دلایل الامامه

اشارة

سرشناسه:طبری آملی،محمد بن جریر،قرن 5ق.

عنوان و نام پديدآور:دلایل الامامه [کتاب]/ ابن جعفرمحمدبن جریربن رستم الطبری الصغیر من اعلام القرن الخامس الهجری؛ تحقیق قسم الدراسات الاسلامیه، موسسه البعثه.

وضعيت ويراست:[ویراست 2].

مشخصات نشر:تهران : موسسه البعثه، مرکزالطباعه والنشر، 1437 ق.= 1395.

مشخصات ظاهری:663 ص.

شابک:978-964-309-698-4

وضعیت فهرست نویسی:فاپا

يادداشت:عربی.

يادداشت:چاپ دوم.

یادداشت:کتابنامه:ص. [633] - 655؛ همچنین به صورت زیرنویس.

موضوع:ائمه اثناعشر

موضوع:امامت -- احادیث

شناسه افزوده:بنیاد بعثت. واحد تحقیقات اسلامی

شناسه افزوده:بنیاد بعثت. مرکز چاپ و نشر

رده بندی کنگره:BP36/5/ط24د8 1395

رده بندی دیویی:297/95

شماره کتابشناسی ملی:4208427

ص: 1

اشارة

بسم الله الرحمن الرحیم

ص: 2

دلائل الامامه

ص: 3

ص: 4

دلائل الامامه

محمدبن جرير طبري

ص: 5

مركز الطباعة والنشر في مؤسسة البعثة

اسم الكتاب: دلائل الإمامة

المؤلف: المحبيث الشيخ أبو جعفر محمد بن جریر بن شتم الطبري الصغير

تحقيق: قسم الدراسات الإسلامية - مؤسسة البعثة - قم

صف الحروف: القسم الكومبيوتري لمؤسسة البعثة . قم - هاتف: 30036

الطبعة: الأولى 1413ه. ق

الكمية: 2000

نسخة التوزيع: مؤسسة البعثة

طهران - شارع سمية - بين شارعي الشهید مفتح وفرصت .

هاتف: 8821109. فاکس: 8821370. ص.ب:10810/1391.

معارض مؤسسة البعثة للنشر والتوزيع

قم - هاتف: 32118.

مشهد . هاتف: 1988..

اصفهان - هاتف: 232817.

بندر عباس . هاتف: 23304.

ساري . هاتف: 10374.

أرومية - هاتف: 43047.

جميع الحقوق محفوظة ومسجلة لمؤسسة البعثة

ص: 6

تقديم

اشارة

الحمد للّه الذي خلق الإنسان و علّمه البيان، و الصلاة و السلام على الحبيب المصطفى المختار، و الأئمّة من آله المعصومين الأطهار.

و بعد، قال (سبحانه و تعالى): يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ (1).

في هذه الآية الكريمة ثلاث فقرات تنتهي إلى ثلاثة من أصول ديننا الإسلامي الحنيف:

فقوله (تعالى): أَطِيعُوا اللّهَ ينتهي إلى التوحيد.

و قوله: وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ ينتهي إلى النبوّة.

و قوله: وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ينتهي إلى الإمامة.

و لكلّ واحد منها أدلّته و براهينه.

فالتوحيد، الذي هو الكلمة الأولى على شفاه الأنبياء، و اللّبنة الأولى في أسّ الديانات، و الأصل الأوّل في أصول العقيدة، قد تلقّى من أفواه الشكّاك، و تيه الزنادقة سيولا من الشّبهات، و المزاعم الواهيات على مرّ العصور، و لا يزال، غير أنّ النصر حليفه على الدوام، فله الحجّة الأقوى، و حجّتهم داحضة، و له البرهان الثابت و ليس لهم سوى زبد يطفو ثمّ ينجلي و يزول، و قد انتصر للتوحيد كثيرون، و لكنّ التوحيد

ص: 7


1- النساء 59:4.

منتصر بذاته، فالكون كلّه شاهد عليه، و حتّى خصومه سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ (1). و كم هو جميل قول الشاعر:

فيا عجبا كيف يعصى الإل ه أم كيف يجحده الجاحد

و في كلّ شي له آية تدلّ على أنّه واحد

و أمّا النبوّة،

اشارة

فقد تسالم عليها أهل الديانات قاطبة، فهي مصدرهم و موردهم و شرعتهم و منهلهم، و لكن لم يصف لهم الأمر على هذه الحال، فقد نازعتهم طوائف من سكّان الأرض جحدت النبوّة و لم تعتقد ضرورتها، ثمّ إنّ أهل الأديان تنازعوا فيما بينهم، و اختلفوا، فمنهم من توقّف على نبيّ و أنكر غيره، و منهم من تعدّاه إلى الذي بعده ثمّ توقّف، و منهم من آمن بصحّة نبوّة جميع الأنبياء، و أنّها ختمت بالخاتم المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، فكان لزاما إذن أن تقام الأدلّة و البراهين على إثباتها لتكون راسخة في النفوس رسوخا تطمئنّ له القلوب بعد إذعان العقول. و من تلك الدلالات ما تكفّل به المولى (جلّ جلاله)، باعث الأنبياء و ناصرهم، و خالق العباد و هاديهم، و منها ما هو من تكليف العباد أنفسهم في الفكر و إعمال النظر، و لعلّ أظهر تلك الدلائل:

1 - الوحي:

و هو واسطة اتّصال الأنبياء بالسماء، و إمدادهم الدائم بمادّة النبوّة، و الوحي على أشكاله المختلفة - من رؤيا صادقة، أو نداء من وراء حجاب، أو نزول الملك - له آثاره الظاهرة التي لا تخفى على العقلاء و إن جحدها غيرهم، إذ سيجد الناس من النبيّ تشريعا جديدا و نبأ جديدا لم يعرفوه من قبل، و لم يسمعوا بمثله عن نبيّهم رغم معيشتهم معه و مخالطتهم إيّاه قُلْ لَوْ شاءَ اللّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَ لا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ (2).

ثم إنّ في نزول الوحي دلالة أخرى يجدها الناس ظاهرة على النبيّ أثناء تلقّيه الوحي، إذ تمتلكه حالة لم تعرف في غيره على الإطلاق، و لم يعهدها هو نفسه إلاّ في هذه الأثناء. فممّا صحّ عن نبيّنا الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّه كانت تأخذه الغشية عند هبوط

ص: 8


1- فصّلت 53:41.
2- يونس 16:10.

جبرئيل (عليه السلام)(1).

و في الحديث المقبول أنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أوحي إليه و هو على ناقته فبركت و وضعت جرانها(2).

و روي أنّه كان ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه و إنّ جبينه ليتفصّد عرقا(3).

و كثرت مشاهداتهم لمثل هذا حتّى قال سفهاء المشركين أنّه ينتابه تابع من الجنّ! فبلغ قولهم هذا طبيبا شهيرا عندهم يسمّى: ضماد بن ثعلبة، فقال: لو رأيت هذا الرجل لعلّ اللّه يشفيه على يدي! فلقيه، فقال: يا محمّد، إني أرقي من هذه الريح، فهل لك؟

فقال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «الحمد للّه، نحمده و نستعينه، من يهده اللّه فلا مضلّ له، و من يضلل فلا هادي له، و أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، و أنّ محمّدا عبده و رسوله: أمّا بعد» ثمّ كلّمه عن الوحي و النبوّة، فقال ضماد: أعد عليّ كلماتك هؤلاء، فأعادهنّ عليه، فقال: أعدها عليّ، فأعادهنّ ثالثة، فقال ضماد: و اللّه لقد سمعت قول الكهنة، و سمعت قول السحرة، و سمعت قول الشعراء، فما سمعت مثل هذه الكلمات، و اللّه لقد بلغت قاعوس(4) البحر، فمد يدك أبايعك على الإسلام(5).

2 - المعجزة:

لا بدّ للنبيّ أن يقيم شاهدا على صدق دعواه، و أمانته في تبليغه، و لا بدّ أن يكون هذا الشاهد ممّا يعجز غيره عن الإتيان بمثله، أي أنّه لا بدّ أن يكون أمرا خارقا للعادة و لقوانين الطبيعة المألوفة، و هذا هو المعجز.

و المعجز بهذا المعنى لا يتحقّق لأحد إلاّ بتقدير اللّه (تعالى) و عنايته، و المتتبّع لحياة الأنبياء يجدها مليئة بهذه الشواهد، فقد اقترنت العصا بموسى (عليه السلام)، و اقترن إحياء

ص: 9


1- بحار الأنوار 260:18.
2- المصدر 263:18، و جران البعير: مقدّم عنقه.
3- مناقب ابن شهرآشوب 43:1، و أفصم: أي أقلع.
4- أي قعره الأقصى.
5- أسد الغابة 42:3، دلائل النبوّة 223:2.

الموتى بعيسى (عليه السلام)، و نظائرها كثيرة، و إذا كانت نبوّة خاتم الأنبياء (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قد عزّزت بالمعجزة الخالدة الكبرى، القرآن الكريم، الذي تحدّى و لا يزال و يبقى يتحدّى الإنس و الجنّ أن يأتوا بسورة من مثله فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللّهِ (1) إذا كان كذلك فليس هو المعجزة الوحيدة له (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، بل إنّ المعاجز قد رافقت حياته الشريفة على امتدادها، فكم حدّثتنا الأخبار الصحاح عن نبوع الماء من بين أصابعه المباركة حتّى يستقي منه الجيش الكبير و رواحله(2) ، و كم وضع يده الكريمة على طعام قليل فأشبع الجمع الكثير(3) ، و حادثة الهجرة الشهيرة و خروجه من بين رجال العصابة التي أحاطت بداره عازمة على قتله، و نثره التراب على رءوسهم و هم لا يبصرون و لا يشعرون به حتّى طلع عليهم الصبح(4) ، و أشياء كثيرة امتلأت بها كتب السيرة النبويّة المفصّلة، فكانت المعاجز ترافقه شواهد و دلائل على نبوّته (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

3 - الاستقامة و سلامة النشأة:

لمّا كان النبيّ مصدر الهداية، فلا بدّ أن يكون موضع الطمأنينة التامّة، و لا يكون كذلك إلاّ إذا تميّز بالاستقامة و الطّهر مدّة حياته و منذ نشأته الأولى، فلا يخالطه نقص، و لا يشوب سيرته ذمّ أو لوم، و لا يدنو منه عمل مشوم و لا قول ملوم، مجبول على النزاهة و سلامة النفس و براءة العرض من الرجس و الدّنس، و كأنّ الصفات الدنيئة تخالف طبعه و تغايره بالكلّيّة، فهو مجبول على الفضيلة و مكارم الأخلاق و معالي الهمم، مسدّد في خطاه، متّزن في قوله و فعله، و هذه هي العصمة التي تلطّف بها اللّه (تعالى) على صفوته من خلقه، فاصطنعهم لنفسه، و أحاطهم بعنايته، فنشئوا بعينه و رعايته، مثلا أعلى يجتمع فيه كلّ محمود من الخصال، و لا يدانيه ما يخدش في علوّ منزلته.

ص: 10


1- هود 14:11.
2- دلائل النبوّة 7:6.
3- مناقب ابن شهرآشوب 120:1-132، دلائل النبوّة 101:6-149.
4- دلائل النبوة 470:2.

روي عن نبيّنا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في سفره مع عمّه أبي طالب إلى الشام و كان يومها صبيّا، أنّه لقيه بحيرا الراهب و قد تفرّس فيه علامات النبوّة، فأراد أن يسأله عن أشياء، فقال له: أسألك باللاّت و العزّى إلاّ ما أخبرتني عمّا أسألك، قال بحيرا هذا مجاراة لقريش في أيمانهم.

فقال له النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): لا تسألني باللاّت و العزّى، فو اللّه ما أبغضت كبغضهما شيئا قطّ(1).

و هكذا نشأ النبي المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) نشأة لا تعرف إلاّ الكمال، متنزّها عن كلّ ما كان يخوض فيه ذلك المجتمع من عادات و ممارسات و اعتقادات تافهة، بل إنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قد تنزّه حتّى عن مباحات الأطعمة التي لا تلائم عظيم منزلته، فقد كان لا يأكل الثوم و البصل كراهة أن توجد رائحتهما في فيه الشريف. فهو إذن (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عمّا هو أشدّ كراهة منها أشدّ بعدا، حتّى عرف في مجتمع قريش، و في عنفوان شبابه، بالصادق الأمين، و هذه درجة لا تنال بالتكلّف و التمنّي، و لا تنال إلاّ بسمو لا يضاهى، يشهد له الكبير و الصغير كما يشهدون للشمس ارتفاعها في رائعة النهار. و قد كان لهذه النشأة بعدان:

الأوّل: أنّها الداعي لميل الناس إليه، و توجّههم نحوه هاديا و أسوة و مثلا أعلى.

و الثاني: أنّها كانت شاهدا لا غنى عنه على صدقه و أمانته، فكانت دليلا ساطعا على نبوّته.

4 - السبق في العلم و الحكمة:

إذ لا يصحّ أن يلتفّ الناس حول رجل، و يسلمون إليه قيادهم و هم يجدون من هو أعلم منه، أو أرجح فهما و حكمة و معرفة في شئون الدين و الدنيا، و هذه الناحية تكاد تكون بديهيّة لازمت جميع الأنبياء بين أقوامهم، و هي أشدّ ما تكون بروزا و ظهورا في حياة خاتم الأنبياء (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

5 - رسالاتهم و آثارهم:

أي مضمون و فحوى الرسالة التي يأتي بها النبيّ و يدعو إليها، ثمّ ما يؤثر عنه من قول و فعل. و هذه قضية لا بدّ من إعمال الفكر فيها،

ص: 11


1- إعلام الورى: 18.

لتطمئنّ النفس من خلال النظر في رسالة النبيّ و أحاديثه و أمره و نهيه أنّه نبيّ حقّا لا ينطق عن الهوى، و لأجل بلوغ هذه المعرفة لا بدّ من معرفة مسبقة بمعنى النبوّة و الغرض منها.

فمن كان له معرفة في الفقه مثلا، ثمّ يرى آثار الشيخ الطوسي، فسوف لا يخفى عليه أنّه كان فقيها بارعا. و من عرف معنى الكلام، و رأى آثار الشريف المرتضى، أذعن له و أقرّ بأنّه متكلّم من الطّراز الأوّل. و من عرف الشعر، و سمع شيئا من شعر المتنبيّ، أدرك أنّه الشاعر الفحل الذي لا يجارى.

و على هذا النحو آمن كثيرون بنبوّة الأنبياء، و فيه مع نبيّنا الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) شواهد كثيرة، منها ما كان من قصّة النجاشي ملك الحبشة العادل بعد ما سمع من جعفر بن أبي طالب (رضي اللّه عنهما) شيئا عن رسالة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، مع أنّه قد استمع قبله إلى صديقه القديم عمرو بن العاص و هو يملي عليه التصوّر الجاهلي الجاحد لنبوّة نبيّنا (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فدعا بالمهاجرين من المسلمين ليمثلوا أمامه، فقال لهم: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم؟

فتكلّم جعفر، فقال: أيّها الملك كنّا قوما أهل جاهلية، نعبد الأصنام، و نأكل الميتة، و نأتي الفواحش، و نقطع الأرحام، و نسيء الجوار، و يأكل القويّ منّا الضعيف، فكنّا على ذلك حتّى بعث اللّه إلينا رسولا منّا، نعرف نسبه و صدقه و أمانته و عفافه، فدعانا إلى اللّه لنوحّده و نعبده، و نخلع ما كنّا نعبد من الحجارة و الأوثان، و أمرنا بصدق الحديث، و أداء الأمانة، و صلة الرّحم، و حسن الجوار، و الكفّ عن المحارم و الدماء، و نهانا عن الفواحش، و قول الزور، و أكل مال اليتيم، و قذف المحصنات، و أمرنا بالصلاة و الزكاة و الصيام. فصدّقناه، و آمنّا به و اتّبعناه على ما جاء به من اللّه، فعبدنا اللّه وحده فلم نشرك به شيئا، و حرّمنا ما حرّم علينا، و أحللنا ما أحلّ لنا، فعدا علينا قومنا، فعذّبونا و فتنونا عن ديننا...

فقال له النجاشي: هل معك ممّا جاء به نبيّكم شيء؟

قال: نعم.

قال: فاقرأ عليّ، فقرأ عليه صدر سورة مريم. قالت أمّ سلمة (رضي اللّه عنها) و هي

ص: 12

تروي الحديث: فبكى - و اللّه - النجاشي حتّى اخضلّت لحيته، و بكت أساقفته حتّى اخضلّت مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم، فقال النجاشي: إنّ هذا، و الذي جاء به عيسى، ليخرج من مشكاة واحدة(1).

و لم تنحصر هذه الشواهد بذلك العهد، بل هي مستمرّة متّصلة إلى يومنا هذا، و نحن نشهد كلّ حين إيمان العلماء و الحكماء من أقطار الدنيا بهذا الدين الحنيف بمجرّد أن يقفوا عليه وقفة الناظر المتدبّر المنصف.

6 - نصّ النبيّ السابق:

و هذا الشاهد و إن لم يتّضح لنا كونه ظاهرة ملازمة لكلّ النبوّات، غير أنّه عند ما يتوفّر يكون دليلا قويا و حجّة قاطعة على نبوّة النبيّ اللاحق. و من هنا احتجّ القرآن الكريم لنبوّة نبيّنا الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ببشائر الأنبياء السابقين و نصوص كتبهم عليه: اَلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ (2). و حكاية عن عيسى (عليه السلام):

وَ مُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ (3) .

و كان هذا دليلا كافيا لإسلام أسقف الروم الأعظم، و ذلك لمّا بعث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) دحية الكلبي بكتابه إلى هرقل قيصر الروم، فاستمع هرقل إلى الكتاب، فقال لدحية: إنّي لأعلم أنّ صاحبك نبيّ مرسل، و لكنّي أخاف الروم على نفسي، و لو لا ذلك لاتبعته، فاذهب إلى (ضغاطر) الأسقف الأعظم في الروم، و اذكر له أمر صاحبك و انظر ما ذا يقول.

فجاءه دحية و أخبره بما جاء به من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فقال له ضغاطر: و اللّه إنّ صاحبك نبيّ مرسل نعرفه بصفته، و نجده في كتابنا، ثمّ أخذ عصاه و خرج على الروم و هم في الكنيسة فقال: يا معشر الروم، قد جاءنا كتاب من أحمد يدعونا إلى اللّه، و إنّي أشهد أن لا إله إلا اللّه، و أنّ محمّدا عبده و رسوله. قال: فوثبوا

ص: 13


1- إعلام الورى: 44، الكامل في التاريخ 80:2.
2- الأعراف 157:7.
3- الصفّ 6:61.

عليه فقتلوه (رحمه اللّه) فرجع دحية إلى هرقل و أخبره الخبر، فقال: قد قلت إنّا نخافهم على أنفسنا(1).

7 - النسب الرفيع:

لم يجعل اللّه النبوّة إلاّ في رجل ذي شرف و منعة في قومه هي في الذّروة، ليكون ذلك داعية لتقبّل الناس لشخصه و دعوته و زعامته، و قد جاء في قصّة هرقل بعد أن بلغه كتاب الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّه بعث إلى جماعة من أهل مكّة كانوا في تجارة لهم في الشام، و فيهم أبو سفيان، فأجلسه و أجلسهم من خلفه و قال لهم؛ إنّي سائله فإن كذب فكذّبوه. قال أبو سفيان: لو لا أن يؤثر عنّي الكذب لكذبت، فسأله عن النبيّ، قال: فصغّرت له شأنه، فلم يلتفت إلى قولي، و قال: كيف نسبه فيكم؟ قلت: هو أوسطنا نسبا. قال هرقل: و كذلك الأنبياء(2).

و هكذا نجد معنى قوله (تعالى): اَللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ (3) مجسّدا في خصال نبيّنا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و سائر الأنبياء (عليهم السلام).

و هكذا أحيطت النبوّة بهذه الدلائل و غيرها، حتّى صارت عقيدة ثابتة راسخة في قلب كلّ من آمن بالتوحيد، لا يشكّ فيها و لا يرتاب.

و أمّا الإمامة، فقد بقيت عرضة للآراء و الأقاويل و التكذيب و التشكيك، فلأجل هذا كانت الكتابة في دلائل الإمامة في غاية الأهميّة، إن لم نقل إنّها تتقدّم في أهميّتها على أيّ بحث آخر، إذ إنّ من الواجب أن يدرك المسلمون حقيقة الإمامة و أبعادها، و لو أنّهم أدركوا ذلك لأيقنوا أنّها من صلب العقيدة، و أنّها ضرورة تماما كالنبوّة.

قال (تعالى): وَ جَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا (4) قال المفسّرون: المراد و لنجعلنّ من أمّتك أئمّة يهدون بأمرنا(5).

ص: 14


1- الكامل في التاريخ 211:2.
2- المصدر 211:2-212.
3- الأنعام 124:6.
4- السجدة 24:32.
5- الزمخشري 516:3، الرازي 186:25، المراغي 118:21، اسماعيل حقّي البروسوي 126:7.

و قال (تعالى): إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ * وَ مَنْ يَتَوَلَّ اللّهَ وَ رَسُولَهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغالِبُونَ (1).

و قال (تعالى): يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ (2).

فالإمامة إذن هي الامتداد الصحيح و الضروري للنبوّة، و هي حصن الدين و سوره و دعامته التي لا يستقيم إلاّ بها، و هي زعامة عظمى في أمور الدين و الدنيا، و ولاية عامّة، على كافّة الأمّة القيام بأمورها و النهوض بأعبائها، و قد أجمعت الامّة على وجوب عقدها في كلّ زمان.

قال الماوردي: عقد الإمامة لمن يقوم بها واجب بالإجماع، و إن شذّ عنه الأصمّ(3).

و قال أبو الحسن الأشعري: قال الناس كلّهم - إلاّ الأصم -: لا بدّ من إمام.

و قال الأصمّ: لو تكافّ الناس عن التظالم لاستغنوا عن الإمام(4).

و قال ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح قول أمير المؤمنين (عليه السلام) «لا بدّ للناس من أمير»: هذا نصّ صريح منه (عليه السلام) بأنّ الإمامة واجبة، و قد اختلف الناس في هذه المسألة فقال المتكلّمون: الإمامة واجبة، إلاّ ما يحكى عن أبي بكر الأصمّ من قدماء أصحابنا - المعتزلة - أنّها غير واجبة إذا تناصفت الأمّة و لم تتظالم. و قال المتأخرون من أصحابنا: إنّ هذا القول منه غير مخالف لما عليه الأمّة، لأنّه إذا كان لا يجوز في العادة أن تستقيم أمور الناس من دون رئيس يحكم بينهم، فقد قال بوجوب الرئاسة على كلّ حال(5).8.

ص: 15


1- المائدة 55:5 و 56.
2- النساء 59:4.
3- مآثر الإنافة 29:1، و الأصمّ: هو عبد الرحمن بن كيسان، أبو بكر الأصمّ، من قدامى المعتزلة.
4- مقالات الإسلاميين 133:2.
5- شرح نهج البلاغة 307:2-308.

و قال الأسفرائيني: اتّفق جمهور أهل السنّة و الجماعة على أصول من أركان الدين، كلّ ركن منها يجب على كلّ عاقل بالغ معرفة حقيقته، ثمّ ذكر الأركان إلى أن قال: و الركن الثاني عشر: إنّ الإمامة فرض واجب على الامّة لأجل إقامة الإمام، ينصب لهم القضاة و الأمناء، و يضبط ثغورهم، و يغزي جيوشهم، و يقسم الفيء بينهم، و ينتصف لمظلومهم من ظالمهم(1).

و قالت الإمامية: ليس في الإسلام أمر أهم من تعيين الإمام، و إنّ الإمام لطف من اللّه يجب نصبه تحصيلا للغرض(2).

و من هذا يثبت أنّ إجماعهم على وجوب الإمامة ممّا لا ريب فيه، و لكن بعد أن تحقّق هذا الإجماع افترقوا فيها على فرقتين:

قالت إحداهما: إن الإمامة تثبت بالاتّفاق و الاختيار.

و قالت الأخرى: إنّها تثبت بالنصّ و التعيين.

فمن قال بالقول الأوّل فقد ذهب إلى القول بإمامة كلّ من صارت إليه الإمامة و لو باتّفاق جزء من الأمّة، إمّا مطلقا و إمّا بشرط أن يكون قرشيّا، فقالوا بإمامة معاوية و أولاده، و بعدهم مروان و أولاده ثم بني العباس(3).

و أمّا أصحاب القول الثاني، فقد ذهبوا إلى أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قد نصّ على عليّ (عليه السلام) بالإمامة من بعده، ثمّ على أحد عشر من ولده، آخرهم الإمام المهديّ المنتظر، (عليهم السلام أجمعين).

و بعد هذا الاختلاف، و اختلافات أخرى تشعّبت عن الفريقين، صارت الإمامة محلّ النزاع الأكبر في هذه الأمّة حتّى قيل: إنّه ما سلّ سيف في الإسلام على قاعدة دينيّة كما سلّ على الإمامة في كلّ زمان.

فمن هنا أصبح حريّا أن تقام عليها الدلائل و تنصب البراهين، فكان ذلك حقّا4.

ص: 16


1- الفرق بين الفرق: 323، 349.
2- المقالات و الفرق: 139، تجريد الاعتقاد: 221. و معنى اللطف: هو ما يقرّب المكلّف إلى الطاعة و يبعّده عن المعصية.
3- الملل و النحل 33:1-34.

على قدر يوازي قدرها، فأقيمت البراهين و أنشئت الدلائل، و من هذه الدلائل ما جاء مشتركا بين الفريقين، و منها ما تميّز به كلّ منهما عن الآخر بحسب ما بينهما من اختلاف.

و لكن حتّى هذا القدر المشترك الذي قال به الجميع لا تجده ينطبق على الخلفاء الذين قال الفريق الأوّل بإمامتهم، فلا يخفى أنّ الكثير من أولئك الخلفاء قد توصّل إلى الخلافة بقوّة السيف رغم مخالفة أغلب أبناء هذه الأمّة، فلا هو أتى باتفاق الأمة و اختيارها و لا باتّفاق أصحاب الحلّ و العقد، و لا بتعيين مباشر بنصّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، كما أنّ منهم من كان مجاهرا بالفسوق، منتهكا لحدود اللّه، ميّالا إلى المعاصي، محاربا لأولياء اللّه، و هذه صفات لا ينكرها أحد في خلفاء بني أميّة و بني العبّاس، و قليل منها متى وجد في أحدهم فهو كاف لسلب الأهلية عنه، و بطلان خلافته، و هذا قدر لا يختلف عليه المسلمون، إلاّ من قال بصحة إمامة الفاجر للمؤمن، و هذا قول غريب لا يستقيم مع معنى الإسلام و أهدافه، و لا مع الغرض من بعثة الأنبياء و تبليغهم رسالات ربّهم (تعالى).

من هنا إذن حقّ لنا أن نقتصر على ذكر ما يعتدّ به من دلائل الإمامة و ما يلائم أهداف الشريعة و طبيعتها و بعثة الأنبياء و أهدافها، تاركين الشاذّ الغريب لضعفه - أوّلا - و بغية الاختصار - ثانيا - لأنّ الذي بين أيدينا هو مقدّمة كتاب و ليس كتاب.

دلائل الإمامة:

اشارة

بعد ما ثبت أنّ الإمامة هي رئاسة عامّة في امور الدين و الدنيا، و انّها امتداد للوجود النبويّ المقدّس و حفظ لعهده و حماية لأمانته و قيام برسالته، يمكننا أن نقول إنّ كلّ ما صحّ أن يكون دليلا على النبوة صحّ أن يكون دليلا على الإمامة، فبه تعرف، و به يقوم الشاهد عليها، فدلائل النبوّة هي نفسها دلائل الإمامة ما خلا نزول الوحي الذي هو من شأن الأنبياء وحدهم، و لا وحي بعد خاتم الأنبياء، بالإجماع.

و لكن عند ما يختفي هذا الدليل هنا يحلّ محلّه دليل آخر، هو من الوحي أيضا، و لكنّه وحي إلى النبيّ يحمل إليه أهم دلائل الإمامة و أوّل شروطها، و بهذا تكون دلائل

ص: 17

الإمامة كما يلي:

1 - النصّ:

إنّ الإمامة منصب إلهي مقدّس لا يتحقّق لأحد إلاّ بنصّ من اللّه (تعالى)، أو من نبيّه المصطفى الذي لا ينطق عن الهوى إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى .

و ما كان النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الذي بعث رحمة للعالمين، و ليرفع من بين الناس أسباب الخلاف و الفرقة، و يزرع بينهم كلّ ما من شأنه أن يؤلّف بينهم، و ينظم أمرهم، و يحفظ فيهم العدل و الإنصاف، فلا يمكن أن يفارق أمّته و يتركها هملا، تتحكّم فيها الآراء و الاجتهادات المتباينة، فيعود أمرها فوضى، و كأنّ نبيّا لم يبعث فيها أو كأنّ اللّه (تعالى) لم يرسل إليهم شريعة واحدة تجمعهم و تنظم أمرهم.

بل إنّ النبيّ، الرحمة المهداة، هو أرحم بأمّته من أن يتركها هكذا، و هو أحرص على رسالته من أن يدعها تحت رحمة آراء شتّى و اجتهادات متضاربة، بل قد يعدّ أمر كهذا إخلال بالأمانة التي كلّف النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بأدائها، و تقصير بحقّ الرسالة التي بعث لتبليغها، و كلّ هذا بعيد عن ساحة النبوّة كلّ بعد، فأيّ مسلم لا يؤمن بأنّ نبينا الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قد أدّى أمانة ربّه أحسن الأداء، و بلّغ رسالته أتمّ تبليغ؟

و أيّ معنى سيبقى لأداء الأمانة ما لم يستأمن عليها رجلا كفؤا يتولّى حمايتها و إقامة حدودها و تنفيذ أحكامها؟!

و لقد أتمّ ذلك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أداء لأمانته، فنصّ على وصيّه و خليفته من بعده، و سمّاه باسمه في غير موضع و مناسبة، و من ذلك:

أ - الحديث المتواتر في خطبة الغدير الشهيرة، حيث أوقف النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مائة ألف من المسلمين حجّوا معه حجّة الوداع و عادوا معه، فلمّا بلغوا غدير خمّ حيث مفترق طرقهم إلى مواطنهم، نادى مناديه أن يردّ المتقدّم، و ينتظر المتأخّر حتى يلحق، ثمّ قام فيهم خطيبا و هو آخذ بيد عليّ بن أبي طالب (عليه السلام).

فقال: «أ لست أولى بالمؤمنين من أنفسهم» قالوا: بلى. قال: «من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهمّ وال من والاه و عاد من عاداه»(1).

ص: 18


1- سنن الترمذي 3713/633:5، سنن ابن ماجة 116/43:1 و 121/45، مسند أحمد 84:1، 119، 152، -- 331 و 281:4، 368، 370، 372 و 347:5، 366، الخصائص للنسائي: ح 78-83، المستدرك على الصحيحين 110:3، 134، 371، مصابيح السنّة 4767/172:4، السيرة الحلبيّة 274:3، تاريخ اليعقوبي 112:2، تذكرة الحفاظ 10:1، البداية و النهاية 183:5-188 و 359:7، اسد الغابة 28:4، الاستيعاب - بهامش الإصابة - 36:3.

ب - قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لعليّ (عليه السلام) في الحديث المتّفق عليه: «أ ما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي»(1).

و تكرّر منه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) التصريح باسم عليّ (عليه السلام) لخلافته، و أنّه أولى الناس بالنبيّ و بالدين و الدولة من بعده، بما فيه الكفاية لمن أراد الاستدلال(2).

و قبل الحديث النبويّ الشريف كانت آيات الكتاب المجيد التي تفيد هذا المعنى بشكل واضح لا غبار عليه، و أوّلها: قوله (تعالى): إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ (3) و نزولها في عليّ أمر أجمع عليه أهل التفسير(4).

ثمّ جاءت النصوص النبويّة الشريفة المتّفق على صحّتها بحصر عدد الأئمّة بعد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) باثني عشر إماما، حدّا فاصلا و بيانا هاديا لا يترك منفذا لاختلاف الآراء و تدخّل الاجتهادات، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «الخلفاء بعدي اثنا عشر، كلّهم من قريش»(5).

إذن فقد اجتمعت الأمّة على وجوب الإمامة، ثمّ اجتمعت على أنّ الخلفاء بعد6.

ص: 19


1- صحيح البخاري 202/90:5، صحيح مسلم 30/1870:4-32، سنن الترمذي 3724/638:5، سنن ابن ماجة 115/43:1، مسند أحمد 173:1، 175، 182، 184، 331 و 338:3، تذكرة الحفّاظ 10:1.
2- لتتبع المزيد من النصوص راجع: نهج الحقّ للعلاّمة الحلّي، و الغدير للأميني، و الخصائص للنسائي، و سائر كتب مناقبه (عليه السلام) و هي كثيرة.
3- المائدة 55:5.
4- انظر: أسباب النزول: 113، تفسير الطبري 186:6، تفسير الرازي 26:12، جامع الأصول 9: 6503/478، البداية و النهاية 371:7. و غيرها.
5- صحيح البخاري 79/147:9 - كتاب الاحكام، باب الاستخلاف، صحيح مسلم 5/1452:3-10، إعلام الورى: 381-386.

النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) اثني عشر خليفة كلّهم من قريش، ثمّ اتّفقوا على تسمية عليّ (عليه السلام) في نصوص عديدة، و إنّ تأوّلها بعضهم على خلاف ظاهرها، ثمّ اتّفقوا أخيرا على النصّ النبويّ الصريح الذي ختم على الأمر كلّه، و زاده ظهورا و تحديدا لم يدع فيه مجالا للشكّ و التردّد، ألا و هو حديث الثقلين الذي نصّه: «ألا أيّها الناس، إنّما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربّي فأجيب، و أنا تارك فيكم الثقلين - ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا بعدي - أحدهما أعظم من الآخر: كتاب اللّه، حبل ممدود من السماء إلى الأرض، و عترتي أهل بيتي، و لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما». و زاد في رواية مسلم و غيره: «أذكّركم اللّه في أهل بيتي، أذكّركم اللّه في أهل بيتي، أذكّركم اللّه في أهل بيتي»(1).

أمّا الصحاح الواردة من طرق الإماميّة في ذكر الأئمّة الاثني عشر بعدّتهم و أسمائهم فهي كثيرة(2).

2 - الاستقامة و سلامة النشأة:

إنّ ضرورة الاستقامة و الطّهر و سلامة النشأة في الإمام هي تماما كضرورتها في النبيّ بلا فارق، فالإمام هو القائم مقام النبيّ، الشاغل لفراغه، المؤتمن على رسالته، و المؤدّي لدوره في حماية الشريعة و إقامة حدودها، فلا بدّ أن يكون له من النزاهة و الطّهر ما كان للنبيّ ليكون مؤهّلا لخلافته.

و لا خلاف في أنّ ذلك كان لعليّ (عليه السلام) دون سائر الصحابة، فهو الناشئ في حجر النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، الملازم له ملازمة الظلّ لصاحبه، فلا هو فارق النبيّ، و لا خلاله فارقت خلاله. و تلك منزلة لم يشاركه فيها أحد حتّى ولد الحسنان (عليهما السلام) فكان حظّهما حظّ أبيهما، حتّى خصّهم اللّه (تعالى) بآية التطهير، فقال: إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ

ص: 20


1- صحيح مسلم 36/1873:4، 37-(2408)، سنن الترمذي 3786/662:5، 3788، مسند أحمد 14:3، 17 و 367:4 و 182:5، 189، المستدرك على الصحيحين 148:3، مصابيح السنّة 4816/190:4، تفسير الرازي 163:8، تفسير ابن كثير 122:4، السيرة الحلبية 274:3، تاريخ اليعقوبي 111:2.
2- انظر إعلام الورى: الركن الرابع - الفصل الثاني: 386-392، و كتاب كفاية الأثر لأبي القاسم الخزّاز القمّي، و مقتضب الأثر لابن عياش، و غيرها كثير.

لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (1) . و اتّفق المسلمون على أنّه مع نزول هذه الآية الكريمة دعا النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عليّا و فاطمة و الحسن و الحسين، و جلّل عليهم بكساء، ثمّ قال: «اللهمّ هؤلاء أهلي فأذهب عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا»(2).

و مثل هذا يقال مع أولادهم الأئمّة الأطهار (عليهم السلام)، فلا أحد يشكّ في أنّهم الأطهر مولدا، و الأصح نشأة، و الأقوم خلقا، تفرّدوا بالمنزلة الأعلى، و المقام الأسنى، فلا يدانيهم فيه سواهم، و لا زعم أحد منازعتهم عليه، و الشهادة لهم بذلك قائمة مرّ العصور حتّى على ألسنة خصومهم، فهم إذن المؤهّلون للإمامة دون سواهم.

قال الإمام عليّ (عليه السلام): «لا يقاس بآل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من هذه الأمّة أحد، و لا يسوّى بهم من جرت نعمتهم عليه أبدا، هم أساس الدين، و عماد اليقين، إليهم يفيء الغالي، و بهم يلحق التالي، و لهم خصائص حقّ الولاية، و فيهم الوصيّة و الوراثة»(3).

و قال (عليه السلام): «إنّ الأئمّة من قريش غرسوا في هذا البطن من هاشم، لا تصلح على سواهم، و لا تصلح الولاة من غيرهم»(4).

3 - السبق في العلم و الحكمة:

هذه أيضا ضرورة لازمة في الإمام لأجل أن يكون أهلا لهذه المنزلة، و كفؤا لهذه المسئوليّة، و قطبا تلتفّ حوله الناس و تطمئنّ إلى سبقه في العلم و الحكمة و المعرفة، و قدرته الفائقة في مواجهة ما تبتلى به الأمّة و الدولة، فلا يحتاج إلى غيره ممّن هم محتاجون إلى إمام يهديهم و يثبّتهم.

و هذه خصلة أشدّ ما تكون ظهورا في عليّ و أولاده المعصومين (عليهم السلام)، فكما كان هو (عليه السلام) مرجعا لأهل زمانه من خلفاء و غيرهم، يرجعون إليه في كلّ معضلة،

ص: 21


1- سورة الأحزاب 33:33.
2- صحيح مسلم 61/1883:4-(2424)، سنن الترمذي 3205/351:5 و 3787/663، مسند أحمد 330:1 و 292:6، أسباب النزول: 200-201، تفسير ابن كثير 493:3، الصواعق المحرقة: 143.
3- نهج البلاغة - صبحي الصالح خ 2 ص 47.
4- المصدر: خ 144 ص 201.

و يلجئون إليه في كلّ مأزق، و أمرهم في ذلك مشتهر، و قد تكرّر قول عمر بن الخطّاب:

لا أبقاني اللّه لمعضلة ليس لها أبو الحسن. و قوله: لو لا عليّ لهلك عمر(1). و لم يكن فضله على عمر بأكثر منه على الآخرين، و ليس عمر بأوّل من أقرّ له بفضله، فقد أقرّ له الجميع في غير موضع و مناسبة(2) ، و أجمل كلّ ذلك قول ابن عبّاس: «و اللّه لقد أعطي علي بن أبي طالب تسعة أعشار العلم، و ايم اللّه لقد شارككم في العشر العاشر»(3).

ذلك واحد الناس، فلم تعرف الناس أحدا غيره قال: «سلوني، فو اللّه لا تسألوني عن شيء إلاّ أخبرتكم»(4).

و هكذا كان شأن الأئمّة من ولده (عليهم السلام) أعلم أهل زمانهم و أرجحهم كفّة بلا خلاف، فقد علموا بدقائق ما كان عند الناس، و زادوا عليهم بخصائص علمهم الموروث من جدّهم المصطفى و أبيهم المرتضى. و قد شاع قول أبي حنيفة في الإمام الصادق (عليه السلام): لم أر أفقه من جعفر بن محمّد الصادق، و إنّه لأعلم الناس باختلاف الناس(5).

و لم يكن الإمام الصادق بأعلم من أبيه (عليهما السلام) بل علمه علم أبيه، و علم الأئمّة من بنيه علمه.

قال أبو حنيفة: دخلت المدينة، فرأيت أبا عبد اللّه الصادق فسلّمت عليه، و خرجت من عنده فرأيت ابنه موسى في دهليز و هو صغير السنّ، فقلت له: أين يحدث الغريب إذا كان عندكم و أراد ذلك؟ فنظر إليّ ثمّ قال: يتجنّب شطوط الأنهار، و مساقط الثمار، و أفنية الدور و الطرق النافذة، و المساجد، و لا يستقبل القبلة و لا يستدبرها و يرفع و يضع بعد ذلك حيث شاء.

قال: فلمّا سمعت هذا القول منه نبل في عيني، و عظم في قلبي، فقلت له: جعلت8.

ص: 22


1- الاستيعاب - بهامش الإصابة - 39:3، الإصابة 509:2، أسد الغابة 23:4.
2- انظر الاستيعاب 38:3-47.
3- الاستيعاب 40:3، أسد الغابة 22:4.
4- الاستيعاب 43:3، الإصابة 509:2.
5- تهذيب الكمال 79:5، سير أعلام النبلاء 257:6-258.

فداك، ممّن المعصية؟ فنظر إليّ ثمّ قال: اجلس حتّى أخبرك. فجلست، فقال: إنّ المعصية لا بدّ أن تكون من العبد أو من ربّه، أو منهما جميعا؛ فإن كانت من اللّه (تعالى) فهو أعدل و أنصف من أن يظلم عبده و يأخذه بما لم يفعله.

و إن كانت منهما فهو شريكه، و القويّ أولى بإنصاف عبده الضعيف.

و إن كانت من العبد فعليه وقع الأمر، و إليه توجّه النهي، و له حقّ الثواب و العقاب، و وجبت الجنّة و النار.

قال أبو حنيفة: فلمّا سمعت ذلك قلت: ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1). و قد نظم كلامه (عليه السلام) هذا شعرا، فقيل:

لم تخل أفعالنا اللاتي نذمّ لها إحدى ثلاث خلال حين نأتيها

إمّا تفرّد بارينا بصنعتها فيسقط اللوم عنّا حين ننشيها

أو كان يشركنا فيها فيلحقه ما سوف يلحقنا من لائم فيها

أو لم يكن لإلهي في جنايتها ذنب، فما الذنب إلاّ ذنب جانيها

سيعلمون إذا الميزان شال بهم أهم جنوها، أم الرحمن جانيها؟(2)

و هكذا كانوا (عليهم السلام)، لم يعرف عن أحدهم أنّه تلكّأ يوما في مسألة، أو أفحمه أحد في حجّة، بل كان سبقهم نوعا من الإعجاز، و أظهر ما يكون ذلك مع الإمام محمّد الجواد الذي أوتي العلم و الحكمة صبيّا، و سبق علماء عصره و متكلّميهم و شهدوا له بالفضل و التقدّم و العلوّ و تأدّبوا في مجلسه و لم يبلغ التاسعة من العمر.

قال الشيخ المفيد: عن المعلّى بن محمد، قال: خرج عليّ أبو جعفر (عليه السلام) حدثان موت أبيه، فنظرت إلى قدّه لأصف قامته لأصحابنا، فقعد، ثمّ قال: يا معلّى، إنّ اللّه (تعالى) احتجّ في الإمامة بمثل ما احتجّ به في النبوّة، فقال: وَ آتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (3).9.

ص: 23


1- أمالي المرتضى 151:1-152، مناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب 314:4، بحار الأنوار 106:48، و الآية من سورة آل عمران 34:3.
2- أمالي المرتضى 152:1.
3- الإرشاد: 325، إعلام الورى: 349-350، و الآية من سورة مريم 12:19.

4 - أحاديثهم و آثارهم:

إن الاستدلال على الإمام من حديثه و آثاره استدلال صحيح، فسلوك المدّعي و حديثه خير شاهد على حقيقة دعواه و جوهرها، و هو شاهد أيضا على صدق دعواه عند ما ترافقه القرائن و الدلائل الأخرى، و إلاّ فلا تعدّ وحدها دليلا كافيا على إمامته.

و من أراد معرفة ذلك عن أئمّة الهدى (عليهم السلام) فإنّه يجده ظاهرا ظهور النهار في أحاديثهم الشريفة، معدن الهداية، و سبل النجاة، دعاة إلى الحق هداة إليه بالقول و العمل.

فما على الباحث إلاّ أن يتوخّى ما صحّ عنهم من الحديث و الأثر ليجد ذلك بيّنا بلا عناء. و لا بدّ من الإشارة هنا إلى مسألة هي في غاية الأهميّة، فقد قلنا إنّ على الباحث أن يتوخّى ما صحّ عنهم (عليهم السلام)، و نؤكّد هذا الكلام و نقول: إنّ عليه أن يحذر ما اختلط بحديثهم من أباطيل الوضّاعين، فقد كثرت الكذّابة عليهم كما كثرت على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و قد فصّل الإمام الرضا (عليه السلام) القول في ذلك أجمل تفصيل و أدقّه، و هو يقول: «إنّ مخالفينا وضعوا أخبارا في فضائلنا و جعلوها على أقسام ثلاثة: أحدها: الغلوّ، و ثانيها: التقصير في أمرنا، و ثالثها: التصريح بمثالب أعدائنا. فإذا سمع الناس الغلوّ فينا كفّروا شيعتنا و نسبوهم إلى القول بربوبيّتنا. و إذا سمعوا التقصير اعتقدوه فينا، و إذا سمعوا مثالب أعدائنا بأسمائهم ثلبونا بأسمائنا، و قد قال اللّه (عزّ و جلّ): لا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّوا اللّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ (1).

5 - نصّ الإمام السابق:

تقدّم أنّ نصّ النبيّ كان خير شاهد على نبوّة النبيّ اللاحق له، و مثل هذا يقال مع الإمام، بل هو واضح مع الأئمّة الاثني عشر (عليهم السلام)، ملازم لهم جميعا، فقد ثبت النصّ من كلّ إمام إلى الإمام اللاحق بالطرق الصحيحة و الكثيرة التي كانت سببا في اطمئنان أتباعهم و أشياعهم(2).

و هنا ينبغي التنبيه إلى أنّ هذه النصوص لا بدّ أن تكون منسجمة مع نصوص

ص: 24


1- عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 63/304:1، و الآية من سورة الانعام 108:6.
2- راجع في ذلك تراجم الأئمّة (عليهم السلام) في: الإرشاد، و إعلام الورى.

النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في موضوع الإمامة، من قبيل: حديث الثقلين - «كتاب اللّه، و عترتي أهل بيتي» -، و حديث: «الخلفاء بعدي اثنا عشر، كلّهم من قريش». فما جاء مخالفا لهذا فهو مردود لمخالفته نصّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و من هنا صحّت النصوص عنهم (عليهم السلام)، و بطلت عن غيرهم، فلا اعتبار لما عرف بولاية العهد التي يعهد بها الخليفة إلى ابنه أو أخيه كما هو شأن الخلفاء الأمويّين و العباسيين لمخالفتها لنصوص النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) المتقدّمة و غيرها، أضف إلى ذلك أنّ أحدا منهم لم يصل إلى الخلافة بالطريق المشروع الذي يقرّه الإسلام ليكون من حقّه أن يوصي لمن بعده، فولاية العهد تلك إنّما هي من قبيل تبادل الشيء المغصوب، فلا أثر لهذا التبادل يرجى منه رفع الغصبية، بل على العكس، فهو تكريس لها و إصرار عليها.

هذه هي أهم الفوارق بين عهود الأئمّة (عليهم السلام) و عهود الملوك، بغض النظر عن كون الأئمّة (عليهم السلام) إنّما يعهدون بعهد من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لا من عند أنفسهم.

6 - النسب الرفيع:

إنّ الإمامة - مقام النبوّة - لا يصلح لها إلاّ ذو نسب و شرف رفيع كالنبيّ بلا فارق. و هذه مزيّة أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) دون سواهم، بلا خلاف و لا نزاع، بل لا يدانيهم فيه حتّى بني عمومتهم.

روى الخطيب في تاريخه: أنّ هارون الرشيد حجّ مرّة و معه الامام موسى بن جعفر (عليهما السلام)، فأتى قبر النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و حوله قريش و شيوخ القبائل، فقال: السلام عليك يا رسول اللّه يا ابن عمّي. افتخارا على من حوله، فدنا موسى بن جعفر (عليهما السلام)، فقال: السلام عليك يا رسول اللّه يا أبت. فتغيّر وجه هارون، و قال: هذا الفخر - يا أبا الحسن - حقّا(1).

7 - المعجزة:

لقد أخّرنا هذه النقطة - التي كانت ثاني دلائل النبوّة - إلى هذا المحلّ لاتّصالها بموضوع هذا الكتاب. فالمعجزة التي كانت تظهر على أيدي الأنبياء تصديقا لهم، هي ضروريّة أيضا لتصديق دعوى الإمام. كيف لا و قد أظهر اللّه

ص: 25


1- تاريخ بغداد 31:13.

المعجزات لمن هو أدنى من الإمام تصديقا لدعواه المرضيّة عند اللّه؟ و مثال ذلك ما ظهر لمريم العذراء (عليها السلام) تبرئة لساحتها، و ما كان لأصحاب الكهف، و كلّ ذلك في القرآن مسطور.

و خلاصة القول في المعجزات يمكن إيجازه بما يلي:

أ - إذا كان يصعب التصديق بالمعجزات، أو بعضها فلأنّ أصل المعجزة هو كونها خارقة للعادة مخالفة للمألوف، و إنّما يشترط في قبولها شهرتها أو صحّة إسنادها، فمتى ثبتت نسبتها إليهم (عليهم السلام) بالطرق المعتبرة و الموثّقة فليس هناك ما يمنع قبولها، و لم يبق مبرّر للشكّ فيها بعد أن عرفنا عظيم منزلتهم، و صحّة نسبة الخبر إليهم.

كيف و نحن نرى و نصدّق الكثير من خوارق العادات التي تظهر لعباد صالحين هم أدنى بكثير من مراتب الإمامة؟!

ب - إنّ الإيمان بإمامة الأئمة لا يصحّ أن ينحصر في النظر إلى معجزاتهم و كراماتهم، كما لا يصح إثبات نبوّة موسى (عليه السلام) بقلب العصا ثعبانا، أو نبوّة عيسى (عليه السلام) بخلق الطير من الطين، ما لم تجتمع القرائن الأخرى التي تجعل ظهور المعجزة زيادة في ظهور صدقه ليس إلاّ. و إلاّ فإنّ خوارق العادات قد تجري على أيدي الكثيرين من طرق و فنون و حيل كثيرة، و لكن ما أن تعرض أصحابها على تلك الشرائط و القرائن و الدلائل المتقدّمة حتّى تجد حظوظهم منها حظوظ الفقراء إن لم يكونوا عراة منها على الإطلاق.

ج - ليس المطلوب منّا عند الإيمان بمعجزاتهم أن نجعلها كلّ شيء في اعتقادنا و سلوكنا و ثقافتنا، إنّما المطلوب هو الإيمان بهم و بحقيقة إمامتهم لأجل اتّباعهم و الاقتداء بهم و الاهتداء بهديهم، و لم تأت المعاجز التي أتحفهم بها اللّه (تعالى) إلاّ خدمة لذلك الغرض، فهي ليست غاية في ذاتها، و إنّما هي شاهد واحد فقط يقوّي الدوافع إلى اتّباعهم في نفوس الناس.

د - إنّ الغرض من المعجزة هو أن تتمّ بها الحجّة، و يتوقّف عليها التصديق، و أمّا ما خرج عن هذا فلا يجب على اللّه إظهاره، و لا تجب على النبي أو الإمام الإجابة إليه و لو كان على سبيل التحدّي.

ص: 26

ه - إنّ إقامة المعجزة ليست أمرا اختياريّا للنبيّ أو الإمام، و إنّما ذلك بيد اللّه يظهره متى شاء و اقتضت حكمته(1).

فهذه كلّها مبادئ أوّليّة ينبغي إدراكها قبل الدخول في قراءة كتاب غرضه جمع المعجزات و إحصائها، ككتابنا هذا (دلائل الإمامة).

و أخيرا، فالذي ينبغي الإشارة إليه هو أنّ محتوى هذا الكتاب إنّما يشكّل عنصرا واحدا من عناصر موضوع دلائل الإمامة، و يدور حول ركن واحد من أركانها، و أمّا الموضوع بشموله فيبقى متّسعا لمزيد من الدرس و البحث، آملين أن يتصدّى له من هو أهل له من علمائنا و أساتذتنا المخلصين، بحثا و درسا و تفصيلا، حفظا لهذا الدين الحنيف، و خدمة للمسلمين الأعزّاء، و وفاء لعهد الحبيب المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أداء لحقّ الأئمّة الأطهار (عليهم السلام). و اللّه وليّ التوفيق.9.

ص: 27


1- لمزيد من التفصيل راجع البيان في تفسير القرآن: 80-119.

ص: 28

ترجمة المؤلف

اسمه و كنيته

اشارة

هو أبو جعفر محمّد بن جرير بن رستم الطبري الآملي(1) الصغير(2).

المشتركون معه في التسمية:

1 - أبو جعفر محمّد بن جرير بن يزيد الطبري العامّي، صاحب التاريخ و التفسير، و المتوفّى سنة (310 ه).

2 - أبو جعفر محمّد بن جرير بن رستم الطبري الآملي الكبير، و الذي كان معاصرا لمحمّد بن جرير الطبري العامّي، و قد ترجم له الشيخ الطوسي المتوفّى سنة (460 ه) في (الفهرست)(3) و الشيخ النجاشي صاحب الرجال المتوفّى سنة (450 ه)، و روى عنه الأخير كتبه بواسطتين(4) ، و روى النجاشي أيضا عن ثقة الإسلام

ص: 29


1- هكذا نسب في المصادر التي نقلت عن مصنّفاته، إلاّ أنّ السيد ابن طاوس في كشف المحجّة: 35، و الأمان: 66، و فرج المهموم: 102، نسبه هكذا: أبو جعفر محمد بن رستم بن جرير الطبري الإمامي، و لعلّه نسبه للجدّ مباشرة، أو إنّه من وهم النسّاخ، بدليل نقل السيد ابن طاوس عنه بعنوان محمد بن جرير بن رستم الطبري الإمامي في الموارد التي ستأتي في وصف الكتاب كافّة، و كذا وصف من قبل المتأخرين الذين نقلوا عنه كالعلاّمة المجلسي في (بحار الأنوار) و السيّد البحراني في (مدينة المعاجز) و الحرّ العاملي في (إثبات الهداة) و غيرهم.
2- وصف الشيخ الطوسي سمّي صاحب الدلائل المعاصر للشيخ الكليني ب (الكبير) و لعلّ ذلك الوصف كان دليلا على تمييزه عن صاحب الدلائل الذي يشترك معه في التسمية و التكنية و المعاصر للشيخ الطوسي كما سيأتي.
3- الفهرست: 697/158.
4- رجال النجاشي 1024/376.

الكليني بواسطتين(1) ، و لهذا يمكن القول إنّ محمد بن جرير الطبري الكبير كان معاصرا للشيخ الكليني المتوفّى سنة (329 ه)، و له من المصنّفات (المسترشد في الإمامة)(2) و (الإيضاح)(3) و (الرواة عن أهل البيت (عليهم السلام)(4) و غيرها.

3 - محمّد بن جرير، من رواة الحديث، متقدّم الطبقة، إذ يروي عنه محمّد بن جرير الطبري الكبير بثلاث وسائط، و هو يروي عن ثقيف البكّاء عن الإمام الحسن ابن علي بن أبي طالب (عليهم السلام)، كما في الحديث (8) من دلائل الإمام الحسن بن عليّ المجتبى (عليهما السلام).

عصره و طبقته

لم نعثر في المصادر المتوفّرة لدينا على تاريخ دقيق لولادته و وفاته، و لكن من مجموع القرائن المتوفّرة في هذا الكتاب يمكن تحديد عصره و طبقته.

أمّا من حيث عصره فيمكن القول إنّه كان من أعلام النصف الثاني من القرن الرابع و أوائل القرن الخامس، يدلّ على ذلك تاريخ وفيات شيوخه كما سيأتي، و جملة نصوص نقلناها من الكتاب كما يلي:

1 - في دلائل الإمام عليّ بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) الحديث (24) قال: «و أخبرني أخي (رضي اللّه عنه)، قال: حدّثني أبو الحسن أحمد بن علي المعروف بابن البغدادي و مولده بسوراء(5) ، في يوم الجمعة لخمس بقين من جمادى الأولى سنة خمس و تسعين و ثلاثمائة».

ص: 30


1- رجال النجاشي: 1026/377.
2- الذريعة 3690/9:21.
3- المصدر 1924/489:2.
4- المصدر 1564/256:11.
5- سوراء، بالمدّ: موضع يقال هو إلى جنب بغداد، و قيل هو بغداد نفسها، و سورى، بالقصر: موضع بالعراق قرب بابل.

2 - في دلائل الإمام صاحب الزمان (عليه السلام) الحديث (92) قال: «حدّثنا أبو المفضّل محمّد بن عبد اللّه بن المطلّب الشيباني سنة خمس و ثمانين و ثلاثمائة».

3 - و في دلائله (عليه السلام) أيضا الحديث (96) قال: «و أخبرني أبو القاسم عبد الباقي بن يزداد بن عبد اللّه البزّاز، قال: حدّثنا أبو محمّد عبد اللّه بن محمّد الثعالبي قراءة في يوم الجمعة مستهل رجب سنة سبعين و ثلاثمائة».

4 - و في دلائله (عليه السلام) أيضا الحديث (128) قال: «نقلت هذا الخبر من أصل بخطّ شيخنا أبي عبد اللّه الحسين الغضائري (رحمه اللّه)». و الغضائري توفّي سنة (411 ه).

أمّا عن طبقته فقد قال الشيخ الطهراني في أعلام الشيعة في القرن الخامس:

«و يروي في الكتاب غالبا عن جماعة هم يروون عن أبي محمّد هارون بن موسى التّلّعكبري الذي توفّى سنة (385 ه) و هم: ولده أبو الحسين محمّد بن هارون، و أبو عبد اللّه الحسين بن عبد اللّه الحرمي، كما أنّ الطوسي يروي عن جماعة عن التّلّعكبري، منهم: ولده الحسين بن هارون بن موسى، و كذلك النجاشي يروي عنه بواسطة ولده محمّد بن هارون، إلى أن قال: و يروي أيضا عن الصدوق المتوفّى سنة (381 ه) بواسطة تلاميذه، منهم: أبو الحسن عليّ بن هبة اللّه بن عثمان بن الرائقة الموصلي صاحب كتاب (المتمسّك بحبل آل الرسول (عليهم السلام) كما أنّ الطوسي و النجاشي يرويان عن الصدوق بواسطة واحدة»(1).

و خرج الشيخ الطهراني من هذا إلى الاستنتاج بأن صاحب الدلائل كان معاصرا للشيخ الطوسي المتوفّى سنة (460 ه) و للشيخ النجاشي المتوفّى سنة (450 ه) و هو ما يبدو من مجمل القرائن التي ذكرها، و يبدو لنا أيضا بأنّه كان مقدّما على الشيخ الطوسي و النجاشي قليلا مع معاصرته لهما، و ذلك من خلال القرائن التالية:

1 - يروي الشيخ الطوسي عن أبي بكر أحمد بن كامل بن خلف تلميذ محمّد5.

ص: 31


1- النابس في القرن الخامس: 155.

ابن جرير الطبري العامّي بواسطتين(1) ، و صاحب الدلائل يروي عنه بواسطة واحدة، كما في الحديث (49) من دلائل فاطمة الزهراء (عليها السلام).

2 - يروي الشيخ الطوسي عن أبي المفضّل محمّد بن عبد اللّه بن المطّلب الشيباني بواسطة جماعة(2) ، أمّا صاحب الدلائل فإنّ أبا المفضّل الشيباني من شيوخه الذين يروي عنهم بلا واسطة بقوله: حدّثنا و أخبرنا.

3 - يروي الشيخ الطوسي عن ثقة الإسلام الشيخ محمّد بن يعقوب الكليني بواسطتين(3) ، و كذا الشيخ النجاشي(4) ، أمّا صاحب الدلائل فيروي عنه في أحد طرقه إليه بواسطة واحدة كما في الحديث (98) من دلائل الإمام صاحب الزمان (عليه السلام).

فصاحب الدلائل كان معاصرا للشيخ الطوسي و النجاشي إلاّ أنّه كان متقدّما عليهما قليلا لما ذكرناه، و دليل المعاصرة أيضا اشتراك المشايخ بين الثلاثة، فصاحب الدلائل يروي عن أبي المفضّل الشيباني، و أبي محمّد الحسن بن أحمد العلوي المحمّدي، و القاضي أبي إسحاق بن مخلد بن جعفر الباقرحي، و أبي أحمد عبد السلام ابن الحسين بن محمّد البصري، و عبّر عن الشيخ الغضائري بشيخنا في الحديث (128) من دلائل الإمام صاحب الزمان (عليه السلام)، و كلّ هؤلاء من مشايخ النجاشي، و روى أيضا عن أبي عبد اللّه الحسين بن إبراهيم بن عليّ المعروف بابن الخيّاط القمّي و هو من مشايخ الطوسي.7.

ص: 32


1- الفهرست: 640/150.
2- المصدر: 600/140.
3- المصدر: 591/135.
4- رجال النجاشي: 1026/377.

مصنّفاته

1 - دلائل الإمامة: و هو هذا الكتاب، يتعرّض فيه المؤلف لدلائل و معجزات و تواريخ و أحوال الأئمّة الهداة (سلام اللّه عليهم)، و فضائل و معجزات فاطمة الزهراء (عليها السلام)، و نسخته غير تامّة، حيث سقط قسم من أوّله، و سنأتي إلى دليل السقط في وصف الكتاب.

و قد نقل عنه السيّد عليّ بن موسى بن طاوس المتوفّى سنة (664 ه) في كتاب (اليقين) و (فرج المهموم) و (الأمان من أخطار الأسفار و الأزمان) و (اللهوف في قتلى الطفوف) و (إقبال الأعمال) و غيرها، كما نقل عنه السيّد هاشم البحراني المتوفّى سنة (1107 ه) صاحب كتاب (البرهان في تفسير القرآن) في (مدينة المعاجز) و (المحجّة في ما نزل في القائم الحجّة)، و العلاّمة المجلسي المتوفّى سنة (1110 ه) في (بحار الأنوار) و غيرهم من المتأخّرين.

2 - نوادر المعجزات: جمع فيه طرفا من فضائل و كرامات الأئمّة الأطهار (سلام اللّه عليهم) و فاطمة الزهراء (عليها السلام) دون أن يتطرّق إلى ذكر أحوالهم و تواريخهم (عليهم السلام) كما فعل في الدلائل، و الكتاب مطبوع بتحقيق مؤسّسة الإمام المهدي (عليه السلام).

مشايخه و أسلوب روايته

الروايات التي أثبتها المصنّف في هذا الكتاب يرويها بثلاثة أساليب:

الأول: ما يرويه عن مشايخه الذين تحمّل عنهم رواية الحديث إجازة أو قراءة أو سماعا، و صحّ له أن يقول: حدّثنا و أخبرنا و حدّثني و أخبرني... و من هؤلاء المشايخ الذين ذكرهم في كتابه هذا:

1 - القاضي أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن محمّد بن أحمد بن عبد اللّه الطبري المقرئ (324-373 ه).

ص: 33

2 - إبراهيم بن محمّد بن الفرج الرّخّجي.

3 - القاضي أبو إسحاق إبراهيم بن مخلد بن جعفر الباقرحي، المتوفّى سنة (410 ه).

4 - أبو الحسن أحمد بن الفرج بن منصور بن محمّد بن الحجّاج الفارسي الورّاق (312-392 ه).

5 - النقيب أبو محمّد الحسن بن أحمد بن القاسم العلوي المحمّدي.

6 - أبو عليّ الحسن بن الحسين بن العبّاس البرداني (346-431 ه).

7 - الحسين بن إبراهيم بن علي بن عيسى، المعروف بابن الخيّاط القمّي.

8 - الحسين بن أحمد بن محمّد بن حبيب.

9 - أبو عبد اللّه الحسين بن عبد اللّه الحرمي.

10 - أبو عبد اللّه الحسين بن عبد اللّه البزّاز.

11 - أبو عبد اللّه الحسين بن عبيد اللّه بن إبراهيم البغدادي الغضائري، المتوفّى سنة (411 ه).

12 - أبو القاسم عبد الباقي بن يزداد بن عبد اللّه البزّاز.

13 - أبو أحمد عبد السلام بن الحسين بن محمّد البصري، المتوفّى سنة (405 ه).

14 - أبو طاهر عبد اللّه بن أحمد الخازن.

15 - ابو الحسن عليّ بن هبة اللّه بن عثمان بن أحمد بن إبراهيم بن رائقة الموصلي.

16 - القاضي أبو الفرج المعافى بن زكريا بن يحيى بن حميد بن حمّاد الجريري.

17 - أبو المفضّل محمّد بن عبد اللّه بن محمّد بن عبيد اللّه الشيباني (297 - 387 ه).

18 - أبو الحسين محمّد بن هارون بن موسى بن أحمد بن موسى التّلّعكبري.

19 - أخوه الذي يروي عن أحمد بن عليّ المعروف بابن البغدادي، و قد نقل

ص: 34

عنه في هذا الكتاب بعد وفاته حيث إنّه ترضّى عليه عند النقل عنه، كما في الحديث (24) من دلائل الإمام زين العابدين (عليه السلام).

الثاني: أن يرفع الحديث إلى رجل متقدّم عليه، و أمثلة ذلك كثيرة في هذا الكتاب، و طريقته هنا أن يسبق الرواية بقوله «روى» و يحتمل أنّه وجد الرواية في كتبهم أو وصلت الرواية إليه مسندة و أرسلها هو اختصارا، و من الرواة الذين رفع الحديث إليهم في هذا الكتاب:

1 - إبراهيم بن هاشم.

2 - أحمد بن إبراهيم.

3 - أحمد بن محمّد.

4 - أيّوب بن نوح.

5 - جميل بن درّاج.

6 - أبو حامد السندي.

7 - الحسن بن أبي حمزة.

8 - الحسن بن أحمد بن سلمة.

9 - الحسن بن عليّ الوشّاء.

10 - الحسين بن أبي العلاء.

11 - أبو أسامة زيد الشّحّام.

12 - سليمان بن خالد.

13 - عبّاد بن سليمان.

14 - العبّاس بن معروف.

15 - عبد اللّه بن حمّاد.

16 - عبد اللّه بن محمّد.

17 - عليّ بن أبي حمزة.

18 - أبو القاسم عليّ بن الحسن بن القاسم بن الطبّال.

19 - عمّار الساباطي.

ص: 35

20 - عمرو بن شمر.

21 - فضالة بن أيّوب.

22 - مالك الجهني.

23 - محمّد بن أحمد.

24 - محمّد بن الحسن.

25 - محمّد بن سعيد.

26 - محمّد بن عبد الجبّار.

27 - محمّد بن عبد اللّه العطّار.

28 - المعلّى بن محمّد البصري.

29 - هارون بن خارجة.

30 - الهيثم النهدي.

31 - أبو الحسين يحيى بن الحسن.

32 - يعقوب بن يزيد.

الثالث: أن يروي الرواية عن رجل متقدّم عليه بعنوان «قال» و ذلك عن الرجال الذين لم يلقهم، و منهم:

1 - الشيخ الصدوق أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسن بن بابويه القمّي، المتوفّى سنة (381 ه).

2 - أبو عبد اللّه محمّد بن أحمد الصفواني.

3 - أبو جعفر محمّد بن جرير الطبري الكبير.

و صاحب الدلائل يروي عن الشيخ الصدوق بواسطة أبي الحسن عليّ بن هبة اللّه، كما في الحديث (14) من دلائل الإمام الباقر (عليه السلام) و الحديث (15) من دلائل الإمام الصادق (عليه السلام) و الحديث (31) من دلائل الإمام صاحب الزمان (عليه السلام).

و يروي عنه أيضا بواسطة أبي الحسين محمّد بن هارون بن موسى التّلّعكبري، كما في الحديث (59) و الحديث (66) من دلائل فاطمة الزهراء (عليها السلام).

و يروي عنه أيضا بواسطة النقيب أبي محمد الحسن بن أحمد العلوي

ص: 36

المحمدي، كما في الحديث (19) من دلائل فاطمة الزهراء (عليها السلام).

أمّا أبو عبد اللّه محمّد بن أحمد الصفواني فيروي عنه بواسطة النقيب أبي محمّد الحسن بن أحمد العلوي المحمّدي كما في الأحاديث (62) و (63) و (64) من دلائل فاطمة الزهراء (عليها السلام).

و أمّا أبو جعفر محمّد بن جعفر الطبري الكبير فيروي عنه صاحب الدلائل بواسطة أبي الحسين محمّد بن هارون بن موسى التّلّعكبري عن أبيه هارون بن موسى، كما في الحديث (74) من دلائل صاحب الزمان (عليه السلام)، و رواية صاحب الدلائل عن سميه الكبير بواسطتين دليل آخر على معاصرة الكبير للشيخ الكليني، و لا يقدح في هذه المعاصرة كون صاحب الدلائل يروي عن الشيخ الكليني مرّة بواسطة واحدة كما في الحديث (98) من دلائل صاحب الزمان (عليه السلام)، و أخرى بثلاث وسائط كما في الحديث (31) من دلائل صاحب الزمان (عليه السلام)، و ذلك جائز بحسب عمر الراوي و المروي عنه، أو بحسب بعده أو قربه عنه.

عنوان الكتاب

من خلال استعراض المصادر التي نقلت عن هذا الكتاب يمكن الوقوف على خمسة عناوين مختلفة له، و هي:

1 - الإمامة: كذا عنونه السيّد هاشم البحراني المتوفّى سنة (1107 ه) و قد أكثر النقل عنه في (مدينة المعاجز) بهذا العنوان، فقال في أوّل الكتاب عند ذكر مصادره: «كتاب الإمامة لأبي جعفر محمّد بن جرير بن رستم الطبري الآملي»(1) و عند أوائل النقل عنه في المعجزة السابعة للإمام الحسن بن عليّ المجتبى (عليهما السلام) قال:

«أبو جعفر محمّد بن جرير الطبري في كتاب الإمامة و كلّ ما في هذا عنه فهو منه»(2).

ص: 37


1- مدينة المعاجز: 4.
2- المصدر: 203.

2 - دلائل الأئمّة: كذا عنونه الشيخ الطهراني و قال: «ينقل عنه كذلك في (الدمعة الساكبة) و غيره، و يأتي بعنوان (دلائل الإمامة)»(1).

3 - دلائل الإمامة: كذا عبّر عنه السيّد عليّ بن موسى بن طاوس في (اليقين)(2) و (فرج المهموم)(3) و (الأمان)(4) و (اللهوف)(5) و (إقبال الأعمال)(6) ، و كذلك عنونه العلاّمة المجلسي في (بحار الأنوار)(7) و الشيخ الطهراني في (الذريعة)(8).

4 - مسند فاطمة: نقل عنه السيّد هاشم البحراني عدّة أحاديث تحت هذا العنوان في (المحجّة فيما نزل في القائم الحجّة)(9) و الأحاديث التي نقلها تتّفق سندا و متنا مع دلائل الإمامة(10).

و في (الذريعة) للشيخ الطهراني، قال: استظهر سيّدنا أبو محمّد صدر الدين أنّه كتاب الدلائل لابن جرير الإمامي(11).

و يبدو أنّ السبب في هذه التسمية هو أنّ الأحاديث الستّة عشر التي يبدأ بها القسم المتبقّي من هذا الكتاب تنتهي جميعا بالإسناد إلى فاطمة الزهراء (سلام اللّه عليها)، و بما أنّ أسلوب المؤلّف في هذا الكتاب هو إفراد عنوان تندرج تحته مجموعة من الأحاديث، فلعلّه أدرج هذه الأحاديث الستّة عشر تحت عنوان (مسند فاطمة الزهراء (عليها السلام) فصار كأنّه عنوان الكتاب بعد أن سقط عنوانه و القسم الأوّل منه1.

ص: 38


1- الذريعة 239:8.
2- اليقين 50 /الباب 65، 66، 67.
3- فرج المهموم: 102 و 223-245.
4- الأمان: 66، 135.
5- اللهوف: 26.
6- إقبال الأعمال: 6.
7- بحار الأنوار 20:1.
8- الذريعة 1018/241:8.
9- المحجّة: 28-48.
10- انظر دلائل الإمام الحجّة (عجّل اللّه فرجه) - الحديث (130) و (131) و (132).
11- الذريعة 3790/28:21.

و الذي يشتمل على مقدّمة المصنّف و دلائل نبوّة الرسول الأكرم و إمامته (صلوات اللّه عليه و على آله) و دلائل إمامة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) و قسم من أوائل دلائل فاطمة الزهراء (سلام اللّه عليها)، و يبدو هذا جليّا من خلال السقط في إسناد الحديث الأوّل من هذا الكتاب، و من وجود نسخة تامّة لهذا الكتاب عند السيّد ابن طاوس المتوفّى سنة (664 ه) كما يتبيّن من مصنّفاته التي نقل فيها عن (دلائل الإمامة) و سيأتي بيانه.

5 - مناقب فاطمة و ولدها (عليهم السلام): ذكر الحرّ العاملي المتوفّى سنة (1104 ه) هذا الكتاب ضمن المصادر التي اعتمدها في كتابه (إثبات الهداة)(1) و التي كانت لديه و نسبه لمحمّد بن جرير الطبري، و الحقّ أنّه كتاب الدلائل الذي بين أيدينا، يؤيّد ذلك أنّ كلّ ما نقله عن (مناقب فاطمة و ولدها (عليهم السلام) في إثبات الهداة يتّحد بالسند و المتن مع هذا الكتاب، و يؤيّد ذلك أيضا أنّ ما نقله السيّد هاشم البحراني في (مدينة المعاجز) الباب الأول من معاجز أمير المؤمنين (عليه السلام) الحديث (106)(2) من كتاب (مناقب فاطمة (عليها السلام) متّحد مع الحديث (51) من دلائل فاطمة الزهراء (عليها السلام).

و نعتقد أنّ هذه التسمية لحقت الكتاب بعد ضياع نسخته التامّة، أي بعد عصر السيّد ابن طاوس المتوفّى سنة (664 ه) و بعد بقاء النسخة الناقصة التي تحتوي على مناقب فاطمة و ولدها (عليهم السلام).

