الاخلاق فى القرآن

اشارة

نام كتاب: الاخلاق فى القرآن

نويسنده: مكارم شيرازى، ناصر

موضوع: موضوعى قرن: 15

زبان: عربى

مذهب: شيعى

ناشر: مدرسه الامام علي بن ابي طالب( ع)

مكان چاپ: قم

سال چاپ: 1428 ق نوبت چاپ: سوم

الجزء الأول

المقدمّة:

لا يخفى أنّ المسائل الأخلاقيّة، تخطى بأهميّةٍ كبيرةٍ في كلّ زمانٍ، و لكنّ في عصرنا الحاضر، إكتسبت أهمية خاصة، و ذلك:

1- إنّ قوى الإنحراف و عناصر الشرّ و الفساد، قد إزدادت في هذا العصر، أكثر من جميع العصور السّالفة، فإذا كان التّحرك في الماضي في خطّ الباطل و الإنحراف، يكلّف الإنسان مبلغاً من المال، أو شيئاً من الجهد، ففي هذا الزّمان و بسبب التّقدم العلمي و التّطور الحضاري، أصبحت أدوات الفساد في متناول الجميع، هذا من جهةٍ:

2- و من جهةٍ اخرى، إنّنا نعيش في هذا العصر ضخامة المقاييس، فبينما كانت المقاييس و الموازين محدودةً في الماضي، و بتبع ذلك نرى محدوديّة المفاسد الإجتماعية و الأخلاقيّة، فإنّ القتل في هذا الزّمان بسبب أسلحة الدّمار الشّامل، و الفساد الأخلاقي بسبب انتشار أشرطة الفيديو و السّينما الخليعة، و كذلك ما يفرزه «الأنترنيت» من معلوماتٍ فاسدةٍ، و يضعها في متناول الجميع، كلّ ذلك يحكي عن إنفجار في دائرة الفساد و الإنحراف، و كسر القوالب الضّيقة الّتي كانت تحدد قوى الباطل في الماضي، ليسري إلى خارج الحدود، و يصل إلى أقصى بقعةٍ في العالم.

و إذا كان إنتاج المواد المخدّرة في السّابق، ينحصر بقريةٍ أو منطقةٍ محدودةٍ، و لا يتجاوز ضرره سوى المناطق المجاورة، فاليوم نرى أنّ الابتلاء بمرض الإدمان، و من خلال عمليّة التّهريب الواسعة لعصابات الموت، قد غطى أجواء العالم أجمع.

3- و من جهةٍ ثالثةٍ، أنّنا نشاهد توسّعاً هائلًا في العلوم النّافعة لِلبشر، في مختلف جوانب الحياة في

علوم الطّب و الفضاء، و الإتصالات و المواصلات و أمثال ذلك، و كذلك الحال في

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 6

العلوم الشّيطانية و وسائل الفساد و الإنحراف، حيث تطورت بشكل مذهلٍ، الى حدٍ إنّ القوى الشيطانيّة التي تقف وراء إنتاج أدوات الإفساد الإجتماعي، يتوصلون إلى تحقيق أهدافهم بطرق ملتويةٍ كثيرةٍ و يسيرةٍ، و مثل هذه الظّروف و الأجواء تحتم علينا الإهتمام بالمسائل الأخلاقية أكثر من أيّ وقت مضى، و إلّا فعلينا أن نتوقّع الكارثة، أو الكوارث التي تشلّ في الناس إرادة المواجهة، و تحولهم إلى كياناتٍ مهزوزةٍ أمام حالات الخطر.

و يجب على العلماء الواعين و المفكّرين المخلصين، أن يتحركوا من موقع التّكاتف فيما بينهم، لتعميق الأخلاق في قلوب الناس، و تفعيل عناصر الخير في وجدانهم، و الانتباه إلى الخطر المحيط بالأخلاق، بحيث إنّ البعض أنكر فائدتها من الأساس، أو ذهب إلى أنّها غير ضروريّةٍ، و البعض الآخر تعامل معها من موقع المصلحة و البرُاجماتية، للوصول إلى مطامعه السّياسية.

و لحسن الحظ فإنّنا كمسلمين، نمتلك مصدراً عظيماً للمعارف الأخلاقيّة، و هو القرآن الكريم، الذي لا يُدانيه أيّ مصدر ديني آخر في العالم.

و رغم أنّ العلماء و المفسّرين، قد تناولوا البحوث القرآنية في دائرة الأخلاق، بالبحث و الدّراسة، إلّا أنّ هذه الأبحاث و الدراسات جاءت متفرقة و لا تفي بالغرض، و لهذا إفتقرت السّاحة الثقافية و التّفسيرية، إلى كتابٍ أو كُتبٍ لدراسة هذا الموضوع، بالإستيحاء من الآيات القرآنية، فكان هذا الكتاب الذي بين أيديكم و بإسم: (الأخلاق في القرآن)، إستجابة عمليّةً لِهذه الحاجة الماسّة في حركة الواقع الثّقافي و الدّيني، لسدّ هذه الثّغرة في صرح البناء الثقافي و الحضاري للإسلام.

و جاء هذا الكتاب، بعد بحوثٍ و دراسات في

التّفسير الموضوعي للقرآن الكريم شملت المعارف و العقائد الإسلاميّة في دورته الاولى، و لتكون الدّورة الثّانية، مختصّةً ببحوث الأخلاق الإسلاميّة في القرآن الكريم.

و بحمد اللَّه فقد إنتهينا من هذه الأبحاث الأخلاقية في ثلاث أجزاء، تناول الجزء الأوّل منها، دراسة المسائل الأخلاقيّة الكليّة في دائرة الأخلاق، و هذا هو الكتاب الذي بين أيديكم،

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 7

حيث يمكن الإستفادة منه بعنوان كتابٍ درسي للرّاغبين، و يتكفل الجزء الثاني و الثالث، ببيان تفاصيل هذه المسائل الكليّةً و جزئيّاتها و مصاديقها.

نأمل أن تكون هذه الأبحاث الأخلاقية، المستوحاة من أجواء القرآن الكريم، خطوة اخرى على طريق حلّ المشاكل الأخلاقيّة و الثقافيّة للإنسان، في حركة الحياة و الواقع الإجتماعي، و نسأل اللَّه تعالى أن ينظر إليها بنظرة القبول، و يجعلها ذخيرةً لنا يوم لا ينفع مالٌ و لا بنون، و نرجو من الاخوة أن يتفضلوا علينا بإرشادنا إلى موضع النّقص إن وجد.

و الحمد للَّه ربّ العالمين

ربيع الأول 1419 ه. ق

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 8

1 أهميّة الأبحاث الأخلاقيّة

تنويه:

هذا البحث يعدّ من أهم الأبحاث القرآنيّة، و يعتبر من أهمّ أهداف الأنبياء كذلك، إذ لو لا الأخلاق، لما فهم الناس الدّين و لَما إستقامت دنياهم: و كما قال الشّاعر:

و إنما الامم الأخلاق ما بَقيتْ فإن هُمُ ذهبت أخلاقهم ذَهبوا

فلا يُعتبر الإنسان إنساناً إلّا باخلاقه، و إلّا سوف يصبح حيواناً ضارياً كاسراً، يحطّم و يكتسح كلّ شي ء، و خصوصاً و هو يتمتّع بالذّكاء الخارق، فيثير الحروب الطّاحنة، لغرض الوصول لأهدافه الماديّة غير المشروعة، و لأجل أن يبيع سلاحه الفتّاك، يزرع بذور الفُرقة و النّفاق و يقتل الأبرياء!

نعم، يمكن أن يكون متمدّناً في الظّاهر، إلّا أنّه لا يقوم له شي ء، و لا يميّز

الحلال من الحرام، و لا يفرّق بين الظّلم و العدل، و لا الظّالم و المظلوم!

بعد هذه الإشارة نعرّج على القرآن الكريم لنستوحي من آياته الكريمة التالية، تلك الحقيقة:

1- «هُوَ الَّذي بَعَثَ في الامّيينَ رَسُولًا مِنْهُم يَتلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 10

الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ إِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبينٍ» «1».

2- «لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمؤْمِنينَ اذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ إِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبينٍ» «2».

3- «كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُم يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَ يُزَكِّيكُمْ وَ يُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ يُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ» «3».

4- «رَبَّنا وَ ابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَ يُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ وَ الحِكْمَةَ وَ يُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ العَزيزُ الْحَكِيمُ» «4».

5- «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها* وَ قَدْ خابَ مَنْ دَسّاها» «5».

6- «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى وَ ذَكَرَ اسْمَ ربِّهِ فَصَلّى «6».

7- «وَ لَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلّهِ» «7».

الآيات الأربع الأُول: تقرّر حقيقةً واحدةً، ألا و هي، أنّ إحدى الأهداف المهمّة، لبعثة النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله، هو تزكية النّفوس و تربيّة الإنسان، و بلورة الأخلاق الحسنة، في واقعه الوجداني، بحيث يمكن أن يقال: إنّ تلاوة الآيات و تعليم الكتاب و الحكمة التي أشارت إليها الآية المباركة الاولى يعُد مقدمة لمسألة تزكية النّفوس و تربية الإنسان، و الذي بدوره يشكّل الغاية الأساسيّة لعلم الأخلاق.

و لأجل ذلك يمكن تعليل تقدم كلمة: «التزكية»، على: «التعليم»، في الآيات الثلاث، من حيث إنّ «التّزكية» هي الهدف و الغاية النهائيّة، و إن كان «التّعليم» من الناحية

العمليّة مقدمٌ

______________________________

(1). سورة الجُمعة، الآية 2.

(2). سورة آل عمران، الآية 164.

(3). سورة البقرة، الآية 151.

(4). سورة البقره، الآية 129.

(5). سورة الشّمس: الآيات 9 و 10.

(6). سورة الأعلى الآيات 14 و 15.

(7). سورة لقمان، الآية 12.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 11

عليها.

و إن نظرنا «للآية الرابعة»: من بحثنا هذا، و تقديمها لكلمة التّعليم على التّزكية، فهي ناظرةٌ إلى المسألة من حيث الترتب العملي الطبيعي لها، بإعتبار أنّ التّعليم مقدمةٌ «للتربية و التّزكية».

و لهذا نرى أنّ الآيات الأربع الاولى كلّ منها تنظر إلى المسألة من منظارها الخاص.

و ليس بعيداً إحتمال رأيٌ آخر، من التّفسير في الآيات المباركة الأربع، و هو أنّ الغرض، من التّقديم و التّأخير الحاصل لهذين الكلمتين: (التّربية و التعليم)، بإعتبار أنّ إحداها تؤثّر في الاخرى يعني كما أنّ التعليم الصّحيح يكون سبباً في الصّعود بالأخلاق، و تزكية النّفوس، تكون تزكية النفوس هي الاخرى مؤثّرة في رفع المستوى العلمي، لأنّ الإنسان بوصوله للحقيقة العلميّة، يكون قد تطهر من «العناد» و «الكِبر» و «التّعصب الأعمى ، حيث تكون الأخيرة مانع من التّقدم العلمي، و معها سوف يُران على قلبه على حد تعبير القرآن الكريم، و لن يرى الحقيقة كما هي في الواقع.

و يمكن الإشارة الى نكات اخرَى في الآيات الكريمة الأربعُ:

الآية الاولى تشير إلى أنّ بعث رسول يُعلِّم الأخلاق، هي من علامات حضور الباري تعالى في واقع الإنسان لتفعيل عناصر الخير في وجدانه، و أنَّ النقطة المعاكسة (للتربية و التعليم) هي الضّلال المبين، فهي تبين مدى إهتمام القرآن الكريم بالسلوك الأخلاقي للإنسان في حركة الحياة.

الآية الثّانية: نجد فيها أن إرسال رسول يُزكيهم و يُعلّمهم الكتاب و الحكمة، هي من المنن و المواهب الإلهيّة العظيمة، التي منّ

اللَّه بها علينا، و هي دليل آخر على أهميّة الأخلاق.

الآية الثّالثة: و هي الآية التي نزلت بعد آيات تغيير القبلة، من القدس الشّريف إلى الكعبة المشرّفة، حيث عُدَّ هذا التغيير من النّعم الإلهيّة الكبرى و أنّ هذه النعمة هي كإرسال الرسول للتعليم و التّزكية و تعليم الإنسان اموراً لم يكن يعلمها و لن يتمكن من الوصول إليها إلّا عن طريق الوحي الإلهي «1».

______________________________

(1). ففي جملة: «و يعلّمكم ما لم تكونوا تعلمون»، إشارةً إلى أنّ الوصول إلى هذا العلم، لا يمكن الّا بالوَحي.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 12

الآية الرّابعة: تتحدث عن أنّ إبراهيم الخليل عليه السلام، و بعد إكماله لبناء الكعبة، طلب من الباري تعالى أن يخلق من ذريّته امّةً مسلمةً؛ و أن يبعث فيهم رسولًا من ذريّته، ليزكّيهم في دائرة التربية الأخلاقيّة، و يعلّمهم الكتاب و الحكمة.

الآية الخامسة: نجد أن القرآن الكريم، و بعد ذكر أحدَ عشرَ قَسَماً مهماً، و هي من أطول الأقسام في القرآن،- قسماً بالشّمس و القمر و النّجوم و النفس الإنسانية-، و بعد ذلك قال:

«قد أفلح من زكّاها و قد خاب من دسّاها».

و هذا التأكيد المتكرّر و الشّديد في هذه الآيات، يدلّ على أنّ القرآن الكريم، يولّي أهميّةً بالغةً لمسألة الأخلاق، و أنّ التّزكية هي الهدف الأهم للإنسان، و تكمن فيها كلّ القيم الإنسانيّة، بحيث تكون نجاة الإنسان بها.

و نفس المعنى أعلاه ورد في: «الآية السّادسة»، و اللّطيف فيها أَنّ ذكر التّزكية جاء قبل الصلاة، و ذكر اللَّه تعالى، إذ لو لا التّزكية و صفاء الرّوح لا يكون للصّلاة معنى و لا لذكر اللَّه.

و جاء في «الآية الأخيرة»، ذكر لُقمان الحكيم، حيث عبّر عن علم الأخلاق بالحكمة، فقال:

«وَ لَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ

الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ».

و بالنّظر للآيات الشّريفة، نرى أنّ خصوصيّة: «لقمان الحكيم»، هي تربية النّفوس و الأخلاق، و منها يتّضح أنّ المقصود من الحكمة هنا، هو الحكمة العمليّة و تعاليمها المؤدّية إليها، و بعبارة اخرَى يعني: «التّعليم» لأجل «التّربية».

و يجب الإنتباه و كما ذكرنا مراراً، إلى أنّ أصل معنى «الحكمة» هو لجام الفرس، و بعدها أطلقت على كلّ شي ء رادعٍ، و بإعتبار أنّ العلوم و الفضائل الأخلاقيّة، تردع الإنسان عن الرّذائل فأطلقت عليها هذهِ الكلمة.

النّتيجة:

نستوحي من هذهِ الآيات، الإهتمام الكبير للقرآن الكريم بالمسائل الأخلاقيّة و تهذيب

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 13

النفوس، بإعتبارها مسألةً أساسيّةً، تنشأ منها و تبتني عليها جميع الأحكام و القوانين الإسلاميّة، فهي بمثابة القاعدة الرّصينة و البناء التحتي، الذي يقوم عليه صرح الشّريعة الإسلاميّة.

نعم إنّ التّكامل الأخلاقي للفرد و المجتمع، هو أهم الأهداف التي تعتمد عليه جميع الأديان السّماوية، إذ هو أساس كلّ صلاحٍ في المجتمع، و وسيلةٍ رادعةٍ لمحاربة كلّ أنواع الفساد و الإنحراف، في واقع الإنسان و المجتمع البشري في حركة الحياة.

و الآن نعطف نظرنا إلى الروايات الإسلاميّة، لنرى أهميّة هذه المسألة فيها:

أهميّة الأخلاق في الرّوايات الإسلاميّة:

لقد أولت الأحاديث الشّريفة لهذه المسألة أهمية بالغةً سواء كانت في الروايات الواردة عن الرّسول الأعظم صلى الله عليه و آله، أم عن طريق الأئمّة المعصومين عليهم السلام، و نورد بعضاً منها:

1- الحديث المعروف عن الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله:

«إِنّما بُعثتُ لأُتمَمَ مكارمَ الأخلاقِ» «1».

و جاء في حديثٍ آخر: «إنّما بُعثتُ لأُتمَمَ حُسنَ الأخلاقِ» «2».

و جاء في آخر: «بُعثتُ بمكارمِ الأخلاقِ و محاسِنها» «3».

و نرى أن كلمة «إنّما» تفيد الحصر، يعني أنّ كلّ أهداف بعثة الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله، تتلخص في التّكامل الأخلاقي.

2- و جاء في حديثٍ عن أمير المؤمنين عليه السلام، حيث قال:

«لَو كُنّا لا نَرجو جنّةً و لا ناراً و لا ثواباً و لا عِقاباً، لكان يَنبغي لَنا أن نُطالِبَ بِمكارمِ الأخلاقِ فإنّها ممّا تَدُلُّ على سبيلِ النجاحِ» «4».

______________________________

(1). كنز العمّال: ج 3، ص 16، ح 52175.

(2). المصدر السابق، ح 5218.

(3). بحار الأنوار: ج 66، ص 405.

(4). مستدرك الوسائل، ج 2، ص 283 الطبعة القديمة.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 14

يبيّن لنا هذا الحديث

أهمية الأخلاق و فضائلها، إذ هي ليست سبباً في النجاة في الاخرى فقط، بل هي سبب لصلاح الدّنيا أيضاً، (و سنتناول هذا البحث مفصّلًا في القريب العاجل إن شاء اللَّه تعالى .

3- الحديث الآخر الذي ورد عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، حيث قال:

«جَعَلَ اللَّهُ سُبحانَهُ مكارمَ الأخلاقِ صِلةً بينه و بين عبادِهِ فحسب أَحدِكُم أَن يتمسّكَ بخُلقٍ مُتَّصلٍ باللَّهِ» «1».

و بعبارةٍ اخرى: أنّ الباري تعالى هو المعلم الأكبر للأخلاق، و هو مربّي النّفوس، و مصدر لكلّ الفضائل، و القرب منه تعالى لا يتمّ إلّا بالتّحلي بالأخلاق الإلهيّة.

و على هذا نرى أنّ كلّ فضيلةٍ يتحلى بها الإنسان، تؤدي إلى تعميق العلاقة بينه و بين ربّه، و تقربه من الذّات المقدّسة أكثر فأكثر.

و حياة المعصومين عليهم السلام كلّها تبيّن هذهِ المسألة، فإنّهم كانوا دائماً يدعون إلى الأخلاق، و التّحلي بالفضائل، و هم القُدوة الحسنة في سلوك هذا الطريق، و سنتطرق في المستقبل إلى نماذج من أخلاقيّاتهم عليهم السلام، و يكفي شرفاً للرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله، أنّ اللَّه تعالى نعته في سورة القَلم:

«و إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيْمٍ». «2»

إشارات مهمة:

1- تعريف علم الأخلاق

أخلاق جمع خُلق (على وزن قُفل)، و خُلُق على وزن افُق، و على حد تعبير الرّاغب في كتابه المفردات، أنّ هاتين الكلمتين ترجعان إلى أصلٍ واحدٍ، و هو «خلق» بمعنى الهيئة و الشّكل الذي يراه الإنسان بعينه، و الخُلق بمعنى القوى و السّجايا الذاتية للإنسان.

و لذا يمكن القول بأنّ: «الأخلاق هي مجموعة الكمالات المعنويّة و السّجايا الباطنيّة

______________________________

(1). تنبيه الخواطر، ص 362.

(2). سورة القلم، الآية 4.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 15

للإنسان»، و قال بعض العلماء: إنّ الأخلاق أحياناً تُطلق على العمل و السّلوك، الذي ينشأ

من الملكات النفسانية للإنسان أيضاً، (فالأولى الأخلاق الصفاتية و الثانية السلوكيّة).

و يمكن تعريف الأخلاق من آثارها الخارجيّة أيضاً، حيث يصدر أحياناً من الإنسان فعل إعتباطي و لكن عند ما يتكرّر ذلك العمل منه: (مثل البخل و عدم مساعدة الآخرين)، يكون دليلًا على أنّ ذلك الفعل يمدّ جذوره في أعماق روح ذلك الإنسان، تلك الجذور تسمى بالخُلق و الأخلاق.

و في ذلك قال «ابن مِسكَوَيه»، في كتاب «تهذيب الأخلاق و تطهير الأعراق»: إنّ الخُلق هو تلك الحالة النفسانيّة التي تدعو الإنسان، لأفعالٍ لا تحتاج إلى تفكّر و تدبّر» «1».

و هو نفس ما إشار إليه المرحوم الفيض الكاشاني في كتاب «الحقائق»، حيث يقول: «إعلم أنّ الخُلق هو عبارة عن هيئة قائمة في النفس، تصدر منها الأفعال بسهولة من دون الحاجة إلى تدبّر و تفكّر» «2».

و عليه قسمّوا الأخلاق إلى قسمين: الملكات التي تنبع منها الأعمال و السّلوكيات الحسنة و تسمى «الفضائل»، و اخرى تكون مصدراً للأعمال و السلوكيات السّيئة و تسمى الرذائل.

و من هنا يمكن أن نعرّف علم الأخلاق بأنّه: «علمً يُبحَث فيه عن المَلكات و الصّفات الحسنة و السيئة و آثارها و جذورها».

و بعبارة اخرَى: «علمٌ يُبحَث فيه عن اسس إكتساب هذهِ الصفات الحسنة، و طُرق محاربة الصّفات السّيئة، و آثارها على الفرد و المجتمع».

طبعاً و كما ذكرنا سابقاً، يُطلق على الأعمال و الأفعال النّابعة من هذهِ الصفات أحياناً «الأخلاق»، فمثلًا الشّخص الذي يعيش في حالةٍ من الغضب و الحدّة دائماً، يقال عنه بأنّه ذو أخلاقٍ رديئةٍ، و بالعكس عند ما يكون الشّخص كريماً، فيقولون أنّ الشّخص الفلاني يتحلى بأخلاقٍ طيِّبةٍ، و في الحقيقة أن هذين الإثنين هما عِلّة و معلول للآخر، بحيث، يطلق إسم أحداهما على

الآخر.

______________________________

(1). تهذيب الأخلاق، ص 51.

(2). الحقائق، ص 54.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 16

و عرّف بعض الغربيين الأخلاق بما يُوافق تعاريفنا لها، فمثلًا في كتاب: «فلسفة الأخلاق»، لشخصٍ يدعى (جكسون)، و هو أحد فلاسفة الغرب، عرّف الأخلاق فيه بقوله: (علمُ الأخلاق عبارةٌ عن التّحقيق في سلوك الإنسان على الصورة التي ينبغي أن يكون عليها) «1».

و للبعض مثل «فولكيه»، رأي آخر في المسألة، حيث عرّفوا علم الأخلاق بأنّه: (مجموعة قوانين السّلوك التي يستطيع الإنسان بواسطتها أن يصل إلى هدفه) «2».

هذا هو كلام اناس لا يعيرون للقيم الإنسانيّة أهميّة، و المهم عندهم الوصول إلى الهدف كيفما كان و كيفما إتّفق، إذ الأخلاق عندهم ليست إلّا و سيلةً تُمكّن الإنسان من الوصول إلى الهدف!.

2- علاقة الأخلاق بالفلسفة

الفلسفة في معناها و مفهومها الكلي، تعني: معرفة العالم بما لدى الإنسان من قدرة، و بهذا المعنى يمكن أن تدخل جميع العلوم تحت هذا المفهوم الكلّي، بحيث نرى في الأعصار السّابقة و القديمة، عند ما كانت العلوم محصورةً و معدودةً كانت الفلسفة تلقي الضوء عليها جميعاً، و الفيلسوف كان له الباع الطويل في جميع العلوم، و في ذلك الوقت قسّمت الفلسفة إلى قسمين:

أ- الامور التي لا دخل للإنسان فيها، و التي تستوعب جميع العالم، عدا أفعال الإنسان.

ب- الامور التي تنضوي تحت إختيار الإنسان و له دخل فيها، يعني أفعال الإنسان.

فالقسم الأول يسمّى بالحكمة النظريّة، و تقسم إلى ثلاثة أقسام:

الفلسفة الاولى أو الحكمة الالهيّة: و هي التي تتناول الأحكام الكلية للوجود و المبدأ و المعاد.

2- الطّبيعيات: و فيها أقسام مختلفة.

______________________________

(1). فلسفة أخلاق، ص 9.

(2). الأخلاق النظريّة، ص 10.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 17

3- الرّياضيات: و هي أيضاً لها فروع متعددة.

و أما التي تتعلق بأفعال الإنسان، فتسمى

بالحكمة العمليّة، و هي بدورها تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

1- الأخلاق و الأفعال: التي تكون سبباً في سعادة أو ضلال الإنسان، و تكون جذورها و مصدرها النفس الإنسانيّة.

2- تدبير المنزل: و كل ما يتعلق بالعائلة.

3- سياسة و تدبير المدن: و التي تتناول طرق إدارة المجتمعات البشرية.

و هكذا فقد أفردوا للأخلاق حقلها الخاص بها، في مقابل (تدبير البيت) و (سياسة المدن).

و عليه يمكن القول بأنّ علم الأخلاق هو فرع من: «الفلسفة العملية» أو «الحكمة العمليّة».

و لكنّ تعدد العلوم في عصرنا الحاضر دعى للفصل بينها، و غالباً ما تأتي الفلسفة و الحكمة، و الفلسفة بمعنى الحكمة النظريّة من نوعها الأوّل، و هي الامور التي تتعلق بالعالم و الكون و كذلك المبدأ و المعاد.

و يوجد اختلاف بين الفلاسفة، في أيّهما أفضل: الحكمة النظريّة أم الحكمة العمليّة، فقسم إدّعى الأفضلية للُاولى، و قسم آخر إدّعى الأفضلية لِلثانية، و عند التّدقيق في مدّعاهم نرى أنّ الإثنين على حق و هذا ليس بحثنا الآن.

و سنتعرض لعلاقة الأخلاق بالفلسفة، في موارد اخرى في المستقبل، إن شاء اللَّه تعالى.

3- علاقة الأخلاق بالعِرفان

أمّا بالنسبة لعلاقة (الأخلاق) ب (العرفان) و (السير و السلوك إلى اللَّه)؛ فيمكن القول أنّ العرفان أكثر ما ينظر للمعارف الإلهيّة، و لكن ليس عن طريق العلم و الإستدلال، بل عن طريق الشّهود الباطني، بمعنى أنّ قلب الإنسان يجب أن يكون كالمرآة الصافية، لدرجةٍ يستطيع فيها أن يرى الحقيقة لتزول عنه الحُجب، و ليرى بقلبه الذّات الإلهيّة و أسمائه و صفاته، و منها يصل إلى العشق الإلهي الحق.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 18

و بما أنّ علم الأخلاق، له اليد الطُولى في المساعدة على دفع و رفع الرذائل، و التي هي بمثابة الحُجب على القلوب، فمن

البديهي أن تكون الأخلاق من اسس و مقدمات العرفان الإلهي

و أما «السّير و السّلوك إلى اللَّه»، و الذي يكون هدفه النّهائي هو معرفة اللَّه و القرب منه، فهو في الحقيقة مجموعة من «العرفان» و «الأخلاق»، فما كان من «السّير و السّلوك الباطني»، فهو نوع من «العرفان»، الذي يوصل الإنسان يوماً بعد يوم للذات الإلهيّة، و يرفع عن قلبه الحجب و الأدران، و يمهد الطّريق إليه؛ و ما كان من «السّير و السّلوك الخارجي»: فهو نفس الأخلاق التي تهدف لتهذيب النفوس، و ليس فقط لأجل الحياة الماديّة المرفّهة.

4- علاقة العلم بالأخلاق

بالنّسبة للآيات السّابقة و كما ذكرنا أنّ القرآن الكريم، أتى ب: «تعليم الكتاب و الحكمة» إلى جانب: «التزكية و التّهذيب الأخلاقي»، فتارةً يقدِّم «التّزكية» على «التّعليم»، و اخرىُ يقدِّم «التعليم» على التزكية، و هو أمر يُبيّن مدى العلاقة الوثيقة التي تربط بين الإثنين.

و هذا يعني أنّ الإنسان، عند ما ينفتح على المعرفة، و تكون لديه خبرةٌ بالأعمال الحسنة و السيئة، و يعرف عواقب «الفضيلة» و «الرذيلة»، فممّا لا شك فيه أنّها ستؤثر في تربيته، بحيث يمكن القول أنّ كثيراً من الرذائل ناتجة من عدم الإطّلاع و الفهم. و من ذلك يمكن القول؛ أنَّه إذا ما إستطعنا أن ننهض بالمستوى العلمي للأفراد، و بعبارةٍ اخرى: إذا أمكننا نشر الثقافة بين الناس، فستحل الفضائل مكان الرّذائل، و إن كان هذا الأمر ليس كليّاً.

و مع الأسف الشديد، نرى أنّ البعض بالغوا فيها لدرجة الإفراط و التّفريط.

فبعض إتّبعوا الحكيم سُقراط اليوناني، حيث كان يعتقد بأنّ العلم و الحكمة هي منشأ الأخلاق الحميدة، و الرّذائل الأخلاقيّة منشؤها الجهل، و لذلك فإنّه كان يعتقد أيضاً أنّه و لأجل محاربة الفساد و الرّذائل الأخلاقية

و إحلال الفضائل الأخلاقية محلّها، يجب العمل على رفع المستوى العلمي للمجتمع، و بالتّالي تتساوى (الفضيلة) مع (المعرفة).

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 19

هؤلاء يدّعون أنّه لا يوجد إنسان يتجه نحو الرّذيلة و هو على علم بها، و إذا ما شخّصَ الإنسان الفضيلة فسوف لن يتركها، و لذلك يتوجّب علينا كسب العلم، و معرفة الخير و تمييزه من الشر لنا و لغيرنا، كي تزرع في نفوسنا بذور الفضائل الأخلاقية!.

و في المقابل يوجد من ينفي هذهِ العلاقة بين الإثنين بالكامل، لأنّ العلم و الذكاء للإنسان المجرم سيكون عاملًا مساعداً له في إرتكاب جرائم أخطر، و على حدّ تعبير المثل الذي يقول:

(إذا كان مع اللص مصباحاً فانه سوف ينتفي البضائع الجيدة).

و لكن الحق و الإنصاف أنّه ليس بإمكاننا نفي تأثير العلم بالكامل، و لا نفي معلولية أحداهما للاخر.

و الشّاهد على ذلك المُثل الحيّة التي نراها في المجتمع، فكثيراً ما شاهدنا اناساً كانوا يفعلون الرذائل، و عند ما أدركوا قبح فعالهم و نتائجها السيئة، أقلعوا عنها و إتجهوا نحو الفضائل، و وجدنا هذا الأمر حتى في وقتنا الحاضر هذا.

و في المقابل نعرف أشخاصاً عندهم المعرفة التامة بالخير و الشرّ، و لكنهم يُصرّون على الشرّ و هو متأصل في نفوسهم.

و كلّ ذلك لأنّ الإنسان لديه بُعدان: بعد العلم و الادراك و بُعد عملي، و هو الميول و الغرائز و الشّهوات، و لأجل ذلك فساعةً يميل الى هذا، و ساعةً يُرجحُ ذلك.

و الذي يقول بأحد القولين، فانه يفترض أنّ الإنسان فيه بُعدٌ واحد لا أكثر، و يغفل عن وجود البعد الآخر.

و نشير هنا إلى الآيات القرآنية التي وردت في هذا الباب، و التي أكدت على التّأثير المتبادل بين عُنصر الجهل و

سوء العمل، قال تعالى:

«أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَ أَصْلَحَ فَانَّهُ غَفُورٌ رَحيمٌ؛» «1».

و يوجد شبيه لهذا المعنى في سورة النساء: الآية (17)، و سورة النحل: الآية (119).

و من البديهي أنّ الجهل المذكور ليس هو الجهل المطلق الذي لا يوائم التوبة، بل هو مرتبةٌ من مراتب الجهل، فإذا إرتفع فسوف يهتدي الإنسان بعدها للطّريق القويم.

______________________________

(1). سورة الأنعام، الآية 54.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 20

و ذكرنا في الجزء الأول من دورة نفحات القرآن أنّ الجهل هو السبب لكثير من الضلالات، فهو- الجهل- سبب للكفر و إشاعة الفساد و التعصب و العناد و التقليد الأعمى و الفُرقة و سوء الظّن و الجسارة و قلّة الأدب، و في واحدةٍ يمكن القول، أنّ الجهل عامل لإفساد كثير من القِيم «1».

و من جهة اخرَى تُصرِّح الآيات الشريفة بوجود حالة العناد في الإنسان، مع علمه بأنّه يتحرك في طريق الظّلم و الطغيان، مثل آل فرعون، حيث يتحدث عنهم القرآن الكريم:

«وَ جَحَدُوا بِها وَ اسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَ عُلُوّاً» «2».

و كذلك ما ورد بالنسبة إلى بعض أهل الكتاب، كما قال الباري تعالى: «وَ يَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ» «3».

و ورد هذا المعنى في ما بعدها من الآيات «4».

و قد يكون المراد من الآية هو موضوع الكَذب، و لكنّه أيضاً يؤيّد مدّعانا، لأنّ قبح الكذب حكم به العقل و الشّرع، و هو من الامور الواضحة التي لا تخفى على أحد.

فالحقائق و التجارب أثبتت، أنّ المعرفة و العلم بنتائج الأخلاق الرذيلة على الفرد و المجتمع، يمكنه أن يكون في كثير من الموارد، عاملًا مهماً في ردع الإنسان عن غيّه و الرّجوع إلى ساحة الصّواب، و لكن و

من جهة اخرَى، أيضاً نجد أنّ هناك من يعرف الرّذيلة حقَّ معرفتها؛ و لكنه يُصرّ عليها و يعاند على سلوك طريق الإنحراف، و الطريقة الوسطى في الحقيقة هي الجادّة و تنطبق على الواقع أكثر.

______________________________

(1). نفحات القرآن، الدّورة الاولى، ج 1 ص 86- 98.

(2). سورة النّمل، الآية 14.

(3). آل عمران، الآية 75.

(4). سورة آل عمران، الآية 78.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 21

5- هل أن الأخلاق قابلة للتغيير؟
اشارة

إنّ مصير علم الأخلاق و كلّ الأبحاث الأخلاقية، يتوقف على الإجابة عن هذا السؤال، إذ لو لا قابليتها للتغيير لأصبحت كلّ برامج الأنبياء التربويّة و الكتب السماويّة، و وضع القوانين و العقوبات الرّادعة، لا فائدةٍ و لا معنى لها.

فنفس وجود تلك البرامج التربويّة و تعاليم الكتب السماويّة، و وضع القَوانين في المجتمعات البشريّة، هو خير دليل على قابليّة التغيير في الملكات و السلوكيّات الأخلاقيّة لدى الإنسان، و هذه الحقيقة لا يعتمدها الأنبياء عليهم السلام فحسب، بل هي مقبولةٌ لدى جميع العقلاء في العالم.

و الأَعجبْ من هذا، و الغريب فيه؛ أنَّ علماء الأخلاق و الفلاسفة ألّفوا الكتب الكثيرة حول هذا السؤال: «هل أنّ الأخلاق قابلة للتغيير أم لا»؟!

فالبعض يقول: إنّ الأخلاق غير قابلة للتغيير، فمن كانت ذاته ملوَّثة في الأصل يكون مجبولًا على الشرّ، و على فرض قبوله لعمليّة التّغيير، فإنّه تغيير سطحي، و سرعان ما يعود إلى حالته السّابقة.

و دليلهم على ذلك، بأنّ الأخلاق لها علاقةٌ وثيقةٌ مع الرّوح و الجسد، و أخلاق كلُّ شخصٍ تابعة لكيفية وجود روحه و جسمه، و بما أنّ روح و جسد الإنسان لا تتبدلان، فالأخلاق كذلك لا تتبدل و لا تتغير.

و في ذلك يقول الشاعر أيضاً:

إذا كان الطّباع طِباعَ سوءٍفلا أدبٌ يفيد و لا أديبُ

و استدلوا على

ذلك أيضاً، بمقولة تأثر الأخلاق بالعوامل الخارجية؛ و أنّ الأخلاق تخضع لمؤثّراتٍ خارجيَّةٍ من قبيل الوعظ و النّصيحة و التأديب، فبزوال هذهِ العوامل، تعود الأخلاق لحالتها الاولى، فهي بالضّبط كالماء البارد، الذي يتأثر بعوامل الحرارة، فعند زوال المؤثّر، يعود الماء لحالته السّابقة.

و مما يؤسف له وجود هذا الّنمط من التّفكير و الإستدلال، حيث أفضى لتردي المجتمعات البشريّة و سُقوطها!

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 22

أمّا المؤيدون لتغيير الأخلاق، فقد أجابوا على الدّليلين السّابقين و قالوا:

1- لا يمكن إنكار علاقة الأخلاق و ارتباطها بالرّوح و الجسم، و لكنه في حدّ (المقتضي)؛ و ليس (العلّةَ التّامةَ) لها، و بعبارةٍ اخرَى يمكن أن تهيّى ء الأرضيّة لذلك، لكن ذلك لا يعني بالضّرورة أنّها ستؤثر تأثيراً قطعيّاً فيها، من قبيل مَن يولد من أبوين مريضين، فإنّ فيه قابليةٌ على الابتلاء بذلك المرض، و لكن و بالوقاية الصّحيحة، يمكن أن يُتلافى ذلك المرض من خلال التّصدي للعوامل الوراثية المتجذرة في بدن الإنسان.

فالأفراد الضّعاف البَنية يمكن أن يصبحوا أشداء، بالإلتزام بقواعد الصّحة و ممارسة الرّياضة البدنية، و بالعكس يمكن للأشداء، أن يصيبهم الضّعف و الهزال، إذا لم يلتزموا بالامور المذكورة أعلاه.

و علاوةً على ذلك يمكن القول؛ أنّ روح و جسم الإنسان قابلانِ للتغيير، فكيف بالأخلاق التي تعتبر من معطياتهما؟

نحن نعلم، أنّ كلّ الحيوانات الأهليّة اليوم، كانت في يومٍ ما بَرّيّةً و وحشيّةً، فأخذها الإنسان و روّضها و جعل منها أهليةً مطيعةً له، و كذلك كثير من النّباتات و الأشجار المثمرة، فالذي يستطيع أن يُغيِّر صفات و خُصوصيّات النبّات و الحيوان، ألا يستطيع أن يغيّر نفسه و أخلاقه؟

بل توجد حيوانات روّضِت، لِلقيام بأعمالٍ مخالفةٍ لطبيعتها، و هي تُؤدّيها بأحسن وجهٍ!.

2- و ممّا ذُكر أعلاه،

يتبيّن جواب دليلهمِ الثّاني، لأنّ العوامل الخارجيّة قد يكون لها تأثيرها القوي جداً، ممّا يؤدّي إلى تغير خصوصيّاتها الذاتيّة بالكامل، و ستؤثر على الأجيال القادمة أيضاً، من خلال العوامل الوراثيّة، كما رأينا في مثال: الحيوانات الأهليّة.

و يقصّ علينا التأريخَ قصصاً، لُاناسٍ كانوا لا يراعون إلّاً و لا ذِمّةً، و لكن بالتّربية و التّعليم تغيّروا تَغيُّراً جَذريّاً، فمنهم من كان سارقاً محترفاً؛ فأصبح عابداً متنسّكاً مشهوراً بين الناس.

إنّ التعرّف على كيفية نشوء الملكات الأخلاقيةٍ السّيئة يعطينا القُدرة و الفرصة لإزالتها، و المسألة هي كالتّالي: إنّ كلّ فعلٍ سيّ ءٍ أو حسنٍ يخلّف تأثيره الإيجابي أو السّلبي في الروح

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 23

الإنسانية، بحيث يجذب الروح نحوه تدريجياً، و بالتّكرار سوف يتكرّس ذلك الفعل في باطن الإنسان، و يتحول إلى كيفيّةٍ تسمى: (بالعادة)، و إذا إستمرت تلك العادة تحوّلت إلى (مَلَكَةٍ).

و على هذا، و بما أنّ المَلَكات و العادات الأخلاقيّة السّيئة، تنشأ من تكرار العمل، فإنّه يمكن مُحاربتها بواسطة نفس الطّريقة، طبعاً لا يمكننا أن ننكر تأثير التّعليم الصّحيح و المحيط السّالم، في إيجاد المَلَكات الحَسنة، و الأخلاق الصّالحة، في واقع الإنسان و روحه.

و هناك «قولٌ ثالثٌ»،: و هو أنّ بعض الصّفات الأخلاقيّة قابلةٌ لِلتغير، و بعضها غير قابل، فالصّفات الطّبيعيّة و الفطريّة غير قابلةٍ لِلتغير، و لكنّ الصّفات التي تتأثّر بالعوامل الخارجيّة يمكن تغييرها «1».

و هذا القول لا دليل عليه، لأنّ التّفصيل بين هذهِ الصّفات، مدعاة لقبول مَقولة الأخلاق الفطريّة و الطبيعيّة، و الحال أنّه لم يثبت ذلك، و على فرض ثُبوته، فمن قال بأنّ الصّفات الفطريّة غير قابلةٍ لِلتغيّر و التّبدّل؟. ألم يتمكن الإنسان من تغيير طِباع الحيوانات البريّة؟.

أ لا يمكن لِلتربية و التّعليم،

أن تَتَجذّر في أعماق الإنسان و تغيّره؟.

الآيات و الرّوايات التي يستدل بها، على إمكانيّة تغيّر الأخلاق:

ما ذكرناه آنفاً كان على مستوى الأدلة العقليّة و التّأريخيّة، و عند رجوعنا للأدلة النّقلية، يعني ما وصل إلينا من مبدأ الوحي و أحاديث المعصومين عليهم السلام، سوف تتبيّن لنا المسألة من خلاله بصورةٍ أفضل لأنّه:

1- إنّ الهدف من بعث الأنبياء و الرّسل و إنزال الكتب السّماوية، إنّما هو لأجل تربية و هداية الإنسان، و هذا أقوى دليل على إمكان التربية، و ترشيد الفضائل الأخلاقيّة لدى جميع أفراد البشر، و يشير إلى هذا المعنى قوله تعالى:

«هُوَ الَّذي بَعَثَ فِي الْامِّيِينَ رَسُولًا مِنْهُم يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ

______________________________

(1). أيّد هذه النظريّة المحقق النّراقي في كتابه جامع السعادات: ج 1، ص 24.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 24

وَ الْحِكْمَةَ وَ إِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبْينٍ» «1».

و أمثالها من الآيات الكريمة التي تبيّن لنا أنّ الهدف من بعثة الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله: هو تعليم و تزكية كل اولئك الذي كانوا في ضلالٍ مبينٍ.

2- كلّ الآيات التي توجّه الخطاب الإلهي إلى الإنسان، مثل: «يا بني آدم» و «يا أيّها النّاس» و «يا أيّها الإنسان» و «يا عبادي»، تشمل أوامر و نواهي تتعلق بتهذيب النّفوس، و إكتساب الفضائل الأخلاقيّة، و هي بدورها خير دليل على إمكانيّة تغيير «الأخلاق الرّذيلة»، و إصلاح الصّفات القبيحة في واقع الإنسان، و إلّا ففي غير هذه الصّورة تَنتفي عُموميّة هذه الخطابات الإلهيّة، فتصبح لغواً بدون فائدةٍ.

و قد يقال: إنّ هذهِ الآيات، غالباً ما تشتمل على الأحكام الشرعيّة، و هذه الأحكام تتعلق بالجوانب العمليّة و السلوكيّة في حياة الإنسان، بينما نجد أنّ الأخلاق ناظرةٌ للصفات الباطنيّة؟

و لكن يجب أن لا ننسى

أنّ العلاقة بين «الأخلاق» و «العمل»، هي: علاقة اللّازمِ و الَملزومِ لِلآخر، و بمنزلة العلّة و المعلول، فالأخلاق الحسنة تُعتبر مصدراً للأعمال الحسنة، و الأخلاق الرذيلة مصدراً للأعمال القبيحة، و كذلك الحال في الأعمال، فإنّها من خلال التّكرار تتحول بالتّدريج، إلى ملكاتٍ و صفاتٍ أخلاقيّةٍ في واقع الإنسان الداخلي.

3- القول و الاعتقاد بعدم إمكان التّغيير للأخلاق، مدعاة للقول و الإعتقاد بالجَبر؛ لأنّ مفهومها هو: أنّ صاحب الخُلق السّي ء و الخُلق الحسن، ليسا بقادرين على تغيير أخلاقهم، و بما أنّ الأعمال و السّلوكيات تعتبر إنعكاساً للصفات و الملكات الأخلاقيّة، و لِذا فمثل هؤلاء يتحرّكون في سلوكياتهم من موقع الجَبر، لكننا نرى أنّهم مكلّفين بفعل الخيرات و ترك الخبائث، و عليه يترتب على هذا القول جميع المفاسد التي تترتب على مقولة الجبر «2».

4- الآيات الصّريحة التي ترغّب الإنسان في تهذيب أخلاقه، و تُحذّره من الرذائل، هي أيضاً دليلٌ محكمٌ على إمكانيّة تغير الصفات و الطّبائع الإنسانية، مثل قوله تعالى: «قَدْ أَفْلَحَ

______________________________

(1). سورة الجمعة: الآية 2، و يوجد نفس المعنى و المضمون في الآية 164 من سورة آل عمران.

(2). انظر: اصول الكافي، ج 1 ص 155، و كشف المراد، بحث القضاء و القدر و ما يترتب على ذلك من مفاسد المذهب الجَبري.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 25

مَنْ زَكّاها وَ قَدْ خابَ مَنْ دَسّاها» «1».

فالتّعبير بكلمة دَسّاها، و التي هي في الأصلِ بمعني: خلطُ الشيّ ءِ بشي ءٍ آخر غير مرغوب فيه من غير جنسه، مثل «دسّ الحنطة بالتراب»، يبيّن لنا أنّ الطّبيعة الإنسانيّة مجبولةٌ على الصفاء و النّقاوة و التقوى، و التلويث، و الرذائل تعرض عليها من الخارج و تنفذ فيها، و الاثنان قابلان للتّغير و التّبدل.

نقرأ في الآية

(34) من سورة فُصّلت: «إِدْفَعْ بِالَّتي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذا الَّذي بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمْيمٌ».

تُبيّن لنا هذهِ الآية أنّ العداوات المتأصّلة و المتجذّرة في الإنسان: بالمحبّة و السّلوك السليم، يمكن أن تتغير و تتبدل إلى صداقةٍ حميمةٍ بالتّحرك في طريق المحبّة و السّلوكيات السليمة، و لو كانت الأخلاق غير قابلةٍ للتغير، لما أمكن الأمر بذلك.

و نجد في هذا المجال أحاديث إسلامية، تؤكّد هذا المعنى أيضاً، من قبيل الأحاديث التالية:

1- الحديث المعروف الذي يقول: «إنّما بُعثتُ لُاتمم مكارم الاخلاق» «2» هو دليل ساطعٌ على إمكانيّة تغيير الصّفات الأخلاقيّة.

2- الأحاديث الكثيرة التي تحث الإنسان على حسن الخُلق، كالحديث النّبوي الشريف الآتي: «لَو يَعلَمُ العَبدُ ما فِي حُسنِ الخُلقِ لَعَلِمَ أَنّهُ يَحتاجُ أن يكونَ لَهُ خُلقٌ حسنٌ» «3».

3- و كذلك الحديث النبوي الشريف الآخر حيث يقول:

«الخُلقُ الحسنُ نِصفُ الدِّينِ» «4».

4- نقرأ في حديثٍ عن أمير المؤمنين عليه السلام: «الخُلقُ الَمحمُودُ مِن ثِمارِ العَقلِ وَ الخُلقُ المَذمُومُ مِن ثِمارِ الجُهلِ» «5».

______________________________

(1). سورة الشّمس، الآية 9 و 10.

(2). سفينة البحار (مادة خلق).

(3). بحار الأنوار، ج 10، ص 369.

(4). بحار الأنوار، ج 71، ص 385.

(5). غرر الحكم، 1280- 1281.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 26

و بما أنّ كلًا من «العلم» و «الجهلَ» قابلان للتغيير؛ فتتبعها الأخلاق في ذلك أيضاً.

5- و في حديثٍ آخر، جاء عن الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله:

«إنّ العَبدَ لَيَبلُغُ بِحُسنِ خُلقِهِ عَظيمَ دَرجاتِ الآخِرَةِ وَ شَرفِ المَنازِلِ وَ أَنّهُ لَضَعِيفُ العِبادةِ» «1».

حيث نجد في هذا الحديث، مقارنةً بين حُسن الأخلاق و العبادة، هذا أولًا.

و ثانياً: إنّ الدرجات العُلى في الآخرة تتعلق بالأعمال الإختياريّة.

و ثالثاً: التّرغيب لكسب الأخلاق الحسنة، كلّ ذلك يدلّ على أنّ الأخلاق أمرٌ

إكتسابي، و غير خارجة عن عنصر الإرادة في الإنسان.

مثيل هذهِ الرّوايات و المعاني القَيّمة كثيرٌ، في مضامين أحاديث أهل البيت عليهم السلام، و هي إن دلّت على شي ءٍ فإنّها تدلّ على إمكانِيَّة تغيّر الأخلاق، و إلّا فستكون لغواً و بلا فائدةٍ «2».

6- و في حديث آخر ورد عن الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله، نقرأ فيه أنّه قال لأحد أصحابه و أُسمه جرير بن عبد اللَّه: «إنّك امرُءٌ قَد أحسنَ اللَّهُ خَلقَكَ فأَحسِنْ خُلْقَك» «3».

و خلاصة القول أنّ رواياتنا مليئةٌ بهذا المضمون، حيث تدلّ جميعها على أنّ الإنسان قادر على تغيير أخلاقه «4».

و نختم هذا البحث بحديثٍ عن الإمام علي عليه السلام، يحثّنا فيه على حُسن الخلق، حيث قال عليه السلام:

«الكَرَمُ حُسنُ السّجيةِ وَ إجتنابِ الدَّنِيّةِ» «5».

______________________________

(1). المحجّة البيضاء، ج 5، ص 93.

(2). أُصول الكافي، ج 2 في باب حسن الخلق ص 99، نقل رحمه اللَّه: 18 رواية حول هذا الموضوع.

(3). سفينة البحار مادة خلق.

(4). راجع أصول الكافي، ج 2؛ و روضة الكافي؛ ميزان الحكمة، ج 3؛ سفينة النجاة، ج 1.

(5). غُرر الحِكم.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 27

أدلّة مُؤيّدي نظرية ثبات الأخلاق، و عَدم تغيّرها:

و في مقابل ما ذكرناه آنفاً، إستدلّ البعض برواياتٍ يظهر منها أنّ الأخلاق غير قابلةٍ للتغيير، و منها:

1- الحديث المعروف الوارد عن الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله، حيث قال:

«النّاسُ مَعادِنٌ كَمَعادِنِ الذَّهبِ وَ الفِضَّةِ، خِيارُهُم فِي الجَاهِليّةِ خِيارُهُم فِي الإسلامِ».

2- الحديث الآخر الوارد أيضاً عن الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله:

«إذا سَمِعتُم أَنَّ جَبَلًا زالَ عَن مَكانِهِ فَصدِّقُوهُ، وَ إذا سَمِعتُم بِرَجُلٍ زَالَ عَن خُلقِهِ فَلا تُصَدِّقُوهُ! فإنَّهُ سَيعُودُ إلى ما جُبِلَ عَلَيهِ» «1».

الجواب:

إنّ تفسير مثل هذهِ الروايات، و بالنّظر للأدلة السّابقة، و الروايات التي تصرّح بإمكانية تغير الأخلاق، ليس بالأمر العسير، لأنّ النّقطة المهمّة و المقبولة في المسألة، أنّ نفوس الناس بالطبع متفاوتة، فبعضها من ذَهبٍ و البعض الآخر من فضّةٍ، و لكنّ هذا لا يدلّ على عدم إمكانية تغيير هذه النفوس و الطبائع.

و بعبارةٍ اخرَى: إنّ مثل هذهِ الصّفات النّفسية في حدّ المقتضي: ليس علّةً تامّةً، و لذلك رأينا و بالتجربة أشخاصاً تغيّرت أخلاقهم بالكامل، و يعود الفضل في ذلك للتربية و التعليم.

و علاوةً على ذلك، إنّنا إذا أردنا أن نعمّم الحكم، في الحديث الشّريف، على جميع النّاس، فهذا يعني أنّهم كلّهم ذَووا خُلقٍ حَسنٍ. فبعضهم حسنٌ و البعض الآخر أحسَن، (كما هو الحال في الذّهب و الفضّة). و عليه فَلَن يبقى مكانٌ للأخلاق السّيئة في طبع الإنسان. (فتأمّل).

و بالنّسبة للحديث الثاني، نرى أنّ المسألة أيضاً هي من باب المُقتضي، و ليس علّةً تامّةً، أو بعبارة اخرَى: إنّ الحديث ناظرٌ لأغلبية الناس، و ليس جميعهم، و إلّا لخالف مضمون الحديث، صريح التّأريخ، الذي حكى لنا قَصصاً حقيقيّةً عن أفرادٍ إستطاعوا تغيير أنفسهم

______________________________

(1). جامع السّعادات، ج 1، ص 24.

الاخلاق

فى القرآن، ج 1، ص: 28

و بقوا على ذلك حتّى الممات.

و لخالف أيضاً التّجارب اليوميّة، التي رأينا فيها الكثير من الأشخاص الفاسدين، غيّروا طريقة حياتهم بسبب التّعليم و التربية، و إستمروا يسيرون في خطّ الهداية و الصّلاح حتى الممات.

و خُلاصة القول: أنّه و في نفس الوقت الذي تختلف فيه سَجايا النّاس، لا يوجد أحد مجبور على الرّذائل و الأخلاق السّيئة، و كذلك الحال بالنسبة للأخلاق الحسنة، فذَوُوا السّجايا الطيّبة إذا ما إتّبعوا هواهم، سيسقطون إلى الحضيض، و ذَووا السّجايا الخبيثة، قادرون على بناء أنفسهم و ذاتهم، من موقع التّهذيب و التزكية، و الوصول إلى أعلى درجات الكمال الرّوحي.

و يجب التّنويه إلى أنّ بعض الأفراد الفاسدين و المفسدين، و لأجل توجيه أعمالهم المخالفة للطريق السّليم، يتذرّعون بحججٍ واهيةٍ من هذا القبيل؛ و أنّ اللَّه تعالى قد جَبَلنا على ذلك الخُلق السّي ء. و إن شاء أن يُغيّرنا لفعل؟! ....

و على كلّ حال، فإن الإعتقاد بعدم إمكانيّة تغيير الأخلاق، ليس له نتيجةٌ إلّا الوقوع في وادي الإعتقاد بالَجبر، و رفض ما دعا إليه الأنبياء، و القول بأنّ سعي علماء الأخلاق و أطّباء النفس في إصلاح النفوس، هو سعيٌ غير مثمر، و يترتب على ذلك بالتّالي فساد المجتمعات البشرية.

6- المَسار التّأريخي لِعلم الأخلاق

نختم البحث أعلاه، بشرح مقتضب للمسار التأريخي لعلم الأخلاق:

فمما لا شك فيه أنّ الأبحاث الأخلاقية، ولدت مع أوّل قدم وضعها الإنسان على الأرض، لأن النّبي آدم عليه السلام لمُ يعلّم أبناءه الأخلاق فقط، بل إنّ البّاري تعالى، عند ما خلقه و أسكنه الجنّة، أفهمه المسائل الأخلاقيّة و الأوامر و النّواهي، في دائرة السّلوك الأخلاقي مع الآخرين.

و اتخذ سائر الأنبياء عليهم السلام طريق تهذيب النّفوس و الأخلاق، و التي تكمَن فيها سعادة

الاخلاق

فى القرآن، ج 1، ص: 29

الإنسان، حتى وصل الأمر إلى السيّد المسيح عليه السلام، حيث كان القسم الأعظم من تعاليمه، هو أبحاثٌ أخلاقيّةٌ، فَنَعَته حواريّوه و أصحابه بالمعلِّم الأكبر للأخلاق.

و لكن أعظم مُعلِّمي الأخلاق، هو: رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، لأنّه رفع شعار: «إنّما بُعثت لُاتمّم مكارَم الأخلاق».

و قال عنه الباري تعالى: «وَ إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ» «1».

و يوجد قديماً بعض الفَلاسفة، مَنْ لُقّب بمعلّم الأخلاق، مثل: إفلاطون، و أرسطو، و سُقراط، و جَمعٌ آخر من فَلاسفة اليونان.

و على كلّ حال، فإنّه و بعد رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، فإنّ الأئمّة عليهم السلام هم أكبر معلّمي الأخلاق، و ذلك بشهادة الأحاديث التي نُقلت عنهم، حيث ربّوا أشخاصاً بارزين يمكن أن يعتبر كلّ واحد منهم مُعلِّماً لعصرهِ.

فحياة المعصومين عليهم السلام و أتباعهم، هي خيرُ دليلٍ على سُمّو نفوسهم، و رفعة أخلاقهم، في حركة الواقع.

و يبقى السّؤال في أنّه متى تأسّس علم الأخلاق في الإسلام، و من هم مشاهيره؟. و هذا البحث مذكورٌ بالتّفصيل في الكتاب القيّم: تأسيس الشّيعة لعلوم الإسلام بقلم آية اللَّه الشّهيد الصّدر قدس سره. و لا بأس بالإشارة إلى بعض ما جاء فيه، حيث قسّم السيد الصدر الموضوع إلى ثلاثة أقسام:

أ- يقول إنّ أوّل من أسّس علم الأخلاق، هو الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، (و ذلك من خلال الرّسالة التي كتبها لإبنه الإمام الحسن عليه السلام) بَعد رجوعه من صفّين، حيث بيّن الاسس الأخلاقيّة، و تطرق للمَلكات الفاضلة و الصّفات الرذيلة، و حلّلها بأحسن وجهٍ «2».

و نقل هذهِ الرّسالة، بالإضافة إلى السيّد الرّضي في نهج البلاغة، الكثير من علماء الشّيعة أيضاً.

و نقلها كذلك بعض علماء أهل السُنّة، مثل: أبو أحمد

بن عبد اللَّه العسكري في كتابه

______________________________

(1). سورة القلم، الآية 4.

(2). رسالة الامام السّجاد عليه السلام الحقوقية، و دعاء مكارم الأخلاق، و كثير من الأدعية و المناجاة في طليعة الآثار الأخلاقية الإسلامية المعروفة، بحيث لا يوازيها أثر و لا يصل إلى مقامها شي ء.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 30

الزّواجر و المواعظ، حيث أوردها كلّها و قال:

(لو كانَ مِنَ الحِكمةِ ما يجب أن يُكتبَ بالذّهبِ لكانتْ هذِهِ).

ب- أوّل من كتب كتاباً في دائرة (علم الأخلاق)، هو: إسماعيل بن مهران أبو النصر السكوني، و هو من علماء القرن الثاني، و أسماه: المؤمن و الفاجر، (و هو أوّل كتاب أخلاقي عُرف في الإسلام).

ج- بعدها يذكر بعض من أسماء أكابر العلماء في هذا المجال، (و إن كانوا لم يألفّوا كُتباً فيها) مثل:

«سلمان الفارسي»، حيث قال في حقّه الإمام علي عليه السلام:

«سَلمانُ الفارسِي مِثلُ لُقمانِ الحَكيمِ، عَلِمَ عِلمَ الأوّلِ و الآخرِ، بحرٌ لا يُنزفُ، و هو مِنّا أهلَ البيتِ» «1».

2- «أبو ذَرْ الغَفاري»، و الذي بقيَ طويلًا يُروّج للأخلاق الإسلاميّة، و هو الّنموذج الحيّ لها، و المشاحنات التي كانت بينه و بين الخليفة الثّالث «عَثمان»، و «معاوية»، في المسائل الأخلاقيّة معروفةٌ لدى الجميع، حيث أودت بحياته، و مات في سبيل ذلك الطّريق القويم.

3- «عَمّار بن ياسِر»، و قد ذكر أمير المؤمنين عليه السلام في حقّه و حقّ إخوانه و أصحابه المخلصين، يبيّن منزلتهم الأخلاقية السّامية، فقال: «أينَ إِخواني الّذين رَكِبُوا الطَّريقَ وَ مَضوا عَلَى الحَقِّ، أينَ عَمّارُ ... ثُمَّ ضَربَ يَدَهُ عَلَى لِحيَتِهِ الشَّريفَةِ الكَريمَةِ فأطالَ البُكاءَ، ثُمَّ قَالَ:

اوَّهْ عَلى إِخواني الَّذِينَ تَلَوا القُرآنَ فأحكَمُوهُ، وَ تَدّبَرُوا الفَرضَ فأقامُوهُ، أَحْيَوا السُّنّةَ و أماتُوا البِدعَةَ» «2».

4- «نوف البكّالي»، كان مثال الزّهد و

العبادة و حُسن الأخلاق، و توفّي بعد السّنة (90) للهجرة.

5- «محمد بن أبي بكر»، كان من خُلّص أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام، و يحذو حَذو الإمام

______________________________

(1). بحار الأنوار، ج 222، ص 391.

(2). نهج البلاغة، خطبه 182.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 31

في الزّهد و العبادةِ و الأخلاق.

6- «الجارود بن المنذر»، كان من أصحاب الأئمّة الرابع و الخامس و السادس عليهم السلام، و من كبار العلماء في العِلم و العمل، و له مقامٌ رفيعٌ جدّاً.

7- «حذيفة بن المنصور»، كان من أصحاب الأئمّة: الباقر و الصادق و الكاظم عليهم السلام، و قيل عنه: (أنّه أخذ عن اولئك العظام، و قد نبغ في مكارم الأخلاق و تهذيب النفس).

8- «عثمان بن سعيد العمري»، هو أحد الوكلاء الأربعة للإمام المهدي عليه السلام، و من أحفاد عمّار بن ياسر رحمه الله، و قالوا فيه: (ليس له ثانٍ في المعارف و الأخلاق و الفقه و الأحكام).

و كثيرٌ من العظماء الّذين يطول ذكرهم.

و نودُّ الإشارة إلى أنّ كثيراً من الكتب الأخلاقيّة، و على مدى التأريخ الإسلامي، قد كُتبت، و نذكر منها:

1- من القَرن الثّالث، كتاب: «المانعاتُ من دخول الجنّة»، بقلم جعفر بن أحمد القُمي، و هو من كبار العلماء في عصره.

2- من القَرن الرّابع، كتاب: «الآداب» و كتاب «مكارم الأخلاق»، بقلم عليّ بن أحمد الكوفي.

3- كتاب: «طهارة النّفس» أو «تهذيب الأخلاق و تطهير الأعراق»، بقلم إبن مَسكويه، و المُتوَفّى في القَرن الخامس، فهو من الكتب المعروفة في هذا المجال، و له كتاب آخر في علم الأخلاق، و إسمه «آداب العرب و الفُرس»، و لكن شهرته ليست كشهرة الكتاب المذكور آنفاً.

4- كتاب: «تنبيه الخاطر و نزهةُ الناظر»، و الذي عُرِف ب: «مجموعة ورّام»، أحد

الكتب المعروفة أيضاً في هذا المجال و كاتبه «ورّام بن أبي الفوارس»، من علماء القَرن السّادس الهجري.

5- و نرى في القَرن السّابع كتابي: «الأخلاق النّاصرية و أوصاف الأشراف و آداب المتعلمين»، للشيخ خَواجة نصير الطّوسي رحمه الله، فكلّ واحد منها مَعلَم من مَعالم التّصنيف في هذا المجال، في ذلك القرن.

6- و في باقي القُرون نرى كتباً مثل: «إرشاد الديلمي»، «مصابيح القلوب للسبزواري»،

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 32

«مكارم الأخلاق لحسن بن أمين الدين»، و «الآداب الدينية لأمين الدين الطّبرسي»، و «المحجة البيضاء للفيض الكاشاني»، و هو كتاب قيّم جداً في هذا العلم، و: «جامع السّعادات» و «معراج السّعادة»، و كتاب: «أخلاق شبّر»، و كثير من الكتب الاخرى «1».

و المرحوم العلّامة الطّهراني، أورد عشرات التّصانيف في كتابه المعروف ب: «الذريعة» «2».

و يجب الإشارة إلى أنّ كثيراً من الكتب الأخلاقيّة، طُبعت بعنوان كتب: السير و السلوك إلى اللَّه، و البعض الآخر طُبع بعنوان: الكتب العرفانيّة، و تطرّق البعض الآخر لمسائل الأخلاق في فصل أو فصلين، ككتاب: «بحار الأنوار» و «اصول الكافي»، حيث يُعدّان من أفضل مصادر هذا العلم.

______________________________

(1). مُلخص و مُقتبس من كتاب تأسيس الشّيعة لعلوم الإسلام. الفصل الأخير.

(2). الذريعة، ج 1.

2

دور الأخلاق في الحياة و الحضارة الإنسانيّة

اشارة

يعتقد البعض من غير المطّلعين، أنّ المسائل الأخلاقيّة تمثل أمراً خاصاً في حدود الحياة الشّخصية للإنسان، أو أنّها مسائل مقدّسة معنويّة، لا تفيد إلّا في الحياة الاخرويّة، و هو أشتباه محظ، لأن أكثر المسائل الاخلاقيّة لها أثرها في واقع الحياة الإجتماعيّة للإنسان، سواء كانت ماديّة أم معنويّة، فالمجتمع البشري بلا أخلاق، سينقلب إلى حديقةِ حيواناتٍ لا يُجدي معها إلّا الأقفاص، لِردع أفعال الحيوانات البشريّة عن أفعالها الضّارة، و ستُهدر فيها الطّاقات، و تحطّم فيها الإستعدادات، و

سيكون الأمان و الحريّة لعبة بيد ذوي الأهواء، و ستفقد الحياة الإنسانية مفهومها الواقعي.

و عند ما نتحرى التأريخ، نرى أنّ كثيراً من الأقوام البشريّة قد حَلّ بهم البوار، و تمزقوا شرّ مُمَزّق نتيجةً لإنحرافاتهم الأخلاقيّة.

و كم رأينا في التأريخ حُكّاماً، عرّضوا شعوبهم لمصائب أليمةٍ و ويلاتٍ، نتيجةً لضعفهم الأخلاقي!!. و كم يوجد من امراء فاسدين و قيادات عسكريّة متعنّتة، عرّضوا حياة جنودهم للخطر الفادح، بسبب استبدادهم بالرّأي و عدم المشورة.

و الحقيقة أنّ الحياة الفرديّة للإنسان، لا لَطافةَ و لا شفافيّة لها بدون الأخلاق. و لن تصل العوائل إلى برِّ الأمان من دونها، و لكنّ الأهمَّ من ذلك هو الحياة الإجتماعيّة للبشر، فما لم

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 34

يتمسك أفراد المجتمع بالأخلاق، فستكون نهاية المجتمع أليمة و موحشة جدّاً.

و لرب قائل يقول: إنّ السّعادة و التكامل في واقع المجتمع البشري، يمكن أن يتحقّقا في ظِلِّ العمل بالقوانين و الأحكام الصّحيحة، من دون الإعتماد على مبادى ء الأخلاق في الفرد.

و نقول له: إنّ العمل بالقوانين، من دون وجود قاعدةٍ متماسكةٍ من القِيم الأخلاقيّة لدى الفرد غير ممكن، لأنّه إذا لم يتوفر الدّاعي الذّاتي للإنسان، فالسّعي الظّاهري لن يُجدي نفعاً.

فالقوّة و الضّغط من أسوأ الأدوات لتنفيذ القوانين و الضّوابط، و لا يصحّ إستعمالها إلّا في الضّرورات، و بالعكس فإنّ الإيمان و الأخلاق، يُعتبران من أفضل الأساليب لتنفيذ أيّة قرارات.

بعد هذه الإشارة، نعود للآيات القرآنيّة الناظّرة إلى هذه المسألة المهمّة، لنستوحي منها بعض المعاني في هذا المجال:

1- «وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَ اتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَ الأَرْضِ وَ لكِنْ كَذَّبُوا فَاخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ» «1».

2- «وَ لا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَ لا السَّيِّئَةُ إِدْفَعْ بِالَّتِي

هِىَ أَحْسَنُ فَاذَا الّذي بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَ ما يُلَقّاها إِلّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَ ما يُلَقّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ» «2».

3- «فَبِما رَحْمةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَ لَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَأعْفُ عَنْهُمْ وَ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَ شاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَاذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ» «3».

4- «وَ ما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنّا بِما ارْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ» «4».

5- «وَ ابْتَغِ فِيما آتكَ اللَّهُ الدّارَ الْآخِرَةَ وَ لا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَ أَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَ لا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ قالَ إِنَّما اوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدي أَوَ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَ أَكْثَرُ جَمْعاً ... يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الُمجْرِمُونَ» «5».

6- «فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفّاراً يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُم مِدْراراً- وَ يُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَ بنينَ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ جَنّاتٍ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً» «6».

7- «وَ لَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَ الْانْجْيلَ وَ ما انْزِلَ إِلَيْهِمْ مِن رَّبِّهِمْ لَاكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ امَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ» «7».

8- «مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ انْثى وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَ لَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» «8».

9- «وَ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْري فَانَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَ نَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى» «9».

10- «وَ لا تَنازَعُؤا فَتَفْشَلُوا وَ تَذْهَبَ رِيحُكُمْ» «10».

تفسير و إستنتاج:

«الآية الاولى : تكلّمت عن الرّابطة بين بركات الأرض و السّماء و بين التّقوى حيث يُصرِّح فيها بأنّ التّقوى سبب البركات

التي تنزل من السّماء على الناس، و بالعكس فإنّ عدم التّقوى و التّكذيب بآيات اللَّه، سبب لنزول العذاب: «وَ لَوْ أَنَّ اهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَ اتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَ آلْارْضِ وَ لكِنْ كَذَّبُوا فَآَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ».

فبركات الأرض و السّماء لها معنى وسيع جداً، بحيث يشمل: نزول الأمطار، و إنبات النّباتات، و كثرة الخيرات، و كثرة القوى البشريّة.

«البركة»: أصلها الثّبات و الإستقرار، و بعدها اطلقت على كلّ نِعمةٍ و موهبةٍ تبقى ثابتةً لا تتغير، و لذلك فإنّ الموجودات غير المبارك فيها، تكون غير ثابتةٍ و تفنى بسرعةٍ.

______________________________

(1). سورة الأعراف، الآية 96.

(2). سورة فصّلت، الآية 34 و 35.

(3). سورة آل عمران، الآية 159.

(4). سورة سبأ، الآية 34.

(5). سورة القصص، الآية 77 و 78.

(6). سورة نوح، الآية 10 إلى 12.

(7). سورة المائدة، الآية 66.

(8). سورة النحل، الآية 97.

(9). سورة طه، الآية 124.

(10). سورة الأنفال، الآية 46.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 36

إن الكثير من الامم لديها إمكاناتٌ ماديّةٌ كبيرةٌ، و معادن و مصادر للثروة تحت الأرض، و كذلك لديها أنواع الصّناعات، و لكن بسبب أعمالهم السيئة و التي لها علاقة مُباشرة بإنحطاطهم الأخلاقي، فإنّ تلك المواهب و المنن الإلهيّة، ستتعرض للإهتزاز و تفقد البركة في مضمونها الإجتماعي، حيث تُستعمل تلك النعم الإلهيّة في الغالب، لتعجيل فنائهم و زوال نعيمهم من موقع النقمة الإلهيّة.

و قد صرّح القرآن الكريم بذلك، حيث قال في سورة التوبة في الآية (85): «وَ لا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَ أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيْدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا وَ تَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَ هُمْ كافِرُونَ»

نعم إنّ هذه النِّعم إذا إقترنت بفساد الأخلاق، فستكون سبباً لعذاب الدنيا و خُسران السّعادة في الآخرة!.

و بعبارةٍ اخرَى، إذا

إقترنت هذه المواهب الإلهيّة، بالإيمان و الأخلاق و القيم الإنسانية، فستجلب الرّفاه و السعادة و العمران للمجتمع البشرى، و هذا هو الشّي ء الذي تُشير إليه الآية الآنفة الذّكر.

و بالعكس فيما لو سلك الإنسان معها، اسلوب البُخل و الظُّلم و الإستبداد، و سوء الخُلق و إتّباع الأهواء، فستكون من وسائل الإنحطاط و الفساد و الإنحراف!.

«الآية الثانية»: تتحرك في إطار بيان طريقةٍ مُهمّةٍ و مُؤثرةٍ جداً لدفع العداوات و الضّغائن، و توضّح أيضاً دور الأخلاق في إزالتها: «إِدْفَعْ بِالَّتي هِيَ أَحْسَنُ فَاذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ عَداوَةٌ كأَنَّهُ وَلِيُّ حَمْيمٌ».

و يضيف قائلًا: إنّ هذا الأمر، أي سِعة الصّدر، أمرٌ لا يقدر عليه كلّ أحد، بل يختصّ بها من اوتي حظّاً عظيماً من الإيمان و التّقوى، فيقول: «وَ ما يُلَقّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَ ما يُلَقّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيْمٍ».

إنّ إحدى المشاكل الكبيرة للمجتمعات البشريّة، هي تراكم الحقد و الكراهيّة في النفوس، و في حال وصولها الذّروة، فإنّ من شأنها أن تفضي إلى إشعال نيران الحروب، التي تحرق معها

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 37

كلّ شي ء و تحوله إلى رماد.

و مع تحرك الإنسان من موقع: «إدفع بالّتي هي أحسن»، فستذوب الأحقاد و الكراهيّة كالثّلج في الصّيف، و ستتخلص المجتمعات البشريّة من خطر الحروب، و تقلّ الجنايات، و تنفتح البشريّة على أجواء المحبّة و التعاون و التّكامل الإجتماعي.

و كما يقول القرآن الكريم،: إنّ هذا المستوى الأخلاقي لا يصدر من كائن من يكن، حيث يتطلب قوّة الإيمان و التّقوى و التربية الأخلاقيّة.

و من الطبيعي أنّ الخُشونة إذا ما قابلتها الخُشونة، و السّيئة دُفعت بالسّيئة، فستطّرد هذه السّلبيات و تتوسع يوماً بعد يوم، و بالتّالي ستجر الويلات و المآسي على المجتمع البشري.

و

من البديهي أنّ: (مسألة إدفع بالّتي هي أحسن)، لها شروطٌ و حدودٌ و إستثناءاتٌ، سنشرحها بالتّفصيل في المستقبل إن شاء اللَّه.

«الآية الثالثة»: تحدثت عن تأثير حُسن الخُلق في جلب و جذب الناس، و بيّنت أنّ المدير المتخلق بالأخلاق الإلهيّة إلى أيّ حدّ يكون موفقاً في عمله، و كيف يجمع القلوب المُتنافرة و يوحِّدها التوحيد الذي يصعد بها إلى الرّقي و الكمال الإجتماعي:

«فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَ لَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَاْنْفَضُّوْا مِنْ حَوْلِكَ فَآعْفُ عَنْهُمْ وَ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَ شاوِرْهُمْ فِي الْامْرِ فَاذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ».

ففي هذه الآية، نرى التّأثير العميق لحسن الأخلاق في تقدّم أمر الإدارة، و جلب و جذب القلوب و وحدة الصّفوف، و النّجاح على مُستوى التّفاعل الإجتماعي لأفراد المجتمع؛ فأثر حسن الأخلاق لا يتحدّد بحدود البُعد الإلهي و المعنوي فقط، بل له آثاره الوسيعة في حياة الإنسان الماديّة.

و الأوامر الثّلاثة التي جاءت في ذيل الآية، يعني مسألة: «العَفو عن الخَطأ» و «طلب المغفرةِ من الباري تعالى» و «المشورة في الامور»، هي أيضاً تصبّ في دائرة تفعيل عناصر الأخلاق في النّفس، لأنّ تلك الأخلاق النّابعة من الرّحمة و التّواضع، تكون سبباً للعفو و

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 38

الإستغفار و تصحيح الأخطاء السّابقة، و إحترام شخصيّة و وجود الإنسان أيضاً.

«الآية الرابعة»: تبيّن الآثار السّلبية لبعض الأخلاق السيئة، حيث يقف في مقابل الأنبياء الإلهيين، جماعة من المترفين، و هم المُنعّمين الذين ملأ الكبَر و الأنانيّة أنفسهم و وجودهم:

«وَ ما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذْيرٍ إِلّا قالَ مُتْرَفُوها إِنّا بِما ارْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ».

و بعدها يعقّب قائلًا: أنّ الغُرور وصل بهم إلى درجةٍ كبيرةٍ، فقالوا: «وَ قالُوا نَحْنُ

أَكْثَرُ أَمْوالًا وَ أَوْلاداً وَ ما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ».

فمثل هذه الأخلاق القبيحة، تُعدّ سبباً في التّصدي للإصلاح الإجتماعي، على مُستوى قتل رجال الحقّ، و خنق أصوات طلّاب الحقيقة، و بالتالي زرع بذور الفساد و الظّلم و الطغيان في المجتمعات، و هنا يتّضح نموذج آخر من آثار الأخلاق السّيئة في المجتمعات البشريّة.

و العجيب في الأمر، أنّ روحيّة الإستكبار النّاشئة من الرّفاه المادي و سبوغ النّعمة، هي السّبب في التّورط في مُستنقع الخطيئة و إرتكاب أخطاء فاضحة جدّاً، فإعتقدوا بأنّ وفور النّعمة و كثرتها، هو دليل للقرب الإلهي، و قالوا: لو لا قُربنا من اللَّه تعالى لما آتانا تلك النّعم!؟. و بذلك أنكروا جميع القيم الأخلاقيّة و المعنويّة، و لكنّ القرآن الكريم في الآية التاليّة يُفنّد منطقهم الواهي، و يجعل المعيار هو الإيمان و العمل الصّالح.

فلم يكن موقف المترفين المشركين من قُريش بالوحيد في عصرهم، فهذا هو موقف جميع المترفين في الأقوام السّالفة مع الأنبياء و المصلحين.

«الآية الخامسة»: تنظر لوجهٍ آخر من المسألة، و تبيّن قصّة «قارون» الغني المغرور و الأناني و هو من بني إسرائيل.

فعند ما نصحه أهل العلم و المعرفة من قومه، و قالوا له: «وَ ابْتَغِ فِيما أتكَ اللَّهُ الدّارَ الْآخِرَةَ وَ لَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَ أَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَ لا تَبْغِ الْفَسادَ في الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 39

لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ» و قال و بكلّ تكبّر و غُرور: «قالَ إِنَّما اوتيْتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي».

يعني أنّ اللَّه لا دخل له في وفور النّعمة عليّ، و لكنّ علمي و درايتي بالامور هي السّبب في ذلك؛ و هكذا أودى به الكِبَر و الغُرور إلى السّقوط في وادي إنكار الآيات الإلهيّة،

و بالتّالي التّحرك من موقع التعاون مع أعداء الحقّ و العدالة، و في لحظةٍ و حادثةٍ عجيبةٍ، خُسِفَت به وَ بِأمواله الأرض.

و هنا نرى كيف أنّ الرّذائل الأخلاقيّة، بإمكانها تغيير وجوه الأشخاص و المجتمعات، و منعهم من الوصول إلى الخير و السّعادة.

و الطّريف في الأمر، أنّنا نقرأ في الآيات التي قبلها، بأنّ قومه قالوا له: «إِذْ قالَ لَهُ قَومُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّه لا يُحِبُّ الفَرِحينَ».

و من البديهي أنّ الإسلام لا يعارض الفرح و السّرور، و لكنّ المقصود هنا الفرح النّاشي ء من الغَفلة و الغرور و نِسيان اللَّه تعالى، و المقترن بالظّلم و الفساد و مُمارسة الخطيئة و الذي بدوره يجرّ الإنسان لِلعربدة و الجُموح و الفساد، و كلّ ذلك منشؤه الصّفات القبيحة التي تضرب بجرانها في القلب.

«الآية السادسة»: نقرأ فيها شكوى النّبي نوح عليه السلام إلى الباري تعالى، فنرى في طيّاتها معانٍ تُشير إلى تأثير أعمال الإنسان، و الأخلاق التي تدعم تلك الأعمال، في الحياة الفرديّة و الإجتماعيّة للإنسان، فيقول: «فَقُلْت اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُم إِنَّهُ كانَ غَفّاراً* يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيكُم مِدْراراً* وَ يُمْدِدكُم بِأَمْوالٍ وَ بَنينَ* وَ يَجْعَلْ لَكُم جَنَّاتٍ وَ يَجعَلْ لَكُم أَنهاراً».

و في الإستمرار في قراءة تلك الآيات، نرى عصيانهم و تمرّدهم على الأوامر الإلهيّة، و كذلك تبيّن الآيات صفاتهم القبيحة، و التي هي بمثابة المنَبع الآسن الذي يمدهم بالذّنوب.

و يمكن القول أنّ ما ذُكر آنفاً، هو العلاقة المعنويّة و الإلهيّة بين الإستغفار و ترك الذنوب، و بين زيادة النعم، و لا يوجد منع من سراية هذه العلاقة لتشمل البُعد الظّاهري و البُعد المعنوي، لذلك نقرأ في آيةٍ اخرى من القرآن الكريم: «ظَهَرَ الفَسادُ فِي البَرِّ و البَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيدِي النّاسِ» «1».

______________________________

(1).

سورة الروم، الآية 41.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 40

و قد ورد هذا المعنى في سورة هود بشكل آخر على لسان الرسول صلى الله عليه و آله، في خطابه لُمشركي مكّة: «وَ أَن اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُم ثُمَّ تُوبُوا إِلَيهِ يُمَتِّعُكُم مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمّىً» «1».

لا شك أنّ الّتمتع «بالمتاع الحسن»، لأجلٍ مُسمّى، هو إشارةٌ إلى المواهب الماديّة الدنيويّة، فهي رهينة الإستغفار و التّوبة من الذّنب، و العودة إلى الباري تعالى، و التّخلق بالأخلاق الحسنة.

و لا شكّ أنّ الصّفات القبيحة هي الأساس و الأصل لأنواع الذّنوب، و الذّنوب بدورها سبب لنشر الفساد في المجتمع و تفكيك لِعُرى الوحدة، و أواصر الصّداقة و الاخوّة و الاعتماد بين الناس، و بالتّالي التّأخر في العُمران و الّنمو الإقتصادي و الرّفاه المادي، و التّكامل المعنوي و سلامة النّفوس.

و في «الآية السابعة»: إشارةٌ إلى حالة أهل الكتاب و عصيانهم و طغيانهم، فيقول: «وَ لَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَ الْانْجْيلَ وَ ما انْزِلَ إِلَيْهِمْ مِن رَّبِّهِمْ لَاكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ امَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ».

و نرى هنا أيضاً تقريراً، للعلاقة الوطيدة بين العمل الصالح و التّقوى من جهةٍ، و نزول البركة السّماوية و الأرضية من جهةٍ اخرى، و هذه العلاقة يمكن أن تحمل الجانب المعنوي أو الطّبيعي، أو بالأحرى الإثنين معاً.

نعم فإنّ الفيوضات الإلهيّة لا حدّ لها، و يتوجب علينا تحصيل الأهليّة و القابليّة، لنتصل بالمصدر الأصلي للفيض، و لكن الإفراط و التّفريظ و العُدول عن جادّة الإعتدال و التّوازن، سوّدت وجه الحياة الإنسانيّة، و سلبت منها الراحة.

فالحروب المدمّرة تعرّي النفوس الإنسانيّة من الفضيلة و الصّلاح، و تُزهق الثّروات الماديّة و المعنويّة، و تفضي بالإنسان إلى

الزّوال.

______________________________

(1). سورة هود، الآية 3.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 41

و جُملة: «وَ ما انْزِلَ إِلَيْهِمْ مِن رَّبِّهِمْ»، تعني كلّ الكتب السّماوية، و من جُملتها القرآن الكريم، و ذلك لأنّ اصولها في الواقع واحدةٌ، رغم أنّه و بمرور الزّمان، و حركة المجتمع الإسلامي في خط التّكامل و التّطور، نزلت أوامر و أحكام أكثر تطوراً من السابق.

«الآية الثامنة»: نستوحي منها تعبيراً جديداً عن علاقة الحياة الطيبة بالأعمال الصالحة، (و الصّفات التي هي منشأ لتلك الأعمال)، فتقول الآية: «مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ انْثى وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَ لَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ».

الآيات السّابقة، كانت تؤكّد على تأثير الأخلاق على آفاق و أبعاد حركة الإنسان في الحياة الإجتماعية، و في الآية هذه نجد أنّها تتناول الحياة الفردية، فيذكر فيها أنّ كلّ إنسانٍ من ذكر و انثى، إذا ما آمن و عمل صالحاً فسيحيى حياةً طيّبةً.

و لا نرى في هذه الآية أيّةَ إشارةٍ إلى أنّ «الحياة الطيّبة» محدودةٌ بيوم القيامة فقط، بل تشير ظاهراً إلى (الحياة الطيّبة) في الدنيا، أو تستوعب المفهوم العام للحياة في الدنيا و الآخرة.

و لكن ما هي الحياة الطيّبة؟

إختلف المفسّرون في تفسير معنى الحياة الطيّبة، فبعض فسّرها باللقمة الحلال، و قال آخر أنّها القناعة و الرضا بما قسمه اللَّه تعالى، و قال البعض أنّها العبادة مع لقمة الحلال، و قال آخرون أنّها التّوفيق لطاعة اللَّه تعالى، و تبنّى آخرون تفسيرها بالنّظافة من جميع الأوساخ و الأدران، مثل الظّلم و الخيانة و العدوان و الذلّة و الطّهارة و النّظافة و الرّاحة، فكلّها تندرج تحت ذلك المفهوم، و لكن بالنّظر إلى جملة: «وَ لَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ»، النّاظرة للأجر الاخروي، يتبيّن أنّ المقصود من

كلمة «الحياة الطيّبة»، هو الإشارة للحياة السّليمة في هذه الدنيا.

«الآية التاسعة»: تقرر أنّ الإعراض عن ذكر اللَّه تعالى و الغفلة عنه، هو السّبب في ضَنَك العيش و صعوبة الحياة، فيقول الله تعالى «وَ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْري فَانَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 42

وَ نَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى»

و نعلم أنّ ذكر اللَّه و معرفة اسمائه و صفاته المقدسة، هو منبع لكلّ الكمالات، بل هو عَين الكمال، فذِكره سبب لتربيه و ترشيد الفضائل الأخلاقيّة في واقع الإنسان، و الصّعود به إلى آفاقٍ معنويّةٍ ساميةٍ، في عالم التّخَلّق بالأسماء و الصّفات الإلهيّة، و هذا الخُلق هو مصدر الأعمال الصَّالحة، و هو السّبب في الإنفتاح على الحياة السعيدة و تطهيرها، و بالعكس، فإنّ الإعراض عن ذكر اللَّه تعالى، يبعده عن مصدر النّور الإلهي، و يقترب به من الخُلق الشّيطاني و الجوّ الظّلماني، ممّا يؤدي بالإنسان إلى أن يعيش ضنك العيش، و ينحدر في مُنزلق النّهاية المأساويّة في حركة الحياة، و هذه هي آيةٌ اخرى تبيّن بصراحةٍ، علاقة الإيمان و الأخلاق مع الحياة الفردية و الإجتماعية للبشر.

