التقية في فقه أهل البيت(علیهم السلام)
تقريراً لبحث
سماحة آية الله
الحاج الشيخ مسلم الداوري
(دام ظلّه)
الجزء الأول
محمّد علي المعلّم
محرر رقمي:محمد المنصوري
ص: 1
التقية في فقه أهل البيت(علیهم السلام)
تقريراً لبحث
سماحة آية الله
الحاج الشيخ مسلم الداوري
(دام ظلّه)
الجزء الأول
محمّد علي المعلّم
ص: 2
التقية في فقه أهل البيت عليهم السلام ج1
تقريراً لبحث سماحة آية الله الشيخ مسلم الداوري (دام ظله)
المؤلف : محمد علي صالح المعلم
الناشر:دارالهدی
المطبعة:ظهور
الطبعة الثانیه:1426 ه ق
عدد المطبوع:1000
الشابك ج1:
ص: 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ اَلْرَحیمْ
ص: 4
عکس

ص: 5
ص: 6
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمّد وآله الغر الميامين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.
وبعد ...
فهذا بحث فقهي استدلالي لإحدى المسائل التي يكثر الابتلاء بها، انتزعناه من المحاضرات الفقهية المفصّلة، والتي كان يتفضّل بها سماحة العلامة الاُستاذ آية الله الشيخ مسلم الداوري (دام ظلّه) على طلابه . وقد اتسع البحث وامتد ليشمل جميع موارد التقية في جميع أبواب الفقه الواردة في روايات أهل البيت (علیهم السلام). وآثرنا إفراده في كتاب مستقل؛ نظراً لأهمية موضوعه ولتشعّب فروعه.
وقبل الدخول في موضوع البحث نمهّد له بحديث يتناول التقية عبر التاريخ؛ للتأكيد على أنّها إحدى السمات البارزة في الشرائع السماوية السابقة، ونؤيّد ذلك بذكر الشواهد التاريخية من حياة الأنبياء والأولياء والمصلحين.
ونسأل الله تبارك وتعالى أن يمدّنا بالعون والتوفيق وأن يجعله عملاً خالصاً لوجهه الكريم، ومحلّاً لرضاه، بحق محمّد وآله الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين.
والحمد لله ربّ العالمين
ص: 7
ص: 8
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.
يعود تاريخ التقية إلى اللحظة التي أحسّ فيها الإنسان بعجزه عن درء الخطر عن نفسه أو عن معتقده، ولم يكن ثمّة ما يبرّر مواجهة الخطر أو مقاومته. وهي فترة موغلة في القدم بقدم وجود الإنسان على الأرض؛ ذلك لأنّ للإنسان حالات طبيعية تعتريه ومنها الخوف. وهو أحد الحالات التي جبلت عليها فطرة الإنسان، ويستوي فيها جميع بني البشر لا يشذّ عنها أحد، إلاّ اُولئك الذين زوُّدوا بطاقات خاصة وكفاءات معيّنة أمكنتهم من الوقوف على أسرار الكون والعلم بحقائق الأشياء، وكانوا في كل حركاتهم وسكناتهم مع الله تعالى، وهؤلاء لا يعتريهم ما يعتري سائر البشر من الاضطراب النفسي والقلق وعدم الاطمئنان، وإذا كان هؤلاء يخافون فإنما يخافون على اُمور اُخر تعود إلى ما يحملون من مبادىء وقيم يخشون عليها من أن تقع في غير مواضعها فيساء استغلالها، ويتمثّل هذا المعنى في الصفوة المنتجبة من البشر، وهم السفراء بين الحق والخلق؛ فإنّ شأن المعصومين (علیهم السلام) غير شأن سائر الناس، وإن كانوا يجرون على مقتضى السنن الطبيعية لحكم ومصالح وأسرار. وعلى كل تقدير فالخوف هو المنشأ الطبيعي للتقية.
ثم إنّ التقية بمفهومها الواسع لا تقتصر على جانب من جوانب الحياة دون
ص: 9
آخر، بل تعم جميع ما يتّخذه الإنسان من الأساليب المتاحة له لدفع الأخطار عن نفسه أو عن من يهمه أمره، سواء كانت الأخطار طبيعية أو غير طبيعية. فالإنسان يلجأ إلى دفع ما يتهدده من أخطار الطبيعة من حرّ أو قرّ أو جوع أو مرض أو سبع أو نحو ذلك، ويتوسل بأساليب شتّى لئلّا يقع ضحيتها، بل قد يتخذ الأساليب الوقائية عن الأخطار المحتملة.
ولكن لما كانت هذه الاُمور الطبيعية لا جدال فيها ولا نقاش؛ لاتفاق البشر وغير البشر عليها، اتخذ البحث عن التقية منحى آخر، وهو ما يواجهه الإنسان من أخطار غير طبيعية ناشئة عن ظلم الإنسان لأخيه الإنسان في ظل ظروف اجتماعية أو سياسية معينة، كما أنّها قد تكونإحدى الوسائل لإيصال المعارف الإلهيّة إلى من يصعب إفهامه إياها بصورة مباشرة.
فالتقية حالة علاجية مؤقتة قد يتوسل بها الإنسان لدفع الخطر بإظهار الموافقة وكتمان المخالفة في ظروفه الصعبة. وقد يتوصل بها لتهيئة الأذهان وإعداد النفوس لتقبّل الحقائق، نظير ملاطفة الأطفال والتصابي لهم ومداراتهم، وهي إحدى الركائز الفطرية التي يستند إليها الإنسان، وكان دور الدين فيها هو الإمضاء والتقرير، بل عدّها من صميم الدين وسنة من سنن الأنبياء (علیهم السلام) والأولياء (علیهم السلام)، وأكّدها القرآن الكريم في نصوصه الصريحة، وحدّدت كيفيتها ومواضعها الآثار الدينية الاُخرى.
وإنّ من أقسى ما يواجهه الإنسان أن تكبّل حريته فلا يسعه البوح بما يرى ويعتقد، في الوقت الذي يكون اعتقاده حقاً ورأيه صواباً، فيضطر إلى الكتمان إبقاء على نفسه وحفاظاً على حياته، الأمر الذي يمكن معه الجزم بأنّ كثيراً من الحقائق قد ضاعت أو اُهملت؛ لأنّها لم تعط الفرصة للظهور، ولو لم يكن الأمر كذلك لتغيّر وجه التاريخ، ولكانت الإنسانية تعيش ظروفاً أفضل ممّا هي عليه.
ص: 10
ولمّا كان موضوع التقية يتسع للكثير من القول، آثرنا الحديث عنها - في هذه المقدمة - من وجهتها التاريخية؛ لأنّ هذا الجانب هو أقوى ما تثبت به السيرة العملية - أي من خلال سيرة الأنبياء والأولياء (علیهم السلام) - التي هي أحد الأدلة المسلّمة والمتّفق عليها عند المسلمين. وليس الغرض إلّا التأكيد على صحة ما هو ثابت من مذهب أهل البيت (علیهم السلام) من أمر التقية، وإقامة الحجة على من خالفهم واتهمهم زوراً وبهتاناً؛ إمّا لقصور في الإدراك أو لاعوجاج في السليقة، وعدم الفهم الصحيح لاُصول الدين وأحكامه.
ويمكننا تقسيم البحث إلى قسمين رئيسين:
الأول: التقية قبل الإسلام.
الثاني: التقية بعد الإسلام.
ذكرنا أن التقية تعود إلى فترة موغلة في القدم وأنها بدأت مع شعور الإنسان بعجزه عن مواجهة الخطر، ولإثبات هذا الأمر نستعرض جملة من النصوص الدينية والتاريخية تؤكد هذه الحقيقة، وسنعتمد فيما نذكر من الأدلة والشواهد على الآيات القرآنية، وعلى ما اُثر من الروايات،والحوادث التاريخية الواردة من طرق الشيعة والسنة حتى لا يبقى مجال للتوهم والإرتياب في حقيقة التقية ثبوتاً وإثباتاً:
إنّ أول جريمة قتل سُفِك فيها الدم الحرام هي الجريمة النكراء التي قتل الأخ فيها أخاه حسداً وعدواناً، وقد تحدّث القرآن الكريم عن تلك الواقعة فقال
ص: 11
تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ * لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنْ الْخَاسِرِينَ)(1).
كما تحدّث التاريخ عن هذا الحدث، وكشفت الروايات عن كثير من ملابساته، وقد نصّت على أن هابيل كان وصياً لآدم (علیه السلام) وبعد شهادته انتقلت الوصية إلى أخيه شيث - وتفسيره هبة الله(2) - ، وكان هذا الأخير أول من مارس التقية خوفاً من بطش قابيل وعدوانه.
روى القطب الراوندي في قصص الأنبياء بإسناده عن محمّد بن سنان عن إسماعيل بن جابر عن عبد الحميد بن أبي الديلم عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: إن قابيل أتى هبة الله (علیه السلام) فقال له: إن أبي قد أعطاك العلم الذي كان عنده، وأنا كنت أكبر منك وأحق به منك، ولكن قتلت ابنه فغضب علي فآثرك بذلك العلم عليّ، وإنك والله إن ذكرت شيئاً مما عندك من العلم الذي ورثك أبوك لتكبر به عليّ وتفتخر عليّ لأقتلنّك كما قتلت أخاك، فاستخفى هبة الله بما كان عنده من العلم لتنقضي دولة قابيل، ولذلك يسعنا في قومنا التقية لأن لنا في ابن آدم أسوة(3).
