إعلام الورى بأعلام الهدى

هوية الكتاب

المؤلف: الشيخ أبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي

الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث - قم

الطبعة: 1

الموضوع : سيرة النبي (صلی اللّه علیه و آله وسلم) وأهل البيت (عليهم السلام)

تاريخ النشر : 1417 ه-.ق

ISBN (ردمك): 964-319-010-2

ص: 1

المجلد 1

اشارة

ص: 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

ص: 3

جمیع الحقوق محفوظة ومسجلة

لمؤسسة آل البيت - عليهم السلام - لإحياء التراث

مؤسسة آل البيت - عليهم السلام - لإحياء التراث

قم - دور شهر (خیابان شهید فاطمی) کوچه 9 - پلاک 5

ص.ب. 37185/996 - هاتف 4 - 730001

ص: 4

مقدمة التحقيق

اشارة

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين ، وصلّى اللّه على محمّد وعلى أهل بيته الطيّبين الطاهرين. وبعد :

فربما كان الخلاف العقائدي في فهم الارتباط العضوي بين استمرار الحكم الالهي في الارض - بين الفرق الاسلامية المختلفة - وعلله فيها ، هو المحور الاَساس الذي ابتنت عليه الاطروحات المختلفة في كتابة وتدوين التأريخ الاسلامي ، ووضع لبناته الاُولى ، وبالتالي ما ترتّب عليها من نتائج وحلقات تعرّضت جملة منها - إن لم يكن أكثرها - الى النقد والتجريح والرد ، وبشكل حاد وقاطع.

فالاعتقاد المغلوط الذي وضع وأقام أول أركانه أتباع السقيفة والبيت الاموي من خلال مصادرتهم للحكم الالهي ودفعه قسراً عن أصحابه الشرعيين ، وبالتالي محاولتهم - وبترويج من بطانتهم والمقتاتين من فتات موائدهم - تركيز مفهومهم المنحرف باقامة بنيان فاسد قبالة البنيان المقدَّس الذي أقامه

ص: 5

رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله بأمر من اللّه تعالى ، كلّ ذلك كان هو المدخل الكبير الذي قامت عليه الاطروحة الهادفة إلى تجريد أهل البيت علیهم السلام من درهم الكبير ، وقطبيتهم المركوزة بأمر السماء ، والذاهبة - أي تلك الاطروحة - ابتداءً الى القول بان استمرار هذا الحكم الالهي في الاَرض مرتبط بوجود واستمرار الاُمّة فحسب ، متجاهلة عمداً الدلائل المقطوع بها ، والقائلة بأنحياة الأُمة وديمومتها ، وبالتي استقامة مناهجها وصواب مسيرتها ، مرتبط بشكل عضوي ومحسوم بالوجود المقدّس لاهل بيت النبوة علیهم السلام وقائم بقيامهم (1).

ومن ثم دأبَ أصحاب تلك النظرية وسعوا سعيهم لتضييق هذا المفهوم وحصره في اُضيق حدوده المنظورة ليدور في فلك الحكّام والملوك ، وبالتالي كلّ ما يرتبط بهم ، ويتصل بسياساتهم ، وكأنهم قد أمسوا المراكز الاساسية التي تنطلق من خلالها حقائق الوجود ، ومناهجه الكبرى ، فأغرق كاتبو ذلك التأريخ ما سطّروه من صفحات كتبهم التأريخية بتفاصيل ودقائق واسفافات سقيمة لحياة هؤلاء الحكّام والسلاطين ، متجاوزين أوسع وأعظم الحلقات الكبرى التي تشكّل قطب وجود الاُمم ، ومركز ديموتها ، بالدليلين العقلي والنقلي.

ص: 6


1- 1. لا غرو في ذلك ، فان الكثير من الدلائل والشواهد القاطعة التي تعرضت لايضاحها كتب الاصحاب تدل على حقيقة هذا الامر دلالة لا يسع أحد أنكارها أو مناقشتها ، فهم علیهم السلام سفينة حطة التي من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق ، وهم الامان لاهل الارض ، وهم النجوم التي يضل دون الاهتداء بها ، والاسترشاد بنورها ، بل وهم الذين أمر رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله امته بان تنزلهم منزلة الرأس من الجسد ، وغير ذلك من الاحاديث والاخبار المنبئة بان مركز الامة وقطبها هم أهل بيت النبوة علیهم السلام لا غير ، فتأمل.

نعم ، فاذا أعتبرنا بان كتابه التأريخ واحدة من أجلّ العلوم والمعارف الانسانية التي تعمل على مد الجسور والصلات الحياتية - بمفرداتها المختلفة - والفكرية ، وربطها بالحاضر المعاش ، وحيث ينبغي ان تكون صورة منعكسة صادقة عن واقع الاحداث الدائرة حول مراكزها الحقيقية ، وأقطابها الحقيقية.

فان الدور الذي لعبته دوائر القرار السياسي الحاكمة إبان ابتناء اللبنات الاولى لقيام هذا البنيان الكبير كان له الاثر الكبير في ترسيخ جملة من المفاهيم والقواعد المغلوطة التي أمست - بترويج وتكركيس واقرار تلك المراكز لها ، والفراغ الذي أوجدته سياسة اولئك الحكام وأتباعهم - العيون الكبرى ، والنوافذ الواسعة المشرعة على الدهور السالفة ، والقرون الماضية ، والتي لا يسع الباحث إلاّ الاغتراف من بحرها ، والمخر في عبابها ، واقتحام لججها.

ولا غرو في ذلك ، فان من يستقرىء السنوات التي عاصرتها بدايات قيام المناهج التقليدية لكتابة التأريخ - بشقيها المتعلّقين بما يسمى بكتب المغازي من جانب ، والتاريخ العام من جانب آخر (1) - يجدها قد ولدت بين احضان واحتواءات السياسة الاموية أو العبّاسية ، وبالتالي اتسامها بالمحاذرة اليقظة المتوجّسة من تجاوز الخطوط الحمراء التي كرّستها سياسة تلك الحكومتين ، وما يترتب على ذلك من تأثر - موافقاً كان أو مغلوباً على

ص: 7


1- 1. أردنا هنا بالتأريخ العام الشكل الاوسع في كتابة التأريخ الاسلامي ، لا ما يعرف عند المؤرّخين من انه ما يشمل تأريخ العالم بأسره ، وحيث يُعد أوّل من كتب فيه اليعقوبي في منتصف القرن الثالث الهجري ، ثم تلاه ابن جرير الطبري المتوفى عام 310ه-.

أمره - لا مناص من الجزم به ، وقع به رواة وقنوات النقل بين حلقات الزمن الغابر من جهة ، وبين الصفحات التي تسطّرها أيدي اولئك الكتّاب الخاضعين للموثّرين السابقين من جهة اخرى ، فكان ما نراه من مؤلّفات وأسفار عجزت من أن تكون صادقة النقل ، وأمينة السرد ، ودقيقة الاستشراف.

نعم ، فان من يتأمّل في حقيقة مناهج الرواد الاوائل ، والحقبة الزمنية التي عاصروها والمتمخّضة عن المتبنيات الفكرية التي نادت بها السلطة الحاكمة ، والتي وافقت أو أقسرت اولئك الرواد على تتبع خطواتها ، وتجنب حدودها ، كل ذلك يظهر بجلاء صواب وحقيقة ما ذهبنا اليه من تركيز المنهج الخاطىء في صياغة الحلقات الاساسية التي ارتكز عليها البناء المعروف للتأريخ الاسلامي بروافده المتكاثرة المتفرعة عنه.

فاذا عرفنا بان المدينة المنورة كانت هي الموطن الاساس الذي اختص بالتأليف في المغازي قبل القرن الثاني للهجرة ، فان جيلاً من المؤلّفين والمصنّفين المشخّصين قد تصدوا لوضع الحجر الاساس في كتابة التأريخ الاسلامي بالكيفية التي أشرنا اليها ، منهم : عروة بن الزبير المتوفّى عام 93 ه- (1).

ص: 8


1- لا يخفى على أحد موقف عروة من أهل البيت علیهم السلام توافقاً مع موقف أبيه وأخيه عبدلله ، حتى انه نُقل عنه مبادرته للخروج مع أصحاب الجمل لقتال علي علیه السلام ولكنه مُنع من ذلك لصغرسنه. بل وكان أيضاً من أشد المؤيِّدين لخالته عائشة ، والمتحمِّسين لمواقفها من علي وأهل بيته علیهم السلام من جانب ، ومن المنحازين إلى جانب الامومين في اُمورهم وأفعالهم من جانب آخر ، وحتّى انه قد نُقل عنه موقفه المؤيِّد لعبدالملك بن مروان في حربه مع أخيه عبداللّه ، كما يذكر ذلك المسعودي في مروجه (3 : 113) حيث يقول : وكان عروة بن الزبير على رأي عمِّه عبدالملك بن مروان ، وكانت كتب وللمرء أن يتصور انصياع هذا الرجل لعبدالملك وحكومته حتى في مخالفته لاخيه واتهامه بالاحداث ، مع ما يُعرف عن عبدالملك من فساد وانحراف وحدة طبع وميل إلى الدماء ، كيف انه لا يكون منقاداً للسياسة الاموية في تحريف التأريخ وكتم الكثير من حقائقه ، وبالذات منها ما كان متعلِّقاً بأهل بيت العصمة علیهم السلام أصحاب الحق الذي انتزعه منهم الامويون.

وابان بن عثمان بن عفان المتوفى عام 105 ه- (1).

ومحمّد بن مسلم ، المعروف بابن شهاب الزهري المتوفى عام 124 ه-(2) ، والذي عُرف عنه اسلوب المقارنة بين الاحاديث المختلفة لغرض

ص: 9


1- هو ابن الخليفة عثمان ، وموقف أبيه المؤيد لبني اُمية أجلى من الشمس في رابعة النهار ، ولا يحتاج إلى مزيد شرح ، وكثير بيان ، بل تكفي مقولته المشهورة التي أدلى بها في محضر من الصحابة والتي رواها أحمد بن حنبل في مسنده (1 : 62) : لو ان بيدي مفاتيح الجنة لاَعطيتها بني امية حتى يدخلوا من عند آخرهم. ومن الطبيعي كان لابد ان يترك تعاطف أبيه المفرط مع الامويين ، بالاضافة الى الموقف المقصود والمبالغ به من قبل أركان هذه الاسرة باتهام علي علیه السلام وتحميله مسؤولية قتل عثمان ، واتخاذها ذرعة للطعن في خلافته ، أثراً بيّناً في حياة وتوجّهات أبان ، لا سيما وقد عمل والياً على المدينة لعبدالملك بن مروان ، فكان لابد ان يكون منهجه موافقاً للمنهج الذي سار عليه الاَمويون في سياستهم العامة المنحرفة عن أهل البيت علیهم السلام .
2- عرف عن الزهري اتصاله وميله الشديد للامويون ، وحيث كان صاحب شرطتهم ، ومن الملتصقين بهم حاكماً بعد حاكم ، وممن لم يبخل عليه الامويون بالعطاء والرعاية طيلة حياته. وللمرء ان يتصور ماذا يعني رضا سدنة وحكام هذه الدولة عن مؤرخ يسطّر بقلمه الخطوط العامة للسيرة والتي ينبغي ان تتوافق ومناهجهم وسياستهم المتقدم ذكرها. واذا كان خالد بن يزيد القسري المعاصر للزهري يخاطبه - بعد ان طلب منه كتابة السيرة ، وقول الزهري له : انه يمر بي الشيء من سير علي بن أبي طالب ، فأذكره؟ - بقوله : لا ، الا ان تراه في قعر الجحيم!! (انظر : 22 : 21) ، فان خالد هذا كان متهماً باعتماد سياسة اللين والرفق مع الشيعة ، وبسبب ذلك عزل عن ولاية العراق ، وولي بدلاً عنه يوسف الثقفي المعروف بحقده وبغضه وعدائه لهم ، فيا ترى ما عمد اليه الآخرون المتفانون في خدمة الدولة الاموية وحكّامها وسياساتها المعارضة لاهل البيت علیهم السلام ومنها تحريف الحقائق ، ودس ما يوافق المنهج المخالف لارادة السماء ومشيئتها المقدَّسة؟!.

ادماجها في حديث واحد ، حيث فتح الباب على مصراعيه لتسرّب الاَخبار التي يدسّها غير الموثوق بهم من المحدِّثين.

ومحمّد بن اسحقاق بن يسار المتوفى عام 151 ه- (1) وغيرهم (2).

نعم ، ان هذه البدايات المبكرة في تركيز مبدأ الاعراض عن الحقائق الثابتة والكبرى التي أوصى بها المشرّع المقدّس ، والتعامل معه تعاملاً يتراوح بين الاِعراض تارة ، والتعامل المشوب بالحذر والتتوجّس من الموقف السلطوي والعام المتأثر به تارة اُخرى (3) كوّنت بالتالي

ص: 10


1- . رغم ان ابن اسحاق عمد في كتابه هذا الى التوسع والتفصيل خلافاً عما كان عليه السابقون من اعتماد تأريخ النبي صلی اللّه علیه و آله فحسب ، بل تجاوز ذلك الى تدوين تأريخ النبوة ايضاً ، وما يتصل بها ، وحتى وفاة رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ، ثم انه عمد أيضاً الى التعرض بشكل واضح وبيّن الى سيرة الامام علي علیه السلام ، إلاّ انه تعرّض أولاً للاتهام بكونه شيعياً ، ومن ثم تعرّض مؤلّفه هذا للضياع ، ثم ظهروه بعد ذلك بشكل مختصر ومشوه قام بجمعه عبدالملك بن هشام المتوفى 218 ه- ، فكان بالتالي موافقاً للمنهج الذي أشرنا اليه آنفاً.
2- ليس ثمة شك بان هناك البعض ممّن حاول أن يكتب ولو بعض ما يصح لديه من السيرة النبوية وما يتصل بها ، إلاّ ان ذلك لم يكن بالقدر المؤثّر في وقف التيار العام المندفع بقوة والذي تسيّره سياط الحكّام وأكياس دارهم ، فبقي أثرهم محدوداً ، وكتاباتهم متعثرة ، لا سيما والتلويح بتهمة التشيع وما يترتب عليها كانت تقف أمامهم بالمرصاد ، كحال أبي معشر وابن سعيد الاموي وغيرهما.
3- من يتأمّل المنهج الذي سارت عليه الدولة الاموية - منذ نزو معاوية بن هند على سدة الحكم وحتى طليلة تلاحق سلسلة الحكّام الامويين - يجد الكثير من الشواهد والحقائق الدالة على حقيقة هذا التوجه الخبيث الرامي الى دفع حالة الاستقطاب الكبرى لاَهل البيت علیهم السلام بواسطة سياسة حرف أنظار التأريخ وعيونه عن اعتمادهم كمراكز وأقطاب مقدّسة - يُدرس التأريخ وتقام صروحه من خلال آفاقها الواسعة ، ومعطياتها الكبرى التي أقامها لهم الشارع المقدّس - والمرتكزة في أوضح أبوابها على اسلوب الارهاب والقتل والتشريد ، وذلك ليس بخاف على أحد. نعم ، فاذا كان مصير حجر بن عدي وأصحابه ، ورشيد الهجري ، وعبداللّه بن يقطر ، وميثم التمّار - الذي أظهر اسلوب قتله حقيقة السياسة الاموية التي أشرنا اليها بأوضح صورها ، وحيث صلب على نخلة ، ثم الجم لما لم يكف عن التحدّث عن فضل أهل البيت علیهم السلام ومنزلتهم العظيمة ، وما يعنيه هذا من تركيز حاد لعيون التأريخ عليهم ، وبالتالي ابتناء المنهج الدي تخشاه الدولة الاموية ، ومن تبعهم من العبّاسيين ومن لف لفهم - وغيرهم القتل الذريع بايدي أزلام الدولة الاموية ، ومنفذي سياستها الوسخة ، فان زعيم هذه الدولة الفاسدة كان قد أقام لاتباعه اُسس هذا النظام ومناهجه من خلال ما عمّمه في كتابه الشهير الى عمّاله والذي ينص على أن : برئت الذمة ممّن روى شيئاً من فضل أبي تراب وأهل بيته. قال ابن أبي الحديد المعتزلي بعد اشارته الى هذا الكتاب : فقامت الخطباء في كلّ كورة ، وعلى كلّ منبر يلعنون علياً!! ويبرءون منه!! ويقعون فيه وفي أهل بيته...!! وأضاف : وكتب معاوية الى عمّاله أن لا يجيزوا لاَحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة. وأن من قامت عليه البيّنة أنه يحبّ علياً فان اسمه يُمحى من الديوان ، ويُسقط عطاؤه ورزقه ، وأمّا من يُتهم بمولاة أهل هذا البيت فانه يُنكّل به ، وتُهدم داره... وللقارىء الكريم أن يتأمل في ما تعنيه سياسة تكميم الاَفواه هذه ، وما تشكّله من خطورة في حرف التأريخ ، وصرفه عن الحقائق الكبرى.

مدخلاً كبيراً للايذان بفتح الاَبواب مشرعة أمام قيام المدارس التي تنتهج المبدأ السائد والمعروف في كتابة التأريخ بالشكل الذي جعله معرضاً للاَخذ والرد والنقاش ، ولم يوفّق بالتالي في اداء المهمة المقدّسة المتعلّقة به ، والمناطة بكتّابه.

ولا مناص من القول بان هذا المنهج - القائل بأنّ استمرار الحكم

ص: 11

الالهي في الاَرض مرتبط بوجود الاُمة واستمرارها - قد تضيّق بشكل واضح ، وبدت ملامح ذلك التضييق تظهر بشكل جلي بعد انقضاء الحقبة الاُولى التي أشرنا اليها - والتي جهدت في تجاوز الكثير من الحقائق والاشارات المتعرّضة لايضاح مركزية وقطبية أهل البيت علیهم السلام في الوجود الفكري والعقائدي الانساني - وحيث يرى الباحث والمستقرىء مناهجاً ، وان تفاوتت في بعض مفرداتها ، إلاّ انها تتوافق اجمالاً على تجسيد هذا المنهج غير السليم في كتابة التأريخ ، ودراسة أبعاده المختلفة.

ولا غرابة في ذلك ، إذ ان المؤرّخين الذين مثّلوا الحقبة التالية أو اللاحقة في كتابة التأريخ قد اعتمدوا كثيراً في نصوصهم المروية على ما وصلهم من كتب السير والمغازي التي أشرنا اليها آنفاً ، وأضافوا اليها ما يتوافق والمنهج العام الذي أمسى راسخاً ومتحكّماً في البنيان التأريخي الاسلامي ، لا سيما وان تلاحق الحكومات المعارضة لمنهج أهل البيت علیهم السلام هو الحاكم في غالب العصور التي شهدت ظهور تلك الكتابات ونشأتها ، وذلك مما كرّس بشكل أكبر تواصل انحدار عجلات التأريخ كثيراً نحو مواطن الخطأ ، ومناهله المضطربة ، فكان ما نراه من تهافت سقيم يدور في حلقات هامشية تطنب في سرد حياة الملوك والسلاطين ، وليالي مجونهم وصخبهم ، وباعتماد الخطوط العامّة التي سلف أن أقامت مرتكزاتها الاَساسية سياسة الامويين السيئة الذكر ، والتي تحدّثنا عن بعض مفرداتها لاحقاً.

فاذا كان محمّد بن جرير الطبري المتوفى عام 310 ه- هو صاحب الكتاب التأريخي الذي أمسى المرجع الشهير الذي استقت منه كتب التأريخ اللاحقة موادها وتراجمها المتعددة المختلفة ، فانّا نراه كثيراً ما يعتمد على

ص: 12

المصادر السالفة في كتابته لتأريخه ، مع اعتماده على جملة مما نقله عن شيوخه ورواة أخباره ، ودون فحص أو تمحيص في صحة الروايات وأسانيدها ، مع وقوعه الواضح تحت تأثير المنهج السالف الذي أشرنا اليه ، حيث يبدو ذلك جليّاً وواضحاً من خلال استقراء بعض المواضيع الحسّاسة والهامة في التأريخ الاسلامي ، والتي يمثّل بعضها الحجر الاَساس في الخلاف الواقع بين أهل البيت علیهم السلام من جانب ، ومخالفيهم - وعلى رأسهم الامويون - من جانب آخر ، كما في أحداث السقيفة ، وما ترتّب عليها من أحداث ونتائج ، حيث نراه قد أعرض عن تقصّي جوانب الاَحداث ، مكتفياً برواية سيف بن عميرة الذي اتفق أصحاب التراجم والسير على كذبه وتدليسه وفساده(1) مع تجاوزه عن ذكر الكثير من مفاسد الامويين ، وأفعالهم النكراء.

ولمّا تكاملت الصورة باعتبار ان هذا التأريخ يمثل أوسع وأشمل التواريخ لما ذكر من انه قد استطاع ان يجمع بين دفتيه ما وصل اليه من الاَخبار المتفرّقة المودعة في الكتب المختلفة ، حديثية كانت أم تفسيرية ،

ص: 13


1- 1. ذكر ابن حجر في ترجمته - سيف بن عميرة - له : قال ابن معين : ضعيف الحديث ، وقال مرة : فليس خير منه ، وقال أبو حاتم : متروك الحديث ، وقال أبو داود : ليس بشيء ، وقال النسائي والدار قطني : ضعف ، وقال ابن عدي : بعض أحاديثه مشهورة وعامتها منكرة ، وقال ابن حبان : يروي الموضوعات عن الاثبات.وقال أيضاً : وقالوا : انه يضع الحديث ، واتهم بالزندقة ، وقال البرقاني : متروك ، وقال الحاكم : اتهم بالزندقة ، وهو في الرواية ساقط. والملفت للنظر اعتماد الطبري على هذا الراوي المطعون بوثاقته وفي دينه على أدق الاحداث التي وأعقدها في التأريخ الاسلامي ، وبشكل يدفع فيه القارىء الى الامتعاض والاستهجان عند الوهلة الاولى ، ولكنه عند اخضاعه الى المقياس السالف الذي أشرنا اليه يجده متوافقاً معه بشكل واضح وبيّن.

بالاضافة الى كتب اللغة والاَدب والسير وغيرها ، ونسّق فيما بينها تنسيقاً لطيفاً ، وعرضها عرضاً جميلاً ، وباسلوب المحدّثين كما هو مشهور عنه (1).

فانه أمسى المرجع الذي اعتمدت على نقولاته وتراجمه معظم المراجع والكتب التي تلته ، كما فعل ابن الاثير ، وابن خلدون ، وابن مسكويه ، والمسعودي ، وغيرهم.

وهكذا نرى بوضوح جلي الامتداد المتصاعد في تركيز القاعدة المفتعلة في بناء هيكلية كتابة التأريخ الاسلامي ، وضمن الاطر التي أقامتها السياسات السالفة نئياً به عن موطنه الحقيقية ، ومصادره السليمة ، فبدا - رغم سعته - قاصراً عن ترجمة الدور المناط به ، والمتوقع منه باعتماد

ص: 14


1- 1. ان ما ذهب اليه الطبري من انه اعتمد اسلوب المحدثين في ايراده للروايات والاخبار مع اسانيدها ، ودون أي بحث أو تمحيص جعله في موضع نقد وتشكيك من قبل الباحثين والدارسين ، لان ايراد هذه الاحداث بهذه الطريقة المغلوطة يثير في الاذهان سريانها على عموم الكتاب ومواده ، ولانها خلاف ما ينبغي ان يكون عليه عمل المؤرخ البصير الذي يتصدى لتأليف مرجع يتعرض فيه الى أهم حلقات التأريخ الاسلامي ، وتفرعاتها المختلفة.واذ تنصل الطبري من تبعة ما أورده من أخبار ، وحمل ناقليها مسؤولية ذلك ، فانه قد أتي بأسوأ من فعله الاول ، اذ لا يسع عموم القراء ادراك صواب الاخبار من عدمه ، وضعف الراوي من وثاقته ، وكان الاولى به ان يتصدى هو لتحقيق ذلك ، طالما وقد قيل عنه انه كان ممعناً في التثقيف والتدقيق ، ومستجلياً للغوامض ، ومتبحراً في الكثير من العلوم والمذاهب ، حتى قيل انه أفتى الناس ببغداد عشر سنين...فاين هذا من ذاك؟! بل والاكنى من ذلك ان يأتي من ينقل الكثير من الاخبار - صحيحها وموضوعها - عن هذا المصدر دون تعرض منه لرواتها وناقليها ، مكتفياً بانه نقلها عن الطبري فحسب ، فتضاف الرواية الى الطبري لا الى الراوي ، ويؤخذ بها على انها من مصدر معتبر موثوق ، لا ان روايها - مثلاً - متروك مطعون بروايته كما في حال سيف بن عميرة وغيره.

الوصايا المتكررة للشارع المقدَّس ، وتأكيداته المتكررة ، والمُقرَّة عقلاً ومنطقاً.

ومن هنا فقد كان لابد من أن تُترجم هذه الوصايا والتأكيدات بنتاجات تأريخية تقف - رغم شدة التيار المعاكس لها - كشواخص حية وصادقة في رسم الصورة الحقيقية التي ينبغي ان يعتمدها المؤرخون في كتابتهم لصفحات التأريخ ، وترجمتهم لوقائعه المختلفة.

ولعل من يستقرئ - اجمالاً - الاَزمنة التي يفترض لهذه الكتابات أن تعاصرها فانه يجدها في موقف حساس وخطير لا تحسد عليه ، طالما أن الخط العام الحاكم - سياسياً كان أم تقليداً فرضه حكم تقادم الاَيام والسنين - كان يقف الى حد ما بشكل مغاير لتوجهات ومتبنيات هذا المنهج السليم والصادق في كيفية دراسة التأريخ ، وطبيعة مرتكزاته الاَساسية ، وهذه كانت هي محنة مؤلّفات الشيعة الامامية التأريخية ، ومعوقها الكبير ، وهو ما جعلها تبدو للناظر أول وهلة محدودة النتاجات ، بسيطة الاستشراف والاحاطة بحلقات التأريخ المختلفة.

بيد ان اخضاع هذا التصور المتعجّل للواقع المذكور من جانب ، ومن جانبٍ دراسة مجمل ما كتبه الشيعة الامامية في هذا الميدان المقدّس والكبير ، وكيفية تعامل مؤلّفوها مع وقائع الاَحداث ، وترابطها الموضوعي مع الشريعة الاسلامية المباركة ، كلّ ذلك يدفع الباحث قسراً للاقرار بخلاف ما ذهب اليه ، والى اكبار واجلال تلك الجهود التي ترجمت - في رفد حركة البناء التأريخي - نواياها الصادقة من خلال جملة من المؤلّفات التأريخية المختلفة ، والتي يُعد الكتاب الماثل بين يدي القارىء الكريم نموذجاً واحداً منها ، وأثراً مباركاً من آثارها وثمارها الطيّبة ، حيث أبدع يراع مؤلّفة أمين الاسلام أبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي رحمه اللّه في

ص: 15

كتابته وجمعه وتأليفه ، وستنعرض لايضاح ذلك لاحقاً في مطاوي الصفحات اللاحقة باذن اللّه تعالى.

مؤلّف الكتاب

أمين الاسلام أبو علي الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسي (1).

يُعد بلا شك من أجلّة علماء الشيعة ومؤلّفيهم ، وممّن لم يختلف مترجموه في الاقرار بفضله وجلالته ، وتبحّره في شتى العلوم ، ووثاقته.

من أعلام القرن السادس الهجري ، ومن كبار مؤلّيفه الذين طبق صيتهم الآفاق ، وخلّفوا الكثير من الآثار المباركة في شتى المعارف والعلوم ، والتي أمست زاداً تقتات من عطائها الاَجيال المتلاحقة بثقة واطمئنان ، بل ومراجعاً كبرى لا غنى للباحثين والدارسين عن ارتيادها والتزوّد من معارفها.

قال عنه الشيخ منتجب الدين الرازي : ثقة فاضل ، ديّن عين (2).

وقال عنه الشيخ عبّاس القمي في سفينة البحار : العالم الجليل ،

ص: 16


1- نسبة الى طبرسان ، وهي بلدان واسعة كثيرة يشملها هذا الاسم من بلاد فارس ، وهي في البلاد المعروفة بمازندران ، والغالب على تلك النواحي الجبال. وطبر : هو الذي تشقق به الاَحطاب وما شاكل بلغه الفرس، واستان : الموضع أو الناحية. (انظر : معجم البلدان 4 : 13).ونسبة الطبرسي تطلق على العديد من العلماء والفضلاء ، ولكنها عند الاطلاق لا تنصرف إلاّ لصاحب الترجمة ، أو لابنه أبي نصر الحسن ، صاحب كتاب مكارم الاخلاق ، وان كانت تطلق في أحبان ما على معاصره أبي منصور أحمد بن علي بن أبي طالب ، صاحب كتاب الاحتجاج المعروف.
2- فهرست منتجب الدين : 144 / 336.

والكامل النبيل ، فخر العلماء الاَعلام ، أمين الملّة والاسلام (1).

وفي نقد الرجال قال عنه السيّد التفريشي : فاضل ديّن عين ، من أجلاّء هذه الطائفة ، له تصانيف حسنة (2).

وأمّا الخونساري فقد ترجم له في روضاته : الشيخ الشهيد السعيد ، الحبر الفقيه الفريد ، الفاضل العالم المفسّر ، المحدّث الجليل ، الثقة الكامل ، النبيل الفاضل ، العالم المفسّر ، المحدّث الجليل ، الثقة الكامل (3).

وفي المقابس قال عنه الشيخ أسد اللّه الكاظمي : الشيخ الاَجل الاَوحد ، والاَكمل الاَسعد ، قدوة المفسّرين وعمدة الفضلاء المتبحّرين ، أمين الدين ابي علي (4).

وترجم له الحر العاملي في أمل الآمل : الشيخ الامام ، أمين الاسلام ، أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي ، ثقة فاضل ، ديّن عين ، له تصانيف. وذكر جملة من تصانيفه (5).

وقال عند السيّد الاَمين في أعيانه : وبالجملة ففضل الرجل وجلالته وتبحّره في العلوم ووثاقته أمر غني عن البيان (6).

وأما الزركلي فقد ترجم له في أعلامه بأنه : مفسّر محقّق لغوي ، من اجلاّء الامامية (7).

ص: 17


1- سفينة البحار 2 : 80.
2- نقد الرجال : 266.
3- روضات الجنات 5 : 357 / 544.
4- مقابس الانوار : 10.
5- أمل الآمل 2 : 216 / 650.
6- أعيان الشيعة 8 : 398.
7- الاعلام 5 : 148.

ووصفه كحالة في معجمه بأنه : مفسّر ، مشارك في بعض العلوم. وذكر جمله من آثاره (1).

مشايخه

أخذ الشيخ الطبرسي رحمه اللّه وروى عن جملة من العلماء والفضلاء في عصره ، حيث تجد أسماءهم متناثرة في بطون كتبه ومؤلفاته المختلفة ، ولقد تصدى السيّد الامين رحمه اللّه لاستقصاء جملة منهم ، وأورد ذلك في كتابه القيّم أعيان الشيعة ، حيث ذكر :

1 - الشيخ أبو علي ابن شيخ الطائفة الطوسي.

2 - الشيخ أبو الوفاء عبد الجبار بن علي المقرىء الرازي عن الشيخ الطوسي.

3 - الشيخ الاجل الحسن بن الحسين بن الحسن بن بابويه القمّي الرازي ، جدّ منتجب الدين صاحب الفهرست.

4 - الشيخ الامام موفق الدين ابن الفتح الواعظ البكرآبادي عن أبي علي الطوسي.

5 - السيّد ابو طالب محمّد بن الحسين الحسيني القصبي الجرجاني.

6 - الشيخ الامام السعيد الزاهد أبو الفتح عبداللّه بن عبد الكريم بن هوازن القشيري.

7 - الشيخ أبو الحسن عبيداللّه محمّد بن الحسين البيهقي.

8 - الشيخ جعفر الدوريستي. .

ص: 18


1- معجم المؤلفين 8 : 66.

تلامذته والراوون عنه

روى عن الشيخ الطبرسي رحمه اللّه جملة من العلماء الاعلام ، والذين يمكننا حصر بعضهم بما يلي :

1 - ولده الحسن صاحب كتاب المكارم.

2 - الشيخ منتجب الدين.

3 - الشيخ أبو جعفر محمّد بن علي بن شهر آشوب.

4 - القطب الراوندي.

5 - الشيخ عبداللّه بن جعفر الدوريستي.

6 - الشيخ شاذان بن جبرئيل القمي.

7 - السيّد مهدي بن نزار القائيني.

وغيرهم ممن صرّحوا بكونهم من تلامذته أو ممّن عدّوه من شيوخهم.

مصنّفاته

لقد خلّف الطبرسي رحمه اللّه الكثير من المصنّفات والمؤلّفات القيّمة التي أشاد بقيمتها العلمية العلماء والمفكّرون ، وعدّوها من الآثار التي ازدانت بها المكتبة الاسلامية الكبرى ، ومن الذخائر المهمة التي أمست - بجدارة - مراجعاً هامة ينهل من عذب مائها الباحثون والدارسون ، ومن تلك الآثار :

1 - مجمع البيان في تفسير القرآن.

2 - الوسيط في التفسير.

3 - الآداب الدينية.

ص: 19

4 - تاج المواليد.

5 - الوافي في تفسير القرآن.

6 - غنية العابد.

7 - إعلام الورى بأعلام الهدى ، وهو الكتاب الماثل بين يدي القارىء الكريم.

8 - النور المبين.

9 - العمدة فى اُصول الدين والفرائض النوافل.

10 - شواهد التنزيل لقواعد التفضيل.

وغير ذلك من المصادر والمؤلّفات المختلفة التي نسبه البعض اليه ، ككتاب عدة السفر وعمدة الحضر ، وكتاب كنوز النجاح وغيرهما.

وفاته

ذهبت معظم المصادر الى ان وفاته رحمه اللّه كانت في مدينة سبزوار عام 548 ه- (1) ، وفي ليلة النحر من هذه السنة (2) ، ثم نقل نعشه الى مدينة مشهد حيث دفن في الموضع الذي يعرف ب-( قتلگاه) (3) ، وقبره معروف يُزار بالقرب من المشهد المقدّس للامام علي بن موسى الرضا علیه السلام في مدخل شارع يُعرف باسمه.

ص: 20


1- ذكر صاحب كشف الظنون (3 : 223) : ان وفاته كانت عام إحدى وستين وخمسمائة.
2- انظر : روضات الجنات 5 : 358 ، نقد الرجال : 266 ، أعيان الشيعة 8 : 400.
3- أي مكان القتل ، وقيل ان مرجع هذه التسمية هو ما وقع فيها من القتل العام الحادث بأمر عبداللّه خان أفغان في أواخر الدولة الصفوية.

كتاب إعلام الورى بأعلام الهدى

من الاسفار القيمة ، والكتب التأريخية المهمة ، عرض فيه مؤلفه - بأبوابه وفصوله المتعددة - فضائل وحياة أهل بيت العصمة والطهارة علیهم السلام وبشكل مرتّب ومنسق تنسيقاً دقيقاً.

رتّب المؤلّف كتابه على أربعة أركان ، تتفرّع عنها أبواب وفصول متعددة ، تناول فيها بالتفصيل من خلال استعراض حياة المعصوم علیه السلام مجمل ما يختص بالتأريخ المتصل به ، والمعاصر له.

خصص الركن الاول من كتابه لسيرة رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله والاحداث الكبرى التي زاملت عصر الرسالة الاولى ، وبترتيب وتنسيق دقيقين ، تتبع منخلال ذلك معظم الجوانب المتصلة بحياة الرسول الاكرم صلی اللّه علیه و آله والقضايا التي تربط ارتباطاً عضوياً بالعقيدة الاسلامية المباركة ، ومنها تأكيدات رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وتوجيهاته للاُمّة بوجوب التمسك بأهل بيته المعصومين علیهم السلام باعتبارهم قرناء القرآن ، والامناء على الرسالة من بعده.

وأما الركن الثاني من الكتاب فقد خصصه لوصي رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وخليفته من بعده الامام علي بن ابي طالب علیه السلام مستعرضاً فيه مجمل جوانب حياته المباركة ، ودوره المتميز في حياة رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وبعده ، والمحن والفتن التي لازمته حتى استشهاده.

وخصص المؤلف رحمه اللّه الركن الثالث من الكتاب لباقي الائمة المعصومين علیهم السلام حتى الامام الحسن العسكري علیه السلام من خلال أبواب وفصول متعددة.

وكان نصيب الامام المهدي علیه السلام الركن الرابع والاخير من الكتاب ،

ص: 21

حيث تناول معظم الاخبار والروايات المتصلة به ، مستعرضاً من خلال ذلك الظروف والاحداث التي عاصرها ابان حضوره الظاهري ، منتقلاً منها الى ما رافق غيبتيه الصغرى والكبرى ، وما يتصل بهما ، والاحداث والوقائع التي ستصاحب ظهوره المنتظر باذن اللّه تعالى.

وقد حاول المؤلف في كتابه هذا عرض الاخبار والاحداث بشكل مرتب ومنظم ، وبالصورة التي تساعد على رسم صورة واقعية للزمن الذي عاصرته هذه الاحداث ، ووفق المقاييس المرتكزة على جوهر العقيدة الاسلامية ، ومبانيها الواضحة والصحيحة ، وباعتماد جملة من المراجع والمصادر المهمة والمعتبرة ، والتي يشكّل كتاب الارشاد للشيخ المفيد رحمه اللّه واحداً منها.

وعموماً فان هذا الكتاب يمثل خطوة رائدة في عملية كتابة التأريخ بالشكل الذي يرتكز ارتكازاً واضحاً وبيناً على المنهج المتفرع عن التوصيات المتكررة للمشرّع المقدس ، واعتماداً على خطوطه العامة التي تقدمت منّا الاشارة اليها آنفاً.

بين إعلام الورى وربيع الشيعة

من يتأمل في متني كتابنا هذا - إعلام الورى - وربيع الشيعة المنسوب للسيد ابن طاووس رحمه اللّه يجد توافقاً غريباً ، وتطابقاً عجيباً بين الاثنين ، سواء في ترتيب الاَركان والاَبواب والفصول ، أو في المواضيع التي تناولتها هذه التقسيمات ، باستثناء بعض الاختصارات المحدودة ، والاختلاف في خطبة الكتاب ، وهذا ممّا أثار استغراب قرّاء الكتابين وتعجبهم ، ودفعهم للتفحُّص بدقة وعناية في علّة هذا التوافق ومصدره ، وهل ان هذين الاسمين لكتابين

ص: 22

مختلفين ومؤلّفين اثنين؟ أم هناك التباس دفع لهذه الشبهة وان العنوانين هما لكتاب واحد ، ولمؤلّف واحد؟ أو لعل احدى هاتين التسميتين مضافة قهراً أو سهواً على هذا الكتاب ، وبالشكل الذي قد يدفع البعض للاعتقاد باثنينيتهما؟

نعم ، ان هذا الامر وان شكّل في أول وهلة حيرة عند الفضلاء والعلماء ، إلاّ أنّ البعض منهم لم يلبث أن قطع بعد الفحص والتأمُّل بان هذين الاَصلين يعودان - بلا أدنى شك - لكتاب واحد ، لاتحادهما الشامل ، وتوافقهما الكبير كما ذكرنا آنفاً.

ولمّا كانت نسبة كتاب إعلام الورى للشيخ الطبرسي رحمه اللّه مقطوعاً بها ، وثابتة بشكل لا يرقى اليه الشك ، فان هذا الشك كان منصباً ومتوجهاً نحو الكتاب الآخر- إن تنازلنا وقلنا بعدم وحدتهما - وصحة نسبته للسيّد ابن طاووس رحمه اللّه وهو الاَمر الذي لا يعسر على باحث ومتمرّس في عمله القطع بعدم صواب هذه النسبة وابطال شبهتها.

ولا غرو في ذلك ، فان التحقٍّق في مدى نسبة كتاب ربيع الشيعة للسيّد ابن طاووس رحمه اللّه تظهر بجلاء وهن وضعف هذه النسبة التي لم يُثار إلاّ من خلال ما وجد على بعض نسخه التي تشير إلى انه من تصانيف السيّدعلي بن طاووس فحسب ، وهذا الاَمر عند اخضاعه للبحث والتمحيص نجده لا يقف قطعاً أمام القرائن والدلائل المتعددة النافية لهذه النسبة ، وهذه التسمية.

ولعلّ من تلك القرائن - كما ذكر ذلك الشيخ آقا بزرك الطهراني رحمه اللّه - ان الممارس لبيانات السيد ابن طاووس لا يرتاب في أن ربيع الشيعة ليس

ص: 23

له ، والمراجع له لا يشك في اتحاده مع إعلام الورى(1).

نعم فان للسيد ابن طاووس اسلوباً معلوماً ومنهجاً واضحاً في كتبه ومؤلفاته تجعل من نسبة هذا الكتاب اليه غريبة وشاذة ، بل وغير معهودة لما عرف عنه ، وتعاهد عليه الجميع.

ثم ان من تعرّض لجرد مؤلّفاته وكتبه رحمه اللّه لم يذهب الى نسبة هذا الكتاب اليه ، وكذا معظم من ترجم له ، إلاّ في حالات متشككّة ومتردّدة ، وفي هذا الاَمر ما يضعف أيضاً نسبة الكتاب اليه.

بل ولعل ممّا يقطع بانتفاء هذه النسبة من جانب ، وكون النسختين لكتابين مستقلين من جانب آخر ، مسألة التطابق بين النسختين بالشكل الذي يدفع القارىء للقول بان ما يقرأه كتاب واحد فحسب ، حيث لا يمكن بأي حال من الاحوال أن يتفق مؤلّفان في كتابين مستقلّين على جميع مواد كتابيهما ، وتفاصيل بحوثهما وأخبارهما ألاّ اذا عمد اللاحق الى استنساخ ما كتبه السابق ثم قيامه بنسبة ما استنسخه اليه ، وهذا الفعل السيء لا يمكن بأي حال من الاحوال نسبته للسيّد ابن طاووس رحمه اللّه لانه محض وهم وافتراء لا يليق توجيهه لعلم من أعلام الطائفة الكبار له الكثير من المؤلفات القيمة التي كانت وما زالت تزدان بها المكتبة الاسلامية العامرة ، فهذا الاَمر مستحيل الوقوع ، ومردود الافتراض(2).

ومن هنا فقد كان لهذا التطابق الغريب بين هاتين النسختين الاثر

ص: 24


1- 1. الذريعة 2 : 241.
2- 2. ان المنطق والبديهية ترفض وقوع مثل هذا الامر ، كما ان أي افتراض آخر يذهب الى اثنينية هذا الكتاب باطل قطعاً ، لا سيما وان الطبرسي وابن طاووس من أعلام الطائفة وجهابذتها ، ولا يمكن بأي حال من الاحوال ان يقع فيما بينهما هذا التداخل المردود ، فلاحظ وتأمل.

الكبير في كيفية التعامل معهما ، فاُخذ من الاول - أي الاعلام - واعتمد عليه دون الثاني ، للقطع الحاصل بصحة انتساب الاول الى مؤلفه خلاف ما هو الثاني.

وهذا الاَمر هو الذي دفع العلاّمة المجلسي رحمه اللّه الى التوقُّف عن نقل أي مورد عن ما يُعرف بكتاب ربيع الشيعة ، قال : وتركنا منها- أي من كتب ابن طاووس - كتاب ربيع الشيعة لموافقته لكتاب إعلام الورى في جميع الاَبواب والترتيب ، وهذا ممّا يقضي منه العجب(1).

ثم ان عين الحيرة هي التي أصابت الشيخ الكاظمي في تكملته ، حيث قال : وقد وقفت على إعلام الورى للطبرسي ، وربيع الشيعة لابن طاووس ، وتتبعتهما من أولهما الى آخرهما ، فوجدتهما واحداً من غير زيادة ونقصان ، ولا تقديم ولا تأخير أبداً ، إلاّ الخطبة (2).

اذن ما الذي أوقع هذا الالتباس والحيرة في نسبة هذا الكتاب الى علمين كبيرين من أعلام الطائفة لكلِّ واحد منهما مؤلَّفاته وكتبه العديدة التي طبق صيتها الآفاق ، وتناقلتها الاَيدي من مكان الى مكان ، وكثر النقل عنها والرجوع من قبل الكتّاب والباحثين والمؤلِّفين؟

والمستقرىء في مجمل هذه الشواهد والقرائن يقطع - بعد تسليمه بان نسبة هذا الكتاب الى السيد ابن طاووس وبهذه التسمية باطلة وساقطة - بان

ص: 25


1- 1. بحار الاَنوار 1 : 31.
2- 2. تكملة الرجال 1 : 11. بيد أن الشيخ الكاظمي لم يفطن لعلة هذا التوافق وسببه ، ولم تنقضحيرته من ذلك الاّ عند مطالعته لما كتبه العلاّمة المجلسي في بحاره ، ولكن ماذهب اليه كان خلاف الواقع الذي أشرنا اليه ، وحيث ذهب رحمه اللّه الى تعددهما ، فراجع.

للنسّاخ الدور الاكبر في حصول هذا الامر ووقوعه ، والى هذا الامر ذهب الشيخ الطهراني في ذريعته ، حيث قال بعد نفيه نسبة الكتاب الى السيد ابن طاووس : وقد احتمل بعض المشايخ كون منشأ هذه الشبهة ان السيد ابن طاووس حين شرع في أن يقرأ على السامعين كتاب إعلام الورى هذا حمد اللّه تعالى وأثنى عليه ، وصلّى على النبي وآله صلوات اللّه عليهم على ما هو ديدنه ، ثم مدح الكتاب وأثنى عليه بقوله : ان هذا الكتاب ربيع الشيعة ، والسامع كتب على ما هو ديدنه هكذا : يقول الامام - وذكر ألقابه واسمه الى قوله - ان هذا الكتاب ربيع الشيعة. ثم كتب كل ما سمعه من الكتاب الى آخره ، فظن من رأى النسخة بعد ذلك أن ربيع الشيعة اسمه ، وأن مؤلّفه هو السيد ابن طاووس(1).

أو غير ذلك من الوجوه المحتملة في وقوع هذا الالتباس دون علم السيد ابن طاووس به كما هو مقطوع به.

والخلاصة : ان ما يذكر من وجود كتاب للسيد علي بن طاووس يعرف بربيع الشيعة محض وهم واشتباه لا يؤبه به ، وان الاصل في ذلك هو كتاب إعلام الورى للشيخ أبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي فحسب ، وعلى ذلك توافق الدارسون والباحثون.

منهجية التحقيق

لمّا كان كتاب اعلام الورى من مصادر بحار الانوار التي أخذ عنها

ص: 26


1- 1. الذريعة 2 : 241/957. كما ان العلاّمة النوري قد وافق في رأيه الشيخ الطهراني ، وأورد في تفسير ذلك شرحاً مستفيضاً في خاتمة لمستدرك الوسائل ، فليراجع اليها من طلب المزيد من البحث التفصيل.

المجلسي رحمه اللّه في كتابه المذكور ، فقد كان من الطبيعي ان تنيط ادراة المؤسسة - بعد ان وقع اختيارها المبتني على دارسه دقيقة وشاملة لمصادر هذه الموسوعة - مسؤولية تحقيق هذا السفر الجليل بلجنة مصادر البحار في المؤسسة ، والتي بادرت - ووفقاً لمنهجية عمل المؤسسة الجماعي - الى تشكيل جملة من اللجان المتخصصة التي أناطت بكل واحدة منها جانباً من هذا العمل التحقيقي.

وقد كانت الخطوة الاولى هي الحصول على نسخ مخطوطة نفيسة لهذا الكتاب ، وحيث وقع اختيارها - بعد الفحص والتقصي الدقيقين - على النسختين المخطوتين التاليتين :

1 - نسخة ثمينة مصوّرة محفوظة في مكتبة العلاّمة المحقِّق السيّد عبدالعزيز الطباطبائي رحمه اللّه يعود تأريخ نسخها الى القرن السابع الهجري ، وكان سماحته قد زوَّدنا بها أيام حياته مع توجيهات كريمة منه لعموم ما يتصل بهذا العمل وتحقيقه ، كعادته رحمه اللّه في عموم أعمال المؤسسة التحقيقية المتواصلة - وقد رمزنا لها بالحرف (ط) - جزاه اللّه تعالى عنّا وعن أهل بيت العصمة علیهم السلام أفضل وأحسن الجزاء.

2 - النسخة المحفوظة في مكتبة ملك/ طهران ، برقم 1902 ويعود تأريخها الى عام 967 ه- ، والموسومة بربيع الشيعة ، ورمزها (ق).

3 - ولما كان الكتاب مصدراً لبحار الاَنوار فقد اعتمدناه نسخة ثالثة ، اضف ان نسخة العلاّمة المجلسي قدس سره هي بخط المصنف قدس سره .

4 - النسخة المطبوعة في بيروت عام 1985 م حيث كانت مصب العمل ورمزها (م).

هذا ، وقسمت الاَعمال على اللجان التالية.

1 - المقابلة ، وعملها مقابلة النسخ ، وثبت الاختلافات ، وتولى مسؤولية

ص: 27

هذه اللجنة كل من الاخوين الفاضلين : الحاج عزالدين عبدالملك ، والسيد مظفر الرضوي.

2 - لجنة التخريج ، وتتولى هذه اللجنة مسؤولية تخريج الاحاديث والروايات والاخبار وغير ذلك من مواد الكتاب ، وقد اُنيطت بالاخوة الاَماجد : عباس الشهرستاني ، وحسين آل جعفر ، واحسان الجواهري ، وسعد فوزي جودة ، كما ان مسؤولية تدقيق ومراجعة أعمال هذه اللجنة قد اُنيطت بالاخ الفاضل هيثم شاهمراد السّماك.

3 - وأمّا مسؤولية تقويم الكتاب ، وضبط نصه ، والاشراف على تحقيقه ، فقد اُنيطت بالاخ المحقِّق الفاضل علاء آل جعفر ، مسؤول لجنة مصادر البحار في المؤسسة.

4 - وتولى مسؤولية مراجعة الكتاب وقراءته القراءة النهائية سماحة حجَّة الاسلام والمسلمين السيّد علي الخراساني.

وفَّق اللّه تعالى العاملين على نشر علوم تراث العترة الطاهرة ، وتقبَّل منهم صالح أعمالهم.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين ، وصلّى اللّه على محمّد وعلى أهل بيته الطيّبين الطاهرين.

مؤسسة آل البيت علیهم السلام لاِحياء التراث

ص: 28

الصورة

ص: 29

الصورة

ص: 30

الصورة

ص: 31

الصورة

ص: 32

مقدمة المؤلف

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد لله الواحد الاَحد ، الفرد الصمد ، الذي لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفواً أحد ، تعالى عن الصاحبة والولد ، واستغنى عن العُدد والعَدد ، وتقدّست عن شبه الخلائق صفته ، وارتفعت عن مذاهب العقول عظمته ، وأعجزت غوامض الفكر جلالته ، ووضحت بالشواهد الساطعة حجّته ، وظهرت في كلّ شيء حكمته ، أحقَّ الحقَّ بما نصب من أعلامه ودلالاته ، وأوضح من حججه وبيّناته ، وأبطل الباطل بما أدحض من شبهاته ، وأبان عن مشبهاته.

وصلّى اللّه على عبده المجتبى ، ونبيّه المصطفى ، خير الاَنبياء والمرسلين ، وأفضل الاَوّلين والآخرين ، البشير النذير ، الداعي بإذنه والسراج المنير ، سيّد سادات العرب والعجم ، محمّد بن عبداللّه بن عبد المطلب.

وعلى أوصيائه وأصفيائه الاَئمة المهديّين المرضيّين المنتجبين من اُرومته(1) ، الحافظين لشريعته ، المعصومين من كلّ دنس ورجس ، المفضَّلين على كافّة الجنّ والاِنس ، الذين ينتجز الموعود يوم المآب

ص: 33


1- 1. الارومة : الاَصل. «لسان العرب 12 : 14».

بإنجازهم ، ولا يُجاز الصراط إلاّ بجوازهم ، فهم النمرقة (1) الوسطى ، من تقدّمهم مرق ، ومن تأخّر عنهم زهق ، ومن لزمهم لحق ، وهم كباب حطّة ، ومثل سفينة نوح من ركبها نجى ، ومن تخلّف عنها غرق وهوى. وهم خاصّة الرسول صلی اللّه علیه و آله ، وصفوة عترته الذين قرن اللّه معرفتهم بمعرفته ، وجعل محبّتهم في الوجوب كمحبّته. وهم دعائم الاِسلام ، وأئمّة الاَنام ، وحجج المهيمن السلام ، سرج في كلّ ظلام ، ودرج إلى كلّ مرام. عليهم أفضل الصلاة والسلام مالاح برق واسستهلّ غمام ، وتوسّمت الرياض بفرادى نباتها والتوأم.

وبعد :

فإنّ أشرف الكلام عند الخاصّ والعامّ ما وجّه إلى أشرف من حاز اللّه له رواء الملك إلى بهاء العلم ، وسناء الحلم ، وإمضاء الحكم ، لا زال مبرّاً على ملوك الاَرض وولاة النهي والاَمر بما آتاه من علوّ الشأن وجلالة القدر ، وميّزه بجلائل من المجد (ودقائق من الشرف المعد ، وخواص من العدل ، وعوام من الفواضل والفضل)(2) ، لا يندرج أدناها تحت القدرة والاِمكان ، ولا ينال أقصاها بالعبارة والبيان ، وهذه صفة الاصفهبذ (3) الاَجلّ (الاَعظم ، الملك المؤيد العادل)(4) شرف الدينا والدين ، ظهير الاِسلام والمسلمين ، (تاج الملوك والسلاطين ، عضد الجيوش في العالمين ، قاهر الكفرة والمشركين ، قامع العتاة والمتمردين ، علاء الدولة ، وبهاء الملة ، مجد

ص: 34


1- 1. النمرقة (بضم النون والراء وبكسرهما) : الوسادة ، وجمعها نمارق. «النهاية 5 : 118».
2- 2. في نسخة «م» : والجلال وفواضل القدر من الفضل والافضال.
3- 3. قال المسعودي في الاَشراف والتنبيه (91) : الاصفهبذ : وهو أمير الجيوش ، وتفسيره حافظ الجيش ، لاَن الجيش «اصبه» و«بذ» حافظ.
4- 4. في نسخة «م» : الملك العادل المؤيد المنصور.

الأُمّة ، صفوة الخلافة ، قطب المعالي) (1) ملك مازندران ، خُسرو (2) ايران ، اصفهبذ ، اصفهبذان ، شاه فرشواذكر (3) أبي الحسن عليّ بن شهريار بن قارن نصرة أمير المؤمنين ، أعلى اللّه شأنه ، ونصر سلطانه ، وحرس حوباه ، وطرّز بالنجح لواه ، إذ هو باتّفاق الأوياء والاَعداء ، واصفاق القرباء والبعداء ، واحد الدهر ، وثمال(4) أهل العصر ، وغرّة الاَفلاك الدائرة ، وعمدة العترة الطاهرة.

لا جرم قد ملّكه اللّه زمام الدهر ، وأنفذ حكمه في البرّ والبحر ، وشدّ به أزر الاِسلام ، ومهّد له أسباب المعدلة في الاَنام ، وجعل أيّامه للزمان أعياداً ومواسم ، وللاِِقبال مباهج ومباسم ، متّعه اللّه تعالى بجمال هذه الحال ، وأدام له في العباد والبلاد كرائم الاِِفضال ، ومواد النوال ، بلطفه وطوله وسعة جوده وفضله.

ثم إنّ خادم الدعاء المخلص بالولاء وإن سبق في ميدان الفضل فهو عكاشة غايته ، وبرز على فرسان العلم فهو عرابة رايته وإن كان قد قصر وهمه وهمّه ، وجمع وكده (5) وكدّه - منذ خطّ الشباب بالمسك عذاره ، إلى أن وخط المشيب بالكافور أطراره (6) - على اقنتاء العلوم وجمع أفانينها(7) وضبط قوانينها حتى اصبح مقتطفاً من ثمار النحو والاَدب زواهرها وغررها ، مغترفاً

ص: 35


1- 1. اثبتناها من نسخة «ط».
2- 2. خُسرو (بضم الاَول وسكون الثاني وفتح الثالث) : أي ملك وامام عادل. «البرهان القاطع : 436».
3- 3. فرشواذكر : كلمة من اللغة البهلوية ، وهي لقب يطلق على ملوك الجبال في أقاليم طبرستان ومازندران. «انظر : لغة نامه مادة فرشوادكر».
4- 4. الثمال : من يلتجأ إليه قومه وإليه يفزعون. «انظر : لسان العرب 11 : 94».
5- 5. الوكد : الهم. «لسان العرب 3 : 467».
6- 6. الطرة : الناصية. «الصحاح - طرر - 2 : 725».
7- 7. الاَفانين : الاَساليب ، وهي أجناس الكلام وطرقه. «الصحاح - فنن - 6 : 2177».

من بحار اصول الدين وفروعه جواهرها ودررها ، فإنّ كلّ فاضل وإن بعد في الفضل مداه ، وبلغ من كلّ علم أقصاه ، إذا لم يتشرّف بتقبيل تراب الحضرة العالية الاِِصفهبذية العلائية ، أدام اللّه لها العلو والعلا والسمو والسنا والقدرة والبهاء ولم ينسب إلى جملة خدمها ، ولم يحسب في زمرة حشمها ، فهو ناقص عن حيّز الكمال ، عادل عن الحقيقة إلى المحال.

لاَنها الغايةُ القُصوى التي عجزتْ *** عنْ أنْ تؤمٍّل ادراكاً لهم الهممُ

ما يستحقُّ ملوكُ الدهر مرتبةً *** إلا لصاحبها مِنْ فوقها قدَمُ

فرأيهُ إنْ دَجا ليلُ الشكوكِ هُدى *** وظلُّه إنْ خطا صرفُ الردى حَرمُ

فلو عداالكرمُ الموصوفُ راحتهُ *** عن انْ يُجاورها لم يكرمِ الكرمُ

جلالة الملك أدنى درجاته ، وحماية الدين أقلّ أدواته ، وإكرام ذوي الفضل من الاَنام واصطناع الكرام والاِِنعام على الخاصّ والعامّ أشهر صفاته ، فالآمال منوطة به ، والهمم مصروفة إليه ، والثناء والحمد والشكر بأجمعها موقوفة عليه ، واستقلّ بما عجزت الملوك عن حمل أعبائه ، وقام بما قعد الدّهر عن معاناة عنائه ، (بهمةّ عليّة) (1) ، وعزيمة (2) علانية ، (3) وعقيدة علويّة ، فردّ سمل الدين جديداً ، وأعاد ذميم الاَيام حميداً ، بحق أوضحه ، وباطل فضحه ، وهدى أعاده ، وضلالٍ أباده :

فلا ان-ت-زعَ اللّه العدي ح-دَ بأسهِ *** ولا انتزعَ اللّه الهدي ع-زِّ ن-صرِهِ

واح-س-نَ عنْ ح-بِ ال-نبي وآلهِ *** ورعى سوام الدينِ توفيرُ شكرهِ

ف-م-ا ي-دركُ المداحُ ادنى حقوقِهِ *** باغراقِ م-نظ-ومِ الكلامِ ون-ث-رهِ

ص: 36


1- 1. لم ترد في نسخة «ط».
2- 2. في نسخة «ط» : بعزمة.
3- 3. في نسخة «ط» زيادة : عزيزة علوية.

لاَن ادنى نِعَمِه يستغرق جميع الشكر ، وايسر مننه يفوز مدى الوصف والذكر :

فكلّ أروعَ مِن آلِ ( الرسول عدا ) (1) *** جَ-لانَ يرفلُ مِنْ ن-ع-ماهُ في ح-ُلل

فَ-لو أجابَ ك-تابَ اللّهِ سائ-لهُ *** م-نْ خ-ير هذاُ الورى لم يسمِ غيرَ علي

ولمّا عاق هذا الدّاعي المخلص عن (ورود الحضرة) (2) العالية ، والوصول منها إلى رواق العز والجلال ، والاكتحال بتلك النهجة والجمال عوائق الزحال وعوادي الاُصول (3) أراد أن يخدمها بخدمة تبقى عوائدها على تعاقب الاَيام وتناوب الشهور والاَعوام ، فيؤلّف كتاباً يتضمّن أسامي الاَئمة الهداة والسادة الولاء واُولي الاَمر وأهل الذكر وأهل بيت الوحي ، الذين أذهب اللّه عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً ، ويشتمل على تواريخ مواليدهم وأعمارهم ، وطرف من أخبارهم ومحاسن آثارهم ، والنصوص الدالّة على صحّة إمامتهم ، والآيات الظاهرة من اللّه عليهم الشاهدة لتمييزهم عمّن سواهم وإبانتهم عمّن عداهم. ثمّ فكّر في ذلك وقدّر وتأمّل وتدبّر وقال : إذا كان رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله هو الشجرة وهم أغصانها ، والدوحة وهم أفنانها ، ومنبع العلم وهم عيبته ، ومعدن الحكم وهم خزانته ، وشارع الدين وهم حفظته ، وصاحب الكتاب وهم حملته ، فهو أولى بان يقدّم في الذكر وتبيّن آياته الناطقة برسالاته وأعلامه الدالّة على نبوّته ومعجزاته القاهرة ودلالاته الباهرة.

فاستخار اللّه سبحانه في الابتداء به ، واستعان به في إتمام ما قصده ،

ص: 37


1- 1. كان في المطبوع : النبي نجد ، وما أثبتناه من نسخة «ط».
2- 2. كان في المطبوع : الاستسعاد بخدمة حضرته ، وما اثبتناه من نسخة «ط».
3- 3. في المطبوع زيادة : والانبساط لتقبيل بساطها ، والانخراط في سلك سماطها ، والمرتوع في ظلال كرمها ، والشروع في مشارع حرمها.

وسمّاه كتاب إعلام الورى بأعلام الهدى وجعله أربعة أركان :

الركن الاَول : في ذكر رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله .

والركن الثاني : في ذكر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام .

والركن الثالث : في ذكر الاَئمة من أبنائه من الحسن بن علي الرضيّ إلى الحسن بن علي الزكي علیهم السلام .

والركن الرابع : في إمامة الاَئمة الاثني عشر والاِِمام الثاني عشر علیهم السلام .

وكلّ ركن منها يتضمّن أبواباً وفصولاً تزهر بما فيها من مكنون العلم ومخزون الحكم ، مفصولاً وموصولاً ، وإنّ من أولى الاُمور وأصوبها عند الجمهور أن تحلّى مسائل العقائد على أجلّ معتقديها ، وتعرّض فرائد الجواهر على أكمل منتقديها ، والمأمول المسؤول من الرّأي العالي أعلاه اللّه أن يغدق على هذه الكريمة الجسيمة ويسبل على هذه الرّسلة العقلية النيلة جناح القبول ، لينال الدّاعي المخلص بذلك غاية المرام ونهاية المأمول فاستخرجت درّة فإنها خير باكورة جلبت إلى قلوب المؤمنين وأكرم بشارة صبّت على أذان الغارمين واللّه تعالى الموفّق للسداد ، الهادي إلى الرشاد ، وعليه توكّلت وإليه اُنيب.

* * *

ص: 38

(الركن الاَول من الكتاب)

اشارة

في ذكر النبي المصطفى محمّد صلی اللّه علیه و آله ، ونسبه ، ومولده ، ومبعثه ، ومدّة حياته ، ووقت وفاته ، وبيان أسمائه وصفاته ، ودلائل نبوّته ومعجزاته ، وذكر أولاده وأزواجه وأعمامه وأخواله ، ومعرفة بعض غزواته وأحواله.

ويشتمل على ستّة أبواب :

ص: 39

ص: 40

(الباب الاَول): في ذكر نسبه ومولده وذكر أسمائه ومدة حياته ووقت وفاته

اشارة

يشتمل على ثلاثة فصول :

ص: 41

(الفصل الاَول): في ذكر مولده ونسبه إلى آدم عليه السلام ووقت وفاته

ولد صلی اللّه علیه و آله يوم الجمعة عند طلوع الشمس السابع عشر من شهر ربيع الاَول من عام الفيل(1).

(وفي رواية العامّة : ولد صلی اللّه علیه و آله يوم الاثنين ، ثمّ اختلفوا فمن قائل يقول لليلتين من شهر ربيع الاَوّل(2) ، ومن قائل يقول : لعشر ليال خلون منه(3) ، وذلك لاَربع وثلاثين سنة وثمانية أشهر مضت من ملك كسرى)(4) أنوشيروان بن قباد وهو قاتل مزدك والزنادقة ومبيرهم(5)وهو الذي عنى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله على ما يزعمون : ولدت في زمان الملك العادل الصالح(6). ولثمان سنين وثمانية

ص: 42


1- 1. مساّر الشيعة : 29 ، التهذيب للطوسي 6 : 2 ، مصباح المتهجد : 732 ، قصص الاَنبياء للراوندي : 316 /393 ، مناقب ابن شهرآشوب 1 : 172 ، روضة الواعظين : 70 ، اقبال الاَعمال : 603 ، العدد القوية : 110 ، ونقله المجلسي في بحار الاَنوار 15 : 279 / 25 ، وفي بعض المصادر : طلوع الفجر بدل طلوع الشمس.
2- 2. الطبقات الكبرى 1 : 101 ، تاريخ اليعقوبي 2 : 7 ، صفة الصفوة 1 : 52 ، الوفا بأحوال المصطفى 1 : 90 ، ونقله المجلسي في بحار الاَنوار 15 : 279 / 25.
3- 3. الطبقات الكبرى 1 : 100 ، صفة الصفوة 1 : 52 ، الوفا بأحوال المصطفى 1 : 90 ، ونقله المجلسي في بحار الاَنوار 15 : 279/25.
4- 4. ما بين القوسين لم يرد في نسخة «ق» ، وفي نسخة «ط» إلى آخر المقطع ، واثبتناه من نسخة «م» ونسخة المجلسي.
5- 5. مبيرهم : مهلكهم. «لسان العرب 4 : 86».
6- 6. قصص الاَنبياء للراوندي : 316/ ذيل الحديث 393 قطعة منه ، ونقله المجلسي في بحار الاَنوار 15 : 279 / 25.

أشهر من ملك عمرو بن هند ملك العرب(1).

وكنيته : أبو القاسم.

وروى أنس بن مالك قال : لمّا ولد إبراهيم ابن النبيّ من مارية أتاه جبرئيل علیه السلام فقال : «السلام عليك أبا إبراهيم» ، أو : «يا أبا إبراهيم»(2)

ونسبه : محمّد بن عبداللّه بن عبد المطلب - واسمه شيبة الحمد - بن هاشم - واسمه عمرو - بن عبد مناف - واسمه المغيرة - بن قصي - واسمه زيد - ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر وهو قريش بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان(3).

وروي عنه علیه السلام أنّه قال : «إذا بلغ نسبي عدنان فأمسكوا»(4).

وروي عن اُمّ سلمة زوج النبيّ علیه السلام قالت : سمعت رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله يقول : «معد بن عدنان بن اُدد بن زيد بن ثرا بن أعراق الثرى ، قالت اُمّ سلمة : زيد هميسع وثرانبت وأعراق الثرى إسماعيل بن إبراهيم علیه السلام ؛ قالت : ثمّ قرأ رسول اللّه وصلّى اللّه عليه

ص: 43


1- 1. مناقب ابن شهرآشوب 1 : 172 ، ونقله المجلسي في بحار الاَنوار 15 : 280/25.
2- 2. الطبقات الكبرى 1 : 135 ، مستدرك الحاكم 2 : 604 ، دلائل النبوة للبيهقي 1 : 164 الوفا بأحوال المصطفى 1 : 105 ، ونقله المجلسي في بحار الاَنوار 15 : 280/25.
3- 3. مناقب ابن شهر آشوب 1 : 154 ، سيرة ابن هشام 1 : 1 ، الطبقات الكبرى 1 : 55 ، تاريخ الطبري 2 : 271 ، مروج الذهب 3 : 5/1442 ، دلائل النبوة للبيهقي 1 : 179 ، الاستيعاب 1 : 13 ، ونقله المجلسي في بحار الاَنوار 15 : 280/25.
4- 4. قصص الاَنبياء للراوندي : 316/394 ، مناقب ابن شهر آشوب 1 : 155 ، الطبقات الكبرى 1 : 56 ، ونقله المجلسي في بحار الاَنوار 15 : 280/25.

وآله وسلّم : ( وَعاداً وثَمَودَ وأصْحابَ الرَّسِّ وَقُروناً بَينَ ذلِك كَثيراً ) (1)لا يعلمهم إلاّ اللّه» (2).

وذكر الشيخ أبو جعفر بن بابويه رضوان اللّه عليه : عدنان بن أدّ بن اُدد بن يامين بن يشجب بن منحر بن صابوغ بن الهميسع (3).

وفي رواية اُخرى : عدنان بن اُدد بن زيد بن يقدد بن يقدم الهميسع بن نبت بن قيدار بن إسماعيل بن إبراهيم علیه السلام (4).

وقيل : الاَصحّ الذي اعتمد عليه أكثر النسّاب وأصحاب التواريخ : أنّ عدنان هو اُدّ بن اُدد بن اليسع بن الهميسع بن سلامان بن نبت بن حمل بن قيدار بن إسماعيل بن إبراهيم علیهماالسلام ابن تارخ بن ناحور بن ساروغ بن ارغوا بن فالغ بن عابر(5) وهو هود علیه السلام ابن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح علیه السلام بن لمك بن متّوشلخ بن أخنوخ(6) وهو إدريس علیه السلام (ابن يارد) (7) بن (مهلائيل) (8) يارد بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم

ص: 44


1- 1. الفرقان 25 : : 38.
2- 2. مناقب ابن شهر آشوب 1 : 155 ، دلائل النبوة للبيهقي 1 : 178- 179 ، وذكر صدره الطبري في تاريخه 2 : 271 ، وابن الجوزي في الوفا بأحوال المصطفى 1 : 16 ، ونقله المجلسي في بحار الاَنوار 15 : 280/25.
3- 3. نقله المجلسي في بحار الاَنوار 15 : 280/25.
4- 4. مناقب ابن شهر آشوب 1 : 155 ، الطبقات الكبرى1 : 57 ، تاريخ الطبري 2 : 174 ، وباختلاف يسير في الاَخرين ، ونقله المجلسي في بحار الاَنوار 15 : 280/25.
5- 5. في نسخة «ط» : غابر.
6- 6. في نسخة «م» زيادة : ويقال : اُخنوخ.
7- 7. ليس في نسختي «ط ، ق».
8- 8. في نسخة «ط» : مهلائل.

علیه السلام أبي البشر(1).

واُمّه : آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤيّ بن غالب.

وأرضعته حتّى شبّ حليمة بنت عبداللّه بن الحارث بن شجنة السعديّة من بني سعد بن بكر بن هوازن ، وكانت ثويبة مولاة أبي لهب بن عبد المطّلب أرضعته أيضاً بلبن ابنها مسروح وذلك قبل أن تقدم حليمة ، وتوفيّت ثويبةمسلمة سنة سبع من الهجرة ، ومات ابنها قبلها ، وكانت قد أرضعت ثويبة قبله حمزة بن عبد المطلب عمّه ، فلذلك قال رسول اللّه علیه السلام لابنة حمزة : «إنّها ابنة أخي من الرضاعة» وكان حمزة أسنّ من رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله بأربع سنين(2).

وأمّا جدّته اُمّ أبيه عبداللّه : فهي فاطمة بنت عمر [و] بن عائذ بن عمران بن مخزوم.

واُمّ عبدالمطلب : سلمى بنت عمرو من بني النجّار.

واُمّ هاشم : عاتكة بنت مرّة بن هلال من بني سليم.

واُمّ قصي وزهرة : فاطمة بنت سعد من أزد السراة (3).

ص: 45


1- 1. مناقب ابن شهر آشوب 1 : 155 ، مروج الذهب 3 : 5/1442 ، ونقله المجلسي في بحار الاَنوار 15 : 280/25.
2- 2. انظر : المقنعة : 456 ، التهذيب للطوسي 6 : 2 ، مناقب ابن شهر آشوب 1 : 155 و 173 ، سيرة ابن هشام 1 : 164 ، و 165 و 169 ، الطبقات الكبرى 1 : 59 و 108 ، تاريخ اليعقوبي 2 : 10 ، مروج الذهب 3 : 13 / 1459 ، دلائل النبوة للاصبهاني 1 : 196 و 197 / 95 و 96 ، صفة الصفوة 1 : 56 و 61 ، ونقله المجلسي في بحار الاَنوار 15 : 281/25.
3- (3) انظر : سيرة ابن هشام 1 : 109 ، و 111 و 114 ، الطبقات الكبرى 1 : 62 و 64 ، تاريخ اليعقوبي 2 : 11 ، تاريخ الطبري 2 : 247 و 252 و 254 ، الكامل في التاريخ 2 : 10 و 16 و 18 و 2. البداية والنهاية 2 : 210 ، ونقله المجلسي في بحار الاَنوار 15 : 281/25.

وصدع صلی اللّه علیه و آله بالرسالة يوم السابع والعشرين من رجب وله يومئذ أربعون سنة.

وقبض صلوات اللّه عليه وآله يوم الاثنين لليلتين بقيتا من صفر سنة إحدى عشر من الهجرة ، وهو ابن ثلاث وستّين سنة(1).

ص: 46


1- انظر : الكافي 4 : 149/2 ، المقنعة : 456 ، الارشاد 1 : 189 ، التهذيب للطوسي 6 : 2 ، مصباح المتهجد : 732 ، مناقب ابن شهر آشوب 1 : 173 ، ونقله المجلسي في بحار الاَنوار 15 : 281/25.
(الفصل الثاني): في ذكر أسمائه صلوات اللّه عليه وشرف أصله ونسبه

وأمّا أسماؤه وصفاته صلوات اللّه عليه وآله :

فمنها : ما جاء به التنزيل وهو :

الرسول ، النبيّ ، الاُمي : في قوله : ( الّذين يتّبعون الرّسول النبيّ الامي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التَّوراة والاِِنجيل ) (1).

والمزّمل والمدّثّر : في قوله تعالى : ( يا أيّها المُزّمّل ) (2) ( يا أيّها المدّثّرُ ) (3).

والنذير المبين : في قوله تعالى : ( قُل اِنّي اَنا النَّذيرُ المُبينُ ) (4)

وأحمد : في قوله تعالى : ( وَمُبَشّراً بِرَسُولٍ يأتي مِنْ بَعدي اسمُه أحمد ) (5).

ومحمّد : في قوله تعالى : ( محمّد رَسولُ اللّهِ ) (6).

والمصطفى : في قوله تعالى : ( اللّهُ يَصطفي مِنَ الملائكةِ رُسُلاً وَمِنَ النّاس ) (7).

