اجوبة المسائل الشرعية

اشارة

نام كتاب:اجوبةُ المسائل الشرعيّة

نام مؤلف:آية اللّه العظمى الشيخ ناصر مكارم شيرازى

مشخصات نشر : قم مدرسه الامام علی بن ابی طالب (ع) 1374.

موضوع:آثار فقهى و اصولى

زبان:عربى

تعداد جلد:1

مقدمة: تاريخ و محتويات الكتاب

«السؤال» أنصع ظاهرة للروح الإنسانية المتعطشة الباحثة عن الحقيقة والنافذة على التكامل.

و «السؤال» أحد ملامح الجهود والمساعي المضنية والمتواصلة للإنسان بغية الوقوف على أسرار العالم وتفاصيل المجاهيل؛ ومن هنا فإنّ أولئك الذين لا يعيشون هاجس السؤال عن بعض المطالب هم أفراد قليلو المعلومات وممن يعتريهم العي في المسائل العلمية.

وعلى هذا الضوء فإنّ الإسلام بفضله ديناً نهضوياً وحضارياً منح اتباعه حق السؤال في مختلف القضايا، كما حث أئمّة الدين الآخرين على طرح الأسئلة والاستفسارات التي تطارد مختلف الميادين العلمية؛ غاية الأمر أنّ أجوبة الأفراد عادة ما تتناسب مع مستوياتهم الفكرية واستعداداتهم العلمية، ولذلك فإنّ أعمق الاجوبة التي ورثناها عنهم اليوم، تتمثل في تلك التي ساقوها في أطار ردهم على أسئلة العلماء والحكماء من أصحابهم.

إنّ سيل الأسئلة والاستفسارات الدينية أخذ ينهال ويتزايد شيئاً فشيئاً على مجلة «المدرسة الإسلامية» الدينية والعلمية منذ انطلاقتها؛ ولما كان من المتعذر على المجلة استعراض كل تلك الأسئلة مع أجوبتها (سيما أنّ بعض الأسئلة تفتقر إلى البعد العام والشمولي أو أنّها ليست بتلك الأهميّة المطلوبة) فإنّ جانباً كبيراً منها احيل على قسم

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 6

الردود على الأسئلة الخاصة والتي يرد عليها من خلال المكاتبات. بينما تكفّلت المجلة بتقديم الردود الشافية على تلك الأسئلة ذات الطبيعة العامة والمفيدة للجميع.

وقد قام مكتب جيل الشباب للنشر بتنظيم وطبع تلك المجموعة من الأسئلة والردود في أربعة كتيبات وإعادة طبعها أكثر من مرّة. ونظمت اليوم بهذا المجلد بعد التنقيح وإعادة النظر في بعض مطالبها. وهنا تجدر الإشارة إلى

أني سطرت بقلمي بعض الأجوبة، بينما قام أخي سماحة الشيخ سبحاني بالرد على البعض الآخر، وقد أخرجت بهذا الشكل بعد تصنيف الأسئلة المتشابهة. طبعاً نعترف أنّ أجوبة بعض الأسئلة وردت موجزة، لكن لا ينبغي أن ننسى أنّ الأمر لو لم يكن كذلك فلعل بعض الأجوبة تتطلب كتاباً مستقلًا؛ الأمر الذي يتعارض وهدفنا المنشود. وأخيراً نأمل أن يكون هذا الكتاب قد اسدى خدمة لكل من يروم الوقوف بصورة استدلالية على المسائل الشرعية.

قم: الحوزة العلمية

ناصر مكارم الشيرازي

رجب المرجب عام 1418 ه

القسم الأول معرفة اللَّه و صفاته

1 كيف يمكن للعدم أن يفيض الوجود؟

سؤال:

يؤمن الموحدون بأنّ اللَّه خلق العالم من العدم، فكيف يكون العدم مصدراً للوجود؟

الجواب:

السؤال المذكور يمثل أحد شبهات المدرسة المادية. فزعماء هذه المدرسة يؤمنون بأنّ المادة قديمة وأزلية ويزعمون أنّها لم تسبق العدم، وهكذا أنقذوا أنفسهم من الشبهة المذكورة وأثاروها ضدنا فقالوا: إن زعمتهم أنّ المادة لم تكن موجودة ثم وجدت، فهذا يعني خلق الوجود من العدم، فكيف يكون العدم من الوجود؟

والجواب عن هذا السؤال: إنّ الماديين لم يقفوا على مراد الموحّدين من قولهم «خلق اللَّه العالم من العدم» وتصوروا «من العدم» من قبيل «من الخشب» أو «من الحديد» في الأمثلة التالية: مثلًا يقال هذا الباب والنافذة من الخشب، وهذه الماكنة من الحديد، وهذا البيت من الحجر والطين، وبالطبع فإنّ الخشب والحديد والحجر علة مادية، والعناصر الثلاثة هي المواد المكونة للباب والنافذة والماكنة، والأشياء المذكورة صنعت منها، فهي المادة الحقيقية والأساسية لها. والحال ليس مراد الفلاسفة المسلمين من قولهم «خلق العالم من

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 10

العدم» بمعنى أنّ العدم منشأ الوجود وأساسه وأنّه المادة المكونة له. بل مرادهم أنّ العالم لم يكن ثم كان، دون أن يكون للعدم أدنى مدخلية في ظهوره وتكونه.

وأوضح من ذلك:

أنّ الماديين الذين يعتقدون بأنّ ذرات العالم قديمة وأزلية وغير مسبوقة بعدم، ويقابل ذلك الإعتقاد الإسلامي الذي يرى حدوث جميع الذرات وسبقها العدم، اطلقوا تلك العبارة في أنّ العالم خلق من العدم، أي لو تصفحنا أوراق الوجود وعدنا إلى الوراء، فإننا سنبلغ نقطة تنتهي فيها أوراق الوجود وسوف لن يكون هنالك أي مظهر للوجود. والردّ على هذه الشبهة ما ذكرناه آنفا، ولو اغضضنا الطرف عمّا ذكر، فإنّ هذه الشبهة ترد على أصحاب النزعة المادية، ذلك أنّ القديم عندهم المادة وذرات العالم، وأمّا الصور والأشكال التي تظهر من تركب هذه الذرات فستكون حادثة قطعاً ومسبوقة بعدم، بمعنى أنّها تكونت من العدم. فمليارات الأحياء والنباتات مثلًا لها صور جوهرية وأشكال معينة ظهرت من تركيب الذرات، والقديم والأزلي من وجهة نظر المادي بالنسبة للإنسان والحيوان والنبات والنجوم إنّما يتمثل في ذراتها، وأمّا الصورة الخاصة الإنسانية والشكل الحيواني والنباتي لكل فرد منها حادث؛ أي لم يكن ثم صار لاحقاً.

مثال آخر: تأخذ بيدك قلما وترسم صورة على لوح. فالذي كان سابقاً مادة الصورة (القلم) لا نفس الصورة، والصورة شي ء لم يكن ثم كان فيما بعد، وعليه فنحن نطرح هذا السؤال على الماديين بشأن ظهور الصور فنقول: كيف ظهرت هذه الصور الجوهرية (كالإنسان الخارجي) والعرضية (كالصورة التي ترسم على الورقة) من العدم، وكل ما يجيب عنه الماديون بشأن ظهور هذه السلسلة من الصور والأشكال، هو ذاته الذي نجيب عنه بشأن ظهور المادة.

2 هل النظام الذي يسود العالم دليل على خلقه؟

سؤال:

إنّ انصع دليل يستدلون به على إثبات الصانع هو دليل النظم، والنتيجة التي ينبغي استنباطها من هذا الدليل أنّ لهذا العالم منظماً ومدبّراً لتصرفنا وتنظيمنا لأشياء هذا العالم؛ ولكن لا يمكن استنتاج خالق وصانع لوجودات هذا العالم؟

الجواب:

الواقع أنّ أفضل دليل

على وجود اللَّه كما ذكر هو برهان النظم، ذلك أنّ النظام والدقّة تطالعنا في كل جزء من المخلوقات؛ وهذا يدل على أنّ كل مخلوق إنّما صدر من مبدى ء قدير وعليم.

وأمّا هل مدبّر مخلوقات هذا العالم ومنظمها خلقها من العدم، فذلك مبحث آخر ثبت في محلّه باب معرفة اللَّه من خلال عدم أزلية المادة؛ ذلك لأنّه حين ثبت عدم أزلية المادة، كان من الضروري أن يكون لها خالق ومدبّر أوجدها من العدم. وخلاصة القول إنّ برهان النظم يقتصر على إثبات حاكمية اللَّه تعالى على عالم الخليقة؛ وأمّا إيجاد المخلوقات من العدم فإنّما يثبت بدليل عدم أزلية المادة.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 12

وقد أثبت الفلاسفة حدوث المادة بواسطة الأدلة الفلسفية، حيث أصبح حدوث المادة من المسائل الواضحة للعلوم الطبيعية بعد اكتشاف القانون الثاني للثرموداينمك والأنثروبية (اضمحلال العالم وانخفاض الحرارة وأنّ جميع الأجسام تسير من الحرارة إلى البرودة).

وإليك بحث مقتضب بهذا الشأن:

إنّ أول من اكتشف حدوث المادة والطاقة عن طريق العلوم الطبيعية وبرهن على حدوث عالم الخليقة هو «اسحاق نيوتن». حيث استنتج من مطالعاته ودراساته: أنّ العالم يسير من النظم والترتيب إلى العشوائية والانحلال، وسيأتي اليوم الذي تتساوى فيه حرارة جميع الأجسام، ومن هنا توصل إلى نتيجة مؤداها أنّ لهذا العالم بداية. ثم اعتقد بعد مطالعته للحرارة أنّ مقداراً من الطاقة في جميع التغييرات التي تطرأ على الحرارة يتحول إلى طاقة ضائعة دون أن تتحول هذه الطاقة الضائعة إلى طاقة يمكن الاستفادة منها (القانون الثاني للثرموداينمك).

وأدرك «بولتزمن» العالم الرياضي المشهور أنّ القانون الثاني للحرارة والحركة حالة خاصة لقاعدّة كلية أنّ التحول في الحرارة في كافّة الحركات يتضمن تبدل الطاقة وتبعثر نظام الذرات واضمحلال الخليقة.

توضيح ذلك: وفقاً لقانون الثرموداينمك الثاني؛ أي

قانون الحرارة الذي يصطلح عليه بالأنثروبي فإنّ حرارة الأجسام الحارة تسري إلى الأجسام الباردة، ولا يمكن حدوث العكس تلقائيا. والحقيقة فإنّ الأنثروبي هو نسبة القوّة غير القابلة للاستفادة إلى القابلة للاستفادة، ومن المسلم به علمياً أنّ الأنثروبي آخذ بالأزدياد، ولو كان العالم أزلياً وليس له بداية لتساوت حرارة جميع الأجسام قبل مدّة مديدة ولما بقيت قوّة قابلة للاستفادة وبالنتيجة لما حدث أي تفاعل كيميائي ولانعدمت الحياة على الأرض، لكننا نشاهد استمرار التفاعلات الكيميائية وتجدد مظاهر الحياة على الأرض.

والخلاصة: أنّ العالم يتجه إلى حالة تبلغ فيها الأجسام جميعاً درجة متشابهة من التسافل وانعدام الطاقة الاستهلاكية واستمالة الحياة، ولو لم تكن للعالم بداية وكان موجوداً

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 13

منذ الأزل، لإنطفأت جذوة المنظومة الشمسية منذ مدّة بعيدة، ولاضمحلت طاقة الشمس وجميع كائنات المنظومة الشمسية- بما فيها الأرض وسكانها- ولانعدم وجود أي عنصر مشع.

3 كيف السبيل إلى الاعتقاد بنظم العالم اللامحدود بهذا العلم المحدود؟

سؤال:

إنّكم تقولون في الردّ على مزاعم الماديين بشأن عدم انتظام عالم الخلقة: «إنّما يسع الإنسان أن يحكم بعدم انتظام بعض حوادث العالم إن وقف على جميع أسرار الخلق، والحال أنّ معلومات البشرية واكتشافاتها بحكم الصفر إزاء المجهولات». ولعل الطرف المقابل يحتج عليكم بنفس الجواب بشأن إثبات نظام العالم بالاستناد إلى المعلومات الحاضرة فيقول: إنّكم إنّما تستطيعون إثبات نظام العالم حين تقفون على جميع أسرار الخلق؛ فكيف تحكمون بحكمة وانتظام هذا العالم اللامحدود بهذا العلم المحدود.

الجواب:

إننا لا نزعم قط أنّ البشرية كشفت بهذا العلم المتطور أسرار العالم كافّة وسبرت أغوار جميع خفاياه، بل مازال العلماء يؤكدون أنّ معلومات الإنسان كلما إزدادت تضاعفت مجهولاته بنفس تلك الزيادة، وإننا نبغي إثبات: أنّ لهذا العالم (حسبما اكتشفه العلم وأماط عنه اللثام) نظاماً حكيماً ومذهلًا للعقول والألباب؛ غير أننا

لا ننوي الخوض فيما ليس لنا به

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 16

علم. وكل ما نقوله إنّ الدائرة التي أضاء جوانبها العلم مفعمة بالنظم والدقّة، وبالطبع رغم صغر حجم هذه الدائرة إزاء مجموع أسرار عالم الخلقة، إلّاأنّها غاية في السعة بالنسبة لنا.

وهذا يكفي في إثبات وجود الخالق العليم والحكيم؛ ذلك لأنّه لايمكن نسب واحد بالمليار من النظم الذي كشف عنه العلم إلى الصدفة والطبيعة العمياء؛ بل يمكن اعتباره نموذجاً لدقّة عالم الوجود. ولتقريب المطلب دعنا نستعين بهذا المثال: أفرض إننا ظفرنا بكتاب ضخم للغاية يعود إلى الأزمنة الماضية، واستطعنا بعد جهد جهيد ومساعٍ متواصلة وبالاستفادة من مطالعة مئات الكتب أن ننجح في إدراك بعض صفحاته، وقد اختزنت هذه الصفحات عالم من الأسرار والحقائق، بل كان كل سطر فيه يثير العديد من المطالب العميقة والقيمة يكشف عن عقلية مقتدرة وفذة، فرغم عدم وقوفنا على صحة أو سقم مطالب سائر صفحات الكتاب، إلّاأننا نستطيع أن نحكم من خلال هذه الصفحات على أنّ مؤلف هذا الكتاب نابغة وعبقري فذ، بل نستطيع أن نفهم إجمالًا من هذه الصفحات أنّ ما تبقى منها تفيض بآلاف الأسرار والخفايا العلمية التي لم نؤهل لحد الآن لإدراكها.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 17

4 هل يمكن إدراك الذات المطلقة؟

سؤال:

هل ذات اللَّه متناهية أم لا؟ وبغض النظر عن ذلك هل عقلنا وفكرنا متناه في وظائفه أم لا؟ وهل يسع المتناهي إدراك اللامتناهي؟

الجواب:

للاجابة عن هذا السؤال وأشباهه نلفت انتباه القراء الأعزاء إلى ما يلي:

ثبت في مباحث معرفة اللَّه وصفاته أنّ اللَّه وجود لا متناهٍ من جميع الجهات؛ لا متناهٍ من حيث الوجود ولا متناهٍ من حيث العلم والقدرة ولا متناهٍ من حيث الزمان والمكان، فلا يخلو منه مكان، ولا ينعدم في زمان، وليس

هنالك من شي ء لا يعلمه اللَّه ولا فعل يعجزه.

وبناءً على هذا فاللَّه وجود مطلق ولا متناهٍ من جميع الجهات وهذا أصل أساسي في الأبحاث كافّة المتعلقة بصفات اللَّه وبالاستناد إلى هذا الأصل يثبت العلماء صفات اللَّه.

وباستثناء الذات المقدّسة فإنّ كل شي ء سواها محدود؛ محدود من حيث الزمان والمكان وسائر الجهات.

ومن البديهي أنّ الوجود المحدود يعجز عن إدراك الوجود اللامحدود كما هو؛ ومن هنا

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 18

نقول: يستحيل على البشرية إدراك الذات الإلهيّة المقدسة؛ وكل ما لدينا بشأن هذا الوجود معلومات إجمالية، نعلم بهذا الوجود، ونعلم أنّ له علماً وقدرة، وينطوي على صفات الكمال كافّة، لكننا نجهل خصائص وجوده وعلمه وقدرته؛ أي كنه ذاته وصفاته.

وليس كنه ذاته وصفاته مجهولًا لدينا، بل مجهولة لدينا حقيقة أغلب موجودات هذا العالم المحيطة بنا، فالبشرية لم تقف لحد الآن على حقيقة «الحياة». وإننا لا نحسن معرفة الأشياء إلّامن خلال آثارها في حين نجهل هويتها الواقعية والحقيقية، ولعلنا لا نعيش حتى هاجس التعرف على حقيقة الأشياء كافّة بفعل ما نتمتع به من محدودية ووسائل وأدوات قاصرة. فأفكارنا بمثابة ملعقة إزاء الذات الإلهيّة المقدّسة التي تمثل محيطا متلاطماً، من حيث التصور أن يدرك الوجود الذي يحيط به من جميع الجهات. وهل يسع الجنين (لو كان له عقل) أن يرسم صورة صحيحة لأُمّه ويتصور شكلها وسائر خصائصها؟ قطعاً لا؛ وذلك لأنّه محاط والأُم محيطة به، رغم محدوديتهما معاً؛ فما ظنك بالإنسان المحاط بالنسبة لإدراك الذات المقدّسة اللامتناهية المحيطة به؟!

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 19

5 هل اللَّه قوّة؟

سؤال:

هل صحيح ما يقال: (إنّ اللَّه قوّة عظيمة حاضرة في كل مكان وخالق لجميع الكائنات)؟

الجواب:

لا يصح اطلاقاً التعبير عن اللَّه بالقوّة؛ لأنّ ذلك قد يدعو إلى اللبس بشأن سائر

قوى الطبيعة، فاللَّه وجود لا متناهٍ من جميع الجهات، وحاضر في كل مكان وليس له صفات كصفات الوجودات الطبيعية وقد شدد العلماء في كتبهم «العقائدية والدينية» على وجوب التحفظ عن استعمال أي لفظ تشم منه رائحة التجسم والمادية بشأن اللَّه تنزيهاً له عن التشبه بأي من الأمور المادية، ومن هنا لابدّ من التحرز عن استعمال لفظ (القوّة) على اللَّه، وعليه لابدّ من القول: إنّ اللَّه ليس بقوّة، بل اللَّه اسمى من المادة والقوّة والطاقة فهو خالقها جميعاً.

6 كيف يكون كمال توحيد اللَّه نفي الصفات عنه؟

سؤال:

جاء في الخطبة الأولى من نهج البلاغة عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: «وكمال توحيده الاخلاص له وكمال الاخلاص له نفي الصفات عنه». فكيف يمكن أن يكون نفي الصفات عن اللَّه كمال توحيده؟!

الجواب:

يمكننا أن نقف على دليل هذا الموضوع في كلام أمير المؤمنين عليه السلام في هذه الخطبة إذ قال: «لشهادة كل صفة أنّها غير الموصوف وشهادة كل موصوف أنّه غير الصفة».

توضيح ذلك: ثبت في الأبحاث الواردة في صفات اللَّه أنّ صفاته عين ذاته وليست زائدة عليها كما هو الحال في صفات البشر، بمعنى أنّ الذات شي ء والصفات شي ء آخر بالنسبة للممكنات؛ فمثلًا علمنا غير ذاتنا وعارض عليها، إلّاأنّ صفات اللَّه ليست كذلك؛ أي أنّ علمه عين ذاته، وبعبارة أخرى هي ذات كلّها علم وقدرة وحياة. وعليه فمراد الإمام عليه السلام من قوله كمال توحيده نفي الصفات عنه، يعني نفي الصفات الزائدة على الذات.

فحين نقول: لدينا علم.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 22

فعلمنا شي ء، ونحن شي ء آخر، لم نكن عالمين ثم تعلمنا العلم تدريجياً، ولو كانت لدينا معلومات منذ البداية، فعلمنا أيضاً غير وجودنا، أو أنّ ذلك العلم يشكل زاوية من وجودنا على وجه الدقّة.

وهكذا قدرتنا الكامنة في عضلاتنا

وأعصابنا، إنّما تشكل زاوية أخرى من وجودنا، وهذا العلم والقدرة مختلفان ويشكلان زاويتين مختلفتين من وجودنا، فبعقولنا وأرواحنا ندرك ونفهم الحقائق، وبعضلاتنا القوية نرفع الأجسام الثقيلة من الأرض. فصفاتنا ليست عين ذاتنا ولا عين بعضها بعضاً. والأمر ليس كذلك بالنسبة للَّه؛ فذاته عين العلم وعين القدرة وعين الحياة والإدراك؛ أي أنّ العلم لا يشكل زاوية من ذاته ولا تشكل القدرة زاوية أخرى منها، فجميع ذاته علم وجميعها قدرة. وعليه فقدرته أيضاً عين علمه.

ولعل تصور هذا الموضوع يصعب على الكثير، ويظنونه ضرباً من الخيال، وبالطبع ربّما لهم بعض الحق؛ لأنّ صفاتنا ليست كذلك، حيث ألفنا الصفات التي يشكل كل منها جانباً من وجودنا وتختلف بعضها عن البعض الأخر، ومن هنا يصعب إدراك الصفات التي تمثل عين الذات، بل يبدو إدراكها مستحيلًا على بعض الأفراد. ونرى من الضرورة بمكان أن نستعين ببعض الأمثلة لتقريب الموضوع إلى الأذهان:

لو تأملنا الضوء وشعاعه، فكل شي ء يبدو واضحاً من خلاله. وعليه فالكاشفية والايضاح إحدى صفات الضوء، ولكن هل هذه الخاصية كامنة في زاوية من وجود الضوء أم لا؟ بل الضوء كله كاشفية وايضاح.

مثال آخر: تقول أدلة التوحيد: إننا مخلوقات اللَّه وهو خالقنا، كما صرحت الأبحاث السابقة بشأن علم اللَّه: إننا معلومون للَّه، أي أنّ اللَّه عالم بوجودنا. واستناداً لما تقدم يرد هذا السؤال: هل مخلوقيتنا ومعلوميتنا للَّه والتي تعتبر من صفاتنا يشكل كل منها زاوية من وجودنا أم لا؟

والجواب على هذا السؤال واضح، فكل وجودنا مخلوق للَّه، كما أنّ كل وجودنا معلوم لتلك الذات المقدّسة. وعليه فصفة المخلوقية والمعلومية غطت جميع وجودنا، وبعبارة

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 23

أخرى اتحدت مع كامل ذاتنا. طبعاً المراد من المثالين المذكورين الابتعاد عن المألوف لدينا من الصفات

المتعارفة الزائدة على الذات، وإدراك الصفات التي تمثل عين الذات. «1»

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 25

7 من خلق اللَّه؟

سؤال:

قد يبدو هذا السؤال مثيراً للدهشة، لأنّ الفيلسوف الانكليزي المعروف «برتراند رسل» صرح في أحد كتبه قائلًا: كنت في شبابي أؤمن باللَّه، وأرى برهان «علة العلل» أفضل دليل على وجوده، فلكل ما في العالم علّة، ولو تابعنا سلسلة العلل لوصلنا إلى العلة الأولى التي نسميها «اللَّه». لكنّي تراجعت لاحقاً عن هذه العقيدة، ذلك لأنّ السؤال الذي يتبادر إلى الأذهان على ضوء هذا الدليل: أنّ لكل مخلوق خالق وعلّة، فلا بد أن تكون للَّه علّة وخالق، فكيف السبيل إلى حل هذا الإشكال؟

الجواب:

يعتبر هذا الإشكال من الإشكالات المشهورة وفي نفس الوقت الساذجة التي أثارها أصحاب النزعة المادية. فهؤلاء يقولون بكل بساطة: إن كان اللَّه هو الذي خلق كل شي ء، فمن خلق اللَّه؟ ولكن ما الذي دعا الفيلسوف المذكور إلى التعرف على هذا الإشكال لاحقاً، على كل حال لابدّ من تسليط الضوء على هذا السؤال الذي يساور أذهان العديد من الشباب: ولعل الجواب عن هذا السؤال يتضح من خلال الإلتفات إلى عدّة أمور مهمّة بهذا

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 26

الشأن:

لو سلّمنا لأفكار الماديين واتفقنا مثلًا مع الفيلسوف «رسل»، فهل سنسلم لهذا الإشكال؟ قطعاً لا! ... لماذا؟ لأنّ أصحاب النزعة المادية يؤمنون بقانون العلية، فهم يعتقدون بأنّ كل شي ء في عالم الطبيعة معلول لآخر. وعليه يرد عليهم نفس الإشكال: إن كان كل شي ء معلولًا للمادة فما معلول المادة؟ وعلى هذا الأساس (وبالنظر إلى استحالة امتداد سلسلة العلل والمعاليل إلى مالانهاية) فإنّ جميع الفلاسفة (ربّما فيهم الفلاسفة الماديون والإلهيون) يؤمنون بوجود أزلي (وجود كان موجوداً على الدوام)، غاية الأمر أنّ الماديين يزعمون أنّ هذا الوجود الأزلي هو

«المادة» أو شي ء مشترك بين المادة والطاقة، أمّا الموحّدون فيرون أن الوجود الأزلي هو اللَّه، ويتضح من هذا أنّ «رسل» مضطر للإيمان بوجود أزلي (وإن كان المادة). فهل لهذا الوجود الأزلي من علة؟ طبعا لا .... لماذا؟ لأنّ الوجود الأزلي موجود دائماً، والوجود الدائمي لا يحتاج إلى علّة، والوجود الذي يحتاج إلى العلة ما كان معدوماً مدّة ثم اكتسب الوجود لاحقاً (تأمل).

والنتيجة: أنّ وجود مبدأ أزلي ودائمي قول يعتقد به الجميع، والأدلة العقلية في بطلان التسلسل (سلسلة علل ومعاليل لا متناهية) جعلت جميع الفلاسفة يقرون بوجود المبدأ الأزلي. وعليه فليس هنالك من خلاف بين الفلاسفة الإلهيين والماديين في قبول أحدهما لعلة العلل وانكارها من قبل الآخر كما ظن «رسل»، بل يعتقد كلاهما بعلة العلل أو العلة الأولى.

والسؤال المطروح: إذن ما الخلاف بينهما؟ والواقع أنّ اختلافهما يكمن في أنّ الموحّدين يرون لتلك العلّة علماً وإرادة ويسمون تلك العلّة (اللَّه)، أمّا الماديون فيرونها مسلوبة العلم والإرادة ويسمونها (المادة). أمّا لماذا جهل الفيلسوف «رسل» هذا الموضوع، فلا يسعنا سوى القول أنّه مختص بالعلوم الرياضية والطبيعية وعلم الاجتماع، لا في المسائل الدينية والفلسفة الأولى (بمعنى معرفة الوجود وآثاره). ويستنتج ممّا سبق أنّ فلاسفة الدين لا يكتفون بدليل علة العلل لإثبات وجود اللَّه؛ ذلك لأنّ هذا الدليل لا يرشدنا

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 27

سوى إلى وجود «العلة الأولى» أو بعبارة أخرى إلى وجود أزلي يؤمن به حتى الفلاسفة الماديون. بل المسألة المهمّة لدى الفلاسفة إثبات ما بعد العلة الأولى والذي يتمثل في علمها المطلق التام، وإثبات هذه المسألة يبدو سهلا عن طريق تأمل نظام الوجود والأسرار والعجائب والقوانين الدقيقة التي تحكم السماوات والأرضين وما تضمه من احياء متنوعة (تأمل).

هذا أول الكلام

في الرد على الإشكال المذكور.

الموضوع الآخر الذي تجدر الإشارة إليه أنّ أساس هذا الإشكال في هذه القضية (لابدّ من علّة وخالق لكل موجود). والحال هذا ليس قانوناً كلياً ولا يصح سوى على الوجودات المسبوقة بالعدم ثم ارتدت حلّة الوجود.

توضيح ذلك: هنالك وجودات لم تكن موجودة سابقاً مثل المنظومة الشمسية ومن ثم الكائنات الحية- التي تشمل النبات والحيوان والإنسان- التي يشهد تاريخها على أنّها ليست أزلية الوجود، بل لم يكن لها وجود خارجي قبل ملايين السنين ثم اكتسبت الوجود لاحقاً. وممّا لا شك فيه أنّ ظهور هذه الوجودات يتطلب بعض العلل والعوامل، ومن المسلم به أنّ انفصال الكرة الأرضية عن الشمس (على ضوء نظرية لابلاس أو سائر النظريات) يعزى إلى عوامل خاصة، سواءً عرفناها أم لم نعرفها.

كما أنّ ظهور الحياة الأولى في النبات ثم الحيوان والإنسان إنّما يعزى إلى عوامل معينة، ومن هنا لا يكفّ العلماء عن بذل الجهود بغية التعرف على هذه العوامل، ولو لم تكن هنالك من علة لظهور هذه الموجودات، لما كان هنالك من سبب لظهورها في مليون سنة أو بضعة مليارات من السنين، لماذا لم تظهر في زمان يعادل ضعف هذا الزمان أو نصفه؟ لا شك أنّ وجود زمان معين لظهورها يعدّ أفضل دليل على أنّ علّة وجودها إنّما تحققت فقط في ذلك الزمان.

أمّا إن كان الوجود أزلياً- سواء كان هذا الوجود الأزلي اللَّه أو المادة- فإنّ مثل هذا

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 28

الوجود ليس بحاجة قط إلى علّة، ليس بحاجة إلى خالق وإله، ذلك لعدم وجود تاريخ لظهوره بحيث تضمن العلة الموجودة، أو كانت العلة معدومة في ذلك التاريخ. فما كان أزلياً كان وجوده يفيض من ذاته لا من خارج الذات ليكون

محتاجاً إليه (لابدّ من التأمل). فأنا وأنت والأرض والسماء والمنظومة الشمسية و ... بحاجة إلى خالق، فوجودنا ليس أزلياً وليس من ذاتنا، وليست العلة الأولى وعلّة العلل ليكون وجودها من ذاتها.

مثال واضح:

يستعين الفلاسفة ببعض الأمثلة لتوضيح كلامهم الفلسفي بغية تقريب الموضوع إلى الأذهان؛ فيقولون مثلًا: حين ننظر إلى غرفتنا نراها مضيئة.

فنسال أنفسنا: هل الإضاءة من نفس الغرفة؟

ونجيب على الفور: كلا، ذلك لأنّ الإضاءة إن كانت من نفس الغرفة، فلا ينبغي أن تكون مظلمة في أي وقت من الأوقات، بينما تراها مضيئة أحياناً ومظلمة أحياناً أخرى إذن فالإضاءة من مكان آخر. وسرعان ما يقتدح في أذهاننا أنّ الإضاءة في الغرفة بفعل الذرات أو الأمواج الضوئية المشعة في الغرفة.

ونتساءل ثانية: ما مصدر اشعاعات الضوء وذراته؟

ونجيب بعد شي ء من التأمل أنّ اشعاع ذرات الضوء من ذاتها، فهذه الذرات لم تكتسب ضوئها من شي ء آخر، ليس باستطاعتنا الظفر بأي مكان في العالم فيه ذرات ضوء مظلمة واكتسبت الضوء من موضع آخر. فذرات الضوء مضيئة أينما كانت، والضوء جزء من ذاتها.

نعم يمكن أن تزول هذه الذرات، لكن لا يمكن أن تكون مظلمة وهي موجودة (تأمل).

وعليه فإن قيل: إنّ إضاءة كل مكان في العالم معلول للنور، فما علّة ضوء النور؟ نقول فوراً ضوء النور جزء من وجوده. وكذلك حين يقال وجود كل شي ء من اللَّه، فمن أين وجود اللَّه؟

نجيب وجوده من ذاته.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 29

8 كيف السبيل إلى الاعتقاد بعلم اللَّه بالحوادث الاتية؟

سؤال:

إنّكم تقولون في مبحث «معرفة اللَّه» بشأن علم اللَّه: (إنّ اللَّه عالم بكافة أحداث الماضي والحاضر والمستقبل على حد سواء)، ولا يشذ شي ء عن علمه، وعلمه بكافّة الأمور (علم حضوري، أي أنّ جميع الأحداث حاضرة عند اللَّه، وليس هنالك من حجاب بينه وبين الحوادث الماضية

والحاضرة والمستقبلية).

ليس هنالك من نقاش في الحوادث الماضية والحاضرة؛ إلّاأنّ القضية تبدو صعبة بالنسبة لحوادث المستقبل؛ فكيف يكون حاضراً عند اللَّه ما لم يقع لحدّ الآن ولم يوجد؟

الجواب:

تكفّلت الأبواب الواردة في مباحث معرفة اللَّه بالردّ على هذا السؤال وأمثاله. فالفكر البشري المحدود هو الذي صنع بعض المفاهيم كالماضي والحاضر والمستقبل؛ فوجودنا محدود من حيث «الزمان» ومن حيث «المكان»، أي أننا نقع ضمن نقطة معينة من دائرة الزمان والمكان. ومحدوديتنا من حيث المكان خلقت لنا بعض المفاهيم كالقريب والبعيد، فلو كان وجودنا يسع جميع العالم فهل يبقى لدينا من معنى للقريب والبعيد؟!

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 30

وهكذا فإنّ محدوديتنا من حيث الزمان ترسم في أذهاننا صورة للماضي والحاضر والمستقبل. فالحاضر هو الزمان الذي نعيش فيه، والمستقبل هو الزمان الذي يأتي بعدنا، والماضي هو الزمان الذي كان قبلنا، أي أنّ المعيار في كل مكان هو وجودنا.

وعليه فما كان زماناً ماضياً بالنسبة لنا، كان زماناً حاضراً لمن عاش قبلنا بقرن، كما كان مستقبلياً لمن عاش قبل قرنين، ونستشف ممّا سبق فقدان هذه المفاهيم لمعانيها بالنسبة للوجود اللامتناهي الحاضر في كل زمان ومكان؛ فهو يرى الماضي والمستقبل كالحاضر، وكلها حاضرة عنده على حد سواء.

فمثلًا: الشخص الذي ينظر من نافذة في غرفة إلى قافلة من الجمال إنّما يرى كل لحظة جملًا، فترتسم صورة في ذهنه عن الماضي والحاضر والمستقبل لهذه القافلة (لأنّ البوابة التي ينظر من خلالها محدودة)، أمّا الشخص الواقف خارج الغرفة وينظر إلى القافلة فهو يراها تتحرك جميعاً في فترة واحدة! بعبارة أخرى:

كافّة الأحداث حاضرة لدى الوجود الذي يفوق الزمان والمكان. وما نقوله من أنّ الحوادث المستقبلية ليست موجودة الآن صحيح، لأنّ «الآن» إشارة إلى الزمان الحاضر الذي نعيشه،

إلّاأنّ ذلك لا يعني عدم وجود المستقبل في ظروفه، بل كل وجود موجود في ظرفه ولا يمكن أن تسلب كلياً من صفحة الوجود، ويمكن القول إنّ حادثة الغد ليست واقعة اليوم، لكنّها ليست غير موجودة أصلًا (تأمل).

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 31

9 ماذا يعني جمال اللَّه ولقائه يوم القيامة؟

سؤال:

ثبت في مبحث معرفة اللَّه أنّ اللَّه ليس بجسم ولا يمكن رؤيته ولا يصح اطلاق أي لفظ على اللَّه تشم منه رائحة التجسم وعوارض الجسم؛ مع ذلك فقد ورد في بعض الروايات:

«إنّ اللَّه جميل يحبُّ الجمال» «1»

والذي يستفاد من هذه العبارة أنّ الرؤية ممكنة على اللَّه، لأنّ الجمال من الصفات التي تشاهد بالعين.

كما جاء في الخبر: «من طلب الدنيا استغناء عن الناس و تعطفا على الجار لقي اللَّه ...» «2»

. وعليه فالخبر يشير إلى جسمية اللَّه.

الجواب:

أحياناً ترد بعض العبارات في الآيات القرآنية وكلمات أئمّة الدين التي تصور للوهلة الأولى منافاتها مع هذه الحقيقة المسلمة في نزاهة اللَّه عن التجسيم والرؤية، من قبيل «يَدُ

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 32

اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ» «1»

و «... وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ» «2»

و «أنَّ اللَّهَ يرى أعمالَكُم». إلى جانب ذلك هنالك الفرقة التي يصطلح عليها ب «المجسمة» وكما يبدو من اسمها فإنّها تقول بتجسم اللَّه، والسبب الذي يقف وراء هذا الإعتقاد لا يتجاوز النظرة السطحية لبعض الآيات والروايات. ولكن بالإستناد إلى طائفة كبيرة من الآيات والروايات التي تنفي صراحة أية عوارض للجسم عن اللَّه وتتحدث عن ذاته المطلقة التي يستحيل إدراك كنهها، يتضح أنّ مراد تلك الآيات والروايات ليس ما يبدو للوهلة الأولى، بل المراد نوع من التشبيه والمجاز.

توضيح ذلك: نعلم أنّ الألفاظ والكلمات وضعت لقضاء الحاجات اليومية وتدور حول محور الموضوعات المتعلقة بالحياة اليومية؛ ولا بد من الإستعانة بهذه الألفاظ

لبيان الحقائق المتعلقة بالمبدأ والمعاد واللَّه وصفاته، وعليه فلا مناص من اللجوء إلى هذه الألفاظ المتعلقة بعالم المادة واستعمالها مع بعض التشبيهات في معانٍ جديدة لعالم ما وراء الطبيعة، فمثلًا حين نريد أن نقول إنّ اللَّه عالم بجميع الحوارات والمحادثات، ليس أمامنا سوى القول إنّ اللَّه سميع لكل شي ء، والمراد هنا من السميع ليس السمع بالأذن، بل العلم بجميع الأحاديث، وهكذا بالنسبة للرؤية وأمثال ذلك.

وعليه فإن قيل إنّ اللَّه (جميل) فليس المراد الجمال الجسمي، بل المراد الكمال الواقعي؛ ذلك لأنّ اللَّه وجود جامع للكمالات كافّة التي تساور أذهاننا والتي لا تساورها، وبالطبع فإنّ هكذا وجود جميل. وكذلك لقاء اللَّه في عالم الآخرة لا يعني رؤية اللَّه، بل مشاهدة آثار حكومته وقدرته وعدالته (أي ثواب وعقاب الأعمال) والتي تشير جميعاً إلى وجوده وآثار صفاته، وقد اعتبرت رؤية هذه الأثار بمنزلة رؤية اللَّه. حتى روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: «ما رأيتُ شيئاً إلّاورأيتُ اللَّه قبلَه وبعدَه ومعَه» والمراد رؤية آثار علم اللَّه وقدرته من خلال رؤية جميع الأشياء.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 33

10 هل يستطيع اللَّه أن يخلق له شبيهاً؟

سؤال:

لا شكّ ولا ريب أنّ اللَّه قادر على كل شي ء «إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْ ءٍ قَدِيرٌ» «1»

والتي لا تفارق مخيلة كل موحد، مع ذلك هنالك بعض المواضيع التي تساور الذهن والتي لا يسع العقل التفكير في أنّ اللَّه قادر عليها، فكيف نذعن لقدرته المطلقة ونؤمن بأنّه على كل شي ء قدير؟

وإليك بعض النماذج:

1- هل يستطيع اللَّه أن يخلق مثله؟ فإن استطاع فسوف لن يكون من المحال وجود شريكٍ له، وإن لم يستطع فسوف لن يكون قادراً على كل شي ء.

2- هل يستطيع اللَّه أن يدخل هذا العالم العظيم في بيضة بحيث لا يصغر العالم

ولا تكبر البيضة؟ فإن قلتم لا يستطيع فكيف تؤمنون بأنّه على كل شي ء قدير، وإن قلتم يستطيع فالعقل لا يسعه تصور استيعاب البيضة لهذا العالم مجراته ومنظوماته كافّة.

3- هل يستطيع اللَّه أن يخلق موجوداً لا يقدر على القضاء عليه أو تحريكه؟ وكلا الصورتين لا تخلو من المحذورين السابقين؛ ذلك أننا إن قلنا لا يستطيع فكيف نؤمن بأنّه

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 34

على كل شي ء قدير، وإن قلنا يستطيع، نتنكر لمطلقية قدرته؛ ذلك أنّ اللَّه إن استطاع خلق جسم وعجز عن القضاء عليه أو تحريكه فكيف يكون قادراً على كل شي ء ولا يستطيع أن يعدم أو يحرك جسماً يخلقه؟

الجواب:

لا تبدو هذه الأسئلة جديدة وقد أثيرت من قبل الناس في العصور السابقة وأورد أئمّة الدين الأجوبة الشافية عنها. ولعل الجواب المجمل لكل هذه الأسئلة بعبارة واحدة وهي:

إنّ القدرة مهما كانت مطلقة ولا متناهية إنّما تتعلق بالشي ء الذي يحكم العقل بإمكانه ويؤمن بأنّ هذا الشي ء يمكن تحقيقه. أمّا الأشياء التي ليس لها إمكان ذاتي فهي من الأمور المستحيلة والممتنعة لدى العقل.

توضيح ذلك: أننا حين نقارن أفكارنا في الخارج نراها نوعين:

النوع الأول: الأفكار التي لا يمانع العقل من وجودها ولا تحتاج في لباسها لحلة الوجود أكثر من القدرة دون الحاجة إلى شي ء أخر، من قبيل عالم الخلق على سعته وما ينطوي عليه من كائنات ومجرات وكواكب وأقمار و ... والممكنة ذاتها بأجمعها، والتي تكتسب ثوب الوجود في ظل القدرة الربانية اللامتناهية.

النوع الثاني: الموضوعات التي يحكم العقل بإمتناع وجودها، وليس ذلك بسبب نقص القدرة الموجودة أو عجزها، بل بذاتها تأبى الوجود. بعبارة أخرى: أنّ العقل حين يضعها على طاولة الحكم يدرك استحالة وجود مثل هذه الموضوعات (وإن كانت القدرة الموجودة

لامتناهية) وبالتالي فإنّ الخلل في ذاتها لا في موجدها. فلو طلب على سبيل المثال من خياط ماهر أن يخيط بدلة عرس لفتاة تزف إلى زوجها من قطع الطابوق أو الخشب، أو من رسام بارع أن يرسم صورة لجناحي طاووس على أمواج البحر الهادرة، فسيرد الشخصان بالطبع بأنّ هذه الوسائل والأدوات ليست مؤهلة للموضوعات المطلوبة، فلا يمكن خياطة بدلة من الطابوق أو الخشب، كما لا يمكن رسم صورة على أمواج البحر.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 35

وما يقال: (لا يمكن خياطة أو رسم) تفيد عدم استعداد المحل ولياقته لهذا العمل. فقد أدرك الإنسان بحنكته وذكائه إنّ الخشب والطابوق ليسا من أدوات الخياطة وكذلك استحالة الرسم على الماء والهواء، وما أكثر ذلك في الحياة اليومية. وعقل كل إنسان يدرك استحالة وجود شي ء وعدمه في نفس اللحظة، أو يكون المصباح مضيئاً ومطفئاً في نفس الوقت أو أن يكون القدح مملوءاً وفارغاً في نفس الوقت وما شاكل ذلك ... فإمتناع واستحالة هذه الموضوعات من البديهيات العقلية، ولا يسع الإنسان- مهما كان خيالياً- أن يفترض إمكانية لوجود مثل هذه الأشياء. وكل فرد- مهما كانت معلوماته بسيطة- يعلم أنّ 2* 2: 4 ولا يمكن أن يكون 3 أو 5 ويتضح من هذه الأمثلة أنّ الأمور المستحيلة والممتنعة خارجة عن نطاق القدرة على مثل هذه الأمور، وإنّما تتعلق عادة بالأمور الممكنة التي لها قابلية الوجود. والآن نعود إلى الأسئلة المذكورة على علّة عدم تحققها.

يتضح من أدنى تأمل أنّ عدم تعلق القدرة بتلك الأمور كونها جزءاً من المحالات والأمور المحالة خارجة عن دائرة القدرة. فمثلًا وجود مثيل للَّه محال، وأثبت العلماء في بحث صفات اللَّه وحدانيته بالأدلة القاطعة ونفوا عنه أي شريك وشبيه وعدّوا ذلك محالًا،

وعليه ففرض خلق المثيل محال. ومن هنا فإنّ قدرة اللَّه على خلق شريك له، من قبيل قولنا إنّ اللَّه يستطيع أن يفيض الوجود على أمر محال. بعبارة أخرى: أنّ مفاد خلق اللَّه لموجود مثله أنّ اللَّه يخلق موجوداً واجباً في الوقت الذي يكون فيه ممكناً، ولا متناهياً في ذات الوقت الذي يكون فيه متناهياً، ويكون له وجود من نفسه في الوقت الذي لا يمتلك فيه وجوداً من ذاته، وهل هذا إلّاالجمع بين النقيضين الذي قيل إنّه محال عقلياً. ذلك لأنّ اللَّه إن خلق موجوداً مثله فلابدّ أن يكون ممكناً ومتناهياً كونه مخلوقاً للَّه وليس له وجود من ذاته، ولكن من حيث إنّه شبيه للَّه ومثله فلابدّ أن يكون مثله من جميع الجهات، أي واجب الوجود ولامتناهٍ وله وجود من ذاته، والجمع بين هذه الصفات المختلفة هو جمع بين النقيضين وهو مُحال.

وكذلك السؤال: هل يستطيع اللَّه جعل العالم في بيضة هو سؤال عن إيجاد أمر محال،

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 36

ذلك لأنّ العقل يحكم على أساس سلسلة من الحسابات والمشاهدات أنّ الظرف ينبغي أن يكون أكبر من المظروف ويستحيل استيعاب شي ء كبير في ظرف أصغر منه. وعليه فطلب جعل العالم في بيضة هو طلب لمحال، واتضح ممّا سبق أنّ الأمور المستحيلة خارجة تماماً من دائرة القدرة، والقدرة إنّما تتعلق دائماً بأمر ممكن «1».

وأمّا بشأن السؤال الثالث هل يستطيع اللَّه خلق موجود ولا يقدر على القضاء عليه، هو الآخر يصدق عليه ما سبق ومن قبيل سؤال أمر محال. فمن حيث كون مثل هذا الموجود مخلوقاً للَّه لابدّ أن يكون ممكناً، وكل ممكن عرضة للفناء ذاتاً. فإن افترضنا هذا الموجود يأبى الفناء، فلابدّ أن نفرض في هذه الحالة أنّه واجب الوجود وبالتالي

سيكون الشي ء «ممكن» و «واجب» في نفس الوقت، وبعبارة أخرى لابدّ أن يكون ممكناً كونه مخلوقاً للَّه، ولكن من حيث إنّه يأبى الفناء فلابدّ أن يكون واجباً وهذا جمع بين النقيضين.

وكذلك السؤال أن يخلق اللَّه موجوداً لا يستطيع تحريكه هو سؤال جمع بين النقيضين؛ فمن حيث كونه مخلوقاً للَّه لابدّ أن يكون محدوداً ومتناهياً وبالطبع قابل للتحريك، ومن حيث تعذر تحريكه فيفترض أنّه لامتناهٍ ولا محدود، وعليه فسؤال هذا الأمر هو جمع بين النقيضين.

وخلاصة الجواب: أنّ جميع هذه الفرضيات محالة وممتنعة وطلب إيجادها يعني إفاضة الوجود على الأمور الممتنعة ذاتاً، والأمور الممتنعة خارجة عن دائرة القدرة، وليست لها عقلياً قابلية الوجود. وعليه ليس هنالك من عجز في القدرة، بل العجز في الشي ء.

وبعبارة أوضح: العجز في قابلية القابل لا في فاعلية الفاعل.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 37

11 أعمالنا والعلم الأزلي

سؤال:

إنّ اللَّه يعلم منذ الأزل بأنّ الجاني الفلاني سيرتكب جناية في لحظة معينة، وعليه فإنّ هذا العلم سوف يخالف الواقع إن لم يرتكب جنايته. والأمر ربّما يصبح كما تمثله الخيام في شعره من أنّ الحق يعلم منذ الأزل بشرب الخمر فإن امتنعت عن شرب الخمرة كان علم اللَّه جهلًا.

توضيح السؤال: إنّ اللَّه عالم منذ «الأزل» بما يحدث تدريجياً في عالم الوجود، وهو عالم منذ الأزل بحركة الكواكب في السموات وحركة الالكترونات حول مدارات الذرة وحركة أوراق الأشجار وأمواج البحار وحركة الأسماك في أعماق المحيطات. وعلم اللَّه محيط قبل أن يخلق البشر بسلوك الجناة وجرائم العتاة وإراقة الدماء من قبل سفاكي الدماء، ويعلم بكل شخص ماذا سيفعل في اللحظة الفلانية، وعليه فليس لأي شخص من مفرّ من ارتكاب ذلك العمل الذي يعلمه اللَّه ولا يستطيع التخلف عن الإتيان به، ذلك لأنّه إن لم

يفعله كان علم اللَّه خلافاً للواقع وبالتالي يصبح علمه جهلًا.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 38

الجواب:

كل ما قيل في السؤال بشأن علم اللَّه صحيح ومنطقي؛ أي أنّ اللَّه عالم بكل شي ء منذ الأزل، إلّاأنّ النتيجة التي رتبت على ذلك (من أنّ الإنسان مجبر على القيام بأي من أفعاله) باطلة جملةً وتفصيلًا. ولا بدّ هنا من بيان أمرين لكي تتضح هذه الحقيقة:

1- إنّ حرية الإنسان وإرادته في القيام بأي عمل يشاء ممّا أجمع علية عقلاء العالم كافّة، حتى أولئك الذين يرون الأفراد مجبرين على أفعالهم، يحترمون المبدأ المذكور ويعتقدون أنّهم مختارون في بعض أفعالهم- ولذلك- إن سمعوا إهانة من شخص أو إن قصّر أحد أولادهم في القيام ببعض وظائفهم لهبّوا سريعاً لمعاقبته ومؤاخذته على ما بدر منه.

وبناءً على هذا لابدّ أن نذعن بأنّ ذلك الفرد الجاني الذي يطعن آخر بسكين فيقتله أو شارب الخمر الذي يتناول الكأس تلو الآخر إنّما يفعل ذلك بمل إرادته واختياره، وليس هنالك أي منصف يزعم أنّ فعل الجاني وشارب الخمر غير اختياري على غرار التنفس وهضم الطعام الذي لا يمكن تجنبه بأي شكل من الأشكال. ولو عدنا لأولئك القلّة الشاذة التي تصادر إرادة الفاعل واختياره وعرضناهم لبعض التجاوزات والإساءات لاستعانوا فوراً بالمراجع القضائية وطالبوا بمعاقبة المعتدي.

2- إنّ علم اللَّه كما بيّنا سابقاً مرآة للواقع ولايتخلف عنه قط، ولكن لابدّ من الإلتفات إلّا أنّ علم اللَّه إنّما يتعلق بالشي ء بالقيد والصفة التي له في الخارج وبالخصوصية التي يتحقق بها.

توضيح ذلك: أنّ البشرية طيلة حياتها كانت مبدأ لنوعين من الأفعال؛ طائفة من الأفعال التي يمارسها على أساس الإرادة والاختيار، فالصبغة المميزة لهذه الطائفة من الأفعال أنّها «أفعال اختيارية».

والطائفة الأخرى من أفعاله هي «الأفعال اللاإرادية» أو

التي يصطلح عليها ب «الاضطرارية»، من قبيل الدورة الدموية في الشريان ونبض القلب وفعاليات الجهاز الهضمي و ... والمميز الرئيسي لهذه الأفعال أنّها «أفعال غير اختيارية».

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 39

وعلى ضوء المبدأ المسلم الذي ذكرناه- من أنّ علم اللَّه هو الواقع ولا يتخلف عنه أبداً- فإنّ كل فعل من أفعالنا بتلك الخصوصية والصبغة التي له في الخارج معلوم لدى اللَّه منذ الأزل، أي أنّ اللَّه يعلم منذ الأزل بأنّ ذلك الفعل المعين سيبدر منّا في لحظة معينة بمنتهى الاختيار والحرية، وكذلك الطائفة الثانية من أفعالنا فإنّ اللَّه يعلم منذ الأزل أن فعلًا معيناً سيصدر منّا اضطراراً في ساعة معينة.

وعلى ضوء هذين المطلبين نخوض الآن في توضيح الجواب:

أثبت المطلب الأول أنّ طائفة من أفعالنا أرادية واختيارية وإننا نملك الحرية التامة في تركها أو الإتيان بها. وأثبت المطلب الثاني كما أنّ اللَّه عالم بأصل الفعل، فهو عالم أيضاً بخصوصيته وصفته وأنّه اختياري أم اضطراري، وبعبارة أخرى فإنّ فعلنا بتلك الخصائص والمميزات التي له في الخارج معلوم عند اللَّه. واستناداً لما مرّ معنا بشأن أفعالنا الأختيارية نستنتج أنّ اللَّه كان يعلم منذ الأزل بأنّ الشخص الفلاني سيطعن بالسكين فلاناً من الناس بالساعة الفلانية من اليوم الفلاني بمل إرادته. ومثل هذا العلم السابق (علم اللَّه الأزلي) لا يوجد «إجبار» الإنسان وسلبه الحرية والإرادة، ولا يحق للشخص الجاني أن يتذرع بالعلم الإلهي فيعتبر نفسه مجبراً على القيام بتلك الجناية، لأنّ اللَّه لم يكن عالماً بأصل الفعل فحسب، بل كان عالماً بأنّ ذلك الشخص سيرتكب تلك الجناية باختياره وحريته (لابدّ من التأمل).

وهذا العلم يؤيد ويكشف حرية الإنسان في قيامه بأفعاله دون أن يوجب أي اجبار عليه؛ ذلك لأنّ هذا العلم الذي

يأبى مخالفة الواقع بأي شكل من الأشكال يفيد أنّ الإنسان إنّما يقوم بأفعاله على أساس حريته واختياره، ولو فرضنا أنّ ذلك الإنسان كان مجبراً على أفعاله وأنّه يقوم بها دون أدنى اختيار وحرية، لأصبح علم اللَّه مخالف للواقع وكان جهلا.

بعبارة أخرى إنّنا إن مارسنا أفعالنا- الحسنة أو السيئة- بحرية واختيار فإنّ علم اللَّه سيكون مطابقاً للواقع، بينما سيخالفه إن كنّا مجبرين على تلك الأفعال.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 40

شرح أبسط: لعل البيان الفلسفي المذكور يبدو صعباً على البعض. ولتبسيط الموضوع نستعين بهذا المثال لنرى كيفية الردّ الذي يسوقه من يتذرع بعلم اللَّه الأزلي في ما يرتكبه بعض الأشخاص من جرائم وجنايات ليلتمسوا لهم الأعذار في ما يمارسون من ظلم وأثم وهل يعتمدون ذات المنطق في هذا المثال: فأغلب الأساتذة يستطيعون التكهن بمستقبل تلامذتهم، فالأستاذ الذي يتابع عن كثب مستويات طلّابه ربّما يمتلك رؤية واضحة تامة عن أولئك الذين سيجتازون الإمتحان ومن يفشل فيه، ولنفترض أنّ الأستاذ يعرف بكسل أحد التلامذة ومدى إهماله وقضائه لوقته في اللعب دون أن تؤثر فيه نصائحه وإرشاداته وعليه فإنّ الأستاذ يستطيع أن يحدد نتيجة هذا التلميذ مسبقاً وسيكون علم الأستاذ مطابقاً للواقع بالطبع، وهنا نتساءل عن السبب الذي يقف وراء فشل التلميذ في الإمتحان، أيكمن في علم الأستاذ أم في نفس التلميذ؟ ولو تكهن الأستاذ بنتيجة أخرى مغايرة، فهل كان يمكن تحققها بحيث كان ينجح ذلك التلميذ في الإمتحان، أم أنّ رسوبه في الإمتحان كان معلولًا لإهماله وكسله؟ قطعاً ليس هنالك أي عاقل يوعز فشل التلميذ إلى علم الأستاذ، ويجزم أنّ إهمال التلميذ كان هو السبب وراء فشله ورسوبه في الإمتحان.

وهل يشك أحد في أنّ التلميذ هو المسؤول عن تقرير مصيره،

وأنّه حرّ ومختار في تحديد النتيجة التي يرغب فيها. والأمر كذلك بالنسبة لعلم اللَّه ومصير الإنسان وحريته في أفعاله، مع العلم أنّ هنالك بوناً شاسعاً بين علم الأستاذ ونتيجة تلامذته وعلم اللَّه بعباده، ذلك العلم الأزلي اللامتناهي، مع ذلك فليس لهذا الفارق من تأثير في الجواب، وأنّ أي من العلمين لم تكن له مدخلية في النتائج ولا يوجبان سلب الطرف المقابل حريته واختياره وإرادته.

وخلاصة الكلام: أنّ اللَّه خلق الإنسان وأودعه سلسلة من المواهب والقدرات ومنحه العقل والإرادة والاختيار والحرية وبين له سبيل السعادة والفلاح، وجعل كل إنسان حرّاً في ما يسلك من سبيل. ونحن بدورنا من يقرر مصيره بمل حريته واختياره، وليس لعلم اللَّه أي تأثير في تعيين هذا المصير، ذلك لأنّ هذا العلم لا يسلبنا أي شي ء من الحرية والإرادة

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 41

والاختيار. ومن هنا ندرك أنّ ما تمثل به الخيام بشأن شرب الخمر وأنّه مضطر لشربها بعد سبقها بعلم اللَّه الأزلي لم يكن سوى سفسطة، ولعل سبب شيوع هذا اللون من التفكير لدى المدارس الغربية لا يعزى سوى إلى إيمانهم بالحرية المطلقة في ممارسة الذنب والرذيلة والذي لا يعدو كونه خداعاً للنفس والوجدان. فليست هنالك أيّة قوّة تسوق الإنسان قسراً إلى ممارسة فعل من الأفعال. ولذلك ردّ المرحوم الخواجة نصير الدين الطوسي الفيلسوف المعروف على رباعيات الخيام المذكورة ليكشف عن مدى جهل من ينسب مقارنة الرذيلة لعلم اللَّه الأزلي «1».

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 43

12 مفهوم البداء

سؤال:

ما المراد من «البداء» الذي يمثل احدى عقائد الشيعة؟ وهل صحيح ما يقال من 0 أنّ الإمام الصادق عليه السلام قال قبل وفاة ولده «إسماعيل» الإمام من بعدي ولدي إسماعيل. ولكن لما توفي قي حياة الإمام قال: كان

للَّه بداء في إمامة ولدي إسماعيل؟!

الجواب:

للأسف أنّ موضوع «البداء» كان من بين المواضيع التي شنع بها المخالفون وحتى بعض علماء المسلمين على الشيعة فنسبوا لنا بعض القضايا الجوفاء دون أدنى تحقيق ومطالعة بشأن هذا المفهوم حسبما ورد في مصادر أعلام الطائفة وعلماء العقائد والمذاهب ليتشبثوا بكلمة واحدة وذكروا لها عدّة تفسيرات لا تمت بصلة لعقائد الشيعة.

ومن المسلم به أنّ مثل هذه التفاسير الشاذة لا تصدر عن عالم ومحقق «حتى وإن كان من المخالفين»، بل لا تصدر سوى عن بعض المتعصبين الذين يفتشون عن بعض الذرائع هنا وهناك لاستغلالها في تحقيق أغراضهم ومأربهم؛ فهم يتربصون على الدوام علّهم يسمعون كلمة من الطرف المقابل ليتناولوها على طريقتهم فيعمدوا إلى ممارسة التضليل والتشهير

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 44

وبالتالي شنهم لحربهم الدعائية ضد هذا المذهب، ولعل لفظ «البداء» من بين هذه الكلمات التي سعوا لتشويهها.

على كل حال للوقوف على حقيقة معنى كلمة «البداء» على ضوء عقائد الشيعة، نلفت الانتباه إلى معنى هذا المفهوم بشكل مختصر. «1» تعني كلمة البداء في العربية: الظهور. قال تعالى في كتابه العزيز بشأن الظلمة «وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون» «2»

. ويقال أيضاً: بدا من فلان كلام فصيح، وتستبدل (من) أحياناً بحرف (اللام) فيقال: بدا لفلان كلام صحيح. ومعنى العبارة الثانية نفس معنى العبارة الأولى. فإنّ عرفنا معنى العبارة الآن «بدا لفلان» نعود إلى أصل الموضوع: ما أكثر ما تتوفر لدينا مقدمات عمل معين، ولكن ربّما تطرأ بعض الأحداث المفاجئة وتتغير الظروف بحيث لا يتمّ ذلك العمل، فيقال هنا إنّ اللَّه لم يُرِدْ حصول هذا العمل، كما يمكن استبدال كلمة «بدا» هنا فيقال: (بدا للَّه أنّه لا يريد هذا). وعليه ليس

المراد (اتضح للَّه) لتستلزم الجهل بالتقدير الثاني، بل المراد (اتضح لنا من اللَّه). ومن البديهي أن يخلو هذا الموضوع من القدح؛ وهو الموضوع الذي يقع مراراً طيلة حياة كل إنسان بحيث يشهد وقوع بعض الأمور غير المتوقعة، وهذه هي حقيقة «البداء». والآن نرى كيف امتزج هذا الموضوع بعقائد الشيعة وأصبح جزءاً منها؟

إننا نعتقد (وتشهد على ذلك الآيات القرآنية والأخبار والروايات) بأنّ البلاء قد يستكمل كل مقوماته وقدراته، ولعل هاجس وقوعه يكون قائما، غير أنّ الناس يلتجئون إلى اللَّه ويتضرعون إليه ويقلعون عن أفعالهم السيئة وتسود بينهم حالة من التعاون والتعاضد ويقومون بالأفعال الحسنة، فيرفع اللَّه عنهم البلاء ببركة أفعالهم وهذا بحدّ ذاته أحد مصاديق البداء. وأحياناً بالعكس حيث تكتمل مقدمات نعمة وخير، فيأتي الناس ببعض الأعمال التي تحول دون ذلك وهذا هو البداء.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 45

وما أكثر الحالات التي يتغير فيها مصير الإنسان أثر أعماله الصالحة والطالحة وهذا أحد امتيازاتنا في أنّ نعتقد بأنّ مصيرنا يتوقف على أعمالنا. قد يقال للَّه بداء في الموارد المذكورة وذلك على ضوء أفكارنا وحساباتنا، لأنّ الإنسان على أساس محدوديته يتصور الجزم بوقوع الحادثة الفلانية أو قطعية عدم وقوعها، وحين يرى خلاف ذلك ويقف على خطأ حساباته يزعم على ضوء فكره أنّ للَّه بداء في هذه الحادثة، والحال لا يليق باللَّه البداء بل الإبداء.

والخلاصة فإنّ وقوع الحوادث المفاجئة والتي لا تنسجم مع الظروف القائمة يبدو لنا «بداءً»، أي أنّ الشي ء الذي كان خفياً علينا بدأ الآن؛ إلّاأنّه ابداء من جانب اللَّه، أي اظهار لما أخفاه، وما يستعمل أحياناً بشأن اللَّه من لفظ بداء بدل ابداء إنّما هو من قبيل المقارنة المذكورة.

وأمّا بشأن إسماعيل ابن الإمام الصادق عليه السلام فقد قال عليه

السلام: إنّه كان مقدراً أن يقتل ولدي اسماعيل، فدعوت اللَّه أن يصرف عنه شر الأعداء، فأجاب اللَّه دعائي ولم يقتل، بدا للَّه في اسماعيل. وهذا مضمون حديث روته مصادر الشيعة ومعناه على ضوء ما ذكرناه واضح، ولا يرتبط بمسألة إمامة إسماعيل ولا ندم اللَّه تعالى! ولكن كما قلنا إنّ بعض الأفراد المتعصبين الذين يسعون لإستغلال كل حادثة، تشبثوا بكلمة «البداء» وزعموا: (أنّ الشيعة يعتقدون بأنّ اللَّه يندم أحياناً على بعض أفعاله فيعيد النظر فيها، فكان من المقرر أن يكون إسماعيل ابن الإمام الصادق عليه السلام هو الإمام ثم ندم!). والحال يعتبر علماء الشيعة كل من يؤمن بهذه العقيدة كافراً. فأين الشيعة من هذه التهمة الشنيعة!! ولا ندري ما السبب الذي يجعل مثل هؤلاء الأفراد يتحفظون حتى عن مطالعة كتابٍ واحدٍ من مؤلفات أعلام الطائفة ومحققيهم بهذا الخصوص ليقفو على الحقيقة فيعلموا: أولًا: ما هو البداء وثانياً: ماذا كانت قصّة إسماعيل ابن الإمام عليه السلام! أننا نأمل أن تنقشع سحب التعصب الظلماء عن سماء الإسلام وتزول السموم التي ترمي إلى بث الفرقة والتشتت في صفوف المسلمين التي تشار من قبل المتعصبين من الافراد و الجهال.

13 فلسفة البلاء

سؤال:

ما أن تقع بعض الحوادث من قبيل الزلازل والسيول حتى يرى الإنسان نفسه أمام بعض التساؤلات من قبيل: «لم تقع بعض الزلازل والهزات الأرضية والأمراض الفتاكة التي تؤدّي بحياة الناس؟ ولماذا تقع هذه الحوادث في مناطق معينة دون البعض الآخر؟ ما فلسفة وقوع مثل هذه الحوادث ونزول البلاء؟ هل هذه الحوادث عفوية للأفراد المذنبين؟ لماذا ...

ولماذا ...؟».

الجواب:

حسب علمنا وما وصلنا من كتب أعلامنا فإنّ مثل هذه الأسئلة كانت تساور العديد من الأفراد- ولا سيما حين وقوع الحوادث الأليمة التي تدعو الإنسان إلى

التأمل والتفكير- حتى أنّ تاريخ الأديان والعقائد يشير إلى أنّ البعض تخلى عن عقيدته التوحيدية ولجأ إلى بعض المدارس المادية و الإلحادية أثر عدم تلقيه الأجوبة الشافية التي تفسر ما لديه من أسئلة، ذلك لأنّ البعض قد يورد بعض التفاسير المقيتة التي تنسب هذه الظاهرة المفجعة إلى غضب الطبيعة وما شاكل ذلك، غير أنّ الحقيقة قد تبدو معكوسة تماماً لو نظرنا لهذه الأمور

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 48

بعين العقل والحكمة.

توضيح ذلك: أنّ أحكامنا التي نصدرها بشأن الربح والخسارة إنّما هي نسبية على الدوام، فكل ما كان بمصلحتنا نحسبه مفيداً ونافعاً والعكس بالعكس، دون أن نكترث لانعكاسات الأمر على صعيد المجتمع ومستقبله فربّما تكون مادة كيميائية سامة لنا، بينما يمكن أن تكون هذه المادة علاجاً للأخرين وبالعكس ... فهل يشكل ربحنا أو خسارتنا معياراً حسناً أم قبح ظاهرة معينة، أم ينبغي دراسة الظاهرة من جوانبها كافّة بغية إصدار الأحكام بشأنها؟ لا بأس بهذا المثال لنقف على حقيقة هذه القضية:

قطعاً هنالك بعض الفوائد والأضرار التي يستبطنها هطول الأمطار الغزيرة؛ وأحكام الناس بهذا الشأن ستكون متنوعة. فأولئك الذين يجرف السيل بيوتهم ومزارعهم سيتحدثون بلوعة قائلين: إنّي لأجهل سبب هذا البلاء الذي أصابني! أمّا أولئك الذين كانت مزارعهم تعاني من شحة المياه أو تحتاج بعض محاصيلهم لمزيد من المياه، وقد امتلأت ترعهم وجداولهم بالمياه فلسان حالهم يقول: يالها من نعمة فضيلة، لقد أفاض اللَّه علينا لطفاً وعناية! والواقع لو تأملنا جميعاً تأثيرات ذلك المطر لعدوه جميعاً «أمطار رحمة» لا غضب الطبيعة.

أضف إلى ذلك فإنّ بعض أنواع البلاء نعمة كبيرة نجهل حقيقتها ونغفل عنها، فبعض الأمراض التي تصيب الإنسان مرّة في حياته إنّما تحصنه عادة من الإصابة به ثانية. فلو نظرنا

إلى المرض في ذات اللحظة لاعتبرناه بلاءً، بينما لو أخذنا بنظر الاعتبار انعكاساته علينا باقي عمرنا لرأيناه نعمة. ولعل الفلسفة التي نفهمها من ظهور البلاء يتمثل في إدراك النعمة. فلا أحد يدرك أننا نغرق في بحر من النعم الإلهيّة، لكننا لا ندرك أغلب هذه النعم، اللّهم أن نسلب تلك النعمة لبعض الوقت. أفرض أنّ المرض انعدم من العالم، كيف يمكننا أن ندرك نعمة الصحة والعافية! ولو لم يكن لهذه الأرض حركة موضعية فهل كانت ستشهد من قرار! ولو لم يقع الجفاف أحياناً، فهل كان يسعنا الوقوف على دور المطر في الحياة! وبناءً على ما تقدم وبغية لفت انتباه الإنسان إلى النعم التي لا تعد ولا تحصى فتشده إلى اللَّه، إنّما

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 49

تشهد أحياناً بعض التغييرات لتقودنا إلى إدراك تلك الحقائق. هذه التغييرات الطفيفة والمؤقتة هي التي نصطلح عليها بالبلاء. أوليس في هذا البلاء عبرة لمن اعتبر؟ وهل يبدو من العجيب أن ننعت هذا البلاء بأنّه نعمة ورحمة. وأمّا لماذا يشمل هذا البلاء بعض المناطق دون الأخرى ... ولا تطال بعض الناس ...؟ لابدّ من الإلتفات هنا إلى أنّ هنالك سلسلة من القضايا الطبيعية تقف وراء ظهور البلاء، فإذا ما توفرت بعض الظروف يظهر البلاء.

فقد جاء في بعض الروايات أن أحد شرائط نزول البلاء شياع بعض الذنوب بين الناس، فنحن نقرأ في دعاء كميل: «اللهم اغفر لي الذنوب التي تغير النعم، اللّهم اغفر لي الذنوب التي تنزل البلاء ...». وقال تبارك وتعالى في محكم كتابه الكريم: «وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً» «1».

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 51

14 ما معنى القضاء والقدر؟

سؤال:

ما المراد بالقضاء والقدر؟ وإن كان المراد أنّ اللَّه عيّن مصير كل فرد وليس لنا

من سبيل سوى الإستسلام لهذا المصير فما معنى الآية الشريفة: «وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى» «1»

فالآية الكريمة تفيد أنّ مصير الإنسان تابع لإختياره دون أن يكون للقضاء والقدر تأثير على مصيره.

الجواب:

مسألة التقدير والمصير من المسائل الواردة في أديان أمم العالم كافّة ولا يقتصر الإعتقاد به على أُمّة وإن كانت الآيات القرآنية والروايات الإسلامية أكثر تركيزاً على هذا الأمر.

وللأسف فإنّ سوء التفسير الذي أورده بعض الأفراد لمفهوم القضاء والقدر جعل الآخرين ينظرون بشي ء من التشاؤم إلى هذين اللفظين، ولعل البعض يرتعش لمجرّد سماعهما ويرى التقدير الإلهي قضية خارجة عن قدرتنا وله تأثير مباشر على إرادتنا، وقد يكون إيجابياً أحياناً فيضطر الإنسان القيام بعمل، وأحياناً سلبياً فيصد الإنسان شاء أم أبى عن القيام

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 52

بعمل. فالتقدير بهذا المعنى- في أفعال البشر الإختيارية- لا يعدو كونه خرافة، بل لابدّ من الوقوف على حقيقة التقدير في وسط ومعترك الحياة، ولا ينبغي عزل التقدير عن إرادة الإنسان وحريته.

وقد يبدو من الصعب على بعض الأفراد الذين عاشوا صورة ذهنية مشوهة للقضاء والقدر قبول هذه النظرية: (ليس هنالك من عنصر في عالم الوجود باسم القضاء والقدر في عرض سائر العناصر يلعب دوراً سلبياً أو إيجابياً في إرادة الإنسان)؛ ذلك لأنّ هؤلاء الأفراد اعتادوا على تعليق أخطائهم وزلاتهم على عنصر خارجي أسموه القضاء والقدر ليتنصلوا من مسؤولية أعمالهم. وأننا لنلمس اليوم مسألة «الحتمية التأريخية» التي حلت مكان القضاء والقدر لدى الأوساط الغربية والأوربية فينسبون إليها أخطاءهم كافّة. إلّاأنّ حقيقة الأمر واضحة في أنّ التقدير الإلهي لا يحمل أي تأثير على إرادة الإنسان، ويتضح هذا الموضوع بجلاء من خلال بيان السنن الإلهيّة في عالم الوجود والذي يكشف حقيقة القضاء والقدر.

التقدير

الإلهي:

كلما تعرفنا على التقدير الإلهي سنرى خلو صفحة الوجود من عامل وعنصر حركي باسم القضاء والقدر خارج إرادة الفاعل؛ والمراد من التقدير الإلهي السنن القطعية التي تحكمنا والعالم، وتأثير هذه السنن قطعي في سعادة الناس وتعاستهم وأننا أحرار في اختيار أية سنة من هذه السنن. وإليك بعض الأمثلة لتوضيح هذا المطلب:

1- إنّ التقدير الإلهي بالنسبة للأمّة الخاملة التي تعيش التناحر والنزاع وتوظف إمكاناتها في المجالات العبثية ولا تمتلك رؤية صائبة لأوضاعها والظروف المحيطة بها وتنغمس في مصالحها الضيقة سوف لن يكون سوى باضمحلالها وانهيارها عاجلًا أم آجلًا.

أمّا التقدير الإلهي تجاه الأمّة التي تعيش هموم المحرومين والكادحين وتحرص على ردم التمييز الطبقي واشاعة رفاهية الإنسان وتحسين وضعه المعاشي والاجتماعي وتمديد

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 53

العون إلى الفقراء والمعوزين من خلال اخراجها للحقوق الشرعية من أموالها، فسوف لن يكون سوى العزة والكرامة والرقي والإزدهار. والتقديرات على درجة من الوضوح بحيث لا يشك فيها أحد من الناس.

وبالطبع فإنّ جميع الأمم متساوية حيال التقديرين المذكورين وليس هنالك أي عامل خارج إرادة هذه الأمم يحملها على اختيار أي من التقديرين، ونحن الذين نقرر التقدير الذي نريد على ضوء أهوائنا وغرائزنا أو عقلنا وحكمتنا، وسوف لن يكون القضاء والقدر سوى ما اخترناه؛ فاللَّه هو الذي خلق هذه السنن وأمضاها ومنحنا الحرية في اختيار ما نشاء.

2- والشاب الذي يبدأ حياته ويتمتع بمزيد من الإمكانات والعلم والذكاء وقوّة العضلات يجد نفسه أمام تقديرين ومصيرين كلاهما قضاء اللَّه وعليه الإختيار؛ فإن وظف إمكاناته المادية والمعنوية باتجاه العلم والعمل والمجال التجاري عاش حياة سعيدة هانئة؛ وإن أساء التصرف في هذه الإمكانيات ووظفها في سبيل الرذيلة وشرب الخمر ولعب القمار وسائر الموبقات التي تشل حركته، إنّما يقود

حياته إلى الشقاء والمعاناة وقضاء العمر في الهم والغم. وكلا التقديرين مرتبط باللَّه، لكن الإنسان حرّ في إختيار أي منهما، والنتيجة المترتبة على اختياره قضاء اللَّه وقدره؛ وإن قلع عن مساره منتصف الطريق فقد استبدل مصيره بمصير آخر وهذا أيضاً بتقدير اللَّه؛ ذلك لأنّه خلقنا وأذن لنا بالعودة في منتصف الطريق فندمنا على ما فرط منّا وبالنتيجة استبدلنا مصيرنا بمصير آخر.

3- لو راجع المريض الطبيب وتناول الدواء تتحسن صحته، وإن أمتنع عن مراجعة الطبيب أو لم يتناول الدواء فإمّا أن يموت أو يعيش حالة من الألم والمعاناة، وكلا التقديرين بحكم اللَّه ولنا اختيار أي منهما، وكل ما نختاره هو قضاء اللَّه.

وهكذا يمكنك عزيزي القارى ء أن تستعين بمئات الأمثال للقضاء والقدر المتعلق بأفعال الإنسان لتقف على معنى التقدير الإلهي بشأن أفعال الإنسان.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 54

كلمات أئمّة الدين:

ما أوردناه في الأمثلة السابقة يمثل في الواقع توضيح بعض الأحاديث التي وردت عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله وأهل بيته عليهم السلام بشأن مسألة القضاء والقدر. فقد ورد عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله:

«إنّ خمساً لا يستجاب دعاؤهم، أحدهم من جلس تحت جدار يوشك أن يقع فلا يهرب منه» «1»

. ولعل سر عدم استجابة دعاء هذا الفرد واضحة، ذلك لأنّ مصير من جلس تحت جدار أعوج ولم يهرب هو الموت، لكنه استسلم باختياره لهذا المصير، والحال كان له أن يختار مصيراً آخر.

وقد فرّ أمير المؤمنين عليه السلام من جدار كان يوشك على الأنهيار، وحين أنكر البعض عليه ذلك برره بأنّه يفرّ من قضاء اللَّه إلى قدره «إنّ أمير المؤمنين عدل من عند حائط آخر فقيل له: ياأميرالمؤمنين أتفرّ من قضاء اللَّه؟ فقال: أفر من

قضاء اللَّه إلى قدر اللَّه» «2»

.فأنا حرّ في اختيار ما شئت، فإن بقيت تحت الجدار وإنهار ومت فذلك بحكم القضاء، وإن فررت وبقيت سالماً فذلك بحكم القضاء أيضاً.

وحين سئل الإمام الرضا عليه السلام عن قضاء اللَّه بشأن الأفعال الحسنة والقبيحة لعباده، رد عليه السلام: إنّ كل عمل من اعمالهم الحسنة والقبيحة بقضاء اللَّه. ثم فسّر عليه السلام ذلك القضاء الواسع- الذي يشمل جميع أعمال البشر بما فيها الحسن والقبيح- بالنتائج التي تنعكس على الإنسان في الدنيا والأخرة فقال: «الحكم عليهم بما يستحقونه على أفعالهم من الثواب والعقاب في الدنيا والآخرة» «3».

فهذه الأحاديث تكشف ما أشرنا إليه من حقيقة القضاء والقدر والتي تفيد عدم انفصال القضاء والقدر عن إرادة الإنسان واختياره، بل القضاء هو تلك السنن الإلهيّة التي تحكم الوجود، والإنسان مختار في ركوب أي منها، فإنّ اختار كانت نتيجة الإختيار قضاء اللَّه،

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 55

وليس هنالك من فعل من أفعال الإنسان خارج عن دائرة قضاء اللَّه؛ فإنّ زرع بذور الخير حصد خيراً بقضاء اللَّه، وإن زرع بذور الشر والنفاق سيذوق مرارة ما زرع بقضاء اللَّه، ولا يخرج أي من أفعاله الخيرة والشريرة عن دائرة قضاء اللَّه وقدره.

القضاء والقدر في صدر الإسلام:

لقد أدرك المسلمون في صدر الإسلام مسألة القضاء والقدر بحيث لم يعتبروها منافية لإختيار الإنسان وحريته في صنع مصيره. فقد ورد بشأن الفتوحات الإسلامية أنّ الخليفة الثاني بلغ الشام فأخبر بانتشار الوباء، فأشار عليه صحبه بالعودة، وكان يهم بالعودة، فاعترض عليه أحدهم أتفرّ من قضاء اللَّه؟ قال: أفر بأمر اللَّه من قدر إلى آخر. فقال أحدهم سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه و آله قال: «إن ظهر الطاعون في منطقة ولم تكن فيها فلا

تدخلها، وإن كنت هناك فلا تخرج منها» (حذراً من نقله إلى الآخرين) «1».

ويستفاد من هذا أنّ الإعتقاد بالقضاء والقدر لا يتنافى وقضية الإختيار والحرية والإرادة، وهنالك بون شاسع بين مسألة الجبر، وإن ذهب بعض المستشرقين إلى أنّ نتيجة الإعتقاد بالقضاء والقدر جبر آخر، فإنّما يعزى ذلك إلى عدم إدراكهم لمضمون المفاهيم الإسلامية فضلا عن عدم إمتلاكهم أهلية أصدار الأحكام بشأن بعض الأمور الحساسة. فقد قال «آلبرماله» في تاريخه:

لم يكن الإسلام أوائل عهده سوى الإيمان بالتوحيد والنبوة، وصرح المتكلمون لاحقاً أنّ اللَّه حدد مصير كل إنسان ولا تغيير في مشيئته، وهذا ما يصطلح عليه بالجبر «2».

وقال غوستاولبون: ما ورد في القرآن من آيات في القضاء والقدر ومذهب الجبر، والإنسان الذي يؤمن بالقدر كمن علق في الهواء لتبعث به الريح هنا وهناك؛ والإيمان بالقدر

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 56

يسلب الإنسان إرادته واختياره في العمل والقول والسكون والحركة فيفوض زمام أموره لقوة عنيفة، فمثل هذه الأمّة لا تستفيد من قدراتها الطبيعية وليس لديها من دافع للسعي والعمل، فهي تتجه من عالم الوجود إلى العدم» «1».

ولعل انتشار هذه التهم والإفتراءات والإستنتاجات الخاطئة في الأوساط الأوربية دفعت بالمرحوم السيد جمال الدين الأسد آبادي حين أقامته في باريس إلى تصنيف رسالة في الدفاع عن مسألة القضاء والقدر لينشرها في المجلة الأسبوعية «العروة الوثقى» حيث جاء فيها:

«فظنّ البعض من الأوربيين أنّ لا فرق بين القضاء والقدر والمذهب الجبر، والإنسان الذي يؤمن بالقدر لكن علق في الهواء لتبعث به الريح هنا وهناك؛ والإيمان بالقدر يسلب الإنسان إرادته واختياره في العمل والقول والسكون والحركة فيفوض زمام أموره لقوّة عنيفة، فمثل هذه الأمّة لا تستفيد من قدراتها الطبيعية وليس لديها من دافع للسعي والعمل، فهي تتجه

من عالم الوجود إلى العدم» «2».

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 57

15 مفهوم السمع والبصر بالنسبة للَّه

سؤال:

نقرأ في كتاب العقائد أنّ من صفات اللَّه السمع والبصر. وهنا يرد هذا السؤال كيف يمكن وصف اللَّه بهاتين الصفتين والحال حقيقة البصر تتمثل في انعكاس صور الأشياء في الشبكية بواسطة بؤبؤ العين فترسل أعصاب الباصرة هذه الإيعازات إلى الدماغ، كما أنّ حقيقة السمع تكمن في وصول الأمواج الصوتية إلى الأذن التي تضم بعض الأعصاب والعظام وتوعز من هنالك إلى الدماغ، فكيف يوصف اللَّه بهاتين الصفتين وهو متنزه عن ذلك؟

الجواب:

إنّ الباصرة والسامعة لدى الإنسان كما مر آنفا، لكن المراد من نعت اللَّه بتلك الصفتين أنّ جميع المرئيات والمسموعات حاضرة عنده، ولا يغفلها قط، وبعبارة أخرى أنّ كل ما يراه الآخرون بعيونهم ويسمعونه بآذانهم إنّما يحصل للَّه بعلمه المطلق اللامتناهي. ومن هنا فإنّ علماء العقائد والمذهب إنّما ينسبون حقيقة هاتين الصفتين إلى علم اللَّه اللامتناهي فيقولون:

إنّ النتيجة التي يحصل عليها الإنسان البصير والسميع- بعد سلسلة من الفعاليات التي تقوم

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 58

بها أعضاء الباصرة والسامعة- هي الوقوف على المرئيات والمسموعات، ولو كان هناك وجود كاللَّه تعالى يمكنه الوقوف بصورة أكمل على المرئيات والمسموعات دون الأعضاء والفعاليات الفيزيائية لصح نعته بأنه بصير وسميع. كما يطلق السميع والبصير من الأولى على الفرد الذي يستطيع إدراك المرئيات والمسموعات- دون الحاجة إلى المقدّمات المذكورة- ذلك لأنّ حقيقة السمع والبصر لدى الإنسان هي إدراك المسموعات والمرئيات.

ولما كان الإنسان بطبيعته المادية يتعذر عليه القيام بعمل دون الإستعانة بالوسائل المادية، فلا مناص له من بلوغ النتيجة المطلوبة التي تتمثل في الوقوف على المرئيات والمسموعات بواسطة الأعضاء والأدوات المادية، إلّاأنّ اللَّه أسمى من المادة ولا يحتاج إلى شي ء في الإدراك، والعالم بما فيه

حاضر لديه، فهو السميع والبصير دون أيّة مقدمة؛ فجميع المرئيات والمسموعات حاضرة عنده وعلمه محيط بها.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 59

16 سر خلق الإنسان

سؤال:

عادة ما يتساءل أغلب الناس ولا سيما شريحة الشباب: ما سر خلق الإنسان وما الهدف من خلقه؟ وكان هذا السؤال يعشعش في نفوس أغلبية هذا الجيل فيدفعهم للبحث عن الجواب الشافي وكأنّ الأفكار التي تساور أذهانهم: أنّ اللَّه غني ولا متناهٍ ولا يحتاج إلى شي ء حتى خلق موجوداً آخر، فلماذا خلق الإنسان وما حاجته لخلقه؟

فإنّ قيل ليس هنالك هدف من خلق الإنسان فلابدّ من الاعتراف في هذه الحالة بأنّ خلقه كان عبثاً وتعالى اللَّه عن ذلك علواً كبيراً، وإن قيل بأنّ اللَّه خلق الإنسان لهدف فيلزم من ذلك أنّ اللَّه خلق الخلق لرفع حاجة، في حين أنّ اللَّه منزّه عن كل حاجة!

الجواب:

لابدّ من الإشارة إلى موضوعين مهمّين بغية الوقوف على الجواب الشافي لهذا السؤال:

1- لابدّ من الإلتفات بادئ الأمر إلى أنّ هذا السؤال يطرح بصيغة عقدة مستعصية حين نحصر دائرة الوجود بعالم المادة ونقتصر بالوجود على الأنظمة المادية والظواهر الطبيعية ونرى الموت نهاية الحياة ولا نقرّ بعالم آخر يصطلح عليه بيوم القيامة. فالسؤال في هذه

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 60

الحالة يتحول إلى إشكال حيث يعمد المرء يسأل نفسه عن سر خلق الإنسان.

لماذا يفتح الإنسان عينيه في هذا العالم وتطوى صحيفة عمره بعد سنوات- غالباً ما يقضيها بالألم والحسرة والمرارة- ويغادر هذا العالم «من أين جاء ولماذا جاء؟» وماذا كان الهدف من تلك الحياة التي لم تدم سوى عدّة سنوات وما فلسفة هذه المدّة المؤقتة! ولماذا يطأ الإنسان هذا العالم! ثم تتوقف حركته بعد استهلاكه لمقدار من الماء والغذاء فيدفن تحت التراب ويتعفن ويتحول في نهاية

المطاف إلى مجموعة عظام، وكأنّه لم يرد على هذا العالم ويعمر فيه! حقاً تبدو المدرسة المادية عاجزة إزاء هذه التساؤلات؛ ذلك لأنّها حصرت عالم الوجود بالمادة والظواهر المادية دون أن تؤمن باللَّه واليوم الآخر، وعلى هذا الأساس فهي لا ترى سوى هذه الجدران الأربعة لعالم المادة وكل ما يتحرك فيه، وبالتالي لا يسعها تقديم أي تفسير بهذا الشأن دون أن تخفي ذهولها ودهشتها لهول ما يحدث. إلّاأنّ هذه الأسئلة تبدو سهلة بالنسبة لأولئك الذين يعتبرون الحياة المادية منزلًا من منازل الحياة البشرية ويؤمنون بوجود عالم آخر وراء هذا العالم الذي يعتبر مقدمة إليه وأنّ الموت ليس نهاية الحياة، بل بوابة للعالم الأخر وقنطرة للفوز بالخلود، وأن تعذر عليهم إدراك هدف خلق الإنسان من خلال ملامحه في هذا العالم فسيبحثون قطعاً عن هدف خلقهم في العالم الآخر والحياة الأبدية ويقولون بأنّ الهدف من خلق الإنسان في هذا العالم، إعداده لحياة أبدية وخالدة والتي تمثل الهدف النهائي والغاية المطلوبة.

