طروّ ظاهرة تكشف عن وجه الحقيقة، كما كشف الوابل في الآية عن حقيقة الصخرة المتحجرة.

3- إنَّ الذين ينفقون مع المنِّ و الأذى كالحجارة و قلوبهم بشدة الحجارة. و ما يلفت

امثال القرآن، ص: 90

الانتباه هنا هو أنَّ المطر اللطيف يكشف عن قسوة قلوب هؤلاء و طبيعتهم. إنَّ الغيث يروي البذرة لتنمو، لكن دوره هنا هو تدمير هذه البذرة. إنَّ الغيث من الآيات الالهية تنفذ في قلب المترائي فتغسل فيه طبقة الرياء و تكشف عن صلابة القلب، ليفتضح صاحبه.

4- انّ المترائين و المنفقين، الذين يمنون، لا يحصلون على ثمرة من جرّاء عملهم هذا، كما هو الحال بالنسبة للمزارع الذي ينثر البذور في الارض الصلبة فانه يفقد بذوره كما تذهب مساعيه هباء، و في النهاية لا يحصل على أي ثمرة، كذا المنفق مع الرياء فهو لا يحصل على أي ثواب كما يفقد المال المنفق.

5- بناء على التفكير الفلسفي لاكثر المدارس، و بناء على ما يعتقده عامة الناس، فإنَّ المال شي ء ثمين، و الغنى يُعدُّ من القيم. و حسب ما يرى الإسلام- مع الاخذ بنظر الاعتبار اهمية المال و دوره في الحياة الدنيا- فإنَّ مفاهيم مثل الايمان و الايثار و الشهادة و .. لها قيمة اكبر من المال. و من جملة تلك القيم التي يعتقد بها الإسلام هي احترام الانسانية و حفظ حرمة المؤمن و كرامته.

و على هذا، هل يمكن عدُّ عمل الشخص، الذي يمنح مبلغاً لمسكين أمام أعين الناس و يُذهب بذلك اعتباره و ماء وجهه، صدقة أو انفاقاً؟ و هل من الصحيح أنْ يتوقع هذا الشخص الأجر و الثواب من الله؟

من المؤسف أنَّ نظام القيم للمذاهب المادية هو المال، و مظهره الراهن هو الدولار، و هو

بامكانه ان يبرر كل شي ء حتى الجرائم التي ترتكب في حق الإنسانية.

من تلك الجرائم هو مبايعة الإنسان و بخاصة البنات و البنين الصغار، فإنَّ دلالي البشر يقومون بشراء البنات و البنين من الدول الفقيرة و بخاصة الشرقية بابخس قيمة ثم يبيعونهم في الدول الغربية المدافعة عن حقوق البشر بمبالغ باهضة. و قد يساء استخدام هؤلاء الاطفال بقطع اعضائهم و زرعها في أجسام بعض المتمولين في العالم الغربي، كما قد يستخدمون لاغراض جنسية و تجارية.

و من جملة اجراءات الغربيين التي بررتها دولاراتهم هي (الديمقراطية) التي تشكل البنية الاساس لدعوى حقوق البشر عندهم، فقد تم المعاملة على هذه القضية بالدولارات. و مثل

امثال القرآن، ص: 91

ذلك هو أصوات الشعب الجزائري المظلوم حيث أبطلت و بتوا علاوة على ذلك بسلسلة من اجراءات تعسفية و مجازر جماعية، لكنّ مدعيي حقوق البشر في الجزائر عمي و صم و بكم، فلا سمعوا بهذه المجازر و لا رأوا صورها و لا غير ذلك.

إنَّ ذلك في الحقيقة من الاثار القيمة للدولار؛ و ذلك لأنَّ هذه الحوادث تؤمّن مصالحهم، بل انفسهم مباشرة أو بشكل غير مباشر يقومون بهذه الاجراءات؛ حفظاً لمصالحهم.

هذا الامر لا ينحصر في الجزائر بل الامر عام في العالم أجمع، فإنَّ أي حكومة في العالم تؤمن مصالحهم و لا تحول دون زيادة مواردهم تعد حكومة جيدة مهما كانت قبلية أو بدوية أو لا يلحظ فيها أي دور لآراء الناس، بينما الحكومة التي تعرض مصالحهم و اموالهم للخطر فهي حكومة غير انسانية و مخالفة لحقوق البشر و لو كانت تحضى بمعالم انسانية عالية و تدار بواسطة نظام سياسي متقدم.

إنَّ الأمر في الإسلام يختلف، فنظام القيم فيه يبتني على قيم من قبيل الايمان و

الكمال الانساني و كرامة الإنسان و اعتباره و شرفه و حيثيته الرفيعة.

سيرة الائمة في الإنفاق و البذل

إنَّ طريقة بذل الائمة و كيفيتها من الحكايات التي يُعتبر و يُتعلم منها الدروس. ينقل العلامة المجلسي عند ذكر سيرة الإمام الحسن المجتبى عليه السلام الحكاية الجميلة التالية التي ملؤها العبر و الدروس:

«خرج الحسن و الحسين عليهما السلام و عبد الله بن جعفر (زوج زينب عليها السلام) حجاجاً ففاتهم اثقالهم، فجاعوا و عطشوا فمروا بعجوز في خباء لها فقالوا: هل من شراب؟ فقالت: نعم فاناخوا بها و ليس الا شويهة في كسر الخيمة، فقالت: احلبوها و امتذقوا لبنها، ففعلوا ذلك و قالوا لها:

هل من طعام؟ قالت: لا إلَّا هذه الشاة، فليذبحنّها احدكم حتى اهيئ لكم شيئاً تأكلون. فقام اليها أحدهم فذبحها و كشطها ثم هيأت لهم طعاماً فأكلوا ثم اقاموا حتى ابردوا فلما ارتحلوا قالوا لها: نحن نفر من قريش نريد هذا الوجه، فاذا رجعنا سالمين فالمي بنا فانا صانعون اليك خيراً، ثم ارتحلوا.

امثال القرآن، ص: 92

و اقبل زوجها و اخبرته عن القوم و الشاة، فغضب الرجل و قال: ويحك تذبحين شاتي لاقوام لا تعرفينهم ثم تقولين نفر من قريش.

ثم بعد مدة الجأتهم الحاجة إلى دخول المدينة، فدخلاها و جعلا ينقلان البعير اليها و يبيعانه و يعيشان منه فمرت العجوز في بعض سكك المدينة، فاذا الحسن عليه السلام على باب داره جالس فعرف العجوز و هي له منكرة، فبعث غلامه فردها فقال لها: يا امة الله تعرفيني؟ قالت:

لا. قال انا ضيفك يوم كذا. فقالت العجوز بأبي أنت و أمي فامر الحسن عليه السلام فاشترى لها ما شاء الصدقة ألف شاة «1» و امر لها بألف دينار و بعث بها مع غلامه إلى اخيه

الحسين عليه السلام فقال: بكم وصلك اخي الحسن؟ فقالت: بألف شاة و الف دينار، فامر لها بمثل ذلك، ثم بعث بها مع غلامه إلى عبد الله بن جعفر عليه السلام فقال: بكم وصلك الحسن و الحسين عليهما السلام؟ فقالت: بألفي دينار و ألفي شاة فامر لها عبد الله بألفي شاة و ألفي دينار». «2»

الصدقة تدفع ميتة السوء «3»

لقد قلنا سابقاً: إنَّ الصدقة تفيد المنفق قبل أنْ يفيد منها المحتاج، و قد درسنا في السطور السابقة ما يترتب على الصدقة من صفات كمالية اضافة إلى الاجر و الثواب المعنوي، و نقول هنا: بأنَّ الصدقة تدفع البلاء و الموتة السيئة، و الرواية التالية تكشف عن هذا الامر.

مرَّ يهودي بالرسول صلى الله عليه و آله فقال: السام عليك «4» فاجاب الرسول: «و عليك»، فقال النبي صلى الله عليه و آله: «إنَّ هذا اليهودي يعضه اسود في قفاه فيقتله»، قال: فذهب اليهودي فاحتطب حطباً كثيراً فاحتمله ثم لم يلبث أنْ انصرف فقال له رسول الله صلى الله عليه و آله: «ضعه» فوضع الحطب

______________________________

(1) رغم الولاء الظاهر الذي كان يبديه الناس لحكومة معاوية، إلّا أنّ قلوب كثيراً منهم أو اكثرهم كانت مع الأئمة، و يبدو أنَّ بذل الامام الحسن هذا كان من محل تبرعات الناس و انفاقهم و عطائهم لأهل البيت.

(2) بحار الانوار 43: 348.

(3) يراد من ذلك الموت الذي يحصل اثر الإحتراق أو الموت بالتقطيع ارباً ارباً و ما شابه.

(4) هذه الطريقة من السلام تعارفت عند بعض المسلمين، و هو أمر يؤسف له، و يبدو أنَّ عملهم هذا ناشى ء عن الجهل بما يعني هذا السلام، الذي هو نوع من اللعن.

امثال القرآن، ص: 93

فاذا اسود في جوف الحطب عاض على عود فقال:

«يا يهودي أي شي ء عملت اليوم؟» فقال:

ما عملت عملًا إلَّا حطبي هذا احتملته فجئت به و كان معي كعكتان فاكلت واحدة و تصدقت بواحدة على مسكين، فقال رسول الله صلى الله عليه و آله: «بها دفع الله عنه» و قال: «إنّ الصدقة تدفع ميتة السوء عن الإنسان». «1»

______________________________

(1) وسائل الشيعة ج 6، ابواب الصدقة، الباب 9، الحديث 3، و نجد هناك روايات أخرى بهذا المضمون.

امثال القرآن، ص: 95

المثل السابع: الإنفاق اللائق

اشارة

يقول الله الرازق في الآية 265 من سورة البقرة:

«وَمَثَلُ الّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوَالَهُمُ ابتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أنْفُسِهِم كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أصَابَهَا وابِلٌ فأتَتْ أُكَلَها ضِعْفَيْنِ فإنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيْرٌ».

رغم أنَّ هذا المَثل كَسَابقه عن الإنفاق لكن يختلف عنه في أنَّه يعكس الجوانب الايجابية للانفاق و المناظر الجميلة له غير تلك المناظر التي تحدث عنها المثل السابق و التي تزامنت مع المنّ و الأذى، لأنَّ الحديث هنا عن الانفاق المتزامن مع الاخلاص.

الشرح و التفسير

يقول الله في هذه الآية: إنّ مثل الذين ينفقون باخلاص و من دون رياء و أذى كمثل البستان في مكان مرتفع ذات تربة خصبة يسقيها الغيث، و الشمس تسطع عليها من كل مكان، فكانت النتيجة هي محاصيل وافرة و مضاعفة، قياساً لمحاصيل الأراضي المماثلة، و الذين ينفقون بمثابة البستان و يكون انفاقهم كمحاصيل هذا البستان وافراً و متضاعفاً.

إنَّ دَوافِع الإنفاق عند هؤلاء وفقاً لهذه الآية هي كالتالي:

الاول: «ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ» و هذا اشارة إلى الحديث المعروف عن الامام علي عليه السلام: «ما عبدتك خوفاً من نارك» رغم أنَّ نَاره مخيف تصورها فضلًا عن واقعها.

«و لا طمعاً في جنتك» رغم أنَّ نعمها ثمينة و قيِّمة جداً و لا يمكنها أن تدخل في مخيلة الانسان. «1»

______________________________

(1) لمعرفة المزيد من النعم الجسمانية و الروحانية في الجنة راجع تفسير نفحات القرآن 6: 189 فما بعدها.

امثال القرآن، ص: 96

«لكن وجدتك اهلًا للعبادة فعبدتك» «1» أي أنَّ أهليته للعبادة هي التي دفعت الامام للعبادة لا الخوف و الطمع.

إنَّ النوع الاول من العبادة هو عبادة العبيد؛ لأنَّ العبد يَمتثل الاوامر خوفاً من مولاه و سوطه. و النوع الثاني من العبادة هو عبادة التجار؛ لأنَّ العبادة

هنا يُتوخَّى منها الثمن و العوض. و النوع الاخير من العبادة هو عبادة الاحرار، حيث إنَّ اطاعتهم لمولاهم لا خوفاً و لا طمعاً بل لله خالصة. «2»

و قد تكون الآية الشريفة هنا ناظرة إلى النوع الاخير من العبادة، أي أنَّ الإنفاق هنا لم يتوخَّ منه إلّا وجه الله و رضوانه.

الثاني: الدافع الثاني للمنفقين في الآية الشريفة هو بلوغ الكمالات النفسانية و الملكات الروحانية، حيث قالت الآية: «تَثْبِيتاً لأنْفُسِهِمْ»، و قد جاء في مفردات الراغب أنَّ التثبيت يعني التقوية و التحكيم. بالطبع ليس المراد من التثبيت في الدعاء «اللَّهُمَّ ثَبِّتْ أقْدَامَنَا» هو تقوية الاقدام و تحكيمها، بل المراد تقوية خطى الاقدام و تحكيم هذه الخطى. «3»

خطابات الآية

1- في هذا المثل شُبِّه المنفِق بالجنة «4» و البستان الذي يقع في ارضٍ مرتفعة، و في هكذا أرض توجد عدة خصائص هي كالتالي:

الف- نور الشمس من العوامل المهمة لنمو النباتات، و الارض المرتفعة تنال نور الشمس من كل صوب؛ لأنه لا شي ء يحول دون السطوع المباشر عليها.

______________________________

(1) بحار الانوار 67: 186.

(2) هذا مضمون لكلمة قصيرة للامام علي عليه السلام في نهج البلاغة الكلمة 237.

(3) الآية (265 من سورة البقرة) شاهد اخر على ما ذهبنا إليه في المثل السادس من أنَّ المشبّه ليس المال المنفق بل نفس الشخص المنفق، فإنَّ الآية هنا تصرح في تشبيه شخصية المنفِق بالجنة (البستان).

(4) الجنة من مادة (جن) و تعني التستر، و قد استخدمت في البستان باعتبار أنَّ اشجاره تستر الأرض و تغطيها. و على هذا، فليس كل بستان جنة. و اطلاق مفردة (الجن) على الموجود المعروف باعتبار أنه غير مرئي بل مستتر و مختفي. و اطلاق المجنون على من سلب عقله باعتبار ان عقله

يتحجم و يتعطل و يتستر.

امثال القرآن، ص: 97

باء- جو المناطق المرتفعة كثيراً ما يكون نقياً و ذلك يعد من عوامل نمو الاشجار و إثمارها.

جيم- الأراضي المرتفعة محفوظة من السيول و الفيضانات، بينما البساتين التي تقع في السهول و الوديان و الشواطئ كثيراً ما تكون عرضة للفيضانات.

دال- أنَّ جمال و عظمة بستان يقع في مرتفع اكثر بكثير من جمال و عظمة بستان في سهل.

و على هذا، فإنَّ منفقين كهؤلاء يتلقون انوار الهداية اكثر من غيرهم هذا أولًا.

و ثانياً: ينالون من نسيم بذل الله و عطاءه النقي بشكل افضل.

و ثالثاً: قلما يكونون عرضة للبلايا و ميتة السوء.

و رابعاً: يبدون محبوبين عند الاخرين اكثر؛ لما يحضون به من معنويات عالية.

المشكلة الوحيدة لهكذا بساتين هي أنًها محرومة من امكانية جريان قنوات و سواقي فيها، و لاجل ذلك ينزل الله وابلًا من المطر كثرته تروي تربة البستان بالمقدار الكافي.

2- أشارت الآية الشريفة إلى نوعية المطر (وابل) و هي قد تكون ناظرة بذلك إلى درجات الانفاق؛ باعتبار أنَّ الوابل أو المطر الكثير يروي البستان بالكامل و نتيجة ذلك هو الثمار و الفواكه الكثيرة أمّا المطر القليل فلا يروي الاشجار و لا ينضج الثمار جيداً.

هناك فرق في الانفاق في سبيل الله بين أن يكون المنفق بحاجة إلى المال المنفَق و بين أنْ لا يكون هناك حاجة له. رغم أنَّ الإنفاق في كلا الحالتين رضاء لوجه الله.

كما أنَّ هناك فرقاً بين أنْ يصل المال المنفق إلى من يحتاجه حقاً و بين أنْ يصل بيد من لا يحتاجه حقاً.

ذيل الآية القائل: «واللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيْرٌ» شاهد قيِّم على ما قلناه في المقطع السابق حيث إنَّ مضمون هذا الذيل هو أنَّ الله بصير و عليم

بكون هذا المنفِق انفق رغم حاجته للمال أو لا أو أنَّه انفقه للمستحق أم لا.

3- موضوع الانفاق في الايات الشريفة 262 و 263 و 265 من سورة البقرة هو انفاق المال و الثروة، فالايات تحدثت عن الانفاق في الثروات من المال و الثياب و المأكولات و الادوية و الكتب و القرطاسية و وسائل العمل و ما شابه ذلك، إلّا أنَّ الآية الثالثة من سورة البقرة وسّعت نطاق الانفاق ليشمل كل ما انعم من نعم. و قد عدت الآية الانفاق من صفات

امثال القرآن، ص: 98

المؤمنين «وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ». «1»

و حسب هذه الآية فإنَّ موضوع الإنفاق عام و يشمل جميع نعم الله و ارزاقه، مثل الموارد التالية:

ألف- العلم، على العلماء أن يبذلوا من علمهم، و ذلك من خلال تعليم الآخرين، و إلّا حُوكموا كالمحتكرين في محكمة العدل الإلهي.

و قد جاء في رواية للامام الصادق عليه السلام «زَكَاةُ العِلْمِ نَشْرُهُ». «2»

باء- نفوذ الكلام و هو من ارزاق الله، و من المستحسن أنْ ينفق منه. فاذا شاهدت اختلافاً بين زوج و زوجته أو بين الجيران أو بين شريكين أو بين الاخوة و الاخوات أو بين اهالي قرية و .. فمن المستحسن استخدام النفوذ للمصالحة.

جيم- الاعتبار و الجاه في المجتمع، و هذه نعمة الهية أخرى ينبغي أنْ ينفق منها، فاذا ما كان مظلوم متورطاً في مخالب ظالم و كان بالامكان الشفاعة لهذا المظلوم باستخدام الوجاهة و الاعتبار الاجتماعي و انقاذه من مخالب الظالم فلا ينبغي التكاسل، بل ينبغي العمل باشتياق.

د- الاولاد، و هي من اكبر نعم الله و ينبغي انفاقها في سبيل الله متى ما اقتضت الحاجة، كما حصل ذلك للشعب الايراني اثناء الثورة الاسلامية و الحرب المفروضة فقد

ضحّوا باولادهم دون أنْ يبخلوا بشي ء من ذلك.

ه- الفكر، و هو من أثمن نعم الله على الانسانية و ينبغي انفاقه و بذله عند المشورة لاعانة الاخرين إلى مستوى يعد الإنسان خلاله مستشاراً صالحاً و ناصحاً.

______________________________

(1) و قد جاء مثل هذا التعبير في سورة الرعد الآية 22، و سورة النساء الآية 39 و سورة فاطر الآية 29 و آيات متعددة أخرى.

(2) ميزان الحكمة، الباب 1587 الحديث 7603. و في الباب روايات أخرى عينت زكاة خاصة لكل شي ء و قد جاء في رواية: (على كل جزء من اجزائك زكاة واجبة لله عز و جل بل على كل شعرة بل على كل لحظة) و قد عدت بعض الروايات مانع الزكاة كافراً أو سارقاً و في روايات أخرى اردفت أنواعاً موحشة من العذاب لمانع الزكاة، للمزيد راجع ميزان الحكمة، الباب 1580- 1582.

امثال القرآن، ص: 99

طرق الانفاق و إعانة الاخرين

للاعانة و الانفاق طرق مختلفة، و الطريق المتعارف عند الناس هو الانفاق المالي النقدي و غير النقدي للمحتاجين، و هو أمر مستحسن إلّا أنَّ هناك طرقاً افضل و اكثر تأثيراً تفي بهذا العمل الخير، و هو تشكيل منظمات و مؤسسات خاصة للاعانة و الانفاق المنظم.

لقد تشكلت هكذا مؤسسات على مستوى واسع في بعض المحافظات الايرانية و هي تسعى لجمع التبرعات من جهة، و من جهة أخرى تستقصي المحتاجين لاعانتهم بمختلف الطرق، مثل إعداد وسائل البيت الرخيصة من بعض المؤسسات و الشركات و الدوائر.

و قد تكفلت بعض هذه المؤسسات قضية دراسة الاطفال و تحمل نفقاتهم و الاشراف عليهم من هذا الجانب، و ارتقى بعض من هؤلاء الاطفال الدرجات العليا و دخلوا الجامعات و تخرجوا منها.

و تقوم بعض منها بنشاطات ثقافية اضافة إلى الاعانات المالية، و

ذلك من قبيل تشكيل دورات تعليمية تثقيفية لمختلف الاعمار.

على المسلمين في العصر الراهن أنْ يلتفتوا إلى هذا النوع من الانفاق المنظم اكثر. و رغم أنَّ بعض الدوائر الحكومية تكفلت بهذه القضية إلّا أنّ كثرة المحتاجين و الفقراء في عصرنا هذا يستدعي وجود مؤسسات خيرية منسجمة على نطاق واسع.

جمعيات اعانة السجناء و المرضى من ضمن الطرق الاخرى المنسجمة و الجيدة التي اشرنا اليها في السطور السابقة.

إنَّ الالتفات إلى الابتكار و الابداع «1» في مجال الاعانات لهذه المؤسسات و الجمعيات يؤدي إلى انتاجية اكثر، بحيث تتم الاعانات و المساعدات بالافادة من اقل مقدار ممكن من الامكانيات.

لقد قلنا سابقاً: إنَّ الصدقة كما قال رسول الله صلى الله عليه و آله تمنع من ميتة السوء، و هنا حديث اخر للرسول صلى الله عليه و آله يقول فيه: «إنَّ الله لا اله إلَّا هو ليدفع بالصدقة الداء و الدبيلة و الحرق و الغرق

______________________________

(1) و من هذه الابداعات هو تنظيم جماعات لارسالهم إلى المناطق المحرومة و بخاصة المناطق الحدودية للبت في النشاطات الثقافية، مثل بناء المدارس و المساجد و المستوصفات و غير ذلك، و هذه المجاميع يمكنها ان تصد أو تحد من الهجمات الثقافية لاعداء الإسلام من امثال (الوهابية).

امثال القرآن، ص: 100

امثال القرآن 156

و الهدم و الجنون، وعد سبعين باباً من السوء». «1»

بالطبع، كلام الرسول صلى الله عليه و آله ليس هراء بل يحكي عن الواقع. و هذه آثار حقيقية للصدقة فاذا احيت هذه السنة الحسنة لزالت الكثير من مشاكلنا الاجتماعية و الشخصية كذلك.

4- في آية المثل السابع يُلاحظ أربع خصائص:

الاولى: الأرض المرتفعة. الثانية: اشجار البستان. الثالثة: الوابل أو المطر الشديد.

و الرابعة: الثمار و الفواكه الكثيرة. و كلٌّ

من هذه تشبيهات من ناحية، و من ناحية أخرى تعبّر عن اعضاء الإنسان و صفاته أو النعم الالهية التي يتمتع بها هذا الموجود.

التعابير التالية عن التشابيه الأربعة الماضية جاءت في أحد التفاسير:

لقد شبه روح الإنسان و قلبه بالارض المرتفعة التي يقع فيها البستان، أمّا اعمال الإنسان الصالحة و اللائقة فقد شبهت بالانفاق و البذل في سبيل الله، و قد شبهت رحمة الله و نعمه و هدايته التكوينية و التشريعية «2» بالمطر الكثير (الوابل) الذي يروي الاشجار و الاعمال الصالحة و الملكات الفاضلة لتنمو. و اما الفضائل النفسية و الصفات الروحية و الاخلاقية البارزة من قبيل الايثار و الجود و السخاء و البذل و التواضع و الخضوع و حب الغير فقد شبهت بثمار البستان و فواكهه المباركة.

الهدف من هذه التشابيه و هذا المثل- كغيره من الامثال- هو التكامل الوجودي للانسان و بلوغ درجة القرب إلى الله، و بتعبير آخر: صيرورة الإنسان عبداً خالصاً لله، و ذلك هو الهدف من خلق الإنسان و جميع الموجودات ذات الشعور و الاحاسيس، «3» و ذلك عبارة أخرى عن ايصال الإنسان إلى مقام يؤهله للدخول في خطاب الآية اللطيفة و المهدئة: «يا أيَّتُهَا النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إلى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً، فادخُلِي فِي عِبَادِي وادْخُلي جَنَّتِي». «4»

______________________________

(1) وسائل الشيعة ج 6، ابواب الصدقة، الباب 9، الحديث 1.

(2) المراد من الهداية التشريعية هو آيات القرآن المجيد و الوحي و اقوال و سيرة الرسول صلى الله عليه و آله. و المراد من الهداية التكوينية هو الاعدادات و الإمدادات الغيبية التي تطرأ على قلب الإنسان المؤمن و روحه لتهديه إلى الصواب.

(3) يقول الله في الآية 56 من سورة الذاريات: (وَ مَا خَلَقْتُ الإنسَ و الجِنَّ

إلّا لَيَعْبُدُون).

(4) الفجر الآيات 27- 30.

امثال القرآن، ص: 101

ما أحسن السعادة التي ينالها الإنسان

من النتائج المستوحاة من هذا المثل هي أن هناك جنة (علاوة على الجنة الموعودة في الاخرة) في الدنيا، و هي جنة قلب الإنسان المؤمن المملوءة بالأشجار و الثمار، أي الصفات و الفضائل الاخلاقية لروح الإنسان و صفائها من التلوث، و الإنسان لا يمكنه ادراك هذه الجنة و لا يمكنه الشعور بها إلَّا أنْ تكون أعماله جميعها خالصة لوجه الله و ابتغاءً لمرضاته، و لا يكون فيها ذرة من الرياء. و الجملة الاخيرة للاية تشير إلى هذا الموضوع: «واللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيْرٌ» فإنَّ الله يرى الاعمال و يرى نواياها و يرى كل ما يطرأ على النوايا من اغراض غير إلهية.

موضوع الشرك في العمل الذي يصطلح عليه (الرياء) تعرضت له الايات و الروايات على مستوى واسع.

يقول رسول الله صلى الله عليه و آله في حديث نقل عنه: «إنَّ الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ليلة ظلماء». «1»

و حسب هذه الرواية؛ فإنَّ الشرك اخفى من حركة نملة سوداء على صخرة سوداء في ليلة ظلماء.

الإنسان بعد سنوات من العبادة قد يدرك عدم خلوصه في كثير من العبادات، إنَّ هكذا انسان سيكون سعيداً إذا ما تاب و بت في الجبران.

و تباً للإنسان الذي يدرك عدم خلوصه لكن ادراكه يكون متأخراً، يقول الله تعالى «... كَلَّا انَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ...». «2»

ننهي بحثنا عن الشرك بذكرى عن مرجع عالم الإسلام آية الله العظمى السيد البروجردي رضوان الله تعالى عليه.

كان السيد قد ذهب لقرية بشنوة (في ضواحي مدينة قم) لاجل الاستراحة، و في احد

______________________________

(1) ميزان الحكمة، الباب 1994، الحديث 9316.

(2) المؤمنون الآية 100.

امثال القرآن، ص: 102

الايام هناك كان قد فرش

سجادة قرب قنال هو مع مرافقيه، و قد شاهد المرافقون انذاك أنَّ السيد قد غاص في التفكير كثيراً فسألوه عن علة ذلك فأجاب: (كنت افكر في أنَّه هل كان لي عمل خالص لوجه الله و ابتغاء مرضاته من دون أنْ يشوبه شائبة ام لم يكن؟).

فقالوا له: مولانا! الحمد لله، إنّ لك خدمات كثيرة قدمتها للحوزة العلمية و المسلمين، «1» فلا مجال للقلق. فهز السيد رأسه و قرأ الحديث «إخلص العمل فإنَّ الناقد بصير». «2»

الناقد هو الذي يميز السكك الخالصة عن المزورة، إنَّ نسبة التزوير إذا كانت كبيرة فقد يستطيع الناس عموماً تشخيصها أمّا إذا كانت نسبة الغش و التزوير قليلة جداً فذلك أمر لا يشخصه الا الناقد. و حسب هذه الرواية، فإنَّ الله هو الناقد لنوايا الإنسان و يمكنه تشخيص الخالص عن غيره، فهو بصير و عليم و يشخص حتى اقل مقدار من الغش و عدم الخلوص.

و على هذا، ما علينا إلَّا أنْ نسعى بأنْ لا يكون أي جزء و لو بسيط من عدم الخلوص في اعمالنا و اقوالنا و افكارنا، و ذلك لاجل التقرب إلى الله تعالى.

آداب الانفاق

اشارة

ندرس هنا بعض آداب الانفاق و اصوله:

1- الإنفاق ممَّا تحبون

إذا انفق شخص ما كان لديه من اغذية زائدة و ألبسة رثة فلا اشكال في ذلك و هذا اقل مرتبة للانفاق و ادنى حد له، إلَّا أنَّ على الإنسان أن ينفق ما يحب لاجل بلوغ اعلى مراتب

______________________________

(1) حقاً ان خدمات السيد جبارة، و هي من قبيل: احياء الحوزة العلمية الشيعية و بناء ما يقرب من الف مسجد و ترميم ابنية دينية و اعادة طبع كتب قديمة قيمة كانت قد نسيت و مبادرته الذكية في ارسال مبعوث عنه إلى جامعة الازهر في مصر و اعلام هذا المركز اثر ذلك عن أنَّ التشيع مذهب كبقية المذاهب الاسلامية و أنَّ المسلمين يمكنهم التمسك به و العمل حسب تعاليمه و خدمات مهمة و كثيرة أخرى.

(2) بحار الانوار 13: 432.

امثال القرآن، ص: 103

الإنفاق: «لَنْ تَنَالُوا البرَّ حَتى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ». «1»

و قد قيل في الزهراء عليها السلام: انها عند ما ذهبت إلى بيت زوجها للعرس صادفت في الطريق محتاجاً سألها الاعانة، فبذلت له ثوب عرسها رغم انها كانت تحمل ملابس رثة و زائدة. «2» لا يمكن العثور في كل التاريخ على انفاق خالص مثل ما صدر من الزهراء عليها السلام فهي شابة في مقتبل العمر تنفق ملابس عرسها رغم ان بامكانها انفاق ما كان عندها من ملابس زائدة أخرى.

و ذلك مصداق حقاً للاية الشريفة السابقة.

يمكننا العثور على انفاق من هذا القبيل صدر من المعصومين عليهم السلام، فإنَّ الإمام علي عليه السلام انفق خاتمه لفقير و هو راكع في صلاته، و قد نزلت في هذا الشأن الآية 55 من سورة المائدة. «3»

و في حال الامام علي عليه السلام ينقل انه كان يشتري قميصين،

و يخير قنبر غلامه في انتخاب احدهما و يترك الاخر له. «4»

و قد قال الامام الصادق عليه السلام في رواية له: «ما من شي ء إلّا وكِّل به ملك إلَّا الصدقة فانها تقع في يد الله تعالى». «5»

و هل من المناسب و اللائق للانسان ان يبذل اموالًا لا يحبها تصل مباشرة بيد الله؟!

2- الانفاق في غاية الادب

إنَّ الأدب ضروري عند البذل و الانفاق، و ينبغي السعي آنذاك لاجل حفظ ماء وجه و شخصية المحتاج، يقول القرآن المجيد: «قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أذَىً ...». «6»

______________________________

(1) آل عمران: 92.

(2) النقل بالمضمون و ليس بالنص و هو عن احقاق الحق 10: 401، نقلا عن كتاب (مظهر ولايت) ص 269.

(3) تفصيل القصة في ذيل الآية في المجلد الرابع من الأمثل الصصحفة 45- 46.

(4) بحار الانوار 4: 324 طبع بيروت.

(5) وسائل الشيعة 6: 303.

(6) البقرة: 263.

امثال القرآن، ص: 104

إذا راجعك محتاج و سألك شيئاً و اجبته بهذا: (أعتذر، لا يمكنني اعانتك) أي ترده باحترام فذلك افضل من أن تنفق له مع أذية و منة بأن تقول له: (لا اراك بعد هذا) أو (خذ هذا لتريحني من شرك).

إنَّ هذه الأخلاقية الرفيعة في الإنفاق تلاحظ عند المعصومين بشكل واضح، فقد قيل في الإمام السجاد عليه السلام: إذا اعطى السائل قبَّل يده، فقيل له لِمَ تفعل ذلك؟ قال: «لانها تقع في يد الله قبل يد العبد». «1»

كم هو الفرق بين الانفاق المخلص و المتزامن مع الأدب و الاحترام الوافر، و الانفاق الذي يتم عن رياء و تحقير.

3- التعجيل في دفع الصدقة

لا ينبغي التأني و التواني الوافر و الوسوسة عند دفع الصدقة تقرباً لله تعالى؛ لأنّ الشيطان في ذلك الزمن يسعى كثيراً لمنع الإنسان من دفع الصدقة، يقول الله تعالى في الآية 268 من سورة البقرة: «الشَيْطَانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ ويَأمُرُكُمْ بِالفَحْشَاءِ واللهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيْمٌ».

إنَّ الشيطان يوسوس للانسان بشتى الطرق، فهو يقول مثلًا: (فكِّر بمستقبل أطفالك، و بأيام شيبك و حافظ على أموالك لذلك الحين). هذا لأجل صرف الإنسان عن الانفاق، بينما الله يعد بالمغفرة و

بارجاع المال المنفق.

و قد تعارف بين الناس أنَّ الشيطان يتعلق بيد الإنسان عند ما يريد الاخير بذل المال؛ و ذلك لمنعه عن البذل. و هذا اشارة أخرى إلى الآية الشريفة.

و من المثير أنَّ القرآن لم يستخدم كلمة (الفقر) «2» الا في هذه الآية، و قد نسبه إلى الشيطان.

مَن كان يرزقك عند ما كنت جنيناً في ظلمات ثلاث؟ الله هو الرازق، و هو بنفسه سيكون

______________________________

(1) وسائل الشيعة 6: 303.

(2) أمّا مشتقات هذه الكلمة فقد استخدمت اربعة عشر مرة في القرآن.

امثال القرآن، ص: 105

رازقاً لك و لأولادك عند الشيخوخة و العجز.

هناك قول جميل لأحد العظماء يقول فيه: (لا أعمل شيئاً لمستقبل أولادي؛ لأنهم إنْ كَانُوا من أولياء الله فالله لا يكلّ وليه لنفسه، و إنْ كَانوا أعداء لله، فما لي أعينهم؟!).

4- صدقات السر و العلانية

المستفاد من الروايات هو أنَّ الصدقة عملٌ الأفضل إتيانه سراً، إلَّا أنَّه في بعض الأحيان يستدعي الأمر العلانية في التصدق، و ذلك لعنوان ثانوي طارئ. «1»

إنَّ هذا الأمر قد بُيّن بوضوح في الآية الشريفة 271 من سورة البقرة: «إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَات فَنِعِمَّا هِي وإنْ تُخْفُوهَا وَتُؤتُوهَا الفُقَرَاءَ فَهُو خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبَيْرٌ».

5- الأولوية للمساكين المتسترين

القرآن المجيد يعتبر المساكين و المتسترين على فقرهم هم المحتاجون الحقيقيون كما هم أولى باستلام هذه الاعانات و الصدقات، الآية 273 من سورة البقرة تحكي هذا المضمون: «لِلفُقَرَاءِ الَّذينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيْلِ اللهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبَاً فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الجَاهِلُ أغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيْمَاهُم لَا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إلْحَافاً وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ».

من الفقراء ذو عزة نفس عالية و مثل هؤلاء هم اهل لهذه الصدقات و أولى بها، و بخاصة أنَّ هذا الشهر شهر مبارك و الأعمال العادية فيه تعدّ عبادة، فكيف بطاعة ذات قيمة عالية مثل التصدق؟ كما أنَّ من فلسفة الصيام هو الاحساس بالآم المحتاجين للبتّ في رفع احتياجاتهم. «2»

______________________________

(1) من المفضل في الموارد التالي ذكرها ان يكون التصدق علانية: لتشجيع الاخرين على التصدق، لاحياء سنة التصدق الاسلامية، هذا إذا ما كان كل المسلمين يتصدقون سراً، فان التصدق سراً هنا قد يؤدي إلى تهمة ترك الانفاق، و كذا التصدق لتعظيم الشعائر الدينية.

(2) وسائل الشيعة ج 6، ابواب الصوم، الباب 1، الحديث 1 و 3 و 4 و 5.

امثال القرآن، ص: 107

المثل الثامن: عاقبة الامور

اشارة

يقول الله تعالى في ثامن مثل من أمثال القرآن في الآية 266 من سورة البقرة:

«أيَوَدُّ أحَدَكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنّةٌ مِنْ نَخِيْلٍ وَأعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ لَهُ فِيْهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وأصَابَهُ الكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَةٌ ضُعَفَاءُ فأصَابَهَا إعْصَارٌ فِيْهِ نَارٌ فاحْتَرَقَت كَذلك يُبَيِّن اللهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ».

تصوير البحث

كيف يكون أحدكم راغباً في ان يبتلى بمصير الشخص الذي له بستان فيه نخيل و أشجار مثمرة و فيه أنهار بعد ما بلغ هذا الشخص سن الكبر، و كان قد جمع حوله ذرية و اطفالًا ضعفاء، حينئذ يواجه البستان إعصاراً متزامناً مع نار ملتهبة تلتهم بستانه و ما فيه ليصبح ذليلًا بعد عمر من العز.

الشرح و التفسير

للمفسرين أقوال في هذه الآية:

يعتقد بعض المفسرين أنَّ هذا المثل يحكي عاقبة الإنسان الذي يحرق محاصيل انفاقه و بذله بنار الرياء، لتذهب بذلك أعماله الصالحة و عباداته سُدى.

قد يقوم البعض باعمال كثيرة من قبيل الحج و الصلاة و الصيام و الجهاد و اعانة المساجد

امثال القرآن، ص: 108

و بناء المستشفيات و اعانة الايتام، و قد يقضي عمراً طويلًا في هذه الأعمال إلَّا أنه قد يحرقها و يُذهب بها مع الريح ليمحو آثارها و ذلك بأن يتراءى بها. «1»

و يرى البعض أنَّ آية المثل لا تختص بالرياء، بل تشمل جميع الذنوب، فإنَّ الآية تحذّر المسلمين ليراقبوا أعمالهم و عباداتهم، و يحفظوها مما قد يدمرها و يحرقها من الذنوب.

و حسب هذه الاية، فانّ الإنسان إذا لم يراقب أعماله قد يبتلي بمصير هذا الشيخ الذي تضرر هو مع عياله و أولاده و أوقع مستقبل اطفاله بخطر. «2»

و بعبارة أخرى: يا إنسان! حافظ على أعمالك و عباداتك دائماً و بشكل مناسب و فكر بعاقبة امرك؛ و أنَّ حفظ العمل اصعب من اداء نفس العمل.

قال رسول الله صلى الله عليه و آله: «من قال لا إله الا الله، غرس الله بها شجرة في الجنة»، و الحديث يعني أنَّ الإنسان كلما نطق بهذه الكلمة غرست له شجرة في الجنة.

و المستفاد من هذه الرواية هو أنَّ الجنة و

كذا جهنم تبنى بواسطة أعمالنا، فهي ليست مبنية من ذي قبل.

قال رسول الله صلى الله عليه و آله: «من قال: سبحان الله غرس الله بها شجرة في الجنة. و من قال: الحمد لله غرس الله له بها شجرة في الجنة. و من قال: لا اله الا الله غرس الله له بها شجرة في الجنة.

و من قال: الله اكبر غرس الله له بها شجرة في الجنة».

فقال رجل من قريش: يا رسول الله إنّ شجرنا في الجنة لكثير، قال: «نعم، و لكن إيَّاكم أنْ ترسلوا عليها نيراناً فتحرقوها و ذلك أنَّ الله عز و جل يقول: «يَا أيُّهَا الّذِيْنَ آمَنُوا أطِيْعُوا اللهَ وأطِيْعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أعْمَالَكُم». «3»

و يقول الرسول صلى الله عليه و آله في حديث آخر: «العلماء كلهم هلكى إلَّا العاملون، و العاملون كلهم هلكى إلَّا المخلصون، و المخلصون على خطر». «4»

______________________________

(1) انظر الأمثل 2: 216- 217.

(2) انظر مجمع البيان 2: 379.

(3) بحار الأنوار 90: 168.

(4) ميزان الحكمة، الباب 1032، الحديث 4768.

امثال القرآن، ص: 109

و في هذا الحديث تحذير آخر للانسان بان لا يذهب باعماله الخالصة الماضية بذنوبه المقبلة.

«أيَوَدُّ أحَدَكُم أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيْلٍ وَأعْنَابٍ» إنَّ الإشارة إلى فاكهة العنب و التمر دون غيرهما يفيد أنهما أهم أغذية للبشر، أما الأهم منها فمعدم أو قليل.

«تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ فِيْهَا مِنْ كُلِّ الثَمَرَاتِ» البستان قد يحتوي على بركة أو قنال يسقى منها، و الأخير قد يستدعي بذل المال مقابل الماء. و في كلا الحالتين، إنَّ السقي بهما يستلزم متاعب و زحمات جمة. إلَّا أنَّ البستان الذي تحدثت عنه الآية يقع في مسير نهر، و هذا يعني أنَّ السقي لهذا البستان مريح جداً و لا

يستدعي تحمل زحمات وافرة. اضافة إلى هذا؛ فإنَّ في هذا البستان فواكه من قبيل التمر و العنب.

«وأصَابَهُ الكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءٌ» أي أنَّ صاحب هذا البستان أصبح شيخاً كبيراً.

و ضعف الذرية اشارة إلى عدم امكانهم اعانته على شؤون البستان، بل انَّ عب ء هؤلاء الأطفال واقع جميعاً على عاتق هذا الشيخ، و هذا البستان لا يحتاج إلى عناية كبيرة و مستمرة فيمكنهم التمتع بمحاصيله و ثماره.

«فَأصَابَهَا إعْصَارٌ فِيْهِ نَارٌ فاحْتَرَقَتْ» أي في الوقت الذي يكون فيه الشيخ بأمسِّ الحاجة إلى هذا البستان يأتي إعصار من نار يحرق هذا البستان و يبدله إلى تل من الرماد ثم يذهب هذا الرماد مع الريح متناثراً بحيث لا يبقى أي اثر منه.

الإعصار يحصل اثر اصطدام ريحين قادمين من اتجاهين مختلفين، و هو يحضى بقدرة عجيبة إذا حصل في مكان فانه يذهب معه كل ما يكون هناك من اشياء، فقد يذهب بماء حوض مع اسماكه و يسقطها في مكان اخر بحيث يتصور البعض انّ الاسماك جاءت من السماء، و قد يرفع انساناً من مكانه و يلقيه في مكان آخر.

سؤال: كيف يحصل النار و يتزامن مع هذا الاعصار؟

هناك إجابات عديدة لهذا السؤال:

الف- يعتقد البعض أنَّ الاعصار خالٍ من النار، و النار تقدم من الصواعق فالصاعقة تحرق البستان ثم يأتي الاعصار ليذهب برماد البستان و ينقله إلى مكان آخر.

امثال القرآن، ص: 110

باء- إنَّ الاعصار قد يتلاقى مع نار مستعرة فياخذ منها و يلقيه على البستان فيحترق البستان و يتبدل رماداً.

جيم- هذه الأعصار ليست اعصاراً متعارفة، بل هي اعصار يطلق عليها (سموم) تهب غالباً في السعودية و الذين يقعون في طريقها يتقنعون و ينبطحون إلى أنْ تَتجاوزهم، و هذه الأعصار عند ما تلاقي البستان

تحرقه و تدمره.

«كَذَلك يُبَيِّن اللهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكُم تَتَفَكَّرُونَ» يعتبر الله الهدف من هذا المثل هو التفكّر و التعقل. و وفقاً لهذه الآية الشريفة، فإنَّ على الإنسان أن يودع نفسه بيد الله و يعتقد أنَّ كل ما يقوم به من أعمال و طاعات و عبادات هي قليلة في حق الله و أنَّ ما يصله من الله تعالى من نعيم هو بلطفه و إحسانه لا لعمل و عبادة استحق بهما الإنسان تلك النعم.

من المؤسف أنَّ هذا الإنسان الضعيف قد لا يفكر جيداً و يغتر بما جاء به من ركعات صلاة و أيام من الصوم فيعد نفسه- لأجل ذلك- من أصحاب الجنة. بل يعد الجنة، واجبة له، و نفس هذا الإنسان قد يرى نفسه ميتاً خلو الإيمان.

اللهم اجعلنا من المرحومين و لا تجعلنا من المحرومين.

إنّ السوء كان عاقبة هذا الشخص

في زمن الطاغوت البهلوي كان طالب حوزة متدينٌ جداً و متقٍ، و كان يواضب على اعماله كثيراً، و قد كان متذمراً من اخيه و لا يعاشره لاجل انه كان لا يدفع الخمس و الزكاة. في يوم من الأيام مرض هذا الطالب مرضاً شديداً فاخذه اخوه إلى بيته ليعتني به و أثناء تواجده عند أخيه ذهب احد الاساتذة لعيادته و عند الدخول قال للاستاذ: لا تجلس على السجادة لانها مغصوبة .. لكن الزمان غيّر هذا الطالب و لم يبقه على ما كان، بل حوّله إلى درجة أنّه ما كان يجلس على مأدبة طعام خالية من المسكر.

يقول الإمام علي عليه السلام في الخطبة القاصعة «1» التي تعرض في جزء منها إلى آثار التكبر

______________________________

(1) نهج البلاغة، الخطبة 192.

امثال القرآن، ص: 111

و العجب: «فاعتبروا بما كان من فعل الله بابليس إذ احبط عمله الطويل و جهده

الجهيد و كان قد عبد الله ستة الاف سنة، لا يدري أمن سني الدنيا ام من سني الاخرة عن كبر ساعة واحدة»، فإنَّ ساعة من العناد و التكبر احبطت اعماله و ورطته بمصير لا يحمد.

و على هذا، فلا ينبغي ان يغتر الإنسان ابداً بطاعاته و اعماله، بل عليه ان يتطلع دائماً إلى عفو الله و رحمته.

اللهم اجعل عاقبة أمرنا خيراً.

خطابات آية المثل هي الاحباط و التكفير

من البحوث المطروحة في علم الكلام هي مسألة الاحباط و التكفير و قد أشارت اليهما الآية.

إنَّ الاحباط عبارة عن أعمال و ذنوب، الاتيان بها يؤدي إلى ذهاب حسنات الإنسان و عباداته. أمّا التكفير فهو عبارة عن اعمال، اداؤها يؤول إلى ذهاب الذنوب و محوها. و على سبيل المثال، فإنَّ تكبر الشيطان و حسده ولجه سبب في احباط اعماله التي أدَّاها خلال ست الاف سنة، أمّا توبة الحر بن يزيد الرياحي عند الامام الحسين عليه السلام فقد كانت تكفيراً لذنوبه التي ارتكبها.

ان التوبة تطفي نار الذنوب، و على المسلمين ان يتوبوا و ينيبوا إلى الله دائماً بالدعاء و المناجاة و التوسل بالأئمة المعصومين عليهم السلام.

اضافة إلى الايات، فإن ادعية العشرة الثالثة من شهر رمضان أشارت إلى مسألة الاحباط و التكفير، فنقرأ في دعاء ليلة القدر مثلًا: «و ان كنت من الاشقياء فامحني من الاشقياء و اكتبني من السعداء» «1» فان القسم الاول من الدعاء يشير إلى مسألة الاحباط و القسم الثاني إلى مسألة التكفير.

______________________________

(1) مصباح الكفعمي، أعمال ليلة الثالث و العشرين من شهر رمضان المبارك اضافة الى هذا فان جملة (ان تجعل اسمي في هذه الليلة في السعداء) نجدها في جميع ادعية الليالي العشر الاخيرة من شهر رمضان.

امثال القرآن، ص: 112

الاستدلال على وجود الاحباط و التكفير

رغم أنَّ بعض العلماء المسلمين لا يعتقد بالاحباط و التكفير و لا يرى تأثيراً لاحدهما على الاخر أي أنَّ الأعمال الحسنة لا تؤثر على السيئة و السيئة لا تؤثر على الحسنة، لكن القرآن يصرح في بعض الآيات بالاحباط و التكفير.

و نختار من ذلك بعض النماذج:

الف- يقول الله في الآية 114 من سورة هود: «وَأَقِمِ الصَّلوةَ طَرَفَي النَّهَارِ وَزُلْفاً مِنَ اللَّيْلِ إنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلك

ذِكْرَى للذّاكِرِينَ».

باء- يتحدث القرآن المجيد عن الاحباط في الآية 5 من سورة المائدة: «وَمَن يَكْفُرْ بِالإيمَان فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَة مِنَ الْخَاسِرِينَ». «1»

و على هذا، فأصل الإحباط و التكفير قد بُيِّنَ في الآيات، إلّا أنها لم توضح أي نوع من الذنوب توجب الاحباط و أي نوع من الاعمال توجب التكفير، و علينا استفادة ذلك من الروايات.

ما ينبغي علينا إلّا مُراقبة أعمالنا خوف أنْ يصدر منّا عمل يحبط اعمالًا قيّمة كثيرة. و إذا ما اذنبنا فعلينا طلب الاعانة من الله بالبكاء و النواح لكي يتوافر بذلك بحر من الماء يطفئ نار الذنوب. و إذا كانت شخصية مثل الإمام علي (عليه السلام) يسجد و يقول خضوعاً: «آه من قلّة الزاد و طول الطريق و بعد السفر ...» «2» فكيف بنا نحن انا و أنت؟!

______________________________

(1) و هناك آيات أخرى من القرآن الكريم دلت على الاحباط و التكفير، للمزيد راجع تفسير الأمثل 2: 67- 96، و محال أُخرى من الكتاب نفسه متناثرة في باقي مجلداته، منها في سورة هود و منها في سورة الحجرات و غيرهما من السور.

(2) نهج البلاغة، الكلمات القصار، الكلمة 77.

امثال القرآن، ص: 113

المثل التاسع: أكل الربا

اشارة

يقول الله تعالى في الآية 275 من سورة البقرة:

«الّذِيْنَ يَأكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إلّا كَمَا يَقُومُ الّذِي يَتَخَبَطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ المَسِّ ذلك بِأنَّهُم قَالُوا إنَّمَا البَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأمْرُهُ إلى اللهِ وَمَنْ عَادَ فأُولئِكَ أصْحَابُ النِّارِ هُمْ فِيْهَا خَالِدُونَ».

تصوير البحث

إنّ آكلي الربا على أساس هذه الآية عند ما يدخلون المحشر يوم القيامة يدخلون كالسكارى أو المجانين أو المصروعين، لا يتمالكون على انفسهم و لا يستطيعون حفظ تعادلهم فيقعون و يقومون بين الحين و الآخر. و هذا المنظر المرعب يلفت انظار اهل المحشر و يجعلهم يدركون أنَّ هؤلاء هم آكلو الربا.

علاقة الآية بما قبلها

الايات السابقة تحدثت عن الصدقة و الانفاق في سبيل الله، و هذه الآية ترتبط بشكل و آخر بالصدقة؛ و ذلك لأن الصدقة على قسمين:

1- الصدقة دون عوض و هو الانفاق و البذل للمحتاجين.

2- الصدقة مع العوض و هو الدين أو القرض الحسن.

امثال القرآن، ص: 114

إنّ الدين إذا لم يكن مع عوض و ربح كان قرضاً حسناً و الّا عُدَّ رباً و حراماً. و قد جاء في الروايات أنَّ الصدقة و البذل من دون عوض اجرها عشرة اضعاف، أمّا إلاقراض أو الصدقة مع العوض فاجره ثمانية عشر ضعف، «1» و سبب ذلك واضح من حيث أنَّ المقترضين محتاجون حقاً، و هم ذوى اعتبار و ماء وجه.

و على هذا، فإنَّ شيئين يتوخى من القرض هما: أولًا- رفع حاجة المحتاجين. ثانياً- الحفاظ على حيثية و اعتبار المحتاج.

و على أساس الآية الشريفة: «مَنْ جَاءَ بالحَسَنةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثَالِهَا» «2» فإنّ كلًا منها له عشر حسنات و المجموع هو عشرون، و لكن باعتبار انّ القرض يسترجع بعد فترة من الزمن فتنقص منه حسنتان ليكون المجموع ثمانية عشر.

الشرح و التفسير

«الّذينَ يأكُلُونَ الرِّبَا ...» أي أنَّ آكلي الربا سيبتلون يوم المحشر بعدم التعادل و التوازن في المشي و يبدون كأنهم مصروعون أو مجانين.

«ذَلك بِأنَّهُمْ قَالُوا إنَّمَا البَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا» إنّ سبب ابتلاء هؤلاء بهذا المصير هو أنَّهم إضافة إلى اكلهم الربا كانوا يسعون في تبرير عملهم بالقول: إنَّ البيع مثل الربا، كما الاول حلال كذلك الثاني.

«أحَلَّ اللهُ البيعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا» حلية البيع و المعاملة لأجل وجود مصلحة في ذلك عكس الربا، ففيه مفسدة اضافة إلى أنه يفقد المصلحة. ففي المعاملة تارة يكون ربح و اخرى يكون

______________________________

(1) عن رسول الله صلى الله عليه

و آله انه قال: ( (رأيت مكتوباً على باب الجنة (الصدقة بعشرة و القرض بثمانية عشر) فقلت: يا جبرئيل وَ لِمَ ذلك و الذي يتصدق لا يريد الرجوع و الذي يقرض يعطي لان يرجعه؟ فقال: نعم، هو كذلك و لكن ما كل ما يأخذ الصدقة له بها حاجة و الذي يستقرض لا يكون الا عن حاجة فالصدقة قد تصل إلى غير المستحق و القرض لا يصل إلّا إلى المستحق، و لذا صار القرض افضل من الصدقة)).

مستدرك الوسائل 13: 395، ابواب الدين و القرض الباب 6 الحديث 3.

(2) الأنعام الآية 160.

امثال القرآن، ص: 115

خسارة إلّا أنَّ الأمر في الربا يختلف، فآكل الربا يحصل على الربح دائماً و لا يتضرر ابداً و الخسارة يتحملها المقترض فقط، و لذلك عدت امواله حاصلة بلا تعب.

اضافة إلى هذا، فإنَّ أكل الربا سبب في ايجاد الفجوة بين طبقات المجتمع، و ذلك لأنَّ ظاهرة الربا إذا تفشت في المجتمع اجتمعت ثروات الناس و أموالهم عند آكلي الربا بعد فترة وجيزة من الزمن، أمّا الاخرون فتتردى اوضاعهم إلى أسوأ ما يمكن.

«فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأمْرُهُ إلى اللهِ» في بداية الاعلان عن هذا الحكم يصرح الله بشمول العفو و المغفرة لاولئك الذين كانوا يمارسون الربا قبل هذه الآية فلا خوف عليهم.

و عليه، فالذين كانت لهم اموال عند الناس و تعاقدوا معهم على ان يكون لهم فيها ربا، فإنَّ هذه المعاملة تبطل و اصحاب الاموال من الان فما بعد باتوا لا يملكون الا رؤوس اموالهم فحسب و لا حق لهم في استلام اكثر من ذلك.

«وَمَنْ عَادَ فأُولئِكَ أصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيْهَا خَالِدُونَ» يهدد الله في هذه الآية اولئك الذين يعاودوا

ممارسة هذا العمل بعد هذه الآية و يقول بأنَّهم إذا فعلوا هذا مرة أخرى- و هو عمل عد في بعض الروايات كممارسة الفاحشة مع المحارم «1»- فإنَّ جهنم تنتظرهم و سيكونون مخلدين فيها.

سؤال: إنّ الخلود في جهنم خاص بالكفار فما يعني الخلود بالنسبة لآكلي الربا من المسلمين؟

الجواب: من التفاسير التي ذكرت في هذا المجال هو أنَّ آكلي الربا يموتون غير مؤمنين بسبب عملهم القبيح هذا، و من الواضح أنَّ غير المؤمنين يخلدون في جهنم. «2»

______________________________

(1) شبه الربا بالزنا في كثير من الروايات، و للمزيد يمكنك مراجعة وسائل الشيعة ج 12 أبواب الربا، الباب الاول، الروايات 1 و 5 و 6 و 18 و 19 و 21 و 22.

(2) و الاحتمال الاخر هو أنه يراد من الخلود هنا الزمن الطويل لا معناه المتعارف.

امثال القرآن، ص: 116

خطابات الآية

عقاب آكلي الربا في الدنيا و الآخرة

هناك بحث بين المفسرين في هل أنَّ التَشبيه لآكلي الربا في الآية تشبيه لمصيرهم في الدنيا؟

ام أنّ ذلك نوع من العقاب و العذاب الأُخروي؟

يستفاد من الروايات أنّ هذا النوع من المصير يتعلق بكلا العالمين. و قد نقلت رواية في تفسير (نور الثقلين) عن الامام الصادق عليه السلام يقول فيها: «آكل الربا لا يخرج من الدنيا حتى يتخبطه الشيطان»، «1» و العبارة الأخيرة تعني الجنون.

و في رواية أخرى حكت موضوع المعراج «2» أنَّ الرسول صلى الله عليه و آله قال:

«لما أُسري بي إلى السماء رأيت قوماً يريد أحدهم أنْ يقوم و لا يقدر عليه من عظم بطنه، قال: قلت: من هؤلاء يا جبرئيل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون الربا». «3»

نسبة الجنون إلى الشيطان

لماذا نسب الجنون إلى الشيطان في آية المثل؟

المستفاد من ظاهر الآية هو أنَّ الشيطان سبب الجنون عند الإنسان.

لكن الأبحاث العلمية أثبتت وجود أسباب أخرى للجنون لا علاقة لها بالشيطان، و من هنا كانت للمفسرين آراء مختلفة في تفسير الآية، نشير إلى بعضها هنا.

الف- القرآن يخاطب الناس بما يتماشى مع عقائدهم؛ فإنّ الناس عصر النزول (العرب آنذاك) كانوا يعتقدون أنَّ الجنون من الشيطان، أو أنَّ الشيطان ينفذ في جسم الإنسان فيجن، و لهذا كان هذا التعبير القرآني كناية عن الجنون.

باء- المعنى الحقيقي للجملة هو المراد لا المعنى الكنائي، و نسبة الجنون للشيطان من حيث

______________________________

(1) نور الثقلين 1: 291.

(2) إنَّ مسألة المعراج تعد من عقائد المسلمين، و قد عرج الرسول صلى الله عليه و آله إلى السماء عدة مرات، و للمزيد راجع تفسير الامثل 8: 343- 354، و مما يذكر هنا أنَّ جهنم و الجنة التي شاهدهما الرسول كانتا برزخيتين.

(3) وسائل الشيعة ج 12، ابواب الربا، الباب الاول،

الحديث 16.

امثال القرآن، ص: 117

إنَّ الله جعل عقاب هؤلاء المذنبين تسلط الشيطان عليهم و هذا التسلط هو الذي يسبب القلق و الجنون.

التناسب بين الجناية و العقاب

يعتقد بعض المفسرين أنَّ العقاب الذي يعينه القرآن لذنب ما يتناسب مع ذلك الذنب، فبين العقاب الذي عُيِّن لآكلي الربا و بين الجنون تناسب، و بين هذا الذنب و ذلك العقاب علاقة و ارتباط، فبما أنّ آكل الربا يقوم من خلال عمله القبيح بتدمير اقتصاد المجتمع و يخرجه عن حالة التعادل و يحول دون حركة العجلة الاقتصادية كذلك هو ذاته فإنَّه سيبتلي بمصير من هذا القبيل في الاخرة.

في رواية للامام الباقر عليه السلام يقول فيها: «الظلم في الدنيا هو الظلمات في الاخرة». «1»

فإنّ العقاب في هذه الرواية يتناسب مع الذنب، ذلك أنَّ الظالم يُظلم الدنيا و العالم في عينيي المظلوم و على هذا الاساس تظلم الاخرة في عينيي هذا الظالم.

فلسفة تحريم الربا

كما أنَّ الربا و آكله يُوجب مفاسد عديدة فإنَّ تحريمه ينمّ عن فلسفات مختلفة نشير إلى بعضها هنا:

الف- إنَّ الظلم المشار اليه في الآية 279 من سورة البقرة هو فلسفة تحريم الربا.

باء- الفلسفة الاخرى للتحريم هي تثبيت سنة (القرض) في المجتمع، و قد جاء هذا المطلب في روايات عديدة، منها رواية سماعة عن الامام الصادق عليه السلام حيث يسأل فيها: إني رأيت الله تعالى قد ذكر الربا في غير آية و كرره؟ قال عليه السلام: «أ و تدري لم ذلك؟» قلت: لا. قال عليه السلام: «لئلا يمتنع الناس من اصطناع المعروف». «2»

______________________________

(1) ميزان الحكمة، الباب 2448، الحديث 11108، و هناك روايات أخرى في نفس الباب تدل على المضمون ذاته.

(2) وسائل الشيعة ج 12، ابواب الربا الباب 1، الحديث 3 و الروايات 4 و 9 و 01 و 11 كلها تدل على نفس المضمون، كما أنه قد فسر صنائع المعروف في الحديث (11) من نفس المصدر

بالقرض.

امثال القرآن، ص: 118

أي أنّ الربا إذا تفشى فسيترك الناس سنة القرض و تموت من جراء ذلك العواطف الانسانية ليحل محلها الانتهاز و الربح. و لهذا كان الربا محرما في الشريعة الاسلامية المقدسة. «1»

الإرتباط بين الإخلاق و الاقتصاد في الإسلام

بين الاقتصاد الاسلامي و الاقتصاد المادي بون شاسع، واهم مفارقة بينهما هو أنّ الاقتصاد الاسلامي يعد مزيجاً من الاخلاق و الاصول و المبادئ الانسانية، بينما الاقتصاد المادي لا أنه خال من الأخلاق و العاطفة فحسب، بل إنَّ المصلحة المادية تعدّ المبدأ الحاكم على هذا الاقتصاد. و على هذا، فكل شي ء يتعارض و يتضاد مع ذلك يُضحّى به لأجل المصالح المادية.