و قد فسّر بعض أرباب اللّغة، كلمة «معيشةٍ ضنكا»: بالحياة و المعيشة التي يتكسّب فيها من الحرام، لأنّ مثل هذه المعيشة، هي سبب القَلق و الإضطراب الرّوحي في كثير من الامور.

و على حدّ تعبير بعض المفسّرين: إنّ الأفراد غير المؤمنين، يغلب عليهم الحِرص الشّديد في امور الدنيا، و عندهم عطشٌ مادي لا ينفذ، و خوف من زوال النّعمة، و لأجل ذلك يغلب عليهم البخل، و الصّفات الذّميمة الاخرى التي تضعهم في نارٍ محرقةٍ من الآلام الروحيّة و الضّغوط النفسية، (بالرغم من توفر الإمكانات الماديّة الكثيرة عندهم).

و عند ما يعيشون العمى في

الآخرة؛ فإنّما هو بسبب العمى في هذه الدنيا عن السير في طريق الحقّ و السّعادة، و غرقهم في ظلمات الشّهوات الماديّة.

و سنشرح في نهاية هذا القسم هذه المسألة شرحاً وافياً.

«الآية العاشرة»: تتطرق لأحد الآثار السّيئة للعداوة و النّزاع، الموجب لتدمير عُرى الوحدة و مُصادرة القوّة و القدرة، فتقول: «وَ لا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَ تَذْهَبَ رِيحُكُمْ».

و من البديهي أنّ المنازعات و الإختلافات في حركة الواقع الإجتماعي، إنّما هي من إفرازات الأخلاق الرّذيلة المنحطّة الكامنة في أعماق النّفس البشريّة مثل: الأنانيّة، التكبّر،

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 43

الحرص، الحقد، الحسد، و أمثال ذلك من عناصر الشرّ و الانحراف، و يترتب على ذلك توكيد عناصر الفشل و الإنحطاط، و زوال عناصر العزّة و القوّة من واقع المجتمع البشري.

و الجدير بالذّكر، أنّ القُرآن عبّر هنا ب: «تذهب ريحكم».

«الريح» في الأصل بمعنى «الهواء»، و هي كناية عن: «القدرة و القوّة و الغلبة»، و يمكن إستيحاء هذا المعنى من أنّ الرّيح عند ما تُحرّك رايات القبيلة؛ فانّه يُعدّ مظهراً للقوّة و الغَلبة، و عليه يكون مفهوم الجُملة؛ أنّ الإختلاف هو سبب زوال قوّتكم و عظمتكم و قدرتكم.

أو أنّ المفهوم مقتبس من هبوب الرّياح الموافقة، و التي هي سبب في سرعة حركة السّفن للوصول إلى المكان المقصود، و مع إنعدامها تتوقف الحركة.

و يقول صاحب «التّحقيق»: يُوجد علاقة بين الرّوح و الرّيح، فالرّوح ما يحدث في ما وراء الطّبيعة، و الرّيح بمعنى الحدوث في الطّبيعة.

و جاءت كلمة «ريح» في بعض الموارد، بمعنى العَطر الجميل، مثل: «إنّي لأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَو لا أنْ تُفَنِّدُون» «1».

و على هذا يمكن القول أنّ معنى الجملة هو: أنّ الإتحاد يفضي إلى إنتشار نفوذكم و رائحتكم في العالم، و إذا

ما إختلفتم، فستفقدون نُفوذكم في العالم.

و على أيّة حال فأيّاً كان السّبب في الإختلاف، سواء كان: (الأنانيّة، الإنتفاعيّة، الحسد، البخل، و الحقد و غيرها)، فسيكون له الأثر السّلبي في الحياة الإجتماعيّة و تخلّفها، و من هنا تتجلى علاقة المسائل الأخلاقية بالمسائل الإجتماعية في حركة الواقع الإجتماعي للبشر.

النتيجة:

نستوحي من الآيات الآنفة الذّكر، أنّ الخُلق السّامي الإنساني، لا يقتصر تأثيره على السّلوك المعنوي و الاخروي للإنسان فحسب، بل له الأثر الكبير في الحياة الماديّة و الدنيويّة

______________________________

(1). سورة يوسف، الآية 94.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 44

للبشر، و عليه لا ينبغي أن نتصور أنّ المسائل الأخلاقيّة، مُنحصرة بالفرد وَحده على حساب الحياة الإجتماعية، بل العكس صحيح؛ فالأخلاق على علاقة قويّة و وطيدة مع الحياة الإجتماعيّة، و أيّ تحوّل إجتماعي في واقع الحياة البشرية، لا يمكن أن يحصل إلّا على أساس التّحول الأخلاقي.

و بتعبير آخر: إنّ النّاس الذين يعيشون في مجتمع كبير، و يرغبون في حياةٍ سعيدةٍ مقرونةٍ بالسّلم و التعاون المشترك، يجب عليهم على الأقل أن يَصِلوا إلى رُشدٍ أخلاقي، يدركون معه الحقائق المتعلقة بإختلاف أفراد الإنسان فكراً و روحاً و عاطفةً، لأنّ الأفراد يختلفون عن بعضهم البعض، فلا نتوقع أبداً من الآخرين أن يتبعونا في كلّ شي ء، و المهم في المسألة هو السّعي في الحفاظ على الاصول المشتركة بين المجتمع، و إختلاف الأذواق و الأفكار يجب التّجاوز عنه، إلى حيث اللّيونة و الحلم و سِعة الصّدر و النّظر إلى المستقبل، فلا يمكن لنفرين أن يُجسّدا بينهما تعاوناً حقيقيّاً في حركة الحياة و لمدّةٍ طويلةٍ، إلّا بعد التحلّي بأحد الاصول الأخلاقيّة الآنفة الذّكر.

و من البديهي أنّ التّهيؤ الأخلاقي لهضم نقاط الإختلاف، و الوصول إلى الوحدة و القدرة و

العظمة، هو أمر لازم و ضروري، و هو أمر لا يتحقق بالكلام فقط، بل يحتاج إلى تهذيبٍ و تعليمٍ و تربيةٍ لنفوس الأفراد، كي يصل المجتمع إلى الّنمو و التّكامل في المجالات الأخلاقية.

علاقة الحياة الماديّة بالمسائل الأخلاقيّة في الرّوايات الإسلاميّة:

ما إستفدناه من الآيات القرآنية في الموضوع الآنف الذّكر، له أصداءٌ واسعةٌ في الرّوايات الإسلاميّة أيضاً؛ حيث يحكي عن التّأثير العميق للصفات الأخلاقيّة في الحياة الفرديّة و الاجتماعيّة، و نشير إلى قسمٍ منها:

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 45

1- نقرأ في حديثٍ عن أمير المؤمنين عليه السلام: «فِي سِعةِ الأخلاقِ كُنُوزُ الأرزاقِ» «1».

2- ورد في حديثٍ آخر عن الإمام الصّادق عليه السلام، قال: «حُسنُ الخُلقِ يَزيدُ في الرِّزقِ» «2».

3- ورد في حديثٍ آخر عن أمير المؤمنين عليه السلام: كيف أنّ الأخلاق الحسنة تُؤثّر في جلب النّاس و تحكيم أواصر الصّداقة بينهم: «مَنْ حَسُنَ خُلُقُهُ كَثُرَ مُحِبُّوهُ وَ آنَسَتِ النُّفُوسُ بِهِ» «3».

4- ورد في حديثٍ آخر عن الإمام الصادق عليه السلام، يتطرّق فيه إلى هذا المعنى بصراحةٍ أكثر، فيقول: «إِنَّ البِرَّ وَ حُسنَ الخُلقِ يَعْمُرانِ الدِّيارَ وَ يَزيدَانِ فِي الأَعمَارِ» «4».

و لا شكّ أنّ تصاعد العمران و تماسك المجتمعات، يكون من خلال الإتحاد و التعاون بين أفراد المجتمع و طوائفه المختلفة، و كلّ ما يؤدّي إلى تقوية روح الاتحاد و التّعاون بين الناس، يُعتَبر من العوامل المهمّة في تحكيم المرتكزات الأساسيّة لبقاء المجتمع، و تفعيل حركة العمران فيه، و بالنسبة إلى طول العمر، نجد أنّه معلول غالباً، إلى الحياة الهادئة و البعيدة عن حالات القلق و الإضطراب، و في ظلّ التّعاون المشترك بين الأفراد. و كلّ هذه الامور تُعدّ من معطيات الأخلاق الحسنة في حركة الإنسان و الحياة.

5- و في هذا المضمار ورد في

حديثٍ عن الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله، قال: «حُسنُ الخُلقِ يُثبِّتُ المَوَدَّة» «5».

و توجد أيضاً أحاديث مُتعدّدة، تحكي عن تأثير سوء الخُلق في إيجاد الكراهيّة في النفوس، و توهين الرّوابط بين الأفراد، و أنّه يورث النّفور و التّشتّت و ضنك المعيشة و سلب الرّاحة و الطّمأنينة.

6- ورد في حديثٍ عن الإمام علي عليه السلام: «مَنْ ساءَ خُلْقُهُ ضاقَ رِزقُهُ» «6».

7- و جاء في حديثٍ آخر أيضاً عن علي عليه السلام، أنّه قال: «مَنْ ساءَ خُلْقُهُ أَعْوَزَهُ الصَّدِيقُ و الرَّفِيقُ» «7».

______________________________

(1). بحار الانوار ج 75 ص 53.

(2). المصدر السابق. 68 ص 394

(3). غرر الحكم.

(4). بحار الانوار ج 68 ص 395.

(5). المصدر السابق 74 ص 148.

(6). غرر الحكم.

(7). المصدر السابق.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 46

8- و جاء أيضاً عن علي عليه السلام: «سُوءُ الخُلقِ نَكدُ العَيشِ و عَذَابُ النَّفسِ» «1».

9- سأل الإمام علي عليه السلام: مَنْ أَدومُ النّاسِ غَمّاً، قال: «أَسوَؤهم خُلقاً» «2».

10- و أخيراً نورد نصيحة لقمان الحكيم لإبنه، و هي: «و إِيّاكَ و الضَّجَرِ وَ سُوءُ الخُلقِ وَ قِلَّةِ الصَّبرِ فَلا يَسْتَقِيمُ عَلَى هذِهِ الخِصالِ صاحِبُ» «3»

______________________________

(1). غرر الحكم.

(2). مستدرك الوسائل، ج 2، ص 338 (الطبعة القديمة).

(3). بحار الأنوار، ج 10، ص 419.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 47

3

المذاهب الأخلاقيّة

اشارة

يوجد في علم الأخلاق مذاهبٌ كثيرةٌ، إنحرف أكثرها، و آلَ بها الأمر إلى مُخالفة الأخلاق، فمعرفتها ليس بالأمر الصّعب و خصوصاً في ظِلّ الهدي القُرآني؛ فيقول القرآن الكريم:

«و أنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَ لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفِرَّقَ بِكُم عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمُ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُم تَتَّقُونَ» «1».

فأتت هذه الآية، بعد ذكر قسمٌ مهمٌّ من العقائد و البرامج العمليّة و الأخلاقيّة في الإسلام، و قد تضمنّت

عشرة أوامر إسلاميّة، جاءت لِتوصي المسلمين بأن يتحركوا في العقيدة في خط الإستقامة، بعيداً عن السّبل الاخرى التي تورثهم الفُرقة و الإنحراف، عن خطّ الإيمان باللَّه تعالى.

المذاهب الأخلاقيّة مثلها مِثلُ سائر المناهج الفردية الإجتماعية، فهي تستمد اصولها من النّظرة الكليّة لمفهوم العالم و هذان المفهومان: «الأخلاق و النظرة الكونية»، منسجمان و مرتبطان مع بعضهما بصورة وثيقة جدّاً، فالّذين يفصلون: «معرفة العالم»، النظريّة عن

______________________________

(1). سورة الأنعام، الآية 153.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 48

الأخلاق و الأوامر و النواهي الأخلاقية للعقل العملي، و ينكرون أية علاقة بينهما، إنطلاقاً من أنّ معرفة العالم و الكائنات الطبيعيّة تعتمد على الدلائل المنطقيّة و التجربيّة، و الحال أنّ «الأوامر» و «النّواهي» الأخلاقية، هي سلسلة من القضايا تحكم السّلوك، فهؤلاء أغفلوا نقطةً مهمةً، ألا و هي أنّ الأوامر الأخلاقيّة تصبح حكيمةً، إذا ما كوّنت لها علاقةً بالعالم الخارجي، و إلّا فستكون اموراً اعتباريةً فارغةً و غير مقبولةٍ، و يوجد هنا أمثلةٌ واضحةٌ تبيّن المطلب بصورةٍ جيّدةٍ:

عند ما يُصدر الإسلام حكماً ب: «حرمة شرب الخمر»، أو في القوانين الدوليّة: حول «خطر المخدرات»، فهذه أوامر إلهيّة أو بشريّة إستمدت اصولها من سلسلة الكائنات الواقعيّة، لأنّ الحقيقة المحضة؛ أنّ الشّراب و المخدّرات لها أثر تخريبي خطر على روح و جسم الإنسان، فلا يسلم من تأثير هذه المواد الضّارة و المدمّرة أيّ إنسان، و هذه الحقيقة هي سبب لذلك (الأمر)، و (النّهي).

و عند ما نقول أنّ الأحكام الإلهيّة ناشئة من المصالح و المفاسد؛ فإنّنا بالضّبط نستوحي ذلك من خلال القاعدة التي تقول: «كلّما حكم به العقل حكم به الشّرع»، و هي أيضاً تُقرر وجود علاقة وثيقة بين الواقع و الأحكام: (الأوامر و النّواهي).

فما يُشرّع من قوانين

في المجالس التّشريعيّة البشريّة، و دراسة عواقبها الفرديّة و الإجتماعيّة و وضع القوانين على أساسها، يصب في نفس ذلك المصب بالضّبط.

و خلاصة القول: أنّه من الُمحال على الحكيم أن يصدر حكماً بعيداً عن الواقعيات في حياة البشر، و إلّا فلن يكون قانوناً بل هو لَغو في لَغو، و لأنّ الواقع هو واحد لا أكثر، فمن الطّبيعي أن يكون الطريق الصّحيح و المستقيم و القانون الأمثل واحد لا غير، ممّا يدعونا للسّعي الحثيث لإصابة الحق و الواقع و الأحكام و القوانين التي نشأت عنها.

إن ما ذُكر آنفاً يبيّن علاقة النّظريات الكليّة، في مجموعة الوجود و خلق الإنسان بالمسائل الأخلاقيّة، و من هنا فإنّ نشوء المذاهب الأخلاقيّة و تنوعها، يكمن في هذا السبب بالذات.

و بالنّظر إلى ما ذُكر أعلاه، نستعرض الآن المذاهب الأخلاقية:

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 49

1- الأخلاق في مدرسة الموحّدين:

هؤلاء يذهبون إلى أنّ اللَّه تعالى خالق الكائنات كلّها، فنحن منه و نعود إليه. و الهدف من خلق الإنسان، هو التّكامل في الجوانب المعنويّة و الروحيّة، و ما دام التقدم المادي و التّطور الحضاري للبشرية، يتحرك في خطّ التكامل المعنوي، فهو يُعتبر هدفاً معنويّاً أيضاً.

و يمكن تعريف التّكامل المعنوي بأنّه: «القرب من اللَّه تعالى، و السّير على الطّريق الذي يقرّب الإنسان لصفات الكمال الإلهيّة».

و إعتماداً على هذا المعيار، فإنّ الأخلاق من وجهه نظر هذا المذهب، هي كلّ صفات الأفعال التي تساعد الإنسان في سيره على هذا الطريق، و التّقييم الأخلاقي في هذا المذهب، يدور حول القِيَم و المُثل و الكَمالات الرّوحية و المعنويّة و القُرب من اللَّه تعالى.

2- الأخلاق المادية:

من المعلوم أنّ المادّيين لهم مذاهب متعددّة، و المعروف منها الشيوعيّة، حيث يرون كلّ شي ء من خلال منظار المادّة، و لا يؤمنون باللَّه و المسائل الروحيّة و المعنويّة، و يقولون بأصالة الإقتصاد، و يعطون للتأريخ ماهيّةً ماديّةً و إقتصاديةً، فكلّ شي ء يؤدي إلى تقوية الإقتصاد الشّيوعي في المجتمع، فانّه يعتبر من الأخلاق أو على حد تعبيرهم: «كلّ شي ء يعجّل في الثورة الشيوعيّة، فهو الأخلاق»، فمثلًا المعيار الأخلاقي للكَذب و الصّدق، يقاس بمدى تأثير ذلك السّلوك الأخلاقي على الثّورة، فإذا أدّى الكذب إلى التسّريع بالثورة فهو أمر أخلاقي، و إذا أضرّ الصّدق بالثّورة، فهو أمر غير أخلاقي!

و المذاهب الماديّة الاخرى كذلك، فكلّ مذهب يُفسّر الأخلاق حسب ما يرتئيه مسلكه، فالّذين يقولون بأصالة اللّذة، و الإستفادة من اللذائذ الماديّة، لا يوجد شي ء عندهم بإسم الأخلاق، أو بالأحرى أنّ الأخلاق عندهم، هي الصّفات و الأفعال الّتي تمهد الطّريق للوصول إلى اللذّة.

و أمّا الّذين أعطوا الأصالة للفرد و المصالح الشخصيّة، و

المجتمع محترم عندهم ما دام

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 50

الاخلاق فى القرآن ج 1 98

منسجماً مع منافع الفرد الشّخصية، (كما هو الحال في المذاهب الغربية الرأسمالية)، فهم يفسّرون الأخلاق بالامور التي توصلهم إلى مصالحهم الماديّة و الشخصيّة، و يضحّون بكلّ شي ء لأجل هذه الغاية.

3- الأخلاق من وجهة نظر الفلاسفة العقليّين:

أمّا الفلاسفة الذين يقولون بأصالة العقل، و يذهبون إلى أنّ غاية الفلسفة هي: (صَيرورة الإنسان عالماً عقليّاً مضاهياً للعالم العيني)، ففي مجال الأخلاق، يفسّرون الأخلاق بالصّفات و الأعمال التي تساعد الإنسان على تحكيم العقل، و سيطرته على القوى و النّوازع البدنية، بعيداً عن الخضوع للشّهوات و الطّبائع الحيوانيّة، و الأهواء النّفسية في حركة الحياة.

4- الأخلاق في مذهب محوريّة الغير:

جماعة اخرى من الفلاسفة أعطت الأصاله للمجتمع، و قالوا أنّ الأصالة للجماعة لا للفرد، فهم يفسّرون الأخلاق بالأفعال التي يكون الغير فيها هو الهدف، و كلّ فعل يعود بالنّفع للإنسان نفسه، فهو فعل غير أخلاقي، و الأفعال التي يكون محورها نفع الغير تكون أخلاقيّة.

5- الأخلاق في المذهب الوجداني:

اشارة

قسم من الفلاسفة قالوا بأصالة الوجدان لا العقل، و يمكن تسميتهم ب: «الوجدانيّين»، أو بمؤيّدي: «الحسن و القبح العقلي»، و قصدهم من ذلك العقل العملي لا النّظري، فالأخلاق عندهم عبارةٌ عن سلسلة من الامور الوجدانيّة غير البرهانيّة، أي أنّها تُدرك بدون حاجةٍ إلى منطقٍ و استدلالٍ، فمثلًا الإنسان يدرك أنّ العدل حسنٌ، و الظّلم قبيحٌ، و يُشخّص أنّ الإيثار و الشّجاعة أمران جيّدان، الأنانيّة و الظّلم و البخل امورٌ قبيحةٌ، و لا يحتاج في إدراك هذا المعنى، إلى إستدلال عقلي من خلال دراسة تأثير هذه الأفعال و السّلوكيات في واقع الفرد و المجتمع.

و عليه يجب أن نتحرك من موقع تقوية الوجدان الأخلاقي في الإنسان، و نُزيل من الطّريق كلّ ما يُضعف الوجدان، و بعدها سنرى أنّ الوجدان قاضٍ و حاكمُ جيّدٌ لتشخيص الأخلاق

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 51

الحسنة من القبيحة.

المؤيدون: «للحُسن و القُبحِ العقليين»، رغم أنّهم يتكلّمون دائماً عن العقل، و لكن و من الواضح أنّهم يقصَدون العقل الوجداني، لا العقل الإستدلالي، فهم يقولون إنّ حُسن الإحسان، و قبح الظّلم في الدائرة الأخلاقيّة لا يحتاج فيهما إلى دليل و برهان، فالإنسان السّليم النّفس يعيش هذه المفاهيم الأخلاقية، من موقع الوضوح في الرؤيّة و البداهة، و على هذا فإنّهم يقولون بالأصالة للوجدان في دائرة الأخلاق.

و لكن الكثير منهم لا ينكرون سكوت الوجدان عن بعض الامور، و عدم إدراكه لها، و هنا

يجب الإستعانة بالشّريعة و الوحي لفصل الامور الأخلاقية عن غيرها، و بالإضافة إلى ذلك، إذا ورد تأييد من الشّرع لما حكم به العقل، فإنّ ذلك سيكون عاملًا مهماً في ترسيخ هذه المفاهيم في عالم الوجدان، و ترجمتها على مستوى الممارسة و العمل.

النّتيجة:

بعد الإشارة إلى أهمّ المذاهب الأخلاقية في هذا الفصل، تتبيّن خصوصيات المذهب الأخلاقي للإسلام بصورةٍ كاملةٍ، حيث يرى أنّ:

(أساس هذا المذهب الأخلاقي، هو الإيمان بربوبيّة اللَّه تعالى، الذي هو الكمال المطلق و مُطلق الكمال و أوامره ساريةٌ و جاريةٌ على جميع العالم، و كمال الإنسان في تطبيق صفاته الجلالية و الجماليّة، و القرب من اللَّه تعالى أكثر فأكثر).

و هذا لا يعني أنّه لا أثر للصفات الأخلاقية في إنقاذ الإنسان و المجتمع البشري، من عناصر الشّر و قوى الإنحراف، و لكن و في نظرةٍ إسلاميّةٍ عالميّةٍ صحيحةٍ، أنّ العالم عبارةٌ عن وحدةٍ متماسكةٍ، و أنّ واجب الوجود هو قُطب هذه الدائرة، و ما عداه مُتّصل به و مُعتمد عليه، و في الوقت نفسه هناك علاقة و إنسجام تام بين المخلوقات، فكلّ شي ء يساعد على إصلاح المجتمع البشري و تطهيره من البؤر و أشكال الخلل الأخلاقي، فسيكون عاملًا مؤثراً في

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 52

إصلاح الفرد في دائرة السّلوك الأخلاقي، و بالعكس.

و بعبارة اخرى: إنّ القيم الأخلاقيّة لها إزدواجيّة في التأثير، فتصنع الفرد و المجتمع على السّواء،

و الذين يتصورون أنّ المسائل الأخلاقيّة هدفها الغير و ليس النّفس على أشتباه كبير، لأنّ مصلحة الإثنين في الواقع واحدةٌ، لا تتجزّأ إلّا في مراحل مقطعيّة محدودة و قصيرة، و قد تقدّم الحديث عن هذا المفهوم، و سيأتي في المستقبل إن شاء اللَّه تعالى.

ملاحظات:

1- الأخلاق و النسبيّة
اشارة

هل أنّ الأخلاق الحسنة و القبيحة، و الرّذائل و الفضائل، جيدةٌ أو قبيحةٌ ذات أبعاد مطلقةٌ في كلّ مكان و زمان، أم أنّ هذه الصفات نسبيّة؛ فربّما تكون في مكان و زمان آخر جيدة أو سيئة؟

الذين يقولون أنّ الأخلاق نسبيّة ينقسمون إلى قسمين:

الفئة الاولى: هم الّذين

يقولون بنسبيّة عالم الوجود كلّه، فإذا كان الوجود و العدم نِسبّيان، فإنّ الأخلاق تدخل في هذه الدائرة أيضاً.

الفئة الثانية: هم الذين لا يرون أنّ هناك علاقةُ بين عالم الوجود و بين الأخلاق، فالمعيار عندهم لمعرفة الأخلاق الجيّدة من غيرها هو المجتمع، و قبوله و عدم قبوله لها، و هذا يعني أنّ الشّجاعة ربّما تكون فضيلة عند مجتمعٍ، في ما لو كانت مقبولةٌ، و قد تكون نفس تلك الفضيلة رذيلة في مجتمعٍ آخر.

و هذه الفئة، لا تعتقد بالحُسن و القُبح الذاتي للأفعال أيضاً، و المعيار هو قبول و عدم قبول المجتمع لها.

و قد رأينا في البحث السّابق، أنّ المسائل الأخلاقيّة تعتمد على معايير للقياس، تكون وليدة النّظرات الكونيّة، فالمذهب الذي يعتبر المجتمع هو الأصل و الأساس لقبول الامور، و

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 53

بشكلها المادي، فان أفراده لا وسيلة لهم إلّا القبول بنسبيّة الأخلاق، لأنّ المجتمع البشري يكون دائماً في حالة تغيّر و تحوّل، و على هذا فليس من العجيب في أمر هذه الجماعة أنّهم جعلوا الرأي العام للمجتمع، هو المرجع لتشخيص الحَسن و القَبيح من الأخلاق.

و نتيجةُ مثل هذه العقيدة، معلومةٌ و واضحةٌ قبل أن تظهر للوجود؛ لأنّها تُسبب في تبعيّة القيم الأخلاقية للمجتمعات البشريّة، و التّوافق مع الظّروف و متغيرات و أحوال ذلك المجتمع، و الحال أنّ المجتمع هو الذي يجب أن يتبع الاصول الأخلاقيّة: لِتُصلح مفاسده.

فمن وجهة نظر هذه الجماعة، أنّ وأد البنات و هنّ أحياء، في زمن المجتمع الجاهلي العربي القديم، هو أمر أخلاقي، و كذلك الغارات التي كانت تشنّها القبائل على بعضها البعض، و تعتبر عندهم من المفاخر، و لأجلها كانوا يُحبّون الأولاد و يقدّرونهم، حتى يكبروا و يحملوا السّلاح ليحاربوا

مع آبائهم، فهي أيضاً أمر أخلاقي، و كذلك الجنسيّة المثليّة المتفشيّة في الغرب، تُعتبر من وجهة نظرهم أمراً أخلاقيّاً؟!

فالعواقب الخطيرة التي تحملها أفكار هذه المذاهب في حركة الواقع الإجتماعي، لا تخفى على عاقلٍ طبعاً.

و لكن في الإسلام، فإن المعيار الأخلاقي و الفضائل و الرّذائل، تُعيّن من قبل الباري تعالى و ذاته ثابتةٌ لا تتغير، فالمُثل و القِيم الأخلاقيّة ستكون ثابتةً و لا تتغير، و يجب أن تكونَ هي القاعدةُ الأصلُ للأفراد و المجتمع في سلوكهم الأخلاقي، لا أن تكون الأخلاق تابعةٌ لرغبات و مُيول المجتمع.

الموحدون يعتقدون أنّ الفطرة و الوجدان الإنساني إذا لم تتلوث؛ فستبقى ثابتةً أيضاً، بإعتبارها تمثل النّور المنعكس عن الذّات المقدسة للباري تعالى و على هذا فإنّ الأخلاقيّات تعتمد على الوجدان، و بعبارةٍ اخرَى فإنّ القُبحَ و الحُسنَ العَقليان: (المقصود العقل العملي لا النّظري)، يثبتان أيضاً.

الإسلام ينفي نسبيّة الأخلاق:

طرح القرآن الكريم في آياتٍ عديدةٍ كلمة «الطيّب و الخبيث» بصورةٍ مطلقةٍ، و لم يجعل

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 54

للمجتمعات البشرّية دور في صياغة القيم في هذا المجال، فنقرأ في الآية (100) من سورة المائدة: «قُل لا يَسْتَوي الخَبِيثُ وَ الطَّيِّبُ وَ لَو أَعْجَبَكَ كَثرَةُ الخَبِيثِ».

و في الآية (157) من سورة الأعراف في وضعها للرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله: «وَ يُحِلُّ لَهُم الطَّيِّباتِ وَ يُحَرِّمُ عَلِيهِم الخَبَائِثَ».

و في سورة البقرة الآية (243) يقول الله تعالى «إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضلٍ عَلَى النَّاسِ وَ لَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشكُرُونَ».

و في الآية (103) من سورة يوسف عليه السلام يقول الله تعالى «وَ ما أَكْثَرُ النَّاسِ وَ لَو حَرَصْتَ بِمُؤمِنينَ».

في هذه الآيات يُعتبر الإيمان و الطّهارة و الشّكر، من القيم و المُثل و إن كان أكثر الناس

يخالفون ذلك، و الكفر و الخُبث و كفران النعمة، تعتبر في مقابل القِيم، رغم أنّ الأكثريّة تتحرك في هذا الخط.

و قد ذكر أمير المؤمنين عليه السلام، هذا المعنى كثيراً في خُطَبِه في نهج البلاغة. و أنّ قبول و عدم قبول الأكثريّة لُخلقٍ أو عملٍ ما، لا يكون مِعياراً للفضيلة و الرّذيلة و كذلك الحُسن و القُبح.

فقال الإمام عليه السلام في خطبةٍ: «يا أَيّها النّاسُ لا تَستَوحِشُوا في طَرِيقِ الهُدى لِقِلَّةِ أَهلِهِ فإنَّ النّاسَ قَد إِجتَمَعُوا عَلى مائِدةٍ شِبَعِها قَصِيرٌ وَ جُوعِها طَوِيلٌ». «1»

و قال في خطبة اخرَى: «حَقٌّ وَ باطِلٌ، وَ لِكلٍّ أهلِ؛ فَلإن أمِرَ الباطِلُ لَقَدِيماً فَعَلَ وَ لإن قَلَّ الحَقُّ فَلَرُبَّما وَ لَعَلّ» «2».

فكلّ هذه النّصوص الإسلاميّة تنفي النسبيّة في الأخلاق، و لا تعتبر قبول الأكثريّة في المجتمع معياراً لها.

و يوجد في القرآن الكريم و الروايات الإسلاميّة، شواهد كثيرة على هذه المسألة، لو جمعت لبلغت كتاباً كبيراً.

______________________________

(1). نهج البلاغة، الخطبة 1 و 2.

(2). نهج البلاغة، الخطبة 16.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 55

سؤال:

و هنا سؤال يفرض نفسه و هو: إنّ النسبيّة في الأخلاق قد تكون مقبولةً في بعض الموارد في الشّرائع السّماويّة، (و خُصوصاً الإسلام)؛ فمثلًا يعتبر الكذب ضد القيم و المُثل و عملًا غير أخلاقي، لكنّ الكذب لغرض الإصلاح بين الناس أو في مقام المشورة، يعتبر عملًا أخلاقيّاً، و هذه المسألة ليست بقليلة الموارد في التعاليم الإسلامية، فيعتبر هذا نوعاً من قبول النسبيّة للأخلاق.

الجواب:

إنّ نسبيّة الأخلاق و الحُسن و القُبح مطلبٌ، و الإستثناء مطلب آخر.

و بعبارةٍ اخرَى: لا يوجد أصل ثابت في النسبيّة، فالكذب لا هو حسن و لا هو قبيح، و كذلك العدل و الإحسان أو الظّلم و الطّغيان، فحُسنها و قُبحها لا يتبيّن للإنسان إلّا إذا قبلتها الأكثريّة من موقع القيم أو رفضتها كذلك.

و لكن في الإسلام و التعاليم السّماوية، فالكذب و الظّلم و البخل و الحسد و الحقد، كلّها تعتبر ضد القيم و المُثل، سواء قبلتها أكثريّة الناس أم لا، و بالعكس، فالإحسان و العدالة و الصّدق و الأمانة، قيم و مُثل رفيعةٌ سواء قبلها المجتمع، أم لا.

فهذا هو الأصل الكلّي للمسألة، و لا مانع من وجود الإستثناء له، فالأصل كما هو واضحٌ من إسمه أساس و جذر الشي ء، و الإستثناء بمنزلة بعض الفروع و الأوراق الزّائدة، و وجود بعض الإستثناءات في كلّ قاعدةٍ لا يمكن أن يكون دليلًا على نسبيّتها، فإذا تجلّى لنا هذا الفرق بين هذين الإثنين، أمكننا تجنّب الوقوع في كثير من الأخطاء.

و يجب الإلتفات أيضاً الى أنّ الموضوعات يمكن أن تتغيّر بمرور الزّمان أيضاً، فالأحكام التابعة للموضوعات تتغيّر أيضاً، و هذا الأمر لا يمكن أن يُعتبر دليلًا على النسبيّة.

بيان ذلك: إنّ لكلّ حكمٍ موضوعه الخاص؛ العدوان على الآخرين

يعتبر جنايةً قابلةً للقصاص و التّعقيب، و لكن يمكن أن يتغيّر الموضوع، في يد الطّبيب و الجرّاح الذي يمسك

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 56

المِبضع لينقذ حياة المرضى فيفتح بمشرطه القلب و يخرج الغدد الخبيثة، فالموضوع يتغيّر هنا، فلا يمثّل هذا العمل جناية، بل يستحق عمله التّقدير و الجائزة.

فلا يمكن لأحد أن يعتبر تغيّر الأحكام و الموضوعات دليلًا على النسبيّة، و النسبيّة تقوم على أساس تبدّل الأحكام، بالرّغم من عدم تحوّل و تغيّر الموضوع الماهَوي، و الموضوعي بالنسبة للأشخاص أو الأزمان المختلفة.

و أحكام الشّرع كذلك، فالخمر حرام و نجس، و لكن من الممكن و بعد مرور عدّة أيّام، أو بإضافة مادّةٍ ما يمكن تحويله إلى خلّ طاهر محللّ، فلا يمكن لأحدٍ أن يعتبر هذه من نسبيّة الأحكام، و النسبيّة هنا أن يكون الخمر حلال عند مُستحلّيه و حرامٌ عند مانعيه، من دون أن يتغيّر شي ء في ماهيّة الخمر.

في المسائل الأخلاقيّة أيضاً، يمكن أن نصادف موضوعات، تكون للوهلة الأولى من الفضائل، و لكن و بالتّحول في دائرة الموضوع، يمكن أن تتغيّر إلى رذيلةٍ؛ فعدم الخوف مثلًا و إلى حد الإعتدال يُعتبر شجاعة و فضيلةٌ، و لكن إذا تعدّى الحدود، فيكون تهوّراً و يدخل في حيّز الرّذائل.

و كذلك في الامور الاخرى التي تُشابهها، فالكذب يعتبر منشأ للمفاسد الكثيرة، و سبباً لزوال الثّقة بين النّاس، و لكن إذا كان لغرض الإصلاح بين الناس، فهو حلالٌ و فضيلةٌ.

و يمكن أن يعتبر البعض، هذه الامور و التغيّرات في المواضيع من النسبيّة، و لا نزاع فيما بيننا في التّسمية، و مثل هذا النزاع يعتبر لفظيّاً، لأنّه مثل هذه الموارد تعتبر من قبيل التغيّر في الموضوع و الماهيّة، و إذا كان قصد

أصحاب النسبيّة هذا، فلا بأس، و لكنّ المشكلة في أن يكون المعيار: للفضيلة و الرّذيلة و الحُسن و القُبح الأخلاقيين، هو قبول أكثريّة المجتمع.

و من مجموع ما تقدم، نستنتج أنّ نسبيّة الأخلاق مردودة، من وجهة نظر الإسلام و القرآن و المنطق و العقل، و طرح مسألة النسبيّة تلك تُعتبر أو تُساوي عدم الأخلاق، لأنّه و طبقاً للنظريّة النسبيّة للأخلاق، فإنّ كلّ رذيلةٍ إنتشرت في المجتمع فهي فضيلةٌ، و كلّ مرضٍ أخلاقي تفشّى بين الناس؛ فهو صحّةٌ و سلامةٌ، و بدلًا من أن تكون الأخلاق عاملًا لرقيّ المجتمع في خطّ

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 57

التّكامل الحضاري، فستتحول إلى عامل لنشر الفساد و الانحطاط.

2- التّأثير المتقابل بين (الأخلاق و (السّلوك)
اشارة

علاقة الأخلاق و العمل، و تأثير الأخلاق في السّلوك أمر لا يخفى على أحد، لأنّ الأعمال عادةً تنبع من الصّفات الداخليّة في النّفس الإنسانية، فالشّخص الذي تسيطر حالة البخل و الحسد و الكِبَر على قلبه و فكره و روحه، فمن الطّبيعي أن تكون أعماله على نفس الشّاكلة، فالحسود يتحرك في أعماله دائماً من موضع هذه الخصلة الذميمة، التي هي كالشّعلة المتّقدة في روحه، تسلب الرّاحة منه، و كذلك الأفراد المتكبرين، مشيتهم و كلامهم و قيامهم و قعودهم، كلّها تعطي حالة الغرور فيهم، و تشير إلى روح التَّكبر في نفوسهم، و هذا الحكم يشمل الصفات، و الأخلاقيّة الصّالحة و الطالحة على السّواء.

و لأجل ذلك، يعتبر بعض المحقّقين مثل هذه الأعمال، أعمالًا أخلاقية، يعني أعمال تنشأ من الأخلاق الصّالحة و الطّالحة بصورةٍ بحتةٍ، و في مقابل الأعمال التي تصدر أحياناً من الإنسان، تحت تأثير الأمر بالمعروف و النّهي عن المنكر، و الإرشاد و النّصح مثلًا، من دون أن يكون لها جذر أخلاقي، و طبعاً مثل

هذه الأعمال تعتبر أقلّ بالنسبة للأعمال الأخلاقيّة.

و هنا يمكن أن نستنتج، أنّه و لأجل إصلاح المجتمع و إصلاح أعمال الناس، يتوجب علينا إصلاح جذور الأعمال الأخلاقيّة، لأنّ أغلب الأعمال تعتمد على الجذور الأخلاقيّة، و على هذا كان أكثر سعي الأنبياء عليهم السلام و المصلحين الإجتماعيين الإسلاميين، يصبّ في هذا السبيل، لأنّه و بالتّربية الصّحيحة، تنمو و تتبلور الفضائل الأخلاقيّة في كلّ فرد من أفراد المجتمع، و تصل الرذائل إلى أدنى الحدود، و بذلك يمكن إصلاح الأعمال التي تترشح من الصّفات الأخلاقيّة، و الإشارة في بعض الآيات القرآنية إلى «التّزكية»، تصبّ في هذا المصب أيضاً، هذا من جهةٍ:

و من جهةٍ اخرى، أنّ التّكرار لفعل ما يمكن أن يكون له الأثر في تكوين الأخلاق، لأنّ كلّ

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 58

فعل يفعله الإنسان سيؤثر في روحه و نفسه، و سيعمِّق ذلك الأثر حتى يصبح عادةً، و إذا تكرّر بصورة أكبر فسيتعدّى مرحلة العادة، و يتبدّل إلى «مَلَكةٍ» و «حالةٍ»، تدخل في الخصوصيّات الأخلاقيّة للإنسان.

و على ذلك، فإنّ العمل و الأخلاق لهما تأثيرٌ مُتقابل، و يمكن أن يكون أحدهما سبباً للآخر.

و لهذه المسألة شواهدٌ كثيرةٌ في القرآن الكريم منها:

1- في الآية (14) من سورة «المطفّفين»، و بعد الإشارة إلى الصفات القبيحة لطائفةٍ من أهل النار، و المعذبين، قال الله تعالى «كَلّا بَل رانَ عَلى قُلُوبِهِم ما كَانُوا يَكْسِبُونَ».

و هذه الآية دليلٌ على أنّ الأعمال القبيحة تجثم على القلب، كما يجثم الصّدأ على الحديد، و تُزيل النّور و الصّفاء الفطري الدّاخلي للإنسان و تُطفئهُ، و تصوغه بقالبها.

2- في الآية (81) من سورة البقرة قال الله تعالى «بَلى مَن كَسَبَ سَيّئةً وَ أحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَاولئِكَ أصحابِ النّارِ هُم

فِيها خالِدُونَ».

و القصد من الإحاطة للخطيئة، هو تراكم إفرازات الخطيئة في نفس الإنسان حتى تصل النّفس إلى مرحلة الختم، و الطّبع، و تتطبّع بالذنوب، فلا يُفيد فيها النّصح و الموعظة و لا الإرشاد، و كأنّه قد تغيّرت ماهيّة ذلك الإنسان، و صفاته الإخلاقية في واقعه النفسي، بل و بالإصرار على الذّنوب، فإن المعتقدات الدينيّة للفرد ستطالها يد التّغيير أيضاً.

كما و أشارت الآية (7) من سورة البقرة الواردة في بعض الكفار المعاندين، إلى هذا المعنى أيضاً، حيث تقول: «خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِم وَ عَلَى سَمعِهِم وَ عَلى أَبصارِهِم غِشاوةٌ وَ لَهُم عَذابٌ عَظِيمٌ».

و من الواضح أنّ الباري تعالى شأنه: لا يتعامل مع أحد من الناس من موقع العداوة و الخُصومة، و لكنّ الواقع أنّ آثار أعمال الناس هي التي تضع الحُجب و الحواجز على الحواسّ، فلا تُدرك الحقيقة، (و نسبة هذه الامور للباري تعالى، إنّما هو لأجل أنّ اللَّه تعالى هو مُسبّب الأسباب و كلّ شي ء إنّما يصدر عن ذاته المقدّسة).

و في الآية (10) من سورة «الرّوم» يتعدى ذلك و يقول الله تعالى إنّ الأفعال السيّئة تغيّر

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 59

عقيدة الإنسان و تُؤدي به إلى الحضيض: «ثُمَّ كَانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ أساءوا السُّوأى أنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَ كَانُوا بِها يَستهزءُونَ».

و منها يتبيّن أنّ الأعمال و الصّفات القبيحة و ارتكاب الذنوب، إذا ما أصرّ و إستمرّ عليها الإنسان، ستمتد إلى أعماق نفس الإنسان، و لا تؤثّر على أخلاقه فحسب، بل تقلب عقائده رأساً على عقب أيضاً.

و نقرأ في آيةٍ اخرى من القرآن الكريم: أنّ الإصرار على الذنب و تكراره و سوء العمل، يُميت عند الإنسان حسّ الّتمييز و التّشخيص، بحيث يرى الحسن قبيحاً و القبيح

حَسناً، فنقرأ في الآية (103 و 104) من سورة الكهف حيث تقول: «هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالأخسَرِينَ أَعمالًا الّذينَ ضَلَّ سَعيُهُم فِي الحَياةِ الدُّنيا وَ هُم يَحْسِبُونَ أَنّهُم يُحْسِنُونَ صُنعاً».

3- و في آيةٍ اخرَى يصرح القرآن الكريم بأن الإصرار على الكذب و خُلف الوعد مع اللَّه سبحانه، سيورث الإنسان صفة النّفاق في قلبه، فيقول الله تعالى: «فأَعقَبَهُم نِفاقاً فِي قُلُوبِهِم إلى يَومِ يَلقَونَهُ بِما أَخلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَ بِما كَانُوا يَكذِبُونَ».

و يعلم القاري الكريم أنّ «يكذَّبون»: هو فعل مضارع و يدل على الإستمرار، حيث يُبيّن تأثير هذا العمل السّي ء و هو الكذب في ظهور روح النّفاق؛ لأننا نعلم أنّ الكذب و خاصّةً في لباس الإنسان الصادق، ليس هو إلّا إختلاف الظّاهر و البّاطن، و النّفاق الباطني هو تبديل هذه الحالة إلى ملكةٍ.

التّأثير المتقابل للأخلاق و العمل في الأحاديث الإسلاميّة:

الحقيقة أنّ الأعمال الصالحة و الطالحة تؤثر في روح الإنسان و تبلورها، و تحكّم الخلق السيّ، و الحسن فيها، و لهذا الأمر صدىً واسعاً في الأحاديث الإسلاميّة، و نذكر منها هذه الأحاديث الثلاثة الآتية:

1- نقرأ في حديثٍ عن الإمام الصادق عليه السلام: كان أبي يقول: «ما مِن شي ءٍ أفسدُ لِلقلَبِ مِن

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 60

خَطيئةٍ، إنّ القَلبَ ليُواقِع الخَطِيئةَ فَما تَزالُ بِهِ حتّى تَغلِبَ عَلَيهِ فَيَصِيرَ أعلاهُ أسفَلَهُ» «1».

طبعاً هذا الحديث، أكثر ما ينظر إلى تحول و تغيّر الأفكار و تأثّرها بالذنّوب، و لكن و بصورة كليّة، فهو يبيّن تأثير الذّنوب في تغيير روح الإنسان.

2- في حديثٍ آخر عن الإمام الصادق عليه السلام: «إذا أذنَبَ الرّجلُ خَرَجَ في قَلبِهِ نُكتَةٌ سَوداءٌ، فإنْ تَابَ إنمَحَتْ وَ إنْ زَادَ زادَتْ، حتّى تَغلِبَ عَلى قَلبِهِ، فَلا يَفلِحُ بَعدَها أبداً» «2».

و لأجل ذلك نبّهت الأحاديث الإسلاميّة

على خطورة الإصرار على الذّنب، و أنّ الإصرار على الذّنوب الصّغيرة يتحول إلى الكبائر «3».

و جاء هذا المعنى في الحديث المعروف، عن الإمام عليّ بن موسى الرّضا عليه السلام، في معرض جوابه للمأمون، و فيه تبيان كُلّي حول مسائل الحلال و الحرام، و الفرائض و السّنن، فمن المسائل التي أكّد عليها الإمام عليه السلام، هو أنّه جعل الأصرار على الذّنب، من الذّنوب الكبيرة «4».

3- جاء في كتاب (الخصال)، عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، أنّه قال: «أربعُ خِصالٍ يُمِتْنَ القَلبَ:

الذَّنبُ عَلَى الذَّنبِ ...». «5»

و جاء مُشابه لهذا المعنى في تفسير «الدُّر المنثور» «6».

هذه التّعبيرات توضّح جيّداً أنّ تكرار عملٍ ما، له تأثير في قلب و روح الإنسان بصورةٍ قطعيةٍ، و يصبح مصدراً لتكوين الصّفات: الرّذيلة و القبيحة، و لأجل ذلك جاءت الأوامر للمؤمن إذا ما أذنب و أخطأ، بالتّوبة السّريعة، ليمحي آثارها من القلب، و لئلّا تصبح عنده على شكل «حالةٍ» و «مَلكةٍ» و صفةٍ باطنيّةٍ، فجاء في الأحاديث الشّريفة، أنّه يتوجب على

______________________________

(1). أصول الكافي، ج 12، بابّ الذّنوب، ح 1 ص 268.

(2). المصدر السابق، ج 13، ص 271.

(3). بحار الأنوار، ج 1، 351.

(4). المصدر الساق، ص 366.

(5). الخصال، ج 1، ص 252.

(6). الدر المنثور، ج 6، ص 326.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 61

الإنسان أن يجلو الصّدأ من على قلبه، كما نقرأ في الحديث عن الرّسول الكريم صلى الله عليه و آله:

«إنّ القُلُوبَ لَتَرِينُ كَما يَرِينُ السّيفُ، وَ جَلاؤها الحَدِيثُ» «1».

3- الأخلاق الفرديّة و الإجتماعيّة

المسألة الاخرى الّتي يتوجب ذكرها هُنا هي: هل أنّ المسائل الأخلاقيّة تتشكل من خلال علاقة النّاس بالآخرين، بحيث أنّ الإنسان إذا ما عاش وحيداً فريداً لا يكون لديه مفهوم حول الأخلاق،

أو أنّ بعض المفاهيم الأخلاقيّة لها موارد في سلوك الإنسان حتى لو عاش لِوَحده، بالرّغم من أنّ أعظم المسائل الأخلاقيّة، تتجلى أكثر في عمليّة علاقة الأشخاص مع بعضهم البعض، و لهذا يمكن تقسيم الأخلاق إلى قسمين: فرديّة و إجتماعيّة؟.

للجواب عن هذا السّؤال، يجب أن نلفت أنظاركم، إلى البحث الذي جاء في كتاب «زندگى در پرتو أخلاق»، «الحياة على ضوء الاخلاق» و سنورده بالكامل هنا:

(يعتقد البعض أنّ كلّ الاسس الأخلاقية، تعود إلى العلاقات الإجتماعية مع الآخرين، فلو إنعدم المجتمع و عاش الإنسان وحيداً فريداً، أو أنّ كلّ إنسان عاش مستقلًاّ عن الآخر، لا يعرف عنه شي ء، فلن يكون هناك مفهوم للأخلاق أصلًا!، لأنّ الحسد و التّواضع و الكِبَر، و حُسن الظّن، و العدالة و الجَور و العفّة و الكَرم، كلّها من المسائل الّتي لا يتجلى مفهومها إلّا بوجود المجتمع خاصّة، و تعامل النّاس مع بعضهم البعض، و بناءً على هذا، فإنّ الإنسان بدون المجتمع، يساوي الإنسان من دون أخلاق).

(و لكن بعقيدتنا، و على الرّغم من الإعتراف، بأنّ كثيراً من الفضائل و الرّذائل الأخلاقيّة، لها علاقة مباشرة بالحياة الإجتماعية، و لكنّها ليست بصورةٍ مطلقةٍ، فكثيرٌ من الأخلاق لها جوانب فردية، و تصدق على الإنسان الوحيد بصورةٍ خاصةٍ، فمثلًا الصّبر و الجزع، و الشّجاعة و الخوف، و المشاجرة و الكسل، و أمثال ذلك من الحالات و الصّفات النّفسية التي تفرضها حالات الصّراع مع الطّبيعة، و كذلك الغفلة و الشّعور اتّجاه الخالق الكريم، و الشّكر و الكفران

______________________________

(1). تفسير نور الثقلين، ج 5، ص 531، ح 23.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 62

لنعمه التي لا تُحصى و ما شابه تلك الامور، الّتي بحثها علماء الأخلاق في كتبهم، و عدّوها من

الفضائل أو الرّذائل، فكلّ تلك الامور يمكن أن تدخل في الإطار الفردي للسّلوك، و تصدق على الإنسان المعزول عن المجتمع و من هنا يتبيّن أنّ الأخلاق على قسمين: «أخلاقٌ فرديّةٌ» و «أخلاقٌ إجتماعيّةٌ». و من المعلوم أنّ الأخلاق الإجتماعيّة، التي لها الثّقل الأكبر في علم الأخلاق، و صياغة شخصيّة الإنسان: تدور حول هذا المحور، و إن كنّا لا ننسى أيضاً أنّ الأخلاق الفرديّة لها وزنها، و وضعها الخاص بها) «1».

و لا شكَّ أنّ هذا التّقسيم، لا يقلّل من قيمة المسائل الأخلاقيّة، و لكنّه يُقسّم المباحث الأخلاقيّة إلى درجاتٍ من حيث الأهميّة، و لا داعي لإتلاف الوقت في معرفة و تمييز الأخلاق، هل أنّها فردية أم إجتماعية، و ما أشرنا إليه آنفاً، يكفي للإحاطة بمعرفةٍ إجماليّةٍ حول هذا الموضوع.

و لا يمكن انكار أنّ الأخلاق الفردية، لها تأثيرها غير المباشر في القضايا الإجتماعية أيضاً.

______________________________

(1). زندگى در پرتو أخلاق، ص 29- 31.

4

دعائم الأخلاق

اشارة

إذا شبّهنا الأخلاق بشجرة باسقةٍ مثمرةٍ، معرضةٍ للآفات و الأخطارِ، فدعامتها الأخلاقيّة يمكن أن نُشبّهها بالفلّاح، أو الماء الذي يجري من تحتها، و لو لا الماء و الفلّاح ليَبِست تلك الشّجرة، أو لأصيبت بأنواع الآفات و الأمراض، حتى تموت أو يغدو ثمرها قليلًا.

و قد إختلف علماء الأخلاق و الفلاسفة، في صياغة الدّعائم الأساسيّة للأخلاق بشكلٍ كبيرٍ، فكلُّ مجموعةٍ تذكر آرائها و نظراتها حول المسألة، تبعاً لرأيها و نظرتها في مسألة معرفة العالم. و نشير هنا إلى عدّة نماذج مهمّة:

1- دَعامة الإنتفاع

يوصي البعض بالأخلاق، لأنّها تعود على الإنسان بالنّفع المادّي المباشر، فمثلًا تُراعي إحدى المؤسّسات الإقتصادية، أصل الأمانة و الصّدق بشكلٍ دقيقٍ جدّاً، و تعطي المعلومات الواقعيّة لزبائنها بدون أيِّ تلاعب، فمثل هذه المؤسّسة ستكون بعد سنوات، مورد ثقة النّاس و محل إعتمادهم، مما سيعود عليها بالنّفع الكبير الطّائل.

و بناءً على ذلك، قد يتحرك الأشخاص في سلوكهم الأخلاقي، كلٌّ حسب موقعه. فمثلًا عند ما يكون موظّفاً في المصرف أو البنك، فهو يُراعي منتهى الأمانة و الدّقة، لكي يعود على

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 64

البنك بالنّفع الكبير، و لكن يمكن أن يتحول إلى خائن، بمجرد أن يضع قدمه خارج المصرف، لّانّ فائدته ستكون في الخيانة حينها.

و قد نرى تاجراً، يحرص أن يكون في منتهى الأدب و اللّطف و اللّياقة مع زبائنه، لأجل كسب المزيد منهم، و لكنّه مع عائلته و أولاده، يكون في منتهى الفضاضة، لا لشي ء إلّا لأنّ الأخلاق الحسنة مَحلُّها في محلّ عمله، و ستعود عليه بالنّفع المادي الأكثر.

فمثل هذه الأخلاق لا دعامة لها، إلّا النّفع و الإستغلال، و أهمّ عيبٍ في المسألة، هو أنّه لا يعير للأخلاق أهميّةً و لا أصالةً، لأنّه يستمر في

إستغلاله، سواءً كان عن طريق الأخلاق، أم بعقيدته التي هي ضدّ الأخلاق.

و ذهب البعض الآخر إلى صياغة حِكمةٍ معدّلةٍ لهذا النمّط من الأخلاق، و نادوا بالأخلاق لا من أجل المصالح الشّخصيّة، و لكن لتعود على مصلحة البشر جميعاً، لإعتقادهم بأنّ الأسس الأخلاقيّة إذا تزلزلت في المجتمع، فستتحول الحياة إلى جهنّم تحرق كلّ شي ء، و ستتحول أدوات الإلفة و التعاون في المجتمع، إلى حطبٍ يُبقي النار مشتعلةً، في حركة الواقع الإجتماعي المضطرب.

هذا النّوع من التّفكير يعتبر أرقى من سابقه، و لكنّ الأخلاق هنا مجرد وسيلةٍ لجلب النّفع و الرّاحة و الرّفاه، و لا أساس للفضائل الأخلاقية فيها.

فالماديّون لا يمكنهم أن يتجنبوا مثل هذا النوع من التّفكير، لأنّهم لا يعتقدون بالوَحي و لا نُبوّة الأنبياء، و ينزلون بالأخلاق من السّماء إلى الأرض، و يجعلونها مُجرد وسيلةٍ للإنتفاع و الرّاحة و الاستغلال لا أكثر.

و لا شكَّ و لا ريب، في أنّ الأخلاق لها مثل هذه المعطيات الماديّة الإيجابية، في وعي الناس كما أشرنا سابقاً، و لكن السّؤال هو: هل أنّ أسس و دعائم الأخلاق، تنحصر في هذه المرتكزات الماديّة، أو أنّ مثل هذه المرتكزات و المعطيات، يجب أن تُدرس على أساس أنّها من المسائل الجانبيّة، و المتفرّعة على علم الأخلاق؟.

و على أيّة حال، فإنّ الإيمان بالأخلاق الّتي يكون أساسها النّفع و الإستغلال، يخدش

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 65

أصالة الأخلاق، و يقلل من قيمتها و قدسيّتها، و من ناحيةٍ اخرى فإنّ الإنسان في حالة تقاطع مصلحته مع الأخلاق، فإنّه سيضرب بالأخلاق عَرض الحائط، و يتّبع مصلحته الشخصيّة، الّتي إعتبرها دعامته و أساسه، في حركة السّلوك الإجتماعي و الأخلاقي.

2- الدّعامة العقليّة

الفلاسفة الّذين يعتقدون بحكومة العقل و لزوم اتّباعِه في كلّ

شي ء، يعتبرون دعامة الأخلاق هي إدراك العقل: للقبيح و الحسن من الأفعال و الصّفات الأخلاقيّة، فمثلًا يقولون أنّ العقل يُدرك جيّداً أنّ الشّجاعة فضيلةٌ و الجبنُ رذيلةٌ، و الأمانةُ و الصّدقُ فضيلةٌ و كمالٌ، و الخيانةُ و الكذبُ نقصانٌ، و نفس إدراك العقل لها، هو الباعث و المحرّك لإتّباع الفضائل و ترك الرذائل.

و قال البعض الآخر، إن إدراك الوجدان هو الأساس، فيقولون: أنّ الوجدان و هو العقل العملي، أهمّ شي ء في الإنسان، لأنّ العقل النّظري يمكن أن يُخطي ء، و لكن الوجدان و الضّمير ليس كذلك، و بإمكانه أن يقود البشريّة إلى ساحل الأمن و السّعادة.

و عليه، و بما أنّ الوجدان يقول: إنّ الأمانة و الصّدق و الإيثار، و السّخاء، و الشّجاعة هي امور حسنةٌ و جيّدةٌ، فهو بمفرده يكون دافعاً و مُحرّكاً، نحو نيل تلك الأهداف و الفضائل.

و كذلك بالنّسبة للبُخل، و الأنانيّة و أمثالها، فإنّ الوجدان يقول أنّها قبيحة، و ذلك يكفي في الإرتداع عنها و تركها.

و هنا تتحد الدّعامة العقلية و الوجدانيّة، فهما تعبيران مختلفان لحقيقةٍ واحدةٍ.

و لا شكّ أنّ وجود هذا الأساس و الدّعامة للأخلاق، لا يخلو من حقيقةٍ، و هو في حدّ ذاته دافعٌ حسنٌ للسّعي إلى تربية النّفوس، و ترشيد الفضائل الأخلاقية، في واقع الإنسان و المجتمع.

و لكن و بالنّظر إلى ما ذكرناه في بحث الوجدان «1»، فإنّ الوجدان يمكن أن يُخدع، هذا من جهةٍ، و من جهةٍ اخرَى: أنّ الوجدان و بالتّكرار لفعل القبائح و الرّذائل، فإنّه سيأنس بها

______________________________

(1). الرّجاء الرجوع إلى كتاب قادةٍ عظماء، ص: (63- 106).

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 66

و يتعوّد عليها، بل قد يفقد الحسّاسيّة بالكامل تجّاه هذه الامور، أو يتحرك في إدراكه لها، من

موقع التأييد للرذائل على حساب إهتزاز الفضائل.

و من جهةٍ ثالثةٍ، إنّ الوجدان أو العقل العملي، رغم أهميّته و قداسته، فإنّه كالعقل النّظري قابل للخطأ، و لا يمكن الإعتماد عليه وحده، بل يحتاج إلى أُسس و دعامات أقوى، يُطمأن إليها في تشخيص الحُسن و القُبح، بحيث لا يمكن خُداعها و لا تخطئتها، و لا تتأثر بالتّكرار، و لا تتغيّر أو تتحول.

و خلاصة الأمر: أنّ الوجدان الأخلاقي، أو العقل الفِطري و العقل العملي، أو أيّ تعبيرٍ آخر يُعبّر عنه، هو أساسٌ و دعامةٌ جيَّدة، و لا بأس بها لنيل الفضائل الأخلاقيّة، و لكن و كما أشرنا آنفاً، تعوزه بعض الأمور، و لا يُكتفى به وحده.

3- دعامة الشخصيّة

يتحلّى البعض بالقيم الأخلاقيّة، لأنّها دليلٌ و علامةٌ للشخصيّةِ أو الرجولةِ و المروءة، و كلّ إنسانٍ عند ما يرى أنّ شخصيّته بين النّاس متوقفةٌ على الصّدق و الأمانة، فسيتحرك على مستوى التّحلي بها و مُراعاتها، و كذلك عند ما يرى أنّ الناس يحترمون الشّجاع و الوفي و الرّحيم، فسيكون طالب الشخصية و الإحترام، أوّل المطبّقين لها على نفسه، حتى يمدحهُ الناس.

و العكس صحيح، فإنّه عند ما يرى أنّ الناس لا يحترمون الجبان، و لا البخيل، و لا الخائن، و لا ضعيف الإرادة، و لا قيمة لهم في نظر المجتمع، فسوف يسعى لهجر هذه الرذائل، و تطهير نفسه منها.

و عليه يَتحصَّل لدينا: دعامةٌ و أساسٌ آخر للمسائل الأخلاقيّة.

و لكن و بالتّدقيق و التحقيق، نرى أنّ هذا الأساس و الدّعامة، يعود إلى مسألة الوجدان، غاية الأمر، أنّ المطروح هنا هو وجدان المجتمع، لا الوجدان الفردي، يعني أنّ ما يوافق الوجدان العام للمجتمع، فهو فضيلةٌ و علامةٌ للشخصيّة، و من الأخلاق الفاضلة و عكسه

الاخلاق

فى القرآن، ج 1، ص: 67

يدخل في الرذائل، و ما يُقرّه الرأي العام للمجتمع، يكون هو الدّافع للفضائل و الرّادع عن الرّذائل. و نحن لا ننكر أنّ الوجدان العمومي للمجتمع، يمكن أن يشخّص القِيَم من اللّاقيم، و يحثّ الأفراد للإهتمام بالمسائل الأخلاقيّة في خطّ التّربية و التّكامل.

و لكن ما ذكر من نواقص و إشكالات، حول الوجدان الفردي، هو نفسه يصدق على وجدان المجتمع.

فيمكن للمجتمع أن يُخطأ، و إذا ما وقع هذا الأساس للأخلاق، تحت طائلة الدعاية و الإعلام القوي من قبل الحكومات، فبالإمكان أن ينقلب رأساً على عقب، و تكون الفضائل رذائل في منظومة القيم و المثل الأخلاقية، كما حدّثنا التّأريخ عن نماذج كثيرة من هذا القبيل، ففي عصر الجاهليّة مثلًا كان يُعتبر وَأْد البنات من المكرمات، عند شريحةٍ كبيرةٍ من المجتمع آنذاك، و يُعتبر فضيلةً أخلاقيةً، (و ذلك للمفهوم السّائد في ذلك الوقت وقت، من أنّه الطّريق للنّجاة من العار و الشّنار، و الحيلولة دون وقوع النّساء في الأسر في الحروب) «1».

و نرى في عصرنا الحاضر، و في المجتمعات البشريّة المتقدّمة و المتطوّرة، أنّ المتموّلين و لأجل الوصول لأهدافهم غير المشروعة، و بالدعاية يخدعون الوجدان العمومي للمجتمع، و يقلبون القيم الأخلاقيّة الإيجابية، إلى مُضادّاتها في دائرة السّلوك الأخلاقي.

بالإضافة إلى أنّ الوجدان و الضّمير في الإنسان، هو من بَوارِق الرّحمة الإلهيّة، و نموذج لمحكمة العدل الإلهي العظيمة، عند الإنسان في هذا العالم، و لكن و مع ذلك، فالضّمير ليس بمعصوم عن الخطأ، و يمكن أن ينحرف، و إذا لم يتّخذ الإنسان تدابير لازمة لإصلاحه و تزكيته، فلعلّه يبقى على خطئه لسنين طويلة.

______________________________

(1). يقول الشّاعر الجاهلي:

الموتُ أخفى سِترةً للبناتِ و دفنها يُردى من المكرماتِ

ألم تر أنّ اللَّه

عزّ اسمه قد وضع النعشَ بجنب البنات

و كما تلاحظون أنّ هذا الشاعر الجاهلي، يعتبر تلك الجناية الكبرى مكرمْة و إفتخاراً.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 68

4- الدّعامة الإلهيّة

اشارة

من المعلوم أنّ ما ذكر من الدّعامات و الأسس، لا يخلو من واقعيّةٍ على مستوى دفع الإنسان نحو الفضائل الأخلاقيّة، و لكن و كما أشرنا إليه سابقاً أنّها لا تخلو و لا تسلم من الخطأ و الانحراف، مثل دعامة الإنتفاع و الاستغلال التي تأخذ طريقها في أيّ وقت و زمان، فتارةً تسير مع الأخلاق و اخرى تُعارضها.

و البعض الآخر من الدّعامات له قدرةٌ محدودةٌ في تحريك الإنسان، و مشوبةٌ بالنّقص و القصور و لربّما أخطأت و اشتبهت.

و الدّافع الوحيد الخالي عن الخطأ و الإشتباه، و العاري من كلّ نقص في دائرة المسائل الأخلاقيّة، هو الدّافع الإلهي الذي يكون مصدره اللَّه تعالى و الوحي، في إطار التّعاليم الدينيّة.

و هنا لا تعتبر الفضائل الأخلاقيّة وسيلةً للإنتفاع و الإستغلال، و لا هي وسيلةٌ للرفاه الإجتماعي، (و إن كانت الأخلاق قطعاً، وسيلةً للرّفاه و العمران و الهدوء، و تؤمّن المنافع الماديّة أيضاً).

فالأصالة هنا للدوافع الروحيّة و المعنويّة، أو بعبارةٍ اخرَى، أنّ الذّات الإلهيّة المنزّهة، و الّتي هي الكمال المطلق، و مُطلق الكمال، و جميع صفاته الجماليّة و الجلاليّة، تكون هي المحور الأصلي للمسألة، و كلّ إنسان يسعى في المُضي قُدماً، للوصول إلى الكمال المطلق، و يتحرّك في حياته المعنوية، من موقع تفعيل نور أسماء الصّفات الإلهيّة في نفسه، ليشبهه و يتقرب إليه أكثر و أكثر يوماً، بعد يوم (و إن كانت ذاته المقدّسة منزهّةً عن الشبيه الحقيقي)، و يصل إلى الكمال المطلق، فلا حدّ للكمال هناك، و بذلك يعيش بكلّ وجوده، حالة الإستغراق من

الحبّ للَّه تعالى، و الكمال المطلق، و تُنير وجوده و باطنه، أنوارُ و صفاتُ الذّات المقدّسة، بحيث يطلب الكمال و الرّقي، في الدّرجات العليا في كلّ لحظةٍ، فلا يتقيّد بالمنافع الماديّة، و لا يطلب الأخلاق للشخصيّة و الاحترام، و لا يكون هدفه الضّمير وحده، بل لديه هدفٌ أسمى و أعلى من كلّ تلك الامور.

فلا يأخذ معلوماته من العقل و الوجدان فقط، بل يستعين بالوَحي أيضاً، ليميّز في ظلّه القيم

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 69

الحقيقيّة من الكاذبة، و ليمشي بخطى ثابتةٍ مع إيمانٍ و يقينٍ كاملين في هذا الطريق، و القرآن الكريم، هو خير دليلٍ في هذا المضمار، و يُصرّح القرآن الكريم، بأنّ الأعمال الأخلاقيّة هي وليدة الإيمان باللَّه و اليوم الآخر، و دائماً ما يردف: (العمل الصالح) بالإيمان، و عرّف العمل الصالح، بالّثمرة لشجرة الإيمان.

و مثّل الإيمان، بالشّجرة الطيّبة، و جذورها ثابتة في روح و أعماق الإنسان، و فروعها و أوراقها وارفة، تؤتي بثمارها كلّ حين، و أشار إشارة جميلةً فقال اللَّه تعالى

«أ لَم تَرَ كَيفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أصَلُها ثَابِتٌ وَ فَرعُها فِي السَّماءِ تُؤتِي اكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإذنِ رَبِّها» «1».

و من البديهي، أنّ الشجرة التي تمدّ جذورها في أعماق القلوب، و تتفرع أغصانها من جميع أعضاء الإنسان، و ترتفع في سماء حياته، هي شجرةٌ وارفةٌ لا يؤثّر فيها جفاف الخريف، و لا تقلعها العواصف أبداً. «2»

و جاء أيضاً في سورة «و العصر»، نفس هذا المعنى و لكن بتعبير آخر، فالقاعدة و لكن

الكلّية هو الخسران و التّضييع للإنسان، و المستثنون من ذلك هم المؤمنون، في أوّل الأمر، ثم الّذين يعملون الصّالحات و يتواصون بالحقّ و الصّبر:

«وَ العَصرِ

إنّ الإنسانَ لَفِي خُسرٍ إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ تَواصَوا بِالحَقِّ وَ تَواصَوا بِالصَّبِرِ».

و جاء نفسُ هذا المعنى و بتعبيرٍ جميلٍ آخر، في الآية (21) من سورة النور، فيقول الله

______________________________

(1). سورة ابراهيم، الآية 24 و 25.

(2). إختلف المفسّرون في ما هو المقصود من الشّجرة الطيّبة؟، و هل يوجد مثل هذا التشبيه في الخارج أم لا؟. و هنا كلام كثير، فالبعض قال: أنّ الشجرة الطيّبة هي كلمة لا إله إلّا اللَّه، و بعض قال: أنّها أوامر الباري تعالى، و آخَرون قالوا أنّها الإيمان، و في الواقع أنّ هذه كلّها تعود إلى حقيقةٍ واحدةٍ، و إختلفوا أيضاً في هل أنّ هذه الشجرِة لها واقع خارجي، و أنّ أصلها ثابت في الأرض و أوراقها و فروعها في السّماء و مثمرة في كلّ وقتٍ و حِينٍ، حقيقةً، أو لا؟.

و لكن يجب أن لا ننسى أنّ كلّ تشبيه لا يتوجب أن يكون له وجود خارجي، فعند ما نقول: أنّ القرآن الكريم كشمسٍ لا غروب لها، و بالطّبع فلا وجود للشّمس التي لا غروب لها، و القصد من ذلك هو التّشبيه بالشمس لا أكثر، حيث يمكن أن تختلف خصائص هذه الشمس في الخارج.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 70

تعالى «وَ لَو لا فَضلُ اللَّهِ عَلَيكُم وَ رَحْمَتُهُ ما زَكّى مِنْكُم مِنْ أحَدٍ أبَداً وَ لَكنّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ ...».

و عليه، فإنّ سمُوّ الأخلاق و العمل و التّزكية الكاملة لا تتمّ، إلّا بالإيمان باللَّه و رحمته الواسعة.

و جاء نفس هذا المعنى في سورة (الأعلى فيقول الله تعالى

«قَدْ أَفلَحَ مَن تَزَكّى وَ ذَكَرَ إسمَ رَبّهِ فَصَلّى «1».

فطبقاً لهذه الآيات، فإنّ التّزكية الأخلاقيّة و العمليّة، لها علاقةٌ وثيقةٌ بإسم اللَّه

تعالى و الصّلاة و الدّعاء، هذا إذا ما إستمدّت أسسها منه سُبحانه و تعالى و حينها ستكون عميقةً و دائمةً، و إذا ما إعتمدت على أسسٍ اخرَى، فستكون واهيةً و عديمة المحتوى

في الآية (93) من سورة المائدة، جاء وصف جميل، للعلاقة الوثيقة بين التّقوى و الأعمال الأخلاقيّة بالإيمان: فقال الله تعالى «لَيسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِي ما طَعِمُوا إذا ما اتَّقَوا وَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتّقَوا وَ آمَنُوا ثُمَّ اتّقَوا وَ أحسَنُوا وَ اللَّهُ يُحِبُّ الُمحسِنِينَ».

في هذه الآية الشّريفة، تقدّمت التّقوى مرّة على الإيمان و العمل الصّالح، و تأخرت اخرَى، و تقدمت مرّةً على الإحسان، لأنّ التّقوى الأخلاقيّة و العمليّة تتقدم على الإيمان في مرحلةٍ ما، و هي التّحضير لقبول الحقّ و الإحساس بالمسؤوليّة للبحث عنه.

ثم إنّ الإنسان عند ما يعرف الحقّ و يؤمن به، فستتكون في نفسه مرحلةٌ أعلى و أقوى من التّقوى و تكون مصدراً لأنواع الخيرات.

و بهذا التّرتيب، تتبيّن العلاقة الوثيقة بين الإيمان و التّقوى

و خلاصة القول: إنّ أقوى و أفضل الدّعائم للأخلاق، هو الإيمان باللَّه، و الإحساس بالمسؤوليّة اتّجاهه، و مثل هذا الإيمان هو أبعد مدىً و أرحب افقاً من المسائل المادّية، و لا يبدّل و لا يعوّض بشيٍ ء، فهو يرافق الإنسان في كلّ مكان و لا ينفصل عنه أبداً، و لا يوجد شي ء أفضلُ منه.

______________________________

(1). سورة الأعلى الآية 14 و 15.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 71

و لذلك فإنّنا نرى أنّ أقوى مظاهر الأخلاق، كالإيثار و التّضحية تتجسّد في حياة أولياء اللَّه تعالى.

و نرى أيضاً، في المجتمعات الماديّة التي توزِن كلّ شي ء بمعيار النّفع، أنّ الأخلاق فيها ضعيفةٌ جدّاً، و في الأغلب أنّ

المعترف به رسميّاً عند الجميع، هو النّفع الشّخصي المادّي، فالصّدق و الأمانة و الوفاء و ما شابه ذلك، هي أخلاق حسنةٌ و سلوكيّات جيدةٌ، ما دامت تعود بالنّفع على الفرد، و عند تعرّض النّفع المادي للخطر، فستفقد لونها و قيمتها!!.

فالأبوان العجوزان، و لعدم نفعهما، فمصيرهما أن يعيشا في زاوية النسيان، و يتمّ نقلهما إلى مراكز و دور العجزة، لينتظرا أجلهما المحتوم.

و بمجرّد أنّ يبلغ الأطفال مرحلة الرّشد و المراهقة، فإنّ مصيرهم الانفصال عن اسرهم، لا لكي يستقلّوا إقتصاديّاً، بل لكي يُنسوا إلى الأبد.

و كذلك الأزواج، فهم شركاء في الحياة ما دام في الحياة الزوجية نفعٌ و لذّة، و إلّا فلا حاجة إلى العلاقة الزّوجيّة و لا ضرورة للإلتزام بتبعاتها، و لذلك فإننا نرى أنّ الطّلاق هناك كأيسر ما يكون، و شايع إلى درجةٍ خطيرةٍ، ففي المذاهب الماديّة التي لا تقوم على أساسٍ إلهي في دائرة الأخلاق، يكون الإستشهاد لديهم لنيل المقاصد السّامية، هو الإنتحار بعينه، و الكرم الذي يؤدي إلى تبذير الأموال، ليس هو إلّا نوعٌ من الجنون، و العّفة و الإستقامة على طريق الفضيلة، ليست هي إلّا ضَعفٌ في النّفس، و الزُّهد بالعالم المادي، ليس هو إلّا سذاجةً و جهلًا بالحياة.

و ما نراه اليوم من التنافس المحموم على الماديات، و مراكز القدرة في هذه المجتمعات، و رؤساء تلك الدول، هو أفضل و خير نموذج يعبّر عمّا لديهم من معايير للأخلاق الماديّة.

و الشّاهد على ذلك، ما يصدر من الإنتهازيّة و التّعامل المزدوج للقوى الإستعماريّة تجاه (حقوق الإنسان)، فعند ما تكون حقوق الإنسان، سبباً لتعرّض منافعهم للخطر، فسوف يتجاهلونها و يجعلونها وراء ظهورهم، و يذبحون القيم الإنسانيّة على مذبح المصالح الماديّة.

فأخطر المجرمين و المعتدين على حقوق

الإنسان، يصبحون مسالمين و مصلحين، و بالعكس

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 72

فإنّ الشخص الذي يريد أن يدافع عن حقّه في مقابلهم، يكون هو الشّيطان بعينه، و يجب أن يُقمع بأيّ وسيلةٍ كانت.

فنراهم يدافعون عن الديمقراطيّة و حكومة الشّعب، دفاعاً مُستميتاً، و في نفس الوقت نراهم و في زاوية أخرى من العالم، يدافعون عن أسوَأ و أظلم المستبدّين الديكتاتورييّن لا لشي ءٍ، الّا لأن الأخلاق عندهم ليست هي: إلّا النّفع في بُعده المادي و الشّخصي. و الإنسان المادي لا يمتلك صورةً واضحةً عن الأخلاق في دائرة التّعامل مع الآخرين، بل مفاهيم ضبابيّةً و صورةً قاتمةً.

و الملاحظة الاخرى الّتي تجدر الإشارة إليها، أنّ المادييّن لا يرون في سلوكهم الأخلاقي، غير زمانهم و مكانهم الّذي هم فيه الآن، و لا أهميّة عندهم لما فَعل الماضون، و لا ما سيفعله اللّاحقون، إلّا أن يكون له علاقةٌ بحاضرهم، و منطقهم يتمثّل به قول الشّاعر، حيث يقول:

إن أنا مِتُّ فلاطلعت شمس الضّحى على أحدِ

و لكن الموحّدين المعتقدين بالحياة الآخرة، و محكمة العدل الإلهي في يوم القيامة، يعتقدون أنّ معطيات الأخلاق و بركاتها المعنوية، جارية حتى بعد الممات، و لو إمتدّت لِالاف السّنين، و سيثاب الإنسان عليها في الاخرى و لذلك لا يتعاملون مع الواقع الدنيوي، من موقع الزّمان الحاضر فقط، بل من موقع التّفكير في الغد البعيد و الحياة الخالدة.

و قد جاء في الحديث المعروف عن الرسول الكريم صلى الله عليه و آله، أنّه قال:

«إذا مات المؤمن إنقطع عمله إلّا من ثلاث، صدقةٍ جاريةٍ- أي الوقف- أو علمٍ يُنتفع به أو ولدٍ صالحٍ يدعو له» «1».

فالإيمان بالآخرة دافعٌ و حافزٌ آخر، للحثّ على الأعمال، الأخلاقية المهمة، مثل الصّدقة الجارية و

الآثار العلميّة المفيدة و تربية الأولاد الصّالحين، و الحال أنّ لا مفهوم لهذه الامور لدى المادييّن.

و قد قسّم المرحوم الشّهيد (مُطهّري)، في كتاب «فلسفة الأخلاق»، الأنانيّة إلى ثلاثة أقسام: (للنّفس، و للعائلة، و للقوميّة)، و عدّها كلّها من الأنانيّة، التي تقف في الطّرف المقابل

______________________________

(1). بحار الأنوار، ج 2، ص 42.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 73

للأخلاق، و نقل كلاماً عن «كوستاف لوبون»، في كتابه المعروف (حضارة الإسلام و العرب)، و رأينا أن ننقله هنا إكمالًا للفائدة.

فقد ذكر هذا الكاتب الغربي، في معرض حديثه عن الشّعوب الشرقيّة، و أنّهم لماذا وقفوا من الحضارة الغربيّة موقفاً سلبيّاً؟ فعللّ ذلك بالقول:

(أولًا: لعدم القابليّة لديهم لإستقبال هذه الثّقافة، و ثانياً: إنّ حياتهم و معيشتهم تختلف عن حياتنا و معيشتنا، فحياتهم بسيطةُ و ساذجةٌ، بخلاف ما نحن عليه من التّعقيد الحضاري في واقع الحياة، ثم يردف قائلًا: و لا يخفى مدى الظّلم الذي إرتكبته الشّعوب الغربّية في حقهم.

(و هو عامل مهم آخر).

و بعدها أشار إلى الظّلم الذي إرتكبه الغربيّون، في أمريكا و الهند و الصّين، و خصوصاً كان يؤكد على قصّة الحرب المعروفة، ب: (حرب التّرياك)، التي شنّها الإنجليز على شعب الصيّن، لأجل السّيطرة عليهم، فنشروا إستعمال التّرياك بين الشعب، لأجل التّسلط عليهم، و ليميتوا فيهم روح المقاومة، و يكسروا شوكتهم، و لكنّ الصّينيين توجهّوا للخدعة، و تحرّكوا للتّصدي للإنجليز، الذين صوّبوا مدافعهم، و انتصروا عليهم بقوّة السّلاح الفتّاك، و إنتشر بين الأهالي إستعمال التّرياك، بحيث جاءت الإحصائيات: (في ذلك الزمان)، أنه في كل سنةٍ يموت حوالي ال (600) ألف نفر، جرّاء إستعمالهم للتّرياك. «1»

نعم فعند ما لا تقوم الأخلاق على قاعدةٍ متماسكةٍ، من الإيمان و القيم المعنويّة في واقع

الإنسان، فسوف تأخذ بالذّبول و التّراجع، لصالح المنافع الشّخصيّة و النّوازع الدنيويّة العاجلة.

ملاحظة:

ما ذكرناه آنفاً حول دعامة الأخلاق، من وجهة نظر الإيمان بالمبدأ و المعاد، لا يعني إنكار الدّور الفعّال، ل: «العقل الفطري» في تعميق المسائل الأخلاقيّة، فالضّمير و الوجدان في الحقيقة، هو رسول اللَّه في أعماق البشر، و من جهةٍ اخرى له الأثر الكبير في تحكيم المباني الأخلاقيّة، بشرط أن يصاحبها عنصر الإيمان، و تتخلص من حجب الأنانيّة و هوى النّفس.

______________________________

(1). فلسفة الأخلاق، ص 283 بتضرّف.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 74

و أكّد القرآن الكريم، على هذه المسألة مرّات عديدة، ففي الآية (100) من سورة «يونس»، يقول الله تعالى «وَ يَجعَلُ الرِّجسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعقِلُونَ».

و في الآية (22) من سورة «الأنفال»، نقرأ: «إنّ شرّ الدَّوابِ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لا يَعقِلُونَ».

و يقول الله سبحانه، عن الّذين يستهزئون بالصّلاة: في سورة (المائدة) الآية (58):

«اتّخذوها هُزُواً وَ لَعِباً ذَلِكَ بِأنّهُم قَومٌ لا يَعقِلُونَ».

و هكذا يتبيّن من خلال ما ذُكر آنفاً، خلاصة رؤية القرآن المجيد للمسائل الأخلاقية.

5

الأخلاق و الحريّة

اشارة

هناك أبحاثٌ كثيرةٌ، في مسألة الأخلاق و الحريّة، و هل أنّ الأخلاق تُحدّد و تُقيّد حريّة الإنسان؟ و هل أنّ هذا التّقييد هو في صالح الإنسان أم لا؟

فبإعتقادنا أنّ هذه الأبحاث، ناشئةٌ من التّفسير الخاطي ء لمعنى الحريّة، و منها:

1- يُقال: أنّ الأخلاق تقوم بتحديد حريّة الإنسان، و تعمل على كبت القابليّات في المحتوى الدّاخلي للإنسان.

2- و تارةً يقولون: إنّ الأخلاق تقمع الغرائز، و تمنع من تحقّق السّعاد الواقعيّة للفرد، و لو لم يكن في الغرائز فائدةٌ، فلما ذا خلقها اللَّه تعالى .

3- و تارةً اخرَى يقولون: إنّ البّرامج الأخلاقيّة، تخالف فلسفة أصالة اللّذة، و نحن نعلم أنّ الهدف من الخلق، هو «اللّذة» التي يريد أن يصل إليها الإنسان.

4- و اخرى يقولون،

و في النّقطة المعاكسة لها: أساساً إنّ البشر ليس حُرّاً في سلوكه الأخلاقي، بل هو مجبور و واقع تحت تأثير عوامل كثيرة، و لذلك فلا تصل النوبّة للوصايا الأخلاقيّة.

5- و أخيراً يقولون: إنّ الأخلاق مبنيّة على أساس إطاعة اللَّه تعالى و هي لا تخلو من الخوف أو الطّمع، و كلّ هذه الامور تتقاطع مع الأخلاق!

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 76

هذا التّناقض في الأقوال، إن دلّ على شي، فهو دليلٌ على عدم التّقييم الصّحيح لمفهوم الحرّية، هذا من جهةٍ، و من جهةٍ اخرَى لم تُدرس الأخلاق الدينيّة، و خصوصاً الأخلاق الإسلاميّة، دراسةً كافيةً و وافيةً.

و لذلك يجب أن ندرس في بادي الأمر، مسألة الحريّة. و لماذا يطلب الإنسان الحريّة بكلّ وجوده؟، و لماذا يجب أن يكون الإنسان حرّاً؟، و ما هو دور الحريّة في تربية الجسم و الرّوح؟، و بكلمةٍ واحدةٍ: ما هي «فلسفُة الحريّة»؟.

إنّ الجواب على كلّ هذه الأسئلة يتلخّص في ما يلي:

يوجد في داخل الإنسان قابلياتٌ و ملكاتٌ و قوى خفيّةٌ، لا تخرج من القوّة إلى الفعل إلّا بالحريّة، و الإنسان يسعى للتّكامل، و يتحرك على مستوى ترشيد إستعداداته و قُدراته، فهو يطلب الحريّة لأجل ذلك.

و لكن هل أن الحرّية التي تساعد على تفعيل قدرات الإنسان، هي حرية بلا قيد و لا شرط، أم أنّها الحريّة المتحرّكةِ في إطارٍ من التّنظيرٍ العقلي و الدّيني؟.

و يُمكن تبيان هذا المطلب مع ذكر مثالين:

إفترضوا أنّ هناك فلّاحاً، قررّ أن يزرع أنواع الورود و الفواكه في بستانه، و تحرّك لتحقيق هذا الغرض، على مستوى حرث الأرض و غرس النّباتات و سقيها في موعدها في كلّ مرّةٍ، فَمن البديهي أن تكون الشّجرة مغروسةً في الفضاء الحرّ، لتأخذ قِسطها من

النّور و الهواء و المطر، و ستمدّ جذورها في الأرض بحرّيةٍ، و إذا لم تتوفر لها تلك العوامل، فلن تثمرَ و لن يحصلَ الفلّاح على ثمن أتعابه، و بناءً على ذلك، فإنّ حريّة الجذور و الأوراق، ضروريّة لكي تعطي الثمر، و لكن من الممكن أن ينحرف غُصن من الأغصان في تلك الشّجرة، فيقطعه الفلّاح بلا رحمةٍ و لا رأفةٍ، لأنّ هذا الغَصن يستهلك قوّة الشّجرة، فلا أحد له الحقّ في الإعتراض على الفلّاح، بسبب هذا العمل.