2- الموضوع الآخر الذي ينبغي الإلتفات اليه والذي يعد الخطوة الثانية لحل السؤال هو: أنّ كل إنسان عاقل إنّما يقوم بأي فعل بغية تحقيق هدف هو بحاجة إليه، ذلك لأنّ الإنسان كائن محتاج من رأسه حتى أخمص قدميه، وبالطبع فإنّه يقوم ببعض الأنشطة والأعمال ليسمو ويتكامل ويلبي حاجته، فمثلًا يتناول الطعام ويشرب الماء ويلبس الثياب ويتعلم ليلبي بعض حاجاته المادية والمعنوية. حتى أفعال البر والخير التي يمارسها من قبيل مساعدته للمحتاجين وتغطيته لنفقات أولاده بغية التعليم والتربية وبنائه للمدارس والمستشفيات، كل ذلك لسد حاجة يشعر بها في باطنه، وهو يفعل ذلك إمّا للحصول على

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 61

الأجر والثواب الدنيوي والآخروي الذي بشر به الأنبياء والرسل، أو لدفع

ألم يشعر به أثر رؤيته لبعض الأوضاع المزرية التي يعاني منها الفقراء والمعدومون والتي يرق لها القلب، فهو ينفق بعض رأس ماله لإضفاء السكينة على وجدانه، أو يفعل ذلك للحصول على السمعة والشهرة التي يراها سبب تكامله.

وزبدة الكلام: إنّ الإنسان إنّما يقوم بأفعاله إمّا لحصول نفع أو دفع ضرر يشعر به في ترك العمل ويبحث عن منافعه وتكامله في كافّة هذه الأفعال إلى درجة أنّه يتعذر أن يقوم الإنسان بعمل من أجل ذات العمل دون أن يأخذ بنظر الاعتبار تكامله المادي والمعنوي «1».

والآن بعد أن وقفنا على دوافع الإنسان في أعماله واتضح حصول أعماله لتحقيق هدف، لن تكون نتيجته سوى تكامله الروحي والجسمي، لابدّ أن نسلط الضوء على هدف اللَّه من أفعاله. صحيح أنّ الذات الإلهيّة منزهة عن فعل اللغو والعبث وأنّها هادفة في أعمالها كافّة، وقد خلق اللَّه كل كائن لهدف، ولكن ينبغي معرفة الهدف من أفعال اللَّه وماذا يعني هذا الهدف. فقولنا إنّ خالق الكون إنّما خلق كل كائن فيه لهدف، لا بالمعنى الذي أوردناه بشأن أعمال الإنسان، بل هنالك بون شاسع بين هدف اللَّه وهدف الإنسان من الأعمال. وعلى ضوء الفارق بين اللَّه والإنسان في أنّ اللَّه غني وغير محتاج، والإنسان محتاج مطلق، يتبيّن أنّ الهدف من أفعال اللَّه معانٍ أخرى تقابل بالضبط ما ذكر بشأن هدف الإنسان. فلما كان الإنسان فقيراً ومحتاجاً ولا تتوقف حاجاته لخارج ذاته ولو للحظة، كان عليه أن يجد ويجتهد على الدوام لرفع حاجاته وبلوغ تكامله. ولكن حيث إنّ اللَّه وجود مطلق ولا متناهٍ فالفقر والحاجة ليس لها من سبيل إلى ذاته المقدّسة، ذلك لأنّها تنطوي على جميع

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 62

الكمالات. وعلى هذا الأساس ينبغي

أن يكون هدفه من أفعاله «إيصال المنافع للآخرين».

وبعبارة أوضح: أنّ اللَّه وجود مطلق وغني وكامل من جميع الجهات وليس للنقص والحاجة من سبيل إلى ذاته المقدّسة، ومن جانب آخر نعلم أنّ أفعاله تستند إلى المصلحة والحكمة وذاته منزّهة عن فعل العبث، وعلى هذا الأساس نستنتج أنّ خلقه للإنسان لم يكن هدفه رفع حاجة عن نفسه، ومن المسلم به أنّ الأمر إنّما يعود إلى نفس الإنسان؛ والهدف إيصال هذا الإنسان إلى كماله المطلوب، دون أن يكون لهذا التكامل الذي يبلغه الإنسان أدنى انعكاس على ذاته المقدّسة.

التكامل في عالم الطبيعة:

إنّ مطالعة مجملة في عالم الخليقة توقفنا على حقيقة لالبس فيها، وهي: أنّ العالم بأسره مهد سمو وتكامل المخلوقات وإن تكامل كل مخلوق يتمّ بسبب تكامل مخلوق أسمى.

فمثلًا تشرق الشمس وتنشر حرارتها على سطح البحار والمحيطات فتبعث بمقدار من مياه البحار إلى الأعلى بهيئة بخار فإذا ارتفع ارتطم به الهواء والرياح ليسوقه إلى المناطق الجافة، ثم يتحول البخار بفعل سلسلة من العمليات الفيزيائية إلى قطرات مطر تتساقط على الأرض فتسبغ الحياة على سطح الأرض الهامدة فتهتز لتناغم السهول والصحارى فتنثر الزهور والسنابل وتفيض بالعيون والشلالات وتلبس حلتها الخضراء لتسحر بمناظرها الجميلة الخلابة أبصار الناظرين. ولعل مطالعة هذا الفصل من كتاب الوجود تعلم الإنسان أروع وأسمى درس في معرفة اللَّه، كما يرشده إلى سنة اللَّه الحكيمة ليرى بأم عينيه كل كائن ومخلوق من جماد ونبات وحيوان يحث الخطى نحو كماله بحيث تتجمد هذه الحركة التكاملية كل يوم وكل عام لتتحول من صور ناقصة إلى صور متكاملة. فالشجرة العملاقة لم تكن يوماً أكثر من خلية ثم قطعت مسيرة ضخمة لتتحول إلى ذلك الشكل. وكذلك الجنين في البيضة الذي شق طريقه

في ظل تدبير اللَّه وحكمته ليبلغ تلك المرحلة المتكاملة. وكان

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 63

هذا العالم أعظم مهد لبلوغ مختلف الكائنات رقيها وتكاملها.

والإنسان أيضاً جزء من هذه الخليقة وأروع ثماره القيمة النفيسة مشمول بهذا القانون ويشارك سائر الكائنات مسيرتها التكاملية، وليس هنالك من هدف يقف وراء خلقه سوى بلوغ تكامله المنشود؛ وعليه أن يطوي مسيرته التكاملية بمحض إرادته واختياره. بل يمكن القول إنّ العالم برمته خلق لأجله ليوظف إمكاناته كافّة بغية تكامله. وعليه فإنّ اللَّه لم يخلق الإنسان ليرفع عنه نقصاً معيناً، بل خلق الإنسان ليبلغ به كماله ورقيه.

وأوضح من ذلك: خلق الإنسان ليبلغ به أسمى درجات الكمال على مستوى العلم والحكمة والقدرة والإرادة والتفكير، فيكون بهذه الكلمات المحدودة عاكساً لكلمات الحق المطلقة واللامتناهية. لقد خلق الإنسان وأودعه استعدادات وقابليات عظيمة ونصب له الأنبياء والرسل أمناء على تعليمه وتربيته ليبلغ تكامله في ظل عبودية اللَّه واتباع أوامره فيكون مستعدا للتفاعل مع تلك الحياة الأكمل في العالم الأشمل.

وقد صرحت بعض الآيات القرآنية والروايات الإسلامية بما أوردناه سابقاً؛ فالقرآن يصرح بأنّ الهدف من خلق الإنسان هو تلك الحياة والسعادة الأبدية الآخرة «أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَاتُرْجَعُونَ» «1»

. والمراد عدم التعامل مع الهدف من خلق الإنسان على ضوء هذه الحياة المادية الضيقة، بل لابدّ من النظر إليه على ضوء العالم الآخر، ولنعلم أنّه بموته سيواصل مسيرته التكاملية ويتجه نحو اللَّه الكمال المطلق. ولعل الهدف الذي صرحت به الآية الشريفة: «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ» «2». والذي يتمثل بالعبادة لايعني حاجة اللَّه لطاعة عباده، بل المراد أنّ الإنسان إنّما يبلغ تكامله المنشود من خلال العبودية وطاعة أوامر اللَّه؛ وهذا ما يقوده بالتالي إلى السعادة الأبدية، وبالطبع

فإنّ الفوز بالحياة الأبدية الممزوجة بالسعادة والخير لتشكل الهدف الغائي والذي لا يدعنا

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 64

نتطلع إلى هدف آخر ويصدنا عن السؤال ثانية، قد يقال لماذا لم يمنح اللَّه الإنسان كل هذه الكمالات دفعة واحدة، ولماذا خلقه محتاجاً ليبلغ كماله المنشود من خلال السعي والعمل؟

والجواب واضح في أنّ السمو الأخلاقي إنّما يكون ممدوحاً ويعتبر كمالًا حين يحصل عليه الإنسان بوحي تام من حريته واختياره وإرادته، وأمّا أن فرض هذا الكمال على الإنسان فلن يكون فضيلة أخلاقية وملاكاً للتفاصيل، فمساعدّة الضعفاء واعانة الفقراء وبناء المستشفى إنّما يكون دليلًا على التكامل الروحي حين يمارس الإنسان هذه الأفعال بمحض حريته وإرادته، ولو أخذت بعض الأموال قسراً من إنسان وانفقت في هذا المجال، فهي ليست فضيلة خلقية له قط ولا يستحق بعمله هذا أي مدح أو ثناء. وبناءً على هذا فإنّ الإنسان لابدّ أن يسلك بإرادته سبيل الفضيلة ليبلغ تكامله الروحي المنشود.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 65

17 هل الاعتقاد بوجود الشيطان دليل على الشرك؟

سؤال:

إننا نذم اتباع الديانة الزرادشتية أنّهم مشركون فهل يعتبر اعتقادنا بوجود الشيطان بصفته مصدر الضلال والشر نوعاً من الشرك؟ كما أننا نذم عقيدة النصارى القائمة على أساس التثليث، أو لا يعتبر إيماننا بالنبي وجبرئيل إزاء اللَّه نوعاً من الشرك؟

الجواب:

قطعاً مثل هذه الاستنباطات معلولة لعدم التفسير الصحيح لمعنى الشيطان أو جبرئيل والنبي. فالإلتفات إلى حقيقة معاني هذه الألفاظ لا يبقى أي غموض وابهام بهذا الشأن.

توضيح ذلك: أنّ الشيطان كسائر الكائنات أحد مخلوقات اللَّه وكان يعرف بطهارته بادئ الأمر، لكن الكبر أهبطه من مرتبته السامية وألقى به في مهاوي الفساد، وليس له من سلطة قسرية على بني آدم، إنّما سلطته على الذين يمكنونه من أنفسهم ويستسلمون لوساوسه ويتبعون ولايته؛ أمّا أولئك الذين يقفون إزائه

كالطود الشامخ بفعل إيمانهم باللَّه وإرادتهم القوية فلن تستطيع وساوسه النفوذ إليهم «إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 66

وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ» «1»

ويتضح ممّا قيل إنّ الشيطان ليس وجوداً مستقلًا بالنسبة للَّه ولا خالقاً للشر، بل هو مخلوق ضعيف كسائر المخلوقات، وإن تركه اللَّه لممارسة وساوسه فذلك لكي لا يمسّ أولياء اللَّه منه سوء فحسب، بل ليبلغوا بمقاومتهم له أقصى درجات السمو والكمال.

وأمّا الاعتقاد باللَّه وجبرئيل ومحمد صلى الله عليه و آله فلا يشبه نظيره لدى النصارى بالأقانيم الثلاثة- اللَّه والابن والروح القدس- بأي شكل من الأشكال؛ فنحن نؤمن بوحدانية اللَّه وأنّه خالق عالم الوجود وأنّ كل ما سواه حتى النبي محمد صلى الله عليه و آله وجبرئيل وسائر الأنبياء والملائكة مخلوق للَّه وليس لهم من أنفسهم أي اختيار في عالم الوجود، والكل عباده ومنقاد لقدرته.

وجبرئيل حامل وحي اللَّه، ومحمد عبد اللَّه ورسوله وصفيه من خلقه. وقد أشار القرآن الكريم بصفته مصدر جميع عقائدنا إلى هذه الحقائق على لسان أغلب آياته، كما أنّ الشريعة الإسلامية السمحاء لم تتضمن أيّة عبارة لألوهية النبي الأكرم صلى الله عليه و آله أو جبرئيل عليه السلام.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 67

18 كيف يكون تعدد الالهة مدعاة لفساد الخلق؟

سؤال:

إنّ أحد أدلة وحدانية اللَّه أنّ وجود مبدأين في عالم الخلقة يوجب فساد الأرض والسماء، ولو كان للعالم إلهين فإنّ ذلك يؤدي إلى فساد الخلق.

أولًا: لماذا يوجب تعدد الآلهة فساد عالم الخلقة؟

ثانياً: ما الضير أن يتحد خالقان في خلق العالم وتنظيم شؤونه؟

الجواب:

يمكن توضيح هذا الموضوع من خلال شرحين؛ الشرح العلمي والشرح الفلسفي.

ونشير بصورة مختصرة إلى هذين الشرحين:

1- يمكن الوقوف من مطالعة كتاب على أنّ كاتبه شخص واحد أو عدّة أشخاص.

فالكتاب الذي يؤلفه شخص واحد يتصف بنوع من

الانسجام في عباراته ومختلف تعبيراته وكناياته وإشاراته وعناوينه وأساليب ربط جمله، وبالتالي هنالك وحدة تحكم جميع أجزائه؛ لماذا؟ لأنّها تنبع من فكر واحد وتترشح من قلم واحد؛ والحال ليس هنالك مثل هذا التنسيق والانسجام في الكتاب الذي يشترك فيه اثنان- مهما تطابقت أفكارهما

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 68

وتطلعاتهما- وسيطالعنا الكثير من الاختلاف في القضايا المذكورة سابقاً، ولاسيما إن كان هذا الكتاب كبيراً ومسهباً ويتناول بالبحث مختلف الموضوعات حيث سرعان ما تكتشف هذه الحقيقة.

وعالم الخلق الذي يعدّ أعظم كتاب التكوين والذي لا يسع أفراد البشر كافّة حساب عدد صفحاته فضلًا عن مطالعتها، وقد اتفق الجميع على أنّ تلك الصفحات تنطوي على نسق ونظم انعدم مثيله؛ الأمر الذي أيده علماء الفلك والذرة والفيزياء والكيمياء والإحياء، وصرحوا بأنّه يخضع إلى نظام دقيق وغاية في الاتقان، وهو ذات النظلم الذي يحكم المنظومة الشمسية والكواكب والمجرّات، إلى جانب القوانين الكلية التي تشمل جميع تفاصيل الوجود، وخلاصة القول هنالك نظام واحد متناسق يفرض حكومته على الوجود برمته. وبالطبع لو كان لهذا العالم أكثر من مدير لما كان الوضع كما هو عليه ولغاب النظام والانسجام وسوف لن تكون النتيجة سوى فساد نظام الخليقة.

فقد سأل هشام بن الحكم الإمام الصادق عليه السلام عن الدليل على وحدانية اللَّه فقال عليه السلام:

«إتصال التدبير وتمام الصنع. كما قال اللَّه: «لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ» «1»، «2».

2- البيان الآخر الفلسفي والذي وردت الإشارة إليه في بعض الآيات القرآنية وتلخص في ما يلي: إن كان مع اللَّه إله آخر في السموات والأرض فإنّ هذين الإلهين إمّا متماثلان ومتشابهان أو مختلفان؛ فإن كانا متماثلين (على غرار فردان يعدان كفرد واحد أثر اشتراكهما

وتشابههما التام) وفي هذه الحالة ينبغي أن يكونا متفقين في جانب ومختلفين في جانب آخر؛ وذلك لاستحالة العثور على موجودين متفقين في كل شي ء دون أن يكون بينهما أدنى اختلاف، فحتى التوأمان المتشابهان في الشكل واللون والقامة والصوت و ...

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 69

فإنّهما يفترقان في بعض الأمور.

والنتيجة في مثل هذا الفرض «التركيب»؛ التركيب من «جهة الاشتراك»" ولو الاشتراك في أصل الوجود ومن «جهة الاختلاف» الذي يوجب التعددية، وحيث أثبتت البراهين الفلسفية أنّ اللَّه بسيط فإنّ هذه الفرضية (إلهان متشابهان ومتماثلان) باطلة. وعليه سنضطر لمناقشة فرضية إلهين مختلفين وليس بينهما أي اشتراك ويتمايزان تماماً من حيث الوجود والذات. وبالطبع لا ينبغي أن ننسى بأنّ اختلافهما في الذات والوجود يفضي إلى اختلافهما في الأفعال، فلا يمكن تصور الانسجام بين أفعالهما وهما على هذه الحالة من الاختلاف وممّا لا شك فيه أنّ تدبير أحدهما سيكون مخالفاً لتدبير الآخر، وبالتالي سوف لن تكون نتيجة مثل هذا الاختلاف سوى الفوضى في نظام الوجود وتشتت الروابط والحلقات التي تحكم عالم الوجود وظهور الخلاف بشأن إدارته وأخيراً تصدع كيانه.

والحال أننا نرى عكس ذلك في عالم الخليقة، ذلك لأننا إن تأملنا أصغر الكائنات الحيّة سنرى حالة من التنسيق والترابط بين هذا الكائن وعالم الوجود وكأنّ الأخير خلق من أجلها؛ الأمر الذي يكشف بوضوح عن تبعية كل هذا العالم لإرادة مدبرة واحدة، وهذا ما أشارت إليه الآية الحادية والتسعون من سورة (المؤمنون). وبناءً على ما تقدم فالدليل الفلسفي والاستقراء العلمي يثبتان وجود إرادة ومشيئة وذات قدسية هي التي تحكم عالم الوجود بأسره.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 71

19 هل يحتاج العالم في بقائه إلى اللَّه؟

سؤال:

يقول بعض القراء الأعزاء هنالك شبهة تطرح اليوم في الأوساط المادية ولا نمتلك الردّ الشافي لها؛ رجاءً

افيضوا علينا بهذا الشأن: «أننا نقرّ بأنّ نظام الوجود يحتاج في ظهوره إلى مُبدى ء له علم وقدرة، إلّاأنّ ديمومة هذا النظام ليست بحاجة إلى ذلك المبدى ء؛ ذلك لأنّ خلق العالم قام على أساس نظام العلّة والمعلول بحيث يستمر هذا النظام تلقائياً- سواء كان أم لم يكن ذلك الخالق- فالساعة الدقيقة قد تعمل لسنوات دون أن يكون هنالك من وجود لصانعها، أو المركبات الفضائية التي تتابع مسيرتها لسنوات في الفضاء وترسل لنا الأخبار دون أن يكون هنالك من وجود لصانعها».

الجواب:

إنّ هذه الشبهة ليست جديدة ليثيرها اليوم الماديون، بل أثيرت سابقاً وقد أجاب عنها الفلاسفة والمتكلمون؛ على كل حال ترد هذه الشبهة بصيغتين:

الأولى أنّ الوجود أو النظام الخاص يحتاج في ظهوره إلى علة، لكنه لا يحتاج قط هذه العلة في بقائه واستمراره، سواء كانت تلك العلة الأولى أم غيرها. وهذا ما اعتقد به بعض

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 72

الفلاسفة القدماء، وظنوا أنّ أي موجود لا يحتاج إلى علة لوجوده كالعمارة التي لا تحتاج في بقائها إلى المعمار والبناء! فإنّ وردت الشبهة بهذه الصيغة فإنّ الإجابة عنها واضحة.

فبقاء موجود غير ظهور وجوده.

وبعبارة أوضح: وجود أي شي ء في أي زمان غير وجوده في زمان ولحظة أخرى

وبقاء الموجودات في مسيرة الزمان مثل بقاء شكل النهر الذي تستبدل ذرات مياهه دائما، بينما تبقى صورته الظاهرية. بعبارة أخرى: كما أنّ الموجود يتألف من أجزاء وكل جزء لا يكون دون علة، فإنّ له من حيث الزمان امتداداً وعمراً يحتاج في كل لحظة إلى علّة، وعليه فالشي ء الذي لا يحتاج في ديمومته إلى علة لابدّ أن لا يحتاج إليها في ظهوره، ذلك لعدم وجود فارق بين اللحظة الأولى والقادمة.

دعني أفصل لك أكثر وأوضح:

على

ضوء آخر التحقيقات لفلاسفتنا القدماء والمعاصرين- في بحث الحركة الجوهرية وبحث النسبية- فإنّ الزمان البعد السابع للأشياء، وعليه كما يمكن أن يختلف بعد شيئين من حيث الطول والعرض والعمق- أحدهما أكبر والآخر أصغر- كذلك يمكن أن يختلفا من حيث الزمان. وكما يستحيل كبر وصغر أي من أبعاد الجسم دون علة، فإنّ مقدار طول زمان وعمر الأشياء والحوادث بحاجة إلى علة. إذن إن قلنا إنّ الشي ء لايحتاج في بقائه إلى علة، كأننا قلنا إنّ الجسم الذي يبلغ طوله مئة متر إنّما يحتاج في المتر الواحد إلى من يوجده والتسع وتسعون متراً الآخر تتولد تلقائياً، فهل هنالك من يقر بهذا؟

وأمّا بشأن المثال السفسطائي «الساعة وصانعها» وأمثال ذلك فلابدّ من الإلتفات إلى أنّ الساعة إنّما تحتاج في وجودها إلى علّة كما تحتاج في ديمومة عمرها إلى العلة، فهي تحتاج في وجودها إلى الصانع، أمّا في ديمومة وجودها فإنّها تستمد ذلك من خصائص مكوناتها؛ أي الفلزات المستعملة فيها والتي تمنحها العمر، ومن هنا هنالك فارق في عمر الساعات على ضوء اختلاف موادها، وهذا دليل واضح على أنّها تحتاج العلة في وجودها وديمومتها.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 73

ونتوصل ممّا ذكرنا إلى نتيجة واحدة: كما يتطلب حدوث وظهور الشي ء علة، فإنّ ديمومته تحتاج إلى علة أيضاً- سواء كانت علة الظهور ذاتها علة الديمومة أم غيرها- ومن أنكر الحاجة إلى علة في ديمومة الحياة، فقد تنكر لقانون العلية.

ونركز الآن على الجانب الثاني من الشبهة الذي يمثل جوهرها (لابدّ من التأمل) قد يقول البعض: نعترف أنّ كل نظام يحتاج إلى علة في بداية ظهوره وفي استمرار حياته، ولكن لا يلزم أن تكون علة «الحدوث» هي ذاتها علة «البقاء» فما المانع أن يكون المبدأ الأصلي

لعالم الوجود قد خلق العالم على أساس العلم والإرادة، وقد نظم سلسلة العلل والمعاليل الطبيعية والمنسجمة بحيث يمكنه مواصلة حياته بصورة تلقائية؟ كما قيل في مثال الساعة حيث يصنعها عالم من مواد قوية وتستمر في عملها بعد وفاته- وبالنتيجة فإنّ عالم الوجود بحاجة في حدوثه إلى اللَّه، لكن دوام بقائه يتوقف على سلسلة من العلل الطبيعية والحركات الجبرية.

إن ورد السؤال بهذه الصيغة، فلابدّ أن يقال في الجواب: بالنظر إلى أنّ الزمان هو البعد الرابع للأشياء، يعني أنّ كل موجود طبيعي وآثاره تجتاز كل لحظة مرحلة جديدة من الوجود، بل في كل لحظة وجود جديد غير الوجود الأول وغير الوجود اللاحق، وبعبارة أخرى فإنّ العالم مجموعة من الحوادث والصيرورات، وفي هذه الحالة تتضح حاجة الموجود الطبيعي وبقاء خواصه إلى وجود العلة في كل لحظة؛ علة وجودها أزلي وأبدي وتابع من ذاتها، لا علة تحتاج بدورها إلى علة (لابدّ من التأمل).

ودعني أوضح حقيقة الموضوع بمثال: لو تأملنا المصباح الكهربائي، فهذا المصباح يحتاج إلى تيار كهربائي، لكن هل يحتاج في اللحظة الأولى فقط إلى هذا التيار؟ طبعا لا، لأنّ هذا المصباح سينطفئ فوراً أنّ قطعنا عنه التيار ولو للحظة عابرة ولزالت جميع آثاره من قبيل الضوء والحرارة. ولعل المصباح يستمد طاقة كهربائية من سلك، ولكن نعلم بأنّ السلك بذاته لا يحتوي على كهربائية وهو الأخر يحتاج إلى مصدر كهربائي؛ وعلى هذا الأساس

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 74

نقول إن جميع موجودات هذا العالم وخواصها وآثارها تحتاج كل لحظة إلى مبدى ء أزلي لتستطيع مواصلة بقائها؛ لأننا نعلم بأنّ وجود كل هذه الكائنات ليس من ذاتها؛ فكلها حادثة ومسبوقة بعدم. ونظام هذا العالم أيضاً يعتمد على علل طبيعية، لكن هذه العلل

لابدّ أن تستبدل إلى علة أزلية. أي أنّ نور الوجود لابدّ أن يصلها كل لحظة من ذلك المبدأ الأزلي، ولو قطع عنها لحظة لانعدمت. وهذا ما نعبر عنه بأنّ اللَّه في كل مكان ومع جميع الأشياء، وليس لهذه الأشياء من ديمومة لوجودها بدونه ولو للحظة. وعالم الوجود ليس عالماً أزلياً وأبدياً، بل عالم حادث يستند إلى وجود أزلي وأبدي، وهذا الاستناد جزء من ذات هذا العالم على غرار استناد المصباح الكهربائي للتيار والذي يعتبر جزء ذاته.

والخطأ الوارد في قضية صناعة الساعة هو أنّ الصانع لم يصنع قط موادها الأصلية، بل رتبها بهذا الشكل، ولو كان صانعها الأصلي الذي أوجدها من العدم لزالت هذه المواد بزواله، وقس على ذلك البناء والمعمار فهما ليسا صانعي مواد البناء، وإلّا لزالت بزوالهما. ولو أردنا شرح الموضوع على أساس فلسفي لقلنا: إنّ العالم ممكن الوجود لا واجب الوجود؛ وعليه فممكن الوجود يحتاج إلى واجب الوجود في حدوثه وبقائه، ولو استغني في بقائه لأصبح واجب الوجود، بينما يستحيل تبدل «ممكن الوجود» إلى «واجب الوجود».

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 76

القسم الثاني الأنبياء والأولياء

1 كيف يتكيف القانون الإسلامي الثابت مع العالم المتطور؟

سؤال:

هنالك حركة تطور وإزدهار تعيشها المجتمعات، فكيف يمكن إدارة شؤون هذه المجتمعات المتغيرة بقوانين الإسلام الثابتة؟

الجواب:

يساور هذا السؤال ذهن كل فرد له أدنى معرفة بالعلوم الاجتماعية ولمس عن قرب تغيير عادات وتقاليد وتقنية المجتمعات. وناهيك عن ذلك، فإنّ هذا السؤال من بين الأسئلة التي طرحت بشأن خاتمية النبوّة في الإسلام، وقد وردت أبحاث مسهبة بهذا الشأن من قبل العلماء الأعلام، كما تضمّنت المدرسة الإسلامية عدداً من هذه الأبحاث. «1»

ولعل هذا السؤال بعض الإيرادات التي أثارها بعض المسيحيين. فمثلًا البروفسور «جان الدر» أورد هذا السؤال في مقام إلتماسه العذر لعدم إتيان المسيح بالقوانين الاجتماعية

للبشرية في مقدمة كتابه «تراث الكتاب المقدس» وقال: لا يمكن إدارة المجتمعات المتطورة بسلسلة من القوانين الأبدية، ومن هنا فوّض المسيح للمجتمعات سن

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 78

قوانينها لتكيفها مع عجلة الزمن.

وكأنّ هذا البروفسور «جان الدر» أراد أن يدافع عن نقص المسيحية الراهنة ويتعرض للإسلام الذي يتبنى القوانين والمقررات الاجتماعية. والحق أنّ أنصار المسيحية عجزوا عن تقديم تفسير منطقي لإفتقار المسيحية الراهنة لإطروحة جامعة للحياة. على كل حال ما ينبغي أن يقال في جواب هذا السؤال أنّ في الإسلام نوعان من القوانين:

1- قوانين ثابتة وعامة وبالتالي أبدية ودائمية وليس للتغيير من سبيل إليها.

2- قوانين متحركة ومتطورة تتماشى وتغير الظروف والمقتضيات، والمهم بيان ملاك القوانين الثابتة والمتغيرة وتمييزهما عن بعضهما.

التوضيح: أن القوانين الثابتة والتي تأبى التغيير وقد نصت عليها المصادر الفقهية الإسلامية إنّما تتعلق بذلك القسم من القضايا الأخلاقية والشؤون الاجتماعية والحقوق المدنية والجزائية التي تستند إلى الاصول الفطرية والغرائزية الإنسانية الثابتة والتي تشترك فيها كافّة المجتمعات البشرية- أمّا تلك السلسلة من المقررات المرتبطة بالشرائط الزمانية والمكانية الخاصة والنسبية في المجتمعات، فقد تكفّلت القوانين الإسلامية بطرح المبادئ الكلية، والتي يتمّ تعيين جزئياتها من قبل المعنيين المسلمين على ضوء حاجة المجتمعات والأمم. ولتوضيح نماذج هاتين الحالتين وبيان ملاك القوانين الثابتة والمقررات المتغيرة، لابدّ من الإلتفات إلى الآتي:

إنّ لكل إنسان- بغض النظر عن الظروف الزمانية والمكانية المختلفة- غرائز ومتطلبات تعكس وتبيّن وجوده وتميزه عن الحيوانات، وهذه الغرائز- والتي يصطلح عليها بالأمور الفطرية- تشكل جزءاً من حقيقة وجوده والتي لا يعتريها التغيير بفعل الزمان. فمثلًا الإنسان موجود اجتماعي خلق لأن يعيش بصورة جماعية. كما يحتاج في حياته إلى تشكيل أُسرة ويتعذر عليه دون هذا المجتمع المصغر ممارسة حياته. وبناءً

على هذا فإنّ المبدأين؛ أي حياة الإنسان في ظل هذا المجتمع «الكبير» و «الصغير» تشكلان جزء حقيقته الوجودية ولا تنفصلان عنه قط؛ وعلى هذا لابدّ من ثبات القوانين المتعلقة بإقرارالنظم وبسط العدالة

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 79

الاجتماعية والعلاقات الحقوقية للأفراد ووظائف الزوج والزوجة إزاء بعضهما؛ ذلك لأنّ قضية «اجتماعية» الإنسان لن تتأثر بفعل التطورات التي تجتاح حياة المجتمعات البشرية؛ وعليه فالقوانين التي تتعامل مع مسألة اجتماعية تأبى التغيير بأي شكل من الأشكال. إلى جانب ذلك فإنّ حياة الإنسان قائمة على أساس قانون التكامل خلافاً لسائر الكائنات والأحياء التي تعيش بصورة جماعية كالنحل والنمل، ومن هنا فإنّ القوانين المتعلقة بأصول تكامل المجتمع لابدّ أن تكون ثابتة ولا تعرف من معنى للتغيير.

والعلاقة القائمة بين الوالدين والأطفال علاقة فطرية وطبيعية، فالقوانين التي تسن بهذا الخصوص- كالإرث والتربية- لابدّ أن تكون ثابتة وأبدية. وهنالك العديد من هذه النماذج التي تدل على أنّ الفطرة والغرائز المتأصلة لدى الإنسان تشكل محور القوانين الإسلامية، صحيح أنّ صورة المجتمع تشهد تغيّراً كل عصر، لكن إنسان القرن العشرين هو نفسه إنسان القرن العاشر من حيث الفطرة والغريزة والدوافع الطبيعية الثابتة، وأنّ غرائزه وخصائصه الوجودية تأبى التبدل والتغيير. وعلى هذا الأساس وضع الإسلام مقرراته الثابتة في هذه المجالات من قبيل حقوق أبناء المجتمع وعلاقاتهم الاجتماعية والروابط الأُسرية والزواج والتجارة والأمور المالية. وبغض النظر عن ذلك فإنّ هنالك سلسلة من المصالح والمفاسد الفردية والاجتماعية الثابتة التي لا يعتريها التغيير مع مرور الزمان، فلابدّ لهذه الأمور من قوانين ثابتة؛ على سبيل المثال أنّ الكذب والخيانة والتحلل والتفسخ الأخلاقي سيئة على الدوام مميتة لروح المجتمع.

ومن هنا فإنّ حرمتها أن تكون أبدية ودائمية، ذلك لأنّ المجتمع قد يعيش حالة من

الرقي والتطور إلّاأنّ أضرار هذه الأفعال لا تتبدل؛ كما أنّ القوانين ذات الصلة بتهذيب النفس والفضائل الأخلاقية والملكات النفسية كالقيام بالتكليف والحس الإنساني ورعاية العدل ومئات الخصال ينبغي أن تكون أبدية ودائمية وليس للتغيير والتبدل من سبيل إليها.

وعليه فإنّ القوانين الواردة بشأن هذه المسائل وأمثالها والتي سنّت قبل ألف واربعمئة سنة على ضوء الفطرة والغرائز البشرية بالاستناد إلى واقعية خاصة ترتكز على معرفة حقيقة

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 80

الإنسان وتقييم غرائزه سوف تتمكن من إدارة المجتمع الراهن والمجتمعات القادمة على أحسن ما يرام. هذا بشأن القوانين الثابتة.

إضافة إلى الغرائز الثابتة والمتجذرة لدى الإنسان هنالك بعض الأمور التي تتأثر بالظروف الزمانية والمكانية وتتغير تبعاً لتغيرها. وعليه فلابدّ أن تكون المقررات ذات الصلة بهذه الأمور متغيّرة؛ وعلى هذا الأساس فإنّ الإسلام لم يضع أحكاماً معينة لهذا النوع من المواضيع، فهي متكيفة والظروف المستجدة. طبعا تغير هذه المواضيع وتبدلها لا يعني عدم شمولها بأي قانون، بل لابدّ من استخراج هذا القسم من المقررات من خلال سلسلة من المبادئ الكلية. ونستعين ببعض الأمثلة لتوضيح حقيقة الموضوع:

مثلًا لا يمكن للحكومة الإسلامية أن تتخذ موقفاً معيناً في ارسائها لعلاقاتها مع البلدان الخارجية، فقد تتطلب الظروف أحياناً التعامل والانطلاق من الصداقة والود وإشاعة أواصر الصداقة وتعزيز العلاقات التجارية، بينما تقتضي بعض الظروف حالة من التشدد بما في ذلك قطع العلاقات وايقاف التبادلات التجارية وتعليقها لمدّة من الوقت، ولعل أبرز مصداق لذلك قضية تحريم التنباك التي لجأ إليها أحد كبار المراجع إزاء دولة استعمارية محتكرة.

كما ليس للإسلام من أحكام خاصة بشأن المسائل الدفاعية ونوع الأسلحة الحربية وكيفية التعامل مع استقلال البلاد وسيادتها والحيلولة دون طمع الأعداء فيها: بل لابدّ أن تتعامل الحكومة الإسلامية مع

بعض المقررات والأحكام على ضوء الأوضاع والظروف القائمة وتتخذ كل ما من شأنه ضمان مفاهيم الإسلام.

وعلى هذا الأساس فإنّ الإسلام وضع أصلًا كلياً بشأن تقوية البنيّة الدفاعية دون الخوض في نوع الأسلحة والتكتيك فقال: «وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ...» «1»

. وقوله في ذيل الآية من ضرورة أعداد القوّة يهدف إلى بيان المصداق السائد آنذاك، وذلك لأنّ أقوى وسيلة آنذاك كانت الخيول. كما لم يضع مقررات بشأن القضايا المرتبطة بالثقافة

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 81

وتطوير العلوم وكيفية حفظ الأمن القومي وبسط الإستقرار و ... وأوكل ذلك إلى الحكومة الإسلامية. فقد اكتفى الإسلام بالحث على تعلم العلوم النافعة وطالب بتنمية الثقافة الإسلامية والإنسانية، ذلك لأنّ وسائل طلب العلم وكيفية النهوض به متغيرة على ضوء الظروف الزمانية والمكانية وتطور الأوضاع. وهنا لابدّ من الإلتفات إلى أنّ تشخيص الأحكام الثابتة من المتغيرة من اختصاص مراجع الدين، ولا يمكن لأي شخص ابداء وجهة نظره بهذه الأمور دون الرجوع إلى العلماء الأعلام.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 83

2 القرآن وختم النبوة

كيف يشهد القرآن على ختم النبوّة بنبي الإسلام؟

سؤال:

يسأل أغلب الأفراد أنّ مسلمي العالم يجمعون على أساس كتابهم السماوي على أنّ النبي الأكرم صلى الله عليه و آله هو خاتم الأنبياء وآخر السفراء الذين بعثوا لهداية البشر، وان دينه وكتابه و قرآنه هو آخر الأديان والكتب السماوية. نرجو أن تبيّن لنا أين صرح القرآن بختم النبوّة بغية غلق الباب على الشكوك التي ربّما تساور أذهان الأفراد المغرضين.

الجواب:

لابدّ من الإلتفات بادئ ذي بدء إلى أنّ الشرائع السماوية وإن بدت للوهلة الأولى كشرائع مختلفة فيتصور الإنسان أنّ أدياناً متعددة عرضت على البشرية وأنّها منفصلة عن بعضها البعض الآخر ولا تشترك في بعض المبادئ والأصول؛ إلّاأنّ حقيقة الأمر خلاف

ذلك؛ فالواقع هنالك وحدة في شريعة نبي اللَّه نوح عليه السلام. «1» مع الشريعة التي نادى بها خاتم

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 84

الأنبياء، كما أنّ هنالك الكثير من جهات الشبه بينهما، وبالتالي جعلت جميع الشرائع بمثابة شريعة واحدة مرتبطة مع بعضها تكاملت بمرور الزمان وتكاملت المجتمعات لتعرض في نهاية المطاف على البشرية بصيغة دين جامع يغني البشرية عن أي تشريع وتقنين. ومن هنا أعلن القرآن الكريم منذ اليوم الأول أن ليس هنالك أكثر من دين شرّع للبشرية، هوالدين الإسلامي «1». وسوف لن يقبل من أي إنسان تبعيته لغير هذا الدين «2».

كما فند القرآن الكريم أفكار تلك الطائفة التي نسبت إبراهيم بطل التوحيد إلى اليهودية أو النصرانية وصرّح بأنّه كان مسلماً «3».

وبناءً على هذا فالشرايع السماوية في الحقيقة شريعة واحدة وقد تكاملت أثر تكامل المجتمعات البشرية وظهور المتطلبات العصرية، لتتبلور في خاتمة المطاف بتلك الشريعة التي بعث بها خاتم الأنبياء، والواقع نستطيع أن نشبه هذه الشرايع بالصفوف التي تبدأ بالمدرسة الابتدائية وتنتهي بدراسة الدكتوراه.

أدلّة ختم النبوة:

تعتبر مسألة خاتمية النبي الأكرم صلى الله عليه و آله للأديان من وجهة نظر علماء المسلمين من

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 85

ضروريات الدين الإسلامي المقدّس، والتي يدركها حتى الفرد الأجنبي بفعل اتصاله بالمجتمعات الإسلامية، ويستحيل وجود فرد يعيش في الأوساط الإسلامية ولم تطرق سمعه قضية ختم النبوّة، وهذا بحدّ ذاته أحد الأدلة على اختتام النبوّة بنبي الإسلام صلى الله عليه و آله.

ولو أغضضنا الطرف عن ضرورية هذه المسألة وإجماع المسلمين في أنحاء العالم كافّة عليها، فهنالك بعض الآيات القرآنية التي أشارت صراحة إلى هذه المسألة ومنها الآية الشريفة: «مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّنْ رِّجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ

اللَّهُ بِكُلِّ شَيْ ءٍ عَلِيماً» «1»

. وللوقوف على مفاد الآية لابدّ من توضيح للفظ «الخاتم»؛ فالخاتم في اللغة العربية تطلق على الأشياء التي تختتم بها آخر الرسالة. فالختم في الماضي يعادل توقيع اليوم، كما يعمدون في الوقت الراهن إلى ختم الوثائق والكتب المهمّة بالإضافة إلى التوقيع، كما نرى الختم شائعاً اليوم لدى دوائر الدولة والشخصيات الرسمية. ويدل الختم بالإضافة إلى صحة سند ما ورد في الكتاب على اختتام السند أو الوثيقة، وبالتالي فإنّ اعتبار الكتاب يتوقف على ختمه. كما كانوا في السابق يستفيدون من القير أو الطين الخاص «2» لأحكام غلق العلب التي تضم بداخلها بعض الأشياء كالعسل والخل وأنواع السوائل، ثم يختمونه ليكون دليلًا على عدم التلاعب به «3».

وخلاصة القول فقد قيل في المصادر العربية بشأن تفسير الخاتم: ما يختم به. وإن اطلق اللفظ في العربية على الخاتم المعروف فذلك لأنّهم كانوا يختمون به في السابق، ولاسيما السلاطين والملوك وزعماء القبائل الذين كانوا يخطون أسماءهم على خواتمهم ويختمون به. وحين عزم النبي الأكرم صلى الله عليه و آله على توسيع دعوته ومكاتبة السلاطين والملوك وإيفاد السفراء، أمر أن يعدوا له خاتماً وينقش عليه «محمد رسول اللَّه» وكان يختم به كل كتبه. «4»

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 86

وبناءً على ما تقدم فإنّ المعنى الابتدائي للخاتم ليس ما يتختم به في اليد، بل مفاده الأولي الوسيلة التي يختم بها الكتاب والوثيقة والسند، وإن اطلق على الخاتم المعروف لأنّهم كانوا يستفيدون منه في عملين. وتنتشر اليوم العديد من الأختام في البلدان العربية التي تصنع من الفلزات والجلاتين والتي تستعمل في ختم الكتب والوثائق الرسمية.

وعلى هذا الأساس يتضح معنى «خاتم النبيين»؛ لأنّ مفاد ذلك أنّ محمد صلى الله عليه و

آله شخصية ختمت به أبواب النبوّة التي فتحت بوجه البشرية منذ زمان آدم حتى زمانه، وقد انتهى هذا الفيض الإلهي إثر غنى المجتمع البشري عن نبي ودين جديد، وكما يعلن بالختم انتهاء مضامين الكتاب، فقد أعلن ببعث نبي الإسلام صلى الله عليه و آله انتهاء هذا الفيض واختتام هذه النبوّة الإلهية. وكأن وجوده بمثابة الختم الذي اختتم به هذا الباب وإلى الأبد.

التصرف المستهجن في معنى الخاتم:

يبدو من المضحك ما أوردته بعض الفرق الضالة بشأن «خاتم النبيين» حيث حاولت اغواء اتباعها في أنّ المراد من «خاتم» في الآية هو هذا الخاتم، والهدف من تشبيه النبي بالخاتم بيان مكانته بين سائر الأنبياء؛ فكما يكون الخاتم زينة لليد، فإنّ نبي الإسلام كان زينة لسائر الأنبياء. ويبدو هذا التفسير على درجة من الضعف بحيث عمد زعيم هذا المسلك في بعض كتبه إلى تفسير الخاتم بمعناه الصحيح وهجر ذلك التأويل الشاذ «1». طبعاً لا يحق لمفسّر القرآن أن يبتدع ما يشاء من معانٍ للمفردات القرآنية، ويتحتم عليه مراعاة الاستعمالات اللغوية السائدة لدى العرب؛ والحال لم ترد لفظة الخاتم في العربية بمعنى الزينة قط، فلا يقال أبداً: إنّ فلان خاتم أخوته، على أنّه زينتهم، ولو كان الهدف كون النبي زينة الأنبياء لانبغى أن تكون الاستعمالات الشائعة من هذا القبيل ليقال إنّ نبي الإسلام

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 87

«تاج» و «اكليل» الأنبياء. لقد فهم المسلمون هذا المعنى من لفظ الخاتمية فبل أربعة عشر قرناً، كما ورد مثل هذا الاستعمال في الروايات الإسلامية.

فقد قال الإمام الصادق عليه السلام: «إنّ اللَّه ختم بنبيّكم النبيين، فلا نبي بعده، وختم بكتابكم الكتب فلا كتاب بعده، وأنزل فيه تبيان كل شي ء» «1»

. كما تصرف البعض الآخر عبثاً

في لفظ «الخاتم» فزعم أنّ الخاتم في الآية بمعنى الختم، لكن الهدف من وصف النبي الأكرم صلى الله عليه و آله بخاتم الأنبياء هو تصديق من سبقه من الأنبياء؛ فكما يفيد الختم صحة مضامين الكتاب، فإنّ نبي الإسلام يصدق دعوة جميع الأنبياء.

ولا يبدو هذا التغيير الأجوف أحسن من سابقه، صحيح أنّ الختم يشهد بصحة الكتاب، إلّا أنّ العرب لم تقل للشاهد خاتم، بحيث يقال الخاتم للشخص الذي يختم الرسالة أو يشهد على حادثة.

وناهيك عمّا سبق فإنّ تصديق الأنبياء ليس من مهام نبي الإسلام، وكل نبي لاحق لا يصدق النبي قبله فحسب، بل يصدق جميع من سبقه من الأنبياء. فقد قال اللَّه تعالى على لسان المسيح عليه السلام: «وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ التَّوْرَاةِ ...» «2»

، كما ينبغي أن نلتفت إلى أنّ الآيات القرآنية الدالّة على الخاتمية لا تقتصر على الآية المذكورة، وهنالك العديد من الآيات التي صرحت بخاتمية رسالة النبي الأكرم صلى الله عليه و آله وقد آثرنا عدم التعرض لها مراعاة للإختصار.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 89

3 هل كانت الشرائع السابقة ناقصة؟

سؤال:

نعلم أنّ الدين الإسلامي هو الدين الجامع والشامل للبشرية جمعاء ويلزم من هذا أنّ الأديان السابقة كافّة بالنسبة للإسلام ناقصة، وهنا يرد هذا السؤال: كيف أنزل اللَّه للأقوام السابقة ديناً ناقصاً، واللَّه تبارك وتعالى منزّه عن إرسال دين ناقص؟!

الجواب:

تفيد أدلة عمومية وشمولية الدين الإسلامي أن لا سبيل بعد بزوغ شمس الإسلام الذي يروم تكامل البشرية مادياً ومعنوياً سوى باتباع هذا الدين. طبعاً كان كل دين من الأديان السابقة في عهده منهجاً حقاً لتكامل الإنسان وشده إلى اللَّه وقد طوى الإنسان مسيرته نحو السمو والتكامل الروحي والمعنوي

في ظل تلك الأديان؛ إلّاأنّ ابلاغ الدين الإسلامي- بصفته الدين العالمي وخاتم الأديان- أصبح من غير الصحيح اتباع أي من الأديان السابقة، وليس لغير هذا الدين من سبيل لإيصال الأمّة إلى تكاملها المطلوب. ولكن كان كل دين في زمانه أكمل دين للناس.

وللتوضيح أكثر نقول: إنّ مجموع الأديان السماوية بمثابة مختلف الصفوف في كلية

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 90

يخوضها الطالب الجامعي في دراسته؛ فالذي يتعلمه الطالب الجامعي في السنوات الأولى رغم أنّه أساس وصحيح فهو إعداد للصفوف والمراحل المتقدمة والتي تعدّ مكملة للمراحل السابقة. وبناءً على هذا فإنّ دروس كل مرحلة تعدّ أفضل البرامج بالنسبة للطالب في تلك المرحلة، ولو لم يكن لك (كأن تطبق دروس المراحل المتقدمة في السنوات الأولى) فسوف لن تكون النتيجة سوى ضياع الوقت؛ والعكس صحيح لو طبقت الدروس الأولى وعرضت على طلبة المراحل المتقدمة.

فهل هنالك من يستطيع القول إنّ دروس المرحلة الأولى ناقصة، أم لابدّ من القول أنّ برامج ودروس كل مرحلة تعدّ أرقى الدروس بالنسبة للطالب في تلك المرحلة، وكل ما يتعلمه هو إعداد المرحلة المتقدمة. وعلى هذا الأساس نحكم بأنّ الأديان السابقة كانت كاملة في وقتها لهداية المجتمع وإيصاله إلى الكمال المطلوب. وبالطبع فإنّ نسخ الإسلام لما سبقه من أديان وكونه الدين الجامع والشامل بالنسبة لسائر الأديان لا يعني أنّ تلك الأديان لم تكن على حق أو كانت ناقصة وغير صحيحة؛ ذلك لاستحالة نقصان الدين الذي يصدر عن اللَّه الحكيم لهداية البشر، بل كل دين في عصره كامل وحق وكافٍ لإيصاله الأمّة آنذاك إلى مرتبة السمو والكمال.

لكن لابدّ من التفكير في الإنسان المتكامل والذي ينشد بلوغ ذروة الكمال المادي والمعنوي وفسح المجال أمامه ليسلك سبيلًا يمكنه من نيل ذلك التكامل.

وعلى هذا الضوء توالت الأديان السماوية الواحد تلو الآخر لتهذيب الإنسان في مختلف المراحل لتختتم بالديانة الإسلامية التي تتربع على عرش تكامل الأديان.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 91

4 دين أجداد نبي الإسلام صلى الله عليه و آله

سؤال:

ماذا كان دين آباء و أجداد النبي الأكرم صلى الله عليه و آله، وما المراد من قولهم أنّهم كانوا على دين إبراهيم الخليل عليه السلام، ولماذا لم يعتنقوا دين المسيح؟

الجواب:

على ضوء المدارك والأخبار التي وصلتنا عن الأئمّة عليهم السلام فإنّ آباء النبي الأكرم صلى الله عليه و آله كانوا موحّدين جميعاً، وهذا المراد من كونهم على ملّة إبراهيم عليه السلام؛ لأنّ إبراهيم كان أحد أبطال التوحيد الرافضين للشرك والوثنية، وجهاده واضح في سبيل التوحيد والعبودية ونبذ الشرك والوثنية، ومن هنا نعتنا القرآن نحن المسلمين باتباع إبراهيم رغم تبعيتنا للشريعة الإسلامية ومراده من ذلك التوحيد الخالص.

والدين الوحيد الذي كان سائداً في الحجاز والقبائل العربية وله اتباع هو دين إبراهيم عليه السلام؛ بل كانت بعض سنن إبراهيم شائعة بين الوثنيين، وتصطلح العرب على دين إبراهيم بالديانة الحنفية؛ بينما لم تكن الديانة اليهودية والنصرانية تتمتع بذلك النفوذ في الحجاز، وكانت أقلية يهودية ونصرانية تقطن في المدينة وخيبر واليمن، وعلى أساس هذه

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 92

القرائن يمكن القول إنّ آباء النبي الأكرم صلى الله عليه و آله وأجداده كانوا على دين إبراهيم عليه السلام.

5 هل كان نبي الإسلام صلى الله عليه و آله يقرأ ويكتب؟

سؤال:

كتب السيد عبد اللطيف رئيس معهد المطالعات الثقافية في مقاله بشأن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله أعرب فيها عن اعتقاده المعزز بالأدلة بأنّ النبي الأكرم صلى الله عليه و آله كان يقرأ ويكتب قبل البعثة وما تسالم عليه المسلمون من أنّه أمّي ظلم فاحش، فهل هذا الكلام صحيح؟

الجواب:

نرى قبل مناقشة أدلة الكاتب المذكور ضرورة توضيح مراد المسلمين من أمّية النبي الأكرم صلى الله عليه و آله بغية إزالة الشبهات الواردة بهذا الشأن.

1- إننا نعتقد أنّ: النبي صلى الله عليه و آله كان

أكمل البشرية علماً وعملًا، وكتابه السماوي وقوانينه وأحكامه ومواعظه ونصائحه وكافّة تعاليمه شهادة حية على علومه ومعارفه الدينية الخارقة.

2- ونعتقد أيضاً أنّ: النبي صلى الله عليه و آله كان ملماً بأسرار عالم الخلقة والقوانين كافّة التي تحكم عالم الوجود، الأمر الذي لا ينكره القاصي والداني فضلًا عن المسلمين كافّة.

3- ونعتقد أيضاً أنّ: ذلك النبي العظيم إنّما استلهم عن طريق الوحي الكمالات كافّة

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 94

وتعلم كل هذه الدروس والمعارف في مدرسة النبوة ولم يتتلمذ قط على يد معلم ويأخذ عنه العلم؛ ذلك لأنّ النبوة ليست نبوغاً فردياً واجتماعياً يمكن الحصول عليه عن طريق التعليم والتعلم، بل هي هبة إلهيّة تمنح لمن يستحقها من العباد.

4- والمسلمون على ضوء الأقرار بما ذكر يقولون: إنّ النبي الأكرم صلى الله عليه و آله كان أمّياً، ويقصدون بالأمّي أنّه لم يتعلم ويتتلمذ، لا أنّه لم يكن ذا علم ومعرفة، ولعل الخطأ يكمن هنا، لأنّ «عدم التتلمذ» لا يعني عدم كسب العلم، فالأنبياء العظام لم يتعلموا لدى أحدٍ من البشر، لكنّهم كانوا أعظم المعلمين في عالم الإنسان. فآدم عليه السلام لم يتعلم لدى أحد، إلّاأنّ القرآن الكريم كان يصرّح بأنّه معلم الملائكة (ورد تفصيل هذا الموضوع في الآيات 28- 32 من سورة البقرة). فإن كان المراد من تعلم النبي سعة إطلاعه وكمال علمه عن طريق الوحي، فهذا ما صدقه جميع المسلمين، وإن كان المراد تتلمذه كالآخرين على يد اساتذة فإنّ الحياة العظيمة للنبي وصريح آيات القرآن ترفض ذلك تماماً.

5- يعتقد المسلمون أنّ: النبي الأكرم صلى الله عليه و آله لم يقرأ كتاباً قبل بعثته ولم يكتب صفحة، وقد أشار القرآن إلى هذا الموضوع صراحة في الآية 48 من سورة العنكبوت:

«وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ» وسيرد تفصيل هذا المطلب في الردّ على أدلة الكاتب.

هل كان النبي صلى الله عليه و آله يقرأ ويكتب بعد البعثة أم لا؟ ليس هنالك من رأي قاطع مئة بالمئة بهذا الشأن، والمشهور أنّه صلى الله عليه و آله كان عملياً لا يقرأ ولا يكتب، وكان الآخرون هم الذين يتولون كتابة الكتب والرسائل التي كان ينشئها وهذا ما تؤيده الروايات الإسلامية. نعم يعتقد بعض الأعلام أنّ عدم قراءة النبي وكتابته ليست دليلًا على عدم قدرته على الكتابة والقراءة، ذلك لأنّ القراءة والكتابة من الكمالات التي لا يستطيع أحد أن يزعم أنّ النبي صلى الله عليه و آله كان فاقداً لذلك الكمال وإن لم يستعمله.

وقد صرّح العلّامة المجلسي رحمه الله في البحار في فصل «الحديبية» أنّه ليس هنالك من شك في قدرة النبي صلى الله عليه و آله على القراءة والكتابة، فكيف لا يحيط علماً بهذه الحروف من له كل هذه

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 95

المعجزات والكرامات والعلوم والمعارف «1».

ونخوض الآن في هذا الموضوع وهو: هل تثبت أدلة ذلك الكاتب الهندي أنّ النبي الأكرم صلى الله عليه و آله كان متعلماً؟ وهل تثبت أنّه كان قادراً قبل وبعد البعثة على القراءة والكتابة وهل استغل تلك القدرة أم لا؟

نخوض الآن في أدلة الكاتب المذكور:

1- يقول: لقد ظن بعض المفسّرين بغية إثبات قدسية كتاب اللَّه وعدم تصرف النبي صلى الله عليه و آله فيه إلى أنّه لم يكن يحسن القراءة والكتابة، والحال من بعث من جانب اللَّه لا يتصرف مطلقاً في كلام اللَّه سواء كان متعلماً أم غير متعلم.

الجواب: إنّ هذا الكلام عجيب وليس هنالك مثل

هذا الرأي في المصادر المعتبرة لعلماء الدين، وسمو الأنبياء الروحي والذي يصطلح عليه بالعصمة هو المانع الحقيقي من تصرفهم في كلام اللَّه لا فقدانهم للعلم. نعم ذهب بعض المسلمين على ضوء الآية الشريفة «الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِىَّ الْأُمِّىَّ ...» «2»

. إلى تفسير الأمّي بالمعنى المذكور. وقد ارتكب الكاتب خطأين في تفسيره لمعنى «الأمّي» وعلة وصف النبي الأكرم صلى الله عليه و آله بهذه الصفة؛ الأول أنّه اعتقد أنّ سبب اعتبار النبي أمّياً كان حفظ القرآن من التصرف من قبل النبي صلى الله عليه و آله، والحال كانت العلة غير ذلك؛ والثاني تصوره أنّ معنى الأمّي هو عدم القراءة والكتابة، والحال معنى الأمّي عدم التتلمذ وعلى ضوء اصطلاح اللغويين (من لا يقرأ ولا يكتب» «3» والفارق بين المعنيين كبير جدّاً.

2- يقول: وصف القرآن النبي بالقول «وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ...». «4»

ولعل أدنى ما يلزم من يريد تعليم الآخرين مضمون كتاب أن يمسك بالقلم ويكتب، أو على الأقل يقرأ ما خط بالقلم.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 96

الجواب: يمكن أن يقال إنّ النبي صلى الله عليه و آله كان قادراً على القراءة والكتابة- وإن لم يستفد من تلك القدرة حتى بعد البعثة الشريفة- لكن هذه الآية لا تثبت مدعى الكاتب؛ لأنّ طريقة تعليم الأنبياء ليس على غرار معلمي المدارس؛ فالنبي الأكرم صلى الله عليه و آله كان يمارس وظيفته الخطيرة (التعليم والتهذيب) من خلال حفظه للآيات القرآنية، وهذا الأسلوب في التربية والتعليم لا يتوقف على القراءة والكتابة على ورق أو سبورة.

وخطأ الكاتب هنا في أنّه تصور اسلوب الأنبياء في التربية والتعليم كنظيره لدى المعلمين والمدرسين، والحال كانت سيرة الأنبياء- لاسيما سيرة رسول اللَّه صلى الله عليه و آله خلاف ذلك.

3-

يقول: إنّ القرآن الكريم نصير العلم والقلم حيث قال: «الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ* عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ» «1»

حتى أنزل اللَّه إحدى السور القرآنية في مكة واسماها سورة «القلم»؛ وبناءً على هذا فهل يعقل أنّ النبي اجتنب التعامل بالقلم وهو المأمور بتعليم القرآن الذي يساند القلم!

الجواب: ذكرنا سابقاً أنّ القدرة على القراءة والكتابة كمال يتصف به النبي، واستعماله وممارسته كمال آخر، إلّاأنّه صلى الله عليه و آله كان يتحفظ عن القلم على أساس بعض المصالح الكبرى.

فلو كان رسول اللَّه صلى الله عليه و آله يطالع كتاباً ويكتب رسالة لتذرع خصوم الدعوة ومنكرو النبوة بأنّ رسالته التوحيدية وكافّة تعاليمها وأحكامها إنّما أفرزته مطالعاته ومتابعاته لكتب الماضيين ولا تمت بصلة للَّه والوحي والعالم الآخر.

وقد أشار القرآن صراحة إلى هذه الحقيقة فقال: «وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ» «2»

ورغم السيرة النبوية التي تشهد بعدم تعلمه فإنّ طائفة من اليهود اتهمته بالتعلم من غيره ومطالعته لكتب الماضين: «وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِىَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا* قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 97

السَّموَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً» «1»

فلم يسلم صلى الله عليه و آله من هذه التهمة رغم مجانبته للقراءة والكتابة؛ ولو افترض مطالعته للكتب وكتابتها لكانت حربة بيد خصوم الدعوة ولقالوا فيه ما شاءوا! يذكر أنّ النبي صلى الله عليه و آله توقف لدقائق حين كان في الثانية عشرة من عمره مع قافلة قريش عند راهب خلال مسيرته إلى الشام وقد استغل المستشرقون ذلك فأقاموا الدنيا واقعدوها ليزعموا بكل وقاحة أنّ محمداً إنّما تعلم كل هذه الحقائق من ذلك الراهب خلال تلك المدة الوجيزة.

4- يقول: قال القرآن بشأن

النبي صلى الله عليه و آله: «رَسُولٌ مِنْ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً» «2»

فظاهر الآية يشير إلى أنّ تلاوته للقرآن من خلال القراءة لا الحفظ.

الجواب: ممّا لا شك فيه أنّ حامل الوحي (جبرئيل) لم يكن يتلو القرآن قراءة، وكان يلقيه على القلب الطاهر للنبي (دون أن تكون هناك كتابة) حيث قال تعالى: «نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ* عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ» «3»

ولابدّ أن يرى هنا تلك الكتابة التي زعم الكاتب المذكوركان النبي صلى الله عليه و آله يقرأها ماذا كانت؟ فهل سلم جبرئيل الأمين النبي كتابة؟

طبعاً هذا الأمر يتعارض صراحة مع الآية المذكورة؛ ذلك لأنّ قلب النبي وروحه القدسية كانت مركز نزول القرآن؛ فإمّا كان النبي يكتب، أو كان يملي والآخرون يكتبون وكان النبي صلى الله عليه و آله يتلو من خلال القراءة؟ قطعاً أنّ النبي كان يحفظ ما تنزل عليه من آيات.

فبإذن اللَّه لم يكن بحاجة لأن يكتب أو يملي ويكتب له آخر، وكتاب الوحي إنّما كانوا يكتبون القرآن لهم وللآخرين لا للنبي صلى الله عليه و آله. ومن هنا لم يرد في التواريخ والسير أنّ النبي الأكرم صلى الله عليه و آله كان يكتب القرآن، أو يأمر بأن يكتبوا له القرآن ويقرأه. وعلى هذا الأساس فإنّ

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 98

المراد من تلاوة الصحف المطهرة في الآية هي التلاوة حفظاً، وتلاوة الصحيفة والذي يصطلح عليه ب «تلاوة الكتاب» تستعمل بكلا المعنيين- كتابة وحفظاً- في العرف واللغة.

وبناءً على هذا فلفظ «التلاوة» ليس دليلًا على القراءة والكتابة، ومن ذلك أننا نقول لمن يقرأ حفظاً لبعض أشعار المتنبي أنّه قرأ بضع أبيات من القصيدة الفلانية، كما نقول قرأ فلان البيان الذي اصدرته المؤسسة الدينية بمناسبة كذا وكذا،

والحال لم يقرأه من خلال كتابة وكان يحفظه حفظاً. والآية المذكورة على غرار سائر الآيات النازلة بشأن النبي والتي تصفه بأنّه «يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ ...» «1»

وتتضح هذه الحقيقة سيما بالإلتفات إلى سيرة النبي الذي كان ديدنه تلاوة القرآن حفظاً.

5- ذكر الكاتب المذكور طائفة من الروايات والنصوص التاريخية تحت عنوان (النبي معلم) في أنّ النبي صلى الله عليه و آله ساند العلم والمعرفة والكتابة؛ على سبيل المثال أوجب طلب العلم وجعله فريضة على كل مسلم ومسلمة، حتى فضل طلاب العلم على المستغرقين في العبادات المندوبة، فبنى المراكز التعليمية «الصفة» التي كان يتعلم فيها المسلمون، وطلب من أسرى معركة بدر اطلاق سراحهم مقابل تعليم كل أسير منهم لعشرة من المسلمين.

ثم خلص بعد ذلك إلى هذه النتيجة: هل هناك من يعتقد أنّ ذاك الزعيم الذي يعيش كل هذا الحرص على العلم والتعليم أن يحرم نفسه من معطيات القراءة والكتابة؟!

الجواب: كل ما نقله الكاتب المحترم من الشواهد التاريخية والمصادر الإسلامية صحيح، لكنها لا تثبت مدّعاه (في أنّ النبي صلى الله عليه و آله كان يقرأ ويكتب قبل وبعد البعثة)؛ ذلك أن هنالك عدّة طرق وأساليب ليست خافية على احد في مساندة الإسلام للعلم والمعرفة.

والبحث هل استغل النبي الأكرم صلى الله عليه و آله قبل وبعد البعثة تلك القدرة ليمارس القراءة والكتابة خلافاً لما صرحت به الآية 48 من سورة العنكبوت؟ وهل كان اسلوب تعليم النبي على غرار المعلمين المعاصرين الذين يدرسون من خلال الكتاب؟ أم كان اسلوبه التعليمي على ضوء تلاوة الآيات القرآنية وتعليم الحلال والحرام وافاضة التعاليم الإسلامية واسداء النصح والإرشاد؟ للوقوف على المزيد بشأن (أمّية) النبي صلى الله عليه و آله يمكن الرجوع إلى كتاب (بين يدي

مدرسة الوحي) الذي يخوض بالتفصيل في هذه القضية.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 99

6 ما كان الهدف من معراج النبي صلى الله عليه و آله؟

سؤال:

استهلت سورة الإسراء بالآية الشريفة: «سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ» «1».

لماذا عرج اللَّه بنبيّه المصطفى صلى الله عليه و آله؟ فلو قلنا إنّ اللَّه أراد أن يريه مكانه، فذلك ليس بالصواب، لأنّ اللَّه لا يحويه مكان وهو في كل مكان؛ وإن كان المراد تعريفه بالكواكب والمجرات وأبرز مناظر عالم الخلقه، فالقضية لا تخلو من إشكال؛ ذلك لأننا نحن المسلمون نؤمن بأنّ النبي الأكرم صلى الله عليه و آله والأئمّة عليهم السلام كانوا يعلمون بكل شي ء وكل مكان.

الجواب:

أولًا: لابدّ من الإلتفات إلى أنّ الآية الأولى من سورة الإسراء تسكت عن عروج النبي الأكرم صلى الله عليه و آله إلى السموات لتقتصر على حركة النبي الأكرم صلى الله عليه و آله من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ولكن يمكن استفادة هذا المطلب من آيات أخرى كالآيات الشريفة:

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 100

«عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ... عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى «1»

فهذه الآيات تتحدث صراحة عن عروج النبي صلى الله عليه و آله إلى السماء، إلّاأنّ الإية الأولى من سورة الإسراء تتحدث عن بداية هذه المسيرة التي حصلت على الأرض، وكان الهدف من هذه المسيرة (كما وردت الإشارة في الطائفتين من الآيات المذكورة) إلى رؤية آيات اللَّه الكبرى في عالم الخلق.

ومن البديهي أنّ تلك المشاهدة مشاهدة حضورية ولا يمكن لموجود له جسم أن يعيش المشاهدات الحضورية إلّابحضوره عند

الموجود الذي يريد مشاهدته، وما ذكرته من أنّ النبي صلى الله عليه و آله عالم بكل شي ء بدون العروج إلى السموات فإنّ هذا العلم يختلف تماماً عن المشاهدة عن قرب، وبالضبط كاطلاعنا على حادثة تقع في منطقة بينما لم نكن في موقع الحادثة فنراها بأم أعيينا، طبعاً هنالك تأثير أعمق في وجود الإنسان للحضور في الموقع ومشاهدة الحادثة، بينما ليس هنالك مثل هذا التأثير بفعل العلم الغيبي.

وبناءً على هذا فإنّ اللَّه تعالى أراد لنبيّه الأكرم صلى الله عليه و آله أن يرى عن قرب آثار عظمته ويفيض معرفة على قلبه المقدسّ، ولو تصور شخص أنّ النبي الأكرم صلى الله عليه و آله كان يستطيع أن يرى من الأرض بهذه العين المجرّدة آثار عظمة اللَّه في العوالم العليا لكان مجانباً للصواب ومخالفاً للحقيقة؛ فقد كان للنبي من حيث الجسمية خصائص الجسمانيات وعالم المادة، وهنالك حدّ معين لقدرة الرؤية البصرية.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 101

7 هل يستطيع الشيطان النفوذ إلى الأنبياء؟

سؤال:

أعلن القرآن الكريم صراحة أنّ اللَّه خاطب الشيطان ليس لك من سبيل إلى عبادي المخلصين، في حين تسلل الشيطان إلى آدم عليه السلام واغواه! رغم أنّ آدم عليه السلام من عباده المخلصين ومن أصفياء اللَّه، ومن المسلم به أنّ من نال مرتبة (صفي اللَّه) قد اجتاز مرحلة العبودية الحقة؟

الجواب:

ما خاطب اللَّه به الشيطان أنّه لا يستطيع إغواء عباد اللَّه ويزين لهم الفواحش والحرمات وبالتالي سوقهم إلى الكفر والمعصية. والفعل الذي صدر من آدم عليه السلام في الجنّة لم يكن عملًا شيطانياً، بل لم يكن أكثر من ترك الأولى. والإنسان بصورة عامة هو الذي يسمح برغبته للشيطان بالتسلل إلى قلبه، وإلّا فليس له من سلطان قسري علينا، والأنبياء بالطبع لا يدعونه ينفذ إلى قلوبهم.

بعبارة

أوضح: المراد من «سلطان» الشيطان هو أن يستحوذ على قلب الإنسان أثر ضعف إيمانه وعدم مبالاته، وبالتالي يزين له مقارفة الذنب، وليس للشيطان مثل هذه

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 102

السلطة على روح الأنبياء القدسية. وقضية أكل آدم من الشجرة المحظورة كان من باب ترك الأولى، لا أنّها كانت محرمة عليه.

وقد كشف أعلام الطائفة بالأدلة العقلية الواضحة عن عصمة الأنبياء من الذنوب، ومن أراد الوقوف على المزيد بشأن قصة آدم عليه السلام وأدلة عصمة الأنبياء فليراجع كتاب (الزعماء العظماء).

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 103

8 عصمة الأنبياء

اشارة

سؤال:

ما فلسفة عصمة الأنبياء، وهل عصمتهم هبه إلهيّة صرفة، أم أنّهم نالوا هذه المرتبة بفضل أعمالهم؟

الجواب:

إنّما تستند عصمة الأنبياء (الابتعاد عن الذنب والخطأ والنسيان) إلى كمالاتهم المعنوية والروحية. فمما لا شك فيه أنّ الحالة المعنوية للإنسان هي التي تقف وراء أعماله الحسنة والسيئة، فالحالة الروحية المتسافلة كالجهل وعدم الإيمان بالمبدأ والمعاد وطغيان الغرائز وما شابه ذلك إنّما تفرز الانحراف والمعصية، كما أنّ العلم والمعرفة والإيمان وتهذيب النفس والتقوى والورع يحول دون ارتكاب الإثم ويفضي إلى الأعمال الصالحة والإنسانية.

ويتمتع الأنبياء على المستوى الروحي والمعنوي بقوة إيمان وعلم ومعرفة عظيمة، وكان هذان العاملان من أهم العوامل الروحية التي قمعت مقدمات الذنب والانحراف لديهم؛ فالإنسان حين يقف على قبح الذنب وعواقبه الوخيمة على سعادته الأبدية، وحين يبلغ ورعه مرتبة لا تجعل لعناصر الذنب الباطنية والظاهرية من تأثير عليه، فإنّ هذا الفرد

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 104

يستحيل عليه مقارفة الذنب. وهنا يرد هذا السؤال: كيف ومن أين تتأتى هذه الحالة الروحية التي تفرز العصمة لدى الأنبياء؟ لابدّ من الالتفات إلى أنّ هذه الكمالات الروحية معلولة لعدّة عوامل محورية ورئيسية وهي:

1- الوراثة

أثبتت علوم الدين أنّ بعض الاستعدادات الروحية لكسب الفضائل والكمالات الإنسانية، بل حتى بعض الخصائص والصفات إنّما تنتقل بالوراثة من جيل لآخر، والأسر التي ينتمي إليها الأنبياء من الأسر الطاهرة والنجيبة التي ورثت بمرور الزمان خزينا من الكمالات والفضائل الروحية فكانت تنتقل حسب الوراثة من جيل إلى آخر، والتاريخ أشار في أكثر من موقع إلى هذه الحقيقة، مثلًا بالنسبة لأسر نبي الإسلام صلى الله عليه و آله فإنّ التاريخ يشير إلى أنّه ولد وترعرع في أشرف قبائل العرب «قريش» ومن أشرف قريش عشيرة بني هاشم، المشهورة بالصدق والشجاعة والكرم والغيرة

والمروءة وأداء الأمانة، ومن هنا كانت موضع احترام كافّة القبائل العربية. وآباء النبي صلى الله عليه و آله وأجداده كما يفيد التاريخ من الأفراد المعروفين بالإيمان والشرف والصلاح. وبناءً على هذا فإنّ مسالة «الوراثة» خلقت في الأنبياء استعداداً خاصاً لاستلهام الكمالات الروحية، فكان ذلك الاستعداد بمثابة أساس يمكنه بالإضافة إلى عوامل أخرى كالتربية والتهذيب أن يستقطب الفضائل لدى هؤلاء الأفراد.

2- التربية في نقل الفضائل والكمالات

العمل الثاني في الكمالات الروحية للأنبياء ما نصطلح عليه بالتربية فأسر الأنبياء كانت تتحلى بكمالات وفضائل استطاعت تربيتهم عليها لتكمل استعدادهم الوراثي بغية كسب الكمالات الروحية، فطبعوهم على الإيمان والشجاعة والفطنة.

3- عوامل مجهولة

يؤمن علماء النفس والطبيعة من خلال تحقيقاتهم بشأن علل الشخصية الروحية للأفراد- غير الوراثة والتربية- بسلسلة من العلل المجهولة التي قد تؤثر في الجينات التي تحدد بعض الصفات فتؤدي إلى العديد من الحالات والقوى الروحية الخارقة لديهم، ويعتقد علماء النفس والطبيعة أنّ هذه العلل تحدث طفرات في النطفة، وتؤدّي هذه الطفرات إلى ظهور خصال غريبة لدى هؤلاء الأفراد والتي تسبغ عليهم كمالًا روحياً معيناً.

4- الهبة الإلهيّة

بالإضافة إلى العوامل الثلاثة المذكورة هنالك عامل مهم آخر هو الفيض الإلهي وعنايته الخاصة بالأنبياء. والعوامل السابقة تمنح المعصوم قدرة واستعداداً بحيث يشمل بفيض اللَّه وعنايته الخاصة. وعلى ضوء هذا الفيض الرباني تصبح قواه الروحية أعظم تاثيراً وشدّة.

وهذه الإفاضة تفعل كمالاته الروحية وتتبعها بكمالات أخرى وهذا اللطف الإلهي الخاص يوجب قوّة إيمان الأنبياء ومعارفهم وبصيرتهم، وقوة الإيمان وسعة العلم تقمع عوامل المعصية لدى المعصوم، وتفرز حالة طارئة، وهكذا تتظافر كل هذه العوامل لتحصن المعصوم من مقارفة الذنب والمعصية. والجدير بالذكر أنّ شخص المعصوم يتمتع في كل هذه المراحل بحرية تامة في الإرادة وعصمته اختيارية تماماً. وسنخوض في هذه التفاصيل عند الاجابة عن السؤال القادم. ولا نرى من ضرورة للتذكير بأنّ ما قيل ثابت بحق الأئمّة الطاهرين عليهم السلام.

9 هل عصمة الأئمّة فضل؟

سؤال:

العصمة ملكة تحصن الإنسان من مقارفة الذنب والخطأ والإنحراف، وعليه فإنّ الأفراد الذين يتحلون بهذه الملكة لا يقدرون على الإتيان بالمعصية وبالتالي سوف لن يكون لعصمتهم من فضل.

الجواب:

إنّ عصمة الأنبياء من الذنوب والمعاصي ليست بخارجة عن إرادتهم واختيارهم قط، بل عصمتهم إرادية واختيارية تستند إلى العلم والإيمان.

توضيح ذلك: إنّ العصمة من الذنوب من لوازم العلم والإيمان بمفاسدها، طبعاً هذا لا يعني أنّ كل علم بلوازم الذنب ومفاسده يفضي إلى العصمة، بل لابدّ أن تكون حقيقة العلم على درجة من الوضوح بحيث يقف الإنسان ببصيرته على آثار الذنب، وعلى هذا الأساس يكون صدور الذنب منه بصيغة «محال عادي» لا «محال عقلي» وللوقوف على حقيقة الأمر نستعين بهذا المثال:

لكل واحد منا عصمة إزاء سلسلة من الأعمال الخارجية التي تكلفنا حياتنا، وهذه

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 108

العصمة معلولة لعلمنا بمثل هذه الأعمال؛ مثلًا إذا كانت هنالك دولتان متخاصمتان ومتجاورتان بحيث

ينتشر بينهما حرس حدود كل منهما ويستفيدون من الأضواء الكاشفة والكلاب البوليسية وربّما تزرع كل منهما الألغام على أراضيها، فإنّ أحداً من الناس لا يفكر في تجاوز هذه الحدود فضلًا عن الأقدام عملياً على تجاوزها كونها تكلفه حياته؛ وعليه فلدى الإنسان عصمة إزاء هذا العمل. وأقرب من ذلك مثلًا هنالك عصمة يتحلى بها الإنسان إزاء شرب السم أو الإمساك بالسلك الكهربائي أو تناول الطعام المتبقي من شخص مريض مصاب بمرض الجذام أو السل، سيما إن كان له علم بعدوى المرض، فهو لا يقترب قط من هذه الأعمال، وصدور مثل هذه الأعمال من الإنسان يبدو محالًا عادياً، وسبب هذه العصمة تجسد لوازم تلك الأعمال، فهذه اللوازم تخترق بصره وبصيرته بحيث لا يفكر في القيام بهذه الأعمال، فضلا عن ارتكابها.

وإننا لنلاحظ بعض الأفراد الذين لا يتحرجون من أكل مال اليتيم، ولكن هنالك بالمقابل من يتحرز عن أكل دينار من الحرام؛ فلم لا يحتفظ الأول عن أكل مال اليتيم بينما يأبى الثاني ما دون ذلك؟ طبعاً سبب ذلك أنّ الشخص الأول إمّا أنّه لا يؤمن أصلًا بتبعات هذا النوع من العصيان، أو حتى وإن امتلك الإيمان والاعتقاد، فإنّ حبّه للماديات تحول إلى حجاب غليظ ضرب على بصيرته بحيث يحول دون رؤيته لتلك الآثار والتبعات؛ أمّا الشخص الثاني فله إيمان راسخ بتبعات الذنب بحيث يرى كل قطعة من مال اليتيم جمرة من جهنم، وليس هناك من عاقل يأكل نارا؛ ذلك لأنّه يرى بعلمه الثاقب وبصيرته كيف تتبدل تلك الأموال إلى نيران محرقة، وعلى هذا الضوء تكون له عصمة من ذلك الذنب. والقرآن يصف أولئك الذين يخزنون الذهب والفضة ولا يخرجون حقوقها الشرعية بأنّها تحمى بجهنم يوم القيامة لتسلط على

وجوههم وجباههم وظهورهم «يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِانفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ». «1»

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 109

والأن لو تمثل بعض مالكي الكنوز هذه الصورة وشاهدوا بأعينهم كيف يعاقب زملاؤهم، ولو حذروا من هذا العقاب بالنسبة لثرواتهم التي يمتلكونها وكيف ستكون عليهم وبالًا، قطعاً سيغيرون أسلوبهم وتعاملهم. وهنالك بعض الأفراد في هذا العالم على درجة من الإيمان بمضمون هذه الآية دون مشاهدة صورة العذاب الإلهي بحيث لا يقل أثراً عن شهوده، وحتى لو رفع الغطاء الدنيوي عن أعينهم لما كان هنالك من تغيير في إيمانهم. فمثل هؤلاء الأفراد يمتلكون نوعاً من العصمة إزاء هذه المعصية (كنز الذهب والفضة).

فلو كان هنالك أفراد أو طائفة يتصفون بهذه الحالة إزاء عقاب جميع المعاصي، وقد اتضح لهم عذاب اللَّه وأليم عقابه بحيث لم يعد لزوال الحجاب وإنعدام المسافات المكانية والزمانية أدنى تأثير على إيمانهم واعتقادهم، وعلى هذا الأساس فإنّ لهؤلاء الأفراد نوعاً من العصمة إزاء جميع الذنوب والمعاصي، فهم ليسوا فقط لا يقارفون الذنب فحسب، بل لايفكرون فيه.

وبناءً على هذا فإنّ للعصمة في هذه الموارد أثر مباشراً للإيمان والعلم القاطع بعقاب الأعمال، ولكل فرد نوع من العصمة إزاء بعض هذه الموارد. والواقع أنّ الأنبياء يتمتعون بعصمة تامة وشاملة أثر إحاطتهم العلمية بعقاب الأعمال وعلمهم بعظمة اللَّه، وعلى ضوء هذا العلم فقد قمعت عندهم كافّة دوافع الذنب وطغيان الغريزة، فهم لا ينتهكون حدود اللَّه.

هذا هو مقام العصمة من الذنب الذي يتمتع به الأنبياء والأئمّة عليهم السلام وأصلها الإيمان والعلم والمعرفة والتسلط على النفس وعلو الهمة.

أفليست هذه العصمة فضيلة؟ وهل يستطيع هؤلاء إرتكاب الذنب؟ قطعاًيستطيعون، إلّا أنّهم لا يستغلون هذه الاستطاعة أبداً.

فربّما يمكن لشخص محترم أن يسرق إبريق جاره أن تسلّق الجدار، لكنّه لا يفعل ذلك أبداً. والطبيب يسعه أن يشرب ماءً مملوءاً بالمكروبات، لكنّه لا يشربه، وهذا الفرد ليس بعاجز عن الشرب «1».

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 111

10 هل هنالك من منافاة بين العصمة والاستغفار؟

سؤال:

رغم أننا نعلم بأنّ الأنبياء والأئمّة عليهم السلام معصومون من الذنب ولا يصدر منهم أي خلاف، مع ذلك ورد في بعض الأدعية عنهم أنّهم يعترفون بذنوبهم ويسألون اللَّه العفو عنهم.

ففي دعاء كميل مثلًا يتضرع علي عليه السلام إلى اللَّه بهذا الدعاء: «اللَّهُمَّ اغفر لِي الذّنوبَ الّتي تَهتِكُ العِصَمَ ... اللَّهُمُّ اغفِر لِي كُلَّ ذَنْبٍ أَذْنَبْتُهُ وَكُلَّ خَطِيئَةٍ أَخْطأتُها!». فهل مرادهم من هذه الأدعية الأمّة لتتعرف على أدب مناجاة اللَّه وكيفية طلب المغفرة بهذه العبارات، أم أنّ هنالك حقيقة معينة في تلك العبارات؟

الجواب:

لقد إلتفت العلماء الأعلام إلى هذا الإشكال منذ قديم الزمان فذكروا عدّة أجوبة لعلها تتفق جميعا على حقيقة واحدة، وهي أنّ للذنوب والمعاصي بُعد «نسبي» في مثل هذه الموارد، فهي ليست من قبيل الذنوب المطلقة والعادية.

توضيح ذلك: هنالك توقعات مختلفة في جميع القضايا الاجتماعية والأخلاقية والعلمية والتربوية والدينية. وسنكتفي هنا بذكر مثال واحد من بين مئات الأمثلة لتوضيح

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 112

الموضوع: لو تطوع عدد من الأفراد لمشروع خيري كبناء مستشفى مثلًا للفقراء، فالعامل الذي له دخل محدود ومع ذلك يتبرع بمبلغ ما لهذا المشروع فإنّه يحظى بتقدير الآخرين، ولكن لو تبرع بهذا المبلغ رجل ثري، فهو ليس فقط لا يستحق التقدير فحسب، بل ينقم عليه الجميع ويذمونه؛ أي أنّ التبّرع الذي يمدح عليه شخص، يذم عليه شخص آخر! مع أنّ هذا المذموم لم يرتكب أي جرم من الناحية القانونية. وفلسفة هذا الموضوع كما أشرنا سابقاً:

أنّ

ما يتوقع من كل فرد يتوقف على إمكاناته من قبيل العقل والعلم والإيمان وبالتالي إمكانيته وقدرته.

فلربّما كان القيام بعمل من فرد يمثل عين الأدب والخدمة والحب والعبادة، لكنّه يمثل في نفس الوقت من شخص آخر عين إساءة الأدب والخيانة وخلاف المحبّة والتقصير في العبادة والطاعة! والآن على ضوء هذه الحقيقة، نأخذ بنظر الاعتبار الأنبياء والأئمّة عليهم السلام ونقيم أعمالهم على أساس تلك المنزلة العظيمة: فهؤلاء مرتبطون مباشرة بمبدأ عالم الوجود وقلوبهم تنبض بعلمه المطلق اللامتناهي، وهنالك العديد من الحقائق الواضحة لهم والخافية على غيرهم، فهم قد بلغوا ذروة العلم والإيمان والتقوى، وزبدة الكلام فهم يعيشون حالة من القرب الإلهي بحيث لا يغفلون عن معبودهم طرفة عين. وبناءً على هذا فما كان مباحاً أو مكروها على غيرهم يبدو محرّماً عليهم! والذنوب التي تنسب إليهم من خلال بعض الآيات والروايات والأدعية ووقوفهم لطلب العفو والمغفرة من هذا القبيل؛ أي أنّ مقامهم المعنوي وعلمهم وإيمانهم على درجة من الرفعة بحيث إنّ أدنى غفلة في أبسط عمل إنّما تعدّ معصية، ولعلنا نقف على هذه الحقيقة من الخير المعروف «حسنات الأبرار سيئات المقربين» «1».

وقد أورد الفيلسوف الجليل المرحوم الخواجة نصير الدين الطوسي جواباً للإشكال المذكور وهو: «أنّ الإنسان إن ارتكب حراماً أو ترك واجباً، ولابدّ أن يتوب وينزع عن معصيته، وهذا القسم من الذنوب لعامة الأفراد. ولكن إن ترك أمراً مستحباً وأتى بفعل

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 113

مكروه فهذا من الذنوب أيضاً ولابدّ من الأستغفار، وهذا الذنب والأستغفار بالنسبة للأفراد المعصومين من القسم الأول من الذنوب. والذنوب التي نسبها القرآن والروايات لبعض الأنبياء عليهم السلام كآدم وموسى ويونس و ... من هذا القبيل، وليست من الطائفة الأولى، ولو إلتفت فرد

لغير اللَّه واشتغل بأمور الدنيا وغفل عن التوجه إلى اللَّه فإنّ أهل المعرفة يعتبرون ذلك نوعاً من الذنوب، ولابد من التوبة منها وسؤال اللَّه المغفرة. ومن هذا القبيل أيضاً ذنوب نبيّنا وأئمتنا والتي يقرون بها في أدعيتهم ويستغفرون اللَّه منها، وهي ليست من النوع الأول والثاني من الذنوب» «1».

ونرى من الضروري لإكمال الجواب أن نتعرض هنا إلى الموضوع الذي ساقه أحد أعلام الشيعة المرحوم «علي بن عيسى الأربلي» في الجزء الثالث من كتابه النفيس «كشف الغمة في معرفة الأئمّة» ضمن بيانه لسيرة موسى بن جعفر عليهما السلام فقال:

«كان للإمام الكاظم عليه السلام دعاء في السجود يقرّ فيه بالمعصية و يسأل اللَّه المغفرة» «2».