ص: 47


1- 1. الاَعراف 7 : 157.
2- 2. المزمل 73 : 1.
3- 3. المدثر 74 : 1.
4- 4. الحجر 15 : 89.
5- 5. الصف 61 : 6.
6- 6. الفتح 48 : 29.
7- 7. الحج 22 : 75.

والكريم : في قوله تعالى : ( إنّهُ لقَولُ رسولٍ كَريمٍ ) (1).

وسمّاه سبحانه نوراً : في قوله : ( قَد جاءَكُم مِنَ اللّهِ نورٌ وكِتابٌ مُبينٌ ) (2).

ونعمة : في قوله تعالى : ( يَعرِفُونَ نِعمَةَ اللّهِ ثُمّ ينكرُونَها ) (3).

ورحمة : في قوله تعالى : ( وَما اَرسلنَكَ إلاّ رَحمةً لِلعالَمينَ ) (4).

وعبداً : في قوله تعالى : ( نَزَّل الفُرقان على عَبِدِه ) (5).

ورؤوفاً رحيماً : في قوله : ( بالمُؤمنينَ رَؤفٌ رَحيمٌ ) (6).

وشاهداً ، ومبشراً ، ونذيراً ، وداعياً : في قوله تعالى : ( اِنّا اَرسلناكَ شَاهداً ومَبُشَراً ونَذيراً * وَداعياً اِلى اللّه باذِنِه وَسِراجاً مُنيراً ) (7).

وسمّاه منذراً : في قوله تعالى : ( انما أنت منذر ) (8).

وسماه عبداللّه : في قوله تعالى : ( وَانّه لمّا قام عَبدُ اللّه يَدعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيهِ لِبَدا ) (9).

وسمّاه مذكرّاً : في قوله تعالى : ( اِنّما اَنتَ مُذكِّر ) (10).

وسمّاه طه ، ويس.

ص: 48


1- 1. التكوير 81 : 19.
2- 2. المائدة 5 : 15.
3- 3. النحل 16 : 83.
4- 4. الاَنبياء 21 : 107.
5- 5. الفرقان 25 : 1.
6- 6. التوبة 9 : 128.
7- 7. الاَحزاب 33 : 45 - 46.
8- 8. الرعد 13 : 7.
9- 9. الجن 72 : 19.
10- 10. الغاشية 88 : 21.

ومنها : ما جاءت به الاَخبار : ذكر محمّد بن إسماعيل البخاري في الصحيح عن جبير عن مطعم قال : سمعت رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله يقول : «إنّ لي أسماء : أنا محمّد ، وأنا أحمد ، وأنا الماحي يمحو اللّه بي الكفر ، وأنا الحاشر يحشر الناس على قدمي ، وأنا العاقب الذي ليس بعده أحد»(1).

وقيل : أن الماحي الذي يمحى به سيّئات من اتّبعه.

وفي خبر آخر : المقفّي ، ونبيّ التوبة ، ونبيّ الملحمة ، والخاتم ، والغيث ، والمتوكّل(2).

وأسماؤه في كتب اللّه السالفة كثيرة منها : مؤذ مؤذ بالعبرانيّة في التوراة ، وفارق في الزّبور(3).

وروى أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي في كتاب دلائل النبوّة : بإسناده عن الاَعمش ، عن عباية بن ربعي ، عن ابن عبّاس قال : قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : «إنّ اللّه عزّ وجل قسّم الخلق قسمين فجعلني في خيرهما قسماً ، وذلك قوله في : ( وَاَصحابُ اليمين ) (4) (وَاَصحابُ الشّمالِ ) (5) فأنا من أصحاب اليمين وأنا خير أصحاب اليمين. ثمّ جعل

ص: 49


1- 1. صحيح البخاري 4 : 225 ، وكذا في : الموطأ 2 : 1004 ، سنن الدارمي2 : 217 : صحيح مسلم 4 : 1828 / 2354 ، مسند أحمد 4 : 80 ، صحيح الترمذي 5 : 135 / 2840 ، دلائل النبوة للبيهقي 1 : 152 ، ونقله المجلسي في بحار الانوار 16 : 114 / 43.
2- 2. مسند أحمد 4 : 404 ، صفة الصفوة 1 : 55 ، الوفا بأحوال المصطفى 1 : 104 ، البداية والنهاية 2 : 252 بزيادة ونقصان ، ونقله المجلسي في بحار الاَنوار 16 : 114/43.
3- 3. أنظر : مناقب ابن شهر آشوب 1 : 151 ، ونقله المجلسي في بحار الاَنوار 16 : 114 / 43.
4- 4. الواقعة 56 : 27.
5- 5. الواقعة 56 : 41.

القسمين أثلاثاً ، فجعلني في خيرها ثلثاً فذلك قوله : ( فَاَصحابُ الميمنة ) (1) ( وَاَصحابُ المَشئمَة ) (2) ( السّابقونَ السّابِقُون ) (3) فأنا من السابقين وأنا خير السابقين ، ثمّ جعل الاَثلاث قبائل فجعلني في خيرها قبيلة وذلك قوله : ( وَجَعلناكُم شُعُوباً وَقَبائِلَ ) (4) الآية ، فأنا أتقى ولد آدم وأكرمهم على اللّه ولا فخر ، ثمّ جعل القبائل بيوتاً فجعلني في خيرها بيتاً وذلك قوله عزّ وجل : ( اِنّما يُريدُ اللّه ليُذهبَ عَنكُم الرّجس اَهلَ البَيتِ وَيُطّرِكُم تَطهِيراً ) (5) فأنا وأهل بيتي مطهّرون من الذنوب»(6).

وروى الشيخ أبو عبداللّه الحافظ بإسناده ، عن سفيان بن عيينة أنه قال : أحسن بيت قالته العرب قول أبي طالب للنبّي صلی اللّه علیه و آله :

وشقّ له من اسمه كي يُجلّهُ

فذو العرشِ محمودٌ وهذا محمد(7)

وقال غيره : إنّ هذا البيت لحسّان بن ثابت في قطعة له أوّلها :

ألم تر أنّ اللّه أرسل عبده *** ببرهانه واللّه أعلى وأمجد(8)

ومن صفاته التي جاءت في الحديث : راكب الجمل ، وآكل الذراع ، ومحرّم الميتة ، وقابل الهديّة ، وخاتم النبوّة ، وحامل الهراوة ، ورسول

ص: 50


1- 1. الواقعة 56 : 8.
2- 2. الواقعة 56 : 9.
3- 3. الواقعة 56 : 10.
4- 4. الحجرات 49 : 13.
5- 5. الاَحزاب 33 : 33.
6- 6. دلائل النبوة للبيهقي 1 : 170 ، نقله المجلسي في بحار الاَنوار 16 : 120.
7- 7. رواره عنه البيهقي في دلائله 1 : 161 ، ونقله المجلسي في بحار الاَنوار 16 : 120.
8- 8. مناقب ابن شهر آشوب 1 : 165 ، ونقله المجلسي في بحار الاَنوار 16 : 120.

الرحمة.

ويقال : إنّ كنيته في التوراة أبو الاَرامل ، واسمه صاحب الملحمة(1).

وروي أنّه قال صلی اللّه علیه و آله : «أنا الاَول والآخر ، أوّل في النبوّة وآخر في البعثة»(2).

ص: 51


1- 1. انظر : مناقب ابن شهر آشوب 1 : 154 ، وكشف الغمة 1 : 13 ، ونقله المجلسي في بحار الاَنوار 16 : 120.
2- 2. كشف الغمة 1 : 13 ، ونقله المجلسي في بحار الاَنوار 16 : 120.
(الفصل الثالث): في ذكر مدة حياته صلى اللّه عليه وآله وسلّم

عاش صلی اللّه علیه و آله ثلاثاً وستين سنة ، منها مع أبيه سنتين وأربعة أشهر ، ومع جدّه عبدالمطلب ثمان سنين ، ثمّ كفّله عمّه أبو طالب بعد وفاة جدّه عبدالمطّلب فكان يكرمه ويحميه وينصره أيّام حياته(1).

وذكر محمّد بن إسحقاق بن يسار : أنّ أباه عبداللّه مات واُمّه حبلى ، وقيل أيضاً : إنّه مات والنبي صلی اللّه علیه و آله ابن سبعة أشهر(2)

وذكر ابن إسحقاق قال : قدمت آمنة بنت وهب اُمّ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله به على أخواله من بني عديّ بن النجّار بالمدينة ثمّ رجعت به حتّى إذا كانت بالاَبواء هلكت بها ورسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ابن ستّ سنين(3).

وروي عن بريدة قال : انتهى النبيّ صلی اللّه علیه و آله إلى رسم قبر فجلس وجلس الناس حوله فجعل يحرّك رأسه كالمخاطب ثمّ بكى ، فقيل : ما يبكيك يا رسول اللّه؟ قال : «هذا قبر آمنة بنت وهب استأذنت ربّي في أن أزور قبرها فأذن لي فأدركتني رقّتها فبكيت» فما رأيته ساعة أكثر باكياً من تلك الساعة (4). .

ص: 52


1- أنظر : كشف الغمة 1 : 16 ، والطبقات الكبرى 1 : 119 ، وتاريخ اليعقوبي 2 : 13 و 14 ، ومروج الذهب 3 : 14 / 1460 ، ودلائل النبوة للاصبهاني 1 : 209 / 103 و 104 ، ودلائل النبوة للبيهقي 1 : 188 ، وصفة الصفوة 1 : 65.
2- انظر : دلائل النبوة للبيهقي 1 : 187 - 188.
3- سيرة ابن اسحقاق : 65 ، دلائل النبوة للبيهقي 1 : 188.
4- الطبقات الكبرى 1 : 117 ، دلائل النبوة للبيهقي 1 : 189.

وفي خبر آخر : «استأذنت ربي في زيارة قبر اُمّي فأذن لي ، فزوروا القبور تذكّركم الموت» رواه مسلم في الصحيح(1).

وتزوّج بخديجة بنت خوليد وهو ابن خمس وعشرين سنة. وتوفّي عمّه أبو طالب وله ستّ وأربعون سنة وثمانية أشهر وأربعة وعشرون يوماً. وتوفّيت خديجة بعده بثلاثة أيّام ، وسمّى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ذلك العام عام الحزن(2).

وروى هشام بن عروة ، عن أبيه قال : قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : «ما زالت قريش كاعّة(3)عنّي حتّى مات أبو طالب»(4) (5).

وأقام صلی اللّه علیه و آله بمكّة بعد البعثة ثلاث عشرة سنة ، ثمّ هاجر منها إلى المدينة بعد أن استتر في الغار ثلاثة أيّام وقيل : ستّة أيّام ، ودخل المدينة يوم الاثنين الحادي عشر من شهر ربيع الاَول وبقي بها عشر سنين.

ثمّ قبض صلی اللّه علیه و آله يوم الاَثنين لليلتين بقيتا من صفر سنة إحدى عشرة من الهجرة(6).

ص: 53


1- 1. صحيح مسلم 2 : 671 / 976.
2- 2. انظر : كشف الغمة 1 : 16 ، وسيرة ابن هشام 1 : 198 ، والطبقات الكبرى 1 : 132 ، وتاريخ اليعقوبي 2 : 20 ، ومروج الذهب 3 : 15 / 1461 ، وصفة الصفوة 1 : 74 ، والكامل في التاريخ 2 : 39.
3- 3. كاعّة : خائفة وجبانة.
4- 4. لم ترد الرواية في نسخة «ط».
5- 5. كشف الغمة 1 : 16 ، دلائل النبوة للبيهقي 2 : 350.
6- (6) انظر : الكافي 1 : 346 ، كشف الغمة 1 : 16 ، وسيرة ابن هشام 2 : 130 ، وصحيح البخاري 5 : 73 ، وصحيح مسلم 4 : 1826 / 2351 ، وتاريخ الطبري 2 : 379 ، ومروج الذهب 3 : 18/1467 ، وصفة الصفوة 1 : 117 و 129 ، والكامل في التاريخ 2 : 104 و 106 و 107.

واختلف أهل بيته وأصحابه في موضع دفنه فقال أمير المؤمنين علیه السلام : «إنّ اللّه تعالى لم يقبض روح نبيّه إلاّ في أطهر البقاع فينبغي أن يدفن هناك». فأخذوا بقوله ودفنوه في حجرته التي قبض فيها صلی اللّه علیه و آله (1).

ص: 54


1- روضة الواعظين : 71 ، مناقب ابن شهر آشوب 1 : 240 ، كشف الغمة 1 : 19.

(الباب الثاني): في ذكر آياته الباهرات ومعجزاته الخارقة للعادات

اشارة

وهذه الآيات : قسمان أحدهما : ما ظهر قبل مبعثه. والآخر : ما ظهر بعد ذلك.

فأمّا ما ظهر قبل الدعوة والمبعث : فمن ذلك ما استفاض في الحديث : أنّ اُمّ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله لما وضعته رأت نواراً أضاءت له قصور الشام.

وحدّثت هي : أنّها اُتيت حين حملت برسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فقيل لها : إنّك حملت بسيد هذه الاُمة فإذا وقع على الاَرض فقولي :

اُعيذه بالواحد *** من شرّ كلّ حاسد

فإنّ آية ذلك أن يخرج معه نور يملأ قصور بُصرى من أرض الشام ، فإذا وقع فسمّيه محمّداً ، فإنّ اسمه في التوراة أحمد ، يحمده أهل السماء والاَرض ، واسمه في الاِنجيل أحمد ، يحمده أهل السماء والاَرض ، واسمه في الفرقان محمّد. قالت : فسمّيته بذلك(1).

ص: 55


1- انظر : كشف الغمة 1 : 20 ، وسيرة ابن هشام 1 : 166 ، وتاريخ الطبري 2 : 156 ، ودلائل النبوة البیهقي 1: 82 و83، والكامل في التاریخ 1 : 458

وروى أبو اُمامة قال : قيل : يا رسول اللّه ما كان بدء أمرك؟ قال : «دعوة أبي إبراهيم ، وبشرى عيسى ، ورأت اُمّي أنّه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام»(1).

ومن ذلك : ما رواه الاُستاذ أبو سعد الواعظ الزاهد الخركوشي(2)بإسناده عن مخزوم بن أبي المخزومي ، عن أبيه وقد أتت عليه مائة وخمسون سنة قال : لمّا كانت الليلة التي ولد فيها رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ارتجس(3) أيوان كسرى فسقطت منه أربع عشرة شرفة ، وخمدت نيران فارس ولم تخمد قبل ذلك بألف عام ، وغاضت بحيرة ساوة ، ورأى المؤبذان (4) أنّ إبلاً صعاباً تقود خيلاً عراباً قد قطعت دجلة فانتشرت في بلادها.

ص: 56


1- مسند الطيالسي : 155/1140 ، الطبقات الكبرى 1 : 102 ، مسند أحمد 5 : 262 ، تاريخ الطبري 2 : 165 ، دلائل النبوة للبيهقي 1 : 84.
2- الخركوشي : هو أبو سعد عبدالملك بن محمّد النيشابوري الحافظ الواعظ صاحب كتاب «شرف المصطفى». قال عنه السمعاني في الانساب : الخركوشي بفتح الخاء المعجمة وسكون الراء وضم الكاف وفي آخرها الشين ، هذه النسبة إلى خركوش وهي سكة بنيسابور كبيرة كان بها جماعة من المشاهير مثل أبي سعد عبد الملك بن أبي عثمان محمد بن إبراهيم الخركوشي ، الزاهد الواعظ ، أحد المشهورين بأعمال البر والخير ، وكان عالماً زاهداً فاضلاً ، رحل إلى العراق والحجاز وديار مصر ، وأدرك العلماء والشيوخ ، وصنّف التصانيف المفيدة - إلى أن قال - : وجاور حرم اللّه مكة ، ثم عاد إلى وطنه نيشابور ، ولزم منزله ، وبذل النفس والمال للمستورين من الغرباء والفقراء المنقطعين منهم ، وبنى داراً للمرضى بعد أن خربت الدور القديمة لهم ، ووكَّل جماعة من أصحابه لتمريضهم وحمل مياههم ، وكانت وفاته في سنة 406 ه- بنيشابور. انظر : الكنى والاَلقاب 2 : 183 ، الانساب 5 : 93.
3- ارتجس : اضطرب وتحرك حركة سُمع لها صوت «لسان العرب 6 : 95».
4- المؤبذان (بضم الميم وفتح الباء) : فقيه الفرس وحاكم المجوس. «القاموس المحيط 1 : 360».

فلمّا أصبح كسرى راعه ذلك وأفزعه وتصبّر عليه تشجّعاً ، ثمّ رأى أن لا يدّخر ذلك عن وزرائه ومرازبته(1) ، فجمعهم وأخبرهم بما هاله ، فبينا هم كذلك إذ أتاه كتاب بخمود نار فارس ، فقال المؤبذان : وأنا رأيت رؤيا ، وقصّ عليه رؤياه في الاِبل ، فقال : أيّ شيء يكون هذا يا مؤبذان ، قال : حدث يكون من ناحية العرب.

فكتب كسرى عند ذلك إلى ملك العرب النعمان بن المنذر :

أمّا بعد : فوجّه إليّ برجل عالم بما اُريد أن أسأله عنه.

فوجّه إليه بعبد المسيح بن عمرو بن بقيلة الغسّاني ، فلمّا قدم عليه أخبره بما رأى ، فقال : علم ذلك عند خال يسكن مشارق الشام ، يقال له : سطيح ، قال : فاذهب إليه فسله وائتني بتأويل ما عنده.

فنهض عبد المسيح حتّى قدم على سطيح وقد أشفى على الموت ، فسلّم فلم يحر جواباً ، فأنشأ عبد المسيح أبياتاً فيها ما أراده منه ، ففتح سطيح عينيه ثمّ قال : عبد المسيح على جمل مسيح إلى سطيح وقد أوفى على الضريح ، بعثك ملك بني ساسان : لارتجاس الاَيوان ، وخمود النيران ، ورؤيا المؤبذان ، رأى إبلاً صعاباً تقود خيلاً عراباً قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادها.

يا عبد المسيح إذا كثرت التلاوة ، وظهر صاحب الهراوة ، وفاض وادي السماوة ، وغاضت بحيرة ساوة ، وخمدت نار فارس ، فليس الشام لسطيح شاماً ، يملك منهم ملوك وملكات على عدد الشرفات ، وكلّ ما هو آت آت ، ثمّ قضى سطيح مكانه.

ص: 57


1- 1. المرزبة : كمرحلة ، رئاسة الفُرس ، وهو مرزبانهم أي أميرهم ورئيسهم. «انظر : القاموس المحيط 1 : 73».

فنهض عبد المسيح وقدم على كسرى وأخبره بما قال سطيح ، فقال : إلى أن يملك منّا أربعة عشر ملكاً كانت اُمور ، فملك منهم عشرة في أربع سنين والباقون إلى أمارة عثمان (1).

ومن ذلك : ما رواه عليّ بن إبراهيم بن هاشم ، عن أبيه ، عن رجاله قال : كان بمكّة يهوديّ يقال له يوسف ، فلمّا رأى النجوم تقذف وتتحرّك ليلة ولد النبيّ صلی اللّه علیه و آله قال : هذا نبيّ قد ولد في هذه الليلة ، لاَنّا نجد في كتبنا أنه إذا ولد آخر الاَنبياء رجمت الشاطين وحجبوا عن السماء.

فلمّا أصبح جاء إلى نادي قريش فقال : هل ولد فيكم الليلة مولود؟

قالوا : قد ولد لعبداللّه بن عبد المطّلب ابنٌ في هذه الليلة.

قال : فاعرضوه عليّ.

فمشوا إلى باب آمنة ، فقالوا لها : اخرجي ابنك ، فأخرجته في قماطه ، فنظر في عينه ، وكشف عن كتفيه فرأى شامة سوداء وعليها شعيرات ، فلمّا نظر إليه اليهوديّ وقع إلى الاَرض مغشيّاً عليه ، فتعجّبت منه قريش وضحكوا منه ، فقال : أتضحكون يا معشر قريش هذا نبيّ السيف ليبيرنّكم ، وذهب النبوة عن بني إسرائيل إلى آخر الاَبد ، وتفرّق الناس يتحدّثون بخبر اليهودي (2).

ومن ذلك : بشارة موسى بن عمران علیه السلام به في التوراة ، فلقد حدّثني من أثق به قال : مكتوب في خروج النبي من ولد إسماعيل ، وصفته

ص: 58


1- 1. كمال الدين : 191/38 ، تاريخ اليعقوبي 2 : 8 ، تاريخ الطبري 2 : 166 - 168 ، دلائل النبوة للاصبهاني 1 : 174 - 177 ، دلائل النبوة للبيهقي 1 : 126 - 129 ، الوفا بأحوال المصطفى 1 : 97 - 100 ، وفيها باختلاف يسير.
2- 2. تفسير القمي 1 : 373 و 374 ، كمال الدين : 97 ، وفيه باختلاف يسير.

هذه الاَلفاظ : لاشموعيل شمعشخوا هني بيراخت اُوثو هربيث ، اُتو هربتي واُتو بمادماد شينم آسور نسيئم وأنا تيتو الكوى كادل.

وتفسيره : إسماعيل قبلت صلاته ، وباركت فيه ، وأنميته ، وكثّرت عدده بولد له اسمه محمّد ، يكون اثنين وتسعين في الحساب ، ساُخرج اثنا عشر إماماً ملكاً من نسله ، واُعطيه قوماً كثير العدد.

ومن ذلك : ما أخبر به الثقة أنه قرأ في الاِنجيل - ذكره الشيخ أبو جعفر ابن بابويه رحمه اللّه في كتاب كمال الدين وتمام النعمة - : «إنّي أنا اللّه الدائم الذي لا أزول ، صدّقوا النبيّ الاُميّ صاحب الجمل والمدرعة والتاج - وهي العمامة - والنعلين والهراوة - وهي القضيب - الاَكحل العينين ، الصلت (1) الجبين ، الواضح الخدّين ، الاَقنى(2) الاَنف ، المفلّج(3) الثنايا ، كأنّ عنقه إبريق فضّة ، كأنّ الذهب يجري في تراقيه ، له شعرات من صدره إلى سرّته ، ليس على بطنه وصدره شعر ، أسمر اللون ، دقيق المسربة (4) ، شثن الكفّ والقدم ، إذا التفت التفت جميعاً ، وإذا مشى كأنّما ينقلع من صخر وينحدر من صبب ، وإذا جاء مع القوم بذّهم ، عرقه في وجهه كاللؤلؤ ، وريح المسك تنفح منه ، لم ير قبله مثله ولا بعده ، طيّب الريح ، نكّاح للنساء ، ذو النسل القليل ، إنّما نسله من مباركة لها بيت في الجنّة ، لا صخب فيه ولا نصب ، يكفّلها في آخر الزمان كما كفّل زكريّا اُمّك ، له فرخان مستشهدان ، كلامه القرآن ، ودينه الاِسلام وأنا السلام ، طوبى لمن أدرك زمانه ، وشهد أيّامه

ص: 59


1- 1. الصلت : الواضح. «لسان العرب 2 : 53».
2- 2. القنا : احديداب في الاَنف ، يقال رجل أقنى الاَنف وامرأة قنواء. «الصحاح - قنا - 6 : 2469».
3- 3. المفلّج : الفلج في الأسنان : تباعد ما بين الثنايا والرباعيات. «العين 6 : 127».
4- 4. المسربة : شعرات تنبت في وسط الصدر إلى أصل السرة. «العين 7 : 249».

وسمع كلامه».

فقال عيسى علیه السلام : «يا ربّ وما طوبى؟».

قال : «شجرة في الجنّة إنّما غرستها بيدي ، تظّل الجنان ، أصلها من رضوان ، ماؤها من تسنيم ، برده برد الكافور ، وطعمه طعم الزّنجبيل ، من يشرب من تلك العين شربة لم يظمأ بعدها أبداً».

فقال عيسى علیه السلام : «اللّهم اسقني منها».

قال : «حرام يا عيسى على النبيّين أن يشربوا منها حتّى يشرب ذلك النّبي ، وحرامٌ على الاُمم أن يشربوا منها حتّى تشرب اُمّة ذلك النبيّ ، أرفعك إليّ ثم اُهبطك في آخر الزمان لترى من اُمّة ذلك النبيّ العجائب ، ولتعينهم على اللعين الدجّال ، اُهبطك في وقت الصلاة لتصلّي معهم إنّهم اُمّة مرحومة» (1).

ومن ذلك : حديث سلمان الفارسي وأنّه لم يزل ينتقل من عالم إلى عالم ومن فقيه إلى فقيه ، ويبحث عن الاَسرار ، ويستدلّ بالاَخبار ، وينتظر قيام سيّد الاَولين والآخرين محمّد صلی اللّه علیه و آله أربعمائة سنة حتّى بُشّر بولادته ، فلمّا أيقن بالفرج خرج يريد تهامة فسبي. والخبر في ذلك طويل مذكور في كتاب كمال الدين (2).

ومن ذلك : حديث تّبع الملك وقوله : سيخرج من هذه - يعني مكة - نبي يكون مهاجره يثرب ، وأخذ قوماً من اليمن فأنزلهم مع اليهود بيثرب لينصروه إذا خرج ، فهم الاَوس والخزرج.

وفي ذلك يقول تبع :

ص: 60


1- 1. كمال الدين : 159/18.
2- 2. كمال الدين : 161/21.

ش-ه-دت ع-لى أح-م-د أنه *** رسول م-ن اللّه بارىء ال-ن-سم

فلو م-دّ ع-مري إلى عمره *** لكنت وزي-راً له وابن عمّ

وك-نت عذاباً على المشركين *** وأسقيهم كأس خوف وغ-مّ(1)

ومن ذلك : ما رواه أيضاً بإسناده عن عكرمة ، عن ابن عبّاس قال : كان يوضع لعبد المطّلب فراش في ظّل الكعبة لا يجلس عليه أحد إجلالاً له ، وكان بنوه يجلسون حوله حتّى يخرج عبد المطلب ، فكان رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله يخرج وهو غلام فيمشي حتّى يجلس على الفراش ، فيعظم ذلك على أعمامه ويأخذونه ليؤخّروه ، فيقول لهم عبد المطلب إذا رأى ذلك منهم : دعوا ابني فواللّه إنّ له لشأناً عظيماً ، إنّي أرى أنّه سيأتي عليكم يوم وهو سيّدكم ، إنّي أرى غرّته غرّة تسود النّاس ، ثمّ يحمله فيجلسه معه ويمسح ظهره ويقبّله ، ويقول : ما رأيت قُبلة أطيب منه ولا أطهر قطّ ، ثمّ يلتفت إلى أبي طالب - وذلك أنّ أبا طالب وعبداللّه لاُم - فيقول : يا أباطالب ، إنّ لهذا الغلام لشأناً عظيماً فاحفظه واستمسك به فإنّه فردٌ وحيدٌ ، وكن له كالاُم لا يوصل إليه بشيء يكرهه. ثمّ يحمله على عنقه فيطوف به اُسبوعاً ، وكان عبد المطلب قد علم أنّه يكره اللات والعزّى فلا يدخله عليهما.

فلمّا تمّت له ستّ سنين ماتت اُمّه آمنة بالاَبواء بين مكّة والمدينة ، وكانت قدمت به أخواله من بني عدي ، فبقي رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله يتيماً لا أب له ولا اُمّ ، فازداد عبد المطلب له رقّة وحفظاً.

وكانت هذه حاله حتّى أدرك عبد المطّلب الوفاة ، فبعث إلى أبي طالب فجاءه ومحمّد صلی اللّه علیه و آله على صدره وهو في غمرات الموت فصار يبكي ويلتفت إلى أبي طالب ويقول : يا أبا طالب أنظر أن تكون حافظاً

ص: 61


1- 1. كمال الدين : 170.

لذلك الوحيد الّذي لم يشمّ رائحة أبيه ولا ذاق شفقة اُمّه.

أنظر يا أبا طالب أن يكون من جسدك بمنزلة كبدك ، فإنّي قد تركت بنيّ كلّهم ووصيتك به لاَنّك من اُمّ أبيه.

يا أبا طالب إن أدركت أيّامه فاعلم أنّي كنت من أبصر النّاس ومن أعلم الناس به ، وإن استطعت أن تتبعه فافعل ، وانصره بلسناك ويدك ومالك ، فإنّه واللّه سيسود ويملك ما لم يملك أحدٌ من بني آبائي.

يا أبا طالب ما أعلم أحداً من آبائك مات عنه أبوه على حال أبيه ولا اُمّه على حال اُمّه ، فاحفظه لوحدته ، هل قبلت وصيّتي؟

قال : نعم قد قبلت واللّه على ذلك شاهد.

قال عبد المطّلب : فمدّ يدك إليّ.

فمدّ يده إليه فضرب يده على يده ، ثمّ قال عبد المطلّب : الآن خفّف عليّ الموت ، ثمّ ضمّه إلى صدره ولم يزل يقبّله ويقول : أشهد أنّي لم اُقبّل أحداً من ولدي أطيب ريحاً منك ولا أحسن وجهاً منك. ويتمنّى أن يكون قد بقي حتّى يدرك زمانه. فمات عبد المطلّب وهو ابن ثمان سنين ، فضمّه أبو طالب إلى نفسه لا يفارقه ساعة من ليل ولا نهار ، وكان ينام معه حتّى بلغ ، لا يأتمن عليه أحداً (1).

ومن ذلك : حديث سيف بن ذي يزن ، والرواية بذلك مشهورة ، عن أبي صالح ، عن ابن عبّاس قال : لمّا ظفر سيف بن ذي يزن بالحبشة - وذلك بعد مولود النبيّ صلی اللّه علیه و آله بسنتين - وفد العرب وأشرافها إليه وفيهم : عبد المطلب بن هاشم واُميّة بن عبد شمس ، وعبداللّه بن جذعان ، وأسد بن خويلد ، ووهب بن عبد مناف ، وغيرهم من وجوه قريش ، فقدموا

ص: 62


1- 1. كمال الدين : 171/28.

عليه صنعاء فاستأذنوا وهو في قصر ، يُقال له غمدان ، وهو الذي يقول فيه اُميّة بن أبي الصلت :

اشرب هنيئاً عليك التاج مرتفعاً *** في رأس غمدان دار منك محلالا

ثمّ ساق الحديث إلى أن قال : فأرسل إلى عبد المطّلب فادنى مجلسه ثمّ قال : يا عبد المطّلب إنّي مفض إليك من سرّ علمي أمراً لو كان غيرك لم أبح به إليه ولكنّي رأيتك معدنه فأطلعتك عليه ، فليكن عندك مطويّاً حتّى يأذن اللّه فيه فإن اللّه بالغ أمره ، إنّي أجد في الكتاب المكنون والعلم المخزون الذي اخترناه لاَنفسنا واُخبرناه دون غيرنا خبراً عظيماً وخطراً جسيماً ، فيه شرف الحياة ، وفضيلة الوفاة ، للناس عامّة ولرهطك كافّة ، ولك خاصّة.

فقال عبدالمطلب : مثلك أيّها الملك قد سرّ وبرّ فما هو؟ فداك أهلالوبر زمراً بعد زمر.

فقال : إذ ولد بتهامة غلام بين كتفيه شامّة كانت له الاِمامة ولكم به الزعامة إلى يوم القيامة.

فقال عبد المطّلب : أبيت اللعن ، لقذ إبْتُ بخير ما آب بمثله وافد ، ولولا هيبة الملك وإجلاله وإعظامه لسألته من أسراره ما أزداد به سروراً.

فقال ابن ذي يزن : هذا حينه الذي يولد فيه ، أو قد ولد فيه ، اسمه محمد ، يموت أبوه واُمّه ويكفله جدّه وعمّه ، وقد ولد سراراً ، واللّه باعثه جهاراً ، وجاعل له منّا أنصاراً ، يعزّ بهم أولياءه ويذلّ بهم أعداءه ، يضرب بهم الناس عن عرض ، ويستبيح بهم كرائم الاَرض ، يكسّر الاَوثان ، ويخمد النيران ، ويعبد الرحمن ، ويدحر الشيطان ، قوله فصل ، وحكمه عدل ، يأمر بالمعروف ويفعله ، وينهى عن المنكر ويبطله.

فقال عبد المطّلب : أيّها الملك عزّ جدّك ، وعلا كعبك ، ودام ملكك ، وطال عمرك ، فهل الملك سارّي بإفصاح فقد أوضح لي بعض الاِيضاح؟

ص: 63

فقال ابن ذي يزن : والبيت ذي الحجب ، والعلامات على النصب ، إنّك يا عبد المطّلب لجدّه غير كذب.

قال : فخرّ عبد المطلب ساجداً ، فقال له : إرفع رأسك ثلج صدرك ، وعلا أمرك ، فهل أحسست شيئاً ممّا ذكرته؟

فقال : كان لي ابن وكنت به معجباً وعليه رفيقاً ، فزوّجته كريمة من كرائم قومي آمنة بنت وهب ، فجاءت بغلام فسمّيته محمّداً ، مات أبوه وامّه وكفّلته عمّه.

قال ابن ذي يزن : إنّ الذي قلت لك كما قلت لك ، فاحتفظ بابنك ، واحذر عليه اليهود فإنّهم له أعداد ولن يجعل اللّه لهم عليه سبيلاً ، واطو ما ذكرت لك دون هؤلاء الرّهط الذي معك فإنّي لست آمن أن تدخلهم النّفاسة من أن تكون له الرّئاسة ، فيطلون له الغوائل وينصبون له الحبائل ، وإنهم فاعلون ذلك أو أبناؤهم غير شكّ ، ولولا أنّي أعلم أنّ الموت مجتاحي قبل مبعثه لسرت بخيلي ورجلي حتّى أصير بيثرب دار ملكه ، فإنّي أجد في الكتاب الناطق والعلم السابق أنّ يثرب دار ملكه ، فيها استحكام أمره ، وأهل نصرته ، وموضع قبره ، ولولا أنّي أخاف فيه الآفات ، وأحذر عليه العاهات ، لاَعلنت على حداثة سنّه أمره في هذا الوقت ، ولأوطأت أسنان العرب عقبه ، ولكنّي سأصرف ذلك إليك عن غير تقصير منّي بمن معك.

قال : ثمّ أمر لكلّ رجل من القوم بعشرة أعبد وعشر إماء وحلّتين من البرود ومائة من الاِبل وخمسة أرطال ذهب وعشرة أرطال فضّة وكرش مملوءة عنبراً.

قال : وأمر لعبد المطّلب بعشرة أضعاف ذلك ، وقال : إذا حال الحول فائتني. فمات ابن ذي يزن قبل أن يحول الحول.

قال : فكان عبد المطّلب كثيراً ما يقول : يا معشر قريش لا يغبطني رجل

ص: 64

منكم بجزيل عطاء الملك وإن كثر فإنّه إلى نفاد ، ولكن يغبطني بما يبقى لي ولعقبي من بعدي ذكره وفخره وشرفه ، فإذا قيل : وما هو؟ قال : ستعلمنّ نبأ ما أقول ولو بعد حين(1).

وقد روى هذا الحديث الشّيخ أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي في كتاب دلائل النبوّة من طريقين (2).

ومن ذلك : حديث بحيراء الراهب ، فقد أورد محمّد بن إسحاق بن يسار قال : إنّ أباطالب خرج في ركب إلى الشام تاجراً ، فلمّا تهيّأللرحيل وأجمع السير انتصب له رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فأخذ بزمام ناقته وقال : «يا عمّ إلى من تكلني لا أب لي ولا اُمّ لي؟».

فرقّ له أبو طالب فقال : واللّه لاَخرجنّ به معي ولا يفارقني ولا اُفارقه أبداً. فخرج وهو معه.

فلمّا نزل الركب بصرى من أرض الشام وبها راهب يقال له بحيراء في صومعة له ، وكان أعلم أهل النصرانية ، وكان كثيراً ما يمرّون به قبل ذلك لا يكلّمهم ولا يعرض لهم ، فلمّا نزلوا ذلك العام قريباً من صومعته صنع لهم طعاماً ، وذلك فيما يزعمون عن شيء رآه وهو في صومعته في الركب حين أقبلوا وغمامة بيضاء تظلّه من بين القوم ، ثمّ أقبلوا حتّى نزلوا بظلّ شجرة قريباً منه ، فنظر إلى الغمامة حتّى أظلّت الشجرة ، وتهصّرت (3)أغصان الشجرة على رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله حتّى استظلّ تحتها ، فلمّا رأى ذلك بحيراء نزل من صومعته - وقد أمر بذلك الطعام فصنع - ثمّ أرسل إليهم فقال :

ص: 65


1- 1. كمال الدين : 176/34 ، كنز الفوائد 1 : 187 ، دلائل النبوة للاصبهاني 1 : 114 ، الوفا بأحوال المصطفى 1 : 125 ، ونقله المجلسي في بحار الاَنوار 15 : 191/11.
2- 2. دلائل النبوة للبيهقي 2 : 9.
3- 3. تهصّرت : أي تدلّت عليه أغصانها. «انظر : النهاية 5 : 264».

إنّي صنعت لكم طعاماً يا معشر قريش وإنّي اُحبّ أن تحضروا كلّكم صغيركم وكبيركم ، وحرّكم وعبدكم.

فقال له رجل منهم : يا بحيراء إنّ لك اليوم لشأناً ، ما كنت تصنع لنا هذا الطعام وقد كنّا نمرّ بك كثيراً ، فما شأنك اليوم؟

فقال له بحيراء : صدقت قد كان ما تقول ، ولكنّكم ضيفٌ ، وقد أحببت أن اُكرمكم وأصنع لكم طعاماً تأكلون منه كلّكم.

فاجتمعوا إليه وتخلّف رسول اللّه صلّى عليه وآله وسلّم من بين القوم لحداثة سنّه في رحال القوم تحت الشجرة ، فلمّا رأى بحيراء القوم لم يجد الصفة التي يعرف فقال : يا معشر قريش لا يتخلّف أحد منكم عن طعامي هذا.

قالوا له : ما تخلّف عنّا أحد ينبغي له أن يأتيك إلاّ غلامٌ هو أحدث القوم سنّاً تخلّف في رحالهم.

قال : فلا تفعلوا ، اُدعوه حتّى يحضر هذا الطعام معكم.

فقال رجل من قريش مع القوم : واللات والعزّى إنّ هذا اللوم بنا أن يتخلّف ابن عبد المطّلب عن الطعام من بيننا.

قال : ثمّ قام إليه فاحتضنه ثمّ أقبل به حتّى أجلسه مع القوم ، فلمّا رآه بحيراء جعل يلحظه لحظاً شديداً وينظر إلى أشياء من جسده قد يجدها عنده في صفته ، حتّى إذا فرغ القوم من الطعام وتفرّقوا قام بحيراء فقال له : يا غلام أسألك باللات والعزّى إلاّ أخبرتني عمّا أسألك عنه ، وإنّما قال ذلك بحيراء لاَنّه سمع قومه يحلفون بهما.

فقال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : لا تسألني باللات والعزّى ، فواللّه ما أبغضت كبغضهما شيئاً قطّ.

فقال بحيراء : فواللّه إلاّ أخبرتني عمّا أسألك.

ص: 66

فقال : سلني عمّا بدا لك.

فجعل يسأله عن أشياء من حاله من(1)نومه وهيئته واُموره ، فجعل رسول اللّه صلّى عليه وآله وسلّم يخبره فيوافق ذلك ما عند بحيراء من صفته ، ثمّ نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من صفته التي عنده.

قال : لمّا فرغ منه أقبل على عمّه أبي طالب فقال : ما هذا الغلام منك؟

قال : ابني.

قال بحيراء : وما هو بابنك وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيّاً.

قال : فإنّه ابن أخي.

قال : فما فعل أبوه؟

قال : مات واُمّه حبلى به.

قال : صدقت ارجع بابن أخيك إلى بلده واحذر عليه اليهود ، فواللّه لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت منه ليبغيّنة شرّاً ، فإنّه كائن لابن أخيك هذا شأن فاسرع به إلى بلده.

فخرج به عمّه أبو طالب سريعاً حتّى أقدمه مكّة حين فرغ من تجارته بالشام.

فزعموا أنّ نفراً من أهل الكتاب قد كانوا رأوا من رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله في ذلك السفر الذي كان فيه مع عمّه أبي طالب أشياء فأرادوه فردّهم عنه بحيراء وذكّرهم اللّه وما يجدون في الكتاب من ذكره وصفته وأنّهم إن أجمعوا بما أرادوه لم يخلصوا إليه ، ولم يزل بهم حتّى عرفوا ما قال لهم وصدّقوه بما قال وتركوه وانصرفوا (2).

ص: 67


1- (1) سيرة ابن اسحاق : 73 ، وانظر كذلك : كمال الدين : 183/35 ، الخرائج والجرائح 1 :71/1. سيرة ابن هشام 1 : 191 ، دلائل النبوة للبيهقي 2 : 27 ، تأريخ الطبري 2 : 277 ، دلائل النبوة للاصبهاني 1 : 211/108.
2- (1) سيرة ابن اسحاق : 73 ، وانظر كذلك : كمال الدين : 183/35 ، الخرائج والجرائح 1 :71/1. سيرة ابن هشام 1 : 191 ، دلائل النبوة للبيهقي 2 : 27 ، تأريخ الطبري 2 : 277 ، دلائل النبوة للاصبهاني 1 : 211/108.

وفي ذلك يقول أبو طالب في قصيدته الدالية - أوردها محمّد بن إسحاق بن يسار - :

إنّ ابن آمنة (النبي)(1) محمّداً *** عندي بمثل منازل الاَولادِ

لمّا تعلّق بالزّمامِ رحمتهُ *** والعيشُ قد (قلصن) (2) بالاَزوادِ

(فارفضِّ) (3) من عينيّ دمعٌ ذارفٌ *** مثل الجمانِ مفرّد الاَفرادِ

راعيتُ فيه قرابة موصولة *** وحفظتُ فيه وصيّة الاَجدادِ

وأمرته بالسيرِ بين عمومةٍ *** بيضُ الوجوِه مصالت أنجادِ

ساروا لاَبعد طيّة معلذومةٍ *** ولقد تباعد طيّة المرتادِ

حتى إذا ما القوم بُصرى عاينوا *** لا قوا على شرفٍ من المرصادِ

حبراً فأخبرهم حديثاً صادقاً *** عنه وردّ معاشر الحسّادِ

قوماً يهوداً قد رأوا ما قد رأى *** ظلّ (الغمام وغرّ ذا الاكبادِ)(4)

ص: 68


1- كذا في نسخنا ، وفي ديوان شيخ الاباطح ، وكتاب شعر ابي طالب : الامين ، وهي الصواب ، لان رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله كان لم يبعث بعد حين قال أبو طالب رحمه اللّه تعالى هذا الشعر.كما ان هذا البيت برواية ابي هفان ورد هكذا :ان الامين محمّداً في قومه *** عندي يفوق منازل الاولاد
2- قلصن : ارتفعن ونهضن للمسير «انظر : لسان العرب 7 : 81».
3- ارفضّ : سال وتفرّق. «اُنظر : لسان العرب 7 : 156».
4- كذا في نسخنا وفي سيرة ابن اسحاق : وغرّ ذي الاكياد ، إلاّ أن الصواب ما ورد في ديوان شيخ الاباطح ، وشعر أبي طالب لابي هفان حيث ورد بهذا الشكل : ظل الغمامة ناغري الاكباد ، لوضوح العبارة وصحة كلماتها ، فالرواية المعروفة تذكر بان غمامة واحدة كانت تظل رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ، وهو منطقي ومعقول ، فالفرد الواحد تكفيه غمامة واحدة ، فما جدوى أكثر منها ، ومن تظل. ثمّ ان باقي الكلام الوارد في العجز اعلاه لا معنى له عكس ما جاء في الديوانين لانه يوفي بالغرض الذي جاء من أجله. فالنغر شدة الغيظ ، وحيث يقال للرجل الذي يغلي جوفه من الغيظ رجل ناغر «اُنظر : الصحاح - نغر- 2 : 833» أي ان اليهود لعنهم اللّه تعالى كانوا ينظرون إلى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله والغمامة تظله واجوافهم تضطرم غيظاً وغضباً.

( ساروا ) (1) لقتل محمّدٍ فنهاهم *** عنه وأجهد أحسن الاجتهاد (2) (3)

وأمثال ماذكرناه كثيرة ، لو قصدنا إيراد جميعها لخرجنا من الفرض المقصود بهذا الكتاب.

ص: 69


1- في الديوانين : ثاروا ، وفي سيرة ابن اسحاق كما في كتابنا.
2- في الديوانين : التجهاد ، وفي سيرة ابن اسحاق موافق لما في كتابنا.
3- اُنظر : سيرة ابن اسحاق : 76 ، شعر ابن طالب وأخباره : 63 ، ديوان شيخ الاباطح : 33
(فصل)

وأمّا ما ظهر منه صلوات اللّه عليه وآله عقيب البعث وإظهار النبوّة من الآيات والمعجزات فضربان :

أحدهما : هذا القرآن الذي أنزله اللّه سبحانه عليه وأيّده به.

والآخر : غيره من المعجزات.

فوجه الاستدلال من القرآن : أنّ كلّ عاقل سمع الاَخبار وخالط أهلها قد علم ظهور نبيّنا عليه وآله السلام وادّعاءه الرسالة من اللّه إلينا ، وأنّه تحدّى العرب بهذا القرآن الذي ظهر على يده وادعى انه اختصه اللّه به ، وان العرب مع تطاول الاَزمان لم يعارضوه ، إذا ثبت ما ذكرناه ، وعلمنا أنهم إنما لم يعارضوه لتعذّر المعارضة عليهم فهذا التعذّر معجز خارق للعادة.

فأمّا الذي يدلّ على أنّه علیه السلام تحدّى بالقرآن فهو أنّ المراد بالتحدّي أنّه كان يدّعي أنّ جبرئيل يهبط عليه بذلك ، وأنّ اللّه سبحانه قد أبانه به ، وهذا معلوم ضرورة وهو غاية التحدّي في المعنى.

وأيضاً : فأنّ آيات القرآن صريحة في التحدّي وهي قوله تعالى : ( فأتوا بِعَشرِ سُورٍ مِثِلِه) (1)وفي موضع آخر : ( فأتوا بِسورَةٍ مِن مِثِله) (2)

وأمّا الذي يدلّ على انتفاء المعارضة منهم فهو أنّه لو وقعت المعارضة لوجب ظهورها ونقلها ، فإذا لم تنقل وجب القطع على انتفائها ، وإنّما قلنا ذلك لاَنّ جميع ما يقتضي نقل القرآن من قوّة الدواعي وشدّة الحاجة وقرب العهد ثابتٌ في المعارضة ، بل المعارضة تزيد عليه ، لاَنّها كانت تكون

ص: 70


1- 1. هود 11 : 13.
2- 2. البقرة 2 : 23.

الحجّة والقرآن شبهة ، ونقل الحجّة أولى من نقل الشبهة ، وكيف لا تنقل المعارضة لو كانت وقد نقلوا كلام مسيلمة مع ركاكته وبعده عن الشبهة.

فإنّ ادّعي ان المانع من النقل هو الخوف من أهل الاِسلام وقد بلغوا من الكثرة إلى حدّ يخاف من مثلهم.

فجوابه : أنّ الخوف لا يقتضي انقطاع النقل على كلّ وجه ، وإنّما يمنع من التظاهر به.

ألا ترى أنّ فضائل أمير المؤمنين علیه السلام قد نقلت ولم ينقطع النقل بها مع الخوف الشديد من بني اُميّة والرهبة من التظاهر بها ، وكان يجب أن ينقل ذلك أعدادالاِسلام أو يكون نقلاً مكتوماً فيما بينهم.

وأيضاً فإنّ الكثرة في الاِسلام كانت بعد الهجرة ، فكان يجب نقل المعارضة قبل ذلك في مدّة مقامه بمكّة ، وإذا نقلت وانتشرت لم تكن قوّة الاِسلام موجبة بعد ذلك لخفائها إلاّ أن يدعى أنّ المعارضة لم تقع في تلك المدّة وإنّما وقعت بعد الهجرة ، وفي ذلك كفاية في إعجاز القرآن وثبوت خرق العادة به.

على أنّ الاِسلام وإن قوي حينئذٍ بالمدينة ، فقد كانت لاَهل الكفر ممالك كثيرة وبلاد واسعة ، ومملكة الفرس كانت ثابتة لم يزل ، وممالك الروم وغيرها من البلاد إلى هذه الغاية عريضة ، فكان يجب ظهور المعارضة في هذه البلاد.

وأمّا الذي يدّل على أنّ انتفاء المعارضة كان للتعذّر إنّا قد علمنا أنّ كلّ فعل يرتفع من فاعله مع توفّر دواعيه إليه وقوّة بواعثه عليه فإنّه يدلّ على تعذّره ، فإذا ثبت ذلك وعلمنا أنّ العرب تُحدّوا بالقرآن ولم يعارضوه مع شدّة حاجتهم إلى المعارضة وقوّة دواعيهم ، علمنا أنّها متعذّرة عليهم ، فإذا انضاف إلى ذلك أنّهم قد تكلّفوا الاُمور الشاقّة من الحرب وغيره ممّا لو بلغوا غاية

ص: 71

مرادهم فيه لم يكن لهم بذلك حجّة ، اتّضح الاَمر في أنّهم قد تعذّرت المعارضة عليهم ، هذا وقد دعاهم النبي صلی اللّه علیه و آله إلى المعارضة وهم ذوو الأنفة والحميّة ، وطالبهم بالرجوع عن دياناتهم ، والنزول عن رئاستهم ، والبراءة من آبائهم وأسلافهم وأبنائهم ، ومجاهدة من خالف دينه وإن كان من أنسابهم وأقربائهم ، وعلموا أنّ بالمعارضة يزول ذلك كلّه ويبطل ، فأيّ داع أقوى من هذا؟ وكيف لا يكونون مدعوّين إليها وقد تحمّلوا ضروباً من الكلف والمشاقّ كالمحاربة وبذل الاَموال ونظم الهجاء ، مع أنّ كلّ ذلك لا يغني ، فلو تيسّرت لهم المعارضة لبادروا إليها ، إذ كانت أسهل ممّا تكلّفوه وتحمّلوه وأحسم للمادّة من كلّ ما فعلوه.

وأمّا الذي يدلّ على أنّ تعذّر المعارضة كان على وجه الاِعجاز هو أنّ ما يمكن أن يدّعى في ذلك أن يقال أنّه علیه السلام كان أفصحهم فتأتّى له ما لم يتأت لهم ، أو يقال : إنّه تعمّل زماناً لم يكن طويلاً فلم يتمكّنوا مع قصر الزمان من معارضته ، فإذا بطل هذان الوجهان لم يبق إلا أنّ هذا التعذّر غير معهود ، فهو خارق للعادة.

والذي يدلّ على فساد الوجه الاَول : أنّ المطلوب في المعارضة ما يقارب الفصاحة ، والاَفصح يقاربه في كلامه وفصاحته من هو دون طبقته ، فإذا لم يماثلوه ولم يقاربوه فقد انتقضت العادة ، وأيضاً فإنّ الاَفصح إنّما تمتنع مساواته ومجاراته في جميع كلامه أو أكثره وليس تمتنع مجاراته ومساواته في البعض منه على من هو دون طبقته ، بهذا جرت العادة ، ولهذا فقد ساوت الطبقة المتأخّرة من الشعراء الطبقة المتقدمة منهم في البيت والاَبيات ، وربما زادوا عليهم في القليل ، وإذاكان التحدّي وقع بصورة قصيرة من عرض القرآن فكونه أفصح لا يمنع من مساواته في هذا القدر اليسير ، وأيضاً فليس يظهر من كلامه علیه السلام فصارحة تزيد على فصاحة غيره من القوم ، ولو

ص: 72

كان أفصحهم وكان القرآن من كلامه لظهرت المزيّة في كلامه على كلّ كلام في الفصاحة كما ظهرت مزيّة القرآن.

وأمّا الذي يدلّ على فساد الوجه الثاني - وهو إنّه تعمّل زماناً طويلاً - : فهو أنّه كان ينبغي أن يتعمّلوا مثله فيعارضوه به مع امتداد الزّمان ، فإذا ثبت أنّ التعذّر خارق للعادة فلابدّ من أحد أمرين : إمّا أن يكون القرآن نفسه خرف العادة بفصاحته فلذلك لم يعارضوه ، وإمّا أن يكون اللّه تعالى صرفهمعن معارضته ولولا الصرف لعارضوه ، وأيّ الاَمرين كان ثبتت معه صحّة النبوّة ، لاَنّ اللّه تعالى لا يصدق كاذباً ، ولا يخرق العادة لمبطل ، ولو ذهبنا نَصِفُ ما سطَّره المتكلّمون في هذا الباب من الكلام وما فيه من السؤال والجواب لطال به الكتاب ، وفيما ذكرنا ههنا مقنع وكفاية لذوي الاَلباب.

***

ص: 73

(فصل): في ذكر بيان بعض معجزات النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم

وأما المعجزات الباهرة الدلاه على نبوته - التي هي سوى القرآن - فكثيرة أثبتنا متونها وحذفنا أسانيدها لاشتهارها بين الخاص والعام وتلقي الاَمّة إياها بالقبول التام :

فمنها : مجيء الشجرة إليه ، ذكرها أمير المؤمنين علیه السلام في خطبته القاصعة قال : «لقد كنت معه صلی اللّه علیه و آله لمّا أتاه الملأ من قريش فقالوا له : يا محمّد إنّك قد ادّعيت عظيماً لم يدّعه آباؤك ولا أحد من بيتك ، ونحن نسألك أمراً إن أجبتنا إليه وأريتناه علمنا أنّك نبيّ ورسولُ ، وإن لم تفعل علمنا أنّك ساحرٌ كذّاب.

فقال لهم : وما تسألون؟

قالوا : تدعو لنا هذه الشجرة حتّى تنقلع بعروقها وتقف بين يديك.

فقال صلی اللّه علیه و آله : إنّ اللّه على كلّ شيء قدير ، فإن فعل ذلك بكم أتؤمنون وتشهدون بالحقّ؟

قالوا : نعم.

قال : فإنّي ساُريكم ما تطلبون وإنّي لاَعلم أنّكم لا تفيئون إلى خير ، وإنّ فيكم من يطرح في القليب ومن يحزّاب الأحزاب ، ثمّ قال : أيّتها الشجرة إن كنت تؤمنين باللّه واليوم الآخر وتعلمين أنّي رسول اللّه فانقعلي بعروقك حتّى تقفي بين يدّي بإذن اللّه.

ص: 74

فالذي بعثه بالحقّ ، لانقلعت بعروقها وجاءت ولها دوي شديد وقصف كقصف أجنحة الطير حتّى وقفت بين يدي رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله مرفوفة ، وألقت بغصنها الاَعلى على رأس رسول اللّه وببعض أغصانها على منكبي ، وكنت عن يمينه صلی اللّه علیه و آله وسلم.

فلمّا نظر القوم إلى ذلك قالوا علوّاً واستكباراً : فمرها فليأتك نصفها ويبقى نصفها ، فأمرها بذلك فأقبل إليه نصفها كأعجب إقبال وأشدّه دويّاً فكادت تلتف برسول اللّه.

فقالوا كفراً وعتوّاً : فمر هذا النصف فليرجع إلى نصفه ، فأمره صلی اللّه علیه و آله فرجع.

فقلت أنا : لا إله إلا اللّه ، إنّي أوّل مؤمن بك يا رسول اللّه ، وأوّل من آمن بأنّ الشجرة فعلت ما فعلت بأمر اللّه تصديقاً لنبوّتك وإجلالاً لكلمتك.

فقال القوم : بل ساحرٌ كذّاب ، عجيب السحر ، خفيف فيه ، وهل يصدّقك في أمرك غير هذا؟! يعنونني» (1).

ومنها : خروج الماء من بين أصابعه ، وذلك أنّهم كانوا معه في سفر فشكوا أن لا ماء معهم وأنّهم بعرض التلف وسبيل العطب فقال : «كلاّ إنّ معي ربّي عليه توكّلت» ثمّ دعا بركوة فصبّ فيها ماء ما كان ليروي رجلاً ضعيفاً ، وجعل يده فيها فنبغ الماء من بين أصابعه ، وصيح في الناس فشربوا وسقوا حتّى نهلوا وعلّوا وهم اُلوف وهو يقول : «أشهد أنّي رسول اللّه حقّاً» (2) .

ص: 75


1- نهج البلاغة 2 : 183/ ذيل الخطبة 187 ، ونقلها المجلسي في بحار الاَنوار 17 : 389 / 59.
2- انظر : الخرائج والجرائح 1 : 28 / 17 ، وكشف الغمة 1 : 23 - 24 ، وصحيح البخاري 4 : 234 ، والاَنوار في شمائل النبي المختار 1 : 105 ، ونقله المجلسي في بحار الاَنوار 18 : 27 / 10.

ومنها : حنين الجذع الذي كان يخطب عنده صلوات اللّه عليه ، وذلك أنّه كان في مسجده بالمدينة يستند إلى جذع فيخطب الناس ، فلمّا كثر الناس اتّخذوا له منبراً ، فلمّا صعده حنّ الجذع حنين الناقة فقدت ولدها ، فنزل رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فضمّه إليه ، فكان يئنّ أنين الصبيّ الذي يُسكت (1).

ومنها : حديث شاة اُمّ معبد ، وذلك أنّ النبي صلی اللّه علیه و آله لمّا هاجر من مكّة ومعه أبو بكر وعامر بن فهيرة ودليلهم عبداللّه بن ارُيقط اللّيثي ، فمرّوا على اُمّ معبد الخزاعيّة ، وكانت امرأة برزة تحتبي وتجلس بفناء الخيمة ، فسألوا تمراً ولحماً ليشتروه ، فلم يصيبوا عنده شيئاً من ذلك ، وإذا القوم مرمّلون ، فقالت : لو كان عندنا شيء ما أعوزكم القرى ، فنظر رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله في كسر خيمتها فقال : «ما هذه الشاة يا اُمّ معبد»؟

قالت : شاة خلّفها الجهد عن الغنم.

فقال : «هل بها من لبن»؟

قالت : هي أجهد من ذلك.

قال : «أتأذنين في أن أحلبها»؟

قالت : نعم بأبي أنت واُمّي إن رأيت بها حلباً فاحلبها.

فدعا رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله بالشّاة فمسح ضرعها وذكر اسم اللّه وقال : «اللّه بارك في شاتها» فتفاجت (2) ودرّت ، فدعا رسول اللّه

ص: 76


1- 1. انظر : الخرائج والجرائح 1 : 165 / 255 ، ومناقب ابن شهر آشوب 1 : 90 ، وكشف الغمة 1 : 24 ، وصحيح البخاري 4 : 237 ، ودلائل النبوة للبيهقي 2 : 556 و 561 ، والوفا باحوال المصطفى 1 : 322 و 323 ، والاَنوار في شمائل النبي المختار 1 : 134 / 145.
2- 2. تفاجت : أي فتحت ما بين رجليها. انظر «الصحاح - فجج - 1 : 333».

صلی اللّه علیه و آله بإناء لها يريض الرهط (1)فحلب فيه ثجّاً(2) حتّى علته الثمال (3) ، فسقاها فشربت حتّى رويت ، ثم سقى أصحابه فشربوا حتّى رووا ، فشرب علیه السلام آخرهم وقال : «ساقي القوم آخرهم شرباً» فشربوا جميعاً عللاً بعد نهل حتّى أراضوا ، ثم حلب فيه ثانياً عوداً على بدء ، فغادوا عندها ثمّ ارتحلوا عنها.

فقلّما لبثت أن جاء زوجها أبو معبد يسوق عنزاً عجافاً هزلى مخهنّ قليل ، فلمّا رأى اللبن قال : من أين لكم هذا والشاة عازب ولا حلوبة في البيت؟

قالت : لا واللّه ، إلاّ أنّه مرّ بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت وكيت. الخبر بطوله (4).

ومنها : خبر سراقة بن جعشم الذي اشتهر في العرب ، يتقاولون فيه الاَشعار ، ويتفاوضونه في الديار ، أنّه تبعه وهو متوجّه إلى المدينة طالباً لغرتّه ليحظى بذلك عند قريش ، حتّى إذا أمكنته الفرصة في نفسه ، وأيقن ان قد ظفر ببغيته ، ساخت قوائم فرسه ، حتّى تغّيبت بأجمعها في الاَرض ، وهو

ص: 77


1- 1. يريض الرهط : قال ابن الاَثير في النهاية (2 : 277) : وفي حديث أم معبد «فدعا بإناء يريض الرهط» أي يرويهم بعض الري ، من أراض الحوض إذا صب فيه من الماء ما يوار أرضه.
2- 2. ثجّاً : أي انصب بشدة. انظر : «العين 6 : 13».
3- 3. الثمال : بالضم ، جمع ثمالة ، وهي الرغوة ، وقد أثمل اللبن أي كثرت ثمالته. «الصحاح - ثمل - 4 : 1649».
4- 4. كشف الغمة 1 : 24 ، الثاقب في المناقب : 85 / 68 ، الطبقات الكبرى 1 : 230 ، مستدرك الحاكم 3 : 9 ، دلائل النبوة للاصفهاني 2 : 436 / 238 ، دلائل النبوة للبيهقي 1 : 278 ، الوفا بأحوال المصطفى 1 : 242 ، صفة الصفوة 1 : 137 ، البداية والنهاية 3 : 192 ، الاصابة 4 : 497 ، ونقله عنه المجلسي في بحار الاَنوار 18 : 43/30.

بموضع جدب وقاع صفصف(1) ، فعلم أنّ الذي أصابه أمر سماوي ، فنادى : يا محمّد ادع ربك يطلق لي فرسي وذمّة اللّه عليّ أن لا أدلّ عليك أحداً.

فدعا له فوثب جواده كأنّه أفلت من انشوطة ، وكان رجلاً داهية وعلم بما رأى أنّه سيكون له نبأ ، فقال : اكتب لي أماناً ، فكتب له فانصرف (2).

قال محمّد بن إسحاق : إنّ أبا جهل قال في أمر سراقة أبياتاً فأجابه سراقة :

أبا حكم واللات لو كنت شاه-داً *** لاَمر جوادي إذ تس-ي-خ قوائ-مه

عجبت ولم تشكك بأنّ م-ح-مداً *** ن-ب-يّ وبره-ان ف-من ذا يكاتمه

عليك بكفّ الناس عنه فإنّني *** أرى أمره يوماً ستبدو م-عالمه(3)

وروي : أنّ النبي صلی اللّه علیه و آله كان يقول لاَبي بكر : «أله الناس عنّي فإنّه لا ينبغي لنبيّ أن يكذب» فكان أبو بكر إذا سئل : ما أنت؟ قال : باغ. فإذا قيل من الذي معك؟ قال : هاد يهديني(4).

ومنها : حديث الغار ، وأنّه عليه وآله السلام لمّا أوى إلى غار بقرب مكّة يعتوره النزّال(5) ويأوي إليه الرعاء متوجهه إلى الهجرة ، فخرج القوم في طلبه ، فعمى اللّه أثره وهو نصب أعينهم ، وصدّهم عنه وأخذ بأبصارهم دونه وهم

ص: 78


1- 1. الصفصف : المستوي من الاَرض «الصحاح - صفف - 4 : 1378».
2- 2. الكافي 8 : 263 / 378 ، الخرائج والجرائح 1 : 23 / 1 ، مناقب ابن شهر آشوب 1 : 71 ، كشف الغمة 1 : 25 ، دلائل النبوة للاصبهاني 2 : 426 ، اُسد الغابة 2 : 264 ، الكامل في التاريخ 2 : 105 ، البداية والنهاية 3 : 185 ، باختلاف في بعضها ، ونقله المجلسي في بحار الاَنوار 17 : 387/53.
3- 3. دلائل النبوة للاصبهاني 2 : 435 ، دلائل النبوة للبيهقي 2 : 489 ، البداية والنهاية 3 : 186 ، ونقله المجلسي في بحار الاَنوار 17 : 387 / 54.
4- 4. كشف الغمة 1 : 26 ، الطبقات الكبرى 1 : 234 ، دلائل النبوة للبيهقي 2 : 489.
5- 5. يعتوره النزّال : يرتاده المسافرون والمارّون بكثرة ، انظر «العين 2 : 237».

دهاة العرب ، وبعث سبحانه العنكبوت فنسجت في وجه النبي صلی اللّه علیه و آله فسترته ، وآيسهم ذلك من الطلب فيه.

وفي ذلك يقول السيّد الحميري في قصيدته المعروفة بالمذهّبة :

حتّى إذا قص-دوا لباب مغاره *** ألفوا عليه نسيج غ-زل ال-ع-ن-كب

ص-نع الاِله له فقال ف-ري-ق-هم *** ما في المغار ل-طالب م-ن مطل-ب

م-ي-لوا وصدّهم المليك ومن يرد *** عنه الدفاع م-ل-ي-ك-ه لا ي-عطب

وبعث اللّه حمامتين وحشيّتين فوقعتا بفم الغار ، فأقبل فتيان قريش من كلّ بطن رجل بعصيّهم وهراواهم وسيوفهم ، حتّى إذا كانوا من النبي صلی اللّه علیه و آله بقدر أربعين ذراعاً تعجّل رجل منهم لينظر من في الغار ، فرجع إلى أصحابه فقالوا له : ما لك لا تنظر في الغار؟ فقال : رأيت حمامتين بفم الغار فعلمت أن ليس فيه أحد ، وسمع النبي صلی اللّه علیه و آله ما قال ، فدعا لهنّ النبي صلی اللّه علیه و آله وفرض جزاءهنّ فانحدرن في الحرم (1).

ومنها : كلام الذئب ، وذلك أنّ رجلاً كان في غنمه يرعاها ، فأغفلها سويعة من نهاره ، فعرض ذئب فأخذ منها شاة ، فأقبل يعدو خلفه فطرح الذئب الشاة ثم كلّمه بكلام فصيح فقال : تمنعني رزقاً ساقه اللّه إليّ ، فقال الرجل : يا عجباً الذئب يتكلم! فقال : أنتم أعجب وفي شأنكم للمعتبرين عبرة ، هذا محمّد يدعو إلى الحقّ ببطن مكّة وأنتم عنه لاهون ، فأبصر الرجل رشده وأقبل حتّى أسلم وأبقى لعقبه شرفاً لا تخلقه الاَيّام يفخرون به على العرب والعجم

ص: 79


1- 1. انظر : الخرائج والجرائح 1 : 25 / 5 ، وكشف الغمة 1 : 26 ، والطبقات الكبرى 1 : 228 ، ودلائل النبوة للاصبهاني 2 : 419 / 220 ، ودلائل النبوة للبيهقي 2 : 482 ، ونقله المجلسي في بحار الاَنوار 17 : 392 / 2.

يقولون : إنّا بنو مكلّم الذئب (1).

ومنها : كلام الذراع ، وهو أنّه اُوتي بشاة مسمومة أهدتها له امرأة من اليهود بخيبر ، وكانت سألت أيّ شيء أحبّ إلى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله من الشاة؟ فقيل لها : الذراع ، فسمّت الذّراع ، فدعا صلی اللّه علیه و آله أصحابه إليه فوضع يده ، ثمّ قال : «ارفعوا فإنّها تخبرني أنّها مسمومة».

ولو كان ذلك لعلّة الارتياب باليهوديّة لما قبلها بدءاً ولا جمع عليها أصحابه ، وقد كان صلی اللّه علیه و آله تناول منها أقلّ شيء قبل أن تكلِّمه فكان يعاوده كلّ سنة حتّى جعل اللّه ذلك سبب الشهادة ، وكان ذلك باباً من التمحيص ليُعلم أنّه مخلوق وعبد (2).

ومنها : أن أصحابه صلوات اللّه عليه وآله أرملوا وضاقت بهم الحال وصاروا بمعرض الهلاك لفناء الاَزواد يوم الاَحزاب ، فدعاه رجل من أصحابه إلى طعامه فاحتفل القوم معه ، فدخل وليس عند القوم إلاّ قوت رجل واحد أو رجلين ، فقال رسول اللّه صلّى عليه وآله وسلّم : «غطّوا إناءكم» ثمّ دعا وبرّك عليه وقدّمه والقوم اُلوف فأكلوا وصدروا كأن لم يسغبوا قطّ شباعاً رواءً ، والطعام بحاله لم يفقدوا منه شيئاً(3).

ص: 80


1- 1. انظر : امالي الطوسي 1 : 12 ، والخرائج والجرائح 1 : 27 / 12 ، والثاقب في المناقب : 71/54 ، وكشف الغمة 1 : 27 ، ومسند أحمد 3 : 83 ، ودلائل النبوة للاصفهاني 2 : 482/270 و 271 ، ودلائل النبوة للبيهقي 6 : 41 ، والبداية والنهاية 6 : 143.
2- 2. انظر : كنز الفوائد 1 : 173 ، والخرائج والجرائح 1 : 27 / 13 ، ومناقب ابن شهر آشوب 1 : 91 ، والثاقب في المناقب : 80 / 64 ، وكشف الغمة 1 : 27 ، ودلائل النبوة للبيهقي 4 : 259.
3- 3. انظر : الخرائج والجرائح 1 : 27 / 14 ، ومناقب ابن شهر آشوب 1 : 103 ، ودلائل النبوة للبيهقي 3 : 443 ، ونقله المجلسي في بحار الاَنوار 18 : 26 / 7.

ومنها : أنّه اجتمع إليه فقراء قومه وأصحابه في غزوة تبوك وشكوا الجوع ، فدعا بفضلة زاد لهم ، فلم يوجد لهم إلاّ بضع عشرة تمرة فطرحت بين يديه ، فانحفل القوم فوضع يده عليها وقال : «كلوا بسم اللّه» فأكل القوم حتّى شبعوا وهي بحالها يرونها عياناً (1).

ومنها : أنّه صلی اللّه علیه و آله ورد في هذه الغزاة على ماء لا يبل حلق واحد والقوم عطاش ، فشكوا ذلك إليه فأخذ سهماً من كنانة فدفعه إلى رجل من أصحابه ثمّ قال له : «أنزل فاغرزه في الركي(2) فنزل فغرزه فيه ففار الماء وطما إلى أعلى الركي ، فارتوى القوم للمقام والظعن وهم ثلاثون ألفاً ، ورجال من المنافقين حضور الاَبدان غائبو العقول(3).

ومنها : ان ظبية كلّمته حين وقعت في شبكة فقالت : يا رسول اللّه إنّ لي طفلاً يحتاج إلى لبن وإنّي قد وقعت في هذه الشبكة فخلّني حتّى اُرضعه ، فقال صلی اللّه علیه و آله : «كيف اُخلّيك وصاحب الشبكة غائب»؟ قالت : إنّي أرجع ، فخلاّها وجلس حتّى رجعت الظبية وجاء صاحبها فشفّع رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله حتّى خلّى سبيلها ، فاتّخذ القوم من ذلك الموضع مسجداً (4).

ومنها : أنّ قوماً شكوا إليه ملوحة مائهم وأنّهم في جهد من الظمأ وبعد

ص: 81


1- 1. انظر : كنز الفوائد 1 : 170 ، والخرائج الجرائح 1 : 28 /15 ، والثاقب في المناقب : 52 / 19 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 18 : 27 / 8.
2- 2. الركي : جمع ركية ، وهي البئر. انظر «العين 5 : 402».
3- 3. انظر : الخرائج والجرائح 1 : 28 / 16 ، والثاقب في المناقب : 45 / 7 ، ودلائل النبوة للبيهقي 4 : 112.
4- 4. انظر : الخرائج والجرائح 1 : 37 / 41 ، ودلائل النبوة للاصبهاني 2 : 485 ، ودلائل النبوة للبيهقي 6 : 34 ، والفا بأحوال المصطفى 1 : 335.

المناهل ، وأن لا قوّه لهم على شربه ، فجاء معهم في جماعة أصحابه حتّى أشرف على بئرهم فتفل فيها ثمّ انصرف ، وكانت مع ملوحتها غائرة ، فانفجرت بالماء العذب الفرات ، فها هي يتوارثها أهلها ويعدّونها أسنى مفاخرهم وأجلّ مكارمهم ، وإنّهم لصادقون.

وكان ممّا أكّد اللّه به صدقه ، أنّ قوم مسيلمة سألوه مثلها لمّا بلغهم ذلك ، فأتى بئراً فتفل فيها فعادت ماؤها ملحاً اُجاجاً كبول الحمار ، وهي إلى اليوم بحالها معروفة المكان (1).

ومنها : أنّ امرأة أتته بصبيّ لها ترجو البركة بأن يمسّه ويدعو له ، وكانت به عاهة ، فرحمها- والرحمة صفته صلی اللّه علیه و آله - فمسح يده على رأس الصبيّ فاستوى شعره وبرىء داؤه ، وبلغ ذلك أهل اليمامة فأتت مسيلمة امرأة بصبيّ لها فمسح رأسه فصلع وبقي نسله إلى يومنا هذا صلعاً(2).

ومنها : أنّ قوماً من عبد القيس أتوه بغنم لهم فسألوه أن يجعل لها علامة تذكر بها ، فغمز إصبعه في اُصول آذانها فابيضّت ، فهي إلى اليوم معروفة النسل ظاهرة الأمر (3).

ومنها : حديث الاستسقاء ، وأنّ أهل المدينة مطروا حتّى أشفقوا من خراب دورها وانهدام بنيانها ، فقال صلی اللّه علیه و آله : «اللّهم حوالينا

ص: 82


1- 1. انظر : الخرائج والجرائح 1 : 28 / 18 ، ومناقب ابن شهر آشوب 1 : 117 ، ونقله المجلسي في بحار الاَنوار 18 : 28 / 11.
2- 2. أورده الراوندي في الخرائج والجرائح 1 : 29 / 19 ، وابن شهر آشوب في المناقب1 : 116 ، ونقله المجلسي في بحار الاَنوار 18 : 8 / 8.
3- 3. انظر : كنز الفوائد 1 : 171 ، والخرائج والجرائح 1 : 29 / 20 ، ومناقب ابن شهر آشوب 1 : 120.

ولا علينا» فانجاب السحاب عن المدينة وأطاف حولها مستديراً كالاِكليل والشمس طالعة في المدينة والمطر يهطل على ما حولها ، يرى ذلك ظاهراً مؤمنهم وكافرهم ، فضحك رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله حتّى بدت نواجذه وقال : «لله درّ أبي طالب لو كان حياً قرّت عيناه ، من ينشدنا قوله؟».

فقام أمير المؤمنين علیه السلام فقال : « يا رسول اللّه كأنّك أردت قوله :

وأبيض يستسقى الغمام آل بوجهه *** ثمال (1)اليتامى عصمة للأرامل

يطوف به الهلاّك من آل هاشم *** فهم عنده في نعمة وفواضل » (2)

ومنها : أنّه صلی اللّه علیه و آله أخذ يوم بدر ملء كفّه من الحصباء فرمى بها وجوه المشركين وقال : «شاهت الوجوه» فجعل اللّه سبحانه لتلك الحصباء شأناً عظمياً ، لم تترك من المشركين رجلاً إلاّ ملأت عينيه ، وجعل المسلمون والملائكة يقتلونهم ويأسرونهم ويجدون كلّ رجل منهم منكباً على وجهه لا يدري أين يتوجّه يعالج التراب ينزعه من عينيه (3).