و يمكن أن يُقَوِّم الفلّاح الشّجرة المائلة، أو الفرع المعوّج، بشدّه إلى خشبةٍ مستقيمة، فكذلك لا حقّ لأحدٍ أن يعترض عليه في ذلك، و يقول له: لماذا قيّدت الشّجرة بهذا القيد، و لم

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 77

تتركها حرّةً، لأنّه سيقول: إنّ الشّجرة يجب أن تكون حرّةً لكي تُثمر، لا أن معوّجة فتذهب بأتعابي سُدىً.

و كذلك بالنسبة للإنسان، فلديه ملكاتٌ و قابلياتٌ مُتنوّعةٌ و مهمّةٌ، و إذا ما نُظِّرت تَنظيراً صحيحاً، فستصعد به إلى أعلى درجات الرّقي و الكمال المادّي و المعنوي، فهو حرٌّ في الإستفادة من قابلياته في الطّريق السّليم، لا أن يُهدِر هذه القابليّات في الطرق المنحرفة.

فالذّين فسرّوا الحريّة، بمعناها العام الشّامل بلا قيد و لا شرط، ففي الحقيقة لم يفهموا معنى الحريّة، فالحريّة هي الإستفادة من الطّاقات في الطّريق الصّحيح، الذي يوصله للأهداف العُليا: (ماديةٌ كانت أم معنويةٌ).

و مثالٌ آخر، حرّية المرورِ و العبورِ في الطّرق الواسعة و الضّيقة، فالغرض هو وصول الإنسان لمقصده، و لكن هذا لا يعني أبداً، عدم الإلتزام بقوانين المرور، حيث يؤدي إلى الهرج و المرج، و الفَوضى في حركة المرور.

فلا يوجد إنسانٌ عاقلٌ يقول: إنّ التّقيد بقوانين المرور و رعايتها، مثل

التّوقف عند الضّوء الأحمر، أو عدم المرور في طريقٍ ما، أو السّير على الجانب الأيمن، و ما شابهها من الامور، التي توجب تحديد حريّة السّائق، فالكلّ سوف يستهزي ء بمثل هذا الكلام، حيث يقال له، إنّ الحرّية يجب أن تكون؛ ضمن المقررات و القوانين التي تراعى من أجل سلامة الإنسان و أموال و ممتلكات الآخرين و لا تسبب في الهرج و المرج، و قتل الأبرياء دون مُبرِّر، أو تفضي إلى عدم الوصول بسلامةٍ للمقصد و الغاية.

فكثيرٌ من هذه الحريّات هي كاذبةٌ، و نوعٌ من التّقييد الحقيقي.

فالشّاب الذي يسى ء الإستفادة من حريته، و يستعمل المخدّر المميت، فهو في الواقع يكون قد أمضى حُكم أسرِهَ و تَسلّط الغير عليه، فالحريّة التي تُصاحب الإلتزام بالموازين الأخلاقية، هي التي تُعطي للإنسان الحريّة الحقيقيّة و تجعله متمكنّاً من نفسه و مسيطراً على أهوائه و نوازعِهِ النّفسية، و كم هو جميل كلام أمير المؤمنين عليه السلام، حيث يقول:

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 78

«إنّ تقوى اللَّه مفتاحُ سَدادٍ، و ذخيرةُ مَعادٍ، و عتقٌ من كلّ مَلكةٍ، و نجاةٌ من كلّ هلكةٍ» «1».

و ممّا ذُكر آنفاً، تتجلى الحريّة الحقيقيّة من الكاذبة، و يتمّ منع إستغلال هذا المفهوم المقدّسُ في طريق الإنحراف و الزّيغ، فلا يحقّ لأحدٍ أن يتذرّع، بكبتِ الأخلاق لطاقاتِ الإنسان، و يستشكِل على القِيم الأخلاقيّة.

و ممّا تقدّم أيضاً، تتّضح الإجابة على من يدّعي، قمع الأخلاق للغرائز، و أنّ اللَّه تعالى خلق الغرائز في الإنسان، لتحقيق الغرض منها، و أشباعها بأدوات الحريّة و التّحرر من قيود الأخلاق.

فالغرائز في الإنسان، مثلها كمثل قطراتُ المطر، تنزل من السّماء بِقدرٍ لتُحيي الأرض، و لو لا فائدتها، لما أنزلها الباري تعالى و لكن هذا لا يعني فسح

المجال لتلك القطرات لِتَتجَمَّع، و تكوّن السّيول لإهلاك الحرث و النّسل، بل يجب أن تُقام السّدود في طَريقها، و فتح منافذ صغيرة منها لتمد الحياة البشرية بالماء، و تكون الفائدة فيها أعمّ و أشمل، فيما لو سيطر عليها الإنسان، و أخضعها لضوابط معيّنة، و كذلك الحال بالنّسبة لغرائز الإنسان، فإذا اطلق لها العِنان، فستبُيد كلّ شيٍ ء أمامها، و تدّمر كلّ شيٍ ء في حركةِ الحياة الفرديّة و الإجتماعية للإنسان.

و يُستنتج مما ذُكر سابقاً، أنّ الأخلاق لا تقف سدّاً في طريق الإنسان، و لا تمنعه من ترشيد قابلياته و ملكاته، و لا تقمع الغرائز في واقعه، بل إنّ الأخلاق وسيلةٌ للوصول للكمال المنشود، في حركة الإنسان و الحياة.

و من خلال التّفسير الصّحيح للحرية، الذي ذكرناه آنفاً تتّضح الإجابة على أسئلة المخالفين للأخلاق.

______________________________

(1). نهج البلاغة، الخطبة 230.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 79

الإعتقاد بالجَبر، و بالمسائل اللأخلاقيّة:

لا شك أنّه يوجد إرتباطٌ و علاقةٌ وثيقةٌ، بين الإعتقاد بحريّة الإرادة للإنسان، و «المسائل الأخلاقيّة»، و كما أشرنا سابقاً، أنّ نفي حريّة الإنسان، هو نفيٌ و تعطيلٌ لجميع المفاهيم الأخلاقيّة.

و بناءً على هذا نجد، أنّ الأديان الإلهيّة المتعهّدة بتربية و تهذيب النفوس و الأخلاق، من أقوى المدافعين عن حرّية الإنسان!.

و بناءً على هذا أيضاً، نجد في القرآن الكريم آياتٌ عديدةٌ و كثيرةٌ تبلغ المئات، تثبّت الإختيار و حريّة الإرادة للإنسان، و تنفي الجَبر عنه، و قد ذُكرت في مباحث الجَبر و الإختيار «1».

فالأمر و النّهي و التّكاليف الاخرى و الدّعوة إلى الثّواب و العقاب، و الحساب و المحاكم و القوانين و العقوبات، كلها امور تؤكّد على مسألة الإختيار، و حريّة الإرادة عند الإنسان.

و إذا ما شاهدنا بعض الآيات تُوافق مذهب الجَبر، فهي ناشئةٌ من عدم

الإنتباه و التّوجه الصحيح لتفسير تلك الآيات، فتلك الآيات ناظرةٌ إلى نفي التّفويض، و لا تثبت الجبر، و الشّاهد عليها هو القرآن الكريم نفسه، و قد أشرنا إليها سابقاً، و ليس هنا محلّ للبحث فيها.

فالإعتقاد بالجَبر، و سلب حريّة الإنسان، يمكن أن يكون عاملًا مهمّاً، لكلّ تحلّل أخلاقي، فالُمجرم و لتبرير أفعاله المشينة يتذرّع بالجَبر، و أنّه لا يستطيع أن يُغيّر مصيره المحتوم عليه، و لذلك يتحرّك في خطّ الإنحراف، و ينحدر في مُنزلقات المعاصي أكثر، فالتّاريخ يُحدثنا، عن مجرمين خاضوا غمار الجريمة، استناداً إلى مُبّررات مذهب الجَبر، و كانوا يعذرون أنفسهم، في إرتكابهم لتلك الأعمال و الذّنوب، و يقولون:

(إذا كنّا صالحين أو طالحين، فليس لنا من الأمر شي ء، فالُمبدع الأزلي هو الذي زرع فينا ذلك، و جعل مصيرنا أن نكون من أهل الشّقاء!، فلا المحسنين لهم الحق بالإفتخار بإحسانهم،

______________________________

(1). الرجاء الرجوع إلى التّفسير الأمثل: (الفهرس الموضوعي ص 99)، و إلى أنوار الأصول، ج 1، بحث الجَبر و الإختيار.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 80

و لا على المسيئين ملامة!).

و بناءً على ذلك، فقد تحرّك الأنبياء عليهم السلام، قبل كلّ شي ء لتوكيد الإرادة الإنسانيّة، و خصوصاً نبيّ الإسلام صلى الله عليه و آله، و لأجل تحكيم الاسس الأخلاقيّة و تهذيب النّفوس.

و على كلّ حال، فبحث الجَبر و الإختيار، و المسائل الاخرى مثل القضاء و القدر، و الهداية و الضّلالة، و السّعادة و الشّقاء، من وجهة نظر القرآن الكريم، هو بحثٌ مستقلٌ وسيعٌ، سنتطرق لتفسيره الموضوعي في المستقبل إن شاء اللَّه، و الهدف هنا هو الإشارة لهذه المسألة، و تأثيرها في المسائل الأخلاقية، و ليس الدخول في تفاصيلها فعلًا.

أمّا الذين يتحركون من موقع اللّذة، و يعتبرونها من أهمّ

القيم، فهؤلاء لا يعتبرون الأخلاق من المُثل النّبيلة و السّلوكيات الحسنة، لأنّها لا تُوافق اصولهم، و كما قال «آريس تيب»، الذي وُلد قبل الميلاد: الخير هو اللّذة، و لا شرّ سوى الألم، و الهدف النّهائي للإنسان في الحياة: هو الّتمتع بلذائذ الدنيا، و لا يجب التّفكير بنتائجها الصّالحة أو السيئة) «1».

هذا و قد غاب عن اولئك، أنّنا و على فرض حصرنا اللذائذ في الماديّات فقط، و تركنا اللّذائذ المعنويّة الّتي هي أعلى و أسمى لذّةٍ للرّوح، فلا يمكن الوصول للذائذ الماديّة إلّا برعاية الأخلاق، و ذلك لأنّ الّتمتع و الالتذاذ بالشّي ء، من دون قيد أو شرطٍ، يعقبه ألم شديد على مستوى النّفس و البدن، و لأجله يجب أن نصرف النّظرً عن تلك اللذّة التي يعقبها ألم أقوى و أشد.

و هذا الكلام و إن كان قد صدر، ممّن يُعتبرون في عداد الفلاسفة، و لكنّه في الحقيقة يشبه كلام المعتاد على الأفيون، الّذي إذا نصحوه قالوا له: إنّ لذّتك هذه ستسبب لك المتاعب و الآلام العظام، فيجيب: إنّ اللّذة الحاضرة هي الأصل، و لا يعلم ما ذا سيكون في الغد، و لكن الذي ينتظره في الغد، ليس سوى المرض العصبي، و الإرهاق و القلق، و ما إلى ذلك

______________________________

(1). علم الأخلاق أو الحكمة العمليّة، ص 243.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 81

من إفرازات الإدمان على تلك المواد المخدّرة، و سيعيش النّدم الشّديد في تلك الحال، و يتأسف على ما إقترفته يداه، و لكن أنىّ للتأسّف أن يحلّ المشكلة، و قد اغلق عليه سبيل العودة، إلى الحريّة و الكرامة كما هو الغالب.

فالوصايا الأخلاقية، للحثّ على العفّة و الأمانة و الصّدق و الرجولة، كلّها من هذا القبيل، و المجتمع الذي

تتفشى فيه الخطيئة و الخيانة، كيف يعيش أفراده حالة اللّذّة المعنويّة و السّعادة، في حركة الحياة و الواقع الإجتماعي؟

فالناس الّذين ملأ البخل وجودهم، و يطلبون كلّ شي ءٍ لنفعهم و لذّتهم الشّخصية، لا تكون لديهم حصانةٌ أمام المشكلات، و سيكونون عرضةً للتّمزق و التشرذم، لأدنى أزمةٍ على مستوى الحياة الدنيويّة، لأنّ الفرد في ذلك المجتمع يكون وحيداً فريداً، و الصّمود أمام المشكلات، لمن يعيش الوحدة و الإنفراد، أمرٌ في غاية الصّعوبة، و لكن إذا تفشّت روح التّعاون و السّخاء و الرجولة في المجتمع، فسينطلق الناس من موقع مساعدة بعضهم البعض، و عند ما يقع أحد الناس في مأزقٍ، فسيعينه الآخرون، فلا يشعر الفرد بالوحدة هناك، بل سيجد في نفسه عنصر المقاومة و الصّمود أمام المشكلات و الأزمات.

و هذا ما أشرنا إليه سابقاً بالتّفصيل، و بالإعتماد على الآيات القرآنيّة الكريمة، بأنّ الاصول الأخلاقيّة عند تطبيقها، لها بُعدان و فائدتان: معنويّة و ماديّة، و مع غضّ النّظر عن البُعد المعنوي، فالبُعد المادي فيها له شموليّةٌ واسعةٌ، و يستحق معها التمسّك بكلّ الاصول الأخلاقيّة، كي نعمّر دنيانا و نجعل منها جنّةً مليئةً باللّذة، و نتجنّب النّار المحرقة، المتولدة من الوقوع في وَحِل المفاسد الأخلاقيّة.

و الآن نبحث في المذهب القائل: بأنّ الأخلاق الدينيّة على مستوى الممارسة و التّطبيق، و الّتي تنشأ في الحقيقة من طاعة اللَّه تعالى خوفاً أو طمعاً. و هذه الامور تُعتبر مضادّةً للأخلاق؟ «1».

______________________________

(1). يرجى الرجوع لكتاب: (تجديد حيات معنوي جامعة)، ص 169.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 82

و يمكن أن يُنتقد هذا الكلام من جهتين:

1- التّعبير بالخوف و الطّمع، تعبيرٌ غير صحيح، و الصّحيح أن يُقال، بأنّ بعض أتباع الأديان، و لأجل نَيل السّعادة الاخرويّة، و النّجاة

من العقوبات الناشئة من العدل الإلهي، يتخلّقون بالأخلاق الحسنة، لكنّه ليس أمراً يخالف الأخلاق، لأنّه يُبدّل لذّة الحياة الفانية بلذّة الآخرة الباقية، و يُفدي المصادر الصغيرة بالمواهب الكبيرة.

2- هل يرتكب الشخص أمراً مخالفاً للأخلاق، لأنّه لا يكذب و لا يخون، بدافع من خشيته من فضيحة الكذب و الخيانة؟، أو ذاك الذي يمتنع من الشّراب، و يتجنب المادة المخدّرة، ليحافظ على صحته و سلامته، هل يكون عمله هذا منافياً للقيم الأخلاقية؟

و كذلك الشّخص الذي يُداري النّاس و يتواضع لهمُ و يعاملهم بأدبٍ و إحترام، لئلّا يفقدهم و لا يبقى وحيداً فريداً في هذه الدنيا، فهل يرتكب بذلك عملًا مُخالفاً للأخلاق؟.

و الخلاصة: إنّ كلّ عملٍ أخلاقي، له آثار و منافع ماديّة في حركة الإنسان و الحياة، و لا يمكن تسميّة تلك الآثار بالطّمع، و كذلك الحال في الإمتناع، عن بعض السّلوكيات المشينة و الأفعال القبيحة، لا يمكن أن يعبّر عنه، بالخوف و الجُبن في دائرة الصّفات الأخلاقيّة.

6 اصول المسائل الأخلاقيّة في القرآن الكريم

اشارة

قبل الخَوض في هذا البحث، يتحتم علينا إلقاء نظرة على اصول المسائل الأخلاقيّة في المذاهب الاخرى

1- جَمعٌ من الفلاسفة القدماء، الذين يُعتبرون من المؤسّسين لعلم الأخلاق، جعلوا للأخلاق أربعة اسس، أو بالأحرى لخّصوا الفضائل الأخلاقيّة في أربعة اصول، هي:

1- الحكمة.

2- العفّة.

3- الشجاعة.

4- العدالة.

و أحياناً يضمّون إليها العبوديّة للَّه تعالى، و يجعلونها خمسة اصول.

و يعتبر المؤسّس لهذا المذهب هو «سقراط»، فكان يعتقد أنّ: (الأخلاق تعتمد على معرفة الحسن و القبيح من الأفعال، و الفضيلة بصورةٍ مطلقةٍ ليست هي إلّا العلم و الحكمة؛ أمّا العلم في مورد الخوف أو الإقدام، يعني العلم و الاطّلاع على الشّي ء الذي يتوجب على الإنسان الخوف منه، أو عدم الخوف من شي ءٍ ما يعتبر من «الشّجاعة»،

و إذا كان في صدد المُنى النفسية، فيدّعي ب: «العفّة»، و إذا كان العلم بالقواعد الحاكمة على ملاقات الناس و روابطهم مع بعضهم

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 84

البعض، فالمقصود منه هو «العدالة»، و إذا كان العلم في دائرة وظائف الإنسان مع خالقه هو «التدين و العبودية»، فهذه الفضائل الخمسة، يعني: الحكمة، و الشجاعة، و العفّة، و العدالة، و العبودية، هي الاصول الاولى للأخلاق السُّقراطيّة) «1».

و كثير من علماء الإسلام الذين كتبوا و بحثوا في علم الأخلاق، قبلوا هذه الاصول الأربعة أو الخمسة، و دقّقوا فيها أكثر، و بنوا لها اصولًا أقوى و أفضل من سابقتها، و جعلوها أساساً لرؤاهم الأخلاقيّة في كلّ المجالات.

يقولون في نظرتهم الجديدة لهذه الاصول:

إنّ نفس و روح الإنسان فيها ثلاثة قوى هي:

1- قوّة «الإدراك» و تشخيص الحقائق.

2- قوّة 0 جلب المنفعة أو بتعبير آخر «الشّهوة»، (بمعناها الوسيع، لا الجنسيّة فقط و تشمل كلّ طلبٍ و إرادةٍ).

3- القوّة الدّافعة أو بتعبير آخر «الغضب».

و بعدها إعتبروا الإعتدال في كلّ قوّةٍ، هو إحدى الفضائل الأخلاقيّة، و أطلقوا على الفضائل المنبعثة من هذه القوى ب: «الحكمة» و «العفّة» و «الشّجاعة»، بالترتيب.

و أضافوا أيضاً: كلّما أصبحت قوّة الشّهوة و الغضب خاضعة لسلطة القوّة المدركة، و تمييز الحقّ من الباطل، فسوف ينتج عندنا الأصل الرّابع و هو «العدالة».

و بعبارةٍ اخرى: إنّ تحقيق الإعتدال في كلّ من القوى الثّلاثة، يعتبر فضيلةً، و هذا الإعتدال يسمّى ب: «الحكمة» أو «العفّة» أو «الشّجاعة»، و تركيبها مع بعضها البعض، يعني تبعيّة الشّهوة و الغضب للقوّة المدركة، يعتبر فضيلةً اخرَى تسمّى «العدالة»، و كثيراً ما نرى أنّ الإنسان لديه الشّجاعة و في حدّ إعتدال قوّة الغضب، لكنّه لا يوجّهها التّوجيه الصّحيح،

و لا يستعملها الإستعمال الصحيح، «كما لو إستعملها في الحروب غير الهادفة»، فهنا قد تكون لديه شجاعة و لكنّها لا تعني العدالة، أمّا لو إستعمل صفة (الشّجاعة) في نطاق الأهداف السّامية

______________________________

(1). سير حكمت در اروپا، ج 1، ص 18، مع شي ء من التلخيص.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 85

العقلائيّة، أي مزجها مع الحكمة، فسيحقّق عندها حالة «العدالة».

و عليه، فإنّ هذه الفئة من علماء الإسلام، جعلوا كلّ الفضائل و الصّفات الإنسانيّة البارزة، تحت أحد هذه الاصول، و بإعتقادهم أنّه لا توجد فضيلة، إلّا و تندرج تحت أحد هذه العناوين الأربعة، و بالعكس فإنّ الرذائل دائماً، تأخذ طريق الإفراط و التّفريط لهذه الفضائل الأربعة.

و من أراد التّفصيل و الاطّلاع على هذا المذهب الأخلاقي؛ فليراجع كتاب: «إحياء العلوم» و كتاب «المحجّة البيضاء» «1».

نقد و تحليل:

إنّ التّقسيم الرّباعي المذكور، ليس و كما يبدو أنّه شي ء مُبتكر من قبل حكماء الإسلام، بل هو نتيجة تحليلات علماء إلاسلام لكلمات حكماء اليونان، و إسترفادهم من نظرياتهم و آرائهم بعد تنقيحها، رغم وجود إشارات لها في مصادرنا الروائيّة، كما جاء في الرواية المرسلة المنسوبة للإمام أمير المؤمنين عليه السلام، حيث قال:

«الفَضائِلُ الأربَعَة أَجناسٍ: أحَدُهُما: الحِكْمَةُ وَ قِوامُها فِي الفِكرَةِ، و الثَّانِي: العِفَّةُ وَ قِوامُها في الشَّهوَةِ، وَ الثَّالِثُ: القُوَّةُ وَ قِوامُها فِي الغَضَبِ، وَ الرّابِعُ: العَدلُ وَ قِوامُهُ في إِعتِدالِ قُوى النَّفسِ» «2».

فكما ترون، أنّ هذا الحديث لا يوافق بصورةٍ كاملةٍ، تلك التّقسيمات الأربعة التي ذكرها علماء الأخلاق، بل هو قريبٌ منها، و كما أشرنا سابقاً أنّ الحديث مُرسلٌ و سندُه لا يخلو من إشكال.

و على كلّ حال فإنّ هذه الاطروحة، الّتي ذكرها علماء الأخلاق، أو حُكماء الإغريق

______________________________

(1). المحجّة البيضاء، ج 5، ص 96

و 97.

(2). بحار الأنوار، ج 75، ص 81، ح 86.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 86

و اليونان، ترد عليها هذه المآخذ:

1- بعض الملكات الأخلاقية، «و الّتي هي جزءٌ من الفضائل الأخلاقيّة قطعاً»، نلاقي صُعوبةً في إدخالها تحت أحد هذه الاصول الأربعة، فمثلًا (حُسن الظّن)، يُعتبر من الفضائل، و يقابله (سُوء الظن)، فإذا أردنا إدخاله تحت أحد هذه الاصول، فيجب أن ينضوي في دائرة الحكمة، و الحال أنّنا لا يمكننا أن نجعله من فروع الحكمة، لأنّ حُسن الظّن شي ءٌ آخر غير التّشخيص الصّحيح للواقعيات، و رُبّما ينفصل عنه بوضوح، بمعنى أنّ القرائن الظنيّة تشير إلى صدور الذّنب و الخطأ من شخصٍ ما، لكن و بحسن الظنّ يتجاوز عنها.

و كذلك الصّبر على النوائب، و الشكر على النّعمة، فهو بلا شك يعتبر من الفضائل، لكنّنا لا نستطيع أن نجعله في دائرة قوّة التّشخيص و الإدراك، و لا في مسألة جلب المنافع و لا دفع المضار، خُصوصاً إذا كان الشّخص الصّابر و الشّاكر، لا يرتجي منها نفعاً مستقبلياً، و تمسّكه بها إنّما كان لقيمتها الذاتيّة، (أي: الصّبر و الشّكر).

و قد يوجد غير قليل من أمثال هذه الفضائل، التي لا يمكن أن نجعلها و ندرجها تحت أحد هذه العناويين.

2- «الحكمة» تعتبر من اصول الفضائل الأخلاقيّة، و الإفراط و التّفريط فيها تُعتبر من الرّذائل الأخلاقيّة، و الحال أنّ الحكمة ترجع إلى تشخيص الحقائق و الوقائع، و تعود الأخلاق للعواطف و الغرائز و الملكات النفسيّة، و لا تعود لإدراكات العقل، و عليه لا يُقال إنّ الُمتفتح الذّهن هو حسن الأخلاق، فالأخلاق يمكن أن تكون وسيلةً و أداةً للعقل، و لا تُعتبر قوّة العقل و الإدراك من الأخلاق، أو بعبارةٍ اخرى: أنّ العقل و

قوّة الإدراك هي الموجّهة لعواطف و غرائز الإنسان، في حركة الحياة و السّلوك، و تعطيها شكلها الأَوفق، و الأخلاق هي كيفيّةٌ تعرض على الغرائز و الميول الإنسانيّة.

3- الإصرارُ على أنّ الفضائل الأخلاقيّة دائماً، هو الحدّ الأوسط بين الإفراط و التّفريط: لا يبدو سليماً، و إن كان في الأغلب هو كذلك، لأنّنا نجد موارد لا يتحقّق فيها الإفراط، فمثلًا القُوّة العقليّة، كلّما كانت أقوى كانت أفضل، و لا يُتصوّر فيها إفراط، فليس من الصحيح جعل

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 87

«الدّهاء و المكر»، هو الإفراط في القوّة العقلية، لأنّ «الدّهاء و المكر» لا ينشأ من الذّكاء و الفهم، بل هو نوعٌ من الإنحراف و الإشتباه في المسائل، للعجلة في الحكم على الامور و ما يُشابهها.

فالرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله، وصل إلى درجةٍ في العقل و الفكر، بحيث اطلق عليه العَقلُ الكلّ، فهل هذا مخالفٌ للفضيلة؟!

و صحيحٌ أنّ العقل و الذّكاء المُفرط، يسبّب آلاماً و مصاعب لا يلاقيها الغافلون، غير المطّلعين، و لكنّه مع ذلك يعتبر من الفضائل و الكمالات.

و كذلك «العدالة»، حسبوها من الفضائل الأخلاقيّة، و الإفراط و التّفريط فيها هو «الظّلم» و «الإنظِلام»، أي (قبول الظّلم)، و الحال أنّ قبول الظّلم و الانصياع له لا يمكن أن يُعتبر من التّفريط في العدالة أبداً، بل هو مقولةٌ اخرى.

و بناءً على ذلك، فمسألة الإعتدال في صِفات الفضيلة، في مقابل الإفراط و التّفريط للصّفات الرّذيلة، يمكن أن يكون مقبولًا في أغلب الموارد، و لكن لا يمكن أن يُعتبر حُكماً عامّاً، و أصلًا أساسياً في البحوث الأخلاقيّة.

النتيجة: أنّ الاصول الأربعة التي أعدّها القدماء للأخلاق، هي في الواقع إكمالٌ لما جاء به فلاسفةُ اليونان القُدماء، لكنّها لا يمكن

أن تكون نموذجاً و مقسماً جامعاً للصّفات الأخلاقيّة، و إن كانت تصدق على كثيرٍ من المسائل الأخلاقيّة.

العودة للُاصول الأخلاقيّة في القرآن الكريم:

نعود لتحليل الاصول الأخلاقيّة التي نستوحيها من القرآن الكريم، فنحن نعلم أنّ القرآن الكريم لم يُنظّم ككتابٍ تقليدي، في أبوابٍ و فصولٍ، كما هو المتعارف اليوم، بل هو مجموعةٌ من القاءات الوحي السّماوي، نزل بالتّدريج على حسب الحاجة و الضّرورة، و لكن و بالإستفادة من طريقة التّفسير الموضوعي، يمكن وضعه في مثل هذه القوالب.

و من التّقسيمات الّتي يمكن إستيحاؤها و إستفادتها من مجموع الآيات القرآنية، هو تقسيم

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 88

اصول الأخلاق إلى أربعة أقسامٍ:

1- المسائل الأخلاقيّة المتعلّقة بالخالق.

2- المسائل الأخلاقيّة المتعلّقة بالخَلق.

3- المسائل الأخلاقيّة المتعلّقة بالنّفس.

4- المسائل الأخلاقيّة المتعلّقة بالكون و الطّبيعة.

فمسألة شكر المُنعم و الخضوع أمام الباري تعالى، و الرّضا و التسّليم لأوامره، و ما شابهها، يُعتبر من المجموعة الاولى.

و التواضع، و الإيثار، و المحبّة، و حُسن الخلق، و المُواساة، تدخل في دائرة المجموعة الثّانية.

تزكية النّفس و تطهير القلب من الأدران، و تفعيل عناصر الخير، لمقاومة الضّغط و التّحديات التي يُواجهها الإنسان في حركة الواقع و الحياة، تدخل في نطاق المجموعة الثّالثة.

و أمّا عدم الإسراف و التّبذير، و إتلاف المواهب الإلهيّة؛ فإنّه يُعتبر من القسم الرّابع.

كلّ هذه الاصول الأربعة، لها جذور و اصول في القرآن الكريم، و سنشير إلى كلّ واحدٍ منها في المباحث الموضوعيّة الآتية.

و بالطبع فإنّ هذه الشّعب الأربعة، تختلف عمّا جاء في كتاب «الأسفار» للفيلسوف المعروف: «ملّا صدرا الشّيرازي»، و أتباع مذهبه، فهؤلاء و طِبقاً لطريقة العُرفاء، شبّهوا الإنسان و حركته التكامليّة: ب: (المسافر)، و عبّروا عن مسائل بناءِ الذّات و صياغة الشّخصية بالسّير و السّلوك، و جعلوا للإنسان أربعةَ أسفارٍ،

هي مَطمع السّالكين و العُرفاء، و أولياء اللَّه:

1- السّفر من الخلق إلى الحقّ.

2- السّفر بالحقّ في الحقّ.

3- السّفر من الحقّ إلى الخلق بالحقّ.

4- السفر بالحقّ في الخلق.

و من المعلوم أنّ هذه الأسفار أو المراحل الأربعة لبناء الذات، و السّير و السّلوك إلى اللَّه تعالى، تتحرك بإتجاهٍ آخر غير ما نحن بصددِه، و إن كانت تتشابه في بعض أقسام الفروع

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 89

الأربعة، للأخلاق الآنفة الذّكر.

و توجد في القرآن الكريم آيات، نعتقد أنّها رَسمت الاصول الكليّة للأخلاق، و من هذه الآيات، الآيات الوادرة في (سورة لُقمان) و الّتي تبدأ من هذه الآية:

«وَ لَقَدْ آتَينا لُقْمَانَ الحِكْمَةَ أَنْ اشْكُرْ للَّهِ» «1».

إنّ أوّل ما يشرع فيه الإنسان في مضمار العقائد و المعارف، هو شُكر المُنعم، و أوّل خطوةٍ في طريق معرفة اللَّه تعالى، هي مسألة شكر المُنعم، أو بعبارةٍ اخرى، كما صرّح علماء العقائد و الكلام: إنّ الدّافع للحركة إلى اللَّه تعالى هو شكر النّعمة، لأنّ الإنسان عند ما يفتح عينه، يرى نفسه غارقاً في بحر النّعم، فيدعوه الضّمير مُباشرةً إلى معرفة المُنعم، و هذا هو بداية الطّريق لمعرفة اللَّه تعالى.

و بعدها تتطرّق الآية لمسألة التّوحيد و تقول: «لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّركَ لَظُلمٌ عَظِيمٌ».

و في المرحلة الاخرى، يتناول القرآن الكريم مسألة المعاد، و هي الأساس الثّاني و المهم للمعارف الدّينية و يقول: «يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَو فِي السَّمَواتِ أَو فِي الأَرْضِ يَأَتِ بِها اللَّهُ» «2».

ثم يتطرق للُاصول الأساسيّة للأخلاق و الحكمة العمليّة، و يشير للُامور التاليّة:

1- مسألة إحترام الوالدين و شكرهم بعد شكر الخالق: «وَ وَصَّينا الإِنْسانَ بِوَالِدَيِهِ ... أَنِ اشْكُرْ لِي وَ لِوَالِدَيكَ» «3».

2-

إعطاء الأهميّة للصلاة، و علاقته باللَّه و الدعاء و الخضوع له: «أَقِمْ الصَّلاةَ» «4».

3- الأمر بالمعروف و النّهي عن المنكر: «وَ امُرْ بِالمَعرُوفِ وَ إِنْهَ عَنِ المُنْكَرِ» «5»

4- الصّبر على نوائب الدّهر: «و اصبِرْ عَلَى ما أَصابَكَ» «6».

______________________________

(1). سورة لقمان، الآية 12.

(2). سورة لقمان، الآية 16.

(3). سورة لقمان، الآية 14.

(4). سورة لقمان، الآية 17.

(5). سورة لقمان، الآية 17.

(6). سورة لقمان، الآية 17.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 90

5- حُسن الخُلق مع النّاس: «وَ لا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ» «1».

6- التواضع و ترك الكِبر مع النّاس و الخلق: «وَ لا تَمْشِ في الأَرْضِ مَرَحَاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُختَالٍ فَخُورٍ» «2».

7- الإعتدال في المشي و في كلّ شي ء: «و اقْصِدْ فِي مَشْيِكَ و اغْضُضْ مِنْ صَوتِكَ» «3».

و على هذا التّرتيب، نرى أنّ القسم الأكبر من الفضائل الأخلاقيّة، جاءت في الآيات القرآنيّة تحت عنوان: «حكمةٌ لقمان»، التي تشمل الشّكر و الصبر و حُسن الخلق و التوّاضع و الإعتدال و الدّعوة للإحسان، و مقاومة النّوازع و الأهواء النّفسانيّة، كلّ ذلك في ضِمن سبعِ آياتٍ، من الآية (13 إلى 19).

و جاء في الآيات الثلاث من سورة الأنعام، التي تبدأ بالآية (151) و تنتهي بالآية (153)، عشرة أوامر مهمّة، تناولت مبادى ء مهمّة من الاصول الأخلاقيّة، و من جملتها: ترك الظّلم للأولاد، و رعاية الأيتام، و مُراعاة العدالة مع الجميع، و ترك العصبيّة للأقارب و الأصدقاء و القبيلة، في دائرة نقض اصول العدالة، و كذلك الإجتناب من القبائح و الرّذائل الظّاهرية و الباطنيّة، و إحترام حقوق الوالدين، و الإجتناب عن كلّ ما يُسبّب التّفرقة و إلأبتعاد عن كلّ شرك «4».

اصول الأخلاق الإسلاميّة في الرّوايات:

إستعرضت الأحاديث و الرّوايات الإسلاميّة، الاصول الأخلاقيّة الحسنة و السيئة، بطريقتها الخاصّة،

لا كما جاء في كتب حُكماء اليونان و من جملتها:

1- في الحديث المعروف الذي جاء في كتاب: (اصول الكافي)، عن الإمام الصادق عليه السلام: أنّ

______________________________

(1). سورة لقمان، الآية 18.

(2). سورة لقمان، الآية 18.

(3). سورة لقمان، الآية 19.

(4). لمزيد من التوضيح لهذه الأوامر العشرة، يمكن الرجوع لتفسير الأمثل: ج 6، ذيل تفسير هذه الآيات الثلاث.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 91

أحد أصحاب الإمام عليه السلام و إسمه «سماعة بن مهران»، قال: كنت عند أبي عبد اللَّه عليه السلام و جماعة من مواليه، فجرى ذكر العقل و الجهل، فقال أبو عبد اللَّه عليه السلام: «إعرفوا العقل و جنده، و الجهل و جنده تهتدوا»، فقلت: جُعلت فِداك لا نعرف إلّا ما عرّفتنا، فقال أبو عبد اللَّه عليه السلام:

«إنّ اللَّه عزّ و جلّ، خلق العقل، و هو أوّل خلقٍ من الرّوحانيين عن يمين العرش، من نوره فقال له: أدبِر فأدبر؛ ثمّ قال له: أقبِل فأقبل؛ فقال اللَّه تبارك و تعالى: خلقتك خَلقاً عظيماً و كرّمتك على جميع خلقي، قال: ثمّ خلق الجهل، من البحر الاجاج ظلمانياً، فقال له: أدبر فأدبر؛ ثم قال له: أقبل فلم يُقبِل فقال له: إستكبرت، فلعنه. ثمّ جعل للعقل خمسة و سبعين جنداً، فلمّا رأى الجهل ما أكرم اللَّه به العقل، و ما أعطاه أضمرَ له العداوة، فقال الجهل: يا ربّ هذا خلق مثلي، خلقته و كرّمته و قوّيته، و أنا ضِدّه و لا قوّة لي به، فأعطني من الجند مثل ما أعطيته، فقال اللَّه تعالى نعم، فإن عَصيت بعد ذلك أخرجتك و جندك من رحمتي. قال: قد رضيت. فأعطاه خمسة و سبعين جنداً. فكان ممّا أعطى العقل من الخمسة و السّبعين الجند:

الخير هو وزير

العقل، و جعل ضدّه الشرّ و هو وزير الجهل؛

و الإيمان و ضدّه الكفر؛

و التصديق و ضدّه الحُجود؛

و الرّجاء و ضدّه القُنوط؛

و العدل و ضدّه الجور؛

و الرّضا و ضدّه السخط؛

و الشّكر و ضدّه الكُفران؛

و الطّمع و ضدّه اليأس؛

و التوكّل و ضدّه الحِرص؛

و الرّأفة و ضدّه القسوة؛

و الرّحمة و ضدّها الغضب؛

و العلم و ضدّه الجهل؛ الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 92

و الفهم و الحمق؛

و العفّة و ضدّها التهتك؛

و الزّهد و ضدّه الرّغبة؛

و الرّفق و ضدّه الخرق؛

و الرّهبة و ضدّها الجرأة؛

و التّواضع و ضدّه الكِبر؛

و التؤدة و ضدّها التّسرع؛

و الحلم و ضدّه السّفه؛

و الصّمت و ضدّه الهذر؛

و الاستسلام و ضدّه الإستكبار؛

و التّسليم و ضدّه الشّك؛

و الصّبر و ضدّه الجزَع؛

و الصّفح و ضدّه الإنتقام؛

و الغنى و ضدّه الفقر؛

و التّذكّر و ضدّه السّهو؛

و الحفظ و ضدّه النسيان؛

و التعطّف و ضدّه القطيعة؛

و القنوع و ضدّه الحرص؛

و المؤاساة و ضدّها المنع؛

و المودّة و ضدّها العداوة؛

و الوفاء و ضدّه الغدر؛

و الطّاعة و ضدّها المعصية؛

و الخُضوع و ضدّه التّطاول؛ الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 93

و السّلامة و ضدّها البلاء؛

و الحبّ و ضدّه البغض؛

و الصّدق و ضدّه الكذب؛

و الحقّ و ضدّه الباطل؛

و الأمانة و ضدّها الخيانة؛

و الإخلاص و ضدّه الشّوب؛

و الشّهامة و ضدّها البلادة؛

و الفهم و ضدّه الغباوة؛

و المعرفة و ضدّها الإنكار؛

و المداراة و ضدّها المكاشفة؛

و سلامة الغيب و ضدّه المماكرة؛

و الكتمان و ضدّه الإفشاء؛

و الصلاة و ضدّها الإضاعة؛

و الصّوم و ضدّه الإفطار؛

و الجهاد و ضدّه النُكول؛

و الحجّ و ضدّه نبذ الميثاق؛

و صَون الحديث و ضدّه الّنميمة؛

و برّ الوالدين و ضدّه العُقوق؛

و الحقيقة و ضدّها الرّياء؛

و المعروف و ضدّه المُنكر؛

و السّتر و ضدّه التّبرج؛

و التقيّة و ضدّها الإذاعة؛

و الإنصاف و ضدّه الحميّة؛ الاخلاق فى القرآن،

ج 1، ص: 94

و التهيئة و ضدّها البغي؛

و النّظافة و ضدّها القذر؛

و الحياء و ضِدّه الجلع؛

و القصد و ضدّه العدوان؛

و الرّاحة و ضدّها التّعب؛

و السّهولة و ضدّها الصّعوبة؛

و البركة و ضدّها المحق؛

و العافية و ضدّها البلاء؛

و القوام و ضدّه المكاثرة؛

و الحكمة و ضدّها الهواء؛

و الوقار و ضدّه الخفّة؛

و السّعادة و ضدّها الشّقاوة؛

و التّوبة و ضدّها الإصرار؛

و الاستغفار و ضدّه الإغترار؛

و المحافظة و ضدّها التّهاون؛

و الدّعاء و ضدّه الإستنكاف؛

و النّشاط و ضدّه الكسل؛

و الفرح و ضدّه الحُزن؛

و الالفة و ضدّها الفُرقة؛

و السخاء و ضدّه البخل؛

فلا تجتمع هذه الخصال كلّها من أجناد العقل، إلّا في نبيّ أو وصيّ نبي، أو مؤمن قد إمتحن اللَّه قلبه للإيمان، و أمّا سائر ذلك من موالينا فإنّ أحدهم لا يخلو من أن يكون فيه بعض هذه الجنود حتّى يستكمل، و ينفي من جنود الجهل. فعند ذلك يكون في الدرجة

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 95

العليا مع الأنبياء و الأوصياء؛ و إنّما يُدرك ذلك بمعرفة العقل و جنوده، و بمجانبة الجهل و جنوده. وفّقنا اللَّه و إيّاكم لطاعته و مرضاته» «1».

فالحديث أعلاه، حديث جامع لُاصول و فروع الأخلاق الإسلامية، و بحثها بعض المؤلّفين و الكتّاب في كتبٍ مستقلةٍ.

2- نقرأ في الكلمات القصار للإمام علي عليه السلام، في نهج البلاغة، عند ما سُئل الإمام عليه السلام عن الإيمان، (يتبيّن من ذيل الحديث، أنّ المقصود من الإيمان هو الإيمان العلمي و العملي، الذي يشمل الاصول الأخلاقيّة).

أجاب الإمام عليه السلام:

«الإيمانُ عَلَى أَربَعِ دَعائِمَ، عَلَى الصَّبْرِ و اليَقِينِ وَ العَدلِ وَ الجِهادِ».

ثم أضاف قائلًا: «و الصَّبرُ مِنْها عَلَى أَربَعِ شُعَبٍ، عَلَى الشَّوقِ وَ الشَّفَقِ وَ الزُّهدِ وَ التَّرَقُبِ».

(الإشتياق للجنّة و المنح الإلهيّة، و الخوف من العقاب و النّار،

دافعٌ للأعمال الصّالحة و رادع عن السيئات). و الزّهد بالدنيا و زبرجها يهوّن المصائب، و إنتظار الموت و نهاية الحياة، تحثّ الإنسان لِفعل الأعمال الصّالحة.

و بعدها يضيف عليه السلام:

«و اليَقِينُ مِنها عَلَى أَربَعِ شُعَبٍ، عَلى تَبصِرَةِ الفِطْنَةِ وَ تَأَوُّلِ الحِكْمَةِ وَ مَوعِظَةِ العِبرَةِ وَ سُنَّةِ الأَوَّلِينَ».

ثمّ أضاف عليه السلام:

«وَ العَدْلُ مِنها عَلَى أَربَعِ شُعَبٍ، عَلَى غَائِصِ الفَهمِ، وَ غَورِ العِلمِ، وَ زُهْرَةِ الحُكْمِ، وَ رَساخَةِ الحِلْمِ».

و قال عليه السلام خِتاماً:

______________________________

(1). أصول الكافي، ج 1، ص 20 إلى 23، ح 14.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 96

«وَ الجِهادُ مِنها عَلَى أَربَعِ شُعَبٍ، عَلَى الأمرِ بِالمَعرُوفِ و النَّهِي عَنِ المُنكَرِ، و الصِّدقِ فِي المَواطِنِ، وَ شَنآنِ الفَاسِقِينَ».

و بعدها يبيّن شعب الكفر، و يشرحها واحداً تَلْو الآخر «1».

فكما تلاحظون أنّ الإمام علي عليه السلام، رسم الاصول الإسلامية للإيمان و الكفر، بدقّةٍ متناهيةٍ، و آثارها في المحتوى الداخلي للإنسان و على سلوكه الخارجي، و التي تشمل الأخلاق العمليّة، فذكر لكلّ فرعٍ، فرعاً آخر، و تحليل هذه الجزئيات يتطلب كتابة مقالة اخرى.

3- نقرأ في حديثٍ آخر عن الإمام علي عليه السلام:

«أَربَعٌ مَنْ اعطِيهُنَّ فَقَدْ اوتِيَ خَيرَ الدُّنيا و الآخِرَةِ، صِدقُ حَدِيثٍ وَ أَداءُ أَمانةٍ، وَ عِفَّةُ بَطنٍ وَ حسنُ خُلُقٍ» «2».

4-- و جاء في حديثٍ آخر عن الإمام الصادق عليه السلام، في نفس هذا المعنى، بتلخيصٍ أكثر، حيث جاء إليه أحد الأشخاص، و طلب منه أن يُعلّمه أمراً يكون فيه خير الدنيا و الآخرة، و بشكلٍ موجز، فقال الإمام عليه السلام في معرض جوابه: «لا تِكْذِب تَكِذْبَ» «3».

و الحقيقة هي كذلك، لأنّ جذور كلّ الفضائل تمتد إلى حديث الصّدق، فالإنسان لا يكذب على الناس و لا على نفسه و لا على

اللَّه تعالى، و عند ما يقول في صلاته: «إِيّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيّاكَ نَستَعِينُ»، ينبغي أن لا يكون فيها كاذباً أبداً، بل يبتعد عن كلّ ما هو شيطاني، و هوى النفس، و تكون حركته في دائرة خضوعه و تسليمه للَّه فقط، و لا يعتمد على المال و الجاه و القدرة و المقام، و يترك ما سوى اللَّه تعالى و يكون إعتماده الأوّل و الأخير على لطف اللَّه تعالى و معونته، فإذا أصبح الإنسان كذلك، فسوف يعيش الحياة المعنويّة في جميع فروع و اصول الأخلاق.

______________________________

(1). الكلمات القصار، نهج البلاغة، الكلمة 31 (مع التلخيص) و كذلك في اصول الكافي، ج 2، ص 391، باب دعائم الكفر و شعبه.

(2). غرر الحكم.

(3). تحف العقول، ص 264.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 97

5- و نقرأ في الرّوايات الإسلاميّة تعابير مثل: «أفضل الأخلاق»، أو «أكرم الأخلاق»، أو «أحسن الأخلاق»، أو «أجمل الأخلاق»، و في هذه إشارةٌ اخرى لأقسامٍ مهمّةٍ من الاصول الأخلاقيّة، منها:

سئل الباقر عليه السلام عن أفضل الأخلاق، فقال: «الصَّبرُ و السّماحَةُ» «1».

و في حديثٍ آخر عن الإمام علي عليه السلام، قال:

«أَكْرمُ الأَخلاقِ السَّخَاءُ وَ أَعمُّها نَفعاً العَدْلُ» «2».

و في حديث آخر عن الإمام علي عليه السلام أيضاً، قال:

«أَشْرَفُ الخِلائِقِ التَّواضُعُ و الحِلمُ وَ لِينُ الجانِبِ» «3».

و في حديثٍ آخر عن الإمام الصادق عليه السلام، حيث سئل:

«أَيُّ الخِصالِ بِالمَرءِ أَجْمَلُ فَقالَ: وِقارٌ بلا مَهانَةٍ، وَ سَماحُ بِلا طَلَبِ مُكافَاةٍ، وَ تَشاغُلٌ بِغَيرِ مَتاعِ الدُّنيا» «4».

6- أيضاً في حديثٍ عن الإمام الصادق عليه السلام، بيّن فيه اصول الأخلاق السّيئة، و عبّر عنها باصول الكفر، فقال:

«اصُولُ الكُفرِ ثَلاثَةٌ: الحِرصُ، و الاستِكبارُ وَ الحَسَدُ».

و أردف قائلًا في بيان و توضيح الاصول الثلاثة:

«فَأَمّا الحِرصُ فإِنَّ آدَمَ

حَينَ نُهِيَ عَنِ الشَّجَرَةِ حَمَلَهُ الحِرصِ أَنْ أَكَلَ مِنها، وَ أَمَّا الإِستِكبَارُ فَإبِلِيسُ حِينَ امِرَ بِسُّجُودِ لآدَمَ إِستَكبَرَ، وَ أَمّا الحَسَدُ فَإبنا آدَمَ حَيثُ قَتَلَ أَحَدَهُما صاحِبَهُ» «5»

______________________________

(1). بحار الأنوار، ج 36، ص 358.

(2). غرر الحكم.

(3). المصدر السابق.

(4). اصول الكافي، ج 2، ص 240.

(5). اصول الكافى، ج 2، ص 289.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 98

و على هذا الأساس فإنّ مصدر جميع المصائب الكبرى، التي حدثت في عالم الإنسانية، منذ صدر الخليقة، هي هذه الصّفات الثّلاثة، فالحِرص: طرد آدم من الجنّة، و الاستكبار: طرد إبليس عن ساحة القدس إلى الأبد، و الحسد: هو أساس كلّ قتلٍ و جنايةٍ حدثت في العالم

7- و نختم كلامنا هذا بحديثٍ عن الرّسول الكريم صلى الله عليه و آله قال، الإمام الصادق عليه السلام، أنّ الرسول صلى الله عليه و آله قال:

«إِنَّ أَوَّلَ مَنْ عُصِيَ اللَّهُ عزَّ و جَلَّ بِهِ سِتٌّ: حُبُّ الدُّنيا، وَ حُبُّ الرِّياسَةِ، وَ حُبُّ الطَّعامِ، وَ حُبُّ النَّومِ، وَ حُبُّ الرَّاحَةِ، وَ حُبُّ النِّساءِ» «1».

لقد تبيّن من مجموع ما ذكر آنفاً، اصول الفضائل و الرّذائل الأخلاقيّة، و لكن و كما يُستفاد من مجموع الرّوايات، أنّه لا يوجد عدد خاص و معيّن، لهذه القيم و المبادى ء الأخلاقية، لأنّ الأخلاق الحسنة و القبيحة، لها دوافع و مقاصد متعدّدة و متنوعة و مختلفة، أو بعبارة اخرى: كما أنّ الصّفات الجسميّة للإنسان، لا عدد و لا حصر لها، فكذلك الصّفات الروحانيّة، و الملكات الأخلاقيّة الصّالحة و الطّالحة، لا عدد و لا حصر لها.

______________________________

(1). بحار الأنوار، ج 69، ص 105، ح 3.

7

إرتباط المسائل الأخلاقيّة مع بعضها

تنويه:

غالباً ما تكون الفضائل الأخلاقيّة، مترابطةٌ في ما بينها برابطةٍ وثيقةٍ، كما هو الحال في الرّذائل و علاقتها الوثيقة

مع بعضها، و على هذا يصعب التّفكيك و الفصل بينها في الغالب.

و هذا التّرابط قد يكون بسبب الجُذور المشتركة بينها، و ربّما يكون بسبب الّثمرات المترتبة عليها و نتائجها في حركة الإنسان و الحياة.

و في القسم الأول، و هو البحث في الجذور المشتركة بين القيم في المنظومة الأخلاقية، لدينا أمثلةٌ واضحةٌ، ففي كثير من الموارد، تكون الغيبة وليدة الحسد، و يسعى الحسود دائما لفضح و تعرية محسوده، و الإستهانة بشخصيته من موقع التّهمة و الافتراء و التّكبر، و التّحرك على مستوى تحقير و تهميش الآخرين، فكلّ هذه الرّذائل يمكن أن تكون من إفرازات الحسد أيضاً.

و بالعكس، فمن كان يعيش علوّ الهمّة، و سمّو الطبع، فسوف لا يقف في مقابل الشهوات الرخيصة و الطمع فيها فحسب، بل تكون لديه حصانةٌ ضدّ: الحسد و الكِبر و الغرور و التملّق، أيضاً.

و بالنسبة للنتائج و الثمرات، نرى هذا الإرتباط بصورةٍ أوضح، فالكذب يمكن أن يكون مصدراً لأكاذيب اخرى، و ربّما و لتوجيه أخطائه و ذنوبه، يرتكب الشخص أخطاءً اخرى، و

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 100

الاخلاق فى القرآن ج 1 149

يتحرك لُممارسة جرائم عديدة في عمليّة التّغطية على جُرمه الأول، و بالعكس، فإنّ العمل الأخلاقي مثل الأمانة، من شأنه أن يولّد المحبّة و الصّداقة و التعاون و الارتباط الوثيق بين أفراد المجتمع.

و يوجد لدينا في الرّوايات إشارات إلى هذا المعنى، فنقرأ في حديثٍ عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام، أنّه قال:

«إذا كَانَ في الرَّجُلِ خَلَّةٌ رائِعةٌ فانتَظِر أَخَواتِها» «1».

و في حديثٍ آخر عن الإمام الصادق عليه السلام، أنّه قال:

«إنَّ خِصالَ المَكارِمِ بَعضُها مُقَيَّدٌ بِبَعضِها».

و أشار في ذيل هذا الحديث:

«صِدْقُ الحَدِيثِ وَ صِدْقُ البَأسِ و إِعطاءُ السَّائِلِ وَ المُكافَاتُ بِالصَّنَائعِ

و أَداءُ الأَمانَةِ وَ صِلَةُ الرَّحِمِ وَ التَّوَدُّدَ إِلى الجارِ و الصَّاحِبِ و قِرى الضَّيفِ وَ رَأسُهُنَّ الحَياءُ» «2»

و في الواقع فإنّ الحياء، و هو روح النّفور من الذّنب و القّبائح، يمكن أن يكون مصدراً لجميع الأفعال الأخلاقية المذكورة أعلاه، كما أنّ الصّدق يُقرّب الإنسان للأمانة، و يعمّق فيه روح التّصدي للقبائح، و يثير في أعماق وجدانه، عناصر الخير و المحبّة مع الأقارب و الأصدقاء و الجيران.

و نقرأ في حديثِ ثالثٍ عن الإمام الباقر عليه السلام، أنّه قال:

«إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ جَعَلَ للشِّرِّ أَقفَالًا وَ جَعَلَ مَفاتِيحَ تِلكَ الأَقفَالِ الشَّراب، وَ الكِذْبُ شَرٌّ مِنَ الشَّرابِ» «3».

و فيه إشارةٌ إلى أنّ الكذب، يمكن أن يكون مصدراً لأنواعٍ كثيرةٍ من الآثام و الذّنوب.

و جاء ما يشبه هذا المعنى، في حديثٍ عن الإمام العسكري عليه السلام، فقال:

______________________________

(1). بحار الأنوار، ج 66، ص 411، ح 129.

(2). المصدر السابق، ص 375.

(3). المصدر السابق، ج 69، ص 236، ح 3.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 101

«جُعِلَتْ الخَبَائِثُ في بَيتٍ وَ جُعِلَ مِفتَاحُها الكِذْبُ» «1».

و نختم هذا الموضوع، بحديثٍ عن الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله، حيث جاء رجل إلى رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، فقال له: يا رسول اللَّه إنّي إرتكبت في السّر أربع ذنوبٍ، الزّنا و شرب الخمر و السّرقة و الكذب، فأَيّتَهُنَّ شِئتَ تَركتُها لك، (لم يكن يريد أن يقلع عنها أجمع، و إكراماً للرّسول؛ يريد أن يقلع عن واحدةٍ فقط؟!.

فقال له الرسول صلى الله عليه و آله: «دَع الكَذِبَ».

فذهب الرجل، و كلما أراد أن يهمّ بالخطيئة، يتذكر عهده مع الرسول صلى الله عليه و آله، و يقول ربّما سألني، و عليّ أن أكون صادقاً في

الجواب، فيجري عليّ الحدّ، و إن كذبت فقد نقضت العهد مع الرسول صلى الله عليه و آله، ممّا إضطّره أخيراً لتركها أجمع.

فرجع ذلك الرجل للرسول صلى الله عليه و آله، و قال له:

«قَدْ أَخَذتَ عَليَّ السَّبِيلَ كُلَّهُ فَقَد تَركتُهُنَّ أجمع» «2».

و نستنتج ممّا ذُكر آنفاً: أنّه في كثيرٍ من الموارد، و لأجل تربية و تهذيب النّفوس و الأخلاق، أو لإصلاح بعضها، يجب أن نبدأ من الجُذور، و كذلك الإستعانة بالمقارنات و الأخلاق الاخرى المتعلقة بها.

______________________________

(1). بحارالأنوار؛ ج 69، ص 263.

(2). شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد؛ ج 6، ص 357.

8

من أين نبدأ؟

اشارة

تعرفنا على كلّيات علم الأخلاق، و نتائجه و آثاره و مقاصده و فُروعه، و الآن آن الأوان، و بما لدينا من المعلومات و المعارف الكلّية، البِدء في طريق تهذيب النّفس، أو الإنتقال من المسائل الذهنيّة إلى ميدان الممارسة و التّطبيق، و من الكلّيات إلى الجزئيات.

و يجب التّوقف هنا، لتهيئة لوازم سفرنا الروحاني، حتى لا نصاب في سلوكنا لذلك الطّريقُ بالحيرة و الضّلالة و عدم التّنظيم و التّنظير، و عليه فلا بدّ من الإلتفات إلى امور:

1- ثلاثة رُؤى في كيفيّة التعامل مع المسائل الأخلاقيّة.

2- هل يحتاج الإنسان في كل مرحلة إلى استاذٍ و مرشدٍ؟

3- دور الواعظ الخارجي و الواعظ الداخلي.

4- الامور التي تُساعد الإنسان في عملية الوصول إلى هذا الهدف؛ مثل ذكر اللَّه و العبادة و الأدعية، الزّيارات، النصائح المتكررة، التلقين.

5- طهارة المحيط.

ثلاث نظريّات في كيفيّة التعامل مع المسائل الأخلاقيّة:

النظريّة الأولى

رأيٌ يقول: إنّ تهذيب النفس، نوع من الجهاد و محاربة أعداء الداخل، الّذين يتحرّكون

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 104

لإيقاع الإنسان في مستنقع الرّذيلة، و شراك الخطيئة.

هذا الرأي مقتبسٌ في الأصل، من حديث الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله، المعروف، عند ما خاطب الرسول صلى الله عليه و آله، قومٌ من المجاهدين، رجعوا لتوّهم من الغزو فقال:

«مَرحَباً بِقَومٍ قَضَوا الجِهادَ الأَصغَرَ وَ بَقيَ عَلَيهِم الجِهادُ الأَكبَرُ، فَقِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ، ما الجِهادُ الأكبرُ، قالَ: جِهادُ النَّفسِ» «1».

و جاء في البحار في ذيل هذا الحديث: ثُمّ قَالَ صلى الله عليه و آله:

«أَفضَلُ الجِهادِ مَنْ جاهدَ نَفْسَهُ الَّتي بَينَ جَنْبَيهِ» «2».

هذا و قد فُسّرت بعض الآيات التي وردت في دائرة الجهاد، بالجهاد الأكبر، إمّا لأنّها تخصّ الجهاد مع النفس، أو لمدلولها العام في حركة السياق القرآني، الذي يتناول القِسمين للجهاد.

و جاء في تفسير القمي،

في ذيل الآية (6) من سورة العنكبوت: «وَ مَنْ جاهَدَ فَإنّما يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ»، قَالَ عليه السلام: «و من جاهد نَفْسَهُ عَنِ الشَّهَواتِ وَ اللَّذَّاتِ وَ المَعاصِي» «3».

و يمكن أن نستوحي هذا المعنى من هذه الآية، من حيث إنّ فائدة الجهاد تعود على الإنسان نفسه، و يتّضح و يتجلّى أكثر في الجهاد مع النفس، و خصوصاً أنّ الآية التي جاءت قبلها، تكلّمت عن لقاء اللَّه: «وَ مَنْ كَانَ يَرجُوا لِقاءَ اللَّهِ ...»، و نعلم أنّ لقاء اللَّه، و الشهود و القرب منه، هو الهدف الأصلي للجهاد مع النفس.

و كذلك جاء في آخر آيةٍ من سورة العنكبوت: «وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُم سُبُلَنا وَ إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الُمحسِنِينَ».

و هذه الآية أيضاً ناظرةٌ حسب الظاهر إلى الجهاد الأكبر، و ذلك لقرينة: (فينا)، و جملة:

«لَنَهْدِيَنَّهُم سُبُلَنا»، أو تتضمن مفهوماً عاماً يستوعب كلا النَّحوين من الجهاد.

و جاء أيضاً في الآية (78) من سورة الحج: «و جاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُم وَ مَا

______________________________

(1). وسائل الشيعة، ج 11، ص 122 (باب 1، جهاد النفس).

(2). بحار الأنوار، ج 67، ص 65.

(3). تفسير القمي، ج 2، ص 148؛ بحار الانوار، ج 67، ص 65.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 105

جَعَلَ عَلَيكُم فِي الدِّينِ مِنْ حَرجٍ».

فقد فسّر أغلب المفسّرين كلمة الجهاد بمعناها و مفهومها العام، الذي يشمل الجهاد الأصغر و الأكبر، أو بخصوص معنى الجهاد الأكبر، و كما قال المرحوم العلّامة الطّبرسي في كتابه مجمع البيان، أنّ أكثر المفسّرين ذهبوا إلى أنّ المقصود من حقّ الجهاد، هو إخلاص النيّة و الأعمال و الطّاعات للَّه تعالى «1».

و قد ذكر العلّامة المجلسي رحمه الله هذه الآية، في زمرة الآيات النّاظرة للجهاد

الأكبر «2» كذلك.

و جاء في الحديث المعروف عن أبي ذرّ رحمه الله أنّه قال: قُلتُ يا رسُولَ اللَّهِ أَيُّ الجِهادِ أَفضَلُ؟

فَقالَ صلى الله عليه و آله: «أَنْ يُجاهِدَ الرَّجُلُ نَفْسَهُ وَ هَواهُ» «3».

و كما ورد في حديث: جنود العقل و جنود الجهل، هذا المعنى أيضاً، إذ يُشبّه حياة الإنسان بساحةِ حربٍ، العقلُ جنوده في جهةٍ، و الجهلُ و هوى النّفس و جنودهما في الجهة المقابلة، فهذان المعسكران، يعيشان دائماً في حالة حربِ سِجالٍ، و من خلال هذا النّزاع، و معطيات حالات الصّراع في أعماق النّفس، تتولد الكمالات المعنويّة للإنسان، و ذلك عند ما ينتصر العقل و جنوده، و النّصر الآني، هو السّبب في التّقدم النّسبي للكمالات الإنسانيّة.

النظريّة الثّانية: نظريّة الطّب الرّوحاني

فقد ذهبوا إلى أنّ الرّوح كجسم الإنسان، تُصاب بأنواع الأمراض، و لأجل الشّفاء يتوجب اللّجوء إلى أطبّاء النّفس و الرّوح، و الاستعانة بأدوية الأخلاق الخاصّة، حتى تبقى الرّوح سالمةً و نشطةً و فعّالةً.

و الجدير بالذكر، أنّ القرآن الكريم أشار إلى الأمراض الأخلاقية و الروحية، في إثنى عشر موضعاً، و عبّر عَنها بالمرض «4»، و منها الآية (10) من سورة البقرة، إعتبرت النِّفاق من

______________________________

(1). مجمع البيان، ج 7، ص 97.

(2). بحار الأنوار، ج 67، ص 63.

(3). ميزان الحكمة، ج 2، ص 141.

(4). سورة البقرة، الآية 10؛ سورة المائدة، الآية 52؛ سورة الأنفال، الآية 49؛ سورة التوبة، الآية 125؛ سورة الحج، الآية 53؛ سورة النور، الآية 50؛ سورة الأحزاب، الآية 12 و 32 و 60؛ سورة محمد، الآية 20 و 29؛ سورة المدثر، الآية 31.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 106

زمرة الأمراض الروحية، فقالت: «فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ فَزَادَهُم اللَّهُ مَرَضاً»؛ بسبب إصرارهم على النّفاق.

و في الآية (32) من سورة الأحزاب،

و صفت عبيد الشّهوة بمرضى القلوب، الذين يتحيّنون الفرص لإصطياد النّساء العفيفات، حيث خاطب الباري تعالى نساء النبي صلى الله عليه و آله، فقال: «فَلا تَخْضَعنَ بِالقَولِ فَيَطمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ».

و جاء في الآيات الاخرى نفس هذا المعنى، أو أوسع منه، بحيث تناولت الآيات، جميع الإنحرافات الأخلاقيّة و العقائديّة.

و في معنى عميق آخر، عبّر القرآن الكريم، عن القلوب المليئة بنور المعرفة و الأخلاق و التّقوى: بالقلوب السليمة. و جاء ذلك على لسان النّبي إبراهيم عليه السلام، حيث قال: «وَ لا تُخْزِنِي يَومَ يُبعَثُونَ* يَومَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَ لا بَنُونَ* إلّا مَنْ أَتىْ اللَّهَ بِقَلبٍ سَلِيمٍ» «1».

«السّليم» من مادة «السّلامة»، و تقع في مقابل الفساد و الإنحراف و المرض، و «القلب السّليم» كما جاء في الرّوايات عن المعصومين عليهم السلام، في تفسير هذه الآية، أنّه القلب الذي خَلا من غير اللَّه تعالى، (منزّه من كلّ مرضٍ أخلاقي و روحي).

و قال القرآن الكريم في مكانٍ آخر: إنّ إبراهيم عليه السلام عند ما طلب من الباري تعالى: القلب السّليم، (كما أشارت الآيات الآنفة الذّكر)، تحقّق له ما يُريد، و شملته رحمة و لطف اللَّه تعالى، و أصبح ذا قلبٍ سليمٍ، فنقرأ في الآيات (83 و 84) من سورة الصافات:

«و إِنَّ مِنْ شَيعَتِهِ لَإبراهيم* إذْ جاء رَبَّهُ بِقَلبٍ سَليمٍ».

نعم، فإنّ إبراهيم عليه السلام كان يتمنى أن يكون ذا قلبٍ سليمٍ، و بالسّعي و الإيثار و محاربة الشرك، و هو النفس من موقع عبادة اللَّه، إستطاع أن يصل بالنّهاية إلى ذلك المقام.

و نجد في الأحاديث الإسلامية، إشاراتٌ كثيرةٌ حول هذا الموضوع، و منها:

______________________________

(1). سورة الشعراء، الآية 87 الى 89.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 107

1- يصف الإمام علي عليه

السلام، الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله في نهج البلاغة، فيقول: «طَبِيبٌ دَوّارٌ بِطِبّهِ قَدْ أَحْكَمَ مَراهِمَهُ وَ أَحمَى مَواسِمَهُ يَضَعُ ذِلِكَ حَيثُ الحاجة إِلَيهِ مِنْ قُلُوبٍ عُمى و آذانٍ صُمٍّ وَ أَلسِنَةٍ بُكْمٍ، مُتَتَبِّعٌ بِدوَائِهِ مَواضِعَ الغَفلَةِ وَ مَواطِنَ الحَيرَةِ» «1».

2- ورد في تفسير القلب السّليم، الذي ذُكر في الايتين الشّريفتين أعلاه، رواياتٌ كثيرةٌ، فنقرأ أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، سئل: ما القَلبُ السّلِيم.

فقال صلى الله عليه و آله: «دِينٌ بِلا شَكٍّ وَ هُوىً، وَ عَمَلٌ بِلا سُمْعَةٍ وَ رِياءٍ» «2».

و نقرأ في حديث آخر عن الإمام الباقر عليه السلام: «لا عِلْمَ كَطَلَبِ السَّلامَةِ، و لا سَلامَةَ كَسَلامَةِ القَلبِ» «3».

و جاء في حديثٍ آخر عن أمير المؤمنين عليه السلام: «إِذا أَحَبَّ اللَّهُ عَبداً رَزَقَهُ قَلبَاً سَلِيماً وَ خُلْقاً قَويمَاً» «4».

3- و قد ورد التعبير عن الأخلاق الرّذيلة، في الروايات بأمراض القلب.

فورد في حديث عن الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله، أنّه قال:

«إِيّاكُم وَ المراءَ وَ الخُصُومَةَ فإنّهما يُمرِضانِ القُلُوبَ عَلَى الإِخوانِ، وَ يَنْبُتُ عَلَيهما النِّفاقَ» «5».

و جاء أيضاً عن الإمام الصّادق عليه السلام أنّه قال:

«ما مِنْ شَي ءٍ أَفْسَدَ لِلقَلبِ مِنْ خَطِيئَتِهِ» «6».

4- و نقرأ عن الإمام علي عليه السلام أيضاً:

«أَلا وَ مِنَ البَلاءِ الفاقَةُ، وَ أَشَدُّ مِنَ الفاقَةِ مَرَضُ البَدَنِ، وَ أَشَدُّ مِنْ مَرَضِ البَدنِ مَرَضُ القَلبِ». «7»

______________________________

(1). نهج البلاغة، الخطبة 108.

(2). مستدرك الوسائل، ج 1، ص 103 (الطبعة الجديدة).

(3). بحارالأنوار، ج 75، ص 164.

(4). غُرر الحِكم، ج 3، ص 167، (طبعة جامعة طهران).

(5). بحار الأنوار، ج 70، ص 399.

(6). المصدر السابق، ص 312.

(7). نهج البلاغة، الكلمات القصار، كلمة 388.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 108

5- و جاء أيضاً عن

الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله، في معرض حديثه عن الحسد، و أنّه كان و لا يزال على طول التأريخ مرضٌ نفسي عضال، فقال:

«أَلا إنَّهُ قَدْ دَبَّ إِلَيكُم داءُ الامَمِّ مِنْ قَبلِكُم وَ هُوَ الحَسَدُ، لَيسَ بِحالِقِ الشَّعْرِ، لَكِنَّهُ حالِقُ الدِّينِ، و يُنجِي فِيهِ أَنْ يَكُفَّ الإِنسانُ يَدَهُ وَ يَحْزُنَ لِسانَهُ وَ لا يَكُونَ ذا غَمزٍ عَلَى أَخِيهِ المُؤمِنُ» «1».

6- و قد ورد في التّعبير عن الرذائل الأخلاقيّة، في كثيرٍ من الرّوايات ب: «الدّاء» و مفهومها المرض، و جاء مثلًا في الخطبة (176) من نهج البلاغة، حيث يصف الإمام عليه السلام فيها القرآن الكريم:

«فَإسْتَشفُوهُ مِنْ أَدوائِكُم ... فَإِنَّ فِيهِ شِفاءً مِنْ أَكْبَرِ الدَّاءِ وَ هُوَ الكُفْرُ وَ النِّفَاقُ وَ الغيُّ و الضَّلالُ».

و نرى أيضاً هذا التعبير في روايات كثيرة اخرى.

و خلاصة القول، إنّ الفضائل و الرّذائل، و طبقاً لهذه النظرية و الرؤية، علامةٌ لسلامة و مرض الرّوح عند الإنسان، و الأنبياء عليهم السلام و الأئمّة المعصومين عليهم السلام، كانوا معلمي أخلاق، و أطباء نفسيين، و تعاليمهم تجسّد في مضمونها الدّواء النّافع و العلاج الشافي.

و على هذا، فكما هو الحال في الطّب المادي، و لأجل الوصول إلى الشّفاء الكامل، يحتاج المريض إلى الدواء، و يحتاج إلى الحُمية من بعض الأكلات، فكذلك في الطّب النّفسي و الرّوحي الأخلاقي، يحتاج إلى الإمتناع عن أصدقاء السّوء، و المحيط الملّوث بالمفساد الأخلاقيّة، و كذلك الإمتناع عن كلّ ما يَساعد على تفّشي الفساد، في واقع الإنسان النفسي، و محتواه الداخلي.

فالطّب المادي جعل العمليّة الجراحيّة كعلاجٍ لبعض الحالات، و كذلك جعل الطّب

______________________________

(1). ميزان الحكمة، ج 1، ص 630.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 109

الرّوحي الحدود و التّعزيرات و العُقوبات كوسيلةٍ، و

دواءٍ رادعٍ، عن الأعمال المنافيَة للأخلاق، و هي بِمنزلة إجراء العمليّة الجراحيّة في الطّب المادي.

و كما نرى في الطّب المادي، أنّه جعل العلاج في مرحلتين، مرحلة الوقاية: و هي المحافظة على الصّحة البدنيّة، و الثّانية: مرحلة العلاج للمريض، فكذلك في الطّب الرّوحي و الأخلاقي، يمرّ بمرحلتين: مرحلة الإرشاد و التعليم من قبل معلمي الأخلاق، للمحافظة على نفوس الناس من التلّوث بالرذائل، و الثّانية: مرحلة العلاج للمذنبين الملوّثين بالرّذائل.

و ما جاء في الخطبة (108) من نهج البلاغة، في وصف الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله، و معالجاته بالمراهم و الكيّ للجروح، يبيّن مدى التّنوع في الطّب الرّوحي، كما هو الحال في الطّب المادي.

ففي الطّب المادي (الجسماني)، توجد مجموعة إرشاداتٍ و أوامر كليّة لعلاج الأمراض، و قسمٌ من الأوامر التي تخص كلّ مرض بذاته، فكذلك الطّب الرّوحي، فالتّوبة و ذكر اللَّه و العبادات الاخرى، و المحاسبة و المراقبة للنفس، هي اصولٌ كليّةٌ للعلاج، و كلّ مرضٍ أخلاقي، نجد الأوامر و الإرشادات الخاصة به، مذكورةٌ في الكتب الإسلاميّة و الأخلاقيّة.

النظريّة الثالثة: نظريّة السّير و السّلوك

و قد شبّه الإنسان في هذه النظريّة، بمسافر إنطلق من نقطةِ العدم، إلى لقاء اللَّه تعالى، و يتحرك في سلوكه بهدف لقاء اللَّه، و القرب من الذّات المقدّسة اللّامتناهية.

ففي هذا السّفر، و كما هو الحال بالنسبة لأسفارنا الماديّة، يجب تحضير المركب و المتاع، و إزالة الموانع التي تقف في الطّريق، و التّفكير في كيفية التّصدي للّصوص و قطاع الطّريق و الأعداء، للمحافظة على المال و الأرواح، فهذا السّفر الرّوحاني و المعنوي، فيه منازل و طرق ملتوية و صعبة العبور، و مطبّاتٌ خطرةٌ، و لا يمكن العبور منه بسلامة، إلّا بمعونة الدليل المطّلع و العارف بالطّريق، و العُبور

منها واحداً بعد واحدٍ حتّى الوصول إلى محطّ الرّحال و منزل المقصود.

و يصرّ البعض أنّ السّير و السّلوك إلى اللَّه تعالى، و معرفته و منازله، و زاده و أدلّائه، و

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 110

الطّريق الموصل إليه، هو علمٌ غير علم الأخلاق، و منفصلٌ عنه، و لكن و بنظرةٍ أوسع، نرى أنّ السير و السّلوك الرّوحي، يلتقي في نفس الطّريق التي تهدف إليه التربية الأخلاقية، و تحصيل الفضائل في خط التّكامل المعنوي، أو على الأقل أنّ الأخلاق الإلهيّة هي أحد أبعاد السّير و السّلوك الرّوحاني.

و على أيّة حال، فإنّ الآيات و الروايات، أشارت إلى هذه النّظرية أيضاً، و منها: الآية (156) من سورة البقرة، حيث تقول: «الَّذِينَ إذا أَصابَتْهُم مُصِيبَةٌ قالُوا إِنّا للَّهِ وَ إِنّا إِلِيهِ راجِعُونَ».

فمن جهةٍ، يرى الإنسان نفسه أنّه مُلكٌ للَّه تعالى، و من جهةٍ اخرى، يرى نفسه أنّه مُسافر، و يتحرّك بإتّجاه اللَّه تعالى شأنه.

و نقرأ أيضاً في سورة العَلق: «إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجعى «1».

و جاء في سورة الإنشقاق: «يا أَيُّها الإنسانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدحاً فَمُلاقِيهِ» «2».

و جاء في سورة الرّعد: «رَفَعَ السَّمواتِ بِغَيرِ عَمَدٍ تَرَونَها ... يُفَصِّلُ الآياتِ لَعَلَّكُم بِلَقاءِ رَبِّكُم تُوقِنُونَ» «3».

و يوجد أكثر من (20 آية)، تحدثت عن أن لقاء اللَّه تعالى، في الواقع هو مقصود السّالكين إلى اللَّه و العارفين به، و يعني اللّقاء المعنوي و الرّوحي مع المحبوب، و المقصود الذي لا مثيل له.

و صحيحٌ أنّ هذه الآيات، و آياتُ الرّجوع إلى اللَّه تعالى، تستوعب جميع هذه المعاني، و لكن هذا لا يمنع من أنّ سير و سلوك المؤمن و الكافر، من ناحية الفِطرة و الخلقة، هو بإتّجاه الباري تعالى، فبعضٌ ينحرف عن طريق

الفطرة، فيسقط في وادٍ سحيقٍ، و لكن أولياء اللَّه و مع إختلافهم بالمراتب، يصلون إلى المقصود، مثل الحيامن التي تسير جميعاً في عالم الرّحم لِتكوين الجَنين، فبعضها تموت في المراحل الأولى بسبب بعض الآفات، و تتوقف عن الحركة، و بعضها يستمر في طريقه، ليصل أحدها إلى الهدف.

و أفضل و أوضح من هذه التّعابير، هو تعبير القرآن الكريم، حيث يقول: «إِنَّ خَيرَ الزَّادِ

______________________________

(1). سورة العلق، الآية 8.

(2). سورة الإنشقاق، الآية 6.

(3). سورة الرّعد، الآية 2.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 111

التَّقوى ، (و عادةً كلمة: الزّاد، تقال للطعام الذي يحمله المسافر معه، و لكنّها في الأصل موضوعةٌ لمعنى أشمل: بحيث تشمل كلَّ ذخيرةٍ).

و على هذا الأساس يقول: إنّ التّقوى هي خيرُ الزّاد، و هي إشارةٌ إلى سير الإنسان في طريق التّوحيد الخالص، و على كلّ حال فإنّ هذا السّفر الرّوحاني يحتاج إلى زادٍ، و زاده لا بدّ و أن يكون معنوياً أيضاً.

و نرى مثل هذا التعبير، واردٌ بكثرةٍ في الرّوايات الإسلاميّة.

و في موارد متعدّدةٍ من نهج البلاغة، أتى ذكر التّزود للآخرة:

ففي الخطبة (157) يقول الإمام عليه السلام: «فَتَزَوَّدوا فِي أَيّامِ الفَناءِ لأَيَّامِ البَقَاءِ».

و في الخطبة (132) نرى تعبيراً أوضح، فيقول عليه السلام:

«إِنّ الدُّنيا لَمْ تُخْلَقُ لَكُم دارَ مُقامٍ، بَل خُلِقَتْ لَكُم مَجازاً لِتَزَوَّدُوا مِنها الأَعمَالَ إِلَى دارِ القَرارِ».

و جاء في الخطبة (133)، تعبير ألطَف و أدَق، فقال عليه السلام:

«وَ البَصِيرُ مِنها مُتَزَوُّدُ و الأَعمى لَها مُتَزَوُّدُ».

و هناك آيات في القرآن الكريم، يمكن أن تحمل في مضمونها إشاراتٌ لهذه النظريّة، و منها:

«صِراطُ العَزِيزِ الحَميدِ» «1»، و «الصِّراطُ المُستَقِيمَ» «2»، و «سَبِيلِ اللَّهِ»، موجودةٌ في آياتٍ كثيرةٍ من القرآن الكريم، و «لِيَصُدّوا عنْ سَبِيلِ اللَّهِ» «3»، و أمثالها يمكن

الإشارة بها إلى هذه النظرية.

______________________________

(1). سورة إبراهيم، الآية 1.

(2). فاتحة الكتاب، الآية 6.

(3). سورة الأنفال، الآية 36.

9

تنوع الطّرق لأرباب السّير و السّلوك

اشارة

من الجدير بالذكر، أنّ أرباب السّير و السّلوك، و العلماء الذين سلكوا هذا الطريق، و اتخذوا من القرآن الكريم و السّنة الشّريفة دليلًا لهم، (لا الصّوفيين الذين تأثروا بالمذاهب غير الإسلاميّة الأجنبيّة)، فكلّ واحد من اولئك الأفاضل إقَتَرح طريقةً تختص به، أو بتعبيرٍ أدق، إتّخذوا منازل و مراحل، سنأتي بها بصورةٍ ملخّصة، حتّى يكتمل البحث، و يكون أكثر فائدة:

1- السّير و السّلوك المنسوب: «للسيد بحر العلوم»

اشارة

هناك كتاب منسوب للعلّامة الفقيه العالم: «السيد بحر العلوم»، و رغم أنّ بعض أبحاثه لا يمكن القول بصدورها منه، إلّا أنّ بعض أقسامه و الحقّ يقال، في غاية الأهميّة، فقد ذكر السّيد في هذا الكتاب أربعة عوالم و منازل، مهمّة للسّير و السّلوك إلى اللَّه تعالى، و القرب منه، و هي:

1- الإسلام.

2- الإيمان.

3- الهجرة.

4- الجهاد.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 114

و كلّ واحد من هذه العوالم الأربعة، ذكر له ثلاث مراحل، فيصبح المجموع إثني عشرةَ مرحلةً، و بعد تجاوز هذه المراحل الإثني عشر، يصل السّالك إلى اللَّه، و إلى عالم الخُلوص و الفناء، و المراحل أو المنازل الإثني عشر هي:

المنزل الأول: الإسلام الأصغر، و القصد منه هو إظهار الشّهادتين و التّصديق بهما في الظّاهر، و أداء الوظائف الدينيّة.

المنزل الثاني: الإيمان الأصغر، و هو عبارة عن التّصديق القلبي و الاعتقاد الباطني بكل المعارف الإسلاميّة.

المنزل الثالث: الإسلام الأكبر، و هو عبارةٌ عن التّسليم في مقابل كلّ حقائق الإسلام، و الأوامر و النّواهي الإلهيّة.

المنزل الرابع: الإيمان الأكبر، و هو عبارةٌ عن روح و معنى الإسلام الأكبر، و الّذي ينتقل من مرتبة الطاعة، إلى مرتبة الشّوق و الرّضا و الرّغبة.

المنزل الخامس: الهجرة الصّغرى، و هي الإنتقال من «دار الكفر»، إلى «دار الإسلام»، و هي شبيهةٌ بهجرة المسلمين، من مكّة التي كانت

مقرّ للكفار إلى المدينة.

المنزل السّادس: الهجرة الكبرى، و هي الهجرة و الابتعاد عن أهل الذنوب و العصيان، و عدم الجلوس مع الظّالمين و الملّوثين.

المنزل السابع: الجهاد الأكبر، و هو عبارةٌ عن محاربة جنود الشّيطان، بالإستمداد من جنود الرّحمان، و هي جنود العقل.

المنزل الثامن: منزل الفتح و الظّفر على جنود الشيطان، و التّحرر من سلطتهم، و الخروج من عالم الجهل و الطّبيعة.

المنزل التاسع: الإسلام الأعظم، و هو عبارةٌ عن الغلبة على جنود الشّهوة و الآمال البعيدة، فتنتصر العوامل الموقظة الخارجية، على العوامل الإنحرافيّة الداخليّة، و هنا يكون القلب، مركزاً للأنوار الإلهيّة، و الإضافات الرّبانيّة.

المنزل العاشر: الإيمان الأعظم، و هو الفناء في اللَّه تعالى، و مرحلة الدّخول في عالم:

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 115

«فآدخُلِي فِي عِبادِي و ادخُلِي جَنَّتِي»، و عندها تظهر حقيقة العبوديّة للَّه تعالى في واقع النّفس.

المنزل الحادي عشر: الهجرة العظمى، و هي هجرة الذّات و نسيانها، و السّفر إلى عالم الوجود المطلق، و التّوجه الكامل للذّات المقدّسة للباري تعالى، و هي الّتي تدخل في جملة خطاب: «و ادخُلِي جَنَّتِي».

المنزل الثّاني عشر: الجهاد الأعظم، فبعد هجرة الذّات، يتوسل باللَّه تعالى أن يمحو كلّ آثار الأنا، و يضع القدم على بساط التّوحيد المطلق.

فبعد أن تُطوى هذه العوالم الإثنا عشر، يدخل في عالم الخُلوص، و يكون مصداقاً لقوله تعالى «بَل أَحياءٌ عِندَ رَبِّهِم يُرزَقُونَ». «1»

كيفية السّير و السّلوك في هذه الطريقة:

في رسالة السّير و السّلوك المنسوبة للعلّامة بحر العُلوم، و بعد ذكره للعوالم و المنازل المذكورة آنفاً، يتطرق إلى كيفية السّير في هذا الطريق الصعب، و الملى ء بالمفاخر، و يذكر (25) أمراً للوصول إلى المقاصد العليا، و نذكرها بشكل مختصر:

فالسّالك إلى اللَّه تعالى، و المريد للقرب منه، لأجل الوصول إلى هذه العوالم،

و بعد إطّلاعه الكامل على اصول الدين و فروعه، و أحكامه الإسلامية من الطُرق المعتبرة، يشدُّ الرحال و يأخذ طريقه في عملية السّلوك، من خلال الإلتزام بالمراحل ال (25)، ليصل إلى المقصود:

أولًا: ترك الآداب و الرّسوم و العادات التي تقف عقبةً في الطريق، و تغرقه في بحر الآثام.

ثانياً: العزم القاطع للسّير في هذا الطّريق، فلا يخاف شيئاً، و لا يتردّد، و ليعتمد على لُطف اللَّه تعالى.

ثالثاً: الرّفق و مُداراة النّفس، فلا يحمّلها أكثر من طاقتها، كي لا تنفر و لا تنطفي ء جذوتها،

______________________________

(1). للإطّلاع، يرجى مراجعة: رسالة السّير و السّلوك للمرحوم السيّد بحر العلوم قدس سره، و فيه تفاوت و إختلاف بينه و بين رسالة العلّامة الطباطبائي، لبّ اللّباب، و هنا في الواقع تلفيق من الإثنين.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 116

و لئلّا تنقطع عن المسير.

رابعاً: الوفاء، و هو الوفاء بالبقاء على العهد في التّوبة، و تركه للذّنوب وَ عدم العودة إليها، و ليكون وفيّاً مع استاذه أيضاً.

خامساً: الثّبات و الدّوام، يعني الدّوام على ما إختاره من برامج لنفسه، حتى تُصبح عادةً عنده، و ليغلق طريق العودة على نفسه.

سادساً: المُراقبة، و هي عبارة عن الإنتباه لنفسه في كل الامور و الأحوال، و لِئلا تصدر منه المخالفة.

سابعاً: المحاسبة، كما جاء في حديث: «لَيسَ مِنّا مَنْ لَم يُحاسِبْ نَفسَهُ كُلَّ يَوم» «1».

ثامناً: المؤآخذة، حيث يوآخذ نفسه في كلّ خطأ يصدر منه و يعاقبها.

تاسعاً: المسارعة، يعني يعمل بمقتضى أمر: «سَارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُم» «2»، الوارد في القرآن الكريم، فيُسارع في كلّ خير، لئلّا يسبقه الشّيطان و يوسوس له في تركه.

عاشراً: خُلوص الباطن، و هو تطهير الباطن، بحيث لا يكون أدنى غش في قلبه، و الحب التام لرسول اللَّه صلى

الله عليه و آله صاحب الشّريعة، و الأوصياء المعصومين عليهم السلام.

الحادي عشر: الأدب، حفظ حُرمة الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله، و أوصياءه المعصومين عليهم السلام، بحيث لا يلفظ بلفظ يدل على عدم الرّضا منهم، و الإعتراض عليهم عليهم السلام، و حفظ حرمة الأكابر، و لبيان حاجته في الدّعاء لا يستعمل ألفاظاً تدل على الأمر و النّهي.