فكنت أفكر في معناه وأقول: كيف يتنزل عمّا تعتقده الشيعة من القول بالعصمة، و ما اتضح لي ما يدفع التردد الذي يوجبه فاجتمعت بالسيد السعيد رضي الدين أبي الحسن علي بن موسى بن طاوس فذكرت له ذلك فقال: إنّ الوزير مؤيد الدين العلقمي سألني عنه فقلت:

كان يقول هذا ليعلم الناس، ثم إنّي فكرت بعد ذلك فقلت: هذا كان يقوله في الليل، وليس عنده من يعلمه. ثم سألني عنه الوزير مؤيد الدين محمد بن العلقمي فأخبرته بالسؤال الأول والذي قلت والذي أوردته عليه، و قلت: ما بقي إلّاأن يكون يقوله على سبيل التواضع وما هذا معناه، فلم تقع مني هذه الأقوال بموقع، ولا حلّت من قلبي في موضع، ومات السيد فهداني اللَّه إلى معناه ووفقني إلى فحواه بعد السنين المتطاولة من كرامات الإمام موسى بن جعفر عليه السلام ومعجزاته. و تقريره أنّ الأنبياء و الأئمّة عليه السلام تكون أوقاتهم مشغولة باللَّه تعالى، وقلوبهم مملوءة به، وخواطرهم متعلقة بالملأ الأعلى، كما قال عليه السلام: «أُعبد

اللَّه كأنّك تراه

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 114

فإن لم تره فإنّه يراك». فهم أبداً متوجهون إليه و مقبلون بكلّهم عليه، فمتى انحطوا عن تلك الرتبة العالية والمنزلة الرفيعة، إلى الاشتغال بالمأكل والمشرب والتفرغ إلى النكاح وغيره من المباحات عدّوه ذنباً واعتقدوه خطيئة واستغفروا منه. وإلى هذا أشار صلى الله عليه و آله: «إنّه ليران على قلبي وإنّي استغفر بالنهار سبعين مرّة» «1».

والعبارة المعروفة «حسنات الأبرار سيئات المقربين» وأمثالها إشارة لهذه الحقيقة التي أوضحناها.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 115

11 هل يجتهد الأئمّة في الأحكام؟

سؤال:

ما عقيدة علماء الإسلام بشأن الأحكام التي وصلتنا عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله وخلفائه المعصومين عليهم السلام؟ وهل يجتهدون في بيان بعض الأحكام كسائر الفقهاء؟ وما ذكرناه بالقول بعض الأحكام، ذلك لعدم وجود الاجتهاد في النصوص القرآنية الصريحة أو الأحاديث النبوية الصحيحة.

الجواب:

هذا السؤال يتعلق بعلم الكلام حيث ورد بصورة مفصلة في فصل النبوة والإمامة في كيفية علم النبي صلى الله عليه و آله والأئمّة عليهم السلام، نورده هنا باختصار، فعلماء المسلمين لا يرون للنبي صلى الله عليه و آله والأئمّة عليهم السلام من اجتهاد في بيان الأحكام، ويعتقدون بأنّهم لا يحصلون على الأحكام الشرعية بواسطة الاجتهاد، ومقامهم في بيان الأحكام أسمى من الاجتهاد.

فالقرآن في سورة «النجم» يصف كلام النبي صلى الله عليه و آله بالوحي الذي يلقى إليه بواسطة الملك. «1» والذي يتعرف على الحقائق عن طريق الوحي لا يحتاج قط إلى الاجتهاد واستنباط الأحكام من الأصول. ويصدق هذا الكلام على الأئمّة المعصومين عليهم السلام؛ فهؤلاء

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 116

وإن لم يرتبطوا بالوحي، إلّاأنّ علومهم غيبية، فهم يبيّنون الأحكام التي لم يقلها النبي الأكرم صلى الله عليه و آله إثر عدم وجود المقتضي أو انتفاء

المانع. فليس هنالك من حجاب بينهم وبين الأحكام الشرعية، وقد ألهمهم اللَّه بلطفه وعنايته كل ما يحتاجه العباد من أحكام إلى يوم القيامة «1».

وعلى هذا الأساس فليس هنالك من معنى لاجتهادهم في الأحكام، لأنّ الاجتهاد في الأحكام وظيفة من لا يستطيع التوصل إلى الأحكام دون استفراغ الوسع وتطبيق القواعد الأصولية والفقهية، وربّما لا يتوصل إليها حتى بعد تحمل المشقة والعناء، أمّا النبي الأكرم صلى الله عليه و آله الذي يتلقى الأحكام من طريق الوحي ينفتح على المتطلبات البشرية كافّة من حيث الأحكام والمعارف من خلال مجاريها الصحيحة، فإنّ مثل هذا الشخص سوف لن يحتاج إلى الاجتهاد ورد الفرع إلى الأصل واستنباط الجزئيات من الكليات. كما أنّ أوصياء النبي يعلمون حلال اللَّه وحرامه وأحكامه كافّة، والذي تتضح له واقعية الأحكام بكل خصائصها لغني عن الاجتهاد.

نوضح أكثر: الاجتهاد يلازم عدم الاطلاع القطعي على الأحكام الواقعية، والأفراد الذين يقفون بصورة قطعية على الأحكام عن طريق الوحي أو وراثة النبي صلى الله عليه و آله ليسوا بحاجة إلى الاجتهاد.

لكن علماء العامة يؤمنون باجتهاد الخلفاء في أغلب الأحكام، وقد وردت آراؤهم بصورة مفصلة في كتب «العقائد والمذاهب»، ولعل السبب الذي دعاهم إلى هذا الاعتقاد ما نقلوه من أخطاء عن الخلفاء ولم يكن لهم من توجيه لذلك سوى إن اعتبروهم مجتهدين كالفقهاء بحيث يخطئون أحياناً في بيان الأحكام، ويبدو لهم أنّ خطأ الخلفاء في بيان الأحكام إنّما كان بسبب احتهادهم، ولترسيخ هذه النظرية توسع بعضهم في هذا البحث ليسلط الضوء على علم النبي صلى الله عليه و آله ويخلص في خاتمة المطاف إلى أنّ النبي الأكرم كان يجتهد في الأحكام التي لم يرد فيها نص شرعي!

هذا بيان مختصر للموضوع والتفاصيل في

مباحث" العقائد والمذاهب".

12 ما المراد بالأنبياء أولي العزم؟

سؤال:

من هم الأنبياء اولو العزم عليهم السلام، وما هي كتبهم؟

الجواب:

مشهور أعلام الشيعة أنّ عدد الأنبياء مئة وأربعة وعشرون ألف نبي، وإنّ مئة وثلاثة عشر منهم كانوا رسلًا- أي لهم مهمّة خاصة- بغض النظر عن مقام النبوّة. ويمتاز منهم خمسة أنبياء يسمون «أولو العزم»، ويتصف دين هؤلاء الأنبياء بالعالمية والشمولية. «1» وهم حسب الترتيب الزماني: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم السلام، وكتبهم: صحف نوح وصحف إبراهيم والتوراة والإنجيل والقرآن.

ورغم أنّ كتب الأنبياء السابقين اعتراها الضياع أو تغيّرت ماهيّتها بحيث لم يبق سوى بعض معالمها- وبشكل محرف- إثر تقادم الزمان واغراض المعاندين، إلّاأنّ القرآن الكريم ظلّ منذ نزل على قلب رسول اللَّه صلى الله عليه و آله إلى زماننا الحاضر غضاً طرياً وسيبقى كذلك.

13 ما عدد الأنبياء الذين سمّاهم القرآن؟

سؤال:

ما أسماء الأنبياء الذين ذكروا في القرآن؟

الجواب:

بالإضافة إلى اسم النبي الأكرم صلى الله عليه و آله فقد ورد ذكر خمسة وعشرين نبيّاً في القرآن وهم:

آدم، إبراهيم، إدريس، إسحاق، إسماعيل، إلياس، أيوب، داود، ذو الكفل، زكريا، سليمان، شعيب، صالح، عزير، عيسى، لوط، موسى، نوح، هارون، هود، اليسع، يحيى، يعقوب، يوسف ويونس عليهم السلام.

14 هل عيسى ابن اللَّه؟!

سؤال:

هنالك برنامج ديني يبثه التلفاز الأمريكي عن الكنيسة الكاثوليكية يوم الأحد؛ والقساوسة يدعون بدعاء خاص لبعض الافراد الذين حال المرض دون حضورهم الى الكنيسة هو: اللّهم إنّا نؤمن بك، وليس لك سوى عيسى، وإننا نؤمن بابنك عيسى! هذه هي عقيدة المسيحيين بشأن عيسى عليه السلام. وأريد أن أعرف ما الدليل الذي يجعلنا نحن المسلمون ننكر أنّ عيسى هو ابن اللَّه؟

الجواب:

قد يبدو هذا السؤال عجيباً بالنسبة لمن يدرك منطق الإسلام بشأن معرفة اللَّه، لكنّه ليس كذلك لمن يعيش في البيئة غير الإسلامية وله إرتباط بالنصارى الذين يؤمنون بالأقانيم الثلاثة (اللَّه والابن والروح القدس) ويتحدثون عن «الإله الأب» و «الإله الابن».

ونرى- قبل الخوض في الجواب- توضيح الحقيقة التي يريدها المسلمون من كلمة «اللَّه» وما هو مرادهم منها؟ فكل من لديه أدنى علم بالعقائد الإسلامية يدرك أنّ «اللَّه» على ضوء وجهة النظر الإسلامية مبدأ جامع لصفات الكمال كافّة ومنزّه عن كل نقص وعيب

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 122

وحاجة وحدود، وكل ما في الكون محتاج إليه وهو الغني المطلق. ومن البديهي أنّ مثل هذا الإله لا يحتاج إلى أحد وليس له أجزاء ذهنية وخارجية، وليس لهذا الإله أن يلد أو يولد وليس له زوجة ولا تحدّه عن حدود الزمان والمكان. «1» لأنّ أيّاً من هذه الأمور إن كانت في اللَّه فإنّه يهبط من درجة الألوهية ليصبح مخلوقاً.

مثلًا

لو كان كسائر الموجودات المادية مركباً وله أجزاء- كأن نقول الماء مركب من عنصرين هما الاوكسجين والهيدروجين- سيكون محتاجاً في وجوده إلى تلك الأجزاء، وسوف لن يتركب دون هذه الأجزاء، وهذا المعنى لا ينسجم مع إلوهيته بصفته «مصدر الوجود» و «خالق الكون» وعلى هذا الأساس فإنّ المسيحيين الذين يعتقدون بأنّ عيسى ابن اللَّه إنّما يهبطون باللَّه من درجة الألوهية بهذه العقيدة ويضعونه في مصاف سائر المخلوقات.

كيف يمكن للَّه الذي يتنزّه عن التركب أن يفقد جزءً منه بشكل عيسى الذي يتصف كسائر أفراد البشر بالجسم والمادة، بحيث يصبح ابن اللَّه، واللَّه أبوه (لابدّ من التأمل). ولما شعر المسيحيون بأنّ هذا الموضوع «أنّ عيسى ابن اللَّه» لا ينسجم مع أساسيات العلم والعقل، اضطروا لتأويل الموضوع ليفسّروا بنوّة عيسى بأحد هذه المعاني:

1- لما كان خلق عيسى خرقاً للعادة ودون أن يكون له أب، كما كانت أفعاله تستند إلى أنواع المعجزات والقدرات الخارقة للعادة، ومن هنا يمكن القول إنّ عيسى مظهر تجلى اللَّه ولذلك نعته اللَّه بالابن، أو حيث إنّ اللَّه كان شديد الحبّ لعيسى فقد دعاه إبنه.

ويرد على هذا التوجيه إشكالان هما:

أ) تناقضه مع صريح العهد الجديد الذي يقول: لكن حيث تكامل الزمان بعث اللَّه ابنه الذي ولد من امرأة. ويتناقض مع عقائد عامة المسيحيين الواردة في رسالة نيقيّة العقائدية:

«إننا نؤمن بالرب الواحد الأب، القادر المطلق، خالق المرئيات وغير المرئيات، وعيسى المسيح ابن الرب، مولود من الأب، المولود الوحيد من ذات الأب، ربّ من ربّ ونور من نور

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 123

وإله حقيقي من إله حقيقي وهو مولود لا مخلوق مولود من ذات هي ذات الربّ ...»، ذلك لأنّ العبارات المذكورة صريحة في أنّ عيسى المسيح ابن اللَّه، وكما

ينفصل نور عن نور فقد انفصل عيسى عن اللَّه واستقر في رحم مريم، ومن هناك ورد إلى هذا العالم لهداية الناس والأخذ بأيديهم إلى شاطئ السعادة.

ب) إن استند الخلق لغير أب أو إنطوت حياة الشخص على بعض المعجزات وكانت كافية في أن يسمى ذلك الشخص بابن اللَّه، فإنّ ذلك سوف لن يقتصر على عيسى؛ فآدم عليه السلام ولد من دون أب وأم، كما ملئت حياة الأنبياء كابراهيم وموسى ونوح عليهم السلام و ... بأنواع المعاجز والكرامات، كما أنّ اللَّه يحبّهم جميعاً، وعليه فلابدّ من الاصطلاح عليهم جميعاً بأبناء اللَّه.

2- التوجيه الآخر ما يقال: المراد من أنّ عيسى ابن اللَّه أنّ اللَّه حل في جسد عيسى كما تحلّ الحرارة في الماء. وهذا التوجيه لا يشكل هروباً من أصل الإشكال فحسب، بل هو استجارة بالرمضاء من النار؛ ذلك لأنّه كما ذكر في مستهل البحث، إنّ اللَّه ليس بجسم ولا يحدّ بزمان ولا مكان، فاللَّه الوجود المحض والغني عن الزمان والمكان، فكيف يمكن أن يحلّ ويتحد بجسد إنسان كعيسى وهو يأكل الطعام ويشرب وينام ويحدّ بالزمان والمكان كسائر أفراد البشر؟! فهل يمكن استيعاب ماء البحر رغم محدوديته في قدح صغير، فإن قيل لا يمكن، فكيف يمكن حصر اللَّه غير المحدود في جسد عيسى البشري المحدود؟!

على كل حال، موضوع بنوة عيسى للَّه ليس خارجاً عن العقل والمنطق فحسب، بل من كان لديه أدنى علم بالعقائد الإسلامية فإنّ بعض هذه الأسئلة تثير لديه نوعاً من الغرابة، على غرار استغرابه ممن يسأل: لماذا لا يتناول اللَّه الطعام ويمشي و ...؟!

15 ظهور الفرق المسيحية الثلاث

سؤال:

هنالك عدّة فرق في الديانة المسيحية، إلّاأنّ أشهرها ثلاث هي «الكاثوليكية» و «الارثودوكسية» و «البروتستانتية»! فما الاختلاف بين هذه الفرق ومتى ظهرت؟

الجواب:

الكاثوليك

ومعربها «الجاثليق» تطلق على فرقة من المسيحيين الذين يرون البابا زعيمهم الروحي. وكان الأساقفة سواسية؛ إلّاأنّ بعض أساقفة المراكز الكبرى كالأسكندرية وأنطاكيا والقسطنطينية وروما تزعموا ما حولهم من الكنائس. واصطلح على أساقفة الكنائس الثلاث الأولى ب «البطريارق» وأسقف روما بالبابا.

والكنيسة الرومانية أصبحت أعظم شهرة في العالم منذ ألّف «بولس» رسالته؛ ولم يكتفِ البابا بزعامة أكبر كنيسة في العالم، حيث سعوا للتسلط بالتدريج على الكنائس العالمية كافّة، واستندوا إلى أنّ عيسى استخلف «بطرس» فكان أول أسقف لروما، وعلى هذا الأساس كان خليفة «بطرس» لابدّ أن يكون خليفة عيسى في الأرض فيمارس سلطته على جميع الكنائس. وادعى «ليو» في القرن الخامس زعامته لكافّة الكنائس المسيحية، وقد

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 126

سلّم له أغلب أساقفة المغرب؛ بينما امتنع بطارقة القسطنطينية وأنطاكيا وأساقفة الكنائس الإيرانية عن الإعتراف بمقامه وزعامته؛ وقد أدّى هذا الإمتناع إلى ظهور الانفصال بين الفصائل اللاتينية المغربية والكنائس اليونانية والسريانية الشرقية.

وما زالت هاتان الكنيستان منفصلتان إلى اليوم؛ إحداهما الكنيسة الأرثودوكسية اليونانية التي انتشرت في اليونان وروسيا، والأخرى الكنيسة الكاثوليكية الرومانية التي استفحلت في اوربا وامريكا. فهاتان الكنيستان تتفقان في اصل العقيدة، إلّاأنّهما اختلفا في قضية سلطنة البابا؛ بالإضافة إلى الاختلاف في بعض الأمور الثانوية.

أمّا البروتستانتية كما يبدو من معناها (الإعتراض) فهي اسم فرقة كثيرة الأتباع اليوم؛ وظهرت هذه الفرقة اثر اعتراضها على أسلوب الباباوات وتهافت رجال الدين المسيحيوين على جمع الثروات وبيع «صكوك الغفران» وفرض بعض القيود على المتعلمين. والواقع أنّ هذه الفرقة «اصلاحية» لتهذيب المسيحية ممّا فرضه عليها بعض الأساقفة والباباوات وزعيم هذه الفرق «مارتن لوثر» المصلح الكبير في عالم المسيحية. ففي 31/ 12/ 1517 م لصق ورقة على جدار كنيسة «ويتنبرك» أعرب فيها عن غضبه

وسخطه تجاه بيع صكوك الغفران وسائر انتهاكات القساوسة ليعتبرها مجانبة للمنطق. فلما علم البابا أمر باحضاره إلى روما، فتمرد عليه، فكفره لؤي العاشر عام 1520 م. فقام «لوثر» بأحراق ورقة تكفيره بشجاعة حظيت بثناء الآخرين، ثم ترجم الكتاب المقدس «العهد الجديد» إلى الألمانية وأفنى عمره في التأليف وإصلاح الكنائس الخاضعة لنفوذه.

وأخيراً رغم استطاعت الفرق البروتستانتية ممارسة الإصلاح في المسيحية، وأنكرت بيع الجنان وصكوك الغفران والرهبنة وأمثال ذلك، وامتناعها عن الإعتراف بزعامة البابا، مع ذلك لم تستطع الخروج عن حالة جمود المسيحية بشأن «التثليث» وسائر المسائل الخاطئة.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 127

16 ما غسل التعميد؟

سؤال:

ما المراد من غسل التعميد، وما كيفيته؟

الجواب:

غسل التعميد أحد السنن الدينية المسيحية، ويزعمون أنّه كان قبل المسيح، وكل من يقوم بهذا الغسل فإنّه يؤدّي به إلى الطهارة من أي دنس ووقف النفس في طاعة اللَّه. مع ذلك قال مؤلف كتاب «القاموس المقدس»: «إنّ المسيح لم يعمد أحداً» «1».

وهناك خلاف بين المسيحيين بشأن كيفية غسل التعميد؛ فالبعض يقول بوجوب غمر البدن في الماء، ويقول البعض الآخر بضرورة غمس البدن في الماء ثلاث مرات، وأخيراً يقال: إنّ غسل التعميد للكبار الذين يستطيعون الإعتراف بالذنب عند القسيس؛ ومن هنا فإنّ الأطفال يعفون من هذا العمل؛ بينما يقول البعض بوجوب تعميد الأطفال ويعتقدون بكفاية رش البدن بالماء، لأنّ هذا العمل (رش الماء على الأطفال) إشارة إلى الغسل مع الروح القدس ويكفي قدر من الماء باسم الأب والابن والروح القدس. وبناءً على هذا فإنّ غسل التعميد لمن كان مسيحياً سبب طهارته من الذنب، كما يعتبر هذا الغسل بالنسبة

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 128

للأطفال والمسيحيين الذين لم يعمدوا أو الأفراد الذين يعتنقون هذا الدين حديثاً دليلًا على الدخول في الدين المسيحي.

كيفية غسل

التعميد:

يسود اليوم جميع الكنائس غسل التعميد الموحد وبهذه الصيغة:

يقوم القس بمل ظرف بالماء ويضيف إليه أحياناً مقداراً من الدهن والملح، ثم يخاطب من يروم تعميده أمام الجميع قائلًا: «إعلم أنّ المسيحية عبارة عن الاعتقاد بأنّ اللَّه يتركب من ثلاثة أصول أزلية الأب والابن والروح القدس؛ إذن عيسى الرب وابن الرب وانعقد بهيئة بشر في رحم أمّه مريم؛ فهو إله من جوهر أبيه وإنسان من أمّه وقد صلب ثم حيي بعد ثلاثة أيّام و (كان أربعين يوماً بين الناس) ورفع إلى السماء وجلس يمين الرب وسيشهد بإيمانك يوم القيامة ذلك الرب المقتول».

وهنا ينبغي أن يرد الطرف المقابل بلى، فيقوم القس مباشرةً بصب الماء على الشخص ويقول بصوت مرتفع أعمدك باسم الأب والابن والروح القدس ثم يجفف وجهه بمنديل، فتغفر ذنوبه في هذه اللحظة أو يصبح مسيحياً بصورة رسمية.

ويعمد الصبي في اليوم الثامن، حيث يأتي الوالدان بصبيهما إلى الكنيسة، فيخاطبه القس بالعبارات السابقة ويلبي الوالدان بدل الطفل «1».

ولو تأمل كل منصف تشريفات غسل التعميد لرآه مشحوناً بسلسلة من الخرافات، نشير إلى جانب منها:

أولًا: إنّ الذنب نوع من الأنحراف الروحي والأخلاقي ولا تزول آثاره قط دون تصفية الروح والتوبة الحقيقية والتربية الأخلاقية والإنابة إلى اللَّه، ورش الماء بعد خلطه بالدهن (بلسان) والملح ليس من شأنه تصفية روح الإنسان وغسل قلبه، ولو عاش الإنسان توبة حقيقية من الذنب وندم على ما فرط منه لما كان بحاجة إلى هذه الخرافات. فالإسلام يعتبر

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 129

ندم الشخص انعكاساً لطهارته من الذنب، ولا يؤمن أبداً بأن ينتهك المذنب ستره ليبوح لآخر بذنوبه ليكون واسطة وسببا لغفرانها.

ثانياً: الإيمان بالتثليث- وبهذه الصراحة- شرك علني ليس من شأنه أن يكون وسيلة للطهر فحسب، بل

يبعد الإنسان عن حقيقة التوحيد، وبالطبع أنّ العقيدة التي تستند إلى هذه الخرافات سوف لن تكون وسيلة للنجاة والتربية، بل لا تؤدّي سوى إلى الانحراف والضلال، والحق أنّه لمن دواعي الدهشة والذهول أن يتكلم هؤلاء بهذه العبارات التي تفيد الكفر صراحة ويزعمون أنّها ستطهرهم من الذنب.

ولعل رؤية واضحة تبدو لنا ممّا تقدم عن واقعية الدين الإسلامي المقدس، فالإيمان بمبادئ هذا الدين لا يتوقف على أي من هذه الخرافات، وكل فرد أينما كان آمن بوحدانية اللَّه ونبوة النبي صلى الله عليه و آله سيكون مسلماً واقعياً ويتساوى في الحقوق مع سائر المسلمين، وعليه فليس هناك داعٍ لأن يحضر عند شخص ليسمع تلقيناته ويصدق بخرافاته.

17 بشارة المسيح بنبي الإسلام

سؤال:

هل ورد في الأناجيل بشارة المسيح بالنبي صلى الله عليه و آله كما ورد في القرآن وأنّ اسمه «أحمد»؟

الجواب:

الآية الشريفة الواردة في القرآن بهذا الشأن «... وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ» «1».

يقول المحققون إنّ هذه البشارة وردت في انجيل يوحنا في الأبواب 14 و 15 و 16 وقد أخبر المسيح عن انجيل «يوحنّا» بمجيئ شخص من بعده يدعى «فارقليط» وتفيد أغلب القرائن أنّ المراد به نبي الإسلام، ونرانا مضطرين لتوضيح المطلب بذكر بعض النصوص المذكورة في بعض الأناجيل:

«إن كنتم تحبونني فالتزموا بأحكامي وسأطلب من الأب أن يبعث لكم" فارقليط" آخر وسيبقى معكم إلى الأبد. أنّه روح الحق والصدق وسوف لن يصدقه العالم، لأنّهم لا يرونه

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 132

ولا يعرفونه، لكنه يعرفكم، لأنّه سيبقى معكم وبينكم» «1».

«لقد قلت لكم هذا الكلام حين كنت معكم، إلّاأنّ ذلك" فارقليط" الذي سيبعثه الأب بأسمي، سيعلمكم كل شي ء وسيذكركم بكل ما قلته لكم» «2».

«لقد أخبرتكم به

قبل ظهوره لتؤمنوا به حين ظهوره» «3».

«سابعث لكم من جانب الأب ذلك الفرقليط وسيشهد لي فهو روح الصدق» «4».

«أقول بحق من المفيد لكم أن أذهب ولو لم أذهب فإنّ ذلك «الفارقليط» سوف لن يأتيكم، فإن ذهبت سأبعثه لكم، فإن جاء سيلزم العالمين بالذنب والصدق والإنصاف:

بالذنب لأنّهم لا يؤمنون بي، وبالصدق لأنّي أذهب إلى أبي، وسوف لن ترونني، وبالإنصاف لأنّ الحكم سيجرى على رئيس هذا العالم، وسيكون لدي الكثير لأقول، لكنكم لا تستطيعون تحمل ذلك الآن، لكنّه إن جاء سيرشدكم إلى الحقيقة لأنّه لا ينطق عن نفسه، بل سيتكلم بكل ما يسمع. وسينبئكم عن المستقبل وسيثني عليَّ، لأنّه سيجزيكم بكل ما يجده مني. كلما كان من الأب فهو مني ولذلك قلت لكم سيجزيكم بكل ما يأخذه مني». «5»

ولدينا هنا قرائن واضحة في أنّ المراد من «فارقليط هو النبي محمد» الذي يأتي بعد المسيح لا روح القدس:

1- لابدّ من الألتفات أولًا إلى أنّ المستفاد من بعض التواريخ المسيحية أنّه كان من المسلّم بين مفسّري الإنجيل قبل انبثاق الدعوة أنّ فارقليط هو النبي الموعود، حتى استغله البعض وزعم أنّه الفارقليط الموعود. مثلًا: «منتسر» المرتاض الذي عاش في القرن

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 133

الميلادي الثاني، ادّعى النبوة في آسيا الصغرى عام 187 وقال: أنا فارقليط الذي بشر به عيسى ويتبعه الناس «1».

2- يستفاد من الآثار والتواريخ الإسلامية المعتبرة أنّ الزعامات السياسية والدينية المسيحية كافّة كانت تتطلع إلى أيّام بعثة النبي الأكرم صلى الله عليه و آله إلى النبي الموعود الذي بشر به الإنجيل، ومن هنا لما قدم سفير النبي وسلّم رسالته إلى ملك الحبشة، التفت إلى السفير وقال: أشهد أنّه النبي الذي ينتظره أهل الكتاب، وكما أخبر موسى عن

نبوّة المسيح، فقد بشر المسيح بنبي آخر الزمان وذكر علاماته «2».

وحين تسلم قيصر رسالة النبي، أجاب بأنّه كان يعلم بظهور نبي آخر الزمان، لكنّه ظن أنّه سيظهر من الشام ... «3» فالذي يستفاد من هذه النصوص التاريخية أنّهم كانوا ينتظرون نبيّاً، ولا شك في أنّ هذا الانتظار يستند إلى الإنجيل.

3- الخصائص التي ذكرها المسيح ل «فارقليط» والنتائج المترتبة على ظهوره، تفيد بما لا يقبل الشك أنّ المراد به النبي الموعود، والتي تجعل من المتعذر تفسيره بروح القدس.

وتوضيح ذلك:

أ) ابتدأ المسيح كلامه بالقول: «إن كنتم تحبونني فالتزموا بأحكامي، وسأطلب من أبي ليبعث لكم" فارقليط" آخر».

أولًا: أنّ تذكير المسيح بحبّه يفيد عدم استجابة أمّته لمن يبشر به بالمجيئ بعده، ولذلك يحاول من خلال إثارة عواطفهم دفعهم لطاعته، ولو كان المراد به روح القدس كما فسّره أصحاب الإنجيل لما احتاج هذه المقدمة. لأنّ روح القدس أن هبط فسوف يستحوذ على القلوب والأرواح بحيث لا يدع لأحد من مجال لإنكاره، أمّا إن كان هو النبي الموعود، فهنالك حاجة ماسة لهذه المقدمة؛ ذلك لأنّه ليس للنبي الموعود من سبيل في التأثير على القلوب سوى من خلال الوعظ والإرشاد، وعلى هذا الأساس تؤمن به طائفة وتكفر به

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 134

طائفة أخرى ولم يكتف المسيح بهذا، حيث قال في الآية 29 من الباب 14 (لقد أخبرتكم به قبل ظهوره لتؤمنوا به حين ظهوره)، في حين لا يحتاج الإيمان بالروح القدس إلى الوصية فضلًا عن هذا الكتاب.

ثانياً: قال: «سيبعث لكم فارقليط آخر» فإن فسّرناه بنبي آخر كان الكلام تاماً، أمّا إن قيل المراد به روح القدس، فلفظ «آخر» لا يخلو من تكلف، ذلك لأنّ روح القدس واحد ولا معنى للآخر.

ب) «سيذكركم

بكل ما قلته لكم»" 26: 14" وسيشهد لي (الباب 15، العبارة 26). قيل إنّ الروح القدس هبط على الحواريين بعد خمسين يوماً من صلب عيسى، فهل نسيت هذه الصفوة تعليماته كافّة خلال هذه المدّة القصيرة ليعلمهم روح القدس تلك التعاليم ثانية؟ وما حاجة حواريي المسيح لشهادته ليشهد على المسيح! أمّا إن كان المقصود به النبي الموعود فسيكون معنى العبارتين صحيحاً؛ ذلك لأنّ أمة المسيح نسيت أغلب تعاليمه بفعل تقادم الزمن والأيادي التي امتدت إلى الإنجيل، لقد جاء محمد صلى الله عليه و آله بكل تلك التعاليم وشهد بنبوّة عيسى عليه السلام وقال: كان نبيّاً مثلي وبرأ أمّه ممّا وجه إليها من التهم وبرأ عيسى من دعوى الالوهية.

ج) «لو لم أذهب فإنّ ذلك الفارقليط سوف لن يأتيكم» (7: 15) فقد اشترط مجيئ فارقليط بذهابه، فإن كان المراد روح القدس فإن نزوله عليه وعلى الحواريين لم يكن مشروطاً بذهابه؛ لأنّ المسيحيين يعتقدون بإن الروح القدس نزل على الحواريين الذين وجههم المسيح للوعظ «1».

وعليه فإنّ نزوله لم يكن مشروطاً بذهابه قط؛ أمّا إن قيل إنّ المراد به نبي صاحب شريعة- وشريعة عالمية- فإنّ مجيئه سيكون مشروطاً بذهاب المسيح ونسخ شريعته.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 135

د) وردت أمور ثلاثة أثر نزول «فارقليط» هي: (أنّه يلزم «1» العالم بالذنب والصدق والإنصاف؛ بالذنب لأنّهم لا يؤمنون بي) (8: 16). وتعلم على ضوء عقيدة المسيحيين أنّ «روح القدس» نزل على الحواريين بعد 50 يوماً من صلب عيسى وأنّه لم يلزمهم قط بالذنب والصدق والإنصاف، ويستفاد من ذيل الآية أنّه ينزل على المنكرين لا الحواريين الذين لا يكذبون المسيح قط. لكن إن قلنا إنّ المراد نبي الإسلام الموعود، فإنّ كل هذه الخصائص مجتمعة فيه.

ه)

«سيشهد فارقليط لي- المسيح-» (26: 15).

«سيخبركم بالمستقبل وسيثني علي» (13: 16).

فالشهادة للمسيح تكشف أنّه ليس الروح القدس، لأ، الحواريين ليسوا بحاجة لتصديقه، كما أنّ المراد من أنّه سيمنحه الجلال، فهو المدح والثناء من النبي الموعود للمسيح وإكماله شريعته، فأي جلال أعظم من هذا.

ولعل تأمل هذه القرائن يرشدنا إلى الحقيقة التي توصل إليها محققو الإسلام، طبعاً لا تقتصر القرائن على ما ذكر، وهنالك الكثير.

وفي الختام ننقل موضوعاً أوردته الموسوعة الفرنسية الكبرى: ج 23 ص 4174 بهذا الشأن حيث جاء فيها:

«محمد مؤسس الدين الإسلامي ورسول اللَّه وخاتم النبيين؛ وكلمة محمد تعني كثير الحمد ومن مادة حمد بمعنى التجليل والتحميد. والاسم الآخر المشتق من مادة حمد هو أحمد والذي يحتمل أنّ مسيحيي الحجاز استعملوه بحق فارقليط. وهكذا ذهب المفكرون

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 136

الإسلاميون إلى أنّ المراد من ذلك اللفظ البشارة بظهور نبي الإسلام. وقد أشار القرآن في سورة الصف صراحة إلى هذا الموضوع» «1».

إستعنا في هذا الموضوع بالكتاب القيم «أنيس الأعلام» تأليف فخر الإسلام.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 137

18 ولادة مريم

سؤال:

تظهر الحياة (خلية النطفة) في ظل تركيب جزئين أساسين هما (الأسبرماتوزوئيد) و (الأوفل) وهذا التركيب (اللقاح) في أنّ الخلية الجنسية الأنثوية ليست قادرة لوحدها في خلق الحياة (النمو والتغذية والتقسيم). وعلى ضوء هذا الأصل العلمي المسلم، فكيف حملت السيدة مريم بولدها المسيح عليه السلام دون زواج وجماع؟! والحال لا تستطيع الخلية الجنسية الأنثوية توليد حياة بمفردها؟!

الجواب:

نود أن نُذكِّر بعدم كلية الأصل المذكور قبل الخوض في موضوع حمل السيدة مريم؛ لأنّ الحياة إنّما تتولد من لقاح خليتين جنسيتين، وربّما تتعذر بالإكتفاء بخليّة واحدة، إلّاأنّ التجربة أشارت إلى وجود محركات أخرى غير الأسبرماتوزوئيد تستطيع إزالة الاختلافات الفسلجية للبويضة وتسوقها إلى الإنقسام

ووجود حالات الولادة البكر تدعم ذلك.

فالعلماء يقولون إنّ بويضات بعض الكائنات لها القدرة على النمو دون القيام بعملية

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 138

اللقاح، ويطلق على الأحياء التي تتكاثر بهذه الطريقة الأحياء الولودة البكر. ولعلنا نلمس نموذج ذلك في بعض الأحياء مثل نجمة البحر ودودة القز. وملكة النحل لا تغشى الزنبور سوى مرّة واحدة طيلة عمرها فتتحول البويضات المركبة من خلية جنسية أنثوية إلى عاملات، أمّا البويضات التي لا تتركب من خلايا جنسية أنثوية فهي تخرج من الجهاز التناسلي للملكة دون عملية اللقاح وتواصل نموها وتتحول إلى زنابير ذكرية.

أضف إلى ذلك فإنّ بعض الأحياء المجهرية كالميكروبات والبكتريا والفايروسات تتكاثر دون عملية لقاح. كما تتكاثر الأميبا عن طريق الإنشطار.

وتوصل بعض العلماء إلى حقيقة قدرة بعض النساء على الحمل والإنجاب دون الجماع وصرحوا بأنّ بعض الغدد لدى المرأة يمكنها التكاثر والإنجاب دون الحاجة إلى عملية اللقاح.

فيتضح ممّا مرّ أنّ بعض النساء البكر يمكنها الولادة دون لقاح وقد تحققت هذه القضية لدى البعض منهنّ وعلى هذا الأساس تتضح قضية حمل السيدة مريم عليها السلام دون عملية اللقاح. وقد صرح القرآن الكريم بشأن المراحل الابتدائية لحملها قائلًا: «فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً* قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيّاً* قَالَ إِنَّمَآ أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِاهَبَ لَكِ غُلَاماً زَكِيّاً* قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً* قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ» «1»

، وعليه لا يستبعد أن تكون هنالك بعض العوامل المجهولة التي أثرت على الخلايا الجنسية للسيدة مريم كسائر المحركات فأوجبت الولادة والنمو.

وبالطبع فإنّ الهدف من ولادة السيد المسيح عليه السلام أنّ اللَّه خلق بشراً كمظهر لقدرته فكانت ولادته المجازية ليتمّ الحجّة على

بني اسرائيل الذين لم يستجيبوا للأنبياء الذين بعثوا من بعد موسى بن عمران عليه السلام. «2» فاللَّه الذي خلق مادة الحياة الأولى وأول خلية حية، واللَّه الذي

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 139

خلق أول بشر دون عملية لقاح، يستطيع وعلى أساس الهدف المذكور خلق نبي عظيم ورجل كامل لتكون ولادته الإعجازية دليلًا دامغاً على قومه المعاندين.

بعبارة أخرى: نمو الخلية الأنثوية في رحم الأُم إنّما يتمّ أحياناً لا دائماً عن طريق اللقاح، وهذه علة عادية ألفناها، لكننا لا نمتلك الدليل على امتناعها من طريق آخر. بل من الممكن أن تكون هنالك بعض العلل التي يمكنها تربية الخلية الأنثوية وتجعلها جاهزة للقيام بوظيفة الحياة، وإن كانت هذه العلل خافية علينا بفعل معلوماتنا الناقصة عن أسرار الحياة، فهي ليست بخافية على العليم الحكيم القادر سبحانه.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 141

19 هل نذرت أم مريم أن يكون ولدها راهباً؟!

سؤال:

نعلم بحرمة الرهبانية الدائمة- ولاسيما على عهد مريم (أم عيسى)- فلماذا نذرت ذلك امرأة عمران حين كانت حاملًا (أم مريم) إن رزقها اللَّه ولداً؟

الجواب:

إنّ أُم مريم لم تنذر مثل ذلك أبداً، بل نذرت إن وهبها اللَّه ولداً أن تجعله خادماً لبيت المقدّس لا راهباً، فتحرره من خدمة الأب والأم ليتفرغ لخدمة المسجد. وقد أشار القرآن إلى ذلك فقال: «إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» «1».

يقول المفسرون إنّ المراد من كلمة «محرراً»" خادم المعبد، وسبب اطلاق المحرر على خادم الأماكن المقدّسة، أنّه معفو من القيام بسائر الخدمات الاجتماعية والقيام على شؤون الأب والأُم. وعليه فالنذر كان خدمته، ولم ترد فيه أيّة إشارة إلى الرهبانية، فالرهبانية بمعنى هجران الدنيا والرغبة عن الزواج وهي خلاف قانون الخلقة، ومحظور في الشرائع كافّة.

اجوبة

المسائل الشرعية، ص: 143

20 شق القمر

سؤال:

يقال: إنّ إحدى معجزات النبي الأكرم صلى الله عليه و آله شقّ القمر، فهل هذا صحيح؟

الجواب:

لابدّ من تسليط الضوء على جوانب هذه القضية كافّة بغية إيضاحها:

1- هل يمكن أن ينشق القمر وهو بهذا الحجم الهائل ثم يعود إلى حالته الأولى؟

2- إن كان ذلك ممكناً، فهل لدينا من دليل قاطع على وقوع هذا الأمر على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه و آله كاحدى معجزاته؟

3- إن كان هنالك من دليل على وقوع المعجزة فما تفاصيللها؟

المبحث الأول:

يكفينا للتعرف على إمكانية انشقاق القمر من وجهة نظر العلم المعاصر أن نشير إلى بعض الانفجارات والانشقاقات التي تشهدها المنظومة الشمسية.

أ) الاستروئيدات أحجار كبيرة تدور حول المنظومة الشمسية، ويعبر عنها أحياناً

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 144

بكرات صغيرة تشبه السيارات، وقد يبلغ قطر بعضها 25 كيلومتراً. ويعتقد العلماء أنّ هذه القطعات بقايا سيارة كبيرة كانت تتحرك ضمن مدار بين المريخ والمشتري، ثم انشقت أثر بعض العوامل المجهولة، وهذا نموذج من الانشقاق في الأجرام السماوية.

ب) الشهب قطعات صغيرة تائهة تدور بسرعة فائقة في مدارات خاصة حول الشمس، وأحياناً تتقاطع مع مدار الكرة الأرضية فتنجذب نحو الأرض. ويقول العلماء إنّها بقايا مذنبات انفجرت إثر بعض العوامل المجهولة، وهذه أيضاً نموذج آخر للانشقاق الحاصل في الأجرام السماوية.

ج) على ضوء نظرية (لابلاس) وأغلب علماء الفلك فإنّ ظهور المنظومة الشمسية كان نتيجة لوقوع انشقاق عظيم حدث في الشمس، فقد كانت كل هذه السيارات التي كان مركزها الشمس كتلة واحدة بادئ الأمر، ثم انفصلت كل واحدة بالتدرج؛ إلّاأنّ هناك خلافاً بين علماء الفلك بشأن العوامل التي أدّت إلى الانفصال والانشقاق، ولكن أقرّ جميع العلماء بإمكانية حصول الانشقاق في كرات المنظومة الشمسية.

ونستنتج ممّا سبق أنّ: أصل

وقوع الإنشقاق في الكرات السماوية ممكن، والعلم لا ينكر ذلك، بل وضع قواعد الهيئة الجديدة على هذا الأساس. ومن البديهي أنّ حصول هذا الأمر في اي من الكرات يتطلب قوة هائلة تبدو معروفة على ضوء بعض الفرضيات في بعض الموارد ومجهولة في البعض الآخر. ومن المسلم به في شق القمر أنّه كانت هنالك عوامل خفية استطاعات إيجاد ذلك التأثير، وبالنظر إلى أنّ كل من تطرق إلى شق القمر يدعي باستناد النبي إلى القوى التي تفوق العادة فإنّ أحد لم يزعم أنّ النبي قام بذلك العمل بهذه القوة البشرية العادية. ويبقى هنا موضوع واحد هو التئام أجزاء القمر بعد الانشقاق. ولحل هذه القضية يكفي أن نعلم أنّ الإنشقاق لم يكن شديداً وعظيماً لأننا نعلم حسب (قانون نيوتن) بوجود قوّة التجاذب بين أي جسمين، وأنّ هذه الجاذبية تتناسب طردياً مع حاصل ضرب الكتلتين ومربع المسافة بينهما، فكلما كانت المسافة قصيرة إزدادت الجاذبية وعليه

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 145

فإنّ هذه الأجزاء تنجذب إلى بعضها كلما قربت المسافة بينها «1».

هذا من وجهة نظر الهيئة الجديدة؛ أمّا من وجهة نظر الهيئة القديمة وامتناع الخرق والإلتئام في الأجرام الفلكية التسعة فلاحاجة لبحثها بعد أن فند العلم الحديث تلك النظرية.

ونستنتج ممّا سبق أنّه ليست هنالك من استحالة يذكرها العلم بشأن حادثة شق القمر.

المبحث الثاني:

إنّ أول دليل على وقوع معجزة شق القمر، الآية القرآنية الشريفة: «اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ* وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ* وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ» «2».

وقد قال مفسّرو الفريقين إنّ الآيات المذكورة واردة بشأن قضية شق القمر وهي المعجزة التي حدثت على عهد النبي الأكرم صلى الله عليه و آله، ومن تلك التفاسير الشيعية: تفسير البيان،

ومجمع البيان، وأبو الفتوح الرازي، ومنهج الصادقين، والصافي، والبرهان، ونور الثقلين، وشبّر، ومن التفاسير العامة: تفسير الطبري، والدر المنثور، والفخر الرازي، والبيضاوي، والكشاف، وفي ظلال القرآن. وصرح المرحوم الطبرسي صاحب مجمع البيان في ذيل الآيات المذكورة أنّ المفسرين كافّة يعتقدون بأنّ الآيات واردة في معجزة شق القمر على عهد النبي صلى الله عليه و آله. كما قال الفخر الرازي إنّ جميع المفسرين يؤمنون بأنّ آية شق القمر وقعت على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه و آله.

أضف إلى ذلك فقد وردت أكثر من 40 رواية في مصادر الفريقين بشأن شق القمر. وبناءً على هذا فليس هنالك من شك في نزول الآيات المذكورة بشأن وقوع معجزة «شق القمر».

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 146

المبحث الثالث:

ما يستفاد من الآيات المذكورة والروايات أنّ المعجزة وقعت على عهد النبي الأكرم صلى الله عليه و آله إثر طلب المشركين؛ أي أنّ القمر انشق بقوّة خارقة «قدرة اللَّه» وعاد ثانية إلى حالته السابقة.

أمّا خصوصيات تلك الواقعة التي وردت في بعض الكتب والتي يحتمل صحتها، تتطلب أبحاثاً مسهبة، نتحفظ عن الخوض فيها لعدم ضرورة معرفة تلك الخصوصيات. ولابدّ أن نذكر في الختام أنّ هذه الواقعة وعلى غرار نظيراتها لم تكن بمأمن عن أيدي المحرفين والوضاعين، فأغرقوها بمختلف الخرافات، ومنها مثلًا أنّ نصف القمر هبط ودخل في كم النبي وخرج من طرفه الأخر. ولم ترد هذه الأمور في أي من المصادر المعتبرة للفريقين.

ونحاول الآن الرد على الشبهة التي وردت في السؤال:

لو كان شق القمر حقيقة لانبغى ذكره في التواريخ العالمية، والحال ليس له من ذكر في هذه التواريخ. ولكي يتضح الجواب عن هذا السؤال، لابدّ من الإلتفات إلى الأمور التالية:

أولًا: لابدّ من الإلتفات إلى تعذر

رؤية القمر في نقاط الكرة الأرضية كافّة، بل يمكن رؤيته من قبل نصف الكرة الأرضية.

ثانياً: أنّ أغلب الناس في هذا النصف إنّما يغفلون عن الحوادث التي تشهدها الأجرام السماوية، سيما أنّهم ينامون بعد منتصف الليل. وعليه فسوف لن يشهد الحادثة أكثر من ربع العالم.

ثالثاً: ما الضير في أن تكون السماء ملبدة بالغيوم في مختلف نقاط العالم حين وقوع تلك الحادثة.

رابعاً: أنّ الحوادث السماوية التي تجلب انتباه الأفراد حين تكون من قبيل الصاعقة المصحوبة بالرعد أو الخسوف والكسوف اللذين يرافقهما قلّة الضوء ولمدّة طويلة نسبياً.

وقلما تلفت تلك الحادثة المفاجئة والعابرة والتي لم يرافقها بعض الآثار انتباه الأفراد، فهل هنالك من دافع لتأمل السماء في الليالي الاعتيادية التي يطلع فيها القمر ويغيب؟

خامساً: كانت وسائل النشر والتدوين التاريخي آنذاك محدودة جدّاً ولم تكن كما هي

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 147

عليه اليوم بحيث تنتشر حادثة كهذه كسرعة البرق.

سادساً: لا يبدو التاريخ القديم واضحاً في أغلب معالمه، بل هو مليئ بالنقاط الغامضة والمبهمة، فمثلًا (زرادشت) أحد الشخصيات التاريخية المعروفة والذي امتد نفوذه إلى مناطق شاسعة آنذاك، لكن مازالت تفاصيل ولادته ووفاته وموضع ولادته وسائر خصائص حياته مجهولة إلى اليوم، بل ينكر البعض حتى وجوده. فإن كانت تلك البلدان القريبة العهد غافلة إلى هذه الدرجة عن تدوين تاريخها، فما بالك بتدوين تلك الحادثة آنذاك من قبل البلدان الأوربية.

أضف إلى ذلك لم تكن هناك من خطة للمؤرخين في تدوين الأحداث كافّة، لأننا نقطع بأنّ تاريخ البشرية شهد وقوع مئات الزلازل والعواصف الكاسحة التي دمرت العديد من المناطق، بينما لم يفرد لها التاريخ سطوراً في صفحاته ولو عدنا لتفسير الطبري لرأينا 30 رواية بشأن معجزة شق القمر، إلّاأنّ صاحب هذا التفسير الذي دون

تاريخه المعروف بتاريخ الطبري لم يتطرق إلى هذه الحادثة. وعلى هذا الضوء فإنّ عدم ذكر هذه الحادثة في التواريخ لا يبدو مستغرباً، كما لا يعتبر دليلًا على عدم وقوعها. جدير بالذكر فقد أفاد بعض المحققين أنّ هذه الحادثة وردت في بعض التواريخ، على سبيل المثال جاء في كتاب «تاريخ الملائكة» في المقالة الحادية عشرة أنّ أهالي منطقة ميلبار الهندية شهدوا واقعة شق القمر على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه و آله وذكروا في كتبهم أنّ حاكم تلك المنطقة ثبت له بعد التحقيقات التي أجريت بهذا الشأن أنّ الموضوع المذكور كان أحد معاجز نبي الإسلام صلى الله عليه و آله؛ وعليه فلا يمكن القول إنّ الحادثة لم تذكر في التاريخ. كان ما سبق خلاصة البحث بشأن مسألة شق القمر التي يمكن إثارتها بهذا الخصوص «1».

القسم الثالث أوصياء النبي صلى الله عليه و آله

1 كيف التفت علي عليه السلام في صلاته للسائل؟

سؤال:

ورد في سيرة أمير المؤمنين علي عليه السلام أنّه لم يلتفت في صلاته لسهم سل من رجله من شدة الخشوع و التوجه الى اللَّه، لكننا نسمع أنّه كان واقفاً للصلاة وقد التفت إلى سؤال فقير فتصدق بخاتمه؛ فكيف الجمع بين الحالتين؟

الجواب:

لابدّ من الإلتفات إلى الفارق الكبير بين «سل السهم من الرجل» و «التصدق بالخاتم على الفقير»؛ لأنّ سل السهم من الرجل له بعد شخصي ومادي صرف وبعيد عن التوجه التام للَّه والاستغراق في ذاته. أمّا الإلتفات إلى الفقير المحروم في مسجد النبي صلى الله عليه و آله والذي كان يسترحم ويستغيث، إنّما كان عملًا ربانياً وتقربياً وينسجم مع التوجه للَّه. فالواقع أنّه لم يكن متوجها لنفسه؛ لأنّ التوجه إلى الفقير، توجه للَّه لا للنفس.

بعبارة أخرى أنّ إغاثة عباد اللَّه وإعانة الفقراء والضعفاء يعدّ من العبادات الكبرى وهومن سنخ الصلاة تلك الشعيرة

العظمى؛ وعليه فليس من العجيب أن ينفذ ذلك الفقير بصرخاته الموجعة إلى قلب علي عليه السلام أثناء الصلاة، لينهمك تلك العبادة بأخرى تهدف إلى

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 152

رضى اللَّه، وقد كان على درجة من الاخلاص بحيث نزلت فيه آية بحق علي عليه السلام «1».

2 هل نزلت هذه الآية بحق علي عليه السلام؟

سؤال:

يعتقد علماء الشيعة وأغلب علماء العامة أنّ الآية الشريفة: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً ...» «1»

نزلت يوم الغدير، في حين يتحدث صدر و عجز الآية عن بيان أحكام الحلال والحرام؛ فكيف ينسب مطلب خلال الآية لقضية ليس لها أدنى ارتباط بصدرها وعجزها؟

الجواب:

لقد أذعن أغلب رواة الحديث والسير والتاريخ، مثل: الطبري وابن مردويه وأبي نعيم الأصفهاني والخطيب البغدادي وأبي سعيد السجستاني وأبي الحسن المغازلي وأبي القاسم الحاكم الحسكاني وابن عساكر الدمشقي والخطيب الخوارزمي وابن الجوزي وشيخ الإسلام الحمويني وابن كثير الشامي و ... بنزول الآية في يوم «الغدير» وهم من الرواة والمؤرخين المعتبرين لدى العامة؛ فإن أضفنا هذه الروايات إلى الأخبار الواردة عن أهل بيت النبي صلى الله عليه و آله يصبح نزول الآية في الغدير قطعياً.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 154

أمّا مسألة ترتيب الآيات الذي خلق العديد من المشاكل للمفسّرين في مباحثهم فلا يبدو على درجة من الغرابة؛ ذلك لأنّ ترتيب نزول السور والآيات القرآنية يختلف تماماً مع ترتيبها الفعلي؛ مثلًا، السور التي نزلت في المدينة والتي ينبغي أن تعقب السور المكية والعكس بالعكس، بينما القضية ليست كذلك حتى أنّ بعض الآيات في السورة نزلت في مكة وبعضها الآخر في المدينة، وربّما كانت هنالك فاصلة زمانية تمتد لسنوات خلال نزول آيتين من السورة. ولو تأملنا سبب نزول الآيات أو التفتنا على الاقل إلى ما كتب

اعلى السور القرآنية لاستغنينا عن أي ايضاح؛ فهنالك بعض السور التي يصطلح عليها بالسور المدنية، في حين نزلت بعض آياتها في «مكة»، كسورة الأنفال المدنية بجميع آياتها سوى الآيات من 20 إلى 26 نزلت في مكة، والعكس كثير أيضاً كسورة الشعراء والكهف وأمثالهما.

وعليه فترتيب الآيات وإرتباطها مع بعضها لا يعدّ بالنسبة لنا سنداً محكماً إزاء الروايات والأحاديث القطعية. وهذا هو نهج الأعلام في تفسير القرآن، وتؤيده شواهد كثيرة.

فالقرآن ليس على غرار التأليف البشري بحيث يخوض في موضوع ويتابعه إلى آخره، بل القرآن مجموعة من الآيات التي نزلت من اللَّه بالتدريج وحسب الأحداث المتنوعة ولتحقيق أهداف مختلفة، فلربّما تضمّ السورة مواضيع مختلفة ومقاصد متعددة، ومن هنا لا يمكن جعل ما قبل الآية وما بعدها دليلًا على موضوع معين، كما يمكن أن تكون جميع آيات السورة كسلسلة متصلة الحلقات، بينما لا تكون كذلك أحياناً، وعلى هذا الأساس فإنّ المشكلة تبدو محلولة، فأغلب الآيات وسط السورة قد لا تبدو مناسبة مع بدايتها ونهايتها. «1» وإن سعى بعض المفسرين لإيجاد حالة من التناسب والإرتباط، ولعل الأمر لا يخلو من تكلّف، لأنّ جميع آيات السورة- على فرض نزولها في مكة أو المدينة- لم تنزل دفعة واحدة، بل نزلت على ضوء بعض المقتضيات، ولربّما كان لكل آية سبب نزول. وعليه

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 155

فليس هنالك من مبرر لأن ترتبط جميع آيات السورة مع بعضها لتبدو كسلسلة متصلة. ولعل هناك من يقول: ما ذكر لحد الآن يختص بإرتباط السور والآيات مع بعضها البعض، إلّاأنّ الآية تتضمن خصوصية لا يمكن حلّها من خلال الشرح السابق وهي:

إنّ الشرح المذكور أثبت عدم ضرورة إرتباط آيات سورة معينة، ولكن لا يثبت عدم ترابط عبارات الآية

الواحدة. والآية التي نبحثها من هذا القبيل، فإن كانت العبارة «اليوم اكملت لكم» نزلت في ولاية علي عليه السلام، فارتباطها مقطوع بصدر الآية وعجزها الوارد في بيان أحكام الحلال والحرام، وعلى هذا الأساس لا يبدو التوضيح السابق كافياً لرفع الإشكال. ولتوضيح الجواب نرى ضرورة ذكر هذه الآية (بدايتها ووسطها ونهايتها):

1- (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ ...» «1».

2- «الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً ...» «2».

3- «فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ» «3».

ومرادنا من الإتيان بالآيات الثلاث أنّ القسم الثاني- سواء كانت الآية نازلة في علي عليه السلام أم في موضوع آخر، وسواء نزلت يوم الغدير أو عرفة- كلام مستقل وسط الآية.

وإليك بعض القرائن التي تؤيد هذا المطلب:

1- لو رفع القسم الثاني من هذه الأقسام الثلاثة، فسوف لن يكون له أي تأثير على إرتباط القسم الأول بالثالث. والخلاصة بضم ذيل الآية إلى صدرها تكون هنالك آية كاملة برفع الآية الثانية فليس هنالك من مساس بارتباط الآية، وهذه شهادة أنّ القسم المذكور

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 156

كلام مستقل ومنفصل (بغض النظر عن الموضوع النازل فيه) وسط الآية.

2- تكرر مضمون هذه الآية في سورة البقرة والأنعام والنحل، ولم يرد القسم الثاني في هذه الآية في السور المذكورة. ونورد هنا بعض النماذج:

«إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ»

«1»

. وتشتمل هذه الآية على أكثر ما ذكر في القسم الأول والثالث من الآية المذكورة للبحث، ولكن لم يرد شي ء عن القسم الثاني وهذا القسم مستقل ليس له من علاقة بما قبله وبعده.

3- الروايات المتكفلة بسبب نزول الآيات بينت انفصال القسم الثاني عن صدر الآية وذيلها، فقالت مثلًا: «اليوم يئس ...» نزلت يوم الغدير أو عرفة وهذا دليل على استقلاليتها.

وعلى هذا الأساس فإن صرحت الروايات الصحيحة عن الفريقين بأنّ هذه الآية نزلت يوم الغدير بشأن ولاية علي عليه السلام فإنّ صدر وذيل الآية لا يمكنه صدنا عن الاعتقاد بمضمون الأحاديث؛ لأنّ هذا القسم كلام مستقل وارد في موضوع ليس له من إرتباط بما قبله وبعده.

4- إنّ تدبر مضمون الآية يرشدنا إلى أنّه لا يصدق سوى على الولاية ولا يحفظ إرتباط عبارات القسم الثاني إلّافي حالة اعتبارنا أنّ سبب نزولها هو الإمامة. فالقسم الثاني للآية يتضمّن مطلبين وهما: أنّه خلال يوم معين يئس الكفّار من التغلب على المسلمين، كما كمل فيه دين اللَّه، والآن لابدّ من ملاحظة ماكان ذلك اليوم الذي شهد وقوع حادثين؟ ونورد هنا ما قيل في ذلك اليوم أو ما يساور الذهن بشأنه:

أ) يوم البعثة: قطعاً لم يقع الحادثان في هذا اليوم؛ ذلك لأنّ الكفّار لم ييأسوا آنذاك، كما لم يكتمل الدين فضلًا عن بيان أحكامه.

ب) يوم فتح مكة: هذا الاحتمال كسابقه، لأنّ فتح مكة كان في السنة الرابعة للهجرة، والحال كانت أغلب العهود التي عقدها المسلمون مع الكفّار قائمة، وكان الكفّار يقيمون مراسمهم الجاهلية في الحج، وعليه لم يكن اليأس مستولياً على الكفّار، كما لم يكمل الدين

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 157

آنذاك، ولدينا بعض الأحكام التي بينت بعد فتح مكة.

ج) يوم البراءة:

اليوم الذي تلى فيه علي عليه السلام سورة براءة على المشركين، ورغم يأس المشركين في شبه الجزيرة عن تحقيق أي نصر، إلّاأنّ بيان الأحكام لم يكتمل في ذلك اليوم؛ فبعض الأحكام كالحدود والقصاص نزلت لاحقاً في هذه السورة- المائدة- وعلينا أن نعرض يوماً وقعت فيه الحادثتان.

د) يوم عرفة: هذا ما اختاره أغلب مفسّري العامة واستدلوا عليه ببعض الروايات؛ إلّا أننا نعتقد أنّ ذلك اليوم هو الآخر لم يستوعب الحادثتين، حيث لابدّ أن نرى هوية الكفّار الذين يئسوا من غلبة المسلمين، فإن كان المراد كفّار قريش أو عامة كفّار شبه الجزيرة، فمما لا شك فيه أنّ يأسهم كان في يوم آخر؛ ذلك لأنّ قريش يئست يوم فتح مكة وسائر الكفّار بعد قراءة سورة براءة، لا في يوم عرفة، وإن كان المراد الكفّار على الأرض كافّة- سواء في الجزيرة العربية أو غيرها- فالحق لم يشعر أحد بهذا اليأس الشامل حتى الدقائق الأخيرة من عمر النبي الأكرم صلى الله عليه و آله. وبغض النظر عن ذلك، ما المراد من تكميل الدين؟ هل المقصود تعليم أحكام الحج؟ فمن الواضح أنّ الدين لا يكتمل بتعليم واجبات عمل معين. أم أنّ المراد بيان الحلال والحرام المبين في هذه السورة (المائدة)؟ والحال تعرّف المسلمون على ضوء أقوال العامة على أغلب الأحكام كارث الكلالة والربا بعد يوم عرفة.

وعليه لابدّ من الإعتراف بأنّ المراد يأس معين مصحوب بإكمال الدين، وقد حصل هذان الموضوعان بنصب الوحي فقط، ذلك لأنّ أغلب الآيات القرآنية تشهد على أنّ الكفّار كانوا يطمعون على الدوام بدين المسلمين، وكان حلمهم الأخير صدهم عن دينهم وإعادتهم إلى دين أبائهم «وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِّنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً ...» «1»

وهنالك

العديد من الآيات بهذا الخصوص. إلّاأنّ أتباع الدين كانوا في ازدياد والكفّار في تراجع، وكان أملهم الأخير السيطرة على مقدرات المسلمين حيث لا عقب لصاحب الرسالة؛ وعليه سينهار صرح الحكومة الإسلامية عقب وفاته وتعود لهم العزة و الغلبة كما

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 158

كانوا في السابق.

وقد صور القرآن هذه الحقيقة نقلًا عن المشركين إذ قال: «أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ» «1»

. كانت هذه الأطروحة الأخيرة التي تحقق أماني الكفّار، ولكن كان اليوم الذي نصب فيه وصيه من بعده قد ملأ أركان الكفر باليأس وخيبة الأمل، وإضافة إلى اليأس الذي خيم آنذاك على المشركين والكفّار فقد تجذر الإسلام واكتسب ديمومته وبقاءه، وهكذا أكمل النبي الأكرم صلى الله عليه و آله دين اللَّه من خلال ترسيخه لعوامل استقراره وبقائه- أي نصب الإمام- ومن هنا يتضح معنى القسم الثاني من الآيات وإرتباطها.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 159

3 هل انطلق علي عليه السلام من المدينة إلى المدائن في ليلة واحدة؟

سؤال:

ورد في بعض الأخبار أنّ أميرالمؤمنين عليّاً عليه السلام انطلق خلال ليلة واحدة بطي الأرض من المدينة إلى المدائن حين وفاة سلمان الفارسي رحمه الله فغسله ودفنه، وعاد صباحاً إلى المدينة، فهل يمكن هذا مع أنّ المسافة بين المدينة والمدائن أكثر من مئة فرسخ؟

الجواب:

نعلم أنّ سرعة حركة الأجسام ليست متساوية فسرعة الفرس أقل من سرعة السيارة والقطار، وسرعة السيارة لا يمكن مقارنتها بسرعة الطائرة، وليس سرعة الطائرة بشي ء إزاء سرعة حركة الأرض حول الشمس (الحركة الانتقالية) التي تبلغ ثلاثين كيلومتراً بالثانية؛ وبالتالي ليس هنالك من نسبة لمقارنة سرعة الأرض بسرعة الضوء البالغة ثلاثمئة ألف كيلومتر بالثانية. طبعاً قبيل اختراع السيارة والقطار والطائرة كان الناس لا يؤمنون بسرعة تبلغ عشرات أو مئات الفراسخ في الساعة، ومن الواضح أنّ هذا المحال عادي لا

عقلي، ومن الممكن أن يخترع في المستقبل جهاز تبلغ سرعته سرعة حركة الأرض حول الشمس أو حركة الألكترون حول النواة المركزية للذرة أو أكبر من ذلك. وحين اتضح أنّ هذا المحال

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 160

ليس عقلياً، فمن المسلم به أنّ اللَّه قادر بلطفه وعنايته على أن يحمل شخصاً خلال ليلة من المدينة إلى المدائن ويعيده ثانية، بل إننا لنؤمن حسب المصادر الدينية المعتبرة في المعراج الجسماني لرسول اللَّه صلى الله عليه و آله، ونقر بذلك على قدرة اللَّه المطلقة الغنية عن الحدود.

وإننا لنؤمن بالكثير من المطالب التي ذكرها القرآن على أساس هذه القدرة؛ فمثلًا قبل أن تصل بلقيس ملكة سبأ إلى سليمان عليه السلام، أراد سليمان عليه السلام أن يريها معجزة ليشدّ قلبها إلى اللَّه، فقال لمن حوله «قَالَ يَا أَيُّهَا المَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ* قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ* قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِنْدَهُ قَالَ هذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي» «1».

وبالطبع لا يمكن التعامل مع المعجزات والكرامات من خلال المعايير المادية والإمكانات البشرية المحدودة؛ فالإعجاز أمر خارق للعادة وينطلق عن قدرة اللَّه اللامتناهية.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 161

4 هل هبط نجم على سطح دار علي عليه السلام؟

سؤال:

لقد سمعنا مراراً أنّ الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله أخبر أنّ نجماً سيهبط في ليلة معينة فمن حط على سطح داره فهو زوج ابنته الزهراء عليها السلام، وأنّ ذلك النجم هبط في تلك الليلة على سطح دار علي عليه السلام، بينما نعلم أنّ النجوم تكبر الأرض بكثير، فما المراد من هذه الرواية؟

الجواب:

على فرض صحة الرواية، ربّما يكون

المراد هبوط شهاب صغير لا نجم وكرة سماوية، لأننا نعلم بعدم إمكانية ذلك.

5 ما فلسفة صلح الإمام الحسن عليه السلام وقتال الإمام الحسين عليه السلام؟

سؤال:

إنّ الأئمّة عليهم السلام و اولياء الدين أوصونا بالدفاع عن حقّنا قدر المستطاع وأن لا نرضخ للظلم ونواصل حياتنا بكرامة، فقد قال الإمام الحسين عليه السلام: «إنّ الدعي ابن الدعي ركز فينا بين اثنتين، بين السلة والذلة وهيهات منّا الذلة».

ومن الواضح أنّ مراده من كلمة «منّا» نهج أهل بيت العصمة والطهارة. فكيف صبر أخوه الحسن عليه السلام على ممارسات معاوية الذي لا يقل فساداً عن يزيد؟

الجواب:

للوقوف على نهضة الإمام الحسين عليه السلام وصلح أخيه الإمام الحسن عليه السلام لابدّ من تأمل الجوانب التاريخية كافّة وأوضاع وظروف زمانيهما، لتتضح أسرار ذلك «الصلح» وتلك «النهضة». صحيح أنّ معاوية لم يكن أحسن من يزيد، إلّاأنّ التاريخ يشهد بأنّ معاوية كان مخادعاً ومراوغاً، وكان يسعى للتغطية على أفعاله وتضليل العوام. ولعل أحد نماذج ذلك منعه تلك الهزيمة المنكرة في صفين حين حملوا المصاحف على الرماح؛ أمّا خليفته الطائش والساذج- يزيد- فقد كان يفتقر إلى كيفية إدارة شؤون الأمّة، فضلًا عن عدم إيمانه

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 164

بمبادئ الإسلام، فلم يراع حتى ذلك الحد الأدنى الذي كان يراعيه معاوية. فقد كان ينتهك أحكام الدين علانية ولا يأبه بالمقدّسات ويمارس المنكرات بكل وقاحة.

وفي ظل هذه الظروف تأهب عموم المسلمين للقيام والإطاحة بجهاز بني أمية. وعلى هذا الضوء نهض الإمام الحسين عليه السلام ليفضح هذه السلالة أمام الرأي العام وليطردها من أذهان المسلمين، غير أنّ الأوضاع لم تكن كذلك على عهد معاوية. ولو كان الإمام الحسن عليه السلام في عصر يزيد لنهض بالأمر، ولو كان الحسين عليه السلام على عهد معاوية لعقد الصلح كما يرى ذلك بعض العلماء. والدليل

على ذلك أنّ الإمام الحسين عليه السلام صبر على معاوية عشر سنوات بعد أخيه ولم يشهر سيفه عليه، لكنه ما أن سمع بوفاة معاوية وخلافة يزيد حتى بدأ نهضته وأعلن قتاله منذ رفض مبايعته، ولم يستقر حتى ضحى بنفسه في رمضاء كربلاء لإعلاء كلمة الدين والقضاء على بني أمية.

ويتضح ممّا سبق أنّ السكوت إزاء حكومة معاوية الذي كان يراعي نسبياً الحدود الإسلامية- وحفظاً لدماء المسلمين- لم يكن من مصاديق الذلة. والموضوع المهم الآخر والذي ينبغي إضافته إلى ما سبق: أنّه طبق شواهد التاريخ فإن وضع السياسة الخارجية للمسلمين على عهد معاوية كانت تقتضي ذلك الصلح؛ ذلك لأنّ امبراطور روما الشرقية كان يتابع عن كثب الإقتتال الداخلي للمسلمين ويعدّ العدة لاختراق حدود البلاد الإسلامية ثأراً لهزائمه السابقة أن تجدد القتال بين الإمام الحسن عليه السلام ومعاوية، ولو حدث ذلك لكانت ضربة قاصمة توجه إلى الإسلام والمسلمين. حقاً أنّ تلك الظروف دفعت بالإمام المجتبى عليه السلام لعقد الصلح وإفشال مخططات الأعداء.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 165

6 هل كان للإمام المجتبى عليه السلام عدّة زوجات

سؤال:

لقد نسب طائفة من المؤرخين والمحدثين للإمام المجتبى عليه السلام قضية تعدد الزوجات، فذكروا أنّه كان كثير التزوج من النساء فيتزوج الواحدة تلو الأخرى بعد طلاقها، فذهبوا على هذا الأساس إلى شهرته بين الناس بتعدد الزوجات، فهل من صحة لهذا الموضوع؟

الجواب:

لما كانت دراسة الجوانب الشخصية لكل فرد تساعد على إدراك خصائص حياته وما يكتنفها من غموض، نرانا مطالبين بتسليط الضوء قبل كل شي ء على الجوانب الخلقية للإمام الحسن المجتبى عليه السلام- ولو على سبيل الاختصار- لنميط اللثام عن واقع الإمام بغية ايضاح الموضوع- لقد ترعرع هذا الإمام في أطهر وأسمى أسرة ليتربى في أحضان الزهراء البتول عليها السلام وأمير المؤمنين علي عليه

السلام. فكانت له بعض الخصائص الفريدة والخصال السامية.

وكان وليّاً ربانياً يستغل إمكاناته كافّة لاعانة الضعفاء والفقراء ونيل رضى اللَّه. حج بيت اللَّه خمساً وعشرين مرّة ماشياً رغم ما كان له من راحلة ليعيش أدب الخشوع والتواضع للَّه. «1»

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 166

وكان أعبد أهل زمانه، كما كان يتغير لونه إن ذكر اللَّه أو يوم القيامة وما بعد الموت. وكان يرتجف كالسعفة حين يقف بين يدي اللَّه ويناجي اللَّه بما يكشف عن عمق خشيته وحبّه للَّه الذي لا يغيب عنه أبداً «1».

هذا غيض من فيض سمو الإمام المجتبى عليه السلام والذي وردت تفاصيله في كتب السيرة وعلى ضوء ما تقدم فلا يبدو من الصحيح التسليم بأنّ هذا الإمام الذي يتصف بكل هذه الخصال ويعيش تلك العبودية المحضة أن يشهد ذلك الإقبال على الزواج الذي يفوق الحد المعقول كما ذكر بعض المؤرخين.

أبناء الإمام الحسن عليه السلام:

يلزم من الزعم المذكور أن يكون للإمام العديد من الأولاد، ولم يكن الأمر كذلك، ولعل العدد الاعظم الذي ذكره المؤرخون بلغ الثلاثة والعشرين «2».

فقال اليعقوبى و كان للحسن من الولد 8 ذكور «3».

وابن شهر آشوب «13» «4».

وابن خشاب «11» «5».

والطبرسي «16» «6».

وبينما ذكر المرحوم الشيخ المفيد رحمه الله المعروف بدقّته في هذه الأبحاث أنّ أبناء الإمام من البنين والبنات هم «15» «7». وقال بذلك صاحب كتاب العدد نقلًا عن المرحوم العلامة

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 167

المجلسي والذي يقول بتعدد زوجات الإمام عليه السلام «1».

وعليه فإنّ أكبر عدد ذكره المؤرخون لأولاد الإمام عليه السلام هو «23». وهذا يدل على أن لا أساس لموضوع تعدد الزوجات المنسوب للإمام في بعض الكتب- ولعلنا نرى بعض الأفراد ممن لهم العديد من الأولاد- دون تعدد زوجاتهم- واحتمال تعدد

زوجات الإمام عليه السلام لكنهنّ عقيمات ضعيف، ولا قيمة لمثل هذه الاحتمالات في مناقشة القضايا التاريخية. وعلى ضوء هذا العدد المذكور من الأولاد، أفلا تبدو قضية نسب مئات الزوجات للإمام عليه السلام تهمة كاذبة؟ ثم ألا تدعونا هذه الوثائق التاريخية إلى الاعتقاد بأنّ هذه الأخبار من وضع عناصر بني أمية ممن لهم تجربة بهذا الخصوص؟ ومن هنا ينبغي علينا التحفظ في ترويج هذه الأخبار التي تخدم أعداء أهل البيت عليهم السلام.

وإضافة إلى عدم إقرار المؤرخين بتعدد زوجات الإمام عليه السلام، فليس هنالك مَن احصى أسماءهن، بينما اكتفوا بذكر طائفة محدودة، وسنشير هنا إلى كيفية زواج الإمام عليه السلام منهن.

ولعل المضحك ما نسبه بعض المحدثين للإمام عليه السلام أنّه تزوج من عشرات النساء، وذكروا أنّهنّ سرن حفاة خلف جنازة الإمام عليه السلام بعد شهادته «2».

وبالطبع فإنّ خواء هذا الزعم يبدو واضحاً من خلال نظرة الإسلام لكشف المرأة عن قدمها وسط الأجانب. فلو حدث ذلك في أجواء المدينة لتذرع به فقهاء العامة الذين يتربصون الدوائر بأهل البيت عليهم السلام. أضف إلى ذلك فإنّ عصمة الزوجية تنقطع بالطلاق، فكيف تشترك هؤلاء النسوة في تشييع جنازة الإمام عليه السلام وقد طلقهنّ قبل وفاته؟ أفلا يدلنا هذا الأمر على أنّ تعدد زوجات الإمام عليه السلام من هذا القبيل من الأخبار؟

حل المسألة:

لو افترضنا حقيقة ما نسب للإمام عليه السلام من تعدد الزوجات، فلابدّ أن نقول بأنّ مسلمي ذلك

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 168

العصر كانوا يشعرون بالفخر والإعتزاز من مصاهرة نبي الإسلام، ومن هنا كانوا يتبركون بتزويج بناتهم من سبطه فيكتفون بالعقود الشرعية، وعليه فهؤلاء النساء كن يفتخرن بعقدهن على الإمام عليه السلام لغرض تحقيق الهدف المذكور.

والاحتمال السائد أيضاً أنّ عدد من

الزوجات اللاتي نسبن إلى الإمام عليه السلام كن من النساء اللاتي لا مأوى لهن وقد كفلهن الإمام عليه السلام فتزوج بهنّ ظاهرياً بغية تفادي استحقار الآخرين لهنّ «1».

وأحد الشواهد على ذلك ما ذكره ابن الجوزي من أنّ عبداللَّه بن عامر طلق زوجته، فلما انتهت عدتها تزوجها الإمام عليه السلام، وبعد مدّة أتاها لاسترداد أمانة كانت لديها، فقال له الإمام عليه السلام: لقد تزوجت مطلقتك حتى تزول خلال هذه المدّة ما بينكم من عداوة، ولك أن تتزوجها الآن «2».

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 169

7 لماذا نحارب الفساد؟

إنّ أحد شروط ظهور المهدي عليه السلام اتساع الفساد في الأرض

فلماذا نحارب الفساد؟

سؤال:

ورد في الأحاديث المتواترة «1»: أنّ المهدي عليه السلام سيظهر ويملأ الأرض قسطاً وعدلًا بعد أن تمتلئ ظلماً وجوراً وفساداً. وعليه سيكون ظهور الإمام حين انتشار الفساد في العالم، ومن هنا فلابدّ لنا من تمهيد السبيل لظهور الإمام عليه السلام وذلك من خلال الإسهام في توسيع رقعة الفساد، وإلّا فإننا سنسهم في تأخير انطلاقة نهضة ذلك المصلح الغائب!

الجواب:

أولًا: لابدّ من الإلتفات إلى أنّ شرط ظهور الإمام عليه السلام لا يقتصر قط على اتساع حجم

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 170

الفساد في صفوف المجتمع البشري، بل يستحق المجتمع ظهور الإمام عليه السلام إن بلغ المرحلة المطلوبة من النضج الفكري والسمو الروحي. وقد استفاضت كتب العقائد والمذاهب بالعوامل التي تحول دون الظهور والتي تتمثل في الاستعدادات الفكرية والروحية ولو زالت هذه العوامل لزالت أسباب الغيبة ولظهر الإمام عليه السلام.

وللفيلسوف العلّامة المرحوم نصير الدين الطوسي ثلاث عبارات بهذا الشأن في كتابه «تجريد العقائد» نوردها مع توضيح مختصر:

1- وجوده لطف

فوجود الإمام المعصوم- ظاهراً كان أم غائباً- نعمة معنوية على المجتمع البشري ووسيلة للتقريب من

طاعة اللَّه وعبوديته؛ ذلك لأنّ الإمام هو الهادي إلى اللَّه، كما أنّه الواسطة في وصول الفيض الإلهي، وهداية الإمام- وإن كان غائباً- للأفراد المستحقين متواصلة وإن لم يروه ويعرفوه.

2- وتصرفه لطف آخر

وإن ظهر الإمام عليه السلام وخاض في الإرشاد والهداية وتسلم زمام الأمور فإنّ ذلك يعدّ نعمة أخرى وهنا لا تنتفع بوجوده طائفة فحسب، بل المجتمع البشري كافّة الذي يتمتع بوجوده بصفته مظهر العدل والقسط ومطبق الأحكام الإسلامية.

3- وعدم ظهوره بسببنا

وإن لم يمارس دوره في شؤون المجتمع وظلّ في غيبته فذلك لبعض الموانع التي يزرعها الناس في طريقه، والناس هم السبب في سلب هذه النعمة، ولو استعد الناس للحكومة العالمية- القائمة على أساس الفضيلة والأخلاق والعدل والقسط ورعاية الحقوق والأحكام الشرعية- لظهر قطعاً، وليس هنالك من توقف للفيض الالهي، بل المجتمع هو الذي يؤخر الظهور والحكومة الحقة. «1» وعليه فاتساع الفساد وسيادة الانحراف لا يعد شرطاً منحصراً لظهور الإمام، بحيث لا نفكر سوى فيه ونسعى لنشره، بل هنالك سبيل أقرب

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 171

يتمثل في التحلي بالاستعداد والأهلية لدى المجتمع. وبعبارة أخرى هنالك شرطان للزعامة هما:

1- وجود الزعيم.

2- إستعداد المجتمع للتفاعل مع الزعيم.

والحق لو تحقق الشرط الثاني من قبل المجتمع، لتكفل اللَّه بايجاد الشرط الأول.

ثانياً: إنّ اتّساع الفساد في صفوف المجتمع البشري ليس الهدف الأصلي، بل هو عامل لظهور المهدي عليه السلام وإصلاح المجتمع؛ لأنّه حين يعم الظلم والجور الأرض ويعاني المجتمع من مختلف الانحرافات والمفاسد وتعصف به الخطوب والمحن ويعيش مختلف التجارب التي تفيد عجز الإنسان عن حل تلك المشاكل من خلال اعتماده على قوته وما يسنّه من قوانين تعجز عن إيصاله إلى العدل والاستقرار، آنذاك يعيش الاستعداد الفكري التام للتفاعل مع مشروع

الزعيم الربّاني الذي يشفيه من كل داء ويأخذ بيده إلى السعادة والفلاح.

يبدو أنّه ليس هنالك من نهضة إصلاحية دون قاعدّة فكرية خصبة، وقانون «العرض والطلب» الاقتصادي ساري المفعول في الجانب الاجتماعي، فما لم يكن لدى المجتمع طلب، لا يبدو لأي عرض معنوي ومادي من ثمن.

ولكن هل القاعدّة الفكرية والاستعداد الروحي يكفيان للنهضة الإصلاحية والعالمية التي تهدف تحقيق الحكومة العالمية على أساس العدل والقسط والقيم الأخلاقية ورعاية المقررات والأحكام الشرعية، أم أنّ هذه الأرضية الفكرية بحاجة إلى قاعدّة أخرى تحيل هذا التغيير الفكري إلى انقلاب يزيل الموانع كافّة التي تعترض سبيل النهضة. ولا تؤيد ذلك التجارب فحسب، بل أغلب الروايات الواردة بشأن نهضة هذا المصلح العالمي تفيد صراحة أنّ ثورة آخر حجة للَّه بعد التاهب الفكري، تتطلب قوة تزول في ظلها الموانع كافّة التي تعترض سبيل النهضة، حتى صرحت بذلك الأحاديث التي تحدثت عن الأنصار والأصحاب وعددهم، واقتران نهضة الإمام بالقوة والقدرة التامة- ومن هنا يتوجب علينا تفعيل الشرط الثاني في إعداد الأعوان والأنصار والجند المضحين الذين يحملون أرواحهم

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 172

على أكفّهم في سبيل تحقيق الأهداف السماوية، ولا يتحقق هذا الهدف إلّامن خلال تظافر جهود جميع المصلحين، والتفاني من أجل رفد المجتمع بالأفراد الصالحين.

ثالثاً: بغض النظر عمّا سبق، لابدّ أن نعين موقعنا من تلك النهضة. ومن الطبيعي أننا إن أسهمنا في إفساد المجتمع، فسنكون من أولئك الذين ستحطمهم ثورة المهدي عليه السلام، وإن أسهمنا في إصلاح المجتمع، فسنكون من جند الإمام عليه السلام. وعليه فلو سلّمنا بأنّ إشاعة الفساد ستمهد السبيل إلى ظهور الإمام، فالواقع أنّ ذلك الظهور سيشكل خطراً علينا.

أوَليس نهضة الإمام تهدف إلى القضاء على الفساد والظلم؟ فكيف ننتفع بنهضته من خلال إشاعة

الفساد؟ ونخلص ممّا سبق إلى أنّ الإسهام في إشاعة الفساد أو السكوت عليه بغية ظهور المهدي عليه السلام لا يبدو صحيحاً. ولعل هذه النظرة والمغالطة إنّما يسوقها أولئك الذين يسعون إلى الهروب من المسؤولية ومقارفة أنواع المفاسد.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 173

8 هل يتنافى نشوب حرب عالمية ثالثة مع ظهور المصلح العالمي؟

سؤال:

كثُر الجدل في الأوساط العالمية بشأن مخاطر الحرب العالمية الثالثة، وأنّ هذه الحرب إن قامت فسوف لن تبقي كائناً حياً في العالم، وغالباً ما يرد هذا الكلام على لسان زعامات بلدان الشرق والغرب. وانطلاقاً من الإيمان بالقدرة المطلقة للَّه، فهل يمكن لبعض الأفراد عديمي الإيمان أن يحيلوا الدنيا إلى تراب إرضاء لأحلامهم التوسعية، وهل يتنافى ذلك مع عقيدة المسلمين بصورة عامة والشيعة خاصة يتطلعون إلى عالمية الإسلام، ويرون أنّ المصلح الحقيقي- إمام العصر أرواحناه فداه- سيصلح هذا العالم الفاسد؟

الجواب:

غالباً ما تنطوي التكهنات بشأن وقوع الحرب النووية على جانب الحدس والتخمين، وطالما كانت الأحداث السياسية خارجة عن نطاق القانون، فإنّه يتعذر التكهن قطعياً بهذا الأمر. والقدر المسلم به احتمالية وقوع الحرب العالمية الثالثة في الظروفف الراهنة، كما لا يستبعد أن تكون هذه الحرب نووية، إلّاأنّ أحداً لا يستطيع الزعم بأنّه يمكن تفادي هذه الحرب، كما لا يمكن الجزم بأنّ هذه الحرب ستكون نووية، ذلك أنّ اللَّه قد يعيد زعامات

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 174

البلدان إلى رشدهم، فيتأملوا الأحداث فيتورعوا عن كل ما من شانه تاجيج هذه الحرب، أو يحرمون على الأقل الاستفادة من الأسلحة الذرية.

وعليه ليس هنالك من منافاة بين هذه التكهنات بشأن نشوب حرب عالمية ثالثة و عقيدة عامة المسلمين وبخاصة الشيعة على ضوء المصادر الدينية المعتبرة في انتظار المصلح العالمي الذي ينهض بهذه المهمّة من جانب اللَّه فيرسي قواعد الحكومة العالمية ويملأ الأرض

بالعدل بعد أن يجتث جذور الظلم؛ ذلك لأنّه حسب ما ذكرنا أنّ تلك التكهنات لا تستند إلى أساس قطعي، وهي مجرّد احتمالات تفرزها الظروف السائدة، وكما أشرنا سابقاً فإنّه لا يستبعد أن تكون الاضطرابات والإرباكات القائمة بغية تأهب عالم البشرية للانفتاح على الحكومة الربّانية، ذلك لأنّ العالم المادي سيضطر للتفاعل مع الحكومة الربّانية بعد أن يلمس عجز المدارس المادية عن إصلاح المجتمع البشري، فضلًا عن تفاقم الأوضاع تدريجياً، وإن تحدثنا من حين لآخر عن احتمال نشوب الحرب العالمية الثالثة، فعلى أساس احتمالية هذا الأمر إن تركت مقدرات الإنسان لهذه الأجواء المادية، ولعل هذا الاحتمال كاف لسوق الإنسان لإعادة النظر في الطريق الذي يسلكه اليوم.

9 هل تتنافى هذه الآية مع طول عمر إمام الزمان عليه السلام؟

سؤال:

قال تعالى في الآية 68 من سورة يس: «وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ» فكيف تنسجم هذه الآية مع طول عمر إمام العصر والزمان عليه السلام؟

الجواب:

إنّ الآية المذكورة توضح حقيقة قانوناً إلهياً وقضية طبيعية؛ أي أنّ الإنسان بعد أن يبلغ مرحلة من مسيرته التكاملية، يعود شيئاً فشيئاً إلى فقدان قواه الواحدة بعد الأخرى والرجوع إلى يومه الأول في العجز والضعف. ويمثل «منحني الضعف والقدرة قانوناً عاماً لجميع الكائنات الحيّة والتي سيكون هذا مصيرها على أساس مسيرتها الطبيعية، إلّاأنّ قضية طول العمر- رغم ثبوت إمكانها على ضوء القوانين العلمية- تنطوي على بعد استثنائي. بعبارة أخرى أنّ العمر الذي يناهز الألف سنة وأكثر للإنسان لا يبدو محالًا طبقاً للقوانين العلمية، بدليل أنّ العلماء منهمكون ببعض المطالعات بشأن قضية إطالة عمر الإنسان ويبشروننا أنّهم سيوفقون يوماً لمضاعفة عمر الإنسان بالأساليب والطرق العلمية، وهذا بحدّ ذاته دليل على كون مسألة طول العمر ممكنة ومعقولة.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 176

ولكن لا يمكن التنكر إلى أنّ لطول

العمر هذا بُعداً استثنائياً، ولم يوفق لها الإنسان لحد الآن من خلال الطرق الاعتيادية، وبناء على هذا فإنّ اللَّه تعالى وهب أحد صفوته طول العمر لإصلاح المجتمع البشري وسينهض ويجعل العالم واحة للعدل والقسط. ومن الواضح أنّ الآية المذكورة الواردة بشأن عامة الأفراد لا تشمل هذا الفرد الذي يتمتع بوضع استثنائي بعيد عن القضايا العادية.

والخلاصة فإنّ اللَّه الذي منح ذلك الفرد مثل هذا العمر وحفظه طيلة هذه المدّة، هو الذي يحول دون آثار طول العمر من ضعف وعجز وعودة إلى الوراء، وهذا لا يتنافى قط والآية المذكورة التي تتعامل مع الأفراد العاديين.