إنَّ إنتاج المخدرات و عوائدها- الذي يعد امراً يتمانع مع المبادئ الإنسانية- يعد امراً ليس مهماً عند كثير من الدول و حتى تلك الدول التي تدعي مكافحتها لهذه الظاهرة و تعقد بين الحين و الآخر مؤتمرات في هذا المجال، لها نصيب ليس قليلًا في تجارة هذه المواد.

إنَّ مؤيدي و دعاة الاقتصاد المادي لا يكترثون من فساد جيل الشباب و تزلزل المبادئ الاخلاقية و تفكك العوائل و ما يهمهم هو مصالحهم الذاتية.

إنَّ المتاجرة بالانسان و بيع الاطفال رغم تمانعه مع جميع المبادئ الانسانية يعد جائزاً عند دعاة حقوق البشر المزيفين و يعترفون بذلك بشكل غير علني.

مَن الذي وفَّر للعراق أسلحة الدمار الشامل و القنابل الكيمياوية و الميكروبية و الصواريخ بعيدة المدى و القنابل العنقودية و امثالها، و ذلك ليرتكب بواسطتها ابشع الجرائم في ايران الاسلامية؟ لماذا سكت دعاة حقوق البشر و لم يعترضوا على ذلك؟ لكنّهم رفعوا هتافات الإعتراض بمجرد أنْ هجم العراق على الكويت و حكموا عليه بضرورة نزع السلاح.

إنَّ سرّ هذه الإزدواجية واضح؛ فإنَّ مصالح الدول الاستكبارية قد اقتضت يوماً أنْ

______________________________

(1) للمزيد راجع (ربا و بانكداري اسلامي) من سلسلة دروس سماحة اية الله مكارم الشيرازي في مجال البنك الإسلامي (بالفارسية).

امثال القرآن، ص: 119

يتسلح العراق باحدث الاسلحة و اشدها فتكاً، و هذه المصالح ذاتها اقتضت يوماً أنْ يُنزع العراق أسلحته ليضمنوا بذلك مصالحهم. و الملاك في كل ذلك هو مصالحهم المادية، أمّا المبادئ الإنسانية فمغلوب على أمرها.

المبدأ الحاكم على الاقتصاد الاسلامي هو الأخلاق، و ينبغي أنْ تتم عملية كسب المصالح المادية تحت ضلّ حفظ القيم الاخلاقية، و على هذا الاساس حرّم الإسلام المعاملة التي تعد منشأً للفساد. و على سبيل المثال أنّ الإسلام إذا منع تأسيس مراكز للفحشاء أو حرّم بيع الشراب و لعب القمار أو تأسيس مصرف ربوي و غيرها فذلك لأجل أنَّ أموراً من هذا القبيل تعدّ منشأ للفساد الكثير، الامر الذي لا يتناسب مع الأخلاق الإسلامية.

إنَّ القِيَم الأخلاقية التي تحكم الاقتصاد الاسلامي لها مبادئ عديدة نشير إلى بعض منها هنا:

الف- من المبادئ التي تحكم الاقتصاد الاسلامي هي خطاب الآية الشريفة: «لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ» أي أنَّ المُعَامَلاتِ الاقتصادية ينبغي أنْ تنظم بشكل يخلو من الظلم لكلا الجانبين البائع و المشتري.

باء- كسب النفع و دفع الضرر العام؛ و على أساس هذا المبدأ، فإنَّ المصلحة الشخصية تكون ضحية المصلحة العامة. و البتّ بالأعمال التي يحتاجها المجتمع يعد واجباً، فاذا كان المجتمع بحاجة إلى معلمين، فعلى كل من يستطيع أن يبادر بهذا العمل.

و من جانب آخر، أنّ الأعمال التي تضر المجتمع تعد محرمة في الإسلام رغم ما قد يكون فيها من مصلحة و منافع شخصية، فبيع المسكر مثلًا، و كذا النشاطات المتعلقة بهذا النشاط، محرم و ممنوع و لهذا جاء في الروايات أنَّ غرس شجرة العنب

لاجل صنع المسكر من ثمارها، و كذا سقيها و قطف ثمارها و حمله و .. هذا كله حرام. «1»

و يذكر هنا أنَّ المبادئ الاخلاقية لا تنحصر في الواجبات و المحرمات، بل تشمل حتى المستحبات و المكروهات. و من هنا كان (تلقي الركبان) مكروها في الفقه الإسلامي. و المراد من

______________________________

(1) وسائل الشيعة ج 21، أبواب ما يكتسب به، الباب 55، الحديث 3 و 4 و 5.

امثال القرآن، ص: 120

تلقي الركبان هو انتظار القوافل خارج المدينة أو القرية و المباشرة بشراء بضاعة القوافل قبل معرفة أصحابها بقيمها في اسواق القرية أو المدينة.

و قد اعتبر بعض الفقهاء هذا العمل حراماً، إلَّا أنَّ بعضهم الاخر اعتبره مكروها، «1» كما أنَّ اعمالًا مثل بيع الكفن مكروهة، و ذلك لأنَّ القائم بها يتطلع إلى موت الاخرين دائماً، و هذا أمر يسبب قسوة في القلب.

جيم- توجيه الرأسمال نحو الآخرة، و هذا المبدأ يستفاد من الآية 77 من سورة القصص، حيث قال الله تعالى: «وابْتَغِ فِيْمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيْبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأحْسِنْ كَمَا أحْسَنَ اللهُ إليْكَ وَلَا تَبْغِ الفَسَادَ فِي الأرْضِ إنّ اللهَ لَا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ».

وفقاً لهذه الآية، فإنَّ رأس المال يكون قيماً إذا ما صبّ في طريق الاخرة، و بتعبير آخر:

المال الذي يسد الحاجة الدنيوية و الحاجة الاخروية. و في النهاية: أنَّ القِيَم الأخلاقية هي الحاكمة على الاقتصاد الاسلامي، بينما يفقد الاقتصاد المادي هذه القيم و يضحِّي أتْبَاع هذا المذهب كلَّ شي ء لاجل المصالح الذاتية.

الاسوة في القيم الاخلاقية

يُوصِي الإمام علي عليه السلام في عهده لمالك الاشتر «2» بطبقات المجتمع من العسكريين و القضاة و العلماء و التجار و المزارعين و الوزراء و المسئولين الحكوميين و غيرهم إلّا أنَّه عند

ما يصل إلى الطبقة المحرومة يستخدم في حقهم تعابير لم يستخدمها في حق غيرهم، حيث يقول: «ثمّ الله الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم من المساكين و المحتاجين و أهل البؤسى «3»

______________________________

(1) شرح اللمعة 1: 331.

(2) الرسالة 53 من نهج البلاغة شرح صبحي الصالح؛ و يذكر أنَّ هذه الرسالة من اطول العهود، و تعد اوامر جامعة صدرت من الامام علي عليه السلام خطاباً لا لمالك فحسب بل لجميع الرؤساء في الحكومات بلا قيد الزمان و المكان، و ذلك لما تحضى به من حكمة و طراوة دائمة.

(3) شدة الفقر.

امثال القرآن، ص: 121

و الزّمنى «1» فإنّ في هذه الطبقة قانعاً «2» و معتراً «3» و احفظ لله ما استحفظك «4» من حقه فيهم، و اجعل لهم قسماً من بيت مالك و قسماً من غلّات «5» صوافي «6» الإسلام في كل بلد، فان للاقصى منهم مثل الذي للادنى و كل قد استرعيت حقه، فلا يشغلنك عنهم بطر «7» فانك لا تعذر بتضييعك التافه «8» لاحكامك الكثير المهم. فلا تشخص همك «9» عنهم و لا تصعر خدك لهم «10» و تفقد امور من لا يصل إليك منهم ممن تقتحمه العيون و تحقره الرجال ففرغ لاولئك ثقتك». «11»

ما أحسن هذا. إنَّه حديث جميل حقاً! فهو كالشمس التي لا زالت تضي ء رغم مضي أكثر من ألف سنة على عمره و كل يوم يزداد ضياؤه. أحسن قائل هذا الحديث أحسن و أحسن ألف مرة. إنه حديث أهل لأن يكتبه الحكام بماء الذهب ليجعلونه على رأس قائمة اعمالهم.

المدهش هو أنّ اسوة الأخلاق هذه، شخصية كانت حاكمة، و رغم ذلك توصي بالناس و بخاصة المستضعفين و المحرومين منهم خيراً. إنَّ رِجَال

الدول الغربية حالياً يمثلون قدوة أخرى و نوع آخر من الحكام حيث يرتضون مقتل الالاف من المحرومين لاجل مصالحهم المادية. انظر للمفارقات!

______________________________

(1) جمع زمين و هو المصاب بالزمانة، أي العاهة، يريد ارباب العاهات المانعة لهم عن الاكتساب.

(2) السائل.

(3) المتعرض للعطاء بلا سؤال.

(4) طلب منك حفظه.

(5) ثمرات

(6) أرض الغنيمة.

(7) طغيان بالنعمة.

(8) الحقير.

(9) أي لا تصرف اهتمامك عن ملاحظة شؤونهم.

(10) الامالة اعجاباً و كبراً.

(11) تفريغ الثقة يعني جعل اشخاص يتفرغون للبحث عنهم لمعرفة احوالهم يكونون ممن تثق بهم.

امثال القرآن، ص: 122

سؤال: قد يتمانع الحفاظ على القيم الأخلاقية مع التنمية الاقتصادية، فكيف يمكن الجمع بين هذه القيم و التنمية المطلوبة؟

الجواب: إنَّ نظامنا نظام قيمي، و المهم عندنا هو حفظ هذه القيم الاخلاقية، و نرى أنَّ الحفاظ على القيم لا يتمانع مع التنمية الاقتصادية، و مزجهما مع بعض سوف لا يؤدي إلى التخلف، بل انَّ الإقتصاد الذي لم يعتمد القيم الاخلاقية و الذي ساد العالم أدّى إلى أضرار لا يمكن جبرانها.

ألم يكن هذا الاقتصاد غير القيمي هو السبب الاساس في نشوب الحرب العالمية الثانية؟

الحرب التي دمرت بعض الدول بالكامل و أنزلت ببعض اخر اضراراً جسيمة و أودت بحياة 30 مليون شخصاً و 30 مليون معلولًا، هذا بعض ما خلفته هذه الحرب و اودعته في ذاكرتنا.

فهل الاقتصاد المتخلف- حسب تعبير اتباع المذهب المادي- أفضل أم الاقتصاد المتطّور؟!

ينبغي العلم أنَّ العالم لا يعمَّر و لا ينمو الا تحت ظل إقتصاد قيمي.

علي عليه السلام و الهدية الليلية

بعد ما يذكر الامام علي عليه السلام قصة اخيه عقيل عند ما طلب منه شيئاً من بيت المال يقول في الذي أراد إرشائه لاجل قضية حقوقية ما يلي:

«.. و أعجب من ذلك طارق طرقنا بملفوفة «1» في وعائها و

معجونة شنئتها «2» كأنما عجنت بريق حية أو قيئها، فقلت: أصلة أم زكاة، أم صدقة؟ فذلك محرم علينا أهل البيت. فقال: لا ذا و لا ذاك و لكنها هدية، فقلت: هبلتك الهبول! «3» أعن دين الله أتيتني لتخدعني؟ أ مختبط «4» أنت ام ذو جنة «5» ام تهجر، «6» و الله لو اعطيت الاقاليم السبعة بما تحت افلاكها على أنْ اعصي الله في نملة أسلبها جلب «7» شعيرة ما فعلته و أنَّ دنياكم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة

______________________________

(1) نوع من الحلواء اهداها الاشعث بن قيس إلى علي.

(2) أي كرهتها.

(3) هبلتك: أي ثكلتك، و الهبول المرأة لا يعيش لها ولد.

(4) أ مختل نظام ادراكك؟

(5) من اصابه مس من الشيطان.

(6) أي تهذي بما لا معنى له في مرض ليس بصرع.

(7) قشرة الشعيرة.

امثال القرآن، ص: 123

تقضمها. «1» ما لعلي و لنعيم يفنى، و لذة لا تبقى، نعوذ بالله من سبات «2» العقل و قبح الزلل. «3»

هل يُؤمن حالياً على العالم مع وجود زعماء يضحون بكرامة و اعتبار بلدهم مقابل امرأة ملوثة!! يا لها من مفارقات؟ على كل مسلم أنْ يتعلم القيم و يدركها و يدير عنجلات الاقتصاد مع حفظه على تلك القيم في ذات الوقت.

البحوث التكميلية للآية

1- أكل الربا في عصرنا

كان أكل الربا في العصور الماضية محدوداً باشخاص كانوا يسلفون الناس و يرجعون اموالهم بعد فترة من الزمن مع مقدار من الربح، إلَّا أنَّ الأمر اختلف في عصرنا، فقد ازداد اكلة الربا، كما أنَّ رقعته اتسعت لتشمل الدول و الشعوب ككل، فإنَّ الكثير اصبح يمارس هذا العمل القبيح حالياً.

بعض الدول التي تجيز لنفسها اكل الربا اوقعت بعض الدول الفقيرة في مخالبها باعطائها بعض الديون، و قد باتت هذه الدول تصرف كل

ما تجني من أرباح و عوائد وطنية لعلاج هذا المرض المتفاقم. و لأجل ذلك نرى أنَّ الفجوة بين الدول الفقير و الغنية تزداد كل يوم، و اذا ما استمر الوضع هكذا فلا يبعد أنْ تعلن هذه الدول عن افلاسها. و كمثال على ما نقول في مجال الربا هو الوضع المرتبك لاقتصاد دول جنوب شرق آسيا «4» فهو بسبب قضية اكل الربا.

ان اكلة الربا العالميين بسطوا لنا فخاً بعد الحرب المفروضة على ايران- التي خرج من امتحانها الشعب الايراني الشجاع مرفوع الرأس- و ذلك ببذلهم السخي للاموال و الديون.

و رغم أنَّهم لوثونا بعض الشي ء بهذه الديون إلَّا أنَّ المسؤولين بحمد الله سرعان ما التفتوا إلى خطورة هذا السم الفتاك، و أوقفوا عملية اخذ الديون و دفعوا تدريجياً اقساط الديون لينقذوا

______________________________

(1) أي كسرته باطراف أسنانها.

(2) نوم العقل.

(3) الزلل هو السقوط في الخطأ.

(4) حيث حصلت أزمة شديدة في تلك الدول شلت اقتصادها عام 1418.

امثال القرآن، ص: 124

بذلك بلدنا من هذا الفخ.

اضافة إلى النوع المذكور من الربا هناك نوع اخر من الربا هو اقبح و أسوأ حالًا من سابقه، و هو الذي يعتمد رأس مال الناس، فإنَّ البعض إذا كانوا يبتّون بهذا العمل سابقاً و بأموالهم الشخصية تقوم حالياً البنوك (التي أموالها من الناس) بهذا العمل القبيح و هذا- قطعاً- يستتبع عذاباً اشد و أقسى من سابقه.

2- النشاط المصرفي اللاربوي هل هو ممكن؟

يعتقد البعض أنَّ عصرنا يستدعي اقتصاداً ربوياً و لا يمكن فيه أي نشاط من دون ربا، و حذف الربا عن النشاطات المصرفية يؤدي إلى ركود في العمليات المصرفية و ركود في الاقتصاد في النهاية، و بعبارة أخرى: أنَّ الربا امتزج بالاقتصاد بشكل لا يمكن تفكيكهما.

هذا النوع من التفكير يطرح من قبل المفكرين

المغتربين، باعتبار حاجة الدول الثرية إلى مبلغين لها في الدول الفقيرة؛ و ذلك لأنَّ تفكيراً من هذا النوع يتطابق مع مصالحهم، رغم سقمه.

إنَّ البنوك الاسلامية لو عملت بالقرارات المصوبة في بلدنا و لو اطلعت الناس على محتويات هذه القرارات و كانوا اوفياء تجاهها فسوف تحل قضية الربا و سوف يفيد أصحاب روؤس الأموال من اموالهم، كما أنَّ البنوك نفسها ستستفيد و عجلة الإقتصاد ستتحرك.

من العقود الاسلامية- التي جاءت في قرارت البنوك- هو عقد (المضاربة)، و هو لا يختص بالتجارة «1» بل يشمل الاستثمارات في قطاع الصناعة و البيطرة و الزراعة و الخدمات و غير ذلك.

على اساس عقد المضاربة يودع الشخص رأس ماله عند البنك، و البنك يعين مستوى الربح على اساس العقد، بالطبع ينبغي ان يكون الربح نسبة من المنفعة لا من رأس المال.

و المشتري يمكنه ان يوكل البنك في ان يتصالح على سهمه بنسبة معينة ليقبضه كل شهر. لكن

______________________________

(1) يختلف العلماء في هذا المجال، فبعض يرى اختصاص هذا العقد بالتجارة و الآخر يراه شاملًا لجميع القطاعات الاقتصادية.

امثال القرآن، ص: 125

يحسب مجمل الربح بعد انتهاء العقد، ثم يوكل البنك وكالة مطلقة لأنْ يستثمر الاموال في أي مجال أراد، و على البنك أنْ يعمل طبقاً للعقد.

و في هذه الحالة فإنَّ مشكلة الربا منتفية رغم انتفاع صاحب رأس المال و انتفاع البنك اضافة إلى أنَّ عتلة الاقتصاد سوف لا تبقى ساكنة بل تعتمد تجارة سليمة و صحيحة.

ينبغي الالتفات إلى أنّه ينبغي تنفيذ العقود الشرعية. و انزالها على الورق دون العمل بها لا يغير شيئاً من الواقع و تبقى مشكلة الربا معضلة بلا حل.

حذف الربا من المصارف أمر ممكن بدليل أنَّ الربا كان رائجاً في صدر الإسلام

و حرم بعد ظهوره رغم ذلك لم يحصل ركود اقتصادي و اشكالات من هذا القبيل.

3- حكم الايداعات و السلف

هل يحل للناس ايداع أموالهم في البنوك و أخذ الأرباح التي تترتب عليها؟ و ما حكم السلف التي يمنحها البنوك لزبائنه و يأخذ عليها ارباحاً نسبية؟

من المناسب قبل الاجابة على السؤالين ان نقدم مقدمة نطرح فيها فلسفة هذا النوع من الايداع و السلف.

كثير من الناس يملك رأس مال وصله عن طريق الارث أو العمل أو شي ء من هذا القبيل، لكن لا يستطيع توظيف رأس المال هذا في المجال الاقتصادي، من جانب آخر هناك الكثير ممن له طاقة على توظيف الاموال و يحضى بقدرة ادارية جيدة مثل خريجي الجامعات من الشباب ذوي الطاقة و الحوافز الجيدة.

يأتي هنا دور البنوك حيث يمكنها أنْ تلعب دوراً فاعلًا، بأنْ تجمع بين رأس المال و الطاقات و الكوادر، فتأخذ الاموال من اصحابها و تسلفها للكوادر لتوظيفها في سبيل دفع عجلة الاقتصاد و تطلب من الاخيرين ارجاع الاموال من خلال اقساط. و في هذا المجال تنال البنوك جزءاً من العوائد و الارباح.

من جانب آخر تتمكن البنوك أخذ رؤوس اموال فاقدي القدرة على توظيفها، لتشترك في توظيفها و استثمارها، و ترجع مقداراً من ارباحها إلى اصحاب روؤس الأموال.

امثال القرآن، ص: 126

و عليه، إذا تمت هذه المشاركة على أساس عقود شرعية فلا اشكال في شرعيتها.

و لأجل التحقق من هذا الأمر نوصي بالامور التالية:

1- تعليم موظفي البنوك الاحكام و العقود الشرعية المتعلقة بالبنوك و الزامهم بتنفيذ القوانين الخاصة في هذا المجال.

2- أن يقوم العلماء و من له باع في الاحكام الشرعية الخاصة بالبنوك بتبيين المسائل الشرعية الخاصة بالبنوك و ايضاحها إلى الناس بلغة بسيطة و يذكروا اخطار الربا و

مواقف الإسلام الشديدة تجاهه.

3- من المناسب أنْ توازن البنوك بين ارباح الإيداعات و السلف، و لا ينبغي أن تكون ارباح السلف اكثر من ارباح الايداعات. كما أنّ عليها أن تحيي السنة الحسنة للاقراض و ان تخطو في هذا المجال خطوات مؤثرة.

4- آيات أخرى عن الربا

لأجل تكميل البحث نشير هنا إلى ثلاث آيات تعرضت لجزئيات الربا و احكامه:

الف- يقول الله في الآية 278 من سورة البقرة:

«يَا أيُّها الَّذينَ آمنُوا اتَّقُوا اللهَ وذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنْتُم مُؤْمِنِينَ».

إنّ بداية الآية خطاب للمؤمنين و نهايتها مشروط بالايمان، و معنى حسن المطلع و حسن الختام في الآية هو أنّ أكل الربا لا يتفق و روح الايمان و أنَّ آكل الربا ليس مؤمناً.

شأن نزول الآية

بعض الاغنياء من المسلمين كانت لهم مطالبات ربوية ممن كانوا قد استلفوا منهم، و من اولئك كان العباس بن عبد المطلب و خالد بن الوليد. و عند ما نزلت آية تحريم الربا تساءل هؤلاء البعض عن مصير اموالهم و أرباحها، فنزلت الآية محددة الحكم هنا في أنَّ لهم الحق في إرجاع أصل رأس المال دون ربحه و رباه. و قد قال الرسول صلى الله عليه و آله عند ما نزلت آية تحريم الربا:

امثال القرآن، ص: 127

«ألا أنَّ كل ربا من ربا الجاهلية موضوع و أوّل ربا اضعه ربا العباس بن عبد المطلب»، «1» و هذا يكشف عن أنَّ الإسلام لا يرى قيمة للعلاقة السببية و النسبية مقابل القوانين و الضوابط.

باء- يقول الله في الآية الاخرى من نفس السورة البقرة (279): «فإنْ لَمْ تَفْعَلُوا فاذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِه وإنْ تُبْتُم فَلَكُم رُؤُوسُ أمْوَالِكُم لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظلَمُونَ». «2»

ينبغي الالتفات هنا إلى أنَّ صدر الآية يشير إلى اعلان الحرب من قبل الله و رسوله لا من قبل آكلي الربا؛ و ذلك لأنَّ (فأذنوا) تعني فاعلموا أو فأيقنوا، إلَّا أنَّ الكلمة إذا قرئت (فآذنوا)- كما قرأها البعض، و هي قراءة غير معروفة- فانّ اعلان الحرب سيكون من قبل آكلي الربا.

جيم- الآية

280 من سورة البقرة: «وَإنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٌ وأنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُم إنْ كُنْتُم تَعْلَمُونَ».

أي على اصحاب رؤوس الاموال ان يمهلوا المعسرين و المحتاجين و لا يطالبوا بأموالهم .. و إن كان حالهم متأزم فالأفضل أن يعتبروا اموالهم صدقة بذلوها لمستحقها.

من مجموع الآيات المذكورة يستشف أنَّ الربا عند الله اثم عظيم و خطر، و قد استخدم له القرآن تعابير لم يستخدمها في أيٍّ من الذنوب.

______________________________

(1) مجمع البيان 2: 392.

(2) يبدو من الآية ان آكلي الربا لا يجتنبون عن هذه الممارسة بالارشاد و التبليغ لذلك كان على الحكومة الإسلامية ان تجبرهم على الامتناع عنها.

امثال القرآن، ص: 129

المثل العاشر: الخَلْق المدهش لعيسى بن مريم عليه السلام

اشارة

يقول الله تعالى في الآية 59 من سورة آل عمران:

«إنَّ مَثَلَ عِيْسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ».

على هذه الآية، فإنَّ ولادة عيسى دون أب لا يدل على الوهيته.

الشرح و التفسير

يقول الله في هذه الآية: إنَّ خَلْق عيسى عليه السلام يشبه خَلْقْ آدم عليه السلام في أنَّه خلق من تراب دون دخالة أب و أم في ذلك، بل وجد بمجرد ان قال له الله: كُن.

تحدث القرآن المجيد في الايات 45 إلى 59 من سورة آل عمران عن عيسى بن مريم عليه السلام و حكى مراحل حياته المختلفة من قبيل كيفية الولادة و التربية و نموه و بعثته و رسالته و كراماته و معاجزه و عروجه إلى السماء، و قد سعى القرآن خلال هذه الآيات أنْ يرفع الشبهة المثارة حوله.

سؤال: كيف يمكن أنْ يولد انسان من أم فقط دون أب؟ أو كيف يمكن أو يولد إنسان من دون تركيب بين الأسبرم و البويضة؟

هل الآية في صدد الاجابة على هذه الشبهة، بحيث تقول: ألم نخلق آدم دون دخالة أب؟ أي كأنها تريد القول بأنَّ خلق آدم اصعب من خلق عيسى؛ لأنَّ في خلق عيسى توسطت الام، أمّا في خلق آدم فلا واسطة، من قبيل أُم أو أب، فكان أصعب خلقاً من عيسى عليه السلام.

امثال القرآن، ص: 130

إنَّ أفعالًا من هذا القبيل ليست صعبة بالنسبة لله؛ فإنَّ الله ما إن قال لشي ء «كُنْ فَيَكُونُ» «1» إنَّ الخلق عند الله لا يفرق فيه بين الصغير و الكبير و الصعب و السهل.

إنَّ الله إذا اراد أنْ يَخلق عالماً كعالمنا الحالي بمجراته و نجومه- الذي كشفت الاحصائيات و الاكتشافات العلمية عن سعته و عظمته- فإنَّه سينخلق

بمجرد أنْ يأمر.

إنّ الإنسان عند الصلاة إذا تصور امامه خالقاً بهذه القدرة و العظمة و شعر بأنَّه (لا شي ء) يتحدث مع (كل شي ء) لكانت صلاته و حالاته فيها تختلف بالكامل.

قدرة الله في كلام أمير المؤمنين عليه السلام

تحدث الامام علي عليه السلام في الخطبة 185 من نهج البلاغة عن قدرة الله و أشار اليها بجمل جميلة كما نرى هنا: «لو فكروا في عظيم القدرة و جسيم النعمة لرجعوا إلى الطريق و خافوا عذاب الحريق و لكن القلوب عليلة و البصائر مدخولة أ لا ينظرون إلى صغير ما خلق كيف أحكم خلقه و اتقن تركيبه، و فلق له السمع و البصر ..»، ثم يتعرض إلى خلق النملة و ظرافة ما تحتويه هذه الخلقة.

من الحجب التي تحول دون التفات الإنسان إلى عجيب الخلقة، هو حجاب العادة، و ذلك لأنَّ العادة تنسي الإنسان عظمة الشي ء. فالنملة، مثلًا، اصبحت عادية باعتبار كثرتها و تعوّدنا على رؤيتها، الأمر الذي يجعل الإنسان غافلًا عن عظمة خلقها، و هي إذا قيست مع أهم صناعات الإنسان لاتضحت عظمتها.

إنَّ صناعة الطائرة صناعة تعتمد تقنية متقدمة جداً، فهي تحمل في الفضاء أناساً و سلعاً، و لها اجزاء مختلفة تشبه المدينة الصغيرة.

و هذه الطائرة- التي تكشف عن ذورة التقنية و الصناعة البشرية- إذا قيست بالنملة- التي هي من اصغر صناعات قدرة الله اللامتناهية- لكانت النملة اكثر عظمة من الطائرة؛ و ذلك لأنَّ النملة تضم كل شي ء رغم جثتها الصغيرة و النحيفة، ففيها أجهزة من قبيل: الباصرة

______________________________

(1) تكرر مضمون هذه الآية في ثمان آيات من القرآن.

امثال القرآن، ص: 131

و السامعة و الرجل و اليد و جهاز الهضم و الدفع و التناسل و تعلم بهندسة بناء البيت و تهيئة الاغذية و خزنها بشكل يحول دون

فسادها و .. و يا ترى كيف يمكن لموجود صغير أن يضم هذه الاجهزة جميعها؟!

أمّا الطائرة فاضافة إلى أنَّها تفقد الكثير من هذه الاجهزة مثل جهاز التناسل و غيره، فهي بنفسها غير قادرة على تحريك نفسها، و تستعين لأجل الحركة بطاقم من التقنيين و المهندسين.

نعم، إن الإنسان سيهتدي و لا يتعجب من خلق إنسان بلا أب إذا فكر في خلق الله و تدبّر فيه. ينبغي السجود لربٍّ قادرٍ مثل هذا، كما ينبغي الصلاة و السلام على الإنسان الكامل (الإمام علي عليه السلام) حيث استطاع توصيف هذه القدرة اللامتناهية و بشكل بديع و رائع.

قصة خلق الإنسان

هناك نظريتان رئيسيتان في خلق الإنسان:

1- (تنوع الأنواع)، يعتقد أصحاب هذه النظرية أن الإنسان خلق مستقلًا كما خلقت الحيوانات الاخرى. و قد يُسمى هذا التصور و هذه النظرية (ثبوت الانواع).

2- (تبدّل الانواع)، و هي النظرية المشتهرة بين علماء الطبيعة و القائلة بأنَّ الخلقة بدأت بموجود أحادي الخلية كان يسبح في البحار، نمى هذا الموجود بشكل تدريجي ليتبدل إلى سمكة، تكاثرت هذه السمكة، ثم ألقت أمواج البحر ببيض من أفراد فصيلتها خارج البحر، لتتبدل تدريجياً إلى حيوانات بريّة و منها القرد، ثم تكاملت بعض أصناف القرد لتتبدل إلى إنسان.

هل يمتلك أصحاب نظرية (تبدل الانواع) أدلة قاطعة على كلامهم؟

كلا؛ و ذلك لأنّ كلامهم يرجع إلى ملايين من السنوات الغابرة، إلى زمن لم يكن فيه إنسان أبداً، إلى زمن لم تصلنا عنه معلومات دقيقة، و ما لدينا من تلك العهود هو شواهد و قرائن أثرية جمعت من قبل منقبي الآثار.

امثال القرآن، ص: 132

الاختلاف بين (الفرضية) و (القانون)

إنّ مجموعة القضايا التي يسعها المختبر و يمكن أن تُحلل و تقع في طريق التجربة العلمية تتبدل إلى قانون إذا ثبتت صحتها، كالقضية القائلة بأنَّ سرعة الضوء 000/ 300 كيلومتر في الثانية. أما مجموعة القواعد التي لا يمكن اخضاعها للتجربة، و يُتمسك لأجل إثباتها بالعقل من خلال القرائن و الشواهد الموجودة فهي فرضية.

و على هذا؛ فإنَّ (تبدّل الانواع) فرضية لا قانون. و من خصائص الفرضية أنَّها تحتمل التبدّل و التغيير و البطلان، كالفرضية القائلة بأنَّ الإنسان قبل أربعين ألف سنة يختلف عن الإنسان الحالي، فإنَّ علماء الآثار وجدوا جماجم تتعلق بمليوني سنة قبل عصرنا هذا كشفت عن شباهة الإنسان في ذلك العصر مع الإنسان الحالي، و بهذا بطلت الفرضية السابقة.

رأي القرآن في خلق الإنسان

إنّ نظرية (تنوّع الانواع) هي المستفادة من القرآن المجيد، و يبدو أنَّ القرآن يؤيد هذا الرأي و هذه النظرية، أمَّا (تبدّل الانواع) فلا يمكن النظر إليها كقانون ثابت يستحيل الخدش فيه.

على أي حال، سواء كانت النظرية الأولى صحيحة أم الثانية، فإنَّ تفسير الآية لا يتغير، و حتى لو قلنا بتبدّل الأنواع فإنَّا سنقول:

إنّ الذي استطاع أن يخلق الموجود أحادي الخلية يستطيع أن يخلق عيسى عليه السلام دون حاجة إلى أب و أُم. هذا اضافة إلى أنَّ العلماء عثروا على موجودات يمكنها التكاثر دون حاجة إلى التلاقح، و هي حيوانات تستطيع الانثى منها التكاثر دون حاجة إلى لقاح من الذكر. و إذا كان عالم كهذا ممكناً فان ولادة عيسى عليه السلام لا أنّه أمر غير عجيب فحسب، بل قد حصل ما هو أعجب منه.

امثال القرآن، ص: 133

المثل الحادي عشر: إنفاق الكفار

اشارة

يقول الله في الآية 117 من سورة آل عمران:

«مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الحَيَاةِ الدُّنيا كَمَثلِ رِيْحٍ فِيْهَا صِرّ أصَابَتْ حَرْث قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ فَأهْلكَتْهُ ومَا ظَلَمَهُمُ اللهُ ولَكِنْ أنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ».

تصوير البحث

في هذه الآية يمثّل القرآن بذل الكفار بزراعة كافر في أرض خصبة، فهو ينثر فيها البذر، إلَّا أن مجي ء ريح بارد و جاف يجفّف ما زرعه و أنبته هذا الكافر في هذه الأرض.

الشرح و التفسير

«مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الحَيَاةِ الدُّنْيَا» يعتقد بعض المفسرين أنّ كلمة النية أو الدافع مقدرة هنا، و هي توضّح هذا الجزء من الآية. و بهذا التقدير يصبح معنى الآية كالتالي: أنّ نية هكذا إنفاق و دافعه كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم، فكما أنَّ هذا الريح يدمر الحرث، كذلك النية هذه فانّها تدّمر هذا الانفاق.

«كَمَثَلِ رِيْحٍ فِيْهَا صِرٌّ أصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهُم فأهْلَكَتْهُ» إنَّ مفردة الصر بالعربية

امثال القرآن، ص: 134

تعني ريحاً شديد البرد، أو ريحاً شديد الصوت. «1»

على أي حال، المراد من هذه الكلمة هو الريح الشديد الذي يحرق حتى بعض الغابات الكبرى أحياناً.

و سبب هذا الحريق- كما نسمع من المختصين- هو الصواعق و الرعد و البرق، و قد يكون هناك إعصار شديد تحتك بسببه بعض الاشجار اليابسة- التي تدّخر في نفسها طاقة- فتتولد قدحة تشعل النار، فيحصل الحريق. و على هذا، فإنَّ مثل انفاق الكفّار كمثل المزرعة التي تواجه ريحاً شديدة تُضرم النار فيها.

«وَمَا ظَلَمَهُمُ اللهُ ولكِنْ أنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ» و ذلك لأنّ ما يترتب على فعلهم لم يكن ظلماً من الله بل كان ذلك كله بسبب سوء نواياهم و عدم صدقها.

إنَّ المزارع الذي يتعمّد الزرع في أراضٍ تقع في مسير الرياح الشديدة و الباردة، إذا تلفت زراعته إثر هبوب الرياح فذلك ظلم أورده بنفسه على نفسه.

خطابات الآية

1- المراد من الإنفاق في آية المثل

أي نوع من الانفاق شُبِّه بالريح الصر في الآية الشريفة؟ إنّ في ذلك احتمالات ثلاثة نشير إليها هنا.

الف- المراد منه الانفاق الذي يُصرف في غير سبيل الله، مثل الانفاق و البذل الذي كان يصدر من أبي سفيان الكافر و المنافق- فهو لم يُسلم قلبياً و ضلّ كافراً إلى آخر عمره- في سبيل عظمة الأصنام و

لأجل إسقاط الإسلام.

إنَّ القرآن المجيد يقول: إنّ إنفاقاً من هذا القبيل مثل الأرض التي تعدُّ للزراعة، و دوافع

______________________________

(1) الصر من نفس المادة و تعني الضجة، و مفردة (الصُرّة) التي من نفس المادة كذلك تعني الكيس الذي أغلقت فوهته بشدة. و على هذا، فإنَّ الشدة متضمنة في جميع معاني هذه المادة و مشتقاتها، الريح الشديد و الصوت الشديد و الكيس الذي أغلقت فوهته بشدة.

امثال القرآن، ص: 135

هؤلاء المنفقين- و هي الشرك و عبادة الأصنام- مثل الريح الصر.

باء- المراد من ذلك هو الانفاق و البذل الذي يصدر من المسلمين المترائين لأجل بناء المساجد و الحسينيات و المستشفيات و المستوصفات و الجسور و الطرق و ما شابه ذلك، فهي إنفاقات ذات دوافع غير إلهية، و تنمُّ عن دوافع مثل المباهاة و جلب رضاء الناس لأجل الفائدة الأكبر في المستقبل. إنَّ إنفاق هؤلاء مثل الأرض الزراعية الخصبة، ونية المنفقين غير الخالصة مثل الريح الصر.

جيم- المراد منه هو الانفاق الذي يقترن مع المنِّ و الإيذاء، فهو في الظاهر إنفاق و في الواقع إذهاب لماء وجه الآخرين و سلب اعتبارهم. فالإنفاق آنذاك كالأرض الزراعية، أما المن و الأذى فبمثابة الريح الصر فأنها تُبطل الانفاق، كما أن لها أضراراً دنيوية، و ذلك لأنّه فقد ماله اضافة إلى انّه ارتكب ذنباً عليه عقاب. «1»

2- الإنتقام من كافر النعمة

يستفاد من الآية و آيات اخرى من القرآن المجيد أن الله ينتقم في كثير من الحالات من الذين يكفرون بنعمه و يطغون، فيجعل النعم وسيلة لعذابهم و يبدّلها إلى نِقمٍ (أي الموت في قلب الحياة).

كمثال على ذلك، الله أباد قوم نوح بواسطة المطر و الطوفان، مع أنّ المطر قطرات تمنح الحياة لمن تصله، و هو من أكبر نعم

الله تعالى على هذا القوم.

إنّ الغيث إذا لم ينزل ينتهي كل شي ء على وجه الأرض، فهو نعمة لكنه تبدّل إلى مصيبة على قوم نوح!

تحدّثت سورة سبأ عن قوم سبأ، و الحكاية واقع و عبرة في نفس الوقت. إنّ هذا البلد يقع في مسير المياه الحاصلة من المطر، و لأجل الحدّ من أضرار الأمطار الغزيرة بنى هذا القوم سداً ترابياً لجمع المياه الزائدة و الافادة منها عند الحاجة، و شقوا قنوات و سواقي من هذا السدّ إلى

______________________________

(1) رغم أنَّ الاحتمالات الثلاثة غير متمانعة مع مضمون الآية الشريفة، إلّا أنّه باعتبار الآية السابقة لها فإنَّ الأول هو الأصح، و ذلك لأن الآية السابقة (116 من سورة آل عمران) تصرّح بموضوعها، أي الكفّار.

امثال القرآن، ص: 136

أراضيهم، فأصبحت أراضيهم بذلك قطعة من الخضار لكثرة التشجير و المزارع و البساتين، و ما كان الله يريد من هذا القوم إلّا شكر الرب على نعمه الوافرة، كما يصرّح القرآن بذلك في الآية 15 من سورة سبأ: «كُلوا مِنْ رِزْقِ ربّكُمْ واشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طيِّبةٌ وربٌّ غَفُورٌ» لكن باعتبار أنَّ الإنسان ينسى الله عند ما يغرق في نعمه، فكذا قوم سبأ كانوا قد نسوا الله و أصابهم الغرور و الطغيان و كفران النعمة، و هذه من صفات الإنسان إذا كان ضيق الصدر، حيث ينسى كل شي ء عند ما يبلغ مستوى الرخاء.

إنّ القرآن يصف العذاب و النقمة التي أصابتهم كالتالي: «فَأَعْرَضُوا فأرْسَلْنَا عَلَيْهِم سَيْلَ العَرِم وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَتَيْهِم جَنَّتِيْنِ ذَوَاتَي أُكُلٍ خَمْطٍ وَأثْلٍ وَشَي ءٍ مِنْ سِدْرٍ قَليلٍ». «1»

نعم؛ إنّ كفران النعمة هو الذي بدّل نعمة السد الترابي إلى نقمة و عذاب. و قد توفرت مقدمات العذاب، بعد ما أوحى الله لفئران أن تثقب السدّ،

فكان الماء يخرج من الثقوب شيئاً فشيئاً إلى أن توسعت الثقوب لتصل إلى مستوى استطاعت أن تدمّر السدّ، فتدفّق الماء بشدة و دمّر قصور القوم و بساتينهم و أنعامهم، و بدّل مزارعهم إلى أراض جرداء.

و في النتيجة تبدّل هذا السدّ- إثر إعراضهم عن الله- إلى عذاب ليكون عبرة لمن بعدهم، و لكي لا يطغى الإنسان أمام الله.

النموذج الآخر، هو عذاب الله الذي نزل على قوم شعيب من خلال الصيحة (كما يعبر عنها القرآن في الآية 94 من سورة هود) أو الصاعقة، و هي من جهتين تعتبر عذاباً، الأولى: أنَّها تحرق كل ما تصطدم به. و الثانية: أنّ أمواجها الصوتية تذهب بالسمع.

و يُذكر هنا أنَّ هذه الصاعقة كانت نعمة لهم؛ لأنها تسبب هطول الامطار، تلك النعمة التي يدين لها جميع الأحياء على الكرة الأرضية.

و حسب ما ذكر في الآية 16 من سورة هود، أنّ الاستئصال كان نتيجة طغيانهم و كفرانهم لنعم الله، و تبدّلت بذلك الأرض التي هي مهد الإنسان و مسكنه إلى وسيلة عذاب يتعذبون بها.

______________________________

(1) سبأ: 16.

امثال القرآن، ص: 137

إنّ اهتزاز الأرض دمر جميع مدنهم، و قد أنزل الله وابلًا من الأحجار عليهم بحيث لم يبق من آثارهم شي ءٌ أبداً.

أشرنا سابقاً إلى أن الريح من نعم الله العظمى للمزارعين، كما أنَّه إذا لم يهب فانَّ عملية لقاح الاشجار سوف لا تتمُّ، كما أنَّ الهواء إذا لم يتغير فسوف يستهلك الاوكسجين فيه، و في النهاية سوف لا تثمر الاشجار و النباتات من جراء ذلك.

3- فلسفة الكوارث الطبيعية

منذ القدم كانت المسألة التالي ذكرها أحد مسائل بحث العدل الإلهي، و هي: إذا كان الله عادلًا فما فلسفه الكوارث و الحوادث المؤلمة من قبيل الأمراض و السيول و الطوفانات و

الزلازل و الامطار الشديدة و الاعصار المخيفة؟

هل تتلاءم هذه الامور المؤلمة للإنسان أو المدمّرة له مع عدالة الله؟

لا نعرف التاريخ الدقيق لطرح هذه الشبهة، و قد يرجع تاريخها إلى ما قبل ميلاد السيد المسيح عليه السلام. و قد دوِّنت في هذا المجال البحوث و الكتب الكثيرة، و هممنا في كتاب (خمسين درساً عقائدياً) بالاجابة على هذه الشبهة.

و قد تصدَّى القرآن في بعض آياته للاجابة على هذه الشبهة، نشير إلى نماذج من تلك الآيات:

1- تعتبر بعض الآيات التنبّه و اليقظة من أهداف هذه البلايا و الكوارث، كما هو كذلك في الآية 41 من سورة الروم: «ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرّ والبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أيدِي النَّاسِ ليُذيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلوُا لَعلَّهُمْ يَرْجِعُونَ».

على أساس هذه الآية، تعدُّ الكوارث لطفاُ من الله للغافلين من الناس، فإنَّها قد تفيق الغافلين عن غفلتهم لعلهم يرجعون إلى الله، مثلما ابتلى الله الناس في زماننا هذا بمرض الايدز لكثرة فسادهم لعلهم بهذا الابتلاء يرجعون عن فسادهم و ينتبهون إلى أنفسهم، أو مثلما يبتلي شعوب العالم حالياً بالحروب و الاختلاف الطبقي الفاحش و الانقلابات و السقوط و تدمّر الحضارات البشرية و ذلك لتفشي أمراض مثل أكل الربا فيهم. فهذه الابتلاءات تحلُّ بالناس

امثال القرآن، ص: 138

لعلّها تنبههم و ترجعهم إلى الطريق الصواب و تفيقهم من غفلتهم هذه.

إذن، الابتلاءات هذه مواهب إلهية في الواقع.

و لأجل اتضاح هذه الفلسفة بشكل أفضل التفتوا إلى هذا المثال:

نشاهد في بعض الشوارع الطويلة و المستوية بعض العقبات و العكر تعَّمد إيجادها المعنيوّن.

إذا ما سألنا عن سبب ذلك قالوا: إن شوراع من هذا القبيل قد تؤدي إلى غفوة السائق و غفلته الأمر الذي قد يودي، بحياته و حياة الآخرين، و لأجل الحيلولة

دون غفوة السائق نتعمد إيجاد هذه العكر ليبقى السائق منتبهاً دائماً.

إنّ حياة الإنسان إذا خلت من هذه العقبات قد تؤدي إلى غفلة الإنسان و غفوته و سقوطه في الهاوية في نهاية الأمر، لكن وجود هذه العقبات تحول دون غفلته و تنجيه من السقوط رغم أنها تؤذيه و لا تريحه.

2- الفلسفة الاخرى المستفادة من الآيات هي أنَّ بعض هذه البلاءات و الحوادث نتيجة عمل الإنسان نفسه، و بتعبير آية المثل: أنَّ الإنسان يظلم نفسه و أنَّ الله لا يظلم أحداً.

على سبيل المثال، الأبوان اللذان لا يكترثان بسوء أو حسن تربية الاطفال، و لا يهتمان بتعليمهم المسائل الدينية، و لا يرشدونهم إلى الاماكن الدينية مثل المساجد و الحسينيات و لا يعوّدونهم على التردد على هذه الأماكن، فان النتيجة ستكون اطفالًا غير مهذبين أو متعاطين للمخدرات، الأمر الذي يعود بأضراره لا على نفسيهما فحسب بل على جميع المجتمع، لكن يا ترى من كان السبّاق و الناثر للبذرة الأولى لهذا الشذوذ و هذا الظلم؟ لا أحد غير الأبوين.

إعتبروا

قبل مدة جاء شخص محترم لمكتبنا لغرض دفع ما عليه من واجبات مالية، فقضى الموظفون حاجته و أدى ما عليه، ثم رحل.

بعد فترة من الزمن جاء نفس الشخص مع صديق له، و هو يحمل معه الكثير من الهمّ و الغمّ، و رأيته يبكي، فسألته عن سبب بكائه؟ فأجابني: أنَّ إطفالي صادروا جميع ما جمعت من المال خلال السنوات الماضية من عمري، و قد طردوني من البيت، و أنا الآن أنام في كل ليلة في بيت

امثال القرآن، ص: 139

من بيوت المعارف. ثم أشار إلى صديقه و قال: إنّ الطريق الذي سلكه صديقي كان طريقاً صحيحاً، فهو سعى منذ البداية في تربية

أولاده و تعاليمهم و الاحكام الإسلامية و أرشدهم منذ الصغر إلى المساجد و الحسينيات، و أولاده حالياً كالعصى بيد والديهم يحترمونهما و يؤدون واجباتهم تجاههما، إلّا اني أخطأت منذ أن فكّرت في إرسالهم للخارج و تعليمهم العلوم من دون الاكتراث بما قد يسي ء ذلك إلى تربيتهم. و حالياً عند ما رجعوا إلينا وجدناهم لا يفكرون إلّا بأنفسهم و مصالحهم المادية، فلا يهتمون بشي ء غير المال «وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلكِنْ كَانُوا أنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ». «1»

إنّ لطف الله و رحمته على العباد مثل الغيث الذي يهطل على الأراضي، ففي بعضها تنبت الزهور و النباتات، و في بعضها الآخر تنبت الأدغال، و الاشكال ليس في المطر بل في ذات الأرض. كما أنه لا اشكال في أنوار الهداية الإلهيّة، بل الاشكال في قلوب الناس. و على هذا، فإنَّ الفلسفة الاخرى لهذه الابتلاءات هي أنَّها ردود فعل لأفعالنا نحن. بالطبع هناك فلسفات اخرى لهذه الظواهر، نحن نكتفي هنا بالموردين السابقين.

______________________________

(1) جاءت آيات كثيرة بهذا المضمون، منها الآية 57 من سورة البقرة، و الآية 117 من سورة آل عمران و الآية 9 و 16 و 162 و 177 من سورة الاعراف، و الآية 70 من سورة التوبة و الآية 44 من سورة يونس.

امثال القرآن، ص: 141

المثل الثاني عشر: الكفر و الإيمان

اشارة

يشير الله تعالى إلى هذا المثل في الآية 112 من سورة الأنعام، حيث يقول:

«أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورَاً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلك زُيِّنِ لِلْكَافِريِنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ».

تصوير البحث

في الآية مثلان كلاهما عن الكفر و الايمان. شبّه القرآن الايمان في المثل الأول بالحياة، و الكفر بالموت. و في المثل الثاني شبّه الله الايمان بالنور و الكفر بالظلمات.

شأن نزول الآية

ذُكر شأنان لنزول الآية:

1- نزلت الآية في حمزة العم الجليل لرسول الله صلى الله عليه و آله و في أبي جهل العدوّ اللدود للرسول صلى الله عليه و آله.

إنّ حمزة لم يؤمن في صدر الإسلام، و قد يكون ذلك تأنياً منه لدراسة الدين الجديد بشكل افضل، فهو في صدر الإسلام سلك سبيل السكوت تجاه الدعوة. أما أبو جهل فكان يؤذي الرسول دائماً بشكل و آخر و كان يضع أمام الرسول العقبات لأجل إيذائه. في يوم كان حمزة قد ذهب للصيد، و في نفس اليوم كان أبو جهل قد آذى الرسول بشدة بحيث تأثر من جراء ذلك

امثال القرآن، ص: 142

حتى عبدة الأصنام، و قد وصل خبر إيذاء الرسول صلى الله عليه و آله لحمزة بعد أن قدم من الصيد، فذهب إلى أبي جهل و ضربه على أنفه بحيث رعف أنفه دماً، و رغم ما كان لأبي جهل من قوم و أنصار، إلّا أنه هاب حمزة، و لم يصدر منه أي ردّ فعل، و في هذه الاثناء استسلم حمزة.

إنّ الآية نزلت هنا، و كأنها تريد القول: إنَّ حمزة حيى عند ما أسلم، و بذلك تنوَّر قلبه، عكس ما كان عليه ابو جهل في تورّطه بالظلمات، و أنَّ تعصبه و لجّه حال دون الخروج منها.

الكفار يعتقدون بصحة أعمالهم و رفعة شأنها رغم أنهم يزدادون كل يوم غطساً في طين الشقاء و الكفر. «1»

2- الشأن الآخر هو أنَّها نزلت في عمار بن ياسر و أبي جهل. إنّ عمار من

الشباب الشجعان و من أوائل الذين أسلموا و نوروا قلوبهم بالايمان، فهو من أنصار رسول الله صلى الله عليه و آله، و أصبح نصيراً للإمام أمير المؤمنين عليه السلام بعد وفاة الرسول صلى الله عليه و آله، و قد استشهد في صفين. «2»

عند ما أسلم هذا الشاب ذمّه الكثير من المشركين، منهم أبو جهل، و قد تعرّض آنذاك لأنواع من العذاب. و من هنا قيل: إنَّ الآية نزلت في إيمان عمار و كفر أبي جهل، باعتبار أنَّ عمار قبل الإسلام كان ميتاً وحيى بعد الإسلام و تنوّر قلبه به، أما أبو جهل فظل في وادي الظلمات باصراره على الكفر ولجه في ذلك، و لا أمل له في النجاح و السعادة؛ لأنَّه كان يعتبر أعماله القبيحة حسنة. «3»

ما هي الحياة؟

لأن نستوعب بعمق المثل الأوّل علينا أن نفهم معنى الحياة.

رغم أن آثار الحياة نجدها في كل مكان، و رغم أنّه يمكننا أن نميّز الحياة عن الممات، إلَّا أنَّ تعريف الحياة و إدراك حقيقتها أمر مشكل، و قد لا يوجد شخص استطاع إبداء تعريف جامع لحقيقة الحياة.

______________________________

(1) انظر تفسير الأمثل 4: 401- 403.

(2) إنّ قتل عمار أوجد ضجة في معسكر معاوية، و ذلك لأن الرسول صلى الله عليه و آله كان قد قال له: ( (تقتلك الفئة الباغية)) إثر ذلك كاد ان يرتد الكثير من معسكر معاوية، إلا أنّ معاوية أنقذ نفسه بالقول بأن قاتله هو من دعاه أو جاء به للقتال.

(3) انظر تفسير الأمثل 4: 401- 403.

امثال القرآن، ص: 143

يعتقد العلماء أنّه لا يمكن أن يولد الحي من الميّت. و رغم ما انجزه العلماء من صناعات مدهشة كالكامبيوتر و الطاقة الذرية و ... إلّا أنهم ما استطاعوا أن

يخلقوا موجوداً حيّاً من موجود ميّت.

اعتبر القرآن قبل 1400 سنة الإنسان عاجزاً، حيث قال في الآية 73 من سورة الحج:

«إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يخلقُوا ذُبَابَاً ولو اجْتَمَعُوا لَهُ». و في هذا العصر الملي ء بالاختراعات، يعجز الإنسان عن إدعاء الخلق فضلًا عن الخلق نفسه.

من المبادئ التجريبية المسلمة هي أنَّ الحي لا يمكن خلقه من الميّت، و ظنُّ بعض العوام أن الرطوبة تخلق بعض الموجودات الحيَّة فذلك ظن باطل، كما أنَّه لا يتصور أنَّ التفاحة بنفسها توجد الدودة التي في داخلها، بل ينبغي أن يكون في داخل التفاحة بيضة الدودة لكي توجد الدودة، فلا الحيوان يوجد النبات و لا النبات يوجد الحيوان.

سؤال: في اليوم الذي انفصلت الارض عن الشمس لم يكن موجود حىٌّ على الكرة الأرضية، لكن الموجودات الحية وجدت بعد ذلك. ألم يكن ذلك بسبب أنَّ الموجودات الحية تخلق من الموجودات الجامدة؟

الجواب: نعم كانت هناك ظروف معقدة خاصة خلقت الجمادات الموجودات الحية، لكن هذه الظروف غير متوافرة بالفعل، كما لا يمكن للإنسان أن يوافر تلك الظروف.

و على هذا، فانَّ الحياة أعجب ظاهرة في عالم الوجود. و الأعجب من ذلك هو خالق الحياة، فرغم تحقيق و دراسة الملايين من العلماء، ما أستطاع أحد منهم كشف هذا السر و معرفة سر الخلق! و لهذا كانت قضية الحياة من أهم أدلة و براهين معرفة الله.

أقسام الحياة

إن الحياة على ثلاثة أقسام:

1- الحياة النباتية، و علاماتها أشياء ثلاثة:

الف- النمو. باء- التغذية. جيم- التناسل.

2- الحياة الحيوانية، و هي حياة تضم علامتين، هما: الحس و الحركة.

امثال القرآن، ص: 144

3- الحياة الإنسانية، و هي تحضى- أضافة إلى الخصائص السابقة المذكورة في الحياة النباتية و الحيوانية- بخصائص من قبيل العلم و المعرفة

و الايمان و الأخلاق و الحب و الارادة.

و اذا فقدت الحياة الإنسانية الخصائص الثلاث الاخيرة تبدلت إلى حياة حيوانية. و لذا، اعتبر القرآن المجيد غير المسلمين موتى؛ لأنّه ينظر إلى حياتهم من الزاوية الدينية الإسلامية.

المراد من الحياة في آية المثل

لا شك في أنَّ المراد من الحياة في الآية الشريفة هو الحياة الإنسانية، أي أنَّ حمزة أو عمار أو أي شخص آخر يحيى إذا ما أسلم، فتظهر فيه علائم الحياة الإنسانية، أي العلم و المعرفة و الاخلاق و الايمان و الحب و الارادة. و من هنا كان امثال عمار و حمزة و الشهداء في سبيل الله أحياء «1» أمّا أمثال أبي جهل فأموات غير أحياء. «2»

لماذا عُدّ عرب الجاهلية أمواتاً؟

يبحث الإمام علي عليه السلام هذا الأمر في الخطبة رقم 26 من نهج البلاغة و يقول: «إنَّ الله بعث محمداً صلى الله عليه و آله نذيراً للعالمين، و أميناً على التنزيل ...» ثم يذكر عشر خصال لعرب الجاهلية.

1- «و أنتم معشر العرب على شرِّ دين» فإنَّ عبادة الأصنام هي أسوأ خرافة، كيف يمكن للإنسان أن ينحت صنماً ثم يسجد و يركع إليه و يناجيه و يطلب منه الطلبات؟ و الأسوأ من ذلك كله هو أنّه يضحّي بولده لهذه الأصنام، و عند الجوع يأكل أصنامه التي صنعها من التمر.

2- «و في شر دارٍ» فهم كانوا في دارٍ لم يحكمها السلام أبداً، فنار الحرب كانت مستعرة دائماً، و كانوا يصرون على النزاع و المخاصمة و يورثون الأحقاد لأولادهم، و كان الموت مصير من لم يستطع الانتقام من خصمه، و كانوا يوصون أولادهم بالانتقام.

3 و 4- «مُنيخون بين حجارةٍ خُشنٍ و حيَّات صُمٍّ» أي كانوا فقراء يعيشون بين الاحجار

______________________________

(1) سورة آل عمران الآية 169.

(2) سورة النحل الآية 21.

امثال القرآن، ص: 145

الصلبة و الخشنة و الحيات الخطرة التي كانت صماء لا تسمع، «فكانت الأرض فراشكم و السماء غطاءكم».

5- «تشربون الكدر» أي ما كانوا يشربون ماءً زلالًا بل ماؤهم كان وسخاً دائماً.

6- «و تأكلون

الجشب» أي مأكولاتهم ما كانت لذيذة بل متواضعة و لا تلذ.

7- «و تسفكون دماءكم» فان عدم الأمن و الأمان كان هو الحاكم آنذاك.

8- «و تقطعون الأرحام» فما كانوا يرحمون أولادهم فضلًا عن غيرهم، إنّ وأد البنات كان من عاداتهم.

9- «الأصنام فيكم منصوبة» أي أنَّها كانت منصوبة للاحترام و التبجيل و العبادة ...

10- «و الآثام بكم معصوبة» أي كانوا قد غرقوا في وحل الذنوب و العصيان.

من مقال الإمام يستفاد أن الفقر كان هو السائد، سواء كان بمعناه الديني أو الثقافي أو السياسي أو الاقتصادي أو الأمني ... فبعث الله في هذا الوسط- الذي كان ميتاً بكامل معنى الكلمة- رسولًا مع باقة من العلم و المعرفة.

عندها التقى عرب الجاهلية و مسلمو صدر الإسلام مع العلم و المعرفة و ما مرّ زمن طويل حتى تزعموا عالم العلم، و وفّروا الأرضية للحركة العلمية في اوروبا. و خلال أربعة أو خمسة قرون استطاع المسلمون أن يرشدوا الاوربيين نحو العلم. و رغم أنَّ المسلمين تزعموا العلم و كانوا روّاد الحركة العلمية في العالم، إلّا أنَّهم تخلفوا حالياً عن عجلة الصناعة و التقنية، و هم يمدون أيديهم الآن إلى الدول الأوروبية لارسال خبراء و مستشارين رغم ما يترك هذا الأمر من مضار أخلاقية و اجتماعية و دينية.

و على العلماء في الوقت الحاضر أن يشدوا الشباب بماضيهم المنير و أن يعرّفوا هذا الجيل بما أقرّ به الاوربيون للمسلمين من علوم و اختراعات و ابتكارات علمية قبل النهضة الاوربية ...

و بتدريسهم هذه المطالب في الجامعات و المراكز العلمية سوف يحرّضون الشبان نحو النشاط الاكبر و الأكثر فاعلية.

امثال القرآن، ص: 146

آثار النور و بركاته

لقد شُبِّه الايمان في المثل الثاني بالنور، و الكفر بالظلمات. و لأجل اتضاح عظمة

النور من المناسب ان نشير إلى آثاره المادية و بركاته هنا:

النور هو ألطف موجود و أسرعه في عالم المادة؛ فإنَّ سرعته في الثانية 000/ 300 كيلو متر، و بعبارة اخرى: النور يستطيع أن يطوي الارض سبع مرات و نصف المرة في الثانية الواحدة، لأن قطر الأرض في خط الاستواء هو 40 الف كيلوا متر، و اذا قسمنا 000/ 300 على 000/ 40 فان الناتج سيكون سبعة و نصف.

إنَّ بركات عالم المادة جميعها من النور، و ذلك لأنَّ بواسطته تُقتل الميكروبات المضرّة و تُعالج بعض الامراض، و ببركته يدف ء الجو، و ببركته تتنوّر الأرض، و ببركته تنزل نعمة المطر الالهية.

في الإسلام و الايمان إضاءة كما في النور. إنَّ حمزة و عمار كانوا أمواتاً قبل الإسلام، كما هو حال عرب الجاهلية أجمع، ثمّ تنوّروا بعد إيمانهم، و أحيا هذا النور وجودهم و قلوبهم، و قد سلكوا طريق الحق و الحقيقة بواسطة هذا النور، و طبيعي أن يختلف صاحب هذا النور عمن لا يمتلكه.

نور الفرقان

الآية التالية (29 من سورة الأنفال) من الآيات ذات المحتوى و المعنى العميق التي نزلت في هذا المجال: «يَا أَيُّها الَّذِيْنَ آمَنُوا إنْ تَتّقُوا اللهَ يَجْعَلُ لَكُمْ فُرْقَاناً».

الفرقان لغوياً يعني ما يميز به الحق عن الباطل. و الآية تعني أنَّ الإنسان إذا اتقى الله، فالله يلقي في قلبه نوراً يستطيع الإنسان من خلاله أنْ يميز الحق عن الباطل. و لهذا قد يحصل أن يكون بين الناس العوام اشخاص يحملون هذا النور و يعلمون بواقع الأمر رغم اكتناف الواقع بملابسات و غموض بحيث يعلمون بالمنشأ و الأهداف. إنَّ أصحاب هذا النور لا يقعون في فخ الشيطان و لا يكونون آلة بيده، كما لا يتورطون بشباك

المحتالين؛ و ذلك لأن نور الفرقان يكشف لهم عمّا غمض و يهديهم إلى الصواب، لذا قال رسول الله صلى الله عليه و آله: «المؤمن ينظر بنور الله». «1»

______________________________

(1) بحار الأنوار 64: 75.

امثال القرآن، ص: 147

التقوى ثمرة الصوم و الفرقان ثمرة التقوى

شهر رمضان شهر التقوى و النور، و الإنسان يحصل بالصوم على تقوى أكثر إلى مستوى تتجذر فيه نبتة التقوى (لعلكم تتقون). و عليه، فالتقوى ثمرة الصوم و نتيجته، و على أساس الآية الشريفة، إنَّ الفرقان هو ثمرة التقوى.

و من المناسب في هذه الليالي و الأيام المباركة و بخاصة عند الاسحار أنْ نرفع أيدينا إلى السماء خشية و تضرّعاً سائلين الله التقوى و الفرقان (اللهم آمين).