الثاني عشر: النيّة، و تعني إخلاص القصد في هذا المسير و الحركة، و جميع الأعمال للَّه تعالى.

الثالث عشر: الصّمت، و يعني الإكتفاء بالمقدار اللّازم من الكلام.

الرابع عشر: الجوع و قلّة الأكل، و هو من الشّروط المهمّة لسلوك هذا الطريق، و لكن ليس للحدّ الذي يبعث على الضّعف و عدم القدرة.

______________________________

(1). إرشاد القلوب للديلمي، باب 39.

(2). سورة آل عمران، الآية 133.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 117

الخامس عشر: الخلوة، و هي عبارةٌ عن العزلة عن أهل العصيان، و طلّاب الدنيا و أصحاب العقول الناقصة، و التّوجه الخالص للَّه عند العبادة و الذّكر، و الإبتعاد عن الضّوضاء و عناصر التّشويش الذهني.

السادس عشر: السّهر، و خصوصاً في الثّلث الأخير من الليل، الذي أكدّت عليه الآيات و الرّوايات.

السابع عشر: الدّوام على الطّهارة، و هو أن يكون على وضوء دائماً، حيث ينوّر الباطن بأنوارٍ خاصّةٍ.

الثامن عشر: التّضرع للَّه تعالى، و التحرك على مستوى اظهار الخضوع له، أكثر و أكثر.

التاسع عشر: عدم إعطاء النفس ما تريد و إن كان مُباحاً، بالقدر الذي يستطيع.

العشرون: كتمان السّر، و هو من أهم الشّروط، و هو ما يؤكد عليه أساتذة هذا الأمر، حتى لا يجرّ الإنسان للرياء و التّظاهر، و إذا ما حصلت له المكاشفة، يجب أن لا يخبر أحد لئلّا يُصاب بالعجب.

الواحد و العشرون: يجب الإلتزام في عمليّة

السّلوك المعنوي باستاذ، سواء كان الأستاذ عامّاً للسّير و السّلوك أو خاصّاً، و هو رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و الأئمّة المعصومين عليهم السلام.

و يجب على السّالك الإنتباه إلى أنّ هذه المرحلة، هي مرحلةٌ دقيقةٌ جداً، حتى لا يختبر أحداً و لا يطّلع على صلاحيّته العلميّة و الدينية، و لا يعمتد على إرشاداته بصورة كليّة، لأنّه يوجد بعض الشياطين يتلبّسون بلباس الأساتذة، و ذئاب تلبس ثوب الرّاعي، فتحرف السّالك عن الجادّة.

و يقول المرحوم العلّامة الطباطبائي في هذا المجال: إنّ الإطّلاع على العلوم و الأسرار الغريبة، و ما وراء الطّبيعة و أسرار الإنسان، و المشي على الماء و النار و الإخبار بالمغيّبات، كلّها لا تؤكد أنّ ذلك الإنسان قد وصل إلى مرحلة الكمال، لأنّ كلّ تلك الامور تحصل في مرتبة المكاشفة الرّوحيّة، و الطّريق طويل حتّى الوصول إلى الكمال.

الثاني و العشرون: «الأوراد»، و هي عبارةٌ عن الأذكار التي تفتح للسّالك الطّريق و المرور

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 118

من المطّبات الصّعبة، و تعينه في المسير إلى اللَّه تعالى.

الثالث و العشرون: نفي الخواطر، و هو تسخير القلب، و الحكومة عليه و الّتمركز الفكري، بحيث لا يمر من خاطره شي ء، إلّا بإختياره و إذنه، أو بتعبير آخر، لا يشغل تفكيره الأفكار المُشوّشة، و هو من الامور الصّعبة.

الرابع و العشرون: التّفكر، و القصد منه أنّ السّالك يسعى من خلال التّفكير الصحيح، و العميق، في إكتساب المعرفة الحقّة، و يحصر تفكيره في عالم الصّفات، و الأسماء الإلهيّة و تجلّياته و أفعاله.

الخامس و العشرون: الذِكّر، و المراد منه التّوجه القلبي للذّات المقدّسة للباري تعالى، و ليس الذّكر اللّساني الذي يسمّى بالوِرد، أو بعبارةٍ اخرى، يكون كلّ نظره جمال الإله، و

لا يرى شيئاً غيره.

هذه هي خلاصة، ما نسب للعلّامة بحر العلوم في دائرة السّير و السّلوك، و تبعه في ذلك مع إختلاف يسيرٍ، العلّامة الطّباطبائي، و ذلك كما جاء في رسالته «لبّ اللباب».

2- طريقة المرحوم الملكي التّبريزي

و هو المرحوم «الحاج ميرزا جواد الآقا تبريزي»، و هو من الاساتذة المعروفين في السّير و السّلوك إلى اللَّه، و قد إنتهج في رسالته (لقاء اللَّه)، نهجاً يختلف عمّا جاء به في الرّسالة المنسوبة للعلّامّة بحر العلوم.

فهو يُذكر في البداية، أنّ لقاء اللَّه هو الغاية القصوى، و الهدف الأعلى، للسّير و السّلوك، و يستشهد لذلك بآياتٍ متعدّدةٍ من القرآن الكريم، و كذلك بالروايات الكثيرة لُمدّعاه، و يصرّح بأنّ لقاء اللَّه تعالى ليس هو المشاهدة العينية، لأنّ الباري تعالى منزّه عن الكيفيات التي توجب رؤيته بالبصر، و لا هو لقاء النّعيم و الثّواب في يوم القيامة، بل هو نوع من «الشّهود»، و اللّقاء القلبي و الروحي و المشاهدة بالبصيرة.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 119

و بعدها يقترح برنامجاً للسّير في هذا الطريق الطويل، و المحفوف بالمخاطر، و يتلخص في عدّة امور:

1- العزم و النيّة لسلوك هذا الطريق.

2- التّوبة النّصوح من الأعمال السّالفة، و هي التّوبة التي تنفذ في أعماق الوجدان و الوعي، في واقع النفس، و تعمل على تغييره، و غسل آثار الذّنوب و أدران الخطايا من جسمه و روحه.

3- حمل الزّاد للطريق، و ذكرَ له عدّة برامج:

الف: صباحاً، المشارطة: (يشرط على نفسه أن لا يمضي إلّا في طريق الحق)، و في النّهار المراقبة: (الإنتباه لئلّا يحيد عن الطريق)، و مساءً المحاسبة: (لنفسه على ما فعله في النّهار).

ب- التّوجه للأوراد و الأذكار، و وظائف اليقظة و المنام.

ج- التّوجه لصلاة اللّيل، و الخَلوة باللَّه تعالى،

و إحياء الليل و ترويض النفس في حالات النوم و الأكل، بحيث لا يتجاوز عن الحدّ الضروري.

4- الإستفادة من سوط السّلوك، و هو عبارة عن مُؤاخذة النّفس و توبيخها، لتوجُّهِها للدنيا و تقصيرها في طلب الحق، و عدم وفائها، و إطاعة الشّيطان في معصية اللَّه تعالى، و يستغفر اللَّه على كلّ ذلك و يعزم على السّعي في طريق الإخلاص و الإيمان و الصلاح.

5- عند التّحول، و في هذه المرحلة، و قبل كلّ شي ء، يجب أن يفكّر في الموت، ليميت حبّ الدنيا في قلبه و يصلح الصّفات القبيحة عنده، و هو دواءٌ نافعٌ في هذا المجال، (و بعدها يفكر في عظمة اللَّه و أسماءه و صفاته، و يذكر أولياء الحق، و ليسعى بأن يُشابِههم في صفاتهم).

6- عند القرب من منزل المقصود، يشير إلى أنّ الإنسان لديه ثلاثة عوالم:

1- عالم الحسّ و الطّبيعة.

2- عالم الخيال و المثال.

3- عالم العقل و الحقيقة.

فعالم الحسّ و الطّبيعة كلّه ظلمات، و إذا لم يعبره فلن يستطيع الوصول لعالم المثال، و هو العالم الذي تكون فيه الحقائق لها صورٌ عاريةٌ عن المادّة.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 120

و ما دام يراوح في عالم المثال، فلن يستطيع الوصول إلى عالم العقل، الذي هو عالم الحقيقة و الأصل للنفس الإنسانية، الذي لا صورة و لا مادة فيه، فإذا وصل لعالم العقل، و أدرك نفسه خاليةٌ عن المادة و الصّورة، فسيصل إلى معرفة الباري تعالى، و يكون مصداق لقوله: «مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَد عَرَفَ رَبَّهُ «1»» «2».

3- طريقةٌ اخرَى

اشارة

في رسالة «لقاء اللَّه» للعالم و المحقق الكبير، الآقا المصطفوي، أشار إلى برنامج آخر للسّير و السّلوك، في رسالته الجامعة و الغنية، و المعتمدة على الآيات و الأخبار، حيث

أشار أولًا إلى الآيات المتعلّقة بلقاء اللَّه، و بعدها شرع في تفسير معنى اللّقاء؛ أنّ المراد منه اللّقاء المعنوي و الرّوحي، و أضاف أنّ الإنسان و لأجل وصوله للقاء اللَّه تعالى في هذا السير المعنوي، عليه أن يكسر حدود المادة و المكان و الزّمان، و كذلك الحدود الذّاتية لكلّ المُمكنات، و يفنى في عالم اللّاهوت، و يكون المخاطب لقوله تعالى: «يا أَيَّتُها النَّفسُ المُطمَئِنَّةُ ارجَعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرضِيَّةً فادخُلِي فِي عِبادِي و ادخُلي جَنَّتي» «3».

و أقترح خمسة مراحل للوصول إلى المقصود الأكبر:

المرحلة الاولى: التّحرك على مستوى تكميل و تقوية الإعتقادات، و التّوجه الخاص لُاصول الدّين.

المرحلة الثانية: التّوبة من الذنوب، و التّحرك من هذا الموقع للإتيان بالأعمال الصّالحة و أداء الواجبات.

المرحلة الثالثة: السّعي الجاد لتطهير النّفس من الرذائل، و تحليتها بالفضائل الأخلاقية.

______________________________

(1). بحار الأنوار، ج 2، ص 32.

(2). للتفصيل يرجى الرجوع إلى رسالة لقاء اللَّه المرحوم التبريزي قدس سره.

(3). سورة الفجر، الآية 27 إلى 30.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 121

المرحلة الرابعة: محو الأنانيّة، و الفناء في مُقابل عظمة الحق.

و في هذه المرحلة التي ينقطع الإنسان فيها عن التّعلقات المادية، من الأهل و الأموال و الأولاد و اللّذات، تكون الشّهوات الماديّة و الخياليّة قد تغيّرت و تبدّلت، إلى تعلّقٍ و إرتباطٍ روحي و معنوي، و الذي يبقى هو التّعلق بالذّات و النّفسٍ، و هذا التعلّقً متجذّر و قويّ لدرجةٍ كبيرةٍ جدّاً، و لشدّة ظهوره: خفي، و تبقى ملاحظةٌ واحدةٌ و هي، أنّ هدف السّالك في جميع هذه المراحل هو الوصول إلى لقاء اللَّه، و في الواقع و الباطن أنّ كلّ عمل يكون قد أدّاه هو له و لنفسه.

و بعبارة اخرى: كان يُريد الوصول إلى المقامات العليا،

و القُرب من اللَّه تعالى، و الحصول على الكمالات المعنوية و الروحية، فكلّ ذلك كان بدافع النّفس و الذّات، و ليس لِلهدف الأصلي، و لذلك فهو عند وصوله لمثل هذا المقام يفرح غاية الفرح، و لكن إذا وصل غيره إلى هذا المقام، فسوف لن يكون فرحاً لهذا الحد، و هنا يجب أن تُحذف «الأنا» و تُنسى و يكون المحبوب للسّالك هو تجلّي اللَّه سبحانه، لا من خلال حبّ الذّات، أو بعبارةٍ أوضح، يجب أن تُمحى «الأنا»، و هي الحِجاب الأكبر و المانعُ الأقوى، و آخر الحُجب للوصول إلى اللَّه تعالى و لقائه.

و لإزالة هذا المانع، توجد عدّة طرق:

1- طريق التّوجه القلبي للَّه تعالى، و التّوحيد الذّاتي و الصّفاتي و الأفعالي، و منه يفهم أنّ غيره لا شي ء في مُقابله.

2- التّفكر و الإستدلال للوقوف بوجه «الأنانية» و حجاب النفس، بمعنى أن يرى أنّ اللَّه تعالى غير محدودٍ بحدٍّ، و هو الأزلي و الحقّ المطلق، و النفس هي الموجود المحدود في كلّ شي ء، و في منتهى الضّعف و العجز و الفقر و الحاجة إلى اللَّه تعالى، و من دون المدد الإلهي فإنّها لا تستطيع الصّمود و لا لِلِحظةٍ واحدةٍ.

3- المعالجة بالأضداد، بمعنى أنّه كلّما أحسّ بوجود «الأنا» في وعيه، يعالج هذا الموقف بالتّوجه للَّه و الصّالحين من عباده، لكي يعيش في الحضور الدّائم مع الباري تعالى.

المرحلة الخامسة: في هذه المرحلة يصبح السّالك إنساناً ملكوتياً، و يدخل في عالم

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 122

الجبروت!. و القصد من الدخول في مرحلة الجبروت، هو أنّ الإنسان يصل إلى مرحلةٍ من الصّفاء و الإخلاص، يكون فيها مندّكاً في ذاتِ اللَّه تعالى، و له نفوذٌ و سلطةٌ على الامور، فيتحرك في

أداء وظائفه الإلهيّة، و إرشاد الناس، و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، من موقع المسؤولية و الإنضباط في خط الرّسالة، و يكون على بصيرةٍ كاملةٍ من أمره.

أو الأحرى، ينسى نفسه، و يكون على علمٍ بكلّ المسائل و الوظائف و الأحكام و الآداب الشرعية، و طرق السّير و السّلوك، و يكون تشخيصه لِلأمراض و الأدوية دقيق جدّاً، كالطّبيب الحاذق الذي يعرف الدّاء و الدّواء و يشخصه جيّداً «1».

و الجدير بالذّكر أنّه قد استدلّ لكلّ هذه المطالب في كتابه، بالآيات و الرّوايات الإسلاميّة، كشاهدٍ على مُدّعاه.

خلاصة ما تقدم من مذاهب السّير و السّلوك:

يُستفاد ممّا تقدّم من تعليمات أرباب هذا الفن، و الطريق: (الذين مشوا في نهج الإسلام الأصيل و طريق أهل البيت عليهم السلام لا المتصوفة)، اصولٌ مشتركةٌ في عمليّةِ السّيرِ و السّلوك إلى اللَّه و هي:

1- أنّ الهدف الأصلي، هو لقاء اللَّه و شهود ذاته المقدسة، بالبصيرة و الحُضور الروحي المعنوي عنده.

2- للوصول لهذا الهدف، ينبغي التّحرك أولًا من موقع التوبة من جميع الذنوب و الرذائل الأخلاقية، و التّحلي بالفضائل.

3- في هذا الطريق يجب أن لا ينسى الآداب الأربعة: المشارطة، و المراقبة، و المحاسبة، و المعاقبة، يعني يُشترط في الصّباح على نفسه، أن لا يذنب و لا يخالف رضا الباري تعالى، و يراقب نفسه في طول النّهار و في اللّيل و عند النوم، يجلس للمحاسبة، و إذا ما صدرت منه مخالفةٌ يعاقب نفسه بتركه لأنواع اللّذائذ.

4- التّصدي لهوى النفس من موقع المخالفة، لأنّ الهوى هو من أكبر السّدود في هذا

______________________________

(1). للإطّلاع، يرجى الرجوع إلى كتاب: «لقاء اللَّه»، للعلّامة الكبير المُصطفوي.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 123

الطّريق، و مخالفته هي من أوجب الواجبات.

5- التّوجه لأذكارٍ و أورادٍ وردت في الشّرع المقدس، و أمثال:

«لا حَولَ وَ لا قُوَّةَ بِاللَّه»، و ذكر «لا إِلهَ إِلّا أَنْتَ سُبحانَكَ إِنَّي كُنتُ مَن الظَّالِمِينَ»، و ذكر «يا اللَّه» و «يا حَيُّ» «يا قَيُّوم» و هي الزاد في هذا الطّريق و السبب للقوّة.

6- التوجه القلبي لحقيقة التّوحيد للذات و الصّفات و الأفعال للَّه تعالى، و الغرق في صفات كماله و جماله، و هي زاد آخر لهذا الطريق الوعر الملي ء بالمطبّات و التّحديات الصعبة.

7- كسر أكبر الأصنام، و هو صنم الأنانيّة و الّذات الفرديّة، و هو من أهم الشّروط للوصول للمقصود.

8- و قد إشترط البعض الإستعانة بالاستاذ، و السّير في هذا الطريق تحت إشرافه، فيكون كالطبيب الذي يعمل على معالجته، و البعض لا يعتمدون على الاستاذ، و حصل في كثير من الموارد، و للأسف الشديد، الوقوع في حبائل الشيطان، و ذلك بسبب الإعتماد على الاستاذ، حيث يعتبرونه كالملاك، فيذهب دينهم و إيمانهم و أخلاقهم إدراج الرّياح!.

و يرى البعض الآخر، أنّ وظيفة الإرشاد و السير على هدي الأنبياء و الأولياء، و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، هي آخر المراحل، و لكن كثيراً منهم لم يذكروا شيئاً، و تركوا السّالك بحاله.

و الغرض من الإتيان بهذا البحث، في المباحث الأخلاقية، في هذا الكتاب، هو:

أولًا: سرد عصارة من التّفكرات التي لها علاقة بالمباحث الأخلاقية، حتى يتنور القاري ء و يتحرك في طريق التّهذيب و إصلاح الذّات.

ثانياً: نحذّر طلاب الحقيقة، أنّ الحدّ بين الحقّ و الباطل ضيئل جدّاً، فكثيرٌ من الشّباب من ذوي القلوب النّقية، كان هدفهم الوصول إلى الحقّ و العين الصّافية، و لكنّهم إنجرفوا في طريق الضّلالة، و تركوا طريق العقل و الشّرع، و لذلك تاهوا في وادي الحيرة، و غرقوا في مستنقع الخطيئة، و لم يسلموا

من مخالب الذّئاب الضّارية، الذين يرتدون مسوح الزّهد و القداسة، فأضاعوا و فقدوا كلّ ما لديهم.

10 هل يلزم وجود المُرشد في كلّ مرحلةٍ؟

اشارة

يعتقد كثير من أرباب السّير و السّلوك، أنّ السّائرين في طريق الكمال و الفضيلة، و التقوى و الأخلاق، و القرب إلى اللَّه تعالى، يجب أن يكونوا تحت إشراف الاستاذ و المرشد، كما ذكر في رسالة السّير و السلوك للعلّامة بحر العلوم، و رسالة لبّ الألباب للمرحوم العلّامة الطّباطبائي، في الفصل الحادي و العشرون من وظائف السّائر إلى اللَّه، هو التّعليم و التعلم تحت نظر و إشراف الاستاذ، سواء كان الاستاذ عالِم كالعلماء الذين مشوا في هذا الطريق، أم الأساتذة الخصوصيين، و هم الأنبياء الأئمة و المعصومين عليهم السلام.

و لكن المطّلعين من أهل الفن، يُحذّرون السّائرين على طريق التّقوى و التّهذيب، من عدم الإلتجاء بسهولة لأيٍّ كان، و إذا لم يطمئنّوا إطمئناناً كافياً، و لم يختبروا صلاحيتهم العلميّة و الدينية، فلا يسلّموهم أنفسهم، و لا يكتفوا حتى بإخبارهم للمستقبليات، و لا أعمالهم غير الطبيعيّة، و لا حتى مرورهم على الماء و النار، لأنّ صدور هذه الأعمال ممكن من المرتاضين غير المهذّبين أيضاً.

و قال البعض الآخر: إنّ الرّجوع للُاستاذ لازم في المراحل الأوليّة، و أمّا بعد السّير و عبور عدّة مراحل، فلا يحتاج إلى الاستاذ، و الرّجوع للُاستاذ الخصوصي و هو الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله و الأئمّة المعصومين عليهم السلام، حتّى نهاية المراحل، يكون لازماً و ضرورياً.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 126

و قد إستدلوا على لزوم الرّجوع للُاستاذ تارةٌ، بهذه الآية الشّريفة، التي تقول: «فَاسْئلُوا أَهلَ الذِّكْرِ إن كُنتُم لا تَعلَمُونَ» «1».

فرغم أنّها تتناول التعليم لا التربية، و لكن الحقيقة أنّ التربية تعتمد على التّعليم في كثير من

الموارد، فلذلك يجب الرّجوع للمطلعين في مثل هذه الموارد، و هذا المعنى يختلف إختلافاً واضحاً عن إختيار شخصٍ خاص ليكون ناظراً على أعمال و أخلاق الإنسان.

و يستشهد القائلون بضرورةِ المرشد تارةٌ اخرى؛ بحكاية موسى مع الخضر عليهما السلام، فقد كان موسى عليه السلام بحاجةٍ للخضر، مع ما أنّه كان من الأنبياء و أولي العزم، و قطع قسماً من الطّريق بمساعدته عليه السلام.

و لكن و بإلقاء نظرةٍ فاحصةٍ على قصّة موسى و الخضر عليهما السلام، نرى أنّ موسى عليه السلام عند ما تعلم من الخضر عليه السلام، إنّما كان بأمر من اللَّه تعالى لأجل الاطّلاع على أسرار الحكمة الإلهيّة بالنسبة للحوادث التي تحدث في هذا العالم، و الاخرى أنّ علم موسى عليه السلام كان عملًا ظاهرياً، «و يتعلّق بدائرة التّكليف»، و علم الخضر عليه السلام علماً باطنياً، (خارج عن دائرة التكليف) «2»، و هذا الأمر يختلف عن مسألة إختيار الاستاذ و المرشد، في كل مراحل التّهذيب للنفس و السيّر في طريق التّقوى، و إن كان يشير و لو بالإجمال إلى أهميّة كسب الفضيلة، في محضر الاستاذ في خط التّكامل المعنوي.

و قد يستشهد لذلك أيضاً بحكاية لقمان الحكيم و إبنه، فهو استاذ إلهي أخذ بيد إبنه و ساعده في سلوك ذلك الطريق «3».

و نقل العلّامة المجلسي في بحار الانوار، عن الإمام السجّاد عليه السلام أنّه قال: «هَلَكَ مَنْ لَيسَ لَهُ حَكِيمٌ يَرشُدُهُ» «4».

و لكن و من مجموع ما ذُكر، لا يمكن إستفادة لزوم المرشد في دائرة السّلوك الأخلاقي و

______________________________

(1). سورة الأنبياء، الآية 7.

(2). يرجى مراجعة تفسير الأمثل، ذيل الآية 60 إلى 82 من سورة الكهف.

(3). يرجى الرجوع لتفسير الأمثل، في تفسير سورة لقمان.

(4). بحار الانوار، ج 75،

ص 159.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 127

تهذيب النفس، بحيث إذا لم يكن تحرك الإنسان في خطّ التّهذيب النّفسي و التّزكية الأخلاقية، تحت إشراف المرشد، فسوف يختل برنامج التربية و الأخلاق و التّقوى، و يتعطل السّير و السّلوك في حركة الواقع النفسي و المعنوي لدى الفرد، لأنّ الكثير من الأشخاص إلتزموا بالرّوايات و الآيات و الأحاديث الإسلامية، و عملوا بها، و وصلوا إلى مقاماتٍ عالية و درجاتٍ كبيرةٍ دون الإستعانة بمرشدٍ أو معلّمٍ خاصٍ على مستوى التّربية الأخلاقيّة، و طبعاً لا يمكن إنكار فائدة الأساتذة و المرشدين و توجيهاتهم القيّمة، فهم عناصر جيّدة للوصول إلى المقصود من أقرب الطرّق، و معدّات فاعلةٌ لمواجهة المشاكل الأخلاقيّة لتحديات الواقع، و حلّها وفق مستجدّات الواقع و مستلزمات العقيدة.

و جاء في نهج البلاغة أيضاً: «أيُّها النّاسُ استَصبِحُوا مِنْ شُعْلَةِ مِصبَاحٍ، وَاعظٌ مُتَّعِظٌ» «1».

و لكن و للأسف نجد في كثير من الموارد، أنّ النّتيجة كانت عكسيّة، فكثير من الأشخاص عرّفوا أنفسهم بأنّهم مرشدون للناس في سلوك سبيل التّربية و التّهذيب، و لكن اتّضح بأنّهم قطّاع طُرق، و كمْ من الأشخاص الطّاهرين الطالبين للحقّ إنخدعوا بهم، و ساروا في طريق التّصوف أو الإنحراف، و سقطوا في منحدر الرّذيلة، و ارتكبوا مفاسد أخلاقية كبيرة؛ و عليه فنحن بدورنا نحذّر السّائرين على هذا الطّريق، إذا ما أرادوا الإستفادة من الحضور، عند استاذ و مرشدٍ في المسائل الأخلاقيّة، فيجب أن يتوخّوا جانب الحذر و الإحتياط، و ليتأكدوا من حقيقة الأمر، و لا يغترّوا بالمظاهر الخادعة، بل ليتفحّصوا عن سوابقهم، و ليشاوروا أصحاب الفنّ في هذا المجال، كي يصلوا إلى غايتهم المنشودة.

دور الواعظ الداخلي (الباطني):

تكلّمنا عن دور الواعظ الخارجي بصورةٍ كافيةٍ، و الآن جاء دور الواعظ الداخلي؛ حيث

يستفاد من بعض الأخبار و الروايات الإسلامية أنّ الضّمير الحيّ هو الواعظ الداخلي و الباطني للإنسان، و له دور مهم في السّير على طريقِ التّكامل الأخلاقي و التّقوى، و بالأحرى

______________________________

(1). نهج البلاغة، الخطبة 105.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 128

لا يمكن السّير بدونه، في مواجهة التحديات الصّعبة و قوى الإنحراف.

فقد جاء في حديثٍ عن الإمام على بن الحسين عليهما السلام، أنّه قال:

«يا إبنَ آدمَ إِنَّكَ لا تَزَالُ بِخَيرٍ ما كانَ لَكَ وَاعِظٌ مِنْ نَفْسِكَ، وَ ما كانَتِ الُمحاسَبَةُ مِن هَمِّكَ» «1».

و نُقل أيضاً عنه عليه السلام، مشابهٌ لهذا المعنى، مع قليلٍ من الإختلاف «2».

و جاء في نهج البلاغة أيضاً، أنّ:

«وَ اعَلَمُوا أَنَّهُ مَنْ لَمْ يُعَنْ عَلَى نَفْسِهِ حتّى يَكُونَ لَهُ مِنْها وَاعِظٌ وَ زَاجرٌ، لَم يَكُن لَهُ مِنْ غَيرِها لا زَاجرٌ وَ لا واعِظٌ» «3».

و من البديهي أنّ الإنسان في هذا الطّريق يحتاج إلى واعظٍ قبل كلّ شي ء، ليكون معه في كلّ حال،: و يعلم أسراره الداخلية، و يكون رقيباً عليه و معه دائماً، و أيّ عاملٍ أفضل من الواعظ الداخلي و هو الوجدان، يتولي القيام بهذا الدّور، و ينبّه الإنسان إلى منزلقات الطّريق، و تعقيدات المسير، و يصدّه عن الإنحراف و السّقوط في الهاوية.

و نقرأ في حديثٍ عن الإمام عليّ عليه السلام:

«إِجْعَلْ مِنْ نَفْسِكَ عَلى نَفْسِكَ رَقِيباً» «4».

و جاء في حديثٍ آخر عنه عليه السلام:

«يَنبَغِي أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مُهَيمِناً عَلى نَفْسِهِ مُراقِباً قَلْبَهُ، حافِظاً لِسانَهُ» «5».

______________________________

(1). بحارالأنوار، ح 75، ص 137.

(2). المصدر السابق.

(3). نهج البلاغة، الخطبة 90.

(4). غرر الحكم.

(5). المصدر السابق.

11

العناصر اللّازمة لتربية الفضائل الأخلاقيّة

اشارة

إضافةً لما ذكرنا من برنامج للصّعود بالإنسان في أجواء التربية الأخلاقيّة، يوجد هناك عناصر اخرى، لها أثرها الكبير في منح الإنسان قوّة التّصدي،

لحالات الضعف أمام الرّذائل الأخلاقيّة، و تقوية اصول الفضائل في واقع الإنسان، و حركته التّكاملية في الحياة، و منها:

1- طهارة وصفاء المحيط

اشارة

ممّا لا شك فيه أنّ المحيط الذي يعيش فيه الإنسان، يعكس أثره الكبير على سلوكيّات و روحيّات ذلك الإنسان، حيث يسترفد كثيراً من صفاته و أفعاله من المحيط الإجتماعي و الثّقافي، فالمحيط النّظيف و الطّاهر غالباً ما يفرز اناساً طاهرين، و العكس صحيح.

و رغم أنّ الإنسان يمكن أن يعيش نظيفاً و طاهراً في الوسط الملّوث، و بالعكس يمكنه أن يسير في طريق الرّذيلة و الإثم في المحيط الطّاهر، و بعبارةٍ اخرى إنّ الظّروف الإجتماعيّة و الثّقافية التي يعيش فيها الإنسان، ليست العلّة التّامة في صلاح و إنحراف الإنسان، و لكنّها يمكن أن تُهيى ء الأرضية لذلك قطعاً، و هذا ممّا لا يقبل الإنكار.

و قد يقول البعض، بأنّ الإنسان يخضع لإجبار المحيط و المجتمع، «فيبقى الإنسان كما هو الموجود فعلًا»، و لكننا ننكره جملة و تفصيلًا، من دون أن ننكر دور العوامل القويّة في عمليّة

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 130

إخضاع الفرد لمتطلبات الواقع و تحدياته، في أجواء التّفاعل الإجتماعي.

بعد هذه الإشارة نعود إلى القرآن الكريم، و نقرأ الآيات التي تؤيّد تأثير المحيط في شخصيّة الإنسان، بالدّلالة الإلتزاميّة، أو المطابقيّة للكلام، لنستوحي منها المفهوم القُرآني في هذا الإطار:

1- «وَ الْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَ الَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ» «1».

2- «وَ جَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ» «2».

3- «وَ قَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا

عِبَادَكَ وَ لَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً» «3».

4- «يَا عِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّاىَ فَاعْبُدُونِ» «4».

5- «إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَ سَاءَتْ مَصِيراً» «5».

تفسير و إستنتاج:

«الآية الاولى» تحدّثت عن تأثير المحيط في أعمال و أفعال الإنسان، ببيانٍ لطيفٍ و جذّابٍ، و قد إختلف المفسّرون في تفسير هذه الآية، و ذهب كلّ واحدٍ منهم إلى رأي ...

فبعضهم قال: إنّ المراد منها، أنّ ماء الوحي الرّقراق كقطرات المطر، ينزل على أرض

______________________________

(1). سورة الاعراف، الآية 58.

(2). سورة الأعراف، الآية 138.

(3). سورة نوح، الآية 26 و 27.

(4). سورة العنكبوت، الآية 56.

(5). سورة النساء، الآية 97.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 131

القلوب فترتوي منه القلوب الطاهرة، و تنبتُ ورود المعرفة و فواكه التّقوى و الطّاعة اللّذيذة، و لكن القلوب السّوداء و الملوثة، لا تتأثر به من موقع الإستفادة في حركة الحياة، و عند ما نرى أنّ ردود الفعل، قبال دعوات الأنبياء، و تعاليم الوحي ليست متساوية عند الجميع، فهذا لا يدلّ على وجود النقص و الخلل في فاعليّة الفاعل، بل أنّ الإشكال إنّما هو في قابليّة القابل «1».

و الأمر الآخر أنّ الغرض من بيان هذا المثال، هو أن يكون طلب الفضائل و المحاسن من محلّها المناسب، لأنّ السّعي في المحل غير المناسب ليس هو إلّا إهدار و تضييع للطاقات «2».

الإحتمال الثالث، في تفسير هذه الآية و يمكن الإستفادة منه هنا، هو أنّ في هذا المثال شبّه الإنسان بالنبات، و لكن الأرض التي تنبت فيها النباتات إمّا حلوة أو سبخة، ممّا تنعكس تأثيراته على النّبات أيضاً، و في

المحيط الملّوث، لا يمكن تربية الإنسان في إطار التعاليم الإلهيّة و القيم الأخلاقيّة، مهما كانت التعليمات و أساليب التربية قويّةٌ و مؤثرةٌ، فكما أنّ قطرات المطر المُوجبة لبعث الحياة للأرض، لا يمكن أن تؤثر في الأرض السّبخة، فكذلك الحال في عناصر التربية في المحيط الملّوث، و بناءً عليه، يجب علينا أن نهتم بإصلاح المحيط الإجتماعي، و الثّقافي، الذي نعيشه و نتفاعل معه دائماً، للتوصل إلى تهذيب النفوس، و تحكيم الأخلاق الصالحة، في واقع الإنسان و الحياة.

و بالطّبع لا يوجد تقاطع بين التفسيرات الثلاثة المتقدّمة، و المثال الآنف الذّكر، يمكن أن يكون ناظراً لهذه التفسيرات الثّلاثة على السّواء.

نعم، فإنّ المحيط الإجتماعي الملّوث بالرذيلة، هو عدوّ للفضائل الأخلاقيّة، و الحال أنّ المحيط السّالم و الطّاهر، يهيى ء أحسن و أفضل الفرص، لغرض تهذيب النّفوس، في معارج الكمال الرّوحي و المعنوي.

و قد ورد في الحديث المعروف عن الرّسول الأعظم صلى الله عليه و آله مُخاطباً أصحابه:

«إِيّاكُم وَ خَضراءِ الدِّمَنِ»، قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ وَ مَنْ خَضراءُ الدِّمَنِ قال صلى الله عليه و آله: «المَرأةُ

______________________________

(1). هذا التفسير جاء به الفخر الرازي، و أتى به بعنوان الإحتمال الأول في معنى الآية،: (تفسير الفخر الرازي، ج 14، ص 114) و نقله جماعَة اخرى عن إبن عباس

(2). جاء هذا التفسير في مجمع البيان، في تفسيره لسورة الحديد في ذيل الآية الآنفة الذكر.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 132

الحَسناءِ فِي مَنْبَتِ السُّوءِ» «1».

هذا التّشبيه البليغ، يمكن أن يكون إشارةً، لتأثير المحيط الصّالح و السّي ء في شخصية الإنسان، على المستوى الإيجابي و السّلبي، أو هو إشارةٌ لمسألة الوراثة، و تأثيرها على مُجمل الشّخصية، أو إشارةٌ للإثنين معاً.

و في «الآية الثانية»: إشارةٌ لقوم بني إسرائيل، الّذين

بقوا لسنواتٍ طويلةٍ، تحت إشراف و تعليمات النّبي موسى عليه السلام، في عمليّة الهداية الرّوحية و المعنويّة، و في مجال التوحيد و سائر الاصول الدينيّة، و رأوا بامّ أعينهم المعجزات الإلهيّة، كإنفلاق البحر لهم، و نجاتهم من براثن فرعون و جنوده، و لكن و بمجرد أن صادفوا في طريقهم للشام و الأرض المقدسة، قوماً يعبدون الأصنام، تأثّروا بهم و بمحيطهم الملّوث، و قالوا: «يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ».

فتعجّب موسى عليه السلام من هذا الإنقلاب، و غضب غضباً شديداً، من قولهم هذا و قال لهم:

«إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ».

و أخذ يبيّن لهم مفاسد عبادة الأصنام.

و العجيب أنّ قوم بني إسرائيل، و بعد التّوضيحات الصّريحة و المكرّرة لموسى عليه السلام، بقوا تحت تأثير هذا المحيط المسموم السّلبي، بحيث إستطاع السّامري أن يتحرك من موقع إغوائهم، و تفعيل عناصر الإنحراف لديهم في غيبة موسى عليه السلام، و الّتي إستغرقت عدّة أيّام، حيث صنع لهم صنماً من ذهبٍ، و تبعه الغالبيّة من هؤلاء القوم، و تحوّلوا من أجواء التّوحيد إلى أجواء الشّرك.

فهذا الأمر يمثل علامةً واضحةً على تأثير المحيط السّلبي، في صياغة السّلوك الإنساني، من موقع الانحراف و الزيغ في دائرة المسائل الأخلاقية، بل و حتّى العقائديّة أيضاً، و لا شك أنّ بني إسرائيل و قبل مرورهم باولئك القوم، كانت لديهم الأرضيّة المساعدة لعبادة الأصنام، و ذلك إثر بقائهم مع الوثنييّن المصرييّن لمدةٍ طويلةٍ، فعند ما رأوا ذلك المنظر، عادوا في دائرة الذّاكرة إلى ذلك الماضي الأسود، و على كل حال فإنّ كلّ هذه الامور، هي دليل واضح على تأثير

______________________________

(1). وسائل الشيعة، ج 14، ص 19، ح 7- بحار الانوار، ج 100، ص 232، ح 10.

الاخلاق فى القرآن،

ج 1، ص: 133

المحيط الإجتماعي، في أخلاق و عقائد الإنسان في حركة الواقع النّفسي.

و في «الآية الثالثة»: نجد شاهداً آخر على تأثير المحيط على أفكار و أفعال الإنسان، و هو ما نراه في سلوك نوح عليه السلام، و دعاؤه على قومه الكفّار بالفناء و الَمحق.

إنّ نوحاً عليه السلام لم ينطلق في دعائه عليهم من موقع الذات و الانفعال، بل من موقع العقل و البرهان، فقال الله تعالى في القرآن الكريم، على لِسان نوحٍ: «إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَ لَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً».

فهم في الحال الحاضر كفّار و منحرفون، و في حالة إستمرارهم في التّكاثر و التّناسل فسوف يؤثّرون على أولادهم في عمليّة الإيحاء لهم بالكفر، و يربّوهم تربيةً منحرفةً.

و من «الآيتين الرابعة و الخامسة»، نستوحي لزوم الهجرة من المجتمع و المحيط المنحرف، حيث يخاطب الباري تعالى عباده في الآية الرابعة، يقول: «يَا عِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّاىَ فَاعْبُدُونِ».

و في الآية الخامسة، يحذّر المؤمنين من البقاء في المجتمع الغارق في الضّلالة، و يؤكّد لهم لزوم الهجرة، و أنّ عذرهم غير مقبول في حالة البقاء و التكاسل، فقال: «إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَ سَاءَتْ مَصِيراً».

و في الحقيقة إنّ مسألة الهجرة هي من الاصول الأساسيّة في الإسلام، و قد شيّد الإسلام دعائمه عليها، حيث تتضمن عمليّة الهجرة، حكمٌ و غاياتٌ عديدةٌ و أهمّها الهروب و الفرار من المحيط الملّوث، و النجاة من تأثيراته السيّئة على واقع الإنسان و محتواه الداخلي.

و ليست الهجرة مختصة بزمان صدر الإسلام، كما يعتقد البعض، بل هي جارية في

كلّ عصرٍ و زمانٍ يتعرض فيها المسلمون لضغوط قوى الشرك و الفساد و الكفر، التي تشكّل عناصر ضغطٍ على الرّوح المنفتحة على اللَّه و الخير، و ليفرّوا بدينهم و أخلاقهم و عقائدهم من أجواء المحيط الملّوث، فجاء في الحديث عن الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله:

«مَنْ فَرَّ بِدِينِهِ مِنْ أَرْضٍ إِلى أَرْضٍ وَ إِنْ كانَ شِبراً مِنَ الأَرضِ إِستَوجَبَ الجَنَّةَ وَ كانَ

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 134

رَفِيقَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه و آله وَ إِبراهِيمَ عليه السلام» «1».

فالتأكيد على مقدار الشّبر، إنّما يدلّ على أهميّة المسألة في دائرة الإحتفاظ بالإيمان؛ فلو تسنّى للإنسان ذلك، و بأيّ مقدارٍ و أيّ زمانٍ و مكانٍ، فمعناه التوافق مع رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و إبراهيم عليه السلام في خطّ الرّسالة و الدّين.

و الخلاصة، أنّ المحيط و المجتمع الذي يعيش فيه الإنسان، كان و لا يزال عاملًا مهمّاً في تكوين و صياغة شخصية الإنسان، و أخلاقه و مؤثّراً فيها، و إن كان الأمر ليس على وجه الجَبر، و بناءً على ذلك فإنّ تطهير أجواء المحيط الإجتماعي من أهم العوامل لتهذيب الأخلاق و تربية الملكات الفاضلة في المحتوى الداخلي للإنسان.

و إذا لم يستطع أنّ يغيّر الإنسان من أجواء المحيط شيئاً، فيجب عليه أن يُهاجر و يترك ذلك المحيط الغارق في الزّيغ و الضّلالة، و كما أنّ الإنسان، و عند ما تتعرض حياته المادية للخطر، يتحرك من موقع الإبتعاد و الهجرة من أرضه، فكذلك عليه أن يُهاجر منها، عند ما تتعرض قِيمَهُ الأخلاقيّة و حياته المعنويّة، التي هي أهم من حياته الماديّة، للخطر ...، و لا ينبغي أن يتذرّع بأنواع الحجج و الأعذار، ليبقى فيها بحجّة أنّها

أرضي و أرضَ آبائي ...، و غير ذلك من الأعذار و التّبريرات الواهية، و يستسلم لعناصر التّلوث و الإنحراف التي تؤثر عليه و على أولاده، في الدائرة السّلبية و لا يهاجر منها؟

فيتوجب على جميع علماء الأخلاق، أن يتحركوا في عمليّة التربية، لغرض إحياء الفضائل الأخلاقية، و تفعيل عناصر الخير و الإيمان، من خلال إصلاح المحيط و المجتمع، و بدون ذلك، فإنّ السّعي الفردي و الآني في هذا الخط، سيكون أثره ضعيفاً في حركة التّربية و التّهذيب.

2- دور الأصدقاء و العِشرة

اشارة

و الموضوع الآخر، الذي أثبتت التجربة تأثيره العميق على السلوك الأخلاقي، و إتّفق عليه جميع علماء الأخلاق و التربية و التعليم، هو عنصر الأصدقاء و دور المعاشرة معهم، ففي

______________________________

(1). نور الثقلين. ج 1، ص 541.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 135

حال كون الصّديق فاسداً و منحرفاً، في دائرة السّلوك الأخلاقي، فسيؤثّر على صديقه السليم، من موقع الانحراف كذلك، و العكس صحيح أيضاً، فالكثير من المؤمنين، و الأقوياء الإرادة، إستطاعوا أن يؤثّروا على زملائهم الفاسدين، على مستوى الهداية و الإصلاح، بحيث جعلوا منهم اناساً أتقياء، و ملتزمين في دائرة السّلوك الدّيني و الأخلاقي.

و نعود للقرآن الكريم، و الآيات الّتي تتناول هذ الموضوع:

1- «وَ مَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ* وَ إِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنْ السَّبِيلِ وَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ* حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ» «1».

2- «قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنّي كَانَ لِي قَرِينٌ* يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنْ الُمصَدِّقِينَ* أَ إذَا مِتْنَا وَ كُنَّا تُرَاباً وَ عِظَاماً أَئِنَّا لَمَدِينُونَ* قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ* فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ* قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِي* وَ لَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنْ الُمحْضَرِينَ» «2».

3-

«وَ يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا* يَا وَيْلَتِي لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلًا* لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنْ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَني وَ كَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا» «3».

تفسير و إستنتاج:

الآيات الاولى، التي وردت في محلّ البحث، تحدّثت عن جلوس الشّيطان، مع الغافلين عن ذكر اللَّه، من منطق الغُواية، و توضح تأثير قرين السّوء، في السّلوك الأخلاقي للإنسان و مستقبله، فتقول أولًا: «وَ مَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ» «4».

______________________________

(1). سورة الزخرف، الإية 36 إلى 38.

(2). سورة الصافات، الآية 51 إلى 57.

(3). سوره الفرقان، الآية 27 إلى 29.

(4). ذكروا معانٍ مختلفة لكلمة «نُقيّض»، و التي هي من مادة قيض، فالبعض قال: إنّها بمعنى التسبيب، و البعض الآخر: بمعنى التقدير، و البعض الآخر: كالراغب قال: هي بمعنى إستيلاء القيض على البيض، و هو القشر الأعلى.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 136

و بعدها يُبيّن القرآن الكريم، دور قرين السّوء في حركة الإنسان و الحياة، فإنّ الشّياطين يوصدون طريق الهداية و الحركة إلى اللَّه تعالى، أمام الإنسان، و يقفوا عقبةً في طريق الوصول إلى الهدف المقدس، و الأنكى من ذلك، أنّ هؤلاء المنخدعين يحسبون أنّهم مهتدون: «وَ إِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنْ السَّبِيلِ وَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ».

و بعدها يتطرّق القرآن الكريم إلى النتيجة، فيقول: إنّ هذا الإنسان عند ما يرد في عرصات القيامة، و عند حضور الجميع عند اللَّه تبارك و تعالى، و كشف الأسرار و الحقائق، يقول لقرينه الشّيطاني: «حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ».

حيث نستوحي من هذه التعبيرات، بأنّ قرين السّوء، يمكن أن يحرف الإنسان من موقع الأغواء، عن طريق الباري تعالى، و يصدّه

عن سبيل الهداية و الصّلاح، فيهدم عليه دعائم الأخلاق، و يشوّه الواقع النّفسي و الفكري له، فينخدع هذا المسكين و يحسب أنّه على هدىً، فإرجاعه عن غيّه، و العودة به إلى الصّراط المستقيم، سيكون ضرباً من المحال، و لن يستيقظ من أوهام الغفلة، إلّا و قد فات الأوان، و بعد غلق طريق العودة عليه.

و كذلك يُستفاد من الآية الشريفة، أنّ قرين السّوء يبقى دائماً مع الإنسان في حياته الاخرويّة الأبديّة، و كم هو مؤلم، أن يرى الشّخص المسبّب في بؤسه و هلاكه، يعيش معه دوماً، و لن تنفع معه اليوم الأماني و الآمال بالإنفصال عنه و مفارقته، فيقول: «وَ لَنْ يَنفَعَكُمْ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ» «1».

و في مضمون الآيات الآنفة الذّكر، الآية (25) من سورة فصّلت، فتقول:

«وَ قَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ مَا خَلْفَهُمْ وَ حَقَّ عَلَيْهِمْ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ الْجِنِّ وَ الْإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ».

«الآية الثانية»: من هذه الآيات محل البحث، تتحدث عن الأشخاص الذين عاشوا مع

______________________________

(1). سورة الزخرف، الآية 39.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 137

أصحاب السّوء، و كانوا يتحركون معهم في أجواء الضّلالة و الإنحراف، و لكن اللّطف الإلهي شملهم، و إستطاعوا بسعيهم و جدّهم في التّحرك بعيداً عن وساوس الشّيطان، و أنقذوا أنفسهم من الوقوع في براثنه، بعد أن كانوا قد وصلوا إلى حافّة الهاوية، فُهنا يتحدث القرآن الكريم عن تأثير قرين السّوء في تكوين عقائد الإنسان و أخلاقه، و لكن ليس بالشّكل الذي يكون فيه الإنسان مجبوراً و غيرُ قادرٍ على إنقاذ نفسه من شراك الزيغ فقال: «فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ* قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنّي كَانَ لي

قَرِينٌ* يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنْ الُمصَدِّقِينَ* أَ إذَا مِتْنَا وَ كُنَّا تُرَاباً وَ عِظَاماً أَئِنَّا لَمَدِينُونَ» «1».

و في هذا الأثناء يذكر قرينه القديم، و يشرع بالبحث عنه، فينظر من أعالي الجنّة، فإذا به يراه في أعماق الجحيم: «فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ».

فقال له: «قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ* وَ لَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنْ الُمحْضَرِينَ».

فنرى من هذه الآيات، أنّ قرين السّوء بإمكانه أن يؤدي بالإنسان إلى الجحيم، لو لا الإيمان و التّقوى و لطف اللَّه تعالى في واقع الإنسان.

و في «الآية الثالثة»: نرى التأسف الشّديد و التأثرّ العميق، الذي يعيشه الظالمون في يوم القيامة، بسبب إختيارهم و مصاحبتهم لأصدقاء السّوء، لأنّهم كانوا العامل الأساس في محنتهم الفعلية:

«وَ يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا* يَا وَيْلَتِي لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلًا* لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنْ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَ كَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا».

و بناءً على ذلك فإنّ الظّالم في يوم القيامة، أول ما يتأسف على تركه الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله، و قطعه للعلاقة معه، و بعدها يتأسف على توثيق العلاقة مع أصدقاء السّوء، و بعدها يصرّح، أنّ

______________________________

(1). سورة الصافات، الآية 50 إلى 53.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 138

العامل الأصلي لضلاله، هو نفس هؤلاء الأصدقاء المنحرفين، و مرضى القلوب، و أن تأثيرهم عليه كان أشدّ من تأثير النداءات الإلهيّة: (طبعاً عند المنحرفين فقط).

و أمّا «الآية الأخيرة»: فقد تحدثت عن أصدقاء السوء، و عبّرت عنهم بجنود الشيطان و أنّهم من شياطين الإنس، و الجدير بالذكر، أنّ التعبير عن تأسّف هذه الجماعة، ورد بجملة:

«وَ يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ ...»، و هي أعلى مراحل التّأسف، ففي البداية، يعضّ الإنسان إصبعه

بدافع الندم، و في مرحلةٍ أقوى يعضّ باطن كفّه، و في مرحلةٍ أشدّ يعضّ على يديه الإثنتين، و هو في الحقيقة نوعٌ من الإنتقام من نفسه، و أنّه لماذا قصّر في حقّ نفسه و رماها في التهلكة؟

فما يُستفاد من الآيات الآنفة الذّكر، هو أنّ الأصدقاء و الأصحاب، لهم أثرهم الكبير في سعادة أو شقاء الإنسان، ليس على مستوى التّأثير في السّلوك الأخلاقي فحسب، بل و على مستوى العقائد أيضاً، فهنا يجب على المرشد أن يهتم في عمليّة صيانة الأفراد من الزيغ و الإنحراف، و يرعاهم بتوجيهاته بعيداً عن أجواء التلوّث، و خصوصاً في عصرنا الحاضر، الذي إنتشرت فيه وسائل الفساد، عن طريق رِفاق السّوء بصورةٍ مُخيفةٍ، و أصبحت سبباً من أسباب الإنحراف و السّير في خطّ الباطل.

دور الأخلّاء في الرّوايات الإسلاميّة:

وردت روايات و أحاديث مستفيضة في هذا المضمار عن الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله، و الأئمّة الأطهار عليهم السلام، تعكس أهميّة هذه المسألة، ففي حديث الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله، أنّه قال: «المَرءُ عَلى دِينِ خَلِيلِهِ وَ قَرِينِهِ» «1».

و جاء هذا المعنى أيضاً في حديثٍ آخر، نقل عن الإمام الصادق عليه السلام، أنّه قال:

«وَ لا تَصحَبُوا أَهْلَ البِدَعِ وَ لا تُجالِسُوهُم فَتَصيرُوا عِنْدَ النّاسِ كَواحِدٍ مِنْهُم».

______________________________

(1). اصول الكافي، ج 2، ص 375: باب مجالسة أهل المعاصي، ح 3.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 139

قالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه و آله: «المَرءُ عَلى دِينِ خَلِيلِهِ وَ قَرِينِهِ» «1».

و نفس هذا المعنى ورد عن الإمام علي عليه السلام أيضاً، و فيه تصوير عن حالة التّأثير المُتقابل، في دائرة التّفاعل المشترك بين الأفراد فقال:

«مُجالَسةِ الأخيارِ تَلحَقُ الأَشرارِ بالأخيارِ وَ مُجالِسةِ الأَبرارِ لِلفُجَّارِ تَلحَقُ الأبرارِ بِالفُجَّارِ».

و جاء في

ذيل هذا الحديث، عبارةٌ في غاية الأهميّة، حيث يقول: «مَنْ إِشتَبَهَ عَلَيكُمِ أَمرُهُ وَ لَم تَعرِفُوا دِينَهُ فانظُرُوا إِلى خُلَطائِهِ» «2».

و في بعض الروايات، ورد هذا المعنى في دائرة الّتمثيل، فقال: «صُحبَةُ الأَشرارِ تَكسِبُ الشَّرَّ كَالرِّيحِ إُذا مَرَّتْ بِالنَّتِنِ حَمَلَتْ نَتِناً» «3».

و يُستفاد من هذه التّعبيرات: أنّه و كما أنّ المعاشرة و الصّحبة للأراذل، تهيى ء الأرضية لحركة الإنسان نحو الانزلاق في طريق الشر، فإنّ المعاشرة مع الأَخيار تنير قلب الإنسان بضياء الهدى، و تحُيي فيه عناصر الخير.

و نقرأ هذا المعنى في حديث عن أمير المؤمنين عليه السلام، أنّه قال: «عَمارَةُ القُلُوبِ في مُعاشَرَةِ ذَوِي العُقُولِ» «4».

و جاء في حديثٍ آخر عنه عليه السلام، أنّه قال: «مُعاشَرَةُ ذَوِي الفَضائِلِ حَياةُ القُلُوبِ» «5».

فتأثير الُمجالسة على قدرٍ من الأهميّة، بحيث قال فيه النّبي سليمان عليه السلام:

«لا تَحْكُمُوا عَلى رَجُلٍ بِشي ءٍ حَتّى تَنْظُرُوا إِلى مَنْ يُصاحِبُ فَإِنَّما يُعْرَفُ الرَّجُلُ بِأَشكَالِهِ وَ أَقرَانِهِ؛ و يُنْسَبُ إِلى أَصحابِهِ وَ أَخدَانِهِ» «6».

و نقرأ في حديثٍ جاء عن لقمان الحكيم، في نصائحه لإبنه، فقال له:

______________________________

(1). اصول الكافي، ج 2، ص 375: باب مجالسة أهل المعاصي، ح 3.

(2). كتاب صفات الشيعة، للصدوق، (طبقاً لنقل بحار الانوار، ج 71، ص 197).

(3). غُرر الحِكم.

(4). المصدر السابق.

(5). المصدر السابق.

(6). بحار الأنوار، ج 71، ص 188.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 140

«يا بُنَيَّ صاحِبِ العُلَماءَ، و أَقرِبْ مِنْهُم، وَ جالِسهُم وَ زُرهُم فِي بِيُوتِهِم، فَلَعَلَّكَ تَشْبَهُهُم فَتَكُونَ مَعَهُم» «1».

و على كلّ حال، فإنّ الرّوايات الشّريفة، مليئة بمثل هذه النصائح، في دائرة الإهتمام بالرّفقة و أثر الصّديق في أخلاق و سلوك الإنسان، و لو جُمعت في إطارٍ واحدٍ لأمكن تأليف بحثٍ شاملٍ كاملٍ في هذا المضمار.

و نختم الكلام بحديث عن

الإمام علي عليه السلام، في وصاياه لإبنه الحسن الُمجتبى عليه السلام:

«قارِنْ أَهْلَ الخَيرِ، تَكُن مِنْهُم، و بايِنْ أَهْلَ الشَّرِّ تَبِنْ مِنْهُم» «2».

تأثير العِشرة في التحليلات المنطقيِّة:

يقولون: إنّ أحسن و أفضل دليلٍ لإمكان الشي ء، هو وقوعه، و في موضوع بحثنا، فإنّ رؤية نماذج عينيّة من مُعاشرة بعض الأفراد للأراذل، و كيف أنّها أصبحت مصدراً لأنواع المفاسد و الإنحرافات الخُلقيّة لهم، و بالعكس، فإنّ مُصاحبة الأخيار، ساهمت لدى البعض، على تطهير أنفسهم، من شوائب الرّذيلة و الزّيغ، و هذه الموارد هي خير دليلٍ على بحثنا هذا.

فالتشبيه القديم القائل: إنّ الأخلاق القبيحة، مثل الأمراض السّارِيَة، تنتشر بين الأصدقاء و الأقارب بسرعةٍ فائقةٍ، هو تشبيهٌ صحيحٌ، خصوصاً في الموارد التي يكون فيها الشخص، حَدث السّن أو ضعيف الإعتقاد و الإيمان، و تكون نفسه مستعدّةً لقبول أخلاق الآخرين، فالمُعاشرة لمثل هؤلاء الأفراد، مع أصدقاء السّوء، تكون بمثابة سهمٍ مُهلكٍ و قاتلٍ في دائرةِ الإيمان، و عناصر الخَير في الشّخصية، و قد شاهدنا الكثير من الأفراد و الأشخاص من الطيّبين، الذين تغيّروا بالكامل بسبب معاشرتهم لرفقاء السوء، و تحوّل مجرى حياتهم من أجواء الخير إلى أجواء الشّر، و هُناك إثباتاتٌ و أدلّةٌ مختلفةٌ من تقرير هذه الحالةٌ في واقع الإنسان من النّاحية النّفسية و الرّوحية:

______________________________

(1). بحارالأنوار، ج 71، ص 189.

(2). نهج البلاغة، وصيّة الإمام علي عليه السلام للإمام الحسن عليه السلام (رسالة 31).

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 141

1- من جملة الامور الّتي توصل إليها علماء النّفس، هو وجود روح الُمحاكاة في الإنسان، يعني أنّ الأفراد ينطلقون في حركة الحياة، من موقع الشّعور أو اللّأشعور، بمُحاكاة أصدقائهم و أقاربهم، فالأشخاص الّذين يعيشون حالة الفرح و السرور، ينشدون الفرحة و الحُبور من حواليهم، و العكس صحيح.

فالأفراد

المُتشائمين، الذين يعيشون اليأس و سوء الظن، يؤثرون على أصحابهم، و يجعلونهم يعيشون حالة سوءِ الظّن، و هذا الأمر يبين لنا السّبب في تأثير الأصدقاء بعضهم بالبعض الآخر بسرعةٍ.

2- مَشاهدة القبائح و تكرارها، يُقلّل من قبحها في نظر المشاهد، و بالتدريج تصبح أمراً عاديّاً، و نحن نعلم أنّ إحدى العوامل المؤثّرة في ترك الذنوب و القبائح، هو الإحساس بقبحها في الواقع النّفسي للإنسان.

3- تأثير التّلقين في الإنسان غير قابل للإنكار، و أصدقاء السّوء يؤثرون دائماً على رفقائهم في دائرة الفكر و السّلوك من خلال عمليّة التلقين و الايحاء، فيقلبون عناصر الشرّ في إعتقادهم إلى عناصر الخير، و يغيّرون حسّ التّشخيص لديهم لعناصر الخير و الشرّ في منظومة القيم، فتختلط عليهم الامور، في خطّ المستقبل و كيفيّة التعامل مع الغير.

4- المُعاشرة لرفاق السّوء، يشدّد سوء الظن في الإنسان مع الجميع، و تفضي به هذه الحالة النّفسية السلبيّة إلى السّقوط في وادي الذّنوب و الفساد الأخلاقي، فنقرأ في حديث عن أمير المؤمنين عليه السلام: «مُجالَسَةُ الأَشرارِ تُورِثُ سُوءَ الظَّنِّ بالأَخيارِ» «1».

و جاء في حديث آخر عن الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله، أنّ معاشرة رفاق السّوء تميت القلب، فقال:

«أَربَعٌ يُمِتنَ القَلبَ ... وَ مُجالَسَةُ المَوتى فَقِيلَ لَهُ يا رَسُولَ اللَّهِ وَ مَا المَوتى ، قَالَ صلى الله عليه و آله: كُلُّ غَنِيٍّ مُسْرِفٍ» «2».

و هذا الموضوع، يعني سريان الحُسن و القُبح الأخلاقي بين الأصدقاء، في أجواء المُعاشرة إلى درجةٍ من الوضوح، ممّا حدى بالشّعراء إلى نظم الشعر في هذا المضمار، من قبيل قولهم:

______________________________

(1). صفات الشيعة، الصدوق نقلًا عن بحارالأنوار، ج 71، ص 197.

(2). الخصال، (طبقاً لنقل بحار الأنوار، ج 71، ص 195).

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص:

142 عن المرء لا تسلْ و سلْ عن قرينه فكلّ قرينٍ بالمقارن يقتدي

3- تأثير الاسرة و الوراثة في الأخلاق

اشارة

من المعلوم أنّ أوّل مدرسةٍ لتعليم القيم الأخلاقيّة، يدخلها الإنسان هي الاسرة، فكثيرٌ من اسس الأخلاق، تنمو في واقع الإنسان هناك، فالمحيط السّليم أو الملّوث للُاسرة، له الأثر العميق في صياغة السّلوك الأخلاقي، لأفراد الاسرة، إنّ على مستوى الأخلاق الحسنة أو السيئة، فالحجر الأساس للأخلاق في واقع الإنسان يوضع هناك.

و تتبيّن أهميّة الموضوع، عند ما يتّضح أنّ الطفل في حركته التكامليّة، و مسيرته في خط التّربية:

أولًا: يتقبّل و يتأثر بالمحيط بسرعةٍ كبيرةٍ.

ثانياً: إنّ ما يتعلمه الطّفل في صغره، سوف ينفذ إلى أعماق نفسه و روحه، و قد سمعنا الحديث الشريف عن أمير المؤمنين عليه السلام، يقول فيه:

«العِلمُ فِي الصِّغَرِ كالنَّقشِ فِي الحَجَرِ» «1».

فالطفل يستلهم كثيراً من سجايا أبيه و امّه و اخوته و أخواته، فالشّجاعة و السّخاء و الصّدق و الوفاء، و غيرها من الصّفات و السّجايا الأخلاقيّة الحميدة، يأخذها و يكسبها الطّفل من الكبار بسهولةٍ، و كذلك الحال في الرّذائل، حيث يكسبها الطّفل من الكبار بسهولةٍ أيضاً.

و بالإضافة إلى ذلك، فإنّ الطّفل يكسب الصّفات من أبويه عن طريقٍ آخر، و هو الوراثة، فالكر و موسومات لا تنقل الصفات الجسمانية فحسب، بل تنقل الصفات الأخلاقيّة أيضاً، و لكن من دون تدخل عنصر الإجبار، حيث تكون هذه الصّفات قابلةٌ للتغيير، و لا تسلب المسؤوليّة من الأولاد أيضاً.

و بعبارةٍ اخرى، أنّ الأبوين يؤثران على الطّفل أخلاقياً من طريقين، طريق التّكوين، و

______________________________

(1). بحار الأنوار، ج 1، ص 224.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 143

طريق التّشريع، و المراد من التّكوين هو الصفات و السّجايا المزاجيّة و الأخلاقيّة المتوفرة في الكروموسومات و الجينات، و الّتي تنتقل لا إرادياً

للطفل في عمليّة الوراثة.

و الطريق التشريعي يتمثل في إرشاد الأبناء، من خلال أساليب التّعليم و التّربية للصفات الأخلاقيّة، التي يكتسبها الطفل من الأبوين بوعي و شعور.

و من المعلوم أنّ أيّاً من هذين الطّريقين، لا يكون على مستوى الإجبار، بل كلّ منهما يُهيّى ء الأرضيّة لنمو و رشد الأخلاق في واقع الإنسان، و رأينا في كثيرٍ من الحالات أفراداً صالحين و طاهرين، لأنّ بيئتهم كانت طاهرةً و سليمةً، و العكس صحيح أيضاً. و لا شك من وجود إستثناءات في الحالتين تبيّن أنّ تأثير هذين العاملين، و هي: «التربية و الوراثة»، لا يكون تأثيراً على مستوى جَبر، بل يخضع لأدوات التّغيير و عنصر الإختيار.

و نعود بعد هذه الإشارة إلى أجواء القرآن الكريم، لنستوحي من آياته الكريمة ما يرشدنا إلى الحقيقة:

1- «إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَ لَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً» «1».

2- «فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَ أَنْبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَ كَفَّلَهَا زَكَرِيَّا» «2».

3- «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْرَاهِيمَ وَ آلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ* ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» «3».

4- «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَ أَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَ الْحِجَارَةُ» «4».

5- «يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَ مَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً» «5»

تفسير و استنتاج:

«الآية الاولى»: تتحدث عن نوح و دعائه على قومه بالهلاك، حيث إستدلّ على ذلك

______________________________

(1). سورة نوح، الآية 27.

(2). سورة آل عمران، الآية 37.

(3). سورة آل عمران، الآية 33 و 34.

(4). سورة التحريم، الآية 6.

(5). سورة مريم، الآية 28.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 144

بقوله: «إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَ لَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً».

فهذا الكلام يدلّ على أنّ الفجار و المنحرفين، لا

يلدون إلّا الفجّار و المنحرفين، و لا يستحقون الحياة الكريمة من موقع الرّحمة، بل يجب أن ينزل عليهم العذاب أينما وجدوا و حلّوا، و الحقيقة أنّ البيئة، و تربية الاسرة و كذلك الوراثة، كلّها عوامل تؤثر في الأخلاق و العقيدة، في حركة الحياة و الإنسان، و المهم في الأمر أنّ نوحاً عليه السلام، قطع بكفر و فساد أولادهم اللّاحقين، لأنّ الفساد إنتشر في المجتمع بصورةٍ كبيرةٍ جدّاً، فلا يمكن لأحدٍ أن يفلت منه بسهولةٍ، و طبعاً وجود مثل هذه العوامل، لا يعني سلب الإرادة من الإنسان، و قد ذهب البعض إلى أنّ نوح عليه السلام، توجّه لهذه الملاحظة عن طريق الوحي الإلهي، عند ما قال له الباري تعالى: «إنَّهُ لَن يُؤمِنَ مِن قَومِكَ إلّا مَن آمن» «1».

و من الواضح، أنّ هذه الآية لا تشمل الأجيال القادمة، لكنّه لا يُستبعد أنّه عليه السلام حكم عليهم بالإعتماد على الامور الثلاثة السّابقة الذّكر، و هي: (البيئة، و تربية الاسرة، و عامل الوراثة).

و قد ورد في بعض الرّوايات أنّ الكفّار من القوم، كانوا يأتون بصبيانهم المميزين عند نوح عليه السلام، و يقول الأب لإبنه؛ أ ترى هذا الشّيخ يا بُني؟ إنّه شيخٌ كذّاب، فلا تقترب منه، هكذا أوصاني أبي، «و افعل أنت ذلك مع إبنك أيضاً».

و ظلّ الأمر على هذا المنوال على تعاقب الأجيال «2».

و في «الآية الثانية»: يحدثنا القرآن الكريم عن السيّدة مريم عليها السلام، و التي تعتبر من أهم و أبرز الشخصيات النسائية في العالم، و قد ورد في النّصوص الدينيّة، ما يبيّن أنّ مسألة التربية و الوراثة و البيئة، لها أهميّة كبيرةٌ في رسم و صياغة شخصيّة الإنسان، في خطّ الحقّ أو الباطل، و لأجل تربية

أفرادٍ صالحين، يجب علينا التّوجه لتلك الامور.

و من جملتها، حالة الام في زمان الحَمل، فترى أنّ امّ مريم كانت تستعيذ باللَّه تعالى من

______________________________

(1). سورة هود، الآية 36.

(2). تفسير الفَخر الرازي، و المُراغي، للآية مَورد بحثنا.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 145

الشّيطان الرجيم، و كانت تتمنى دائماً أن يكون من خُدّام بيت اللَّه، بل نذرت أن يكون وليدها كذلك.

فتقول الآية الكريمة: «فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَ أَنْبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً».

تشبيه الإنسان الطّاهر بالنبات الحَسن، هو في الحقيقة إشارةٌ إلى أنّ الإنسان كالنبات، يجب ملاحظته ملاحظةً دقيقةً، فالنبات و لأجل أن ينبت نباتاً حسناً مثمراً، يجب في بادى ء الأمر الإستفادة من البذور الصّالحة، و الإعتناء به من قبل الفلّاح في كل مراحل رشده، إلى أن يصبح شجرةً مثمرةً، فكذلك الطفل في عَمليّة التربية، حيث ينبغي التّعامل معه من منطلق الرّعاية و العناية، و تربيته تربيةً صحيحةً، لأنّ عامل الوراثة يؤثر في نفسه و روحه، و الاسرة التي يعيش فيها، و كذلك البيئة و المحيط الذي يَتعايش معه، كلّها تمثل عناصر ضاغطة في واقعه النّفساني و المزاجي.

و الجدير بالذّكر، أنّ اللَّه سبحانه جاء بجملة: «و كَفّلَها زكَريا» في ذيل الآية، و هي الكفالة لمريم عليها السلام «1»، و معلوم حال من يتربى على يد نبيٍّ من أنبياء اللَّه تعالى، بل اللَّه تعالى هو الذي إختاره لكفالتها و رعايتها.

فلا غرابة و الحال هذه، أن تصل مريم عليها السلام لدرجاتٍ ساميةٍ، من الإيمان و التّقوى، و الأخلاق و التربية، ففي ذيل هذه الآية، يقول القرآن الكريم:

«كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الِمحرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ».

نعم

فإنّ التربية الإلهيّة: تُثمر الأخلاق الإلهيّة، و الرزق من اللَّه في طريق التّكامل المعنوي للإنسان.

و قد ورد في «الآية الثالثة»: مقدّمةٌ لقضية مريم عليها السلام، و كفالة زكريّا عليه السلام لها، و فيها الكلام عن تأثير العامل الوراثي، و عامل التربية في تكريس الطهارة و التقوى و الفضيلة، في مضمون

______________________________

(1). يجب التنويه إلى أنّ «كفل»، إذا قُرى ء بدون التّشديد، يعنى: التّعهد بالإدارة و الكفالة، وا ذا قُرى ء بالتّشديد بمعنى: إختيار الكفيل لآخر، و بناءً على ذلك فإنّ اللَّه تعالى إختار زكريّا عليه السلام لتربية مريم عليها السلام، «و كفّل»: أخذ مفعولين، أحدهما: (هاء)، يعود إلى مريم عليها السلام، و الآخر إلى: زكريا عليه السلام.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 146

الإنسان و محتواه الداخلي، فقال تعالى: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْرَاهِيمَ وَ آلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ* ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ».

فالذرّية التي بعضها من بعضٍ، إشارة لعامل الوراثة أو التربية الاسريّة، أو كلاهما و هو شاهد حيٌّ يؤيد مُدّعانا من تأثير عناصر الوراثة و التربية، في الشّخصيّة و معطياتها في خط التّقوى و الفضيلة.

و أشارت الرّوايات التي نُقلت في ذيل هذه الآية، لذلك المعنى «1» أيضاً، و على كل حال، فإنّ الآيات الآنفة الذّكر، تدلّ على مدى تأثير معطيات التربية و البيئة و الوراثة، في نفسية الإنسان، و أثرها العميق في صياغة قابليّاته، و الإرتفاع به للتّصدي لمقام الرئاسة المعنويّة على الخلق، و لا يمكن إنكار تلك المَعطيات، و لا يمكن أبداً مُقايسة هؤلاء الأطهار الذين عاشوا أجواءَ الفضيلة، بالّذين ورثوا الكفر و الفساد و النّفاق من آبائهم و أجدادهم.

و في «الآية الرابعة»: خاطب الباري تعالى المؤمنين و قال

لهم: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَ أَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَ الْحِجَارَةُ».

و قد تَلت هذه الآية، الآيات الّتي جاءت في بداية سورة التّحريم، و التي حذّرت فيها نساء النّبي صلى الله عليه و آله من أعمالهنّ، و بعدها ذكر المطلب بصورة حكمٍ عامٍّ شمل كلّ المؤمنين.

و من المعلوم أنّ المقصود من هذه النار، هي نار الآخرة، و لا يمكن الإتقاء من تلك النار، إلّا بالإهتمام بعمليّة التعليم و التربية السّليمة في واقع الاسرة، و التي بدورها توجب ترك المعاصي، و الإقبال على الطّاعة و تقوى اللَّه تعالى. و بناءً على ذلك فإنّ هذه الآية تعيّن و تبيّن وظيفة ربّ الاسرة، و دوره في التّربية و التعليم، و كذلك تبيّن أهميّة و تأثير عنصر التربية و التعليم، في ترشيد الفضائل و الأخلاق الحميدة، و السيّرة الحسنة.

و يجب الإهتمام في ترجمة هذا البرنامج، إلى عالم الممارسة و التطبيق، من أوّل لبنةٍ توضع في بناء الاسرة، أي منذ إجراء عقد الزّواج و الرّباط المُقدس، و يجب الإهتمام بإسلوب التربية، من أوّل لحظةٍ يولد فيها الطّفل، و يستمر البرنامج التّربوي في كلّ المراحل التي تعقبها.

______________________________

(1). يرجى الرجوع إلى نور الثقلين: (ج 1، ص 331).

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 147

فنقرأ في حديثٍ عن الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله، أنّه عند ما نزلت هذه الآية الشّريفة، سأله أحد أصحابه، عن كيفيّة الوقاية من النار، له و لعياله، فقال له الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله:

«تَأمُرُهُم بِما أَمَرَ اللَّهُ وَ تَنهاهُم عَمّا نَهاهُم اللَّهُ إنْ أَطاعُوكَ كنْتَ قَدْ وَقَيتَهُم وَ إِنْ عَصَوكَ كُنْتَ قَدْ قَضَيتَ ما عَلَيكَ» «1».

و يجب أن يكون معلوماً، أنّ الأمر بالمعروف يعدّ من

الوسائل الناجعة لوقاية الاسرة من الإنحراف و السّقوط في هاوية الجحيم، و لأجل الوصول إلى هذا الهدف، علينا الإستعانة بكلّ الوسائل المتاحة لدينا، و كذلك الإستعانة بالجوانب العملية و النفسية و الكلامية، و لا يُستبعد شمول الآية لمسألة الوارثة، فمثلًا أكل لقمة الحلال عند إنعقاد النّطفة و ذكر اللَّه، يُؤثر إيجابياً في تكوين النّطفة، و تنشئة الطّفل و حركته في المستقبل في خطّ الإيمان.

«الآية الخامسة و الأخيرة»: تشير إلى قصّة مريم عليها السلام و ولادتها للمسيح عليه السلام، الذي وُلد من دون أب، و تعجّب قومها من ذلك الأمر الفظيع بنظرهم!، فقال الباري تعالى على لسان قومها:

«يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَ مَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً».

فهذا التعبير، (و خصوصاً نقل القرآن الكريم من موقع الإمضاء و التأييد)، إن دل على شي ء فهو يدلّ على معطيات عوامل الوراثة من الأب و الام، و كذلك تربية الاسرة و تأثيرها في أخلاق الطفل، و كلّ الناس لمسوا هذه الأمر بالتجربة، فإذا شاهدوا أمراً مُخالفاً للمعهود، إستغربوا و تعجّبوا.

و من مجموع ما تقدم، يمكننا أن نستوحي هذه الحقيقة، و هي أنّ الوراثة و التربية، من العوامل المهمّة، في رسم و غرس القيم الأخلاقيّة في حركة الواقع النفسي للإنسان، إن على مستوى الأخلاق الحسنة أو السيئة.

______________________________

(1). نور الثقلين: (ج 5، ص 372).

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 148

الأخلاق و التربية في الأحاديث الإسلاميّة:

لا شكّ أنّ المدرسة الأولى للإنسان، هي واقع الاسرة، فمنها يتعلم الإنسان الدّروس الاولى للفضيلة أو الرذيلة. و إذا ما تناولنا مفهوم التربية بشكله العام: «التكوين و التشريع»، فإنّ أوّل مدرسةٍ يدخلها الإنسان، هي رحم الام و صلب الأب، و الّتي تؤتي معطيّاتها بصورةٍ غير مباشرةٍ على الطفل، و تهيى ء

الأرضيّة للفضيلة، أو الرّذيلة في حركته المستقبليّة.

و قد ورد في الأحاديث الإسلاميّة، تعبيراتٌ لطيفةٌ و دقيقةٌ جدّاً في هذا المجال، نشير إلى قسم منها:

1- قال عليٌّ عليه السلام: «حُسْنُ الأَخلاق بُرهانُ كَرَمِ الأَعراقِ» «1».

و بناءً عليه فإنّ الاسر الفاضلة، غالباً ما تقدّم للمجتمع أفراداً متمّيزين على مستوى الأخلاق الحسنة، و بالعكس فإنّ الأفراد الطالحين، ينشؤون غالباً من عوائل فاسدة.

2- ورد في حديث آخر عن الإمام علي عليه السلام أنّه قال:

«عَلَيكُم فِي طَلبِ الحَوائِجِ بأشراف النُّفُوسِ وَ ذَوي الاصُولِ الطَّيِّبَةِ، فإِنَّها عِنْدَهُم أَقضى وَ هِي لَدَيهِم أَزكَى «2».

3- و في عهد الإمام علي عليه السلام لمالك الأشتر رحمه الله، و وصاياه له في إختيار الضّباط للجيش الإسلامي، قال له:

«ثُمَّ الصَقْ بِذَوي المُروُءاتِ و الأَحسابِ وَ أَهلِ البُيُوتاتِ الصَّالِحَةِ و السَّوابِقِ الحَسَنَةِ ثُمَّ أَهْلِ النَّجدَةِ وَ الشَّجَاعَةِ و السَّخاءِ وَ السَّمَاحَةِ فإِنَّهُم جِماعُ مِنَ الكَرَمِ وَ شُعَبٌ مِنَ العُرفِ» «3».

4- و ورد عن الإمام الصادق عليه السلام، حديث يُبيّن تأثير الآباء الفاسدين على شخصية الأطفالِ و سلوكهم الأخلاقي، فقال: «أَيَّما إِمرَأَةٍ أَطاعَتْ زَوجَها وَ هُوَ شارِبٌ لِلخَمْرِ، كَانَ لَها مِنَ الخَطايا بِعَدَدِ نُجُومِ السَّماءِ وَ كُلُّ مَولُودٍ يُولَدُ مِنْهُ فَهُوَ نَجِسٌ» «4».

______________________________

(1). غُرر الحِكم.

(2). المصدر السابق.

(3). نهج البلاغة.

(4). لئالي الأخبار.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 149

و قد ورد النّهي الأكيد، في رواياتٍ اخرى كثيرةٍ عن تزويج الشّارب للخمر، و السّي ء الأخلاق «1».

5- و قد ورد في الحديث النبوي المشهور، بالنّسبة إلى تأثير تربية الأب و الام على الأولاد، أنّه قال:

«كُلُّ مَولُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ حتى يَكُونَ أَبواهُ هُمَا اللَّذانِ يُهِوِّدانِهِ وَ يُنَصِّرانِهِ» «2».

فالتربية التي تعمل على تغيير إيمان و عقيدة الطّفل، كيف لا تعمل على تغيير سلوكه الأخلاقي

في الدّائرة الإجتماعية؟

6- و هذا الأمر جعل مسألة التربية الصّالحة، من أهم حقوق الطّفل على الوالدين، فنقرأ في الحديث النبوي الشّريف:

«حَقُّ الوَلَدِ عَلى الوَالِدِ أَنْ يُحْسِنَ إسمَهُ وَ يُحْسِنَ أَدَبَهُ» «3».

فمن الواضح أنّ مداليل الأسماء، لها أثرها الأكيد على نفسيّة و روحيّة الطّفل، فأسماء الشّخصيات الكبيرة من أهل التّقوى و الفضيلة، تجذب الإنسان المُسمّى بأسمائهم إليهم، و تدعوه للتّقرب إليهم، و بالعكس، فإنّ أسماء الفسقة و الكفّار، تقرّب من يتسمى بأسمائهم منهم أيضاً «4».

7- و نقرأ في النبوي الشريف أيضاً: «ما نَحَلَ وَالِدٌ وَلَدَهُ أَفضَلَ مِنْ أَدبٍ حَسَنٍ» «5».

8- و قال الإمام السجّاد عليه السلام، بتعبيرٍ أوضح: الاخلاق فى القرآن ج 1 169

«وَ إِنَّكَ مَسؤولٌ عَمَّا وَلِّيتَهُ بِهِ مِنْ حَسَنِ الأَدبِ وَ الدَّلالَةِ عَلَى رَبِّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ المَعُونَةَ لَهُ عَلَى طَاعَتِهِ» «6».

______________________________

(1). وسائل الشيعة، ج 14، ص 53 و 54.

(2). تفسير مجمع البيان، ذيل الآية 30 من سورة الروم.

(3). كنز العمّال، 45192.

(4). وسائل الشيعة، ج 15، ص 122 و 132.

(5). كنز العمّال، ح 45411.

(6). بحار الأنوار، ج 71، ص 6 (جوامع الحقوق).

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 150

9- و قال الإمام علي عليه السلام، بأنّ أخلاق الأبوين، هي عبارةٌ عن ميراث الأبناء منهما، فيقول عليه السلام: «خَيرُ ما وَرَّثَ الآباءُ الأَبناءَ الأَدَبَ» «1».

10- و نختم هذا البحث بحديثٍ آخر عن الإمام على عليه السلام، حيث بيّن الإمام عليه السلام، شخصيته للجهّال الذين يقيسونه بغيره، فقال:

«وَ قَدْ عَلِمْتُم مَوضِعي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ بِالقَرابَةِ القَريبَةِ وَ المَنزِلَةِ الخَصِيَّةِ، وَ ضَعَنِي فِي حِجْرِهِ وَ أَنا وَلِيدٌ يَضُمُّنِي إِلَى صَدرِهِ ... يَرفَعُ لِي كُلَّ يَومٍ عَلَماً مِنْ أَخلاقِهِ وَ يَأَمُرُنِي بِالإِقتِداءِ ..».

و اللطيف في الأمر، أنّ الإمام عليه

السلام و في أثناء حديثه، بيّن قسماً من أخلاق الرّسول صلى الله عليه و آله، فقال:

«وَ لَقَدْ قَرَنَ اللَّهُ بِهِ صلى الله عليه و آله مِن لَدُنْ أَن كانَ فَطِيماً أَعْظَمَ مَلَكٍ مَنْ مَلائِكَتِهِ يَسلُكُ بِهِ طَرِيقَ المَكارِمِ وَ مَحَاسِنَ أَخلاقِ العالَمِ لَيلَهُ و نَهارَهُ» «2».

و صحيح أنّ الصفات النفسية و الأخلاقيّة، سواء كانت سيئة أم حسنة، فهي تنبع من باطن الإنسان و إرادته، و لكن لا يمكن إنكار معطيات البيئة و أجواء المحيط، في تكوين و ترشيد الأخلاق الحسنة و السّيئة، و كذلك عنصر الوراثة من الوالدين و الاسرة بصورة أعم، و توجد شواهد عينيّة كثيرة، و أدلة قطعيّة على ذلك، ترفع الشّك و الترديد في المسألة.

و بناءً على ذلك، و لأجل بناء مجتمعٍ صالحٍ و أفرادٍ سالمين، علينا الإهتمام بتربية الطّفل تربيةً سليمةً، و الإنتباه لعوامل الوراثة و أخذها بنظر الإعتبار، في واقع الحياة الفرديّة و الإجتماعيّة.

4- معطيّات العلم و المعرفة في التربية

اشارة

و من العوامل الاخرى، في عمليّة تهذيب الأخلاق و ترشيدها، هو الصعود بالمستوى

______________________________

(1). غُرر الحِكم.

(2). نهج البلاغة، الخطبة 192، (الخطبة القاصعة).

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 151

العلمي و المعرفي للأفراد، فإنّ التجربة أثبتت أنّ الإنسان، كلّما إرتقى مستواه في دائرة العلوم و المعارف الإلهيّة، أينعت سجاياه الإنسانيّة، و تفتحت فضائله الأخلاقيّة، و العكس صحيح، فإنّ الجهل و فقدان المعارف الإلهيّة، يؤثر تأثيراً شديداً على دعامات و اسس الفضيلة، و يهبط بالمستوى الأخلاقي للفرد، في خطّ الإنحراف و الباطل.

و في بداية هذا الكتاب، في مبحث علاقة العلم بالإخلاق، ذكرنا أبحاثاً مختصرةً عن الأواصر الحاكمة بين هذين العاملين، و أشرنا إلى أنّ بعض الفلاسفة و العلماء، بالغوا في الأمر و إدعوا أنّ: «العلم يساوي الأخلاق».

و بعبارة اخرى: أنّ

العلم أو الحكمة و المعرفة، هي المنبع الرّئيسي للأخلاق، «كما نُقل عن سقراط الحكيم»، و أنّ الرّذائل الأخلاقيّة سببها الجهل.

فمثلًا المتكبّر و الحاسد، إنّما إبتلى بهذين الرذيلتين، بسبب عدم علمه بواقع الحال، فلا توجد عنده صورةٌ واضحةٌ عن أضرارهما و تبعاتهما السلبيّة، على واقع الإنسان الدّاخلي، و يقولون أنّه لا يوجد إنسان يخطو خطوةً نحو القبائح عن وعيٍ و علمٍ بها.

و بناءً على ذلك، إذا تمّ الصّعود بالمستوى العلمي لدى أفراد المجتمع، فإنّ ذلك بإمكانه، أن يكون عاملًا مساعداً، لتشييد صرح الهيكل الأخلاقي السّليم في المجتمع.

و بالطّبع فإنّ هذا الكلام فيه نوع من المُغالاة و المُبالغة، و يُنظر للمسألة من زوايةٍ خاصّةٍ، رغم أننا لا ننكر أنّ العلم يُعدّ من العوامل المهمّة لتهيئة الأرضيّة، و خَلقِ الأجواء الملائمة لِسيادة الأخلاق، بناءً على ذلك فإنّ الأفراد الاميّين و الجهلة، يكونون أقرب إلى منحدر الضّلالة و الخطيئة، و أمّا العلماء الواعون، فيكونون على بصيرةٍ من أمرهم و يبتعدون عن الرّذيلة، من موقع الوضوح في الرّؤية، و لا ننسى أنّ لكلّ قاعدةٍ شَواذ.

و قد ورد في القرآن الكريم هذا المعنى، في بيان الهدف من البعثة: «هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ إِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ» «1».

______________________________

(1). سورة الجمعة، الآية 2.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 152

و بناءً على ذلك، فإنّ النّجاة من الضّلال المبين، و الطّهارة من الأخلاق الرّذيلة و الذنوب، تأتي بعد تلاوة الكتاب المجيد، و تعليم الكتاب و الحكمة، و هو دليلٌ واضحٌ على وجود العلاقة و الإرتباط بين الإثنين.

و قد أوردنا في الجزء الأوّل من الدّورة الاولى من نفحات القرآن الكريم،

شواهد حيّةً و كثيرةً من الآيات القرآنية، حول علاقة العِلم و المعرفة بالفضائل الأخلاقيّة، و كذلك علاقة الجهل بالرذائل الأخلاقيّة، و نشير هنا بشكل مختصرٌ إلى عشرة نماذج منها:

1- الجهل مصدرٌ للفساد و الإنحراف

نقرأ في الآية (55) من سورة الّنمل:

«أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ».

فقرن هنا الجهل، بالإنحراف الجنسي و الفساد الأخلاقي.