و قد رجّحنا التسمية الثالثة (دلائل الإمامة) لتصريح السيد ابن طاوس بها، و لأنّه كان مطّلعا على نسخة الكتاب التامّة، و التي يحتمل أن يكون المصنّف قد سمّى كتابه في ديباجته.2.

ص: 39


1- إثبات الهداة 58:1.
2- مدينة المعاجز: 53، و انظر الذريعة 7322/332:22.

هذا الكتاب

يتعرّض فيه مصنّفه لدلائل و معجزات و تواريخ الأئمّة الهداة (عليهم السلام) و فضائل و معجزات سيّدة النساء فاطمة الزهراء (سلام اللّه عليها)، و الفرق بين هذا الكتاب و بين (نوادر المعجزات) لنفس المؤلّف هو أنّ الدلائل يشمل تواريخ و أحوال الأئمّة (عليهم السلام) إضافة إلى دلائلهم و كراماتهم بشكل مفصّل، أمّا (نوادر المعجزات) فقد أفرده - كما يدلّ عليه عنوانه - للنادر من معاجزهم (عليهم السلام) دون ذكر تواريخهم و أحوالهم المختلفة، و الذي ذكره المصنّف في مقدّمة (نوادر المعجزات) يوضّح ذلك بشكل جليّ، قال: «حاولت أن أؤلّف ممّا أظهروه من المعجزات، و أقاموه من الدلائل و البراهين، ممّا سمعته و قرأته، في كتاب مقصور على ذكر المعجزات و البراهين»

أمّا عن تاريخ تأليف هذا الكتاب فلم يصرّح مؤلّفه بذلك، و على العموم يمكن القول إنّه فرغ منه بعد سنة (411 ه) حيث قال في الحديث (128) من دلائل الإمام الحجّة (عجّل اللّه فرجه): «نقلت هذا الخبر من أصل بخطّ شيخنا أبي عبد اللّه الحسين الغضائري (رحمه اللّه)» و توفّي الغضائري سنة (411 ه) ممّا يدلّ على أنّ النقل عن الشيخ الغضائري بعد سنة (411 ه) و أنّ المصنّف لمّا يتمّ كتابه هذا إلاّ بعد هذا التاريخ.

ذكرنا في تسمية الكتاب أنّ هذه النسخة من (دلائل الإمامة) ناقصة، و كانت النسخة التامّة منه عند السيّد عليّ بن موسى بن طاوس المتوفّى سنة (664 ه) و بعد عصر السيّد ابن طاوس ضاعت تلك النسخة التامّة، كما ضاع عنّا كثير من الكتب التي كانت مصادر لمصنّفات السيّد ابن طاوس، و النسخة التي نقل عنها العلاّمة المجلسي في (بحار الأنوار) و كذا السيّد البحراني في (مدينة المعاجز) و غيرهم من المتأخّرين هي عين النسخة الناقصة التي وصلتنا، و يدلّ على هذا النقص ما يلي:

1 - من المشايخ الذين يروي صاحب الدلائل عنهم هو أبو طاهر عبد اللّه بن أحمد الخازن كما في الحديث (25) من دلائل الإمام زين العابدين (عليه السلام) و الحديث (32) من دلائل الإمام القائم (عليه السلام)، و يروي أبو طاهر في كلا الموضعين عن أبي بكر محمّد بن عمر بن سالم القاضي الجعابي المتوفّى سنة (355 ه) بينما يبدأ القسم

ص: 40

الذي بين أيدينا من الدلائل بقوله:

«أخبرنا القاضي أبو بكر محمّد بن عمر الجعابي» و الجعابي لم يكن من شيوخ صاحب الدلائل إذ لم يرو عنه في هذا الكتاب إلاّ بواسطة أبي طاهر، فبقرينة السندين المذكورين في الحديث (25) و الحديث (32) يكون السند هكذا «حدثني أبو طاهر عبد اللّه بن أحمد الخازن، قال: أخبرنا القاضي أبو بكر محمّد بن عمر الجعابي» فيظهر أنّ رواية صاحب الدلائل عن الجعابي بالواسطة في الموضعين المتقدّمين دليل على سقوط أوّل السند فيما وصل إلينا منه.

2 - إنّ النسخة التامّة التي كانت عند السيّد ابن طاوس المتوفّى سنة (664 ه) تحتوي على جملة مواضيع ليست في الكتاب الذي بين أيدينا ممّا يدلّ على سقوطها منه.

ففي (إقبال الأعمال) قال ابن طاوس: «و رأيت في المجلد الأوّل من دلائل الإمامة لمحمّد بن جرير بن رستم الطبري عند ذكره للإسراء بالنبي (صلّى اللّه عليه و آله) ما هذا لفظه: و لكن أخبركم بعلامات الساعة يشيخ الزمان و يكثر الذهب و تشحّ الأنفس و تعقم الأرحام و تقطع الأهلّة عن كثير من الناس»(1) و هذا يدلّ على أنّ الطبري قد ذكر دلائل نبوّة و إمامة الرسول الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) في هذا الكتاب بدلالة قول ابن طاوس: «عند ذكره للإسراء بالنبي (صلّى اللّه عليه و آله)».

و في الباب الخامس و الستين و السادس و الستين و السابع و الستين من كتاب (اليقين) قال ابن طاوس: «فيما نذكره من المجلّد الأوّل من كتاب الدلائل تأليف الشيخ الثقة أبي جعفر محمّد بن جرير الطبري بتقديم تسمية مولانا عليّ (عليه السلام) بأمير المؤمنين...»(2).

و قال أيضا في الحديث الثالث و العشرين من (فرج المهموم): «في احتجاج من قوله حجّة في العلوم على صحّة علم النجوم، و هو ما رويناه بإسنادنا عن الشيخ1.

ص: 41


1- إقبال الأعمال: 6.
2- اليقين: 50-51.

السعيد محمّد بن رستم بن جرير(1) الطبري الإمامي (رضوان اللّه عليه) في الجزء الثاني(2) من كتاب دلائل الإمامة...»(3).

و ما في (اليقين) و (فرج المهموم) يدلّ على أنّ في النسخة التامّة من الكتاب قد تعرّض المؤلف لدلائل و معجزات أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، و هي من القسم الذي سقط من الكتاب، و قد ألحقناها في أوّل الكتاب كمستدرك له، كما سقط من الكتاب مقدّمته و طرفا من دلائل فاطمة الزهراء (عليها السلام).

و ممّا يزيد الاطمئنان إلى أنّ الذي أضفناه في أوّل الكتاب من نقول السيد ابن طاوس هو من عين هذا الكتاب إضافة إلى تصريحه باسم الكتاب و المؤلف، فإنّ السيّد ابن طاوس نقل في كتبه أيضا عن القسم المتبقّي منه، و جميعه يتّحد سندا و متنا مع ما موجود في الدلائل الذي بين أيدينا، و إليك أمثلة من ذلك:

أولا: نقل في (فرج المهموم) من دلائل الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) عن دلائل الإمامة لأبي جعفر محمّد بن رستم(4) ، و هو موجود في هذه النسخة منه الحديث (20).

ثانيا: نقل في (اللهوف) ما يتعلق بدلائل سيّد الشهداء الحسين بن عليّ (عليه السلام)(5) ، و هو موجود في هذه النسخة منه الحديث (3)، و كذا في (فرج المهموم)(6) نقل من دلائله (عليه السلام) ما هو موجود في هذه النسخة الحديث(6).

ثالثا: نقل في (الأمان) من دلائل الإمام عليّ بن الحسين زين العابدين (عليه السلام)(7) ، و هو موجود في هذه النسخة منه الحديث (25)، و كذا في (فرج5.

ص: 42


1- سبقت الإشارة إلى مردّ هذا الاختلاف في اسم المؤلف و كنيته.
2- مراده الكراس الثاني، لأنّ الذي أورده هنا هو من القسم الأول من الكتاب الذي لم يصلنا.
3- فرج المهموم: 102.
4- فرج المهموم: 223.
5- اللهوف: 26.
6- فرج المهموم: 227.
7- الأمان: 135.

المهموم)(1) نقل من دلائله (عليه السلام) ما هو موجود في هذه النسخة الحديث (20).

رابعا: نقل في (الأمان) من دلائل الإمام محمّد بن عليّ الباقر (عليه السلام)(2) ، و هو موجود في هذه النسخة منه الحديث (26).

خامسا: نقل في (فرج المهموم) ما يتعلّق بدلائل الإمام أبي عبد اللّه الصادق (عليه السلام)(3) ، و هو موجود في هذه النسخة منه الحديث (20).

سادسا: نقل في (فرج المهموم) من دلائل الإمام أبي الحسن موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام)(4) ، و هو موجود في هذه النسخة منه الحديث (26) و الحديث (42).

سابعا: نقل في (فرج المهموم) من دلائل الإمام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام)(5) ، و هو موجود في هذه النسخة الحديث (11).

ثامنا: نقل في (فرج المهموم) من دلائل الإمام أبي جعفر الثاني (عليه السلام)(6) ، و هو موجود في هذه النسخة الحديث (7).

تاسعا: نقل في (فرج المهموم) من دلائل الإمام أبي الحسن الثالث (عليه السلام)(7) ، و هو موجود في هذه النسخة الحديث (15).

عاشرا: نقل في (إقبال الأعمال) تاريخ وفاة الإمام الحسن بن عليّ العسكري (عليه السلام)(8) ، و هو موجود في أوّل دلائله (عليه السلام) من هذا الكتاب.

حادي عشر: نقل في (فرج المهموم) من دلائل الإمام صاحب الزمان (عليه السلام)(9) ، و هو موجود في هذه النسخة الحديث (129).5.

ص: 43


1- فرج المهموم: 228.
2- الأمان: 66.
3- فرج المهموم: 229.
4- فرج المهموم: 230-231.
5- المصدر: 231.
6- المصدر: 232.
7- المصدر: 233.
8- إقبال الأعمال: 598.
9- فرج المهموم: 245.

فكلّ هذا يدلّ على أنّ الذي نقله السيّد ابن طاوس من أواسط الكتاب و أواخره يتّحد مع ما موجود في (دلائل الإمامة) الذي بين أيدينا سندا و متنا، و بالنتيجة فإنّ الذي نقله عنه من أوائله قد سقط من النسخة المتداولة في عصرنا(1).

منهج التحقيق

أ - النسخ المعتمدة: اعتمدنا في تحقيق هذا الكتاب على نسختين مخطوطتين و على مطبوعة له، و هي كما يلي:

1 - النسخة المودعة في المكتبة الرضوية بمشهد المقدّسة، رقمها (7655)، مجهولة التاريخ، أوّلها: «بسم اللّه الرحمن الرحيم، أخبرنا القاضي أبو بكر محمّد بن عمر الجعابي». و آخرها: «فذكر أصحاب القائم (عليه السلام)، فقال: ثلاثمائة و ثلاثة عشر، و كلّ واحد يرى نفسه في ثلاثمائة» و رمزنا لها ب «م».

2 - النسخة المودعة في مكتبة السيّد المرعشي (رحمه اللّه) بقمّ المشرّفة، رقمها (2974)، و كتبت بتاريخ 12 ربيع الثاني سنة 1319 ه على نسخة مكتوبة في شهر صفر من سنة 1092 ه، أوّلها: «القاضي أبو بكر محمّد بن عمر الجعابي». و آخرها: «تمّ المسند بعون اللّه (تعالى) و حسن توفيقه في سلخ شهر صفر المظفّر من شهور سنة 1092.

وجدت هذه النسخة الشريفة في خزانة كتب الحضرة المشرفة الغروية، و هي نسخة عتيقة جدّا بخطّ ضعيف سقيم. أحقر الكتّاب محمّد تقي البروجردي الحائري وفّق اللّه له. في مؤرّخة اثنا و عشر(2) من شهر ربيع الثاني سنة 1319» و رمزنا لها ب «ع».

3 - الكتاب المطبوع في المطبعة الحيدرية في النجف الأشرف سنة 1369 ه، و رمزنا له ب «ط».

ص: 44


1- للتوسّع في الاطلاع على المصنّف و الكتاب ينظر النابس في القرن الخامس: 153-157، نوابغ الرواة في رابعة المنات 250-253، الذريعة 241:8-247، أعيان الشيعة 199:9.
2- كذا.

ب - عملنا في الكتاب: تمّ العمل بهذا الكتاب وفق المراحل و الخطوات التالية:

1 - مقابلة الكتاب المطبوع من النسختين المخطوطتين و إثبات الصحيح في المتن مع الإشارة لاختلافات النسخ في الهامش، على أنّا قد أهملنا ذكر بعض الاختلافات لاعتقادنا بعدم أهميّتها.

2 - تخريج الأحاديث و الآثار من المصادر التي سبقت المؤلّف أو على الأقلّ المعاصرة له، و قد حرصنا على ذلك إلاّ في الموارد التي تعذّر علينا إيجادها إلاّ في المصادر التي نقلت عن المصنّف (رحمه اللّه).

3 - ترجمة الأعلام الواردة في الكتاب ترجمة موجزة جامعة باعتماد أهمّ المصادر المعتبرة في هذا الباب.

4 - تقويم نصّ الكتاب و ذلك بتخليصه ممّا ورد فيه من أخطاء النّسخ و الطباعة و هي كثيرة جدا إذا قيست بكتاب آخر، و المتصفّح للكتاب بعد تحقيقه يلمس ذلك بوضوح، و كذلك ضبط مفرداته و شرح ألفاظه الصعبة باعتماد أهمّ المعاجم اللغوية، مضافا إلى تصحيح أسانيده و رجاله بالاعتماد على ما تقدّم و يأتي من أسانيد نفس الكتاب، و المعاجم الرجالية المعتبرة.

5 - إلحاق المستدركات التي عثرنا عليها في كتب السيّد ابن طاوس في المحلّ المناسب لها من الكتاب، أي في أوّله، و قد أشرنا إلى تفصيل ذلك في وصف الكتاب من المقدّمة.

6 - إلحاق فهارس لمطالب الكتاب المختلفة تسهّل على الباحث الاستفادة منه.

شكر و تقدير

يسرّ قسم الدراسات الإسلامية لمؤسسة البعثة بعد الانتهاء من تحقيق الكتاب أن ينوّه بالثناء الجميل و الشكر الجزيل للإخوة الأفاضل العاملين في هذا القسم و الذين ساهموا في إخراج هذا الكتاب محقّقا، و نخصّ بالذكر منهم: الأخ علي موسى الكعبي، و الأخ صائب عبد الحميد، و الأخ شاكر شبع، و الأخ عصام البدري، و الأخ

ص: 45

كريم راضي الواسطي، و الشيخ أحمد الأهري، و السيّد عبد الحميد الرضوي، و السيد إسماعيل الموسوي، و الأخ عبد اللّه الخزاعي.

سائلين المولى القدير أن يمنّ بالتوفيق و السّداد على العاملين في خدمة تراث أهل البيت (عليهم السلام).

قسم الدراسات الإسلامية مؤسسة البعثة

ص: 46

صورة

صورة الصفحة الأولى من نسخة «م»

ص: 47

صورة

صورة الصفحة الأخيرة من نسخة «م»

ص: 48

صورة

صورة الصفحة الأولى من نسخة «ع»

ص: 49

صورة

صورة الصفحة الأخيرة من نسخة «ع»

ص: 50

المستدرك

اشارة

ص: 51

ص: 52

الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)

في تسميته بأمير المؤمنين

1 - (اليقين لابن طاوس): فيما نذكره من المجلّد الأوّل من كتاب (الدلائل) تأليف الشيخ الثقة أبي جعفر محمّد بن جرير الطبري، بتقديم تسمية مولانا عليّ (عليه السلام) بأمير المؤمنين، فقال ما هذا لفظه:

و أخبرني أبو عبد اللّه الحسين بن عبد اللّه البزّاز، قال: حدّثنا أبو الحسن عليّ ابن محمّد بن احمد بن لؤلؤ البزّاز، قال: حدّثنا أبو سهل احمد بن عبد اللّه بن زياد، قال:

حدّثني أبو العبّاس عيسى بن إسحاق، قال: سألت إبراهيم بن هراسة، عن عمرو ابن شمر(1) ، عن جابر الجعفي، قال: قال أبو جعفر محمّد بن عليّ (عليهما السلام): لو علم الناس متى سمّي عليّ أمير المؤمنين ما أنكروا ولايته.

قلت: رحمك اللّه، متّى سمّي عليّ أمير المؤمنين؟

قال: كان ربّك (عزّ و جلّ) حيث أخذ من بني آدم من ظهورهم ذرّيتهم و أشهدهم على أنفسهم أ لست بربّكم(2) و محمّد رسولي و عليّ أمير المؤمنين(3).

ص: 53


1- في المصدر: عمرو بن سمرة، تصحيف صحيحه ما أثبتناه من البحار، و عمرو بن شمر من أصحاب الصادق (عليه السلام)، روى عنه و عن جابر الجعفي. انظر معجم رجال الحديث 108:13.
2- تضمين من سورة الأعراف 172:7.
3- اليقين: 50، الباب الخامس و الستون، البحار 35/306:37.

2 - و عنه أيضا: فيما نذكره من كتاب (الدلائل) من الجزء الأوّل برواية أبي جعفر محمّد بن جرير الطبري، بما يقتضي أنّ عليّا (عليه السلام) كان يسمّى في حياة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أمير المؤمنين نذكره بلفظه لتعلموا أنّه رواية من رجالهم.

حدّثني القاضي أبو الفرج المعافى، قال: حدّثنا محمّد بن القاسم بن زكريّا المحاربي، قال: حدّثنا القاسم بن هشام بن يونس النّهشلي، قال(1): قال الحسن بن الحسين، قال: حدّثنا معاذ بن مسلم، عن عطاء(2) بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عامر(3) ، في(4) قول اللّه (عزّ و جلّ): إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ (5).

قال: اجتاز عبد اللّه بن سلاّم و رهط معه برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فقالوا: يا رسول اللّه، بيوتنا قاصية(6) و لا نجد متحدّثا دون المسجد، إنّ قومنا لمّا رأونا قد صدّقنا اللّه و رسوله و تركنا دينهم أظهروا لنا العداوة و البغضاء و أقسموا أن لا يخالطونا و لا يكلّمونا، فشقّ ذلك علينا.

فبينا هم يشكون إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) إذ نزلت هذه الآية: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ فلمّا قرأها عليهم قالوا: قد رضينا بما رضي اللّه و رسوله، و رضينا باللّه و رسوله و بالمؤمنين.

و أذّن بلال العصر، و خرج النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فدخل و الناس يصلّون ما بين راكع و ساجد و قائم و قاعد، و إذا مسكين يسأله(7) ، فقال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): هل أعطاكل.

ص: 54


1- (قال) أثبتناها من البحار.
2- في المصدر: عطارء، تصحيف، و ما أثبتناه من البحار.
3- في البحار: ابن عباس.
4- في المصدر: عن، و ما أثبتناه من البحار.
5- المائدة 55:5.
6- أي بعيدة.
7- في البحار: يسأل.

أحد شيئا؟

فقال: نعم.

قال(1): ما ذا؟

قال: خاتم فضّة.

قال: من أعطاك؟

قال: ذاك الرّجل القائم.

قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): على أيّ حال أعطاكه؟

قال: أعطانيه و هو راكع، فنظرنا فإذا هو أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)(2).

3 - و عنه أيضا: فيما نذكره من كتاب (الدلائل) لمحمّد بن جرير الطبري، في تسمية جبرئيل (عليه السلام) لمولانا عليّ (عليه السلام) في حياة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أمير المؤمنين و سيّد الوصيّين. فقال ما هذا لفظه:

حدّثنا أبو المفضّل(3) محمّد بن عبد اللّه، قال: حدّثنا عمران بن محسن بن محمّد ابن عمران بن طاوس مولى الصادق (عليه السلام)، قال: حدّثنا يونس بن زياد الحنّاط الكفربوتي(4) قال: حدّثنا الربيع بن كامل ابن عمّ الفضل بن الربيع، عن الفضل ابن الربيع: أنّ المنصور كان قبل الدولة كالمنقطع إلى جعفر بن محمّد (عليه السلام)، قال:

سألت جعفر بن محمّد بن عليّ (عليهم السلام) على عهد مروان الحمار عن سجدة الشكر التي سجدها أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه)، ما كان سببها؟

فحدّثني عن أبيه محمّد بن عليّ قال: حدّثني أبي عليّ بن الحسين، عن أبيه3.

ص: 55


1- (قال) أثبتناها من البحار.
2- اليقين: 51، الباب السادس و الستون، البحار 6/186:35.
3- في المصدر: أبو الفضل، و هو أبو المفضّل محمد بن عبد اللّه بن محمد الشيباني من شيوخ صاحب الدلائل، و مرّ بيانه في المقدّمة.
4- كذا في المصدر و الظاهر أنّه تصحيف (الكفرتوثي) نسبة إلى كفرتوثا: قرية من أعمال الجزيرة، و قرية من قرى فلسطين. أنظر أنساب السمعاني 82:5، مراصد الاطلاع 1169:3.

الحسين، عن ابيه(1) عليّ بن أبي طالب (عليهم السلام): أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) وجّهه في أمر من أموره فحسن فيه بلاؤه و عظم عناؤه، فلمّا قدم من وجهه ذلك أقبل إلى المسجد و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قد خرج يصلّي الصلاة، فصلّى معه، فلمّا انصرف من الصلاة أقبل على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فاعتنقه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، ثمّ سأله عن مسيره ذلك و ما صنع فيه، فجعل عَلِيٌّ (عليه السلام) يحدّثه و أسارير(2) رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) تلمع سرورا بما حدّثه.

فلمّا أتى (صلوات اللّه عليه) على حديثه. قال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): أ لا أبشّرك يا أبا الحسن؟

قال: فداك أبي و أمّي، فكم من خير بشّرت به.

قال: إنّ جبرئيل (عليه السلام) هبط عليّ في وقت الزوال فقال لي: يا محمّد، هذا ابن عمّك عليّ وارد عليك، و إنّ اللّه (عزّ و جلّ) أبلى المسلمين به بلاء حسنا، و إنّه كان من صنعه كذا و كذا، فحدّثني بما أنبأتني به، فقال لي:

يا محمّد، إنّه نجا من ذريّة آدم من تولّى شيت(3) بن آدم وصيّ أبيه آدم بشيت، و نجا شيت بأبيه آدم، و نجا آدم باللّه.

يا محمّد، و نجا من تولّى سام بن نوح وصيّ أبيه نوح بسام، و نجا سام بنوح، و نجا نوح باللّه.

يا محمّد، و نجا من تولّى إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن وصيّ أبيه إبراهيم بإسماعيل، و نجا إسماعيل بإبراهيم، و نجا إبراهيم باللّه.

يا محمّد، و نجا من تولّى يوشع بن نون وصيّ موسى بيوشع، و نجا يوشع بموسى، و نجا موسى باللّه.

يا محمّد، و نجا من تولّى شمعون الصفا وصيّ عيسى بشمعون، و نجا شمعونع.

ص: 56


1- (الحسين عن أبيه). أثبتناه من البحار.
2- الأسارير: محاسن الوجه، و تطلق على الخدّين و الوجنتين.
3- في البحار: شيث، في كلّ المواضع.

بعيسى، و نجا عيسى باللّه.

يا محمّد، و نجا من تولّى عليّا و زيرك في حياتك و وصيّك عند وفاتك بعليّ، و نجا عليّ بك، و نجوت أنت باللّه (عزّ و جلّ).

يا محمّد، إنّ اللّه جعلك سيّد الأنبياء، و جعل عليّا سيّد الأوصياء و خيرهم، و جعل الأئمّة من ذرّيّتكما إلى أن يرث الأرض و من عليها. فسجد عليّ (صلوات اللّه عليه)، و جعل يقبّل الأرض شكرا للّه (تعالى).

و إنّ اللّه (جلّ اسمه) خلق محمّدا و عليّا و فاطمة و الحسن و الحسين (عليهم السلام) أشباحا، يسبّحونه و يمجّدونه و يهلّلونه بين يدي عرشه قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام، فجعلهم نورا ينقلهم في ظهور الأخيار من الرجال و أرحام الخيّرات المطهّرات و المهذّبات من النساء من عصر إلى عصر.

فلمّا أراد اللّه (عزّ و جلّ) أن يبيّن لنا فضلهم و يعرّفنا منزلتهم و يوجب علينا حقّهم أخذ ذلك النور و قسّمه قسمين: جعل قسما في عبد اللّه بن عبد المطّلب فكان منه محمّد سيّد النبيّين و خاتم المرسلين و جعل فيه النبوّة، و جعل القسم الثاني في عبد مناف و هو أبو طالب بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف(1) فكان منه عليّ أمير المؤمنين و سيّد الوصيّين، و جعله رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) وليّه و وصيّه و خليفته، و زوج ابنته، و قاضي دينه، و كاشف كربته، و منجز وعده، و ناصر دينه(2).

من معجزاته (عليه السلام)

4 - (فرج المهموم لابن طاوس): في احتجاج من قوله حجّة في العلوم على صحّة علم النجوم و هو ما رويناه بإسنادنا عن الشيخ السعيد محمّد بن رستم بن جرير

ص: 57


1- في المصدر: و هو أبو طالب بن عبد مناف، و ما أثبتناه من البحار.
2- اليقين: 51، الباب السابع و الستون، البحار 22/26:35.

الطبري(1) الإمامي (رضوان اللّه عليه) في الجزء الثاني(2) من كتاب (دلائل الإمامة) قال:

أخبرني أبو عبد اللّه الحسين بن عبد اللّه الحرمي(3) و أبو الحسين محمّد بن هارون بن موسى بن أحمد التّلّعكبري، قالا: حدثنا أبو محمّد هارون بن موسى بن أحمد التّلّعكبري (رضي اللّه عنه)، قال: حدّثنا أبو الحسين محمّد بن أحمد بن مخزوم المقرئ مولى بني هاشم، قال: حدّثنا أحمد بن القاسم البريّ(4) ، قال: حدّثنا يحيى بن عبد الرحمن، عن عليّ بن صالح بن حيّ(5) الكوفي، عن زياد بن المنذر، عن قيس بن سعد، قال:

كنت أساير أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه) كثيرا إذا سار إلى وجه من الوجوه، فلمّا قصد أهل النّهروان و صرنا بالمدائن و كنت يومئذ مسايرا له، إذ خرج إلينا قوم من أهل المدائن من دهاقينهم(6) معهم براذين(7) قد جاءوا بها هديّة إليه فقبلها، و كان فيمن تلقّاه دهقان من دهاقين المدائن يدعى سرسفيل، و كانت الفرس تحكم برأيه فيما مضى(8) ، و ترجع إلى قوله فيما سلف، فلمّا بصر بأمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه)، قال: يا أمير المؤمنين، تناحست النجوم الطوالع، فنحس أصحاب السّعود و سعد أصحاب النّحوس، و لزم الحكيم في مثل هذا اليوم الاختفاء و الجلوس، و إنّ يومك هذا يوم مميت، قد اقترن فيه كوكبان قتّالان، و شرف فيه بهرام(9) في برج الميزان، و اتّقدت من برجك النيران،ة.

ص: 58


1- سبقت الإشارة إلى مردّ هذا الاختلاف في المقدمة في اسم المؤلف و كنيته، و قد عنونه السيد ابن طاوس في بقية الموارد من هذا الكتاب بمحمد بن جرير بن رستم الطبري.
2- مراده الكراس الثاني منه، لأنّ الذي أورده هنا هو من الجزء الأول من الكتاب الذي لم يصلنا.
3- في المصدر: الحربي، و هو الحسين بن عبد اللّه، أبو عبد اللّه الحرمي، ترجم له الشيخ الطهراني في نوابغ الرواة في رابعة المئات: 113.
4- كذا في المصدر، و الظاهر أنّه أحمد بن القاسم البزّي مقرئ أهل مكة. أنظر أنساب السمعاني 345:1، سير أعلام النبلاء 50:12.
5- في المصدر: علي بن حيّ بن صالح، و ما أثبتناه من البحار، و هو علي بن صالح بن صالح بن حيّ الهمداني الكوفي أبو محمد. أنظر تقريب التهذيب 38:2.
6- الدهاقين: جمع دهقان، بالكسر و الضمّ، و هو رئيس القرية أو الاقليم، و يطلق على التاجر أيضا.
7- البراذين: جمع برذون، يطلق على غير العربي من الخيل و البغال.
8- في المصدر: فيما يعني، و ما أثبتناه من البحار.
9- بهرام: المرّيخ، فارسية، و هو أحد الكواكب في المجموعة الشمسية.

و ليس لك الحرب بمكان.

فتبسّم أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه)، ثمّ قال: أيّها الدّهقان، المنبئ بالأخبار، و المحذّر من الأقدار، أ تدري ما نزل البارحة في آخر الميزان، و أيّ نجم حلّ في السّرطان(1) ؟

قال: سأنظر ذلك. و أخرج من كمّه أسطرلابا(2) و تقويما، فقال له أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه): أنت مسيّر الجاريات؟ قال: لا.

قال: أ فتقضي على الثابتات؟ قال: لا.

قال: فأخبرني عن طول الأسد(3) و تباعده عن المطالع(4) و المراجع؟ و ما الزّهرة(5) من التوابع و الجوامع؟ قال: لا علم لي بذلك.

قال: فما بين السّواري(6) إلى الدّراري، و ما بين الساعات إلى الفجرات(7) ، و كم قدر شعاع المدرات(8) ، و كم تحصيل(9) الفجر في الغدوات(10) ؟ قال: لا علم لي بذلك.

قال: هل علمت يا دهقان أنّ الملك اليوم انتقل من بيت إلى بيت في الصين،ل.

ص: 59


1- في المصدر: حلّ السرطان، و ما أثبتناه من البحار، و السّرطان: برج في السماء.
2- الأسطرلاب: جهاز استعمله المتقدّمون في تعيين ارتفاعات الأجرام السماوية و معرفة الوقت و الجهات الأصلية.
3- الأسد: أحد بروج السماء.
4- المطالع: جمع مطلع، بفتح اللام و كسرها، يطلق على مكان الطلوع و زمانه، و مطلع الشمس: مشرقها.
5- الزّهرة: أحد كواكب المجموعة الشمسية، ثاني كوكب في البعد عن الشمس، يقع بين عطارد و الأرض، و هو ألمع جرم سماوي باستثناء الشمس و القمر.
6- في البحار: السراري.
7- في البحار: المعجرات.
8- في البحار: المبدرات.
9- في البحار: تحصل.
10- قال العلامة المجلسي: يحتمل أن يكون المراد به زمان ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، فإنّ ذلك يختلف في الفصول.

و انقلب(1) برج ماجين، و احترقت دور بالزّنج(2) ، و طفح جبّ سرنديب(3) ، و تهدّم حصن الأندلس، و هاج نمل السّيح(4) ، و انهزم مرّاق الهند(5) ، و فقد ربّان اليهود بأيلة(6) ، و جذم بطريق(7) الروم برومية(8) ، و عمي راهب عمّوريّة(9) ، و سقطت شرّافات(10) القسطنطينية(11) ، أ فعالم أنت بهذه الحوادث، و ما الذي أحدثها شرقيّها أو غربيّها(12) من الفلك؟ قال: لا علم لي بذلك.

قال: فبأيّ الكواكب تقضي في أعلى القطب، و بأيّها تنحسّ من تنحسّ، قال:

لا علم لي بذلك.

قال: فهل علمت أنّه سعد اليوم اثنان و سبعون عالما في كلّ عالم سبعون عالما، منهم في البرّ، و منهم في البحر، و بعض في الجبال، و بعض في الغياض(13) ، و بعض فيّ.

ص: 60


1- في المصدر: و تغلّب، و ما أثبتناه من البحار.
2- الزّنج: من قرى نيسابور. مراصد الاطلاع 672:2.
3- سرنديب: هو الاسم القديم لجزيرة سيلان الواقعة جنوب الهند. و طفح جبّ سرنديب: أي امتلأ و ارتفع بئرها.
4- السّيح: واد باليمامة. مراصد الاطلاع 764:2.
5- في البحار: الهندي.
6- أيلة: مدينة على ساحل بحر القلزم - البحر الأحمر - مما يلي الشام. مراصد الاطلاع 138:1. و الرّبّان: رئيس الملاّحين.
7- البطريق: القائد من قادة الروم.
8- رومية: تطلق على مدينتين، إحداهما ببلاد الروم، و الأخرى بلد بالمدائن خرب، و المراد الأوّل. مراصد الاطلاع 642:2.
9- عمّورية: بلد ببلاد الروم. مراصد الاطلاع 963:2.
10- الشّرّافات: جمع شرّافة، زوائد توضع في أطراف الشيء تحلية له، و في البحار: الشّرفات، جمع شرفة، مثلّثات تبنى متقاربة في أعلى القصر أو السّور.
11- القسطنطينية: هي بيزنطا القديمة، عاصمة الامبراطورية البيزنطية، و هي اليوم في تركيا، و تسمى أيضا الآستانة. المنجد في الأعلام: 40.
12- في المصدر: شرقها و غربها، و ما أثبتناه من البحار، و علّق العلامة المجلسي على قوله: «و ما الذي أحدثها» أي بزعمك، و على قوله: «شرقيّها أو غربيّها» أي الكواكب.
13- الغياض: جمع غيضة، الأجمة، و الموضع الذي يكثر فيه الشجر و يلتفّ.

العمران فما الذي أسعدهم؟ قال: لا علم لي بذلك.

قال يا دهقان، أظنّك حكمت على اقتران المشتري(1) و زحل(2) لما استنارا لك في الغسق، و ظهر تلألؤ المرّيخ و تشريقه في السّحر، و قد سار فاتّصل جرمه بنجوم(3) تربيع القمر، و ذلك دليل على استخلاف(4) ألف ألف من البشر، كلّهم يولدون اليوم و الليلة، و يموت مثلهم و يموت هذا فإنّه منهم(5) - و أشار إلى جاسوس في عسكره لمعاوية - فلمّا قال ذلك ظنّ الرجل أنّه قال خذوه، فأخذه شيء في قلبه و تكسّرت نفسه في صدره فمات لوقته.

فقال (عليه السلام) للدّهقان: أ لم أرك عين التقدير(6) في غاية التصوير؟ قال: بلى يا أمير المؤمنين.

فقال: يا دهقان، أنا مخبرك أنّي و صحبي هؤلاء لا شرقيّون و لا غربيّون، إنّما نحن ناشئة القطب، و ما زعمت البارحة أنّه انقدح من برج الميزان فقد كان يجب أن تحكم معه لي، لأنّ نوره و ضياءه عندي، فلهبه ذاهب(7) عنّي.

يا دهقان: هذه قضية عيص(8) ، فاحسبها و ولدها إن كنت عالما بالأكوار و الأدوار، و لو علمت ذلك لعلمت أنّك تحصي عقود القصب في هذه الأجمة.

و مضى أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه)، فهزم أهل النّهروان و قتلهم فعاد بالغنيمة و الظّفر، فقال الدّهقان: ليس هذا العلم بأيدي أهل زماننا، هذا علم مادّته من السماء(9).8.

ص: 61


1- المشتري: أكبر الكواكب السيّارة.
2- زحل: أبعد الكواكب السيّارة في النظام الشمسي.
3- في البحار: بجرم.
4- في البحار: استحقاق.
5- (فإنّه منهم) أضفناها من البحار.
6- في البحار: غير التقدير، قال العلامة المجلسي: أي التغيّرات الناشئة من تقديرات اللّه (تعالى)، و عين التقدير: أي أصله.
7- في المصدر: ذهب، و ما أثبتناه من البحار.
8- العيص: الأجمة، أي الشجر الكثير الملتفّ، كأنّه كنّى بها عن تشابكها و صعوبتها، و العيص أيضا: الأصل، و قال في البحار: و في بعض النسخ «عويصة» أي صعبة شديدة.
9- فرج المهموم: 23/102، البحار 13/229:58.

ملحق:

و ممّا يلحق بهذا المستدرك الخبر الذي نقله العلامة المجلسي في البحار - الطبع الحجري 220:8 - قال:

أجاز لي بعض الأفاضل في مكّة - زاد اللّه شرفها - رواية هذا الخبر، و أخبرني أنّه أخرجه من الجزء الثاني من كتاب (دلائل الامامة) و هذه صورته:

حدّثنا أبو الحسين محمّد بن هارون بن موسى التّلّعكبري، قال: حدّثنا أبي رضي اللّه عنه، قال: حدّثنا أبو علي محمّد بن همّام، قال: حدثنا جعفر بن محمّد بن مالك الفزاري الكوفي، قال: حدّثني عبد الرحمن بن سنان الصيرفي، عن جعفر بن علي الحوار، عن الحسن بن مسكان، عن المفضّل بن عمر الجعفي، عن جابر الجعفي، عن سعيد بن المسيّب، قال: الخبر، و هو طويل يتضمّن ذكر واقعة الطفّ، و أثرها في أهل المدينة، و ورود عبد اللّه بن عمر بن الخطّاب دمشق صارخا، لاطما وجهه، شاقّا جيبه، معترضا على يزيد، محرّضا عليه، فأقنعه يزيد بأن أخرج إليه صحيفة تحتوي على عهد كتبه عمر بن الخطّاب - و قيل: عثمان بن عفّان - إلى معاوية بن أبي سفيان.

و قد أشرنا إلى هذا الخبر لكونه من الجزء المفقود من كتابنا هذا، تاركين التعرّض لتفاصيله، محيلين القارئ الكريم إلى مظانّه.

ص: 62

دلائل الامامة للمحدّث الشّيخ أبي جعفر محمّد بن جرير بن رستم الطّبريّ الصّغير من أعلام القرن الخامس الهجريّ تحقيق قسم الدّراسات الاسلاميّة مؤسّسة البعثة قم

ص: 63

ص: 64

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

فَاطِمَةُ الزَّهْرَاءِ (عَلَيْهَا السَّلاَمُ)

مُسْنَدُهَا

1/ 1 - أَخْبَرَنَا(1) الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْجِعَابِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ يَحْيَى بْنِ الْمُبَارَكِ الْيَزِيدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْخَلِيلُ بْنُ أَسَدٍ أَبُو الْأَسْوَدِ النُّوشْجَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا رُوَيْمُ بْنُ يَزِيدَ الْمِنْقَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَوَّارُ بْنُ مُصْعَبٍ الْهَمَدَانِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ:

جَاءَ رَجُلٌ إِلَى فَاطِمَةَ (عَلَيْهَا السَّلاَمُ) فَقَالَ: يَا ابْنَةَ رَسُولِ اللَّهِ، هَلْ تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) عِنْدَكَ شَيْئاً: تُطْرِفِينِيهِ(2).

فَقَالَتْ: يَا جَارِيَةُ، هَاتِ تِلْكَ الْحَرِيرَةَ.

ص: 65


1- (أخبرنا) ليس في «ع»، و قد سقطت هنا الواسطة بين الطّبريّ و الجعابيّ، و لعلّه: أبو طاهر عبد اللّه بن أحمد الخازن، كما سيأتي في الحديث (25) من دلائل الإمام زين العابدين (عليه السّلام) و الحديث (32) من دلائل الإمام صاحب الزّمان (عليه السّلام).
2- في «م، ع»: فطوقنيه. تطرفينيه: أَيْ تتحفيني به. «أنظر المعجم الوسيط - طرف - 555:2».

فَطَلَبَتْهَا فَلَمْ تَجِدْهَا، فَقَالَتْ: وَيْحَكِ اطْلُبِيهَا، فَإِنَّهَا تَعْدِلُ عِنْدِي حَسَناً وَ حُسَيْناً.

فَطَلَبَتْهَا فَإِذَا هِيَ قَدْ قَمَمَتْهَا(1) فِي قُمَامَتِهَا، فَإِذَا فِيهَا:

قَالَ مُحَمَّدٌ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): «لَيْسَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ لَمْ يَأْمَنْ جَارُهُ بَوَائِقَهُ(2) ، وَ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ فَلاَ يُؤْذِي جَارَهُ، وَ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أَوْ يَسْكُتْ.

إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْخَيِّرَ(3) الْحَلِيمَ الْمُتَعَفِّفَ، وَ يُبْغِضُ الْفَاحِشَ الضَّنِينَ السَّئَّالَ الْمُلْحِفَ.

إِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الْإِيمَانِ وَ الْإِيمَانُ فِي الْجَنَّةِ، وَ إِنَّ الْفُحْشَ مِنَ الْبَذَاءِ، وَ الْبَذَاءُ فِي النَّارِ»(4).

2/ 2 - وَ حَدَّثَنِي أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ التَّلَّعُكْبَرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، [عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ](5) قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ الْبَزَنْطِيِّ، عَنْ رَوْحِ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ هَارُونَ بْنِ خَارِجَةَ، رَفَعَهُ، عَنْ فَاطِمَةَ (عَلَيْهَا السَّلاَمُ)، قَالَتْ:

أَصَابَ النَّاسَ زَلْزَلَةٌ عَلَى عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ، فَفَزِعَ النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَ عُمَرَ، فَوَجَدُوهُمَا قَدْ خَرَجَا فَزِعَيْنِ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، فَتَبِعَهُمَا النَّاسُ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى بَابِ عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ عَلِيٌّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) غَيْرَ مُكْتَرِثٍ لِمَا هُمْ فِيهِ، فَمَضَى وَ اتَّبَعَهُ النَّاسُ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى تَلْعَةٍ(6) ، فَقَعَدَ عَلَيْهَا وَ قَعَدُوا حَوْلَهُ، وَ هُمْ يَنْظُرُونَ».

ص: 66


1- قم الشّيء: كنسه، و القمامة: الكناسة «لسان العرب - قمم - 493:12».
2- أيّ غوائله و شرّه، أو ظلمه و غشمه «لسان العرب - بوق - 30:10».
3- في «ع»: الخبير.
4- روى قطعة منه في الزّهد: 10/6 و: 20/10 و الكافي 6/489:2 و البخاريّ في صحيحه 48/19:8 و مسلم في صحيحه 75/68:1 و 77 و البغويّ في مصابيح السّنّة 169:3 نحوه.
5- (قال: حدّثنا أحمد بن محمّد) ليس في «ع»، و ما بين المعقوفتين أضفناه من علل الشّرائع، و رجال الشّيخ: 28/520 و معجم رجال الحديث 323:2 و 327 و 273:14 و 26:15 و 52.
6- التّلعة: أرض مرتفعة غليظة «العين - تلع - 71:2».

إِلَى حِيطَانِ الْمَدِينَةِ تَرْتَجُّ جَائِيَةً وَ ذَاهِبَةً.

فَقَالَ لَهُمْ عَلِيٌّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): كَأَنَّكُمْ قَدْ هَالَكُمْ مَا تَرَوْنَ؟

قَالُوا: وَ كَيْفَ لاَ يَهُولُنَا وَ لَمْ نَرَ مِثْلَهَا قَطُّ؟

قَالَتْ (عَلَيْهَا السَّلاَمُ): فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ، ثُمَّ ضَرَبَ الْأَرْضَ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: مَا لَكِ؟ اسْكُنِي.

فَسَكَنَتْ، فَعَجِبُوا مِنْ ذَلِكَ أَكْثَرَ مِنْ تَعَجُّبُهِمِ أَوَّلاً حَيْثُ خَرَجَ إِلَيْهِمْ. قَالَ لَهُمْ: إِنَّكُمْ قَدْ عَجِبْتُمْ مِنْ صَنِيعِي؟! قَالُوا: نَعَمْ.

قَالَ: أَنَا الرَّجُلُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها * وَ أَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها * وَ قالَ الْإِنْسانُ ما لَها فَأَنَا الْإِنْسَانُ الَّذِي أَقُولُ لَهَا:

مَا لَهَا يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها (1) إِيَّايَ تُحَدِّثُ(2).

3/ 3 - وَ حَدَّثَنِي الْقَاضِي أَبُو الْفَرَجِ الْمُعَافَى، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ:

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ [بْنِ مُوسَى] بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَمَّيْ أَبِيهِ: الْحُسَيْنِ وَ عَلِيٍّ ابْنَيْ مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ(3) ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ) قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): أَ لاَ أُبَشِّرُكِ؟! إِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُتْحِفَ زَوْجَةَ وَلِيِّهِ فِي الْجَنَّةِ بَعَثَ إِلَيْكِ، تَبْعَثِينَ إِلَيْهَا مِنْ حُلِيِّكِ(4).

4/ 4 - وَ حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَبِيبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ شَاذَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زَكَرِيَّا بْنِ يَحْيَى بْنِ عَاصِمِ بْنِ زُفَرَ الْبَصْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَمْرٍو الدَّبَّاغُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الْأَسَدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْجَارُودِ، قَالَ: حَدَّثَنَا3.

ص: 67


1- الزّلزلة 1:99-4.
2- علل الشّرائع: 8/556، مناقب ابن شهرآشوب 324:2 «قطعه».
3- في «ع، م» محمّد بن إسماعيل بن إبراهيم بن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن عمّه زيد (ع: يزيد) بن عليّ، عن أبيهما، عن عليّ بن الحسين، و لا يخلو من سقط و تصحيف، و صححناه وفقا للحديث السّابع، و معجم رجال الحديث 93:15 و 107.
4- البحار 80:43.

أَبُو الْجَحَّافِ(1) ، عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ عَلِيٍّ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ (عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ)، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لِعَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): أَمَا إِنَّكَ - يَا ابْنَ أَبِي طَالِبٍ - وَ شِيعَتُكَ فِي الْجَنَّةِ(2).

5/ 5 - وَ عَنْهُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ شَاذَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْبَصْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو عُمَرَ الطَّحَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ، قَالَ:

حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ الطُّفَيْلِ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ فَاطِمَةَ ابْنَةِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):

أَنَّهَا دَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَبَسَطَ ثَوْباً فَقَالَ: اجْلِسِي عَلَيْهِ.

ثُمَّ دَخَلَ الْحَسَنُ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) فَقَالَ: اجْلِسْ مَعَهَا.

ثُمَّ دَخَلَ الْحُسَيْنُ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) فَقَالَ: اجْلِسْ مَعَهُمَا.

ثُمَّ دَخَلَ عَلِيٌّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) فَقَالَ: اجْلِسْ مَعَهُمْ.

ثُمَّ أَخَذَ بِمَجَامِعِ الثَّوْبِ فَضَمَّهُ عَلَيْنَا، ثُمَّ قَالَ:

اللَّهُمَّ هُمْ مِنِّي وَ أَنَا مِنْهُمْ، اللَّهُمَّ أَرْضِ عَنْهُمْ كَمَا أَنِّي عَنْهُمْ رَاضٍ(3).

6/ 6 - وَ أَخْبَرَنِي الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الطَّبَرِيُّ، قَالَ:

حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ عَبَّادِ بْنِ حَاتِمٍ التَّمَّارُ بِالْبَصْرَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ فَهْدِ بْنِ حَكِيمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ كَاسِبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ الرَّافِعِيُّ(4) ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): أَنَّهَا أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بِالْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ)2.

ص: 68


1- في «ط، ع، م»: أبو الحجابي، تصحيف صوابه ما في المتن، و هو أبو الجحاف داود بن أبي عوف، روى هذا الحديث عن محمّد بن عمرو بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب الهاشميّ، عن زينب، انظر مسند أبي يعلى 12: 11/116. و روى عنه أبو الجارود زياد بن المنذر، انظر تهذيب الكمال 435:8.
2- كشف الغمّة 137:1.
3- رواه أبو بكر الهيثمي في مجمع الزّوائد 169:9 من طريق الطّبرانيّ في الأوسط، و أخرجه في منتخب كنز العمّال المطبوع بهامش مسند أحمد 96:5 نحوه، ينابيع المودّة: 259.
4- هذه النّسبة إلى الجدّ، فهو: إبراهيم بن عليّ بن الحسن بن عليّ بن أبي رافع الرّافعيّ المدنيّ، روى عن أبيه، و روى عنه يعقوب بن حميد، انظر رجال الشّيخ الطّوسيّ: 65/146، و تهذيب الكمال 155:2.

فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ إِنَّ هَذَيْنِ لَمْ تُوْرِثْهُمَا شَيْئاً.

قَالَ: أَمَّا الْحَسَنُ فَلَهُ هَيْبَتِي وَ سُؤْدُدِي، وَ أَمَّا الْحُسَيْنُ فَلَهُ جُرْأَتِي وَ جُودِي(1).

7/ 7 - وَ حَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو الْفَرَجِ الْمُعَافَى، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ أَبُو أَحْمَدَ الْكُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُقْرِئُ، صَاحِبُ الْكِسَائِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمَّا أَبِي: الْحُسَيْنُ وَ عَلِيٌّ ابْنَا مُوسَى، عَنْ أَبِيهِمَا، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ ابْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنْ فَاطِمَةَ (عَلَيْهِمْ السَّلاَمُ) قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):

يَا حَبِيبَةَ أَبِيهَا، كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَ كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ(2).

8/ 8 - وَ أَخْبَرَنِي الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الطَّبَرِيُّ، قَالَ:

أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْكُوفِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَكَمِ الْحِبَرِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ صَبِيحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُسَاوِرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَزَوَّرِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ(3) أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، رَفَعَ الْحَدِيثَ إِلَى فَاطِمَةَ (عَلَيْهَا السَّلاَمُ) قَالَتْ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَقُلْتُ: السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا أَبَهْ. فَقَالَ: وَ عَلَيْكَ السَّلاَمُ يَا بُنَيَّةِ.

قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَ اللَّهِ، مَا أَصْبَحَ - يَا نَبِيَّ اللَّهِ - فِي بَيْتِ عَلِيٍّ حَبَّةُ طَعَامٍ، وَ لاَ دَخَلَ بَيْنَ شَفَتَيْهِ طَعَامٌ مُنْذُ خَمْسٍ، وَ لاَ أَصْبَحَتْ لَهُ ثَاغِيَةٌ وَ لاَ رَاغِيَةٌ(4) ، وَ لاَ أَصْبَحَ فِي بَيْتِهِ سُفَّةٌ2.

ص: 69


1- الخصال: 122/77، إرشاد المفيد: 187، ألقاب الرّسول و عترته: 247 نحوه، روضة الواعظين: 156، اعلام الورى: 211، أسد الغابة 467:5، كشف الغمّة 516:1، المستجاد من كتاب الارشاد: 432.
2- الكافي 3/408:6، كنز العمّال 14762/511:5 عن ابن عمر «نحوه».
3- (بن) ليس في «ع»، و في أمالي الصّدوق لم يذكر (الخدريّ) و في أمالي الطّوسيّ: عن القاسم، عن أبي سعد، و لعلّه القاسم بن عوف الشّيبانيّ الّذي يروي عنه ابن الحزوّر، و يروي هو عن جماعة من الصّحابة و التّابعين. انظر تهذيب التّهذيب 296:7 و 326:8.
4- الثاغية: الشّاة و الراغية: النّاقة، أيّ ما له شيء، و هو مثل. انظر مجمع الأمثال 284:2 و المستقصى في أمثال العرب 330:2.

وَ لاَ هُفَّةٌ(1).

فَقَالَ لَهَا: ادْنِي مِنِّي. فَدِنْتُ مِنْهُ، فَقَالَ لَهَا: أَدْخِلِي يَدَكِ بَيْنَ ظَهْرِي وَ ثَوْبِي. فَإِذَا هِيَ بِحَجَرٍ بَيْنَ كَتِفَيِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) مَرْبُوطٍ بِعِمَامَتِهِ إِلَى صَدْرِهِ، فَصَاحَتْ فَاطِمَةُ (عَلَيْهَا السَّلاَمُ) صَيْحَةً شَدِيدَةً، وَ قَالَ: مَا أُوقِدَتْ فِي بُيُوتِ(2) آلِ مُحَمَّدٍ نَارٌ مُنْذُ شَهْرٍ.

ثُمَّ قَالَ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): أَ تَدْرِينَ مَا مَنْزِلَةُ عَلِيٍّ؟ كَفَانِي أَمْرِي وَ هُوَ ابْنُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وَ ضَرَبَ بَيْنَ يَدَيَّ بِالسَّيْفِ وَ هُوَ ابْنُ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً، وَ قَتَلَ الْأَبْطَالَ وَ هُوَ ابْنُ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَ فَرَّجَ هُمُومِي وَ هُوَ ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً، وَ رَفَعَ بَابَ خَيْبَرَ وَ هُوَ ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً(3) وَ كَانَ لاَ(4) يَرْفَعُهُ خَمْسُونَ رَجُلاً.

فَأَشْرَقَ لَوْنُ فَاطِمَةَ، وَ لَمْ تَقَرَّ قَدَمَاهَا مَكَانَهَا حَتَّى أَتَتْ عَلِيّاً، فَإِذَا الْبَيْتُ قَدْ أَنَارَ لِنُورِ(5) وَجْهِهَا، فَقَالَ لَهَا عَلِيٌّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): يَا ابْنَةَ مُحَمَّدٍ، لَقَدْ خَرَجْتِ مِنْ عِنْدِي وَ وَجْهُكِ عَلَى غَيْرِ هَذِهِ الْحَالِ!

فَقَالَتْ: إِنَّ النَّبِيَّ حَدَّثَنِي بِفَضْلِكَ، فَمَا تَمَالَكْتُ حَتَّى جِئْتُكَ.

فَقَالَ لَهَا: كَيْفَ لَوْ حَدَّثَكِ(6) بِكُلِّ فَضْلِي؟!(7).

9/ 9 - وَ حَدَّثَنَا أَبُو الْمُفَضَّلِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْقِلٍ الْعِجْلِيُّ الْقَرْمِيسِينِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ بِنْتِ إِلْيَاسَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُوسَى الرِّضَا(8) ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ5.

ص: 70


1- السُّفَّةُ: ما ينسج من الخوص كالزبيل، و الهفة: السّحاب الّذي لا ماء فيه. أيّ لا مشروب في بيتك و لا مأكول، النّهاية 267:5.
2- (بيوت) ليس في «م، ع».
3- في «ط»: نيّف و عشرين.
4- (لا) ليس في «م».
5- في «ط» بنور.
6- في «م، ع»: و لو حدّثتك.
7- أمالي الصّدوق: 13/326 و أمالي الطّوسيّ 54:2 قطعة منه.
8- (قال حدّثني محمّد بن الحسن... الرّضا) ليس في «ط، م»، انظر رجال النّجاشيّ: 39، معجم رجال الحديث 34:5.

جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِيهِ الْحُسَيْنِ، عَنْ أُمِّهِ فَاطِمَةَ (عَلَيْهِمْ السَّلاَمُ)، قَالَتْ: قَالَ لِي أَبِي رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):

إِيَّاكَ وَ الْبُخْلَ، فَإِنَّهُ عَاهَةٌ لاَ تَكُونُ فِي كَرِيمٍ، إِيَّاكَ وَ الْبُخْلَ فَإِنَّهُ شَجَرَةٌ فِي النَّارِ، وَ أَغْصَانُهَا فِي الدُّنْيَا، فَمَنْ تَعَلَّقَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا أَدْخَلَهُ النَّارَ، وَ السَّخَاءُ شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَ أَغْصَانُهَا فِي الدُّنْيَا(1) فَمَنْ تَعَلَّقَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ(2).

10/ 10 - وَ حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ بْنِ مُوسَى التَّلَّعُكْبَرِيُّ، قَالَ:

أَخْبَرَنِي أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُوسَى بْنِ بَابَوَيْهِ الْقُمِّيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَطَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو قُتَيْبَةَ(3) ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَصْبَغُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ رَاشِدٍ(4) ، عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ آبَائِهِ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) يَقُولُ:

إِنَّ فِي الْجُمُعَةِ لَسَاعَةً لاَ يُوَافِقُهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيهَا خَيْراً إِلاَّ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ.

قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ سَاعَةٍ هِيَ؟

قَالَ: إِذَا تَدَلَّى نِصْفُ عَيْنِ الشَّمْسِ لِلْغُرُوبِ.

قَالَ: وَ كَانَتْ فَاطِمَةُ (عَلَيْهَا السَّلاَمُ) تَقُولُ لِغُلاَمِهَا: اصْعَدْ عَلَى السَّطْحِ، فَإِنْ رَأَيْتَ نِصْفَ عَيْنِ الشَّمْسِ قَدْ تَدَلَّى لِلْغُرُوبِ فَأَعْلِمْنِي حَتَّى أَدْعُوَ(5).9.

ص: 71


1- (و أغصانها في الدنيا) ليس في «ع، م».
2- قرب الاسناد: 55 «نحوه».
3- هو سلم بن قتيبة الشعيري، روى عن الأصبغ بن زيد بن علي الجهني، و روى عنه أبو سعيد يحيى بن حكيم المقوّمي، انظر تهذيب الكمال 301:3 و 232:11.
4- في «ط، م، ع»: نافع، و في المعاني: رافع. و ما في المتن هو الصواب، روى عنه الأصبغ، انظر تهذيب الكمال 301:3، و اشار لهذا الحديث في لسان الميزان 28:3 عن مسند إسحاق.
5- معاني الأخبار: 59/399.

11/ 11 - حَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الطَّبَرِيُّ فِي الْجُزْءِ الْخَامِسِ مِنْ (مَقَاتِلٍ آلِ أَبِي طَالِبٍ) وَ نَحْنُ نَقْرَأُهُ عَلَيْهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْفَرَجِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَصْبَهَانِيُّ الْكَاتِبُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ)، قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي(1) الْعُطُوسِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ رَبِّهِ - يَعْنِي ابْنَ(2) عَلْقَمَةَ - عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ الَّذِي أَفْلَتَ مِنَ الثَّمَانِيَةِ، قَالَ:

لَمَّا أُدْخِلْنَا الْحَبْسَ قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا مِنْ سَخَطٍ مِنْكَ عَلَيْنَا فَاشْدُدْ حَتَّى تَرْضَى.

فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ: مَا هَذَا، يَرْحَمُكَ اللَّهُ؟!

ثُمَّ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ فَاطِمَةَ الصُّغْرَى، عَنْ أَبِيهَا(3) ، عَنْ جَدَّتِهَا فَاطِمَةَ الْكُبْرَى بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ:

يُدْفَنُ مِنْ وُلْدِي سَبْعَةٌ بِشَاطِئِ الْفُرَاتِ، لَمْ يَسْبِقْهُمُ الْأَوَّلُونَ، وَ لَمْ يُدْرِكْهُمُ الْآخَرُونَ.

فَقُلْتُ: نَحْنُ ثَمَانِيَةٌ! قَالَ: هَكَذَا سَمِعْتُ.

قَالَ: فَلَمَّا فَتَحُوا الْبَابَ وَجَدُوهُمْ مَوْتَى، وَ أَصَابُونِي وَ بِي رَمَقٌ، فَسَقَوْنِي مَاءً وَ أَخْرَجُونِي فَعِشْتُ(4).

12/ 12 - حَدَّثَنِي أَبُو الْمُفَضَّلِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرُ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْعَلَوِيُّ الْحَسَنِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ1.

ص: 72


1- (أبي. ليس في المقاتل.
2- زاد في «ط، م»: أبي، و الصّواب ما في المتن، ترجم له في الجرح و التعديل 43:6 و ذكر روايته عن يحيى بن عبد اللّه بن الحسن، و رواية ابن أبي ليلى عنه.
3- (عن أبيها) ليس في «ع».
4- مقاتل الطّالبيّين: 131.

الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أُمِّهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ (عَلَيْهِمْ السَّلاَمُ) قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): يَا فَاطِمَةُ، أَ لاَ أُعَلِّمُكِ دُعَاءً لاَ يَدْعُو بِهِ أَحَدٌ إِلاَّ اسْتُجِيبَ لَهُ، وَ لاَ يَحِيكُ(1) فِي صَاحِبِهِ سَمٌّ وَ لاَ سِحْرٌ، وَ لاَ يَعْرِضُ لَهُ شَيْطَانٌ بِسُوءٍ، وَ لاَ تُرَدَّ لَهُ دَعْوَةٌ، وَ تُقْضَى حَوَائِجُهُ كُلُّهَا، الَّتِي يُرَغَّبُ إِلَى اللَّهِ فِيهَا عَاجَلَهَا وَ آجِلَهَا؟

قُلْتُ: أَجَلْ يَا أَبَهْ، لِهَذَا وَ اللَّهِ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا وَ مَا فِيهَا. قَالَ: تَقُولِينَ:

يَا اللَّهُ، يَا أَعَزَّ مَذْكُورٍ وَ أَقْدَمَهُ قِدَماً فِي الْعِزَّةِ وَ الْجَبَرُوتِ، يَا اللَّهُ، يَا رَحِيمَ كُلِّ مُسْتَرْحِمٍ، وَ مَفْزَعَ كُلِّ مَلْهُوفٍ، يَا اللَّهُ، يَا رَاحِمَ كُلِّ حَزِينٍ يَشْكُو بَثَّهُ وَ حُزْنَهُ إِلَيْهِ، يَا اللَّهُ، يَا خَيْرَ مَنْ طُلِبَ الْمَعْرُوفُ مِنْهُ وَ أَسْرَعَهُ إِعْطَاءً، يَا اللَّهُ، يَا مَنْ تَخَافُ الْمَلاَئِكَةُ الْمُتَوَقِّدَةُ بِالنُّورِ مِنْهُ، أَسْأَلُكَ بِالْأَسْمَاءِ الَّتِي يَدْعُوكَ بِهَا حَمَلَةُ عَرْشِكَ وَ مَنْ حَوْلَ عَرْشِكَ، يُسَبِّحُونَ بِهَا شَفَقَةً مِنْ خَوْفِ عَذَابِكَ؛ وَ بِالْأَسْمَاءِ الَّتِي يَدْعُوكَ بِهَا جَبْرَئِيلُ وَ مِيكَائِيلُ وَ إِسْرَافِيلُ إِلاَّ أَجَبْتَنِي وَ كَشَفْتَ يَا إِلَهِي كُرْبَتِي، وَ سَتَرْتَ ذُنُوبِي.

يَا مَنْ يَأْمُرُ بِالصَّيْحَةِ فِي خَلْقِهِ فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ [يُحْشَرُونَ](2) ، أَسْأَلُكَ بِذَلِكَ الاِسْمِ الَّذِي تُحْيِي بِهِ الْعِظَامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ، أَنْ تُحْيِيَ قَلْبِي، وَ تَشْرَحَ صَدْرِي، وَ تُصْلِحَ شَأْنِي.

يَا مَنْ خَصَّ نَفْسَهُ بِالْبَقَاءِ، وَ خَلَقَ لِبَرِيَّتِهِ الْمَوْتَ وَ الْحَيَاةَ، يَا مَنْ فِعْلُهُ قَوْلٌ، وَ قَوْلُهُ أَمْرٌ، وَ أَمْرُهُ مَاضٍ عَلَى مَا يَشَاءُ.

أَسْأَلُكَ بِالاِسْمِ الَّذِي دَعَاكَ بِهِ خَلِيلُكَ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ، فَاسْتَجَبْتَ لَهُ وَ قُلْتَ:

يا نارُ كُونِي بَرْداً وَ سَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ (3) وَ بِالاِسْمِ الَّذِي دَعَاكَ بِهِ مُوسَى مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ فَاسْتَجَبْتَ لَهُ دُعَاءَهُ.

وَ بِالاِسْمِ الَّذِي كَشَفْتَ بِهِ عَنْ أَيُّوبَ الضُّرَّ، وَ تُبْتَ بِهِ عَلَى دَاوُدَ، وَ سَخَّرْتَ بِهِ1.

ص: 73


1- لا يحيك: لا يؤثر «النّهاية 470:1».
2- ما بين المعقوفتين من مهج الدّعوات. و السّاهرة: أرض يجدّدها اللّه يوم القيامة. «لسان العرب - سهر - 383:4».
3- الأنبياء 69:21.

لِسُلَيْمَانَ الرِّيحُ تَجْرِي بِأَمْرِهِ وَ الشَّيَاطِينُ، وَ عَلَّمْتَهُ مَنْطِقَ الطَّيْرِ.

وَ بِالاِسْمِ الَّذِي وَهَبْتَ بِهِ لِزَكَرِيَّا يَحْيَى، وَ خَلَقْتَ عِيسَى مِنْ رُوحِ الْقُدُسِ مِنْ غَيْرِ أَبٍ(1).

وَ بِالاِسْمِ الَّذِي خَلَقْتَ بِهِ الْعَرْشَ وَ الْكُرْسِيَّ.

وَ بِالاِسْمِ الَّذِي خَلَقْتَ بِهِ الرُّوحَانِيِّينَ.

وَ بِالاِسْمِ الَّذِي خَلَقْتَ بِهِ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ.

وَ بِالاِسْمِ الَّذِي خَلَقْتَ بِهِ جَمِيعَ الْخَلْقِ وَ جَمِيعَ مَا أَرَدْتَ مِنْ شَيْ ءٍ.

وَ بِالاِسْمِ الَّذِي قَدَرْتَ بِهِ عَلَى كُلِّ شَيْ ءٍ.

أَسْأَلُكَ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ لَمَّا أَعْطَيْتَنِي سُؤْلِي(2) ، وَ قَضَيْتَ بِهَا حَوَائِجِي.

فَإِنَّهُ يُقَالُ لَكِ: يَا فَاطِمَةُ، نَعَمْ نَعَمْ(3).

13/ 13 - وَ حَدَّثَنِي أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ بْنِ مُوسَى، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُوسَى بْنِ بَابَوَيْهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْقَزْوِينِيُّ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ مَقْبُرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِيُّ، قَالَ:

حَدَّثَنَا جَنْدَلُ بْنُ وَالِقٍ(4) ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْمَازِنِيُّ(5) ، عَنْ عَبَّادٍ الْكَلْبِيِّ(6) ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ فَاطِمَةَ الصُّغْرَى، عَنِ الْحُسَيْنِ).

ص: 74


1- (من غير أب) ليس في «ع».
2- في «م»: سؤالي.
3- مهج الدّعوات: 139.
4- في «ط»: وابق، و في «ع»: وامق، كلاهما تصحيف، ترجم له في تهذيب الكمال 150:5، و ذكر روايته عن محمّد بن عمر المازنيّ، و رواية محمّد بن عبد اللّه بن سليمان الحضرميّ المعروف بمطين الكوفيّ عنه.
5- في «ط، ع، م»: الملدي، تصحيف، صوابه ما في المتن من الأمالي، و انظر التعليقة السّابقة و سند الحديث (65).
6- في «ط، ع، م»: الكلينيّ، تصحيف، صوابه ما في المتن، عدّه البرقيّ في رجاله: 23، و الطّوسيّ في رجاله: 284/241 من أصحاب الإمام الصّادق (عليه السّلام).

ابْنِ عَلِيِّ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، قَالَتْ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، فَقَالَ:

إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَاهَى بِكُمْ وَ غَفَرَ لَكُمْ عَامَّةً، وَ لِعَلِيٍّ خَاصَّةً، وَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ غَيْرَ مُحَابٍ لِقَرَابَتِي، هَذَا جَبْرَئِيلُ يُخْبِرُنِي أَنَّ السَّعِيدَ، كُلَّ السَّعِيدِ، حَقَّ السَّعِيدِ، مَنْ أَحَبَّ عَلِيّاً فِي حَيَاتِهِ وَ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَ أَنَّ الشَّقِيَّ، كُلَّ الشَّقِيِّ، حَقَّ الشَّقِيِّ مَنْ أَبْغَضَ عَلِيّاً فِي حَيَاتِهِ وَ بَعْدَ وَفَاتِهِ(1).

14/ 14 - وَ حَدَّثَنَا أَبُو الْمُفَضَّلِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ ابْنِ حُمَيْدٍ الْمُجَدَّرُ(2) ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَمَانٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا قُطْبُ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي(3) سُلَيْمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ فَاطِمَةَ الصُّغْرَى، عَنْ أَبِيهَا الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، عَنْ فَاطِمَةَ الْكُبْرَى ابْنَةِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، قَالَتْ: إِنَّ النَّبِيَّ كَانَ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَقُولُ:

بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَ اغْفِرْ ذُنُوبِي، وَ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ.

وَ إِذَا خَرَجَ يَقُولُ:

بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَ اغْفِرْ ذُنُوبِي، وَ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِكَ(4).

15/ 15 - وَ عَنْهُ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمَّادٍ الْقَاضِي، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو جَعْفَرٍ الْأَيَادِيُّ، عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ أُمِّهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ، عَنْ أَبِيهَا، عَنْ أُمِّهِ فَاطِمَةَ ابْنَةِ(5)ت.

ص: 75


1- أمالي الصّدوق: 8/153، بشارة المصطفى: 149 «نحوه»، المناقب للخوارزمي: 37، الفصول المهمّة: 125، و قطعة منه في العمدة: 304/200، و شرح ابن أبي الحديد 168:9، و كشف الغمّة 450:1.
2- في «ط»: محمّد بن هارون بن المحرز، و في «ع»: محمّد بن هارون بن حميد بن المحرز، و في «م»:... بن حميد المحرز، و الظّاهر صحّة ما في المتن، ترجم له في تاريخ بغداد 357:3، و سير أعلام النبلاء 436:14.
3- (أبي) ليس في «ع، م»، و هو ليث بن أبي سليم بن زنيم الكوفيّ، روى عن عبد اللّه بن الحسن، انظر تهذيب التّهذيب 465:8، معجم رجال الحديث 139:14 و 140 و الحديث الآتي.
4- مسند أبي يعلى 16/121:12، «نحوه»، أمالي الطّوسيّ 15:2 «نحوه».
5- في «ع، م»: فاطمة بنت الحسين، عن فاطمة بنت.

رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قَالَ:

خِيَارُكُمْ أَلْيَنُكُمْ مَنَاكِبَ، وَ أَكْرَمُهُمْ لِنِسَائِهِمْ(1).

16/ 16 - وَ عَنْهُ(2) ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الطَّبَرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو فَاطِمَةَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْبُهْلُولِ الْقَاضِي الْأَنْبَارِيُّ التَّنُوخِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ، عَنْ شَيْبَةَ بْنِ نَعَامَةَ، عَنْ فَاطِمَةَ الصُّغْرَى، عَنْ أَبِيهَا(3) عَنْ فَاطِمَةَ الْكُبْرَى (عَلَيْهَا السَّلاَمُ)، قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):

لِكُلِّ نَبِيٍّ عَصَبَةٌ يَنْتَمُونَ إِلَيْهِ، وَ إِنَّ فَاطِمَةَ عَصَبَتِي، إِلَيَّ تَنْتَمِي(4).

خبر الولادة

17/ 17 - حَدَّثَنَا أَبُو الْمُفَضَّلِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُطَّلِبِ الشَّيْبَانِيُّ، قَالَ:

حَدَّثَنِي أَبُو الْقَاسِمِ مُوسَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ الْقُمِّيُّ، ابْنُ أُخْتِ(5) سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ أَبِي الشُّورَى(6) ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَشْيَمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ يَزِيدَ(7) الْأَنْبَارِيُّ، عَنْ

ص: 76


1- قطعة منه في الجعفريّات: 35 و الفردوس 2858/172:2 و عوالي اللآلئ 226/178:10 و كنز العمّال 20081/525:7.
2- أيّ الطّبريّ المصنّف، لأنّ القاضي أبا إسحاق من شيوخه كما تقدّم.
3- (عن أبيها) ليس في «ع، م».
4- بشارة المصطفى: 40 نحوه.
5- في ترجمته من رجال النّجاشيّ: 1079/407: ابن بنت، و ذكر له كتابا رواه عنه محمّد بن عبد اللّه. و كذا في مصباح الأنوار «مخطوط».
6- في مصباح الأنوار: ابن أبي الشّوارب.
7- في «ط، ع، م»: زيد، تصحيف صوابه ما في المتن، روى عن حمّاد بن عيسى، انظر رجال النّجاشيّ: 1215/450، معجم رجال الحديث 147:20.

حَمَّادِ(1) بْنِ عِيسَى، عَنْ زُرْعَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ(2) ، عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): كَيْفَ كَانَتْ وِلاَدَةُ فَاطِمَةَ (عَلَيْهَا السَّلاَمُ)؟

قَالَ: نَعَمْ، إِنَّ خَدِيجَةَ (رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهَا) لَمَّا تَزَوَّجَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) هَجَرَتْهَا نِسْوَةُ مَكَّةَ، فَكُنَّ لاَ يَدْخُلْنَ عَلَيْهَا، وَ لاَ يُسَلِّمْنَ عَلَيْهَا، وَ لاَ يَتْرُكْنَ امْرَأَةً تَدْخُلُ عَلَيْهَا، فَاسْتَوْحَشَتْ خَدِيجَةُ مِنْ ذَلِكَ.

فَلَمَّا حَمَلَتْ بِفَاطِمَةَ (عَلَيْهَا السَّلاَمُ)، وَ كَانَتْ خَدِيجَةُ تَغْتَمُّ وَ تَحْزَنُ إِذَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، فَكَانَتْ فَاطِمَةُ تُحَدِّثُهَا مِنْ بَطْنِهَا، وَ تُصَبِّرُهَا، وَ كَانَ حُزْنُ خَدِيجَةَ وَ حَذَرُهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ.

وَ كَانَتْ خَدِيجَةُ تَكْتُمُ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، فَدَخَلَ يَوْماً، فَسَمِعَ خَدِيجَةَ تُحَدِّثُ فَاطِمَةَ، فَقَالَ لَهَا: يَا خَدِيجَةُ، مَنْ يُحَدِّثُكَ؟!

قَالَتْ: الْجَنِينُ الَّذِي فِي بَطْنِي يُحَدِّثُنِي وَ يُؤْنِسُنِي.

فَقَالَ لَهَا: يَا خَدِيجَةُ، هَذَا جَبْرَئِيلُ يُبَشِّرُنِي بِأَنَّهَا أُنْثَى، وَ أَنَّهَا النَّسَمَةُ الطَّاهِرَةُ الْمَيْمُونَةُ، وَ أَنَّ اللَّهَ (تَعَالَى) سَيَجْعَلُ نَسْلِي مِنْهَا، وَ سَيَجْعَلُ مِنْ نَسْلِهَا أَئِمَّةً فِي الْأُمَّةِ، وَ يَجْعَلُهُمْ خُلَفَاءَ فِي أَرْضِهِ بَعْدَ انْقِضَاءِ وَحْيِهِ.