الأعمال القبيحة تبدو حسنة في نظر الكفار

يقول الله في نهاية الآية الشريفة: «زُيِّنَ لِلكَافِرِيْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ»؛ و ذلك لأنَّ حب الذات و الهوى و الأنانية و الغرور تجعل الإنسان في غفلة عن أعماله القبيحة و تتزيّن له الأعمال القبيحة، بحيث تبدو جميلة و حسنة.

امثال القرآن، ص: 149

المثل الثالث عشر: شرح الصدر

اشارة

يقول الله تعالى في المثل الثالث عشر من أمثال القرآن في الآية 125 من سورة الأنعام:

«فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أنْ يَهْديَهُ يَشْرَحُ صَدْرَهُ لِلأسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجَاً كَأنّمَا يَصَّعَّدُ فِي السِّمَاء كَذَلك يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الّذِين لَا يُؤمِنُونَ».

تصوير البحث

إنَّ الآية الشريفة في صدد بيان الأرضيات الروحية للناس لقبول الحق. و المستفاد من هذه الآية، أنَّ الناس يختلفون من هذه الحيثية، فبعض من الناس بمجرد أن يواجه الإسلام يتلقاه و يحتضنه؛ و ذلك لطهارة روحه و نورانية قلبه، و لأجل ذلك يشرح الله صدوره. و في قبال هذا البعض، هناك البعض الذي لا يتأثر بالقرآن حتى لو قرأته كله عليه؛ و ذلك لأنه يفقد الأرضية اللازمة لقبول الحق، فيجعل الله صدر هذا ضيّقاً و مظلماً.

الشرح و التفسير

«فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَح صَدْرَهُ للأِسْلَامِ» و العبارة الاخرى لشرح الصدر هي توسيعه بحيث يجعله مؤهلًا و قابلًا لاستقطاب الحق و الحقيقية.

«وَمَنْ يُرِدْ أنْ يُضِلّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيّقاً حَرَجاً» و العبارة الاخرى لضيق الصدر هي سلب القدرة و الطاقة عن القلب بحيث يختل توازنه الفكري لأصغر مشكلة و أتفهها.

امثال القرآن، ص: 150

«كَأنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ ...» أي أنَّ ضيق الصدر يصل إلى مستوى و كأنه يحلق إلى السماء بدون وسيلة، كما أنّ تحليقاً من هذا النوع محال بالنسبة إلى الإنسان، كذلك تحّمل الضيق و الظلمة بالنسبة لهؤلاء، فهم لا يطيقون ذلك. إنَّ الله يجعل هكذا ظلمة و كفر في قلوب غير المؤمنين.

خطابات الآية

1- الهداية و الضلالة بيد الله

إنّ المفهوم الذي يتطابق مع ظاهر الآية هو أنَّ الهداية و الضلالة بيد الله، و هذا لا يعني إلّا الجبر. ففي هذه الحالة يُعدُّ الإسلام و الكفر أمرين غير اختياريين، لكن قبول هذا- حسب عقيدتنا- يتنافى مع عدالة الله.

و من هنا كان علينا أن نقدم مقدمة نوضح فيها الأمر:

من الفرق الإسلامية- التي لا تنهل من المنبع الزلال للولاية و الامامة- فرقة تقول بالجبر و تعتقد أنَّ الإنسان مسلوب الإختيار. إنَّ الإعتقاد بهذا المذهب- المخالف لمذهب الشيعة- يتساوى مع انكار اصول الدين الخمسة.

إنّ أول أصل يغض النظر عنه هذا المذهب هو أصل العدل الإلهي، فإنَّ الإنسان اذا كان مُجبراً على أعماله فعذاب الكافر و ثواب المؤمن ليسا من العدالة؛ لأنّه لا الكافر اختار الكفر، و لا المؤمن اختار الايمان. و لهذا لم يقل بعدل الله من قال بالجبر.

إنَّ التوحيد هو الأصل الثاني الذي ينفى بالاعتقاد بالجبر؛ و ذلك لأنَّ الله إذا لم يكن عادلًا فهو ليس أهلًا لادارة و تدبير هذا العالم

الواسع الذي يُدار على أساس النظم و الحكمة.

من هنا كان إرسال الرُسُل و بعثة الأنبياء خالياً من أي معنى و تبرير؛ فإنَّ الانبياء لا قدرة لهم على هداية الكفار و ذلك لأنَّهم مسلوبو الإختيار، كما أنّه لا تأثير للأنبياء على إيمان المؤمنين، فإنَّ الجَبْر يحول دون انحرافهم، و بعبارة أُخرى: أنّ الأوّل محال، و الثاني تحصيل حاصل، و كلاهما غير ممكنين من وجهة نظر فلسفية.

الإمامة- التي هي استمرار للنبوة- تبطل للسبب السابق. و آخر أصل يبطل بالجبر هو

امثال القرآن، ص: 151

أصل المعاد؛ فإنَّ المعاد يبتني على الاختيار. و عليه، إذا كان الناس جميعهم مجبورين و مسلوبي الاختيار فإنَّ الجزاء و الجنة و جهنم و القيامة و المعاد كلها تكون مفاهيم دون معانٍ.

و في النهاية، لا يمكننا أنْ نكون مسلمين بالاعتقاد بالجبر، كما لا يمكننا على أساسه قبول أصول الدين «1» و لهذا على الشيعة أن تشكر الله على أنَّه لم يوقعها- ببركة الائمة المعصومين عليهم السلام- في وادي الجبر المظلم، كما لم يتركها تتسيب في صحراء التفويض المظلمة، بل سلك الله بالشيعة طريقاً بين المذهبين المنحرفين، و هو طريق الحق المستقيم و الواضح.

إنَّ ما تدل عليه الآية هو: أنَّ الخطوة الأولى للهداية و الضلالة يخطوها الإنسان نفسه، فاذا كانت هذه الخطوة باتجاه الهداية، فإنَّه سيكون مشمولًا للهداية الربانية، و إذا كانت هذه الخطوة باتجاه الضلالة فإنَّه سيكون مشمولًا للضلالة الربانية. سلمان الفارسي- مثلَاً- تحرك من إيران و خطى باتجاه منبع الهدى، و تحمّل في هذا السبيل المشاكل إلى مستوى أنّه أُخذ رقاً، لكن باعتبار أنّ خطاه الأولى كانت باتجاه الهداية، شملته هداية الله و شرح الله صدره و نال ما نال من جرّاء ذلك.

أما أبو

جهل و أبو لهب فرغم أنَّهما كانا بجنب منبع الهدى، إلَّا أنَّ خطاهما الأولى كانت باتجاه العناد و العداوة، أي اختارا طريق الضلالة تبعاً للشيطان و أغلقا أعينهما و أسماعهما للحيلولة دون رؤية أو سماع الحق و نداءه، لذا شملتهما ضلالة الله و ضيّق الله صدورهما و أظلمها.

و على هذا، فإنَّ الهداية و الضلالة نتيجة لخطى الإنسان الأولى، و الآية الشريفة كغيرها من الآيات لا تتنافى مع اختيار الانسان. «2»

2- الاعجاز العلمي للقرآن في آية المثل

رغم أنَّ المُفسرين يعتبرون جملة «كَأنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ» كناية عن الأمر المحال و غير

______________________________

(1) هناك عوامل كثيرة أدت للاعتقاد بالجبر، للمزيد راجع كتابنا خمسين درساً في أصول العقائد، بالفارسية الصفحة 118 فما بعدها.

(2) للمزيد راجع كتاب خمسين درساً عقائدياً، الصفحة 137 فما بعدها.

امثال القرآن، ص: 152

الممكن، إلّا أنَّه باعتبار التقدّم الملحوظ في العلوم البشرية و امكانية الوصول إلى الفضاء، يمكن ذكر تفسير آخر لهذه الجملة يكشف عن إعجاز علمي للقرآن المجيد. «1»

يحيط الكرة الأرضية و إلى ارتفاع 30 كيلومتراً مقدار من غاز الاوكسجين، و الذين يفيدون من هذا الاوكسجين من الموجودات الحية يفيدون من المقدار الموجود إلى ارتفاع كيلومترات محدودة، اما الموجود في الفضاء المرتفع فالإفادة منه صعب للغاية، بحيث بالنسبة للإنسان كلّما ارتفع عن سطح الأرض كلّما صعب عليه التنفّس و ضاق.

و لأجل ذلك قد يبتلي متسلقو الجبال بمشاكل عسر التنفس إذا ما ما تسلقوا جبالًا عالية، أي بلغوا مستوى يصعب بعده جذب الاوكسجين في البدن، الأمر الذي قد يؤدي بهم إلى الغيبوبة، و الموت بعضاً ما.

و لنفس السبب تُجهَّز الطائرات بمعدات لتنظيم مقدار الاوكسجين في الطائرة عند التحليق في اماكن مرتفعة، و اذا اختل عمل أجهزة الهواء في الطائرة يضطر المسافرون للبس

الاقنعة الخاصة التي تمدّهم بالاوكسجين و التي أعدت للحظات من هذا القبيل، و اذا تعسر الافادة من ذلك تضطر الطائرة للتحليق في ارتفاعات أدنى للحفاظ على حياة المسافرين.

في الوقت الذي نزلت فيه الآية لم يكن الإنسان على علم بهذه القضية العلمية إلَّا أنَّ القرآن المجيد في ذلك الزمان (1400 سنة قبل) كشف عن هذا اللغز العلمي و قال بعدم امكان الافادة من الهواء في الفضاءات المرتفعة، و شبَّه الضالين بأولئك الذين يريدون التنفس في تلك الفضاءات.

3- شرح الصدر

عند ما بلغ النبيّ موسى عليه السلام مقام النبوة، طلب من الله عدة أشياء، منها: شرح الصدر حيث جاء: «قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ...». «2»

______________________________

(1) إنّ اعجاز القرآن ذات وجوه مختلفة منها الاعجاز العلمي، للمزيد راجع تفسير نفحات القرآن 8: 121- 167.

(2) طه: 25.

امثال القرآن، ص: 153

نال الرسول صلى الله عليه و آله هذه النعمة الإلهيّة العظمى دون أن يطلبها من الله: «ألَمْ نَشْرَح لك صَدْرَكَ». «1»

ما معنى شرح الصدر باقتضاب؟

لا يعني الصدر ذلك القسم العلوي من البدن، بل يعني الروح و الفكر. و على هذا، فشرح الصدر يعني الروح المنفتحة و الفكر المنفتح، أي منشرح الصدر هو صاحب الفكر العميق و الصبر و التأني الفكري و الروحي بحيث لا يتزلزل أمام أبسط الحوادث أو أشدها. و لهذا كان شرح الصدر أحد أهم مستلزمات الترقي و التعالي نحو الله تعالى.

الرسول صلى الله عليه و آله و جاره اليهودي

كان للرسول صلى الله عليه و آله جار يهودي يلقي فضلات بيته و جمر ناره على الرسول عند مروره من بيته، و كان يمارس هذا العمل يومياً، و في يوم مرّ الرسول من بيت اليهودي و لم يواجه الظاهرة اليومية التي كانت تصدر من اليهودي، فسأل الرسول أصحابه؟ فأجابوه بأنه مريض، فذهب الرسول لعيادته، و طرق الباب و كانت إمرأته خلف الباب فسالته عمّا يريد فأجابها أن الهدف هو العيادة ففتحت له الباب، و كان سلام الرسول صلى الله عليه و آله و تحياته لليهودي تبدو و كأنَّ اليهودي لم يكن من المؤذين للرسول يومياً.

عند ما شاهد اليهودي هذه المعاملة من الرسول سأله عمّا إذا كانت هذه الاخلاق من صلب الدين الذي يدعو له؟ فاجابه بالايجاب.

و نجد الكثير من هذه النماذج في سيرة الرسل

و الأئمة و علماء الدين.

على سبيل المثال، كتب شخص في شيراز رسالة إلى أحد علماء تلك المدينة يهجره و يشهّر به فيها، فيرى العالم ذلك الشخص الكاتب في الغد و يقول له: (لقد رميت الرسالة التي كتبتها لي «2» يبدو أنك تعاني من مشكلة مالية، فخذ هذا المبلغ لعلَّ مشاكلك تُحل به).

______________________________

(1) سورة الشرح الآية 1. و قد جاء نفس المضمون في الآية 106 من سورة النحل و كذا الآية 22 من سورة الزمر.

(2) كان في كلامه تورية، لأنّه رماها خلف الكتب بعد أن قرأها، أمّا الكاتب فتصوّر أنه لم يقرأها. امثال القرآن 199

امثال القرآن، ص: 154

ففرح كاتب الرسالة و كان يقول مع نفسه (كان خيراً أن السيد لم يقرأ رسالتي).

على المسلم أن يتأسَّى بالرسول صلى الله عليه و آله و أن يشرح صدره و يوسع فيه، و أن تكون همّته أرفع من أن يتنازل و يضعف أمام المشاكل؛ بل عليه أن يتحمّل و لا يكفر بالنعم لكل مشكلة يواجهها و لو كانت صغيرة، و ما عليه أن يحقد و يسعى للإنتقام.

إلهي ببركة هذا الشهر (رمضان) اشرح صدورنا و وفقنا جميعاً لتحمل ما لا نستسيغه.

امثال القرآن، ص: 155

المثل الرابع عشر: المبدأ و المعاد

اشارة

يقول الله تعالى في المثل الرابع عشر من امثال القرآن الجميلة في الآية 57 من سورة الأعراف:

«هُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرَاً بَيْنَ يَدَي رَحْمِتِه حَتَّى إذَا أقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالًا سُقْنَاه لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فأنْزَلْنَا بِهِ المَاءَ فأخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلّ الثَمَرَاتِ كَذلك نُخْرِجُ المَوتَى لَعَلَّكُم تَذَكّرُونَ».

تصوير البحث

جاءتنا الآية بخطابين مصيريين، هما صدر الآية الذي تضمّن التوحيد و معرفة الخالق و ببرهان مقنع على المبدأ، و ذيل الآية الذي تضمّن مثلًا جميلًا أشار به إلى عالم الآخرة و المعاد.

أهمية المبدأ و المعاد

إن المبدأ و المعاد من المسائل المهمة جداً و التي طرحت في القرآن بشكل واسع بحيث اختص ما يقرب الالفين من الآيات (أي ثلثا القرآن) بالمعاد، كما أن ثلث الآيات اختصت بموضوع المبدأ. و هذا الأمر يكشف عن أهمية المبدأ و المعاد.

إنّ القضايا التي تناولتها الآيات هي من قبيل العدل الإلهي و الجنة و النار، و دفتر الاعمال و تجسّم الأعمال و المعاد الجسماني و ثمار الجنة و غير ذلك. و سر الاهتمام البالغ بالمعاد واضح، من حيث أنَّ الإنسان لا يمكنه أن يقع في طريق السعادة و لا يمكنه أن يخطو في هذا الطريق إلَّا أنْ

امثال القرآن، ص: 156

يكون معتقداً بالأصلين المهمين، الأول: هو المبدأ أو التوحيد و الثاني: هو المعاد أو رجوع الإنسان إلى الله.

إنّ الإعتقاد بالله يعلِّم الإنسان أنَّ الله يراقبه في كل زمان و مكان «وَهُوَ مَعَكُمْ أيْنَمَا كُنْتُمْ». «1» و الاعتقاد بالمعاد يعلِّم الإنسان أنَّ الله لا يخفى عليه شي ء و هو عالم بأعمال الإنسان جميعاً «عَلِيْمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ»، «2» «يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورَ». «3»

و حسب ما جاء في الآيات، يُدرس سجل الإنسان يوم القيامة في محكمة العدل الإلهي، و هي محكمة لا يمكن إغواء القاضي فيها كما لا يمكن انكار شهودها، فقد جاء في الآية الشريفة:

«فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّة خَيْراً يَرَه وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرّةٍ شَرَّاً يَرَه»، «4» كما جاء في الآية الشريفة التالية: «لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرةً إلّا أحصَيها» «5» فالإنسان مسؤول

على جميع أعماله و لو كانت صغيرة جداً.

إنّ الإلتفات إلى الاصلين يجعلان من الإنسان أن يعتبر الله ناظراً على أعماله، الأمر الذي يحول دون ارتكابه المعصية. كما أنّ الغفلة عن ذلك يترك للشيطان فجوة ينفذ من خلالها، كما قالت ذلك الآية الكريمة: «وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانَاً فَهُوَ لَهُ قَرِيْنٌ». «6»

المعاد الجسماني و المعاد الروحاني

المعاد من وجهة نظر القرآن جسماني و روحاني، أي أنَّ جسم الإنسان يحشر يوم القيامة كما تحشر روحه. و بعبارة أُخرى: أنَّ روح الإنسان تكون مشمولة لنعم الله و نقمه، كما هو الحال بالنسبة إلى جسمه، و ذلك هو مقتضى العدل الالهي، فكما أنَّ الإنسان بجسمه و روحه عمل

______________________________

(1) سورة الحديد الآية 4، و قد تناولت الآية 7 من سورة المجادلة نفس المضمون.

(2) لقد جاءت هذه العبارة في آيات كثيرة من القرآن منها الآية 119 من سورة آل عمران.

(3) غافر الآية 19.

(4) الزلزلة الآية 7 و 8.

(5) الكهف الآية 49.

(6) الزخرف الآية 36.

امثال القرآن، ص: 157

خيراً أو شراً، ففي القيامة ينبغي أن ينال كلٌّ من الروح و الجسم نصيبه و جزاءه من العمل الدنيوي من ثواب أو عقاب.

إنَّ ما أثار دهشة و إعجاب منكري المعاد في صدر الإسلام هو القول بالمعاد الجسماني لا الروحاني؛ و ذلك لأنَّ عقل أكثر الناس في عيونهم فيصدقون ما يرون و يكذبون ما لم يروا. من هنا كان يسأل منكرو المعاد: كيف يمكن أن يحيى الإنسان بعد ما تبدل إلى تراب بعد الموت بحيث يتعذّب يوم القيامة؟ فأجابهم الله على شبهتهم هذه في الآيتين 7 و 8 من سورة سبأ حيث قال: «قَالَ الَّذينَ كَفَرُوا هَلْ نُدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكُمْ

لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً أمْ بِهِ جنّةٌ بَلِ الَّذينَ لَا يُؤمِنُونَ بالآخِرةِ فِي العَذَابِ والضَّلالِ البَعِيْدِ». «1»

لقد تمسك القرآن المجيد بالمثل لاثبات المعاد الجسماني و الروحاني، كما هي سيرته في تفهيم المطالب لمخاطبيه. و قد أفاد هنا من ثلاثة أمثال:

1- التمثيل بالنباتات و تشبيه الحياة بعد الموت بإحياء النباتات بعد موتها.

2- التمثيل بالمراحل الجنينية لخلق الإنسان حيث تبدأ حياته بنطفة صغيرة تنمو كل يوم، و يُعدُّ كل يوم من هذه المراحل حياة جديدة لهذا الجنين.

3- التمثيل بنوم أصحاب الكهف، فإنَّ نومهم كان بمثابة الموت، و يقظتهم كانت بمثابة الحياة الجديدة بعد سنوات عديدة.

كيف يمكن لشخص أن يستيقظ من النوم سالماً بعد أكثر من ثلاثمائة سنة دون أن يأكل أو يشرب خلال هذه الفترة؟

حسب ما أقرته الآية، انَّ أصحاب الكهف ناموا مدّة مليون يوماً، و خلال هذه الفترة لم يتناولوا شيئاً من الطعام أو الماء رغم هذا استيقظوا سالمين، مع أنَّ الإنسان العادي لا يستطيع العيش لأكثر من يومين أو ثلاثة دون أكل و شرب.

من عجائب خلق الإنسان هو قلبه، فان ضرباته تصل إلى مأة الف ضربة في اليوم. و إذا

______________________________

(1) لمعرفة المزيد في مجال المعاد الجسماني راجع نفحات القرآن 5: 272 فما بعدها.

امثال القرآن، ص: 158

اعتبرنا عمر الإنسان العادي سبعين عاماً، فإنَّ عدد ضربات قلبه ستصل إلى 250 مليون ضربة (عَجَباً لِحِكْمَةِ اللهِ)!

إنَّ قلب الإنسان كافٍ لأجل معرفة الله و لأن يقرّ الإنسان بعظمة الخالق و يخضع له ...

و عليه، فاذا كانت أجسام أصحاب الكهف تعيش بالأغذية التي تناولتها قبل النوم و لمدة مليون يوماً، فإنَّ على قلوبهم أن لا تدق في اليوم الواحد أكثر من مرّة واحدة. و على هذا، فإنَّ

أصحاب الكهف كانوا أشبه ما يكونون بالموتى، أحياهم الله بعد أكثر من ثلاث مأة عام. و اذا كان الله قادراً على أن يوقظ أناساً بعد مليون يوم من النوم، فكيف لا يمكنه أن يُحيي الموتى!

لهذا يصرّح الله في ذيل آية أصحاب الكهف بالحديث التالي: «وَلِيَعْلَمُوا أنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ».

الشرح و التفسير

إنّ الآية إحدى الآيات الثلاث التي شبهت المعاد بإحياء النباتات «هُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ ...» أي أنَّ الله يُرْسِله كبشرى لنزول الغيث؛ و ذلك لأن السماء تتهيّأ للمطر بواسطة الرياح.

«حتَّى إذَا أقَلّتْ سَحَاباً ثِقَالًا ...» أي تستمر الرياح حتى تجتمع الغيوم و يتراكم فيها الماء. «1»

إنّ الله يُرسل الرياح ليجمع بها الغيوم الممطرة في المدن و البلاد الميتة فيحييها و يحيي أراضيها.

«فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ ...» فإنَّ المَطر هو الذي يثمر الاشجار و يمنحها القدرة على انتاج الفواكه.

«كَذَلك نُخْرِجُ المَوْتَى لَعلَّكُم تَذكَّرُون» أي أنَّ الله يحيي الموتى يوم القيامة مثلما يحيي الأشجار و الاراضي الميتة. و في نهاية الآية يعتبر الله التذكّر و توعية الناس هو فلسفة المثل.

______________________________

(1) لقد كشف القرآن المجيد قبل 1400 عن هذا السر العلمي، و بيّن أنّ الغيوم على قسمين: ممطرة و غير ممطرة، و الممطرة أثقل من غير الممطرة.

امثال القرآن، ص: 159

فواكه مختلفة من ماء و هواء و تراب واحد

كما قلنا سابقاً: إنَّ التعود من حجب المعرفة الإنسانية، فالإنسان عند ما يتعوّد على شي ء سوف لا يفكر في ماهيته و سبر غوره، و هذا حجاب عظيم. و من هنا كان إنبات النباتات المتنوعة و إثمار الاشجار المتنوّعة من عجائب الطبيعة. فإنَّ هذا من مظاهر قدرة الله تعالى حيث تنبت من تراب و ماء و هواء واحد ثمار و زهور متنوّعة بألوان مختلفة و طعم متفاوت.

و هذا يدعو الإنسان أن لا يتعجّب من إحياء الإنسان يوم القيامة.

لقد خلق من هذه الارض الواحدة أصناف عديدة من البشر منهم الصالحون و الأنبياء و الائمّة و الشهداء، و منهم الفجرة و الوضيعون مثل الفراعنة و النماردة و معاوية و صدام و ...

فكل هؤلاء مبعوثون من هذه الأرض الواحدة. إنَّ الإنسان

من خلال مشاهدته لهذه الظواهر يرى لقطات من المعاد و تتكرّر عنده هذه اللقطات كل يوم إلى حين الممات. و العجيب أنَّ السماء تمطر في يوم البعث، و ذلك المطر يحيي من في القبور جميعاً. «1»

القانون الكلي الذي يستفاد من الآية الشريفة هو أنَّ مبادى ء الموت و الحياة واحدة في جميع المخلوقات الحية، فكما أنَّ هناك حياة بعد ممات في النباتات كذلك بالنسبة إلى الإنسان.

سؤال: في عالم النبات نتمكن من إعادة حياة نبات ما من خلال زرع بذوره، اما في عالم الإنسان فالأمر يختلف من حيث انه إذا مات يتبدل إلى تراب، فكيف يمكن إعادته من تراب؟

الجواب: إنّ الحياة الثانية للنبات ليست من خلال البذور دائماً، بل قد تكون حياة و موت النبات شبيهة بحياة الإنسان و موته، فقد تصفرّ أوراق الاشجار في الخريف و تسقط، و بعد مدة تصبح تراباً تمتصها جذور الشجرة لترجع ورقة من جديد و هذا ما يحصل في الربيع، و بهذا تحيى الورقة الميتة مرة أخرى رغم أنّها ماتت بالكامل و تبدلت إلى تراب، فالانسان كذلك يموت بالكامل و يُبعث مرة أُخرى.

و على هذا، فالإنسان يرى- كل عام- المعاد بعينه، لكنه يغفل عن أنَّ الله القادر على إحياء النبات بعد موته قادر على إحياء الإنسان الميت.

______________________________

(1) بحار الانوار 6: 329، الحديث 13 و كذا 7: 39.

امثال القرآن، ص: 160

آثار المعاد

إنّ الاعتقاد بالمعاد يعلّم الإنسان الخضوع و التسليم إلى الحق، و أنْ لا يظلم و لا يخون، و هذا ما نراه منعكساً في كلام جميل لمولى المتقين الإمام علي عليه السلام في الخطبة 224 من نهج البلاغة يخاطب به أخاه عقيل: «و الله لأنْ أبيت على حسك السّعدان «1» مسهداً، أو

أجرَّ في الأغلالٍ مصفّداً، أحب إلىَّ من أن ألقى الله و رسوله يوم القيامة ظالماً لبعض العباد».

أي أنَّ المبيت على أشواك نبات السعدان أو الجرّ بالأغلال و السلاسل في النهار أحبُّ لعلي من أن يلاقي الله و رسوله يوم القيامة و هو ظالم لبعض عباد الله.

هل من المحتمل صدور ظلم من هكذا زعيم عارف بالمبدأ و المعاد و متيقن بهما؟! هل يحتمل صدور تمييز من حاكم كهذا؟ هل يقبل أو يتحمّل هكذا رئيس أقل خطأ من حواشيه؟!

قطعاً جواب هذه الأسئلة هو النفي، فإنَّ إنساناً كهذا يعتقد بيوم القيامة و المعاد يعظّم الذنب و لو كان صغيراً، فلا يرتكبه.

و ينقل من خلال الخطبة ذاتها قصتين ذات عبرة عن أخيه عقيل و المنافق الأشعث بن قيس، و في القصتين آثار الاعتقاد بالمعاد واضحة و جلية. «2»

______________________________

(1) أشواك السعدان عجيبة جداً من حيث انها تشبه الخنجر في استحكامها وحدتها، و هي تجرح البدن أينما اصابته.

(2) أشرنا إلى القصتين في المباحث الماضية.

امثال القرآن، ص: 161

المثل الخامس عشر: البلد الطيّب

اشارة

يقول الله في مثله الخامس العشر، في الآية 58 من سورة الاعراف:

«وَالبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بإذْنِ رَبِّهِ وَالّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إلَّا نَكِداً كَذَلك نُصَرِّفُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ».

تصوير البحث

إنَّ هَذه الآية الشريفة التي جاءت مباشرة بعد المثل الرابع عشر هي في الواقع استمرار لبحث المعاد و جواب عن سؤال مقدّر قد تتداعى معانيه في أذهان البعض، و سنأتي به في الصفحات المقبلة.

إشارة للمثل السابق

في المثل الرابع عشر (الآية 57 من سورة الاعراف) جاء القرآن في بيان جميل ببرهان على المبدأ و أصل التوحيد، كما استدل على المعاد و عالم الاخرة.

إنّ حركة الرياح و اجتماع الغيوم الثقيلة و نزول المطر و إحياء الأرض بعد مماتها، و توفّر الثمار المتنوّعة و الأزهار و النباتات و الاشجار المختلفة كلها أدلة قاطعة على التوحيد، و هي أدلة لو لم يكن غيرها لكانت كافية في إثبات المراد.

مِمَّا لا شك فيه أنَّ آثار موت تبدو على البستان كله بحلول فصل الشتاء بحيث تصبح

امثال القرآن، ص: 162

الاشجار و كأنها مهمومة و جرداء من الروح، لكن بعد فترة من الزمن أي بعد حلول فصل الربيع تبدأ الحياة الجديدة تنبض في البستان، فتخضرّ الاشجار و تتفتح الزهور و تنمو النباتات المختلفة و تثمر الاشجار فواكه حامضة و حلوة بألوان متنوّعة بحيث تضفي طراوة على روح الإنسان.

هذه الطبيعة المدهشة دليل قاطع على وجود الله القادر المطلق، و اذا ما فكّر الإنسان بورقة خضراء فقط لكان ذلك كافياً لمعرفة الحق.

إنَّ هذه الورقة- كما يقول العلماء- إذا قصت من العرض فيبدو فيها سبع طبقات، كل طبقة منها تحضى ببناء خاص و مهام خاصة، إذا دققنا قليلًا نجد خطوطاً رَفِيعة على هذه الورقة الظريفة و كأنها تشبه تأسيسات الماء في مدينة، و هي تتكفل بايصال الأغذية و الماء إلى الاقسام المختلفة من الورقة. مَن الذي خلق هذه الطبقات الظريفة و الجميلة؟! يا له من خالق حكيم

صمَّم هذه الشبكة العظيمة و الدقيقة. إنَّ الورقة و ما فيها يُعدُّ كتاباً لمعرفة الخالق لمن كان أهلًا للعلم المعرفة.

إذن، صدر الآية يدل على التوحيد، أما ذيلها «كَذِلك نُخْرِجُ المَوْتَى» فيدل على مسألة المعاد و يرشدنا إليها.

الشرح و التفسير

كما قلنا سابقاً: إنّ الآية الشريفة جواب لسؤال مقدّر يمكن أن يتداعى في ذهن الذي يلتفت إلى الآية السابقة، و هو: إذا كان الماء واحداً و الهواء واحداً و التراب واحداً فلما ذا تنبت الزهور و النباتات في بعض البقاع، و تنبت الأدغال و الأشواك في البعض الآخر؟ و إذا كان وابل الرحمة الإلهية يصبُّ على القلوب جميعاً بشكل متساوٍ، فكيف أنَّ بعض القلوب تهتدي و تكون مصداقاً للبلد الطيّب و بعضها الآخر يكون مصداقاً للبلد الخبيث؛ لأنها ظلّت و لم تهتدِ؟

إنّ الآية في صدد الأجابة على هذا السؤال، حيث تقول: «وَالبَلَدُ الطَّيِّبَ يَخرُجُ نَبَاتُهُ بإذنِ رَبِّهِ» فإنَّ التربة الطاهرة و غير المالحة تكون مناسبة و لائقة و تُخرج باذن الله نباتات مناسبة و جيّدة، كذلك القلوب المستعدة و الطاهرة ينمو فيها الثمار الحلو من الاخلاص و الصفاء، ذلك كله بوحي من الله.

امثال القرآن، ص: 163

«والَّذي خَبُثَ لا يَخْرِجُ إلَّا نَكِداً» فإنَّ الأرض غير المناسبة لا تنبت إلّا النكد. و النكد يعني الإنسان البخيل، و يُطلق على النباتات غير المفيدة التي تنمو في الأراضي المالحة. فكما أنَّ البخيل لا يصل نفعه إلى غيره، كذلك الأراضي المالحة لا يخرج منها الشي ء المفيد و لا ينتفع بها أحد.

«كَذَلك نُصَرِّفُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ» أي أنا نبيّن آيات الله للناس بعبارات و أمثله بسيطة ليستفيدوا منها و يشكروا ربّهم عليها. و على هذا، فلا اشكال على وابل الرحمة الإلهيّة و لا على

الوحي السماوي؛ و ذلك لأنَّ هذين الرحمتين تنزلان على القلوب كلها بشكل متساوٍ، و اذا كان هناك قصور أو تقصير فمن نفس القلوب و الأراضي ذاتها، فإنَّ بعض الأراضي غير مستعدة و غير مؤهّلة لنمّو النباتات فتنمو فيها الأشواك و الأدغال فحسب، كذلك بعض القلوب فإنَّها غير مؤهلة للهداية و ترى نفسها في غنى عن الوحي الإلهي.

لِمَن هذا المثل؟

هناك بحث في هذا المجال بين المفسرين، فالكثير منهم يعتقد أنَّ الآية جاءت في الكفار و المؤمنين، أي شُبِّه الوحي الإلهي هنا بالغيث، باعتباره ينزل على جميع القلوب، لكن لا يفيد منه إلّا ذلك البعض الذي يكون مصداقاً للبلد الطيّب، أي يحضى بقلب طاهر، و تكون ثمار هذه الاراضي الطاهرة هي الاخلاق الحسنة و الايمان القوي و الشوق إلى أولياء الله، و الاخلاص في العمل، و العمل بما تستدعيه الوظيفة و ... و في مقابل هؤلاء هم الكفّار الذين قلوبهم تشبه الأراضي الملوّثة التي لا تستفيد من المطر شيئاً.

خطابات الآية

1- فاعلية الفاعل و قابلية القابل كلاهما ضروريان

إنَّ الآية الشريفة و كذا آيات أخرى تشير إلى مطلب مهم، و هو: ضرورة توافر شيئين لبلوغ الكمال:

الف- فاعلية الفاعل.

باء- قابلية القابل.

امثال القرآن، ص: 164

لأجل بلوغ الكمال و الرقي ينبغي توافر العوامل كما ينبغي توفير الأرضية. و على هذا، ففاعلية الفاعل (الغيث) ليس كافياً، بل ينبغي أنْ يَكُون القابل قابلًا (استعداد الأرض و شأنها) فإنَّ المطر لو هطل مدة مأة عام على الأرض المالحة لما أنبتت هذه الأرض و لا زهرة واحدة.

إنَّ الرسول صلى الله عليه و آله كما دعى سلمان و أبا ذر و المسلمين الآخرين للإسلام كذلك دعى أبا جهل و أبا لهب و باقي الكفار، فالقلب الطاهر لسلمان أنبت الإيمان، لكنّ الدعوة لم تنبت في قلوب أبي جهل و أبي لهب إلَّا البخل و البغض.

2- مردودات القرآن و الوحي على الكافر عكسية

آيات القرآن في بعض الأحيان لا أنها لا تكون هادية فحسب، بل قد تكون ضالة لأولئك الذين ساءت طينتهم من الكفار، فإنّهم بسماعهم للآيات يزدادون ضلالة.

إنّ هذا الأمر بيّنته آيات من القرآن، منها الآية 124 و 125 من سورة التوبة: «وإذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَنْ يَقُولُ أيُّكُم زَادَتْهُ هذِهِ إيمَاناً فأمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فزَادَتْهُم إيْمَاناً وَهُم يَسْتَبْشِرُونَ وأمَّا الّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُم رِجْسًاً إلى رِجْسِهِم وَمَاتُوا وَهُم كَافِرُونَ».

سؤال: كيف يمكن للآيات القرآنية المنيرة أن تكون سبباً لضلال البعض؟

الجواب: أنّ القرآن المجيد بمثابة المصباح الذي اذا وقع بيد أحد العلماء أفاد منه لأجل العلم و الاكتشاف و الاختراع و التقدّم، و هو بذاته اذا وقع بيد لصّ أفاد منه لأجل سرقة أشياءٍ ثمينة، و بذلك تزداد ذنوبه و آثامه.

الإشكال هنا ليس من المصباح ذاته، بل من قابلية القابل، كذا الحال بالنسبة للغيث حيث إنتاجه يتوقف على

نوعية الأرض، فاذا كانت جيدة نبتت فيها الزهور و النباتات الصالحة و اذا كانت مالحة و غير مؤهلة نبت فيها الأدغال و الأشواك.

«فَزَادَتْهُم رِجْساً إلى رِجْسِهِمْ» فإنَّ الآية اذا نزلت فزعوا للمخالفة و العناد و العداوة، لذلك لا عجب إذا قلنا: إنَّ آيات القرآن قد تسبب للضالين ضلالة أكثر.

امثال القرآن، ص: 165

الناس ثلاثة أصناف

لإِيضاح هذا المطلب (الذي يتناول قابليات الناس المختلفة) نأتي بكلام لأمير المؤمنين عليه السلام مخاطباً فيه كميل بن زياد بعد ما دعاه إلى المقبرة، و عند بلوغهما الصحراء قال الإمام له بعد أن تأوّه: «يا كميل بن زيادٍ إنّ هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها».

و كمثال نقول:

إنَّ الناس يختلفون في إفادتهم من المطر، واحد منهم يفيد من المطر بمقدار بحيرة ماء، و ذلك لسعة ظرفيته و الآخر يفيد منه بمقدار كأسٍ صغير، و ذلك لأنه لا يستوعب أكثر من ذلك. و قد يكون هناك شخص لا يفيد من المطر أبداً، لأنه قد قلب إناءه على ظهره. و المثال يوضح أنَّ الإشكال ليس من جانب الله بل من جانب الأوعية التي تُهيّئ للافادة من ماء المطر .. ثمّ يخاطب الإمام أمير المؤمنين عليه السلام كميل قائلًا: «فاحفظ عنّي ما أقول لك النّاس ثلاثة: فعالم ربّاني و متعلم على سبيل نجاةٍ و همجٌ رُعاعٌ» أي أنَّ الناس ثلاثة أصناف:

1- الصنف الأول هو صنف العلماء الذين طووا طريق الحق و الحقيقة و يسعون لارشاد الناس و تربيتهم.

2- و الثاني هم الذين يفقدون العلم لكنهم يسعون في سبيل تحصيله العلم و كسب المعرفة.

3- و الثالث هم الحمقى من الناس الذين لا يعلمون و لا يسعون لأن يعلموا و لا يسألون أهل الطريق لإرشادهم إليه.

يوضح الإمام خصال الصنف الثالث

في أربع:

الف- أتباع كلّ ناعق، أي يتّبعون أصحاب الرايات المختلفة دون علم و بصيرة.

باء- يميلون مع كلّ ريح، فهم كالريح تهزّهم الدعوات المختلفة و تميلهم إلى جنبها، و مثلهم كمثل الذين قاتلوا تحت راية الرسول في عصره، و قاتلوا تحت راية معاوية بعد وفاته، و لو كان الأجل يسمح لهم لقاتلوا تحت راية يزيد كذلك؛ و ذلك كله لأجل أن الريح آنذاك كان بهذا الاتجاه.

جيم- لم يستضيئوا بنور العلم، فهم المستضعفون المحرومون من العلم.

دال- لم يلجؤوا إلى رُكن وثيق، أي لا أنهم يفقدون العلم فحسب، بل لا يعتمدون على أعمدته المحكمة. «1»

______________________________

(1) نهج البلاغة، الكلمات القصار، الكلمة 147.

امثال القرآن، ص: 166

إنَّ الصنف الثالث و هم ذووا الأوعية الصغيرة أشخاص خطرون، كما أنَّهم مصداق للآية الشريفة «والَّذي خَبُثَ»، إلّا أنَّ الصنف الأوّل و الثاني مصاديق للآية الشريفة: «البَلَدُ الطيَّبُ».

الفاعلية اكتسابية أم جبرية؟

قابلية القابل- التي هي شرط الكمال- اكتسابيه أم جبرية؟ و بعبارة أخرى: هل أنّ الله خلق بعضاً بقابلية ضخمة و خلق آخرين مع قابلية ضعيفة؟ إنّ قابلية القابل اكتسابية لا جبريّة؛ و ذلك لأنّ القول بجبريتها يعني عدم ترتب الذنب على الشخص الذي ينبت قلبه الرياء بدل الاخلاص، و ما عليه من عقاب، كما أنّه لا فائدة في بعثة الأنبياء.

من هنا نقول: إن الإنسان كلّما سعى لكسب التقوى و المعرفة الإلهية أكثر، كلّما استعدّ قلبه أكثر لقبول الوحي الإلهي و الآيات القرآنية.

إنّ القرآن يُوكّد على كون الإنسان مخلوقاً بأفضل شكل و صورة «وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي أحْسَن تَقْوِيمٍ»، «1» و وفقاً لهذه الآية فانه لا فرق في خلق الناس، و الهداية و الضلالة يتوقفان على الإنسان ذاته. و حتى الشيطان لم يُخلق خبيثاً، و لذلك كان في

صفوف الملائكة و عبد الله ستة آلاف عاماً. «2»

نعم، انَّ الناس يختلفون عن بعضهم البعض، ليس بمعنى أنَّ بعضهم خلق حسناً و بعضهم الآخر خلق سيئاً، بل في أن بعضهم خلق حسناً و بعضهم الآخر أحسن، لذلك قال رسول الله صلى الله عليه و آله: «الناس معادن كمعان الذهب و الفضة». «3»

في النتيجة لم يخلق إنسان شقياً أو خبيثاً، و قابلية القابل اكتسابية لا جبرية. إنَّ المطر يهطل شفافاً و زلالًا لكنّه يتسخ عند ما يلتقي بالأرض الوسخة، لكنه يبقى نظيفاً عند ما يقع على

______________________________

(1) سورة التين الآية 4.

(2) ميزان الحكمة، الباب 2005، الحديث 9365.

(3) بحار الأنوار 58: 65.

امثال القرآن، ص: 167

الأرضي النظيفة، فيبقى على فطرته و طهارته.

إنّ البيئة الموبوئة و الكتب المنحرفة و المفاهيم الفاسدة و الأصدقاء السيئين و العائلة غير السليمة هذه كلها بمثابة الأرض الملوّثة، تلوّث قلب الإنسان الطاهر و فطرته النقية.

أيُّها الشباب الاعزة! يا أمل الإسلام و الثورة و الوطن!

إن الله خلقكم كقطرة المطر الشفافة الطاهرة، إسعوا للحفاظ على هذه الطهارة، و احذروا معاشرة صديق السوء، لأن هذا الصديق قد يغيّر مستقبل الإنسان بالكامل.

من وجهة نظر الإسلام، ليس أداء الذنب لوحده معصية، بل الحضور في مجلس يرتكب فيه الذنب يُعدُّ محرماً و معصية. أي إذا حضر الإنسان في مجلس يُعصى فيه الله فإنَّ حضوره في هذا المجلس يُعدُّ معصية كذلك، رغم أنّه لم يفعل الذنب الذي اقترف في المجلس، و ذلك لأنَّ المحيط الملوّث يؤدي إلى التلوث تدريجياً، و يفقد الذنب آنذاك قبحه تدريجياً الأمر الذي قد يؤدي إلى اقتراف الذنب في المستقبل. إنَّ المتعاطين للمخدرات تعاطوها بهذا الشكل و بهذا الاسلوب.

و على هذا، ينبغي السعي لأجل الحفاظ على نقاء

الباطن، و تهيئة أرض القلب و إعدادها للافادة من وابل الرحمة اقصى إفادة.

امثال القرآن، ص: 169

المثل السادس عشر: العالم المنحرف

اشارة

يقول الله تعالى في الآيات 175 و 176 و 177 من سورة الأعراف في مثله السادس عشر:

«واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذي آتَيْنَاهُ آياتِنَا فانْسَلَخَ مِنْهَا فأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلكنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ واتَّبَع هويَهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَث أوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَلك مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بآيَاتِنَا فاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهُم يَتَفَكَّرُونَ».

تصوير البحث

الحديث في الآيات الثلاث عن العالم الذي كان في الطريق الصواب و الصحيح و بلغ في هذا الطريق مقامات رفيعة، إلّا أنّه تدريجياً انحرف و طُرد من الساحة الربانية، فيشبّه الله هذا العالم بالكلب ليعتبر الآخرين منه.

شأن نزول الآية

هناك بحث و خلاف بين المفسرين حول المراد من هذا العالم الذي تحدثت عنه الآية. و أكثر المفسرين يعتقد أنَّه (بلعم بن باعورا) فهو من علماء بني اسرائيل و قد نال بعبادته مقامات عليا إلى مستوى انه حصل على اسم الله الأعظم، و أصبح مستجاب الدعوة. و عند ما بعث موسى (على نبينا و آله و عليه السلام) نبيّاً و نال هذا المقام الشامخ، كانت بعثته قد اثارت حسد بلعم،

امثال القرآن، ص: 170

و قد كان الحسد يزداد كل يوم، و يأكل حسناته شيئاً فشيئاً، كما أنَّ هذا الحسد من جهة، و حب الدنيا من جهة اخرى بلغا به إلى مستوى أن لجأ إلى فرعون و بلاطه ليصبح من وعّاظ السلاطين. ففقد بذلك كل افتخاراته و كانت عاقبته السوء. فبيّن القرآن قصة هذا العالم المنحرف ليكون عبرة للآخرين.

يعتقد مفسرون آخرون أنَّ العالم في الآيات هو (أمية بن الصلت) فهو من الشعراء المعروفين في عهد الجاهلية، أسلم في البداية، لكنه بعد ذلك شاكس و خالف؛ حسداً للرسول و مقام نبوّته.

و يعتقد مفسرون آخرون أنَّ العالم هنا هو (أبو عامر النصراني) فقد كان راهباً مسيحياً أسلم ثم التحق بركب المنافقين، ثم سافر إلى الروم للتحالف مع سلطانه، ثمّ رجع إلى المدينة و التحقق بدينه بعض المنافقين، و بنى مسجد (ضرار) المعروف.

إنَّ القول الأوّل هو أصح الثلاثة، و الآخران مستبعدان من حيث أنَّ صدر الآية «واتْلُ عَلَيْهِم نَبَأ الّذي ...» قرينة على

حكاية قصة تتعلق بالأقوام السالفة. «1»

الشرح و التفسير

«واتْلُ عَلَيْهِم نَبَأ الَّذي آتَينَاهُ آياتِنَا» يطلب الله من الرسول أن يحكي للأصحاب قصة ذاك العالم.

المراد من الآيات هو أحكام التوراة و مواعظها، فإنَّ هذا العالم كان عالماً باحكام التوراة و مواعظها، كما كان عاملًا بها. و يعتقد البعض أنَّ المراد من الآيات هو الاسم الأعظم، و لهذا كان بلعم بن باعورا مستجاب الدعوة و كان صاحب نفوذٍ و جاه رفيع في المجتمع.

«فانْسَلَخَ مِنْهَا فأتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الغَاوِيْنَ إنَّ مادة السلخ تعني نزع جلد الحيوان، و لذلك قيل لمن ينزع جلد الخروف سلّاخاً. إلّا أنَّ كلمة (فاتبعه) لها معنيان:

______________________________

(1) مما لا شك فيه أنّ الآية تعني كل شخص يحمل نفس المواصفات المذكورة في الآية، و شأنها شأن باقي الآيات حيث نزلت في مورد خاص لكن شأنها يعم ... و بخاصة بالنسبة للآيات هذه فإنَّ هناك حديثاً للإمام يقول فيه: ( (إنَّ الآية تعم جميع أهل القبلة)). للمزيد راجع الأمثل ج 5 ذيل الآية 175.

امثال القرآن، ص: 171

الف- تعني تبع و لحق، أي أنَّ الشيطان جعل العالم تبعاً له.

باء- أنَّ الفعل استخدم هنا بمعناه لو كان ثلاثياً مجرداً بحيث يكون المعنى أنّ الشيطان اتّبع هذا العالم، بعبارة اخرى: أنّه سبق الشيطان في الضلالة، و تجاوزه مهارة في هذا المجال. مثله مثل ذلك الشخص الذي كان يفعل عملًا قبيحاً جداً بطريقة جديدة و كان يلعن الشيطان دائماً على فعله هذا، فظهر له الشيطان و قال: اللعن عليك لا عليَّ، لأني رغم مهارتي في الشيطنة ما كنت أعلم بهذه الطريقة، بل انت الذي علمتني إياها.

و على هذا، فالآية تعني أنّ بلعم بن باعورا خُلِّي من آيات الله، و انسلخت هذه الآيات

عنه رغم أنَّه كان يحيط بها جميعاً، لكنها انسلخت و اتّبع الشيطان، أو أنَّ الشيطان اتّبعه، و كانت عاقبته الشر و الشقاء فكان في عداد الاشقياء و الضالين.

«وَلَو شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أخْلَدَ إلَى الأرْضِ واتّبَعَ هَوَاهُ» أي أنا لو أردنا إجباره على البقاء على الحق لفعلنا لكنّا تركناه لنرى ما يفعل باختياره و إرادته، و ذلك لأنَّ في الإسلام الاختيار لا الاجبار، «إنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إمَّا شَاكِرًاً وإمَّا كَفُورَاً» «1» فالله يستطيع أن يجعل جميع الاعمال من قبيل الحج و الصوم و الصلاة جزءاً من غرائز الإنسان، كما جعل الأكل و الشرب، لكنّه لم يفعل ذلك، بل خلق الإنسان حراً و مختاراً ليكون هناك هداية و تكامل و تقدّم و اختبار و ثواب و عقاب و ... و لكي لا تفقد هذه المفاهيم معانيها.

و في النهاية يكون معنى الآية هو: أنّا تركنا بلعم بن باعورا إلى نفسه، إلّا أنَّ هذا العالم المنحرف- الذي سبق و أن كان مبلغاً قوياً لموسى عليه السلام- تبع الهوى و الهوس حباً للدنيا و حسداً من موسى عليه السلام و انجذاباً بوعود فرعون، و كان عاقبته الطرد من الساحة الربانية.

و على هذا، فإنَّ شيئين كانا سبباً لسقوط بلعم بن باعورا هما: أوّلًا: حبّ الدنيا و الميل إلى فرعون. و ثانياً: الهوى و اتباع الشيطان.

«فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ إنْ تَحْمِل عَلَيْهِ يَلْهَثْ أوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ»، إنَّ الكلاب عادة ذات منفعة متعارفة يفيد منها الإنسان و لذلك يصح اجراء معاملة عليها في الفقه الإسلامي، إلّا أنَّ بعض

______________________________

(1) الإنسان: 3.

امثال القرآن، ص: 172

الكلاب تكون مسعورة دائماً إثر ابتلائها بداء الكَلَب، و هو مرض يجعلها تلهث دائماً و تصيح، و تفرز سماً، و

إذا عضت الإنسان يمكن أن تؤدي هذه العضة إلى موته أو ابتلاءه بالجنون.

و الكلاب تُعد حينئذ فاقدة للقيمة لا تُجرى معاملة عليها؛ لأنَّها تفقد الفائدة اضافة إلى ما فيها من مضايقة للآخرين. علائم هذا المرض في الكلاب هو أنَّها تفتح فمها و تحرك لسانها دائماً؛ و ذلك لتخفِّف من الحرارة الداخلية التي تشعر بها، و حركة اللسان عندها بمثابة المروحة التي تدفع بالهواء لتبرّد الجسم. و من علائمه أيضاً العطش الدائم ... و على كل حال يكون هذا الكلب مهاجماً.

و القرآن بمثله الجميل هذا يشبِّه العالم المنحرف بالكلب الذي يفقد القيمة و يحمل أخطاراً كثيرة ... فحب الدنيا و الهوى و الهوس يُحرف العالم و يفقده البصر و البصيرة بحيث يصبح لا يميز صديقه عن عدوّه.

«ذَلك مَثَلُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ» «1» أي أنَّ هذا مثل المجتمعات التي كذّبت بآيات الله فاقصص- أيها النبيّ- على الناس و بخاصة اليهود و النصارى هذه القصص ليعتبروا منها، و لكي يعلموا أنَّهم إذا كذّبوا بايات الله فإنَّ مصيرهم سيكون كمصير بلعم بن باعورا.

خطابات الآية

خطر العلماء المنحرفين

لقد سقط بلعم بن باعورا من مقامه الرفيع من جراء حبه للدنيا و تبعيته للشيطان، و قد كان سقوطه بدرجه أن شبّهه القرآن بالكلب المتوحش الذي لا يرحم شخصاً و كأنّه مجنون. إنّ حب الدنيا و الهوى و التبعية للشيطان أجنّت عالماً كان قد حصل على الاسم الأعظم، و كان جنونه بشكل يبدو عطشاناً للدنيا دائماً و لا يبدو مرتوياً منها أبداً، إنَّ عالماً مثل هذا يحمل معه

______________________________

(1) إنّ هذا الجزء من الآية يدل على حكايتها للعصور السالفة لا عصر النبيّ، لذا كانت الآية تدل على بلعم بن باعورا لا غيره.

امثال

القرآن، ص: 173

أخطاراً جمّة نشير إلى بعض منها هنا:

الف- أنَّ عالماً كهذا يكون في خدمة الظلمة، كما هو الحال بالنسبة إلى وعّاظ السلاطين الذين كانوا في خدمة أهل الجور من الحكام و الملوك. و من الواضح أنَّ خطر علماءٍ كهذا لا يقل عن خطر الظلمة ذاتهم.

أراد سلطان في العصور الماضية أن ينفذ مشروعاً خاصاً، فطلب أحد علماء البلاد يسأله عن رأي الشارع في المشروع، فأجابه العالم: (إن رأي الشارع متسع، و الأمر يتوقف على إرادة السلطان) أي يمكنه أن يجعل مخرجاً شرعياً لكل ما يريد السلطان.

نعم، انَّ علماء كهذا يمكنهم أن يبرروا ظلم السلاطين الظلمة!

هؤلاء هم الذين يحكّمون أسس الظلم، و يصرفون الناس عن أي رد فعل تجاه الظلم. إن علماء كهؤلاء، استطاعوا فترة حكومة بني امية و بني العباس أن يزوّروا أحاديث الرسول صلى الله عليه و آله و الأئمة عليهم السلام و يمتدحوا في بعضها سلاطين ظلمة من سلسلة بني العباس و بني امية!

باء- أنّ علماء كهذا يمكنهم أن يزلزوا الأسس الاعتقادية للناس؛ فإنَّ الناس العوام، عند ما يشاهدون عالماً غير عامل، يتزلزل اعتقادهم في الدين، بل قد يترددون في حقائق من قبيل الجنة و النار و يوم الحساب و القيامة فيقولون لأنفسهم: (إذا كانت هناك قيامة فالآمرين بالدين و التدين أولى بأن يعملوا لذلك اليوم).

و على هذا، فالسلاطين إذا أظلموا على الناس دنياهم، فالعلماء المنحرفون يُظلمون على الناس أُخراهم.

جيم- العالم المنحرف يجرُّ الناس نحو الذنب. إنَّ الدول المخالفة للإسلام أسسوا في القرن الأخير- لأجل مواجهة الإسلام- فرقة ضالة، و لأجل تقوية هذه الفرقة ربُّوا في أحضانهم عالماً منحرفاً استطاع تأليف كتاب أيّد فيه الفرقة و استفاد في تأييده للفرقة من الآيات، و

كان كتابه بدرجة من الضلالة بحيث عدّت خدمته للفرقة أكثر من خدمة مؤسسها لها.

من هنا على متعلمي المعارف الإلهية أن يعلموا أن سبب هكذا انحراف هو عدم الإخلاص، فإنَّ بعض الطلاب يبغي العلوم لا لوجه الله تعالى بل لأغراض دنيوية مثل الهوى و الهوس و حب الدنيا، و بهذه الأغراض تتهدم آخرته لتصبح جحيماً.

امثال القرآن، ص: 174

الإنسان مهما بلغ من مقام، عليه أن لا يرى نفسه في أمان من وساوس الشيطان، فإنَّ هذا الاحساس هو بداية الانحراف و السقوط، بل على الإنسان أن يكون دائماً بين الخوف و الرجاء، الخوف من الهوى و الهوس و الوساوس الشيطانية، و الرجاء و الأمل برحمة الله و لطفه، فهو أرحم الراحمين.

عالم الدين من وجهة نظر الإمام الحسن العسكري عليه السلام

ينقل الفقيه الشيخ الأعظم الأنصاري- رضوان الله عليه- في كتابه القيّم (فرائد الأصول) حديثاً جميلًا من التفسير الجليل المنسوب للإمام الحسن العسكري عليه السلام نأتي به هنا:

(و مثل ما في الاحتجاج عن تفسير العسكري عليه السلام في قوله تعالى: «وِمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الكِتَابَ ...» الآية من أنَّه قال رجل للصادق عليه السلام: فاذا كان هؤلاء القوم من اليهود و النصارى لا يعرفون الكتاب إلّا بما يسمعون، و من علمائهم لا سبيل لهم إلى غيره فكيف ذمهم بتقليدهم و القبول من علمائهم، و هل عوام اليهود إلّا كعوامنا يقلدون علمائهم؟ فإنْ لم يجز لأولئك القبول من علمائهم لم يجز لهؤلاء القبول من علمائهم.

فقال عليه السلام: «بين عوامنا و علمائنا و بين عوام اليهود و علمائهم فرق من جهة و تسوية من جهة. أمّا من حيث استووا فإنَّ الله تعالى ذمَّ عوامنا بتقليدهم علمائهم كما ذمّ عوامهم بتقليدهم علمائهم. و اما من حيث افترقوا فلا».

قال: بيّن لي يا

بن رسول الله!

قال: «إن عوام اليهود قد عرفوا علمائهم بالكذب الصريح و بأكل الحرام و الرشاء و تغيير الاحكام عن وجهها ... فلذلك ذمّهم لما قلدوا من عرفوا و من علموا أنه لا يجوز قبول خبره و لا تصديقه و لا العمل بها بما يؤديه إليهم عمّن لا يشاهدوه. و وجب عليهم النظر بأنفسهم في أمر رسول الله صلى الله عليه و آله ... و كذلك عوام امتنا إذا عرفوا من فقهائهم الفسق الظاهر و العصبية الشديدة ... فمن قلّد من عوامنا مثل هؤلاء الفقهاء فهم مثل اليهود الذين ذمهم الله تعالى بالتقليد لفسقة فقهائهم، فأمّا من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً على هواه مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه و ذلك لا يكون إلّا بعض فقهاء الشيعة لا جميعهم. فأمّا من

امثال القرآن، ص: 175

ركب من القبائح ... و آخرون يتعمدون الكذب علينا ... فضلوا أو أضلوا اولئك أضرّ على ضعفاء شيعتنا من جيش يزيد (لعنة الله عليه) على الحسين بن علي عليه السلام». «1»

سؤال: لماذا كان العلماء المنحرفون أسوأ حالًا من جنود يزيد؟

الجواب: إنَّ جند يزيد أعلنوا بصراحة عدائهم، إلَّا أنَّ علماء السوء بمثابة الذئاب الذين تقمصوا قمصان الرعاة و هم يكيدون بالدين باسم الدين. و واضح أنَّ خطر هؤلاء أشدّ من خطر من أعلن عدائه بصراحة.

إنَّ ما يفتخر به الشيعة هو أنّهم خلال العصور الماضية كانوا تبعاً للمراجع و العلماء الذين اجتمعت فيهم شرائط الزعامة حسب ما أراده الأئمّة عليهم السلام، و أنَّهم كانوا و لا زالوا تحت مضلّة و ألطاف هؤلاء العظماء.

و لا شكّ أن تقليد علماء زهّاد ذوي بصيرةٍ لا أنّه غير مذموم فحسب بل واجب حسب

ما نستشفه من آيات القرآن و روايات أهل البيت عليهم السلام.

______________________________

(1) فرائد الاصول: 58، طبعة المجلد الواحد، رغم أنَّ هناك بحثاً في سند الرواية، لكنها- كما قال الشيخ الأعظم- من حيث النص بدرجة من الاستحكام و الجمال حيث تجعلنا نطمئن بمصدرها، كما هو الحال بالنسبة لمضمون نهج البلاغة و الصحيفة السجادية، فان مضامينها تكشف عن صحة مصادرها.

امثال القرآن، ص: 177

المثل السابع عشر: مسجد ضرار

اشارة

يقول الله تعالى في الآيات (107- 109) من سورة التوبة:

«والّذِيْنَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَارَاً وَكُفْراً وَتَفْرِيْقاً بَيْنَ المُؤمِنِينَ وإرْصَادَاً لِمَنْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحلِفُنَّ إنْ أرَدْنَا إلَّا الحُسْنَى وَاللهُ يَشْهَدُ إنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ لَا تَقُمْ فيه أبَدَاً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَّقْوَى مِنْ أوّلِ يَوْمٍ أحَقُ أنْ تَقُومَ فيهِ فيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ أفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَه على تَقَوى مِنَ اللهِ ورِضْوَانٍ خَيْرٌ أمْ مَنْ أسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ».

تصوير البحث

إنَّ الآيات الثلاث التي تعتبر المثل السابع عشر للقرآن تحدثت عن مسجد ضرار الذي اسّسه أعداء الدين لأجل مواجهة الدين الجديد و اعتبروه متراساً و مرصداً محكماً لهم لمواجهة الدين بالدين.

شأن النزول

أشار أكثر المفسرين إلى شأن نزول الآية، «1» و نحن هنا نذكر شأن النزول أيضاً:

______________________________

(1) راجع تفسير الميزان 9: 391، و كذا تفسير مجمع البيان 5: 72.

امثال القرآن، ص: 178

إنّ بني عمرو بن عوف اتخذوا مسجد قبا، و بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه و آله أن يأتيهم فأتاهم و صلّى فيه فحسدهم جماعة من المنافقين من بني غنم بن عوف فقالوا: نبني مسجداً فنصلي فيه و لا نحضر جماعة محمد، و كانوا اثني عشر رجلًا، و قيل: خمسة عشر رجلًا، منهم: ثعلبة بن حاطب و معتّب بن قشير و نبتل بن الحارث فبنوا مسجداً إلى جنب مسجد قبا.

فلّما بنوه أتوا رسول الله صلى الله عليه و آله و هو يتجهّز إلى تبوك فقالوا: يا رسول الله إنّا قد بنينا مسجداً لذي العلة و الحاجة و الليلة الممطرة و الليلة الشاتية، و إنّا نحب أن تأتينا فتصلي فيه لنا و تدعو بالبركة فقال صلى الله عليه و آله: «انّي على جناح سفر و لو قدمنا أتيناكم إن شاء الله فصلّينا لكم فيه»، فلمّا انصرف رسول الله صلى الله عليه و آله من تبوك نزلت عليه الآية في شأن المسجد.

الشرح و التفسير

«والّذِيْنَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَارَاً وَكُفْرَاً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ المُؤمِنِينَ وإرْصَادَاً لِمَنْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْل». نعم إنّ جبرئيل عليه السلام نزل على الرسول مانعاً إياه عن الصلاة في هذا المسجد؛ و ذلك رغم أنَّ ظاهره للعبادة، لكن واقعه معبد للأصنام و مركز للتآمر ضدّ المسلمين، فالآية هنا بيّنت أربعة أهداف من وراء بناء هذا المسجد.