ورواها صاحب البحار عن قصص الأنبياء بسند صحيح إلى هشام بن الحكم وفيها: فحدّث هبة الله بالميثاق سراً، فجرت السنة والله بالوصية من هبة الله في ولده يتوارثونها عالم بعد عالم، فكانوا يفتحون الوصية كلسنة يوماً . الحديث(4)
ص: 12
وفي رواية اُخرى عن قصص الأنبياء أيضاً بإسناده عن زرارة مثله، وزاد فيه: ثمّ قال أبو عبد الله بيده إلى فمه فأمسكه، يعلمنا أي هكذا أنا ساكت، فلا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة معشر شيعتنا فتمكّنوا عدوكم من رقابكم فتكونوا عبيداً لهم بعد إذ أنتم أربابهم وساداتهم، فإن في التقية منهم لكم ردّاً عما قد أصبحوا فيه من الفضائح بأعمالهم الخبيثة علانية، وما يرون منكم من تورعكم عن المحارم وتنزهكم عن الأشربة السوء والمعاصي وكثرة الحج والصلاة وترك كلامهم...(1).
وجاء في كتاب مختصر بصائر الدرجات بسند صحيح إلى هشام بن الحكم عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: أوصى آدم إلى هابيل فحسده قابيل فقتله، ووهب الله له هبة الله وأمره أن يوصي إليه وأن يسرّ ذلك، فجرت السنة في ذلك بالكتمان والوصية، فأوصى إليه وأسر ذلك، فقال قابيل لهبة الله: إني قد علمت أن أباك قد أوصى إليك، وأنا اُعطي الله عهداً لئن أظهرت ذلك أو تكلمت لأقتلنك كما قتلت أخاك (2)
ونقل في كتابه المحتضر عن كتاب الشفاء والجلاء بإسناده عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (علیه السلام) قصة آدم مفصلة، إلى أن قال: أوحى الله إليه (آدم): قد انقضت نبوتك وفنيت أيامك، فانظر إلى اسم الله الأعظم وما علّمتك من الأسماء كلها وأثرة النبوة وما تحتاج الناس إليه فادفعه إلى شيث، وأمره أن يقبله بكتمان وتقية عن أخيه لئلاّ يقتله كما قتل هابيل، فإنه سبق في علمي أن لا أخلي الأرض من عالم يعرف به ديني ويكون فيه نجاة لمن تولاه فيما بينه وبين العالم الذي آمره بإظهار ديني ... فأقبل قابيل على شيث وقال له: أين الذي دفعه إليك أبوك مما كان دفعه إلى هابيل؟ فأنكر ذلك وعلم أنّه إن أقرّ قتله، فلم يزل شيث يخبر
ص: 13
العقب من ذريته ويبشرهم ببعثة نوح ويأمرهم بالكتمان ...(1)
ونستفيد من هذه النصوص أنّ التقية وليدة العجز عن مقاومة الظالم أو اقتضاء المصلحة عدم مقاومته، وأنها أمر فطري مركوز في نفس الإنسان فإن التواصي بالكتمان، وفي التهديد بالقتل، وفي إنكار شيث أن يكون عنده شيء من الإرث، شواهد على أن حفظ الحق عن غير أهله،والإبقاء على النفس وحمايتها من شر المعتدي قد يقتضي مسايرة الظالم وإظهار موافقته وإن انعقد القلب على خلافه، وهذه سنة جرى عليها الأنبياء والأولياء والمصلحون، فقد روى الصدوق بسند معتبر عن أبي حمزة الثمالي - في رواية مفصلة - جاء فيها: فلبث هبة الله والعقب منه مستخفين بما عندهم من العلم والإيمان والاسم الأكبر وميراث العلم وآثار النبوة حتى بعث نوح ... وكذلك جرى حتى بعث الله تبارك وتعالى محمّداً (صلی الله علیه و آله و سلم) ... وكان ما بين آدم ونوح من الأنبياء مستخفين ومستعلنين ولذلك خفي ذكرهم في القرآن ... وكان بين نوح وهود الأنبياء مستخفين ومستعلنين ... فجرى بين كل نبي ونبي عشرة آباء وتسعة آباء وثمانية آباء كلهم أنبياء، وجرى لكل نبي ما جرى لنوح، وكما جرى لآدم وهود وصالح وشعيب وإبراهيم حتى انتهى إلى يوسف بن يعقوب ... ثمّ أرسل عيسى إلى بني إسرائيل خاصة فكانت نبوّته ببيت المقدس، وكان من بعده من الحواريين اثنا عشر، فلم يزل الإيمان يستتر في بقية أهله منذ رفع الله عزوجل عيسى وأرسل الله عزوجل محمداً (صلی الله علیه و آله و سلم) إلى الجن والإنس الحديث(2)
وروى الطبري في تاريخه هذا المعنى فقال: حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبو داود عن يعقوب عن جعفر بن سعيد ... وذكر أن آدم (علیه السلام) مرض قبل موته أحد عشر يوماً، وأوصى إلى ابنه شيث (علیه السلام) وكتب وصيته، ثمّ دفع كتاب وصيّته
ص: 14
إلى شيث، وأمره أن يخفيه عن قابيل وولده لأن قابيل قد كان قتل هابيل حسداً منه حين خصّه آدم بالعلم، فاستخفى شيث وولده بما عندهم من العلم ولم يكن عند قابيل وولده علم ينتفعون به(1)
ونقله أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه المنتظم في تاريخ الأمم والملوك(2)
وقال ابن الأثير في الكامل: ذكر أن آدم مرض أحد عشر يوماً وأوصى إلى ابنه شيث، وأمره أن يُخفي علمه عن قابيل وولده لأنه قتل هابيل حسداً منه له حين خصّه آدم بالعلم، فأخفى شيث وولده ما عندهممن العلم، ولم يكن عند قابيل وولده علم ينتفعون به(3)
وفي ذلك دلالة على أن ممارسة التقية أمر خاضع للظروف الدائرة بين المد والجزر والشدة والضعف، ولذلك كان الاستخفاء من بعض الأنبياء والاستعلان من آخرين.
إن خليل الرحمن وهو بطل التوحيد - الذي وقف يقارع الشرك ويفنّد مزاعم المشركين، كما أشار القرآن الكريم إلى بعض مواقفه العظيمة في جهاده ضد الكفر والكافرين حتى ضاق به قومه ذرعاً فتآمروا على إحراقه بالنار: (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنْ اللاَّعِبِينَ * قَالَ بَل
ص: 15
رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنْ الشَّاهِدِينَ * وَتَاللهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ * فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ * قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنْ الظَّالِمِينَ * قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ * قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ * قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ)(1) - قد واجه في حياته من القضايا ما دفعه إلى التقية، إبقاء على حياته ودينه.
روى البخاري - بعدة طرق - قال: لم يكذب إبراهيم عليه الصلاة والسلام إلاّ ثلاث كذبات، ثنتين منهن في ذات الله قوله: إني سقيم، وقوله: بل فعله كبيرهم، وقال: بينا ذات يوم وسارة إذ أتى على جبّار من الجبابرة، فقيل: إن هاهنا رجلاً معه امرأة من أحسن الناس، فأرسل إليه وسأله عنها فقال: من هذه؟ قال: اُختي فأتى سارة قال: يا سارة ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك وإن هذا سألني عنك فأخبرته أنك اُختي فلا تكذّبيني...(2).