فَلَمْ تَزَلْ خَدِيجَةُ عَلَى ذَلِكَ إِلَى أَنْ حَضَرَتْ وِلاَدَتُهَا، فَوَجَّهَتْ إِلَى نِسَاءِ قُرَيْشٍ وَ بَنِي هَاشِمٍ لِيَلِينَ مِنْهَا مَا تَلِي النِّسَاءُ مِنَ النِّسَاءِ. فَأَرْسَلْنَ إِلَيْهَا بِأَنَّكَ عَصَيْتِنَا(3) ، وَ لَمْ تَقْبَلِي قَوْلَنَا، وَ تَزَوَّجْتِ مُحَمَّداً، يَتِيمَ أَبِي طَالِبٍ، فَقِيراً لاَ مَالَ لَهُ، فَلَسْنَا نَجِيئُكِ، وَ لاَ نَلِي مِنْ أَمْرِكِ [شَيْئاً](4) ، فَاغْتَمَّتْ خَدِيجَةُ لِذَلِكَ.ى.

ص: 77


1- في «ط، ع، م»: همّام، تصحيف، صوابه ما في المتن، روى عنه يعقوب بن يزيد، انظر رجال النّجاشيّ: 370/142، معجم رجال الحديث 224:6.
2- في «ط، ع، م»: بن زرعة بن عبد اللّه، و ما في المتن من الأمالي و مصباح الأنوار، و هو الصّواب، روى عن المفضّل بن عمر في موارد اخرى كثيرة. انظر معجم رجال الحديث 261:7.
3- في «م، ط»: أغضبتينا.
4- من الأمالي و مصادر اخرى.

فَبَيْنَا هِيَ فِي ذَلِكَ إِذْ دَخَلَ عَلَيْهَا أَرْبَعُ نِسْوَةٍ طِوَالٍ كَأَنَّهُنَّ مِنْ نِسَاءِ بَنِي هَاشِمٍ، فَفَزِعَتْ مِنْهُنَّ، فَقَالَتْ لَهَا إِحْدَاهُنَّ: لاَ تَحْزَنِي - يَا خَدِيجَةُ - فَإِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ إِلَيْكَ، وَ نَحْنُ أَخَوَاتُكَ، أَنَا سَارَةُ، وَ هَذِهِ آسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ وَ هِيَ رَفِيقَتُكِ فِي الْجَنَّةِ، وَ هَذِهِ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَ هَذِهِ صَفُورَاءُ بِنْتُ شُعَيْبٍ؛ بَعَثَنَا اللَّهُ إِلَيْكِ لِنَلِيَ مِنْ أَمْرِكِ مَا تَلِي النِّسَاءُ مِنْ النِّسَاءِ.

فَجَلَسَتْ وَاحِدَةٌ عَنْ يَمِينِهَا، وَ الْأُخْرَى(1) عَنْ يَسَارِهَا، وَ الثَّالِثَةُ بَيْنَ(2) يَدَيْهَا، وَ الرَّابِعَةُ مِنْ خَلْفِهَا، فَوَضَعَتْ خَدِيجَةُ فَاطِمَةَ (عَلَيْهَا السَّلاَمُ) طَاهِرَةً مُطَهَّرَةً، فَلَمَّا سَقَطَتْ إِلَى الْأَرْضِ أَشْرَقَ مِنْهَا النُّورُ حَتَّى دَخَلَ بُيُوتَاتِ مَكَّةَ، وَ لَمْ يَبْقَ فِي شَرْقِ الْأَرْضِ وَ لاَ غَرْبِهَا مَوْضِعٌ إِلاَّ أَشْرَقَ فِيهِ ذَلِكَ النُّورُ.

فَتَنَاوَلَتْهَا الْمَرْأَةُ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ يَدَيْهَا، وَ دَخَلَتْ عَشْرٌ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ مَعَهَا طَسْتٌ مِنَ الْجَنَّةِ وَ إِبْرِيقٌ، وَ فِي الْإِبْرِيقِ مَاءٌ مِنَ الْكَوْثَرِ، فَتَنَاوَلَتْهَا الْمَرْأَةُ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ يَدَيْهَا فَغَسَلَتْهَا بِمَاءِ الْكَوْثَرِ، وَ أَخْرَجَتْ خِرْقَتَيْنِ بَيْضَاوَتَيْنِ، أَشَدَّ بَيَاضاً مِنَ اللَّبَنِ وَ أَطْيَبَ رَائِحَةً مِنَ الْمِسْكِ وَ الْعَنْبَرِ، فَلَفَّتْهَا بِوَاحِدَةٍ، وَ قَنَّعَتْهَا بِأُخْرَى.

ثُمَّ اسْتَنْطَقَتْهَا فَنَطَقَتْ فَاطِمَةُ (عَلَيْهَا السَّلاَمُ) بِشَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَ أَنَّ أَبِي رَسُولَ اللَّهِ سَيِّدُ الْأَنْبِيَاءِ، وَ أَنَّ بَعْلِي(3) سَيِّدُ الْأَوْصِيَاءِ، وَ أَنَّ وَلَدَيَّ سَيِّدَا الْأَسْبَاطِ. ثُمَّ سَلَّمَتْ عَلَيْهِنَّ، وَ سَمَّتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ بِاسْمِهَا، وَ ضَحِكْنَ إِلَيْهَا.

وَ تَبَاشَرَتِ(4) الْحُورُ الْعِينُ، وَ بَشَّرَ أَهْلُ الْجَنَّةِ بَعْضُهُمْ بَعْضاً بِوِلاَدَةِ فَاطِمَةَ (عَلَيْهَا السَّلاَمُ)، وَ حَدَثَ فِي السَّمَاءِ نُورٌ زَاهِرٌ، لَمْ تَرَهُ الْمَلاَئِكَةُ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَتِ الزَّهْرَاءُ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهَا).

وَ قَالَتْ: خُذِيهَا، يَا خَدِيجَةُ، طَاهِرَةً مُطَهَّرَةً، زَكِيَّةً مَيْمُونَةً، بُورِكَ فِيهَا وَ فِي نَسْلِهَا.

فَتَنَاوَلَتْهَا خَدِيجَةُ فَرْحَةُ مُسْتَبْشِرَةً، فَأَلْقَمَتْهَا ثَدْيَهَا، فَشَرِبَتْ فَدَرَّ عَلَيْهَا،ن.

ص: 78


1- في «ط»: الثّانية.
2- في «ع، م»: من بين.
3- في «ط»: بعلها عليّا.
4- في «ع، م»: تباشرن.

وَ كَانَتْ (عَلَيْهَا السَّلاَمُ) تَنْمُو فِي كُلِّ يَوْمٍ كَمَا يَنْمُو الصَّبِيُّ فِي شَهْرٍ، وَ فِي شَهْرٍ كَمَا يَنْمُو الصَّبِيُّ فِي السَّنَةِ، (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهَا)(1).

18/ 18 - وَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ هَمَّامٍ، قَالَ:

رَوَى أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَرْقِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْأَشْعَرِيِّ الْقُمِّيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نَجْرَانَ(2) ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ، عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ) قَالَ:

وَلَدَتْ فَاطِمَةُ (عَلَيْهَا السَّلاَمُ) فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ يَوْمَ الْعِشْرِينَ مِنْهُ، سَنَةَ خَمْسٍ وَ أَرْبَعِينَ مِنْ مَوْلِدِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، فَأَقَامَتْ بِمَكَّةَ ثَمَانَ سِنِينَ، وَ بِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ، وَ بَعْدَ وَفَاةِ أَبِيهَا خَمْسَةً وَ تِسْعِينَ(3) يَوْماً، وَ قُبِضَتْ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ يَوْمَ الثَّلاَثَاءِ لِثَلاَثٍ خَلَوْنَ مِنْهُ، سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ مِنَ الْهِجْرَةِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ وَ سَلاَمُهُ عَلَيْهَا وَ عَلَى أَبِيهَا وَ بَعْلِهَا وَ بَنِيهَا)(4).

ذكر أسمائها (صلوات اللّه عليها)

19/ 19 - أَخْبَرَنِي الشَّرِيفُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَلَوِيُّ الْمُحَمَّدِيُّ النَّقِيبُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُوسَى الْقُمِّيُّ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ)، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ الْمُتَوَكِّلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ السَّعْدَآبَادِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَرْقِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْعَظِيمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَسَنِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ يُونُسَ بْنِ ظَبْيَانَ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ):

لِفَاطِمَةَ (عَلَيْهَا السَّلاَمُ) تِسْعَةُ أَسْمَاءٍ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ:

ص: 79


1- أمالي الصّدوق: 1/475، الخرائج و الجرائح 1/524:2، الثّاقب في المناقب: 285 / 244 و 245/286 قطعة منه، العدد القويّة: 15/222.
2- في «ط، ع، م»: بن بحر، و هو تصحيف، صوابه ما في المتن من البحار و العوالم، روى عن ابن سنان، و روى عنه ابن عيسى في موارد كثيرة، انظر معجم رجال الحديث 299:9.
3- في «ط، ع»: سبعين.
4- البحار 16/9:43، عوالم فاطمة (عليها السّلام): 5/36، و سيأتي في الحديث (43).

فَاطِمَةُ، وَ الْمَذُوبَةُ(1) ، وَ الْمُبَارَكَةُ، وَ الطَّاهِرَةُ، وَ الزَّكِيَّةُ، وَ الرَّاضِيَةُ(2) ، وَ الرَّضِيَّةُ، وَ الْمُحَّدَثَةُ، وَ الزَّهْرَاءُ.

ثُمَّ قَالَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): أَ تَدْرِي أَيُّ شَيْ ءٍ تَفْسِيرُ فَاطِمَةَ؟

قُلْتُ: أَخْبِرْنِي يَا سَيِّدِي، فَمِمَّا فُطِمَتْ؟

قَالَ: مِنَ الشِّرْكِ.

قَالَ: ثُمَّ قَالَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): لَوْ لاَ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) تَزَوَّجَهَا لَمَا كَانَ لَهَا كُفْؤٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنْ آدَمَ فَمَنْ دُونَهُ(3).

معنى المحدّثة

20/ 20 - أَخْبَرَنِي أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ بْنِ مُوسَى التَّلَّعُكْبَرِيُّ، قَالَ:

أَخْبَرَنِي أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَطَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ السُّكَّرِيُّ(4) ، عَنْ مُحَمَّدِ(5) بْنِ زَكَرِيَّا الْجَوْهَرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي شُعَيْبُ بْنُ وَاقِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ(6) عِيسَى ابْنِ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) يَقُولُ:

ص: 80


1- في «ط» و كتب الصّدوق: الصّدّيقة.
2- (و الرّاضية) ليس في «ع، م».
3- الخصال: 3/414، أمالي الصّدوق: 18/474، علل الشّرائع: 3/178، نوادر المعجزات: 6/84.
4- في «ط، ع، م»: السّكونيّ، و هو تصحيف صوابه ما في المتن من عدّة مواضع في كتب الشّيخ الصّدوق، و في علل الشّرائع: 1/178: أبو سعيد الحسن بن عليّ بن الحسين السّكّريّ.
5- في «ط، ع، م»: أحمد، و الصّواب ما في المتن من علل الشّرائع، و هو محمّد بن زكريّا بن دينار الغلابيّ البصريّ، له كتب كثيرة، منها: أخبار فاطمة (عليها السّلام) و منشؤها و مولدها. انظر رجال النّجاشيّ: 346، معجم رجال الحديث 87:16، و الحديث الآتي.
6- في «ط» و العلل: بن، و الظّاهر صحّة ما في المتن، و عيسى هو موتم الأشبال يكنّى أبا يحيى، أسند عن الصّادق (عليه السّلام)، انظر رجال الطّوسيّ: 553/257، معجم رجال الحديث 42:3 و 187:13.

سُمِّيَتْ فَاطِمَةُ مُحَدَّثَةً لِأَنَّ الْمَلاَئِكَةَ كَانَتْ تَهْبِطُ مِنَ السَّمَاءِ فَتُنَادِيهَا كَمَا كَانَتْ تُنَادِي مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرَانَ، فَتَقُولُ: يَا فَاطِمَةُ، إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَ طَهَّرَكِ وَ اصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ.

يَا فَاطِمَةُ، اُقْنُتِي لِرَبِّكِ ، الْآيَةَ(1) ، وَ تُحَدِّثُهُمْ وَ يُحَدِّثُونَهَا.

فَقَالَتْ لَهُمْ ذَاتَ لَيْلَةٍ: أَ لَيْسَتِ الْمُفَضَّلَةُ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرَانَ؟ فَقَالُوا: إِنَّ مَرْيَمَ كَانَتْ سَيِّدَةَ نِسَاءِ عَالَمِهَا، وَ إِنَّ اللَّهَ جَعَلَكِ سَيِّدَةَ عَالَمِكِ، وَ سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْأَوَّلِينَ وَ الْآخِرِينَ(2).

حديث هجرتها (صلوات اللّه عليها)

21/21 - حَدَّثَنِي أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ بْنِ مُوسَى التَّلَّعُكْبَرِيُّ، قَالَ:

حَدَّثَنَا أَبِي (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ)، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْعُرَيْبِ الضَّبِّيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ دِينَارٍ الْغَلاَبِيُّ(3) ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ وَاقِدٍ، عَنْ جَعْفَرِ ابْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمْ تَزَلْ فَاطِمَةُ تَشِبُ فِي الْيَوْمِ كَالْجُمْعَةِ، وَ فِي الْجُمْعَةِ كَالشَّهْرِ، وَ فِي الشَّهْرِ كَالسَّنَةِ، فَلَمَّا هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَ ابْتَنَى بِهَا مَسْجِداً، وَ أَنِسَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ بِهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وَ عَلَتْ كَلِمَتُهُ، وَ عَرَفَ النَّاسُ بَرَكَتَهُ، وَ سَارَتْ إِلَيْهِ الرُّكْبَانُ، وَ ظَهَرَ الْإِيمَانُ، وَ دُرِسَ الْقُرْآنُ، وَ تَحَدَّثَ الْمُلُوكُ وَ الْأَشْرَافُ وَ خَافَ سَيْفَ نِقْمَتِهِ الْأَكَابِرُ وَ الْأَشْرَافُ، هَاجَرَتْ فَاطِمَةُ مَعَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلاَمَ) وَ نِسَاءَ الْمُهَاجِرِينَ، وَ كَانَتْ عَائِشَةُ فِيمَنْ هَاجَرَ مَعَهَا، فَقَدِمَتِ الْمَدِينَةَ، فَأَنْزَلَهَا النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) عَلَى أَمْ أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ.

وَ خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) النِّسَاءَ، وَ تَزَوَّجَ سَوْدَةَ أَوَّلَ دُخُولِهِ الْمَدِينَةَ فَنَقَلَ

ص: 81


1- و هي في سورة آل عمران 42:3، 43، و تتمتها: و اسجدي و اركعي مع الرّاكعين.
2- علل الشّرائع: 1/182. و يأتي تحت الرقم (66).
3- صحف في «ع، م»: العلائيّ، و هو من بني غلاب قبيلة بالبصرة من بني نصر بن معاوية. انظر التعليقة الثّانية على الحديث السّابق.

فَاطِمَةَ إِلَيْهَا، ثُمَّ تَزَوَّجَ أُمَّ سَلَمَةَ بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ.

فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ، وَ فَوَّضَ أَمْرَ ابْنَتِهِ إِلَيَّ، فَكُنْتُ أَدُلُّهَا وَ أُؤَدِّبُهَا، وَ كَانَتْ - وَ اللَّهِ - آدَبَ مِنِّي، وَ أَعْرَفَ بِالْأَشْيَاءِ كُلِّهَا.

وَ كَيْفَ لاَ تَكُونُ كَذَلِكَ وَ هِيَ سُلاَلَةُ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَ سَلاَمُهُ عَلَيْهَا وَ عَلَى أَبِيهَا وَ بَعْلِهَا وَ بَنِيهَا؟!(1).

معرفة تزويجها بأمير المؤمنين (صلوات اللّه عليهما)

22/ 22 - وَ أَخْبَرَنِي الشَّرِيفُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَلَوِيُّ الْمُحَمَّدِيُّ النَّقِيبُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَهْلٍ مَحْمُودُ بْنُ عُمَرَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ مَحْمُودٍ الْعَسْكَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَصَمُّ(2) بِعَسْقَلاَنَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ:

وَرَدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ، وَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ إِلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تُزَوِّجُنِي فَاطِمَةَ ابْنَتَكَ؟ وَ قَدْ بَذَلْتُ لَهَا مِنَ الصَّدَاقِ مِائَةَ نَاقَةٍ سَوْدَاءَ، زُرْقَ الْأَعْيُنِ، مُحَمَّلَةً كُلُّهَا قَبَاطِيَّ مِصْرَ، وَ عَشَرَةَ آلاَفِ دِينَارٍ. وَ لَمْ يَكُنْ مَعَ(3) رَسُولِ اللَّهِ أَيْسَرُ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَ عُثْمَانَ.

قَالَ عُثْمَانُ: بَذَلْتُ لَهَا(4) ذَلِكَ، وَ أَنَا أَقْدَمُ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِسْلاَماً.

فَغَضِبَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) مِنْ مَقَالَتَيْهِمَا، ثُمَّ تَنَاوَلَ كَفّاً مِنَ الْحَصَى، فَحَصَّبَ بِهِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ، وَ قَالَ لَهُ: إِنَّكَ تَهُولُ عَلَيَّ بِمَالِكَ؟

ص: 82


1- البحار 16/9:43.
2- هو المحدث مسند عصره محمّد بن يعقوب بن يوسف، أبو العبّاس السّنانيّ المعقلي النّيسابوريّ الأصمّ، حدث بكتاب الأمّ للشافعي عن الرّبيع بن سليمان، ولد سنة (247) و توفّي سنة (346 ه)، انظر سير أعلام النبلاء 452:15.
3- في «ط»: يكن من أصحاب.
4- في «ط»: و أنا أبذل.

قَالَ: فَتَحَوَّلَ الْحَصَى دُرّاً، فَقُوِّمَتْ دُرَّةٌ مِنْ تِلْكَ الدُّرَرِ، فَإِذَا هِيَ تَفِي بِكُلِّ مَا يَمْلِكُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ.

وَ هَبَطَ جَبْرَئِيلُ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) فِي تِلْكَ السَّاعَةِ، فَقَالَ: يَا أَحْمَدُ، إِنَّ اللَّهَ (تَعَالَى) يُقْرِئُكَ السَّلاَمَ، وَ يَقُولُ: قُمْ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَإِنَّ مَثَلَهُ مَثَلُ الْكَعْبَةِ يُحَجُّ إِلَيْهَا، وَ لاَ تَحُجُّ إِلَى أَحَدٍ.

إِنَّ اللَّهَ (تَعَالَى) أَمَرَنِي أَنْ آمُرَ رِضْوَانَ خَازِنَ الْجَنَّةِ(1) أَنْ يُزَيِّنَ الْأَرْبَعَ جِنَانٍ، وَ أَمَرَ شَجَرَةَ طُوبَى وَ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى أَنْ تَحْمِلاَ(2) الْحُلِيَّ وَ الْحُلَلَ، وَ أَمَرَ الْحُورَ الْعِينَ أَنْ يَتَزَيَّنَ، وَ أَنْ يَقِفْنَ تَحْتَ شَجَرَةِ طُوبَى وَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى(3) ، وَ أَمَرَ مَلَكاً مِنَ الْمَلاَئِكَةِ، يُقَالُ لَهُ (رَاحِيلُ) وَ لَيْسَ فِي الْمَلاَئِكَةِ أَفْصَحُ مِنْهُ لِسَاناً، وَ لاَ أَعْذَبُ مَنْطِقاً، وَ لاَ أَحْسَنُ وَجْهاً، أَنْ يَحْضُرَ إِلَى سَاقِ الْعَرْشِ.

فَلَمَّا حَضَرَتِ الْمَلاَئِكَةُ وَ الْمَلَكُ أَجْمَعُونَ، أَمَرَنِي أَنْ أَنْصِبَ مِنْبَراً مِنَ النُّورِ، وَ أَمَرَ رَاحِيلُ - ذَلِكَ الْمَلَكَ - أَنْ يَرْقَى، فَخَطَبَ خُطْبَةً بَلِيغَةً مِنْ خُطَبِ النِّكَاحِ، وَ زَوَّجَ عَلِيّاً مِنْ فَاطِمَةَ بِخُمُسِ الدُّنْيَا لَهَا وَ لِوُلْدِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.

وَ كُنْتُ أَنَا وَ مِيكَائِيلُ شَاهِدَيْنِ، وَ كَانَ وَلِيُّهَا اللَّهَ (تَعَالَى).

وَ أَمَرَ شَجَرَةَ طُوبَى وَ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى أَنْ تَنْثُرَا مَا فِيهِمَا(4) مِنَ الْحُلِيِّ وَ الْحُلَلِ وَ الطِّيبِ، وَ أَمَرَ الْحُورَ أَنْ يَلْقِطْنَ ذَلِكَ، وَ أَنْ يَفْتَخِرْنَ بِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.

وَ قَدْ أَمَرَكَ اللَّهُ أَنْ تُزَوِّجَهُ بِفَاطِمَةَ فِي الْأَرْضِ، وَ أَنْ تَقُولَ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ: أَ مَا سَمِعْتَ قَوْلِي فِي الْقُرْآنِ: بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ * بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ (5) وَ مَا سَمِعْتَ فِي كِتَابِي: وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً0.

ص: 83


1- في «ط»: الجنان.
2- في «م»: يحملنّ.
3- (أن تحملا الحليّ... و سدرة المنتهى) ليس في «ع».
4- في «ع، م»: ينثرن ما فيهنّ.
5- الرّحمن 19:55-20.

فَجَعَلَهُ نَسَباً وَ صِهْراً (1) ؟!

فَلَمَّا سَمِعَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) كَلاَمَ جَبْرَئِيلَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) وَجَّهَ خَلْفَ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَ سَلْمَانَ وَ الْعَبَّاسِ، فَأَحْضَرَهُمْ، ثُمَّ قَالَ لِعَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): إِنَّ اللَّهَ (تَعَالَى) قَدْ أَمَرَنِي أَنْ أُزَوِّجَكَ.

فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لاَ أَمْلِكُ إِلاَّ سَيْفِي وَ فَرَسِي وَ دِرْعِي.

فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): اذْهَبْ فَبِعِ الدِّرْعَ.

قَالَ: فَخَرَجَ عَلِيٌّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) فَنَادَى عَلَى دِرْعِهِ، فَبَلَغَتْ أَرْبَعَمِائَةِ دِرْهَمٍ وَ دِينَارٍ.

قَالَ: فَاشْتَرَاهَا دِحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيُّ، وَ كَانَ حَسَنَ الْوَجْهِ(2) ، لَمْ يَكُنْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أَحْسَنُ مِنْهُ وَجْهاً.

قَالَ:

فَلَمَّا أَخَذَ عَلِيٌّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) الثَّمَنَ وَ تَسَلَّمَ دِحْيَةُ الدِّرْعَ عَطَفَ دِحْيَةُ عَلَى(3) عَلِيٍّ، فَقَالَ: أَسْأَلُكَ يَا أَبَا الْحَسَنِ أَنْ تَقْبَلَ مِنِّي هَذِهِ(4) الدِّرْعَ هَدِيَّةً، وَ لاَ تُخَالِفَنِي فِي ذَلِكَ.

قَالَ: فَحَمَلَ الدِّرْعَ وَ الدَّرَاهِمَ، وَ جَاءَ بِهِمَا إِلَى النَّبِيِّ، وَ نَحْنُ جُلُوسٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهُ(5): يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي بِعْتُ الدِّرْعَ بِأَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَ دِينَارٍ، وَ قَدِ اشْتَرَاهُ دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ، وَ قَدْ أَقْسَمَ عَلَيَّ أَنْ أَقْبَلَ الدِّرْعَ هَدِيَّةً، وَ أَيْشٍ تَأْمُرُ،(6) أَقْبَلُهَا مِنْهُ أَمْ لاَ؟

فَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ قَالَ: لَيْسَ هُوَ دِحْيَةَ، لَكِنَّهُ جَبْرَئِيلُ، وَ إِنَّ الدَّرَاهِمَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَكُونَ شَرَفاً وَ فَخْراً لاِبْنَتِي فَاطِمَةَ. وَ زَوَّجَهُ النَّبِيُّ بِهَا، وَ دَخَلَ بَعْدَ ثَلاَثٍ.

قَالَ: وَ خَرَجَ عَلَيْنَا عَلِيٌّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) وَ نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ، إِذْ هَبَطَ الْأَمِينُ جَبْرَئِيلُ وَ قَدْ أَهْبَطَ بِأُتْرُجَّةٍ مِنَ الْجَنَّةِ، فَقَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَدْفَعَ هَذِهِ الْأُتْرُجَّةَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ.ي.

ص: 84


1- الفرقان 54:25.
2- (كان حسن الوجه) ليس في «ع، م».
3- في «ع، م»: إلى.
4- في «ع، م»: هذا.
5- في «ط»: تخالفني فأخذها منه و حمل الثّمن و الدّرع جاء بهما إلى النّبيّ فطرحهما بين يديه و قال.
6- في «ط»: هديّة فما تأمرني.

قَالَ: فَدَفَعَهَا النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) إِلَى عَلِيٍّ، فَلَمَّا حَصَلَتْ فِي كَفِّهِ انْقَسَمَتْ قِسْمَيْنِ:

عَلَى قِسْمٍ مِنْهَا مَكْتُوبٌ:

«لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، عَلِيٌّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ».

وَ عَلَى الْقَسْمِ الْآخَرِ مَكْتُوبٌ: «هَدِيَّةٌ مِنَ الطَّالِبِ الْغَالِبِ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ»(1).

23/ 23 - وَ قَالَ الشَّرِيفُ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْجُشَمِيُّ [بِإِسْنَادِهِ](2) عَنْ وَهْبِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ)، أَنَّهُ قَالَ:

هَمَمْتُ بِتَزْوِيجِ فَاطِمَةَ حِيناً، وَ لَمْ أَجْسُرْ عَلَى أَنْ أَذْكُرَهُ(3) لِرَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وَ كَانَ ذَلِكَ يَخْتَلِجُ فِي صَدْرِي لَيْلاً وَ نَهَاراً، حَتَّى دَخَلْتُ يَوْماً عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَقَالَ: يَا عَلِيُّ. فَقُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ.

فَقَالَ: هَلْ لَكَ فِي التَّزْوِيجِ؟

فَقُلْتُ: اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُزَوِّجَنِي بِبَعْضِ نِسَاءِ قُرَيْشٍ، وَ قَلْبِي خَائِفٌ مِنْ فَوْتِ فَاطِمَةَ. فَفَارَقْتُهُ عَلَى هَذَا، فَوَ اللَّهِ مَا شَعُرْتُ حَتَّى أَتَانِي رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ، فَقَالَ: أَجِبْ يَا عَلِيُّ، وَ أَسْرِعْ.

قَالَ: فَأَسْرَعَتْ الْمُضِيَّ إِلَيْهِ، فَلَمَّا دَخَلْتُ نَظَرْتُ إِلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ مَا رَأَيْتُهُ أَشَدَّ فَرَحاً مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَ هُوَ(4) فِي حُجْرَةِ أُمِّ سَلَمَةَ فَلَمَّا أَبْصَرَنِي تَهَلَّلَ وَ تَبَسَّمَ، حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى بَيَاضِ أَسْنَانِهِ لَهَا بَرِيقٌ، قَالَ: يَا عَلِيُّ هَلُمَّ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ كَفَانِي مَا هَمَّنِي فِيكَ مِنْ أَمْرِ تَزْوِيجِكَ.ن.

ص: 85


1- نوادر المعجزات: 7/84.
2- من البحار، و هو الصّواب لعدم إمكان رواية الجشمي عن أصحاب الصّادق (عليه السّلام) دون واسطة بحسب الطّبقة.
3- في «ط»: أجسر أن أذكر ذلك.
4- في «ط»: كان.

فَقُلْتُ: وَ كَيْفَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟

قَالَ: أَتَانِي جَبْرَئِيلُ، وَ مَعَهُ مِنْ قَرَنْفُلِ الْجَنَّةِ وَ سُنْبُلِهَا قِطْعَتَانِ، فَنَاوَلَنِيهَا، فَأَخَذْتُهُمَا وَ شَمِمْتُهُمَا، فَسَطَعَ مِنْهَا رَائِحَةُ الْمِسْكِ، ثُمَّ أَخَذَهَا مِنِّي، فَقُلْتُ: يَا جَبْرَئِيلُ، مَا شَأْنُهُمَا(1) ؟

فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ سُكَّانَ الْجَنَّةِ أَنْ يُزَيِّنُوا الْجِنَانَ كُلَّهَا بِمَفَارِشِهَا وَ نُضُودِهَا وَ أَنْهَارِهَا وَ أَشْجَارِهَا، وَ أَمَرَ رِيحَ الْجَنَّةِ الَّتِي يُقَالُ لَهَا (الْمُثِيرَةُ) فَهَبَّتْ فِي الْجَنَّةِ بِأَنْوَاعِ الْعِطْرِ وَ الطِّيبِ، وَ أَمَرَ الْحُورَ الْعِينَ بِقِرَاءَةِ سُورَتَيْ(2) طه وَ يس، فَرَفَعْنَ(3) أَصْوَاتَهُنَّ بِهِمَا.

ثُمَّ نَادَى مُنَادٍ: أَلاَ إِنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ وَلِيمَةِ فَاطِمَةَ بِنْتِ مُحَمَّدٍ، وَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رِضًى مِنِّي بِهِمَا.

ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ (تَعَالَى) سَحَابَةً بَيْضَاءَ، فَمَطَرَتْ عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنْ لُؤْلُؤِهَا وَ زَبَرْجَدِهَا وَ يَاقُوتِهَا، وَ أَمَرَ خُدَّامَ الْجَنَّةِ أَنْ يَلْقِطُوهَا، وَ أَمَرَ مَلَكاً مِنَ الْمَلاَئِكَةِ يُقَالُ لَهُ(4): (رَاحِيلُ) فَخَطَبَ خُطْبَةً(5) لَمْ يَسْمَعْ أَهْلُ السَّمَاءِ بِمِثْلِهَا.

ثُمَّ نَادَى (تَعَالَى): يَا مَلاَئِكَتِي، وَ سُكَّانَ جَنَّتِي، بَارِكُوا عَلَى نِكَاحِ فَاطِمَةَ بِنْتِ مُحَمَّدٍ وَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَإِنِّي زَوَّجْتُ أَحَبَّ النِّسَاءِ إِلَيَّ مِنْ أَحَبِ الرِّجَالِ إِلَيَّ، بَعْدَ مُحَمَّدٍ.

ثُمَّ قَالَ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): يَا عَلِيُّ، أَبْشِرْ، أَبْشِرْ، فَإِنِّي قَدْ زَوَّجْتُكَ بِابْنَتِيْ فَاطِمَةَ عَلَى مَا زَوَّجَكَ الرَّحْمَنُ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ، وَ قَدْ رَضِيتُ لَهَا وَ لَكَ مَا رَضِيَ اللَّهُ لَكُمَا، فَدُونَكَ أَهْلَكَ، وَ كَفَى - يَا عَلِيُّ - بِرِضَايَ رِضًى فِيكَ.

فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَ وَ بَلَغَ مِنْ شَأْنِي أَنْ اذْكَرَ فِي أَهْلِ الْجَنَّةِ؟! وَ زَوَّجَنِيَ اللَّهُ فِي مَلاَئِكَتِهِ؟!

فَقَالَ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): يَا عَلِيُّ، إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْداً أَكْرَمَهُ بِمَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ، وَ لاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَ لاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ.ة.

ص: 86


1- في «ع، م»: سبيلها.
2- في «ع، م»: حور عينها يقرءوا فيها سورة.
3- في «ع، م»: فرفعوا.
4- في «ط»: خدّام الجنان أن يلتقطوها و أمر.
5- في «ع، م»: فخطب راحيل بخطبة.

فَقَالَ عَلِيٌّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): يَا رَبِّ، أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ. فَقَالَ النَّبِيُّ: آمِينَ آمِينَ.

وَ قَالَ عَلِيٌّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): لَمَّا أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ خَاطِباً ابْنَتَهُ فَاطِمَةَ، قَالَ: وَ مَا عِنْدَكَ تَنْقُدُنِي؟

قُلْتُ لَهُ: لَيْسَ عِنْدِي إِلاَّ بَعِيرِي وَ فَرَسِي وَ دِرْعِي.

قَالَ: أَمَّا فَرَسُكَ فَلاَ بُدَّ لَكَ مِنْهُ، تُقَاتِلُ عَلَيْهِ، وَ أَمَّا بَعِيرُكَ فَحَامِلُ أَهْلِكَ، وَ أَمَّا دِرْعُكَ فَقَدْ زَوَّجَكَ اللَّهُ بِهَا.

قَالَ عَلِيٌّ: فَخَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهِ وَ الدِّرْعُ عَلَى عَاتِقِي الْأَيْسَرِ، فَذَهَبْتُ(1) إِلَى سُوقِ اللَّيْلِ فَبِعْتُهَا بِأَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ سُودٍ هَجَرِيَّةٍ، ثُمَّ أَتَيْتُ بِهَا إِلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَصَبَبْتُهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَوَ اللَّهِ مَا سَأَلَنِي عَنْ عَدَدِهَا، وَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ سَرِيَّ(2) الْكَفِّ، فَدَعَا بِلاَلاً وَ مَلَأَ قَبَضْتَهُ، فَقَالَ: يَا بِلاَلُ، ابْتَعْ بِهَا طِيباً لاِبِنْتِي فَاطِمَةَ.

ثُمَّ دَعَا أُمَّ سَلَمَةَ وَ قَالَ لَهَا: يَا أُمَّ سَلَمَةَ، ابْتَاعِي لاِبْنَتِي فِرَاشاً مِنْ حِلْسِ(3) مِصْرَ، وَ احْشِيهِ لِيفاً، وَ اتَّخِذِي لَهَا مِدْرَعَةً وَ عَبَاءَةً قَطَوَانِيَّةً(4) ، وَ لاَ تَتَّخِذِي أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَيَكُونَا مِنَ الْمُسْرِفِينَ.

وَ صَبَرْتُ أَيَّاماً مَا أَذْكُرُ لِرَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) شَيْئاً مِنْ أَمْرِ ابْنَتِهِ، حَتَّى دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَقَالَتْ لِي: يَا عَلِيُّ، لِمَ لاَ تَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ يُدْخِلُكُ عَلَى أَهْلِكَ؟

قَالَ: قُلْتُ: أَسْتَحِي مِنْهُ أَنْ أَذْكُرَ لَهُ شَيْئاً مِنْ هَذَا.

فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: ادْخُلْ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ سَيَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ.

قَالَ عَلِيٌّ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ خَرَجَتْ، ثُمَّ دَخَلْتُ ثُمَّ خَرَجْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): أَحْسَبُكَ أَنَّكَ تَشْتَهِي الدُّخُولَ عَلَى أَهْلِكَ؟

قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، فِدَاكَ أَبِي وَ أُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ.».

ص: 87


1- في «ع، م»: فدعيت.
2- السرو: السّخاء «لسان العرب - سرّا - 378:14».
3- الحلس: بساط البيت «لسان العرب - حلس - 54:6».
4- القطوانيّة: عباءة بيضاء قصيرة الخمل «النّهاية 85:4».

فَقَالَ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): غَداً إِنْ شَاءَ اللَّهُ (تَعَالَى)(1).

خبر الخطبة بجمع من الناس

24/ 24 - حَدَّثَنِي أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ بْنِ مُوسَى التَّلَّعُكْبَرِيُّ، قَالَ:

حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْعُرَيْبِ الضَّبِّيُّ، قَالَ:

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ دِينَارٍ الْغَلاَبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ وَاقِدٍ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: لَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ أَنْ يُزَوِّجَ فَاطِمَةَ عَلِيّاً (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) قَالَ لَهُ: اخْرُجْ يَا أَبَا الْحَسَنِ إِلَى الْمَسْجِدِ فَإِنِّي خَارِجٌ فِي أَثَرِكَ، وَ مُزَوِّجُكَ بِحَضْرَةِ النَّاسِ، وَ ذَاكِرٌ مِنْ فَضْلِكَ مَا تَقَرُّ بِهِ عَيْنُكَ.

قَالَ عَلِيٌّ: فَخَرَجْتُ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَ أَنَا مُمْتَلِئٌ(2) فَرَحاً وَ سُرُوراً، فَاسْتَقْبَلَنِي أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ، فَقَالاَ: مَا وَرَاءَكَ يَا أَبَا الْحَسَنِ؟ فَقُلْتُ: يُزَوِّجُنِي رَسُولُ اللَّهِ فَاطِمَةَ، وَ أَخْبَرَنِي أَنَّ اللَّهَ قَدْ زَوَّجَنِيهَا، وَ هَذَا رَسُولُ اللَّهِ خَارِجٌ فِي أَثَرِي، لِيَذْكُرَ بِحَضْرَةِ النَّاسِ.

فَفَرِحَا وَ سُرَّا، وَ دَخَلاَ مَعِي الْمَسْجِدَ.

قَالَ عَلِيٌّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): فَوَ اللَّهِ مَا تَوَسَّطْنَاهُ حَتَّى لَحِقَ بِنَا رَسُولُ اللَّهِ، وَ إِنَّ وَجْهَهُ لَيَتَهَلَّلُ فَرَحاً وَ سُرُوراً.

فَقَالَ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): أَيْنَ بِلاَلٌ؟ فَأَجَابَ: لَبَّيْكَ وَ سَعْدَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ.

ثُمَّ قَالَ: أَيْنَ الْمِقْدَادُ؟ فَأَجَابَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ.

ثُمَّ قَالَ: أَيْنَ سَلْمَانُ؟ فَأَجَابَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ.

ثُمَّ قَالَ: أَيْنَ أَبُو ذَرٍّ؟ فَأَجَابَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَلَمَّا مَثُلُوا بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ:

انْطَلِقُوا بِأَجْمَعِكُمْ، فَقُومُوا فِي جَنْبَاتِ الْمَدِينَةِ، وَ اجْمَعُوا الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارَ وَ الْمُسْلِمِينَ.

فَانْطَلَقُوا لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وَ أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ فَجَلَسَ عَلَى أَعْلَى

ص: 88


1- تفسير فرات: 413، البحار 53/87:104، قطعة منه في أمالي الصّدوق: 1/448، و عيون أخبار الرّضا (عليه السّلام) 1/222:1، و روضة الواعظين: 144.
2- في «ع، م»: و أنا لا أعقل.

دَرَجَةٍ مِنْ مِنْبَرِهِ، فَلَمَّا حُشِدَ الْمَسْجِدُ بِأَهْلِهِ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ، وَ قَالَ:

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاءَ فَبَنَاهَا، وَ بَسَطَ الْأَرْضَ فَدَحَاهَا، وَ أَثْبَتَهَا بِالْجِبَالِ فَأَرْسَاهَا وَ أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَ مَرْعَاهَا، الَّذِي تَعَاظَمَ عَنْ صِفَاتِ الْوَاصِفِينَ، وَ تَجَلَّلَ عَنْ تَحْبِيرِ لُغَاتِ النَّاطِقِينَ، وَ جَعَلَ الْجَنَّةَ ثَوَابَ الْمُتَّقِينَ، وَ النَّارَ عِقَابَ الظَّالِمِينَ، وَ جَعَلَنِيَ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، وَ نَقِمَةً عَلَى الْكَافِرِينَ(1).

عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّكُمْ فِي دَارِ أَمَلٍ، بَيْنَ حَيَاةٍ وَ أَجَلٍ، وَ صِحَّةٍ وَ عِلَلٍ، دَارِ زَوَالٍ، وَ تَقَلُّبِ أَحْوَالٍ(2) ، جُعِلْتُ سَبَباً لِلاِرْتِحَالِ، فَرَحِمَ اللَّهُ امْرَأً قَصَّرَ مِنْ أَمَلِهِ، وَ جَدَّ فِي عَمَلِهِ، وَ أَنْفَقَ الْفَضْلَ مِنْ مَالِهِ، وَ أَمْسَكَ الْفَضْلَ مِنْ قُوتِهِ، فَقَدَّمَهُ(3) لِيَوْمِ فَاقَتِهِ.

يَوْمَ تُحْشَرُ فِيهِ الْأَمْوَاتُ، وَ تَخْشَعُ فِيهِ(4) الْأَصْوَاتُ، وَ تُنْكِرُ الْأَوْلاَدُ وَ الْأُمَّهَاتُ، وَ تَرَى النّاسَ سُكارى وَ ما هُمْ بِسُكارى (5).

يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (6) .

يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَ ما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَ بَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً (7) .

فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8) .

لِيَوْمٍ تَبْطُلُ فِيهِ الْأَنْسَابُ، وَ تُقْطَعُ الْأَسْبَابُ، وَ يَشْتَدُّ فِيهِ عَلَى الْمُجْرِمِينَ الْحِسَابُ، وَ يَدْفَعُونَ إِلَى الْعَذَابِ، فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ، وَ مَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا8.

ص: 89


1- في «ع، م»: و جعلني نقمة للكافرين و رحمة و رأفة على المؤمنين.
2- في «ط»: متقلبة الحال.
3- في «ع، م»: قدم.
4- في «ع، م»: له.
5- الحجّ 2:22.
6- النّور 25:24.
7- آل عمران 30:3.
8- الزّلزلة 7:99-8.

إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ.

أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا الْأَنْبِيَاءُ حُجَجُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ، النَّاطِقُونَ بِكِتَابِهِ، الْعَامِلُونَ بِوَحْيِهِ، وَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَمَرَنِي أَنْ أُزَوِّجَ كَرِيمَتِي فَاطِمَةَ بِأَخِي وَ ابْنِ عَمِّي وَ أَوْلَى النَّاسِ بِي: عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَ اللَّهِ عَزَّ شَأْنُهُ قَدْ زَوَّجَهُ بِهَا(1) فِي السَّمَاءِ، بِشَهَادَةِ(2) الْمَلاَئِكَةِ، وَ أَمَرَنِي أَنْ أُزَوِّجَهُ فِي الْأَرْضِ(3) ، وَ أُشْهِدُكُمْ عَلَى ذَلِكَ.

ثُمَّ جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، ثُمَّ قَالَ: قُمْ، يَا عَلِيُّ، فَاخْطُبْ لِنَفْسِكَ.

قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْطُبُ وَ أَنْتَ حَاضِرٌ؟!

قَالَ: اخْطُبْ، فَهَكَذَا أَمَرَنِي جَبْرَئِيلُ أَنْ آمُرَكَ أَنْ تَخْطُبَ لِنَفْسِكَ، وَ لَوْ لاَ أَنَّ الْخَطِيبَ فِي الْجِنَانِ دَاوُدُ لَكُنْتَ أَنْتَ يَا عَلِيُّ.

ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلَ نَبِيِّكُمْ، إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ أَرْبَعَةَ آلاَفِ نَبِيٍّ، لِكُلِّ نَبِيٍّ وَصِيٌّ، وَ أَنَا خَيْرُ الْأَنْبِيَاءِ، وَ وَصِيِّي خَيْرُ الْأَوْصِيَاءِ.

ثُمَّ أَمْسَكَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وَ ابْتَدَأَ عَلِيٌّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) فَقَالَ:

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَلْهَمَ بِفَوَاتِحِ عِلْمِهِ النَّاطِقِينَ، وَ أَنَارَ بَثَوَاقِبِ عَظَمَتِهِ قُلُوبَ الْمُتَّقِينَ، وَ أَوْضَحَ بِدَلاَئِلِ أَحْكَامِهِ طُرُقَ السَّالِكِينَ، وَ أَبْهَجَ(4) بِابْنِ عَمِّيَ الْمُصْطَفَى الْعَالَمِينَ، حَتَّى(5) عَلَتْ دَعْوَتُهُ دَعْوَةَ(6) الْمُلْحِدِينَ، وَ اسْتَظْهَرَتْ كَلِمَتُهُ عَلَى بَوَاطِلِ(7) الْمُبْطِلِينَ، وَ جَعَلَهُ خَاتَمَ النَّبِيِّينَ، وَ سَيِّدَ الْمُرْسَلِينَ، فَبَلَّغَ رِسَالَةَ رَبِّهِ، وَ صَدَعَ بِأَمْرِهِ، وَ بَلَّغَ عَنِ اللَّهِ آيَاتِهِ.

وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ الْعِبَادَ بِقُدْرَتِهِ، وَ أَعَزَّهُمْ بِدِينِهِ، وَ أَكْرَمَهُمْ بِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وَ رَحِمَ وَ كَرَّمَ وَ شَرَّفَ وَ عَظَّمَ.ن.

ص: 90


1- في «ع، م»: عليّ بن أبي طالب و ان قد زوّجه.
2- في «ط»: و أشهد.
3- (في الأرض) ليس في «ع، م».
4- في «ع، م»: طرق الفاصلين، و أنهج.
5- في «ع، م»: و.
6- في «ع، م»: دواعي، ظ دعاوى.
7- في «ط»: بواطن.

وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى نَعْمَائِهِ وَ أَيَادِيهِ، وَ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ شَهَادَةَ إِخْلاَصٍ(1) تُرْضِيهِ، وَ صَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلاَةً تُزْلِفُهُ(2) وَ تُحْظِيهِ.

وَ بَعْدُ:

فَإِنَّ(3) النِّكَاحَ مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ (تَعَالَى) بِهِ، وَ أَذِنَ فِيهِ، وَ مَجْلِسُنَا هَذَا مِمَّا قَضَاهُ وَ رَضِيَهُ، وَ هَذَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَسُولُ اللَّهِ(4) زَوَّجَنِي ابْنَتَهُ فَاطِمَةَ، عَلَى صَدَاقِ أَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَ دِينَارٍ، وَ قَدْ رَضِيتُ بِذَلِكَ، فَاسْأَلُوهُ وَ أَشْهِدُوا.

فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: زَوَّجْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ.

قَالَ الْمُسْلِمُونَ: بَارَكَ اللَّهُ لَهُمَا وَ عَلَيْهِمَا، وَ جَمَعَ شَمْلَهُمَا(5).

حديث المهر و كم قدره

25/ 25 - حَدَّثَنِي أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ بْنِ مُوسَى بْنِ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ابْنِ سَعْدٍ(6) التَّلَّعُكْبَرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الصَّوْلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ دِينَارٍ الْغَلاَبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَارَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):

ضَجَّتِ الْمَلاَئِكَةُ إِلَى اللَّهِ (تَعَالَى)، فَقَالُوا: إِلَهَنَا وَ سَيِّدَنَا، أَعْلِمْنَا مَا مَهْرُ فَاطِمَةَ(7) ، لِنَعْلَمَ وَ نَتَبَيَّنَ أَنَّهَا أَكْرَمُ الْخَلْقِ عَلَيْكَ.

ص: 91


1- في «ع»: اقيله و «م»: ظ تبلغه و، كما في نوادر المعجزات.
2- في «ع، م»: تريحه، و في نوادر المعجزات: تزكّيه.
3- (بعد فإن) ليس في «ع، م».
4- (رسول اللّه) ليس في «ع، م».
5- نوادر المعجزات: 8/87.
6- نسبه في رجال النّجاشيّ: 439... بن أحمد بن سعيد بن سعيد.
7- في «ع، م»: ما مهرها.

فَأَوْحَى اللَّهُ (تَعَالَى) إِلَيْهِمْ: يَا مَلاَئِكَتِي، وَ سُكَّانَ سَمَاوَاتِي، أُشْهِدُكُمْ أَنَّ مَهْرَ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ نِصْفُ الدُّنْيَا(1).

26/ 26 - وَ حَدَّثَنِي أَبُو الْمُفَضَّلِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ غِيَاثٌ الدَّيْلَمِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْفَارِسِيِّ، عَنْ زَيْدٍ الْهَرَوِيِّ(2) ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْكَانَ، عَنْ نَجَبَةَ، عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ، قَالَ: قَالَ سَيِّدِي الْبَاقِرُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) فِي قَوْلِ اللَّهِ (تَعَالَى): وَ إِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ - الى قَوْلِهِ - مُفْسِدِينَ (3):

إِنَّ قَوْمَ مُوسَى شَكَوْا إِلَى رَبِّهِمِ الْحَرَّ وَ الْعَطَشَ، فَاسْتَسْقَى مُوسَى الْمَاءَ، وَ شَكَا إِلَى رَبِّهِ (تَعَالَى) مِثْلَ ذَلِكَ.

وَ قَدْ شَكَا الْمُؤْمِنُونَ إِلَى جَدِّي رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَرِّفْنَا مَنِ الْأَئِمَّةُ بَعْدَكَ؟ فَمَا مَضَى مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ وَ لَهُ أَوْصِيَاءُ وَ أَئِمَّةٌ بَعْدَهُ، وَ قَدْ عَلِمْنَا أَنَّ عَلِيّاً وَصِيُّكَ، فَمَنِ الْأَئِمَّةُ مِنْ بَعْدِهِ؟

فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: إِنِّي قَدْ زَوَّجْتُ عَلِيّاً بِفَاطِمَةَ فِي سَمَائِي تَحْتَ ظِلِّ عَرْشِي، وَ جَعَلْتُ جَبْرَئِيلَ خَطِيبَهَا، وَ مِيكَائِيلَ وَلِيَّهَا، وَ إِسْرَافِيلَ الْقَابِلَ عَنْ عَلِيٍّ، وَ أَمَرْتُ شَجَرَةَ طُوبَى فَنَثَرَتِ عَلَيْهِمُ اللُّؤْلُؤَ الرَّطْبَ، وَ الدُّرَّ، وَ الْيَاقُوتَ، وَ الزَّبَرْجَدَ الْأَحْمَرَ، وَ الْأَخْضَرَ، وَ الْأَصْفَرَ، وَ الْمَنَاشِيرَ الْمَخْطُوطَةَ بِالنُّورِ، فِيهَا أَمَانٌ لِلْمَلاَئِكَةِ مَذْخُورٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَ جَعَلْتُ نِحْلَتَهَا مِنْ عَلِيٍّ خُمُسَ الدُّنْيَا، وَ ثُلُثَيِ الْجَنَّةِ، وَ جَعَلْتُ نِحْلَتَهَا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَنْهَارٍ: الْفُرَاتَ، وَ النِّيلَ، وَ نَهْرَ دِجْلَةَ، وَ نَهْرَ بَلْخٍ؛ فَزَوِّجْهَا أَنْتَ - يَا مُحَمَّدُ - بِخَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ، تَكُونُ سُنَّةً لِأُمَّتِكَ، فَإِنَّكَ إِذَا زَوَّجْتَ عَلِيّاً مِنْ فَاطِمَةَ جَرَى مِنْهُمَا(4) أَحَدَ عَشَرَ إِمَاماً مِنْ صُلْبِ عَلِيٍّ، سَيِّدُ كُلِّ أُمَّةٍ إِمَامُهُمْ فِي زَمَنِهِ، وَ يَعْلَمُونَ كَمَا عَلِمَ قَوْمُ مُوسَى مَشْرَبَهُمْ.ا.

ص: 92


1- نوادر المعجزات: 9/90، مدينة المعاجز: 146.
2- في «ع»: الهراري، و «م»: الهراوي.
3- البقرة 60:2.
4- في «ع»: منها.

وَ كَانَ تَزْوِيجُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) بِفَاطِمَةَ (عَلَيْهَا السَّلاَمُ) فِي السَّمَاءِ إِلَى تَزْوِيجِهَا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ يَوْماً(1).

خبر محمود الملك

خبر محمود الملك(2)

27/ 27 - أَخْبَرَنِي أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ هِبَةِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ ابْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُوسَى الْقُمِّيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ مَسْرُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَامِرٍ، عَنِ الْمُعَلَّى(3) بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَزَنْطِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) يَقُولُ:

بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) جَالِسٌ إِذْ دَخَلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ لَهُ أَرْبَعَةٌ وَ عِشْرُونَ وَجْهاً، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ: حَبِيبِي جَبْرَئِيلُ، لَمْ أَرَكَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ؟

فَقَالَ الْمَلَكُ: لَسْتُ بِجَبْرَئِيلَ، أَنَا مَحْمُودٌ، بَعَثَنِي اللَّهُ أَنْ أُزَوِّجَ النُّورَ مِنَ النُّورِ.

قَالَ: مَنْ مِمَّنْ؟

قَالَ: فَاطِمَةَ مِنْ عَلِيٍّ.

قَالَ: فَلَمَّا وَلَّى الْمَلَكُ إِذَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ مَكْتُوبٌ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وَ عَلِيٌّ وَصِيُّهُ، فَقَالَ لَهُ(4) رَسُولُ اللَّهِ: مُنْذُ كَمْ كُتِبَ هَذَا بَيْنَ كَتِفَيْكَ؟

فَقَالَ: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ (عَزَّ وَ جَلَّ) آدَمَ بِمِائَتَيْنِ وَ عِشْرِينَ أَلْفَ عَامٍ(5).

.

ص: 93


1- نوادر المعجزات: 10/90، مدينة المعاجز: 146.
2- في «ط» زيادة: الهابط على النّبيّ.
3- في «ع»: عليّ، و في «م»: يعلى، و كلاهما تصحيف و ما في المتن هو الصّواب من «ط» و بقيّة المصادر و معجم رجال الحديث 250:18، و للمعلّى كتب رواها عنه النّجاشيّ و الطّوسيّ باسنادهما إلى الحسين بن محمّد بن عامر عنه. رجال النّجاشيّ: 418، الفهرست: 165.
4- (له) ليس في «ع، م».
5- الكافي 8/383:1، الخصال: 17/640، معاني الأخبار: 1/103، أمالي الصّدوق: 19/474، نوادر المعجزات: 11/92، و في المصادر الأربعة المتقدّمة: باثنين و عشرين ألف عام.

خبر النّثار

28/ 28 - أَخْبَرَنِي أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ بْنِ مُوسَى التَّلَّعُكْبَرِيُّ، قَالَ:

حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الصَّوْلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى(1) ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ التُّسْتَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الصَّلْتِ عَبْدُ السَّلاَمِ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَلِيٍّ (عَلَيْهِمْ السَّلاَمُ)(2) قَالَ:

لَمَّا زَوَّجَنِي النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)(3) بِفَاطِمَةَ قَالَ لِي: أَبْشِرْ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ كَفَانِي مَا أَهَمَّنِي مِنْ أَمْرِ تَزْوِيجِكَ.

قُلْتُ: وَ مَا ذَاكَ؟

قَالَ: أَتَانِي جَبْرَئِيلُ بِسُنْبُلَةٍ مِنْ سَنَابِلِ الْجَنَّةِ، وَ قَرَنْفُلَةٍ مِنْ قَرَنْفُلِهَا، فَأَخَذْتُهُمَا وَ شَمِمْتُهُمَا، وَ قُلْتُ: يَا جَبْرَئِيلُ، مَا شَأْنُهُمَا(4) ؟

فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ مَلاَئِكَةَ الْجَنَّةِ وَ سُكَّانَهَا أَنْ يُزَيِّنُوا الْجَنَّةَ بِأَشْجَارِهَا، وَ أَنْهَارِهَا، وَ قُصُورِهَا، وَ دُورِهَا، وَ بُيُوتِهَا، وَ مَنَازِلِهَا، وَ غُرَفِهَا؛ وَ أَمَرَ الْحُورَ الْعِينَ أَنْ يَقْرَأْنَ حمعسق، وَ يس، ثُمَّ نَادَى مُنَادٍ: اشْهَدُوا أَجْمَعِينَ، اللَّهُ يَقُولُ: إِنِّي قَدْ زَوَّجْتُ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ مِنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ.

ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ سَحَابَةً فَأَمْطَرَتْ عَلَيْهِمُ الدُّرَّ، وَ الْيَاقُوتَ، وَ اللُّؤْلُؤَ، وَ الْجَوْهَرَ، وَ نَثَرَتْ السُّنْبُلَ وَ الْقَرَنْفُلَ، فَهَذَا مِمَّا نُثِرَتْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ(5).

.

ص: 94


1- أبو أحمد الجلوديّ الأزديّ، شيخ البصرة و أخباريها، عدّ النّجاشيّ من كتبه كتاب: تزويج فاطمة (عليها السّلام)، رجال النّجاشيّ: 240.
2- في «ط»: عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ (عليهم السّلام)، عن آبائه، عن عليّ.
3- في «ع»: لما زوج النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عليّا.
4- في «ع، م»: سببهما.
5- أمالي الصّدوق: 1/448، نوادر المعجزات: 12/93، مدينة المعاجز: 147.

خبر الوليمة

29/ 29 - حَدَّثَنِي أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ بْنِ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ شَيْبَانَ، قَالَ:

حَدَّثَنَا(1) مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ قُرْطٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، قَالَ:

لَمَّا زَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَاطِمَةَ (عَلَيْهَا السَّلاَمُ) بِعَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) قَالَ حِينَ عَقَدَ الْعَقْدَ: مَنْ حَضَرَ نِكَاحَ عَلِيٍّ فَلْيَحْضُرْ طَعَامَهُ.

قَالَ: فَضَحِكَ الْمُنَافِقُونَ، وَ قَالُوا: إِنَّ الَّذِينَ حَضَرُوا الْعَقْدَ حَشْرٌ مِنَ النَّاسِ، وَ إِنَّ مُحَمَّداً سَيَضَعُ طَعَاماً لاَ يَكْفِي عَشْرَةَ أُنَاسٍ، فَسَيَفْتَضِحُ مُحَمَّدٌ الْيَوْمَ(2).

وَ بَلَغَ ذَلِكَ إِلَيْهِ، فَدَعَا بِعَمَّيْهِ حَمْزَةَ وَ الْعَبَّاسِ، وَ أَقَامَهُمَا عَلَى بَابِ دَارِهِ وَ قَالَ لَهُمَا:

أَدْخِلاَ النَّاسَ عَشَرَةً عَشَرَةً. وَ أَقْبَلَ عَلَى عَلِيٍّ وَ عَقِيلٍ فَأَزَّرَهُمَا بِبُرْدَيْنِ يَمَانِيَّيْنِ، وَ قَالَ: انْقُلاَ عَلَى أَهْلِ التَّوْحِيدِ الْمَاءَ؛ وَ اعْلَمْ - يَا عَلِيُّ(3) - أَنَّ خِدْمَتَكَ لِلْمُسْلِمِينَ أَفْضَلُ مِنْ كَرَامَتِكَ لَهُمْ(4).

قَالَ: وَ جَعَلَ النَّاسُ يَرِدُونَ عَشَرَةً عَشَرَةً، فَيَأْكُلُونَ وَ يَصْدُرُونَ، حَتَّى أَكَلَ النَّاسُ مِنْ طَعَامِهِ(5) ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، وَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) يَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ(6): الظُّهْرَ وَ الْعَصْرَ، وَ(7) الْمَغْرِبَ وَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ.

ص: 95


1- في «ع»: حدّثني.
2- في «ع، م»: قالوا إنّ محمّدا قد صنع طعاما يكفي عشرة اناس، و حشر النّاس، اليوم يفتضح محمّد.
3- في «ط»: أخي.
4- في «ط»: كرامتكم.
5- في «ع، م»: أكل من طعام املاك عليّ من النّاس.
6- في «ط» زيادة: في.
7- في «ط» زيادة: في.

وَ جَعَلَ النَّاسُ يَصْدُرُونَ، فَعِنْدَهَا قَالَ النَّبِيُّ: أَيْنَ عَمِّي الْعَبَّاسُ؟ فَأَجَابَهُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ.

قَالَ النَّبِيُّ: يَا عَمِّ، مَا لِي أَرَى النَّاسَ يَصْدُرُونَ وَ لاَ يَرِدُونَ؟!

قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي، مَا(1) فِي الْمَدِينَةِ مُؤْمِنٌ إِلاَّ وَ قَدْ أَكَلَ مِنْ طَعَامِكَ، حَتَّى إِنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْمُشْرِكِينَ دَخَلُوا فِي عِدَادِ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَحْبَبْنَا أَنْ لاَ نَمْنَعَهُمْ لِيَرَوْا مَا أَعْطَاكَ اللَّهُ (تَعَالَى) مِنَ الْمَنْزِلَةِ الْعَظِيمَةِ وَ الدَّرَجَةِ الرَّفِيعَةِ.

قَالَ النَّبِيُّ: يَا عَمِّ، أَ تَعْرِفُ عَدَدَ الْقَوْمِ؟

قَالَ: لاَ عِلْمَ لِي(2) ، وَ لَكِنْ إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَعْرِفَ عَدَدَ الْقَوْمِ فَعَلَيْكَ بِعَمِّكَ حَمْزَةَ.

فَنَادَى النَّبِيُّ: أَيْنَ عَمِّي حَمْزَةُ؟ فَأَقْبَلَ يَسْعَى، وَ هُوَ يَجُرُّ سَيْفَهُ عَلَى الصَّفَا(3) - وَ كَانَ لاَ يُفَارِقُهُ سَيْفُهُ شَفَقَةً عَلَى دِينِ اللَّهِ - فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ رَآهُ ضَاحِكاً، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ: مَا لِي أَرَى النَّاسَ يَصْدُرُونَ وَ لاَ يَرِدُونَ؟

قَالَ: لِكَرَامَتِكَ عَلَى رَبِّكَ، أُطْعِمَ النَّاسُ مِنْ طَعَامِكَ حَتَّى مَا تَخَلَّفَ عَنْهُ مُوَحِّدٌ وَ لاَ مُلْحِدٌ.

قَالَ: كَمْ طَعِمَ مِنْهُمْ؟ هَلْ تَعْرِفُ عَدَدَهُمْ؟

قَالَ: وَ اللَّهِ، مَا شَذَّ عَلَيَّ رَجُلٌ وَاحِدٌ، أَكَلَ مِنْ طَعَامِكَ فِي أَيَّامِكَ تِلْكَ بِعِدَّةِ ثَلاَثَةِ آلاَفٍ وَ عَشْرَةِ أُنَاسٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَ ثَلاَثُمِائَةِ رَجُلٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ. فَضَحِكَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ.

ثُمَّ دَعَا بِصِحَافٍ، وَ جَعَلَ يَغْرِفُ فِيهَا وَ يَبْعَثُ بِهِ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عُقْبَةَ(4) إِلَى بُيُوتِ الْأَرَامِلِ وَ الضُّعَفَاءِ وَ الْمَسَاكِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَ الْمُسْلِمَاتِ، وَ الْمُعَاهَدِينَ وَ الْمُعَاهَدَاتِ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ يَوْمَئِذٍ بِالْمَدِينَةِ دَارٌ وَ لاَ مَنْزِلٌ إِلاَّ أُدْخِلَ إِلَيْهِ مِنْ طَعَامِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ).3.

ص: 96


1- في «ط»: لم يبق.
2- في «ط»: فقال: لا أعلم.
3- الصّفا: الصّخرة و الحجر الأملس «النّهاية 41:3».
4- كذا في النّسخ، و لم يتبيّن لنا من هو، و لعلّ (عقبة) تصحيف (عتبة)، انظر اسد الغابة 202:3.

ثُمَّ نَادَى: هَلْ فِيكُمْ رَجُلٌ يَعْرِفُ الْمُنَافِقِينَ؟ فَأَمْسَكَ النَّاسُ، فَنَادَى الثَّانِيَةَ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، فَنَادَى، أَيْنَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ.

قَالَ حُذَيْفَةُ: وَ كُنْتُ فِي هَمٍّ(1) مِنَ الْعِلَّةِ، وَ كَانَتِ الْهِرَاوَةُ بِيَدِي، وَ كُنْتُ أَمِيلُ ضَعْفاً، فَلَمَّا نَادَى بِاسْمِي لَمْ أَجِدْ بَدَا أَنْ نَادَيْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. وَ جَعَلْتُ أَدِبُّ فَلَمَّا وَقَفْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، قَالَ: يَا حُذَيْفَةُ، هَلْ تَعْرِفُ الْمُنَافِقِينَ؟

قَالَ حُذَيْفَةُ: مَا الْمَسْئُولُ أَعْلَمَ بِهِمْ مِنَ السَّائِلِ.

قَالَ: يَا حُذَيْفَةَ، ادْنُ مِنِّي فَدَنَا حُذَيْفَةُ مِنَ النَّبِيِّ، فَقَالَ النَّبِيُّ: اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ بِوَجْهِكَ. قَالَ حُذَيْفَةُ: فَاسْتَقْبَلْتُ الْقِبْلَةَ بِوَجْهِي، فَوَضَعَ النَّبِيُّ يَمِينَهُ بَيْنَ مَنْكِبِي، فَلَمْ يَسْتَتِمَّ وَضْعَ يَمِينِهِ بَيْنَ كَتِفَيَّ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ أَنَامِلِ النَّبِيِّ فِي صَدْرِي، وَ عَرَفْتُ الْمُنَافِقِينَ بِأَسْمَائِهِمْ وَ أَسْمَاءِ آبَائِهِمْ وَ أُمَّهَاتِهِمْ(2) ، وَ ذَهَبَتِ الْعِلَّةُ مِنْ جَسَدِي، وَ رَمَيْتُ بِالْهِرَاوَةِ مِنْ يَدَيِ، وَ أَقْبَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ فَقَالَ: انْطَلِقْ حَتَّى تَأْتِيَنِي بِالْمُنَافِقِينَ رَجُلاً رَجُلاً.

قَالَ حُذَيْفَةُ: فَلَمْ أَزَلْ أُخْرِجُهُمْ مِنْ أَوْطَانِهِمْ، فَجَمَعْتُهُمْ فِي مَنْزِلِ النَّبِيِّ وَ حَوْلَ(3) مَنْزِلِهِ، حَتَّى جَمَعْتُ مِائَةَ رَجُلٍ وَ اثْنَيْنِ وَ سَبْعِينَ رَجُلاً، لَيْسَ فِيهِمْ رَجُلٌ(4) يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ(5) يُقِرُّ بِنُبُوَّةِ رَسُولِهِ.

قَالَ: فَأَقْبَلَ النَّبِيُّ عَلَى عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) وَ قَالَ: احْمِلْ هَذِهِ الصَّحْفَةَ إِلَى الْقَوْمِ.

قَالَ عَلِيٌّ: فَأَتَيْتُ لِأَحْمِلَ الصَّحْفَةَ، فَلَمْ أَقْدِرْ عَلَيْهَا، فَاسْتَعَنْتُ بِأَخِي جَعْفَرٍ وَ بِأَخِي عَقِيلٍ، فَلَمْ أَقْدِرْ عَلَيْهَا، فَلَمْ نَزَلَ نَتَكَامَلُ حَوْلَ الْجَفْنَةِ إِلَى أَنْ صِرْنَا أَرْبَعِينَ(6) رَجُلاً فَلَمْ نَقْدِرُ عَلَيْهَا، وَ النَّبِيُّ قَائِمٌ عَلَى بَابِ الْحُجْرَةِ يَنْظُرُ إِلَيْنَا وَ يَتَبَسَّمُ، فَلَمَّا أَنْ عَلِمَن.

ص: 97


1- في «ط»: ضعف.
2- المشهور عند الفريقين أن حذيفة بن اليمان صاحب سر النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، و المراد بالسّرّ ما أعلمه من أحوال المنافقين، انظر صحيح البخاريّ 231/99:5، سير أعلام النبلاء 361:2.
3- في «ط»: أزل أدعوهم و أخرجهم من بيوتهم و أجمعهم حول.
4- في «ط»: من.
5- في «ع، م»: و لا.
6- في «ط»: لأحملها فلم أطق فاستعنت بأخي عقيل فلم نقدر، فتكامل معي اربعون.

أَنْ لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهَا، قَالَ: تَبَاعَدُوا عَنْهَا، فَتَبَاعَدْنَا فَطَرَحَ ذَيْلَ بُرْدَتَهُ(1) عَلَى عَاتِقِهِ، وَ جَعَلَ كَفَّهُ تَحْتَ الصَّحْفَةِ وَ شَالَهَا إِلَى مَنْكِبِهِ، وَ جَعَلَ يَجْرِي(2) بِهَا كَمَا يَنْحَدِرُ سَحَابٌ فِي(3) صَبَبٍ(4) فَوَضَعَ الصَّحْفَةَ بَيْنَ أَيْدِي الْمُنَافِقِينَ، وَ كَشَفَ الْغِطَاءَ عَنْهَا، وَ الصَّحْفَةُ عَلَى حَالِهَا لَمْ يَنْقُصْ مِنْهَا، وَ لاَ خَرْدَلَةٌ وَاحِدَةٌ، بِبَرَكَةِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، فَلَمَّا نَظَرَ الْمُنَافِقُونَ إِلَى ذَلِكَ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، وَ أَقْبَلَ الْأَصَاغِرُ عَلَى الْأَكَابِرِ وَ قَالُوا: لاَ جُزِيتُمْ عَنَّا خَيْراً، أَنْتُمْ صَدَدْتُمُونَا عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَنَا، تَصُدُّونَّا عَنْ دِينِ مُحَمَّدٍ، وَ لاَ بَيَانَ أَوْثَقُ مِمَّا رَأَيْنَا، وَ لاَ شَرْحَ(5) أَوْضَحُ مِمَّا سَمِعْنَا؟!

وَ أَنْكَرَ الْأَكَابِرُ عَلَى الْأَصَاغِرِ، فَقَالُوا لَهُمْ: لاَ تَعْجَبُوا مِنْ هَذَا، فَإِنَّ هَذَا قَلِيلٌ مِنْ سِحْرِ مُحَمَّدٍ.

فَلَمَّا سَمِعَ النَّبِيُّ مَقَالَتَهُمْ حَزِنَ حُزْناً شَدِيداً، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: كُلُوا، لاَ أَشْبَعَ اللَّهُ بُطُونَكُمْ. فَكَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَلْتَقِمُ اللُّقْمَةَ مِنَ الصَّحْفَةِ وَ يَهْوِي بِهَا إِلَى فِيهِ، فَيَلُوكُهَا لَوْكاً شَدِيداً، يَمِيناً وَ شِمَالاً، حَتَّى إِذَا هَمَّ بِبَلْعِهَا خَرَجَتِ اللُّقْمَةُ مِنْ فِيهِ، كَأَنَّهَا حَجَرٌ.

فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ضَجُّوا بِالْبُكَاءِ وَ النَّحِيبِ، وَ قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ. قَالَ النَّبِيُّ: يَا مُحَمَّدُ! قَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ. قَالَ النَّبِيُّ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ! قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ النَّبِيُّ:

لَبَّيْكُمْ.

وَ كَانَ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) إِذَا نُودِيَ بِاسْمِهِ يَا أَحْمَدُ يَا مُحَمَّدُ، أَجَابَ بِهِمَا، وَ إِذَا نُودِيَ بِكُنْيَتِهِ، أَجَابَ بِهَا، وَ إِذَا نُودِيَ بِالرِّسَالَةِ وَ النُّبُوَّةِ(6) أَجَابَ بِالتَّلْبِيَةِ.

فَقَالَ النَّبِيُّ: مَا الَّذِي تُرِيدُونَ؟ قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، التَّوْبَةَ التَّوْبَةَ، مَا نَعُودُ - يَا مُحَمَّدُة.

ص: 98


1- في «ع، م»: فتباعد النّاس و طرح النّبيّ ذيله.
2- في «ع، م»: يخمّر.
3- في «ع، م»: كما يقلع صحاف ينحدر من.
4- الصبب: الموضع المنحدر «النّهاية 3:3».
5- في «ط»: شرع.
6- في «ع، م»: نودي بالنّبوّة.

- فِي نِفَاقِنَا أَبَداً. فَقَامَ النَّبِيُّ(1) عَلَى قَدَمَيْهِ، وَ رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَ نَادَى:

اللَّهُمَّ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ فَتُبْ عَلَيْهِمْ، وَ إِلاَّ فَأَرِنِي فِيهِمْ آيَةً لاَ تَكُونُ مَسْخاً وَ لاَ قِرْداً. لِأَنَّهُ رَحِيمٌ بِأُمَّتِهِ.

قَالَ: فَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ الْيَوْمُ إِلاَّ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ (عَزَّ وَ جَلَّ): يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَ تَسْوَدُّ وُجُوهٌ (2) فَأَمَّا مَنْ آمَنَ بِالنَّبِيِّ فَصَارَ وَجْهُهُ كَالشَّمْسِ عِنْدَ ضِيَائِهَا(3) ، وَ كَالْقَمَرِ فِي نُورِهِ.

وَ أَمَّا مَنْ كَفَرَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، وَ انْقَلَبَ إِلَى النِّفَاقِ وَ الشِّقَاقِ، فَصَارَ وَجْهُهُ كَاللَّيْلِ فِي ظَلاَمِهِ.

وَ آمَنَ بِالنَّبِيِّ مِائَةُ رَجُلٍ، وَ انْقَلَبَ إِلَى الشِّقَاقِ وَ النِّفَاقِ اثْنَانِ وَ سَبْعُونَ رَجُلاً، فَاسْتَبْشَرَ النَّبِيُّ بِإِيمَانِ مَنْ آمَنَ، وَ قَالَ: لَقَدْ هَدَى اللَّهُ هَؤُلاَءِ بِبَرَكَةِ عَلِيٍّ وَ فَاطِمَةَ.

وَ خَرَجَ الْمُؤْمِنُونَ مُتَعَجِّبُونَ مِنْ بَرَكَةِ الصَّحْفَةِ وَ مَنْ أَكَلَ مِنْهَا مِنَ النَّاسِ.

فَأَنْشَدَ ابْنُ رَوَاحَةَ شِعْراً:

نَبِيُّكُمْ خَيْرُ النَّبِيِّينَ كُلِّهِمْ كَمِثْلِ سُلَيْمَانَ يُكَلِّمُهُ النَّمْلُ(4)

فَقَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): أَسْمَعْتَ خَيْراً يَا ابْنَ رَوَاحَةَ، إِنَّ سُلَيْمَانَ نَبِيٌّ، وَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ وَ لاَ فَخْرَ، كَلَّمَتْهُ النَّمْلَةُ، وَ سَبَّحَتْ فِي يَدَيَّ صِغَارُ الْحَصَى، فَنَبِيُّكُمْ خَيْرُ النَّبِيِّينَ كُلِّهِمْ وَ لاَ فَخْرَ، فَكُلُّهُمْ إِخْوَانِي.

فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ: يَا مُحَمَّدُ، وَ عَلِمْتَ أَنَّ الْحَصَى سَبَّحَ فِي كَفِّكَ، قَالَ: إِي، وَ الَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ نَبِيّاً.

فَسَمِعَهُ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ، فَقَالَ: وَ الَّذِي كَلَّمَ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ عَلَى الطُّورِ، مَا سَبَّحَ فِي كَفِّكَ الْحَصَى.».

ص: 99


1- في «ع، م» زيادة: قائما.
2- آل عمران 106:3.
3- في «ط»: كالشّمس في إشراقها.
4- (نبيّكم خير... النّمل) ليس في «ع، م».