2- الجهل سبب للإنفلات و التّحلل الجنسي

ورد في الآية (33) من سورة يوسف على لسان يوسف عليه السلام، في أنّ الجهل قرينٌ للتحلل الجنسي، فقال تعالى: (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمّا يَدْعُونَني إِلَيْهِ وَ إِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَ أَكُنْ مِنْ الْجَاهِلِينَ».

3- الجهل أحد عوامل الحسد

ورد في الآية (89) من سورة يوسف عليه السلام، أنّه عند ما جلس يوسف عليه السلام على عرش مصر، و تحدّث مع إخوانه الذين جاءوا من كنعان إلى مصر، لإستلام الحنطة منه، فقال:

«قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَ أَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ».

أي أنّ جهلكم هو السبب في وقوعكم في أسر الحسد، الذي دفعكم إلى تعذيبه، و السّعي لقتله، و القائه في البئر.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 153

4- الجهل مصدر التّعصب و العناد و اللؤم

في الآية (26) من سورة الفتح، نرى أنّ تعصّب مشركي العرب في الجاهلية، كان بسبب جهلهم و ضلالهم:

«إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ».

5- علاقة الجهل بالذرائع

تاريخ الأنبياء ملي ءٌ بمظاهر التبرير، و خلق الذّرائع من قبل الأقوام السّالفة، في مواجهة أنبيائهم، و قد أشار القرآن الكريم مراراً إلى هذه الظاهرة، و مرًّة اخرى يشير إلى علاقة الجهل بها، فنقرأ في الآية (118) من سورة البقرة:

«وَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْ لَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ».

فالتأكيد هنا على أنّ عدم العلم أو الجهل، هو الذي يتولى خلق الأرضيّة للتذرع، و تبيّن الآية الكريمة، العلاقة الوثيقة بين هذا الإنحراف الأخلاقي مع الجهل، و كما أثبتته التجارب أيضاً.

6- علاقة سوء الظنّ مع الجهل

ورد في الآية (154) من سورة آل عمران، الكلام عن مُقاتلي احد:

«ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاساً يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَ طَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ».

و لا شك في أنّ سوء الظّن، هو من المفاسد الأخلاقيّة، و مصدر لكثير من الرذائل الفردية و الإجتماعيّة في حركة الواقع و الحياة، و هذه الآية تبيّن علاقة الظّن بالجهل بصورةٍ واضحةٍ.

7- الجهل مصدر لسوء الأدب

ورد في الآية (4) من سورة الحجرات، إشارةً للّذين لا يحترمون مقام النبوة، و قال إنّهم قوم لا يعقلون:

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 154

«إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ».

فقد كانوا يزاحمون الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله، في أوقات الرّاحة، و في بيوت أزواجه، و يُنادونه بأعلى أصواتهم قائلين: يا مُحَمِّد! يا مُحَمِّد! اخرُجُ إلَينا.

فكان الرّسول صلى الله عليه و آله ينزعج كثيراً من سوء أدبهم و قلّة حيائهم، و لكن حياؤه يمنعه من البوح لهم، و بقي كذلك يتعامل معهم من موقع الحياء، حتى نزلت الآية، و نبّهتهم لضرورة التأدّب أمام الرسول صلى الله عليه و آله، و شرحت لهم كيف يتعاملون معه صلى الله عليه و آله، من موقع الأدب و الإحترام.

و في تعبير: «أكثرهم لا يعقلون»، إشارة لطيفة للسّبب الكامن وراء سوء تعاملهم، و قلّة أدبهم و جسارتهم، و هو في الغالب عبارةٌ عن هُبوط المستوى العلمي، و الوعي الثقافي لدى الأفراد.

8- أصحاب النّار لا يفقهون

لا شك أنّ أصحاب النّار هم أصحاب الرذائل، و الملوّثين بألوان القبائح، و قد نوّه إليهم القرآن الكريم، و عرّفهم بالجُهّال، و عدم التّفقه، و يتّضح منه العلاقة بين الجهل و إرتكاب القبائح، فنقرأ في الآية (179) من سورة الأعراف:

«وَ لَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنْ الْجِنِّ وَ الْإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَ لَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَ لَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ».

فقد بيّنت هذه الآية و آيات كثيرةٌ اخرى، العلاقة الوطيدة بين الجهل، و بين أعمال السوء و إرتكاب الرذائل.

9- الصبر من معطيات العلم

الآية (65) من سورة الأنفال، تنبّه المسلمين على أنّ الصّبر الذي يقوم على أساس الإيمان و المعرفة، بإمكانه أن يمنح المسلمين قوّة للوقوف بوجه الكفّار، الذين يفوقون المسلمين عدداً و عدّةً، تقول الآية:

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 155

«يَا أَيُّهَا النَّبِىُّ حَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ».

نعم فإنّ جهل الكافرين، هو السبب في عدم إستطاعتهم في الصّمود بوجه المؤمنين، و في مقابل ذلك فإنّ وعي المؤمنين هو السّبب في صمودهم، بحيث يُعادل كلّ واحدٍ منهم عشرة أنفارٍ من جيش الكفّار.

10- النّفاق و الفرقة ينشآن من الجهل

أشار القرآن الكريم في الآية (14) من سورة الحشر إلى يهود (بني النضير)، الذين عجزوا عن مُقاومة المسلمين، لأنّهم كانوا مُختلفين و مُتفرقين، رغم أنّ ظاهرهم يحكي الوحدة و الإتفاق، فقال:

«لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَ قُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ».

و بناءً على ذلك فإنّ النّفاق و الفرقة و التشتت، و غيرها من الرذايل الأخلاقيّة، الناشئة من جهلهم و عدم إطّلاعهم على حقائق الامور.

النتيجة:

تبيّن ممّا جاء في أجواء تلك العناوين العشرة السّابقة، التي وردت في سياق بعض الآيات القرآنية، علاقة الفضيلة بالعلم من جهة و علاقة الرذيلة بالجهل، من جهةٍ اخرى، و قد ثبت لنا بالتجربة و من خلال المشاهدة، أنّ أشخاصاً كانوا منحرفين بسبب جهلهم، و كانوا يرتكبون القبيح و يمارسون الرّذيلة في السّابق، و لكنّهم إستقاموا بعد أن وقفوا على خطئهم، و تنبّهوا إلى جهلهم، و أقلعوا عن فعل القبائح و الرذائل، أو قلّلوها إلى أدنى حدٍّ.

و الدّليل المنطقي لهذا الأمر واضح جدّاً، و ذلك لأنّ حركة الإنسان نحو التّحلي بالصّفات و الكمالات الإلهيّة، يحتاج إلى دافعٍ و قصدٍ، و أفضل الدّوافع هو العلم بفوائد الأعمال الصّالحة و مضار القبائح، و كذلك الإطّلاع و التعرّف على المبدأ و المعاد، و سلوكيات الأنبياء و الأولياء

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 156

و مذاهبهم الأخلاقية، فكلّ ذلك بإمكانه أن يكون عاملًا مساعداً، يسوق الإنسان للصّلاح و الفلاح، و الإبتعاد عن الفساد و الباطل في حركة الحياة و الواقع.

و بالطّبع المراد من العلم هنا، ليس هو الفنون و العلوم الماديّة، لأنّه يوجد الكثير من العلماء في دائرة العلوم الدنيويّة، و لكنّهم فاسدين و مفسدين

و يتحركون في خط الباطل و الإنحراف، و لكن المقصود هو العلم و الاطّلاع على القيم الإنسانية، و التعاليم و المعارف الإلهيّة العالية، التي تصعد بالإنسان في مدارج الكمال المعنوي و الأخلاقي، في مسيرته المعنوية.

علاقة «العلم» و «الأخلاق» في الأحاديث الإسلاميّة:

الأحاديث الإسلاميّة من جهتها، مشحونة بالعبارات الحكيمة الّتي تبيّن العلاقة الوثيقة بين العلم و المعرفة من جهةٍ، و بين الفضائل الأخلاقيّة من جهةٍ اخرى، و كذلك علاقة الجهل بالرّذائل أيضاً. و هنا نستعرض بعضاً منها:

1- بيّن الإمام علي عليه السلام علاقة المعرفة بالزهد، الذي يُعدّ من أهمّ الفضائل الأخلاقيّة، فقال:

«ثَمَرةُ المَعرِفَةِ العُزُوفُ عِنْ الدُّنيا» «1».

2- وَ وَرد في حديثٍ آخر عنه عليه السلام، قال:

«يَسيرُ المَعرِفةِ يُوجِبُ الزُّهدَ فِي الدُّنيا» «2».

و المعرفة هنا يمكن أن تكون إشارةً لمعرفة الباري تعالى، فكلّ شي ء في مقابل ذاته المقدّسة لا قيمة له، فما قيمة القَطرة بالنسبة للبحر، و نفس هذا المعنى يمثّل أحد أسباب الزهد في الدنيا و زبرجها، أو هو إشارةٌ لعدم ثبات الحياة في الدّنيا، و فناء الأقوام السّابقة، و هذا المعنى أيضاً يحثّ الإنسان على التّحرك في سلوكه و أفكاره، من موقع الزّهد، و يوجّهه نحو الآخرة و النّعيم المقيم، أو هو إشارةٌ لجميع ما ذُكر آنفاً.

______________________________

(1). غرر الحكم.

(2). المصدر السابق.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 157

3- وَ وَرد عنه عليه السلام في حديث آخر، بيان علاقة الغِنى الذّاتي، و ترك الحرص على الامور الدنيوية، بالعلم و المعرفة، فقال:

«مَنْ سَكَنَ قلْبَهُ العِلْمُ بِاللَّهِ سُبحانَهُ سَكَنَهُ الغِنى عَنْ الخَلْقِ» «1».

و من الواضح أنّ الذي يعيش المعرفة، بالصّفات الجماليّة و الجلاليّة للباري تعالى، و يرى أنّ العالم كلّه، هو إنعكاسةٌ أو ومضةٌ، من شمس ذاته الأزليّة الغنيّة بالذات، فيتوكل عليه فقط، و يرى نفسه

غنيّاً عن الناس أجمعين، في إطار هذا التوكّل و الاعتماد المطلق على اللَّه تعالى.

4- و جاء في حديث عن الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله، حول معرفة اللَّه و علاقتها بحفظ اللّسان من الكلام البذي ء، و البطن من الحرام، فقال صلى الله عليه و آله:

«مَنْ عَرَفَ اللَّهَ وَ عَظَمَتَهُ مَنَعَ فاهُ مِنْ الكَلامِ وَ بَطْنَهُ مِنَ الحَرامِ» «2».

5- وَرَد عن الإمام الصّادق عليه السلام، علاقة المعرفة بالخوف منه تبارك و تعالى، الذي هو بدوره مصدر لكلّ أنواع الفضائل، فقال:

«مَنْ عَرَفَ اللَّهَ خافَ اللَّهَ وَ مَنْ خافَ اللَّهَ سَخَتَ نَفْسَهُ عَنِ الدُّنيا» «3».

6- بالنّسبة للعفو و قبول العذر من الناس، قال أمير المؤمنين عليه السلام: «أَعْرَفُ النَّاسِ بِاللَّهِ أَعْذَرَهُم لِلنّاسِ و إِنْ لَمْ يَجِدْ لَهُم عُذراً» «4». (و من البديهي أنّ هذا الحديث ناظرٌ إلى المسائل الشخصيّة، لا المسائل الإجتماعيّة).

7- حول معرفة اللَّه و ترك التكبّر، قال عليه السلام:

«وَ إِنَّهُ لا يَنبَغِي لَمَنْ عَرَفَ عَظَمَةَ اللَّهِ أنْ يَتَعَظَّمُ» «5».

8- حول العلم و العمل، قال عليه السلام:

«لَن يُزَّكى العَمَلُ حتّى يُقارِنَهُ العِلْمُ» «6».

______________________________

(1). غرر الحكم.

(2). اصول الكافي، ج 2، ص 237.

(3). المصدر السابق، ص 68، ح 4.

(4). غُرر الحِكم.

(5). نهج البلاغة، الخطبة 147.

(6). غُرر الحِكم.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 158

و من المعلوم أنّ طهارة العمل لا تنفكّ عن طهارة الأخلاق.

9- و نقرأ في حديثٍ آخر عن الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله، حول هذا الموضوع:

«بِالعِلمِ يُطاعُ اللَّهُ وَ يُعبَدُ وَ بالعِلمِ يُعْرَفُ اللَّهُ وَ يُوَحَّدُ وَ بِهِ تُوصَلُ الأَرحامُ وَ يُعْرَفُ الحَلالُ وَ الحَرامُ وَ العِلمُ إِمامُ العَمَلِ». «1»

ففي هذا الحديث، إعتبر كثيراً من السّلوكيّات الأخلاقيّة الإيجابيّة، هي ثمرةٌ من ثمار العلم و المعرفة.

10- ورد

نفس هذا المعنى بصراحةٍ أقوى عن أمير المؤمنين عليه السلام، أنّه قال:

«ثَمَرَةُ العَقلِ مُداراةُ النَّاسِ» «2».

و في مقابل الأحاديث التي تتحدث عن العلم و المعرفة، و علاقتها بالفضائل الأخلاقيّة توجد أحاديث شريفة اخرى، وردت في المصادر الإسلاميّة حول علاقة الجهل بالرذائل، و هي تأكيد آخر لموضوع بحثنا هذا و منها:

1- في حديثٍ عن علي عليه السلام قال: «الجَهلُ أَصلُ كُلِّ شرٍّ» «3».

2- و ورد أيضاً عنه عليه السلام: «الحِرصُ وَ الشَّرَهُ و البُخلُ نَتِيجَةُ الجَهلِ» «4».

لأنّ الحريص أو الطّماع، غالباً ما يتحرك في طلب امورٍ زائدةٍ عن إحتياجه، و في الحقيقة فإنّ ولعه بالمال و الثّروة و المواهب الماديّة، ولعٌ غير منطقي و غير عقلائي، و هكذا حال البخيل أيضاً فبِبُخله يحرص، و يحافظ على أشياء لن يستفيد منها في حياته، بل يتركها لغيره بعد موته.

3- و نقل عنه عليه السلام في تعبيرٍ جميلٍ:

«الجَاهِلُ صَخْرَةٌ لا يَنْفَجِرُ مائُها! وَ شَجَرَةٌ لا يَخْضَرُّ عُودُها! وَ أَرْضٌ لا يَظهَرُ عُشْبُها!» «5».

______________________________

(1). تحف العقول، ص 21.

(2). غُرر الحِكم.

(3). المصدر السابق.

(4). المصدر السابق.

(5). المصدر السابق.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 159

4- وَ وَرد عنه عليه السلام أيضاً، في إشارةٍ إلى أنّ الجاهل يعيش دائماً في حالة إفراطٍ أو تفريطٍ، فقال:

«لا تَرى الجَاهِلَ إلّا مُفْرِطاً أو مُفَرِّطاً» «1».

فطبقاً للرأي المعروف عن علماء الأخلاق، أنّ الفضائل الأخلاقيّة هي الحد الأوسط بين الإفراط و التفريط، الذي ينتهي إلى السّقوط في الرذائل، و يُستفاد من الحديث أعلاه، أنّ العلاقة بين الجهل من جهة و الرذائل الأخلاقيّة، من جهةٍ اخرى، هي علاقةٌ و طيدةٌ جدّاً.

5- يقول كثير من علماء الأخلاق، أنّ الخُطوة الاولى لإصلاح الأخلاق، و تهذيب النّفس، هي المحافظة على اللّسان و الإهتمام بإصلاحه،

و قد ورد في الأحاديث الإسلاميّة، تأكيد على علاقة الجهل ببذاءة اللّسان، فنقرأ في حديثٍ عن الإمام الهادي عليه السلام: «الجَاهِلُ أَسِيرُ لِسانِهِ» «2».

و خُلاصة القول، أنّ الرّوايات الإسلاميّة الكثيرة أكدت على علاقة العلم بالأخلاق الحسنة، و الجهل بالأخلاق السيّئة، و كلّها تؤيد هذه الحقيقة، و هي أنّ إحدى الطّرق المؤثرة لتهذيب النّفوس، هو الصّعود بالمستوى العلمي و المعرفي لِلأفراد، و معرفة المبدأ و المعاد، و العلم بمعطيات الفضائل و الرذائل الأخلاقية، في واقع الإنسان و المجتمع.

هذا الصعود بالمستوى العلمي للأفراد على نحوين:

النحو الأول: زيادة المعرفة بسلبيات السّلوك المنحرف، و الإطّلاع على أضرار الرذائل الأخلاقية بالنسبة للفرد و المجتمع، فمثلًا عند ما يُحيط الإنسان علماً، بأضرار المواد المخدّرة أو المشروبات الكحولية، و أنّ أضرارها لا يمكن اصلاحها على المستوى القريب، فذلك العلم سيهيّى ء الأرضيّة في روح الإنسان، للإقلاع عن تلك السلوكيّات المضرّة، و بناءً عليه فكما أنّه يجب تعريف النّاس بمضرّات المخدرات، و المشروبات الكحولية، و علينا تعريف النّاس بطرق مُحاربة الرّذائل و إحصاء عُيوبها، و أساليب تنمية الفضائل، و إستجلاء محاسنها، و رغم أنّ ذلك لا يُمثّل العلّة التّامة لإحداث حالة التغيير، و التّحول في الإنسان، و لكّنه بلا شك يمهّد

______________________________

(1). نهج البلاغة، الكلمات القصار، الرقم 70.

(2). بحار الانوار، ج 75، ص 368.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 160

و يهيّئ الأرضيّة المساعدة لذلك.

القسم الثاني: الصّعود بالمستوى العلمي بصورةٍ عامّةٍ، فعند ما يطّلع الإنسان على المعارف الإلهيّة، و منها المبدأ و المعاد، و أقوال الأنبياء و الأولياء، و ما شابه ذلك، فإنّ الإنسان سيجد في نفسه ميلًا نحو الفضائل، و رغبةً في الإبتعاد عن الرّذائل.

و بعبارةٍ اخرى: إنّ تدنّي المستوى العلمي بالامور العقائدية، كفيل بخلق محيطٍ

مناسب لنمو الرذائل، و العكس صحيحٌ فإنّ زيادة المعرفة تبعث في روح الإنسان الرّغبة و الشّوق نحو ممارسة الفضيلة.

5- دور الثّقافة الإجتماعيّة في تربية الفضائل و الرذائل:

اشارة

الثّقافة عبارة عن مجموعةٍ من الامور، التي تبني فكر و روح الإنسان، و تمنحه الدّافع الأصلي للتحرك نحو المسائل المختلفة.

و على مستوى المِصداق، تمثّل الثّقافة مجموعةً من العقائد، و التاريخ و الأدب و الفن، و الآداب و الرّسوم لمجتمعٍ ما.

و قد تكلمنا في السّابق عن بعض معطيات البيئة و المحيط و المعرفة، و دورها في إيجاد الفضائل و الرّذائل، و نتطرّق الآن لباقي أقسام الثّقافة الإجتماعيّة، و دورها في تحكيم و تقوية عناصر الخير، و دعامات الفضائل في واقع النّفس، أو تعميق عناصر الرّذيلة فيها.

و أحد هذه الامور، العادات و التقاليد و السّنن لقومٍ من الأقوام، فإذا إستوحت مقوّماتها من الفضائل، فستكون مؤثّرة في خلق الأجواء المناسبة لتربية و تهذيب النّفوس، و أمّا لو إسترفدت قوتها و حياتها من الرّذائل الأخلاقيّة، فستكون البيئة مهيّئة لتقبل أنواع القبائح أيضاً.

وَ وَرد في القرآن الكريم إشاراتٌ واضحةٌ في هذا المجال، تبيّن كيفيّة إنحراف الأقوام السّابقة، بسبب الثّقافة المنحرفة و التقاليد و الأعراف المنحطة لديهم، و الّتي أدّت بهم إلى السّقوط في

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 161

منزلقات الخطيئة، و الإنحدار في هاوية الرذائل الأخلاقية، و منها:

1- «وَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَ اللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ» «1».

2- «وَ إِذَا قِيلَ لَهُم اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَ وَ لَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَ لَا يَهْتَدُونَ» «2».

3- «إِذْ قَالَ لِابِيهِ وَ قَوْمِهِ مَا هَذِهِ الَّتمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ

لَهَا عَاكِفُونَ* قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَها عَابِدِينَ» «3».

4- «وَ كَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَ إِنَّا عَلَى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ» «4».

5- «وَ مَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ» «5».

6- «وَ إِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَ هُوَ كَظِيمٌ* يَتَوَارَى مِنْ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَ يُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ» «6».

7- «مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَ الَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ وَ رِضْوَاناً سِيَماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ» «7».

تفسير و إستنتاج:

ما نستوحيه من الآيات الكريمة محلّ البحث، هو أنّ ثقافة الأقوام و الامم السّالفة، لها دورٌ

______________________________

(1). سورة الأعراف، الآية 28.

(2). سورة البقرة، الآية 170.

(3). سورة الأنبياء، الآية 52 و 53.

(4). سورة الزخرف، الآية 23.

(5). سورة الأعراف، الآية 82.

(6). سورة النّحل، الآية 58 و 59.

(7). سورة الفتح، الآية 29.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 162

فاعل في تربية و نمو الصفات الأخلاقيّة، أيّاً كانت، فإذا كانت الثّقافة السّائدة بمستوى مرموق، فمن شأنها أن تفرز لنا أفراداً ذوي صفاتٍ حميدةٍ و أخلاقٍ عاليةٍ، و العكس صحيح، و الآيات الكريمة السّابقة الذّكر، تُشير إلى المعنيين أعلاه.

ففي «الآية الاولى»: نقرأ قول الأقوام السّالفة، الّذين يعيشون الإنحراف، و يمارسون الخطيئة من موقع الوضوح في الرؤية، فإذا سُئلوا عن الدّافع لمثل هذه التصرفات الشائنة، و السلوكيات المنحرفة، قالوا بلغة التّبرير: «وَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا ...».

و لم يكتفوا بذلك بل تعدّوا الحدود، و قالوا: «وَ اللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا».

بناءً على ذلك، فإنّهم إتخذوا سُنّة الّذين

مَضوا من قبلهم دليلًا على حسن أعمالهم، و لم يخجلوا من أفعالهم القبيحة، على مستوى النّدم و الإحساس بالمسؤوليّة، بل كانوا يعطوها الصّبغة الشرعيّة أيضاً.

«الآية الثّانية»: طرحت نفس المعنى و لكن بشكل آخر، فعند ما كان الأنبياء يدعون أقوامهم إلى الشريعة الإلهيّة النّازلة من عند اللَّه تعالى، كانوا يتحرّكون في المقابل من موقع العناد و التكبّر، و يقولون بِغرور: (سنتّبع سنّة آبائنا).

و لم يكن سبب ذلك، إلّا لأنّهم وجدوا آبائهم يؤمنون بها و يتّبعونها، و بذلك لبست ثياب القداسة و إعتبروها ديناً في حركة الحياة و الواقع، فهي عندهم أفضل من آيات القرآن الكريم، و شرائع الباري تعالى: «وَ إِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا»، و عليه، فلما ذا فضّلوا العمل بسنّة الجهلاء، على إتّباع آيات الوحي الإلهي؟.

و يضيف القرآن الكريم قائلًا: «أَ وَ لَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَ لَا يَهْتَدُونَ».

وَ وَرد في «الآية الثّالثة»: الكلام عن السّنن و عادات الأقوام أيضاً، و دور الثّقافة الخاطئة في صياغة الأعمال المتقاطعة مع الأخلاق، ففي بيان يشابه الآيات الماضية، نقرأ قصّة إبراهيم

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 163

و عبدة الأصنام في بابل، فعند ما كان يلومهم إبراهيم عليه السلام لعبادتهم الأصنام التي لا تضرّ و لا تنفع، كانوا يقولون بصراحة: وجدنا آباءنا لها عاكفين: «إِذْ قَالَ لِابِيهِ وَ قَوْمِهِ مَا هَذِهِ الَّتمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ* قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ».

فأجابهم إبراهيم عليه السلام بأشدّ الكلام و أغلظه، بقوله: «وَ قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَ آباؤكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ».

و لكن و للأسف الشديد، إنتقل هذا الضّلال المبين إلى الأجيال، جيلًا بعد جيل، فأصبح جزءاً من ثقافتهم، و

أكسبه توالي الزّمن عليه مسوح القداسة، فلم يمح قبحه فحسب، بل أصبح من إفتخاراتهم على المستوى الحضاري و الدّيني.

«الآية الرابعة»: توحي لنا نفس المعنى، و لكن بشكلٍ آخر، ففي معرض جوابهم على السّؤال القائل: لماذا تعبدون هذه الأصنام رغم أنّكم تعيشون سلامة العقل؟، تقول الآية على لسانهم: «بَلْ قالُوا إِنّا وَجَدنا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَ إِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ».

فليس أنّهم لم يعتبروا هذه الحماقة، ضلالةً فحسب، بل إعتبروها هدايةً و فلاحاً، و رثوه عن آبائهم الماضين، و ذكرت «الآية التي بعدها» أنّ هذا هو طريق و منطق كلّ المترفين على طول التاريخ، و قالت: «وَ كَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَ إِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ».

و من البديهي أنّ ذلك التقليد الأعمى، الذي كان يظهر جميلًا في ظلّ تلك القبائح، له أسبابٌ كثيرةٌ و أهمّها تبدّل ذلك القُبح إلى سُنّةٍ و ثقافةٍ بمرور الزّمن.

و ورد نفس هذا المعنى في الآية (103 و 104) من سورة المائدة، فقد إبتدع عرب الجاهليّة بدَعاً ما أنزل اللَّه بها من سلطان، فكانوا يحلّون الطعام الحرام و يحرّمون الطعام الحلال، و كانوا يتمسكون بالخرافات و العادات السيئة، و لا يقلعون عنها أبداً، و يقولون: «حَسْبُنا ما وَجَدنا عَلَيهِ آبائَنا».

و يتبيّن ممّا تقدم من الآيات الكريمة، تأثير العادات الخاطئة و السّنن البائدة، في قلب

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 164

الامور رأساً على عقب، بحيث يضحى الخطأ صواباً في الواقع الأخلاقي و الفكري لدى النّاس.

و في «الآية الخامسة»: يوجد موضوع جديد بالنّسبة لِدَور العادات و السّنن في تحول القيم الأخلاقيّة، و هو: أنّ قوم لوط الذين سوّدوا وجه التّأريخ بأفعالهم الشّنيعة،

(و لِلأسف الشّديد، نرى في عصرنا الحاضر، أنّ الحضارة الغربيّة أقرّت تلك الأفعال على مستوى القانون أيضاً)، فعند ما دعاهم لوط عليه السلام، و القلّة من أصحابه، إلى التّحلي بالتّقوى و الطّهارة في ممارساتهم و أفعالهم، تقول الآية أنّهم إغتاظوا من ذلك بشدّةٍ: «وَ مَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ».

فالبيئة الملوّثة، و السّنن الخاطئة و الثّقافة المنحطّة أثّرت فيهم تأثيراً سلبياً، ممّا حدى بهم إلى إعتبار الطّهارة و التّقوى جنايةً، و الرّذيلة و القبائح من عناصر العزّة و الإفتخار، و من الطّبيعي، فإنّ الرذائل تنتشر بسرعةٍ في مثل هذه البيئة، التي تعيش أجواء الإنحطاط و الخطيئة، و تندرس فيها الفضائل كذلك.

«الآية السادسة»: تقصّ علينا قصّة وأدِ البنات الُمريعة في العصر الجاهلي، و لم يكن سبب ذلك سوى تحكيم الخُرافات و السّنن الخاطئة في واقع الفكر و السلوك لدى الأفراد، فقد كانت ولادة البنت في الجاهليّة عاراً على المرء، و إذا ما بُشّر أحدهم بالانثى يظلّ وجهه مسودّاً من فرط الألم، و الخجل، على حدّ تعبير القرآن الكريم «1»: «وَ إِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَ هُوَ كَظِيمٌ* يَتَوَارَى مِنْ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَ يُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ».

و لا شكّ أنّ القتل من أقبح الجرائم، و خصوصاً إذا كان القتيل طفلًا وليداً جديداً، و لكن

______________________________

(1). قال بعض المفسّرين: بناءً على العلاقة الوثيقة بين القلب و الوجه، فإذا ما فرح الإنسان، يتحرك الدّم الشّفاف نحو الوجه و يصبح الوجه مضيئاً و نورانياً، و عند ما يهتم و يغتم الإنسان فإنّ الدورة الدموية تقل سرعتها و يصفّر الوجه

و يسود، و تعتبر هذه الظاهرة، علامةً للفرح أو الحُزن: (تفسير روح المعاني ... ذيل الآية الشريفة).

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 165

السّنن الخاطئة و التقاليد الزائفة، التي كانوا عليها مَحَقت القُبح من هذه الجريمة النّكراء، و جعلت منها فضيلةً.

و بالنّسبة لوأد البنات الفضيع، جاء في بعض التّفاسير: أنّ البعض من هؤلاء الجاهلين، كانوا يستخدمون اسلوب الدّفن للبنات، و بعض يغرقونهن، و البعض الآخر كانوا يفضّلون رميهنّ من أعلى الجبل، و قسم آخر كانوا يذبحون بناتهم «1»، و أمّا بالنسبة لظهور هذا الأمر عند العرب، و تأريخه و الدافع الأصلي له، فقد وردت أبحاثٌ مفصّلة لا يسع المقام لذكرها الآن «2».

و الكلام في كيفيّة تمهيد الطريق للرذائل الأخلاقيّة، من خلال تلك السّنن الخاطئة، و العادات الزّائفة، و كيف تحلّ الرذائل مكان الفضائل، هو دليلٌ و شاهدٌ آخر على أنّ الثّقافة تُعتبر من الدّواعي المهمّة لتفعيل عناصر الفضيلة، أو تقوية قوى الإنحراف و الرذيلة، في واقع الإنسان، و بالتّالي فإنّ أوّل ما يتوجب على المصلحين، في حركتهم الإصلاحية، هو إصلاح ثقافة المجتمع و السير بها في خط العقل و الدّين.

و نرى في عصرنا الحاضر ثقافات زائفة، لا تتحرك بعيداً عمّا كان في عهد الجاهليّة، حيث أضحت مصدراً لأنواع الرذائل الأخلاقيّة في حركة الحياة الإجتماعية، و قد إنعقد في السّنوات الأخيرة مؤتمراً عالمياً في بكين عاصمة الصين، و شارك فيه أغلب دول العالم، و نادى فيه المشاركون بالعمل لتثبيت ثلاثة اصول، و أصرّوا عليها من موقع إحترام حقّ الإنسان و هي:

1- حريّة العلاقات الجنسيّة للمرأة.

2- الجنسيّة المثليّة.

3- حرّية إسقاط الجنين.

و قد واجهت هذه الامور معارضةً شديدةً من قبل بعض الدول الإسلامية، و منها الجمهورية الإسلامية.

و من الطبيعي، عند

ما يُدافع نواب الدّول المتحضّرة عن مثل هذه الامور الشنيعة، تحت

______________________________

(1). تفسير روح المعاني، ج 14، ص 154، في ذيل الآية المبحوثة.

(2). تفسير الأمثل، ذيل الآية 58 من سورة النحل.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 166

ذريعة الدفاع عن حقوق المرأة، فأيّة ثقافةٍ سوف تظهر للوجود؟، و أيّة رذائل ستنتشر في المجتمع؟، الرذائل التي لا تضرّ بالمسائل الأخلاقيّة للناس فحسب، بل و ستؤثر أيضاً على حياتهم الإجتماعيّة و الإقتصاديّة، من موقع إهتزاز المبادى ء الإنسانيّة في منظومة القيم.

«الآية السابعة»: تستعرض علاقة الفضائل بثقافة المحيط و البيئة، فما وردنا من أحاديث عن الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله، تبيّن مدى الرّقي الأخلاقي الذي حصل في المجتمع المظلم آنذاك، نتيجة النّهضة الفكريّة و الأخلاقيّة التي جاء بها الإسلام إلى ذلك المجتمع، فيقول القرآن الكريم:

«مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَ الَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ وَ رِضْوَاناً سِيَماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ».

و عبارة: «فالذين معه»، لا تحصر هذه المعيّة في زمانِ خاصٍّ، و مكانٍ معيّنٍ، بل تمتد إلى المعيّة في القيم الأخلاقيّة، و الأفكار الأنسانيّة، فكلّ من يقبل تلك الثّقافة الإلهيّة المحمديّة يكون من مصاديق الآية.

علاقة الآداب و السّنن بالأخلاق في الرّوايات الإسلاميّة:

أعطى الإسلام أهميةً كبيرةً لهذه المسألة، ألا و هي، سنّ السنن الصّالحة، و الإبتعاد عن السنن السّيئة، و للمسألة إنعكاساتٌ و أصداءٌ كبيرةٌ في الأحاديث الإسلامية، و يستفاد من مجموع تلك الأحاديث، أنّ الهدف هو سنّ العادات الصّالحة، كي تتهيّأ الأرضية اللّازمة للتحلّي بالأخلاق الحميدة، و إزالة الرذائل الأخلاقية من واقع النفس و السّلوك، و منها:

1- ما ورد عن الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله: «خَمْسٌ لا أَدَعُهُنَّ حَتّى المَماتِ الأَكْلُ عَلَى الحضِيضِ مَعَ

العَبِيدِ ...، و حَلْبُ العَنزِ بِيَدي وَ لَبْسُ الصُّوفِ وَ التَّسلْيمُ عَلَى الصِّبيانِ، لَتَكُونَ سُنَّةً مِنْ بَعدِي» «1».

______________________________

(1). بحار الأنوار، ج 73، ص 66.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 167

و الهدف من كلّ ذلك، هو إيجاد روح التّواضع عند الناس من خلال الإقتداء بالرسول الأكرم صلى الله عليه و آله، في حركة السّلوك الإجتماعي.

2- و جاء في حديثٍ آخر عنه صلى الله عليه و آله. أنّه قال:

«مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً عُمِلَ بِها مِنْ بَعْدِهِ كانَ لَهُ أَجْرَهُ وَ مِثلَ اجُورِهِمْ مِنْ غَيرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ اجُورِهِمْ شَيئَاً، و مَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيَّئَةً فَعُمِلَ بِها مِنْ بَعْدِهِ كانَ عَلَيهِ وِزْرَهُ وِ مثلَ أَوزارِهِم مِنْ غَيرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوزَارِهِمْ شَيئاً» «1».

و ورد في بحارالأنوار نفس هذا المضمون.

و نقل هذا الحديث بتعابير مختلفةٍ عن الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله، و الإمام الباقر و الإمام الصّادق عليهما السلام، و هو يُبيّن أهمية الّتمهيد للأعمال الأخلاقيّة، و أنّ التّابع و المتبوع هما شريكان في الثواب و العقاب، و الهداية و الضّلال.

3- و لذلك أكّد الإمام علي عليه السلام، على مالك الأشتر هذا المفهوم أيضاً، لحفظ السنن الصالحة، و الوقوف في وجه من يريد أن يكسر حرمتها، فيقول:

«لا تَنْقُضْ سُنَّةً صالِحَةً عَمِلَ بِها صُدُورُ هذِهِ الامَّةِ و إجتَمَعَتْ بِها الالفَةُ وَ صَلُحَتْ عَلَيها الرَّعِيَّةٌ، و لا تُحْدِثَنَّ سُنَّةً تَضُرُّ بِشي ءٍ مِنْ ماضِي تِلكَ السُّنَنِ فَيَكُونُ الأَجرُ لِمَنْ سَنَّها وَ الوِزرُ عَلَيكَ بِما نَقَضَتْ مِنْها» «2».

و بما أنّ السّنن الحسنة تساعد على تعميق عناصر الخير، و نشر الفضائل الأخلاقيّة في واقع المجتمع، فهي تدخل في مصاديق الإعانة على الخير و نشر السّنن الحميدة، و أمّا إحياء السّنن القبيحة و الرذائل

الأخلاقية، فتدخل في مصاديق الإعانة على الإثم و العدوان، و نعلم أنّ فاعل الخير و الدّال عليه شريكان في الأجر، و كذلك فاعل الشّر و الدّال عليه شريكان في العقاب أيضاً، من دون أن يقل من ثواب العاملين، أو عقابهم شي ء.

و السّنة الحسنة بدرجةٍ من الأهمية، بحيث قال الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله، في الرواية المعروفة في

______________________________

(1). كنز العمال، ح 43079، ج 15، ص 780.

(2). نهج البلاغة، رسالة 53.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 168

حقّ جدّه الكريم:

«كَانَتْ لِعَبدِ المُطَّلِبِ خَمساً مِنَ السُّنَنِ أَجراها اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِي الإِسلامِ: حِرَّمَ نَساءَ الآباءِ عَلَى الأبناءِ، وَ سَنَّ الدِّيَةَ فِي القَتْلَ مأَةٍ مِنَ الإبلَ، وَ كَانَ يَطُوفُ بِالبَيتِ سَبَعَةَ أَشواطٍ، وَ وَجَدَ كَنزاً فَأَخْرَجَ مِنْهُ الخُمسَ، وَ سَمّى زَمزَمَ حِينَ حَفَرَها سِقايَةَ الحاجِّ».

و يستخلص من مجموع ما تقدم أنّ الآداب و السّنن و العادات، لها معطياتٌ مهمّةٌ، على مستوى إيجاد الفضائل أو تكريس الرّذائل على حدّ سواء، و لذلك أكّد عليها الإسلام تأكيداً شديداً و جعل الثّواب لمن يسنّ السّنن الصالحة، و العقاب لمن يسنّ السّنن الرّذيلة، و إعتبرها من الذنوب الكبيرة.

6- علاقة العمل بالأخلاق

اشارة

صحيح أنّ أعمال الإنسان تتبع أخلاقه الظاهريّة و الباطنيّة، بحيث يمكن القول أنّ الإنسان يتأثر في سلوكه العملي، بأخلاقه الباطنية الكامنة في عالم اللّاشعور، و لكن من جهةٍ اخرى، يمكن لأعمال الشّخص أن تؤُثر في أخلاقه، من خلال صياغة المضمون للصّفات الأخلاقيّة في واقع الإنسان و محتواه الباطني، و معناه أنّ عمليّة الممارسة المستمرة، لعملٍ ما حسناً كان أو قبيحاً، سيؤثر في نفسيّة الإنسان، و يحوّل ذلك العمل إلى حالةٍ باطنيّةٍ، و بالإستمرار يصبح من ملكات الإنسان الأخلاقيّة الحسنة، أو القبيحة، و بناءً

عليه فإنّ من الطرق المؤثرة لتهذيب النّفوس، هو تهذيب الأعمال في حركة الواقع الخارجي، فمن مارس الأعمال القبيحة، فسوف تتحول على أثر التّكرار إلى ملكةٍ سيّئةٍ في أعماق روحه، و تكون السّبب في ظهور الرّذائل الأخلاقيّة في دائرة السّلوك و الممارسة.

و بناءً على ذلك نرى التأكيد في الرّوايات على أنّ يستغفر الناس بسرعةٍ عند الخطأ، و يغسلوا تلك الآثار بماء التوبة، كي لا تخلّف آثارها السّلبية على القلب، و تتحول إلى ملكاتٍ أخلاقيّةٍ قبيحةٍ.

و بعكسها نجد التأكيد على تكرار الأعمال الصّالحة، بشكلٍ مستمرٍ كي تصبح عادةً عند

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 169

الإنسان، في واقعه النفسي و الروحي.

بعد هذه الإشارة نعود إلى القرآن الكريم، و نستعرض الآيات الشّريفة التي تشير إلى هذا المعنى:

1- «كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ» «1».

2- «كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ» «2».

3- «أ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً» «3».

4- «وَجَدْتُهَا وَ قَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ زَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ» «4».

5- «قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا* الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً» «5».

6- «إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَ كَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً» «6».

7- «خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِهَا» «7».

تفسير و إستِنْتاجٌ:

في «الآية الاولى»: نجد إشارةً إلى معطيات الذّنوب السّلبية على قلب روح الإنسان، فهي تسلب الصّفاء و النّورانية منه، و تحلُّ الظّلمة مكانه، فيقول اللَّه تعالى في القرآن الكريم: «كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ».

فجملة: «مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ»، جاءت بصيغة الفعل المضارع، الذي يدلّ على الإستمرار،

______________________________

(1). سورة المطففّين، الآية 14.

(2). سورة يونس، الآية

12.

(3). سورة فاطر، الآية 8.

(4). سورة النمل، الآية 24.

(5). سورة الكهف، الآية 103.

(6). سورة النساء، الآية 17.

(7). سورة التوبة، الآية 102

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 170

الاخلاق فى القرآن ج 1 190

بمعنى أنّ الأعمال القبيحة، بإمكانها أن توجد تغييرات و تحولات كبيرة، في قلب الإنسان و روحه، فهي كالصّدأ الذي يحجب نورانيّة وصفاء المرآة و يكدّرها.

فالرّذيلة تُقسّي القلب و تسلبه الحَياء، في مقابل الذّنب، فيغلب عليه الشّقاء و الظّلمة، أمّا «الرّين» على وزن «عين»، فهو الصّدأ يعلو على الأشياء الثمينة، نتيجةً لرطوبة الجوّ، فيكوّن طبقةً حمراء تُغطّي ذلك الشّي ء، و هو علامة على فساد ذلك الفِلِز.

فإختيار هذا التعبير هو إختيار مُناسب جدّاً، حيث أكدت عليه الرّوايات الإسلامية، مراراً و تكراراً، و بحثنا الآتي سيكون حول هذا الموضوع.

و في «الآية الثانية»: تعدّت مرحلة الرّين و أشارت إلى مرحلة «التّزيين»، و بناءً عليه فالتكرار لعملٍ ما، يبعث على تزيينه في عين الإنسان و نظره، و تتوافق معه النفس الإنسانية، لدرجةٍ يعتبره الإنسان من المواهب و الإفتخارات التي يتميز بها على الآخرين، فيقول اللَّه تعالى: «كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ».

فجملة: «مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ»، و كذلك «المسرفين»، هي دليلٌ واضحٌ على تكرارِ الذّنب من قبلهم، فالتّكرار لها، لا يمحو قُبحها فقط، بل و بالتّدريج ستتحول الخطيئة إلى فضيلةٍ في نظرهم، و هذا يعني في الحقيقة المسخ لشخصيّة الإنسان، و هو من النتائج المشؤومة لتكرار الذّنوب.

و هناك خلافٌ حول الفاعل، الذي يزيّن لهؤلاء الأفراد أعمالهم القبيحة ...

فقد ورد في بعض الآيات الكريمة، إنتساب ذلك الفعل إلى الباري تعالى، و إعتبره كعقابٍ لهم، لأنّهم أصرّوا على الذّنوب، فالتّزيين هو إستدراج لهم، و ليذوقوا وبال أعمالهم فقال الله تعالى «إِنَّ الَّذِينَ

لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ» «1».

و في الآية (43) من سورة الأنعام، نسب ذلك الفعل للشّيطان الرّجيم، فيقول عن الكفّار

______________________________

(1). سورة النمل، الآية 4.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 171

المعاندين، الذين لا يحبون النّاصحين:

«وَ لَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَ زَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُون».

و مرةً اخرى نسب ذلك الفعل للأصنام، فيقول اللَّه تعالى «وَ كَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ) «1».

و اخرى (و كما ورد في الآية التي هي مورد بحثنا الآن)، ورد بصورة الفعل المبني للمجهول:

«أ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً».

و بنظرةٍ فاحصةٍ نرى، أنّ هذه التّعابير لا تتقاطع فيما بينها، بل أحدها يكمّل الآخر، فمرةً تكون الزّينة عاملًا على تكرار العمل، فالتّكرار يُقلّل من قبح العمل، و يصل إلى مرحلةٍ لا يحسّ معها بالذّنب، و بالإستمرار يحسُن في نظر صاحبه، فيُقيّده و لا يستطيع التّحرر من ذلك الفخ، الذي نُصب له، و هي حقيقةٌ يمكن للإنسان أن يلمسها، بالتتّبع و النّظر لحال المجرمين.

و في موارد اخرى، فإنّ الوساوس الشّيطانية الخارجيّة، و الوساوس الباطنيّة النفسيّة، تزيّن للإنسان سوء عمله، و يصل الأمر به إلى إرتكاب الكبائر، بحجة أنّه يؤدّي واجبه الدّيني فيغتاب شخصاً ما، بدون ذنبٍ و هو يتصور أنّه على حقٍّ، و لكن الحسد في الواقع هو الذي يدفعه الى ذلك، و التأريخ ملي ءٌ بمثل هذه الجنايات الفظيعة، فوساوس النّفس و الشّيطان لا تعمل على التّستر على قبح العمل فقط، بل تجعله من إفتخاراته.

و ربّما يعاقب الباري تعالى، أشخاصاً لعنادهم، و عدم قبولهم النّصحية، و لا يكون العقاب إلّا بتزيين سوء عمل الإنسان، لتشتدّ عقوبته و يفتضح أكثر فأكثر.

و يجب التّنويه، إلى أنّه و طبقاً للتّوحيد الأفعالي، فإنّ كلّ

عملٍ و أثرٍ موجودٍ في هذا العالم، يمكن أن يُنسب إلى اللَّه تعالى، لأنّ ذاته المقدّسة هي علّةٌ العلل، و لا يعني هذا الأمر أنّ الأفراد قد اجبروا على أفعالهم، فالحمد للَّه الذي جعل القوّة و القدرة على الفعل و منَحها لِعباده، و اللعنة على الذين يستعملون تلك القوّة في دائرة الشر و الذّنوب.

و ربّما تقتضي طبيعة الأشياء، التّزيين و الزخرفة، فنقرأ في الآيه (14) من سورة آل عمران:

______________________________

(1). سورة الأنعام، الآية 137.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 172

«زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَ الْبَنِينَ وَ الْقُنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَ الْفِضَّةِ ...».

و إحدى العوامل لتزيين الأعمال القبيحة في نظر الشّخص، التّكرار لها، فهو يُؤثر في نفس و روح الإنسان، و يغيّر أخلاقه، و العكس صحيحٌ، فإنّ تكرار الأعمال الحسنة يصبح ملكةً بالتدريج عند الإنسان، و يبدّله إلى أخلاقٍ فاضلةٍ، و لذلك و لأجل تهذيب النّفوس و نمو الفضائل الأخلاقيّة، نوصي السّالكين في هذا الطّريق، بالإستعانة بتكرار الأعمال الصّالحة، و أن يحذروا من تكرار الأعمال السيئة، فالأوّل هو المعين الناصح للإنسان، و الثاني عدوّ غدّار.

و «الآية الثالثة»: تتحدث عن تزيين سوء أعمال الإنسان أيضاً، فيقول تعالى: «أ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً».

فكما جاء في تفسير الآية السّابقة: فإنّ من العوامل لتزيين سوء الأعمال هو التّكرار، و التّطبيع عليها، و التّدريج يؤدّي إلى أن يفقد الإنسان، الإحساس بِقُبحها، و سوف يولع بها و يفتخر أيضاً.

و اللّطيف أنّ القرآن الكريم، عند ما يسأل ذلك السّؤال، لا يذكر النّقطة المقابلة لها، بصورةٍ مباشرةٍ، و يفسح المجال للسّامع، أن يتصور النّقطة المقابلة بنفسه، و يتفهمها أكثر، فهو يريد أن يقول: هل أنّ هذا الفرد، يتساوى مع من

يميّز الحق من الباطل في حركة الحياة؟، أو هل أنّ هؤلاء الأفراد، يشبهون الأفراد من ذوي القلوب الطّاهرة، الذين يعيشون حالة الإهتمام بمحاسبة أنفسهم، و البعد عن القبائح ...؟.

و يجب الإنتباه، الى أنّ اللَّه تعالى يقول، في ذيل الآية مخاطباً رسوله الكريم:

«فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ».

و هو في الحقيقة عقابٌ للّذين يفعلون القبائح، فيجب أن تكون عاقبتهم كذلك.

و قد جاء في تفسير، «في ظلال القرآن»: أنّ الباري تعالى إذا أراد أن يهدي الإنسان للخير، «بسبب نيّته و عمله»، فيجد في قلبه الحساسيّة و التّوجه الخاص لسوء الأعمال، فهو دائماً على حذرٍ من الشّيطان و الخطأ و الزّيغ و لا يأمن الإختبار، و ينتظر المَدد الإلهي دائماً، و هنا يكون

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 173

الفصل بين طريق الهداية و الفلاح، و بين خطّ الضّلال و الهلاك «1».

و قد ورد، أنّ أحد أصحاب الإمام الكاظم عليه السلام، (او أحد أصحاب الإمام الرضا عليه السلام)، قال:

سألت الإمام عليه السلام ما هو العجب الذي يبطل عمل الإنسان؟

فقال عليه السلام: «العُجبُ دَرَجاتٌ مِنْها أَنْ يُزَيَّنَ لِلعَبْدِ سُوءُ عَمَلِهِ فَيَراهُ حَسَناً فَيُعْجِبُهُ وَ يَحْسَبُ أَنَّهُ يُحْسِنُ صُنعاً» «2».

و «الآية الرابعة»: تتحدث عن مَلِكَة سَبأ، و عاقبتها و الأخبار التي جاء بها الهدهد لسليمان عليه السلام، من تلك الأرض و اولئك القوم:

«وَجَدْتُهَا وَ قَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ زَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ».

فالشّمس مع نورها الوهّاج، و عظمتها و فائدتها؛ لكنّ طلوعها و غروبها، و إنحجابها بالغيوم، تبيّن أنّها هي بدورها أيضاً تابعة لقوانين الكون، و لا إرادة لها أبداً، و لا تستحق التقدير. و لكنّ

الآباء علّمت الأبناء، و التربية الخاطئة و السُنّة الضّالة، و تكرار العمل، حَدَت بالنّاس لتصوّر القبيح في صورةٍ حسنةٍ، و في بعض البلدان، يعبدون البقر، و يؤدّون الطّقوس أمامها، و هو مدعاةٌ للسّخريّة و الضَّحِك، و لكنهم يفتخرون بذلك. و من العوامل المهمّة لذلك، هو التّكرار لذلك العمل الذي عوّد الإنسان على القبيح و جعله حسناً.

و قد يُنسب هذا الفعل للشّيطان، و لكن في الحقيقة، الشّيطان له وسائل متعدّدة للغواية، و منها التّكرار للقبيح و التعوّد عليه.

«الآية الخامسة»: لها نفس المحتوى الوارد في الآيات السابقة، و لكن بتعبيراتٍ جديدةٍ، حيث قال تعالى، مخاطباً رسوله الكريم: «قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا* الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً».

______________________________

(1). تفسير في ظلال القرآن، ج 6، ص 675.

(2). نور الثقلين، ج 4، ص 351، ح 30.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 174

فالكلام عن المتضرّر الأوّل في المعركة، و هو الذي يصرف عمره و فكره و طاقته في الطّريق الغلط، و هو يحسب أنّه يُحسن صُنعاً، و هو فرحٌ و مسرورٌ و يفتخر بذلك.

فلما ذا يُبتلى الإنسان بهذه المصائب؟، ليس ذلك إلّا لأنّه تعوّد على القبائح، و إتّباع هوى النّفس، و الأنانية و العجب، فتجعل الحُجب على قلبه و عقله، فلا يرى الحقيقة واضحةً صائبةً كما هي.

و النتيجة لهذا الأمر، جاءت في الآية التي بعدها فقال تعالى «اولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِم وَ لِقائِهِ وَ حَبِطَتْ أَعْمَالَهُمُ».

و فسرت الروايات الإسلاميّة، هذه الآية بتفسيرٍ و تعبيراتٍ متعددةٍ، و كلٌّ منها هو في الحقيقة مصداقٌ للآية، فبعضها فسّرت الآية بالمنكرين لولاية أمير المؤمنين عليه السلام، و بعضها فسّرت الآية بالرّهبان المسيحيين، فهم الذين يتركون الدنيا بالكامل و

لذائذها، و هم في الحقيقة مخطئون، و يتحرّكون في دائرة الفكر و العمل في الطّريق المنحرف.

و البعض الآخر من الروايات، ذكرت في تفسيرها أنّهم أهل البدع من المسلمين؛ و اخرى فسّروها، بخوارج النّهروان، و قال آخرون: أنّها نزلت في أهل البدع من اليهود و النّصارى، فكلّ هؤلاء الأشخاص على خطأ و أعمالهم مليئةٌ بالإجرام و الظّلم، و لكنهم كانوا يحسبون أنّهم على صواب.

و تجدر الإشارة إلى أنّ، جملة: «حبطت أعمالهم»، التي جاءت في ذيل الآية، هي من مادة «حبط،» و من معانيها المعروفة هو البعير أو حيوان آخر، يأكل العلف بشراهةٍ، حتى العلف السّام و الضار بحيث يؤدي إلى إنتفاخ بطنه، و قد يؤدّي به في بعض الأحيان للموت، فالبعض يتصور أنّ ذلك هو دليل على قوته و قدرته، و لكنّ الحقيقة هي غير ذلك، بل هو المرض بعينه، أو مقدمةٌ لموته، و لكن الجهّال يعتبرونها من القوّة و القدرة.

و قسمٌ من النّاس يبتلون بمثل هذه العاقبة، فيكون كلّ سعيهم و قوتهم لهلاك أنفسهم، و هم يتصورون أنّهم سلكوا طريق السّعادة و الرفاه.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 175

«الآية السادسة»: تتناول مسألة قبول التّوبة من قبل اللَّه تعالى، لمن تتوفر فيهم بعض الشّرائط:

1- الّذين يعملون السّوء بجهالةٍ و لا يعرفون عواقب الذّنوب على نحو الحقيقة.

2- الّذين تابوا بسرعةٍ من أعمالهم القبيحة، فاولئك الّذين تشملهم الرّحمة الإلهيَّة، و يقبل اللَّه تعالى توبتهم، فقال:

«إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَ كَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً».

و المراد من كلمة «الجهالة»، التي وردت في الآيه، ليس هو الجهل المطلق الذي يوجب العذر؛ لأنّ العمل في حالات الجهل المطلق، لا يعتبر من

الذنب، بل هو الجهل النّسبي الذي لا يعلم معه عواقب و معطيات الذّنوب في حركة الواقع و الحياة.

و أمّا جملة: «يتوبون من قريب»، فقال البعض أنّها قبل الموت، و لكن إطلاق كلمة «قريب»، على فترة ما قبل الموت، التي ربّما تستغرق (50) سنة أو أكثر، لا تكون مناسبة لهذا النوع من التّفسير، و إستدل مؤيّدوا هذه النظريّة، برواياتٍ لا تشير إلى هذا التفسير، و لكنّها بيانٌ مستقلٌ و منفصلٌ عنه.

و قال البعض الآخر، إنّها الزّمان القريب لإرتكاب الذّنب، حتى تمسح التوبة الآثار السّيئة للذنب في روح و نفس الإنسان، و في غير هذه الصّورة، فستبقى الآثار في القلب، و هو ما يناسب كلمة القريب عُرفاً و لغةً.

«الآية السابعة»: تناولت مسألة الزكاة و معطياتها، فجاء الأمر للرّسول الكريم: «خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً».

و يتحدث القرآن الكريم عن الزّكاة، و بيان معطياتها الأخلاقيّة و المعنويّة، في خطّ التربية، و يقول: «تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِهَا».

نعم، فإنّ دفع الزكاة يحدّ من الرّكون إلى الدنيا و زخارفها، و يقمع البخل في واقع النفس

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 176

البشريّة، و يحث الإنسان على مراعاة حقوق الآخرين، و يغرس فيه حبّ السّخاء و الإنسانيّة.

و علاوةً على ذلك، فإن دفع الزّكاة يقف بوجه المفاسد النّاشئة عن الفقر و الحرمان، و بأداء تلك الفريضة الإلهيّة، نكون قد شاركنا في إزالتها نهائياً، من واقع المجتمع، لذلك فإنّ الزّكاة تسهم في رفع الرّذيلة و الفقر في حركة الإنسان و الحياة، و تُحلّي الإنسان بالفضائل الأخلاقيّة، و هذا الأخير هو موضوع بحثنا، و هو دور العمل الصّالح و الطّالح، في تحريك عناصر الخير و الشّر، و الفضائل و الرذائل الأخلاقية، في واقع الإنسان و المجتمع.

و جاء نفس

هذا التعيبر بشكلٍ آخر في آية الحجاب فيقول تعال «إذا سَألُتمُوُهُنَّ مَتاعاً فَاسأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجابِ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لَقُلُوبِكُمْ وَ قُلُوبِهِنَّ» «1».

فهذه الآية الشّريفة، تبيّن بوضوح أنّ التعفف في العمل يبعث على طهارة و نظافة القلب، و بالعكس فإنّ الجرأة على إرتكاب المنكر و عدم الحياء، يلوّث روح و قلب الإنسان، و يعمّق في نفسه الميل إلى الرذائل الأخلاقيّة.

النّتيجة:

كان الهدف من شرح الآيات الآنفة الذّكر، هو معرفة تأثير الأعمال في الأخلاق، و بلورتها لروح الإنسان، فلأجل بناء الذّات و تهذيب النّفس، يتوجب مراقبة أعمالنا من موقع الحذر و الإنضباط و المسؤوليّة، لأنّ تكرار الذّنب و الإثم يذهب بقبحه من جهة، و من جهة اخرَى يمنح الإنسان التعوّد عليه، و بالتدريج يصبح ذلك العمل ملكةً لديه، و لا يزعجه فقط، بل و يتحول إلى عنصر فخرٍ من إفتخاراته.

______________________________

(1). سورة الأحزاب، الآية 53.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 177

كيفيّة تأثير «العمل»، في «الأخلاق» في الرّوايات الإسلاميّة:

تعكس الأحاديث الإسلامية بوضوح، ما تقدّم من علاقة العمل بالأخلاق في الآيات الكريمة، ذلك المطلب بوضوح، و من تلك الأحاديث:

1- نقرأ في حديث عن الإمام الصّادق عليه السلام أنّه قال:

«ما مِنْ عَبْدٍ إلّا وَ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ بَيضاءٌ فَإذَا أَذْنَبَ ذَنْباً خَرَجَ في النُّكْتَةِ نِكْتَةٌ سَوداءٌ فَإنْ تابَ ذَهَبَ ذَلِكَ السَّوادُ، و إنْ تَمادَى فِي الذُّنُوبِ زَادَ ذَلِكَ السَّوادُ حتَّى يُغَطِّي البَياضَ، فَإذَا غَطّى البَياضَ لَمْ يَرْجِعْ صاحِبُهُ إلَى خَيرٍ أَبَداً، وَ هُوَ قَولُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ: «بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ» «1».

فهذه الرواية، تُبيّن بوضوح، أنّ تراكم الذّنوب يُفضي إلى ظهور الرذائل في سلوكيات الإنسان، و يدفعه بإتجاه الإبتعاد عن الفضائل، ممّا يورّث النّفس الإنسانيّة الغرق في الظّلام الكامل، و عندها لا يجد الإنسان فرصةً للرجوع إلى طريق الخير، و الانفتاح على اللَّه و الإيمان.

2- الوصيّة المعروفة عن أمير المؤمنين عليه السلام لابنه الحسن عليه السلام، حيث قال له: «إنَّ الخَيرَ عادَةٌ» «2».

و ورد نفس هذا المضمون، في كنز العمّال، في حديثٍ عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، أنّه قال: «الخَيرُ عادَةٌ و الشَّرُ لَجاجَةٌ» «3».

و أيضاً نقل نفس هذا الحديث،

و بشكل آخر، عن الإمام السجّاد عليه السلام، أنّه قال:

«أُحِبُّ لِمَنْ عَوَّدَ مِنْكُمْ نَفْسَهُ عادَةً مِنَ الخَيرِ أَنْ يَدُومَ عَلَيها» «4».

فيستفاد من هذه الروايات، أنّ تكرار العمل، سواء كان صالحاً أم طالحاً، يسبّب في وجود حالة الخير أو الشر عند الإنسان، فإذا كان خيراً فسيشكل مبادي ء الخير في نفسه، و إن كان شرّاً فكذلك، و بكلمةٍ واحدةٍ هو التأثير المتقابل للأعمال، و الأخلاق في حركة الحياة، و

______________________________

(1). اصول الكافي، ج 2، ص 273، ح 20.

(2). بحار الأنوار، ج 74، ص 232.

(3). كنز العمّال، ح 28722.

(4). بحار الأنوار، ج 46، ص 99.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 178

الواقع النّفسي للإنسان.

3- ورد في حديثٍ آخر، عن علي عليه السلام في وصيّته المعروفة، للإمام الحسن عليه السلام:

«وَ عَوّدْ نَفْسَكَ التَّصَبُّرَ عَلَى المَكْرُوهِ، وَ نِعْمَ الخُلُقُ التَّصَبُّرُ في الحَقِّ» «1»

و يتبيّن هنا أيضاً، أنّ «العادة» هي وليدة، التكرار، للعمل مع الصّبر على صعوبات الحياة، من موقع الحقّ و المسؤوليّة.

4- ورد في الرّوايات، التّعجيل بالتّوبة و عدم التّسويف، لئلّا تبقى آثار الذّنوب فاعلةً في القلب، ممّا يؤدّي إلى تحولها إلى ملكةٍ أخلاقيّةٍ راسخةٍ في النفس، فنقرأ في حديثٍ عن الإمام الجواد عليه السلام، أنّه قال:

«تَأَخِيرُ التَّوبَةِ إِغتِرارٌ، وَ طُولُ التَّسْوِيفِ حَيرَةٌ ... وَ الإِصرارِ عَلَى الذَّنبِ آمن لِمَكْرِ اللَّهِ» «2».

و جاء في النّبوي الشّريف حديث آخر، لطيف عن التّوبة و تأثيرها الإيجابي، في تلاشي الذّنوب من واقع النّفس، فقال:

«مَنْ تابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيهِ وَ أُمِرَتْ جَوَارِحَهُ أَنْ تَسْتُرَ عَلَيهِ، وَ بِقاعُ الأرْضِ أَنْ تَكْتُمَ عَلَيهِ وَ أُنْسيَتِ الحَفَظَةُ ما كانَتْ تَكْتُبُ عَلَيهِ» «3».

فهذا الحديث يبيّن أنّ التوبة، تغسل الذّنوب و تعيد الصّفاء و القداسة الأخلاقيّة للإنسان.

و جاء هذا المعنى بصورة أوضح،

في الحديث عن أمير المؤمنين عليه السلام: «التَّوبَةُ تُطَهِّرُ القُلُوبَ وَ تَغْسِلُ الذُّنُوبَ» «4».

فهذا الحديث يبيّن أنّ الذنب يترك آثاره في القلب، في عمليّة تطبيع نفسي لعناصر المزاج، و لكن التّوبة تزيل هذه الآثار، و لا تفسح المجال لتشكّل تلك الأخلاق السلبية، في المحتوى الداخلي للفرد.

و ورد في التعيبر عن التّوبة بأنّها «طهور»، في رواياتٍ عديدةٍ، و هو يحكي عن علاقة

______________________________

(1). نهج البلاغة، رسالة 31.

(2). بحار الأنوار، ج 6، ص 30.

(3). كنز العمّال، ج 10، ص 79.

(4). غُرر الحِكم، ح 3837.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 179

الذّنب بظهور الحالات الباطنيّة القبيحة «1».

و ورد في المناجاة: الخمسة عشر، المعروفة للإمام السجاد عليه السلام، في القسم الأول منها، و هي مناجاة التّائبين:

«وَ أَماتَ قَلْبِي عَظِيمَ جِنايَتِي فأَحْيهِ بِتَوبَةٍ مِنْكَ يا أَمَلِي وَ بُغْيتَي» «2».

نعم! فإنّ الذّنب يكدّر القلب و يلوث النفس الإنسانية، و بتكرار الذنب فإنّ القلب يذبل و يموت، و لكنّ التوبة بإمكانها، أن تعيد النّشاط و الحياة للقلوب، لتعيش جو الإيمان و الطُّهر.

و بناءً عليه، فإنّه يتوجب على السائرين إلى اللَّه تعالى، تحكيم دعائم الفضائل الأخلاقيّة، في وجدانهم و سلوكياتهم، و لينتبهوا لمعطيّات و تبعات أعمالهم الإيجابيّة و السّلبية، فكلّ واحدٍ من تلك الأعمال سيؤثر في القلب، فإنّ كان خيراً فخَير، و إن كان شَرّاً فشرّ.

7- علاقة «الأخلاق» و «التّغذية»

اشارة

ربّما سيتعجب البعض من هذا العنوان، و ما هي علاقة الأخلاق و الروحيّات و الملكات النّفسية بالغذاء، فالأولى للرّوح و الثّانية للجسم، و لكن بالنّظر للعلاقة الوثيقة، بين الجسم و الروح في حركة الحياة و الواقع، فلن يبقى مجالًا للتعجب، فكثيراً ما تسبّب الأزمات الرّوحية في الإصابة بأمراضٍ جسديّةٍ، تضعف جسم الإنسان و تشل عناصر القوّة فيه، فيبيض الشّعر، و

تظلم العين، و تخور القوى عند الإنسان و العكس صحيح أيضاً، فإنّ الفرح و حالات الرّاحة التي يمرّ بها الإنسان، تنمي جسمه و تقوّي فكره، و قديماً توجّه العلماء لتأثير الغذاء على روحيّة الإنسان و سلوكه المعنوي، و تغلغَلت هذه المسألة في ثقافات الناس، على مستوى الموروث الفكري و الوعي الاجتماعي، فمثلًا شِرب الدّم يبعث على قساوة القلب، و العقيدة السّائدة هي أنّ العقل السّليم في الجسم السّليم.

و لدينا آياتٌ و روايات تشير إلى هذا المعنى، و منها الآية (41) من سورة المائدة، فقد

______________________________

(1). بحار الانوار، ج 96، ص 121، و ج 91، ص 132.

(2). المصدر السابق، ج 91، ص 142.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 180

أشارت إلى فئةٍ من اليهود الذين مارسوا أنواعاً كثيرةً من الجرائم بحقّ الإسلام و المسلمين من قبيل التّجسس و تحريف الحقائق الواردة في الكتب السّماويّة، فقال الباري تعالى: «أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ».

و يعقّب مباشرةً قائلًا: «سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ».

و هذا التعبير يبيّن أنّ عدم طهارة قلوبهم، إنّما كان نتيجة لأعمالهم، الّتي منها تكذيب الرّسول و الآيات الإلهيّة، و أكلهم للحرام بصورةٍ دائمةٍ، و من البعيد في خطّ البّلاغة و الفصاحة، أن يأتي بأوصاف لا علاقة لها بجملة: «لَمْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ».

و منها يعلم أنّ أكل السّحت يسوّد القلب و يُميته، و يكون سبباً لنفوذ عناصر الرّذيلة، و الزيغ، و الإبتعاد عن الخير و الفضائل.

و في الآية (91) من سورة المائدة، ورد الحديث عن شرب الخمر و لعب القمار، فقال عزّ من قائل: «إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَ الْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ».

و لا شك فإنّ العداوة و البغضاء، هي من الحالات

الباطنيّة، التي ترتبط برابطةٍ وثيقةٍ مع شرب الخمر و لعب القمار، كما ورد في الآية الشريفة، و هو دليل على أنّ أكل السّحت و الشّراب الحرام يساعد على بروز الرذائل الأخلاقية، و تكريس حالات العداء و الخصومة بين الأفراد، في خط الشيطان.

و نقرأ في الآية (51) من سورة المؤمنون، قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَ اعْمَلُوا صَالِحاً».

و يعتقد بعض المفسّرين أنّ تقارن ذكر هذين الأمرين: و هما «أكل الطّيبات و العمل الصالح»، هو خير دليلٍ على وثاقة العلاقة بينهما، و هي إشارةٌ إلى أنّ إختلاف و تنوّع الأكلات و الأطعمة، له معطيات أخلاقية مختلفة و متنوّعة أيضاً، فأكل الطيّبات، يطيّب الرّوح و يصلح العمل، و بالعكس فإنّ الأكل الحرام يُظلم الرّوح، و يخبّث العمل «1».

و قد إستدلّ في تفسير «روح البيان»، و بعد إشارته لعلاقة العمل الصّالح بأكل الطيّبات،

______________________________

(1). يرجى الرجوع إلى تفسير الأمثل، ذيل الآية 51، من سورة المؤمنون.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 181

بالأشعار التالية:

و أشار في تفسير: «الإثني عشري»، في ذيل هذه الآية، إلى علاقة نورانيّة القلب و صفائه، و الأعمال الصّالحة بأكل الحلال «1».

علاقة التّغذية بالأخلاق في الرّوايات الإسلاميّة:

هذه العلاقة لم ترد في الآيات القرآنية بصورةٍ واضحة، و لا يوجد لها سوى إشاراتٌ خفيفةٌ، و لكن هذا الأمر: «علاقة التّغذية بالأخلاق»، له صدى واسع في الرّوايات، و نورد منها:

1- نقرأ في الرّوايات الواردة، أنّ من شروط إستجابة الدّعاء هو الإمتناع عن أكل الحرام، حيث جاء شخص إلى رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، و قال له:

احِبُّ أنْ يُستَجاب دُعائِي، فقال له رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: «طَهِّرْ مَأَكَلَكَ وَ لا تَدْخُلْ بَطْنَكَ الحَرامَ» «2».

و جاء في حديثٍ آخر عنه صلى

الله عليه و آله، أنّه قال: «مَنْ أَحَبَّ أنْ يُستَجابَ دُعاءهُ فَليُطَيِّبْ مَطْعَمَهُ وَ مَكْسَبَهُ» «3».

و نقرأ في حديثٍ آخر عن الإمام الصادق عليه السلام، أنّه قال: «أَنَّ اللَّهَ لا يَسْتَجِيبُ دُعاءً بِظَهْرِ قَلبٍ قاسٍ» «4».

و يستنتج من ذلك، أنّ الأكل الحرام يُقسّي القلب، و لأجله لا يستجاب دعاء آكلي الحرام، و تتوضح العلاقة الوثيقة بين خبث الباطن و أكل الحرام، في ما ورد عن الإمام الحسين عليه السلام، في حديثه المعروف في يوم عاشوراء، ذلك الحديث الملي ء بالمعاني البليغة، أمام اولئك القوم

______________________________

(1). تفسير الإثني عشري، ج 9، ص 145.

(2). بحار الأنوار، ج 90، ص 373.

(3). المصدر السابق، ص 372.

(4). المصدر السابق، ص 305.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 182

المعاندين للحقّ من أهل الكوفة، فعند ما آيس من تحولهم إلى دائرة الحقّ و الإيمان، و إستيقن أنّهم لن يستجيبوا له في خط الرسالة قال لهم: إنّكم لا تسمعون إلى الحق لأنّه قد: «مُلِئَتْ بُطُونُكُم مِنَ الحَرامِ فَطبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِكُم» «1».

2- و يبيّن حديث آخر، علاقة الأكل الحرام بعدم قبول الصّلاة و الصّيام و العبادة، و منها ما ورد عن الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله: «مَنْ أَكَلَ لُقْمَةَ حَرامٍ لَنْ تُقْبَلَ لَهُ صلاةُ أَربَعِينَ لَيلَةً، وَ لَمْ تُسْتَجَبْ لَهُ دَعوَةُ أَربَعِينَ صَباحاً، وَ كُلُّ لَحْمٍ يُنٌبِتُهُ الحَرامُ فَالنَّارُ أَولَى بِهِ، وَ إنَّ اللُّقْمَةَ الواحِدَةَ تُنْبِتُ اللَّحْمَ» «2».

و من الطبيعي فإنّ قبول الصّلاة له شروطٌ عديدةٌ، و منها: حضور القلب و طهارته من الدّرن و الغفلة، و الحرام يسلب منه تلك الطّهارة و الصّفاء، و يخرجه من أجواء النّور و الإيمان.

3- نقل عن الرسول الأكرام صلى الله عليه و آله، و الأئمّة عليهم السلام،

أنّ: «مَنْ تَرَكَ اللَّحْمَ أَربَعِينَ صَباحاً ساءَ خُلُقُهُ» «3».

و هذا الحديث يبيّن نصيحة طِبيّةً مهمّةً، و هي أنّ الإنسان إذا ترك أكل اللّحم، لمدّة طويلة، فسيورثه سوء الخلق و الإنقباض في النّفس، في دائرة التّفاعل مع الآخرين، و ورد في مقابله العكس أيضاً، و هو ذمّ الإفراط في تناول اللّحم و الإكثار منه، فإنّ من شأنه أن يورثه نفس الأعراض و الأمراض الخُلقية.

4- و قد ورد في كتاب: «الأطعمة و الأشربة»، روايات ذكرت العلاقة بين الأطعمة و الأخلاق الحسنة و السيئة و منها:

ما ورد عن الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله أنّه قال: «عَلَيكُم بِالزَّيتِ فإنّهُ يَكْشِفُ المُرَّةَ ... وَ يُحْسِّنُ الخُلُقَ» «4».

5- في حديث آخر عن الإمام الصادق عليه السلام قال: «مَنْ سَرَّهُ أنْ يَقِلَّ غَيْظَهُ فَلْيَأكُلْ لَحمَ الدُّراجِ» «5».

______________________________

(1). نقلًا عن كتاب «سخنان علي عليه السلام از مدينة تا كربلا»، ص 232.

(2). سفينة البحار، ج 1، مادة الأكل.

(3). وسائل الشيعة، ج 17، ص 25، الباب 12.

(4). المصدر السابق، ص 12.

(5). فروع الكافي، ج 6، ص 312.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 183

و هذا الحديث يبيّن بصورة جيدة علاقة الغذاء بالغضب و الصّبر.

6- في روايةٍ مفصّلة وردت في تفسير العياشي، نقلها عن الإمام الصّادق عليه السلام، حيث سئل عن علّة تحريم الدم، فقال عليه السلام:

«وَ أَمَّا الدَّمُ فَإَنَّهُ يُورِثُ الكَلَبَ وَ قَسْوَةَ القَلبِ وَ قِلَّةَ الرَّأفَةِ وَ الرَّحمَةِ لا يُؤمِنُ أَنْ يَقْتُلَ وَلَدَهُ وَ والِدَهُ».

و في القسم الآخر من نفس الرواية، قال عليه السلام:

«وَ أَمَّا الخَمْرُ فإنَّه حَرَّمَها لِفِعْلِها وَ فَسادِها وَ قَالَ إِنَّ مُدْمِنَ الخَمْرِ كَعابِدِ الوَثَنِ، وَ يُورِثُ إِرتِعاشَاً وَ يُذْهِبَ بِنُورِهِ وَ يَهْدِمَ مُرُوَّتَهُ» «1».

7- و نقل في الكافي روايات متعددة،

عن العنب و علاقته بإزالة الغم، و منها ما روي عن الإمام الصادق عليه السلام، أنّه قال: «شَكى نَبِيٌّ مِنَ الأنبِياءِ إِلى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ الغَمَّ فَأَمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِأَكْلِ العِنَبِ» «2».

فنلاحظ تأكيداً أشدّ على علاقة التغذية بالمسائل الأخلاقية، التي تعكس الحالة النفسية للفرد.

8- الأحاديث التي وردت في أكل الرمان كثيرة، و أنّها تنوّر القلب و تدفع وساوس الشيطان، فجاء عن الإمام الصّادق عليه السلام:

«مَنْ أَكَلَ رُمّانَةً عَلَى الرِّيقِ أَنارَتْ قَلْبَهُ أَربَعِينَ يَوماً» «3».

9- وَردت روايات متعددة في باب «الأكل»، نرى فيها العلاقة المطّردة بين التغذية و المسائل الأخلاقيّة، في دائرة الصّفات و الحالات النفسية، و منها الحديث الوارد عن الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله، في وصيته لجعفر بن أبي طالب رضى الله عنه، فقال له: «يا جَعْفِرُ كُلِ السَّفَرجَلَ فَإِنّهُ يُقَوي القَلْبَ وَ يُشْجِعُ الجَبَانَ» «4».

10- و نقل عن الرسول الأعظم صلى الله عليه و آله، حديث يروي علاقة فضول الطعام بقساوة القلب،

______________________________

(1). تفسير البرهان، ج 1، ذيل الآية 3، سورة المائدة؛ و مستدرك الوسائل، ج 16، ص 163.

(2). الكافي، ج 6، ص 351، ح 4.

(3). المصدر السابق، ص 354، ح 11.

(4). المصدر السابق، ص 357، ص 4.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 184

فنقل عنه صلى الله عليه و آله في كتاب «أعلام الدّين»:

«إِيَّاكُم وَ فُضُولَ المَطْعَمِ فَإِنّهُ يَسِمُ القَلْبَ بِالقَسوَةِ وَ يُبْطِئ بِالجَوارحِ عَنِ الطّاعَةِ وَ يَصُمُّ الهِمَمَ عَنْ سِماعِ المَوعِظَةِ».

«فضول الطعام»: يمكن أن تكون إشارةً لإدخال الطعام على الطعام، و الأكل الزّائد عن الحاجة، أو أنّها تدل على تناول الطّعام المتبقي من الوجبات السّابقة، أي بقايا الطعام الفاسد، و على أيّة حال، فإنّ الحديث يدل على علاقة التّغذية

بالمسائل الأخلاقية، التي تُؤطّر سلوك الإنسان في حركة الحياة.

و ورد هذا المعنى أيضاً في بحار الأنوار الذي نقل الحديث عن رواة أهل السنة، و نقلوه أيضاً عن الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله «1».

و يستفاد من هذا الحديث ثلاثة امور:

1- إنّ الأكل الزائد يُقسّي القلب.

2- و يقعد الإنسان عن العبادة في دائرة الكسل و الاسترخاء.

3- يُصمّ آذانه في مقابل الوعظ، فلا تؤثر فيه النّصيحة و الموعظة في خطّ التربية، و هذا الأمر ملموس فعلًا، فإنّ الإنسان يثقل عند الأكل الكثير، و لا يكاد أن يؤدّي عبادته من موقع الشّوق و الرّغبة، و لا يبقى لديه نشاط في خطّ العِبادة، و بالعكس في حالة ما إذا تناول طَعاماً خفيفاً، فسيكون دائماً على نشاطٍ في حركة الإيمان، و يؤدّي عباداته و وظائفه في وقتها المعين لها.

و كذلك بالنّسبة للصّيام، فهو يرقّق القلب و يهيئ الإنسان لقبول المواعظ، و بالعكس عند ما يكون الإنسان ملي ء البطن، فإنّه لا يكاد يفكر في شي ءٍ من عوالم الغيب، و لا يعيش في أجواء المَلكوت.

11- و قد بيّنت الأحاديث الشريفة أيضاً، علاقة العسل بصفاء القلب، فنقل عن أمير

______________________________

(1). بحار الأنوار، ج 74، ص 182.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 185

المؤمنين عليه السلام، أنّه قال: «العَسَلُ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ داءٍ وَ لا داءَ فِيهِ يُقِلُّ البَلْغِمَ وَ يُجَلِّي القَلْبَ» «1».

النّتيجة:

تبيّن ممّا ذكر آنفاً، العلاقة الوثيقة بين الغذاء و الروحيّات و الأخلاق، و نحن لا ندّعي أبداً أنّ الأكل و الغذاء هو العلّة التّامة لبلورة الأخلاق، و لكنّه يمثل عاملًا مُساعداً في ذلك، بحلاله و حَرامه، و أنواعه.

و يقول علماء العصر الحاضر، أنّ السّلوكيات الأخلاقية عند الإنسان، تنطلق من خلال ترشّح بعض الهرمونات

من الغدد الموجودة في جسم الإنسان، و الغُدد بدورها، تتأثر مباشرةً بما يأكله الإنسان، و على هذا الأساس، فإنّ لحومَ، الحيوانات تحمل نفس الصّفات النفسيّة الموجودة في الحيوان، فالضّواري تفعّل فِعْلَ عناصر التّوحش في الإنسان، و الخنزير يذهب بالغيرة عند الإنسان، و هكذا فإنّ لحم أيّ حيوان، يخلف بصماته على روح آكله مباشرةً، و ينقل إليه صفاته.

هذا من الناحية الماديّة الطبيعيّة، و أمّا من الناحيّة المعنويّة، فإنّ أكل الحرام يُظلم الروح و القلب، و يُضعف الفضائل الأخلاقيّة كما تقدم.

و أخيراً نختم هذا البحث، بنقل قصّةٍ تاريخيةٍ نقلها المسعودي في مروجه، فقال:

نقل عن الفضل بن الرّبيع أنّ «شريك بن عبد اللَّه»، دخل يوماً على «المهدي»، الخليفة العبّاسي في وقتها فقال له المهدي العباسي: «أي شريك»، أعرض عليك ثلاثة امور، عليك أن تختار إحداها، فقال ما هي؟، فقال له: إمّا أن تقبل منصب القضاء، أو أن تعلّم إبني، أو تأكل معنا على مائدتنا، ففكّر شريك قليلًا، و قال إنّ الأخيرة أسهلها، فحجزه المهدي، و قال لطبّاخه، حضّر له أنواعاً من أطباق أمخاخ الحيوانات، المخلوطة بالسّكر و العسل.

فعند ما أكلَ شريك من ذلك الطعام اللّذيذ، «و طبعاً الحرام»، قال الطبّاخ للمهدي، إنّ هذا

______________________________

(1). بحار الأنوار، ج 63، ص 394.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 186

الشّيخ لن يُفلح أبداً بعد هذا الطّعام، فقال الرّبيع: و فعلًا قد صدقت نبوءة الطبّاخ، فإنّ شريك بعدها قبل منصب القضاء، و علّم أبناء المهدي أيضاً «1».

الصفات و الأعمال الأخلاقيّة:

من المعلوم أنّ كلّ فعلٍ يفعله الإنسان له أصلٌ و أساس في باطنه و محتواه الدّاخلي، أو بعبارةٍ اخرى، إنّ الأعمال هي مرآة باطن الإنسان، فإحداهما بمنزلة الجذر، و الاخرى بمنزلة السّاق و الأوراق و الّثمر.

و بناءً عليه:

فإنّ الأعمال الأخلاقيّة، لا تنفك عن الصّفات الأخلاقيّة، فمثلًا النّفاق، له جذوره في روح الإنسان، و يحكي عن إزدواجيّة ذلك الشّخص، و عدم توحيده في دائرة الإيمان، فهذه الصّفة الباطنيّة تحثّ الإنسان على سلوك طريق النّفاق و الرّياء مع الغير.

الحسد أيضاً من الصّفات الباطنيّة السلبيّة، حيث يتمنى معه الشّخص الحاسد، زوال النّعم التي أعطاها الباري تعالى لغيره، و تتجلى هذه الصّفة الذّميمة في أعماله و أفعاله، التي يريد بها التّصدي لسعادةِ ذلك المحَسود من موقع العداوة و الخصومة.

الكِبَر و الغُرور، هي صفاتٌ باطنيّة كذلك، نشأت من جهل الإنسان لقدره و مقامه، و هي ناشئةٌ من عدم تحمل الإنسان لثقل المواهب الإلهيّة، التي يُعطيها الباري له، و يتبيّن هذا الأمر من تصرفاته، و عدم إعتنائه بالغير، و بذاءة لسانه و تحقيره للآخرين.

و رُبّما، و لأجل ذلك لم يفرق علماء الأخلاق بين هذين الإثنين في كتبهم الأخلاقيّة، فمرّةً يعرّجون على الصّفات الداخلية للإنسان، و اخرى يتطرّقون للأعمال الخارجيّة، التي تستمد مقوّماتها من عالم الصّفات الباطنيّة، فيطلق على الأول: «الصّفات الأخلاقية»، و على الثاني:

«الأعمال الأخلاقيّة».

و طبعاً الأعمال الأخلاقية، هي موضوع المباحث الفقهيّة لدى الفُقهاء، و لكن و مع ذلك، فإنّ علماء الأخلاق قد تناولوها بالبحث في دائرة السّلوك الأخلاقي للفرد، و من الطّبيعي فإنّ نظرة عالِم الأخلاق، تختلف عن نظرة الفقيه، فالفقيه يبحث المسألة في إطار الأحكام الخمسة:

______________________________

(1). سفينة البحار، مادة «شريك»؛ و مروج الذهب، ج 3، ص 310.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 187

(الحُرمة، الوُجوب، و الإستحباب، و الكراهة، و الإباحة)، و لربّما تطرّق للثواب و العقاب، للأعمال في نطاق الحياة الآخرة، و لكن عالِم الأخلاق ينظر إليها من منظار كمال الرّوح و النّفس، أو إنحطاطها و تسافلها

في خطّ الإنحراف، و بهذا يتبيّن الفرق بين الصّفات و الأفعال الأخلاقية، و يتمّ من خلالها تمييز نظر الفقيه عن نظر عالِم الأخلاق.

12

الخُطى العمليّة في طريق التّهذيب الأخلاقي

اشارة

نتطرّق في هذا الفصل للعوامل الّتي تساعد على تربية، و نمو «الفضائل الأخلاقيّة»، و تقرّب الإنسان من اللَّه تعالى خطوةً خطوة، و هذا البحث، غاية الأهميّة في علم الأخلاق، و يتناول اموراً عديدة:

الخطوة الاولى: التّوبة

اشارة

يقول كثير من علماء الأخلاق، إنّ الخطوة الاولى لتهذيب الأخلاق و السّير إلى اللَّه، هي «التّوبة»، التّوبة التي تمحو الذّنوب من القلب و تبيّض صفحته و تجعله يتحرك في دائرة النور، و تنقله من دائرة الظّلمة، و تخفف ثقل الذّنوب من خزينه النّفساني، و رصيده الباطني، و تمهّد الطّريق للسّير و السّلوك إلى اللَّه تعالى، في خط الإيمان و تهذيب النّفس.

يقول المرحوم: «الفيض الكاشاني»، في بداية الجزء السابع من كتابه: «المحجّة البيضاء»، الذي هو في الواقع، بداية الأبحاث الأخلاقيّة:

(فإنّ التّوبة من الذنوب، و الرّجوع إلى ستار العُيوب و علّام الغيوب، مبدأ طريق السّالكين، و رأس مال الفائزين، و أوّل إقدام المريدين، و مفتاح إستقامة المائلين و مطلع الإصطفاء و الاجتباء للمقرّبين!).

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 190

و بعدها يشير إلى حقيقةٍ مهمّةٍ، و هي أنّ أغلب بني آدم يتورطون غالباً بالمعاصي، و يشير إلى معصية آدم: (التي هي في الواقع، من ترك الأولى)، و توبته منها، و يقول: «و ما أجدر بالأولاد الإقتداء بالآباء و الأجداد، فلا غرو إن أذنب الآدمي و إجترم، فهي شنشنةٌ يعرفها من أخزم، و من أشبه أباه، فما ظَلم، و لكنّ الأب إذا جبر بعد كسر، و عمّر بعد أن هدم، فليكن النزوع إليه في كلا طرفي، النّفي و الإثبات و الوجود و العدم، و لقد قلع آدم سنّ النّدم، و تندّم على ما سبق منه و تقدّم، فمن إتّخذه قدوةً في الذنب دون التّوبة فقد زلّت به

القدم، بل التجرد لمحض الخير دأب الملائكة المقرّبين، و التجرُّد للشرّ دون التّلافي، سجيّة الشّياطين، و الرّجوع إلى الخير بعد الوقوع في الشرّ ضرورة الآدميين، فالمتجرّد للخير ملك مقرّب، عند الملك الدّيان، و المتجرّد للشرّ شيطان، و المتلافي للشرّ بالرجوع إلى الخير بالحقيقة إنسان.