وأوردها الثعلبي في قصصه وجاء فيه: إنه تخوّف إن قال: هي امرأتي أن يقتله(3)، ورواها ابن كثير في قصص الأنبياء(4) ، ونقلها الطبري في تاريخه(5) ،
ص: 16
وذكر نحوها أبو الفرج ابن الجوزي في المنتظم(1)
وقال الطبري في تاريخه أيضاً : ... ثمّ خرج إبراهيم مهاجراً إلى ربه، وخرج معه لوط مهاجراً، وتزوج سارة ابنة عمه، فخرج بها معه يلتمس الفرار بدينه والأمان على عبادة ربّه حتى نزل حرّان فمكث بها ما شاء الله أن يمكث، ثمّ خرج منها مهاجراً حتى قدم مصر وبها فرعون من الفراعنة الأولى، وكانت سارة من أحسن الناس فيما يقال فكانت لا تعصي إبراهيم شيئاً وبذلك أكرمها الله عزوجل، فلما وصفت لفرعون ووصف له حسنها وجمالها أرسل إلى إبراهيم فقال: ما هذه المرأة التي معك؟ قال: هي أختي، وتخوّف إبراهيم إن قال: هي امرأتي أن يقتله عنها، فقال لإبراهيم: زيّنها ثمّ أرسلها إليّ حتى أنظر إليها، فرجع إبراهيم إلى سارة وأمرها فتهيّأت ثمّ أرسلها إليه، فأقبلت حتى دخلت عليه، فلما قعدت إليه تناولها بيده فيبست إلى صدره ...(2)
وقد جاء في روايات أهل البيت (علیهم السلام) الإشارة إلى ذلك، فقد روى صاحب الوسائل في صحيحة أبي بصير، قال أبو عبد الله (علیه السلام): التقية من دين الله قلت: من دين الله !! قال: إي والله من دين الله، ولقد قال يوسف: أيتها العير إنكم لسارقون والله ما كانوا سرقوا شيئاً، ولقد قال إبراهيم: إني سقيم، والله ما كان سقيماً(3)
ويمكن تفسير ما ورد على لسان إبراهيم (علیه السلام) من قوله: إني سقيم وقوله:بل فعله كبيرهم وهكذا بالنسبة إلى قصة سارة بالتقية، فإنه أخفى دينه وعقيدته وحفظ نفسه بذلك وإن كان في صورة الإخبار بخلاف الواقع، وأما بالنسبة إلى
ص: 17
يوسف فتفسير قوله: أيتها العير إنكم لسارقون بالتقية غير واضح وسيأتي بعض التوضيح، نعم روى الثعلبي عن كعب قال: (يوسف) لا يمكنني حبسك إلاّ باشتهارك بأمر فظيع، فقال: لا أبالي إفعل ما تريد، فقال يوسف: أن أدس صاعي هذا في رحلك، ثمّ أنادي عليكم بالسرقة ليتهيّأ لي ردّك بعد تسريحك قال: افعل ...(1)
وروى الصدوق في معاني الأخبار بسنده عن سفيان بن سعيد قال: سمعت أبا عبد الله جعفر بن محمّد الصادق ' يقول: عليك بالتقية، فإنها سنة إبراهيم الخليل، (إلى أن قال:) وإن رسول الله إذا أراد سفراً دارى بغيره، وقال -: أمرني ربي بمداراة الناس كما أمرني بإقامة الفرائض، ولقد ادّبه الله عزوجل بالتقية فقال: ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم(2).
وهذه الرواية وإن جاءت بسند ضعيف إلاّ أن فيها تأييداً لما نحن فيه.
فإذا كانت التقية سنة إبراهيم الخليل وهو أحد اُولي العزم - في مواطن الخوف والدفاع عن النفس - فما ظنك بغيره من سائر الناس؟ الأمر الذي يؤكد أن موضوع التقية يستوي فيه جميع بني البشر عند حدوث دواعيه.
ونبي الله يوسف (علیه السلام) قد مارس التقية وهو في أوج عزه وسلطانه وقد اُوتي الجمال والعلم والكمال وأصبح الآمر الناهي في دولة الفراعنة و (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ)(3) وقد مني بحسد إخوته وابتلي بمحن شديدة كان السجن أحب إليه وأهون مما لاقاه، وقد تحدث القرآن الكريم عن ذلك
ص: 18
وأشارت إلى ذلك عدة من النصوص، ومنها ما رواه أبو بصير قال: سمعت أبا جعفر يقول: لا خير فيمن لا تقية له: ولقد قال يوسف: أيتها العير إنكم لسارقون وما سرقوا(1)
وفي رواية اُخرى - في سندها جعفر بن محمّد بن مسعود - عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: التقية من دين الله، قلت: من دين الله !! قال: إي والله من دين الله لقد قال يوسف: أيتها العير إنكم لسارقون والله ما كانوا سرقوا شيئاً(2).
وذكرنا آنفاً رواية اُخرى تشير إلى هذا المعنى أيضاً، كما ذكرنا ما أورده الثعلبي وقلنا: إنّ وجه التقية في ذلك غير واضح.
ولكن من المحتمل أنّ يوسف (علیه السلام) لم يكن قادراً على إبقاء أخيه عنده بغير هذا التدبير، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: (كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ الله)(3) ، وكان يوسف (علیه السلام) آنذاك تحت قدرة الملك وسلطانه ودينه، غير أنّه بحكمته (علیه السلام) وحسن سلوكه وتدبيره استطاع أن يجعل الملك - بعد ذلك - يتراجع عن دينه ويعتنق دين يوسف (علیه السلام) ويقرّ بنبوّته ويسير بسيرته في الناس وأصبح يوسف (علیه السلام) الآمر الناهي والسيد المطاع، وقد ورد هذا المعنى في بعض النصوص، روى الطبرسي ! بسنده الصحيح عن الحسن بن علي بن بنت إلياس (الوشاء) قال: سمعت الرضا (علیه السلام) يقول: وأقبل على جمع الطعام فجمع في السبع السنين المخصبة فكبسه في الخزائن، فلما مضت تلك السنون وأقبلت المجدبة، أقبل يوسف على بيع الطعام فباعهم في السنة الاُولى بالدراهم والدنانير حتى لم يبق بمصر وما حولها دينار ولا درهم إلاّ صار في مملكة يوسف، وباعهم في السنة الثانية بالحلي والجواهر حتى لم يبق بمصر وما حولها حلي ولا
ص: 19
جوهر إلاّ صار في مملكته ... وباعهم في السنة السابعة برقابهم حتى لم يبق بمصر وما حولها عبد ولا حر إلاّ صار عبد يوسف فملك أحرارهم وعبيدهم وأموالهم، وقال الناس: ما رأينا ولا سمعنا بملك أعطاه الله من الملك ما أعطاه هذا الملك حكماً وعلماً وتدبيراً.
ثم قال يوسف للملك: أيها الملك ما ترى فيما خوّلني ربي من ملك مصر وأهلها، أشر علينا برأيك فإني لم أصلحهم لأفسدهم، ولم أنجهم من البلاء لأكون بلاءً عليهم، ولكن الله تعالى أنجاهم على يدي، قال له الملك: الرأي رأيك، قال يوسف: إني اُشهد الله واُشهدك أيها الملك أني قد أعتقت أهل مصر ورددت عليهم أموالهم وعبيدهم ورددت عليك أيها الملك خاتمك وسريرك وتاجك على أن لا تسير إلاّ بسيرتي ولا تحكم إلاّبحكمي، قال له الملك: ذلك لزيني وفخري أن لا أسير إلاّ بسيرتك ولا أحكم إلاّ بحكمك، ولولاك ما قويت عليه، ولا اهتديت له، ولقد جعلتك سلطاناً عزيزاً لا يرام، وأنا أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأنّك رسوله، فأقم على ما ولّيتك فإنك لدينا مكين أمين(1)
لقد تحدث القرآن الكريم في العديد من الآيات عن موسى (علیه السلام) وعن مواقفه الشجاعة في مواجهة فرعون، وأشاد بمقامه وفضّله على كثير من الرسل حيث اختصه بكلامه (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ ...)(2)، إلاّ أنّه مع ذلك قد مارس التقية في بعض أدوار حياته في تبليغه الرسالة للناس وقد فسر ما ورد في الآيات التي ذكرت خوفه بأنه لم يكن يخاف على نفسه من القتل والإيذاء، وإنما كان يخاف من غلبة الباطل على الحق، وكان يتوارى
ص: 20
ويترقب لئلاّ يؤخذ ويقتل فيضيع الحق بقتله، وكان يجري في اُموره على مقتضى السنن الطبيعية كما هو شأن سائر الأنبياء، فإنهم لا يلجأون إلى الوسائل الغيبية والإعجازية إلاّ في ظروف معينة مذكورة في محلها من علم الكلام.
ومما يدلّ على أن موسى (علیه السلام) قد مارس التقية ما ورد في صحيحة أبي حمزة الثمالي (وقد تقدم شطر منها) وجاء فيها: إنّ الله عزوجل قال لموسى وهارون: (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) يقول الله عزوجل: كنيّاه وقولا له: يا أبا مصعب(1) الحديث.
فالموقف اقتضى الملاينة في القول، لا إعلان الحرب عليه مع أن فرعون كان في أوج طغيانه.
والمستفاد من الآية الكريمة أن التقية مع فرعون مداراتية لا خوفية ويراد بها ترقيق القلب وتليينه، هذا بالنسبة إلى موسى (علیه السلام) .