فَقَالَ النَّبِيُّ: بَلَى، وَ الَّذِي كَلَّمَنِي فِي(1) الرَّفِيعِ الْأَعْلَى، مِنْ وَرَاءِ سَبْعِينَ حِجَاباً، غِلَظُ كُلِّ حِجَابٍ مِائَةُ عَامٍ.

ثُمَّ قَبَضَ النَّبِيُّ عَلَى كَفٍّ مِنَ الْحَصَى، فَوَضَعَهُ فِي رَاحَتِهِ، فَسَمِعْنَا لَهُ دَوِيّاً كَدَوِيِّ الْأُذُنِ إِذَا سُدَّتْ بِالْإِصْبَعِ.

فَلَمَّا سَمِعَ الْيَهُودِيُّ ذَلِكَ، قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، لاَ أَثَرَ بَعْدَ عَيْنٍ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَ أَنَّكَ - يَا مُحَمَّدُ - رَسُولُهُ. وَ آمَنَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ أَرْبَعُونَ رَجُلاً، وَ بَقِيَ اثْنَانِ وَ ثَلاَثُونَ رَجُلاً(2).

خبر ليلة الزّفاف

30/ 30 - حَدَّثَنِي أَبُو الْمُفَضَّلِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ(3) مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ، قَالَ:

حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَرْوَزِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ جَدِّهِ مُحَمَّدٍ الْبَاقِرِ (عَلَيْهِمْ السَّلاَمُ)، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ:

لَمَّا زَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ فَاطِمَةَ مِنْ عَلِيٍّ أَتَاهُ أُنَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالُوا إِنَّكَ زَوَّجْتَ عَلِيّاً بِمَهْرٍ قَلِيلٍ!

فَقَالَ: مَا أَنَا زَوَّجْتُ عَلِيّاً، وَ لَكِنَّ اللَّهَ زَوَّجَهُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي إِلَى السَّمَاءِ، فَصِرْتُ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، أَوْحَى اللَّهُ إِلَى السِّدْرَةِ: أَنِ انْثُرِي مَا عَلَيْكِ، فَنَثَرَتِ الدُّرَّ وَ الْجَوْهَرَ وَ الْمَرْجَانَ، فَابْتَدَرَ الْحُورُ الْعِينُ فَالْتَقَطْنَ، فَهُنَّ يَتَهَادَيْنَهُ وَ يَتَفَاخَرْنَ بِهِ، وَ يَقُلْنَ: هَذَا مِنْ نِثَارِ فَاطِمَةَ بِنْتِ مُحَمَّدٍ.

فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الزِّفَافِ، أُتِيَ النَّبِيُّ بِبَغْلَتِهِ الشَّهْبَاءِ، وَ ثَنَى عَلَيْهَا قَطِيفَةً، وَ قَالَ لِفَاطِمَةَ: ارْكَبِي. وَ أَمَرَ سَلْمَانَ أَنْ يَقُودَهَا؛ وَ النَّبِيُّ يَسُوقُهَا، فَبَيْنَا هُمْ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ إِذْ

ص: 100


1- في «ع، م»: على.
2- إثبات الهداة 646/175:2 صدره، مدينة المعاجز: 147.
3- (أحمد بن) ليس في الأمالي.

سَمِعَ النَّبِيُّ وَجْبَةً(1) ، فَإِذَا هُوَ بِجَبْرَئِيلَ فِي سَبْعِينَ أَلْفاً مِنَ الْمَلاَئِكَةِ، وَ مِيكَائِيلَ فِي سَبْعِينَ أَلْفاً، فَقَالَ النَّبِيُّ: مَا أَهْبَطَكُمْ إِلَى الْأَرْضِ؟! قَالُوا: جِئْنَا نَزُفُّ(2) فَاطِمَةَ إِلَى زَوْجِهَا عَلِيِّ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ. فَكَبَّرَ جَبْرَئِيلُ وَ مِيكَائِيلُ، وَ كَبَّرَتِ الْمَلاَئِكَةُ، وَ كَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ، فَوَقَعَ التَّكْبِيرُ عَلَى الْعَرَائِسِ مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ.

قَالَ عَلِيٌّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): ثُمَّ دَخَلَ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَدَخَلْتُ إِلَيْهِ، وَ دَنَوْتُ مِنْهُ، فَوَضَعَ كَفُّ فَاطِمَةَ الطَّيِّبَةُ فِي كَفِّي وَ قَالَ: ادْخُلاَ الْمَنْزِلَ، وَ لاَ تُحْدِثَا أَمْراً حَتَّى آتِيَكُمَا.

قَالَ عَلِيٌّ: فَدَخَلْتُ أَنَا وَ هِيَ الْمَنْزِلَ، فَمَا كَانَ إِلاَّ أَنْ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وَ بِيَدِهِ مِصْبَاحٌ، فَوَضَعَهُ فِي نَاحِيَةِ الْمَنْزِلِ، ثُمَّ قَالَ: يَا عَلِيُّ، خُذْ فِي ذَلِكَ الْقَعْبِ مَاءً مِنْ تِلْكَ الشَّكْوَةِ(3).

قَالَ: فَفَعَلْتُ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ بِهِ، فَتَفَلَ فِيهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) تَفَلاَتٍ، ثُمَّ نَاوَلَنِي الْقَعْبَ، فَقَالَ: اشْرَبْ. فَشَرِبْتُ، ثُمَّ رَدَدْتُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، فَنَاوَلَهُ فَاطِمَةَ، ثُمَّ قَالَ: اشْرَبِي حَبِيبَتِي فَجَرْعُت مِنْهُ ثَلاَثَ جُرْعَاتٍ، ثُمَّ رَدَّتْهُ إِلَى أَبِيهَا، فَأَخَذَ مَا بَقِيَ مِنَ الْمَاءِ، فَنَضَحَهُ عَلَى صَدْرِي وَ صَدْرِهَا، ثُمَّ قَالَ: إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ (4) إِلَى آخِرِ الْآيَةِ.

ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ وَ قَالَ: يَا رَبِّ، إِنَّكَ لَمْ تَبْعَثْ نَبِيّاً إِلاَّ وَ قَدْ جَعَلْتَ لَهُ عِتْرَةً، اللَّهُمَّ فَاجْعَلْ عِتْرَتِي الْهَادِيَةَ مِنْ عَلِيٍّ وَ فَاطِمَةَ. ثُمَّ خَرَجَ.

قَالَ عَلِيٌّ: فَبِتُّ بِلَيْلَةٍ لَمْ يَبِتْ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ بِمِثْلِهَا، فَلَمَّا أَنْ كَانَ فِي آخِرِ السَّحَرِ أَحْسَسْتُ بِحِسِّ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) مَعَنَا، فَذَهَبْتُ لِأَنْهَضَ، فَقَالَ لِي: مَكَانَكَ يَا عَلِيُّ، أَتَيْتُكَ فِي فِرَاشِكَ رَحِمَكَ اللَّهُ. فَأَدْخَلَ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) رِجْلَيْهِ مَعَنَا فِي الدِّثَارِ، ثُمَّ أَخَذَ مِدْرَعَةً كَانَتْ تَحْتَ رَأْسِ فَاطِمَةَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَتْ فَاطِمَةُ فَبَكَى، وَ بَكَتْ، وَ بَكَيْتُ لِبُكَائِهِمَا، فَقَالَ لِي: مَا يُبْكِيكَ يَا عَلِيُّ؟

قَالَ: قُلْتُ: فِدَاكَ أَبِي وَ أُمِّي، لَقَدْ بَكَيْتُ وَ بَكَتْ فَاطِمَةُ، فَبَكَيْتُ لِبُكَائِهِمَا.3.

ص: 101


1- الوجبة: صوت السّقوط «النّهاية 154:5».
2- في «ط»: لزفاف.
3- الشكوة: وعاء كالدلو، أو القربة الصّغيرة. و القعب: القدح الضّخم.
4- الاحزاب 33:33.

قَالَ نَعَمْ: أَتَانِي جَبْرَئِيلُ فَبَشَّرَنِي بِفَرْخَيْنِ يَكُونَانِ لَكَ، ثُمَّ عُزِّيتُ بِأَحَدِهِمَا، وَ عَرَفْتُ أَنَّهُ يُقْتَلُ غَرِيباً عَطْشَاناً. فَبَكَتْ فَاطِمَةُ حَتَّى عَلاَ بُكَاؤُهَا، ثُمَّ قَالَتْ: يَا أَبَهْ، لِمَ يَقْتُلُونَهُ وَ أَنْتَ جَدُّهُ، وَ أَبُوهُ عَلِيٌّ، وَ أَنَا أُمُّهُ؟

قَالَ: يَا بُنَيَّةِ، لِطَلَبِهِمُ(1) الْمُلْكَ، أَمَا إِنَّهُ سَيَظْهَرُ عَلَيْهِمْ سَيْفٌ لاَ يُغْمَدُ إِلاَّ عَلَى يَدِ الْمَهْدِيِّ مِنْ وُلْدِكَ.

يَا عَلِيُّ، مَنْ أَحَبَّكَ وَ أَحَبَّ ذُرِّيَّتَكَ فَقَدْ أَحَبَّنِي، وَ مَنْ أَحَبَّنِي أَحَبَّهُ اللَّهُ، وَ مَنْ أَبْغَضَكَ وَ أَبْغَضَ ذُرِّيَّتَكَ فَقَدْ أَبْغَضَنِي، وَ مَنْ أَبْغَضَنِي أَبْغَضَهُ اللَّهُ، وَ أَدْخَلَهُ النَّارَ(2).

31/31 - وَ حَدَّثَنِي أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ بْنُ مُوسَى التَّلَّعُكْبَرِيُّ، قَالَ:

حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مَهْدِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُوسَى الرِّضَا، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ الْبَاقِرِ (عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ)، قَالَ: حَدَّثَنِي جَابِرُ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ، قَالَ:

لَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَهْدَى فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ فَاطِمَةَ إِلَى عَلِيٍّ (عَلَيْهِمْ السَّلاَمُ)، دَعَا بِعَلِيٍّ فَأَجْلَسَهُ عَنْ يَمِينِهِ، وَ دَعَا بِهَا (عَلَيْهَا السَّلاَمُ) فَأَجْلَسَهَا عَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ جَمَعَ رَأْسَيْهِمَا، ثُمَّ قَامَ، وَ قَامَا وَ هُوَ بَيْنَهُمَا، يُرِيدُ مَنْزِلَ عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، فَكَبَّرَ جَبْرَئِيلُ فِي الْمَلاَئِكَةِ، فَسَمِعَ النَّبِيُّ التَّكْبِيرَ، فَكَبَّرَ وَ كَبَّرَ الْمُسْلِمُونَ، وَ هُوَ أَوَّلُ تَكْبِيرٍ كَانَ فِي زِفَافٍ، فَصَارَتْ سُنَّةً(3).

32/32 - وَ حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ الْفَرَجِ بْنِ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الثَّقَفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْأَسَدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي(4) أَبِي، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، قَالَ:

لَمَّا زُفَّتْ فَاطِمَةُ إِلَى عَلِيٍّ (عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ)، نَزَلَ جَبْرَئِيلُ وَ مِيكَائِيلُ وَ إِسْرَافِيلُ، وَ نَزَلَا.

ص: 102


1- في «ع، م»: طلب.
2- نوادر المعجزات: 14/94، مدينة المعاجز: 148 و قطعة منه في من لا يحضره الفقيه 1/253:3، و أمالي الطّوسيّ 263:1.
3- مدينة المعاجز: 148.
4- في «ع»: حدّثنا.

مَعَهُمْ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ.

قَالَ: فَقُدِّمَتْ بَغْلَةُ رَسُولِ اللَّهِ (دُلْدُلُ) وَ عَلَيْهَا شَمْلَةٌ، قَالَ فَأَمْسَكَ جَبْرَئِيلُ بِاللِّجَامِ، وَ أَمْسَكَ إِسْرَافِيلُ بِالرِّكَابِ، وَ أَمْسَكَ مِيكَائِيلُ بِالثَّفَرِ(1) ، وَ رَسُولُ اللَّهِ يُسَوِّي عَلَيْهَا ثِيَابَهَا، فَكَبَّرَ جَبْرَئِيلُ، وَ كَبَّرَ إِسْرَافِيلُ، وَ كَبَّرَ مِيكَائِيلُ، وَ كَبَّرَتِ الْمَلاَئِكَةُ، وَ جَرَتْ بِهِ السُّنَّةُ بِالتَّكْبِيرِ فِي الزِّفَافِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ(2).

خبر الطّيب

33/ 33 - حَدَّثَنِي(3) أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ الطَّبَرِيُّ الْقَاضِي، قَالَ:

أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَالِكٍ السَّيَّارِيُّ(4) ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْغَلاَبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَارَةَ الْكِنْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ)، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) يَقُولُ لِعَلِيٍّ يَوْمَ زَوَّجَهُ فَاطِمَةَ: يَا عَلِيُّ، ارْفَعْ رَأْسَكَ إِلَى السَّمَاءِ فَانْظُرْ مَا تَرَى.

قَالَ: أَرَى جِوَارِيَ مُزَيَّنَاتٍ، مَعَهُنَّ هَدَايَا.

قَالَ: فَأُوَلئِكَ خَدَمُكَ وَ خَدَمُ فَاطِمَةَ فِي الْجَنَّةِ، انْطَلِقْ الى مَنْزِلِكَ، وَ لاَ تُحْدِثْ شَيْئاً حَتَّى آتِيَكَ. فَمَا كَانَ إِلاَّ أَنْ مَضَى(5) رَسُولُ اللَّهِ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَ أَمَرَنِي أَنْ أُهْدِيَ لَهَا طِيباً.

قَالَ عَمَّارٌ: فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ جِئْتُ إِلَى مَنْزِلِ فَاطِمَةَ وَ مَعِي الطِّيبُ، فَقَالَتْ: يَا

ص: 103


1- الثفر: السّير الّذي في مؤخّر السّرج «لسان العرب - ثفر - 105:4».
2- كشف الغمّة 368:1، مدينة المعاجز: 148.
3- في «ع»: حدّثنا.
4- في «ع، م»: السباي.
5- كذا في نوادر المعجزات، و في «ط»: فما كان إلاّ كلاّ و لا حتّى مضى؟ و في «م»: فما كان إلاّ كلاّ شيء حتّى مضى؟ و في «ع»: سقط قوله (إلى منزلك... رسول اللّه).

أَبَا الْيَقْظَانِ، مَا هَذَا الطِّيبُ؟

قُلْتُ: طِيبٌ أَمَرَنِي بِهِ أَبُوكِ أَنْ أُهْدِيَهُ لَكِ.

فَقَالَتْ: وَ اللَّهِ، لَقَدْ أَتَانِي مِنَ السَّمَاءِ طِيبٌ مَعَ جِوَارٍ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، وَ إِنَّ فِيهِنَّ جَارِيَةً حَسْنَاءَ كَأَنَّهَا الْقَمَرُ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، فَقُلْتُ: مَنْ بَعَثَ بِهَذَا الطِّيبِ؟ فَقَالَتْ: دَفَعَهُ إِلَيَّ(1) رِضْوَانُ خَازِنُ الْجَنَّةِ، وَ أَمَرَ هَؤُلاَءِ الْجَوَارِيَ أَنْ يَنْحَدِرْنَ مَعِي، وَ مَعَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ ثَمَرَةُ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ فِي الْيَدِ الْيُمْنَى، وَ فِي الْيَدِ الْيُسْرَى نُخْبَةً(2) مِنْ رَيَاحِينِ الْجَنَّةِ.

فَنَظَرْتُ إِلَى الْجَوَارِي وَ إِلَى حُسْنِهِنَّ، فَقُلْتُ: لِمَنْ أَنْتُنَّ؟ فَقُلْنَ: نَحْنُ لَكِ، وَ لِأَهْلِ بَيْتِكِ، وَ لِشِيعَتِكِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقُلْتُ: أَ فِيكُنَّ مِنْ أَزْوَاجِ ابْنِ عَمِّي أَحَدٌ؟ قُلْنَ: أَنْتِ زَوْجَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ، وَ نَحْنُ خَدَمُكِ وَ خَدَمُ ذُرِّيَّتِكِ.

وَ حَمَلْتُ بِالْحَسَنِ، فَلَمَّا رُزِقْتُهُ حَمَلْتُ بَعْدَ أَرْبَعِينَ يَوْماً بِالْحُسَيْنِ، وَ رُزِقْتُ زَيْنَبَ وَ أُمَّ كُلْثُومٍ، وَ حَمَلْتُ بِمُحَسِّن، فَلَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وَ جَرَى مَا جَرَى فِي يَوْمِ دُخُولِ الْقَوْمِ عَلَيْهَا دَارَهَا، وَ إِخْرَاجِ ابْنِ عَمِّهَا أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، وَ مَا لَحِقَهَا مِنَ الرَّجُلِ(3) أَسْقَطَتْ بِهِ وَلَداً تَمَاماً، وَ كَانَ ذَلِكَ أَصْلَ مَرَضِهَا وَ وَفَاتِهَا (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهَا)(4).

خبر مصحفها (صلوات اللّه عليها)

34/ 34 - حَدَّثَنِي أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ بْنِ مُوسَى التَّلَّعُكْبَرِيُّ، قَالَ:

حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ هَمَّامٍ قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَالِكٍ الْفَزَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمْدَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمَانَ وَ جَعْفَرُ ابْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَسْبَاطٍ، عَنِ الْحُسَيْنِ(5) بْنِ أَبِي الْعَلاَءِ وَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ

ص: 104


1- في «ط»: فقالت: بعثه.
2- في «ط»: طاقة.
3- في «ع، م»: الوجل.
4- نوادر المعجزات: 15/96.
5- في «ط، ع، م»: الحسن، مكبرا، و هو تصحيف، و هو الحسين بن خالد أبي العلاء الخفّاف، كان ثقة وجيها، -.

أَبِي بَصِيرٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) عَنْ مُصْحَفِ فَاطِمَةَ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهَا)، فَقَالَ: أُنْزِلَ عَلَيْهَا بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهَا.

فَقُلْتُ: فَفِيهِ شَيْ ءٌ مِنَ الْقُرْآنِ؟

قَالَ: مَا فِيهِ شَيْ ءٌ مِنَ الْقُرْآنِ.

قَالَ: قُلْتُ: فَصِفْهُ لِي.

قَالَ: لَهُ دَفَّتَانِ مِنْ زَبَرْجَدَتَيْنِ عَلَى طُولِ الْوَرَقِ وَ عَرْضِهِ حَمْرَاوَيْنِ.

قُلْتُ لَهُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ صِفْ لِي وَرَقَهُ.

قَالَ: وَرَقُهُ مِنْ دُرٍّ أَبْيَضَ قِيلَ لَهُ: (كُنْ) فَكَانَ.

قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، فَمَا فِيهِ؟

قَالَ: فِيهِ خَبَرُ مَا كَانَ، وَ خَبَرُ مَا يَكُونُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَ فِيهِ خَبَرُ سَمَاءٍ سَمَاءٍ، وَ عَدَدُ مَا فِي سَمَاءٍ سَمَاءٍ(1) مِنَ الْمَلاَئِكَةِ، وَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَ عَدَدُ كُلِّ مَنْ خَلَقَ اللَّهُ مُرْسَلاً وَ غَيْرَ مُرْسَلٍ، وَ أَسْمَاؤُهُمْ، وَ أَسْمَاءُ الَّذِينَ أُرْسِلُوا(2) إِلَيْهِمْ، وَ أَسْمَاءُ مَنْ كَذَّبَ وَ مَنْ أَجَابَ مِنْهُمْ، وَ فِيهِ أَسْمَاءُ جَمِيعِ مَنْ خَلَقَ اللَّهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْكَافِرِينَ، مِنَ الْأَوَّلِينَ وَ الْآخِرِينَ، وَ أَسْمَاءُ الْبُلْدَانِ، وَ صِفَةُ - (3) كُلِّ بَلَدٍ فِي شَرْقِ الْأَرْضِ وَ غَرْبِهَا، وَ عَدَدُ مَا فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَ عَدَدُ مَا فِيهَا مِنَ الْكَافِرِينَ، وَ صِفَةُ كُلِّ مَنْ كَذَّبَ، وَ صِفَةُ الْقُرُونِ الْأُوَلى وَ قِصَصُهُمْ، وَ مَنْ وُلِّيَ مِنَ الطَّوَاغِيتِ وَ مُدَّةُ مُلْكِهِمْ(4) وَ عَدَدُهُمْ، وَ فِيهِ أَسْمَاءُ الْأَئِمَّةِ وَ صِفَتُهُمْ، وَ مَا يَمْلِكُ وَاحِداً وَاحِداً، وَ فِيهِ صِفَةُ كَرَّاتِهِمْ، وَ فِيهِ صِفَةُ جَمِيعِ مَنْ تَرَدَّدَ فِي الْأَدْوَارِ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَ الْآخِرِينَ.

قَالَ: قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ وَ كَمِ الْأَدْوَارُ؟

قَالَ: خَمْسُونَ أَلْفَ عَامٍ، وَ هِيَ سَبْعَةُ أَدْوَارٍ؛ وَ فِيهِ أَسْمَاءُ جَمِيعِ مَنْ خَلَقَ اللَّهُ مِنَن.

ص: 105


1- في «ط»: في السّماوات.
2- في «ط»: اسماء من ارسل.
3- في «ع، م»: الآخرين و فيه صفة.
4- في «ع، م»: الطّواغيت و ما يملكون.

الْأَوَّلِينَ وَ الْآخِرِينَ وَ آجَالُهُمْ، وَ صِفَةُ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَ عَدَدُ مَنْ يَدْخُلُهَا، وَ عَدَدُ مَنْ(1) يَدْخُلُ النَّارَ، وَ أَسْمَاءُ هَؤُلاَءِ وَ أَسْمَاءُ هَؤُلاَءِ، وَ فِيهِ عِلْمُ الْقُرْآنِ كَمَا أُنْزِلَ، وَ عِلْمُ التَّوْرَاةِ كَمَا أُنْزِلَتْ، وَ عِلْمُ الْإِنْجِيلِ، وَ الزَّبُورِ(2) ، وَ عَدَدُ كُلِّ شَجَرَةٍ وَ مَدَرَةٍ فِي جَمِيعِ الْبِلاَدِ.

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ (عَزَّ وَ جَلَّ) أَنْ يُنْزِلَهُ عَلَيْهَا، أَمَرَ جَبْرَئِيلَ وَ مِيكَائِيلَ وَ إِسْرَافِيلَ أَنْ يَحْمِلُوا الْمُصْحَفَ فَيَنْزِلُوا بِهِ عَلَيْهَا، وَ ذَلِكَ فِي لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ مِنَ الثُّلُثِ الثَّانِي مِنَ اللَّيْلِ، هَبَطُوا بِهِ عَلَيْهَا وَ هِيَ قَائِمَةٌ تُصَلِّي، فَمَا زَالُوا قِيَاماً حَتَّى قَعَدَتْ، فَلَمَّا فَرَغَتْ مِنْ صَلاَتِهَا سَلَّمُوا عَلَيْهَا، وَ قَالُوا لَهَا: السَّلاَمُ يُقْرِئُكَ السَّلاَمَ. وَ وَضَعُوا الْمُصْحَفَ فِي حَجْرِهَا، فَقَالَتْ لَهُمْ: اللَّهُ السَّلاَمُ، وَ مِنْهُ السَّلاَمُ، وَ إِلَيْهِ السَّلاَمُ، وَ عَلَيْكُمْ يَا رُسُلَ اللَّهِ السَّلاَمُ.

ثُمَّ عَرَجُوا إِلَى السَّمَاءِ، فَمَا زَالَتْ مِنْ بَعْدِ صَلاَةِ الْفَجْرِ إِلَى زَوَالِ الشَّمْسِ تَقْرَأُهُ، حَتَّى أَتَتْ عَلَى آخِرِهِ.

وَ لَقَدْ كَانَتْ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهَا) طَاعَتُهَا مَفْرُوضَةً عَلَى جَمِيعِ مَنْ خَلَقَ اللَّهُ مِنَ الْجِنِّ، وَ الْإِنْسِ، وَ الطَّيْرِ، وَ الْبَهَائِمِ(3) ، وَ الْأَنْبِيَاءِ، وَ الْمَلاَئِكَةِ.

فَقُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ فَلَمَّا مَضَتْ إِلَى مَنْ صَارَ ذَلِكَ الْمُصْحَفُ؟

فَقَالَ: دَفَعْتُهُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، فَلَمَّا مَضَى صَارَ إِلَى الْحَسَنِ، ثُمَّ إِلَى الْحُسَيْنِ، ثُمَّ عِنْدَ أَهْلِهِ حَتَّى يَدْفَعُوهُ إِلَى صَاحِبِ هَذَا الْأَمْرِ.

فَقُلْتُ: إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ كَثِيرٌ!

فَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، إِنَّ هَذَا الَّذِي وَصَفْتُهُ لَكَ لَفِي وَرَقَتَيْنِ مِنْ أَوَّلِهِ، وَ مَا وَصَفْتُ لَكَ بَعْدَ مَا فِي الْوَرَقَةِ الثَّالِثَةِ(4) ، وَ لاَ تَكَلَّمْتُ بِحَرْفٍ مِنْهُ(5).

.9.

ص: 106


1- (عدد من) ليس في «ع، م».
2- في «ط»: الانجيل كما انزل و علم الزّبور.
3- في «ط»: الوحش.
4- في «ط، م»: الثّانية.
5- عوالم فاطمة (عليها السّلام): 1/189.

خبر دعائها (صلوات اللّه عليها)

خبر دعائها(1) (صلوات اللّه عليها)

35/ 35 - رَوَى عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الشَّافِعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الْقَاضِي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْأَشْعَثِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَوْفٍ(2) الطَّائِيِّ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ(3) ، عَنِ ابْنِ أَبَانٍ، عَنْ سَلْمَانَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) قَالَ: كُنْتُ خَارِجاً مِنْ مَنْزِلِي ذَاتَ يَوْمٍ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، إِذْ لَقِيَنِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، فَقَالَ: مَرْحَباً يَا سَلْمَانُ، صِرْ إِلَى مَنْزِلِ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ، فَإِنَّهَا إِلَيْكَ مُشْتَاقَةٌ، وَ إِنَّهَا قَدْ أُتْحِفَتْ بِتُحْفَةٍ مِنَ الْجَنَّةِ، تُرِيدُ أَنْ تُتْحِفَكَ مِنْهَا.

قَالَ سَلْمَانُ: فَمَضَيْتُ إِلَيْهَا فَطَرَقْتُ الْبَابَ، فَاسْتَأْذَنْتُ فَأَذِنَتْ لِي بِالدُّخُولِ فَدَخَلْتُ، فَإِذَا هِيَ جَالِسَةٌ فِي صَحْنِ الْحُجْرَةِ، عَلَيْهَا قِطْعَةُ عَبَاءَةٍ، قَالَتْ: اجْلِسْ.

فَجَلَسْتُ، فَقَالَتْ: كُنْتُ بِالْأَمْسِ جَالِسَةً فِي صَحْنِ الْحُجْرَةِ، شَدِيدَةَ الْغَمِّ عَلَى النَّبِيِّ، أَبْكِيهِ وَ أَنْدُبُهُ، وَ كُنْتُ رَدَدْتُ بَابَ الْحُجْرَةِ بِيَدِي، إِذْ انْفَتَحَ الْبَابُ، وَ دَخَلَ عَلَيَّ ثَلاَثُ جِوَارٍ، لَمْ أَرَ كَحُسْنِهِنَّ، وَ لاَ كَنَضَارَةِ وُجُوهِهِنَّ، فَقُمْتُ إِلَيْهِنَّ مُنْكِرَةً لِشَأْنِهِنَّ، وَ قُلْتُ: مِنْ أَيْنَ أَنْتُنَّ، مِنْ مَكَّةَ أَوْ مِنَ الْمَدِينَةِ؟ فَقُلْنَ: لاَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، وَ لاَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، نَحْنُ مِنْ دَارِ السَّلاَمِ، بَعَثَنَا(4) إِلَيْكِ رَبُّ الْعَالَمِينَ، يُقْرِئُكِ السَّلاَمَ(5) وَ يُعَزِّيكِ بِأَبِيكِ مُحَمَّدٍ.

قَالَتْ فَاطِمَةُ: فَجَلَسْتُ أَمَامَهُنَّ، وَ قُلْتُ لِلَّتِي أَظُنُّ(6) أَنَّهَا أَكْبَرُهُنَّ: مَا اسْمُكِ؟ قَالَتْ: ذَرَّةُ.

ص: 107


1- في «ط، م»: وفاتها.
2- صحف في «ط، ع، م»: إلى: عون، و هو الحافظ الثّقة محمّد بن عوف بن سفيان الطّائيّ الحمّصيّ، مات سنة اثنتين و سبعين و مائتين، أنظر سير أعلام النبلاء 613:12.
3- و اسمه دينار بن عذافر، و يقال: طهمان القشيريّ البصريّ، روى عن الباقر (عليه السّلام) و التّابعين، وثّقه ابن حنبل و ابن معيّن و العجليّ و أبو حاتم و غيرهم، انظر رجال الطّوسيّ: 7/120، تهذيب الكمال 461:8.
4- في «ع، م»: بعث بنا.
5- في «ع، م»: يسلّم عليك.
6- في «ط»: ظننت.

قُلْتُ: وَ لِمَ سُمِّيتِ ذَرَّةَ؟

قَالَتْ: لِأَنَّ اللَّهَ (عَزَّ وَ جَلَّ) خَلَقَنِي لِأَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ.

وَ قُلْتُ: لِلْأُخْرَى: مَا اسْمُكِ؟

قَالَتْ: مِقْدَادَةُ.

فَقُلْتُ: وَ لِمَ سُمِّيتِ مِقْدَادَةً؟

قَالَتْ: لِأَنَّ اللَّهَ (عَزَّ وَ جَلَّ) خَلَقَنِي لِلْمِقْدَادِ.

وَ قُلْتُ لِلثَّالِثَةِ: مَا اسْمُكِ؟

قَالَتْ: سَلْمَى.

قُلْتُ: وَ لِمَ سُمِّيْتِ سَلْمَى؟

قَالَتْ: لِأَنَّ اللَّهَ (عَزَّ وَ جَلَّ) خَلَقَنِي لِسَلْمَانَ.

وَ قَدْ أَهْدَيْنَ إِلَيَّ هَدِيَّةً مِنَ الْجَنَّةِ، وَ قَدْ خَبَأْتُ لَكَ مِنْهَا. فَأَخْرَجَتْ إِلَيَّ طَبَقاً مِنْ رُطَبٍ أَبْيَضَ أَبْرَدَ مِنَ الثَّلْجِ، وَ أَذْكَى رَائِحَةً مِنَ الْمِسْكِ، فَدَفَعَتْ إِلَيَّ خَمْسَ رُطَبَاتٍ، وَ قَالَتْ لِي: كُلْ - يَا سَلْمَانُ - هَذَا عِنْدَ إِفْطَارِكَ.

فَخَرَجْتُ وَ أَقْبَلْتُ أُرِيدُ الْمَنْزِلَ، فَوَ اللَّهِ مَا مَرَرْتُ بِمَلَإٍ مِنَ النَّاسِ إِلاَّ قَالُوا: تَحْمِلُ الْمِسْكَ يَا سَلْمَانُ! حَتَّى أَتَيْتُ الْمَنْزِلَ، فَلَمَّا كَانَ وَقْتُ الْإِفْطَارِ أَفْطَرْتُ عَلَيْهِنَّ، فَلَمْ أَجِدْ لَهُنَّ نَوًى وَ لاَ عَجْماً، حَتَّى إِذَا أَصْبَحْتُ بَكَّرْتُ إِلَى مَنْزِلِ فَاطِمَةَ، فَأَخْبَرْتُهَا، فَتَبَسَّمَتْ ضَاحِكَةً، وَ قَالَتْ يَا سَلْمَانُ: مِنْ أَيْنَ يَكُونُ لَهَا نَوًى؟ وَ إِنَّمَا هُوَ (عَزَّ وَ جَلَّ) خَلَقَهُ لِي تَحْتَ عَرْشِهِ بِدَعَوَاتٍ كَانَ عَلَّمَنِيهَا النَّبِيُّ. فَقُلْتُ: حَبِيبَتِي، عَلِّمِينِي تِلْكَ الدَّعَوَاتِ، فَقَالَتْ: إِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ تَلْقَى اللَّهَ وَ هُوَ عَنْكَ غَيْرُ غَضْبَانٍ، فَوَاظِبْ عَلَى هَذَا الدُّعَاءِ، وَ هُوَ:

«بِسْمِ اللَّهِ النُّورِ، بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي يَقُولُ لِلشَّيْ ءِ كُنْ فَيَكُونُ، بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَ مَا تُخْفِي الصُّدُورِ، بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي خَلَقَ النُّورَ مِنَ النُّورِ، بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي هُوَ بِالْمَعْرُوفِ مَذْكُورٌ، بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ النُّورَ عَلَى الطُّورِ، بِقَدَرِ مَقْدُورٍ، فِي كِتَابٍ مَسْطُورٍ، عَلَى نَبِيٍّ مَحْبُورٍ».

.

ص: 108

حديث فدك

حديث فدك(1)

36/ 36 - حَدَّثَنِي أَبُو الْمُفَضَّلِ(2) مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ الزَّيَّاتُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَصَبَانِيُّ،(3) قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ الْبَزَنْطِيُّ(4) السَّكُونِيُّ، عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ الْأَحْمَرِ، عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ الرَّبَعِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا بَلَغَ فَاطِمَةَ (عَلَيْهَا السَّلاَمُ) إِجْمَاعُ أَبِي بَكْرٍ عَلَى مَنْعِ فَدَكٍ...

وَ أَخْبَرَنِي أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ بْنِ مُوسَى التَّلَّعُكْبَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ)، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيُّ، قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ قَيْسٍ الْأَشْعَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَسَّانَ، عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ عَمَّتِهِ زَيْنَبَ بِنْتِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ)، قَالَتْ: لَمَّا أَجْمَعَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى مَنْعِ فَاطِمَةَ (عَلَيْهَا السَّلاَمُ) فَدَكاً...

وَ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: وَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْأَشْعَرِيُّ، قَالَ:

حَدَّثَنِي(5) أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ الْجُعْفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ عَمَّتِهِ(6) زَيْنَبَ بِنْتِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ)، وَ غَيْرِ وَاحِدٍ: مِنْ(7) أَنَّ فَاطِمَةَ لَمَّا أَجْمَعَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى مَنْعِهَا فَدَكاً...

ص: 109


1- في «ع»: زيادة: و ما جرى بين فاطمة و بين أبي بكر في معنيها و كلامها له الحجّة (كذا).
2- في «ط»: الفضل.
3- في «ط»: العضباني.
4- زاد في «ط»: عن.
5- في «ع»: حدّثنا.
6- (عمّته) ليس في «ع، م».
7- (من) ليس في «ط».

وَ حَدَّثَنِي الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَخْلَدٍ بْنِ جَعْفَرِ [بْنِ مَخْلَدٍ](1) بْنِ سَهْلِ ابْنِ حُمْرَانَ الدَّقَّاقُ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي أُمُّ الْفَضْلِ خَدِيجَةُ بِنْتُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الثَّلْجِ، قَالَتْ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الصَّفْوَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ عَبْدُ الْعَزِيزِ ابْنُ يَحْيَى الْجَلُودِيُّ الْبَصْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ [بْنُ مُحَمَّدِ] بْنِ عُمَارَةَ الْكِنْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ - قَالَ: وَ مَا رَأَتْ عَيْنَايَ مِثْلَهُ - قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلاَنِ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، قَالَتْ: لَمَّا بَلَغَ فَاطِمَةَ إِجْمَاعُ أَبِي بَكْرٍ عَلَى مَنْعِ فَدَكٍ، وَ انْصِرَافِ وَكِيلِهَا عَنْهَا، لاَثَتْ خِمَارَهَا... وَ ذَكَرَ الْحَدِيثَ.

قَالَ الصَّفْوَانِيُّ: وَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ(2) بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ(3) ، عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِهِ...: وَ ذَكَرَ الْحَدِيثَ.

قَالَ الصَّفْوَانِيُّ: وَ حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عُثْمَانَ(4) ، قَالَ: حَدَّثَنَا نَائِلُ بْنُ نَجِيحٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شِمْرٍ، عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاقِرِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)...:

وَ ذَكَرَ الْحَدِيثَ.

قَالَ الصَّفْوَانِيُّ: وَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الضَّحَّاكِ(5) ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدٍ،ك.

ص: 110


1- أضفناه من تاريخ بغداد 189:6 و أنساب السمعاني 264:1، و لقباه (الباقرحي) كما يأتي في أحاديث أخرى، و هو من مشايخ النّجاشيّ أيضا، كان صدوقا، صحيح الكتاب، حسن النّقل، رجال النّجاشيّ: 162 و 322.
2- في شرح النّهج: أحمد. و رواه عنه الشّيخ أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ.
3- في «ط، ع، م»: عبد اللّه بن محمّد بن سليمان بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن، عن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن. و في الحديث (38) و شرح النّهج: عبد اللّه بن محمّد بن سليمان، عن أبيه، عن عبد اللّه، و في موضع آخر (ج 233/16): عبد اللّه بن حمّاد بن سليمان.
4- في شرح النّهج: عثمان بن عمران العجيفي.
5- في شرح النّهج: محمّد بن الضّحّاك.

عَنْ أَبِيهِ وَ عَوَانَةَ(1).

قَالَ الصَّفْوَانِيُّ: وَ حَدَّثَنَا ابْنُ عَائِشَةَ(2) بِبَعْضِهِ:

وَ حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ بَكَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَرْبُ بْنُ مَيْمُونٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ آبَائِهِ (عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ)، قَالُوا: لَمَّا بَلَغَ فَاطِمَةَ (عَلَيْهَا السَّلاَمُ) إِجْمَاعُ أَبِي بَكْرٍ عَلَى مَنْعِهَا فَدَكَ، وَ انْصَرَفَ عَامِلُهَا مِنْهَا، لاَثَتْ خِمَارَهَا، ثُمَّ أَقْبَلَتْ فِي لُمَةٍ(3) مِنْ حَفَدَتِهَا(4) وَ نِسَاءِ قَوْمِهَا، تَطَأُ ذُيُولَهَا، مَا تَخْرِمُ مِشْيَةَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، حَتَّى دَخَلَتْ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَ قَدْ حَفَّلَ حَوْلَهُ الْمُهَاجِرُونَ وَ الْأَنْصَارُ، فَنِيطَتْ دُونَهَا مُلاَءَةٌ، ثُمَّ أَنَّتْ أَنَّةً أَجْهَشَ لَهَا الْقَوْمُ بِالْبُكَاءِ، ثُمَّ أُمْهِلْتُ حَتَّى هَدَأَتْ فَوْرَتُهُمْ، وَ سَكَنَتْ رَوْعَتُهُمْ، وَ افْتَتَحَتِ الْكَلاَمَ، فَقَالَتْ:

«أَبْتَدِئُ بِالْحَمْدِ لِمَنْ هُوَ أَوْلَى بِالْحَمْدِ وَ الْمَجْدِ وَ الطَّوْلِ» ثُمَّ قَالَتْ: «اَلْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا أَنْعَمَ، وَ لَهُ الشُّكْرُ عَلَى مَا أَلْهَمَ، وَ الثَّنَاءُ عَلَى مَا قَدَّمَ، مِنْ عُمُومِ نِعَمٍ ابْتَدَاهَا، وَ سُبُوغِ آلاَءٍ أَسْدَاهَا، وَ إِحْسَانِ مِنَنٍ وَالاَهَا، جَمَّ عَنِ الْإِحْصَاءِ عَدَدُهَا، وَ نَأَى عَنِ الْمُجَازَاةِ أَمَدُهَا، وَ تَفَاوَتَ عَنِ الْإِدْرَاكِ أَبَدُهَا، اسْتَدْعَى الشَّكُورُ بِإِفْضَالِهَا(5) ، وَ اسْتَحْمَدَ إِلَى الْخَلاَئِقِ بِإِجْزَالِهَا، وَ أَمَرَ بِالنَّدْبِ إِلَى أَمْثَالِهَا.

وَ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، كَلِمَةٌ جُعِلَ الْإِخْلاَصُ تَأْوِيلَهَا، وَ ضَمِنَ الْقُلُوبُ مَوْصُولَهَا، وَ أَبَانَ فِي الْفِكَرِ مَعْقُولَهَا، الْمُمْتَنِعُ مِنَ الْأَبْصَارِ رُؤْيَتُهُ، وَ مِنَ الْأَلْسُنِ صِفَتُهُ، وَ مِنَ الْأَوْهَامِ الْإِحَاطَةُ بِهِ، ابْتَدَعَ الْأَشْيَاءَ لاَ مِنْ شَيْ ءٍ كَانَ قَبْلَهَا، وَ أَنْشَأَهَا بِلاَ احْتِذَاءِ أَمْثِلَةٍا.

ص: 111


1- في شرح النّهج: عوانة بن الحكم، و هو أبو الحكم الكوفيّ الضّرير، وصفوه بأنّه كان عالما بالأخبار و الآثار، ثقة، و كان عثمانيا، و كان يضع أخبارا لبني أميّة و له كتاب (سير معاوية و بني امية) روى عنه هشام بن الكلبيّ. انظر ترجمته في معجم الادباء 134:16، لسان الميزان 386:4.
2- و هو عبيد اللّه بن محمّد بن حفص، و يعرف بابن عائشة لأنّه من ولد عائشة بنت طلحة، وثّقه أبو حاتم و غيره، و روى بعض حديث فدك محمّد بن زكريّا، عن ابن عائشة، عن أبيه، عن عمّه. انظر شرح النّهج 16: 216، سير أعلام النبلاء 564:10.
3- أيْ في جماعة من نسائها، قيل: هي ما بين الثّلاثة إلى العشرة، و قيل اللّمّة: المثل في السّنّ، و الترب «النّهاية 273:4».
4- الحفدة: الأعوان و الخدم «الصّحاح - حفد - 466:2».
5- في بلاغات النّساء: و استثن الشّكر بفضائلها، و في كشف الغمّة: استتب الشّكر بفضائلها.

[امتثلها](1) ، وَضَعَهَا(2) لِغَيْرِ فَائِدَةٍ زَادَتْهُ، بَلْ إِظْهَاراً لِقُدْرَتِهِ، وَ تَعَبُّداً لِبَرِيَّتِهِ، وَ إِعْزَازاً لِأَهْلِ دَعْوَتِهِ، ثُمَّ جَعَلَ الثَّوَابِ عَلَى طَاعَتِهِ، وَ وَضَعَ الْعِقَابَ عَلَى مَعْصِيَتِهِ، ذِيَادَةً(3) لِعِبَادِهِ عَنْ نَقِمَتِهِ، وَ حِيَاشَةً(4) لَهُمْ إِلَى جَنَّتِهِ.

وَ أَشْهَدُ أَنَّ أَبِي مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ، اخْتَارَهُ قَبْلَ أَنْ يَجْتَبِلَهُ(5) ، وَ اصْطَفَاهُ قَبْلَ أَنْ يَبْتَعَثَهُ، وَ سَمَّاهُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَنْجِبهِ(6) ، إِذِ الْخَلاَئِقُ فِي الْغَيْبِ مَكْنُونَةٌ، وَ بِسَدِّ الْأَوْهَامِ(7) مَصُونَةٌ، وَ بِنِهَايَةِ الْعَدَمِ مَقْرُونَةٌ، عِلْماً مِنَ اللَّهِ فِي غَامِضِ الْأُمُورِ، وَ إِحَاطَةَ مِنْ وَرَاءِ حَادِثَةِ الدُّهُورِ، وَ مَعْرِفَةً بِمَوَاقِعِ الْمَقْدُورِ.

ابْتَعَثَهُ اللَّهُ إِتْمَاماً لِعِلْمِهِ، وَ عَزِيمَةً عَلَى إِمْضَاءِ حُكْمِهِ، فَرَأَى الْأُمَمَ فِرَقاً فِي أَدْيَانِهَا، عُكَّفاً عَلَى نِيرَاهَا، عَابِدَةً لِأَوْثَانِهَا، مُنْكِرَةً لِلَّهِ مَعَ عِرْفَانِهَا، فَأَنَارَ اللَّهُ بِمُحَمَّدٍ ظُلَمَهَا، وَ فَرَّجَ عَنِ الْقُلُوبِ بُهَمَهَا(8) ، وَ جَلاَ عَنِ الْأَبْصَارِ عَمَهَهَا، وَ عَنِ الْأَنْفُسِ غُمَمَهَا.

ثُمَّ قَبَضَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ قَبْضَ رَأْفَةٍ وَ رَحْمَةٍ، وَ اخْتِيَارٍ وَ رَغْبَةٍ لِمُحَمَّدِ عَنْ تَعَبِ هَذِهِ الدَّارِ، مَوْضُوعاً عَنْهُ أَعْبَاءُ الْأَوْزَارِ، مَحْفُوفاً بِالْمَلاَئِكَةِ الْأَبْرَارِ، وَ رِضْوَانِ الرَّبِّ الْغَفَّارِ، وَ مُجَاوَرَةِ الْمَلِكِ الْجَبَّارِ؛ أَمِينُهُ عَلَى الْوَحْيِ، وَ صَفِيُّهُ وَ رَضِيُّهُ، وَ خِيَرَتُهُ مِنْ خَلْقِهِ وَ نَجِيُّهُ، فَعَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَ السَّلاَمُ(9) ، وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ».

ثُمَّ الْتَفَتَتْ إِلَى أَهْلِ الْمَجْلِسِ(10) ، فَقَالَتْ لِجَمِيعِ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ:

«وَ أَنْتُمْ عِبَادَ اللَّهِ نُصْبُ أَمْرِهِ وَ نَهْيِهِ، وَ حَمَلَةُ دِينِهِ وَ وَحْيِهِ، وَ أُمَنَاءُ اللَّهِ عَلَى أَنْفُسِكُمْ،د.

ص: 112


1- من الاحتجاج.
2- في «ع، م»: سنأها.
3- الذيادة: الطّرد و الدّفع «لسان العرب - ذود - 167:3».
4- الحياشة: السّوق و الجمع «لسان العرب - حوش - 290:6».
5- جبله: أيّ خلقه «القاموس المحيط - جبل - 356:3».
6- انتجب فلانا و استنجبه: إذا استخلصه و اصطفاه اختيارا على غيره «لسان العرب - نجب - 748:1».
7- في «ع»: بسرّ الأوهام، و في بلاغات النّساء و الاحتجاج: و بستر الأهاويل.
8- في «ط»: شبهها.
9- في «ع، م»: خلقه و عليه السّلام.
10- في «ط، م»: المسجد.

وَ بُلَغَاؤُهُ إِلَى الْأُمَمِ، زَعِيمٌ لِلَّهِ فِيكُمْ، وَ عَهْدٌ قَدَّمَهُ إِلَيْكُمْ، وَ بَقِيَّةٌ اسْتَخْلَفَهَا عَلَيْكُمْ: كِتَابُ اللَّهِ، بَيِّنَةٌ بَصَائِرُهُ، وَ آيٌ مُنْكَشِفَةٌ سَرَائِرُهُ، وَ بُرْهَانٌ فِينَا مُتَجَلِّيَةٌ ظَوَاهِرُهُ، مُدِيمٌ لِلْبَرِيَّةِ اسْتِمَاعُهُ، وَ قَائِدٌ إِلَى الرِّضْوَانِ أَتْبَاعَهُ، وَ مُؤَدٍّ إِلَى النَّجَاةِ أَشْيَاعَهُ، فِيهِ تِبْيَانُ حُجَجِ اللَّهِ الْمُنَوَّرَةِ(1) ، وَ مَوَاعِظِهِ الْمُكَرَّرَةِ، وَ عَزَائِمِهِ الْمُفَسَّرَةِ، وَ مَحَارِمِهِ الْمُحَذَّرَةِ، وَ أَحْكَامِهِ الْكَافِيَةِ، وَ بَيِّنَاتِهِ الْجَالِيَةِ، وَ فَضَائِلِهِ الْمَنْدُوبَةِ، وَ رُخَصِهِ الْمَوْهُوبَةِ، وَ رَحْمَتِهِ الْمَرْجُوَّةِ، وَ شَرَائِعِهِ الْمَكْتُوبَةِ.

فَفَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الْإِيمَانَ تَطْهِيراً لَكُمْ مِنَ الشِّرْكِ؛ وَ الصَّلاَةَ تَنْزِيهاً لَكُمْ عَنِ الْكِبْرِ؛ وَ الزَّكَاةَ تَزْيِيداً فِي الرِّزْقِ؛ وَ الصِّيَامَ إِثْبَاتاً لِلْإِخْلاَصِ؛ وَ الْحَجَّ تَشْيِيداً لِلدِّينِ؛ وَ الْحَقَّ تَسْكِيناً لِلْقُلُوبِ، وَ تَمْكِيناً لِلدِّينِ، وَ طَاعَتَنَا نِظَاماً لِلْمِلَّةِ، وَ إِمَامَتَنَا لَمّاً لِلْفُرْقَةِ، وَ الْجِهَادَ عِزّاً لِلْإِسْلاَمِ، وَ الصَّبْرَ مَعُونَةً عَلَى الاِسْتِيجَابِ(2) ، وَ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ مَصْلَحَةً لِلْعَامَّةِ، وَ النَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ تَنْزِيهاً لِلدِّينِ(3) ، وَ الْبِرَّ بِالْوَالِدَيْنِ وِقَايَةً مِنَ السَّخَطِ، وَ صِلَةَ الْأَرْحَامِ مَنْمَاةً لِلْعَدَدِ، وَ زِيَادَةً فِي الْعُمُرِ، وَ الْقِصَاصَ حَقْناً لِلدِّمَاءِ، وَ الْوَفَاءَ باِلنُّذُورِ(4) تَعَرُّضاً لِلْمَغْفِرَةِ، وَ وَفَاءَ الْمِكْيَالِ وَ الْمِيزَانِ تَغْيِيراً لِلْبَخْسِ(5) وَ التَّطْفِيفَ، وَ اجْتِنَابَ قَذْفِ الْمُحْصَنَةِ حِجَاباً عَنِ اللَّعْنَةِ، وَ التَّنَاهِيَ عَنْ شُرْبِ الْخُمُورِ تَنْزِيهاً عَنِ الرِّجْسَ، وَ مُجَانَبَةَ السَّرِقَةِ إِيجَاباً لِلْعِفَّةِ، وَ التَّنَزُّهَ عَنْ أَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ وَ الاِسْتِئْثَارَ بِهِ إِجَارَةً مِنَ الظُّلْمِ، وَ النَّهْيَ عَنِ الزِّنَا تَحَصُّناً مِنَ الْمَقْتِ، وَ الْعَدْلَ فِي الْأَحْكَامِ إِينَاساً لِلرَّعِيَّةِ، وَ تَرْكَ الْجَوْرِ فِي الْحُكْمِ إِثْبَاتاً لِلْوَعِيدِ، وَ النَّهْيَ عَنِ الشِّرْكِ إِخْلاَصاً لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ.

فَاتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ، وَ لاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، وَ لاَ تَتَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ، وَ أَطِيعُوهُ فِيمَا أَمَرَكُمْ وَ نَهَاكُمْ، فَإِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ، فَاحْمَدُوا اللَّهَ الَّذِية.

ص: 113


1- في «ط، ع، م»: المنيرة، و ما في المتن أنسب للسياق، من بلاغات النّساء و الاحتجاج.
2- الاستيجاب: الاستحقاق «لسان العرب 793:1» و في «ط»: الاستجابة، و في الاحتجاج: استيجاب الأجر.
3- في «ع، م»: هو الدّين.
4- في «ط»: بالعهود.
5- في «ع، م» و بلاغات النّساء: تعييرا للبخسة.

بِعَظَمَتِهِ وَ نُورِهِ ابْتَغَى مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ، فَنَحْنُ وَسِيلَتُهُ فِي خَلْقِهِ، وَ نَحْنُ آلُ رَسُولِهِ، وَ نَحْنُ حُجَّةُ غَيْبِهِ، وَ وَرَثَةُ أَنْبِيَائِهِ».

ثُمَّ قَالَتْ:

«أَنَا فَاطِمَةُ وَ أَبِي مُحَمَّدٌ، أَقُولُهَا عَوْداً عَلَى بَدْءٍ، وَ مَا أَقُولُ إِذْ أَقُولُ سَرَفاً وَ لاَ شَطَطاً لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (1) إِنْ تُعَزُّوهُ تَجِدُوهُ أَبِي دُونَ نِسَائِكُمْ، وَ أَخَا ابْنِ عَمِّي دُونَ رِجَالِكُمْ، بَلَّغَ النَّذَارَةَ(2) صَادِعاً بِالرِّسَالَةِ، نَاكِباً عَنْ سُنَنِ الْمُشْرِكِينَ، ضَارِباً لِأَثْبَاجِهِمْ(3) ، آخِذاً بِأَكْظَامِهِمْ(4) ، دَاعِياً إِلَى سَبِيلِ رَبِّهِ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، يَجِذُّ(5) الْأَصْنَامَ، وَ يَنْكُتُ الْهَامَ(6) ، حَتَّى انْهَزَمَ الْجَمْعُ، وَ وَلَّوُا الدُّبُرَ، وَ حَتَّى تَفَرَّى(7) اللَّيْلُ عَنْ صُبْحِهِ، وَ أَسْفَرَ الْحَقُّ عَنْ مَحْضِهِ(8) ، وَ نَطَقَ زَعِيمُ الدِّينِ، وَ هَدَأَتْ فَوْرَةُ الْكُفْرِ، وَ خَرَسَتْ شَقَاشِقُ الشَّيْطَانِ(9) ، وَ فُهْتُمْ بِكَلِمَةِ الْإِخْلاَصِ.

وَ كُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ، فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا نَبِيُّهُ، تَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ، وَ تَسْتَقْسِمُونَ بِالْأَزْلاَمِ، مَذْقَةَ الشَّارِبِ(10) ، وَ نُهْزَةَ(11) الطَّامِعِ، وَ قُبْسَةَ الْعَجْلاَنِ، وَ مُوْطِئَ».

ص: 114


1- التّوبة 128:9.
2- في «ع، م»: فبلغ النّداء، و في الشّافي و الاحتجاج و الطرائف: فبلغ الرّسالة صادعا بالنذارة.
3- الثبج: ما بين الكاهل إلى الظّهر، و وسط الشّيء «الصّحاح - ثبج - 301:1».
4- يقال: أخذت بكظمه: أيّ بمخرج نفسه، و الجمع أكظام «الصّحاح - كظم - 2023:5».
5- جذذت الشّيء: كسرته و قطعته «الصّحاح - جذذ - 561:2».
6- أيّ يرميها إلى الأرض. و الهام: جمع الهامّة و هي الرّأس.
7- تفرى: أيّ انشقّ «الصّحاح - فرّا - 2454:6».
8- محضه: أيّ خالصه و صريحه «النّهاية - محض - 302:4».
9- شبّهت الفصيح المنطيق بالفحل الهادر، و لسانه بشقشقته، و نسبتها إلى الشّيطان لما يدخل فيه من الكذب و الباطل، و كونه لا يبالي بما قال. و الشقاشق جمع شقشقة و هي لهاة البعير «النّهاية - شقق - 489:2، لسان العرب - شقق - 185:10».
10- المذقة: الشّربة من اللّبن الممذوق (الممزوج بالماء) «النّهاية - مذق - 311:4».
11- النهزة: الفرصة «النّهاية - نهز - 135:5».

الْأَقْدَامِ، تَشْرَبُونَ الرَّنْقَ(1) ، وَ تَقْتَاتُونَ الْقِدَّةَ(2) ، أَذِلَّةً خَاشِعِينَ، تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِكُمْ فَأَنْقَذَكُمْ بِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بَعْدَ اللَّتَيَّا وَ الَّتِي(3) ، وَ بَعْدَ مَا مُنِيَ بِبُهَمِ(4) الرِّجَالِ، وَ ذِئْبَانِ الْعَرَبِ(5) ، كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ (6) ، أَوْ نَجَمَ(7) قَرْنُ الضَّلاَلَةِ، أَوْ فَغَرَتْ(8) فَاغِرَةُ الْمُشْرِكِينَ، قَذَفَ أَخَاهُ فِي لَهَوَاتِهَا، فَلاَ يَنْكَفِئُ حَتَّى يَطَأَ صُمَاخَهَا(9) بِأَخْمُصِهِ، وَ يُخْمِدَ لَهَبَهَا بِحَدِّهِ، مَكْدُوداً فِي ذَاتِ اللَّهِ، قَرِيباً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، سَيِّداً فِي أَوْلِيَاءِ اللَّهِ، وَ أَنْتُمْ فِي بُلَهْنِيَةٍ(10) آمِنُونَ، وَادِعُونَ فَرِحُونَ، تَتَوَكَّفُونَ الْأَخْبَارَ، وَ تَنْكُصُونَ عِنْدَ النُّزَّالِ عَلَى الْأَعْقَابِ، حَتَّى أَقَامَ اللَّهُ بِمُحَمَّدٍ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) عَمُودَ الدِّينِ.

فَلَمَّا اخْتَارَ اللَّهُ (عَزَّ وَ جَلَّ) لَهُ دَارَ أَنْبِيَائِهِ وَ مَأْوَى أَصْفِيَائِهِ، ظَهَرَتْ حَسِيكَةُ(11) النِّفَاقِ، وَ انْسَمَلَ جِلْبَابُ(12) الدِّينِ، وَ أَخْلَقَ ثَوْبُهُ، وَ نَحَلَ عَظْمُهُ، وَ أَوْدَتْ رُمَّتُهُ(13) ، وَ ظَهَرَ نَابِغٌ،».

ص: 115


1- الرنق: تراب في الماء من القذى و نحوه، و ماء رنق: كدر «لسان العرب - رنق - 126:10». و في المصادر: تشربون الطّرق: أيّ الماء الّذي خاضته الأبل و بالت فيه و بعرت «النّهاية - طرق - 123:3».
2- القدة: السّير يقد من جلد غير مدبوغ. «أقرب الموارد - قدد - 970:2».
3- يريد الشّدّة العظيمة و الصّغيرة. «كتاب الامثال: 882/256».
4- البهم: جمع بهمة: الشّجاع، و قيل: هو الفارس الّذي لا يدرى من أين يؤتى له من شدّة بأسه «لسان العرب - بهم - 58:12».
5- يعني صعاليكهم و لصوصهم، و الذوبان: جمع ذئب، و الأصل فيه الهمز. «النّهاية - ذوب - 171:2».
6- المائدة 64:5.
7- نجم: طلع و ظهر «لسان العرب - نجم - 568:12».
8- فغرت: أيْ فتحت «الصّحاح - فغر - 782:2».
9- الصماخ: ثقب الأذن، و قيل: هو الأذن نفسها «لسان العرب - صمخ - 34:3».
10- البلهنية: السّعة «الصّحاح - بلّه - 2227:6».
11- الحسيكة: الضّغن و العداوة «الصّحاح - حسك - 1579:4».
12- أيْ بلي و أخلق، و الجلباب: الإزار و الرّداء، و قيل: الملحفة.
13- الرّمّة بالضّمّ: قطعة من الحبل بالية. و الرّمّة بالكسر: العظام البالية «الصّحاح - رمم - 1937:5».

وَ نَبَغَ خَامِلٌ، وَ نَطَقَ كَاظِمٌ(1) ، وَ هَدَرَ فَنِيقُ(2) الْبَاطِلِ يَخْطُرُ(3) فِي عَرَصَاتِكُمْ، وَ أَطْلَعَ الشَّيْطَانُ رَأْسَهُ مِنْ مُعَرَّسِهِ(4) صَارِخاً بِكُمْ، فَأَلْفَاكُمْ غُضَّاباً، فَخَطَمْتُمْ(5) غَيْرَ إِبِلِكُمْ، وَ أَوْرَدْتُمُوهَا غَيْرَ شُرْبِكُمْ بِدَاراً(6) ، زَعَمْتُمْ خَوْفَ الْفِتْنَةِ أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ (7).

هَذَا وَ الْعَهْدُ قَرِيبٌ، وَ الْكَلْمُ رَحِيبٌ، وَ الْجُرْحُ لَمَّا يَنْدَمِلْ، فَهَيْهَاتَ مِنْكُمْ، وَ أَيْنَ بِكُمْ، وَ أَنَّى تُؤْفَكُونَ، وَ كِتَابُ اللَّهِ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، زَوَاجِرَهُ لاَئِحَةٌ، وَ أَوَامِرُهُ لاَمِحَةٌ، وَ دَلاَئِلُهُ وَاضِحَةٌ، وَ أَعْلاَمُهُ بَيِّنَةٌ، وَ قَدْ خَالَفْتُمُوهُ رَغْبَةً عَنْهُ، فَبِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً، ثُمَّ لَمْ تَلْبَثُوا(8) إِلاَّ رَيْثَ أَنْ تَسْكُنَ نَفْرَتُهَا، وَ يَسْلَسَ قِيَادُهَا، تُسِرُّونَ(9) حَسْواً بِارْتِغَاءٍ(10) ، أَوْ نَصْبِرُ مِنْكُمْ عَلَى مِثْلِ حَزِّ الْمَدَى، وَ زَعَمْتُمْ أَنْ لاَ إِرْثَ لَنَا، أَ فَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ تَبْغُونَ، وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَ هُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (11).5.

ص: 116


1- في بعض المصادر: و نطق كاظم الغاوين، و نبغ خامل الإفكين.
2- الهدير: ترديد الصّوت في الحنجرة «الصّحاح - هدر - 853:2». الفنيق: الفحل المكرّم من الإبل «الصّحاح - فنق - 1545:4».
3- يخطر: من الخطران و هو الاهتزاز في المشي و التّبختر «الصّحاح - خطر - 648:2».
4- المعرّس: اسم موضع من التّعريس و هو نزول القوم في السّفر من آخر اللّيل، يقعون فيه وقعة للاستراحة ثمّ يرتحلون «الصّحاح - عرس - 948:3». و في «ط»: مغرزة.
5- فخطمتم: من الخطام، و هو كوي على شكل خطّ من أنف البعير إلى أحد خدّيه، انظر «النّهاية - خطم - 50:2».
6- بدارا: أي سراعا «الصّحاح - بدر - 586:2».
7- التّوبة 49:9.
8- في «ط»: لم تريثوا شعثها، و في «ع»: لم ترتئوا اختها، و في «م»: لم تريثوا أختها، و ما في المتن من الشّافي.
9- في «ع، م»: تشربون.
10- مثل يضرب لمن يظهر أمرا و هو يريد غيره، و أصله الرّجل يؤتى باللّبن فيظهر أنّه يريد الرّغوة خاصّة و لا يريد غيرها، فيشربها مع اللّبن، انظر «مجمع الأمثال 417:2، لسان العرب - رغا - 330:14».
11- آل عمران 85:3. و ما قبلها تضمين من سورة المائدة 50:5.

أَيْهاً(1) مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ؛ أَ أُبْتَزُّ إِرْثَ أَبِي، يَا ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ؟! أَبَى اللَّهُ (عَزَّ وَ جَلَّ)(2) أَنْ تَرِثَ أَبَاكَ وَ لاَ أَرِثَ أَبِي؟! لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً فَرِيّاً، جُرْأَةً مِنْكُمْ عَلَى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ، وَ نَكْثِ الْعَهْدِ، فَعَلَى عَمْدٍ مَا تَرَكْتُمْ كِتَابَ اللَّهِ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ وَ نَبَذْتُمُوهُ، إِذْ يَقُولُ اللَّهُ (عَزَّ وَ جَلَّ):

وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ (3) .

وَ مَعَ مَا(4) قَصَّ مِنْ خَبَرِ يَحْيَى وَ زَكَرِيَّا إِذْ يَقُولُ رَبِّ .. فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَ اجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (5).

وَ قَالَ (عَزَّ وَ جَلَّ): يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ (6) وَ قَالَ (تَعَالَى): إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ (7).

فَزَعَمْتُمْ أَنْ لاَ حَظَّ لِي، وَ لاَ أَرِثَ مِنْ أَبِي! أَ فَخَصَّكُمُ اللَّهُ بِآيَةٍ أَخْرَجَ أَبِي مِنْهَا؟! أَمْ تَقُولُونَ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ لاَ يَتَوَارَثُونَ(8) ؟! أَ وَ لَسْتُ وَ أَبِي مِنْ أَهْلِ مِلَّةٍ وَاحِدَةٍ؟! أَمْ أَنْتُمْ بِخُصُوصِ الْقُرْآنِ وَ عُمُومِهِ أَعْلَمُ مِنَ النَّبِيِّ؟! دُونَكَهَا(9) مَرْحُولَةً مَزْمُومَةً(10) تَلْقَاكَ يَوْمَ حَشْرِكَ، فَنِعْمَ الْحَكَمُ اللَّهُ، وَ نِعْمَ الزَّعِيمُ(11) مُحَمَّدٌ، وَ الْمَوْعِدُ الْقِيَامَةُ، وَ عَمَّا قَلِيلٍ تُؤْفَكُونَ، وَ عِنْدَ السَّاعَةِ مَا تَحَسَّرُونَ، وَ لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ (12)فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ6.

ص: 117


1- أَيْها: أيْ هيهات، و إيها بمعنى كفّ و اسكت «الصّحاح - إيه - 2226:6، لسان العرب - إيه - 13: 474».
2- في الاحتجاج: أ في كتاب اللّه.
3- النّمل 16:27.
4- في «ط»: و فيما.
5- مريم 4:19-6.
6- النّساء 11:4.
7- البقرة 180:2.
8- في «ط»: يتوارثان.
9- في «ط»: ممّن جاء به فدونكموها.
10- مرحولة: من الرّحل و هو مركب للبعير و النّاقة، «لسان العرب - رحل - 274:11». مزمومة: من الزّمام و هو الخيط الّذي يشدّ في البرّة أو في الخشاش ثمّ يشدّ في طرفي المقود «لسان العرب - زمم - 272:12».
11- في «ط»: الخصيم.
12- الأنعام 67:6.

يُخْزِيهِ وَ يَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (1) .

ثُمَّ الْتَفَتَتْ إِلَى قَبْرِ أَبِيهَا (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا)، مُتَمَثِّلَةً بِأَبْيَاتِ صَفِيَّةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ (رَحِمَهَا اللَّهُ تَعَالَى):

قَدْ كَانَ بَعْدَكَ أَنْبَاءٌ وَ هَنْبَثَةٌ(2) لَوْ كُنْتَ شَاهِدَهَا لَمْ تَكْثُرِ الْخُطَبُ

إِنَّا فَقَدْنَاكَ فَقْدَ الْأَرْضِ وَابِلَهَا وَ اجْتُثَّ أَهْلُكَ مُذْ غُيِّبْتَ وَ اغْتُصِبُوا

أَبْدَتْ رِجَالٌ لَنَا فَحْوَى(3) صُدُورِهِمْ لَمَّا نَأَيْتَ وَ حَالَتْ دُونَكَ الْكُثُبُ

تَهَضَّمَتْنَا رِجَالٌ(4) وَ اسْتَخَفَّ بِنَا دَهْرٌ فَقَدْ أَدْرَكُوا فِينَا(5) الَّذِي طَلَبُوا

قَدْ كُنْتَ لِلْخَلْقِ نُوراً يُسْتَضَاءُ بِهِ عَلَيْكَ تَنْزِلُ مِنْ ذِي الْعِزَّةِ الْكُتُبُ

وَ كَانَ جِبْرِيلُ بِالْآيَاتِ يُؤنِسُنَا فَغَابَ عَنَّا(6) فَكُلُّ الْخَيْرِ مُحْتَجَبٌ

فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لَهَا: صَدَقْتِ يَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ، لَقَدْ كَانَ أَبُوكِ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفاً رَحِيماً، وَ عَلَى الْكَافِرِينَ عَذَاباً أَلِيماً، وَ كَانَ - وَ اللَّهِ - إِذَا نَسَبْنَاهُ وَجَدْنَاهُ أَبَاكِ دُونَ النِّسَاءِ، وَ أَخَا ابْنِ عَمِّكِ دُونَ الْأَخِلاَّءِ(7) آثَرَهُ عَلَى كُلِّ حَمِيمٍ، وَ سَاعَدَهُ عَلَى الْأَمْرِ الْعَظِيمِ، وَ أَنْتُمْ عِتْرَةُ نَبِيِّ اللَّهِ الطَّيِّبُونَ، وَ خِيَرَتُهُ الْمُنْتَجَبُونَ، عَلَى طَرِيقِ الْجَنَّةِ(8) أَدِلَّتُنَا، وَ أَبْوَابُ الْخَيْرِ لِسَالِكِينَا(9).

فَأَمَّا مَا سَأَلْتِ، فَلَكِ مَا جَعَلَهُ أَبُوكِ، مُصَدَّقٌ قَوْلُكِ، وَ لاَ أَظْلِمُ حَقَّكِ، وَ أَمَّا مَا سَأَلْتِ مِنَ الْمِيرَاثِ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لاَ نُورَثُ».

فَقَالَتْ فَاطِمَةُ: «يَا سُبْحَانَ اللَّهِ! مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ لِكِتَابِ اللَّهِ مُخَالِفاً؛ وَ لاَ عَنْا.

ص: 118


1- هود 39:11، الزّمر 39:39 و 40.
2- الهنبثة: الأمور الشّداد، و الاختلاط في القول «النّهاية - هنبث - 278:5.
3- في شرح النّهج: نجوى.
4- في «ط»: تهجمتنا ليال.
5- في «ط»: منّا.
6- في «ع، م»: عنها.
7- في «ط»: الرّجال.
8- في «ع، م»: على الآخرة.
9- في «ع، م»: و باب الجنّة لسالكنا.

حُكْمِهِ صَادِفاً، لَقَدْ كَانَ يَلْتَقِطُ أَثَرَهُ، وَ يَقْتَفِي سِيَرَهُ، أَ فَتَجْمَعُونَ إِلَى الظُّلاَمَةِ الشَّنْعَاءِ وَ الْغَلَبَةِ الدَّهْيَاءِ(1) ، اعْتِلاَلاً بِالْكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَ إِضَافَةِ الْحَيْفِ(2) إِلَيْهِ؟!

وَ لاَ عَجَبَ إِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْكُمْ، وَ فِي حَيَاتِهِ مَا بَغَيْتُمْ لَهُ الْغَوَائِلَ، وَ تَرَقَّبْتُمْ بِهِ الدَّوَائِرَ، هَذَا كِتَابُ اللَّهِ حَكَمٌ عَدْلٌ، وَ قَائِلٌ فَصْلٌ، عَنْ بَعْضِ أَنْبِيَائِهِ إِذْ قَالَ: يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ (3).

وَ فَصَّلَ فِي بَرِيَّتِهِ الْمِيرَاثَ مِمَّا فَرَضَ مِنْ حَظِّ الذِّكَارَةِ وَ الْإِنَاثِ، فَلِمَ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً؟! فَصَبْرٌ جَمِيلٌ، وَ اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ(4).

قَدْ زَعَمْتَ أَنَّ النُّبُوَّةَ لاَ تُورَثُ، وَ إِنَّمَا يُورَثُ مَا دُونَهَا، فَمَا لِي امْنَعُ إِرْثَ أَبِي؟ أَ أَنْزَلَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ: إِلاَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ؟ فَدُلَّنِي عَلَيْهِ أَقْنَعْ بِهِ».

فَقَالَ لَهَا أَبُو بَكْرٍ: يَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ، أَنْتِ عَيْنُ الْحُجَّةِ، وَ مَنْطِقُ الْحِكْمَةِ، لاَ أُدْلِي بِجَوَابِكِ، وَ لاَ أَدْفَعُكِ عَنْ صَوَابِكِ، وَ لَكِنْ الْمُسْلِمُونَ بَيْنِي وَ بَيْنَكِ، هُمْ قَلَّدُونِي مَا تَقَلَّدْتُ، وَ آتَوْنِي مَا أَخَذْتُ وَ تَرَكْتُ. قَالَ: فَقَالَتْ فَاطِمَةُ (عَلَيْهَا السَّلاَمُ) لِمَنْ بِحَضْرَتِهِ: «أَيُّهَا النَّاسُ، أَ تَجْتَمِعُونَ إِلَى الْمُقْبِلِ بِالْبَاطِلِ وَ الْفِعْلِ الْخَاسِرِ؟! لَبِئْسَ مَا اعْتَاضَ الْمُبْطِلُونَ(5) ، وَ مَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ، أَمَا وَ اللَّهِ لَتَجِدَنَّ مَحْمِلَهَا ثَقِيلاً، وَ عِبْأَهَا وَبِيلاً، إِذَا كُشِفَ لَكُمُ الْغِطَاءُ، فَحِينَئِذٍ لاَتَ حِينَ مَنَاصٍ، وَ بَدَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مَا كُنْتُمْ تَحْذَرُونَ».

قَالَ: وَ لَمْ يَكُنْ عُمَرُ حَاضِراً، فَكَتَبَ لَهَا أَبُو بَكْرٍ إِلَى عَامِلِهِ بِرَدِّ فَدَكٍ كِتَاباً، فَأَخْرَجَتْهُ فِي يَدِهَا، فَاسْتَقْبَلَهَا عُمَرُ، فَأَخَذَهُ مِنْهَا وَ تَفَلَ فِيهِ وَ مَزَّقَهُ، وَ قَالَ: لَقَدْ خَرِفَ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ، وَ ظَلَمَ.

فَقَالَتْ لَهُ: «مَا لَكَ؟ لاَ أَمْهَلَكَ اللَّهُ، وَ قَتَلَكَ، وَ مَزَّقَ بَطْنَكَ». وَ أَتَتْ مِنْ فَوْرِهَا ذَلِكَن.

ص: 119


1- الدهياء: تعظيم الدّاهية: الأمر المنكر العظيم «لسان العرب - دها - 275:14».
2- في «ع»: الخرف، و في «م»: الخوف.
3- مريم 6:19.
4- تضمين من سورة يوسف 18:12.
5- في «ط»: المسلمون.

الْأَنْصَارُ، فَقَالَتْ:

«مَعْشَرَ الْبَقِيَّةِ، وَ أَعْضَادَ الْمِلَّةِ، وَ حَضَنَةَ الْإِسْلاَمِ، مَا هَذِهِ الْغَمِيزَةُ فِي حَقِّي، وَ السُّنَّةُ(1) عَنْ ظُلاَمَتِيَ، أَ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ أَمَرَ بِحِفْظِ الْمَرْءِ فِي وُلْدِهِ؟ فَسَرْعَانَ مَا أَحْدَثْتُمْ، وَ عَجْلاَنَ ذَا إِهَالَةٍ(2).