1- «ضِرَارَاً» إي أنَّ مؤسسي هذا المجسد كانوا يستهدفون الإضرار بالمسلمين من خلاله و ذلك بجعله متراساً لأعداء الإسلام.

2- «كُفْراً» إنّ

الهدف الآخر لهم من وراء بناء هذا المسجد هو تقوية أسس الكفر، و المسجد دوره هنا كمركز لدعم الشرك و الكفر.

3- «تَفْرِيقَاً بَيْنَ المُؤْمِنِينَ» الهدف الآخر لهم و هو من أخطر الاهداف عبارة عن إيجاد الفرقة بين المسلمين، و استهلاك الطاقة الموحدة التي يمتلكونها، في النزاعات فيما بينهم، الأمر الذي يُضرّ بالاطراف الإسلامية المتنازعة أكثر من اضراره في شي ء آخر، و هذا مبدأ يحكم جميع الاختلافات.

4- «إرْصَادَاً لِمَنْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْل» إي إعداد مركز للاعداء في قلب الدولة الإسلامية، الأعداء الذين يكنون العداء لله و رسوله من ذي قبل.

امثال القرآن، ص: 179

أبو عامر النصراني العدّو اللدود للإسلام

عن (مجمع البيان): «إنّه كان قد ترهّب في الجاهلية و لبي المسوح فلمّا قدم النبيّ صلى الله عليه و آله المدينة حسده، و حزّب عليه الأحزاب ثم هرب بعد فتح مكّة إلى الطائف. فلمّا أسلم أهل الطائف لحق بالشام، و خرج إلى الروم و تنصر و هو أحد المسبيبين و الموقدين لحرب أحد.

و سمّى رسول الله صلى الله عليه و آله أبا عامر (الفاسق)، و كان قد أرسل إلى المنافقين ان استعدوا و ابنوا مسجداً فإني أذهب إلى قيصر و آتي من عنده بجنود، و أخرج محمداً من المدينة، فكان هؤلاء المنافقون يتوقعون أن يجيئهم أبو عامر فمات قبل أن يبلغ ملك الروم». «1»

و بعد هذا طلب هؤلاء من الرسول صلى الله عليه و آله أن يفتتح المسجد، لكن جبرائيل نزل و نهاه عن ذلك بهذا الخطاب:

«وَلَا تَقُمْ فِيهِ أبَدَاً» و الرسول (صلى الله عليه و آله) لم يقم فيه و لم يصلّ فيه أبداً.

«لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أوَّلِ يَوْمٍ أحَقُّ أنْ تَقُومَ فِيْهِ» أي أنَّ مسجد ضرار ليس محلًا

مناسباً لعبادة الله الواحد، و المسجد المؤهل لذلك يتسم بالسمات التالية:

1- أن يكون أساس تأسيسه هو الإيمان و التقوى، و هذا القسم من الآية يعلمنا أن يكون أساس تأسيس مراكز مثل الحسينيات و المدارس الدينية و السياسية و الاقتصادية و الادارية هو الايمان و التقوى، فهما روح الأعمال.

2- السمة الاخرى هي أن يكون الحضور من المتقين و الطاهرين؛ و ذلك لأن المصلين في المسجد يعدون معرّفاً للمسجد.

إن السمتين حاصلتان في مسجد قبا، فقد كان أساس تأسيسه الإيمان و التقوى، كما أنّ مصليه كانوا من المؤمنين عكس ما كان في مسجد ضرار فلا أساسه كان يعتمد الإيمان و التقوى و لا حضوره كانوا من المؤمنين.

الأمر بتخريب مسجد ضرار

الرسول صلى الله عليه و آله لم يكتف بعدم افتتاح المسجد و الصلاة فيه، بل أمر المسلمين بإحراقه ثم

______________________________

(1) تفسير الأمثل 6: 200- 201.

امثال القرآن، ص: 180

تخريب جدرانه و تهيئته ليكون مرمى للنفايات.

«أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَه عَلَى تَقْوَى مِنَ اللهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرْفٍ هَارٍ».

(الشفا) يعني الطرف من كلّ شي ء، و اطلقت هذه المفردة على شفاه الفهم لأجل ذلك.

(الجرف) يعني الجنب فجرف الشي ء أي ما يجانبه و لذلك اطلق على شاطئ النهر جرف.

(هارٍ) يطلق على الشي ء الآخذ بالسقوط. إنَّ النهر قد يفرغ جرفه من الداخل ليصبح الجرف أجوف، و الإنسان الذي لا يعلم بذلك قد يقدم على المشي على هذا الجرف فيسقط فيه و يغرق.

الله تعالى يشبّه بناء مسجد ضرار ببناءٍ على جرف نهر، و الجرف لا يشرف على ماء النهر، فانّ ذلك قد لا يؤدي بالإنسان إلى موته و هلاكه الحتمي لانه قد يكون عارفاً بالسباحة، بل إنَّ هذا الجرف مشرف على جهنّم ذاتها بحيث

إذا سقط إنسان فيه فذلك يعني هلاكه الكامل و انتفاء احتمال نجاته ...

و هل الإنسان إذا كان عاقلًا يرضى باقامة بنيانه في أرضٍ رخوة كهذا الجرف و يتحمل ما فيه من مخاطر؟

نعم؛ إنَّ المسجد الذي أساسه التقوى و رضاء الله فبناؤه يكون محكماً جداً و لا يؤدي بالإنسان إلّا إلى النجاة، أمَّا المسجد الذي يؤسّس على أساس الكفر و الشرك و يكون مقراً للأعداء فهو بدرجة كبيرة من الخطورة و يؤدي بالإنسان إلى السقوط. و حسب ما تذكر الآية إنه سقوط في جهنّم.

هل يمكن العثور على تعبير أجمل و مَثَلٍ أوضح لمصادر الشرك و النفاق مثل التعبير الذي تضمنته الآية الكريمة؟!

خطابات الآية

1- إنّ المستفاد من الآية هو ضرورة مراقبة المسلمين أعمالهم، و أنَّ الأعداء قد يواجهون الدين بالدين نفسه و بآلياته ذاتها ... و لهذا عند ما نقرأ تاريخ الإسلام نعثر على الكثير من الفرق

امثال القرآن، ص: 181

التي أسسها الأعداء لضرب الإسلام الخالص.

من المذاهب الموضوعة (فرقة البهائية الضالة) التي اتضح حالياً للجميع مكان تأسيس هذه الفرقة و شخصيات المؤسسين و المستفيدين من تأسيس هذه الفرقة. «1»

2- على المسلمين أن يكونوا كيّسين و أن لا تغرّهم الظواهر. ما أن تحصل فتنة فعلى المسلمين أن يتعرّفوا على متوليها و مموّليها و المستفيدين و المتضررين منها؛ و ذلك خوف الاغترار باولئك الذين ينوون تخريب البلاد باسم استعماره، أو أسر المسلمين باسم تحريرهم أو سلب الدين عنهم باسم الدين نفسه.

و قد قال الرسول صلى الله عليه و آله في هذا المجال: «المؤمن كيّسٌ فطن حذرٌ». «2»

______________________________

(1) للمزيد راجع الكتابين (ارمغان استعمار) و (باى سخنان بدر)- بالفارسية.

(2) ميزان الحكمة، الباب 291، الحديث 1449.

امثال القرآن، ص: 183

المثل الثامن عشر: الدنيا العابرة

اشارة

يقول الله تعالى في الآية 24 من سورة يونس:

«إنَّمَا مَثَلُ الحَياةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّماءِ فاخْتَلَطَ بِهَ نَبَاتُ الأرْضِ مِمَّا يَأكُلُ والنَّاسُ وَالأنْعَامُ حتَّى إذَا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَهَا وازّيَّنتْ وظَنَّ أهْلُهَا أنَّهُم قَادِرُونَ عَلَيْهَا أتَاهَا أمْرُنا لَيْلًا أوْ نَهَارَاً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدَاً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بالأمْسِ كَذَلك نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ».

تصوير البحث

الحديث في المثل عن الحياة الدنيا العابرة، و التذكير بها خوف أن يغتر الإنسان بظاهرها الخلّاب و يتعلّق بها، فإنَّ الإنسان قد يفقد كل شي ء في وقت يتصوّر أنّ كل شي ء قد تهيّأ و أُعد لصالحه. و يدعو الله في نهاية الآية الإنسان للتفكير لعلّه ينقذه و يجد لنفسه من خلاله مخرجاً.

الشرح و التفسير

«إنَّمَا مَثَلُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا» استخدمت عبارة (الحياة الدنيا) ما يقرب السبعين مرة في القرآن، و الدنيا قد تعني أحد المعنيين التاليين:

الف- أن تعني القرب، و دنيا مؤنث (أدنى)، و ذلك باعتبار أن الحياة الدنيا أقرب قياساً للحياة الآخرة التي هي بعيدة نسبياً.

باء- أن يراد منها السافلة أو التافهة، و منها اطلاق (الدني) على الإنسان الساقط

امثال القرآن، ص: 184

و السافل. و باعتبار أنَّ الحياة الدنيا حياة تافهة و تفقد القيمة الكافية فهي حياة دنيا عكس ما عليه الحياة الآخرة فإنَّها عليا و تمتاز بالقيمة المتفوّقة.

هذا، اضافة إلى أنَّه يستفاد من آيات قرآنية مثل الآية التالية: «وإنّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الحَيَوَانُ» «1» أنَّ الحياة هي الحياة الآخرة فحسب، أمّا الدنيا فهي لا تستحق من الحياة إلّا الاسم، بل هي موت تدريجي!

على كل حال، فإنَّ الحياة الدنيا إمّا أنّها حياة لا قيمة لها، أو أنّها ليست حياة بالكلية.

«كَمَاءٍ أنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فاخْتَلَطَ بِهَ نَبَاتُ الأرْضِ» أي مثل هذه الحياة العابرة كمثل الماء الذي ينزل من السماء بقطراته الشفافة و الفاقدة للون، و باختلاطه بالأرض تنمو نباتات و محاصيل متنوّعه.

المراد من الاختلاط في الآية هو تنوّع النباتات.

إنّ النباتات على ثلاثة أقسام:

1- القسم الذي يشكل الأغذية للإنسان مثل الفواكه و الخضروات و الحبوب «مِمَّا يَأكُلُ النَّاسَ».

2- القسم الذي يشكل أغذية للحيوانات «مِمّا يَأكُلَ ... الأنْعَامُ» و هي قد

تشترك- نوعاً ما- بين الحيوان و الإنسان كالاشجار التي يفيد الإنسان من ثمارها، و الحيوان يفيد من أوراقها و غصونها. و قد تكون خاصة بالحيوانات مثل العلف.

3- القسم الآخر هو النباتات و الأشجار التي تزيّن الطبيعة مثل الأزهار و الحشائش الاخرى «حَتَّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَهَا وازيَّنت وَظَنَّ أهلُهَا أنَّهُم قَادِرُونَ عَلَيْها».

أي في الوقت الذي هطل فيه المطر و أثمرت الاشجار و حان الوقت لجني الثمار في هذا الوقت تحدث حادثة و تخلط كل حسابات الإنسان و تحول دون جنيه ثمار ما زرع. و هذا أمر مؤلم لمن تعلّق بالدنيا.

«أتَيها أمْرُنَا لَيْلًا أو نَهَارَاً» نعم، في الوقت الذي يرى الإنسان أن الدنيا أقبلت عليه

______________________________

(1) العنكبوت الآية 64.

امثال القرآن، ص: 185

و كشفت عن وجهها الخلاب و الخادع، و يجد أنَّ كل شي ء حسب ما يرام، في هذا الوقت يصدر أمر الله بالعذاب ليلًا أو نهاراً لتتدمر بذلك كل الآمال و الزحمات، بحيث تبدو الدنيا لم تكن شيئاً مذكوراً.

إنّ كلمة «أمْرُنَا» في الآية الشريفة تدعونا للدقة و التأمل الوافر من حيث إنّها تضمُّ موارد و مصاديق كثيرة و تشمل كل أنواع العذاب الذي يصدر من الله.

نشير إلى بعض من تلك المصاديق.

1- قد تؤمر مجموعة من الحيوانات تبدو كأنها ضعيفة مثل الجراد، فتؤمر الجراد لتهجم على مزرعة بشكل كتلة، لم تبقِ منها شيئاً إلّا أكلته أو دمرته، كما يحصل ذلك بين الحين و الآخر في بعض الدول.

2- و قد يلقى هذا الأمر على عاتق السموم من الرياح، فيؤمر بتنفيذ مهمة العذاب الإلهي، و هو عند ما يمرّ بشي ء يسمّه و يجفّفه، بحيث إذا مرّ من مزرعة أبدلها إلى رماد يذهب مع الريح.

3- و قد يتكفل بتنفيذ المهام

الإلهية موجود هو أخطر من ريح السموم، مثل الصاعقة «1» التي تدمّر كل شي ء تصطدم به مثل الجبال و الاشجار و الانعام و الناس، أو مثل موجودات أخرى نشير إليها في البحوث المقبلة.

هناك نقطة مثيرة تضّمنتها عبارة «لَيْلًا أوْ نَهَارَاً» و هي أنَّ الإنسان لا خيار له غير التسليم و الخضوع للعذاب الإلهي. و لا يفرق في ذلك الليل و النهار و لا يتصّور أن الإنسان سوف يخضع للعذاب في الليل باعتباره مسلوب القدرة آنذاك، بل انَّ العذاب إذا نزل سيستسلم له الإنسان سواء كان نازلًا في الليل أو في النهار.

«فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدَاً كَأنْ لَمْ تَغْنَ بالأمْسِ» أي عند ما يصدر أمر بالعذاب تتهدم ممتلكات الإنسان و تدمّر مزارعه في آن، بحيث لا تبدو الأرض و كأنها كانت مزروعة قبل لحظات، بل تبدّل إلى كومة من الرماد.

«كَذَلك نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ» أي أنَّ اهداف هذا المثل لا يدركها إلّا الذين

______________________________

(1) لقد مرَّ التعريف العلمي للصاعقة و فرقها مع الرعد و البرق في البحوث السابقة.

امثال القرآن، ص: 186

يتفكّرون فيه، و لا يدرك غور هذه الآيات الإلهية إلّا بالتفكّر و التأمل الذي لا توجد عبادة أرفع مستوى منه. «1»

فلسفة المثل

لأجل استيعاب فلسفة المثل نشير هنا إلى ثلاث من خصائص الحياة الدنيا:

1- الحياة الدنيا عابرة و لا ثبات و لا دوام فيها.

2- الحياة الدنيا جوفاء، ظاهرها فاتن و باطنها خالٍ من المحتوى، و قد تبلورت بوضوح في حياة بعض الناس الذين تجذبنا حياتهم من بعيد و تجعلنا نأسف على حياتنا و نتحسّر على حياتهم، لكن عند ما نقترب لهم نحمد الله كثيراً على كون حياتنا ليست مثل حياتهم من حيث كثرة المساوى ء و الابتلاءات.

3- الحياة الدنيا تُغرُّ الإنسان

و تخدعه.

و في حديث للرسول صلى الله عليه و آله أشار فيه إلى هذه الخصائص الثلاث: «الدّنيا تغر و تضر و تمر». «2»

من هنا نستوعب فلسفة المثل في أنَّه من دونه لا يمكننا إدراك ماهية الحياة الدنيا. و الإنسان من خلال المثل يدرك حقيقة الدنيا و ماهيتها أفضل. و لذلك تمسك الله به إيضاحاً و بياناً.

تفسير و تطبيق للمثل المذكور

في الآية الشريفة شُبِّه الإنسان و حياته الدنيا بالمطر، و بذلك يشير القرآن إلى قابليته و أهليته العالية، فاذا فُعّلت هذه الأهلية لأمطرت عليه ثماراً من قبيل الابتكار و الخلاقية المتنوّعة، و لاستخدم كل طاقته في سبيل الحياة الأفضل، و لنشط في مختلف المجالات، و لاستهلك طاقات جمة في سبيل بلوغ الأهداف الخاصة. إلّا أنَّ حادثة تحصل فجأة تخيّب كل

______________________________

(1) جاء ما يلي في ميزان الحكمة، الباب 3253، الحديث 15920: «لا عبادة كالتفكّر في صنعة الله عزّ و جلّ».

(2) بحار الانوار 7: 911، و قد نقل هذا الحديث كأحد كلمات الإمام علي عليه السلام القصار في نهج البلاغة الكلمة 385.

امثال القرآن، ص: 187

آماله و تدمّر كل ما جناه في حياته حتى هذه اللحظة ليبدو و كأنه لم يفعل شيئاً لحياته أبداً و لم يكن قد فعل و تحمّل لأجل ضمان المستقبل.

إنَّ هذه الحوادث هي (الأمر الالهي)، و قد تتبلور في داخل جسم الإنسان و يسلّم لها الإنسان رغم ضعتها و صغرها. و على سبيل المثال قد تحصل جلطة في دم الإنسان تسري في الشرايين لتصل إلى القلب فتحدث سكتة فيه، أو تصل إلى الدماغ فتحصل سكتة فيه أيضاً قد تتسبب في شل جزء من جسمه إذا لم تمته.

و الأبسط من ذلك هو أن يأمر الله تعالى خلية من

خلايا جسم الإنسان للتتكاثر بشكل غير متعارف و بتصاعد هندسي كأن تصبح الخلية خليتين و الخليتان أربع خلايا و الأربع ثمانية و الثمانية ستة عشر و هكذا إلى أن تتبدّل فجأة إلى غدة سرطانية تنتشر في جميع بدنة شيئاً فشيئاً لتجعل من الإنسان قعيد البيت «فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ» فيبدو و كأنه قد مات منذ سنوات و آماله قد اندثرت منذ ذلك الحين.

و قد يلقى الأمر الإلهي في عهدة حادثة خارجية مثل الزلزلة أو الطوفان أو الاعصار أو الشهاب السماوي او غير ذلك.

هذا المثل و ما شابهه من الحوادث التي شهدناها طوال عمرنا مرات عديدة بمثابة صافرة الانذار تحذرنا أن لا تغرّنا الحياة الدنيا و لا نتعلّق بها و لا نرتكب الجرائم لأجل بلوغ الأهداف الدنيوية الآنية.

من المناسب أن نفكر بعمق في هذه الآية الشريفة و في أمثالها، و نعدّها كالمصباح نستنير به الطريق.

خطابات الآية

1- معرفة الله

إنّ الله بتشبيهه الحياة بقطرات المطر علمنا شيئاً من دروس المعرفة، و رسّخ في قلوبنا الايمان بالله. الآية تعلّمنا أنَّ الله بواسطة هذا الماء الشفاف الذي لا لون له يستطيع أن يخلق ألواناً مختلفة.

امثال القرآن، ص: 188

إنّ الأرض تُسقى بماء واحد «يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحدٍ»، «1» لكنّ الثمار و الفواكه و الاشجار تنبت متنوّعة، فيخرج من هذا الماء أحلى الفواكه و أشدّها حموضة و أشد السموم مرارة، و أجمل الأزهار و ... هذه كلها من ماء واحد و تراب واحد. إنَّ قدرة الله عجيبة حقاً! لكن أسفاً للعادة لكونها تحجبنا و تمنعنا دون أن نفكر في هذا الكتاب الناطق لله.

2- كل ما في الكون مخلوق على أساسٍ من النظم

إنَّ الله جعل ماء المطر سبباً للبركة و العمران، و هو بذاته إذا زاد عن حدّه المتعارف سبب الدمار و الكوارث، و إذا قلّ عن مقداره المتعارف سبّب الجفاف و القحط.

و هذا درس آخر للإنسان في أن يكون معتدلًا و منتظماً في جميع مجالات حياته و يجتنب الإفراط و التفريط.

على الإنسان أنْ لا يفرط حتى في العداء و الخصومة، و لهذا فرض الإسلام آداباً للحرب و هي عبارة عن أوامر جميلة و لطيفة محذراً من خلالها المسلمين التفريط في العداء. و عليه، فالمسلم يكون منتظما و مبرمجاً في جميع شؤونه.

3- قد تتبدّل النعمة إلى نقمة

أي قد يكون الشي ء الذي يمنح الإنسان الحياة هو بذاته يكون سبباً لدمار الإنسان و موته، و ذلك بأمرٍ من الله تعالى. إن الماء يمنح الإنسان حياة في هذه الدنيا لكنّه قد يتبدل إلى سيل جارف و قاتل.

4- إذا جرى الماء كان سالماً و هنيئاً و ذا طعم لذيذ

أمّا اذا ركد الماء تعفّن و تلوّث و يكون غير صالح للشرب. ففي هذه الحالة لا أنَّه لا يمنح الحياة فحسب، بل يكون سبباً للتلوّث. إنَّ الاموال و الثروات ذات نفس الخصلة هذه،

______________________________

(1) الرعد الآية 4.

امثال القرآن، ص: 189

فيمكنها أن تنمّي اقتصاد البلاد إذا كانت جارية و يتداولها الناس، إلّا أنها عند ما تحتكر و تركد في مكان واحد فقد تسبب السقم في اقتصاد البلد.

5- بعض النباتات سامة رغم جمالها

بعض النباتات تبدو زينة جميلة مثلما تبدو بعض الزهور لكنها في الواقع سموم قاتلة.

لهذا كان علينا أن لا نغتر بالظاهر و إن كان جميلًا، بل علينا سبر الغور و التفكّر فيه لكشف الواقع ثم انتخاب المناسب.

و في نهاية الآية وصية للتفكير، و مدح للعلماء و المفكّرين.

يقول رسول الله صلى الله عليه و آله: «أعطوا أعينكُم حظها من العبادة».

قالوا: و ما حظها من العبادة يا رسول الله؟ قال: «النظر في المصحف و التفكّر فيه و الاعتبار عند عجائبه». «1»

فكّروا في آيات القرآن لكي لا تبتلوا بما ابتلى به النماردة و الفراعنة و امثال ابو لهب كما فكروا من جهة اخرى بامثال سليمان و موسى و داود و ... توقفوا و تأملوا في عجائب آيات القرآن.

لا تكتفوا بقراءة القرآن رغم ما لهذه القراءة- و بخاصة في شهر رمضان المبارك- من أجر و ثواب جزيل، بل لتقترن مع التدبّر و التأمّل.

______________________________

(1) المحجة البيضاء 2: 231، تفسير البرهان 1: 331، الحديث 11.

امثال القرآن، ص: 191

المثل التاسع عشر: الكافر و المؤمن

اشارة

يقول الله تعالى في الآية 24 من سورة هود:

«مَثَلُ الفَرِيْقَيْنِ كالأعْمَى والأَصَمّ والبَصِيْرِ وَالسَّميعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثلًا أفلا تَذَكَّرُونَ».

تصوير البحث

يقارن الله العظيم في هذا المثل بين الكافرين و المؤمنين، و يشبِّه أحد الفريقين بالأعمى و الأصم و الآخر بالبصير و السميع، و ذلك لأنَّ الايمان و التقوى يورثان السمع و البصر، أما اللجاجة و التعصب و الكفر فيحجبان عن هذين الموهبتين الالهيتين.

إشارة إلى الآيات ما قبل آية المثل

الآيات التي تسبق آية المثل هذه تبيّن أحوال المؤمنين و الكفار، و من الضروري إلقاء نظرة عليها لكي نتمكن من شرح الآيات و تفسيرها ببصيرة أكثر.

سيرة الكافرين

شرحت الآية 19 من سورة هود أحوال الكافرين حيث قالت: «الَّذِيْنَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيْلِ اللهِ وَيْبغُونَها عِوَجاً وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ».

لقد بيّنت الآية ثلاثاً من خصال الكفّار:

امثال القرآن، ص: 192

1- الكفار يمنعون عن سبيل الله و يحولون دون دخول الآخرين في هذا السبيل.

2- الكفار يبغون الأعوجاج عن طريق الحق، أو أنَّهم يريدون إظهاره معوجّاً، مع أنه- حسب سورة الحمد- طريق مستقيم و لا إعوجاج و لا افراط و لا تفريط فيه بل هو متعادل و متوازن.

3- الكفار ينكرون المعاد و الحياة بعد الموت. و يبدو أن هذه القضية هي السبب الأساس في انحطاطهم؛ و ذلك لأنَّهم عند ما أنكروا المعاد سعوا في اظهار طريق الحق معوجاً و منعوا من اهتداء الآخرين إلى هذا الطريق.

ثم يقول الله في الآية 22 من نفس السورة: «لَا جَرَم أنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمْ الأخْسَرُونَ».

أي أنَّ الكفار الذين منعوا من اهتداء الناس إلى طريق الحق، و أظهروه و كأنّه معوجاً، و في النهاية أنكروا المعاد، إنّهم في المعاد أخسر من الجميع.

سيرة المؤمنين

الآية 23 من سورد هود همّت بدراسة الفريق الثاني (المؤمنين) و قالت: «إنَّ الّذينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وأخْبَتُوا إلى رَبِّهِمْ أولئك أصْحَابُ الجَنَّةِ هُمْ فِيْهَا خَالِدُونَ».

بيّنت الآية الشريفة ثلاث خصال للمؤمنين:

1 و 2- الإيمان و العمل الصالح، إنّ هذين الخصلتين ذكرتا معاً في كثير من الآيات القرآنية، فهما لازم و ملزوم و لا يمكن تفكيكهما، «1» و لهذا كان إدعاء الإيمان بالنسبة للذين لا يعملون إدعاء خواء، و هم غير مؤمنين في الواقع. و من جانب آخر، أنَّ الصادقين الذين يعملون صالحاً من دون إدعاء، هم المؤمنون الحقيقيون؛ و ذلك لأنّهم- كما أشرنا سابقاً- بمثابة الغصون و الاوراق لشجرة واحدة.

3-

الخصلة الثالثة التي يحملها المؤمنون هي خصلة (الاخبات). إنَّ (الاخبات) جمع (خبت) و الاخيرة تعني- في الاصل- الصحراء الواسعة و المستوية، و قد اطلقت بعد ذلك على

______________________________

(1) ذكرا معاً في ما يقارب من سبعين آية.

امثال القرآن، ص: 193

بعض خصائص الإنسان، نشير هنا إلى ثلاث حالات منها:

الف- تستخدم في الإنسان ذي الروح المتواضعة، فكما أنَّ الصحراء المستوية تتواضع أمام الماء و تسمح له بالسير في جميع بقاعها، كذلك روح الإنسان المتواضع فإنَّها تستسلم للحق ببساطة.

باء- أنَّ مفردة (مخبتْ) كما تُطلق على الإنسان المتواضع تطلق كذلك على من سلّم نفسه لله تعالى، أي كما أنَّ الأرض المستوية مستسلمة، كذلك روح الإنسان المؤمن.

جيم- تطلق هذه المفردة على من اطمئنَّ بالله تعالى. الإنسان عموماً عند ما يخطو في الصحراء يخطو باطمئان و من دون خوف و ذعر، عكس ما لو كان يمشي في جبال و أراضٍ وعرة، فإنَّ خطاه ستقترن بالخوف و الذعر، و خطى الإنسان المؤمن في طريق العبودية تقترن بالاطمئنان.

و على هذا، فالمؤمنون الذين يحملون هذه الصفات (الايمان و العمل الصالح و الاخبات) هم اصحاب الجنة خالدين فيها و يتمتعون بنعمها.

الشرح و التفسير

«مَثَلُ الفَرِيْقَيْنِ كالأعْمَى والأصمِّ والبَصِيْرِ والسَّمِيع» بعد أن بيّن الله خصائص الفريقين في الآيات السابقة نعت هنا كلًا من الفريقين بصفات فقال: إن الكافر مثل الأعمى و الأصمّ، و المؤمن مثل البصير و السميع.

«هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أفَلَا تَذَكَّرُونَ» و السؤال هنا استنكاري أي أنَّ الفريقين لا يستويان فالأعمى ليس كالبصير و الأصم ليس كالسميع؛ كذلك المؤمن فهو غير الكافر و ليس مثله.

المفروض بهذه المقارنة أن تثير مخاطبي الآية و تذكّرهم، أ ليس كذلك؟!

لأجل الوقوف على عمق هذا المطلب و استيعاب آثار الايمان و القدرة اللامتناهية

لرب العالمين، نقوم في البداية بدراسة أهمية العين و الاذن و دورهما في جسم الإنسان.

العين من أعظم آيات الله

لا شك أنَّ العين من أعظم الآيات الإلهية، بل يمكننا القول: إنها أعجب آيات الله سخرها

امثال القرآن، ص: 194

تعالى في خدمتنا. إنّ العين ذات بناء معقد جداً، و الأعجب من ذلك أن البناء يتشكل من مواد بسيطة جداً، فهي تتكون من مقدار قليل من الشحوم و العضلات و مقدار بسيط من السوائل.

إنَّ هذا يكفي للكشف عن قدرة الله تعالى، فهو يستطيع بناء وسيلة معقدة من مواد بسيطة جداً.

للعين سبع طبقات ممتازة و مجزّأة، و هي مستقلة عن بعضها البعض بالكامل و قد رتّبت بشكل لطيف جداً، كما أنه تعالى جعل لكل طبقة وظائف خاصة.

لا يوجد في الدنيا كاميرا يمكنها التصوير تلقائياً مثل ما تعمل العين، فهي تعمل دون حاجة إلى منظّم لعدستها، فهي تنظم نفسها لتصوير أدنى و أقصى نقطة في أقل زمن ممكن. مع أن تنظيم العدسة للاماكن البعيدة في كاميرات التصوير يحتاج إلى وقت غير قصير نسبياً، و قد يستدعي هذا الأمر ساعة من الزمن إذا أُريد تصوير لقطة حساسة.

كذلك الأمر بالنسبة لتنظيم النور، فاذا كنا- مثلًا- في محيط مضي ء ثم انطفأت الكهرباء فيه وساد الظلام، فإنَّ بؤبؤة العين توسع نفسها لتتكيف مع المحيط و تتمكن من الرؤية.

و في العين يوجد عضلات تتحرك في ست جهات تمكنها من الحركة إلى الأمام و الخلف اضافة إلى الحركات الاربع أي اليمين و اليسار و الفوق و التحت.

و من عجائب العين الاخرى هو السائل الذي يترشح منها و يسمى الدمع. إنَّ الدمع غذاء للعين كما أنَّه سائل لغسلها و لتطهير هذا البناء الدقيق و الظريف من أي تعفن يحتمل حصوله.

من خصائص

العين أنَّها هي بنفسها تقوم بترميم ما يطرأ عليها من اشكالات و نواقص.

هل هناك شي ءٌ من مصنوعات الإنسان يحضى بهذه الخصائص؟ لننصف و نرى لو لم يكن هناك دليل و آية على اثبات الخالق غير هذه العين أ ليس ذلك بكاف؟ «1» كيف يمكن تصديق أن الطبيعة الفاقدة للأحاسيس و الشعور يمكنها خلق جهاز بهذه العظمة؟

الاذن آية الله الاخرى

رغم أنَّ بناء الاذن قياساً للعين ليس بنفس الدرجة من حيث التعقد و الظرافة، إلّا أنَّه

______________________________

(1) للمزيد راجع الأمثل 20: 198- 200.

امثال القرآن، ص: 195

يحكي كما هو حال العين عن قدرة الله تعالى. إنَّ الاذن تتكون من الجزء الخارجي و الداخلي و الوسط. و الاقسام تقع في مناطق متجزءة عن بعضها الآخر، و لكلٍّ وظائف خاصة و مستقلة.

هناك عظام يشبه عملها عمل المضرب، كما أنَّ هناك طبلة ترتعش بضربات المضرب، و الارتعاشات هذه عند ما تنتقل إلى الدماغ بواسطة الأعصاب تُفسَّر هناك. و العجيب في هذا كله أنَّ الاذن يمكنها تعيين جهة الصوت.

إنَّ العين و الاذن نعمتان إلهيتان أنعمهما الله علينا، و هما عجيبتان جداً، و في توصيفهما كتبت كتب كثيرة، و لكلٍّ منهما من حيث الطبابة مختصون، بل انَّ في العين لوحدها عدة تخصصات.

العين و الاذن وسيلتان مهمتان للمعرفة

إنَّ أهمّ وسائل المعرفة عند الإنسان هي العين و الاذن. إنّ الإنسان عند ما يولد يكون خلواً من أي علم «وَاللهُ أخْرَجَكُم مِنَ بُطُونِ أمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً». «1» و الإنسان يحصل على العلوم بعد أن تنمو عنده حاسة السمع و البصر.

إنَّ العلوم التجريبية تنتقل للإنسان عبر حاسة البصر، فالإنسان يبلغ النتائج المختلفة في المختبرات بعد ما يراها بعينه، و رؤيته هذه هي التي تنقل النتائج إلى الذهن. أما العلوم النقلية- و بخاصة العلوم التي قدمت من الوحي الالهي- فهي تنتقل عبر حاسة السمع (الاذن). بالطبع أن العلوم العقلية تعتمد في الأساس على العلوم الحسية أي أنَّ الأشياء ما لم تر أ و لم تسمع فلا يتمكن العقل من إداركها، و ذلك لأنَّ أساس العلوم العقلية هو (تجريد) و (تعميم) المحسوسات، و لهذا اذا كان هناك إنسان بالغ أصم

و أعمى- و هو بالنتيجة أخرس- فان مستوى فهمه سيكون بمستوى فهم طفل عمره خمس سنوات حتى لو كان يحضى بدماغ بمستوى دماغ ابن سيناء؛ لأنَّ هكذا انسان يكون فاقداً لعمودين أساسيين من أعمدة العلوم العقلية و هما البصر و السمع.

______________________________

(1) النحل: 78.

امثال القرآن، ص: 196

الكافر يفتقد وسائل المعرفة

وفقاً لما ذكرت الآية، أنّ الكافر أعمى و أصم، أي أنَّه يفقد وسائل المعرفة أو أنَّ هذه الوسائل مسلوبة منه، لذلك لا يدرك شيئاً من نور الأيمان. أما المؤمن فهو- بفضل نور الإيمان- يتمتع بحاسة السمع و البصر بشكل كامل، و يفيد من العلوم، و وسائل المعرفة.

لماذا كان الكافر أعمى و أصم؟

الوصف المستخدم في الآية يفيد أنّ العمى و الصم هما بسبب حاجب الكفر الذي يحول دون السمع و النظر «خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِم وَعَلَى أبْصَارِهْم غِشَاوَةٌ». «1»

إنَّ اللجاجة مع الله و عدم التسليم له و الصفات الرذيلة الاخرى سببت عدم إدراك الكفار للحقائق.

يقول الإمام السجاد عليه السلام في دعائه العرفاني (أبو حمزة الثمالي): «إنّك لا تُحْجَب عن خلقك إلّا أن تحجبه الأعمالُ دونك».

و على أساس هذا الدعاء، فإنَّ أعمال الناس هي التي تحجب الإنسان عن الله. و في بعض نسخ هذا الدعاء ذكرت مفردة (آمال) مكان أعمال، و على هذه النسخة، فإنَّ الآمال هي التي تحجب الإنسان عن الحقائق و المعارف الإلهية.

الإيمان عند ما يظهر في الإنسان فإنَّ حجب التعصب و الجهل و الغرور و الكبرياء و الأنانية تتلاشى لوحدها، و يتضح للإنسان بعد ذلك كل شي ء، بل الله نفسه يهديه من الظلمات إلى نور الإيمان، لذلك قال الله في الآية 257 من سورة البقرة: «اللهُ وَلىُّ الِّذينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُورِ والّذِينَ كَفَرُوا أوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوت يُخْرِجُونَهُم مِنَ النُّوْرِ إلَى الظُّلُماتِ أُوْلئِكَ أصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيْهَا خَالِدُونَ».

كيف يمكن إزالة الحجب؟

كيف يمكن أن يكون لنا عين و اذن قرآنية؟ كيف يمكن أن يكون لنا عين ترى الحقيقة؟ وفقاً

______________________________

(1) البقرة: 7.

امثال القرآن، ص: 197

لما أقرَّته الآية الشريفة فإنَّ هذه الحجب تزال إذا أزلنا عن أنفسنا ستار الجهل و التعصب و اللجاجة لنرى ما يرى أولياء الله.

ما علينا هو أن نكون مؤمنين.

لقد ذكرت علامات للمؤمن في روايات أهل البيت عليهم السلام، و لأجل الاطلاع نأتي بنموذجين هنا:

علامات المؤمن

1- يقول رسول الله صلى الله عليه و آله: «لا يؤمن عبدٌ حتّى يحب للناس ما يُحب لنفسه». «1»

2- في رواية اخرى يقول الإمام الصادق عليه السلام: «إنَّ من حقيقة الإيمان أن تؤثر الحقّ و إن ضرّك على الباطل و إن نفعك». «2»

و حسب هذه الرواية فإنَّ الحقيقة و الصدق من علائم المؤمن، و هي تحمل في طيّاتها خطاباً للأحزاب و التكتلات السياسية في البلد بأن يقوم نشاطهم على الصدق و الحقيقة و تجنّب الزيف. إنهم إذا بلغوا مرحلة يرجّحون فيها حديث عنصرهم الطالح على حديث العنصر الصالح للتكتل المنافس فذلك يعني أنّهم لم يدركوا حقيقة الايمان، و دعواهم الايمان زيف لا أكثر.

اللهم ارزق جميع المسلمين الايمان الكامل.

______________________________

(1) ميزان الحكمة 1: 193.

(2) بحار الانوار 67: 106.

امثال القرآن، ص: 199

المثل العشرون: الذين يدعون من دون الله

اشارة

يقول الله في الآية 14 من سورة الرعد:

«لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ والّذِيْنَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِه لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَي ءٍ إلّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إلى المَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الكَافِرِينَ إلّا فِي ضَلالٍ».

تصوير البحث

إنّ آية المثل درست قضية الدعاء و التوسّل، و هي تسعى لتعليم الإنسان إلى مَن يمدّ يده؟

ثم مثَّلت أولئك الذين يطرقون أبواب المخلوقات دون خالقهم طالبين حاجاتهم بمن بسط يديه إلى الماء ....

سؤال:

قبل البتِّ بشرح و تفسير آية المثل ينبغي التساؤل عن سبب عدم التطرّق إلى بعض الأمثال التي جاءت قبل سورة الرعد، مثل الآية الشريفة 32 من سورة المائدة التي اعتبرت قتل النفس البريئة بمثابة قتل الناس جميعاً و احياء نفس بريئة بمثابة احياء الناس جميعاً. فإنّ فيها تشبيهاً و تمثيلًا نوعاً ما، فَلِم لم تأت في البحث.

الجواب:

في القرآن امثال و تشابيه كثيرة، لكن بحثنا في الامثال القرآنية لا التشابيه.

إنَّ التشبيه هو تنظير شي ء بشي ء كأن يقال: (إن حسن كالأسد). فهذا تشبيه و ليس مثلًا،

امثال القرآن، ص: 200

امثال القرآن 249

أما المثل فهو تجسيد و بيان لقصةٍ أو جماعة أو قضية أو مطلب عقلي ليس في متناول أذهان الناس، كما لو أنَّ الله أراد بيان قضية الحق و الباطل و هما قضيتان غير حسية مثّلهما بالمطر و السيل و الزبد الذي يتجمع على الماء، فيمثّل الحق بالماء و الباطل بالزبد، من حيث أنّ الزبد رغم ابهته و ارتفاعه و ظهوره إلّا أنه أجوف و يتلاشى بسرعة ... و بناءً على هذا الايضاح فقد حصلنا على معيار كلي للتمييز بين الأمثال و التشابيه.

البرق و السحب الثّقال

لأجل الاستيعاب الأفضل للمثل المذكور علينا شرح الآيات 12 و 13 من سورة الرعد باقتضاب.

يقول الله تعالى في الآية 12 من سورة الرعد: «هُوَ الَّذِي يَرُيْكُمُ البَرْقَ خَوْفَاً وَطَمَعاً وَيُنْشِأُ السَّحَابَ الثِّقَالَ».

إنّ البرق من آثار عظمة الله تعالى، فهو يزرع الأمل في نفس الإنسان كما يزرع الخوف و القلق.

إنّ البرق يبشّر

الناس بهدية المطر الإلهية؛ و ذلك لأن الرعد و البرق يتسببان في نزول الكثير من المطر.

كيف يسبب البرق نزول المطر؟

اصطدام السحب التي تحمل شحنات كهربائية متضادة يوجد حرارة تقدّر بخمسة عشر ألف درجة سانتيغراد. إن هذه الحرارة تحرق الهواء المحيط بها و بذلك يقل ضغط الجو الأمر الذي يؤدي إلى هبوط المطر. من جانب آخر قد يتبلور البرق على شكل صاعقة فيحرق حينئذٍ ما يصطدم به من الغابات و القرى و الاشخاص و الحيوانات و المزارع، و هذا هو الذي ينجم عنه خوف الإنسان.

«وَيُنْشِأُ السِّحَابَ الثِّقَالَ» قد يتصور كثير من الناس أنَّ السُّحُب لا تختلف، و هي تعمل على وتيرة واحدة، مع أنَّ الحقيقة شي ء آخر، و هي تختلف عن بعضها الآخر كثيراً.

امثال القرآن، ص: 201

ممّا تختلف فيه السحب هو أنّها تنقسم إلى ثقال و خفاف، و الثقال تتموقع في جوٍّ أقرب إلى سطح الأرض، أمَّا الخفاف ففي جوّ مرتفع أكثر عن سطح الأرض، و سبب اقتراب الثقال هو كثرة الرطوبة و الماء فيها، الأمر الذي يمنعها من التصاعد إلى أجواءٍ أبعد.

الرعد دليل على عظمة الله

يقول الله تعالى في الآية 13 من سورة الرعد: «وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالمَلائِكَةُ مِنْ خِيْفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللهِ وَهُوَ شَدِيْدُ المِحَالِ».

تشير الآية الشريفة إلى موضوعين، أحدهما: الرعد، و الثاني: الصواعق. و بما أنَّا تناولنا موضوع الصواعق في البحوث السابقة لذا نخص بحثنا هنا بالرعد.

لقد قلنا سابقاً: إنَّ اصطدام سحب ذوات شحنات كهربائية مختلفة تولّد قدحة ضوئية و صوت، فالنور يقال له: برق، أما الصوت فيقال له: رعد. إنَّ الصوت و الضوء يحصلان في وقت واحد، لكن بما أنَّ سرعة الضوء أسرع من الصوت بمرات، لذلك يصلنا الضوء قبل أن يصلنا صوت الاصطدام.

رغم ما يبدو من بساطة في ظاهرة الرعد، إلّا أنّه يُعد من آيات الله

العظمى، و له تأثير مهم على حياة جميع الموجودات.

لقد ذكر العلماء آثاراً كثيرة للرعد و البرق نشير هنا إلى أهمها:

1- هطول الأمطار هي أول فوائد الرعد و البرق، و هي فائدة تعم جميع الموجودات سواء الإنسان أو الحيوان أو النباتات أو الجمادات.

2- يقتل الرعد و البرق بعض الآفات النباتية؛ و ذلك لأنَّ الحرارة التي توجد من خلال هذين الظاهرتين تسبب أكسجة الماء أي خلق ماءٍ مؤكسج يتكون من ذرتين من الأوكسجين بدل ذرة واحدة مع ذرتين من الهيدروجين. و من فوائد هذا الماء أنه من المطهرات و يمكنه قتل بعض الآفات و الموجودات المضرة. إنَّ هذا الماء متوفّر في الصيدليات و يستخدم لغرض التطهير. و كلما زادت ظاهرتا الرعد و البرق كلّما قلت الآفات النباتية.

الفائدة الاخرى للرعد و البرق هو انتاج الكثير من الاسمدة للنباتات. إنّ هذين الظاهرتين

امثال القرآن، ص: 202

تنتجان كل عام عشرات الملايين من الاطنان من الأسمدة القوية و المفيدة و المؤثرة على جميع النباتات.

طريقة ايجاد هذه الاسمدة هو أنَّ الحرارة الناشئة عن الرعد و البرق تسبب تركيب الماء بذرات الكاربون فينتج أوكسيد الكاربون، و عند ما يهبط هذا الاوكسيد على الأرض يتركب مع الاتربة فينتج نوعاً من السماد المفيد و القوي و المؤثر.

نعم، إنَّ الرعد و البرق لهما هذه الآثار، و هما من آيات الله العظمى. و المدهش أنَّ الله كشف عن هذه الأسرار العلمية في وقت لم تخطر في ذهن الإنسان هذه الامور أبداً.

طبقاً للآية الشريفة، الرعد يحمد الله و يسبّح له، و التسبيح هنا يعني تنزيه الله من أي عيب و نقصٍ، ألم يكن قتل الآفات النباتية تنزيهاً لله من كل عيب و نقص؟ أ ليست هذه الظاهرة تسبيحاً

لله نوعاً ما؟

إنَّ الرعد يحمد الله على صفاته و جلاله و جماله. ألم تكن تغذيه النباتات نوعاً من الحمد و الثناء لله في عالم الممكنات و المخلوقات؟

لا شكَّ أنَّ الآيات 12 و 13 تشير إلى هذه النقطة و تعدّها من وجوه عظمة الخالق.

الخلاصة: أنَّ الآيتين أشارتا إلى بعض من الآيات الإلهية المهمة، أي الرعد و البرق و المطر و الصاعقة.

الشرح و التفسير

«لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ» يختلف المفسرون في المراد من هذه الجملة، فالبعض يرى أنها تعني التوحيد، و التوحيد خاص بذاته تعالى.

و يعتقد بعض آخر أنَّ المراد منها هو القرآن المجيد، فهي تشير إلى هذا الكتاب الإلهي.

و كثير من المفسرين فسَّرها بالدعاء، أي إذا أراد الإنسان أن يستجاب دعاؤه دعى الله خالصاً، فغيره لا يحلّ شيئاً من المشاكل بل الله هو الوحيد القادر على استجابة الدعاء وحل المشاكل.

و الشاهد على هذا الرأي (الرأي الثالث) الذي نحن نذهب إليه هو ذيل الآية، حيث تقول:

امثال القرآن، ص: 203

«وَمَا دُعَاءُ الكَافِرينَ إلّا فِي ضَلَالٍ».

إنَّ سبب كون دعاء الكافرين في ضلال هو أنَّهم يسألون من لا يقدر حتى على الدفاع عن نفسه، و لا يستطيع كسب منفعةٍ لنفسه فضلًا عن نفعه الآخرين.

«والّذِيْنَ يَدْعُونَ مِنْ دُوْنِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَي ءٍ إلّا كَبَاسِطِ كَفّيْهِ إلى الماءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ» إنّ شاهد حديثنا في المثل العشرين هو هذا الجزء من الآية.

إن الذين يدعون غير الله و يقصدون معابد الاصنام و يتوسلون بها لأجل حلّ مشاكلهم، فمشاكلهم سوف لا تُحل. و مثل إنسان كهذا مثل الذي يبسط يده و يمدها ليأخذ الماء و يشرب، و هو لا يستطيع من خلال هذا العمل شرب الماء أبداً.

اختلف المفسرون في تفسير «كَبَاسِطِ كَفّيْهِ إلى المَآءِ ...»

نشير إلى أقوالهم هنا:

1- المراد منها هو شخص عطشان يريد إرواء عطشه فيقصد بئراً ليس فيه حبل و لا دلو، و عمق البئر كثير جداً، فيبسط هذا الشخص يديه في البئر، لكن يديه لا تمتدان إلى أكثر من مترٍ واحدٍ. و لا شك أنَّ شخصاً مثل هذا سوف لا يبلغ هدفه و لا يروي عطشه.

2- مراد الآية هو الشخص الذي يقف بجنب البئر و يشير للماء لكي يصعد و يشرب منه.

و من الواضح أن الماء هنا لا يُنال بالاشارة إليه، بل هناك حاجة واقعية لوسيلة ترفعه.

نعم، دعاء الكافرين عند معبد الأصنام ضلال، و حالهم حال إنسان كهذا.

3- إنَّ (باسط) تعني الذي يفتح يديه و لا يحنيهما بحيث يتمكن الاغتراف بهما. فإنَّ هذا الشخص يذهب إلى جنب الماء و يغترف منه بيديه حال كونه فاتح يديه و باسطهما، و هو أمر لا يوفّر له الماء فيضطر للابتعاد عن مصدر الماء، و هو عطشان.

نرى أنَّ التفسير الأوّل هو أنسب الثلاثة، رغم إمكانية القول بأنّ الثلاثة صحيحة و كلها تبيّن مراداً واحداً؛ و ذلك لانَّا نعتقد بامكانية استعمال لفظ واحد في أكثر من معنى واحد. «1»

و على ما تقدم علينا- لأجل حل المشاكل- أن لا نطرق غير باب الله، بل نقصد بابه منذ البداية، فهو الخالق و الرازق و المحيي و المميت و هو حلّال المشاكل و كل شي ء بيده. اما غيره فلا

______________________________

(1) إنّ هذه قضية اصولية طرحت في كتب الأصول، و للمزيد راجع انوار الاصول 1: 145.

امثال القرآن، ص: 204

شي ء بيده؛ لأنّه ما من موجود إلّا و هو يحتاج إلى الله الغني، فالكل يحتاج إليه فكل شي ء عاجز، و هو القادر، و كل شي ء ضعيف، و هو

القوي و القادر المطلق، فلا يصح الذهاب لا لمعبد الأصنام فحسب بل لكل شي ء غير الله.

خطابات الآية

1- هل التوسّل بالمعصومين عليهم السلام شرك؟

و بعبارة اخرى: هل أنَّ الأدعية و التوسلات بالأئمة تشملها الآية الشريفة و ينهى عنها الشارع المقدس و ينبغي الاجتناب عنها؟

نقول جواباً عن التساؤل الماضي: إنَّ التوجه لهؤلاء العظماء لا يعني طلبنا منهم حل المشاكل بشكل مباشر، بل نطلب منهم أن يشفعوا لنا عند الله و يبحثوا لنا عن حلٍّ لنا من الله القادر المطلق؛ و ذلك لأنّا نعتقد أنَّ هؤلاء إذا استطاعوا فعل شي ء فبأذنٍ من الله. أما الوهابيون الذين ينسبون لنا الشرك و الكفر لأجل هذه الأدعية و التوسلات فانّهم على خطأ، و هم لا يعرفون المعنى الحقيقي للشرك و الكفر، كما أنَّهم لم يستوعبوا ماهية التوسل الذي عند الشيعة.

في رحلتي لمكة و المدينة عام 1419 ه. ق التي كانت لغرض أداء العمرة، حضرت صلاة الجمعة في اليوم الثاني و العشرين من شعبان في المسجد الحرام، و كنت أصغي لما يقول الخطيب.

و المدهش هنا أنَّ الخطيب كان يقرأ عن ورقة قد أعدّها من ذي قبل، يبدو أنّه ما كان مجازاً لإضافة او تنقيص و لو كلمة واحدة، فتذكرت خطبة الجمعة في مدن ايران و مدى ما يتمتع به الخطيب من حرية التعبير و التحليل. و على أي حال هاجم هذا الخطيب في أثناء خطبته اولئك الذين يتوسلون عند القبور المشرّفة و رماهم بالشرك و الكفر.

بالطبع لم نسكت أمام هجوم هذا الخطيب، بل كتبنا رسالة إلى زعماء السعودية اعترضنا فيها عما تفوّه به هذا الشخص.

إنَّ الذين يعتقدون بالدعاء و التوسّل لا يعتبرون أولياء الله شركاء لله، بل شفعاء عنده.

و بعبارة اخرى: أنَّ اعتقادنا هو تجسيد للآية الشريفة (المائدة

110) التي تحدّثت عن السيد

امثال القرآن، ص: 205

المسيح (على نبينا و آله و عليه السلام) «وَإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كِهْيئَةِ الطَّيْر بإذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإذْنِي وَتُبْرِئ الأَكْمَهَ وَالأبْرَصَ بِإذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإذْنِي ...».

في هذه الآية نسب الخلق و الاحياء و الشفاء كلها للسيد المسيح عليه السلام لكن بإذنٍ من الله تعالى. «1»

و الشيعة لا تقول شيئاً غير هذا الذي في الآية الكريمة، فالشيعة تعتقد أنَّ العظماء و الأولياء يمكنهم فعل الكثير الذي يعجز عنه البشر لكن باذن الله، كما يمكنهم أن يشفعوا للعباد عند الله لحل مشاكلهم. و على هذا فدعاء الشيعة و توسلهم لا شرك و لا كفر.

و مع هذه الايضاحات نقول: إنَّ الذي يعدُّ الشيعة لاجل دعائهم و توسلهم مشركين، فهو يعدُّ السيد المسيح مشركاً كذلك.

و يمكننا أن نستفيد مما سبق ضمنياً أن المعجزة قد لا تحصل بدعاء النبي و إجابة الله مباشرة، بل قد تكون من النبيّ أو الولي مباشرة لكن بإذنٍ من الله تعالى كما هو الحال بالنسبة لمعجزة شق القمر «2» التي صدرت عن رسولنا صلى الله عليه و آله، و هذا أمر غير مستبعد.

2- الصور المختلفة لعبادة الأصنام

لعبادة الاصنام تاريخ طويل و اشكال مختلفة، فقد تكون بشكل صنم يُصنع بأيدي الناس من الحجر أو الخشب أو الفلز بل و حتى من الاغذية، ثم يقع لها الإنسان ساجداّ و عابداً.

في برهة من الزمن كان المشركون يقدمون على انتخاب موجودات غير ذات شعور يعتبرونها أصناماً للعبادة، لذلك عبد البعض الشمس، و الآخر النجوم أو القمر، «3» بل انّ البعض أقدم على عبادة أنهار أو بحيرات مهمة مثل نهر النيل أو بحيرة ساوة في ايران، و قد يكون جفاف بحيرة ساوه و

انطفاء معبد فارس عند ولادة الرسول «4» بسبب أنها كانت معابد للإنسان آنذاك.

______________________________

(1) حُكي هذا المطلب على لسان السيد المسيح نفسه في الآية 49 من سورة آل عمران.

(2) تجد شرح هذه المعجزة في كتاب (المعراج- شق القمر- العبادة في القطبين) بالفارسية.

(3) اشير إلى هذا المطلب في الآيات 76- 78 من سورة الأنعام.

(4) لقد حدثت معاجز كثيرة بولادة الرسول صلى الله عليه و آله كان منها انطفاء نار معبد فارس و جفاف بحيرة ساوه. و للمزيد راجع منتهى الامال 1: 44.

امثال القرآن، ص: 206

و في بعض من بقاع العالم كان البعض يعبد الاشجار و بخاصة شجرة الصنوبر التي كانت منذ القدم معبوداً لمجموعة من الناس. من هنا اعتقد بعض المفسرين أنَّ (أصحاب الأيكة) هم أنفسهم عبدة شجرة الصنوبر الذين كانوا منشأ لخرافة (سيزده به در) أي الثالث عشر من بداية السنة الشمسية.

و في زمن كانت الحيوانات آلهة لبعض من الناس. و مِمّا يؤسف له أنّ هذا النوع من العبادة لا زال موجوداً في بعض المناطق من الهند.

و قد ألّه البعض أشخاصاً من البشر، كما هو الحال بالنسبة لفرعون حيث كان البعض يعبده كربٍّ لهم، و يقول القرآن المجيد نقلًا عن فرعون نفسه: «وَقَالَ فِرْعَوْنُ يا أيُّهَا المَلأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إلهٍ غَيْرِي» «1» و قد ألّه البعض الملائكة في بعض الأحيان.

يقول أحد المؤرخين: (كل شي ء في العالم قد تألّه، و كان يُعبدُ في يوم ما و نحن لا نعرف شيئاً لم يتألَّه و لم يُعبد في يوم من الأيام).

على كل حال، أنَّ ما يجمع عبادة الأصنام هو التوجه إلى ما سوى الله و الغفلة عن الله رب العالمين، و قد جاء على لسان بعض العظماء:

(كلّ ما شغلك عن الله فهو صنمك). من هنا عُدَّ المال و البنون و المرأة و الثروة و المقام و الصديق و كل شي ء يغفلنا عن الله صنماً.

القرآن قد شطب على كل شي ء سوى الله، و لا يرى أهلية العبادة لغير ذاته الحقة، فإنَّ جميع المخلوقات فقيرة و تحتاجه و تفتقر فيضه في كل آنٍ و لحظة، ليس في بداية الخلق فحسب بل لادامة الحياة و استمراريتها كذلك.

إنّ مثل حاجة الإنسان إلى الله كمثل حاجة المصباح إلى مولد الكهرباء، فكما أنَّ المصباح يحتاج إلى المولد في كل لحظة ما دام متقداً، كذلك الإنسان فانه يفتقر فيض الله في كل لحظاته ما دام حياً.

و بعبارة أُخرى: أنَّ كل لحظة من لحظات العمر هي خلق و صنع جديد «كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي

______________________________

(1) القصص الآية 38.

امثال القرآن، ص: 207

شَأنٍ» «1» و بخاصة إذا فسرنا ذلك حسب رؤية (الحركة الجوهرية) فإنَّ الأمر سَيكون أوضح. «2»

الدعاء من وجهة نظر القرآن و الروايات

إنّ الدعاء قضية مهمة جداً و قد انعكست بشكل واسع في القرآن و روايات المعصومين عليهم السلام. و في هذا المجال مباحث و أسئلة عديدة نشير إلى بعضها هنا:

1- ما هي فلسفة الدعاء؟ إذا كنا مستحقين للاجابة فالله العالم بالظاهر و الباطن سيستجيب لطلباتنا من دون حاجة إلى دعاء، و إذا لم نستحق الاجابة فإنَّ الله سوف لا يجيب لطلباتنا سواء دعوناه أم لم ندعه، و لا تأثير لدعائنا هنا!

و بتعبير آخر: أنَّ طلبتنا إذا كانت بمصلحتنا فسيوفرها لنا الله من دون حاجة إلى دعاء، و إذا لم تكن بمصلحتنا فانه سوف لا يوفرها مهما أصررنا بالدعاء و التوسّل.

إذن ما فلسفة الدعاء و ما دوره؟

2- ما هي شروط إجابة الدعاء؟ و ما علينا

فعله لكي يستجيب لنا الله الدعاء و لكي نبلغ هدف الاجابة؟

3- ما هي موانع استجابة الدعاء؟ لماذا لم يُستجب لبعض الأدعية رغم الاصرار الوافر في طلبها؟

4- ما هو أسوأ دعاء؟

الدعاء أفضل عبادة

المستفاد من الآيات و الروايات هو أنَّ الدعاء ليس كونه عبادة فحسب، بل من أفضل

______________________________

(1) الرحمن الآية 29.

(2) للمزيد راجع تفسير الأمثل 17: 373- 374.

امثال القرآن، ص: 208

العبادات.

و لأجل إيضاح أهمية الدعاء نشير إلى ثلاث آيات من القرآن و ست روايات من المعصومين:

1- يقول الله تعالى في الآية 60 من سورة غافر (المؤمن): «وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُوني أسْتَجِبْ لَكُمْ إنَّ الّذِين يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّم دَاخِرِينَ».

استخدمت الآية في البداية مادة (الدعاء) ثم أبدلتها بمادة (العبادة) في نهاية الآية.

لماذا عبّر القرآن بالعبادة عن الدعاء؟

قال البعض: إنَّ العبادة بمعناها المطلق هي دعاء، و لأجل ذلك كان تعبير الروايات بأنَّ «الدعاء مخ العبادة». «1»

2- يقول الله تعالى في الآية 77 (آخر آية) من سورة الفرقان: «قُلْ مَا يَعْبَؤُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُم فَقَد كَذَّبْتُم فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامَاً».

إنَّ هذا التعبير «ما يعبؤُ بِكُم ...» و الذي يعني عدم اهتمام الله بكم لو لم تدعوا، لم يستعمل في العبادات الاخرى مثل الحج و الصوم و الجهاد و غير ذلك، و قد استخدم في الدعاء فقط، و هو تعبير يعني باطلاقه أنّ الذي يجعل الله يهتم بكم و يعتني رغم الذنوب و الآثام هو الدعاء، فقدروا هذه العبادة و ثمّنوها.

3- يقول الله تعالى في الآية 186 من سورة البقرة بعد الحديث عن فضيلة و احكام شهر رمضان المبارك: «وإذا سَألك عِبَادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيْبٌ أُجِيْبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَليُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ».

لا شكّ أنّ تعبير الآية التالية:

«نحن أقْرَبُ إلَيكْمْ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ» «2» للإشارة إلى قرب الخالق إلى المخلوق، هو أجمل تعبير يمكن أن يرد في هذا المجال.

و على هذا، فإنَّ التفكير في الآيات السابقة يرشدنا إلى أنَّ الدعاء من وجهة نظر الإسلام أمر مهم جداً بحيث اضافة إلى كونه عبادة يوجب اعتناء الرب بالإنسان، كونه وسيلة لتقرّب العبد إلى مولاه.

الدعاء في الروايات

______________________________

(1) ميزان الحكمة، الباب 1189، الحديث 5519.

(2) سورة ق. الآية 16.

امثال القرآن، ص: 209

قلنا سابقاً: إنَّ الكثير من الروايات تناولت قضايا الدعاء، نكتفي هنا بذكر ستٍ منها.

1- يقول رسول الله صلى الله عليه و آله: «الدعاءُ سلاح المؤمن و عمود الدين و نور السماوات و الأرض». «1»

نعم، رغم أنَّ الدعاء عبادة سهلة، لكنّه، حسب ما يستفاد من كلمات الرسول صلى الله عليه و آله- يحضى بشأن رفيع عند الله. إلّا أنَّ الإنسان غافل عنه بسبب سهولته و بساطته.

2- يقول أمير المؤمنين عليه السلام: «الدعاءُ مفتاحُ الرحمة و مصباح الظُّلمة». «2» نعم، هو مصباح ليس في الدنيا فحسب بل في الآخرة كذلك.

3- يقول رسول الله صلى الله عليه و آله في رواية اخرى: «عمل البرّ كلّه نصف العبادة، و الدعاء نصف». «3»

4- يقول الإمام الصادق عليه السلام: «أكْثِرْ من الدعاء فإِنّه مفتاح كلّ رحمةٍ و نجاح كلِّ حاجة، و لا ينال ما عند الله إلّا بالدعاء، و ليس باب يكثر قرعه إلّا يوشك أن يفتح لصاحبه». «4»

و على هذا، فالإنسان لا ينبغي أن يخيب أمله بمجرد عدم الإجابة، لأنّ الله قد يريد تطهير قلب العبد و تأديبه و تربيته من خلال الدعاء.