وأما بالنسبة إلى أصحاب موسى (علیه السلام) فقد أشار القرآن الكريم إلى أن زمان فرعون كان زمان رهبة وبطش وقهر، ولم يكن الناس آمنين فيهعلى أرواحهم وأعراضهم (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ)(2) وتمادى فرعون في غيّه وضلاله: (فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى)(3) (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنْ الْكَاذِبِينَ)(4) ، وكان الخوف مهيمناً على الناس، وفي قصة ولادة موسى (علیه السلام) - كما تحدث عنها القرآن الكريم -
ص: 21
ما يكشف عن معاناتهم إلى حد لم يتمكن أحد من البوح بما في نفسه فضلاً عن إظهار المخالفة، فلما ظهر موسى بدعوته آمن به من آمن وكان إيمانهم في طي الكتمان، وقد حفظ لنا التاريخ أسماء بعض المؤمنين واشار القرآن إلى بعضهم فمنهم:
كما تحدث عنه القرآن: (وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ)(1) وذكر ابن كثير في قصصه: (أن هذا الرجل هو ابن عم فرعون وكان يكتم إيمانه من قومه خوفاً منهم على نفسه، وزعم بعض الناس أنّه كان إسرائيلياً وهو بعيد ومخالف لسياق الكلام لفظاً ومعنى)(2) ، واختلف في اسمه فقيل: شمعان، قال الدارقطني: لا يعرف من اسمه شمعان بالشين المعجمة إلاّ مؤمن آل فرعون، حكاه السهيلي، وفي تاريخ الطبراني: أن اسمه خير(3)
والغرض أن هذا الرجل كان يكتم إيمانه، فلما همّ فرعون بقتل موسى (علیه السلام) وعزم على ذلك وشاور ملأه فيه، خاف هذا المؤمن على موسى فتلطّف في ردّ فرعون بكلام جمع فيه الترغيب والترهيب، فقال على وجه المشورة والرأي: (أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللهُ...)(4) وقال فرعون في جوابه: (مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى ...)(5)
وذكر الثعلبي أنّه كان حزقيل وهو من أصحاب فرعون وكان نجاراً، وهو الذي صنع لأم موسى التابوت حين ولدته وألقته في البحر، وقيل: إنه كان خازناً لفرعون قد خزن له مائة سنة، وكان مؤمناً مخلصاً يكتم إيمانه، إلى أن ظهر موسى
ص: 22
على السحرة فأظهر حزقيل أمره(1) وجاء في روايات أهل البيت (علیهم السلام) تشبيه أبي طالب في إيمانه وكتمانه بمؤمن آل فرعون، فقد روى فخار بن معد الموسوي بإسناده عن ابن بابويه عن محمّد بن القاسم المفسر عن يوسف بن محمّد بن زياد عن العسكري (علیه السلام) في حديث قال: إن أبا طالب كمؤمن آل فرعون يكتم إيمانه(2) وسيأتي تشبيهه بأصحاب الكهف كما سيأتي الحديث - مفصلاً - عن أبي طالب (علیه السلام) .
وجاء في تفسير الثعلبي بالإسناد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) قال: سبّاق الاُمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين أبداً، علي بن أبي طالب، وصاحب يس، ومؤمن آل فرعون، فهم الصديقون، وعليّ أفضلهم(3)
وقد روى السيوطي في الدرّ المنثور روايات قريبة من هذا المضمون(4).
وكانت مؤمنة من إماء الله الصالحات، إلاّ أنها كانت مع بنات فرعون تخدمهن، ولها في إيمانها قصة معروفة ذكرها الثعلبي في قصص الأنبياء(5)
وهي امرأة فرعون (وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِيمِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)(6)، وقد جاء في روايات أهل البيت (علیهم السلام) أنّها من زوجات النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم)
ص: 23
في الجنة(1)
وقال الثعلبي: إن امرأة فرعون آسية، كانت من بني إسرائيل، وكانت مؤمنة مخلصة، وكانت تعبد الله سراً حتى إنها كانت لتتعلّل في قضاء حاجتها فتبرز فتصلي يومها في مبرزها خوفاً من فرعون، وكانت على تلك الحالة إلى أن قتل فرعون امرأة حزقيل ...(2)
فقد ذكر المؤرخون أنّ الملك لاجب وامرأته اربيل، وكان يستخلفها على رعيته إذا غاب عنهم، وهي تبرز للناس كما يبرز زوجها، وتركب كما يركب، وتجلس كما يجلس في مجلس القضاء، وتقضي بين الناس، وكانت قتّالة للأنبياء، وكان لها كانت مؤمن حكيم يكتم إيمانه وكان قد خلّص من بين يديها ثلاثمائة نبي كانت تريد قتلهم(3)
الذي صحبه موسى (علیه السلام) كما تحدث القرآن عنه (وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً)(4) واختلف في أنّه لا زال حياً وعلى ذلك كثير من الروايات، وذهب آخرون إلى أنّه توفي، وقد كان له من التقية نصيب، فقد جاء في قصص الأنبياء: أنّه كان ابن الملك فسلمه إلى المؤدب يؤدبه، وكان يختلف إليه، وكان بين منزله ومؤدبه رجل عابد كان يمرّ به فأعجبه حاله فألفه، وكان يجلس عنده والمعلم يظنّ أنّه في المنزل
ص: 24
وأبوه يظن أنّه عند المعلم حتى شبّ ونشأ فزوجه ... فقال لها: أنا مخبرك بأمر إن أنت سمعته صرف الله عنك شرّ الدنيا وعذاب الآخرة ... قال: إني رجل مسلم لست على دين أبي وليست النساء من حاجتي ...(1)
وقال ابن كثير: وقد روى الحافظ ابن عساكر بإسناده إلى السدي: أن الخضر وإلياس كانا أخوين، كان أبوهما ملكاً، فقال إلياس لأبيه: إن أخيالخضر لا رغبة له في الملك فلو أنك زوجته لعله يجيء منه ولد يكون الملك له، فزوجه أبوه بامرأة حسناء بكر، فقال لها الخضر: إنه لا حاجة لي في النساء، فإن شئت أطلقت سراحك وإن شئت أقمت معي تعبدين الله عزوجل وتكتمين عليّ سرّي فقالت: نعم وأقامت معه سنة ...(2)
هذا ولا يبعد أن يكون هناك آخرون آمنوا بالله وبموسى وكتموا إيمانهم وعاشوا بالتقية آنذاك ولم تصل إلينا أنباؤهم.
تحدّث القرآن الكريم عن أصحاب الكهف فقال: (إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى) (3) وأشار إلى ما لاقاه هؤلاء في حياتهم، وأن الله تعالى أرجعهم إلى الحياة بعد أن أماتهم مدة من الزمن بلغت أكثر من ثلاثمائة سنة. ويستفاد من قوله تعالى: (وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً)(4) ، أنهم آمنوا بالله أولاً وربط الله على قلوبهم، ثمّ قاموا في مجلس الملك أو فيما بينهم وأعلنوا إيمانهم، وقد كشفت
ص: 25
روايات الخاصة والعامة عن بعض التفاصيل التي أشار إليها القرآن حول أصحاب الكهف، فمن الخاصة ما جاء في موثقة درست الواسطي قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام): ما بلغت تقية أحد تقية أصحاب الكهف أن كانوا يشهدون الأعياد ويشدّون الزنانير، فأعطاهم الله أجرهم مرتين(1)
وفي تفسير العياشي عن عبد الله بن يحيى عن أبي عبد الله (علیه السلام) أنّه ذكر أصحاب الكهف، فقال: لو كلّفكم قومكم ما كلّفهم قومهم، فقيل: وما كلّفهم قومهم؟ فقال: كلّفوهم الشرك بالله العظيم، فأظهروا الشرك وأسروا الإيمان حتى جاءهم الفرج ...(2)
وفي إرشاد القلوب في حديث الجاثليق والأساقفة مع أبي بكر ثمّ مع أمير المؤمنين (علیه السلام) ... فإن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً، وكونوا في أهل ملتكم كأصحاب الكهف، وإيّاكم أن تفشوا أمركم إلى أهل أو ولد أوحميم أو قريب، فإن دين الله عزوجل الذي أوجب له التقية لأوليائه الحديث(3)
وروى الكاهلي عن أبي عبد الله (علیه السلام) أن أصحاب الكهف أسرّوا الإيمان وأظهروا الكفر، وكانوا على إجهار الكفر أعظم أجراً منهم على إسرار الإيمان(4)
وفي صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: إن مثل أبي طالب مثل أصحاب الكهف، أسرّوا الإيمان وأظهروا الشرك فآتاهم أجرهم مرتين(5)
وروى فخار بن معد الموسوي في كتابه (الحجة على الذاهب) بسنده عن عبد الرحمن بن كثير عن أبي عبد الله (علیه السلام) في حديث إن جبرئيل نزل على رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فقال: يا محمّد إنّ ربك يقرؤك السلام، ويقول لك: إن أصحاب الكهف
ص: 26
أسروا الإيمان وأظهروا الشرك فآتاهم الله أجرهم مرتين، وإن أبا طالب أسرّ الإيمان وأظهر الشرك فآتاه الله أجره مرتين، وما خرج من الدنيا حتى أتته البشارة من الله بالجنة(1)