أَ تَقُولُونَ مَاتَ مُحَمَّدٌ فَخَطْبٌ جَلِيلٌ، اسْتَوْسَعَ وَهْيُهُ(3) ، وَ اسْتَنْهَرَ فَتْقُهُ(4) ، وَ فُقِدَ رَاتِقُهُ، فَأَظْلَمَتِ الْأَرْضُ لِغَيْبَتِهِ، وَ اكْتَابَ خِيَرَةُ اللَّهِ لِمُصِيِبَتِهِ، وَ أَكْدَتِ الْآمَالُ(5) ، وَ خَشَعَتِ الْجِبَالُ، وَ أَضْيَعَ الْحَرِيمُ، وَ أُذِيلَتِ(6) الْحُرْمَةُ بِمَوْتِ مُحَمَّدٍ، فَتِلْكَ نَازِلَةٌ أَعْلَنَ بِهَا كِتَابُ اللَّهِ فِي أَفْنِيَتِكُمْ مُمْسَاكُمْ وَ مُصْبَحَكُمْ هُتَافاً. وَ لَقَبِلَ مَا خَلَتْ بِهِ أَنْبِيَاءُ اللَّهِ وَ رُسُلُهُ وَ ما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللّهُ الشّاكِرِينَ (7).

أَ بَنِي قَيْلَةَ(8) ، أُهْتَضَمُ تُرَاثَ أَبِي وَ أَنْتُمْ بِمَرْأًى وَ مَسْمَعٍ! تَلْبَسُكُمُ الدَّعْوَةُ، وَ يَشْمَلُكُمُ الْجُبْنُ، وَ فِيكُمْ الْعُدَّةُ وَ الْعَدَدُ، وَ لَكُمُ الدَّارُ وَ الْجُنَنُ(9) وَ أَنْتُمْ نُخْبَةُ اللَّهِ الَّتِي امْتَحَنَ، وَ نِحْلَتُهُ الَّتِي انْتَحَلَ، وَ خِيَرَتُهُ الَّتِي انْتَخَبَ لَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ، فَنَابَذْتُمْ فِينَا الْعَرَبَ، وَ نَاهَضْتُمُ الْأُمَمَ وَ كَافَحْتُمُ الْبُهَمَ، لاَ نَبْرَحُ وَ تَبْرَحُونَ، وَ نَأْمُرُكُمْ فَتَأْتَمِرُونَ، حَتَّى دَارَتْ بِنَاة.

ص: 120


1- السّنّة: الغفلة «اساس البلاغة - و سنّ -: 499».
2- عجلان ذا إهالة: مثل معروف، يراد به ما أسرع ما كان هذا الأمر! و فيه ثلاث كلمات: سرعان، عجلان، و شكان، انظر، جمهرة الأمثال 519:1، مجمع الامثال 336:1.
3- الوهي: الشّقّ أو الخرق في الشّيء «لسان العرب - و هي - 417:15».
4- يقال: طعنة طعنة أنهر فتقها: أيّ وسعه «لسان العرب - نهر - 237:5».
5- أكدى الرّجل: أخفق و لم يظفر بحاجته «اساس البلاغة - كدى -: 389».
6- اذيلت: اهينت «اساس البلاغة - ذيل -: 148».
7- آل عمران 144:3.
8- أرادت الأوس و الخزرج، قبيلتي الانصار، و قيلة: اسم أم لهم قديمة، و هي قيلة بنت كاهل «النّهاية - قيل - 134:4».
9- الجنن هنا الدّار أيضا، و يقال لكلّ ما ستر: جنّ و أجن. و لعلّها الجنن بالضّمّ، جمع الجنّة، و هو كلّ ما واراك من السّلاح و استترت به، انظر «لسان العرب - جنن - 13: 92 و 94». و في «ط»: الخيرة.

وَ بِكُمْ رَحَى الْإِسْلاَمِ، وَ دَرَّ حَلْبُ الْبِلاَدِ، وَ خَضَعَتْ بَغْوَةُ الشِّرْكِ، وَ هَدَأَتْ رَوْعَةُ الْهَرْجِ، وَ خَبَتْ نَارُ الْحَرْبِ، وَ اسْتَوْسَقَ(1) نِظَامُ الدِّينِ، فَأَنَّى جُرْتُمْ بَعْدَ الْبَيَانِ، وَ نَكَصْتُمْ بَعْدَ الْإِقْدَامِ، عَنْ قَوْمٍ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَ طَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (2).

أَ لاَ أَرَى وَ اللَّهِ أَنْ [قَدْ] أَخْلَدْتُمْ إِلَى الْخَفْضِ، وَ رَكَنْتُمْ إِلَى الدَّعَةِ، فَعُجْتُمْ(3) عَنِ الدِّينِ وَ مَجَجْتُمْ(4) الَّذِي اسْتَوْعَيْتُمْ، وَ دَسَعْتُمْ(5) مَا اسْتَرْعَيْتُمْ، أَلاَ وَ إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ * أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَ عادٍ وَ ثَمُودَ وَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللّهُ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ وَ قالُوا إِنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَ إِنّا لَفِي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (6).

أَلاَ وَ قَدْ قُلْتُ الَّذِي قُلْتُ عَلَى مَعْرِفَةٍ مِنِّي بِالْخَذْلَةِ الَّتِي خَامَرَتْكُمْ، وَ لَكِنَّهَا فَيْضَةُ النَّفْسِ، وَ نَفْثَةُ الْغَيْظِ، وَ بَثَّةُ الصَّدْرِ، وَ مَعْذِرَةُ الْحُجَّةِ، فَدُونَكُمْ فَاحْتَقِبُوهَا(7) دَبِرَةَ الظَّهْرِ(8) ، نَاقِبَةَ الْخُفِّ، بَاقِيَةَ الْعَارِ، مَوْسُومَةً بِشَنَارِ الْأَبَدِ، مَوْصُولَةً بِنَارِ اللَّهِ الْمُوقَدَةِ، الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ، إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ، فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ.

فَبِعَيْنِ اللَّهِ مَا تَفْعَلُونَ، وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (9) ، وَ أَنَا ابْنَةُ نَذِيرٍ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيِ عَذَابٍ شَدِيدٍ، فَاعْمَلُوا إِنَّا عَامِلُونَ، وَ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ، وَ سَيَعْلَمُ9.

ص: 121


1- استوسق الأمر: انتظم «المعجم الوسيط - وسق - 1032:2».
2- التّوبة 12:9.
3- عاج عن الأمر: انصرف «المعجم الوسيط - عوّج - 634:2».
4- مججتم: رميتم «لسان العرب - مجج - 361:2.
5- الدسع: القيء «لسان العرب - دسع - 84:8».
6- إبراهيم 8:14 و 9.
7- احتقب الشّيء: أردفه أو ادّخره. «المعجم الوسيط - حقب - 187:1».
8- الدبرة: القرحة و الجرح الّذي يكون في ظهر الدّابّة و البعير «لسان العرب - دبر - 273:4».
9- الشّعراء 227:26. و ما قبلها تضمين من سورة الهمزة 6:104-9.

اَلْكُفّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدّارِ ، وَ قُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ وَ الْمُؤْمِنُونَ ، وَ كُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ، فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (1) وَ كَانَ الْأَمْرُ قَدْ قَصُرَ».

ثُمَّ وَلَّتْ، فَاتَّبَعَهَا رَافِعُ بْنُ رِفَاعَةَ الزُّرَقِيُّ، فَقَالَ لَهَا: يَا سَيِّدَةَ النِّسَاءِ، لَوْ كَانَ أَبُو الْحَسَنِ تَكَلَّمَ فِي هَذَا الْأَمْرِ وَ ذَكَرَ لِلنَّاسِ قَبْلَ أَنْ يَجْرِي هَذَا الْعَقْدُ، مَا عَدَلْنَا بِهِ أَحَداً.

فَقَالَتْ لَهُ يَرُدَّنَّهَا: «إِلَيْكَ عَنِّي، فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لِأَحَدٍ بَعْدَ غَدِيرِ خُمٍّ مِنْ حُجَّةٍ وَ لاَ عُذْرٍ».

قَالَ: فَلَمْ يُرَ بَاكٍ وَ لاَ بَاكِيَةٌ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَ ارْتَجَّتِ الْمَدِينَةُ، وَ هَاجَ النَّاسُ، وَ ارْتَفَعَتِ الْأَصْوَاتُ.

فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ أَبَا بَكْرٍ قَالَ لِعُمَرَ: تَرِبَتْ يَدَاكَ، مَا كَانَ عَلَيْكَ لَوْ تَرَكْتَنِي، فَرُبَّمَا رَفَأْتُ الْخَرْقَ وَ رَتَقْتُ الْفَتْقَ؟! أَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِنَا أَحَقَّ؟!

فَقَالَ الرَّجُلُ: قَدْ كَانَ فِي ذَلِكَ تَضْعِيفُ سُلْطَانِكَ، وَ تَوْهِينُ كِفَّتِكَ، وَ مَا أَشْفَقْتُ إِلاَّ عَلَيْكَ.

قَالَ: وَيْلَكَ، فَكَيْفَ بِابْنَةِ مُحَمَّدٍ وَ قَدْ عَلِمَ النَّاسُ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ، وَ مَا نَجِنُّ(2) لَهَا مِنَ الْغَدْرِ عَلَيْهِ.

فَقَالَ: هَلْ هِيَ إِلاَّ غَمْرَةٌ(3) انْجَلَتْ، وَ سَاعَةٌ انْقَضَتْ، وَ كَأَنَّ مَا قَدْ كَانَ لَمْ يَكُنْ، وَ أَنْشَدَهُ:

مَا قَدْ مَضَى مِمَّا مَضَى كَمَا مَضَى وَ مَا مَضَى مِمَّا مَضَى قَدِ انْقَضَى

أَقِمِ الصَّلاَةَ وَ آتِ الزَّكَاةَ، وَ أْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَ انْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَ وَفِّرِ الْفَيْ ءَ، وَ صِلِ الْقَرَابَةَ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى».

ص: 122


1- الرّعد 42:13، التّوبة 105:9، الاسراء 13:17، الزّلزلة 7:99 و 8.
2- نجن: نستر، أنظر «اساس البلاغة - جنن -: 66».
3- الغمرة: الشّدّة «المعجم الوسيط - غمر - 661:2».

لِلذّاكِرِينَ (1) . وَ يَقُولُ: يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ (2) وَ قَالَ: وَ الَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَ مَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَ لَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَ هُمْ يَعْلَمُونَ (3) ذَنْبٌ وَاحِدٌ فِي حَسَنَاتٍ كَثِيرَةٍ، قَلِّدْنِي مَا يَكُونُ مِنْ ذَلِكَ.

قَالَ: فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى كَتِفِهِ، ثُمَّ قَالَ: رُبَّ كُرْبَةٍ فَرَّجْتَهَا، يَا عُمَرُ.

ثُمَّ نَادَى الصَّلاَةَ جَامِعَةً، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ، وَ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ:

أَيُّهَا النَّاسُ، مَا هَذِهِ الرِّعَةُ(4) ، وَ مَعَ كُلِّ قَالَةٍ(5) أُمْنِيَّةٌ؟! أَيْنَ كَانَتْ هَذِهِ الْأَمَانِيُّ فِي عَهْدِ نَبِيِّكُمْ؟! فَمَنْ سَمِعَ فَلْيَقُلْ، وَ مَنْ شَهِدَ فَلْيَتَكَلَّمْ، كَلاَّ بَلْ هُوَ ثُعَالَةٌ شَهِيدُهُ ذَنَبُهُ(6) لَعَنَهُ اللَّهُ، وَ قَدْ لَعَنَهُ اللَّهُ، مُرِبٌّ(7) لِكُلِّ فِتْنَةٍ، يَقُولُ: كَرُّوهَا جَذَعَةً(8) ؛ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ مِنْ بَعْدِ مَا هَرِمَتْ، كَأُمِّ طِحَالٍ(9) أَحَبُّ أَهْلِهَا الْغَوِيُّ(10) ، أَلاَ لَوْ شِئْتُ أَنْ أَقُولَ لَقُلْتُ، وَ لَوْ تَكَلَّمْتُ لَبُحْتُ، وَ إِنِّي سَاكِتٌ مَا تُرِكْتُ، يَسْتَعِينُونَ بِالصِّبْيَةِ(11) ،ج.

ص: 123


1- هود 114:11.
2- الرّعد 39:13.
3- آل عمران 135:3.
4- قال ابن أبي الحديد في شرح النّهج 215:16: قرأت هذا الكلام على النّقيب أبي يحيى جعفر بن يحيى بن أبي زيد البصريّ و قلت له: بمن يعرض؟ فقال بعليّ بن أبي طالب، إنّه الملك يا بنيّ، إن الانصار هتفوا بذكر عليّ فخاف من اضطراب الأمر عليهم فنهاهم. قال ابن أبي الحديد: فسألته عن غريبه، فقال: أمّا الرعة - بالتّخفيف - أيْ الاستماع و الاصغاء.
5- و القالة: القول.
6- قال النّقيب أبو يحيى: ثعالة: اسم الثّعلب، علم غير مصروف، و شهيده ذنبه، أيْ لا شاهد له على ما يدّعي إلاّ بعضه و جزء منه.
7- قال: مرب: ملازم.
8- قال: كروها جذعة: أعيدوها. إلى الحال الأولى، يعني الفتنة و الهرج.
9- قال: و أم طحّال: امرأة بغي في الجاهليّة، و يضرب بها المثل فيقال: أزنى من أم طحّال.
10- في شرح النّهج: أحبّ أهلها إليها البغي.
11- في «ع، م»: بالصعبة، و لعلّها تصحيف الضّعفة كما في شرح النّهج.

وَ يَسْتَنْهِضُونَ النِّسَاءَ، وَ قَدْ بَلَغَنِي - يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ - مَقَالَةُ سُفَهَائِكُمْ - فَوَ اللَّهِ - إِنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِلُزُومِ عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ أَنْتُمْ، لَقَدْ جَاءَكُمْ فَآوَيْتُمْ وَ نَصَرْتُمْ، وَ أَنْتُمُ الْيَوْمَ أَحَقُّ مَنْ لَزِمَ عَهْدَهُ، وَ مَعَ ذَلِكَ فَاغْدُوا عَلَى أَعْطِيَاتِكُمْ، فَإِنِّي لَسْتُ كَاشِفاً قِنَاعاً، وَ لاَ بَاسِطاً ذِرَاعاً، وَ لاَ لِسَاناً إِلاَّ عَلَى مَنِ اسْتَحَقَّ ذَلِكَ، وَ السَّلاَمُ.

قَالَ: فَأَطْلَعَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رَأْسَهَا مِنْ بَابِهَا وَ قَالَتْ: أَ لِمِثْلِ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ يُقَالُ هَذَا، وَ هِيَ الْحَوْرَاءُ بَيْنَ الْإِنْسِ، وَ الْأُنْسُ(1) لِلنَّفْسِ، رُبِّيَتْ فِي حُجُورِ الْأَنْبِيَاءِ، وَ تَدَاوَلَتْهَا أَيْدِي الْمَلاَئِكَةِ، وَ نَمَتْ فِي حُجُورِ(2) الطَّاهِرَاتِ، وَ نَشَأَتْ خَيْرَ مَنْشَأٍ، وَ رُبِّيَتْ خَيْرَ مُرَبًّى؟! أَ تَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ حَرَّمَ عَلَيْهَا مِيرَاثَهُ وَ لَمْ يُعْلِمْهَا؟! وَ قَدْ قَالَ اللَّهُ لَهُ:

وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (3) ؟ أَ فَأَنْذَرَهَا وَ جَاءَتْ تَطْلُبُهُ وَ هِيَ خِيَرَةُ النِّسْوَانِ، وَ أُمُّ سَادَةِ الشُّبَّانِ، وَ عَدِيلَةُ مَرْيَمَ ابْنَةِ عِمْرَانَ، وَ حَلِيلَةُ لَيْثِ الْأَقْرَانِ، تَمَّتْ بِأَبِيهَا رِسَالاَتُ رَبِّهِ؛ فَوَ اللَّهِ لَقَدْ كَانَ يُشْفِقُ عَلَيْهَا مِنَ الْحَرِّ وَ الْقُرِّ، فَيُوَسِّدُهَا يَمِينَهُ، وَ يُلْحِفُهَا بِشِمَالِهِ؛ رُوَيْداً فَرَسُولُ اللَّهِ بِمَرْأًى لِغَيِّكُمْ(4) ، وَ عَلَى اللَّهِ تَرِدُونَ، فَوَاهاً لَكُمْ وَ سَوْفَ تَعْلَمُونَ.

قَالَ: فَحُرِمَتْ أُمُّ سَلَمَةَ تِلْكَ السُّنَّةَ عَطَاءَهَا؛ وَ رَجَعَتْ فَاطِمَةُ (عَلَيْهَا السَّلاَمُ) إِلَى مَنْزِلِهَا فَتَشَكَّتْ(5).

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ(6): نَظَرْتُ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ، فَلَمْ أَجِدْ فِيهَا أَتَمَّ شَرْحٍ، وَ أَبْلَغَ فِي الْإِلْزَامِ، وَ أَوْكَدَ بِالْحُجَّةِ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ؛ وَ نَظَرْتُ إِلَى رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَثِيرٍ فَوَجَدْتُهُ قَدْ زَادَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ:

أَ نَسِيتُمْ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ بَدَأَ بِالْوَلاَيَةِ: «أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى» وَ قَوْلَهُ «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ...»؟! مَا أَسْرَعَ مَا أَحْدَثْتُمْ! وَ أَعْجَلَ مَا».

ص: 124


1- في «ع، م»: النّفس.
2- في «ط»: المغارس.
3- الشّعراء 214:26.
4- في «ط»: لأعينكم.
5- في «ط»: فشكت.
6- (قال أبو جعفر) ليس في «ع، م».

نَكَصْتُمْ(1)!.

وَ هُوَ فِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ عَلَى السِّيَاقَةِ.

عيادة نساء المدينة لها و خطابها لهنّ

37/ 37 - حَدَّثَنِي أَبُو الْمُفَضَّلِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ قَيْسٍ الْأَشْعَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَسَّانَ، عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ)، قَالَ:

لَمَّا رَجَعَتْ فَاطِمَةُ إِلَى مَنْزِلِهَا فَتَشَكَّتْ وَ كَانَ وَفَاتُهَا فِي هَذِهِ الْمَرْضَةِ، دَخَلَ إِلَيْهَا النِّسَاءُ الْمُهَاجِرَاتُ وَ الْأَنْصَارِيَّاتُ، فَقُلْنَ لَهَا: كَيْفَ أَصْبَحْتِ يَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ؟

فَقَالَتْ: «أَصْبَحْتُ وَ اللَّهِ عَائِفَةً(2) لِدُنْيَاكُمْ، قَالِيَةً(3) لِرِجَالِكُمْ، شَنَأْتُهُمْ(4) بَعْدَ إِذْ عَرَفْتُهُمْ وَ لَفَظْتُهُمْ(5) بَعْدَ إِذْ سَبَرْتُهُمْ(6) ، وَ رَمَيْتُهُم بَعْدَ أَنْ عَجَمْتُهُمْ(7) ، فَقُبْحاً لِفُلُولِ

ص: 125


1- روى خطبة الزّهراء (عليها السّلام) السّيّد الشّريف المرتضى في الشّافي 69:4-77، و الشّيخ الطّوسيّ في تلخيص الشّافي 139:3 عن المرزبانيّ بطريقين و ابن طيفور في بلاغات النّساء: 21، و اخرجه ابن طاوس في الطرائف: 263 عن كتاب الفائق عن الأربعين للشّيخ أسعد بن سقروة، عن الحافظ الثّقة ابن مردويه في كتاب المناقب. و الخوارزميّ في مقتل الحسين (عليه السّلام) 77:1 عن الحافظ أبي بكر. و في كشف الغمّة 480:1 عن كتاب السّقيفة للجوهري من نسخة قديمة مقروءة على مؤلّفها سنة (322 ه). و في شرح النّهج 211:16 و 249 عن كتابي السّقيفة و الشّافي، و في الاحتجاج: 97 عن عبد اللّه بن الحسن.
2- عائفة: كارهة.
3- قالية: مبغضة.
4- شنأتهم: ابغضتهم.
5- لفظتهم، اللّفظ: طرح الشّيء من الفم كراهة له.
6- سبرتهم: امتحنتهم.
7- عجمه: ابتلاه و اختبره «الصّحاح - عجم - 1981:5». (و رميتهم بعد أن عجمتهم) ليس في «ع، م».

الْحَدَّ(1) وَ خَطْلِ(2) الرَّأْيِ وَ عُثُورِ الْجَدِّ، وَ خَوْفِ الْفِتَنِ(3) ، لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَ فِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ (4) ، لاَ جَرَمَ لَقَدْ قَلَّدْتُهُمْ رِبْقَتَهَا(5) ، وَ شَنِنْتُ(6) عَلَيْهِمْ عَارَهَا، فَجَدْعاً(7) وَ عَقْراً وَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ.

وَيْحَهُمْ أَنَّى(8) زَحْزَحُوهَا(9) عَنْ رَوَاسِي(10) الرِّسَالَةِ، وَ قَوَاعِدِ النُّبُوَّةِ وَ مَهْبِطِ الرُّوحِ الْأَمِينِ بِالْوَحْيِ الْمُبِينِ، الطَّبِينِ(11) بِأَمْرِ الدُّنْيَا وَ الدِّينِ أَلاَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ!

مَا الَّذِي نَقَمُوا مِنْ أَبِي حَسَنٍ؟ نَقَمُوا - وَ اللَّهِ - مِنْهُ شِدَّةَ وَطْأَتِهِ وَ نَكَالَ وَقْعَتِهِ، وَ نَكِيرَ سَيْفِهِ، وَ تَبَحُّرَهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَ تَنَمُّرَهُ(12) فِي ذَاتِ اللَّهِ.

وَ ايْمُ اللَّهِ لَوْ تَكَافَوْا(13) عَنْ زِمَامٍ نَبَذَهُ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ لاَعْتَلَقَهُ(14) ثُمَّ لَسَارَ بِهِمْه.

ص: 126


1- فلول السّيف: كسور في حدّه «الصّحاح - فلل - 1792:5». و في «ع، م»: لقول الخذل.
2- الخطل: الاضطراب.
3- في «ع»: القبر، و في «م»: الغبن.
4- المائدة 80:5.
5- الربقة ما يكون في عنق الغنم و غيرها من الخيوط.
6- شننت: صببت.
7- يقال: جدعا له: هو دعاء معناه ألزمه اللّه الجدع، أيّ قطع عنه الخير و جعله ناقصا معيّبا.
8- في «ع، م»: لئن.
9- زحزحوها: نحوها.
10- الرّوّاسيّ: الأصول الثّابتة، و كذلك القواعد.
11- الطبين: العالمين، و في «ع، م»: و الظّنين.
12- تنمره: أيّ تغضبه، يقال: تنمر الرّجل إذا غضب و تشبه بالنمر.
13- تكافوا: أيّ كفّوا أيديهم عنه.
14- لاعتلقه: لأخذه بيده.

سَيْراً سُجُحاً(1) ، لاَ يَكْلِمُ(2) خِشَاشُهُ(3) ، وَ لاَ يُتَعْتَعُ(4) رَاكِبُهُ، وَ لَأَوْرَدَهُمْ مَنْهَلاً(5) رَوِيّاً صَافِياً فَضْفَاضاً(6) تَطَفُح ضِفَّتَاهُ، ثُمَّ لَأَصْدَرَهُمْ بِطَاناً(7) قَدْ تَخَيَّرَ لَهُمُ الرِّيُّ غَيْرَ مُتَحَلٍّ مِنْهُ بِطَائِلٍ إِلاَّ بِغَمْرِ الْمَاءِ وَ رَدْعِهِ سَوْرَةَ السَّاغِبِ(8) ، وَ لاَنْفَتَحَتْ عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٌ مِنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ، وَ لَكِنَّهُمْ بَغَوْا فَسَيَأْخُذُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ.

أَلاَ فَاسْمَعْنَ، وَ مَنْ عَاشَ أَرَاهُ الدَّهْرُ الْعَجَبَ، وَ إِنْ تَعْجَبْنَ فَانْظُرْنَ إِلَى أَيِّ نَحْوٍ اتَّجَهُوا؟ وَ عَلَى أَيِّ سَنَدٍ اسْتَنَدُوا؟ وَ بِأَيِّ عُرْوَةٍ تَمَسَّكُوا؟ وَ لِمَنْ اخْتَارُوا؟ وَ لِمَنْ تَرَكُوا؟ لَبِئْسَ الْمَوْلَى، وَ لَبِئْسَ الْعَشِيرُ.

اسْتَبْدَلُوا وَ اللَّهِ الذُّنَابَي(9) بِالْقَوَادِمِ(10) ، وَ الْعَجُزَ بِالْكَاهِلِ، فَرَغْماً لِمَعَاطِسِ(11) قَوْمٍ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَ لَكِنْ لاَ يَشْعُرُونَ، أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاّ أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (12) ؟0.

ص: 127


1- السجح: السّير السّهل.
2- لا يكلّم: لا يجرح و لا يدمي.
3- الخشاش: ما يكون في أنف البعير من الخشب.
4- لا يتعتع: أيْ لا يكره و لا يقلق.
5- المنهل: مورد الماء.
6- فضفاضا: كثيرا.
7- البطان: جمع بطين، و هو الرّيّان.
8- غير متحل منه بطائل: أيْ كان لا يأخذ من مالهم قليلا و لا كثيرا. إلاّ بغمر الماء: أيْ كان يشرب بالغمر، و الغمر: القدح الصّغير. و ردعه سورة الساغب: أيّ كان يأكل من ذلك قدر ما يردع ثوران الجوع.
9- الذنابي: ما يلي الذّنب من الجناح.
10- القوادم: ما تقدّم منه.
11- المعاطس: الانوف.
12- يونس 35:10.

أَمَا لَعَمْرُ اللَّهِ لَقَدْ لَقِحَتْ، فَانْظُرُوهَا تُنْتِجُ(1) ثُمَّ احْتَلِبُوا طِلاَعَ الْقَعْبِ(2) دَماً عَبِيطاً(3) وَ ذُعَافاً(4) مُمْقِراً(5) ، هُنَالِكَ خَسِرَ الْمُبْطِلُونَ، وَ عَرَفَ التَّالُونَ غِبَّ مَا أُسِّسَ الْأَوَّلُونَ. ثُمَّ طَيِّبُوا بَعْدَ ذَلِكَ نَفْساً، وَ اطْمَئِنُّوا لِلْفِتْنَةِ جَأْشاً(6) ، وَ أَبْشِرُوا بِسَيْفٍ صَارِمٍ، وَ هَرْجٍ(7) شَامِلٍ، وَ اسْتِبْدَادٍ مِنَ الظَّالِمِينَ، يَدَعُ فَيْئَكُمْ زَهِيداً، وَ جَمْعَكُمْ(8) حَصِيداً، فَيَا خُسْرَى(9) لَكُمْ، وَ كَيْفَ بِكُمْ وَ قَدْ عَمِيَتْ عَلَيْكُمْ؟ أَ نُلْزِمُكُمُوها وَ أَنْتُمْ لَها كارِهُونَ ؟!»(10).

38/ 38 - وَ حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَخْلَدٍ بْنِ جَعْفَرٍ الْبَاقِرْحِيُّ، قَالَ:

حَدَّثَتْنِي أُمُّ الْفَضْلِ خَدِيجَةُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الثَّلْجِ، قَالَتْ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الصَّفْوَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الْجَلُودِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُهَلَّبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْمَدَائِنِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ أُمِّهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ، قَالَتْ: لَمَّا اشْتَدَّتْ عِلَّةُ فَاطِمَةَ (عَلَيْهَا السَّلاَمُ) اجْتَمَعَ عِنْدَهَا نِسَاءُ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ، فَقُلْنَ لَهَا: يَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ كَيْفَ أَصْبَحْتِ؟ فَقَالَتْ:1.

ص: 128


1- تنتج: تلد.
2- ثمّ احتلبوا طلاع القعب: أيْ ملؤه...، و القعب: القدح الكبير من الخشب.
3- الدّم العبيط: الطّريّ.
4- الذعاف: السّمّ.
5- الممقر: المرّ.
6- أيّ مروعة للقلب من شدّة الفزع.
7- الهرج: الفتنة، و شدّة القتل.
8- في معاني الاخبار: زرعكم.
9- في معاني الاخبار: فيا حسرتى.
10- رواه في معاني الأخبار: 1/354 بطريقين، و فيه سؤال الشّيخ الصّدوق من الشّيخ الأديب أبي أحمد الحسن بن عبد اللّه بن سعيد العسكريّ شرح غريب هذا الحديث و معانيه، و قد ذكرنا هذا الشّرح في الهامش، أمالي الطّوسيّ 384:1، الاحتجاج 108:1، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 233:16. و الآية من سورة هود 28:11.

«أَصْبَحْتُ عَائِفَةً لِدُنْيَاكُمْ، قَالِيَةً لِرِجَالِكُمْ، لَفَظْتُهُمْ بَعْدَ أَنْ عَجَمْتُهُمْ، وَ سَئِمْتُهُمْ بَعْدَ أَنْ سَبَرْتُهُمْ، فَقُبْحاً لِفُلُولِ الْحَدِّ، وَ خَوَرِ الْقَنَاةِ وَ خَطْلِ الرَّأْيِ، لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَ فِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ (1) ، لَقِحَتْ، فَنَظِرَةٌ رَيْثَمَا تُنْتِجُ، ثُمَّ احْتَلِبُوا طِلاَعَ الْقَعْبِ دَماً عَبِيطاً، وَ ذُعَافاً مُمْقِراً، هُنَالِكَ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ، وَ يَعْرِفُ التَّالُونَ غِبَّ مَا أَسَّسَ الْأَوَّلُونَ.

ثُمَّ طِيبُوا عَنْ أَنْفُسِكُمْ أَنْفُساً، وَ اطْمَئِنُّوا لِلْفِتْنَةِ جَأْشاً، وَ أَبْشِرُوا بِسَيْفٍ صَارِمٍ، وَ هَرْجٍ شَامِلٍ؛ وَ اسْتِبْدَادٍ مِنَ الظَّالِمِينَ، يَدَعُ فَيْئَكُمْ زَهِيداً، وَ جَمْعَكُمْ حَصِيداً، فَيَا خُسْرَى لَكُمْ، وَ أَنَّى بِكُمْ وَ قَدْ عَمِيَتْ عَلَيْكُمْ؟ أَ نُلْزِمُكُمُوها وَ أَنْتُمْ لَها كارِهُونَ (2) وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَ الصَّلاَةُ عَلَى أَبِي سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ»(3).

وصيّة فاطمة (صلوات اللّه عليها)

39/ 39 - حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ الْبَاقِرحِيُّ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي خَدِيجَةُ، قَالَتْ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْجَلُودِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ سُلَيْمَانَ(4) ، قَالَ: قَالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ (عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ): أَ لاَ أُقْرِئُكَ(5) وَصِيَّةَ فَاطِمَةَ (عَلَيْهَا السَّلاَمُ) بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)؟

قَالَ: فَأَخْرَجَ إِلَيَّ سَفَطاً فِي حُقٍّ، وَ أَخْرَجَ مِنْهُ كِتَاباً فِيهِ:

«هَذَا مَا أَوْصَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، بِحَوَائِطِهَا السَّبْعَةِ: ذِي الْحُسْنَى، وَ السَّاقِيَةِ، وَ الدَّلاَلِ، وَ الْغراف(6) ، وَ الرَّقْمَةِ، وَ الْهَيْثَمِ، وَ مَا لِأُمِّ إِبْرَاهِيمَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ

ص: 129


1- المائدة 80:5.
2- هود 28:11.
3- راجع مصادر الحديث المتقدّم.
4- في الكافي: عاصم بن حميد، عن أبي بصير.
5- في «ط»: أريك.
6- في «م»: العرّاف، و في الكافي: العواف، و فيه اختلاف يسير في سائر الاسماء.

أَبِي طَالِبٍ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، وَ مِنْ(1) بَعْدِ عَلِيٍّ فَإِلَى الْحَسَنِ، وَ مِنْ(2) بَعْدِ الْحَسَنِ فَإِلَى الْحُسَيْنِ، وَ مِنْ(3) بَعْدِ الْحُسَيْنِ فَإِلَى الْأَكْبَرِ فَالْأَكْبَرِ مِنْ وُلْدِي(1)؛ شَهِدَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ، وَ كَفَى بِهِ شَهِيداً، وَ شَهِدَ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ؛ وَ كَتَبَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ».(2).

40/ 40 - وَ حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ الْبَاقِرْحِيُّ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي خَدِيجَةُ، قَالَتْ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ(3) بَغْدَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو يَعْلَى مُحَمَّدُ بْنُ الصَّلْتِ التِّوَّزِيُّ(4)، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ، أَبُو صَفْوَانَ(5)، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ(6)، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ آبَائِهِ (عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ): أَنَّ فَاطِمَةَ (عَلَيْهَا السَّلاَمُ)(7) أَوْصَتْ لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ بِاثْنَتَيْ(8) عَشْرَةَ أُوقِيَّةً، وَ لِنِسَاءِ بَنِي هَاشِمٍ مِثْلَ ذَلِكَ؛ وَ أَوْصَتْ لِأُمَامَةَ بِنْتِ أَبِي الْعَاصِ(9) بِشَيْ ءٍ.(10).

41/ 41 - وَ حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ الْبَاقِرْحِيُّ، قَالَ: حَدَّثَتْنَا خَدِيجَةُ، قَالَتْ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْجَلُودِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنِ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا3.

ص: 130


1- في «ط»: ولده.
2- نحوه في الكافي 5/48:7 و 6/49 و كشف الغمّة 499:1.
3- (محمّد بن) ليس في «ط».
4- في «ط، ع، م»: الثّوريّ، تصحيف، صوابه ما في المتن نسبه إلى بلدة توز من بلاد فارس. انظر «أنساب السمعاني 491:1، تهذيب التّهذيب 233:9».
5- هو عبد اللّه بن سعيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم القرشيّ الأمويّ أبو صفوان، روى عن عبد الملك بن جريج، و روى عنه أبو يعلى التوزي. و في «ط، ع، م»: قال حدّثنا أبو صفوان، انظر «تهذيب الكمال 35:15».
6- و هو عبد الملك بن جريج.
7- في «ع، م»: عن أبيه، عن فاطمة (عليها السّلام) أنّها.
8- في «ط»: اثنتا.
9- و هي ابنة زينب بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، تزوّجها أمير المؤمنين (عليه السّلام) بوصيّة من فاطمة (سلام اللّه عليها)، بعد وفاتها، انظر «معجم رجال الحديث 181:23، سير أعلام النبلاء 335:1».
10- البحار 50/218:43.

الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُرَادِيُّ(1) ، قَالَ: حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ شَافِعٍ(2) ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ: أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) تَصَدَّقَتْ بِمَالِهَا عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَ أَنَّ عَلِيّاً تَصَدَّقَ عَلَيْهِمْ وَ أَدْخَلَ مَعَهُمْ غَيْرَهُمْ(3).

خبر منامها قبل وفاتها (عليها السلام)

42/ 42 - رَوَى أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَشَّابُ الْكَرْخِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا ابْنُ يَحْيَى الْكُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، قَالَ: لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) مَا تَرَكَ إِلاَّ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَ عِتْرَتَهُ أَهْلَ بَيْتِهِ، وَ كَانَ قَدْ أَسَرَّ إِلَى فَاطِمَةَ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهَا) أَنَّهَا لاَحِقَةٌ بِهِ، وَ أَنَّهَا أَوَّلُ أَهْلِ بَيْتِهِ لُحُوقاً.

قَالَتْ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهَا): بَيْنَا أَنَا بَيْنَ النَّائِمَةِ وَ الْيَقْظَى بَعْدَ وَفَاةِ أَبِي بِأَيَّامٍ، إِذْ رَأَيْتُ كَأَنَّ أَبِي قَدْ أَشْرَفَ عَلَيَّ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ لَمْ أَمْلِكْ نَفْسِي أَنْ نَادَيْتُ: يَا أَبَتَاهْ، انْقَطَعَ عَنَّا خَبَرُ السَّمَاءِ؛ فَبَيْنَا أَنَا كَذَلِكَ إِذْ أَتَتْنِي الْمَلاَئِكَةُ صُفُوفاً، يَقْدُمُهَا مَلَكَانِ، حَتَّى أَخَذَانِي فَصَعَدَا بِي إِلَى السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِقُصُورٍ مُشَيَّدَةٍ وَ بَسَاتِينَ وَ أَنْهَارٍ تَطَّرِدُ، وَ قَصْرٍ بَعْدَ قَصْرٍ، وَ بُسْتَانٍ بَعْدَ بُسْتَانٍ، وَ إِذَا قَدِ اطَّلَعَ عَلَيَّ مِنْ تِلْكَ الْقُصُورِ جَوَارِي كَأَنَّهُنَّ اللُّعَبُ، وَ هُنَّ يَتَبَاشَرْنَ وَ يَضْحَكْنَ إِلَيَّ، وَ يَقُلْنَ: مَرْحَباً بِمَنْ خُلِقَتِ الْجَنَّةُ وَ خُلِقْنَا مِنْ أَجْلِ أَبِيهَا.

فَلَمْ تَزَلِ الْمَلاَئِكَةُ تَصْعَدُ بِي حَتَّى أَدْخَلُونِي إِلَى دَارٍ فِيهَا قُصُورٌ، فِي كُلِّ قَصْرٍ مِنْ

ص: 131


1- في «ط»: الرّازيّ، تصحيف صوابه ما في المتن، و هو أبو محمّد الرّبيع بن سليمان بن عبد الجبّار المصريّ المؤذّن المراديّ، صاحب الشّافعيّ و راوي كتب الأمّهات عنه، و يروي عنه زكريّا بن يحيى السّاجيّ، انظر «تهذيب الكمال 87:9».
2- في «ط، ع، م»: عمر بن محمّد بن عليّ بن شافع، و ما في المتن هو الصّواب، كما في سنن البيهقيّ، و هو محمّد بن عليّ بن شافع بن السّائب المطلّبيّ المكّيّ، روى عنه الشّافعيّ و وثّقه، انظر «تهذيب التّهذيب 353:9».
3- سنن البيهقيّ 161:6 و 183.

الْبُيُوتِ مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ، وَ لاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ(1) ، وَ فِيهَا مِنَ السُّنْدُسِ وَ الْإِسْتَبْرَقِ عَلَى الْأَسِرَّةِ الْكَثِيرِ، وَ عَلَيْهَا أَلْحَافٌ مِنْ أَلْوَانِ(2) الْحَرِيرِ وَ الدِّيبَاجِ وَ آنِيَةِ(3) الذَّهَبِ وَ الْفِضَّةِ، وَ فِيهَا مَوَائِدُ عَلَيْهَا مِنْ أَلْوَانِ الطَّعَامِ، وَ فِي تِلْكَ الْجِنَانِ نَهَرٌ مُطَّرِدٌ أَشَدُّ بَيَاضاً مِنَ اللَّبَنِ، وَ أَطْيَبُ رَائِحَةً مِنَ الْمِسْكِ الْأَذْفَرِ، فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذِهِ الدَّارُ؟ وَ مَا هَذَا النَّهَرُ(4) ؟

فَقَالُوا: هَذِهِ الدَّارُ هِيَ الْفِرْدَوْسُ الْأَعْلَى الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ جَنَّةٌ، وَ هِيَ دَارُ أَبِيكَ وَ مَنْ مَعَهُ مِنَ النَّبِيِّينَ وَ مَنْ أَحَبَّ اللَّهُ.

قُلْتُ: فَمَا هَذَا النَّهَرُ؟

قَالُوا: هَذَا الْكَوْثَرُ الَّذِي وَعَدَهُ اللَّهُ أَنْ يُعْطِيَهُ إِيَّاهُ.

قُلْتُ: فَأَيْنَ أَبِي؟

قَالُوا: السَّاعَةَ يَدْخُلُ عَلَيْكَ.

فَبَيْنَا أَنَا كَذَلِكَ إِذْ بَرَزَتْ لِي قُصُورٌ هِيَ أَشَدُّ بَيَاضاً مِنْ تِلْكَ(5) الْقُصُورِ، وَ فُرُشٌ هِيَ أَحْسَنُ مِنْ تِلْكَ الْفُرُشِ، وَ إِذَا أَنَا بِفُرُشٍ مُرْتَفِعَةٍ عَلَى أَسِرَّةٍ، وَ إِذَا أَبِي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) جَالِسٌ عَلَى تِلْكَ الْفُرُشِ، وَ مَعَهُ جَمَاعَةٌ، فَلَمَّا رَآنِي أَخَذَنِي فَضَمَّنِي وَ قَبَّلَ مَا بَيْنَ عَيْنَيَّ، وَ قَالَ:

مَرْحَباً بِابْنَتِي، وَ أَخَذَنِي وَ أَقْعَدَنِي فِي حَجْرِهِ، ثُمَّ قَالَ لِي: يَا حَبِيبَتِي، أَ مَا تَرَيْنَ مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَكِ وَ مَا تَقْدَمِينَ عَلَيْهِ!

فَأَرَانِي قُصُوراً مُشْرِفَاتٍ، فِيهَا أَلْوَانُ الطَّرَائِفِ وَ الْحُلِيِّ وَ الْحُلَلِ، وَ قَالَ: هَذِهِ مَسْكَنُكَ وَ مَسْكَنُ زَوْجِكِ وَ وَلَدَيْكِ وَ مَنْ أَحَبَّكِ وَ أَحَبَّهُمَا، فَطِيبِي نَفْساً فَإِنَّكِ قَادِمَةٌ عَلَيَّ إِلَى أَيَّامٍ.

قَالَتْ: فَطَارَ قَلْبِي، وَ اشْتَدَّ شَوْقِي، وَ انْتَبَهْتُ مِنْ رَقْدَتِي(6) مَرْعُوبَةً.».

ص: 132


1- (و لا اذن سمعت) ليس في «ع، م».
2- في «ط»: اللّحاف من، و «م»: عليها من ألوان.
3- في «ط»: و الدّيباج بألوان و من أواني.
4- في «ط»: هذه الأنهار.
5- في «ع، م»: بياضا و أنور من تلك.
6- (من رقدتي) أثبتناها من «م».

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ): فَلَمَّا انْتَبَهَتْ مِنْ مَرْقَدِهَا صَاحَتْ بِي، فَأَتَيْتُهَا وَ قُلْتُ لَهَا: مَا تَشْكِينَ؟ فَخَبَّرَتْنِي بِخَبَرِ الرُّؤْيَا.

ثُمَّ أَخَذَتْ عَلَيَّ عَهْداً لِلَّهِ وَ رَسُولِهِ أَنَّهَا إِذَا تُوُفِّيَتْ لاَ أُعْلِمَ أَحَداً إِلاَّ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وَ أُمَّ أَيْمَنَ، وَ فِضَّةَ؛ وَ مِنَ الرِّجَالِ ابْنَيْهَا، وَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، وَ سَلْمَانَ الْفَارِسِيَّ، وَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ، وَ الْمِقْدَادَ، وَ أَبَا ذَرٍّ، وَ حُذَيْفَةَ. وَ قَالَتْ: إِنِّي قَدْ أَحْلَلْتُكَ مِنْ أَنْ تَرَانِي بَعْدَ مَوْتِي، فَكُنْ مَعَ النِّسْوَةِ فِيمَنْ يُغَسِّلُنِي، وَ لاَ تَدْفِنِّي إِلاَّ لَيْلاً، وَ لاَ تُعْلِمْ أَحَداً قَبْرِي.

فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُكْرِمَهَا وَ يَقْبِضَهَا إِلَيْهِ، أَقْبَلَتْ(1) تَقُولُ:

وَ عَلَيْكُمُ السَّلاَمُ.

وَ هِيَ تَقُولُ لِي: يَا ابْنَ عَمِّ، قَدْ أَتَانِي جَبْرَئِيلُ مُسَلِّماً، وَ قَالَ لِي: السَّلاَمُ يُقْرِئُكِ(2) السَّلاَمَ، يَا حَبِيبَةَ حَبِيبِ اللَّهِ، وَ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ، الْيَوْمَ تَلْحَقِينَ بِهِ فِي الرَّفِيعِ(3) الْأَعْلَى وَ جَنَّةِ الْمَأْوَى، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنِّي.

ثُمَّ سَمِعْنَاهَا ثَانِياً تَقُولُ: وَ عَلَيْكُمُ السَّلاَمُ، فَقَالَتْ: يَا ابْنَ عَمِّ، هَذَا وَ اللَّهِ مِيكَائِيلُ يَقُولُ لِي كَقَوْلِ صَاحِبِهِ.

ثُمَّ أَخَذَتْ ثَالِثاً(4) تَقُولُ: وَ عَلَيْكُمُ السَّلاَمُ.

وَ رَأَيْنَاهَا قَدْ فَتَحَتْ عَيْنَيْهَا فَتْحاً شَدِيداً ثُمَّ قَالَتْ: يَا ابْنَ عَمِّ، هَذَا وَ اللَّهِ الْحَقِّ وَ هُوَ عَزْرَائِيلُ قَدْ نَشَرَ جَنَاحَهُ بِالْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ، وَ قَدْ وَصَفَهُ لِي أَبِي، وَ هَذِهِ صِفَتُهُ.

فَسَمِعْنَاهَا تَقُولُ: وَ عَلَيْكَ السَّلاَمُ يَا قَابِضَ الْأَرْوَاحِ، عَجِّلْ بِي وَ لاَ تُعَذِّبْنِي. ثُمَّ سَمِعْنَاهَا تَقُولُ: إِلَيْكَ رَبِّي لاَ إِلَى النَّارِ، ثُمَّ غَمَضَتْ عَيْنَيْهَا، وَ مَدَّتْ يَدَيْهَا وَ رِجْلَيْهَا، كَأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ حَيَّةً قَطُّ(5).3.

ص: 133


1- في «ط»: أخذت.
2- في «ع»: يقرأ عليك.
3- في «ع، م»: تلحقين بالرفيع.
4- (أخذت ثالثا) ليس في «ع، م».
5- - البحار 36/207:43.

وَ يُرْوَى(1) غَيْرُ ذَلِكَ وَ هُوَ خَبَرٌ صَعْبٌ شَدِيدٌ.

خبر وفاتها و دفنها و ما جرى لأمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه) مع القوم

43/ 43 - حَدَّثَنِي أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ بْنِ مُوسَى التَّلَّعُكْبَرِيُّ، قَالَ:

حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي(2) أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ هَمَّامِ بْنِ سُهَيْلٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ)، قَالَ: رَوَى أَحْمَدُ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْبَرْقِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَشْعَرِيِّ الْقُمِّيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نَجْرَانَ(3) ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ، عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، قَالَ:

وَلَدَتْ فَاطِمَةُ (عَلَيْهَا السَّلاَمُ) فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، يَوْمَ الْعِشْرِينَ مِنْهُ، سَنَةَ خَمْسٍ وَ أَرْبَعِينَ مِنْ مَوْلِدِ(4) النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ).

وَ أَقَامَتْ بِمَكَّةَ ثَمَانَ سِنِينَ، وَ بِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ، وَ بَعْدَ وَفَاةِ أَبِيهَا خَمْسَةً وَ سَبْعِينَ يَوْماً.

وَ قُبِضَتْ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ يَوْمَ الثَّلاَثَاءِ لِثَلاَثٍ خَلَوْنَ مِنْهُ، سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ مِنَ الْهِجْرَةِ.

وَ كَانَ سَبَبُ وَفَاتِهَا أَنَّ قُنْفُذاً مَوْلَى عُمَرَ لَكَزَهَا بِنَعْلِ السَّيْفِ(5) بِأَمْرِهِ، فَأَسْقَطَتْ مُحَسِّناً وَ مَرِضَتْ مِنْ ذَلِكَ مَرَضاً شَدِيداً، وَ لَمْ تَدَعْ أَحَداً مِمَّنْ آذَاهَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا.

وَ كَانَ الرَّجُلاَنِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) سَأَلاَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَشْفَعَ لَهُمَا إِلَيْهَا(6) ، فَسَأَلَهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) فَأَجَابَتْ، فَلَمَّا دَخَلاَ عَلَيْهَا قَالاَ لَهَا: كَيْفَ أَنْتِ يَا

ص: 134


1- في «ط»: و روي في وفاتها.
2- في «م»: حدّثنا.
3- راجع تعليقنا على الحديث (18).
4- في «ع، م»: ولد.
5- نعل السّيف: ما يكون في اسفل غمد السّيف من حديد أو فضّة و نحوهما «الصّحاح - نعل - 1832:5».
6- شفع له إلى فلان: طلب ان يعاونه و يسعى له «اقرب الموارد - شفع - 599:1».

بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ؟

قَالَتْ: بِخَيْرٍ بِحَمْدِ اللَّهِ.

ثُمَّ قَالَتْ لَهُمَا: مَا سَمِعْتُمَا النَّبِيَّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) يَقُولُ: «فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي، فَمَنْ آذَاهَا فَقَدْ آذَانِي، وَ مَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ»؟ قَالاَ: بَلَى.

قَالَتْ: فَوَ اللَّهِ، لَقَدْ آذَيْتُمَانِي.

قَالَ: فَخَرَجَا مِنْ عِنْدِهَا وَ هِيَ سَاخِطَةٌ عَلَيْهِمَا(1).

44/ 44 - وَ حَدَّثَنِي أَبُو الْمُفَضَّلِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ ابْنِ حَفْصٍ الْخَثْعَمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَسَدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ ذَكْوَانَ، عَنْ أَبِي خَالِدٍ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ الْوَاسِطِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وَ هُوَ آخِذٌ بِشَعْرِهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ وَ هُوَ آخِذٌ بِشَعْرِهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي الْحُسَيْنَ ابْنَ عَلِيٍّ وَ هُوَ آخِذٌ بِشَعْرِهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَ هُوَ آخِذٌ بِشَعْرِهِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ هُوَ آخِذٌ بِشَعْرِهِ يَقُولُ: مَنْ آذَى شَعْرَةً مِنِّي فَقَدْ آذَانِي، وَ مَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ، وَ مَنْ آذَى اللَّهَ (عَزَّ وَ جَلَّ) لَعَنَهُ مِلْ ءَ السَّمَاوَاتِ وَ مِلْ ءَ الْأَرَضِينَ(2).

45/ 45 - وَ حَدَّثَنِي الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ الطَّبَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الدَّقِيقِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الرَّازِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الْبَزَّازُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنِ الْكَلْبِيِّ وَ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):

مَنْ آذَى شَعْرَةً مِنِّي فَقَدْ آذَانِي، وَ مَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ(3).2.

ص: 135


1- بحار الأنوار 11/170:43. و راجع الحديث (18).
2- عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 3/250:1، أمالي الصدوق: 10/271، أمالي الطوسي 67:2، مناقب الخوارزمي: 235.
3- الجامع الصغير للسيوطي 8267/547:2.

رجع الحديث إلى تمام حديث أبي عليّ بن همّام

رجع الحديث إلى تمام حديث أبي عليّ بن همّام(1)

قَالَ: فَخَرَجَا مِنْ عِنْدِهَا وَ هِيَ سَاخِطَةٌ عَلَيْهِمَا.

قَالَ: وَ رُوِيَ: أَنَّهَا قُبِضَتْ لِعَشْرٍ بَقِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَ قَدْ كَمَلَ عُمُرُهَا يَوْمَ قُبِضَتْ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَ خَمْسَةً وَ ثَمَانِينَ يَوْماً بَعْدَ وَفَاةِ أَبِيهَا، فَغَسَلَهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، وَ لَمْ يَحْضُرْهَا غَيْرُهُ، وَ الْحَسَنِ، وَ الْحُسَيْنِ، وَ زَيْنَبَ، وَ أُمِّ كُلْثُومٍ، وَ فِضَّةَ جَارِيَتِهَا، وَ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ، وَ أَخْرَجَهَا إِلَى الْبَقِيعِ فِي اللَّيْلِ، وَ مَعَهُ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ، وَ صَلَّى عَلَيْهَا، وَ لَمْ يُعْلِمْ بِهَا، وَ لاَ حَضَرَ وَفَاتَهَا، وَ لاَ صَلَّى عَلَيْهَا أَحَدٌ مِنْ سَائِرِ النَّاسِ غَيْرُهُمْ، وَ دَفَنَهَا فِي الرَّوْضَةِ، وَ عَفَى(2) مَوْضِعَ قَبْرِهَا، وَ أَصْبَحَ الْبَقِيعُ لَيْلَةَ دُفِنَتْ وَ فِيهِ أَرْبَعُونَ قَبْراً جُدَداً؟

وَ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمَّا عَلِمُوا وَفَاتَهَا جَاءُوا إِلَى الْبَقِيعِ، فَوَجَدُوا فِيهِ أَرْبَعِينَ قَبْراً، فَأَشْكَلَ عَلَيْهِمْ قَبْرُهَا مِنْ سَائِرِ الْقُبُورِ، فَضَجَّ النَّاسُ وَ لاَمَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً، وَ قَالُوا: لَمْ يُخَلِّفْ نَبِيُّكُمْ فِيكُمْ إِلاَّ بِنْتاً وَاحِدَةً، تَمُوتُ وَ تُدْفَنُ وَ لَمْ تَحْضُرُوا وَفَاتَهَا وَ لاَ دَفْنَهَا وَ لاَ(3) الصَّلاَةَ عَلَيْهَا! بَلْ وَ لَمْ(4) تَعْرِفُوا قَبْرَهَا!

فَقَالَ وُلاَةُ الْأَمْرِ مِنْهُمْ: هَاتُوا مِنْ نِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَنْبُشُ هَذِهِ الْقُبُورَ حَتَّى نَجِدَهَا فَنُصَلِّيَ عَلَيْهَا وَ نَزُورَ(5) قَبْرَهَا.

فَبَلَغَ ذَلِكَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ)، فَخَرَجَ مُغْضَباً قَدِ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَ دَرَّتْ أَوْدَاجُهُ(6) ، وَ عَلَيْهِ قَبَاؤُهُ الْأَصْفَرُ الَّذِي كَانَ يَلْبَسُهُ فِي كُلِّ كَرِيهَةٍ، وَ هُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى سَيْفِهِ ذِي الْفَقَارِ، حَتَّى وَرَدَ الْبَقِيعَ، فَسَارَ إِلَى النَّاسِ مَنْ أَنْذَرَهُمْ، وَ قَالَ(7): هَذَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي

ص: 136


1- و هو الحديث (43).
2- في «ع»: عمّي.
3- في «ع، م»: وفاتها و.
4- في «ع، م»: عليها و لا.
5- في «ط»: نعين، و في «ع»: يرون.
6- أيّ برزت و ظهرت. و منه قولهم: بين عينيه عرق يدرّه الغضب.
7- في «ع، م»: النّاس النّذير و قالوا.

طَالِبٍ قَدْ أَقْبَلَ كَمَا تَرَوْنَهُ، يُقْسِمُ بِاللَّهِ لَئِنْ حُوِّلَ مِنْ هَذِهِ الْقُبُورِ حَجَرٌ لَيَضَعَنَّ السَّيْفَ فِي رِقَابِ الْآمِرِينَ(1).

فَتَلَقَّاهُ عُمَرُ وَ مَنْ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَ قَالَ لَهُ: مَا لَكَ يَا أَبَا الْحَسَنِ، وَ اللَّهِ لَنَنْبِشَنَّ قَبْرَهَا وَ لَنُصَلِّيَنَّ عَلَيْهَا.

فَضَرَبَ عَلِيٌّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) بِيَدِهِ إِلَى جَوَامِعِ ثَوْبِهِ فَهَزَّهُ ثُمَّ ضَرَبَ بِهِ الْأَرْضَ، وَ قَالَ لَهُ:

يَا ابْنَ السَّوْدَاءِ، أَمَّا حَقِّي فَقَدْ تَرَكْتُهُ مَخَافَةَ أَنْ يَرْتَدَّ النَّاسُ عَنْ دِينِهِمْ، وَ أَمَّا قَبْرُ فَاطِمَةَ فَوَ الَّذِي نَفْسُ عَلِيٍّ بِيَدِهِ لَئِنْ رُمْتَ وَ أَصْحَابُكَ شَيْئاً مِنْ ذَلِكَ لَأَسْقِيَنَّ الْأَرْضَ مِنْ دِمَائِكُمْ، فَإِنْ شِئْتَ فَاعْرِضْ يَا عُمَرُ.

فَتَلَقَّاهُ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: يَا أَبَا الْحَسَنِ، بِحَقِّ رَسُولِ اللَّهِ وَ بِحَقِّ مَنْ فَوْقَ الْعَرْشِ(2) إِلاَّ خَلَّيْتَ عَنْهُ، فَإِنَّا غَيْرُ(3) فَاعِلِينَ شَيْئاً تَكْرَهُهُ.

قَالَ: فَخَلَّى عَنْهُ وَ تَفَرَّقَ النَّاسُ وَ لَمْ يَعُودُوا إِلَى ذَلِكَ(4).

46/ 46 - وَ أَخْبَرَنِي أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ هِبَةِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ ابْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الْقُمِّيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ الْحَسَنِ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْكَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ، عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ)، قَالَ: قَالَ لِي أَبِي الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ (عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ).

لَمَّا قُبِضَتْ فَاطِمَةُ (عَلَيْهَا السَّلاَمُ) دَفَنَهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ)، وَ عَفَى عَلَى مَوْضِعِ قَبْرِهَا بِيَدِهِ، ثُمَّ قَامَ فَحَوَّلَ وَجْهَهُ إِلَى قَبْرِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وَ قَالَ:

«اَلسَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَنِّي وَ السَّلاَمُ عَنِ(5) ابْنَتِكَ وَ زَائِرَتِكَ، وَ الْبَائِتَةِ فِيى.

ص: 137


1- في «ع، م»: السّيف على غابر الآخر.
2- في «ط»: و بحقّ فاطمة.
3- في «ط»: لسنا.
4- بحار الأنوار 171:43.
5- في «ع»: عنّي و السّلام على.

الثَّرَى بِبُقْعَتِكَ(1) ، وَ الْمُخْتَارُ اللَّهُ لَهَا سُرْعَةَ اللَّحَاقِ بِكَ؛ قَلَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَنْ صَفِيَّتِكَ صَبْرِي، وَ عَفَا عَنْ سَيِّدَةِ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ تَجَلُّدِي، إِلاَّ أَنَّ لِي فِي التَّأَسِّي بِسُنَّتِكَ فِي فُرْقَتِكَ مَوْضِعَ تَعَزٍّ، فَلَقَدْ وَسَّدْتُكَ فِي مَلْحُودَةِ قَبْرِكَ، وَ فَاضَتْ نَفْسُكَ بَيْنَ صَدْرِي وَ نَحْرِي، بَلَى وَ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَنْعَمَ الْقَبُولَ، إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ، قَدِ اسْتُرْجِعَتِ الْوَدِيعَةُ، وَ أُخِذَتِ الرَّهِينَةُ، وَ اخْتُلِسَتِ الزَّهْرَاءُ، فَمَا أَقْبَحَ الْخَضْرَاءَ وَ الْغَبْرَاءَ.

يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمَّا حُزْنِي فَسَرْمَدٌ، وَ أَمَّا لَيْلِي فَمُسَهَّدٌ، وَ لاَ يَبْرَحُ ذَلِكَ مِنْ قَلْبِي أَوْ(2) يَخْتَارَ اللَّهُ لِي دَارَكَ الَّتِي أَنْتَ بِهَا، كَمَدٌ مُبْرِحٌ(3) وَ هَمٌّ مُهَيِّجٌ، سَرْعَانَ مَا فَرَّقَ بَيْنَنَا، فَإِلَى اللَّهِ أَشْكُو.

وَ سَتُنْبِئُكَ ابْنَتُكَ بِتَظَافُرِ أُمَّتِكَ عَلَى هَضْمِهَا، فَأَحْفِهَا السُّؤَالَ، وَ اسْتَخْبِرْهَا الْحَالَ، فَكَمْ مِنْ غَلِيلٍ مُعْتَلِجٍ بِصَدْرِهَا لَمْ تَجِدْ إِلَى بَثِّهِ سَبِيلاً، فَسَتَقُولُ وَ يَحْكُمُ اللَّهُ، وَ هُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ.

وَ السَّلاَمُ عَلَيْكَ(4) سَلاَمَ مُوَدِّعٍ لاَ قَالٍ وَ لاَ سَئِمٍ، فَإِنْ أَنْصَرِفْ فَلاَ عَنْ مَلاَلٍ، وَ إِنْ أُقِمْ فَلاَ عَنْ سُوءِ ظَنٍّ بِمَا وَعَدَ اللَّهُ الصَّابِرِينَ.

آهِ آهِ لَوْ لاَ غَلَبَةُ الْمُسْتَوْلِينَ لَجَعَلْتُ هُنَا الْمُقَامَ، وَ الْتَزَمْتُ لِزَاماً مَعْكُوفاً(5) ، وَ لَأَعْوَلْتُ إِعْوَالَ الثَّكْلَى عَلَى الرَّزِيَّةِ، فَبِعَيْنِ اللَّهِ تُدْفَنُ ابْنَتُكَ سِرّاً، وَ تُهْضَمُ حَقَّهَا، وَ تُمْنَعَ إِرْثَهَا، وَ لَمْ يَبْعُدْ بِكَ الْعَهْدُ، وَ لاَ اخْلَوْلَقَ مِنْكَ الذِّكْرُ، فَإِلَى اللَّهِ - يَا رَسُولَ اللَّهِ - الْمُشْتَكَى، وَ فِيكَ أَجْمَلُ الْعَزَاءِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَ عَلَيْهَا مَعَكَ، وَ السَّلاَمُ»(6).1.

ص: 138


1- في «ع»: النائية في الثرى ببقيعك.
2- في «ط»: حتّى، و كلاهما بمعنى، قال الشاعر: و كنت إذا غمزت قناة قومكسرت كعوبها أو تستقيما أي: كسرت كعوبها حتّى تستقيم، و الفعل بعدها منصوب بأن واجبة الاضمار.
3- (مبرح) ليس في «ع، م»، و في الكافي: مقيّح.
4- (و السلام عليك) ليس في «ع، م».
5- في «ط»: التزمت الحزن اشدّ لزام عكوفا، و في الكافي: و اللبث لزاما معكوفا.
6- الكافي 3/381:1، أمالي المفيد: 281، أمالي الطوسي 107:1.

أخبار في مناقبها (صلوات اللّه عليها)

أخبار في(1) مناقبها (صلوات اللّه عليها)

47/ 47 - حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ الْفَرَجِ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُوسَى بْنِ بَابَوَيْهِ الْقُمِّيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الثَّقَفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَمَّادِ بْنِ أَحْمَدَ الْهَمْدَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ (عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ)، قَالَ:

بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) سَلْمَانَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) إِلَى مَنْزِلِ فَاطِمَةَ لِحَاجَةٍ.

قَالَ سَلْمَانُ: فَوَقَفْتُ بِالْبَابِ وَقْفَةً حَتَّى سَلَّمْتُ، فَسَمِعْتُ فَاطِمَةَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ مِنْ جَوَّا، وَ الرَّحَى تَدُورُ مِنْ بَرّا، مَا عِنْدَهَا أَنِيسٌ.

قَالَ: فَعُدْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْتُ أَمْراً عَظِيماً! فَقَالَ: هِيهِ يَا سَلْمَانُ، تَكَلَّمْ بِمَا رَأَيْتَ وَ سَمِعْتَ.

قَالَ: وَقَفْتُ بِبَابِ ابْنَتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَ سَلَّمْتُ، فَسَمِعْتُ فَاطِمَةَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ مِنْ جَوَّا، وَ الرَّحَى تَدُورُ مِنْ(2) بَرَّا مَا عِنْدَهَا أَنِيسٌ!

قَالَ: فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ قَالَ: يَا سَلْمَانُ، إِنَّ ابْنَتِي فَاطِمَةَ مَلَأَ اللَّهُ قَلْبَهَا وَ جَوَارِحَهَا إِيمَاناً إِلَى مُشَاشِهَا(3) ، فَتَفَرَّغَتْ لِطَاعَةِ اللَّهِ (عَزَّ وَ جَلَّ) فَبَعَثَ اللَّهُ مَلَكاً اسْمُهُ (رَوْفَائِيلُ) - وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: (رَحْمَةٌ) - فَأَدَارَ(4) لَهَا الرَّحَى فَكَفَاهَا اللَّهُ (عَزَّ وَ جَلَّ) مَئُونَةَ الدُّنْيَا مَعَ مَئُونَةِ الْآخِرَةِ(5).

ص: 139


1- في «ع، م»: خبر.
2- (من) ليس في «ط».
3- المشاش، جمع مشاشة: و هي رءوس العظام اللّينة «الصحاح - مشش - 1019:3».
4- في «ط»: يدير.
5- مناقب ابن شهرآشوب 337:3، الثاقب في المناقب: 248/290.

48/ 48 - وَ حَدَّثَنَا أَبُو الْمُفَضَّلِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ(1) بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَالِكٍ الْفَزَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَحْرٍ الْجُنْدِيُّ النَّيْشَابُورِيُّ(2) ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ (عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ) قَالَ: قَالَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيِّ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ):

خَرَجَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ذَاتَ يَوْمٍ(3) وَ أَنَا أُرِيدُ الصَّلاَةَ، فَحَاذَيْتُ بَابَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، فَإِذَا أَنَا بِهَاتِفٍ مِنْ دَاخِلِ الدَّارِ وَ هُوَ يَقُولُ: اشْتَدَّ صُدَاعُ رَأْسِي، وَ خَلاَ بَطْنِي، وَ دَبِرَتْ كَفَّايَ مِنْ طَحْنِ الشَّعِيرِ. فَمَضَّنِي(4) الْقَوْلُ مَضّاً شَدِيداً، فَدَنَوْتُ مِنَ الْبَابِ فَقَرَعْتُهُ قَرْعاً خَفِيفاً، فَأَجَابَتْنِي فِضَّةُ، جَارِيَةُ فَاطِمَةَ (عَلَيْهَا السَّلاَمُ)، فَقَالَتْ: مَنْ هَذَا؟

فَقُلْتُ: أَنَا سَلْمَانُ ابْنُ الْإِسْلاَمِ.

قَالَتْ: وَرَاءَكَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، فَإِنَّ ابْنَةَ رَسُولِ اللَّهِ مِنْ وَرَاءِ الْبَابِ، عَلَيْهَا الْيَسِيرُ مِنَ الثِّيَابِ.

فَأَخَذْتُ عَبَاءَتِي فَرَمَيْتُ بِهَا دَاخِلَ الْبَابِ فَلَبِسَتْهَا فَاطِمَةُ (عَلَيْهَا السَّلاَمُ) ثُمَّ قَالَتْ: يَا فِضَّةُ، قُولِي لِسَلْمَانَ يَدْخُلُ، فَإِنَّ سَلْمَانَ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ وَ رَبِّ الْكَعْبَةِ.

فَدَخَلْتُ فَإِذَا أَنَا بِفَاطِمَةَ جَالِسَةً وَ قُدَّامَهَا رَحًى تَطْحَنُ بِهَا الشَّعِيرِ، وَ عَلَى عَمُودِ الرَّحَى دَمٌ سَائِلٌ قَدْ أَفْضَى إِلَى الْحَجَرِ، فَحَانَتْ مِنِّي الْتِفَاتَةٌ فَإِذَا أَنَا بِالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ فِي نَاحِيَةٍ مِنَ الدَّارِ يَتَضَوَّرُ(5) مِنَ الْجُوعِ، فَقُلْتُ: جَعَلَنِيَ اللَّهُ فِدَاكِ يَا ابْنَةَ رَسُولِ اللَّهِ،ع.

ص: 140


1- في «ع»: بن محمّد، و لم نعثر عليه بكلا الضبطين فيما عندنا من المعاجم الرجالية، و لعلّه جعفر بن محمّد بن مالك الفزاريّ أحد مشايخ أبي المفضّل، كما سيأتي في باب الجواد (عليه السّلام).
2- في «ع، م»: السّابوريّ، و لعلّه تصحيف (الجنديسابوريّ) منسوب إلى (جنديسابور) بلد في خوزستان.
3- في «ط»: ليلة.
4- المض: الحرقة و الألم و الوجع.
5- في «ع»: يتضوع، و في «م»: يتضرّع.

قَدْ دَبِرَتْ كَفَّاكِ مِنْ طَحْنِ الشَّعِيرِ وَ فِضَّةُ قَائِمَةٌ!

فَقَالَتْ: نَعَمْ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَوْصَانِي حَبِيبِي رَسُولُ اللَّهِ(1) أَنْ تَكُونَ الْخِدْمَةُ لَهَا يَوْمٌ وَ لِيَ يَوْمٌ، فَكَانَ أَمْسِ يَوْمَ خِدْمَتِهَا، وَ الْيَوْمُ يَوْمُ خِدْمَتِي.

قَالَ سَلْمَانُ: فَقُلْتُ: جَعَلَنِيَ اللَّهُ فِدَاكِ، إِنِّي مَوْلَى عَتَاقَةٍ.

فَقَالَتْ: أَنْتَ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ.

قُلْتُ: فَاخْتَارِي إِحْدَى الْخَصْلَتَيْنِ: إِمَّا أَنْ أَطْحَنَ لَكِ الشَّعِيرَ، أَوْ أُسْكِتَ لَكِ الْحَسَنَ.

قَالَتْ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، أَنَا أُسْكِتُهُ فَإِنِّي أَرْفَقُ، وَ أَنْتَ تَطْحَنُ الشَّعِيرَ.

قَالَ: فَجَلَسَتْ حَتَّى طَحَنْتُ جُزْءً مِنَ الشَّعِيرِ، فَإِذَا أَنَا بِالْإِقَامَةِ، فَمَضَيْتُ حَتَّى صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ).

فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنَ الصَّلاَةِ أَتَيْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَ هُوَ بِيَمْنَةٍ مِنْ(2) رَسُولِ اللَّهِ فَجَذَبْتُ رِدَاءَهُ وَ قُلْتُ: أَنْتَ هَاهُنَا وَ فَاطِمَةُ قَدْ دَبِرَتْ كَفَّاهَا مِنْ طَحْنِ الشَّعِيرِ؟!

فَقَامَ وَ إِنَّ دُمُوعَهُ لَتَحْدِرُ عَلَى لِحْيَتِهِ، وَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لَيَنْظُرُ إِلَيْهِ حَتَّى خَرَجَ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ، فَلَمْ يَمْكُثْ إِلاَّ قَلِيلاً. فَإِذَا هُوَ قَدْ رَجَعَ يَتَبَسَّمُ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَسْتَبِينَ أَسْنَانَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): يَا حَبِيبِي(3) خَرَجْتَ وَ أَنْتَ بَاكٍ وَ رَجَعْتَ وَ أَنْتَ ضَاحِكٌ؟

قَالَ: نَعَمْ بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي، دَخَلْتُ الدَّارَ وَ إِذَا فَاطِمَةُ نَائِمَةٌ مُسْتَلْقِيَةٌ لِقَفَاهَا، وَ الْحَسَنُ نَائِمٌ عَلَى صَدْرِهَا، وَ قُدَّامَهَا الرَّحَى تَدُورُ مِنْ غَيْرِ يَدٍ.

فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) ثُمَّ قَالَ: يَا عَلِيُّ، أَ مَا عَلِمْتَ أَنَّ لِلَّهِ مَلاَئِكَةً سَائِرَةً فِي الْأَرْضِ يَخْدِمُون مُحَمَّداً وَ آلَ مُحَمَّدٍ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ؟!(4)2.

ص: 141


1- في «ط»: أوصاني أبي.
2- في «ط»: الصّلاة رأيت عليّا و هو على ميمنة.
3- في «ط»: يا عليّ، و في «م»: يا عليّ يا حبيبي.
4- الخرائج و الجرائح 6/530:2.

.

49 / 49 - وَ حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الطَّبَرِيُّ، وَ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ(1) بْنِ خَيْرَانَ(2) الْأَنْبَارِيُّ، قَالاَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ كَامِلِ بْنِ خَلَفٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ بْنِ مُوسَى الْقُرَشِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ابْنُ الْحَسَنِ الْفَزَارِيُّ الْأَشْقَرُ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ طَرِيفٍ، عَنِ الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):

إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ مِنْ بُطْنَانِ الْعَرْشِ: يَا أَهْلَ الْجَمْعِ، نَكِّسُوا رُءُوسَكُمْ وَ غُضُّوا أَبْصَارَكُمْ حَتَّى تَمُرَّ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ عَلَى الصِّرَاطِ.

قَالَ: فَتَمُرُّ وَ مَعَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ جَارِيَةٍ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ كَالْبَرْقِ اللاَّمِعِ(3).

50/ 50 - وَ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ الطَّبَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ فَضَالَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ نَاصِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ النُّورِ الْمِسْمَعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ(4) ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ(5) مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ عَلِيٌّ الْكُوفَةَ - يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ - قُلْنَا(6) لَهُ: حَدِّثِّنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَذَكَرَ الْجَنَّةَ، ثُمَّ قَالَ: مَا حَدَّثْتُكُمْا.

ص: 142


1- (عليّ) ليس في «ط».
2- في النّسخ: ابن جيران، و يأتي في الحديث (29) من دلائل الإمام صاحب الزّمان (عليه السّلام) بعنوان: ابن خيران.
3- في «ط»: الخاطف. مناقب ابن شهرآشوب 326:3، كفاية الطّالب: 364، كشف الغمّة 457:1، الصّواعق المحرقة: 190. و سيأتي في الحديث: 67.
4- كذا في المصادر، و هو الصّواب، روى عن إبراهيم بن يزيد النّخعيّ، و روى عنه شعبة، و صحف في «ط، ع ، م»: عمر بن عميرة، انظر سير أعلام النبلاء 196:5، تهذيب التّهذيب 102:8.
5- في «ط، ع، م»: بن، تصحيف، و ما في المتن من المصادر، و هو الصّواب، راجع التعليقة السّابقة و تهذيب الكمال 233:2.
6- في «ط»: فقلنا.

عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، فَلَمْ أَزَلْ أَطْلُبُ الشَّهَادَةَ لِلْحَدِيثِ وَ لَمْ أُرْزَقْهَا، وَ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) يَقُولُ فِي تَبُوكَ وَ نَحْنُ نَسِيرُ مَعَهُ:

إِنَّ اللَّهَ (جَلَّ وَ عَزَّ) أَمَرَنِي أَنْ أُزَوِّجَ فَاطِمَةَ مِنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَفَعَلْتُ.

فَقَالَ لِي جَبْرَئِيلُ: إِنَّ اللَّهَ (عَزَّ وَ جَلَّ) قَدْ بَنَى جَنَّةً مِنْ قَصَبِ اللُّؤْلُؤِ، بَيْنَ كُلِّ قَصَبَةٍ إِلَى قَصَبَةٍ لُؤْلُؤَةٌ مِنْ يَاقُوتَةٍ مَشْدُودَةٍ بِالذَّهَبِ، وَ جَعَلَ سُقُوفَهَا زَبَرْجَداً أَخْضَرَ، فِيهَا طَاقَاتٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ مُكَلَّلَةٌ بِالْيَاقُوتِ، وَ جَعَلَ عَلَيْهَا غُرَفاً، لَبِنَةً مِنْ ذَهَبٍ، وَ لَبِنَةً مِنْ فِضَّةٍ، وَ لَبِنَةً مِنْ دُرٍّ، وَ لَبِنَةً مِنْ يَاقُوتٍ، وَ لَبِنَةً مِنْ زَبَرْجَدٍ، وَ قِبَاباً مِنْ دُرٍّ، قَدْ شُعِّبَتْ بِسَلاَسِلِ الذَّهَبِ، وَ حُفَّتْ بِأَنْوَاعِ التُّحَفِ.

وَ بَنَى فِي كُلِّ قَصْرٍ قُبَّةً، وَ جَعَلَ فِي كُلِّ قُبَّةٍ أَرِيكَةً مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ، فَرْشُهَا السُّنْدُسُ وَ الْإِسْتَبْرَقُ، وَ فَرَشَ أَرْضَهَا بِالزَّعْفَرَانِ وَ الْمِسْكِ وَ الْعَنْبَرِ، وَ جَعَلَ فِي كُلِّ قُبَّةٍ [حَوْرَاءَ(1)] وَ الْقُبَّةُ لَهَا مِائَةُ بَابٍ، فِي كُلِّ بَابٍ جَارِيَتَانِ وَ شَجَرَتَانِ، وَ فِي كُلِّ قُبَّةٍ فَرْشٌ وَ كِتَابٌ مَكْتُوبٌ حَوْلَ الْقِبَابِ آيَةُ الْكُرْسِيِّ. فَقُلْتُ: يَا جَبْرَئِيلُ، لِمَنْ بَنَى اللَّهُ (عَزَّ وَ جَلَّ) هَذِهِ الْقُبَّةَ؟

فَقَالَ: هَذِهِ جَنَّةٌ بَنَاهَا اللَّهُ (عَزَّ وَ جَلَّ) لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَ فَاطِمَةَ ابْنَتِكَ، تُحْفَةً أَتْحَفَهُمَا بِهَا، وَ أَقَرَّ بِهَا عَيْنَكَ يَا مُحَمَّدُ(2).

51/ 51 - وَ حَدَّثَنَا أَبُو الْمُفَضَّلِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ غَالِبٍ الْأَزْدِيُّ بِأَرْتَاحَ(3) ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الْغَنِيِّ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ(4) الْأَزْدِيُّن.

ص: 143


1- من المصادر.
2- نوادر المعجزات: 16/98، أبو صالح المؤذّن في الأربعين، على ما في عوالم فاطمة (عليها السّلام): 4/142، و رواه ابن عساكر في ترجمة الامام عليّ (عليه السّلام) من تاريخ دمشق 302/259:1 و الخوارزميّ في مقتل الحسين (عليه السّلام) 76:1 بهذا الاسناد إلى ابن مسعود، الكنجي في كفاية الطّالب: 320.
3- أرتاح: مدينة من أعمال حلب «معجم البلدان 140:1».
4- في «ط، ع، م»: الحسن بن عبّاس، و ما في المتن هو الصّواب، ذكره في معجم البلدان 153:5 نسبة إلى معان مدينة في طرف بادية الشّام، و فيه أبو عبيد المعنيّ، و أبو عبيد كنيته و المعنيّ لقبه، نسبة إلى معن بن مالك من الأزد، و كذا في تهذيب تاريخ دمشق 233:4، و في «ع»: أبو عبيد المغنّي، و في لسان الميزان 226:2 كما في المتن.

الْمَعَانِيُّ بِمَعَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ هَمَّامٍ الْحِمْيَرِيُّ(1) ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الضُّبَعِيُّ الْبَصْرِيُّ قَدِمَ عَلَيْنَا الْيَمَنَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هَارُونَ الْعَبْدِيُّ، عَنْ رَبِيعَةَ السَّعْدِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ، قَالَ:

لَمَّا خَرَجَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ إِلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أَرْسَلَ مَعَهُ النَّجَاشِيَّ بِقَدَحٍ مِنْ غَالِيَةٍ(2) وَ قَطِيفَةٍ مَنْسُوجَةٍ بِالذَّهَبِ هَدِيَّةً إِلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ). فَقَدِمَ جَعْفَرٌ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) وَ النَّبِيُّ بِأَرْضِ خَيْبَرَ، فَأَتَاهُ بِالْقَدَحِ مِنَ الْغَالِيَةِ وَ الْقَطِيفَةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): لَأَدْفَعَنَّ هَذِهِ الْقَطِيفَةَ إِلَى رَجُلٍ يُحِبُّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ، وَ يُحِبُّهُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ.

فَمَدَّ أَصْحَابُ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أَعْنَاقَهُمْ إِلَيْهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):

أَيْنَ عَلِيٌّ؟ فَلَمَّا جَاءَهُ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ: يَا عَلِيُّ، خُذْ هَذِهِ الْقَطِيفَةَ إِلَيْكَ. فَأَخَذَهَا عَلِيٌّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) وَ أُمْهِلَ، حَتَّى قَدِمَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَانْطَلَقَ إِلَى الْبَقِيعِ - وَ هُوَ سُوقُ الْمَدِينَةِ - فَأَمَرَ صَائِغاً فَفَصَلَ الْقَطِيفَةَ سِلْكاً سِلْكاً، فَبَاعَ الذَّهَبَ، وَ كَانَ أَلْفَ مِثْقَالٍ، فَفَرَّقَهُ عَلِيٌّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) فِي فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ وَ لَمْ يَبْقَ لَهُ مِنَ الذَّهَبِ قَلِيلٌ وَ لاَ كَثِيرٌ(3) ، فَلَقِيَهُ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) مِنْ غَدٍ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فِيهِمْ حُذَيْفَةُ وَ عَمَّارٌ، فَقَالَ: يَا عَلِيُّ، إِنَّكَ أَفَدْتَ(4) بِالْأَمْسِ أَلْفَ مِثْقَالٍ، فَاجْعَلْ غَدَايَ الْيَوْمَ وَ أَصْحَابِي هَؤُلاَءِ عِنْدَكَ. وَ لَمْ يَكُنْ عَلِيٌّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) يَرْجِعُ يَوْمَئِذٍ إِلَى شَيْ ءٍ مِنَ الْعُرُوضِ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، فَقَالَ حَيَاءً مِنْهُمْ وَ تَكَرُّماً: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْخُلْ - يَا نَبِيَّ اللَّهِ - وَ فِي الرُّحْبِ وَ السَّعَةِ أَنْتَ وَ مَنْ مَعَكَ.

قَالَ: فَدَخَلَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، ثُمَّ قَالَ لَنَا: ادْخُلُوا.ت.

ص: 144


1- كذا في الأمالي و الجرح و التعديل 70:6 نسبة إلى حمير من قبائل اليمن، و انظر سير أعلام النبلاء 9: 220/563، و في «ط، ع، م»: الخيبريّ.
2- الغالية: ضرب من الطّيب: مركب من مسك و عنبر و كافور و دهن البان و عود «مجمع البحرين - غلا - 1: 319».
3- في «ط»: الذّهب شيء لا قليل و لا كثير.
4- في «ط»: أخذت.

قَالَ حُذَيْفَةُ: وَ كُنَّا خَمْسَةَ نَفَرٍ: أَنَا، وَ عَمَّارٌ، وَ سَلْمَانُ، وَ أَبُو ذَرٍّ، وَ الْمِقْدَادُ (رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) فَدَخَلْنَا وَ دَخَلَ عَلِيٌّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) عَلَى فَاطِمَةَ (عَلَيْهَا السَّلاَمُ) يَبْتَغِي عِنْدَهَا شَيْئاً مِنْ زَادٍ، فَوَجَدَ فِي وَسَطِ الْبَيْتِ جَفْنَةً مِنْ ثَرِيدٍ تَفُورُ، وَ عَلَيْهَا عُرَاقٌ(1) كَثِيرٌ، وَ كَأَنَّ رَائِحَتَهَا الْمِسْكُ.

فَحَمَلَهَا عَلِيٌّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) حَتَّى وَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ مَنْ حَضَرَ(2) ، فَأَكَلْنَا مِنْهَا حَتَّى تَمَلَّأْنَا(3) وَ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهَا قَلِيلٌ وَ لاَ كَثِيرٌ(4).

فَقَامَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) حَتَّى دَخَلَ عَلَى فَاطِمَةَ (عَلَيْهَا السَّلاَمُ)، فَقَالَ: أَنَّى لَكِ هَذَا الطَّعَامُ يَا فَاطِمَةُ؟ فَرَدَّتْ عَلَيْهِ(5) ، وَ نَحْنُ نَسْمَعُ قَوْلَهَا، فَقَالَتْ: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ.

فَخَرَجَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) إِلَيْنَا مُسْتَبْشِراً(6) ، وَ هُوَ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يُمِتْنِي حَتَّى رَأَيْتُ لاِبْنَتِي(7) مَا رَأَى زَكَرِيَّا لِمَرْيَمَ، كَانَ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً فَيَقُولُ لَهَا: يَا مَرْيَمُ، أَنَّى لَكِ هَذَا ؟ فَتَقُولُ: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللّه، إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ. (8).

52/ 52 - وَ أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْخَيَّاطِ الْقُمِّيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْعَسْكَرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي صَعْصَعَةُ بْنُ سَيَّابِ بْنِ نَاجِيَةَ أَبُو مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ أَبِيهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمِّهِ زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ،3.

ص: 145


1- العرق: الفدرة من اللّحم، جمعها عراق، و قيل العراق: العظم بغير لحم «لسان العرب - عرق - 10: 244».
2- في «ع، م»: حضرها، و في الأمالي: حضر معه.
3- في «ط»: شبعنا، و كلاهما بمعنى واحد، انظر «لسان العرب - ملأ - 159:1».
4- في «ط»: منها شيء.
5- في «ط»: يا فاطمة؟ فأجابته.
6- في «ع، م»: مستعبرا.
7- في «ط»: زيادة: فاطمة.
8- أمالي الطّوسيّ 227:2، سعد السّعود: 90، نحوه، مدينة المعاجز: 53.

عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سُكَيْنَةَ وَ زَيْنَبَ ابْنَتَيْ عَلِيٍّ، عَنْ عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):

إِنَّ فَاطِمَةَ خُلِقَتْ حُورِيَّةً فِي صُورَةِ إِنْسِيَّةٍ، وَ إِنَّ بَنَاتَ الْأَنْبِيَاءِ لاَ يَحِضْنَ(1).

53/ 53 - وَ عَنْهُ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ يَزِيدَ الْمُهَلَّبِيُّ، قَالَ:

حَدَّثَنَا أَبُو طَاهِرٍ أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ وَ فَاطِمَةَ ابْنَةِ الْحُسَيْنِ، عَنْ أَبِيهَا الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قَالَ لِفَاطِمَةَ:

يَا فَاطِمَةُ، إِنَّ اللَّهَ لَيَغْضَبُ لِغَضَبِكَ، وَ يَرْضَى لِرِضَاكَ(2).

54/ 54 - وَ أَخْبَرَنِي الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَخْلَدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْبَاقِرْحِيُّ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي خَدِيجَةُ أُمُّ الْفَضْلِ ابْنَةُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الثَّلْجِ، قَالَتْ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الصَّفْوَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى بْنِ عِيسَى الْجَلُودِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَارَةَ الْكِنْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، عَنْ جَابِرِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ تُقَبِّلُ فَاطِمَةَ وَ تَلْزَمُهَا وَ تُدْنِيهَا مِنْكَ، وَ تَفْعَلُ بِهَا مَا لاَ تَفْعَلُهُ بِأَحَدٍ مِنْ بَنَاتِكَ!

فَقَالَ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): إِنَّ جَبْرَئِيلَ أَتَانِي بِتُفَّاحَةٍ مِنْ تُفَّاحِ الْجَنَّةِ، فَأَكَلْتُهَا، فَتَحَوَّلَتْ فِي صُلْبِي، ثُمَّ وَاقَعْتُ خَدِيجَةَ فَحَمَلَتْ بِفَاطِمَةَ، فَأَنَا أَشَمُّ مِنْهَا رَائِحَةَ الْجَنَّةِ(3).

55/ 55 - وَ عَنْهُ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي خَدِيجَةُ، قَالَتْ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا3.

ص: 146


1- البحار 37/112:81.
2- عيون أخبار الرّضا (عليه السّلام): 26:2 ذيل حديث 6 و 176/46، أمالي الصّدوق: 1/313، صحيفة الرّضا (عليه السّلام): 23/90، أمالي المفيد: 4/94، الحاكم في المستدرك 154:3، أمالي الطّوسيّ 41:2، اسد الغابة 522:5، كفاية الطّالب: 364، ذخائر العقبى: 39، فرائد السمطين 378/46:2، كنز العمّال 13: 37725/674، مقتل الحسين (عليه السّلام) للخوارزمي 52:1.
3- نوادر المعجزات: 17/99، علل الشّرائع: 1/183.

أَبُو أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عِمْرَانَ(1) ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى الْعَبْسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَبَلَةُ الْمَكِّيُّ، عَنْ طَاوُسٍ الْيَمَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:

دَخَلَتْ عَائِشَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ هُوَ يُقَبِّلُ فَاطِمَةَ، فَقَالَتْ لَهُ: أَ تُحِبُّهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: إِي وَ اللَّهِ، لَوْ تَعْلَمِينَ حُبِّي لَهَا لاَزْدَدْتِ لَهَا حُبّاً.

إِنَّ اللَّهَ (تَبَارَكَ وَ تَعَالَى) لَمَّا عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ أَذَّنَ جَبْرَئِيلُ، وَ أَقَامَ مِيكَائِيلُ، ثُمَّ قِيلَ لِي: ادْنُ(2) يَا مُحَمَّدُ. فَقُلْتُ: أَتَقَدَّمُ وَ أَنْتَ بِحَضْرَتِي(3) يَا جَبْرَئِيلُ؟!

فَقَالَ: نَعَمْ، إِنَّ اللَّهَ (تَبَارَكَ وَ تَعَالَى) فَضَّلَ أَنْبِيَاءَهُ الْمُرْسَلِينَ عَلَى جَمِيعِ مَلاَئِكَتِهِ الْمُقَرَّبِينَ، وَ فَضَّلَكَ(4) أَنْتَ خَاصَّةً.

فَدَنَوْتُ فَصَلَّيْتُ(5) فِي أَهْلِ السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ، ثُمَّ الْتَفَتُّ عَنْ يَمِينِي فَإِذَا أَنَا بِإِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ فِي رَوْضَةٍ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، قَدْ اكْتَنَفَتْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ.

ثُمَّ إِنِّي صِرْتُ إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، فَنُودِيتُ: يَا مُحَمَّدُ، نِعْمَ الْأَبُ أَبُوكَ إِبْرَاهِيمُ، وَ نِعْمَ الْأَخُ أَخُوكَ عَلِيٌّ(6).

فَلَمَّا صِرْتُ إِلَى الْحُجُبِ أَخَذَ جَبْرَئِيلُ بِيَدِي فَأَدْخَلَنِي الْجَنَّةَ، فَإِذَا أَنَا بِرُطَبٍ أَلْيَنَ مِنَ الزُّبْدِ، وَ أَطْيَبَ رَائِحَةً مِنَ الْمِسْكِ، وَ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، فَأَخَذْتُ رُطَبَةً فَأَكَلْتُهَا، فَتَحَوَّلَتِ الرُّطَبَةُ فِي صُلْبِي.1.

ص: 147


1- في العلل: عمر.
2- في «ط»: تقدّم.
3- في «ع، م»: تحضرني.
4- في «ع، م»: فضلت.
5- في «ط»: فتقدّمت و صلّيت.
6- المحاسن: 169/179، عيون أخبار الرّضا (عليه السّلام) 39/30:2، أمالي الصّدوق: 14/266، مناقب ابن المغازلي: 65/42، و 96/67 و بلفظ آخر في: 66/44، ابن عساكر في تاريخ دمشق ضمن ترجمة الامام عليّ (عليه السّلام) 159/131:1 و: 150/124، كفاية الطّالب: 185، فرائد السمطين 77/109:1 و 78/110، و الخوارزميّ في المناقب: 209، و مقتل الحسين (عليه السّلام) 49:1.

فَلَمَّا أَنْ هَبَطْتُ إِلَى الْأَرْضِ وَاقَعْتُ خَدِيجَةَ، فَحَمَلْتُ بِفَاطِمَةَ الْحَوْرَاءِ الْإِنْسِيَّةِ، فَإِذَا اشْتَقْتُ إِلَى الْجَنَّةِ شَمِمْتُ رَائِحَتَهَا(1).

56/ 56 - وَ عَنْهُ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي خَدِيجَةُ، قَالَتْ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَائِشَةَ، قَالَ:

حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَمْرٍو الْبَجَلِيُّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُوسَى، عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ عَلِيٍّ، قَالَتْ: حَدَّثَتْنِي أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ قَالَتْ:

قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ قَدْ كُنْتُ شَهِدْتُ فَاطِمَةَ قَدْ وَلَدَتْ بَعْضَ وُلْدِهَا فَلَمْ نَرَ لَهَا دَماً، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ فَاطِمَةَ وَلَدَتْ فَلَمْ نَرَ لَهَا دَماً! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): يَا أَسْمَاءُ، إِنَّ فَاطِمَةَ خُلِقَتْ حُورِيَّةً إِنْسِيَّةً(2).

57/ 57 - وَ أَخْبَرَنِي أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ بْنِ مُوسَى، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُوسَى الْقُمِّيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ الْبَغْدَادِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَنْبَسَةَ،(3) قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عِيسَى ابْنِ يَحْيَى بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ)، قَالَ:

سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) يَقُولُ:

إِنَّمَا سُمِّيَتْ فَاطِمَةُ فَاطِمَةَ لِأَنَّهَا فُطِمَتْ هِيَ وَ شِيعَتُهَا وَ ذُرِّيَّتُهَا مِنَ النَّارِ(4).6.

ص: 148


1- علل الشرائع: 2/183.
2- مناقب ابن المغازلي: 416/369 باسناده إلى محمد بن زكريا الغلابي، كشف الغمة 463:1 عن ابن بابويه يرفعه إلى أسماء، و نحوه في ذخائر العقبى: 44، و نزهة المجالس 227:2، و سيأتي في الحديث (62).
3- في رجال النجاشي: 686/262 علي بن محمد بن جعفر بن عنبسة الحداد العسكري، يقال له: ابن رويدة، و في الخصال: 73/387 و: 98/394: علي بن محمد بن جعفر بن أحمد بن عنبسة مولى الرشيد.
4- نحوه في عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 174/46:2، و معاني الأخبار: 14/64، و علل الشرائع: 1/178 و: 5/179، و أمالي الطوسي 300:1، و بشارة المصطفى: 184، و مناقب ابن المغازلي: 92/65، و مناقب ابن شهرآشوب 329:3، و نحوه في ذخائر العقبى: 26، و فرائد السمطين 384/57:2، و مقتل الحسين (عليه السلام) للخوارزمي 51:1، و نور الابصار: 96.

58/ 58 - وَ أَخْبَرَنِي الشَّرِيفُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْمُحَمَّدِيُّ النَّقِيبُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زِيَادِ ابْنِ جَعْفَرٍ الْهَمْدَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ، عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فِي فَاطِمَةَ أَنَّهَا سَيِّدَةُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ؛ أَ هِيَ سَيِّدَةُ نِسَاءِ عَالَمِهَا؟

فَقَالَ: تِلْكَ مَرْيَمُ، كَانَتْ سَيِّدَةَ نِسَاءِ عَالَمِهَا، وَ فَاطِمَةُ سَيِّدَةُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَ الْآخِرِينَ(1).

59/ 59 - وَ حَدَّثَنِي أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ بْنِ مُوسَى التَّلَّعُكْبَرِيُّ، قَالَ:

أَخْبَرَنِي أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُوسَى الْقُمِّيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الطَّالَقَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الْجَلُودِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنِ زَكَرِيَّا الْجَوْهَرِيُّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) عَنْ فَاطِمَةَ: لِمَ سُمِّيَتِ الزَّهْرَاءَ؟

فَقَالَ: لِأَنَّهَا كَانَتْ إِذَا قَامَتْ فِي مِحْرَابِهَا يَزْهَرُ نُورُهَا لِأَهْلِ السَّمَاءِ، كَمَا يَزْهَرُ نُورُ الْكَوَاكِبِ لِأَهْلِ الْأَرْضِ(2).

60/ 60 - وَ يُرْوَى: أَنَّهَا (عَلَيْهَا السَّلاَمُ) سُمِّيَتْ الزَّهْرَاءَ لِأَنَّ اللَّهَ (عَزَّ وَ جَلَّ) خَلَقَهَا مِنْ نُورِ عَظَمَتِهِ(3).

61/ 61 - وَ عَنْهُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى ابْنِ أَحْمَدَ بْنِ عِيسَى بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ) قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَسْبَاطٍ، قَالَ:

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ الْقَطَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الطَّيِّبِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ4.

ص: 149


1- معاني الاخبار: 1/107، و نحوه في مشكل الآثار 51:1، و حلية الاولياء 42:2، و ذخائر العقبى: 43، و مقتل الحسين (عليه السّلام) للخوارزمي 79:1.
2- علل الشّرائع: 3/181، معاني الأخبار: 15/64.
3- علل الشّرائع: 1/180، معاني الأخبار: 16/64.

عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ، عَنْ آبَائِهِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): أَنَّ النَّبِيَّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) سُئِلَ عَنِ الْبَتُولِ، وَ قِيلَ لَهُ(1): سَمِعْنَاكَ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَقُولُ: إِنَّ مَرْيَمَ بَتُولٌ، وَ فَاطِمَةَ بَتُولٌ فَمَا ذَاكَ.

فَقَالَ: الْبَتُولُ الَّتِي لَمْ تَرَ حُمْرَةً قَطُّ.

أَيْ لَمْ تَحِضْ، فَإِنَّ الْحَيْضَ مَكْرُوهٌ فِي بَنَاتِ الْأَنْبِيَاءِ(2).

62/ 62 - وَ أَخْبَرَنِي الشَّرِيفُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْمُحَمَّدِيُّ، قَالَ:

أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الصَّفْوَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ زَكَرِيَّا، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَائِشَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَمْرٍو الْبَجَلِيُّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُوسَى، عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، قَالَتْ: حَدَّثَتْنِي أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ، قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ قَدْ كُنْتُ شَهِدْتُ فَاطِمَةَ قَدْ وَلَدَتْ بَعْضَ وُلْدِهَا فَلَمْ نَرَ لَهَا دَماً(3).

يَا أَسْمَاءُ، إِنَّ فَاطِمَةَ خُلِقَتْ حُورِيَّةً إِنْسِيَّةً(4).

63/ 63 - وَ عَنْهُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الصَّفْوَانِيُّ، قَالَ:

حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا(5) ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ بَكَّارٍ، قَالَ:

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُثَنَّى، عَنْ عَمِّهِ ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قُلْتُ لِأُمِّي: صِفِي لِي فَاطِمَةَ (عَلَيْهَا السَّلاَمُ).

فَقَالَتْ: كَانَتْ أَشْبَهَ النَّاسِ بِرَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، بَيْضَاءَ مُشْرَبَةً(6) حُمْرَةً،».

ص: 150


1- في «ع، م»: البتول و إنّا، و في العلل و المعاني: ما البتول فإنّا.
2- علل الشّرائع: 1/181، معاني الأخبار: 17/64، مناقب ابن شهرآشوب 330:3.
3- في «ط» زيادة: و سألته فقال.
4- تقدّم في الحديث (56).
5- (قال: حدّثنا محمّد بن زكريّا) ليس في «ط، م» و ما في المتن هو الصّواب و هو الغلابى، راجع ميزان الاعتدال 382:2 و لسان الميزان 237:3.
6- الإشراب: خلط لون بلون، كأنّ أحد اللّونين سقى اللّون الآخر «النّهاية - شرب - 454:2».

لَهَا شَعْرٌ أَسْوَدُ يَتَغَفَّرُ(1) لَهَا، كَأَنَّهَا الْقَمَرُ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَ كَأَنَّهَا شَمْسٌ قُرِنَتْ(2) غَمَاماً.

قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَكَانَتْ - وَ اللَّهِ - كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:

بَيْضَاءُ تَسْحَبُ مِنْ قِيَامٍ شَعْرَهَا وَ تَغِيبُ فِيهِ وَ هُوَ جَثْلٌ أَسْحَمُ(3)

فَكَأَنَّهَا فِيهِ نَهَارٌ مُشْرِقٌ وَ كَأَنَّهُ لَيْلٌ عَلَيْهَا مُظْلِمٌ(4).

64/ 64 - وَ عَنْهُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الصَّفْوَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُصْعَبٌ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ: مِنْ أَيْنَ لَكَ إِشْرَاقُ الرَّبَاعِيَةِ؟

قَالَ: قُلْتُ: كَانَ جَدِّي لِأُمِّي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُصْعَبٍ مُشْرِقَ الرَّبَاعِيَةِ، قَالَ: وَ مِنْ أَيْنَ لَهُ ذَاكَ؟

فَقُلْتُ: كَانَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ مُشْرِقَ الرَّبَاعِيَةِ.

قَالَ: وَ مِنْ أَيْنَ ذَاكَ لَهُ؟

قُلْتُ: لاَ أَدْرِي.

قَالَ: وَ لَكِنِّي أَدْرِي، كَانَتْ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ مُشْرِقَةَ الرَّبَاعِيَةِ، وَ كَانَتْ فَاطِمَةُ مُشْرِقَةَ الرَّبَاعِيَةِ(5).

65/ 65 - وَ أَخْبَرَنِي الشَّرِيفُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْمُحَمَّدِيُّ النَّقِيبُ، قَالَ:

أَخْبَرَنِي أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ3.

ص: 151


1- يتغفر: أيْ كان كالغفرة لها، و هو ما يغطّى به الشّيء، انظر «لسان العرب - غفر - 26:5».
2- قرنت: أيْ كأنّ الشّمس قارنت الغمام و صاحبته، انظر «لسان العرب - قرن - 336:13».
3- شعر جثل: كثير ليّن، أسحم: أسود «أساس البلاغة - جثل - 51 و - سحم - 205». أورد هذين البيتين القالي في أماليه 227:1 و السّيّد المرتضى في أماليه 97:2 و الثّعالبيّ في الأعجاز و الإيجاز: 181، و نسبوهما لبكر بن النطاح، و هو شاعر كان في زمن هارون الرّشيد جيّد القول حسن الشّعر، انظر أخباره في الأغاني 153:17 و تأريخ بغداد 90:7.
4- الحاكم في المستدرك 161:3، و بذيله التلخيص للذهبي 161:3.
5- أشار لهذا الحديث في مناقب ابن شهرآشوب 357:3.

الْحَسَنِ الْقَزْوِينِيِّ، الْمَعْرُوفِ بِابْنِ مَقْبُرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِيُّ، قَالَ:

حَدَّثَنَا جَنْدَلُ بْنُ وَالِقٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْمَازِنِيُّ، عَنْ عَبَّادٍ الْكَلْبِيِّ(1) ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ فَاطِمَةَ الصُّغْرَى عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَخِيهِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ)، قَالَ:

رَأَيْتُ أُمِّي فَاطِمَةَ (عَلَيْهَا السَّلاَمُ) قَائِمَةً فِي مِحْرَابِهَا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، فَلَمْ تَزَلْ رَاكِعَةً سَاجِدَةً حَتَّى انْفَجَرَ(2) عَمُودُ الصُّبْحِ، وَ سَمِعْتُهَا تَدْعُو لِلْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِنَاتِ، وَ تُسَمِّيهِمْ، وَ تُكْثِرُ الدُّعَاءَ لَهُمْ، وَ لاَ تَدْعُو لِنَفْسِهَا بِشَيْ ءٍ، فَقُلْتُ: يَا أُمَّاهْ، لِمَ لاَ تَدْعِينَ لِنَفْسِكِ كَمَا تَدْعِينَ لِغَيْرِكِ؟

فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّ، الْجَارَ ثُمَّ الدَّارَ(3).

66/ 66 - وَ أَخْبَرَنِي أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ بْنِ مُوسَى التَّلَّعُكْبَرِيُّ، قَالَ:

أَخْبَرَنِي أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَطَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ السُّكَّرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَكَرِيَّا الْجَوْهَرِيِّ، قَالَ:

حَدَّثَنِي شُعَيْبُ بْنُ وَاقِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عِيسَى بْنِ زَيْدِ ابْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) يَقُولُ:

سُمِّيَتْ فَاطِمَةُ مُحَدَّثَةً لِأَنَّ الْمَلاَئِكَةَ كَانَتْ تَهْبِطُ مِنَ السَّمَاءِ فَتُنَادِيهَا كَمَا كَانَتْ تُنَادِي مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرَانَ، فَتَقُولُ: يَا فَاطِمَةُ، إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَ طَهَّرَكِ وَ اصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ.

يَا فَاطِمَةُ، اُقْنُتِي لِرَبِّكِ وَ اسْجُدِي وَ ارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ ؛ فَتُحَدِّثُهُمْ وَ يُحَدِّثُونَهَا.

فَقَالَتْ لَهُمْ ذَاتَ لَيْلَةٍ: أَ لَيْسَتِ الْمُفَضَّلَةُ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرَانَ؟

فَقَالُوا: إِنَّ مَرْيَمَ كَانَتْ سَيِّدَةَ نِسَاءِ عَالَمِهَا، وَ إِنَّ اللَّهَ (عَزَّ وَ جَلَّ) جَعَلَكِ سَيِّدَةَ نِسَاءِ عَالَمِكِ وَ عَالَمِهَا، وَ سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْأَوَّلِينَ وَ الْآخِرِينَ(4).).

ص: 152


1- في النسخ: الضّبيّ و قد تقدم البحث عنه في سند الحديث (13).
2- في «ط»: انفلق، و في العلل: اتضح.
3- علل الشرائع: 1/181.
4- تقدم في الحديث (20).

67/ 67 - وَ أَخْبَرَنِي الشَّرِيفُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْمُحَمَّدِيُّ النَّقِيبُ، قَالَ:

أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الصَّفْوَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الْجَلُودِيُّ الْبَصْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ الْقُرَشِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ الْأَشْقَرُ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ طَرِيفٍ، عَنِ الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):

إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ مِنْ بُطْنَانِ الْعَرْشِ: يَا أَهْلَ الْجَمْعِ نَكِّسُوا رُءُوسَكُمْ، وَ غُضُّوا أَبْصَارَكُمْ حَتَّى تَجُوزَ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ عَلَى الصِّرَاطِ.

قَالَ: فَيَمُرُّ مَعَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ جَارِيَةٍ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ كَالْبَرْقِ اللاَّمِعِ(1).

68/ 68 - وَ عَنْهُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الصَّفْوَانِيُّ، قَالَ:

حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الْجَلُودِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ(2) ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَخِيهِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ أَبِيهِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، عَنْ عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، عَنِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قَالَ:

إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ: يَا مَعْشَرَ الْخَلاَئِقِ، غُضُّوا أَبْصَارَكُمْ وَ نَكِّسُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى تَمُرَّ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ؛ فَتَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُكْسَى.

وَ تَسْتَقْبِلُهَا مِنَ الْفِرْدَوْسِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ حَوْرَاءَ، وَ خَمْسُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، عَلَى نَجَائِبَ مِنَ الْيَاقُوتِ، أَجْنِحَتُهَا وَ أَزِمَّتُهَا اللُّؤْلُؤُ الرَّطْبُ، رُكَبُهَا مِنْ زَبَرْجَدٍ، عَلَيْهَا رَحْلٌ(3) مِنَ الدُّرِّ، عَلَى كُلِّ رَحْلٍ نُمْرُقَةٌ مِنْ سُنْدُسٍ، حَتَّى يَجُوزُوا بِهَا الصِّرَاطَ، وَ يَأْتُوا بِهَال.

ص: 153


1- تقدّم في الحديث (49).
2- (قال: حدّثنا عمرو بن عبد الجبّار) ليس في «ط، م» و الصّواب إثباته، و هو أبو يحيى عمرو بن عبد الجبّار اليامي، نسبة إلى يام بطن من همدان، روى عنه أبو عبد اللّه محمّد بن سهل بن عبد الرّحمن العطّار، انظر تاريخ بغداد 315:5 و لسان الميزان 368:4.
3- في «ع، م»: الحلل.

الْفِرْدَوْسَ، فَيَتَبَاشَرُ بِمَجِيئِهَا أَهْلَ الْجِنَانِ، فَتَجْلِسُ عَلَى كُرْسِيٍّ مِنْ نُورٍ، وَ يَجْلِسُونَ حَوْلَهَا.

وَ هِيَ جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ الَّتِي سَقْفُهَا عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَ فِيهَا قَصْرَانِ: قَصْرٌ أَبْيَضُ، وَ قَصْرٌ أَصْفَرُ مِنْ لُؤْلُؤَةً عَلَى عِرْقٍ وَاحِدٍ، فِي الْقَصْرِ الْأَبْيَضِ سَبْعُونَ أَلْفَ دَارٍ، مَسَاكِنُ مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ، وَ فِي(1) الْقَصْرِ الْأَصْفَرِ سَبْعُونَ(2) أَلْفَ دَارٍ، مَسَاكِنُ إِبْرَاهِيمَ وَ آلِ إِبْرَاهِيمَ.

ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ (عَزَّ وَ جَلَّ) مَلَكاً لَهَا(3) لَمْ يُبْعَثْ إِلَى أَحَدٍ قَبْلَهَا، وَ لاَ يُبْعَثُ إِلَى أَحَدٍ بَعْدَهَا، فَيَقُولُ: إِنَّ رَبَّكَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلاَمُ وَ يَقُولُ: سَلِينِي.

فَتَقُولُ: هُوَ السَّلاَمُ، وَ مِنْهُ السَّلاَمُ، قَدْ أَتَمَّ عَلَيَّ نِعْمَتَهُ، وَ هَنَّأَنِي كَرَامَتَهُ، وَ أَبَاحَنِي جَنَّتَهُ، وَ فَضَّلَنِي عَلَى سَائِرِ خَلْقِهِ، أَسْأَلُهُ وُلْدِي وَ ذُرِّيَّتِي وَ مَنْ وَدَّهُمْ بَعْدِي، وَ حَفَظَهُمْ فِيَّ.

قَالَ: فَيُوحِي اللَّهُ إِلَى ذَلِكَ الْمَلَكِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَزُولَ مِنْ مَكَانِهِ: أَخْبِرْهَا أَنِّي قَدْ شَفَّعْتُهَا فِي وُلْدِهَا وَ ذُرِّيَّتِهَا وَ مَنْ وَدَّهُمْ فِيهَا، وَ حَفِظَهُمْ بَعْدَهَا.

قَالَ: فَتَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْحُزْنَ، وَ أَقَرَّ عَيْنَيَّ. فَيُقِرُّ اللَّهُ بِذَلِكَ عَيْنَ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)(4).

69/ 69 - وَ حَدَّثَنِي أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْعَبَّاسِ ابْنِ دُومَا(5) ، قَالَ:

حَدَّثَنَا: عَلِيُّ بْنُ حَبِيبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ:

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي جَعْفَرُ بْنُ5.

ص: 154


1- في «ع، م»: و إنّ في.
2- في «ع، م»: لسبعين.
3- (لها) ليس في «ع، م».
4- تأويل الآيات 7/618:2.
5- في «ع، م»: البردوما، و هي تصحيف: ابن دوما، و هو أبو عليّ الحسن بن الحسين بن العبّاس بن الفضل بن المغيرة المعروف بابن دوما النعالي نسبة إلى عمل النّعال و بيعها، و هو من مشايخ الخطيب البغداديّ، انظر تاريخ بغداد 300:7، أنساب السمعاني 508:5.

مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): تُحْشَرُ ابْنَتِي فَاطِمَةُ وَ عَلَيْهَا حُلَّةُ الْكَرَامَةِ، قَدْ عُجِنَتْ بِمَاءِ الْحَيَوَانِ، تَنْظُرُ إِلَيْهَا الْخَلاَئِقُ فَيَتَعَجَّبُونَ مِنْهَا.

ثُمَّ تُكْسَى أَيْضاً حُلَّةً مِنْ حُلَلِ الْجَنَّةِ، وَ هِيَ أَلْفُ حُلَّةٍ، مَكْتُوبٌ عَلَى كُلِّ حُلَّةٍ بِخَطٍّ أَخْضَرَ: (أَدْخِلُوا ابْنَةَ مُحَمَّدٍ الْجَنَّةَ عَلَى أَحْسَنِ صُورَةٍ وَ أَحْسَنِ كَرَامَةٍ، وَ أَحْسَنِ مَنْظَرٍ).

فَتُزَفُّ إِلَى الْجَنَّةِ كَمَا تُزَفُّ الْعَرُوسُ، وَ يُوَكَّلُ بِهَا سَبْعُونَ أَلْفَ جَارِيَةٍ(1).9.

ص: 155


1- عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 38/30:2، صحيفة الرضا (عليه السلام): 79/122، ذخائر العقبى: 48، فرائد السمطين 388/63:2، مقتل الحسين (عليه السلام) للخوارزمي 52:1، ينابيع المودة: 199.

ص: 156

أبو محمد الحسن بن علي عليه السلام

معرفة ولادة أبي محمد الحسن بن علي عليه السلام

70/ 1 - حَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو الْفَرَجِ الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ يَحْيَى بْنِ حُمَيْدِ بْنِ حَمَّادٍ الْحَرِيرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الثَّلْجِ قَالَ حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ مِهْرَانَ قَالَ حَدَّثَنِي مُنْذِرٌ السَّرَّاجُ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ قَالَ أَخْبَرَنِي أَسْلَمُ بْنُ مَيْسَرَةَ الْعَجْلاَنِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَنِي وَ عَلِيّاً وَ فَاطِمَةَ وَ الْحَسَنَ وَ الْحُسَيْنَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الدُّنْيَا بِسَبْعَةِ آلاَفِ عَامٍ قُلْتُ فَأَيْنَ كُنْتُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ قُدَّامَ الْعَرْشِ نُسَبِّحُ اللَّهَ وَ نُقَدِّسُهُ وَ نُمَجِّدُهُ قُلْتُ عَلَى أَيِّ مِثَالٍ قَالَ أَشْبَاحِ نُورٍ حَتَّى إِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَخْلُقَ صُوَرَنَا صَيَّرَنَا عَمُودَ نُورٍ ثُمَّ

ص: 157

قَذَفَنَا فِي صُلْبِ آدَمَ، ثُمَّ أَخْرَجَنَا إِلَى أَصْلاَبِ الْآبَاءِ وَ أَرْحَامِ الْأُمَّهَاتِ، لاَ يُصِيبُنَا نَجَسُ الشِّرْكِ، وَ لاَ سِفَاحُ الْكُفْرِ، يَسْعَدُ بِنَا قَوْمٌ وَ يَشْقَى بِنَا(1) آخَرُونَ.

فَلَمَّا صَيَّرَنَا إِلَى صُلْبِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَخْرَجَ ذَلِكَ النُّورَ فَشَقَّهُ نِصْفَيْنِ، فَجَعَلَ نِصْفَهُ فِي عَبْدِ اللَّهِ، وَ نِصْفَهُ فِي أَبِي طَالِبٍ، ثُمَّ أَخْرَجَ النِّصْفَ الَّذِي لِي إِلَى آمِنَةَ، وَ النِّصْفَ الْآخَرَ إِلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ أَسَدٍ، فَأَخْرَجَتْنِي آمِنَةُ، وَ أَخْرَجَتْ فَاطِمَةُ عَلِيّاً.

ثُمَّ أَعَادَ (عَزَّ وَ جَلَّ) الْعَمُودَ إِلَيَّ فَخَرَجَتْ مِنِّي فَاطِمَةُ ثُمَّ أَعَادَ (عَزَّ وَ جَلَّ) الْعَمُودَ إِلَيْهِ(2) ، فَخَرَجَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ. يَعْنِي مِنَ النِّصْفَيْنِ جَمِيعاً.

فَمَا كَانَ مِنْ نُورِ عَلِيٍّ صَارَ فِي وُلْدِ الْحَسَنِ، وَ مَا كَانَ مِنْ نُورِي صَارَ فِي وُلْدِ الْحُسَيْنِ، فَهُوَ يَنْتَقِلُ فِي الْأَئِمَّةِ مِنْ وُلْدِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ(3).

71/ 2 - وَ حَدَّثَنَا أَبُو الْمُفَضَّلِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مَالِكٍ الْفَزَارِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ الْجُعْفِيِّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ).

قَالَ: وَ حَدَّثَنِي أَيْضاً عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْحَسَنِيِّ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الثَّانِي (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ).

وَ حَدَّثَنِي أَيْضاً عَنْ مَنْصُورِ بْنِ ظَفَرٍ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ الْفَرْيَابِيِّ(4) الْمَخْصُوصِ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، فِي شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَ ثَلاَثِمِائَةٍ، عَنْ نَصْرِ بْنِ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيِّ، قَالَ:

سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ عَلِيَّ بْنَ مُوسَى الرِّضَا (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) عَنْ مَوَالِيدِ الْأَئِمَّةِ وَ أَعْمَارِهِمْ (عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ).

وَ مَا حَدَّثَنِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْحَسَنِيِّ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، وَ هُوَ الْحَادِي عَشَرَ، قَالَ:ي.

ص: 158


1- (بنا) ليس في «ط».
2- في «ط»: و اعاده إلى عليّ.
3- نوادر المعجزات: 1/80، علل الشّرائع: 11/208.
4- في «ع»: العرفاني.

وُلِدَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ (عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ) يَوْمَ النِّصْفِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، سَنَةَ ثَلاَثٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَ فِيهَا كَانَتْ بَدْرٌ.

وَ بَعْدَ خَمْسِينَ لَيْلَةٍ مِنْ وِلاَدَةِ الْحَسَنِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) عَلِقَتْ فَاطِمَةُ بِالْحُسَيْنِ، فَعَقَّ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) كَبْشاً، وَ حَلَقَ رَأْسَهُ، وَ أَمَرَ أَنْ يُتَصَدَّقَ بِوَزْنِ شَعْرِهِ فِضَّةٌ.

وَ لَمَّا وُلِدَ أَهْدَى جَبْرَئِيلُ اسْمَهُ فِي خِرْقَةِ حَرِيرٍ مِنْ ثِيَابِ الْجَنَّةِ.

وَ اشْتُقَّ اسْمُ الْحُسَيْنِ مِنِ اسْمِ الْحَسَنِ.

وَ كَانَ أَشْبَهَ بِالنَّبِيِّ مَا بَيْنَ الصَّدْرِ إِلَى الرَّأْسِ(1).

72/ 3 - وَ يُرْوَى أَيْضاً: أَنَّ فَاطِمَةَ (عَلَيْهَا السَّلاَمُ) لَمَّا وَلَدَتِ الْحَسَنَ جَاءَتْ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَتْ: مَا أَحْسَنَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَسَمَّاهُ حَسَناً، فَلَمَّا وَلَدَتِ الْحُسَيْنَ قَالَتْ وَ قَدْ حَمَلَتْهُ: هَذَا أَحْسَنُ مِنْ هَذَا. فَسَمَّاهُ حُسَيْناً(2).

رَجَعَ الْحَدِيثُ فَكَانَ مُقَامُهُ مَعَ جَدِّهِ سَبْعَ سِنِينَ، وَ مَعَ أَبِيهِ بَعْدَ جَدِّهِ ثَلاَثِينَ سَنَةً، وَ بَعْدَ أَبِيهِ أَيَّامُ إِمَامَتِهِ عَشْرُ سِنِينَ، وَ صَارَ إِلَى كَرَامَةِ اللَّهِ (عَزَّ وَ جَلَّ) وَ قَدْ كَمَلَ عُمُرُهُ سَبْعاً وَ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَ قُبِضَ فِي سَلْخِ صَفَرٍ سَنَةَ خَمْسِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ(3).

وَ رُوِيَ: سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَ خَمْسِينَ.

وَ يُرْوَى: أَنَّهُ قُبِضَ وَ هُوَ ابْنُ سِتٍ وَ أَرْبَعِينَ سَنَةً(4).0.

ص: 159


1- قطعة منه في سنن التّرمذيّ 1519/99:4 و 3779/660:5، و الذّرّيّة الطّاهرة: 94/101 و 95 و 96، و الكافي 383:1، و علل الشّرائع: 9/139، معاني الأخبار: 8/58، الإرشاد: 187، إعلام الورى: 205 و 212، و تاريخ دمشق - ترجمة الإمام الحسن (عليه السّلام): 9/11 و: 60/33، و مناقب ابن شهرآشوب 28:4.
2- علل الشّرائع: 10/139، معاني الأخبار: 7/57، سير أعلام النبلاء 248:3.
3- تاريخ مواليد الائمة: 173، مناقب ابن شهرآشوب 28:4 و 29.
4- مقاتل الطّالبيّين: 50.

رَجَعَ الْحَدِيثُ وَ كَانَ سَبَبُ وَفَاتِهِ أَنَّ مُعَاوِيَةَ سَمَّهُ سَبْعِينَ مَرَّةً، فَلَمْ يَعْمَلْ فِيهِ السَّمُّ، فَأَرْسَلَ إِلَى امْرَأَتِهِ جَعْدَةَ ابْنَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ الْكِنْدِيِّ، وَ بَذَلَ لَهَا عِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَ إِقْطَاعَ عَشْرِ ضِيَاعٍ مِنْ شِعْبِ سُورَا(1) ، وَ سَوَادِ الْكُوفَةِ، وَ ضَمِنَ لَهَا أَنْ يُزَوِّجَهَا يَزِيدَ ابْنَهُ، فَسَقَتِ الْحَسَنَ السُّمَّ فِي بُرَادَةِ الذَّهَبِ فِي السَّوِيقِ الْمُقَنَّدِ، فَلَمَّا اسْتَحْكَمَ فِيهِ السُّمُّ قَاءَ كَبِدَهُ.

وَ دَخَلَ عَلَيْهِ أَخُوهُ الْحُسَيْنُ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) فَقَالَ لَهُ: كَيْفَ أَنْتَ يَا أَخِي؟

فَقَالَ لَهُ: كَيْفَ يَكُونُ مَنْ قَلْبُ كَبِدِهِ فِي الطَّسْتِ.

فَقَالَ لَهُ: مَنْ فَعَلَ بِكَ؟ لِأَنْتَقِمَ. قَالَ: إِذَنْ لاَ أُعْلِمُكَ.

وَ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ لِأَخِيهِ الْحُسَيْنِ: إِذَا مِتُّ فَغَسِّلْنِي، وَ حَنِّطْنِي، وَ كَفِّنِّي، وَ صَلِّ عَلَيَّ، وَ احْمِلْنِي إِلَى قَبْرِ جَدِّي حَتَّى تُلْحِدَنِي إِلَى جَانِبِهِ، فَإِنْ مُنِعْتَ مِنْ ذَلِكَ فَبِحَقِّ جَدِّكَ رَسُولِ اللَّهِ وَ أَبِيكَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَ أُمِّكَ فَاطِمَةَ، وَ بِحَقِّي عَلَيْكَ إِنْ خَاصَمَكَ أَحَدٌ رُدَّنِي إِلَى الْبَقِيعِ، فَادْفِنِّي فِيهِ وَ لاَ تُهْرِقْ فِيَّ مِحْجَمَةَ(2) دَمٍ.

فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ أَمْرِهِ وَ صَلَّى عَلَيْهِ وَ سَارَ بِنَعْشِهِ يُرِيدُ قَبْرَ جَدِّهِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لِيُلْحِدَهُ مَعَهُ، بَلَغَ ذَلِكَ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ، طَرِيدَ رَسُولِ اللَّهِ، فَوَافَى(3) مُسْرِعاً عَلَى بَغْلَةٍ، حَتَّى دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ فَقَالَ لَهَا: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ الْحُسَيْنَ يُرِيدُ أَنْ يَدْفِنَ أَخَاهُ الْحَسَنَ عِنْدَ قَبْرِ جَدِّهِ، وَ وَ اللَّهِ لَئِنْ دَفَنَهُ مَعَهُ لَيَذْهَبَنَّ فَخْرُ أَبِيكَ وَ صَاحِبِهِ عُمَرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.

فَقَالَتْ لَهُ: فَمَا أَصْنَعُ يَا مَرْوَانُ؟

قَالَ: تَلْحَقِي بِهِ وَ تَمْنَعِي(4) مِنَ الدُّخُولِ إِلَيْهِ.ه.

ص: 160


1- سورا: مدينة قرب الكوفة بها فواكه كثيرة و أعناب «أحسن التقاسيم: 105».
2- المحجمة: القارورة الّتي يجمع فيها دم الحجامة «المعجم الوسيط - حجم - 158:1».
3- في «ط»: فذهب.
4- في «ط»: الحقي و امنعيه.

قَالَتْ: فَكَيْفَ أَلْحَقُهُ؟

قَالَ: هَذَا بَغْلِي فَارْكَبِيهِ وَ الْحَقِي الْقَوْمَ قَبْلَ الدُّخُولِ(1).

فَنَزَلَ لَهَا عَنْ بَغْلِهِ، وَ رَكِبَتْهُ، وَ أَسْرَعَتْ إِلَى الْقَوْمِ، وَ كَانَتْ أَوَّلَ امْرَأَةٍ رَكِبَتْ السَّرْجَ(2) هِيَ، فَلَحِقَتْهُمْ وَ قَدْ صَارُوا إِلَى حَرَمِ قَبْرِ جَدِّهِمَا(3) رَسُولِ اللَّهِ، فَرَمَتْ بِنَفْسِهَا بَيْنَ الْقَبْرِ وَ الْقَوْمِ، وَ قَالَتْ: وَ اللَّهِ، لاَ يُدْفَنُ الْحَسَنُ هَاهُنَا أَوْ تُحْلَقَ هَذِهِ وَ أَخْرَجَتْ نَاصِيَتَهَا بِيَدِهَا.

وَ كَانَ مَرْوَانُ لَمَّا رَكِبَتْ بَغْلَهُ جَمَعَ مَنْ كَانَ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ وَ حَثَّهُمْ، فَأَقْبَلَ هُوَ وَ أَصْحَابُهُ وَ هُوَ يَقُولُ:

يَا رُبَّ هَيْجَا هِيَ خَيْرٌ مِنْ دَعَةٍ(4).

أَ يُدْفَنُ عُثْمَانُ فِي أَقْصَى الْبَقِيعِ وَ يُدْفَنُ الْحَسَنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ؟! وَ اللَّهِ، لاَ يَكُونُ ذَلِكَ(5) أَبَداً وَ أَنَا أَحْمِلُ السَّيْفَ.

وَ كَادَتِ الْفِتْنَةُ تَقَعُ، وَ عَائِشَةُ تَقُولُ: وَ اللَّهِ، لاَ يَدْخُلُ دَارِي مَنْ أَكْرَهُ.

فَقَالَ لَهَا الْحُسَيْنُ: هَذِهِ دَارُ رَسُولِ اللَّهِ، وَ أَنْتِ حَشِيَّةٌ(6) مِنْ تِسْعِ حَشَيَاتٍ خَلَّفَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ، وَ إِنَّمَا نَصِيبُكَ مِنَ الدَّارِ مَوْضِعُ قَدَمَيْكَ.

فَأَرَادَ بَنُو هَاشِمٍ الْكَلاَمَ وَ حَمَلُوا السِّلاَحَ، فَقَالَ الْحُسَيْنُ(7): اللَّهَ اللَّهَ، لاَ تَفْعَلُوا فَتُضَيِّعُوا(8) وَصِيَّةَ أَخِي.ا.

ص: 161


1- (قبل الدّخول) ليس في «ع، م».
2- في «ط»: السّروج.
3- في «ط»: جدّهم.
4- الهيجاء: الحرب، الدّعة: السّكون و الرّاحة، انظر مجمع الأمثال 4711/421:2.
5- في «ط»: هذا.
6- الحشية: الفراش، و كأنّه (عليه السّلام) كنّى بها عن المرأة أو انه اراد بالحشية ما يحشى به، تكنية عن كونها دخيلة على الرّسول (صلّى اللّه عليه و آله) إلاّ بالزّوجيّة و هي غير صلة الرّحم و القرابة و كونها من أهل البيت (عليهم السّلام).
7- في «ط»: السّلاح، فمنعهم الحسين و قال.
8- في «ط»: ان تفعلوا و تضيّعوا.

وَ قَالَ لِعَائِشَةَ: وَ اللَّهِ، لَوْ لاَ أَنَّهُ(1) أَوْصَى إِلَيَّ أَلاَّ أُهْرِقَ فِيهِ مِحْجَمَةَ دَمٍ لَدَفَنْتُهُ هَاهُنَا وَ لَوْ رَغِمَ لِذَلِكَ أَنْفُكِ. وَ عَدَلَ بِهِ إِلَى الْبَقِيعِ فَدَفَنَهُ فِيهِ مَعَ الْغُرَبَاءِ.

وَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: يَا حُمَيْرَاءُ، كَمْ لَنَا مِنْكِ؟! فَيَوْمٌ عَلَى جَمَلٍ، وَ يَوْمٌ عَلَى بَغْلٍ! فَقَالَتْ: إِنْ شَاءَ أَنْ يَكُونَ يَوْمٌ عَلَى جَمَلٍ، وَ يَوْمٌ عَلَى بَغْلٍ، وَ اللَّهِ مَا(2) يَدْخُلُ الْحَسَنُ دَارِي.

وَ كَانَ مُدَّةُ مَرَضِهِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) أَرْبَعِينَ يَوْماً(3).

نَسَبُهُ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ):

الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيِّ ابْنِ كِلاَبِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ ابْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةِ بْنِ الْيَاسَ بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ بْنِ أُدِّ بْنِ أُدَدَ بْنِ الْهَمَيْسَعِ بْنِ أَشْعَبَ(4) بْنِ أَيْمَنَ(5) بْنِ نَبْتِ بْنِ قَيْدَارِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)(6).

أَسْمَاؤُهُ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ):

الْحَسَنُ، وَ سَمَّاهُ اللَّهُ (عَزَّ وَ جَلَّ) فِي التَّوْرَاةِ شَبَراً.ا.

ص: 162


1- في «ط»: ان أبا محمّد.
2- في «ط»: لا.
3- مناقب ابن شهرآشوب 29:4. إرشاد المفيد: 192.
4- في «ع، م»: اشحب.
5- في «ع، م»: تيمن.
6- أسماء أجداد النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) من بعد عدنان مختلف فيها، انظر سيرة ابن هشام 1:1، مروج الذّهب 265:2، المجدي: 6 و غيرها.

وَ كَنَّاهُ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ):

أَبُو مُحَمَّدٍ وَ أَبُو الْقَاسِمِ.

وَ أَلْقَابُهُ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ):

الزَّكِيُّ، وَ السِّبْطُ الْأَوَّلُ، وَ سَيِّدُ شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَ الْأَمِينُ، وَ الْحُجَّةُ، وَ التَّقِيُّ(1).

وَ أُمُّهُ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ):

فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ).

بَوَّابُهُ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ):

سَفِينَةُ(2).

[نِسَاؤُهُ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)] -

وَ تَزَوَّجَ سَبْعِينَ حُرَّةً، وَ مَلَكَ مِائَةً وَ سِتِّينَ أَمَةً فِي سَائِرِ عُمُرِهِ(3).

[نَقْشُ خَاتَمِةِ (عَلَيْهِ السَّلاَمَ)]

وَ كَانَ لَهُ خَاتَمُ عَقِيقٍ أَحْمَرَ، نَقْشُهُ: (الْعِزَّةُ لِلَّهِ)(4) وَ خَاتَمٌ يَمَانِيٌّ نَقْشُهُ: (الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ)0.

ص: 163


1- مناقب ابن شهرآشوب 29:4، تذكرة الخواصّ: 193، كشف الغمّة 518:1 و 519. و من ألقابه أيضا: البرّ و الأثير و المجتبى و الزّاهد.
2- تاريخ مواليد الأئمّة: 32، مناقب ابن شهرآشوب 28:4، الفصول المهمّة: 153.
3- العدد القويّة: 14/352، و لم يسمّ المترجمون للامام الحسن (عليه السّلام) هدا العدد من النّساء، فابن سعد في ترجمة الامام (عليه السّلام) من (الطّبقات الكبرى) لم يسمّ غير ستّ نساء و أربع أمّهات أولاد، و المدائنيّ لم يعد له (عليه السّلام) غير عشر نساء. كما أن المصنّف لم يعد من أولاده غير اثني عشر، على ما يأتي، و هو ينافي كونه متزوّجا بسبعين امرأة. انظر: شرح ابن أبي الحديد 21:16، ترجمة الامام الحسن (عليه السّلام) من (الطّبقات الكبرى) تراثنا - العدد (11) ص 121 و 122.
4- الكافي 8/474:6، عيون أخبار الرّضا (عليه السّلام) 56:2، أمالي الصّدوق: 370.

وَ رُوِيَ أَنَّ مَنْ نَقَشَ عَلَى فَصِّ خَاتَمِهِ مِثْلَهُ، كَانَ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ مَهِيباً مُصَدَّقاً عَظِيماً وَ الصَّلاَةُ فِيهِ بِسَبْعِينَ صَلاَةً.

ذِكْرُ وُلْدِهِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ):

عَبْدُ اللَّهِ، وَ الْقَاسِمُ، وَ الْحَسَنُ، وَ زَيْدٌ، وَ عُمَرُ، وَ عُبَيْدُ اللَّهِ، وَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَ أَحْمَدُ، وَ إِسْمَاعِيلُ، وَ الْحَسَنُ(1) ، وَ عَقِيلٌ، وَ لَهُ ابْنَةٌ اسْمُهَا: أُمُّ الْحَسَنِ فَقَطْ(2).

ذكر معجزاته (عليه السلام):

73/ 4 - قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَلَوِيُّ ثُمَّ الْأَنْصَارِيُّ، قَالَ: قَالَ عُمَارَةُ بْنُ زَيْدٍ(3): سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ سَعْدٍ

ص: 164


1- تكرّر هنا اسم الحسن مرّتين، و في بعض التواريخ: بشر، و فيها عبد اللّه آخر بدل عبيد اللّه. أنظر إرشاد المفيد: 194 و تاريخ أهل البيت: 100.
2- تاريخ مواليد الائمة و وفياتهم: 174، مناقب ابن شهرآشوب 29:4.
3- قال النّجاشيّ في ترجمة محمّد بن الحسن بن عبد اللّه الجعفريّ: روى عنه البلويّ، و البلويّ، رجل ضعيف مطعون عليه. و في ترجمة عمارة بن زيد قال: لا يعرف من أمره غير هذا، و ذكر الحسين بن عبيد اللّه أنّه سمع بعض اصحابنا يقول: سئل عبد اللّه بن محمّد البلويّ: من عمارة بن زيد هذا الّذي حدّثك؟ قال: رجل نزل من السّماء حدّثني ثمّ عرج. و يمكن حمل قوله «رجل نزل من السّماء حدّثني ثمّ عرج» على التهكم و الاستهجان للسّائل، لأنّ عمارة بن زيد مترجم له في كتب الرّجال و ليس شخصا مختلفا أو خياليا. و قال العلاّمة في القسم الثّاني من الخلاصة في ترجمة عبد اللّه بن محمّد البلويّ: قال الشّيخ الطّوسيّ: كان واعظا فقيها و لم ينصّ على تعديله و لا على جرحه، و قال النّجاشيّ: إنّه ضعيف. و قال ابن الغضائريّ: كذّاب وضاع للحديث لا يلتفت إلى حديثه و لا يعبأ به. و في القسم الثّاني من رجال ابن داود في ترجمة عبد اللّه بن محمّد البلويّ: قال أصحابنا: هو اسم ليس تحته أحد، و عمارة بن زيد أو أبو زيد الخيواني المدنيّ حليف الأنصار. -.

يَقُولُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ(1) يَقُولُ:

كَانَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ (عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ) طِفْلَيْنِ يَلْعَبَانِ، فَرَأَيْتُ الْحَسَنَ وَ قَدْ صَاحَ بِنَخْلَةٍ، فَأَجَابَتْهُ بِالتَّلْبِيَةِ، وَ سَعَتْ إِلَيْهِ كَمَا يَسْعَى الْوَلَدُ إِلَى وَالِدِهِ(2).

74/ 5 - وَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ سُفْيَانُ(3)نوادر المعجزات: 3/100، مدينة المعاجز 9/203.(4) ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ سَلَمَةَ(5) ، قَالَ:

رَأَيْتُ الْحَسَنَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قَدْ أَخْرَجَ مِنْ صَخْرَةٍ عَسَلاً مَاذِيّاً(6) ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: أَ تُنْكِرُونَ لاِبْنِي هَذَا؟! إِنَّهُ سَيِّدٌ ابْنُ سَيِّدٍ(7) ، يُصْلِحُ اللَّهُ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ، وَ يُطِيعُهُ أَهْلُ السَّمَاءِ فِي سَمَائِهِ، وَ أَهْلُ الْأَرْضِ فِي أَرْضِهِ(8).3.

ص: 165


1- هو محمّد بن إسحاق بن يسار المطلبي (80-151 ه) صاحب السيرة، و الراوي عنه أبو إسحاق إبراهيم بن سعد بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري، و الأرجح وجود سقط بعد محمّد بن إسحاق، لأنّه لم ير الحسن و الحسين (عليهما السلام) و لا عاصرهما و قد عدّ من أصحاب الإمامين الباقر و الصادق (عليهما السلام)، انظر سير أعلام النبلاء 33:7، و معجم رجال الحديث 73:15 و 76.
2- نوادر المعجزات: 1/100، مدينة المعاجز 6/203.
3- و قد ترجم ابن حجر في لسان الميزان لعبد اللّه بن محمد البلوي و ضعّفه، رجال النجاشي: 884/324 و: 827/303، فهرست الطوسي: 433/103، رجال ابن داود: 288/255، الخلاصة: 14/236، لسان الميزان
4- : 338، معجم رجال الحديث 303:10 و 274:12.
5- كذا في النسخ، و لم نعثر له على ذكر في أصحاب رسول اللّه أو الحسن (صلوات اللّه عليهما)، و قد روى الأعمش عن رجل يدعى (تميم بن سلمة) و هو معدود من الصحابة، فلعله هو، راجع أسد الغابة 217:1، تهذيب الكمال 12: 77.
6- الماذيّ: العسل الأبيض «لسان العرب - مذى - 275:15».
7- في «ع، م»: سيد الأولين، و ابن سيد و سيد.
8- مدينة المعاجز: 7/203.

75/ 6 - قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ابْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَاشِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ:

أَخْبَرَنَا أَبُو(1) عَرُوبَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ:

رَأَيْتُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ (عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ)، وَ هُوَ طِفْلٌ، وَ الطَّيْرُ تُظِلُّهُ، وَ رَأَيْتُهُ يَدْعُو الطَّيْرَ فَتُجِيبُهُ(2).

76/ 7 - قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مَرْوَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ:

رَأَيْتُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ (عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ) وَ قَدْ عَلاَ فِي الْهَوَاءِ، وَ غَابَ فِي السَّمَاءِ، فَأَقَامَ بِهَا ثَلاَثاً ثُمَّ نَزَلَ بَعْدَ الثَّلاَثِ وَ عَلَيْهِ السَّكِينَةُ وَ الْوَقَارُ، فَقَالَ: بِرُوحِ آبَائِي نِلْتُ مَا نِلْتُ(3).

77/ 8 - قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عُمَارَةُ بْنُ زَيْدٍ، قَالَ:

حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ثَقِيفٌ الْبَكَّاءُ، قَالَ:

رَأَيْتُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) عِنْدَ مُنْصَرَفِهِ مِنْ مُعَاوِيَةَ، وَ قَدْ دَخَلَ عَلَيْهِ حُجْرُ ابْنُ عَدِيٍّ، فَقَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا مُذِلَّ الْمُؤْمِنِينَ(4).

فَقَالَ: مَهْ، مَا كُنْتُ مُذِلَّهُمْ، بَلْ أَنَا مُعِزُّ الْمُؤْمِنِينَ، وَ إِنَّمَا أَرَدْتُ الْبَقَاءَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ ضَرَبَ بِرِجْلِهِ فِي فُسْطَاطِهِ، فَإِذَا أَنَا فِي ظَهْرِ الْكُوفَةِ، وَ قَدْ خَرَجَ(5) إِلَى دِمَشْقَ وَ مِصْرَ حَتَّى رَأَيْنَا(6) عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ بِمِصْرَ، وَ مُعَاوِيَةَ بِدِمَشْقَ، وَ قَالَ: لَوْ شِئْتُ لَنَزَعْتُهُمَا، وَ لَكِنْ هَاهْ هَاهْ، مَضَى مُحَمَّدٌ عَلَى مِنْهَاجٍ، وَ عَلِيٌّ عَلَى مِنْهَاجٍ، وَ أَنَا أُخَالِفُهُمَا؟! لاَ يَكُونُ ذَلِكَ مِنِّي(7).3.

ص: 166


1- في «ع، م»: عن أبي.
2- نوادر المعجزات: 2/100، مدينة المعاجز: 8/203.
3- نوادر المعجزات: 3/100، مدينة المعاجز 9/203.
4- الثابت عند الفريقين أنّ قائلها هو سفيان بن أبي ليلى الهمداني، انظر رجال الكشي: 178/111. الاختصاص: 82، مقاتل الطالبيين: 44، شرح النهج 44:16.
5- في «ع و م»: خرق.
6- في «ع و م» دمشق و مضى حتى رأينا.
7- نوادر المعجزات: 4/101، مدينة المعاجز: 10/203.

78/ 9 - قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ سُفْيَانُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مَنْصُورٍ، قَالَ:

رَأَيْتُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) وَ قَدْ خَرَجَ مَعَ قَوْمٍ يَسْتَسْقُونَ، فَقَالَ لِلنَّاسِ: أَيُّمَا أَحَبُّ إِلَيْكُمْ: الْمَطَرُ أَمِ الْبَرْدُ أَمِ اللُّؤْلُؤُ؟

فَقَالُوا: يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ، مَا أَحْبَبْتَ.

فَقَالَ: عَلَى أَنْ لاَ يَأْخُذَ أَحَدٌ مِنْكُمْ لِدُنْيَاهُ شَيْئاً. فَأَتَاهُمْ بِالثَّلاَثِ.

وَ رَأَيْنَاهُ يَأْخُذُ الْكَوَاكِبَ مِنَ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُرْسِلُهَا، فَتَطِيرُ كَمَا تَطِيرُ الْعَصَافِيرُ(1) إِلَى مَوَاضِعِهَا(2).

79/ 10 - قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ:

حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ إِيَاسٍ، قَالَ:

كُنْتُ مَعَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ (عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ) وَ هُوَ صَائِمٌ، وَ نَحْنُ نَسِيرُ مَعَهُ إِلَى الشَّامِ، وَ لَيْسَ مَعَهُ زَادٌ وَ لاَ مَاءٌ وَ لاَ شَيْ ءٌ، إِلاَّ مَا هُوَ عَلَيْهِ رَاكِبٌ.

فَلَمَّا أَنْ غَابَ الشَّفَقُ وَ صَلَّى الْعِشَاءَ، فُتِحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَ عُلِّقَ فِيهَا الْقَنَادِيلُ، وَ نَزَلَتِ الْمَلاَئِكَةُ وَ مَعَهُمْ الْمَوَائِدُ وَ الْفَوَاكِهُ وَ طُسُوتٌ وَ أَبَارِيقُ، فَنُصِبَتِ الْمَوَائِدُ(3) ، وَ نَحْنُ سَبْعُونَ رَجُلاً، فَأَكَلْنَا(4) مِنْ كُلِّ حَارٍّ وَ بَارِدٍ حَتَّى امْتَلَأْنَا وَ امْتَلَأَ، ثُمَّ رُفِعَتْ عَلَى هَيْئَتِهَا لَمْ تَنْقُصْ(5).

80/ 11 - قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ سُفْيَانُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، قَالَ: قَالَ فَقِيرُ بْنُ(6) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُجَاهِدٍ، عَنِ [ابْنِ](7) الْأَشْعَثِ، قَالَ:ث.

ص: 167


1- في «ع، م»: يسيبها فتطير كالعصافير.
2- نوادر المعجزات: 5/101، إثبات الهداة 24/156:5، مدينة المعاجز: 11/204.
3- في «م»: و الموائد تنصب.
4- في «ع، م»: فنقل.
5- نوادر المعجزات: 6/102، إثبات الهداة 25/156:5، مدينة المعاجز: 12/204.
6- في «ط»: الأعمش، عن.
7- اثبتناه من إثبات الهداة، و يؤيّده ما يأتي في متن الحديث.

كُنْتُ مَعَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ (عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ) حِينَ حُوصِرَ عُثْمَانُ فِي الدَّارِ، وَ أَرْسَلَهُ أَبُوهُ لِيُدْخِلَ إِلَيْهِ الْمَاءَ، فَقَالَ لِي: يَا بْنَ الْأَشْعَثِ، السَّاعَةَ يَدْخُلُ عَلَيْهِ مَنْ يَقْتُلُهُ، وَ إِنَّهُ لاَ يُمْسِي. فَكَانَ كَذَلِكَ(1) ، مَا أَمْسَى يَوْمَهُ ذَلِكَ(2).

81/ 12 - قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ:

رَأَيْتُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ يَوْمَ الدَّارِ وَ هُوَ يَقُولُ: أَنَا أَعْلَمُ مَنْ يَقْتُلُ عُثْمَانَ. فَسَمَّاهُ قَبْلَ أَنْ يَقْتُلَهُ بِأَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، وَ كَانَ أَهْلُ الدَّارِ يُسَمُّونَهُ الْكَاهِنَ(3).

82/ 13 - قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي بُرَيْدَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حِجَارَةَ، قَالَ(4):

رَأَيْتُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ (عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ) وَ قَدْ مَرَّتْ بِهِ صُرَيْمَةٌ(5) مِنَ الظِّبَاءِ، فَصَاحَ بِهِنَّ، فَأَجَابَتْهُ كُلُّهَا بِالتَّلْبِيَةِ حَتَّى أَتَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ.

فَقُلْنَا: يَا بْنَ رَسُولِ اللَّهِ، هَذَا وَحْشٌ، فَأَرِنَا آيَةً مِنْ أَمْرِ السَّمَاءِ.

فَأَوْمَأَ نَحْوَ السَّمَاءِ، فَفُتِحَتِ الْأَبْوَابُ، وَ نَزَلَ نُورٌ حَتَّى أَحَاطَ بِدُورِ الْمَدِينَةِ، وَ تَزَلْزَلَتِ الدُّورُ حَتَّى كَادَتْ أَنْ تَخْرُبَ.

فَقُلْنَا: يَا بْنَ رَسُولِ اللَّهِ رُدَّهَا.

فَقَالَ لِي: نَحْنُ الْأَوَّلُونَ وَ(6) الْآخِرُونَ، وَ نَحْنُ الْآمِرُونَ، وَ نَحْنُ النُّورُ، نُنَوِّرُ الرُّوحَانِيِّينَ، نُنَوِّرُ بِنُورِ اللَّهِ، وَ نُرَوِّحُ(7) بِرُوحِهِ، فِينَا مَسْكَنُهُ، وَ إِلَيْنَا مَعْدِنُهُ، الْآخِرُ مِنَّام.

ص: 168


1- في «ط» زيادة: حتّى قتل في يومه و.
2- إثبات الهداة 26/157:5، مدينة المعاجز: 13/204.
3- نوادر المعجزات: 7/102، إثبات الهداة 27/157:5، مدينة المعاجز: 14/204.
4- في «ع»: الاعمش، قال: قال محمّد بن صالح، و كأنّه تكرار لسند الحديث السّابق.
5- الصريمة: تصغير الصرمة، و هي القطيع من الأبل و الغنم، قيل هي من العشرين إلى الثّلاثين و الأربعين «النّهاية - صرم - 27:3».
6- (الاولون و) ليس في «ع، م».
7- في «ط»: و نروحهم.

كَالْأَوَّلِ، وَ الْأَوَّلُ مِنَّا كَالْآخِرِ(1).

83/ 14 - قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ سُفْيَانُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُوَرِّقٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ (عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ): أُحِبُّ أَنْ تُرِيَنِي مُعْجِزَةً نَتَحَدَّثُ بِهَا عَنْكَ؛ وَ نَحْنُ(2) فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ.

فَضَرَبَ بِرِجْلِهِ الْأَرْضَ حَتَّى أَرَانِي الْبُحُورَ وَ مَا يَجْرِي فِيهَا مِنَ السُّفُنِ، ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْ سَمَكِهَا فَأَعْطَانِيهِ، فَقُلْتُ لاِبْنِي مُحَمَّدِ: احْمِلْ إِلَى الْمَنْزِلِ؛ فَحَمَلَ فَأَكَلْنَا مِنْهُ ثَلاَثاً(3).