5- يصف الإمام الصادق عليه السلام الدعاء بالشكل التالي: «أفضل العبادة الدعاء». «5»

6- يقول الإمام علي بن موسى الرضا عليه

السلام: «عليكم بسلاح الأنبياء»، قيل: ما سلاح الأنبياء؟ قال: «الدعاء». «6»

يستشف مما سبق من الآيات و الروايات أنَّ للدعاء شأناً عظيماً في الإسلام و يحضى بأهمية كبيرة.

سر الدعاء في الإسلام

______________________________

(1) الكافي 2: 468.

(2) بحار الأنوار 90: 30.

(3) ميزان الحكمة، الباب 1189، الحديث 5533.

(4) ميزان الحكمة، الباب 1169، الحديث 5585.

(5) ميزان الحكمة الباب 1189، الحديث 5516 و 5532.

(6) الكافي 2: 468.

امثال القرآن، ص: 210

لماذا يحضى الدعاء في الدين بدرجة و قيمة كبيرة، بحيث عُدَّ أفضل العبادات و سلاحاً للمؤمن و عموداً للدين و نور السماوات و الأرض و مفتاح الرحمة و مصباح الهداية و نصف العبادة و سر النصر و سلاح الأنبياء و سبباً لرفعة شأن الإنسان عند الله؟

إذا دققنا في هذه التحفة و الهدية الإلهية و درسناها جيداً لوجدناها أهلًا لهذه الأُمور كلها.

إنَّ الدعاء يترك آثاراً مهمةً في الإنسان، و أهم تلك الآثار هو التربية، فإنَّ الدعاء سبب لتربية الإنسان و تزكيته.

إنَّ التعليم و التربية اللتين ابتنيت عليهما بعثة الأنبياء، يُعدان من أهم أهداف البعثة، «1» و مما لا شك فيه أن التعليم مقدمة للتربية، لذلك كانت التربية الهدف النهائي للبعثة.

العلاقة بين الدعاء و التربية

للدعاء آثار تربوية كثيرة نشير إلى ثلاثة منها:

إنّ الأثر الأوّل هو إيجاد نور الأمل في قلوب الناس، فالإنسان الخائب الأمل يكون في عداد الموتى. إنَّ المريض يتحسّن إذا كان قد ملأ قلبه بنور الأمل و سوف لا يتحسّن إذا فقد أمله في التحسن، كما أنَّ السبب الرئيسي لنجاح المقاتلين في ميادين الحرب هو الأمل و المعنويات العالية، أما العسكر الذي يفقد الأمل و لا يتحلى بمعنويات عالية فسوف يخسر المعركة و لو كان قد عُدَّت له العدة و جُهِّز بأكثر الاسلحة تطوراً.

إنَّ الدعاء يعكس ضوء الأمل في قلب الإنسان.

إنَّ أصحاب الدعاء و المتوكلين على الله- رغم مشاكلهم الكثيرة و أعداءهم الجسورين و فقرهم المالي- إذا توجهوا إلى الله و ناجوه، حيث قلوبهم نضحت

بنور الأمل، و تفاءلوا بالمستقبل، و كأنّهم مُنحوا حياة جديدة؛ و ذلك لأنّهم مدوا أيدي العون إلى من كانت أصعب الشدائد عنده أسهلها، مدوا أيديهم إلى الله الذي لا موقع للصعب و السهل عنده، و ذلك لأنَ

______________________________

(1) سورة الجمعة الآية الثانية.

امثال القرآن، ص: 211

الصعب يعني الشي ء الذي فوق القدرة و السهل يعني الشي ء الذي أدنى من القدرة، و هل هناك شي ء يفوق قدرة اللّه؟

و على هذا، فلا اختلاف عند الله بين الصعب و السهل، فاذا أراد شيئاً قال له (كن) فيكون في لحظة حتى لو كان ذلك الشي ء هو صنع ملايين من الشموس المثيلة لشمس الأرض.

إنَّ الإنسان إذا دعا و ناجى من يملك مثل هذه القدرة و سجد له و خشع و بكى و طرح مشاكله عليه، فلا شك أنَّ نور الأمل سيستحوذ على قلب هذا الشخص.

2- الاثر الثاني للدعاء هو ايجاد نور التقوى في الإنسان الذي هو السبب في تقرّب الإنسان إلى ربّه. «1»

التقوى هو زاد نجاة الإنسان يوم القيامة؛ «2» و هو جواز دخول الجنة. «3»

الدعاء يحيي هذه الجوهرة الثمينة في قلب الإنسان، إنَّ الإنسان إذا ناجى الله و توسل به و دعاه باسمائه الحسنى و صفات جماله و جلاله، فإنَّ ذكر هذه الصفات سيترك أثراً يسوق الإنسان نحو الله بشكل يشعر الإنسان بأنه إذا أراد الاستجابة تاب و أناب إلى الله.

إنَّ الدعاء يدعو الإنسان إلى التوبة، و التوبة تدعو الإنسان لاعادة النظر في حياته، و في نهاية هذه الحركة يتقد نور التقوى في حياة الإنسان.

جاء في حديث: «من تقدّم في الدعاء استجيبت له إذا نزل به البلاء، و قالت الملائكة:

صوت معروف و لم يحجب عن السماء، و من لم يتقدّم في

الدعاء لم يستجب له إذا نزل به البلاء و قالت الملائكة: إنّ ذا الصوت لا نعرفه». «4»

يقول الإمام علي عليه السلام في خطبة همّام القيمّة عند بيانه لأوصاف المتقين: «نُزّلت أنفسهم منهم في البلاء كالّتي نزلّت في الرّخاء». «5»

______________________________

(1) كما هو مضمون الآية 13 من سورة الحجرات (... إنَّ أكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أتْقَاكُم).

(2) كما هو مضمون الآية 197 من سورة البقرة: (وَ تَزوَّدُوا فإنَّ خَيْرَ الزَّادِ التّقْوَى ...).

(3) كما هو مضمون الآية 63 من سورة مريم: (تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيَّاً).

(4) ميزان الحكمة، الباب 1194 الحديث 5563.

(5) نهج البلاغة، الخطبة 193.

امثال القرآن، ص: 212

و لهذا، لا فائدة في مناجاة فرعون و إقراره بالتوحيد، فقد جاء في الحديث ما يلي:

«... قال جبرائيل: ... لمّا غرق و الله فرعون قال: آمنت أنّه لا إله إلّا الذي آمنت به بنو اسرائيل. فأخذت حمأة (جكومة من طين) فوضعتها في فمه ...». «1»

3- إنّ الاثر التربوي الثالث للدعاء هو تقوية نور المعرفة.

إنّ الإنسان عند ما يتجه إلى الله سوف يبدأ بالتفكير بأن الله قادر و عالم بما خفي عنا و بما ظهر و محيط بجميع الأسرار، و هذا سوف يرفع من مستوى معرفة الإنسان، و بخاصة إذا كانت الأدعية المقروءة من الصحيفة السجادية أو المناجاة الشعبانية أو الصباح أو كميل أو الندبة، فهي تضمّ أرقى الدروس العرفانية، و مع وجود أدعية، أمثال هذه، لا داعي بالنسبة لطلبة العرفان أن يلجؤوا إلى كتب مشكوك في أمرها.

و على هذا، فالدعاء يوقد نور التقوى و المعرفة في قلب الإنسان.

سؤال: نقرأ في دعاء شهر رجب- الذي يستحب قراءته بعد كل صلاة من الشهر- العبارة التالية: «يا من يعطي من سأله،

يا من يعطي من لم يسأله و من لم يعرفه».

و على أساس هذه العبارة فان الله يعطي كل شخص سواء دعاه أم لم يدعه، و سواء كان عارفاً به أم لم يكن. و على هذا فما فائدة الدعاء و جدواه؟

الجواب: إنّ لفيض الله و بركاته أقساماً و أنواعاً:

قسم يمنحه الله لجميع البشر، مثل الغيث، فالجميع من الكافر و المؤمن و العارف و غيره يفيدون منه.

و قسم من البركات تمنح للعارفين من المؤمنين و لا تشمل غيرهم.

و قسم من البركات و الفيض يُمنح للداعين فقط دون غيرهم.

جاء في حديث: «لا تقل إنَّ الأمر قد فرغ منه، إنَّ عند الله منزلة لا تُنال إلّا بمسألة». «2»

و على هذا، فإنَّ القسم الأول هو الوحيد الذي يشمل الجميع أما القسم الثاني و الثالث فالإيمان و الدعاء يؤثران فيهما.

موانع و شروط استجابة الدعاء

اشارة

______________________________

(1) مجمع البيان ذيل الآية 92 من سورة يونس.

(2) ميزان الحكمة، الباب 1189، الحديث 5529.

امثال القرآن، ص: 213

لماذا لم يُستجب لبعض أدعيتنا؟ لماذا لم تتحقق و عود الله في مجال استجابة الدعاء؟ هل الاشكال من قبل الله- نعوذ بالله- أم الاشكال من قبل الداعين أنفسهم؟

إنَّ هذه الشبهات كان يطرحها الصحابة و المسلمون في زمن الأئمة المعصومين (عليهم السلام)، و كان أهل الذكر (الائمة) يجيبون عليها في روايات وردت عنهم.

مجموع الروايات السابقة و روايات اخرى جاءت في هذا المجال (و لم تتضمن أسئلة) تكشف عن أنّ هناك شروطاً لاستجابة الدعاء، على الداعين توفيرها و تحصيلها، كما عليهم إزالة الموانع و العقبات عن الاستجابة.

و على هذا، فإنَّ الإنسان إذا دعى من دون تحصيل الشروط و رفع العقبات و الموانع، و لم يستجب دعاؤه، فما عليه أن يلوم إلّا نفسه. إنَّ مَثَلَ الداعي من

دون تحصيل الشروط و رفع الموانع مَثَلُ المريض الذي يذهب للطبيب للتداوي فيكتب الطبيب له نسخة تتضمن إرشاد المريض بحقن ابرٍ في كل يومين مرة، و بعد استلام المريض الدواء و استهلاكه و عدم الشفاء يرجع المريض للطبيب قائلًا له بعصبية: (أي طبيب أنت و أي دواء كتبت لي؟! لم أشف منه أبداً) فيسأله الطبيب: (هل حقنت الابر في كل يومين مرة؟) فيجيبه: (لا بل في كل ثلاثة أيام).

و يسأله مرة اخرى هل: (استخدمت المضادات الحيوية في كل ثمان ساعات؟) فيجيبه المريض: (كنت أبتلع في اليوم كبسولة واحدة) و يسأله مرة اخرى: (امرتك بالاستراحة لمدة اربعة أيام هل استرحت فيها أم لا؟) فيجيبه: (و هل هذا أمر ممكن رغم ما نعانيه من غلاء في السلع و الأغذية؟ فاني رجعت للعمل في نفس اليوم).

فيهز الطبيب رأسه و يقول له: (لا إشكال في الأدوية التي كتبتها لك، و الاشكال هو فيك من حيث إنَّك لم تعمل بما أمرتك به، الامر الذي أدى بك أن لا تسترجع صحتك و عافيتك فلا تلم إلا نفسك).

كذا الحال لو أعطى متخصص زراعي بذوراً لفلاحٍ و أمره بنثرها و زرعها و العناية بها بشكل خاص و سقيها في أوقات محددة، و الفلاح لم يعمل بوصايا المتخصص، و كانت النتيجة هي عدم إثمار البذور، فإنَّ المقصّر هنا هو الفلاح نفسه لا شخص آخر.

اعزتي: أيها الصيام المحترمون! إخواني و أخواتي الأعزة! إن أدعيتنا مثل البذور فلا يكفي

امثال القرآن، ص: 214

نثرها على الأرض، بل هي بحاجة إلى سقي و عناية خاصة و استخدام الأسمدة و السموم لمكافحة الآفات.

إنّ ما تقرّه الروايات هو ضرورة توافر الظروف و الشروط و ارتفاع الموانع لأجل الاستجابة. لكن المؤسف

هنا هو توقعنا الأجابة من دون توفير هذين الأمرين، و ذلك غير معقول.

نشير هنا إلى بعض من شروط و موانع استجابة الدعاء:

1- عدم معرفة الله أهم مانع عن الإستجابة

بعبارة اخرى: أَنَّ معرفة الله من الشروط الاساسية بل أهم شرط لاستجابة الدعاء.

و هل يمكن الطلب مِمَّن لا يُعرف و ممَّن نجهله؟!

في رواية عن الإمام الصادق عليه السلام سأله البعض عن سبب عدم استجابة الدعاء فأجابهم:

«لأنّكم تدعون من لا تعرفونه». «1»

و عليه، فكما قلنا سابقاً: إنّ الدعاء يلقي بنور المعرفة في قلب الإنسان، و المعرفة هي الأساس للدعاء، أي أنّ لهذين آثاراً متبادلة.

يقول الله في القرآن: «إنَّ الصَّلاة تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ والمُنْكَرِ» «2» أي أنَّ المجتمع المصلي لا يتلوّث بالذنوب و كذا الأفراد؛ لأنَّ الصلاة هي الضمان و الأمان من الذنوب.

مع ملاحظة الآية الشريفة السابقة، لماذا نرى بعض المصلين يرتكبون الذنوب؟ هل الاشكال- نعوذ بالله- من الآية نفسها أم من المصلي ذاته؟ المصلي إذا ما كان عارفاً بالذي يصلي إليه و يسجد له، فإنَّ صلاته سوف لا تكون تأميناً له من الذنوب و مانعاً له عن المعصية.

إنَّ معرفة الله جوهرة ثمينة و هي شرط لكثير من العبادات، بل هي شرط حتى للزيارات؛ و ذلك لأنَّ ثواب و آثار الزيارات تخص ذلك البعض الذي تقترن زيارته بمعرفة اللّه. «3»

______________________________

(1) بحار الانوار 90: 368.

(2) العنكبوت الآية 45.

(3) نجد نموذجاً من هذه الروايات في كتاب وسائل الشيعة ج 10 ابواب المزار، الباب 82.

امثال القرآن، ص: 215

و على هذا، فإنَّ الشرط الأوّل لاجابة الدعاء هو معرفة صفات جلال الله و جماله و أفعاله و اسمائه الحسنى، و على كل شخص أن يحوي هذه المعرفة قدر طاقته و امكانه.

2- النيّة الصادقة و القلب المخلص

إنَّ الشرط الثاني لاجابة الدعاء هو النية الصادقة و الطاهرة و القلب المخلص و العاري عن الرياء.

و في هذا المجال يقول الإمام الصادق عليه السلام «إنّ العبد إذا دعا الله تبارك

و تعالى بنيّةٍ و قلبٍ مخلصٍ استجيب له بعد وفائه بعهد الله عزّ و جلّ». «1»

إنَّ العمل بعهد الله و الوفاء به- و الذي هو صفاء القلب و الاخلاص في النية- هو شرط قبول الدعاء.

ينبغي الالتفات إلى كيفية تربية الدعاء للإنسان، إنَّا نطرق باب الله لقضاء الحاجة و حلّ المشاكل، إلّا أنَّه علينا أن نعلم بعدم امكانية الاستجابة إلّا بالاخلاص وصفاء القلب، لذلك كان علينا السعي في التزكية و تهذيب النفس.

3- الاكل الحلال شرط مهم و صعب لاجابة الدعاء

يقول الرسول صلى الله عليه و آله في رواية جميلة جداً و منذرة كذلك: «أطب كسبك تستجاب دعوتك، فإنّ الرجل يرفع إلى فيه حراماً فما تستجاب له دعوة أربعين يوماً». «2»

بعض الناس تلوثت أموالهم و مكاسبهم بالحرام و ذلك بالتطفيف و الربا و ظلم الآخرين و عدم أداء الواجبات المالية، رغم ذلك يتوقعون من الله الإجابة.

المستفاد من الكلام الثمين لرسول الله صلى الله عليه و آله هو أنَّ الدعاء عامل مهم في تربية الإنسان و يحضُّ الإنسان على رعاية الحلال و الحرام.

______________________________

(1) مكارم الاخلاق 2: 874.

(2) مكارم الاخلاق 2: 20.

امثال القرآن، ص: 216

من الإنصاف أن نقول: إنَّ رعاية الحلال و الحرام له دور مهم في حياة الإنسان، و أنَّ الناس إذا اهتموا بهذا الجانب من حياتهم لما تكدست الاضبارات و الشكاوى في المحاكم.

إذا راعى الناس الحلال و الحرام ما كان مجتمعنا يضمُّ هذا المقدار من الفقراء.

أسفاً أنّ البعض غافل عن هذا و يبرّر عمله بشكل أو آخر و يقول: أين الحلال و الحرام؟ لا وجود للحلال لكي نراه.

يقول أحد هؤلاء الذين يتمسكون بتبريرات هي هراء في الواقع: (إنَّ الحلال الوحيد في الدنيا هو ماء المطر و يمكنك الاستفادة منه في وسط النهر فقط لأنه

مكان نطمئن بعدم غصبه، فعند هطول الامطار قف هناك و افتح فمك لتناول القطرات، و هذا هو المقدار الوحيد المسلّم بحليته).

إن أُناساً مثل هذا يخادعون أنفسهم «يُخَادِعُونَ اللهَ وَالّذينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إلّا أنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ». «1»

و بعبارة اخرى: أنَّهم يغالطون أنفسهم؛ و ذلك لأنَّ حديثنا في الحلال و الحرام الظاهريين، و هم يتحدثون عن الحلال و الحرام الواقعيين، مع أنَّا مأمورون بالعمل حسب الظاهر لا الواقع.

ألم يهي ء أئمتنا مأكولاتهم و مشروباتهم من سوق المسلمين هذا، و هم في الوقت ذاته يلتزمون بالظواهر و لا يحتاطون إلّا في الاماكن المناسبة. مثلًا كانوا يفيدون من الخبز و اللحم اللذين لم تدفع زكاتهما؟

و من المناسب لنا كذلك أن نعدّ مقدار استهلاكنا السنوي للخبز و اللحم و ندفع زكاته؛ لأنّ الكثير من المزارعين و الرعاة لا يدفعون زكوات أموالهم و نحن نفيد من محصولاتهم و منتجاتهم، و هذا مؤسف حقاً؛ لأنه ابتلاء لنا.

رغم أننا معذورون بسبب عدم العلم إلّا أنَّ عدم الدفع سوف يترك أثره الوضعي. و لذلك كان عده و دفع زكاته أمراً مستحسناً و يسبب الطهارة القلبية و النزاهة الروحية.

النتيجة هي أنَّ الأكل الحلال لا يؤثر في الدعاء فحسب، بل في جميع عبادات الإنسان من

______________________________

(1) سورة البقرة: 9.

امثال القرآن، ص: 217

الصلاة و الصوم و الحج و الزيارات الواجبة و المستحبة و أمثال ذلك. و من ناحية أُخرى، انّ الأكل الحرام لا يمنع عن استجابة الدعاء، بل يؤثر سلباً على نشاط الإنسان و معنوياته و عباداته و زياراته و يجره إلى الكسل عن قراءة القرآن و اقامة الصلاة، و هو في النهاية يحول دون الالتذاذ بهذه الأعمال.

4- حضور القلب

الشرط الرابع لاستجابة الدُّعاء هو حضور القلب، و من

الواضح أنَّه شرط ذات أهمية و قيمة؛ لما جاء في رواية: سُئل النبي صلى الله عليه و آله عن اسم الله الأعظم؟ فقال: «كل اسمٍ من اسماء الله أعظم ففرِّغ قلبك من كلِّ ما سواه وادعه بأي اسم شئت». «1»

من هنا يتضح أنَّ الأسم الأعظم ليس لفظاً خاصاً- كما يتصوره البعض- لكي يُنطق به و تحل به جميع المشاكل، بل إنّه حالة و صفة خاصة ينبغي ايجادها في باطن الإنسان، و هي عبارة عن تطهير القلب. «2»

القلب إذا كان مركزاً للأصنام (صنم المال و صنم المقام و صنم الشهرة و صنم الزوجة و الاولاد و ما شابه ذلك) فالدعاء إذا صدر فيصدر من معبد الأصنام هذا. و من الواضح أنَّ دعاءً كهذا لا يستجاب.

الخطوة الأولى للاستجابة هو الاقتداء بما فعله ابراهيم عليه السلام و علي عليه السلام في كسرهما الأصنام، فبذلك تطهر القلوب، فهي آنذاك تصفى للواحد الأحد، ثم ادعه بأي اسم شئت، و سوف لا تكون النتيجة إلّا الاستجابة.

مع الالتفات إلى الشروط الاربعة الماضية نقول: هل نحن وفّرنا هذه الشروط؟ هل كان طعامنا من حلال؟ هل كان قلبنا خالياً من الأغيار؟ هل كان الصفاء و الاخلاص في النية هو الذي يحكمنا؟ هل كنا نعرف الله؟

______________________________

(1) بحار الانوار 90: 322.

(2) للمزيد راجع ما ورد عن (الاسم الاعظم) في تفسير الامثل فقد تناثرت البحوث في هذا المجال في ثنايا الكتاب.

امثال القرآن، ص: 218

إذا كنا نفقد هذه الشروط علينا السعي في كسبها و بخاصة في شهر رمضان المبارك، شهر الرحمة و اللطف الالهي، و هو شهر تستعدُّ فيه روح الإنسان لهذه الامور أكثر، كما هو فرصة مناسبة للدعاء ...

استجابة بعض الأدعية ليست بمصلحة الإنسان!

رغم أنَّا كُلّفنا بالدعاء و نأمل الاجابة، لكن

ينبغي الالتفات إلى أنَّ إجابة بعض الأدعية ليس بمصلحة الإنسان رغم أنَّه يراها بمصلحته و أنها توفر سعادته، لكن الله يرى فيها الهلاك و الشقاء لذلك لا يستجيب لها.

قلنا في قصة ثعلبة الانصاري التي مضت في البحوث السابقة: إنَّ ما أراده و طلبه من الله لم يكن بمصلحته، إلّا أنَّه كان يصرّ على دعائه و طلبه، و كانت نتيجة الاستجابة هي فقده الايمان و ضلالته و اعتراضه على بعض القوانين الإلهية. و هذه القصة تتضمن دروساً و عبراً عظيمة للجميع.

قد يُقدم شاب على خطبة بنت ترفض الزواج منه، فيدعو الله و يتوسل إليه كثيراً لكي يميل رأيها و يغيره نحوه، رغم ذلك لا يستجاب دعاؤه، فتضلّ في ذاكرته فترة طويلة من الزمن، إلّا أنّه يلتفت إلى مصلحة عدم استجابة الدعاء بعد ما يفهم أنَّ المرأة تلد اطفالًا معتوهين مثلًا.

و على هذا، ما علينا أنْ نقلق من عدم استجابة أدعيتنا؛ و ذلك لأنَّه يمكن أن تكون عدم الاستجابة بسبب عدم المصلحة. إضافة إلى هذا، فإنَّ هناك روايات وردت عن المعصومين عليهم السلام حكت عن أنَّ الله يعطي العبد في الآخرة ما يعادل أدعيته غير المستجابة. «1»

سؤالان مهمان عن الدعاء

السؤال الأوّل: نجد فيما ورد عن أئمتنا أدعية لا تستجاب أبداً، كما هو الحال في أدعية شهر

______________________________

(1) لقد وردت في هذا المجال روايات كثيرة حكت عن وجود أثر للدعاء حتى لو لم يستجب. راجع ميزان الحكمة، الباب 1209.

امثال القرآن، ص: 219

رمضان الذي تضمّن بعضها عبارة: «اللهم اقضِ دين كلّ مدين» مع أنَّا نعلم أنَّ هذا الدعاء لا يستجاب؛ لأنَّه ما دامت الدنيا موجودة فهناك ديون للناس، و الحياة من دون هذه الديون حياة خيالية لا أكثر، فما الهدف من هذه

الأدعية؟

الجواب: إنَّ الديون على قسمين، قسم نشهد ممارسته من قبل التجار و الكسبة بأن يستلفوا السلع دون دفع ثمنها، و يسددون الثمن بعد بيعها، أو استلاف الموظفين و العمال السلف من أصحاب العمل، و تسديدها تدريجياً من إيراداتهم الشهرية.

و القسم الآخر هو الدين الذي لا تتوفر للإنسان أرضية دفعه، رغم ذلك هو مجبور على استلافه و يعلم بعجزه عن الدفع. و يبدو أنَّ مراد الامام من الدين هو القسم الثاني لا الأول.

القسم الثاني من الديون لا أنه يستحسن الدعاء فيه و يمكن تحقق الاجابة له، بل إنَّه بناءً على ما أمر به الإسلام ينبغي تزامن الدعاء مع اجراءات عملية؛ و ذلك لأنَّ في المجتمع الإسلامي المتكامل- و هو مجتمع صاحب العصر و الزمان (عج)- لا ينبغي وجود حتى جائع واحد أو عار واحد أو فقير واحد، لذلك نقرأ في الدعاء: «اللهم أشبع كلَّ جائع، اللهمَّ اكسُ كلَّ عُريان، اللهم أغن كلّ فقير».

إنَّ شاهد هذا الحديث هو رواية وردت عن الإمام الصادق عليه السلام: «إنَّ الله عزّ و جلّ فرض للفقراء في مال الأغنياء ما يسعهم، و لو علم أنّ ذلك لا يسعهم لزادهم». «1»

و مضمون الرواية السابقة و غيرها هو أنَّ الناس لو دفعوا ما عليهم من واجبات مالية لما بقي جائع و لا فقير و لا عاري في المجتمع، و إذا وجدت هذه الشرائح فبسبب عصيان الاغنياء و منعهم الفقراء عن حقهم.

إنَّ مجتمع صاحب الزمان يخلو من الفقر و الجوع و الدين ... و الدعاء لرفع هذه المشاكل لا تبعد إجابته.

السؤال الثاني: من الاعمال ذات الفضيلة الوافرة في ليلة القدر هي وضع القرآن على

______________________________

(1) وسائل الشيعة ابواب الزكاة، الباب 1، الحديث 2 و

3 و 6 و 9.

امثال القرآن، ص: 220

الرأس، رغم أنَّ القرآن كوصفة الطبيب «وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ للمُؤمِنِيْنَ»، و لكنها و صفة لا تنفع إلّا بعد العمل بها، فما جدوى وضع القرآن على الرأس عند الدعاء في تلك الليلة؟

الجواب: القرآن ذات جانبين و وصفة الطبيب ذات جانب واحد. فإنَّ القرآن هو كلام الله من جهة، و هو ذات الفاظ بذاتها مقدسة من جهة أُخرى. و لذلك يعتقد المسلمون بلزوم الوضوء إذا أرادوا لمسه. و من جهة أخرى، مضمونه مقدس، لذلك عدّ القرآن (الثقل الأكبر) و أهل البيت عليهم السلام (الثقل الأصغر)، و لهذا لا يصح قياس و صفة الطبيب على القرآن.

بالطبع، انَّ هذا العمل (وضع القرآن على الرأس) يحمل في طياته رسالات خاصة، فهو يعلمنا لزوم عدم وضع القرآن تحت الأيدي و الارجل (من حيث الظاهر)، و من حيث المحتوى و المضمون فهو يعلمنا اعتبار القرآن على رأس قائمة الاعمال و النشاطات، و على العمل بقوانينه بشكل متواصل، و عدم نسيان أحكامه.

امثال القرآن، ص: 221

المثل الحادي و العشرون: الحق و الباطل

اشارة

من أجمل امثال القرآن هو مثل الحق و الباطل، يقول الله تعالى في بيان هذا المثل ذات المغزى العميق في الآية 17 من سورة الرعد:

«أنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أوْدِيةٌ بِقَدَرِهَا فاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدَاً رَابِياً وَمِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلك يَضْرِبُ اللهُ الحقَّ والبَاطِلُ فأمَّا الزَّبَدُ فيَذهَبُ جُفَاءً وأمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فيَمْكُثُ فِي الأرْضِ كَذَلك يَضْرِبُ اللهُ الأمْثَالَ».

تصوير البحث

إنَّ الحديث في هذا المثل عن الحقّ و الباطل و سعتهما و مجاليهما و علائمهما و آثارهما و تعريفهما، و في النهاية المواجهة الطويلة و المتواصلة بينهما التي كانت على طول التاريخ.

الشرح و التفسير

«أنْزَلَ مِنَ السّمَاءِ مَاءً فسالَتْ أوْدِيةٌ بِقَدَرِهَا» إنَّ نتيجة هطول الامطار على الجبال و نزوله منها هو تجمع المياه في الاودية حسب حجمها، و جريانه و صيرورته أنهاراً صغاراً، و إذا التقت صنعت نهراً كبيراً، و اذا تجاوز الماء سعة النهر تبدّل إلى سيول عظيمة و مخرّبة.

«فاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَابِياً» هذه الانهار كثيراً ما يحصل فيها أمواج تضرب الاحجار و الموانع التي تقع في طريقها، و هذه العملية توجد زبداً في الماء يشبه الزبد الذي يوجده

امثال القرآن، ص: 222

مسحوق الغسيل، يتجمّع على سطح النهر يبدو ساكناً، أمّا النهر فيستمر في حركته تحت الزبد.

«ومِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِليَةٍ أو مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ» هذا الزبد الاجوف و المتكبّر لا يختص بالماء بل قد يحصل للفلزات عند الصهر و الذوبان مثل الحديد و النحاس و غيرهما.

ما يلفت النظر هنا هو أنَّ عبارة «مِمَّا يُوْقِدُونَ عَلَيْهِ» أشارت بظاهرها إلى أنَّ النار تُسلّط من الفوق على هذه المعادن رغم أنَّ النار في السابق كانت توقد على الفلزات من تحت أمّا حالياً فمعامل الصهر المتطوّرة تسلّط النار من فوق و من تحت أي لم تستغن عن تسليط النار على الفلز من الاعلى، و هو أمر أشار له القرآن منذ ذلك الحين.

«كَذَلك يَضْرِبُ اللهُ الحَقَّ والبَاطِلَ» أي أنَّ الله لأجل إيضاح المواجهة بين الحق و الباطل و التي يمتد عمرها إلى طول التاريخ يضرب هذا المثل، فيشبّه الحق بالماء و الباطل بالزبد الأجوف.

«فأمّا الزّبدُ فيَذْهَبُ جُفَاءً» فإنَّ

الزبد، رغم تفوقه على الماء و رغم علوه عليه، يذهب جفاء و كأنَّه لا شي ء. إنّ الأمواج التي توجدها السيول هي السبب في ايجاد هذا الزبد، و بمجرد أن تصل المياه المتلاطمة إلى سهول تصبح آسنة و سرعان ما يذهب الزبد و تترسب الاوساخ العالقة في الماء و لا يبقى إلَّا الماء الخالص؛ ذلك لأنّ عمر الباطل قصير، و الهلاك هو نهايته.

«وأمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأرْضِ» فالذي يبقى هو ما ينفع الناس من الماء الصافي و الفلزات الخالصة. فالماء، إمَّا أن يركد في مكان يستخدم للشرب و السقي و إمَّا أن ينفذ في الأرض ليلتحق بالمياه الجوفية ذخراً للمستقبل، يستخدم بعد ما يخرج كعيون تلقائياً أو من خلال حفر الآبار.

«كَذَلك يَضْرِبُ اللهُ الأمْثَالَ» أي يبيّن الله هذه الأمور للناس في صورة أمثال لكي تدرك بشكل أفضل.

خطابات الآية

اشارة

لقد تناولت الآية قضايا دقيقة جداً ممّا يتعلّق بالحق و الباطل باقتضاب، نقوم هنا بتفصيل هذه القضايا و بيانها.

امثال القرآن، ص: 223

1- تعريف الحق و الباطل

على أساس هذه الآية، فإنَّ الحق يعني الحقائق و الواقعيات، و أما الباطل فيعني الاوهام و الخيالات التي لا أساس لها.

إنَّ الماء واقع و حقيقةً، يتطابق ظاهره مع باطنه، و له آثار واقعية. أمّا الزبد فله ظاهر خادع من دون أن يكون له باطن، كما هو الحال في الخيالات و الاوهام.

لقد جاء في الآيتين 117 و 118 من سورة الاعراف في بيان قصة موسى عليه السلام مع السحرة كما يلي: «وأوْحَيْنَا إلى مُوْسَى أنْ ألقِ عَصَاكَ فإذا هِيَ تَلْقَفُ ما تَأفِكُونَ فَوَقَعَ الحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ».

إنّ الحق هو معجزة النبيّ موسى عليه السلام، و الباطل هو سحر السحرة، فالمعجزة حقيقة و واقع؛ لأنَّ عصا موسى عليه السلام تبدلت واقعاً إلى أفعى و لم تكن الحادثة تلك شعوذة- نعوذ بالله- أمّا أفاعي السحرة فكانت شعوذة خالصة و لم تكن واقعاً، بل إفكاً، كما يعبر عنها القرآن.

إنَّ السحرة كانوا قد أعدوا عصياً و حبالًا ملؤوها بالزئبق، و وضعوها جميعاً في مكان ما، و كان الناس و فرعون و السحرة و كذا موسى عليه السلام جالسين يشاهدون ما يحصل. عند ما سطعت الشمس على هذه الحبال و العصي ارتفعت درجة حرارة الزئبق، الأمر الذي جعل الحبال و العصي تتحرك و تلتوي على بعضها البعض بحيث تبدوا كانها أفاعي، و لكنَّها في الواقع خيال لا أكثر.

2- علائم الحق و الباطل

مما يستفاد من الآية هو أنَّ علامة الحق كونه مفيداً للناس، و علامة الباطل كونه مضراً لهم، فالماء مفيد و له تأثير، و الزبد مضر و لا فائدة تتوخى منه؛ و ذلك لأن الزبد لا يروي ضمأ العطشان و لا يسقي الزرع و لا يُنميه و لا يولّد شيئاً من الطاقة، و

لا يُشغّل طاحونة أو دولاباً.

و من العلائم الاخرى للحق و الباطل هو كون الحق خاضعاً و متواضعاً، أما الباطل فمتكبر.

فالحق هو الماء المتواضع تحت الزبد، و أما الباطل فهو الزبد العالي و المتكبّر.

العلامة الثالثة للحق و الباطل هو أنَّ الباطل ضوضائي، أما الحق فهادي ء و ساكن. فالماء

امثال القرآن، ص: 224

هادئ و ساكن، أمّا الزبد فصارخ و صاخب، و لا يمكنه العيش دون هذا الضوضاء و الصراخ و الصخب.

3- سعة الحق و الباطل

إنَّ سعة الحق و الباطل بسعة مفاهيم الحياة. فالحق و الباطل لا ينحصران في جانب من الحياة، بل يعمان جميع شؤونها و يشملانها، من السياسة و الثقافة و الصحافة و غير ذلك.

و بعبارة اخرى: يشمل جميع الجوانب المادية و المعنوية للحياة. و هذا المعنى يستفاد من القرآن المجيد و من آية المثل ذاتها، فكما أنَّ الزبد لا يختص بالماء كذلك الباطل لا يختص في شي ءٍ ما.

4- عاقبة المواجهة بين الحق و الباطل

في هذه المواجهة يبقى الحق و يزهق الباطل و يمحق، إلّا أنَّ انتصار الحق على شكلين مؤقت و زمني و آخر نهائي. إن أنصار الحقّ إذا استقاموا و لم ينحرفوا فسينتصرون في أزمنة مختلفة ما داموا مستقيمين غير منحرفين، أمّا النصر النهائي فلا يحصل إلّا بظهور صاحب العصر و الزمان بقية الله الأعظم (عجل الله تعالى فرجه)، و حينئذٍ سيتغير وجه الدنيا و ستحكم الدنيا حكومة عالمية حقة.

من الآيات التي فسرت في الحجة بن الحسن العسكري عليه السلام هي هذه الآية، حيث فسِّر الماء في المثل بوجود الحجة المبارك، و الزبد بالظلم و الجور و الانتهاز و الاستعمار فانها ستزول يوماً ما.

5- المواجهة بين الحق و الباطل دائمة

كما أشرنا سابقاً، فإنَّ المواجهة بين الحق و الباطل بدأت منذ بداية الخلق، و العصور جميعها ضمت هذين الظاهرتين، و ستضم العصور المقبلة هذين الظاهرتين و ستستمر هذه المواجهة

امثال القرآن، ص: 225

حتى النهاية. لقد كان لكل نبي شيطان، «1» فقبال آدم عليه السلام كان ابليس، و قبال الأنبياء الآخرين شياطين اخرون، كما تكشف الآية التالية عن هذا الأمر: «وَكَذَلك جَعَلْنَا لُكِلِّ نبىٍّ عَدُّواً شَيَاطِينَ الأنْسِ والجِنِ». «2»

المستفاد من الآية الشريفة هو أنَّ الشيطان ليس شيئاً خفياً دائماً، بل قد يكون من الناس أنفسهم، و قد يكون هذا هو سبب تقديم الآية شياطين الانس على الجنّ.

و على هذا، فإنَّ المواجهة بين الحق و الباطل لا زالت مستمرة حتى استقرار حكومة الحق و بسط سيطرتها على بقاع الأرض جميعاً، و تتحقق الآية الشريفة التالية: «وَقُلْ جَاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ البَاطِلُ إنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوْقاً» «3» في ظل ظهور المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، و المواجهة قبل ذلك متواصلة.

6- كيفية تبلور الباطل

كيف نشأ الباطل و تبلور؟ هل الله تعالى هو الذي خلق بعض الموجودات الباطلة رغم أنَّه حق بل ابرز و أرفع حق؟

إنَّ الباطل موجود عدمي و هو وهم و خيال قد تلبّس ثوب الحق، مثل الزبد الأجوف، ذات الظاهر الخلاب و الخادع.

الجميل هنا هو أنَّ الباطل اذا عمل على إبطال نفسه فذلك ببركة الحق. إنَّ المزيفين- الذين يعتمدون الزيف كمهنة لهم- إذا لم يتقمّصوا قمصان ذوي الشأن و الاعتبار سوف لا يتوفقون في عملهم الباطل هذا، كذلك الكذّابين فإنَّهم إذا لم يتمسكوا بالحق و لم يتظاهروا بالصدق لما

______________________________

(1) للشيطان معنيان، الف: هو من مادة (شطن) و تعني (بعد)، و لذلك كان (بئر شطون) يعني بئراً عميقاً، فالشيطان حسب هذا التفسير

موجود بعيد عن رحمة الله. ب: قد يكون من مادة (شاط) و يعني (احترق) و (هلك)، و على هذا الشيطان يعني الموجود الذي يهلك و يحترق هو و أتباعه.

(2) الأنعام: 112.

(3) الاسراء: 81.

امثال القرآن، ص: 226

صدّقهم أحد. و المنافق إذا لم يرتدِ ثوب الإنسان الصالح، و العدو إذا لم يتقمص قميص الصديق، و الزبد إذا لم يطفو على الماء، و بالجملة ما لم يجتمع الباطل بمختلف مصاديقه إلى جنب الحق فلا تكون هناك مواجهة. و عليه فالباطل عدمي و وجوده يتوقف على الحق. أمّا الحق، فأمر وجودي و هو مصدر البركات و المنافع و ذا آثار كثيرة للإنسان.

الحق و الباطل من وجهة نظر الآيات و الروايات

بما أنَّ أهم بحث في حياة الإنسان هو قضية (الحق و الباطل)، و هي تحضى بموقع خاص عند جميع البشر بمختلف توجهاتهم الفكرية، لذلك كان من المناسب دراسة هذه القضية من وجهة نظر الآيات و الروايات:

لقد تحدث القرآن عن الحق و الباطل بمقدار كثير، و تكررت مفردة الحق 244 مرة، مع أنَّ مفردة الباطل تكررت 26 مرة فقط.

و هذه النسبة تكشف عن أنَّ القرآن المجيد ذاته من مصاديق الحق.

ما هي مصاديق الحق؟

لقد ذكر في القرآن مصاديق مختلفة للحق نشير إلى بعض منها هنا:

1- أبرز و أرفع مصداق للحق هو ذات الله القدسية، و هي في الحقيقة جامعة لجميع مصاديق الحق، و هي عين الواقع و الوجود المطلق.

من هنا صرّح الله في الآية الكريمة 62 من سورة الأنعام ما يلي: «ثُمّ رُدُّوا إلى اللهِ مَوْلَيهُم الحَقِّ ألا لَهُ الحُكْمُ وَهُوَ أسْرَعُ الحَاسِبِيْنَ» فعلى أساس هذه الآية، إنَّ الله الذي لا مثيل له هو الحقّ.

2- النموذج الآخر و هو من أبرز مصاديق الحقّ عبارة عن خلق السموات و الأرض أو الكون أجمع.

تقول الآية الشريفة 22 من سورة الجاثية: «وَخَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ والأرْضَ بالحَقِّ».

3- المصداق الثالث للحق هو القرآن نفسه؛ و ذلك لأن الآية 48 من سورة المائدة عند بيانها لهذا المطلب تقول: «وأنْزَلْنَا إليْكَ الكِتَابَ بِالحَقِّ».

امثال القرآن، ص: 227

4- الدين المبين و المنقذ للبشرية، أي الإسلام، و هو مصداق واضح آخر من مصاديق الحق. لذلك يقول الله تعالى في الآية 28 من سورة الفتح: «هُوَ الّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بالهُدَى وَدِيْنَ الحَقِّ ليُظْهِرَهُ عَلَى الدِّيْنِ كُلِّهِ». «1»

و خلاصةً، كل وجود هو منبع لخير البشر و سعادتهم يُعدّ حقاً، لذلك كان الله الحق المطلق؛ لأنَّه منبع جميع البركات و السعادات، كما

أن السماوات و الأرض و القرآن المجيد و دين الإسلام و التوحيد، باعتبارها جميعاً منشأ للهداية و البركة، عدّت حقاً.

و كل شي ء هو منبع و مصدر للشقاء فهو باطل، مثل الشيطان و الأصنام و عبادتهما و الرياء و التظاهر و النفاق و امثال ذلك.

جولة الباطل و دولة الحق

المستفاد من الروايات هو أنَّ الباطل قد يكون له جولة و صراخ و صخب إلّا أنَّ عمره مهما كان فهو قصير و مؤقّت: «للباطل جولةٌ و للحقّ دولة» «2» و الدولة هي الثبات و البقاء و الخلود، و الجولة هي النفاق و الخداع المؤقت.

كن مع الحق دائماً

حسب ما ورد في الروايات الإسلامية، على المسلم في كل حال أن يكون مع الحقّ و الحقيقة. إذا أردت التسلّح بسلاح النصر أمام الأعداء، فعليك التمسك بسيف الحقّ الصارم، كما قال الإمام علي عليه السلام: «الحق سيف قاطع». «3»

إذا أردت أن تكون من أهل النجاة في مقام العمل، و أن تكون صاحب حجة و برهان في مقام الكلام، فعليك بالتوجّه نحو الحقّ، كما يقول الإمام علي عليه السلام: «الحقّ منجاة لكل عاملٍ

______________________________

(1) و قد تكررت الآية ذاتها في سورة الصف الآية 9.

(2) غرر الحكم: 68 و 71، طبع مركز البحث و التحقيق للعلوم الإسلامية.

(3) ميزان الحكمة، الباب 885، الحديث 4082.

امثال القرآن، ص: 228

و حجّة لكلِّ قايلٍ». «1»

إذا أردت من الاخرين قبول كلامك، و اذا ابتغيت النصر، فقل الحقّ و التزمه. و إذا أردت مركبا هادئاً يوصلك إلى غايتك فكن مع الحقّ. يقول الإمام علي عليه السلام: «ألا و إنّ الحق مطايا ذلل، ركبها أهلها، و أعطوا أزّمتها، فسارت بهم الهوينا حتى أتت ظلًّا ظليلًا». «2»

الحق مرُّ و الباطل حلوٌ

تقترن مع الحق و الدفاع عنه مشاكل؛ و ذلك لأنّه مرُّ و الباطل حلو.

إنّ مرارة الحقّ كمرارة الدواء الذي فيه شفاء، و حلاوة الباطل كحلاوة السم القاتل، لذلك قال الرسول صلى الله عليه و آله: «الحق ثقيل مرٌّ، و الباطل خفيف حلوٌ، و رُبَّ شهوة ساعةٍ تورث حزناً طويلًا». «3»

نعم، انَّ الحقّ ثقيل و مرّ؛ لأنَّه لا يكون في صالح الإنسان دائماً بل قد يضره، و قد يكون عكس ما تروق له النفس و الشهوات الإنسانية، و قد يتزامن مع لوم الاخرين و عتابهم و مع مشاكل جمّة يثقل على الإنسان تحّملها، أما الباطل فخفيف و حلو، لكنه كالسم

القاتل، لذلك قد يؤدي إلى ندمٍ يرافق الإنسان حتى موته، كما لو ارتكب الإنسان ذنباً لم يستغرق فترة طويلة، لكن عقابه الحبس المؤبد، فذلك يعني كفارة ساعة من الذنب عمر في الحبس و السجن.

الباطل يتقمّص قميص الحق دائماً

المهم هنا هو أنّ الباطل لا يظهر بثوبه الحقيقي دائماً؛ و ذلك لأنَّ اتضاح واقعه يعني عدم تمكّنه من الخداع، بل إنّه يظهر بمظهر الحق لكي يغرَّ و يخدع الكثير.

يقول الإمام علي عليه السلام في هذا المجال في الخطبة رقم خمسين من نهج البلاغة: «يؤخذ من هذا

______________________________

(1) ميزان الحكمة، الباب 885، الحديث 4084.

(2) ميزان الحكمة، الباب 885، الحديث 4089.

(3) ميزان الحكمة، الباب 888، الحديث 4100، و قد جاءت روايات أُخرى في نفس الباب تضمنت المعنى ذاته.

امثال القرآن، ص: 229

ضغث و من هذا ضغث فيمزجان، فهناك يستولي الشيطان على أوليائه».

أي بما أنَّه لا زبون للباطل المحض، لذلك يمزجه أتباعه مع شي ء من الحق ليبدو و كأنه حقّ، فعندئذٍ يأتي دور الشيطان ليستولي على أوليائه و أصحابه.

لذلك علينا أن لا ننخدع بالظاهر، إذا أردنا شراء كتاب مثلًا فما علينا أن ننخدع بغلافه الجميل أو يغرّنا عنوانه الخلّاب و شعاراته؛ و ذلك لأنّ أهل الباطل قد يستخدمون هذه الخدع لترويج سمومهم و أباطيلهم. و هذا الأمر نفسه صادق بالنسبة للافلام و المسرحيات و الجرائد و المجلات و الاساتذة و المعلمين و الجيران و الأحزاب و ...

إنَّ أهل المعرفة و البصيرة هم الذين يميزون الباطل عن الحقّ، و ذلك لما أعطاهم الله من (فرقان) منحةً لتقواهم.

علي عليه السلام محور الحقّ

هناك الكثير من المطالب المدونة عن فضائل الإمام علي عليه السلام و شخصيته وردت في كتب السنة و الشيعة، و من جملة ما اتفق الفريقان على نقله هو الحديث العجيب و اللطيف القائل:

«علي مع الحقّ و الحقّ معه و على لسانه، و الحقّ يدور حيثما دار عليّ» «1» و هو حديث منقول عن الرسول الاكرم صلى الله عليه و آله.

إنّ هذا الحديث مقياس

معتبر لتمييز الحقّ عن الباطل؛ و لذلك أفادت بعض الروايات أنَّ المسلمين في صدر الإسلام عند ما يتشابه عليهم المسلمون و المنافقون و المتظاهرون بالإسلام و يصعب تمييز ذلك، أفادوا من هذا المقياس و اعتبروا المسلمين هم المحبون لعلي و أتباعه، المنافقون هم الذين يكنّون العداء و البغض له. «2»

إنَّ الشيعة تفتخر بأن لها زعيماً عظيماً و محقاً ما كان يمنعه شي ء عن احقاق الحقوق، ما كان يتحمل الانحراف عن جادة الحقّ و لو كان صادراً من صحابي أو أحد أقربائه، و كان يأمر بالجبران بمجرد حصوله.

______________________________

(1) بحار الانوار 38: 82، الملفت هنا هو أنَّ مضمون هذه الرواية عنوان لباب مفصّل، و الرواية الواردة هنا نموذج من روايات ذلك الباب.

(2) لقد جاء حديث بهذا المضمون في ميزان الحكمة الباب 3932، الحديث 20292.

امثال القرآن، ص: 230

من جملة مصاديق هذا الكلام هو قصة قنبر غلام علي الوفي و عضده التنفيذي في حكومته، لقد أُمر هذا الغلام بإِجراء حدِّ الجلد، إلّا أنه أخطا في التنفيذ و زاد على الحدّ ثلاث جلدات على المجرم، فأمر هذا القائد المحق قنبر أن يعدّ نفسه لأجل اقتصاص المجرم منه. «1»

و نقرأ في قضية عقيل أنه ما وافق منحه شيئاً زائداً على ما منحه للمسلمين، بل أحمى حديدة و قرّبها من يد عقيل، فصاح عقيل من شدّة الحرارة. «2»

______________________________

(1) وسائل الشيعة ج 81، أبواب مقدمات الحدود، الباب 3، الحديث 3.

(2) تقدم بيان هذه القصة في البحوث السابقة.

امثال القرآن، ص: 231

المثل الثاني و العشرون: التقوى جواز دخول الجنة

اشارة

يقول الله تعالى في الآية 35 من سورة الرعد:

«مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتي وُعِدَ المُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ أكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقوا وعُقبى الكَافِرِيْنَ النَّارُ».

تصوير البحث

الآية السابقة، رغم بساطة ظاهرها، تعدّ من أعقد الأمثال القرآنية، إنها بتّت بتشبيه الجنة- التي هي مأوى المتقين- و ذكرت لها ثلاث خصال.

الشرح و التفسير

إنَّ التشبيه المستخدم في الآية يبدو تشبيهاً بسيطاً، إلّا أنَّه في الواقع- كما قلنا سابقاً- من أعقد التشابيه المستخدمة في القرآن المجيد.

يعتقد المفسّرون أنَّ في الآية شيئاً محذوفاً، و هو جملة يجب تقديرها إمَّا في بداية الآية لكي تتلقى الآية خبراً للمبتدأ المحذوف، أو أن نقول بأنَّ صدر الآية مبتدأ، و خبرها محذوف.

نعتقد نحن أنَّ خبر الآية محذوف، و لأجل اتضاح الأمر نقدّم مقدمة:

المراحل الأربع قبل الولادة

إن الإنسان يجتاز أربع مراحل ليكتمل و يكون إنساناً.

امثال القرآن، ص: 232

في البداية يكون الإنسان عبارة عن تراب تنمو فيه نبتة أو شجرة، فيصبح هذا التراب جزءاً من النبات، يأكل حيوان ما هذا النبات ليصبح جزاءاً من بدنه، يتناول الإنسان لحم هذا الحيوان فيصبح لحم الحيوان هذا جزءاً من بدن الإنسان.

يمكن بيان المراحل الأربع هذه بشكل آخر بأن نقول: إن الإنسان كان تراباً في يوم من الإيام (المرحلة الأولى) و من الطبيعي أن الإنسان لا يمكنه تناول التراب مباشرة بل ما تبدّل منه إلى نبات أو حيوان (المرحلة الثانية) في (المرحلة الثالثة) يتبدل النبات أو الحيوان إلى نطفة إنسانية. الجنين في مراحله الأولى ينمو نمواً نباتياً؛ لأنه يفقد الحس و الحركة، فهو ينمو فقط، و بعد الشهر الرابع حيث يكون قادراً على الحركة و الحس، و عندها تبدأ (المرحلة الرابعة)، و هي تستمر حتى تعلّق الروح بالجنين.

إنّ لهذه المراحل الأربع عجائب كثيرة، و المرحلة الجنينية من أعجبها.

عجائب من عالم الجنين

استطاع العلماء اليوم إعداد صورٍ حيّة عن الجنين، و صنع فيلمٍ مدّته نصف ساعة يصوّر المراحل الجنينية جميعها، و هذا الفيلم بمثابة هدية عجيبة قدّمت للإنسانية في عصرنا الحالي.

كيف استطاع الله خلق هذه العجائب كلها؟ نلفت انتباهكم إلى نموذجين من هذه العجائب.

1- نطفة الإنسان تبدأ من خلية واحدة، ثم تنتصف هذه الخلية لتصبح اثنين، و كلٌّ من هذين الخليتين ينتصفان كذلك لتصبح الخلايا أربعاً، و يستمر الانقسام هكذا بشكل تصاعدي. إنّ هذا التكاثر في الخلايا يستمر حتى تتكون خلايا متشابهة بالكامل و تنقسم حيندئذٍ إلى مجاميع. بعض منها يتكفل بخلق رأس الإنسان و بعض يؤمر بخلق العين أو اليد أو الرجل أو غير ذلك.

إنَّ هذه الخلايا جميعاً متشابهة

لكن كيف حصل أن تخصصت البعض في صنع اليد و البعض الآخر بصنع الرجل؟ من أمر هذه الخلايا بالصنع المختلف رغم التشابه الموجود فيها؟ كيف تلهم هذه الخلايا؟ و من الذي ألهمها هذه القابلية؟! لم يستطع أحد الكشف عن هذه الأسرار بعد.

امثال القرآن، ص: 233

2- إنَّ الجنين في بطن أمه يسبح في كيس خاص ملي ء بسائل غليظ وزنه يعادل وزن الطفل تقريباً. و على هذا، فالجنين لا يضغط بشكل مباشر على جسم الأم، كما أنَّ الأُم لا تحمّل الطفل ضغطاً مباشراً. يا ترى ما يحدث لو لم يكن ذلك الكيس؟

كيف يمكن للجنين أن يحافظ على نفسه و يستمر في حياته رغم ظرافته و نعومته و رغم ما يتعّرض له من ضربات تنشأ عن الجلسة الخاصة للأُم أو نومها في اتجاهات مختلفة؟

أعدَّ الله العالم القادر محيطاً وبيئة للجنين تشبه حالة الإنسان عند فقدان الجاذبية، بحيث لا يتأثر بالضغط إذا تعرض له مهما كان اتجاهه، و لهذا عند ما يلد يشعر بالوزن، الأمر الذي يحرّضه على الصراخ و الصياح.

إنَّ كيس السائل هو أفضل مكان للجنين. فإنَّ هذا الكيس يصدّ الضربات من أي اتجاه وردت، كما أنَّه يعدّل درجة الحرارة، بحيث إنَّ الام اذا تعرّضت للحرارة الشديدة أو البرودة الشديدة سوف لا تنتقل هذه الحرارة أو البرودة إلى الجنين مباشرة، بل ينتقلان إلى الجنين بعد مرورهما بالسائل الموجودة في الكيس و دور السائل هنا هو تعديل درجة الحرارة و نقلها بعد ذلك لجسم الجنين.

و على هذا الأساس، يقول الله في الآية السادسة من سورة الزمر: «خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وأنْزَلَ لَكُم مِنَ الأنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِن بَعْدِ خَلْقٍ فِي

ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذلِكُم اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ المُلْكُ لَا إلهَ إلّا هُوَ فأنَّى تُصْرَفُونَ». «1»

مراحل كمال الإنسان الأربع

لاجل بلوغ الكمال، على الإنسان أن يطوي أربع مراحل أو عوالم:

1- عالم رحم الام. 2- عالم الدنيا. 3- عالم البرزخ. 4- عالم القيامة.

و المدهش هنا أنَّ الإنسان يجتاز كل مرحلة، و هو لا يعلم بالضبط بما تضمّ و تؤول إليه المرحلة اللاحقة. إنَّ الطفل في رحم الام لا يمكنه تصوّر مفاهيم الدنيا، حتى لو كان له عقل

______________________________

(1) و قد أشارت الآية 14 من سورة المؤمنون إلى نفس المضمون.

امثال القرآن، ص: 234

و ذكاء كذكاء و فهم ابو علي ابن سيناء، و حتى لو استطاع أن يتواصل مع امه لتحكي له عن القمر و الشمس و الليل و النهار و النجوم و الاشجار و الأزهار و النباتات، و قد استطاعت أن تبيّن له هذه الأمور بأفصح بيان و أبلغه، رغم ذلك فهو سوف لا يفهم شيئاً. إنَّ مثلنا نحن بالنسبة إلى البرزخ كمثل هذا الطفل بالنسبة إلى الحياة الدنيا، نحن سمعنا بوجود عالم باسم البرزخ قطعاً، لكن ما هي الف باء تلك الحياة؟ ما معنى أنّ الشهداء هناك أحياء؟ كيف أنهم يرزقون في ذلك العالم؟ كيف يعذّب الله الروح أو ينعم عليها؟

نحن لا ندرك أياً من هذه الامور. إنّ بعض اولياء الله استطاع أن يتصل بعالم البرزخ فسأل أهل البرزخ عن ذلك العالم فأجابوه لا يمكننا وصف هذا العالم بالألفاظ و المفاهيم التي تدركونها انتم في الحياة الدنيا. إنّ مثل مفاهيم البرزخ و ألفاظ الدنيا كمثل المصفاة و الماء، و هل يتوقف الماء في المصفاة؟!

إنَّ موقف البرزخيين تجاه مفاهيم القيامة كموقفنا تجاه البرزخ لا يمكنهم استيعاب نعم الجنة، كما لا يمكنهم استيعاب

أنواع العذاب في جهنّم.

و على هذا الأساس، تقول الآية الشريفة 17 من سورة السجدة: «فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِىَ لَهُم مِنْ قُرَّةِ أعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ».

إذا أخذنا مفردة (نفس) باطلاقها كانت شاملة للأنبياء و الائمة- صلوات الله عليهم أجمعين- و ذلك يعني هؤلاء أيضاً لا يعلمون ما أُعدَّ للمؤمنين من نعم في الجنة.

جاء في حديث قدسي ما يلي: «أعددت لعبادي الصّالحين ما لا عين رأت و لا أذن سمعت، و لا خطر على قلب بشرٍ». «1»

أي أنَّها نعم لم ترَ في المنام و لا في اليقظة و لا في عالم الخيال و لا التصور، و ذلك لأنّ عالم القيامة لا يمكن استيعابه.

و على هذا، فمن جهةٍ أنَّ مفاهيم عالم القيامة مفاهيم لا يمكن استيعابها و إدراكها، و من جهة أخرى ينبغي بيان نعم الجنة و عذاب الآخرة بشكل يسوق البشر نحو الأعمال الحسنة و يبعدهم عن الأعمال السيئة.

______________________________

(1) ميزان الحكمة، الباب 546، الحديث 2529.

امثال القرآن، ص: 235

من هنا كان توصيف و بيان هذه الحالات و الأعمال بالالفاظ الدنيوية أمراً مستحيلًا و لا يمكن بيانها بوضوح، لذلك كان علينا مزاولة هذا العمل باستخدام المفاهيم الدنيوية المشابهة لتلك المفاهيم و الألفاظ الأقرب لهذا البيان، لترتسم بذلك صور قريبة لواقع النعم و العذاب الاخروي.

كمثال على ذلك، عند ما يقال بأنَّ في الجنة أشجاراً، فإنّه لا يمكن القياس و المقارنة بين فوائد الأشجار في العالمين. و بالنسبة إلى تفسير الآية 54 من سورة الرحمن «وَجَنَى الجَنّتَيْنِ دَانٍ» فيقال: إنَّ ثمار أشجار الجنة قريبة غير بعيدة بحيث تكون سهلة الوصول. و في تفسير الآية 48 من السورة المذكورة «ذَوَاتَا أفْنَانٍ» يقال: إنّ الغصن الواحد يضمّ ثماراً مختلفة، لكن لا

يعرف أنَّ الثمار هناك هي نفسها التي هنا.

أو أنَّ أصحاب الجنة إذا ما أرادوا الاصغاء إلى الأنغام و الموسيقى، أخذت غصون الاشجار تتلاطم و تخرج من نفسها أصواتاً و أنغاماً.

و على هذا، فنحن ندرك وجوه الشبه بين أشجار الدنيا و الآخرة، لكنا لا ندرك و لا نشعر بها و لا بما يتولد من أنغام و موسيقى و ثمار.

إيضاح

مع الالتفات إلى المقدمة، فإنَّ الآية من جملة الآيات التي هي في صدد عرض تشابيه للجنة، و بيان أو ترسيم موقع المتقين فيها. من هنا كان خبر الآية محذوفاً، أي أنَّ الآية كانت بهذا الشكل: «مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ كجنةٍ تجْرِي ...» أي أنَّ في الجنة بساتين ليست مثل بساتين دنيانا؛ لأنّه أولًا: أن منابع المياه فيها ذاتية و تلقائية، و توجد عين قرب كل شجرة و لا حاجة لتأمين المياه من الخارج. ثانياً: أنَّ ثمار الجنة دائمية و في جميع الفصول. ثالثاً: أنَّ ظل الاشجار هناك دائمي و خالد، أي أنَّ أوراق الاشجار لا تتساقط أبداً.

الخطابات المهمة للآية

المستفاد من الآيات العديدة هو كون التقوى هو مقياس الثواب الإلهي في الآخرة.

امثال القرآن، ص: 236

في مجال التقوى دوّنت البحوث الكثيرة، و لأجل الاستيعاب الأكثر لهذا المضمون، الذي هو جواز دخول الجنة و ميزان قيمة الإنسان و زاده في الآخرة نشير إلى روايتين وردتا هنا:

1- يقول الرسول في حديث مختصر و ذات مغزى عميق في نفس الوقت: «تمام التقوى أن تتعلّم ما جهلت و تعمل بما علمت». «1»

بناءً على هذه الرواية، لا يُعدُّ الجهل عذراً، بل على الإنسان أن يتعلّم ما يجهل ليعمل بما علم و يُعاتب الذين يبرّرون أعمالهم بأنهم جهال، و يقال لهم: لماذا لم تتعلموا؟ «2»

2- يقول الإمام علي عليه السلام في حديث مختصر و مميّز: «من ملك شهوته كان تقياً». «3»

إنَّ الإنسان بتقواه يتمالك غضبه و شهوته و حب الجاه و المقام و حب الشهرة و التطرّف و ...

فهو سيتحكم بهذه الامور جميعاً.

إنَّ هذين الروايتين يعرضان تعريفاً جميلًا و جامعاً و مفهوماً للتقوى، ينبغي السعي و العمل لأجل تحقيق ما ورد في هذين

الروايتين الشريفتين و بخاصة في شهر رمضان المبارك؛ باعتبار أنَّ التقوى هي جواز دخول الجنّة و زاد الآخرة.

______________________________

(1) ميزان الحكمة، الباب 4173، الحديث 22179.

(2) بحار الانوار 2: 29 و 180، 7: 285.

(3) ميزان الحكمة، الباب 4173، الحديث 22174.