ومنها : أمر ناقته حين افتقدت فأرجف المنافقون وقالوا : ينبئنا بخبر السماء وهو لا يدري أين ناقته! فلمّا خاف صلوات اللّه عليه وآله على المؤمنين وساوس الشيطان دلّهم عليها ووصف لهم حالها والشجرة التي هي

ص: 83


1- 1. الثمال بالكسر : الغياث ، يقال ثمال قومه ، أي غياث لهم يقوم بأمرهم «الصحاح - ثمل - 4 : 1649».
2- 2. أمالي المفيد : 301 / 3 ، أمالي الطوسي 1 : 73 بزيادة ، الخرائج والجرائح 1 : 29 / 21 ، الثاقب في المناقب : 89 صدر الحديث ، المصنف للصنعاني3 : 91 / 4910 ، صحيح البخاري 2 : 35 ، صحيح مسلم 2 : 612 / 897 ، سنن أبي داود 1 : 304 / 1174 ، سنن البيهقي 3 : 353 ، دلائل النبوة للبيهقي 6 : 140 نحوه.
3- 3. انظر : كنز الفوائد 1 : 169 ، وسيرة ابن هشام 2 : 280 ، ودلائل النبوة للاصبهاني 2 : 604 / 400 ، ودلائل النبوة للبيهقي 3 : 81 ، والكامل في التاريخ 2 : 126 ، ونقله المجلسي في بحار الاَنوار 18 : 72/26.

متعلّقة بها ، فأتوها فوجدوها كما وصف (1).

ومنها : أنّ القمر انشقّ له نصفين بمكّة في أوّل مبعثه ، وقد نطق به القرآن ، وقد صحّ عن عبداللّه بن مسعود أنّه قال : انشق القمر حتّى صار فرقتين فقال كفّار أهل مكّة : هذا سحر سَحَرَكم به ابن أبي كبشة (2) ، انظروا السفّار فإن كانوا رأوا ما رأيتم فقد صدق ، وإن كانوا لم يروا ما رأيتم فهو سحر سحركم به ، قال : فسئل السفّار وقد قدموا من كلّ وجه فقالوا : رأيناه(3).

استشهد البخاريّ في الصحيح بهذا الخبر في أنّ ذلك كان بمكّة(4).

ومنها : أنّ رجلاً من أصحابه اُصيب بإحدى عينيه في بعض مغازيه فسالت حتّى وقعت على خدّه ، فأتاه مستغيثاً به ، فأخذها بيده فردّها مكانها ، فكانت أحسن عينيه وأصحّهما وأحدّهما نظراً (5).

ومنها : أن أبا براء ملاعب الاَسنّة كان به استسقاء فبعث إليه لبيد بن ربيعة وأهدى له فرسين ونجائب ، فقال علیه السلام : «لا أقبل هديّة مشرك».

قال لبيد : ما كنت أرى أنّ رجلاً من مضر يرد هديّة أبي براء.

ص: 84


1- 1. انظر : كنز الفوائد 1 : 170 ، وقصص الاَنبياء للراوندي : 308 / 380 ، والخرائج والجرائح 1 : 30 / 25 ، وسيرة ابن هشام 4 : 166 ، وتاريخ الطبري 3 : 106 ، والكامل في التاريخ 2 : 279 ، ونقله المجلسي في بحار الاَنوار 18 : 109 / 11.
2- 2. ذكر ابن الاَثير في النهاية (4 : 144) : ان المشركين كانوا ينسبون النبي صلی اللّه علیه و آله إلى أبي كبشة ، وهو رجل من خزاعه خالف قريشاً في عبادة الاَوثان ، وعبد الشعرى العبور ، فلما خالفهم النبي صلی اللّه علیه و آله في عبادة الاَوثان شبهوه به.
3- 3. اُنظر : دلائل النبوة للاصفهاني 1 : 370 ، ودلائل النبوة للبيهقي 2 : 266 ، والوفا بأحوال المصطفى 1 : 273 ، وصفة الصفوة 1 : 91 ، ونقله المجلسي في بحار الاَنوار 17 : 357 / 13.
4- 4. صحيح البخاري 6 : 178.
5- 5. انظر : الخرائج والجرائح 1 : 32 / 30 ، والثاقب في المناقب : 62 / 34 و 64 / 41 ، ودلائل النبوة للاصبهاني 2 : 621 / 416 ، ونقله المجلسي في بحار الاَنوار 18 : 8 / 9.

فقال صلی اللّه علیه و آله : «لو كنت قابلاً هديّة من مشرك لقبلتها».

قال : فإنّه يستشفيك من علّة أصابته في بطنه.

فأخذ بيده حثوة من الاَرض فتفل عليها ثمّ أعطاه وقال : دفها بماء ثمّ اسقه إياّه فأخذها متعجّباً يرى أنّه قد استهزأ به ، فأتاه فشربه ، وأطلق من مرضه كأنّما اُنشط من عقال(1).

ومنها : شكوى البعير إليه عند رجوعه إلى المدينة من غزوة بني ثعلبة ، فقال : «أتدرون ما يقول هذا البعير»؟

قال جابر : قلنا : اللّه ورسوله أعلم.

قال : «فإنّه يخبرني أنّ صاحبه عليه حتّى إذا أكبره وأدبره(2)وأهزله أراد نحره وبيعه لحماً ، يا جابر إذهب معه إلى صاحبه فأتني به».

قال : قلت : واللّه ما أعرف صاحبه.

قال : «هو يدلّك».

قال : فخرجت معه حتى انتهيت إلى بني حنظلة أو بني واقف ، قلت : أيّكم صاحب هذا البعير؟ قال بعضهم : أنا ، قلت : أجب رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله .

فجئت أنا وهو والبعير إلى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فقال : بعيرك هذا يخبرني بكذا وكذا».

قال : قد كان ذلك يا رسول اللّه.

قال : «فبعنيه».

ص: 85


1- 1. انظر : الخرائج والجرائح 1 : 33 / 32 ، ومناقب ابن شهر آشوب 1 : 115 ، والمغازي للواقدي 1 : 350 ، ونقله المجلسي في بحار الاَنوار 18 : 22 / 50.
2- 2. الدَبَر (بالتحريك) : الجرح الذي يكون في ظهر البعير ، وقيل : هو أن يقرح خف البعير «النهاية 2 : 97».

قال : هو لك.

قال : «بل بعنيه» فاشتراه منه رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ثمّ ضرب على صفحته فتركه يرعى في ضواحي المدينة ، فكان الرجل منّا إذا أراد الروحة والغدوة منحه رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله .

قال جابر : فرأيته وقد ذهبت دبرته ورجعت إليه نفسه(1).

ومنها : أنّ أبا جهل عاهد اللّه أن يفضخ رأسه صلی اللّه علیه و آله بحجر إذا سجد في صلاته ، فلمّا قام رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله يصلّي وسجد - وكان إذا صلّى صلّى بين الركنين : الاَسود واليماني وجعل الكعبة بينه وبين الشام - احتمل أبو جهل الحجر ، ثمّ أقبل نحوه حتّى إذا دنا منه رجع منتقعاً (2) لونه مرعوباً ، قد يبست يداه على حجرة حتّى قدف الحجر من يده وقام إليه رجال من قريش فقالوا : ما لك يا أبا الحكم؟ قال : عرض لي دونه فحل من الاِبل ما رأيت مثل هامته ولا قصرته ولا أنيابه لفحل قطّ فهمّ أن يأكلني(3).

ومنها : أنّ أبا جهل اشترى من رجل طارىء بمكّة إبلاً فبخسه أثمانها ولواه بحقّه ، فأتى الرجل نادي قريش مستجيراً بهم وذكّرهم حرمة البيت فأحالوه على النبي صلی اللّه علیه و آله استهزاءً به ، فأتاه مستجيراً به ،

ص: 86


1- 1. بصائر الدرجات : 370 / 11 ، الاختصاص : 299 بتفصيل ، قصص الأنبياء للرواندي : 288 / 356 نحوه.
2- 2. انتقع لونه : أي ذهب دمه وتغيرت جلدة وجهه أمّا من خوف وأمّا من مرض. انظر «لسانالعرب 8 : 363».
3- 3. انظر : تفسير القمي 2 : 212 ، وسيرة ابن هشام 1 : 319 ، ودلائل النبوة للبيهقي 2 : 190 ، ونقله المجلسي في بحار الاَنوار 18 : 240 / 86.

فمضى معه ودقّ الباب على أبي جهل فعرفه فخرج منخوب(1)العقل فقال : أهلاً بأبي القاسم.

فقال له : «اعط هذا حقّه».

قال : نعم ، وأعطاه من فوره.

فقيل له في ذلك ، فقال : إنّي رأيت ما لم تروا ، رأيت واللّه على رأسه تنّيناً فاتحاً فاه ، واللّه لو أبيت لا لتقمني(2).

ومنها : ما روته أسماء بنت أبي بكر قالت : لمّا نزلت ( تَبّت يَدا أبي لَهَبٍ ) أقبلت العوراء اُمّ جميل بنت حرب ولها ولولة وهي تقول : مذمّماً أبينا ، ودينه قلينا ، وأمره عصينا. والنبي صلی اللّه علیه و آله جالس في المسجد ومعه أبو بكر ، فلمّا رآها أبو بكر قال : يا رسول اللّه قد أقبلت وأنا أخاف أن تراك.

فقال رسول اللّه : «انها لا تراني» وقرأ قرآناً فاعتصم به كما قال ، وقرأ ( وإذا قَرأتَ القُرآنَ جَعَلنا بَينكَ وَبَين الذينَ لا يُؤمنونَ بالآخِرَةِ حِجاباً مَستوراً ) (3) فوقفت على أبي بكر ولم تر رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ، فقالت : يا أبا بكر اُخبرت أنّ صاحبك هجاني ، فقال : لا وربّ البيت ما هجاك ، فولّت وهي تقول : قريش تعلم أنّي بنت سيّدها (4).

ومنها : ما رواه الكلبيّ ، عن أبي صالح ، عن ابن عبّاس : أنّ ناساً من

ص: 87


1- 1. المنخوب : الجبان الذي لا فؤئد له «الصحاح - نخب - 1 : 223».
2- 2. انظر : الخرائج والجرائح 1 : 24 / 2 ، ومناقب ابن شهر آشوب 1 : 130 ، وسيرة ابن هشام 2 : 29 ، ودلائل النبوة للبيهقي 2 : 193 ، والبداية والنهاية 3 : 45 ، ونقله المجلسي في بحار الاَنوار 18 : 74 / 30.
3- 3. الاسراء 17 : 45.
4- 4. دلائل النبوة للبيهقي 2 : 195.

بني مخزوم تواصوا بالنبيّ صلی اللّه علیه و آله ليقتلوه منهم أبو جهل ، والوليد بن المغيرة ، ونفر من بني مخزوم ، فبينا النبي صلی اللّه علیه و آله قائم يصلّي إذ أرسلوا إليه الوليد ليقتله ، فانطلق حتّى انتهى إلى المكان الذي كان يصلّي فيه ، فجعل يسمع قراءته ولا يراه ، فانصرف إليهم فأعلمهم ذلك فأتاه من بعده أبو جهل والوليد ونفر منهم ، فلمّا انتهوا إلى المكان الذي يصلّي فيه سمعوا قراءته وذهبوا إلى الصوت ، فإذا الصوت من خلفهم ، فيذهبون إليه فيسمعونه أيضاً من خلفهم ، فانصرفوا ولم يجدوا إليه سبيلاً ، فذلك قوله سبحانه : ( وَجَعلنا مِن بَينِ أيديهِم سَدّاً وَمِن خَلفِهم سَدّاً فَأغشَيناهُم فَهُم لا يُبصِرونَ ) (1). -(2).

ومنها : أنّه كان صلی اللّه علیه و آله في غزاة الطائف في مسيره ليلاً على راحلته بواد بقرب الطائف يقال له : نجب ، ذو شجر كثير من سدر وطلح ، فغشي وهو في وسن النوم سدرة في سواد الليل فانفرجت السدرة له بنصفين ، فمرّ بين نصفيها وبقيت السدرة منفرجة على ساقين إلى زماننا هذا ، وهي معروفة مشهور أمرها هناك وتسمى سدرة النبيّ صلی اللّه علیه و آله .

أورده الشيخ أبو سعيد الواعظ في كتاب شرف النبيّ صلی اللّه علیه و آله (3)

ولو عدّدنا جميع معجزاته وأعلامه صلوات اللّه عليه وآله التي دوِّنها

ص: 88


1- 1.يس 36 : 9.
2- 2. دلائل النبوة للبيهقي 2 : 197 ، ونقله المجلسي في بحار الاَنوار 18 : 72 / ذيل الحديث 26.
3- انظر : الخرائج والجرائح 1 : 26 / 9 ، ومناقب ابن شهر آشوب 1 : 134 ، ونقله المجلسي في بحار الاَنوار 17 : 375 / 32.

المحدّثون في كتبهم لطال الكتاب ، فإن نبيّنا صلی اللّه علیه و آله أكثر الأنبياء أعلاماً ، وقد ذكر بعض المصنّفين : أنّ أعلامه تبلغ ألفاً ، فالأولى الاقتصار على الاختصار ، وسنذكر بعض آياته وأعلامه ومعجزاته صلی اللّه علیه و آله فيما يأتي من أخبار مبعثه إلى هجرته وغزواته وقدوم الوفود عليه إلى وقت وفاته على سبيل الاِيجاز إن شاء اللّه تعالى.

وأما آياته صلوات اللّه عليه وآله في إخباره بالغائبات والكوائن بعده فأكثر من أن تحصى وتعدّ :

فمن ذلك : ما روي عنه في معنى قوله تعالى : ( لِيُظهِرَهُ عَلَى الدّينِ كُلّهِ وَلَو كَرِهَ المُشرِكُونَ) (1) وهو ما رواه اُبيّ بن كعب : أنّ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله قال : «بشّر هذه الاُمّة بالسناء والرفعة والنصرة والتمكين في الاَرض ، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب» (2).

وروى بريدة الاَسلمي : أنّه صلی اللّه علیه و آله قال : «ستبعث بعوث ، فكن في بعث يأتي خراسان ، ثمّ اسكن مدينة مرو فإنّه بناها ذو القرنين ودعا لها بالبركة وقال : لا يصيب أهلها سوء» (3).

وروى أبو هريرة قال : قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : «لا تقوم الساعة حتّى تقاتلوا خوزاً وكرمان قوماً من الاَعاجم ، حمر الوجوه ، فطس(4) الاُنوف ، صغار الأعين ، كأنّ وجوههم المجان (5) المطرقة» (6).

ص: 89


1- 1. التوبة 9 : 33 ، الصف 61 : 9.
2- 2. مسند أحمد 5 : 134 ، دلائل النبوة للبيهقي 6 : 316.
3- 3. دلائل النبوة للاصبهاني 2 : 700 ، دلائل النبوة للبيهقي 6 : 332.
4- 4. الفطس : انخفاض قصبة الانف وانفراشها «النهاية 3 : 458».
5- 5. المجان : الترس والترسة «لسان العرب 13 : 400».
6- (6) صحيح البخاري 4 : 238 ، مستدرك الحاكم 4 : 476 ، دلائل النبوة للبيهقي 6 : 336 ،الأنوارفي شمائل النبي المختار 1 : 102 / 2. البداية والنهاية 6 : 224.

وروى أنس بن مالك قال : قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : «رأيت ذات ليلة فيما يرى النائم كأنّا في دار عقبة بن رافع فاُتينا برطب من رطب ابن طاب ، فأوّلت الرفعة لنا في الدنيا والعافية في الآخرة وأنّ ديننا قد طاب» (1).

ومن ذلك : إخباره بما تحدث اُمّته بعده نحو قوله صلی اللّه علیه و آله : «لا ترجعوا بعدي كفّاراً ، يضرب بعضكم رقاب بعض».

رواه البخاريّ في الصحيح مرفوعاً إلى ابن عمر (2).

وقوله رواه أبو حازم عن سهل بن حنيف عن النبيّ صلی اللّه علیه و آله : «انا فرطكم على الحوض ، من ورد شرب ومن شرب لم يظمأ أبداً ، وليّردنّ عليّ أقوام أعرفهم ويعرفوني ثمّ يحال بيني وبينهم».

قال أبو حازم : سمع النعمان بن أبي عيّاش وأنا اُحدث الناس بهذاالحديث فقال : هكذا سمعت سهلاً يقول؟ قلت : نعم.

قال : فأنها أشهد على أبي سعيد الخدريّ يزيد فيه : «فأقول : إنّهم اُمّتي ، فيقال : إنّك لا تدري ما عملوا بعدك ، فأقول : سحقاً سحقاً لمن بدّل بعدي».

ذكره البخاري في الصحيح (3)

ص: 90


1- صحيح مسلم 4 : 1779 / 18 ، سنن أبي داود 4 : 306 / 5025 ، دلائل النبوة للبيهقي 6 : 337.
2- صحيح البخاري 8 : 48 ، وكذا في مسند أحمد 2 : 85 ، دلائل النبوة للبيهقي 6 : 361 ، ونقله المجلسي في بحار الاَنوار 18 : 122 / 36.
3- صحيح البخاري 9 : 59 ، وكذا في : مسند أحمد 5 : 333 ، ودلائل النبوة للبيهقي 6 : 361 ، ونقله المجلسي في بحار الاَنوار 18 : 122 / 36.

قوله صلی اللّه علیه و آله فيما رواه شعبة ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس بن أبي حازم : أنّ عائشة لما أتت على الحوأب (1) سمعت نباح الكلاب فقالت : ما أظنّني إلاّ راجعة ، سمعت النبي صلی اللّه علیه و آله قال لنا : «أيّتكنّ تنبح عليها كلاب الحوأب»؟ فقال الزبير : لعلّ اللّه أن يصلح بك بين النّاس (2).

وقوله صلی اللّه علیه و آله للزبير لمّا لقيه وعلياً علیه السلام في سقيفة بني ساعدة فقال : «أتحبّه يا زبير»؟ قال : وما يمنعني؟ قال : «فكيف بك إذا قاتلته وأنت ظالم له» (3).

وعن أبي جرورة المازني قال : سمعت علياً علیه السلام يقول للزبير : «نشدتك اللّه أما سمعت رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله يقول : إنّك تقاتلني وأنت ظالم»؟ قال : بلى ولكنّي نسيت (4).

وقوله صلّى اك عليه وآله وسلّم لعمّار بن ياسر : «تقتلك الفئة الباغية».

أخرجه مسلم في الصحيح (5).

وعن أبي البختري : أنّ عماراً اُتي بشربة من لبن فضحك فقيل له : ما يضحك؟ قال : إنّ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله أخبرني وقال هو

ص: 91


1- 1. الحوأب : منزل بين البصرة ومكة «معجم البلدان 2 : 314».
2- 2. مسند أحمد 6 : 97 ، دلائل النبوة للبيهقي 6 : 410 ، ونقله المجلسي في بحار الاَنوار 18 : 123/36.
3- 3. دلائل النبوة للبيهقي 6 : 414 ، ونقله المجلسي في بحار الاَنوار 18 : 123 / 36.
4- 4. دلائل النبوة للبيهقي 6 : 415 ، ونقله المجلسي في بحار الاَنوار 18 : 123 / 36.
5- 5. صحيح مسلم 4 : 2236 / 72 ، وكذا في : مسند أحمد 2 : 161 ، سنن الترمذي 5 : 669 / 3800 ، دلائل النبوة للبيهقي 6 : 420 ، الوفا بأحوال المصطفى 1 : 308 ، ونقله المجلسي في بحار الاَنوار 18 : 123 / 36.

آخر شراب أشربه حين أموت (1).

وقوله صلی اللّه علیه و آله في الخوارج : «ستكون في اُمّتي فرقة يحسنون القول ويسيئون الفعل ، يدعون إلى كتاب اللّه وليسوا منه في شيء ، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، لا يرجون إليه حتى يرتدّ على فوقه ، هم شرّ الخلق والخليقة ، طوبى لمن قلتلوه ، طوبى لمن قتلهم ، ومن قتلهم كان أولى باللّه منهم».

قالوا : يا رسول اللّه فما سيماهم؟

قال : «التحليق».

رواه أنس بن مالك عنه صلی اللّه علیه و آله (2).

وقوله صلی اللّه علیه و آله لأمير المؤمنين عليّ علیه السلام : «الاُمّة ستغدر بك بعدي» (3).

وقوله صلی اللّه علیه و آله : «تقاتل بعدي الناكثين والقاسطين والمارقين» (4).

ومن ذلك : إخباره بقتل معاوية حِجراً وأصحابه فيما رواه ابن وهب عن

ص: 92


1- 1. مسند أحمد 4 : 319 ، مستدرك الحاكم 3 : 389 ، دلائل النبوة للبيهقي 6 : 421 ، ونقله المجلسي في بحار الاَنوار 18 : 123 / 36.
2- 2. سنن أبي داود 4 : 243 / 4765 ، دلائل النبوة للبيهقي 6 : 430 ، ونقله المجلسي في بحار الانوار 18 : 124 / 36.
3- 3. دلائل النبوة للبيهقي 6 : 440 ، تاريخ بغداد 11 : 216 / 5928 ، تاريخ ابن عساكر- ترجمة الاِمام علي علیه السلام - 3 : 116 / 1157 ، تذكرة الحفاظ 3 : 995 ، ونقله المجلسي في بحار الاَنوار 18 : 124 / 36.
4- 4. الخرائج والجرائج 1 : 123 / 201 ، مناقب الخوارزمي 75 / 212 و 190 / 225 و 226 ، تاريخ ابن عساكر - ترجمة الاِمام علي علیه السلام - 3 : 161 / 1201 و 162 / 1202 ، فرائد السمطين 1 : 282 / 232 و 331 / 257 ، ونقله المجلسي في بحار الاَنوار 18 : 124/36.

أبي لهيعة عن أبي الأسود قال : دخل معاوية على عائشة فقالت : ما حملك على قتل أهل عذراء (1) ، حجراً وأصحابة؟ فقال : يا اُمّ المؤمنين إنّي رأيت قتلهم صلاحاً للاُمّة وبقاءهم فساداً للاُمّة.

فقالت : سمعت رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله قال : «سيُقتل بعذراء ناس يغضب اللّه لهم وأهل السماء» (2).

وروى ابن لهيعة ، عن الحارث بن يزيد ، عن عبداللّه بن زرير الغافقي قال : سمعت عليّاً علیه السلام يقول : «يا أهل العراق سيقتل سبعة نفر بعذراء مثلهم كمثل أصحاب الاُخدود» فقتل حجر بن عدي وأصحابه (3).

ومن ذلك : إخباره بقتل الحسين بن علي علیهماالسلام ، روى أبو عبداللّه الحافظ بإسناده عن اُمّ سلمة : أنّ رسول اللّه اضطجع ذات يوم للنوم فاستيقظ وهو خاثر (4) ، ثمّ اضطجع فرقد ، ثمّ استيقظ وهو خاثر دون ما رأيت منه في المرّة الاُولى ، ثمّ اضطجع واستيقظ وفي يده تربة حمراء يقلّبها فقلت : ما هذه التربة يا رسول اللّه؟

قال : «أخبرني جبرئيل فقال : انّ هذا يقتل بأرض العراق - للحسين علیه السلام - فقلت : يا جبرئيل أرني تربة الاَرض التي يقتل بها ، فهذه

ص: 93


1- 1. عذراء (بالفتح ثم السكون والمد) وهو في الاَصل : الرملة التي لم توطأ ، والدرة العذراء التي لم تثقب. وهي قرية بغوطة دمشق من اقليم خولان. واليها ينسب مرج «انظر : معجم البلدان 4 : 91».
2- 2. دلائل النبوة للبيهقي 6 : 456 ، البداية والنهاية 6 : 226 ، ونقله المجلسي في بحار الاَنوار 18 : 124 / 36.
3- 3. دلائل النبوة 6 : 456 ، البداية والنهاية 6 : 225 ، ونقله المجلسي في بحار الاَنوار 18 : 124 / 36.
4- 4. الخاثر : أي ثقيل النفس غير طيبها. «انظر : لسان العرب 4 : 230».

تربتها » (1).

وعن أنس بن مالك قال : استأذن ملك المطر أن يأتي رسول اللّه فاذن له ، فقال لاُمّ سلمة : «احفظي علينا الباب لا يدخل أحدٌ» فجاء الحسين بن علي علیهماالسلام فوثب حتى دخل فجعل يقع على منكب النبيّ صلی اللّه علیه و آله فقال الملك : «أتحبّه»؟

فقال النبيّ صلی اللّه علیه و آله : «نعم».

قال : «اُمّتك ستقتله ، وإن شئت أريتك المكان الذي يقتل فيه».

قال : فضرب يده فأراه تراباً احمراً ، فأخذته اُمّ سلمة فصرّته في طرف ثوبها ، فكنّا نسمع أن يقتل بكربلاء (2).

ومن ذلك : إخباره بمصارع أهل بيته علیهم السلام ؛ روى الحاكم أبو عبدألله الحافظ بإسناده ، عن سيّد العابدين علي بن الحسين علیهماالسلام ، عن أبيه ، عن جدّه قال : «زارنا رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فعملنا له حريرة ، وأهدت إليه اُمّ أيمن قعباً من زبد وصحفة من تمر ، فأكل رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وأكلنا معه ، ثم توضأ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فمسح رأسه ووجهه بيده واستقبل القبلة فدعا اللّه ما شاء ثمّ أكبّ إلى الاَرض بدموع غزيرة مثل المطر ، فهبنا رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله أن نسأله ، فوثب الحسين فأكبّ على رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فقال : يا أبه ، رأيتك تصنع ما لم تصنع مثله قطّ؟

ص: 94


1- 1. مستدرك الحاكم : 4 : 398 ، دلائل النبوة للبيهقي 6 : 468 ، البداية والنهاية 6 : 230 ، سير أعلام النبلاء 3 : 289 ، ونقله المجلسي في بحار الاَنوار 18 : 124 / 36.
2- 2. مسند أحمد 3 : 242 ، دلائل النبوة للاصبهاني 2 : 709 ، دلائل النبوة للبيهقي 6 : 469 ، البداية والنهاية 6 : 229 ، ونقله المجلسي في بحار الاَنوار 18 : 124 / 36.

قال : يا بنيّ سررت بكم اليوم سروراً لم أسرّ بكم مثله ، وإنّ حبيبي جبرئيل أتاني فاخبرني أنّكم قتلى وأن مصارعكم شتّى ، فأحزنني ذلك ، فدعوت اللّه لكم بالخيرة.

فقال الحسين علیه السلام : فمن يزورنا على تشتتنا وتبعّد قبورنا؟

فقال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله طائفة من اُمّتي يريدون به برّي وصلتي ، إذا كان يوم القيامة زرتها بالموقف وأخذت بأعضادها فأنجيتها من أهواله وشدائده»(1).

ومن ذلك : إخباره بقتلى أهل الحرّة(2) ، فكان كما أخبر ، روي عن أيوب ابن بشير ، قال : خرج رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله في سفرمن أسفاره فلمّا مرّ بحرّة زهرة وقف فاسترجع ، فساء ذلك من معه وظنّوا أنّ ذلك من أمر سفرهم ، فقال عمر بن الخطّاب : يا رسول اللّه ما الذي رأيت؟

فقال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : «أما إنّ ذلك ليس من سفركم».

قالوا : فما هو يا رسول اللّه؟ قال : «يقتل بهذه الحرّة خيار اُمتي

ص: 95


1- 1. انظر : كامل الزيارات : 58 / 7 ، امالي الطوسي 2 : 281 ، ونقله المجلسي في بحار الاَنوار 18 : 125 / 36.
2- (2) إشارة إلى وقعة الحرة الشهيرة التي جرت بأوامر من زيد بن معاوية لعنه اللّه ، حيث أرسل إلى مدينة رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله احد قوّاد جيشه وهو مسلم بن عقبة - المعروف بفجوره وفساده ، وعدائه للاسلام وأهله - للتنكيل بأهلها بعد رفضهم اعطاء البيعة ليزيد لمعرفتهم بمن هو يزيد وما هي حاله ، فأمره باستباحة مدينة رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله التي قال عنها صلی اللّه علیه و آله : « من أخاف المدينة أخافه اللّه عز وجل ، وعليه لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين ، لا يُقبل منه عدل ولا صرف» ، بل وأن يأخذ أهله خول وعبيد ، إن شاء يزيد أطلق وإن شاء استرق!! نعم ، وكان من نتيجة ذلك ان وقعت أمور تشيب لها الصبيان ، وتقشعر لهولها الجلود ، وترتجف لها السموات والاَرضون ، حيث إن هذا المجرم أمر جنوده باستباحة المدينة ثلاثة أيام ، فنهب ما نُهب ، وقتل من قُتل ، واغتصبت المئات من نساء المهاجرين والأنصار ، وحيث روت المصادر المختلفة أن ألف عذراء افتضت في هذه الواقعة ، وقتل من المهاجرين والاَنصار وابنائهم وغيرهم من المسلمين أكثر من عشرة آلاف رجل ، حتى قيل لم يبق بعد ذلك بدري ، هذا عدا النساء والاَطفال. بل ومن ثم فإنّ مسلم بن عقبة لعنه اللّه وأخزاه أمر المسلمين المغلوبين على أمرهم بالبيعة ليزيد على أنّهم عبيد له ، وأرسل برؤوس أهل المدينة الذين قتلوا إلى يزيد لتتشفّى بمنظرهم نفسه النتنة كما تشفّت برأس السبط الشهيد الامام الحسين بن علي علیه السلام . انظر : تاريخ الطبري 5 : 4. الكامل في التاريخ 4 : 111 ، تاريخ الاسلام حوادث سنة ثلاث وستين : 23 ، مروج الذهب 3 : 268 ، البداية والنهاية 8 : 217 ، العقد الفريد 5 : 136 ، وفيات الاَعيان 6 : 274 (ترجمة يزيد بن القعقاع القارىء).

بعد أصحابي»(1).

قال أنس بن مالك : قتل يوم الحرّة سبعمائة رجل من حملة القرآن فيهم ثلاثة من أصحاب النبيّ صلی اللّه علیه و آله .

وكان الحسن يقول : لمّا كان يوم الحرّة قُتل أهل المدينة حتّى كاد لا ينفلت أحدٌ ، وكان فيمن قتل ابنا زينب ربيبة رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وهما ابنان من زمعة بن عبد الاَسود ، وكان وقعة الحرّة يوم الاَربعاء لثلاث بقين من ذي الحجّة سنة ثلاث وستّين (2).

ومن ذلك : قوله صلی اللّه علیه و آله في ابن عباس : «لن يموت حتّى يذهب بصره ويؤتى علماً» (3) فكان كما قال.

ص: 96


1- دلائل النبوة للبيهقي 6 : 473 ، البداية والنهاية 6 : 233 ، ونقله المجلسي في بحار الاَنوار 18 : 125 / 36.
2- دلائل النبوة للبيهقي 6 : 474 ، البداية والنهاية 6 : 234 ، ونقله المجلسي في بحار الاَنوار 18 : 125 / 36.
3- دلائل النبوة للبيهقي 6 : 478 ، ونقله المجلسي في بحار الاَنوار 18 : 126 / 36.

وقوله صلی اللّه علیه و آله في زيد بن أرقم وقد عاده من مرض كان به : «ليس عليك من مرضك بأس ، ولكن كيف بك إذا عمّرت بعدي فعميت»؟

قال : إذاً أحتسب وأصبر.

قال : «إذاً تدخل الجنّة بغير حساب» (1).

ومن ذلك : قوله صلی اللّه علیه و آله في الوليد بن يزيد ، رواه الاَوزاعي ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيّب قال : ولد لاَخي أمّ سلمة من اُمّها غلام فسمّوه الوليد فقال النبيّ صلی اللّه علیه و آله : «تسمّون بأسماء فراعنتكم ، غيّروا اسمه ، فسمّوه عبداللّه ، فإنّه سيكون في هذه الاُمّة رجل يقال له : الوليد هو شرّ لاُمّتي من فرعون لقومه».

قال : فكان الناس يرون أنّه الوليد بن عبد الملك ثمّ رأينا أنّه الوليد بن يزيد (2).

ومن ذلك : قوله صلی اللّه علیه و آله في بني أبي العاص وبني اُمّية ، روى أبو سعيد الخدريّ عنه أنّه قال صلی اللّه علیه و آله : «إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلاً اتّخذوا دين اللّه دغلاً ، وعباد اللّه خولاً ، ومال اللّه دولاً».

وفي رواية أبي هريرة : «أربعين رجلاً» (3).

ابن موهب قال : كنت عند معاوية بن أبي سفيان فدخل عليه مروان

ص: 97


1- 1. دلائل النبوة للبيهقي 6 : 479 ، ونقله المجلسي في بحار الاَنوار 18 : 126 / 36.
2- 2. دلائل النبوة للبيهقي 6 : 505 ، البداية والنهاية 6 : 241 ، ونقله المجلسي في بحار الاَنوار 18 : 126 / 36.
3- 3. دلائل النبوة للبيهقي 6 : 507 ، البداية والنهاية 6 : 242 ، ونقله المجلسي في بحار الاَنوار 18 : 126 / 36.

يكلّمه في حاجته فقال : اقض حاجتي فواللّه إنّ مؤونتي لعظيمة وإنّي أبو عشرة وعمّ عشرة وأخو عشرة. فلمّا أدبر مروان وابن عباس جالس معه على السرير فقال معاوية : اشهد باللّه يا ابن عباس أما تعلم أنّ رسول اللّه قال : «إذا بلغ بنو الحكم ثلاثين رجلاً اتّخذوا مال اللّه بينهم دولاً ، وعباد اللّه خولاً ، ودين اللّه دغلاً ، فإذا بلغوا تسعة وتسعين وأربعمائة كان هلاكهم أسرع من لوك تمرة»؟

فقال ابن عباس : اللّهم نعم.

وترك مروان حاجة له ، فرد عبد الملك إلى معاوية فكلّمه ، فلمّا أدبر عبد الملك قال : أنشدك اللّه يا ابن عباس أما تعلم أنّ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ذكر هذا فقال : «أبو الجبابرة الاَربعة»؟

قال ابن عبّاس : اللّهم نعم (1).

يوسف بن مازن الراسبي قال : قام رجل إلى الحسن بن عليّ علیهماالسلام فقال : يا مسوّد وجه المؤمنين.

فقال الحسن : «لا تؤنّبني رحمك اللّه ، فإنّ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله رأى بني اُميّة يخطبون على منبره رجلاً فرجلاً فساءه ذلك ، فنزلت ( اِنّا اَعطَيناك الكَوثَر ) الكوثر نهر في الجنّة ، ونزلت ( اِنّا اَنزَلناهُ في لَيلَة القَدرِ * وَما اَدراك ما لَيلَةُ القَدرِ * لَيلَةُ القَدرِ خَيرٌ مِن اَلفِ شَهرٍ ) يعني ألف شهر تملكه بنو اُميّة».

فحسبنا ذلك فإذا هو لا يزيد ولا ينقص (2)

ص: 98


1- 1. دلائل النبوة للبيهقي 6 : 508 ، البداية والنهاية 6 : 242 ، ونقله المجلسي في بحار الاَنوار 18 : 126 / 36.
2- 2. سنن الترمذي 5 : 444 / 3350 ، مستدرك الحاكم 3 : 170 ، دلائل النبوة للبيهقي 6 : 509 ، البداية والنهاية 6 : 243 ، ونقله المجلسي في بحار الاَنوار 18 : 127 / 36.

والروايات في هذا الفنّ من الآيات كثيرة لا يتّسع لذكر جميعها هذا الكتاب ، وفي ما أوردناه كفاية لذوي الاَلباب.

* * *

ص: 99

ص: 100

(الباب الثالث): في ذكر مختصر من أحوال ...

اشارة

في ذكر مختصر من أحوال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله من لدن مبعثه إلى وقت هجرته إلى المدينة ، ثم إلى أن اُمر صلی اللّه علیه و آله بالقتال ، وبعض ماظهر من الآيات والمعجزات في أثناء هذه الأحوال .

وفيه ثمانية فصول :

ص: 101

(الفصل الأول): في ذكر مبدأ المبعث

ذكر عليّ بن إبراهيم بن هاشم - وهو من أجلّ رواة أصحابنا - في كتابة : أنّ النبيّ صلی اللّه علیه و آله لمّا أتى له سبع وثلاثون سنة كان يرى في نومه كأنّ آتياً أتاه فيقول : يا رسول اللّه ، فينكر ذلك ، فلمّا طال عليه الأمر وكان بين الجبال يرعى غنماً لأبي طالب فنظر إلى شخص يقول له : «يا رسول اللّه».

فقال له : «من أنت»؟

قال : «جبرئيل ، أرسلني اللّه ليتّخذك رسولاً».

فأخبر رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله خديجة بذلك ، وكانت خديجة قد انتهى إليها خبر اليهودي وخبر بحيراء وما حدّثت به آمنة اُمّه ، فقالت : يا محمّد إنّي لأرجوا أن تكون كذلك.

وكان رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله يكتم ذلك فنزل عليه جبرئيل علیه السلام وأنزل عليه ماءً من السماء فقال : «يا محمّد قم توضّأ للصلاة» فعلّمه جبرئيل الوضوء على الوجه واليدين من المرفق ومسح الرأس والرجلين إلى الكعبين وعلّمه السجود والركوع.

فلمّا تمّ له صلّى اللّه عليه وسلّم أربعون سنة أمره بالصلاة وعلّمه حدودها ، ولم ينزل عليه أوقاتها ، فكان رسول اللّه صلّى عليه وآله وسلّم يصلّي ركعتين ركعتين في كلّ وقت.

وكان عليّ بن أبي طالب علیه السلام يألفه ويكون معه في مجيئه وذهابه لا يفارقه ، فدخل على رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وهو يصلّي ،

ص: 102

فلمّا نظر إليه يصلّي قال : «يا أبا القاسم ما هذا»؟

قال : «هذه الصلاة التي أمرني اللّه بها».

فدعاه إلى الاسلام ، فأسلم وصلّى معه ، وأسلمت خديجة ، فكان لا يصلّي إلاّ رسول اللّه ، وعليّ وخديجة علیهم السلام خلفه.

فلمّا أتى لذلك أيّام دخل أبو طالب إلى منزل رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ومعه جعفر ، فنظر إلى رسول اللّه وعليّ علیهماالسلام بجنبه يصلّيان ، فقال لجعفر : ياجعفر صل جناح ابن عمّك ، فوقف جعفر بن أبي طالب علیه السلام من جانب الآخر ، فلمّا وقف جعفر على يساره بدر رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله من بينهما وتقدّم ، وأنشأ أبو طالب في ذلك يقول :

إنّ عليّاً وَجعف-ّ-راً ث-ق-تي *** عندَ ملمِّ ال-زم-ان والكربِ

واللّه لا أخ-ذلُ ال-ن-بيّ ولا *** يَخذِلهُ مِن بنيّ ذو ح-س-بِ

لا ت-خ-ذلا وانصرا ابن عمّكما *** أخ-ي لاُمّ-ي مِن بينهم وأبي

قال : وكان رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله يتّجر لخديجة قبل أن يزوّج بها وكان أجيراً لها ، فبعثته في عير لقريش إلى الشام مع غلام لها يقال له : ميسرة ، فنزلوا تحت صومعة راهب من الرهبان ، فنزل الراهب من الصومعة ونظر إلى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فقال : من هذا؟

قالوا : هذا ابن عبد المطّلب.

قال : لا ينبغي أن يكون أبوه حيّاً ، ونظر إلى عينيه وبين كتفيه فقال : هذا نبيّ الاُمّة ، هذا نبيّ السيف.

فرجع ميسرة إلى خديجة فأخبرها بذلك ، وكان هذا هو الذي أرغب خديجة في تزويجها نفسها منه ، وربحت في تلك السفرة ألف دينار.

ثمّ خرج رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله إلى بعض أسواق العرب فرأى زيداً ووجده غلاماً كيّساً فاشتراه لخديجة ، فلمّا تزوّجها رسول اللّه صلّى

ص: 103

اللّه عليه وسلّم وهبته منه ، فلمّا نبىء رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وأسلم علي أسلم زيد بعده ، فكان يصلّي خلف رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله علي وجعفر وزيد وخديجة(1).

وذكر الشّيخ أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي في كتاب دلائل النبوّة : أخبرنا أبو عبداللّه الحافظ قال : حدّثنا أبو محمّد بن أحمد بن عبداللّه المزني ، قال : حدّثنا يوسف بن موسى المرورذي ، قال : حدّثنا عباد بن يعقوب ، قال : حدّثنا يوسف بن أبي ثور ، عن السدّي عن عباد بن عبداللّه ، عن عليّ علیه السلام قال : «كنّا مع رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله بمكّة فخرج في بعض نواحيها ، فما استقبله شجر ولا جبل إلاّ قال له : السلام عليك يا رسول اللّه»(2).

وأخبرنا أبو الحسين بن بشران ، أخبرنا محمّد بن جعفر بن محمّد بن نصير ، حدّثنا محمّد بن عبداللّه بن سليمان ، حدّثنا محمّد بن العلاء ، حدّثنا يونس بن عنبسة ، عن إسماعيل بن عبد الرحمن ، عن السدي ، عن عباد قال : سمعت عليّاً علیه السلام يقول : «لقد رأيتني أدخل معه - يعني النبي صلی اللّه علیه و آله - الوادي فلا يمرّ بحجر ولا شجر إلاّ قال : السلام عليك يا رسول اللّه ، وأنا أسمعه» (3).

ص: 104


1- قصص الاَنبياء للراوندي : 317/395 ، وقطعة منه في : مناقب ابن شهر آشوب 1 : 44 ، وتاريخ الطبري 2 : 280.
2- دلائل النبوة للبيهقي 2 : 153 ، وانظر : الخرائج والجرائح 1 : 46 / 59 ، سنن الدارمي 1 : 12 ، سنن الترمذي5 : 593 / 3626 ، مستدرك الحاكم 2 : 620 ، السيرة النبوية لابن كثير 1 : 411 ، ونقله المجلسي في بحار الاَنوار 17 : 387 / 55.
3- دلائل النبوة للبيهقي 2 : 154 ، وكذا في : السيرة النبوية لابن كثير 1 : 411 ، البداية والنهاية 3 : 16 ، ونقله المجلسي في بحار الاَنوار 17 : 388 / ذيل حديث 55.

وأخبرنا الحافظ قال : حدّثنا أبو العباس محمّد بن يعقوب ، حدّثنا أحمد بن عبد الجبّار ، حدّثنا يونس بن بكير ، عن أبي إسحاق ، حدّثنا يحيى بن أبي الاَشعث الكندي ، حدّثني إسماعيل بن أياس بن عفيف ، عن ابيه ، عن جدّه عفيف أنه قال : كنت امرءاً تاجراً ، فقدمت منى أيّام الحج ، وكانالعباس بن عبدالمطلب امراءاً تاجراً ، فأتيته أبتاع منه وأبيعه ، قال : فبينا نحن إذ خرج رجلٌ من خباء يصلّي فقام تجاه الكعبة ، ثمّ خرجت امرأة فقامت تصلّي ، وخرج غلام يصلّي معه ، فقلت : يا عبّاس ما هذا الدين؟ إنّ هذا الدين ما ندري ما هو؟

فقال : هذا محمّد بن عبداللّه يزعم أنّ اللّه أرسله ، وأنّ كنوز كسرى وقيصر ستفتح عليه ، وهذه أمرأته خديجة بنت خويلد آمنت به ، وهذا الغلام ابن عمّه عليّ بن أبي طالب آمن به.

قال عفيف : فليتني كنت آمنت به يومئذ فكنت أكون ثانياً(1).

تابعه إبراهيم بن سعد ، عن محمّد بن إسحاق ، وقال في الحديث : إذ خرج من خباء قريب فنظر إلى السماء فلمّا رآها قد مالت قام يصلّي. ثمّ ذكر قيام خديجة خلفه (2).

وأخبرنا أبو الحسين الفضل بإسناد ذكره ، عن مجاهد بن جبر قال : كان ممّا أنعم اللّه على عليّ بن أبي طالب علیه السلام وأراد به من الخير أنّ قريشاً أصابتهم أزمة شديدة ، وكان أبو طالب ذا عيال كثير ، فقال رسول اللّه

ص: 105


1- 1. دلائل النبوة للبيهقي 2 : 162 ، وكذا في : تاريخ الطبري 2 : 311 ، مستدرك الحاكم 3 : 183 ، ووافقه الذهبي في ذيل المستدرك ، ذخائر العقبى : 59 ، السيرة النبوية لابن كثير1 : 429 ، البداية والنهاية 3 : 25 ، ونقله المجلسي في بحار الاَنوار 18 : 207 / 37.
2- 2. دلائل النبوة للبيهقي 2 : 163 ، وكذا في : السيرة النبوية لابن كثير 1 : 429 ، البداية والنهاية 3 : 25 ، ونقله المجلسي في بحار الاَنوار 18 : 208 / 37.

للعبّاس عمّه - وكان من أيسر بني هاشم - : «يا عبّاس إنّ أخاك أبا طالب كثير العيال وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة ، فانطلق حتّى نخفّف عنه من عياله».

فأخذ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله عليّاً فضمّه إليه ، فلم يزل عليّ مع رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله حتّى بعثه اللّه نبيّاً فاتّبعه عليّ وآمن به وصدّقه (1).

قال عليّ بن إبراهيم : فلمّا أتى لرسول اللّه صلی اللّه علیه و آله بعد ذلك ثلاث سنين أنزل اللّه عليه (فَاصدَع بِما تُؤمَرُ وَاَعرِض عَنِ المُشركين ) (2) فخرج رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وقام على الحجر فقال : «يا معشر قريش ويا معشر العرب ، أدعوكم إلى عبادة اللّه تعالى وخلع الأنداد الأصنام ، وأدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلاّ اللّه وأنّي رسول اللّه ، فأجيبوني تملكوا بها العرب وتدين لكم العجم ، وتكونون ملوكاً في الجنّة».

فاستهزؤوا منه وضحكوا وقالوا : جنّ محمّد بن عبداللّه ، وآذوه بألسنتهم ، فقال له أبو طالب : يابن أخي ما هذا؟

قال : «يا عمّ هذا دين اللّه الذي ارتضاه لملائكته وأنبيائه ودين إبراهيم والأنبياء من بعده ، بعثني اللّه رسولاً إلى الناس».

فقال : ياابن أخي إنّ قومك لا يقبلون هذا منك ، فاكفف عنهم؟

فقال : «لا أفعل ، فإنّ اللّه قد أمرني بالدعاء». فكفّ عنه أبو طالب.

وأقبل رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله في الدعاء في كلّ وقت

ص: 106


1- 1. دلائل النبوة للبيهقي 2 : 162 ، وكذا في : سيرة ابن هشام 1 : 263 ، تاريخ الطبري 2 : 313 ، مستدرك الحاكم 3 : 567 ، السيرة النبوية لابن كثير 1 : 429 ، البداية والنهاية 3 : 25 ، ونقله المجلسي في بحار الاَنوار18 : 208 / ذيل الحديث 37.
2- 2. الحجر 15 : 94.

يدعوهم ويحذّرهم ، فكان من سمع من خبره ما سمع من أهل الكتب يُسلمون ، فلمّا رأت قريش من يدخل في الاِسلام جزعوا من ذلك ومشوا إلى أبي طالب وقالوا : اكفف عنّا ابن أخيك فإنّه قد سفّه أحلامنا ، وسبّ آلهتنا ، وأفسد شبّاننا ، وفرّق جماعتنا.

فدعاه أبو طالب فقال : يا ابن أخي إنّ القوم قد أتوني يسألونك أن تكفّ عن آلهتهم.

قال : «يا عمّ لا أستطيع ذلك ، ولا أستطيع أن أخالف أمر ربيّ».

فكان يدعوهم ويحذّرهم العذاب ، فاجتمعت قريش إليه فقالوا : إلى ما تدعو يا محمّد؟

قال : «إلى شهادة أن لا إله إلاّ اللّه وخلع الاَنداد كلّها».

قالوا : ندع ثلاثمائة وستّين إلهاً ونعبد إلهاً واحداً؟! فحكى اللّه سبحانه قولهم ( وَعَجِبُوا اَن جَاءهُم مُنذِرٌ مِنهُم وَقالَ الكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذّاب * اَجَعَلَ الآلِهَةَ اِلهاً واحِداً اِنّ هذا لَشَيءٌ عُجابٌ ) - إلى قوله : - ( بَل لَمّا يَذُوقُواعَذابِ ) (1).

ثمّ اجتمعوا إلى أبي طالب فقالوا : يا أبا طالب إن كان ابن أخيك يحمله على هذا الفعل العدم جمعنا له مالاً فيكون أكثر قريش مالاً.

فدعاه أبو طالب وعرض ذلك عليه ، فقال له رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : «يا عمّ مالي حاجة في المال ، فأجيبوني تكونوا ملوكاً في الدينا وملوكاً في الآخرة وتدين لكم العرب والعجم».

فتفرّقوا ، ثمّ جاءوا إلى أبي طالب فقالوا : يا أبا طالب أنت سيّد من سادتنا وابن أَيك قد سفّه أحلامنا وسبّ آلهتنا وفرّق جماعتنا ، فهلمّ ندفع

ص: 107


1- 1. سورة ص 38 : 4 - 8.

إليك أبهى فتى في قريش وأجملهم وأحسنهم وجهاً وأشبّهم شباباً وأشرفهم شرفاً عمارة بن الوليد ، يكون لك ابناً وتدفع إلينا محمّداً لنقتله.

فقال : ما أنصفتموني ، تسألوني أن أدفع إليكم ابني لتقتلوه وتدفعون إليّ ابنكم لاُربّيه! فلمّا آيسوا منه كفّوا (1).

وفي كتاب دلائل النبوّة : حدّثنا الحافظ بإسناد ذكره ، عن إبراهيم بن محمّد بن طلحة قال : قال طلحة بن عبيداللّه : حضرت سوق بُصرى فإذا راهب في صومعته يقول : سلوا أهل هذا الموسم أفيهم أحدٌ من أهل الحرم.

قال طلحة : قلت : نعم أنا.

فقال : هل ظهر أحمد بعد؟

قال : قلت : ومن أحمد؟

قال : ابن عبداللّه بن عبد المطّلب ، هذا شهره الذي يخرج فيه ، وهو آخر الأنبياء ، مخرجه من الحرم ، ومهاجره إلى نخل وحرّة وسباخ ، فإيّاك أن تسبق إليه.

قال طلحة : فوقع في قلبي ما قال ، فخرجت سريعاً حتّى قدمت مكّة فقلت : هل كان من حدث؟

قالوا : نعم محمّد بن عبداللّه الاَمين تنبّأ وقد تبعه ابن أبي قحافة.

قال : فخرجت حتّى دخلت على أبي بكر فقلت : اتّبعت هذا الرجل؟

قال : نعم ، فانطلق إليه فادخل عليه فاتبعه فإنه يدعو إلى الحق.

فأخبره طلحة بما قال الراهب ، فخرج أبو بكر بطلحة فدخل به على رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فأسلم طلحة وأخبر رسول اللّه صلّى اللّه

ص: 108


1- 1. انظر : تفسير القمي 1 : 378 - 380 ، قصص الاَنبياء للراوندي : 318 / 396 ، مناقب ابن شهر آشوب 1 : 57 ، تاريخ الطبري 2 : 322.

عليه وآله وسلّم بما قال الراهب فسرّ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله بذلك ، فلما أسلم أبو بكر وطلحة أخذهما نوفل بن خويلد بن العدويّة فشدّهما في حبل واحد ولم يمنعهما بنو تيم ، وكان نوفل بن خويلد يدعى أسد قريش (1).

* * *

ص: 109


1- 1. دلائل النبوة للبيهقي 2 : 166 - 167 ، وكذا في : مستدرك الحاكم 3 : 369 ، والبداية والنهاية 3 : 29.
(الفصل الثاني): في ذكر اعتراف مشركي قريش...

في ذكر اعتراف مشركي قريش بما في القرآن من الإعجاز وأنّه لا يشبه شيئاً من لغاتهم مع كونهم من أرباب اللغة والبيان

وكان رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله لا يكفّ عن عيب آلهة المشركين ويقرأ عليهم القرآن فيقولون : هذا شعر محمّد ، ويقول بعضهم : بل هو كهانة ، ويقول بعضهم : بل هو خطب.

وكان الوليد بن المغيرة شيخاً كبيراً ، وكان من حكام العرب يتحاكمون إليه في الأمور وينشدونه الأشعار ، فما اختاره من الشعر كان مختاراً ، وكان له بنون لا يبرحون مكّة ، وكان له عبيد عشرة عند كلّ عبد ألف دينار يتّجر بها ، وملك القنطار في ذلك الزمان ، والقنطار جلد ثور مملوءٌ ذهباً ، وكان من المستهزئين برسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وكان عمّ أبي جهل بن هشام ، فقالوا له : يا عبد شمس ما هذا الذي يقول محمّد أسحر أم كهانة أم خطب؟

فقال : دعوني أسمع كلامه.

فدنا من رسول اللّه وهو جالسٌ في الحجر فقال : يا محمّد أنشدني من شعرك.

فقال : «ما هو شعر ولكنّه كلام اللّه الذي بعث أنبياءه ورسله».

فقال : اُتل عليّ منه.

فقرأ عليه رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله «بسم اللّه الرحمن الرحيم» فلمّا سمع الرحمن استهزأ فقال : تدعو إلى رجل باليمامة يسمى

ص: 110

الرحمن؟

قال : «لا ولكنّي أدعو إلى اللّه وهو الرحمن الرحيم».

ثمّ افتتح (حم السجدة) فلما بلغ إلى قوله : ( فَاِن اَعرَضُوا فَقُل اَنذَرتُكُم صاعِقَةً مِثلَ عادٍ وَثَمُودَ ) (1)وسمعه اقشعرّ جلده وقامت كلّ شعرة في رأسه ولحيته ، ثمّ قام ومضى إلى بيته ولم يرجع إلى قريش ، فقالت قريش : يا ابا الحكم صبا ابو عبد شمس إلى دين محمّد ، أما تراه لم يرجع إلينا وقد قبل قوله ومضى إلى منزله ، فاغتمّت قريش من ذلك غمّاً شديداً وغدا عليه أبو جهل فقال : يا عمّ نكست برؤوسنا وفضحتنا.

قال : وما ذلك يابن أخي؟

قال : صبوت إلى دين محمّد.

قال : ماصبوت وإنّي على دين قومي وآبائي ولكنّي سمعت كلاماً صعباً تقشعرّ منه الجلود.

قال أبو جهل : أشعر هو؟

قال : ما هو بشعر.

قال : فخطب هي؟

قال : لا إنّ الخطب كلام متّصل وهذا كلام منثور ، لا يشبه بعضه بعضاً ، له طلاوة(2).

قال : فكهانة هو؟! فكأنّه هي.

قال : لا.

قال : فما هو؟

قال : دعني اُفكّر فيه.

ص: 111


1- 1. فصلت 41 : 13.
2- 2. الطلاوة : الرونق والحسن. «النهاية 3 : 137».

فلما كان من الغد ، قالوا : يا عبد شمس ما تقول؟

قال : قولوا : هو سحرٌ فإنه أخذ بقلوب الناس ، فأنزل اللّه تعالى فيه : ( ذَرنِي وَمَن خَلَقتُ وَحِيداً * وَجَعَلتُ لَهُ مالاً مَمدُوداً * وَبَنينَ شُهُوداً ) إلى قوله ( عَلَيها تِسعَةَ عَشَرَ) (1). - (2).

وفي حديث حمّاد بن زيد ، عن أيّوب ، عن عكرمة قال : جاء الوليد بن المغيرة إلى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فقال له : اقرأ عليّ ، فقرأ عليه ( إنَّ اللّه يأمُرُ بِالعَدلِ والاِحسَانِ وَإيتاءِ ذِي القُربى وَيَنهى عَنِ الفَحشاءِ وَالمُنكَرِ وَالبِغيِ لعلّكُم تَذَكَّرُون )(3).

فقال : أعد ، فأعاد.

فقال : واللّه إنّ له لحلاة ، وإنّ عليه لطلاوة ، وإنّ أعلاه لمثمر ، وإنّ أسفله لمغدق ، وما يقول هذا بشرٌ (4)

ص: 112


1- 1. المدثر 74 : 11 - 30.
2- 2. انظر : تفسير القمي 2 : 393 ، قصص الأنبياء للراوندي : 319 / 397 ، مناقب ابن شهر آشوب 1 : 52.
3- 3. النحل 16 : 90.
4- قصص الأنبياء للراوندي : 320 / 398 ، مناقب ابن شهر آشوب 1 : 53 ، دلائل النبوة للبيهقي 2 : 198 وفيه باختلاف يسير ، وبتفصيل في أسباب النزول للواحدي : 250.
(الفصل الثالث): في ذكر كفاية اللّه المستهزئين وما ظهر فيها من الآيات

قال : وكان المستهزئون برسول اللّه خمسة نفر : الوليد بن المغيرة ، والعاص بن وائل السهميّ ، والأسود بن المطّلب وهو أبو زمعة؛ والأسود بن عبد يغوث من بني زهرة؛ والحارث بن الطلاطلة الخزاعيّ ، قال : فمرّ الوليد بن المغيرة برسول اللّه صلى عليه وآله وسلّم ومعه جبرئيل علیه السلام فقال : «يا محمّد هذا الوليد بن المغيرة وهو من المستهزئين». فقال : «نعم».

وكان مرّ برجل من خزاعة على باب المسجد وهو يريش فلما نبالاً له فوطأ على بعضها فأصاب أسفل عقبه قطعة من ذلك فدميت ، فلما مرّ جبرئيل أشار جبرئيل إلى ذلك الموضع ، فرجع إلى منزله ونام على سريره ، وكانت ابنته نائمة أسفل منه فانفجر ذلك الموضع الذي أشار إليه جبرئيل أسفل عقبه ، فسال الدم حتّى صار على فراش ابنته فصاحت ابنته وقالت : يا جارية انحلّ وكاء القربة.

فقال لها الوليد : يا بنيّة ما هذا ماء القربة ولكنّه دم أبيك ، فاجمعي لي ولدي وولد أخي فإنّي ميّت ، فلمّا حضروا أوصاهم بوصيّته وفاظت نفسه.

ومرّ الأسود بن المطّلب برسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ، فأشار جبرئيل علیه السلام إلى بصره فعمي ، ثمّ مات بعد ذلك.

ومرّ به الأسود بن عبد يغوث ، فأشار جبرئيل إلى جبرئيل إلى بطنه فاستسقى فانتفخ حتّى انشقّ بطنه.

ص: 113

ومرّ به العاص بن الوائل ، فأشار جبرئيل إلى رجله فدخلت جذلة(1)في أخمص قدميه وخرجت من ظاهر قدمه ، فورمت رجله فمات.

ومرّ به [ابن] الطلاطلة ، فتفل جبرئيل في وجهه فخرج إلى جبال تهامة فأصابه السمائم فاحترق واسودّ ، فرجع إلى منزله فلم يدعوه أن يدخل وقالوا : لست بصاحبنا ، فخرج من منزله فأصابه العطش فما زال يستسقي حتّى انشقّ بطنه وهو قول اللّه تعالى : ( اِنّا كَفَيناكَ المُستَهزئينَ ) (2) - (3)

ص: 114


1- 1. الجذل : أصل الشجرة إذا قطع رأسها ، وقد يسمى العود جذلاً أيضاً. انظر «العين 6 : 1. النهاية 1 : 251».
2- 2. الحجر 15 : 95.
3- اُنظر : تفسير القمي 1 : 378 ، الاحتجاج 1 : 216 ، تفسير الطبري 14 : 48 - 49 ، التفسير العظيم 2 : 580 ، الكشاف 2 : 399 ، البحر المحيط 5 : 470 ، دلائل النبوة للبيهقي 2 : 316.
(الفصل الرابع): في ذكر الهجرة إلى الحبشة وتصديق النجاشي له ومن تبعه عليه السلام

لمّا اشتدّت قريش في أذى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وأصحابه أمرهم رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله أن يخرجوا إلى الحبشة ، وأمر جعفر أن يخرج بهم ، فخرج جعفر وخرج معه سبعون رجلاً حتّى ركبوا البحر ، فلمّا بلغ قريشاً خروجهم بعثوا عمرو بن العاص السهميّ وعمارة بن الوليد إلى النجاشي أن يردهم إليهم ، وأن يعلماه أنّهم مخالفون لهم ، فخرج عمارة وكان شابّاً حسن الوجه مترفاً ، وأخرج عمرو بن العاص أهله ، فلمّا ركبوا السفينة شربوا الخمر فقال عمارة لعمرو بن العاص : قل لاَهلك تقبّلني.

فقال : سبحان اللّه أيجوز هذا؟! فتركه حتّى انتشى ، وكان على صدر السفينة فدفعه عمارة وألقاه في البحر ، فتشبّث عمرو بصدر السفينة وأدركوه فأخرجوه ، فلمّا أن رأى عمرو ما فعل به عمارة قال لاَهله : قبّليه!!

فوردوا على النجاشي فدخلوا عليه - وقد كانوا حملوا إليه هدايا - فقال عمرو : أيّها الملك إنّ قوماً منّا خالفونا في ديننا وصاروا إليك فردّهم إلينا.

فبعث النجاشي إلى جعفر فأحضره فقال : يا جعفر إنّ هؤلاء يسألونني أن أردّكم إليهم.

فقال : أيّها الملك سلهم أنحن عبيد لهم؟

قال عمرو : لا ، بل أحرارٌ كرامٌ.

قال : فسلهم ألهم علينا ديونٌ يطالبوننا بها؟

قال : لا ، ما لنا عليهم ديونٌ.

ص: 115

قال : فلهم في أعناقنا دماء يطالبوننا بذحولها(1).

قال عمرو بن العاص : لا ، ما لنا في أعناقهم دماء ولا نطالبهم بذحول.

قال : فما تريدون منّا؟

قال عمرو : خالفونا في ديننا ودين آبائنا ، وسبّوا آلهتنا ، وأفسدوا شبّاننا ، وفرّقوا جماعتنا ، فردّهم إلينا ليجتمع أمرنا.

فقال جعفر : أيّها الملك خالفناهم لنبيّ بعثه اللّه فينا ، أمرنا بخلع الأنداد ، وترك الاستقسام بالأزلام ، وأمرنا بالصلاة والزكاة ، وحرّم الظلم والجور وسفك الدماء بغير حلّها ، والزنا والربا والميتة والدم ، وأمر بالعدل والاِحسان وإيتاء ذي القربى ، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي.

فقال النجاشي : بهذا بعث اللّه عيسى بن مريم ، ثمّ قال النجّاشي : يا جعفر أتحفظ ممّا أنزل اللّه على نبيّك شيئاً.

قال : نعم.

قال : اقرأ.

فقرأ عليه سورة مريم علیهاالسلام فلمّا بلغ إلى قوله : ( وَهُزّي اِليكَ بِجِذعِ النّخلَةَ تُساقِط عَلَيك رُطَباً جَنِيّاً * فَكُلِي وَاشرَبِي وَقَرّي عَيناً) (2)بكى النجاشي وقال : إنّ هذا هو الحقّ.

فقال عمرو : أيّها الملك إنّ هذا ترك ديننا فردّه علينا حتّى نردّه إلى بلادنا ، فرفع النجاشي يده فضرب بها وجهه ، ثمّ قال : لئن ذكرته بسوء

ص: 116


1- 1. الذحول : جمع ذحل ، وهو الحقد والعداوة ، يقال : طلب بذَحله ، أي بثأره «الصحاح - ذَحل - 4 : 1701».
2- 2. مريم 19 : 25 و 26.

لاَقتلنّك.

فقال عمرو - والدماء تسيل على ثيابه - : أيّها الملك إن كان هذا كما تقول فإنّا لا نعرض له ، فخرج من عنده.

وكانت على رأس النجاشي وصيفة له تذبّ عنه فنظرت إلى عمارة بن الوليد وكان فتى جميّلاً ، فلمّا رجع عمرو بن العاص إلى منزله قال لعمارة : لو راسلت جارية الملك ، فراسلها عمارة فأجابته فقال لعمرو بن العاص : قد أجابتني.

قال : قل لها : تحمل إليك من طيب الملك شيئاً ، فقال لها ، فحملته إليه فأخذه عمرو بن العاص وكان الذي فعل به عمارة - حيث ألقاه في البحر - في قلبه ، فأدخل الطيب على النجاشي فقال : أيها الملك إنّ من حرمة الملك وحقّه علينا وإكرامه إيّاناإذا دخلنا بلاده ونأمن فيه أن لا نغشّه ، وإنّ صاحبي هذا الذي معي قد راسل حرمتك وخدعها وبعثت إليه من طيبك ، فعرض عليه طيبه ، فغضب النجاشي لذلك غضباً شديداً ، وهمّ أن يقتل عمارة ثمّ قال : لا يجوز قتله لاَنّهم دخلوا بلادي بأمان ، فدعا السحرة وقال : اعملوا به شيئاً يكون عليه أشدّ من القتل.

فأخذوه ونفخوا في إحليله شيئاً من الزئبق فصار مع الوحش ، فكان يغدو معهم ولا يأنس بالناس ، فبعثت قريش بعد ذلك في طلبه ، فكمنوا له فى موضع فورد الماء مع الوحش فقبضوا عليه ، فما زال يضطرب في أيديهم ويصيح حتّى مات ، فرجع عمرو إلى قريش فأخبرهم خبره وأنّه بقي جعفر بأرض الحبشة في أكرم كرامة ، فما زال بها حتّى بلغه أنّ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله قد هادن قريشاً وقد وقع بينهم صلح ، فقدم بجمع من معه ووافى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وقد فتح خيبر.

وولد لجعفر من أسماء بنت عميس بالحبشة عبداللّه بن جعفر ، وولد

ص: 117

للنجاشي ابن فسمّاه محمداً وسقته أسماء من لبنها(1).

وقال أبو طالب - يحضّ النجاشي على نصرة النبيّ صلی اللّه علیه و آله واتّباعه - :

تعلم مليك الحبش أنّ محم-داً *** نبيّ كموسى والمسي-ح ابن مريم

أتى بالهدى مثل الذي أتيا به *** وكلّ بأمر اللّه ي-هدي وي-ع-ص-م

وإنّ-كم ت-ت-ل-ون-ه في كتاب-ك-م *** بصدق حديث لا حديث الت-رجّم

فلا تجعلوا لله ندّا وأسل-م-وا *** فإنّ طريق الحقّ ليس بمظلم (2)

وفيما رواه أبو عبداللّه الحافظ بإسناده ، عن محمّد بن إسحاق قال : بعث رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله عمرو بن اُميّة الضمري إلى النجاشي في شأن جعفر بن أبي طالب وأصحابه وكتب معه كتاباً:

بسم اللّه الرحمن الرحيم

من محمّد رسول اللّه إلى النجاشي الأصحم ملك الحبشة.

سلامٌ عليك ، فإنّي أحمد إليك اللّه الملك القدّوس المؤمن المهيمن ، وأشهد أن عيسى بن مريم روح اللّه وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيّبة الحصينة ، فحملت بعيسى فخلقه من روحه ونفخه كما خلق آدم بيده ونفخه ، وإنّي أدعوك إلى اللّه وحده لا شريك له ، والموالاة على طاعته ، وأن تتبعني وتؤمن بي وبالذي جاءني ، فإنّي رسول اللّه ، وقد بعثت إليكم ابن عمّي جعفرا ومعه نفر من المسلمين ، فإذا جاءوك فأقرهم ودع التجبّر ، فإنّي أدعوك وجنودك إلى اللّه ، وقد بلّغت ونصحت فاقبلوا نصيحتي ، والسلام على من

ص: 118


1- 1. قصص الأنبياء للراوندي : 322 / 322 ، وانظر : تاريخ اليعقوبي 2 : 29 ، دلائل النبوة للبيهقي 2 : 293 ، البداية والنهاية 3 : 69.
2- 2. قصص الأنبياء للراوندي : 323 / 323 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 18 : 418 / 4.

اتبع الهدى».

فكتب النجاشي إلى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله :

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الى محمّد رسول اللّه من النجاشي الأصحم بن أبحر.

سلام عليك يا نبيّ اللّه من اللّه ورحمة اللّه وبركاته ، لا إله إلاّ هو الذي هداني إلى الاِسلام ، وقد بلغني كتابك ، يا رسول اللّه فيما ذكرت من أمر عيسى ، فوربّ السماء الأرض إنّ عيسى ما يزيد على ما ذكرت ، وقد عرفنا ما بعثت به إلينا ، وقد قربنا ابن عمّك وأصحابه ، فأشهد أنّك رسول اللّه صادقاً مصدّقاً ، وقد بايعتك وبايعت ابن عمّك وأسلمت على يديه لله ربّ العالمين ، وقد بعثت إليك يا نبي اللّه اريحا بن الأصحم بن أبحر ، فإنّي لا أملك إلاّ نفسي ، وإن شئت أن آتيك فعلت يا رسول اللّه ، فإنّي أشهد أن ما تقول حقّ.

ثمّ بعث إلى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله بهدايا ، وبعث إليه بمارية القبطيّة ، اُمّ إبراهيم ، وبعث إليه بثياب وطيب كثير وفرس ، وبعث إليه ثلاثين رجلاً من القسّيسين لينظروا إلى كلامه ومقعده ومشربه ، فوافوا المدينة ودعاهم رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله إلى الاِسلام فأمنوا ورجعوا إلى النجاشي(1).

وفي حديث جابر بن عبداللّه : أنّ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله صلّى على أصحمة النجاشي(2)

ص: 119


1- 1. انظر : قصص الأنبياء للراوندي : 323 / 404 ، ودلائل النبوة للبيهقي 2 : 308 ، والبداية والنهاية 3 : 83 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 18 : 418 / 5.
2- 2. نقله المجلسي في بحار الأنوار 18 : 420 / 6.
(الفصل الخامس): في ذكر ما لقي رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله ...

في ذكر ما لقي رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله من أذى المشركين ، وإسلام حمزة بن عبد المطّلب

قال : وجدّت قريش في أذى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ، وكان أشدّ الناس عليه عمّه أبو لهب ، وكان رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ذات يوم جالساً في الحجر فبعثوا إلى سلى(1)الشاة فألقوه على رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فاغتمّ رسول اللّه من ذلك فجاء إلى أبي طالب ، فقال : يا عمّ كيف حسبي فيكم؟

قال : وما ذاك يا ابن أخ؟

قال : إن قريشاً ألقوا عليّ سلى.

فقال لحمزة : خذ السيف ، وكانت قريش جالسة في المسجد ، فجاء أبو طالب علیه السلام ومعه السيف وحمزة ومعه السيف ، فقال : أمّر السلى على سبالهم فمن أبى فاضرب عنقه ، فما تحرّك أحدٌ حتّى أمرّ السلى على سبالهم ، ثمّ التفت إلى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فقال : يابن أخ هذا حسبك فينا(2).

وفي كتاب دلائل النبوّة : عن ابي داود ، عن شعبة ، عن أبي إسحاق : سمعت عمرو بن ميمون يحدّث عن عبداللّه قال : بينما رسول اللّه صلّى اللّه

ص: 120


1- (1) السلى : الجلد الرقيق الذي يخرج فيه الولد من بطن امه ملفوفاً فيه. وقيل : هو في الماشية السلى ، وفي الناس المشيمة. «العين 2 : 396».
2- (2) انظر : قصص الأنبياء للراوندي 320 / 399 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 18 : 209 / 38.

عليه وآله وسلّم ساجدٌ وحوله ناس من قريش ، وثمّ سلى بعير فقالوا : من يأخذ سلى هذا الجزور أو البعير فيقذفه على ظهره؟ فجاء عقبة بن أبي معيط فقذفه على ظهر النبيّ صلی اللّه علیه و آله ، وجاءت فاطمة علیهاالسلام فأخذته من ظهره!؟ ودعت على من صنع ذلك.

قال عبداللّه : فما رأيت رسول اللّه دعا عليهم إلاّ يومئذ فقال : «اللّهم عليك الملأ من قريش ، اللّهم عليك أبا جهل بن هشام ، وعتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، وعقبة بن أبي معيط ، واُميّة بن خلف - أو اُبيّ بن خلف -» شك شعبة.

قال : عبداللّه ولقد رأيتهم قتلوا يوم بدر واُلقوا في القليب - أو قال : في بئر - غير أنّ اُميّة بن خلف - أو اُبي بن خلف - كان رجلاً بادنّا فتقطّع قبل أن يبلغ به البئر(1).

أخرجه البخاري في الصحيح(2).

قال : وأخبرنا الحافظ : أخبرنا أبوبكر الفقيه ، أخبرنا بشر بن موسى ، حدّثنا الحميدي ، حدّثنا سفيان ، حدّثنا بيان بن بشر ، وإسماعيل بن أبي خالد قالا : سمعنا قيساً يقول : سمعنا خبّاباً يقول : أتيت رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وهو متوسّد برده فى ظلّ الكعبة ، وقد لقينا من المشركين شدّة شديدة فقلت : يا رسول اللّه ألا تدعو اللّه لنا؟

فقعد وهو محمرٌ وجهه ، فقال : «إن كان مَن كان قبلكم ليمشَّط أحدهم بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه ،

ص: 121


1- 1. دلائل النبوة للبيهقي 2 : 278 ، وكذا في : قصص الأنبياء للراوندي : 321 / 400 ، صحيح مسلم 3 : 1419 / 108 ، السيرة النبوية لابن كثير 1 : 468 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 18 : 209 / 38.
2- 2. صحيح البخاري 1 : 69 و 4 : 127.

ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشقّ باثنين ما يصرفه ذلك عن دينه ، وليتّمن اللّه هذا الاَمر حتّى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلاّ اللّه عزّ وجلّ والذئب على غنمه».

رواه البخاري في الصحيح عن الحميدي (1).

وأخرجناه من وجه آخر عن إسماعيل (2).

قال : وحدّثنا الحافظ بإسناده ، عن هشام ، عن أبي الزّبير ، عن جابر : أنّ رسول اللّه مرّ بعمّار وأهله وهم يعذّبون في اللّه فقال : «أبشروا آل عمّار فإنّ موعدكم الجنّة» (3).

وأخبرنا ابن بشران العدل بإسناده ، عن مجاهد قال : أوّل شهيد كان استشهد في الاِسلام اُمّ عمّارسميّة ، طعنها أبو جهل بطعنة في قلبها(4).