و المصرّ على الطّغيان، مسجّل على نفسه بنسب الشّيطان، فأمّا تصحيح النّسب بالتجرّد لمحض الخير إلى الملائكة، فخارج عن حيّز الإمكان، فإنّ الشرّ معجون مع الخير، في طينة آدم، عجناً محكماً لا يخلّصه إلّا إلى إحدى النارين: نار الندم أو نار جهنم» «1».

أو بعبارة اخرى: أنّ الإنسان غالباً ما يُخطي ء، و خصوصاً في بداية سيره إلى اللَّه تعالى، فإذا ما وجد أنّ أبواب العودة موصدةٌ في وجهه، فسيورثه اليأس الكامل، و يبقى يُرواح في مكانه، و لذلك فإنّ التّوبة تعتبر من الاصول المهمّة في الإسلام، فهي تدعو كلَّ المذنبين إلى العمل لإصلاح أنفسهم، و الدّخول في دائرة الرّحمة الإلهيّة، و السّعي لجبران ما مضى.

و قد بيّن الإمام السّجاد عليه السلام، في مناجاته: «مناجاة التائبين» أفضل و أحلى صورة لها، فقال:

«إِلَهي أَنْتَ الّذِي فَتَحْتَ لِعبادِكَ باباً إِلى عَفْوِكَ سَمَّيْتَهُ التَّوبَةَ فَقُلْتَ تُوبُوا إِلى اللَّهِ تَوبَةً نَصُوحاً، فَما عُذْرُ مِنْ أَغْفَلَ دُخُولَ البابِ بَعْدَ فَتْحِهِ» «2».

و الجدير بالذكر أنّ الباري تعالى يحبّ التّائبين، لأنّ التّوبة تعتبر الخطوة الاولى لكي

______________________________

(1). المحجّة البيضاء، ج 7، ص 6 و 7، مع التلخيص.

(2). المناجاة الخمسة عشر للإمام السجاد عليه السلام، المناجاة الاولى؛ بحار الأنوار، ج 94، ص 142.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 191

الاخلاق فى القرآن ج 1 219

يعيش الإنسان في أجواء السّعادة و الحياة الكريمة.

و قد ورد عن الإمام الباقر عليه السلام: «إِنّ اللَّهَ تَعالى أشَدُّ

فَرَحاً بِتَوبَةِ عَبْدِهِ، مِنْ رَجُلٍ أَضَلَّ راحِلَتَهُ وَ زادَهُ، فِي لَيلَةٍ ظَلْماءَ فَوَجَدها» «1».

فهذا الحديث مزج بكنايات خاصة و عبارات جذابة، ليبيّن أنّ التّوبة في الواقع، الزّاد و الرّاحلة لعبور الإنسان من وادي الظّلمات، ليصل إلى معدن النّور و الرّحمة، و يعيش حالات الكرامة في الصفات الإنسانيّة.

و على أيّة حال، فإنّ ما يطرح في مبحث التّوبة امورٌ عديدةٌ، أهمّها هي:

1- حقيقة التّوبة.

2- وجوب التّوبة.

3- عمومية التّوبة.

4- أركان التّوبة.

5- قبول التّوبة، هل عقلي أو نقلي؟

6- تقسيم التّوبة و تجزئتها.

7- دوام التّوبة.

8- مراتب التّوبة.

9- معطيات و بركات التّوبة.

1- حقيقة التّوبة

«التوبة» في الأصل، هي الرجوع عن الذّنب «هذا إذا ما نسبت للمذنبين»، و لكن الآيات القرآنية و الرّوايات نسبتها إلى الباري تعالى، و عليه فيصبح معناها: الرجوع إلى الرّحمة

______________________________

(1). اصول الكافي، ج 2، باب التوبة، ص 435، ح 8.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 192

الإلهيّة، تلك الرحمة التي سُلبت من الإنسان إثر إرتكابه للمعصية و الذّنب، فبعد عودته لموقع العبودية و العبادة، تمتد إليه الرّحمة الإلهيّة من جديد، و بناءاً على ذلك فإنّ أحد أسماء الباري تعالى، هو (التواب).

و «التّوبة» في الحقيقة: هي مشترك لفظي أو معنوي بين اللَّه و عباده، (و لكن إذا ما نُسبت للعبد، تتعدى بكلمة «إلى»، و إذا ما نُسبت للباري تعالى، فهي تتعدى بكلمة «على») «1».

و ورد في «المحجّة البيضاء»، عن حقيقة التّوبة فقال: «إعلم أنّ التّوبة عبارةٌ عن معنى ينتظم و يلتئم، من ثلاثة امورٍ مرتّبةٍ: علم و حال و فعل، فالعلم أوّل و الحال ثان و الفعل ثالث، أمّا العلم فهو معرفة عِظم ضرر الذنوب، و كونها حجاباً بين العبد و بين كلّ محبوب، فإذا عرفت ذلك معرفةً محقّقةً بيقينٍ غالب على قلبه،

ثار من هذه المعرفة، تألّمٌ للقلب بسبب فوات المحبوب، فإنّ القلب مهما شعر بفوات محبوبه تألّم، فإن كان فواته بفعله تأسّف على الفعل المفوّت، فيسمّى تألّمه بسبب فعله المفوّت لمحبوبه ندماً، فإذا غلب هذا الألم على القلب و إستولى؛ إنبعث من هذا الألم في القلب، حالةً اخرىً تسمّي إرادةً و قصداً إلى فعلٍ له تعلّق بالحال و بالماضي و الإستقبال.

فثمر نور هذا الإيمان مهما أشرق على القلب، نار الندم فيتألّم به القلب، حيث يبصر بإشراق نور الإيمان أن صار محجوباً عن محبوبه» «2».

و هو الشّي ء الذي يدعوه البعض: بالثّورة الروحيّة و النفسيّة، و يعتبرون التّوبة نوعاً من الإنقلاب الرّوحي، في باطن الإنسان على كلّ شي ء، و تحثّه هذه الحالة على إتخاذ موقف جديد، حيال أعماله و برامجه الآتية، من موقع الوضوح في الرّؤية لعناصر الخير و الشرّ.

2- وجوب التّوبة

إتّفق علماء الإسلام على وجوب التّوبة، و كذلك فإنّ القرآن قد صرّح بها في الآية (8)

______________________________

(1). تفسير الفخر الرازي و تفسير الصّافي، ذيل الآية 37 من سورة البقرة.

(2). المحجّة البيضاء، ج 7، ص 5.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 193

من سورة التّحريم: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَ يُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ».

إنّ كلّ الأنبياء عند ما يتقلدّون أعباء الرّسالة، فأوّل شي ء يدعون إليه هو التّوبة، لأنّه بدون التّوبة و تنقية القلب، لا يوجد مكان للتّوحيد و الفضائل في أجواء النّفس و واقع الإنسان.

فالنّبي هود عليه السلام، أوّل ما دعى قومه: إلى التّوبة و الإستغفار، فقال تعالى «وَ يَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ» «1»

و كذلك النّبي صالح عليه السلام، جعل التّوبة أساساً لعمله و دعوته، فقال

تعالى «فَآسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ» «2».

ثم النّبيّ شعيب عليه السلام، الذي تحرك في دعوته من هذا المنطلق، فقال تعالى «وَ آسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ» «3».

و دعمت الروايات ذلك الأمر، و أكّدت على وجوب التّوبة الفوريّة، و منها:

1- وصية الإمام علي عليه السلام لإبنه الإمام الحسن عليه السلام:

«وَ إِنْ قَارَفْتَ سَيِّئَةً فَعَجِّلْ مَحوَها بِالتَّوبَةِ» «4».

طبعاً حاشا للإمام أن يقترف الذّنوب، و لكن قصد الإمام علي عليه السلام هنا، تنبيه الآخرين إلى هذا المعنى.

2- قال الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله، لإبن مسعود:

«يا بنَ مَسْعُودَ لا تُقَدِّمِ الذَّنْبَ وَ لا تُؤَخِرِ التَّوبَةَ، وَ لَكِنْ قَدِّمِ التَّوبَةَ وَ أَخِّرِ الذَّنْبَ» «5».

3- و في حديثٍ آخر، قال الإمام علي عليه السلام: «مُسَوِّفُ نَفْسِهِ بِالتَّوبَةِ مِنْ هُجُومِ الأَجَلَ عَلَى أعْظَمِ الخَطَرِ». «6»

______________________________

(1). سورة هود، الآية 52.

(2). سورة هود، الآية 61.

(3). سورة هود، الآية 90.

(4). بحار الأنوار، ج 74، ص 208.

(5). بحار الأنوار، ج 74، ص 104.

(6). مستدرك الوسائل، ج 12، ص 130.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 194

4- و قال الإمام الرضا عليه السلام نقلًا عن الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله:

«لَيسَ شَي ءٌ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ مِنْ مُؤمِنٍ تائِبٍ أو مُؤمِنَةٍ تائِبَةٍ» «1».

و يمكن أن يكون هذا الحديث دليلًا على وجوب التّوبة، لأنّها أحبّ الأشياء إلى اللَّه تعالى في دائرة السّلوك البشري.

مضافاً إلى ذلك، هناك دليلٌ عقلي على وجوب التّوبة، و هو أنّ العقل يحكم، بوجوب دفع الضّرر المحتمل أو المتيقن، و تحضير وسائل للنجاة من العذاب الإلهي، و بما أنّ التّوبة هي أفضل وسيلةٍ للنجاة من العذاب، فلذلك يحكم العقل السليم بوجوبها، فالعاصين أنّى لهم الخلاص، من العذاب الدّنيوي و الاخروي، و لمّا

يتوبوا بعد؟!

نعم، فإنّ التّوبة واجبةٌ، بدليل القرآن و الرّوايات و العقل، إضافةً إلى قبول المسلمين لها أجمع، و بناءً عليه فإنّ الأدلّة الأربعة تحكم بوجوب التّوبة، و وجوبها فوري، و قد تطرق علم الاصول لهذا الأمر، على أساس أنّ الأوامر كلّها ظاهرةٌ في الوجوب ما لم يثبت العكس.

3- عموميّة التوبة

لا تختص التّوبة بذنبٍ من الذنوب، أو شخص من الأشخاص، و لا تتحدّد بزمانٍ و لا مكانٍ و لا عمرٍ محدد.

و عليه فإنّ التّوبة تشمل جميع الذّنوب و تستوعب كلّ فردٍ في أي مكانٍ أو زمانٍ كان، و إذا ما إحتوت على كلّ الشّروط، فستُقبل من قبل الباري تعالى، و الاستثناء الوحيد الذي لا تُقبل فيه التّوبة، و الذي أشار إلى القرآن الكريم، هو: التّوبة عند حضور الموت، أو نزول العذاب الإلهي، (كما تاب فرعون في آخر لَحَظات عمره)، فعندها لن تُقبل توبته، لأنّ التّوبة عندها ليست توبةً حقيقيّةً، و لا هي صادرةٌ من الشّخص من موقع الإختيار، فيقول الباري تعالى:

«وَ لَيْسَتْ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ إِنّي تُبْتُ

______________________________

(1). مستدرك الوسائل، ج 12، ص 125.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 195

الْانَ وَ لَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَ هُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً» «1».

و نقرأ في قصّة فرعون: عند ما إنفلق البحر لموسى عليه السلام، و تبعه فرعون و جنوده، و اغرِق فرعون، فقال: «آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَ أَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ» «2».

و لكنّه سمع الجواب مباشرةً، فقال تعالى: «أَلْآنَ وَ قَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَ كُنْتَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ» «3».

و أمّا بالنسبة للُامم السّابقة، فقال تعالى: «فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَ كَفَرْنَا بِمَا كُنَّا

بِهِ مُشْرِكِينَ».

فأجابهم القرآن الكريم: «فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ في عِبَادِهِ وَ خَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ» «4»

و كذلك بالنّسبة للحدود الإلهيّة، عند ما يقع المجرم في أيدي العدالة، فلن تقبل توبته، لأنّه لم يتب واقعاً بل خوفاً من العقاب لا غير.

فالتّوبة التي لا تقبل من الباري تعالى، هي التّوبة التي تخرج من شكلها الإختياري في مسيرة الإنسان.

و قال البعض: توجد ثلاثة موارد اخرى لا تقبل فيها التوبة:

الأول: «الشّرك»، حيث يقول القرآن الكريم: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ» «5».

و لكن هذا الأمر يبتعد عن الصّواب و الصّحة، بل أنّ الآية لم تتكلم عن التّوبة، و لكنّها تحدثت عن العفو عن المشرك من دون توبةٍ، و إلّا فانّ كلّ الأشخاص قبل الإسلام، تابوا من

______________________________

(1). سورة النّساء، الآية 18.

(2). سورة يونس، الآية 90.

(3). سورة يونس، الآية 91.

(4). سورة غافر، الآية 84 و 85.

(5). سورة النّساء، الآية 48.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 196

شركهم و قبلت توبتهم، و كذلك كلّ من يدخل في الإسلام في عصرنا الحاضر، فتوبته مقبولةٌ عند جميع علماء المسلمين، و لكن إذا مات المُشرك و هو على شِركه، فلن يتوب اللَّه تعالى عليه، أمّا في حالة أن يموت على التّوحيد، و لكنّه قد إرتكب ذنوباً في سالف حياته، فمن الممكن أن يعفو عنه اللَّه تعالى، و هذا ما نستوحيه من مفهوم الآية الكريمة.

و خلاصة القول، أنّ المشركين لن يشملهم العفو الإلهي المنفتح على الخلق، بل هو للمؤمنين الموحّدين، و التّوبة تغفر كلّ الذنوب حتى الشّرك.

ثانياً و ثالثاً: يجب أن تكون التّوبة مُباشرةً بعد الذنب، و لا تؤخّر إلى وقتٍ بعيدٍ،

و كذلك يجب أن يكون إرتكاب الذنب عن جهالةٍ لا عن عنادٍ، و نقرأ في الآية (17) من سورة النساء:

«إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَ كَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً».

و الجدير بالملاحظة، أنّ كثيراً من المفسّرين، حملوا هذه الآية على التّوبة الكاملة، لأنّه من الطّبيعي، عند ما يُذنب الإنسان من موقع العناد و الغيّ، ثم يتوجّه لحقيقة الحال، و يندم على أفعاله السّابقة، فإنّ الباري تعالى يتوب عليه، و قد حدّثنا التأريخ عن نماذج كثيرةً و أفراداً كانوا في صفوف المُعاندين و الأعداء، ثم رجعوا عن غيّهم و تابوا، و عادوا إلى حضيرة الإيمان و الصّلاح.

و من المعلوم حتماً، لو أنّ الإنسان أمضى عمره بالذّنوب و العصيان، و لكن تاب بعدها توبةً نصوحاً، و تحول من دائرة المعصية و الإثم، إلى دائرة الطّاعة و الإيمان، فإنّ اللَّه تعالى سيقبل توبته لا محالة.

و نقرأ في الحديث المشهور عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله، أنّه قال:

«مَنْ تابَ إِلى اللَّهِ قَبْلَ مَوتِهِ بِسَنَةٍ تابَ اللَّهُ عَليهِ، وَ قَالَ: ألا وَ سنَةُ كَثِيرَ، مَنْ تابَ إِلى اللَّهِ قَبْلَ مَوتِهِ بِشَهْرٍ تابَ اللَّهُ عَلَيهِ، وَ قَالَ: شَهْرُ كَثِيرٌ، مَنْ تابَ إِلى اللَّهِ قَبْلَ مَوتِهِ بِجُمْعَةٍ تابَ اللَّهُ عَلَيهِ، قَالَ: وَ جُمْعَةُ كَثيرٌ، مَنْ تابَ إِلى اللَّهِ قَبْلَ مَوتِهِ بِساعَةٍ تابَ اللَّهُ عَلَيهِ، ثُمَّ قَالَ: وَ ساعَةُ كَثِيرٌ، مَنْ تابَ إِلى اللَّهِ قَبْلَ أنْ يُغَرغِرَ بِالمَوتِ تابَ اللَّهُ عَلَيهِ» «1».

______________________________

(1) مستدرك الوسائل، ج 12، ص 145، (باب صحة التوبة في آخر العمر، ح 5).

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 197

و طبعاً القصد منه، التّوبة بجميع شرائطها، فمثلًا إذا كان في

عنقه حقوق الناس فعليه أن يوصي بها لمن هو بعده، ثم يتوب بعدها.

و توجد آياتٌ كثيرةٌ، تدلّ على شمولية التوبة لجميع الذّنوب، و منها:

1- نقرأ في الآية (53) من سورة الزمر: «قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ».

2- نقرأ في الآية (39) من سورة المائدة: «فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَ أَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ».

3- نقرأ في الآية (54) من سورة الأنعام: «أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَ أَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ».

ففي هذه الآية نرى، أنّ سوء العمل مطلقٌ و يشمل كلّ الذّنوب، و مع ذلك فلا تُحجب عنه التّوبة و طريق العودة.

4- نقرأ في الآية (135) من سورة آل عمران: «وَ الَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَ مَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَ لَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَ هُمْ يَعْلَمُونَ».

و هنا الظّلم أيضاً يشمل جميع الذنوب، لأنّ الظلم مرّة يقع على الغير و اخرى على النفس، و وعدت هذه الآية، جميع المذنبين بالتّوبة عن جميع ذنوبهم و آثامهم، في أطار الذّكر و الإستغفار.

5- نقرأ في الآية (31) من سورة النّور، حيث خاطبت جميع المؤمنين: «وَ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ».

فكلمة «جميعاً» تدعو جميع المذنبين للتوبة، و لو لا شموليّة و عموميّة التّوبة، لما صحّت هذه الدّعوة القرآنية.

و الجدير بالملاحظة، أنّ الآيات المذكورة آنفاً، مرّةً تؤكّد على الإسراف، و اخرى على الظّلم، و مرّةً على سوء العمل، و الوعد الإلهي بالمغفرة لجميع هذه العناوين، في حال إنضوائها

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص:

198

تحت عنوان التّوبة، عن كل سوءٍ و ظلمٍ و إسرافٍ يقترفه الإنسان و يتوب منه، فإنّ اللَّه تعالى سيتوب عليه.

و وردت رواياتٌ كثيرةٌ في هذا المجال، في مصادر الفريقين، السّنة و الشّيعة، و أنّ باب التّوبة مفتوح حتى اللّحظات الأخيرة من العُمر، ما لم يرى الإنسان الموت بعينه.

و يمكن الرجوع إلى الرّوايات في كتبٍ، مثل: بحار الأنوار «1»، و اصول الكافي «2»، و الدرّ المنثور «3»، و كنز العمّال «4»، و تفسير الفخر الرازي «5»، و تفسير القُرطبي «6»، و تفسير روح البيان «7»، و تفسير روح المعاني «8». و كتب اخرى، و يمكن القول أنّ هذا الحديث هو من الأحاديث المتواترة.

4- أركان التّوبة

كما نعلم، أنّ حقيقة التّوبة هو الرّجوع إلى ساحة الباري تعالى، و الإقلاع عن العِصيان، في ما لو كان ناشئاً من النّدم على ما سبق من الأعمال السّيئة، و لازم النّدم هو العلم بأنّ الذنب يحيل بين المذنب و المحبوب الحقيقي، و يترتب عليه العزم و التّصميم على عَدم العودة، و على التّحرك لجبران ما فات، و محو آثار الذنوب السّابقة من باطن وجوده و خارجه، و يتحرّك كذلك في دائرة إعادة الحقوق الباقية في ذمّته، و أكّد القرآن الكريم، في كثير من الآيات على هذا المعنى، و جعل التّوبة مقارنةً للإصلاح:

1- الآية (160) من سورة البقرة، و بعد الإشارة إلى ذنب كتمان الآيات الإلهيّة و و العقاب الذي يترتب على ذلك قالت: «إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَ أَصْلَحُوا وَ بَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَ أَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ».

______________________________

(1). بحار الأنوار، ج 6، ص 19 و ج 2، ص 440.

(2). اصول الكافي، ج 2، ص 440.

(3). الدرّ المنثور، ج 2، ص 131.

(4). كنز العمّال، ح

10187 و 10264.

(5). تفسير الفخر الرازي، ج 10، ص 7، في ذيل الآية أعلاه.

(6). تفسير القرطبي، ج 3، ص 166، في ذيل الآية أعلاه.

(7). تفسير روح البيان، ج 2، ص 178، ذيل الآية أعلاه.

(8). تفسير روح المعاني، ج 4، ص 233.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 199

2- الآية (89) من سورة آل عمران، و بعد إشارتها لمسألة الإرتداد و عقابها، يقول تعالى:

«إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَ أَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ»

3- الآية (146) من سورة النساء، و بعد إشارتها للمنافقين، و عاقبة أمرهم السّيئة، تذكر:

«إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَ أَصْلَحُوا وَ اعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَ أَخْلَصُوا دِينَهُمْ للَّهِ».

4- و في الآية (5) من سورة النّور، و بعد ذكرها للعقوبة الشّديدة المترتبّة على القَذَف، في الدنيا و الآخرة، ذكرت: «إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَ أَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ».

5- و بالتالي نرى عنصر التّوبة، بمثابة قانون كلّي يستوعب في نطاقه جميع الذّنوب، فقال تعالى في الآية (119) من سورة النحل: «ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَ أَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ».

6- ورد شبيه لهذا المعنى، في الآية (82) من سورة طه: «وَ إِنّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى».

و أشارت الآية الكريمة هنا، بالإضافة إلى رُكني التّوبة الأساسييّن، و هما: العودة إلى اللَّه، و العمل الصالح، و جُبران الماضي، ذكرت مسألة الإيمان و الهداية.

و الحقيقة أنّ الذنوب تقلل نور الإيمان في قلب الإنسان، و تحرفه عن الطّريق، و عليه فإنّه بالتّوبة يجدّد إيمانه و هدايته، في نطاق إصلاح الباطن.

7- و ورد في سورة الأنعام، الآية (45)، معنى مشابه أيضاً: «أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ

مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَ أَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ».

و ممّا ذكر من الآيات الآنفة، تتضح لنا مسألة التّوبة بصورةٍ كاملةٍ، فالتّوبة الحقيقيّةُ ليست بلفظ الإستغفار وحده، و النّدم على ما مضى، و الإقلاع عنه في المستقبل، بل تتعدّى إلى دائرة الإنفتاح على العمل، لإصلاح كلّ التّقصيرات و المفاسد الّتي صدرت منه في السّالف، و محو آثارها من نفسه و روحه و من المجتمع، لتحصيل الطّهارة الكاملة في واقع الإنسان و الحياة، و طبعاً بالقدر الممكن.

فهذه هي التّوبة الحقيقيّة، و ليس الإستغفار وحده!.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 200

و الجدير بالذّكر أنّ كلمة «الإصلاح»، ورد ذكرها دائماً بعد ذكر التّوبة، كالآيات الآنفة الذّكر، و معناها واسعٌ يشمل كلّ ما فات، من قصورٍ و تقصيرِ يُبعد الإنسان عن خطّ الإيمان، و منها:

1- التّائب يجب أن يُؤدّي جميع الحقوق لُمستحقيها، فإنّ كانوا أحياء فَبِها، و إلّا فلورثتهم.

2- إذا كان قد تعامل مع الآخرين، من موقع الإهانة و الغيبة، و غيرها من الامور السلبية في دائرة السلوك، فيجب عليه طلب الحلية منهَ و رَدّ إعتباره ما دام الآخر يعيش في هذه الدنيا، و إن كان قد وافاه الأجل، فعليه أن يتحرّك على مستوى إرسال الثّواب لروحه، كي ترضى

3- أن يَقْضي ما فاته من العبادات: كالصّلاة و الصّيام و دفع الكفارات.

4- نعلم أنّ ممارسة الخطيئة و الوقوع في منحدر الذنوب، يُظلم الرّوح و يسوّد القلب، فعلى التّائب السّعي لتنوير قلبه بالطّاعة و العّبادة، لتنفتح روحه على اللَّه تعالى، في أجواء الإيمان.

و أفضل و أكمل تفسير ورد لمعنى الإستغفار، هو ما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام، في كلماته القصار في نهج البلاغة:

قال عليه السلام لقائلٍ قال بحضرته:

«أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ»- و كان الإمام أمير المؤمنين عليه السلام يعرف سوابقه و أعماله- «ثَكَلَتْكَ امُّكَ أَ تدرِي مَا الاسْتِغْفارُ؟ الإسْتِغْفَارُ دَرَجَةُ العِلِّيينَ، وَ هوَ إسمٌ وَاقِعٌ عَلَى سِتَّةِ مَعانٍ».

أَوَّلُها النَّدمُ عَلى مَا مَضى

و الثَّانِي العَزْمُ عَلَى تَرْكِ العَودِ إِلَيهِ أَبَداً.

و الثَّالِثُ أنْ تُؤَدِّي إِلَى الَمخْلُوقِينَ حُقُوقَهُم حَتَّى تَلقَى اللَّهَ أَمْلَسَ لَيسَ عَلَيكَ تَبِعَةٌ.

الرّابِعُ أنْ تَعْمِدَ إِلَى كُلِّ فَرِيضَةٍ عَلَيكَ ضَيَّعْتَها فَتُؤَدِّيَ حَقَّها.

الخَامِسَ أَنْ تَعْمِدَ إِلَى اللَّحْمِ الَّذِي نَبَتَ عَلى السُّحْتِ فَتُذِيبَهُ بِالأحزَانِ حَتَّى تُلْصِقَ الجِلْدَ بِالعَظمِ، وَ يَنْشَأَ بَينَهُما لَحْمٌ جَدِيدٌ.

و السَّادِسَ أَن تُذِيقَ الجِسْمَ أَلَمَ الطَّاعَةِ كَمَا أَذَقْتَهُ حَلاوَةَ المَعْصِيَةِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَقُولُ:

«أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ» «1».

______________________________

(1). نهج البلاغة، الكلمات القصار، الكلمة 417.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 201

و نقل نفس هذا المعنى في و روايةٍ اخرى، عن كميل بن زياد عن أمير المؤمنين عليه السلام، فقال: يا أمِيرَ المؤمنين العَبْدُ يُصِيبُ الذَّنْبَ فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مَنْهُ فَما حَدُّ الإستِغْفَارِ؟.

فقال الإمام عليه السلام: «يا ابْنَ زِيادٍ التَّوبَةُ».

قلت: بَسْ.

قال عليه السلام: «لا».

قلت: فَكَيفَ؟

قال عليه السلام: «إنَّ العَبْدَ إِذا أَصابَ ذَنْبَاً يَقُولُ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ بِالتَّحْرِيكِ».

قلت: وَ ما التَّحْرِيكُ؟.

قال عليه السلام: «الشَّفَتَانِ وَ اللِّسانِ يُرِيدُ أَنْ يَتْبِعَ ذَلِكَ بِالحَقِيقَةِ».

قلت: وَ ما الحَقِيقَة؟.

قال عليه السلام: «تَصْدِيق فِي القَلْبِ وَ إِضْمارُ أَنْ لا يَعُودَ إلَى الذَّنْبِ الَّذِي اسْتَغْفَرَ مِنْهُ».

فقلت: «فإذا فَعَلَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مِنَ المُسْتَغْفِرينَ».

قال عليه السلام: «لا».

فقال كميل رحمه الله، قلت: فَكَيفَ ذاكَ.

فقال الإمام عليه السلام: «لِأَنَّكَ لَمْ تَبْلُغْ إِلَى الأَصْلِ بَعْدَهُ».

فقال كميل رحمه الله: فَأَصْلِ الإِسْتِغْفارِ ما هُوَ؟.

فقال الإمام عليه السلام: «الرُّجُوعُ إِلَى التَّوبَةِ مِنَ الذَّنْبِ الَّذي إِسْتَغْفَرْتَ مِنْهُ وَ هِيَ أَوَّلُ دَرَجَةِ العابِدِينَ».

ثم قال الإمام عليه السلام: «وَ تَركُ الذَّنْبِ و الاستِغفارِ اسمٌ وَاقِعٌ لِمعانٍ سِتّ».

ثم ذكر نفس المراحل

السّتة، المذكورة في قصار الكلمات لنهج البلاغة، مع قليلٍ من الاختلاف «1».

و يمكن أن يقال: إنّ التّوبة إذا كانت كما ذكرها أمير المؤمنين عليه السلام، فلن يوجد تائب حقيقي

______________________________

(1). بحار الأنوار، ج 6، ص 27.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 202

أبداً.

و لكن يجب الّتنبّهُ إلى أنّ بعض الشروط السّتة، هي في الحقيقة من كمال التّوبة، كما في الشّرط الخامس و السّادس، أمّا الشّروط الأربعة الاخرى، فهي من الشّروط الواجبة و اللّازمة، أو كما يقول بعض المحقّقين: إنّ القسم الأول، و الثّاني من أركان التّوبة، و الثّالث و الرابع هما من الشروط اللّازمة، و الخامس و السّادس من شروط الكمال «1».

و جاء في حديثٍ آخر عن الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله، أنّه قال: «أمّا عَلامَةُ التَّائِبِ فَأَرْبَعَةٌ:

النّصِيحةُ للَّهِ فِي عَمَلِهِ وَ تَركُ الباطِلِ وَ لُزُومِ الحَقِّ وَ الحِرصُ عَلَى الخَيْرِ» «2».

و يجب الإنتباه، أنّ الذّنب إذا تسبّب في إضلال الآخرين، مثل الدّعاية المضلّة، و البِدعة في الدّين، سواء كان عن طريق البيان، أو عن طريق الكتابة، فيجب عليه إرشاد الضّالين بالقدر الّذي يستطيع، و إلّا فلن تُقبل توبته.

و منه يتّضح صعوبة سلوك طريق التوبة، بالنّسبة إلى المحرّفين للآيات الإلهيّة، و المُبتَدِعين في دين اللَّه تعالى، و الذين يتحرّكون على مستوى إضلال الناس، و سوقهم إلى الإنحراف.

فليس من الصحيح، أن يُضلّ شخصٌ عدداً غفيراً من النّاس، في الملأ العام، أو بكتاباته و مقالاته، ثمّ يجلس في زاوية البيت، و يستغفر اللَّه تعالى ليعفو عنه، فمثل هذه التّوبة، لن تُقبلَ أبداً.

و كذلك الذي يهتك حرمة أحد الأشخاص أمام الملأ، ثم يستحلّ منه على إنفراد، أو يتوب في خَلوته، فلن تُقبل مثل هذه التّوبة، ما لم يرد

إعتبار ذلك الشخص، أمام الملأ العام.

و بناءً على هذا، فإنّنا نقرأ في الرّوايات عن أشخاصٍ هَتكوا حُرمة الغير، و اجري عليهم الحَد، فإنّ توبتهم لن تقبل، إلّا إذا رجعوا عن غيّهم و كلامهم.

و قد ورد في حديث مُعتبر، عن الإمام الصادق عليه السلام، قال الرّاوي: سألت أبا عبد اللَّه عليه السلام عن المحدود إذا تاب، أتقبل شهادته؟، فقال:

«إذا تابَ وَ تَوبَتُهُ أَنْ يَرْجَعَ مِمّا قالَ وَ يُكِذِّبَ نَفْسَهُ عِنْدَ الإِمامِ وَ عِنْدَ المُسْلِمِينَ، فإذا فَعَلَ

______________________________

(1). كتاب «گفتار معنوي»، للمرحوم الشهيد مطهري، ص 139.

(2). تُحف العقول، ص 32.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 203

فَإِنَّ عَلَى الإِمامِ أَنْ يَقْبَلَ شَهادَتَهُ بَعْدَ ذَلِك» «1».

وَ وَرد في حديثٍ آخر: «أَوصى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ إِلى نَبِيٍّ مِنَ الأنبِياءِ، قُلْ لِفُلانَ وَ عِزَّتِي لَو دَعَوتَنِي حَتّى تَنْقَطِعَ أَوصالُكَ، ما اسْتَجَبْتُ لَكَ، حَتّى تَرّدَ مَنْ ماتَ إِلى ما دَعَوتَهُ إِلِيهِ فَيَرْجَعَ عَنْهُ» «2».

فهذا الحديث يبيّن أهميّة مسألة الإصلاح، و السّعي لجبران الخلل من موقع التّوبة، و إلى أيّ حدٍّ يمتد في آفاق الممارسة العمليّة، و بدون ذلك ستكون التّوبة صوريّة أو مقطعيّة.

و آخر ما يمكن أن يقال في هذا المجال، أنّ من يقنع من الإستغفار بالإسم، مُقابل كثرة الذّنوب و المعاصي، و لا يسعى في تحصيل أركانه و شروطه، فكأنّه قد إستهزأ بنفسه، و بالتّوبة و بالإستغفار.

و في ذلك يقول الإمام الباقر عليه السلام:

«التّائِبُ مِنَ الذَّنِبِ كَمَنْ لا ذَنْبَ لِهُ، وَ المُقِيمُ عَلَى الذَّنْبِ وَ هُوَ مُسْتَغْفِرٌ مِنْهُ كالمُستَهزِى ء» «3».

5- قبول التوبة: هل هو عقلي أم نقلي؟

إتّفق علماء الأخلاق أنّ التّوبة الجامعة للشّرائط، مقبولة عند اللَّه تعالى، و يدل على ذلك الآيات و الرّوايات، و لكن يوجد نقاش حول قبول التّوبة، هل هو عَقلي أم عقلائي، أم

نَقلي؟.

و يعتقد جماعة، أنّ سقوط العقاب الإلهي، هو تفضل من الباري تعالى، فبعد تحقق التّوبة من العبد، يمكن للباري تعالى أن يتوب على عبده و يغفر له، أو لا يغفر له، كما هو المُتعارف بين النّاس، عند ما يقوم أحد الأشخاص بظلم الغَير، فِللمظلوم أن يغفر له، أو لا يعفو عنه.

و ترى جماعةٌ اخرى، أنّ العقاب يسقط حتماً بعد التّوبة، و عدم قبول عُذر المجرم، من اللَّه

______________________________

(1). وسائل الشيعة، ج 18، ص 283، ج 1 باب 37، من أبواب الشّهادات.

(2). بحار الأنوار، ج 69، ص 219.

(3). اصول الكافي، ج 2، ص 435، باب التوبة، ح 10.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 204

تعالى، بعيدٌ و قبيحٌ، و لا يصدر منه تعالى.

و هنا يمكن قبول رأي ثالث، و هو أنّ قبول التّوبة أمر عقلائي، يعني أنّ العقل و إن لم يوجب قبول التّوبة و العُذر، و لكنّ بناءَ العُقلاء في العالم كلّه، مبنيٌّ على قبول عذر الخاطي ء، و إقالة عثرته، إذا ما عاد عن غَيّه، و أصلح أعماله السّيئة، و جَبر ما كسره، و أرضى خصمائه بطرقٍ مختِلفَةٍ، فهذا الموقف هو بناء العقلاء في العالم أجمع، فلو أصرّ شخص على نفي هذا المبدأ العقلائي، و لم يقبله في سلوكه إتجّاه المُعتذر، فسيعتبر حقوداً و خارجاً عن موازين الإنسانية و الأخلاق.

و لا شك أنّ اللَّه تعالى، و هو القادر و الغني عن العالمين، أَوْلى و أجدر من عباده بالعفو و المغفرة، و قبول عذر التائب، و عدم إنزال العقاب عليه.

و يمكن القول بأكثر من ذلك، و هو وجوب قبول التّوبة، لدى العقل الذي يعتمد على قاعدة: «قُبح نَقض الغَرض».

و توضيح ذلك: نحن نعلم أنّ الباري تعالى، غنيٌّ عن

عباده و طاعة العالمين، و إن كلّفنا بشي ءٍ فهو لطفٌ منه، للسير في خطّ التّكامل و التّربية، فالصّلاة و الصّيام تُربّي النّفس و تُقرّب الإنسان من اللَّه تعالى، و كذلك سائر الواجبات، فلها قِسطٌ في عمليّة التّكامل الإنساني.

فنقرأ عن الحج: «لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُم» «1».

و نقرأ في الآيات الاخرى، أنّ الصّلاة تنهى عن الفحشاء و المنكر «2»، و الصّوم سبب للتّقوى «3»، و الزّكاة لتطهير الأفراد و المجتمع من الرذائل الأخلاقيّة و الإنحرافات «4».

و إعتبرت الرّوايات الإيمان، سبباً للطهارة من الشّرك، و الصّلاة لِدرء الكِبَر عن الإنسان، و الحجّ سبباً لوحدة المسلمين، و الجهاد لِعزّة المسلمين .... «5»

و عليه فإنّ كلّ التّكاليف الإلهيّة، هي من أسباب سعادة الإنسان، و تكامله في خط الإيمان

______________________________

(1). سورة الحج، الآية 28.

(2). سورة العنكبوت، الآية 45.

(3). سورة البقرة، الآية 183.

(4). سورة التوبة، الآية 103.

(5). نهج البلاغة، الكلمات القصار، مقتبسة من جملة رقم (252).

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 205

و الحقّ و التّكامل، هذا هو الهدف الأصلي للإنسان، في دائرة الوصول لمرتبة القرب الإلهي، و العبودية الحقّة، قال الباري تعالى: «وَ ما خَلَقْتُ الجِنَّ وَ الإِنْسَ إلَّا لِيَعْبُدُونِ» «1».

و لا شك فإنّ وجوب التّوبة، و قبولها من قبل الباري تعالى، يشكّل إحدى حلقات التّكامل المعنوي للإنسان، لأنّ الإنسان من طبيعته الخطأ، فإذا أوصد الباب دونه، فلن يتكامل أبداً.

و إذا ما احيط الإنسان علماً بالتّوبة، و أنّ الباري فتح الباب أمامه بشرط إصلاح ما مضى، فمثل هذا الإنسان يكون أقرب للسّعادة و التّكامل، و يبتعد عن الإنحراف و الخطأ في مسيرة الحياة.

و النّتيجة: أنّ عدم قبول التّوبة يؤدي إلى نقض الغرض، لأنّ الهدف من التّكاليف و الطّاعة، هو تربية و تكامل الإنسان، و

عدم قبولها لا ينسجم مع هذا الغرض، و من البعيد عقلًا على الحكيم، أن ينقض غرضه.

و على كلّ حال، فإنّ التّوبة و قبولها لها علاقةٌ وثيقةٌ بالتّكامل الإنساني، و بدونها سينتفي الدّافع و القصد للتّكامل، و سيكون الإنسان في غاية اليأس من النّجاة، مما يشجعه على الّتمادي في إرتكاب المعاصي و مُمارسة الجريمة، و لذلك فإنّ كلّ المربّين، سواء كانوا إلهيين أم ماديّين، يؤكّدون على مسألة التّوبة، و يجعلون الطّريق مفتوحاً دائماً أمام الخاطئين، كَي يُحرّكوا فيهم روح الأنابة، و دافع الإصلاح و الحركة نحو الكمال المُطلق.

و عليه فإنّ التوبة بشرائطها، لم تحكم بها الآيات و الرّوايات فقط، بل هي ثابتة بحكم العقل و سيرة العُقلاء، و هذا أمرٌ لا يمكن تجاهله البتّة.

6- التّبعيض في التّوبة

هل يمكن للإنسان أن يقيم على بعض الذّنوب، و يتوبَ عن البعض الآخر؟؛ فمثلًا إذا كان يشربُ الخَمر و يغتابُ الناس، فهل يصحّ منه الإقلاع عن الخمر فقط، بينما يستمر في خط الغِيبة؟

______________________________

(1). سورة الذّاريات، الآية 56.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 206

يقول البعض: إنّ التّوبة يجب أن تكون شاملةً لكلّ الذّنوب، لأنّ المسألة تعود إلى عِصيان الباري تعالى، وَ هَتك حُرمته، فالنّادم يجب أن يترك كلّ الذّنوب، لا أنّ يُصِرّ عليها.

لكن هذا الكلام مُجانب للصواب، حيث يمكن القول بصحّة التّجزئة في عمليّة التّوبة، (و صرّح بها بعض العلماء، مثل المرحوم النّراقي في «معراج السعادة»، و قد نقلها عن أبيه رحمه الله)، لأنّه ربّما يكون الإنسان، على إطّلاعٍ كاملٍ على آثار بعض الذّنوب وَ عَواقبها السّيئة، أو هو عند اللَّه أشدّ و أقبح، و لأجل ذلك فإنّه يتركه على مستوى الممارسة و يتوب منه، أمّا بالنّسبة للذنوب التي هي أقلّ قُبحاً، أو أقل

عِقاباً، أو لأنّ علمه بها و إطلاعه على ما يترتب عليها من المفاسد، ليس كافياً بالدّرجة التي تردعه عنه، فإنّه يستمر في ممارستها.

فأكثر التائبين هم كذلك، فغالباً ما يقلعون عن بعض الذّنوب، و يبقون على البَعض، و لم يردنا شي ءٌ من قبل الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله، أو الأئمّة الأطهار عليهم السلام، أو علماء الإسلام، ينفي قبول مثل هذه التوبة، و يؤكّد على التوبة الكاملة الشاملة لكلّ الذنوب التي يرتكبها الإنسان.

و نرى في الآيات الشّريفة، إشارات واضحة على معنى التّجزئة في التّوبة، و صحّة القول بالتّفكيك، فمثلًا بالنّسبة للمُرابين، يقول تعالى «وَ إِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ» «1».

و بالنّسبة للمرتدين بعد الإيمان، يقول تعالى «أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَ الْمَلَائِكَةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ ... إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَ أَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» «2».

و بالنّسبة للمحاربين و المتسببّين في ضَلال الناس و المجتمع، فبعد ذكر ما يستحقون من العِقاب الشّديد، يقول تعالى «إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَآعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» «3».

و أمّا بالنّسبة للأعمال المنافية للعفّة، فيقول تعالى «فَإِنْ تَابَا وَ أَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّاباً رَحِيماً» «4».

و في مكان آخر أشار إلى الذّنوب، مثل: الشّرك، و قتل النفس، و الزنا، و عقوباتها، فقال:

______________________________

(1). سورة البقرة، الآية 279.

(2). سورة آل عمران، الآية 78 و 79.

(3). سورة المائدة، الآية 24.

(4). سورة النساء، الآية 16.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 207

«إِلَّا مَنْ تَابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ عَمَلًا صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ» «1».

و رغم أنّ بعض الآيات، تناولت بعض العقوبات الدنيويّة، و العفو عنها بالتّوبة، لكنّ الحقيقة أنّه لا يوجد فرق من

هذا اللحاظ، فإذا ما غفرت في الدنيا فستغفر في الآخرة قطعاً.

و الخُلاصة: أنّه لا يوجد مانعٌ من التّفكيك و التّفريق، بين الذّنوب من جهاتها الَمختلفة، مثل: (الفرق في ميزان المعلومات، الدّوافع، و قُبح الذّنوب)، و لكنّ التّوبة الكّاملة الشّاملة، هي التّوبة التي تستوعب جميع الذنوب، بدون التّفريق بينها في خطّ العودة إلى اللَّه تعالى.

7- دوام التّوبة

التّوبة يجب أن تكون مستمرةً و دائمةً، هذا من جهةٍ، فعند ما يُخطي ء الإنسان إثر وساوسه النّفسية «النّفس الأمّارة»، عليه أن يُقدِم على التّوبة لتدخل في مرحلة: «النّفس اللّوامة»، و بعدها تصل إلى مرحلة: «النّفس المطمئنة»، لتقلع جذور الوَساوس من أساسها.

و من جهةٍ اخرى: و بعد توبته من الذنب، عليه أن يُراقب نفسه بإستمرار، و ليحذر من نقض العهد مع الباري تعالى، في المستقبل أو بعبارة اخرى: إذا وجد في نفسه بقايا لِلميل إلى الذّنب، و الرّغبة في الإثم، عليه أن يُجاهد نفسه، و يتحرك في مجال تهذيبها من هذه الشّوائب، ليكونَ في صفّ التّائبين و الُمجاهدين.

بعضَ علماء الأخلاق، تطرّقوا لبحوثٍ لا طائل لها، و هوَ هلْ: مقام التائب و مجاهدته و ممارسته لعناصر الذّنوب في الخارج أفضل، أم التّائب الذي يقلع جذور الذّنب من قلبه «2»؟

و ليس من المُهم الأفضليّة، بل المُهم هو العمل على تكريس حالة الإنضباط، في جو المسؤوليّة و عدم العودة لممارسة الذّنب، و لرعاية هذا الأمر يتوجب اتّباع امور، منها:

1- الابتعاد عن أجواء الذّنب، و عدم مُجالسة أهل المعاصي، لأنّ التّائب يكون في البداية ضعيف القلب جداً، كالمريض في بدايةُ شفائه من مرضه، فأدنى شي ء، بإمكانه أن يثير في نفسه

______________________________

(1). سورة الفرقان، الآية 70.

(2). راجع المحجّة البيضاء، ج 7، ص 75.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص:

208

مشاعر الخطيئة، بالمستوى الذي يشلّ فيه إرادة الصّمود، و يحوله إلى كيانٍ مهزوزٍ، أمام حالات المرض، و يُشدّده عليه، و كالمُعتاد على الأفيون، التّارك له للتَوِّ أيضاً، يتأثر بالأجواء الملوّثة بسرعةٍ.

2- عليه هجر أصدقاء السّوء، و تجديد النّظر في علاقته معهم، و الفرار منهم كالفرار من الوحوش الضّارية.

3- في حالات وقوعه في دائرة وسوسة الشّيطان، يشتغل بذكر اللَّه تعالى: «أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ» «1».

4- لِيفكر دائماً بالذّنب الّذي تاب منه، و إفرازاته، و يجعلها نصب عينه، لِئّلا يغفل و ينسى مضرّاته، و إلّا ستهجم عليه الوَساوسُ و الدّوافعُ لإيقاعه في هُوّةِ الخطيئة مرّةً اخرى.

5- لِيتّعظ بقصص الماضين و السّابقين و من وقعوا في المَهالك، جرّاء معاصيهم، و حتّى الأنبياء المعصومين، و لتركهم الأوْلى أحياناً، مثلًا، يُفكّر في قصّة آدم عليه السلام، و السّبب الّذي أدّى إلى خسرانه، ذلك المُقام السّامي و طَرده من الجنّة، أو حكاية يونس النّبي عليه السلام، الذي حُبس في بَطن الحوت، و يَعقوب الَذي ابتلي بفراق ولده.

فكلّ ذلك يؤثر إيجابياً، في تفعيل عناصر الإرادة و الصّمود، في خطّ الإيمان و الإنفتاح على اللَّه تعالى.

6- التّفكير بالعقوبات التي وضعها الباري للعاصين، و ليجعل هذه الحقيقة أمام عينه دائماً، و هي أنّ معاودته لإرتكاب الذّنوب، يمكن أن يؤدي به إلى إستحقاق عقوبةٍ أشدّ و أقوى.

و في المقابل، ليفكر برحمة اللَّه تعالى و لُطفه، و هو اللّطيف الخبير الغفور، فرحمته بإنتظار التّوابين العائدين إلى خطّ الإستقامة و الإيمان، و ليُحدّث نفسه بعدم تضييع هذا المقام، الذي وصل إليه بعد تعبٍ و عناءِ، في واقع العمل و المُثابرة.

7- ليشغل وقته بالبرامج الصّحيحة السّليمة، و التمّتع بغير الُمحرّم، و لا يدع فراغاً في أوقاته، يفضي

به أن يعيش التّخبط في الوَساوس الشّيطانية مرّةً اخرى.

______________________________

(1). سورة الرّعد، الآية 28.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 209

و قد سُئل أحد العُلماء، عن قوله صلى الله عليه و آله: «التّائِبُ حَبِيبُ اللَّهِ»، فقال: إنّما يكون التّائب حبيباً إذا كان فيه جميع ما ذكره في قوله تعالى: «التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ النَّاهُونَ عَنْ الْمُنكَرِ وَ الْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَ بَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ» «1».

8- مراتب التّوبة

ذكر علماء الأخلاق، درجات و مراتب مختلفة للتّوبة و التّائبين.

و يمكن تقسيم التّائبين من جهةٍ، إلى أربعة أقسامٍ:

القسم الأوّل: اولئك التّائِبون الذين لا يقلعون عن الذنوب، و لا يتأسفون على ما فعلوا، حيث وقفوا عند مرحلة النّفس الأمّارة، و عاقبتهم غير معلومةٍ أصلًا، فَمِن المُمكن أن يعيش حالةَ التّوبة في آخر أيّام حياته، و تكون عاقبته الحُسنى، و لكنّ الطامّة الكبرى، عند ما يتفق موتهم مع معاودتهم للذنب، و هناك ستكون عاقبتهم السّوآى، و فيها الخُسران الأبدي.

القسم الثاني: التّائبون بحق الّذين يستمرون في طريق الحقّ و الطّاعة، و يتحرّكون في خطّ الإستقامة، و لكن الشّهوات تغلبهم أحياناً، فيكسرون طوق التّوبة، و يرتكبون بعض الذّنوب، من موقع الشّعور بالضّعف أمامها، و لكنّهم لا يقعون في هذا الخطأ، من موقع الّتمرد و الجُحود و العِناد، على وعي الموقف، بل من موقع الغفلة و الإندفاع العفوي في حالات الضّعف، الّتي تفرزها حالات الصّراع مع النّفس الأمّارة، و لهذا يحدثون أنفسهم بالتّوبة من قريب، هؤلاء الأشخاص وصلوا إلى مرحلة النّفس اللّوامة، و الأمل بنجاتهم أقوى.

القسم الثّالث: التوّابون الذين يجتنبون كَبائِر الإثم، و يتمسّكون باصول الطّاعات، و لكنهم قد يقعون في حبائل المعصية، لا عن قصدٍ و عمدٍ، و لذلك يتوبون مباشرةً عن الذّنب،

فيلومون أنفسهم و يعزمون على التّوبة و العودة إلى خطّ الإستقامة بإستمرار، و يعيشون حالة الإبتعاد عن الذّنب دائماً.

______________________________

(1). سورة التّوبة، الآية 112.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 210

النّفس اللّوامة لهذه المجموعة، مهيمنةٌ عليهم، و يعيشون على مقربةٍ من النّفس المُطمئنّة، و الأمل بنجاتهم أكبر.

القسم الرابع: التّوابون بعزمٍ و قوةٍ إرادةٍ، في طريق الطّاعة للَّه تعالى، فلا تهزّهم العَواصف التي تفرضها حالات الصّراع مع الخَطيئة، و لا يخرجون من أجواء التّقوى، صحيح أنّهم ليسوا بمعصومين، و لَرُبّما فكّروا بالمعصية، و لكنّهم محصّنين مُبعدين عنها، فَقِوى الإيمان و العقل عندهم، سَلبت هوى النّفس فاعليّته في واقعهم الباطني، و كبّلته بالسّلاسل الغلاظ، في خطّ التّزكية و الجهاد الأكبر، فلا سبيل للشّيطان و الأهواء عليهم.

فاولئك هم أصحاب: «النّفوس المطمئنّة»، الذين نعتتهم الآيات (27 الى 30) من سورة الفَجر، و خُوطِبوا بأبلغ خِطابٍ، فقال عز من قائل: «يا أَيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَةُ ارجِعِي إِلَى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيِّةً».

فدخلت بإفتخارٍ في أجواء النّور و القُرب الإلهي: «فَآدْخُلِي فِي عِبادِي و ادْخُلي جَنَّتِي».

و من جهةٍ اخرى، فإنّ لِلتوبةِ مراحل على مستوى المصاديق أيضاً:

المرحلة الاولى: التّوبة من الكفر إلى الإيمان.

المرحلة الثّانية: التّوبة من الإيمان الموروث التّقليدي، و التّحرك نحو الإيمان الحقيقي المُستحكم.

المرحلة الثّالثة: التّوبة من الذّنوب الكبيرة الخَطرة.

المرحلة الرّابعة: التّوبة من الذّنوب الصّغيرة.

المرحلة الخامسة: التّوبة من التّفكير بالذّنب، و الخواطر المشوبة بالمعصية، و إن لم يرتكب الُمخالفة في دائرة الفعل و المُمارسة.

فكلّ فرقةٍ من العباد لهم توبة، فتوبة الأنبياء من إضطراب السّر، (في كلّ لحظةٍ لم يتوجهوا فيها إلى اللَّه تعالى بالباطن و السِّر).

و توبةُ الأصفياء من كلّ تنفّس بغير ذكر اللَّه «1».

______________________________

(1). فسّر المرحوم المجلسي: التّنفس بنفس ذلك المعنى، و لكنّ بعض كتب اللّغة،

فسّرته: بالخطابات الطّويلة.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 211

و توبةُ الأولياء من تلوين الخطرات.

و الخَواص من الإشتغال بغير اللَّه.

و توبة العوام من الذّنوب.

و كلّ واحدٍ منهم، يشتمل على نوعٍ من المعرفة و العلم، في أصل توبته، و مُنتهى أمره «1».

9- معطيات و بركات التّوبة

إذا كانت التّوبة توبةً حقيقيةً و واقعيةً و نابعةً من الأعماق، فلا بدّ من أن تقع مورد القَبول من قبل اللَّه تعالى، العَفوّ الغَفور، و ستنشر خيرها بركاتها على صاحبها في حركة الحياة، و تُغطَّي على ما صدر منه من معاصي، أدّت به إلى السّقوط في منحدر الضّلال و الزّيغ.

مثل هذا الإنسان، يعيش أجواء الحَذر الدّائم من مجالس السّوء و العصيان، و من كلٍّ عوامل الذّنب و الوساوس، و التّداعيات الاخرى، الّتي توقعه في و حلّ المعصية مرّةً اخرى.

و يعيش حالة الخجل و النّدم، و يدأب بإستمرار لتحصيل رضا اللَّه تعالى، و جبران ما فاته من الطّاعات.

هذه هي العلاقات الفارقة لهم، عن المتظاهرين و المرائين.

قال قسم من المفسّرين، في معرض تفسيرهم للآية الشّريفة: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً» «2».

قالوا: إنّ المراد من التّوبة النّصوح، هي تلك التّوبة التي تفعّل في الإنسان عناصر الخير من موقع النّصيحة، و تتجلى في روح التّائب على مستوى حثها له، للقضاء على جذور العصيان في باطنه، قضاءً تامّاً بلا رجعةٍ بعدها.

و فسّرها قسم آخر، بالتّوبة الخالصة، و قال آخرون إنّ: «النّصوح» من مادّة «النّصاحة»، و هي بمعنى الخِياطة و التّرقيع، لما حدث من تمزيق، و بما أنّ الذّنوب: الإيمان و الدّين فتقوم

______________________________

(1). بحار الأنوار، 68، ص 31.

(2). سورة التحريم، الآية 8.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 212

التّوبة بتوصيلها ببعض، و تعيد التّائب إلى حضيرة الأولياء، كما تجمع

الخياطة بين قطع الثّوب «1».

إنّ بركات و فوائد التّوبة جمّةٌ لا تُحصى، و قد أشارت إليها الرّوايات و الآيات العديدة، و منها:

1- تمحو و تُفني الذّنوب، كما ورد في ذيل الآية: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً»، ورد «عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ» «2».

2- تمنح التّائب بركات الأرض و السّماء، كما ورد في الآيات (10 و 11 و 12) من سورة نوح عليه السلام: «فَقُلْتُ آسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً* يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً* وَ يُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَ بَنِينَ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً».

3- تبدل التّوبة السّيئات حسنات، كما ورد في سورة الفرقان الآية (70): «إِلَّا مَنْ تَابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ عَمَلًا صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ».

4- يتعامل اللَّه مع هذا الإنسان، من موقع السّتر على الذّنوب، و ينسي الملائكة الكاتبين ذنبه، و يأمر أعضاء بدنه بالستر عليه يوم القيامة، و كتمان أمره، فقد ورد في الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: «إِذا تابَ العَبْدُ تَوبَةً نَصُوحاً أَحَبَّهُ اللَّهُ وَ سَتَرَ عَلَيهِ فِي الدُّنيا وَ الآخِرَةِ»، فَقُلْتُ: وَ كَيفَ يَسْتُرُ؟ قَالَ: «يُنْسِي مَلَكَيهِ ما كَتَبَا عَلَيهِ مِنَ الذُّنُوبِ، وَ يُوحِي إِلَى جَوَارِحِهِ:

اكْتُمِي عَلَيهِ ذُنُوبَهُ، وَ يُوحِي إِلى بِقاعِ الأَرْضِ: اكْتُمِي ما يَعْمَلُ عَلَيكَ مِنَ الذُّنُوبِ، فَيَلْقَى اللَّهَ حِينَ يَلْقَاهُ وَ لَيسَ عَلَيهِ شَي ءٌ يَشْهَدُ عَلَيهِ بِشَي ءٍ مِنَ الذُّنُوبِ» «3».

5- التّائب الحقيقي، يُحبّه اللَّه تعالى، لدرجةٍ أن ورد في الحديث: «إِنّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَعطَى التّائِبِينَ ثَلاثَ خِصالٍ، لَو أَعطى خِصْلَةً مِنْها جَمِيعَ أَهْلِ السَّمواتِ و الأَرضَ لَنَجَوا بِها».

و بعدها يشير إلى الآية الشريفة: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ» «4».

______________________________

(1). بحار الأنوار،

ج 6، ص 17.

(2). سورة التحريم، الآية 8.

(3). اصول الكافي، ج 2، ص 430، (باب التوبة، ح 1).

(4). سورة البقرة، الآية 222.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 213

و قال: «مَنْ أَحَبَّهُ اللَّهُ لَمْ يُعَذِّبْهُ».

ثمّ يُعرّج على الآية: «الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَ مَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْ ءٍ رَحْمَةً وَ عِلْماً فَآغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَ اتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَ قِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ* رَبَّنَا وَ أَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم وَ مَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَ أَزْوَاجِهِمْ وَ ذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ* وَ قِهِمْ السَّيِّئَاتِ وَ مَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» «1»» «2».

إلى هنا نصل إلى خاتمة بحثنا، في الخطوة الاولى لتهذيب الأخلاق، و هي التّوبة، و توجد مطالب اخرى في هذا المجال، يمكن الإستفادة منها في بحوثٍ مُستقلةٍ.

نعم، فإنّه ما لم ينجلِ عن القلب و الروح صدأ الذُنوب، و يتحرك الإنسان لتطهير النّفس من مخلفات المعصية بماء التّوبة، فلن يشرق القلب بنور ربّه، و لن يتمكن هذا الإنسان من السّير على خطّ الإيمان، و السّلوك إلى اللَّه تعالى و الفوز بجواره، و لن يذوقَ طعم التجلّيات العرفانيّة، في حركة الحياة المعنويّة.

هذا هو أوّل محطٍّ للرحال، و أهمّها، و لا يمكن تخطّيه إلّا بعزمٍ صادقٍ و إرادةٍ راسخةٍ، يدعمها لطفٌ إلهي و توفيقٌ ربّاني، و لا يُلقّيها إلّا ذو حظٍّ عظيمٍ.

الخطوة الثّانية: المشارطة

تكلمنا سابقاً بصورةٍ مقتضبةٍ، عن بعض برامج و خُطى السّير و السّلوك، المشتركة بين كبار العلماء و السّائرين على ذلك الدّرب، و يصل البحث بنا عن التّوبة، إلى واقع التفصيل لتلك المباحث، مدعوم بالآيات و الرّوايات الشّريفة:

______________________________

(1). سورة غافر، الآية 7

الى 9.

(2). اصول الكافي، ج 2، ص 432.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 214

الخطوة التالية التي ذكرها علماء الأخلاق، في خطّ الإلتزام الدّيني بعد التّوبة: «المشارطة»:

و القصد منها هو الإشتراط على النّفس و تذكيرها و تنبيهها، و أفضل الأوقات لها هو بعد صلاة الفَجر، و التنوّر بأنوار هذه العبادة الإلهيّة، الكبيرة العظيمة عند اللَّه تعالى، فيذكّر نفسه و يوصيها بأن تَتحرك في طريق الخَير و الصّلاح، فإذا ما إنقضى العُمر فلن يفيد النّدم، و لا يمكن الإستدراك، و ليجعل نصب عينيه هذه الآية الشّريفة: «وَ الْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ» «1»، فإذا ما ضاع العُمر، فلن ينفع شي ءٌ بعده: «إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَ تَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَ تَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ» «2».

و عليه أنّ يُحدِّث نَفسه، و يقول لها: تصوّري أنّ العُمر قد إنقضى، و زالت الحُجب و تجلّت الحقائق المُرّة، و برزت مَعالم العَذاب، و هَولِ المطّلع، و مُنكَر وَ نكير، فحينئذٍ تشعرين بِحالة النَّدم على ما عَمِلْتِ، و تقولين: «رَبِّ ارْجِعُوني* لَعَلّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيَما تَرَكْتُ» «3».

و على فرض إنّك لم تسمعي جواب: «كلّا»، و أعادوكِ الى الدنيا فهل ستتعظين و تُكَفّرين عمّا قصرتِ في جَنب اللَّه؟؟

ثمّ يوصي نفسه بجوارحه السّبعة: العَين و الاذن و اللّسان و اليّد و الرّجل و البطن و الفَرج، فهذه الجوارح مُنصاعَةٌ لكِ اليوم و في خدمتك، فلا تقحميها في المعاصي، فإنّ لجهنَّم سبعة أبوابٍ، لكلِّ باب جماعةٌ خاصةٌ من النّاس، يدخلون جهنّم منها، فعليك بالسيّطرة الدّقيقة على الجوارح لئَّلا تنحرف عن الطّريق القويم، و الهدف المرسوم لها، و بذلك توصَد أبواب جهنم دونها، و تفتح أبواب الجنان لها؟.

و يُوصي النّفس بالمُراقبة لِجوارحه، للإستعانة بها في طريق الطّاعة لا

المعصية، فهي نِعَمٌ كبيرةٌ مُحاسب عليها الإنسان غداً.

و نَجد في أدعية الإمام السجاد عليه السلام، تأكيداً لمسألة المُشارطَة في حركة الإنسان المنفتح على اللَّه.

______________________________

(1). سورة العصر، الآية 1 و 2.

(2). سوره العصر، الآية 3 و 4.

(3). سورة المؤمنون، الآية 100.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 215

ففي الدّعاء، رقم (31) المعروف بدعاء التّوبة، يقول الإمام عليه السلام «وَ لَكَ يا رَبِّ شَرطِي أَ لّا أَعُودَ في مَكْرُوهِكَ، وَ ضَماني أَنْ لا أَرجَعَ في مَذْمُومَكَ وَ عَهْدِي أَنْ أَهْجُرَ جَمِيعَ مَعاصِيك».

و كذلك الحال في الآيات القرآنية، فإنّ أصحاب الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله، كانوا من خلال إرتباطهم مع اللَّه تعالى، بنحوٍ من العهدِ و الميثاقِ، يُطبّقون نوعاً من المُشارطة على أنفسهم، في خط الرّسالة و المسؤولية، ففي الآية (23) من سورة الأحزاب، نقرأ: «مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَ مَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا» ... «1».

و كان البعض الآخر، ينقضون العهد مع الباري تعالى، بعد توكيدها، فورد في سورة الأحزاب، الآية (15): «وَ لَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَ كَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا».

وَ وَرَد في حديثٍ عن أمير المؤمنين عليه السلام: «مَنْ لَمْ يَتَعاهَدْ النَّقْصَ مِنْ نَفْسِهِ غَلَبَ عَلَيهِ الهَوى وَ مَنْ كانَ في نَقْصٍ فَالمَوتُ خَيرٌ لَهُ» «2».

«فالمُشارطة» إذن: هي من الخُطى المهمّة لَتِهذيب الأخلاق، و لولاها لتراكمت سُحب الغفلة و الغُرور، على قلب و روح الإنسان، و لَحادَت به عن الطرّيق القويم، و الجادّة المستقيمة.

الخطوة الثّالثة: المراقبة

«المُراقبة» من مادة: «الرَقَبَة»، و بما أنّ الإنسان يحني رقبته عند مراقبة الأشياء و الأوضاع، فاطلِقَت على كلّ أمر يُحتاج فيه إلى المواظبة و التّحقيق.

و هذا

المُصطلح عند علماء الأَخلاق، يُطلق على «مراقبة النّفس»، و هي مرحلةٌ تاليةٌ لمرحلة المُشارطة، يعني أنّه يتوجّب على الإنسان، و بعد مُعاهدته و مُشارطته لنفسه بالطّاعة

______________________________

(1). بحار الأنوار، ج 67، ص 64.

(2). بحار الأنوار، ج 67، ص 64.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 216

للأوامر الإلهيّة، و الإجتناب عن الذّنوب، عليه المُراقبة و المُواظبة على طهارته المعنوية، لأنّه في أدنى غفلةٍ، فإنّ النّفس ستَنقُض كلّ العُهود و المواثيق، و تَسلُك به في خطّ المعصية مرّةً اخرى.

و طبعاً يجب أن لا ننسى أنّ الإنسان و قبل مراقبته لِنفسه، فإنّ الملائكة تراقب أعماله، فيقول القرآن الكريم: «و إنّ عَلَيكُم لَحافِظِينَ» «1».

فالحافظون هنا هم الذين يتولون عملية المراقبة لأعمال الإنسان، و ذلك بقرينة الآيات التي تردُ بعدها، فتقول: «يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ» «2».

و في الآية (18) من سورة (ق) يقول تعالى «ما يَلْفِظُ مِنْ قَولٍ إِلَّا لَدَيهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ».

و فوق هذا و ذاك، فإنّ اللَّه تعالى مِن ورائهم محيط بكلّ شي ء، و في الآية (1) من سورة النساء، نقرأ: «إنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيكُم رَقِيباً».

و كذلك في سورة الأحزاب، الآية (52): «وَ كانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَي ءٍ رَقِيباً».

و في الآية (14) من سورة العلق: «أَ لَم يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرى .

و الآية (21) من سورة سَبأ: «وَ رَبُّكَ عَلى كُلِّ شَي ءٍ حَفِيظٌ».

و لكن المحلّقين في أجواء التّقوى و تهذيب النّفس، يراقبون أفعالهم و سلوكياتهم، قبل مراقبة اللَّه تعالى لهم، و يعيشون الوَجَلَ و الخَوف من أعمالهم و فعالهم، و في مُراقبةٍ دائمةٍ، لِئَلّا يصدر منهم ما يسلب تلك النّعمة، و الحالة العرفانيّة التي يعيشونها مع اللَّه تعالى شأنه.

أو بعبارةٍ اخرى: الرّقيب الباطني يعيش معهم و على يقظةٍ دائماً، بالإضافة إلى الرّقابة الخارجيّة،

و خوف اللَّه تعالى.

و في الحقيقة، فإنّ الإنسان في هذه الدنيا، حاله حالَ الذي يمتلك جوهرةً ثمينةً، يريد أن يقايضها بمتاع له و لعيالِه، و من حَوالَيهِ السرّاق و قطاعُ الطّريق، و يخاف عليها من السّرقة أو البيع بِثَمنٍ بَخْسٍ، و إن غفل عنها لِلَحظةٍ فسيُضَيّعها، و تذهب نفسه عليها حَسراتٍ.

______________________________

(1). سورة الإنفطار، الآية 10.

(2). سورة الإنفطار، الآية 12.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 217

و السّائر في خطّ التّوبة و المراقبة، يعيش الحالة هذه أيضاً، فإنّ الشّياطين من الجِنّ و الإنس مُترصّدون لِغوايته، هذا بالإضافة إلى النّفس الأمّارة، و هوى النّفس، فإذا لم يُراقب نفسه و أعماله، فلا يأمن معها، مِنْ أن تسرق جوهرة الإيمان و التّقوى، و ينتقل من هذه الدنيا، خالي الوفاض و صفَر اليدين، و في الآيات و الرّوايات إشاراتٌ كثيرةٌ، و تلميحاتٌ متنوعةٌ حول هذه المرحلة، و منها:

1- الآية (14) من سورة العَلَق: «أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى .

فهي إشارةٌ إلى مراقبة اللَّه تعالى لَه، و عليه مُراقبة أعماله أيضاً.

وَ وَجَّه في آيَةٍ اخرى الخطاب لِلمؤمنين: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اْتَّقُوا اللَّهَ وَ لْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُون» «1».

فَجُملة: «وَ لْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ...»، تبيّن لنا في الحقيقة مفهوم المراقبة للنفس، على مستوى السّلوك و العمل.

وَ وَرَد نفس المعنى، و لكن بشكلٍ مُقتضبٍ، في سورة عَبَس، الآية (24): «فَلْيَنْظُرْ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ»، (من الحلال و الحرام) «2».

2- ورد عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، في تفسير الإحسان في الآية: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الإِحْسَانِ»، فقال: «الإحسانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَراهُ فَإِنْ لَم تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَراكَ» «3».

و

من الطّبيعي فإنّ المُعايشة مع هذه الحقيقة، و هي أنّ البّاري تعالى معنا أينما كُنّا، و الرّقيب علينا، من شأنه أن يخلق فينا روح الرّقابة، و نكون معها دائبين على الإنسجام، مع خطّ الرّسالة من موقع الإلتزام.

3- ورد حديثٌ عن أمير المؤمنين عليه السلام، أنّه قال: «يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مُهَيمِناً عَلى

______________________________

(1). سورة الحشر، الآية 18.

(2). هذا على ما جاء في بعض التّفاسير، و قد جاء في تفاسير اخرى، أنّ المقصود هو النّظر و الإعتبار بخلقة اللَّه تعالى، لإنكشاف الآيات و الملاحظات التّوحيدية عند الإنسان، و لا تنافي بين التّفسيرين.

(3). كنز العمّال، ج 3، ص 22، ح 5254؛ بحار الأنوار، ج 25، ص 204.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 218

نَفْسِهِ مُراقِبَاً قَلْبَهُ، حافِظاً لِسانَهُ» «1».

4- جاء عن الإمام الصادق عليه السلام: «مَنْ رعى قَلْبَهُ عَنِ الغَفلَةِ وَ نَفْسَهُ عَنِ الشّهْوَةِ وَ عَقْلَهُ عَنِ الجَهْلِ، فَقَدْ دَخَلَ في دِيوانِ المتَنَبِّهينَ ثُمَّ مَنْ رعى عَمَلَهُ عَنِ الهوى وَ دِيْنَهُ عَنِ البِدعَةِ وَ مالَهُ عَنِ الحَرامِ؛ فَهُوَ مِنْ جُملَةِ الصَّالِحِينَ» «2».

5- ما ورد في الحديث القُدسي: «بُؤساً لِلقانِطِينَ مِنْ رَحْمَتِي وَ يا بُؤساً لَمَنْ عصاني وَ لمْ يُراقِبُني» «3».

6- جاء في إحدى خطب أمير المؤمنين عليه السلام، أنّه قال: «فَرَحِمَ اللَّهُ إمرءاً رَاقَبَ رَبَّهُ وَ تَنكَّبَ ذَنْبَهُ، وَ كابَرَ هَواهُ، وَ كَذَّبَ مُناهُ» «4».

7- و قد ورد في نهج البلاغة أيضاً: «فإتَّقُوا اللَّهَ عِبادَ اللَّهِ تَقِيَّةَ ذِي لُبٍّ شَغَلَ التَّفَكُّرَ قَلْبَهُ ...

وَ رَاقَبَ فِي يَومِهِ غَدَهُ» «5».

نعم فإنّ «الرقابة» على النفس أو المُراقبة للَّه تعالى، أو ليوم القيامة، كلّها تعكس حقيقةً واحدةً، ألا و هي النّظارة و الرّقابة الفاحصة الدّقيقة الشّديدة للإنسان على أعماله، في كلّ حالٍ و

زمانٍ و مكانٍ.

و خلاصة القول: إنّ السّائر إلى اللَّه تعالى، و بعد «المشارطة» مع نفسه و ربّه، و بعد تهذيب النفس و تربيتها على طاعة اللَّه و عبوديّته، عليه المراقبة و المداومة على العهد الذي قطعه على نفسه في خطّ التوبة، كالّدائن الذي يطلب من مدينه وفاء ديونه، فأيّ غفلة عن مخاطر المسير، ستعود عليه بالضّرر الفاحش، و تؤخره عن الرّكب كثيراً.

الخطوة الرّابعة: المحاسبة

اشارة

______________________________

(1). غُرر الحِكَم.

(2). بحار الأنوار، ج 97، ص 68.

(3). المصدر السابق، ج 74، ص 349.

(4). اصول الكافي، ج 2، ص 67.

(5). نهج البلاغة، الخطبة 83، «الخطبة الغرّاء».

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 219

رابع خطوة ذكرها العلماء و السالكون في هذا المجال، هي: «المحاسبة» للنفس، في كلّ يوم أو كلّ شهر أو كلّ سنة، فَلْينظر الإنسان ما ذا قدّم من أعمالٍ حسنةٍ، أو إرتكب من أعمالٍ قبيحةٍ، و يُفكر في ما بَدَر منه، من طاعةٍ أو عصيانٍ للَّه تعالى، أو لهوى النّفس. فيحاسب نفسه حساباً عسيراً، كالتّاجر الذي يحسب فوائده و عوائده من تجارته التي إتّجر بها، و هل عادت عليه بالنّفع أم الضرر؟. فكذلك السّائر إلى اللَّه تعالى في خطّ الإيمان و التوبة، عليه أن يُحاسب نفسه بأدقّ ممّا يفعله التاجر مع أمواله و تجارته.

و الُمحاسبة للدين أو للدنيا، لا تخلو من فائدتين: إذا بيّنت الفاتورة، الرّبح الوفير، فَهو دليلٌ على صحّةِ العمل و الدّوام عليه، و إذا ما بيّنت العكس، فهو الدّليل على الخطأ و الخطر، فربّما تلاعب أحد موظّفيه، أو خانه بالإختلاس و ما شابهها من الامور، فعليه الإسراع في التثبّت و التّفحص و الإصلاح.

و تخبرنا الآيات الكريمة، عن وجود النّظم و الحسابات الدقيقة في عالم الوجود، و تدعو الإنسان للتّفكر فيها

جيّداً، و منها: «وَ السَّمَاءَ رَفَعَهَا وَ وَضَعَ الْمِيزَانَ* أَلَّا تَطْغَوْا في الْمِيزَانِ» «1».

و نقرأ في آيةٍ اخرى: «وَ كُلُّ شَيْ ءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ» «2».

و كذلك: «وَ إِنْ مِنْ شَيْ ءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَ مَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ» «3».

و من جهةٍ اخرى، نجد أنّ القرآن الكريم، قد أخبر في آياتٍ متعددةٍ، عن وجود حسابٍ دقيقٍ في يوم القيامة، كما ذكر على لسان لُقمان الحكيم لإبنه: «يَا بُنَىَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُنْ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ في صَخْرَةٍ أَوْ في السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ» «4».

و كذلك: «وَ إِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ» «5».

______________________________

(1). سورة الرّحمن، الآية 7 و 8.

(2). سورة الرّعد، الآية 8.

(3). سورة الحِجْر، الآية 21.

(4). سورة لقمان، الآية 16.

(5). سورة البقرة، الآية 282.

الاخلاق فى القرآن ج 1 249

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 220

و مسألة الحساب هذه مهمّةٌ، لدرجة أنّ أحد أسماء يوم القيامةِ، هو: «يوم الحِساب»: «إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ» «1».

و يكون الإنسان هو الحَسيب على نفسه: «اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً» «2».

و بالنّظر لهذه الامور و الظّروف، فإنّ كلّ شي ءٍ في الدنيا و الآخرة يكون بِحساب، فكيف يمكن لإنسان أن يغفل عن مُحاسبة نفسه، و من وراءه يومٌ ثقيلٌ، و كلّ شي ءٍ بميزانٍ و مقدارٍ: و من يعمل مثقالَ ذرّةٍ خيراً يَرَه، و من يعمل مثقال ذرّةٍ شراً يَره) فكلّ ما ذكر آنفاً، يحمل إلينا رسالةً و دعوة، لإثارة عناصر الإنتباه و عدم الغفلة عن الحساب و المحاسبة، فأنت إذا أردت أن تكون مُخفّاً في يوم الحساب، عليك الإسراع

بمحاسبة نفسك هنا في الدنيا، قبل أن تحاسب في الاخرى، و يقال فيها: و لاتَ حينَ مناصٍ.

أمّا الروايات، فقد أشبعت الأمر بحثاً، و منها:

1- ما ورد عن الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله، في حديثه المعروف: «حاسِبُوا أَنْفُسَكُم قَبلَ أَنْ تُحاسَبُوا، وَ زِنوها قَبْلَ أَنْ تُوزَنوا وَ تَجَهَّزُوا للعَرضِ الأَكْبَرِ» «3».

2- و عنه صلى الله عليه و آله مخاطباً أبا ذر رحمه الله: «يا أَباذَر حاسِبْ نَفْسَكَ قَبْلَ أَنْ تُحاسَبُ فَإِنَّهُ أَهونُ لِحِسابِكَ غَداً وَ زِن نَفْسَكَ قَبْلَ أَنْ تُوزَنُ» «4».

3- وَ وَرد عن علي عليه السلام أنّه قال: «ما أَحَقُّ للإنسانِ أَنْ تَكُونَ لَهُ ساعَةٌ لا يَشْغُلُهُ شاغِلٌ يُحاسِبُ فِيها نَفْسَهُ، فَيَنظُرِ فِيما إكْتَسَبَ لَها وَ عَلَيها في لَيلِها وَ نَهارِها» «5».

فهذا الحديث يبيّن لنا بوضوح، مسألة المحاسبة في ساعات الفراغ، و هي من الامور الجديرة بالإنسان الكامل، الذي يعيش همّ المسؤوليّة، في دائرة حركته المنفتحة على اللَّه تعالى.

4- ما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام، بنفس المعنى و لكن بشكلٍ آخر، فيقول عليه السلام: «حَقٌ عَلى

______________________________

(1). سورة ص، الآية 26.

(2). سورة الإسراء، الآية 14.

(3). بحار الأنوار، ج 97، ص 73.

(4). أمالي الطوسي، (مطابقاً لما نقل عن ميران الحكمة) ج 8، ص 609.

(5). مستدرك الوسائل، ج 12، ص 154.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 221

كُلِّ مُسْلِمٍ يَعْرِفُنا، أَنْ يُعْرِضَ عَمَلَهُ في كُلِّ يَومٍ وَ لَيلَةٍ عَلى نَفْسِهِ، فَيَكُونَ مُحاسِبَ نَفْسِهِ، فَإنّ رَأَى حَسَنَةً استَزادَ مِنْها وَ إِنْ رأَى سَيِّئَةً إِسْتَغْفَرَ مِنْها لِئلّا يُخْزى يَومَ القِيامَةِ» «1».

5- ما نُقل عن الإمام موسى الكاظم عليه السلام: «يا هُشامُ لَيسَ مِنّا مَنْ لَمْ يُحاسِبْ نَفْسَهُ فِي كُلِّ يَومٍ، فإنْ عَمِلَ حَسَنَةً استَزَادَ مِنْها وَ إِنْ عَمِلَ

سَيِّئَةً إِسْتَغْفَرَ اللَّهُ مِنْها وَ تابَ» «2».

فالروايات جمّةٌ في هذا المجال و من أراد الإكثار، عليه مراجعة مستدرك الوسائل: كتاب الجهاد، أبواب جهاد النفس «3».

هذه الرّوايات كلّها تبيّن أهميّة المسألة في الإسلام، و أنّ مَنْ لم يحاسب نفسه فهو ليس من أتباع الأئمّة عليهم السلام، الحقيقيين!.

و كما أشارت الرّوايات إلى فلسفة و حكمة هذا الأمر، فهو يزيد من الحسنات، و يمنع الإنسان من السّقوط في وادي الهلاك و القبائح، و يُساعده في إنقاذه من بحر الغفلة و الضّياع، و هَلّا ساوينا الامور الماديّة بالمعنويّة الروحيّة، ففي الماديّات يُحسب حساب كلّ شي ءٍ، و لكلٍّ دفتره الخاص به، دفترٌ: يومي، و سنوي، و شهري، و للمخزن ... و و. و لسنا مُستعدّين من وضع و لو ورقةٍ واحدةٍ نحاسب فيها أنفسنا، على ما فعلت في دائرة الطّاعة و المعصية، للَّهِ تعالى!!.

هذا مع وجود فرق كبير بين الأمرين، و لا يُقاس أحدهما بالآخر، أو كما يقال شَتّان ما بين الثَّرى و الثُّريّا، فنقرأ حديثاً عن الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله، يقول: «لا يَكُونَ العَبدُ مُؤمناً حتّى يُحاسِبَ نَفْسَهُ أَشد مِنْ مُحاسَبَةِ الشّريكِ شَرِيكَهُ، وَ السَّيِّدِ عَبْدَهُ» «4».

فهذا الموضوع مهم لِلغاية، إلى درجةٍ أنّ العلماء كتبوا فيه كتباً عديدةً، و منهم السيد إبن طاووس الحلي رحمه الله المتوفي فى سنة «664 للهجرة» في كتابه محاسبة النّفس، و كتاب محاسبة النّفس في إصلاح عمل اليوم و الإعتذار من الأمس، للمرحوم الحاج ميرزا علي الحائري

______________________________

(1). تحف العقول، ص 221.

(2). مستدرك الوسائل، ج 12، ص 153.

(3). المصدر السابق، ج 12، ص 152- 156؛ اصول الكافي، ج 2، باب محاسبة العمل، ص 453، ح 2.

(4). محاسبة النّفس، لإبن طاووس رحمه

الله، ص 14؛ بحار الأنوار، ج 67، ص 72، ح 22.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 222

المرعشي، (المتوفى في سنة 1344 للهجرة)، و محاسبة النّفس للسيّد علي المرعشي، المتوفى في سنة (1080 للهجرة «1»).

و يجدر هنا الإشارة إلى عدّة ملاحظات:

1- كيفيّة محاسبة النّفس و إستنطاقها

و أفضل طريقٍ لذلك، ما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام، نقلًا عن الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله، فقال:

«أَكْيَسَ الكيَسِينَ مَنْ حاسَبَ نَفْسَهُ ...» فَقَالَوا: يا أَميرِ المُؤمِنِينَ وَ كَيفَ يُحاسَبُ الرَّجُلُ نَفْسَهُ؟.

قال: إذا أَصْبَحَ ثُمَّ أَمسى رَجَعَ إِلى نَفْسِهِ وَ قَالَ: يا نَفسُ إِنَّ هذا يَومٌ مضى عَلَيكِ لا يَعُودُ إِلَيكِ أَبَداً، وَ اللَّهُ سائِلُكِ عَنْهُ فَيما أَفْنَيتَهُ، فَما الَّذِي عَمِلْتَ فِيهِ؟ أ ذَكَرْتَ اللَّهَ أَمْ حَمَدْتَه؟

أ قَضَيتِ حَقَّ أَخٍ مُؤمِنٍ؟ أَنْفَّسْتَ عَنْهُ كُربَتَهُ؟ أ حَفِظتِيهِ بِظَهرِ الغَيبِ فِي أَهْلِهِ وَ وَلَدِه؟ أ حَفِظتِيهِ بَعْدَ المَوتِ فِي مُخلِّفِيهِ؟ أَكَفَفتِ عَنْهُ غَيبَةِ أَخٍ مُؤمِنْ بِفَضْلِ جاهَك؟ أَ أعَنْتَ مُسلِماً؟ ما الَّذِي صَنَعْتِ فِيهِ؟ فَيَذكُرَ ما كانَ مِنْهُ، فإنْ ذَكَرَ أَنّهُ جَرى مِنهُ خَيرَ حَمَدَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ وَ كَبَّرَهُ عَلى تَوفِيقِهِ، و إِنْ ذَكرَ مَعْصِيةً أَو تَقْصِيراً اسْتَغْفَرَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ وَ عَزَمَ عَلى تَرْكِ مَعاوَدَتَهُ وَ محا ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ بِتَجْدِيدٍ الصّلاةِ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ الطَّيّبِينَ وَ عَرَضَ بَيعَةَ أَمِيرِ المُؤمِنِينَ عَلِى نَفْسِهِ وَ قَبُولِها، و إِعادَة لَعَنَ شانِئِيهِ وَ أَعدَائِهِ، وَ دَافِعِيه عَنْ حُقُوقِهِ، فَإِذا فَعَلَ ذَلِكَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: لَستُ اناقِشُكَ فِي شي ءٍ مِنْ الذُّنُوبِ مَعَ مُوالاتِكَ أَولِيائِي وَ مُعادَاتِك أَعدَائِي» «2».

نعم فإنّها أفضل طريقةٍ لمحاسبة النّفس، و إلجامها عن الّتمادي في خطّ العصيان و الّتمرد.

2- ما هي معطيات محاسبة النّفس؟

الإجابة على هذا السؤال، ظهرت جليةً في طيّات بُحوثنا السّابقة، و الحَريّ بنا هنا

______________________________

(1). الذّريعة، ج 2.

(2). بحار الأنوار، ج 70، ص 69 و 70.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 223

الإستعانة بالأحاديث التي وردت عنهم عليهم السلام، منها:

ما ورد عن الإمام علي عليه السلام: «مَنْ حاسَبَ نَفْسَهُ وَقَفَ عَلَى عُيوبِهِ،

وَ أَحاطَ بِذُنُوبِهِ، و استَقالَ الذُّنُوبَ وَ أَصْلَحَ العُيوبَ» «1».

و أيضاً عنه عليه السلام: «مَنْ حاسَبَ نَفْسَهُ سَعَدَ» «2».

و عنه عليه السلام: «ثَمَرَةُ الُمحاسِبِةِ صلاحُ النَّفْسِ» «3».

و يقول بعض العلماء في هذا الفن، إنّ المحاسبة يجب أن تكون شبيهة، بالمحاسبة بين الشّريكين، فإذا ما وجد النّفع إستمر معه و بارك في خُطاه، و إلّا فسيكون ضامناً للخسارة في الحاضر و المستقبل.

و أهمّ رأسمالٍ عند الإنسان: هو عمره، فإذا ما قضاه بالخير و المنفعة، فهو الفائز، و لكنه سوف يعيش الخسارة في إرتكابه لِلذنوب، فموسم هذه التّجارة هي أيّامه، و شريكه في المعاملة هو النّفس الأمّارة.