امثال القرآن، ص: 237

المثل الثالث و العشرون: أعمال الكفّار

اشارة

يقول القرآن في الآية 18 من سورة إبراهيم:

«مَثَلُ الّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِم أعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشتَدَّتْ بِهِ الرِّيْحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُوا عَلى شَي ءٍ ذَلك هُوَ الضَّلال البَعِيْدُ».

تصوير البحث

تناولت الآية بيان أعمال الكفار الصالحة، و تلمّح بأنَّ أعمالهم بسبب كفرهم غير مقبولة.

من هنا كان احتمال حساب أعمالهم الصالحة بمعزلٍ عن كفرهم أمراً مرفوضاً.

ارتباط آية المثل بسابقاتها

الآيات السابقة تناولت دراسة من اصطلحت عليه «جَبَّارٍ عَنِيْدٍ» و هو الشقي الذي يأس من ألطاف الله و رحمته، و أنَّ جهنم ستتطلع إلى أمثال هذا، و سيسقى من ماء متعفن، نتنة رائحته. و هنا يطرح سؤال و هو: هل سيُتغاضى عن أعمال الكفار الصالحة؟

المتعارف أنَّ الأعمال الصالحة قد تصدر من هؤلاء الاشقياء، فيقال عن فرعون مثلًا: كان له مطبخ واسع يغذي به بيوت المدينة، و كان يستفيد الجميع من هذا المطبخ و من طعامه، من الفقراء و المرضى و الحوامل و غيرهم.

قد تنجز أعمال خيرية مهمة على يد حكامٍ ظلمة، و هناك الكثير من المساجد التاريخية

امثال القرآن، ص: 238

الفخمة التي بنيت على يد هؤلاء الظلمة. إن العتبات المقدسة للائمة المعصومين و غيرهم عليه السلام كثيراً ما بُنيت أو عمّرت و وسعت على يد الظلمة، و كمثال على ذلك المسجد الحرام و مسجد النبيّ حيث وسِّعا من قبل زمرة آل سعود الظالمة، كما أن كثيراً من المستشفيات المهمة و الجامعات الضخمة و المستوصفات و المدارس العلمية و ما شابه ذلك بنيت على يد أمثال هؤلاء الظلمة و بأمرٍ منهم، لكن يا ترى هل أنَّ هذه الأعمال الصالحة و العظيمة تفقد الأثر و لا تفيد صاحبها شيئاً في الآخرة؟ أ لا تتغمّد هؤلاء الطاف الله و رحمته بسبب هذه الأعمال الكبيرة؟

إنَّ آية المثل التي سنقبل على شرحها و تفسيرها في الاسطر المقبلة هي بصدد الاجابة على هذا السؤال المقدر الذي قد يخطر في ذهن القارئ للآيات التي سبقتها.

الشرح و التفسير

«مَثَلُ الّذِيْنَ كَفَرُوا بِرَبِّهِم» إنَّ أمثال القرآن على قسمين: قسم يُضرب على أعمال الإنسان، و آية المثل هذه من هذا القسم حيث تناولت دراسة أعمال الكفار.

القسم الآخر هو

الامثال التي تضرب على الشخصيات ذاتها بأن يشبّه الاشخاص أنفسهم بشي ء ما مثل ما مرّ في الآية الشريفة 261 من سورة البقرة، حيث شبّهت المنفق بحبة الحنطة التي تنتج سبعمائة حبّة.

على أي حال، الآية الشريفة تناولت اولئك الذين كفروا بربهم، لكن الملفت في الآية هنا هو أنَّها استخدمت مفردة (رب) بدل مفردة (الله)، و كأنها تريد الاشارة إلى الآثار الربوبية في كل مكان و رحمة الله و بركاته على جميع أعضاء جسم الإنسان و في جميع اللحظات، فهي تريد القول للإنسان: إنَّك تفيد من نعم الله- التي يكفي واحدة منها لشكر الله- كل يوم و على طول العمر، رغم ذلك تكفر و تجحد به، مع أنَّ على الإنسان أن يكون شاكراً لله على نعمه دائماً.

«أعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ» الآية شبَّهت أعمال الكفار الصالحة بالرماد، و لم تتطرق الآية إلى أعمال الكفار السيئة، و ذلك لأنَّها دون القيمة التي تستدعي التطرّق لها و بحثها.

امثال القرآن، ص: 239

فوائد الرماد

نشير هنا إلى بعض من فوائد الرماد و آثاره:

1- إذا خلط الرماد بالتربة سينتج سماداً مفيداً جداً، و لهذا نرى البعض يحرق ما تبقى من المزارع بعد الحصاد بغية تبديله إلى سماد جيد.

2- إنَّ الرماد ينظف الاشياء الوسخة و يذهب بصدئها و يصقلها، و في الازمنة السابقة كان الناس يصقلون بعض الصفائح الفلزية بالرماد لكي يصنعوا منها مرآة شفافة.

3- الفائدة الاخرى للرماد أنّه يحافظ على النار و حرارته، بحيث إذا ألقينا التراب على النار أنطفأت النار، لكن إذا ألقينا رماداً عليها ضلّت النار تحافظ على نفسها و ما انطفأت إلّا في زمن متأخر.

«اشْتَدّتْ بِهِ الرِّيْحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ على شي ءٍ مِمّا كَسَبُوا» من الواضح أنَّ اليوم اذا كان عاصفاً

أخذ الريح معه كل ما كان خفيفاً و دقيقاً، و كلما كان ذلك الشي ء أدق كلّما صعب جمعه، أما اذا كان رماداً فاستحال الجمع؛ و ذلك لصغر الأجزاء المكونة للرماد و تلوّنها بلون البيئة التي تسقط فيه. و إذا اجتمع اهالي المدينة كلهم- لا صاحب الرماد فحسب- ما استطاعوا أن يجمعوا شيئاً مما فقدوه من الرماد و لو بمقدار مثقال.

إنّ عاصفة الكفر و الجحود تعمل بأعمال الكافر كما تعمل العاصفة الطبيعية بالرماد، بحيث لا يبقى شي ء من ذلك العمل للكافر يتمتع به.

«ذَلك هُوَ الضّلَالُ البَعِيْدُ» إنَّ انحراف هؤلاء عن الصراط المستقيم كالانحراف و الضلال البعيد عن الطريق الذي يصعب جبرانه و الرجوع عنه نحو الطريق الصواب.

خطابات الآية

1- الايمان شرط صحة الأعمال

رصيد الأعمال الحسنة و الصالحة هو الايمان، فاذا لم يقترن العمل بالايمان فانه سيفقد قيمته.

ذكر الفقهاء: أنّ الايمان هو شرط قبول العبادة، بل شرط صحتها، أي أنَّ الصلاة و الصوم

امثال القرآن، ص: 240

و الحج و الانفاق و إعانة المحتاجين و غير ذلك من الاعمال تكون فاقدة للقيمة إذا لم تتزامن مع الإيمان.

و لقد طرح نفس البحث في قضية (الولاية) فاعتقد البعض أنَّ الولاية شرط قبول الأعمال، أي رغم أنَّ الأعمال- من وجهة نظر شيعية- صحيحة إلّا أنَّ الله لا يقبلها إذا لم تقترن بالاعتقاد بالولاية. و قد يعتقد البعض أنَّها شرط القبول و الصحة أي لا يسقط التكليف من ذمة من لا يعتقد بها و إن جاء به.

في هذا المجال وردت روايات كثيرة في كتب الشيعة نأتي بنموذج واحدٍ منها:

يقول الإمام الباقر عليه السلام: «لو أنّ رجلًا قام ليله و صام نهاره و تصدّق بجميع ماله و حج جميع دهره و لم يعرف ولاية وليّ الله فيواليه و

يكون جميع أعماله بدلالته إليه ما كان له على الله حقُّ في ثوابه أبداً». «1»

إنّ هذه الآية طرحت ذات البحث في أصل الايمان بالله و لمحت بأنّ الذي لا ايمان له لا ثواب له رغم اتيانه بأفضل الأعمال، و قد طرح هذا البحث في آيات عديدة أُخرى نشير إلى بعضٍ منها:

الف- لقد جاء في الآية 264 من سورة البقرة التي مرّ الحديث عنها ما يلي:

«... كَالّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِر فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فأصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَي ءٍ مِمّا كَسَبُوا واللهُ لا يَهْدِي القَومَ الكَافِرِينَ».

باء- جاء في الآية 39 من سورة النور:

«وَالّذِيْنَ كَفَرُوا أعْمَالُهُم كَسَرَابٍ بَقِيْعَةٍ يَحْسَبُهُ الظمآنُ ماءً حتّى إذا جآءَه لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللهَ عِنْدَه فَوَفّاهُ حِسَابَهُ واللهُ سَرِيْعُ الحِسَابِ».

جيم- و يقول الله في الآية 23 من سورة الفرقان:

«وَقَدِمْنَا إلَى مَا عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَنْثُورَاً» و هذه الآية كغيرها لم تمنح أي قيمة

______________________________

(1) وسائل الشيعة 1: 91.

امثال القرآن، ص: 241

للعمل إذا لم ينشأ عن إيمان.

دال- جاء في الآية 54 من سورة التوبة:

«وَمَا مَنَعَهُم أنْ تُقْبَلَ نَفَقَاتُهُمْ إلّا أنَّهُمْ كَفَرُوا باللهِ ورَسُولِهِ ولا يأتُونَ الصَّلاةَ إلّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إلّا وَهُمْ كَارِهُونَ».

إنَّ هذه الآية كذلك تعتبر الإيمان شرط قبول العمل. و عليه، فإنّ الآية المذكورة و آيات و روايات كثيرة اخرى عدّت الإيمان شرطاً لصحة العمل و كماله، كما أنَّ بعض الآيات و الروايات اعتبرت الولاية بنفس المستوى و منحت الاعتقاد بها نفس القيمة التي منحتها هذه الآيات لمبدأ الايمان بالله.

لماذا الإيمان و الولاية شرطان لصحة العمل؟

بعبارة أُخرى: لماذا لم يفتح الله لاعمال الكفار الصالحة أو الطالحة حساباً مستقلًا، بأن

يحاسب الكافر على أعماله الطالحة بمعزلٍ عن حسابه لأعماله الصالحة؟

الجواب: لقد جاء جواب هذا السؤال في الآيات و الروايات التي عدّت الولاية و الإيمان شرطين لصحة الأعمال.

جاء في رواية تقدمت أنَّ الإمام عليه السلام يقول: «و لم يعرف ولاية وليّ الله فيواليه و يكون جميع أعماله بدلالته إليه»، أي أنَّ للأعمال الصالحة شروطاً و مقدمات و ملابسات يحدّدها الإمام المعصوم نفسه و إذا لم تتم بتنسيقٍ معه فانها قد تكون ناشئة عن هوى و هوس و تصبّ في غير مجالها.

إنّ غير المؤمنين عند ما يؤدون أعمالًا صالحة مثل المرضى الذين يداوون أنفسهم بعقاقير خاصة من دون مراجعة طبيب، و معالجة من هذا القبيل قد تلحق بالإنسان أضراراً كثيرة تصل إلى الموت أحياناً.

إنّ الرسول صلى الله عليه و آله و الأئمّة عليهم السلام هم أطباء روحيون، و لأجل أن يداوي إنسان أوجاعه، عليه بالعمل حسب وصفتهم لا و صفة غيرهم.

من هنا يقسم الإمام علي عليه السلام- في كلام جميل يخاطب به كميل بن زياد- الناس إلى ثلاثة أصناف:

امثال القرآن، ص: 242

1- العلماء الربانيون الذين وجدوا و سلكوا طريق الهداية و الصراط المستقيم.

2- المتعلّمون و الذين هم في طريقهم إلى المعرفة و يفيدون من العلماء و الاساتذة لبلوغ طريق الهداية و النجاة.

إنّ مثل هذين الاثنين كمثل الشمس و القمر حيث احدهما يعدّ مصدراً و منبعاً للنور و الإضاءة، و الآخر رغم أنَّه ليس مصدراً للنور إلّا أنه يلهم من نور الآخرين ليتنوّر و يكون مصباح هداية في الليالي الظلمانية.

3- الصنف الثالث هو أولئك الذين لا هم أساتذة و علماء و لا هم متعلمون و لا هم في طريقهم إلى العلم، فلا هم مصدر للنور و منبع له

و لا هم متنورون بنور الاخرين، بل انّهم اناس غير هادفين و لا يعتمدون شيئاً في حياتهم إلّا الخواء، و هم مثل البعوضة التي يهددها أبسط نسيم و يذهب بها إلى أي جهة شاء.

إنَّ الذين ينتشلون أنفسهم من خط المعصومين عليهم السلام و يرفضون الولاية، رغم ذلك يؤدون أعمالًا صالحة، هم من الصنف الثالث، و حياتهم كلها اضطراب و اعوجاج، و شأنهم شأن الشجرة التي ترقص مع كل ريح.

و على هذا، فإنَّ فلسفة اشتراط الايمان و الولاية هو هداية الأعمال باتجاه الصراط المستقيم، و شأن ذلك شأن المريض الذي يتداوى تحت رعاية الطبيب المختص.

2- الدوافع المعنوية لغير المؤمنين

ثاني خطاب للآية هو أنّ غير المؤمنين لا يملكون الدوافع المعنوية، بل دوافعهم كثيراً ما تكون مادية، كنموذج لذلك هو الخدمات الإنسانية التي يقوم بها ثلة من البشر، في اطار المنظمات الإنسانية الدولية، فهي من جهة خدمات إنسانية اخلاقية و تصل المحتاجين إليها من البشر، لكنها في نفس الوقت كثيراً ما تكون غطاءً لممارسة التجسس لصالح الدول الكبرى.

قد يكون الهدف من هذه الاعانات هو الحفاظ على حياة هؤلاء المستضعفين لاجل استغلالهم أكثر فأكثر، كما كان يفعل النخاسون و أصحاب العبيد حيث كانوا يطعمون عبيدهم المقدار الذي يحافظ على حياتهم و هو مقدار لا يشبعهم، و لذلك نرى أنَّ بعض هذه الخدمات

امثال القرآن، ص: 243

الإنسانية تستهدف اغراضاً مادية غير إنسانية.

و قد أشارت الآية 54 من سورة التوبة- التى مضى شرحها- إلى هذا المطلب، حيث قالت:

«وَمَا مَنَعَهُم أنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُم إلّا أنّهُمْ كَفَرُوا باللهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يُأتُونَ الصَّلَاةَ إلّا وَهُم كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إلّا وَهُم كَارِهُونَ».

من هنا خاطب الإمام علي عليه السلام مالك الاشتر في عهده له طالباً منه أن يختار

لصلاته أفضل أوقاته؛ «1» و ذلك لأنك اذا أحكمت علاقتك بخالقك فالله سيحكم علاقتك بباقي المخلوقات.

على أساس الآية الكريمة، أنّ انفاق المنافقين و غير المؤمنين و إعاناتهم المادية لم تنشأ عن نية خالصة بل نشأت عن كراهة و عدم رغبة.

لا قيمة لانفاقهم و لو بذلوا أفضل أموالهم و أكثرها؛ و ذلك لعدم ايمانهم بالله و بالولاية، كما أنَّ عملهم لم يكن عن صدق نية. على سبيل المثال إذا أراد المؤمن بناء مدرسة اختار منطقة محرومة لرفع الحاجة عن تلك المنطقة كما أنّه سوف لا يبخل في احكام بناء المدرسة و صرف المبالغ في هذا السبيل، أما الإنسان غير المؤمن أو المنافق بما أنَّ هدفه الرياء و التظاهر لذلك يختار مكاناً ذا طلعة و في مرأى من الناس و في منطقة قد تكون مستغنية عن المدرسة، و لا يفكر في إحكام البناء؛ و ذلك لأنّ جمال البناء يحقق اهدافه.

إنَّ أعمال غير المؤمنين غالباً ما تكون عن هوى و هوس، و لاجل كسب الشهرة و الجاه و المورد، و لا علاقة لهم بالنية الخالصة. اضافة إلى هذا، نحن نعتقد أنَّ غير المؤمنين لا يمكنهم التحلّي بالاخلاق الحسنة.

الاحباط في القرآن

كما أنَّ الايمان و الولاية شرطان في البداية، و لا قيمة لعمل بدونهما، كذلك ادامة و استمراراً، فالمفروض أن يستمر هذان الشرطان حتى نهاية العمر و الانتقال من هذا العالم إلى عالم الآخرة.

______________________________

(1) نهج البلاغة، الخطبة 53.

امثال القرآن، ص: 244

و على هذا، لو أنّ شخصاً جاء بجميع الاعمال الحسنة، لكنه في اللحظات الأخيرة من عمره رحل خلو الايمان، فإنَّ أعماله التي انجزها في الدنيا سوف لا تفيده شيئاً في الاخرة أبداً.

هذه المسألة من مصاديق (الاحباط) الذي تعرّض له القرآن بشكل

واسع. إنَّ ست عشر آية أشارت إلى قضية الاحباط في العمل، نتعرض لاثنين منها.

1- جاء في الآية 88 من سورة الأنعام ما يلي: «وَلَو أشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُون» تعدّ هذه الآية الشرك أحد عوامل إحباط الأعمال الحسنة.

2- و جاء في الآية 65 من سورة الزمر: «وَلَقَدْ أُوْحِىَ إِلَيْكَ وَإِلى الّذِيْنَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِيْنَ».

رغم أنَّ الآية تخاطب الرسول صلى الله عليه و آله، لكن من الواضح أنَّه هو مركز التوحيد و الحنيفية و لا يتوقع منه أن يكون مشركاً يوماً، لذلك نقول: إنّ الآية تحذير للآخرين لا له.

الحبط في عالم الطبيعة

هل من العدالة أن تحبط الأعمال الكثيرة بذنب ما؟ بعبارة اخرى: هل الأمر يتفق مع قوانين الطبيعة؟

الجواب: أنَّ الاحباط مشهود في عالم الطبيعة و التكوين و موجود كذلك في عالم التشريع و القوانين الدينية، كما أنَّه موجود في أعمالنا الروتينية.

قد يعمل المزارع ليل نهار و يبذل قصارى جهده للحفاظ على البستان الكبير و الملي ء بالثمار المتنوعة، إلّا أنَّه قد يوقد النار في جانب منه و يغفل لفترة ليرى أنَّ النار سرت إلى جميع البستان و أكلت كل جهوده التي بذلها لانضاج ثمار هذا البستان.

و قد يقوم الإنسان السليم خلال سنوات من العمر بكل ما تستدعيه اصول الصحة و الرعاية الصحية، لكنه لأسباب و اخرى يتعاطى المخدرات ليصبح بعد عدة أيام إنساناً سقيماً لا حول له و لا قوة و لا صبر و لا صحة و لا طاقة و لا بهجة. و على هذا، فانَّ النار احبطت ما زرع المزارع و ما أنتج، و المخدرات أحبطت سلامة الإنسان و دمرتها.

و يمكن الاتيان بمثال ثالث و هو: بناء سدّ ضخم يستدعي استخدام

طاقة عمال و مهندسين لمدة سنوات متوالية، و بعد ملئه بالماء و استخدامه في الاغراض الخاصة، يأتي سيل عظيم يغفل

امثال القرآن، ص: 245

المشرفون عليه عن فتح المنافذ و البوابات المخصصة لتقليل وطأة ضغط الماء على السدّ، الأمر الذي يؤدي إلى كسر السدّ و إذهاب جهود سنوات من العمل سدى.

و على هذا، فمسألة الحبط لا تختص بالقضايا الدينية و العقائدية، بل إنَّها جارية في قضايا التكوين و الممارسات اليومية و العادية للإنسان، و لا يتنافى ذلك مع العدالة الإلهية. علماً أنَّ المسبب الأساسي لهذا الاحباط هو الإنسان نفسه، فهو نفسه المسبب في اندلاع الحريق في البستان و تبدد طاقات جسم الإنسان المتعاطي للمخدرات و انكسار السد و تهديمه.

إذن، على المسلمين أن لا يفكروا بالاتيان بالأعمال الحسنة فحسب، بل عليهم التفكير في الحفاظ على هذه الأعمال. فإنَّ الحفاظ على الأعمال أصعب بمرات من الاتيان بها، فقد يقدم الإنسان على إحراق بستان حياته بوسائل بسيطة جداً، و كمثال على ذلك ما ورد في الآية 264 من سورة البقرة، التي اعتبرت أنّ المنّ و الأذى عوامل لاحباط الانفاق و الصدقات.

إذا تبنى شخص يتيماً و ربّاه منذ صغره و أنفق عليه الكثير و أرسله إلى المدرسة الابتدائية ثم الاعدادية و الجامعة، ثم وفّر له فرصة الزواج و عمل على تزويجه، و في يوم من الأيام و في مجلس عام أراد أن يتباهى هذا الشخص و يمنّ على اليتيم فقال له: (لم تكن إلّا طفلًا يتيماً فأعلتك و أنفقت عليك و أرسلتك إلى المدرسة و الجامعة و أنا الذي منحتك هذا الشأن و ...)؛ فوفقاً لمفاد آيات القرآن، هذا الشخص أحبط أعماله التي أنجزها طوال حياته.

و حسب المستفاد من بعض

آيات القرآن، انَّ المسلمين ما كان لهم الحقّ أن يسيئوا الادب للرسول صلى الله عليه و آله أو يرفعوا أصواتهم عليه، و إلّا فتحبط أعمالهم: «يَا أيُّهَا الّذينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أصْوَاتَكُم فَوْقَ صَوْتِ النّبيّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَولِ كَجَهْرِ بَعْضِكُم لِبَعْضٍ أنْ تَحْبَطَ أعْمَالُكُم وَأنْتُم لَا تَشْعُرُونَ». «1»

كما أنَّه عدّ مرض الحسد النفسي من عوامل الاحباط .. في بعض الروايات. يقول الرسول صلى الله عليه و آله: «إيّاكم و الحسد فإنّه يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب». «2»

في النهاية: انّ الايمان و الولاية شرطان لصحة الأعمال، و عدمهما يحبط العمل سواء كان في بداية العمر أو أثنائه.

______________________________

(1) الحجرات: 2.

(2) ميزان الحكمة، الباب 850، الحديث 1394، كما جاء نفس المضمون في الحديث 3938.

امثال القرآن، ص: 247

المثل الرابع و العشرون و الخامس و العشرون: الكلمة الطيبة و الكلمة الخبيثة

اشارة

جاء في الآيات 24 و 25 و 26 من سورة إبراهيم ما يلي:

«أَلَم تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيّبَةً كَشَجَرةٍ طَيّبةٍ أصْلُها ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّماءِ تُؤْتِي أكُلَهَا كُلّ حِيْنٍ بِإذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الأمثَال للنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيْثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيْثَةٍ اجتُثَّتْ مِنْ فَوقِ الأرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ».

تصوير البحث

هذه الآيات من أجمل الآيات و من أبلغ الأمثال القرآنية. إنّ في الآيات الثلاث تمثيلًا جميلًا و بليغاً للكلمة الطيبة من جانب، و للكلمة الخبيثة من جانب آخر، و فيها يعدّ الله الفوائد و الآثار المترتبة على كل واحدة منهما.

ارتباط آيات المثل بسابقاتها

إنَّ ذكر هذين المثلين لا يخلو من ارتباط بما ورد في الآيات السابقة من نسبة الكلمة الطيبة إلى الله و الخبيثة إلى الشيطان، كما أنّها قد تضمّنت مضامين و مفاهيم رفيعة. و هنا نص الآية 22 من سورة إبراهيم: «وَقَالَ الشّيْطَانُ لَمّا قُضِيَ الأمْرُ إنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إلّا أنْ دَعَوْتُكُم فاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُوْنِي وَلُوْمُوا أنْفُسَكُمْ مَا أنَا بِمصْرِخِكُمْ وَمَا أنْتُمْ بِمُصْرِخِىَّ إنّي كَفَرتُ بِمَا أشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبلُ إنَّ الظَالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيْمٌ».

امثال القرآن، ص: 248

ينبغي الالتفات إلى أنّه نقل كلامان في الآية، أحدهما لله، و هو وعده الحقّ الذي أوفى به، و هو مصداق للكلمة الطيبة. و الثاني هو للشيطان الذي هو وعد باطل و لم يفِ به الشيطان، كما أنّه مصداق للكلمة الخبيثة.

حسب ما ورد في الآية الشريفة، فإنَّ استجابة دعوة الشيطان اختيارية غير جبرية، و كل من تابع الشيطان فبارادته، لذلك يلوم الشيطان الإنسان يوم القيامة؛ لأنّ الإنسان يعلم بطبيعة الشيطان الخبيثة رغم ذلك يلتحق بركبه.

أ لا يعلم الإنسان بمعاملة الشيطان لابيه آدم عليه السلام؟ إنّ مكره هو الذي أدى به إلى خروجه و انقطاع نسل الإنسان من الجنّة بالكامل. «1» ألم يسمع الإنسان بقسم الشيطان باتيان الإنسان من بين يديه و من خلفه لاجل إغوائه و حرفه عن الصراط المستقيم؟ «2» إذن لماذا الإنسان، رغم علمه الوافر، يغرّه الشيطان بوعوده الباطلة

و الكاذبة و يترك كلام الله الصادق؟!

الشرح و التفسير

«أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيّبَةً كَشَجرَةٍ».

إنَّ هذه الشجرة التي ضرب الله بها مثلًا ذات خمس خصائص:

1- «طَيِّبَةً» أول خصائصها أنها طيّبة أي طاهرة و ذات رائحة مطلوبة. إنَّ بعض الاشجار يستفاد من جميع أجزائها من الاوراق و الاغصان و الثمار و الجذور و أصماغها، كما أنّ منظرها جميل و عطرها مريح، إلّا أنّ بعض الاشجار ذات منظر قبيح و رائحة كريهة و جذور نتنة و ثمارها مُرّة.

إنَّ الشجرة التي ضرب الله بها مثلًا هي شجرة طاهرة و جميلة و بالجملة طيبة.

2- «أصْلُهَا ثَابِتٌ» الخاصية الاخرى لهذه الشجرة أن جذورها ثابتة و محكمة في الأرض.

من مظاهر قدرة الله تعالى أنه جعل تناسباً بين غصون الشجرة و جذورها فكلما كانت

______________________________

(1) مضمون الآية 36 من سورة البقرة.

(2) كما هو مضمون الآيتين 16 و 17 من سورة الاعراف.

امثال القرآن، ص: 249

الغصون أعظم و أكثر، كانت الجذور عظيمة و كثيرة و عميقة بتلك النسبة التي للغصون، و هي تحفظ الشجرة و غصونها من العواصف و الفيضانات كما يفعل الحبل بما شدّ به. امثال القرآن 298

3- «فَرْعُهَا فِي السَّماءِ» الخاصية الاخرى أنّ نموها صعودي و عمودي نحو السماء.

مما لا شك فيه أنّ دور الجذور هو تغذية الغصون و الاوراق، لكن ما دور الغصون المرتفعة جداً و المتجهة نحو السماء؟

للغصون المرتفعة فوائد و آثار مختلفة نشير إلى بعضٍ منها:

الف- الغصون المرتفعة تتنفس الهواء بشكل أفضل من غيرها من الغصون الاخرى.

المعروف هو أنَّ أوراق الاشجار تتنفس، و العجيب هنا هو أن مردود هذا التنفّس عكس مردود تنفس الإنسان، فالأشجار تستنشق ثاني اوكسيد الكاربون و تطرح الاوكسيجين، بينما الإنسان يستنشق الاوكسيجين و

يطرح ثاني اوكسيد الكاربون.

إنَّ فلسفة المفارقة هذه هي أنَّ الأشجار لو كانت تتنفس نفس الغازات التي يتنفسها و يحتاجها الإنسان، لأصبحت الأرض بعد فترة وجيزة من الزمن غير صالحة للعيش؛ لأنّ الاوكسيجين سينفد تدريجياً، و لا يبقى في الجو غير ثاني اوكسيد الكاربون، و هو غاز قاتل بالنسبة للإنسان.

لذلك كان علينا أن نزرع في المدن و بخاصة المدن الكبرى أشجاراً لتصفية الهواء من الغازات السامة الناشئة عن استهلاك الوقود في السيارات و المعامل، اضافة إلى أنَّ الأشجار توفر لنا غاز الأوكسيجين.

من فوائد الريح أنه يبدل الهواء الملوّث الخالي من الاوكسيجين بهواء نقي فيه مقدار كافٍ من الاوكسيجين.

إنّ رحمة الله تأتي بالهواء النقي و تذهب بهواء المدن الملوّث.

باء- تستفيد الاغصان المرتفعة من نور الشمس بشكل أفضل. إنَّ هذا النور يؤثر كثيراً على عملية جذب ثاني اوكسيد الكاربون و طرح الاوكسيجين، و لذلك كانت الحدائق في النهار ذات جو و هواء أفضل من هوائها الليلي الخانق.

جيم- انَّ الاغصان المرتفعة في مأمن من الغبار و التلوّثات التي يوجدها الإنسان على سطح الأرض، و قلما تطال هذه التلوثات الاغصان المرتفعة كثيراً.

امثال القرآن، ص: 250

نقطة مهمة في مجال المعرفة

من دروس المعرفة الإلهيّة التي ننتقيها هنا هي أنَّ الأرض تجذب المياه التي تعلو سطحها و تمتصها إلى أدنى مستوى ممكن أي نهاية القشرة، و هذا قانون عام، لكن المدهش هنا هو أنَّ الأشجار تجتذب الماء الذي في حواليها و تحول دون نفوذ المياه إلى الطبقات السفلى من قشرة الأرض ليتحول إلى مياه جوفية. فالاشجار بايصالها الماء إلى الغصون و الاوراق مهما علت تعمل عكس تيار جاذبية الأرض، و عملها يشبه مضخة الماء الضخمة التي قد تمد غابة كثيفة باطنان كثيرة من الماء لكن من

دون صوت و عكس اتجاه الجاذبية الأرضية.

و هل غير الله القادر يستطيع أن يفعل هكذا؟!

في النهاية نقول: إنّ ثالث خاصية للشجرة الطيبة هو احتواؤها على أغصان مرتفعة جداً تفيد من الهواء النقي المرتفع عن سطح الأرض كما تفيد من نور الشمس بشكل أفضل، و هي أخيراً في مأمن من تلوّثات الهواء في الطبقات الدنيا من جو الأرض.

4- «بإذْنِ رَبِّهَا» الخاصية الاخيرة لهذه الشجرة هي أنَّها رغم كون ثمارها تنضج في جميع الفصول، إلّا أنَّها تنمو و تعمل حسب قوانين الطبيعة و لا تشذّ عنها، و هي مطيعة لهذه السنن التي جعلها الله تعالى. إن هذا الأمر لم يختص بأمثال هذه الشجرة، بل جميع ما في الطبيعة خاضع و خاشع له: «وَلَهُ أسْلَمَ من فِي السّمَاوَاتِ والأرْضِ». «1»

«وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيْثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيْثَةٍ» إنّ لهذه الشجرة الخبيثة خاصيتين:

1- «اجتُثَّتْ مِنْ فَوقِ الأرْضِ» أي أنَّها عكس الطيبة ذات الجذور الثابتة و المحكمة في الأرض، فجذور الخبيثة مقتلعة من الأرض و لا تستطيع هذه الجذور الحفاظ على الشجرة من الطوفان و السيول و الاعصار، فهي مجتثة الجذور.

2- «مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ» أي لاثبات لها و يطرأ عليها التزلزل لأدنى ريح عاصف.

إنّ شجرة تخلو من الثمار و العطر و لا يمكنها ايجاد الظل المناسب لا تفيد إلّا للايقاد.

______________________________

(1) آل عمران: 83.

امثال القرآن، ص: 251

ما هي (الكلمة الطيبة)؟

هناك بحث بين المفسرين في تفسير معنى (الكلمة الطيبة)، نشير إلى بعض النظريات في هذا المجال:

1- يعتقد البعض أنَّ المراد من «الكلمة الطيبة» هي كلمة «لَا إله إلَّا اللّه» «1» فإنَّ هذه الكلمة كالشجرة الطيبة التي أصلها ثابت و فرعها في السماء، و هي في الحقيقة شجرة سعادة الإنسان. إنّ هذه الشجرة التي هي حقيقة التوحيد،

تحيي قلب الإنسان و تكسر كل ما فيه من أصنام، بحيث تجعله لا يسجد أمام أصنام المال و الرشوة و الربا و السرقة و الاعتداء. و لا يكذب الآف الكذبات لأجل الحفاظ على مقامه، و لا يرتكب الجرائم لأجل الحفاظ على مال الدنيا؛ و ذلك لأنّ أعمالًا كهذه تعدّ شركاً و لذلك يُدعى المرائي في الاخرة منافقاً أو فاجراً. «2»

إن التوحيد إذا حل وحيى في قلب الإنسان قضى على الهوى و الهوس الذي هو السبب الرئيسي لجميع الانحرافات و دمّره.

من هنا جاءت رواية جميلة في هذا المجال: «أبغض إلهٍ عُبد على وجه الأرض الهوى». «3»

إن شجرة التوحيد الطيبة إذا زرعت في قلب الإنسان طردت كل ما حولها من أصنام.

2- يعتقد بعض آخر من المفسرين أنَّ المراد من الكلمة الطيبة هو (المؤمن)، فقد اطلق على الموجودات (كلمة الله) في القرآن المجيد، و المؤمن كلام إلهي كذلك، الشمس و القمر و النجوم و السماء و الأرض كلها كلمات الله، فهي في كتاب الله التكويني من كلمات هذا الكتاب، كما أنَّ هذا المصطلح استخدم في حق السيد المسيح عليه السلام. «4»

إنَّ شجرة وجود المؤمن هي من قبيل الشجرة الطيبة التي تثمر في جميع الفصول، و ثمارها السخاء و الشجاعة و الجود و الرحمة و الحب و الاحسان و الايمان و ما شابه ذلك. «5»

______________________________

(1) مجمع البيان 6: 312.

(2) ميزان الحكمة، الباب 1409، الحديث 6784.

(3) المحجة البيضاء 8: 44.

(4) آل عمران: 39.

(5) انظر التبيان 6: 292.

امثال القرآن، ص: 252

3- و قد فسّر البعض الكلمة الطيبة بالأئمّة المعصومين عليهم السلام.

إنَّ هؤلاء بمثابة الشجرة الطيبة التي ملأت غصونها بالثمار، و كل من طالع تاريخ حياتهم و سيرتهم أو اقترب لمزارهم و

حرمهم أو أصغى أو طالع كلماتهم و خطبهم أو مدّ يد العون إليهم فسوف لا يبقى خلو اليدين. «1»

4- إنَّ (العلماء) هو تفسير آخر للكلمة الطيبة؛ و ذلك لأنّ الناس يفيد من ثمار وجودهم.

5- (الفكر النزيه) هو خامس تفسير للكلمة الطيبة، فإنَّ الافكار النزيهة و الطاهرة هي بمثابة الشجرة الطيبة التي ثبتت على طول التاريخ.

6- (الحديث الحسن) هو تفسير سادس ذكر للكلمة الطيبة، فإنَّ الحديث الحسن قد يخلد و يثبت و يفيد منه المجتمع. «2»

و هناك رواية معروفة عن النبيّ صلى الله عليه و آله مدوّنة في كتاب (إرشاد الديلمي) حيث يقول فيها:

«ما أهدى المرء المسلم عن أخيه المسلم هديّة أفضل من كلمةٍ حكمة يزيده الله بها هدى و يردّه عن ردىً». «3»

لقد جاء في قصة النبيّ موسى عليه السلام و الخضر عليه السلام انهما عند ما بلغا مدينة انطاكية واجهوا جفاءً من قبل ساكني المدينة، خرجوا من المدينة و وجدوا هناك حائطاً خرباً، أمر الخضر ببنائه، فكان أمر الخضر لموسى مزعجاً فقال له الخضر آنذاك: إنَّ تحت الحائط كنزاً ليتيمين كان ابوهما امرئ جيداً و يؤمل أن يكونا كذلك.

لقد ورد في بعض الروايات أنَّ الكنز هناك لم يكن ذهباً و فضةً، بل مجموعة من الحكم التي تركها أبوهما لهما، «4» كما هو الحال بالنسبة إلى الكلام الثمين لأمير المؤمنين عليه السلام، فهو أغلى من أي كنز و هو يصلح لجميع العصور و الأجيال.

______________________________

(1) انظر تفسير الأمثل 7: 440- 446.

(2) و قد ذكرت تفاسير اخرى للكلمة الطيبة راجع الميزان و تفسير الامثل، ذيل الآية.

(3) ميزان الحكمة، الباب 4011، الحديث 21208.

(4) مجمع البيان، 6: 488.

امثال القرآن، ص: 253

كلمة طيّبة من الإمام الحسن المجتبى عليه السلام

إنّ جنادة بن أبي سفيان من أصحاب الإمام

الحسين عليه السلام المخلصين، طلب من الإمام أن يعظه في الساعات الاخيرة من عمره المبارك، و رغم أنّ الإمام كان في وضع صحي غير مناسب، إلّا أنه استطاع أن يزوّد هذا الإنسان المخلص ببعض النصائح الجميلة و ذات المغزى العميق، منها الجمل التالية:

«إن أردت عزاً بلا عشيرة وهيبة بلا سلطان فأخرج عن ذلِّ معصية الله إلى عزّ طاعة الله عزّ و جلّ». «1» نعم، كلام حق، فإنَّ العزة و الاعتبار و السلطة في طاعة الله و العبودية له «فإنَ العِزَّة للهِ جَمِيْعاً». «2»

______________________________

(1) مسند الإمام الحسن المجتبى عليه السلام: 556.

(2) النساء: 139. امثال القرآن، ص: 255

المثل السادس و العشرون: لله المثل الأعلى

اشارة

يقول الله تعالى في الآية الكريمة 60 من سورة النحل:

«لِلّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السّوْءِ وَللهِ المَثَلُ الأعْلَى وَهُو العَزِيْزُ الحَكِيْم».

تصوير البحث

اشارة

كما ذكرنا سابقاً، فإنّ الهدف من أمثال القرآن هو بيان المسائل العقلية المعقدة في صيغة مسائل حسية قابلة للاستيعاب من قبل الجميع؛ و ذلك لأنَّ القرآن للجميع، فكما أنّه يخاطب النوابغ من العلماء، يخاطب ابسط الناس و الاميين منهم كذلك.

هناك بحث بين المفسّرين في أنَّ هذه الآية تُعدُّ من أمثال القرآن أم لا؟

سبب الاختلاف هو وجود تفسرين للآية، على أساس أحدهما تكون الآية مثلًا، و على أساس الاخر تكون الآية ليست مثلًا، و لأجل اتضاح الأمر، نأتي بالتفسيرين هنا:

التفسير الأوّل

طبقاً للتفسير الأوّل، انّ مفردة المثل جاءت بمعنى الصفة، أي أنَّ الذين لا يؤمنون بالقيامة يحملون صفاتٍ قبيحة و غير مطلوبة. و الحقيقة كذلك، لأنَّ الذين يظلمون و يرتشون و يكذبون و يقتلون و .... لا بدّ أنهم لا يعتقدون بيوم القيامة، و إلّا ما ارتكبوا هذه الذنوب.

يقول القرآن الكريم في الآية 4 من سورة المطففين: «ألَا يَظُنُ أُولَئِكَ أنَّهُم مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيْمٍ».

امثال القرآن، ص: 256

و حسب ما يستشفُّ من الآية، فإنَّ سبب تطفيف المطففين هو عدم اعتقادهم و ايمانهم بيوم القيامة.

نعم، إنَّ غير المؤمنين بيوم القيامة يحملون صفات سيئة و قبيحة. من هنا كان على الإنسان أن يخطو جميع خطاه في ظلّ منهج يتحكّم بسلوكه و يضبطه، و إلّا فكثير هم الذين يقترفون الذنب و إن عظم لأجل كسب المال و المنافع، مهما كانت تافهة و حقيرة.

«وللهِ المَثَلُ الأعْلَى» لأنَّه قدير لا يمكن هزمه، كما أنّه حكيم و ذات منهج قويم.

إنّ ذوي السلطة الظاهرية هم كثيراً ما يكونون غير حكماء، و لا يفيدون من سلطتهم بشكل مطلوب.

إنَّ للسلطة آفات كثيرة، منها الغفلة عن البرمجة و النظام و الحكمة، لكن الله القادر- و له أرفع قدرة

و سلطة- هو الحكيم المطلق.

و على أساس هذا التفسير، فالآية الشريفة لا تُعدُّ مثلًا.

التفسير الثاني

طبقاً لهذا التفسير، انَّ مفردة المثل حافظت هنا على معناها اللغوي. إنَّ الذين لا يؤمنون بيوم القيامة و المعاد لا في العمل و لا في العقيدة، لهم مثل السوء كالامثال التي ذكرت لهم في القرآن المجيد.

إنَّ المثل الذي ذكر في الآية 17 من سورة البقرة، و الذي كان في حق المنافقين، هو من جملة الأمثال السيئة التي تُضرب لغير المؤمنين بالمعاد. يقول الله هنا: «مَثَلُهُم كَمَثَلِ الّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلمّا أضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ». «1»

و من الأمثال التي جاءت في هذا المجال هو المثل المذكور في الآية 176 من سورة الاعراف، حيث شبّه الله المشركين هناك بالكلب المريض الذي يلهث و الذي لا يحترم الصديق و لا العدو.

______________________________

(1) لقد مرّ شرح و تفسير هذا المثل و ما بعده في أوائل الكتاب.

امثال القرآن، ص: 257

«وَللهِ المَثَلُ الأعْلَى وَهُو العَزِيزُ الحَكِيْم» أي أنَّ لله من الأمثال ما ليس لغيره، فلله المثل الأعلى، و يُعدُّ كل مثل في حقه ناقصاً مهما ارتفع شأنه؛ و ذلك لأن أمثلتنا من عالم الموجودات الممكنة، و هي جميعاً ناقصة و محدودة، و لا يمكن تصوير اللامحدود بالمحدود.

و الآية التالية: «فَلَا تَضْرِبُوا للهِ الأمْثَالَ» تشير إلى هذا المطلب.

رغم ذلك، إذا أردنا بيان مثال لله تعالى فالآية 35 من سورة النور هي أنسب ما يمكن الاتيان به، فإنَّ الله هناك شُبِّه بالنور؛ و ذلك لأنّه لا موجود أكثر فائدة و بركة و لطافة و سرعة من النور، فإنَّ لله الامثال العليا و الرفيعة.

سؤال: قد يخطر في الذهن هذا السؤل: خلق الله كل شي ء،

لكن مَن خلق الله؟

الجواب: نعم، انَّ الله خلق كل شي ء، لكن لم يخلق أحدٌ الله؛ و ذلك لأنّ الله موجود أزلي و أبدي، أي كان و يكون و سوف يكون. إنّه لم يُخلق أبداً لكي نبحث عن خالق له. لأجل اتضاح المطلب نسترعي انتباهكم إلى المثال التالي الذي فيه صياغة للامور المعقولة في قوالب محسوسة:

إنّ الفحم الحجري الذي هو نفايا الغابات في العصور الغابرة معلول للطاقة الشمسية.

و حتى النفط الذي هو الآن أكبر مصدر للطاقة في العالم معلول للطاقة الشمسية؛ و ذلك لأنَّه يقال: إنَ النفط عبارة عن بقايا أو مستحاثات الحيوانات في العهود الماضية دُفنت لتتحول إلى هذه المادة بعد قرون. و من الطبيعي أنَّ الحيوانات تتغذى من النباتات، و الاخيرة تفيد من نور الشمس و لو لم تكن الأخيرة لما كانت النباتات.

إنَّ المحركات الضخمة التي تُنصب على الشلالات لأجل توليد الطاقة تستمد طاقتها من الشمس بالشكل التالي: الشمس تسطع على البحار، فتتبخّر مياه البحار، فتتبدل المياه إلى سحب، لتنزل على الأرض تارة اخرى بشكل مطر و غيث مبارك، و هذه الامطار تتبدل إلى سيول تحرك المحركات لتوّلد الطاقة الكهربائية.

أما طاقة الشمس فذاتية، أي لا تصلها من خارج الشمس، بل في الشمس نفسها ما يمنحها الطاقة دون الحاجة إلى ما هو خارج عنها.

و عليه، رغم أنَّ الشمس مخلوقة إلّا أنَّها لا تحتاج إلى من يولّد لها الطاقة. و هذا المثال يمكنه

امثال القرآن، ص: 258

أن يوضح أزلية الله و أبديته و أنه غني عن الخالق و من يمنحه الوجود أو السلطة.

في النتيجة: انَّ التفسير الثاني للآية الشريفة يجعل الآية من أمثال القرآن.

ارتباط آية المثل بسابقتها

تحدثت الآيات التي سبقت هذه الآية (أي الآيات 57 و 58 و

59) عن العادات و العقائد القبيحة لعرب الجاهلية التي منها وأد البنات.

جاء في الآيتين 58 و 59 ما يلي: «وإذَا بُشِّرَ أحَدُهُم بالأنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيْمٌ يَتَوَارَى مِنَ القَوْمِ مِنْ سُوْءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أيُمْسِكُهُ عَلَى هَوْنٍ أمْ يَدُسُّهُ فِيِ التُّرابِ ألَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ».

المستفاد من الآيتين هو أنَّ العرب كانوا يغتمون إذا رزقوا بنتاً، و هذا أمر يجعل الجميع يتساءل عن سبب ذلك.

لماذا كان عرب الجاهلية يئدون بناتهم؟

إنَّ الدراسات كشفت عن وجود علتين لهذه الظاهرة:

1- كانوا يظنون أنَّ الذكور مولّدون للثروات و المال، أما البنات فمستهلكات لهذه الثروة.

ما كان للنساء آنذاك نشاط اقتصادي، أما الذكور فكانوا ينتجون في قطاعات اقتصادية مختلفة أو في مجال السرقات و قطع الطريق و ما شابه. لذلك كانوا يقولون: إن حقّ العيش خاص بالذكور، أما الاناث فلا حقّ لهنَّ في الحياة الدنيا.

2- التعصّب الأعمى، يقال: إنًّ حرباً حصلت بين قبيلتين من العرب، و قد أسرت القبيلة المنتصرة رجال و نساء و بنات القبيلة الخاسرة. و في فترة الأسر تزوجت نساء القبيلة الخاسرة من رجال القبيلة المنتصرة. و بعد زمن انتهى أمر القبيلتين إلى الصلح و تبادل القبيلتان أسراهم، لكن النساء اللاتي تزوجن رفضن الرجوع إلى قبيلتهن، الأمر الذي تبع ملامات وافرة ضد تلك النساء. و من شخصيات القبيلة الخاسرة شخص أقسم أن يقتل البنت

امثال القرآن، ص: 259

إذا ولدت له لكي لا يرى بعد ذلك عاراً كهذا. «1»

سرى هذا المرض تدريجياً إلى الآخرين، ليتخذ هذا الذنب العظيم عنواناً مقدساً مثل (الدفاع عن العرض) أو (حفظ الغيرة و الحميّة) و ما شابه ذلك.

لقد أصبح متعارفاً في الوقت الراهن أن ترتكب الجرائم العظمى بعناوين مقدسة، و من جملة تلك العناوين هي عنوان (حقوق

البشر)، و بهذا الشعار يسلبون حقوق الكثير من الناس و الشعوب. كما أنهم يأسرون الإنسان تحت عنوان (الحرية) أو يقترفون الذنوب و الجرائم تحت عنوان (التحضّر)، و هي جرائم لم يرتكبها الإنسان البدائي و غير المتحضّر.

على أي حال، إنّ عرب الجاهلية كانوا ملوّثين بهذا الذنب العظيم، إلّا أن مجي ء الإسلام أغلق اضبارة هذه الجريمة العظمى ليتوج الإنسانية و يقدّم للنساء خدمة عظمى.

من جانب آخر، هؤلاء العرب الذين كانوا يعتبرون البنات موجودات مشؤومة، كانوا يعتقدون أنّ ملائكة الله بنات، و كانوا يعبدونها ليكسبوا رضا الله.

و لذلك جاء في الآية 57 من سورة النحل ما يلي: «وَيَجْعَلُونَ للهِ البَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ».

خاطب الله في الآية العرب و كلمهم بالمنطق الذي يعتقدون به، و سألهم إذا كنتم تعدّون الملائكة بنات الله، فلما ذا تئدون البنت عند ما يرزقكم الله إياها؟!

بالطبع ترسبات هذا الفكر الجاهلي لا زال موجوداً في أذهان البعض، و لذلك عند ما يريدون رسم الملائكة يرسمونها على شكل بنات.

البنت كشدّة الورد

من المؤسف أنَّ هذا الفكر الجاهلي الخاطي ء لا زال يشغل حيزاً في أدمغة بعض العوائل و لا يرون مساواة بين الذكر و الانثى، و يتأذون من سماع ولادة بنتٍ لهم.

______________________________

(1) انظر تفسير الأمثل، 8: 197- 204.

امثال القرآن، ص: 260

هناك الكثير من الروايات في مصادرنا الإسلامية تبنّت الردّ على هذه الافكار، نشير إلى نموذجين منها، نأمل أن نزيل بهما و بالروايات الاخرى هذه الافكار المشؤومة.

1- بُشِّر النبيّ صلى الله عليه و آله بابنةٍ فنظر إلى وجوه أصحابه فرأى الكراهة فيهم، فقال: «مالكم؟

ريحانة أشمّها و رزقها على الله عزّ و جلّ». «1»

كثير من الاولاد كانوا وبالًا على والديهم و سبباً لنكستهم، و كثيراً من البنات كنّ سبباً لرفعة

رأس والديهن. إن فاطمة الزهراء (عليها السلام) كانت فخراً لابيها، و نسل الرسول صلى الله عليه و آله كله يرجع إلى هذه البنت.

2- جاء في ذيل الآية الشريفة: «وأمّا الغُلَامُ فَكَانَ أبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِيْنَا أنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً فأرَدْنَا أنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرَاً مِنْهُ زَكَوةً وَأقْرَبُ رُحْماً» «2» إنَّ الله رزق هذين الأبوين بنتاً كانت كشدة الورد، لا أنَّها لم تسبب نكسة للابوين فقط بل كانت سبباً لرفعة رأسهم، و ذلك لأنَّ سبعين نبيّاً كان من نسلها، «3» فهل هذه البنت شؤم و الذكر جيد و حسن؟!

وفقاً لآية المثل، إنَّ الكفار بالله و باليوم الآخر لهم أسوأ الامثال، و كلامهم بذي ء، و يعتقدون أنّ لله بنات، مع أنَّه ليس كذلك، فهو لم يلد و لم يولد.

لحيثيتين يحتاج الإنسان إلى ولده:

الاولى: أنَّ عمر الإنسان محدود، و يحتاج الإنسان إلى الاولاد لكي يحافظ على نسله.

الاخرى: لا يتمكن الإنسان الحفاظ على قواه حتى نهاية عمره، بل يضعف الإنسان كثيراً ببداية الكهولة، و حينئذٍ يحتاج إلى من يعتمد عليه و يعينه في تلك الأيام.

اما بالنسبة إلى الله، فهو أزلي و أبدي و لا معنى للموت بالنسبة إلى ذاته المقدسة، كما أنَّه قادر و قوي مطلقاً فلا يحتاج إلى الولد ذكراً أو أنثى.

اضافة إلى هذا، امتلاك الولد يستلزم الجسمانية، و بديهي أن ذات الحق ليست جسماً «تَعَالَى اللهُ عَنْ ذَلك عُلُوّاً كَبِيْرَاً».

______________________________

(1) وسائل الشيعة 15: 102.

(2) سورة الكهف: 80- 81.

(3) انظر نور الثقلين 3: 286- 287 نقلًا عن تفسير الأمثل 9: 295. امثال القرآن، ص: 261

المثل السابع و العشرون: عبيد الأصنام و عباد الله

اشارة

يقول الله تعالى في المثل السابع و العشرين و في الآية 75 من سورة النحل ما يلي:

«ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا عَبْدَاً مَمْلُوكاً لَا يَقْدِرُ عَلَى

شَي ءٍ وَمن رَزَقْنَاهُ منّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْرَاً هَلْ يَسْتَوُونَ الحَمْدُ للهِ بَلْ أكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ».

تصوير البحث

تحدّثت الآية عن عبيد الأصنام و المؤمنين. و يشبّه الله عبدة الأصنام هنا بالعبد المملوك الذي لا يملك شيئاً من المال، كما أنّه غير حرٍّ في اتخاذ القرار. أمّا المؤمنون فإنّ الله هو رازقهم، كما أنهم يشركون الاخرين بأرزاقهم، و ذلك بالانفاق سراً و جهراً.

ارتباط آية المثل بسابقاتها

تحدثت الآيات السابقة عن عبادة الأصنام، و عن سبب عبادة الإنسان لموجودات لا يمكنها حل أي مشكلة من مشاكله، رغم أنّه عاقل و المفروض بأعماله أن تكون هادفة.

من هنا جاء في الآية 73 من نفس السورة ما يلي: «وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُوْنِ اللهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُم رِزْقاً مِنَ السّمَاوَاتِ والأرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ».

دوافع العبادة

للعبادة دوافع عديدة، و من دوافع عبادة الله القادر هو قضية" شكر المنعم"، فالإنسان

امثال القرآن، ص: 262

عند ما ينظر إلى ذاته و حواليه يرى نفسه غارقة بالنعم العديدة من العين و الاذن و اليد و الرجل و الفكر و السماء و الأرض و الشمس و الهواء و الاشجار و الغابات و أمثال ذلك، و لهذا يحكم وجدانه بضرورة شكر المنعم و تقديره.

هل يمكن شكر المنعم دون معرفته؟ من هنا كان الشكر سبباً لمعرفة الله.

و عليه، شكر المنعم هو من دوافع عبادة خالق المخلوقات.

قد يكون المعبود خالياً من التأثير على حياة الإنسان، لا أنه لا فائدة فيه، و لا يزوّد عابديه بأي خير، بل إنّه لا يستطيع الدفاع حتى عن نفسه، و هو بحاجةٍ إلى حماية الاخرين. و إنّ موجوداً كهذا ليس أهلًا للعبادة، و لا شك أنّ عقل الإنسان يرفض هذا النوع من العبادة.

بالطبع، إنَّ عبدة الأصنام لا يعدون أصنامهم هي خالقة المخلوقات، بل حسب ما ورد في القرآن: لو سألناهم مَن خلق السماوات و الأرض لأجابوا: الله هو الذي خلقها «1» لا أصنامهم العاجزة. و هذا يكشف عن أنَّهم لم يكونوا مشركين في الخلق، كما أنَّهم كانوا يعدّون الله الرازق الوحيد. «2»

غاية الأمر أنَّهم كانوا يعتقدون أنَّ الاصنام تبتُّ بحل المشاكل بشكل مباشر و مستقل أو كشفعاء عند الله، لذلك

جاءت الآية 3 من سورة الزمر لتقول: «ألا للهِ الدّينُ الخَالِصُ والّذِين اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أوْلِيَاءَ ما نَعْبُدُهُمْ إلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إلَى اللهِ زُلْفَى».

لا شك أنَّ كلام المشركين باطل و واضح عدم صحته، كيف يمكن لأصنام أن تحلّ مشاكل الآخرين رغم أنّها عاجزة عن حلّ مشاكلها ذاتاً.

وفقاً لما جاء في النص القرآني، فإنَّ إبراهيم عليه السلام عند ما حطّم الأصنام (في تلك القصة المعروفة و الجميلة) قال: «أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُوْنِ اللهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلَا يَضُرُّكُم أُفٍّ لَكُم وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُوْنِ اللهِ أَفَلَا تَعْقلُونَ». «3»

______________________________

(1) جاء هذا المضمون في آيات عديدة، منها: الآية 16 من سورة العنكبوت و الآية 25 من سورة لقمان و الآية 38 من سورة الزمر و الآية 9 و 87 من سورة الزخرف.

(2) إنّ الآية 24 من سورة سبأ من جملة الآيات التي تدل على هذا المعنى.

(3) الأنبياء: 66- 67.

امثال القرآن، ص: 263

فالإنسان العاقل- إذن- لا يستسلم و لا يركع أمام أصنامٍ كهذه.

تعقيباً على ما ورد في هذه الآيات من نهي الإنسان عن عبادة الأصنام جاءت آية المثل.

الشرح و التفسير

الآية سعت للتمييز بين المؤمن (عبد الله) و المشرك (عابد الصنم)، فشبّهت المشرك بالرق الذي لا إرادة له بل إرادته تابعة لمولاه، كما أنّه لا يملك شيئاً من المال و لا يملك قرار نفسه، بل إنَّ بعض المالكين يجيزون لأنفسهم قتل عبيدهم في حالة الغضب و الضجر، فهم كانوا يعتقدون أنَّ المالك له الحق في التصرف بأمواله بأي شكل شاء. إنّ المشركين لهم شأن كهذا الرق الذي يفقد الارادة و الاختيار.

أمّا المؤمن الموحّد فهو بمثابة الإنسان الحر الذي رزقه على الله هنيئاً مريئاً، و يشرك الاخرين في هذا الرزق الحسن بالانفاق إليهم

في السر و العلانية.

هل يتساوى هذان الاثنان؟ طبعاً لا يتساوون.

إنَّ الذي جرّ هؤلاء المشركين إلى هذا العمل هو جهلهم.

خطابات الآية

1- العبيد في الإسلام

هل امتلاك العبيد أمر مطلوب؟

هل يسمح الوجدان البشري بممارسة العبودية؟

لماذا لم يحرر الإسلام العبيد عند ظهوره؟ و لما ذا لم يلغ هذه الظاهرة بالكامل؟

لماذا هناك احكام خاصة في الفقه تتعلق بالعبيد؟

لماذا لم يتساو العبيد و الاحرار في حقوقهم الإنسانية؟

و آخر سؤال هو: هل تتفق روحية العبودية مع الإسلام الذي هو دين فطري؟

إنَّ جواب الاسئلة الماضية نجدها في كتاب مستقل يحمل عنوان (الإسلام و تحرير

امثال القرآن، ص: 264

العبيد) «1» و كذلك في محال متعددة من تفسير الأمثل، رغم ذلك نشير إلى الاجابات بشكل مختصر هنا:

إنَّ تحرير العبيد من الأهداف المهمة لدين الإسلام، و قد تحقق هذا الهدف تدريجياً و بمرور الزمان. و ينبغي الالتفات هنا إلى أنَّ ظاهرة سيئة ما إذا تجذّرت في المجتمع فلا يمكن اقتلاعها في فترة قصيرة، بل ينبغي اتخاذ اجراءات ابتدائية خاصة لأجل اجتثاثها من المجتمع، و في غير هذه الحالة، فان مشاكل جمة ستواجه المجتمع و القائمين على اصلاح سلوكياته.

لو بتَّ الرسول صلى الله عليه و آله منذ البداية بإلغاء هذه الممارسة مباشرة، و قام المسلمون بتحرير عبيدهم (الذين يفقدون رأس المال) و بإخراجهم من بيوتهم، لأدى ذلك إلى مشاكل عديدة و مفاسد اجتماعية من قبيل السرقة و الزنا و اللواط، و هم في النتيجة سيهدمون أساس المجتمع، لذلك كان تحريرهم المفاجي ء أمراً غير صحيح.

من هنا وضع الإسلام منهجاً تدريجياً خاصاً لتحرير العبيد و لضمهم إلى المجتمع الحر و من دون حصول هذه المشاكل المحتملة.

عمل الإسلام في البداية على قطع مناشى ء التعبيد في المستقبل، لكي لا يُرقّ إنسان فيما بعد، و لم

يبق إلّا طريق واحد و هو الإسترقاق عن طريق الحرب، و ذلك عند أسر الأعداء، رغم ذلك جعل الإسلام بديلًا لذلك حيث منح المسلمين الحق في تحرير الاسرى أو تبديلهم بفدية، و من جانب آخر أكد على استحباب تحرير العبيد و فرض لذلك ثواباً عظيماً «2» لكي يتشجّع المسلمون على تحرير عبيدهم.

و قد ورد في بعض الروايات أن عليّاً أعتق ألف عبدٍ من كدّ يده. «3»

كما قد جاء في رواية أن الإمام الحسن عليه السلام حرّر جارية له بمجرد أن أهدت له يوماً زهرة،

______________________________

(1) الكتاب بالفارسية، و فى هذا المجال كتب عربية اخرَى، منها ما ورد فى الهامش اللاحق.

(2) راجع كتاب وسائل الشيعة، ج 61، أبواب العتق، الباب الأوّل.

(3) بحار الأنوار 14: 43.

امثال القرآن، ص: 265

و قال لها: «أنتِ حرة لوجه الله»، و بعد تعجب أحد أصحابه على عمله هذا، قال له: «أدّبنا الله تعالى». «1»

و تمشياً مع مبدأ التحرير المطلق للعبيد، فرض الإسلام تحرير الرقّ ككفارة لكثير من الذنوب.

إنَّ الشخص إذا أفطر في شهر رمضان عمداً، فعليه- اضافة إلى القضاء- الكفارة، و أحد خيارات الكفارة المفروضة هو تحرير عبدٍ، و كذا الحال بالنسبة إلى حنث اليمين و العهد و النذر فإنَّ تحرير عبد هو أحد الخيارات المفروضة هنا.

و بهذا المنهج الدقيق للإسلام تحقق التحرير التدريجي للعبيد، قبل أن تُعلن الدنيا عن قرار تحرير العبيد بمئات السنين.

2- العبودية المتطوّرة

يعتبر القرآن المجيد المؤمنين أحراراً و المشركين عبيداً. و من هنا ندرك أنَّ مصطلح (العبيد) لا ينحصر في معناه المتعارف، بل هناك أنواع اخرى للعبودية، و هي عبودية الشهوة و الهوى و الهوس و المال و الثروة و الجاه و المقام و أصناف اخرى للعبودية المتطوّرة.

يقول ابن عباس:

«إنَّ أول درهمٍ و دينارٍ ضرباً في الأرض نظر إليها إبليس فلمّا عاينهما أخذهما فوضعهما على عينيه، ثمّ ضمّهما إلى صدره، ثمّ صرخ ثم ضمهما إلى صدره ثمّ قال: أنتما قرة عيني، و ثمر فؤادي، ما ابالي من بني آدم إذا أحبّوكما أن لا يعبدوا وثناً، حسبي من بني أدم أن يحبّوكما». «2»

أي أن صنم المال و الثروة و عبودية المال و الدنيا هي أخطر من العبودية المتعارفة.