10 ما المراد ب «الغيبة الصغرى» و «الغيبة الكبرى»؟

سؤال:

إننا نسمع من الخطباء ونقرأ في الكتب الدينية أنّ لإمام الزمان عليه السلام غيبتين صغرى وكبرى، فما المراد بهاتين الغيبتين؟ ولم سميت إحداهما بالصغرى والأخرى بالكبرى؟

الجواب:

توفي الإمام الحادي عشر لدى الشيعة الحسن العسكري عليه السلام سنة 260 ه، فانتقلت الإمامة وزعامة الأُمّة بأمر اللَّه تعالى إلى ولده الموعود عليه السلام. ولم يبلغ من العمر أكثر من ست سنوات حين توفي والده، وقد غاب بإذن اللَّه لأنّ أعداء الإمام عزموا على قتله مهما كان الثمن. وكان باستطاعة خواص شيعته أن يطرحوا عليه أسئلتهم ويحصلون على أجوبتها من خلال سفرائه الأربعة، واستمر هذا الوضع حتى عام 329 ه وانتهت السفارة بوفاة السفير الرابع، فأسندت مهمّة بيان الأحكام الشرعية وشؤون الأمّة كافّة إلى كبار الفقهاء بصفتهم نواب الإمام واختتمت النيابة الخاصة المحصورة في فرد معين.

وقد بدأت الغيبة الصغرى من عام 260 ه- وهو العام الذي توفي فيه الإمام العسكري عليه السلام- وانتهت عام 329 ه- وهو العام الذي توفى فيه آخر سفرائه- فيصطلح على غيبته منذ ذلك

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 178

اليوم لحد الآن بالغيبة الكبرى،

وعلة التسمية واضحة؛ لأنّ الشيعة في الغيبة الأولى وإن حرموا من مشاهدة الإمام، إلّاأنّ خواص الإمام كانوا يتصلون به ويعرضون عليه مختلف الأمور، بالإضافة إلى أنّها كانت قصيرة، ومن هنا يطلق على هذه الغيبة بالصغرى. ولكن بعد وفاة آخر السفراء، فقد أغلق هذا الطريق على الأمّة وأصبح الفقهاء مراجع الأمّة في شؤونها الدينية والدنيوية، وإثر انقطاع الإتصالات الخاصة كافّة وطول مدّة زمان غيبة الإمام فقد أطلق عليها الغيبة الكبرى.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 179

11 من هم نواب إمام الزمان «عج»؟

سؤال:

يقال إنّ لولي العصر عليه السلام بعض السفراء في الغيبة الصغرى يوصلون المستجدات والأمور الضرورية للإمام. رجاء بينوا لنا نبذة عنهم؟

الجواب:

كان الإمام عليه السلام يتصل بالأمّة في غيبته الصغرى من خلال سفرائه الأربعة و يقضي أغلب حاجاتهم عن طريق وكلائه. وهم:

1- عثمان بن سعيد العمري من قبيلة بني عمرو بن عامر. كان من أتباع الأئمّة منذ الحادية عشرة فصحب الإمامين الهادي والعسكري عليهما السلام، كما كان الوكيل الخاص للإمام العسكري عليه السلام. كان ثقة الإمام عليه السلام وخلفه ولده محمد بن عثمان، حتى قال فيه عليه السلام: «العمري وابنه ثقتان فما أدّيا إليك عنّي فعني يؤدّيان وما قالاه لك فعني يقولان، فاسمع لهما واطعهما فهما الثقتان المأمونان». وكان الإمام العسكري عليه السلام قلّما يأذن لأحد برؤية المهدي عليه السلام، وكان العمري ممن رآه كراراً في داره. ومن أراد الوقوف على سيرته فليراجع

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 180

كتب الرجال «1»، وبالطبع لا يوجد تاريخ دقيق لوفاته «2».

2- محمد بن عثمان بن سعيد، وهو ابن السفير الأول والذي يعدّ السفير الثاني ووكيل الإمام عليه السلام حيث أدرك الإمام العسكري عليه السلام وكما ورد في الحديث السابق فإنّه وأباه ثقتا الإمام. وكانت مدّة سفارته أطول

وأوسع وكان يوصل رسائل الشيعة دائماً إلى الإمام عليه السلام ويأتيهم بالأجوبة التحريرية، وتوفي عام 304 أو 305 ه «3».

3- حسين بن روح الذي اشتهر في زمانه بالعقل والدراية، وكان من مقرّبي سفير الإمام الثاني محمد بن عثمان؛ وقد فوض إليه مهمّة السفارة وتوفي عام 326 ه «4».

4- علي بن محمد السمري وهو آخر سفراء الإمام عليه السلام حيث كتب له الإمام كتاباً صرح فيه أنّه آخر سفرائه وليس له نصب أحد بعده! توفي في النصف من شعبان عام 329 ه وأغلقت السفارة بوفاته لتبدأ الغيبة الكبرى، «5» ومنذ ذلك الحين كان الإمام عليه السلام يفند أي زعم بالنيابة الخاصة.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 181

12 فلسفة غيبة المهدي عليه السلام

سؤال:

نعلم أنّ المهدي- الحجّة بن الحسن العسكري عليه السلام- غاب عن الأنظار عام 260 ه وقد مرّت لحد الآن ألف سنة على هذه الغيبة؛ والذي نريد أن نعرفه: ما فلسفة هذه الغيبة الطويلة؟

الجواب:

لابدّ من الإلتفات بادئ الأمر إلى أنّ غيبة الإمام عن أنظارنا لا تعني أنّه يعيش في عالم آخر غير عالمنا، أو تبدل وجوده الجسمي إلى وجود غير مرئي كأمواج الأثير؛ بل معنى غيبته أنّه يعيش بين الناس وأنّهم يرونه، لكنهم لا يعرفونه، وهو يعيش عيشة طبيعية.

أمّا لماذا طالت غيبته وما فلسفة ذلك؟ فلابدّ من القول: هنالك اختلاف كلي بين مشروع الإمام ومشروع الأنبياء وسائر الأوصياء، فمشروعه ليس تشريعياً، بل مشروعه إجرائي للعالم كافّة؛ بمعنى له مهمّة تطبيق جميع المبادئ الإسلامية في العالم وبسط العدل والقسط بين صفوفه. صحيح أنّ الأنبياء والأوصياء نفذوا جانباً من هذا المشروع، إلّاأنّ هذه القضية لم تتخذ بعداً عالمياً وشمولياً بفعل غياب الاستعداد عن أغلب ابناء العالم.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 182

ومن الواضح أنّ تطبيق هذا

المشروع الثوري العالمي الذي يهدف إلى بسط العدل والقسط وإشاعة الحق إنّما يتطلب بعض الشرائط والمقدمات التي لا تتحقق سوى من خلال تقادم الزمان وتكاملها من جميع الجوانب، ونشير إليها هنا وهي:

1- الاستعداد الروحي

لابدّ أن يكون المجتمع البشري متعطشاً لتطبيق المبادئ المذكورة، وما لم يكن لدى الناس «طلب» فسوف لن يكون هنالك أي تأثير لأي مشروع مادي ومعنوي. وبالطبع فإنّ قانون العرض والطلب لا يقتصر على الصعيد الاقتصادي، بل هو نافذ في المجالات الاجتماعية والسياسية. طبعاً إنّ تقادم الزمان وفشل القوانين المادية وظهور الأزمات العالمية الخانقة واتجاه البشرية نحو الحرب سيتعب البشرية ويفهمها هذه الحقيقة حيث أنّ القوانين المادية والمنظمات التي يصطلح عليها بالدولية ليست عاجزة عن حل مشاكلها ومعاناتها وبسط العدل والقسط في ربوع العالم فحسب، بل إنّ هذا التعب واليأس سيعدّها للتفاعل مع الثورة الشاملة، ونعلم أنّ هذا الموضوع بحاجة إلى وقت لتثبت التجارب المريرة عجز الأنظمة المادية والمدارس البشرية كافّة في بسط العدل وإحقاق الحق وإرساء قواعد الأمن والإستقرار، وبالتالي سيظهر لدى البشرية هذا الطلب إثر ذلك الياس والإحباط لتحقيق الأهداف الربّانية ويتمهد السبيل لخوض ثورة عالمية من قبل رجل رباني «1».

2- تكامل العلوم والثقافات البشرية

من جانب آخر هنالك حاجة ماسة لرقي العلوم والثقافات الاجتماعية بغية قيام حكومة عالمية على أساس العدل والقسط؛ وهذا لا يتحقق دون التقدم الفكري وتقادم الزمان. حيث

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 183

يتعذر انبثاق الحكومة العالمية التي يسود العدل والقانون فيها أنحاء العالم كافّة وتتمتع البشرية فيها بالامتيازات الإسلامية الفردية والاجتماعية كافّة دون وجود ثقافة تقدمية في جميع الشؤون الإنسانية، وهذا بدوره يتطلب مزيداً من الوقت.

3- تكامل وسائل الإتصالات

وتتطلب هذه الحكومة أيضاً وسائل إتصالات متكاملة ليمكن من

خلالها اطلاع المجتمعات على المقررات والمبادئ الإنسانية من خلال عدّة طرق وبأقصى مدّة زمنية؛ وهذا ما لا يتحقق دون رقي العجلة الصناعية ومرور الزمان.

4- استقطاب الطاقات البشرية

بغض النظر عن كل ما سبق فإنّ النهوض بهذا الهدف والتخطيط لهذه الثورة يتطلب طاقات بشرية فاعلة، تشكل في الواقع جيش الثورة العالمية، كما أنّ تشكيل هكذا جيش وظهور هؤلاء الأفراد المضحين إنّما يتوقف أيضاً على تقادم الزمان. ولعل ما ورد في الروايات بشأن فلسفة طول مدة غيبة الإمام في اختبار الناس وتمحيصهم إشارة إلى هذا الأمر؛ ذلك لأنّ الامتحان على ضوء المنطق الإسلامي لا يعني كشف الأمور الخفية على غرار الامتحانات العادية، بل المراد منه إعداد الأفراد وخلق الصفات السامية لديهم «1».

وبالتالي فإنّ هذه العوامل الأربعة «2» بحاجة إلى مرور زمان مديد وتطور في كافّة مرافق الحياة واستعداد روحي وفكري لدى الناس بغية قبول الحكومة العالمية القائمة على أساس الحق والعدالة؛ ومن ثم ينفذ هذا المشروع من قبل الإمام المهدي عليه السلام والحال يمكنه أن

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 184

يعيش بصورة طبيعية حتى يأذن له اللَّه بممارسة الثورة العالمية؟ وهناأن نقول إنّ الإمام يعيش بصورة طبيعية كسائر الناس، لكنه يتمتع بعمر طويل، والفرق بينه وبين جميع الأئمّة عليهم السلام، أنّه حين كان يأفل نجم إمام يبزغ نجم آخر، بينما ليس الأمر كذلك بالنسبة للمهدي عليه السلام، فهو آخر الأوصياء والمدخر لتطبيق المشروع.

وعليه لابدّ أن يعيش بصورة مجهولة حتى ينهض بهذه المهمّة. طبعاً ما ذكرناه كان بشأن فلسفة غيبة الإمام «عج» وعلة معيشته بصورة مجهولة، وأمّا منافع غيبة الإمام وكيف يستفيد منه الناس فهذا موضوع آخر خارج البحث و خارج عن تطاق السؤال المذكور.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 185

13 هل يشبه دعاء الندبة عقائد الكيسانية؟!

سؤال:

قرأنا

في كتاب أنّ في دعاء الندبة عبارات لا تنسجم مع عقائد الشيعة الإمامية وتشبه عقائد الفرق الكيسانية. وإليك العبارة الواردة في الكتاب: أشير في دعاء الندبة إلى هذه المسألة حيث يسأل: «ليت شعري اين استقر بك النوى، بل أي أرض تقلك أو ثرى؟

أبرضوى أم ذي طوى ...؟». لا أدري لماذا يبحث هذا الدعاء الذي يقرأ اليوم في أغلب المحافل الدينية ويخاطب فيه إمام الزمان «و قد شاع كثيراً في السنوات الاخيرة و شكلت حلقات خاصة لهذا الامر» فلماذا يطلب المهدي في ذي طوى ورضوى الذي يعتبر موضوع محمد بن الحنفية (إمام زمان الفرقة الكيسانية) حيث تعتقد هذه الفرقة أنّه غاب عن الأنظار في هذا الجبل وسيظهر منه فيندبه أتباعه ويتضرعون عند هذا الجبل ليقوم بالأمر.

وبغض النظر عن عدم إرتباط قضية المهدي عليه السلام بهذا الجبل سواء في حياته أو غيبته الصغرى أو الكبرى أو ما بعد الظهور، فإنّ غيبته ليست بمعنى لجوئه إلى مكان معين، بل له حضور في كل مكان ونحن الذين لا نتعرف عليه، وبناء على ذلك فالسؤال عن مكانه الخفي لا ينسجم ظاهراً مع غيبة المهدي الموعود عليه السلام لدى الإمامية والمطالعة الدقيقة لمتن دعاء الندبة الذي يذكر ائمتنا صراحة و حسب ترتيب اسمائهم، و بعدالامير عليه السلام والحديث عن

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 186

فضائله ومناقبه يخاطب فجأة ودون واسطة الامام الغائب، فيلح في طرح هذا السؤال. على كل حال نطرح هذا السؤال كمطلب علمي فقط و ليس حكماً قطعياً.

الجواب:

إنّ دعاء الندبة حقّاً من الأدعية العميقة والسامية. فهو غاية في الفصاحة والبلاغة من حيث المضمون فلابدّ من القول أنّه دعاء علمي وثوري وعقائدي وسياسي وفي نفس الوقت مفعم بالأحاسيس المرهفة، فإن أُدركت

مفاهيمه يمكن أن تلهم الأمّة مقومات المواجهة الاجتماعية ومناهضة الظلم (طبعاً بشرط الإدراك، لا بصيغة التحذير).

فقد استهل الدعاء بالإشارة إلى فلسفة بعثة الأنبياء، ومن ثم إشارة عابرة إلى سيرتهم واختلاف درجاتهم، مروراً إلى فلسفة بعثة الأنبياء، ومن ثم إشارة عابرة إلى سيرتهم واختلاف درجاتهم، مروراً بالتركيز على نبي الإسلام صلى الله عليه و آله وعظم منزلته، إلى الإسهاب في إمامة وصي النبي صلى الله عليه و آله علي عليه السلام على ضوء الأدلة القاطعة والروايات والآيات المتفق عليها من قبل الفرق الإسلامية كافّة، كما وردت الإشارة إلى أسباب قيام جماعة من الأمّة ضد أهل البيت عليهم السلام وبالتالي ما تعرضوا له من قتل ونفي ودعوة الأئمّة الواحد تلو الآخر، بحيث تشد القلوب نحو نهضة المهدي عليه السلام، ومن ثم يبدأ خطاب الإمام عليه السلام بسياق يفيض بالحب والحنان والعواطف الإنسانية، ويختتم الدعاء بشرح المشروع الإصلاحي والثوري للإمام عليه السلام وشي ء من التضرع والاستغاثة. هذا من حيث مضامين الدعاء. أمّا ما تصوره البعض من أنّ هذا الدعاء يشبه عقائد الكيسانية فمرفوض تماماً.

وهنا لابدّ من تسليط الضوء على بعض خصائص الفرقة الكيسانية، ومن ثم نرد من مضمون الدعاء على التصور السابق:

«الكيسانية»: كما وردت في بعض كتب العقائد والمذاهب، كانت فرقة شيعية إمامية، اعتقدت بامامة محمد بن الحنفية بعد الإمام الحسين عليه السلام، وقيل سموا بالكيسانية نسبة لأحد أنصار هذه الفرقة ويدعى «كيسان» الذي كان يزعم حبّ علي عليه السلام، وقيل إنّ كيسان أحد

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 187

ألقاب المختار بن أبي عبيدة أحد أتباع هذه الفرقة. ورغم تفرع هذه الفرقة، إلّاأنّ الطائفة المشهورة منها تعتقد بأنّ محمد بن الحنفية حي الآن ويعيش في جبل «رضوى» أطراف المدينة، وهو

المهدي الموعود.

وأنشد شاعرهم «كثير» بهذا الشأن:

ألا إنّ الأئمّة من قريشٍ وُلاةُ الحق أربعة سواءُ

عليٌّ والثلاثة من بنيه هم الأسباط ليس بهم خفاءُ

وسبط لا يذوق الموت حتى يقود الخيل يقدمها الولاءُ

يُغيّب لا يُرى فيهم زماناً برضوى عنده عسل وماءُ

أشار الشاعر في أبياته إلى علي عليه السلام وأبنائه الثلاثة، ثم أشار إلى غيبة محمد الحنفية في جبل «رصوى». طبعاً أتباع هذه الفرقة اليوم قلائل، وغالباً ما نعثر على أسمائهم في كتب تاريخ الأديان. ونعود الآن إلى أصل الموضوع:

فدعاء الندبة يفند عقائد الكيسانية وينسجم تماماً مع عقائد الشيعة الإمامية:

1- نقرأ في ثلاث عبارات من دعاء الندبة بشأن نسب المهدي «عج»: «وابن خديجة الغراء» و «ابن فاطمة الكبرى» و «جدته الصديقة الكبرى فاطمة بنت محمد». فهو ابن خديجة وفاطمة عليها السلام. والحال ليست هنالك من نسبة لمحمد بن الحنفية بخديجة وفاطمة بنت النبي صلى الله عليه و آله، فأمّه «خولة الحنفية بنت جعفر بن قيس، ولا رابطة لها بخديجة أو فاطمة الزهراء عليها السلام». وعليه فمن العجيب أن يُشبّه دعاء الندبة بعقائد الكيسانية، ولو فرضنا الشبهة لكلمة «رضوى»- وليس من شأنها إثارة شبهة كما سترى- فإنّ هذه العبارات الثلاث يمكنها آزالة أيّة شبهة.

2- ورد في هذا الدعاء بعد عبارة ابن أبناء الحسين «صالح بعد صالح وصادق بعد صادق، أين السبيل بعد السبيل، أين الخيرة بعد الخيرة، أين الشموس الطالعة، أين الأقمار المنيرة، أين الأنجم الزاهرة، أين أعلام الدين وقواعد العلم، أين بقية اللَّه ...؟».

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 188

فهذه العبارات تقول صراحة إنّ بعد الإمام الحسين عليه السلام عدّة أئمّة سينهض الواحد تلو الآخر لإصلاح الأمّة والدعوة إلى اللَّه وبسط العلم والمعرفة حتى يصل آخر حجة ليخاطب بصيغة المفرد. فهل

هناك من شبه بعقائد الكيسانية، الذين لا يرون لولد الحسين عليه السلام من مقام ولا يعترفون بامام بعد محمد بن الحنفية؟

أوَليسَ من العجب أن يقال انقطع الموضوع بعد ذكر ولاية علي عليه السلام وأغمض عن الأئمّة واقتصر الكلام على المهدي وهذا ينسجم مع عقائد الكيسانية! أو لا تكفي هذه العبارات العشر المتسلسلة سائر الأئمّة كونها لا تصرح بأسماء الأئمّة عليهم السلام؟ وهل عشر عبارات قليلة في ردّ عقائد الكيسانية؟!

3- إننا نخاطب ولي العصر في هذا الدعاء قائلين: «بنفسي أنت من مغيب لم يخل منّا، بنفسي أنت من نازح ما نزح عنّا» فنراه بيننا وقريب منّا، وهذا يشير إلى أنّ غيبته ليست من قبيل وجود لا مرئي وغائب عن الأنظار في مكان معين، بل يتردد بصورة غير معروفة في الأوساط دون أن يكون له مكان ثابت.

4- اتضح ممّا ذكرنا أنّ فقرات هذا الدعاء تفند الواحدة تلو الأخرى العقائد الخرافية للفرقة الكيسانية، وتنطبق تماماً على عقائد الشيعة الإمامية. ولا تبقى سوى كلمة «رضوى» في إحدى عبارات الدعاء والتي تتضح من خلال الرجوع إلى المصادر الإسلامية (لابدّ من التأمل).

توضيح ذلك: كتب صاحب معجم البلدان ياقوت الحموي: إنّ «رضوى ... جبل في أطراف المدينة ورضوي (على وزن رجبي) منسوب إليه، وقال النبي الأكرم صلى الله عليه و آله بشأن هذا الجبل: رضوي جبل رضى اللَّه عنه. ثم قال بعد أن ذكر سائر الجبال المقدسة: قال عرام بن أصبع السلمي: رضوي جبل يبعد مسيرة يوم عن ينبع وسبعة منازل عن المدينة وقد أخبرني من سار إلى هذا الجبل أنّ فيه ماءً كثيراً ونخيلًا وهذا هو الجبل الذي تعتقد الكيسانية: أنّ محمد بن الحنفية مقيم فيه وهو حي». وأمّا «ذي طوى»

الذي ورد بعد جبل رضوى في دعاء الندبة، فأحد الجبال الواقعة أطراف مكة على طريق «تنعيم» ويبعد فرسخاً عن مكة وترى

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 189

منه بيوت مكة.

وجاء في الخبر عن الإمام الباقر عليه السلام: أنّ القائم عليه السلام يرد مكة عن طريق ذي طوى فيجتمع عند الكعبة بصحبه بعدد جنود بدر ومن هنالك يبدأ نهضته.

ونستنتج ممّا سبق أنّ رضوي جبل مقدّس وورد في أحاديث النبي الأكرم صلى الله عليه و آله:

«وقدسية أرض أو جبل أو الحجر الأسود مثلًا بسبب الأحداث المهمّة التي شهدها طيلة التاريخ ويرتبط بتضحيات أولياء اللَّه هناك».

وعليه فإنّ جبل رضوي ورد في أحاديث النبي صلى الله عليه و آله قبل أن يرد في عقائد الكيسانية. بل لعل اختيار الكيسانية لهذا الجبل بغية إضفاء القدسية على عقائدهم الباطلة. وعليه فإن وردت كلمة رضوى في دعاء الندبة فلابدّ من إعادتها إلى جذورها الأصلية في أحاديث النبي صلى الله عليه و آله لا عقيدة الكيسانية.

والشاهد الآخر على هذا الكلام ذكر جبل «ذي طوى» القريب من مكة؛ فليس هنالك من علاقة لذي طوى بعقائد الكيسانية، وبغض النظر عمّا سبق فإنّ كلمة «أم غيرها» الواردة في دعاء الندبة دليل على أن ليس للمهدي «عج» من موضع خاص خلافاً لعقائد الكيسانية ويتردد على بقاع العالم كافّة وعلى غرار جدّه النبي صلى الله عليه و آله الذي كان يتردد أحياناً على جبل النور وغار حراء، وأحياناً أخرى عند الكعبة وبين المسلمين في مكة والمدينة؛ فالمهدي عليه السلام أحياناً هنا وهناك وأخرى بيننا.

وأخيراً نأمل في المستقبل ممن يحاول إثارة مثل هذه الشبهات في أن يبدي حسن نيّته بالرجوع إلى المختصين بهذا الشأن ممن بذلوا فيه جهودهم فإن لم يتلقوا

منهم الاجابات الشافية، فلهم أن يثيروها بكل حرية، ولكن إن سمعوا أجوبتها فلا يمسّوا الرأي العام.

وهنا تجدر الإشارة إلى طبع كتيب هوجم فيه سند الدعاء ومتنه وهذا ما يثير الدهشة.

فقد أورد صاحب الكتيب بعض الإشكالات بأسلوب مستهجن لا يبدو أي منها صحيحاً، وحيث لا تتطلب بعض الأبحاث العلمية فإننا نكتفي باستعراض نماذج منها.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 190

الإشكال الأول على نص دعاء الندبة: لم ورد في الدعاء بشأن إبراهيم عليه السلام: «وسألك لسان صدق في الآخرين فأجبته وجعلت ذلك علياً» ثم أشكل بأنّ العبارة جعلت ذلك علياً ولا تنسجم قط مع العبارة السابقة (وكأنّ المستشكل تصور أنّ المراد به علي عليه السلام). إلّا أنّ معنى العبارتين يبدو واضحاً تماماً من خلال القرآن؛ فالقرآن يفيد أن إبراهيم سأل اللَّه تعالى: «وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ» «1».

وقال في موضع آخر بشأن إبراهيم وإسحاق ويعقوب: «وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً» «2»

والعبارة الواردة في الدعاء تتضمن هاتين الآيتين. فما العيب في هذا الاقتباس؟

وهل هنالك من مجال للإشكال؟

الإشكال الآخر على نص الدعاء: العبارة: «ثم جعلت أجر محمد صلواتك عليه وآله مودّتهم في كتابك فقلت لا أسألكم عليه اجراً إلّاالمودة في القربى»، تتناقض مع ما ورد في القرآن «قُلْ لاأَسأَلُكُم عَلَيهِ أجراً» «3».

والطريف أن العبارة القادمة في الدعاء ردت على هذا الإشكال بالآية: «وقلت: «مَا سَأَلْتُكُمْ مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ»» «4»

؛ ذلك لأنّ مودة أهل البيت عليهم السلام وسيلة لكسب علومهم ومعارفهم وهداهم. فالواقع أنّ النبي صلى الله عليه و آله لم يسأل الناس أجراً على الرسالة وما سأله فنفعه لهم. وخلاصة القول إنّ متن الدعاء فصيح ولا محل لهذه الإشكالات.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 191

14 الإسلام والشفاعة

سؤال:

هل في الإسلام شفاعة أم لا؟

إن كانت هناك شفاعة فكيف سبيلها إلى اللَّه؟ فلعل الشفاعة نوع من الواسطة! ونتيجتها الحصول على موقع دون استحقاق.

الجواب:

هنالك شفاعة في الإسلام وهي من المفاهيم الإسلامية المسلّمة، ويعلم كل من لديه أدنى معرفة بالقرآن والسنّة بقطعية الشفاعة لمن يستحقها ولا مجال للشك والريب فيها.

وقبل الخوض في الأدلة النقلية على الشفاعة، لابدّ من توضيح حقيقتها ليعلم فرقها عن الواسطة.

فالشفاعة لغة تعني ضم شي ء لآخر، واصطلاحاً بمعنى مساعدّة أولياء اللَّه (الأنبياء والأئمّة والصلحاء) لانقاذ الأفراد الذين ارتكبوا الأخطاء طيلة حياتهم. وبالطبع فإنّ المساعدّة لانقاذ المذنبين لها صورتان: إحداهما تشبه الواسطة التي تدعو إلى الظلم، والأخرى درس وتهذيب ونافذة أمل ووسيلة تكامل. فإن كان الفرد المشمول بالشفاعة يفتقر لأي أهلية واستحقاق فهذا نوع من الظلم وتشجيع على الخطيئة وممارسة الجريمة.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 192

وهذه شفاعة مرفوضة والأمل بهذه الشفاعة يدفع بالأفراد إلى عدم التورع عن ارتكاب أيّة جناية، ومن المسلم به أنّ الآيات لا تنشد مثل هذه الشفاعة التي يدينها العقل والمنطق. أما إن شمل بعض المذنبين بشفاعة الشفعاء يوم القيامة لإيمانهم باللَّه وعلاقتهم بأوليائه، فإنّ هذه الشفاعة لا تنطوي على أي ظلم، بل هي عين العدل ووسيلة تربوية وعودة الأفراد المذنبين عن حالة التذبذب.

وتوضيح ذلك: إنّ شفاعة أولياء اللَّه كما يصرح القرآن تتوقف على إذن اللَّه وليس لأحد من شفاعة دون إذن اللَّه تعالى. ومن هنا يتضح أنّ إذن اللَّه سبحانه ليس اعتباطاً، وهذا الإذن يشمل من يستحق العفو والصفح، وإن قارف بعض الذنوب فإنّها لا تصل إلى حدّ الطغيان والتجبر، وإن ضعفت علاقته باللَّه فهي لم تنقطع. وعليه فالبشارة بالشفاعة بهذا المعنى تحذير للأفراد الذين يقارفون أحياناً بعض المعاصي بالعودة إلى ذاتهم والكفّ بأسرع وقت عن ممارساتهم

وديمومة علاقتهم بربّهم وعدم الابتعاد عن قبس الشفاعة، وإلّا فليس هنالك من سبيل للنجاة. ولا يخفى تأثير هذا الشعور في عودة الأفراد إلى الطريق المستقيم وإعادة النظر في أعمالهم الخاطئة، فهو بمثابة الأمل في إضاءة الحياة ممّا علق بها من ظلام.

وقد دلت التجربة على أنّ نافذة الأمل إن فتحت بوجه المجرمين وشعروا بالأمل أو النجاة إن هم أعادوا النظر في أعمالهم الخاطئة فإنّ أغلبهم سوف يقلع عمّا هو عليه ويعود إلى رشده وصوابه. ولعلنا نلمس ذلك في قوانين العقوبات العالمية التي تتضمن قوانين العفو عن السجناء وكبار المجرمين المحكومين بالسجن المؤبد، وسرّ ذلك فسح المجال أمام الآخرين للكفّ عن أخطائهم، ولولا هذا الأمل لما كان هناك ما يدعو هؤلاء الأفراد للاقلاع عن الجريمة.

فالشفاعة بالنسبة للأفراد المستحقين لا تعدو كونها بارقة أمل بغية إعادة النظر في الحياة الدينية والأخلاقية، وتختص بأولئك الذين أبقوا على علاقتهم باللَّه وأوليائه، بينما لا تشمل هذه الشفاعة أولئك الذين أدبروا عن اللَّه وأفنوا أعمارهم في مقارفة الذنوب والمعاصي. ويمكن بيان الفارق بين هذين الصنفين بالمثال التالي: أفرض أنّ جنوداً أُمروا

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 193

بفتح قلعة على سفح جبل حيث تحظى هذه القلعة بأهميّة في حفظ بلدهم من العدوان الخارجي، وقد زودهم آمر ماهر بكل الوسائل التي يحتاجونها في الصعود إلى الجبل وفتح القلعة فأمرهم بالصعود. فكانت هنالك فئة من الجنود استقرت عند بداية الجبل ولم تطع الأوامر، وأخرى إمتثلت الأمر وباشرت الصعود فكان فيها بعض الأفراد الضعاف الذين يتوقفون في بعض المواقع ويصعب عليهم بمفردهم تجاوز بعض النقاط الصعبة، فما كان من هذا الآمر إلّاأن مدّ يد العون لأولئك الضعاف وأخذ بأيديهم ليعبروا تلك النقاط الصعبة.

فهذه المساعدّة والمعونة شفاعة نحو الأفراد

السائرين على الطريق، ولا مانع من أن يعلن الآمر قبل الصعود بأنّه سيقف إلى جانبهم في المواقع الصعبة حتى يحققوا الهدف. فهذا الإعلان المسبق يبعث الأمل في نفوسهم نحو تحقيق الهدف. فهل الشفاعة بقصد إنقاذ الأفراد حثّ على الذنب ونوع من الظلم!

القرآن والشفاعة:

يمكن تقسيم الآيات الواردة في الشفاعة إلى ثلاث طوائف:

1- الآيات النافية للشفاعة مثل: «وَاتَّقُوا يَوْماً لَاتَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ» «1».

2- الآيات التي تقتصر بالشفاعة على اللَّه تعالى: «مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِىٍّ وَلَا شَفِيعٍ ...» «2».

3- الآيات التي تصرح بوجود الشفعاء الذين يشفعون بإذن اللَّه تعالى: «مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ...» «3»

. و «يَوْمَئِذٍ لَاتَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِىَ

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 194

لَهُ قَوْلًا» «1»

. فهذه الآيات تثبت وجود الشفعاء يوم القيامة الذين يشفعون بإذن اللَّه للمذنبين وأنّ اللَّه سيقبل شفاعتهم «2».

وهكذا يتضح موقف من يشكل أو ينفي الشفاعة على ضوء الآيات القرآنية الواردة في الشفاعة.

الآيات النافية للشفاعة:

يتضح الهدف من الطائفة الأُولى من الآيات التي تنفي الشفاعة من خلال الأخذ بنظر الاعتبار العقائد الخرافية السائدة لدى الوثنيين بشأن شفاعة الأصنام؛ حيث كان يزعم أولئك أنّ الأصنام شفعاؤهم عند اللَّه: «وَيَقُولُونَ هؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ» «3».

وأغلب الآيات التي تنفي أساس الشفاعة ترتبط بهذا النوع الذي كان يؤمن به عرب الجاهلية. ومن هنا حين نقل القرآن في الآية 43 و 44 من سورة الزمر شفاعة الأوثان فندها وذكر الشفاعة للَّه: «أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ ...* قُلْ للَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً ...».

أمّا هدف سائر الآيات التي تنفي حسب الظاهر الشفاعة فهو إدانة التصورات الباطلة لليهود؛

لأنّ هؤلاء كانوا يتصورون أنّهم سينالون شفاعة أخيارهم لأنّهم كانوا أنبياء ومهما ارتكبوا من ذنوب. وكانوا يتصورون بإمكانهم فداء ذنوبهم، على غرار سلوكهم في الدنيا عن طريق الرشوة والهدية لتزوير الحقيقة وتغيير رأي القاضي.

فالقرآن الكريم يفند هذا الزعم ليعلن عدم وجود الواسطة والشفاعة والفداء يوم القيامة وليس هنالك ما ينجي الإنسان سوى عمله فيقول: « «وَاتَّقُوا يَوْماً لَاتَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ» «4»

. وعليه

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 195

فآيات الطائفة الأولى والثانية ناظرة لعقائد الجاهلية واليهود بقرينة ما قبلها وما بعدها من الآيات، وهي منفصلة عن الطائفة الثالثة التي تثبت الشفاعة إجمالًا. وليست هنالك من منافاة بين تلك الطائفة من الآيات (الطائفة الثانية) التي تعتبر الشفاعة من اللَّه تعالى

والطائفة الثالثة التي تشير إلى وجود الشفعاء الذين يشفعون بإذن اللَّه تعالى لأنّ الشفاعة أساساً من اللَّه وللآخرين بإذنه.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 197

15 هل استدل أمير المؤمنين عليه السلام على خلافته بحديث الغدير؟

سؤال:

كلّنا نعلم أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أعلن يوم الغدير خلافة أمير المؤمنين عليه السلام وأوجب على جميع المسلمين طاعته، وهنا يرد هذا السؤال: إن كان الأمر كذلك فلماذا لم يستدل الإمام بهذا الحديث على إثبات إمامته؟

الجواب:

خلافاً لفرض السؤال فإنّ الإمام استدل بهذا الحديث في أكثر من موقع على خلافته، فكان يذكره كلّما سنحت الفرصة حتى رسخه في قلوب الناس. ولم يقتصر ذلك على الإمام، بل استدل بحديث الغدير الزهراء عليها السلام والحسن والحسين عليهما السلام وكبار المسلمين مثل، عبداللَّه بن جعفر وعمار بن ياسر والأصبغ بن نباتة وقيس بن سعد وعمر بن عبدالعزيز والخليفة العباسي المأمون وحتى الخصوم كعمرو بن العاص و ... وعليه فالاستدلال بحديث الغدير كان

منذ عهد الإمام عليه السلام وما تلاه. ونشير هنا إلى بعض الاستدلالات:

1- تحدّث الإمام عليه السلام يوم الشورى (التي عينها الخليفة الثاني وكانت بالشكل الذي لا تكون الخلافة من نصيب علي، حين مال عبدالرحمن بن عوف إلى عثمان، عن بطلان رأي

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 198

الشورى فقال: أقول ما لا يسع أحد انكاره حتى قال: ناشدتكم اللَّه هل فيكم من قال فيه رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: «من كنتُ مولاه فهذا علي مولاه، اللّهم وال من والاه وانصر من نصره ليبلغ الشاهد الغائب» «1»

طبعاً لا يقتصر استدلال الإمام بحديث الغدير على هذه الواقعة.

2- ذات يوم خطب الناس بالكوفة وقال: ناشدتكم اللَّه من شهد يوم الغدير وسمع مقالة النبي صلى الله عليه و آله فليشهد. فنهض ثلاثون وشهدوا أنّهم سمعوه من رسول اللَّه صلى الله عليه و آله. وهنا لابدّ من الإلتفات إلى أنّ ذلك اليوم كان بعد خمس و عشرين سنة من يوم الغدير. بالإضافة إلى أنّ بعض الصحابة لم يكونوا في الكوفة أو توفوا قبل ذلك، ولعل البعض تحفظ عن الشهادة لبعض الأسباب وإلّا لكان العدد أكثر من ذلك.

وقد ذكر المرحوم العلّامة الأميني في كتابه «الغدير» مصادر هذا الحديث فمن أرادها فليراجع (كتاب الغدير) «2».

3- اجتمع على عهد عثمان مئتان- من المهاجرين والأنصار- في مسجد النبي وتحدثوا في عدّة أمور، حتى بلغوا فضائل قريش وسوابق المهاجرين، وكان كل يفتخر ببعض رجالات قريش. وكان علي عليه السلام يسمع ولا يتكلم. فأقبل الناس عليه وسألوه أن يتكلّم.

فخطب وتحدث عن قرابته من رسول اللَّه صلى الله عليه و آله ثم قال: إنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله قال: عهد اللَّه إليَّ أمراً وأخشى

أن يكذبني بعض الناس، ألا إنّ اللَّه أمرني بالابلاغ: أيّها الناس: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثم أخذ بيدي وقال: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه» فهل سمعتم ذلك. قالوا: بلى. فقام سلمان وسأل رسول اللَّه: كيف ولاية علي علينا؟ فقال صلى الله عليه و آله: «ولاؤه كولائي من كنت أولى به من نفسه فعلي اولى به من نفسه» «3».

4- واستدلت الزهراء عليها السلام بالحديث حين دافعت عن حقّها في ذلك اليوم التاريخي، ثم

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 199

قالت لصحابة النبي: أنسيتم يوم الغدير حين قال النبي صلى الله عليه و آله لعليّ: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه»؟ «1»

5- لما عزم الحسن بن على عليه السلام على صلح معاوية خطب الناس وقال: ان اللَّه اكرمنا أهل البيت بالاسلام و طهرنا من الرجس ثم قال: ناشدتكم اللَّه هل سمعتم رسول اللَّه صلى الله عليه و آله قال لعلي: انت مني كهارون من موسى. كما سمع المسلمون و رأوا انه اخذ بيد علي عليه السلام يوم الغدير و قال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه و عاد من عاداه «2».

6- خطب الحسين عليه السلام حين خطب الصحابة في مكة فقال ناشدتكم اللَّه هل سمعتم ما قال النبى لعلي يوم الغدير و نصبه للإمامة وقال: ليشهد الحاضر الغائب. فقالوا: بلى.

اضف الى ذلك فقد استدل بهذا الحديث على خلافة الامام طائفة من صحابة النبي صلى الله عليه و آله مثل عمار بن ياسر و زيد بن ارقم و عبداللَّه بن جعفر والاصبغ بن نباته وغيرهم «3».

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 200

القسم الرابع القيامة والمعاد

1 لِمَ يعاقب اللَّه عباده؟

سؤال:

لِمَ يعذب اللَّه المذنبين في جهنم رغم غناه

المطلق وقاهريته، وما الهدف من هذا العذاب في الآخرة؟

الجواب:

أولًا: لابدّ من الإلتفات إلى أنّ الثواب والعقاب يوم القيامة على ضوء الآيات والروايات نتيجة قطعية لأعمالنا الدنيوية وسنلمس هذه النتيجة شئنا أم أبينا. على غرار أعمال البشر في هذا العالم التي تنطوي على سلسلة من الملازمات الضرورية، مثلًا الشخص الذي يدمن المخدرات لابدّ أن يعيش المعاناة طيلة حياته، كما لابدّ أن يعاني مدمن الخمر من بعض الأمراض التي تصيب قلبه وكبده، وهكذا فإنّ لأعمالنا الصالحة والطالحة آثاراً ولوازمَ ستنكشف في ذلك اليوم، وعليه فإنّ جانباً مهمّاً من الثواب والعقاب وليد أعمالنا وأثر مباشر لممارساتنا وليس لنا حق الإعتراض، ولو أسّسنا حياتنا على أُسس صحيحة وسليمة فسوف لن نشهد أيّة نتيجة مريرة، وكما لا تتنافى نتائج أعمالنا في هذا العالم مع غنى اللَّه ورحمته، فإنّ نتائج أعمالنا ستكون كذلك يوم القيامة.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 204

ثانياً: إنّ الثواب والعقاب يوم الجزاء ضامن تطبيق التعاليم السماوية وينطوي على بعد تربوي، فاللَّه تعالى بوعده ووعيده الحق دعى عباده لأفعال الخير وحذرهم من أفعال الشر.

ولن يكون لهذا الوعد من فاعلية إلّاحين يكون حتمياً، ولو احتمل عدم الوقوع لفقد دوره التربوي، وسوف لن يكون هنالك من مسوغ لأن يحتمل الفرد بعض التكاليف الثقيلة ويبادر إلى الخيرات أو يمتنع عن أكثر القبائح.

فالثواب والعقاب الالهي يمكنه ضمان اجراء احكام السماء و تعاليمها حين تكون وعود قطعية تأبى الخلف و دون ان يتسلل إليها أي نوع من احتمال التخلف و ان اللَّه منزه عن عدم العمل بوعده.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 205

2 هل القيامة قيامة جميع الأمم في يوم واحد؟

سؤال:

نعلم أنّ قروناً كثيرة مرّت على البشرية وانقرضت عدّة أقوام وأُمم، فهل من شاهد على قيام قيامتهم، أم أنّ قيامة الجميع واحدة، والخلاصة هل قيامة

الأُمم كافّة في يوم واحد، أم أنّ لكلٍ قيامته؟

الجواب:

هنالك عدّة آيات تشير إلى أنّ قيامة الجميع في يوم واحد. وإليك بعض نماذج الآيات:

«إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً* لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً* وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً» «1».

ويقول أيضاً: «يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً* وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً» «2»

بالإضافة إلى سائر الآيات.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 207

3 كيف سيكون موقف الجهال يوم القيامة؟

سؤال:

كيف سيكون مصير الأشخاص الذين يعيشون في بعض المناطق الأوربية والأمريكية ولم يسمعوا منذ ولدوا سوى عقائد آبائهم، وليس لديهم أي علم بما وراء بلدانهم؟

الجواب:

طبعاً هؤلاء الأفراد سوف لا يعذورن إن كانت لهم فرصة للتحقيق عن الدين الحق وقصّروا في استغلالها، نعم يعذورن إن لم تكن لديهم فرصة، أو سعوا قدر استطاعتهم للتعرف على الدين الحق لكنهم لم يبلغوه، أي أنّ اللَّه سوف لن يعاقبهم إلّاأنّهم مكلّفون بالعمل بما علموا من حقائق، مثلًا لابدّ أن يعملوا على أساس ما يشهد به عقلهم من وجود اللَّه، وقبح الظلم وحسن العدل وسوء الفساد والانحراف الأخلاقي. وعادة ما يطلق على هؤلاء الأفراد «المستضعفون» وللمفسرين عدّة أبحاث بشأن هذه الطائفة، كما وردت عدّة روايات بهذا الشأن، فمن أراد المزيد فليراجع المصادر «1».

4 هل يمكن أن يكون اليوم الواحد خمسين ألف سنة؟

سؤال:

هل صحيح ما يقال إنّ يوم القيامة خمسين الف سنة؟ كيف يكون اليوم الواحد خمسين ألف سنة؟

الجواب:

لابدّ من الإلتفات إلى أنّ الليل والنهار والسنة لا يقتصر على مقدار الزمان في الظروف الفعلية لسكان الأرض، بل هنالك فارق كبير بالنسبة لهذا الزمان في العوالم الأخرى مثلًا في «عطارد» أقرب السيارات للشمس فإنّ السنة فيه بمقدار ثمان وثمانين يوماً لدينا (أي أنّ عطارد تدور حول الأرض مرّة كل ثمان و ثمانين يوماً) وفي «الزهرة» المجاورة للأرض فإنّ السنة فيها تعدل مئة وخمسة وعشرين يوماً.

وفي كوكب «نبتون» ثامن سيارة لمنظومتنا الشمسية فإنّ السنة فيه تعدل سنتنا بمئتين وتسع وأربعين مرّة، وهنالك فارق كبير حتى في قطبنا الشمالي والجنوبي في الليل والنهار مع سائر المناطق، وكل يوم وليل تقريباً ستة أشهر، والليل والنهار في القمر خمسة عشر يوماً تقريباً. وعلى هذا الأساس لا يستبعد أن تكون الأوضاع في ظل ظروف القيامة

بحيث

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 210

يكون اليوم بمقدار خمسين ألف سنة كما في حسابنا الزمني، كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم. فالمستفاد من الآيات أنّ تغييراً جذرياً يصيب الكون يوم القيامة «يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ...» «1».

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 211

5 المعاد الجسماني والروحاني «1»

سؤال:

لم يرفض الفقهاء «المعاد» و «المعراج» الروحي بينما قال بذلك بعض قدماء الفلاسفة وأقاموا عليه الأدلة والبراهين؟

الجواب:

طبعاً ليس مراد من ينكر المعاد الروحي اقتصاره على الجسماني، بل المراد المعاد الروحي والجسمي، أي ستعود الروح والجسم يوم القيامة وتذوقان الثواب والعقاب ونتائج الأعمال. وقد اعتبر هذا الأمر من المسلمات لدى الفلاسفة المتأخرين. وهنالك عدّة آيات صرحت بالمعاد الجسمي الذي ورد شرحه في الكتب العقائدية، ومن تلك الآيات أواخر سورة يس التي بيّنت الموضوع بعدّة طرق.

أمّا بشأن انكار المعراج الجسماني فلابدّ من الإلتفات إلى أنّ هذه النظرية كانت على أساس فرضية (بطليموس) في الأفلاك، حيث كان يعتقد بأنّ الأفلاك التسعة كطبقات البصل بعضها فوق بعض تأبى الاجتياز ويستحيل فيها الشق، ومن هنا فقد اعتقدوا باستحالة

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 212

عبورها بهذا البدن المادي، ومن الطبيعي أن تبطل هذه العقيدة على ضوء بطلان الفرقية المذكورة وظهور النظريات الجديدة.

6 هل يؤجر المفكرون والمخترعون يوم القيامة؟

سؤال:

هنالك جهود جبارة بذلها بعض العلماء والمفكرين، فالعالم (فاديسون) اكتشف الكهرباء و (غاليلو) التلسكوب وقضايا مهمّة في الهيئة و (غوتمبرك) الطباعة فأسدوا خدمات جليلة للبشرية فهل يؤجرون عليها يوم القيامة، أم لا أجر لهم كونهم ليسوا مسلمين؟

الجواب:

قبل أن نبيّن رأي الإسلام بهذا الخصوص، لا بأس في أن نشير إلى بعض الآراء بهذا الشأن:

1- يرى البعض جقّ الأجر لكل عمل يعود بالنفع على المجتمع، ولا فرق في ذلك بين الموحد والمشرك والمسلم وغير المسلم، وأنّ اللَّه لا يفرّق بين عباده بهذا الشان. فهؤلاء يقولون: ليس للإيمان باللَّه ورسالة خاتم الأنبياء تأثير في العمل، والعمل الصالح يعود بالنفع على المجتمع دائماً سواء صدر من مسلم أم مشرك.

2- بالمقابل هناك طائفة أخرى تنفي أدنى أجر لهذه الأعمال وإن كانت بنيّة صافية لأنّها لا تنطلق

من عقائد سليمة، وعليه فليست هنالك من قيمة لهذه الأعمال. ولكن يبدو الرأيين

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 214

المتقابلين غير صحيحين، وهنالك الرأي الثالث المنطقي وهو:

لكل عمل صالح بعدان:

1- بعد شخصي ونفعي يعود لنفس الإنسان.

2- بعد اجتماعي يعود نفعه على عامة الناس.

فإن كان هدف المخترعين الذين بذلوا ويبذلون جبارة للتوصل إلى اختراع معين، هو الحصول على شهرة بين الناس أو الحصول على عائدات مادية إزاء الاختراع، فقد حصلوا على ما يرومون وحققوا هدفهم، ولا داعي لأن ينتظروا أجراً يوم القيامة، ذلك لأنّهم بهذا الهدف لم ينشدوا رضى اللَّه وخدمة المجتمع، بل كانت الشهرة والمادة هما الدافع من وراء ذلك الجهد وقد ظفروا بهما- أمّا إن كان الدافع في تلك الأنشطة العلمية والجهود الفكرية والخدمات الاجتماعية هو القيام ببعض المنجزات في سبيل رفاهية عباد اللَّه والقضاء على الصعوبات التي تواجههم في حياتهم والتخفيف من أعبائهم، فمما لا شك فيه أنّ لهم أجرهم وثوابهم يوم القيامة، والعدل الإلهي يقتضي إثابتهم.

وقد ورد في الأخبار أنّ حاتم الطائي سيؤجر يوم القيامة رغم أنّه كان وثنياً ولم يؤمن بالأديان السماوية، كونه يرعى المحروم ويغيث المحتاج ويُقرء الضيف. «1» طبعاً هنالك عدّة طرق تمكننا من الوقوف على نيّة المخترع لنعلم هل كان الدافع الذي يقف وراء أنشطته مادياً وشخصياً أم معنوياً وإنسانياً. فالعلماء الذين إذا اقترح عليهم العمل في مصانع إنتاج الأسلحة الجرثومية والإبادة الجماعية مقابل دخل أكثر من دخلهم، إن عملوا في صناعة الأدوية، فلبوا الاقتراح، فإنّ مثل هؤلاء الأفراد سوف لن يؤجروا عند اللَّه مهما اكتشفوا واخترعوا، ذلك لأنّهم يفتقرون إلى الدوافع الربّانية والإنسانية وأمّا إن ضحّوا بتلك الإغراءات المالية وواصلوا أعمالهم خدمة للمجتمع فسوف يؤجرون ويثابون.

القسم الخامس فلسفة الأحكام والمسائل الفقهية

1 هل يحق لنا السؤال عن فلسفة الأحكام؟

إن كان لنا

مثل هذا الحق فهل له حدود؟

يعتبر بحث فلسفة الأحكام والمقررات الشرعية الإسلامية من أهم الأبحاث المطروحة اليوم وتشكل القسم الأعظم من أسئلتنا وأجوبتنا. فكل شخص يسأل نفسه لماذا أصلي وأحج بيت اللَّه، لماذا الربا محرم في الإسلام، ما فلسفة حرمة لحم الخنزير، لماذا يجيز الإسلام تعدد الزوجات، وما علة استعمال الأواني الذهبية والفضية و ...؟

لقد طرح هذا البحث سابقاً في مجلة المدرسة الإسلامية وكتب بعض الأعلام عدّة أبحاث رائعة ومفيدة بهذا الشأن، ويعتقد البعض أنّه لا ينبغي البحث عن فلسفة الأحكام، بينما يرى البعض الآخر العكس وأنّ هنالك ضرورة في إدراك فلسفة الأحكام. وأمّا رأينا إن لم تستغربوا صحة الرأيين السابقين. فإننا نمتلك ولا نمتلك هذا الحق، أي أنّ استدلال كل طائفة صحيح ومقبول في قسم معين لا بصورة كلية.

توضيح ذلك: تشير مطالعة المتون الإسلامية- القرآن وأحاديث النبي الأكرم صلى الله عليه و آله والأئمّة الأطهار عليهم السلام- وكلمات الصحابة إلى أنّ بحث فلسفة الأحكام كان سائداً بينهم في عصرهم، ولابدّ أن يكون كذلك. ذلك لأنّهم يرون الأسلوب القرآني أسلوباً منطقياً واستدلالياً فيعطون لأنفسهم الحق في التحري عن فلسفة الأحكام. والإسلام يتحدث عن

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 218

اللَّه الوجود المطلق واللامتناهي من حيث العلم والقدرة والغنى عن كل ما سواه، وكل أفعاله تستند إلى حكمة معينة- علمنا أم لم نعلم- ولا يشوبها أي عبث ولغو ولهو وقد بعث الأنبياء لدعوة الناس إلى الحق والعدل- ولعل هذه الصورة التي يقدمها الإسلام تشجعنا على تحري فلسفة الأحكام والأسرار الدخيلة في مصيرنا وسعادتنا.

وبالطبع فإننا نخطى ء أن تصورنا اقتصار أسلوب القرآن على الاستدلال في «أصول الدين» والقضايا العقائدية دون «فروع الدين» و «المسائل العلمية» فنحن نرى القرآن يردف تشريع

الصوم بالقول: «لَعَلّكُم تَتَّقُونَ» «1»

فيذكر فلسفة الصوم على أنّها التقوى من الذنب والتي تحصل في ظل تربية النفس من تلك الرياضة الإسلامية. ويقول بشأن المسافرين المعفوين من الصوم: «يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ» «2»

فيذكر فلسفة ذلك بنفي العسر والحرج والمشقة.

ويقول بشأن تحريم القمار والخمر: «إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ» «3»

. ويقول بشأن التعفف عن النظر إلى الأجنبية: «ذَلِكَ أزكى لَهُم» «4».

وبشأن عدم دخول المشركين إلى المسجد الحرام: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا ...» «5».

وبشأن الفيى ء (بعض أموال بيت المال) وعلة اختصاصه ببيت المال وصرفه في موارد عامة: «كَىْ لَايَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ» «6»

. وهكذا سائر الأمور التي لا مجال لذكرها.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 219

كما تشير السنّة إلى أنّ النبي الأكرم صلى الله عليه و آله والأئمّة الأطهار عليهم السلام كانوا يخوضون في ذكر أسرار وفلسفة الأحكام بادى ء الأمر أو بعد السؤال، وكتاب علل الشرائع للمحدث المرحوم الصدوق- كما يبدو من اسمه- مجموعة من هذه الأخبار. وعليه فحين ترى القرآن والأئمّة الذين يخوضون في أكثر من موقع في بيان فلسفة الأحكام، فإنّ ذلك دليلًا على منحنا الحق في الخوض في هذه الأمور. ونخلص إلى هنا في حقنا بالسؤال عن أسرار الأحكام على ضوء القرآن والسنّة وروايات الأئمّة عليهم السلام.

ولو تصور أن ذكر فلسفة الأحكام يمكن أن تحد من أهميتها وصرامتها وعموميتها فإنّ ذلك التصور خاطى ء، بل بالعكس فإنّ إشباع تطلعات عقل الإنسان وروحه تجعل تلك الأحكام جزءاً من ضرورياته واحتياجاته لا بصفتها أحكام تعبدية جافّة. ومن جانب آخر

فإننا نعلم بأنّ معلوماتنا محدودة مهما تقادم الزمان، فنحن لا نعلم كل شي ء، ولو كنّا نعلم لتوقفت قافلة العلم، وعدم علمنا هذا هو الذي يدفع العلماء لحث الجهود بغية كشف المجهولات. ونعلم أنّ الأحكام الشرعية تصدر من علم اللَّه اللامتناهي، من ذلك المبدأ المنفتح على حقائق الوجود كافّة وسيان عنده الماضي والمستقبل والغيب والشهود. وعلى هذا الأساس فهل يسعنا توقع إدراك فلسفة الأحكام كافّة؟ فإن كان الأمر كذلك فما الحاجة إلى تشريع الأنبياء للأحكام؟ وهل نعلم بكل أسرار الوجود والقوانين التي تحكمه؟

والأحكام التشريعية ليست منفصلة عن حقائق الخلق والتكوين، فمعلوماتنا في المجالين محدودة. ونستنتج من البحثيين:

إنّنا نستطيع إدراك الفلسفة الإلهيّة في كل عصر وزمان على ضوء ما لدينا من معلومات.

ومفهوم ذلك إننا لا نستطيع تعليق طاعة الأحكام الشرعية على إدراك فلسفتها، ذلك لأننا نكون قد زعمنا عدم محدودية علمنا وجعلناه بمصاف علم اللَّه وهذا ما لا ينسجم مع أيّ منطق.

وزبدة الكلام: البحث عن فلسفة الأحكام شي ء وطاعة هذه الأحكام شي ء آخر ولا يتوقف الثاني على الأول أبداً.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 220

وإننا نبحث في فلسفة الأحكام لنقف على آثارها وأهميتها، لا لنرى هل ينبغي العمل بها أم لا؟ فالقضية أشبه بالطبيب الحاذق الذي يقدم بعض الايضاحات لأدوية معينة، لنقبل عليها ونتفاعل معها، لأنّ استعمالها مشروط بذلك التوضيح، ذلك لأنّه ينبغي أن نكون أطباء أيضاً.

جدير بالذكر أنّ المراد من دراسة أسرار الأحكام أن تحوك بعض الخيالات لتفسير بعض الأحكام الشرعية وتزعم أنّ هذه هي فلسفة وأسرار هذا الحكم أو ذاك، كأن نعتبر الصلاة مثلًا رياضة بدنية وحركات سويدية والأذان وسيلة لتقوية الحبال الصوتية والصوم كنظام لإضعاف البدن والحج وسيلة لمساعدّة البدو والركوع والسجود رياضة للعمود الفقري! كلا

ليس المراد ذلك؛ ذلك لأنّ هذه الخزعبلات المضحكة لا تشدّ أحداً إلى الأحكام، بل تدفع لفقدانها قيمتها واعتبارها.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 221

2 كيف نتعامل مع فلسفة الأحكام

يفيد منطق القرآن الكريم ونهج الأئمّة الأطهار عليهم السلام أنّ لكل مسلم الحق في تحري أسرار وفلسفة الأحكام. إلّاأنّ هذا لا يعني أن نعرض بعض الأمور التي تساور أذهاننا كفلسفة لحكم دون أيّة ضابطة ودليل. ذلك أنّ الكلام العبثي في الواقع عبارة جافة ومقيتة. إذن كيف نتعامل مع هذه القضية؟ ما يجدر ذكره أنّ إمتثال الأحكام الشرعية كما نعلم لا يضيف شيئاً إلى جلال اللَّه وكبريائه ولا تحط المعصية من عظمته، كما قال أمير المؤمنين على عليه السلام: «لا تضرّه معصية من عصاه ولا تنفعه طاعة من اطاعه». فهو مطلق الوجود، وكل ما لدينا منه، وهو الغني عن كل شي ء، وكل ما يأتينا من خزائنه وبمقدار معين كما يراه: «وَإِنْ مِنْ شَيْ ءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ» «1»

فهل يسع القطرة أن تضيف شيئاً إلى البحر، أم هل يسع مرآة صغيرة إفاضة الضوء على الشمس. وعليه فإن كانت هنالك من فائدة في هذه الأحكام فهي لنا.

ومن جانب آخر لسنا جسماً فقط ليكون كل حكم من اللَّه لتربية أجسامنا وصحتنا، ولا روحاً فقط ليكون الهدف المعنوي هو فلسفة تشريعها. بل نحن جسم وروح والأحكام تتعامل معهما. وعليه فنحن نتحرّى الفوائد الطبية أو الموانع الاقتصادية والمادية في

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 222

الأحكام الشرعية ونرى حتى الصلاة والدعاء والمناجاة كوسيلة لتسكين آلامنا الروحية واضطراباتنا ومعاناتنا ومن يبحث عن شي ء آخر فهو على خطأ، كما يخطى ء ذلك الذي يتصور حتى استحباب لبس الثياب النظيفة وتقليم الأظافر وإزالة آثار العنكبوت وعدم الشرب من الآنية المكسورة يتعلق

بالآثار الأخلاقية والمعنوية والروحية، بل بعض الأحكام الإسلامية شرعت لأمور أخلاقية وتكامل روحي، وبعضها الآخر لنظم الحياة المادية، وأغلبها تنطوي على البعدين. نعود الآن لأصل الموضوع لنرى الضابطة التي ينبغي اعتمادها في التعامل مع فلسفة الأحكام.

فالأحكام الشرعية تقسم إلى أربعة:

1- الأحكام الواضحة فلسفتها للجميع منذ بعثة النبي الأكرم صلى الله عليه و آله وكلّ أدرك بعضها حسب علمه، وقد تقننت بغية إمتثالها من قبل الجميع، كحرمة الكذب والخيانة والتهمة وقتل النفس والسرقة والظلم والاحتكار والتطفيف في الميزان والأمر بالعدالة والصدق وإعانة الضعفاء والعمل والمثابرة وبر الوالدين والإحسان إلى الجار وما شابه ذلك، والتي يدرك فلسفتها كل فرد بغض النظر عن معلوماته.

2- الأحكام التي لم تتضح فلسفتها للناس- وأحياناً لعلمائهم آنذاك- وقد أشير إليها في القرآن أو كلمات الأئمّة، مثلًا ربّما لا يعلم الناس آنذاك الفلسفة الثلاثية الأبعاد (الأخلاقية والاجتماعية والصحية) للصوم لذلك أشار القرآن إلى تأثيره التربوي والأخلاقي فقال:

«لَعَلّكُم تَتَّقُونَ» «1»

وأشار الإمام الصادق عليه السلام إلى تأثيره الاجتماعي فقال: «ليستوي به الفقير والغني» وقال النبي صلى الله عليه و آله: «صوموا تصحوا». ونظير هذه الأحكام كثير ممّا وردت الإشارة إلى أسرارها في متون الآيات وأحاديث النبي صلى الله عليه و آله والأئمّة عليهم السلام، وكما أشرنا سابقاً هناك كتاب بهذا الخصوص «علل الشرائع» لأحد كبار المحدثين «الشيخ الصدوق»، كما ذكر المحدث المعروف «الشيخ الحر العاملي» في بداية كل فصل من كتابه وسائل الشيعة فلسفة بعض الأحكام.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 223

ولكن لابدّ من الإلتفات إلى أنّ ذكر هذه الأسرار والمنافع استناداً لتناسبه مع المستوى الفكري للناس ليس بمعنى انحصار تلك الفلسفة في ما ذكر ولا يمنع من استثارة الفكر لإدراك المزيد.

3- الأحكام التي تنكشف فلسفتها بفعل

التقدم والرقي البشري ومرور الزمان ويسعنا اعتبارها دليلًا على عظمة وأصالة هذه الأحكام السماوية. مثلًا الآثار البدنية والروحية والاجتماعية الضارة للمشروبات الكحولية إلى جانب تأثيرها على الجينات والجنين والتي كشفها اليوم العلم، أو الاختلالات العصبية والوفيات الناشئة من جلسات القمار، أو الأخطار التي يفرزها التقسيم غير العادل للثروات، والاضرار الاقتصادية والأخلاقية للربا والتي أحصتها المصادر ذات الصلة.

ولكن لابدّ من الإلتفات إلى موضوع في غاية الأهميّة وهو أنّ أي إفراط وأحكام خاطئة وضيق أفق ورؤى كاذبة والأهم من كل ذلك تحميل القوانين المسلمة بعض الفرضيات غير المبرهنة علمياً، إنّما يبعدنا فراسخ عن الحقيقة ويقودنا إلى متاهات كبيرة بدل تعريفنا بأسرار وفلسفة الأحكام. وعليه فما لم يبرهن العلم على ويكسبه صيغة حسية لا ينبغي جعله أساساً في توضيح فلسفة الأحكام.

4- الطائفة الأخيرة من الأحكام التي لم تكن واضحة منذ بدايتها، كما لم ترد إشارة إليها في المتون الإسلامية ولم تظفر بأسرارها لحدّ الآن ونماذج ذلك عدد ركعات الصلاة وحد نصاب موارد الزكاة التسعة وبعض مناسك الحج.

هل ستميط الأجيال القادمة اللثام عنها بتقدم العلم والمعرفة؟

هل كلف آخر أوصياء النبي الأكرم صلى الله عليه و آله بتوضيحها وتفسيرها؟

هل لهذه الأحكام بعد انضباطي؟

هل هي أسرار لا يسع حتى العلم في المستقبل سبر أغوارها؟ ... ليس لدينا أي علم بذلك؛ وكل ما نعلمه أنّ الطائفة الرابعة من الأحكام وعلى غرار سابقاتها واجبة التنفيذ ...

فهي تستند جميعاً إلى مصدر واحد. وأدلة إمتثالها ثابتة بالأدلة القطعية.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 225

3 لماذا نقلد في المسائل الدينية؟

يفتح الإنسان عينه على هذا العالم ولا يعلم شيئاً، فيضطر إلى الاستفادة من تجارب الآخرين ويغترف من علومهم ومعارفهم، ذلك لأنّه بحاجة إلى هذا العلم في مسيرته الشائكة في هذه الحياة.

ولعل الحياة تقوم

على أساس محورين؛ العلم والعمل، والعمل يحتاج إلى العلم، وعليه فالخطوة الأولى تبدأ بالعلم. وهنا يستمد الإنسان من إحدى غرائزه والتي تكشف له طريق الكمال والسعادة وهي غريزة «الاقتباس» و «التقليد» يتعلم من والديه شيئاً فشيئاً النطق وآداب الجلوس والقيام ويطوي كل يوم مرحلة من مراحل الحياة وينفتح كل يوم على العلوم والمعارف وأفكار الآخرين ليتعرف على موجودات هذا العالم ويقف على وظائفه.

لكن لابدّ من الإلتفات إلى أنّ التقليد لأفكار الآخرين بصورة كلية ليس صحيحاً، بل للتقليد أقسام هي:

1- تقليد الجاهل للجاهل

من الواضح أنّ هذا التقليد بغض النظر عن عدم إيصاله الإنسان إلى السعادة، فهو يهوي به إلى البؤس والشقاء، والمؤسف أنّ في مجتمعنا العديد من الأفراد الذين يقلدون سائر الأُمم في أخلاقها بصورة عمياء. فهم يقلدونهم في إرتداء الثياب وتناول الأطعمة وتسمية الأولاد

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 226

و ... بالإضافة إلى اتباعهم في إشاعة الفواحش والمنكرات وأسلوب التفكير والإعتقاد تحت مسميات شتى.

وقد وردت عدّة آيات في ذمّ هذا النوع من التقليد، ومنها ما قاله الوثنيون لرسلهم: «إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ» «1».

2- تقليد العالم للجاهل

وواضح أنّ هذا القسم أسوأ من سابقه وأخطر، ذلك لأنّ العالم يجب أن ينطلق من علمه ليعمل بوظيفته وهذا أقبح تقليد بأن يتخلى العالم عن علمه ويتبع الآخرين.

3- تقليد العالم للعالم

طبعاً لا ينبغي أن يقلد العالم آخر مثله في العلم وينبغي عليه العمل بعلمه، ومن هنا ذكر الفقهاء، إن بلغ العالم الاجتهاد يعمل باجتهاده. ولذلك يكتبون في إجازات الاجتهاد «يحرم عليه التقليد» ولابدّ أن يعمل حسب رأيه، وبالطبع هذا لا يتنافى مع استشارته لسائر العلماء في المسائل العلمية، بل المراد استقلالية العالم في القرار

وعدم الاستسلام لآراء الآخرين دون تريث.

4- تقليد الجاهل للعالم

هذا القسم من التقليد ما تقتضيه الفطرة والعقل والمنطق السليم، وعلى أساس هذا العقل والمنطق تذهب إلى المعمار في بناء عمارة وإلى الخياط لخياطة الملابس وإلى الطبيب حين المرض. والخلاصة فإنّ العقل والمنطق والفطرة يرشدنا إلى كل مختص بمجاله. وهذا هو المنطق الذي يدعونا للرجوع إلى الفقهاء لتقليدهم في الأحكام الشرعية. الفقهاء الذين أجهدوا أنفسهم لسنوات في كسب العلوم والمعارف حتى نالوا مرتبة الاجتهاد، أي أصبحت لديهم القدرة على استنباط الأحكام الشرعية وتزويد الناس بها. وهم الفقهاء المنصبون من قبل أئمّة الدين بغية ضمان سعادة الناس وفلاحهم.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 227

جدير بالذكر، للعلوم البشرية عدّة فروع، وربّما ينبغ العالم في فروع دون أن يعلم شيئاً عن فرع آخر، وعليه لابدّ له من الرجوع في ذلك الفرع إلى المختص به. فالطبيب أو المهندس البارع في تخصصه، ربّما يرد منطقة ويبحث عن زقاق فلا يجده فينبغي أن يسأل الآخرين ليدلّوه عليه. أو مثلًا، يمرض شخص مختص بعلم الفلك، فلابدّ له من مراجعة الطبيب، كما يجب عليه إمتثال أوامر الطبيب دون نقاش. ويتضح مما سبق علية ضرورة تبعية الناس للمجتهد، ذلك لأنّ المجتهد متخصص في عدّة علوم أساسية في الاجتهاد والفقاهة من قبيل الصرف والنحو واللغة والكلام والمنطق والتفسير والرجال والدراية والحديث والأصول والفقه. ولعلك ترى كتاباً صغيراً يسمى (الرسالة العملية) ولا تدري أنّ هذه الرسالة حصيلة عمر الفقيه وقد سطرها بجهود جبارة ومعاناة شاقة ووضعها تحت تصرف الأمّة. فالاجتهاد ليس قضية سهلة، بل الاجتهاد يعني المعرفة بالأحكام السماوية كافّة ذات التأثير المباشر على الحياة الفردية والاجتماعية.

الشيخ مرتضى الأنصاري رحمه الله الذي يعتبر أحد العظماء ومن مفاخر مراجع مدرسة

الإسلامية يقول في كتابه (الرسائل) بشأن الاجتهاد: «رزقنا اللَّه الاجتهاد الذي هو أشدّ من طول الجهاد».

يذكر أنّ تقليد المجتهد يختص بالفروع لا الأصول، بعبارة أخرى لابدّ أن يقف المكلّف بنفسه على دليل معرفة اللَّه سبحانه والنبي الأكرم صلى الله عليه و آله لأنّها من أصول الدين، ولكن بعد قبول هذه الأصول على أساس الدليل والمنطق يأتي دور الفروع وعليه أن يرجع إلى المتخصصين بالعلوم الدينية، حيث يتعذر عليه إدراك المصادر الدينية كالقرآن والحديث وسائر المصادر.

كما أنّ تقليد المجتهدين لا يصح في المسائل الإسلامية القطعية كوجوب الصلاة والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحرمة الكذب والخيانة وشرب الخمر والقمار، ذلك لأنّها من الأمور المعلومة للجميع ولا تحتاج إلى تقليد، وعليه فالتقليد يقتصر على الأحكام الفرعية غير القطعية.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 229

4 لماذا نعبد اللَّه ما فلسفة الصلاة والصوم والحج؟

سؤال:

لم نعبد اللَّه ونعلم أنّ اللَّه ليس بحاجة إلى عبادة أحد؟ إنّه غني عن الجميع، والجميع محتاج إليه، ولو احتاج لعبادتنا فإنّ ذلك لا ينسجم مع مقام اللَّه.

الجواب:

يمكن الاجابة عن هذا السؤال بصورتين «إجمالية» و «مفصلة».

الاجابة المجملة: إن كان الهدف من عبادتنا تلبية حاجة للَّه وإيصال نفع إليه، يرد السؤال المذكور في أنّ اللَّه وجود مطلق ولا متناهٍ ومنزّه من كل نقص وحاجة، فما حاجته لعبادتنا؛ ولكن إن كان الهدف من عبادته تكاملنا، فسيكون أمره بالعبادة لطف ورحمة وإرشاد إلى الكمال والسعادة.

الاجابة المفصلة: لكل عبادة وعمل يهدف رضى اللَّه سلسلة من الآثار الفردية والاجتماعية القيمة، وهي في الواقع أعظم وسيلة تربوية وأخلاقية، للأسباب التالية:

أولًا: إنّ العبادة تثير لدى الإنسان الشعور بالشكر والتقدير، فشكره للنعم التي زوده بها

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 230

اللَّه دليل جدارته بما أفيض عليه من ألطاف.

ثانياً: إنّ العبادة والخضوع للَّه أساس تكامل الإنسان الروحي، فأي

تكامل أسمى من أن ترتبط روحنا بالكمال المطلق «اللَّه» وتستلهم قدرته اللامتناهية في القيام بوظائف العبودية فتؤهله لمناجاة اللَّه. وتظهر هذه المزايا التي أشرنا إليها باختصار في العبادات كافّة التي تتمّ بصورة صحيحة، مع العلم أنّ لكل عبادة كالصلاة والصوم والحج و ... آثارها وميزاتها الخاصة بها، ونشير هنا إلى بعض أسرار هذه العبادات على نحو الاختصار لتتضح لنا فائدة هذه العبادات والتي لا يحتاجها اللَّه.

أسرار الصلاة:

1- الصلاة توجب ذكر اللَّه

إنّ ذكر اللَّه أفضل وسيلة للسيطرة على الغرائز الجامحة والحيلولة دون روح الطغيان.

فالمصلي يذكر اللَّه دائماً؛ اللَّه العليم بكل صغيرة وكبيرة، والعليم بكل ما يساور أذهاننا ويخطر على قلوبنا، وإنّ أقل ما يفعله هذا الذكر اعادة الاعتدال إلى اهوائنا وتطلعاتنا، كما أنّ الغفلة عن ذكر اللَّه وتناسي ثوابه وعقابه توجب ظلمة العقل والتفكير. فالإنسان الغافل لا يفكر في عاقبة أفعاله ولا يعرف من حدود لارضاء غرائزه الجامحة ورغباته، والصلاة هي التي تذكره خمس مرّات يومياً باللَّه وتدفع عنه ظلمة الغفلة.

حقاً إنّ ذكر اللَّه أفضل السبل للسيطرة على غرائز الإنسان المتجذرة في أعماقه فيعيده إلى رشده وصوابه، ومن هنا يعرض القرآن لأحد أسرار ذكر اللَّه فيقول: «أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكرِي» «1».

2- الابتعاد عن المعصية

إنّ المصلي مضطر لاجتناب أغلب المعاصي بغية صحّة صلاته وقبولها، فمثلًا أحد شرائط الصلاة إباحة الوسائل المستعملة في الصلاة من قبيل ماء الوضوء والغسل والثياب

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 231

والمكان، وهذا يدفعه لمجانبة الحرام والجد في كسب الحلال، ذلك لأنّه من الصعف أن يتقيد الإنسان بحلّية ما له صلة بالصلاة ويهمل الأمور الأخرى وهذا ما أشارت له الآية الشريفة «إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحشاءِ وَالمُنكَرِ» «1»

. سيما إن إلتفت المصلي إلى أنّ شرط

قبول الصلاة التزام المصلي بأداء الزكاة والحقوق الشرعية واجتناب الغيبة والكبر والحسد وشرب الخمر، واستحضار النيّة والتوجه إلى اللَّه.

ومن هنا شبّه رسول اللَّه صلى الله عليه و آله الصلاة بعين الماء التي يغتسل منها الإنسان كل يوم خمس مرّات فهل يبقى عليه شي ء من الدرن. وهكذا من يصلي كل يوم خمس مرّات يطهر قلبه من الرجس والدرن.

3- النظافة والصحة

يعمد المصلي إلى الوضوء عدّة مرّات كل يوم وأحياناً الغسل، وعليه سيكون بالتالي فرداً نظيفاً بعيداً عن كل وساخة. وعليه فالصلاة عامل مساعد للأمور الصحية.

4- الانضباط والدقّة

لكل صلاة وقت معين، وعلى المصلي أن يأتي بصلاته في تلك الأوقات، ومن هنا فإنّ هذه الشعيرة الإسلامية تساعد على الإنضباط والدقّة في الوقت. خاصة أنّ المصلي ينبغي أن ينهض لصلاة الصبح قبل طلوع الشمس، فهو يستهل يومه بنشاط فضلًا عن الهواء الطلق والنقي الذي يستنشقه. ولا تقتصر الآثار التربوية الفردية للصلاة في ما ذكر، وليس ذلك إلّا غيض من فيض أسرار هذه العبادة العظيمة.

الأسرار الاجتماعية للصلاة:

إنّ الصلاة في الأوقات المعيّنة نموذج لوحدة الأمّة الإسلامية ولحمتها؛ ذلك لأنّ المسلمين كافّة يستقبلون القبلة في أوقات معينة وبآداب خاصة، وهذا بدوره يكشف عن اتحاد الأمّة بفضل تلك الشعيرة. وعلل هذه الوحدة تتضح أكثر في صلاة الجماعة وانتظام

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 232

صفوفها، ولسنا بحاجة لتوضيح أهميّة هذا الاتحاد المعنوي. ورغم عدم إقتصار الأسرار والفوائد الاجتماعية والتربوية للصلاة على ما ذكر، إلّاأنّ ذلك يكفي لبيان عظمة أسرار هذه الفريضة.

قبسات من أسرار الصوم:

الصوم أحد الفرائض الإسلامية، ولعل أحد آثاره التربوية أنّه يضع حدّاً «لحكومة العادة والشهوة» على الإنسان وينقذه من عبوديته للرغبات النفسانية. فأخطر وأسوأ الحكومات حكومة الرغبة السيئة وعبودية النفس، ولعل أبسط رغبة- كإدمان

التدخين- يسي ء إلى عزّة النفس فضلًا عن سائر الرغبات. والإنسان الحر من لا تحكمه آية عادة شاذة، ويقمع بإرادته كل نوع من هذه العادات، ومثل هذه الحرية والإرادة بحاجة إلى صمود ومقاومة إنّما يفرزها الصوم.

وبغض النظر عن ذلك فإنّ الصوم إحياء للعواطف الإنسانية. فالفرد الثري الذي يقضي عامه على الموائد الغناء ولا يعلم بالجائع الذي يعيش سنته جائعاً كالصائم، إنّما يتذكر هذا الفرد حين صومه وجوعه طيلة النهار فيدرك وضعه، وبالتالي تتفعل عواطفه الإنسانية فيفكر في ردم هذه الهوة وإعانة الفقراء والضعفاء.

حقاً أنّ صوم شهر رمضان أحد ملامح المساواة والاتحاد؛ ذلك لأنّ جميع الطبقات- بما فيها الغني والفقير- تولي ظهرها لرغباتها وغرائزها طيلة هذا الشهر الشريف.

فلسفة الحج:

العبادة العظيمة الأخرى «الحج»، والحج شعيرة اجتماعية تؤدّى في أيّام معينة وأماكن معينة من السنة. ويغض النظر عن ترسيخ هذه العبادة لعلاقة العبد بربّه، فإنّها يمكن أن تعود على المجتمع الإسلامي بمختلف المنافع، وذلك لأنّه:

أولًا: إنّ هذه العبادة تبدأ بتجرّد تام من خلال ارتداء قطعتين متواضعتين من القماش

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 233

لتفعل مساواة العباد عند اللَّه، ولعل هذا أعظم حلم إنساني في أن يأتي اليوم الذي تزول فيه عوامل التفاضل الكاذبة من قبيل العِرق واللون واللغة والثروة ويعيش فيه الجميع حالة المساواة أمام اللَّه سبحانه. فالحج يسوق المؤمنين للتخلي عن الإمتيازات الاجتماعية ويشعرهم أنّها ليست وسيلة للتفاضل.

ثانياً: إنّ ذلك الاجتماع العظيم الذي يعدّ أعضائه الممثلين الحقيقيين للشعوب الإسلامية يعتبر مؤتمراً سنوياً لمسلمي العالم والذي يعقد كل سنة في هذه الأرض المباركة.

والإسلام ليس سلسلة من القوانين الأخلاقية والسنن التربوية التي لا تنشد سوى إصلاح روح الآخرين لينأى بنفسه بعيداً عن المؤتمرات والتجمعات السنوية والاجتماعات الاسبوعية واليومية للأحزاب السياسة ودعوته

لتشكيل هذا المؤتمر السنوي في هذه الأرض الطيبة. وبالطبع فإنّ هذا المؤتمر سينضوي تحته الأحزاب والحركات السياسة العالمية، غاية الأمر أنّ الزعماء السياسيين التفتوا أخيراً إلى أهميّة هذه الموضوعات، بينما سبقهم الإسلام أربعة عشر قرناً حين خطط لمثل هذه المؤتمرات.

والمفكرون الذين يحضرون الاجتماع المذكور يسعهم الاطلاع على آخر التطورات التي يشهدها العالم الإسلامي، فيتدارسوا كيفية تحسين أوضاع المسلمين وتطهير البلاد الاسلامية من العناصر المناهضة للحرية والاستقلال و بالتالي رقيهم في المجالات كافّة.

وليت شعري أي اجتماع أفضل من أن يكون أعظم حلقة وصل لمسلمي العالم كافّة بحيث يطلع زعماء الدين على أوضاع الأمّة الإسلامية لمعالجة مشاكلها ومواجهة المؤامرات التي تحاك ضدّها.

لا شك في أنّ هذا المؤتمر يمكنه أن يلعب دوراً في خدمة الوضع الاقتصادي والثقافي للمسلمين؛ ذلك لأنّ المفكرين والمختصين يمكنهم- بعد أداء فريضة الحج- الجلوس في موقع هادى ء لتبادل الآراء وطرح الخطط اللازمة بشأن الأمور الاقتصادية والثقافية الإسلامية. إنّ مؤتمر الحج كان وما زال ملهماً لأغلب الحركات التحررية والنهضات

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 234

العظيمة التي قام بها أبناء الإسلام؛ ذلك لأنّ نطفة أغلب الثورات الإسلامية التي هدفت إلى الاطاحة بحكومات الظلم إنّما عُقدت في رحم أيّام الحج. كانت هذه قبسات من أسرار الحج، وما زال الوقت مبكراً لأن يقف العالم على أسرار الحج وأهميّته كما قال أحد الأعلام.

ونستنتج ممّا سبق أنّ لكل الشعائر الإسلامية أسراراً تعود مباشرة على الإنسان الذي يأتي بها أو المجتمع الذي يعيش فيه.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 235

5 لماذا يجب تقليد الأعلم؟

سؤال:

ورد في الرسائل العملية وجوب تقليد الأعلم، فما منشأ هذا الحكم؟

الجواب:

موضوع تقليد الأعلم من المسائل المعروفة بين مشهور الفقهاء وقد ذكروا له عدّة أدلة، إليك بعض نماذجها الواضحة. فتقليد الجاهل للعالم ناشى ء من السيرة

العقلائية العالمية، بمعنى رجوع الأفراد في الأُمم كافّة إلى الآخرين من أصحاب الاختصاص في المسائل التي لا يحيطون بها علماً؛ مثلًا، الأفراد الذين ليس لديهم علم بالأمور الطبية إن مرضوا كان عليهم الرجوع إلى الطبيب، والأفراد الذين لا يجيدون فن العمارة إنّما يرجعون إلى المهندس المعماري في بناء العمارات. ومن الطبيعي إن برز خلاف في وجهات النظر بين متخصصين، كأن يعتقد طبيب بعلاج معين لمرض ما ويعتقد طبيب آخر بعلاج آخر لنفس المرض، فمن المعلوم أنّ المريض إنّما يتبع الطبيب الذي بتمتع بالمزيد من المعلومات الطبية وعمق التجربة مقارنة بغيره، وبالتالي الأعلم من غيره.

وهذا أسلوب منطقي اتفقت عليه الشعوب كافّة. وهذا أحد أدلة لزوم تقليد الأعلم، كما

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 236

ذكر الفقهاء أدلة أخرى لا مجال لذكرها.

6 لما نورد أذكار الصلاة بالعربية؟

سؤال:

لماذا يجب أن نؤدّي الصلاة بالعربية والحال لكل أمّة لغتها التي تستطيع بها مناجاة اللَّه، إلّا يتنافى هذا الأمر مع عالمية الإسلام؟

الجواب:

يبدو أنّ أداء الصلاة بالعربية أحد ملامح عالمية الإسلام، ذلك لأنّ الجماعة التي تنتظم في صف واحد وتعمل في جبهة واحدة لابدّ لها من لغة موحدة تتفاهم بها؛ أي لابدّ أن تكون لهم «لغة عامة» بالإضافة إلى لغتهم الأُم، ولا تتمّ وحدة الجماعة دون ذلك.

ويرى بعض المفكّرين أنّ البشرية لن تذوق السعادة ما لم ينتظم العالم كبلد، ولتفعيل هذا الموضوع طرحت بعض المشاريع ومنها اقتراح لغة عالمية- والخلاصة فإنّ أداء الصلاة بلغة واحدة من قبل جميع المسلمين هو رمز وحدة المسلمين ولحمتهم، وبالنظر إلى أنّ اللغة العربية باعتراف المعنيين أوسع وأشمل اللغات فإنّ المسلمين كافّة يمكنهم اعتبارها اللغة العالمية والوسيلة المتحدة للتفاهم، أضف إلى ذلك فإنّ أداء الصلاة بصيغة معينة يصونها من التحريف ومن حشوها بالخرافات والمطالب

الجوفاء، ومن هنا يتوجب على كل مسلم

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 238

التعرف على هذه اللغة قدر استطاعته، ليعلم ماذا يناجي ربّه.

وخلاصة الكلام كما تعتبر مسألة التوحيد إحدى أسس الأصول الدينية فإنّ الصلاة باتّجاه قبلة واحدة وفي أوقات معينة وبلغة موحدة، نموذج لهذه الوحدة. ولو تأملنا مؤتمر الحج وتلك الجماعة الكبيرة التي تصرخ مع بعضها رغم اختلاف السنتها وألوانها «اللَّه أكبر» لوقفنا على عمق هذه الشعيرة، ولك أن تتصور مدى الفوضى والهرج والمرج لو نطق بها كل فرد حسب لغته.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 239

7 لماذا يجب علينا استقبال القبلة عند الصلاة؟

سؤال:

لماذا يجب علينا استقبال القبلة عند الصلاة بينما نحن نعلم أنّ اللَّه في كل مكان؟

الجواب:

استقبال القبلة في الصلاة لا يعني أنّ اللَّه يوجد في مكان معين، فقد صرّح بذلك القرآن ضمن الآيات المتعلقة بالقبلة «وَللَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ» «1»

والآية «قُلْ للَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ» «2»

؛ بل كون الإنسان جسماً ومن خصائصه الاتجاه نحو جهة معينة عند الصلاة، مع ذلك سعى الإسلام لتوظيف هذه المسألة لصالح هذه العبادة (الصلاة)، فنحن نعلم أنّ الكعبة أقدم مركز توحيدي، والبيت الذي بناه إبراهيم الخليل عليه السلام بطل التوحيد وشدّت إليه الأنبياء والأولياء كافّة، فالتوجه إلى هذا المركز التوحيدي توجه للَّه- صحيح أنّه ليس للَّه مكان، إلّاأنّ من يقف أمام هذا المركز فهو أقرب إلى اللَّه من عدّة جهات وكأنّه يرى نفسه حاضرة عنده.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 240

إضافة إلى ذلك فإنّ توجه مسلمي العالم كافّة إلى هذا المكان المقدّس خمس مرّات يومياً يرسخ في نفوسهم روح الوحدة والإلفة ويربط الشرق الإسلامي بغربه ويبرز عظمة المسلمين، وبالتالي يعكس جوهر التعاليم الإسلامية بصيغة وحدة هدف وعقيدة.

8 لِمَ نصلي الصلوات الخمس في ثلاثة أوقات؟

سؤال:

لم نجمع بين الظهرين والعشائين، بينما لكل صلاة وقت معين، وكان أولياء الدين يأتون بكل صلاة في وقتها، أي في خمسة أوقات؟

الجواب:

لا ريب ولا شك في أنّ إقامة الصلوة في خمسة أوقات وأداء كل صلاة في وقت الفضيلة كانت منهج النبي الأكرم صلى الله عليه و آله والأئمّة الأطهار عليهم السلام وعامة المسلمين الأوائل، فكانوا غالباً ما يصلون في خمسة أوقات.