ونقل الطبرسي في مجمع البيان اختلاف الأقوال في أحوالهم فقال: وقالوا: هؤلاء الفتية قوم آمنوا بالله تعالى وكانوا يخفون الإسلام خوفاً من ملكهم، وكان اسم الملك دقيانوس واسم مدينتهم افسوس، وكان ملكهم يعبد الأصنام ويدعو إليها ويقتل من خالفه، وقيل: إنه كان مجوسياً يدعو إلى دين المجوس والفتية كانوا على دين المسيح لما برح أهل الإنجيل، وقيل: كانوا من خواص الملك، وكان يسرّ كل واحد منهم إيمانه عن صاحبه، ثمّ اتفق أنهم اجتمعوا وأظهروا أمرهم فأووا إلى الكهف، عن عبيد بن عمير، وقيل: إنهم كانوا قبل بعث عيسى(علیه السلام) (2)
وأما ما ورد عن طريق العامة فقد روى الثعلبي: ... فخرجوا في عيد عظيم في زي وموكب، وأخرجوا معهم آلهتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله، فقذف الله في قلوبهم الإيمان، وكان أحدهم وزير الملك، فآمنوا وأخفى كل واحد منهم الإيمان عن صاحبه ...(3)
وفي الدر المنثور: أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: غزونا مع معاوية غزوة الضيق نحو الروم، فمررنا بالكهف الذي فيه أصحاب الكهف الذي ذكر الله في القرآن ... فقال: (ابن عباس): إنهم كانوا في مملكة ملك من الجبابرة فجعلوا يعبدون حتى عبدوا الأوثان، وهؤلاء الفتية في المدينة فلما رأوا ذلك خرجوا من تلك المدينة فجمعهم الله على غير ميعاد، فجعل بعضهم يقول لبعض: أين تريدون؟ أين تذهبون؟ فجعل بعضهم يخفي على بعض
ص: 27
لأنه لا يدري هذا على ما خرج هذا، ولا يدري هذا، فأخذوا العهد والمواثيق أن يخبر بعضهم بعضاً، فإن اجتمعوا على شيء وإلاّ كتم بعضهم بعضاً، فاجتمعوا على كلمة واحدة، فقالوا: ربنا رب السموات والأرض ...(1)
ونقل السيوطي في تفسيره ما أخرجه ابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) : أصحاب الكهف أعوان المهدي (2)
لم نقف على شيء من الآثار ينص على أن النبيّ عيسى (علیه السلام) قد مارس التقية إلاّ أنّه ورد أن بعض حواريه قد مارسها، ومنهم صاحب يس، وتختلف الروايات في التعريف بهذه الشخصية ففي بعض الروايات أنّه حبيب النجار أحد سباق الاُمم، فقد روى الثعلبي بإسناده عن ابن أبي ليلى عن أبيه قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): سبّاق الاُمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين، حزقيل مؤمن آل فرعون، وحبيب النجار مؤمن آل يس، وعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه وهو أفضلهم(3) ، وفي بعضها أنّه شمعون الصفا رأس الحواريين(4) ، وقيل هو سمعان(5) ، وقيل: شلوم(6) ، وأكثر المفسرين على أنّه شمعون الصفا(7)
وقد أشار القرآن الكريم إلى قصة اشتملت على التظاهر بعبادة الأصنام فقال تعالى: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ)(8)
ص: 28
نقل الطبرسي في تفسيره ... فلما كذِّب الرسولان وضربا، بعث عيسى شمعون الصفا رأس الحواريين على أثرهما لينصرهما، فدخل شمعون البلد متنكراً، فجعل يعاشر حاشية الملك حتى أنسوا به، فرفعوا خبره إلى الملك، فدعاه ورضي عشرته وأنس به وأكرمه، ثمّ قال له ذات يوم: أيها الملك أنك حبست رجلين في السجن وضربتهما حين دعواك إلى غير دينك، فهل سمعت قولهما؟ ...(1)
قال: وقد روى مثل ذلك العياشي بإسناده عن الثمالي وغيره عن أبي جعفر وأبي عبد الله (علیه السلام) (2) وأورد القمي في تفسيره القصة كاملة بسنده عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر (علیه السلام) وجاء فيها: فبعث الله الثالث، فدخل المدينة فقال: ارشدوني إلى باب الملك، فلما وقف على باب الملك قال: أنا رجل كنت أتعبد في فلاة من الأرض وقد أحببت أن أعبد إله الملك، فأبلغوا كلامه الملك فقال: أدخلوه إلى بيت الآلهة، فأدخلوه فمكث سنة مع صاحبيه، فقال: بهذا ينقل قوم من دين إلى دين بالحذق (بالحرف)، أفلا رفقتما؟ ثمّ قال لهما: لا تقرّا بمعرفتي، ثمّ أدخل على الملك فقال له: بلغني أنك تعبد إلهي فلم أزل وأنت أخي فاسألني حاجتك ... وفيها أنّ الله تعالى أحيى ابن الملك بدعائهما، وأنّ الملك آمن بالله وآمن أهل مملكته(3)
وقال الثعلبي في قوله تعالى: (فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ ) : أي فقوينا برسول ثالث، وهو شمعون الصفا رأس الحواريين، إلى أن قال: وكان شمعون إذا دخل الملك على الصنم يدخل لدخوله ويصلّي كثيراً ويتضرّع حتى ظنوا أنّه على ملّتهم(4)
ص: 29
هذا بعض ما وقفنا عليه مما ورد في التقية قبل الإسلام كما جاء في القرآن الكريم وكتب التفسير والتاريخ وروايات الشيعة والسنة، وليس الغرض من حشد هذا الكم من النصوص والشواهد التاريخية إلاّ التنبيه على أن التقية أمر ثابت في الشرائع السماوية السابقة، كما هو ثابت في شريعة الإسلام، وأنها أمر فطري وعلاج مؤقت يلجأ إليه الإنسان عندالحاجة دفاعاً عن نفسه وحفاظاً على معتقده واتقاء لشر الظالمين كما أنها قد تكون إحدى وسائل البلاغ، بل التقية هي إحدى السمات البارزة في حياة الصفوة من البشر وهم الأنبياء، كما لاحظنا من خلال ما ذكرناه من سيرة شيث وإبراهيم ويوسف وموسى وعيسى وغيرهم من الأنبياء والأولياء.
ويؤيد ما ذكرنا ما ورد في تفسير العسكري (علیه السلام) قال الحسن بن علي ': قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): إن الأنبياء إنما فضلهم على خلقه أجمعين بشدة مداراتهم لأعداء دين الله، وحسن تقيّتهم لأجل إخوانهم في الله(1)
وسيوافيك - أيها القارىء العزيز - من أمر التقية ما يكتمل به عقدها ويتسق به نظامها فانتظر وكن معي ولن يطول الانتظار.
والبحث فيها يتسع للكثير من القول إلاّ أنّه لما كانت التقية من الاُمور الفطرية - كما ذكرنا - وهي لا تخضع لزمان معيّن إلاّ زمان الداعي إليها، فإنها تابعة للظرف الذي يقتضيها، وحيث إنّنا في صدد البحث التاريخي للتقية فإعطاء الملامح والشواهد التاريخية لهذا الأمر يقتضي مراعاة المراحل الزمنية المختلفة وعلاقتها بالتقية، ومن خلال ذلك نستطيع تصنيف البحث حول التقية بعد الإسلام إلى مرحلتين
ص: 30
زمنيتين مختلفتين الاُولى: التقية في زمان النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم)، والثانية: التقية بعد زمانه -.
ذكر في تاريخ تلك الحقبة أن الإسلام بدأ غريباً، ولم تكن نفوس الناس آنذاك - إلاّ القليل - مهيأة للاستضاءة بنور تعاليم الدين الجديد، فقد كانوا فريسة الأوهام والخرافات والضلالات، وقد أشار القرآن الكريم إلى المعاناة التي قاساها النبيّ(صلی الله علیه و آله و سلم) لينقذ الناس ويخرجهم من الظلمات إلى النور: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ)(1)، (وَأَلَّفَ بَيْنَقُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ)(2)، (وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ) (3) ، ثمّ إن من خصائص تعاليم النبيّ(صلی الله علیه و آله و سلم) أنها جاءت لترفع من كرامة الإنسان، وتضع عنه الأغلال التي كبل بها عقله ونفسه، وتجعل جميع بني البشر على قدم المساواة، وإن كان ثمة من تفاوت فإنما هو بما يكتسبه الإنسان من الفضائل والكمالات: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ)(4) وكان ذلك نذيراً للإطاحة بسلطان الجبابرة والظالمين الذين كانوا يعيشون على دماء المستضعفين من الفقراء والعبيد وغيرهم ممن لا حول لهم ولا قوة، فما كان من هؤلاء الذين لا يملكون إلاّ السيادة الوهمية التي قامت على أشلاء الضعفاء والمساكين إلاّ مقاومة هذه الرسالة الجديدة التي جاءت تهدد مصالحهم، لذلك بدأ الإسلام غريباً.
ص: 31
ولمّا كانت هذه الرسالة هي الخاتمة فلابد من معالجة مختلف القضايا بحكمة ورويّة لكسب الموقف لصالح الإسلام في أيامه الاُولى، فكانت المواقف البطولية الشجاعة التي وقفها من آمن بالنبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) وبدعوته، وفي طليعة هؤلاء شيخ الأباطح أبو طالب (علیه السلام) .
إنّ ممّا مني به تاريخ المسلمين أن تحكّمت فيه الأهواء والرؤى الضيقة، وسيطرت شهوات النفس وحب الدنيا على بعض كتابه طمعاً في حفنة من دراهم، أو تزلّفاً لظالم، أو إرضاء لحقد وعداء، وكان من جرّاء ذلك أن أصبح بعض تاريخ المسلمين المكتوب موضع ريب أو توقف.