العالم اليوم الذي أعلن عن تحرير العبيد، هو في الحقيقة غيّر نوعية العبودية و لم يزلها بالكامل.

أرباب القوى العظمى عند تبريرهم للجرائم التي يرتكبونها يقولون بصراحة: إنَّ هذه الجرائم تقتضيها مصالحنا، فإنَّه لو لم يكن هناك حرب و إهراق للدماء و قتل و اختلاف و تفرقة، فإنَّ معامل الاسلحة ستتعطّل. ألم يكن هذا شركاً و عبادة للأصنام؟!

______________________________

(1) مسند الإمام المجتبى عليه السلام: 702.

(2) بحار الأنوار 7: 137.

امثال القرآن، ص: 266

أ ليس هؤلاء أسرى أموالهم و ثرواتهم و عبيداً لها؟!

هناك بعض يغتمون كثيراً و يقيمون العزاء لأجل حرمانهم من تجمّلات الدنيا و زخرفها! إن هؤلاء أسرى حقيقيون.

يوسف عليه السلام إنسان حرٌّ

المستفاد من القرآن المجيد هو أنَّ زليخا (زوجة عزيز مصر) لم تكن الوحيدة التي دعته لتنفيذ رغباتها و شهواتها الشيطانية، بل إنَّ كثيراً من نساء اشراف مصر و كبارها كنَّ يشجّعن يوسف عليه السلام على إطاعة زليخا و القيام بهذا العمل الشيطاني، لذلك جاء في كلام يوسف عليه السلام:

«رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إلي مِمَّا يَدْعُونَنِي إليْهِ». «1»

هناك احتمالات في مضمون الكلام المستخدم لتشجيع يوسف عليه السلام، فقد يكون مضمون الكلام هو: (يوسف! أنت شاب و زليخا إمرأة جميلة فلما ذا لا تستسلم لها)؟ و قد يكون: (إذا لم تهو جمال زليخا و حسنها،

فلا أقل فكّر في مقامها و جاهها، فانك قد ترتقي مقاماً من خلالها)، و قد يكون: (إذا لم تكن من أهل الجمال و الجاه و المقام، فخف انتقام زليخا و طعنها بك).

أما يوسف الحر فقد قاوم هذه الوساوس التي تقمّصت ثياباً جميلة و جذابة و رجّح عبودية الله على أي شي ء آخر و قال: «رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَى مِمّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ».

إلهي! إنَّ هذه النسوة الملوّثات يدعنني لتحمّل أسر الهوى و الهوس، و أنا أبغي الحرية و أحبها رغم أنّها قد لا تحصل إلّا في الزنزانات و السجون، و ذلك أحب إلي من أسر النفس الأمارة، يا إلهي العظيم!

إنّ هذه المحنة عصيبة جداً و أنا غير قادر عليها لوحدي فلا تتركني دون عناية منك، و لا تكلني إلى نفسي طرفة عين.

انَّ الله أعان يوسف الحر و جعله يعيش الحرية في سجون العزيز، التي اقترنت مع رفعة رأس و افتخار، كما أنها كانت مقدمة لحكومته و سلطانه و إثبات نزاهته و طهارته.

______________________________

(1) يوسف: 33.

امثال القرآن، ص: 267

إنَّ يوسف عليه السلام لو لم يذهب إلى السجن لما توافرت له فرصة تعبير المنام، و تعبير المنام لو لم تتوافر فرصته لما تبرّء من الاتهامات و لما اقترب من السلطان و لما حكم في النهاية.

إلهي! نحن جميعاً أسارى الهوى و الهوس نوعاً ما، لكن نحب أن تنقذنا من أسرنا، فأعنّا على ذلك.

علي عليه السلام حرٌّ آخر

من التفاسير الواردة في تفسير المؤمن الذي ورد في آية المثل هو الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام. «1» نعم إنّه كان حرّاً من عبودية الهوى و الهوس و المال و الثروة. كان ينفق كل ما عنده من ثروة في سبيل الله حتى في اثناء الصلاة.

نال الحكومة

الظاهرية بعد سكوت و قعود في البيت و مظلومية تحّملها مدة سنوات، و قد أصبح آنذاك حاكماً و ذا سلطة، رغم ذلك ما كان يجرؤ على التلاعب في بيت المال و إنفاقه بما تروق له نفسه. و قصته مع أخيه عقيل خير شاهد على هذا، و لنقرأ القصة على لسان أخيه هنا، و قد مرّت على لسان الإمام علي عليه السلام فيما سبق:

«أقويت (أي افتقرت) و أصابتني مخمصة شديدة، فسألته فلم تند صفاته (التعبير كناية عن بخل الإمام) فجمعت صبياني و جئته بهم و البؤس و الضر ظاهران عليهم. فقال: (ائتني عشية لأدفع إليك شيئاً)، فجئته يقودني أحد ولدي، فأمره بالتنحي ثم قال: (أ لا فدونك)، فأهويت حريصاً قد غلبني الجشع (الحرص الشديد) أظنها صرّة، فوضعت يدي على حديد تلتهب ناراً، فلمّا قبضتها نبذتها و خرت كما يخور (أي يصيح) الثور تحت جازره، فقال لي:

(ثكلتك امّك هذا من حديدة أوقدت لها نار الدنيا، فكيف بك و بي غداً إن سلكنا في سلاسل جهنّم)؟ ثم قرأ: «إِذْ الأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِم وَالسَلَاسِلُ يُسْحَبُونَ» «2» ثم قال: (ليس لك عندي فوق حقك الذي فرضه الله لك إلّا ما ترى) فانصرف إلى أهلك». «3»

______________________________

(1) منهج الصادقين 5: 212.

(2) المؤمن: 71.

(3) بحار الانوار 42: 118

امثال القرآن، ص: 268

إنَّ عقيل قام ليخرج بعد ما رأى في هذا الحاكم الصلابة و عدم استعداده للعدول عن طريق العدالة و لو للحظة واحدة.

هل نعلم على طول التاريخ حاكماً قادراً يعامل أخاه هذه المعاملة، التزاماً بالعدالة؟

إلهي! وفّق مسؤولينا للعمل كما كان يعمل الامراء الاحرار، لكي يقدموا الضوابط و القوانين على العلاقات.

امثال القرآن، ص: 269

المثل الثامن و العشرون: المؤمن و المشرك

اشارة

يقارن الله في الآية 76 من سورة النحل بين المشرك و

المؤمن و يقول:

«ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أحَدُهُمَا أَبْكَمْ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَي ءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَولَيهُ أيْنَمَا يُوَجِّهَهُ لَا يَأتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَويَ هُوَ وَمَنْ يَأمُرُ بِالعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيْمٍ».

تصوير البحث

عنت الآية بالمقارنة بين الإنسان المؤمن و الإنسان المشرك، و قد قارنت الآية بين الاثنين بمثل جميل و دقيق بحيث لا يمكن إثره انكار الفوارق بين الإنسانين، و بخاصة إذا لاحظنا الصفات التي ذكرت للمشرك في الآية، فانَّ ملاحظتها يفرض علينا القول بعدم امكانية المقارنة بينهما لشدة الاختلاف في هذه الصفات.

الشرح و التفسير

«وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ» في هذا المثل قارن الله بين شخصين الأوّل و هو المشرك يحمل الصفات الخمس التالية:

1- «أَحَدُهُمَا أبْكَمٌ» أي أنّه أخرس. و أبكم مفردة اخرى للاخرس، و الفرق بينهما أن الأخرس هو الذي عرضت له هذه الحالة أثناء حياته، و لم يكن أخرس منذ الولادة. أمّا الأبْكَم فهو الذي يلد على هذه الحالة.

امثال القرآن، ص: 270

و قد أضاف بعض من أهل اللغة أن الابكم هو الذي يكون على هذه الحالة منذ الولادة، و السبب عقلي أي الضعف في قواه العقلية، فهو يعاني من تخلف عقلي. و على هذا فإلّا بكم صاحب دماغ ضعيف و سقيم، و يشبّه الله المشرك بهذا الذي يلد ضعيف العقل.

2- «لَا يَقْدِرُ عَلَى شَي ءٍ» الخصلة الثانية لهذا الإنسان هي أنّه غير قادر على عمل شي ء، فهو ضعيف روحياً و جسمياً.

3- «وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَولَيهُ» الخصيصة الاخرى لهذا الإنسان أنّه كلٌّ أو ثقل على الآخرين، أي أنّ هذا العبد ثقل على مولاه.

المتعارف أنَّ الناس يقتنون العبيد لأجل حلِّ مشاكلهم، إلّا أن العبد هذا، لا أنه لم ينجز عملًا انتاجياً أو خدمة ما فحسب، بل هو مستهلك بحت و لذلك كان كلًا على مولاه.

4- نستفيد من العبارة الماضية أن هذا الشخص عبد و ليس حراً، بعبارة اخرى انه ملك لغيره لا لنفسه و لا يملك إرادة نفسه.

5- «أيْنَمَا يُوجّههُ

لَا يَأتِ بِخَيْرٍ» آخر خصلة له أنه لا يتوفّق في أي عمل يقدم عليه، و يرجع منتكس الرأس كلّما ارسل لقضاء حاجة.

و على هذا، فإنَّ المشرك يبدو شخصاً يحمل الصفات التالية:

1- عبد يفقد الارادة.

2- أبكم منذ الولادة.

3- لا يستطيع انجاز عملٍ ما.

4- كَلُّ على مولاه.

5- فاشل في جميع أعماله.

«هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ ...» أي هل يستوي هذا الإنسان الحامل لهذه الصفات مع إنسان ستأتي صفاته؟

الإنسان الآخر (المؤمن) الذي سنبتُّ بتوصيفه يحمل خصلتين ممتازتين و بارزتين:

1- «يَأمُرُ بِالعَدْلِ» أول خصائصه أنّه يأمر بالعدل و القسط، أي أنَّه عادل و يعمل طبقاً لما تستلزمه العدالة. و أمره بالعدالة يكشف عن شخصيته القيادية و الادارية.

امثال القرآن، ص: 271

2- «وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» فهذا الإنسان اضافة إلى عدالته و أمره بها، يحضى بخصيصة اخرى، و هي أنَّه يخطو على الصراط المستقيم.

قد يكون البعض من طلّاب العدالة و القسط في المجتمع، لكن بما أنّ مساعيهم لم تنشأ و لم تصب في الطريق الصواب و الصحيح فهي كثيراً ما تنتهي إلى الظلم و الجور. و قد نجد شخصيات من الشيوعيين يطالبون بالعدالة حقاً، لكنهم سلكوا طريقاً غير صائب لاجل تحقيق العدالة، فانتهى أمرهم إلى جرائم كثيرة و بشعة اقترفوها خلال سبعين عاماً من حكومتهم.

إذن، مثل المؤمن مثل الإنسان العادل و الطالب للعدالة الذي يسير على طريق الحق و الصواب، أما مثل الكافر فمثل العبد الابكم الذي لا إرادة له و ....

و هل يتساوى (مع هذه المفارقة) المشرك و المؤمن؟ لا شك أنه لا يوجد من ينكر المفارقة هذه.

خطاب الآية

الشرك و عبادة الأصنام في القرن العشرين

يتصور البعض أنّ عهد الشرك و عبادة الأصنام قد ولّى و لا يوجد مشرك حالياً، مع أنّ الواقع ليس كذلك، فهناك مشركون و

عبدة للأصنام؛ و ذلك لأنَّ للشرك (ذلك البلاء المهلك) أنواعاً و أقساماً كثيرة. من هنا قال القرآن: «وَمَا يُؤمِنُ أكْثَرُهُمْ بِاللهِ إلّا وَهُم مُشْرِكُونَ». «1»

نعم، إنَّ أكثر الذين يدّعون الايمان نجد في معتقداتهم عروقاً من الشرك تصب في قلوبهم.

لو قيل للذي ادّخر مالًا و أعدّ لنفسه ثروة ضخمة: انَّ هذه الثروة ليست لك، و أنت مجرد أمين عليها، فاعط المحتاجين كما نصّت الآية على ذلك: «وَأَنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكُم مُسْتَخْلَفِيْنَ فِيْهِ». «2»

______________________________

(1) يوسف الآية 106. و قد وردت رواية جميلة عن الباقر عليه السلام في ذيل هذه الآية يقول فيها: ( (هو قول الرجل: لو لا فلان لهلكت، و لو لا فلان لأصبت كذا و كذا، و لو لا فلان لضاع عيالي، أ لا ترى أنّه قد جعل لله شريكاً في ملكه يرزقه و يدفع عنه))؟ قال الراوي قلت: فيقول: لو لا أنّ الله منَّ عليّ بفلان لهلكت؟ قال: ( (لا بأس))، ميزان الحكمة، الباب 1992، الحديث 9309.

(2) الحديد: 7.

امثال القرآن، ص: 272

لأجاب: لي أولاد و بنات و هم مقبلون على الزواج و على دخول الجامعات، و مصارفهم كثيرة و ثقيلة ... إنّ هذا المسلم مشرك في الحقيقة؛ و ذلك لأنَّه غير مقتنع برازقية الله بشكل كامل، و توحيد رازقية الله عنده ناقص، و إلّا فإنَّ الله الذي كان قادراً على حفظ هؤلاء الأطفال في أرحام امهاتهم قادر على إعانتهم في الدنيا إلى نهاية عمرهم.

إنّ المترائين الذين يتظاهرون بعبادة الله أمام الناس، لأجل كسب العزة و الجاه عند الناس، هم في الحقيقة يمارسون الشرك بتظاهرهم هذا؛ لأنَّ الآية 26 من سورة آل عمران نصّت على أنّ الذل و العز بيد الله تعالى لا بيد هؤلاء الناس

الفقراء إلى ربّهم «قُلِ اللَّهُمَّ مَالك المُلْكِ تُؤْتِيَ المُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلّ مَنْ تَشَاءُ ...».

إنّ المشرك ضعيف و فاشل و وحيد دائماً، أما المؤمن الموحّد و الآمر بالعدل و السائر في الطريق الصواب فإنَّ الله معه دائماً.

لذلك يقول الله تعالى في الآية 51 من سورة غافر: «إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا والّذِيْنَ آمَنُوا فِي الحَياةِ الدُّنْيَا وَيَوْم يَقُومُ الأشْهَادُ».

كما قال الله في الآية 30 من سورة فصلت المباركة: «إنّ الّذينَ قَالُوا ربّنا اللهُ ثُمّ استَقَامُوا تتنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكةُ ألّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بالجَنّةِ الّتي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ» حسب ما صرّحت به هذه الآية، فإنّ الله يعين المؤمنين من خلال إرسال الملائكة إليهم.

و على هذا، فإنَّ الشرك (الذي هو منشأ كثيرٍ من المفاسد) لا زال موجوداً في عالمنا اليوم، و له أقسام عديدة على المؤمنين أن يتبرؤوا منها.

من الآيات التي فُسّرت في الإمام علي عليه السلام هي هذه الآية (آية المثل)، و حسب ما جاء في رواية وردت عن أهل البيت عليهم السلام: أنَّ المُرَاد من «مَنْ يَأمُرُ بِالعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» هو الإمام علي و الائمّة المعصومون عليهم السلام. «1»

بالطبع هذا لا يعني عدم شمول الآية للآخرين، بل الرواية تعني أنَّ علياً و الائمة عليهم السلام هم

______________________________

(1) انظر تفسير الأمثل ذيل الآية.

امثال القرآن، ص: 273

أبرز مصاديق هذه الآية. «1» نعم، إنّ عدالة علي عليه السلام بمستوى جعلته يستحوذ لا على قلوب المسلمين فحسب، بل على قلوب جميع الأحرار في العالم.

من هنا يقول الكاتب المسيحي (ميخائيل نعيمة): لا يختص علي بالمسلمين فحسب، بل نحن المسيحيون كذلك نحب علياً.

حقاً كما قال، و لو كان الإمام علي عليه السلام مختصاً بالمسلمين

فحسب لما كتب الكاتب المسيحي المعروف (جورج جرداق) كتاباً في علي عليه السلام أسماه: (صوت العدالة الإنسانية)، حيث تعامل فيه مع علي عليه السلام كمعاملة عاشق له، عاشق لفكره، عاشق لعدالته، عاشق لقلمه، عاشق لسلوكه و اخلاقياته، عاشق لتقواه. و يبدو أنَّ هذا الشخص ذاته الذي قال في علي عليه السلام: يا دنيا! مالك لو تستنفري جميع قواك ليكون لك رجل كعلي في كل قرن، لكن أسفاً أن الدنيا غير قادرة على ذلك.

هناك مطالب كثيرة وردت في عدالته، إلّا أنّ بعضها باعتبار شهرتها لم تنل الاهتمام الدقيق و الكافي.

إنَّ كثيراً من خطبه و رسائله في نهج البلاغة تحكي عن عدالته، منها قصته المعروفة مع أخيه عقيل التي قد أشرنا لها في البحوث الماضية مراراً، و هي تشكل قصة لا مثيل لها في التاريخ أبداً.

و في نفس الخطبة التي جاءت فيها قصة عقيل جاءت قصته مع الأشعث بن قيس المنافق الذي كان سبباً لكثير من الاختلافات و الاستفزازات و المؤمرات في عصر حكومة الإمام علي عليه السلام. إنَّ هذا المنافق تخاصم مع مسلم على قطعة أرض و قد وقعت اضبارة الاثنين بيد علي القدوة في العدالة. و في ليلة أراد الاشعث إرشاء علي عليه السلام بإهداء حلوى له فكان جواب علي هو النفي و التأنيب، فهي إمّا رشوة أو صدقة أو زكاة، و كلها حرام، فالرشوة حرام على جميع

______________________________

(1) و لأجل ذلك جاء في تفسير مجمع البيان 6: 537، أنّ المراد هو حمزة و عثمان بن مظعون.

امثال القرآن، ص: 274

القضاة، و أمّا الزكاة و الصدقة فهي حرام على آل الرسول جميعاً. «1»

أراد الأشعث المنافق أن يكسب الموقف و لو بطلي الباطل صبغة الحقّ، حيث قال:

إن هذه هدية، و هي لا تدخل في العناوين السابقة، و لكل مسلم الحقّ بأن يهدي، و ردّها غير صحيح. «2»

فاجابه: «هبلتك الهبول! أعن دين الله أتيتني لتخدعني؟ أ مختبط أنت أم ذو جنّةٍ، أم تهجر؟

و الله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها، على أن أعصي الله في نملةٍ أسلبها جُلب شعيرة ما فعلته، و إن دنياكم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة تقضمُها».

نعم، الدنيا التي تُقترف الجرائم لأجل كسب مقدار قليل من زينتها هي أهون من ورقة شجرة في فم جرادة.

علينا نحن الشيعة أن ندرس أنفسنا و نراجع لنعرف إلى أي مدى نتحلى بالعدالة العلوية؟

و أي مقدار فهمنا من دروس عدالة علي؟ و هل يا ترى خطونا الخطوات الكافية لأجل ذلك، أم أنّا شيعة في القول و اللسان فقط دون العمل؟ لا شك إذا كنا نبحث عن السعادة و النجاة، فلا مفرّ من العبور من صراط علي، كما علينا التزام حبه و عشقه دائماً، لأنَّ السعي لا يجدي نفعاً إذا لم يقترن بالحب.

______________________________

(1) علماً أنَّ الصدقات الواجبة (أي زكاة المال و الفطرة) فقط تحرم على السادة، أما المستحبة فهي غير محرمة عليهم.

(2) وردت روايات كثيرة حبذت على قبول الهدية مهما كانت قليلة. راجع ميزان الحكمة، الباب 4009.

امثال القرآن، ص: 275

المثل التاسع و العشرون: حديثو العهد بالإسلام

اشارة

يقول الله في الآية 92 من سورة النحل:

«وَلَا تَكُونُوا كَالّتي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أنْكَاثاً تَتَّخِذُونَ أيْمَانَكُم دَخَلًا بَيْنَكُمْ أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أرْبَى مِنْ أمَّةٍ إنَّمَا يَبْلُوَكُمُ اللهُ بِهِ وَلَيُبينّنّ لَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيْهِ تَخْتَلِفُونَ».

تصوير البحث

كان المسلمون في صدر الإسلام أقلية و المشركون يشكلون الأكثرية. و تلك الثلة من الشباب، الذين عشقوا الرسول و آمنوا به، كانوا يواجهون ضغوطاً من قبل عوائلهم و أصدقائهم و المجتمع المشرك عموماً، «1» فبعض منهم مثل أبي ذر و بلال و عمار قاوموا جميع الضغوط و ثبتوا على عقيدتهم و ضحّوا لأجلها و ماتوا و هم مسلمون، إلّا أنّ البعض الآخر لم يطق ملامة المحيطين به (و هم الاكثرية) و اعتراضاتهم، و ارتدّوا بعد ما اجتازوا مراحل الإسلام و الايمان الصعبة، و الآية هذه تعرضت للثلة الاخيرة من المسلمين المتزلزل إيمانهم.

الشرح و التفسير

«وَلَا تَكُونُوا كَالّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أنْكَاثَاً» يخاطب الله في هذه الآية حديثي العهد بالإسلام الذين تحمّلوا مشاق الإسلام و الايمان و تخطّوا مشاكل هذه المرحلة و تتوجوا

______________________________

(1) نحن الآن نعيش في نعمة كبيرة حيث ولدنا من أبوين مسلمين و في مجتمع مسلم، لذلك علينا شكر الله أولًا و الأبوين ثانياً و ما جرّبنا معاناة تلك الثلة المؤمنة.

امثال القرآن، ص: 276

بالإسلام أفضل دين سماوي، و يحذّرهم دون أن يكونوا كتلك التي نقضت غزلها بعد أن تحملت مشاق و متاعب الغزل و الحياكة. فإنَّ مثل الذي يرتد عن الإسلام و الايمان إلى الشرك كمثل تلك السفيهة أو البلهاء.

اختلف العلماء في اسم تلك السفيهة، فبعض قال: انها رائطة، و بعض قال: انها ربطة، و بعض آخر قال: إنّها رابطة. المهم أنها امرأة كانت تعيش في عهد الجاهلية و لشدة غبائها و بلهها كانوا يسمونها حمقاء.

إنَّ ما كانت تعمله هذه الحمقاء المتموّلة هو أنّها في صباح كل يوم كانت تعدُّ صوفاً و تأمر جارياتها بغزل الصوف، ثم تأمر الجاريات عصر ذلك اليوم بارجاع الغزل

إلى الصوف، أي تأمر بنقض الغزل. و عملها هذا كان يتكرر كل يومٍ.

يحذّر القرآن الكريم حديثي العهد بالإسلام أن لا يعملوا بايمانهم و اسلامهم كما كانت تعمل هذه المرأة الحمقاء بغزلها.

«تَتَّخِذُونَ أيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ» أي لا تتخذوا قسمكم ذريعة للخيانة و الفساد و لا تتماطلوا في بيعتكم مع الله.

«أنْ تكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أرْبَى مِنْ أمَّةٍ» أي لا تتخذوا قلتكم و كثرة المشركين ذريعة لنقض بيعتكم مع الله و رسوله، فإنَّ القلة و الكثرة ليستا إلّا ذرائع و تبريرات.

«إنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ» أي أنَّ هذه القلة في العدد هي امتحان لكم، و ما عليكم إلّا السعي لأجل اجتيازه بنجاح.

«وَلَيُبَيِّننَّ لَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيْهِ تَخْتَلِفُونَ» لا شك أنّ الله سيبّين للجميع يوم القيامة ما كان يختلف فيه الناس، و آنذاك سيندم الكفار و المشركون على عدم إيمانهم.

هذا المثل جميل و بليغ و جذّاب جداً، كما أنَّه تحذير للمسلمين على أن يغزلوا حبال إيمانهم باستحكام و قوة خوف النقض بعد هذه المشاق و المتاعب و خوف الوقوع في الشرك تارة اخرى.

خطابات الآية

1- إنَّ الصوف إذا لم يُفتل فلا فائدة فيه، و لا يمكن صناعة شي ء منه، أما عند ما يُغزل، فاذا

امثال القرآن، ص: 277

كان غزله رفيعاً و دقيقاً تبدل إلى خيوط تصلح لصناعة الاقمشة و السجاد، و إذا كان سميكاً تبدل إلى حبال و أمكن صناعة خيام صحراوية منه.

إنَّ المجتمع المتشتت و المتفرق كالصوف غير المفتول لا يصلح لشي ء، أما إذا اتحد و تلاحم، فانّ ذلك سيكون منشأ لخيرات و بركات كثيرة.

2- إنَّ الصوف في الحالات الاعتيادية ضعيف و هش و يذهب به الريح حتّى لو كان نسيماً، و لا قدرة له على المقاومة، رغم ذلك

فإنَّه لو افتل و غُزل باستحكام فقد نتمكن حمل أثقل السلع بواسطته، بل قد يتحكمون و يسيطرون على السفن الكبيرة من خلال ربط خطاف السفينة به.

3- إنّ السبب الوحيد لاستحكام هذا الصوف هو اتحاد و تلاحم فتائله. نعم؛ إنَّ اتحاد هذه الفتائل و التنسيق و التعاضد فيما بينها و ترك الاختلاف و التشتت هو منشأ لخيرات كثيرة.

و هذا يعلّم الإنسان أن في ذاته قابليات كثيرة تكمن و توجد فيه بالقوة، و هي قابليات إذا فتلت و استحكم غزلها فستثمر محاصيل جديدة اخرى مثل الارادة و وحدة الكلمة و الايمان و التوكّل على الله.

من هنا خاطب القرآن المسلمين بأنهم فُتلوا بالايمان، و على العاقل أن لا يفتح فتائل الايمان هذه.

لقد ورد في خطبة زينب (عليها السلام) عند ما وصلت بوابة الكوفة و خاطبت الناس هناك: «إنّما مثلكم كمثل الّتي نقضت غزلها من بعد قوّة ...». «1» و الواقع كذلك حيث بايعوا علياً في عهده و بايعوا سفير الحسين مسلم بن عقيل بعد ذلك. و هذا أمر أحكم غزلهم لكنهم نقضوا هذا الغزل إثر وعد و وعيد و تهديدات. و بذلك يثبت أنّ دعوتهم للإمام الحسين عليه السلام و إعلانهم عن الوفاء له لم تكن إلّا خدعة، و هم الآن يبكون و يقيمون المآتم عليه!

إنَّ الذي له باع في الأدب العربي و طالع خطبة زينب (عليها السلام) يدرك قيمة هذه الخطبة. و نحن نعتقد أنَّ زينب (عليها السلام) بعملها هذا هزت عرش حكومة الشام، و كانت المقدمة لسقوط بني أمُيَّة و الثورات و الحركات التي حصلت بعد ذلك الحين.

______________________________

(1) نقلًا عن كتاب (الإمام الحسن و الحسين) للعلامة السيد محسن الأمين العاملي: 256.

امثال القرآن، ص: 278

أهمية الوفاء بالعهد

هناك الكثير

من الروايات أكّدت على أهمية الوفاء بالعهد، نشير إلى ثلاث منها:

1- في حديث قصير للرسول صلى الله عليه و آله يقول: «لا دين لمن لا عهد له». «1»

هذا الحديث المهم يعني أنَّ الذي لا يلتزم بعهده يتساوى مع الذي لا دين له أبداً. و الذي يعاهد اليوم و ينقضه غداً هو إنسان دون دين، فإنَّ الإنسان الذي لا يفي بعهده أمام خلق الله سوف لا يفي بعهده أمام الله كذلك.

2- يقول الإمام علي عليه السلام في عهده لمالك الاشتر: «2»

«و إن عقدت بينك و بين عدوّك عقدة، أو ألبسته منك ذمة، فحط عهدك بالوفاء، وارع ذمتك بالأمانة، و اجعل نفسك جُنّة دون ما أعطيت، فإنّه ليس من فرائض الله شي ء الناس أشدُّ عليه اجتماعاً، مع تفرّق أهوائهم، و تشتُّت آرائهم، من تعظيم الوفاء بالعهودِ».

إنّ العالم اليوم يفي بالعهود و أكثر الدول تلتزم بما تعهدت به، و كذا الناس في عهد الجاهلية و عهد عبادة الاصنام، فإنّها سنة لم تختص بالقرآن و المسلمين فحسب بل عامة، و مما ينبغي على المسلمين هو وفاؤهم بعهودهم مع الله و مع خلقه.

3- يقول الإمام الباقر عليه السلام في حديث جميل له: «ثلاث لم يجعل الله عزّ و جلّ لأحد فيهنّ رخصة أداء الأمانة إلى البرّ و الفاجر و الوَفاء بالعهد للبرّ و الفاجر و برّ الوالدين بَرين كانا أو فاجرين». «3»

على ما قرأنا في الآيات و الروايات، فإنَّ الوفاء بالعهد يقع في صدر قائمة أعمالنا. و إذا أراد عبد أن يستجيب الله لدعوته و طلباته عليه أن يفي بعهوده مع الله.

______________________________

(1) ميزان الحكمة، الباب 2964، الحديث 14124.

(2) رغم مضي أكثر من ألف سنة على هذا العهد، إلّا أنا لا

زلنا نلمس طراوته، و كأنه لا يعتق أبداً، مع أنَّ ما يقوله أو يكتبه البشر يعتق بعد حين من الزمن حتى لو ترشح عن افكار النوابغ أمثال ابن سيناء. و كأنَّ السبب في طراوة كلام علي عليه السلام هو نشوؤه من علم متصل بالعلم الإلهي، و بما أنَّ العلم الالهي لا يعتق كذلك كلام علي عليه السلام.

(3) أصول الكافي كتاب الايمان و الكفر، باب برّ الوالدين، الحديث 15.

امثال القرآن، ص: 279

المثل الثلاثون: كفران النعمة

اشارة

يقول الله تعالى في الآيتين 112 و 113 من سورة النحل:

«وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأتِيْهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللهِ فَأذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الجُوعِ وَالخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ وَلَقَدْ جَائَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهُم العَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ».

تصوير البحث

تعرّضت الايتان إلى مصير اولئك الذين لا يشكرون نعمَ الله بل يكفرون بها، و لأجل ذلك استحقوا العذاب الشديد من الله.

الشرح و التفسير

«ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا قَرْيَةً» شبّه القرآن المجيد الكافرين بنعم الله و المنكرين لها بالقرية «1» المعمورة التي تحضى- بسبب عمرانها المادي و المعنوي- بالمواصفات الأربع التالية:

1- «آمنة»، إنَّ الأمان هو أوّل صفة لهذه القرية، و باعتبار أنَّ نعمة الأمان أهم النعم

______________________________

(1) إنَّ القرية في الاصطلاح القرآني لا تعني ما يقابل المدينة، بل تعني كل مكان معمور سواء كان قرية بالمعني المتعارف أو مدينة صغيرة أو كبيرة، و قد اطلق هذا المصطلح على عاصمة مصر في عهد يوسف عليه السلام.

امثال القرآن، ص: 280

الإلهية لذلك قدّمها على غيرها من النعم على ما يبدو.

في الحقيقة، الامان إذا كان مفقوداً في مكان ما فإنَّ المكان سيفقد الإقتصاد السليم، كما أنَّه سيفقد امكانية التعليم و الصناعة و التقنية الحديثة، و امكانية العبادة و أداء الشعائر الدينية، و خلاصة سوف لا يُنجز عمل بشكله الصحيح إذا لم يقترن بالأمان.

إنَّ شعب ايران الأبي سوف لا ينسى أنه كان يواجه مشاكل أثناء الدفاع المقدس «1» حتى في مجال العبادة، فقد يكون البعض في أثناء صلاته و يسمع صفارة الأنذار، الأمر الذي يوقع المصلي في حرج و مازقٍ روحي يجعله يشك في كيفية أداء عبادته. و على هذا، فإنَّ قضية الأمن تحضى بأهمية كبيرة تؤثر حتى على العبادة و كيفية أدائها.

عند ما وطأت قدما إبراهيم الخليل عليه السلام أرض مكة الجرداء، و بنى بين الجبال بيت الله الحرام، دعى لأهل تلك المدينة دعاءً ينقله الله في الآية 126 من سورة البقرة كما يلي: «رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدَاً آمِنَاً وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثّمَرَاتِ

مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخَرِ».

في هذه الآيات النورانية نقرأ أنَّ أوّل دعاء دعى به إبراهيم لأهل المدينة هو الأمن.

إنَّ عقوبات اولئك الذين يخلّون بأمن البلد و المجتمع هي من أشدّ العقوبات في دين الإسلام المقدس، و لذلك فرضت على" المحارب" عقوبات شديدة قد تصل إلى مستوى الإعدام.

إنّ السّراق المسلحين- سواء بالاسلحة النارية أو غير النارية- يُعدُّون محاربين و ينبغي عقابهم بأشد العقوبات، كما أنَّ الذين يخلّون بأمن منطقة واسعة يعدون (مفسدين في الأرض) و عقابهم الإعدام. «2»

2- «مُطْمَئِنَّةً» قد تحضى المدينة بأمان، لكنَّ أمانها متزلزل و غير ثابت، و قد تحضى بأمان ثابت و غير متزلزل، و الامان الذي أشارت إليه الآية هو الأمان المتواصل و الثابت.

3- «يَأتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدَاً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ» كما مضى فإنَّ الأمان يجلب كل شي ء حتى الإقتصاد السليم و القوي. في هذا البلد الذي أمن من السوء تأتي الناس أرزاقهم من كل مكان و صوب،

______________________________

(1) إن هذه الحرب التي فرضها نظام البعث في العراق بدأت بعد الثورة عام 1980 و انتهت عام 1988.

(2) تفاصيل الحدود الشرعية المفروضة على المحاربين و المفسدين في الأرض تجدها في جواهر الكلام 41: 564 فما بعدها.

امثال القرآن، ص: 281

و هناك مجالات كثيرة و متنوّعة لكسب الرزق.

4- «وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ» أي أنَّ الله إلى جانب ما وفَّر لهم من نعمٍ مادية (الأمان و الاقتصاد السليم) منحهم نعمة معنوية و هي إرسال نبيّ معصوم و بصير منهم؛ لكي يتمَّ تعاليمهم و معارفهم.

إنَّ أهل هذه المدينة يتمتعون بهذه الخصال الأربع و يعيشون في رخاء، رغم ذلك لم يشكروا الله على نعمه.

«فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللهِ فَأذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الجُوعِ والخَوفِ» إنّ أهالي هذه البلدة كفرت بدل أن تشكر

نعم الله، و كانت النّعم سبباً لتكبرّهم و غرورهم و أنانيتهم، فظلموا بدل أن يفيدوا من النعم بشكل صحيح، و كان نتيجة ذلك نزول العذاب الإلهي، و أذاقهم الله، إثر ذلك، الطعم المرَّ للجوع و سلب منهم الأمان، فكانت السرقات و الغارات تهددهم في كل وقت، و تسلَّط أوباشهم عليهم، و تدمَّر اقتصادهم إثر تزلزل الأمان عندهم.

سؤال: إنَّ تعبير «أذَاقَهَا» لا يتناسب مع تعبير «لِبَاسَ» بل المناسب هنا استخدام مفردة «ألْبَسَهَا»، فما سرّ هذا التعبير؟

الجواب: هناك نقطتان دقيقتان في مجال استخدام (اذاق) مع (لباس) نشير إليهما هنا:

الف- اللباس يضم الجسم كله و يحتويه، و كذا العذاب الإلهي فانه يشمل جميع القرية.

باء- بالنسبة إلى عبارة «أذَاقَهَا» ينبغي الالتفات إلى أنّ إحساس الإنسان و استيعابه ذات مراحل و مراتب:

قد يدرك الإنسان شيئاً من خلال حاسة السمع، كأن يسمع بصوت النار، فيدرك وجود حريق.

و قد يرى الإنسان النار فيستوعب وجودها بالباصرة، و هذا الادراك ذات مرتبة أعلى من سابقه.

و قد يلمس النار فيدرك وجودها، و هذا النوع من الادراك يقع في مرتبة أعلى من السابقتين.

و قد يدرك الإنسان الشي ء من خلال تذوّقه، و هذا أعلى درجات الاحساس. و سبب

امثال القرآن، ص: 282

استخدام الآية الشريفة لمادة الاذاقة هو أنها تريد الأشارة إلى شدّة إدراكهم و تحسسهم للعذاب الإلهي و طعمه المر.

«بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ» أي أنَّ صنيعة أهل القرية هو السبب في نزول هذا العذاب الإلهي، فانَّ الإنسان قد يقترف الذنوب التي ترجع عواقبها عليه، رغم صعوبة تحمّلها.

على سبيل المثال، إذا حلَّ النظام الطبقي في مجتمع ما، و كان الاغنياء لا يكترثون من معاناة الفقراء، فإنَّ الأمان الاقتصادي سيسلب من هذا المجتمع و تعود مردوداته جُلّها على الاغنياء أنفسهم،

و سبب ذلك ليس إلّا بخل الاغنياء و امتناعهم عن الانفاق و إعانة الفقراء.

لذلك جاء في رواية: «إذا بخل الغنيّ بمعروفه باع الفقير آخرته بدنياه». «1»

أي أنّ الفقر هو السبب في السرقات و في النهاية السبب في فقدان الأمن في المجتمع.

كما جاء في رواية اخرى: «سُوسُوا أموالكم بالصّدقة». «2»

أي أنَّ طريقة حفظ الأموال ليست هي ادخارها، بل في التصدُّق ببعضها لكي لا يؤدي نار الفقر إلى إحراق أمن المجتمع و إحراقها في النهاية.

خطابات الآية

1- العذاب و البؤس نتيجتان لأعمالنا

إن الذي يُستشفُّ من آيات القرآن، و بخاصة الايتين هنا، هو أنَّ مشاكلنا و ما نتحمله من العذاب هو نتيجة أعمالنا و أنَّ الله لا يظلم أحداً.

إذا كان معظم الشباب في مجتمع لا يتمتعون بأبسط وسائل العيش و لا يمكنهم التقدم على الزواج، و من جانب آخر فيه أفراد يتمتعون بأفضل وسائل العيش و يوفّرون لأولادهم مبالغ كبيرة كصداق لزواجهم و يصرفون الملايين في هذا المجال، و شاع في هذا المجتمع الفساد و الفحشاء و عدم الأمن، فهل المقصر في هذه الظواهر غير أفراد المجتمع ذاتهم؟! مَنْ يُلامُ غير أفراده؟

______________________________

(1) بحار الأنوار 47: 741، و نهج البلاغة، الكلمات القصار، الكلمة 364.

(2) نهج البلاغة، الكلمات القصار، الكلمة 146.

امثال القرآن، ص: 283

من هنا يقول القرآن المجيد في الآية (41) من سورة الروم: «ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ وَالبَحْرِّ بِمَا كَسَبَتْ أيْدِي النَّاسِ لِيُذِيْقَهُمْ بَعْضَ الّذِي عَمَلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ».

نعم، إنَّ منشأ جميع هذه المصائب و المشاكل هو ذات الإنسان. إنَّ الأب الذي لا يفكر إلّا في جمع المال و ادخاره و لا يكترث بتربية الأولاد و العائلة، إذا واجه في المستقبل مشاكل اخلاقية و مصائب من قبيل تعاطي أولاده للمخدرات، فلا يلوم إلّا نفسه؛ لأنّه هو

السبب في تلك المشاكل لا غيره.

عند ما اعتقلنا عام 1342 ه. ش بصحبة بعض الشخصيات السياسية و الدينية، و ارسلنا إلى معتقل طهران، كنا نسمع في بعض الأيام أصواتاً مرعبة، كنت أتصور أنها نتيجة التعذيب الروحي الذي كان يلحقه أفراد الأمن بالسجناء، إلّا أنّي علمت بعد ذلك أنّ منشأها هو المتعاطون للمخدرات و قد حان الوقت لتناولهم هذه المواد، و باعتبار فقدانها في السجن كانوا يواجهون آلاماً شديدة ... لا شك أنَّ هذه المصائب نتيجة لأعمالهم.

ليت النتائج تتوقف إلى هذا الحد، بل إنَّها قد تطال العرض، فيبيع هذا الشخص عرضه مقابل مقدار بسيط من هذه المخدرات.

شخص من أهل الهوى و الهوس كان يحب بنتاً و لا يتوفق للقاء بها رغم أنّه جرّب جميع الطرق، إلى أن فكّر في جرّ أخيها إلى المخدرات و تعاطيها، فتوفق في ذلك، و بعد الاعتياد عليه قطعها عنه، و قال له: لا طريق لك إليها بعد ذلك إلّا أن تصطحب اختك معك. و بذلك توفق من النيل من هذه البنت.

لقد استفاد العدو من طرق كثيرة لإيقاع شبابنا في الفخ. و المخدرات هي أحد تلك الطرق التي استفاد منها، و هو يعلم أنَّ الشاب الذي يتعاطى هذه المادة و يبتلي بهذا المرض يفقد إرادته و يمكن جرّه إلى أي عمل شاء.

2- هل كان وجود خارجي لهذه القرية؟

المستفاد من الآية هو أنَّ للقرية ذات المواصفات الاربع وجوداً خارجياً، لذلك كان النقاش بين المفسّرين في تحديد مكانها.

امثال القرآن، ص: 284

هناك احتمالات كثيرة نضمّن بحثنا هذا اثنين منها فقط:

1- يعتقد بعض المفسّرين أنَّ هذه القرية الآمنة هي مكة، «1» فهي مصداق بارز للقرية الآمنة، كما أنَّها في الحقيقة تحضى بنعمة توفّر جميع انواع الثمار فيها، و رغم أنها تفقد

بذاتها بعض النعم، إلّا أن ذلك البعض يفدها من باقي المناطق و الدول، و هي بذلك تحضى بنعم قلما نجد مكاناً يحضى بها.

عند ما هجر الرسول صلى الله عليه و آله مكة قاصداً المدينة، كانت مكة تعاني من الجفاف الذي دام سبع سنوات، و كانت هذه المحنة نتيجة كفرانهم نعمة تواجد الرسول فيهم، و قد بلغ بهم الجفاف أنَّ رسول الرحمة صلى الله عليه و آله أرسل لهم أغذية من المدينة، كما أنَّ الجفاف هذا اقترن مع فقدان الأمن فيها.

نعم، إنّ كفران النعمة سيتبعه عذاباً إلهياً و هذه سنة إلهية صادقة في كل مكان و زمان، و تكرّر في كل مكان تتكرر فيه كفران النعمة.

2- يعتقد بعض آخر من المفسرين أنّ المراد من هذه القرية هو مدينة سبأ «2» حسب ما جاء في سورة سبأ، فإنَّ تلك البلدة كانت عامرة كثيراً، و كان فيها سدّ يُدعى (مأرب) تبدلت هذه البلدة بفضل هذا السدّ إلى قطعة من الخضار، و كانت النعم فيها متوفرة بشكل لا يحتاج قاصدها إلى أن يصطحب معه غذاء و متاع؛ لأنَّه يكفيه أن يضع سلة على رأسه و يمشي في طرقها، فإنَّ السلة ستمتلئ بعد فترة وجيزة بثمار الاشجار التي في طرفي الشارع.

إنّ هذه المدينة كانت تتمتع بالأمن و الاستقرار و النعم الوافرة، إلّا أن أهلها اختاروا طريق الكفر لهذه النعم، فأوحى الله إلى فئران أن دمّري هذه المدينة، فأثقبت هذه الفئران السد، و توسعت هذه الثقوب تدريجياً إلى أن دمّرت السد في ليلة، و أخذ الماء بسيوله الجارفة المدينة بأجمعها و دمّر ما فيها من قصور و مزارع و بيوت و أشجار و بساتين. و كان التدمير إلى درجة اضطّر بعده

للهجرة من سلم من أهالي المدينة، و ما استطاعوا العيش فيها.

______________________________

(1) انظر تفسير مجمع البيان، 6: 390، التبيان 6: 432.

(2) انظر تفسير الأمثل 8: 311- 312.

امثال القرآن، ص: 285

لقد ذاق عصرنا حالياً ثمرة كفران النعمة، فاوربا قبل الحرب العالمية الثانية كانت غارقة في النعم و كانت مدنها معمورة و ذات حضارة متقدمة و تقنية عالية و ... فقد كانت تحضى بكل شي ء، إلّا أنَّ كفرانهم للنعم أبلاهم بحرب شاملة كان ضحيتها ثلاثين مليوناً من القتلى و ثلاثين مليوناً آخرين بين معوّق أو مجروح، و تدمّر إثر ذلك قسم كبير من أوربا.

و على هذا، فإنَّ الآيات هذه تحذير لنا بأن لا نكفر بنعم الله المعنوية و المادية، ما علينا هو شكرها.

امثال القرآن، ص: 287

المثل الحادي و الثلاثون: أمثال الكفَّار

اشارة

يقول اللَّه تعالى في الآية 48 من سورة الاسراء:

«انظُر كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطيعُونَ سَبيلًا».

تصوير البحث

هذا المثل يختلف عمَّا تقدَّم و عمَّا سيأتي من أمثال؛ لأنَّ الأمثال التي جاءت في القرآن أوضحت أموراً عقلية معقَّدة و غير حسية، أمَّا هذه الآية فحكت الأمثال التي جرت على ألسن الكفَّار في حق الرسول صلى الله عليه و آله، و هي أمثال استهدفوا بها الإضلال، عكس أمثال اللَّه حيث استهدفت الهداية و الإرشاد.

الشرح و التفسير

لأجل معرفة ما جاء على لسان الكفار في حق الرسول صلى الله عليه و آله ينبغي الرجوع إلى الآيات التي سبقت هذه الآية.

يقول اللَّه في الآية 45 من سورة الاسراء:

«وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَايُؤمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَاباً مَسْتُوراً».

ما هو الحجاب المستور؟

اختلف المفسرون في معنى الحجاب المستور، فبعض اعتبره الستار الحقيقي الذي يمنع من

امثال القرآن، ص: 288

رؤية الأشياء التي خلفه. و عند ما كان الرسول صلى الله عليه و آله يتلو القرآن يُجعل ستار حائل بينه و بين الكفار يمنع من رؤيتهم إيَّاه، لكنهم كانوا يسمعون صوته. و المراد من المستور هنا هو غير المرئي، أي أنَّه كان ستاراً لا يُرى بالعين يُجعل بين الرسول صلى الله عليه و آله و الكفار.

فلسفة هذا الستار غير المرئي هي أنَّ الرسول صلى الله عليه و آله عند ما كان ينشغل بتلاوة القرآن يقرأ آيات في ذمِّ الكفّار و المشركين و الأصنام و آيات عن مستقبل الاسلام و انتصاراته ممَّا قد يغيظ الكفار و يجعلهم ينفجرون غيضاً و كمداً، و هو أمر يشكِّل خطراً على حياة الرسول؛ لاحتمال هجومهم على الرسول و تعرّضه لبعض المساوئ، و قد جعل اللَّه هذا الستار لكي يحول بينه و بينهم «1».

يعتقد بعض آخر من المفسرين أنَّ عبارة «حجاباً مستوراً» كناية عن الحجاب المعنوي من اللجاجة و التعصّب و الجهل و العداوة، فهذه الصفات المذمومة تبلورت على نحو حجاب للمشركين حالت دون فهمهم آيات القرآن، التي هي سبب هداية القلوب و ضيائها، لكنها لا تؤثر في هذه القلوب بسبب هذا الحجاب المضمر «2».

إذن، كلا التفسيرين في مقام بيان مفهوم أنَّ هذا الحجاب كان مانعاً عن نفوذ الآيات في قلوب المشركين.

جاء في الآية 46

من نفس السورة:

«وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي القُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أدْبَارِهِمْ نُفُوراً».

بلغ تعصّبهم و لجاجتهم مستوى جعلهم يولّون أدبارهم عن الحق و يعرضون عنه نفرةً منه بدلًا من أن يولوا أدبارهم عن الباطل و يعرضوا عنه.

و لهذا جاء التعبير العجيب و اللافت التالي على لسان نوح عليه السلام في الآية 7 من سورة نوح:

«وَإنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُم جَعَلُوا أصَابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأصَرُّوا وَاسْتَكْبَروا اسْتِكْبَاراً».

الآية تحكي مستوى جهل و عناد معاصري النبيّ نوح عليه السلام حيث ما كانوا يكتفون بوضع

______________________________

(1) انظر مجمع البيان 6: 418.

(2) انظر تفسير الأمثل 9: 18- 22.

امثال القرآن، ص: 289

أصابعهم في آذانهم بل كانوا يستغشون ثيابهم و يضعونها على رؤوسهم لكي ينتفي بالكلية احتمال سماعهم شيئاً من كلام نوح عليه السلام الحق.

نعوذ باللَّه جميعاً من بلاء التعصّب و اللجاجة و حفظنا من حريق ناره.

و جاء في الآية 47 من سورة الاسراء:

«نَحْنُ أعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعونَ بِهِ إذْ يَسْتَمِعُون إلَيْكَ وَإذْ هُمْ نَجْوى إذ يَقُولُ الظّالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ إلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً».

و الآية تشير إلى شيطنتهم من الاستماع ثم التسقيط و التنقيص بغية منع الناس من الإهتداء، فيناجي أحدهم الآخر و يقول: إنَّ النبي رجل مسحور.

إنَّ الرجل المسحور يُعدُّ من الأمثال التي قالها المشركون في حق الرسول.

ما تعني المسحور؟

عرب الجاهلية كانوا يرون سبب الجنون مساس الجن أو حلوله في الانسان «1» و يدعون الذي حلَّ فيه الجن مجنوناً، كما يرون سبباً آخر للجنون، و هو سحر السحرة و يدعون المبتلى بهذا مسحوراً.

و بناءً على هذا شبَّه المشركون الرسول صلى الله عليه و آله بالمسحور علَّهم بذلك يحولون دون ترك أثر لكلام الرسول الجذّاب

في قلوب الناس.

يستفاد من آية المثل الشريفة أنَّ المشركين كانوا قد ضربوا للرسول أكثر من مثل واحدٍ عَدُّوه فيها مسحوراً أو مجنوناً أو كاهناً «2» و ساحراً و شاعراً.

أسلحة الجاحدين

على طول التاريخ كان و لا زال الرسل و أوصياؤهم و الأئمة و نوّابهم الخواص و العوام

______________________________

(1) و لأجل ذلك كانوا ينهالون على المجانين بالضرب.

(2) الكاهن هو الذي يتنبّأ و يُخبر عن الغيب، و قد كان معروفاً أنَّ الكهنة كانوا ذا علاقة بالجن و الشياطين، و كانوا يستلمون الأخبار منهم.

امثال القرآن، ص: 290

و العلماء و الفقهاء و كلُّ من خطى خُطاهم موضع إتِّهام من قبل الجاحدين و منكري اللَّه، و لا ينفكون دائماً عن إلصاق مختلف التهم و التخرُّصات و الأكاذيب بهؤلاء الثلَّة من سالكي طريق الحق و الحقيقة لغرض إبعاد طلَّاب المعارف الإلهية عنهم، كما فعلوا ذلك عند الثورة الاسلامية في إيران و قد شهدنا الأعداء دائماً يلصقون التُّهم بالثوّار و بالامام رحمه الله و بأتباعه و أنصاره الأوفياء، لكنَّا نعلم جميعاً أن حبل الكذب قصير، و لا تبقى الحقيقة خافية دائماً.

من التهم التي الصقوها بالرسول صلى الله عليه و آله تهمتان رائجتان سبق و أن اتُّهم بهما باقي الأنبياء، و هما: ساحر و مجنون، و في ذلك يقول القرآن:

«كَذَلِكَ مَا أتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إلَّاقَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ» «1».

كما قلنا فإن هذه التهم و التخرُّصات ما كانت إلَّا لإغفال الناس، لكنها لم تترك أثراً، لذلك ما انفكوا عن تبديلها و تغييرها إلى مستوى التناقض أحياناً من قبيل نسبة السحر و الكهانة و الجنون للرسول و هي متناقضة؛ لأن السحر و الكهانة يستدعيان الذاكرة القوية و الذهنية الناشطة، و لا يمكن لمجنون

أن يكون ساحراً أو كاهناً.

الحقائق المستبطنة في الاتهامات

في هذه الاتهامات حقائق مستبطنة ينشرها الأعداء بنحوٍ لا إرادي، فهم ينسبون الجنون و السحر للرسول مثلًا، و فلسفة هذه النسبة المستقبحة أنهم جاءوا للرسول و قالوا له: ما الهدف من دعوتك للدين الجديد؟ إذا كان هدفك جمع المال فسنعطيك مالًا تصبح به اغنى رجال مكة و إن كنت ترغب الزواج فسنزوّجك أفضل نساء مكة، و إذا كنت ترغب في الرئاسة فسنجعلك رئيساً علينا.

لكن الرسول صلى الله عليه و آله أجابهم بعبارته التالية: «و اللَّه لو وضعوا الشمس في يميني و القمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يُظهره اللَّه أو أهلك فيه ما تركته» «2».

______________________________

(1) الذاريات: 52.

(2) سيرة ابن هشام 1: 265.

امثال القرآن، ص: 291

و لأجل هذا الجواب الصريح كانوا ينسبون له الجنون؛ لأن شخصاً يترك أفضل النساء و الجاه و المقام و الثروة لغرض الدعوة للتوحيد لا بدَّ و أن يكون- حسب عقليتهم- مجنوناً.

نعم، إنَّ الموحِّدين مجانين من وجهة نظر عبدة الدنيا، الموحِّد عند ما يجد ضالة في الشارع أو الزقاق يسعى متواصلًا للحصول على صاحبها، و هذا العمل يُعدُّ جنوناً من وجهة نظر الدنيويين؛ لأن العقل من وجهة نظرهم هو عبادة الدنيا، أمَّا الطهارة و التقوى فجنون!

من هذه التهم التي أطلقها الأعداء نفهم أن الرسول صلى الله عليه و آله كان رجلًا لا يراهن على مبادئ الاسلام و لا يستبدلها بأي شي ءٍ، و لذلك دُعي مجنوناً و مسحوراً.

و نستفيد من نسبة الكهانة إليه أنه كان يعلم الغيب و يخبر عنه دون أن يخطأ بحيث يصدق إخباره و يتطابق مع الواقع، و لهذا جاء ما يلي في الآيات الاولى من سورة الروم:

«غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الأرْضِ

وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ للَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ ومِنْ بَعْدُ ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ».

وفقاً للآية غُلبت الروم بواسطة الفرس، و بعد فترة غير طويلة غلبت الروم الفرس، و تزامن مع ذلك انتصار المسلمين، و عند ما شاهد الكفار تحقُّق هذا الأمر و صدق إخبار الرسول بالغيب نسبوا إليه الكهانة، و اين هو من الكهانة مع أن إخباره عن الغيب يكشف عن واقع و حقيقة مستقبلية لا كذباً و لا وهماً.

لماذا نسبوا إليه الشعر؟

سبب نسبة الشعر إلى الرسول صلى الله عليه و آله هو أنَّ آيات القرآن كانت فصيحة و بليغة و موزونة بدرجة استقطبت قلوب الناس، فما كان مفرٌّ للكفار إلَّا أن يقولوا: إنَّه شاعر، و قد أجابهم القرآن الكريم من الآية 69 من سورة ياسين بما يلي:

«وَمَا عَلَّمنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إنْ هُوَ إلَّاذِكْرٌ وقُرآنٌ مُبِينٌ».

نسبة الشعر للرسول صلى الله عليه و آله تكشف عن جاذبية و لطافة و ظرافة في القرآن.

و نسبة السحر للرسول صلى الله عليه و آله تحكي عن آثار مهمة و معجزة ترشَّحت عن الرسول صلى الله عليه و آله، الأمر الذي أعجزهم عن مواجهته بالحق و الحقيقة و الواقعية فاضطرَّهم ذلك لإلصاق هذه

امثال القرآن، ص: 292

التهمة، و قصة أسعد بن زرارة التي مضى ذكرها في الجزء الاول شاهد حسن على ما نقول.

خطاب الآيات التربوي

الآيات المزبورة تعلِّمنا أنَّا إذا أردنا إدراك الحقيقة فعلينا إزالة الحُجُب التي تمنع من الإدراك و بخاصة حجاب التكبّر و التعصُّب و الأنانية و اللجاجة، و إذا لم تزل هذه الحجب فسيبدو الباطل حقاً، و عندها ينحرف الانسان عن طريق الحق.

يقول الرسول صلى الله عليه و آله:

«مَن كانَ فِي قَلْبِه مِثْقالُ حبَّة مِن خَرْدَلٍ من عصبيّة بعثه اللَّه يوم القيامة مع أعراب الجاهلية» «1».

إذن، ينبغي إزالة حجاب التعصُّب لرؤية الحق.

______________________________

(1) ميزان الحكمة، الباب 2743، الحديث 12733.

امثال القرآن، ص: 293

المثل الثاني و الثلاثون: المستكبرون و المستضعفون

اشارة

إثنى عشر آية من سورة الكهف (و هي الآية 32 إلى 44) تشكِّل المثل الثاني و الثلاثين من بحثنا، يقول اللَّه في هذه الآيات:

«وَاضرِب لَهُم مَثَلًا رَجُلَينِ جَعَلْنَا لأحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أعْنَابِ وحَفَفْناهُما بِنَخلٍ وجَعلنا بَيْنَهُما زَرْعاً* كلتا الجَنَّتَينِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظلِم مِنْهُ شَيئاً وفجَّرنَا خِلالهُمَا نَهَراً* وكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصَاحِبِه وهَوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أكْثَرُ مِنكَ مَالًا وأَعَزُّ نَفَراً* وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفسِه قَالَ مَا أُظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَداً* وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْهَا مُنقَلَباً* قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحاورُهُ أكفَرْتَ بالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا* لَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَداً* وَلَولَا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا باللَّهِ إنْ تَرَنِ أَنَا أقَلَّ مِنكَ مَالًا وَوَلَداً* فَعَسى رَبِّي أَن يُؤتِيَنِ خَيْراً مِن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسَباناً مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً* أوْ يُصِبحَ مَاؤُهَا غَوْراً فَلَن تَستَطِيعَ لَهُ طَلَباً* وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأصْبَحَ يُقلِّبُ كَفَّيهِ عَلَى مَا أنَفَقَ فِيهَا وهي خَاويةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَداً* وَلَمْ تَكُن لَهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ

مِن دُونِ اللَّهِ ومَا كَانَ مُنتَصِراً* هُنَالِكَ الوَلايةُ للَّه الحَقِّ هُوَ خيرٌ ثَوَاباً وَخيرٌ عُقْباً»

تصوير البحث

تضمَّنت الآيات الإثنى عشر مثلًا هو من أكبر أمثال القرآن، و هو مثل المؤمنين و الكافرين

امثال القرآن، ص: 294

أو المستكبرين و المستضعفين، فشبَّه اللَّه الطائفتين بشخصين، أحدهما: ثري و مغرور بماله و ثروته، و الآخر: مستضعف لكنه موحِّد. و نهاية هذين الشخصين زوال ثروة الثري و فناءها، ممَّا أدى إلى استيقاظه من نوم الغفلة. و المثل يستبطن نكات ظريفة و لطيفة نعرض لها تدريجياً.

علاقة آيات المثل بسابقاتها

لماذا طرح اللَّه هذا المثل ضمن هذه السورة؟ و هل هناك علاقة بين آيات المثل و الآيات التي سبقتها؟

الجواب: إذا راجعنا الآيات السابقة للمثل وجدنا علاقة بينها و بين آيات المثل، و بذلك تبدو ضرورة بيان هذا المثل في هذه السورة.

و لأجل ذلك يقول اللَّه في الآية 28 من نفس السورة:

«وَاصْبِر نَفْسَك مَعَ الّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالغَدَوة والعَشِيِّ يُريدُونَ وَجهَهُ وَلَا تعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَة الحَيَاةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أغْفَلنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا واتَّبعَ هَواهُ وَكَانَ أمْرُهُ فُرُطاً».

قيل في شأن نزول الآية: إنَّ مجموعة من أثرياء العرب المشركين جاءوا للرسول صلى الله عليه و آله و أعربوا عن رغبتهم للإلتحاق بدين الرسول و لكنهم قالوا: ما يمنعنا من الالتحاق بركبك وجود فقراء حواليك من أمثال سلمان و أبي ذر و صهيب و خبَّاب، فلا تناسب بيننا و بينهم فأبعدهم عنك لكي نلتفَّ حولك «1».

و لهذا الشأن نزلت الآية و أوضحت معيار الاسلام الأصيل و منهجه في هذا المجال، و أوضحت وظيفة الرسول صلى الله عليه و آله تجاه القضية.

تحطيم القيم الكاذبة من أهداف الأنبياء

من الأهداف المهمة للأنبياء و الأولياء و بخاصة الرسول الكريم صلى الله عليه و آله هو تحطيم القيم الكاذبة؛ لأنه كان للمال و الثروة أرفع قيمة من وجهة نظر عَبَدَة الأصنام عهد الجاهلية، و لا

______________________________

(1) انظر تفسير الأمثل 9: 228- 229.

امثال القرآن، ص: 295

زالت هذه النظرة تحكم عالمنا اليوم، و لا تنتظم الحياة الدنيا ما دامت هذه القيم الكاذبة تحكم مجتمعاتنا.

عند ما بُعث الرسول صلى الله عليه و آله و أنبأ عن دينه الجديد قال بعض مشركي مكة: تعالوا اسمعوا خبراً جديداً، إنَّ يتيماً فقيراً لا يملك مالًا يدَّعي النبوّة و يبلّغ لرسالة جديدة

من اللَّه، و هل هذا ممكن؟ و لو أراد اللَّه أن يبعث لنا رسولًا فلما ذا لم يبعث واحداً من أثرياء مكة أو الطائف؟

«وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا القُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ» «1».

سبب تفوّه المشركين بهذا الكلام هو أنهم كانوا يصنّفون المال و الثروة في أعلى مرتبة للقيم، و قد سبقهم في ذلك فرعون، فعند ما دعاه موسى عليه السلام إلى الدين الالهي نظر إلى ظاهره و قال ضاحكاً: و هل يمكن لراعٍ أن يكون نبياً؟ أنا لا أستسلم لراعٍ مع ما أملك من ثروة و سلطة.

نعم، كانت السلطة و الثروة تشكّل أعلى مراتب القيم عند هؤلاء الناس، و كانت بعثة الرُسُل لغرض تحطيم هكذا قيم سقيمة.

في آيات كثيرة من القرآن المجيد عدَّ اللَّه القيم الدنيوية كالمال و البنون لعباً و لهواً «2»، كما اعتبر القيمة الحقيقية تتمثّل في التقوى «3».