لا نقاش في هذا الأمر، ولكن هل «التفريق» بين الصلوات- كما يقول بذلك أغلب علماء العامة- واجب أم مستحب كسائر المستحبات التي يكون فيها الإنسان مخيّراً بين الإتيان بها أو تركها ويعتقد علماء الشيعة

وعلى ضوء الأحاديث الواردة بشأن فعل النبي صلى الله عليه و آله وروايات الأئمّة عليهم السلام وتبعاً لظواهر القرآن أنّ التفريق بين الصلوات مستحب وكانوا يوصون الآخرين بالتفريق بين الصلوات فإنّ أداء كل صلاة في وقت فضيلتها مستحب وهو أفضل، مع ذلك يمكن ترك هذا المستحب، وهذا هو معنى المستحب.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 242

وبالطبع فإنّ الجمع بين الصلوات لا يعني أننا نصلي الواحدة في وقت الأخرى مثلًا لو جمعنا العشائين، فهذا لا يعني أننا أدّينا العشاء في غير وقتها، بل أدّينا الصلاتين في وقتهما المشترك؛ ذلك لأنّ وقت الصلاتين منذ أول الغروب إلى منتصف الليل (سوى أنّ أول الغروب بمقدار ثلاث ركعات يختص بصلاة المغرب، ومن الأخير بمقدار أربع ركعات يختص بصلاة العشاء وسائر الأوقات مشتركة بين الصلاتين) فإن صلّينا العشاء مع المغرب- أي أول الليل- أو أخرنا المغرب إلى آخر الليل مع العشاء فإنّنا نكون بذلك قد صلّينا المغرب والعشاء في وقتهما، ولكن يستحب للمصلي أن يأتي بصلاة المغرب أول الليل وصلاة العشاء بعد زوال الشفق، وإن لم يلتزم بهذا الشرط فقد ترك مستحبّاً.

لماذا يجوز الجمع بين الصلاتين؟

دليلنا على جواز الجمع بين الصلوات، الروايات الواردة عن الإمام الصادق عليه السلام «1». ولكن ينبغي الإلتفات إلى أنّ نقل هذه الأحاديث والروايات لا يقتصر على محدثي الشيعة، بل روى محدّثو العامة أحاديث جواز الجمع- حتى بدون عذر- عن النبي صلى الله عليه و آله واسندوا أكثر من عشر روايات إلى ابن عباس ومعاذ بن جبل وعبداللَّه بن مسعود وعبداللَّه بن عمر، نكتفي هنا بالإشارة إلى بعضها:

1- روى احمد بن حنبل عن ابن عباس «صلى رسول اللَّه صلى الله عليه و آله الظهر والعصر جميعا والمغرب والعشاء

جميعاً من غير خوف ولا سفر» «2».

2- كما روى عن طريق جابر بن زيد قال: «صلُيتُ مع رسول اللَّه صلى الله عليه و آله الظهر والعصر والمغرب والعشاء جميعاً» كما روي هذا الحديث عن ابن عباس بعبارات مختلفة.

3- وروى في كتابه عن عبداللَّه الشقيق أنّ ابن عباس خطب الناس حتى ظهرت النجوم فنهض رجل من بني تميم وقال: الصلاة الصلاة. فقال له ابن عباس: أنا أعرف بسنّة

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 243

النبي صلى الله عليه و آله، فقد رأيت النبي صلى الله عليه و آله وقد جمع الظهرين والعشائين. قال الراوي: أصابني الشك فسألت أبا هريرة فصدق ما رواه ابن عباس «1».

4- أفرد المحدّث المعروف مسلم بن الحجاج القشري المتوفي سنة 261 ه في صحيحه باباً أسماه «جمع الصلاة في الحضر» وذكر أربع روايات أسند ثلاثاً منها لابن عباس وأخرى لمعاذ بن جبل. «2» ومضمون هذه الروايات مشابه لما أوردنا، بالإضافة إلى هذه النقطة أنّ الراوي سأل عن علة الجمع، فأجاب «أراد أن لا يحرج أمّته». وورد هذا التعليل في روايات الشيعة وكذلك ما روي عن الإمام الصادق عليه السلام في هذا الباب «3».

5- لا يقتصر رواة هذه المسألة (الجمع بين الصلاتين) على ابن عباس ومعاذ بن جبل، بل روى «الطبراني» عن «عبداللَّه بن مسعود» أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله جمع الظهرين والعشائين حتى لا يحرج أمّته «4»:

كما روي ذلك عن عبداللَّه بن عمر وقال: صلى رسول اللَّه صلى الله عليه و آله جمعاً من غير سفر حتى لا يحرج أمّته «5».

هذه طائفة من الأحاديث التي رواها العامة في مصادرهم والتي تفيد أنّ التفريق بين الصلوات أمر مستحب، ولو شعرنا بأنّ مراعاة هذا

الاستحباب يقدح بأصل أداء الفريضة سنتركه بأمر رسول اللَّه صلى الله عليه و آله ونجمع بينهما.

ولعل الأوضاع السائدة اليوم في أغلب المناطق تشير إلى حرج من جرّاء الالتزام بهذا الاستحباب، وربّما يؤدّي ذلك إلى استثقال البعض للصلاة. واستناداً إلى سنّة النبي صلى الله عليه و آله يمكن مراعاة «الأهم» وترك مسألة التفريق، وهذا ما عليه الآن أغلب فقهاء العامة، إلّاأنّهم يتحفظون عن ابداء آرائهم مراعاة لبعض الأمور «6».

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 245

9 كيف تصدّ الصلاةُ الإنسانَ عن الذنب؟

سؤال:

أحد آثار الصلاة على ضوء القرآن أنّها تصدّ الإنسان عن المعاصي حيث قال تعالى:

«وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ» «1»

مع ذلك يلاحظ أغلب المصلين الذين يقارفون الفحشاء ولم تؤثر الصلاة على أقوالهم وأفعالهم، فكيف تفسرون الآية؟

الجواب:

لابدّ من الإلتفات إلى أنّ العامل الأساسي الذي يصدّ الإنسان عن الفاحشة والمنكر هو الإيمان وذكر اللَّه. فالإنسان الغافل لا يفكر في عاقبة أفعاله ولا يرى من حدود لارضاء رغباته وغرائزه.

وبالعكس فإنّ الذكر يحول دون طغياننا وانتهاكنا للحدود، فاللَّه يعلم بكل صغيرة وكبيرة تصدر منّا. فذكر اللَّه هو العامل الطبيعي والفاعل الذي يسيطر على غرائزنا وتطلعاتنا اللامشروعة، وهكذا ذكر مقام أولياء اللَّه والعقاب والثواب. فالقرآن الكريم يصف أولياء اللَّه

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 246

بالقول: «رِجَالٌ لَّاتُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ» «1»

وبالطبع فإنّ الغفلة عن اللَّه توجب ظلمة العقل والوجدان.

قال أمير المؤمنين عليه السلام بشأن الذكر: «إنّ اللَّه جعل الذكر جلاءً للقلوب، تسمع به بعد الوقرة وتبصر به بعد العشوة وتنقاد به بعد المعاندة» «2»

. فالإمام عليه السلام يعتبر الغفلة نوعاً من صمم القلوب وعمادها والتي توجب معاداة الإنسان للحق وتمرده عليه، بينما يرى الذكر نور البصيرة ووعي القلوب الذي يكبح

الغريزة ويصدها عن الطغيان.

وبناءً على هذا فإنّ الغافل عن اللَّه وثوابه وعقابه كالأعمى والأصم الذي يركب الفرس، فمما لا شك فيه أنّ الفرس سيرمي به وسط الوديان والمتاهات، أمّا أصحاب الذكر فهم يرون نتائج أعمالهم فيستمعون الحق ويجانبون الباطل. وقد أوصى الإمام الباقر عليه السلام أحد أصحابه فقال: «ذكر اللَّه على كل حال وهو أن يذكر اللَّه عند المعصية يهم بها فيحول ذكر اللَّه بينه وبين المعصية» «3».

وقال الأصبغ بن نباتة قال أمير المؤمنين علي عليه السلام: «أذكر اللَّه في موضعين، عند المصيبة وعند المعصية فإنّ ذكر اللَّه يحول بين الإنسان وبين المعصية».

طبعا ذكر اللَّه على درجات، فأحياناً يبلغ الذكر مرحلة يحصن الإنسان من كل معصية فيصبح ارتكاب الذنب محالًا عادياً، ويتصف هؤلاء الأفراد بقلوب واعية ونفوس طيبة وبصائر عالية وآذان صاغية وأرواح طائعة، ولعل أغلب الناس يحرزون متوسط الذكر، فمثلًا هنالك بعض الأفراد الذين يرتكبون بعض المعاصي لكنهم لا يسفكون دماً أو يأكلون مال يتيم أو ينتهكون عرض أحد؛ لأنهم يعلمون عذاب اللَّه الأليم على هذه المعاصي فلديهم مقاومة لمثل هذه المعاصي. وأحياناً يكون ذكر اللَّه على درجة من الضعف بحيث لا يحجز

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 247

الإنسان عن كثير من المعاصي. حيث يكون الذكر مجرّد أرضية لترك الذنب، إلّاأنّها سرعان ما تزول بفعل بعض العوامل القوية.

الصلاة وسيلة الذكر:

إنّ أحد أسرار الصلاة أنّها تذكر الإنسان باللَّه، وهذا ما صرّح به القرآن الكريم حين قال «وأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكرِي» «1»

. طبعا لما كانت الصلاة عبادة ولابدّ من الإتيان بها بقصد القربة فهي توجب ذكر اللَّه. وبغض النظر عن ذلك فإنّ المصلي يتلفظ بأذكار كلها تدعو إلى ذكر اللَّه؛ فمثلًا نقرأ سورة الفاتحة في الصلاة التي تتضمن حمد

اللَّه وبيان صفاته وأفعاله، ومن ثم طلبات عباده، وسائر أذكار الصلاة على هذا المنوال. والأثر الذي تتركه الصلاة في أرواحنا وقلوبنا هو تقوية روح الإيمان والتوجه إلى اللَّه، ولهذا التوجه بالطبع درجات وهو لا يعدو أكثر من أرضية لدى الأفراد الذين لا يتورعون عن الذنوب وليس علّة تامة.

بعبارة أخرى مراد القرآن من قوله: «إِنَّ الصّلاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشاءِ وَالمُنكَرِ» «2»

ليس عصمة جميع المصلين من الفاحشة، بل المراد أنّ الصلاة توجب ذكر اللَّه والتوجه إلى مقام الربوبية والأثر الطبيعي لمثل هذا التوجه حث الإنسان على الطاعة وترك المعصية، ولكن ربّما كانت هنالك بعض العوامل التي تقضي على ذلك الأثر بسبب ضعف التوجه إلى اللَّه. «3» والخلاصة لو كانت الصلاة صلاة حقيقية لحالت دون الفواحش والمنكرات، وكلّما كانت الصلاة أكمل كان تأثيرها أعظم.

وناهيك عما سبق فإنّ الصلاة تصد المصلّي عملياً عن أغلب الذنوب، كما تخلق لديه الأرضية لترك الذنوب، لأنّ المصلّي مضطر لاجتناب معظم الذنوب بغية قبول صلاته، فأحد

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 248

شرائط الصلاة مثلًا اباحة ماء الوضوء ولباس المصلي ومكان الصلاة، وهذا ما يؤدّي به بالتدريج لتفادي الذنب وترك الكسب الحرام، فقلّما نجد من يتقيد بحلية الصلاة ومقارفة حرمة ما.

والشاهد على ذلك أنّ تاركي الصلاة إنّما يتركون سائر الفرائض كالصوم والحج والزكاة ولا يميزون بين الحلال والحرام والطاهر والنجس «1». والخلاصة فإنّ للصلاة أثر تربوي- سواء كان قوياً أم ضعيفاً- في المصلين، والذي يعتمد على كيفية الالتزام بالصلاة والمحافظة على أدائها وروحها.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 249

10 ما علّية صلاة الآيات؟

سؤال:

لماذا تجب صلاة الآيات عند الخسوف والكسوف والزلزلة والصاعقة وشدّة الرياح والأصوات السماوية الرهيبة؟

الجواب:

هنالك أمران لتشريع صلاة الآيات حين الكسوف والخسوف:

1- يرى الإنسان أنّ للشمس والقمر والمنظومة الشمسية نظاماً عجيباً،

فالشمس تبعث بأشعتها إلى الاحياء كافّة لتنمو وتتكامل، والقمر يضي ء لنا الليل ويحصي لنا الزمان بحركته المنتظمة؛ الأمر الذي جعل الإنسان البسيط يعتقد بحكومة هذين الكوكبين لعالم النباتات والجمادات والكائنات الحية، ومن هنا ظهرت عبادة الشمس والقمر، حيث اعتقد البعض أنّ الحاكمية المطلقة للشمس والقمر بدل حاكمية اللَّه.

وقد وجه بطل التوحيد إبراهيم الخليل عليه السلام أشدّ صفعة لعقيدة هؤلاء من خلال إثباته لانقياد هذه الكرات للقوانين التي تحكم الوجود «1» واستدل على كونها مخلوقة من خلال افولها (غروبها) وخفائها عن الأنظار، والكسوف والخسوف علامة أخرى على مخلوقيتها

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 250

ومحدوديتها إزاء الخالق، وتفيد أنّها لا تملك أيّة استقلالية في ارسالها لأشعتها، وبالتالي هنالك من يسيرها ويسيطر عليها.

وعليه فالكسوف والخسوف أفضل دليل على مخلوقية ومحدودية الشمس والقمر إزاء الإرادة المطلقة التي تحكم عالم الوجود.

وحين نواجه ظاهرة الخسوف والكسوف- الظاهرة التي ترشدنا إلى الإذعان بانقياد هذه الأجرام إلى الإرادة القاهرة، كما ترسخ لدينا الاعتراف بالخالق المهيمن على كل شي ء- يثار لدينا حسن الإيمان فنصلّي صلاة الآيات ونسجد للَّه ونعرب عن خضوعنا الباطني.

على غرار بطل التوحيد إبراهيم عليه السلام الذي خلص إلى ذات النتيجة بعد افول تلك الأجرام والتي نخلص إليها في الكسوف والخسوف فقال: «إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّموَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ» «1».

2- أضف إلى ذلك حين تستجد بعض الأوضاع المخيفة والمفاجئة في السماء، فإنّ بعض الناس يلجأون إلى سلسلة من الأمور الخرافية ويرون أنّ هذه الأعمال مؤثرة في رفع هذه الحادثة، والإسلام بتشريعه لصلاة الآيات حين الخسوف والكسوف إنّما يصد الناس عن هذه الإنحرافات ويلفت انتباههم إلى المصدر الذي تستند إليه الحوادث والظواهر كافّة، بالإضافة إلى أنّها تمنح الإنسان الأمن والهدوء والسكينة

إزاء هذه الحوادث.

11 لِمَ يجب على المرأة ستر بدنها عند الصلاة؟

سؤال:

لِمَ يجب على المرأة ستر بدنها عند الصلاة واللَّه عالم بالسر والعلن لكل موجود؟

الجواب:

لا شك في أنّ اللَّه عالم بكل شي ء والغيب والشهود لديه سيان، إلّاأنّ الإنسان يرى نفسه حين العبادة بين يدي اللَّه ويناجيه ويتضرع إليه، وعليه لابدّ أن يرتدي أحسن الثياب ومن الواضح أنّ الثوب التام الكامل- أي ثوب العفة والحشمة يعكس جوهرها- هو أنسب لباس عند العبادة. حتى بالنسبة للرجال فإنّ الصلاة بالبدن العريان لا تبطل ولكنّها تنأى به بعيداً عن الخضوع والتواضع للَّه بل الأفضل بالإضافة إلى ستر الواجب أن يصلي بلباس يفيد الاحترام والخضوع، فمثلًا ليس من الصواب الصلاة بالملابس لداخلية ومن الأفضل أن يرتدي بعض الثياب رغم كفايتها.

12 ما علّة نجاسة المشروبات الكحولية؟

سؤال:

لم اعتبر الفقهاء في رسائلهم، المشروبات الكحولية نجسة، والحال أنّ الكحول مضاد للتعفن ويقضي على المكروبات، فما حكمة كونه نجسة؟

الجواب:

إنّ ما حكم الإسلام بنجاسته ينطوي على عدّة عوامل:

الطائفة الأولى الأشياء النجسة ذاتاً ومصدر العديد من الأمراض- كالبول والدم و ...- فأوجب الإسلام اجتنابها.

الطائفة الثانية: الأشياء غير النجسة ظاهرياً، لكنّها نجسة معنوياً، فعدّها الإسلام غير طاهرة- كالكفّار- فربّما يكون الكافر طاهر ونظيف ظاهرياً، ولكن كما قيل في جواب السؤال السابع عشر حيث له عقائد منحرفة فهو ملوث روحياً ولا يطهر هذا التلوث مهما تنظف ظاهرياً- وقد حكم الإسلام بنجاسته لحفظ عقائد المسلمين ليحول دون الاختلاط به فيحافظون على طهارتهم الروحية، ولو لم يحكم بنجاسته واذن بالارتباطات كافّة به

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 254

لتأثر العديد من الأفراد الضعاف بأفكاره وعقائده «1».

أضف إلى ذلك فإنّ الاختلاط التام به يدعو إلى تغلغله في المجتمعات الإسلامية وتتسع الخطط الاستعمارية، أمّا الاختلاط المحدود فلم ينه عنه الإسلام واذن بالانفتاح التجاري والعلمي على هذه الطائفة.

الطائفة الثالثة: الموضوعات التي لا

تتضمن ما سبق لكنها أساس سلسلة من المفاسد الاجتماعية والفردية كالمشروبات الكحولية صحيح أنّ الكحول مضاد للتعفن، إلّاأنّ شرب هذا الكحول يؤدّي إلى العديد من الاختلالات. ولذلك حكم الإسلام بنجاسته ليحول بالتالي دون استعماله من قبل الناس. فالإنسان المسلم إن عَلِم بنجاسة شي ء سعى إلى الابتعاد عنه، ومن الواضح أنّ لهذا الأمر تأثير عميق في عدم التلوث بالمشروبات الكحولية، وهذا بحدّ ذاته حرب شعواء على المشروبات الكحولية «2».

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 255

13 ما الفارق بين العرق والبول؟

سؤال:

«البول» و «عرق البدن» كلاهما مواد زائدة، فَلِمَ كان أحدهما نجساً والآخر طاهراً، مع العلم أنّ تركيبهما الكيميائي متشابه؟

الجواب:

لابدّ من الإلتفات إلى أنّ البول والعرق متشابهان من حيث التركيب الكيميائي، إلّاأنّهما يختلفان في عدّة أمور، وهذا الاختلاف يمكن أن يؤدّي إلى اختلافهما في الحكم، لأنّه كما سنرى أنّ البول يحتوي على بعض المواد السامة التي لا وجود لها في العرق.

توضيح ذلك: يتركب البول من المواد الآتية:

1- اليوريا 2- حامض اليوريك 3- الأورات 4- الأوروبيلين 5- حامض الهايبوريك 6- الاروكرم والأوروبيلين وكلاهما من ألوان البول 7- المواد المعدنية و «الكلوكوز» في مرض السكر.

ويتركب العرق من المواد الآتية:

1- اليوريا 2- حامض اليوريك 3- الأورات 4- المواد المعدنية؛ وعليه فالمواد اللونية

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 256

وحامض الهايبوريك وكلاهما سام ودرجة سمية فيهما عالية نسبياً ليسا موجودين في التركيب الكيميائي للعرق، والعرق يخرج من مسامات الجلد والتبخر مباشرة وهذا التبخر يمنع نشوء المكروبات على سطح البدن، بينما تبقى مختلف المكروبات في البول. ومن هنا يمكن فهم حكم الشريعة بنجاسة البول وطهارة العرق. لأنّه؛

أولًا: يقتصر وجود المواد السامة على البول، ولا وجود لها في العرق.

ثانياً: مقدار اليوريا في البول أضعاف ما هو عليه في العرق والذي يحتوي على مواد

سامة.

ثالثاً: حيث يتبخر العرق فلا يترك مجالًا للمكروبات على الجسم.

رابعاً: تركيبات البول تعدل عشرة أضعاف تركيبات العرق غلظة، ونعلم أنّ هذا الفارق يمكن أن يجعل أحدهما ضارّاً والآخر خالياً من الضرر. وبغض النظر عمّا سبق فإنّ اجتناب العرق أمر في غاية الصعوبة ويوجب العديد من المعاناة، وليس البول كذلك.

14 ما فلسفة غسل الميت وغسل مسّ الأموات؟

سؤال:

ما فلسفة غسل الأموات وغسل مسّ الأموات؟ لم أمر الشرع بغسل من يموت، ومن لمسه قبل الغسل وجب عليه الغسل؟

الجوب:

كما ذكرنا كراراً أنّ فلسفة بعض الأحكام الإسلامية ليست واضحة لنا، ولكن بمرور الزمان وتكامل العقل البشري وتقدم العلوم فإنّ فلسفة العديد من الأحكام ستتضح، وربّما تتضح مستقبلًا فلسفة البعض منها.

وأمّا بشأن السؤال فيمكن القول: إنّ أحد أسرار غسل مسّ الميت هو احترام الميت لدى جميع الشعوب على غرار احترامه حين كان على قيد الحياة. ورغم أنّ الإسلام أبطل العديد من الممارسات الإنحرافية للأقوام السابقة إزاء الموتى، لكنّه يعتقد بضرورة رعاية حرمة الأموات بما فيها غسلهم وتكفينهم ودفنهم؛ وعلى هذا الضوء فإنّ موضوع غسل الميت وسائر التشريفات نوع من رعاية حرمة الموتى.

بعبارة أخرى إنّ الإسلام ينظر بإكبار إلى الإنسان ويسعى لرفع قيمته بمختلف الوسائل،

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 258

بحيث لم يتخلّ عنه حتى بعد حياته، فشرع بعض القوانين التي لا تسمح لأحد بإنتهاك حرمة الميت المسلم، بل لا تسمح بالتجاوز على قبره.

أضف إلى ذلك حيث يرى الإسلام أنّ الموت ليس نهاية الحياة، بل نافذة على عالم آخر والنزول في عالم آخر والنزول جوار الرحمة الإلهيّة، فقد أمر بنظافة وطهارة الموتى وارتدائهم الثياب المتواضعة الطاهرة وتوسد التراب، ليكون هذا العمل رمز بقاء الحياة الحقيقية وامتدادها «هذه فلسفة غسل الميت».

غسل مسّ الميت:

لابد من ذكر بعض الامور قبل ان نخوض في

أصل الجواب:

1- عادة ما تثار عواطف وأحاسيس قرابة الميت اثر فقدهم لفرد من أفراد الاسرة العزيز عليهم و عليه فلا يسعهم رؤية قطع ارتباطهم به فجأة. وهؤلاء يفعل أنسهم وحيهم له يرومون حتى بعد الموت تقبيله واخذه باحضانهم الحنونة.

2- و هذه النقطة واضحة ايضاً في ان بدن الافراد الميتين يكون ملوثا بانواع المكروبات اثر المرض أو التسمم و فقدان القوة الدفاعية، والاقتراب منه يستيطن عدة مخاطر من الناحية الصحية.

3- لم ينبر الاسلام قط لمواجهة و منافحة احاسيس الانسان و عواطفه، او يتجاهل نزعاته العطبيعية، بل يوجد تلك العواطف والاحاسيس ضمن مسيرة خاصة. وبالالتفات الى هذه الامور يمكن الاستنتاج: ان الاسلام و بغية الحيلولة دون تلوث كافة الافراد- سيما المتبقين للميت- بانواع المكروبات والاصابة بمختلف الامراض التي يمكن ان تنتقل عدواها إليه من الجسد الخالي من الروح و في نفس الوقت بتحريم مس الميت لم يتصد لعواطفهم واحاسيسهم المستثارة فقد اورد مشكلة قانونية؛ فقد أمر بالغسل كل من يمس بدن الميت او يتصل بجسده بأي نحو من الانحاء. لاشك ان هذا القانون رغم حده من تماس الاحياء بالاموات و حال دون اصابتهم بانواع الامراض المحتملة، لكنه لم يتجاهل

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 259

عواطفهم واحاسيسهم، وكلما تعطل هذا المشكل القانوني المؤثر في عدم حدوث التماس فان «غسل مس الميت» سيكون أفضل وأبسط اسلوب غسل لدفع المكروبات المحتملة.

قد يشكل البعض ان غسل مس الميت ان اوجد مشكلة قانونية و بغية الحيلولة دون الاصابة بالامراض، فلم لايوجب مس بدن الميت بعد غسله والاتصال به الغسل؟ و يبدو ان هذا الاشكال سطحياً و الرد على ذلك واضح، لأن غسل الميت بالماء المخلوط بالسدر والماء المخلوط بالكافور و بالماء الخالص عنصر

مؤثر ضد التعفن وتنظيف الميت و على الاقل سوف تنعدم الاخطار المحتملة قبل الغسل لمدة معينة. و من البديهي في هذه الحالة انهم سيدفنون الميت بعد مدة من الاتيان بالمراسم المذكورة و سينتفي احتمال بروز الميكروبات الجديدة و انتقالها للانسان. و ما قيل في غسل الاموات و غسل مس الميت جانب من فلسفة هذه الاحكام؛ و لعل هنالك العديد من النقاط الخفية علينا لحد الان.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 261

15 لماذا يحرم أبناء الزنا من بعض المناصب؟

سؤال:

إننا نعلم بأنّ الأبناء الذين يولدون من علاقات غير شرعية ليس لهم أي ذنب، مع ذلك ذمّت بعض الروايات الإسلامية هؤلاء وحجرت عليهم بعض المناصب الاجتماعية المهمّة كالقضاء وإمامة الجماعة والفتوى و ... فكيف يتعرض شخص لكل هذا الذم وهو لم يرتكب أي ذنب ولمجرّد كون والديه آثمين!

أضف إلى ذلك فإنّ البعض يقول إنّ هؤلاء الأفراد لا يدخلون الجنّة ولا ينعمون بالسعادة، فهل هذا الكلام صحيح، رغم إننا نعلم بأنّ اللَّه حكيم ولا يحاسب أحداً بذنب آخر «ولا تزر وازرة وزر أخرى ؟

الجواب:

نورد بعض النقاط المهمّة في البحث قبل الخوض في الجواب:

1- لما كانت الروابط اللامشروعة تقضي على العلاقات الحقوقية والقضايا المالية للأب والابن، فإنّ جذور النسبة والعواطف العائلية التي تشكل أساس المجتمع تصاب بالشلل؛ فالزانية لا تعلم بالرجل الذي عقد نطفته في رحمها، وبالتالي لا يعرف الولد من هو أبوه،

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 262

ناهيك عن عشرات المفاسد الأخلاقية والنفسية والاجتماعية والتربوية والعائلية والمالية والعاطفية التي يفرزها الزنا، كل ذلك يدعو الأنبياء والمشرعين بما فيهم المشرع البشري إلى تحريم الأعمال المنافية للعفة وخطر العلاقات الجنسية الشاذة.

2- هنالك عدّة ضوابط لتنظيم عملية الزواج الشرعي، وعليه فالعلاقات اللامشروعة تعدّ «مخالفة للقانون» و «انتهاكاً لحرمة إنسانية الإنسان» ولذلك يشعر

الآثمون بنوع من الاضطراب والقلق الذي يفرزه العمل الفاحش، ولو لم يحيه هذا الشعور لاندفع نحو التمرد العلني وتجاوز القوانين.

3- إنّ الأبناء وعلى ضوء قانون الوراثة يرثون القضايا النقية والفكرية لآبائهم وأُمهاتهم، فكما يرثون خصائصهم البدنية من قبيل لون العين والشعر والوجه، فإنّهم يرثون خصائصهم الشخصية مثل: الغضب والحدة والمرونة والطغيان وما إلى ذلك. والواقع أنّ الوراثة أساس مستقبل الأفراد والصانعة لجانب مهم من شخصيتهم وإعدادهم لمصيرهم.

والذي نخلص إليه ممّا سبق أنّ أبناء الزنا غالباً ما يرثون روح الطغيان والتمرد على القانون والعصيان عن آبائهم وأمهاتهم ليكونوا أكثر استعداداً من غيرهم لمقارفة الجريمة وممارسة العدوان، ولذلك فإنّ سوء التعليم الفردي أو الوسط الشاذ يكفي لإثارة روح العدوان لديهم وتجسيدها على أرض الواقع.

أمّا بشأن حرمانهم من المناصب الاجتماعية، فإضافة إلى ما قيل سابقاً بخصوص وضعهم الروحي، فالأمر لا يعدو كونه احتياطاً منطقياً بهدف حفظ المصالح الاجتماعية، إلى جانب كون الإسلام يولي أهمية فائقة للتصدي لهذه المناصب الحساسة، ومن هنا لا يسمح بشغل هذه المناصب لمن يتصف ببعض نقاط الضعف والسوابق السيئة.

ولكن لا ينبغي أن يفهم ممّا سبق أنّ مجرّد كون الفرد ابن زنا فذلك يعني حرمانه من السعادة وتعذر انفتاحه على التربية الإسلامية الصحيحة. فابن الزنا كسائر الأفراد يمتلك الإرادة في اختيار الطريق، كما يستطيع تنمية جانب الفضيلة في نفسه فيكتب اسمه في

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 263

الجنان. فهذا الفرد ليس شرير ومنحرف بالفطرة ولا يسعه الرفع من شأنه، بل كما قال الإمام الصادق عليه السلام: «إنّ ولد الزنا يستعمل إن عمل خيراً جزي به وإن عمل شراً جُزي به».

وعليه فالذم الذي ساقه الإسلام بشأن ابن الزنا إنّما يهدف إلى تحذيره من صعوبة وخطورة موقفه ويرشده

إلى ضرورة الإلتفات إلى نفسه وبذل الجهود لتجاوز الأزمة والوصول إلى شاطى ء الأمان والسعادة، لا أنّ عوامل التعليم والتربية لا تجدي معه نفعاً وأنّه لا محالة من أهل النار.

بعبارة أخرى إنّ الأولاد الذين ينحدرون من علاقات شاذة على غرار الأطفال الذين يولدون من آباء مرضى مصابين بالسل وما شابه ذلك، فمثل هؤلاء الأطفال أكثر عرضة للاصابة بهذه الأمراض، وعليه لابدّ لهم من المبادرة إلى علاجها، وأبناء الزنا يمتلكون عادة شيئاً من الاستعداد لانتهاك حرمة القانون ومقارفة الذنب والمعصية فإن غاب التعليم الصحيح والتربية وضعفت لديهم الإرادة والعزم سقطوا في وادي الجريمة. وعلى هذا فإنّ المصلحة العامة تقتضي اتخاذ بعض الإجراءات الإحترازية بما فيها التحفظ عن منحهم بعض المناصب الخطيرة.

وأمّا ما تصوره البعض من أنّ أبناء الزنا سوف لن يذوقوا طعم السعادة فهو تصور خاطى ء، بل هم كسائر الأفراد باستطاعتهم أن يكونوا سعداء أو أشقياء. والجدير بالذكر أنّ أبناء الزنا إن صمدوا إزاء الذنوب والمعاصي كان لهم مقام أرفع من نظرائهم، ذلك لأنّهم جهدوا أنفسهم أكثر وأشمل.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 265

16 أضرار لحم الخنزير

سؤال:

ما هي الأضرار الكامنة في لحكم الخنزير ليحرِّمه الإسلام، مع العلم أنّ المسيحيين يحبّونه حبّاً جمّاً؟

الجواب:

ثبت اليوم أنّ لحم الخنزير أخطر ممّا كان يتصور، فهنالك الأخطار الأخلاقية (عن طريق الهورمونات) والأخطار الصحيّة. ونشير هنا إلى أحد أضراره الصحيّة حيث يؤدّي إلى الإصابة بالمرض المعروف وما نذكره هنا ترجمة لمقالة مصدر علمي أمريكي ارسلت لنا من قبل الدكتور محمد غفراني.

***

مرض خطيرنا شى ء من لحم الخنزير:

فقد تسلّمت المنظمات الطبية عدّة تقارير من الأطباء بشأن المرض المعروف «تريشينوزيس» والخطير فهو مرض طفيلي ناشى ء من دودة صغيرة شعرية الشكل. وهذه

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 266

الدودة تقضي دورة حياتها في

جسد الخنزير وسائر الحيوانات، ولعل كل من تناول لحم خنزير مصاب كان عرضة للإصابة بهذا المرض، إلّاأنّ حساسية الإنسان بهذا الخصوص كبيرة- على سبيل المثال، لو تناول الدب لحم الخنزير فإنّه يصاب بالمرض بسرعة، كما يصاب به من تناول لحم الدب- وعادة ما يصاب الإنسان. إن تناول لحم خنزير ليس بناضج (ولا يسع أحد الزعم أنّه تناول لحم خنزير مطبوخ بصورة تامة) ذلك لأنّه يلاحظ الآن بعض الإصابات إثر تناول اللحم المطبوخ بالوسائل الحديثة وقد إشار إلى ذلك صاحب المقالة.

وتفيد بعض الدراسات أنّ فئة صغيرة من بين 25 مليون شخص مصابون بهذا المرض الطفيلي بدت عليهم الأعراض، بنحو بارز بصورة كامراض سريرية بينما بقي مجهولًا لدى الاطباءه كثر من الف اصابة! كما خمن ان 25 مليون حالة مرضية من قبل المرضى الذين ثبت هذا الطفيلي في عضلات بدنهم ان 16000 فقط بينت حالاتهم المرضية بصورة واضحة في العيادات، بحيث توفى منهم خمسة بالمئة بسبب شدة التلوث.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 267

17 ما علّة نجاسة الكافر؟

سؤال:

ما فلسفة حكم الإسلام بنجاسة أتباع سائر الأديان «الكفّار» وعدم جواز الاختلاط المسلمين بهم (والحال ربّما يكونون أكثر مراعاة للنظافة والأمور الصحية من سائر المسلمين)؟ طبعاً لابدّ استبعاد أنّ الاختلاط بهم ربما يؤدّي إلى الانحراف الفكري لبعض المسلمين، فالإسلام دين الواعين لا المغفلين!.

الجواب:

صحيح أنّ الإسلام دين الواعين لا المغفلين، لكن إن كان المراد أنّه دين جماعة معينة فليس الأمر كذلك، بل هو دين للجميع؛ وإن كان المراد أنّ الواعين أكثر انفتاحاً على التعاليم الإسلامية فذلك صحيح أيضاً، إلّاأنّ ذلك لا يعني إهمال القوانين الإسلامية للأفراد من ذوي الاطلاع المحدود وعدم الإلتفات إلى أوضاعهم.

وكما أشرنا سابقاً فإنّ نجاسة الكفّار قطعاً نجاسة معنوية وباطنية؛ لا تظهر آثارها

على أجسامهم، وأحد فوائد ذلك حفظ عقائد أغلب المسلمين من جراء الاختلاط وما يسببه من انحراف وضلال فكري، وليس في هذا الأمر من جديد فأغلب المصلحين يوصون عامة

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 268

الأفراد بالابتعاد عن الاختلاط بالمنحرفين والضالين، غاية ما هنالك أنّ الإسلام بيّن هذا الموضوع بصيغة الحكم بنجاسة الكفّار، من جانب آخر نرى أنّ الإسلام أذن بإقامة العلاقات الاقتصادية والتجارية معهم على ضوء بعض الشروط، لكنه لم يسمح بالجلوس معهم على مائدة، بالتالي أراد الاستفادة من منافعهم والحذر من أضرارهم الأخلاقية والعقائدية من جرّاء الاختلاط بهم.

طبعاً نحن لا نقول إنّ الواعين من المسلمين يمكنهم الاختلاط بهم، كلا فليس في الأحكام الإسلامية من استثناء وهي عامة، وعموميتها سبب حفظها، وإلّا لزعم كل فرد أنّه مطلع ولا يرى من ضرر في اختلاطه بالكفّار فينتهك حرمة الأحكام الشرعية (لابدّ من التامل). وبغض النظر عمّا سبق فإنّ أغلب الكفّار لا يتورعون عن النجاسات كالدم ولحم الخنزير والمشروبات الكحولية، وعليه فحياتهم بالتالي مجموعة نجاسات، وبغية تفادي هذه النجاسات عدهم الإسلام نجساً ليتحفظ المسلمون عن الإختلاط بهم حفظاً لهم من النجاسة.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 269

18 لماذا الجزية؟

سؤال:

المراد من بعثة النبي الأكرم صلى الله عليه و آله إرشاد الناس وهدايتهم،، إلّاأننا نرى بعض المقررات الإسلامية التي لا تنسجم مع الهدف الأصلي للدين- الإرشاد إلى الصراط المستقيم- من قبيل فرض الجزية على اليهود والنصارى، والحال الجزية قضية مادية، ثم كيف يشجعهم الإسلام على البقاء على معتقداتهم وأديانهم المحرفة؟

الجواب:

إنّ أحد امتيازات الإسلام عدم إكراهه الغير على اعتناقه، كما ورد ذلك في الآية 256 من سورة البقرة «لااكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ». وسرّ ذلك واضح في أنّ الإسلام انطلق في دعوته منذ اليوم

الأول على أساس المنطق والدليل والبرهان ومحاربة الوهم والخرافة، وسلاحه عرض الحقيقة وايقاظ الراي العام، فما حاجته للإكراه وهو يمتلك ذلك السلاح الذي استقطبه الواعون من الأفراد؟

والواقع أنّ العقيدة والإيمان الحقيقي يتطلب مقدمات وأُسساً معينة ما لم تحصل في ظلّ الإدراك والبصيرة والاختيار، فمن المحال أن يشق الإيمان سبيله إلى القلب، ولو فرض

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 270

بالقوّة لما استقر في القلب، ولما تجاوز اللسان، وبالتالي ليس لهذا الإيمان من قيمة في الإسلام. فالإسلام يستقطب الأفراد الأوفياء لمبادئه المقدّسة ولا يتخلون عنها أبداً، وهذا الإيمان لا يفرزه إلّاالمنطق والدليل.

أمّا الجزية فهي ضرائب سنوية يدفعها أهل الكتاب للدولة الإسلامية، وسبب فرض هذه الضرائب أنّ بلدانهم تدار من قبل المسلمين، أو أنّهم يعيشون كأقلية في المجتمع الإسلامي، والدولة الإسلامية مسؤولة عن توفير الأمن والدعم والحماية لهم، ومن هنا ينبغي جباية الضرائب من كل فرد لم يقر بالإسلام لتصرف في سبيل رفاهه وحفظ ماله وعرضه وحياته، ناهيك عن عدم اشتراك هؤلاء الأفراد في المعارك التي يخوضها المسلمون ضد أعدائهم.

وتفيد الشواهد التاريخية أنّ الأموال التي كانت تجبى من أهل الذمّة لم تؤخذ بالقوة والاكراه واليك نماذج من ذلك:

1- إنّ «عبادة بن الصامت» حين دعى المصريين والأقباط إلى الإسلام كان يخيّرهم بين اعتناق الإسلام أو دفع الجزية ويؤمنهم على أموالهم وأعراضهم والدفاع عنهم تجاه الأعداء.

2- حين انتصر المسلمون على الروم انيرى أهل حمص لدفع الجزية ثم أراد المسلمون فسخ عقدهم مع نصارى حمص بموافقة الطرفين، وعرضوا عليهم إعادة ما استلموه منهم من أموال. فرد عليهم أهل حمص بأنّهم لا يرضون بفسخ العقد بعد أن لمسوا عدالتهم وتقواهم التي لا يمتلكها الروم، وأعربوا عن استعدادهم للقتال إلى جانب المسلمين.

3- إنّ مقدار

الجزية التي عينها رسول اللَّه صلى الله عليه و آله بالنسبة لنصارى نجران توضح حقيقة الموضوع، حيث تقرر أن يدفعوا سنوياً ثلاثة آلاف «حلّة» وقيمة كل حلّة أربعون درهماً خلال دفعتين، ألفان في شهر صفر وألف في رجب، كما صالح رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أهل «أذرح» على أن يدفعوا مئة دينار سنوياً. حقاً إنّ هذه الأموال لا تبدو كثيرة إزاء حفظ أموالهم وأعراضهم وأرواحهم.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 271

19 ثياب الإحرام

سؤال:

لماذا يجب أن تكون ثياب الإحرام متواضعة وغير مخيطة؟

الجواب:

مراسم الحج من العبادات الجماعية التي ينبغي أن تتمّ في ظلّ تجرّد تام، ولذلك اكتفي بقطعتين من القماش ونهي عن ارتداء الثياب المتعارفة التي تعكس الامتياز والاختلاف، وهكذا يتجسد ذلك اليوم الذي تتطلع إليه البشرية في طرح عوامل الامتياز الفارغة كافّة.

بعبارة أخرى الحج أروع مظاهر مساواة الناس أمام اللَّه، ومن هنا كان لابدّ من التخلي عن الثياب المدعاة للتفاخر لتسود المساواة الجميع.

20 لماذا تتلف لحوم الأضحيات؟

سؤال:

ما القصد من الذبح في عيد الأضحى بأرض منى رغم عدم الاستفادة الصحيحة من هذه الأضحيات ودفنها في التراب؟

الجواب:

نعلم أنّ أحد مناسك الحج نحر الأضحية في العاشر من ذي الحجة، وهذه فريضة إسلامية صريحة، واحد أسرارها احياء تلك التضحية العظيمة التي قدمها بطل التوحيد إبراهيم الخليل عليه السلام. فقد أمر اللَّه نبيّه إبراهيم عليه السلام أن يذبح ولده في منى قربة إلى اللَّه تعالى- طبعاً كان ذلك الأمر امتحاناً ويهدف إلى إثبات جدارة ذلك الولي الرباني، ولذلك حين إمتثل الأمر أمره اللَّه سبحانه بذبح كبش بدلًا من ولده.

وقد اثبت استعداده لامتثال الأمر وطاعة اللَّه. أنّ روح الطاعة والتضحية لديه في ظلّ الإيمان كانت أقوى حتى من عواطف الأبوة. وحجاج بيت اللَّه الحرام إنّما يستحضرون إخلاص إبراهيم وتضحيته ورسوخ إيمانه بذبحهم في منى، وهكذا يعلم أحدهم الآخر دروس التضحية والإخلاص بهذا العمل، وكأنّهم يقولون عملياً: ولي اللَّه من يضحي بكل

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 274

شي ء في سبيل اللَّه، كما فعل ذلك العبد الصالح، وهذا قبس من أسرار الذبح في منى.

والآن لابدّ أن نرى رأي الإسلام بهذه الأضاحي، وما وظيفة المسلمين بهذا الخصوص؟

للجواب عن هذا السؤال، نرى من الضروري الرجوع إلى القرآن، حيث تضمّنت سورة الحج آية

تأمر جميع من كان في منى يوم الأضحى بالذبح فقالت: «وَأَطْعِمُوا البائِسَ الفَقيرَ» «1»

، وفي آية أخرى «فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا القانِعَ وَالمُعْتَرَّ» «2».

وأوصت الرسائل العملية حجاج بيت اللَّه الحرام بجعل لحم الشاة ثلاثة أقسام: قسم لهم وآخر للمؤمنين وثالث للمحتاجين. وتفيد هذه التعليمات أنّ المراد من ذبح الحيوانات بالإضافة إلى سلسلة الفوائد المعنوية المذكورة سابقاً، هو أن يكون هنالك استهلاك صحيح لهذه الذبائح وأن لا يفعل ما يؤدّي إلى الاسراف والتبذير.

واليوم وظيفة الحجاج والدول الإسلامية اتخاذ بعض التدابير للاستفادة الصحيحة من هذه اللحوم، وهذه الوظيفة الإسلامية تنسجم مع سائر الأهداف. فلابدّ من إنشاء برادات مجهزة بدلًا من دفنها تحت التراب ليتمّ الاستفادة منها كما بين القرآن الكريم. ففي السنوات السابقة التي لم يكن الحجاج بهذا العدد، كانت اللحوم تستهلك بصورة صحيحة، وعليه لما تطورت اليوم وسائل النقل والمواصلات، فلابدّ من توظيف بعض الوسائل الحديثة للحيلولة دون اتلاف هذه اللحوم والأخذ بنظر الاعتبار الأهداف الإسلامية وأن تمنع أنواع التبذير والاسراف كافّة، وإن كان هنالك من تقصير فإنّما يتحمل مسؤوليته المسلمون.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 275

21 لماذا كانت قراءة «الكتب الضالة» حرام؟!

سؤال:

إنّ الإسلام دين العلم والمعرفة، فلماذا يُحرّم بعض الكتب «كتب الضلال»؟

الجواب:

نعلم أنّ الإسلام دين العلم والمعرفة، ويحث هذا الدين السماوي الناس على كسب العلوم والمعارف، ويعتبر رقي الفرد والمجتمع مرهوناً بالعلم والمعرفة، ولكن في نفس الوقت يركز الإسلام على نقطة أساسية وهي، كما ينبغي حفظ المجتمع من الأخطار المادية كالأمراض المعدية، فلابدّ من حفظه من عوامل الانحراف الفكري والمعنوي. والأفراد في المدنية المعاصرة أحرار في اعتناق أيّة عقيدة وفكر منحرف ما لم يخل بالنظام المادي للمجتمع، غير أنّ القضية ليست كذلك في الإسلام، حيث يسعى الإسلام لخلق مجتمع يحث الخطى نحو التكامل

المعنوي والأخلاقي.

وعلى هذا الأساس يتضح سبب حظر الإسلام لقراءة كتب الضلال التي تمس العقيدة والخلق الأصيل. فلو كانت قراءة هذه الكتب سياحة للجميع فما الضمان لعدم الانحراف الفكري والأخلاقي؟

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 276

ومن هنا لم يسمح الإسلام بتداول ونشر كتب الضلال في الأوساط العامة، بكل حرية و تطالع من قبل عامة الناس مع ذلك وعلى ضوء تبني هذا الدين للعلم والمعرفة، فإنّ الإسلام لم يحظر مطالعة هذه الكتب على العلماء الذين يمتلكون القدرة على تمييز الحق من الباطل.

وليس للعلماء حق مطالعة هذه الكتب فحسب، بل يجب عليهم مطالعتها ليتعرفوا على منطق الخصوم كما ورد في هذه الكتب فيهبوا لتفنيده بالطرق الصحيحة، والتاريخ الإسلامي حافل بالعديد من الاحتجاجات بين علماء الدين وخصومهم من غير المسلمين، وقد خاض بعض الأعلام في جمع هذه المناظرات من قبيل صاحب كتاب «الاحتجاج» «1»، وهذا دليل على أنّ حرمة كتب الضلال في الإسلام ليست بمعنى قتل حرية الفكر ومناهضة العلم؛ حيث كان أئمّة الدين يعتمدون المنطق والبحث الحر في الردّ على العقائد الخاطئة، لا من خلال خلق الارهاب الفكري والعقائدي.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 277

22 لماذا لا يمكن اعطاء القرآن لغير المسلم؟

سؤال:

بما أنّ كتابنا السماوي القرآن هادي الأُمم ونبراس المجتمعات البشرية، وعليه لابدّ أن ينفتح عليه كافّة الناس- المسلم وغير المسلم- ليستضيئوا بتعاليمه ويهتدوا إلى الحق، إلّا أنّ الكتب الفقهية تشير إلى عدم إمكانية إهدائه للكافر أو تزويده بنسخة منه.

الجواب:

إن كان الهدف من تزويد غير المسلم بالقرآن يتمثل في هدايته إلى الإسلام والتعرف على تعاليمه فلا مانع من ذلك، بينما يحظر ذلك ما لم يتضمن الهدف المذكور، ذلك لأنّ أعظم شهادة على أحقية الإسلام والمعجزة الخالدة لنبي الإسلام هو القرآن بصفته الوثيقة الحيّة التي تبعث بأشعتها إلى جميع

العصور، وإنّ إحدى طرق الانتفاع به في أن يطبع بطبعة لطيفة وتوزع في أنحاء العالم ليتعرف الباحثون عن حقيقة الإسلام من خلال الآيات القرآنية؛ وهذا بحد ذاته شهادة قيمة على مضامين هذا الكتاب الغني عن الزمان والمكان ويستقطب المجتمعات البشرية.

وقد أوصى القرآن الكريم رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أن استجاره مشرك حتى أثناء القتال بأن يأمنه

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 278

حتى يسمع كلام اللَّه وإن أراد العودة وجب عليه إعادته «1».

ومن هنا يتوجب على كل فرد مراعاة حرمة القرآن، وإن احتمل انتهاك حرمته من غير المسلم فليس له أن يعطيه، وإن كان عنده وجب علينا السعي لاستعادته منه. ويبدو أنّ رأي الفقهاء من عدم اعطاء القرآن للكافر على هذا الأساس، لا على أساس أنّه يمكن هدايته.

وخلاصة القول لابدّ من استنقاذ القرآن من متناول الأيدي الأثيمة، اللّهم إلّاأنّ احتمل هدايتهم ففي هذه الحالة يمكن تزويدهم بالقرآن الكريم.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 279

23 علة التصعب في إثبات بعض الجرائم

سؤال:

لماذا تجب أربع شهادات في الزنا؟ إلّايدعو هذا إلى ازدياد الأعمال المنافية للعفة على ضوء التصعب في إثبات الجرم؟ وبغض النظر عن ذلك، لماذا أُلغيت هنا هذه القاعدّة «اقرار العقلاء على أنفسهم جائز» فإن اعترف شخص بالزنا ثلاث مرّات فلا يقبل منه حتى يأتي بالرابعة؟

الجواب:

للقانون الإسلامي صورة خاصة بشأن عقوبة الزنا حيث تضمن بعض الأمور؛ يعني أنّه جعل عقوبة هذه الأفعال شديدة وثقيلة، فمن جانب تبدأ بالجلد والنفي وفي بعض الحالات بالاعدام، ومن جانب آخر تصعب في طريقة إثبات هذه الجريمة حتى جعل شهود الزنا ضعف شهود سائر الجرائم، كما لم يكتف باقرار الشخص لمرّة واحدة وضم هذين الأمرين لبعضهما- تشديد العقوبة والتصعب في إثبات الجريمة- أضفى وضعاً خاصاً على هذا القانون الجزائي،

بمعنى تحلي هذا القانون بتأثيره النفسي في الحيلولة دون ارتكاب الأفراد لهذا النوع من الخطايا، وفي نفس الوقت لا يشمل الكثير من الأفراد عملياً.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 280

بعبارة أخرى إنّ المراد من وضع هذه القوانين، منع الأفراد من ارتكاب هذه الجريمة، لا إعدامهم والقضاء عليهم. وهذا الأثر يترتب على ثقل نوع العقوبة، ذلك أنّ مرتكب الجريمة يتصور العقوبة الصارمة فتأخذه حالة من الخوف والخشية لما يحتمل من عقاب؛ الأمر الذي يحول دون ارتكابه للذنب.

وغالباً ما نرى تعيين بعض العقوبات الشديدة كالإعدام لارتكاب بعض كبار الذنوب- من قبيل بيع المخدرات- ورغم أنّ هذه العقوبات خاصة بظروف معينة، إلّاأنّ احتمال توفر شرائطه يلعب دوراً كبيراً في روح مرتكبي الجريمة.

والخلاصة فإنّ القوانين الجزائية الإسلامية شرعت بالشكل الذي تسهم في الحيلولة دون ارتكاب الجريمة، وتبعد الكثير في نفس الوقت عن الشمول بها. وعلى هذا الأساس فإن تنفيذ عقوبة الإعدام في موضع معين تترك آثارها على أفكار سائر المرتكبين، ذلك أنّ مجرّد احتمال تنفيذ هذه العقوبة بهم يوماً كافٍ لهم.

24 لماذا يذبح الحيوان على أساس بعض الشرائط؟

سؤال:

هنالك بعض الشرائط التي ذكرتها الشريعة عند الذبح مثل قطع الأوداج والبسملة بحيث تحرم لحومها دون الإتيان بهذه الشرائط، بينما يستهلك أغلب الناس هذه اللحوم دون الإلتفات إلى ذلك ولا يشكون من شي ء، رجاءً بيّنوا لنا تأثير هذه الشرائط؟

الجواب:

يبدو أنّ الشريعة أرادت أن تكفّل ثلاثة أمور بهذه الشرائط:

الأول: الابتعاد عن ديدن الوثنيين الذين يذبحون باسم أوثانهم، ومن هنا عدت البسملة إحدى خططها للقضاء على جذور الوثنية.

الثاني: اكتشف الطب المعاصر العديد من الأضرار للتغذي على الدم استناداً لبقاء الدم على الذبيحة الخارج منها وبغض النظر عن ذلك فإنّ الدم ملي ء دائماً بأنواع المكروبات وثبت بالتجربة أنّ التغذي على الدم يخلق ملكات

خبيثة عند الإنسان، ومنها ضعف العاطفة والظلم وقسوة القلب.

الثالث: الإسراع في إماتة الحيوان وإبعاده عن التعذيب والذي لا ينسجم مع الروح

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 282

الإنسانية. وهذا العمل لا يتسنى إلّامن خلال قطع الأوداج الأربعة.

هذه خلاصة للأمور الثلاثة التي تضمن بشرائط الذبح الإسلامي.

25 فلسفة الختان

سؤال:

ما فلسفة الختان من الناحية الصحية؟

الجواب:

الجواب عن هذا السؤال واضح للأسباب التالية:

1- غالباً ما يلاحظ التعفن والالتهاب بين الغشاء ورأس العضو التناسلي لدى الأفراد الذين لا يختتنون، فالختان يزيل هذا الالتهاب.

2- تفيد الاحصاءات الطبية أنّ نسبة الإصابة بسرطان العضو التناسلي أكثر لدى الأفراد الذين لا يختتنون. طبعاً ينبغي الدقّة في عملية الختان بالنسبة للأطفال الرضع حيث ربّما يؤدّي إلى جرح رأس العضو ممّا يؤدي إلى احتمالية ضيق الفتحة في منتهى المجاري البولية.

26 فسلفة المحلّل

سؤال:

لماذا يحتاج الرجل إذا طلق زوجته ثلاثاً إلى المحلّل؟

الجواب:

اتفق علماء الإسلام تبعاً للقرآن على أنّ الرجل إن طلق زوجته ثلاثاً لا يجوز الزواج بها ثانية إلّابعد أن ينكحها رجل آخر. وإلّا فالزوجة حرام عليه ما لم تتمّ هذه العملية.

وتبدو فلسفة هذا الشرط واضحة، ذلك لأنّ الأسلام أراد أن يحد من ظاهرة الطلاق بهذا الشرط، وأن لا يتخذ الطرفان هذا الأمر كألعوبة (يطلق بعضهما الآخر متى شاءا ويعودا إلى الزواج متى شاءا) لأنّه:

أولًا: حيث يريد الرجل التطليقة الثالثة فلربّما ينصرف عنها إن علم بأنّه إن أراد الزواج منها وجب أن تنكح زوجاً غيره، فالأمل لا ينفك عن الزوج والزوجة في الرجوع، غير أنّ هذا الأمل يزول في التطليقة الثالثة. ولعل هذا الأمر هو الذي حال دون اقدام الكثير من الأزواج على التطليقة الثالثة.

ثانياً: من شأن قضية المحلّل أن تستثير عواطف الرجل وتحرك غيرته وشهامته بحيث

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 286

يبعد عن ذهنه شبح الطلاق، ذلك لأنّ غيرة الرجل لا تسمح له بأن ينكح زوجته التي قضى معها عمراً، أحد غيره، وعليه فالإسلام أراد بهذا التشريع (المحلّل) الابقاء على عش الحياة الزوجية دافئاً وبعيداً عمّا يعكر صفوه، وبالتالي الحيلولة دون وقوع الطلاق. ولابدّ في الختام

من ذكر هذه النقطة وهي: إنّ الزواج من شخص آخر ربّما يدفع أحياناً بالمرأة لتفعيل رغبتها بزوجها الأول، لا تظفر بالرفاهية والدعة التي عاشتها في بيت زوجها الأول، وهكذا فهي دائمة المقارنة بين الزوج الأول والثاني، الأمر الذي يشبعها حسرة وندامة وحنيناً إلى زوجها الأول.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 287

27 المخاطر الجسمية والنفسية للشذوذ الجنسي نظرية عالم نفس حاذق بهذا الشأن

سؤال:

هل الإستمناء مضر؟

الجواب:

رغم سعي بعض المغفلين من الأطباء والسذج من علماء النفس إلى إظهار عملية «الإستمناء» المشؤومة بالعملية الخالية من الضرر، إلّاأنّ العديد من الرسائل التي وصلتنا من المصابين بهذه الممارسة إضافة إلى الشواهد الحسية والخارجية، تفيد أنّ هذه الآراء الجوفاء تهدف إلى استغفال الشباب والتنكر للحقائق الملموسة.

ونذكر هنا مقالة تخصصية مقتبسة من مجلة العلم العدد 13 لعالم النفس المشهور «الدكتور جهرازي» لتكون الجواب الشافي لهذا السؤال.

يواجه الشباب بعض المسائل الغامضة ومنها «المسألة الجنسية» في الواقع في هذه المرحلة من السن التي تتبلور فيها الغرائز الجنسية، ويكتشف الشاب حقيقة هذه الغريزة بعد

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 288

جولة من البحث، فإنّ أي إثارة من شأنها اشعال غريزة الشهوة لديه. وفي السابق كان الشبان وعلى ضوء «التربية الدينية والآداب والالتزامات الاجتماعية» يلتزمون بمبادى ء تجعلهم يسيطرون على هذه الغريزة الجنسية.

أمّا اليوم «1» فهنالك أثر كبير للصور الخليعة في الأزقة والشوارع والبيوت والإعلانات الدعائية ومشاهدة الأفلام والمجلات والصحف وبعض المشاهد السينمائية والتلفزيونية والقصص المسهمة في إثارة هذه الغريزة، وبالتالي إصابت الشباب بطغيان الغريزة الجنسية؛ الأمر الذي أدّى في خاتمه المطاف إلى حصول حالة الإنزال في النوم والتي تبعث اللذة، فساقت الشباب إلى مصيبة الإستمناء. ويعتقد بعض الأطباء وعلماء النفس بأنّ الإستمناء أمر طبيعي وحاجة لدى الإنسان والحيوان، إلّاأنّ هؤلاء غفلوا عن الأضرار التي يستبطنها هذا العمل إن تكرر خلال بضعة أسابيع،

وتنعكس مخاطره على الصعيدين الجسمي والنفسي وللأسف فإنّ هذه الممارسة تتشدد بالتدريج وحيث تكون متيسرة للشاب فهي تسوقه إلى التعود عليها ليمارسها عدّة مرّات خلال مدّة قصيرة.

العواقب الخطيرة للإستمناء:

تفيد أغلب الدراسات التي حصلت في السنوات الأخيرة، ولا سيما التحقيقات التي أجريناها على أكثر من ألف شاب، أنّ موضوع الإستمناء لا ينبغي أن يعد مسألة بسيطة (لابدّ من الدقّة) ولابدّ من ذكر فسلجة الغدد الجنسية قبل ايضاح هذا المطلب: فأحد علامات البلوغ خروج المني من خلايا غدد الخصيتين. ولكل قطرة مني ملايين البيوض الذكرية «اسبرما توزئيد» ومايع لزج خاص يترشح من تلك الغدد ويرد كيس المني الواقع خلف المثانة بواسطة مجرى المني. فيمتلى ء كيس المني ويمتص البدن مقداراً منه يكون مؤثراً في نمو قامة الشاب ومثيراً لغرائزه الجنسية؛ ولكن ينبغي إخلاء معظمه بغية الانجاب.

وبالنسبة للشبّان الذين لا يشهدون إثارات جنسية بفعل التزامهم الديني فحين يمتلى ء

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 289

كيس المني إنّما يخرج عادة بصيغة احتلام عند النوم فيعيش حالة الاتزان البيولوجيكي، وعليه فليس هنالك قلق عليهم.

وأمّا الشباب الذين يتعرضون إلى الإثارات الجنسية ويعيشون حالة من الحرمان فيتصورون أنّ الطريق الوحيد أمامهم هو الإستمناء، وحيث يشعرون عقب هذه العملية بنوع من الهدوء فعادة ما يكررون هذه الممارسة؛ فإن تكررت ومورست لأكثر من مرّة في الأسبوع تظهر حالة من الاختلال النفسي والجنسي لدى هؤلاء الشبّان.

وتوضيح ذلك: حين تشبع الغريزة الجنسية بصورة طبيعية من خلال الزواج، فإنّ الإثارات الجنسية التي تحصل من اللمس والمشاهدة تنعكس على الدماغ فتخلق حالة من تفعيل الغريزة لديه فيمارس هذا العمل بصورة طبيعية. بينما القضية معكوسة تماماً في الإستمناء وتستبدل عوامل الإثارة الطبيعية بالتخيل والتصور للمناظر الخاصة واللمس الموضعي، وبهذا يبرز انحراف جنسي فإن

تكرر هذا العمل وترسخ الانعكاس المنحرف في كيان الشاب فإنّه سيؤدّي إلى عجزه إن أراد أن يمارس العمل الجنسي بصورة طبيعية؛ ذلك لأنّ النظام الطبيعي لاشباع الغريزة قد اختل عنده، ومن هنا يشعر بالعجز والفشل حين إرادة الزواج والطريق المشروع.

الاختلالات الجنسية لدى المصابين بالإستمناء:

النقطة المهمّة التي ينبغي الإلتفات إليها هنا: كما ذكرنا فإنّ البدن يمتص مقداراً من المواد الجنسية المترشحة (المني) وتؤدّي إلى نمو الشاب، فهي ليست مؤثرة في نموه البدني فحسب، بل تؤثر حتى في نموه الروحي. وحين تخرج هذه المواد إثر الإستمناء المتكرر، فبعض النظر عن ظهور الاختلال في النمو الجنسي المتكامل، فإنّه يؤدّي إلى الضعف في الشخصية وخواء الإرادة وانحسار القدرة والخجل والانهزامية. ولايضاح حقيقة هذين الموضوعين لا بأس بذكر بعض النماذج ومن لسان المصابين بهذا الانحراف والذين فشلوا في زواجهم أو لم يتلذذوا بزوجاتهم:

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 290

قال أحد الشبّان المتزوجين: «إنّي أحبّ زوجتي حبّاً جمّاً، ولكن مع الأسف لا أجد اللذة من معاشرتها وهذا ما يُؤلمني».

وقال امرأة متزوجة: «لقد مضى على زواجنا ثلاثة أشهر ولمن لا أدري لماذا كأني في نظر زوجي خشبة يابسة فقط دون أن يرغب إليّ».

قال أحد الشبان المتزوجين: «كنت أُمارس هذه العملية حين بلوغي، ولم أفلح بعدها في التوفيق إلى الزواج، بينما كنت أثار في الوحدة وجموح الخيال».

وقال شابان بعد أن راجعاني إنّهما عاجزان عن مجامعة زوجتيهما بعد أن تصورا هذه العملية وهما يشعران بالحرج الشديد».

وهناك شاب آخر: «لم يفلح في الاقتراب من زوجته بعد أن عقدها وقد مضى عليها ستة أشهر».

جدير بالذكر أنّ الشبّان المتقوقعين والإنعزاليين أكثر عرضة للإصابة بهذا البلاء، ومن هنا فإنّ الشبّاب مطالبون بالابتعاد عن العزلة والاختلاط مع الصالحين من أقرانهم.

ضعف الشخصية

والوسواس:

الضرر الآخر الذي يصيب الشبان من هذه العادة السيئة، حالة الندم التي تعتريهم بعد الانتهاء منها فيعاهدون أنفسهم على عدم تكرارها، لكنّهم سرعان ما يعودون إليها في أقرب فرصة سانحة- وبالطبع فإنّ حالة العهد والعودة هذه تؤثر على نفوسهم وتؤدّي بهم إلى ضعف الشخصية وغياب الإرادة والشك والوسواس.

وزبدة الكلام فإنّ الإستمناء يغير النظام النفسي في المسائل الجنسية ويقدح في الشعور باللذة ويخيل بالقدرة وينتهي إلى الشعور بالتصاغر والحقارة واختلال الشخصية، وبغض النظر عن ذلك يفعل فعله في النمو البدني (انتهى قول الدكتور جهرازي).

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 291

ملاحظة مهمّة:

للحيلولة دون ظهور هذه المخاطر، يتوجب على الشبّان الوقوف بحزم ضد هذه الممارسة بأمل ورجاء وعدم الشعور بالخوف والتردد، فيسعون أولًا إلى الابتعاد عن كافّة عوامل الإثارة من قبيل الصور الخليعة والأفلام المبتذلة، ومن ثم اختيار الأصدقاء الصالحين واجتناب العزلة والنوم لوحدهم في الغرفة وممارسة بعض الرياضات المفيدة وليملأوا أوقات فراغهم، ومقاطعة أصحاب السوء وممارسة العادات الحسنة، وعدم الإستسلام إلى الطروحات المفرضة لبعض ما يسمى بالأطباء وعلماء النفس الذين يخدعون أنفسهم والآخرين. ومن أراد المزيد بهذا الشأن فليطالع كتابنا «المشاكل الجنسية للشباب».

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 293

28 الزواج و تطابق الدم

سؤال:

هل هنالك من ضرر صحي في زواج المتماثلين في الدم (الأقارب)؟

الجواب: «1»

بعد ثمان سنوات من التحقيق اكتشف (مندل) قبل قرن بعض القوانين في الوراثة نشرحها هنا ببساطة. لو حصل جماع بين فأرة بيضاء وأخرى رمادية لولدت منها فأرة رمادية، كما ينتج منهما لاحقاً فئران رمادية وبيضاء. ويطلق على اللون الأبيض أو الرمادي هنا (الصفة). وكما ذكرنا فإنّ فئران المرحلة الأولى كافّة رمادية اللون، أي تظهر إحدى صفات الوالدين وتتنحى الأخرى ويصطلح على الصفات الأولى «السائدة» والأخرى المخفية «المتنحية». ويقال للعامل الذي ينتج

الصفة (اللون الرمادي أو الأبيض) «الجين» والذي ينتقل من الأباء إلى الأبناء بواسطة الخلايا التناسلية بالوراثة وإن ولد الحيوانات من صفات متساوية كان خالصاً.

ومن المسلّم به أنّ هذا الحيوان سيكون خلايا تناسلية متساوية من حيث الصفة،

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 294

وبالنتيجة فإنّ تزاوج عنصرين خالصين يؤدّي دائماً إلى ابناء يشبهون تماماً والديهم من حيث الصفات وأمّا إن لم تكن الصفات متساوية فسيكون ذلك الحيوان «هجينا» فالفئران الرمادية في المثال الأول «هجينة» لأنّ كل واحدة لديها جينات تنتج اللون الرمادي وأخرى اللون الأبيض؛ ولا شك في أنّ الخلايا التناسلية سوف لن تكون متشابهة ومتساوية، بل سيكون 50% منها تحتوي على الجينات المنتجة للون الرمادي و 50% الأبيض ومن الطبيعي أنّ الهجين دائماً ينتج هجيناً لا يشبه والديه من حيث الصفات.

وعلى ضوء هذه المقدمة في علم الوراثة نخوض الآن في الجواب عن السؤال:

ثبت اليوم احتمال بعض الأخطار الناشئة من الزواج من فرد في أسرة تحمل بعض الأمراض الوراثية. ذلك لأنّ احتمال ظهور ذلك المرض الوراثي في الأبناء من جراء ذلك الزواج أكثر من غيره بالنسبة للأبناء من الزواج الأجنبي (إليك توضيح مفصل بهذا الشأن) لو تزوج فردان مصابان بمرض وراثي فإنّ جميع الأبناء سيحملون جينات غير طبيعية، وبعبارة أخرى يكونون هجناء. وعادة ما يكون مرض الأبناء أشدّ من مرض الوالدين بحيث ربّما يموتون قبل الولادة ولو لم يمتلك أحد الوالدين هذا «الجين» المنتج لذلك المرض الوراثي فسوف لن يصاب الأبناء بالمرض ولن يكون مرضهم أشدّ من الوالدين وعلى هذا الأساس وردت الوصايا بالزواج من الأجانب، ولكن لابدّ من الإلتفات إلى هذه النقطة إن لم يكن أي من الزوجين مصاب بمرض وراثي فسوف لن يحمل الزواج أي خطر.

وعليه فلا

يصح ما تصوره البعض من أنّ الزواج من الأقارب مضر تماماً، بل الضرر فقط إن كان هنالك مرض وراثي، غاية الأمر ورعاية للاحتياط الأفضل عدم الزواج من الأقارب عند الشك، ومن هنا نهت بعض الروايات عن الزواج من بنت العم وابن العم.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 295

29 الموسيقى في الإسلام

سؤال:

لِمَ حرم الإسلام الموسيقى وما فلسفة هذا التحريم؟

الجواب:

رغم أنّ انتشار أنواع الموسيقى الذي حال دون توصل العديد من الأفراد إلى التفكير الخاطى ء الذي يتمسك به البعض «تداول كل شي ء دليل على صحته» فإنّهم ليسوا مستعدين للتوقف عند الآثار السيئة والمشؤومة للموسيقى. أمّا الأفراد الواقعيون فلن يكتفوا بذلك فهم يجدّون ويسعون بغية الوقوف على الحقائق رغم سماعها:

الموسيقى جديرة بالتأمل من عدّة جوانب:

1- من حيث الأضرار البدنية والاثار السيئة التي تنعكس على الجهاز العصبي للإنسان.

قال الدكتور «ولف ادلر» بهذا الخصوص: «إنّ أروع وأفضل النغمات الموسيقية تترك بصماتها السيئة على أعصاب الإنسان؛ ولا سيما حين حرارة الجو».

وقال الدكتور «الكسيس كارل» عالم الأحياء الفرنسي: «إنّ الاشباع الهمجي للشهوة قد

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 296

يحظى بأهميّة، ولكن ليس هنالك شي ء عبثي أكثر من حياة تفنى في اللهو، وممّا لا شك فيه أنّ الازمة الفكرية إنّما يفرزها التردد على السينما وسماع المذياع».

لابدّ من التعامل مع الموسيقى على غرار سائر المخدرات؛ ذلك أنّ آثارها المخدرة ممّا لا يسع انكاره؛ كما أنّ التخدير على أنواع والإنسان يستطيع تخدير أعصابه بعدّة طرق.

فالتخدير يكون أحياناً بواسطة الأكل والشرب؛ كالمشروبات الكحولية التي تشل الأعصاب وتعطل العقل عن الإدراك- وأحياناً أخرى بواسطة الاستنشاق كذرات مادة الهيروئين التي تسري إلى البدن عن طريق الأنف وتخدر الأعصاب.

وأخيراً هنالك التخدير بواسطة الأذن من خلال استماع الموسيقى التي تبلغ ذروتها أحياناً فيخرج الإنسان من توازنه الطبيعي.

وعلى هذا الأساس فإنّ الموسيقى وسيلة تخدير لا غير وتحتوي على أضراره كافّة. ولعل النشوة التي يشعر بها الأفراد من الموسيقى هي هذا التخدير، والذي يبلغ أشدّه أحياناً فيدفع بالإنسان للقيام بحركات لا تبدو عادية. مثلًا حين تتضاعف قوّة التخدير يُسلب الإنسان القدرة على القضاء الصحيح، فقد لا يميز بين الحسن والسي ء. وربّما يتفاعل مع الأصوات والنغمات الموسيقية فيرتكب بعض الأفعال التي تخرجه من حظيرة الإنسانية.

ولا اعتقد بأنّ هذا الكلام يحتاج إلى تقريب وتوضيح، فكل فرد يرى ما تفعله هذه الموسيقى والرقص الجماعي الذي يمارسه الرجال مع النساء بهذا الاختلاط وكيف يفقدون صوابهم ويتنازلون عن إنسانيتهم ولا يتحرجون عن ارتكاب أي عمل مشين.

فأي تخدير أعظم من هذا! فالإنسان إن استسلم لهذه النغمات الموسيقية فستسيطر على أعصابه حالة من الضعف والاسترخاء، ولا يعد يتصور سوى الشهوة والغرام؛ فيغيب عقله ولبّه ويذوب لديه الشعور بالمفاهيم المقدسة كالرأفة والحنان والمروءة والعفة والحياء والأمانة والمساواة والإخاء والمجد والعظمة والجهد والمثابرة والاستقامة على الطريق.

لا ريب ولا شك في أنّ الكحول والموسيقى من أعظم آلات تهييج الرجال والنساء وإثارة الشهوة والتي عادة ما يلجأون اليها بهدف تخدير أعصابهم. صحيح أنّ الإسلام لا

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 297

يمنع الإنسان من أيّة لذّة طبيعية، غير أنّه يحول دون تلك اللذائذ العابرة بواسطة تخدير الأعصاب وإثارة الشهوات والتي تخرج الإنسان من طوره الإنساني الطبيعي.

الحدود الأخلاقية للموسيقى:

ممّا لا شك فيه أنّ أحد عوامل الانحطاط الأخلاقي هو هذه الأمور إلى جانب الأشرطة الصوتية الموسيقية التي تهدف إلى إشاعة الفاحشة ومجانبة العفة، بالإضافة إلى تلك الأصوات الأنثوية الدافئة المطربة التي تؤجج نيران الشهوة لدى الرجال وبخاصة الشبّان.

ثم هل للَّه من مكان في تلك القلوب الطائشة المليئة بالشهوة والإثارة؟! وهل

تعيش هذه القلوب حالة من الانكسار تجاه الضعفاء والمحرومين بعد أن طفحت بانغام الموسيقى والألحان المطربة؟ وهل يمكن للشريعة أن تفتي بحلّية شي ء يفضي إلى كل هذه المفاسد؟!

النتيجة: للنغمات الموسيقية آثار سيئة من حيث تخديرها للأعصاب، كما لها آثارها السلبية من الناحية الأخلاقية بتأجيجها لسعير الشهوة لدى الشبّان. كما ثبت صحيّاً أنّ للوفيات المفاجئة عدّة عوامل، أحدها سماع الموسيقى؛ لأنّ الموسيقى عامل إثارة، والإثارة تقضي على توازن الأعصاب، وبالتالي فهي مدعاة إلى حصول السكتة القلبية والدماغية.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 299

30 فلسفة الإمتحان الإلهي

سؤال:

قال تعالى «الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا» «1»

، وهنا يرد هذا السؤال: إنّما يحتاج إلى الإمتحان من لا يعرف مصير عمل معين، فما حاجة اللَّه للإمتحان وهو العالم بالسرّ والعلن في السماء والأرض؟

الجواب:

إنّ للإمتحان الإلهي هدف آخر، فالإنسان يلجأ إلى الإمتحان والاختبار إثر نقصه العلمي للوقوف على حقيقة معينة وإماطة اللثام عنها، إلّاأنّ هذا الأمر محال على اللَّه، فهو العليم بكل شي ء، فإمتحانه لأهداف أخرى نوجز البعض منها:

1- الهدف من الإمتحان تربية العباد وتنمية استعداداتهم.

توضيح ذلك: إنّ الإنسان حين يرد العالم يودع سلسلة من الاستعدادات والإمكانات والطاقات المذهلة؛ فالكمالات الإنسانية والفضائل الأخلاقية كافّة كامنة كاستعداد لديه وقد عجنت بها فطرته، إلّاأنّ هذه الاستعدادات كالمصادر المودعة في الأرض لا تظهر دون

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 300

إثارتها ببعض الوسائل الخاصة لتخرج من حيز القوّة إلى الفعل- ومن الطبيعي ما لم تظهر هذه الطاقات سوف لن يكون هنالك تكامل وفضيلة، وبالتالي ما يتبعها من ثواب وعقاب.

ومثل هذا الإمتحان يهدف إلى تربية الإنسان وتهذيبه وتنمية المكارم لديه؛ ولولا هذا الإمتحان لما ظهرت لدى الإنسان هذه الطاقات ولما استحق من تقدير وثواب. وقد أوجز أمير المؤمنين عليه

السلام بيان هذه الحقيقة حين قال: «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْفِتْنَةِ» لِأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ إِلَّا وَ هُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى فِتْنَةٍ، وَ لكِنْ مَنِ اسْتَعَاذَ فَلْيَسْتَعِذْ مِنْ مُضِلَّاتِ الْفِتَنِ».

ثم قال عليه السلام في بيانه للهدف من الإمتحان: «لِيَتَبَيَّنَ السَّاخِطَ لِرِزْقِهِ، وَ الرَّاضِيَ بِقِسْمِهِ. وَ إِنْ كَانَ سُبْحَانَهُ أَعْلَمَ بِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَ لكِنْ لِتَظْهَرَ الْأَفْعَالُ الَّتي بِهَا يُسْتَحَقُّ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ» «1»

فالإمام عليه السلام يرى الهدف من الإمتحان ظهور الطاقات الباطنية كافعال خارجية، فيتبين استحقاق الأفراد للثواب والعقاب، وإلّا فالصفات الباطنية (دون العمل الخارجي) لا يترتب عليها أي ثواب أو عقاب، وبالتالي لا يحصل في الواقع تكامل. فمثلًا حين ابتلى اللَّه خليله إبراهيم عليه السلام بذبح ولده إسماعيل، لم يكن الهدف الاطلاع هل يطيع إبراهيم الأمر أم لا؛ بل الهدف تربية روح الطاعة والتسليم للأوامر الإلهيّة لدى إبراهيم وإخراجه لحيز الفعل، فيتجه إبراهيم على هذا الأساس لطي مسيرته التكاملية (لابدّ من الدقة والتامل).

ولذلك يمتحن اللَّه عباده ببعض الصعاب: «وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَىْ ءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ» «2»

. ما نقوله من أنّ إمتحان اللَّه لعباده وتنمية الصفات الفاضلة لديه، لا يعني حمل الأفراد قسراً وقطعاً لبلوغ هذا الهدف وتنمية مكارم الأخلاق لديهم؛ بل المراد أنّ الإمتحان الإلهي يخلق الأرضية الخصبة للتربية والتهذيب في الوسط الاجتماعي؛ فمن أراد السعادة استغل هذه الإمكانات إلى أقصى ما

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 301

يمكن، وبالعكس هنالك من يسي ء استغلالها فيعمد إلى الصفات السيئة فيفشل في الإمتحان.

2- الهدف الآخر من الإمتحان الإلهي المتعلق بالجماعة معرفة الصالح من الأفراد والفاسد والمؤمن والمنافق. ويشير القرآن إلى هذه النقطة بصفتها «تمحيص» ويقول «وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ» «1».

3- الهدف

الثالث إتمام الحجّة على من يكثر زعمه وينعدم فعله حيث تظهر في الإمتحان حقيقته. ولعل عدم الإمتحان يجعل هؤلاء الأفراد يوغلون في غيهم ويضلون الآخرين، وهكذا تتكشف أقنعتهم بالإمتحان، وكما قيل «عند الإمتحان يكرم المرء أو يهان».

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 303

31 التراب الممزوج بالمكروبات

سؤال:

صرّحت الشريعة بالتيمم عند الوضوء والغسل حين انعدام الماء، فكيف يمكن التيمم بالتراب الحامل للمكروبات؟

الجواب:

أشارت العلوم الطبيعية إلى حصانة التراب الطاهر من المكروبات، حيث لا تستطيع مواصلة حياتها في التراب الطاهر، وتأتي هذه الحصانة من الكائنات المجهرية الموجودة في التربة. فهذه الأحياء مقاومة للمكروبات، بحيث لو دفنت جثّة محملة بملايين المكروبات لهبّت هذه الأحياء لتفسيخها والقضاء عليها.

وعليه وخلافاً لما يتصور فإنّ التربة الطاهرة ليست مصانة من المكروبات، بل هي مقاومة لها وقاضية عليها عاجلًا أم آجلًا، ومن هنا فإنّ التربة الطاهرة بعد الماء- الذي يعدّ أهم وسيلة للغسل الطبيعي ومقاومة المكروبات- أحد العوامل المطهرة من المكروبات.

ويتضح من خلال الإلتفات إلى هذه الحقيقة انسجام الأمر الشرعي بالتيمم- حين فقدان الماء- مع العلوم الطبيعية والنقطة الأساسية هنا تأكيد الآية القرآنية الواردة في التيمم على

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 304

طهارة التراب «فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً» «1»

. إلى جانب ذلك هنالك تأكيدات الروايات بهذا الخصوص والتي نهت عن التيمم بالتراب الذي يتردد عليه الناس. «2» الأمر الذي يشير إلى طهارة التربة الخالية من المادة وتلوث الأخرى

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 305

32 الصغائر والكبائر

سؤال:

كيف السبيل إلى تميز الصغائر والكبائر؟

الجواب:

يستند تصنيف الذنوب إلى صغائر وكبائر إلى القرآن، ومن ذلك الآية الشريفة: «إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ...» «1»

، والآن نرى معيار الصغائر والكبائر.

فالفقهاء يقولون: كل ذنب- مهما كان- كبيراً كونه مخالفة لأوامر اللَّه. إلّاأنّ المعيار في تشخيص الذنوب ليس في استنادها لعصيان اللَّه؛ إلّاأنّ جميع الذنوب كبائر على ضوء هذا المعيار؛ بل المعيار مقارنة بعض الذنوب مع بعضها الآخر. وعلى أساس هذا المعيار فإنّ الذنوب على نوعين؛ صغيرة وكبيرة.

وهنالك عدّة طرق للتعرف على النوعين المذكورين منها ما تصارف بين

العلماء في العذاب الذي وعد به القرآن، فالكبيرة مثل قتل النفس التي قال بشأنها القرآن «وَمَنْ يَقْتُلْ

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 306

مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا ...» «1»

. كما أضاف بعض العلماء قيداً اخر فقالوا:

الكبيرة ما وعد عليها بالعذاب، أو على الأقل ورد النهي عن ارتكابها؛ فهنالك العديد من الذنوب التي لم يتوعد اللَّه عليها، بينما ورد النهي عنها كراراً. مثلًا النص القرآني الوارد بشأن الربا «فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ...» «2»

كافٍ في كون الربا من الكبائر، بالاستناد إلى هذا النهي الأكيد والمنع الشديد.

وعلى هذا الأساس فإنّ صغر وكبر الذنب ليس مسألة نسبية، بل لكل طائفة من هذين الصنفين من الذنوب حدود، ولا يمكن لمعصية أن تكون صغيرة وكبيرة في آن واحد؛ فإن ورد الوعيد على مرتكبها بالعذاب أو ورد النهي عنها فهي كبيرة، وبخلافه فهي صغيرة.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 307

33 هل الصغائر والكبائر نسبية؟

سؤال:

يزعم البعض أنّ الصغائر والكبائر نسبية، أي يمكن أن يكون الذنب من الكبائر، ولكن بالمقارنة مع سائر الذنوب من الصغائر كالسرقة إن قورنت بالقتل العمد.

وعلى ضوء النسبية فالعفو يشمل الذنوب كافّة: « «إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ...» «1»

وعليه فجميع الذنوب مغفورة سوى الشرك حيث لا ذنب أكبر منه ليغفر في ظل ذلك الذنب. وعليه ستغفر ذنوب كل من لم يشرك باللَّه!.

الجواب:

تتضح الاجابة عن هذا السؤال ممّا سبقه؛ فكما ذكرنا أنّ تصنيف المعاصي إلى صغائر وكبائر تقسيم واقعي، لا على أساس النسبية ومقارنتها مع بعضها، الآية المذكورة تشير إلى هذا، ومتى ابتعد الإنسان عن الكبائر فإنّ اللَّه يتجاوز عن صغائره، وحدود هذين الصنفين من المعاصي مختلف ولا يشبه بعضهما الآخر.

وعليه فاجتناب الكبائر يوجب غفران الصغائر

لا الكبائر (كما ينبغي الإلتفات إلى أنّ تكرار الصغائر يصبح كبائر).

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 309

34 عدد الكبائر

سؤال:

ما عدد الكبائر من الذنوب؟

الجواب:

هنالك عدّة طرق للتعرف على الكبائر، نشير إلى اثنتين منها:

1- كل فعل توعد اللَّه فاعليه في القرآن بالعذاب- سواء صرّح بذلك علانية أم على سبيل الإشارة والنهي المؤكد والمكرر- فهو كبيرة.

2- ما ورد عن روايات أشار فيها الأئمّة الأطهار عليهم السلام إلى عددها من قبيل الكتاب الذي بعث به الإمام الرضا عليه السلام إلى المأمون العباسي. كما روى الأعمش ما ذكره الإمام الصادق عليه السلام من الكبائر، وسائر الروايات.

ونشير هنا إلى الطائفة العظمى من الكبائر كما وردت في الآيات الكريمة والروايات الشريفة، ونسأل اللَّه أن يوفقنا جميعاً لاجتنابها.

1- قتل النفس 2- الزنا 3- الخمر 4- ترك الصلاة 5- أكل مال اليتيم 6- الفرار من الزحف 7- الربا 8- القمار 9- أنواع الظلم 10- اللواط 11- مساعدّة الظالم 12- اعانة

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 310

الظالم 13- التهاون في حقوق الناس 14- الكذب 15- الخيانة 16- محاربة أولياء اللَّه 17- عقوق الوالدين 18- الافتراء 19- الغيبة 20- الاستخفاف بعقاب اللَّه 21- الاستخفاف بالحج 22- التكبر 23- الاسراف والتبذير 24- أكل لحم الخنزير 25- أكل الميتة 26- أكل ما لم يذكر اسم اللَّه عليه 27- أكل الدم 28- اليأس من رحمة اللَّه 29- التطفيف 30- الاصرار على الصغائر 31- ترك الزكاة 32- قطع الرحم 33- نقض العهد 34- كتم الشهادة 35- الحنث في اليمين.

هذه طائفة من الكبائر ويرى العلماء أنّها أكثر من ذلك.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 311

35 الكذب المصلحة

سؤال:

ما حكم الكذب المصلحة وهل كان يمارسه الأنبياء والأوصياء عليهم السلام؟

الجواب:

الكذب سي ء بذاته وهو سبب العديد من المصائب والاختلالات في المجتمعات الراهنة، حتى ورد في الروايات عن بعض الأئمّة الأطهار عليهم السلام: أنّ الكذب مفتاح سائر المعاصي!

نعم، هنالك

بعض المواضع التي يدعو فيها الصدق إلى فساد معين ربّما يزول عند الكذب. مثلًا، حين يحدث خلاف بين شخصين ويتكلم أحدهما خلف الآخر بما يعيبه ولو أفشينا ذلك لظهرت فتنة وبعض الأضرار المهمّة، فمن الطبيعي أنّ الصدق هنا ليس مطلوباً، ولا يوجد عاقل يقول بضرورة الصدق هنا، فهذا قانون مسلم لدى العقلاء في أنّ ما كان ضرره أعظم من صلاحه وجب اجتنابه.

والقوانين الإسلامية من جانبها سايرت هذه القضية العقلائية، فأجازت الكذب في هذه الحالات. ولكن لابدّ من الإلتفات إلى أمرين:

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 312

الأول: أنّ لهذا الموضوع استثناء ولا يجوز الكذب سوى في ظل بعض الظروف الحرجة، ولا ينبغي تذرع البعض بالكذب المصلحة أو من أجل تحقيق بعض المنافع الشخصية.

الثاني: أنّ الإسلام يشدد كثيراً على عدم اللجوء إلى الكذب وأوصى بالتورية «1»؛ وهذا ما أفتى به مشهور الفقهاء. والمراد من التورية أن يقول كلاماً في بعض المواقع الحرجة يفهم السامع منه عكس ما يضمر، مثلًا يسألنا شخص هل تكلم أحد ضدى؟ فنجيبه: لا، ومرادنا أنّه لم ينطق أحد بهذه العبارة- وإن قال ذلك بعبارة أخرى ولكن السامع يفهم من كلمة «لا» أنّ احداً لم يتكلم ضده.

وإن ورد مثل ذلك في كلمات أئمّة الدين عليهم السلام- بمقتضى الضرورة وحفظ أموال الناس وأعراضهم وأرواحهم ومنع الخلافات والفتن- فإنّما هو من باب التورية قطعاً- جدير بالذكر إن تكلم الإنسان صدقاً في الموارد التي وظيفته فيها الكذب أو التورية وحدث بعض الفساد فهو مسؤول.

ومن الواضح أنّ القرآن لا يتضمّن أي كذب غير مصلحة ولا تورية؛ أي ليس هنالك مثل هذه الضرورة بشأن الايات والأحكام الشرعية.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 313

36 ضرب المرأة

سؤال:

هل صحيح أنّ الكريم القرآن أجاز ضرب المرأة إن قصّرت

في حقوق الزوجية؟

الجواب:

لا شك في أنّ الإسلام أسدى خدمات جليلة للمرأة وله حق كبير في أعناقهن، وقد اعترف بعض أعداء الإسلام مثل بعض كتّاب تاريخ المدنية الغربية «كرين برنتون» و «جون كريستوفر» و «روبرت لي وولف» في كتاب تاريخ الحضارة الغربية وأسسها في الشرق بأنّ النهضة الإسلامية دفعت من شأن المرأة، قد أمر القرآن الكريم بذلك: «وَعاشِرُوهُنَّ بِالمَعْرُوفِ» «1»

و «هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُم لِبَاسٌ لَّهُنَّ» «2».