وروى عليّ بن إبراهيم بن هاشم بإسناده قال : كان أبو جهل تعرّض لرسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وآذاه بالكلام ، واجتمعت بنو هاشم فأقبل حمزة وكان في الصيد فنظر إلى اجتماع الناس فقال : ما هذا؟

فقالت له امرأة من بعض السطوح : يا أبايعلى إنّ عمرو بن هشام تعرّض لمحمّد وآذاه.

فغضب حمزة ومرّ نحو أبي جهل وأخذ قوسه فضرب بها رأسه ، ثمّ

ص: 122


1- 1. صحيح البخاري 5 : 56.
2- 2. دلائل النبوة للبيهقي 2 : 283.
3- 3. دلائل النبوة للبيهقي 2 : 282 ، وكذا في : سيرة ابن هشام 1 : 342 ، مستدرك الحاكم 3 : 388 ، اُسد الغابة 5 : 481 ، الاصابة 4 : 335 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 18 : 210.
4- 4. دلائل النبوة للبيهقي 2 : 282 ، وكذا في الاستيعاب 4 : 330 ، اُسد الغابة 5 : 481 ، الاصابة 4 : 335 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار18 : 210/38.

احتمله فجلد به الأرض ، واجتمع الناس وكاد يقع فيهم شرّ ، فقالوا له : يا أبا يعلى صبوت إلى دين ابن أخيك؟

قال : نعم ، أشهد أن لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمّداً رسول اللّه ، على جهة الغضب والحميّة. فلمّا رجع إلى منزله ندم فغدا على رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فقال : يا ابن أخ أحقاً ما تقول؟

فقرأ عليه رسول اللّه صلّى عليه وآله وسلّم سورة من القرآن ، فاستبصر حمزة ، وثبت على دين الاِسلام ، وفرح رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسرّ باسلامه أبو طالب ، فقال في ذلك :

ص-ب-راً أب-ا ي-ع-لى على دين أحمد *** وكن م-ظهراً لل-دين وفّقت ص-ابرا

وحط من أتى بالدين من ع-ن-د رب-ّه *** بصدق وحقّ لا تكن ح-مزة كاف-را

فقد س-رّني إذ قلتَ أن-ّك م-ؤم-ن *** فكن ل-رسول اللّه ف-ي اللّه ناص-را

وناد ق-ريش-اً ب-الذي ق-د أتيت-ه *** جهاراً وقل ما كان أحمد ساحرا(1)

ص: 123


1- 1. قصص الأنبياء للراوندي : 321 / 401 ، مناقب ابن شهر آشوب 1 : 62 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 18 : 210.
(الفصل السادس): في ذكر إسرائه صلی اللّه علیه و آله إلى بيت المقدس

في ذكر إسرائه صلی اللّه علیه و آله إلى بيت المقدس ودخوله بعد ذلك في شعب أبي طالب رحمة اللّه عليه

ثمّ اُسري برسول اللّه صلی اللّه علیه و آله إلى بيت المقدس ، حمله جبرئيل على البراق فأتى به بيت المقدس وعرض عليه محاريب الأنبياء وصلّى بهم وردّه ، فمرّ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله في رجوعه بعير لقريش وإذا لهم ماء في آنية فشرب منه واكفأ ما بقي ، وقد كانوا أضلّوا بعيراً لهموكانوا يطلبونه ، فلمّا أصبح قال لقريش : «إنّ اللّه قد أسرى بي إلى بيت المقدس فأراني آيات الأنبياء ومنازلهم وإنّي مررت بعير لقريش في موضع كذا وكذا وقد اضلّوا بعيراً لهم فشربت من مائهم وأهرقت باقي ذلك».

فقال أبو جهل : قد امكنتكم الفرصة منه ، فسألوه كم فيها من الأساطين والقناديل؟

فقالوا : يا محمّد ، إنّ ههنا من قد دخل بيت المقدس ، فصف لنا كم أساطينه وقناديله ومحاريبه.

فجاء جبرئيل علیه السلام فعلّق صورة بيت المقدس تجاه وجهه ، فجعل يخبرهم بما سألوه عنه ، فلمّا أخبرهم قالوا : حتّى يجيء العير نسألهم عمّا قلت.

فقال لهم رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : «تصديق ذلك أنّ العير يطلع عليكم عند طلوع الشمس يقدمها جملٌ أحمر عليه عزارتان».

فلمّا كان من الغد أقبلوا ينظرون إلى العقبة ويقولون : هذه الشمس تطلع الساعة ، فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم العير حين طلوع القرص يقدمها جمل أحمر ، فسألوهم عمّا قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ،

ص: 124

قالوا : لقد كان هذا ، ضلّ جمل لنا ، في موضع كذا وكذا ، ووضعنا ماء فأصبحنا وقد اُريق الماء. فلم يزدهم ذلك إلاّ عتوّاً.

فاجتمعوا في دار الندوة وكتبوا بينهم صحيفة أن لا يواكلوا بني هاشم ولا يكلّموهم ولا يبايعوهم ولا يزوّجوهم ولا يتزوّجوا إليهم ولا يحضروا معهم حتّى يدفعوا محمّداً إليهم فيقتلونه ، وأنّهم يد واحدة على محمّد صلی اللّه علیه و آله ليقتلوه غيلة أو صراحاً.

فلمّا بلغ ذلك أبا طالب جمع بني هاشم ودخل الشعب ، وكانوا أربعين رجلاً ، فحلف لهم أبو طالب بالكعبة والحرم والركن والمقام لئن شاكت محمّداً شوكة لآتيّن عليكم يا بني هاشم.

وحصّن الشعب ، وكان يحرسه بالليل والنهار ، فإذا جاء الليل يقوم بالسيف عليه ورسول اللّه مضطجع ثمّ يقيمه ويضجعه في موضع آخر ، فلا يزال الليل كلّه هكذا ، ويوكل ولده وولد أخيه به يحرسونه بالنهار ، وأصابهم الجهد ، وكان من دخل من العرب مكّة لا يجسر أن يبيع من بني هاشم شيئاً ، ومن باع منهم شيئاً انتهبوا ماله.

وكان أبو جهل ، والعاص بن وائل السهميّ ، والنضر بن الحارث بن كلدة ، وعقبة بن أبي معيط يخرجون إلى الطرقات التي تدخل مكّة ، فمن رأوه معه ميرة(1) نهوه أن يبيع من بني هاشم شيئاً ، ويحذّروه إن باع شيئاً منهم أن ينهبوا ماله.

وكانت خديجة لها مالٌ كثيرٌ فأنفقته على رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله في الشعب.

ولم يدخل في حلف الصحيفة مطعم بن عديّ بن نوفل بن

ص: 125


1- 1. الميرة : جلب القوم الطعام للبيع «العين 8 : 295».

عبد المطّلب بن عبد مناف ، وقال : هذا ظلمٌ.

وختموا الصحيفة بأربعين خاتماً ختمه كلّ رجل من رؤساء قريش بخاتمه وعلّقوها في الكعبة ، وتابعهم أبو لهب على ذلك.

وكان رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله يخرج في كلّ موسم فيدور على قبائل العرب فيقول لهم : «تمنعون لي جانبي حتّى أتلو عليكم كتاب ربّي وثوابكم على اللّه الجنّة» وأبو لهب في أثره فيقول : لا تقبلوا منه فإنّه ابن أخي وهو كذاب ساحر. فلم تزل هذه حاله فبقوا في الشعب أربع سنين لا يأمنون إلاّ من موسم إلى موسم ، ولا يشترون ولا يبايعون إلاّ في الموسم ، وكان يقوم بمكّة موسمان في كلّ سنة : موسم للعمرة في رجب ، وموسم للحجّ في ذي الحجّة ، وكان إذا اجتمعت المواسم تخرج بنو هاشم من الشعب فيشترون ويبيعون ثمّ لا يجسر أحدٌ منهم أن يخرج إلى الموسم الثاني ، فأصابهم الجهد وجاعوا ، وبعثت قريش إلى أبي طالب : ادفع إلينا محمّداً حتى نقتله ونملّكك علينا ، فقال : أبو طالب قصيدته الطولية اللامية التي يقول فيها :

ف-ل-م-ّا رأي-ت القوم لا ودّ فيهم *** وقد قط-ع-وا كلّ ال-عرى والوسائل

ويقول فيها :

أل-م ت-عل-موا أنّ اب-ن-نا لا مكذّب *** لدي-ن-ا ولا يعنى بقول الأباطل

وأب-يض ي-ُ-س-تسقى الغمام بوجهه *** ثمال اليتامی عصمة للأرامل

ي-ط-وف ب-ه ال-هلاّك من آل هاش *** فهم ع-ن-ده في نعمة وفواضل

كَذبتُم - وبيت اللّه - يُبزى(1) محمّداً *** ول-م-ّ-ا ن-ُطاعن دونهُ ونُقاتِل

ص: 126


1- 1. قال ابن الأثيير في النهاية (1 : 125) : بزا : في قصيدة أبي طالب يعاتب قريشاً في أمر النبي صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم ... ويبزى ، أي يقهر ويغلب ، أراد لا يُبزى ، فحذف لا من جواب القسم ، وهي مرادة ، أي لا يُقهر ولم نقاتل عنه ونُدافع.

ويقول فيها :

ونُسلمهُ حتّى نُصرَّعَ دونه *** ونذهلَ عن أبنائِنا والحلائلِ

لعمري لقد كلّفت وجداً بأحمدٍ *** وأحببته حبّ الحبيب المواصلِ

وَجدتُ بنفسي دونهُ وحميَتُهُ *** ودارأتُ عنه بالذرى والكلاكِلِ

فلا زال في الدنيا جمالاً لاَهلها *** وشيناً لمن عادى وزينُ المحافلِ

حَليماً رشيداً حازماً غير طائشٍ *** یُوالي إله الحقِّ ليس بماحلِ

فأيّده ربّ العبادِ بنصره *** وأظهر ديناً حقّه غير باطلِ

فلمّا سمعوا هذه القصيدة آيسوا منه ، وكان أبو العاص بن الربيع - وهو ختن(1) رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله - يجيء بالعير بالليل عليها البرّ والتمر إلى باب الشعب ، ثمّ يصيح بها فتدخل الشعب فيأكله بنو هاشم ، وقال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : «لقد صاهرنا أبو العاص فأحمدنا صهره ، لقد كان يعمد إلى العير ونحن في الحصار فيرسلها في الشعب ليلاً».

فلمّا أتى لرسول اللّه صلی اللّه علیه و آله في الشعب أربع سنين بعث اللّه على صحيفتهم القاطعة دابّة الأرض فلحست جميع ما فيها من قطيعة رحم وظلم وجور وتركت اسم اللّه ، ونزل جبرئيل علیه السلام على رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فأخبره بذلك ، فأخبر رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله أبا طالب.

فقام أبو طالب ولبس ثيابه ثمّ مشى حتّى دخل المسجد على قريش وهم مجتمعون فيه ، فلمّا بصروا به قالوا : قد ضجر أبو طالب وجاء الآن

ص: 127


1- 1. الختن : الصهر «العين 4 : 238». ولنا تعليق حول هذا الموضوع، يأتي لاحقاً.

ليسلم ابن أخيه.

فدنا منهم وسلّم عليهم فقاموا إليه وعظّموه وقالوا : يا أبا طالب قد علمنا أنّك أردت مواصلتنا والرجوع إلى جماعتنا وأن تسلم ابن أخيك إلينا.

قال : واللّه ما جئت لهذا ، ولكن ابن أخي أخبرني - ولم يكذبني - أنّ اللّه أخبره أنّه بعث على صحيفتكم القاطعة دابّة الأرض فلحست جميع ما فيها من قطيعة رحم وظلم وجور وتركت اسم اللّه ، فابعثوا إلى صحيفتكم فإن كان حقّاً فاتّقوا اللّه وارجعوا عمّا أنتم عليه من الظلم والجور وقطعية الرحم ، وإن كان باطلاً دفعته إليكم فإن شئتم قتلتموه وإن شئتم استحييتموه.

فبعثوا إلى الصحيفة فأنزلوها من الكعبة - وعليها أربعون خاتماً - فلمّا أتوا بها نظر كلّ رجل منهم إلى خاتمه ثمّ فكّوها فإذا ليس فيها حرفٌ واحد إلاّ : باسمك اللّهم.

فقال لهم أبو طالب : ياقوم اتّقوا اللّه وكفّوا عمّا أنتم عليه. فتفرّق القوم ولم يتكلّم أحدٌ.

ورجع أبو طالب إلى الشعب وقال في ذلك قصيدته البائيّة التي أوّلها :

ألا من لهم آخر الليل منصب *** وشعب العصا من قومك المتشعّب

وفيها :

وقد كان في أمر الصحيفة عبرة *** متى ما يخبّر غائب القوم يعجب

محا اللّه منها كفرهم وعقوقهم *** وما نقموا من ناطق الحقّ معرب

وأصبح ما قالوا من الامر باطلاً *** ومن يختلق ما ليس بالحقّ يكذب

وأمسى ابن عبداللّه فينا مصدّقاً *** على سخط من قومنا غير معتب

فلا تحسبونا مسلمين محمّداً *** لذي عزّة منّا ولا متعزّب

ستمنعه منّا يد هاشميّة *** مُركّبها في الناس خير مركّب

وقال عند ذلك نفرٌ من بني عبد مناف ، وبني قصي ، ورجال من

ص: 128

قريش ، ولدتهم نساء بني هاشم منهم : مطعم بن عدي بن عامر بن لؤي - وكان شيخاً كبيراً كثير المال له أولاد - وأبو البختري ابن هاشم ، وزهير بن اُميّة المخزومي في رجال من أشرافهم : نحن براء ممّا في هذه الصحيفة ، وقال أبو جهل : هذا أمرٌ قضي بليل (1).

وخرج النبيّ من الشعب ورهطه وخالطوا الناس ، ومات أبو طالب بعد ذلك بشهرين وماتت خديجة بعد ذلك.

وورد على رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله أمران عظيمان وجزع جزعاً شديداً. ودخل عليه وآله السلام على أبي طالب وهو يجود بنفسه ، فقال : «يا عمّ ربيّت صغيراً ، ونصرت كبيراً ، وكفّلت يتيماً ، فجزاك اللّه عنّي خيراً ، أعطني كلمة اُشفع بها لك عند ربّي».

فقال : يابن أخ لولا أنّي أكره أن يعيروا بعدي لأقررت عينك. ثمّ مات (2).

ص: 129


1- 1. انظر : الكافي 8 : 262 / 376 ، وتفسير القمي 2 : 13 ، وأمالي الصدوق : 363 / 1 ، وقصص الأنبياء للراوندي : 325 - 327 / 406 - 410 ، والطبقات الكبرى 1 : 208 ، وتاريخ اليعقوبي 2 : 31 ، ودلائل النبوة للبيهقي 2 : 311 ، والوفا بأحوال المصطفى 1 : 197 ، والكامل في التاريخ 2 : 89 ، ديوان شيخ الأباطح : 37 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 19 : 1 - 4 / 1 و 2.
2- (2) تُعد قضية إيمان أبي طالب ، ووفاته على الايمان من المسلمات الثابتة لدى عموم الشيعة ، وإيمانهم القطعي بأن هذه الفرية العظيمة كانت ولا زالت تستهدف شخص الامام علي بن أبي طالب علیه السلام ، لأنها وبلا شك دسيسة أموية خبيثة تنضاف إلى جملة دسائسهم الكثيرة للنيل من الصرح الشامخ لوصي رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله الذي سفّه أحلامهم ، وأطاح بكياناتهم الفاسدة ، وجندل بسيفه ساداتهم وعظماءهم ، وارغم انوفهم في طاعة اللّه تعالى ورسوله ، فلما عجزوا عن التصدي له في ميدان الحرب والمنازل انكفؤوا يكيدونه بكل فرية وكذبة وبهتان قد تجد لها في آذان السذج والبسطاء موطئاً ومحلاً ، وتلقف أعوانهم وأزلامهم ، المعتاشون على فتات موائدهم ، ما اخترعته مخلية الأمويين ، فطبّلوا له وزمّروا ، دون أي وقفة للتأمّل في مدى مصداقية هذه المزاعم ودرجة صحتها ، بل وعظم الوزر الذي يقع عليها ، ولكنه حب الدنيا والمسارعة في الجريان خلف سرابها ، وتلك ليست بممتنعة على أحد إذا أعرض عن الآخرة وولاّها ظهره. بيد أنّ تلك الأمور ، ومنها هذا الأمر المتعلق بإيمان أبي طالب قد مضى عليه الدهر ، وتبين للكثرين بعد البحث والتمحيص ، وتصدي العديد من علماء الطائفة - جزاهم اللّه عن الاسلام وأهله خيراً - لاثبات كذب ما افتري على هذا الرجل العظيم ، وكيف انقاد الكثيرون - وكلامي يختص بالمغررين منهم - دون وعي منهم في هذا التيار المنحرف ، فتحمّلوا وزراً كبيراً في ذلك. نعم ، لقد انبرى العديد من علماء الطائفة ومفكريها إلى مناقشة تلك الروايات والأخبار المتعرضة لهذا الأمر ، والمشيرة إلى وفاة هذا الرجل الذي ربّى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ، ونصره ، وتعرّض معه للأذى ، وشاركه في جميع همومه ومشاكله ، والذي ما أن توفي حتى أمر اللّه تعالى رسوله الكريم بترك مكة ، لاَنّه لن يجد بعد ذلك ناصراً له ، ومحامياً عنه ، نعم لقد انبرى هؤلاء الأعلام إلى مناقشة هذه الروايات ، والتعرض لأسانيدها ، واحداً واحداً ، فظهر من ذلك العجب ، لاَنّ جميع أولئك الراوين لهذه الأخبار - والتي تختصر أوضحها في تفسير قوله تعالى : ( إنّك لا تهدي من أحببت ولكن اللّه يهدي من يشاء ) - من المبغضين لعلي علیه السلام ، بل واثبات نزول هذه الآية المباركة في موارد اُخرى لا تختص بما اُشيع عنها من أنّها مختصة بأبي طالب دون غيره. كما أن هؤلاء الأعلام رحمهم اللّه تعالى قد بينوا بجلاء جملة من المواقف الواضحةوالثابتة عن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله المتناقضة تماماً مع تفسير هذه الآية ، ونسبةهذا الخبر الى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وأبي طالب ، وكذا ما روي من حديث الضحضاح وغيرهما. ولما كان هذا الموضع لا يستوعب هذه المناقشات الطويلة والمسهبة ، فإنا نعرض عنالاستطراد في ذلك محيلين القارئ الكريم الى جملة ما اُلف حول هذا الموضوع قديماًوحديثاً ، ومنها : 1. شيخ الابطح أو أبو طالب : للسيد محمد علي آل شرف الدين الموسوي. 2. مواهب الواهب في فضائل أبي طالب : للشيخ جعفر النقدي. 3. الشهاب الثاقب لرجم مكفِّر أبي طالب : للشيخ ميرزا محمد الطهراني. 4. ضياء العالمين في فضائل الأئمة المصطفين : للشيخ أبي الحسن الفتوني النجفي. 5. إيمان أبي طالب : للسيد أحمد بن موسى بن طاووس الحلي. 6. إيمان أبي طالب : للشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان البغدادي. 7. إيمان أبي طالب ، المعروف بكتاب الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب : للسيد أبي علي فخار بن معد الموسوي. 8. أبو طالب مؤمن قريش : للشيخ عبداللّه الخنيزي.

ص: 130

وقد روي : أنّه لم يخرج من الدنيا حتّى أعطى رسول اللّه صلّى عليه وآله وسلّم الرّضا (1).

وفي كتاب دلائل النبوّة : عن ابن عباس قال : فلمّا ثقل أبو طالب رُئِي يحرّك شفتيه فأضغى إليه العبّاس يستمع قوله فرفع العباس عنه ، وقال : يا رسول اللّه قد واللّه قال الكلمة التي سألته إيّاها (2).

وفيه : مرفوعاً عن ابن عبّاس : أنّ النبيّ صلی اللّه علیه و آله عارض جنازة أبي طالب وقال : «وَصَلَتْكَ رحم وجزيت خيراً يا عمّ» (3).

وذكر محمّد بن إسحاق بن يسار : أنّ خديجة بنت خويلد وأبا طالب ماتا في عام واحد فتتابعت على رسول اللّه المصائب بهلاك خديجة وأبي طالب ، وكانت خديجة له وزيرة صدق على الاِسلام وكان يسكن إليها (4).

ص: 131


1- تفسير القمي 1 : 380 ، ايمان أبي طالب لابن معد : 130 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 14 : 71.
2- دلائل النبوة للبيهقي 2 : 346 ، وكذا في : قصص الأنبياء للراوندي : 330 ، سيرة ابن هشام : 2 : 59 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 14 : 71.
3- دلائل النبوة للبيهقي 2 : 349 ، وكذا في : عدة رسائل للمفيد : 307 ، قصص الأنبياء للراوندي : 330 ، تاريخ اليعقوبي 2 : 35 ، الوفا بأحوال المصطفى 1 : 208 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 14 : 76.
4- دلائل النبوة للبيهقي 2 : 352 ، وكذا في : سيرة ابن هشام 2 : 57 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 19 : 5/4.

وذكر أبو عبداللّه بن مندة في كتاب المعرفة : أنّ وفاة خديجة كانت بعد موت أبي طالب بثلاثة أيام.

وزعم الواقديّ أنّهم خرجوا من الشعب قبل الهجرة بثلاث سنين ، وفي هذه السنة توفّيت خديجة وأبو طالب وبينهما خمس وثلاثون ليلة (1).

ص: 132


1- دلائل النبوة للبيهقي 2 : 353 ، وكذا في : مناقب ابن شهر آشوب 1 : 174 ، والكامل في التاريخ 2 : 90 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 19 : 5 / 4.
(الفصل السابع): في ذكر عرض رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ...

في ذكر عرض رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله نفسه على قبائل العرب ، وما جاء من بيعة الأنصار إيّاه على الاِسلام ، وحديث العقبة

في كتاب دلائل النبوّة : عن الزهريّ ، قال : كان رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله يعرض نفسه على قبائل العرب في كلّ موسم ، ويكلّم كلّ شريف قوم ، لا يسألهم مع ذلك إلاّ أن يؤووه ويمنعوه ويقول : «لا اُكره أحداً منكم على شيء ، من رضي منكم بالذي أدعوه إليه ، فذاك ، ومن كره لم اُكرهه ، إنّما اُريد أن تحرزوني ممّا يراد بي من القتل حتّى اُبلّغ رسالات ربّي ، وحتّى يقضي اللّه عزّ وجلّ لي ولمن صحبني ما شاء اللّه» فلم يقبله أحد منهم ولم يأت أحداً من تلك القبائل إلاّ قال : قوم الرجل أعلم به ، أترون أنّ رجلاً يصلحنا وقد أفسد قومه ولفظوه؟!

فالمّا توفّي أبو طالب اشتدّ البلاء على رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله أشدّ ما كان ، فعمد لثقيف بالطائف رجاء أن يؤووه ، فوجد ثلاثة نفر منهم هم سادة ثقيف يومئذ ، وهم إخوة : عبد ياليل بن عمرو ، وحبيب بن عمرو ، ومسعود بن عمرو ، فعرض عليهم نفسه وشكا إليهم البلاء وما انتهك منه قومه ، فقال أحدهم : أسرق أستار الكعبة إن كان اللّه بعثك بشيء قطّ.

وقال الآخر : أعجزٌ على اللّه أن يرسل غيرك؟

وقال الآخر : واللّه لا اُكلّمك بعد مجلسك هذا أبداً ، واللّه لئن كنت رسول اللّه لأنت أعظم شرفاً وحقاً من أن اُكلّمك ، ولئن كنت تكذب على اللّه لأنت شرّ من أن اُكلّمك.

ص: 133

وتهزّؤوا به ، وأفشوا في قومهم الذي راجعوه به ، فقعدوا له صفّين على طريقه ، فلمّا مرّ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله بين صفّيهم كان لا يرفع رجليه ولا يضعهما إلاّ رضخوهما بالحجارة - وقد كانوا اعدوها - حتّى أدْموا رجليه ، فخلص منهم ورجلاه تسيلان الدماء ، فعمد إلى حائط من حوائطهم واستظلّ في ظلّ حَبَلة (1) منه وهو مكروبٌ موجع ، فإذا في الحائط عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة ، فلمّا رآهما كره مكانهما لما يعلم من عداوتهما لله ورسوله ، فلمّا رأياه أرسلا إليه غلاماً لهما يدعى عدّاس وهو نصراني من أهل نينوى معه عنب ، فلمّا جاءه عدّاس قال له رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : «من أيّ أرض أنت»؟

قال : أنا من أهل نينوى.

فقال له صلی اللّه علیه و آله : «من مدينة الرجل الصالح يونس بن متّى»؟

فقال له عدّاس : وما يدريك من يونس بن متّى؟

فقال له رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله - وكان لا يحقّر أحداً أن يبلّغه رسالة ربّه - : «أنا رسول اللّه واللّه تعالى أخبرني خبر يونس بن متّى».

فلمّا أخبره بما أوحى اللّه إليه من شأن يونس بن متّى خرّ عدّاس ساجداً لله ، وجعل يقبّل قدميه وهما تسيلان دماً.

فلمّا بصر عتبة وشيبة ما يصنع غلامهما سكتا ، فلمّا أتاهما قالا له : ما شأنك سجدت لمحمّد وقبّلت قدميه ولم نرك فعلته بأحد منّا؟

قال : هذا رجل صالح أخبرني بشيء عرفته من شأن رسول بعثه اللّه إلينا يدعى يونس بن متّى.

ص: 134


1- 1. الحَبلُ : شجر العنب ، واحدته حَبلَة. «لسان العرب 11 : 138».

فضحكا وقالا : لا يفتننّك عن نصرانيّتك ، فإنّه رجلٌ خدّاع. فرجع رسول اللّه إلى مكّة (1).

قال عليّ بن إبراهيم بن هاشم : ولمّا رجع رسول اللّه صلّى عليه وآله وسلّم من الطائف وأشرف على مكّة وهو معتمر كره أن يدخل مكّة وليس له فيها مجيرٌ ، فنظر إلى رجل من قريش قد كان أسلم سرّا ، فقال له : «ائت الأخنس بن شريق فقل له : إنّ محمداً يسألك أن تجيره حتّى يطوف ويسعى فإنّه معتمر».

فأتاه وأدّى إليه ما قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ، فقال الأخنس : إنّي لست من قريش ، وإنّما أنا حليف فيهم ، والحليف لا يجير على الصّميم ، وأخاف أن يخفروا جواري ، فيكون ذلك مسبّة.

فرجع إلى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فأخبره ، وكان رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله في شعب حرّاء مختفياً مع زيد فقال له : «ائت سهيل بن عمرو فاسأله أن يجيرني حتّى أطوف بالبيت وأسعى».

فأتاه وأدّى إليه قوله ، فقال له : لا أفعل.

فقال له رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : «إذهب إلى مطعم بن عديّ فسله أن يجيرني حتّى أطوف وأسعى».

فجاء إليه وأخبره فقال : أين محمّد؟ فكره أن يخبره بموضعه ، فقال : هو قريب ، فقال : ائته فقل له : إنّي قد أجرتك فتعال وطف واسع ماشئت.

فأقبل رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ، وقال مطعم لولده ،

ص: 135


1- 1. دلائل النبوة 2 : 414 ، وانظر : قصص الأنبياء للراوندي : 330 ، ومناقب ابن شهر آشوب 1 : 68 ، والسيرة النبوية لابن هشام 2 : 60 ، وتاريخ اليعقوبي 2 : 36 ، ودلائل النبوة للاصفهاني 1 : 389 ، والكامل في التاريخ 2 : 91 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 19 : 5 / 5.

واختانه(1) ، وأخيه طعيمة بن عديّ : خذوا سلاحكم فإنّي قد أجرت محمّداً وكونوا حول الكعبة حتّى يطوف ويسعى ، وكانوا عشرة فأخذوا السلاح.

وأقبل رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله حتّى دخل المسجد ، ورآه أبو جهل فقال : يا معشر قريش هذا محمّد وحده وقد مات ناصره فشأنكم به.

فقال له طعيمة بن عديّ : يا عمّ لا تتكلمّ ، فإنّ أبا وهب قد أجار محمّداً. فوقف أبو جهل على مطعم ابن عدّي فقال : أبا وهب أمجيرٌ أم صابىء؟

قال : بل مجيرٌ.

قال : إذاً لا يخفر جوارك.

فلمّا فرغ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله من طوافه وسعيه جاء إلى مطعم ، فقال : «أبا وهب قد أجرت وأحسنت ، فردّ عليّ جواري».

قال : وما عليك أن تقيم في جواري؟

قال : «أكره أن اُقيم في جوار مشرك أكثر من يوم».

قال مطعم : يا معشر قريش ، إنّ محمداً قد خرج من جواري(2).

قال علي بن إبراهيم : قدم أسعد بن زرارة ، وذكوان بن عبد قيس في موسم من مواسم العرب ، وهما من الخزرج ، وكان بين الأوس والخزرج حربٌ قد بغوا فيها دهراً طويلاً ، وكانوا لا يضعون السلاح لا بالليل ولا بالنهار ، وكان

ص: 136


1- 1. الخَتن بالتحريك : كلُّ من كان قِبل المرأة ، مثل الأب والأخ ، وهم الأختان. هكذا عند العرب ، وأمّا عند العامّة فختن الرجل : زوج ابنته. «الصحاح - ختن - 5 : 2107».
2- 2. انظر : قصص الأنبياء للراوندي : 331 ، والسيرة النبوية لابن هشام 2 : 20 ، الوفا بأحوال المصطفى 1 : 214 ، والكامل في التاريخ 2 : 92 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 19 : 7.

اخر حرب بينهم يوم بعاث (1) ، وكانت للأوس على الخزرج ، فخرج أسعد بن زرارة وذكوان إلى مكّة في عمرة رجب يسألون الحلف على الأوس ، وكان أسعد بن زرارة صديقاً لعتبة بن ربيعة ، فنزل عليه فقال له : إنّه كان بيننا وبين قومنا حربٌ وقد جئناك نطلب الحلف عليهم.

فقال له عتبة : بعدت دارنا من داركم ولنا شغل لا نتفرّغ لشيء.

قال : وما شغلكم وأنتم في حرمكم وأمنكم؟

قال له عتبة : خرج فينا رجل يدّعي أنّه رسول اللّه ، سفّه أحلامنا ، وسبّ آلهتنا ، وأفسد شبّاننا ، وفرّق جماعتنا.

فقال له أسعد : من هو منكم؟

قال : ابن عبداللّه بن عبد المطّلب ، من أوسطنا شرفاً ، وأعظمنا بيتاً.

وكان أسعد وذكوان وجميع الأوس والخزرج يسمعون من اليهود الذين كانوا بينهم - النضير وقريظة وقينقاع - : أنّ هذا أوان نبيّ يخرج بمكة يكون مهاجره بالمدينة ، لنقتلنّكم به يا معشر العرب. فلمّا سمع ذلك أسعد وقع في قلبه ما كان سمع من اليهود ، قال : فأين هو؟

قال : جالسٌ في الحجر ، وإنّهم لا يخرجون من شعبهم إلاّ في الموسم ، فلا تسمع منه ولا تكلّمه فإنّه ساحرٌ يسحرك بكلامه. وكان هذا في وقت محاصرة بني هاشم في الشّعب.

فقال له أسعد : فكيف أصنع وأنا معتمر ، لابدّ لي أن أطوف بالبيت؟

قال : ضع في اُذنيك القطن.

فدخل أسعد المسجد وقد حشا اُذنيه بالقطن ، فطاف بالبيت ورسول اللّه

ص: 137


1- 1. يوم بُعاث (بضم الباء) : يوم مشهور كان فيه حرب بين الأوس والخزرج. ويُعاث اسم حصن للأوس1. «النهاية 1 : 139».

صلی اللّه علیه و آله جالس في الحجر مع قوم من بني هاشم ، فنظر إليه نظرة فجازه ، فلمّا كان في الشوط الثاني في نفسه : ما أجد أجهل منّي ، أيكون مثل هذا الحديث بمكّة فلا اتعرفه حتّى أرجع إلى قومي فاُخبرهم؟ ثمّ أخذ القطن من اُذنيه ورمى به وقال لرسول اللّه صلّى عليه وآله وسلّم : أنعم صباحاً.

فرفع رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله رأسه إليه وقال : «قد أبدلنا اللّه به ما هو أحسن من هذا ، تحيّة أهل الجنّة السلام عليكم».

فقال له أسعد : إنّ عهدك بهذا لقريب ، إلى ما تدعو يا محمّد؟

قال : «إلى شهادة أن لا إله إلاّ اللّه وأنّي رسول اللّه ، وأدعوكم إلى أن لا تشركوا به شيئاً ، وبالوالدين إحساناً ، ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإيّاها ، ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، ولا تقتلوا النفس التي حرّم اللّه إلاّ بالحقّ ذلك وصاكم به لعلّكم تعقلون ، ولا تقربوا مال اليتيم إلاّ بالتي هي أحسن حتّى يبلغ أشدّه ، وأوفوا الكيل والميزان بالقسط ، لا يكلّف اللّه نفساً إلاّ وسعها ، وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد اللّه أوفوا ذلكم وصاكم به لعلّكم تذكّرون».

فلمّا سمع أسعد هذا له : أشهد أن لا إله إلاّ اللّه ، وأنّك رسول اللّه ، يا رسول اللّه بأبي أنت واُمّي ، أنا من أهل يثرب من الخزرج ، وبيننا وبين إخوتنا من الأوس حبالٌ مقطوعة ، فإن وصلها اللّه بك فلا أجد أعزّ منك ، ومعي رجلٌ من قومي ، فإن دخل في هذا الأمر رجوت أن يتمّم اللّه لنا أمرنا فيك ، واللّه يا رسول اللّه لقد كنّا نسمع من اليهود خبرك ، ويبشّروننا بمخرجك ، بصفتك ، وأرجوا أن تكون لله دارنا هجرتك ، وعندنا مقامك ، فقد أعلمنا اليهود ذلك ، فالحمد لله الذي ساقني إليك ، واللّه ما جئت إلاّ لنطلب الحلف على قومنا ، وقد آتانا اللّه بأفضل ممّا أتيت له.

ص: 138

ثمّ أقبل ذكوان فقال له أسعد : هذا رسول اللّه الذي كانت اليهود تبشّرنا به وتخبرنا بصفته ، فهلّم فاسلم ، فأسلم ذكوان ثمّ قالا : يا رسول اللّه ابعث معنا رجلاً يعلّمنا القرآن ويدعو النّاس إلى أمرك.

فقال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله لمصعب بن عمير ، وكان فتى حدثاً مترفاً بين أبويه يكرمانه ويفضّلانه على أولادهما ولم يخرج من مكّة ، فلمّا أسلم جفاه أبواه ، وكان مع رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله في الشعب حتّى تغّير وأصابه الجهد ، فأمره رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله بالخروج مع أسعد ، وقد كان تعلّم من القرآن كثيراً ، فخرجا إلى المدينة ومعهما مصعب بن عمير فقدموا على قومهم وأخبروهم بأمر رسول اللّه وخبره ، فأجاب من كلّ بطن الرجل والرجلان ، وكان مصعب نازلاً على أسعد بن زرارة ، وكان يخرج في كلّ يوم فيطوف على مجالس الخزرج يدعوهم إلى الاِسلام فيجيبه الأحداث ، وكان عبداللّه بن اُبيّ شريفاً في الخزرج ، وقد كان الأوس والخزرج اجتمعوا على أن يملّكوه عليهم لشرفه وسخائه ، وقد كانوا اتّخذوا له اكليلاً احتاجوا في تمامه إلى واسطة كانوا يطلبونها ، وذلك أنّه لم يدخل مع قومه الخزرج في حرب بعاث ولم يعن على الأوس ، وقال : هذا ظلم منكم للأوس ولا اُعين على الظلم ، فرضيت به الأوس والخزرج ، فلمّا قدم أسعد كره عبداللّه ما جاء به أسعد وذكوان وفتر أمره. فقال أسعد لمصعب : إنّ خالي سعد بن معاذ من رؤساء الأوس ، وهو رجلٌ عاقل شريف مطاع في بني عمرو بن عوف ، فإن دخل فى هذا الأمر تمّ لنا أمرنا ، فهلمّ نأتي محلّتهم.

فجاء مصعب مع أسعد إلى محلّة سعد بن معاذ فقعد على بئر من آبارهم واجتمع إليه قوم من أحداثهم وهو يقرأ عليهم القرآن ، فبلغ ذلك سعد بن معاذ فقال لاُسيد بن حضير وكان من أشرافهم : بلغني أنّ أبا أمامة أسعد

ص: 139

ابن زرارة قد جاء إلى محلّتنا مع هذا القرشي يفسد شبّاننا ، فأته وانهه عن ذلك.

فجاء اُسيد بن حضير ، فنظر إليه أسعد فقال لمصعب إنّ هدا رجلٌ شريفٌ ، فإن دخل في هذا الأمر رجوت أن يتمّ أمرنا فأصدق اللّه فيه.

فلمّا قرب اُسيد منهم قال : يا أبا أمامة يقول لك خالك : لا تأتنا في نادينا ، ولا تفسد شبّاننا ، وأحذر الأوس على نفسك.

فقال مصعب : أو تجلس فنعرض عليك أمراً ، فإن أحببته دخلت فيه ، وإن كرهته نحّينا عنك ما تكرهه.

فجلس فقرأ عليه سورة من القرآن ، فقال : كيف تصنعون إذا دخلتم في هذا الأمر؟

قال : نغتسل ونلبس ثوبين طاهرين ونشهد الشهادتين ونصلّي ركعتين.

فرمى بنفسه ممع ثيابه في البئر ، ثمّ خرج وعصر ثوبه ، ثمّ قال : أعرض عليّ.

فعرض عليه شهادة أن لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمّداً رسول اللّه ، فقالها ، ثمّ صلّى ركعتين ، ثمّ قال لأسعد : يا أبا أمامة ، أنا أبعث إليك الآن خالك وأحتال عليه في أن يجيئك.

فرجع اُسيد إلى سعد بن معاذ ، فلمّا نظر إليه سعد قال : اُقسم أنّ اُسيد قد رجع إلينا بغير الوجه الذي ذهب من عندنا ، وأتاهم سعد بن معاذ فقرأ عليه مصعب ( حمَ تنزيلٌ منَ الرّحمن الرّحيم ) فلمّا سمعها ، قال مصعب : واللّه لقد رأينا الاِسلام في وجهه قبل أن يتكلّم ، فبعث إلى منزله وأتى بثوبين طاهرين واغتسل وشهد الشهادتين وصلّى ركعتين ثمّ قام وأخذ بيد مصعب وحوّله إليه وقال : أظهر أمرك ولا تهابّن أحداً.

ثمّ جاء فوقف في بني عمرو بن عوف وصاح : يا بني عمرو بن عوف لا

ص: 140

يبقيّن رجلٌ ولا امرأة ولا بكر ولا ذات بعل ولا شيخ ولا صبيّ إلاّ خرج ، فليس هذا يوم ستر ولا حجاب.

فلمّا اجتمعوا قال : كيف حالي عندكم.

قالوا : أنت سيّدنا والمطاع فينا ولا نردّ لك أمراً فمرنا بما شئت.

فقال : كلام رجالكم ونسائكم وصبيانكم عليّ حرام حتّى تشهدوا أن لا إله إلاّ اللّه وأن محمّداً رسول اللّه ، فالحمد لله الذي أكرمنا بذلك وهو الذي كانت اليهود تخبرنا به.

فما بقي دارٌ من دور بني عمرو بن عوف في ذلك اليوم إلاّ وفيها مسلمٌ أو مسلمة ، وحوّل مصعب بن عمير إليه وقال له : أظهر أمرك وادع الناس علانية.

وشاع الاِسلام بالمدينة وكثر ، ودخل فيه من البطنين جميعاً أشرافهم ، وذلك لما كان عندهم من أخبار اليهود.

وبلغ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله أنّ الأوس والخزرج قد دخلوا في الإسلام ، وكتب إليه مصعب بذلك ، وكان كلّ من دخل في الاِسلام من قريش ضربة قومه وعذّبوه ، فكان رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله يأمرهم أن يخرجوا إلى المدينة ، فكانوا يتسلّلون رجلاً فرجلاً فيصيرون إلى المدينة فينزلهم الأوس والخزرج عليهم ويواسونهم.

قال : فلمّا قدمت الأوس والخزرج مكّة جاءهم رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فقال لهم : «تمنعون لي جانبي حتّى أتلو عليكم كتاب ربكم وثوابكم على اللّه الجنّة»؟

قالوا : نعم يا رسول اللّه ، فخذ لنفسك وربّك ما شئت.

فقال : «موعدكم العقبة في الليلة الوسطى من ليالي التشريق».

فلمّا حجوا رجعوا إلى منى ، وكان فيه ممّن قد أسلم بشرٌ كثير ، وكان

ص: 141

أكثرهم مشركين على دينهم وعبداللّه بن اُبّي فيهم ، فقال لهم رسول اللّه صلّى اللّه وآله وسلّم في اليوم الثاني من أيّام التشريق : «فاحضروا دار عبد المطّلب على العقبة ولا تنبّهوا نائماً ، وليتسلّل واحد فواحد».

وكان رسول اللّه نازلاً في دار عبد المطّلب ، وحمزة وعليّ والعبّاس معه ، فجاءه سبعون رجلاً من الأوس والخزرج ، فدخلوا الدار ، فلمّا اجتمعوا قال لهم رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : «تمنعون لي جانبي حتّى أتلو عليكم كتاب ربي وثوابكم على اللّه الجنّة»؟

فقال أسعد بن زرارة والبراء بن معرور وعبداللّه بن حرام : نعم يارسول اللّه ، فاشترط لنفسك ولربّك.

فقال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : «تمنعوني ممّا تمنعون أنفسكم ، وتمنعون أهلي ممّا تمنعون أهليكم وأولادكم».

قالوا : فما لنا على ذلك؟

قال : «الجنّة ، تملكون بها العرب في الدنيا ، وتدين لكم العجم وتكونون ملوكاً».

فقالوا : قد رضينا.

فقام العباس بن نضلة وكان من الأوس فقال : يا معشر الأوس والخزرج تعلمون على ما تقدمون عليه؟ إنّما تقدمون على حرب الأبيض والأحمر ، وعلى حرب ملوك الدنيا ، فإن علمتم أنّه إذا اصابتكم المصيبة في أنفسكم خذلتموه وتركتموه فلا تغرّوه ، فإنّ رسول اللّه وإن كان قومه خالفوه فهو في عزّ ومنعة.

فقال له عبداللّه بن حرام وأسعد بن زرارة وأبو الهيثم بن التيّهان : مالك وللكلام يا رسول اللّه؟ بل دمنا بدمك ، وأنفسنا بنفسك ، فاشترط لربّك ولنفسك ما شئت.

ص: 142

فقال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : «أخرجوا إليّ منكم اثني عشر نقيباً يكفلون عليكم بذلك كما أخذ موسى من بني إسرائيل اثني عشر نقيباً».

فقالوا : اختر من شئت. فأشار جبرئيل علیه السلام إليهم.

فقال : «هذا نقيبٌ ، وهذا نقيبٌ» حتّى اختار تسعة من الخزرج ، وهم : أسعد بن زرارة ، والبراء بن معرور ، وعبداللّه بن حرام أبو جابر بن عبداللّه ، ورافع بن مالك ، وسعد بن عبادة ، والمنذر بن عمرو ، وعبداللّه بن رواحة ، وسعد بن الربيع ، وعبادة بن الصامت. وثلاثة من الأوس ، وهم : أبو الهيثم بن التيّهان - وكان رجلاً من اليمن حليفاً في بني عمرو بن عوف - ، واُسيد بن حضير ، وسعد بن خيثمة.

فلمّا اجتمعوا وبايعوا رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله صاح بهم إبليس : يا معشر قريش والعرب ، هذا محمّد والصباة من الأوس والخزرج على جمرة العقبة يبايعونه على حربكم. فأسمع أهل منى ، فهاجت قريش وأقبلوا بالسلاح ، وسمع رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله النداء فقال للأنصار : «تفرّقوا».

فقالوا : يا رسول اللّه إن أمرتنا أن نميل عليهم بأسيافنا فعلنا.

فقال رسول اللّه صلّى اللّه وآله وسلّم : «لم اُومر بذلك ولم يأذن اللّه لي في محاربتهم».

فقالوا : يا رسول اللّه فتخرج معنا.

قال : «أنتظر أمر اللّه».

فجاءت قريش على بكرة أبيها قد أخذوا السلاح ، وخرج حمزة ومعه السيف فوقف على العقبة هو وعليّ بن أبي طالب علیه السلام ، فلمّا نظروا إلى حمزة قالوا : ما هذا الذي اجتمعتم عليه؟

ص: 143

قال : ما اجتمعنا ، وما هاهنا أحد ، واللّه لا يجوز أحد هذه العقبة إلاّ ضربته بسيفي.

فرجوا وغدوا إلى عبداللّه بن اُبي وقالوا له : قد بلغنا أنّ قومك بايعوا محمّداً على حربنا. فحلف لهم عبداللّه أنّهم لم يفعلوا ولا علم له بذلك ، وأنّهم لم يطلعوه على أمرهم ، فصدّقوه. وتفرّقت الأنصار ورجع رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله إلى مكّة(1).

ص: 144


1- 1. أنظر : تفسير القمي 1 : 272 ، وقصص الأنبياء للراوندي : 332 / 412 ، والسيرة النبوية لابنهشام 2 : 77 - 83 ، والطبقات الكبرى 1 : 221 ، ودلائل النبوة للبيهقي 2 : 430 - 446 ، والوفا بأحوال المصطفى 1 : 224 ، والكامل في التأريخ 2 : 96 - 98 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 19 : 8 / 5.
(الفصل الثامن): في ذكر مكر المشركين برسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم ...

في ذكر مكر المشركين برسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم واجتماعهم في دار الندوة لذلك ، وذكر هجرته صلى اللّه عليه وآله وسلّم إلى المدينة وما كان من استقبال الانصار إيّاه ، ونزوله ما ظهر من آثار النبوّة وآثارها ، ومختصر من أخباره إلى أن امر بالقتال

ثمّ اجتمعت قريش في دار الندوة وكانوا أربعين رجلاْ من أشرافهم ، وكان لا يدخلها إلاّ من أتى له أربعون سنة سوى عتبة بن ربيعة فقد كان سنّهدون الأربعين ، فجاء الملعون أبليس في صورة شيخ فقال له البوّاب : من أنت؟

قال : أنا شيخ من نجد.

فاستأذن فاذنوا له ، وقال : بلغني اجتماعكم في أمر هذا الرجل ، فجئتكم لاشير عليكم ، فلا يعدمكم منّي رأي صائب.

فلمّا أخذوا مجلسهم قال أبو جهل : يا معشر قريش ، إنّه لم يكن أحدُ من العرب أعزّ منّا ونحن في حرم اللّه وأمنه تفد إلينا العرب في السنة مرّتين ولا يطمع فينا طامع ، حتّى نشأ فينا محمّد ، فكنّا نسمّيه الأمين لصلاحه وأمانته ، فزعم أنّه رسول اللّه ، وسبّ آلهتنا ، وسفّه أحلامنا ، وأفسد شبّاننا ، وفرّق جماعتنا ، وقد رأيت فيه رأياً ، وهو أن ندسّ إليه رجلاً يقتله ، فإن طلبت بنو هاشم بدمه أعطيناهم عشر ديات.

فقال إبليس : هذا رأي خبيث ، فإنّ بني هاشم لا ترضى أن يمشي قاتل محمّد على الأرض أبداً ، وتقع بينكم الحروب في حرمكم.

فقال آخر : الرأي أن نأخذه فنحبسه في بيت ونثبته فيه ونلقي إليه قوته

ص: 145

حتّى يموت كما مات زهير والنابغة.

فقال إبليس : إنّ بني هاشم لا ترضى بذلك ، فإذا جاء موسم العرب اجتمعوا عليكم وأخرجوه فيخدعهم بسحره.

وقال آخر : الرأي أن نخرجه من بلادنا ونطرده فنفرغ نحن لآلهتنا.

فقال إبليس : هذا أخبث من الرأيين المتقدّمين ، لأنّكم تعمدون إلى أصبح الناس وجهاً ، وافصح الناس لساناً ، وأسحرهم ، فتخرجوه إلى بوادي العرب فيخدعهم بسحره ولسانه ، فلا يفجأكم إلاّ وقد ملأها عليكم خيلاً ورجلاً.

فبقوا حيارى. ثم قالوا للملعون إبليس : فما الرأي عندك فيه؟

قال : ما فيه إلاّ رأي واحد ، أن يجتمع من كلّ بطن من بطون قريش رجلٌ شريفُ ، ويكون معكم من بني هاشم واحد ، فيأخذون حديدة أو سيفاً ويدخلون عليه فيضربوه كلّهم ضربة واحدة ، فيتفرقّ دمه في قريش كلّها ، فلايستطيع بنو هاشم أن يطلبوا بدمه وقد شاركوا فيه ، فما بقي لهم إلاّ أن تعطوهم الدية ، فأعطوهم ثلاث ديات.

قالوا : نعم وعشر ديات.

وقالوا بأجمعهم : الرأي رأي الشيخ النجدي.

فاختاروا خمسة عشر رجلاً فيهم أبو لهب على أن يدخلوا على رسول اللّه فيقتلونه ، فأنزل اللّه سبحانه وتعالى على رسوله : ( واذ يمكُرُ بك الّذين كفرُوا ليُثبتُوك أو يقتلوك او يُخرجُوك ) الآية (1).

ثمّ تفرّقوا على هذا وأجمعوا أن يدخلوا عليه ليلاً وكتموا أمرهم ، فقال أبو لهب : بل نحرسه فإذا أصبحنا دخلنا عليه.

فباتوا حول حجرة رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وأمر رسول اللّه

ص: 146


1- 1. الأنفال 8 : 30.

صلی اللّه علیه و آله أن يفرش له ، وقال لعليّ بن أبي طالب علیه السلام : «يا عليّ افدني بنفسك».

قال : «نعم يا رسول اللّه».

قال : «نم على فراشي والتحف ببردي».

فنام علیه السلام على فراش رسول اللّه والتحف ببردته ، وجاء جبرئيل علیه السلام إلى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فقال له : «اُخرج» والقوم يشرفون على الحجرة فيرون فراشه وعليّ علیه السلام نائمٌ عليه ، فيتوهّمون أنّه رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله .

فخرج رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله عليهم وهو يقرأ «يس» إلى قوله : ( فاغشيناهُم فهُم لا يُبصرون ) (1) وأخذ تراباً بكفّه ونثره عليهم وهم نيام ومضى.

فقال له جبرئيل علیه السلام : «يا محمّد ، خذ ناحية ثور» وهو جبل على طريق منى له سنام كسنام الثور ، فمرّ رسول اللّه وتلقّاه أبو بكر في الطريق ، فأخذ بيده ومرّ به ، فلمّا انتهى إلى ثور دخل الغار.

فلمّا أصبحت قريش واضاء الصبح وثبوا في الحجرة وقصدوا الفراش ، فوثب عليّ علیه السلام إليهم وقام في وجوههم فقال لهم : «ما لكم؟».

قالوا : أين ابن عمّك محمّد؟

قال عليّ علیه السلام : «جعلتموني عليه رقيباً؟ ألستم قلتم له : اُخرج عنّا ، فقد خرج عنكم ، فما تريدون؟».

فأقبلوا عليه يضربونه ، فمنعهم أبو لهب ، وقالوا : أنت كنت تخدعنا منذ الليلة.

ص: 147


1- 1. يس36 : 9.

فلمّا أصبحوا تفرّقوا في الجبال ، وكان فيهم رجلٌ من خزاعة يقال له : أبو كرز يقفو الآثار ، فقالوا له : يا أبا كرز اليوم اليوم. فما زال يقفو أثر رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله حتّى وقف بهم على باب الحجرة ، فقال : هذه قدم محمد ، هي واللّه اُخت القدم التي في المقام ، وهذه قدم أبي قحافة أو ابنه ، وقال : ههنا عبر ابن أبي قحافة.

فلم يزل بهم حتّى وقفهم إلى باب الغار وقال لهم : ما جازوا هذا المكان ، إما أن يكونوا صعدوا السماء أو دخلوا الأرض.

وبعث اللّه العنكبوت فنسجت على باب الغار - وقد ذكرناه فيما قبل (1) - قال : وجاء فارسٌ من الملائكة في صورة الإنس فوقف على باب الغار وهو يقول لهم : «اطلبوه في هذه الشعاب ، فليس ههنا». فأقبلوا يدورون في الشعاب.

وبقي رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله في الغار ثلاثة أيام ، ثمّ أذن اللّه له في الهجرة وقال : «اُخرج عن مكّة يا محمد فليس لك بها ناصرٌ بعد أبي طالب» فخرج رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله من الغار ، وأقبل راع لبعض قريش يقال له : ابن اُريقط فدعاه رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وقال له : «يا ابن اُريقط أءتمنك على دمي؟».

قال : إذاً واللّه أحرسك وأحفظك ولا أدلّ عليك ، فأين تريد يا محمد؟

قال : «يثرب».

قال : واللّه لأسكلنّ بك مسلكاً لا يهتدي فيه أحدٌ.

قال له رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : «ائت عليّاً وبشّره بأنّ اللّه قد أذن لي في الهجرة فيهيّئ لي زاداً وراحلة».

ص: 148


1- 1. تقدم في صفحة : 79.

وقال أبو بكر : ائت أسماء ابنتي وقل لها : أن تهيئ لي زاداً وراحلتين ، وأعلم عامر بن فهيرة أمرنا - وكان من موالي أبي بكر وقد كان أسلم - وقل له : ائتنا بالزاد والراحلتين.

فجاء ابن اُريقط إلى علي علیه السلام فأخبره بذلك ، فبعث عليّ بن أبي طالب إلى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله بزاد وراحلة ، وبعث ابن فُهيرة بزاد وراحلتين.

وخرج رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله من الغار ، وأخذ به ابن اُريقط علي طريق نخلة بين الجبال ، فلم يرجعوا إلى الطريق إلاّ بقُديد (1) فنزلوا على اُمّ معبد هناك ، وقد ذكرنا حديث شاة أمّ معبد والمعجزة التي ظهرت فيها فيما قبل (2) ، وحديث سراقة بن مالك بن جعشم المدلجيّ ورسوخ قوائم فرسه في الأرض (3) ، فلا وجه لإعادته.

فرجع عنه سراقة ، فلمّا كان من الغد وافته قريش ، فقالوا : يا سراقة ، هل لك علم بمحمّد؟

فقال : قد بلغني أنّه خرج عنكم ، وقد نفضت هذه الناحية لكم ولم أر أحداً ولا أثراً ، فارجعوا فقد كفيتكم ما ههنا.

وقد كانت الأنصار بلغهم خروج رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله إليهم ، فكانوا يتوقّعون قدومه ، وكان يخرج الرجال والنساء والصبيان إذا

ص: 149


1- 1. قديد : اسم موضع قرب مكة. قال ابن الكلبي : لما رجع تُبّع من المدينة بعد حرب لأهلها نزل قديداً ، فهبت ريح قد تخيم أصحابه ، فسمي قديداً. «معجم البلدان 4 : 313».
2- 3. تقدم في صفحة : 76.
3- تقدم في صفحة 77 ، فراجع.

أصبحوا إلى طريقه ، فإذا اشتدّ الحرّ رجعوا(1).

وروي عن ابن شهاب الزهري قال : كان بين ليلة العقبة وبين مهاجرة رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ثلاثة أشهر وكانت بيعة الأنصار لرسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ليلة العقبة في ذي الحجة ، وقدوم رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله المدينة في شهر ربيع الأول لاثنتي عشرة ليلة خلت منه في يوم الاثنين.

وكانت الأنصار خرجوا يتوكّفون(2) أخباره ، فلمّا آيسوا رجعوا إلى منازلهم ، فلمّا رجعوا أقبل رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ، فلمّا وافى ذا الحُليفة(3) سأل عن طريق بني عمرو بن عوف ، فدلّوه فرفعه الآل(4) ، فنظر رجل من اليهود وهو على اُطم(5) له إلى ركبان ثلاثة يمرّون على طريق بن يعمرو بن عوف ، فصاح : يا معشر المسلمة هذا صاحبكم قد وافى. فوقعت الصيحة بالمدينة فخرج الرجال والنساء والصبيان مستبشرين لقدومه يتعاودون ، فوافى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وقصد مسجد قبا ونزل واجتمع إليه بنو عمرو بن عوف ، وسرّوا به واستبشروا واجتمعوا حوله ، ونزل على كلثوم بن الهدم ، شيخ من بني عمرو ، صالح مكفوف البصر.

ص: 150


1- انظر : تفسير القمي 1 : 273 ، قصص الأنبياء للراوندي : 335/114 -- 115 ، السيرة النبوية لابن هشام 2 : 124 ، الطبقات الكبرى 1 : 227 ، دلائل النبوة للبيهقي 2 : 467 الوفا بأحوال المصطفى 1 : 229 ، الكامل في التاريخ 2 : 101 ، ونقله المجلسي فيبحار الأنوار 19 : 48.
2- التوكف : التطلع والتوقع. «انظر : العين 5 : 413».
3- ذو الحليفة : قرية بينها وبين المدينة ستة أميال أو سبعة ، ومنها ميقات أهل المدينة. «معجم البلدان 2 : 295».
4- الآل : السراب. «العين 8 : 359».
5- الاُطم (بالضم) : بناء مرتفع ، وجمعه آطام. «النهاية 1 : 54» .

واجتمعت إليه بطون الأوس ، وكان بين الأوس والخزرج عداوة ، فلميجسروا أن يأتوا رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله لما كان بينهم من الحروب ، فأقبل رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله يتصفّح الوجوه فلا يرى أحداً من الخزرج ، وقد كان قدم على بني عمرو بن عوف قبل قدوم رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ناسٌ من المهاجرين ، ونزلوا فيهم.

وروي : أنّ النبيّ صلی اللّه علیه و آله لمّا قدم المدينة جاء النساء والصبيان يقلن :

طلع البدر علينا من ثنيات الوداع *** وجب الشكر علينا ما دعا لله داع

وكان سلمان الفرسيّ عبداً لبعض اليهود ، وقد كان خرج من بلاده من فارس يطلب الدين الحنيف الذي كان أهل الكتاب يخبرونه به ، فوقع إلى راهب من رهبان النصارى بالشام فسأله عن ذلك وصحبه فقال : اُطلبه بمكّة فثم مخرجه ، واطلبه بيثرب فثمّ مهاجره.

فقصد يثرب فأخذه بعض الأعراب فسبوه واشتراه رجلٌ من اليهود ، فكان يعمل في نخله ، وكان في ذلك اليوم على النخلة يصرمها(1)، فدخل على صاحبه رجلٌ من اليهود ، فقال : يا ابا فلان أشعرت أنّ هؤلاء المسلمة قد قدم عليهم نبيّهم؟

فقال سلمان : جعلت فداك ، ما الذي تقول؟

فقال له صاحبه : مالك وللسؤال عن هذا ، أقبل على عملك.

قال : فنزل وأخذ طبقاً وصيّر عليه من ذلك الرطب فحمله إلى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ، فقال له رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله :

ص: 151


1- الصرام : جداد النخل ، أي قطع الثمرة واجتناؤها من النخلة. «انظر : لسان العرب 12 : 336».

«ما هذا».

قال : صدقة تمورنا ، بلغنا أنّكم قومٌ غرباء قدمتم هذه البلاد ، فأحببت أن تأكلوا من صدقاتنا.

فقال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : «سمّوا وكلوا».

فقال سلمان في نفسه وعقد بإصبعه : هذه واحدة -- يقولها بالفارسية -- ثمّ أتاه بطبق آخر ، فقال له رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : «ما هذا؟».

فقال له سلمان : رأيتك لا تأكل الصدقة ، وهذه هديّة أهديتها أليك.

فقال عليه وآله السلام : «سمّوا وكلوا» وأكل عليه وآله السلام. فعقد سلمان بيده اثنين ، وقال له : هذه اثنتان -- يقولها بالفارسية --.

ثمّ دار خلفه فألقى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله عن كتفه الإزار فنظر سلمان إلى خاتم النبوّة والشامة فأقبل يقبّلها ، فقال له رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : «من أنت؟».

قال : أنا رجلٌ من أهل فارس ، قد خرجت من بلادي منذ كذا وكذا.وحدّثه بحديثه وله حديث فيه طول. فأسلم ، وبشّره رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فقال له : « أبشر واصبر ، فإنّ اللّه سيجعل لك فرجاً من هذا اليهوديّ».

فلمّا أمسى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فارقه أبو بكر ودخل المدينة ونزل على بعض الأنصار ، وبقي رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله بقبا نازلاً على كلثوم بن الهدم ، فلمّا صلّى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله المغرب والعشاء الآخرة جاءه أسعد بن زرارة مقنّعاً فسلّم على رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وفرح بقدومه ، ثمّ قال : يا رسول اللّه ما ظننتأن أسمع بك في مكان فأقعد عنك ، إلاّ أنّ بيننا وبين إخواننا من الأوس ما تعلم ، فكرهت أن آتيهم ، فلمّا أن كان هذا الوقت لم أحتمل أن أقعد عنك.

ص: 152

فقال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله للأوس : «من يجيره منكم؟».

فقالوا : يا رسول اللّه ، جوارنا في جوارك فأجره.

قال : «لا ، بل يجيره بعضكم».

فقال عويم بن ساعدة وسعد بن خيثمة : نحن نجيره يا رسول اللّه.

فأجاروه ، وكان يختلف إلى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فيتحدّث عنده ويصلّي خلفه ، فبقي رسول اللّه خمسة عشر يوماً ، فجاءه أبو بكر فقال : يا رسول اللّه تدخل المدينة؟ فإنّ القوم متشوّقون إلى نزولك عليهم ، فقال صلی اللّه علیه و آله : «لا اريم من هذا المكان حتّى يوافي أخي عليّ».

وكان رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله قد بعث إليه : أن أحمل العيال وأقدم ، فقال أبو بكر : ما أحسب عليّاً يوافي ، قال : «بلى ما أسرعه إنشاء اللّه».

فبقي خمسة عشر يوماً ، فوافى عليّ علیه السلام بعياله ، فلمّا وافى كان سعد بن الربيع وعبداللّه بن رواحة يكسران أصنام الخزرج ، وكان كلّ رجل شريف في بيته صنم يمسحه ويطيّبه ، ولكلّ بطن من الأوس والخزرج صنم في بيت لجماعة يكرمونه ويجعلون عليه منديلاً ويذبحون له ، فلمّا قدم الاثنا عشر من الأنصار أخرجوها من بيوتهم وبيوت من أطاعهم ، فلمّا قدم السبعون كثر الإسلام وفشا ، وجعلوا يكسرون الأصنام.

قال : وبقي رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله بعد قدوم عليّ يوماً أو يومين ثمّ ركب راحلته ، فاجتمعت إليه بنو عمرو بن عوف ، فقالوا : يا رسول اللّه أقم عندنا فإنّا أهل الجدّ والجلد والحلفة والمنعة.

فقال عليه وآله السلام : «خلوا عنها فإنّها مأمورة».

ص: 153

وبلغ الأوس والخزرج خروج رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ، فلبسوا السّلاح وأقبلوا يعدون حول ناقته ، لا يمرّ بحيّ من أحياء للأنصار إلاّ وثبوا في وجهه وأخذوا بزمام ناقته وتطلّبوا إليه أن ينزل عليهم ، ورسول اللّه صلی اللّه علیه و آله يقول : «خلّوا سبيلها فإنّها مأمورة» حتّى مرّ ببني سالم.

وكان خروج رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله من قبا يوم الجمعة ، فوافى بني سالم عند زوال الشمس فتعرضت له بنو سالم فقالوا : يا رسول اللّه هلم إلى الجدّ والجلد والحلفة والمنعة.

فبركت ناقته عند مسجدهم ، وقد كانوا بنوا مسجداً قبل قدوم رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ، فنزل عليه وآله السلام في مسجدهم وصلّى بهم الظهر وخطبهم ، وكان أوّل مسجد صلّى فيه الجمعة ، وصلّى إلى بيت المقدس ، وكان الذين صلّوا معه في ذلك الوقت مائة رجل.

ثمّ ركب رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ناقته وأرخى زمامها ، فانتهى إلى عبداللّه بن اُبيّ ، فوقف عليه وهو يقدّر أنّه يعرض عليه النزول عنده ، فقال له عبداللّه بن اُبيّ -- بعد أن ثارت الغبرة وأخذ كمّه ووضعه على أنفه -- : يا هذا اذهب إلى الذين غرّوك وخدعوك وأتوا بك فانزل عليهم ولا تغشنا في ديارنا. فسلّط اللّه على دور بني الحبلى الذرّ(1) فخرق دورهم فصاروا نزالاً على غيرهم ، وكان جدّ عبداللّه بن اُبّي يقال له : ابن الحبلى.

فقام سعد بن عبادة فقال : يا رسول اللّه لا يعرض في قلبك من قول هذا شيء ، فإنّا كنّا اجتمعنا على أن نملّكه علينا وهو يرى الآن أنّك قد سلبته أمراً قد كان أشرف عليه ، فانزل عليّ يا رسول اللّه ، فإنّه ليس في الخزرج ولافي الأوس أكثر فم بئر منّي ، ونحن أهل الجلد والعزّ ، فلا تجزنا يا رسول اللّه.

ص: 154


1- الذر : جمع ذرة ، وهي أصغر النمل. «الصحاح 2 : 663».

فأرخى زمام ناقته ، ومرّت تخبّ(1) به حتّى انتهت إلى باب المسجد الذي هو اليوم ، ولم يكن مسجداً إنّما كان مربدا(2) ليتيمين من الخزرج يقال لهما : سهل وسهيل ، وكانا في حجر أسعد بن زرارة ، فبركت الناقة على باب أبي أيّوب خالد بن زيد ، فنزل عنها رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ، فلمّا نزل اجتمع عليه النّاس وسألوه أن ينزل عليهم ، فوثبت اُمّ أبي أيّوب إلى الرحل فحلّته وأدخلته منزلها ، فلمّا أكثروا عليه قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : «أين الرّحل؟».

فقالوا : اُمّ أبي أيّوب قد أدخلته بيتها.

فقال صلی اللّه علیه و آله : «المرء مع رحله».

وأخذ أسعد بن زرارة بزمام الناقة فحوّلها إلى منزله ، وكان أبو أيّوب لهم نزل أسفل وفوق المنزل غرفة ، فكره أن يعلو رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فقال : يا رسول اللّه بأبي أنت واُمّي العلوّ أحبّ إليك أم السفل؟ فإنّي أكره أن أعلو فوقك.

فقال صلی اللّه علیه و آله : « السفل أرفق بنا لمن يأتينا».

قال أبو أيّوب : فكنّا في العلوّ أنا واُميّ ، فكنت إذا استقيت الدلو أخاف أن تقع منه قطرة على رسول اللّه ، وكنت أصعد واُمّي إلى العلوّ خفيّاً من حيثلا يعلم ولا يحسّ بنا ، ولا نتكلّم إلاّ خفيّاً ، وكان إذا نام صلی اللّه علیه و آله لا نتحرّك ، وربّما طبخنا في غرفتنا فنجيّف الباب على غرفتنا مخافة أن يصيب رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله دخان ، ولقد سقط جرّة لنا

ص: 155


1- الخبب : ضرب من العدو ، وقيل : هو السرعة ، أي جاءت به تعدو مسرعة. انظر : «لسان العرب 1 : 341».
2- المربد : الموضع الذي تحبس فيه الابل والغنم ، وبه سمي مربد المدينة والبصرة. «النهاية 2 : 182».

واُهريق الماء فقامت اُمّ أبي أيّوب إلى قطيفة -- لم يكن لها واللّه غيرها -- فألقتها على ذلك الماء تستنشف به مخافة أن يسيل على رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله من ذلك شيء ، وكان يحضر رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله المسلمون من الأوس والخزرج والمهاجرين.

وكان أبو أمامة أسعد بن زرارة يبعث إليه في كلّ يوم غداء وعشاء فيقصعة ثريد عليها عراق (1) ، وكان يأكل معه من حوله حتّى يشبعون ، ثمّ تردّ القصعة كما هي ، وكان سعد بن عبادة يبعث إليه في كل يوم عشاء ويتعشّى معه من حضره وتردّ القصعة كما هي ، فكانوا يتناوبون في بعثة الغداء والعشاء إليه : أسعد بن زرارة ، وسعد بن خيثمة ، والمنذر بن عمرو ، وسعد بن الرّبيع ، واُسيد بن حضير.

قال : فطبخ له اُسيد يوماً قدراً ، فلم يجد من يحملها فحملها بنفسه ، وكان رجلاً شريفاً من النقباء ، فوافاه رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وقد رجع من الصلاة ، فقال : «حملتها بنفسك؟».

قال : نعم يا رسول اللّه ، لم أجد أحداً يحملها.

فقال : «بارك اللّه عليكم من أهل بيت» (2).

وفي كتاب دلائل النبوة : عن أنس بن مالك قال : قدم رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله المدينة ، فلمّا دخلها جاءت الأنصار برجالها ونسائها فقالوا : إلينا يا رسول اللّه.

ص: 156


1- 1. العرق (بالسكون) : العظم إذا أخذ عنه معظم اللحم ، وجمعه عُراق «النهاية 3 : 220».
2- 2. انظر : الخرائج والجرائح 1 : 150 /240 ، وقصص الأنبياء للراوندي : 337 ، وسيرة ابن هشام 2 : 137 ، والطبقات الكبرى 1 : 233 ، ودلائل النبوة للبيهقي 2 : 498 ، والوفا بأحوال المصطفى 1 : 248 ، والكامل في التاريخ 2 : 109 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 19 : 104 / 1.

فقال : «دعوا الناقة فإنّها مأمورة».

فبركت على باب أبي أيّوب ، فخرجت جوار من بني النجّار يضربن بالدفوف ويقلن :

نجن جوار من بني النجّار *** يا حبّذا محمّد من جار

فخرج إليهم رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فقال : «أتحبّوني؟».

فقالوا : إي واللّه يا رسول اللّه.

قال : «أنا واللّه اُحبّكم» ثلاث مرّات (1).

قال عليّ بن إبراهيم بن هاشم : وجاءته اليهود -- قريظة والنضير والقينقاع -- فقالوا : يا محمد إلى ما تدعو؟.

قال : «إلى شهادة أن لا إله إلاّ اللّه ، واني رسول اللّه ، واني الذي تجدوني مكتوباً في التوراة ، والذي أخبركم به علماؤكم أن مخرجي بمكّة ومهاجري في هذه الحرّة ، وأخبركم عالم منكم جاءكم من الشام ، فقال : تركت الخمر والخمير ، وجئت إلى البؤس والتمور ، لنبيّ يبعث في هذه الحرّة مخرجه بمكّة ومهاجره ههنا ، وهو آخر الأنبياء وأفضلهم ، يركب الحمار ، ويلبس الشملة ، ويجتزئ بالكسرة ، في عينيه حمرة ، وبين كتفيه خاتم النبوّة ، ويضع سيفه على عاتقه ، لا يبالي من لا قى ، وهو لضحوك القتّال ، يبلغ سلطانه منقطع الخفّ والحافر».

فقالوا له : قد سمعنا ما تقول ، وقد جئناك لنطلب منك الهدنة على أن لا نكون لك ولا عليك ولا نعين عليك أحداً ، ولا نتعرض لأحد من أصحابك ولا تتعرّض لنا ولا لأحد من أصحابنا حتى ننظر إلى ما يصير أمرك وأمر قومك.

ص: 157


1- 1. دلائل النبوة للبيهقي 2 : 508 ، وكذا في : البداية والنهاية 3 : 199 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 19 : 109.

فأجابهم رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله إلى ذلك ، وكتب بينهم كتاباً : أن لا يعينوا على رسول اللّه ولا على أحد من أصحابه بلسان ولا يد ولا بسلاح ولا بكراع(1) في السرّ والعلانية لا بليل ولا بنهار واللّه بذلك عليهم شهيد ، فأن فعلوا فرسول اللّه صلی اللّه علیه و آله في حلّ من سفك دمائهم ، وسبي ذراريهم ونسائهم ، وأخذ أموالهم ، وكتب لكلّ قبيلة منهم كتاباً على حدة.

وكان الذي تولىّ امر بني النّضير حييّ بن أخطب ، فلمّا رجع إلى منزله قال له اخويه جديّ بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب : ما عندك؟

قال : هو الذي نجده في التوراة ، والذي بشّرنا به علماؤنا ، ولا ازال له عدوّاً ، لأنّ النبوّة خرجت من ولد إسحاق وصارت في ولد إسماعيل ، ولانكون تبعاً لولد إسماعيل أبداً.

وكان الذي ولي أمر قريظة كعب بن أسد ، والذي تولّى أمر بني قينقاع مخيريق ، وكان أكثرهم مالاً وحدائق ، فقال لقومه : تعلمون أنّه النبيّ المبعوث ، فهلم نؤمن به ونكون قد أدركنا الكتابين. فلم تجبه قينقاع إلى ذلك (2).

قال : وكان رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله يصلّي في المربد بأصحابه ، فقال لأسعد بن زرارة : «اشتر هذا المربد من أصحابنا».

فساوم اليتيمين عليه فقالا : هو لرسول اللّه صلی اللّه علیه و آله .

فقال رسول اللّه : «لا ، إلاّ بثمن».

ص: 158


1- 1. الكراع : اسم لجماعة الخيل خاصة. «مجمع البحرين 4 : 385».
2- 2. انظر : تفسير القمي 2 : 180 ، وقصص الأنبياء للراوندي : 338 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 19 : 110.

فاشتراه بعشرة دنانير ، وكان فيه ماء مستنقع ، فأمر به رسول اللّه فسيل ، وأمر باللبن فضرب ، فبناه رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ، وحفره في الأرض ، ثمّ أمر بالحجارة فنقلت من الحرّة ، وكان المسلمون ينقلونها ، فأقبل رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله يحمل حجراً على بطنه ، فاستقبله اُسيد ابن حضير فقال : يا رسول اللّه أعطني أحمله عنك.

قال : «لا ، اذهب فاحمل غيره».

فنقلوا الحجارة ورفعوها من الحفرة حتّى بلغ وجه الأرض ، ثم بناه أوّلاً بالسعيدة لبنةً لبنةً ، ثمّ بناه بالسميط (1) ، وهو لبنة ونصف ، ثمّ بناه بالاُنثى والذكر لبنتين مخالفتين ، ورفع حائطه قامة ، وكان مؤخّره [ذراع] في مائة ، ثمّ اشتدّ عليهم الحرّ فقالوا : يا رسول اللّه لو أظللت عليه ظلاً ، فرفع صلی اللّه علیه و آله أساطينه في مقدم المسجد إلى ما يلي الصحن بالخشب ، ثمّ ظلّله وألقى عليه سعف النخل ، فعاشوا فيه ، فقالوا : يا رسول اللّه لو سقفت سقفاً.