إن عنصر الأمانة المفتقد في كتابة التاريخ - وهو عنصر أساس - أدّى إلى تلبيس وتدليس في صياغة الأحداث، فأشاد بمن لا يستحق الذكر، وأغفل - عن عمد - ذكر من يستحق التخليد والإكبار. وكان أحد ضحايا هؤلاء المؤرخين أبا طالب فقد نسب إليه زوراً وبهتاناً أنّه مات وهو من المشركين، وكان في هذه الفرية تطاولٌ على كرامة النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) ومساس بمقام النبوة الأقدس من حيث لا يشعرون.
إن أبا طالب في شخصيته وعظمته ومواقفه البطولية صفحة بيضاءفي تاريخ الإسلام، وإن له الشرف العظيم في حماية الإسلام بحماية النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) من كيد قريش الذين خانهم سوء الحظ والفهم والتقدير فاجتمعت كلمتهم على قتل النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) والقضاء على دعوته.
وما كان ذلك (شرف حماية الإسلام بحماية النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم)) ليكون لولا إيمانه العميق بالله تعالى ويقينه الصادق بدعوة النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) كيف لا وهو القائل يخاطب
ص: 32
النبيّ الأعظم (صلی الله علیه و آله و سلم):
والله لن يصلوا إليك بجمعهم *** حتى أوسّد في التراب دفينا
فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة *** وابشر بذاك وقرّ منك عيونا
ودعوتني وعلمت أنك ناصحي *** ولقد دعوت وكنت ثمّ أمينا
ولقد علمت بأنّ دين محمد *** من خير أديان البريّة دينا(1)
لم يكن أبو طالب أغنى بني هاشم وأكثرهم مالاً ليكون النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) في حمايته، وما كان لتحركه العصبية القبلية لحماية ابن أخيه، بيد أنّه كان المؤمن الصادق بما جاء به النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) ولذاك تفانى في حب النبيّ ورعايته وخدمته وكان يوصي أبناءه بذلك.
إنّ المتيقّن من سيرة الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) وأهل بيته (علیهم السلام) أنهم ما كانوا ليحابون أحداً على حساب الدين، وشاهده أنهم يبرؤن من كل مشرك لم يؤمن بالله وبالرسول ولو كان من أقرب الناس إليهم وهذا أبو لهب - وهو عم النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) - ينزل فيه قرآن يُتلى: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ) (2) إخباراً من الله تعالى بأنه لن يؤمن وأن مصيره بئس المصير (سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ ) (3) وأمّا أبو طالب فقد شهد النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) والأئمة (علیهم السلام) - كما سيأتي - بإيمانه وأن الله أتاه أجره مرتين حيث بذل وجوده في خدمة نبي الإسلام بل والدعوة إلى الإسلام(4) :
ص: 33
ولولا أبو طالب وابنه *** لما مثل الدين شخصاً فقاما
فهذا بمكة آوى وحامى *** وهذا بيثرب جسّ الحماما(1)
ولم يكن ليتسنى لأبي طالب حماية النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) وهو في مجتمع الوحوش إلاّ أن يسلك طريقاً يضمن من خلاله أن يوفر الحماية الكاملة للنبي(صلی الله علیه و آله و سلم) من أناس يتربصون به الدوائر لزعمهم أنّه جاء يسفه أحلامهم ويسخر بآلهتهم، فكان السبيل الأقوم والطريقة المثلى لأبي طالب أن يتقي من قومه.
وأما رميه بالكفر وأنه مات على الشرك فهي «شنشنة أعرفها من أخزم» ولنضرب عنها صفحاً ونكتفي بالإشارة إلى أن أبا طالب (علیه السلام) لو لم يكن أباً لعلي (علیه السلام) لكان سيداً من سادات المسلمين ومن السابقين الأولين بلا منازع.
وأما الأدلة على إيمان أبي طالب فنحن وإن كنا في غنى عن ذكرها ويكفينا الوقوف على سيرته وأقواله وأفعاله إلاّ أننا نذكر بعضها رغبة في إظهار الحق وتفنيداً لمزاعم المغرضين، وأداءاً لبعض حقوق أبي طالب (علیه السلام) علينا فنقول:
استدلّ على إيمان أبي طالب باُمور:
أولها: الإجماع على إيمانه، وقد ادعاه الشيخ المفيد والشيخ الطوسي والطبرسي والسيد فخار بن معد الموسوي والفتال النيسابوري والسيد ابن طاووس والعلامة المجلسي وغيرهم(2) ، ونقل ابن أبي الحديد إجماع الشيعة وأكثر الزيدية وجملة من أعاظم المعتزلة على ذلك(3)
وثانيها: الروايات وقد تقدم بعضها وأنه شبيه مؤمن آل فرعون وأصحاب الكهف وأنّ الله أتاه أجره مرتين.
وممّا ورد أيضاً ما رواه جابر بن عبد الله الأنصاري قال: سألت رسول
ص: 34
الله(صلی الله علیه و آله و سلم) عن ميلاد أمير المؤمنين (علیه السلام) ؟ فشرح - ولادته، إلى أن قال: ثمّ انصرف أبو طالب إلى مكة، قال جابر: يا رسول الله، الله أكبر !! إن الناس يقولون إن أبا طالب مات كافراً !!! قال: يا جابر الله أعلم بالغيب، لما كانت الليلة التي اُسري بي فيها إلى السماء انتهيت إلى العرش، فرأيت أربعة أنوار فقلت: إلهي ما هذه الأنوار؟ فقال: يا محمّد هذا عبد المطلب، وهذا أبو طالب، وهذا أبوك عبد الله، وهذا أخوه طالب، فقلت: إلهيوسيدي فبم نالوا هذه الدرجة؟ قال: بكتمانهم الإيمان وإظهارهم الكفر وصبرهم على ذلك حتى ماتوا(1)
وروى الكراجكي في كنز الفوائد بسنده عن مفضّل بن عمر عن جعفر بن محمّد عن أبيه عن علي بن الحسين عن أبيه عن أمير المؤمنين علي (علیه السلام): أنّه كان جالساً في الرحبة، والناس حوله، فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين إنك بالمكان الذي أنزلك الله، وأبوك معذب بالنار !! فقال له: مه، فضّ الله فاك، والذي بعث محمداً بالحق نبياً لو شفع أبي في كل مذنب على وجه الأرض لشفّعه الله، أأبي معذب في النار وابنه قسيم الجنة والنار؟ والذي بعث محمداً بالحق إن نور أبي طالب يوم القيامة ليطفي أنوار الخلائق إلاّ خمسة أنوار، نور محمّد ونور فاطمة ونور الحسن والحسين ونور ولده من الأئمة إلاّ أن نوره من نورنا، خلقه الله من قبل خلق آدم بألفي عام(2)
وروى السيد فخار بن معد الموسوي بسنده عن أبي بصير ليث المرادي قال: قلت لأبي جعفر: سيدي إن الناس يقولون: إن أبا طالب في ضحضاح من نار يغلي منه دماغه، فقال (علیه السلام): كذبوا والله، إن إيمان أبي طالب لو وضع في كفة ميزان وإيمان هذا الخلق في كفة ميزان لرجح إيمان أبي طالب على إيمانهم، ثمّ قال: كان والله أمير المؤمنين يأمر أن يحج عن أب النبيّ واُمه، وعن أبي طالب، أيام
ص: 35
حياته، ولقد أوصى في وصيته بالحج عنهم بعد مماته(1)
وروى الكراجكي بإسناده عن يونس بن نباتة عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: يا يونس ما يقول الناس في أبي طالب؟ قلت: جعلت فداك يقولون: هو في ضحضاح من نار يغلي منها رأسه، فقال: كذب أعداء الله، إن أبا طالب من رفقاء النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً(2)
وروى أيضاً بإسناده عن أبان بن محمّد قال: كتبت إلى الإمام الرضا علي بن موسى ': جعلت فداك قد شككت في إيمان أبي طالب، قال: فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد: فمن يبتغ غير سبيل المؤمنين نولّهما تولى، إنك إن لم تقرّ بإيمان أبي طالب كان مصيرك إلى النار(3)
وأما الروايات الواردة من طرق العامة فقد استقصاها العلامة الأميني في الجزء السابع من كتابه الغدير فراجع.