فأوّل ما يطالبها بالفرائض، فإذا ما أدّتها فليشكر الباري تعالى، و ليبارك خُطاه، و إذا ما ضيّعت فريضة ما، فليطالبها بقضائها و إذا كان فيها نقص، فليجبرها بالنّوافل، و عند المعصية يطالبها بالتّكفير عنها، كما يفعل التاجر مع شريكه، في أتفه الامور و المبالغ التي لا قيمة لها، كي لا يُغبن في المعاملة، و خصوصاً أنّ الإنسان، يواجه عدوّاً لدوداً مخادعاً، و هو النفس الأمّارة، و ليحاسب نفسه كما تحاسبه الملائكة، في تداعيات أفكاره، و خواطر نفسه في قيامه و في قُعوده، و لما ذا تكلّم، و لما ذا سكن؟، و هكذا في كلّ ساعةٍ و كلِّ يومٍ، و على كلّ فعلٍ و عملٍ، و إذا ما تهاون في الأمر، فسوف تتراكم على قلبه و روحه الذّنوب و العيوب، و الأنكى من ذلك أنّ الإنسان ينسى ما يفعله بسهولةٍ، و لكنّ الكرام الكاتبين، لا يغفلون و لا يفترون في عملهم، فقال الباري تعالى: «أَحْصَاهُ اللَّهُ وَ نَسَوهُ» «4» «5»

______________________________

(1) غرر الحكم

(2) المستدرك ج 126 ص 154

(3) غرر الحكم

(4) سوره

المجادله الايه 6

.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 224

و مسك الخِتام، نورد حديثاً يبيّن كيفيّة الحساب في يوم القيامة، عن الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله، أنّه قال: «لا تَزُولُ قَدَما عَبْدٍ يَومَ الَقيامَةِ، حَتّى يُسْئَلَ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنْ عُمْرِهِ فِي ما أَفناهُ وَ عَنْ شَبابِهِ فَي ما أَبلاهُ، وَ عَنْ مالِهِ مِنْ أَينَ كَسَبَهُ وَ في ما أَنْفَقَهُ وَ عَنْ حُبِّنا أَهْلَ البَيتِ» «1».

الخطوة الخامسة: المعاتبة و المعاقبة

بعد «المحاسبة»، يأتي دور المُعاتبة و المُعاقبة للنّفس على أخطائها و أغلاطها، فالحساب بدون إظهار ردّ الفعل، لا فائدة فيه و لا ثمرة، و نتيجته ستكون عكسيةً، بل تحمل النّفس على الجرأة و الجسارة و العناد، في حركة الحياة و الواقع، فكما يحاسب الرّئيس موظفيه عن تقصيرهم، و يعاقبهم بنوعٍ ما، و كلٌّ حسب حجم تقصيره، فكذلك يفعل السّائرون في طريق الباري، فإذا ما جَمَحَت بهم أنفسهم يوماً، فسوف يعاقبونها لجرأتها على سيّدها و مولاها.

و أكّد القرآن الكريم على هذه المسألة، فأقسَم بالنّفسِ اللّوامة، لأهميتها: «لا اقْسِمُ بِآلنَّفْسِ اللَّوامَة» «2»، «3».

و نحن نعلم أنّ النّفس اللوامة، هي الضّمير الحي الذي يردع صاحبه عن إرتكاب المعاصي، و هو نوع من العِقاب للنفس.

و من الواضح أنّ العقاب للنفس له درجاتٌ و مراتبٌ، و أوّل ما يبدأ من حالة الملامة، ثمّ يشدّد العقاب، و ذلك بحرمان النّفس من بعض اللذائذ الدنيوية لفترة من الزّمن.

و أشار القرآن الكريم، لنموذجٍ رائعٍ حول هذا الموضوع، و ذلك بالنّسبة للثلاثة الذين

______________________________

. المحجّة البيضاء، ج 8، ص 168، (مع التلخيص).

(1). خصال الصدوق، ص 253.

(2). سورة القيامة، الآية 2.

(3). المعروف بين المفسّرين: أنّ «لا» زائدة و للتأكيد، و الجدير بالملاحظة أنّه وردت تفسيرات مختلفة «للنفس اللّوامة»، فبعض قال:

أنّها إشارةٌ للكفّار و العاصين الذين يلومون أنفسهم في يوم القيامة، و بعض أشاروا إليهم في هذه الدنيا، أنّهم يستحقون الملامة في الدنيا قبل الآخرة، و لكنّ المعنى: «الوجدان أو الضمير المستيقظ»، أنسب من الجميع، و قَسَمٌ القرآن بهاٌ دليلٌ على أفضليّتها على باقي الامور.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 225

تخلّفوا في غزوة تَبوك، و أمر الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله، الناس بمقاطعتهم في كلّ شي ءٍ، فضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فعاقبوا أنفسهم على فعلتهم، و إنشغلوا بالتّوبة، و إنعزلوا عن الناس بالكامل، و بعد مدّة تاب اللَّه تعالى عليهم، و نزلت الآية الكريمة: «وَ عَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَ ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَ ظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنْ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ» «1».

فجملة: «و ضاقت عليهم أنفسهم»، ربّما تكون إشارةً إلى مسألة: «معاقبة النّفس»، بالعزلة التي إختاروها لأنفسهم، فقبلها الباري تعالى منهم، وَ ورد في شأن النّزول للآية (102) من سورة التوبة: «وَ آخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ».

فهي تشير إلى قصة: «أبو لُبابة الأنصاري»، و هو أحد أصحاب النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله، و لكنّه تهاوَن عن نَصرة رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، في غزوة تَبوك، و بعدها ندم أشدّ الندم، فأراد أن يُكفّر عن فِعلته، فذهب إلى مسجد النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله، و ربط نفسه إلى أحد أعمدته، و أقسم أنّ لا يطلق نفسه إلّا بموافقة اللَّه و رسوله، أو يتوب اللَّه تعالى عليه، فبقي على هذه

الصورة حتى تاب اللَّه تعالى عليه، و نزلت الآية، و صرّحت بقبول اللَّه تعالى لِتوبته.

و من الواضح، أنّ أبا لُبابة كان قد تحرك من موقع مُحاسبة النفس، و مُعاقبتها على فِعلتها، و هو دليلٌ على أنّ السّير و السّلوك إلى اللَّه تعالى، كان موجوداً على عهد الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله.

و أمّا جملة: «خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئَاً»، فهي أيضاً ربّما تكون إشارةً لذلك المعنى أيضاً، و أَتحفتنا الرّوايات أيضاً، و أرشدتنا إلى موضوع بحثنا، و منها:

1- ما ورد عن علي عليه السلام، أنّ قال في أوصاف المتّقين، في نهج البلاغة:

«إِن اسْتَصْعَبَتْ عَلَيهِ نَفْسُهُ في ما تَكْرَهُ لَمْ يُعْطِها سُؤلَها فِي ما تُحِبُّ» «2».

و المقصود منه، أن يمنع نفسه في حالة جموحها، من النوم و الرّاحة و الأكل و الشّرب،

______________________________

(1). سورة التوبة، الآية 118.

(2). نهج البلاغة، الخطبة 193.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 226

لتتأدّب و لتنصاع إليه.

2- ما ورد في غُرر الحِكَم، عن ذلك الإمام عليه السلام الهمام، أنّه قال: «إِذا صَعُبَتْ عَلَيكَ نَفْسُكَ فاصْعَبْ لَها تَذِلُّ لَك».

3- و عنه عليه السلام: «مَنْ ذَمَّ نَفْسَهُ أَصلَحَها، وَ مَنْ مَدحَ نَفْسَهُ ذَبَحها» «1»

4- و عنه عليه السلام، قال: «دَواءُ النَّفْسِ الصَّومُ عَنِ الهوى وَ الحَمِيةُ عَنْ لَذّاتِ الدُّنيا» «2».

و يحدّثنا التأريخ عن نماذجٍ كثيرةٍ من أصحاب النبي الأكرم صلى الله عليه و آله، و العلماء الكبار، و المؤمنين المخُلصين، الذين إذا مسّهم إغواء الشّيطان، و إرتكبوا بعض الذنوب، كانوا يسارعون في وضع أنفسهم تحت طائلة العقاب، لئلّا يتكرّر هذا العمل منهم مرّةً اخرى في المستقبل، و منها:

1- ورد أنّ أحد أصحاب النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله، و إسمه «ثَعلبة» «3»، كان من

الأنصار، و كان يُؤاخي «سعيد بن عبد الرحمن»، و هو من المهاجرين، و صاحَبَ سعيدٌ الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله في إحدى غزواته، و خَلّف ثعلبة في المدينة، مُعتمداً عليه في حلّ مشاكل بيته و عائلته، و ما يحتاجونه من باقي الامور المعيشيّة، و في يوم ما، إحتاجت امرأة «سعيد» إلى شي ءٍ، فوقفت خلف الباب، تتحدّث مع ثعلبة في ذلك الأمر، فوسوس له الشّيطان في ممارسة الإثم، فكشف عن حجابها، فرآها جميلةً جدّاً، فأراد أن يضمّها إلى صدره، و لكنّها نهرته قائلة له: ما تفعل يا ثعلبة، أمِنَ الحقِّ أن يكون أخوك في الجِهاد، و أنت تُريد بأهلِهِ السّوء؟!

إنتبه ثعلبةُ من نومه و غفلته، و أيقظه هذا النّداء من غيّه، فَصاحَ و فرّ على وجهه في البيداء باكياً، و هو يقول: «إِلَهِي أَنْتَ المُعرُوف بِالغُفرانِ و أَنا المَوصُوفُ بِالعِصيانِ» «4».

فبقي في الصحراء مدّةً طويلةً مُعاقباً نفسه، مَضيّقاً عليها لِما صدر منه، و في قصّةٍ طويلةٍ

______________________________

(1). غُرَر الحِكَم.

(2). المصدر السابق، ح 5153.

(3). ثعلبة كان إسماً لعدّة من أصحاب النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله، و ثَعلبةُ هذا، غير ثعلبة بن حاطِب الأنصاري، الذي إمتنع عن أداء الزكاة، فطرده الرّسول و المسلمون.

(4). ذكرت هذه القصة في كتبٍ كثيرةٍ، منها خزينة الجواهر، ص 320، و كذلك في تفسير الفخر الرازي، في ذيل هذه الآية، بصورة ملخصة، ج 9، ص 9.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 227

تحكي أنّه عاد بعدها إلى الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله، و تاب على يده، فنزلت الآية أدناه لتوكيد قبول توبته، و هي الآية (135) من سورة آل عمران: «وَ الَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَآسْتَغْفَرُوا

لِذُنُوبِهِمْ وَ مَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَ لَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَ هُمْ يَعْلَمُونَ».

2- نقل عن حالات الفقيه الكبير، المرحوم آية اللَّه، البروجردي قدس سره، عند ما كان يجلس للدرس مع طلابه، فربّما بَدَر منه أثناء النّقاش، أن يرفع صوته بالتّوبيخ لأحد طلّابه، و لم يكن ذلك منه إلّا من باب المحبّة، و علاقة الأب مع إبنه، فكان يندم مباشرةً و يعتذر، و ينذر للصوم في غَدِه ليُكفّر عن فعله، رغم أنّه لم يصدر منه ما يخالف الشّرع.

3- نقلُ أحد كِبار عُلماء الأخلاق، عن أحد الوعّاظ، أنّه عند ما كان يصعد على المِنبَر للوعظ و الخطابة، و قبل الشّروع كان يُسلّم على الحسين عليه السلام، و لا يبدأ بكلامه حتى يسمع الجواب منه عليه السلام، هذه الحالة المعنوية، لم تحصل لديه إلّا بعد حادثةٍ حدثت له مع أحد الوعّاظ، حيث قَرّر في يوم من الأيّام مع نفسه، يكسر مجلس ذلك الواعظ المعروف، بإيراده كلاماً أبلغ و أحلى من كلام ذلك الشّيخ، فتنبّه لِخَطئه، و أخذ على نفسه بعدم إرتقاء المنبر لمدّة (40) يوماً، عِقاباً لنفسه على فعلتها تلك، فالقي في قلبه ذلك النّور و تلك الحالة الإلهيّة. «1»

و زبدة الكلام، أنّه و للحصول على النتائج و المعطيات، المرجوّة من المراقبة و المحاسبة، أن يتحرك الشّخص في عملية التّزكية، من موقع معاقبة النفس عند زلَلِها و جُموحها عن الطريق، و إلّا فلا يمكن تَوخّي النّتائج المطلوبة في نطاق التّهذيب و التّزكية، و هذا لا يعني أننا نُمضي أعمال و فعال بعض الصّوفيين المنحرفين، كما أورد بعضها الغزالي في كتابه: «إحياء العلوم»، فما يفعلوه من أعمال خَشنةٍ مُتهوِّرة، و سلوكياتٍ شاذةٍ، في دائرة معاقبة النفس

و جُبران تقصيرها، لا تَمُتّ إلى الدّين بصلةٍ، و قصدنا من المعاقبة، هي أعمالٌ مشروعةٌ في دائرة المفاهيم الإسلاميّة، كالصّوم، و مخالفة الهوى، و حرمان النفس من بعض لذّاتها المادية، التي لا تخدش في سماحة الدين و رأفته، بل هي من اسسه.

______________________________

(1). و كذلك قصّة علي بن يقطين، و إبراهيم الجمّال المعروفة.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 228

و كما يقول المرحوم النّراقي، في «معراج السّعادة»:

إذا صدرت من الشّخص مخالفةٌ؛ ما فعليه تأديب نفسه و ترويضها، بالعبادات الثّقيلة مثلًا، أو بإنفاق الأموال التي يحبّها و يجمعها، أو يقوم يتجويع نفسه عند أكله لِلُقمة الحرام، أو يؤدب نفسه بالسّكوت، و يمدح الشّخص الذي يغتابه، أو يجبرها بذكر اللَّه تعالى، و إذا إستهان أو استصغر أحداً من الناس لفقره، فليكرمه بالمال الكثير، و كذلك الحال في بقيّة المعاصي، و الموبقات التي صدرت منه، و لكلٍّ بِحَسَبِه» «1».

الخطوة السّادسة: «النيّة» و «إخلاص النيّة»

اشارة

تناول العلماء في بداية مباحثهم الأخلاقية، مسألة «النيّة» و «إخلاص النيّة»، و فرّقوا بينهما و قالوا: إنّ «النيّة» شي ءٌ، و «إخلاصُ النيّة» شي ءٌ آخر، لكنّهم لم يذكروا فروقاً واضحةً و مشخّصَةً، فأدخلوا إخلاص النيّة في مبحث النيّة، بحيث يصعب الّتمييز بينهما.

و لأجل التّفريق و الّتمييز بينهما، يمكن القول: إنّ المقصود من «النيّة»: هو العَزمُ و الإرادةُ الرّاسختين لفعلٍ ما، بقطع النّظر عن الدّافع الإلهي، أو المادي الذي يقف خلفها.

بالطّبع إذا أراد الإنسان أن يرى ثمرة عمله، في دائرة الواقع و حركة الحياة، فعليه أن يدخل إلى ساحة العمل و السّلوك، بإرادةٍ قويّةٍ، و عزمٍ راسخ، لا تُزلزِلهُ التّحديات، و لا تهزّه الصّعاب، سواءً في نطاق تحصيل العلم، أو في الزّراعة و التجارة و السّياسة.

و الخُلاصة: إنّ كلّ عملٍ إيجابي، نريد أن نصل

به إلى النتائج المرجوّة، علينا في البداية، أن نتقدم نحو ميدان العمل و الممارسة، بقلبٍ ثابتٍ و إرادةٍ بعيدةٍ عن التّردد، و بالطبع فإنّ هذا الأمر لا يتمّ إلّا بالتنظير له، في مرحلةٍ سابقةٍ، و دراسةِ كلّ جوانبه و الامور المحيطة به، من عوائد و نتائج إيجابيّة أو سلبيّة، و العقبات التي يمكن أن تقف بوجهه، و بعدها المُضي قُدُماً بخطى ثابتةٍ نحو الهدف، في خطّ العمل و التّطبيق.

______________________________

(1). معراج السعادة، الطّبعة الجديدة، ص 703، (مع شي ءٍ من التّلخيص).

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 229

و لأجل السّير في طريق تهذيب الأخلاق و السلوك إلى اللَّه تعالى، نحتاج إلى نيّة جادّةٍ، و إرادةٍ حاسمةٍ، لأنّ ضعف الإرادة، يمثّل أكبر عائقٍ أمام تحقيق ما يطمح إليه الإنسان، في دائرة التّكامل الأخلاقي، فأيّ مانع يقف بوجهه، سُرعان ما يُولّي دُبُرَه و يعود أدراجَه، فالضّعف في عنصر الإرادة، بإمكانه أن يتَسرّب إلى سائر القوى الباطنيّة، و بالعكس، فإنّ القويُّ الإرادة، سيقوم بتوظيف قِواه، و ملكاته الداخليّة، و يدفعها بقوةٍ نحو الهدف المنشود.

و هذا هو الأمر، الذي عبّر عنه القرآن الكريم ب: «العزم»، و قد سُمّي الأنبياء العظام، لعزمهم القوي، و إرادتهم الحديديّة، ب الأنبياء أولو العزم) «1»

فخاطب القرآن الكريم، الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله، قائلًا: «فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكّل عَلَى اللَّهِ» «2».

و بالنسبة لآدم عليه السلام، قال: «وَ لَقَدْ عَهِدنا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً» «3»، حيث تناول من الشّجرة الممنوعة، و لم تكن لديه إرادةٌ قويةٌ في خطّ الطّاعة.

أمّا في دائرة الرّوايات الشّريفة، فنرى أنّها توّجهت إلى عنصر العزم، و أكّدت عليه من موقع الأهميّة. و منها:

ما نقل عن الإمام موسى الكاظم عليه السلام،

في أدعية رجب، نقرأ: «وَ قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ أَفضَلَ زَادِ الرَّاحِلِ إِلَيكَ عَزْمُ إِرادَةٍ يَخْتارُكَ بِها وَ قَدْ ناجاكَ بِعَزمِ الإِرادَة قَلبي» «4».

و في حديث آخر عن الصّادق عليه السلام، قال: «إِنّما قَدَّرَ اللَّهُ عَوْنَ العِبادِ عَلى قَدْرِ نَيّاتِهِم، فَمَن صَحَّتْ نِيَّتَهُ تَمَّ عَوْنُ اللَّهِ لَهُ، وَ مَنْ قَصُرَتْ نِيَّتَهُ قَصُرَ عَنْهُ العَوْنَ بِقَدْرِ الَّذِي قَصَّرَهُ» «5».

و في حديثٍ آخر، عنه عليه السلام: «ما ضَعُفَ بَدَنٌ عَمّا قَوِيتْ عَلَيهِ النِّيَّةُ» «6».

فهذا الحديث، يبيّن لنا فاعليّة الإرادة، و دورها في الصّعود بالقوى الجسمانيّة، إلى أبعد الحدود و المراتب في حركة الإنسان.

______________________________

(1). ورد في مقاييس اللغة: أن العزم في الأصل بمعنى القطع، و الإرادة القاطعة اخذت منه.

(2). سورة آل عمران، الآية 159.

(3). سورة طه الآية 115.

(4). نقله المحدّث القمي في مفاتيحه، عن إبن طاووس رحمهما اللَّه تعالى، و هو في أعمال شهر رجب المُرجّب.

(5). بحار الأنوار، ج 67، ص 211.

(6). المصدر السابق، ص 205، ح 14.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 230

و من المعاني الاخرى «لِلنيّة»، هو إختلاف الدّوافع، بالنّسبة لِلأعمال الّتي تكون على هيئةٍ واحدةٍ في الظّاهر، فالذّهاب للجهاد، يمكن أن يكون الباعث له هو كسب الغنائم، أو الإستعلاء على النّاس، أو يكون دافِعُهُ نصرة الحقّ، و دفع الظّلم، و إطفاء نار الفِتن، و أمثال ذلك.

فالذّهاب لِلحرب، واحدٌ في الشّكل و الظّاهر، و لكن شتّان بين النّوايا السّليمة، و بين النّوايا المغرضة.

و لأجل ذلك، أتت الأوامر بإصلاح النيّة، و تنقيتها من الشّوائب، قبل السّلوك في أيّ طريق، و ما السّالك في خطّ اللَّه، و الكمال المعنوي بِمُستثنى عن ذلك، فهل أنّ هدفه من سلوك سبيل التهذيب و الرياضة، هو التّكامل المعنوي، و الوصال الحقيقي، أم أنّه يريد

كسب عنصر القّوة في عالم النفس، و التّسلط على ما وراء الطّبيعة، ليشار إليه بِالبَنان؟!.

و ما وردنا من حديثٍ: «إِنّما الأَعمالُ بالنِّيَّاتِ»، هو إشارةٌ لهذا المعنى، وَ وَرد الحديث في موسوعة: بحار الأنوار، عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، فقال: «إِنّما الأَعمالُ بالنِّيَّاتِ و إنَّما لِكُلِّ امرِءٍ ما نَوى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ، وَ مَنْ كانَتْ هِجرَتُهُ إِلى دُنيا يُصِيبَها أو إِمرَأَةٍ يَتَزَوَّجَها فَهِجْرَتُهُ إِلى ما هاجَرَ إِلَيهِ» «1».

و كذلك الحديث الوارد عن علي عليه السلام، حيث يقول: «عَلى قَدْرِ النِّيَّةِ تَكُونُ مِنَ اللَّه عَطِيَّةٌ» «2».

فهو إشارةٌ إلى نفس المعنى الآنف الذكر.

و يُستفاد مما تقدم، أنّه و لأجل الوصول إلى المقاصد و الأهداف المنشودة، في أيّ أمرٍ و عملٍ، و خصوصاً المصيريّة منها، علينا أن نتحرّك في دائرة العمل، بإرادةٍ قويّةٍ و عزمٍ راسخٍ، في مُواجهة التحدّيات الصّعبة، لتحقيق الأهداف المرسومة، و بدون ذلك، سيحل فينا عنصر اليأس و الحيرة و الضّياع.

و كذلك هو حال السّائر في طريق تهذيب النّفس، و إصلاح الخَلل في واقعه الداخلي، عليه البِدء بإرادةٍ حديديّةٍ، و يدعمها بالتوكّل على الباري تعالى، في عمليّة السّلوك المعنوي، و يمكن

______________________________

(1). بحار الأنوار، ج 67، ص 211، و ورد في هامشه، أن هذا الحديث متفق عليه عند جميع المسلمين، ثم يشير إلى كلام البخاري في صحيحه، في كتاب الإيمان، ص 23.

(2). غُرر الحِكَم، ح 1594.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 231

أن يتساءل المرءُ عن كيفيّةِ تَحصيل هذه الإرادة القويّة، في واقعه الدّاخلي و النّفسي.

و الجواب واضح جِدّاً، فَنفس الهدفِ المنشودِ، هو الحافز الأصلي الذي يدفع الإنسان نَحوه، فكُلّما كان الهدف سامِياً، كان السّير إليه

أقوى و أشد، و الخُطى نَحوه أثبت.

فإذا أذعن الإنسان لهدف الحقيقة، و هيَ: أنّ وجوده، و الهدف من خلقته، ليس هو إلّا تهذيب الأخلاق و القربُ من اللَّه تعالى، و بِغَفلته أو تَغافُله عنها، سيقع في مستنقع الرّذائل، و ينحدر في وادي الظّلمات، فإذا صدّق تلك الحقيقة، و تعمّق فيها، أكثر و أكثر، فسوف يسير على بصيرةٍ من أمره، ثابتَ الخُطى، هادى ءَ البال، مرتاحَ الضّمير، رابطَ الجّأش، بل و أكثر من ذلك، سيفدي روحه في هذا السّبيل، و يكون مِصداقاً ل: «عَجّلْتُ إليك رَبِّ لِتَرضى .

و يمكن القول في جملة واحدة، أنّ الإرادة القويّة منشؤها المعرفة الكاملة، من موقع الوضوح في الرّؤية و سمّو الهدف، في وعي الإنسان.

الإخلاص:

المراد من «الإخلاص»، هو: إخلاص النيّة، و أن يكون الهدف، في دائرة الفكر و السّلوك:

هو اللَّه تعالى فقط.

و قد يكون هناك أشخاص من ذوي الإرادة القويّة، تمنحهم القوّة للوصول إلى أهدافهم، إلّا أنّ الدّافع الحقيقي لهم، هو: النّفع المادي و المصلحة الذّاتية، و لكنّ أولياء اللَّه و السّالكين في خطّ الحقّ و الإيمان، يتمتعون بإخلاص النيّة للَّه تعالى، إلى جانب الإرادة القويّة.

و نرى في القرآن الكريم و الرّوايات الإسلاميّة، أن عنصر: «الإخلاص»، إلى درجةٍ من الأهميّة، بحيث يُعدّ العامل الأساس في حركة الإنسان و الحياة، للفوز في الدنيا و الآخرة، و كلّ عملٍ في الإسلام، لا يقبل إلّا إذا توفّر عنصر الإخلاص للَّه تعالى، هذا من جهةٍ:

و من جهةٍ اخرى: نرى أنّ الإخلاص يعدّ من أصعب الامور، و لا يصل إلى الدّرجة العليا من الإخلاص إلّا المقرّبون، رغم أنّ حالة الإخلاص محمودةٍ في أيّ مرحلةٍ و مرتبةٍ.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 232

و لنرجع الآن لِلقرآن الكريم، لنستوحي

من آياته مسألة الإخلاص. فبعض الآيات تتحدث عن المخلِصين، و البعض الآخر عن المخلَصين من موقع الثناء، و الّتمجيد بهم، و منها:

1- في الآية (5) من سورة البيّنة: «وَ مَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَ يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَ يُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَ ذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ».

حيث تتبيّن أهميّة هذا الموضوع، بالنّظر إلى أنّ الدّين له مفهومٌ واسعٌ يستوعب في إطاره، كلّ العقائد و الأعمال الباطنيّة و الخارجيّة، فالضّمير في: و ما امروا، يعود على جميع أتباع المذاهب الإلهيّة و الأديان السماوية، و الإخلاص و الصلاة و الزكاة، تمثّل: عناصر مشتركة بين الجميع، فهذا التّعبير في الآية، يبيّن حقيقةً واحدةً ألا و هي أنّ جميع الأوامر الإلهيّة مستقاةٌ من حقيقة التّوحيد و الإخلاص، في خطّ الطّاعة و العبوديّة.

2- و في آية اخرى، نجد أنّ القرآن الكريم يوجّه خطابه إلى جميع المسلمين، و يقول:

«فَآدْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَ لَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ» «1».

3- و في مكان آخر، يخاطب الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله، و يقول: «قُلْ إِنّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ» «2».

و يُستشف من هذه الآيات و آياتٍ اخرى، أنّ الإخلاص هو أساس الدّين و دعامته، التي يرتكز عليها في عمليّة تثبيت الإنسان، في خطّ الإيمان و الإنفتاح على اللَّه تعالى.

و سنتعرّض لِشرح معنى المخلِصين و المخلَصين، و الفرق بينهما في ما بعد، و لكن توجد هنا عباراتٌ على درجةٍ من الأهميّة، على مستوى المفاهيم القرآنية:

1- الآية: (39 و 40) من سورة الحِجر، تتحدثان عن الشيطان، بعد ما طرد من رحمة اللَّه سبحانه إلى الأبد، فقال بعنادٍ: «وَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمْ الُمخْلَصِينَ».

فتبيّن هذه الآية، حالة المخلَصين من عباده،

و أنّها إلى درجةٍ من القوّة و الإستحكام، حتى الشّيطان قد يأس منهم.

2- الآية: (39 و 40) من سورة الصافات، تتحدثان عن وعد اللَّه تعالى لعباده المخلَصين،

______________________________

(1). سورة غافر، الآية 14.

(2). سورة الزّمر، الآية 11.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 233

بثوابٍ لا يعلمه إلّا الباري تعالى، فيقول: «وَ مَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ* إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الُمخْلَصِينَ».

3- الآية: (127 و 128) من سورة الصافات، أيضاً صعدت بمقام المخلَصين، إلى درجةٍ أنّهم معفوّون من الحساب و الحضور في المحكمة الإلهيّة، و يدخلون الجنّة مباشرة.

4- الآية: (159 و 160) من نفس السورة، وصفت المخلَصين، بأنّهم الوحيدون الذين يصحّ منهم وصف الذات المقدسة، ممّا يدلّ على عمق معرفتهم الحقيقة بحقيقة الالوهيّة:

«سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ* إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الُمخْلَصِينَ».

فوصفهم للَّهِ، لا إشكال فيه.

5- الآية: (24) من سورة يوسف، تحدّثت عن الحصانة الإلهيّة للنبي يوسف عليه السلام، في مقابل وساوس إمرأة العزيز الشّيطانيّة، فقال: «كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَ الْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الُمخْلَصِينَ».

أمّا ما الفرق بين المخلِصين و المخلَصين؟، هنا نجد تفسيراتٌ كثيرةٌ، و يمكن القول أنّ أفضل هذه التّفاسير، هو الذي يقول: أنّ «المخلِص» هو الذي يتحرك في طريق الإخلاص للَّه تعالى، بعيداً عن كلّ الشّوائب و الأدران و المقاصد غير الإلهيّة، في دائرة الفكر و النيّة، و يتحرك بعيداً عن الرّذائل و القبائح، في دائرة الفعل و المُمارسة، أمّا «المخلَصين»، فهو الذي تحضره العناية الربانيّة، و المدد الإلهي، لرفع آخر شائبة من قلبه، و يشمله لطف الربّ لتخليصه من كلّ ما لا يحب و يرضى.

و توضيح ذلك: إنّ الشّوائب التي تصيب قلب الإنسان و وجوده على نوعين:

نوعٌ يكون الإنسان منها على بصيرةٍ، و يسعى لإزالتها من واقع

وجوده، بإخلاص النيّة و العقيدة و العمل، و يُوفّق في مسعاه.

أمّا النّوع الآخر، فهو خفي لا يحسّ به الإنسان في مسارب النّفس و الرّوح، كما ورد في الحديث النبوي الشريف: «إِنَّ الشِّركَ أَخفَى مِنْ دَبِيبِ الَّنملِ عَلى صَخْرَةٍ سَوداءٍ في لَيْلَةٍ ظَلْماءٍ» «1».

______________________________

(1). بحار الأنوار، ج 69، ص 93.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 234

فهنا لا يمكن العبور من هذه المطبّات، إلّا بتوفيقٍ من الباري تعالى، و تسديدٍ إلهي يشمل حال السّائرين إليه، و بدونه ستبقى الشّوائب عالقة في القلب و النّفس، و كأنّ الباري تعالى يريد أن يُتحف هؤلاء المخلِصين، الذين لم يتخلّصوا تماماً من عَلَق الشّوائب، و وصلوا بالقرب من النّهاية، بأن يبدل شوائبهم باليّقين، بلطفه و عنايته، و يجعلهم في عداد المخلَصين.

فعند وصول الإنسان إلى هذه المرحلة، يكون في مأمَنٍ من الأهواء، و من الوساوس الشّيطانية، بما يمثّل من تحدّيات صعبة في طريق التّكامل، و بالتّالي ينقطع طمع الشّيطان فيه، و يظهر عجزه عن إغوائه بصورةٍ رسميّةٍ.

و هنا يستقر المخلَصين في النّعيم الخالد، و يرتعون بالمواهب الإلهيّة، و يكون ثناؤهم و توصيفهم، للذات المقدّسة بالصّفات الجماليّة و الجلاليّة الإلهيّة، قد صبغت بصبغة التّوحيد الخالص، و بما أنّهم صفّوا حساباتهم في هذه الدنيا، فستكون عاقبتهم أنّهم سيدخلون الجنّة بغير حساب.

و يصف الإمام علي عليه السلام في بعض خطبه، التي وردت في نهج البلاغة، اولئك المخلصين، فيقول: «قَدْ أَخْلَصَ للَّهِ فَاسْتَخْلَصَ» «1».

و قال الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله: «فَعِنْدَ ذَلِكَ إسْتَخْلَصَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لِنُبُوَّتِهِ وَ رِسالَتِهِ مِنَ الشَّجَرَةِ المُشَرِّفَةِ الطَّيِّبَةِ ... مُحَمَّداً اخْتَصَّهُ للِنُبُوَّةِ وَ اصطَفاهُ بِالرِّسالَةِ» «2».

و في حديثٍ آخر عن أحد المعصومين عليهم السلام أنّه قال: «وَجَدْتُ ابنَ آدَمَ

بَينَ الشَّيطانِ فَإنْ أَحَبِّهُ اللَّهُ تَقَدَّسَتْ أَسْمائَهُ، خَلَّصَهُ وَ آسْتَخْلَصَهُ وَ إِلّا خَلّى بَينَهُ وَ بَينَ عَدُوِّهِ» «3».

و الخلاصة، إنّ الإخلاص في النيّة و الفكر و العمل، هو من أهمّ الخُطى في عمليّة التّهذيب و التّربية و السّير إلى اللَّه تعالى.

______________________________

(1). نهج البلاغة، الخطبة 87.

(2). بحار الأنوار، ج 14، ص 520.

(3). المصدر السّابق، ج 5، ص 55.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 235

الإخلاص في الرّوايات الإسلاميّة:

و أتحفتنا الروايات بزخم كبير من المفاهيم، التي تدور حول محور الإخلاص، و نشير إلى بعضٍ منها:

1- ما جاءنا عن الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله، أنّه قال: «ثَلاثٌ لا يَغُلُّ عَلَيهِنَّ، قَلْبُ رَجُلٍ مُسْلِمٍ، إِخلاصُ العَمَلِ للَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ، وَ النَّصِيحَةِ لِأئِمَّةِ المُسْلِمِينَ، و اللُّزُومَ لِجَماعَتِهِم» «1».

2- ما ورد عنه صلى الله عليه و آله، في حديثٍ آخر: «الإِخلاصُ سِرٌّ مِنْ أَسرارِي اسْتَودِعَهُ قَلْبَ مَنْ أَحَبَبْتُهُ مِنْ عِبادِي» «2».

3- قال الإمام علي عليه السلام: «الإِخلاصُ أَشرَفُ نِهايَةٍ» «3».

4- في حديث آخر عنه عليه السلام، قال: «الإِخلاصُ أَعلَى الإِيمانِ» «4».

5- و عنه عليه السلام: «فِي إِخلاصِ الأَعمالِ تَنافَسَ اولُوا النُّهى وَ الألبابِ» «5».

6- ما ورد في أهميّة الاخلاص بحيث أنّ الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله، قسّم المؤمنين وِفق درجات إخلاصهم، فقال: «بِالإِخلاصِ تَتَفاضَلُ مَراتِبُ المُؤمِنِينَ» «6».

7- و في بيان أنّ آخر مرحلةٍ من مراحل اليّقين، هو الإخلاص، قال الإمام علي عليه السلام: «غايَةُ اليَقِينِ الإِخلاصُ» «7».

8- ما ورد من معطيات الاخلاص على مستوى العمل، لدرجة أنّ قليلًا منه يكفي للنّجاة، قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: «أَخْلِصَ قَلْبَكَ يَكْفَيكَ القَلِيلَ مِنَ العَمَلِ» «8».

9- و قال علي عليه السلام: «الإِخلاصُ عِبادَةُ المُقَرِّبِينَ» «9».

10- و نختم هذه الأحاديث، بحديث

عن أمير المؤمنين عليه السلام، أنّه قال عليه السلام: «طُوبى لِمَنْ

______________________________

(1). المحجّة البيضاء، ج 8، ص 125- و أورد الحديث بالكامل: الصدوق في، خصاله، باب الثلاثة، ص 167.

(2). المحجّة البيضاء، ج 8، ص 125.

(3). تصنيف الغرر، ص 197، الرقم (3894).

(4). غرر الحكم، ج 1، ص 30.

(5). المصدر السّابق، ج 1، ص 513.

(6). ميزان الحكمة، مادة خلص، ج 1، ص 754.

(7). غُرر الحِكم، ج 2، ص 503.

(8). بحار الأنوار، 70، ص 175، ذيل الحديث 15.

(9). غرر الحِكم، ج 1، ص 25 (الرقم 718).

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 236

أَخْلَصَ للَّهِ العِبادَةَ وَ الدُّعاءِ، وَ لَمْ يَشْغَلْ قَلْبَهُ بِما تَرى عَيناهُ، وَ لَمْ يَنْسَ ذِكْرَ اللَّهِ بِما تَسْمَعُ اذُناهُ وَ لَمْ يَحْزَنْ صَدْرُهُ بِما اعطِي غَيْرَهُ» «1».

حقيقة الإخلاص:

يقول المرحوم الفيض الكاشاني، في المحجّة البيضاء حول هذا الموضوع: «إعلم أنّ كلّ شي ء يتصور أن يشوبه غيره، فإذا صفا عن شوبه، و خلص عنه سمّي خالصاً و سُمّي الفعل المصفّى، المخلص إخلاصاً، قال اللَّه تعالى: «وَ إِنَّ لَكُمْ في الأَنعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَ دَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشَّارِبِينَ» «2»، فإنّما خلوص اللّبن، أن لا يكون فيه شوب من الدم و الفرث، و من كلّ ما يمكن أن يتمزج به و الاخلاص، يضادّه الإشراك، فمن لا يكون مخلصاً فهو مشرك، إلّا أنّ للشّرك درجاتٍ، و الإخلاص في التوحيد يضادّه الشرك في الإلهيّة، و الشّرك منه خفي و منه جلّي و كذلك الإخلاص» «3».

و كذلك ما ورد من تعبيرات لطيفةٍ في الرّوايات، تبيّن الإخلاص الحقيقي و المخلصين الحقيقيين، منها:

1- الحديث الوارد عن الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله، أنّه قال: «إِنَّ لِكُلِّ حَقٍّ حَقِيقَةً،

وَ ما بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الإِخلاصِ، حَتّى لا يُحِبَّ أَنْ يُحْمَدَ عَلَى شَي ءٍ مِنْ عَمَلٍ للَّهِ» «4».

2- نقل عنه صلى الله عليه و آله: «أَمّا عَلامَةُ الُمخْلِصِ فَأَربَعَةٌ، يُسْلمُ قَلْبَهُ وَ تُسلمُ جَوارِحُهُ، وَ بَذَلَ خَيْرَهُ وَ كَفَّ شَرَّهُ» «5».

3- في حديث آخر عن الإمام الباقر عليه السلام، أنّه قال: «لا يَكُونُ العَبْدُ عابِداً للَّهِ حَقَّ عِبادَتِهِ

______________________________

(1). اصول الكافي، ص 16.

(2). سورة النّحل، الآية 66.

(3). المحجّة البيضاء، ج 8، ص 128.

(4). بحار الأنوار، ج 69، ص 304.

(5). تُحف العقول، ص 16.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 237

حَتّى يَنْقَطِعَ عَنِ الخَلْقِ كُلُّهُ إِلَيهِ، فَحِينَئِذٍ يَقُولُ هذا خالِصٌ لِي فَيَتَقَبِّلَهُ بِكَرَمِهِ» «1».

4- و أخيراً يقول الإمام الصادق عليه السلام: «ما أَنْعَمَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى عَبْدٍ أَجَلَّ مِنْ أَنْ لا يَكُونَ فِي قَلْبِهِ مَعَ اللَّهِ غَيْرُهُ» «2».

الآن بعد ما عرفنا أهميّة الإخلاص، و دوره العميق في سلوك طريق الحق و القرب من اللَّه، و السّير في حركة الإنسان في خط الإيمان و التوحيد، يبقى هنا سؤال يفرض علينا نفسه، و هو كيف يمكننا تحصيل الأخلاص؟

لا شك أنّ الإخلاص في النيّة، هو وليد الإيمان و اليقين العميق بالمعارف الإلهيّة، و كلمّا كان الإنسان متيقناً على مستوى التّوحيد الأفعالي، و أنّ كلّ شي ء في عالم الوجود يبدأ من اللَّه تعالى و يعود إليه، و هو المؤثر الأول و علّة العلل و أنّ الاسباب و العِلل الجليّة و الخفيّة خاضعة لأمره و تدبيره، فحينئذٍ يكون سلوك هذا الإنسان مُنسجماً مع هذه العقيدة، بالمستوى الذي يكون فيه عمله في غاية الخُلوص، لأنّه لا يرى مُؤثّراً في الوجود غير اللَّه، يثير في نفسه الدّوافع المضادّة للإخلاص، و الحركة في غير طريق

التّوحيد.

و عكست الرّوايات هذه الحقيقة، فقال الإمام علي عليه السلام: «الإخلاصُ ثَمَرَةُ اليَقِينِ» «3».

و عنه عليه السلام: «ثَمَرَةُ العِلْمِ إِخلاصُ العَملِ» «4».

و أخيراً تناول الإمام علي عليه السلام المسألة بشي ءٍ من التفصيل، فقال: «أَوَّلُ الدِّينِ مَعْرِفَتُهُ، وَ كَمالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصدِيقُ بهِ، وَ كَمالُ التَّصدِيقِ بِهِ، تَوحِيدُهُ، وَ كَمالُ تِوحِيدهِ الإِخلاصُ لَهُ» «5».

موانع الإخلاص:

أشار علماء الأخلاق الأفاضل إلى هذه المسألة إشارات دقيقة و واضحة، فقال البَعض، إنّ

______________________________

(1). مستدرك الوسائل، ج 1، ص 101.

(2). المصدر السابق.

(3). غُرر الحِكم، ج 1، ص 30 (الرقم 903).

(4). المصدر السابق، ص 17، (الرقم 444).

(5). نهج البلاغة، الخطبة 1.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 238

موانع الإخلاص و آفاته على نحوين: جليّةٌ، و خفيّةٌ. فبعضها خطر جداً، و البعض الآخر أضعف، و الشّيطان و النّفس الأمّارة، يسعيان لتكدير صفاء القلب، و تلويثه بالرّياء، بالمستوى الذي يحوّل الإنسان إلى كيان مهزوزٍ، أمام حالات الخطر، و يشلّ فيه إرادة المُواجهة.

فَبعضٌ من مراحل الرّياء واضحةٌ للعيان، بحيث يمكن لكلّ فرد التّوجه إليها، مثلما يأمر الشّيطان المصلي بالتوءدة بصلاته، كي يراه الناس و يقولوا هذا إنسانٌ مؤمنٌ، فلا يتحرّكون من موقع الغِيبة له و الوَقيعة فيه.

فهذه من حيل الشّيطان الجليّة.

و يمكن أن تكون وساوس الشيطان بصورةٍ أخفى، حيث تتلبّس بلباس الطّاعة، فمثلًا، يلقي في نفسك: أنّك إنسانٌ معروفٌ، و النّاس تشير إليك بالبَنان، و يجب أن تكون طاعتك و عبادتك على أتمّ الصّحة، لكي يقتدي بك الناس في أعمالهم، و ستكون شريكاً معهم في ثوابهم، فَهنا ستستسلم لأحابيل الرّياء من دون أن تشعر.

أو تكون الخُدع و الحيل أشدّ و أقوى و أخفى فمثلًا يقول للمصلّي إنّ العبادة في السرّ يجب أن تكون مثلها في العلانية، و الذي

تكون عبادته في السّر، أدنى مستوى من العلانية، يعتبر من المرائين، و بهذه الصّورة يدفعه ليحسن صلاته و ينمّق عبادته في الخفاء، ليكون كذلك في صلاته أمام الناس، و هذا نوعٌ من الرّياء الخَفي، و يمكن أن يغفل عنه الكثيرون، و كذلك المراحل الأخفى و الأشد «1».

نعم فإنّ آفات الإخلاص كثيرةٌ، و لا يستطيع أيّ إنسانٍ العبور منها، إلّا بتوفيق ربّاني، و لطفٍ إلهي.

و نجد هذا المعنى كذلك في الرّوايات الإسلاميّة، حيث أتحفتنا بما يلزم، للتنبيه على آفات الإخلاص و منها:

______________________________

(1). المحجّة البيضاء، ج 8، ص 133.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 239

ما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام، حيث قال: «كَيفَ يَستَطِيعُ الإخلاصُ مَنْ يَغْلِبَهُ الهوى «1».

و في الواقع فإنّ ما ذُكر في الحديثٍ، آنفاً، هو أهم و أقوى آفات الإخلاص، نعم فإنّ هوى النفس، يكدّر عين الإخلاص و يُظلِمُها.

و عنه عليه السلام، قال: «قَلِّلِ الآمالَ تَخْلُصُ لَكَ الأعمالُ» «2».

و الجدير بالذّكر، أنّ الوساوس يمكن أن تأتي بشكلٍ آخر، فتقول للمُصلي لا تذهب لِصلاة الجماعة، لأنّ نيّتك يمكن أن تتلّوث بالرّياء أمام الناس، و عليك بإقامة الصّلاة في بيتك، لكي تعيش أجواء الإخلاص في خطّ العبادة و الصلاة، و تتخلص من براثن الرّياء!!.

أو يدعوه لترك المستحبات لنفس السّبب، لِيحرمه من ثوابها.

و لعل هذا هو السّبب في دعوة القرآن الكريم، للإنفاق بالسرّ و العَلانية: «الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَ النَّهَارِ سِرّاً وَ عَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لَا هُمْ يَحْزَنُونَ» «3».

و نختم بحثنا بملاحظةٍ مُهمّةٍ، ألا و هيَ، أنّ الإخلاص في السرّ، ليس بتلك الدرجة من الصّعوبة و الأهميّة، بل المهم هو أن يعيش الإنسان، حالة الإخلاص في العلانية، و أمام

مرأى و مسمعٍ من الناس.

معطيات الإخلاص:

بما أنّ حالة الإخلاص، تُمثّل أغلى جوهرةٍ تُحفظ في خزانة الرّوح، و ما يترتّب على هذه الحالة من معطيات إيجابيةٍ مهمّةٍ، فقد أوردت الرّوايات تلك المسألة، بصورةٍ بليغةٍ جميلةٍ، و منها: «ما أَخْلَصَ عَبْدٌ للَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ أَربَعِينَ صَباحاً إلّا جَرَتْ يَنابِيعُ الحِكْمَةُ مِنْ قَلْبِهِ عَلَى لِسانِهِ» «4».

______________________________

(1). غرر الحكم ج 2 ص 553 الرقم 4.

(2). المصدر السابق ح 2906.

(3). سوره البقره الايه 274.

(4). عُيون أخبار الرضا، ج 1، ص 69، بحار الأنوار، ج 67، ص 342.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 240

و في حديثٍ آخر عن أمير المؤمنين عليه السلام، أنّه قال: «عِنْدَ تَحققُ الإخلاصُ تَسْتَنِيرُ البَصائِرُ» «1».

وَ وَرد عنه عليه السلام أيضاً: «فِي إخلاصِ النيّاتِ نَجاحُ الامورِ» «2».

و يتّضح من ملاحظة هذا الحديث، أنّ النيّة كلّما أخلصت، كان الإهتمام بِباطن الأعمال أقوى، أو بتعيبرٍ أدق: إنّ الجَودة و الدّقة على مستوى السّلوك و العمل، ستكون في ذَروتها، و نجاح العمل سيكون مضموناً، و العَكس صحيحٌ، فإذا كان الهدف يتركز على معالم الظاهر فقط، دون أن يولّي أهميّةً للمحتوى، فسيكون مصير العمل إلى الفَشل و الخَيبة.

و لذلك قال أمير المؤمنين عليه السلام: «لَو خَلُصَتِ النِّيَّاتُ لَزَكَّتِ الأَعمالُ» «3».

الرّياء:

النقطة المقابلة للإخلاص هي: «الرّياء»، و قد ورد ذمّه بكثرةٍ في الآيات و الروايات الشريفة، التي نهرت النّاس من هذا العمل المُشين، و إعتبرته من أوضح مصاديق الشّرك الخفي، و علّة بطلان الأعمال، و علامة من علامات النّفاق.

و نجد فيها أنّ الرّياء يهدم الفضائل، و يزرع بذور الرّذائل في روح الإنسان، وُ يشغله عن الهدف الأساسي الحقيقي، في خطّ الرّسالة و الإستقامة.

و هو أداةٌ قويةٌ مؤثرةٌ بيد الشّيطان الرّجيم، لإضلال و صرف النّاس عن الطّريق الصّحيح،

و تحويلهم من دائرة الإيمان، إلى دائرة الكفر و الإنحراف.

و نعود هنا للآيات القرآنية الكريمة، التي ترينا وجه المرائي القبيح، و النّتائج السلبيّة المترتّبة على الرّياء:

1- «يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ

______________________________

(1). غُرر الحِكم، ج 2، ص 490، الرقم 12.

(2). المصدر السّابق، ص 14، الرقم 68.

(3). المصدر السّابق، ص 603، الرقم 11.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 241

النَّاسِ وَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْ ءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَ اللَّهُ لَايَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ» «1».

2- «فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحاً وَ لَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً» «2».

3- «إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَ هُوَ خَادِعُهُمْ وَ إِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَ لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا» «3».

4- «وَ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ لَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَ مَنْ يَكُنْ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَاءَ قَرِيناً» «4».

5- «وَ لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَراً وَ رِئَاءَ النَّاسِ وَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ» «5».

6- «فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ* الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ* الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ* وَ يَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ» «6».

تفسير و إستنتاج:

«الآية الاولى»: تبيّن أن المنّ بالصدقات و إيذاء الآخرين، يدخل في عداد الرّياء و يمحق أعمال الخير، و تبيّن أنّ المرائي لا يعيش الإيمان باللَّه و لا باليوم الآخر، «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذَى ...»، و بعدها يشبّه هؤلاء الناس بمثل الذي يُنفق أمواله من موقع الرّياء: «كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ ...».

و

جاء في ذيل الآية: تشبيهٌ جميلٌ جدّا لأعمالهم العقيمة، التي لا تثمر في نطاق المعنويّات و ترتب الثّواب، فأعمالهم كالصّخر الذي يعلوه التراب، فيَشتَبِه الفلاح في أمره، فيبذر فيه البذور بأمل الخصب و الزّرع، فيأتي المطر و يزيل كلّ شي ءٍ، فقال: «فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ

______________________________

(1). سورة البقرة، الآية 264.

(2). سورة الكهف، الآية 110.

(3). سورة النّساء، الآية 142.

(4). سورة النساء، الآية 28.

(5). سورة الأنفال، 47.

(6). سورة الماعون، الآية 4 إلى 7.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 242

فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً».

و من المؤكد أنّ مثل هذا العمل و الزرع، لن يثمر أو يورق، فكذلك سبحانه و تعالى، لا يهدي من ينطلق في تعامله مع اللَّه تعالى من موقع الرّياء و الكفر، «لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْ ءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَ اللَّهُ لَايَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ».

فعرّفت الآية مثل هؤلاء الأفراد بالمرائين الذين لا يؤمنون باللَّه و لا باليوم الآخر، و مرّة اخرى عرّفتهم بالكافرين، الذين تتحرك أعمالهم كالسّراب المخادع، الذي لا قيمة له، لأنّهم بذروا أعمالهم في أرض الرّياء السّبخة التي لا تصلح للزراعة، و يوجد إحتمال آخر في تفسير الآية، و هو أنّ المرائي نفسه بمثابة قطعة الصّخر، التي لا يثبت عليها التراب، و لا يفيد معه أيّ بذرٍ من بذور الخير و الصّلاح.

نعم! فأرواحهم مريضةٌ و أعمالهم عقيمة، لا تقوم على أساس من الخير، و نيّاتهم مشوبة بدرن الرّياء و الشّرك الخَفي.

و اللّطيف: أنّ الآية التي تلتها في سورة البقرة، شبّهت أعمال المخلصين، بجُنينةٍ لا بذور فيها إلّا بذور الصّلاح، فأصابها وابلٌ فنبتت نَباتاً حسناً، فأثمرت ثمراً مضاعفاً و مُباركاً فيها.

«الآية الثانية»: خاطبت الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله، و أمرته بإيصال التّوحيد الخالص للنّاس، إنسجاماً مع

خطّ الرّسالة، و بإعتبار أَنَّ التّوحيدَ أصلٌ أساسي في الإسلام: «قُلْ إِنّما أَنا بَشَرٌ مِثلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ إِنّما إِلَهُكُم إِلهٌ واحِدٌ».

و بذلك يستوحي المؤمن من جو الآية الكريمة، أنّ الأعمال يجب أن تكون خالصةً و منزّهةً من أدران الشّرك: «فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحاً وَ لَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً».

و عليه فإنّ الشّرك في العبادة، يهدم أساس التّوحيد، و الإعتقاد بالمعاد في حركة الإنسان و الحياة، أو بتعبيرٍ أدق: فإنّ جواز السّفر إلى الجنّة الخالدة، يتمثل بِخُلوص العمل في دائرة السّلوك و النيّة.

و جاء في شأن نزول الآية: قال إبن عباس: أنّها نزلت في جُندب بن زهير العامري، قال: يا

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 243

رسول اللَّه إنّي أعمل العمل للَّه تعالى، و اريد به وجه اللَّه تعالى، إلّا أنّه إذا إطّلع عليه أحد من الناس سرّني؛ فقال النّبي صلى الله عليه و آله: «إنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ وَ لا يَقْبَلُ إِلّا الطَّيِّبَ وَ لا يَقْبَلُ ما شُورِكَ فِيهِ» «1».

و جاء في شأن نزول الآية أيضاً، قال طاووس: قال رجل: يا رسول للَّه! إني احبّ الجهاد في سبيل اللَّه تعالى و احبّ أن يرى مكاني، فنزلت الآية. «2»

وَ وَرد مثل هذا المضمون بالنّسبة للإنفاق و صِلة الرّحم «3»، و تبيّن أنّ الآية الآنفة: نزلت بعد الأسئلة المختلفة، في الأعمال المشوبة بغير الأهداف الإلهيّة، و قد إعتبرت المُرائي على حدّ من يعيش حالة الشّرك باللَّه و الشّخص الذي لا إيمان له بالآخرة.

و نقرأ في حديثٍ آخر، عن الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله: «مَنْ صَلّى يُرائي فَقَدْ أَشرَكَ، وَ مَنْ صامَ يُرائِي فَقَدْ أَشرَكَ، وَ مَنْ تَصَدَّقَ يُرائي فَقَدْ أَشرَكَ، ثُمَّ قَرَأ: فَمَنْ كانَ

يَرجُوا لِقاءَ رَبِّهِ ...» «4».

«الآية الثّالثة»: بيّنت أنّ الرّياء هو من فعل المنافقين: «إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَ هُوَ خَادِعُهُمْ وَ إِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَ لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا».

و الجدير بالذكر أنّ النّفاق عبارةٌ عن إزدواجية الظّاهر و الباطن، و كذلك الرّياء فهو إزدواجية الظاهر و الباطن، حيث يتحرك المرائي في أعماله لجلب الأنظار، فمن الطّبيعي أن يكون الرّياء من برامج المنافقين.

«الآية الرابعة»: إعتبرت الأعمال التي ينطلق بها الإنسان من موقع الرّياء، مساويةٌ لعدم الإيمان باللَّه تعالى و اليوم الأخر: «وَ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ وَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ لَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَ مَنْ يَكُنْ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَاءَ قَرِيناً».

و عليه فإنّ المرائين هم أصحاب الشيطان، الذين يفتقدون الإيمان الحقيقي بالمبدأ و المعاد.

______________________________

(1). تفسير القُرطبي، ج 11، ص 69.

(2). المصدر السابق.

(3). المصدر السابق.

(4). الدر المنثور، (طبقاً لتفسير الميزان، ج 13، ص 407).

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 244

«الآية الخامسة»: تنهى المسلمين من التشبّه بأعمال المشركين الكفّار، الذين لا يفعلون شيئاً إلّا للرياء و التّفاخر فقط: «وَ لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَراً وَ رِئَاءَ النَّاسِ وَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ».

فطبقاً للقرائن و الشواهد الموجودة، و تصديق المفسّرين، فإنّ هذه تشير إلى خروج المشركين من قريش في يوم بَدر، بحليّهم و زينتهم و قد جلبوا معهم آلات الطّرب و اللّعب و اللّهو و النبّيذ، و هم يقصدون جلب أنظار أصحابهم من المشركين الوثنيين.

و جاء في بعض التّفاسير، أنّ منطقة بدر، كانت تعتبر من المراكز التّجارية لعرب الجاهليّة في وقتها، و أنّ أبا جهل جاء بوسائل الطرب و الجواري، لغرض مُراءاة النّاس، و فَقْأ

العيون كما يقول المثل الشّائع.

و على كلّ حال، فإنّ القرآن الكريم قد نهى المؤمنين من أمثال هذه الأعمال الشائنة، و دعاهم إلى ترويض النّفس بالإخلاص و التّقوى، للتغلب على تلك الحالات النفّسية الخطرة، و أن لا ينسوا مصير المُرائين و أتباع الشّيطان في معركة بدر.

«و الآية الأخيرة»: من الآيات مورد البحث، نجدها تذّم الرّياء و لكن بصورة اخرى فتقول: «فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ* الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ* الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ* وَ يَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ».

فقد جاءت كلمة «الويل»، في (27) مورداً من القرآن، و إختصّت في الأغلب بالذّنوب الكبيرة الخطرة جدّاً، و هنا تحكي عن شدّة قُبح ذلك العمل في واقع الإنسان و روحه.

إنّ ما ورد في الآيات الآنفة الذكر، يوضح إلى درجةٍ كبيرةٍ، قُبحَ هذه الخطيئة، و أخطارها و آثارها السلبيّة على سعادة الإنسان في حركة الحياة، و من الواضح فإنّ الرّياء يقف حَجرَ عثرةٍ في طريق تهذيب النّفس، و طهارة القلب و الرّوح للإنسان المؤمن.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 245

الرّياء في الرّوايات الإسلاميّة:

تطرقت الرّوايات لهذا الأمر بقوّةٍ و أهميّة بالغةٍ، و عرّفت الرّياء بأنّه من أخطر الذّنوب، و منها:

1- ما وَرد عن الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله، أنّه قال: «أَخْوَفَ ما أَخافُ عَلَيكُمْ الرّياء و الشَّهوةُ الخَفِيّةُ» «1».

و يمكن أن يكون المراد من الشّهوة الخفيّة، هو المقاصد الخفيّة للرياء.

2- و أيضاً ما نقل عنه صلى الله عليه و آله: «أَدنى الرِّياءِ شِركٌ» «2».

3- و أيضاً عنه صلى الله عليه و آله: «لا يَقْبَلُ اللَّهُ عَملًا فِيهِ مِقدارُ ذَرَّةٍ مِنْ رِياءٍ» «3».

4- و عنه صلى الله عليه و آله: «إِنَّ المُرائِي يُنادى يَومَ القِيامَةِ يا فاجِرُ يا غادِرُ يا مُرائي ضَلَّ عَمَلُكَ وَ حَبَطَ أَجْرُكَ إِذْهَبْ فَخُذْ

أَجْرَكَ مِمَّن كُنْتَ تَعْمَلُ لَهُ» «4».

5- و قال أحد أصحاب الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله، رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه و آله في يوم ما باكياً، فقلت:

ما يُبكيك يا رسول اللَّه؟ فقال: «إنّي تَخَوَّفْتَ عَلى أُمَّتِي الشَّركَ، أَمّا إِنّهُمْ لا يَعَبُدُونَ صَنَماً وَ لا شَمْساً وَ لا قَمَراً وَ لا حَجرَاً، وَ لَكِنَّهُم يُراؤُونَ بِأَعْمالِهِم» «5».

6- و في حديث آخر عنه صلى الله عليه و آله قال: «إِنَّ المَلَكَ لَيَصْعَدُ بِعَمَلِ العَبْدِ مُبْتَهِجاً بِهِ فَإِذا صَعَدَ بِحَسَناتِهِ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِجْعَلُوها فِي سِجِّينٍ إِنَّهُ لَيسَ إِيَّايَ أَرادَ بِها» «6».

7- و أيضاً عنه صلى الله عليه و آله: «يَقُولُ اللَّهُ سُبْحانَهُ إِنِّي أَغْنَى الشُّرَكاءِ فَمَنْ عَمِلَ عَمَلًا ثُمَّ أَشْرَكَ فِيهِ غَيرِي فَأَنَا مِنْهُ بَرِى ءٌ وَ هُوَ لِلَّذِي أَشرَكَ بِهِ دُونِي» «7».

هذه الأحاديث السّبعة عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، بيّنت أنّ إثم الرّياء بدرجةٍ من الشدّة، بحيث لا

______________________________

(1). المحجّة البيضاء، ج 6، ص 141.

(2). المصدر السابق.

(3). المصدر السّابق.

(4). المصدر السابق.

(5). المصدر السابق.

(6). اصول الكافي، ج 2، ص 295.

(7). ميزان الحكمة، ج 2، ص 1017، الطبعة الجديدة.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 246

يضاهيه شي ءٌ من الذّنوب و الخطايا، و ما ذلك إلّا للنتائج السّيئة للرّياء في نفس و روح الإنسان، و كذلك على مستوى الفرد و المجتمع.

أمّا ما ورد عن الأئمّة عليهم السلام:

8- ما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام، ينقل عن جدّه عليه السلام: «سَيأَتِي عَلَى النَّاسِ زَمانٌ تَخْبَثُ فِيهِ سَرائِرِهُمْ وَ تَحْسُنُ فِيهِ عَلانِيَّتِهِم، طَمَعاً في الدُّنيا لا يُريدُونَ بِهِ ما عِنْدَ رَبِّهِم يَكُونَ دِينُهُمْ رِياءً، لا يُخالِطُهُم خَوْفٌ، يَعُمُّهُمُ اللَّهُ بِعِقابٍ فَيَدْعُونَهُ دُعاءَ الغَرِيقِ فلا يَسْتَجِيبُ لَهُمْ» «1».

9-

و في حديثٍ آخر عن الإمام الصادق عليه السلام، أنّه قال: «كُلُّ رِياءٍ شِرْكٌ، إِنَّهُ مَنْ عَمِلَ لِلنَّاسِ كانَ ثَوابُهُ لِلنّاسِ، وَ مَنْ عَمِلَ للَّهِ كانَ ثَوابُهُ عَلَى اللَّهِ» «2».

10- و في حديث عن أمير المؤمنين عليه السلام، قال: «المُرائِي ظاهِرُهُ جَمِيلٌ وَ باطِنُهُ عَلِيلٌ» «3».

و قال أيضاً: «ما أَقْبَحَ بِالإِنسانِ باطِناً عَلِيلًا وَ ظاهِراً جَمِيلًا» «4».

و ما ورد عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، و عن الأئمّة الهداة، في هذا المجال كثير.

فلسفة تحريم الرّياء:

قد يتعجّب البعض الذين يعيشون السّذاجة الفكريّة، عند نظرهم و للوهلة الاولى، للروايات التي تتعرض لمسألة الرّياء، و نتائج المرعبة، و يتصورون أنّ عمل الإنسان إذا كان سليماً و منتجاً في واقعه الخارجي، فأيّاً كانت النيّة و الدّافع، فلن يؤثر ذلك في تغيير العمل، فالذي يبني مُستَشفاً! أو مسجداً أو يعبّد الطّرق و الجسور .. و غيرها من الامور التي تصبّ في الصّالح العام للناس، فعمله صحيحٌ و حسنٌ مهما كانت نيّته، فلْندَع النّاس يفعلوا الخير، و ما لنا و النيّة!!

______________________________

(1). اصول الكافي، ج 2، ص 296.

(2). المصدر السابق، ص 293.

(3). أمالي الصّدوق، ص 398؛ غرر الحكم، ج 1، ص 60، الرقم 1614.

(4). غُرر الحِكم، ج 2، ص 749، الرقم 209.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 247

و لكن الخطأ الفادح يكمن هنا لأنّه: أولًا: إنّ كلّ عملٍ و فعلٍ يترتب عليه نوعان من ردود الفعل، أحدهما ما ينعكس أثره في نفس الإنسان، و الآخر ما يترتب على الفعل في الخارج، فالمُرائي يحطّم نفسه من الدّاخل و يُبعدها عن التّوحيد و الدّين الحنيف، و يوقعها في وادي الشّرك، و يعتبر عزّته و إحترامه رهنٌ بيدَ النّاس، و ينسى قُدَرة الباري تعالى في

دائرة التّصرف في عالم الوجود، و بهذا يكون الرّياء نوعاً من الشّرك باللَّه تعالى، و يُفضي إلى نتائج وخيمة على مستوى الأخلاق و القِيَم الإنسانية.

و ثانياً: بالنّسبة للعمل الخارجي، الذي يقصد به الرّياء و السّمعة، فالمجتمع هو الخاسر الأوّل في هذا المضمار، لأنّ المرائي يسعى لتحسين عمله، على مستوى الظّاهر فحسب دون الإهتمام بالباطن، ممّا يُفضي إلى تحويل العمل، إلى إنحراف و إفسادٍ على المستوى الإجتماعي.

و بعبارةٍ اخرى: إنّ المجتمع الذي يتّخذ من الرّياءِ مركباً، في ممارسات الأفراد، سيكون كلّ شي ءٍ فيه بلا مُحتوى، ك: (الثقافة، الإقتصاد، السياسة، الصحة و النظام و القوى الدفاعية) و كلّها ستهتم بالظّاهر فقط، و لا يكون الهدف منها نيل السّعادة الحقيقيّة للأفراد، بل سيركضون وراء كلّ شي ءٍ برّاقٍ و جميلِ الظاهر، و أمّا باطنه، فاللَّه العالم.

و هذا النّوع من الإتجاه، يورد صدمات و ضربات و مضرّات في حركة الواقع الإجتماعي، لا تخفى على ذهن الفطن الكيّس.

علامات المُرائي:

قد يصاب بعض الأشخاص، لدى مطالعتهم لتلك الأحاديث التي تُشدّد على المرائي بالوسَوسة النّاشئة من الإبهام في تشخيص موضوع الرّياء، و رغم أنّ الجَدير بالإنسان التّشديد في مسألة الرّياء، لأنّ نفوذه خفيٌّ جدّاً، و كم حَدَث للإنسان، أن يعمل عملًا و يبقى لفترةٍ طويلةٍ غير ملتفتٍ لأصابته بالرّياء، كالقصّة المعروفة عن أحد المؤمنين السّابقين، حيث نقل عنه، أنّه قضى صلوات جماعته كلّها، التي صلّاها في سنوات من عمره الطويل، و لمّا سألوه عن السّبب قال: إنّي كنت دائماً اصلّي الجماعة في الصّف الأول، و في يوم من الأيّام تأخّرت

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 248

بعض الشّي ء، فلم أجد مكاناً في الصّف المقدّم، فإضطررت للوقوف خلف الجميع، فشعرت في نفسي بالأذى من ذلك، و

تنبّهت لهذه المسألة، فأعدت جميع الصّلوات لأنّها كانت رياء؟!

بالطّبع، الإفراط و التّفريط في هذه المسألة، مَثَلُه كَمَثَلِ بقيّةِ المسائل، غير محمودٍ، و خطأٌ محضٌ، و المفروض التَّنبّه للرياء من خلال تتبع مقدماته و علاماته، و لا نَدع مجالًا للوساوس في إطار إكتشاف هذه الحالة السّلبية، في دائرة السّلوك الخارجي، و الواقع النّفسي، و لعلماء الأخلاق الأفاضل أبحاثٌ لطيفةٌ في هذا المضمار، و منهم العلّامة المرحوم الفَيض الكاشاني؛، فقد طرح سؤالًا في كتابه: «المحجّة البيضاء»، و قال: فبأيّ علامةٍ يُعرف العالم و الواعِظ، أنّه صادق مخلصٌ في وعظه، غير مريدٍ رئاء النّاس؟.

قال في جواب هذا السؤال: «فاعلم أنّ لذلك علاماتٍ، إحداها أنّه لو ظهر من هو أحسن منه و عظاً و أغزرُ منه علماً، و النّاس له أشدّ قبولًا، فرح به و لم يحسده، نعم لا بأسَ بالغِبطة، و هي: أن يتمنّى لنفسه مثل عمله، و الاخرى أنّ الأكابِر إذا حَضروا مجلسه لم يتغيّر كلامه، بل يبقى كما كان عليه، فينظر إلى الخلق بعينٍ واحدةٍ، و الاخرى: أن لا يحبّ إتّباع النّاس له في الطريق، و المشي خلفه في الأسواق، و لذلك علاماتٌ كثيرةٌ يطول إحصاؤها» «1».

و أفضل المعايير لمعرفة المرائي من غيره، هو ما وردنا عن الأئمّة الأطهار، و من جملة الأحاديث:

1- في حديثٍ عن الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله، قال: «أَمّا عَلامَةُ المُرائي فَأرْبَعَةٌ: يَحْرُصُ في العَمَلِ للَّهِ إِذا كانَ عِنْدَهُ أَحَدٌ وَ يَكْسَلُ إِذا كانَ وَحْدَهُ وَ يَحْرُصُ في كُلِّ أَمْرِهِ عَلَى الَمحمَدَةِ وَ يُحْسِنُ سَمْتَهُ بِجُهْدِهِ» «2».

2- وَ وَرد في نفس هذا المعنى في حديثٍ عن أمير المؤمنين، بألفاظٍ جميلةٍ، فقال: «لِلمُرائي أرْبَعة عَلاماتٍ:

يَكْسَلُ إذا كانَ وَحدَهُ،

وَ يَنْشُطُ إِذا كانَ

في النّاسِ،

______________________________

(1). المحجّة البيضاء، ج 6، ص 200.

(2). تُحف العقول، ص 17.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 249

وَ يَزِيدُ في العَمَلِ إِذا اثنِيَ عَلَيهِ،

وَ يَنْقُصُ مِنْهُ إِذا لَمْ يُثْنَ عَلَيهِ» «1».

و ورد نفس هذا المعنى عن لقمان الحكيم أيضاً «2».

و خلاصة القول: إنّ كلّ عملٍ، كان القصد منه المباهاة للناس، فهو دليلٌ على الرّياء، و مهما كان هذا القصد غامضاً و خفيّاً في دائرة الوعي، فهو دليلٌ على إزدواجيّة شخصيّة الإنسان في التعامل مع نفسه، في الخلأ و الملأ.

و هذا الأمر في الحقيقة بالغ في الدقّة و الغموض، لدرجةٍ أنّ الإنسان يخدع وجدانه و ضميره، بإتيان نفس الأعمال التي يأتي بها في الملأ، و بدرجةٍ عاليةٍ من الجودة و الحُسن، في خلوته ليقنع نفسه أنّه لا يُرائي، لأنّه يساوي بأعماله في الظّاهر و الباطن، و لكنّ الحقيقة هي إزدواجيّة ذلك الشّخص، ففي كلا الحالتين يكون مرائياً.

بالطّبع يجب إجتناب الإفراط و التّفريط في هذه المسائل، لأننا وجدنا اناساً إمتنعوا من أداء كثيرٍ من الواجبات و حُرموا من الثّواب حذراً أو خوفاً من الرّياء، فلم يؤلّفوا كتاباً، و لم يرشدوا أحداً من النّاس، و لم يصعدوا المنابر، لا لِشي ءٍ إلّا لأنّهم كانوا يعيشون الخوف من الوقوع في الرّياء؟!

و قد ورد في الرّوايات، أنّ من يقصد القُربة إلى اللَّه تعالى، إذا أتى بعملٍ ما علانيةً، و عرف به الناس و فرح هو من ذلك، ما دام قصده هو التّقرب إلى اللَّه سبحانه و تعالى، فلن يؤثّر ذلك على عمله «3».

و لا يخفى على القارى ء الكريم، أنّ القصد من هذا الأمر، هو تشجيع النّاس إلى سلوك طريق الخير و الصّلاح، و إمضاء أعمالهم المتقرّب بها إلى اللَّه تعالى، في السّر

و العلانية، و المهم هو قصد القُربة و إخلاص النيّة فقط.

و جاءت الآيات و الرّوايات، مؤكّدةً لهذا المعنى، و حثّت الإنسان على الإنفاق و التّصدق

______________________________

(1). شرح نهج البلاغة، إبن أبي الحديد، ج 2، ص 180.

(2). الخصال: (طبقاً لنقل ميزان الحكمة، ج 2، ص 1020)، الطّبعة الجديدة.

(3). راجع وسائل الشّيعة، ج 1، الباب 15، من أبواب مقدمة العبادات، ص 55.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 250

الاخلاق فى القرآن ج 1 299

في السرّ و العلانية، و هذا إن دلّ على شي ءٍ فإنّه يدلّ على إمكانيّة الإتيان بالأعمال علانيةً، و بدوافع إلهيّة بعيداً عن الرّياء.

و يوجد خمسُ آياتٍ شجّعت على الإنفاق سرّاً و علانيةً، أو سِرّاً و جهراً «1».

مضافاً إلى أنّ قسماً كبيراً من العبادات، يؤدّى في العلانية، فإذا ما لم يتسلط الإنسان على نفسه في خط الإلتزام الديني، و يُمسك بزمامها في دائرة النّوازع الذاتيّة، فَسيخسر هو و المجتمع كثيراً من أشكال الثّواب و الخير، و ستختل أركان بعض العبادات في خطّ الممارسة و العمل.

علاجُ الرِّياء:

يوجد طريقان لِمُعالجة حالة الرّياء، فالرّياء مَثَلُه كَمَثَلِ سائر الأخلاق السلبيّة و السّلوكيّات الذّميمة، ففي بادى ء الأمر، علينا التّركيز على معرفةِ العِلَل، و جذور هذه الحالة السّلبية في الواقع النّفسي، لأجل القضاء عليها، ثم التّحرك نحو دراسة عواقبها المؤلمة، و الكشف عنها في عمليّة التّصدي لها، و توخي جانب الحَذر منها.

بالطّبع لقد أشرنا آنفاً، أنّ الرّياء هو: «الشّرك الأفعالي»، و الغفلة عن حقيقة التّوحيد، فإذا ما تأصلت حقيقة التّوحيد الأفعالي في قلوبنا، و إستحكمت في نفوسنا، و إستيقنّا أنّ العزّة للَّه جميعاً، من موقع المشاهدة الوجدانية، و رأينا أنّ الرّزق و الضرّ و النّفع بيده و هو المسخّر للقلوب، فسوف لن

نختار سواه بدلًا، و لن نُدنّس أنفسنا و أفعالنا بحالة الرّياء الشّنيعة، التي لا تنسجم مع خطّ التّوحيد في دائرة الأفعال، فالذي يعيش اليقين الرّاسخ بهذه الحقيقة، و هي أنّ مَنْ يكون مع اللَّه تعالى، يكون كلّ شي ءٍ معه، و بدونه فهو لا شي ء، و يرى بعين البصيرة، مِصداق قوله تعالى: «إِنْ يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَ إِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ» «2».

______________________________

(1). سورة البقرة، الآية 274؛ الرّعد، 22؛ إبراهيم، 31؛ النّحل، 75؛ فاطر، 29.

(2). سورة آل عمران، الآية 160.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 251

و إذا أدركنا هذه الحقيقة القرآنية التي تقرر أنّ العزّة للَّه تعالى: «أَ يَبْتَغُونَ عِنْدَهُمْ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً» «1».

أجل إذا ترسّخَ الإيمان بهذه الحقائق الإيمانيّة في أعماق الرّوح، فلا يجد الإنسان في نفسه باعثاً على الرّياء و النّفاق، و كسب الجاه و المقام لدى الناس و المُفاخرة و المُباهاة.

و قال بعض علماء الأخلاق، إنّ دعامة الرّياء و أساسِه هو حبّ الجاه و المُقام، و عند تحليلنا لمفهوم الرّياء، نجد أنّه يتكون من ثلاثة أركانٍ:

«حبّ الثّناء و المدح من الناس»، و «الفرار من مذمّتهم»، و «الطّمع لِما في أيديهم».

ثم يضرب لذلك مثلًا و هو المجاهد في سبيل اللَّه، فتارةً يكون قصدُه المُباهاة و المفاخرة، و إظهار شجاعته و بطولاته للناس، و اخرى خوفاً من أن يتّهمه الناس بالجُبن و الخوف، و ثالثةً يكون دافعه الحصول على الغنائم، و الفائز الوحيد، هو الذي يدافع عن الحقّ و الدّين لا غير.

هذا من جهةٍ، و من جهةٍ اخرى، عند ما يتأمل الإنسان في سلبيات الرّياء و أضراره و نتائجه القاتلة، نرى أنّه كالنّار التي تقع على عبادات الإنسان و

طاعاته، فتحوّلها إلى رماد تذروه الرّياح، و لا يقتصر الأمر على ذلك فحسب، بل هو ذنبٌ عظيمٌ يسوّد وجه صاحبه في الدّنيا و الآخرة ...

الرّياء: حشرة الإرضة التي تَنخر دَعامات بيت سعادة الإنسان، لينهار به في وادٍ سحيقٍ من الشّقاء و الظلّام ..

و الرّياء بدوره نوعٌ من أنواع الكفر و النّفاق و الشّرك ...

و الرّياء يسحق الشّخصيّة و الحريّة و الكرامة، و أشدّ النّاس بؤساً يوم القيامة، المراؤون.

فهذه حقائقٌ تردع الإنسان، و تبعده عن ذلك الأمر الشّينع.

و لا ننسى أنّ المرائي سيفتَضِح، إن عاجلًا أو آجلًا في هذه الدّنيا، و ستظهر حقيقته الزّائفة على فلتات لسانه و شَطحات كلماته، و هذا العامل له قسطٌ من التأثير في عمليّة الرّدع النّفسي،

______________________________

(1). سورة النّساء، الآية 139.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 252

لحالة الرّياء في واقع الإنسان، مضافاً إلى أنّ لذّة العمل الصالح، و النيّة الطيّبة التي تطرأ على الإنسان، لا تقاس بشي ءٍ، و هو أمرٌ يكفي لإخلاص النيّة.

و يعتقد البعض، أنّ إحدى طرق المعالجة، هي السّعي إلى إخفاء العبادات و الحسنات، و لا يُمارسها في العلن، ليتخلّص تدريجيّاً من هذه العقدة المستعصيّة في الذّات المرائيّة.

و لكن هذا لا يعني، عدم الحضور في صلاة الجَماعة و الجُمعة و الحج، لأنّها تعدّ أيضاً خسارةً كُبرى لا تُعوّض.

هل النّشاط في العبادة يُنافي الإخلاص؟

يُراود هذا السّؤال أذهان الكثيرين، و هو أنّهم يشعرون بنشاطٍ روحي، بعد الإتيان بالعبادة بالمستوى المطلوب، فهل أنّ هذا الشّعور بالنّشاط، يتقاطع مع الإخلاص، أو أنّه علامةٌ على الرياء؟.

و الجواب: أنّ النّشاط إذا إستمدّ اصوله، من التّوفيق الإلهي و النّور المعنوي المستقى من العبادة، و معطياتها على روح الإنسان، فلا تَثريب و لا ضير، و لا يُنافي الإخلاص في النيّة، أمّا لو كان

النّشاط ينشأ من مشاهدة الناس له، فإنّه يُنافي الإخلاص، رغم أنّه لا يكون سبَباً في بُطلان الأعمال، شريطةَ أن لا يتغيّر مقدار و كيفيّة العمل بسبب مشاهدة الناس له.

وَ وَرد هذا المعنى في الرّوايات الإسلاميّة:

منها ما وَرد عن أحد أصحاب الإمام الباقر عليه السلام، أنّه قال: سألتُ الإمام عليه السلام، عن الرّجل يعمل الشّي ء من الخير، فيراه إنسانٌ فيسّره ذلك.

قال عليه السلام: «لا بَأْسَ، ما مِنْ أَحَدٍ إِلا وَ هُوَ يُحِبُّ أَنْ يَظْهَرَ لَهُ في النّاسِ الخَيرُ، إذا لَمْ يَكُنْ صَنَعَ ذَلِكَ لذَلِكَ» «1».

و في حديثٍ آخر عن أبي ذر رحمه الله،- عند ما سأل الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله-، قال: قلت يا رسول

______________________________

(1). وسائل الشيعة، ج 1، ص 55.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 253

اللَّه: الرّجل يعملُ العمل لنفسه و يحبّه الناس.

قال صلى الله عليه و آله: «تِلكَ عاجِلُ بُشرى المُؤمِنِ» «1».

ما الفرق بين الرّياء و السّمعة:

هذا سؤال يفرض نفسه أيضاً، فهل يوجد فرق بين الرّياء و السّمعة؟، و هل أنّهما يتنافيان مع إخلاص النيّة، و يوجبان بطلان العمل؟.

الجواب: الرّياء: هو فعل الخير أمام مرآى و مسمع من النّاس، لكسب الوجاهة لديهم، و ليشار إليه بالبنان من موقع المدح و الثّناء.

و أمّا السّمعة، فهي أداء أفعال الخير بعيداً عن أنظار النّاس، و لكن لِيُفهمَهم لاحقاً أنّه هو الذي فعل هذه الامور، ليكتسب بذلك و جاهةً لديهم، و الحقيقة أن الدّافع لِكِلا الإثنين غير إلهي، فالأوّل يؤدّي عمل الخير أمام مرآى الناس، و الثّاني بصورةٍ غير مُباشرةٍ و عن طريق السّماع، و لا فرق بينهما في دائرة فساد النيّة، و بطلان العمل و فقدان قصد القربة.

و لكن إذا فسّرنا السمعة بأنّها أداء الفعل بقصد القُربّة، و لكن

إذا علم النّاس في الآجل و مدحوه و أثنوا عليه، فإنّه يفرح بذلك، فلا شكَّ بأنّ هذه الحالة لا توجب بُطلان العمل.

و يمكن أن يتحرك الإنسان في سلوكيّاته و أعماله، بقصد القُربة المطلقة، و لكنّه يرويها للناس بعد ذلك ليحتل مكانةً بينهم، «و هذا العمل يُسمى بالرّياء اللّاحق»، فهذا السّلوك أيضاً لا يُبطل العمل، لكنّه يُقِّلل من قيمته إلى أدنى حدّ، و خصوصاً من النّاحية الأخلاقيّة.

و قد تحدّث بعض من كبار الفُقهاء، عن كيفيّة نفوذ و توغّل الرّياء في أعمال الإنسان، و قالوا أنّها على عَشرِ صُوَرٍ:

الصّورة الاولى: أن يكون قصده من الفعل: مشاهدة النّاس له، و لا شكّ ببطلانها.

______________________________

(1). وسائل الشيعة، ج 1، ص 55.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 254

الصورة الثّانية: أن يكون الهدف فيها الباري تعالى، و الرّياء مَعاً، و هذه الحالة أيضاً موجِبةُ: للبطلان و الإحباط.

الثّالثة: أن يُرائي في جزءٍ من الأعمال الواجبة، كما لو مارس الرّياء في الرّكوع، أو السّجود وحده في الصّلاة الواجبة، و لا شك في كونه يستوجب البُطلان، حتى لو كان هناك مجالًا للإستدراك، و حاله حالَ ما لو فقد وضوءه و هو في أثناء الصّلاة، و إن كان الأحوط أن يأتي بالجزء الذي وقع فيه الرّياء، ثم إعادة الصّلاة بعد الإنتهاء.

الصّورة الرّابعة: الرّياء في الجزء المستحب، كما في القُنوت، فهو أيضاً من دواعي البُطلان.

الخامسة: أصلُ العمل و القَصد، يكون اللَّه تعالى، و لكنّه يؤدّيه في مكانٍ عام: (كالمسجد)، من دون قصد ربّاني فيه، و هو باطلٌ أيضاً.

السّادسة: أن يُرائي في وقت العمل، فأصل الصّلاة للَّه تعالى، و لكنّه يُرائي في أدائها في أوّل وقتها، فعمله باطلٌ أيضاً.

السّابعة: أن يُرائي في بعض خُصوصيات و أوصاف العمل، كما لو

صلّى الجماعة، و هو في حالةٍ من الخشوع و الخضوع المُفتعلة، و هو باطلٌ أيضاً، فالموصوف يتبع الأوصاف في هذه الحالة.

الثّامنة: أن تأتي بالعمل قربةً إلى اللَّه، و لكنّه يرائي في مقدّمات العمل، فيذهب إلى المسجد بقصد الصّلاة و الثّواب، و لكنّ حركته نحو المسجد بقصد الرّياء. فالكثير من الفُقهاء لا يرون بُطلان العمل لمثل هذا النوع من الرّياء، لأنّ مقدّمات الرّياء حدثت بعيداً عن العمل، و هو ما تقتضيه القاعدة الفِقهيّة.

التّاسعة: أن يُؤدّي بعض الأوصاف الخارجيّة بنيّة الرّياء، كما لو صلّى للَّهِ تعالى، و لكنّه يحنّك نفسه رياءً، فالبِّرغم من قبح هذا العمل، و لكنّه لا يُبطل الصلاة. «1»

عاشراً و أخيراً: أن يتحرّك في إتيانه بالعمل، من موقع القربة المطلقة للَّه تعالى، و لكن إذا

______________________________

(1). نَسترعي الانتباه: إلى أنّ التّحنيك في الصّلاة لم يثبت استحبابه، و ما ورد في الرّوايات فهو يشمل كلّ الحالات و الأوقات، و في وقتنا الحاضر يحتمل أن يكون من لِباس الشّهرة.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 255

شاهده الناس، فإنّه يشعر في قرارة نفسه بالفرح، من دون أن يؤثّر ذلك على كيفيّة العمل، فهذا القسم لا يوجب البُطلان أيضاً، لأنّه لا يعدّ من الرّياء.

و نصل هنا إلى نهاية بحثنا حول الرّياء، و إن كنّا قد أعرضنا عن كثيرٍ من الامور، إجتناباً للتّطويل.

الخطوة السّابعة: السّكوت و إصلاح اللّسان

اشارة

تناولت الرّوايات الإسلاميّة هاتين المسألتين، بمزيدٍ من الإهتمام، و كذلك علماء الأخلاق، أكّدوا عليهما في أبحاثهم التّربوية، لإعتقادهم أنّ السّير و السّلوك إلى اللَّه تعالى، لنْ يتحقّق في واقع الإنسان إلّا بالسّكوت، و حفظ اللّسان من الذنوب التي قد يقع الإنسان فيها من خلال الكلام، و إن كان، قد أتعب نفسه في الرياضات الرّوحيّة و أنواع العبادات.

أو بتعبيرٍ أدَقْ:

إنّ مفتاح مسيرة التهذيب و السّلوك إلى اللَّه تعالى هو الإلتزام بِذَينك الأمرين، و من لم يستطع السّيطرة على لسانه، فلن يُفلح في الوصول، إلى الأهداف السّامية و المقاصد العالية.

و بعد هذه الإشارة نعود إلى بحثنا الأساسي، و دراسة الآيات و الرّوايات التي وَرَدت في هذا المِضمار.

السّكوت في الآيات القرآنيّة الكريمة:

في كِلا المَوردين، إعتبر القرآن الكريم، هذه المسألة من القيم السّامية، في خطّ الإيمان و الأخلاق، ففي بادِى ء الأمرِ، إستعرض قصّة مريم عليها السلام، فعند ما كانَت في وضعها المُتأزّم، و تفكيرها في حملها و حالة الطلق التي أصابتها، و وحدتها في تلك الصّحراء المريعة، و قد هوّمت نحوها الهُموم من كلِّ جانبٍ، و أشدّها إفتراءات بني إسرائيل عليها، فتمنّت الموت في تلك السّاعة من بارِئها، و لكن جاءها النّداء، أن لا تحزن و لا تغتم، فإنّ اللَّه معها و هو الذي يتكفّل

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 256

أمرها، و هذا ما تُحدِّثنا به الآيات التالية: «فَأَجَاءَهَا الْمخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَني مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَ كُنتُ نَسْياً مَنْسِيّاً* فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَني قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً* وَ هُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً* فَكُلِي وَ اشْرَبي وَ قَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيْنَ مِنْ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولي إِنّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمانِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً» «1».