قال : «لا ، عريش كعريش موسى ، الأمر أعجل من ذلك».

وابتنى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله منازله ومنازل أصحابه حول المسجد ، وخطّ لأصحابه خططاً ، فبنوا فيها منازلهم ، وكلّ شرع منه باباً إلى المسجد ، وخطّ لحمزة وشرع بابه إلى المسجد ، وخطّ لعليّ بن أبي طالب علیه السلام مثل ما خطّ لهم ، وكانوا يخرجون من منازلهم فيدخلون المسجد ، فنزل عليه جبرئيل علیه السلام فقال : «يا محمد إنّ اللّه يأمرك أن تأمر كلّ من كان له باب إلى المسجد يسدّه ، ولا يكون لأحد باب إلىالمسجد إلاّ لك ولعليّ ، ويحلّ لعليّ فيه ما يحلّ لك».

ص: 159


1- السميط : الآجر القائم بعضه فوق بعض. «لسان العرب 7 : 324».

فغضب أصحابه وغضب حمزة وقال : أنا عمّه يأمر بسدّ بابي ويترك باب ابن أخي وهو أصغر منّي ، فجاءه فقال صلی اللّه علیه و آله : «ياعمّ لا تغضبنّ من سدّ بابك وترك باب عليّ ، فواللّه ما أنا أمرت بذلك ولكنّ اللّه أمر بسدّ أبوابكم وترك باب عليّ».

فقال : يا رسول اللّه رضيت وسلّمت لله ولرسوله (1).

قال : وكان رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله حيث بنى منازله كانت فاطمة علیهاالسلام عنده ، فخطبها أبو بكر ، فقال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : «أنتظر أمر اللّه عزّوجل» ثمّ خطبها عمر ، فقال : مثل ذلك.

فقيل لعليّ علیه السلام : لم لا تخطب فاطمة؟

فقال : «واللّه ما عندي شيء».

فقيل له : إن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله لا يسألك شيئاً.

فجاء إلى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فاستحيى أن يسأله فرجع ، ثمّ جاءه في اليوم الثاني فاستحيى فرجع ، ثمّ جاء في اليوم الثالث فقال له رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : «يا عليّ ألك حاجة؟».

قال : «بلى يا رسول اللّه».

فقال : «لعلّك جئت (خاطباً)؟ (2) ».

قال : «نعم يا رسول اللّه».

قال له رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : «هل عندك شيء يا عليّ؟».

قال : «ما عندي يا رسول اللّه شيء إلاّ درعي».

ص: 160


1- انظر : الطبقات الكبرى 1 : 239 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 19 : 111.
2- في نسخة «ط» : تخطب فاطمة.

فزوّجه رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله على اثنتي عشرة أوقيّة ونشّ (1) ودفع إليه درعه ، فقال له رسول اللّه : «هيّىء منزلاً حتّى تحوّل فاطمة إليه».

فقال علیه السلام : «يا رسول اللّه ما ههنا منزل إلاّ منزل حارثة بن النعمان».

وكان لفاطمة يوم بنى بها أمير المؤمنين علیه السلام تسع سنين.

فقال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : «واللّه لقد استحيينا من حارثة ، قد أخذنا عامّة منازله».

فبلغ ذلك حارثة فجاء إلى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فقال : يا رسول اللّه أنا ومالي لله ولرسوله ، واللّه ما شيء أحبّ إليّ ممّا تأخذه ، والذي تأخذه أحبّ إليّ ممّا تترك. فجزاه رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله خيراً.

فحوّلت فاطمة علیهاالسلام إلى عليّ علیه السلام في منزل حارثة ، وكان فراشهما إهاب كبش جعلا صوفه تحت جنوبهما (2).

قال : وكان رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله يصلّي إلى بيت المقدس مدّة مقامه بمكّة وفي هجرته حتّى أتى له سبعة أشهر (3) ، فلمّا أتى له سبعة أشهر عيّرته اليهود وقالوا له : أنت تابع لنا تصلّي إلى قبلتنا ونحن أقدم منك في الصلاة. فاغتمّ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله من ذلك وأحبّ .

ص: 161


1- النش : عشرون درهماً ، وهو نصف أوقية. «الصحاح -- نشش -- 3 : 1021».
2- انظر : الطبقات الكبرى 8 : 19 -- 23 ، ذخائر العقبى : 29 ونقله المجلسي في بحار الأنوار 19 : 112.
3- اُختلف في تاريخ تحويل القبلة إلى الكعبة ، فمنهم من روى سبعة اشهر بعد مهاجرة النبي ( صلی اللّه علیه و آله ) ، ومنهم من قال : سبعة عشر شهراً من مقدمه المدينة ، ومنهم من قال : تسعة اشهر أو عشرة اشهر ، وقيل : بسنة ونصف. اُنظر : مجمع البيان 1 : 223 ، سيرة ابن هشام 2 : 198 تاريخ اليعقوبي 2 : 42.

أن يحوّل قبلته إلى الكعبة ، فخرج في جوف الليل ونظر إلى آفاق السماء ينتظر أمر اللّه ، وخرج في ذلك اليوم إلى مسجد بني سالم الذي جمّع فيه أوّل جمعة كانت بالمدينة ، وصلّى بهم الظهر هناك بركعتين إلى بيت المقدس وركعتين إلى الكعبة ، ونزل عليه : ( قد نرى تقلُّب وجهك في السّماء فلنولّينّك قبلةً ترضاها) الآيات (1) (2).

ثمّ نزلت على رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله آية القتال واُذن له في محاربة قريش ، وهي قوله : ( اُذن للّذين يُقاتلُون بأنّهُم ظُلموا وإنّ اللّه على نصرهم لقديرٌ * الّذين اُخرجُوا من ديارهم بغير حقّ إلاّ أن يقُولُوا ربُّنا اللّه) الآية (3) (4).

ص: 162


1- 1. البقرة 2 : 144.
2- 2. انظر : من لا يحضره الفقيه 1 : 178 / 843 ، ومجمع البيان 1 : 223 ، وتفسير الطبري 2 : 13 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 19 : 113.
3- 3. الحج 22 : 39 -- 40.
4- (4) انظر : مجمع البيان 4 : 87 ، وتفسير الطبري 17 : 123 ، وأسباب النزول للواحدي : 177

(الباب الرابع): في ذكر مغازي رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ...

اشارة

في ذكر مغازي رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله بنفسه وسراياه ونبذ من أخباره إلى أن فارق دنياه(1) على سبيل الاِجمال والاختصار

قال أهل السير والمفسّرون : إن جميع ما غزا رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله بنفسه ستّ وعشرون غزوة ، وإن جميع سراياه التي بعثها ولم يخرج معها ستّ وثلاثون سريّة. وقاتل علیه السلام من غزراته في تسع غزوات ، وهي : بدر ، واُحد ، والخندق ، وبني قريظة ، والمصطلق ، وخيبر ، والفتح ، وحنين ، والطائف(2).

فأوّل سريّة بعثها أنّه بعث حمزة بن عبدالمطّلب في ثلاثين راكباً ، فساروا حتّى بلغوا سيف البحر من أرض جهينة ، فلقوا أبا جهل بن هشام في ثلاثين ومائة راكب من المشركين ، فحجز بينهم مجديّ بن عمرو الجهني ،

ص: 163


1- في نسخة «م» زيادة : وما ظهر في أثناء ذلك من أعلام نبوته ودلائل صدقه ورسالته.
2- انظر : مغازي الواقدي 1 : 7 ، الطبقات الكبرى 2 : 5 - 6 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 19 : 186 / 43.

فرجع الفريقان ولم يكن بينهما قتال (1).

ثمّ غزا رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله أوّل غزوة غزاها في صفر على رأس اثني عشر شهراً من مقدمه المدينة حتّى بلغ الأبواء ، يريد قريشاً وبني ضمرة ، ثمّ رجع ولم يلق كيداً ، فأقام بالمدينة بقيّة صفر وصدراً من شهر ربيع الأول (2).

وبعث في مقامه ذلك عبيدة بن الحارث في ستّين راكباً من المهاجرين ليس فيهم أحدٌ من الأنصار ، وكان أوّل لواء عقده رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ، فالتقى هو والمشركون على ماء يقال له : أحياء(3) ، وكانت بينهم الرماية ، وعلى المشركين أبو سفيان بن حرب (4).

ثمّ غزا رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله في شهر ربيع الآخر يريد قريشاً حتّى بلغ بُواط (5) ، ولم يلق كيداً (6).

ثمّ غزا صلی اللّه علیه و آله غزوة العُشَيرة يريد قريشاً حتّى نزل العشيرة من بطن ينبع ، فأقام بها بقيّة جمادى الاُولى وليالي من جمادى

ص: 164


1- 1. انظر : المغازي للواقدي 1 : 9 ، وسيرة ابن هشام 2 : 245 ، والطبقات الكبرى 2 : 6 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 19 : 186 / 43.
2- 2. انظر : المغازي للواقدي 1 : 11 ، والطبقات الكبرى 2 : 8 ، ودلائل البيهقي 3 : 9 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 19 : 187.
3- 3. احياء : ماء أسفل من ثنية المرة. «معجم البلدان 1 : 118».
4- 4. انظر : المغازي للواقدي 1 : 10 ، وسيرة ابن هشام 2 : 42 ، والطبقات الكبرى 2 : 7 ، ودلائل البيهقي 3 : 10 و 11 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 19 : 187.
5- 5. بواط : حبل من جبال جهينة ، ناحية رضوى «معجم البلدان 1 : 502».
6- 6. مغازي (الواقدي 1 : 12 ، سيرة ابن هشام 2 : 248 ، الطبقات الكبرى 2 : 8 وفيها : ربيع الأول ، دلائل النبوة للبيهقي 3 : 11 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 19 : 187.

الآخرة ، ووادع فيها بني مدلج وحلفائهم من بني ضمرة (1).

فروي عن عمّار بن ياسر قال : كنت أنا وعليّ بن أبي طالب رفيقين في غزوة العشيرة ، فقال لي عليّ علیه السلام : «هل لك يا أبا اليقظان في هذه الساعة بهذا النفر من بني مدلج يعملون في عين لهم ننظر كيف يعملون».

فأتيناهم فنظرنا إليهم ساعة ثمّ غشينا النوم ، فعمدنا إلى صَورٍ(2) من النخل في دقعاء(3) من الأرض فنمنا فيه ، فواللّه ما أهبّنا إلاّ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله بقدمه ، فجلسنا وقد تترّبنا من تلك الدقعاء فيومئذ قال رسول اللّه لعليّ : «يا أبا تراب» لما عليه من التراب.

فقال : «ألا اُخبركم بأشقى الناس؟».

قلنا : بلى يا رسول اللّه.

قال : «اُحيمر ثمود الذي عقر الناقة ، والذي يضربك يا عليّ على هذا» ووضع رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله يده على رأسه «حتّى يبلّ منها هذه» ووضع يده على لحيته(4).

ثمّ رجع رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله من العُشَيرة إلى المدينة ، فلم يقم بها عشر ليال حتّى أغار كرز بن جابر الفهري على سرح المدينة ، فخرج رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله في طلبه حتّى بلغ وادياً يقال له : سفوان ، من ناحية بدر ، وهي غزوة بدر الاُولى ، وحامل لوائه عليّ بن أبي

ص: 165


1- 1. سيرة ابن هشام 2 : 249 ، الطبقات الكبرى 2 : 9 ، دلائل النبوة للبيهقي 3 : 11 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 19 : 187.
2- 2. الصور : النخل المجتمع الصغار لا واحد له «الصحاح - صور - 2 : 716».
3- 3. الدقعاء : التراب المنثور على وجه الأرض «العين 1 : 145».
4- 4. سيرة ابن هشام 2 : 249 ، تاريخ الطبري 2 : 408 ، دلائل النبوة للبيهقي 3 : 12 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 19 : 187.

طالب ، واستخلف على المدينة زيد بن حارثة ، وفاته كرز فلم يدركه.

فرجع رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وأقام جمادى الآخرة ورجب وشعبان ، وكان بعث بين ذلك سعد بن أبي وقّاص في ثمانية رهط ، فرجع ولم يلق كيداً (1).

ثمّ بعث رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله عبداللّه بن جحش إلى نخلة(2) ، وقال : «كن بها حتّى تأتينا بخبرمن أخبار قريش» ولم يأمره بقتال وذلك في الشهر الحرام ، وكتب له كتاباً وقال : «اُخرج أنت وأصحابك حتّى إذا سرت يومين فافتح كتابك وانظر ما فيه وامض لما أمرتك».

فلمّا سار يومين وفتح الكتاب فإذا فيه : «أن امض حتّى ننزل نخلة ، فائتنا من أخبار قريش بما يصل إليك منهم» فقال لاَصحابه حين قرأ الكتاب : سمعاً وطاعة ، من كان له رغبة في الشهادة فلينطلق معي.

فمضى معه القوم حتّى إذا نزلوا النخلة مرّ بهم عمرو بن الحضرميّ والحكم بن كيسان وعثمان والمغيرة ابنا عبداللّه ، معهم تجارة قدموا بها من الطائف ، اُدم وزبيب ، فلمّا رآهم القوم أشرف لهم واقد بن عبداللّه وكان قد حلق رأسه ، فقالوا : عمّار ليس عليكم منهم بأس ، وائتمر أصحاب رسول اللّه ، وهي آخر يوم من رجب ، فقالوا : لئن قتلتموهم إنّكم لتقتلونهم في الشهر الحرام ، ولئن تركتموهم ليدخلنّ هذه الليلة مكّة فليمتنعنّ منكم.

فأجمع القوم على قتلهم ، فرمى واقد بن عبداللّه التميمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله ، واستأسر عثمان بن عبداللّه والحكم بن كيسان ،

ص: 166


1- انظر : سيرة ابن هشام 2 : 251 ، والطبقات الكبرى 2 : 9 ، ودلائل النبوة للبيهقي 3 : 13 16 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 19 : 188.
2- ذكر في سيرة ابن هشام ان نخلة بين مكّة والطائف.

وهرب المغيرة بن عبداللّه فأعجزهم.

واستاقوا العير ، فقدموا بها على رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فقال لهم : «واللّه ما أمرتكم بالقتال في الشهر الحرام» وأوقف الأسيرين والعير ولم يأخذ منها شيئاً ، واُسقط في أيدي القوم وظنّوا أنّهم قد هلكوا ، وقالت قريش : استحلّ محمّد الشهر الحرام. فأنزل اللّه سبحانه : ( يَسئَلُونَكَ عَنِ الشَّهرِ الحَرامِ قِتالٌ فِيه ) الآية(1) فلمّا نزل ذلك أخذ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله العير وفداء الأسيرين ، وقال المسلمون : أتطمع لنا أن نكون غزاة؟ فأنزل اللّه فيهم ( إِنَّ الذِين آمنوُا وَالّذين هاجَروا - إلى قوله : أُولئِكَ يَرجُونَ رَحمةَ اللّه ) .الآية(2) وكانت هذه قبل بدر بشهرين(3)

ص: 167


1- 1. البقرة 2 : 217.
2- 2. البقرة 2 : 218.
3- 3. انظر : سيرة ابن هشام 2 : 252 ، والطبقات الكبرى 2 : 10 ، وتاريخ الطبري 2 : 410 ، ودلائل النبوة للبيهقي 3 : 18 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 19 : 188.
(غزوة بدرالكبرى )

ثمّ كانت غزوة بدر الكبرى ، وذلك أنّ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله سمع بأبي سفيان بن حرب في أربعين راكباً من قريش تجّاراً قافلين من الشام ، فخرج رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله في ثلاثمائة راكب ونيّف ، وأكثر أصحابه مشاة ، معهم ثمانون بعيراً وفرس يقال إنّه للمقداد ، يعتقب النفر على البعير الواحد ، وكان بين رسول اللّه وبين مرثد بن أبي مرثد الغنوي بعير ، وذلك في شهر رمضان.

فلمّا خرج من المدينة وبلغ أبا سفيان الخبر أخذ بالعير على الساحل ، وارسل إلى أهل مكّة يستصرخ بهم ، فخرج منهم نحو من ألف رجل من سائر بطون قريش ومعهم مائتا فرس يقودونها ، وخرجوا معهم بالقيان يضربن بالدفوف ويتغنّين بهجاء المسلمين ، ورجع الأخنس بن شريق الثقفي ببني زهرة من الطريق وكان حليفاً لهم ، فبقي منهم نحو من تسعمائة وسبعين رجلاً ، وفيهم العبّاس وعقيل ونوفل بن الحارث بن عبدالمطّلب خرجوا مكرهين ، وكانت أشرافهم المطعمون فيهم : العبّاس بن عبد المطّلب وعتبة بن ربيعة وطعيمة بن عديّوأبو البختري بن هشام واُميّة بن خلف وحكيم بن حزام والنضر بنالحارث بن كلدة وأبو جهل بن هشام وسهيل بن عمرو.

فلما بلغ النبيّ صلی اللّه علیه و آله إلى بدر ، وهي بئر منسوبة إلى رجل من غفار يقال له : بدر ، وقد علم رسول اللّه بفوات العير ومجيء قريش شاور أصحابه في لقائهم أو الرجوع ، فقالوا : الأمر إليك وآلق بنا القوم. فلقيهم على بدر لسبع عشرة من شهر رمضان ، وكان لواء رسول اللّه يؤمئذ أبيض مع مصعب بن عمير ورايته مع عليّ علیه السلام ، وأيّدهم اللّه سبحانه

ص: 168

بخمسة آلاف من الملائكة ، فكثّر اللّه المسلمين في أعين الكفّار وقلّل المشركين في أعين المؤمنين كيلا يفشلوا ، وأخذ رسول اللّه كفّاً من تراب فرماه إليهم وقال : «شاهت الوجوه» فلم يبق منهم أحدٌ إلاّ اشتغل بفرك عينيه.

وقتل اللّه من المشركين نحو سبعين رجلاً ، واُسر نحو سبعين (1)رجلاً منهم : العبّاس بن عبدالمطّلب ، وعقيل بن أبي طالب ، ونوفل بن الحارث ، فأسلموا ، وعقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث قتلهما رسول اللّه بالصفراء ، وقال صلی اللّه علیه و آله للعبّاس : «افد نفسك وابني أخويك عقيلاً ونوفلاً ، وحليفك عتبة بن عمرو وأخي بني الحارث بن فهر فإنّك ذو مال».

فقال : إنّي كنت مسلماً وإنّ القوم استكرهوني.

فقال علیه السلام : «اللّه أعلم بإسلامك ، إن يكن حقّاً فإنّ اللّه يجزيك به ، فأمّا ظاهر أمرك فقد كان علينا».

قال : فليس لي مالٌ.

قال : «فأين المال الذي وضعته عند اُمّ الفضل بمكّة وليس معكما أحدٌ فقلت لها : إن اُصبت في سفري هذا فهذا المال لبنيّ : الفضل وعبداللّه وقثُم؟».

فقال : واللّه يارسول اللّه إنّي لأعلم أنّك رسول اللّه ، إنّ هذا لشيء ما علمه أحدٌ غيري وغير اُمّ الفضل ، فأحسب لي يا رسول اللّه ما أصبتم منّي من مال كان معي عشرون أوقيّة.

فقال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : «لا ، ذاك شيء أعطانا اللّه

ص: 169


1- 1. في نسخة «ط» : ستين.

منك».

ففدى نفسه بمائة أوقيّة ، وفدى كلّ واحد بأربعين أوقيّة (1).

وقتل عليّ علیه السلام ببدر من المشركين : الوليد بن عتبة بن ربيعة وكان شجاعاً فاتكاً ، والعاص بن سعيد بن العاص بن اُمّية والد سعيد بن العاص ، وطعيمة بن عديّ بن نوفل شجره بالرمح وقال : «واللّه لا تخاصمنا في اللّه بعد اليوم أبداً» ونوفل بن خويلد ، وهو الذي قرن أبا بكر وطلحة قبل الهجرة بحبل وعذّبهما يوماً إلى الليل ، وهو عمّ الزبير بن العوّام ، ولمّا أجلت الوقعة قال النبيّ صلی اللّه علیه و آله «من له علم بنوفل»؟ فقال علیه السلام : «أنا قتلته» فكبّر النبي علیه السلام ثمّ قال : «الحمد لله الذي أجاب دعوتي فيه» (2).

وروى جابر ، عن الباقر ، عن أمير المؤمنين علیهماالسلام فقال : «لقد تعجّبت يوم بدر من جرأة القوم وقد قتلت الوليد بن عتبة ، إذ أقبل إليّ حنظلة ابن أبي سفيان فلمّا دنا منّي ضربته بالسيف فسالت عيناه ولزم الأرض قتيلاً» (3).

وقتل زمعة بن الأسود ، والحارث بن زمعة ، وعمير بن عثمان بن كعب ابن تيم عمّ طلحة بن عبيداللّه ، وعثمان ومالكاً أخوي طلحة في جماعة ، وهم في ستّة وثلاثين رجلاً(4).

وقتل حمزة بن عبدالمطّلب شيبة بن ربيعة بن عبد شمس ، والأسود بن

ص: 170


1- 1. انظر : سيرة ابن هشام 2 : 263 ، والطبقات الكبرى 2 : 11 ، ودلائل النبوة للبيهقي 3 : 32 ، 142.
2- 2. انظر : ارشاد المفيد 1 : 70 ، ومغازي الواقدي 1 : 92 ، وسيرة ابن هشام 3 : 366.
3- 3. ارشاد المفيد 1 : 75.
4- 4. انظر : شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 14 : 209.

عبد الأسود المخزومي (1).

وقتل عمرو بن الجموح أبا جهل بن هشام ، ضربه بالسيف على رجله فقطعها ودفّف (2) عليه عبدلله بن مسعود فذبحه بسيفه من قفاه ، وحمل رأسه إلى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله .

قال عبداللّه : وجدته بآخر رمق فعرفته فوضعت رجلي على مذمّره - أي عنقه - وقلت : هل أخزاك اللّه ياعدو اللّه؟ قال : رويعي الغنم! لقد ارتقيت مرتقاً صعباً. قال : ثمّ اجتززت رأسه فجئت به رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فقلت : هذا رأس عدوّ اللّه أبي جهل ، فحمد اللّه تعالى (3).

وقتل عمّار بن ياسر اُمّية بن خلف (4).

وأمر رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله أن تلقى القتلى في قليب بدر ، ثمّ وقف عليهم وناداهم بأسمائهم وأسماء آبائهم واحداً واحداً ، ثمّ قال : «قد وجدنا ما وعدنا ربّنا حقّاً ، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقّاً» ثمّ قال : «إنّهم ليسمعون كما تسمعون ولكن منعوا عن الجواب» (5).

واستشهد من المسلمين يوم بدر أربعة عشر رجلاً ، منهم : عبيدة بن

ص: 171


1- 1. انظر : مغازي الواقدي 1 : 151 ، وسيرة ابن هشام 2 : 366 ، وفيهما : الأسود بن عبد الأسد المخزومي.
2- 2. دفّف على الجريح : أجهز عليه ، وفي حديث أبن مسعود : انه دافّ أبا جهل يوم بدر أي أجهز عليه «لسان العرب - دفف - 9 : 105».
3- 3. انظر : سيرة ابن هشام 2 : 288 و 289 ، وتاريخ الطبري 2 : 454 - 456 ، ودلائل النبوة للبيهقي 3 : 84 - 85.
4- 4. المغازي للواقدي 1 : 151 وفيه علي بن اُمية بن خلف بدل اُمية بن خلف ، السيرة النبوية لابن هشام 2 : 372.
5- 5. سيرة ابن هشام 2 : 92 ، تاريخ الطبري 2 : 456 ، دلائل النبوة للبيهقي 3 : 48 وفيها باختلاف يسير.

الحارث بن عبدالمطّلب ، وذو الشمالين عمرو بن نضلة حليف بني زهرة ، ومهجع مولى عمر ، وعمير بن أبي وقّاص ، وصفوان بن أبي البيضاء (1) وهؤلاء من المهاجرين ، والباقون من الأنصار(2).

ولمّا رجع رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله إلى المدينة من بدر لم يقم بالمدينة إلاّ سبع ليال حتّى غزا بنفسه يريد بني سليم ، حتّى بلغ ماء من مياههم يقال له : الكدر ، فأقام عليه ثلاث ليال ، ثمّ رجع إلى المدينة ولم يلق كيداً ، فأقام بها بقيّة شوّال وذا القعدة ، وفادى في إقامته جلّ اُسارى بدر من قريش (3).

ثمّ كانت غزوة السويق (4) ، وذلك أنّ أبا سفيان نذر أن لا يمسّ رأسه من جنابة حتّى يغزو محمّداً ، فخرج في مائة راكب من قريش ليبرّ يمينه ، حتّى إذا كان على بريد من المدينة أتى بني النضير ليلاً ، فضرب على حييّ بن أخطب بابه ، فأبى أن يفتح له ، فانصرف عنه إلى سلاّم بن مشكم - وكان سيّد بني النضير - فاستأذن عليه فأذن له وسارّه ، ثمّ خرج في عقب ليلته حتّى أتى أصحابه ، وبعث رجلاً من قريش إلى المدينة ، فأتوا ناحية يقال لها : العريض ، فوجدوا رجلاً من الأنصار وحليفاً له فقتلوهما ، ثمّ انصرفوا ونذر

ص: 172


1- 1. كذا في نسخنا ، والصواب : صفوان بن بيضار كما اثبتته جميع المصادر.
2- 2. انظر : المغازي للواقدي 1 : 145 - 146 ، الطبقات الكبرى 2 : 17 - 18 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي 14 : 207.
3- 3. سيرة ابن هشام 3 : 46 ، تاريخ الطبري 2 : 482.
4- 4. قال ابن هشام : وإنما سميت غزوة السويق ، فيما حدثني أبو عبيدة : ان أكثر ما طرح القوم من أزوادهم السويق ، فهجم المسلمون على سويق كثير. والسويق : هو ان تحمّص الحنطة أو الشعير أو نحو ذلك ، ثم تطحن ، وقد تمزج باللبن والعسل والسمن وتُلث ، وإلاّ فبالماء فقط.

بهم الناس.

فخرج رسول اللّه في طلبهم حتّى بلغ قرقرة الكدر (1) فرجع وقد فاته أبو سفيان ، ورأوا زاداً من أزواد القوم قد طرحوها يتخفّفون منها للنجاء ، فقال المسلمون حين رجع رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله بهم : يارسول اللّه ، أنطمع أن تكون لنا غزوة؟ فقال علیه السلام : «نعم» (2).

ثمّ كانت غزوة ذي أمّر ، بعد مقامه بالمدينة بقيّة ذي الحجّة والمحرّم ، مرجعه من غزوة السويق ، وذلك لمّا بلغه أنّ جمعاً من غطفان قد تجمّعوا يريدون أن يصيبوا من أطراف المدينة عليهم رجل يقال له : دعثور بن الحارث ابن محارب ، فخرج في اربعمائة وخمسين رجلاً ومعهم أفراس ، وهرب منه الأعراب فوق ذُرى الجبال ، ونزل صلی اللّه علیه و آله ذا أمّر وعسكر به ، وأصابهم مطر كثير. فذهب رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله لحاجته فأصابه ذلك المطر فبلّ ثوبه ، وقد جعل رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وادي أمرّ بينه وبين أصحابه ، ثمّ نزع ثيابه فنشرها لتجفّ وألقاها على شجرة ثمّ اضطجع تحتها ، والأعراب ينظرون إلى كلّ ما يفعل رسول اللّه ، فقالت الأعراب لدعثور - وكان سيّدهم وأشجعهم - قد أمكنك محمّد وقد انفرد من بين أصحابه حيث إن غوّث بأصحابه لم يغث حتّى تقتله.

فاختار سيفاً من سيوفهم صارماً ، ثمّ أقبل مشتملاً على السيف حتّى قام على رأس رسول اللّه بالسيف مشهوراً فقال : يا محمّد من يمنعك منّي

ص: 173


1- 1. قرقرة الكدر : القرقرة الأرض الملساء ، والكدر جمع أكدر من اللون ، قال الواقدي : بناحية المعدن قريبة من الأرحضية بينها وبين المدينة ثمانية برد. وقال غيره : ماء لبني سليم. «معجم البلدان 4 : 441».
2- 2. انظر : المغازي للواقدي 1 : 181 ، وسيرة ابن هشام 3 : 47 ، والطبقات الكبرى 2 : 30.

اليوم؟

قال : «اللّه».

ودفع جبرئيل في صدره فوقع السيف من يده ، فأخذه رسول اللّه وقام على رأسه وقال : «من يمنعك منّي»؟.

قال : لا أحد ، وأنا أشهد أن لا إله إلاّ اللّه ، وأنّ محمّداً رسول اللّه ، واللّه لا اُكثر عليك جمعاً أبداً. فأعطاه رسول اللّه سيفه ثمّ أدبر ، ثمّ أقبل بوجهه ثمّ قال : واللّه لاَنت خير مني.

قال رسول اللّه : «أنا أحقّ بذلك منك».

فأتى قومه فقيل له : أين ما كنت تقول وقد أمكنك والسيف في يدك؟

قال : قد كان واللّه ذلك ، ولكنّي نظرت إلى رجل أبيض طويل دفع في صدري فوقعت لظهري ، فعرفت أنّه ملك ، وشهدت أنّ محمداً رسول اللّه ، واللّه لا اُكثر عليه. وجعل يدعو قومه إلى الاِسلام ونزلت هذه الآية : ( يا اَيُّها الذِين آمَنُوا اذكُرُوا نِعمَةَ اللّه عَليكُم اِذ هَمَ قَومٌ اَن يَبسُطُوا اِلَيكُم اَيدِيَهُم فَكَفَّ اَيدِيهم عَنكُم ) الآية (1). - (2)

ثمّ كانت غزوة القردة ، ماء من مياه نجد ، بعث رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله زيد بن حارثة بعد رجوعه من بدر إلى المدينة بستّة أشهر ، فأصابوا عيراً لقريش على القردة فيها أبو سفيان ومعه فضّة كثيرة ، وذلك لاَنّ قريشاً قد خافت طريقها التي كانت تسلك إلى الشام حين كان من وقعة بدر ، فسلكوا طريق العراق واستأجروا رجلاً من بكر بن وائل يقال له : فرات بن حيّان ، يدّلهم على الطريق ، فأصاب زيد بن حارثة تلك العير ، وأعجزته

ص: 174


1- 1. المائدة 5 : 11.
2- المغازي للواقدي 1 : 194 - 196 ، الطبقات الكبرى 2 : 34 بزيادة فيهما.

الرجال هرباً(1).

وفي رواية الواقدي : أنّ ذلك العير مع صفوان بن اُميّة ، وأنّهم قدموا بالعير إلى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وأسروا رجلاً أو رجلين ، وكان فرات بن حيّان أسيراً فأسلم فترك من القتل(2).

ثمّ كانت غزوة بني قينقاع يوم السبت للنصف من شوّال على رأس عشرين شهراً من الهجرة ، وذلك أنّ رسول اللّه جمعهم وإياه سوق بني قينقاع ، فقال لليهود : «احذروا من اللّه مثل ما نزل بقريش من قوارع اللّه ، فأسلموا فإنّكم قد عرفتهم نعتي وصفتي في كتابكم».

فقالوا : يا محمّد ، لا يغرّنّك أنّك لقيت قومك فأصبت فيهم ، فإنّا واللّه لو حاربناك لعلمت أنّا خلافهم.

فكادت تقع بينهم المناجزة ، ونزلت فيهم : ( قَد كانَ لَكُم آيَةٌ في فِئَتَينِ آلتَقَتا - الى قوله : - اُولي الأبصار ) (3).- (4)

وروي : أنّ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله حاصرهم ستّة أيّام حتّى نزلوا على حُكمِه ، فقام عبداللّه بن اُبّي فقال : يا رسول اللّه مواليّ وحلفائي وقد منعوني من الأسود والأحمر ثلاثمائة دارع وأربعمائة حاسر تحصدهم في غداة واحدة ، إنّي واللّه لا آمن وأخشى الدوائر. وكانوا حلفاء الخزرج دون الأوس ، فلم يزل يطلب فيهم حتّى وهبهم له ، فلمّا رأوا ما نزل بهم من الذل خرجوا من المدينة ونزلوا اذرعات(5) ونزلت في عبداللّه بن اُبيّ

ص: 175


1- 1. المغازي للواقدي 1 : 197 مفصلاً ، سيرة ابن هشام 3 : 53 ، تاريخ الطبري 2 : 492.
2- 2. المغازي للواقدي 1 : 198.
3- 3. آل عمران 3 : 13.
4- 4. المغازي للواقدي 1 : 76 ، سيرة ابن هشام 3 : 50 ، تاريخ الطبري 2 : 479 ، وفيها باختلاف يسير.
5- اذرعات : بلد في أطراف الشام يجاور أرض البلقان وعمان. «معجم البلدان 1 : 130».

وناس من الخزرج ( يا اَيُّها الذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ وَالنَّصارى اَولِياءَ - إلى قوله : - في اَنفُسِهِم نادِمِينَ ) (1). - (2)

ثمّ كانت غزوة اُحد على رأس سنة من بدر ، ورئيس المشركين يومئذ أبو سفيان بن حرب ، وكان أصحاب رسول اللّه يومئذ سبعمائة والمشركين ألفين ، وخرج رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله بعد أن استشار أصحابه ، وكان رأيه علیه السلام أن يقاتل الرجال على أفواه السكك ويرمي الضعفاء من فوق البيوت ، فأبوا إلاّ الخروج إليهم.

فلمّا صار على الطريق قالوا : نرجع ، فقال : «ما كان لنبيّ إذا قصد قوماً أن يرجع عنهم».

وكانوا ألف رجل ، فلمّا كانوا في بعض الطريق انخذل عنهم عبداللّه ابن اُبيّ بثلث الناس وقال : واللّه ما ندري على ما نقتل أنفسنا والقوم قومه ، وهمّت بنو حارثة وبنو سلمة بالرجوع ، ثمّ عصمهم اللّه جلّ وعزّ ، وهو قوله : ( اِذهَمَّت طَّائِفتانِ مِنكُم اَن تَفشَلا ) الآية.(3)

وأصبح رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله متهيّئاً للقتال ، وجعل على راية المهاجرين عليّاً علیه السلام ، وعلى راية الأنصار سعد بن عبادة ، وقعد رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله في راية الأنصار ، ثمّ مرّ صلی اللّه علیه و آله على الرماة - وكانوا خمسين رجلاً وعليهم عبداللّه بن جبير - فوعظهم وذكّرهم وقال : «اتّقوا اللّه واصبروا ، وإن رأيتمونا يخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم حتّى اُرسل إليكم».

ص: 176


1- 1. المائدة 5 : 51.
2- 2. سيرة ابن هشام 3 : 51 ، وتاريخ الطبري 2 : 480 وفيهما نحوه.
3- آل عمران 3 : 122.

وأقامهم عند رأس الشعب ، وكانت الهزيمة على المشركين ، وحسّهم المسلمون بالسيوف حسّاً(1).

فقال أصحاب عبداللّه بن جبير : الغنيمة ، ظهر أصحابكم فماتنتظرون؟ فقال عبداللّه : أنسيتم قول رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ، أمّا أنا فلا أبرح موقفي الذي عهد إليّ فيه رسول اللّه ما عهد.

فتركوه أمره وعصوه بعد ما رأوا ما يحبّون ، وأقبلوا على الغنائم ، فخرج كمين المشركين وعليهم خالد بن الوليد ، فانتهى إلى عبداللّه بن جبير فقتله ، ثمّ أتى الناس من أدبارهم ووضُع في المسلمين السلاح ، فانهزموا ، وصاح إبليس - لعنه اللّه - : قُتل محمّد ، ورسول اللّه صلی اللّه علیه و آله يدعوهم في اُخراهم : «أيها الناس اني رسول اللّه وإنّ اللّه قد وعدني النصر فإلى أين الفرار؟» فيسمعون الصوت ولا يلوون على شيء.

وذهبت صيحة إبليس حتّى دخلت بيوت المدينة ، فصاحت فاطمة علیهاالسلام ، ولم تبق هاشميّة ولا قرشيّة إلاّ وضعت يدها على رأسها ، وخرجت فاطمة علیهاالسلام تصرخ (2).

قال الصادق علیه السلام : «انهزم الناس عن رسول اللّه فغضب غضباً شديداً ، وكان إذا غضب انحدر من وجهه وجبتهه مثل اللؤلؤ من العرق ، فنظر فإذا عليّ علیه السلام إلى جنبه ، فقال : مالك لم تلحق ببني أبيك؟ فقال عليّ : يا رسول اللّه أكفر بعد ايمان! إنّ لي بك اُسوة ، فقال : أمّا لا فاكفني هؤلاء.

فحمل عليّ علیه السلام فضرب أوّل من لقي منهم ، فقال : جبرئيل :

ص: 177


1- 1. حساً : أي استأصلوهم قتلاً. «انظر : الصحاح - حسس1. 3 : 917».
2- 2. انظر : المغازي للواقدي 1 : 229 و 277 ، وتاريخ الطبري 2 : 504 - 510 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 20 : 93 / 28.

إنّ هذه لهي المواساة يا محمّد. قال : إنّه منّي وأنا منه. قال : جبرئيل وأنا منكما»(1).

وثاب إلى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله جماعة من أصحابه ، واُصيب من المسلمين سبعون رجلاً ، منهم أربعة من المهاجرين : حمزة بن عبد المطّلب ، وعبداللّه بن جحش ، ومصعب بن عمير ، وشماس بن عثمان بن الرشيد ، والباقون من الأنصار(2).

قال : وأقبل يومئذ اُبيّ بن خلف وهو على فرس له وهو يقول : هذا ابن أبي كبشة؟ بوء بذنبك ، لا نجوتُ إن نجوتَ. ورسول اللّه صلی اللّه علیه و آله بين الحارث بن الصمّة وسهل بن حنيف يعتمد عليهما ، فحمل عليه فوقاه مصعب بن عمير بنفسه ، فطعن مصعباً فقتله ، فأخذ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله عنزة كانت في يد سهل بن حنيف ثمّ طعن اُبيّاً في جربان الدرع ، فاعتنق فرسه فانتهى إلى عسكره وهو يخور خوار الثور ، فقال أبو سفيان : ويلكما أجزعك ، إنّما هو خدش ليس بشيء. فقال : ويلك يا ابن حرب ، أتدري من طعنني ، إنّما طعنني محمّد ، وهو قال لي بمكّة : إنّي سأقتلك ، فعلمت أنّه قاتلي ، واللّه لو أنّ ما بي كان بجميع أهل الحجاز لقضت عليهم. فلم يزل يخور الملعون حتّى صار إلى النار (3).

ص: 178


1- 1. نحوه في : الكافي 8 : 110 / 90 ، الارشاد 1 : 85 ، مناقب ابن شهر آشوب 3 : 124 ، تاريخ الطبري 2 : 514 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 20 : 95 / ضمن حديث 28.
2- 2. انظر : المغازي للواقدي1 : 300 ، سيرة ابن هشام 3 : 129 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 20 : 95 ضمن حديث رقم 28.
3- 3. نحوه في : المغازي للواقدي 1 : 250 - 251 ، وسيرة ابن هشام 3 : 89 ، وتاريخ الطبري 2 : 520 ، ودلائل النبوة للبيهقي 3 : 258 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 20 : 90 / ضمن حديث 28.

وفي كتاب أبان بن عثمان : أنّه لمّا انتهت فاطمة وصفيّة إلى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ونظرتا إليه قال صلی اللّه علیه و آله لعليّ : «أمّا عمتّي فاحبسها عنّي ، وأمّا فاطمة فدعها».

فلمّا دنت فاطمة علیهاالسلام من رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ورأته قد شجّ في وجهه واُدمي فوه إدماءً صاحت وجعلت تمسح الدم وتقول : «اشتدّ غضب اللّه على من أدمى وجه رسول اللّه» وكان يتناول رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ما يسيل من الدم ويرميه في الهواء فلا يتراجع منه شيء(1).

قال الصادق علیه السلام : «واللّه لوسقط منه شيء على الأرض لنزل العذاب»(2).

قال أبان بن عثمان : حدّثني بذلك عنه الصباح بن سيابة قال : قلت : كسرت رباعيّته كما يقوله هؤلاء؟

قال : «لا واللّه ، ما قبضه اللّه إلاّ سليماً ، ولكنّه شجّ في وجهه».

قلت : فالغار في اُحد الذي يزعمون أنّ رسول اللّه صار إليه؟

قال : «واللّه ما برح مكانه ، وقيل له : ألا تدعو عليهم؟ قال : اللّهم اهد قومي».

ورمى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ابن قُميئة بقذّافة فأصاب كفّه حتّى ندر(3)السيف من يده وقال : خذها منّي وأنا ابن قميئة.

ص: 179


1- 1. المغازي للواقدي 1 : 249 قطعة منه ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 20 : 95 ضمن حديث 28.
2- 2. نقله المجلسي في بحار الأنوار 20 : 96 ضمن حديث 28.
3- 3. ندر الشيء إذا سقط «العين 8 : 21».

فقال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : «أذلّك اللّه وأقمأك »(1).

وضربه عتبة بن أبي وقّاص بالسيف حتّى أدمى فاه ، ورماه عبداللّه بن شهاب بقلاعة فأصاب مرفقه(2).

وليس أحد من هؤلاء مات ميتة سويّة ، فأمّا ابن قميئة فأتاه تيس وهو نائم بنجد فوضع قرنه في مراقّه ثم دعسه فجعل ينادي : وا ذلاّه ، حتّى أخرج قرينه من ترقوته.

وكان وحشيّ يقول : قال لي جبير بن مطعم - وكنت عبداً له - : إنّ علياً قتل عمّي يوم بدر - يعني طعيمة - فإن قتلت محمّداً فأنت حرّ ، وإن قتلت عمّ محمّد فأنت حرّ ، وإن قتلت ابن عمّ محمّد فأنت حرّ. فخرجت بحربة لي مع قريش إلى اُحد اُريد العتق لا اُريد غيره ولا أطمع في محمّد ، وقلت : لعلّي اُصيب من علي أو حمزة غرّة فأزرقه ، وكنت لا أخطىء في رمي الحراب ، تعلّمته من الحبشة في أرضها ، وكان حمزة يحمل حملاته ثمّ يرجع إلى موقفه(3).

قال أبو عبداللّه علیه السلام : «وزرقه وحشيّ ، فوق الثدي ، فسقط وشدّوا عليه فقتلوه ، فأخذ وحشيّ الكبد فشدّ بها إلى هند بنت عتبة ، فأخذتها فطرحتها في فيها فصارت مثل الداغِصة (4) ، فلفظتها.

ص: 180


1- 1. اقمأك : صغرك وأذلك. «انظر : العين 5 : 235».
2- 2. انظر : المناقب لابن شهر آشوب 1 : 92 ، والمغازي للواقدي 1 : 244 - 26 ، وتاريخ الطبري 2 : 515 ، والكامل في التاريخ 2 : 155 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 20 : 96 ضمن حديث 28.
3- 3. انظر : المناقب لابن شهر آشوب 1 : 192 - 193 ، سيرة ابن هشام 3 : 75 - 76 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 20 : 96 ضمن حديث 28.
4- 4. الداغصة : عظم مدور يديص ويموج فوق رضف الركبة ، وقيل : يتحرك على رأس الركبة. «لسان العرب 7 : 36».

قال وكان الحليس بن علقمة نظر إلى أبي سفيان وهو على فرس وبيده رمح يجأ به في شدق حمزة فقال : يا معشر بني كنانة انظروا إلى من يزعم أنّه سيّد قريش ما يصنع بابن عمّه الذي قد صار لحماً - وأبو سفيان يقول : ذقُ عقق - فقال أبو سفيان : صدقت إنّما كانت منّي زلّة اكتمها عليّ.

قال : وقام أبو سفيان فنادىَّ بعض المسلمين : أحيّ ابن أبي كبشة؟ فأمّا ابن أبي طالب فقد رأيناه مكانه. فقال عليّ علیه السلام : «إي والذي بعثه بالحقّ إنّه ليسمع كلامك».

قال : إنّه قد كانت في قتلاكم مثلة ، واللّه ما أمرت ولا نهيت ، إنّ ميعاد ما بيننا وبينكم موسم بدر في قابل هذا الشهر.

فقال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : «قل : نعم».

فقال : «نعم».

فقال أبو سفيان لعليّ علیه السلام : إنّ ابن قميئة أخبرني أنّه قتل محمّداً وأنت أصدق عندي وأبّر. ثمّ ولّى إلى أصحابه وقال : اتخذوا الليل جملاً وانصرفوا.

ثمّ دعا رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله عليّاً علیه السلام فقال : «اتُبعهم فانظر أين يريدون ، فإن كانوا ركبوا الخيل وساقوا الإبل فإنّهم يريدونالمدينة ، وإن كانوا ركبوا الإبل وساقوا الخيل فهم متوجّهون إلى مكّة»(1) .

وقيل : إنّه بعث لذلك سعد بن أبي وقّاص فرجع وقال : فرأيت خيلهم تضرب بأذنابها مجنوبة مدبرة ، ورأيت القوم قد تجمّلوا سائرين. فطابت أنفس المسلمين بذهاب العدوّ ، فانتشروا يتتبّعون قتلاهم ، فلم يجدوا قتيلاً

ص: 181


1- 1. انظر : المناقب لابن شهر آشوب 1 : 93 ، المغازي للواقدي 1 : 286 ، وسيرة ابن هشام 3 : 96 - 100 ، وتاريخ الطبري 2 : 527 ، والكامل في التاريخ 2 : 160 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 20 : 96 ضمن حديث 28.

إلاّ وقد مثّلوا به ، إلاّ حنظلة بن أبي عامر ، كان أبوه مع المشركين فتُرك له.

ووجدوا حمزة قد شُقَّتْ بطنه ، وجُدع أنفه ، وقُطعت اُذناه ، واُخذ كبده ، فلمّا انتهى إليه رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله خنقه العبرة وقال : «لاُمثّلنّ بسبعين من قريش» فأنزل اللّه سبحانه ( وَان عاقَبتُم فَعاقِبُوا بِمِثلِ ما عُوقِبتُم بِهِ ) (1) الآية ، فقال صلی اللّه علیه و آله : «بل أصبر».

وقال صلی اللّه علیه و آله : «من ذلك الرجل الذي تغسّله الملائكة في سفح الجبل؟».

فسألوا امرأته فقالت : انّه خرج وهو جنب. وهو حنظلة بن أبي عامر الغسيل (2).

قال أبان : وحدّثني أبو بصير ، عن أبي جعفر علیه السلام قال : «ذكر لرسول اللّه رجلٌ من أصحابه يقال له : قزمان بحسن معونته لاِِخوانه ، وزكّوه فقال صلی اللّه علیه و آله : إنّه من أهل النار. فاُتي رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وقيل : إنّ قزمان استشهد ، فقال : يفعل اللّه ما يشاء. ثمّ اُتي فقيل : إنّه قتل نفسه ، فقال : أشهد أنّي رسول اللّه.

قال : وكان قزمان قاتل قتالاً شديداً ، وقتل من المشركين ستّة أو سبعة ، فأثبتته الجراح فاحتمل إلى دور بني ظفر ، فقال له المسلمون : أبشر يا قزمان فقد أبليت اليوم ، فقال : بم تبشّروني! فواللّه ما قاتلت إلاّ عن أحساب قومي ، ولولا ذلك ما قاتلت. فلمّا اشتدّت عليه الجراحة جاء إلى كنانته فأخذ منها

ص: 182


1- 1. النحل 16 : 126.
2- 2. انظر : سيرة ابن هشام 3 : 79 - 101 ، وتاريخ الطبري 2 : 521 - 528 ، ولائل النبوة للبيهقي 3 : 285 - 286 ، والكامل في التاريخ 2 : 158 - 161 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 20 : 98 ضمن حديث 28.

مشقصاً(1) فقتل به نفسه» (2).

قال : وكانت امرأة من بني النجّار قتل أبوها وزوجها وأخوها مع رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ، فدنت من رسول اللّه والمسلمون قيام على رأسه فقالت لرجل : أحي رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ؟ قال : نعم ، قالت : أستطيع أن أنظر إليه؟ قال : نعم ، فأوسعوا لها فدنت منه وقالت : كلّ مصيبة جلل بعدك ، ثمّ انصرفت.

قال : وانصرف رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله إلى المدينة حين دفن القتلى ، فمرّ بدور بني لأشهل وبني ظفر ، فسمع بكاء النوائح على قتلاهنّ ، فترقرقت عينا رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وبكى ثمّ قال : « لكنّ حمزة لا بواكي له اليوم». فلمّا سمعها سعد بن معاذ واُسيد بن حضير قالوا : لا تبكينّ امرأة حميمها حتّى تأتي فاطمة فتسعدها.

فلمّا سمع رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله الواعية على حمزة وهو عند فاطمة على باب المسجد قال : « ارجعن رحمكّن اللّه فقد آسيتنّ بأنفسكنّ» (3).

ثمّ كانت غزوة حمراء الأسد (4) قال أبان بن عثمان : لمّا كان من الغد من يوم اُحد نادى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله في المسلمين فأجوبوه ، فخرجوا على علّتهم وعلى ما أصابهم من القرح ، وقدم عليّاً بين يديه براية

ص: 183


1- 1. المشقص : سهم له نصل عريض لرمي الوحش. «العين 5 : 33».
2- 2. سيرة ابن هشام 3 : 93 ، وتاريخ الطبري 2 : 351 ، والكامل في التاريخ 2 : 162 ، وفيها باختلاف يسير ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 20 : 98 ضمن الحديث 28.
3- 3. المغازي للواقدي 1 : 292 ، وسيرة ابن هشام 3 : 104 - 105 ، وتاريخ الطبري 2 : 532 - 533 ، والكامل في التاريخ 2 : 163 ، وفيها بني دينار بدل بني النجار. ونقله المجلسي في بحار الأنوار 20 : 98 ضمن حديث 28.
4- 4. حمراء الأسد : موضع على ثمانية أميال من المدينة. « معجم البلدان 2 : 301».

المهاجرين حتّى انتهى إلى حمراء الأسد ثمّ رجع إلى المدينة ، فهم الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح.

وخرج أبو سفيان حتّى انتهى إلى الروحاء ، فأقام بها وهو يهم بالرجعة على رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ويقول : قد قتلنا صناديد القوم فلو رجعنا استأصلناهم. فلقي معبد الخزاعيّ فقال : ما وراءك يا معبد؟

قال : قد واللّه تركت محمّداً وأصحابه وهم يحرقون عليكم ، وهذا عليّ بن أبي طالب قد أقبل على مقدّمته في الناس ، وقد اجتمع معه من كان تخلّف عنه ، وقد دعاني ذلك إلى أن قلت شعراً.

قال أبو سفيان : وماذا قلت؟

قال : قلت :

كادت تهدّ منَ الأصواتِ راحلتي *** إذ سالتِ الأرضُ بالجردِ الأبابيلِ

تردي باُسدٍ كرامٍ لا تنابلةً *** عندَ اللقاءِ ولا خرقٍ معازيلِ

- الأبيات -

فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه ، ثمّ مرّ به ركب من عبد القيس يريدون الميرة من المدينة ، فقال لهم : أبلغوا محمّداً أنّي قد أردت الرجعة إلى أصحابه لأستأصلهم وأوقر لكم ركابكم زبيباً إذا وافيتم عكاظ.

فأبلغوا ذلك إليه وهو بحمراء الأسد ، فقال علیه السلام والمسلمون معه : «حسبنا اللّه ونعم الوكيل» (1).

ورجع رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله من حمراء الأسد إلى المدينة يوم الجمعة ، قال : ولمّا غزا رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم

ص: 184


1- 1. المناقب لابن شهر آشوب 1 : 194 ، وانظر : المغازي للواقدي 1 : 338 ، وتاريخ الطبري2 : 535 ، والكامل في التاريخ 2 : 164 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 20 : 99 ضمن حديث 28.

حمراء الأسد وثبت فاسقة من بني خطمة يقال لها : العصماء اُمّ المنذر بن المنذر تمشي في المجالس الأوس والخزرج وتقول شعراً تحرّض على النبي صلی اللّه علیه و آله وليس في بني خطمة يومئذ مسلم إلاّ واحدٌ يقال له : عمير بن عدّي ، فلمّا رجع رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله غدا عليهاعمير فقتلها ، ثمّ أتى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فقال : إنّي قتلت اُمّ المنذر لما قالته من هجر. فضرب رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله على كتفيه وقال : «هذا رجل نصر اللّه ورسوله بالغيب ، أما إنّه لا ينتطح فيها(1)عنزان».

قال عمير بن عدّي : فأصبحت فممررت (ببنيها)(2) وهم يدفنونها فلم يعرض لي أحد منهم ولم يكلّمني(3).

ثمّ كانت غزوة الرجيع ، بعث رسول اللّه مرثد بن أبي مرثد الغنوي حليف حمزة ، وخالد بن البكير ، وعاصم بن ثابت بن الأفلج ، وخبيب بن عدي ، وزيد بن دثنة ، وعبداللّه بن طارق ، وأمير القوم مرثد لمّا قدم عليه رهطٌ من عضل والديش وقالوا : ابعث معنا نفراً من قومك يعلّموننا القرآن ويفقّهوننا في الدين ، فخرجوا مع القوم إلى بطن الرجيع - وهو ماء لهذيل. فقتلهم حي من هذيل يقال لهم : بنو لحيان ، واُصيبوا جميعاً(4).

وذكر ابن اسحاق : أنّ هذيلاً حين قتلت عاصم بن ثابت أرادوا رأسه

ص: 185


1- 1. أي لا يلتقي فيها اثنان ضعيفان ، لأن النطاح من شأن التيوس الكباش لا العنوز.
2- 2. في نسخة «م» : ببيتها ، وفي «ق» : غير منقوطة ، واثبتنا ما في نسخة «ط».
3- 3. نقله المجلسي في بحار الأنوار 20 : 100 / 28.
4- 4. ورد بتفصيل أوسع في : المناقب لابن شهر آشوب 1 : 194 ، المغازي للواقدي 1 : 354 ، وسيرة ابن هشام 3 : 178 ، والطبقات الكبرى 2 : 55 ، وتاريخ الطبري 2 : 538 ، ودلائل النبوة للبيهقي 3 : 327 - 328 ، والكامل في التاريخ 2 : 167.

ليبيعوه من سلافة بنت سعد ، وقد كانت نذرت حين اُصيب ابناها باُحد لئن قدرت على رأسه لتشربنّ في قحفه الخمر فمنعتهم الدَبر (1) ، فلمّا حالت بينهم وبينه قالوا : دعوه حتّى نمسي فتذهب عنه. فبعث اللّه الودي فاحتمل عاصماً فذهب به ، وقد كان عاصم أعطى اللّه عهداً أن لا يمسّ مشركاً ولا يمسّه مشرك أبداً في حياته ، فمنعه اللّه بعد وفاته ممّا امتنع منه في حياته (2).

ثمّ كانت غزوة بئر معونة على رأس أربعة أشهر من اُحد ، وذلك أنّ أبا براء عامر بن مالك بن جعفر ملاعب الأسنّة قدم على رسول اللّه بالمدينة فعرض عليه الاِسلام فلم يسلم ، وقال : يا محمّد إن بعثت رجالاً إلى أهل نجد يدعونهم إلى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك.

فقال : «أخشى عليهم أهل نجد».

فقال أبو براء : أنا لهم جار.

فبعث رسول اللّه المنذر بن عمرو في بضعة وعشرين رجلاً ، وقيل : في أربعين رجلاً ، وقيل : في سبعين رجلاً من خيار المسلمين ، منهم : الحارث بن الصمّة ، وحرام بن ملحان ، وعامر بن فهيرة. فساروا حتّى نزلوا بئر معونة - وهي بين أرض بني عامر وحرّة بني سليم - فلمّا نزلوها بعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله إلى عامر بن الطفيل ، فلمّا أتاه لم ينظر [عامر[ في كتابه حتّى عدا على الرجل فقتله ، فقال : اللّه أكبر فزت .

ص: 186


1- الدَبر (بالفتح) : جماعة النحل. قال الاصمعي : لا واحد لها ، ويجمع على دُبورٍ. قال لبيد : بأبيض من أبكارِ مُزنِ سحابةٍ *** وارى دُبورٍ شارهُ النحل عاسلُ «الصحاح : - دبر - 2 : 652».
2- انظر : المغازي للواقدي 1 : 356 ، وسيرة ابن هشام 3 : 180 ، والطبقات الكبرى 2 : 55 - 56 ، وتاريخ الطبري 2 : 539 ، ودلائل النبوة للبيهقي 3 : 328 ، والكامل في التاريخ 2 : 168.

وربّ الكعبة.

ثمّ دعا بني عامر إلى قتالهم فأبوا أن يجيبوه وقالوا : لانخفر(1)أبا براء ، فاستصرخ قبائل من بني سليم : عصيّة ورعلاً وذكوان ، وهم الذين قنت عليهم النبي صلی اللّه علیه و آله ولعنهم ، فأجابوه وأحاطوا بالقوم في رحالهم ، فلمّا رأوهم أخذوا أسيافهم وقاتلوا القوم حتّى قتلوا عن آخرهم.

وكان في سرح القوم (2) عمرو بن اُميّة الضمري ورجل من الأنصار ، فلم يكن ينبئهما بمصاب القوم إلاّ الطير تحوم على العسكر ، فقالا : واللّه إنّ لهذا الطير لشأناً ، فاقبلا لينظرا فإذا القوم في دمائهم ، فقال الأنصاري لعمرو : ما ترى؟ قال : أرى أن نلحق برسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فنخبره الخبر ، فقال الأنصاري : لكنّي لم أكن لأرغب بنفسي عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو ، فقاتل القوم حتّى قُتل ، ورجع عمرو إلى المدينة فأخبر رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فقال : «هذا عمل أبي براء ، قد كنت لهذا كارهاً».

فبلغ ذلك أبا براء ، فشقّ عليه إخفار عامر إيّاه وما أصاب من أصحاب رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ، ونزل به الموت. فحمل ربيعة بن أبي براء على عامر بن الطفيل وطعنه وهو في نادي قومه فأخطأ مقاتله وأصاب فخذه ، فقال عامر : هذا عمل عمّي أبي براء ، إن متّ فدمي لعمّي لا تطلبونه به ، وإن اعشُ فسأرى فيه رأيي (3).

ص: 187


1- 1. اخفرت الرجل : إذا نقضت عهده وغدرت به. «انظر : الصحاح - خفر - 2 : 649».
2- 2. سرح القوم : أي عند ماشيتهم ، فيقال : سرحت الماشية أي اخرجتها بالغداة إلى المرعى.«انظر : لسان العرب 2 : 478».
3- انظر : المناقب لابن شهر آشوب 1 : 195 ، المغازي للواقدي 1 : 346 ، سيرة ابن هشام 3 : 193 ، الطبقات الكبرى 2 : 51 ، تاريخ الطبري 2 : 545 ، دلائل النبوة للبيهقي 3 : 338 ، الكامل في التاريخ 2 : 171.

ثمّ كانت غزوة بني النضير ، وذلك أنّ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله مشى إلى كعب بن الأشرف يستقرضه فقال : مرحباً بك يا أبا القاسم وأهلاً. فجلس رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وأصحابه وقام كأنّه يصنع لهم طعاماً ، وحدّث نفسه أن يقتل رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ، فنزل جبرئيل علیه السلام وأخبره بما همّ به القوم من الغدر ، فقام صلی اللّه علیه و آله كأنّه يقضي حاجة ، وعرف أنّهم لا يقتلون أصحابه وهو حيّ ، فأخذ علیه السلام الطريق نحو المدينة ، فاستقبله بعض أصحاب كعب الذين كان أرسل إليهم يستعين بهم على رسول اللّه ، فأخبر كعباً بذلك ، فسار المسلمون راجعين.

فقال عبداللّه بن صوريا- وكان أعلم اليهود - : واللّه إنّ ربّه اطلعه على ما أردتموه من الغدر ، ولا يأتيكم واللّه أوّل ما يأتيكم إلاّ رسول محمّد يأمركم عنه بالجلاء ، فأطيعوني في خلصلتين لا خير في الثالثة : أن تسلموا فتأمنوا على دياركم وأموالكم ، وإلاّ فإنّه يأتيكم من يقول لكم : اخرجوا من دياركم.

فقالوا : هذه أحبّ إلينا.

قال : أمّا إنّ الاُولى خيرٌ لكم منها ، ولولا أنّي أفضحكم لأسلمت.

ثمّ بعث صلی اللّه علیه و آله محمّد بن مسلمة إليهم يأمرهم بالرحيل والجلاء عن ديارهم وأموالهم ، وأمره أن يؤجّلهم في الجلاء ثلاث ليال(1).

ثمّ كانت غزوة بني لحيان ، وهي الغزوة التي صلّى فيها صلاة الخوف بعسفان حين أتاه الخبر من السماء بما همّ به المشركون. وقيل : إنّ هذه

ص: 188


1- انظر : سيرة ابن هشام 3 : 199 ، الطبقات الكبرى 2 : 57 ، دلائل النبوة للبيهقي 3 : 180 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 20 : 163 / 1.

الغزوة كانت بعد غزوة بني قريظة (1).

ثمّ كانت غزوة ذات الرقاع بعد غزوة بني النضير بشهرين. قال البخاري : إنّها كانت بعد خيبر ، لقي بها جمعاً من غطفان ، ولم يكن بينهما حرب ، وقد خاف الناس بعضهم بعضاً حتّى صلّى رسول اللّه صلاة الخوف ثمّ انصرف بالناس (2).

وقيل : إنمّا سمّيت ذات الرقاع لاَنّه جبل فيه بقع حُمرةٍ وسوادٍ وبياضٍ فسمّي ذات الرقاع (3).

وقيل : إنّما سمّيت بذلك لاَنّ أقدامهم نقبت فيها ، فكانوا يلفون على أرجلهم الخرق (4).

وكان صلی اللّه علیه و آله على شفير واد نزل أصحابه على الغدوة الاُخرى من الوادي ، فهم كذلك إذ أقبل سيل ، فحال بينه وبين أصحابه ، فرآه رجل من المشركين يقال له : غورث ، فقال لقومه : أنا أقتل لكم محمّداً. فأخذ سيفه ونحا نحوه وقال : من ينجيك منّي يا محمّد؟

قال : «ويلك ، ينجيني ربّي».

فسقط على ظهره ، فأخذ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله سيفه وجلس على صدره ثمّ قال : «من ينجيك منّي يا غورث؟».

قال : جودك وكرمك يا محمّد. فتركه ، فقام وهو يقول : واللّه لأنت أكرم

ص: 189


1- 1. انظر : المناقب لابن شهر آشوب 1 : 197 ، والطبقات الكبرى 2 : 78 ، وتاريخ الطبري 2 : 595 ، ودلائل النبوة للبيهقي 3 : 364. ونقله المجلسي في بحار الأنوار 20 : 176 / 1.
2- 2. صحيح البخاري 5 : 145.
3- 3. المغازي للواقدي 1 : 395 ، تاريخ الطبري 2 : 555 ، دلائل النبوة للبيهقي 3 : 371.
4- 4. دلائل النبوة للبيهقي 3 : 372 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 20 : 176 / 1.

منّي وخير(1).

ثمّ كانتغزوة بدر الأخيرة في شعبان. خرج رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله إلى بدر لميعاد أبي سفيان ، فأقام عليها ثمان ليال ، وخرج أبو سفيان في أهل تهامة ، فلمّا نزل الظهران بدا له في الرجوع ، ووافق رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وأصحابه السوق فاشتروا وباعوا وأصابوا بها ربحاً حسناً(2).

ثمّ كانت غزوة الخندق - وهي الأحزاب - في شوّال من سنة أربع من الهجرة. أقبل حييٌ بن أخطب وكنانة بن الربيع وسلاّم بن ابي الحقيق وجماعة من اليهود بقريش وكنانة وغطفان ، وذلك أنّهم قدموا مكّة فصاروا إلى أبي سفيان وغيره من قريش ، فدعوهم إلى حرب رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ، وقالوا لهم : أيدينا مع أيديكم ، ونحن معكم حتّى نستأصله ، ثم خرجوا إلى غطفان ودعوهم إلى حرب رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ، وأخبروهم باتّباع قريش إياهم ، فاجتمعوا معهم.

وخرجت قريش وقائدها أبو سفيان ، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن في بني فزارة ، والحارث بن عوف في بني مرّة ، ومسعود بن رخيلة (3)

ص: 190


1- 1. الكافي 8 : 127 / 97 ، ونحوه في : الطبقات الكبرى 2 : 62 ، وصحيح البخاري 5 : 147 ، وتاريخ الطبري 2 : 557 ، ودلائل النبوة للبيهقي 3 : 376 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 20 : 179/6.
2- 2. انظر : المغازي للواقدي 1 : 384 ، الطبقات الكبرى 2 : 59 ، وتاريخ الطبري 2 : 559 ، ودلائل النبوة للبيهقي 3 : 385 ، والكامل في التاريخ 2 : 175 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 20 : 182 / 1.
3- 3. في نسخة «م» مسعر بن زحيلة ، ولم يرد في نسختي «ق» و «ط» والظاهر ان الصواب ما أثبتناه ، كذا ذكره الواقدي في المغازي ، والطبري في تاريخه ، وابن حجر في الأصابة حيث ترجم له : مسعود بن رخيلة ، كان قائد أشجع يوم الأحزاب ، ثم أحسن فحسن إسلامه. إلاّ أنّه في سيرة ابن هشام والكامل لابن الأثير : مسهر بن دخيلة.

ابن نويرة بن طريف في قومه من أشجع ، وهم الأحزاب ، وسمع بهم رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فخرج إليهم ، وذلك بعد أن أشار سلمان الفارسيّ أن يصنع خندقاً(1). وظهر في ذلك من آية النبوّة أشياء :

منها : ما رواه جابر بن عبداللّه ، قال : اشتدّ عليهم في حفر الخندق كدية(2) فشكوا ذلك إلى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ، فدعا بإناء من ماء فتفل فيه ، ثمّ دعا بما شاء اللّه أن يدعو ، ثمّ نضح الماء على تلك الكدية فقال من حضرها : فوالذي بعثه بالحقّ لانثالت حتّى عادت كالكندر (3) ما تردّ فأساً ولا مسحاة (4).

ومنها : ما رواه جابر من إطعام الخلق الكثير من الطعام القليل. وقد ذكرناه فيما قبل (5).

ومنها : ما رواه سلمان الفارسي رضي اللّه عنه ، قال : ضربت في ناحية من الخندق ، فعطف عليّ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وهو قريب منّي ، فلما رآني أضرب ورأى شدّة المكان عليّ نزل فأخذ المعول من يدي فضرب به ضربة فلمعت تحت المعول برقة ، ثمّ ضرب ضربة اُخرى فلمعت تحته برقة اُخرى ، ثمّ ضرب به الثالثة فلمعت برقة اُخرى. فقلت : يا رسول اللّه بأبي أنت واُمّي ما هذا الذي رأيت؟

ص: 191


1- انظر : إرشاد المفيد : 94 ، المغازي للواقدي 2 : 441 ، وسيرة ابن هشام 3 : 224 ، وتاريخ الطبري 2 : 565 ، ودلائل النبوة للبيهقي 3 : 398 ، والكامل في التاريخ 2 : 178.
2- الكدية : صلابة في الأرض. «العين 5 : 396».
3- كذا ، والكندر اسم العلك ، وفي المصادر : الكثيب ، وهو التراب الدقيق ، ولعله الأنسب.
4- سيرة ابن هشام 3 : 228 ، ودلائل النبوة للبيهقي 3 : 451.
5- تقدّم في صحفة : 80 ، إلاّ أنّ المؤلّف لم يصرّح باسم جابر فيها.

فقال : «أمّا الأولى فإنّ اللّه تعالى فتح عليَّ بها اليمن ، وأمّا الثانية فإنّ اللّه تعالى فتح عليَّ بها الشام والمغرب ، وأمّا الثالثة فإنّ اللّه فتح عليّ بها المشرق» (1)

وأقبلت الأحزاب إلى النبيّ صلی اللّه علیه و آله ، فهال المسلمين أمرهم ، فنزلوا ناحية من الخندق ، وأقاموا بمكانهم بضعاً وعشرين ليلة ، لم يكن بينهم حرب إلاّ الرمي بالنبل والحصى.

ثمّ انتدب فوارس قريش للبراز ، منهم عمرو بن عبد ودّ ، وعكرمة بن أبي جهل ، وهبيرة بن أبي وهب ، وضرار بن الخطّاب ، تهيؤوا للقتال ، وأقبلوا على خيولهم حتّى وقفوا على الخندق ، فلمّا تأمّلوه قالوا : واللّه إنّ هذه مكيدة ما كانت العرب تكيدها ، ثمّ تيمّموا مكاناً من الخندق فيه ضيق فضربوا خيولهم فاقتحمته ، فجالت بهم في السبخة بين الخندق وسَلع (2) وخرج عليّ بن أبي طالب علیه السلام في نفر معه حتّى أخذوا عليهم الثغرة التي اقتحموها ، فتقدّم عمرو بن عبد ودّ وطلب البراز ، فبرز إليه عليّ علیه السلام فقتله - وسنذكر ذلك فيما بعد إن شاء اللّه - فلمّا رأى عكرمة وهبيرة عمراً صريعاً ولّوا منهزمين ، وفي ذلك يقول أمير المؤمنين علیه السلام في أبيات شعر :

«نصر الحجارةَ من سفاهةِ رأيه *** ونصرتُ ربَّ محمّدٍ بصوابي

فضربتُهُ وتركتُهُ متجدّلاً *** كالجذعِ بين دكادكٍ وروابي

وعففتُ عن أثوابهِ ولو أنّني *** كنتُ المقطّر بزّني أثوابي

ص: 192


1- 1. سيرة ابن هشام 3 : 230 ، دلائل النبوة للبيهقي 3 : 417 ، وورد نحوه في : تفسيرالقمي 2 : 178 ، والمغازي للواقدي 2 : 450 ، والكامل في التاريخ 2 : 179.
2- 2. سلع : جبل بسوق المدينة ، وقيل : هو موضع بقرب المدينة «انظر : معجم البلدان 3 : 236».

لا تحسبنّ اللّه خاذلَ دينه *** ونبيهِ يا معشرَ الأحزابِ»(1)

ورمى ابن العرقة بسهم فأصاب أكحل سعد بن معاذ وقال : خذها مني وأنا ابن العرقة ، قال : عرّق اللّه وجهك في النار ، وقال : اللّهمّ إن كنت أبقيت من حرب في قريش شيئاً فأبقني لحربهم ، فإنّه لا قوم أحبّ إليّ قتالاً من قوم كذّبوا رسولك وأخرجوه من حرمك ، اللّهمّ وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعلها لي شهادة ولا تمتني حتّى تقرّ عيني من بني قريظة. فأباته رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله على فراشه وبات على الأرض(2).

قال أبان بن عثمان : حدّثني من سمع أبا عبداللّه علیه السلام يقول : قام رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله على التلّ الذي عليه مسجد الفتح في ليلة ظلماء قرّة ، قال : من يذهب فيأتينا بخبرهم وله الجنّة؟ فلم يقم أحد ثمّ عاد ثانية وثالثة فلم يقم أحد ، فقام حذيفة فقال صلی اللّه علیه و آله : انطلق حتّى تسمع كلامهم وتأتيني بخبرهم.

فذهب فقال : اللّهم احفظه من بين يديه ومن خلفه ، وعن يمينه وعن شماله ، حتّى تردّه إليّ ، وقال : لا تحدث شيئاً حتّى تأتيني.

ولمّا توجّه حذيفة قام رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله يصلّي ثمّ نادى بأشجى صوت : يا صريخ المكروبين ، يا مجيب دعوة المضطّرين ، اكشف همّي وكربي ، فقد ترى حالي وحال من معي.

فنزل جبرئيل فقال : يا رسول اللّه إنّ اللّه عزّ وجلّ سمع مقالتك

ص: 193


1- 1. انظر : تفسير القمي 2 : 182 ، ارشاد المفيد 1 : 97 ، المغازي للواقدي 2 : 470 ، سيرة ابن هشام 3 : 235 ، دلائل النبوة للبيهقي 3 : 436.
2- 2. انظر : الطبقات الكبرى 2 : 67 ، الكامل في التاريخ 2 : 182 ، ونقلها المجلسي في بحار الأنوار 20 : 206.

واستجاب دعوتك وكفاك هول من تحزّب عليك وناواك ، فجثا رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله على ركبتيه وبسط يديه وأرسل بالدمع عينيه ، ثمّ نادى : شكراً شكراً كما آويتني وآويت من معي.

ثمّ قال جبرئيل علیه السلام : يا رسول اللّه ، ان اللّه قد نصرك وبعث عليهم ريحاً من السماء الدنيا فيها الحصى ، وريحاً من السماء الرابعة فيها الجنادل.

قال حذيفة : فخرجت فإذا أنا بنيران القوم قد طفئت وخمدت ، وأقبل جند اللّه الأوّل ريح شديدة فيها الحصى ، فما ترك لهم ناراً إلاّ أخمدها ، ولا خباء إلاّ طرحها ، ولا رمحاً إلاّ ألقاها ، حتّى جعلوا يتترسون من الحصى ، وكنت أسمع وقع الحصى في الترسة ، وأقبل جند اللّه الأعظم ، فقام أبو سفيان إلى راحلته ثمّ صاح في قريش : النجاء النجاء ، ثمّ فعل عيينة بن حصن مثلها ، وفعل الحارث بن عوف مثلها ، وذهب الأحزاب.

ورجع حذيفة إلى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فأخبره الخبر ، وأنزل اللّه على رسوله ( اذكرُوا نعمة اللّه عَلَيكُم إذْ جاءَتْكُم جنودٌ فأرسَلْنا عَلَيهم رِيحاً وجُنوداً لَم تَروها ) (1)إلى ما شاء اللّه تعالى من السورة(2).

وأصبح رسول اللّه بالمسلمين حتّى دخل المدينة ، فضربت ابنته فاطمة غسولاً حتى تغسل رأسه ، إذ أتاه جبرئيل على بغلة معتجراً (3)بعمامة بيضاء ، عليه قطيفة من استبرق معلّق عليها الدرّ والياقوت ، عليه الغبار ، فقام رسول

ص: 194


1- 1. الاحزاب 33 : 9.
2- 2. الكافي 8 : 277 / 420 ، تفسير القمي 2 : 186 ، وانظر : سيرة ابن هشام 3 : 242 ، والطبقات الكبرى 2 : 74 ، وتاريخ الطبري 3 : 580 ، ودلائل النبوة للبيهقي 3 : 449 ، والكامل في التاريخ 2 : 184.
3- 3. الاعتجار : لف العمامة دون التلحي «لسان العرب 4 : 544».