84/ 15 - قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ الْقَاسِمِ ابْنِ إِبْرَاهِيمَ الْكِلاَبِيِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ:

كُنْتُ بِمَكَّةَ(4) وَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ (عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ) بِهَا، فَسَأَلْنَاهُ أَنْ يُرِيَنَا مُعْجِزَةً لِنَتَحَدَّثَ بِهَا عِنْدَنَا بِالْكُوفَةِ، فَرَأَيْتُهُ وَ قَدْ تَكَلَّمَ وَ رُفِعَ الْبَيْتُ حَتَّى عَلاَ بِهِ فِي الْهَوَاءِ(5) ، وَ أَهْلُ مَكَّةَ يَوْمَئِذٍ غَافِلُونَ مُنْكِرُونَ(6) ، فَمِنْ قَائِلٍ يَقُولُ: سَاحِرٌ. وَ مِنْ قَائِلٍ يَقُولُ: أُعْجُوبَةٌ. فَجَازَ خَلْقٌ كَثِيرٌ تَحْتَ الْبَيْتِ، وَ الْبَيْتُ فِي الْهَوَاءِ، ثُمَّ رَدَّهُ(7).

85/ 16 - قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ سُوَيْدٍ الْأَزْرَقِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ مُنْقِذٍ، قَالَ:

رَأَيْتُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ (عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ) بِمَكَّةَ وَ هُوَ يَتَكَلَّمُ بِكَلاَمٍ، وَ قَدْ رُفِعَ الْبَيْتُ - أَوْ قَالَ: حُوِّلَ - فَتَعَجَّبْنَا مِنْهُ، فَكُنَّا نُحَدِّثُ وَ لاَ نُصَدَّقُ، حَتَّى رَأَيْنَاهُ فِي الْمَسْجِدِ الْأَعْظَمِ4.

ص: 169


1- نوادر المعجزات: 8/103، إثبات الهداة 28/157:5، مدينة المعاجز: 15/204.
2- في «ط»: كنّا.
3- نوادر المعجزات: 9/103، إثبات الهداة 29/158:5، مدينة المعاجز: 16/204.
4- في «م، ط»: بالكوفة.
5- في «ط»: فرفع بنا الموضع حتّى رأينا البيت الحرام.
6- في «ط»: معتمرون مكبرون.
7- في «ط»: مكبرون ثمّ ردّنا إلى الموضع، فمن قال: سحر، و من قال: اعجوبة من المعاجز. نوادر المعجزات: 10/104، إثبات الهداة 30/158:5، مدينة المعاجز: 17/204.

بِالْكُوفَةِ، فَحَدَّثْنَاهُ(1): يَا بْنَ رَسُولِ اللَّهِ، أَ لَسْتَ فَعَلْتَ كَذَا وَ كَذَا؟!

فَقَالَ: لَوْ شِئْتُ لَحَوَّلْتُ مَسْجِدَكُمْ هَذَا إِلَى فَمِ بَقَّةَ(2) ، وَ هُوَ مُلْتَقَى النَّهْرَيْنِ: نَهَرِ الْفُرَاتِ، وَ النَّهَرِ الْأَعْلَى.

فَقُلْنَا: افْعَلْ. فَفَعَلَ ذَلِكَ، ثُمَّ رَدَّهُ، فَكُنَّا نُصَدِّقُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْكُوفَةِ بِمُعْجِزَاتِهِ(3).

86/ 17 - قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ وَ اللَّيْثُ بْنُ مُحَمَّدِ ابْنِ مُوسَى الشَّيْبَانِيُّ، قَالاَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَبْرَئِيلَ، قَالَ:

رَأَيْتُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ (عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ) وَ قَدِ اسْتَسْقَى مَاءِ، فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ الرَّسُولُ(4) ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْ سَارِيَةٍ الْمَسْجِدِ مَاءً فَشَرِبَ وَ سَقَى أَصْحَابَهُ، ثُمَّ قَالَ: لَوْ شِئْتُ لَسَقْيُتُكُمْ لَبَناً وَ عَسَلاً.

فَقُلْنَا: فَاسْقِنَا. فَسَقَانَا لَبَناً وَ عَسَلاً مِنْ سَارِيَةِ الْمَسْجِدِ، مُقَابِلَ الرَّوْضَةِ الَّتِي فِيهَا قَبْرُ فَاطِمَةَ (عَلَيْهَا السَّلاَمُ)(5).

87/ 18 - قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحْرِزٍ بْنِ يَعْلَى، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْوَاقِدِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ هَامَانَ، قَالَ:

رَأَيْتُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ (عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ) يُنَادِي الْحَيَّاتِ فَتُجِيبُهُ، وَ يَلُفُّهَا(6) عَلَى يَدِهِ وَ عُنُقِهِ وَ يُرْسِلُهَا.

قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ وُلْدِ عُمَرَ: أَنَا أَفْعَلُ ذَلِكَ. فَأَخَذَ حَيَّةً فَلَفَّهَا عَلَى يَدِهِ، فهرمته(7) حَتَّى مَاتَ(8).4.

ص: 170


1- في «ط»: فقلنا.
2- بقّة: مدينة على شاطئ الفرات، هي حدّ العراق. معجم ما استعجم 264:1.
3- نوادر المعجزات: 11/104، إثبات الهداة 31/158:5، مدينة المعاجز: 18/204.
4- في «ع، م»: السّؤل. و السّؤل: ما سألته.
5- نوادر المعجزات: 12/104، إثبات الهداة 32/159:5، مدينة المعاجز: 19/204.
6- في «ط»: فتجيئه فيلفها.
7- هرّمته: أي قطّعته، انظر «لسان العرب - هرم - 607:12».
8- نوادر المعجزات: 13/105، إثبات الهداة 33/159:5، مدينة المعاجز 20/204.

88/ 19 - قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ سُفْيَانُ، عَنْ وَكِيعٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ كُدَيْرِ بْنِ أَبِي كُدَيْرٍ، قَالَ:

شَهِدْتُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ وَ هُوَ يَأْخُذُ الرِّيحَ فَيَحْبِسُهَا فِي كَفِّهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَيْنَ تُرِيدُونَ أَنْ أُرْسِلَهَا؟ فَيَقُولُونَ: نَحْوَ بَيْتِ فُلاَنٍ وَ فُلاَنٍ. فَيُرْسِلُهَا ثُمَّ يَدْعُوهَا فَتَرْجِعُ(1).

89/ 20 - قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَلَوِيُّ، قَالَ: قَالَ عُمَارَةُ بْنُ زَيْدٍ الْمَدَنِيُّ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ وَ مُحَمَّدُ بْنُ مِسْعَرٍ، كِلاَهُمَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ صَاحِبِ الْمَغَازِي، عَنْ(2) عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:

مَرَّتْ بِالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ (عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ) بَقَرَةٌ، فَقَالَ: هَذِهِ حُبْلَى بِعِجْلَةٍ أُنْثَى، لَهَا غُرَّةٌ فِي جَبْهَتِهَا، وَ رَأْسُ ذَنَبِهَا أَبْيَضُ.

فَانْطَلَقْنَا مَعَ الْقَصَّابِ حَتَّى ذَبَحَهَا فَوَجَدْنَا الْعِجْلَةَ كَمَا وَصَفَ عَلَى صُورَتِهَا، فَقُلْنَا لَهُ: أَ وَ لَيْسَ اللَّهُ (عَزَّ وَ جَلَّ) يَقُولُ: وَ يَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ (3) فَكَيْفَ عَلِمْتَ هَذَا؟

فَقَالَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): إِنَّا نَعْلَمُ الْمَكْنُونَ الْمَخْزُونَ الْمَكْتُومَ، الَّذِي لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَ لاَ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ غَيْرُ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ ذُرِّيَّتِهِ (عَلَيْهِمْ السَّلاَمُ)(4).

90/ 21 - قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ النَّصِيبِينِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زِرُّ بْنُ كَامِلٍ، عَنْ أَبِي نَوْفَلٍ مُحَمَّدِ بْنِ نَوْفَلٍ الْعَبْدِيِّ، قَالَ: شَهِدْتُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ (عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ) وَ قَدْ أُوتِيَ بِظَبْيَةٍ، فَقَالَ: هِيَ حُبْلَى بِخِشْفَيْنِ إِنَاثٍ، إِحْدَاهُمَا فِي عَيْنِهَا عَيْبٌ(5) ، فَذَبَحَهَا فَوَجَدْنَاهُمَا كَذَلِكَ(6).

91/ 22 - قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ وَكِيعٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ قُدَامَةَ5.

ص: 171


1- إثبات الهداة 34/159:5، مدينة المعاجز: 21/204.
2- في «ع، م»: قال عمّه.
3- لقمان 34:31.
4- نوادر المعجزات: 14/105، فرج المهموم: 223، إثبات الهداة 35/160:5، مدينة المعاجز: 22/204.
5- في «ع، م»: غيد.
6- نوادر المعجزات: 15/106، إثبات الهداة 36/160:5، مدينة المعاجز: 23/205.

ابْنِ رَافِعٍ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَ: إِنِّي مَعَ الْحَسَنِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) بِعَرَفَاتٍ، وَ مَعَهُ قَضِيبٌ وَ هُنَاكَ أُجَرَاءُ يَحْرُثُونَ، فَكُلَّمَا هَمُّوا بِالْمَاءِ أَجْبَلَ(1) عَلَيْهِمْ، فَضَرَبَ بِقَضِيبِهِ إِلَى الصَّخْرَةِ، فَنَبَعَ لَهُمْ مِنْهَا مَاءٌ، وَ اسْتَخْرَجَ لَهُمْ طَعَاماً(2).

92/ 23 - وَ رَوَى حُمَيْدُ بْنُ الْمُثَنَّى، عَنْ عُيَيْنَةَ بْنِ مُصْعَبٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) قَالَ: قَالَ الْحَسَنُ لِأَخِيهِ الْحُسَيْنِ ذَاتَ يَوْمٍ، وَ بِحَضْرَتِهِمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ: إِنَّ هَذَا الطَّاغِيَةَ - يَعْنِي مُعَاوِيَةَ - بَاعِثٌ إِلَيْكُمْ بِجَوَائِزِكُمْ فِي رَأْسِ الْهِلاَلِ. فَمَا أَنْتُمْ صَانِعُونَ؟

قَالَ الْحُسَيْنُ: إِنَّ عَلَيَّ دَيْناً، وَ أَنَا بِهِ مَغْمُومٌ، فَإِنْ أَتَانِي اللَّهُ بِهِ قَضَيْتُ دَيْنِي.

فَلَمَّا كَانَ رَأْسُ الْهِلاَلِ وَافَاهُمُ الْمَالُ، فَبَعَثَ إِلَى الْحَسَنِ بِأَلْفِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَ بَعَثَ إِلَى الْحُسَيْنِ بِتِسْعِمَائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَ بَعَثَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ بِخَمْسِمَائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ: مَا تَقَعُ هَذِهِ مِنْ دَيْنِي؟ وَ مَا فِيهَا قَضَاءُ دَيْنِي وَ لاَ مَا أُرِيدُ.

فَأَمَّا الْحَسَنُ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) فَأَخَذَهَا وَ قَضَى دَيْنَهُ، وَ أَمَّا الْحُسَيْنُ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) فَأَخَذَهَا وَ قَضَى دَيْنَهُ، وَ قَسَمَ ثُلُثَ مَا بَقِيَ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ وَ مَوَالِيهِ، وَ فَضَلَ الْبَاقِي أَنْفَقَهُ فِي يَوْمِهِ، وَ أَمَّا عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ جَعْفَرٍ فَقَضَى دَيْنَهُ، وَ فَضَلَتْ لَهُ عَشَرَةُ آلاَفِ دِرْهَمٍ، فَدَفَعَهَا إِلَى الرَّسُولِ الَّذِي جَاءَ بِالْمَالِ.

فَسَأَلَ مُعَاوِيَةُ رَسُولَهُ: مَا فَعَلَ الْقَوْمُ بِالْمَالِ؟ فَأَخْبَرَهُ بِمَا صَنَعَ الْقَوْمُ بِأَمْوَالِهِمْ(3).

93/ 24 - وَ رَوَى أَبُو أُسَامَةَ زَيْدٌ الشَّحَّامُ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، قَالَ:

خَرَجَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) إِلَى مَكَّةَ سَنَةً مِنَ السِّنِينَ حَاجّاً حَافِياً(4) ، فَوَرِمَتْ قَدَمَاهُ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ مَوَالِيهِ: لَوْ رَكِبْتَ لَسَكَنَ عَنْكَ بَعْضُ هَذَا الْوَرَمِ الَّذِي بِرِجْلَيْكَ.».

ص: 172


1- أجبل القوم: إذا حفروا فبلغوا المكان الصّلب «الصّحاح - جبل - 1650:4».
2- إثبات الهداة 37/160:5، مدينة المعاجز: 24/205.
3- إثبات الهداة 38/160:5، مدينة المعاجز: 25/205.
4- (حاجّا حافيا) ليس في «ع، م».

قَالَ: كَلاَّ، وَ لَكِنْ إِذَا أَتَيْتَ الْمَنْزِلَ فَإِنَّهُ يَسْتَقْبِلُكَ أَسْوَدُ، مَعَهُ دُهْنٌ لِهَذَا الدَّاءِ(1) ، فَاشْتَرِهِ مِنْهُ وَ لاَ تُمَاكِسْهُ.

فَقَالَ مَوْلاَهُ: بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي، لَيْسَ أَمَامَنَا مَنْزِلٌ فِيهِ أَحَدٌ يَبِيعُ هَذَا الدَّوَاءَ! قَالَ:

بَلَى، إِنَّهُ أَمَامَكَ دُونَ الْمَنْزِلِ.

فَسَارَ أَمْيَالاً فَإِذَا الْأَسْوَدُ قَدْ اسْتَقْبَلَهُمْ(2) ، فَقَالَ الْحَسَنُ لِمَوْلاَهُ: دُونَكَ الرَّجُلَ(3) ، فَخُذْ مِنْهُ الدُّهْنَ وَ أَعْطِهِ ثَمَنَهِ.

فَقَالَ الْأَسْوَدُ لِلْمَوْلَى(4): وَيْحَكَ يَا غُلاَمُ لِمَنْ أَرَدْتَ هَذَا الدُّهْنَ؟! قَالَ: لِلْحَسَنِ ابْنِ عَلِيٍّ. فَقَالَ: انْطَلِقْ بِي إِلَيْهِ.

فَأَخَذَ بِيَدِهِ حَتَّى أَدْخَلَهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ بِأَبِي وَ أُمِّي، لَمْ أَعْلَمْ أَنَّكَ تَحْتَاجُ إِلَيْهِ، وَ لاَ أَنَّهُ دَوَاءٌ لَكَ، وَ لَسْتُ آخُذُ لَهُ ثَمَناً إِنَّمَا أَنَا مَوْلاَكَ، وَ لَكِنِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَنِي ذَكَراً سَوِيّاً يُحِبُّكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ، فَإِنِّي خَلَّفْتُ امْرَأَتِي وَ قَدْ أَخَذَهَا الطَّلْقُ تَمْخَضُ.

قَالَ: انْطَلِقْ إِلَى مَنْزِلِكَ، فَإِنَّ اللَّهَ (تَبَارَكَ وَ تَعَالَى) قَدْ وَهَبَ لَكَ ذَكَراً سَوِيّاً، وَ هُوَ لَنَا شِيعَةٌ.

فَرَجَعَ الْأَسْوَدُ مِنْ فَوْرِهِ، فَإِذَا أَهْلُهُ قَدْ وَضَعَتْ غُلاَماً سَوِيّاً، فَرَجَعَ إِلَى الْحَسَنِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، وَ دَعَا لَهُ، وَ قَالَ لَهُ خَيْراً.

وَ مَسَحَ الْحَسَنُ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) رِجْلَيْهِ بِذَلِكَ الدُّهْنِ، فَمَا بَرِحَ مِنْ مَجْلِسِهِ حَتَّى سَكَنَ مَا بِهِ وَ مَشَى عَلَى قَدَمَيْهِ(5).

94/ 25 - وَ رَوَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَعْمَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، قَالَ: جَاءَ أُنَاسٌ إِلَى الْحَسَنِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) فَقَالُوا لَهُ: أَرِنَا مَا عِنْدَكَ1.

ص: 173


1- في «ع، م»: بهذا الدّوح، و لعلّها تصحيف، لهذا الورم.
2- في «ع، م»: أستقبله.
3- في «ط»: الأسود.
4- (للمولى) ليس في «ع، م».
5- الكافي 6/385:1، الهداية الكبرى: 194، إثبات الوصيّة: 135، الخرائج و الجرائح 4/239:1، الثّاقب في المناقب: 263/314، كشف الغمّة 557:1، حلية الأبرار 521:1.

مِنْ عَجَائِبِ أَبِيكَ الَّتِي كَانَ يُرِينَاهَا. قَالَ: وَ تُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ؟ قَالُوا كُلُّهُمْ: نَعَمْ، نُؤْمِنُ بِهِ وَ اللَّهِ.

قَالَ: فَأَحْيَا لَهُمْ مَيِّتاً بِإِذْنِ اللَّهِ (تَعَالَى)، فَقَالُوا بِأَجْمَعِهِمْ: نَشْهَدُ أَنَّكَ ابْنُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ حَقّاً، وَ أَنَّهُ كَانَ يُرِينَا مِثْلَ هَذَا كَثِيراً(1).

95/ 26 - وَ حَدَّثَنِي أَبُو الْمُفَضَّلِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو النَّجْمِ بَدْرُ ابْنُ الطَّبَرِسْتَانِيِّ(2) قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: رُوِيَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الثَّانِي (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) أَنَّهُ قَالَ: أَقْبَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) وَ مَعَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ وَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَجَلَسَ وَ اجْتَمَعَ النَّاسُ حَوْلَهُ، إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ حَسَنُ الْهَيْئَةِ وَ اللِّبَاسِ، فَسَلَّمَ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَ جَلَسَ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَسْأَلُكَ عَنْ ثَلاَثِ مَسَائِلَ، إِنْ أَجَبْتَنِي عَنْهُنَّ عَلِمْتُ أَنَّ الْقَوْمَ(3) رَكِبُوا مِنْكَ مَا حُظِرَ عَلَيْهِمْ، وَ ارْتَكَبُوا إِثْماً يُوبِقُهُمْ فِي دُنْيَاهُمْ وَ آخِرَتِهِمْ، وَ إِنْ تَكُنِ الْأُخْرَى عَلِمْتُ أَنَّكَ وَ هُمْ شِرْعٌ(4).

فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): سَلْنِي عَمَّا بَدَا لَكَ.

قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ الرَّجُلِ إِذَا نَامَ أَيْنَ تَذْهَبُ رُوحُهُ؟ وَ عَنِ الرَّجُلِ كَيْفَ يَذْكُرُ وَ يَنْسَى؟ وَ عَنِ الرَّجُلِ كَيْفَ يُشْبِهُ وَلَدُهُ الْأَعْمَامَ وَ الْأَخْوَالَ؟ فَالْتَفَتَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى أَبِي مُحَمَّدٍ (عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ) فَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، أَجِبْهُ.

فَقَالَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): أَمَّا مَا سَأَلْتَ مِنْ أَمْرِ الرَّجُلِ(5) أَيْنَ تَذْهَبُ رُوحُهُ إِذَا نَامَ(6) ، فَإِنْ رُوحَهُ مُعَلَّقَةٌ بِالرِّيحِ، وَ الرِّيحُ مُعَلَّقَةٌ بِالْهَوَاءِ إِلَى وَقْتِ مَا يَتَحَرَّكُ صَاحِبُهَا لِلْيَقَظَةِ،».

ص: 174


1- نوادر المعجزات 16/106، الثّاقب في المناقب: 256/305، إثبات الهداة 39/161:5.
2- في «ع، م»: الطوستاني.
3- أراد المخالفين لأمير المؤمنين (عليه السّلام).
4- أيّ متساوون، لا فضل لأحدكم على الآخر «لسان العرب - شرع - 178:8».
5- في «ع، م»: الانسان.
6- (إذا نام) ليس في «ع، م».

فَإِنْ أَذِنَ اللَّهُ بِرَدِّ الرُّوحِ إِلَى صَاحِبِهَا جَذَبَتْ تِلْكَ الرُّوحُ(1) الرِّيحَ، وَ جَذَبَتْ تِلْكَ الرِّيحُ الْهَوَاءَ، فَرَجَعَتِ الرُّوحُ فَأُسْكِنَتْ فِي بَدَنِ صَاحِبِهَا؛ وَ إِنْ لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ بِرَدِّ تِلْكَ الرُّوحِ عَلَى صَاحِبِهَا جَذَبَ الْهَوَاءُ الرِّيحَ، فَجَذَبَتِ الرِّيحُ الرُّوحَ، فَلَمْ تُرَدَّ إِلَى صَاحِبِهَا إِلَى وَقْتِ مَا يُبْعَثُ.

وَ أَمَّا مَا ذَكَرْتَ(2) مِنْ أَمْرِ الذِّكْرِ وَ النِّسْيَانِ، فَإِنَّ قَلْبَ الرَّجُلِ فِي حُقٍّ، وَ عَلَى الْحُقِّ طَبَقٌ، فَإِنْ صَلَّى عِنْدَ ذَلِكَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ صَلاَةً تَامَّةً انْكَشَفَ ذَلِكَ الطَّبَقُ عَنْ ذَلِكَ الْحُقِّ، فَانْفَتَحَ الْقَلْبُ وَ ذَكَرَ الرَّجُلُ مَا كَانَ نَسِيَ؛ وَ إِنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ عَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، أَوْ انْتَقَصَ مِنَ الصَّلاَةِ عَلَيْهِمُ، انْطَبَقَ ذَلِكَ الطَّبَقُ فَأَظْلَمَ الْقَلْبُ، وَ نَسِيَ الرَّجُلُ مَا كَانَ ذَكَرَ.

وَ أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ أَمْرِ الْمَوْلُودِ يُشْبِهُ أَعْمَامَهُ وَ أَخْوَالَهُ، فَإِنَّ الرَّجُلَ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ يُجَامِعُهَا بِقَلْبٍ سَاكِنٍ، وَ عُرُوقٍ هَادِئَةٍ، وَ بَدَنٍ غَيْرِ مُضْطَرِبٍ، أُسْكِنَتْ تِلْكَ النُّطْفَةُ فِي جَوْفِ الرَّحِمِ وَ خَرَجَ الْوَلَدُ يُشْبِهُ أَبَاهُ وَ أُمَّهُ؛ وَ إِنْ هُوَ أَتَاهَا بِقَلْبٍ غَيْرِ سَاكِنٍ، وَ عُرُوقٍ غَيْرِ هَادِئَةٍ، وَ بَدَنٍ مُضْطَرِبٍ، اضْطَرَبَتِ النُّطْفَةُ، وَ وَقَعَتْ فِي اضْطِرَابِهَا عَلَى بَعْضِ الْعُرُوقِ، فَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى عِرْقٍ مِنْ عُرُوقِ الْأَعْمَامِ أَشْبَهَ الْوَلَدُ أَعْمَامَهُ، وَ إِنْ وَقَعَتْ عَلَى عِرْقٍ مِنْ عُرُوقِ الْأَخْوَالِ أَشْبَهَ الْوَلَدُ أَخْوَالَهُ. فَقَالَ الرَّجُلُ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَ لَمْ أَزَلْ أَشْهَدُ بِهَا، وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) رَسُولُهُ، وَ لَمْ أَزَلْ أَشْهَدُ بِهَا، وَ أَشْهَدُ أَنَّكَ وَصِيُّ رَسُولِهِ(3) ، الْقَائِمُ بِحُجَّتِهِ (وَ أَشَارَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) وَ لَمْ أَزَلْ أَشْهَدُ بِهَا وَ أَشْهَدُ أَنَّكَ وَصِيُّهُ، الْقَائِمُ بِحُجَّتِهِ (وَ أَشَارَ إِلَى الْحَسَنِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) وَ أَشْهَدُ أَنَّ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ ابْنُكَ، الْقَائِمُ بِحُجَّتِهِ بَعْدَ أَخِيهِ، وَ أَشْهَدُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ الْقَائِمُ بِأَمْرِ الْحُسَيْنِ، وَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ الْقَائِمُ بِأَمْرِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَ أَشْهَدُ أَنَّ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْقَائِمُ بِأَمْرِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَ أَشْهَدُ أَنْ مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ الْقَائِمُ بِأَمْرِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَ أَشْهَدُ أَنْ عَلِيَّه.

ص: 175


1- في «ط» زيادة: إلى صاحبها.
2- في «ط»: سألت.
3- في «ع»: وصيّه.

ابْنَ مُوسَى الْقَائِمُ بِأَمْرِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ، وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ الْقَائِمُ بِأَمْرِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى، وَ أَشْهَدُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدٍ الْقَائِمُ بِأَمْرِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَ أَشْهَدُ أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ الْقَائِمُ بِأَمْرِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَ أَشْهَدُ أَنَّ رَجُلاً مِنْ وُلْدِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ لاَ يُسَمَّى وَ لاَ يُكَنَّى حَتَّى يَظْهَرَ أَمْرُهُ، فَيَمْلَأَهَا قِسْطاً وَ عَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً، وَ السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ.

وَ قَامَ فَمَضَى، فَقَالَ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): اتَّبِعْهُ فَانْظُرْ أَيْنَ يَقْصِدُ؟

قَالَ: فَخَرَجَ الْحَسَنُ فِي أَثَرِهِ.

قَالَ: فَمَا كَانَ إِلاَّ أَنْ وَضَعَ رِجْلَهُ خَارِجَ الْمَسْجِدِ، فَمَا أَدْرِي أَيْنَ أَخَذَ مِنَ الْأَرْضِ، فَرَجَعْتُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) فَأَعْلَمْتُهُ، فَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، أَ تَعْرِفُهُ؟

قُلْتُ: اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَعْلَمُ.

قَالَ: هُوَ الْخَضِرُ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)(1).

وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَ صَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ تَسْلِيماً.4.

ص: 176


1- المحاسن 99/332:2 نحوه، الكافي 1/44:1، الإمامة و التبصرة: 93/106، غيبة النعماني: 2/58، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 35/65:1، كمال الدين و تمام النعمة: 1/313، علل الشرائع: 6/96، غيبة الطوسي: 114/154، إعلام الورى: 404.

أبو عبد اللّه الحسين بن عليّ (عليه السلام)

معرفة ولادته

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الثَّانِي (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): وُلِدَ بِالْمَدِينَةِ يَوْمَ الثَّلاَثَاءِ لِخَمْسٍ خَلَوْنَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ ثَلاَثٍ مِنَ الْهِجْرَةِ(1) ، وَ عَلِقَتْ بِهِ أُمُّهُ فِي سَنَةِ ثَلاَثٍ، بَعْدَ مَا وَلَدَتِ الْحَسَنَ أَخُوهُ بِخَمْسِينَ لَيْلَةً، وَ حَمَلَتْ بِهِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ فَوَلَدَتْهُ، وَ لَمْ يُولَدْ مَوْلُودٌ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ غَيْرُ الْحُسَيْنِ وَ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ، وَ قِيلَ: يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا(2).

وَ كَانَ مُقَامُهُ مَعَ جَدِّهِ سِتَّ سِنِينَ وَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَ بَعْدَ جَدِّهِ مَعَ أَبِيهِ تِسْعاً وَ عِشْرِينَ سَنَةً وَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَ مَعَ أَخِيهِ بَعْدَ أَبِيهِ عَشَرَ سِنِينَ وَ عَشْرَةَ أَشْهُرٍ، وَ بَعْدَ أَخِيهِ أَيَّامُ إِمَامَتِهِ بَقِيَّةُ مُلْكِ مُعَاوِيَةَ وَ مِنْ أَيَّامِ يَزِيدَ وَ هِيَ عَشْرُ سِنِينَ وَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ؛ وَ صَارَ إِلَى كَرَامَةِ اللَّهِ (عَزَّ وَ جَلَّ) وَ قَدْ كَمَلَ عُمُرُهُ سَبْعاً وَ خَمْسِينَ سَنَةً فِي عَامِ السِّتِّينَ مِنَ الْهِجْرَةِ، فِي الْمُحَرَّمِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَ هُوَ يَوْمُ الْإِثْنَيْنِ.

ص: 177


1- في إعلام الورى: 215، قال: و قيل ولد آخر ربيع الأوّل سنة ثلاث من الهجرة، و الّذي عليه سائر المصادر أنّه (عليه السّلام) ولد لثلاث أو خمس خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة، و هو الموافق لما تقدّم في تاريخ ميلاد الإمام الحسن (عليه السّلام). انظر: الإرشاد: 198، إعلام الورى: 214-215، مناقب ابن شهرآشوب 76:4، سير أعلام النبلاء 280:3.
2- مثير الأحزان: 16، الكافي 4/386:1 و ليس فيه يحيى بن زكريّا.

وَ كَانَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ أَخِيهِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ(1).

وَ كَانَ أَشْبَهَ النَّاسِ بِالنَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) مَا بَيْنَ الصَّدْرِ إِلَى الرِّجْلَيْنِ(2).

وَ قُتِلَ بِكَرْبَلاَءَ غَرْبِيَّ الْفُرَاتِ، قَتَلَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ وَ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ وَ شِمْرُ بْنُ ذِي الْجَوْشَنِ بِأَمْرِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، أَتَوْهُ وَ مَعَهُمْ اثْنَانِ وَ ثَلاَثُونَ أَمِيراً، وَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ أَلْفَ فَارِسٍ وَ رَاجِلٍ، وَ أَصْحَابُ الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) يَوْمَئِذٍ اثْنَانِ وَ ثَلاَثُونَ فَارِساً، وَ أَرْبَعُونَ رَاجِلاً، مِنْهُمْ ثَمَانِيَةٌ وَ عِشْرُونَ مِنْ رَهْطِ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَ الْبَاقُونَ مِنْ سَائِرِ النَّاسِ.

وَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): وُجِدَ بِالْحُسَيْنِ ثَلاَثٌ وَ ثَلاَثُونَ طَعْنَةً، وَ أَرْبَعٌ وَ أَرْبَعُونَ ضَرْبَةً وَ وُجِدَ فِي جُبَّةِ خَزٍّ دَكْنَاءَ كَانَتْ عَلَيْهِ مِائَةُ خَرْقٍ وَ بِضْعَةَ عَشَرَ خَرْقاً، مَا بَيْنَ طَعْنَةٍ وَ ضَرْبَةٍ وَ رَمْيَةٍ(3).

وَ رُوِيَ: مِائَةٌ وَ عِشْرُونَ.

رَجَعَ الْحَدِيثَ وَ إِنَّ اللَّهَ (عَزَّ وَ جَلَّ) أَهْبَطَ إِلَيْهِ أَرْبَعَةَ آلاَفِ مَلَكٍ، وَ هُمُ الَّذِينَ هَبَطُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلَهُ) يَوْمَ بَدْرٍ، وَ خُيِّرَ بَيْنَ النَّصْرِ وَ بَيْنَ(4) لِقَاءِ رَسُولِ اللَّهِ، فَاخْتَارَ لِقَاءَ رَسُولِ اللَّهِ، فَأَمَرَهُمْ اللَّهُ (تَعَالَى) بِالْمُقَامِ عِنْدَ قَبْرِهِ، فَهُمْ شُعْثٌ غُبْرٌ يَنْتَظِرُونَ قِيَامَ الْقَائِمِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ).

وَ رُوِيَ أَنَّهُ مَا رُفِعَ حَجَرٌ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ إِلاَّ وَ وُجِدَ تَحْتَهُ دَماً عَبِيطاً(5).7.

ص: 178


1- إعلام الورى: 215. المناقب لابن شهرآشوب 76:4.
2- سنن التّرمذيّ 3779/660:5، مسند أحمد بن حنبل: 99:1، الذّرّيّة الطّاهرة: 101/104، الارشاد: 198.
3- مثير الأحزان: 76.
4- في «ع، م»: خير بالنّصر على أعدائه أو.
5- نحوه في كامل الزّيارات: 3/77، و مناقب ابن شهرآشوب 61:4، و إعلام الورى: 220، و تذكرة الخواصّ: 274، و كفاية الطّالب: 444، و الصّواعق المحرقة: 194، و ينابيع المودّة: 357.

وَ قَالَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ: كُنْتُ ابْنَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً حِينَ قُتِلَ الْحُسَيْنُ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، فَقَطَرَتِ السَّمَاءُ دَماً، وَ صَارَ عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ الدَّمُ، وَ أَصْبَحَ كُلُّ شَيْ ءٍ(1) مَلْآنَ دَماً(2).

رَجَعَ الْحَدِيثُ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ (عَزَّ وَ جَلَّ) هَنَّأَ نَبِيَّهُ بِحَمْلِ الْحُسَيْنِ وَ وِلاَدَتِهِ، وَ عَزَّاهُ بِمُصَابِهِ وَ قَتْلِهِ، فَعَرَّفَ ذَلِكَ لِفَاطِمَةَ (عَلَيْهَا السَّلاَمُ)، فَكَرِهَتْ حَمْلَهُ وَ وِلاَدَتُهُ حُزْناً عَلَيْهِ لِلْمُصِيبَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ (جَلَّ اسْمُهُ):

حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَ وَضَعَتْهُ كُرْهاً وَ حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً (3) وَ لَيْسَ هَذَا فِي سَائِرِ النَّاسِ لِأَنَّ حَمْلَ النِّسَاءِ تِسْعَةُ أَشْهُرٍ، وَ الرَّضَاعُ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ، وَ هِيَ أَرْبَعَةُ وَ عِشْرُونَ شَهْراً، وَ مِنَ النِّسَاءِ مَنْ تَلِدُ لِسَبْعَةِ أَشْهُرٍ، فَيَكُونُ مَعَ حَوْلَيِ الرَّضَاعِ أَحَداً وَ ثَلاَثِينَ شَهْراً، وَ إِنَّ الْمُوْلَدَ لاَ يَعِيشُ لَسْتُ وَ لاَ لِثَمَانٍ، وَ إِنْ مَوْلِدِ الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) كَانَ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَ رَضَاعِهِ أَرْبَعَةُ وَ عِشْرُونَ شَهْراً(4).

وَ قَالَتْ أُمُّ الْفَضْلِ بِنْتُ الْحَارِثِ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي رَأَيْتَ حُلُماً مُنْكَراً اللَّيْلَةَ. قَالَ: وَ مَا هُوَ؟

قُلْتُ: إِنَّهُ شَدِيدٌ. قَالَ: وَ مَا هُوَ؟

قُلْتُ: رَأَيْتَ كَأَنَّ قِطْعَةً مِنْ جَسَدِكَ انْقَطَعَتْ وَ وُضِعَتْ فِي حَجْرِي.

فَقَالَ: خَيْراً رَأَيْتَ، تَلِدُ فَاطِمَةُ غُلاَماً فَيَكُونُ فِي حَجْرِكِ.

فَوَلَدَتْ فَاطِمَةُ الْحُسَيْنَ، فَكَانَ فِي حَجْرِي كَمَا قَالَ، فَدَخَلْتُ بِهِ يَوْماً عَلَيْهِ، فَوَضَعَتْهُ فِي حَجْرِهِ ثُمَّ حَانَتْ مِنِّي الْتِفَاتَةٌ إِلَيْهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، فَإِذَا عَيْنَاهُ تُهْرِقَانِ بِالدُّمُوعِ، فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَ امي يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَكَ؟

قَالَ: هَذَا جَبْرَئِيلُ أَخْبَرَنِي أَنَّ أُمَّتِي سَتَقْتُلُ ابْنِي هَذَا. فَقُلْتُ: هَذَا؟».

ص: 179


1- في «ط»: وعاء.
2- البحار 216:45، الصّواعق المحرقة: 194 نحوه.
3- الاحقاف 15:46.
4- الهداية الكبرى: 202، مناقب ابن شهرآشوب 50:4 «قطعة منه».

قَالَ: نَعَمْ، وَ أَتَانِي بِتُرْبَةٍ مِنْ تُرْبَتِهِ حَمْرَاءَ(1).

وَ قَالَ: إِنَّ أُمَّ سَلَمَةَ أَخْرَجَتْ يَوْمَ قُتِلَ الْحُسَيْنُ بِكَرْبَلاَءَ، وَ هِيَ بِالْمَدِينَةِ قَارُورَةِ فِيهَا دَمٌ(2) ، فَقَالَتْ: قُتِلَ - وَ اللَّهِ - الْحُسَيْنُ. فَقِيلَ لَهَا: مِنْ أَيْنَ عَلِمْتِ(3) ؟ قَالَتْ: دَفَعَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ مِنْ تُرْبَتِهِ، وَ قَالَ لِي: إِذَا صَارَ هَذَا دَماً فَاعْلَمِي أَنَّ ابْنِي قَدْ قُتِلَ؛ فَكَانَ كَمَا قَالَتْ(4).

قَبْرُهُ (عَلَيْهِ السَّلاَمَ) وَ قَبْرُهُ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ، وَ الرَّبْوَةِ الَّتِي هِيَ(5) ذَاتُ قَرَارِ وَ مَعِينٍ، بِطَفِّ كَرْبَلاَءَ، بَيْنَ نَيْنَوَى وَ الْغَاضِرِيَّةِ، مِنْ قُرَى النَّهْرَيْنِ.

نَسَبُهُ وَ تَسْمِيَتُهُ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) هُوَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ.

وَ سَمَّاهُ فِي التَّوْرَاةِ شَبِيراً؛ وَ هَارُونُ بْنُ عِمْرَانَ لَمَّا سَمِعَ فِي التَّوْرَاةِ(6) أَنَّ اللَّهَ سَمَّى الْحَسَنَ وَ الْحُسَيْنَ سِبْطَيْ مُحَمَّدٍ: شَبَراً وَ شَبِيراً سَمَّى ابْنَيْهِ بِهَذَيْنِ الاِسْمَيْنِ.

وَ يُكَنَّى: أَبَا عَبْدِ اللَّهِ.».

ص: 180


1- الإرشاد: 250.
2- في «ط»: قارورة فإذا هي دم عبيط.
3- في «ط»: انى علمت.
4- إرشاد المفيد: 251 و البحار 3/231:45 نحوه.
5- (الّتي هي) ليس في «ع، م».
6- (في التّوراة) ليس في «ط، ع».

وَ لَقَبُهُ: السِّبْطُ وَ هُوَ(1) الشَّهِيدُ، وَ الرَّشِيدُ، وَ الطَّيِّبُ، وَ الْوَفِيُّ، وَ التَّابِعُ لِمَرْضَاتِ اللَّهِ، وَ الدَّلِيلُ عَلَى ذَاتِ اللَّهِ، وَ الْمُطَهَّرُ، وَ السَّيِّدُ، وَ الْمُبَارَكُ، وَ الْبَرُّ، وَ سِبْطُ رَسُولِ اللَّهِ، وَ أَحَدُ سَيِّدَيْ شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَ أَحَدُ الْكَاظِمَيْنِ(2).

[نَقْشُ خَاتَمِهِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)] وَ كَانَ لَهُ خَاتَمَانِ، فَصُّ أَحَدِهِمَا عَقِيقٌ نَقْشُهُ: إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ.

وَ عَلَى الْخَاتَمِ الَّذِي أُخِذَ مِنْ يَدِهِ يَوْمَ قُتِلَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ عُدَّةُ لِقَاءِ اللَّهِ(3).

مَنْ تَخَتَّمَ بِمِثْلِهِمَا كَانَا لَهُ حِرْزاً مِنَ الشَّيْطَانِ.

وَ بَوَّابُهُ: رُشَيْدٌ الْهَجَرِيُّ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ)(4).

ذِكْرُ وُلْدِهِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) عَلِيُّ الْأَكْبَرُ قُتِلَ مَعَهُ، وَ عَلِيٌّ الْإِمَامُ زَيْنُ الْعَابِدِينَ، وَ عَلِيٌّ الْأَصْغَرُ، وَ مُحَمَّدٌ، وَ عَبْدُ اللَّهِ الشَّهِيدُ، وَ جَعْفَرٌ، وَ لَهُ مِنَ الْبَنَاتِ: زَيْنَبُ وَ سَكِينَةُ وَ فَاطِمَةُ(5).

معجزاته (عليه السلام)

96/ 1 - قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: حَدَّثَنَا مُحْرُوزُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي مِخْنَفٍ لُوطِ بْنِ يَحْيَى الْأَزْدِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:

لَقِيتُ(6) الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ وَ هُوَ يَخْرُجُ إِلَى الْعِرَاقِ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا بْنَ رَسُولِ اللَّهِ، لاَ تَخْرُجْ.

قَالَ: فَقَالَ لِي: يَا بْنَ عَبَّاسٍ، أَ مَا عَلِمْتَ أَنَّ مَنِيَّتِي مِنْ هُنَاكَ، وَ أَنَّ مَصَارِعَ

ص: 181


1- في «ط»: السّبط الثّاني و.
2- مناقب ابن شهرآشوب 78:4، تذكرة الخواصّ: 232، كشف الغمّة 4:2.
3- الكافي 8/474:6، أمالي الصّدوق 7/113.
4- تاريخ الأئمّة: 32، مناقب ابن شهرآشوب 77:4.
5- تاريخ الأئمّة: 18، الإرشاد: 253، مناقب ابن شهرآشوب 77:4.
6- في «ط»: أتيت.

أَصْحَابِي هُنَاكَ؟!

فَقُلْتُ لَهُ: فَأَنَّى لَكَ ذَلِكَ؟ قَالَ: بِسِرٍّ سُرَّ لِي، وَ عِلْمٍ أُعْطِيتُهُ(1).

97/ 2 - قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَلَوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ زَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَّهُ كَانَ مَعَ زُهَيْرِ بْنِ الْقَيْنِ حِينَ صَحِبَ الْحُسَيْنَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، فَقَالَ لَهُ: يَا زُهَيْرُ، اعْلَمْ أَنَّ هَاهُنَا مَشْهَدِي، وَ يَحْمِلُ هَذَا مِنْ جَسَدِي - يَعْنِي رَأْسَهُ - زَحْرُ بْنُ قَيْسٍ، فَيَدْخُلُ بِهِ عَلَى يَزِيدَ يَرْجُو نَوَالَهُ(2) ، فَلاَ يُعْطِيهِ شَيْئاً(3).

98/ 3 - قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ، عَنْ أَبِيهِ وَكِيعٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، قَالَ: قَالَ لِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْوَاقِدِيُّ وَ زُرَارَةُ بْنُ جَلْحٍ:

لَقِينَا الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ (عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ) قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْعِرَاقِ بِثَلاَثِ لَيَالٍ، فَأَخْبَرْنَاهُ بِضَعْفِ النَّاسِ فِي الْكُوفَةِ، وَ أَنَّ قُلُوبَهُمْ مَعَهُ وَ سُيُوفَهُمْ عَلَيْهِ، فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ نَحْوَ السَّمَاءِ فَفُتِحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَ نَزَلَ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ عَدَدٌ لاَ يُحْصِيهِمْ إِلاَّ اللَّهُ، وَ قَالَ:

لَوْ لاَ تَقَارُبُ الْأَشْيَاءِ وَ حُبُوطُ الْأَجْرِ لَقَاتَلْتُهُمْ بِهَؤُلاَءِ، وَ لَكِنْ أَعْلَمُ عِلْماً أَنَّ مِنْ هُنَاكَ مَصْعَدِي وَ هُنَاكَ مَصَارِعُ أَصْحَابِي، لاَ يَنْجُو مِنْهُمْ إِلاَّ وَلَدِي عَلِيٌّ(4).

99/ 4 - قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جُنَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ جُنَيْدِ بْنِ سَالِمِ بْنِ جُنَيْدٍ، عَنْ رَاشِدِ بْنِ مَزْيَدٍ، قَالَ:

شَهِدْتُ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) وَ صَحِبْتُهُ مِنْ مَكَّةَ حَتَّى أَتَيْنَا الْقُطْقُطَانَةَ(5) ، ثُمَّ اسْتَأْذَنْتُهُ فِي الرُّجُوعِ، فَأَذِنَ لِي، فَرَأَيْتُهُ وَ قَدِ اسْتَقْبَلَهُ سَبُعٌ عَقُورٌ فَكَلَّمَهُ، فَوَقَفَ لَهُ فَقَالَ:

مَا حَالُ النَّاسِ بِالْكُوفَةِ؟

قَالَ: قُلُوبُهُمْ مَعَكَ وَ سُيُوفُهُمْ عَلَيْكَ.».

ص: 182


1- إثبات الهداة 66/205:5، مدينة المعاجز: 12/238.
2- في «ع، م»: و يرجو نائله، و كلاهما بمعنى.
3- إثبات الهداة 67/206:5، مدينة المعاجز: 14/238.
4- نوادر المعجزات: 1/107، اللّهوف في قتلى الطّفوف: 26، إثبات الهداة 68/206:5، مدينة المعاجز: 238.
5- القطقطانة: موضع في الطف، انظر «معجم البلدان 374:4».

قَالَ: وَ مَنْ خَلَّفْتَ بِهَا؟

قَالَ: ابْنَ زِيَادٍ، وَ قَدْ قُتِلَ مُسْلِمُ بْنُ عَقِيلٍ.

قَالَ: وَ أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: عَدَنَ.

قَالَ لَهُ: أَيُّهَا السَّبُعُ، هَلْ عَرَفْتَ(1) مَاءَ الْكُوفَةِ؟ قَالَ: مَا عَلِمْنَا مِنْ عِلْمِكَ إِلاَّ مَا(2) زَوَّدْتَنَا.

ثُمَّ انْصَرَفَ وَ هُوَ يَقُولُ: وَ مَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ، قَالَ: كَرَامَةٌ مِنْ وَلِيٍّ وَ ابْنِ وَلِيٍّ(3).

100/ 5 - قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ شَرَفِيِّ بْنِ الْقَطَّانِ(4) ، عَنْ زُفَرَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ كَثِيرِ بْنِ شَاذَانَ، قَالَ:

شَهِدْتُ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ (عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ) وَ قَدْ اشْتَهَى عَلَيْهِ ابْنُهُ عَلِيٌّ الْأَكْبَرُ عِنَباً فِي غَيْرِ أَوَانِهِ، فَضَرَبَ يَدَهُ إِلَى سَارِيَةِ الْمَسْجِدِ فَأَخْرَجَ لَهُ عِنَباً وَ مَوْزاً فَأَطْعَمَهُ، وَ قَالَ: مَا عِنْدَ اللَّهِ لِأَوْلِيَائِهِ أَكْثَرُ(5).

101/ 6 - قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ السَّمَّانَ(6) يَقُولُ: سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ (عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ) يَقُولُ:

وَ اللَّهِ لَيَجْتَمِعَنَّ عَلَى قَتْلِي طُغَاةُ بَنِي أُمَيَّةَ، وَ يَقْدُمُهُمْ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ. وَ ذَلِكَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، فَقُلْتُ لَهُ: أَنْبَأَكَ بِهَذَا رَسُولُ اللَّهِ؟ فَقَالَ لاَ. فَأَتَيْتُ النَّبِيِّ فَأَخْبَرْتُهُ،3.

ص: 183


1- في «ع»: أحرت، و في «م»: أحرت من، حارّ: رجع «المعجم الوسيط - حور - 205:1».
2- في «ع، م»: و بما.
3- في النّوادر: اشهد اللّه أنّك وليّ و ابن وليّ. نوادر المعجزات: 2/107، إثبات الهداة 69/206:5، مدينة المعاجز: 15/238.
4- في «ع، ط»: القطامي.
5- الحديث ليس في «ع». نوادر المعجزات: 3/108، إثبات الهداة 70/206:5، مدينة المعاجز: 16/238.
6- في «ع، ط»: التّمّار، و في «م»: السّماد، و كلاهما تصحيف، و هو ذكوان أبو صالح السّمّان الزّيّات، كان يجلب السّمن و الزّيت إلى الكوفة، روى عن جماعة من الصّحابة، و روى عنه سليمان الأعمش، راجع تهذيب الكمال 8: 513.

فَقَالَ: عِلْمِي عِلْمُهُ، وَ عِلْمُهُ عِلْمِي، وَ إِنَّا لَنَعْلَمُ(1) بِالْكَائِنِ قَبْلَ كَيْنُونَتِهِ(2).

102/ 7 - قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ مَسْرُوقٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَكْحُولٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، قَالَ:

بَلَغَنِي خُرُوجُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ) إِلَى الْعِرَاقِ، فَقَصَدْتُ مَكَّةَ فَصَادَفْتُهُ بِهَا، فَلَمَّا رَآنِي رَحَّبَ بِي وَ قَالَ: مَرْحَباً بِكَ يَا أَوْزَاعِيُّ، جِئْتَ تَنْهَانِي عَنِ الْمَسِيرِ، وَ أَبَى اللَّهُ (عَزَّ وَ جَلَّ) إِلاَّ ذَلِكَ، إِنَّ مِنْ هَاهُنَا إِلَى يَوْمِ الْإِثْنَيْنِ مَنِيَّتِي(3) فَسَهْدُت فِي عَدِّ الْأَيَّامِ، فَكَانَ كَمَا قَالَ(4).

103/ 8 - قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ(5) مَاهَانَ بْنِ مَعْدَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَابِرٍ كَيْسَانُ بْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي النَّبَّاخِ(6) مُحَمَّدِ بْنِ يَعْلَى، قَالَ:

لَقِيتُ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) عَلَى ظَهْرِ الْكُوفَةِ وَ هُوَ رَاحِلٌ مَعَ الْحَسَنِ يُرِيدُ مُعَاوِيَةَ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَ رَضِيتَ؟

فَقَالَ: شِقْشِقَةٌ هَدَرَتْ، وَ فَوْرَةٌ ثَارَتْ، وَ عَرَبِيٌّ مِنَحِىٌّ، وَ سَمٌّ ذُعَافٌ(7) ، وَ قِيعَانٌ بِالْكُوفَةِ وَ كَرْبَلاَءَ، إِنِّي وَ اللَّهِ لَصَاحِبُهَا، وَ صَاحِبُ ضَحِيَّتِهَا، وَ الْعُصْفُورُ فِي سَنَابِلِهَا(8) ، إِذَا تَضَعْضَعَ نَوَاحِي الْجَبَلِ بِالْعِرَاقِ، وَ هَجْهَجَ كُوفَانُ الْوَهَلِ(9) ، وَ مُنِعَ الْبَرُّ جَانِبَهُ، وَ عُطِّلَ».

ص: 184


1- في «ع، م»: لانه لا علم.
2- نوادر المعجزات: 5/109، فرج المهموم: 227 عن الدّلائل، إثبات الهداة 71/207:5.
3- في «ع، م»: مبعثي.
4- نوادر المعجزات: 4/108، إثبات الهداة 72/207:5، مدينة المعاجز: 18/238.
5- في «ط» زيادة: معاذ.
6- في «ع، م»: أبو جابر كيسان بن حريز، عن أبي التّفّاح.
7- الذعاف: السّمّ يقتل من ساعته «المعجم الوسيط 312:1».
8- في «ع، م»: اسبالها.
9- الظّاهر أنّ المراد: زجر كوفان و ردّ أهلها الفزع و الخوف. انظر «النّهاية - و هل - 233:5، لسان العرب - هجج - 386:2».

بَيْتُ اللَّهِ الْحَرَامُ، وَ أُزْحِفَ(1) الْوَقِيذُ(2) ، وَ قُدِّحَ(3) الْهَبِيذُ(4) ؛ فَيَا لَهَا مِنْ زُمَرٍ أَنَا صَاحِبُهَا، إِيهِ إِيهِ إِنِّى وَ كَيْفَ! وَ لَوْ شِئْتُ لَقُلْتُ أَيْنَ أَنْزِلُ، وَ أَيْنَ أُقِيمُ.

فَقُلْنَا: يَا بْنَ رَسُولِ اللَّهِ، مَا تَقُولُ؟

قَالَ: مَقَامِي بَيْنَ أَرْضٍ وَ سَمَاءٍ، وَ نُزُولِي حَيْثُ حَلَّتِ الشِّيعَةُ الْأَصْلاَبُ، وَ الْأَكْبَادُ الصِّلاَبُ، لاَ يَتَضَعْضَعُونَ لِلضَّيْمِ، وَ لاَ يَأْنِفُونَ مِنَ الْآخِرَةِ مُعْضَلاً يَحْتَافُهُمْ(5) أَهْلُ مِيرَاثِ عَلِيٍّ وَ وَرَثَةُ بَيْتِهِ(6).

104/ 9 - وَ رَوَى هَارُونُ بْنُ خَارِجَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) قَالَ: قَالَ الْحُسَيْنُ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) لِغِلْمَانِهِ: لاَ تَخْرُجُوا يَوْمَ كَذَا وَ كَذَا، الْيَوْمَ قَدْ سَمَّاهُ، وَ اخْرُجُوا يَوْمَ الْخَمِيسِ، فَإِنَّكُمْ إِنْ خَالَفْتُمُونِي قُطِعَ عَلَيْكُمْ الطَّرِيقُ، فَقُتِلْتُمْ، وَ ذَهَبَ مَا مَعَكُمْ.

وَ كَانَ قَدْ أَرْسَلَهُمْ إِلَى ضَيْعَةٍ لَهُ، فَخَالَفُوهُ وَ أَخَذُوا طَرِيقَ الْحَرَّةِ فَاسْتَقْبَلَهُمْ لُصُوصٌ فَقَتَلُوهُمْ كُلَّهُمْ، فَدَخَلَ عَلَى الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) وَالِي الْمَدِينَةِ(7) مِنْ سَاعَتِهِ، فَقَالَ لَهُ: قَدْ بَلَغَنِي قَتْلُ غِلْمَانِكَ وَ مَوَالِيكَ، فَآجَرَكَ اللَّهُ فِيهِمْ.

فَقَالَ: أَمَا إِنِّي أَدُلُّكَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُمْ، فَاشْدُدْ يَدَكَ بِهِمْ.

قَالَ: وَ تَعْرِفُهُمُ؟!

قَالَ: نَعَمْ، كَمَا أَعْرِفُكَ، وَ هَذَا مِنْهُمْ لِرَجُلٍ جَاءَ مَعَهُ(8) ، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا بْنَ».

ص: 185


1- أزحف: أعيا، و انتهى إلى غاية ما طلب «أقرب الموارد - زحف - 458:1. و في «ط»: أرجف، أيّ خفق و اضطرب اضطرابا شديدا «لسان العرب - رجف - 112:9».
2- الوقيذ: البطيء الثّقيل، أو الّذي غلبه النّعاس، أو الّذي يغشى عليه لا يدرى أميت أم لا «لسان العرب - وقذ - 519:3».
3- في «ع، م»: الرّقاد و اقدح.
4- الهبيذ: المسرع «لسان العرب - هبذ - 517:3».
5- يحتافهم: من الحتف و هو الهلاك «المعجم الوسيط - حتف - 154:1».
6- إثبات الهداة 73/207:5، مدينة المعاجز: 19/238.
7- «ع، م»: ثمّ دخل إلى الوالي بالمدينة.
8- (لرجل جاء معه) ليس في «ع، م».

رَسُولِ اللَّهِ، كَيْفَ عَرَفْتَنِي وَ مَا كُنْتَ فِيهِمْ(1) ؟!

قَالَ: إِنْ صَدَقْتُكَ تَصْدُقُ(2) ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَ اللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ(3).

قَالَ: أَخْرَجْتَ مَعَكَ فُلاَناً وَ فُلاَناً. فَسَمَّاهُمُ بِأَسْمَائِهِمْ كُلِّهِمْ، وَ فِيهِمْ أَرْبَعَةٌ مِنْ مَوَالِي الْوَالِي، وَ الْبَقِيَّةُ مِنْ حُبْشَانِ(4) أَهْلِ الْمَدِينَةِ، قَالَ الْوَالِي: وَ رَبِّ الْقَبْرِ وَ الْمِنْبَرِ، لَتَصْدُقُنِّي أَوْ لَأَنْشُرَنَّ لَحْمَكَ بِالسِّيَاطِ. قَالَ: وَ اللَّهِ مَا كَذَبَ الْحُسَيْنُ، كَأَنَّهُ كَانَ مَعَنَا.

قَالَ: فَجَمَعَهُمْ الْوَالِي فَأَقَرُّوا جَمِيعاً(5) ، فَأَمَرَ بِهِمْ فَضُرِبَتْ أَعْنَاقُهُمْ(6).

105/ 10 - وَ رَوَى الْهَيْثَمُ النَّهْدِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ مُحَمَّدٍ الْكِنَانِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، قَالَ: خَرَجَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ وَ مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ وُلْدِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ يَقُولُ بِإِمَامَتِهِ، فَنَزَلُوا فِي طَرِيقِهِمْ بِمَنْزِلٍ(7) تَحْتَ نَخْلَةٍ يَابِسَةٍ، قَدْ يَبِسَتْ مِنَ الْعَطَشِ، فَفُرِشَ الْحُسَيْنُ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) تَحْتَهَا، وَ بِإِزَائِهِ نَخْلَةٌ أُخْرَى عَلَيْهَا رُطَبٌ، فَرَفَعَ يَدَهُ وَ دَعَا بِكَلاَمٍ لَمْ أَفْهَمْهُ، فَاخْضَرَّتِ النَّخْلَةُ وَ عَادَتْ(8) إِلَى حَالِهَا، وَ أَوْرَقَتْ وَ حَمَلَتْ رُطَباً، فَقَالَ الْجَمَّالُ الَّذِي اكْتَرَى مِنْهُ: هَذَا سِحْرٌ وَ اللَّهِ، فَقَالَ الْحُسَيْنُ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): وَيْلَكَ، إِنَّهُ لَيْسَ بِسِحْرٍ، وَ لَكِنْ(9) دَعْوَةُ ابْنِ نَبِيٍّ مُسْتَجَابَةٌ.

قَالَ: ثُمَّ صَعِدُوا النَّخْلَةَ فَجَنَوْا مِنْهَا مَا كَفَاهُمْ جَمِيعاً(10).

106/ 11 - وَ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، عَنْ مُوسَى بْنِ سَعْدَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ9.

ص: 186


1- في «ع، م»: ما أنا منهم.
2- في «ط»: أتصدّق.
3- في «ط»: لأصدقن.
4- الحبش و الحبشان: جنس من السّودان «لسان العرب - حبش - 278:6». في «ط»: سائر.
5- في «ع»: أجمعين.
6- الهداية الكبرى: 205، الخرائج و الجرائح 3/247:1، الصّراط المستقيم 3/178:2.
7- في «ع، م»: من تلك المنازل.
8- في «ع، م»: و صارت.
9- في «ط»: و لكنّها.
10- في «ع، م»: فصعدوا إلى النّخلة حتّى حووا منها كلّهم فكفاهم، عيون المعجزات: 62، إثبات الهداة 5: 74/207، مدينة المعاجز: 22/239.

الْقَاسِمِ، عَنْ صَبَّاحٍ الْمُزَنِيِّ، عَنْ صَالِحِ بْنِ مِيثَمٍ الْأَسَدِيِّ، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَ عَبَايَةُ بْنُ الرَّبَعِيِّ عَلَى امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي وَالِبَةَ، قَدْ احْتَرَقَ وَجْهُهَا مِنَ السُّجُودِ، فَقَالَ لَهَا عَبَايَةُ: يَا حَبَابَةُ، هَذَا ابْنُ أَخِيكَ.

قَالَتْ: وَ أَيُّ أَخٍ؟ قَالَ: صَالِحُ بْنُ مِيثَمٍ.

فَقَالَتْ: ابْنُ أَخِي وَ اللَّهِ حَقّاً، يَا بْنَ أَخِي أَ لاَ أُحَدِّثُكَ بِحَدِيثٍ سَمِعْتُهُ مِنَ الْحُسَيْنِ ابْنِ عَلِيٍّ (عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ)؟

قَالَ: قُلْتُ: بَلَى يَا عَمَّةُ.

قَالَتْ: كُنْتُ زَوَّارَةَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ (عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ)، فَحَدَثَ بَيْنَ عَيْنَيَّ وَضَحٌ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيَّ وَ احْتَبَسْتُ عَنْهُ أَيَّاماً، فَسَأَلَ عَنِّي: مَا فَعَلَتْ حَبَابَةُ الْوَالِبِيَّةُ؟ فَقَالُوا: إِنَّهَا حَدَثَ بِهَا حَدَثٌ بَيْنَ عَيْنَيْهَا. فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: قُومُوا حَتَّى نَدْخُلَ عَلَيْهَا. فَدَخَلَ عَلَيَّ فِي مَسْجِدِي هَذَا، وَ قَالَ: يَا حَبَابَةُ، مَا بَطَّأَ بِكِ عَلَيَّ؟

قُلْتُ: يَا بْنَ رَسُولِ اللَّهِ مَا ذَلِكَ الَّذِي مَنَعَنِي إِنْ لَمْ أَكُنْ اضْطُرِرْتُ إِلَى الْمَجِيءِ إِلَيْكَ اضْطِرَاراً، لَكِنْ حَدَثَ هَذَا بِي. وَ كَشَفْتُ الْقِنَاعَ فَتَفَلَ عَلَيْهِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ (عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ) وَ قَالَ: يَا حَبَابَةُ، أَحْدِثِي لِلَّهِ شُكْراً، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ ذَادَهُ(1) عَنْكِ.

قَالَتْ: فَخَرَرْتُ سَاجِدَةً، فَقَالَ: يَا حَبَابَةُ ارْفَعِي رَأْسَكِ وَ انْظُرِي فِي مِرْآتِكِ.

قَالَتْ: فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَلَمْ أَجِدْ مِنْهُ شَيْئاً.

قَالَتْ: فَحَمِدْتُ اللَّهَ وَ قَالَ لِي: يَا حَبَابَةُ نَحْنُ وَ شِيعَتُنَا عَلَى الْفِطْرَةِ، وَ سَائِرُ النَّاسِ مِنْهَا بِرَاءٌ(2).

107/ 12 - وَ رَوَى أَيُّوبُ بْنُ نُوحٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِي إِسْمَاعِيلَ،(3) عَنْ حَمْزَةَ بْنِ حُمْرَانَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، قَالَ: ذَكَرْنَا(4) خُرُوجَ الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) وَ تَخَلُّفَ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ عَنْهُ، فَقَالَ: يَا حَمْزَةُ، إِنِّي سَأُحَدِّثُكَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِمَا لاَ تَشُكَّت.

ص: 187


1- ذاده عنه: طرده و دفعه «المعجم الوسيط 317:1»، و في «ع»: ذواه.
2- بصائر الدّرجات: 6/291، الثّاقب في المناقب: 267/324، مدينة المعاجز: 21/239.
3- في بصائر الدّرجات و اللّهوف: عن مروان بن إسماعيل.
4- في «ط»: ذكرت.

فِيهِ بَعْدَ مَجْلِسِنَا هَذَا؛ إِنَّ الْحُسَيْنَ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) لَمَّا فَصَلَ مُتَوَجِّهاً إِلَى الْعِرَاقِ دَعَا بِقِرْطَاسٍ وَ كَتَبَ فِيهِ:

«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ إِلَى بَنِي هَاشِمٍ، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ مَنْ لَحِقَ بِي اسْتُشْهِدَ، وَ مَنْ تَخَلَّفَ عَنِّي لَمْ يَبْلُغِ الْفَتْحَ وَ السَّلاَمُ»(1).

108/ 13 - وَ أَخْبَرَنِي أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي عَلِيٍّ مُحَمَّدِ ابْنِ هَمَّامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْهَاشِمِيُّ قَدِمَ عَلَيْنَا مِنْ مِصْرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ مَنْصُورٍ الْهَمْدَانِيُّ بِدِمَشْقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيِّ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي طَيْرَانَ(2) ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ وَكِيدَةَ، قَالَ:

كُنْتُ فِيمَنْ حَمَلَ رَأْسَ الْحُسَيْنِ، فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ سُورَةَ الْكَهْفِ، فَجَعَلْتُ أَشُكُّ فِي نَفْسِي وَ أَنَا أَسْمَعُ نَغْمَةَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ لِي: يَا بْنَ وَكِيدَةَ، أَ مَا عَلِمْتَ أَنَّا مَعْشَرَ الْأَئِمَّةِ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّنَا نُرْزَقُ؟

قَالَ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: أَسْرِقُ رَأْسَهُ، فَنَادَى: يَا بْنَ وَكِيدَةَ، لَيْسَ لَكَ إِلَى ذَاكَ سَبِيلٌ، سَفْكُهُمْ دَمِي أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ تَسْيِيرِهِمْ رَأْسِي(3) ، فَذَرْهُمْ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ، إِذْ الْأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَ السَّلاَسِلُ يُسْحَبُونَ(4).

109/ 14 - وَ أَخْبَرَنِي أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي عَلِيٍّ مُحَمَّدِ ابْنِ هَمَّامٍ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ الْمَعْرُوفِ بِابْنِ أَبِي الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ، عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) لَمَّا مُنِعَ الْحُسَيْنُ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) وَ أَصْحَابُهُ الْمَاءَ نَادَى فِيهِمْ: مَنْ كَانَ ظَمْآنَ فَلْيَجِئْ. فَأَتَاهُ أَصْحَابُهُ رَجُلاً رَجُلاً فَجَعَلَ إِبْهَامَهُ فِي رَاحَةِ وَاحِدِهِمْ(5) فَلَمْ يَزَلْ يَشْرَبُ الرَّجُلُ بَعْدَ الرَّجُلِ حَتَّىد.

ص: 188


1- بصائر الدّرجات: 5/501، كامل الزّيارات: 15/75 «نحوه»، نوادر المعجزات: 6/109، مناقب ابن شهرآشوب 76:4، اللّهوف في قتلى الطّفوف: 28 عن كتاب الرّسائل للكلينيّ، مختصر بصائر الدّرجات: 6.
2- في «ط»: خيران.
3- في «ع، م»: إيّاي.
4- تضمين من سورة غافر 71:40، نوادر المعجزات: 7/110، مدينة المعاجز: 24/239.
5- في «ط»: في فم واحد.

ارْتَوَوْا كُلُّهُمْ(1) ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: وَ اللَّهِ، لَقَدْ شَرِبْتُ شَرَاباً مَا شَرِبَهُ أَحَدٌ مِنَ الْعَالَمِينَ فِي دَارِ الدُّنْيَا.

فَلَمَّا قَاتَلُوا الْحُسَيْنَ، وَ كَانَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ عِنْدَ الْمَغْرِبِ، أَقْعَدَ الْحُسَيْنُ رَجُلاً رَجُلاً مِنْهُمْ فَيُسَمِّيهِمْ بِأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ، فَيُجِيبُهُ الرَّجُلُ بَعْدَ الرَّجُلِ، فَيَقْعُدُونَ حَوْلَهُ، ثُمَّ يَدْعُو بِالْمَائِدَةِ فَيُطْعِمُهُمْ وَ يَأْكُلُ مَعَهُمْ مِنْ طَعَامِ الْجَنَّةِ، وَ يَسْقِيهِمْ مِنْ شَرَابِهَا.

ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): وَ اللَّهِ، لَقَدْ رَآهُمْ عِدَّةٌ مِنَ الْكُوفِيِّينَ وَ لَقَدْ كَرَّرَ عَلَيْهِمْ لَوْ عَقَلُوا.

قَالَ: ثُمَّ أَرْسَلَهُمْ فَعَادَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إِلَى بِلاَدِهِ، ثُمَّ أَتَى جَبَلَ(2) رَضْوَى، فَلاَ يَبْقَى أَحَدٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ إِلاَّ أَتَاهُ، وَ هُوَ(3) عَلَى سَرِيرٍ مِنْ نُورٍ، قَدْ حَفَّ بِهِ إِبْرَاهِيمُ وَ مُوسَى وَ عِيسَى وَ جَمِيعُ الْأَنْبِيَاءِ، وَ مِنْ وَرَائِهِمْ الْمُؤْمِنُونَ، وَ مِنْ وَرَائِهِمْ الْمَلاَئِكَةُ يَنْظُرُونَ مَا يَقُولُ الْحُسَيْنُ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ).

قَالَ: فَهُمْ بِهَذِهِ الْحَالِ إِلَى أَنْ يَقُومَ الْقَائِمُ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، فَإِذَا قَامَ الْقَائِمُ وَافَوْا فِيمَا بَيْنَهُمْ الْحُسَيْنَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) حَتَّى يَأْتِيَ كَرْبَلاَءَ، فَلاَ يَبْقَى أَحَدٌ سَمَاوِيٌّ وَ لاَ أَرَضِيٌّ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ إِلاَّ حَفَّ بِهِ، يَزُورُهُ(4) وَ يُصَافِحُهُ وَ يَقْعُدُ مَعَهُ عَلَى السَّرِيرِ.

يَا مُفَضَّلُ، هَذِهِ وَ اللَّهِ الرِّفْعَةُ الَّتِي لَيْسَ فَوْقَهَا شَيْ ءٌ وَ لاَ دُونَهَا شَيْ ءٌ(5) ، وَ لاَ وَرَاءَهَا لِطَالِبٍ مَطْلَبٌ(6).

110/ 15 - وَ حَدَّثَنِي أَبُو الْمُفَضَّلِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو النَّجْمِ بَدْرُ ابْنُ الطَّبَرِسْتَانِيِّ(7) ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الشَّلْمَغَانِيُّ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْي.

ص: 189


1- (كلّهم) ليس في «ع، م».
2- في «ع، م»: بجبال.
3- في «ط»: و سيقيم هنالك.
4- في «ع، م»: إلاّ حفّوا بالحسين (عليه السّلام).
5- (و لا دونها شيء) ليس في «ع، م».
6- نوادر المعجزات: 8/111، مدينة المعاجز: 25/239.
7- في «م»: الطوستاني.

أَبِي جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ). قَالَ:

لَمَّا وُلِدَ الْحُسَيْنُ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) هَبَطَ جَبْرَئِيلُ فِي أَلْفِ مَلَكٍ يُهَنُّونَ النَّبِيَّ بِوِلاَدَتِهِ، وَ كَانَ مَلَكٌ يُقَالُ لَهُ (فُطْرُسُ) فِي جَزِيرَةٍ مِنْ جَزَائِرِ الْبَحْرِ بَعَثَهُ اللَّهُ فِي أَمْرٍ مِنْ أُمُورِهِ فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ، فَكَسَرَ جَنَاحَهُ وَ أَزَالَهُ(1) عَنْ مَقَامِهِ، وَ أَهْبَطَهُ(2) إِلَى تِلْكَ الْجَزِيرَةِ، فَمَكَثَ فِيهَا خَمْسَمِائَةِ عَامٍ، وَ كَانَ صَدِيقاً لِجَبْرَئِيلَ، فَلَمَّا مَضَى قَالَ لَهُ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ لَهُ: وُلِدَ لِلنَّبِيِّ مَوْلُودٌ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ، فَبَعَثَنِي اللَّهُ فِي أَلْفِ مَلَكٍ لِأُهَنِّئَهُ.

قَالَ: احْمِلْنِي إِلَيْهِ لَعَلَّهُ يَدْعُو لِي.

فَلَمَّا أَدَّى جَبْرَئِيلُ الرِّسَالَةَ وَ نَظَرَ النَّبِيُّ إِلَى فُطْرُسَ، قَالَ لَهُ: يَا جَبْرَئِيلُ، مَنْ هَذَا؟ فَأَخْبَرَهُ بِقِصَّتِهِ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَقَالَ: امْسَحْ جَنَاحَكَ عَلَى الْمَوْلُودِ. يَعْنِي الْحُسَيْنَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، فَمَسَحَ جَنَاحَهُ فَعَادَ إِلَى حَالَتِهِ، فَلَمَّا نَهَضَ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): الْزَمْ أَرْضَ كَرْبَلاَءَ وَ أَخْبِرْنِي بِكُلِّ مُؤْمِنٍ رَأَيْتَهُ زَائِراً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.

قَالَ: فَذَلِكَ الْمَلَكُ يُسَمَّى (عَتِيقَ الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)(3).

و الحمد للّه ربّ العالمين، و صلّى اللّه على سيّدنا محمّد و آله و سلّم تسليما.8.

ص: 190


1- في «م»: ازيل.
2- في «م»: و أهبط.
3- عيون المعجزات: 68، و نحوه في روضة الواعظين: 155 و أمالي الصدوق: 8/118 و بشارة المصطفى: 219 و الخرائج و الجرائح 6/252:1، و الثاقب في المناقب: 284/338.

أَبُو مُحَمَّدٍ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ زَيْنُ الْعَابِدِينَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)

معرفة ولادته:

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الثَّانِي (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): وُلِدَ(1) فِي الْمَدِينَةِ، فِي الْمَسْجِدِ، فِي بَيْتِ فَاطِمَةَ (عَلَيْهَا السَّلاَمُ) سَنَةَ ثَمَانٍ وَ ثَلاَثِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ، قَبْلَ وَفَاةِ جَدِّهِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(2) ، فَأَقَامَ مَعَ جَدِّهِ سَنَتَيْنِ، وَ مَعَ عَمِّهِ الْحَسَنِ عَشْرَ سِنِينَ، وَ بَعْدَ وَفَاةِ عَمِّهِ مَعَ أَبِيهِ عَشَرَ سِنِينَ، وَ بَعْدَ مَا اسْتُشْهِدَ أَبُوهُ خَمْساً وَ ثَلاَثِينَ سَنَةً(3).

فَكَانَتْ أَيَّامَ إِمَامَتِهِ مُلْكُ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ، وَ مُلْكُ مُعَاوِيَةَ بْنِ يَزِيدَ، وَ مُلْكُ مَرْوَانَ ابْنِ الْحَكَمِ، وَ مُلْكُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَ مُلْكُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ(4).

وَ قُبِضَ بِالْمَدِينَةِ فِي الْمُحَرَّمِ فِي عَامِ خَمْسٍ وَ تِسْعِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَ قَدْ كَمَلَ عُمُرُهُ سَبْعاً وَ خَمْسِينَ سَنَةً(5).

ص: 191


1- زاد في «ط»: عليّ.
2- تاريخ الأئمّة: 9، مسارّ الشّيعة: 112، الإرشاد: 253، روضة الواعظين: 201.
3- و روي غير ذلك في هذه التواريخ، انظر: روضة الواعظين: 201، مناقب ابن شهرآشوب 175:4.
4- إعلام الورى: 257.
5- روضة الواعظين: 201، مناقب ابن شهرآشوب 175:4، إعلام الورى: 256.

وَ كَانَ سَبَبُ وَفَاتِهِ أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ سَمَّهُ(1).

وَ دُفِنَ بِالْبَقِيعِ مَعَ عَمِّهِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)(2).

نَسَبُهُ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ):

عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبِ(3) بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ.

وَ يُكَنَّى:

أَبَا مُحَمَّدٍ، وَ أَبَا الْحَسَنِ، وَ أَبَا بَكْرٍ، وَ الْأَوَّلُ أَشْهَرُ وَ أَثْبَتُ(4).