من هنا قال اللَّه في الآية 33 من سورة الزخرف:

«وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ امَّةً وَاحِدَةً لجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بالرَّحْمنِ لِبيُوتِهِم سُقُفاً مِنْ فِضَّةِ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرونَ».

و في الآية 53 من نفس السورة يتحدَّث فرعون عن نبوّة موسى عليه السلام و يقول لمن حواليه و للمصريين: «فَلَوْلَا القِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ المَلائِكَة مُقْتَرِنِينَ» و يريد بذلك أنَّ على الرسول أن يكون ثرياً.

بُعث الأنبياء لإبطال هذه التوهّمات و تحطيم هذه القيم الكاذبة، و آية المثل الكريمة تدخل

______________________________

(1) الزخرف: 31.

(2) جاء هذا المضمون في آيات عديدة من قبيل: الآية 32 من سورة الأنعام، و الآية 64 من سورة العنكبوت، و الآية 36 من سورة محمّد.

(3) الحجرات: 13.

امثال القرآن، ص: 296

في هذا الاطار، أي أنَّها تريد تحطيم هذه القيم الكاذبة، حيث قالت:

«واصْبِر نَفْسَكَ

مَعَ الَّذِين يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالغَدَوة والعَشِيّ يُريدَون وَجْهَهُ» أي عليك يا أيها الرسول أن تكيِّف نفسك مع أمثال سلمان و أبي ذر و بلال و صهيب الذين يدعون ربَّهم دائماً و يتوجّهون إليه رغبة في وجهه الكريم رغم فقرهم و فقدهم للمال و الثروة و غيرها من القيم الدنيوية الكاذبة.

«وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُم تُرِيدُ زِينَةَ الحياة الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أغْفَلنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنا» أي لا تتناسهم رغبة في زينة الحياة الدنيا و طاعة لمن غفل قلبه عن ذكرنا، أي ذكر اللَّه.

«واتَّبَعَ هَواهُ وَكَانَ أَمرُهُ فُرُطاً» «1» فإن هؤلاء الأثرياء تابعون لأهوائهم، و أعمالهم لا تخلو عن الإفراط و التفريط.

المستفاد من هذه الآية أن الاسلام للمستضعفين و الفقراء لا الأثرياء المغرورين.

كان هذا المنطق و النهج عجيباً للبعض لذلك ضرب لهؤلاء مثلًا أوضح فيه شأن المستضعفين و المستكبرين لكي تتضح من خلال ذلك القضية للجميع.

الشرح و التفسير

«وَاضْرِب لَهُم مَثَلًا رَجُلَيْن»

يطلب اللَّه من الرسول أن يضرب لهم مثل رجلين أخوين أو صديقين.

اختلف المفسرون في أنهما كانا صديقين أو أخوين، فبعض قال بأنهما كانا أخوين بلغهما ثمانية آلاف درهم كإرث من أبيهما، أحدهما اشترى بمقدار قليل من الأربعة آلاف درهم وسائل بسيطة يعيش بها و انفق ما تبقى أمَّا الآخر فاستهلك سهمه من الإرث كله لأغراضه الشخصية و لم ينفق منه في سبيل اللَّه و لا درهماً، فأصبح صاحب رأس مال و بستان و حياة مرفّهة، و الآية تشير إلى قصة هذين الأخوين.

______________________________

(1) الكهف: 28.

امثال القرآن، ص: 297

يرى بعض آخر من المفسرين أنَّ الرجلين كانا صديقين و لا نسبة بينهما «1».

مضمون الآيات يفيد أنَّ النظرية الثانية هي الصحيحة، أي أن المراد من رجلين هو صديقان لا أخوان.

المطلب الآخر الذي

يمكن استفادته من الآيات هو أن الآيات ليس بياناً محضاً لمثلٍ كما ظن البعض ذلك، بل هي بيان لقصة حقيقية حصلت في الأزمان الماضية بيَّنها اللَّه في صيغة مثل.

«جَعَلْنا لأحَدِهمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنهُما زَرْعَاً كِلْتا الجَنَّتَينِ آتَتْ اكُلَهَا وَلَمْ تَظلِمْ مِنْهُ شَيئاً وَفجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَراً وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ».

المستفاد من عبارة «وَفَجَّرْنَا خِلالَهُما نَهَراً» أن البُستان كان يُسقى من الخارج، ثم اكتفى ذاتياً من حيث السقي بعد ما فُجرِّ النهر في داخل ارضه.

«فَقَالَ لِصَاحِبِه وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَراً».

عند ما ينال ضيّقو الصدر و المغرورون شيئاً من مال الدنيا و يبلغون مستوى فيها يبدون و كأنَّ الزمان و المكان يدين لهم، فبعضهم عند ما يبلغ شأناً في المجتمع ينسى صديقه الذي كان إلى جنبه مدَّة سنوات، و عند ما يلتقيه يتصرَّف و كأنَّه لم يلتقِ به من قبل. إن صاحب البستان الثري الذي تحدَّثت عنه الآية كان من هذا القبيل، فقد اغترَّ بنفسه عند ما شاهد بستانه و النهر الذي يجري فيه و ما انتج من ثمار، فكان يتفاخر بما حصل و ينظر إلى صديقه القديم و الفقير نظرة تحقير و يقول: أنا أكثر منك مالًا و أعزُّ نفراً من العمال و المزارعين و الحشم و الخدم.

«وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لَنْفسِهِ قَالَ مَا أظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَداً» أي أنه ما كان يظن أن بستانه سيفنى يوماً ما بل سيبقى دون أن يزول بآفة أو ما شابه.

عبارة «وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ» تشير إلى أن كل ظالم يبدأ بظلم نفسه في البداية ثم ظلم الآخرين، كما هو حال المحسنين حيث يفيدون أنفسهم بأعمالهم الصالحة ثمّ يفيد الآخرون بها.

على أي حال، نسى

هذا المغرور ذكر اللَّه الذي خلق له هذه الجنَّة و الذي يمكنه أن يفنيها في كل لحظة بحيث لا يبقى لها أثر مذكور.

______________________________

(1) أشار الطبرسي قدس سره في مجمع البيان 6: 468، إلى كلا النظريتين.

امثال القرآن، ص: 298

«وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمةً وَلئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْهَا مُنْقَلَباً».

لقد أنكر هذا الرجل يوم القيامة بسبب تفاخره و غروره و نسيانه ربّ العالمين، و بلغ جحوده مستوى أن قال لصديقه: لا أظن أنَّ هناك قيامة، و لو كانت هناك قيامة كان ذلك يعني موتي و انفصالي عن أموالي وجنتي و زراعتي، و أنا لا اريد الانفصال عن الدنيا لذلك أنكر يوم القيامة.

ثمّ قال: على فرض وجود قيامة فإنِّي سأكون من المقرّبين كذلك، و لو لم أكن من المقرّبين لما أعطاني اللَّه هذا المقدار من المال و الثروة، فكثرة الثروة دليل على قربي إلى اللَّه في عالم الآخرة- على فرض وجوده- و سأكون هناك أقرب منك إلى ربِّ العالمين.

هذا هو ظن كثير من الأثرياء، جهلًا منهم بأنَّ ذلك اختبار إلهي و قد يكون بلاءً.

«قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أكَفَرْتَ بالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمّ مِن نُطْفَة».

صديقة الفقير صاحب الصدر المشروح يرى رفيقه مريضاً فيهمُّ في علاجه بأساليب نفسانية جميلة لعلاج مرض الغرور فيه، أي مرضه الأساس الذي سببته كثرة النعم، و لو عالج مرضه هذا تعالجت باقي أمراضه.

طريقان لمعالجة الغرور

يمكن معالجة الغرور عن طريقين:

الاول: أن نرجع المغرور إلى ماضيه، إلى طفولته، حيث كان عاجزاً عن الاحتفاظ بلعاب فمه، إلى الزمن الذي كان في رحم امّه، حيث كان جنيناً يتغذّى من الدم، و ما كان أحد غير اللَّه قادراً على مساعدته، نرجعه إلى حيث كان نطفة قذرة ينفر الانسان

من النظر إليها، و نرجعه إلى حيث كان تراباً فاقداً للقيمة.

الثاني: أن نذكِّره بالمستقبل و نرسمه له، فنأخذ بيده إلى المقبرة و نقول له: يرقد في هذه المقبرة اناس كانوا مثلنا أقوياء و متموّلين لكنهم ماتوا في النهاية، فتلاشت أجسامهم و لم يبق منها إلَّا العظام، و العظام ستتآكل كذلك بمرور الزمان و لم يبق من الإنسان إلَّا الصخرة التي توضع على قبره، و الصخرة ستزول كذلك و لم يبق من الانسان إلَّا اسماً في التاريخ، و التاريخ

امثال القرآن، ص: 299

امثال القرآن 348

سينسى بعد مدَّة من الزمان، بحيث لم يبق من الانسان شي ء يُذكر و كأنَّه لم يلد أبداً.

عاقبة الانسان المغرور

لم يكن و لن يكون عاقبة حسنة للمغرور أبداً. كان وزير عهد حكومة رضا خان الظالم يُدعى تيمور تاش و كان مغروراً و جباراً و خطراً و صاحب صلاحيات و سلطة واسعة بحيث يُعدُّ المحور الأساس للسلطة.

في يوم كان علماء طهران قد اجتمعوا في مجلس فبلغهم أن تيمور تاش وزير البلاط يقصد المجي ء إليهم، فدخل هذا الرجل الذي يعيش سكرة الغرور و قال: «أنتم تقولون: للكون ربٌّ؟! يمكنني أن أبرهن على عدم وجود الربّ بألف دليل».

نظر العلماء إليه و ما كان أحدهم يتجرّأ بالتفوّه بشي ء، كما أنَّهم يعلمون ما من شي ء يؤثِّر فيه و لا يرونه أهلًا للإجابة. و على كل حال ختم المجلس و ذهب تيمور تاش.

لكن رياح الزمان لا تجري دائماً بما تشتهيه السفن، فلم يمضِ زمن طويل حتى أصبح تيمور تاش موضع غضب الشاه فادع السجن الانفرادي ثم حكم عليه بالإعدام.

عند ما كان في السجن ذهب أحد العلماء لزيارته فوجده يدور في زنزانته مردداً أبيات عرفانية للشاعر مولوي «1» تقرُّ

باللَّه.

يقول هذا العالم: تعجبّت من ذلك و اقتربت منه و قلت له: هل تعرفني؟ قال: نعم، قلت:

جئتُ لُابطل ألف دليل ادعيت وجودها بدليل واحد، و هو: إن اللَّه هو الذي أسقط تيمور تاش المغرور من قمة السلطة ليضعه في سجن. فهزَّ رأسه معرباً عن أسفه.

نعم، هذا هو شأن ضيقي الصدر و المغرورين، أما واسعو الصدر فيكونون متواضعين، كالامام علي عليه السلام، حيث لم يختلف شأنه أثناء 25 سنة من سكوته مع شأنه أثناء 5 سنوات من حكومته.

______________________________

(1) شاعر إيراني شهير.

امثال القرآن، ص: 300

يقول الامام علي عليه السلام: «سُكْر الغفلة و الغرور أبعد إفاقة من سُكر الخمور» «1»؛ و ذلك لأنَّ الانسان يفيق من سكرة الخمر بعد لحظات أمَّا سكرة الغرور فلا يفيق منها الانسان حتى الموت أحياناً و لا يوقظه منها إلَّا صفعة الموت و الأجل، حيث لا وقت للتدارك و الجبران.

و في رواية اخرَى يقول أمير المؤمنين عليه السلام: «بينكم و بين الموعظة حجاب من الغِرَّة» «2».

إذن، علينا التوقّي من الابتلاء بالغرور من خلال استذكار الماضي و التفكّر في المستقبل، و خاصة بما بعد الموت.

«ثُمَّ سَوَّاك رَجُلًا».

أي صَنَع منك رجلًا بعد اجتياز مراحل الجنين المختلفة، و التي تشكّل كلٌّ منها اعجوبة فريدة من نوعها، و من خلال برنامج منتظم و متكامل يخلق إنسان كامل لا ينقصه شي ء، و لو طرأ أقل تغيير في هذا البرنامج لولد الطفل أعمى أو أصم أو معتوه أو توأم متلاصق و ما شابه.

من فلسفة وجود ولادة الأطفال المشوهين و ناقصي الخلقة هو الاطلاع على هذه المرحلة المهمَّة من الخلقة، و لكي يتذكّر الانسان بعد ما يصبح متموِّلًا و صاحب سلطة، و لكي لا يغتر، و لكي يكون شاكراً لنعم

اللَّه و لولي نعمته دائماً.

و لأجل ذلك لا يسأل النزيهون عن جنس الطفل عند ولادته بل عن سلامته؛ لأن الذكورة و الانوثة كلاهما من نعم اللَّه تعالى و المهم هو سلامة الطفل.

«لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا اشْرِكُ بِرَبّي أَحَدَاً».

بعد ما بيَّن القرآن منطق ذلك الصديق الثري الغافل عن اللَّه بدأ ببيان منطق الصديق الفقير المؤمن الذي نصح الثري و لم تؤثر نصيحته في صديقه.

استخدام الآية لمفردة الربّ دون باقي أسماء اللَّه يحضى بأهمية قصوى، فهو استخدام دقيق و يعني أنَّ اللَّه ربّاني منذ أن كنت نطفة إلى آخر عمري، و لو لم تكن تربية الربّ القادر لم أكن شيئاً يُذكر، فهو ولي نعمتي و صاحبي و مالكي، و هل يمكن جعل شريك لربٍّ يملك كل ما لدي؟!

______________________________

(1) ميزان الحكمة، الباب 3039، الحديث 14531.

(2) نهج البلاغة، الكلمات القصار، الحديث 282.

امثال القرآن، ص: 301

«وَلَوْلَا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةِ إلَّاباللَّه».

بعد ما بيَّن الصديق المؤمن منطقه و منهجه اتَّجه إلى صديقه قائلًا: عند دخولك جنَّتك الواسعة ذات الثمار الكثيرة و المعطَّرة بعطور الفواكه و المضلَّلة بالاشجار و الباردة و المنشطة لماذا لا تقول: هذه ممَّا أنْعَمَ اللَّه عليَّ من نعمٍ فلا قوة لأحدٍ غيره، و كل قوّة تنشأ منه.

يا صديقي! عليك عدّ هذه النعم من اللَّه، و عليك شكره على هذه النعم و الألطاف و الرحمات، و لا تغتر بل استفد منها بأفضل ما يمكن، كما عليك أداء حق الأيتام و الفقراء و المحتاجين منها.

«إنْ تَرَنِ أنَا أَقَلُّ مِنْكَ مَالًا وَوَلدَاً فَعَسى رَبَّي أَنْ يُؤتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ».

يذكّر المؤمن صديقه هنا قائلًا له: إنَّك تفكّر بوضعك الراهن حيث إنك متموّل و صاحب سلطة، و

أنا فقير و لا أملك سلطة و لا أفراداً، لكنَّك لا تفكّر في المستقبل الزمن الذي قد يدمّر فيه اللَّه جنتك في لحظة واحدة و يعطيني جنَّة أفضل من جنتك.

الروايات التي وردت في ذيل هذه الآية حكت عن أن الوضع المالي لذلك الفقير كان جيداً «1».

«ويُرسِلَ عَلَيْهَا حُسْباناً مِنَ السَّماءِ فتُصْبحَ صَعِيداً زَلَقاً».

الحسبان يعني إصابة السهم للهدف، و التسمية باعتبار أن الإصابة كانت عن حساب، كما يُطلق الحسبان على الصاعقة التي تصيب الهدف، و كذلك الزلزال التي تصيب الهدف و تدمّره، و الخلاصة أن الحسبان يُطلق على كلِّ بلاء مؤثر و محسوب.

الآية تتمة خطاب المؤمن الفقير لصديقه، فيقول له: قد يغيّر اللَّه كلّ شي ء في لحظة واحدة و يرسل على جنتك بلاء سماوياً أو حسباناً يبدّل به جنتك المثمرة إلى صحراء.

«أوْ يُصْبِحَ ماؤها غَوْراً فَلَنْ تَستَطِيعَ لَهُ طَلَباً».

أو تبتلع الأرض كل ما احتوته جنتك فلا يبقى منها أثر، و لا قدرة لك عندئذٍ لعمل شي ء، كما يحصل ذلك عند حصول الزلزال و ما شابهها من الكوارث الطبيعية بحيث تُدمَّر قرية كاملة أو تغطَّى بالوحل في لحظة واحدة.

______________________________

(1) انظر البرهان 2: 469.

امثال القرآن، ص: 302

إذن، على الانسان أن لا يغتر بما لديه، بل المفروض به التفكير في تحولات قد تطرأ في المستقبل.

«وَاحِيطَ بِثَمَرِه فَأصْبَحَ يُقلِّبُ كفَّيْهِ عَلى ما أنْفَقَ فِيها».

و كما قال له صديقه المؤمن فإنَّ بلاءً سماوياً و صاعقة نزلت و دمَّرت أشجار جنَّته و زراعته، فبهت المغرور عند ما دخل جنَّته و رأى الثمار مدمَّرة و الأشجار قد احترقت، و قد ذهبت كل أمواله و آماله سُدى فأصبح يُقلّب كفّيه تحسراً على ما كان قد أنفق على زراعته و ما استثمره من الأموال فيها.

«وَهِيَ

خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِها».

الآية تصف كيفية خراب الأبنية و العمارات، و هي عجيبة من حيث إنها تصف الانهدام بأن الجدران و الأعمدة سقطت على السقوف، بينما المألوف هو سقوط الجدران و الأعمدة ثم سقوط السقوف عليها.

قد يكون سبب ذلك هو أنَّ الصاعقة هدَّمت السقوف في البداية ثم هدمت الأعمدة و الجدران فسقطت على السقوف «1».

«وَيَقُولُ يا لَيْتَني لَمْ اشْرِك بِربّي أحَدَاً».

استيقظ الصديق المغرور من سكرة الغرور بعد ما نزل العذاب الإلهي و دمَّر جنّته و زراعته و أفقده كل ما يملك من رأس مال، و قال: ليتني لم اشرك باللَّه و لم أنكر يوم القيامة و المعاد و لم ابتلِ بسبب الشرك و الجحود بالعقاب الإلهي.

«وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّه وَمَا كَانَ مُنْتَصِراً».

لم ينصره أحد ممَّن كان يحوم حوله عند ما كان صاحب مال و ثروة من الأصدقاء و المعارف، و لم يحمه أحد من عذاب اللَّه، و ما كان لهم القدرة لنصرته.

اعتبروا

كان شخص في قم يُدعى السيد صادق، كان قد فقد إحدى عينيه، و كان له بستان عنب،

______________________________

(1) و قد يكون التعبير كناية عن شدّة العذاب.

امثال القرآن، ص: 303

عند ما كان يحلُّ فصل جني العنب يجتمع حوله أصدقاؤه و يهمّون بتمجيده و احترامه و يدعونه في هذه الأيام (الحاج السيد صادق)، و عند انتهاء فصل جني العنب يتباعدون عنه و إذا أرادوا ذكره دعوه بصادق الأعمى

كان السيد صادق ملتفتاً إلى اتصاف أصدقائه بأحد صفات الذباب و قد أنشد في المجال أبياتاً وصف فيها أصدقاءه و أحوالهم السقيمة.

«هُنالِكَ الوَلايَةُ للَّهِ الحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وخَيْرٌ عُقْباً».

أي أنَّ الولاية الحقيقية للَّه وحده فقط، و لا يمكن الوثوق بولاية و صداقة أحدٍ غيره.

اختلف

المفسرون في أن «هُنالِك» إشارة لعالم الدنيا أم الآخرة. لكن يبدو أنها إشارة إلى العالمين، و الآية تعرّضت لولاية اللَّه في كلا العالمين.

الولاية شأن مهم جداً، و تأتي من مادة التوالي، أي مجي ء شيئين أحدهما بعد الآخر، فيقال لشعبان و رمضان اللذين يأتي أحدهما بعد الآخر شهران متواليان.

و إذا جاء طبيبان إلى العيادة أحدهما تبع الآخر قيل: توالى الطبيبان على المجي ء إلى العيادة.

بما أن الصديق يصاحب صديقه الآخر دائماً قيل له: ولي، أي كلٌّ منهما وليّ الآخر، و بما أن اللَّه صديق المؤمن و مصاحبه و ناصره قيل له: ولي.

إذن، الولي يعني الصديق و الناصر و المعين و الرئيس.

فرَّق البعض بين الوِلاء (بالكسر) مع الوَلاء (بالفتح)، فبالكسر تعني النصرة و بالفتح تعني السيادة و الرئاسة.

و هناك بعض آخر اعتبر الكلمة بمعنى واحد سواء كانت بالكسر أو بالفتح.

خطابات الآية

1- زمن تأثير التوبة

ممَّا يستفاد من آيات المثل الاثنى عشر هو: أنَّ للتوبة زمناً خاصاً فاذا مضى ذلك الزمن ترفض التوبة.

امثال القرآن، ص: 304

رغم أن الروايات حكت سعة باب التوبة و أنه باب يدخله المذنبون و العاصون و المجرمون إلَّا أن هذا الباب يُغلق في ثلاثة أزمنة:

الف: التوبة عند نزول البلاء

إذا تاب الانسان عند تورطه بشوكة البلاء فلا تُقبل توبته.

و لهذا يقول اللَّه في الآية 65 من سورة العنكبوت:

«فَإِذا رَكِبوُا في الُفلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخلِصِينَ لَهُ الدِّين فَلَمَّا نَّجاهُمْ إلى البَرِّ إِذَا هُمْ يُشرِكُونَ».

أي أنهم يتوبون و يدعون اللَّه عند ما يبتلون بأمواج البحر و عند ما يشعرون بتهديد و تحدّي الموت، و توبتهم هنا مرفوضة؛ لأنها نشأت عن اضطرار، و هي من قبيل إعلان شخص عن توبته و استغفاره تحت ضربات السوط، فإن توبةً من هذا القبيل غير مقبولة.

هؤلاء المشركون

الذين أعلنوا عن توبتهم و استغفارهم ودعوا اللَّه في ظرف الخوف الذي عاشوه في السفينة، و عند ما يهدأ البحر أو ترسو السفينة قرب اليابسة ينسون اللَّه تارة اخرَى و يعودون إلى شركهم.

إذن، لا تُقبل توبة كهذه؛ لأن التوبة هي التي يتغيّر معها منهج حياة الانسان، و هذه التوبة لم تغيِّر من منهج المشركين و لا سلوكهم شيئاً.

التوبة التي تحصل في الزنزانة و تُنسى بعد الخروج منها، أو التي تحصل عند المرض و تُنسى بعد الشفاء، أو التي تحصل في خضم الحوادث و تُنسى بعدها، هذه كلها توبات غير مقبولة؛ لأنها ردود فعل مؤقتة تحصل إثر جلد الحوادث الإلهية و صفعاتها.

باء: توبة المذنبين عند الموت

عند ما يسمع الانسان صفعة الأجل و تفتح عينيه نحو البرزخ و يتبلور عنده اليقين بالموت و الوداع مع الدنيا فلا تقبل منه توبة، و قد قال اللَّه تعالى في الآية 18 من سورة النساء:

«وَلَيْسَت التَّوبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُون السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قَالَ إنِّي تُبْتُ الآنَ وَلَا الذِينَ يَمُوتُونَ وهُمْ كُفَّارٌ اولئكَ أعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أليماً».

و فرعون من زمرة هؤلاء، فانَّه عند ما شاهد شوكة الموت و وجد نفسه على عتبة الغرق

امثال القرآن، ص: 305

قال: «آمَنْتُ أنَّهُ لَاإِلَهَ إلَّاالَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائِيلَ وَأنَا مِنَ المُسْلمين» «1»، لكن توبته هذه لم تُقبل، و قد ورد في بعض الروايات أن جبرئيل أخذ حمأة (أي طيناً أسود منتناً) فوضعه في فم فرعون و قال له: «أَلآن وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ المُفْسدِينَ» «2».

و هل من المناسب قبول توبة فرعون بعد كل هذه الجرائم التي ارتكبها من شق بطون الحوامل و قتل أولادهنّ الذكور، و الاجراءات الظالمة بحق الناس و

مطاردة بني اسرائيل و تعذيب مؤمنيهم؟

إذن، لا تُقبل التوبة على عتبة الموت و عند ما تفتح عينا الانسان نحو البرزخ.

جيم: التوبة عند مشاهدة العذاب الإلهي

كثير من الناس يتوب عند مشاهدة العذاب الإلهي، و توبة من هذا القبيل غير مقبولة.

يقول اللَّه في هذا المجال في الآيات 84 و 85 من سورة المؤمن (غافر):

«فَلَمَّا رَأوْا بَأسَنَا قَالُوا آمَنَّا باللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إيمَانُهُمْ لَمَّا رَأوْا بَأسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَت فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الكَافِرُونَ».

لا تأثير للتوبة عند رؤية العذاب، و لذلك لم تُقبل توبة قوم نوح عليه السلام عند الطوفان و لا توبة قوم لوط عند نزول عذاب الأحجار التي تساقطت من السماء و كذا غيره من العذاب.

أعزّتي، الموت لا يخبر عن وقت مجيئه، بل هو يكمن في كلِّ لحظة من لحظات العمر، و عوامله و أسبابه بسيطة جداً تتحقق لأي إنسان. و لذلك على الانسان أن ينوب إلى اللَّه و يتوب توبة حقيقية في كل لحظة، و لا يترك التوبة إلى زمن قد اغلقت فيه جميع أبوابها.

المستفاد من الآيات المتقدِّمة أنَّ رفض التوبة في ظل الظروف المزبورة لا يختص بقوم أو شعب أو نحلة ما، بل هو سنة إلهية تجري في حق جميع الأقوام و الشعوب و النحل.

2- لا قيمة للدنيا

اشارة

يستفاد من آيات المثل أن لا قيمة و لا اعتداد بالأموال و المقام و الثروات و القوى

______________________________

(1) يونس: 90.

(2) يونس: 91، و مصدر الرواية تفسير الصافي 1: 763.

امثال القرآن، ص: 306

الجسمانية، و الاعتماد على الامور الدنيوية بمثابة الاعتماد على بيت العنكبوت بل على ما هو أضعف و أوهن «1».

قوة الشباب و النشاط و القوى العضلية ليست دائمة، لا

ينبغي الاغترار بها.

قد يصبح بطل من الأبطال أضعف انسان بسبب المرض، كما حصل ذلك في الواقع، و هناك بعض من الأبطال عجزوا في آخر عمرهم عن المشي و الحركة دون الاستعانة بالآخرين.

قصة بطل

كان بطل قمي معروف بالقدرة البدنية و طول القامة و كان يخدم في حرم فاطمة المعصومة سلام اللَّه عليها في قم «2»، و عند إرتدائه ملابس الخدمة يكتسب ابّهة أكثر، و كان يهابه الشرورون في المدينة بحيث يبتعدون عنه عند ما يرونه، و في يوم من الأيام وجدته على كرسي المقعدين يدفعه طفل لإيصاله للحرم لغرض الزيارة.

تذكرت عندها أيام بطولته و قدرته البدنية العالية و قلت: أين هذا و أين ذاك؟! يا لها من دنيا غادرة، لم تكن جنَّة ذلك المغرور الأمر الوحيد الذي هو عرضة للزوال و الدمار بل انَّه لا يمكن الوثوق بجميع امور الدنيا.

المطبخ السلطاني

تشاجر اثنان من امراء خراسان إثر اختلاف بينهما، و قد انتهى الشجار إلى حرب و هزيمة و أسر أحدهما بيد الآخر. و في يوم من الأيام جي ء للأسير بالغذاء و كانت آنية ذلك الزمان تشبه السطل ذات المقبضين، و قد تركه إلى جانب ليبرد فجاء كلب و أراد الأكل منه، فلعق منه و بسبب حرارته صدر منه رد فعل سريع أدَّى إلى دخول رأسه في مقبض الآنية ففرَّ و الآنية معلّقة برقبته، فضحك الأمير الأسير بصوت عالٍ و قال: كان مطبخ السلطان تحمله أربعمائة

______________________________

(1) يستفاد هذا المعنى من الآية 41 من سورة العنكبوت، و هي بنفسها من أمثال القرآن الجميلة كذلك.

(2) الخدمة في مراقد هؤلاء العظام يُعدُّ من مفاخر الشيعة الكبرى و سماحة الاستاذ آية اللَّه العظمى مكارم الشيرازي (مدّ ظله) من جملة الخدم الفخريين في هذا المرقد الشريف.

امثال القرآن، ص: 307

عربة و اليوم يسرق كلب حساء و مطبخ الأمير «1».

3- التدقيق في اختيار الصديق

كما تقدَّم أنَّه كان لهذا الثري صاحب البستان و الثروة و السلطة أصدقاء كثيرون، و كان يتفاخر بهم، لكنهم تفرّقوا و ابتعدوا عنه عند ما فقر و واجه الخسارة و أصبح مُداناً، فما أعانوه على مشكلته، كما أنَّه بنفسه ما استطاع جبران ما تحملّه من خسائر.

يا ترى ما سبب عدم إعانة إصدقائه له؟

سبب ذلك واضح، فإنهم لم يكونوا أصدقاءً له بل لثروته و سلطته، فكانوا بمثابة الذباب الذي يحوم حول السكريات.

إنَّ أصدقاءً من هذا القبيل تنتهي صداقتهم بنهاية سلطة الانسان و ثروته، فبعض منهم أصدقاء لسلطة الانسان و تنتهي صداقته بانتهاء السلطة، و بعضهم أصدقاء لجمال الانسان و تنتهي صداقته بانتهاء الجمال، و بعضهم أصدقاء لثروة الانسان و تنتهي صداقته بانتهاء الثروة، و بعضهم

أصدقاء للمقام، و تنتهي صداقته بانتهاء المقام و بلوغه نهاية الخط.

أصدقاء الثري الذين ورد ذكرهم في آيات المثل كانوا من هذا القبيل، أي أنهم كانوا أصدقاء لثروة ذلك الانسان و سلطته و لم يكونوا أصدقاءً له بالذات، مضافاً إلى أنَّهم لم يكونوا أصدقاء حقيقيين عند ما كان ثريّاً بل كانوا بلاءً عليه؛ لأن أشخاصاً من هذا القبيل و بأهداف مادية دنيوية يظهرون له- بتملّقهم- الزين شيناً و الشين زيناً، أي أنَّهم لم يكونوا أصدقاءً حقيقيين أبداً.

سؤال: من هم الأصدقاء الحقيقيون؟ و على مَن يُطلق عنوان الصديق الحقيقي؟

الجواب: ينبغي الأخذ بنظر الاعتبار معايير خالدة لانتخاب الصديق، لكي تبقى صداقته و تدوم. علينا اعتبار محبيّ العلم و الإيمان و التقوى و ما شابه ذلك أصدقاء لنا؛ لأنَّ محبة هؤلاء لا تتزلزل بالحوادث و المتغيّرات، و المحبة تستمر ما دام التقوى و الايمان و العلم و الاعتقاد بالآخرة موجوداً.

______________________________

(1) جهل حديث، لرسول محلاتي 2: 508 (بالفارسية).

امثال القرآن، ص: 308

و قد وردت هذه المواصفات كمعايير لاختيار الصديق في بعض الروايات نشير إلى اثنين منها:

1- يقول الامام علي عليه السلام: «مودَّة أبناء الدنيا تزول لأدنى عَرَضٍ يُعْرَضُ» «1».

إن أصدقاء من هذا القبيل يتخذون صبغة خاصة في الحوادث بحيث يبدون و كأنهم لا يعرفون صديقهم السابق أو لم يروه من ذي قبل.

2- يقول الامام أمير المؤمنين عليه السلام في رواية اخرَى: «وُدُّ أبناء الآخرة يدوم لدوام سببه» «2».

صداقة أمثال هؤلاء صامدة و ثابتة على كل حال، سواء أقبلت الدنيا أم أدبرت، و في الأسر و الحرية، و في المرض و السلامة.

هكذا أصدقاء قليلون و بخاصة في آخر الزمان، لذلك ورد عن الرسول صلى الله عليه و آله قوله: «أقلُّ ما يكون

في آخر الزمان أخ يوثق به أو درهم من حلال» «3».

حقاً إنَّ كليهما قليلان و عزيزان. فلنفرض حصول الانسان على مالٍ حلال بمشقة كثيرة فيضعه في حسابه في البنك، عندئذٍ يختلط بأموال أشخاص مرابين و لا يعتقدون بالخمس و الزكاة و لا يدفعون ما عليهم من وجوه شرعية اخرَى أو يرتزقون عن طريق السرقة أو يحتكرون ما يحتاجه الناس أو يهرّبون السلع المحظورة و غيرهم ممَّن لا تخلو أموالهم من الحرام، و رغم أنه لا تكليف في الظاهر ملقى على عاتق الانسان المفروض هنا إلَّا أنَّ اختلاط أمواله الحلال بالأموال الحرام يترك أثراً وضعياً.

و قد يكون هذا هو سبب ما ورد في الحديث التالي:

«يأتي على الناس زمان لا يبقى أحد إلَّا أكل الربا فمن لم يأكله أصابه من غباره» «4»

نتطلع إلى اليوم الذي يسعى فيه الناس جميعاً لكسب الرزق الحلال و يرفع المرابون أيديهم

______________________________

(1) غرر الحكم، الحديث 6828.

(2) غرر الحكم، الحديث 10118.

(3) تحف العقول: 44.

(4) مجمع البيان 1: 391.

امثال القرآن، ص: 309

عن الربا و يمتنع السارقون عن السرقة و المحتكرون عن الاحتكار و المهربون عن تهريب المخدرات.

4- من هو وليّ المؤمنين؟

اللَّه ولي الذين آمنوا و ناصرهم و معينهم في الدنيا و الآخرة، فهو القادر على كل شي ء، كما جاء ذلك في الآية 257 من سورة البقرة:

«اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّورِ وَالَّذين كَفَرُوا أوْلِياؤهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إلَى الظُّلُمَاتِ اولئكَ أصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ».

كما أن أولياء اللَّه هم أولياء للمؤمنين كذلك، حيث يقول اللَّه في الآية 55 من سورة المائدة:

«إنَّما وَليُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقيمُون الصَّلاةَ وَيُؤتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ رَاكِعُون».

بناءً على هذه الآية يُعدُّ الرسول صلى الله عليه و آله

و الامام علي عليه السلام «1» أولياءً للمؤمنين.

كما ورد في الآيتين 30 و 31 من سورة فصِّلت كون الملائكة أولياء للمؤمنين كذلك:

«إنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمّ اسْتَقَامُوا تَتَنزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا ولَا تَحْزَنُوا وَأبْشِرُوا بالجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَولِياؤُكُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيها مَا تَشْتَهِي أنْفُسُكُمْ ولَكُمْ فِيها مَا تَدَّعُونَ».

و بما أنَّ الناس غير معصومين فالملائكة تهمُّ دائماً بحفظ المؤمنين من الحوادث و المخاطر، و هذه هي الولاية التكوينية.

وجود الرسول صلى الله عليه و آله و الأئمة عليه السلام و أولياء اللَّه سبب للبركة و الآثار المعنوية، و عند ما يُسأل المعصوم عن فائدة وجود إمام غائب، أي المهدي (عجل اللَّه فرجه) بيننا، يقول: «كما ينتفعون بالشمس إذا سترها سحاب» «2».

______________________________

(1) أجمع علماء الشيعة و السنة على نزول هذه الآية الكريمة في الامام علي عليه السلام و للمزيد راجع تفسير الأمثل 4: 45- 55.

(2) منتخب الأثر: 271، الحديث 3 و 4.

امثال القرآن، ص: 310

إذن، اللَّه و الرسول صلى الله عليه و آله و الأئمة عليهم السلام و الملائكة أولياء للمؤمنين، بشرط أن يخطو المؤمن في طريق الحق تعالى، فاذا خطى المؤمن خطوة نحوه تعالى خطى اللَّه باتجاهه خطوات كثيرة، و إذا قلنا (ربّنا) و استقمنا شملتنا ألطاف إمام الزمان (عجل اللَّه فرجه)، كما شملت بعضنا.

علينا مدّ أيدينا نحو السماء و التضرُّع إلى اللَّه تعالى لكي يحلَّ مشاكلنا الفردية و الاجتماعية و السياسية بعناياته الخاصة.

امثال القرآن، ص: 311

المثل الثالث و الثلاثون: الحياة الدنيا

اشارة

يقول اللَّه تعالى في الآيات 45 و 46 من سورة الكهف:

«وَاضرِبْ لَهُم مَّثَلَ الحَيَاةِ الدُّنيَا كَمَاءٍ أَنَزلنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاختَلَطَ بِهِ نَباتُ الأَرْضِ فَأصبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَي ءٍ

مُقْتَدِراً* المَالُ وَالبَنُونَ زِينَةُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالبَاقيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلًا».

تصوير البحث

شبَّه اللَّه تعالى الحياة الدنيا في هذا المثل بماء الغيث. الخصوصية البارزة لهذا الماء أنَّه يضفي طراوة و نشاطاً على الزرع و النباتات مدّة أيام، لكن هذه الطراوة و النشاط تنتهي بحلول فصل الخريف، أي فصل الموت المؤقت للنباتات، و ينتهي به شوط قصير من حياة النباتات. و هذا الشوط تحذير في الحقيقة إلى الانسان الغارق في الحياة الدنيوية بأنَّ حياته سيحلُّ فيها فصل الخريف حيث بداية الموت.

الشرح و التفسير

«وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الحَياةِ الدُّنيا».

يخاطب اللَّه بهذه الآية الرسول صلى الله عليه و آله بأن يضرب للناس الغارقين في الدنيا مثلًا على هذه الحياة و يشبّهها بما شببهها.

لماذا ضرب اللَّه هذا المثل هنا؟

امثال القرآن، ص: 312

قد يكون ذلك باعتبار أنَّه أشار إلى عاقبة عَبَدَة الدنيا و الذين غرقوا في مُتعها من خلال الآيات الاثنى عشر الماضية، و لأجل اتّضاح أصل الحياة الدنيا طرح اللَّه هذا المثل تعقيباً للمثل المتقدِّم.

«كَمَاءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ».

يسقط هذا الماء على أرجاء الأرض كلها سواء كانت خصبة أو سبخة، لكن الأراضي لم تستفد من هذا الماء بنحوٍ واحد، فقد يكون هذا الماء سبباً للحياة في جزءٍ و قد يكون سبباً للعذاب الإلهي في جزءٍ آخر.

«فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأرْضِ».

عند ما يسقط هذا الماء على الأراضي الخصبة يضفي عليها حياة و طراوة و نشاطاً وافراً، فتنبت من جراء ذلك نباتات مختلفة و متنوّعة، كلٌّ منها تكشف عن قدرة الخالق، و تتشكل بذلك مناظر طبيعية خلابة و محيّرة للعقول في فصلي الربيع و الصيف، و تحرّض كل صاحب بصيرة لتمجيد الخالق و تحسينه.

«فَأصبَحَ هَشيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ».

لكن عمر الطراوة و النشاط، الذي منحه الماء للنباتات و جمَّل الارض، قصير؛ لأنّه بعد أيام حيث يحلُّ فصل الخريف و

الشتاء و يتبدَّل الخضار إلى صفار و النشاط إلى خمول و موت، و عند ما تهبُّ الرياح حاملة معها رسالة الموت الظاهري للطبيعة تتساقط أوراق الأشجار التي كانت تجمّل الطبيعة و تجعلها خضراء خلابة، و بعد ما ترقص في الهواء للحظات تقع على الأرض لتُدفن في باطنها.

«وَكَانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شى ءٍ مُقتدِرَاً».

بالطبع، هذه التحولات و التغييرات التي تطرأ على الانسان و جميع الموجودات في العالم تحتاج إلى قدرة اللَّه من حيث الوجود و البقاء، فهي فقيرة إلى قدرته تعالى، أمَّا ذات الحق فقادرة و مستطيعة دائماً، و لا يؤثّر فيها مرور الزمان و تحوّلات الفصول و المناخات و غير ذلك، بل اللَّه بقدرته أوجد هذه التحوّلات، و كل شي ء يتغيّر إلَّا ذاته الطاهرة.

نعم، اللَّه قادر على كل شي ء.

امثال القرآن، ص: 313

«المَالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا».

البنون كالمال بمثابة رأس مال في الحياة الدنيا، كما هو حال النباتات ففي برهة من الزمن تُعدُّ سبباً لجمال الأرض و يتباهى بها الانسان أحياناً، لكنها ممَّا لا ينبغي الوثوق بها، و لا ممَّا تسبب إنقاذ الانسان و نجاته في الدنيا و في الآخرة.

«والبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ ربِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلًا».

الرصيد الذي يمكن الاعتماد عليه و الذي يُعد ذخراً حَسَناً عند اللَّه تعالى هو الأعمال الصالحة الباقية التي عبَّر عنها اللَّه في هذه الآية بالباقيات الصالحات.

نعم، الأعمال الصالحة و القيم الثابتة تعدُّ رصيداً يعتمد عليه، فهي ذات صبغة خالدة و لا خريف فيها و لا موت.

بأي شي ءُ شبِّهت الحياة الدنيا؟

سؤال: بأي شي ءً شُبِّهت الحياة الدنيا في هذه الآية؟ هل شبِّهت بالأشجار الطرية ذات العمر القصير و التي تموت بحلول فصل الخريف، كما تقدَّم شرح ذلك، أو أنَّها شبِّهت بماء المطر الذي ينزل من السماء

شفافاً صافياً؟

إذا كان الثاني فعلينا معرفة وجوه الشبه بين الدنيا و المطر؟

الجواب: الإنصاف أنها شبِّهت بكليهما، و المعنيان و التشبيهان صحيحان، و قد تقدَّم تفصيل تشبيه الدنيا بالنباتات، أما وجه تشبيهها بالغيث فهو كون الغيث ينزل من السماء و ينصبُّ في قالب النباتات، و يمنحها حياة و نشاطاً و قوة فتخضر الدنيا بها و تصبح زاهية بزهور النباتات، و بعد مدَّة قصيرة من عمرها تتَّجه نحو الموت و تنتهي و يتبخَّر الماء و يتركها هيكلًا بلا روح متّجهاً نحو السماء تارة اخرَى، و هذا هو الذي يُؤدي إلى موت النباتات.

نعم، ينزل الغيث من السماء لكي يرسخ في صلب النباتات و يمنحها حياة، و بعد مدَّة يرجع إلى السماء «إنَّا للَّهِ وإِنَّا إلَيْهِ راجِعُونَ» «1» عائداً إلى أصله و محافظاً على سنة الرجوع و العود إلى الأصل.

______________________________

(1) البقرة: 156.

امثال القرآن، ص: 314

الهدف من تشبيه الحياة الدنيا بالغيث هو إفهام الانسان بأنَّ روحه مثل الماء الذي ينزل من السماء و من العالم العلوي جُعلت في هيكله المادي، فعليه انتهاز فرصة تواجدها في جسمه و الاستفادة من الحياة بأحسن وجه ممكن، و عليه الإكثار من الأعمال الصالحة، و ليكن مطيعاً مخلصاً و عبداً خاضعاً لذات الحق تعالى، و هذا هو متاعه في سفره نحو الآخرة و الصعود إلى دار العقبى و العالم العلوي. إذن فليقدّر الانسان لحظات عمره القصيرة في الدنيا و لينتهزها حتى أقصى لحظة.

يشبّه أحد العلماء أرواح الناس بالغواصين الذين يبحثون عن اللؤلؤ و المرجان و يضطرّون لأجل ذلك للغوص إلى أعماق البحار، و الغوص يستحيل على الغواص إلّا أنْ يصحب معه ثقلًا ثم يفصله عند ما يعثر على اللؤلؤ أو المرجان المستهدف لكي يمكنه أن

يطفو على سطح الماء تارة اخرَى.

الانسان في هذه الحياة بمثابة الغواص الباحث عن اللؤلؤ و المرجان المعنوي، و هي المقامات و الكمالات الاخلاقية و الطاعات العبودية، خضوعاً للَّه الأحد في بحر الوجود الموّاج، قضاءً لأيام من الاسر في عالم التراب، و الانسان الموفّق و الناجح و المنتصر فيه هو الانسان الذي اصطاد صيداً جيداً و استطاع تحرير نفسه من قيد جسمه الترابي صعوداً نحو دار البقاء متحرّراً من كل قيد.

اختلاف هذه الآية مع الآية 24 من سورة يونس

جاء ما يلي في الآية 24 من سورة يونس و التي تقدَّم الحديث عنها في المثل الثامن عشر:

«إِنَّمَا مَثَلُ الحَيَاةِ الدُّنيا كَمَاءٍ أنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْض مِمَّا يَأكُلُ النّاسُ والأنْعَامُ حَتَّى إذَا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَهَا وأزَّيّنَتْ وَظَنَّ أَهلُها أنَّهُمْ قَادِرونَ عَلَيْها أتَاهَا أمْرُنا لَيْلًا أوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاها حَصِيدَاً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بالأمْسِ كَذَلِك نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ».

و السؤال: هل المثل المذكور في الآية 45 من سورة الكهف تكرار للمثل المذكور في الآية 24 من سورة يونس من حيث اتحاد وجه التشبيه فيهما؟

الجواب: المثلان مختلفان و ليسا مكرَّرين؛ لأنَّ الحديث في المثل المطروح في سورة يونس

امثال القرآن، ص: 315

عن حصول حادث مفاجئ يمحو آثار حياة النباتات و نشاطها، و ذلك قبل إتمام عمرها الطبيعي، أمَّا المثل الذي هو موضع بحثنا (الآية 45 من سورة الكهف) فالحديث فيه ليس عن حادث خاص يطرأ فجأة بل الحديث عن حادث يطرأ تدريجياً في فصل الخريف يسلب النباتات خضارها و نشاطها و طراوتها حتى ينتهي الأمر إلى جفافها و موتها في نهاية المطاف، لكن تدريجياً لا فجأة.

هذه السنَّة الالهية تصدق في حق الانسان كذلك، فهو يمرُّ بمرحلة الطفولة ثمّ الشباب ثم الكهولة و الشيخوخة.

على كلِّ حال،

هذه الحياة الدنيا زائلة و ينبغي الإعداد و التهيّؤ لحياة البقاء الاخروية حيث الديمومة و القيمة العالية.

خطابات الآية

1- تنوّع النباتات من معالم القدرة الإلهية

«فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأرْضِ».

هذه العبارة تشير إلى تنوع و اختلاف النباتات، و عدد فصائلها حالياً يبلغ مئات الآلاف، و هذه الإحصائية التي يقرُّها علماء النباتات تخص الأماكن التي بلغها البشر دون تلك التي لم يستطيع بلوغها أو الوصول إليها.

يقول العلماء: ما يعادل هذا العدد و قد يزيد عليه من فصائل نباتية توجد في أعماق البحار و الغابات التي لم تطئها أقدام البشر و لم يكتشف نباتاتها، و لهذا يقال بأن عدد فصائل النباتات قد يصل إلى المليون «1»، و لكلِّ فصيلة منهج و برنامج خاص، كما أنَّ لكلٍّ عجائب كثيرة.

______________________________

(1) يقول فردينا ندلين كاتب (عالم الأزهار): يبلغ عدد فصائل كاسيات البذور مائة و خمسين ألف. و قد ورد في بعض مصادر علم النبات شرح مفصَّل لأكثر من ثمانية عشر الف نبات و مائة ألف فطر و أكثر من أربعين ألف طحلب و سبعة آلاف نوع من التفاح و خمسة و ثلاثين نوع للحنطة.

كما أورد بعض العلماء شرحاً لثلاثة آلاف فصيل من النخيل و ألفاً و سبعمائة للتين و ألفاً و مائتين لورد الثعلب و سبعة آلاف للتفاح.

يا له من تنوّع عجيب؟! يا لها من عظمة؟! يا له من خالق مدبّر؟! للمزيد راجع نفحات القرآن 2: 351- 358.

امثال القرآن، ص: 316

هناك نباتات تتشكّل من زهرة فقط، أي أنَّها لا تحتوي على غصون و أوراق و غير ذلك بل كل ما هناك زهرة تنبت مباشرة على الأرض. و الأعجب من ذلك هو النباتات الآكلة للحوم، فهي تحس و تتحرّك، و عند ما يقترب منها حيوان تلفُّ غصونها و أوراقها حول

ذلك الحيوان لتلتقمه و تبتلعه.

كلٌّ من هذه النباتات مَعْلمٌ من معالم القدرة الإلهية، يسلِّم بها حتى المنكرون لو فتحوا أعينهم و أبصروا بها، فإنَّ آثار اللَّه تجدها كل مكان لكن رؤيتها تحتاج إلى عين باصرة.

2- ما هي الباقيات الصالحات؟

ذكر المفسرون احتمالات عديدة للباقيات الصالحات، نشير إلى خمسة منها:

الف: المراد هو الصلوات اليومية الخمس «1»؛ لأنها أعمال صالحة و خالدة كذلك، فالصلاة تعمر كل مكان اقيمت فيه من البيت و الدائرة و المجتمع و البلد، و المكان الذي لا تُقام فيه صلاة يخرب و يُدمَّر. الصلاة إذا وجَّهت القلب الذي هو مركز الاضطرابات و القلق نحو اللَّه طمأنته و سكّنته «2»، و ملخَّص الكلام هو أنَّها معيار قبول أو ردّ الأعمال و باقي العبادات «3».

باء: المراد من الباقيات الصالحات هو الذكر الشريف التالي: «سبحان اللّه والحمدُ للّه ولا إله إلَّااللَّهُ واللَّهُ أكبر» «4».

هذا الذكر ينزّه اللَّه تعالى عن كل عيب و نقص و يوصفه بصفات الكمال، و ربٌّ بهذه الصفات جدير بالحمد و الثناء؛ لأنَّه الوحيد المتصف بهذه الصفات الكمالية و الوحيد الذي هو جدير و أهل للعبادة، و لا معبود غيره، و هو أرفع شاناً ممَّا نصفه به و ممَّا نظن و نتصوَّر و أعظم من أن تحدَّه افكارنا.

______________________________

(1) انظر تفسير جوامع الجامع 2: 367.

(2) الرعد: 28.

(3) ميزان الحكمة، الباب 2265، الحديث 10233 و الباب 2273.

(4) انظر تفسير الميزان 13: 315.

امثال القرآن، ص: 317

جيم: المراد منها صلاة الليل «1»، فهي صلاة تحضى بأهمية كبيرة، و كل ما قلنا فيها كان قليلًا، يقول اللَّه في هذا المجال:

«وَمِنَ اللّيلِ فَتَهَجَّد بِهِ نَافِلةً لَكَ عَسَى أنْ يَبْعَثَكَ ربُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً» «2».

بلوغ المقام المحمود غير ميسَّر حتى للرسول صلى الله عليه و

آله إلَّا من خلال صلاة الليل. بالطبع لا ينبغي للانسان أن يأتي بجميع آداب و مستحبات صلاة الليل و بخاصة بالنسبة إلى أولئك الذين قصدوا تواً نيل هذه السعادة العظمى بل يكفيهم الاتيان بأحد عشرة ركعة بنحوها العادي و المألوف، رغم أن الذي يأتي بباقي آدابها و مستحباتها سينال قسطاً أوفر من الثواب عند اللَّه قطعاً.

أتمنى التوفيق للقيام بهذه العبادة الكبرى لكي يتسنَّى لنا الإحساس بلذة بلوغ المقام المحمود تدريجياً.

دال: فسَّر بعض المفسِّرين الباقيات الصالحات بالبنات اللاتي يتم تربيتهنَّ بالآداب الاسلامية ليصبحن امهات نموذجيات «3»؛ لأنَّهن منشأ أمل لوالديهن في عالم الآخرة.

هاء: نقرأ في رواية وردت عن الامام الصادق عليه السلام أن حبَّ أهل البيت و ولايتهم من مصاديق الباقيات الصالحات «4».

هذه خمسة تفاسير مختلفة للباقيات الصالحات، لكن تقدَّم منا أنَّ هذه التفاسير رغم تضادها الظاهري غير متضادة و لا متنافية في الواقع، و يمكن شمول الباقيات الصالحات لها جميعاً من خلال القول بأن كلًا من التفاسير التي ذكرناها و التفاسير التي لم نذكرها «5» بمثابة المصاديق للباقيات الصالحات «6»، فإنَّ لهذا العنوان مصاديق متعدّدة و مختلفة.

______________________________

(1) انظر البيان في تفسير القرآن 7: 52.

(2) الاسراء: 79.

(3) انظر مجمع البيان 5: 474.

(4) انظر الأمثل 9: 253.

(5) راجع مجمع البيان 6: 473 و 474.

(6) كما يرى ذلك المرحوم الطبرسي في مجمع البيان في العنوان المتقدِّم و العلامة الطباطبائي في الميزان 13: 315.

امثال القرآن، ص: 318

و النتيجة هي أن لا يتعلَّق الانسان بدنياه الفانية و العاجلة بل عليه التعلُّق بالباقيات الصالحات.

مباحث تكميلية

1- ما هي الحياة الدنيا؟

الدنيا مؤنث أدنى و الحياة في عبارة «الحياة الدنيا» مؤنث موصوف، و الدنيا صفتها.

الدنيا و الأدنى يعنيان القرب و قد تعني الدنائة و الوضاعة. و بهذا يكون

معنى الجملة الحياة القريبة و يقابلها الحياة البعيدة أي الآخرة، أو بمعنى الحياة الوضيعة و الدنيئة، و يقابلها الحياة العليا و الرفيعة، أي الآخرة.

الدنيا مجموعة من الامكانيات المادية من قبيل الثروة و المال و المقام و الزوج و الولد و المنزل و السيارة و الامور الاخرى التي تحضى بأربع خصال:

1- فانية و غير دائمة، كما اشير إلى ذلك في كثير من الآيات و الروايات.

2- خادعة و ذات مظهر جذاب، فهي جميلة و فاتنة جداً إذا نظرنا إليها من بعيد.

3- جوفاء، أي رغم ظاهرها الجذّاب نجدها- عند الاقتراب منها- جوفاء خالية، كالسراب الذي يبدو ماءً من بعيد، لكنه لا شي ء في الواقع و من قريب.

4- ممزوجة بمختلف المشاكل و المصائب، فلا تخلو الحياة من المشاق و المتاعب أبداً.

مجموع ما تقدَّم مع هذه الخصائص الأربع يشكلّ الحياة الدنيا، رغم ذلك فانَّها إذا اتّخذت صبغة إلهية و التزمت الأهداف السامية و العليا فلا تبقى دنيا بل تصبح آخرة.

عن ابن أبي يعفور: قلت لأبي عبد اللَّه عليه السلام: إنَّا لنحبّ الدنيا، فقال لي: «تصنع بها ما ذا»؟

قلت: أتزوّج منها و أحج و أنفق على عيالي و أنيل إخواني و أتصدق، قال لي: «ليس هذا من الدنيا، هذا من الآخرة» «1».

إذن، إذا اتُّخذت الحياة لغرض الالتذاذ المادي و لتلبية الشهوات و الأهواء كانت عبادة

______________________________

(1) ميزان الحكمة، الباب 1222، الحديث 5825.

امثال القرآن، ص: 319

للدنيا، و إذا اتّخذت جسراً لبلوغ الأهداف المعنوية السامية كانت آخرة.

2- الدنيا من وجهة نظر الروايات

في الروايات نجد مباحث كثيرة و واسعة عن الدنيا، بل يمكن القول بأنَّ الدنيا من أوسع المباحث المطروحة في الروايات.

من المباحث المطروحة في الروايات عن الدنيا هو التمثيل لها، نشير إلى نماذج منها.

الف: يقول الإمام الكاظم عليه

السلام:

«مثل الدنيا مثل ماء البحر كُلَّما شرب منه العطشان ازداد عطشاً حتى يقتله» «1».

وفقاً لهذا الحديث كون الدنيا لا تروي عطش أيٍّ من عَبَدة الدنيا، و إذا ظنَّ أحد أنَّه سيقتنع، بمستوى خاصٍ من مستويات الدنيا و مقاماتها فإنَّ ظنَّه وَهْمٌ و خيال لا أكثر، و من المحالات، و عكسه، أي طلب الزيادة، هو الواقع الصادق.

لم يبلغ أثرياء الدنيا الكبار مستواهم المعاشي و دنياهم الدنية إلَّا بعد ارتكاب جرائم تنفر النفس لبيانها فضلًا عن أرتكابها، و قد أعدوا لهم إثر هذه الجرائم حياة كمالية اسطورية يصعب تصوّرها على الآخرين، فقد قيل في بعضهم أن له حوض سباحة في طائرته الخاصة.

لكن يا ترى هل يشبعون؟ و هل ذلك يروي ضمأهم؟ كلا، انّهم يسعون لاكتساب الأكثر فالأكثر دائماً، و لأجل ذلك يقتحمون كل مجالات التجارة مهما كانت، فيتاجرون بالأسلحة التي يُقتل بها المذنبون و غير المذنبين سواء، كما يتاجرون بالأسلحة الكيمياوية التي يكفي قذيفة منها لقتل الآلآف من المدنيين العُزَّل بأبشع وجه، فيضيق العيش عندئذٍ لا على البشر فحسب بل على جميع الموجودات الحية، رغم ذلك فهم غير مكترثين بالعواقب المفجعة و الوحشية لهذه الأعمال و التجارة، و ما يهمهم هو زيادة أرباحهم و أموالهم.

إنَّهم مستعدون- لإرواء عطشهم تجاه الدنيا لأن يتاجروا بالمخدرات و أن يحطّموا عوائل و مجتمعات و يسلبوا الشباب إرادتهم بهذه المواد؛ و ذلك لأجل زخرفة دنياهم أكثر فأكثر.

______________________________

(1) ميزان الحكمة، الباب 1253، الحديث 6009.

امثال القرآن، ص: 320

إن هؤلاء القذرين حاضرون للمتاجرة بالبشر، و هي تجارة قذرة تشمئزُّ منها النفوس، فيشترون الأطفال- سواء بنات أو بنين- من الدول الفقيرة و بمبالغ زهيدة ليبيعونهم بمبالغ طائلة للمتموّلين و أصحاب الأهواء من أمثالهم، و هي عملية

تخلّف آلاماً و حسرات، حيث يبقى الوالدان يتحسَّران على رؤية ولدهم و يتحمّلون حرقة فراقه إلى آخر العمر. و لا يهمهم ذلك؛ لأنَّ هدفهم زيادة المال و إنماءه.

يا لهم من اناس دنيئين؟ لكن لماذا هم كذلك؟

يمكن الإجابة على ذلك بالقول: إنَّهم لا يفكّرون بغير الدنيا و لذاتها المتنوعة، و لا علاقة لهم بشأن الدين و الشرف و الانسانية، و قد قُيِّد وجدانهم البشري في زنزانة الحرص و الطمع و طلب الزيادة، و دُفنت فطرتهم تحت تلٍّ من الرذيلة و الدناءة.

باء: يقول سابع إمام للشيعة موسى بن جعفر عليهما السلام واصفاً الدنيا:

«مَثَلُ الدنيا مَثَلُ الحيَّة مسُّها ليِّن و في جَوفِها السمُ القاتل» «1».

هذا الحديث يشير إلى خداع الدنيا و يشبهّها بالحية ذات المنظر الفاتن و الباطن المسموم و القاتل.

جيم: يقول الامام علي عليه السلام:

«إنَّما الدنيا شَرَكٌ وقع فيه مَن لا يعرفه» «2».

و يا له من شرك واسع و كبير يسع لصيد و قرابين مختلفة و متنوّعة!

دال: كما يقول أول أئمة الشيعة:

«الدنيا ظلُّ الغَمَامِ و حُلم المَنَام» «3».

يحكي هذا الحديث الشريف جانباً من الدنيا، و هو كونها زائلة و غير دائمة، فهي من قبيل

______________________________

(1) ميزان الحكمة، الباب 1253، الحديث 6005.

هذا السم الذي تحدّثت عنه الرواية من عجائب قدرة اللَّه تعالى، حيث يمكن لقطرة منه أن تقتل حيواناً أو انساناً، فيا له من سم؟! و من أي عناصر يتركَّب؟ و كيف يمكنه أن يقتل حيواناً تلدغه الحية و لا يقتل ذاتها مع أنه موجود في جوفها.

(2) ميزان الحكمة، الباب 1253، الحديث 6012.

(3) ميزان الحكمة، الباب 1262، الحديث 6054.

امثال القرآن، ص: 321

الظلّ الذي تفتعله الغمام، و هو ظلٌّ سائر و غير دائم و لا ثابت في محل ما،

فلا يمكن اللجوء إليه هروباً من حرارة الشمس.

الدنيا منام يراه الانسان النائم، و هو خيال أجوف، من قبيل رؤية الانسان لكنوز كثيرة يمتلكها، و لا يجدها و لا آثارها في اليقظة.

إذن، الدنيا فانية، كما أنها جوفاء و خالية من المحتوى.

هاء: في حديث يصف لقمان الحكيم الدنيا لابنه كما يلي:

«إنَّ الدنيا بحر عميق قد غِرق فيها عالَمٌ كثير» «1».

الذي يغرق إمَّا أن يصبح طعاماً للحيوانات البحرية أو أن أمواج البحر تلقي به إلى أماكن بعيدة، بحيث لا يبقى منه أثر. و الدنيا تفعل بالانسان كما يفعل البحر بالغريق، فهي قاسية و غير وفيّة.

عاش في هذه الدنيا أقوام و نحل كثيرة لا نجد لها أثراً حالياً، فهي قد غرقت في بحر الدنيا، فعلينا البحث عن وسيلة نجاة من بحر الدنيا يُطمئن إليها ننقذ بها أنفسنا من الغرق.

واو: يقول الامام علي عليه السلام فيما يخصُّ أهل الدنيا:

«أهل الدنيا كَرَكْبٍ يُسار بِهِم و هُمْ نيام» «2»

عبدة الدنيا يقضون حياتهم في نوم الغفلة، و قد أدهشتهم شهوات الدنيا و لذّاتها، لذلك لا يصطحبون معهم متاعاً في سفرهم نحو الآخرة، يستيقظون عند ما يشعرون بصفعة الأجل، عندها يندمون و يأسفون، لكن ذلك لا يفيدهم؛ لأن زمن التدارك قد مضى و ولَّى

زاء: يصف رسول اللَّه صلى الله عليه و آله الدنيا بمثل جميل و يقول:

«الدنيا سجن المؤمن و جنَّة الكافر» «3».

يحكم المؤمنين قيود كثيرة في الدنيا، هي من قبيل الحلال و الحرام و رضا اللَّه و