اللّه صلی اللّه علیه و آله فمسح الغبار عن وجهه ، فقال له جبرئيل : «رحمك ربّك ، وضعت السلاح ولم يضعه أهل السماء ، ما زلت أتبعهم حتّى بلغت الروحاء»(1) ، ثمّ قال جبرئيل : «انهض إلى إخوانهم من أهل الكتاب ، فواللّه لاَدقنّهم دقّ البيضة على الصخرة».

فدعا رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله عليّاً علیه السلام فقال : «قدّم راية المهاجرين إلى بني قريضة ، وقال : «عزمت عليكم أن لا تصلّوا العصر إلاّ في بني قريظة».

فأقبل عليّ علیه السلام ومعه المهاجرون وبنو عبد الأشهل وبنو النجّار كلّها ، لم يتخلّف عنه منهم أحد ، وجعل النبيّ صلی اللّه علیه و آله يسرّب إليه الرجال ، فما صلّى بعضهم العصر إلاّ بعد العشاء.

فأشرفوا عليه وسبّوه ، وقالوا : فعل اللّه بك وبابن عمّك ، وهو واقف لا يجيبهم ، فلمّا أقبل رسول اللّه عليه وآله وسلّم والمسلمون حوله تلقّاه أمير المؤمنين علیه السلام وقال : «لا تأتهم يا رسول اللّه جعلني اللّه فداك ، فإنّ اللّه سيجزيهم». فعرف رسول اللّه أنّهم قد شتموه ، فقال : «أما إنّهم لو رأوني ما قالوا شيئاً ممّا سمعت». وأقبل ثمّ قال : «يا إخوة القردة ، إنّا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين ، يا عباد الطاغوت اخسؤوا أخساكم اللّه». فصاحوا يميناً وشمالاً : يا أبا القاسم ما كنت فحّاشاً فما بدا لك(2).

قال الصادق علیه السلام : فسقطت العنزة من يده ، وسقط رداءه من

ص: 195


1- 1. قال الحموي في معجم بلدانه «3 : 76» : الروح والراحة من الاستراحة ، ويوم روح أي طيب ، وأظنه قيل للبقعة روحاء أي طيبة ذات راحة ويعضده ما ذكره الكلبي قال : لما رجع تبّع من قتال أهل المدينة يريد مكة نزل بالروحاء فأقام بها وأراح ، فسماها الروحاء.
2- 2. انظر : تفسير القمي 2 : 189 ، وارشاد المفيد 1 : 109 ، وسيرة ابن هشام 3 : 244 ، والطبقات الكبرى 2 : 74 ، وتاريخ الطبري 2 : 581 ، والكامل في التاريخ 2 : 185.

خلفه ، ورجع يمشي إلى ورائه حياء ممّا قال لهم صلی اللّه علیه و آله .

فحاصرهم رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله خمساً وعشرين ليلة حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ ، فحكم فيهم بقتل الرجال وسبي الذراري والنساء وقسمة الأموال ، وأن يجعل عقارهم للمهاجرين دون الأنصار.

فقال له النبيّ صلی اللّه علیه و آله : لقد حكمت فيهم بحكم اللّه من فوق سبعة أرقعة.

فلمّا جيء بالاُسارى حبسوا في دار ، وأمر بعشرة فاُخرجوا فضرب أمير المؤمنين أعناقهم ، ثم أمر بعشرة فاُخرجوا فضرب الزبير أعناقهم ، وقلَّ رجل من أصحاب رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله إلاّ قتل الرجل والرجلين.

قال : ثمّ انفجرت رمية سعد والدم ينفح حتّى قضى ، ونزع رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله رداءه فمشى في جنازته بغير رداء. ثمّ بعث رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله عبداللّه بن رواحة إلى خيبر ، فقتل سيربن دارم اليهودي ، وبعث عبداللّه بن عتيك إلى خيبر فقتل أبا رافع بن أبي الحقيق»(1).

ثمّ كانت غزوة بني المصطلق من خزاعة ، ورأسهم الحارث بن أبي الضرار ، وقد تهيؤوا للمسير إلى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ، وهي غزوة المُرَيسيع(2) ، وهو ماء ، وقعت في شعبان سنة خمس ، وقيل : في شعبان سنة ست ، واللّه أعلم(3).

قالت جويرية بنت الحارث - زوجة رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله - : أتانا رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ونحن على المُرَيسيع ،

ص: 196


1- 1. انظر : تفسير القمي 2 : 190 ، والارشاد للمفيد 1 : 110.
2- 2. اسم ماء في ناحية قديد إلى الساحل. «معجم البلدان 5 : 118».
3- 3. المناقب لابن شهر آشوب 1 : 201 ، وسيرة ابن هشام 3 : 302 ، وتاريخ الطبري 2 : 604.

فأسمع أبي وهو يقول : أتانا ما لا قبل لنا به ، قالت : وكنت أرى من الناس والخيل والسلاح ما لا أصف من الكثرة ، فلمّا أن أسلمت وتزوّجني رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ورجعنا جعلت أظهر إلى المسلمين فليسوا كما كنت أرى ، فعرفت أنّه رعب من اللّه عزّ وجلّ يلقيه في قلوب المشركين.

قالت : ورأيت قبل قدوم النبيّ صلی اللّه علیه و آله بثلاث ليال كأن القمر يسير من يثرب حتّى وقع في حجري ، فكرهت أن أخبر بها أحداً من الناس ، فلمّا سبينا رجوت الرؤيا ، فأعتقني رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وتزوّجني(1).

وأمر رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله أصحابه أن يحملوا عليهم حملة رجل واحد ، فما أفلت منهم إنسان ، وقتل عشرة منهم واُسر سائرهم ، وكان شعار المسلمين يومئذ «يا منصور أمت».

وسبى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله الرجال والنساء والذراري والنعم والشياه ، فلمّا بلغ الناس أنّ رسول اللّه تزوّج جويرية بنت الحارث قالوا : أصهار رسول اللّه. فأرسلوا ما كان في أيديهم من بني المصطلق ، فما عُلم امرأة أعظم بركة على قومها منها(2).

وفي هذه الغزوة قال عبداللّه بن اُبي ( لَئن رجَعنا إلى المَدِينَةِ لَيُخرِجَنَّ الأعَزّ مِنها الأذَلّ ) (3) ، واُنزلت الآيات.

وفيها كانت قصة إفك عائشة(4)

ص: 197


1- 1. المغازي 1 : 408 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 20 : 290 / 3.
2- 2. اُنظر : المناقب لابن شهر آشوب 1 : 201 ، والمغازي للواقدي 1 : 410 ، وسيرة ابن هشام 3 : 307 ، وتاريخ الطبري 2 : 62 ، والوفا بأحوال المصطفى 12 : 962 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 20 : 290 / 3.
3- 3. المنافقون 63 : 8.
4- لم يعد بخاف على أحد مدى الدور الخطير الذي لعبته السياسة الأموية المنحرفة في تشويه وتطويع الكثير من الحقائق الشرعية والتاريخية خدمة لاغراضها المشبوهة المراد من خلالها توطيد حكمهم وتثبيت قواعده ، والحط من مكانة معارضيهم ومناوئيهم وفي مقدمتهم أهل بيت النبوة علیهم السلام . ولعل الأمر ليس بعسير على أحد ادراكه من خلال استقراء الكثير من تلك الوقائع والأخبار وما تؤدي إليه بالتالي عند اعتقاد المسلمين بها ، والتسليم بصحتها. وإذا لم نكن هنا بمعرض التحدث عن هذا الموضوع الحساس والمهم ، قدر ما أردنا منه الاشارة العرضية إلى حقيقة خطيرة كانت لها آثار وخيمة في صياغة وبناء الكثير من الآراء والمعتقدات التي يذهب إلى تبنيها البعض. ولعل حديث الافك المشهور ، والآيات النازلة فيه من تلك الوقائع التي تناولتها سياسة الأمويين بالتحريف والكذب بشكل مدروس انخدع فيه الكثيرون ، وسلموا بحتمية ما قرأوه من تفصيلات متعددة تصب في غرض واحد. والخبر كما يرويه أصحابنا وغيرهم هو أن المرأة التي رميت بهذا الافك كانت ماريه القبطية اُم ولد رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ، وليست عائشة كما هو مشهور عند الكثرين الذين أخذوا بما سطرته السياسات المنحرفة التي كان يديرها الأمويون من أجل إضفاء صفة القدسية على عائشة التي نقلوا عنها أو نسبوا إليها من الأخبار المنحرفة عن أهل البيت علیهم السلام ، مع ما عرف عنها من موفق حاد ومعارض لاَمير المؤمنين علي بن أبى طالب علیه السلام ، كان أوضحه في خروجها عليه في وقعة الجمل المشهورة التي كانت من أعظم الفتن التي ابتليت بها الأمّة الاسلامية المذهولة بما تراه وتسمعه. والحق يقال : إن استقراء تلك الروايات - التي جهد واضعوها ومروّجوها في إخراجها بشكل لا يدعون فيه منفذاً للطعن أو الشك - يبيِّن بوضوح جملة واسعة من المؤاخذات والردود التي تذهب إلى نفي صحة هذه النسبة ، والقطع بها. ولما كان التعرُّض لمناقشة هذا الموضوع يتطلب التوسع الكثير في إيراد تفاصيل تلك الواقعة ، فإن ذلك لا يحول دون الاشارة العابرة إلى بعض تلك الحقائق المهمة. فمن الحقائق المثيرة للاستغراب كون هذا الخبر إما منقولاً عن عائشة عينها ، أو عن صحابي لم يكن حاضرأً في تلك الواقعة ، أو أنه كان حين الواقعة صغيراً لا يعقل ، أو غير ذلك من العلل المضعفة للحديث ، والنافية لتواتره وصحته. هذا مع تنافي العديد من الأخبار المنقولة عن هذا الأمر مع سياق الاحداث المصوّرة من قبل مروجي هذا الخبر وصانعيه ، والتي تبعد هذه النسبة المصطنعة إلى عائشة دون غيرها من حلائل رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله . ولعل هذا الفهم لا يكتمل دون التعرض لما رواه الشيعة في كتبهم ، ويعضدهم في ذلك بعض الآخرين ، من القول بأن الافك كان مختصاً بمارية القبطية وولدها من رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله إبراهيم ، حيث طعن البعض في نسبته إلى النبي الأكرم صلی اللّه علیه و آله ، وذهب إلى القول بأنه من ابن جريح ، ابن عم مارية ، والذي اُهدي معها إلى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله . ورغم أن العديد من تلك المصادر تذكر بأن عائشة المشهورة بغيرتها من بعض زوجات رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله - ولا سيما مارية التي تذكر انها : ما غارت من امرأة دون ما غارت من مارية لجمالها ، وانجابها ولد رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله - كانت مصدر نشأة هذا الخبر (انظر : طبقات ابن سعد 1 : 4. مستدرك الحاكم مع تلخيصه للذهبي4 : 39 ، البداية والنهاية 3 : 305 ، الدر المنثور 6 : 240) ، إلاّ أنا نريد هنا الاستطراد في هذا الاتجاه عدا التلميح إلى ذلك. وأي كان قائل ذلك الافك العظيم فإن ترتب جملة الوقائع اللاحقة للافك تتوافق بشكل صريح مع ما ذهبنا إليه من افترائه على مارية دون عائشة. فالمصادر الحديثية والمتعددة التي تذكر إرسال رسول اللّه صلى الاله عليه وآله وسلم لعلي علیه السلام نحو ابن جريح - الرجل المتهم بهذا الأمر - وإظهار عجزه عن فعلا لقبيح لكونه ممسوحاً أو مجبوباً ، وليس له ما للرجال أمام الملأ ، جاء متوافقاً مع مزول الآيات القرآنية المباركة فسورة النور ، والتي برأت تلك المرأة الشريفة شرعياً من هذا البهتان العظيم ، فكان هنا براءتان لها : شرعية ، وواقعية ، وهذا لم يلتفت إليه ناسجو وهم حكاية عائشة. تم ماذا يعني الاستفسار من زينب بنت جحش ، وأم أيمن عن ذلك الأمر طالما انه حدث بعيداً عن الجميع، وفي عمق الصحراء ، اليس في ذلك تناقض صريح مع واقع الحال ، وظرف الواقعة ، ثم اليس هو أقرب للصواب إذا سلٌمنا بالرأي القائل بأنه مختص بمارية التي هي امام ناظري الجميع ، وبينهم. هذا يمثٌل أحد أطراف الاستهجان والاستغراب من هذه النسبة الباهتة ، يضاف إليه ما تقرأه من تسلسل الآيات المباركة المتحدٌثة عن أبعاد هذا الافك ، وكيف أنها انتقلت إلى توبيخ المؤمنين لعدم مسارعتهم إلى تكذيب الأمر ، مع أنهم كانوا بعيدين عن تلك الواقعة ، عكس ما يقع عليهم في قضية مارية والتي تعيش بين ظهرانيهم صباحاً ومساءً أيام إفتراءالافك. وإذا ذهبنا إلى أن مصدر التوبيخ يرتكز إلى وجوب الدفاع عن حريم الرسول صلی اللّه علیه و آله ، فإنه أصدق وأوضح في قصة مارية ، فتأمل. وأخيراً نقول : ان اضفاء صفة القدسية المستوحاة من إشارة الباري عز وجل بكهارتها عفتها وبراءتها أمر لا تجد السياسة الاموية المنرفة خيراً منه لاستثمارها حالة الخلاف الحادة التي كانت تعرف بها عائشة قبال أهل البيت علیهم السلام كما ذكرنا سابقاً. نعم ان اضفاء هذه الاعتبارات المهمة إلى شخصية عائشة يعني الكثير للامويين طالماأن لا أحد منهم يمتلك أي قدر من الاعتبار ، بل على العكس من ذلك فلم ينلهم من اللّه تعالى ورسوله الا التوهين والاستخفاف وتحذير الاُمة من خطرهم وعدائهم للاسلام وأهله. ولذا فلا غرابة أن نجد لهاث الامويين وسعيه الدائب لشراء ضمائر بعض الصحابة المعروضة في سوق النخاسة - أمثال أبي هريرة الدوسي ، وسمرة بن جندب - لمنحهم طرفاً من الاعتبار قبال البناء المقدسس لأهل بيت العصمة علیهم السلام . راجع ما كتب حول قصة الافك ، وبالاخص كتاب حديث الافك للسيد جعفر مرتضى العاملي ، وانظر الروايات المحددة للواقعة بمارية في : صحيح مسلم 4 : 2139 / 7. طبقات ابن سعد 8 : 214 ، مستدرك الحاكم وتلخيصه للذهبي 4 : 39 و 40 ، الاصابة 3 : 334 ، الاستيعاب بهامش الاصابة 4 : 411 ، مجمع الزوائد 9 : 116 ، اُسد الغابة 5 : 543 ، الكامل في التأريخ 2 : 313 ، السيرة الحلبية 3 : 312.

ص: 198

ص: 199

وبعث رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله في سنة ستّ في شهر ربيع الأول عكاشة بن محصن في أربعين رجلاً إلى الغمرة(1) ، وبكّر القوم فهربوا ، وأصاب مائتي بعير لهم ، فساقها إلى المدينة (2).

وفيها : بعث أبا عبيدة بن الجرّاح إلى القصّة (3) في أربعين رجلاً ،

ص: 200


1- الغمرة : من أعمال المدينة على طريق نجد «معجم البلدان 4 : 212».
2- المناقب لابن شهر آشوب 1 : 201 ، المغازي للواقدي 2 : 55 ، تاريخ الطبري 2 : 640 ، دلائل النبوة للبيهقي 4 : 82 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 20 : 291 / 3.
3- القصة (ذو القصة) : موضع بين زبالة والشقوق دون الشقوق بميلين ، فيه قُلبٌ لأعراب يدخلها ماء السماء عذباً زلالاً.وقيل : هو موضع بينه وبين المدينة أربعة وعشرون ميلاً «انظر : معجم البلدان 4 : 366».

فأغار عليهم وأعجزهم هرباً في الجبال وأصابوا رجلاً واحداً فأسلم (1).

وفيها : بعث محمّد بن مسلمة إلى قوم من هوازن فكمن القوم لهم وافلت محمّد وقتل أصحابه (2).

وفيها : كانت سريّة زيد بن حارثة إلى الجموم من أرض بني سُليم ، فأصابوا نعماً وشاء وأسرى (3).

وفيها : كانت سريّة زيد بن حارثة إلى العيص (4). في جمادی الأولی(5).

وفيها : سريّة بن حارثة إلى الطرف إلى بني ثعلبة في خمسة عشر رجلاً ، فهربوا وأصاب منهم عشرين بعيراً (6)

ص: 201


1- انظر : المناقب لابن شهر آشوب 1 : 201 ، المغازي للواقدي 2 : 522 ، الطبقات الكبرى 2 : 86 ، تاريخ الطبري 2 : 641 ، دلائل النبوة للبيهقي 4 : 83 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 20 : 291 / 3.
2- انظر : المناقب لابن شهر آشوب 1 : 201 ، المغازي للواقدي 2 : 551 ، الطبقات الكبرى 2 : 85 ، تاريخ الطبري 2 : 641.
3- انظر : المناقب لابن شهر آشوب 1 : 201 ، الطبقات الكبرى 2 : 86 ، تاريخ الطبري 2 : 641 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 20 : 292 / 3.
4- العيص : موضع في بني سُليم به ماء يقال له : ذنبان العيص «معجم البلدان 4 : 173».
5- انظر : المناقب لابن شهر آشوب 1 : 201 ، المغازي للواقدي 2 : 553 ، الطبقات الكبرى 2 : 87 ، تاريخ الطبري 2 : 641 ، دلائل النبوة للبيهقي 4 : 84 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 20 : 292 / 3.
6- انظر : المناقب لابن شهر آشوب 2 : 201 ، المغازي للواقدي 2 : 555 ، الطبقات الكبرى 2 : 87 ، تاريخ الطبري 2 : 641 ، دلائل النبوة للبيهقي 4 : 84 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 30 : 292 / 3.

وفيها : كانت غزوة عليّ بن أبي طالب علیه السلام إلى بني عبداللّه بن سعد من أهل فدك ، وذلك أنه بلغ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله أنّ لهم جمعاً يريدون أن يمدّوا يهود خيبر (1).

وفيها : سريّة عبد الرحمن بن عوف إلى دُومة الجندل (2) في شعبان ، وقال له رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : «إن أطاعوا فتزوّج ابنة ملكهم» فأسلم القوم وتزوّج عبد الرحمن تماضر بنت الأصبغ ، وكان أبوها رأسهم وملكهم (3)

وفيها : بعث رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله - في قول الواقدي - إلى العرنيين الذين قتلوا راعي رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله واستاقوا الاِبل عشرين فارساً ، فاتي بهم ، فاُمر بقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم ، وتركوا بالحرّة حتّى ماتوا(4)

ص: 202


1- 1. انظر : المناقب لابن شهر آشوب 1 : 202 ، المغازي للواقدي 2 : 562 ، الطبقات الكبرى 2 : 89 ، تاريخ الطبري 2 : 642 ، دلائل النبوة للبيهقي 4 : 84 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 20 : 293 / 3.
2- 2. دومة الجندل : جاء في حديث الواقدي : دوماء الجندل ، وعدها ابن النقية من أعمال المدينة. سميت بدوم بن إسماعيل بن إبراهيم علیه السلام ، وقال الزّجاجي : دومان بن اسماعيل. وقيل : كان لاسماعيل علیه السلام ولد اسمه دما ، ولعله مغيّر منه.وقال الكلبي : دوماء بن إسماعيل ، قال : ولما كثر ولد إسماعيل علیه السلام بتهامة خرج دوماء بن إسماعيل حتى نزل موضع دومة ، وبنى به حصناً ، فقيل : دوماء ، ونسب الحصن إليه. وهي على سبع مراحل من دمشق بينها وبين مدينة الرسول صلی اللّه علیه و آله .وقيل : سميت دومة الجندل لاَن حصنها مبني بالجندل « انظر : معجم البلدان 2 : 487».
3- انظر : المغازي للواقدي 2 : 560 ، والطبقات الكبرى 2 : 89 ، وتاريخ الطبري 2 : 642 ، ودلائل النبوة للبيهقي 4 : 85 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 20 : 293 / 3.
4- المغازي للواقدي 2 : 569 ، وانظر : المناقب لابن شهر آشوب 1 : 202 ، وتاريخ الطبري ودلائل النبوة للبيهقي 4 : 87 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 20 : 294 / 3.

وروي عن جابر بن عبداللّه : أنّ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله دعا عليهم فقال : «اللّهمّ عمّ عليهم الطريق» قال : فعمي عليهم الطريق(1)

وفيها : اُخذت أموال أبي العاص بن الربيع وقد خرج تاجراً إلى الشام ومعه بضائع لقريش ، فلقيته سريّة لرسول اللّه صلی اللّه علیه و آله واستاقوا عيره وأفلت ، وقدموا بذلك على رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فقسّمه بينهم ، وأتى أبو العاص فاستجار بزينب بنت رسول اللّه صلّى عليه وآله وسلّم وسألها أن تطلب من رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ردّ ماله عليه وما كان معه من أموال الناس ، فدعا رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله السريّة وقال : «إنّ هذا الرجل منّا بحيث قد علمتم ، فإن رأيتم أن تردّوا عليه فافعلوا».

فردّوا عليه ما أصابوا ، ثمّ خرج وقدم مكّة ورد على الناس بضائعهم ، ثمّ قال : أما واللّه ما منعني أن أسلم قبل أن أقدم عليكم إلاّ توقّياً أن تظنّوا أنّي أسلمت لأذهب بأموالكم ، وإنّي أشهد أن لا إله إلاّ اللّه وأن محمّداً عبده ورسوله(2).

وفيها : كانت غزوة الحديبية في ذي القعدة ، خرج صلی اللّه علیه و آله في ناس كثير من أصحابه يريد العمرة وساق معه سبعين بدنة ، وبلغ ذلك المشركين من قريش ، فبعثوا خيلا ليصدّوه عن المسجد الحرم ، وكان صلی اللّه علیه و آله يرى أنّهم لا يقاتلونه لاَنّه خرج في الشهر الحرام ،

ص: 203


1- انظر : دلائل النبوة للبيهقي 4 : 88 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 20 : 294 / 3.
2- انظر : المناقب لابن شهر آشوب 1 : 202 ، والمغازي للواقدي 2 : 553 ، ودلائل النبوة للبيهقي 4 : 85 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 20 : 294 / 3.

وكان من أمر سهيل بن عمرو وأبي جندل ابنه وما فعله رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ما شكّ به من زعم أنّه ما شكّ إلاّ يومئذ في الدين.

وأتى بدليل بن ورقاء إلى قريش فقال لهم : يا معشر قريش خفّضوا عليكم ، فإنّه لم يأت يريد قتالكم وإنّما يريد زيارة هذا البيت.

فقالوا : واللّه ما نسمع منك ولا تحدّث العرب أنّه دخلها عنوة ، ولا نقبل منه إلاّ أن يرجع عنّا ، ثمّ بعثوا إليه بكر بن حفص وخالد بن الوليد وصدّوا الهدي.

وبعث رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله عثمان بن عفّان إلى أهل مكّة يستأذنهم في أن يدخل مكّة معتمراً ، فأبوا أن يتركوه ، واُحتبس عثمان ، فظنّ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله أنّهم قتلوه فقال لاَصحابه : «أتبايعونني على الموت؟» فبايعوه تحت الشجرة على أن لا يفرّوا عنه أبداً.

ثمّ إنّهم بعثوا سهيل بن عمرو فقال : يا أبا القاسم ، إنّ مكّة حرمنا وعزّنا ، وقد تسامعت العرب بك أنّك قد غزوتنا ، ومتى ما تدخل علينا مكّة عنوة يطمع فينا فنتخطّف ، وإنّا نذكرك الرحم ، فإنّ مكّة بيضتك التي تفلّقت عن رأسك.

قال : «فما تريد؟».

قال : اُريد أن أكتب بيني وبينك هدنة على أن اُخلّيها لك في قابل فتدخلها ولا تدخلها بخوف ولا فزع ولا سلاح إلاّ سلاح الراكب ، السيف في القراب والقوس.

فدعا رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله عليّ بن أبي طالب علیه السلام فأخذ أديماً احمراً فوضعه على فخذه ثمّ كتب : «بسم اللّه الرحمن الرحيم.» - وسنذكر تمام ذلك في مناقب أمير المؤمنين - :

هذا ما قاضى عليه محمّد بن عبداللّه بن عبد المطلب ومن معه من

ص: 204

المسلمين سهيل بن عمرو ومن معه من أهل مكّة : على أنّ الحرب مكفوفة فلا إغلال ولا إسلال ولا قتال ، وعلى أن لا يستكره أحد على دينه ، وعلى أن يعبد اللّه بمكة علانية ، وعلى أنّ محمداً ينحر الهدي مكانه ، وعلى أن يخلّيها له في قابل ثلاثة أيّام فيدخلها بسلاح الراكب وتخرج قريش كلّها من مكّة إلاّ رجل واحد من قريش يخلفونه مع محمّد وأصحابه ، ومن لحق محمّداً وأصحابه من قريش فإن محمداً يرده إليهم ، ومن رجع من أصحاب محمّد إلى قريش بمكّة فإنّ قريشاً لا تردّه إلى محمّد - وقال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : «إذا سمع كلامي ثمّ جاءكم فلا حاجة لي فيه» - وأن قريشاً لا تعين على محمّد وأصحابه احداً بنفس ولا سلاح...إلى آخره.

فجاء أبو جندل إلى النبيّ صلی اللّه علیه و آله حتّى جلس إلى جنبه ، فقال أبوه سهيل : ردّه عليّ ، فقال المسلمون : لا نردّه.

فقام صلی اللّه علیه و آله وأخذ بيده وقال : «اللّهم إن كنت تعلم أنّ أبا جندل لصادقٌ فاجعل له فرجاً ومخرجاً» ثمّ أقبل على الناس وقال : «إنّه ليس عليه بأس ، إنّما يرجع إلى أبيه واُمه ، وإنّي أريد أن اتمّ لقريش شرطها».

ورجع رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله إلى المدينة وأنزل اللّه في الطريق سورة الفتح ( اِنّا فَتَحنا لَكَ فَتحاً مُبيناً ) (1).

قال الصادق علیه السلام : «فما انقضت تلك المدّة حتّى كاد الاسلام يستولي على أهل مكّة».

ص: 205


1- 1. انظر : ارشاد المفيد 1 : 119 ، والمناقب لابن شهر آشوب 1 : 202 ، وسيرة ابن هشام 3 : 322 ، وتاريخ اليعقوبي 2 : 54 ، وتاريخ الطبري 628 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 20 : 361 / 10.

ولمّا رجع رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله إلى المدينة انفلت أبو بصير بن اُسيد بن جارية (1) الثقفي من المشركين ، وبعث الأخنس بن شريق في أثره رجلين فقتل أحدهما وأتى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله مسلماً مهاجراً فقال [له صلی اللّه علیه و آله ] : «مسعّر حرب لو كان معه احد» ثمّ قال : «شأنك بسلب صاحبك ، واذهب حيث شئت».

فخرج أبو بصير ومعه خمسة نفر كانوا قدموا معه مسلمين ، حتّى كانوا بين العيص وذي المروة من أرض جهينة على طريق عيرات قريش مما يلي سيف البحر ، وانفلت أبو جندل بن سهيل بن عمرو في سبعين رجلاً راكباً اسلموا فلحق بأبي بصير ، واجتمع إليهم ناس من غفار وأسلم وجهينة حتّى بلغوا ثلاثمائة مقاتل وهم مسلمون ، لا تمرّ بهم عير لقريش إلاّ أخذوها وقتلوا أصحابها ، فأرسلت قريش أبا سفيان بن حرب إلى رسول اللّه يسألونه ويتضرّعون إليه أن يبعث إلى أبي بصير وأبي جندل ومن معهم فيقدموا عليه ، وقالوا : من خرج منّا إليك فأمسكه غير حرج أنت فيه. فعلم الذين كانوا أشاروا على رسول اللّه أن يمنع أبا جندل من أبيه بعد القضية (2) أنّ طاعة رسول اللّه خير لهم فيما أحبّوا وفيما كرهوا.

وكان أبو بصير وأبو جندل وأصحابهما هم الذين مرّ بهم أبو العاص بن الربيع من الشام في نفر من قريش فأسروهم وأخذوا ما معهم ولم يقتلوا منهم أحداً لصهر أبي العاص رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ، وخلّوا سبيل أبي العاص فقدم المدينة على امرأته وكان أذن لها حين خرج إلى الشام أن تقدم المدينة فتكون مع رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ، وأبو العاص هو

ص: 206


1- 1. في نسخة «ط» : حارثة.
2- 2. في نسخة «م» : القصة.

ابن اُخت خديجة بنت خويلد(1).

ثمّ كانت غزوة خيبر في ذي الحجّة من سنة ستّ - وذكر الواقديّ : أنّها كانت أوّل سنة سبع من الهجرة (2) - وحاصرهم رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله بضعاً وعشرين ليلة ، وبخيبر أربعة عشر ألف يهوديّ في حصونهم ، فجعل رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله يفتتحها حصناً حصناً ، وكان من أشدّ حصونهم وأكثرها رجالاً القموص ، فأخذ أبو بكر راية المهاجرين فقاتل بها ثمّ رجع منهزماً ، ثمّ أخذها عمر بن الخطّاب من الغد فرجع منهزماً يجبّن الناس ويجبّنونه حتّى ساء رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ذلك فقال : «لاعطيّن الراية غداً رجلاً كرّاراً غير فرّار ، يحبّ اللّه ورسوله ويحبّه اللّه ورسوله ، ولا يرجع حتّى يفتح اللّه على يده».

فغدت قريش يقول بعضهم لبعض : أمّا عليّ فقد كفيتموه فإنّه أرمد لا يبصر موضع قدمه. وقال عليّ علیه السلام لمّا سمع مقالة رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : «اللّهم لا معطي لما منعت ، ولا مانع لما أعطيت».

فأصبح رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله واجتمع إليه الناس. قال سعد : جلست نصب عينيه ثمّ جثوت على ركبتي ثمّ قمت على رجلي قائماً رجاء أن يدعوني ، فقال : «ادعو لي عليّاً» فصاح الناس من كلّ جانب : إنّه أرمد رمداً لا يبصر موضع قدمه فقال : «أرسلوا إليه وادعوه».

فاُتي به يقاد ، فوضع رأسه على فخذه ثمّ تفل في عينيه ، فقام وكأنَّ عينيه جزعتان (3) ، ثمّ أعطاه الراية ودعا له فخرج يهرول هرولة ، فواللّه ما بلغت

ص: 207


1- 1. انظر : المناقب لابن شهر آشوب 1 : 204 ، دلائل النبوة للبيهقي 4 : 172 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 20 : 363.
2- 2. المغازي للواقدي 2 : 634.
3- (3) الجزع : ضرب من الخرز ، وقيل : هوالخرز اليماني ، وهو الذي فيه بياض وسواد تشبّه به الأعين. «لسان العرب 8 : 48».

اُخراهم حتّى دخل الحصن.

قال جابر : فأعجلنا أن نلبس أسلحتنا ، وصاح سعد : يا أبا الحسن أربع يلحق بك الناس ، فأقبل حتّى ركزها قريباً من الحصن فخرج إليه مرحب في عادية اليهود (1) فبارزه فضرب رجله فقطعها وسقط ، وحمل علي والمسلمون عليهم فانهزموا(2) .

قال أبان : حدّثنى زرارة قال : قال الباقر علیه السلام : «انتهى إلى باب الحصن وقد اُغلق في وجهه فاجتذبه اجتذاباً وتترّس به ، ثمّ حمله على ظهره واقتحم الحصن اقتحاماً ، واقتحم المسلمون والباب على ظهره. قال : فواللّه ما لقي عليّ علیه السلام من الناس تحت الباب أشدّ ممّا لقي من الباب ، ثمّ رمى بالباب رمياً.

وخرج البشير إلى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : أنّ عليّاً دخل الحصن ، فأقبل رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ، فخرج عليّ يتلقّاه ، فقال صلی اللّه علیه و آله : قد بلغني نبأك المشكور وصنيعك المذكور ، قد رضي اللّه عنك ورضيت أنا عنك. فبكى عليّ علیه السلام ، فقال له : ما يبكيك يا علي؟ فقال : فرحاً بأنّ اللّه ورسوله عنّي راضيان.

قال : وأخذ عليّ فيمن أخذ صفيّة بنت حييّ ، فدعا بلالاً فدفعها إليه

ص: 208


1- في نسخة «م» : عادته باليهود.
2- انظر : الارشاد للمفيد 1 : 125 ، والخرائج والجرائح 1 : 159 / 249 ، المغازي للواقدي 2 : 653 ، والطبقات الكبرى 2 : 110 - 112 ، سيرة ابن هشام 3 : 349 ، وتاريخ الطبري 3 : 11 ، ودلائل النبوة للبيهقي 4 : 209 ، والكامل في التاريخ 2 : 219 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 21 / 17.

وقال له : لا تضعها إلاّ في يدي رسول اللّه حتّى يرى فيها رأيه ، فأخرجها بلال ومرّ بها إلى رسول اللّه على القتلى ، وقد كادت تذهب روحها فقال صلی اللّه علیه و آله لبلال : أنزعت منك الرحمة يا بلال؟! ثمّ اصطفاها صلی اللّه علیه و آله لنفسه ، ثمّ اعتقها وتزوّجها».

قال : فلمّا فرغ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله من خيبر عقد لواء ثمّ قال : «من يقوم إليه فيأخذه بحقّه؟» وهو يريد أن يبعث به إلى حوائط فدك ، فقام الزبير إليه فقال : أنا ، فقال له : «امط عنه» ثمّ قام إليه سعد ، فقال : «امط عنه» ، ثمّ قال : «يا عليّ قم إليه فخذه» فأخذه فبعث به إلى فدك فصالحهم على أن يحقن دماءهم ، فكانت حوائط فدك لرسول اللّه صلی اللّه علیه و آله خاصّاً خالصاً. فنزل جبرئيل علیه السلام فقال : «إنّ اللّه عزّ وجلّ يأمرك تؤتي ذا القربى حقّه».

فقال : «يا جبرئيل ومن قرباي وما حقّها؟».

قال : «فاطمة فأعطها حوائط فدك ، وما لله ولرسوله فيها».

فدعا رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فاطمة علیهاالسلام وكتب لها كتاباً جاءت به بعد موت أبيها إلى أبي بكر وقالت : «هذا كتاب رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله لي ولا بني»(1).

قال ولمّا افتتح رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله خيبر أتاه البشير بقدوم جعفر بن أبي طالب وأصحابه من الحبشة إلى المدينة ، فقال : «ما

ص: 209


1- 1. انظر : سيرة ابن هشام 3 : 349 - 350 ، وتاريخ الطبري 3 : 13 - 14 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 22 / 17.

أدري بأيّهما أنا أسرّ ، بفتح خيبر أم بقدوم جعفر» (1).

وعن سفيان الثوريّ ، عن أبي الزّبير ، عن جابر قال : لمّا قدم جعفر بن أبي طالب علیه السلام من أرض الحبشة تلقّاه رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ، فلمّا نظر جعفر إلى رسول اللّه حجل - يعني مشى على رجل واحدة - إعظاماً لرسول اللّه ، فقبّل رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ما بين عينيه (2).

وروى زرارة عن أبي جعفر علیه السلام : أنّ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله لمّا استقبل جعفراً التزمه ثمّ قبّل بين عينيه ، قال : «وكان رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله بعث قبل أن يسير إلى خيبر عمرو بن اُميّة الضمري إلى النجاشي عظيم الحبشة ، ودعاه إلى الإسلام فأسلم ، وكان أمر عمراً أن يتقدم بجعفر وأصحابه ، فجهّز النجاشي جعفراً وأصحابه بجهاز حسن ، وأمر لهم بكسوة ، وحملهم في سفينتين»(3).

ثمّ بعث رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله - فيما رواه الزهري - عبداللّه بن رواحة في ثلاثين راكباً فيهم عبداللّه بن أنيس إلى اليسير بن رزام اليهودي ، لمّا بلغه أنّه يجمع غطفان ليغزو بهم. فأتوه فقالوا : أرسلنا إليك رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ليستعملك على خيبر ، فلم يزالوا به حتّى تبعهم في ثلاثين رجلاً مع كلّ رجل منهم رديف من المسلمين.

فلمّا ساروا ستّة أميال ندم اليسير فأهوى بيده إلى سيف عبداللّه بن

ص: 210


1- 1. نوادر الراوندي : 29 ، سيرة ابن هشام 4 : 3 ، دلائل النبوة للبيهقي 4 : 246 ، سيرة ابن كثير 3 : 390 و 483 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 23 / 17.
2- 2. دلائل النبوة للبيهقي 4 : 246 ، سيرة ابن كثير 3 : 391 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 23 / 17.
3- 3. نقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 23 / 17.

أنيس ، ففطن له عبداللّه فزجر بعيره ثمّ اقتحم يسوق بالقوم حتّى إذا استمكن من اليسير ضرب رجله فقطعها ، فاقتحم اليسير وفي يده مخرش(1) من شوحط (2) فضرب به وجه عبداللّه فشجّه مأمومة (3) ، وانفكأ كلّ المسلمين على رديفه فقتله ، غير رجل واحد من اليهود أعجزهم شدّا ، ولم يصب من المسلمين أحد ، وقدموا على رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فبصق في شجّة عبداللّه بن أنيس فلم تؤذه حتّى مات (4).

وبعث غالب بن عبداللّه الكلبي إلى أرض بني مرّة فقتل وأسر (5).

وبعث عيينة بن حصن البدري إلى أرض بني العنبر فقتل وأسر (6).

ثمّ كانت عمرة القضاء سنة سبع اعتمر رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله والذين شهدوا معه الحديبية ، ولمّا بلغ قريشاً ذلك خرجوا متبدّدين ، فدخل مكّة وطاف بالبيت على بعيره بيده محجن (7) يستلم به الحجر ، وعبداللّه بن رواحة أخذ بخطامه وهو يقول :

خلّوا بني الكفّار عن سبيلهِ *** خلّوا فكلّ الخيرِ في رسولهِ

ص: 211


1- 1. المخرش : خشبة يخط بها الخرّاز. «الصحاح - خرش - 3 : 1004».
2- 2. الشوحط : ضرب من شجر الجبال تتخذ منه القسي. «النهاية 2 : 508».
3- 3. المأمومة : الشجة التي بلغت اُم الرأس. «لسان العرب 12 : 33».
4- 4. دلائل النبوة للبيهقي 4 : 294 ، سيرة ابن كثير 3 : 418 ، وانظر : المغازي للواقدي 2 : 566 ، وسيرة ابن هشام 4 : 266 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 41.
5- 5. المناقب لابن شهر آشوب 1 : 205 ، وسيرة ابن هشام 4 : 271 ، ودلائل النبوة للبيهقي 4 : 297 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 41.
6- 6. المناقب لابن شهر آشوب 1 : 205 ، وسيرة ابن هشام 4 : 269 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 41.
7- 7. المحجن : عصا معقّفة الرأس كالصولجان : «لسان العرب 13 : 108».

قد أنزل الرحمنُ في تنزيله *** نضربكم ضرباً على تأويلهِ

ك-ما ضربناكم على تنزيلهِ *** ضرباً يزيلُ الهامَ عن مقيله

يا رب إني مؤمن بقيله

وأقام بمكّة ثلاثة أيّام ، وتزوّج بها ميمونة بنت الحارث الهلاليّة ، ثمّ خرج فابتنى بها بسرف ، ورجع إلى المدينة فأقام بها حتّى دخلت سنة ثمان(1).

وكانت غزوة مؤتة(2)في جمادى من سنة ثمان ، بعث جيشاً عظمياً وأمّر علیه السلام على الجيش زيد بن حارثة ثمّ قال : «فإن اُصيب زيد فجعفر ، فإن اُصيب جعفر فعبداللّه بن رواحة ، فإن اُصيب فليرتض المسلمون رجلاً فليجعلوه عليهم»(3).

وفي رواية أبان بن عثمان عن الصادق علیه السلام : أنّه استعمل عليهم جعفراً ، فإن قتل فزيد ، فإن قتل فابن رواحة.

ثمّ خرجوا حتّى نزلوا معان(4) ، فبلغهم أنّ هرقل قد نزل بمأرب في مائة ألف من الروم ومائة ألف من المستعربة(5)

ص: 212


1- 1. المناقب لابن شهر آشوب 1 : 205 ، وانظر : سيرة ابن هشام 4 : 13 ، وتاريخ الطبري 3 : 24 ، والكامل في التاريخ 2 : 227 ، وسيرة ابن كثير 3 : 431.
2- 2. مؤتة : قرية من قرى البلقاء في حدود الشام. وقيل : مؤتة من مشارف الشرف ، وبها كانت تطبع السيوف ، واليها تُنسب المشرفية من السيوف. «معجم البلدان 5 : 220».
3- 3. المغازي للواقدي 2 : 756 ، وسيرة ابن هشام 4 : 15 ، الطبقات الكبرى 2 : 128 ، وصحيح البخاري 5 : 182 ، وتاريخ اليعقوبي 2 : 65 ، وتاريخ الطبري 3 : 36 ، ودلائل النبوة للبيهقي 4 : 361 ، وسيرة ابن كثير3 : 455.
4- 4. معان : مدينة في طرف بادية الشام تلقاء الحجاز من نواحي البلقاء. «معجم البلدان 5 : 153».
5- 5. المناقب لابن شهر آشوب 1 : 205 ، وانظر : تاريخ اليعقوبي 2 : 65 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 55/8.

وفي كتاب أبان بن عثمان : بلغهم كثرة عدد الكفّار من العرب والعجم من لخم وجذام وبلّي وقضاعة ، وانحاز المشركون إلى أرض يقال لها : المشارف ، وإنّما سمّيت السيوف المشرفيّة لاَنّها طبعت لسليمان بن داود بها ، فأقوا بمعان يومين فقالوا : نبعث إلى رسول اللّه فنخبره بكثرة عدوّنا حتّى يرى في ذلك رأيه.

فقال عبداللّه بن رواحة : يا هؤلاء إنّا واللّه ما نقاتل الناس بكثرة وإنّما نقاتلهم بهذا الدين الذي أكرمنا اللّه به ، فقالوا : صدقت.

فتهيّؤوا - وهم ثلاثة آلاف - حتّى لقوا جموع الروم بقرية من قرى البلقاء يقال لها : شرف ، ثمّ انحاز المسلمون إلى مؤتة ، قرية فوق الأحساء(1).

وعن أنس بن مالك قال : نعى النبيّ صلی اللّه علیه و آله جعفراً وزيد بن حارثة وابن رواحة ، نعاهم قبل أن يجيء خبرهم وعيناه تذرفان. رواه البخاري في الصحيح(2).

قال أبان : وحدّثني الفضيل بن يسار ، عن أبي جعفر علیه السلام قال : «اُصيب يومئذ جعفر وبه خمسون جراحة ، خمس وعشرون منها في وجهه»(3).

قال عبداللّه بن جعفر : أنا احفظ حين دخل رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله على اُمّي فنعى لها أبي ، فأنظر إليه وهو يمسح على رأسي ورأس أخي وعيناه تهرقان الدموع حتّى تقطر على لحيته ، ثمّ قال : «اللّهم إنّ جعفراً

ص: 213


1- انظر : المناقب لابن شهر آشوب 1 : 205 ، وسيرة ابن هشام 4 : 19 ، وتاريخ الطبري 3 : 37 ، ودلائل النبوة للبيهقي 4 : 360 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 56.
2- صحيح البخاري 5 : 182 ، وكذا في : دلائل النبوة للبيهقي 4 : 366. ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 56.
3- المناقب لابن شهر آشوب 1 : 205 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 56.

قد قدم إليك إلى أحسن الثواب ، فاخلفه في ذرّيّته بأحسن ما خلّفت أحداً من عبادك في ذرّيّة».

ثمّ قال : «يا أسماء ألا اُبشّرك؟».

قالت : بلى بأبي أنت واُمّي يا رسول اللّه.

قال : «إنّ اللّه جعل لجعفر جناحين يطير بهما في الجنّة».

قالت : فاعلم الناس ذلك.

فقام رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وأخذ بيدي يمسح بيده رأسي حتّى رقى المنبر وأجلسني أمامه على الدرجة السفلى والحزن يعرف عليه ، فقال : «إن المرء كثير بأخيه وابن عمّه ، ألا إنّ جعفراً قد استشهد وجُعل له جناحان يطير بهما في الجنّة».

ثمّ نزل علیه السلام ودخل بيته وأدخلني معه ، وأمر بطعام يصنع لأجلي ، وأرسل إلى أخي فتغذينا عنده غذاء طيّباً مباركاً ، وأقمنا ثلاثة أيّام في بيته ندور معه كلّما صار في بيت إحدى نسائه ، ثمّ رجعنا إلى بيتنا ، فأتانا رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وأنا اُساوم شاة أخ لي فقال : «اللّهم بارك له في صفقته» قال عبداللّه : فما بعت شيئاً ولا اشتريت شيئاً إلاّ بورك لي فيه(1).

قال الصادق علیه السلام : «قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله لفاطمة علیهاالسلام : إذهبي فابكي على ابن عمّك ، ولا (2) تدعي بثكل فما قلت فقد صدقت»(3).

ص: 214


1- 1. المغازي للواقدي 2 : 766 ، ودلائل النبوة للبيهقي 4 : 371 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 56.
2- 2. في نسخة «م» : فأن لم.
3- 3. نقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 57.

وذكر محمّد بن إسحاق عن عروة قال : لمّا أقبل أصحاب مؤتة تلقّاهم رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله والمسلمون معه ، فجعلوا يحثون عليهم التراب ويقولون : يا فرّار ، فررتم في سبيل اللّه ، فقال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : «ليسوا بفرّار ولكنّهم الكرّار إن شاء اللّه»(1).

ثمّ كانت غزوة الفتح في شهر رمضان من سنة ثمان ، وذلك أنّ رسول اللّه لمّا صالح قريشاً عام الحديبية دخلت خزاعة في حلف النبي صلی اللّه علیه و آله وعهده ، ودخلت كنانة في حلف قريش ، فلمّا مضت سنتان من القضيّة قعد رجل من كنانة يروي ههجاء رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ، فقال له رجل من خزاعة : لا تذكر هذا ، قال : وما أنت وذاك؟ فقال : لئن أعدت لأكسرنّ فاك.

فأعادها ، فرفع الخزاعي يده فضرب بها فاه ، فاستنصر الكناني قومه ، والخزاعي قومه ، وكانت كنانة أكثر فضربوهم حتّى أدخلوهم الحرم ، وقتلوا منهم ، وأعانتهم قريش بالكراع والسلاح ، فركب عمرو بن سالم إلى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فخبّره الخبر وقال أبيات شعر ، منها :

لا همّ أنّي ناشدٌ محمّداً *** حلف أبينا وأبيه الأت-لدا

أنّ ق-ريشاً أخلفوك الموعدا *** ونقضوا ميثاقك المؤكّدا

وقتلونا ركعاً وسجداً

فقال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : «حسبك يا عمرو» ثمّ قام فدخل دار ميمونة وقال : «اسكبوا لي ماء» فجعل يغتسل ويقول : «لا نصرت إن لم أنصر بني كعب».

ص: 215


1- 1. المناقب لابن شهر آشوب 1 : 206 ، وسيرة ابن هشام 4 : 24 ، وتاريخ الطبري 3 : 42 ، ودلائل النبوة للبيهقي 4 : 374 ، والكامل في التاريخ 2 : 238 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 57.

ثمّ اجمع رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله على المسير إلى مكّة ، وقال : «اللّهمّ خذ العيون عن قريش حتّى نأتيها في بلادها».

فكتب حاطب بن أبي بلتعة مع سارة مولاة أبي لهب إلى قريش : أنّ رسول اللّه خارج إليكم يوم كذا وكذا. فخرجت وتركت الطريق ثمّ أخذت ذات اليسار في الحرّة ، فنزل جبرئيل فأخبره ، فدعا عليّاً علیه السلام والزبير فقال لهما : «أدركاها وخذا منها الكتاب».

فخرج عليّ علیه السلام والزبير لا يلقيان أحداً حتّى وردا ذا الحليفة ، وكان النبي علیه السلام وضع حرساً على المدينة ، وكان على الحرس حارثة بن النعمان ، فأتيا الحرس فسألاهم فقالوا : ما مرّ بنا أحدٌ ، ثمّ استقبلا حاطباً فسألاه ، فقال : رأيت امرأة سوداء انحدرت من الحرّة. فأدركاها فأخذ عليّ علیه السلام منها الكتاب وردّها إلى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله .

قال : فدعا صلی اللّه علیه و آله حاطباً فقال له : «انظر ما صنعت».

قال : أما واللّه إنّي لمؤمن باللّه ورسوله ما شككت ، ولكنّي رجلٌ ليس لي بمكّة عشيرة ، ولي بها أهل فأردت أن أتّخذ عندهم يداً ليحفظوني فيهم.

فقال عمر بن الخطاب : دعني يا رسول اللّه أضرب عنقه ، فواللّه لقد نافق.

فقال علیه السلام : «إنّه من أهل بدر ، ولعل اللّه اطّلع عليهم فغفر لهم ، أخرجوه من المسجد».

فجعل الناس يدفعون في ظهره وهو يلتفت إلى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ليرق عليه ، فأمر بردّه وقال علیه السلام : «قد عفوت عن جرمك فاستغفر ربّك ولا تعد لمثل هذه ما حييت» فأنزل اللّه سبحانه ( يا أيُّها الَّذَينَ

ص: 216

آمَنُوا لا تَتَّخِذوا عَدوي وعَدوكُم أولياءَ ) (1)- إلى صدر(2) السورة -(3).

فصل :

قال أبان : وحدثني عيسى بن عبداللّه القمي ، عن أبي عبداللّه علیه السلام قال : لما انتهى الخبر إلى أبي سفيان - وهو بالشام - بما صنعت قريش بخزاعة أقبل حتى دخل على رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فقال : يا محمد احقن دم قومك وأجر بين قريش وزدنا في المدة.

قال : «أغدرتم يا أبا سفيان؟».

قال : لا.

قال : «فنحن على ما كنا عليه».

فخرج فلقي أبا بكر فقال : يا أبا بكر أجر بين قريش ، قال : ويحك وأحد يجير على رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ؟!

ثم لقي عمر فقال له مثل ذلك.

ثم خرج فدخل على اُم حبيبة ، فذهب ليجلس على الفراش فأهوت إلى الفراش فطوته فقال : يا بنيّة أرغبةً بهذا الفراش عني؟

قالت : نعم ، هذا فراش رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ، ما كنت لتجلس عليه وأنت رجس مشرك.

ثم خرد فدخل على فاطمة فقال : يا بنت سيد العرب تجيرين بين قريش وتزيدين في المدة فتكونين أكرم سيدة في الناس؟

ص: 217


1- 1. الممتحنة 60 : 1.
2- 2. كذا ، ولعل مراده إلى آخر الآيات الواردة في صدر السورة ، والتي نزلت في حاطب بن أبي بلتعة ، وهي خمس آيات.
3- 3. سيرة ابن هشام 4 : 32 ، وتاريخ اليعقوبي 2 : 58 ، وانظر : تاريخ الطبري 2 : 4 و 48 ، والكامل في التاريخ 2 : 239 ، وسيرة ابن كثير 3 : 526 و 536 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 124 /22.

قالت : «جواري في جوار رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ».

قال : فتأمرين ابنيك أن يجيرا بين الناس؟

قالت : «واللّه ما يدري ابناي ما يجيران من قريش».

فخرج فلقي عليّاً علیه السلام فقال : أنت أمسّ القوم بي رحماً ، وقد اعتسرت عليّ الاُمور ، فاجعل لي منها وجهاً.

قال : «أنت شيخ قريش تقوم على باب المسجد فتجير بين قريش ثمّ تقعد على راحلتك وتلحق بقومك».

قال : وهل ترى ذلك نافعي؟

قال : «لا أدري».

فقال : يا أيّها الناس إنّي قد أجرت بين قريش ، ثمّ ركب بعيره وانطلق فقدم على قريش ، فقالوا : ما وراءك؟ قال : جئت محمّداً فكلّمته فواللّه ما ردّ عليّ شيئاً ، ثمّ جئت ابن أبي قحافة فلم أجد عنده خيراً ، ثمّ جئت إلى ابن الخطّاب فكان كذلك ، ثمّ دخلت على فاطمة فلم تجيبني ، ثمّ لقيت عليّاً فأمرني أن أجير بين الناس ففعلت.

قالوا : هل أجاز ذلك محمد؟

قال : لا أدري.

قالوا : ويحك ، لعب بك الرجل ، أوَأنت تجير بين قريش؟!(1).

فصل

قال : وخرج رسول اللّه يوم الجمعة حين صلّى العصر لليلتين مضتا من شهر رمضان ، فاستخلف على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر ، ودعا

ص: 218


1- المناقب لابن شهر آشوب 1 : 206 ، وتاريخ الطبري 3 : 46 ، وسيرة ابن كثير 3 : 530 ، وفي الأخيرين باختلاف يسير ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 126.

رئيس كلّ قوم فأمره أن يأتي قومه فيستنفرهم.

قال الباقر علیه السلام : «خرج رسول اللّه في غزوة الفتح فصام وصام الناس حتّى نزل كراع الغميم فأمر بالاِفطار فأفطر الناس ، وصام قوم فسُمّوا العصاة لاَنّهم صاموا. ثمّ سار علیه السلام حتّى نزل مرّ الظهران ومعه نحو من عشرة آلاف رجل ونحو من أربعمائة فارس وقد عميت الأخبار من قريش ، فخرج في تلك الليله أبو سفيان وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء هل يسمعون خبراً ، وقد كان العبّاس بن عبد المطّلب خرج يتلقّى رسول اللّه ومعه أبو سفيان بن الحارث وعبداللّه بن أبي اُميّة وقد تلقّاه بنيق العقاب ورسول اللّه صلی اللّه علیه و آله في قبّته - وعلى حرسه يومئذ زياد بن اُسيد - فاستقبلهم زياد فقال : أمّا أنت يا أباالفضل فامض إلى القبّة ، وأمّا أنتما فارجعا.

فمضى العبّاس حتّى دخل على رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فسلّم عليه وقال : بأبي أنت واُمّي هذا ابن عمّك قد جاء تائباً وابن عمّتك.

قال : «لا حاجة لي فيهما ، إنّ ابن عمّي انتهك عرضي ، وأمّا ابن عمّتي فهو الذي يقول بمكّة : لن نؤمن لك حتّى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً».

فلمّا خرج العبّاس كلّمته اُمّ سلمة وقالت : بأبي أنت واُمّي ابن عمّك قد جاء تائباً ، لا يكون أشقى الناس بك ، وأخي ابن عمّتك وصهرك فلا يكونّن شقيّاً بك.

ونادى أبو سفيان بن الحارث النبيّ صلی اللّه علیه و آله : كن لنا كما قال العبد الصالح : لا تثريب عليكم ، فدعاه وقبل منه ، ودعا عبداللّه بن أبي اُميّة فقبل منه.

وقال العبّاس : هو واللّه هلاك قريش إلى آخر الدهر إن دخلها رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله عنوة ، قال : فركبت بغلة رسول اللّه صلّى اللّه

ص: 219

عليه وآله وسلّم البيضاء وخرجت أطلب الحطّابة أو صاحب لبن لعلّي آمره أن يأتي قريشاً فيركبون إلى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله يستأمنون إليه ، إذ لقيت أبا سفيان وبديل بن ورقاء وحكيم بن حزام ، وأبو سفيان يقول لبديل : ما هذه النيران؟ قال : هذه خزاعة.

قال : خزاعة أقلّ وأقلّ من أن تكون هذه نيرانهم ، ولكن لعلّ هذه تميم أو ربيعة.

قال العبّاس : فعرفت صوت أبي سفيان ، فقلت : أبا حنظلة ، قال : لبّيك فمن أنت؟ قلت : أنا العبّاس ، قال : فما هذه النيران فداك أبي واُمّي؟ قلت : هذا رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله في عشرة آلاف من المسلمين ، قال : فما الحيلة؟ قال : تركب في عجز هذه البغلة فأستأمن لك رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله .

قال : فأردفته خلفي ثمّ جئت به ، فكلّما انتهيت إلى نار قاموا إليّ فإذا رأوني قالوا : هذا عمّ رسول اللّه خلّوا سبيله ، حتّى انتهيت إلى باب عمر فعرف أبا سفيان فقال : عدوّ اللّه الحمد لله الذي أمكن منك ، فركَّضت البغلة حتّى اجتمعنا على باب القبّة ، ودخل عمر على رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فقال : هذا أبو سفيان قد أمكنك اللّه منه بغير عهد ولا عقد فدعني أضرب عنقه.

قال : العبّاس : فجلست عند رأس رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فقلت : بأبي أنت واُمّي أبو سفيان وقد أجرته ، قال : «أدخله».

فدخل فقام بين يديه فقال : «ويحك يا أبا سفيان أما آن لك أن تشهد أن لا إله إلاّ اللّه وأنّي رسول اللّه؟».

قال : بأبي أنت واُمّي ما أكرمك وأوصلك وأحملك ، أمّا اللّه لو كان معه إله لاَغنى يوم بدر ويوم أحد ، وأمّا أنّك رسول اللّه فواللّه إنّ في نفسي منها لشيئاً.

ص: 220

قال العبّاس : يضرب واللّه عنقك الساعة أو تشهد أن لا إله إلاّ اللّه وأنّه رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله .

قال : فإنّي أشهد أن لا إلاّ اللّه وأنّك رسول اللّه - تلجلج بها فوه -.

فقال أبو سفيان للعبّاس : فما نصنع باللات والعزّى؟ فقال له عمر : اسلح(1) عليهما.

فقال أبو سفيان : اُفّ لك ما أفحشك ، ما يدخلك يا عمر في كلامي وكلام ابن عمّي؟

فقال له رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : «عند من تكون الليلة»؟

قال : عند أبي الفضل.

قال : «فاذهب به يا أبا الفضل فأبته عندك الليلة واغد به عليّ».

فلمّا أصبح سمع بلالاً يؤذّن ، قال : ما هذا المنادي يا أبا الفضل؟ قال : هذا مؤذّن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله قم فتوضّأ وصلّ ، قال : كيف أتوضّأ؟ فعلّمه.

قال : ونظر أبو سفيان إلى النبيّ صلی اللّه علیه و آله وهو يتوضّأ وأيدي المسلمين تحت شعره ، فليس قطرة تصيب رجلاً منهم إلاّ مسح بها وجهه ، فقال : باللّه إن رأيت كاليوم قطّ كسرى ولا قيصر.

فلمّا صلّى غدا به إلى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فقال : يا رسول اللّه إنّي اُحبّ أن تأذن لي [بالذهاب] إلى قومك فاُنذرهم وأدعوهم إلى اللّه ورسوله ، فأذن له ، فقال العبّاس : كيف أقول لهم؟ بيّن لي من ذلك أمراً يطمئنّون إليه.

فقال صلی اللّه علیه و آله : «تقول لهم : من قال : لا إله إلاّ اللّه

ص: 221


1- 1. السلح : النجو ، وهو ما خرج من البطن من ريح وغيرها. «انظر : العين 6 : 186».

وحده لا شريك له ، وأنّ محمّداً رسول اللّه ، وكفّ يده فهو آمن ، ومن جلس عند الكعبة ووضع سلاحه فهو آمن.

فقال العباس : يا رسول اللّه ، إن أبا سفيان رجل يحب الفخر ، فلوخصّصه بمعروف.

فقال علیه السلام : «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن».

قال أبو سفيان : داري؟! قال : «دارك» ، ثمّ قال : «من أغلق بابه فهو آمن».

ولمّا مضى أبو سفيان قال العبّاس : يارسول اللّه إنّ أبا سفيان رجلٌ من شأنه الغدر ، وقد رأى من المسلمين تفرّقاً.

قال : «فأدركه واحبسه في مضايق الوادي حتّى يمرّ به جنود اللّه».

قال : فلحقه العبّاس فقال : أبا حنظلة! قال : أغدراً يا بني هاشم؟

قال : ستعلم أنّ الغدر ليس من شأننا ، ولكن أصبر حتّى تنظر إلى جنود اللّه.

قال العبّاس : فمرّ خالد بن الوليد فقال أبو سفيان : هذا رسول اللّه؟ قال : لا ولكن هذا خالد بن الوليد في المقدّمة ، ثمّ مرّ الزبير في جهينة وأشجع فقال أبو سفيان : يا عبّاس هذا محمّد؟ قال : لا ، هذا الزبير ، فجعلت الجنود تمرّ به حتّى مرّ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله في الأنصار ثمّ انتهى إليه سعد بن عبادة ، بيده راية رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فقال : يا أبا حنظلة.

اليوم يوم الملحمه *** اليوم تستحلّ (1) الحرمه

يا معشر الأوس والخزرج ثاركم يوم الجبل.

ص: 222


1- 1. في نسخة «م» والبحار : تسبى.

فلمّا سمعها من سعد خلّى العباس وسعى إلى رسول اللّه وزاحم حتّى مرّ تحت الرماح فأخذ غرزه(1)فقبّلها ، ثمّ قال : بأبي أنت واُمّي أما تسمع ما يقول سعد؟ وذكر ذلك القول ، فقال صلی اللّه علیه و آله : «ليس ممّا قال سعد شيء» ثمّ قال لعليّ علیه السلام : «أدرك سعداً فخذ الراية منه وأدخلها إدخالاً رفيقاً» ، فأخذها علي وأدخلها كما أمر.

قال : وأسلم يومئذ حكيم بن حزام ، وبديل بن ورقاء ، وجبير بن مطعم.

وأقبل أبو سفيان حتّى دخل مكّة وقد سطع الغبار من فوق الجبال وقريش لا تعلم ، وأقبل أبو سفيان من أسفل الوادي يركض فاستقبلته قريش وقالوا : ما وراءك وما هذا الغبار؟ قال : محمّد في خلق ، ثمّ صاح : ياآل غالب البيوت البيوت ، من دخّل داري فهو آمن ، فعرفت هند فأخذت تطردهم ، ثمّ قالت : اقتلوا الشيخ الخبيث ، لعنه اللّه من وافد قوم وطليعة قوم.

قال : ويلك إنّي رأيت ذات القرون ، ورأيت فارس أبناء الكرام ، ورأيت ملوك كندة وفتيان حمير يسلمن آخر النهار ، ويلك اسكتي فقد واللّه جاء الحقّ ودنت البليّة»(2)

فصل :

وكان قد عهد رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله إلى المسلمين أن لا يقتلوا بمكّة إلاّ من قاتلهم ، سوى نفر كانوا يؤذون النبي صلوات اللّه عليه وآله ، منهم : مقيس بن صبابة ، وعبداللّه بن سعد بن أبي

ص: 223


1- 1. الغرر : ركاب الرحل. «لسان العرب 5 : 386».
2- 2. نقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 127.

سرح ، وعبداللّه بن خطل ، وقينتين كانتا تغنيان بهجاء رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ، وقال : «اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلّقين بأستار الكعبة».

فاُدرك ابن خطل وهو متعلّق بأستار الكعبة فاستبق إليه سعيد بن حريث وعمّار بن ياسر فسبق سعيد عمّاراً فقتله ، وقتل مقيس بن صبابة في السوق ، وقتل علي علیه السلام إحدى القينتين وأفلتت الاُخرى ، وقتل علیه السلام أيضاً الحويرث بن نقيذ بن كعب.

وبلغه أنّ اُمّ هانىء بنت أبي طالب قد آوت ناساً من بني مخزوم منهم الحارث بن هشام وقيس بن السائب ، فقصد نحو دارها مقنّعاً بالحديد ، فنادى : «أخرجوا من آويتم» فجعلوا يذرقون كما يذرق الحبارى خوفاً منه.

فخرجت إليه اُمّ هانىء - وهي لا تعرفه - فقالت : يا عبداللّه ، أنا اُمّم هانىء بنت عمّ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله واُخت عليّ بن أبي طالب ، انصرف عن داري.

فقال علي علیه السلام : «أخرجوهم».

فقالت : واللّه لاَشكونّك إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم.

فنزع المغفر عن رأسه فعرفته فجاءت تشتدّ حتّى التزمته ، فقالت : فديتك حلفت لاَشكونّك إلى رسول اللّه صلّى عليه وآله وسلّم؟

فقال لها : «فاذهبي فبرّي قسمك ، فإنّه بأعلى الوادي».

قالت اُمّ هانئ : فجئت إلى النبي صلی اللّه علیه و آله وهو في قبّة يغتسل ، وفاطمة علیهاالسلام تستره ، فلمّا سمع رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله كلامي قال : «مرحباً بك يا اُمّ هانىء».

قلت : بأبي واُمّي ما لقيت من عليّ اليوم!

فقال علیه السلام : «قد أجرت من أجرت».

ص: 224

فقالت فاطمة علیهاالسلام : «إنّما جئت يا اُمّ هانىء تشكين عليّاً في أنّه أخاف أعداء اللّه وأعداء رسوله؟!».

فقلت : احتمليني فديتك.

فقال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : «قد شكر اللّه لعليّ سعيه ، وأجرت من أجارت اُمّ هانىء لمكانها من عليّ بن أبي طالب»(1).

قال أبان : وحدثني بشير النبّال ، عن أبي عبداللّه علیه السلام قال : «لمّا كان فتح مكّة قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : عند من المفتاح؟

قالوا : عند اُمّ شيبة.

فدعا شيبة فقال : إذهب إلى اُمّك فقل لها ترسل بالمفتاح.

فقالت : قل له : قتلت مقاتلينا وتريد أن تأخذ منّا مكرمتنا.

فقال : لترسلنّ به أو لاَقتلنّك. فوضعته في يد الغلام فأخذه ودعا عمر فقال له : هذا تأويل رؤياي من قبل.

ثمّ قام صلی اللّه علیه و آله ففتحه وستره ، فمن يومئذ يستر ، ثمّ دعا الغلام فبسط رداءه فجعل فيه المفتاح وقال : ردّه إلى اُمّك.

قال : ودخل صناديد قريش الكعبة وهم يظنّون أنّ السيف لا يرفع عنهم ، فأتى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله البيت وأخذ بعضادتي الباب ثمّ قال : لا إله إلاّ اللّه أنجز وعده ، ونصر عبده ، وغلب الأحزاب وحده. ثمّ قال : ما تظنّون وما أنتم قائلون؟

فقال سهيل بن عمرو : نقول خيراً ، ونظنّ خيراً ، أخ كريم وابن عمّ.

قال : فإنّي أقول لكم كما قال أخي يوسف : لا تثريب عليكم اليوم يغفر اللّه لكم وهو أرحم الراحمين ، ألا إنّ كلّ دم ومال ومأثرة كان في

ص: 225


1- 1. نقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 131.

الجاهليّة فإنّه موضوع تحت قدمي ، إلاّ سدانة الكعبة وسقاية الحاج فإنّهما مردوتان إلى أهليهما ، ألا إنّ مكّة محرّمة بتحريم اللّه ، لم تحلّ لاَحد كان قبلي ولم تحلّ لي إلاّ ساعة من نهار ، فهي محرّمة إلى أن تقوم الساعة ، لا يختلي خلاها ، ولا يقطع شجرها ، ولا ينفر صيدها ، ولا تحلّ لقطتها إلاّ لمنشد.

ثمّ قال : ألا لبئس جيران النبيّ كنتم ، لقد كذبتم وطردتم ، وأخرجتم وفللتم ، ثمّ ما رضيتم حتّى جئتموني في بلادي تقاتلونني ، فاذهبوا فأنتم الطلقاء.

فخرج القوم كأنّما انشروا من القبور ، ودخلوا في الاِسلام.

قال : ودخل رسول اللّه صلّى عليه وآله وسلّم مكّة بغير إحرام وعليهم السلاح ، ودخل البيت لم يدخله في حجّ ولا عمرة.

ودخل وقت الظهر فأمر بلال فصعد على الكعبة وأذّن ، فقال عكرمة : واللّه إن كنت لاَكره أن أسمع صوت ابن رباح ينهق على الكعبة ، وقال خالد بن أسيد : الحمد لله الذي أكرم أبا عتّاب من هذا اليوم من أن يرى ابن رباح قائماً على الكعبة ، قال سهيل : هي كعبة اللّه وهو يرى ولو شاء لغيّر - قال : وكان أقصدهم - وقال أبو سفيان : أمّا أنا فلا أقول شيئاً ، واللّه لو نطقت لظننت أنّ هذه الجدر تخبر به محمّداً.

وبعث صلوات اللّه عليه وآله إليهم فأخبرهم بما قالوا ، فقال عتّاب : قد واللّه قلنا يا رسول اللّه ذلك فنستغفر اللّه ونتوب إليه ، فأسلم وحسن إسلامه وولاّه رسول اللّه مكّة.

قال : وكان فتح مكّة لثلاث عشرة خلت من شهر رمضان ، واستشهد

ص: 226

من المسلمين ثلاثة نفر دخلوا من أسفل مكة وأخطأوا الطريق فقتلوا» (1)

فصل :

وبعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم السرايا فيما حول مكّة يدعون إلى اللّه عز وجلّ ، ولم يأمرهم بقتال ، فبعث غالب بن عبداللّه إلى بني مدلج فقالوا : لسنا عليك ولسنا معك ، فقال الناس : اُغزهم يا رسول اللّه ، فقال : «إنّ لهم سيّداً أديباً أريباً ، وربّ غاز من بني مدلج شهيد في سبيل اللّه» (2).

وبعث عمرو بن اُمّية الضمري إلى بني الدليل فدعاهم إلى اللّه ورسوله فأبوا أشدّ الإباء ، فقال الناس : اُغزهم يا رسول اللّه ، فقال : «أتاكم الآن سيّدهم قد أسلم فيقول لهم : أسلموا ، فيقولون : نعم» (3).

وبعث عبداللّه بن سهيل بن عمرو إلى بني محارب بن فهر فأسلموا وجاء معه نفر منهم إلى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله (4)

وبعث خالد بن الوليد إلى بني جذيمة بن عامر ، وقد كانوا أصابوا في الجاهليّة من بني المغيرة نسوة وقتلوا عمّ خالد ، فاستقبلوه وعليهم السلاح وقالوا : يا خالد إنّا لم نأخذ السلاح على اللّه وعلى رسوله ونحن مسلمون ، فانظر فإن كان بعثك رسول اللّه ساعياً فهذه إبلنا وغنمنا فاغد عليها ، فقال : ضعوا السلاح ، قالوا : إنّا نخاف منك أن تأخذنا بإحنة الجاهليّة وقد أماتها اللّه ورسوله.

ص: 227


1- 1. نقلوا المجلسي في بحار الأنوار 21 : 132 / ذيل ح 22.
2- 2. مناقب ابن شهر آشوب 1 : 210. نقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 140 / ضمن ح 2.
3- 3. مناقب ابن شهر آشوب 1 : 210. نقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 140 / ضمن ح 2.
4- 4. نقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 140 / ضمن ح 2.

فانصرف عنهم بمن معه ، فنزلوا قريباً ثمّ شنّ عليهم الخيل ، فقتل وأسر منهم رجالاً ، ثمّ قال : ليقتل كلّ رجل منكم أسيره ، فقتلوا الأسرى ، وجاء رسولهم إلى رسول اللّه فأخبره بما فعل خالدٌ بهم ، فرفع علیه السلام يده إلى السماء وقال : «اللّهم إنّي أبرأ إليك ممّا فعل خالد» وبكى ثمّ دعا عليّاً علیه السلام فقال : «اُخرج إليهم وانظر في أمرهم» وأعطاه سفطاً من ذهب ، ففعل ما أمره وأرضاهم (1)

ثمّ كانت غزوة حنين ، وذلك أنّ هوازن جمعت له جمعاً كثيراً ، فذكر رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله أنّ صفوان بن اُميّة عنده مائة درع فسأله ذلك ، فقال : أغصباً يا محمّد؟ قال : «لا ، ولكن عارية مضمونة» قال : لا بأس بهذا. فأعطاه.

فخرج رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله في ألفين - من مكّة - وعشرة آلاف كانوا معه ، فقال أحد أصحابه : لن نُغلب اليوم من قلّة. فشقّ ذلك على رسول اللّه فأنزل اللّه سبحانه ( وَيَومَ حُنَينٍ إذ اَعجَبَتكُم ) الآية (2).

وأقبل مالك بن عوف النصريّ فيمن معه من قبائل قيس وثقيف ، فبعث رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله عبداللّه بن أبي حدرد عيناً فسمع ابن عوف يقول : يا معشر هوازن إنّكم أحدٌ العرب وأعدّها ، وإنّ هذا الرجل لم يلق قوماً يصدوقونه القتال ، فإذا لقيتموه فاكسروا جفون سيوفكم واحملوا عليه حملة رجل واحد. فأتى ابن أبي حدرد رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فأخبره فقال عمر : ألا تسمع يا رسول اللّه ما يقول ابن أبي حدرد؟ فقال : «قد

ص: 228


1- 1. انظر : امالي الصدوق : 146 / 7 ، وارشاد المفيد 1 : 139 ، صحيح البخاري 5 : 203 كتاب المغازي ، وتاريخ اليعقوبي 2 : 61 ، وسيرة ابن هشام 4 : 70 ، ودلائل النبوة للبيهقي 5 : 114 ، والكامل في التاريخ 2 : 255 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 140 / 2.
2- 2. التوبة 9 : 25.

كنت ضالاً فهداك اللّه يا عمر وابن أبي حدرد صادق» (1).

قال الصادق علیه السلام : «وكان مع هوازن دريد بن الصمّة ، خرجوا به شيخاً كبيراً يتيمّنون برأيه ، فلمّا نزلوا بأوطاس(2)قال : نعم مجال الخيل لا حزنّ(3) ضرس(4) ولا سهل دهس(5) ، ما لي أسمع رغاء البعير ، ونهاق الحمير ، وبكاء الصغير؟ قالوا : ساق مالك بن عوف مع الناس أموالهم ونساءهم وذراريهم قال : فأين مالك؟ فدعي مالك له ، فأتاه فقال : يا مالك ، أصبحت رئيس قومك ، وإنّ هذا اليوم كائن له ما بعده من الأيّام ، ما لي أسمع رغاء البعير ، ونهاق الحمير ، وبكاء الصغير ، وثغاء الشاة؟.

قال : أردت أن أجعل خلف كلّ رجل أهله وماله ليقاتل عنهم.

قال : ويحك لم تصنع شيئاً ، قدّمت بيضة (6) هوازن في نحور الخيل ، وهل يرد وجه المنهزم شيء؟! إنّها إن كانت لك لم ينفعك إلاّ رجلٌ بسيفه ورمحه ، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك.