أمّا الروايات فقد أكّدت على حسن معاملة المرأة ونهت حتى عن التعبيس بوجهها «لا يقبح لها وجها» كما أمر النساء يحسن التبعل.

وأمّا بشأن تنبيه النساء، فقد صرّح القرآن بأن يعتمد الرجل مع زوجته أسلوب النصح

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 314

والوعظ بادي ء الأمر، ومن ثم هجرها في المضجع، فإن لم يفلح ذلك فله أن يضربها دون ضرب المبرِّح، فمن الطبيعي أن يكون ذلك استثناء وكأني به كالعملية الجراحية أن استعصت حالة المريض. بل لو تمرد الزوج وقصّر في الحقوق الزوجية فللحكومة الإسلامية أن تتبع معه ذات الأسلوب.

الجدير بالذكر هنالك حالة من الماشوزية- حسب نظرية علماء النفس- لدى بعض النساء والتي تشتدّ أحياناً حتى تصبح أزمة نفسية، فالتنبيه البدني يبدو ضرورياً في مثل هذه الحالات. كما ينبغي الإلتفات إلى أنّ التنبيه المذكور لا يعني إيذاء المرأة بحيث يحمر بدنها أو يزرق أو يسبب بعض الجروح.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 315

37 الإسلام والتلقيح الصناعي

سؤال:

ما رأي الإسلام بالتلقيح الصناعي؟ (المراد من التلقيح الصناعي إدخال نطفة الرجل في رحم المرأة فتحمل دون مجامعة).

الجواب:

تبدو هذه العملية قديمة بالنسبة للحيوان والنبات، لكنّها جديدة بالنسبة للإنسان، والدافع من ذلك عدم القدرة على الإنجاب، بينما تكون المرأة جاهزة للحمل، فيسعيان إلى إلقاء نطفة الزوج أو غيره في رحم المرأة بغية الحصول على

طفل يشد كيان الزوجية.

وقد حظيت هذه المسألة بمناقشة مراكز التشريع العالمية كبريطانيا وفرنسا ومصر وسائر البلدان. فقد قرر مجلس العموم البريطاني تشكيل لجنة من الحقوقيين ليحققوا بشأن هذا الموضوع. إلّاأنّ الفرنسيين اوعزوه لرضى الزوج والزوجة. أما البابا فقد حرمه، كما اعتبره مفتي مصر أسوأ من التبني المحظور في الإسلام.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 316

وللتلقيح الصناعي صورتان:

الصورة الأولى أن يلقى بنطفة الزوج في رحم زوجته، فليس هنالك من إشكال فقهي، لأنّ الطرفين شرعيان ومن حقّهما أن يكون لهما ولد، ولا فرق هنا بينَ أن تتمّ العملية عن طريق المجامعة أو الوسائل الطبية. وبالطبع لابدّ من السعي في التلقيح الصناعي إلى عدم وقوع الحرام. فلا يقوم بذلك مثلًا رجل أجنبي، بل يتولى الأمر الزوج.

الصورة الثانية: أن يلقى بنطفة رجل آخر في رحم الزوجة، فهذا ما لا يجوز على أساس الشريعة التي تحترم عقد الزوجية، وهذا ما صرح به الفقهاء وورد بشأنه بعض الروايات في باب الزواج والتي تدفع للافتاء بالحرمة. وبغض النظر عن ذلك فإنّ هذا العمل لا يصح على ضوء الموازين الشرعية والأخلاقية والاجتماعية والعاطفية ويتضمّن بعض المفاسد منها:

1- مثل هذا العمل يسوق المرأة إلى التحلل والتفسخ، لأنّه يشجعها على المجامعة غير المشروعة، حيث تفكر مع نفسها ما الفرق بين أن تلقح صناعياً من قبل نطفة أجنبي أو يجامعها الأجنبي، ولو حملت لادّعت أنّها لقحت صناعياً.

2- من الناحية الاجتماعية فإنّ هذا العمل يخل بكيان الأُسرة ويصدعها ويضيّع النسب، لأننا نعلم بأنّ أحد مفاسد الجماع اللاشرعي اختلاط الأنساب.

3- لا ينبغي اهمال دور العاطفة في تربية الأولاد وتأمين حالتهم المعاشية، ذلك لأنّ العاطفة هي التي تدفع الأب لتربية ولده وتحمل تكاليف معيشته، ولا تتفعل هذه العاطفة إلّا حين يكون

الولد قطعة من أبيه، أمّا إن شعر أنّه من رجل آخر فما الداعي لتحمل معاناته.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 317

38 ما حكم منع المرأة من الحمل

سؤال:

هل يجيز الإسلام منع النساء من الحمل؟

الجواب:

وردت عدّة وصايا في الإسلام تحث على زيادة النساء حتى قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله:

«تزوجوا فإنّي مكاثر بكم الأُمم حتى بالقسط». وسرّ ذلك واضح فقوة الأُمّة تكمن بالدرجة الأولى في عددها، والأُمّة القليلة السكان ضعيفة عادة، وبالعكس فإنّ زيادة السكان تكون سبباً للقوّة رغم إثارتها لبعض المشاكل من قبيل أزمة السكن والغذاء. ومن هنا فإنّ أغلب الدول العظمى ذات تعداد سكاني كبير. وعليه فعملية منع الحمل لا تبدو مطلوبة إسلامياً (اللّهمّ إلّاأن تكون هنالك مشاكل اجتماعية وتربوية)، مع ذلك لم يحرمها الإسلام.

فقد أفتى أغلب الفقهاء بجوازها في حالة رضى الطرفين، بل أجازها البعض حتى دون رضى الزوجة. فالواقع أبقى الإسلام الباب مفتوحاً أمام المسلمين، فإن اقتضت الضرورة منع الحمل- كالضعف وعجز المرأة وسائر المشاكل- ولكن ينبغي الإلتفات إلى أنّ كل ذلك

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 318

حيث لم تعقد النطفة، أما إن عقدت فالإسقاط حرام، ولو كان انعقاد النطفة ليوم واحد، فالعملية بعد ذلك إسقاط وهي حرام.

39 ما حكم اسقاط الجنين اللقيط؟

سؤال:

هل من ديّة على من يسقط الجنين غير المشروع على غرار الإسقاط المشروع؟

الجواب:

لا يجوز إسقاط الجنين مطلقاً- مشروعاً كان أم غير مشروع- وعليه فلا فرق هنا بين الاثنين. والقضية هنا أنّ ديّة السقط غير المشروع إن التفت الطرفان إلى عدم شرعية فعليهما لا تصل إليها، بل إلى بيت المال، بينما تصل إلى الورثة إن كان شرعياً، إلّاأنّ يقدم أحد الوارثين- كالأب أو الأم- على الإسقاط، فيحرم الارث كالقاتل.

40 ضخ الدم

سؤال:

يزرق اليوم الدم لبعض الأفراد وربّما يكون من رجل إلى امرأة أجنبية، أو بالعكس، فهل من إشكال؟

الجواب:

حيث لا دليل على المنع فلا إشكال طبق القواعد الفقهية، ولكن الأفضل أن يكون من الرجل للرجل والمرأة للمرأة، ولكن لا حرمة كما ذكرنا.

41 اخلاص النية والعمل

سؤال:

صرح الفقهاء بضرورة إخلاص نيّة المصلي في العمل وأن لا يدفعه للعمل سوى طاعة اللَّه، وعليه فالصلاة للرياء والشهرة باطلة حيث تفتقر إلى النيّة الخالصة. وعلى ضوء هذه القاعدّة تبطل الصلاة بالإجبار والإكراه، لأنّ دافعه لم يكن طاعة اللَّه، والحال هنالك إجبار في بعض البلدان الإسلامية على إقامة الصلاة- ولا سيما الجماعة- فما حكم ذلك؟

الجواب:

بغض النظر عن الأبحاث المسهبة للعلماء بشأن ماهية العبادة، وبعض مبانيها لا تنسجم مع الإكراه والإجبار، ويبدو أنّ هذا السنخ من العبادات وإن شرع إثر الإكراه والإجبار، إلّاأنّ أثر الإكراه يأخذ بالزوال شيئاً فشيئاً حتى يصبح عادياً ودافعه طاعة اللَّه، فعلى فرض أنّ بعض الصلوات تبتدى ء بالإكراه فهي باطلة، ولكن منذ إزالة الإكراه فإنّ أعماله خالصة النيّة وبغض النظر عن ذلك يمكن القول أنّ هؤلاء الأفراد ليسوا مجبورين قبل ذلك ليلتحقوا بصفوف الجماعة، وفي هذه الحالة يستطيع هؤلاء الأفراد أن يعقدوا نيّتهم للصلاة ويحصلوا على ثوابها، فمتى أتى بهذه الصلاة كانت صحيحة، لأنّها تستند إلى النية والرغبة.

42 جمع صلاتي الظهر والعصر

سؤال:

كيف نصلي العصر أحياناً أوائل الظهر- بعد أداء صلاة الظهر- بينما لم يحن العصر لحدّ الآن، وكيف نصلي الظهر أحياناً في آخر الوقت والحال مضى الظهر؟

الجواب:

لابدّ من الإلتفات إلى أنّ لصلاة الظهر والعصر وكذلك المغرب والعشاء وقت خاص ووقت مشترك، والمراد من الوقت الخاص ما لا يمكن الإتيان بالصلاة خارجه، مثلًا مقدار الأربع ركعات من أول الظهر مختصة بصلاة الظهر، والأربع ركعات من آخر الظهر مختصة بالعصر، وما بين هذين الوقتين مشترك بين الظهر والعصر.

كما ينبغي الإلتفات إلى أنّ لكل من الصلاتين فضيلة بحيث لو أتينا بها فيه حصلنا على ثواب أكثر. مثلًا فضيلة صلاة الظهر منذ بداية الظهر حتى يصبح ظل الشخص بطوله،

ففي هذه الحالة تمّت فضيلة الظهر ودخل العصر. وعليه فتسمية هاتين الصلاتين باسم الظهر والعصر من حيث وقت فضيلة الصلاتين، لا من حيث الوقت المشترك. فمن صلّى العصر أوائل الظهر فقد أدّى الصلاة في وقتها ونيّته في صلاة العصر، أي أصلي صلاة من حيث

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 326

الفضيلة وقتها العصر.

وعلى أيّة حال أن يؤخرها ويأتي بها- وقت العصر وقت الفضيلة.

وكذلك من يصلي الظهر اواخر النهار فانه يأتي بها في الوقت المشترك و نيته لصلاة الظهر كون وقت فضيلتها الظهر، وهكذا صلاة المغرب والعشاء من حيث الوقت «المختص» و «المشترك» و «الفضيلة».

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 327

43 هل للصلاة من دخل في قبول سائر الأعمال؟

سؤال:

قرأت في كتاب إشكالًا على المسلمين: روى علماء المسلمين في كتبهم الفقهية أنّ الصلاة ما لم تقبل لن تقبل سائر الأعمال، كما ذكرت في الكتاب بعض شرائط الصلاة ليست متوفرة في أحد من الناس! وإن صارت فليست صحيحة، وعليه فعباداتهم وأعمالهم باعترافهم طيلة عمرهم سوف لن تقبل. فكيف تردّون على هذا الإشكال؟

الجواب:

أولًا: يتضح من كتب الفقه أنّ الشرائط المذكورة ليست ثقيلة بحيث لا يمتثلها أحد، بل يستطيع أغلب الناس احرازها على ضوء التفاتهم لأعمالهم، ويمكنك تأييد ذلك بالرجوع إلى الرسالة العملية، وعليه فلا تصح هذه النسبة للإسلام.

ثانياً: قبول الصلاة وسائر الأعمال درجات عند اللَّه؛ أي ممكن أن لا تحصل عبادة على المقبولية العليا لكن تتوفر فيها سائر الشرائط؛ فكل عبادة صحيحة قطعاً لها درجة من القبول. وعلى هذا الضوء سيكون قبول سائر الأعمال على غرار قبول الصلاة.

بعبارة أوضح، إن كانت الصلاة صحيحة وطبق الوصايا الشرعية ستكون مقبولة عند اللَّه؛

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 328

غاية الأمر كلّما كان الإنسان أطهر قلباً وأبعد عن الظلم كان قبول صلاته أكبر؛ ذلك لأنّ قيمة

كل فعل بقيمة فاعله.

44 الصوم والصلاة في المناطق القطبية

سؤال:

... يقول بعض الماديين أو غير المسلمين كيف الإسلام دين عالمي بينما لا تطبق تعاليمه إلّا في وسط كوسطنا؟ فمثلًا لا يصح الأمر بالصلاة والصوم في المناطق القريبة من القطب الشمالي والجنوبي التي تمتاز بطول ليلها ونهارها (فبعض المناطق ستة أشهر نهار وأخرى ليل)؟

الجواب:

إنّ الإسلام تكهن بذلك وشرع أحكامه لتطبق في كل مكان.

توضيح ذلك: ذكر فقهاؤنا ذلك في كتبهم والتي تبحث جزئيات الأحكام الإسلامية مثلًا ذكر صاحب «العروة الوثقى» «1» هذه المسألة وأفتى بأنّ هؤلاء الأفراد مكلّفون بالإتيان بالصوم والصلاة طبق المناطق المعتدلة. أي عليهم ملاحظة طول الليل والنهار في ذلك الفصل (بصورة متوسطة) في المناطق المعتدلة فيصوموا ويصلوا على أساسه.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 330

وبعبارة أوضح فإنّ سكنة المناطق القطبية «1» حين ترتفع الشمس إلى السماء يعتبرون ذلك «نهاراً» وحين تهبط وتقترب من الأفق ويقل ضوؤها يعتبرونه «ليلًا»، وهكذا يكون من السهل تمييز الليل من النهار، ولو نصبنا شاخصاً على الأرض فأن بلغ ظلّه أقل حدّ فهو «الظهر» وحين يبلغ أقصى حدّ فهو منتصف الليل.

و بهذه الطريقة تحل مشكلة تحصيل الظهر و منتصف الليل. ولو علمنا مقدار الليل والنهار فى المناطق المعتدلة آنذاك، مثلًا نعلم في اول الصيف ان الايام بصورة متوسطة اربع عشرة ساعة و الليالي عشر ساعات فيستضح الصوم والصلوات الخمسة تماماً (تأمل).

وعليه فقد اتضح تكليف الصوم والصلاة في الايام الطويلة. اما الاوقات التي تطول فيها الليالي فلابد من الالتفات الى ان الجو ليس بوتيرة معينة في الاربع وعشرين ساعة، فاحيانا مظلم واحيانا أخرى مشرق، لأن الشمس تقترب أحياناً من الافق فيكون الجو مثل مابين الطلوعين أو أعمق قليلًا، وأحياناً أخرى تبتعد الشمس و يظلم الجوّ ففي هذه الليالي

يمكن تشخيص «منتصف الليل» و «الظهر» من وضع حركة النجوم و بعدها عن الافق و كذلك ظلمة و اشراقة الجو، حيث يمكن الاتيان بالوظائف الشرعية من خلال الاخذ بنظر الاعتبار مقدار متوسط ليل و نهار المناطق المعتدلة. واتضح مما تقدم ان الاحكام الاسلامية و منها وظيفة الصلاة والصوم لاتختص بوسط معين ولابد من الاتيان بها في كافة المناطق «2».

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 331

45 الصلاة اوّل الوقت

سؤال:

صرح بعض العلماء بأنّ إمام العصر أرواحنا فداه يصلي أوّل وقت الصلاة فمن صلى في هذا الوقت قبلت صلاته ببركته، لكننا نعلم بأنّ الأوقات والآفاق مختلفة وربّما كان لبلد عدّة آفاق، ففي الموضع الذي يصلي فيه الإمام طبق أفقه لا آفاق سائر الأماكن فكيف تحلون هذا الإشكال؟

الجواب:

مراد من استدل بذلك أداء الصلاة في أول الوقت لها وجه مشترك مع صلاة إمام العصر عليه السلام؛ لأنّ صلاته عليه السلام في أوّل الوقت وببركة وجه الاشتراك هذا تكون فضيلة لصلاة سائر الأفراد، وبالطبع ليس لاختلاف الآفاق من تأثير على هذا الموضوع.

وبعبارة أخرى ليس المراد الإتيان بالصلوات في زمان واحد، بل المراد الاتحاد في «عنوان واحد» بمعنى «أداء الصلاة في أوّل الوقت» ولكن كل حسب أفقه.

46 الغناء

سؤال:

هل كل صوت عذب وجميل كالغناء حرام؟

الجواب:

قطعاً ليس كذلك، لأنّ الروايات الإسلامية وسيرة المسلمين تؤكد على تلاوة القرآن والأذان بصوت عذب، والغناء المحرم الصوت المنسجم ومجالس الفسق والفجور والمعصية والفساد.

بعبارة أخرى الصوت الذي يثير القوى الشهوية لدى الإنسان بحيث يشعر في ظلّه بحاجة إلى الرقص والفجور والفساد! والجدير بالذكر أحياناً «النغمة» تكون غناءً ولهواً وباطلًا، ومضمونها أشعار غرام وطرب، وأحياناً أخرى تكون غناء فقط، بحيث يقرأ أشعار عميقة أو آيات قرآنية ودعاء ومناجاة تناسب مجالس اللهو والفساد فهو حرام في الحالتين.

(لابدّ من التامل).

طبعاً للغناء مصاديق مشكوكة (كسائر المفاهيم) بحيث لا يدري الإنسان هل الصوت الفلاني يتناسب ومجالس الفسق والفجور أم لا؟

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 334

فيحكم هنا طبق أصل البراءة حلّيته (بعد العلم الكافي بالمفهوم العرفي للغناء طبق التعريف المذكور).

ويتضح من هنا أنّ لا دليل على حرمة الأصوات والنغمات الحماسية التي تنسجم مع ميادين القتال أو الرياضة و ما شابه ذلك.

47 حكم الشطرنج

سؤال:

هل من إشكال في اللعب بالشطرنج؟ إذا كان من غير رهن؟ بل يمكن القول إنّه يحول أحياناً دون لعب القمار. كما أنّ الشطرنج رياضة فكرية عالمية. أرجو بيان رأيكم؟

الجواب:

المشهور بين الفقهاء حرمة اللعب بصورة عامة بآلات القمار- حتى دون الاشتراط- ولعلّ فلسفة هذا الموضوع أنّ التعامل مع هذه الالات يؤدّي بالانسان- شاء أم أبى- إلى القمار، لاسيما بالنسبة للعب الشطرنج حيث تواترت الأخبار عن الأئمة عليهم السلام التي منعت استعمال آلات هذه اللعبة- كيفما كان العنوان- ولكن بالنظر إلى تحول شكل الشطرنج في الوقت الراهن بحيث إكتسب صبغة رياضة فكرية في معظم مناطق العالم ليصبح بالتالي كرياضة في ميادين الرياضة العالمية، فلا إشكال فيه ما لم ينطوي على ربح وخسارة والروايات واردة حين كان من

آلات القمار.

فالأحكام تابعة على الدوام للموضوعات، فالخمر نجس، وحرام لكنّه يطهّر ويحلّ إن تبدّل إلى خلّ، فهل تغيّر حكم اللَّه؟ طبعاً لا، بل تغيّر الموضوع، او تبدّل الدم لبنا أو تحوّل

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 336

الماء النجس في عروق الشجرة إلى ثمرة، فالحكم يتغيّر في جميع هذه الموارد وذلك تبعاً لتغير الموضوع. أفلا ينبغي تبدل حكم الشطرنج إن خرج من صيغة القمار وتحوّل إلى وسيلة رياضية (طبعا بشرط ان لا يتضمّن ربح وخسارة مالية) وبالطبع أنّ نظر إليه لحد الان في بعض المناطق كآلة قمار فلايجوز اللعب به.

48 كيف يصلّي الناطقون باللاتينية

سؤال:

لو أسلمَ أبناء البلدان اللاتينية وأرادوا الصلاة والدعاء، فهل يسعهم تعلم العربية بطريقة التجويد؟

الجواب:

كلّنا نعلم بأنّ أغلبية أبناء هذه البلدان هم من الناس الدارسين فليست هنالك من صعوبة عليهم في تعلم الصلاة والقرآن، ولعل أغلبهم يتعلمون العربية للاستشراق، مثلنا حين نحاول تعلم لغتهم ونتكلم بلهجتهم.

وأمّا تلك الأقلية فلهم أن يتعلموا على قدر استطاعتهم واللَّه لا يكلفهم أكثر من طاقتهم- ففي الوقت الذي يجب فيه على الجميع أداء الصلاة والقرآن بالعربية، مع ذلك فتكليف كل فرد يتوقف على قدرته واستطاعته- فالاسلام لا يكلف احدا فوق طاقته ووسعه.

49 السجود عند قبر الإمام

سؤال:

هل يجوز السجود على قبور الأئمّة عليهم السلام؟

الجواب:

يختص السجود باللَّه ولا يجوز لغيره كائناً من كان، فمن فعل ذلك فمن باب الجهل بمباني الدين ولابدّ من تنبيهه إلى عدم جواز السجود للإمام عليه السلام.

ولكن ينبغي الالتقات إلى أنّ السجود على التربة المأخوذة من الأماكن المقدّسة لا تعني السجود لصاحبها، بل طبقاً للروايات والأخبار فإنّ السجود على هذه التربة بغية الخضوع والخشوع للَّه (على أن لا يكون موضع السجود ممّا يؤكل أو يلبس أو من المعادن) والتربة الحسينية تربة طاهرة حَظِيَت بشرف وقدسية حين سالت عليها دماء الحسين عليه السلام لنصرة دين اللَّه.

واستناداً إلى مبادى المحاكاة والتداعي فإنّ السجود على تربة كربلاء يثير لدى المصلي مشاهد تضحية سيد الشهداء عليه السلام ويوقظ القلوب ويربي فيها حب التضحية والفداء.

50 ما حكم هذه الرياضات

سؤال:

هل بعض الرياضات الثقيلة كالملاكمة محرّمة في الإسلام، وهل تجوز لأولئك الذين يحترفونها كمهنة؟

الجواب:

جميع الرياضات والأنشطة البدنية كافّة المفيدة لسلامة البدن والتي تخلو من الخطر جائزة ما لم تتضمن أعمالًا خلافية. وحيث حظر الإسلام كل عمل يتضمن خطراً أعلى الشخص أو غيره، ولا تخلو الملاكمة من الخطر فهي ممنوعة.

و عليه لابد من الحذار من هذه الرياضات وكما نعلم فقد خلقت هذه الرياضة العديد من الضحايا و قد فقد الكثير حياته في هذا المجال. و على هذا الاساس ففي الرياضات النافعة- ان عاد نفعها على المجتمع- فلااشكال فيها والا فهي ليست جائزة.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 343

51 أسئلة مسلم أمريكي

بعث إلينا مسلم أمريكي بعدّة أسئلة نافعة نوردها مع أجوبتها:

سؤال 1:

المقررات المتعلقة بالزواج والطلاق مختلفة في مختلف الولايات الأمريكية، إلّاأنّ أصولها واحدة تقريباً، فما تكليف المسلمين الأمريكيين بالنظر إلى عدم وجود وكيل مسلم يقوم بعقد الزواج؟ من يستطيع تقنين هذه المسألة، وهل من الضروري اعطاء المهر للمرأة؟

الجواب:

يستطيع الرجل والمرأة في أمريكا توكيل من يمكنه إجراء صيغة العقد، فإن أجرى الصيغة أصبحت قانونية شرعاً، وإن تعذر عليهما ذلك يمكنهما إجراء العقد بنفسيهما، ولهما أن يعقدا بالانجليزية إن تعذرت العربية، وليس من الضروري تعيين المهر حين العقد وللمرأة أن تطالب بالمهر الذي يناسب وضعها بعد العقد. وعليه فالمهر ضروري، ولكن تستطيع المرأة التنازل عن المهر أو بعضه.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 344

سؤال 2:

هل يمكن أداء صلاة الجمعة ليلًا أو يوم الأحد كون الجمعة يوم عمل في البلدان الغربية، وهل يجوز الاستفادة من وسائل الموسيقى في المسجد؟

الجواب:

لابدّ من الإتيان بصلاة الجمعة في وقتها كسائر الأحكام الإسلامية، ولا يمكن الإتيان بها في أي وقت آخر. ولا يجوز الاستفادة من الآلات الموسيقية مطلقاً فضلًا عن استعمالها

في المسجد.

سؤال 3:

هل يجب على المسلمة الأمريكية التي تريد الصلاة في المسجد إرتداء ثياب معينة أم تكفيها ثيابها العادية؟ إن كان الجواب بضرورة إرتداء غير ثيابها فما سبب ذلك.

الجواب:

لا يجب عليها ذلك والواجب عليها ستر البدن غير الوجه والكفين.

سؤال 4:

كل من نطق بالشهادتين فهو مسلم، فإن كان شرط الإسلام فقط هذا، فهل يعتبر هو المقياس لإسلامية الفرد؟ مثلًا كيف يُعدّ الشخص مسلماً وهو لا يصلي ولا يصوم ولا يزكي ولا ينتهي عن المعاصي؟

الجواب:

الإسلام مراحل؛ المرحلة الأولى التوحيد والنبوّة والمعروفة بالشهادتين؛ والمراحل لأخرى الالتزام بأحكام الإسلام وما يوصل الفرد إلى السعادة، أي العقيدة والإيمان المقرون

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 345

بالعمل.

وعليه فمن نطق بالشهادتين ولم يمتثل الأحكام فلا تجري عليه سوى أحكام الإسلام الاجتماعية، لا أنّه مسلم اصيل يأمل الوصول إلى السعادة.

سؤال 5:

هل يجب الختان على الأمريكي البالغ إن أسلم (ما لم يكن مختوناً)؟

الجواب:

الختان واجب على المسلمين، ويجب حتى على من أسلم بعد البلوغ.

سؤال 6:

لمن ينبغي أن يدفع المسلم الأمريكي الزكاة وكيف يحسبها من راتبه الشهري؟

الجواب:

لا زكاة على الراتب الشهري، لكن هنالك واجب آخر هو (الخمس) وبالنظر إلى أنّ الوسط الأمريكي تجاري وصناعي، فهذا الحكم يشمل عادة دخل المسلم الأمريكي، فالشخص الذي له مرتب شهري ودخل مشمول بالخمس فعليه أن يحسب كل عائداته السنوية، ويطرح منها نفقاته السنوية ويخمس الباقي في بيت المال. جدير بالذكر أن نصف الخمس- أي العشر- يعطى لفقراء السادة الذين تحظر عليهم الزكاة، والعشر الآخر يصرف في المصالح الإسلامية بإجازة المجتهد العادل ومن يتقاضى مرتباً شهرياً يستطيع أن يقسم المبالغ السنوية كافّة التي يجب فيها الخمس على اثني عشر شهراً ويدفع كل شهر قسماً منها.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 346

سؤال 7:

نظمت الأوضاع الاقتصادية هنا

بحيث يضطر الفرد لشراء حاجاته كالدار والسيارة و ...

بالاقساط، فما وظيفة المسلم الأمريكي وهو يعلم أنّ في هذه المعاملة ربّح لا يقرّه الإسلام؟

الجواب:

المحرم في الإسلام هو القرض مع الربح، مثلًا يقترض شخص مبلغاً من آخر بشرط أن يدفع أكثر فهذا ربا وحرام، أمّا شراء السلع ودفع ثمنها بالأقساط فلا يعدّ ربا، ولا إشكال حتى مع كون قيمة النسيئة أكثر من النقد.

سؤال 8:

هل يجوز للمسلم الأمريكي الرجوع إلى المحاكم الأمريكية؟

الجواب:

إن توقف استنقاذ الحق على الرجوع إلى المحاكم الأمريكية جاز له ذلك.

سؤال 9:

يجوز للمسلم أن يتزوج من الكتابية وليس للمسلمة ذلك، فإن كان هذا صحيحاً فما علّة ذلك؟ وإن حرّم الإسلام الزواج من المشركة أفلم يحرم الزواج من النصارى الذين يعتقدون بالتثليث والوهية المسيح وشفاعة البابا؟ إلّاينبغي تعريف المسيحي كما هو؟ كما يقال إنّ الزواج من الملحدين حرام، فهل يستطيع المسلم الزواج من شيوعية؟ وهل يجوز الزواج من كاثوليكية فيجبر على إقامة المراسم من قبل قس كاتوليكي في الكنيسة ويوقع سنداً بالتزام أولاده بتعاليم الكاثوليكية؟

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 347

الجواب:

للمسلم الزواج المؤقف فقط من الكتابية، وفلسفة عدم جواز الزواج الدائم من النساء لأنّهنّ غالباً ما يخضعن في وسطهن للتأثير الفكري للرجال ولعلهنّ تخترن عقائدهم وأفكارهم، وعليه فالمسلمة لو تزوجت من كتابي ربّما تتأثر بأفكاره وتهتز عقائدها، ومن هنا لا ينبغي للمسلمة الزواج من غير المسلمين، والأمر ليس كذلك بالنسبة للرجل، وهنالك فارق بين المسيحي والمشرك، فالإسلام لا يعترف بالشرك قط، ويمكن توضيح الفارق في أمرين:

1- إنّ المشرك والوثني لا يقرّ بالنبوة الأصل الثاني بعد الإيمان بوجود اللَّه في الاديان السماوية كافّة، وعلى هذا الأساس فلا سبيل لقبوله التعاليم السماوية والهدى للسعادة الأخروية.

2- شرك الوثنيين ظاهر وجلي، خلافاً لشرك

النصرانية الأضعف من سابقه، ورغم التثليث فهم يتحدثون عن الوحدة ويزعمون أنّ التثليث لا يقدح بها (مع أنّ ذلك تناقض مرفوض). والزواج من الملحد لا يجوز، وعليه ليس للمسلم الزواج من ملحدة وكذا المسلمة. فمن اعتبر اللَّه عقيدة نظرية فهو ملحد ولا يجوز الزواج منه. وليس لمسلم حق التعهد بأن يصبح اولاده نصارى في المستقبل.

سؤال 10:

هل للمسلم الأمريكي حضور أعياد سائر الأديان سيما عيد الفصح وعيد الميلاد وبعث التهاني والهدايا وما شابه ذلك ...؟

الجواب:

ليس من الصحيح للمسلم إشاعة السنن والآداب غير الإسلامية وحضور هذه المناسبات، بالإضافة إلى أنّ بعض هذه الأعياد لا تستند إلى أساس صحيح وترافقها بعض

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 348

المراسم المحظورة، فعلى المسلم أن يشيع السنن الإسلامية.

سؤال 11:

هل تجوز بعض مراسم الدفن السائدة في امريكا كاستعمال المواد الكيمياوية للحيلولة دون تعفن الميت ووضعه في تابوت؟ هل يجب أن يكون الكفن أبيضاً؟ وهل يمكن الاستفادة من الثياب العادية؟ وهل يجوز إحراق جسد الميت؟ وهل تجوز إقامة مراسم عزاء المسلم في الكنيسة؟ ... وما تكليف المسلم البعيد عن المسجد في هذه الأمور؟

الجواب:

الكفن للمسلم- حسبما ورد في الشريعة- واجب، فلا يجوز دفنه بالثياب العادية، ولا ضرورة لأن يكون الكفن أبيضاً. وإحراق جسد الميت حرام ولابدّ من دفنه في التراب وكيفيته أن يُوارى الثرى ولا يظهر منه شي ء بحيث لا تشم رائحته ويصان من الحيوانات.

ولا مانع من استعمال المواد الكيميائية للحيلولة دون التعفن- ما لم يتضمن إهانة للميت المسلم- وكذلك وضعه في التابوت بعد القيام بمراسم الدفن وما لم يكن تقليداً لأسلوب أتباع سائر الأديان. من الأفضل أن لا تقام مراسم عزاء وتشييع الميت في الكنيسة، و يمكن لمن كان بعيداً عن المسجد إقامتها في أماكن

أخرى أو في البيوت أو الامتناع عن إقامة المراسم.

سؤال 12:

هل أستطيع أكل اللحوم في المطاعم مع جهلي بها؟ عادة لا اطمئنان بأنّ الذبح شرعي، فما العمل؟ هل يمكن للمسلم أن يدفع أكثر ويتناول من ذبيحة اليهود؟

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 349

الجواب:

لا يجوز تناول اللحوم في الأوساط غير الإسلامية إلّاإن كان بائعاً أو صاحبها مسلماً.

ولو اشترى المسلم اللحوم من غير المسلم، وأيقن بأنّه مطابق للشرع فلا مانع من تناوله، وتحرم على المسلم ذبيحة اليهود والنصارى.

سؤال 13:

كيف يعد المسلم الأمريكي أسباب الحج وما مقدار التكاليف؟

الجواب:

على كل مسلم الحج إن كان قادراً ولديه أموال فائضة على تكاليفه السنوية، وللوقوف على مقدمات السفر من قبيل أموال الذهاب والإياب وجواز السفر فلابدّ من مراجعة شركات الخطوط الجوية في أمريكا والدوائر الأمريكية الحكومية.

سؤال 14:

ما وظيفة المسلم الأمريكي إزاء الوصية والإرث والتي تجري غالباً على خلاف الأحكام الإسلامية؟

الجواب:

إن تعذر على المسلم العمل بالأحكام الإسلامية وكان هنالك فارق بين القوانين المدنية الأمريكية والأحكام الشرعية فله أن يمتثل قوانين أمريكا ولا إثم عليه.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 350

سؤال 15:

هل ترجّح القوانين الإسلامية «الضمان العام» على «الضمان التجاري»؟ ولو استطاع المسلم الأمريكي الحصول على الضمان التجاري بمقدار أقل فما تكليفه، وهل يحق له المساهمة في هذا الضمان؟

الجواب:

الضمان التجاري- بناءً على كونه أحد العقود وتشمله الأحكام الكلية- فهو صحيح وقانوني، ولا فرق بين هذين النوعين صحة وقانوناً- وعليه فللمسلم حق الضمان التجاري والمساهمة.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 351

52 ما وظيفة المرأة في المجتمع؟

سؤال:

حسب فتاوى الفقهاء لا يجب على المرأة القيام بأعمال البيت والرضاع وحفظ الأطفال، ونفقاتها على الزوج وليس عليها العمل خارج البيت، فما وظيفة المرأة إزاء المجتمع؟

الجواب:

إنّ الإسلام أراد أن يرفع من شأن المرأة في المجتمع ويفسح لها لمجال إن أرادت القيام

بهذه الأعمال التي لم يوجبها عليها، ولها أن تمارس هذه الأعمال وتستحق عليها الأجرة؛ ولكن ينبغي الإلتفات إلى أنّ عدم إيجاب شي ء غير منعه! نعم لم يوجب الإسلام إدارة شؤون البيت على المرأة ليرفع من شأنها كي لا تصبح عبدة، حيث أوكل هذا الأمر في الواقع إلى فطرتها ورغباتها الطبيعية- طبعاً الأُم حنونة بأولادها والعكس صحيح، ولعل شعور الأمومة يدفعها لإرضاع وليدها والجد في تربيته، كما للمرأة رغبة شديدة في إدارة شؤون البيت- وما زالت المرأة تقوم بهذه الوظيفة بصورة طبيعية ولها حق الأجرة عند الضرورة.

53 هل الخمس أجر الرسالة

سؤال:

لا شك في أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله لم يسأل الأجر إلّامن اللَّه على كل هذه التضحيات من اجل الرسالة، وإن لاحظنا في بعض الآيات التي تحدثت عن «المودة في القربى» كأجر للرسالة، فهذا بدوره خدمة أخرى للناس وحث على هدايتهم؛ ذلك لأنّ مودة أهل لبيت عليهم السلام توجب الاقتداء بهم وهذه سعادة، ولكن ما معنى وجوب الخمس الذي يعطى نصفه للسادة؟ أليس هذا أجر على الرسالة؟

الجواب:

نعلم أنّ مصرف «الخمس» فقط «فقراء السادة» لا جميعهم، ولو زاد خمس الأموال المخمسة عن حاجات السادة لوجب رده إلى بيت المال ليصرف في المصالح العامة، ولو كانت حاجاتهم أكثر من الخمس لوجب قضاؤها من بيت المال- من جانب آخر فليس للسادة من حق في الزكاة (اللّهم إلّاأن تكون من زكاة السادة).

وعليه فالخمس في الواقع بدل الزكاة المعطاة لسائر الفقراء وشروط اعطائها لفقراء السادة كشروط منحها لسائر الفقراء، غايته تدفع لهم بشكل آخر حفظاً لحرمة جدهم رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، وعليه فهي ليست بأجرة على الرسالة قط.

54 أليس الخمس دعماً للتمايز الطبقي؟

سؤال:

ورد عن أحد كبار الشيوعية أنّه قال: لقد تأملت جميع الاديان عليّ أعتنق أحدها فرأيت أفضلها الإسلام وللأسف حين حاولت اعتناقه صدمت بنقطة ضعف تكمن في منحه الإمتيازات من قبيل الخمس للسادة.

الجواب:

كما قيل في جواب السؤال السابق ليس هنالك من فارق أساسي بين الخمس «1» والزكاة؛ أي كلاهما يتعلق بأفراد المجتمع من الفقراء والضعفاء والعاجزين، حيث يعطى كل بقدر حاجته، ومازاد على ذلك فهو جزء من بيت المال، وكل ما هنالك وحرمة لأبناء رسول اللَّه فقد لبيت حاجاتهم من خلال عنوان غير عنوان الزكاة.

من الطبيعي أن يكون هذا الاحترام المعنوي للسادة من جانب اللَّه نوعاً من

التكريم لرسول اللَّه صلى الله عليه و آله وتفانيه في نشر الدعوة. والخلاصة خلافاً لِما يتصوره البعض فإنّ قانون الخمس لا يشجع التمايز الطبقي، ولا يفرق عن الزكاة من الناحية المادية بالنسبة للفقراء،

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 356

أي لن يعطى السادة أموالًا إضافية بالنسبة لسائر المحتاجين قط، والخمس لا يعطى للمتمكنين من السادة باي شكل من الأشكال.

55 بلوغ البنين والبنات

سؤال:

ثبت في علم الفسلجة (علم وظائف الأعضاء) أنّ المرأة أضعف من الرجل من حيث القوّة البدنية، مع ذلك اعتبر الإسلام بلوغ البنت بعد التاسعة من عمرها وحدد لها بعض التكاليف، بينما عدّ تكليف الولد في السادسة عشرة من عمره، فما فلسفة ذلك.

الجواب:

ما أثبته التحقيق العلمي أنّ نمو المرأة أسرع من الرجل. وعليه فالمدّة التي يطويها الرجل 15 سنة، تجتازها المرأة في 9 سنوات، ولا يقتصر هذا الأمر على الرجل والمرأة. بل يشمل جميع الكائنات الحيّة.

والخلاصة كل كائن ألطف يكون نموه أسرع، ومن هنا فإنّ أغلب البنات ينضجن جنسياً وتؤهلن للأمومة في سن الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة من العمر، بينما لا يعيش الولد مثل هذه الحالة.

56 هل ينبغي التحقيق في المسائل الدينية أم التقليد؟

سؤال:

هنالك بعض الأفراد الذين ينكرون مسألة «التقليد» في الأحكام ويزعمون أن وظيفة الجميع التحقيق في المسائل الشرعية، ويستقون الأحكام قاطبة من القرآن وسائر المصادر الإسلامية للأسباب التالية:

أولًا: يشجب القرآن أنواع التقليد كافّة وينتقد باستمرار التقليد الأعمى.

ثانياً: التقليد نوع اتباع دون دليل والعقل والمنطق يرفض التقليد الذي يفتقر إلى الدليل.

ثالثاً: التقليد أساس تفرقة صفوف المسلمين، فالمراجع متعددون وآراؤهم مختلفة.

الجواب:

إننا نعتقد بأنّ أصل كل هذه الإيرادات يعود إلى شي ء واحد وهو: أنّ لمفردة التقليد معنيين؛ معنى اعتيادى يفهم في العرف العام ويستعمل فيه لفظ التقليد في الحوارات اليومية، ومعنى علمي يبحث أيّة علاقة بالمعنى الأول.

توضيح ذلك: يصطلح بالتقليد في الحوارات اليومية على الأفعال الطائشة التي يتبع فيها بعض الأفراد غيرهم دون الاستناد إلى أي دليل. وبالطبع فإنّ هذه التبعية العمياء لهؤلاء

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 360

الأفراد الجهال لنظرائهم الجهال من الآخرين عمل مذموم وقبيح لا ينسجم مع المنطق ولا مع روح التعاليم الإسلامية؛ وليس هنالك من عاقل ذي شخصية وفكر مستعد لتقليد هذا

وذاك تقليداً أعمى فيأتي بكل فعل مشين يأتي به الآخرون.

وهذا هو التقليد الذي تشبث به الوثنيون لتبرير أعمالهم وكانوا يزعمون: أنّ الوثنية دين آبائنا ولسنا مستعدين لمخالفتهم. وقد ذكر القرآن منطقهم بهذه الآية فقال: «إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ» «1»

فهؤلاء يحتجون على أعمالهم الطائشة (السجود للحجر والخشب) بأعمال آبائهم فيقلدون تقليداً أعمى معتقداتهم الخرافية.

وهذا هو التقليد الذي يكون مصدراً لمضاعفة حجم المفاسد الاجتماعية والأدناس والانغماس في الشهوات، وهو ذات التقليد الذي أشير له في شعر المولوي. وكما قلنا فإنّ هذا هو المعنى الذي استندت إليه حملات الجهال كافّة على مسألة التقليد. إلّاأنّ للتقليد في الاصطلاح العلمي مفهوم مغاير تماماً لهذا المفهوم، ويمكن تعريفه «برجوع الأفراد غير المتخصصين إلى ذوى الاختصاص في القضايا الاختصاصية»؛ أي رجوع الأفراد في المسائل العلمية كافّة التي تتطلب بعض التخصصات ويتوقف إدراكها على المطالعات والدراسات التي تستغرق سنوات إلى العلماء والمفكرين الموثوقين- حين الحاجة- والاستفادة من أفكارهم. والتقليد بهذا المعنى والذي أشير له في المصادر العلمية والذي يعبر عنه أحياناً برجوع غير العالم إلى العالم هو أساس الحياة البشرية في المجالات الصناعية والزراعية والطبية كافّة وأمثال ذلك.

ولو زال هذا الموضوع من الحياة البشرية؛ لما رجع أي مريض إلى طبيب وإنسان إلى معمار وشخص إلى حقوقي في القضايا الحقوقية، كما لا يرجع أي فرد إلى خبير وميكانيكي واختصاص في سائر المجالات، ولانهارت الحياة الاجتماعية برمتها وظهر الفساد في المستويات كافّة. والقضايا الدينية ليست بدعاً من ذلك؛ طبعاً الأفراد كافّة موظفون بالتحقيق في الاصول العقائدية- أي معرفة اللَّه والنبي والإمام والمعاد- ولا يبدو هذا

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 361

التحقيق صعباً ومعقداً، ويستطيع كل فرد التعرف على هذه الأصول على ضوء

الدليل والمنطق المناسب لفهمه وإدراكه، بينما يتعذر التخصص على الأفراد والاستفادة من المصادر الدينية- القرآن والحديث والدليل والعقل والإجماع- للتوصل للأحكام في المسائل المرتبطة بالأحكام الإسلامية في باب العبادات والمعاملات والسياسات الإسلامية، والأحكام المتعلقة بالفرد والأسرة والمجتمع والصلاة والصوم والجهاد والديات والحدود والقصاص والزواج والطلاق والآف المسائل المختلفة والمرتبطة بجوانب حياة الناس.

وعليه فهم مضطرون للرجوع في هذه المسائل إلى العلماء والمراجع المعتمدين؛ العلماء الذين جدّوا لسنوات في المسائل الإسلامية ولهم معرفة تامة بالكتاب والسنة والأخبار والروايات. وعلى هذا الضوء يتضح بجلاء أنّ هذا الرجوع ليس من قبيل التبعية دون دليل، بل هذا الاتباع يستبطن الدليل العقلي والنقلي وهو أنّ نظرية الشخص العالم والمتخصص ألصق بالحقيقة ولا يجانبها قط، ولو أخطأ لكان خطأه محدوداً، بينما لا يكون رصيد أعمال الجاهل الذي يتصرف وفق رأيه ومعتقده سوى الزلل والخطأ. مثلًا، لو رجع الشخص حين مرضه إلى الطبيب وكتب له الوصفة، فربّما يخطى ء الطبيب، إلّاأنّ المفروغ منه أنّ أخطاءه طفيفة جدّاً بالنسبة للنتائج التي يحصل عليها من وصفته، طبعاً المراد الطبيب الماهر والمتخصص، ولكن لو تحفظ المريض عن الرجوع إلى الطبيب، وتناول ما يشاء من دواء حسب رغبته وفكره، فمما لا شك فيه يكون قد اقترف عملًا غاية في الخطورة، وما أكثر ما يؤدّي به هذا الأمر إلى الوفاة.

النتيجة: تبعية غير العالم للعالم تنطوي دائماً على دليل إجمالي ومنطقي. ومسلّم أيضاً أنّ هذا التقليد والاتباع لا يدلّ على أي مثلبة في شخصية الإنسان، بل بالعكس دليل على شخصيته، لأننا نعلم بأنّ دائرة العلم على قدر من السعة بحيث هنالك عشرات وأحياناً مئات الفروع التخصيصة في علم معين، ولو كان للإنسان عمر نوح وعقل ابن سينا فلا يسعه قط

التخصص في واحد بالمئة من هذه العلوم. وعليه فلا مناص له من الرجوع إلى الآخرين في

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 362

غير اختصاصاته. فيرجع المهندس مثلًا حين يمرض إلى زميله الطبيب، والطبيب إلى زميله المهندس إن أراد بناء دار، كما يعود الاثنان إن حدث عطل في سيارتيهما إلى الميكانيكي، كما يرجع الجميع في الأحكام الإسلامية التي يجهلونها إلى علماء الدين.

نعم بقي هنا ما يقال: ما الضير في أن يرجع الإنسان إلى العلماء في المسائل التي يحتاجها ويسألهم عن دليل كل مسألة. إلّاأنّ ذلك كمن يقول: ما المانع في أن يسأل الإنسان الطبيب حين يراجعه ويكتب له وصفة بالدواء عن دليل كل فقرة فيه و كيفية استعماله، فهل يمكن أن يقدم الأطباء للناس أدلة وصفاتهم، ولو فرض قيامهم بمثل هذا العمل، فهل يسع الشخص الذي لا يدرك علم التشريح والفسلجة وخواص الأدوية أن يفهم من الطبيب معنى هذه الاصطلاحات ويقوم بمعالجة نفسه.

فإنّ المتفوهون بهذه الكلمات لا يدرك أصلًا سعة العلوم الإسلامية؛ ولا يعلم هذا بأنّ الوقوف على جميع جزئيات القرآن وعشرات الآف من الحديث ودراسة الرجال في سلسلة سند الأحاديث وتمييز صحيحها من سقيمها وغثها من سمينها وفهم لطائف الآيات والسنة يتطلب عدّة سنوات ليبلغ الشخص درجة التخصص في هذه المسائل.

فقد يتطلب فهم بعض الأحكام الإسلامية المرتبطة مثلًا بالزواج والطلاق وحق الحضانة وتربية الأطفال وأمثال ذلك الاستغراق في عدّة آيات وعشرات الأحاديث وتأمل رجال سند الحديث من خلال كتب الرجال والرجوع إلى مختلف المصادر اللغوية بشأن بعض المفردات والوقوف على استعمالاتها في العربية. فهل يسع جميع الأفراد الوقوف على كل هذه التفاصيل في الموارد المتعلقة بالمسائل الإسلامية كافّة؟ أوَلا يعنى هذا الكلام تخلي الناس عن أعمالهم والتحول

إلى طلبة للعلوم الدينية؟ ولا يعلم بالطبع ما إذا كان جميع الأفراد مستعدين لبلوغ الاجتهاد وقريحة استنباط الأحكام الشرعية، ولربّما كان لهم استعدادات أخرى

أمّا ما يقال من أنّ الرجوع إلى مراجع الدين مدعاة للاختلاف فهذا من العجب العجاب.

أولًا: مراجع التقليد في كل عصر شخص أو شخصان غالباً، بينما لو أراد جميع الأفراد

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 363

ابداء آرائهم في الأحكام الإسلامية لتعددت هذه الآراء حسب عدد المسلمين، وأثر ذلك لا يخفى في الاختلاف والتفرقة.

ثانياً: اختلاف المراجع في المسائل ذات الدرجة الثالثة والرابعة، ولا اختلاف في المسائل الأصولية والأساسية، ومن هنا نلاحظ اصطفاف جميع الأفراد الذين يختلفون في تقليدهم في صلاة الجماعة في صف واحد ولا أن يحول اختلاف الإفتاء في المسائل الجزئية دون انسجامهم في الجماعة، أو أنّهم يحجون جميعاً ويأتون بمناسك الحج في أيّام معينة دون أن يؤدّي اختلاف الفتوى إلى أيّة مشكلة حتى بالنسبة لأفراد قافلة. كل ذلك يشير إلى أنّ اختلاف الفتوى في المسائل لا يمس بوحدة المسلمين.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 365

57 الولاية والبراءة

سؤال:

ما المراد بالتولي والتبرى وهل يمكن تطبيقهما في عالمنا المعاصر؟

الجواب:

عادة ما يشبهون الإسلام بشجرة عملاقة جذورها المباني والأسس العقائدية وفروعها التعاليم العملية ويذكرون عشرة مواضيع بصفتها أساسياته، والحال المفاهيم الإسلامية أوسع من ذلك بكثير، إلّاأنّ أهميّة هذه الاساسيات العشرة كونها تصدرت المرتبة الأولئ وإلّا فالمسألة لا تقتصر عليها. وتقسم هذه المواضيع العشرة إلى ثلاث في العبادة والعلاقة مع اللَّه- الصلاة والصوم والحج- واثنين في الأمور الاقتصادية والعلاقة مع الخلق- الزكاة والخمس- وخمسة في الأمور الاجتماعية والسياسية- الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتولي والتبري- والكلام في الفرعين الأخيرين بمعنى الحب والبغض- فمن نحب ومن نبغض؟ نحب أولياء اللَّه وأصحاب الحق

ودعاته وأنصار العدالة، ونبغض الآثمين والظالمين والمتهتكين وأعداء اللَّه.

لم لا نحب الجميع؟ لم لا نكون محسنين مع جميع الخلق؟ وهل يمكن التغاضي اليوم

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 366

عن التعايش السلمي مع الجميع؟ ولابدّ هنا من طرح سؤال على أصحاب أطروحة حبّ الجميع ومهما كانت الظروف. هل نحبّ في هذا العالم، الظالم والمظلوم والمستعمر (بالكسر) والمستعمر (بالفتح) والغاصب والمغتصب والطاهر والنجس؟ وهل نساعدهم جميعاً وتعاملهم ذات المعاملة؟! وهل هناك من منطق يقرّ بهذا؟ والغرض من هذين المفهومين تخندق صفوف الحق والعدل والطهر وانفصالها عن صفوف الباطل والظلم بغية تضييق الخناق عليهم وتشديد المحاصرة الاجتماعية والاخلاقية عليهم سيما من قبل العناصر الفاعلة والخيرة.

فهل يتقبل بدن الإنسان جميع الأطعمة؟ أليس ذوق الإنسان وسيلة للتولي والتبري بغية التمييز بين الطعام النافع والضار؟ ولو تناول الإنسان طعاماً مسموماً فهل تستسلم المعدة وتسلمه إلى المو ت، أم تسعى سعيها وتوظف كل قواها لتقذف بهذا الطعام من خلال نفرتها منه بالاستفراغ؟ أوَليس الجذب والدفع سر بقاء عالم الوجود؟ فكيف يستثنى المجتمع البشري من توازن هاتين القوتين بصيغة تولي وتبري؟ وبعكس ذلك سوف يسارع هذا المجتمع إلى الموت، ومن هنا ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه و آله: «إن أوثق عرى الإيمان الحبّ في اللَّه والبغض في اللَّه» «1».

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 367

58 الصوم في الأديان السابقة

سؤال:

هل كان الصوم في الأديان السابقة؟

الجواب:

صرح القرآن «1» أنّ فريضة الصوم كانت في الأديان التي سبقت الإسلام وما زال العهد الجديد والقديم يتضمنان التعاليم المتعلقة بالصوم ومنها:

1- كان الصوم سائداً لدى الأمم والطوائف كافّة وفي ظلّ مختلف الظروف الشاقة (بولس، 3: 5).

2- صام موسى عليه السلام أربعين يوماً (سفر التثنية، 9: 9).

3- حين سنحت الفرصة لليهود وأرادوا الخضوع

صاموا ليحصلوا على رضى اللَّه (سفر داوران 20: 26).

4- أمر المسيح حوارييه بالصوم بعد وفاته (انجيل لوقا، 5: 34).

59 القبلة في القمر

سؤال:

ما قبلة من يهبط على القمر؟

الجواب:

القمر سيارة تدور حول الأرض وحجم القمر «1» بالنسبة للأرض 114، وكما يلمس سكان الأرض طلوع القمر وغروبه فالعكس صحيح؛ وأحياناً يظهر كله أو بعضه وأخرى يختفي تماماً.

وعليه فحين تطلع الأرض فإنّ مجموع الكرة الأرضية قبلة من يصلي في القمر، ووقوفه إزاء الأرض (أو إزاء الخط العمودي الذي يمر من جانبي الأرض) إنّما هو وقوف في الواقع مقابل الكعبة ويتحقق استقبال الكعبة وهو الشرط في صحة الصلاة، ولكن حين تغيب الأرض عن أنظار سكنة القمر فيكون استقبال الكعبة بهذا الشكل حيث يعتبر الموضع التقريبي للأرض خلف أفق القمر ويقف على الخط العمودي على الكعبة من جانبي الأرض.

والجدير بالذكر أنّ القبلة ليست الكعبة بمفردها، بل امتدادها من الجانبين الأسفل

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 370

والأعلى- في السماء قبلة أيضاً؛ أي كل من يقف على الخط العمود على الكعبة ويمر منها إنّما يقف نحو القبلة، وعلى هذا الضوء تتضح قبلة سكنة القمر حين تكون الأرض خلف القمر.

60 تعيين القبلة بالشمس

سؤال:

هل يمكن تعيين القبلة من خلال الشمس، كيف ذلك إن أمكن؟

الجواب:

إذا كانت قبلة الشخص محاذية للنقطة الجنوبية (كنواحي غرب العراق) فإن وقف حين الظهر إزاء الشمس ستكون قبلته، لأنّ الشمس حين الظهر على دائرة نصف النهار لهذه النقاط، فإن وقف حين الظهر أمام الشمس سيكون مقابل نقطة الجنوب التي ستكون قبلة هذه النقاط، أمّا النقاط التي تميل قبلتها من الجنوب إلى الغرب (كنقاط ايران) ففي هذه النقاط ينحرف بعد محاذاة الشمس بمقدار انحراف قبلتهم من الجنوب إلى الغرب. مثلًا في طهران التي تنحرف قبلتها 37 درجة عن نقطة الجنوب نحو المغرب، فلابدّ أن تميل حين الظهر بعد محاذاة الشمس 37 درجة نحو اليمين، وبالطبع فإنّ الشمس

في هذه النقاط وما شابهها تحاذي حين الظهر الفلك الأيسر.

وعليه فالقاعدّة الكلية كلما كانت القبلة محاذية للنقطة الجنوبية تكفي محاذاة الشمس حين الظهر، وإن كانت القبلة تميل من تلك النقطة نحو الغرب، فلابدّ أن يميل بنفس المقدار من محاذاة الشمس إلى اليمين.

61 القبلة في المناطق النائية

سؤال:

كلّنا نعلم بأنّ للأرض نصف شمالي وجنوبى فكيف السبيل إلى القبلة في بعض البلدان كأمريكا الجنوبية؟

الجواب:

أولًا: كما ورد سابقاً أنّ الكعبة ليست لوحدها القبلة، بل تشمل امتدادها من الأعلى حتى عنان السماء وأسفلها؛ وكما يكفي الوقوف أمام الكعبة، كذلك يكفي الوقوف إزاء امتدادها.

وعليه فمن كان في ذلك الجانب الكرة الأرضية يمكنه الوقوف بمحاذاة امتداد الكعبة.

ثانياً: لو قيل لرجل في طهران قف باتجاه مشهد فسيقف نحو جهة حسب بعض الحسابات وبحيث يطمئن على أنّ مشهد في هذه الجهة، والحال لو أخذنا بنظر الاعتبار المسافة بين طهران ومشهد أو رسمنا خطاً مستقيماً بمحاذاة وجه الشخص الذي في طهران نحو مشهد لعبر من فوق مشهد وسط الفضاء لا من مشهد، إلّاأنّ هذا لا يمنع من قولهم أنّه يقف محاذيا لمشهد.

62 قبلة أهل العراق

سؤال:

ذكر مؤلف روضات الجنات في شرحه لسيرة المحقق الحلي رحمه الله صاحب شرائع الإسلام أنّ العالم الفلكي الخواجة نصير الدين الطوسي أتى المحقق، وكان يدرس فحضر الدرس.

فكان ممّا قاله المحقق: «يستحب لأهل العراق الانحراف قليلًا إلى يسار القبلة عند الصلاة»، فأشكل عليه الخواجه وقال: «إن كان الانحراف من القبلة لغيرها فهو حرام، وإن كان من غير القبلة إلى القبلة فهو واجب، فما المراد هنا بالاستحباب؟».

فردّ عليه المحقق الحلي رحمه الله: «ليس المراد هذا ولا ذاك، بل أردت الانحراف إلى نحو اليسار من القبلة إلى القبلة»، فاقتنع الخواجة. والآن يرد هذا السؤال: ما كان مراد المحقق من ذلك الجواب؟ فجميع مناطق العراق تيامنية أي تميل إلى الجانب الأيمن من النقطة الجنوبية، فما مراد المحقق.

الجواب:

أولًا: استحباب انحراف أهل العراق إلى اليسار لا يعني انحرافهم من الجنوب نحو المغرب والمشرق بما ينافي انحراف قبلة أهل العراق من الجنوب نحو المغرب، بل

المراد

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 376

الانحراف من نقطة القبلة إلى يسارها، والفارق بين الأمرين كبير. (لابدّ من الدقّة).

ثانياً: ذكر الفقهاء أمرين لاستحباب الانحراف إلى يسار القبلة:

1- ما ذكره العلامة المجلسي رحمه الله في كتاب الصلاة من بحار الأنوار من أنّ علة الانحراف بسبب بناء محاريب مساجد الكوفة وسائر مناطق العراق منحرفة إلى اليمين (وإن لم يكن ذلك الانحراف بالشكل الذي يبطل الصلاة) لكن الأئمّة الأطهار عليهم السلام أوصوا بذلك بغية درك النقطة الحقيقية للقبلة، وعدم مخالفة الخلفاء الذين امروا ببناء تلك المساجد والفائدة في معرفة النقطة الحقيقية للقبلة دون الاصطدام بالجهاز الحاكم.

2- ما أوردته بعض الروايات من أنّ حدود حريم الكعبة من اليمين ميلان ومن اليسار أربعة أميال، أي هنالك قدسية لهذا المقدار (طبها هذا الأمر لا يتعلق بحدود الحرم أربعة فراسخ في أربعة فراسخ).

وعليه فهذا حكم احتياطي في أن يتوجه الإنسان في صلاته إلى نقطة يضعف فيها احتمال الخروج من حريم الكعبة. ولعل المحقق الحلي عنى بجوابه النقطة الأولى أو الثانية.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 377

63 سبب تغيير القبلة

سؤال:

لماذا تحولت القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة؟

الجواب:

يفهم من الآيات القرآنية أنّ القبلة كانت في الحقيقة هي الكعبة (بيت اللَّه) وقد جعل البيت المقدس قبلة مؤقتة للمسلمين لبعض الأسباب. فالآية «قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ...» «1»

تفيد استياء النبي الأكرم صلى الله عليه و آله من حوار اليهود بشأن قبلة بيت المقدس وكان يتطلع لانتهاء أجل تلك القبلة المؤقتة وإعلان الإسلام للقبلة الدائمة.

أمّا لماذا لم تكن الكعبة منذ البداية القبلة الدائمية بحيث صلى المسلمون مدّة نحو بيت المقدس حتى نزلت الآية: «وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ

...» «2»

فيفهم منها أنّ العملية كانت تربوية للمسلمين الأوائل في

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 378

تحقيق الأهداف الإسلامية. فالحجازيون كانوا شديدي الحب لأرضهم ولا سيما أهل مكة، وعليه كان لابدّ من الوقوف بوجه الرغبات النفسية والتعصب القومي في ترك الكعبة مدّة واستقبال بيت المقدس في الصلاة بغية التضاد على التعصب وترسيخ الطاعة. إضافة إلى توجه المسلمين مدّة إلى بيت المقدس- مركز نفوذ اليهود- والاعتبار بهم؛ فبيت المقدس موضع اعتبار العالم ونقطة عز وذلة بني اسرائيل، فعلل رقي وانحطاط اليهود واضحة في بيت المقدس.

فقد وردوا هنا أذلة من مصر وبلغوا العزّة بجهادهم وتضحياتهم، ثم انحدروا إلى السقوط بعد التمرد والعصيان، فاضحوا عبرة للمسلمين الأوائل. والذي ينبغي أن يعلمه المسلمون أنّ الكعبة إن جعلت قبلتهم الدائمية فليس لكونها مركزاً قبلياً وقومياً، بل كونها أقدم مركز توحيدي شيد من قبل بطل التوحيد إبراهيم الخليل عليه السلام.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 379

64 اختلاف الآفاق في رؤية الهلال

سؤال:

ما سبب اختلاف الفقهاء في تحديد أول الشهر فيزعم أحدهم أنّه هذا اليوم ويزعمه آخر أنّه الغد؟

الجواب:

ثبتت كروية الأرض بعدّة أدلة حتى أصبحت اليوم من المسلمات العلمية. كما أنّ القمر يطوي دورة كامله حول الأرض شهرياً فيتخذ أاشكالًا إثر هذه الحركة هي (الهلال) و (البدر) و (التربيع) و (المحاق)، ذلك لأنّ نصف القمر المقابل للشمس واضحٌ تماماً، فنرى وضوح نصف القمر أحياناً وهو آنذاك (بدر كامل) وأخرى (تربيع) وهكذا بسبب اختلاف كينونة (القمر والأرض والشمس) وعلى هذا الأساس فإنّ النقاط الغربية وكون الأرض كروية تجعل الرؤية مبكرة ويشاهد الهلال مبكراً، وفي النقاط الشرقية تحصل الرؤية بصورة متأخرة فيرى متأخراً.

وهذا ما يمكن اكتشافه بسهولة، فلو علقنا كرة في سقف غرفة وجعلنا أمامها مصباح بحيث يكون محاذياً لها أو فوقها، ثم

وقفنا آخر الغرفة بعيداً عن المصباح، لرأينا أمامنا

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 380

النصف المظلم، ثم نتقدم بالتدريج حتى يتضح لنا هلال نحيف من النصف المضي ء، فيتضح أن تغيير موضعنا مؤثر في مشاهدة الهلال المذكور، وبالنظر لانحناء الأرض وكرويتها يبدو تأثير الآفاق في المشاهدة وعدمها أكثر وضوحاً.

65 لماذا لا تكون الساعة 12 وقت الظهر الشرعي دائماً؟

سؤال:

لماذا الظهر الشرعي في بعض فصول السنة يكون الساعة 12 وأحياناً أكثر وأخرى أقل؟

الجواب:

نعلم أنّ الأرض تدور حول الشمس على مدار بيضوي؛ وتقع الشمس خلال عام شمسي في أحد مركزَي هذا المدار البيضوي. وعليه فالمسافة بين الأرض والشمس ليست متساوية دائماً. فالنقطة التي تقع فيها الأرض في غاية البعد تسمى «القمة» والنقطة الغاية في القرب «الحضيض». وطبق قانون الجاذبية العام حين تتحرك من القمة إلى الحضيض تزداد سرعتها شيئاً فشيئاً، وبالعكس تقل تدريجياً حين تتحرك من الحضيض إلى القمة وعليه فحركة الأرض حول الشمس ليست رتيبة عكس حركة عقارب الساعة (جهاز تعيين الوقت) حركة رتيبة. فالحركتان لا تتفقان قط، ولذلك فالظهر الحقيقي (حين يبلغ قرص الشمس منتصف النهار) أمّا أكثر أو أقل من الساعة 12 ويقال لهذه الساعات «الساعات الوسطى».

وهذا الاختلاف بين الساعة الحقيقية والساعة الوسطى موجود طيلة أيّام السنة، لكن

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 382

أقل ممّا ذكر. ومن هنا يثبت في التقاويم الكبيرة عمود بعنوان الساعات الوسطى يسجلون فيه اختلاف كل يوم. ومن الطبيعي الأخذ بنظر الاعتبار هذا الاختلاف لشروق وغروب الشمس. ولكن هنالك أربعة أيّام في السنة يكون الاختلاف فيها صفراً.

توضيح آخر: أفرض أننا وضعنا آلة تصوير في سطح نصف النهار المكاني وكانت لدينا ساعة دقيقة: فالظهر الحقيقي حين يقع مركز الشمس على مركز آلة التصوير. ولو نظرنا لساعتنا لرأيناها أقل أو أكثر بدقائق من الساعة 12، إلّاالأيّام

الأربعة التي أشرنا اليها والتي تكون الساعة 12 لحظة انطباق مركز الشمس على مركز آلة التصوير.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 383

66 كيف نحل المسألة التي قضى فيها علي عليه السلام؟

سؤال:

روي في قضاء علي عليه السلام أنّ ثلاثة أشخاص أرادوا توزيع 17 جملًا فيما بينهم، بحيث يأخذ أحدهم النصف والثاني الثلث والثالث التسع وتشاجروا في كيفية التقسيم. فأضاف الإمام ف عليه السلام جملًا إلى العدد المذكور، فأعطى نصف العدد (9 جمال) إلى الفرد الأول، وثلثها (6 جمال) إلى الثاني، واثنان إلى الثالث ولم يبق سوى جمله؛ أي أنّه أعطى كل فرد سهماً إضافياً، فقد طالبوا ب 17 جملًا، فجعلها عليه السلام 18 جملًا، فرضى الجميع بحكمه وبقي الجمل الزائد. والسؤال: من اين جاءت هذه الإضافة وكيف قسمها بينهم؟

الجواب:

ما تجدر الإشارة إليه الأسهم التي طلبها الأفراد الثلاثة والتي كانت أقل من المجموع، أي لو جمعنا النصف والثلث والتسع كان أقل من العدد الكامل. وعليه لابد أن يقال إنّ الأفراد لم يدعوا الجمال السبعة عشر بدليل مجموع أسهمهم (19+ 13+ 12) ليس بقدر مجموع ذلك المال.

توضيح ذلك: مجموع الأسهم في مال تساوي دائماً الوحدة، وبعبارة أخرى لو كانت

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 384

أسهم شركة مثلًا «مئة سهم»، فمجموع أسهم الشركاء إذا خلطناها ستكون مئة سهم قطعاً.

وفي تلك المسألة لا يريد الأفراد المتنازعون تقسيم العدد 17 إلى 19 و 13 و 12، بل ادعى الفرد الأول نصفها والثاني ثلثها والثالث تسعها، أي أنّ كل فرد كان يرى سهمه مساوياً لذلك الكسر، والحال مجموع تلك الكسور لم يكن يساوي عدداً صحيحاً «1». إلّاأنّ الإمام عليه السلام قسم بينهم ما تبقى من المال- بنفس نسبة الأسهم المذكورة- وما لاحظناه من أنّ كلًا أخذ أكثر قليلًا من سهمه حيث كان ذلك الباقي

الذي أضافه الإمام عليه السلام إلى اسهمهم.

غايته يرد هذا السؤال: كيف قسم بينهم الزائد رغم أنّهم لم يدعوا ذلك؟

والجواب: كل مال بحوزة شخص أو أشخاص فهو ملكه حسب القوانين الإسلامية إلّاأن يقام الدليل على خلافه، فالباقي كان لهم في الواقع، لكنهم لم يلتفتوا إلى أنّ أسهمهم أقل من مجموع المال، بعبارة أخرى كان أولئك الأفراد الثلاثة يرون السبعة عشر جملًا ما لهم وليس لهم شريك رابع، وأرادوا تقسيمه 19 و 13 و 12 ولكنهم لم يلتفتوا إلى أنّ أسهمهم أقل من المجموع؛ فقسم بينهم الباقي وبقي جمله. حقّاً إنّها لفكرة ذكية من الإمام.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 385

67 كيف كان زواج أبناء آدم

سؤال:

كيف كان زواج أبناء آدم وحواء، هل كان الأخ يتزوج أخته أم ماذا؟

الجواب:

للعلماء رأيان بهذا الشأن ذكر كل منها أدلة من القرآن والروايات على رأيه وهي.

1- لم يكن آنذاك حكم بحرمة الزواج، وحيث لم يكن من سبيل لحظة النسل سوى ذلك فقد وقع زواج الأخ من الأخت. طبعاً «إنِ الحُكْمُ إِلّا للَّهِ» «1»

فما الضير في أن تباح تلك المسألة موقتاً لجماعة وتحرم بعد ذلك أبداً على الجميع؟ والدليل القرآني الذي ذكره أصحاب هذا الرأي قوله تعالى: «وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً» «2»

فظاهر الآية أنّ النسل البشري كان بوسيلة هذين الفردين، ولو كان غير ذلك لقال «وبث منهما ومن غيرهما» أضف إلى ذلك الرواية عن الإمام السجاد عليه السلام والتي ذكرها المرحوم الطبرسي في تأييد هذا

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 386

الرأي.

2- إنّ أبناء آدم تزوجوا من نسل آخر كان على الأرض لحرمة زواج المحارم، وحين أصبحوا أبناء عمومة أخذوا يتزاوجون، ويؤيد ذلك بعض الروايات، فنسل آدم لم يكن النسل الأول على الأرض، بل كان قبله الكثير من الناس.

والحاصل: ربّما يقال

إنّ أبناء آدم تزوجوا من بقايا النساء للناس الذين سبقوا آدم وحواء على الأرض، حيث يستفاد من كلام اللَّه للملائكة بشأن خلق آدم، أنّ بعض الناس عاشوا في الأرض قبل خلق آدم، وهذا ما تؤيده بعض الروايات.

68 هل هناك منافاة بين حرية الإنسان ومكافحة الفساد

سؤال:

يفتخر الإنسان أنّه خلق حرّاً في الاختيار، وعليه فكيف يأمر الإسلام بتعاون المؤمنين مع بعضهم على البر والتقوى ومنعهم من العدوان؟ إلّايدعو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى سلب حرية الإنسان؟ وبغض النظر عن ذلك لو قام جميع الأفراد بهذه الوظيفة لسادت المجتمعات الفوضى؟

الجواب:

المراد من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هذين الركنين الإسلاميين الاجتماعيين دعوة الأفراد إلى الخير والصلاح وصدهم عن الشر والفساد ومكافحة أنواع الانحرافات الاجتماعية والأخلاقية. ولابدّ من القول قبل كل شي ء هل إجراء هذين المبدأين في المجتمع الذي تسود جميع أفراده حالة من التعاون والمصير المشترك بنفع المجتمع أم لا؟

فإن كان بنفع المجتمع تطلب ذلك الحد من الحرية الفردية.

فأسلوب حياة الإنسان في الصور القديمة كان بصيغة جماعات قليلة تقطن الكهوف وشقوق الجبال والغابات، ولم تكن تحكمها حالة من التعاون والتوادد، ولعل مكافحة الفساد

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 388

ومنع الانحراف لا يبدو ضرورياً في ظهر هذه الحياة التي لا يعتمد فيها مصير كل فرد على الاخر، بينما لا يبدو كذلك في المجتمع الذي يعيش وحدة المصير، فأفراد هذا المجتمع كأبناء الأسرة الذين تسودهم اللحمة بحيث لا يسع أحدهم الإنفصال عن الآخر، وعليه فتصرفات كل فرد تنسحب على المجتمع، وعلى هذا الضوء لا يسع أحد أن يتخذ موقف المتفرج ويرى نفسه بعيداً عن أفعالهم الصالحة والطالحة.

والانحرافات الخلقية كالأمراض المعدية- شئنا أم أبينا- تصيب الآخرين، وعليه فلابدّ من مقاومتها، إلّالاجتاحت جميع البلدان. كما أنّ الانحراف الأخلاقي والاجتماعي- كالمرض العضوي-

يترسخ بسرعة ويستشري في صفوف المجتمع. افرض أنّ أحدهم جعل داره مركزاً للفساد وفسح فيها المجال للفاسقين، فهل تبقى حصانة للبنين والبنات الذين يشهدون تلك الدعارة كل لحظة، أم أنّ هوس الشهوة سيدفع بهم إلى ذلك المكان لتتسع دائرة الفساد بالتدريج.

ومن هنا لابدّ من القول إنّ التصدي للانحراف الأخلاقي والاجتماعي يضمن سعادة المجتمع الذي يعيش أفراده مع بعضهم البعض، والسكوت هنا جريمة ولعله لا ينجو من الهلكة. ولذلك أشار القرآن لهذه الحقيقة فقال «وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَاتُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ...» «1».

وقد طرح أحدهم هذا السؤال على النبي الأكرم صلى الله عليه و آله فأجابه بتصوير الحالة كالسفينة التي ركبها جماعة وهم أحرار فهل يحق لأحدهم خرق البقعة التي يشغلها، طبعاً إن خرقها هلك وأهلك الجميع. فمجتمعنا أشبه بالسفينة وركابها الأفراد، فهم شركاء في المصير ولا يمكن لأحدهم الاستقلال عن الآخرين. فالواقع هنالك فارق كبير بين النظرة الإسلامية لحريات الفرد وسائر المدارس السائدة في عالمنا المعاصر. فالحرية في عالمنا المعاصر محترمة ما لم تصطدم بالمجتمع وإن جرت الويلات على ذلك الشخص وأدّت به إلى البؤس والشقاء أمّا الحرية في الإسلام فتبقى محترمة ما لم تؤثر على المجتمع ولا تخل بسعادته

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 389

وتقوده إلى التعاسة. فالإسلام لا يسمح بالنزوع إلى الوثنية وعبادة الموجودات التي تدفع إلى السقوط والانحطاط، بينما تبيح ذلك المدارس المعاصرة. وللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ودعوة الآخرين إلى الخير وصدهم عن الشر درجات ومراتب، فما تعلق بالآخرين انطلق من الموعظة والنصيحة لأخوة الدين، بل يمكن توطيد العلاقة معهم وهذا النوع من مكافحة الفساد لا يؤدّي إلى أي فوضى، أمّا الدرجات الأرفع (كتنفيذ العقوبات وإجراء الحدود الإلهيّة بشأن العصاة) فلابدّ أن

تتم من قبل الحكومة الإسلامية وعلى غرار عهد النبي الأكرم صلى الله عليه و آله وليس لأي فرد عادي التصرف بمفرده.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 391

69 العفو والقصاص

سؤال:

دعى القرآن الكريم إلى إجراء القصاص وعدّه وسيلة ديمومة الحياة على الأرض فقال:

«وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ ...» «1»

واثنى على العقود والصفح فدعى إليه «وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ الناسِ ...» «2»

أفليس هنالك من تناقض؟

الجواب:

أولًا: لأغلب التشريعات آثار اجتماعية ونفسية، مثلًا في الوقت الذي سمح فيه لأولياء المقتول بالقصاص من القاتل، كفى لمن هم بإراقة دم غيره أن يرى حق القصاص- للذي منح لأولياء المقتول- ماثلًا أمام عينيه فيكف عن الفعل خوف الإعدام.

وعليه فمنح حق القصاص بذاته يستبطن حياة المجتمع ويحول دون القتل رغم قلّة ممارسة هذا الحق. بعبارة أخرى فإنّ مصدر بقاء البشر وضمان حياته إزاء المعتدي يتمثل في القدرة القانونية على القصاص لا ممارسته، ذلك ما يصد المعتدي هو تفكيره بقدرة

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 392

صاحب الدم الذي أراقه سيقتص منه في المحكمة، وهذا التفكير يحول دون ارتكابه للقتل.

إلّا أنّ الإسلام لم يجبر أولياء المقتول قط على ضرورة ممارسة هذا الحق القانوني، بل فوض لهم التنازل عن هذا الحق في العفو عن القاتل؟ و قبول الدية.

فقد حقق الإسلام بتشريعه لقانوني (القصاص والعفو) هدفين: حيث منح من جانب لأولياء المقتول حق القصاص والثأر فمنع بذلك تكرار الحوادث الدموية، وبالطبع لو لم يمنحهم هذا الحق لارتفع حجم الجريمة. ومن جانب آخر لم يحمل أولياء المقتول قسراً على القصاص وترك لهم استخدام حقّهم القانوني، بحيث لو رغبوا على ضوء بعض المصالح لتجاوزوا عن المقتول.

والنتيجة: لو لم يشرع القصاص لغاب الأمن والاستقرار وتهددت الحياة البشرية؛ ولو لم يمنح صاحب الحق الحرية في العفو والصفح، لكان التشريع

الأول ناقصاً. وربّما اقتضت بعض المصالح عفو صاحب الحق وترجيحه الصفح على الثأر؛ فكان قانون العفو مكملًا لحق القصاص.

ثانياً: لابدّ من الإلتفات إلى أنّ للقصاص مورد وللعفو مورد آخر، ففي الحالة التي يساعد فيها القصاص من الجاني في إشاعة الأمن وديمومة الحياة (بحيث لو أغمض عن القصاص لكان ذلك حثاً للآخرين على ارتكاب مثل هذه الجريمة): الأولى بأولياء المقتول ممارسة هذا الحق القانوني، أما إن ندم القاتل واقتضت المصالح الصفح عن جريمته، فالعفو هنا مقدم على القصاص، ولا يبدو تمييز هاتين الحالتين صعباً.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 393

70 سن زواج البنين والبنات

سؤال:

طالعتنا بعض الصحف مؤخراً بحوارات بشأن زيادة سن الزواج، حتى قيل عقد اجتماع بهذا الخصوص وصدر بياناً، وكأنّ طائفة من الشباب اقترحوا سناً لزواج البنين 20 سنة والبنات 25 سنة، «1» فما رأيكم بهذا الموضوع؟

الجواب:

أولًا: إنّ البلوغ وسن زواج البنين والبنات ليس موضوعاً تعاقدياً لنضع له حداً معيناً، بل أمر طبيعي وفطري خارج عن اختيارنا وحدودنا، وكل ولد أو بنت يبلغ في سنين معينة من عمره فيستقبل فصلًا جديداً من حياته. وقد عين هذا الفصل قبلنا كتاب الطبيعة ولا يتزحزح باجتماعاتنا وقراراتنا.

ويتزامن البلوغ مع تغييرات جسمية وروحية عميقة؛ فتتغير القامة وتزداد الطاقة البشرية وتتبدل أشكال الأعضاء عمّا كانت عليه، وتستجد ميولات خاصة في الإنسان لتوسيع الحياة، وتتفتح الرغبات الجنسية كتفتح البراعم في الربيع، ويتضاعف الشعور

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 394

بالحاجة إلى الشريك وتغلظ العظام وتتغير نغمة الصوت.

وعليه فقد أقر خالق الخلق هذه الحدود للحياة على صفحة وجودنا بخطه البارز، ولابدّ لنا من الرجوع إلى كتاب الخلق لا إلى هذا وذاك لتصفح أوراقه المتعلقة بعهد البلوغ والتفتح الجنسي لنعين السن القانوني للزواج على ضوء سنّة الخلقة وقوانينها، ونبتعد عن الخيال

والوهم.

ومن يتمرد على مطالعة كتاب الفطرة ودفتر الخلق ويعتبر البلوغ أمراً تعاقدياً ويعتقدبان الحقائق تابعة للنظريات والعقود إنّما يقف بوجه سنن الحياة وسيهزم في خاتمة المطاف؛ ذلك لأنّ هذه السنن لا تتبدل تبعاً لأحاديث الغافلين. وكما أنّ تكامل الجنين في رحم الأُم يستغرق تسعة أشهر ومن العبث أن يتصدى جماعة لكي يسنّوا قانوناً يجعل تكامله في الرحم سنة، كذلك يبدو عبثاً التصرف في حد البلوغ الذي يمثل أحد السنن الكونية. وقرار ذلك الاجتماع شبيه باجتماع أصحاب الدواجن ليقولوا هنالك أزمة اقتصادية تواجه العالم وحاجة ملحة للدجاج؛ وعليه فمن الآن فصاعداً ينبغى أن تستبدل مدّة الحادي والعشرين يوم للتفقيس بعشرة أيّام ليتضاعف مقدار الدجاج- والمراد من حديث النبي الأكرم صلى الله عليه و آله:

«لا تعادوا الأيّام فتعاديكم»، عدم مواجهة سنن الكون، فليست لهذه المواجهة من نتيجة سوى الهزيمة.

ثانياً: لابدّ من النظر إلى جميع الجوانب في تدوين القانون؛ لأنّ معدل سن البلوغ الجنسي في بنات بلدنا 14 سنة والبنين 16 سنة. ففي هذا الفصل من الحياة تتيقظ رغباتهم الجنسية، ولو رفعنا سن الزواج لاستسلم الطرفان للجماع الشاذ، وهذا ما يؤدي إلى آلاف المصائب الاجتماعية، أو الضغط على أعصابهم إزاء مقاومة طغيان الغريزة الجنسية ولمدّة طويلة إن أمكن ذلك لبعض الأفراد.

ثالثاً: أتعلمون أنّ الزواج وانتخاب الشريك يفجر الطاقات الكامنة فيفكر الأفراد المتزوجون بطريقة أفضل من العزاب حيث يتعذر التفكير الصحيح على الشاب الذي تشتعل لديه غريزة الشهوة ولا يمتلك الوسيلة المشروعة لاطفاء جذوتها. وهذه هي الحقيقة

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 395

التي اعترف بها بعض علماء النفس واجروا تجاربهم على أساسها.

ولو كان الغرض من رفع سن الزواج الحيلولة دون زيادة السكان، فهنالك عدّة حلول طرحت لعلاج هذه المشكلة، والصحيح أن

تعالج هذه المشكلة بالطرق العقلائية لا أن تلجأ لدفع الفاسد بالأفسد.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 397

71 هل صلة الرحم ضرورة دائماً؟

سؤال:

هنالك بعض الأفراد من القرابة ممن لا يراعون الموازين الشرعية في حياتهم فهل يجوز التواصل معهم؟ وهل نحن مكلّفون برعاية صلة الرحم في هذه الحالة؟

الجواب:

نعلم أنّ الأسرة مجتمع صغير، وكما أنّ لتماسك ومتانة علاقات المجتمع الكبير دوره في تقدم الإنسان مادياً ومعنوياً، كذلك لهذا المجتمع الصغير دوره المؤثر، ومن هنا أولى الإسلام بصفته دينا اجتماعياً موضوع صلة الرحم (التي تعني تقوية وترسيخ الروابط الاجتماعية والأسرية) أهمية فائقة حتى اعتبرها من الواجبات واعتبر قطعها من المحرمات والكبائر.

ويكفي في هذا الأمر ما أكّده القرآن كراراً أنّ الإنسان سوف يسأل يوم القيامة عن هذا الواجب، حيث قال: «وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً» «1».

ورد عن الإمام الصادق عليه السلام قال: إنّ رجلًا أتى النبي صلى الله عليه و آله قال: يارسول اللَّه أهل بيتي أبوا

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 398

إلّا توثّباً عليّ وقطيعة لي وشتيمة فارضهم؟ قال صلى الله عليه و آله: إذاً يرفضكم اللَّه جميعاً، قال: فكيف أصنع؟ قال: «تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمّن ظلمك، فإنّك إذا فعلت ذلك مان لك من اللَّه عليهم ظهير» «1».

كما صرح النبي صلى الله عليه و آله بأهمية هذا الموضوع في موضع آخر حتى قال: «أوصي الشاهد من أُمتي والغائب منهم ومن في أصلاب الرجال وأرحام النساء إلى يوم القيامة أن يصل الرحم وإن كانت منه على مسيرة سنة، فإنّ ذلك من الدين» «2».

وأن تؤدوا هذه الفريضة ولو يتحمل عناء السفر وأداء هذا الدَّين الأخلاقي والاجتماعي.

طبعاً لا شك في أنّ أداء أي واجب مشروط بعدم زوال المسائل الأهم، ولا

يستثنى من هذا القانون موضوع صلة الرحم. فزيارة الأفراد الذين لا يراعون الموازين الشرعية وصلتهم إن أدّى إلى إعادة نظرهم في أمور حياتهم والعودة إلى الالتزام بمقررات الدين أو على الأقل لم يكن لهذه الصِلة من أثر سي ء على روحية الأفراد ووضعهم العائلي كانت صلة الرحم هذه ضرورية وواجبة.

ولكن إن كان العكس بحيث أدّت صلة الرحم إلى تأثر الشخص بالمفسدين وأفكارهم المنحرفة، فما عليه إلّاالتخلّي مؤقتاً عن هذه الفريضة رعاية لأمر أهم وعدم تعرض عقائده إلى الخطر.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 399

72 هل إعانة الفقير دلالة على ضرورة الفقر؟

سؤال:

حثت الآيات القرآنية والروايات الإسلامية على مساعدّة المحرومين والمحتاجين حتى كان الفقراء والمحتاجين من مصارف الزكاة الثمانية، أو ليس التأكيد الإسلامي على إعانة الفقراء دليلًا على قبول الإسلام للفقر كقضية اجتماعية ثابتة في الشرع؟

الجواب:

أولًا: أشارت الأحاديث الواردة في الضرائب الإسلامية كالزكاة إلى هذه الحقيقة وهي أنّ المجتمع الإسلامي إن كان سليماً فلا مكان فيه للفقير والمحتاج، ولو أدى الناس حقوق اللَّه التي قررها لهذه الطبقة لما كان هنالك من أثر للفقر في المجتمع. قال الصادق عليه السلام: «لو أن الناس أدوا زكاة أموالهم ما بقى مسلم فقيراً محتاجاً ولاستغنى بما فرض اللَّه له وأنّ الناس ما افتقروا ولا احتاجوا ولا جاعوا ولا عروا إلّابذنوب الأغنياء» «1».

ويتبيّن من تأمل الأحاديث التي وردت بهذا الشأن أنّ الفقر الاقتصادي معلول لعدم قيام الأثرياء بوظيفتهم والظلم الاجتماعي لبعض الأغنياء. وعليه فالإسلام يرى الفقر نوعاً من

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 400

المرض والانحراف ورد فعل شاذ بسبب عدم سلامة أنظمة المجتمع، لا أنّه يقرّه كضرورة اجتماعية أو ظاهرة طبيعية في كيان المجتمع.

ثانياً: لم ينبثق الإسلام في مجتمع سليم، بل في مجتمع مريض بجميع جوانبه ومفعم بالتمييز والظلم، وبالطبع كان لابدّ

من مشروع لتحقيق هذا الهدف من خلال اجتثاث جذور الفقر والحرمان؛ لأنّ الفقر والحرمان كان من الأمور التي تجذرت في المجتمع آنذاك ولابدّ من استئصاله بالخطط الإسلامية الصحيحة.

ثالثاً: لا يخلو المجتمع الحر من بعض الانتهازيين والاستغلاليين الذين يسببون إرباكاً لأفراد المجتمع. وبالطبع لابدّ من مشروع وخطة تحبط مساعي وأنشطة هؤلاء الأشخاص.