ثالثها: إن من الثابت في شريعة الإسلام - كما هو مقرّر في محلّه من كتب الفقه - عدم جواز نكاح الكافر من المرأة المسلمة، ولذا فرّق الإسلام بين زينب وبين أبي العاص بن ربيعة حين أسلمت إلى أن أسلم أبو العاص فردها النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) إليه بنكاح جديد أو بالنكاح الأول(4) ، ولاشك أن فاطمة بنت أسد من السابقات وهي أول امرأة هاجرت إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) من مكة إلى المدينة على قدميها، وكانت من أبرّ الناس برسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) (5) ، ولما ماتت جاء أمير
ص: 36
المؤمنين (علیه السلام) إلى النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) وهو يبكي، فقال رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) : ما يبكيك؟ فقال: ماتت أمي فاطمة، فقال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) : أمي والله، وقام - مسرعاً حتى دخل فنظر إليها وبكى، وفعل النبيّ أشياء معها لم يفعلها مع أحد من قبل، وسأله المسلمون عن ذلك فقال: اليوم فقدت برّ أبي طالب، إن كانت لتكون عندها الشيء فتؤثرني به على نفسها وولدها ...(1)
فإذا كانت فاطمة بنت أسد بهذه المثابة من الإيمان، وبهذا المقام عند النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) فكيف يبقيها في عصمة أبي طالب لو كان كافراً ؟! وهل يتصور في حق النبيّ(صلی الله علیه و آله و سلم) أن يعطل حكماً من أحكام الإسلام !؟
وبهذا استدل الإمام زين العابدين (علیه السلام) فقد جاء في رواية أبي علي الموضح قال: تواترت الأخبار بهذه الرواية وغيرها عن علي بن الحسين أنّه سئل عن أبي طالب أكان مؤمناً؟ فقال: نعم، فقيل له: إن هاهنا قوماً يزعمون أنّه كافر! فقال (علیه السلام): واعجباه أيطعنون على أبي طالب، أو على رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) !! وقد نهاه الله أن يقرّ مؤمنة مع كافر في غير آية من القرآن، ولايشك أحد أن بنت أسد من المؤمنات السابقات، وإنها لم تزل تحت أبي طالب حتى مات أبو طالب رضي الله عنه(2)
هذا ومما يؤيد أن إيمان أبي طالب (علیه السلام) حقيقة ثابتة لا يتطرق إليها ريب أمران:
الأول: شهادة أبي بكر نفسه بإسلام أبي طالب (علیه السلام) ، فقد ذكر المؤرخون أن أبا بكر جاء بأبي قحافة إلى النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) عام الفتح يقوده، وهو شيخ كبير أعمى،
ص: 37
فقال رسول الله: ألا تركت الشيخ حتى نأتيه ! فقال: أردت يا رسول الله أن يأجره الله ! أما والذي بعثك بالحق لأنا كنت أشد فرحاً بإسلام عمك أبي طالب مني بإسلام أبي ...(1)
الثاني: ما استنتجه الكاتب المصري عبد الفتاح عبد المقصود من خلال عرضه لصورة من صور بغي معاوية بن أبي سفيان على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(علیه السلام) ، حيث قال: إن سياسة ابن هند كما هو معلوم، وكما هي سياسة مثله من البغاة الطغاة، كانت تقوم على تزييف الحقائق، وابتداع الادعاءات، ثمّ ترديد ما زيف وابتدع ترديداً يضمن لزوره أن يظل دائماً - كوسوسة الشيطان الخنّاس - يملأ الأسماع، ويحشو الأرواع، ويلتوى بالأذهان فينال من قدر علي ويمسخ صورته في مدارك الناس فبذلك وحده يلتوي بالحق باطله، ويبدو - وإنه لظالم ! - كأنه مظلوم ! ... ولقد ركب الرجل إلى غرضه هذا كل مطاياه !
وها هي صفحات تاريخه تسربت في تحديثنا بادعاءاته على الإمام، وبفراه الغالية في البهتان، وبقدحه في بنيه وذويه، وبخوضه بالباطل في سير صحابته الأبرار، فأي نصيب كان نصيب «أبي طالب» من هذه الأراجيف(2)
ومن جانب آخر كان أبو الحسن (علیه السلام) في منتهى الصراحة في كشف واقع ابن أبي سفيان وأسلافه ومصيرهم المنتظر، وأنهم أحقر من أن يُقرنوا ببني هاشم، وقد استعرض الكاتب مقاطع من المكاتبات التي دارتبين الإمام (علیه السلام) وبين معاوية وكان من بينها قول الإمام (علیه السلام) في جوابه على كتاب لمعاوية: وأما قولك: إنا بنو عبد مناف، فكذلك نحن، ولكن ليس أميّة كهاشم، ولا حرب كعبد المطلب، ولا أبو سفيان كأبي طالب، ولا المهاجر كالطليق، ولا الصّريح كاللصيق، ولا المحقّ كالمبطل، ولا المؤمن كالمدغل، ولبئس الخلف خلف يتبع سلفاً هوى في نار
ص: 38
جهنم(1)
«ولم نسمع معاوية يرد هذا الاتهام، ولا رأيناه يحاول الكيل لعلي صاعاً بصاع، فيخوض في إيمان أبي طالب زاعماً أنّه مات على غير الإسلام لو وسعه لفعل فأفحش في القول، وأوفى الكيل ... فأمّا وقد كف ادعاءه، وابتلع خيلاءه، فذلك لأنه لم يكن يملك في إيمان أبي طالب اثارة شبهة أو دليل ينفد من خلالها إلى نقض هذا الإيمان، سواء أكانت هذه الاثارة رأي شانىء معاصر عايش شيخ بني عبد مناف، أم رواية لاحق آثر الانحراف.
ولمن يشاء أن يحاج في هذا الذي نراه، فليأتنا من رسائل ابن أبي سفيان إلى الإمام، أو في أحاديثه التي ملأ بها آذان مناصريه، بكلمة تشير من قريب أو من بعيد، إلى ما يخدش إيمان أبي طالب وينال من صدق إسلامه»(2).
ذكرنا فيما تقدم إجماع الشيعة على إيمان أبي طالب (علیه السلام) ونكتفي هنا بذكر أقوال بعض علماء السنة تأييداً لهذه الحقيقة فمن ذلك:
1 - قال ابن الأثير في جامع الاُصول: وما أسلم من أعمام النبيّ غير حمزة والعباس وأبي طالب عند أهل البيت (علیهم السلام) (3)
2 - وقال البرزنجي بعد استشهاده بأبيات أبي طالب واثبات إيمانه:
وهذا نطق بالوحي قبل صدوره من النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) فإنه أخبر بذلك بعد مدة من قول أبي طالب، والحديث وحي كالقرآن، فثبت بهذه الأخبار والأشعار أن أبا طالب كان مصدقاً بنبوة النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) وذلك كاف في نجاته(4)
ص: 39
وقال: فمن وقف على ما ذكره العلماء في ترجمته علم يقيناً أنّه كان على التوحيد، وهكذا بقية آبائه إلى آدم، وبهذا يعلم أن قول أبي طالب هو على ملة عبد المطلب إشارة إلى أنّه على التوحيد ومكارم الأخلاق، ولو لم يصدر من أبي طالب من الاشارات الدالة على توحيده إلاّ قوله: وهو على ملة عبد المطلب كان ذلك كافياً(1)
3 - وقال التلمساني في حاشيته على الشفاء عند ذكر أبي طالب: لا ينبغي أن يذكر إلاّ بحماية النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) لأنّه حماه ونصره بقوله وفعله، وفي ذكره بمكروه أذية للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، ومؤذي النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) كافر، والكافر يقتل(2)
4 - وقال أبو طاهر: من أبغض أبا طالب فهو كافر(3)
هذا ومن شاء الوقوف على المزيد من الأقوال فليرجع إلى الجزء السابع من الغدير وإلى كتاب منية الراغب في إيمان أبي طالب وكتاب الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب.
ثم إنّ هناك جوانب اُخرى في حياة أبي طالب (علیه السلام) جديرة بالإكبار إلاّ أن لها مقاماً آخر.
وخلاصة القول إن إيمان أبي طالب حقيقة ثابتة لا يرتاب فيها إلاّ مريض القلب والإيمان.
وهو أحد السابقين الأولين، ومن الذين واكبوا مسيرة الإسلام منذ أيامها الاُولى مع النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) ، وختم حياته شهيداً في معركة الحق والباطل يوم صفين.
ص: 40
وبلغ من المقام أن قال فيه النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) : «عمار جلدة ما بين العين والأنف»(1) بل جعله مقياساً للحق، فقال -: «تقتله الفئة الباغية»(2) الأمر الذي جعل بعضهم ينتظر شهادة عمار ليحدد موقفه يوم صفين(3) ، وقد علّل بعض الكتّاب انصراف الزبير يوم الجمل عن محاربة علي (علیه السلام) بأنهرأى عماراً في صفوف جيش الإمام (علیه السلام) فترك المعركة خوفاً من قتله(4)
وليس غريباً أن يكون عماراً كذلك، بل الغريب أن لا يكون، فهو الذي مُلىء حباً للحق وأهله وبذل حياته في سبيل الحق والدفاع عنه والموت دونه، وقد لاقى من الشدائد والمحن ما اضطره إلى إعلان كلمة الكفر.