قال : إنّك قد كبرت وكبر عقلك.

فقال دريد : إن كنت قد كبرت فتورث غداً قومك ذلاًّ بتقصير رأيك

ص: 229


1- 1. المناقب لابن شهر آشوب 1 : 210 ، وانظر : المغازي للواقدي 3 : 890 و 893 ، وسيرة ابن هشام 4 : 82 ، ودلائل النبوة للبيهقي 5 : 121 و 130 ، والكامل في التاريخ 2 : 262 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار21 : 164 / 9.
2- 2. أوطاس : واد في ديار هوازن. «معجم البلدان 1 : 281».
3- 3. الحزن : ما غلط من الأرض في ارتفاع. «لسان العرب 13 : 114».
4- 4. الضرس : الأكمة الخشنة. «الصحاح - ضرس4. 3 : 942».
5- 5. الدهس : المكان السهل اللين ، لا يبلغ أن يكون رملاً ، وليس هو بتراب ولا طين ، ولونه الدهسة. «الصحاح - دهس5. 3 : 931».
6- 6. البيضة : أصل القوم ومجتمعهم. «لسان العرب 7 : 127».

وعقلك ، هذا يوم لم أشهده ولم أغب عنه ، ثمّ قال : حرب عوان(1).

يا ليتني فيها جذع *** أخبّ فيها وأضع » (2)

قال جابر : فسرنا حتّى إذا استقبلنا وادي حنين ، كان القوم قد كمنوا في شعاب الوادي ومضائقه ، فما راعنا إلاّ كتائب الرجال بأيديها السيوف والعمد والقني ، فشدّوا علينا شدّة رجل واحد ، فانهزم الناس راجعين لا يلوي أحد على أحد ، وأخذ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ذات اليمين ، وأحدق ببغلته تسعة من بني عبدالمطّلب(3).

وأقبل مالك بن عوف يقول : أروني محمّداً ، فأروه فحمل على رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله - وكان رجلاً أهوج(4)- فلقيه رجل من المسلمين فالتقيا ، فقتله مالك - وقيل : إنه أيمن بن اُم أيمن(5) - ثمّ أقدم فرسه فأبى أن يقدم نحو رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ، وصاح كلدة بن الحنبل - وهو أخو صفوان بن اُميّة لاُمّه وصفوان يومئذ مشرك - : ألا بطل السحر اليوم ، فقال صفوان : اسكت فضّ اللّه فاك ، فواللّه لاَن يُربني رجل من قريش أحبّ إليّ من أن يربني رجل من هوازن(6).

ص: 230


1- 1. حرب عوان : أي حرب قوتل فيها مرة بعد الأخرى. «انظر : لسان العرب 13 : 299».
2- 2. تفسير القمي 1 : 285 ، المناقب لابن شهر آشوب 1 : 210 ، وانظر : سيرة ابن هشام 4 : 80 ، وتاريخ الطبري 3 : 71 ، ودلائل النبوة للبيهقي 5 : 121 ، والكامل في التاريخ 2 : 261 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 166 / ضمن ح 9.
3- 3. المناقب لابن شهر آشوب 1 : 211 ، وسيرة ابن هشام 4 : 85 ، وتاريخ الطبري 3 : 74 ، ودلائل النبوة للبيهقي 5 : 126 ، والكامل في التاريخ 2 : 262 ، وفيها باختلاف يسير ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 166 / ضمن ح 9.
4- 4. رجل أهوج : أي طويل وبه تسرّع وحمق. «الصحاح - هوج - 1 : 351».
5- 5. المناقب لابن شهر آشوب 1 : 211 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 166 / ضمنح 9.
6- (6) المغازي للواقدي 3 : 910 ، وسيرة ابن هشام 4 : 86 ، تاريخ الطبري 3 : 74 ، ودلائل النبوة للبيهقي 5 : 2. والكامل في التاريخ 2 : 263 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 166 ضمن ح 9.

قال محمّد بن إسحاق : وقال شيبة بن عثمان بن أبي طلحة أخو بني عبدالدار : اليوم أدرك ثاري - وكان أبوه قتل يوم اُحد - اليوم أقتل محمّداً ، قال : فأدرت برسول اللّه صلی اللّه علیه و آله لاَقتله فأقبل شيء حتّى تغشّى فؤادي ، فلم أطلق ذلك ، فعرفت أنّه ممنوع(1).

وروى عكرمة عن شيبة قال : لمّا رأيت رسول اللّه يوم حنين قد عري ذكرت أبي وعمّي وقتل عليّ وحمزة اياهما ، فقلت : أدرك ثاري اليوم من محمّد ، فذهبت لأجيئه عن يمينه ، فإذا أنا بالعبّاس بن عبد المطّلب قائماً عليه درع بيضاء كأنّها فضّة يكشف عنها العجاج ، فقلت : عمّه ولن يخذله ، ثمّ جئته عن يساره ، فإذا أنا بأبي سفيان بن الحرث بن عبد المطّلب ، فقلت : ابن عمه ولن يخذله ، ثمّ جئته من خلفه ، فلم يبق إلاّ أنّ أسوره سورة بالسيف إذ رفع لي شواظ(2) من نار بيني وبينه كأنّه برق ، فخفت أن يمحشني(3) فوضعت يدي على بصري ومشيت القهقرى ، والتفت رسول اللّه وقال : «يا شيب اُدن منّي ، اللّهمّ اذهب عنه الشيطان» قال : فرفعت إليه بصري ولهو أحبّ إليّ من سمعي وبصري ، وقال : «يا شيب قاتل الكفّار»(4).

وعن موسى بن عقبة قال : قام رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله في

ص: 231


1- المغازي للواقدي 3 : 909 ، وسيرة ابن هشام 4 : 87 ، وتاريخ الطبري 3 : 75 ، ودلائل النبوة للبيهقي 5 : 128 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 166 / ضمن ح 9.
2- 4. الشُواظ والشواظ : اللّهب الذي لا دخان له. «الصحاح - شوظ - 3 : 351».
3- المَحش : تناولٌ من لهب يحرق الجلد ويبدي العظم. «العين 3 : 100».
4- المغازي للواقدي 3 : 909 ، ودلائل النبوة للبيهقي 5 : 145 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 166 / ضمن ح 9.

الركابين وهو على البغلة فرفع يديه إلى اللّه يدعوا ويقول : «اللّهم إنّي أنشدك ما وعدتني ، اللّهم لا ينبغي لهم أن يظهروا علينا» ونادى أصحابه وذمرهم(1) : «يا أصحاب البيعة يوم الحديبية اللّه اللّه الكرّة على نبيكّم».

وقيل : إنّه قال : «يا أنصار اللّه وأنصار رسوله ، يابني الخزرج» وأمر العبّاس ابن عبد المطّلب فنادى في القوم بذلك ، فأقبل إليه أصحابه سراعاً يبتدون.

وروي : أنّه صلی اللّه علیه و آله قال : «الآن حمِيَ الوطيس.

أنا النبيّ لا كذب *** أنا ابن عبد المطّلب»(2)

قال سلمة بن الأكوع : ونزل رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله عن البغلة ثمّ قبض قبضة من تراب ، ثمّ استقبل به وجوهم وقال : «شاهت الوجوه» فما خلي اللّه منهم إنساناً إلاّ ملأ عينيه تراباً بتلك القبضة فولّوا مدبرين ، واتبعهم المسلمون فقتلوهم ، وغنّمهم اللّه نساءهم وذراريهم وشاءهم وأموالهم(3).

وفرّ مالك بن عوف حتّى دخل حصن الطائف في ناس من أشراف قومهم ، وأسلم عند ذلك كثير من أهل مكّة حين رأوا نصراللّه وإعزاز دينه(4).

قال أبان : وحدّثني محمّد بن الحسن(5) بن زياد ، عن أبي عبداللّه عليه

ص: 232


1- 1. ذمّرهم : لامهم وحضّهم وحثّهم. «لسان العرب 4 : 311».
2- 2. دلائل النبوة للبيهقي 5 : 131 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 167 / ضمن ح 9.
3- 3. صحيح مسلم 3 : 1402 / 81 ، دلائل النبوة للبيهقي 5 : 140 ، ونحوه في : تفسير القمي 1 : 287 ، والطبقات الكبرى 2 : 56 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 167.
4- 4. دلائل النبوة للبيهقي 5 : 132 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 167.
5- 5. في نسختي «ق»و«ط» الحسين ، وهو تصحيف ، والصواب ما أثبتناه ، وهو محمّد بن الحسن بن زياد العطّار ، كذلك عنونه النجاشي (369 / 1002) وقال عنه : كوفي ثقة ، روى أبوه عن أبي عبداللّه علیه السلام ، له كتاب. وكذا ذكره الشيخ الطوسي في الفهرست : (149) ، وابن داود في القسم الأول من رجاله (169 / 1348) ، والعلاّمة الحلي في الخلاصة (160 / 139) والمامقاني في تنقيحه (3 / 101) ، ولعل هذه الرواية وردت في كتابه المذكور. فتأمل.

السلام قال : «سبى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله يوم حنين أربعة آلاف رأس واثني عشر ألف ناقة ، سوى ما لا يُعلم من الغنائم (1) وحلف رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله الأنفال والأموال والسبايا بالجعرانة (2) وافترق المشركون فريقتين ، فأخذت الأعراب ومن تبعهم أوطاس ، وأخذت ثقيف ومن تبعهم الطائف ، وبعث رسول اللّه أبا عامر الأشعري إلى أوطاس فقاتل حتّى قُتل ، فأخذ الراية أبو موسى الأشعري - وهو ابن عمّه - فقاتل بها حتّى فتح عليه» (3)

ثمّ كانت غزوة الطائف ، سار رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله إلى الطائف في شوّال سنة ثمان فحاصرهم بضع عشر يوماً ، وخرج نافع بن غيلان ابن معتّب في خيل من ثقيف فلقيه عليّ علیه السلام في خيله ، فالتقوا ببطن وَجّ (4) ، فقتله عليّ وانهزم المشركون ، ونزل من حصن الطائف إلى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله جماعة من أرقائهم ، منهم أبو بكرة - وكان عبداً للحارث بن كلدة المنبعث ، وكان اسمه المضطجع ، فسمّاه رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله المنبعث - ووردان - وكان عبداً لعبد اللّه بن ربيعة -

ص: 233


1- المناقب لابن شهر آشوب 1 : 211 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 168.
2- الجعرانة : ماء بين الطائف ومكة ، وهي إلى مكة أقرب. «معجم البلدان 2 : 142».
3- انظر : الارشاد للمفيد 1 : 151 ، وسيرة ابن هشام 4 : 97 ، والمغازي للواقدي 3 : 915 ، وصحيح البخاري 5 : 197 ، وتاريخ الطبري 3 : 79 ، ودلائل النبوة للبيهقي 5 : 152 ، والكافي في التاريخ 2 : 265.
4- وَجَ (بالفتح ثم التشديد) : الطائف ، والوج في اللغة : عيدان يتداوى بها ، قال أبو منصور : وما أراه عربياً محضاً ، والوج يعني : السرعة ، والقطا ، والنعام : «انظر : معجم البلدان 5 : 361».

فأسلموا ، فلمّا قدم وفد الطائف على رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فأسلموا قالوا : يا رسول اللّه ردّ علينا رقيقنا الذين أتوك ، فقال : «لا ، اُولئك عتقاء اللّه» (1)؟.

وذكر الواقديّ - عن شيوخه - قال : شاور رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله أصحابه في بعض الطائف ، فقال له سلمان الفارسي رحمه اللّه قال : يا رسول اللّه أرى أن تنصب المنجنيق على حصنهم ، فأمر رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فعمل المنجنيق ، ويقال : قدّم بالمنجنيق يزيد بن زمعة ودّبابتين - ويقال : خالد بن سعيد - فأرسلت عليهم ثقيف سكك الحديد محماة بالنار فأحرقت الدبّابة.

فأمر رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله بقطع أعنابهم وتحريقها ، فنادى سفيان بن عبداللّه الثقفي : لِمَ تقطع أموالنا ، إمّا أن تأخذها إن ظهرت علينا وإمّا أن تدعها لله والرحم ، فقال رسول اللّه علیه السلام : «فإنّي أدعها لله والرحم» فتركها (2).

وأنفذ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله عليّاً علیه السلام في خيل عند محاصرته أهل الطائف وأمره أن يكسر كلّ صنم وجده ، فخرج فلقيه جمع كثيرٌ من خثعم ، فبرز له رجلٌ من القوم وقال : هل من مبارز ، فلم يقم أحدٌ ، فقام إليه عليّ علیه السلام ، فوثب أبو العاص بن الربيع زوج بنت النبيّ صلی اللّه علیه و آله فقال : تكفاه أيّها الأمير ، فقال : «لا ، ولكن إن قُتلت فأنت على الناس».

ص: 234


1- 1. انظر : المناقب لابن شهر آشوب 1 : 211 - 212 ، وتاريخ اليعقوبي 2 : 64 ، ودلائل النبوة للبيهقي 5 : 156 - 159 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 168.
2- 2. المغازي 3 : 927 ، وانظر : الارشاد للمفيد 1 : 53 ، دلائل النبوة للبيهقي 5 : 161 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 168.

فبرز إليه علي علیه السلام وهو يقول :

«إنّ على كلّ رئيس حقّا *** أن يروي الصعدة(1) أو تدقّا»

ثمّ ضربه فقتله ، ومضى حتّى كسر الأصنام ، وانصرف إلى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وهو بعد محاصر لاَهل الطائف ينتظره ، فلمّا رآه كبّر وأخذ بيده وخلا به(2).

فروى جابر بن عبداللّه قال : لمّا خلا رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله بعليّ بن أبي طالب علیه السلام يوم الطائف أتاه عمر بن الخطّاب فقال : أتناجيه دوننا وتخلو به دوننا؟ فقال : «يا عمر ، ما أنا انتجيته بل اللّه انتجاه» قال : فأعرض وهو يقول : هذا كما قلت لنا يوم الحديبية لتدخلّن المسجد الحرام إن شاء اللّه آمنين محلّقين ، فلم ندخله وصددنا عنه. فناداه صلی اللّه علیه و آله : «لم أقل لكم إنّكم تدخلونه ذلك العام»(3)

قال : فلمّا قدم عليّ علیه السلام فكأنّما كان رسول اللّه صلّى عليه وآله وسلّم على وجل فارتحل فنادى سعيد بن عبيدة : ألا ان الحيّ مقيم ، فقال علیه السلام : «لا أقمت ولا ظعنت» فسقط فانكسر فخذه(4).

وعن محمّد بن إسحاق قال : حاصر رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله أهل الطائف ثلاثين ليلة أو قريباً من ذلك ، ثمّ انصرف عنهم ولم يؤذن

ص: 235


1- الصعدة : القناة المستوية تنبت كذلك ، ومن القصب أيضاً. «العين 1 : 290».
2- ارشاد المفيد 1 : 152 ، والمناقب لابن شهر آشوب 1 : 211 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 169.
3- ارشاد المفيد 1 : 153 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 169.
4- نقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 169.

فيهم ، فجاءه وفده في شهر رمضان فأسلموا (1).

فصل :

ثمّ رجع رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله إلى الجعرانة بمن معه من الناس ، وقسّم بها ما أصاب من الغنائم يوم حنين في المؤلّفة قلوبهم من قريش ومن سائر العرب ، ولم يكن في الأنصار منها شيء قليل ولا كثير(2).

قيل : إنّه جعل للأنصار شيئاً يسيراً ، وأعطى الجمهور للمتألّفين (3).

قال محمّد بن إسحاق : فأعطى أبا سفيان بن حرب مائة بعير ، ومعاوية ابنه مائة بعير ، وحكيم بن حزام من بني أسد بن عبد العزّى بن قصي مائة بعير ، وأعطى النضير بن الحارث بن كلدة مائة بعير ، وأعطى العلاء بن حارثة الثقفي حليف بني زهرة مائة بعير ، وأعطى الحارث بن هشام من بني مخزوم مائة ، وجبير بن مطعم من بني نوفل بن عبد مناف مائة ، ومالك بن عوف النصري مائة ، فهؤلاء أصحاب المائة.

وقيل : إنّه أعطى علقمة بن علاثة مائة ، والأقرع بن حابس مائة ، وعيينة بن حصن مائة ، وأعطى العبّاس بن مرداس أربعأً فتسخطها وأنشأ يقول :

ص: 236


1- 1. المناقب لابن شهر آشوب 1 : 212 ، ودلائل النبوة للبيهقي : 5 : 169 ، ونقله المجلسي في بحارالأنوار 21 : 169..
2- 2. انظر : ارشاد المفيد 1 : 145 ، سيرة ابن هشام 4 : 135 ، ودلائل النبوة للبيهقي 5 : 176 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 169.
3- 3. ارشاد المفيد 1 : 153 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 169.

أتجعل نهبي ونهب العبي- *** -د بين عيينة والأقرع

فما كان حصن ولا حابس *** يفوقان مرداس في مجمع

وما كنت دون امرء منهما *** ومن تضع اليوم لا يرفع

وقد كنتُ في الحرب ذا تدرأ *** فلم أعط شيئاً ولم أمنع

فقال له رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : «أنت القائل :

أتجعل نهبي ونهب العبي- *** -د بين الأقرع وعيينة »

فقال أبو بكر : بأبي أنت واُمّي لست بشاعر ، قال صلی اللّه علیه و آله : «كيف قال؟» فأنشده أبو بكر ، فقال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : «يا عليّ قم فاقطع لسانه».

قال عبّاس : فواللّه لهذه الكلمة كانت أشدّ عليّ من يوم خثعم ، فأخذ عليّ علیه السلام بيدي فانطلق بي فقلت : يا عليّ إنّك لقاطع لساني؟ قال : «إنّي ممض فيك ما اُمرت» حتّى أدخلني الحظائر فقال : «اعقل ما بين أربعة إلى مائة».

قال : قلت : بأبي أنتم واُمي ، ما أكرمكم وأحمكم وأجملكم وأعلمكم.

فقال لي : «إنّ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله أعطاك أربعاً وجعلك مع المهاجرين ، فإن شئت فخذها ، وإن شئت فخذ المائة وكن مع أهل المائة».

قال : فقلت لعلي علیه السلام : أشر أنت علي.

قال : «فإنّي آمرك أن تأخذ ما أعطاك وترضى» قال : فإنّي أفعل(1)

ص: 237


1- 1. انظر : ارشاد المفيد 1 : 146 - 147 ، المغازي للواقدي 3 : 945 - 947 ، وسيرة ابن هشام4 : 136 - 137 ، وتأريخ الطبري 3 : 90 - 91 ، ودلائل النبوة للبيهقي 5 : 178 - 183 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 170.

قال : وغضب قوم من الأنصار لذلك وظهر منهم كلام قبيح حتّى قال قائلهم : لقي الرجل أهله وبني عمّه ونحن أصحاب كلّ كريهة ، فلمّا رأى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ما دخل على الأنصار من ذلك أمرهم أن يقعدوا ولا يقعد معهم غيرهم ، ثمّ أتاهم شبه المغضب يتبعه علي علیه السلام ، حتّى جلس وسطهم ، فقال : «ألم آتكم وأنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم اللّه منها بي؟».

قالوا : بلى ، ولله ولرسوله المنّ والطول والفضل علينا.

قال : «ألم آتكم وأنتم أعداء فألّف اللّه بين قلوبكم بي؟».

قالوا : أجل.

ثمّ قال : «ألم آتكم وأنتم قليل فكثّركم اللّه ربي» وقال ما شاء اللّه أن يقول ثمّ سكت ، ثمّ قال : «ألا تجيبوني؟».

قالوا : بم نجيبك يا رسول اللّه ، فداك أبونا واُمّنا ، لك المنّ والفضل والطول.

قال : «بل لو شئتم قلتم : جئتنا طريداً مكذَّبا فآويناك وصدّقناك ، وجئتنا خائفاً فآمنّاك».

فارتفعت أصواتهم ، وقام إليه شيوخهم فقبّلوا يديه ورجليه وركبتيه ، ثم قالوا : رضينا عن اللّه وعن رسوله ، وهذه أموالنا أيضاً بين يديك فأقسمها بين قومك إن شئت.

فقال : «يا معشر الأنصار ، أوجدتم في أنفسكم إذ قسّمت مالاً أتالّف به قوماً ووكلتكم إلى إيمانكم ، أما ترضون أن يرجع غيركم بالشاء والنعم ورجعتم أنتم ورسول اللّه في سهمكم؟».

ص: 238

ثمّ قال صلی اللّه علیه و آله : «الأنصار كرشي وعيبتي(1)لو سلك الناس وادياً وسلك الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار ، اللّهمّ اغفر للأنصار ، ولأبناء الأنصار ، ولأبناء أبناء الأنصار»(2).

فصل :

قال : وقد كان فيما سبي اُخته بنت حليمة ، فلمّا قامت على رأسه قالت : يا محمّد اُختك شيماء بنت حليمة ، قال : فنزع رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله برده فبسطه لها فأجلسها عليه ، ثمّ أكبّ عليها يسائلها ، وهي التي كانت تحضنه إذ كانت اُمّها ترضعه(3).

وأدرك وفد هوازن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله بالجعرانة وقد أسلموا ، فقالوا : يا رسول اللّه لنا أصل وعشيرة ، وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك ، فامنن علينا منَّ اللّه عليك.

وقام خطيبهم زهير بن صرد فقال : يا رسول اللّه ، إنّا لو ملحنا الحارث بن أبي شمر أو النعمان بن المنذر ، ثمّ ولي منّا مثل الذي وليت لعاد علينا بفضله وعطفه وأنت خير المكفولين ، وإنّما في الحظائر خالاتك وبنات

ص: 239


1- 1. قال ابن الاثير في شرح هذا القول : أراد أنهم بطانته وموضع سره وأمانته ، والذين يعتمدعليهم في اُموره ، واستعار الكرش والعيبة لذلك ، لأنّ المجتر يجمع علفه في كرشه ، والرجليضع ثيابة في عيبته. وقيل : أراد بالكرش الجماعة ، أي جماعتي وصحابتي ، ويقال : عليه كرش من الناس : أي جماعة. «النهاية 4 : 163».
2- ارشاد المفيد 1 : 145 ، وباختلاف يسير في المغازي للواقدي 3 : 956 - 958 ، وسيرة ابنهشام 4 : 141 - 143 ، ودلائل النبوة 5 : 176 - 178 ، والكامل في التأريخ 2 : 271 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 171.
3- المغازي للواقدي 3 : 913 ، سيرة ابن هشام 4 : 101 ، دلائل النبوة للبيهقي 5 : 199 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 172.

خالاتك وحواضنك وبنات حواضنك اللاتي أرضعنك ، ولسنا نسألك مالاً ، إنّما نسألكهنّ.

وقد كان رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله قسّم منهنّ ما شاء اللّه فلمّا كلّمته أخته قال : «أمّا نصيبي ونصيب بني عبد المطّلب فهو لك ، وأمّا ما كان للمسلمين فاستشفعي بي عليهم».

فلمّا صلّوا الظهر ، قامت فتكلّمت وتكلّموا فوهب لها الناس أجمعون إلاّ الأقرع بن حابس ، وعيينة بن حصن ، فإنّهما أبيا أن يهبا وقالوا : يا رسول اللّه إنّ هؤلاء قوم قد أصابوا من نسائنا فنحن نصيب من نسائهم مثل ما أصابوا.

فأقرع رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله بينهم ثمّ قال : «اللّهمّ توّه سهميهما» فأصاب أحدهما خادماً لبني عقيل ، وأصاب الآخر خادماً لبني نمير ، فلمّا رأيا ذلك وهبا ما منعا.

قال : ولولا أنّ نساء وقعن في القسمة لوهبهنّ لها كما وهب ما لم يقع في القسمة ولكنهنّ وقعن في انصباء الناس فلم يأخذ منهم إلاّ بطيبة النفس(1).

وروي : أن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله قال : «من أمسك منكم بحقّه فله بكل إنسان ستّ فرائض من أوّل فيء نصيبه ، فردّوا إلى الناس نساءهم وأبناهم»(2).

قال : وكلّمته اُخته في مالك بن عوف فقال : «إن جاءني فهو آمن» فأتاه

ص: 240


1- 1. انظر : المغازي للواقدي 2 : 949 وسيرة ابن هشام 4 / 131 ، ودلائل النبوة للبيهقي 5 : 195 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 172.
2- 2. سيرة ابن هشام 4 : 132 ، وتأريخ الطبري 3 : 87 ، والكامل في التأريخ 2 : 269 ، دلائل النبوة للبيهقي 195 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 173.

فردّ عليه ماله وأعطاه مائة من الإبل(1)

فصل :

روى الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي سعيد الخدريّ قال : بينا نحن عند رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وهو يقسّم إذ أتاه ذو الخويصرة - رجلٌ من بني تميم - فقال : يا رسول اللّه أعدل.

فقال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : «ويلك من يعدل إن أنا لم أعدل ، وقد خبت وخسرت إن أنا لم أعدل».

فقال عمر بن الخطّاب : يا رسول اللّه ائذن لي فيه اضرب عنقه.

فقال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : «دعه فإنّ له أصحاباً يحقّر أحدكم صلاته مع صلاته وصيامه مع صيامه ، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، يمرقون من الاِسلام كما يمرق السهم من الرمية ، ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء ، ثمّ ينظر إلى رصافه(2)فلا يوجد فيه شيء ، ثمّ ينظر إلى نصله نضيّه - وهو قدحه - فلا يوجد فيه شيء ، ثمّ ينظر في قُذَذه(3)فلا يوجد فيه شيء ، قد سبق الفرث والدم ، آتيهم رجلٌ أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تَدَردر(4) ، يخرجون على خير فرقة من الناس».

قال أبو سعيد : فأشهد أنّي سمعت هذا من رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ، وأشهد أنّ عليّ بن أبي طالب علیه السلام قاتلهم وأنا معه ، وأمر

ص: 241


1- 1. المغازي للواقدي 3 : 954 ، سيرة ابن هشام 4 : 133 ، تأريخ الطبري 3 : 88 ، الكاملفي التأريخ 2 : 269 ، دلائل النبوة للبيهقي 5 : 198 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 173.
2- 2. الرصاف : عقب يُلوى على مدخل الفصل فيه «النهاية 2 : 227».
3- 3. القذذ : ريش السهم ، واحدتها قُذّة. «النهاية 2 : 227».
4- 4. تدردر : أي ترجرج تجيء وتذهب. «النهاية - دردر - 2 : 112».

بذلك الرجل فالتمس فوجد فاُتي به حتّى نظرت إليه على نعت رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله الذي نعت.

رواه البخاريّ في الصحيح(1)

فصل :

قالوا : ثمّ ركب رسول اللّه وأتبعه الناس يقولون : يا رسول اللّه أقسم علينا فيئنا ، حتّى ألجؤوه إلى شجرة فانتزع عنه رداءه فقال : «أيّها الناس ردّوا عليّ ردائي ، فوالذي نفسي بيده لو كان عندي عدد شجرتها نعماً لقسمته عليكم ، ثمّ ما ألفيتموني بخيلاً ولا جباناً».

ثمّ قام إلى جنب بعير وأخذ من سنامه وبرة فجعلها بين إصبعيه فقال : «يا أيّها الناس واللّه مالي من فيئكم هذه الوبرة إلاّ الخُمس والخُمس مردود عليكم ، فأدّوا الخياط والمخيط ، فإنّ الغلول عارٌ ونارٌ وشنارٌ على أهله يوم القيامة».

فجاءه رجلٌ من الأنصار بكبّة من خيوط شعر ، فقال : يا رسول اللّه أخذت هذه لأخيط بها برذعة بعير لي.

فقال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : «أمّا حقّي منها فلك».

فقال الرجل : أمّا إذا بلغ الأمر هذا فلا حاجة لي بها ، ورمى بها من يده(2).

ثمّ خرج رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله من الجعرانة في ذي القعدة إلى مكّة فقضى بها عمرته ، ثمّ صدر إلى المدينة وخليفته على أهل مكّة معاذ بن جبل (3).

ص: 242


1- 1. صحيح البخاري 4 : 243 ، وكذا في : صحيح مسلم 2 : 744 / 148 ، مسند أحمد 3 : 56 و 65 ، دلائل النبوة للبيهقي 5 : 187.
2- 2. سيرة ابن هشام 4 : 134 ، تأريخ الطبري 3 : 89 ، دلائل النبوة للبيهقي 5 : 195 و 196 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 174.
3- 3. دلائل النبوة للبيهقي 5 : 203 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 174.

وقال محمّد بن إسحاق : استخلف عتّاب بن اُسيد وخلّف معه معاذاً يفقه الناس في الدين ويعلّمهم القرآن ، وحجّ بالناس في تلك السنة وهي سنة ثمان عتّاب بن اُسيد ، وأقام صلی اللّه علیه و آله بالمدينة ما بين ذي الحجة إلى رجب(1).

ثمّ كانت غزوة تبوك : تهيّأ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله في رجب لغزو الرُوم ، وكتب إلى قبائل العرب ممّن قد دخل في الاِسلام وبعث إليهم الرسل يرغّبهم في الجهاد والغزو ، وكتب إلى تميم وغطفان وطيّ ، وبعث إلى عتّاب بن اُسيد عامله على مكّة يستنفرهم لغزو الروم.

فلمّا تهيّأ للخروج قام خطبياً فحمد اللّه وأثنى عليه ورغّب في المواساة وتقوية الضعيف والإنفاق ، فكان أوّل من أنفق فيها عثمان بن عفّان جاء بأواني من فضّة فصبّها في حجر رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ، فجهّز ناساً من أهل الضعف ، وهو الذي يقال إنّه جهّز جيش العسرة.

وقدم العبّاس على رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فأنفق نفقة حسنة وجهّز ، وسارع فيها الأنصار ، وأنفق عبد الرحمن والزبير وطلحة ، وأنفق ناس من المنافقين رياءً وسمعة ، فنزل القرآن بذلك.

وضرب رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله عسكره فوق ثنيّة الوداع بمن تبعه من المهاجرين وقبائل العرب وبني كنانة وأهل تهامة ومزينة وجهينة وطيّ وتميم ، واستعمل على المدينة عليّاً علیه السلام وقال له : «إنّه لابدّ للمدينة منّي أو منك».

واستعمل الزبير على راية المهاجرين ، وطلحة بن عبيداللّه على

ص: 243


1- 1. المغازي للواقدي 3 : 959 ، سيرة ابن هشام 4 : 143 ، تأريخ الطبري 3 : 94 ، دلائل النبوة للبيهقي 5 : 203 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 174.

الميمنة ، وعبد الرحمن بن عوف على الميسرة.

وسار رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله حتّى نزل الجرف ، فرجع عبداللّه بن اُبيّ بغير إذن فقال علیه السلام : «حسبي اللّه هو الذي أيدني بنصره وبالمؤمنين وألّف بين قلوبهم» فلمّا انتهى إلى الجرف لحقه عليّ علیه السلام وأخذ بغرز(1) رجله وقال : «يا رسول اللّه زعمت قريش أنّك انما خلّفتني استثقالاً لي».

فقال صلی اللّه علیه و آله : «طالما آذت الاُمم أنبياءها ، أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى؟».

فقال : «قد رضيت قد رضيت». ثمّ رجع إلى المدينة.

وقدم رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله تبوك في شعبان يوم الثلاثاء فأقام بقيّة شعبان وأيّاماً من شهر رمضان ، وأتاه وهو بتبوك يحنّة بن رؤبة صاحب إيلة(2) فأعطاه الجزية وكتب رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله له كتاباً ، والكتاب عندهم ، وكتب أيضاً لاَهل جرباء وأذُرح(3)كتاباً.

وبعث رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وهو بتبوك بأبي عبيدة بن الجرّاح إلى جمع من بني جذام مع زنباع بن روح الجذامي فأصاب منهم طرفاً وأصاب منهم سبايا ، وبعث سعد بن عبادة إلى ناس من بني سليم وجموع من بليّ ، فلمّا قارب القوم هربوا.

وبعث خالداً إلى الاُكيدر صاحب دومة الجندل وقال له : «لعل اللّه يكفيكه بصيد البقر فتأخذه».

ص: 244


1- 1. الغرز : ركاب الرحل. «لسان العرب 5 : 386».
2- 2. ايلة : مدينة بين الفسطاط ومكة على شاطئ بحر القلزم ، تعد من بلاد الشام. «معجمالبلدان 1 : 292».
3- 3. جرباء وأذرح : قريتان بالشام بينهما ثلاث ليال. «النهاية 1 : 254».

فبينا فخالد وأصحابه في ليلة إضحيان إذ أقبلت البقرة تنتطح فجعلت تنطح باب حصن اُكيدر وهو مع امرأتين له يشرب الخمر ، فقام فركب هو وحسّان أخوه وناس من أهله فطلبوها وقد كمن له خالد وأصحابه فتلقّاه اُكيدر وهو يتصيّد البقر فأخذوه وقتلوا أخاه حسّاناً وعليه قباء مخوّص بالذهب ، وأفلت أصحابه فدخلوا الحصن وأغلقوا الباب دونهم ، فأقبل خالد باُكيدر وسار معه أصحابه فسألهم أن يفتحوا له فأبوا فقال : أرسلني فإنّي أفتح الباب ، فأخذ عليه موثقاً وأرسله فدخل وفتح الباب حتّى دخل خالد وأصحابه ، وأعطاه ثمانمائة رأس وألفي بعير وأربعمائة درع وأربعمائة رمح وخمسمائة سيف ، فقبل ذلك منه وأقبل به إلى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فحقن دمه وصالحه على الجزية(1).

وفي كتاب دلائل النبوّة للشيخ أبي أحمد البيهقي : أخبرنا أبو عبداللّه الحافظ - وذكر الاِسناد مرفوعاً إلى أبي الأسود - عن عروة قال : لمّا رجع رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله قافلاً من تبوك إلى المدينة حتّى إذا كان ببعض الطريق مكر به ناس من أصحابه فتآمروا أن يطرحوه من عقبة في الطريق أرادوا أن يسلكوها معه ، فاُخبر رسول ألله خبرهم ، فقال : «من شاء منكم أن يأخذ بطن الوادي فإنّه أوسع لكم».

فأخذ النبيّ صلی اللّه علیه و آله العقبة وأخذ الناس بطن الوادي إلاّ النفر الذين أرادا المكر به استعدّوا وتلثّموا ، وأمر رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله حذيفة بن اليمان وعمّار بن ياسر فمشيا معه مشياً ، وأمر عمّاراً أن

ص: 245


1- 1. انظر : ارشاد المفيد 1 : 154 ، المغازي للواقدي 3 : 1025 ، سيرة ابن هشام 4 : 169 ، الطبقات الكبرى 2 : 165 ، تأريخ اليعقوبي 2 : 68 ، دلائل النبوة للبيهقي 5 : 252 ، الكامل في التأريخ 2 : 278 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 244 / 25.

يأخذ بزمام الناقة ، وأمر حذيفة بسوقها ، فبينا هم يسيرون إذ سمعوا ركزة(1) القوم من ورائهم قد غشوه ، فغضب رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وأمر حذيفة أن يردّهم فرجع ومعه محجن ، فاسقبل وجوه رواحلهم وضربها ضرباً بالمحجن ، وأبصر القوم وهم متلثّمون ، فرعّبهم اللّه حين أبصروا حذيفة وظنّوا أنّ مكرهم قد ظهر عليه ، فأسرعوا حتّى خالطوا الناس ، وأقبل حذيفة حتّى أدرك رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فلمّا أدركه قال : «اضرب الراحلة يا حذيفة ، وامش أنت يا عمّار».

فأسرعوا وخرجوا من العقبة ينتظرون الناس ، فقال النبيّ : «يا حذيفة هل عرفت من هؤلاء الرهط - أو الركب - أحداً؟».

فقال حذيفة : عرفت راحلة فلان وفلان وكانت ظلمة الليل غشيتهم وهم متلثّمون.

فقال صلی اللّه علیه و آله : «هل علمتم ما شأن الركب وما أرادو؟».

قالا : لا يارسول اللّه.

قال : «فإنّهم مكروا ليسيروا معي حتّى إذا أظلمت في العقبة طرحوني منها».

قالا : أفلا تأمر بهم يا رسول اللّه إذا جاءك الناس فتضرب أعناقهم؟».

قال : «أكره أن يتحدّث الناس ويقولون : إنّ محمّداً قد وضع يده في أصحابه» فسمّاهم لهما وقال : «اُكتماهم» (2).

وفي كتاب أبان بن عثمان : قال الأعمش : وكانوا اثني عشر ، سبعة من

ص: 246


1- 1. الركز : الصوت الخفي ، وقيل : هو الصوت ليس بالشديد. «لسان العرب 5 : 355».
2- 2. دلائل النبوة للبيهقي 5 : 256 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 247 / 25.

قريش(1).

قال : وقدم رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله المدينة وكان إذا قدم من سفر استقبل بالحسن والحسين علیهماالسلام فاخذهما إليه وحفّ المسلمون به حتّى يدخل على فاطمة علیهاالسلام ويقعدون بالباب ، وإذا خرج مشوا معه ، وإذا دخل منزله تفرّقوا عنه(2).

وعن أبي حميد الساعدي قال : أقبلنا مع رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله من غزوة تبوك حتّى إذا أشرفنا على المدينة قال : «هذه طابة ، وهذا اُحد جبل يحبّنا ونحبّه»(3).

وعن أنس بن مالك : أنّ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله لمّا دنا من المدينة قال : «إنّ بالمدينة لاَقواماً ما سرتم من مسير ولا قطعتم من واد إلاّ كانوا معكم فيه».

قالوا : يا رسول اللّه وهم بالمدينة؟

قال : «نعم ، وهم بالمدينة ، حبسهم العذر»(4).

وكانت تبوك آخر غزوات رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله .

ومات عبداللّه بن اُبيّ بعد رجوع رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله من غزوة تبوك (5).

ص: 247


1- 1. انظر : دلائل النبوة للبيهقي 5 : 259 و 260 ، البداية والنهاية 5 : 20 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 248 / 25.
2- 2. نقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 248 / 25.
3- 3. صحيح البخاري 6 : 9 ، دلائل النبوة للبيهقي 5 : 266 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار21 : 248؟ 25.
4- 4. صحيح البخاري 6 : 10 ، سنن ابن ماجة 2 : 923؟ 2764 ، مسند أحمد 3 : 103 ، دلائل النبوة للبيهقي 5 : 267 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 248 / 25.
5- 5. دلائل النبوة للبيهقي 5 : 285 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 248 / 25.
فصل :

ونزلت سورة ( بَراءة من اللّه وَرَسُولهِ ) (1)في سنة تسع ، فدفها إلى أبي بكر فسار بها ، فنزل جبرئيل علیه السلام فقال : «إنّه لا يؤدّي عنك إلاّ أنت أو عليّ».

فبعث عليّاً علیه السلام على ناقته العضباء فلحقه فأخذ منه الكتاب ، فقال له أبو بكر : أنزل فيَّ شيِ؟

قال : «لا ولكن لا يؤدي عن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله إلاّ هو أو أنا».

فسار بها عليّ علیه السلام حتّى أذّن بمكّة يوم النحر وأيّام التشريق ، وكان في عهده : أن ينبذ إلى المشركين عهدهم ، وأن لا يطوف بالبيت عريان ، ولا يدخل المسجد مشرك ، ومن كان له عهد فإلى مدّته ، ومن لم يكن له عهد فله أربعة أشهر فإن أخذناه بعد أربعة أشهر قتلناه ، وذلك قوله تعالى : ( فَاذَا انسلَخَ الأشهُرُ الحُرُمُ - إلى قوله : - كُلَّ مَرصَدٍ ) (2).

قال : ولما دخل مكّة اخترط سيفه وقال : «واللّه لا يطوف بالبيت عريان إلاّ ضربته بالسيف» حتّى ألبسهم الثياب ، فطافوا وعليهم الثياب.(3)

ص: 248


1- 1. التوبة 9 : 1.
2- 2. التوبة 9 : 5.
3- 3. انظر : تفسير العياشي 2 : 73 / 4 ، ارشاد المفيد 1 : 65 ، سيرة ابن هشام 4 : 190 -191 ، مسند أحمد 1 : 151 ، تاريخ اليعقوبي 2 : 76 ، خصائص النسائي : 92 / 76 ، تاريخ الطبري 3 : 123 ، تفسير الطبري 10 : 46 ، مستدرك الحاكم 3 : 52 ، دلائل النبوةللبيهقي 5 : 296 - 298 ، مناقب الخوارزمي : 100 و 101 ، كفاية الطالب : 254 ، الدرالمنثور 4 : 122 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 274 / 9.
فصل :

قام : ثمّ قدم على رسول اللّه صلّى عليه وآله وسلّم عروة بن مسعود الثقفي مسلماً واستأذن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله في الرجوع إلى قومه فقال : «إنّي أخاف أن يقتلوك».

فقال : إن وجدوني نائماً ما أيقظوني. فأذن له رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فرجع إلى الطائف ودعاهم إلى الاِسلام ونصح لهم فعصوه وأسمعوه الأذى ، حتّى إذا طلع الفجر قام في غرفة من داره فأذّن وتشهّد ، فرماه رجلٌ بسهم فقتله ، وأقبل بعد قتله من وفد ثقيف بضعة عشر رجلاً هم أشراف ثقيف فأسلموا فأكرمهم رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وحيّاهم وأمّر عليهم عثمان بن أبي العاص بن بشر ، وقد كان تعلّم سوراً من القرآن(1).

وقد ورد في الخبر عنه أنّه قال : قلت : يا رسول اللّه إنّ الشيطان قد حال بين صلاتي وقراءتي.

قال : «ذاك شيطان يقال له : خنزب ، فإذا خشيت فتعوّذ باللّه منه واتفل عن يسارك ثلاثاً».

قال : ففعلت فأذهب اللّه عنّي.

رواه مسلم في الصحيح (2).

ص: 249


1- 1. انظر : سيرة ابن هشام 4 : 182 ، الطبقات الكبرى 1 : 312 ، تاريخ الطبري 3 : 96 ، دلائل النبوة للبيهقي 5 : 299 ، الكامل في التأريخ 2 : 283 ، عيون الأثر 2 / 228 ، تأريخ الاسلام للذهبي (المغازلي) : 668 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 364 / 1.
2- 2. صحيح مسلم 4 : 1728 / 2203 ، وكذا في : دلائل النبوة للبيهقي 5 : 307 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 364 / 1.
فصل :

فلمّا أسلمت ثقيف ضربت إلى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وفود العرب فدخلوا في دين اللّه أفواجاً كما قال اللّه سبحانه ، فقدم عليه صلى اللّه وآله وسلّم عطارد بن حاجب بن زرارة في أشراف من بني تميم منهم : الأقرع بن حابس ، والزبرقان بن بدر ، وقيس بن عاصم ، وعيينة بن حصن الفزاريّ ، وعمرو بن الأهتم ، وكان الأقرع وعيينة شهدا مع رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فتح مكّة وحنيناً والطائف ، فلمّا قدم وفد تميم دخلا معهم فأجارهم رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وأحسن جوارهم (1).

وممّن قدم عليه صلّى وآله وسلّم وقد بني عامر فيهم : عامر بن الطفيل ، وأربد بن قيس أخو لبيد بن ربيعة لامّه ، وكان عامر قد قال لأربد : إنّي شاغلٌ عنك وجهه فإذا فعلته فأعله بالسيف.

فلمّا قدموا عليه ، قال عامر : يا محمد خالني ، فقال : «لا ، حتّى تؤمن باللّه وحده»- قالها مرّتين - فلمّا أبى عليه رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله قال : واللّه لأملاَنّها عليك خيلاً حمراً ورجالاً ، فلمّا ولّى قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : «اللّهمّ اكفني عامر بن الطفيل».

فلمّا خرجوا قال عامر لأربد : أين ما كنت أمرتك به؟ قال : واللّه ما هممت بالذي أمرتني به إلاّ دخلت بيني وبين الرجل ، أفأضربك بالسيف؟

وبعث اللّه على عامر بن الطفيل في طريقه ذلك الطاعون في عنقه فقتله في

ص: 250


1- 1. سيرة ابن هشام 4 : 206 - 207 ، تاريخ الطبري 3 : 115 ، دلائل النبوة للبيهقي 5 : 313 ، الكامل في التأريخ 2 : 287 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 364 / ذيل ح 1.

بيت امرأة من سلول ، وخرج أصحابه حين واروه إلى بلادهم ، وأرسل اللّه تعالى على أربد وعلى جملة صاعقة فأحرقتهما (1).

وفي كتاب أبان عن عثمان : أنّهما قدما على رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله بعد غزوة بني النضير قال : وجعل يقول عامر عند موته : أغدّة كغدّة (2) البكر وموت في بيت سلوليّة؟

قال : وكان رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله قال في عامر وأربد : «اللّهم أبدلني بهما فارسي العرب» فقدم عليه زين بن مهلهل الطائي - وهو زيد الخيل - وعمرو بن معدي كرب (3).

فصل :

وممّن قدم على رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وفد طيّ فيهم : زيدالخيل ، وعديّ بن حاتم ، فعرض عليهم الاِسلام فأسلموا وحسن إسلامهم ، وسمّاه رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله زيد الخير ، وقطع له فيداً وأرضين معه وكتب له كتاباً ، فلمّا خرج زيد من عند رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله راجعاً إلى قومه قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : «إن ينج زيد من حمّى المدينة أو من اُمّ ملدم» (4)

ص: 251


1- 1. سيرة ابن هشام 4 : 213 ، والطبقات الكبرى 1 : 310 ، تاريخ الطبري 3 : 144 ، ودلائل النبوة للبيهقي 5 : 318 ، والبداية والنهاية 5 : 56 ، تاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) : 679 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 365 / ذيل ح 1.
2- 2. الغدة : طاعون الابل وقلّما تسلم منه ، والبكر : الفتى من الابل. «لسان العرب 3 : 323 و 4 : 79».
3- 3. نقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 365.
4- 4. ام ملدم : كنية الحمى ، والعرب تقول : قالت الحمى : أنا اُم آكل اللحم وامص الدم. «لسان العرب 12 : 539».

فلمّا انتهى من بلد نجد إلى ماء يقال له فردة أصابته الحمّى فمات بها ، وعمدت امرأته إلى ما كان معه من الكتب فأحرقتها (1).

وذكر محمّد بن إسحاق : أنّ عديّ بن حاتم فرّ ، وأنّ خيل رسول اللّه صلّى عليه وآله وسلّم قد أخذوا اُخته فقدموا بها على رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ، وأنّه منّ عليها وكساها وأعطاها نفقة ، فخرجت مع ركب حتّى قدمت الشام وأشارت على أخيها بالقدوم فقدم وأسلم وأكرمه رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وأجلسه على وسادة رمى بها إليه بيده (2).

فصل :

وقدم على رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله عمرو بن معدي كرب وأسلم ، ثمّ نظر إلى اُبي بن عثعث الخثعمي فأخذ برقبته وأدناه إلى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فقال : أعدني على هذا الفاجر الذي قتل والدي.

فقال صلی اللّه علیه و آله : «أهدر الاِسلام ما كان في الجاهليّة».

فانصرف عمرو مرتدّاً وأغار على قوم من بني الحارث بن كعب ، فأنفذ رسول اللّه عليّاً علیه السلام إلى بني زبيد وأمّره على المهاجرين ، وأرسل خالد بن الوليد في طائفة من الأعراب وأمره أن يقصد الجعفي فإذا التقيا فأمير الناس عليّ بن أبي طالب.

فسار عليّ علیه السلام ، واستعمل على مقدّمته خالد بن سعيد بن

ص: 252


1- 1. سيرة ابن هشام 4 : 224 ، والطبقات الكبرى 1 : 321 ، تاريخ الطبري 2 : 145 ، دلائل النبوة للبيهقي 5 : 337 ، الكامل في التأريخ 2 : 299 ، عيون الأثر 2 : 236 ، البداية والنهاية 5 : 63 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 365.
2- 2. سيرة ابن هشام 4 : 225 ، الطبقات الكبرى 1 : 322 ، دلائل النبوة للبيهقي 5 : 338 ، عيون الأثر 2 : 237 ، البداية والنهاية 5 : 63 - 68 ، الكامل في التأريخ 2 : 285 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 366 / 1.

العاص ، فلمّا رأوه بنو زبيد قالوا لعمرو : كيف أنت يا أبا ثور إذا لقيك هذا الغلام القرشيّ فأخذ منك الأتارة (1)؟ فقال : سيعلم إن لقيني.

وخرج عمرو وخرج أمير المؤمنين علي علیه السلام فصاح به صيحة فانهزم ، وقتل أخوه وابن أخيه ، واُخذت امرأته ركانة ، وسبي منهم نسوان ، وخلّف على بني زبيد خالد بن سعيد ليقبض زكواتهم ويؤمن من عاد إليه من هرابهم مسلماً.

فرجع عمرو واستأذن على خالد بن سعيد فأذن له فعاد إلى الاِسلام ، وكلّمه في امرأته وولده فوهبهم له ، وكان أمير المؤمنين علي علیه السلام قد اصطفى من السبي جارية ، فبعث خالد بريدة الأسلمي إلى النبيّ صلی اللّه علیه و آله وقال له : تقدّم الجيش إليه فأعلمه ما فعل عليّ من اصطفائه الجارية من الخمس لنفسه ، وقع فيه.

فسار بريدة حتّى دخل على النبيّ صلی اللّه علیه و آله ومعه كتاب خالد فجعل يقرأه على رسول اللّه ووجهه يتغيّر فقال بريدة : إن رخّصت يا رسول اللّه للناس في مثل هذا ذهب فيؤهم.

فقال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : «ويحك يا بريدة أحدثت نفاقاً ، إنّ عليّ بن أبي طالب يحلّ له من الفيء ما يحلّ لي ، إنّ عليّ بن أبي طالب خير الناس لك ولقومك ، وخير من اُخلّف بعدي لكافّة اُمّتي ، يا بريدة أحذر أن تبغض عليّاً فيبغضك اللّه».

قال بريدة : فتمنّيت أنّ الأرض انشقّت لي فسخت فيها وقلت : أعوذ باللّه من سخط اللّه وسخط رسول اللّه ، يا رسول اللّه استغفر لي فلن أبغض عليّاً أبداً ولا أقول فيه إلاّ خيراً. فاستغفر له النبيّ صلی اللّه علیه و آله .

ص: 253


1- 1. الاتارة : الخراج. «العين 8 : 147».

قال بريدة : فصار عليّ أحبّ خلق اللّه بعد رسوله إليّ(1).

فصل :

وقدم على رسول اللّه صلّى اللّه وآله وسلّم وفد نجران فيهم بضعة عشر رجلاً من أشرافهم ، وثلاثة نفر يتولّون اُمورهم : العاقب وهو أميرهم وصاحب مشورتهم الذي لا يصدرون إلاّ عن رأيه وأمره واسمه عبد المسيح ، والسيّد وهو ثمالهم وصاحب رحلهم واسمه الأيهم ، وأبو حارثة بن علقمة الاُسقف وهو حبرهم وإمامهم وصاحب مدارسهم له فيهم شرف ومنزلة ، وكانت ملوك الروم قد بنوا له الكنائس ، وبسطوا عليه الكرامات لما يبلغهم من علمه واجتهاده في دينهم.

فلمّا وجّهوا إلى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله جلس أبو حارثة على بغلة وإلى جنبه أخ له يقال له : كرز - أو بشر- بن علقمة يسايره إذ عثرت بغلة أبي حارثة ، فقال كرز : تعس الأبعد - يعني رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله -.

فقال له أبو حارثة : بل أنت تعست.

قال له ولم يا أخ؟

فقال : واللّه إنّه للنبيّ الذي كنّا نتظر.

فقال كرز : فما يمنعك أن تتّبعه؟

فقال : ما صنع بنا هؤلاء القوم ، شرّفونا وموّلونا وأكرمونا ، وقد أبوا إلاّ خلافه ، ولو فعلت نزعوا منّا كلّ ما ترى. فأضمر عليها منه أخوه كرز حتّى أسلم ثمّ مرّ يضرب راحلته ويقول :

ص: 254


1- 1. انظر : ارشاد المفيد 1 : 158 ، كشف الغمة 1 : 228 ، عيون الأثر 2 : 240 ، ونقلهالمجلسي في بحار الأنوار 21 : 358 / ذيل ح 1.

إليك تعدو قلقاً وضينها (1) *** معترضاً في بطنها جنينها

مخالفاً دين النصارى دينها

فلمّا قدم على النبيّ صلی اللّه علیه و آله .

قال : فقدموا على رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وقت العصر وفي لباسهم الديباج وثياب الحبرة على هيئة لم يقدم بها أحد من العرب ، فقال أبو بكر : بأبي أنت واُمّي يا رسول اللّه لو لبست حلّتك التي أهداها لك قيصر فرأوك فيها.

قال : ثمّ أتوا رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فسلّموا عليه فلم يردّ علیهم السلام ولم يكلّمهم ، فانطلقوا يتتبّعون عثمان بن عفّان وعبد الرحمن بن عوف - وكانا معرفة لهم - فوجدوهما في مجلس من المهاجرين ، فقالوا : إنّ نبيّكم كتب إلينا بكتاب فأقبلنا مجيبين له ، فأتيناه فسلّمنا عليه فلم يردّ سلامنا ولم يكلّمنا ، فما الرأي؟

فقالا لعليّ بن أبي طالب : ما ترى يا أبا الحسن في هؤلاء القوم؟

قال : «أرى أن يضعوا حللهم هذه وخواتيمهم ثمّ يعودون إليه».

ففعلوا ذلك فسلّموا فردّ عليهم سلامهم ، ثمّ قال : «والذي بعثني بالحقّ ، لقد أتوني المرّة الاُولى وأنّ إبليس لمعهم». ثمّ سائلوه ودارسوه يومهم ، وقال الاُسقف : ما تقول في السيّد المسيح يا محمّد؟

قال : «هو عبد اللّه ورسوله».

قال : بل كذا وكذا ، فقال صلی اللّه علیه و آله : بل هو كذا وكذا ، فترادّا ، فنزل على رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله من صدر سورة آل

ص: 255


1- 1. الوظين : بطان منسوج بعضه على بعض ، يشد به الرجل على البعير ، كالحزام للسرج. أرادأنه سريع الحركة ، يصفه بالخفة وقلة الثبات كالحزام إذا كان رخواً ، أو أراد أنها هزلت ودقتللسير عليها. «انظر : النهاية 5 : 199».

عمران نحو من سبعين آية تتبع بعضها بعضاً ، وفيما أنزل اللّه ( إنّ مَثَلَ عيسى عندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ - إلى قوله : - على الكاذِبينَ) (1).

فقالوا للنبيّ صلی اللّه علیه و آله : نباهلك غداً ، وقال أبو حارثة لأصحابه : انظروا فإن كان محمّد غدا بولده وأهل بيته فاخذروا مباهلته ، وإن غدا بأصحابه وأتباعه فباهلوه(2).

قال أبان : حدثني الحسن بن دينار ، عن الحسن البصري قال : غدا رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله آخذاً بيد الحسن والحسين ، تتبعه فاطمة علیهم السلام ، وبين يديه عليّ علیه السلام ، وغدا العاقب والسيّد بابنين على أحدهما درّتان كأنّهما بيضتا حمام ، فحفّوا بأبي حارثة ، فقال أبو حارثة : من هؤلاء معه؟

قالوا : هذا ابن عمّه زوج ابنته ، وهذان ابنا ابنته ، وهذه بنته أعزّ الناس عليه وأقربهم إلى قلبه.

وتقدّم رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فجثا على ركبتيه ، فقال أبو حارثة : جثا واللّه كما جثا الأنبياء للمباهلة. فكع ولم يقدم على المباهلة ، فقال له السيّد : ادن يا أبا حارثة للمباهلة ، فقال : لا ، إنّي لاَرى رجلاً جريئاً على المباهلة ، وأنا أخاف أن يكون صادقاً فلا يحول واللّه علينا الحول وفي الدينا نصرانيّ يطعم الماء.

قال : وكان نزل العذاب من السماء لو باهلوه.

فقالوا : يا أبا القاسم ، إنّا لا نباهلك ، ولكن نصالحك. فصالحهم

ص: 256


1- 1. آل عمران 3 : 59 - 61.
2- 2. انظر : ارشاد المفيد 1 : 166 ، تاريخ اليعقوبي 2 : 82 ، مجمع البيان 1 : 451 ، سيرة ابن هشام 2 : 222 ، الطبقات الكبرى 1 : 357 ، دلائل النبوة للبيهقي 5 : 382 ، الكامل في التاريخ 2 : 93 ، البداية والنهايه 5 : 54 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 336 / 2.

النبي صلی اللّه علیه و آله على ألفي حلّة من حلل الأواقي قيمة كلّ حلّةأربعون درهماً جياداً ، وكتب لهم بذلك كتاباً. وقال لاَبي حارثة الاُسقف : «لكأنّني بك قد ذهبت إلى ذهبت إلى رحلك وأنت وسنان فجعلت مقدّمه مؤخّره» فلمّا رجع قام يرحل راحلته فجعل رحله مقلوباً فقال : أشهد أن محمّداً رسول اللّه (1).

فصل :

ثمّ بعث رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله عليّاً إلى اليمن ليدعوهم إلى الاِسلام - وقيل : ليخمّس ركازهم(2) ويعلّمهم الأحكام ، ويبيّن لهم الحلال والحرام - وإلى أهل نجران ليجمع صدقاتهم ، ويقدم عليه بجزيتهم(3)

وروى الحاكم أبو عبداللّه الحافظ بإسناده رفعه إلى عمرو بن شاس الأسلمي قال : كنت مع عليّ بن أبي طالب في خليه ، فجفاني عليّ بعض الجفاء ، فوجدت عليه وفي نفسي ، فلمّا قدم المدينة اشتكيته عند من لقيته ، فأقبلت يوماً ورسول اللّه صلی اللّه علیه و آله جالس في المسجد ، فنظر إليّ حتّى جلست إليه فقال : «يا عمرو بن شاس لقد آذيتني».

فقلت : إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، أعوذ باللّه والاِسلام أن اُوذي رسول اللّه.

ص: 257


1- 1. مجمع البيان 1 : 451 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 338.
2- 2. الركاز : دفين أهل الجاهلية ، كأنه رُكِزَ في الأرض ركزاً. «الصحاح 3 : 880».
3- 3. انظر : ارشاد المفيد 1 : 170 ، كشف الغمة 1 : 235 ، تاريخ الطبري 3 : 131 ، دلائل النبوة البيهقي 5 : 394 ، الكامل في التاريخ 2 : 300 ، عيون الأثر 2 : 271 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 360 / 1.

فقال : «من آذى عليّاً فقد آذاني».

وقد كان بعث قبله رسول اللّه عليه الصلاة والسلام خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الاِسلام فلم يجيبوه.

قال البراء : فكنت مع عليّ علیه السلام ، فلمّا دنونا من القوم خرجوا إلينا ، فصلى بنا عليّ ثمّ صففنا صفّاً واحداً ثمّ تقدّم بين أيدينا فقرأ عليهم كتاب رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ، فأسلمت همدان كلّها ، فكتب عليّ علیه السلام إلى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ، فلمّا قرأ الكتاب خرّ ساجداً ثمّ رفع رأسه فقال : «السلام على همدان»(1).

أخرجه البخاري في الصحيح(2).

وروى الأعمش عن عمرو بن مرّة ، عن أبي البختري ، عن عليّ علیه السلام قال : «بعثني رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله إلى اليمن ، قلت : يا رسول اللّه ، تبعثني وأنا شابٌ اقضي بينهم ولا أدري ما القضاء؟!

قال : فضرب بيده في صدري وقال : اللّهم اهد قلبه ، وثبّت لسانه ، فو الذي نفسي بيده ما شككت في قضاء بين اثنين»(3).

ص: 258


1- 1. مستدرك الحاكم 3 : 122 ، وانظر كذلك : مسند أحمد 3 : 483 ، تاريخ الطبري 3 : 132 ، دلائل النبوة للبيهقي 5 : 394 ، تذكرة الخواص : 48 ، اُسد الغابة 4 : 114 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 360 / 1.
2- 2. صحيح البخاري 5 : 206 مختصراً من وجه آخر عن إبراهيم بن يوسف ، وكذا ذكر البيهقي عند نقله للرواية أعلاه ، فراجع الهامش السابق.
3- (3) ارشاد المفيد 1 : 194 ، كشف الغمة 1 : 114 ، الطبقات الكبرى 2 : 337 ، سنن ابن ماجه 2 : 774/2310 ، الأنساب للبلاذري 2 : 101 / 33 ، خصائص النسائي 56 / 32 - 36 ، مستدرك الحاكم 3 / 135 ، سنن البيهقي 10 : 86 ، دلائل النبوة للبيهقي 5 : 397 ، الاستيعاب 3 : 36 ، تاريخ بغداد 12 : 444 ، مناقب ابن المغازلي : 249 / 298 ، مناقب الخوازمي : 41 ، كفاية الطالب : 106 ، فرائد السمطين 1 : 167 ، وباختلاف يسير في مسند الطيالسي : 16 ، سنن أبي داود 3 : 301 / 3582 ، أخبار القضاة 1 : 84 ، مسند أبي يعلى 1 : 252 / 293 و 268 / 316 و 323 / 401 ، حلية الأولياء 4 : 381 ، ذخائر العقبى : 83. ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 360 / 1.
فصل :
اشارة

وخرج رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله من المدينة متوّجّهاً إلى الحجّ في السنة العاشرة لخمس بقين من ذي القعدة ، وأذّن في الناس بالحجّ ، فتجهّز الناس للخروج معه ، وحضر المدينة من ضواحيها ومن جوانبها خلق كثير ، فلمّا انتهى إلى ذي الحليفة ولدت هناك أسماء بنت عميس محمّد بن أبي بكر ، فأقام تلك الليلة من أجلها ، وأحرم من ذي الحليفة ، وأحرم الناس معه ، وكان قارناً للحجّ بسياق الهدي ساق معه ستّاً وستّين بدنة.

وحجّ علي علیه السلام من اليمن وساق معه أربعاً وثلاثين بدنة ، وخرج بمن معه من العسكر الذي صحبه إلى اليمن ومعه الحلل التي أخذها من أهل نجران ، فلمّا قارب رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله مكّة من طريق المدينة قاربها أمير المؤمنين علیه السلام من طريق اليمن فتقدّم الجيش إلى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ، فسرّ رسول اللّه بذلك وقال له : «بم أهللت يا عليّ؟».

فقال : «يا رسول اللّه إنّك لم تكتب إليّ بإهلالك ، فعقدت نيّتي بنيّتك وقلت : اللّهمّ إهلالاً كإهلال نبيّك».

فقال صلی اللّه علیه و آله : «فأنت شريكي في حجّي ومناسكي وهديي ، فأقم على إحرامك وعد على جيشك وعجّل بهم إليّ حتّى نجتمع

ص: 259

بمكّة»(1).

وقد روي أيضاً عن الصادق علیه السلام : أن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ساق في حجّته مائة بدنة ، فنحر نيّفاً وستّين ، ثمّ أعطى عليّاً فنحر نيّفاً وثلاثين ، فلمّا رجع علي علیه السلام إلى جيشه وجد الناس قد لبسوا تلك الحلل ، فقال للذي استخلفه عليهم : « ويحك ما دعاك إلى ما فعلت من غير إذن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ؟ » قال : إنّهم سألوني أن أدفعها إليهم فيتجملوا بها ويحرموا فيها.

فقال : «بئس ما فعلوا وبئس ما فعلت».

فانتزعها علیه السلام من القوم وشدّها في الأعدال ، فكثرت شكاية القوم عليّاً ، فنادى منادي رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : ارفعوا ألسنتكم عن شكاية عليّ فإنّه أخشن في ذات اللّه.

ولمّا قدم النبيّ صلی اللّه علیه و آله ومكّة وطاف وسعى نزل عليه جبرئيل علیه السلام - وهو على المروة - بهذه الآية ( وَاتِمّوا الحَجَّ والعُمرَةَ للهِ ) (2) فخطب الناس وحمد اللّه وأثنى عليه ، وقال : «دخلت العمرة في الحجّ هكذا إلى يوم القيامة - وشبّك بين أصابعه - ثمّ قال علیه السلام : لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي».

ثمّ أمر مناديه فنادى : من لم يسق منكم هدياً فليحلّ وليجعلها عمرة ، ومن ساق منكم هدياً فليقم على إحرامه.

ص: 260


1- 1. انظر : ارشاد المفيد 1 : 171 ، قصص الأنبياء للراوندي : 355 / 431 ، صحيح مسلم 2 : 888 ، سيرة ابن هشام 4 : 249 ، دلائل النبوة للبيهقي 5 : 399 ، أحكام القرآن للقرطبي 2 : 370 ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 383 / 10.
2- 2. البقرة 2 : 196.

وقام إليه رجلٌ من بني عديّ وقال : يا رسول اللّه أتخرجنّ إلى منى ورؤسنا تقطر من الماء(1) فقال علیه السلام : «إنّك لن تؤمن بها حتّى تموت».

فقام إليه سراقة بن مالك بن جعشم فقال : يا رسول اللّه ألعامنا هذا أم للأبد؟

قال : «لا ، بل لأبد الأبد».

فأحلّ الناس أجمعون ، إلاّ من كان معه هدي.

وخطب رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله الناس يوم النفرمن منى فودّعهم ، ولمّا قضى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله نسكه وقفل إلى المدينة ، وانتهى إلى الموضع المعروف بغدير خمّ ، وليس بموضع يصلح للنزول لعدم الماء فيه والمرعى ، نزل عليه جبرئيل علیه السلام ، وأمره أن يقيم عليّاً وينصبه إماماً للناس ، فقال : «ربّ إنّ اُمّتي حديثو عهد بالجاهليّة» فنزل عليه : أنّها عزيمة لا رخصة فيها ، فنزلت الآية : ( يا اَيُّها الرَّسُولُ بَلَّغ ما اُنزِلَ اِليك مِن رَبَّك وَاِن لَم تَفعل فَما بَلَّغتَ رِسالَتَهُ وَاللّهُ يَعصمُك مِنَ النَّاسِ ) (2).

فنزل رسول اللّه بالمكان الذي ذكرناه ، ونزل المسلمون حوله ، وكان يوماً شديد الحر ، فأمر رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله بدوحات هناك فقمّ ما تحتها ، وأمر بجمع الرحال في ذلك المكان ووضع بعضها على بعض ، ثمّ أمر مناديه فنادى بالناس الصلاة جامعة ، فاجتمعوا إليه ، وإنّ أكثرهم ليلفٌ رداءه على قدميه من شدّة الرّمضاء ، فصعد صلی اللّه علیه و آله على تلك الرحال حتّى صار في ذروتها ، ودعا عليّاً علیه السلام فرقى معه حتّى قام عن

ص: 261


1- 1. في نسخة «م» : النساء.
2- 2. المائدة 5 : 67.

يمينه ، ثمّ خطب الناس فحمد اللّه وأثنى عليه ، ووعظ ونعى إلى الاُمّة نفسه فقال : «إنّي دعيت ويوشك أن اُجيب ، وقد حان منّي خفوقٌ من بين أظهركم ، وإنّي مخلّف فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا : كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي ، وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليه الحوض».

ثمّ نادى بأعلى صوته : «ألست أولى منكم بأنفسكم؟».

فقالوا : اللّهمّ بلى.

فقال لهم على النسق وقد أخذ بضبعي(1) عليّ فرفعهما حتى رُئي بياض إبطيهما وقال : «فمن كنت مولاه فهذا عليّ مولاه ، اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله».

ثمّ نزل علیه السلام وكان وقت الظهيرة ، فصلى ركعتين ، ثمّ زالت الشمس فأذّ ن مؤذّنه لصلاة الظهر فصلّى بالناس وجلس في خيمته ، وأمر عليّاً علیه السلام أن يجلس في خيمة له بإزائه ، ثمّ أمر المسلمين أن يدخلوا عليه فواجاً فوجاً فيهنّوه بالاِمامة ، ويسلّموا عليه بإمرة المؤمنين ، ففعل الناس ذلكاليوم كلّهم ، ثمّ أمر أزواجه وجميع نساء المؤمنين معه أن يدخلن معه ويسلّمن عليه بإمرة المؤمنين ففعلن ذلك ، وكان ممّن أطنب في تهنئته بذلك المقام عمر بن الخطّاب وقال فيما قال : بخّ بخّ لك يا عليّ ، أصبحت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة.

وأنشأ حسّان يقول :

يناديهم يوم الغدير نبيّهم *** بخمّ وأسمع بالرسول مناديا

وقال فمن مولاكم ووليّكم *** فقالوا ولم يبدوا هناك التعاديا

إلهك مولانا وأنت وليّنا *** ولن تجدن منّا لك اليوم عاصيا

ص: 262


1- 1. الضبع : العضد. «الصحاح - ضبع - 3 : 1247».

فقال له قم يا علي فإنّني *** رضيتك من بعدي إماماً وهاديا

فمن كنت مولاه فهذا وليّه *** فكونوا له أنصار صدق مواليا

هناك دعا اللّهمّ وال وليّه *** وكن للّذي عادا عليّاً معاديا

فقال له رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : «لا تزال يا حسان مؤيداً بروح القدس ما نصرتنا بلسانك ».

ولم يبرح رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله من ذلك المكان حتّى نزل ( اَليَوم اَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم وَاَتَممتُ عَلَيكُم نِعمَتي وَرَضِتُ لَكُمُ الاِسلامَ دِيناً ) (1) فقال : «الحمد لله على كمال الدين ، وتمام النعمة ، ورضا الربّ برسالتي والولاية لعليّ من بعدي»(2).

ولمّا قدم رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله المدينة من حجّ الوداع بعث بعده اُسامة بن زيد وأمره أن يقصد حيث قتل أبوه ، وقال له : «أوطىء الخيل أواخر الشام من أوائل الرّوم». وجعل في جيشه وتحت رايته أعيان المهاجرين ووجوه الأنصار ، وفيهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة.

وعسكر اُسامة بالجرف ، فاشتكى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله شكواه التي توفّي فيها ، وكان علیه السلام يقول في مرضه : « نفّذوا جيش اُسامة » ويكرّر ذلك ، وإنّما فعل علیه السلام ذلك لئلاّ يبقى في المدينة عند وفاته من يختلف في الاِمامة ، ويطمع في الامارة ، ويستوسق الأمر لأهله(3).

قال : ولمّا أحسّ النبيّ صلی اللّه علیه و آله بالمرض الذي

ص: 263


1- 1. المائدة 5 : 3.
2- 2. ارشاد المفيد 1 : 173 ، وباختلاف يسير في تاريخ اليعقوبي 2 : 109 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21 : 389 / 12.
3- 3. انظر : ارشاد المفيد 1 : 180 ، قصص الأنبياء للراوندي : 357 / 432 ، سيرة ابن هشام 4 : 300 ، تاريخ اليعقوبي 2 : 113.

اعتراه - وذلك يوم السبت أو يوم الأحد ليال بقين من صفر - أخذ بيد عليّ علیه السلام ، وتبعه جماعة من أصحابه ، وتوجّه إلى البقيع ثمّ قال : «السلام عليكم أهل القبور ، ليهنئكم ما أصبحتم فيه ممّا فيه الناس ، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أوّلها. ثمّ قال : إنّ جبرئيل علیه السلام كان يعرض عليّ القرآن كلّ سنة مرّة ، وقد عرضه علي العام مرّتين ، ولا أراه إلاّ لحضور أجلي».

ثمّ قال : «يا علي ، إنّي خُيِّرت بين خزائن الدينا والخلود فيها أو الجنّة ، فاخترت لقاء ربّي والجنّة ، فإذا أنا مت فغسّلني واستر عورتي ، فإنّه لا يراها أحد إلاّ اُكمه».

ثمّ عاد إلى منزله ، فمكث ثلاثة أيّا موعوكاً ، ثمّ خرج إلى المسجد يوم الأربعاء معصوب الرأس متّكئاً على علي بيمنى يديه وعلى الفضل بن عبّاس باليد الاُخرى ، فجلس على المنبر ، فحمد اللّه وأثنى عليه ، ثمّ قال : «أمّا بعد : أيّها الناس ، إنّه قد حان منّي خفوق من بين أظهركم ، فمن كانت له عندي عدة فليأتني اُعطه ايّاها ، ومن كان له عليّ دين فليخبرني به».

فقام رجلٌ فقال : يا رسول اللّه لي عندك عدة ، إنّي تزوّجت فوعدتني ثلاثة أواق ، فقال علیه السلام : «أنحلها ايّاه يا فضل».

ثمّ نزل فلبث الأربعاء والخميس ، ولمّا كان يوم الجمعة جلس على المنبر فخطب ثمّ قال : «أيّها الناس إنّه ليس بين اللّه وبين أحد شيء يعطيه به خيراً أو يصرف به عنه شرّاً إلاّ العمل الصالح ، أيّها الناس لا يدّع مدّع ، ولا يتمنّ متمنّ ، والذي بعثني بالحقّ لا ينجي إلاّ عمل مع رحمة اللّه ، ولو عصيت لهويت ، اللّهمّ هل بلّغت؟ - ثلاثاً -».

ثمّ نزل فصلّى بالناس ، ثمّ دخل بيته ، وكان إذ ذاك في بيت اُمّ سلمة ، فأقام به يوماً أو يومين ، فجاءت عائشة فسألته أن ينقل إلى بيتها لتتولّى تعليله

ص: 264

فأذن لها ، فانتقل إلى البيت الذي أسكنته عائشة فاستمر المرض به فيه أيّاماً وثقل علیه السلام ، فجاء بلال عند صلاة الصبح ورسول اللّه مغمور بالمرض فنادى الصلاة رحمكم اللّه ، فقال علیه السلام : «يصلّي بالناس بعضهم» ، فقالت عائشة : مروا أبا بكر فليصل بالناس ، وقالت حفصة : مروا عمر.

فقال صلی اللّه علیه و آله : « اُكففن ، فإنّكن صويحبات يوسف ».

ثمّ قال وهو لا يستقلّ على الأرض من الضعف ، وقد كان عنده أنّهما خرجا إلى اُسامة ، فأخذ بيد عليّ بن أبي طالب والفضل بن عبّاس فاعتمدهما ورجلاه تخطان الأرض من الضعف ، فلمّا خرج إلى المسجد وجد أبا بكر قد سبق إلى المحراب ، فأومأ إليه بيده ، فتأخّر أبو بكر ، وقام رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وكبّر وابتدأ بالصلاة ، فلمّا سلّم وانصرف إلى منزله استدعى أبا بكر وعمر وجماعة من حضر المسجد ثمّ قال : «ألم آمركم أن تنفذوا جيش اُسامة؟» فقال أبو بكر : إنّي كنت خرجت ثمّ عدت لاُحدث بك عهداً ، وقال عمر : إنّي لم أخرج لاَني لم اُحب أن أسال عنك الركب.