فمثلًا، نرى في الإسلام قانون القصاص والحدود والديات والعقوبات المتعلقة بالسرقة والزنا وأنواع العدوان، ليس فقط في الإسلام، بل هذه القوانين هي السائدة في المجتمعات المتحضرة كافّة؛ فهل يسع احد الاستدلال بهذه القوانين على ضرورة وجود القتل والجريمة والأعمال المنافية للعفة في هذه المجتمعات، وإلّا كان سن مثل هذه القوانين لغواً، قطعاً لا، بل كل فرد يوجه هذه القوانين في أنّ المجتمع الذي يتألف من مختلف الأفراد ولا يسوده النظام الاجباري، ممكن أن يضم بعض المتمردين الذين لابدّ من عقابهم. مثلًا، وجود الطبيب والدواء ليس دليلًا على وجود المريض والمرض إلزاماً في المجتمع، بل إنّ كان هنالك مثل هؤلاء الأفراد فعلاجهم بهذه الطريقة.

وهكذا قضية مساعدّة الفقراء والمحتاجين، والهدف من مساعدتهم لا يعني وجود الفقر والفقراء على نحو الضرورة؛ بل المراد إن كان هنالك هؤلاء الأفراد وأفرز الظلم والإجحاف مثل هذه الفئة، فلابدّ من مساعدتهم وعلاج هذا المجتمع بأسرع وقت.

أضف إلى ذلك فهنالك بعض الأفراد في المجتمع الذين ينبغي أن يحصلوا على دعم بسبب عجزهم، كالأطفال اليتامى وقرابة الجنود الذين يستشهدون في ميادين الجهاد أو الكهول العجزة و ... فكل هؤلاء الأفراد ممن فقدوا قدراتهم ولا يسعهم مواصلة حياتهم ولابدّ من تغطية معيشتهم من بيت المال ومساعدّة الأثرياء، فليس لهم رواتب تقاعدية وليسوا من أصحاب الثراء. وبالطبع فإنّ الكلام الإسلامي في المساعدّة متعلق بهؤلاء.

اجوبة المسائل الشرعية،

ص: 402

القسم السادس التفسير

1 هل الأديان الأخرى حق؟

سؤال:

إنّ الإسلام نسخ سائر الأديان فما معنى تصريح بعض الآيات القرآنية من أنّ الأفراد أو المجتمعات والأقوام اليهودية والنصرانية والصابئة والمجوس إن آمنوا باللَّه وعملوا صالحاً فلا خوف عليهم يوم القيامة ولا هم يحزنون. أفلا تفيد هذه الآيات أنّ تلك الأديان حقّة ولم تنسخ من قبل الإسلام؟

الجواب:

نشير إلى الآيات الشريفة الواردة بهذا الشأن قبل الجواب:

1- «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ» «1».

2- «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ» «2».

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 404

3- «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْ ءٍ شَهِيدٌ» «1».

ربّما يتصور بادئ الأمر أنّ هذه الآيات تقول إنّ أتباع أيِّ من الأديان السابقة إن كان ممن آمن وعمل صالحاً فهو ناجٍ يوم القيامة وبالتالي فإنّ الأديان السابقة ليست منسوخة، وكل دين سبيل إلى اللَّه والإنسان مخيّر بانتخاب أيِّ سبيل ولا ضرورة للاقتصار على الإسلام.

وهذا الموضوع ورد كراراً ممن لم يقفوا على حقيقة القرآن الكريم.

لابدّ من الإلتفات إلى أنّ تفسير أية لا يتمّ بمعزل عن سائر الآيات، بل من تأمل الآيات السابقة واللاحقة للآية المراد الوقوف على مفهومها بالإضافة إلى سبب النزول.

وكان اتباع سائر الاديان التي ظهرت بعدالاسلام طبيعياً، اضف الى ذلك لم يكن من المناسب الاصطلاح على التشريع الاخر باسم الاسلام، والا لما صح ان يكتب النبي صلى الله عليه و آله كتبه الى زعماء و رؤساء كافة الاسم ويدعوهم لدينه، على ان دينه دين

عالمي و شريعته الخاتمة.

ورسائل النبي صلى الله عليه و آله وجهاد المسلمين لأهل الكتاب وروايات الأئمّة الأطهار عليهم السلام تشير جميعاً إلى نهاية الأديان إثر انبثاق الدعوة الإسلامية ولم تكن من نبوة سوى نبوة الخاتم محمد صلى الله عليه و آله.

وما هو هدف الآية:

تشير الآيات السابقة إلى حقيقتين: إجمالية ومفصلة:

1- لو كان اليهود والنصارى يؤمنون حقاً باللَّه واليوم الآخر، ولايقتصرون على الظاهر اذن ينبغي إيمانهم بالنبي صلى الله عليه و آله على ضوء التوراة والانجيل وسائر الكتب السماوية، لأن هذه

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 405

الكتب بشرت بنبي الإسلام صلى الله عليه و آله وأشارت إلى خصائصه بحيث يعرفونه كما يعرفون أبناءهم «1».

وقد بيّن القرآن الكريم ذلك فقال: «قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْ ءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ» «2».

طبعاً المراد من إقامة هذه الكتب العمل بمضامينها، واحد مضامينها نبوة محمد صلى الله عليه و آله ورسالته العالمية والتي وردت في هذه الكتب وأشار لها القرآن مراراً. فلو كان هؤلاء يؤمنون حقاً باللَّه ويوم القيامة، يجب عليهم الإيمان برسالة النبي التي تشكل أحد تعاليم العهدين، وسيكونون على هذا الأساس مسلمين ومأجورين قطعاً.

2- يتضح من خلال الآيات التي سبقت هذه الآية في سورة البقرة أنّها ترتبط بطائفة من أهل الكتاب التي آمنت باللَّه واليوم الآخر على عهد سابق الأنبياء وكانوا يلتزمون بأحكام دينهم آنذاك، وبالمقابل كانت هنالك طائفة أخرى حادت عن التوحيد وعبدت العجل حتى قالوا لموسى عليه السلام صراحة: لن نعبد اللَّه ما لم نره. فكان حالهم حسب ما ورد في القرآن «وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ» «3».

فقد

وردت الآيات المذكورة بغية التمييز بين الطائفتين من أهل الكتاب. وعليه ستكون الآية مختصة بتلك الطائفة من أهل الكتاب التي عاشت قبل بعثة النبي صلى الله عليه و آله. ويؤيد ذلك سبب نزولها، حيث كان المسلمون يفكرون في مصير الصلحاء من آبائهم وأجدادهم بعد أن ماتوا على دين آخر غير الإسلام. فنزلت الآية الشريفة لتعلن نجاة كل من آمن باللَّه واليوم الآخر ونبي زمانه و عمل صالحاً.

وقد تحدث سلمان إلى رسول اللَّه صلى الله عليه و آله حين رآه عن صحبه من رهبان دير الموصل، فالتفت إليه البعض فقال: كان جميعهم ينتظرون بعثتك لكنهم توفوا قبل أن تبعث. فقال

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 406

أحدهم لسلمان، إنّهم في النار، فشق ذلك على سلمان، فنزلت الآية لتعلن عدم الخوف والحزن على من مات مؤمناً ولم يدرك دعوة النبي صلى الله عليه و آله. والخلاصة فمن آمن على عهده فلا خوف عليه.

وعليه فلا علاقة لهذه الآية ببعض الافكار الخاطئة من قبيل صلاح أتباع الديانات كافّة، ولا يكشف هذا التفسير إلّاعن جهل بالقرآن وبغض النظر عن ذلك فليس للآية 17 من سورة الحج ادنى علاقة بمدّعاهم ومفادها أنّ اللَّه سيقضي يوم القيامة بين جميع الأمم ولا يعني هذا فلاح الجميع «1».

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 407

2 ما علة طلب الهدى إلى الصراط المستقيم؟

سؤال:

رغم أنّ النبي الأكرم صلى الله عليه و آله والمسلمين هدوا إلى الصراط المستقيم لكنّهم يسألون اللَّه في الصلاة: «اهْدِنَا الصِّرطَ الْمُسْتَقِيمَ» أوَليس هذا تحصيل للحاصل؟

الجواب:

إن عالم الوجود بكل مكوناته- المادية والمعنوية- آيلة للزوال وعرضة للتغير، كما أنّ أصل انبثاق ظاهرة يحصل في ظل علّة وظروف معينة، ويتطلب استمرارها عناية خاصة ليكسوها ثوب البقاء ويحول دون زوالها. ويشمل هذا القانون موضوع الهدى إلى الصراط

المستقيم، وبقاء واستمرار هدى الفرد أو المجتمع يتطلب عناية وشرائط خاصة، وإلّا يمكن أن يهتدى فرد وينحرف لاحقاً فيضل بعد الهدى.

وعليه فمصير الفرد والمجتمع مبهم مهما كان على الهدى الآن ويمتلك عقائد سامية.

وعليه أن يستفيد من هذا الوضع ويتجه إلى اللَّه ويسأله دوام هذه النعمة التي يمكن زوالها في كل آن.

فعندما يقول المهتدي: «اهْدِنَا الصِّرطَ الْمُسْتَقِيمَ» الهدف منه ثبتنا على هذا الطريق

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 408

وأدم علينا هذه النعمة.

وقال صاحب مجمع البيان: إنّ نظير هذه التعبيرات كثير لدينا، وإنّك حين تشعر بأنّ ضيفك يسعى إلى ترك الطعام تقول له: تفضل كل، في حين هو ما زال يأكل، لكن مرادك مواصلته للأكل حتى يشبع.

3 ما المراد من خلق السموات والأرض في ستة أيّام؟

سؤال:

قال اللَّه تعالى «إِنَّ رَبَّكُمْ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّموَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ...» «1»

فما المراد بالأيّام الستة؟ فالليل والنهار لم يكن آنذاك، أضف إلى ذلك لِمَ لم يخلقها في لحظة واحدة؟

الجواب:

يشتمل السؤال على قسمين؛

الأول: ما المراد من الستة أيّام ولم يكن آنذاك ليل ونهار؟

الجواب: إنّ للفظ «اليوم» عدّة معانٍ حسب العبارات. وعادة ما يعني ضد الليل والذي ورد كثيراً في القرآن الكريم، لكنّه يستعمل أحياناً بمعنى العهد، بحيث لو كان لشي ء عهود مختلفة لاطلق على كل عهد يوماً. فمثلًا يقول رجل كهل: يوماً كنت صبياً ويوماً شاباً واليوم أنا كهل. لأنّ هذه العهود كحلقة السلسلة المتصلة الواحدة بالأخرى كثلاثة أيّام متصلة، ومن هنا يعبر عن هذه العهود الثلاثة باليوم.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 410

قال علي عليه السلام: «الدهر يومان؛ يوم لك ويوم عليك» أي للإنسان عهدان طيلة حياته، عهد يبلغ فيه ذروة قوته وآخر ذروة ضعفه.

وعلى هذا الضوء فالمراد من الستة أيّام (العهود الستة) التي مضت على السموات والأرض لتكون بوضعها

الفعلي، أي أنّ هذا الوضع الفعلي للأرض والسماء نتيجة سلسلة تحولات متواصلة ظهرت فيهما، وبالتالي أصبحتا بهذا الشكل بعد طي تلك المراحل، وربّما استغرق (العهد) عشرة ملايين أو مليارات السنين.

القسم الثاني: لِمَ لم يخلقها في لحظة واحدة؟

الجواب: إنّ العالم الذي نعيش فيه عالم المادة والتكامل التدريجي من ملازمات الوجود المادي، والأمور المادية بالطبع تغيرت خلال الزمان من صورة إلى أخرى واجتازت مراحل لتتحول بالتالي إلى ظاهرة متكاملة ولا يستثنى من ذلك قانون الأرض والسماء. ولو أخذت أية ظاهرة مادية لرأيت تكاملها التدريجي. فالنباتات مثلًا بعد مدّة من الزمان تتحول إلى أشجار عملاقة، وهكذا المعادن الجوفية والحيوان والإنسان الذي لا يستطيع العيش في هذا العالم الواسع ما لم يُنِه مرحلته الجنينية، وهذا القانون ساري المفعول بالنسبة لعالم الوجود برمّته.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 411

4 ما المراد من السموات السبع؟

سؤال:

ما المراد من السموات السبع التي أشار لها القرآن الكريم؟

الجواب:

ذكر المفسرون عدّة تفاسير للسموات السبع الواردة في القرآن الكريم:

1- المراد من عدد السبعة هنا، الكثرة؛ السموات الكثيرة، وهذا ما نستعمله كثيراً ولا نقصد به ذات العدد، بل الكثرة، فنقول على سبيل المثال: قلت لك هذا الموضوع خمسين مرّة، أو طالبته بالمبلغ عشر مرات، والمراد كثرة العدد.

قال اللَّه تعالى بشأن كلمات اللَّه- علمه-: «وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» «1»

. فمن البديهي أنّ العدد سبعة هنا أريد به الكثرة، وإلّا فنحن نعلم لو أضفنا عشرة أو مئة بحر لما أمكن احصاء كلمات اللَّه، ذلك أنّ اللَّه لا متناهٍ من جميع الجهات، وكذلك الأعداد الأخرى في القرآن كالسبعين وأمثاله إنّما تستعمل للكثرة، ولا تفيد عدداً معيناً.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 412

2-

المراد من السموات السبع السيارات التي كانت معلومة للناس حين نزول القرآن آنذاك، أو السيارات التي ترى اليوم بالعين المجردة.

3- المراد طبقات الجو المختلفة والغازات المحيطة بالأرض.

4- يعتقد بعض الأعلام أنّ الكواكب والنجوم والمجرّات التى ترى كلها جزء من السماء الأولى ومن ورائها ستة عوالم كبرى. ومراد القرآن من السموات السبع، مجموع العوالم السبعة في عالم الوجود، ورغم أنّ العلم لم يُمطِ اللثام سوى عن واحدة، ولكن لا مانع من تقدم العلم ليكشف في المستقبل العوالم الستة الأخرى خلف هذا العالم المحسوس. وقد استدل اصحاب هذا الرأي بالآية: «إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ» «1»

. يستفاد من هذه الآية أنّ جميع الكواكب في السماء الأولى (لابدّ من الالتفات إلى أنّ الدنيا في العربية تعني الأسفل والقريب).

جدير بالذكر أنّ الآيات والروايات التي ذكرت السموات كسبع لا تفيد تأييد «نظرية الهيئة» لبطليموس التي ترى السموات كأفلاك تشبه قشور البصل (لأنّ عدد الأفلاك والسموات حسب هذه النظرية تسعة).

وأمّا الأرضين السبع التي وردت الإشارة إليها في القرآن وفي بعض الأحاديث فقد تحدثت عنها نظريات كالسابقة في أنّ المراد من (السبع) الكثرة، أو أنّه إشارة إلى مختلف طبقات الأرض، أو الأرضين السبع هي: عطارد والزهرة وزحل والأرض والمريخ والمشتري والقمر؛ أي كرات المنظومة الشمسية التي نراها. وعليه فالمراد بالسموات السبع الفضاء الذي يعلو هذه الكرات.

بعبارة أخرى تعتبر هذه الكرات أرضاً وسمواتها ما حولها من أجواء وفضاء. هذه خلاصة تفاسير العلماء والمفسرين بشأن السموات السبع والأرضين السبع، وبالطبع فإنّ توضيح القرائن التي تؤيد أيّأ من التفاسير، ولا سيما التفسير الأخير الذي يبدو أقربها إنّما يتطلب شرحاً مسهباً.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 413

5 اين المشرقين والمغربين؟

سؤال:

ما المراد من قوله تعالى: «رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ»؟ «1»

الجواب:

ورد

استعمال المشرق والمغرب في القرآن بصيغة التثنية: «رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ» وبصيغة الجمع: «فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ» «2»

ويقول في موضوع آخر: «وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا ...» «3»

وعليه فالمشرق والمغرب بصورة الجمع يفيد تعدد الأفراد وبصيغة التثنية يفيد فردين.

وقد ذكر المفسرون معنيين؛

الأوّل: أنّ المراد من المشرقين والمغربين مشرق ومغرب نصفي الكرة الأرضية؛ أي

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 414

الشمالي والجنوبي أو الشرقى والغربي، حتى عدّ البعض إشارة إلى نصف كرة جديدة، أي «قارة أمريكا» قبل اكتشافها وهذا خارج عن موضوع البحث. والمراد من المشارق والمغارب مختلف نقاط الكرة الأرضية حيث إنّ كل نقطة مشرق بالنسبة لنقطة، ومغرب بالنسبة لأخرى.

وبعبارة أخرى فإنّ أحد خواص الكرة أنّ كل نقطة منها مشرق بالنسبة للنقطة المقابلة للمغرب، ومغرب بالنسبة للنقطة المقابلة للمشرق، ومن هنا اعتبر البعض هذه الآيات إشارة لكروية الأرض.

الثاني: أنّ المراد من تعدد المشرق والمغرب هو تعدد نقطة الشروق والغروب الحقيقيين للشمس؛ ذلك لأنّ الشمس تشرق يومياً من نقطة وتغرب في أخرى. وعليه لو أخذنا مجموع المشارق والمغارب لعبرنا بصيغة الجمع، وإن أخذنا آخر نقطة الميل الأعظم الشمالي للشمس (أول الصيف) وآخر نقطة الميل الأعظم الجنوبي (أول الشتاء) للزم التعبير بصيغة المثنى، وهذه إحدى روائع القرآن الكريم في إلفاته الإنتباه إلى الأسرار العظيمة للخلق بعبارة قصيرة؛ لأننا نعلم أنّ لتغيير شروق وغروب الشمس تأثيراً عظيماً في تنمية النباتات والزهور والثمار وبصورة عامة الأحياء كافّة.

6 كيف يؤيد القرآن كروية الأرض؟

سؤال:

هل هنالك شواهد قرآنية وروائية على كروية الأرض؟

الجواب:

إنّ أحد أسرار الوجود التي أشار لها القرآن موضوع كروية الأرض، وهذا ما نستفيده من الآيات القرآنية ومنها:

1- «وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا ...» «1».

2- «رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ

وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ» «2».

3- «فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ» «3».

توضيح ذلك: إنّ هذه الآيات كما ورد سابقاً تفيد جميعاً تعدد المشارق والمغارب ونقطتي شروق وغروب الشمس ولازمة ذلك كروية الأرض؛ لأنّه لو كانت الأرض مسطحة

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 416

ومستوية فسوف لن يكون للعالم أكثر من مشرق ومغرب. وعليه فتعدد المشارق والمغارب دلالة واضحة على كروية الأرض.

الروايات وكروية الأرض:

كما تفهم كروية الأرض من بعض الروايات، منها ما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام قال:

«صحبني رجل كان يمسي بالمغرب ويغلس بالفجر وكنت أنا أصلي المغرب إذا غربت الشمس وأُصلي الفجر إذا استبان الفجر، فقال لي الرجل: ما يمنعك أن تصنع مثل ما أصنع؟

فإنّ الشمس تطلع على قوم قبلنا وتغرب عنّا وهي طالعة على قوم آخرين بعد. قال: فقلت:

إنّما علينا أن نصلّي إذا حجبت الشمس عنّا، وإذا طلع الفجر عندنا اليس علينا إلّاذلك، وعلى أولئك أن يصلّوا إذا غربت الشمس عنهم ...» «1».

وقد بيّن الإمام عليه السلام هذه الحقيقة في رواية أخرى فقال: «إنّما عليك مشرقك ومغربك». وكل هذا طبعاً بسبب كروية الأرض.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 417

7 حركة الأرض الوضعية

سؤال:

هل ما يعتقده علماء الفلك بأنّ الأرض كروية وتدور حول نفسها بسرعة، حقيقة علمية أم فرضية؟ وعلى فرض حركتها فما آثارها العلمية والحسية؟ ولم يشاهد كوكب الجدي الذي يعين القبلة في موضع واحد؟ وهل في القرآن والروايات ما يؤيد هذا الموضوع؟

الجواب:

تعتبر كروية الأرض وحركتها من القضايا العلمية المسلمة اليوم فقد أورد العلماء عدّة أدلة على ذلك، ولعل أوضح الأدلة «استدلال باندول» فلو علق جسم ثقيل بحبل في نقطة مرتفعة وحرك لاستمر مدّة في حركته؛ ولو كانت الأرض ساكنة لانبغى تردد ذلك الجسم على خط معين، بينما دلّت التجربة

على أنّ حركته لن تكون مستقيمة على خط معين وينحرف أكثر تدريجياً عن الخط الأول.

فأثبتت هذه التجربة أنّ للأرض حركة دائمية من جهة معينة إلى أخرى ويمكن تعيين جهة هذه الحركة من جهة الغرب إلى الشرق على تلك الخطوط (يمكن الوقوف على تفاصيل هذا الدليل من خلال مختلف الصور في كتب الهيئة). كما أكّدت التجربة: لو قذف

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 418

بحجر من نقطة مرتفعة فانّه لا يسقط على خط مستقيم على الأرض، بل يتجه في سقوطه قليلًا إلى المغرب وهذا يدل على حركة الأرض الدورانية من الغرب إلى الشرق.

أمّا رؤيتنا «الجدي» دائماً في موضع واحد فذلك لأنّ هذا الكوكب يقع تقريباً مقابل محور الأرض. ومن البديهي لو أدَرنا كرة حول محور (كان نغرز أُبرة وسط تفاحة ونديرها حول تلك الأُبرة) لرأينا أنّ نقطة المحور ثابتة دائماً، ومن هنا يبدو كوكب الجدي القطبي ثابت دائماً.

وأمّا بشأن وضع الأرض في النقطة المقابلة لنا (في القسم الذي تحت الأرض) فلابدّ من الإلتفات إلى أنّ الأرض كونها كروية فإننا نرى وضعاً متساوياً أينما ذهبنا، أي سنرى النقطة التي فوقنا سماءً والتي تحت أرجلنا أرضاً، والجاذبية تحفظنا على الأرض في كل مكان.

طبعاً أغلب الكواكب الواقعة في نصف الكرة الأرضي الجنوبي ترى، بينما تتعذر رؤيتها في النصف الشمالي وبالعكس؛ وهكذا السيارات ترى أحياناً في نقطة من الأرض واحياناً أخرى في نقطة أخرى

وأمّا الآيات والأخبار التي تدعم نظرية حركة الأرض فمنها:

1- «وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْ ءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ» «1»

ويتصور أحياناً أنّ الآية متعلقة بأوضاع القيامة في أنّ الإنسان سيرى الجبال يوم القيامة هكذا، إلّاأنّ العبارة «صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ

كُلَّ شَيْ ءٍ» تفند ذلك، فهي لا تتناسب مع يوم القيامة؛ يوم تغير المنظومة الشمسية لا يوم اتقان الخلق، وبعبارة أوضح: أن ذيل الآية الذي يتحدث عن اتقان الصنع أنسب لاستحكام النظام لا للانقلاب. فظاهر الآية يشير إلى حركة الجبال وإن بدت لنا ساكنة وعديمة الحركة. وربّما يقال لم تحدث القرآن عن حركة الجبال دون الأرض، والحال حركة الجبال تابعة لحركة الأرض.

قلنا: إنّ كل جسم كروي يدور حول نفسه إنّما تلمس هذه الحركة من خلال ما عليه من

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 419

نقوش وألوان، إضافة إلى أنّ الجبل مظهر عظمة ومن هنا ذكر دون الأرض، وإلّا لا معنى لحركة الجبال دون حركة الأرض. والطريف استعمال لفظ الجمود بدل السكون الأعمق في بيان فكرة سكون الأرض المتوهمة من قبل الإنسان. وعلّة تشبيه اللَّه لحركة الجبال بحركة السحاب أنّ حركة الأرض هادئة وصافية وفي نفس الوقت سريعة كحركة السحاب!

2- «الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً ...» «1»

فالقرآن الكريم يشبّه الأرض بالمهد، ولعل أحد جهات الشبه أنّ للأرض حركة دورانية على غرار حركة المهد «2».

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 421

8 ما تفسير هذه الآيات؟

سؤال:

ما المراد بالآية الشريفة «فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ* الْجَوَارِ الْكُنَّسِ»؟ «1»

الجواب:

«الخُنَّس»: تعني لغوياً الرجوع، و «الكُنَّس»: الخفي والجوار جمع جارٍ، والمراد من هذه الآيات كما تشهد ما قبلها وما بعدها من آيات وأيّده المفسرون، الكواكب السيارة التي ترى بالعين (عطارد والزهرة والمريخ والمشتري وزحل) وهي في حركة وتظهر أحياناً وتغيب أخرى ويلفت القرآن الانتباه إلى وضعها الخاص والاستثنائي وحركتها وعظمة خالقها بواسطة القسم بها.

كما ينبغي الإلتفات إلى هذه النقطة وهي أنّ علماء الفلك اصطلحوا عليها بالنجوم «المُتَحَيِّرة» لأنّها لا تتحرك على خط مستقيم، ويبدو أنّها تسير مدّة ثم تعود، ومن ثم تواصل

مسيرتها، وقد وردت عدّة أبحاث في كتب الهيئة بشأن أسباب ذلك. ولعل الآيات المذكورة التي وصفت هذه النجوم (بالجوار الكنس) أشارت إلى خط السير المتأرجح لهذه

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 422

الكواكب (طبعاً لهذا السير جانب ظاهري في مشاهدتنا). على كل حال فهذه كواكب سيارة ووضعها الاستثنائي شخّص كونها من الثوابت.

9 هل ليلة القدر واحدة في جميع العالم؟

سؤال:

وردت عدّة مطالب في الإسلام بشأن أهمية وعظمة «ليلة القدر» كما وردت بعض الأعمال عن الأئمّة عليهم السلام بشأن هذه الليلة المتوقعة حسب المشهور في 19 أو 21 أو 23 من شهر رمضان.

ويبدو أنّ ليلة القدر ليست أكثر من ليلة واحدة طيلة السنة، لكننا نعلم وعلى أساس اختلاف الأفق أنّ شهر رمضان يكون أبكر ليوم أو يومين في بعض البلدان وفي البعض الآخر متأخر ليوم أو يومين، وعليه فستختلف ليلة القدر ليلة أو ليلتين، فتكون ليلة القدر متعددة حسب اختلاف البلدان. فكيف التوفيق بين وحدة ليلة القدر طيلة السنة، أم أنّ ليلة القدر تقتصر على عهد النبي صلى الله عليه و آله ومكة ولا قدر في الأزمنة المتأخرة؟

الجواب:

تفيد الأدلة القطعية عدم اختصاص ليلة القدر بعهد النبي صلى الله عليه و آله وتشمل الأماكن والأزمان كافّة وهذا ممّا لا نقاش فيه. وبرز هذا الإشكال من هذا التصور أنّ ليلة القدر واحدة ومشتركة بين مختلف مناطق العالم لتبدأ بساعة معينة وتنتهي بأخرى. والحال هذا تصور

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 424

خاطئ، لأننا نعلم بأنّ الأرض كروية، ودائماً هنالك نصف مظلم وآخر مضي ء. وعليه فلا يمكن أن يكون الليل مشترك في أنحاء الأرض كافّة.

توضيح ذلك: أنّ أهالي كل منطقة يبدأون عامهم القمري حسب أفقهم بأول يوم من محرم، وبعد مضي عدّة أشهر قمرية يبدأ شهر رمضان حسب أفقهم أيضاً، وفي

هذا الشهر تكون ليلة التاسع عشر أو الحادى والعشرون أو الثالث والعشرون بالنسبة لأهل تلك المنطقة ليلة القدر. ولا يقتصر الأمر على ليلة القدر بل يشمل حسابهم لسائر الأيّام المقدّسة على أساس أفقهم، مثلًا عيد الفطر والأضحى من الأيّام المقدّسة لدى المسلمين وفيها أعمال خاصة، وكل يوم من هذين العيدين واحد لا أكثر، يتعين هذا اليوم لكل بلد إسلامي على ضوء أفقه الخاص، ومن هنا نشهد أغلب أوقات عيد الأضحى مثلًا في العربية السعودية أبكر من ايران وسائر البلدان الإسلامية بيوم.

وعليه فليلة القدر محفوظة لكل بلد ولا يتنافى هذا أبداً مع خصائص الليلة من نزول ملائكة الرحمة وسعة العفو الإلهي.

10 كيف رأى ذو القرنين غروب الشمس في عين حمئة؟

سؤال:

قال تعالى في الآية 86 من سورة الكهف ضمن قصة ذوالقرنين: «حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ...» فما المراد من العين الحمئة وكيف تغرب الشمس فيها على عظمتها؟ إلّايتعارض هذا مع كروية الأرض وحركتها حول الشمس والمضمون الجديد للهيئة؟

الجواب:

معنى الآية على ضوء آخر تحقيقات الأعلام والمفسرين بشأن قصّة ذوالقرنين، أنّه واصل مسيرته من جانب المغرب حتى وصل البحر (هنالك اختلاف بين المفسرين هل المراد المحيط الأطلسي أم البحر الأبيض المتوسط، وهل نهاية مسيرته من جانب المغرب كانت مراكش أم أزمير في تركيا). على كل حال كان ذوالقرنين على الساحل حين الغروب ويتطلع إلى هذا المنظر الرائع، وحيث يبدو لكل من يقف على ساحل البحر أنّ الشمس تأخذ بالغروب شيئاً فشيئاً في نهاية أفق البحر، فقد أشار القرآن إلى ذلك الاحساس لذي القرنين بأنّه: «وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ...».

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 426

وعليه فالآية مؤيدة لكروية الأرض، والمراد من العين الحمئة ذلك البحر الذي تغرب فيه الشمس. أمّا لماذا عبر

القرآن عن ماء البحر بالعين، فقد أجاب المفسرون بأنّ أحد المعاني السبعة للعين هو الماء الكثير، وحيث إنّ مياه البحار والمحيطات كثيرة تصب فيها مياه الأنهار والشطوط والجداول فقد عبّر عنه القرآن بالعين، بمعنى الماء الوفير ومصب المياه.

وأمّا علة تعبير القرآن عن ماء البحر بالحمئة فذلك للأسباب التالية:

1- إنّ مياه ساحل البحر يتخذ شكل قائم وشبيهاً بالطين بفعل سقوط المياه الطينية للأنهار والأطيان الساحلية.

2- حين تنعكس الشمس على مياه البحار حين الغروب تتخذ مياه البحر لوناً قاتماً، ولهذا شبهها القرآن بالحمئة.

3- كلما كان الماء أكثر وأعمق يبدو أزرق مسود، ولما كان الماء الذي رآه ذوالقرنين كثيراً وعميقاً فقد وصفه القرآن الكريم بالماء المخلوط بالطين الأسود «1».

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 427

11 القرآن وتسخير الكواكب

سؤال:

هل أشار القرآن إلى الكرات السماوية التي نجح العلماء في غزوها تقريباً أم لا؟ وهل سيحققون نجاحات أكثر؟

الجواب:

لا شك في أنّ الإنسان منذ اليوم الأول الذي أتى فيه إلى العالم في حالة تكامل؛ ولا يمضي يوم حتى نراه يحث الخطى نحو التكامل بهدف الوقوف على أسرار عالم الوجود.

وعليه فلا مانع من حلول اليوم الذي ينفتح فيه الإنسان على العالم العلوي بما منحه اللَّه من وسائل وإمكانات.

وقد وردت بعض الآيات بشأن تسخير السماء والأرض للإنسان، ولعلها لا تخلو من إشارة إلى هذا الأمر؛ فالشمس والقمر وكل ما في السموات وإن سخر للإنسان منذ اليوم الأول، إلّاأنّ لهذا التسخير والانتفاع به درجات؛ وأكملها جميعاً أن يكون مهداً للحياة.

وإليك طائفة من الآيات بهذا الخصوص:

1- «وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 428

لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ» «1».

2- «أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّموَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ

عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ...» «2».

3- «وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَر» «3»

. وقد وردت هذه العبارة في مختلف السور.

وعلى ضوء هذه الآيات يصرح القرآن أنّه سخر لنا ما على الأرض منذ اليوم الأول، والحال لم يظفر الإنسان بالمصادر الكامنة تحت الأرض دفعة واحدة، بل وقف على بعضها تدريجياً وخلال عصور. ويتضح من هنا أنّ المراد ليس تسخير كل ما في الأرض من ذخائر لجميع البشر، ذلك لأنّ أغلب هذه المعادن اكتشفت بمرور الزمان، وقد نجحت جماعة في كل عصر باكتشاف المصادر تحت الأرض، بل المراد المجتمعات البشرية كافّة المتواجدة طيلة الزمان، وإن ظفر البعض بجزء منها.

ولا يستبعد نجاح الإنسان مستقبلًا في اكتشاف مصادر جديدة لا يمتلك عنها اليوم أي معلومات. وعليه فما المانع من أنّ السيارات سخرت للإنسان منذ اليوم الأول، مع ذلك فالإنسان يستفيد منها أكثر طيلة الزمان ويكتشف كرات جديدة، وأكمل وأتم مصداق ما أورده القرآن الكريم: «وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ» «4».

أضف إلى ذلك يستفاد من الآية 33 من سورة الرحمن أنّ الإنسان سيتمكن بالاستفادة من الإمكانات العلمية والوسائل الصناعية من السفر إلى الفضاء الخارجي حيث قالت: «يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ».

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 429

12 هل هذه الآية اشارة إلى وسائط النقل المعاصرة؟

سؤال:

قال تعالى في سورة النحل بعد الإشارة إلى خلق الأنعام التي تحمل أمتعة الإنسان «وَيَخْلُقُ مَا لَاتَعْلَمُونَ» «1»

فهل المراد منها وسائط النقل المعاصرة؟

الجواب:

ذكر المفسّرون احتمالين للآية؛ الأول: المراد من خلق ما لا نعلم، الوسائط النقلية الحديثة التي لم تكن معلومة للإنسان آنذاك. ويؤيد ذلك كلمة «لتركبوها».

والاحتمال الثاني: أنّ المراد الكائنات والأحياء في أعماق البحار والغابات وسائر المناطق النائية والتي كانت خفية على الإنسان في ذلك

الوقت. وبناءً على الاحتمالين فإنّ الآية المذكورة من آيات القرآن الاعجازية، لأنّها تخبر عن موجودات كانت خفية على الإنسان، وستتضح له لاحقاً بتقدم العلم.

13 هل تدعم هذه الآيات نظرية تكامل الأنواع؟

سؤال:

سعى أحد الكتاب لتطبيق بعض الآيات على نظرية «الترانسفورية» (التكامل التدريجي للأحياء من نوع إلى آخر) ليثبت أنّ القرآن يدعم نظرية النشوء والارتقاء فاستدل بهاتين الآيتين:

1- «أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً» «1»

حيث فهم من كلمة «من قبل» و «لم يك شيئاً» أنّ الإنسان لم يك شيئاً قبل بلوغ مرحلة التكامل، لكنّه كان يعيش مع الحيوانات- من الحيوانات الأحادية إلى القرود التي تشبه الإنسان- ولم يكن له أي تكامل مادي أو معنوي.

2- «هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً» «2»

وهنا أيضاً فهم أنّه «لم يكن بشيئاً مذكوراً» في الكتب السماوية ولم يمتلك من تكامل يؤهله لأن يذكر في صحف إبراهيم والتوراة والانجيل والقرآن. فهل هذه الآيات تؤيد حقاً النظرية المذكورة، وبخلاه فما تفسيرها؟

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 432

الجواب:

نعتقد بأنّ الآيات المذكورة لا علاقة لها بنظرية النشوء والارتقاء، واليك تفسير الآية الأولى: يعتبر المعاد من المواضيع الشائكة التي يصعب على الإنسان الاقتناع به والذي يقصد به الحياة في عالم الآخرة. ومن هنا وردت عدّة آيات تصف حالة المنكرين ومنها الآيات 66، 67 و 68 من سورة مريم.

فقد قال تعالى في بيانه لانكار المنكرين والرد عليهم: «وَيَقُولُ الْإِنسَانُ أَءِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً* أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً* فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ ...». ونلاحظ أنّ ما استدل به الكاتب من قوله تعالى: «أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً» هو ردّ على من تساءل عن كيفية الحياة بعد الموت،

أوَلا يذكر هؤلاء خلقتهم الأولى فقد خلقناهم من العدم «لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً» فهؤلاء الذين أمددناهم بهذه القوة كيف يعتقدون باستبعاد إحيائهم ثانية رغم بقاء مادتهم وطاقتهم.

وعليه فالآية ليست بصدد بيان معيشة الإنسان بين سائر الحيوانات قبل بلوغه مرحلة التكامل، بل هي كسائر الآيات الكثيرة الأخرى في مقام إثبات القيامة والرد على المنكرين.

تفسير الآية الثانية: أنّ الطفل حين يولد ويتعرض إلى برد شديد في ظل ظروف معينة قد يؤدّي به ذلك إلى الموت. فإن ظهر رجل صالح وحمله إلى بيته وعامله برأفة واحسان وأغدق عليه مختلف النعم حتى بلغ مرحلة وانفصل عن الرجل وحصل على جميع الإمكانات بما جعله ينسى فضل ذلك الرجل، بل ربّما يصطدم به بغية الحصول على بعض المنافع وبالتالي كفره بنعم ذلك الرجل. وهنا يحق لهذا الرجل أن يذكره بعجزه ويذمه على جحد النعمة. واللَّه تعالى سلك هذا السبيل أوائل سورة الإنسان لايقاظ المتجبرين الذين نسوا بداية خلقهم وسلكوا طريق كفران النعمة. ولذلك قال القرآن «لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً» وإرادة اللَّه هي التي خلقته من العدم وكسته لباس الإنسانية فهل نسى هؤلاء كل هذه النعم ليسلكوا طريق الكفر. وعليه فليس للآية المذكورة من علاقة بنظرية النشوء والارتقاء.

14 هل تتعارض هذه الآية مع عالمية الإسلام؟

سؤال:

ألا يفهم من الآية الكريمة: «وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ» «1»

أنّها تتعارض مع عالمية الرسالة، فلو كانت نبوته صلى الله عليه و آله عالمية ولجيمع الأفراد لَما كان القرآن بلغة أمّة معينة؟

الجواب:

لابد أن يكون الكتاب السماوي للأنبياء الذين بعثوا لهداية عامة الناس بلغة قومهم بفعل انطلاق دعوتهم من هناك، ومن ثم اعتمادهم مختلف الطرق لنشر دعوتهم إلى سائر الأمم.

ويسعى اليوم علماء كل بلد لتدوين كتبهم بلغة أُممهم، رغم أنّ مضامين

كتبهم لا تقتصر على أمّة معينة. وحيث بعث نبي الإسلام صلى الله عليه و آله من وسط عربي وكانت بداية دعوته مع العرب، كان كتابه بأحد أوسع لغات الدنيا الحية وهي العربية، بينما تتعلق قوانينه وأحكامه بالعالم أجمع.

ولو كانت هنالك لغة عالمية تتكلم بها جميع الأمم والشعوب حين بعث النبي صلى الله عليه و آله لأمكن

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 434

نزول الكتاب السماوي بتلك اللغة. والحال لم تكن مثل هذه اللغة آنذاك ولم تتحقق لحد الآن. وعليه فعربية القرآن لا تنافي عالميته.

بعبارة أوضح: أنّ الآية تقول إنّا أرسلنا كل نبي بلسان قومه لا أنّ نبوّته ورسالته مقتصرة على أولئك القوم. ومن المسلّمات أيضاً أنّ الإسلام يسمو على اللون والعرق واللغة ويرى العالم جميعاً وطنه، وعربية القرآن باعتبار عدم وجود لغة عالمية ليس بدليل على جزئية الإسلام.

وأخيراً لدينا عدّة أدلة على عالمية الإسلام لا مجال لذكرها.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 435

15 لماذا يطلق اللَّه على نفسه ضمير الجمع؟

سؤال:

لماذا يطلق اللَّه على نفسه صيغة الجمع وهو الواحد الأحد؟

الجواب:

استعمال ضمير المتكلم الجمع (نا) إشارة إلى عظمة المتكلم واللَّه الأنسب لذلك من الجميع. وقال الأدباء في دلالة ضمير الجمع على العظمة في أنّ عظماء الأفراد ليسوا لوحدهم عادة، فهنالك العديد من الخدم والحشم والمرافقين، وهو بالتالي تجمع، ولذلك كان الضمير كناية للعظمة.

وعليه فضمير الجمع في كلمات اللَّه يذكرنا بعظمة اللَّه وكل هذه القدرة المطلقة وأسرار عالم الوجود المنقادة له ليكتمل توحيدنا وتوجهنا لذاته القدّسية.

16 السمع والبصر في القرآن الكريم

سؤال:

لم وردت كلمة السمع مفردة في هذه الآية والقلب والبصر بصيغة الجمع: «خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ...»؟ «1».

الجواب:

قال بعض المفسّرين: السمع هنا بمعنى مصدري وأن يضاف إلى كلمة استفيد منها معنى الجمع والعموم فلا حاجة لجمعه، بينما ورد القلب والبصر بمعنى الاسم «عضو خاص» فجاء بصيغة الجمع.

وذهب البعض من المحققين في بيانهم للفارق بين التعبيرين، أنّ الإنسان يدرك عدّة أشياء بقلبه وفكره كما يتحسس ببصره مختلف الألوان والأشكال، وحيث مدركات هذين العضوين متعددة فكان لكل فرد منّا قلوب وأبصار، بينما لا نسمع بالأذن سوى الأمواج الصوتية ولذلك ورد بصيغة الفرد. صحيح أنّ الأصوات متنوعة، إلّاأنّ تنوعها ليس كتنوع ما يرى بالبصر من أشياء، وهكذا ما يدركه الإنسان بقلبه.

17 لماذا يحرق المعبود الباطل؟

سؤال:

ورد بشأن المعبود الباطل في الآية «إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ» «1»

وهنالك بعض الحيوانات التي عبدتها الأقوام الجاهلة فما ذنبها لتحرق بنار جهنم؟

الجواب:

ذكر المرحوم العلّامة الطبرسي صاحب مجمع البيان أنّ الخطاب لمشركي مكة وقد نزلت في مكة جميع آيات سورة الأنبياء، وكان معبود مشركي مكة من الخشب والفلز والحجر وما تحرقه النار من هذه المعبودات وهي الأصنام وأمثالها والتي كان يعبدها أهل مكة حين نزول القرآن، وبالطبع فإنّ أي معبود حي عبد من بعض الناس مستثنى من ذلك.

والطريف أنّ معبوداً حياً لم يكن يعبد في شبه الجزيرة آنذاك من قبل الوثنيين. الجدير بالذكر هنا أنّ هذه المعبودات الكاذبة تحرق في جهنم ليعلم المشركون يوم القيامة أنّ تلك الآلهة التي كانوا يقدّسونها إنّما أصبحت حطب جهنم لتحرق حتى من عبدها، ولا تملك آنذاك من وسيلة للدفاع عن نفسها وعن عابديها.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 441

18 السجود لغير اللَّه

سؤال:

قال تعالى في الآية 100: «وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاي مِنْ قَبْلُ ...» «1»

بينما ورد أنّ أمير المؤمنين عليه السلام مر بجماعة في طريقه إلى صفين فلما رأوه أعظموه وجعلوا يتمرغون في التراب كما كان يعظم الملوك الساسانيين فاستاء الإمام وخاطبهم أنّه بشر مثلهم.

الجواب:

السجدة كعبادة مختصة باللَّه ولا تجوز لغيره. أمّا أخوة يوسف وأبواه- حسب ما روي عن الصادق والهادي عليهما السلام: «إنّما سجدوا شكراً للَّه»، كما أشار صاحب مجمع البيان إلى أنّ ضمير الهاء في «وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً» يعود إلى اللَّه لا إلى يوسف. وهكذا سجود الملائكة لآدم عليه السلام أي سجود للَّه وقبلتهم آدم.

وعليه فلا منافاة بين الآية والخبر التاريخي عن الإمام علي عليه السلام.

19 التوبة النصوح

سؤال:

ما المراد بالتوبة النصوح في الآية: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً» «1».

الجواب:

«النصح»: في اللغة بمعنى الخالص، فالتوبة النصوح الخالصة من المعصية ويلزم من هذه التوبة عدم العودة إلى المعاصي. ويؤيد ذلك الروايات الواردة عن الأئمّة الأطهار عليهم السلام، ومنها سئل الإمام الكاظم عليه السلام عن المراد من «تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً».

فقال: «يتوب العبد ثم لا يرجع فيه» «2».

وأجاب الإمام الهادي عليه السلام عن هذا السؤال فقال: «أن يكون الباطن كالظاهر» «3»

.وهكذا وردت سائر الروايات التي تشير إلى حقيقة هذه التوبة بعدم العدم وتشابه الظاهر والباطن.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 445

20 هل هذه الآية تتنافى مع الخلود؟

سؤال:

إننا نعتقد أنّ من يرد الجنّة يخلد فيها وقد أثبتت ذلك العديد من الآيات، غير أنّ ظاهر الآية 108 من سورة هود يفيد غير ذلك وأنّه ربّما يخرج من الجنّة: «وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّموَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ» فالظاهر أنّ عبارة الاستثناء «إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ» تفيد أنّ اللَّه ربّما يخرجهم يوماً من هذه النعمة، بينما تؤكد سائر الآيات على الخلود، فما معنى هذه الآية؟

الجواب:

صحيح أنّ اللَّه وعد السعداء في أغلب الآيات بالخلود وليس لهذا الوعد من خلف فهو القائل: «وَعْدَ اللَّهِ لَايُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ» «1».

ولكن ربّما يتصور البعض أنّ زمام الأمور خرجت من يد اللَّه بعد هذا الوعد القطعي فهم لن يخرجوا من الجنّة ويسلبوا النعمة، ومن هنا أكد القرآن هذه الحقيقة بالعبارة «إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ» في أنّ اللَّه رغم وعده بالخلود في الجنّة وأنّه لن يخلف وعده، مع ذلك فهذا الأمر لا

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 446

يحد من قدرته وما زالت الأمور بيده وله أن يفعل ما يشاء ثم

وردت نفس العبارة «إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ» بشأن أهل النار لتفيد نفس الغرض. والعبارة «عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ» هي من الأدلة الواضحة على التفسير المذكور.

21 فائدة ذكر اللَّه عند مطلع كل عمل

سؤال:

ما فائدة استهلال الأعمال بذكر اللَّه؟

الجواب:

يتضح من خلال الإلتفات إلى آثار ذكر اللَّه في طهارة أعمال الإنسان أنّ هذا الذكر أول العمل يسوق الإنسان إلى صحة العمل وإتقانه، ولو لم يكن لهذا الموضوع من فائدة سوى هذا لكفاه. وعليه فذكر اللَّه في العمل والاستعانة به درس تربوي يدعو الإنسان إلى صحة العمل ويصده عن الخيانة وقبح العمل والتي تفضي إلى البؤس الاجتماعي السائد في عصرنا الراهن.

وبغض النظر عن ذلك فالإنسان محدود وضعيف يحتاج إلى الإمداد الغيبي كل آن، وبقوله البسملة يعرب عن حاجته واستلهامه من اللَّه. فيشمله اللَّه الرحيم الغفور والقادر برحمته ولطفه وفضله.

22 ما أدلة حفظ القرآن من التحريف؟

سؤال:

هل القرآن بهذه الصورة هو ما نزل على النبي صلى الله عليه و آله وما الدليل على عدم تحريفه؟

الجواب:

لابدّ من الالتفات إلى أنّ بلبلة تحريف القرآن الكريم من جانب اليهود والنصارى، حيث يشهد التاريخ أنّ الكتب السماوية لهذين القومين حرفت بمرور الزمان وفقدت قيمتها، فهم يسعون لإشاعة تحريف القرآن.

والشواهد التاريخية القطعية تفيد أنّ نسخ التوراة حرفت مراراً إبان مختلف الحوادث التاريخية- لا سيما حين هجوم نبوخذ نصر على اليهود- فضاعت أغلب النسخ وحررت لاحقاً من بعض الأحبار «1».

كما يشهد التاريخ أنّ الاناجيل الأربعة كتبت بعد سنوات من المسيح عليه السلام فلم يبق أثر للانجيل الذي نزل ككتاب سماوي على عيسى عليه السلام «2».

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 450

والأفراد الذين يستندون في معارفهم وعقائدهم الدينية إلى هذه الكتب المحرفة الفاقدة للأهمية يرغبون في ذات المصير للقرآن فيقولون إنّ القرآن أيضاً شهد التحريف بعد مدّة من الزمان.

والحال كيفية جمع القرآن خلال العهود الإسلامية كافّة ممّا تأبى المقارنة مع تاريخ التوراة والانجيل في العهود النصرانية واليهودية. ولابد أن نشير هنا إلى موضوعين كجواب لعديد من

الأسئلة:

1- إنّ القرآن الكريم هو الكتاب الذي خلق ثورة في شؤون الحياة الاجتماعية كافّة للمسلمين. فقد حطم القرآن حياتهم السابقة واستبدلها بحياة جديدة قائمة على أساس الإيمان والمبادئ الإنسانية. وعليه فالقرآن كتاب يلامس شؤون حياة المسلمين، فكانوا يستلهمون منه تعاليم سياستهم واقتصادهم وقوانينهم الأخلاقية وحتى سننهم وآدابهم وعلاقاتهم الأسرية. فهم ينفتحون عليه بصلاتهم خمس مرات لكل يوم وليلة، وبالتالي فهم يتمسكون بالقرآن ومن ثم السنة في أنشطتهم اليومية. وعلى هذا الأساس فكيف يقال بتحريف هذا الكتاب دون أن يلتفت إلى ذلك عوام المسلمين وخواصهم.

فاحتمال وقوع التحريف في القرآن وعدم الإلتفات أشبه بتحريف الدستور لشعب عريق دون علمهم، هل يمكن تحريف مواد دستور أمّة دون أن يلتفت أفرادها وتتعالى أصواتهم؟ والواقع أنّ دور القرآن في الحياة الاجتماعية للمسلمين أعظم من دور الدستور، وعليه فلو وقع أدنى تحريف لجوبه بالعديد من ردود الأفعال من هنا وهناك.

2- أثبت التاريخ المتعلق بجمع القرآن سواء على عهد النبي صلى الله عليه و آله أم بعده والأهمية الفائقة التي كان يوليها النبي الأكرم صلى الله عليه و آله والمسلمين لحفظ وتدوين القرآن استحالة فقدان حتى كلمة واحدة من القرآن.

كما يشهد التاريخ أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله كان أمر أكثر من ثلاثة وأربعين من العلماء «1» ليدونوا

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 451

كل سورة وآية بمجرّد نزولها وكانت تحفظ بين المسلمين. ولعل أبرز أولئك الشغفين بالقرآن علي بن أبي طالب عليه السلام وزيد بن ثابت، فكانت هنالك عدّة نسخ من القرآن بيد المسلمين بعد تدوينه من هؤلاء الأفراد.

أضف إلى ذلك فإنّ أغلب المسلمين كانوا يحفظون الآيات والسور القرآنية، وكانوا دقيقين في الحفظ. وكان يطلق على البعض منهم القراء الذين يرجع إليهم

المسلمون في القراءة. وموضوع حفظ القرآن من التحريف كان على درجة من الأهمية بحيث قتل العديد من القراء على عهد خلافة أبي بكر في معركة اليمامة فعزم المسلمون على التركيز أكثر على القرآن، فجمعوا القرآن وحالوا دون وقوع الزيادة والنقيصة فيه. وفي زمن خلافة عثمان بن عفان دونت أربع نسخ من القرآن وابلغت المناطق الإسلامية كافّة بتطبيق ما لديها من قرآن على هذه النسخ.

وقد بلغ حرص المسلمين ولا سيما القراء درجة أن نشب خلاف بين أبي بن كعب وعثمان على عهد خلافته بشأن الآية: «وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ» «1»

حيث زعم عثمان زيادة حرف الواو في الذين ولابدّ من اسقاطها، فأجابه أبي إننا سمعناها من رسول اللَّه صلى الله عليه و آله كذلك، وحين تشاجرا صرخ أبي: لأضعن سيفي في عنق كل من يسقط هذا الحرف من القرآن، فتراجع الخليفة عن رأيه.

فهل ينبغي احتمال وقوع التحريف في القرآن بعد كل هذا؟ ناهيك عمّا سبق فقد صرحت بعض الآيات القرآنية بحفظ القرآن من التحريف ومنها: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ» «2».

وقد أجمع العلماء والمفكرون على عدم وقوع التحريف في القرآن، وإن كان هنالك من يزعم التحريف فذلك ناشئ من بعض الأخبار الموضوعة، وإلّا فليس هنالك أية قرينة في القرآن على هذا الزعم. على كل حال فإن أعلامنا أثبتوا بما لا يقبل الشك عدم تحريف القرآن.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 452

وأمّا الأخبار التي تشير إلى وجود قرآن لدى أمير المؤمنين عليه السلام والذي يفرق عن سائر نسخ القرآن فلا تتنافى ومسألة «عدم تحريف القرآن»؛ ذلك لأنّه حسبما قال العلماء: إنّ القرآن الذي جمعه أمير المؤمنين عليه السلام كان يشتمل على شرح نزول

الآيات وتفسيرها وما كان يسمعه من النبي الأكرم صلى الله عليه و آله وهذا هو فرقه مع سائر نسخ القرآن فقط.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 453

23 كتاب الوحي

سؤال:

ما أول وآخر سورة حسب النزول، ومن كان يدون القرآن بعد نزول الوحي؟

الجواب:

إن أول سورة نزلت على النبي الأكرم صلى الله عليه و آله حسب ما ذكره المؤرخون المسلمون هي سورة العلق وآخر سورة هي التوبة، ومضامينها تؤيد ذلك.

وأمّا بشأن تدوين القرآن فلابدّ من القول إنّ عدداً من كبار الصحابة كانوا يدونون بالخط الكوفي السائد آنذاك ما ينزل على النبي صلى الله عليه و آله من آيات، وكان يطلق على هؤلاء «كتاب الوحي»، وذكرهم المؤرخون أنّهم كانوا 43 صحابياً، وأبرزهم علي بن أبي طالب عليه السلام وزيد بن ثابت الذين كانا يدونان الآيات على ضوء توجيهات النبي صلى الله عليه و آله.

وبالطبع كان النبي صلى الله عليه و آله يهتم كثيراً بالقرآن كونه أساس الإسلام ودستور المسلمين ومحور أنشطتهم الفردية والاجتماعية. وحين توفى النبي صلى الله عليه و آله كان القرآن مدوناً لدى المسلمين، كما كان البعض منهم يحفظ القرآن، وما زال بأيدي المسلمين ذلك القرآن الذي كان في صدر الإسلام.

24 معنى التفسير بالرأي

سؤال:

وردت عدّة روايات تنهي عن تفسير القرآن بالرأي ومن فسّره برأيه فليتبوأ مقعده من النار، فما المراد بالتفسير بالرأي؟

الجواب:

أجمع المفسرون على حرمة التفسير بالرأي ووردت عدّة أحاديث بهذا الشأن نشير هنا إلى طائفة منها:

1- قال النبي صلى الله عليه و آله: «من فسّر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار» «1».

2- «من قال في القرآن برأيه «2» فليتبوأ مقعده من النار» «3».

3- «من فسّر القرآن وأصاب الحق فقد أخطأ» «4».

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 456

ولنرى الآن ما المراد بالتفسير بالرأي أو دون علم؟

فقد ذكر المفسرون ثلاثة أوجه للتفسير بالرأي نشير إليها باختصار:

1- أحكام المفسر تؤدي به إلى تفسير اللفظ الذي له معنيان دون وجود قرينة للتعيين

أو الآية المبهمة والمجملة من حيث المضمون والهدف والتي ينبغي رفع إجمالها وإبهامها على ضوء عقائده وأفكاره. وبعبارة أخرى فإنّ العقائد الشخصية والأحكام المسبقة تؤدّي به إلى تفسير الآية على أساسها (دون قرينة وشاهد) ويحمل آراءه على القرآن، بدلًا من أن يهتدي به «1».

ونموذج هذا التفسير بالرأي في كتب من يتبع مذاهب «المعتزلة» و «الأشاعرة» و «الباطنية» و «الصوفية» فالمفسّر الذي أذعن مسبقاً لآراء المعتزلة والأشعرية بشأن صفات اللَّه وأفعاله ويتعامل مع أية ربّما يطبقها على عقيدته الخاصة وأحياناً ظاهرها خلاف عقيدته إنّما يسعى على ضوء عقائده السابقة إلى تفسيرها وفق مذهبه، فتراه يحمل عقائده على القرآن بدلًا من العكس.

وتفسير الكشاف «2» للزمخشري مصداق بارز لتفسير القرآن على أساس مذهب الاعتزال، ومفاتيح الغيب للفخر الرازي نموذج بارز للتفسير على ضوء المذهب الأشعري.

ففي كل من هذين التفسيرين يسعى المفسر لإثبات عقائده من خلال القرآن، ولا يسعه التخلي عن أحكامه المسبقة فيتأمل مثلًا صفات اللَّه والعباد على أساس القرآن.

كما فسّر بعض علماء الباطنية والصوفية وبعض الفلاسفة جانباً من الآيات المتعلقة بالمعارف العقلية طبق نظرياتهم، فالملا عبدالرزاق الكاشي انطلق في تفسيره من آراء

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 457

الباطنية، كما فسّر محي الدين العربي «1» القرآن على ضوء آرائه الصوفية. وهذه الطائفة من التفاسير التي دونت لاحياء مذهب معين (من قبل فرد غير معصوم) وعلى فرض صحة بعض هذه التفاسير، لكنها لا تخلو على كل حال من التفسير بالرأي.

وقد استفحلت النزعة المادية أواخر القرن الثالث عشر وأوائل القرن الرابع عشر وحصل تقدم علمي كبير. ومن هنا ظهرت أرضية خصبة للتفسير بالرأي في أوساط بعض المفسرين، وبالتالي فسّرت الآيات المتعلقة بعوالم الغيب وما وراء الطبيعة كالروح والملائكة واعجاز الأنبياء بطريقة معينة

بغية مسايرة علماء المادة والطبيعة وذلك ما نجده في تفسير المنار وأمثاله (طبعاً لبعض هذه التفاسير كالمنار العديد من الابداعات الجديرة بالتأمل) حيث سعوا إلى التوفيق بين القضايا الغيبية والأمور المادية بفعل تطور العلوم الطبيعية حتى اعتبروا الملائكة قوى كامنة في الطبيعة. كما لم يسلم بعض علماء الأخلاق أثر تركيزهم على المسائل الاخلاقية وتهذيب النفس من تفسير طائفة من الآيات بالرأي حتى فسروا الشيطان بالنفس الامارة فأنكروا وجود الشيطان.

وذهب البعض إلى أنّ المراد من فرعون في الآية: «اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى «2»

.كناية عن نفس وتهذيب الروح وليس مقاومة فرعون معين. «3» فكل هذه التفاسير مصاديق للتفسير بالرأي بحيث يحمل ظاهر الآية على خلافها بسبب الوسط أو الأحكام المسبقة.

2- المعنى الآخر للتفسير بالرأي اتباع المعنى الابتدائي للآية (دون الإلتفات إلى الأدلة القطعية وسائر الآيات القرآنية الواردة بهذا الشأن)؛ كأن نغض النظر عن الأدلة العلمية والآيات التي تنفي الجسمية عن اللَّه صراحة ونستدل بظواهر بعض الآيات الكنائية في جسمية اللَّه، فنقول مثلًا: «يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ» «4»

تدل على أنّ للَّه يداً؟ والحال ممّا لا شك

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 458

فيه أنّ المراد من اليد هنا كناية عن قدرة اللَّه.

3- المعنى الآخر، الاستعانة بغير القرآن؛ لأنّ مجموع الآيات القرآنية- سوى آيات الأحكام- يمكنها رفع إجمال الآيات ولسنا بحاجة في تفسير القرآن إلى فهم الصحابة والتابعين. «1» وذكر صاحب كشف الظنون «2» خمسة نماذج للتفسير بالرأي ذكرت أصولها سابقاً.

لابد هنا من الالتفات الى ان اي من المفسرين لم يقل ان مراد النبي صلى الله عليه و آله من التفسير بالرأي هو التفسير بالعقل لنهجم عليهم و نقول انما قالوا ذلك حتى لايفهم الناس القرآن فيبقى القرآن تصرفهم كما كانت

التوراة والانجيل لدى القساوسة في القرون الوسطى، و بمنعهم للتفكر والتعقل في القرآن جعلوه كتاباً لايبقى سوى جسمه بين الناس وروحه مجهولة ليصبح الفاظ واوراد و نغمة مقدسة ومجهولة و لغز غير مفهوم. فقد تحدث المفسرون الاسلاميون عن التفسير بالرأي ولم يعنوا الاحاديث بهذا الشكل؛ بل علماء الاسلام و خاصة علماء الشيعة يعتبرون العقل احدى الحجج الشرعية و الادلة القاطعة حتى عدوه في مصاف الكتاب و السنة والاجماع.

وكيف لهم تفسير لفظ الرأي الوارد في حديث النبى صلى الله عليه و آله بالعقل و قد صرحت المعاجم العربية المدونة لتفسير الفاظ القرآن والحديث ان اللفظ المذكور بمعنى الظن والحدس والتخمين. «3» وان كانت هنالك طائفة (الاخبارية) لاتعمل بظاهر الايات المتعلقة بالفروع والاحكام العملية؛ لا لانهم يقولون لاينبغي تفسير القرآن بالعقل، بل العلة ان لهذه المجموعة من الايات ناسخ و منسوخ وعام وخاص ومطلق ومقيد، ولايمكننا تشخيصها دون الرجوع

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 459

لائمة اهل البيت عليهم السلام. و لهذا لايعملون بظاهر هذه الطائفة من الايات و بغض النظر عن ذلك لنقرض ان شخصاً مجهولًا أو اثنين قالوا ذلك، فهل تصح هذه النسبة الجوفاء بحيث يتصور الانسان ان اعلام الاسلام منعوا الناس طيلة القرون الاسلامية من فهم القرآن و لم يأذنوا لهم بفهمه، بينما اورد هؤلاء الاعلام مئات التفاسير و بمختلف اللغات العالمية، و من اراد الوقوف على عدد التفاسير فليراجع كتب «كشف الظنون»، و «الذريعة». «1»

ترى لو كان همهم احتكار القرآن لانفسهم كالتوراة والانجيل فما بالهم القوا كل هذه التفاسير و بمختلف اللغات وخاضوا في جميع خصائص ايات القرآن من حيث العقل والنقل. الخطأ الاخر لقائل هذا الكلام ان الحديث «من فسر القرآن برايه فليتبوأ مقعده من

النار» هو تفسيره لكلمة «تبوء» وهي لا تعنيى الملئ، بل تعنى الاعداد واخذ المكان. بغض النظر عن ذلك فقد عبر عن لفظ المقصد في الكرامة بالموضع الخاص و هو ليس كذلك والمراد منه في الحديث مكان، و قد ورد اللفظان في هذه الاية «... تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال» «2» بالمعنى الذي ذكرناه.

وعليه فمعنى الحديث من فسر القرآن برأيه عليه ان يختار له مكاناً في النار، أو يعد لنفسه من النار مكاناً (و من فسره بشكل آخر فدليل على عدم علمه باداب العربيه).

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 461

25 علّة التكرار في القرآن

سؤال:

ما علّة تكرار بعض الآيات والقصص في القرآن الكريم؟

الجواب:

لابدّ من الإلتفات إلى أنّ القرآن نزل خلال ثلاث وعشرين سنة وعلى ضوء مختلف الأحداث والوقائع. فالقرآن ليس كتاباً قانونياً جافاً ولا كتاباً تقليدياً يبيّن القوانين والمسائل العلمية بصيغة تصنيفية. بل القرآن كتاب إرشاد وهدى وهدفه بيان حقائق حياة الإنسان والخطوات الضرورية لبلوغه الكمال الإنساني ويخلق من خلال نفوذه إلى الأرواح والأفكار البشرية وسن القوانين الاجتماعية الصائبة مجتمعاً يتصف بالكمال المادي والمعنوي. ولضمان ذلك تحدث القرآن بشأن المواضيع المهمّة كافّة فنزل خلال 23 سنة وفي مختلف الأحداث.

وأمّا بشأن التكرار: فإننا نشاهد نوعين من التكرار:

1- تكرار بعض التواريخ والقصص.

2- تكرار بعض الآيات المبينة لحقائق خاصة.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 462

ففي القصص التاريخية لابدّ من الإلتفات إلى أنّ هدف القرآن الاساسي من ذكر القصص التاريخية السابقة تنبيه الآخرين إلى قوانين الحياة المسلمة التي تحكم البشرية. فالقرآن يريد تعريف الناس بهذه القوانين ويلفت انتباههم إلى العوامل التي تقف وراء رقي المجتمعات وانحطاطها، والآثار السلبية لتمردها على دعوات الأنبياء، وبالتالي كشف نقاط ضعفهم وقوتهم. ومن هنا كان لابدّ للقرآن من متابعة سيرة الأمم السالفة وعرض صورة

عنها.

وعليه فإن تحدث القرآن عن «بني اسرائيل» أو «خلق آدم» فقد أشار في كل موضع إلى جانب معين، حيث أراد في كل مورد تنبيه الناس لقضية معينة لم يتطرق إليها في موضع آخر.

وأمّا تكرار بعض الآيات كالآية «فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» في سورة الرحمن، فلابدّ من الإلتفات إلى تأثير هذا التكرار في روحية قارئ القرآن ومستمعه. فقد يركز القرآن على جانب عاطفي ونفسي في شرح موضوع معين. مثلًا في سورة الرحمن كان القرآن بصدد بيان النعم التي تلعب دوراً رئيسياً في خلق الإنسان وتشكيل المجتمع المدني وديمومته؛ كما تحدث عن النعم الكبرى التي تنتظر الإنسان في عالم الاخرة، وكرر أثناء ذلك الآية المذكورة بغية إثارة العاطفة لدى الإنسان فيوقظ من خلال ذلك شعور الإنسان بضرورة الشكر ورد الجميل ويسوقه للخضوع والخشوع. وعليه فهذا التكرار ضروري على مستوى الوعظ والإرشاد والهدى، كما لا يقدح بفصاحة القرآن وبلاغته، بل يعد من محسنات الكلام، كونه يضاعف التأكيد والتأثير.

بالطبع هنالك شواهد كثيرة في الأدب العربي والفارسي على هذا التكرار يتمثل بالتركيز في العقيدة على بيت من الشعر أو مصراع. فقد كرر عدي بن ربيعة في رثائه لأخيه كليب البيت «على أن ليس عدلًا من كليب» عشرين مرة.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 463

26 هل كانت الشجرة المحظورة شجرة العلم؟

سؤال:

نقرأ في سلسلة «دروس تاريخ الأديان»: «ما كانت الشجرة المحظورة؟ ما أورده التوراة صراحة والقرآن إشارة إلى أنّها شجرة الباصرة؛ فعلى ضوء آيات القرآن أنّ اللَّه خاطب آدم وحواء فأجاباه دون أي حياء من عريهما، غير أنّهما خجلا من عريهما بعد التناول من الشجرة. وعدم خجلهما من عريهما بالأمس وخجلهما اليوم بعد الأكل من الشجرة دليل على أنهما لم يبصرا بالأمس عريهما، فالشجرة المحظورة كانت شجرة الباصرة.

فهل أراد

اللَّه أن يأكل الإنسان من تلك الشجرة أم لا؟ فلا ينبغي أن نتعامل مع هذه القصة على غرار السائد في أنّ اللَّه مثلًا لم يرد لآدم الأكل من تلك الشجرة المحظورة واستاء من ذلك الفعل؛ لأنّه كان يقدر بإرادته على منعه، وعليه أراد أن يأكل من الشجرة، فلولا تلك الشجرة لما وجد الإنسان وهذا ما خطط له اللَّه ليوجد الإنسان».

فهل كانت تلك الشجرة شجرة العلم والباصرة؟!

الجواب:

وردتنا الكثير من الأسئلة عن هذه الدروس ومنها السؤال المذكور، ولابدّ لنا من ذكر

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 464

بعض الأمور في الجواب:

1- قلنا كراراً بأنّ أحد موارد التحريف في التوراة هذا الزعم من أنّ الشجرة المحظورة كانت شجرة العلم والمعرفة أو الخير والشر أو الباصرة (وردت تعبيرات في ترجمة التوراة تعود جميعاً إلى معنى واحد).

وعلى هذا الأساس- حسب صريح التوراة- فإنّ أول وأكبر ذنوب الإنسان ذنب العلم، ولعل هذا هو السبب الذي دفع بالقائمين على شؤون الكنيسة في القرون الوسطى و المظلمة إلى محاربة العلم والمعرفة واتساع هذا الذنب! ويعتقدون أنّ آدم كان على جهل في اليوم الأول بحيث لم يخجل حتى من عريه وكشف عورته؛ ولكن حين أكل من الشجرة المحظورة (العلم والمعرفة) أصبح انساناً واعياً فطرد من الجنّة والرحمة!

حقاً أنّ هذه الأمور من خرافات عصور الظلام، فالقرآن على العكس يصرح بعلم آدم قبل سكنه الجنّة وقد تغذى كما ينبغي من شجرة العلم حتى أصبح معلماً للملائكة: «وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا» «1».

وعليه فآدم القرآن غير آدم التوراة. فأعظم قوّة لآدم كانت علمه وباصرته، وكان ذنب آدم الآخر العلم، فآدم هذا هو آدم الحقيقي وذلك آدم الجاهل بكل شي ء، وآدم هذا خلق من أجل العلم والمعرفة، بينما لا ينبغي لذاك أن

ينفتح على العلم. وعليه فمن العجيب أن تعد التوراة المحرفة والقرآن واحداً بهذا الشأن.

2- تقول التوراة إنّ آدم وحواء كانا عريانين ولا يخجلان من عريهما. «2» وهذا النقل صحيح، ولكن أين ذلك في القرآن، بل بالعكس يصرح القرآن بلباسهما قبل الأكل من الشجرة ونزع عنهما بعد المعصية: «يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا» «3»

وفي آية أخرى: «فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِىَ لَهُمَا مَا وُورِىَ عَنْهُمَا» «4».

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 465

وعليه فالعبارة «بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا» في الآية 22 من هذه السورة لا تعني ابداً عريهما وعدم ادراكهما. فادم الذي يتحدث عنه القرآن كان مستوراً ومحترماً وانساناً وتعرّى بعد المعصية (لابدّ من الدقة).

أمّا آدم في التوراة فكان كالحيوانات عارياً ولم يخجل من عريه، فهل يمكن تسوية القرآن بالتوراة؟

3- الطريف أنّها عنت «لا تأكل» ب «يجب أن تأكل» فهل هناك من فوضى أعظم من تفسير النفي بالإثبات والحسن بالسي ء؟ فلم سمّيت تلك الشجرة بالمحظورة؟! ما هذا التفسير والمعنى؟ لو كان هذا التفسير صائباً فما أجدرنا أن نفسر سائر المناهي والمحظورات بمثل هذه التفاسير ونزعم أنّ اللَّه أراد حصول هذه الأفعال المحظورة، وإلّا لمنعها، فهل نحن مجبرون على أفعالنا؟! إنّ اللَّه أرادنا أن نكون أحراراً ومنح الإنسان أرادة وترك للإنسان اتخاذ القرار، وقد إصدر العديد من الأحكام لتهذيبه.

إذن فهذا الاستدلال (إنّ اللَّه لو أراد لمنع آدم) غير صحيح. لأنّ نفس الاستدلال يصدق على المذنبين، والواقع اختلطت هنا الإرادة التشريعية بالتكوينية (لابدّ من الدقة).

إلّا تعتقد معي عزيزي القارئ- على ضوء ما ذكر- أنّ مثل هذه المطالب ينبغي عرضها على أهل الخبرة المسلمين قبل نشرها بصيغة دروس؟ ترى من يتحمل مسؤولية شاب أن قرأ هذا الكتاب واعتقد أنّ الشجرة المحظورة كانت شجرة العلم

والمعرفة وكان آدم وحواء عريانين كالحيوانات ولا يفهمان حتى أكلا من الشجرة، ثم طردا من الجنّة بسبب علمهما ومعرفتهما ...؟ والحال منطق القرآن عكس ذلك تماماً والذي يفهم من المصادر الإسلامية أنّ تلك الشجرة كانت شجرة الحسد ونوعاً من المنافسة وما أشبه ذلك (طبعاً ليس الحسد الذي يبلغ مرحلة الذنب أو ممارسته).

توضيح ذلك: إنّ آدم كان عالماً بوضع ولده ومصيرهم ورأى فيهم مَن هو أعظم منه مرتبة من الأنبياء وأُمناء الوحي. فتمنى رؤية مقاماتهم، ولم يكن مؤهلًا لذلك رغم كافّة خصائصه، فتلك الأمنية أبعدته من الجنّة، وتلك كانت الشجرة المحظورة.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 466

وأخيراً هنالك بعض الروايات التي فسرت الشجرة المحظورة بالحنطة وما شابه ذلك وكان النهي عنها من باب الاختبار.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 467

27 ما المراد من قوله: «يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ»؟

سؤال:

من مسلّمات أصولنا نحن المسلمون استناد أفعال اللَّه للعدل والحكمة، فما المراد من قوله تعالى: «يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ» في الآية 93 من سورة النحل؟ فإنّ كانت الضلالة والهدي بإرادة اللَّه فكيف ينسجم ذلك مع العدل الإلهي في أن يعاقبنا على الضلال ويثيبنا على الهدى؟

الجواب:

إنّ آيات القرآن تفسّر بعضها بعضاً، فالكثير من الآيات تتضح من خلال ربطها مع بعضها.

والآية الواردة بشأن «الضلال والهدى» من هذا القبيل. وعليه لابدّ من معرفتها على ضوء سائر الآيات الواردة بشأن الهدى والضلال. ورد في هذه الآية «يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ» وفي سائر الآيات كالآية 74 من سورة المؤمن «كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكَافِرِينَ» والآية 34 من سورة المؤمن «كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ».

فهاتان الآيتان توضحان كيف يفقد الإنسان توفيق اللَّه ولطفه ويبتعد عن سبيل السعادة والفلاح، ونستطيع بالاستناد إلى هاتين الآيتين أن نفهم معنى الآية الأولى الواردة في

اجوبة

المسائل الشرعية، ص: 468

السؤال. وحين نضع الآيتين مع الآية الأولى يتضح أنّ من يحرم الهدى حسب مضمون الآية الأولى هم أولئك الظلمة والفسقة عديمو الإيمان لا غيرهم.

وينبغي الإلتفات إلى ضلال الأفراد الآثمين وانحرافهم كأمر طبيعي تماماً، وسعادة الإنسان تعتمد على تنميته لقابلياته المادية والمعنوية وإخراجها إلى مقام الفعل.

وأفضل سبيل لتنمية هذه القابليات يكمن في إمتثال التعاليم التي بعث اللَّه بها الأنبياء.

فمن تمرد على هذه التعاليم كان آثماً وحرّم السعادة، وهؤلاء لا يستحقون اللطف الإلهي ولا يوفقون للهدى ومعنى ضلالتهم إثر ذنوبهم كما وردت الإشارة إليه في الآيات السابقة هو ما ذكرناه.

ووردت هذه الحقيقة بشكل آخر في الآية 79 من سورة النساء: «مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ...» فالإنسان بأعماله يسير في طريق الضلال والانحراف عن الصراط وبالتالي الابتعاد عن السعادة والفلاح.

والأمر كذلك بالنسبة لما ورد في الآية: «وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ» والمراد من الهدى لطف اللَّه وتوفيقه الشامل لعباده المخلصين، فهؤلاء الأفراد يضاعفون قابلياتهم كل يوم لنيل التوفيق الالهي إثر التزامهم بالتعاليم السماوية والعمل بها.

والنتيجة: هدى اللَّه يعني توفيقه وعونه على أفعال الخير والسعادة ويختص باولئك الذين يسيرون في طريق الحق ويجاهدون في هذا السبيل «وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ» «1»

والضلال يعني سلب هذا التوفيق وقطع العون الإلهي ويختص بالظلمة والمسرفين والأفراد غير المؤمنين، وإلّا فإنّ اللَّه لا يهدي أحداً عبثاً ولا يصده عن الهدى كذلك.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 469

28 لِمَ خلت هذه ا لسورة من البسملة؟

سؤال:

لِمَ خلت سورة التوبة من البسملة وذكرت وسط سورة النمل؟

الجواب:

كان ينبغي أن تخلو سورة التوبة من البسملة كما يبدو من مقدّمتها الواردة في تهديد المشركين وإعلان الحرب على ناكثي العهود وأولئك الذين جندوا كل طاقاتهم

لمواجهة الدعوة ومجابهة التوحيد والإصلاح الأخلاقي والاجتماعي في شبه الجزيرة العربية.

وأمّا البسملة وسط سورة النمل فقد تصدرت رسالة سليمان عليه السلام إلى «ملكة سبأ»، وحيث نقل القرآن مضمون تلك الرسالة فقد ذكر بدايتها وكانت البسملة.

29 هل هنالك أكثر من خالق؟

سؤال:

قال تعالى في الآية 14 من سورة المؤمنون: «فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ» فهل هنالك خالق آخر غير اللَّه؟

الجواب:

لمادة الخلق لغوياً ثلاثة معانٍ:

1- التقدير وقياس الشي ء.

2- تبدل صورة شي ء إلى أخرى كصنع مختلف الآلات من الحديد أو غيره.

3- الإبداع وإيجاد الشي ء من العدم.

طبعاً المعنى الثالث يختص باللَّه ولا يطلق الخالق هذا المعنى على أحد سواه، إلّاأنّ المعنى الأول والثاني يصدق على الإنسان أيضاً. وقد استعملت مادة «خلق» في القرآن بالمعنى الأول أحياناً والثاني أحياناً أخرى فمثلًا قال تعالى بشأن عيسى بن مريم «وَإِذ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيرِ» «1»

فالخلق في هذه الآية تبدل صورة إلى أخرى والخلق في

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 472

الآية الواردة في السؤال بالمعنى الثاني أو الأول وحيث إنّ الخالق متعدد بهذين المعنيين صحَّ القول أنّه أحسن الخالقين.

30 لماذا شبّه الانفاق بالسبعمائة حبّة سنبلة؟

سؤال:

قالت الآية: «مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ» «1»

وقد توجهنا بالسؤال إلى عدد كبير من المزارعين والمهندسين الزراعيين المتخصصين بهذه المحصولات في مختلف بلدان العالم، وفقالوا: لو توفرت جميع مقومات الزراعة من تربة ومياه ومكافحة الآفات وما إلى ذلك لما أنبتت كل سنبلة أكثر من ثلاثين حبّة، ولم نشاهد لحد الآن أرضاً تعطي مثل هذه المحاصيل بهذا العدد، فكيف ورد ذلك العدد الكبير أو مضاعفتها في القرآن الكريم؟

الجواب:

لابدّ من الإلتفات إلى نقطتين قبل الجواب:

أولًا: لم يرد في الآية كلام عن القمح والحنطة، بل ذكرت كلمة «حبّة» وما ذكره السائل كمثال تفسير ليس من شأن القرآن. وعليه لو كانت هنالك حبّة من بين الحبوب يحصل منها

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 474

على سبعمائة لكفى. ويبدو أنّ هنالك مثل هذه الحبّة

ومنها الذرة التي لو زرعت حبوبها في مسافات معينة يمكنها أن تنتج سبعمائة حبّة، ويقال يحصل ذلك بالنسبة لحبّة الارزن (راجع تفسير منهج الصادقين، هذه الآية) «1».

ثانياً: يقال وجهه كقرص القمر لا محاق فيه، أو شمس لا غروب لها أو قامته كالسرو المتسلق، رغم أننا نعلم بعدم وجود شمس لا غروب فيها أو سرو متحرك أو قمر لا محاق له.

وعليه فالمراد من هذه التشبيهات مثلًا لوجهه صفاء ووضوح القمر- مع هذا الامتياز في أنّ للقمر محاق ولا محاق له- وهذا كثير عند الأدباء.

وورد مثل ذلك في القرآن فحين يتكلم القرآن عن الكلمات الطيبة يقول: «تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ...» «2»

ولعله ليس هنالك شجرة تهب الثمار طيلة السنة أو أنّها نادرة على الأقل.

إذن المراد لهذه الشجرة (الكلمة الطيبة) امتياز على سائر الأشجار هو عدم تحديدها بالوقت في الثمرة، وفي موضع آخر يضرب مثلًا بنور اللَّه فيقول: «كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ...

يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِى ءُ ...» «3»

مع العلم لا يوجد زيت مهما كان خالصاً يشتعل دون نار، وهذا في الواقع امتياز ذكر للمشبه في هذا المورد. والسبعمائة حبّة في الآية امتياز لهذه الحبّة (الإنفاق) على سائر حبوب العالم.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 475

31 لماذا كان ابن نوح ليس من أهله؟

سؤال:

أمر اللَّه نوحاً عليه السلام بصنع سفينة بعد أن أخبره اللَّه تعالى بالطوفان الذي سيغرق الكفّار ولا ينجو منه إلّاالمؤمنون ومنهم أهل نوح وأبناؤه. وحيث كان أحد أبناء نوح مشركاً فلم يستمع لكلام أبيه ولم يركب في السفينة حتى غرق، فخاطب نوح اللَّه أنّ إبني من أهلي وقد وعدتني بانقاذهم فخوطب بأربع عبارات، فما المراد منها:

1- «إِنَّهُ لَيسَ مِنْ أهلِكَ»؟ لماذا

2- «إِنَّهُ عَمَلٌ غَيرُ صَالِحٍ»؟ لماذا

3- «فَلَا تَسأَلْنِ مَا لَيسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ»؟ لماذا

4- «إِنِّي

أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الجَاهِلِينَ» «1»

بم كان نوح جاهلًا؟

الجواب:

ليس المراد من العبارة أنّه ليس إبنك النسبي، فهو ابن نوح الذي ولد منه، بل المراد ليس إبنك معنوياً، حيث قطعت هذه العلاقة المعنوية مع أبيه.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 476

والمراد من العبارة الثانية أنّه كان صاحب عمل طالح إلى درجة كان ذاته وشخصه تجسيد للعمل غير الصالح.

والمراد من العبارة الثالثة أنّه لا ينبغي للإنسان إصدار الأحكام بشأن الأسرار التي لا علم له بها.

وأمّا العبارة الرابعة فالذي كان مجهولًا لنوح واللَّه عالم به ما تصور من أنّ اللَّه وعده نجاة مطلقة لأبنائه، لكنه التفت لاحقاً إلى أنّ الوعد المذكور يصدق على من لم يقطع علاقته المعنوية بنوح.

32 هل تنسجم هذه الآية مع عصمة النبي؟

سؤال:

إذا كان نبي الإسلام صلى الله عليه و آله وسائر الأنبياء عليهم السلام معصومين من الذنب فما المراد من غفران ذنب النبي في هذه الآية: «إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً* لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً» «1».

الجواب:

لابدّ من الالتفات أولًا إلى أنّ زعماء النهضات والثوار الذين يسيرون خلاف الرأي العام ويسعون إصلاح المجتمعات المنحطة إنّما يواجهون سيلًا من التهم والافتراءات. والتهمة إحدى الحراب السائدة في المجتمعات المتخلفة بحيث تعدّ تلك الشخصيات نفسها لهذه التهم. ونبي الإسلام صلى الله عليه و آله لم يستثن من هذه القاعدّة، فقد واجه معارضة قريش واتهاماتها الرخيصة. فمن كان صادق وأمين قريش بالأمس، اتّهم بالسحر والكهانة والجنون والافتراء على اللَّه منذ اليوم الأول الذي تصدى فيه لأفكارهم ودعاهم للَّه وعبادته، وبالطبع إن لم تؤثر تلك الاتهامات في البعض، لكنّها انطلت على البسطاء من الناس وشككتهم في صدق

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 478

مزاعم النبي الأكرم صلى الله عليه و

آله فظلّت جماعة تعيش هذا الشك حيال الاتهامات مدّة من الزمن.

فكيف يمكن في ظلّ هذه الظروف القضاء على التهم وايضاح الحقيقة. هنالك أسلوب واحد فإن انتصر هذا الرجل المصلح وعكس نتائج نشاطه ولمس الناس معطياته ذابت تلك التهم وتحولت إلى امتيازات فريدة ومعنوية عظيمة، وإلّا ظلّت هذه الاتهامات في أذهان البعض لمدّة وأثرت فيهم.

وهذا ما يمكن ذكره بالنسبة للنبي الأكرم صلى الله عليه و آله، فقد اقتحم الميدان بسلسلة من المفاهيم والقوانين السامية لصالح الناس وضد الجهاز الحاكم، وكان يخبر عن انتصاراته في المستقبل وقد تغلّب على جميع الصعوبات بعناية اللَّه وصبره وإستقامته وشدّ أزره بأصحابه الأوفياء حتى اجتاح مراكز الشرك وفتح مكة. فأدّى ذلك النصر إلى استسلام قريش للإسلام، فقد تمكن بتحقيقه لهذا النصر من إخماد أصوات المفترين والكذابين، وعليه فلا يمكن نعته بالجنون والسحر والكهانة بعد هذا النصر، ذلك لأنّ من اتصف بهذه النقائص الفكرية لا يحقق مثل هذه النهضة.

وعليه فالمراد من «الذنب» تلك التهم الجوفاء التي كانت مترسخة في قلوب بسطاء قريش حتى قبيل فتح مكة وقد أبطل النصر كل تلك التهم. وبالطبع كانت ستستمر تلك التهم لو لم يحرز النبي تقدماً وبقى الوضع كما كان قبل الفتح. ويؤيد هذا التفسير أمران:

1- صريح الآية، إننا أعددنا فتح مكة لنغفر لك في ظلّ ذلك ذنوبك. فإن كان المراد من غفران الذنب ابطال تلك التهم- كما بينا- لصح واتضح الإرتباط بين «فتح مكة» و «غفران الذنب»؛ وإن كان المراد الذنوب الشرعية فإنّ غفرانها عن طريق التوبة لا من خلال فتح عسكري ونصر ظاهري.

2- المفاد الواضح للآية أنّ هذا الفتح والنصر سيوجب غفران الذنوب المتقدمة والمتأخرة، ولا تصح هذه العبارة إلّاأن يكون المراد تلك التهم

والافتراءات، أي أنّ هذا النصر الاجتماعي العظيم أدّى إلى زوال التهم السابقة وسوف لن يلجأ في المستقبل أحد إلى توجيه التهم للنبي الأعظم صلى الله عليه و آله، بينما ليس لغفران الذنوب المتأخرة من معنى لو كان المراد الذنوب الشرعية.

33 ما معنى «كُلُّ شَيْ ءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ»؟

سؤال:

هل تفنى روح الإنسان، أم لا؟ إن قلت إنّها مجرّدة لا تفنى، فما معنى «كُلُّ شَيْ ءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ»؟ «1»

الجواب:

ليس المراد من الهلاك في الآية، العدم والفناء المطلق؛ ذلك لأنّ جسم الإنسان لا يفنى تماماً فضلًا عن روحه، فالجسد يتحلل ويعود يوم القيامة، وعليه فالروح لا تفنى مطلقاً سواء اعتبرناها مجرّدة أم لم نعتبرها، حتى جسم الإنسان لن يكون كذلك، بل المراد منه في الآية فناء الصورة. ففناء الإنسان قطع رابطة الروح بالجسد واختلال وضعه السابق، وإن واصل كل من الجسم والروح بقاءه بوضع آخر.

والشاهد على ذلك الآيات الواردة بشأن هلاك الأقوام الماضية مثل: «وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الْأُولَى وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى «2»

ومن

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 480

الواضح أنّ المراد من هلكة قوم عاد وثمود ونوح في هذه الآيات موتهم وإخلال علاقة أجسامهم بأرواحهم.

وعليه فالمراد من الآية «كُلُّ شَيْ ءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ»، تغيير موجودات عالم الوجود كافّة سوى الذات القدسية المنزهة عن أي تغيير.