و إختلف المفسّرون في الذي نادى مريم عليها السلام، فقال بعضهم: إنّه جِبرائيل عليه السلام، و سياق الآية قرينةٌ على هذا المعنى، و قال البَعض الآخر، كالعلّامة الطّباطبائي رحمه الله، إنّه إبنها عيسى عليه السلام، و كلمة: «من تحتها»، تناسب هذا المعنى، لأنّه كان بين أقدامها، علاوة على أنّ أغلب الضّمائر في الآية الشّريفة، تعود على المسيح عليه

السلام، و تَتَناسب أيضاً مع كلمة «نادى»، و على كلٍّ فإنّ مَحَطَّ نظرنا، هو الأمرُ بنذر السّكوت، فأيّاً كان المُنادي، جبرائيل عليه السلام، أو المسيح عليه السلام، فإنّ المهم هو، أنّ ذلك النّذر، يفضله و يرجحّه الباري تعالى، و خصوصاً أنّ ذلك الأمر، كان سائداً في وقتها، و هو من الأعمال التي يُتقرّب بها إلى اللَّه سبحانه و تعالى، فلذلك لم يعترض على مريم عليها السلام أحد، بالنّسبة إلى هذا العمل بالذّات.

و يوجد إحتمالٌ آخرٌ لصوم مريم عليها السلام، و هو الصّوم عن الطّعام و الشّراب، بالإضافة لصوم السّكوت.

أمّا في الشّريعة الإسلاميّة، فإنّ صوم السّكوت حرام، لتغيّر الظّروف المكانيّة و الزمانيّة، و قد وَرد عن الإمام علي بن الحسين السّجاد عليه السلام، أنّه قال: «وَ صَومُ الصَّمتِ حَرامٌ» «2».

وَ وَرد في نفس هذا المعنى في حديثٍ آخر، في وصايا النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله، إلى الإمام علي عليه السلام «3».

وَ وَرد عن الإمام الصّادق عليه السلام، أنّه قال: «وَ لا صَمْتَ يَوماً إِلَى اللّيلِ» «4».

و الطّبع، فإنّ من آداب الصّوم عندنا، هو المحافظة على اللّسان و باقي الجوارح من الذّنوب، قال الإمام الصادق عليه السلام في هذا الصّدد: «إِنّ الصّومَ لَيسَ مِنْ الطّعامِ و الشَّرابِ وَحْدَهُ إِنَّ مَريَمَ

______________________________

(1). سورة مريم، الآية 23 إلى 26.

(2). وسائل الشيعة، ج 7، ص 390، باب تحريم صوم الصّمت.

(3). المصدر السابق.

(4). المصدر السابق.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 257

قَالتْ إِنّي نَذَرتُ لِلرَّحمانِ صَوماً أي صمْتاً فَاحْفَظُوا أَلْسِنَتَكُم وَ غُضُّوا أَبْصارَكُم» «1».

و من هذه الآية و الرّوايات الشّريفة، التي وردت في تفسيرها، تتبيّن أهميّة و قيمة السّكوت، في خطّ التّربية و التّهذيب.

و في الآية (10) من نفس السورة، توجد

إشارةٌ اخرى لفضيلة السّكوت، و ذلك عند ما وهب الباري تعالى يحيى عليه السلام، لنبيّه الكريم زكريّا عليه السلام، فخاطب الباري تعالى، و قال: «قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لي آيَةً»، فقال له: «قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيّاً»، و لا تحركه إلّا بذكر اللَّه.

و صحيح أنّ هذه الآية لم تَحمد و لم تَذم السّكوت، و لكن قيمة السّكوت تتّضح، من جعله:

آيةَ النّبي زكريا عليه السلام.

و ورد نفس هذا المعنى، في الآية (41) من سورة آل عمران، فبعد تلقّيه البشارة من الباري تعالى، طلب أن يجعل له آيةً في دائرة تقديم الشّكر للباري تعالى، فقال له: «قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً».

و إحتمل بعض المفسّرين، أنّ إمتناع زكريا عليه السلام عن الكلام، كان بإختياره و لم يكن مجبوراً عليه، و الحقيقة أنّه كان مأموراً بالسّكوت لمدّة ثلاثة أيّام.

يقول الفَخر الرّازي، نقلًا عن «أبي مسلم»: أنّ هذا النحو من التّفسير جميلٌ و معقولٌ، لكنّه مخالفٌ لسياق الآية، فزكريّا عليه السلام طلب آيةً لمّا بُشّر بيحيى و السّكوت الإختياري لا يكون دليلًا على هذا المعنى، إلّا بتكلّف و تحميل على المفهوم من الآية الشّريفة.

و على أيّةِ حال فإنّ هذا الاختلاف في تفسير الآية، لا يُؤثّر على ما نحن فيه، لأنّ غرضنا من إيراد هذه الآيات، هو التّنويه بقيمة السّكوت في القرآن الكريم، بإعتباره آيةً من الآيات الإلهيّة.

______________________________

(1). نور الثّقلين، ج 3، ص 332.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 258

السّكوت في الروايات الإسلاميّة:

ما ورد عن: «الصّمت»، في الروايات الإسلاميّة، أكثر من أن يُحصى فقد أشارت الروايات إلى عدّة نقاطٍ و ملاحظاتٍ دقيقة و هامة جدّاً في هذا الصّدد، و بيّنت ثمرات جميلةً للصّمت، و منها:

1- دَور السّكوت في

تعميق التّفكير، و ثبات العقل، فقد قال الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله: «إِذا رَأَيْتُمْ المُؤمِنَ صَمُوتاً فَآدْنُوا مِنْهِ فَإِنَّهُ يُلْقي الحِكْمَةَ، وَ المُؤمِنُ قَليلُ الكَلامِ كَثِيرٌ العَمَلِ وَ المُنافِقُ كَثِيرُ الكَلامِ قَلِيلُ العَمَلِ» «1».

2- و جاء عن الإمام الصّادق عليه السلام، أنّه قال: «دَلِيلُ العاقِلِ التَّفَكُّرُ وَ دَلِيلُ التَّفَكُّرِ الصَّمتُ» «2».

3- ما ورد عن الإمام علي عليه السلام، أنّه قال: «أَكْثِرْ صَمْتَكَ يَتَوفَر فِكْرُكَ و يَستَنيرُ قَلْبُكَ وَ يَسلَم النّاسُ مِنْ يَدِكَ» «3».

فيظهر من هذه الرّوايات، العلاقة الوثيقة الدقيقة، التي تربط التّفكر بالسّكوت، و دليله واضح، لأنّ القوى الفكريّة سوف تفقد التوحّد و الإنسجام، و تصيبها حالةٌ من التّشتت و الإنفلات، في حالات الكلام الزّائد، و عند ما يتخذ الإنسان السّكوت جِلباباً له، فستَتَمَركز قِواه الفكريّة، ممّا يعينه على التّفكير الصّحيح، و بالتّالي إنفتاح أبواب الحِكمة بِوَجهه، و لا يُلّقى الحكمة إلّا ذو حَظٍّ عظيمٍ.

4- يُستَشفّ من بعض الأخبار، أنّ السكوت هو أهمّ العبادات، فنقرأ في مواعظ الرّسول الأعظم صلى الله عليه و آله، لأبي ذر رحمه الله، قال: «أَرْبَعَ لا يُصِيبَهُنَّ إلّا مُؤمِنْ، الصَّمْتُ وَ هُوَ أَوَّلَ العِبادَةِ» «4».

______________________________

(1). بحار الأنوار، ج 75، ص 312.

(2). المصدر السابق، ص 300.

(3). ميزان الحكمة، ج 2، ص 1667، الرقم 10825.

(4). المصدر السابق، مادة الصّمت، ح 10805.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 259

5- و يُستفاد من الرّوايات الواردة، أنّ كثرة الكلام تزرع القساوة في القلب، فقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام، حديثٌ يقول فيه: «كانَ المَسِيحُ عليه السلام يَقُولُ لا تكثروا الكَلامَ في غَيرِ ذِكْرِ اللَّهِ فَإنَّ الَّذِينَ يكْثِرُونَ الكَلامَ في غَيرِ ذِكْرِ اللَّهِ قاسِيَةٌ قُلُوبُهُم وَ لَكِنْ لا يَعْلَمُونَ» «1».

6- ما ورد عن الإمام علي

بن موسى الرضا عليه السلام، أنّه قال: «إِنَّ الصَّمْتَ بابٌ مِنْ أَبوابِ الحِكْمَةِ، إِنَّ الصَّمْتَ يَكْسِبُ الَمحَبَّةَ إِنَّهُ دَليلٌ عَلَى كُلِّ خَيرٍ» «2».

فقوله إنّ السّكوت يكسب المحبّة، لأنّ أكثر المشاحنات و الملاحاة، تصدر عن اللّسان، و السّكوت يسدّ أبواب الشّر.

7- السّكوت نجاةٌ من الذّنوب، و مفتاح دخول الجنة، فقد ورد في حديثٍ عن الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله، قَالَ لِرَجُلٍ أَتاهُ: أَ لا أَدُلُّكَ عَلى أَمْرٍ يُدخِلُكَ اللَّهُ بِهِ الجَنَّةَ؟، قَالَ: بَلى يا رَسُولَ اللَّه، قال صلى الله عليه و آله: «.... فاصْمُتْ لِسانَكَ إلّا مِنْ خَيرٍ، أَ ما يَسُرُّكَ أَنْ تَكُونَ فِيكَ خِصلَةٌ مِنْ هُذِهِ الخِصال تَجُرُّكَ إِلى الجَنَّةِ» «3».

8- و السّكوت علامةُ الوقار، فقد ورد عن الإمام علي عليه السلام: «الصَّمْتُ يَكْسِبُكَ الوِقارُ، وَ يَكْفِيكَ مَؤُونَةَ الإِعتِذارِ» «4».

فالثّر ثار كثير الخطأ، كثير الإعتذار و النّدم، لما يصدر منه مِنْ شطحات، من موقع الغفلة و الإندفاع العاطفي و الإنفعال النّفسي.

9- و عنه عليه السلام، في حديث أوضح و أجلى فقال: «إِنْ كانَ في الكَلامِ بَلاغَةٌ فَفي الصَّمْتِ سَلامَةٌ مِنَ العِثارِ» «5».

فالصّمت قد يكون، أبلغ من أيّ كلامٍ في بعض الموارد!.

10- ما ورد عن الإمام الحسن المجتبى عليه السلام، أنّه قال: «نِعْمَ العَونُ الصَّمْتُ في مَواطِنٍ كَثِيرةٍ وَ إِنْ كُنْتَ فَصِيحاً» «6».

______________________________

(1). اصول الكافى ج 2 ص 114 (باب الصمت و حفظ اللسان ح 11).

(2). المصدر السابق ص 113.

(3). اصول الكافى ج 2 ص 113.

(4). غرر الحكم الرقم 1827.

(5). المصدر السابق الرقم 3714.

(6). ميزان الحِكمة، مادّة صمت، ح 10826.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 260

و هناك رواياتٌ كثيرةٌ في هذا المجال، لم نذكرها هنا، خوفاً من الإطالة و الخروج عن مِحَور البحث.

إزالة وَهم:

إنّ كلّ

ما ورد في الآيات و الأحاديث الشّريفة، من معطيات الصّمت الإيجابيّة في حياة الإنسان و واقعه، من قَبيل تعميق الفكر و منع الإنسان من الوقوع في الخطأ، و صيانته من كثيرٍ من الذّنوب، و حفظ وَقاره و شَخصيّته، و عدم الحاجة إلى الإعتذار المُكَرّر، و أمثالُ ذلك، كِلّ هذا لا يعني أن السكوت، يمكن أن يتخذه الإنسان قاعدةً على الدّوام، فالسّكوت المَطلق مذمومٌ بدوره، و خسارةٌ اخرى لا تُعوّض.

و الغاية ممّا تقدم، في مَدح السّكوت و الصّمت في الآيات و الرّوايات الإسلامية، هي منع اللّسان عن الثّرثرة و فضول الكلام، في خط التّربية و مصداق، أن: «قلْ خيراً و إلّا فاسْكت»، و إلّا فالسّكوت في كثيرٍ من الامور، حَرامٌ مَسلّمٌ.

ألم يذكر القرآن الكريم في سورة الرحمن نعمة البيان باعتبارها من أسمى إفتخارات البشر؟

أ لا تقام أكثر و أغلب العبادات كالصلاة و تلاوة القرآن الكريم و مراسم الحج و الذكر باللسان؟

و لو لا اللسان، فكيف سيتمكن المؤمن من إقامة فريضة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و كيف سيكون دور الإرشاد و التربية و التعليم، و كيف سيتمكن العلماء و المصلحين من أداء دورهم في عملية هداية الناس و إرشادهم إلى طريق الحق و السعادة؟!

فالمذموم هو الافراط و التفريط و الطريق الوسطى هي الجادّة!

و ما صدر من إمامنا السجاد عليه السلام في هذا المضمار هو خير مرشد و دليل في هذا المجال، حيث سأله شخص عن أيهما الأفضل: الكلام أو السكوت؟ فقال عليه السلام:

«لِكُلِّ وَاحدٍ مِنْهُما آفاتٌ فَإذا سَلِما مَنَ الآفاتِ فَالكَلامُ أَفْضَلُ مِنَ السُّكُوتِ، قِيلَ

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 261

كَيفَ ذَلِكَ يا بنَ رَسُولِ اللَّه صلى الله عليه و آله؟ قَالَ: لِأَنّ اللَّهَ عَزَّ

وَ جَلَّ ما بَعَثَ الأَنْبِياءَ وَ الأَوصياءَ بِالسُّكُوتِ، إِنَّما بَعَثَهُم بِالكِلامِ، وَ لا اسْتَحَقَّتِ الجَنَّةُ بِالسُّكُوتِ وَ لا اسْتَوجَبَتْ وِلايَةً بِالسُّكُوتِ و لا تِوَقِّيتِ النّارُ بِالسُّكُوتِ إِنَّما ذَلِكَ كُلُّهُ بِالكَلامِ، وَ ما كُنْتُ لِأعدِلَ القَمَرَ بِالشَّمْسِ إِنَّكَ تَصِفُ فَضْلَ السُّكُوتِ بِالكَلامِ وَ لَسْتَ تَصِفُ فَضْلَ الكَلامِ بِالسُّكُوتِ» «1».

أجل لا شك أنّ لكلٍّ من الصّمت و الكلام، محاسنه و مَساويه، و الحقّ أنّ إيجابيات الكلام أكثر، و لكن متى؟، فقط: عند ما يصل الإنسان، إلى مراحل سامية من التّهذيب للنفس، في معراج الكمال المعنوي، و أمّا من كان في بداية الطّريق، فعليه التّحلي بالسّكوت رَيْثَما تتعمق في نفسه تلك الملكات الرّوحانية، التي يكتسبها الإنسان في حركة الانفتاح على اللَّه، أو كما يُقال، ريثما يملك السّالك لسانه عن ممارسة اللّغو و الكلام الباطل، و بعدها يجلس لِلوَعظ و الإرشاد.

و بالإمكان بيان معيارٍ جيّدٍ لهذه الحالة، فنحن إذا أردنا في يومٍ من الأيّام، تسجيل ما يصدر منّا من كلماتٍ و ألفاظٍ على آلة التسجيل، ثم أصغينا لهذه الأحاديث و الكلمات، منِ موقع الإنصاف و بعيداً عن التّعصب، فَسَنرى الشّريط ملى ءٌ بالتّفاهات و التّرّهات، و لن يبقى من الكلام المفيد إلّا كلماتً أو جملًا قليلةً، تتعلق بالغايات الإلهيّة و الحاجات الضرورية، في حركة الحياة و الواقع العملي.

و يبقى أمرٌ أخير، تجدر الإشارة إليه، أَلا و هو، أنّ «الصّمت» و «السّكوت» وَردا بمعنى واحد في معاجم اللّغة، و لكن بعض علماء الأخلاق ذهب إلى وجود فرق بينهما، فان السّكوت هو التّرك المُطلق للكلام، و الصّمت هو التّرك المقصود للكلام الزائد و اللّغو، أي: «تركُك ما لا يُعينك»، و هدف السّالك الحقيقي في إطار تهذيب النّفس، و السّلوك المعنوي ينسجم مع:

[الصّمت

لا [السّكوت .

إصلاح اللّسان:

ما تقدم آنفاً من أهمية السّكوت أو الصّمت، و دوره في تهذيب النّفوس، و الأخلاق في

______________________________

(1). بحار الانوار، ج 68، ص 274.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 262

خطّ السّير و السّلوك إلى اللَّه، هو في الحقيقة من الطّرق الحياتيّة للوقاية من آفات اللّسان، لأنّ اللّسان في الحقيقة، هو المفتاح للعلوم و الثّقافة و العقيدة و الأخلاق، و إصلاحه يُعدّ أساساً لِكلّ الإصلاحات الأخلاقيّة في واقع الإنسان، و العَكس صحيح، و لأجله فإنّ الحديث عن إصلاح اللّسان، أوسع منَ مبحث السّكوت و أَشمل.

و قد إكتسب مبحث إصلاح اللّسان، أهميّةً بالغةً في الأبحاث الأخلاقيّة بإعتباره، تُرجمان القلب و رَسول العَقل، و مفتاح شخصيّة الإنسان، و نافذة الرّوح على آفاق الواقع.

و بعبارةٍ اخرى: إنّ ما يرتسم على صفحات الرّوح و النّفس، يظهر قبل كلّ شي ء على فَلتات اللّسان، و اللّطيف في الأمر أنّ قُدامى الأطباء، كانوا يُشخّصون المرض، و يتعرّفون على سلامة الشّخص و مزاجه عن طريق اللّسان، فَلَم تكن عندهم هذه الإمكانيّات المعقدّة التي بأيدينا اليوم، فالطّبيب الحاذق، كان يتحرك في عمليّة تشخيصه، لأمراض الباطن عن طريق اللسان، حيث يَنكشِف له من خلال ظاهر اللّسان و لونه، الأمراض الكامنة في خَبايا جسم صاحبه.

و هكذا الحال بالنّسبة لأمراض الرّوح و العقل و الأخلاق، فيمكن للّسان أن يكشف لنا المفاسد الأخلاقيّة، و السّلبيات النّفسية و التّعقيدات الرّوحية، التي تعتلج في صدر و روح الإنسان أيضاً.

و عليه، فإنّ علماء الأخلاق يرون، أنّ همّهم الأول و الأخير حفظ و إصلاح اللّسان، و يعتبرونها خُطوةً مهمّةً و مؤثرةً في طريق التّكامل الرّوحي و الأخلاقي، و قد عكس لنا أميرُ المؤمنين عليه السلام، ذلك الأمر في حديثه الذي قال فيه:

«تَكَلَّمُوا تُعرَفُوا فإنّ المَرءَ مَخبُوءٌ تَحتَ لِسانِهِ» «1».

و جاء في حديثٍ آخر، عن الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله:

«لا يَسْتَقِيمُ إِيمانُ عَبدٍ حَتّىْ يَسْتَقِيمَ قَلْبُهَ و لا يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ حَتّى يَستَقِيمَ لِسانْهُ» «2».

______________________________

(1). نهج البلاغة، الكلمة 392، من قصار كلماته عليه السلام.

(2). بحار الأنوار، ج 68، ص 287، المحجّة البيضاء، ج 5، ص 193.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 263

و نعود بعد هذه الإشارة إلى أصل بحثنا، و نقسّمه إلى أربعة محاور.

1- أهميّة اللّسان بإعتباره نعمة إلهية كبيرة.

2- العلاقة الوثيقة بين إصلاح اللّسان، و إصلاح روح و فكر الإنسان و أخلاقه.

3- آفاتُ اللّسان.

4- الاصول و الأسس الكليّة، لِعلاج آفاتِ اللّسانِ.

في المحور الأوّل: تحدّث القرآن الكريم، في آيتين من سورة «البلد» و «الرّحمان»، بِأبلغ الكلام.

فنقرأ في سورة البَلد، الآيات (8- 10): «أَ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَينَينِ وَ لِساناً وَ شَفَتَينِ وَ هِدَيناهُ النَّجْدَينِ».

فبيّنت هذه الآيات الشّريفة، النّعم و المواهب الإلهيّة الكبيرة على الإنسان في الحياة، من قَبيل نِعمة العين و اللّسان و الشفتان، كأدواتٍ و جوارحٍ يستخدمها الإنسان لمعرفة الخَير و الشّر.

نعم، فإنّ الحقيقة، أنّ أعجب جوارح الإنسان هي اللّسان، قطعةٌ من البدن، حَمَلَتْ و حُمّلت أثقل الوظائف، فاللّسان علاوة على دوره في بلع الطّعام و مَضغِه، فإنّه يؤدي واجِبَهُ بِمهارةٍ فائقةٍ من دون أيّ إشتباهٍ، في أداء هذه المهمّة الكبيرة، وَ لَوْلا مهارته في تَقليب اللّقمة بين الأسنان، فما ذا سيكون حالنا!، و بعد الأكل يقوم بعمليّة تنظيف الفم و الأسنان أيضاً.

و الأهمّ من ذلك و الأعجب، هو كيفيّة الكلام، بواسطة حركات اللّسان السّريعة، و المرتّبة و المنظّمة في جميع الجهات.

و اللّطيف في الأمر، أنّ اللَّه سبحانه و تعالى، قد سهّل عمليّة الكلام، بصورةٍ كبيرةٍ

بحيث أنّ اللّسان لا يملّ و لا يكلّ من النّطق و التّحدث إلى هذا و ذاك، و من دون تكلفةٍ و نفقةٍ، و الأعجب من ذلك، قابلية الإنسان للكلام، و تكوين الجمل و الكلمات المختلفة، كموهبةٍ إلهيةٍ، و ملكة أصليّةٍ في روح الإنسان و فطرته، بالإضافة إلى إستعداده و قدرته، لتكوين و تأليف اللّغات المختلفة، و تعددها إلى الآلاف، و كلّما مرّ الزمان إزداد عددها و تنوّعها بتنوع الأقوام

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 264

و الجماعات البشريّة.

فليس عجيباً عند ما يتحدث عنها القرآن الكريم، و يقول أنّها أعظم النعم؟

و الجدير بالذكر، أنّ الآية الكريمة ذكرت الشّفتين إلى جانب اللّسان، فهما في الحقيقة يُساعدان اللّسان في التّلفظ بالكثير من الحروف، و تنظيم الأصوات و الكلمات في عمليّة التّكلم.

و من جهةٍ اخرى فإنّ الشّفتين، أفضل وسيلة للسّيطرة على اللّسان، كما حدّثنا بذلك رسولنا الكريم صلى الله عليه و آله، عن الباري تعالى، أنّه قال: «يا ابنَ آدَمَ إِنْ نازَعكَ لِسانُكَ فِى ما حَرَّمَتُ عَلَيكَ فَقَدْ أَعَنْتُكَ بِطَبَقَتَينِ فأطْبِق» «1».

و في بداية سورة الرّحمان: (الآيات 1- 4)، يشير سُبحانه إلى نعمة البيان، التي هي ثمرة من ثمرات اللّسان، و بعد ذكر إسم «الرّحمان»، التي وسعت رحمته كلّ شي ءٍ، يشير سُبحانه إلى أهمّ و أفضلّ المواهب الإلهيّة، يعني القرآن الكريم، ثم خلقة الإنسان، ثم يعرّج على موهبة البيان لدى الإنسان: «الرَّحْمَنُ* عَلَّمَ الْقُرْآنَ* خَلَقَ الْإِنسَانَ* عَلَّمَهُ الْبَيَانَ».

و بناءاً عليه فإنّ نعمة البيان، هي أهمّ موهبةٍ أعطاها اللَّه سبحانه، لعباده بعد خلقهم.

و إذا ما أردنا أن نستعرض دور البيان، في تكامل و رُقي الإنسان، و دوره الفاعل في بناء الحضارة الإنسانيّة، عندها سنكون على يقينِ بأنّه لو لا تلك النّعمة

الإلهيّة، و الموهبة الربّانية، لما إستطاع الإنسان أن ينقل خبراته و تجاربه للأجيال المتعاقبة، و لما تقدّم العِلم، و لما إنتشر الدّين و الأخلاق و الحضارات بين الامم السّابقة و اللّاحقة.

و لنتصور أنّ الإنسان، في يوم من الأيّام، سيفقد هذه الموهبة، فممّا لا شك فيه أنّ المجتمع البشري، سيعود في ذلك اليوم إلى أجواء التّخلف الحضاري، و الإنحطاط في جميع الصُّعد.

عُنصر «البيان»، تتوفر فيه أداةٌ و نتيجةٌ، و بما أنّنا إعتدنا عليه، فلذلك نتعامل مع هذه الظّاهرة من موقع اللّامبالاة و عدم الإهتمام، لكنّ الحقيقة هي غير ذلك، فهو عملٌ دقيقٌ معقّدٌ فنّيٌ لا مثيل له و لا نظير. لأنّه من جهة، تتعاون الأجهزة الصوتيّة فيما بينها، من الرئة إلى الهواء الداخل إلى الأوتار الصوتيّة، و التي بدورها تتعاون، مع: اللّسان و الشّفتان و الأسنان و الحلق

______________________________

(1). مجمع البيان، ج 10، ص 494، ذيل الآية المبحوثة، نور الثقلين، ج 5، ص 518.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 265

و الفم، لتكوين و تأليف الأصوات بسرعةٍ فائقةِ دقيقةٍ جدّاً، حتى يصل إلى الحُنجرة، التي تقوم بتقطيعه و تقسيمه حسب الحاجة.

ثم إنّ قصّة وضع اللّغات البشريّة، و تعدّدها و تنوّعها هي قصةٌ عجيبةٌ و معقدةٌ، و تزيد من أهميّة الموضوع، «يقول بعض العلماء: أنّ عددَ لُغات العالم، وصل إلى حوالي (3000) لغة».

و نحن نعلم أنّ هذا العدد لن يتوقف عند هذا الحد، و أنّ عدد اللّغات في تزايدٍ مُستمرٍ.

فهذه النّعمة الإلهيّة، هي من أهم و أغرب و ألطف النّعم، و التي لها دورٌ فاعلٌ في حياة الإنسان و تكامله و رقيّه، و هي الوسيلة، لتقارب البشر و توطيد العلاقات فيما بينهم، على جميع المستويات.

و قد إنعكست هذه المسألة،

في الرّوايات بصورةٍ واسعةٍ، و منها ما وَرد عن أمير المؤمنين عليه السلام: «ما الإِنسانَ لَو لا اللّسانُ إِلّا صُورَةٌ مُمَثَّلَةٌ أَو بَهَيمَةٌ مُهمَلَةٌ» «1».

و الحقُّ ما قاله الإمام عليه السلام، لأنّه لو لا اللسان فعلًا لَما إمتاز الإنسان عن الحيوان، وَ وَرد في حديثٍ آخر، عن الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله: «الجَمالُ فِي اللّسانِ» «2».

و نقل هذا الحديث بصورة اخرى، عن أمير المؤمنين عليه السلام: «الجَمالُ في اللّسانِ و الكَمالِ في العَقلِ» «3».

و نختم بحديثٍ آخرٍ عن عن الإمام علي عليه السلام، فقال: «إِنّ فِي الإِنسانِ عَشَرَ خِصَالٍ يُظْهِرُها لِسانُهُ، شاهِدٌ يُخْبِرُ عَنِ الضَّميرِ، وَ حاكِمٌ يَفْصِلْ بَينَ الخِطابِ، وَ ناطِقٌ يَرُدُّ بِهِ الجَوابَ، وَ شافِعٌ يُدْرِكُ بِهِ الحاجَةَ، وَ واصِفٌ يَعْرِفُ بِهِ الأشياءَ، وَ أَمِيرٌ يأمُرُ بِالحَسَنِ، وَ وَاعِظٌ يَنهى عَنِ القَبِيحِ، وَ مُعَزٍّ تَسْكُنُ بِهِ الأحزانُ، وَ حاضِرٌ (حامِدٌ) تُجْلى بِهِ الضَّغائِنُ، وَ مُونِقٌ تَلَذُّ بِهِ الأَسماعُ» «4».

و لحسن الختام، نعرج على كتاب: «المحجّة البيضاء» في «تهذيب الأحياء».

______________________________

(1). غُرر الحِكم، الرقم (9644).

(2). بحار الأنوار، ج 74، ص 141، ح 24.

(3). المصدر السّابق، ج 75، ص 80، ح 64.

(4). الكافي، ج 8، ص 20، ح 4.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 266

ففي بداية الكلام، و تحت عنوان: «كتاب آفات اللّسان»، يقول:

(فإنّ اللّسان من نعم اللَّه العظيمة، و من لطائف صُنعه الغريبة، فإنّه صغيرٌ جرمه، عظيمٌ طاعته و جرمه، إذ لا يستبين الكفر و الإيمان، إلّا بشهادة اللّسان، و هما غاية الطّاعة و الطغّيان، ثمّ إنّه ما من موجودٍ أو معدومٍ، خالق أو مخلوق، متخيّل أو معلوم، مظنون أو موهوم إلّا و اللّسان يتناوله، و يتعرّض له بإثباتٍ أو نفي، فإنّ كلّ ما

يتناوله العلم، يُعرب عنه اللّسان، إمّا بحقّ أو باطلٍ، و لا شي ء إلّا و العلم متناول له، و هذه خاصيّة لا توجد في سائر الأعضاء، فإنّ العين لا تصل إلى غير الألوان و الصّور، و الأذن لا تصل إلى غير الأصوات، و اليد لا تصل إلى غير الأجسام، و كذا سائر الأعضاء، و اللّسان رَحب الميدان، ليس له مردّ و لا لمجاله مُنتهى و لا حدّ، فله في الخير مجال رَحب، و له في الشرّ مجرى سحب، فمن أطلق عذبة اللّسان و أهمله مرخى العِنان، سَلك به الشّيطان في كلّ ميدان، و ساقه إلى شفا جرفٍ هار). «1»

علاقة اللّسان بالفكر و الأخلاق:

لا شك أنّ اللّسان هو نافذة الرّوح، و هو يعني أنّ شخصيّة الإنسان مخبوءةٌ تحت لِسانِه، و بالعكس فإنّ كلمات كلّ إنسانٍ لها دورٌ في بلورة و صياغة روحه و نفسيّته، فالتّأثير بين الكلام و شخصيّة المتكلم، هو تأثيرٌ مُتقابلٌ.

و الآية الوحيدة التي تناولت، علاقة اللّسان بالفكر و الأخلاق، هي الآية (30) من سورة محمد صلى الله عليه و آله، بالشّكل الذي يشخّص معها الإنسان، ما يدور في خُلد طَرفه المقابل، عن طريق حديثه و كلامه معه، و لذلك فإنّ الإنسان، سعى قديماً و حديثاً للتّركيز على هذا الأمر، لمعرفة خبايا و بواطن الرّجال عن طريق المحادثة و الطّب النّفسي، فنقرأ في هذه الآية، التي نزلت لتفضح المنافقين، قوله تعالى: «وَ لَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيَماهُمْ وَ لَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ».

و على حدّ تعريف الرّاغب، في: «مفردات القرآن»، أنّ معنى «اللّحن»، هو الخطأ في الإعراب، أو الانحراف عن قواعد اللّغة، أو قلب الكلام من الصّراحة إلى الكناية، و

______________________________

(1). المحجّة البيضاء، ج 5، ص

190.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 267

الإشارات، «و لحن القول» المقصود في الآية، هو المعنى الأخير، و هي الكنايات و التّعبيرات ذات المعاني المتعدّدة، و الحمالة لوجوهٍ.

ففي حديثٍ عن أبي سعيد الخدُري قال:

(لَحْنُ القَولِ بُغْضُهُم عَلي بنَ أَبي طالبٍ، وَ كُنَّا نَعْرِفُ المُنافِقِينَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ بِبُغْضِهِم عَلي بنَ أَبي طالِبٍ) «1».

و لم تنسَ الروايات حظها في هذا المجال، فقد وَرد:

1- «ما أَضْمَرَ أَحَدٌ شَيئَاً إلّا ظَهَرَ فِي فَلَتاتِ لِسانِهِ وَ صَفَحاتِ وَجِهِهِ» «2».

فهذا الحديث يمكن أن يكون أساس الطبّ و العلوم النّفسية، و الحقيقة أنّ اللّسان هو مرآة الرّوح.

2- و عنه عليه السلام أيضاً: «الإِنسانُ لُبُّهُ لِسانُهُ» «3».

3- و عنه عليه السلام أيضاً: «قُلْتُ أَربَعاً، أَنْزَلَ اللَّهُ تَصدِيقي بِها في كِتابِهِ، قُلْتُ المَرءُ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسانِهِ فإذا تَكَلَّمَ ظَهَرَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعالى (وَ لَتَعْرِفَنَّهُم فِي لَحْنِ القَولِ) «4»، قُلْتُ فَمَنْ جَهِلَ شَيئَاً عاداهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ؛ (بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ) «5»، وَ قُلْتُ قِيمَةُ كُلُّ امرِءٍ ما يُحْسِنُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ، فِي قِصَّةِ طالُوتَ (إِنَّ اللَّهَ اصطفَاهُ عَلَيكُم وَ زَادهُ بَسْطَةً في العِلْمِ و الجِسمِ) «6»، وَ قُلْتُ القَتلُ يُقِلُّ القَتلَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ، وَ لَكُم فِي القِصاصِ حياةٌ يا اولِي الأَلبابِ) «7»» «8».

4- و في حديثٍ آخرٍ عنه عليه السلام أيضاً قال: «يُسْتَدَلُّ عَلى عَقْلِ كُلِّ امرِءٍ بِما يَجرِي عَلَى لِسانِهِ» «9».

______________________________

(1). مجمع البيان، ج 6، ص 106، و نقل كثير من أهل الحديث هذه القصة، كأحمد بن حنبل في الفضائل، و إبن عبد البر في «الإستيعاب» و الذهبي في «تاريخ أوّل الإسلام» و إبن الأثير في «جامع الاصول»، و غيرها.

(2). نهج البلاغة، الكلمات القصار، الكلمة 26.

(3). بحار الأنوار، ج 78، ص 56.

(4). سورة

محمد، الآية 30.

(5). سورة يونس، الآية 39.

(6). سورة البقرة، الآية 247.

(7). سورة البقرة، الآية 179.

(8). بحار الأنوار، ج 68، ص 283.

(9). غرر الحكم.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 268

و قال عليه السلام أيضاً: «إِياكَ و الكَلامَ في ما لا تَعْرِفُ طَرِيقَتَهُ وَ لا تَعْلَمَ حَقِيقَتَهُ فَأنَّ قَولَكَ يَدُلُّ عَلى عَقْلِكَ وَ عِبادَتِكَ تُنْبَؤُ عَنْ مَعْرِفَتِكَ» «1».

و الحقيقة أنّ اللّسان له دور حيوي و فعّال، في حياة الإنسان و بناء شخصيته، و هو أمرٌ لا يخفى على أحدٍ، و له أصداءٌ واسعةٌ في الرّوايات الإسلاميّة، و ما ورد آنفاً ليس إلّا نَزَرٌ قليلٌ من ذاك الكمّ الكثير.

و بالطّبع فإنّ النّعم الإلهيّة العظيمة، هي رأسمالٌ عظيمٌ لبناء الذّات في طريق التّكامل المعنوي، و كلّما إزدادت النعم الإلهيّة، و توسّعت، إزداد الأمر خطورةً، للحفاظ عليه من الآفات و الأخطار في دائرة التّحديات الصعبة، التي تحاول القضاء على شخصيّة الإنسان.

و المعروف: «أنّه إلى جانبِ كلِّ جبلٍ عظيمٍ وادٍ سحيقٍ»، ففي جانب كلّ نعمةٍ و موهبةٍ، هناك خطرٌ محدقٌ، فالطّاقة الذريّة مثلًا إذا استعملت في الأغراض السلميّة، و الإعمار، فستبني و تُعمّر دنيا الإنسان، و إذا ما استعملت في الشر فستفني العالم في دقائق معددوة.

و منها نفتح باب الحديث، على آفات اللّسان.

آفات اللّسان:

كما أشرنا أنّ فوائد اللّسان و بركاته البنّاءة عديدةٌ، و كذلك آثاره السلبيّة، و ما يترتب عليه من ذنوبٍ و آثامٍ، و نتائجٍ مخرّبةٍ على مستوى الفرد و المجتمع، و قد ذكر العلّامة المرحوم الفيض الكاشاني رحمه الله، في كتابه: «المحجّة البيضاء»، و الغزالي في كتابه: «إحياء العلوم»، بحوثاً مطوّلة، فذكر الغزالي عشرين نوعاً من أنواع الإنحرافات و الأخطار للّسان:

1- الكلام في ما لا يعني الإنسان، «و ليس له

أثر مادّي و لا معنوي في حياة الإنسان».

2- الثّرثرة و الكلام اللّغو.

______________________________

(1). غرر الحكم.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 269

3- الجدال و المراء.

4- الخصومة و النّزاع و اللّجاج في الكلام.

5- التّكلم حول المنكرات، مثل الشّراب و القمار و ما شابهه.

6- التكلّف في الكلام، و التّصنع في السّجع و القافية.

7- البَذاءة

8- اللّعن لغير مستحقّيه.

9- الغِناء.

10- المِزاح الرّكيك.

11- السّخرية و الإستهزاء بالآخرين.

12- إفشاء أسرار الناس.

13- الوعود الكاذبة.

14- الكذب و الأخبار الكاذبة.

15- الغيّبة.

16- النمَّيمة.

17- النّفاق في اللّسان، «أو كما يقال ذو اللسانين».

18- المدح لِغَير مُستَحقّيه.

19- الكلام و التّحدث بدون تفكّر و تدبّر، حيث يُصاحبه الوقوع في الخطأ و الاشتباه عادة.

20- التّساؤل عن الامور المعقدّة و الغّامضة، التي تخرج عن قُدرة المسؤول، هذا و إنّ الدّقة في البحث، أثبتت لنا أنّ الآفات لا تَنحصر بهذه الامور فقط، فالمرحوم الكاشاني و الغزالي، ربّما لم يكن قَصدهما، إحصاء جميع عناصر الخلل و الزّيغ في اللّسان، و لذلك فإنّنا نضيف إلى هذه الموارد العشرين، موارد اخرى، و هي:

1- التّهمة.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 270

2- الشّهادة بالباطِل.

3- مدح النّفس.

4- نشر الشّائعات و الأكاذيب، التي لا تعتمد على أساس، و إشاعة الفَحشاء و المُنكر، و إن كان من باب الإحتمال.

5- البذاءَة و الخُشونة في الكلام.

6- الإصرار العَقيم: (كما أصرّ أصحاب بقرة بني إسرائيل).

7- ايذاء الآخرين بالكلام الجارِح.

8- المذمّة لغير مُستحقيها.

9- الكُفران و عدم الشّكر باللّسان.

10- الدّعاية لِلباطِل، و التّرغيب على الذَنب، و الأمر بالمُنكر، و النّهي عن المعروف.

و غَنيٌّ عن البيان، أنّ ما تقدّم آنفاً لا يشكل جميع خطايا اللّسان، بل يمكن القول أنّ هذه الموارد الثّلاثين، من امهّات المِوارد في هذا الصّدد.

و الجدير بالذّكر، أنّ البَعضِ أفرطوا في هذا المجال، و نسبوا إلى اللّسان

ذُنوباً هو بَري ءٌ منها، كَإظهار الفقر و المَسكنة و البدعة في الدّين، و التّفسير بالرّأي و الجاسوسيّة ما شابَهها، فكلٌّ منها يعتبر ذنباً مُستقلًّا، فربما إرتكبت باللّسان أو بالقلم، أو بوسائل اخرى، و تصنيفها في عداد ذنوب اللّسان، ليس بالشّي ء المُناسب، لأنّه على هذا الأساس، يمكن تصنيف جميع الذّنوب في قائمة ذنوب اللّسان، حيث إنّها ترتكب بنوعٍ ما، بواسطة اللّسان، أو أنّ لها علاقة به، كالرّياء و الحسد و التكبر و القتل و الزّنا.

و البعض أَقَدم على كلّ خطيئةٍ من خَطايا اللّسان، و قسّمها إلى أقسامٍ عديدةٍ، و جعل كلّ قسم منها، في فرع خاصٍّ و عنوانٍ مستقلٍ، مثل الجَسارة مع الأستاذ أو الوالدين، أو تلقيبّهم بألقاب نابيةٍ.

و على كلّ حال، علينا إتخاذ جانب الإعتدال في كلّ شي ءٍ، و إن كانت هذه التّقسيمات، في الحقيقة لا تؤثّر في أصلِ البحث.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 271

الاسس الكليّة للوقاية من أخطار اللّسان:
اشارة

تبيّن ممّا سَبق، أنّ اللّسان في الوقت الذي يعدّ فيه نعمةً إلهيةً عظميةً، هو في نفس الوقت، خطرٌ جدّاً إلى درجةٍ أنّ بإمكانه، أن يكون مصدرَ الخطايا و الذّنوب، و أن يَهبُط بالإنسان في خطّ الباطل، إلى أسفل السّافلين و يجره إلى الحَضيض.

و لأجله علينا التّفكير، في الاصول التي تُعيننا في تجنّب أخطاره الكبيرة، أو تقليلها إلى أقصى حد.

و نستعين في دائرة الكشف عن أخطار اللّسان، بتوجيهات أئمّتنا العظام عليهم السلام و رواياتهم، و كذلك نَستعين بِبَعض من كلمات علماء الأخلاق، حيث وضعوا لنا اصولًا و اسساً و خطوطاً عامةً، عليها التَّعويل في حركتنا المعنويّة المتجهة نحو اللَّه تعالى، و منها:

1- الإنتباه الحَقيقي لأخطار اللّسان

للوقاية من أخطار أيّ موجودٍ خطرٍ علينا، في البِداية نَلتَزِم حالة الإنتباه و التّوجه الّتام، لما يترتب عليه من أخطار، فعند ما يستيقظ الإنسان كلّ يومٍ صباحاً، عليه أن يُوصي نفسه و معها على مستوى الحَذر، من شطَحات لسانه و أفكاره، لأنّ هذا العضو من البدن إذا تعامل معه الإنسان، من موقع الإنضباط في خطّ المسؤوليّة، فسوف يصعد به إلى أوج السّعادة و الكَمال، و إذا أطلق له العِنان، فسيورد صاحبه في المهالك، فهو وَحشٌ ضارَي لا همّ له إلّا التّدمير و التّخريب، و قد ورد هذا المعنى بصورةٍ جمليةٍ و تعبيراتٍ مؤثّرةٍ في رواياتنا الشّريفة، منها ما ورد عن سعيد بن جُبير، عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، حيث قال:

«إذا أَصبَحَ إبنُ آدَمَ أَصْبَحَتْ الأَعْضاءُ كُلُّها تَشْتَكِي اللِّسانَ أَي تَقُولُ إِتَّقِ اللَّهَ فِينا فَإِنَّكَ إِنْ اسْتَقَمْتَ إِسْتَقَمنا وَ إِنْ إِعوَجَجْتَ إِعوَجَجنا» «1».

و جاء عن إمامنا السّجاد عليه السلام:

«إِنَّ لِسان إبنِ آدَمَ يُشْرِفُ عَلى جَمِيعِ جَوارِحِهِ كُلَّ صَباحُ فَيَقُولُ كَيفَ أَصْبَحْتُم؟!

______________________________

(1). المحجّة

البيضاء، ج 5، ص 193.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 272

فَيَقُولُونَ بِخَيرٍ إِنْ تَرَكْتَنا وَ يَقُولُونَ اللَّهَ اللَّهَ فِينا، وَ يُناشِدُونَهُ وَ يَقُولُونَ إِنَّما نُثابُ وَ نُعاقَبُ بكَ». «1»

2- السّكوت

تطرّقنا سابقاً لمباحث السّكوت، بصورةٍ وافيةٍ، و نقلنا آيات و روايات كثيرة في هذا الصّدد، فكلّما كانَ الكلام أقل، كان الزّلل كذلك، و كلّما كان السّكوت أكثر، كانتْ السّلامة تحيط بالإنسان في حركة الحياة و الواقع، عِلاوةً على ذلك فإنّ إلتزام السّكوت في أغلب الحالات، يعوّد الإنسان السّيطرة على لسانه و الحدّ من جموحه، و الوصول في هذه الحالة النّفسية، إلى درجةٍ لا يقول إلّا الحقّ، و لا يتكلّم إلّا بما يُرضي اللَّه تعالى.

و يجب الإنتباه إلى أنّ المراد من السّكوت، ليس هو السكوت المطلق، فكثيرٌ من امورنا الحياتيّة لا يتحقّق إلّا بالكلام، من قبيل كثيرٍ من الطّاعاتِ و العبادات، و نشر العلوم و الفَضائل، و إصلاح ذاتِ البَين، و أمثال ذلك، فالمقصود قلّة الكلام و الإجتناب عن فُضوله، فقد قال الإمام علي عليه السلام:

«مَنْ كَثُرَ كَلامُهُ كَثُرَ خَطَؤُهُ، مَنْ كَثُرَ خَطَؤُهُ قَلَّ حَياؤُهُ، وَ مَنْ قَلَّ حَياؤُهُ قَلَّ وَرَعُهُ، وَ مَنْ قَلَّ وَرَعَهُ ماتَ قَلْبُهُ، وَ مَنْ ماتَ قَلْبُهُ دَخَلَ النّارَ» «2».

و نقل هذا التّعبير، بصورةٍ اخرى عن الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله «3».

و في حديثٍ آخر عن الإمام علي عليه السلام، أنّه قال: «الكَلامُ كَالدَّواءِ قَلِيلُهُ يَنْفَعُ وَ كَثِيرهُ قاتِلٌ» «4».

3- حِفظ اللّسان: «التفكّر أولًا ثّم الكَلام»

إذا فكّر الإنسان في مضمون كلامه، و دوافعه و نتائجه، فسيكون بإمكانه أن يَتجنّب كثيراً من الشّطحات، و الذّنوب التي تنطلق من موقع الغفلة، نعم فإنّ إطلاق العِنان لِلّسان من موقع اللّامبالاة و الإستهانة، بإمكانه أن يوقعه في أنواع الذّنوب و المَهالك في حركةِ الحياة.

______________________________

(1). الكافي، ج 2، ص 15، ح 13.

(2). نهج البلاغة، الكلمات القِصار، الكلمة 349.

(3). النحجّة البيضاء، ج 5، ص 196.

(4). غُرر الحِكم، الرقم 2182.

الاخلاق فى القرآن،

ج 1، ص: 273

وَ وَرد في حديثٍ عن الرسول الكريم صلى الله عليه و آله، أنّه قال:

«إِنَّ لِسانَ المُؤمِنِ وَراءَ قَلْبِهِ، فَإِذا أَرادَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِشي ءٍ تَدَبِّرَهُ بِقَلْبِهِ، ثُمَّ أَمضاهُ بِلِسانِهِ و إنَّ لِسانَ المُنافِقِ أَمامَ قَلْبِهِ، فَإِذا هَمَّ بِشي ءٍ أَمضاهُ بِلِسانِهِ وَ لَم يَتَدَبَّرْهُ بِقَلْبِهِ» «1».

وَ وَرد نفسُ هذا المعنى، مع بعض الإختلاف في كلمات أمير المؤمنين عليه السلام، في الخُطبة (176) من نهج البلاغة.

و نقرأ في تعبيرٍ آخر ورد عن الإمام الحسن العسكري عليه السلام، أنّه قال: «قَلْبُ الأَحْمَقِ في فَمِهِ، وَ فَمُ الحَكِيمِ فِي قَلْبِهِ» «2».

فَمن البَديهي، أنّ المراد من القلب هُنا هو العقل و الفكر، وَ وُجود اللّسان في موقع الأمام أو الخلف، هو كنايةٌ عن التدبّر و التفكّر في محتوى الكلمات و الألفاظ، قبل النّطق بها، و بالفِعل كم يكون جميلًا، لو أنّنا حسبنا لكلامنا حسابه، و فكّرنا في كلّ كلمةٍ نريد أن نقولها، و الدّوافع و النّتائج التي ستعقبها، و هل أنّها من اللّغو أو ممّا يفضي إلى إيذاء مؤمنٍ، أو إلى تأييد ظالم و أمثال ذلك، أو أنّها تنطلق من موقع الدّوافع الإلهيّة، و لغرض حماية المظلوم، و في طريقٌ الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و كسب مَرضاة اللَّه تعالى؟!.

و نَختم هذا الكلام، بحديثٍ جامعٍ لجميع الموارد المذكورة آنفاً، يمنح قلب الإنسان نوراً و صفاءً، و قد ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال:

«إِنْ أَحبَبتَ سَلامَةَ نَفْسِكَ وَ سَترَ مَعايبِكَ، فَاقْلِل كَلامَكَ وَ أَكْثِر صَمْتَكَ، يَتَوفَّرْ فِكْرُكَ وَ يَستَنِرُ قَلْبُكَ». «3»

هذه هي خلاصة دور اللّسان في تهذيب النّفس، و طهارة الأخلاق و الاصول الكلّية لحفظ اللّسان، و بالطّبع سوف نقدم شرحاً وافياً، لتفاصيل أهمّ الإنحرافات و الذّنوب

اللّسانيّة، كالغيبة و التّهمة و الكَذب و الَنميمة و نشر الأكاذيب و إشاعة الفحشاء، و ذلك في المجلّد الثاني من الكتاب، إن شاء اللَّه تعالى، بعد الإنتهاء من بيان الاصول الكلّية لِلقيم الأخلاقيّة.

______________________________

(1). المحجّة البيضاء، ج 5، ص 195.

(2). بحار الأنوار، ج 75، ص 374.

(3). غُرر الحكم، ص 216، ص 4252.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 274

الخُطوة الثّامنة: معرفة اللَّه تعالى و معرفة النّفس

اشارة

من الخَطوات الاولى في طريق إصلاح النّفس، و التّهذيب الرّوحي، و بلورة الأخلاق و الملكات الأخلاقية السّامية، في واقع الإنسان هي: «معرفة النّفس».

فكيف يمكن للإنسان أن يرقى في درجات الكمال الرّوحي و يتحرك على مُستوى إصلاح عُيوبه، و التّخلص من رذائله الأخلاقيّة، و الحال أنّه لا يعرف نفسه من موقع الوعي لذاته؟

و هل للمريض أن يذهب إلى الطّبيب، و لمّا يعرف أنّه مُصابٌ بالمرض؟

و هل لِلتائه الضّال عن الطّريق، أن يعرف وجهته، و يتحرك في طريق العثور على الجادة الصّحيحة، قبل أن يعرف أنّه ضالٌ عن الطريق؟

و هل للإنسان أن يُهيّى ء أسباب و وسائل الدّفاع عن نفسه، و هو لا يعرف أنّ العدوّ قد كَمَن له على باب داره؟

من الطّبيعي، أنّ الإجابة عن هذه الأسئلة هو بالنّفي، فكَذلك من لا يعرف نفسه و لا عيوبه فإنّه لن يستطيع أن يتحرّك في عملّية إصلاح نفسه، و لن يستفيد من أطبّاء الرّوح، في خطّ التّربية و التّهذيب.

و بهذه الإشارة نعود إلى صُلب الموضوع، لنبيّن علاقة معرفة النّفس بِتهذيبها، و كذلك العلاقة بين: معرفة اللَّه و تهذيب النّفس.

1- علاقة معرفة النّفس بتهذيبها

كيف يُمكن لمعرفة النّفس أن تكون سبباً في تهذيب النّفس؟ دليلُهُ واضحٌ و بَيّنٌ، لأنّه:

أولًا: إنّ الإنسان عن طريق معرفة نفسه، سوفَ يعَي كرامةَ نفسه، و شرفَ ذاتِه، و عظمةَ الصّنع الإلهي في هذه الخِلقة، و بالتّالي سَيُدرِك، أهميّة الرّوح الإنسانيّة، التي هي نفحةٌ من نفحات قُدسه، نعم فإنّه سَيُدْرِك أنّ الجوهَرة الّثمينة، التي منحه اللَّه تعالى إيّاها، عليه ألّا يُضيّعها و لا يَبيعها بأبخسِ الأثمان، فلن يُضيّعها إلّا من كانَ يعيش الرّذائل الأخلاقيّة، و من غَرِق

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 275

بِوحل الذّنوب، و مستنقع الخَطيئة.

ثانياً: الإنسان بمعرفته لنفسه،

سيطّلع على الأخطار التي تحدق به، جرّاء مِيوله النّفسية، و عنصر الهَوى و دوافع الشّهوة، التي تقع في خطّ التّقابل، مع سعادته و تكامله المعنوي في حركة الواقع النّفساني، و سيكون بإمكانه التّحرك في دائرة المُواجهة الواعية، للوقوف بوجهها و التّصدي لها.

و من البديهي، أنّ الإنسان الذي لا يَخبُر نفسه لن يكون على إحاطةٍ بوجود تلك الدوافع، و يبقى كالغافل عمّا يدور حواليه، بينما يكون الأعداء قد إحتوشوه من كلّ جانبٍ، و هو لا يُحرّك ساكناً، و بالطّبع فإنّ هذا الشّخص، سيتلقّى ضرباتٍ قاصمةٍ من عدوّه، و بعدها يخضع لواقع السّيطرة من قِبل العدو، و أنّى له ساعتها، التّدبير و التّفكير من موقع الشّعور الهادِى ء، و البعيد عن الإنفعال و التّوتر!!.

ثالثاً: بمعرفة النّفس، ستظهر له خَبايا نفسه، و إستِعداداتِها المختلفة، و لأجل رُقيّها و كمالها و السّير بها إلى اللَّه، سيسعى الإنسان في خطّ التربيّة و التّهذيب، لِبلورة تلك الإستعدادات و الكَمالات، و يستخرج كُنوزها من واقعه الذّاتي، ليقترب بواسطتها من آفاق السّماء.

و حال الشّخص الذي لا يتعامل مع ذاته، من موقع المعرفة و الوَعي، كحال الذي دَفَن في بيته كُنوزاً، و هو لا يعلم بها، و هو بأمسّ الحاجة إليها لفقره المُدقع، فيموت جوعاً بدون أن يجد في نفسه باعثاً على الانتفاع بها، في واقع الحياة.

رابعاً: إنّ كلّ واحدةٍ من المفاسد الأخلاقيّة، لها جذورها في النّفس الإنسانيّة، و بمعرفة النّفس، سيسعى الإنسان في عمليّة قلع تلك الجُذور، من واقع النّفس و غلق تلك الرّوافد التي تمدّها بالماء الآسن، و مُعالجة هذا الواقع السّلبي، بفتح روافد الماء الصّافي الرّقراق الذي يمدّها بالحَياة و الوِصال الحقيقي المنفتح على الإيمان و الصفاء النّفسي.

خامساً: و الأهم من هذا

و ذاك، فإنّ معرفة النّفس، تؤدّي إلى معرفة الربّ، و معرفة صفاته الجلاليّة و الجماليّة، و التي هي من أقوى الدّوافع الذاتيّة، لتربية المَلَكات الأخلاقيّة، و الكَمالات الإنسانيّة، و طريقٌ قويمٌ لِلنجاة من الإنحطاط و الرّذيلة، و الصّعود بها إلى أعلى

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 276

مراتب الكمال المعنوي، و آفاق المَثل الإنسانيّة.

و إذا أضفنا إلى ذلك كلّه هذه الحقيقة، و هي أنّ الرّذائل تقلب حلاوة السعادة إلى مرارة الشّقاء، و تجرّ البشريّة إلى حيث الويلات و الدّمار، فعندها ستتّضح مدى الأهميّة القُصوى، لمعرفة النّفس في حياة الإنسان و المجتمع البشري.

و قد وَرد في كتاب: «إعجاز الطبّ النّفسي»، للكاتب «كارل منينجر»: (معرفة النّفس عبارة عن الإحاطة بقوى الخير و المحبّة، و معرفة عناصر الشّر و الكراهيّة في النفس الإنسانيّة، و أيّ تجاهلٍ و تغافلٍ عن وجود هذه القوى و العناصر في أنفسنا، و في الغير، بإمكانه أن يُعرّض اسس الحياة للإهتزاز و الخلَل) «1».

و في كتاب: «الإنسان ذلك المجهول»، وردت جملةٌ تعتبر شاهداً حيّاً على مدّعانا، فيقول:

(لسوء الحظ فإنّ الإنسان المعاصر، لم يتحرّك على مستوى التّعرف على نفسه، إلى جانب التّقدم الصّناعي و التّطور العلمي، و لم يوفّق برنامج الحياة، وفق واقعه الطّبيعي، و الفِطري، لذلك فَمع ما في الحياة العصريّة من زينةٍ و تفاخرٍ، لكنّها لم توصل الإنسان للسّعادة المنشودة، فالتّقدم الذي حصل على مستوى العلم و التّكنولوجيا، لم يحصل بتدبيرٍ و تفكيرٍ، بل حصل عن طريق الصّدفة الَمحضة ..، فلو ركّز: «غاليلو» و «نيوتن» و «لافوازيه»، و غيرهم من العلماء على جسم و روح الإنسان، لربّما تغيّرت الدنيا، و لمّا أصحبت كما هي عليه الآن» «2».

و بناءاً عليه، فإنّ إحدى العقوبات التي أعدّها

الباري تعالى، لِلمُعرضين عن اللَّه من موقع الّتمرد على الحقّ، و حذّر الباري تعالى، المسلمين من الوقوع فيها، هي نسيان النّفس، و الغفلة عن الذّات: «وَ لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ» «3».

2- معرفة النّفس في الرّوايات الإسلاميّة

و قد أغنتنا الرّوايات الشّريفة، الواردة عن النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله، و الائمّة الهداة عليهم السلام، في هذا

______________________________

(1). إعجاز الطّب النّفسي، ص 6.

(2). الإنسان ذلك المجهول، ص 22.

(3). سورة الحشر، الآية 19.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 277

المجال، و منحتنا زَخماً معرفيّاً كبيراً، على مستوى بيان مَعطيّات معرفة النّفس، و أثرها الإيجابي في حركة الإنسان، في خطّ التّكامل المعنوي، و الأخلاقي، و منها:

1- ما ورد عن الإمام علي عليه السلام، أنّه قال: «نالَ الفَوزَ الأَكبَرَ، مَنْ طَفَرَ بِمَعرِفَةِ النَّفسِ» «1».

2- و يقول عليه السلام، في النّقطة المُقابلة لِهذا: «مَنْ لَمْ يَعْرِفْ نَفْسَهُ بَعُدَ عَنْ سَبِيلِ النَّجاةِ، وَ خَبَطَ في الضَّلالِ وَ الجَهالاتِ» «2».

3- وَ وَرد في حديث آخر، عن هذا الإمام الهمام عليه السلام: «العارِفُ مَنْ عَرِفَ نَفْسَهُ فَأَعْتَقَها وَ نَزَّهَها عَنْ كُلِّ ما يُبَعِّدُها» «3».

و يُستفاد من هذا التّعبير، أنّ معرفة النّفس سببٌ للتحرر من قيود الأهواء، و أسر الشّهوات، و تطهير النفس من الرذائل الأخلاقيّة.

4- و نقرأ في حديث آخر، عن هذا الإمام الكبير عليه السلام: «أَكْثَرُ النّاسِ مَعْرِفَةً لِنَفْسِهِ أَخْوَفُهُم لِرَبِّهِ» «4».

و نَستوحي من هذا الحديث الشّريف، العلاقة الوثيقة بين الإحساس بالمسؤوليّة، من موقع الخَوف من اللَّه تعالى الذي يعدّ منطلقاً لتهذيب النّفس في خطّ التّقوى، و بين معرفة النّفس.

5- وَ وَرد في حديثٍ آخر، عن الإمام نفسه، يقول: «مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ جاهَدَها وَ مَنْ جَهِلَ نَفْسَهُ أَهْمَلَها» «5».

فطبقاً لهذا الحديث الشريف، فإنّ

الدعامة الأصلية لجهاد النفس، أو الجهاد الأكبر، كما ورد التّعبير عنه في الروايات الإسلاميّة، هي معرفة النّفس.

6- و جاء في نهج البلاغة، في قصار الكلمات لأمير المؤمنين عليه السلام: «مَنْ كَرُمَتْ عَلَيهِ نَفْسُهُ

______________________________

(1). غُرر الحِكم، ح 9965.

(2). المصدر السابق، ح 9034.

(3). غُرر الحِكم، طبقاً للميزان، ج 6، ص 173.

(4). المصدر السابق، ح 3126.

(5). تفسير الميزان، نقلًا عن ميزان الحكمة، ج 3، ص 1881، المادة: المعرفة.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 278

هانَتْ عَلَيهِ شَهَواتُهُ» «1».

فالشّخص الذي عرف نفسه، على مستوى كرامتها الذّاتية، لا يعيش الذّلة في إطار الخضوع للشّهوات، و الإستسلام للأهواء و النّوازع النّفسيّة.

7- كما أنّ معرفة النّفس، تعتبر ركناً مُهمّاً في تهذيب النّفس، في خطّ التّكامل الأخلاقي و المعنوي، فالجهل بِكرامة النّفس، سبب للإبتعاد عن اللَّه تعالى، و لِذا ورد في حديثٍ آخر، عن الإمام العاشر: (الإمام الهادي عليه السلام): «مِنْ هانَتْ عَلَيهِ نَفْسُهُ فَلا تأَمَنْ شَرَّهُ» «2».

و مِن مَضمون ما تقدّم، يتبيّن بوضوح، أنّ من الدّعامات الأساسيّة للفضائل الأخلاقية، و التّكامل المعنوي، هو معرفة النّفس، و لن يصل الإنسان إلى غايته المَنشودة، إلّا بعد عبور ذلك الممر الصّعب، و لذلك أكّد علماء الأخلاق، كثيراً على هذه المسألة، لِكي لا يغفل عنها السّائرون في الطّريق إلى اللَّه تعالى.

3- معرفة النّفس طريقٌ لمعرفة الرّبّ

يقول الباري تعالى: «سَنُرِيهِمْ آياتِنَا فِي الْآفَاقِ وَ في أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ» «3».

وَ وَرد في آية اخرى، قوله تعالى: «وَفِي أَنفُسِكُمْ أَ فَلَا تُبْصِرُونَ» «4».

و إستدلّ بعض المحقّقين، بالآية الشّريفة، التي تتحدث عن عالَم الذَّرْ، على هذه الحقيقة أيضاً، و هي أنّ: «معرفة النّفس»، تعتبر الأساس و القاعدة: «لمعرفة اللَّه تعالى حيث تقول الآية الكريمة: «وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَني آدَمَ مِنْ

ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ، وَ أَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا» «5».

و نقرأ في تفسير الميزان: «فالإنسان و إن بلغ من التّكبر و الخُيلاء ما بلغ، و غرّته مساعدة

______________________________

(1). نهج البلاغة، قصار الكلمات، الكلمة 409.

(2). تُحف العقول، من قصار كلمات الإمام الهادي عليه السلام.

(3). سورة فصّلت، الآية 53.

(4). سورة الذّاريات، الآية 21.

(5). سورة الأعراف، الآية 172.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 279

الأسباب ما غَرّتهُ و إستهوته، لا يسعه أن ينكر أنّه لا يملك وجود نفسه، و لا يستقلّ بِتدبير أمره، و لو ملك نفسه،- لوقاها ممّا يكرهه من الموت، و سائر آلام الحياة مَصائبها، و لإستقلّ بتدبير أمره، لم يفتقر إلى الخضوع، قبال الأسباب الكونيّة.

فالحاجة إلى ربٍّ:- مَلِكٍ مُدَبّرٍ-؛ حقيقة الإنسان، و الفقر مكتوبٌ على نفسه، و الضعف مطبوعٌ على ناصيته، لا يخفى ذلك على إنسانٍ له أدنى الشّعور الإنساني، و العالم و الجاهل، و الصّغير و الكبير، و الشّريف و الوضيع، في ذلك سواء.

فالإنسان في أيّ منزلٍ من منازلِ الإنسانية نزل، يشاهد من نفسه أنّ له رباً يملكه و يدبّر أمره، و كيف لا يشاهد ربّه، و هو يشهد حاجته الذاتيّة؟

و لذا قيل: إنّ الآية تشير إلى ما يشاهده الإنسان في حياته الدنيا. أنّه محتاج في جميع جهات حياته، من وُجوده و ما يتعلق به وجوده من اللّوازم و الأحكام، و معنى الآية أنّا خلقنا بني آدم في الأرض، و فرّقناهم، و ميّزنا بعضهم من بعضٍ بالتّناسل و التّوالد، و أوقفناهم على إحتياجهم و مربوبيتهم لنا، فإعترفوا بذلك قائلين، بلى شَهِدنا أنّك ربّنا» «1».

و بناءاً على ذلك، يثبت لنا أنّ التّعرف على حقيقة الإنسانيّة، بخصوصياتها و صفاتها، هي السّبب و الأساس لمعرفة الباري تعالى

شأنه.

و الحديث المعروف، الذي يقول: «مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عِرَفَ رَبَّهُ»، ناظر إلى هذه المسألة بالذات.

و قد نقل هذا الحديث مرّةً عن الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله، و مرّةً اخرى عن أمير المؤمنين عليه السلام، و مرّةً نُقل عن صُحف إدريس عليه السلام.

فجاء في بحار الأنوار نقلًا عن صحف إدريس عليه السلام، في الصّحيفة الرّابعة، و التي هي صحيفة المعرفة: «مَنْ عَرَفَ الخِلْقَ عَرَفَ الخالِقَ، وَ مَنْ عَرَفَ الرِّزْقَ عَرَفَ الرَّازِقَ، وَ مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ» «2».

______________________________

(1). تفسير الميزان، ج 8، ص 307، ذيل الآية المبحوثة، (مع التلخيص).

(2). بحار الأنوار، ج 92، ص 456؛ ج 58، ص 99؛ ج 66، ص 293، و نقل عن المعصوم عليه السلام، و في ج 2، ص 32 عن الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 280

و على كلّ حالٍ، فإنّ مضمون هذا الحديث قد ورد بطرق متعدّدة، في كتاب بحار الأنوار، عن الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله، أو أحد المعصومين عليهم السلام، أو إدريس النبي عليه السلام، و كذلك ورد عن الإمام علي عليه السلام، في: «غُرر الحِكَم» «1».

و قال العلّامة الطّباطبائي، في تفسيره: «أنّ الشّيعة و السّنة قد نقلوا هذا الحديث عن الرسول صلى الله عليه و آله، و هو حديثٌ مشهورٌ» «2».

التّفاسير السّبعة، لحديث من عَرف نفسه:

و قد وردت تفاسيرٌ عديدةٌ لهذا الحديث، و منها:

1- يشير هذا الحديث إلى: «بُرهان النّظم»، فكلّ إنسانٍ يتعرف على عجائب الخِلقة، في روحه و جِسمه، و ما تتضمّن من النّظم المعقد و المحيّر في تفاصيلها الدقيقة، فسوف ينفتح له طريق إلى اللَّه تعالى، فإنّ هذا النّظم و الإنتِظام و الدّقة في الخلقة، لا يمكن أن ينشأ،

إلّا بتدبير عالم قادر مبدى ء معيد.

2- و يمكن أن يكون هذا الحديث، إشارةً إلى بُرهان: «الوجود و الإمكان»، فعند ما ينظر الإنسان و يُدقّق في تفاصيل وُجوده و نشأته، يرى أنّه وجودٌ مستقلٌ، من عِلمه و قُدرته و ذَكائه و سَلامته، فكلّها تحتاج إلى وجوده سُبحانه، و من دونه، فَهو لا شي ء و سينتهي وجوده، و في الحقيقة هو كالمعاني الحرفيّة، التي بدون المعاني الإسميّة، لن يكتمل لها معنى، كجملة:

«ذهبتُ إلى المسجد»، فكلمة «إلى»، وحدها لا مفهوم لها إطلاقاً، من دون إرتكازها على كلمتي: «ذهبت» و «المسجد»، و كذلك الحال في وجودنا بالنّسبة إلى اللَّه تعالى، فكلّ شخصٍ يحسّ في نفسه هذا الإحساس، سيعرف ربّه من موقع الإعتماد و الإيمان أكثر، لأنّ وجود الممكن محال، بدون وجود الواجب.

______________________________

(1). غُرر الحِكم، ص 7946.

(2). الميزان، ج 6، ص 469، في البحث الرّوائي، ذيل الآية 105، من سورة المائدة.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 281

3- و يمكن لهذا الحديث، أن يدلّنا على: «برهان العلّة و المعلول»، فكلّ إنسان يَتَفكر في نفسه، قليلًا فسوف يعرف أنّه معلول، لعلّةٍ اخرى منذ وجوده، و عند ما ينظر لأبيه سيراه هو أيضاً معلولًا لعلّةٍ اخرى، و هكذا حتى يصلَ إلى علّةِ العلل، و إلّا يلزم التسّلسل، و بطلان التّسلسل، أمرٌ مفروغٌ عنه لدى الحكماء «1».

و عليه، يجب أن تصل العلل إلى العلّة الاولى، التي لا تحتاج إلى عِلّة، فعلّة العِلل: وجوده في ذاته، فعند ما يرى الإنسان نفسه بهذا الوصف، فإنّه سيصل إلى الباري سبحانه و تعالى، من خلال هذا القانون العقلي.

4- و يمكن أن يكون هذا الحديث، إشارة إلى «بُرهان الفطرة»، فعند ما يعرف الإنسان في تأمل حَنايا نفسه، و جَوانب فطرته،

فسوف يتجلّى له نورُ التّوحيد، و ينفتح على اللَّه تعالى، و يصل من «معرفة النفس»، إلى «معرفة اللَّه»، و لن يحتاج إلى دليلٍ آخر يقوده إلى اللَّه تعالى.

5- و يمكن أن يكون الحديث، ناظراً إلى مسألة: «صفات اللَّه تعالى»، بمعنى أنّ الإنسان عند ما يرى محدوديّته، في دائرة حالاته و صفاته في عامل الإمكان، سيصل إلى نقاطِ ضعفهُ و يُدرك من خلال محدوديّته في مجال الصّفات البشريّة، لا محدوديّة اللَّه تعالى، لأنّه لو كان مخلوقاً مثله، لكان محدوداً أيضاً، و من فنائه إلى بَقائه تَبارك و تعالى، لأنّه لو كان مخلوقاً أيضاً لكان فانياً، و كذلك يُدرك من خلال إحتياجاته و فَقره، إستغناء اللَّه و عدم حاجته عمّا سواه، و يُدرك قوّة الباري من خلال فَقره و حاجته هو ... و هكذا، و هذا ما يشير إلى كلام أمير المؤمنين عليه السلام، في أوّل خطبةٍ، حيث يقول:

«وَ كَمالُ الإِخلاصِ لَهُ نَفي الصِّفات عَنْهُ، لِشَهادَةِ كُلِّ صِفَةٍ أَنَّها غَيرُ المَوصُوفِ، وَ شَهادَةِ كُلِّ مَوصُوفٍ أَنَّهُ غَيرُ الصِّفَةِ» «2».

6- و نقل العلّامة المجلسي رحمه الله، تفسيراً آخر لهذا الحديث، عن بعض العلماء، أنّه قال:

(الرّوح لطيفةٌ لاهوتيّة في صفةٍ ناسوتيّةٌ: دالّةٌ من عشرة أوجهٍ، على وحدانيّة اللَّه وَ رَبّانِيَّتِهْ:

1- لما حرّكت التهيكَل و دبّرته، علمنا أنّه لا بدّ لِلعالم من مُحرّكٍ و مُدبِّرٍ.

______________________________

(1). من أراد التّوضيح، فيراجع كتاب: «نفحات القرآن ج 2».

(2). نهج البلاغة، الخطبة 1.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 282

2- دلّت وحدتها على وحدته.

3- دلّ تحريكها لِلجسد على قدرته.

4- دلّ إطّلاعها على ما في الجسد على علمه.

5- دلّ إستواؤها إلى الأعضاء على إستوائه إلى خلقه.

6- دلّ تقدّمها عليه و بقاؤها بعده، على أزلَهِ و أَبده.

7- دلّ عدم

العلم بكيفيّتها، على عدم الإحاطة به.

8- دلّ عدم العلم بمحلّها من الجسد، على عدم أينيتّه.

9- دلّ عدم مسّها على إمتناع مسّه.

10- دلّ عدم إبصارها على إستحالة رؤيته) «1».

7- التّفسير الآخر لهذا الحديث، هو أنّ جملة: «مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ»، هي من قَبيل التّعلّق بالمحال، يعني بما أنّ الإنسان لا يستطيع أن يعرف نفسه، فهو لن يعرف ربّه بصورةٍ حقيقيةٍ.

و لكن التّفسير الأخير هذا غير مناسب، و التّفاسير السّابقة أنسب لسياق الحديث، و لا ضَير من إحتواء ذلك الحديث الشريف، لكلّ تلك المعاني الجليلة.

نعم، فإنّ كلّ إنسان يعرف نفسه، سيعرف ربّه، و معرفة النّفس هي طريقٌ لمعرفة الرّب، و هي أهمّ وسيلةٍ لتهذيب الأخلاق، و طهارة النّفس و الرّوح، فذاته المقدسة هي مصدر لكلّ الكمالات و الفضائل، و أهمّ طريقٍ للسّير و السّلوك في خط بناء الذات، و تهذيب الأخلاق، هو معرفة النّفس، و لكنّ معرفة النّفس تقف دونها موانعٌ كثيرةٌ، لا بدّ من إستعراضها و بحثها.

موانع معرفة النّفس:

أوّل خطوةٍ تُتَّخذ، لعلاج الأمراض البدنيّة هي معرفتها، و عليه ففي وقتنا الحاضر، يمكن

______________________________

(1). بحار الأنوار، ج 61، ص 99- 100.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 283

تشخيص أغلب الأمراض، بالأشعّة السّينيّة، و السّونار، و المختبرات المختلفة لتحاليل الدّم و البول، و ما شابهها من الامور، حيث يستطيع الطّبيب بمعونتها، من تشخيص مواضع الخلل البدني بدقةٍ، و بالتالي يكون بإمكانه، وضع الأدوية و العلاجات لذلك المرض، و كذلك الحال في الأمراض الروحيّة و النفسيّة على مستوى التّشخيص و المعالجة، فإنّنا إن لم نشخّص أمراضنا الرّوحيّة، بمساعدة الطّبيب الحقيقي للنفس، و لم نتمكن من العثور على جذور الرّذائل الأخلاقيّة، في واقعنا النّفسي، فسوف لا يمكننا الوصول إلى طريقةٍ لعلاج هذه

الأمراض، و جُبران مواضع الخَلل في عالم النّفس.

و لكن أغلب الناس، يتجاهلون الأعراض الخطيرة للأمراض، و ذلك لِغَلبة الأنانيّة عليهم و حبّ الذات، الذي لا يسمح لهم برؤية النّقص على حقيقته، و هذا الهروب من الحقيقة، غالباً ما ينتهي إلى عواقب غير حميدة، و لا يتوجه إليها الإنسان إلّا بعد فوات الأوان، و بعد تجاوز المرض مرحلة العلاج، ففي الأمراض الأخلاقيّة، و الإنحرافات النّفسية، غالباً ما يكون حبّ الذات و الأنانية، مانعاً قويّاً لِلناس، يحول دون معرفة صفاتهم الرّذيلة، و عيوبهم الأخلاقيّة و الإعتراف بها، بل و يتذرعون بالأعذار المختلفة، في عملية التغطية اللّاشعورية، على تشوّهات الأنا ليكون الشّخص متعالياً عن النّقد و النّقص، و بذلك يعيش مثل هذا الإنسان، حالةَ الوَهم في ثياب الواقع.

و الحقيقة أنّ الأعترافَ بالخطأ فَضيلةٌ، و يحتاج إلى عزمٍ جدّي، و إرادةٍ راسخةٍ، و إلّا فان الإنسان سيتحرك على مستوى تغطية عيوبه، و يُدرجها في طيّ النسيان، ليخدع بها نفسه و من حواليه، بالظّواهر الخادعة و العناوين الزائفة.

نعم فإنّ الوقوف على العيوب و النقص، في واقع الذّات أمرٌ مرعبٌ و مريعٌ، و غالبيّة النّاس يهربون من واقعهم في حركة الحياة، و لا يريدون أنّ يعترفوا بأخطائهم من موقع تحمّل المسؤوليّة، لكنّ الهروب من الحقيقة، سيعود بالضّرر الكبير على صاحبه، و سيدفع الإنسان الّثمن غالياً على المستوى البعيد، جرّاء ذلك!. و على كلّ حال، فإنّ المانع الحقيقي، و الحِجاب الأصلي لمعرفة الذّات، هو حجاب حبّ الذّات، و الأنانيّة و التّكبر، و ما لم تنقشع هذه الحُجب،

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 284

و تلك الغَشاوات عن النّفس، فلن يستطيع الإنسان أن يعرف ذاته، و نوازعها و ستغلق دونه أبواب المعرفة الاخرى، التي تريد

به النّهوض و الوصول إلى الحقّ، في خطّ التّكامل المعنوي، و التّحذيرات التي صدرت من رسولنا الكريم صلى الله عليه و آله، شاهدٌ حيٌّ على مدّعانا، منها:

«إذا أَرادَ اللَّهُ بِعَبدٍ خَيراً فَقَّهَهُ في الدِّينِ وَ زَهّدَهُ في الدُّنيا وَ بَصَّرَهُ عُيوبَهُ» «1».

و قال أمير المؤمنين عليه السلام، في حديثٍ آخر: «جَهْلُ المَرءِ بِعُيوبِهِ مِنْ أَكبَرِ ذُنُوبِهِ» «2».

و يُفرض علينا هذا السؤال نفسه، و هو أنّه كيف يستطيع الإنسان، أن يُزيل تلك الغَشاوات و الحُجب، التي ترين على نفسه و روحه؟.

هنا أتحفنا الفيض الكاشاني في هذا المجال، بنصائح قيمةٍ، فقال:

(اعلم أنّ اللَّه تعالى، إذا أراد بعبدٍ خيراً بصّره بعيوب نفسه، فَمن كَملت بَصيرته لم تخف عليه عيوبه، و إذا عرف العيوب أمكنه العلاج، و لكنّ أكثر الخلقِ جاهلون بعيوب أنفسهم، يرى أحدهم القَذى في عينِ أخيه و لا يرى الجذع في عينه هو، فمن أراد أن يقف على عيب نفسه، فله أربع طُرق:

الأوّل: أنّ يجلس بين يدي بصيرٍ بعيوب النّفس، مطّلعٌ على خَفايا الآفات، و يحكّمه على نفسه، و يتّبع إشارته في مجاهداته، و هذا قد عزّ في هذا الزمان وجوده.

الثاني: أن يطلب: صديقاً صدوقاً بصيراً متديّناً، فينصبه رقيباً على نفسه، ليُراقب أحواله و أفعاله، فما يكرهه من أخلاقهِ و أفعاله و عيوبه الباطنة و الظّاهرة، ينبّهه عَلَيها. فهكذا كان يفعل الأكابر من أئمّة الدّين، كان بعضهم يقول: «رحم اللَّه إمرءً أهدى إليّ عيوبي» «3»، و كلّ من كان أوفر عقلًا و أعلى منصباً، كان أقلّ إعجاباً و أعظم اتّهاماً لنفسه، إلّا أنّ هذا أيضاً قد عزّ، فقلّ في الأصدقاء من يترك المُداهنة، فيخبر بالعَيب، أو يترك الحسد فلا يزيد على القدر الواجب، فلا يَخلو أصدقاؤك

عن حَسودٍ، أو صاحب غرض، يرى ما ليس بعيب عيباً، أو عن

______________________________

(1). نهج الفصاحة، ص 26، و ورد نفس هذا المعنى عن الإمام الصّادق عليه السلام، في اصول الكافي، ج 2، ص 130.

(2). بحار الأنوار، ج 74، ص 419.

(3). تُحف العقول، ص 366.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 285

مُداهنٍ يُخفي عنك بعض عُيوبك، لهذا كان داود الطائي قد إعتزل عن النّاس، فقيل له: لِمَ لا تُخالط النّاس؟، قال: ما ذا أصنع بأقوامٍ يخفون عنّي ذُنوبي.

ان أهل الدين يحبون أن يُنبّهوا على عُيوبهم، بنصيحة غيرهم، و قد آلَ الأُمر إلى أمثالنا، بأن و أبغضُ الخلق إلينا من يَنصحنا، و يُعرّفنا عيوبنا، و يكاد أن يكون هذا مُفصِحاً عن ضَعف الإيمان، فإنّ الأخلاق السّيئة: حيّاتٌ و عقاربٌ لدّاغةٌ، و لو نبّهنا منبّهٌ على أنّ تحت ثوبنا عقرباً، لشكرنا له ذلك و فرحنا به، و إشتغلنا بإبعاد العقرب و قتلها، و إنّما أذى العقرب على البدن، و يدوم ألمها يوماً أو بعض يوم، و نكايةُ الأخلاق الردّية على صميم القلب، و عسى أن يدوم بعد الموت، أبداً أو آلافاً من السّنين، ثمّ إنّا لا نفرح بمن ينبّهنا عليها، و لا تشتغل العداوة معه عن الإنتفاع بنصحه.

الطّريق الثّالث: أن يستفيد معرفة عيوب نفسه، من لسان أعدائه، فإنّ عين السّخط تُبدي المساوي، و لعلّ إنتفاع الإنسان بعدوٍّ مشاحن، يذكرّ عيوبه، أكثر من إنتفاعه بصديقٍ مداهنٍ، يُثني عليه و يمدحه، و يخفي عنه عُيوبه.

الطّريق الرّابع: أن يخالط الناس، فكلّ ما يراه مذموماً، فيما بين الخَلق فيطالب نفسه بتركه، و ما يراه محموداً يطالب نفسه به و ينسب نفسه، إليه، فإنّ المؤمن مرآةُ المؤمن، فيرى في عيوبِ غيره عيوبُ نفسه، و ليعلم

أنّ الطّباعَ مُتقاربةٌ في إتّباع الهوى، فما يتّصف به واحد من الأقران أعظم منه، أو عن شي ء منه، فيتفقّد نفسه و يطهّرها عن كلّ ما يذمّه من غيره، و ناهيكَ بهذا تأديباً، فلو ترك النّاس كلّهم ما يكرهونه من غيرهم، لإستغنوا عن المؤدّب، قيل لِعيسى عليه السلام:

من أدَّبك؟ فقال: «ما أدّبَني أحد، رأيت جهلَ الجاهل فجانبته» «1».

______________________________

(1). المحجّة البيضاء، ج 5، ص 112 الى 114.

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 286

الخُطوة التّاسعة: العبادة و الدّعاء تصقل مرآة القلب:

اشارة

الخُطوة الاخرى، هي العبادة و الدّعاء، و لأجل التّعرف على دور، العِبادة و الدّعاء في بناء و تهذيب النّفوس، علينا أولًا التّعرف، على حقيقة و مفهوم العبادة و الدّعاء.

الواقع أنّ الحديث عن هذا الموضوع، طويلٌ و عريضٌ، و قد تناوله العلماءُ، العظماءُ، في كتبهم الأخلاقيّة و التفسيريّة و الفقهيّة، بصورةٍ مُفصّلةٍ و وافيةٍ، و لكن يمكن القول و بإختصارٍ شديدٍ: علينا قبل معرفة حقيقة العبادةِ و مفهومها، أوّلًا أن ندرس مفهوم كلمة «عبد»، و هي الأصل و الجَذر اللّغوي، لكلمة: «العِبادة».

«العبُد» لُغة تُطلق على الإنسان، الذي لا حول له و لا قوّة، في مقابِل مولاه، فإرادته تابعةٌ لإرادة مَولاه، و لا يملك شيئاً في عرضِ ما يملكه مولاه، و لا حقَّ له في التّقصير في طاعة سيّده.

و عليه فإنّ العبودية، هي آخر و أقصى مراحل الخُضوع و الخُشوع، في مقابل السيّد، حيث إنّ كلّ شي ءٍ في حياته يراهُ من هبته و إنعامه و إكرامه، و من هنا يتبيّن لنا بوضوح، أنّه لا أحد يستحقّ هذه الدّرجة من العِبادة، و يكون مَعبوداً سوى اللَّه تعالى، فهو الفَيض اللّامتناهي الذي لا ينقطع أبداً.

و من بُعدٍ آخر، أنّ «العُبوديّة»: هي قمّة و نهاية التّكامل المعنوي، للرّوح في حركة

التّكامل المعنوي للإنسان، و غايةُ ما يطمح إليه الإنسان، من حالة القُرب من اللَّه تعالى، و التّسليم المُطلق لِلذات المُقدسة، فالعبادة لا تنحصر بالرّكوع و السّجود و القيام و القُعود، بل إنّ روح العِبادة هي التّسليم المطلق للَّه تعالى، و لذاته المُقدسة و المَنزّهة من كلٍّ عيبٍ و نقصٍ.

و من البديهي أنّ العبادة، هي أفضل وسيلةٍ للرّقي المعنوي، و تحصيل الكَمال المطلق، في حركة الإنسان و الحياة، و تقف حائلًا أمام كلّ رذيلةٍ، فإنّ الإنسان يسعى لِلقُرب من معبوده، لِتَتَجلى في نفسه إشعاعاتٌ من نور قُدسه و جَلاله و جَماله، و يكون مظهراً و مرآةً لصفات الجمال و الكَمال الإلهيّة، في واقعه النّفسي و سلوكه العملي.

و في حديثٍ عن الإمام الصادق عليه السلام، أنّه قال: «العبُودِيّةُ جَوهَرَةٌ كُنْهُها الرُّبُوبِيَّةُ» «1».

______________________________

(1). مصباح الشّريعة، ص 536، نقلًا عن ميزان الحكمة، مادة «عبد».

الاخلاق فى القرآن، ج 1، ص: 287

و هو إشارة لتلك الإنعكاسة الربّانية، التي تتجلّى في العبد جرّاء العِبادة الخالصةِ، المنفتحة على اللَّه، حيث يصل بواسطتها إلى درجاتٍ من الرّقي و الكمال، بحيث يمكنه معها السّيطرة على الكَون، و يكون صاحبٌ بالولاية التَّكوينيّة، أو هو: كالحديد الأسود، الذي يحمّر جرّاء مجاورته لِلنار، و هذه الحرارة و النّورانية ليست من ذاته، لكنّها من معطيات تلك النار.

و منها نعود لِلقرآن الكريم، لنستوحي ممّا فيه من آياتٍ حول العبادة، و ما لها من دورٍ في تنمية الفضائل الأخلاقية:

1- «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» «1».

2- «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» «2».

3- «وَ أَقِمْ الصّ