فقال علیه السلام : ( نفذوا جيش اُسامة ) - يكررها ثلاث مرات - ثمّاُغمي عليه صلوات اللّه عليه وآله من التعب الذي لحقه ، فمكث هنيئة وبكى المسلمون وارتفع النحيب من أزواجه وولده ومن حضر ، فافاق علیه السلام وقال : «ائتوني بدواة وكتف أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده أبداً » ثمّ اُغمي عليه.

فقام بعض من حضر من أصحابه يلتمس دواة وكتفاً ، فقال له عمر : ارجع فإنّه يهجر !! فرجع.

فلمّا أفاق [ صلی اللّه علیه و آله ] قال بعضهم : ألاّ نأتيك يا رسول اللّه بكتف؟ دواة؟ فقال : « أبعد الذي قلتم !! لا ، ولكن احفظوني في أهل

ص: 265

بيتي ، واستوصوا بأهل الذمة خيراً ، وأطعموا المساكين (الصلاة)(1) وما ملكت أيمانكم ».

فلم يزل يردّد ذلك حتّى أعرض بوجهه عن القوم ، فنهضوا ، وبقي عندهالعبّاس والفضل وعليّ علیه السلام وأهل بيته خاصّة ، فقال له العبّاس : يارسول اللّهّ إن يكن هذا الأمر فينا مستقرّاً من بعدك فبشّرنا ، وإن كنت تعلم أنّا نغلب عليه فأوص بنا ، فقال : «أنتم المستضعفون من بعدي » واصمت ، ونهض القوم وهم يبكون.فلمّا خرجوا من عنده قال : « ردّوا عليّ أخي عليّ بن أبي طالب وعمّي » فحضرا ، فلمّا استقر بهما المجلس قال رسول اللّهّ صلی اللّه علیه و آله : « يا عبّاس يا عمّ رسول اللّه ، تقبل وصيّتي وتنجز عدتي وتقضي ديني؟ ». فقال له العبّاس : يا رسول اللّه ، عمّك شيخ كبير ذو عيال كثير ، وأنت تباري الريح سخاء وكرماً ، وعليك وعدٌ لا ينهض به عمّك.فأقبل على عليّ علیه السلام فقال : «يا أخي تقبل وصيّتي وتنجز عدتي وتقضي ديني؟».

فقال : «نعم يا رسول اللّه ».

فقال : «اُدن منّي » فدنا منه فضمّه إليه ونزع خاتمه من يده فقال له : «خذ هذا فضعه في يدك » ودعا بسيفه ودرعه وجميع لامته فدفع ذلك إليه ، والتمس عصابة كان يشدها على بطنه إذا لبس درعه - ويروى : أنّ جبرئيل نزل بها من السماء - فجيء بها إليه ، فدفعها إلى امير المؤمنين علیه السلام وقال له : «اقبض هذا في حياتي ». ودفع إليه بغلته وسرجها وقال : «امض على اسم اللّه إلى منزلك ».

ص: 266


1- 1. كذا.

فلمّا كان من الغد حجب الناس عنه ، وثقل في مرضه صلی اللّه علیه و آله ، وكان عليّ لا يفارقه إلاّ لضرورة ، فقام في بعض شؤونه فأفاق إفاقة فافتقد عليّاً فقال : «ادعوا لي أخي وصاحبي » وعاوده الضعف فاصمت ، فقالت عائشة : اُدعوا أبا بكر ، فدعي فدخل ، فلمّا نظر إليه أعرض عنه بوجهه ، فقام أبو بكر.

فقال : «اُدعوا لي أخي وصاحبي » فقالت حفصة : اُدعوا له عمر ، فدعي ، فلمّا حضر رآه النبيّ علیه السلام فأعرض عنه بوجهه فانصرف.

ثمّ قال : «اُدعوا لي أخي وصاحبي » فقالت اُمّ سلمة : ادعوا له عليّاً فإنّه لا يريد غيره ، فدعي أمير المؤمين علیه السلام ، فلمّا دنا منه أومأ إليه فأكبّ علجه ، فناجاه رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله طويلاً ، ثمّ قام فجلس ناحية حتّى أغفى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ، فلمّا أغفى خرج فقال له الناس : يا أبا الحسن ما الذي أوعز إليك؟ فقال : «علّمني رسول اللّه ألف باب من العلم فتح لي كلّ باب ألف باب ، ووصاني بما أنا قائمٌ به إن شاء اللّهّ».

ثمّ ثقل رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وحضره الموت ، فلمّا قرب خروج نفسه قال له : «ضع رأسي يا عليّ في حجرك فقد جاء أمر اللّه عزّ وجل ، فإذا فاضت نفسي فتناولها بيدك وامسح بها وجهك ، ثمّ وجّهني إلى القبلة ، وتولّ أمري ، وصلّ عليّ أوّل الناس ، ولا تفارقني حتّى تواريني في رمسي ، واستعن باللّه عزّ وجل ».

وأخذ عليّ رأسه فوضعه في حجره فاُغمي عليه ، وأكبّت فاطمة علیهاالسلام تنظر في وجهه وتندبه وتبكي وتقول :

« وأبيض يستسقى الغمام بوجهه *** ثمال اليتامى عصمة للأرامل »

ففتح رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله عينيه وقال بصوت ضئيل :

ص: 267

«يا بنيّة هذا قول عمّك أبي طالب لا تقوليه ، ولكن قولي : ( وَما مُحَمّدٌ الاّ رَسُولٌ قَد خَلَت مِن قَبلِهِ الرُّسُلُ اَفَاِن ماتَ اَو قُتِلَ أنقَلَبتُم عَلى أعقابكُم ) (1)» فبكت طويلاً ، فاومأ إليها بالدنوّ منه ، فدنت إليه ، فأسر إليها شيئَاً هلل له وجهها.

ثمّ قضى [ صلی اللّه علیه و آله ] ويد أمير المؤمنين اليمنى تحت حنكه ، ففاضت نفسه علیه السلام فيها ، فرفعها إلى وجهه فمسحه بها ، ثمّوجّهه وغمّضه ومدّ عليه إزاره واشتغل بالنظر في أمره.

فسئلت فاطمة علیهاالسلام : ما الذي أسر إليك رسول اللّهّ صلی اللّه علیه و آله فسرى عنك؟ قالت : «أخبرني أنّي أوّل أهل بيته لحوقاً به ، وأنّه لن تطول المدّة بي بعده حتّى أدركه ، فسرى ذلك عنّي »(2).

وروي عن اُمّ سلمة قالت : وضعت يدي على صدر رسول اللّهّ صلی اللّه علیه و آله يوم مات ، فمرّ بي جُمع آكل وأتوضّأ ما يذهب ريح المسك عن يدي (3).

وروى ثابت ، عن أنس قال : قالت فاطمة علیهاالسلام - لمّا ثقل النبي صلی اللّه علیه و آله وجعل يتغشّاه الكرب - : «يا أبتاه إلى جبرئيل ننعاه ، يا أبتاه مِن ربه ما أدناه ، يا أبتاه جنان الفردوس مأواه ، يا أبتاه أجاب رباً دعاه » (4).

ص: 268


1- 1. آل عمران 3 : 144.
2- 2. ارشاد المفيد ا : 181 ، ونقله المجلسي في بحارالأنوار 2 : 465 / 19.
3- 3. دلائل النبوة للبيهقي 7 : 219 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 2 2 : 528 / 35.
4- 4. المناقب لابن شهرآشوب 1 : 237 ، الطبقات الكبرى 2 : 311 ، دلائل النبوة للبيهقي 7 : 212 ، الأنوار في شمائل النبي المختار 2 : 1253 / 752 ، الوفا باحوال المصطفى 2 : 802 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 22 : 528 / 35.

قال الباقر علیه السلام : «لمّا حضر رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله الوفاة نزل جبرئيل علیه السلام فقال : يا رسول اللّه أتريد الرجوع إلى الدنيا وقد بلغت؟ قال : لا ، ثم قال له : يا رسول اللّه تريد الرجوع إلى الدنيا؟ قال : لا ، الرفيق الأعلى»(1).

وقال الصادق علیه السلام : «قال جبرئيل علیه السلام : يا محمد هذا آخر نزولي إلى الدنيا ، إنّما كنت أنت حاجتي منها. قال : وصاحت فاطمة علیهاالسلام وصاح المسلمون و ( صاروا )(2) يضعون التراب على رؤوسهم » (3).

ومات صلوات اللّه عليه وآله لليلتين بقيتا من صفر سنة عشر من هجرته (4).

وروي أيضاً لاثنتي عشرة ليلة من شهر ربيع الأول يوم الاثنين (5).

ولمّا أراد عليّ علیه السلام غسله استدعى الفضل بن عبّاس ، فأمره أن يناوله الماء ، بعد أن عصب عينيه ، فشقّ قميصه من قبل جيبه حتّى بلغ به إلى سرّته ، وتولّى غسله وتحنيطه وتكفينه والفضل يناوله الماء ، فلمّا فرغ من غسله وتجهيزه تقدّم فصلّى عليه (6).

ص: 269


1- 1. المناقب لابن شهرآشوب 1 : 237 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 528 / 35.
2- 2. لم ترد في نسختي «ق » و«ط » واثبتناها من نسخة «م ».
3- 3. نقله المجلسي في بحار الأنوار 22 : 529 / 35.
4- 4. المقنعة : 456 ، مسار الشيعة (ضمن مجموعة نفيسة) : 63 ، التهذيب 6 : 2 ، مصباح المتهجد : 732 ، قصص الأنبياء للراوندي : 359 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 2 2 : 529 / 35.
5- 5. الكافي 1 : 365 ، الكامل في التاريخ 2 : 323 ، دلائل النبوة للبيهقي 7 : 235 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 2 2 : 529 / 35.
6- 6. ارشاد المفيد 1 : 187 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 22 : 529 / 35.

قال أبان : وحدّثني أبو مريم ، عن أبي جعفر علیه السلام قال : «قال الناس : كيف الصلاة عليه؟ فقال عليّ صلوات اللّه وسلامه عليه : إنّ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله إمامنا حيّاً وميّتاً ، فدخل عليه عشرة عشرة فصلّوا عليه يوم الاثنين وليلة الثلاثاء ، حتّى الصباح ويوم الثلاثاء ، حتّى صلّى عليه صغيرهم وكبيرهم ، وذكرهم وانثاهم ، وضواحي المدينة ، بغير إمام.

وخاض المسلمون في موضع دفنه ، فقال عليّ علیه السلام : «إنّ اللّه سبحانه لم يقبض نبيّاً في مكان إلاّ وارتضاه لرمسه فيه ، وإنّي دافنه في حجرته التي قبض فيها» فرضي المسلمون بذلك.

فلمّا صلّى المسلمون عليه أنفذ العبّاس رجلاً إلى أبي عبيدة بن الجرّاح ، وكان يحفر لأهل مكّة ويصرح ، وأنفذ إلى زيد بن سهل أبي طلحة ، وكان يحفر لأهل المدينة ويلحد ، فاستدعاهما وقال : اللّهم خر لنبيّك ، فوجد أبو طلحة فقيل له : اُحفر لرسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ، فحفر له لحداً.

ودخل أمير المؤمنين علي صلوات اللّه وسلامه عليه والعباس والفضل واُسامة بن زيد ليتولّوا دفن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ، فنادت الأنصارمن وراء البيت : يا عليّ إنّا نذكرك اللّه وحقّنا اليوم من رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله أن يذهب ، أدخِل منّا رجلاً يكون لنا به حظّ من مواراة رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ، فقال : «ليدخل أوس بن خولي » رجل من بني عوف بن الخزرج وكان بدريّاً ، فدخل البيت وقال له عليّ صلوات اللّه وسلامه عليه : «انزل القبر» فنزل ، ووضع عليّ علیه السلام رسول اللّه على يديه ثمّ دلاه في حفرته ثمّ قال له : « اخرج » فخرج ونزل عليّ علیه السلام فكشف عن وجهه ووضع خدَّه على الأرض موجّهاً إلى القبلة على يمينه ، ثمّ

ص: 270

وضع عليه اللبن وهال عليه التراب

وضع عليه اللبن وهال عليه التراب (1).

وانتهزت الجماعة الفرصة لاشتغال بني هاشم برسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وجلوس عليّ صلوات اللّه وسلامه عليه للمصيبة فسارعوا إلى تقرير ولاية الأمر ، وتِّفق لأبي بكر ما اتّفق لاختلاف الأنصار فيما بينهم ، وكراهة القوم تأخير الأمر إلى أن يفرغ بنو هاشم من مصاب رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فيستقرّ الأمر مقرّه ، فبايعوا أبا بكر لحضوره. وليس هذا الكتاب بموضع لشرح ذلك ، وتجده في مواضعه إن شئت.

وروي : أنّ أبا سفيان جاء إلى باب رسول اللّه فقال :

بني هاشم لايطمع الناس فيكم *** ولا سيّما تيم بن مرّة أو عديّ

فما الأمر إلاّ فيكم وإليكم *** وليس لها إلاّ أبو حسن عليّ

أبا حسن فاشدد بها كفّ حازم *** فإنّك بالأمر الذي يرتجى ملي

ثمّ نادى بأعلى صوته : يا بني هاشم ، يا بني عبد مناف ، أرضيتم أنيلي عليكم أبو فصيل الرذل بن الرذل؟ أما واللّه لئن شئتم لأملأنّها عليهم خيلاً ورجلاًَ ، فناداه أمير المؤمنين علیه السلام : «ارجع يا أبا سفيان ، فواللّه ما تريد اللّه بما تقول ، وما زلت تكيد الإسلام وأهله ، ونحن مشاغيل برسول اللّهّ صلی اللّه علیه و آله ، وعلى كلّ امرئ ما اكتسب وهو وليّ ما احتقب »(2).

قال : وبعثوا إلى عكرمة بن أبي جهل وعمومته الحارث بن هشام وغيرهم فأحضروهم ، وعقدوا لهم الرايات على نواحي اليمن والشام ، ووجّهوهم من ليلهم ، وبعثوا إلى أبي سفيان فارضوه بتولية يزيد بن أبي سفيان.

ص: 271


1- 1. ارشاد المفيد 1 : 188 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 22 : 529 / 35.
2- 2. ارشاد المفيد 1 : 189.

قال : ولمّا بايع الناس أبا بكر قيل له : لو حبست جيش اُسامة واستعنت بهم على من يأتيك من العرب؟ وكان في الجيش عامّة المهاجرين ، فقال اُسامة لأبي بكر : ما تقول في نفسك أنت؟ قال : قد ترى ما صنع الناس ، فأنا اُحبّ أن تأذن لي ولعمر ، قال : فقَد أذنت لكما.

قال : وخرج اُسامة بذلك الجيش ، حتى إذا انتهى إلى الشام عزله واستعمل مكانه يزيد بن أبي سفيان ، فما كان بين خروج أسامة ورجوعه إلى المدينة إلاّ نحو من أربعين يوماً ، فلمّا قدم المدينة قام على باب المسجد ثمّ صاح : يا معشر المسلمين ، عجباً لرجل استعملني عليه رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فتأمّر عليّ وعزلني !

ص: 272

(الباب الخامس): في ذكر أزواح رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ...

اشارة

في ذكر أزواح رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وأولاده وأعمامه وعمّاته وقراباته ومواليه ومولياته وجواريه

وفيه أربعة فصول :

ص: 273

(الفصل الأول): في ذكر أزواجه وأولاده صلوات اللّه عليه وآله

أوّل امرأة تزوّجها رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزّى بن قصي ، تزوّجها وهو ابن خمس وعشرين سنة ، وكانت قبله عند عتيق بن عائذ المخزومي فولدت له جارية ، ثم تزوجهاأبو هالة الأسدي فولدت له هند بن أبي هالة ، ثمّ تزوّجها رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وربّى ابنها هنداً.

فلما استوى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وبلغ أشدّه - وليس له كثير مال - استأجرته خديجة إلى سوق خباشة ، فلمّا رجع تزوّج خديجة ، زوّجها إيّاه أبوها خوليد بن أسد ، وقيل : زوّجها عمّها عمرو بن أسد.

وخطب أبو طالب علیه السلام لنكاحها - ومن شاهده من قريش حضور - فقال : الحمد لله الذي جعلنا من زرع إبراهيم وذرّيّة إسماعيل ، وجعل لنا بيتاً محجوباً و(1) حرماً آمناً يُجبى إليه ثمرات كل شيء ، وجعلنا الحكام على الناس(2) في بلدنا الذي نحن فيه ، ثمّ إنّ ابن أخي محمّد بن عبداللّه بن عبد المطّب لا يوزن برجل من قريش إلاّ رجّح ، ولا يقاس بأحد منهم إلاّ عظم عنه ، وإن كان في المال قل فإنّ المال رزق حائل ، وظّل زائل ، وله في خديجة رغبة ولها فيه رغبة ، والصداق ما سألتم عاجله وآجله من مالي.

وكان (أبو طالب)(3) له خطر عظيم ، وشأن رفيع ، ولسان شافع جسيم ،

ص: 274


1- 1. في نسخة «م» زيادة : وانزلنا.
2- 2. في نسخة «م» زيادة : وبارك لنا.
3- 3. لم يرد في نسختي «ق» و «ط» وأثبتنا من نسخة «م».

فزوّجه ودخل بها من الغد.

ولم يتزوّج عليها رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله حتّى ماتت ، وأقامت معه أربعاً وعشرين سنة وشهراً ، ومهرها اثنتا عشرة أوقيّة ونشّ ، وكذلك مهر سائر نسائه علیه السلام .

فأوّل ما حملت ولدت عبداللّه بن محمّد - وهو الطيّب الطاهر - وولدت له القاسم ، وقيل : إنّ القاسم أكبر وهو بكره وبه كان يكنّى. والناس يغلطون فيقولون : ولد له منها أربع بنين : القاسم ، وعبداللّه ، والطيّب ، والطاهر. وإنّما ولد له منها ابنان وأربع بنات : زينب ، ورقيّة ، واُمّ كلثوم ، وفاطمة(1).

فأمّا زينب بنت رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فتزوّجها أبو العاص ابن الربيع بن عبد العزّى بن عبد شمس بن عبد مناف في الجاهليّة ، فولدت لاَبي العاص جارية اسمها اُمامة تزوّجها علي بن أبي طالب علیه السلام بعد وفاة فاطمة علیهاالسلام ، وقتل عليّ وعنده اُمامة ، فخلف عليها بعده المغيرة بن

ص: 275


1- 1. تُعد نسبة زينب ورقية وأم كلثوم إلى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله كبنات له من المسائل التي أخذت جانباً من الأخذ والرد ، وبين القبول والرفض. فعلى الرغم من ذهاب البعض إلى كونهنًّ من بنات رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله اسوة بفاطمة الزهراء علیهاالسلام ، فإن هناك آراء جديَّة تجزم بانهنَّ ربائبه ولسن بناته. وليس هذا الرأي بمستحدث ، بل ان له جذوره القديمة والتي يعود بعضها إلى زمن الشيخ المفيد رحمه اللّه تعالى ، والتي يشير إليها ما ذكره في أجوبة المسائل الحاجبية (17) ، حيث قال : وسأل فقال : الناس مختلفون في رقية وزينب ، هل كانتا ابنتي رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ، أم ربيبتيه؟ وعموماً فإن هذا الموضوع قد خضع لدراسات علمية متينة لعل أوسعها ما كتبه السيد جعفر مرتضى العاملي حول هذا الموضوع يراجع على صفحات مجلة تراثنا الفصلية التي تصدرها مؤسسة آل البيت علیهم السلام في عددها الخاص بالذكرى الألفية لوفاة الشيخ المفيد رحمه اللّه تعالى.

نوفل ابن الحارث بن عبد المطّلب وتوفّيت عنده. واُمّ أبي العاص هالة بنت خويلد ، فخديجة خالته. وماتت زينب بالمدينة لسبع سنين من الهجرة.

وأمّا رقيّة بنت رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فتزوجها عتبة بن أبي لهب ، فطّلقها قبل أن يدخل بها ، ولحقها منه أذى ، فقال النبي صلی اللّه علیه و آله : «اللّهمّ سلّط على عتبة كلباً من كلابك» فتناوله الأسد من بين أصحابه. وتزوّجها بعده بالمدينة عثمان بن عفّان ، فولدت له عبداللّه ومات صغيراً ، نقره ديك على عينيه فمرض ومات. وتوفيت بالمدينة زمن بدر ، فتخلّف عثمان على دفنها ، ومنعه ذلك أن يشهد بدراً ، وقد كان عثمان هاجر إلى الحبشة ومعه رقيّة.

وأمّا اُم كلثوم فتزوّجها أيضاً عثمان بعد اُختها رقيّة وتوفيّت عنده.

وأمّا فاطمة علیهاالسلام فسنفرد لها باباً فيما بعد إن شاء اللّه.

ولم يكن لرسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ولد من غير خديجة إلاّ إبراهيم ابن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله من مارية القبطيّة ، ولد بالمدينة سنة ثمان من الهجرة ومات بها وله سنة وستّة أشهر وبعض أيّام ، وقبره بالبقيع.

والثانية : سودة بنت زمعة ، وكانت قبله عند السكران بن عمرو فمات عنها بالحبشة مسلماً.

والثالثة : عائشة بنت أبي بكر ، تزوّجها بمكّة وهي بنت سبع ، ولم يتزوّج بكراً غيرها ، ودخل بها وهي بنت تسع ، لسبعة أشهر من مقدمة المدينة ، وبقيت إلى خلافة معاوية.

والرابعة : اُمّ شريك التي وهبت نفسها للنبيّ صلی اللّه علیه و آله ، واسمها غزية بنت دودان بن عوف بن عامر ، وكانت قبله عند أبي العكر بن سميّ الأزدي فولدت له شريكاً.

ص: 276

والخامسة : حفصة بنت عمر بن الخطّاب ، تزوجها بعد ما مات زوجها خنيس بن عبداللّه بن حذافة السهمي ، وكان رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله قد وجّهه إلى كسرى فمات ولا عقب له ، وماتت بالمدينة في خلافة عثمان.

والسادسة : اُمّ حبيبة بنت أبي سفيان ، واسمها رملة ، وكانت تحت عبيداللّه بن جحش الأسدي فهاجر بها إلى الحبشة وتنصّر بها ومات هناك ، فتزوّجها رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله بعده ، وكان وكيله عمرو بن اُميّة الضمريّ.

والسابعة : اُمّ سلمة ، وهي بنت عمّته عاتكة بنت عبد المطّلب. وقيل : هي عاتكة بنت عامر بن ربيعة من بني فراس بن غنم ، واسمها هند بنت أبي اُميّة بن المغيرة بن عبداللّه بن عمرو بن مخزوم ، وهي ابنة عمّ أبي جهل. وروي : أنّ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله أرسل إلى اُمّ سلمة : أن مري ابنك أن يزوّجك ، فزوّجها ابنها سلمة بن أبي سلمة من رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وهو غلام لم يبلغ ، وأدّى عنه النجاشي صداقها أربعمائة دينار عند العقد. وكانت اُمّ سلمة من آخر أزوارج النبي صلی اللّه علیه و آله وفاة بعده ، وكانت عند أبي سلمة بن عبد الأسد واُمّه برّة بنت عبدالمطّلب ، وهو ابن عمّة رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ، وكان لاُمّ سلمة منه زينب وعمر ، وكان عمر مع عليّ علیه السلام يوم الجمل وولاّه البحرين وله عقب بالمدينة ، ومن مواليها شيبة بن نصاح إمام أهل المدينة في القراءة ، وخيرة اُمّ الحسن البصري.

والثامنة : زينب بنت جحش الأسديّة ، وهي ابنة عمّته ميمونة بنت عبد المطّلب ، وهي أوّل من مات من أزواجه بعده ، توفّيت في خلافة عمر ، وكانت قبله عند زيد بن حارثة فطلّقها زيد ، وذكر اللّه تعالى شأنه وشأن زوجته

ص: 277

زينب في القرآن ، وهي أوّل امرأة جعل لها النعش ، جعلته لها أسماء بنت عميس يوم توفّيت ، وكانت بأرض الحبشة رأتهم يصنعون ذلك(1).

والتاسعة : زينب بنت خزيمة الهلاليّة ، من ولد عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة ، وكانت قبله عند عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب. وقيل : كانت عند أخيه الطفيل بن الحارث ، وماتت قبله صلی اللّه علیه و آله ، وكان يقال لها : اُمّ المساكين.

والعاشرة : ميمونة بنت الحارث ، من ولد عبداللّه بن هلال بن عامر بن صعصعة ، تزوّجها وهو بالمدينة ، وكان وكيله أبو رافع. وبنى بها بسرف حين رجع من عمرته على عشرة أميال من مكّة ، وتوفّيت أيضاً بسرف ودفنت هناك أيضاً. وكانت قبله عند أبي سبرة بن أبي العامريّ.

والحادية عشر : جويرية بنت الحارث ، من بني المصطلق ، سباها فأعتقها وتزوّجها ، وتوفّيت سنة ستّ وخمسين.

والثانية عشر : صفيّة بنت حيّي بن أخطب النضريّ ، من خيبر ، اصطفاها لنفسه من الغنيمة ثمّ أعتقها وتزوّجها وجعل عتقها صداقها ، وتوفّيت سنة ستّ وثلاثين.

فهذه اثنتا عشرة امرأة دخل بهنّ رسول اللّه ، وقد تزوّج إحدى عشرة منهنّ وواحدة وهبت نفسها له.

وقد تزوّج صلوات اللّه عليه وآله عالية بنت ظبيان وطلّقها حين اُدخلت عليه.

ص: 278


1- 1. روت المصادر المختلفة ان أول من صنع لها النعش هي فاطمة الزهراء علیهاالسلام ، ولما كانت وفاتها علیهاالسلام اسبق من وفاة زينب رحمها اللّه فانّ في ذلك تأكيداً لهذا الأمر. انظر : الكافي 3 : 251 / 2. الفقيه 1 : 124 / 597 ، علل الشرائع 1 : 185 / 2 ، التهذيب 1 : 469 / 1539 و 1540 ، كشف الغمة 1 : 503 ، مستدرك الحاكم 3 : 162.

وتزوّج قتيلة بنت قيس اُخت الأشعث بن قيس ، فمات قبل أن يدخل بها ، فتزوّجها عكرمة بن أبي جهل بعده. وقيل : إنّه طلقها قبل أن يدخل بها ثمّ مات صلوات اللّه عليه وآله.

وتزوّج فاطمة بنت الضحّاك بعد وفاة ابنته زينب ، وخيّرها حين اُنزلت آية التخيير(1) فاختارت الدنيا وفارقها ، فكانت بعد ذلك تلقط البعر وتقول : أنا الشقيّة اخترت الدّنيا.

وتزوّج سنى بنت الصلت فماتت قبل أن تدخل عليه.

وتزوّج أسماء بنت النعمان بن شراحيل فلمّا اُدخلت عليه قالت : أعوذ باللّه منك فقال : «قد أعذتك الحقي بأهلك». وكان بعض أزواجه علّمتها ذلك فطلّقها ولم يدخل بها.

وتزوّج مليكة الليثيّة ، فلمّا دخل عليها قال لها : «هبي لي نفسك» ، فقالت : وهل تهب الملكة نفسها للسوقة ، فأهوى صلی اللّه علیه و آله بيده يضعها عليها فقالت : أعوذ باللّه منك ، فقال : «لقد عذت بمعاذ» فسرّحها ومتّعها.

وتزوّج عمرة بنت يزيد ، فرأى بها بياضاً فقال : «دلّستم عليّ» وردّها.

وتزوّج ليلى بنت الخطيم الأنصاريّة فقالت(2) أقلني ، فأقالها(3).

وخطب امرأة من بني مرّة فقال أبوها : إن بها برصاً ، ولم يكن بها ، فرجعفإذا هي برصاء.

وخطب عمرة فوصفها أبوها ، ثمّ قال : وأزيدك إنّها لم تمرض قطّ ، فقال صلی اللّه علیه و آله : « ما لهذه عند اللّه من خير ». وقيل : انّه

ص: 279


1- 1. الاحزاب : 28 - 29.
2- 2. في نسخة «ط» زيادة : ضربت ظب هرة ، فقال : أكلك الأسود ، ثم تزوجها فقالت ...
3- 3. في نسخة «ط» زيادة : فأكلها الذئب.

تزوّجها ، فلمّا قال ذلك أبوها طلّقها.

فهذه إحدى وعشرون امرأة.

ومات رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله عن عشر ، واحدة منهنّ لم يدخل بها. وقيل : عن تسع : عائشة ، وحفصة ، واُمّ سلمة ، واُمّ حبيبة ، وزينب بنت جحش ، وميمونة ، وصفيّة ، وجويرية ، وسودة. وكانت سودة قد وهبت ليلتها لعائشة حين أراد طلاقها وقالت : لا رغبة لي في الرجال وإنّما اُريد أن اُحشر في أزواجك (1).

ص: 280


1- 1. انظر : المناقب لابن شهر آشوب 1 : 159 ، سيرة ابن هشام 4 : 293 ، الوفا بأحوال المصطفى 2 : 645 ، تاريخ الطبري 3 : 160 ، الكامل في التاريخ 2 : 307 ، دلائل النبوة للبيهقي 7 : 282 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 22 : 200 / 20.
(الفصل الثاني): في ذكر أعمامه وعمّاته صلوات اللّه عليه وآله

كان لرسول اللّه صلی اللّه علیه و آله تسعة أعمام هم بنو عبد المطّلب : الحارث ، والزبير ، وأبو طالب ، وحمزة ، والغيداق ، وضرار ، والمقوّم ، وأبو لهب واسمه عبدالعزّى ، والعبّاس. ولم يعقب منهم إلاّ أربعة : الحارث ، وأبو طالب ، والعبّاس ، وأبو لهب(1).

فأمّا الحارث فهو أكبر ولد عبد المطّلب وبه كان يكنّى ، وشهد معه حفر زمزم(2) ، وولده : أبو سفيان ، والمغيرة ، ونوفل ، وربيعة ، وعبد شمس(3).

أما أبو سفيان فأسلم عام الفتح ولم يعقب(4).

وأمّا نوفل فكان أسنّ من حمزة والعبّاس ، وأسلم أيّام الخندق وله عقب(5).

وأمّا عبد شمس فسمّاه رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله عبداللّه

ص: 281


1- 1. الخصال : 452 / 59 ، مناقب ابن شهر آشوب 1 : 158 ، العدد القوية : 136 ، جمهرة النسب للكلبي : 101 و 106 ، سيرة ابن هشام 1 : 113 ، جمهرة أنساب العرب : 14 السيرة النبوية لابن كثير 1 : 102 و 184.
2- 2. جمهرة النسب للكلبي : 104 ، سيرة ابن كثير 1 : 168 و 170 ، البداية والنهاية 2 : 246.
3- 3. جمهرة النسب للكلبي : 143 ، جمهرة انساب العرب : 70 ، فيهما أبو سفيان وهو المغيرة بدل أبو سفيان والمغيرة.
4- 4. الطبقات الكبرى 4 : 49 ، وفيه : وقد انقرض ولد أبي سفيان بن الحارث فلم يبق منهم أحد بدل ولم يعقب.
5- 5. الطبقات الكبرى 4 : 44 و 46.

وعقبه بالشام (1).

وأمّا أبو طالب عمّ النبيّ فكان مع أبيه عبداللّه ابني اُمّ واُمّهما فاطمة بنت عمرو بن عابد بن عمران بن مخزوم (2) واسمه عبد مناف (3) له أربعة أولادذكور : طالب ، وعقيل ، وجعفر ، وعليّ ، ومن الاناث : اُمّ هانىء واسمها فاختة ، وجمانة ، اُمّهم جميعاً فاطمة بنت أسد.

وكان عقيل أسنّ من جعفر بعشر سنين ، وأعقبوا إلاّ طالباً(4) وتوفّي قبل أن يهاجر النبيّ صلی اللّه علیه و آله بثلاث سنين ، ولم يزل رسول اللّه ممنوعاً من الأذى بمكّة موقى حتّى توفّي أبو طالب علیه السلام ، فنبت به مكة ، ولم تستقرّ له بها دعوة (5) حتى جاءه جبرئيل علیه السلام فقال : «إنّ اللّه تعالى يقرؤك السلام ويقول لك : اُخرج من مكّة فقد مات ناصرك» (6).

ولمّا قُبض أبو طالب أتى عليّ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فأعلمه بموته ، فقال له : «امض يا عليّ فتولّ غسله وتكفينه وتحنيطه ، فإذا رفعته على سريره فأعلمني» ففعل ذلك ، فلمّا رفعه على السرير اعترضه النبيّ وقال : « وصلتك رحم ، وجزيت خيراً يا عمّ ، فلقد ربيت وكفّلت صغيراً ، ووازرت ونصرت كبيراً » ثمّ أقبل على الناس وقال : « أما واللّه لأشفعنّ لعمّي

ص: 282


1- 1. نقله المجلسي في بحار الأنوار 22 : 260/2.
2- 2. سيرة ابن هشام 1 : 189 و 114 ، تاريخ الطبري 2 : 239 ، الكامل في التاريخ 2 : 5 ، السيرة النبوية لابن كثير 1 : 241 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 22 : 260 / 2.
3- 3. سيرة ابن هشام 1 : 113 ، تاريخ الطبري 2 : 239 ، الكامل في التاريخ 2 : 5 ، السيرة النبوية لابن كثير 1 : 102 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 22 : 260 / 2.
4- 4. مناقب ابن شهر آشوب 3 : 304 ، الطبقات الكبرى 1 : 121 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 22 : 261.
5- 5. عيون الأثر : 130 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 22 : 261.
6- 6. الكافي 1 : 373 / 31 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 22 : 261.

شفاعة يعجب لها أهل الثقلين» (1).

وأمّا العباس فكان يكنّى أبا الفضل ، وكانت له السقاية وزمزم ، وأسلم يوم بدر ، واستقبل النبيّ صلی اللّه علیه و آله عام الفتح بالأبواء ، وكان معه حين فتح مكة ، وبه ختمت الهجرة. ومات بالمدينة في أيّام عثمان وقد كفّ بصره ، وكان له من الولد تسعة ذكور وثلاث إناث : عبداللّه ، وعبيداللّه ، والفضل ، وقثم ، ومعبد ، وعبدالرحمن ، واُمّ حبيب ، اُمّهم لبابة بنت الفضل بن الحارث الهلاليّة اُخت ميمونة بنت الحارث زوجة النبيّ صلی اللّه علیه و آله ، وتمّام ، وكثير ، والحارث ، وآمنة ، وصفيّة ، لاُمّهات أولاد شتّى (2).

وأمّا أبو لهب فولده : عتبة ، وعتيبة ، ومعتّب ، واُمّهم اُمّ جميل بنت حرب اُخت أبي سفيان حمّالة الحطب (3).

وكانت عمّاته صلوات اللّه عليه وآله ستّاً من اُمّهات شتّى وهنّ : اُميمة ، واُمّ حكيمة ، وبرّة ، وعاتكة ، وصفيّة ، وأروى (4).

وكانت اُميمة عند جحش بن رئاب الأسدي ، وكانت اُمّ حكيمة - وهي البيضاء - عند كرز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس ، وكانت برّة عند عبد الأسد بن هلال المخزومي فولدت له أبا سلمة الذي كان زوج اُمّ سلمة ،

ص: 283


1- 1. إيمان أبي طالب لابن معد : 298 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 14 : 76 ، تذكرة الخواص : 19 ، قطعة منه في : دلائل النبوة للبيهقي 2 : 349 ، البداية والنهاية 3 : 125 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 22 : 261.
2- 2. المعارف لابن قتيبة : 72 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 22 : 261.
3- 3. المعارف لابن قتيبة : 75 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 22 : 261.
4- 4. مناقب ابن شهر آشوب 1 : 158 ، العدد القوية : 137 ، سيرة ابن هشام 1 : 113 ، المعارف لابن قتيبة : 70 ، دلائل النبوة للبيهقي 1 : 186 ، السيرة النبوية لابن كثير 1 : 184 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 22 : 261.

وكانت عاتكة عند أبي اُمّية بن المغيرة المخزوميّ ، وكانت صفيّة عند الحارث بن حرب بن اُمّية ، ثمّ خلف عليها العوّام بن خوليد فولدت له الزبير ، وكانت أروى عند عمير بن عبد العزّى بن قصيّ. لم يسلم منهنّ غير صفيّة (1). وقيل : أسلم منهنّ ثلاث : صفيّة ، وأروى ، وعاتكة (2).

ص: 284


1- 1. المعارف لابن قتيبة : 77 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 22 : 262.
2- 2. مناقب ابن شهر آشوب 1 : 159 ، العدد القوية : 137 / ذيل حديث 48 ، مستدرك الحاكم 4 : 50 و 52 و 54 ، ولم يرد فيه عاتكة ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 22 : 262.
(الفصل الثالث): في ذكر قراباته من جهة اُمّه من الرضاعة صلوات اللّه عليه وآله

لم يكن لرسول اللّه صلی اللّه علیه و آله قرابة من جهة اُمّه إلاّ من الرضاعة ، فإنّ اُمّه آمنة بنت وهب لم يكن لها أخ ولا اُخت فيكون خالاً له أو خالة ، إلاّ أنّ بني زهرة يقولون : نحن أخواله ، لأنّ آمنة منهم(1) ، ولم يكن لأبويه عبداللّه وآمنة ولد غيره فيكون له أخ أو اُخت من النسب(2) ، وكان له خالة من الرضاعة يقال لها : سلمى ، وهي اُخت حليمة بنت أبي ذؤيب. وله أخوان من الرضاعة : عبداللّه بن الحارث ، واُنيسة بنت الحارث ، اُبوهما الحارث بن عبد العزّى بن سعد بن بكر بن هوازن ، فهما أخواه من الرضاعة (3).

ص: 285


1- 1. المعارف لابن قتيبة : 77 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 22 : 262.
2- 2. المعارف لابن قتيبة : 71 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 22 : 262.
3- 3. انظر : سيرة ابن هشام 1 : 170 ، الطبقات الكبرى 1 : 110 ، السيرة النبوية لابن كثير 1 : 225 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 22 : 262.
(الفصل الرابع): في ذكر مواليه ومولياته وجواريه

أمّا مواليه : فزيد بن حارثة ، وكان لخديجة اشتراه لها حكيم بن حزام بسوق عكاظ بأربعمائة درهم فوهبته لرسول اللّه صلی اللّه علیه و آله بعد أن تزوّجها ، فأعتقه فزوّجه اُمّ أيمن ، فولدت له اُسامة ، وتبنّاه رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فكان يدعى زيدا ابن رسول اللّه ، حتّى أنزل اللّه تعالى ( ادعُوهُم لآبائهِم ) (1).

وأبو رافع : واسمه أسلم ، وكان للعبّاس فوهبة له ، فلمّا أسلم العبّاس بشر أبو رافع النبي صلی اللّه علیه و آله بإسلامه فأعتقه ، وزوجه سلمى مولاته ، فولدت له عبيداللّه بن أبي رافع ، فلم يزل كاتباً لعليّ علیه السلام أيام خلافته.

وسفينة : واسمه رباح ، اشتراه رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فأعتقه.

وثوبان : يكنّى أبا عبداللّه من حمير ، أصابه سبي فاشتراه رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فأعتقه.

وبشار : وكان عبداً نوبيّاً ، أعتقه رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فقتله العرنيون الذين أغاروا على لقاح رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله .

وشقران : واسمه صالح.

وأبو كبشة : واسمه سليمان.

ص: 286


1- 1. الأحزاب 33 : 5.

وأبو ضميرة : أعتقه صلی اللّه علیه و آله وكتب له كتاباً فهو في يد ولده.

ومدعم أصابه سهم في وادي القرى فمات.

وأبو مويهبة ، وأنيسة ، وفضالة ، وطهمان ، وأبو أيمن ، وأبو هند ، وأنجشة وهو الذي قال فيه صلی اللّه علیه و آله : «رويدك يا أنجشة ، رفقاً بالقوارير»(1) وصالح ، وأبو سلمى ، وأبو عسيب ، وعبيد ، وأفلح ، وريفع ، وأبو لقيط ، وأبو رافع الأصغر ، ويسار الأكبر ، وكركرة أهداه هوذة بن عليّ الحنفيّ إلى النبيّ فأعتقه ، ورباح ، وأبو لبابة ، وأبو اليسر وله عقب(2).

وأمّا مولياته : فإنّ المقوقس - صاحب الاِسكندريّة - أهدى إليه جاريتين : إحداهما مارية القبطيّة ، ولدت له إبراهيم وماتت بعده بخمس سنين ، سنة ستّة عشر ، ووهب الاُخرى لحسّان بن ثابت(3).

واُمّ أيمن حاضنة النبيّ صلی اللّه علیه و آله ، وكانت سوداء ورثها

ص: 287


1- ذكر ابن الأثير في نهايته (4 : 39) : وفي حديث انجشة ، في رواية البراء بن مالك «رويدك ، وفقاً بالقوارير» أراد النساء ، شبههن بالقوارير من الزجاج ، لأنه يسرع إليها الكسر ، وكان أنجشة يحدو ونشد القريض والرجز ، فلم يأمن أن يصيبهن ، أو يقع في قلوبهن حداؤه ، فأمره بالكف عن ذلك. وفي المثل : الغناء رقية الزنا. وقيل : أراد أن الابل إذا سمعت الحداء اسرعت في المشي واشتدت فأزعجت الراكب واتعبته ، فنهاه عن ذلك ، لأن النساء يضعفن عن شدة الحركة. وواحدة القوارير : قارورة ، سمّيت بها لاستقرار الشراب فيها.
2- انظر : التعريف لابن قتيبة : 85 ، وتأريخ اليعقوبي 2 : 87 ، وتأريخ الطبري 3 : 169 ، والبداية والنهاية 5 : 311 ، والسيرة النبوية لابن كثير 4 : 116 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار22 : 262.
3- تأريخ الطبري 3 : 172 ، مستدرك الحاكم 4 : 38 ، الاستيعاب 1 : 46 و 4 : 329 و 410 ، البداية والنهاية 5 : 303 و 329 ، السيرة النبوية لابن كثير 4 : 600 و 648 ، ونقله المجلسيفي بحار الأنوار 22 : 263.

عن اُمّه ، وكان اسمها بركة ، فأعتقها وزوّجها عبيد الخزرجيّ بمكّة فولدت له أيمن ، فمات زوجها ، فزوّجها النبيّ صلی اللّه علیه و آله من زيد فولدت له اُسامة ، أسود يشبهها ، فاُسامة وأيمن أخوان لاَمّ(1).

وريحانة بنت شمعون ، غنمها من بني قريظة(2).

وأما خدمه من الأحرار : فأنس بن مالك ، وهند وأسماء (ابنتا خارجة الأسلميّتان) (3) (4)

ص: 288


1- 1. مستدرك الحاكم 4 : 63 ، سيرة ابن كثير 4 : 641 ، البداية والنهاية 5 : 325 ، إلاّ ان في الأخيرين الحبشي بدل الخزرجي ، الاصابة 4 : 432 / 1145 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 22 : 263.
2- 2. تاريخ الطبري 3 : 167 ، مستدرك الحاكم 4 : 41 ، الاستيعاب 4 : 309 ، سيرة ابن كثير 4 : 604 ، البداية والنهاية 5 : 305 و 328 ، الاصابة 4 : 309 / 446 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 22 : 263.
3- 3. كذا في نسخنا ، وفي نسخة المجلسي رحمه اللّه ، إلا أن الصواب ابنا حارثة الاسلميان كما تذكرهما جميع المصادر الرجالية والتاريخية ، فراجع.
4- 4. مستدرك الحاكم 3 : 529 و 573 ، الاستيعاب 1 : 71 و 97 ، سيرة ابن كثير 4 / 653 و 655 ، البداية والنهاية 5 : 331 ، الاصابة 1 : 39/137 و 71 / 277 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 22 : 263.

(الباب السادس): في ذكر السيّدة الزهراء فاطمة بنت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ...

اشارة

في ذكر السيّدة الزهراء فاطمة بنت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وسلّم ، وتاريخ مولدها ، ومبلغ عمرها ، ووقت وفاتها ، ونبذ من مناقبها وخصالها

وهو ثلاثة فصول :

ص: 289

(الفصل الأول): في ذكر مولدها وأسمائها وألقابها عليها السلام

الأظهر في روايات أصحابنا أنّها ولدت سنة خمس من المبعث بمكّة في العشرين من جمادى الأخرة ، وأنّ النبيّ صلی اللّه علیه و آله قبض ولها ثماني عشرة سنة وسبعة أشهر(1).

وروي عن جابر بن يزيد قال : سئل الباقر علیه السلام : كم عاشت فاطمة علیهاالسلام بعد رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ؟ قال : «أربعة أشهر ، وتوفّيت ولها ثلاث وعشرون سنة»(2).

وهذا قريب ممّا روته العامّة أنّها ولدت سنة إحدى وأربعين من مولد رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله (3) ، فتكون بعد المبعث بسنة.

وذكر الاُستاذ أبو سعيد الواعظ في كتاب «شرف النبيّ» : أنّ جميع أولاد رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ولدوا قبل الإسلام ، إلاّ فاطمة وإبراهيم فإنّهما ولدا في الإسلام(4).

وروي عن الصادق علیه السلام أنّه قال : «لفاطمة علیهاالسلام تسعة أسماء عند اللّه عزّ وجل : فاطمة ، والصدّيقة ، والمباركة ، والطاهرة ، والزكية ،

ص: 290


1- 1. الكافي 1 : 381 ، تاريخ الأئمة (ضمن مجموعة نفيسة) : 6 ، روضة الواعظين : 143 ، تاج المواليد (ضمن مجموعة نفيسة) : 12 ، كشف الغمة 1 : 449.
2- 2. نحوه في مناقب ابن شهر آشوب 3 : 357.
3- 3. مستدرك الحاكم 3 : 161 و 163 ، الاستيعاب 4 : 374 ، مقتل الخوارزمي : 83 ، الاصابة 4 : 377.
4- 4. شرف النبيّ صلی اللّه علیه و آله ...

والراضية ، والمرضيّة ، والمحدّثة ، والزهراء»(1).

وفي مسند الرضا علیه السلام : أنّ النبيّ قال : «إنّما سمّيت ابنتي فاطمة لأنّ اللّه سبحانه فطمها وفطم من أحبّها من النار»(2).

وسمّاها النبيّ صلی اللّه علیه و آله ، البتول أيضاً(3) ، وقال لعائشة : «يا حميراء ، إنّ فاطمة ليست كنساء الآدميّين ، ولا تعتلّ كما تعتلّون»(4)

ومعناه ما جاء في الحديث الآخر : أنّ فاطمة علیهاالسلام لم تر دماً في حيض ولا نفاس. وقد روت العامّة أيضاً ، عن أنس بن مالك ، عن اُمّ سليم زوجة أبي طلحة الأنصاري أنّها قالت : لم تر فاطمة علیهاالسلام دماً قطّ في حيض ولا نفاس(5).

وكانت يصب عليها من ماء الجنة ، وذلك أنّ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله لمّا اُسري به دخل الجنّة وأكل من فاكهة الجنّة وشرب من ماء الجنّة فنزل من ليلته فوقع على خديجة فحملت بفاطمة فكان حمل فاطمة من ماء

ص: 291


1- 1. أمالي الصدوق : 474 / 18 ، الخصال 2 : 414 / 3 ، دلائل الامامة : 10 ، تاج المواليد : (ضمن مجموعة نفيسة) : 20.
2- 2. صحيفة الاِمام الرضا علیه السلام : 89 / 22 ، عيون أخبار الرضا 2 : 46 / 174 ، معاني الأخبار : 64 / 14 ، علل الشرائع : 178 / 1 ، أمالي الطوسي 1 : 300 ، بشارة المصطفى : 184 ، مناقب ابن شهر آشوب 3 : 303 ، مناقب ابن المغازلي : 65 / 92 ، مقتل الخوارزمي : 51 ، ذخائر العقبى : 26 ، فرائد السمطين 2 : 57 / 384 ، الفردوس بمأثور الخطاب 1 : 346 / 1385.
3- 3. معاني الأخبار : 64 / 17 ، علل الشرائع : 181 / 1 ، مناقب ابن شهر آشوب 3 : 330.
4- 4. مناقب ابن شهر آشوب 3 : 330 ، المعجم الكبير 22 : 400 / 1000 ، مقتل الخوارزمي : 64.
5- 5. مناقب ابن المغازلي : 369 / 416 ، ذخائر العقبى : 44 ، وفيهما نحوه.

الجنة.

ورواه أيضاً ابن عباس عن النبيّ صلی اللّه علیه و آله (1).

ص: 292


1- مناقب ابن المغازلي : 357 / 406 ، مناقب الخوارزمي : 64 ، ذخائر العقبى : 36.
(الفصل الثاني): في ذكر ما يوجب الدلالة على عصمتها ...

في ذكر ما يوجب الدلالة على عصمتها وبعض الآيات المثبتة عن مكانها من اللّه ، ومنزلتها ونبذ من الأخبار الدالة على فضلها وعلو رتبتها

من أوكد الدلائل على عصمتها علیهاالسلام قوله سبحانه : ( إنَّما يُريدُ اللّه لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ أهلَ البَيت وَيُطَهِّرَكُم تَطهيراً) (1) ووجه الدلالة : أنّ الاُمة اتّفقت [ على ] أنّ المراد بأهل البيت في الآية هم أهل بيت رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ، ووردت الرواية من طريق الخاصّ والعامّ أنّها مختصّة بعليّ وفاطمة والحسن والحسين علیهم السلام ، وأنّ النبيّ صلی اللّه علیه و آله جلّلهم بعباء خيبريّة ثمّ قال : «اللّهمّ إنّ هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً» فقالت اُمّ سلمة : يا رسول اللّه وأنا من أهل بيتك؟ فقال عليه وآله السلام لها : «إنّك على خير»(2).

ولا تخلو الاِرادة في الآية إمّا أن تكون إرادة محضة لم يتبعها الفعل ، أو إرادة وقع الفعل عندها ، والأوّل باطلٌ ، لأنّ ذلك لا تخصيص فيه لأهل البيت ، بل هو عام في جميع المكلّفين ، ولا مدح في الاِرادة المجردة ،

ص: 293


1- 1. الأحزاب 33 : 33.
2- 2. تفسير فرات الكوفي : 123 ، تفسير العياشي 1 : 250 ، تفسير القمي 2 : 193 ، أمالي الطوسي 1 : 269 ، فضائل ابن شاذان : 95 ، سنن الترمذي 5 : 351 / 3205 و 663 / 3787 ، مسند أحمد 6 : 292 و 304 ، فضائل أحمد : 79 / 118 و 100 / 151 ، تفسير الطبري 22 : 6 و 7 ، مستدرك الحاكم 2 : 416 ، تاريخ بغداد 9 : 126 / 4743 و 100 : 278 / 5396 ، مناقب ابن المغازلي : 303 / 347 ، اُسد الغابة 2 : 12 ، و 4 : 29 ، كفاية الطالب : 371 ، ذخائر العقبى : 21.

وأجمعت الاُمّة على أنّ الآية فيها تفضيل لأهل البيت وإبانة لهم عمّن سواهم ، فثبت الوجه الثاني ، وفي ثبوته ما يقتضي عصمة من عني بالآية ، وأنّ شيئاً من القبائح لا يجوز أن يقع منهم ، على أنّ غير من سمّيناه لاشكّ أنّه غير مقطوع على عصمته ، والآية موجبة للعصمة ، فثبت أنّها فيمن ذكرناهم لبطلان تعلّقها بغيرهم.

وممّا يدلّ أيضاً على عصمتها علیهاالسلام : قول النبيّ صلی اللّه علیه و آله فيها : «إنّها بضعة منّي يؤذيني ما آذاها»(1).

وقوله صلی اللّه علیه و آله : «من آذى فاطمة فقد آذاني ، ومن آذاني فقد آذى اللّه عزّ وجل»(2).

وقوله صلی اللّه علیه و آله : «إنّ اللّه يغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها»(3).

ولو كانت ممّن يقارف الذنوب لم يكن من يؤذيها مؤذياً له على كلّ حال ، بل يكون متى فعل المستحق من ذمّها ، أو إقامة الحدّ - إن كان الفعل يقتضيه - سارّاً له علیه السلام .

ص: 294


1- 1. صحيح مسلم 4 : 1903 / 9 ، سنن الترمذي 5 : 698 / 3869 ، مسند أحمد 4 : 5 ، مستدرك الحاكم 3 : 159 ، تذكرة الخواص : 279 ، ونحوه في : صحيح البخاري 5 : 26 ، مصابيح السنة للبغوي 4 : 185 / 4799.
2- 2. تفسير القمي 2 : 196 ، علل الشرائع : 186 ، دلائل الامامة للطبري : 45 ، كشف الغمة 1 : 466.
3- 3. صحيفة الاِمام الرضا علیه السلام : 90 / 23 ، أمالي الصدوق : 313 / 1 ، عيون أخبار الرضا علیه السلام 2 : 46 / 176 ، معاني الأخبار : 303 / ذيل الحديث 2 ، أمالي المفيد : 94 / 4 ، أمالي الطوسي 2 : 41 ، دلائل الاِمامة : 52 ، بشارة المصطفى : 208 ، مناقب ابن شهر آشوب 3 : 325 ، المعجم الكبير 22 : 401 / 1001 ، مستدرك الحاكم 3 : 154 ، مقتل الخوارزمي : 52 ، اُسد الغابة 5 : 522 ، كفاية الطالب : 364 ، ذخائر العقبى : 39 ، ميزان الاعتدال 1 : 535 / 2002 ، تهذيب التهذيب 4 : 469.

ومّما روي من الآيات الدالّة على محلّها من اللّه عزّ وجلّ ما رواه الخاصّ والعامّ عن ميمونة أنّها قالت : وجدت فاطمة علیهاالسلام نائمة والرحى تدور فأخبرت رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله بذلك فقال : «إنّ اللّه علم ضعف أمته فاوحى إلى الرحى أن تدور فدارت»(1).

ومن الأخبار المنبئة عن فضلها وتميّزها عمّن سواها ما روته العامّة عن عائشة قالت : ما رأيت رجلاً أحبّ إلى رسول اللّه من عليّ ، ولا امرأة أحبّ إلى رسول اللّه من امرأته(2).

ورووا عن أمير المؤمنين علیه السلام أنه قال : «سألت رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فقلت : أنا أحب إليك أم فاطمة؟ فقال : فاطمة أحب إليّ منك ، وأنت أعز عليّ منها»(3).

ورووا عن أنس قال : قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : «حسبك من نساء العالمين - وفي رواية اُخرى : خير نساء العالمين - : مريم بنت عمران ، وآسية بنت مزاحم ، وخديجة بنت خوليد ، وفاطمة بنت محمّد»(4)

ص: 295


1- 1. مناقب ابن شهر آشوب 3 : 337 ، مقتل الخوارزمي : 68 ، ونحوه في : الخرائج والجرائح 2 : 531/7 ، وذخائر العقبى : 98.
2- 2. سنن الترمذي 5 : 701 / 3874 ، مستدرك الحاكم 3 : 154 و 157 ، تاريخ بغداد 11 : 430 ، اُسد الغابة 5 : 522 ، ذخائر العقبى : 35.
3- 3. فضائل أحمد : 134 / 198 ، خصائص النسائي : 155 / 146 ، تذكرة الخواص : 276 ، اُسد الغابة 5 : 522 ، ذخائر العقبى : 29.
4- 4. صحيح الترمذي 5 : 307 / 3878 ، المصنف للصنعاني 11 : 430 / 20919 ، مسند أحمد 3 / 135 ، المعجم الكبير 22 : 402 / 1003 و 1004 ، مستدرك الحاكم 3 : 157 و 158 ، ووافقه الذهبي في ذيل المستدرك ، تاريخ بغداد 7 : 84 / 3636 و 9 : 404 / 5008 ، مصابيح السنة للبغوي 4 : 202 / 4850 ، اُسد الغابة 5 : 437 ، ذخائر العقبى : 43.

وعن ابن عبّاس قال : أفضل نساء أهل الجنّة : خديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمّد صلی اللّه علیه و آله ، ومريم بنت عمران ، وآسية بنت مزاحم(1).

وروي عن عبد الرحمن بن عوف قال : سمعت رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله يقول : «أنا الشجرة ، وفاطمة فرعها ، وعليّ لقاحها ، والحسن والحسين ثمرها ، وشيعتنا ورقها ، الشجرة أصلها في جنّة عدن ، والفرع والثمر والورق في الجنّة»(2).

ورووا عن عائشة : أنّ فاطمة علیهاالسلام كانت إذا دخلت على رسول اللّه قام لها من مجلسه وقبّل رأسها وأجلسها مجلسه(3).

ورووا عن عليّ بن إبراهيم بن هاشم في تفسير القرآن ، عن الصادق جعفر بن محمد علیهماالسلام أنّه قال : «بلغنا عن آبائنا أنّهم قالوا : كان رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله يكثر تقبيل فم فاطمة سيّدة نساء العالمين علیهاالسلام إلى أن قالت عائشة : يا رسول اللّه أراك كثيراً ما تقبّل فم فاطمة ، وتدخل لسانك في فيها؟! قال : نعم يا عائشة ، أنّه لمّا اُسري بي إلى السماء أدخلني جبرئيل الجنّة فأدناني من شجرة طوبى وناولني من ثمارها تفّاحة فأكلتها فصارت نطفة في ظهري ، فلمّا هبطت إلى الأرض واقعت خديجة فحملت بفاطمة ، فكلّما اشتقت إلى الجنّة قبّلتها وأدخلت لساني في فيها

ص: 296


1- 1. مسند أحمد 1 : 293 و 316 و 322 ، مستدرك الحاكم 3 : 185 ، اُسد الغابة 5 : 437 ، جمع الجوامع 1 : 131.
2- 2. مستدرك الحاكم 3 : 160 ، مقتل الخوارزمي : 61 ، ودون ذيله في امالي الطوسي 1 : 18.
3- 3. الذرية الطاهرة للدولابي 140 / 175 ، أمالي الطوسي 2 : 140 ، مناقب ابن شهر آشوب 3 : 333 ، سنن أبي داود 4 : 355/5217 ، صحيح الترمذي 5 : 700 / 3872 ، مستدرك الحاكم 3 : 154 و 160 و 4 : 172 ، سنن البيهقي 7 : 101 ، ذخائر العقبى : 40 و 41.

فأجد منها ريح الجنّة ، وأجد منها رائحة شجرة طوبى ، فهي إنسيّة سماويّة» (1).

وما رواه أصحابنا رضي اللّه عنهم من لأخبار الدالّة على خصوصيّتها من بين أولاد الرسول صلی اللّه علیه و آله بشرف المنزلة ، وبينبونتها عن جميع نساء العالمين بعلّو الدرجة فأكثر من أن يحصر ، فلنقنتصر على ما ذكرناه.

وكان ممّا تممّ اللّه تعالى به شرف أمير المؤمنين علیه السلام في الدنيا وكرامته في الآخرة أن خصّه بتزويجها إيّاه ، كريمة رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ، وأحبّ الخلق إليه ، وقرّة عينه ، وسيدة نساء العالمين.

فممّا روي في ذلك ما صحّ عن أنس بن مالك قال : بينما النبيّ صلی اللّه علیه و آله جالس إذ جاء عليّ علیه السلام فقال : «يا عليّ ما جاء بك؟».

قال : «جئت اُسلّم عليك».

قال : «هذا جبرئيل يخبرني أنّ اللّه تعالى زوّجك فاطمة ، وأشهد على تزويجها أربعين ألف ألف ملك ، وأوحى اللّه تعالى إلى شجرة طوبى أن : اُنثري عليهم الدرّ والياقوت ، فنثرت عليهم الدر والياقوت فابتدرت إليه الحور العين يلتقطن في أطباق الدر والياقوت ، وهنّ يتهادينه بينهنّ إلى يوم القيامة» (2).

وعن ابن عبّاس قال : لمّا كانت الليلة التي زفّت بها فاطمة إلى عليّ علیهماالسلام كان رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله أمامها ، وجبرئيل عن

ص: 297


1- 1. تفسير علي بن إبراهيم 1 : 365 باختصار ، فرائد السمطين 2 : 51 / 381 باختلاف يسير.
2- 2. مناقب ابن شهر آشوب 3 : 346 ، ونحوه في مناقب ابن المغازلي : 343 / 395.

يمينها ، وميكائيل عن يسارها ، وسبعون ألف ملك من خلفها ، يسبّحون اللّه ويقدّسونه(1).

وافتخر أمير المؤمين علیه السلام بتزويجها في مقام بعد مقام :

روى أبو إسحاق الثقفي بإسناده ، عن حكيم بن جبير ، عن الهجريّ ، عن عمّه قال : سمعت عليّاً علیه السلام يقول : «لأقولنّ قولاً لم يقله أحدٌ بعدي إلاّ كذّاب ، أنا عبداللّه ، وأخو رسوله ، وريث نبيّ الرحمة ، وتزوّجت سيّدة نساء الاُمّة ، وأنا خير الوصيّين»(2)

والأخبار في هذا النحو كثيرة ، وروى الثقفي بإسناده عن بريدة قال : لمّا كان ليلة البناء بفاطمة علیهاالسلام قال لعليّ : «لا تحدث شيئاً حتّى تلقاني» فاتى النبيّ صلی اللّه علیه و آله بماء - أوقال : دعا بماء - فتوضّأ ثمّ أفرغه على عليّ علیه السلام ثمّ قال : «اللّهم بارك فيهما ، وبارك عليهما ، وبارك لهما في شبليهما»(3).

وروى بإسناده عن شرحبيل بن أبي سعيد قال : لمّا كان صبيحة عرس فاطمة جاء النبيّ صلی اللّه علیه و آله بعسّ فيه لبن فقال لفاطمة :

ص: 298


1- 1. مناقب ابن شهر آشوب 3 : 354 ، كشف الغمة 1 : 353 ، تاريخ بغداد 5 : 6 / 2354 ، مناقب الخوارزمي : 341 / 362 ، ذخائر العقبى : 32 ، فرائد السمطين 1 : 96 / 65.
2- 2. أمالي الطوسي 1 : 83 دون ذكر «وأنا خير الوصيين» ، كشف الغمة 1 : 473 باختلاف يسير ، وقطعة منه في المصحف لابن أبي شيبة 1 : 62 / 12128 ، وخصائص النسائي 85 / 67 وتاريخ ابن عساكر - ترجمة الاِمام علي علیه السلام - 1 : 134 / 164 ، وفرائد السمطين 1 : 227 / 177.
3- 3. الذرية الطاهرة للدولابي : 96 ذيل حديث 87 ، كشف الغمة 1 : 365 ، المعجم الكبير للطبراني 2 / 20 ذيل حديث 1153 ، إلا أنه فيه «أبنائهما» بدل «شبليهما» ، واُسد الغابة 6 : 222 وفيه «نسلهما» بدل «شبليهما» ، ونقله الهيثمي في مجمع الزوائد : 9 / 209 عن البزار بدون إختلاف ، وذكر ذيله ابن شهر آشوب في المناقب 3 : 355.

« اشربي فداك أبوك » وقال لعليّ علیه السلام : «اشرب فداك ابن عمّك» (1).

ص: 299


1- 1. مناقب ابن شهر آشوب 3 : 356 ، كشف الغمة 1 : 473.

(الفصل الثالث): في ذكر وقت وفاتها ، وموضع قبرها سلام اللّه عليها

روي : أنّها توفّيت صلوات اللّه عليها [ في ] الثالث من جمادى الآخرة سنة إحدى عشرة من الهجرة ، وبقيت بعد النبيّ صلی اللّه علیه و آله خمسة وتسعين يوماً(1) ، وروي : أربعة أشهر(2).

وتولّى أمير المؤمنين علیه السلام غسلها (3) وروي : أنّه أعانه على غسلها أسماء بنت عميس ، وأنها قالت : أوصت فاطمة أن لا يغسّلها إذا ماتت إلاّ أنا وعليّ صلوات اللّه وسلامه عليه ، فغسّلتها أنا وعليّ(4).

وصلّى عليها أمير المؤمنين ، والحسن والحسين علیهم السلام ، وعمّار ، والمقداد ، وعقيل ، والزبير ، وأبو ذرّ ، وسلمان ، وبريدة ، ونفر من بني هاشم في جوف الليل.

ودفنها أمير المؤمنين علیه السلام سرّاً بوصيّة منها في ذلك(5)

ص: 300


1- 1. الذرية الطاهرة للدولابي 151 / 199 ، كشف الغمة 1 : 503.
2- 2. مناقب ابن شهر آشوب 3 : 357 ، الاصابة 4 : 379.
3- 3. الكافي 1 : 382 / 4 ، علل الشرائع : 184 ، دلائل الاِمامة : 46 ، تاج المواليد (ضمن مجموعة نفيسة) : 98 ، الاستيعاب 4 : 379.
4- 4. الذرية الطاهرة للدولابي 152 / 202 ، مناقب ابن شهر آشوب 3 : 364 ، كشف الغمة 1 : 500 ، مستدرك الحاكم 3 : 163 ، الاستيعاب 4 : 379 ، ذخائر العقبى : 53 ، الاصابة 4 : 378.
5- (5) انظر : الهداية الكبرى : 178 ، روضة الواعظين : 152 ، تاج المواليد (ضمن مجموعة نفيسة) : 98 ، مناقب ابن شهر آشوب 3 : 363 ، صحيح البخاري 5 : 177 ، صحيح مسلم 3 : 1380 / 1759 ، طبقات ابن سعد 8 : 229 ، مصنف عبد الرزاق 5 : 427 ، سنن البيهقي 6 : 300 ، تاريخ الطبري 3 : 208 ، مشكل الآثار 1 : 48 ، مستدرك الحاكم 3 : 162 ، الاستيعاب 4 : 2. اُسد الغابة 5 : 524.

وأمّا موضع قبرها فاختلف فيه ، فقال بعض أصحابنا : إنّها دفنت في البقيع (1).

وقال بعضهم : إنّها دفنت في بيتها فلمّا زادت بنو اُمّية في المسجد صارت في المسجد (2).

وقال بعضهم : إنّها دفنت فيما بين القبر والمنبر(3) ، وإلى هذا أشار النبيّ صلی اللّه علیه و آله بقوله : «ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنّة» (4).

والقول الأول بعيد ، والقولان الآخران أشبه وأقرب إلى الصواب ، فمن استعمل الاحتياط في زيارتها زارها في المواضع الثلاثة.

هذا آخر ما أردنا إثباته من الركن الأوّل ، وباللّه التوفيق.

ص: 301


1- تاج المواليد ( ضمن مجموعة نفيسة ) : 99 ، مناقب ابن شهر آشوب 3 : 357 ، كشف الغمة 1 : 501.
2- الكافي 1 : 383 / 9 ، الفقيه 1 : 148 / 684 ، عيون أخبار الرضا علیه السلام 1 : 311 / 76 ، معاني الأخبار 1 : 268 / 1 ، ذخائر العقبى : 54.
3- معاني الأخبار 267 / 1 ، تاج المواليد ( ضمن مجموعة نفيسة ) : 99 ، روضة الواعظين : 152.
4- الكافي 4 : 553 / 1 و 554 / 3 و 5 و 555 / 8 ، الفقيه 2 : 339 / 1572 ، التهذيب للطوسي 6 : 7/12 ، الموطأ 1 : 97 / 10 و 11 ، صحيح البخاري 2 : 77 ، صحيح مسلم 2 : 1010 / 500 ، مسند أحمد 2 : 236 و 376 و 438 و 466 و 533 و 3 : 4 و 4 : 39 و 40 ، صحيح الترمذي 5 : 718 / 3915 و 719 / 3916 ، سنن النسائي 2 : 35 ، وفي جميعها إلاّ الفقيه ( بيتي بدل قبري ).

ص: 302

(الركن الثاني) من الكتاب

اشارة

في ذكر الاِمام الأوّل ، والوصيّ الأفضل ، وأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام ، وتاريخ مولده ، ومدّة عمره ، ودلائل إمامته ، وطرف من مناقبه

ويشمل على خمسة أبواب :

ص: 303

ص: 304

(الباب الأول): في ذكر مولده عليه السلام ، وتاريخ عمره ونبذ من خبر ولادته ووفاته

اشارة

[وفيه] ثلاثة فصول :

ص: 305

(الفصل الأول): في ذكر ميلاده عليه السلام

ولد علیه السلام بمكّة في البيت الحرام يوم الجمعة الثالث عشر من شهر اللّه الأصم رجب بعد عام الفيل بثلاثين سنة ، ولم يولد قطّ في بيت اللّه تعالى مولود سواه لا قبله ولا بعده ، وهذه فضيلة خصّه اللّه تعالى بها إجلالاً لمحلّه ومنزلته وإعلاءً لرتبته.

واُمّه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف ، وكانت من رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله بمنزلة الاُمّ ، وربّي في حجرها ، وكانت من سابقات المؤمنات إلى الاِيمان ، وهاجرت معه إلى المدينة ، وكفّنها النبيّ صلی اللّه علیه و آله عند موتها بقميصه ؛ ليدرأ به عنها هوامّ القبر ، وتوسّد في قبرها ؛ لتأمن بذلك من ضغطة القبر ، ولقّنها الاِقرار بولاية ابنها كما اشتهرت به الرواية.

فكان أمير المؤمنين علیه السلام هاشميّاً من هاشميّين ، وأوّل من ولده هاشم مرّتين (1).

ص: 306


1- 1. انظر : الكافي1 : 376 و 377 / 2 ، ارشاد المفيد 1 : 5 ، التهذيب للطوسي 6 : 19 ، تاج المواليد (ضمن مجموعة نفيسة) : 88 و 89 ، مستدرك الحاكم 3 : 180 ، مناقب ابن المغازلي : 6 / 2 و 3 ، مناقب الخوارزمي : 12 و 13 ، اُسد الغابة 5 : 517 ، الرياض النضرة 3 : 104 ، الفصول المهمة 30 و 31.
(الفصل الثاني): في ذكر أسمائه وألقابه عليه السلام

وأسماؤه في كتب اللّه تعالى المنزّلة كثيرة ، أوردها أصحابنا رضي اللّه عنهم في كتبهم ، وكنيته المشهورة أبو الحسن ، وقد كنّي أيضاً : بأبي الحسين ، وأبي السبطين ، وأبي الريحانتين.

وكنّاه رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله أبي تراب لمّا رآه ساجداً معفّراً وجهه في التراب (1).

ولقبه أمير المؤمنين ، خصّه النبيّ صلی اللّه علیه و آله به لمّا قال : «سلّموا على عليّ بإمرة المؤمنين» (2).

ولم يجوّز أصحابنا رضي اللّه عنهم أن يطلق هذا اللفظ لغيره من الأئمة علیهم السلام وقالوا : إنّه انفرد بهذا التلقيب فلا يجوز أن يشاركه في ذلك غيره.

وقد لقّبه رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : سيّد المسلمين ، وإمام المتّقين ، وقائد الغرّ المحجّلين ، وسيّد الأوصياء ، وسيّد العرب(3)في أمثال

ص: 307


1- 1. انظر : مسند أحمد 4 : 263 ، مستدرك الحاكم 3 : 140 ، مناقب ابن المغازلي 8 : 5 ، الرياض النضرة 3 : 105 و 160 ، ذخائر العقبى : 56.
2- 2. الكافي 1 : 231 / 1 ، عيون أخبار الرضا علیه السلام 2 : 68 / 312 ، ارشاد المفيد 1 : 48 ، أمالي المفيد : 18 / 7 ، أمالي الطوسي 1 : 295 و 340 ، مناقب ابن شهر آشوب 3 : 53.
3- 3. انظر : أمالي الصدوق : 19 / ذيل حديث 6 و 247 / 16 ، بشارة المصطفى : 18 و 165 ، مائة منقبة : 57 / 31 و 71 / 41 ، اليقين لابن طاووس : 10 ، مناقب الخوارزمي : 42 ، و 231.

لهذه كثيرة.

وهو أخو رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ، ووزيره ، ووصيّه ، وخليفته في اُمّته ، وصهره على ابنته الزهراء البتول فاطمة سيّدة نساء العالمين ، وهو المرتضى ، ويعسوب المؤمنين.

* * *

ص: 308

(الفصل الثالث): في ذكر وقت وفاته ، ومدة خلافته ، وتاريخ عمره عليه السلام

وقبض ليلة الجمعة لتسع بقين من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة قتيلاً شهيداً ، قتله عبدالرحمن بن ملجم المرادي لعنه اللّه - وقد خرج لصلاة الفجر ليلة تسعة عشر من شهر رمضان وهو ينادي «الصلاة الصلاة» - في المسجد الأعظم بالكوفة ، فضربه بالسيف على أمّ رأسه ، وقد كان ارتصده من أول الليل لذلك ، وكان سيفه مسموماً. فمكث علیه السلام يوم التاسع عشر وليلة العشرين ويومها وليلة الحادي والعشرين إلى نحو الثلث من الليل ثمّ قضى نحبه علیه السلام (1) ، وقد كان يعلم ذلك قبل أوانه ويخبر به الناس قبل أيّانه.

فقد اشتهر في الرواية : أنّه علیه السلام كان لما دخل شهر رمضان يتعشّى ليلة عند الحسن علیه السلام ، وليلة عند الحسين علیه السلام ، وليلة عند عبداللّهّ بن العبّاس ، والأصحّ عبداللّه بن جعفر ، وكان لا يزيد على ثلاث لقم ، فقيل له في ذلك فقال : «يأتيني أمر ربي وأنا خميص ، إنما هي ليلة أو ليلتان » ، فأصيب علیه السلام في آخر تلك الليلة (2).

ص: 309


1- 1. انظر : الكافي 1 : 376 ، ارشاد المفيد 1 : 19 ، كشف الغمة 1 : 436 ، اثبات الوصية للمسعودي : 132 ، مناقب الخوارزمي : 284 ، ذخائر العقبى : 115 ، الفصول المهمة 138 و 139.
2- 2. ارشاد المفيد 1 : 14 ، روضة الواعضين : 135 ، الخرائج والجرائح 1 : 201 / 41 ، مناقب ابن شهرآشوب 2 : 271 ، مناقب الخوارزمي : 283 ، الكامل في التاريخ : 3 : 388 ، اُسد الغابة 4 : 35 ، الفصول المهمة : 139.

وروى أصبغ بن نباتة قال : خطبنا أمير المؤمنين علیه السلام في الشهر الذي قتل فيه فقال : «أتاكم شهر رمضان ، وهو سيّد الشهور وأوّل السنة ، وفيه تدور رحى السلطان ، ألا وإنّكم حاجّوا العام صفّاً واحداً ، واية ذلك أنّي لست فيكم » قال : فهو ينعى نفسه علیه السلام ونحن لا ندري(1)