34 كيف أذن يوسف باتهام أخيه؟

سؤال:

حين أراد يوسف أخيه في مصر جعل السقاية في رحله ثم أذّن مؤذن «أَيَّتُها العِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ» فكيف وضع يوسف تلك السقاية الثمينة في رحل أخيه، وكيف سمح باتهام أخوته بالسرقة، مع العلم أنّ الافتراء حرام؟

الجواب:

الآية الشريفة: «فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُون» «1»

، فصريح الآية أن يوسف وضع السقاية في رحل أخيه، إلّا أنّ رمي القافلة بالكذب كان من قبل شخص آخر، والعبرة هنا. أمّا لماذا قام يوسف بذلك الفعل؟

فقد وردت علته في الآية 76 حيث لم يكن هنالك من سبيل غيره، فقوانين مصر إبان القحط لم تكن تسمح ببقاء أخي يوسف في

مصر، وعلى ضوء ما ذكره بعض المفسرين فإنّ يوسف أطلع أخاه على ذلك، حيث صرحت الآية 69 بأنّه اجتمع به سرّاً وربّما أطلعه على ذلك. وعليه فكان الموضوع ممّا لا إشكال فيه عند يوسف، فقد رضى أخوه بذلك.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 482

ومن جانب آخر فإنّ يوسف لم يتهم أخاه ولم يكذب ويوجّه إليه التهمة، بل تصور المأمورون حدوث سرقة ففتشوا الأمتعة واتهموا أخا يوسف واعتقلوه. وحيث كان يعلم بالقضية سكت، إضافة إلى أنّ الآية لا تحمل أي قرينة على أنّ القضية وقعت أمام يوسف.

35 هل يجب الضحك قليلًا والبكاء كثيراً؟

سؤال:

ما المراد من الآية: «فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً» «1»

هل أمر اللَّه الناس بالضحك قليلًا والإكثار من البكاء، مع أنّ كثرة البكاء فيها اضرار كثيرة لا يرضاها الشارع المقدّس قطعاً، بينما في الضحك نشاط الجسم والروح فلماذا هذا المنع؟

الجواب:

إنّ من فسّر الآية هكذا لم يلتفت إلى صدرها وعجزها، فالآية الواردة في سورة التوبة تتحدث عن المنافقين والمتقاعسين عن الجهاد، وقبلها الآية: «فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ» «2»

. ثم تلتها الآية «فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ».

والخلاصة، فذيل الآية وما قبلها وبعدها وشروع العبارة بفاء التفريع كلّها تشير بوضوح

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 484

إلى أنّ الآية متعلقة بوضع المنافقين والمتخلفين عن الجهاد، ولا يوجد مثل هذا الأمر عند عامّة الناس، وقوله تعالى «جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ» إشارة إلى أنّ هؤلاء لو يعلمون بما ينتظرهم من عقاب لبكوا كثيراً وضحكوا قليلًا.

36 هل هنالك سؤال يوم القيامة أم لا؟

سؤال:

ورد في سورة الرحمن: «فَيَوْمَئِذٍ لَايُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ» «1»

مع العلم وردت عدّة آيات بشأن سؤال المذنبين؟

الجواب:

يستفاد من سائر آيات هذه السورة أنّ المراد من عدم سؤال المذنبين هنا السؤال اللساني بحيث يردون بلسانهم كما هم عليه هنا، بل شكلهم يتحدث عن أعمالهم وستتحدث أيديهم وأرجلهم عن أفعالهم. فالآيتان اللاحقتان: «يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ» «2».

وقال تعالى في سورة يس: «الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ» «3»

وعليه فالمراد من عدم السؤال، اللساني.

37 هل كان النبي يستشير؟

سؤال:

إنّ النبي الأكرم صلى الله عليه و آله كان متصلًا بالوحي، فما حاجته لاستشارة أصحابه في الشؤون الحربية والاجتماعية، بحيث ألزمه اللَّه- في الآية 38 من سورة الشورى- بالمشورة؟ وكيف أمره اللَّه بالمشورة وهو أسمى الخلائق في العلم والمعرفة والسياسة؟

الجواب:

لقد ردّ القرآن على هذه الأسئلة فقال: «لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ» «1»

وعليه كان المراد من المشورة، بعدها التعليمي والتربوي- فكان يلقن أصحابه دروساً عملية باستشارتهم بحيث يتبادلون الرأي بعده ويحلون مشاكلهم. فإن كان ذلك الزعيم العظيم المعروف بعلمه وسياسته وتدبيره لا يرى نفسه غنياً عن الاستشارة وينفتح على آراء صحبه، فما ظنّك بأتباعه وأنصاره (طبعاً لابدّ أن تقتصر المشورة على الأمور التي لم يرد فيها أمر قاطع من اللَّه تبارك وتعالى).

38 لماذا وصف اللَّه نفسه بربِّ الشِعرى؟

سؤال:

ورد في القرآن الكريم بشأن اللَّه تعالى: «وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى «1»

فما الميزة في كوكب الشعرى ليوصف اللَّه بأنّه ربّه ومالكه، ولماذا لم يذكر سائر الكواكب وهو خالقها وربّها جميعاً؟

الجواب:

يعود هذا إلى سببين:

أ) كانت قبيلة «خزاعة» تعبد الكوكب المذكور وتقدّسه وتراه الفاعل في الأرض. ومن هنا أراد القرآن أن ينبههم إلى أنّ هذا الكوكب- كسائر المخلوقات- مخلوق للَّه، أي أنّ هذه القبيلة خلطت الخالق بالمخلوق فعبدته بدلًا من خالقه «2».

ب) كوكب الشعرى أحد كواكب السماء المشعة والذي يصطلح عليه علماء الفلك بملك الكواكب، ويتميز هذا الكوكب ببعض العجائب نشير هنا إلى بعضها:

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 490

1- تبلغ درجة حرارة هذا الكوكب على ضوء مراصد باريس حدود 120000 درجة ومصاحبه 8000 درجة، بينما تبلغ درجة حرارة الشمس التي تضي ء المنظومة الشمسية 6500 درجة، وهذا بدوره يكشف عن عظمة هذا الكوكب.

2- تبلغ كتلته خمسين ضعفاً لكتلة الماء، بينما تبلغ كتلة أعظم كوكب من

منظومتنا الشمسية وأعظمها بهذا الخصوص كوكب عطارد ستة أضعاف كتلة الماء. وهذا ما يكشف عن طبيعة العناصر المؤلفة لهذا الكوكب.

3- يقع كوكب الشِعرى تحت هرم جميل تشاهد وسطه ثلاثة كواكب ممتدة على شكل خط مستقيم، ويعد الهرم المذكور من أجمل مواقع السماء وتضم الكوكب المعروف بالجوزاء.

4- كوكب الشِعرى ألمع ثوابت السماء، ويظهر في فصل الشتاء، بينما كان يظهر في السماء تزامنا مع بداية فصل الصيف على عهد المنجمين المصريين الذين عاشوا قبل سبعة آلاف سنة.

5- واستناداً لما ذكر، وعلى ضوء التحقيقات الحديثة فإنّ الشِعرى كوكب كبير يكبر حجم الشمس بعشرين مرّة (كتلة الشمس بالنسبة للأرض 1310000) إلّاأنّ بُعده عن الأرض مقارنة بالشمس شاسع جدّاً بحيث يعدل مسافة الشمس مليون مرّة. وتعلم أنّ سرعة الضوء 300000 كيلومتر في الثانية، أي تطوى 50000 فرسخ ثم يصل ضوء الشمس إلى الأرض بعد أن يقطع مسافة 150 مليون كيلومتر خلال ثمان دقائق وثلاث عشرة ثانية، بينما لا يبلغ ضوء كوكب الشِعرى الأرض إلّابعد عشر سنوات «1».

طبعاً هذه الخصائص موجودة في سائر الكواكب، إلّاأنّها مجتمعة في كوكب الشِعرى.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 491

39 هل ينسجم معراج النبي صلى الله عليه و آله مع العلم؟

قلَّ من لم يسمع كلاماً بشأن معراج النبي الأكرم صلى الله عليه و آله ويتساءل عن صحة هذه القضية وبالتالي تفاصيلها وجزئياتها. وربّما تبقى بعض هذه الأسئلة دون جواب ولا يظفرون بايضاحات قانعة، وبعض يعتبرها ضرباً من الخرافات، وأخيراً ينظر إليها البعض الآخر بعين الشك والريبة.

أسئلة ضرورية:

1- هل هنالك حقّاً بعض الأدلة في الآيات القرآنية والروائية وأقوال الأعلام على مسألة المعراج، أم أنّها وردت في كتب وأخبار ضعيفة تفتقر إلى الاعتبار العلمي والمنطقي.

2- لو أيّدت الأدلة القطعية هذه المسألة، فهل يعني ذلك عروج النبي صلى الله عليه و

آله إلى السماء بهذا البدن، أم أنّه حصل في عالم الرؤيا وبعبارة أخرى أكان المعراج بالروح أم بالبدن؟ «1»

3- ما هي الوسيلة التي تمّت بواسطتها هذه المسألة، ولم تكن وسائل الرحلات الفضائية السائدة اليوم موجودة آنذاك.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 492

وبغض النظر عن ذلك لو حصلت تلك الرحلة إلى جميع أنحاء السماء لواجهتنا مشكلة كبرى من حيث «الزمان»، فالمعراج كان يتطلب زماناً لا ينسجم مع ما ذكر بشأنه، بل تستحيل على مستوى عمر النبي الأكرم صلى الله عليه و آله.

4- ناهيك عمّا سبق، يرد سؤال آخر: ما المراد من المعراج وما تتضمنه الرحلات الفضائية من صعوبات؟

الأجوبة:

القرآن والمعراج:

1- قالت الآية الأولى من سورة الإسراء: «سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ»، فإشارت إلى «مقدمة المعراج» أي الحركة من مكة إلى بيت المقدس ولم تتطرق إلى رحلته إلى السماء.

ويستفاد من ذلك أنّ السير المذكور كان من المسجد الحرام وقد وقع في ليلة واحدة والهدف رؤية آيات العظمة الإلهيّة. وظاهر الآية أنّه وقع في اليقظة لا في النوم؛ لأنّ مفهوم العبارة «أسرى بعبده» أنّ اللَّه هو الذي ساقه لتلك الرحلة، بالإضافة إلى ما يؤيد اهمية الموضوع استهلال الآية بكلمة «سبحان»؛ فالقضية لو حصلت في النوم لما تطلبت التعبير بتلك الكلمة.

2- وردت في الآية 13- 18 من سورة النجم: «وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى . ورغم أنّ الآيات لم تتضمن تصريحاً بالمعراج ووقوع مشاهدة هذه الايات في السماوات، لكن القرائن الموجودة تشهد أنّها وقعت حين

المعراج؛ ومنها حصول اللقاء عند السدرة، ومن هنا اعتبر مفسّرو الفريقين الآيات واردة في المعراج. كما أنّ لهذه الآيات ظهور في أنّ الحادثة كانت في اليقظة، والآية «مَا زَاغَ الْبَصَرُ

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 493

وَمَا طَغَى شاهد آخر على هذا الموضوع. كما أجملت الآية: «لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى هدف المعراج في رؤية آثار عظمة اللَّه وآياته في العالم العلوي.

وبالطبع هنالك الكثير من الكلام في تفسير هذه الآيات وخلاصة ما ذكرناه سابقاً. ويفهم ممّا ذكر أنّ موضوع المعراج كان مجملًا في القرآن الكريم.

العراج والروايات:

يستفاد من مصادر التفسير والحديث والعقائد أنّ الاعتقاد بالمعراج وخلافاً لما يظنّه البعض لا يقتصر على طائفة من المسلمين، بل يشمل جمهور المسلمين مع بعض الفوارق كما سيرد لاحقاً.

فقد وردت عدّة روايات عن الفريقين بهذا الخصوص لا يسعنا ذكرها جميعاً، والمهم إجماع أغلب العلماء على تواترها أو شهرتها. وإليك نماذج من ذلك:

1- قال المفسّر والفقيه الكبير الشيخ الطوسي رحمه الله صاحب «تفسير التبيان» في ذيل الآية الأولى من سورة الأسراء: «إنّ علماء الشيعة يعتقدون أنّ اللَّه أسرى بنبيّه في تلك الليلة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وعرج به إلى السماء ليريه آياته، وكان ذلك في اليقظة لا المنام، إلّاأنّ القرآن اقتصر على الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وغيره من الأخبار».

ورغم نسبة جانب من المعراج إلى القرآن وما بعده للأخبار، إلّاأنّ ما ذكره في تفسير الآيات الست من سورة النجم تنطبق على الجانب الآخر من المعراج، وكأنّه غيّر رأيه السابق ونسبه إلى القرآن أيضاً، لكنه اعتبر دلالة الأخبار قطعية بهذا الخصوص.

2- وقال المفسر الكبير المرحوم الطبرسي صاحب «مجمع البيان» في تفسير ذيل الآيات الواردة في سورة النجم:

«ظاهر مذهب الأصحاب والمشهور

في أخبارنا أنّ اللَّه أسرى بالنبي الأكرم صلى الله عليه و آله بهذا البدن وفي اليقظة وعرج به إلى السماء وهذه عقيدة أغلب المفسرين».

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 494

3- وذكر المحدّث الشهير العلّامة المجلسي في الجزء السادس من بحار الأنوار:

«إنّ إسراء النبي من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ممّا دلت عليه الآيات وأحاديث الفريقين المتواترة، وانكار أمثال هذه الأمور أو تأويلها وتفسيرها بالمعراج الروحي أو النوم ناشئ من عدم الوقوف على أخبار أئمّة الهدى أو ضعف اليقين ...».

وثم أضاف: «لو أردنا جمع الأخبار الواردة بهذا الشأن لتطلبت كتاباً كبيراً».

ثم روى أكثر من مائة حديث بهذا الخصوص وردت أغلبها في كتاب الكافي الذي يعدّ من مصادر الشيعة المعتبرة. كما ذهب علماء العامة والمفسرون والمحدثون إلى أنّ أحاديث المعراج من الأحاديث المشهورة. وفي الختام يبدو من الضروري ذكر هذه النقطة- بغية إيضاح المسار التاريخي لهذه المسألة بين المسلمين على الصعيد الروائي ونظرة علماء الإسلام- وهي أنّ صاحب «مجمع البيان» قال: الأحاديث الواردة في المعراج أربعة طوائف:

1- الروايات القطعية التواتر (كأصل موضوع المعراج).

2- الروايات التي لا تمتنع عقلياً ونقلياً (كمشاهدة آيات عظمة اللَّه في السماء).

3- الظاهرات الشاذة الظاهر، ولكن يمكن توجيهها وتفسيرها.

4- الروايات الباطلة التي يتضح وضعها وبطلانها.

وكما صرّح هؤلاء العلماء فإنّ قبول مسألة المعراج لا تعني التسليم بكل خبر ورد في كل كتاب، ذلك لأنّ المعراج كسائر المسائل لم يسلم من التحريف والوضع؛ وعليه فلابدّ من تمييز غث الأخبار من سمينها من خلال العقل والنقل في التعامل مع هذه الأحاديث. وهذا خلاصة الكلام بشأن المعراج على ضوء الأدلة النقلية.

المعراج والعلوم:

لابدّ من طرح بعض الأسئلة والرد عليها لرفع الشبهات كافّة:

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 495

1- هل المعراج يعني السير في

السماء، وبعبارة أخرى هل يرى العلم من إمكانية للرحلات الفضائية الواسعة؟

2- ما الوسائل اللازمة إن كان ممكناً؟

3- ما الزمان اللازم للقيام بهذه الرحلات؟

جواب العلم عن السؤال الأول بالإيجاب، فالرحلة الفضائية ليست ممكنة فحسب، بل أصبحت أغلبها عملية اليوم. فلم يعد اليوم من إمكانية لسماع نظرية بطليموس التي ترى سير الإنسان في السماء يوجب خرق العادة والتئام الأفلاك. فالصواريخ العابرة للفضاء- وبعضها بركاب وأخرى دونهم- قد شقت عنان السماء لتبلغ كوكب الزهرة الواقع في الفلك الثالث في هيئة بطليموس، ولم يحدث محال عقلي ولا خرق ولا التئام.

صحيح أنّ هذا التقدم لا يعدّ شيئاً إزاء الكواكب ومسافاتها العجيبة، لكنّه أخرج الموضوع من الاستحالة العقلية والعملية، وكما قيل فإنّ وقوع موضوع دليل على إمكانه ...

هذا ما يتعلق بالسؤال الأول.

وأمّا السؤال الثاني فلابدّ من الإذعان بأنّ الرحلة الفضائية تتطلب عدّة رسائل للتغلب على العراقيل التي تعترض هذا السبيل. ولعل أهم هذه العراقيل.

1- الجاذبية الأرضية التي ينبغي التغلب عليها ببعض الوسائل. وقد أثبت العلماء بواسطة بعض الحسابات أنّ ذلك يتطلب وسيلة لا تقل سرعتها عن أربعين كيلومتر في الساعة، وبعبارة أخرى 2/ 11 كيلومتر في الثانية. فلو منحت سفينة فضائية مثل هذه السرعة لاخترقت الجاذبية وشقت طريقها نحو المنظومة الشمسية. ويبدو الحصول على هذه السرعة ممكناً، لكنه صعب وشاق.

2- إنعدام الهواء في الوسط الخارج عن الجو.

فهنالك طبقة من الجو وبغض النظر عن بضع كيلومترات مجاورة للأرض والتي تحتوي على أوكسجين يمكن التنفس فيها، بينما يتعذر التنفس في سائر الطبقات الأخرى ولو ارتفع الإنسان في أعالي الجو لاختنق بسبب قلّة الأوكسجين. وقد أثبتت التجربة أنّ الإنسان

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 496

العادي يغيب عن الوعي خلال ثوانٍ في فاصلة 15 كيلومتر عن

سطح الأرض ويموت إن لم يسعف، ومن هنا يحمل رواد الفضاء مقداراً من الأوكسجين في رحلاتهم الفضائية.

3- الحرارة والبرودة القاتلة في الفضاء، أي عدم تعرض الجسم للحرارة يجعله بارداً جدّاً. ذلك لعدم وجود الهواء هناك ليوازن الحرارة المحرقة ويختزن قسماً منها.

4- الأشعة الخطيرة خارج الجو، كالأشعة البنفسجية واشعة X والاشعة الخارقة «1» ولو تعرض الجسم لهذه الاشعاعات مدّة زمينة قصيرة إختلت أجهزته، وحيث تتواجد بكثرة في الفضاء فهي مميتة وقاتلة.

5- أجسام الشهب الكثيرة والتي تنطلق بسرعة عالية في الفضاء ولعل ارتطام إحدى ذراتها الصغيرة بجسم الإنسان أعظم خطورة من إطلاقة البندقية مع علمنا بأنّ تأثير الجسم يتناسب طردياً مع سرعته، ومن هنا يتمّ التعرف على مدى تأثير الإطلاقة من خلال سرعتها لا مادتها وشكلها. وطريقة مقاومة هذه الأجسام بنسبة معينة للسفينة الفضائية وألبسة خاصة يمكنها المقاومة للأجسام.

6- إنعدام الوزن، فنحن نعلم بأنّ الجاذبية تتناسب عكسياً مع مربع المسافة، أي لو كانت مسافة الجسم عن مركز الأرض ضعفين لقلّ وزنه إلى الربع، فالوزن هو تأثير الجاذبية على بدن الإنسان أو سائر الأجسام، وهكذا يقلّ وزن جسم الإنسان حتى يصل إلى الصفر، ورائد الفضاء يشعر بإنعدام الوزن تماماً، بالإضافة إلى أنّ السرعة إحدى عوامل إنعدام الوزن.

والعوارض الناشئة من إنعدام الوزن صعبة التحمل رغم عدم خطورتها، ويضطر رواد الفضاء لممارسة مختلف التمارين الشاقة بغية التغلب على هذه المشكلة.

هذه مختلف المواقع التي تعترض الرحلات الفضائية، ولكن كما قيل فإنّها لا تحيل الرحلة الفضائية إلى الاستحالة، بل يمكن التغلب عليها ببعض الوسائل، والإنسان ظفر اليوم ببعض الوسائل. ولكن لا ينبغي اعتبار الأمر متقصر عليها، بل هنالك العديد من الوسائل

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 497

التي من شأنها القضاء على هذه الموانع.

هذا بشأن الرحلات الفضائية البشرية اليوم،

أمّا بشأن معراج النبي صلى الله عليه و آله فلابدّ من القول:

إنّنا نعلم بأنّ النبي الأكرم صلى الله عليه و آله لم يسلك هذا الأمر بالوسائل العادية، بل انطلق من خلال قوّة عظيمة من عالم ماوراء الطبيعة، فطوى هذا الطريق بوسيلة مجهزة، وليست هنالك من مشكلة بهذا الخصوص. فهل هنالك من مؤمن بقدرة اللَّه المطلقة (طبعاً المراد بهذا الكلام الموحدون) يسعه انكار عدم وجود أي مانع إزاء قدرة اللَّه فقد زوّد نبيّه بوسيلة معينة خارجة عن نطاق فكرنا لينطلق إلى السماء ويرى عجائب الخلقة؟!

المعراج والزمان:

طبعاً يعدّ هذا الموضوع مشكلة كبرى في المعراج (وخلال ليلة واحدة). ولكن هنالك حلّان لهذه المشكلة:

1- ربّما حصل المعراج داخل المنظومة الشمسية فقط، لأنّ الإشكال المذكور يكون وارداً إن اعتبرنا المعراج خارج المنظومة الشمسية، والحال ليس لدينا دليل قاطع على هذا الموضوع. فلا مانع من حصول هذه الرحلة داخل المنظومة الشمسية، وعليه لا يرد أي إشكال على هذه القضية. فأبعد سيارة في المنظومة الشمسية التي ترى بالعين المجردة «زحل» والمسماة سابقاً السماء السابعة (لانها تبعد عنا أكثر من عطارد والزهرة والمريخ والمشتري والشمس).

فهي تبعد عنا أكثر قليلًا من 1400 مليون كيلومتر. وهذه المسافة بالنسبة لوسيلة أسرع من حركة الضوء قصيرة وتتم بمدة قصيرة جدّاً.

وعليه فمشكلة الزمان محلولة داخل كرات المنظومة الشمسية ولا يتعارض ذلك مع نظريات علم الفيزياء، واطلاق السموات على كرات المنظومة الشمسية تعبير عادي، ذلك لأنّ أحد معاني السموات كرات المنظومة الشمسية، والطريف أنّ روايات الفريقين تحدثت عن الوسيلة التي حملت النبي إلى السماء وأسمتها «البراق» من مادة برق التي قال فيها

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 498

المحدثون: لعل سرعتها وحركتها كالبرق هو الذي يقف وراء

تسميتها.

والأطرف من ذلك ما ورد في بعض الروايات بشأن هذه الوسيلة أنّ «خطاه مد بصره» حيث يستفاد أنّ سرعته كانت كسرعة الضوء، ذلك لأنّ رؤية الأشياء تتمّ بواسطة الضوء، والطول الزماني لرؤية كل شي ء تساوي سرعة ضوئه.

2- سرعة الضوء ليست أعظم سرعة.

تفيد دراسات العلماء المعاصرين عدم صحة النظرية التي تزعم عدم وجود سرعة تفوق سرعة الضوء مهما كانت الظروف، بل هنالك مثل هذه السرعة التي تفوق سرعة الضوء (لابدّ من الدقة).

ومنها أنّ البعض يعتقد بأنّ امواج الجاذبية لا تحتاج في حركتها إلى الزمان مطلقاً، بل تخترق العالم خلال لحظة.

قال العالم «جيور جيو»: «... ولكن هنالك سرعة آنية وتؤثر في لحظة من جهة هذا العالم لأخرى وهي سرعة أمواج الجاذبية، ولو انفصل في هذه اللحظة نهاية عالم مجرة تضم عشرات ملايين الشموس وتبدلت إلى أمواج فستقوم الجاذبية بردة فعل في نفس هذه اللحظة لإعادة توازن العالم، ولو لم يكن الأمر كذلك، لتفككت تلك المجرّة آنذاك وتبدلت إلى أمواج تقضي على عالم الشمس».

وكما نلاحظ فالبحث هنا عن سرعة تفوق سرعة الضوء بشأن المجرات، وهذا يكشف عن عدم قطعية السرعة النهائية للضوء، وقد يتضح مستقبلًا على ضوء بعض الاختراعات بحيث يمكن لجسم ترابي في ظروف معينة (لا في ظل أية ظروف) أن يسير بسرعة تفوق الضوء، فتحل مشكلة الزمان في مسألة المعراج وإن كان خارج المنظومة الشمسية، وليس هنالك من محذور علمي في معراج النبي عليه السلام إلى السماء خلال ليلة واحدة.

علّة المعراج:

لم يسلم المعراج للأسف كسائر المسائل التاريخية الصحيحة من الخرافات، ليبدو

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 499

مستهجناً لدى أولئك الذين ليس لهم رصيد من المطالعات والتحقيقات. فالقرآن يكشف هذه الحقيقة بصفته أفضل سند حي بعيد عن التحريف لإدراك

هدف هذا المعراج والحقائق الإسلامية كافّة. ولنا أن نستنبط هدف المعراج من القرآن والذي ينسجم مع مبادئ العلم والمنطق. ورغم أنّ الآيات المتعلقة بالمعراج لا تبلغ عشرة، إلّاأنّ اثنتين منها وضحت الهدف:

فالآية الأولى من سورة الأسراء صرحت قائلة: «سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ».

فالهدف من المعراج في هذه الآية رؤية آثار وآيات عظمة اللَّه في العالم العلوي.

وصرحت الآية 18 من سورة النجم قائلة «لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ويفهم من الآيتين أنّ هدف المعراج لم يكن التطلع إلى سلطة اللَّه أو سماع صوت قلمه أو مشاهدة جماله! فنحن المسلمون لا نعتقد بوجود موضع معين للَّه، فهو في كل مكان «فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ» «1»

، «وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّموَاتِ وَالْأَرْضَ ...» «2»

والمراد بالكرسي سعة عالم الخلق. «3» وعليه فالمراد من المعراج رؤية آثار عظمة اللَّه في العالم العلوي ليزداد قلب النبي الأكرم صلى الله عليه و آله بصيرة وفكره اتساعاً واستعداداً لزعامة وهداية الخلق إلى اللَّه في ظل مشاهدة هذه الآثار المذهلة «4».

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 500

القسم السابع استفسارات مختلفة

1 ما أسباب تقدم المسلمين سابقاً وتخلفهم حديثاً؟

سؤال:

ماذا كانت أسباب تطور المسلمين بالأمس وانحطاطهم اليوم؟ لماذا أصبح المسلمون تابعين لبلدان العالم المتطورة بعد أن حكموا بحضارتهم أغلب دول العالم؟

الجواب:

حقاً إنّ هذا لمن الأسئلة الحساسة والرائعة، والأجدر إصدار كتاب بهذا الشأن. فقد ذكر العالم المصري المعروف فريد وجدي في مادة العلم من موسوعته عشرة أسباب تقف وراء تطور المسلمين، كما خاض عالم آخر في هذا الموضوع «1»، والحق أنّ سبب ذلك التقدم وهذا التخلف يكمن في اتباع أو رفض التعاليم الإسلامية، فالمسلمون في صدر الإسلام كانوا يمتثلون التعاليم الإسلامية كافّة- وفي

جميع شؤونهم- بينما انحرف المسلمون اليوم في أغلب مناطق العالم عن هذه التعاليم، وربّما يسعنا القول إنّ البعض مسلم بالجنسية لا على نحو الواقع، مع ذلك هنالك بعض العوامل والأسباب، ومنها:

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 504

1- التضحية الشاملة

كان المسلمون الأوائل مضحّين بالمعنى الحقيقي لهذه الكلمة، فكانت التعاليم الإسلامية لديهم أولى من الأخ والمرأة والمقام والثروة والمنصب، فكانوا يؤثرونها على مصالحهم المادية، ويشهد على ذلك التاريخ الإسلامي وما تخلله من حروب، إلّاأنّ الدين أصبح هامشياً اليوم لدى أغلب المسلمين فقلَّ ذلك الإيثار والتضحية، فالإسلام محترم لدى البعض مادام لا يتعارض مع مواقعهم وأموالهم، وإلّا طرحوه جانباً.

2- الاتحاد والأخوة

كان المسلمون في صدر الإسلام متحدين واخوة لحكم القرآن، ثم حدثت بعض الاختلافات التي أعقبت وفاة النبي صلى الله عليه و آله استطاع أمير المؤمنين عليه السلام والمعصومون من ولده عليهم السلام إزالتها والحيلولة دون تعثر رقي المسلمين، حتى تنازلوا عن حقّهم بغية حفظ كيان الإسلام، بينما بلغ الخلاف اليوم والنفاق ذروته في الأوساط الإسلامية فراجت العقائد الفاسدة وكفرت بعض الفرق الفرق الأخرى وقد اتسع اليوم حجم الاختلاف بين المسلمين وشوهت الصورة الحقيقية للإسلام ببعض الخرافات، فهل يتصف المسلمون بذلك المجد الذي حققوه سابقاً.

3- الظروف الزمانية

كان العلم بشرائط الزمان أحد العوامل المهمّة لرقي المسلمين، فكانوا يتسلحون بالعلم والمعرفة، يذكر أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أخبر بوسيلة في اليمن اخترعت لتحطيم القلاع فأوفد فريقاً إلى اليمن للتعرف عليها. «1» كما كان المسملون يترجمون لقرون علوم الآخرين من قبيل الفلسفة والفيزياء والكيمياء والحساب والهندسة والنجوم والهيئة ... ويكملونها بآرائهم فأسسوا الجامعات والمكتبات الضخمة فغدوا مشاعل تحمل العلوم.

وأصبحت المراكز الإسلامية في بغداد والشام ومصر والأندلس وايران تستقطب الدارسين من أنحاء

العالم كافّة، بينما غفل أغلب المسلمين اليوم عن متغيرات الزمان

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 505

والأوضاع السائدة وسعوا لممارسة حياتهم بوسائلهم السابقة، في حين هنالك تطورات واكتشافات كل لحظة، وما زلنا نعاني من الضعف في إعلامنا ونشر معارفنا الإسلامية. هذه بعض العوامل التي تقف وراء تقدم مسلمي الصدر الأول؛ بالإضافة إلى عوامل أخرى كان لها بالغ التأثير في رقيهم لا يسعنا الخوض فيها مراعاة للاختصار، ونختتم البحث بالآية التالية التي تشير إلى علل سمو المسلمين «وأَنْتُمُ الأَعْلَونَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤمِنِينَ» «1»

ويتضح ممّا سبق والآية جواب سؤال آخر هو: هل من أمل في استعادة المسلمين لسابق عزتهم؟

والجواب بالايجاب من خلال إعادة النظر في أسباب رقي المسلمين في صدر الإسلام.

فلو بلغ المسلمون تلك التضحيات واستبدلوا الخلاف والنفاق بالوحدة والأخوة وانفتح الزعماء المسلمون على حقائق الزمان لعادوا إلى سابق مجدهم وعظمتهم، وبالطبع لابدّ أن يتمّ كل تطور ورقي في اطار قوانين الإسلام، وأن لا يكون موضوع إدراك «روح الزمان» وسيلة لتحريف المفاهيم الإسلامية أو التخلي عنها.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 507

2 هروب الشباب من الأوساط الدينية

سؤال:

ما السبب أو الأسباب التي أدّت إلى نفرة الشباب من حضور الأوساط الدينية، ألم يأن الوقت للتغلب على هذه المشكلة؟ ما السبيل لحل هذه المشكلة، وكيف يوجه الشباب لهذه الأوساط؟

الجواب:

نعتقد أنّ ابتعاد الشباب عن الأوساط الدينية يستند إلى عدّة عوامل نشير إلى عاملين مهمّين منها:

الأول: الدعايات المغرضة التي يبثها العملاء منذ مدّة بين شبابنا فشوهوا لهم الحقائق لينظروا بعين الشك إلى الأوساط الدينية والمؤسسة الدينية.

الثاني: غياب الإنضباط في بعض الاجتماعات الدينية وعدم رعاية الأصول الصحيحة للخطابة والإعلام الديني في بعض هذه الأوساط بالصورة التي تلبي طموحات هؤلاء الشباب وريّها بالمفاهيم الإسلامية السامية.

نعم، لحسن الحظ فإنّ يقظة سادت شبابنا في

السنوات الأخيرة ووقفوا على طبيعة تلك

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 508

الدعايات السامة. ومن هنا كان للشباب حضور فاعل في المجالس والمؤتمرات الدينية، وهذا ما نلمسه بالفعل في المجالس. كما اتخذت بعض التدابير بشأن الفاعل الثاني فلم يعد قليلًا المبلغون العارفون باللغات الذين يستطيعون اعتماد المنطق الإسلامي الرصين في مخاطبة الشباب، رغم اعترافنا بعدم تناسب عددهم مع مدى المتطلبات المعاصرة.

3 السيطرة على استغلال تعدد الزوجات

سؤال:

صحيح أنّ منزلة المرأة وحقوقها وعدم تعرضها للظلم إنّما تحلّ من خلال رعاية الرجل للعدل في تعدد الزوجات والطلاق ... أي لا يطلق نساءه عبثاً ويتركهن حيارى- لكن من الواضح هنالك استغلال لقانون تعدد الزوجات في عصرنا الراهن من قبل أولئك الذين لا يحملون من الإسلام سوى اسمه.

وهنا يرد هذا السؤال: ما الذي يتخذه الإسلام إزاء هؤلاء الأفراد الطائشين وكيف يسيطر على هذا الاستغلال؟

الجواب:

إنّ القوانين مهما كانت رصينة فهي ليست كافية لتحقيق سعادة أفراد المجتمع ما لم تكن هناك ضمانة بتطبيقها. ورغم أنّ التربية والتعليم والإيمان باللَّه يمكن أن تحول دون الاستغلال والتمرد على القانون، إلّاأنّ هذه العوامل ليس من شأنها جعل الأفراد بصورة كلية ملتزمين بوظيفتهم.

فهنالك بعض الأفراد شئنا أم أبينا ممن يستغلون القانون ويتمردون عليه. وعليه لابدّ من

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 510

مسؤول يسعى لتنفيذ القوانين ويشرف على ممارسة المجتمع لها بغية ضمان العدالة الاجتماعية وحماية الأفراد الضعفاء، وذلك المسؤول هو الحكومة الإسلامية. ومن هنا منح الإسلام الحكومة الإسلامية صلاحيات واسعة في مجال تنفيذ القوانين بحيث يحق لها اتخاذ عدّة إجراءات ضد كل من يتطاول على حرمة القوانين ويحاول استغلال الضعفاء.

ولا فرق هنا بين الطلاق وتعدد الزوجات وسائر الأبواب الفقهية، أي كما تقف الحكومة الإسلامية إلى جانب المظلومين وتعادي الظالمين كذلك بشأن الطلاق والزواج

وتعدد الزوجات وظلم المرأة ليحفظ من خلال ذلك حقوقها، حيث يحق لها الحيلولة دون استغلاله للمرأة. بالاضافة إلى قضية ينبغي الإلتفات إليها في مختلف الأبواب الفقهية وهي أنّ القوانين الإسلامية كحلقات السلسلة متصلة مع بعضها البعض ولا يمكن التعامل مع بعضها دون الآخر. فلابدّ من النظرة الشمولية إلى جميع القوانين الإسلامية في الوسط الذي يحكمه الإسلام وليس في كل وسط؛ فمثلًا أحكام الحدود والديات والقضاء والزواج والطلاق الإسلامي لابدّ أن تناقش في الوسط الذي تطبق فيه المباني والمبادئ الحقوقية والعقائدية الإسلامية كافّة. وعلى هذا الأساس فإن طبقت جميع القوانين الإسلامية كما هي فسوف لن يكون هناك من ينتهك حرمة القانون ويهضم حقوق الآخرين ليتمسك الفرد بالقوانين الإسلامية كافّة ولا يسحسن منها تعدد الزوجات فقط والتعسف في الطلاق.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 511

4 هل ينبغي التريّث بعد العطسة؟

سؤال:

هل ورد في الإسلام ما يشير إلى الصبر بعد العطسة؟!

الجواب:

ليس في الإسلام شي ء بهذا الشأن وروح الإسلام لا تنسجم أصلًا مع ذلك، حتى ورد الحث على التوكل ومتابعة العمل بعد العزم عليه وإن تشائم أحد من ذلك، وعدّ الفأل السي ء علامة على الشرك.

نعم، ما ورد بشأن العطسة تسميت العاطس فتقول له: «يرحمكم اللَّه»، فيرد عليك:

«يغفر اللَّه لكم». أمّا التريث والتوقف بين عطسة وأخرى خرافة ينبغي للمسلم عدم التعويل عليها.

5 قصاصات في المنام صحيحة؟

سؤال:

تنتشر بين الحين والآخر ورق تحكي عن أحلام تحمل عنوان خادماً للنبي الأكرم صلى الله عليه و آله تتضمن الحث على التقوى والابتعاد عن المعاصي وقرب ظهور إمام الزمان عليه السلام! نقلًا عن النبي صلى الله عليه و آله فهل هذا صحيح؟ «1»

الجواب:

للأسف يحصل هذا العمل المستهجَن بدفع من بعض أعداء الإسلام والتشيع، ويتكرر لسنوات وكل سنة خادم النبي الأكرم صلى الله عليه و آله- طبعاً ليس لهذا الاسم من وجود خارجي- يرى رؤيا جديدة ويعين تاريخاً لظهور ولي العصر أرواحنا فداه وحين لا يقع يرى رؤيا أخرى ويبدو أنّ اصحاب هذه الرؤيا يرومون بخيالاتهم الساذجة إثارة الشك في نفوس الضعفاء بشأن ظهور إمام العصر «عج»، وقد غفلوا عن عدم إكتراث المسلمين- مهما كانوا بسطاء- لهذه الأباطيل. أضف إلى ذلك فالدين لا يرى من اعتبار لرؤيا شخص.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 515

6 منشأ عبارة «السادة»

سؤال:

من أين أتت عبارة «السادة» ومن اطلق هذا اللقب عليهم؟

الجواب:

السيادة شرف معنوي في نسل رسول اللَّه صلى الله عليه و آله وهذا موضوع عام في أنّ الأشراف يحظون بحرمة تتناسب مع مقام الانتماء؛ وعليه فإنّ حرمة «السادة» تستند إلى انتسابهم لأعظم شخصية للبشرية- أي النبي الأكرم صلى الله عليه و آله- ومن هنا اطلق لفظ السيد، وقد وردت في كلمات النبي صلى الله عليه و آله والأئمّة عليهم السلام بشأن بعض أهل البيت.

ولكن ينبغي الإلتفات إلى أنّ السادة لا يمكنهم ارتكاب أدنى مخالفة اعتماداً على نسبهم وهم كسائر الأفراد إزاء القوانين.

فالواقع أنّ أساس السيادة هو عظمة النبي صلى الله عليه و آله وعلي عليه السلام من حيث الصفات والأعمال؛ فقد كان هؤلاء سادة لشخصيتهم الربانية فشمل شعاع هذه الشخصية آل هاشم وذريّته.

7 تقييم كتاب «إعادة التعرف على النبي محمد صلى الله عليه و آله»

سؤال:

قرأنا في مجلة المدرسة الإسلامية نقاط قوّة وضعف كتاب «إعادة التعرف على النبي محمّد» فهل تقتصر نقاط ضعفه على الجوانب المتعلقة بعالم التشيع واغماض الكاتب عن مناقب أمير المؤمنين علي عليه السلام وخلافته بعد النبي صلى الله عليه و آله، أم تشمل حياة النبي صلى الله عليه و آله أيضاً؟

الجواب:

يشتمل الكتاب على نقاط ضعف وقوّة، ولا تقتصر نقاط ضعفه على الجوانب المتعلقة بالشيعة، بل وردت فيه بعض المطالب التي لا يعتقد بها أحد من المسلمين ولم تذكر في أي من مصادر الفريقين المعتبرة، كما لا تنسجم مع الموازين العقلية، ومن ذلك ما ذكره في بحث المعراج ص 225 أنّ النبي صلى الله عليه و آله اقترب من اللَّه حتى سمع صوت قلم اللَّه وفهم أنّه مشغول بحساب أفراد البشر! ورغم سماعه لصوت قلم اللَّه إلّاأنّه لم يره، فلا يستطيع أحد رؤيته وإن كان

نبيّاً.

ولا ندري من أين أتى مؤلف الكتاب بهذه القصة المضحكة، وأية رواية ضعيفة نقلتها:

أولًا: ليس للَّه من مكان ليسارع إليه النبي صلى الله عليه و آله والهدف من المعراج بصريح القرآن رؤية

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 518

آيات اللَّه في السماء «لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى» «1»

لا الوصول إلى مقر حكومة اللَّه أعلى العرش!

ثانياً: اللَّه عالم بأعمال العباد كافّة ويعلم حسابهم، ولا يحتاج للمسارعة في احصاء أعمال العباد ليسمع النبي الأكرم صلى الله عليه و آله صوت قلمه- ولابدّ أن يكون قلمه من الخشب ليكون له مثل هذا الصوت- ثم ما حاجة اللَّه لذلك والملائكة يحصون الأعمال.

ثالثاً: يلزم من هذا الكلام أنّ اللَّه جسم وله يد ورجل؛ وهذه أمور تدعو كل مسلم مدرك للعجب والدهشة. طبعاً نحن سعداء باهتمام العلماء والكتاب الأجانب بشخصية وعظمة النبي صلى الله عليه و آله، أمّا أن نتوقع بأن يشرح لنا الآخرون تفاصيل سيرة النبي صلى الله عليه و آله وتعاليمه فهذا ما لا يسعدنا قط، مع ذلك هنالك بعض نقاط القوة في الكتاب.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 519

8 الإسلام والأُمّية

سؤال:

لقد حث النبي صلى الله عليه و آله على العلم والمعرفة، كما دعى المسلمين بلسانه وتقريره وفعله لكسب العلوم والمعارف ومقاومة الأمّية و ... مع ذلك هنالك الكثير من المسلمين أمّيون اليوم؟

الجواب:

إنّ العلم والمعرفة كان انتشرتا كالبرق في أوساط المسلمين حين لم يحيدوا عن تعاليم الإسلام، والشاهد على ذلك تلك الجامعات الإسلامية العظيمة والمكتبات التي غص بها التاريخ، ففي ذلك الوقت الذي لم تخترع فيه وسائل الطباعة وصنع الورق كما هو عليه اليوم كانت «مكتبة مراغة» تضم أربع مائة ألف كتاب و «مكتبة دار الحكمة» في بغداد أربعة ملايين كتاب، كما كانت مكتبات سائر البلدان الإسلامية

ثرية بالمؤلفات العلمية والطبيعية.

كما كانت نسبة المتعلمين عالية حتى قبيل السيطرة عليهم من قبل الاستعمار، على سبيل المثال كانت الغالبية العظمى من المجتمع الجزائري قبل الاستعمار الفرنسي من المتعلمين، بينما انعكس الأمر إثر الاحتلال. وفي الفترة الأخيرة اصطدم بعض حكام البلدان

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 520

الإسلامية مع بعضهم فابتدأ عهد جمود المسلمين وانحطاطهم، فوقفت عجلة التقدم وتفشت الأمّية في الأوساط الإسلامية.

نأمل بأن ينهض المسلمون ثانية ويجدون في طلب العلم بفعل تمسكهم بهويتهم الإسلامية، ولعلنا نرى اليوم بوادر هذه النهضة.

9 هل ينبغي للصالحين أن يصلوا؟

سؤال:

نعلم أنّ الصلاة تصدنا عن الفواحش، فلو امتنعنا عن الفواحش، فهل يجب علينا أن نصلّي أم لا؟

الجواب:

الصلاة وجوب عمومي وقطعي: فلا يستثنى منها الفرد وإن جانب الفواحش، ولا يمكن التذرع بالصلاح بغية ترك الصلاة. وبغض النظر عن ذلك فليس هنالك من ضمانة بترك الفواحش دون ذكر اللَّه الذي تفرزه هذه الفريضة الدينية العظيمة، وقد دلّت التجربة على أنّ من لا يصلّي لا يسعه الابتعاد عن المعاصي، وعلى الأقل لا يلتزم بطهارة البدن واللباس والطعام؛ وناهيك عمّا سبق فإنّ للصلاة والتوجه إلى اللَّه دوراً في ترسيخ الإيمان وتكامل روح الإنسان- حتى ذلك الذي يترك المعاصي- وبالتالي فنحن مكلّفون دون استثناء بأداء هذه الفريضة.

10 الإنسان والملائكة

سؤال:

يقال إنّ الإنسان أشرف المخلوقات، فهل المراد أنّ الإنسان أكمل موجود خلقه اللَّه فهو أسمى حتى من الملائكة؟

الجواب:

الإنسان والملائكة كسائر الموجودات مخلوقات اللَّه، مع هذا الفارق وهو أنّ للإنسان قابليات خارقة ليست في الملائكة. بالإضافة إلى أنّ خلق الملائكة بعيد عن الأهواء، بخلاف الحيوان المركب من الشهوة دون العقل، بينما اشتمل الإنسان على الشهوة والعقل.

ومن هنا أصبحت مسؤولية الإنسان ثقيلة. وعليه فإن اتبع الإنسان عقله وآمن باللَّه وقمع هواه فإنّه سيكون أسمى من الملائكة، وإن اتبع هواه وجانب عقله وابتعد عن الإيمان والحق والفضيلة كان أسوأ من الحيوان.

ولذلك ورد في القرآن أنّ اللَّه حين خلق آدم أمر الملائكة بالسجود له، وأمر آدم بتعليمهم ما علّمه اللَّه، فكان في الواقع معلم الملائكة.

11 سكنة الكواكب

سؤال:

هل هناك كائنات حيّة في العالم العلوي، أم أنّ الحياة مقتصرة على الكرة الأرضية؟ ولو فرضنا توفر ظروف الحياة في العالم العلويى فهل الكائنات الحيّة هناك عاقلة مثلنا لها حضارة، ما رأي الإسلام في ذلك؟

الجواب:

إنّ سعة وعظمة عالم الخلق ممّا أذهلت العلماء، ورغم دعم إمتلاكنا للمعلومات الدقيقة عن سعة وعدد المجرّات والكواكب، إلّاأنّ مجرتنا «1» فقط تحتوي على 150000 مليون كوكب من بينها بعض الكواكب التي تشبه شمسنا؛ وعليه واستناداً إلى سعة عالم الخلق يستبعد إقتصار الحياة على كوكبنا دون الكواكب الأخرى

رغم اعتقاد علماء الفلك بضعف احتمال وجود الحياة في سائر الكواكب؛ لأنّ كوكب عطارد والزهرة محرقان وخانقان والمريخ بارد والمشتري وزحل يسبحان في الأمونيا

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 526

والميثان. إلّاأنّ هذه الأحكام بشأن كواكب المنظومة الشمسية لا تبدو منطقية. ذلك إننا وضعنا أنفسنا في إحدى هذه الكواكب فماذا سنقول بشأن الأرض؟ قطعاً سيقول منجم مريخي أنّ غاز الأوكسجين السام محيط بأرضنا، ولا يفهم

كيفية تكيف بنيتنا مع هذا الغاز فيظن باستحالة الحياة على الأرض! ولو أرسلت الأقمار الصناعية من المريخ إلى الأرض- كأقمار الأرض- والتي تلتقط الصور من مسافة ثلاث مئة كيلومتر لما ظهرت فيها أية آثار للحياة!

وعليه فلا يستبعد أن تكون أحكام بعض العلماء بشأن عدم توفر ظروف الحياة في كواكب منظومتنا كأحكام المنجم المريخي الذي يرى من بعيد عدم مساعدّة الأرض على الحياة، لاننا لا نمتلك معلومات عن خصائص ظروف الحياة وخصائص بنية الكائنات هناك- طبعاً على فرض وجودها- وهل تستطيع العيش في ظل تلك الظروف أم لا.

على كل حال فإنّ أغلب العلماء مثل «ساجان» العالم الأمريكي و «شكلوفسكي» عضو الدار الروسية للثقافة و «فولتير موسيفان» في كتابه «لسنا وحيدين في العالم» يعتقدون جازمين بالحضارة خارج الكرة الأرضية، وأنّها أسمى من حضارتنا؛ ولا يرى هؤلاء العلماء ثمّة دليل على حصر الحياة بكوكبنا، بل هنالك آلاف المنظومات الشمسية كمنظومتنا الشمسية في هذه المجرة.

قال العالمان الأولان أنّ مجرتنا يمكن أن تضم على الأقل ألف مليون كوكب تسوده الحياة، وأقرب وأوفر كوكب للحياة «ابسيلون» ومن بين آلاف السيارات هنالك الكثير من الكواكب المؤهلة للحياة وفي بعضها مدنية وإزدهار صناعي، وطبق تقرير المرصد النجومي الفيزيائي «يوراكان» في روسيا الذي يبث من الفضاء علامات راديوية وكان سكنة العوالم الأخرى يسعون إلى شد أنظار سكنة سائر الكواكب إليهم «1».

فقد تقدم العلم إلى هذه الدرجة والعلماء ما يزالون يواصلون أبحاثهم في أنحاء العالم كافّة بغية التعرف على الحقيقة.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 527

ورأي الإسلام واضح بهذا الشأن والقرآن والأحاديث حلت هذا الإشكال قبل أربعة عشر قرناً، ودعونا نُذكِّر بنقطة حول مقتضى الحكمة الإلهيّة بهذا الخصوص قبل أن نتحدث عن هذا الموضوع من وجهة نظر

القرآن والسنة. فالموحد الذي يؤمن باستناد خلق العالم إلى الحكمة الإلهيّة ليستبعد إقتصار الحياة على جزء من الكرة الأرضية من بين ملياردات الكواكب وكأنّها صحارى جرداء تفتقر إلى معاني الحياة والتفكير والشعور، فهذا الأمر لا ينسجم قط والهدف من الخلق وحكمة الخالق. والقرآن الكريم يشير صراحة إلى وجود الحياة في السماوات فيقول في وصفه لقدرة اللَّه: «وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ» «1».

ولا يكتفي القرآن بالتصريح بوجود الحياة في كواكب السماء، بل يصرح في بعض الآيات بتكليف هذه الموجودات على غرار تكليف البشر في الأرض وأنّهم سيحشرون إلى ربّهم يوم القيامة: «إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً»، «2» «لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً» «3»

، «وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً» «4»

. فالآيات الثلاث الأخيرة تشير صراحة إلى تكليف هذه الموجودات العاقلة وستحشر يوم القيامة كما هي عليه الحالة بالنسبة للبشر ونكتفي بنقل رواية واحدة من بين الروايات بهذا الشأن.

قال أمير المؤمنين عليه السلام بشأن هذه النجوم: «إنَّ هذِهِ النُّجُومُ الّتي فِي السَّماءِ مَدائِنَ مَثلَ المَدائِنِ الَّتي فِي الأرضِ مَربُوطَة كُلُّ مَدِينَةٍ إِلى عَمَدٍ مَنْ نُورٍ» «5».

وجاء في دعاء الإمام الحسين عليه السلام: «اللُّهمَّ إِنّي أَسئَلُكَ بِكَلِماتِكَ وَمَعَاقِدِ عِزِّكَ وَسُكَانِ سَماواتِكَ وَأَرضِكَ». فالعبارة تشير بوضوح إلى سكان السماوات- وهم من المقربين- رغم ما فسّره بعض العلماء بالملائكة حيث لا دليل لدينا على الحصر.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 529

12 التضحية والفداء

سؤال:

يقال كل أنشطة الإنسان بهدف الحصول على منفعة روحية ومادية أو دفع ضرر، حتى تلك الطائفة من أعمال الإنسان من قبيل إعانة الفقراء وتربية الأبناء لا تشذ عن القانون المذكور؛ ذلك لأنّ الإنسان إنّما يسكن روعه ويخلص

نفسه من تأنيب الضمير إثر مشاهدة هذه المناظر الرقيقة عن طريق مساعدتهم ومعاملتهم بالود والاحسان.

وبالنظر إلى هذا الدافع المحرك للإنسان في أنشطته وأفعاله كافّة هو الحصول على النفع أو دفع الضرر، فكيف تعتبر بعض الأعمال نوعاً من الإيثار والتضحية؟ وعاطفة الإُم وحنانها من أسمى مظاهر التضحية والفداء، في حين تستمتع المرأة بهذا الحنان والحبّ لولدها وتتعذب من الامتناع عن تربيته وملاعبته فكيف يمكن اعتبار حنان الأُم عشقاً طاهراً وفعلها تضحية وفداء؟

الجواب:

يمكن الاجابة عن هذا السؤال بطريقين:

1- المراد من «الإيثار» و «التضحية» قيام الإنسان بعمل دون توقع العوض من الفرد المقابل أو المجتمع. فرضاً يشعر شخص بالألم حين رؤيته لمشاهد الضعفاء والمحتاجين

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 530

واليتامى أو يشعر بالفرح والسرور لنجدة هؤلاء الأفراد، فإن تنازل هذا الفرد دون رياء لجانب من حاجاته للآخرين فإنّ عمله هذا يصطلح عليه بالإيثار والتضحية. صحيح أنّ هذا العمل ينقذه من تأنيب الضمير ويمنحه نشاطاً وحيوية، ولكن حيث لم يكن دافعه من هذا العمل منفعة دنيوية، ولم ينطلق فيه من توقع عوض ومقابل إزاء العمل، فإنّ عمله هذا يعدّ إثرة وتضحية على ضوء العقل والشرع.

بعبارة أخرى لابدّ من الرجوع إلى دوافع العمل لتقييم الذات في أنّ هذا العمل تضحية وإيثار. والممارسات العاطفية والإنسانية التي يعبر عنها أحياناً بالتضحية والإيثار هي الأفعال المجردة من حسابات الربح والمنفعة فينطلق فيها الشخص من كوامنه الذاتية وأعماق قلبه دون أدنى سمعة ورياء أو منفعة من فرد أو مجتمع. وبخلافه لا يصطلح بالإيثار على أي عمل لا يخلو من دوافع مادية وتوقع الحصول على عوض وأجرة، فهذا العمل نوع من المعاملة.

2- أحياناً يبلغ عشق شخص أو شي ء مرحلة بحيث لا يرى الإنسان سواه فينسى نفسه،

ومن ينسى نفسه سينسى بالتأكيد مصالحه؛ وهنا لا يرى سوى المحبوب والهدف المقدس ولا يفكر سوى في منافع المحبوب، ويتخلى كلياً عن قانون التبادل التجاري في القيام بفعل إزاء منفعة، فتبلغ التضحية والإيثار باتجاه الهدف بما تجعله يلتذ بخدمة المحبوب التي تضفي عليه أسمى أنواع اللذائذ وتفيض السكينة على روحه وبدنه، وبالتالي يصل تلك المرحلة التي ينسى في ظلها روحه وبدنه فيعيش درجة الفناء. وهذه هي الدرجة التي بلغها أئمتنا عليهم السلام إزاء الذات المطلقة، فهم يعبدونه لذاته المقدّسة التي تمثل غاية الكمال والجمال، فيطلبونه لذاته ويضحون بمهجهم من أجل هذه الذات.

ولعل ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام إشارة إلى هذا الموضوع، إذ قال: «ما عبدتك خوفاً من نارك ولا طمعاً في جنتك بل وجدتك اهلًا للعبادة». ونموذج ذلك أدعيته ومناجاته عليه السلام؛ فقد بلغ مرحلة من الذوبان في جمال الحق وكماله المطلق بحيث لا يشعر بالسهم حين يُسلّ من قدمه؛ فمثل هذا العبد لا يسعه التفكير بنفعه وضرره حين قيامه بعمل وعبادة؛ فهو لا يرى سوى اللَّه ولا يعمل إلّاله وليس لذاته.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 531

13 تكامل الأخلاق والحاجة إلى الدين

سؤال:

ما دور الدين في البلدان التي تسود أبناءها العلاقات الاجتماعية الحسنة والتعاون والعدالة وحسن التفاهم واحترام حقوق الآخرين؟

الجواب:

لا شك في أنّ للأخلاق مساحة معينة في منع المفاسد وتنظيم شؤون المجتمع، ولكن هل يكفي هذا النظام الظاهري لاصلاح المجتمع؟ الجواب بالسلب قطعاً وذلك لأنّ سلسلة من المفاسد زالت من المجتمعات المتمدنة، بينما طرأت أخرى أكثر خطورة، والواقع أنّ المفاسد قائمة، والذي تغير هو شكلها ولونها، فالسرقات القديمة أصبحت بصيغة حملات مسلحة على البنوك والمصارف! والبلدان المتمدنة التي أصبحت اليوم سمعتها وحسن خلق أبنائها أشهر من نار على علم

قد جاوز عدد اللقطاء فيها العشرين ألف خلال سنة واحدة! فإن كان باستطاعة الأخلاق ممارسة دور الدين فما معنى كل هذا الانتحار والطلاق والاغتيال.

قال بعض العلماء: «إنّ القدر المسلّم هو أنّ الأخلاق إن انطلقت من الإيمان باللَّه كانت

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 532

كالسلاح الصارم، وإلّا فإنّ هذه الصرامة والقدرة مشكوكة بالنسبة لنا من كل الجوانب ولا ينبغي أن نفقد وسيلة قطعية على الأمل بموضوع غامض».

وإن لاحظنا حالة من النظام والاستقرار في بعض البلدان فإنّ جانباً منها هو من تأثير التعاليم الدينية التي ورثها الناس عن أخيارهم. أضف إلى ذلك فإنّ الدين يرسى علاقات بين أفراد المجتمع إلى جانب علاقة الإنسان باللَّه التي تعد أساس تكامل الإنسان على المستوى المادي والمعنوي، والمسلم به أنّ هذا الجانب لا يتأتى من الأخلاق المادية القائمة على أساس حفظ المنافع المادية. طبعاً البحث واسع حول حكومة الإيمان والأخلاق، ومن أراد المزيد فليراجع كتاب «الزعامات الكبرى والمسؤوليات العظمى».

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 533

14 مدرسة أصالة العمل

سؤال:

ما تقول مدرسة «أصالة العمل» وما أسلوبها في تحليل المسائل الفلسفية؟

الجواب:

«مدرسة أصالة العمل» منهج من يقتصر بالبحث على الأمور الحسية والعملية دون المسائل العقلية والفكرية المحضة؛ ونرى أن نبيّن آراء هذه المدرسة بغية الوقوف على منهجها وملاحظة خطأها:

المسائل الفلسفية [وهي سلسلة من المسائل الكلية والعامة التي لا تختص بموضوع معين؛ مثلًا البحث حول العلة والمعلول بحث فلسفي؛ لأنّ مثل هذه الأمور لا تبحث فرعا معينا، أمّا البحث عن الآثار الظاهرية للأجسام «الفيزياء» أو «باطنها» بحث علمي لا فلسفي إلى قسمين:

الأول: المسائل الخارجة عن الحس، ولا يمكن اختبارها بالوسائل العلمية المادية ولا قياسها في المختبرات، كالمسائل ماوراء الطبيعة التي لا تبحث سوى في عالم العقل.

الثاني: تلك السلسلة من الأبحاث الكلية

التي يمكن الاستدلال بها على ضوء المسائل

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 534

القطعية للعلوم الطبيعية والرياضية التي تستند إلى التجربة.

تعتقد مدرسة أصالة العمل أنّ الشكوك تشوب الآراء بشأن تلك الطائفة من المسائل الكلية التي لا تستند إلى العلوم الحسية ولا يمكن تجربتها عن طريق الأجهزة العلمية.

ويزعمون أنّ الفلاسفة العقليين بحثوا لسنوات حول المسائل الفلسفية وقد اتسعت الخلافات بينهم بشأن هذه المسائل؛ الأمر الذي يدل على صعوبة هذه المسائل وتعذر حلّها.

هذه خلاصة نظرية هذه المدرسة التي انبثقت في القرن السابع عشر واستقطبت العديد من الأنصار. أمّا العلماء الإلهيون (الذين لا يقتصرون على الوجود بالمادة والطاقة وينظرون إليه بواقعية عريضة) فقد أوردوا العديد من الإشكالات على هذه المدرسة وفنّدوا الأسس العلمية لهذه النظرية ونشير هنا إليها باختصار: ما يقال بالاكتفاء على التعويل على الأمور الحسية كلام يخالفه عملياً حتى اتباع هذه المدرسة؛ ذلك أنّهم يتعاملون مع القضايا بصورة كلية، مثلًا، يقولون: إنّ سرعة الضوء ثلاثمائة الف كيلومتر بالثانية؛ بينما لم تجرب هذه القضية بصورة كلية، والذي خضع للتجربة بعض الحالات الخاصة وفي ظروف معينة، ثم عمم بنوع من الاستدلال العقلي، وهو أنّ السرعة المذكورة تتعلق بحقيقة النور وليس للظروف من نصيب فيها؛ فللنور هذه السرعة أينما كان.

وبعبارة أوضح: قام العلماء بتجاربهم بشأن سرعة الضوء في ظروف مختلفة وحيث رأوا هذه السرعة ثابتة في جميع الظروف، فقد توصلوا من كل هذه التجارب إلى قانون عقلي كلي فادّعوا أنّ للنور سرعة ثابتة في كل زمان ومكان، وبدورنا نسألهم: هل كان هذا القانون محسوساً لديكم بصورة كلية أم أدركتم غير المحسوس ببعض المحسوسات؟ قطعاً الجواب هو التالي، وهكذا يعتمد علماء الطبيعة في أغلب نظرياتهم وفرضياتهم على سلسلة من المسائل العقلية الحدسية

ويتوصلون إلى النتائج، مثلًا، لعلماء الجيولوجيا نظريات في ظهور الأرض وطبقاتها المختلفة ليست محسوسة لأحد، والمحسوس آثار كعلامات لسلسلة من العلل تحصل عن طريق الحدس والتفكير.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 535

وما قيل: «إنّ علماء العقل يختلفون دائماً على هذه المسائل فهي غير قابلة للحل» بعيد عن الحقيقة؛ لأنّ وجه الحقيقة مغطى بحجب تزول إثر الحوار بصورة تدريجية: والواقع أنّ كل اختلاف خطوة نحو الواقع، والاختلاف لا يدل على عدم وصول هؤلاء العلماء إلى الواقع؛ بل لما كان الموضوع واسع ومهم فإنّ كل عالم من هؤلاء العلماء أدرك جانباً من الواقع وهكذا تتضح كل يوم سلسلة من الحقائق الجديدة. فاغلب المسائل الفلسفية التعقلية اليوم بهذه الصيغة، ثم تصبح قطعية بعد اجتياز عدّة مراحل على أساس اصولهم المعينة لتعتبر من المسائل الفلسفية المسلمة، وجود المسائل الخلافية الأخرى ليس بدليل على عدم تقدم النقاشات الفلسفية في المجالات كافّة.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 537

15 اليوغا؟

سؤال:

ما المراد ب (اليوغا) ذات الأتباع الكثر في الهند؟

الجواب:

اليوغا نوع من التصوف ترى الخلاص في التركيز على الروح وترك العلاقات المادية؛ وقد اعتمدوا لهذا الهدف مجاهدات ورياضات مُضنية حيث يعتقدون بكبح جماح النفس عن هذا الطريق.

والهدف الأعظم في (اليوغا) فصل الروح عن البدن وايصالها لعالمها (برهمن) وربّ العالم، ويزعمون أنّ هذا الفصل يحصل في الحياة فقط. ففلسفة اليوغا لم تتخلص من مخالب الشرك، وبالتالي فهي تعتقد أنّ خالق عالم المادة المعروف بالنقص والتضاد، غير الخالق الذي خلق عالم الأرواح والموجودات المنزهة من العيب والنقص. طبعاً الارتياض لا يقتصر على اليوغا، بل هنالك عدّة مراكز أديان في الهند تمارس بعض الرياضات الشاقة بهدف السيطرة على النفس، ومن هنا يطلق (بلد المرتاضين) على الهند.

طبعاً هذه الأمور مرفوضة في الإسلام،

فالإسلام لا يرى في الانقطاع عن الماديات من

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 538

صواب، بل الاعتدال في العلاقات المادية وسيلة لنيل الكمال، كما يحظر هذه الرياضات الشاقة، كما رفض الاثنينية في العقيدة وعدّها شركاً لأنّ اللَّه الواحد هو خالق العالم.

16 الخلية الحية

سؤال:

هل نجح العلماء في صنع الخلية الحية، وعلى فرض النجاح هل يستطيعون تحويلها إلى بشر كامل خارج رحم الأُم (الطريق الطبيعي لولادة الإنسان)؟ وكيف ينسجم ذلك إن استطاعوا مع كون الحياة بيد اللَّه؟

الجواب:

رغم الجهود والتحقيقات الواسعة والتجارب التي قام بها العلماء للوقوف على أسرار الحياة وصنع «الخلية» إلّاأنّهم لم يوفقوا لحدّ الآن في إدراك أسرار وكوامن بنية الخلية- فوضع الخلية- سيما بالنظر للوظائف الخاصة لكل عضو منها- ما زال معقداً في ايجاد الحياة وتنميتها، ولم تتضح لحدّ الآن هذه الوظائف المعقدة.

والعلماء لم ينجحوا رغم مساعيهم في صنع الخلية الحية؛ مع ذلك فهم لا يرون استحالة هذا الأمر وما زالوا يسعون لتحقيقه بفضل التقدم الذي يحرزه علم الأحياء كل يوم. إلّاأنّ التوصل إلى خلق إنسان خارج الرحم يبدو في غاية التعقيد، حيث إنّ ذلك يتوقف بالدرجة الأساس على صنع الخليتين «أسبرماتوزوئيد» و «أوفل» اللتين تُعدّان من الخلايا الأصلية

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 540

في تكوين الإنسان؛ والحال هاتان الخليتان ليستا بسيطتين، بل تبدو عملية تكوين الخليتين المذكورتين مستحيلة بفعل ما تحتويهما من عناصر خاصة ومعقدة «الجينات والكروموسومات» وصفات وطبائع البشرية وبالتالي ما يميز الإنسان عن سائر الكائنات والتي تمكن فيها، عوامل الوراثة؛ ذلك لأنّ تكوين خلية بسيطة يختلف عن أخرى تضم عشرات الامتيازات الروحية والبدنية. وعليه فالجواب بالسلب عن هذا السؤال: هل نجح العلماء في صنع الخلية الحية؟ والمهم حتى لو نجح العلماء يوماً في تكوين نطفة بصورة صناعية

وانبثق منها إنسان كامل فإنّ ذلك لا يتعارض وكون الحياة بيد اللَّه.

وتوضيح ذلك: أنّ المراد من كون الحياة بيد اللَّه أنّ الحياة ظاهرة ليست مادية ونوع من الوجود الذي يكتسب وجوده كسائر الموجودات المادية وغير المادية من اللَّه فخلق الحياة مختص باللَّه، ولا يسع كائن من كان أن يضفى الحياة والوجود على شي ء، فحيثما كانت الحياة كان اللَّه واهب الحياة وخالقها.

وعليه فلو تمكن العلماء من خلق خلية حية فلا يعدو فعلهم إعداد مقدمات الحياة.

فهؤلاء يركبون مواد معينة في ظل ظروف خاصة ويرون فيها الحياة، ولكن من وهب هذه المواد تلك الحياة؟ هو اللَّه تبارك وتعالى. وعليه فلو نجحوا في تكوين إنسان فإنّما يستمد حياته في جميع مراحلها من اللَّه. بعبارة أخرى إيجاد خلية حية من قبل العلماء (على فرض نجاح العملية في المستقبل) أشبه بتجميع قطعات سيارة استوردت من الخارج، ومن الطبيعي أنّ المجمع ليس الصانع. (وعليك بالدقة).

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 541

17 القلب والادراك

سؤال:

نسب القرآن، الفكر والعقل للقلب والسمع والبصر وسيلة السماع والرؤية، وعين موقع القلب وأنّه في الصدر حتى قال تعالى: «... وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ» «1»

بينما توصل علماء الفسلجة بعد عدّة تجارب إلى أنّ الدماغ وسيلة التفكير وعمل القلب ضخ الدم إلى أعضاء الجسم على غرار المضخة التي تعمل دائماً بصورة تلقائية.

الجواب:

ما أثبته العلماء في مختلف العلوم- كالفسلجة وعلم النفس- أنّ لأعصاب الإنسان ودماغه وظيفة خاصة كسائر الأعضاء، وما تستلمه هذه الأعصاب من إيعازات من الخارج ترسلها إلى الدماغ؛ مثلًا، حين تكون يدنا إزاء عامل خارجي كالنار فإنّها تعكس آثار النار فوراً إلى مركز القيادة الظاهري للجسم؛ أو العين التي خلقت كعدسة التصوير وتقسم طبقات مختلفة ومياه متنوعة، فطريقة عمل العيون ورود

الأشعة من الجسم بصورة غير مباشرة إليها وبعد عبورها من الأغشية تظهر صورة في نقطة خاصة من العين فتقوم الأعصاب البصرية

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 542

بإيصالها إلى الدماغ لتحقّق عملية الرؤية.

تقول الفسلجة بشأن الأنشطة الدماغية: إنّ الخلايا الدماغية تقوم بعدّة أنشطة حين التفكير، فيتناول الدماغ مزيداً من الغذاء ويفقد مزيداً من المواد الفوسفورية ... وهكذا تقوم سائر أعصاب الإنسان كل باتجاه بوظيفته الادراك، الا ان النتيجة التي توصل اليها اغلب العلماء من هذه التجارب وظنوا بأنّ مركز الإدراك والشعور هو الخلايا الدماغية على الاعصاب بعد تاثير العوامل الخارجية خاطئة؛ ذلك لأنّ هذه في إدراك الإنسان وشعوره، ودون هذا الفصل لا يتسطيع الإنسان التفكير والإدراك والسمع والبصر، وأمّا أنّ المدرك الواقعي أو المشاهد والسامع هو الدماغ، فليس بصحيح.

ومن هنا يعتقد كبار العلماء أنّ هنالك جهازاً فوق الجهاز المادي للبدن وينسق مع هذه الوسائل المادية وينهض بمسؤولية تدبير هذا الجهاز وبتفعيله للأدوات المادية ... كالعين والأعصاب- فإنّ الدماغ يمكنه الحصول على معلومات من الخارج، والواقع هو المدرك الحقيقي والذي ترتكز فيه- جميع علوم الإنسان وأفكاره والذي يعبر عنه بأسماء مختلفة كالعقل والروح والقلب.

ولا شك في أنّ الناس يستعملون القلب في محاوراتهم اليومية بمعنى العقل والروح وكذا في العرف، فنقول قلبي يعتصر على إبني البعيد عنّي. ولا يخفى أنّ المراد بالقلب ليس ذلك العضو الصنوبري الشكل، بل فسّروا أحد معاني القلب بالروح والنفس البشرية التي تعتبر مركز الشعور والإدراك، ويصطلح عليه العلماء بالعقل والروح- وعلة اختيار لفظ القلب ككناية عن الروح أنّ القلب الصنوبري يعتبر مظهر الحياة لدى الإنسان، فهم يميزون بين الحي والميت على ضوء عمل القلب وتوقفه. وتوازن دقات القلب وسرعتها دليل الصحة والسقم وأول مرحلة لظهور

الآثار الروحية لكل حادثة هو القلب. والقرآن من جانبه استعمل مفردة القلب بمعنى العقل والروح والقوة المدركة. أضف إلى ذلك هنالك العديد من القرائن القرآنية على هذا المعنى، ومنها:

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 543

1- قال القرآن بعد بيانه لأوضاع القيامة: «إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ» «1»

.فالمفروغ منه أنّ القرآن اعتبر القيامة وسيلة تذكير لأصحاب القلوب، فإن كان المراد ذلك العضو المعروف سوف لن تستقيم العبارة، ذلك أنّ لكل الناس هذا العضو، وعليه فالمراد به العقل والقوة والتفكير.

2- اعتبر القرآن القلب مركز طائفة من الصفات والروحيات التي لا ترتبط قطعاً بهذا القلب المادي، بل أوصاف تلك الروح الإنسانية، فيصف بعض القلوب بالقسوة والمرض والعمى- كما يرى القرآن القلب مركز الطهر والإيمان والدنس والكفر ووسيلة نيل السعادة والشقاء وخص القلب السليم بالسعادة والفلاح «2».

ومن البديهي أنّ هذه الأمور من صفات الروح الإنسانية، فلا معنى للقسوة والعمى والمرض في هذا القلب المادي. ويتضح ممّا مر سابقاً معنى الآية الواردة في السؤال؛ فالقرآن وإن نسب التعقل للقلب وأنّ مكانه في الصدر، لكن كما يتضح أنّ القلب الذي في الصدر اصطلح عليه القرآن كناية عن الروح والعقل، وسبب هذا التعبير ذلك الارتباط القوي للقلب الصنوبري بالروح وظهور وانعكاس الحالات الروحية والحياة والموت في القلب.

والقرآن لا يكني القلب بالعقل والروح فقط، بل أحياناً يستعمل الصدر بهذا المعنى فيقول: «أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ» «3»

و «فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ» «4»

؛ ومن الطبيعي أنّ صدر الإنسان العادي لا يضيق ويتسع بقبول أو عدم قبول الإسلام؛ بل كناية لسعة وكبر الروح، ولكن ورد التعبير السابق بسعة الصدر مركز ظهور انعكاسات الحياة.

18 لماذا يطلق اسم «أُمُّ القرى على مكة؟

سؤال:

يستفاد من التفاسير والأخبار أنّ أول ما ظهر

من الأرض، أم القرى- مكة- ومن ثم تلتها سائر البقاع، فكيف ينسجم هذا الموضوع مع عقيدة العلماء المعاصرين الذين يرونها سيارة انفصلت دفعة عن الشمس؟

الجواب:

ذكر علماء الأرض بشأن ظهورها والتطورات التي طرأت عليها أنّ الكرة الأرضية تعرضت إلى سيول وأمطار شديدة بعد أن انفصلت عن الشمس وبردت فغطى الماء جميع سطحها، وظهرت التنوعات فانحدر الماء إلى النقاط العميقة وشكل البحار وبدات البقع الجافة تظهر شيئاً فشيئاً. ولعل مسألة ظهور أرض مكة إشارة إلى هذه البقع الجافة، فكانت أول بقعة ظهرت من الماء المناطق الاستوائية ومنها مكة.

وعليه فلا منافاة بين الرواية المذكورة وعقيدة العلماء في ظهور الأرض؛ لأنّ المراد من ظهور مكة ليس انفصالها عن الشمس، بل ظهورها من الماء واستعدادها للسكن.

19 لماذا لا تطابق المناسبات الدينية فصول السنة؟

سؤال:

ضُرِبَ علي عليه السلام في التاسع عشر من شهر رمضان في فصل الشتاء مثلًا (طبعاً هنالك فارق 11 يوم بين العام القمري والشمسي) ولكننا نلاحظ وقوع التاسع عشر من رمضان في الشتاء أحياناً والصيف أخرى والربيع والخريف، إذن فالشهر القمري ليس صحيحاً ولا يبيّن التاريخ بدقّة، ويرد هذا الإشكال على سائر أيّام العزاء والأعياد الدينية خلال الفصول.

الجواب:

إنّ العام والشهر موضوع تعاقدي لتنظيم الأمور الاجتماعية، غايته كيّفوه مع حركة الكواكب بغية عدم الخطأ والاستناد إلى الطبيعة. فجعل البعض مقياس حساب العام والشهر حركة الشمس (أو الأصح حركة الأرض حول الشمس) ونتيجة ذلك العام الشمسي المنطبق على الفصول الأربعة. كما جعله البعض حركة القمر حول الأرض ولا ينطبق على الفصول الأربعة الناتجة من حركة الشمس.

والنتيجة لو لم تنطبق الأشهر القمرية على فصول السنة فلا إشكال عليها؛ لأنّ المدار فيها ليس حركة الشمس والفصول الأربعة. وعدم مراعاتنا للفصول في إقامة مراسم العزاء

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 548

والسرور، لأنّ

مقياسنا في هذه المراسم هو الأشهر القمرية المطابقة لحركة القمر، والمهم لنا، اليوم القمري الذي وقعت فيه تلك الحادثة، لا الفصل. كما نعلم أنّ تنظيم التواريخ الإسلامية كافّة طبق هذا الشهر القمري. والواقع هنالك فارق بين الأشهر القمرية- وهي أشهرنا الدينية- والأشهر الشمسية ومنها: أنّ حساب الأشهر القمرية أسهل على أغلب الناس من الأشهر الشمسية، بحيث لا يجد أي فرد من صعوبة في حسابها، بينما لابدّ من التقويم لحساب الأشهر الشمسية- بعبارة أخرى يمكن عادة تعيين الحدود التقريبية لكل شهر وبدايته ونهايته بواسطة الأشهر القمرية، بحيث لو نظرنا إلى قرص القمر يمكننا تقريباً معرفة كم ليلة مضت على الشهر، بينما يتعذر تعيين الأيام في الأشهر الشمسية (الأبراج) ما لم يكن لدينا تقويم، حتى بداية ونهاية الشهر؛ ويقتصر الأمر على الحسابات النجومية فقط؛ والحال تقويم الأشهر القمرية صفحة السماء وتأمل طلوع وغروب القمر والهلال والتربيع والبدر، ممكن للجميع، ولو لم تنطبق هذه الأشهر على فصول السنة، فلا يمكن المساس بها مع كل هذه الامتيازات.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 549

20 سند دعاء الندبة

سؤال:

هل من سند معتبر لدعاء الندبة؟

الجواب:

دعاء الندبة دعاء من حيث المضمون مستدل ورفيع وفصيح وعاطفي وحماسي، وفي حالة إدراكه من قبل الداعي فهو ملهم لأصلاح الوضع الاجتماعي ومقاومة الظلم والفساد وطفرة نحو الأهداف الإنسانية الكبرى.

لكننا لا ندري لماذا كل هذه الحملات المغرضة من البعض، فتارة على العبارات وأخرى على السند، والحال ليس في مضمونه أية مثلبة ولا يمكن القدح في سنده ضمن إطار الدعاء. وسنوضح لاحقاً إن شاء اللَّه خواء تهمة مشابهة عباراته لعقائد الفرقة الكيسانية.

وسنشير إلى الاشكال الذي ورد على فقراته، ومن ثم نشرح السند:

إشكال البعض على العبارة «وعرجت بروحه إلى سمائك»، إنّها لا تنسجم مع عقائد

الشيعة، لأنّ المعراج لم يكن مقتصراً على الروح. والحال لو عدنا إلى مصادر الدعاء الأصلية لزال الإشكال، فالدعاء ورد قبل كل شي ء في كتاب «المزار الكبير» لمحمد بن

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 550

جعفر المشهدي أحد علماء القرن السادس، والعبارة في كتابه «وعرجت به إلى سمائك» ولم ترد فيه كلمة الروح (لابدّ من الدقة).

والكتاب القديم الثاني «المزار القديم» الذي عاش مؤلفه في القرن السادس ووردت فيه هذه العبارة «وعرجت به إلى سمائك» لم ترد العبارة المذكورة سوى في «مصباح الزائر» للسيد بن طاووس، مع العلم ذكر المرحوم الحاج نوري صاحب «المستدرك» أنّه رأى في بعض نسخ كتاب المصباح «عرجت به» والنتيجة هنالك مصدران من ثلاثة مصادر نقلت العبارة «به» ووردت أيضاً في المصدر الثالث لبعض نسخه دون الآخر، ولكن حيث كانت النسخة لدى العلامة المجلسي رحمه الله تشتمل على كلمة «بروحه» وعادة ما تؤخذ الأدعية منه، فقد أثير هذا البحث، والحال لم ترد هذه الكلمة في المتون القديمة. وعليه فالمتن الأصلي والأصح لم ترد فيه مفردة «بروحه».

سند الدعاء:

ورد هذا الدعاء كما ذكر في ثلاثة مصادر معتبرة وقديمة هي:

1- المزار الكبير لمحمد بن جعفر المشهدي من علماء القرن السادس.

2- المزار القديم لمؤلفه أحد العلماء المعاصرين- المرحوم الطبرسي- صاحب كتاب الاحتجاج (القرن السادس).

3- مصباح الزائر للسيد رضي الدين بن طاووس من كبار زهاد وعباد ومحدثي القرن السابع.

والدعاء في الكتب الثلاثة عن محمد بن علي بن يعقوب بن اسحاق بن أبي قرة عن محمد بن حسين بن سفيان البزوفري «1» الذي عاش في الغيبة الصغرى وكان يتصل قطعاً بالإمام عليه السلام بواسطة المكانية عن طريق البواب وينقل عن المهدي عليه السلام أنّه أمر بهذا الدعاء.

والشخص الأول، أي محمد بن

علي بن يعقوب طبق التراجم والرجال هو من رواة

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 551

الشيعة والأفراد الثقات وله عدّة مؤلفات، والبزوفري من أساتذة الشيخ الجليل المفيد.

وكان الشيخ يذكره بإجلال واكبار.

الجدير بالذكر أنّ صاحب كتاب الذريعة ذكر في الجزء الثامن ص 184 أنّ هذا الشخص (محمد بن حسين البزوفري) ألّف كتاباً ورد فيه دعاء الندبة.

وعليه فسند الدعاء يعود إلى رجال كلهم ثقات أو معروفين وليس فيهم مجهول.

أضف إلى ذلك وعلى فرض مجهولية سند الدعاء فإنّه لا يمكن القدح به من باب القاعدّة الأصولية المعروفة «قاعدّة التسامح في أدلة السنن» فهنالك تشدد في الأحكام المرتبطة بالواجبات والمحرمات دون المستحبات.

وعلى ضوء هذه القاعدّة فإنّ الفقهاء لا يشكلون على سند المستحبات والأدعية ويكتفون بما ورد منها في الكتب المشهورة. ومن هنا قد تكون أسانيد أغلب الأدعية المشهورة ليست أكثر من حديث مرسل.

والطريف أنّ أحدهم رصد في كتابه مبلغ عشرة آلاف تومان لمن يأتيه بسند لدعاء الندبة. وينبغي أن يقال لهذا المؤلف المحترم لو تصدقت بدرهم من ذلك المبلغ على الفقراء بعد مطالعتك لهذه السطور وعدم العودة إلى إطلاق هذه الأحكام الجوفاء «1».

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 553

21 الإستخارة

سؤال:

كيف يفوّض الإنسان مصيره ومقدراته للإستخارة ويعين تكليفه من خلال التفؤل بالقرآن أو المسبحة؟

الجواب:

أولًا: تعني الإستخارة: طلب الخير من اللَّه؛ اللَّه المهيمن على عالم الخلق وبيده أمور الخلائق ويهدي عباده إلى ما فيه خيرهم و صلاحهم. ومعنى هذه الإستخارة أنّ الإنسان إذا أراد أن يقوم بعمل فلابدّ أن يعد جميع مقدماته قدر المستطاع ويبتعد عمّا يوجب الضرر، ثم يسأل اللَّه من أعماق قلبه أن يوفقه في هذا العمل ويفيض عليه الخير. والخلاصة حين يريد الإنسان القيام بعمل جبار ولا يعرف عاقبته فإنّه يسعى لاعداد مقدماته

ويتوجه إلى اللَّه بالدعاء ليوفقه في هذا العمل ويسهل له غايته وهدفه.

وهذه هي الإستخارة بمعنى طلب الخير والتي وردت بشأنها الروايات الصحيحة. ولا تحتاج هذه الإستخارة إلى قرآن ولا مسبحة، بل تتطلب توجهاً باطنياً إلى اللَّه من الإنسان.

ورد في الخبر: «ما استخار اللَّه عبد مؤمن إلّاخار اللَّه له».

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 554

والهدف من هذه الإستخارة ليس رفع الشك والريبة، بل سؤال اللَّه التوفيق إلى الخير بعد اتخاذ التدابير الصحيحة. ولا أحد من الموحدين يسعه إنكار تأثير الإرادة الإلهيّة في جميع الأمور. وهذا التوجه يمنح المؤمن نشاطاً وحيوية لمقاومة الصعاب والمشاكل.

ثانياً: ليس الأمر كما ورد في السؤال بشأن الإستخارة من أنّ الإنسان يفوض أموره لمسبحة، بل هنالك أمور ينبغي مراعاتها قبل الإستخارة:

1- الاستلهام من العقل والفكر: لقد من اللَّه على عباده بنعمة العقل الذي يمكنه تشخيص عاقبة العمل من حيث النفع والضرر، ولا حاجة له في مثل هذه الموارد إلى الإستخارة بالقرآن والمسبحة.

2- مشاورة الآخرين: أولى الإسلام مسألة الاستشارة أهميّة فائقة حتى عدها علامة الإيمان «وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُم» «1»

كما أمر اللَّه تعالى رسوله باستشارة الآخرين في الأعمال المهمة «وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ» «2»

وفي هذه الحالة إن طرح بعض الأفراد من ذوي الخبرة رأيا جازما بشأن عمل، فليس هنالك من حاجة للإستشارة. ولا تبدو هنالك حاجة إلى الإستخارة حين يكون هنالك رأي ضعيف من قبل الأفراد من ذوي التجربة.

أمّا أن تعذر حسم الأمر من خلال العقل والاستشارة فلربّما يعيش الإنسان حالة من القلق والترديد، والفائدة الأولى للإستخارة بالقرآن أو المسبحة إزالة ذلك القلق ومنحه الهدوء والاستقرار، وبالتالي فهو يسأل اللَّه بهذه الإستخارة هدايته إلى الخير والفلاح، فقد غلقت جميع الأبواب بوجه العبد ولا يمتلك سوى الإخلاص في التوجه

إلى اللَّه، فما المانع أن يأخذ بيده اللَّه ويريه سبيل الخير والصلاح؟

ولنفترض أنّ هذا الشخص القلق لم يستخر فهل يسعه القيام بفعل أم تركه؟ قطعاً لا، وبالتالي يفعل ذلك العمل أم لا. فما أحراه هنا أن يتوجه إلى اللَّه بقلبه ويستخيره على القيام بذلك الفعل أو تركه. قطعاً سيندفع بقوة على ضوء الإستخارة وهذا ما يلعب دوراً مهماً في موفقيته ونجاحه.

اجوبة المسائل الشرعية، ص: 555

22 اختلاف الأشهر القمرية

سؤال:

تعلم أنّ الأرض تدور حول الشمس والقمر حول الأرض ولهذه الحركة حساب معين، لكن لم كانت بعض الأشهر القمرية 29 يوم وأخرى 30 يوم؟

الجواب:

يدور القمر حول الأرض خلال 29 يوماً و 12 ساعة و 44 دقيقة. وثلاث ثوانٍ وهذه المدّة 30 يوماً. ومن هنا فإنّ بعض الأشهر القمرية 29 يوماً والبعض الآخر 30 يوماً. لأنّ المقدار الزائد على 29 يوماً (يعني 12 ساعة و 44 دقيقة و 3 ثانية) في الأشهر المتتالية بيقدّر يوماً واحداً، ولذلك يكون الشهر القمري أحياناً 30 يوماً.

23 هل يمكن أن يكون شهران قمريان متتاليان 29 يوماً؟

سؤال:

أجيب عن السؤال السابق بأنّ حركة القمر حول الأرض ليست خلال 30 يوماً، بل خلال 29 يوم و 12 ساعة و 44 دقيقة و 3 ثانية، ومن هنا كانت بعض الأشهر القمرية 29 يوماً والمقدار الزائد يضم إلى الأشهر التالية فيكون يوماً واحداً، وعليه تكون بعض الأشهر 30 يوماً.

وهنا يطرح هذا السؤال: هل يمكن القول: لا يوجد شهران متتاليان 29 يوماً، حيث على أساس الإضافة لابدّ أن يكون الشهر الثاني 30 يوماً وليس أقلّ، في حين يتعاقب شهران أحياناً 29 يوماً؟ وبغض النظر عن ذلك لو كان شهران متتاليان 30 يوماً فلا ينبغي أن يكون الشهر الثالث أك