لَقَبُهُ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ):

ذُو الثَّفِنَاتِ لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ طُولِ سُجُودِهِ وَ شِدَّةِ عِبَادَتِهِ وَ نَحَافَةِ جِسْمِهِ أَثَّرَ السُّجُودُ فِي جَبْهَتِهِ، وَ هَرَأَ جِلْدُهَا، فَكَانَ يَقُصُّهُ حَتَّى صَارَ كَثَفِنَةِ الْبَعِيرِ مِنْ جِهَاتِ الْجَبْهَةِ(5) ؛ وَ الْمُتَهَجِّدُ، وَ الرُّهْبَانِيُّ، وَ زَيْنُ الْعَابِدِينَ، وَ سَيِّدُ الْعَابِدِينَ(6) ، وَ السَّجَّادُ(7).4.

ص: 192


1- مناقب ابن شهرآشوب 176:4، الصّواعق المحرقة: 201.
2- تاريخ الأئمّة: 31، مسارّ الشّيعة: 114، الإرشاد: 254، تاريخ مواليد الأئمّة: 180.
3- في «ط»: بن عبد مناف.
4- تاريخ الأئمّة: 29، مسارّ الشّيعة: 111، الإرشاد: 253.
5- في «ع، م»: عبادته نحف جبهته فيقصها.
6- في «ط»: و سيّد العباد.
7- مسارّ الشّيعة: 112، تاريخ مواليد الأئمّة: 180، مناقب ابن شهرآشوب 175:4.

[نَقْشُ خَاتَمِهِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)] وَ كَانَ لَهُ خَاتَمٌ نَقْشُهُ: شَقِيَ وَ خَزِيَ قَاتِلُ الْحُسَيْنِ(1).

وَ بَوَّابُهُ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ):

يَحْيَى بْنُ أُمِّ الطَّوِيلِ الْمَدْفُونُ بِوَاسِطٍ، قَتَلَهُ الْحَجَّاجُ (لَعَنَهُ اللَّهُ)، وَ يُرْوَى أَنَّهُ أَبُو خَالِدٍ الْكَابُلِيُّ وَ اللَّهُ أَعْلَمُ. وَ لَمَّا دُفِنَ ضَرَبَتِ امْرَأَتُهُ عَلَى قَبْرِهِ فُسْطَاطاً(2).

وَ يُرْوَى أَنَّ نَاقَةً تُدْعَى ذَرَّةَ وَ كَانَتْ تَرْعَى فَجَاءَتْ حَتَّى ضَرَبَتْ بِجِرَانِهَا(3) الْفُسْطَاطَ، وَ جَعَلَتْ تَحِنُّ، فَجَاءَ غُلاَمٌ لَهُ(4) فَأَخَذَ بِمِشْفَرِهَا(5) فَاقْتَادَهَا، وَ كَانَتْ نَاقَتُهُ، فَلَمَّا كَانَ عَشِيَّةُ دُفِنَ خَرَجَتْ حَتَّى صَارَتْ إِلَى الْقَبْرِ.

فَأُخْبِرَ أَبُو جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، فَقَالَ: خُذُوهَا لاَ يَرَاهَا النَّاسُ، فَخَرَجَ أَبُو جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) فَرَدَّهَا إِلَى مَوْضِعِهَا، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ مِرَاراً، ثُمَّ إِنَّهُمْ أَقَامُوهَا فَلَمْ تَقُمْ، فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُوَدِّعَةٌ. فَلَمْ تَلْبَثْ إِلاَّ هُنَيْهَةً حَتَّى نَفَقَتْ(6) ، فَأَمَرَ أَبُو جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) فَحُفِرَ لَهَا وَ دُفِنَتْ(7).

ذِكْرُ وُلْدِهِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ):

مُحَمَّدٍ الْبَاقِرِ الْإِمَامِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، وَ زَيْدٍ الشَّهِيدِ بِالْكُوفَةِ، وَ عَبْدِ اللَّهِ، وَ عُبَيْدِ اللَّهِ،1.

ص: 193


1- عيون أخبار الرّضا (عليه السّلام) 56:2، الكافي 6/473:6.
2- تاريخ الأئمّة: 32، مناقب ابن شهرآشوب 176:4.
3- الجران: باطن العنق من البعير و غيره «المعجم الوسيط 119:1».
4- في «ع، م»: لهم.
5- المشفر: شفة البعير الغليظة «المعجم الوسيط 487:1».
6- في «ط»: حتّى ماتت، و كلاهما بمعنى.
7- بصائر الدّرجات: 11/503، الكافي 3/389:1 نحوه، الاختصاص: 301.

وَ الْحَسَنِ، وَ الْحُسَيْنِ، وَ عَلِيٍّ، وَ عُمَرَ، وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِنْتٌ(1).

خبر امّه و السبب في تزويجها

111/ 1 - أَخْبَرَنِي أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ بْنِ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَخْزُومٍ الْمُقْرِئُ(2) مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ(3) عُبَيْدُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْعَامِرِيُّ التَّمَّارُ بِالْكُوفَةِ، قَالَ:

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْفُرَاتِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي الْمِقْدَامِ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ نَجَبَةَ، قَالَ:

لَمَّا وَرَدَ سَبْيُ الْفُرْسِ إِلَى الْمَدِينَةِ أَرَادَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بَيْعَ النِّسَاءِ، وَ أَنْ يَجْعَلَ الرِّجَالَ عَبِيداً لِلْعَرَبِ، وَ أَنْ يَرْسُمَ عَلَيْهِمْ، أَنْ يَحْمِلُوا الْعَلِيلَ وَ الضَّعِيفَ وَ الشَّيْخَ الْكَبِيرَ فِي الطَّوَافِ عَلَى ظُهُورِهِمْ حَوْلَ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قَالَ: أَكْرِمُوا كَرِيمَ كُلِّ قَوْمٍ.

فَقَالَ عُمَرُ: قَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِذَا أَتَاكُمْ كَرِيمُ قَوْمٍ فَأَكْرِمُوهُ وَ إِنْ خَالَفَكُمْ.

فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): فَمِنْ أَيْنَ لَكَ أَنْ(4) تَفْعَلْ بِقَوْمٍ كُرَمَاءَ مَا ذَكَرْتَ، إِنَّ(5) هَؤُلاَءِ قَوْمٌ قَدْ أَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ، وَ رَغِبُوا فِي الْإِسْلاَمِ وَ السَّلاَمِ(6) ؛ وَ لاَ بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي مِنْهُمْ ذُرِّيَّةٌ، وَ أَنَا أُشْهِدُ اللَّهَ وَ أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَعْتَقْتُ نَصِيبِي مِنْهُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ.

ص: 194


1- تاريخ الأئمّة: 19، مسارّ الشّيعة: 114، تاريخ مواليد الأئمّة: 180.
2- في «م، ط»: المسفري، و هو تصحيف، انظر تاريخ بغداد 362:1.
3- (أبو سعيد) ليس في «ط».
4- في «ع»: فمن تفعل ذلك، و في «م»: فمن ذلك.
5- في «ع»: كرماء حكما ما ذكرته يا هذا، و في «م»: كرماء حكما ذكرته يا هذا.
6- (و السّلام) ليس في «ط».

فَقَالَ جَمِيعُ بَنِي هَاشِمٍ: قَدْ وَهَبْنَا حَقَّنَا(1) أَيْضاً لَكَ. فَقَالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ أَنِّي قَدْ أَعْتَقْتُ جَمِيعَ مَا وَهَبُونِيهِ مِنْ نَصِيبِهِمْ(2) لِوَجْهِ اللَّهِ.

فَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ وَ الْأَنْصَارُ: قَدْ وَهَبْنَا حَقَّنَا لَكَ يَا أَخَا رَسُولِ اللَّهِ.

فَقَالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ أَنَّهُمْ قَدْ وَهَبُوا حَقَّهُمْ وَ قَبِلْتُهُ، وَ اشْهَدْ لِي بِأَنِّي قَدْ أَعْتَقْتُهُمْ لِوَجْهِكَ.

فَقَالَ عُمَرُ: لِمَ نَقَضْتَ عَلَيَّ عَزْمِي فِي الْأَعَاجِمِ؟ وَ مَا الَّذِي رَغَّبَكَ عَنْ رَأْيِي فِيهِمْ؟ فَأَعَادَ عَلَيْهِ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فِي إِكْرَامِ الْكُرَمَاءِ، وَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الرَّغْبَةِ فِي الْإِسْلاَمِ، فَقَالَ عُمَرُ: قَدْ وَهَبْتُ لِلَّهِ وَ لَكَ - يَا أَبَا الْحَسَنِ - مَا يَخُصُّنِي وَ سَائِرَ مَا لَمْ يُوهَبْ لَكَ.

فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): اللَّهُمَّ اشْهَدْ عَلَى مَا قَالُوهُ، وَ عَلَى عِتْقِي إِيَّاهُمْ.

فَرَغِبَتْ جَمَاعَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ فِي أَنْ يَسْتَنْكِحُوا النِّسَاءَ، فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): هَؤُلاَءِ لاَ يُكْرَهْنَ عَلَى ذَلِكَ وَ لَكِنْ يُخَيَّرْنَ، فَمَا اخْتَرْنَهُ عُمِلَ بِهِ.

فَأَشَارَ جَمَاعَةُ النَّاسِ إِلَى شَهْرَبَانُويَهْ بِنْتِ كِسْرَى فَخُيِّرَتْ وَ خُوطِبَتْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَ الْجَمْعُ حُضُورٌ، فَقِيلَ لَهَا: مَنْ تَخْتَارِينَ مِنْ خُطَّابِكِ؟ وَ هَلْ أَنْتِ مِمَّنْ تُرِيدِينَ بَعْلاً؟ فَسَكَتَتْ.

فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): قَدْ أَرَادَتْ وَ بَقِيَ الاِخْتِيَارُ.

فَقَالَ عُمَرُ: وَ مَا عِلْمُكَ بِإِرَادَتِهَا الْبَعْلَ؟

فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) كَانَ إِذَا أَتَتْهُ كَرِيمَةُ قَوْمٍ لاَ وَلِيَّ لَهَا وَ قَدْ خُطِبَتْ، أَمَرَ أَنْ يُقَالَ لَهَا: أَنْتِ رَاضِيَةٌ بِالْبَعْلِ؟ فَإِنِ اسْتَحْيَتْ وَ سَكَتَتْ جَعَلَ إِذْنَهَا صُمَاتَهَا(3) وَ أَمَرَ بِتَزْوِيجِهَا، وَ إِنْ قَالَتْ: لاَ، لَمْ تُكْرَهْ عَلَى مَا لاَ تَخْتَارُهُ.

وَ إِنَّ شَهْرَبَانُويَهْ أُرِيَتِ الْخُطَّابَ وَ أَوْمَأَتْ بِيَدِهَا، وَ أَشَارَتْ إِلَى الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ،ا.

ص: 195


1- في «م»: حصّتنا.
2- في «ع، م»: عتقت ما و هبتمونيه.
3- في «ط»: رضاها سكوتها.

فَأُعِيدَ الْقَوْلُ عَلَيْهَا فِي التَّخْيِيرِ فَأَشَارَتْ بِيَدِهَا وَ قَالَتْ بِلُغَتِهَا، هَذَا إِنْ كُنْتُ مُخَيَّرَةً.

وَ جَعَلَتْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) وَلِيَّهَا. وَ تَكَلَّمَ(1) حُذَيْفَةُ بِالْخِطْبَةِ، فَقَالَ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): مَا اسْمُكِ؟

قَالَتْ: شَاهُ زَنَانَ(2).

قَالَ: نَه شَاهْ زَنَانُ نيست، مگر دختر(3) مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ هِيَ سَيِّدَةُ نِسَاءٍ، أَنْتِ شَهْرَبَانُويَهْ وَ أُخْتُكَ مُرْوَارِيد بِنْتُ كِسْرَى.

قَالَتْ: آرِيَهْ(4).

وَ رُوِيَ: أَنَّ شَهْرَبَانُويَهْ وَ أُخْتُهَا مُرْواريد خُيِّرَتَا، فَاخْتَارَتْ شَهْرَبَانُويَهْ الْحُسَيْنَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، وَ مُرْوَاريد الْحَسَنَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ).

وَ قَالَ عَلِيٌّ الرَّافِعِيُّ: كَانَ لِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ) نَاقَةٌ حَجَّ عَلَيْهَا ثَلاَثِينَ حِجَّةً، أَوْ أَرْبَعاً وَ عِشْرِينَ حِجَّةً، مَا قَرَعَهَا قَرْعَةً قَطُّ(5).

وَ قِيلَ لَهُ - وَ قَدْ كَانَ بَيِّنَ الْفَضْلِ -: مَا بَالُكَ إِذَا سَافَرْتَ كَتَمْتَ نَسَبَكَ أَهْلَ الرِّفْقَةُ؟ فَقَالَ: أَكْرَهُ أَنْ آخُذَ بِرَسُولِ اللَّهِ مَا لاَ أُعْطِي مِثْلَهُ(6).

رَجَعَ الْحَدِيثُ قَالَ: وَ قَالَ إِبْلِيسُ (لَعَنَهُ اللَّهُ) يَا رَبِّ، إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ الْعَابِدِينَ لَكَ مِنْ عِبَادِكَ مِنْ أَوَّلِ الدَّهْرِ إِلَى عَهْدِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ فَلَمْ أَرَ فِيهِمْ أَعْبَدَ لَكَ وَ لاَ أَخْشَعَ مِنْهُ، فَأْذَنْ لِي - يَا إِلَهِي - أَنْ أَكِيدَهُ لِأَعْلَمَ صَبْرَهُ. فَنَهَاهُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ فَلَمْ يَنْتَهِ، فَتَصَوَّرَ لِعَلِيِّ بْنِ2.

ص: 196


1- في «ط»: فخطب.
2- معناها: سيّدة النّساء.
3- معناها: لا، ليس سيّدة النّساء إلاّ ابنة.
4- معناها: نعم. العدد القويّة: 74/57.
5- نحوه في الكافي 1/389:1، و مناقب ابن شهرآشوب 155:4، و ألقاب الرّسول و عترته: 253.
6- الكامل للمبرد 138:2، مناقب ابن شهرآشوب 161:4، كشف الغمّة 108:2.

الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) وَ هُوَ قَائِمٌ فِي صَلاَتِهِ فِي صُورَةِ أَفْعَى لَهُ عَشْرَةُ أَرْؤُسٍ، مُحَدَّدَةَ الْأَنْيَابِ، مُنْقَلِبَةَ الْأَعْيُنِ بِالْحُمْرَةِ، طَلَعَ عَلَيْهِ مِنْ جَوْفِ الْأَرْضِ مِنْ مَكَانِ سُجُودِهِ ثُمَّ تَطَوَّلَ فَلَمْ يُرْعَدْ لِذَلِكَ وَ لاَ نَظَرَ بِطَرْفِهِ إِلَيْهِ، فَانْخَفَضَ إِلَى الْأَرْضِ فِي صُورَةِ الْأَفْعَى، وَ قَبَضَ عَلَى عَشَرَةِ أَصَابِعَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ وَ أَقْبَلَ يَكْدِمُهَا(1) بِأَنْيَابِهِ، وَ يَنْفُخُ عَلَيْهَا مِنْ نَارٍ جَوْفِهِ، وَ هُوَ لاَ يَنْكَسِرُ طَرْفُهُ إِلَيْهِ، وَ لاَ يُحَرِّكُ قَدَمَيْهِ عَنْ مَكَانِهَا، وَ لاَ يَخْتَلِجُهُ شَكٌّ وَ لاَ وَهْمٌ فِي صَلاَتِهِ.

فَلَمْ يَلْبَثْ إِبْلِيسُ حَتَّى انْقَضَّ عَلَيْهِ شِهَابٌ مُحْرِقٌ مِنَ السَّمَاءِ، فَلَمَّا أَحَسَّ بِهِ إِبْلِيسُ صَرَخَ وَ قَامَ إِلَى جَانِبِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ) فِي صُورَتِهِ الْأُولَى، وَ قَالَ: يَا عَلِيُّ، أَنْتَ سَيِّدُ الْعَابِدِينَ كَمَا سُمِّيتَ، وَ أَنَا إِبْلِيسُ، وَ اللَّهِ لَقَدْ شَاهَدْتُ مِنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّينَ وَ الْمُرْسَلِينَ مِنْ لَدُنْ آدَمَ إِلَى زَمَنِكَ(2) ، فَمَا رَأَيْتُ مِثْلَ عِبَادَتِكَ، وَ لَوَدِدْتُ أَنَّكَ اسْتَغْفَرَتْ لِي، فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ يَغْفِرُ لِي. ثُمَّ تَرَكَهُ وَ وَلَّى، وَ هُوَ فِي صَلاَتِهِ لاَ يَشْغَلُهُ كَلاَمُهُ حَتَّى قَضَى صَلاَتَهُ عَلَى تَمَامِهَا(3).

وَ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ قَائِماً فِي صَلاَتِهِ حَتَّى زَحَفَ ابْنُهُ مُحَمَّدٌ، وَ هُوَ طِفْلٌ، إِلَى بِئْرٍ كَانَتْ فِي دَارِهِ(4) بَعِيدَةِ الْقَعْرِ، فَسَقَطَ فِيهَا، فَنَظَرَتْ إِلَيْهِ أُمُّهُ فَصَرَخَتْ، وَ أَقْبَلَتْ تَضْرِبُ نَفْسَهَا مِنْ حَوَالَيِ الْبِئْرِ، وَ تَسْتَغِيثُ بِهِ وَ تَقُولُ لَهُ: يَا بْنَ رَسُولِ اللَّهِ، غَرِقَ وَ اللَّهِ ابْنُكَ مُحَمَّدٌ. وَ كُلَّ ذَلِكَ لاَ يَسْمَعُ قَوْلَهَا، وَ لاَ يَنْثَنِي عَنْ صَلاَتِهِ، وَ هِيَ تَسْمَعُ اضْطِرَابَ ابْنِهَا فِي قَعْرِ الْبِئْرِ فِي الْمَاءِ.

فَلَمَّا طَالَ عَلَيْهَا ذَلِكَ قَالَتْ لَهُ جَزَعاً عَلَى ابْنِهَا مَا أَقْسَى قُلُوبَكُمْ يَا أَهْلَ بَيْتِ النُّبُوَّةِ! فَأَقْبَلَ عَلَى صَلاَتِهِ وَ لَمْ يَخْرُجْ عَنْهَا إِلاَّ بَعْدَ كَمَالِهَا وَ تَمَامِهَا، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهَا فَجَلَسَ عَلَى رَأْسِ الْبِئْرِ، وَ مَدَّ يَدَهُ إِلَى قَعْرِهَا، وَ كَانَتْ لاَ تُنَالُ إِلاَّ بِرِشَاءٍ(5) طَوِيلٍ فَأَخْرَجَ ابْنَهُ مُحَمَّداً بِيَدِهِ وَ هُوَ يُنَاغِيهِ وَ يَضْحَكُ، وَ لَمْ يُبْلَ لَهُ ثَوْبٌ وَ لاَ جَسَدٌ بِالْمَاءِ.».

ص: 197


1- أيْ بعضها «لسان العرب - كدم - 509:12».
2- في «ع، م»: آدم أبوك و إليك.
3- نوادر المعجزات: 1/112، حلية الأبرار 9:2، مدينة المعاجز: 1/293.
4- في «ع، م»: فازة.
5- الرّشاء: حبل الدّلو «المعجم الوسيط - رشّا - 348:1».

فَقَالَ لَهَا: هَاكِ هُوَ يَا قَلِيلَةَ الْيَقِينِ بِاللَّهِ. فَضَحِكَتْ لِسَلاَمَةِ ابْنِهَا، وَ بَكَتْ لِقَوْلِهَا، فَقَالَ لَهَا(1): لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكِ، لَوْ عَلِمْتِ أَنَّنِي كُنْتُ بَيْنَ يَدَيْ جَبَّارٍ، لَوْ مِلْتُ بِوَجْهِي عَنْهُ لَمَالَ بِوَجْهِهِ عَنِّي، فَمَنْ تَرَيْنَ أَرْحَمَ بِعَبْدِهِ مِنْهُ؟!(2)

وَ قَالَ: كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) حَسَنَ الصَّلاَةِ يُصَلِّي فِي كُلِّ يَوْمٍ وَ لَيْلَةٍ أَلْفَ رَكْعَةٍ(3) سِوَى الْفَرِيضَةِ، فَقِيلَ لَهُ: أَيْنَ هَذَا الْعَمَلُ مِنْ عَمَلِ عَلِيٍّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ جَدِّكَ؟ فَقَالَ(4): مَهْ إِنَّنِي نَظَرْتُ فِي عَمَلِ عَلِيٍّ يَوْماً وَاحِداً، فَمَا اسْتَطَعْتُ أَنْ أَعْدِلَهُ(5) مِنْ الْحَوْلِ إِلَى الْحَوْلِ(6).

ذكر معجزاته (عليه السلام)

ذكر(7) معجزاته (عليه السلام)

112/ 2 - قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَلَوِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَارَةَ ابْنَ زَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ:

لَمَّا كَانَتْ وَاقِعَةُ الْحَرَّةِ وَ أَغَارَ الْجَيْشُ عَلَى الْمَدِينَةِ وَ أَبَاحَهَا(8) ثَلاَثاً، وَجَّهَ بَرْدَعَةُ الْحِمَارِ صَاحِبُ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ (لَعَنَهُ اللَّهُ) فِي طَلَبِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ) لِيَقْتُلَهُ، أَوْ

ص: 198


1- في «ط»: فبكت لما نالت منه في جزعها فقال.
2- الهداية الكبرى: 215، عيون المعجزات: 73، مناقب ابن شهرآشوب 135:4، مدينة المعاجز: 293.
3- الإرشاد: 256، عيون المعجزات: 71، روضة الواعظين: 197، القاب الرّسول و عترته: 253، إعلام الورى: 260، تهذيب التّهذيب 306:7، اسعاف الرّاغبين المطبوع بهامش نور الأبصار: 237، تذكرة الحفاظ 75:1، الفصول المهمّة: 201، الصّواعق المحرقة: 200، نور الأبصار: 281.
4- زاد في «ط»: للمتكلّم.
5- في «ع، م»: واحدا فعدلت.
6- حلية الابرار 321:1، مدينة المعاجز: 293.
7- في «ط» زيادة: شيء من.
8- في «ع، م»: الحرّة و اغير على المدينة.

يَسُمَّهُ، فَوَجَدُوهُ فِي مَنْزِلِهِ، فَلَمَّا دَخَلُوا رَكِبَ السَّحَابَ، وَ جَاءَ حَتَّى وَقَفَ فَوْقَ رَأْسِهِ(1) ، وَ قَالَ: أَيُّمَا أَحَبُّ إِلَيْكَ: تَكُفُّ. أَوْ آمُرُ الْأَرْضَ أَنْ تَبْلَعَكَ(2) ؟ قَالَ:

مَا أَرَدْتُ إِلاَّ إِكْرَامَكَ وَ الْإِحْسَانَ إِلَيْكَ. ثُمَّ نَزَلَ عَنِ السَّحَابِ، فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَرَّبَ إِلَيْهِ أَقْدَاحاً فِيهَا مَاءٌ وَ لَبَنٌ وَ عَسَلٌ، فَاخْتَارَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ لَبَناً وَ عَسَلاً، ثُمَّ غَابَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُ(3).

113/ 3 - قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ قُدَامَةَ بْنِ عَاصِمٍ، قَالَ:

كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ) رَجُلاً أَسْمَرَ ضَخْماً مِنَ الرِّجَالِ، وَ كَانَ يَنْظُرُ إِلَى صُرَيْمَةٍ فِيهَا ظِبَاءٌ فَيَسْبِقُ أَوَائِلَهَا وَ يَرُدُّهَا عَلَى أَوَاخِرِهَا(4).

114/ 4 - قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ غُنْدَرٍ، قَالَ:

جَاءَ مَالٌ مِنْ خُرَاسَانَ إِلَى مَكَّةَ، فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ: هَذَا الْمَالُ لِي وَ أَنَا أَحَقُّ بِهِ. فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): بَيْنِي وَ بَيْنَكَ الصَّخْرَةُ. فَأَتَيَا الصَّخْرَةَ، فَكَلَّمَ مُحَمَّدٌ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ الصَّخْرَةَ فَلَمْ تَنْطِقْ، فَكَلَّمَهَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ فَنَطَقَتْ وَ قَالَتْ: الْمَالُ لَكَ، الْمَالُ لَكَ، وَ أَنْتَ الْوَصِيُّ وَ ابْنُ الْوَصِيِّ، وَ الْإِمَامُ وَ ابْنُ الْإِمَامِ. فَبَكَى مُحَمَّدٌ وَ قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي، لَقَدْ ظَلَمْتُكَ إِذْ غَصَبْتُكَ حَقَّكَ(5).

115/ 5 - قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ قَبِيصَةَ، قَالَ: شَهِدْتُ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) وَ هُوَ يَقُولُ: أَنَا أَوَّلُ مَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ، وَ أَنَا آخِرُ مَنْ يُهْلِكُهَا.

فَقُلْتُ لَهُ: يَا بْنَ رَسُولِ اللَّهِ، وَ مَا آيَةُ ذَلِكَ؟

قَالَ: آيَةُ ذَلِكَ أَنْ أَرُدَّ الشَّمْسَ مِنْ مَغْرِبِهَا إِلَى مَشْرِقِهَا، وَ مِنْ مَشْرِقِهَا إِلَى مَغْرِبِهَا.3.

ص: 199


1- في «ط»: دخلوا عليه جاءه سحاب فوقف على رأسه فنزل منه ملك فقام بين يديه.
2- في «ط»: تبتلعهم فقال: ما كلّ هذا.
3- نوادر المعجزات: 2/113، إثبات الهداة 55/254:5، مدينة المعاجز: 293.
4- إثبات الهداة 56/255:5، مدينة المعاجز: 4/293.
5- نوادر المعجزات: 3/114، إثبات الهداة 57/255:5، مدينة المعاجز: 5/293.

فَقِيلَ لَهُ: افْعَلْ ذَلِكَ. فَفَعَلَ.

وَ قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ): سَأَلْتُ رَبِّي ثَلاَثاً فَأَعْطَانِي، سَأَلْتُهُ أَنْ يَحِلَّ فِي مَا حَلَّ فِي سَمِيِّي مِنْ قَبْلُ فَفَعَلَ، وَ أَنْ يَرْزُقَنِي الْعِبَادَةَ فَفَعَلَ، وَ أَنْ يُلْهِمَنِي التَّقْوَى فَفَعَلَ(1).

116/ 6 - قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ، عَنْ أَبِيهِ وَكِيعٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، قَالَ: قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَسْوَدِ التَّيْمِيُّ(2):

رَأَيْتُ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) وَ قَدْ أُوتِيَ بِطِفْلٍ مَكْفُوفٍ، فَمَسَحَ عَيْنَيْهِ فَاسْتَوَى بَصَرُهُ، وَ جَاءُوا إِلَيْهِ بِأَبْكَمَ فَكَلَّمَهُ فَأَجَابَهُ، وَ جَاءُوا إِلَيْهِ بِمُقْعَدٍ فَمَسَحَ عَلَيْهِ(3) فَسَعَى وَ مَشَى(4).

117/ 7 - قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ أَيُّوبَ الْهَاشِمِيُّ، قَالَ:

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عِيسَى، قَالَ:

لَقِيتُ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) فَقُلْتُ لَهُ: يَا بْنَ رَسُولِ اللَّهِ، إِنِّي مُعْدِمٌ، فَأَعْطَانِي دِرْهَماً وَ رَغِيفاً، فَأَكَلْتُ أَنَا وَ عِيَالِي مِنَ الرَّغِيفِ وَ الدِّرْهَمِ أَرْبَعِينَ سَنَةً(5).

118/ 8 - قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ نَاصِحٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ:

لَقِيتُ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) وَ قَدِ انْبَثَقَ شَقٌّ فِي نَهَرِ سُورَا وَ بُرَيْهٍ(6) وَتَرَ بِنَا حَتَّى ذَهَبَ بِغَلَّتَيْهِمَا - خَمْسِمِائَةِ(7) أَلْفِ دِرْهَمٍ - وَ كَانَ ذَلِكَ دَأْبَهُ فِي كُلِّ سَنَةٍ، فَسَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي خَاتَمَ رَصَاصٍ، فَأَلْقَيْتَهُ فِي ذَلِكَ النَّهَرِ، فَوَقَفَ الْمَاءُ بِصَيْفِهِ وَ شِتَائِهِ وَ مَدِّهِ وَ نَقْصِهِ فَلَمْ يَضُرَّ الْغَلَّةَ(8).5.

ص: 200


1- نوادر المعجزات: 4/114، قطعة منه، مدينة المعاجز: 6/293.
2- في «ط»: التميمي.
3- في «ع، م»: فمسحه.
4- نوادر المعجزات: 5/115، إثبات الهداة 58/255:5، مدينة المعاجز: 7/293.
5- نوادر المعجزات: 6/115، إثبات الهداة 59/255:5، مدينة المعاجز: 8/293.
6- نهر سورا و يقال سوراء: من نواحي الكوفة. و نهر بريه: بالبصرة شرق دجلة.
7- في «ع، م»: شقا في نهر متورا و نرية و ترينا حتى ذهب غلاتها بخمسمائة.
8- إثبات الهداة 60/256:5.

119/ 9 - قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: حَدَّثَنِي خَلِيفَةُ بْنُ هِلاَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو النُّمَيْرِ عَلِيُّ ابْنُ يَزِيدَ، قَالَ:

كُنْتُ مَعَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) عِنْدَ مَا انْصَرَفَ مِنَ الشَّامِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَكُنْتُ أُحْسِنُ إِلَى نِسَائِهِ وَ أَتَوَارَى عَنْهُمْ عِنْدَ قَضَاءِ حَوَائِجِهِمْ(1) ، فَلَمَّا نَزَلُوا الْمَدِينَةَ بَعَثُوا إِلَيَّ بِشَيْ ءٍ مِنْ حُلِيِّهِنَّ فَلَمْ آخُذْهُ، وَ قُلْتُ: فَعَلْتُ هَذَا لِلَّهِ (عَزَّ وَ جَلَّ)(2).

فَأَخَذَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) حَجَراً أَسْوَدَ صَمَّا فَطَبَعَهُ بِخَاتَمِهِ، ثُمَّ قَالَ: خُذْهُ وَ سَلْ كُلَّ حَاجَةٍ لَكَ مِنْهُ.

فَوَ اللَّهِ الَّذِي بَعَثَ مُحَمَّداً بِالْحَقِّ، لَقَدْ كُنْتُ أَسْأَلُهُ الضَّوْءَ فِي الْبَيْتِ فَيَنْسَرِجُ فِي الظَّلْمَاءِ، وَ أَضَعُهُ عَلَى الْأَقْفَالِ فَتُفَتَّحُ لِي، وَ آخُذُهُ بِيَدِي وَ أَقِفُ بَيْنَ يَدَيِ السَّلاَطِينِ فَلاَ أَرَى إِلاَّ مَا أُحِبُّ(3).

120/ 10 - قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّاعِدِيُّ(4) وَ أَبُو مُحَمَّدٍ ثَابِتُ بْنُ ثَابِتٍ، قَالاَ: حَدَّثَنَا جُمْهُورُ بْنُ حَكِيمٍ، قَالَ:

رَأَيْتُ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) وَ قَدْ نَبَتَ لَهُ أَجْنِحَةٌ وَ رِيشٌ، فَطَارَ ثُمَّ نَزَلَ، فَقَالَ:

رَأَيْتُ السَّاعَةَ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ.

فَقُلْتُ: وَ هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصْعَدَ؟

فَقَالَ: نَحْنُ صَنَعْنَاهَا فَكَيْفَ لاَ نَقْدِرُ أَنْ نَصْعَدَ إِلَى مَا صَنَعْنَاهُ؟! نَحْنُ حَمَلَةُ الْعَرْشِ، وَ نَحْنُ عَلَى الْعَرْشِ، وَ الْعَرْشُ وَ الْكُرْسِيُّ لَنَا.

ثُمَّ أَعْطَانِي طَلْعاً فِي غَيْرِ أَوَانِهِ(5).

121/ 11 - قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ زَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ.4.

ص: 201


1- في «ط»: عنهم إذا نزلوا و أبعد عنهم إذا رحلوا، و في النّوادر: و أقضي حوائجه.
2- في «ط»: و لرسوله.
3- نوادر المعجزات: 7/116، إثبات الهداة 61/256:5، مدينة المعاجز: 9/294.
4- في «ع»: السّاعديّ.
5- نوادر المعجزات: 8/116، إثبات الهداة 62/256:5، مدينة المعاجز: 10/294.

قَالَ: لَقِيتُ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ) وَ هُوَ خَارِجٌ إِلَى يَنْبُعَ(1) مَاشِياً(2) فَقُلْتُ:

يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ، لَوْ(3) رَكِبْتَ. فَقَالَ: هَاهُنَا مَا هُوَ أَيْسَرُ، فَانْظُرْ. فَحَمَلَتْهُ الرِّيحُ، وَ حَفَّتْ بِهِ الطَّيْرُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَمَا رَأَيْتُ مَرْأًى(4) أَحْسَنَ مِنْ ذَلِكَ كَانَتِ الطَّيْرُ(5) لَتُنَاغِيهِ، وَ الرِّيحُ تُكَلِّمُهُ(6).

122/ 12 - وَ رَوَى عَمْرُو بْنُ شِمْرٍ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، قَالَ:

بَيْنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) جَالِسٌ مَعَ أَصْحَابِهِ إِذْ أَقْبَلَتْ ظَبْيَةٌ مِنَ الصَّحْرَاءِ حَتَّى قَامَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَضَرَبَتْ بِذَنَبِهَا وَ هَمْهَمَتْ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: يَا بْنَ رَسُولِ اللَّهِ مَا تَقُولُ الظَّبْيَةُ؟ قَالَ: تَذْكُرُ أَنَّ فُلاَنَ بْنَ فُلاَنٍ الْقُرَشِيَّ أَخَذَ خِشْفَهَا بِالْأَمْسِ وَ لَمْ تُرْضِعْهُ مُنْذُ أَمْسِ.

قَالَ: فَوَقَعَ فِي قَلْبِ الرَّجُلِ مَا شَاءَ اللَّهُ.

قَالَ: فَأَرْسَلَ إِلَى الْقُرَشِيِّ وَ قَالَ لَهُ: هَذِهِ الظَّبْيَةُ تَشْكُوكَ.

قَالَ: وَ مَا تَقُولُ؟

قَالَ: تَزْعُمُ أَنَّكَ أَخَذْتَ خِشْفَهَا أَمْسِ فِي وَقْتِ كَذَا وَ كَذَا، وَ أَنَّهُ لَمْ يَرْضَعْ مُنْذُ أَمْسِ شَيْئاً، وَ قَدْ سَأَلَتْنِي أَنْ أَسْأَلَكَ أَنْ تَبْعَثَ بِهِ إِلَيْهَا حَتَّى تُرْضِعَهُ وَ تَرُدَّهُ إِلَيْكَ.

قَالَ: وَ الَّذِي بَعَثَ مُحَمَّداً بِالرِّسَالَةِ، لَقَدْ صَدَقَتْ عَلَيَّ. فَقَالَ لَهُ: أَرْسِلْ إِلَيَّ بِالْخِشْفِ.

فَلَمَّا رَأَتْهُ هَمْهَمَتْ وَ ضَرَبَتْ بِذَنَبِهَا، فَرَضَعَ مِنْهَا فَقَالَ: بِحَقِّي عَلَيْكَ - يَا فُلاَنُ - إِلاَّ وَهَبْتَهُ لِي. فَوَهَبَهُ لِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، وَ وَهَبَهُ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ لَهَا، وَ كَلَّمَهَا بِمِثْلِ كَلاَمِهَا، فَهَمْهَمَتْ وَ ضَرَبَتْ بِذَنَبِهَا وَ انْطَلَقَتْ مَعَ الْخِشْفِ، فَقَالُوا: يَا بْنَ رَسُولِ اللَّهِ، مَا قَالَتْ؟4.

ص: 202


1- ينبع قرية غناء على يمين رضوى لمن كان منحدرا من أهل المدينة إلى البحر. مراصد الاطّلاع 1485:3.
2- (ماشيا) ليس في «ع، م».
3- في «ع، م»: إن.
4- في «ع، م»: مرقوما.
5- في «ع، م» أحسن منه يرفد إلى الطّير.
6- نوادر المعجزات: 9/117، إثبات الهداة 63/256:5، مدينة المعاجز: 11/294.

قَالَ: دَعَتْ لَكُمْ(1) وَ جَزَتْكُمْ خَيْراً(2).

123/ 13 - وَ رَوَى الْحُسَيْنُ بْنُ أَبِي الْعَلاَءِ وَ أَبُو الْمَغْرَاءِ وَ حُمَيْدُ بْنُ الْمُثَنَّى جَمِيعاً، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، قَالَ: جَاءَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ) فَقَالَ: يَا عَلِيُّ، أَ لَسْتَ تُقِرُّ بِأَنِّي إِمَامٌ عَلَيْكَ؟

قَالَ: يَا عَمِّ، لَوْ عَلِمْتُ ذَلِكَ مَا خَالَفْتُكَ، وَ(3) إِنَّ طَاعَتِي عَلَيْكَ وَ عَلَى الْخَلاَئِقِ مَفْرُوضَةٌ. وَ قَالَ: يَا عَمِّ، أَ مَا عَلِمْتَ أَنِّي وَصِيٌّ وَ ابْنُ وَصِيٍّ. وَ أَنَّبَهُ فَتَشَاجَرَا سَاعَةً، فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): بِمَنْ تَرْضَى يَكُونُ بَيْنَنَا حَكَماً؟

فَقَالَ مُحَمَّدٌ: مَنْ شِئْتَ.

قَالَ: أَ تَرْتَضِي أَنْ يَكُونَ بَيْنَنَا الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ؟

فَقَالَ مُحَمَّدٌ: سُبْحَانَ اللَّهِ! أَدْعُوكَ إِلَى النَّاسِ وَ تَدْعُونِي إِلَى حَجَرٍ لاَ يَتَكَلَّمُ!

فَقَالَ عَلِيٌّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): يَتَكَلَّمُ، أَ مَا عَلِمْتَ - يَا عَمِّ - إِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ لَهُ عَيْنَانِ وَ لِسَانٌ وَ شَفَتَانِ، فَيَشْهَدُ لِمَنْ وَافَاهُ بِالْمُوَافَاةِ؛ فَنَدْنُو أَنَا وَ أَنْتَ مِنْهُ، فَنَدْعُوَ اللَّهَ أَنْ يُنْطِقَهُ لَنَا أَيُّنَا حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ.

فَانْطَلَقَا وَ صَلَّيَا عِنْدَ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) وَ دَنَوْا مِنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، وَ قَدْ كَانَ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ: لَئِنْ لَمْ أُجِبْكَ إِلَى مَا دَعَوْتَنِي إِلَيْهِ، إِنِّي إِذَنْ لَمِنَ الظَّالِمِينَ.

فَقَالَ عَلِيٌّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) لِمُحَمَّدٍ: تَقَدَّمْ يَا عَمِّ إِلَيْهِ، فَإِنَّكَ أَسَنُّ مِنِّي، فَقَالَ مُحَمَّدٌ لِلْحَجَرِ: أَسْأَلُكَ بِحُرْمَةِ اللَّهِ، وَ بِحُرْمَةِ رَسُولِهِ، وَ بِحُرْمَةِ كُلِّ مُؤْمِنٍ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى عَلِيِّ ابْنِ الْحُسَيْنِ إِلاَّ نَطَقْتَ بِالْحَقِّ، وَ بَيَّنْتَ ذَلِكَ لَنَا. فَلَمْ يُجِبْهُ.

ثُمَّ قَالَ مُحَمَّدٌ لِعَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): تَقَدَّمْ فَاسْأَلْهُ، فَتَقَدَّمَ عَلِيٌّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) فَتَكَلَّمَ بِكَلاَمٍ خَفِيٍّ لاَ يُفْهَمُ، ثُمَّ قَالَ: أَسْأَلُكَ بِحُرْمَةِ اللَّهِ، وَ بِحُرْمَةِ رَسُولِهِ، وَ بِحُرْمَةِ عَلِيٍّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَ بِحُرْمَةِ فَاطِمَةَ،م.

ص: 203


1- في «ع، م»: للّه.
2- بصائر الدّرجات: 10/370، الهداية الكبرى: 216، الاختصاص: 299، الخرائج و الجرائح 259:1 / 4، مناقب ابن شهرآشوب 140:4، الناقب في المناقب: 297/359، كشف الغمّة 109:2، الصّراط المستقيم 4/180:2.
3- في «ط» زيادة: لكنّي أعلم.

وَ بِحُرْمَةِ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى عَمِّي إِلاَّ نَطَقْتَ بِذَلِكَ، وَ بَيَّنْتَ لَنَا حَتَّى يَرْجِعَ عَنْ رَأْيِهِ.

فَقَالَ الْحَجَرُ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ: يَا مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ، اسْمَعْ وَ أَطِعْ لِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، فَإِنَّهُ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ.

فَقَالَ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ بَعْدَ ذَلِكَ: سَمِعْتُ وَ أَطَعْتُ وَ سَلَّمْتُ(1).

124/ 14 - وَ رَوَى الْحُسَيْنُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ، [عَنْ سُلَيْمَانَ](2) بْنِ مُحَمَّدِ ابْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَطَاءٍ التَّمِيمِيِّ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) فِي الْمَسْجِدِ فَمَرَّ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَ عَلَيْهِ نَعْلاَنِ شِرَاكُهُمَا فِضَّةٌ، وَ كَانَ مِنْ أَمْجَنِ النَّاسِ، وَ هُوَ شَابٌّ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَطَاءٍ، تَرَى هَذَا الْمُتْرَفَ، إِنَّهُ لاَ يَمُوتُ حَتَّى يَلِيَ النَّاسَ.

قُلْتُ: إِنَّا لِلَّهِ، هَذَا الْفَاسِقُ!

قَالَ: نَعَمْ، وَ لاَ يَلْبَثُ عَلَيْهِمْ إِلاَّ يَسِيراً حَتَّى يَمُوتَ، فَإِذَا مَاتَ لَعَنَهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، وَ بَكَى عَلَيْهِ أَهْلُ الْأَرْضِ(3). *.

125/ 15 - وَ رَوَى الْحُسَيْنُ بْنُ سَعِيدٍ وَ الْبَرْقِيُّ، عَنِ النَّضْرُ بْنُ سُوَيْدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عِمْرَانَ الْحَلَبِيِّ(4) ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) يَقُولُ: أُتِيَ بِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ) إِلَى يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ وَ مَنْ مَعَهُ مِنَ النِّسَاءِ أَسْرَى فَجَعَلُوهُمْ فِي بَيْتٍ، وَ وَكَّلُوا بِهِمْ قَوْماً مِنَ الْعَجَمِ لاَ يَفْهَمُونَ الْعَرَبِيَّةَ.

فَقَالَ بَعْضٌ لِبَعْضٍ: إِنَّمَا جُعِلْنَا فِي هَذَا الْبَيْتِ لِيَهْدِمَ عَلَيْنَا فَيَقْتُلَنَا فِيهِ.

فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) لِلْحَرَسِ بِالرَّطَانَةِ: تَدْرُونَ مَا يَقُولُ هَؤُلاَءِ6.

ص: 204


1- الهداية الكبرى: 220، الخرائج و الجرائح 257:1 نحوه، الثّاقب في المناقب: 291/349، و قطعة منه في عيون المعجزات: 71، و ألقاب الرّسول و عترته: 254.
2- أضفناه من بصائر الدّرجات، و انظر معجم رجال الحديث 256:10.
3- بصائر الدّرجات: 1/190، الخرائج و الجرائح 4/584:2، الثّاقب في المناقب: 298/360.
4- زاد في البصائر: عن محمّد بن عليّ الحلبيّ، و كلاهما معدود في أصحاب أبي عبد اللّه (عليه السّلام) و الرّواة عنه، انظر رجال النّجاشيّ: 1199/444 و معجم رجال الحديث 303:16.

النِّسَاءُ؟ يَقُلْنَ كَيْتَ وَ كَيْتَ.

فَقَالَ الْحَرَسُ: قَدْ قَالُوا إِنَّكُمْ تَخْرُجُونَ غَداً وَ تُقْتَلُونَ. فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): كَلاَّ، يَأْبَى اللَّهُ ذَلِكَ. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ يُعْلِمُهُمْ بِلِسَانِهِمْ.

وَ الرَّطَانَةُ عِنْدَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ اللُّغَةُ(1) الْفَارِسِيَّةُ(2).

126/ 16 - وَ رَوَى يَعْقُوبُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ الْوَشَّاءِ عَمَّنْ رَوَى(3) عَنِ الْمُثَنَّى، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَنْصُورٍ(4) ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) فِي دَارِهِ وَ فِيهَا عَصَافِيرُ وَ هِيَ تَصُوتُ، فَقَالَ لِي: أَ تَدْرِي مَا يَقُلْنَ هَؤُلاَءِ الْعَصَافِيرُ؟

فَقُلْتُ: لاَ أَدْرِي.

قَالَ: يُسَبِّحْنَ رَبَّهُنَّ وَ يُهَلِّلْنَ، وَ يَسْأَلْنَهُ قُوتَ يَوْمِهِنَّ.

ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ، وَ أُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْ ءٍ(5).

127/ 17 - وَ رَوَى الْعَبَّاسُ بْنُ مَعْرُوفٍ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ، عَنِ الْحَسَنِ [ابْنِ مُحَمَّدِ] بْنِ عِمْرَانَ(6) ، عَنْ زُرْعَةَ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، [عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ](7) ، قَالَ:

خَرَجْتُ مَعَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) إِلَى مَكَّةَ فَبَلَغْنَا الْأَبْوَاءَ، فَإِذَا غَنَمٌ وَ نَعْجَةٌ قَدْ تَخَلَّفَتْ عَنِ الْقَطِيعِ، وَ هِيَ تَثْغُو ثُغَاءً شَدِيداً وَ تَنْقَلِبُ إِلَى سَخْلَتِهَا تَثْغُو وَ تَشْتَدُّ فِي طَلَبِهَا فَكُلَّمَا قَامَتِ السَّخْلَةُ ثَغَتِ النَّعْجَةُ فَتَتْبَعُهَا.

فَقَالَ: يَا عَبْدَ الْعَزِيزِ، تَدْرِي مَا تَقُولُ النَّعْجَةُ لِسَخْلَتِهَا؟ فَقُلْتُ: لاَ وَ اللَّهِ مَا أَدْرِي،ب.

ص: 205


1- في «ع، م»: الدرية.
2- بصائر الدّرجات: 1/357 «نحوه»، مدينة المعاجز: 294.
3- في «م»: عمّن رواه.
4- في البصائر: الميثميّ، عن منصور، و في الاختصاص: عليّ بن اسماعيل الميثميّ، عن منصور بن يونس، و كلاهما يرويان عن أبي حمزة الثّماليّ، انظر معجم رجال الحديث 133:21.
5- بصائر الدّرجات: 1/361، الاختصاص: 292، و نحوه في الهداية الكبرى: 217، و حلية الاولياء 3: 140، مناقب ابن شهرآشوب 133:4.
6- في النّسخ: الحسن بن عمران، و ما أثبتناه من جامع الرّواة 329:1، معجم رجال الحديث 258:7.
7- أثبتناه من الخرائج و الجرائح و مناقب ابن شهرآشوب.

فَقَالَ: إِنَّهَا تَقُولُ: الْحَقِي بِالْغَنَمِ، فَإِنْ أُخْتَكَ عَامَ أَوَّلَ تَخَلَّفَتْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَأَكَلَهَا الذِّئْبُ(1).

128/ 18 - وَ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ(2) ، عَنْ حُمْرَانَ ابْنِ أَعْيَنَ، قَالَ: كُنْتُ قَاعِداً عِنْدَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) وَ مَعَهُ(3) جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَجَاءَتْ ظَبْيَةٌ فَتَبَصْبَصَتْ وَ ضَرَبَتْ بِذَنَبِهَا، فَقَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَا تَقُولُ هَذِهِ الظَّبْيَةُ؟ قُلْنَا:

مَا نَدْرِي.

فَقَالَ: تَزْعُمُ أَنَّ رَجُلاً اصْطَادَ خِشْفاً لَهَا وَ هِيَ تَسْأَلُنِي أَنْ أُكَلِّمَهُ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَيْهَا.

فَقَامَ وَ قُمْنَا مَعَهُ حَتَّى جَاءَ إِلَى بَابِ الرَّجُلِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ وَ الظَّبْيَةُ مَعَنَا، فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): إِنَّ هَذِهِ الظَّبْيَةَ زَعَمَتْ كَذَا وَ كَذَا، وَ أَنَا أَسْأَلُكَ أَنْ تَرُدَّ عَلَيْهَا، فَدَخَلَ الرَّجُلُ مُسْرِعاً دَارَهُ، وَ أَخْرَجَ إِلَيْهِ الْخِشْفَ وَ سَيَّبَهُ، فَمَضَتِ الظَّبْيَةُ وَ الْخِشْفُ مَعَهَا، وَ أَقْبَلَتْ تَحَرَّكَ ذَنَبُهَا، فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): هَلْ تَدْرُونَ مَا تَقُولُ؟ فَقُلْنَا: مَا نَدْرِي.

فَقَالَ: إِنَّهَا تَقُولُ: رَدَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ كُلَّ حَقٍّ غُصِبْتُمْ عَلَيْهِ، وَ كُلَّ غَائِبٍ، وَ كُلَّ سَبَبٍ تَرْجُونَهُ، وَ غَفَرَ لِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ كَمَا رَدَّ عَلَيَّ وَلَدِي(4).

129/ 19 - أَخْبَرَنِي أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ هِبَةِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ ابْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُوسَى بْنِ بَابَوَيْهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رِئَابٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ وَ زُرَارَةَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، قَالَ:

لَمَّا قُتِلَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) أَرْسَلَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ فَجَاءَهُ، فَقَالَ(5) لَهُ: يَا بْنَ أَخِي، قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) جَعَلَ الْوَصِيَّةَر.

ص: 206


1- بصائر الدّرجات: 2/367، الاختصاص: 294، الخرائج و الجرائح 48/833:2، مناقب ابن شهرآشوب 139:4.
2- في البصائر و الاختصاص: بشر [بشير] و إبراهيم ابنا محمّد، عن أبيهما.
3- في «ط»: و معي.
4- بصائر الدّرجات: 14/372، الاختصاص: 297.
5- في «ع، م»: فجاء به و قال، و لعلّها تصحيف: فخلا به، كما في بعض المصادر.

وَ الْإِمَامَةَ مِنْ بَعْدِهِ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، ثُمَّ إِلَى الْحَسَنِ، ثُمَّ إِلَى الْحُسَيْنِ، وَ قَدْ قُتِلَ أَبُوكَ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ)، وَ أَنَا عَمُّكَ وَ صِنْوُ أَبِيكَ، وَ وِلاَدَتِي مِنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مِثْلُ وِلاَدَةِ أَبِيكَ، فَأَنَا أَحَقُّ بِالْوَصِيَّةِ مِنْكَ مَعَ حَدَاثَتِكَ، فَلاَ تُنَازِعْنِي الْوَصِيَّةَ وَ الْإِمَامَةَ، وَ لاَ تُحَارِبْنِي(1).

فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): يَا عَمِّ، لاَ تَدَعْ مَا لَيْسَ لَكَ بِحَقٍّ، إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ.

إِنَّ أَبِي (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) أَوْصَى إِلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَتَوَجَّهَ إِلَى الْعِرَاقِ، وَ عَهِدَ إِلَيَّ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدَ بِسَاعَةٍ، وَ هَذَا سِلاَحُ رَسُولِ اللَّهِ عِنْدِي، فَلاَ تَتَعَرَّضْ لِهَذَا الْأَمْرِ وَ تُنْكِرْهُ، فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ - يَا عَمِّ - نَقْصَ الْعُمُرِ وَ تَشَتُّتَ الْحَالِ.

إِنَّ اللَّهَ (تَعَالَى) - لَمَّا صَنَعَ الْحَسَنُ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) مَعَ مُعَاوِيَةَ مَا صَنَعَ - جَعَلَ الْوَصِيَّةَ وَ الْإِمَامَةَ فِي عَقِبِ الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، فَإِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَعْلَمَ حَقِيقَةَ قَوْلِي فَانْطَلِقْ مَعِي إِلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ حَتَّى نَتَحَاكَمَ إِلَيْهِ وَ نَسْأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ.

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): وَ كَانَ الْكَلاَمُ بَيْنَهُمَا بِمَكَّةَ، فَانْطَلَقَا حَتَّى أَتَيَا الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ، فَقَالَ عَلِيٌّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) لِمُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ: ابْتَهِلْ إِلَى اللَّهِ (تَعَالَى)، وَ اسْأَلْهُ أَنْ يُنْطِقَ لَكَ الْحَجَرَ. فَابْتَهَلَ مُحَمَّدٌ بِالدُّعَاءِ، وَ سَأَلَ اللَّهَ، وَ كَلَّمَ الْحَجَرَ فَلَمْ يُجِبْهُ.

فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): أَمَا إِنَّكَ - يَا عَمِّ - لَوْ كُنْتَ وَصِيّاً وَ إِمَاماً لَأَجَابَكَ.

قَالَ: فَقَالَ مُحَمَّدٌ: فَكَلِّمْهُ أَنْتَ - يَا بْنَ أَخِي - وَ سَلْهُ.

فَدَعَا اللَّهَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) بِمَا أَرَادَ، ثُمَّ قَالَ: أَسْأَلُكَ بِالَّذِي جَعَلَ فِيكَ مِيثَاقَ الْأَنْبِيَاءِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ لَمَّا أَخْبَرْتَنَا مَنِ الْوَصِيُّ وَ الْإِمَامُ بَعْدَ الْحُسَيْنِ.

فَتَحَرَّكَ الْحَجَرُ حَتَّى كَادَ أَنْ يَزُولَ عَنْ مَوْضِعِهِ، وَ أَنْطَقَهُ اللَّهُ (عَزَّ وَ جَلَّ) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ، وَ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّ الْوَصِيَّةَ وَ الْإِمَامَةَ بَعْدَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) إِلَى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ).ي.

ص: 207


1- في «ع، م»: و لا تحادثني، و في البصائر: و لا تجانبني، و في الامامة و التّبصرة: و لا تخالفني.

فَانْصَرَفَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ وَ هُوَ يَتَوَلَّى عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)(1).

130/ 20 - وَ رَوَى فَضَالَةُ بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ الْأَحْمَرِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ)، قَالَ: حَضَرَ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ) الْمَوْتُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَيُّ لَيْلَةٍ هَذِهِ؟ قَالَ: لَيْلَةُ كَذَا وَ كَذَا.

قَالَ: وَ كَمْ مَضَى مِنَ الشَّهْرِ؟ قَالَ: كَذَا وَ كَذَا.

قَالَ: وَ كَمْ بَقِيَ؟ قَالَ: كَذَا وَ كَذَا.

قَالَ: إِنَّهَا اللَّيْلَةُ الَّتِي وُعِدْتُهَا.

قَالَ: وَ دَعَا بِوَضُوءٍ فَقَالَ إِنَّ فِيهِ لَفَأْرَةً. فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ(2): إِنَّهُ لَيَهْجُرُ. فَقَالَ:

هَاتُوا الْمِصْبَاحَ فَنَظَرُوا فَإِذَا فِيهِ فَأْرَةٌ، فَأَمَرَ بِذَلِكَ الْمَاءِ فَأُهْرِيقَ، وَ أَتَوْهُ بِمَاءٍ آخَرَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَ صَلَّى، حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرُ اللَّيْلِ تُوُفِّيَ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ)(3).

131/ 21 - أَخْبَرَنِي أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ:

حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ هَمَّامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَلاَءِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ شَمُّونٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ حَمَّادٍ الْكَاتِبُ، عَنْ أَبِيهِ يَزِيدَ بْنِ حَمَّادٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ الطَّحَّانِ، عَنْ يُونُسَ بْنِ ظَبْيَانَ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): إِنَّ أَوَّلَ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ أَبُو خَالِدٍ الْكَابُلِيُّ عَلَيْهِ مِنْ عَلاَمَاتِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) أَنَّهُ دَقَّ عَلَيْهِ بَابَهُ فَخَرَجَ إِلَيْهِ الْغُلاَمُ، فَقَالَ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: أَنَا أَبُو خَالِدٍ الْكَابُلِيُّ.

فَقَالَ عَلِيٌّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): قُلْ لَهُ: ادْخُلْ يَا كَنْكَرُ.

قَالَ أَبُو خَالِدٍ: فَارْتَعَدَتْ فَرَائِصِي وَ دَخَلْتُ فَسَلَّمْتُ، فَقَالَ لِي: يَا أَبَا خَالِدٍ: أُرِيدُ أَنْ أُرِيَكَ الْجَنَّةَ وَ هِيَ مَسْكَنِي الَّذِي إِذَا شِئْتُ دَخَلْتُ فِيهِ، فَقُلْتُ: نَعَمْ أَرِنِيهِ.

فَمَسَحَ يَدَهُ عَلَى عَيْنِي، فَصِرْتُ فِي الْجَنَّةِ، فَنَظَرْتُ إِلَى قُصُورِهَا وَ أَنْهَارِهَا وَ مَا شَاءَل.

ص: 208


1- بصائر الدّرجات: 3/522، الكافي 5/282:1، الإمامة و التّبصرة: 49/60، الاحتجاج: 316، إعلام الورى: 258 قطعة منه، مختصر بصائر الدّرجات: 14 و 170، و قطعة منه في مناقب ابن شهرآشوب 147:4.
2- في «ط»: العوّاد.
3- الهداية الكبرى: 224 نحوه، فرج المهموم: 228 عن الدّلائل.

اللَّهُ أَنْ أَنْظُرَ، فَمَكَثْتُ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ نَظَرْتُ بَعْدُ فَإِذَا أَنَا بَيْنَ يَدَيْهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ عَلَى آبَائِهِ)(1).

132/ 22 - وَ حَدَّثَنِي أَبُو الْمُفَضَّلِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو النَّجْمِ بَدْرُ ابْنُ الطَّبَرِسْتَانِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ (عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ) قَالَ: رُوِيَ عَنْ أَبِي خَالِدٍ الْكَابُلِيِّ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ أَقُولُ بِمُحَمَّدٍ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ فَلَقِيَنِي يَحْيَى بْنُ أُمِّ الطَّوِيلِ فَدَعَانِي إِلَى عَلِيِّ ابْنِ الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، فَامْتَنَعْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ لِي: مَا يَضُرُّكَ أَنْ تَقْضِيَ حَقِّي بِأَنْ تَلْقَاهُ لَقْيَةً وَاحِدَةً! فَصِرْتُ مَعَهُ إِلَيْهِ، فَوَجَدْتُهُ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) جَالِساً فِي بَيْتٍ مَفْرُوشٍ بِالْمُعَصْفَرِ(2) مُلَبَّسُ الْحِيطَانِ(3) وَ عَلَيْهِ ثِيَابٌ مُصْبَغَةٌ، فَلَمْ أُطِلْ(4) عِنْدَهُ، فَلَمَّا نَهَضْتُ قَالَ لِي: صِرْ إِلَيْنَا فِي غَدٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَخَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهِ.

فَقُلْتُ لِيَحْيَى: أَدْخَلْتَنِي إِلَى رَجُلٍ يَلْبَسُ الْمُصْبَغَاتِ! وَ عَزَمْتُ أَنْ لاَ أَرْجِعَ إِلَيْهِ، ثُمَّ فَكَّرْتَ أَنَّ رُجُوعِي غَيْرُ ضَائِرٍ، فَصِرْتُ إِلَيْهِ فِي الْوَقْتِ فَوَجَدْتُ الْبَابَ مَفْتُوحاً، وَ لَمْ أَرَ أَحَداً فَهَمَمْتُ بِالرُّجُوعِ، فَنَادَانِي مِنْ دَاخِلِ الدَّارِ: ادْخُلْ. ثَلاَثَةَ أَصْوَاتِ فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يُرِيدُ غَيْرِي، فَصَاحَ: يَا كَنْكَرُ(5) ، ادْخُلْ. وَ هَذَا الاِسْمُ كَانَتْ أُمِّي سَمَّتْنِي بِهِ، وَ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهَا أَحَدٌ غَيْرِي، فَدَخَلْتُ إِلَيْهِ فَوَجَدْتُهُ جَالِساً فِي بَيْتٍ مُطَيَّنٍ، عَلَى حَصِيرٍ بَرَدِيٍّ، وَ عَلَيْهِ قَمِيصُ كَرَابِيسَ(6) ، فَقَالَ لِي: يَا أَبَا خَالِدٍ، إِنِّي قَرِيبُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ، وَ إِنَّ الَّذِي رَأَيْتَ بِالْأَمْسِ مِنْ آلَةٍ الْمَرْأَةِ، وَ لَمْ أُحِبَّ خِلاَفَهَا.

فَمَا بَرِحْتُ ذَلِكَ الْيَوْمَ مِنْ عِنْدِهِ حَتَّى أَرَانِي الْأَعَاجِيبَ، فَقُلْتُ بِإِمَامَتِهِ، وَ هَدَانِي اللَّهِ بِهِ وَ عَلَى يَدَيْهِ(7).9.

ص: 209


1- مدينة المعاجز: 23/299.
2- أي المصبوغ بالعصفر، و هو صبغ أحمر غالبا ما يصبغ به الحرير يتخذ من زهر نبات العصفر.، انظر «المعجم الوسيط 605:2».
3- في «ط»: قد لبس الحيطان بذلك، و في العيون: مكلّس الحيطان.
4- في «ع، م»: آكل.
5- في «ع»: يا كنفر، و في «م»: يا كنص.
6- الكرابيس، جمع كرباس: و هو القطن «مجمع البحرين 100:4».
7- عيون المعجزات: مدينة المعاجز: 24/299.

133/ 23 - وَ بِإِسْنَادِهِ قَالَ أَبُو خَالِدٍ الْكَابُلِيُّ: إِنَّ رَجُلاً أَتَى عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) وَ عِنْدَهُ أَصْحَابُهُ، فَقَالَ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: أَنَا مُنَجِّمٌ وَ أَبِي عَرَّافٌ. فَنَظَرَ إِلَيْهِ ثُمَّ قَالَ لَهُ: هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى رَجُلٍ قَدْ مَرَّ مُنْذُ دَخَلْتَ عَلَيْنَا فِي أَرْبَعَةِ آلاَفِ(1) عَالَمٍ؟

فَقَالَ: مَنْ هُوَ.

فَقَالَ لَهُ: إِنْ شِئْتَ أَنْبَأْتُكَ بِمَا أَكَلْتَ وَ مَا ادَّخَرْتَ فِي بَيْتِكَ.

فَقَالَ لَهُ: أَنْبِئْنِي.

فَقَالَ لَهُ: أَكَلْتَ فِي هَذَا الْيَوْمِ حِيساً(2) ، وَ أَمَّا مَا فِي بَيْتِكَ فَعِشْرُونَ دِينَاراً، مِنْهَا ثَلاَثَةُ دَنَانِيرَ دَارِيَّةٌ.

فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: أَشْهَدُ أَنَّكَ الْحُجَّةُ الْعُظْمَى، وَ الْمَثَلُ الْأَعْلَى، وَ كَلِمَةُ التَّقْوَى.

فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ صِدِّيقٌ امْتَحَنَ اللَّهُ قَلْبَكَ(3).

134/ 24 - أَخْبَرَنِي أَخِي (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ)، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْبَغْدَادِيِّ، وَ مَوْلِدُهُ بِسُورَاءَ(4) ، فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ خَمْسٍ وَ تِسْعِينَ وَ ثَلاَثِمِائَةٍ، قَالَ:

وَجَدْتُ فِي الْكِتَابِ الْمُلَقَّبِ بِ (كِتَابِ الْمُعْضِلاَتِ) رِوَايَةَ أَبِي طَالِبٍ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَ أَبُوهُ، عَنِ ابْنِ رِيَاحٍ، يَرْفَعُهُ عَنْ رِجَالِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ:

كُنْتُ جَالِساً فِي مَجْلِسِ سَيِّدِنَا أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ زَيْنِ الْعَابِدِينَ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) إِذْ وَقَفَ بِهِ(5) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ لَهُ يَا عَلِيَّ بْنَه.

ص: 210


1- في «ع، م»: أربعة عشر ألف.
2- الحيس: هو الطّعام المتّخذ من التّمر و الأقط - أيْ اللّبن المحمّض المجمد - و السّمن «لسان العرب - حيس - 61:6».
3- بصائر الدّرجات: 13/420، الاختصاص: 320 نحوه، فرج المهموم: 111، مدينة المعاجز 25/299 و اثبات الهداة 66/257:5 قطعة منه.
4- في «ط»: بسورى، سوراء: موضع يقال هو إلى جنب بغداد، و قيل: هو بغداد نفسها. و سورا بالألف المقصورة: موضع بالعراق قرب بابل «معجم البلدان 278:3».
5- في «ط»: عليه.

الْحُسَيْنِ، بَلَغَنِي أَنَّكَ تَدَّعِي أَنَّ يُونُسَ بْنَ مَتَّى عُرِضَتْ عَلَيْهِ وَلاَيَةُ أَبِيكَ فَلَمْ يَقْبَلْهَا(1) ، فَحُبِسَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ.

قَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، وَ مَا أَنْكَرْتَ مِنْ ذَلِكَ؟

قَالَ: إِنِّي لاَ أَقْبَلُهُ.

فَقَالَ: أَ تُرِيدُ أَنْ يَصِحَّ لَكَ ذَلِكَ؟

قَالَ لَهُ: نَعَمْ، قَالَ لَهُ: اجْلِسْ.

ثُمَّ دَعَا غُلاَمَهُ فَقَالَ لَهُ: جِئْنَا بِعِصَابَتَيْنِ. وَ قَالَ لِي: يَا مُحَمَّدَ بْنَ ثَابِتٍ، شُدَّ عَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بِإِحْدَى الْعِصَابَتَيْنِ وَ اشْدُدْ عَيْنَكَ بِالْأُخْرَى، فَشَدَدْنَا أَعْيُنَنَا فَتَكَلَّمَ بِكَلاَمٍ، ثُمَّ قَالَ: حُلُّواً أَعْيُنَكُمْ. فَحَلَلْنَاهَا فَوَجَدْنَا أَنْفُسَنَا عَلَى بِسَاطٍ وَ نَحْنُ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ.

ثُمَّ تَكَلَّمَ(2) بِكَلاَمٍ فَاسْتَجَابَ لَهُ حِيتَانُ الْبَحْرِ إِذْ ظَهَرَتْ بَيْنَهُنَّ حُوتَةٌ عَظِيمَةٌ فَقَالَ لَهَا: مَا اسْمُكِ؟ فَقَالَتْ: اسْمِي نُونٌ.

فَقَالَ لَهَا: لِمَ حُبِسَ يُونُسُ فِي بَطْنِكَ؟

فَقَالَتْ: عُرِضَتْ عَلَيْهِ وَلاَيَةُ أَبِيكَ فَأَنْكَرَهَا، فَحُبِسَ فِي بَطْنِي، فَلَمَّا أَقَرَّ بِهَا وَ أَذْعَنَ أُمِرْتُ فَقَذَفْتُهُ؛ وَ كَذَلِكَ مَنْ أَنْكَرَ وَلاَيَتَكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ يُخَلَّدُ فِي نَارِ الْجَحِيمِ:

فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ(3) أَ سَمِعْتَ وَ شَهِدْتَ؟ فَقَالَ لَهُ: نَعَمْ. فَقَالَ: شُدُّوا أَعْيُنَكُمْ.

فَشَدَدْنَاهَا فَتَكَلَّمَ بِكَلاَمٍ ثُمَّ قَالَ: حُلُّوهَا. فَحَلَلْنَاهَا، فَإِذَا نَحْنُ عَلَى الْبِسَاطِ فِي مَجْلِسِهِ، فَوَدَّعَهُ عَبْدُ اللَّهِ وَ انْصَرَفَ.

فَقُلْتُ لَهُ: يَا سَيِّدِي، لَقَدْ رَأَيْتُ فِي يَوْمِي عَجَباً، فَآمَنْتُ بِهِ، فَتَرَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يُؤْمِنُ بِمَا آمَنْتُ بِهِ؟

فَقَالَ لِي: لاَ، أَ تُحِبُّ أَنْ تَعْرِفَ ذَلِكَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: قُمْ فَاتَّبِعْهُ وَ مَاشِهِ وَ اسْمَعْ مَا يَقُولُ لَكَ.ه.

ص: 211


1- في «ط»: يقبل.
2- في «ع، م»: فتكلّم.
3- في «ط»: الجحيم، فالتفت إلى عبد اللّه و قال له.

فَتَبِعْتُهُ فِي الطَّرِيقِ وَ مَشَيْتُ مَعَهُ، فَقَالَ لِي: إِنَّكَ لَوْ عَرَفْتَ سِحْرَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَمَا كَانَ هَذَا بِشَيْ ءٍ(1) فِي نَفْسِكَ؛ هَؤُلاَءِ قَوْمٌ يَتَوَارَثُونَ السَّحَرَ كَابِراً عَنْ كَابِرٍ، فَعِنْدَ ذَلِكَ عَلِمْتُ(2) أَنَّ الْإِمَامَ لاَ يَقُولُ إِلاَّ حَقّاً(3).

135/ 25 - وَ حَدَّثَنِي أَبُو طَاهِرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَازِنُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ سَلْمٍ(4) التَّمِيمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ جَبْرُويَهْ(5) ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْبُهْلُولِ، قَالَ:

حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاقِرِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، قَالَ:

خَرَجَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) إِلَى مَكَّةَ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ مَوَالِيهِ وَ نَاسٍ مِنْ سِوَاهُمْ، فَلَمَّا بَلَغَ عُسْفَانَ ضَرَبَ مَوَالِيهِ فُسْطَاطَهُ فِي مَوْضِعٍ مِنْهَا، فَلَمَّا دَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ قَالَ لِمَوَالِيهِ: كَيْفَ ضَرَبْتُمْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ؟ هَذَا مَوْضِعُ قَوْمٍ مِنَ الْجِنِّ هُمْ لَنَا أَوْلِيَاءُ وَ لَنَا شِيعَةٌ، وَ ذَلِكَ يَضُرُّ بِهِمْ وَ يَضِيقُ عَلَيْهِمْ؟! فَقَالُوا: مَا عَلِمْنَا ذَلِكَ. وَ عَزَمُوا(6) عَلَى قَلْعِ الْفَسَاطِيطِ، وَ إِذَا هَاتِفٌ يُسْمَعُ صَوْتُهُ، وَ لاَ يُرَى شَخْصُهُ، وَ هُوَ يَقُولُ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ، لاَ تُحَوِّلْ فُسْطَاطَكَ مِنْ مَوْضِعِهِ، فَإِنَّا نَحْتَمِلُ ذَلِكَ لَكَ، وَ هَذَا الطَّبَقُ قَدْ أَهْدَيْنَاهُ إِلَيْكَ، نُحِبُّ أَنْ تَنَالَ مِنْهُ لِنَتَشَرَّفَ بِذَلِكَ.

فَنَظَرْنَا فَإِذَا بِجَانِبِ الْفُسْطَاطِ طَبَقٌ عَظِيمٌ، وَ أَطْبَاقٌ مَعَهُ، فِيهَا عِنَبٌ وَ رُمَّانٌ وَ مَوْزٌ وَ فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ، فَدَعَا أَبُو مُحَمَّدٍ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) مَنْ كَانَ مَعَهُ فَأَكَلَ، وَ أَكَلُوا مَعَهُ مِنْ تِلْكَ الْفَاكِهَةِ(7).0.

ص: 212


1- (بشيء) ليس في «ع، م».
2- في «ط»: فرجعت و أنا عالم.
3- نوادر المعجزات: 10/117، مناقب ابن شهرآشوب 138:4 نحوه، إثبات الهداة 67/258:5، مدينة المعاجز: 26/299.
4- في «ط»: سالم، و قد ورد في المعاجم الرجالية بهذين الضبطين، راجع سير أعلام النبلاء 88:16 و معجم رجال الحديث 66:17.
5- في «م»: جيرويه.
6- في «ع، م»: و عملوا.
7- الامان من الاخطار: 135، مدينة المعاجز: 27/300.

136/ 26 - وَ أَخْبَرَنِي أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ)، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ هَمَّامٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُثَنًّى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ زَيْدٍ(1) ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، قَالَ:

دَخَلَتْ حَبَابَةُ الْوَالِبِيَّةُّ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) وَ هِيَ تَبْكِي، فَقَالَ لَهَا: مَا يُبْكِيكِ؟

قَالَتْ: جَعَلَنِيَ اللَّهُ فِدَاكَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ، أَهْلُ الْكُوفَةِ يَقُولُونَ: لَوْ كَانَ عَلِيُّ ابْنِ الْحُسَيْنِ إِمَامَ عَدْلٍ مِنَ اللَّهِ(2) كَمَا تَقُولِينَ لَدَعَا اللَّهُ أَنْ يُذْهِبَ هَذَا الَّذِي فِي وَجْهِكِ.

قَالَ: فَقَالَ لَهَا: يَا حَبَابَةُ، ادْنِي مِنِّي. فَدِنْتُ مِنْهُ، فَمَسَحَ يَدَهُ عَلَى وَجْهِهَا ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ تَكَلَّمَ بِكَلاَمٍ خَفِيٍّ، ثُمَّ قَالَ: يَا حَبَابَةُ، قُومِي وَ ادْخُلِي إِلَى النِّسَاءِ فَسَلِّمِي عَلَيْهِنَّ، وَ انْظُرِي فِي الْمِرْآةِ، هَلْ تَرَيْنَ بِوَجْهِكِ شَيْئاً.

قَالَتْ: فَدَخَلْتُ عَلَى النِّسَاءِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِنَّ، ثُمَّ نَظَرْتُ فِي الْمِرْآةِ فَكَأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ فِي وَجْهِي شَيْئاً مِمَّا كَانَ. وَ كَانَ بِوَجْهِهَا بَرَصٌ(3).

و الحمد للّه ربّ العالمين، و صلّى اللّه على سيّدنا محمّد و آله و سلّم تسليما.0.

ص: 213


1- في «ط»: يزيد، راجع معجم رجال الحديث 109:11 و 129.
2- في «ط»: إمام حق.