قال الزمخشري في كشافه بعد قوله تعالى: (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ): روي أن اُناساً من أهل مكة فتنوا، فارتدوا عن الإسلام بعد دخولهم فيه، وكان فيهم من اُكره وأجرى كلمة الكفر على لسانه وهو معتقد بالإيمان، منهم عمار بن ياسر وأبواه ياسر وسميّة وصهيب وبلال وخباب وسالم عذبوا، ... فأمّا عمار فأعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرهاً(5)
وقال المراغي في تفسيره: فمن نطق بكلمة الكفر وقاية لنفسه من الهلاك وقلبه مطمئن بالإيمان لا يكون كافراً، بل يعذر كما فعل عمار بن ياسر حين أكرهته قريش على الكفر فوافقها مكرهاً وقلبه مُليء بالإيمان، وفيه نزلت آية: (... مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ ... ) ويدخل في التقية مداراة الكفرة والظلمة والفسقة وإلانة الكلام لهم والتبسم في وجوههم وبذل المال لهم
ص: 41
لكفّ أذاهم وصيانة العرض منهم، ولا يعدّ هذا من الموالاة المنهي عنها، بل هو مشروع، فقد أخرج الطبراني قوله -: ما وقى به المؤمن عرضه فهو صدقة(1)
وقد ورد في روايات أهل البيت (علیهم السلام) أن ما جاء به عمار بن ياسر هو عين الصواب، ففي موثقة مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله (علیه السلام) ... والله ما ذلك عليه، وما له إلاّ ما مضى عليه عمار بن ياسر حيث أكرهه أهل مكة وقلبه مطمئن بالإيمان، فقال له النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) عندها: يا عمار إن عادوا فعد، فقد أنزل الله عذرك وأمرك أن تعود إن عادوا(2)
وفي موثقة محمّد بن مروان قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام): ما منع ميثم رحمه الله من التقية، فوالله لقد علم أن هذه الآية نزلت في عمار وأصحابه (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ ) (3)وهناك روايات اُخرى بهذا المضمون وسيأتي ذكر بعضها في مباحث الكتاب.
قلنا: إن التقية لا تخضع لزمن معين إلاّ أنها اقترنت بعد رحيل النبيّ(صلی الله علیه و آله و سلم) باسم أئمة أهل البيت (علیهم السلام) وشيعتهم إلى يوم الناس هذا، ولا تحصى شواهدها كثرة، حتى أن أغلب الأزمنة التي عاشها أئمة أهل البيت (علیهم السلام) (4) وشيعتهم كانت على التقية.
والذي نؤكد عليه - بعد كل ما ذكرنا - أن التقية لم تكن وليدة فكرة مذهبية
ص: 42
انبثقت عن الخلاف القائم بين مذاهب المسلمين كما يحلو للبعض أن ينعتها بذلك، وليست هي غطاءً يخفي وراءه تنظيماً سرّياً يهدف إلى هدم الدين وتقويض دعائمه كما يرجف بذلك آخرون أو يحاول الإرجاف، بل هي أمر فطري أكّده القرآن وأيّده البرهان.
وإذا كانت التقية قد اقترنت باسم الشيعة بعد وفاة النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) ، فليس لأن الشيعة هي الأساس فيها، وإنما هي إحدى الضحايا التي اضطرتها الظروف العصيبة لممارسة التقية على مرّ الزمان، كنتيجة طبيعية لما لاقاه الشيعة في سبيل الحفاظ على منهجها عبر التاريخ، وهناك عوامل عديدة ساهمت بصورة مباشرة وغير مباشرة في اقتران التقية باسم الشيعة.
إنّ الشيعة الإماميّة - وهي الفئة المؤمنة - التي انتهجت طريقاً رسمه لها قادتها - الأئمة المعصومون (علیهم السلام) - وكان طريقاً صعباً - أرادت الحفاظ على السير قدماً فيه لتقطعه إلى نهايته، فاستسهلت فيه كل عسير، واسترخصت من أجله كل ثمين، لأن غايته أشرف الغايات، ونهايته أسعد النهايات، وكان لزاماً عليها أن تدفع ضريبة ولائها لأهل البيت الطاهر، وتتحمل في سبيل ذلك كلّ مشقّة وعناء، ولم يكن ذلك نتيجة جبر أو إكراه، بل كان بمحض القناعة والرضا والإرادة، اقتداء بمسيرة أئمةالهدى (علیهم السلام) في سيرتهم واستجابة لنداء القرآن والرسول (صلی الله علیه و آله و سلم).
إن تاريخ الشيعة كما هو حافل بالعطاء في مجالات الفكر والعلم والعمل كذلك هو حافل بالمآسي والآلام، فقد صبّ أعداؤهم عليهم العذاب صبّاً، ولم يألوا جهداً في التنكيل بهم، قتلاً وسجناً وتشريداً، حتى اصطبغت صفحات التاريخ بدمائهم الزاكية، وضاقت بهم غياهب المعتقلات، وشتتوا لا يلجأون إلى مأوى، في محاولات مسعورة من أعدائهم لمحو كل أثر لهم في الوجود، لا لشيء إلاّ لأنّهم قالوا ربنا الله ثمّ استقاموا.
ص: 43
وإنّ الشرارة التي أذكت نارالتقية، وأصبحت بعد ذلك مقترنة بالشيعة بدأت برحيل النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) ولقائه بالرفيق الأعلى، حينما اُقصي أمير المؤمنين (علیه السلام) عن منصب قيادة الاُمة بالحق ومع الحق وإلى الحق فالتزم الصمت عن المطالبة بحقه إبقاءاً على الدين، وحفاظاً على مبادىء السماء، وإلاّ فقد كان بمقدوره أن يشعلها حرباً لا هوادة فيها - وهو الفارس المهاب - لتكون بعد ذلك فتنة لا ينجو منها أحد، بيد أنّه - وعند تزاحم المقتضيات - آثر السكوت وإن جُهل قدره ومقامه أو سُلب حقه المشروع.
ولم يكن أمير المؤمنين (علیه السلام) قد خسر في ذلك شيئاً، فما كانت الخلافة لتضيف إلى مقامه شأناً، أو ترفع من قدره مقداراً، فهو علي وكفى به تعريفاً. وإنما وقع الخسران على الناس، حيث حرموا أنفسهم وأضاعوا حظهم، (وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً)(1) (ويعرف التّالون غبّ ما أسسه الأولون)(2).
وتوالت الأحداث مؤلمة، على علي وأولاد علي، وشيعة علي، وكأنما لم يكن علي أخا الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) ونفسه وقرين بضعته وباب مدينة علمه وحامل لوائه، وكأنما لم يكن أولاد علي (علیه السلام) ذريّة الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) وعترته والقربى الذين أمر الله بمودتهم ومحبتهم(3) ، وكأنما لم يكن شيعة علي (علیه السلام) هم الذين صدّقوا الرسول فيما قال اتّبعوه فيما أمر.
وتمخضت تلك الأحداث المؤلمة عن مصرع علي في محرابه، وقتل أولاده غيلة وصبراً، وتشريد شيعته في الآفاق.
ص: 44
ويحدثنا التاريخ عن فجائع مروعة، لولا أنها وصلت إلينا عن طرق الثقات لكانت ضروباً من الخيال والأساطير (لقد بلغت الاُمور حداً استقرّت فيه قناعة عامة لدى الأكثرية بأن الرافضة ويعنون بهم الشيعة هم من مذهب خارج عن الإسلام، وبالتالي فليس ثمة أيّة حرمة لنفوسهم وأعراضهم وأموالهم، وعلى أثر هذه القناعة المجحفة والاعتقاد الظالم هدرت دماء مئات الآلاف من الأبرياء حتى بات من الصعب أن تجد بقعة وإن كانت في أطراف العالم الإسلامي لم تلطخ بدماء الشيعة)(1)
ويرسم لنا الإمام الباقر (علیه السلام) صورة عما لاقاه آل البيت (علیهم السلام) وشيعتهم من الأذى والاضطهاد، قال ابن أبي الحديد: وقد روي أن أبا جعفر محمّد بن علي الباقر ' قال لبعض أصحابه: يا فلان، ما لقينا من ظلم قريش إيانا وتظاهرهم علينا، وما لقي شيعتنا ومحبّونا من الناس ! إن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قبض وقد أخبر أنّا أولى الناس بالناس، فتمالأت علينا قريش، حتى أخرجت الأمر من معدنه، واحتجت على الأنصار بحقنا وحجتنا، ثمّ تداولتها قريش واحد بعد واحد، حتى رجعت إلينا فنكثت بيعتنا ونصبت الحرب لنا، ولم يزل صاحب الأمر في صعود كئود حتى قتل، فبويع الحسن ابنه وعوهد ثمّ غدر به، وأسلم، ووثب عليه أهل العراق، حتى طعن بخنجر في جنبه، ونهبت عسكره، وعولجت خلاخيل أمهات أولاده، فوادع معاوية وحقن دمه ودماء أهل بيته، وهم قليل حق قليل، ثمّ بايع الحسين (علیه السلام) من أهل العراق عشرون ألفاً، ثمّ غدروا به، وخرجوا عليه، وبيعته في أعناقهم وقتلوه ثمّ لم نزل - أهل البيت - نُستَذَل ونُستظام، ونقصَى ونُمتهن، ونُحرم ونُقتل، ونخاف، ولا نأمن على دمائنا ودماء أوليائنا، ووجد الكاذبون
ص: 45
الجاحدون لكذبهم وجحودهم موضعاً يتقربون به إلى أوليائهم وقضاة السوء وعمّال السوء في كل بلدة، فحدثوهم بالأحاديث الموضوعة المكذوبة، ورووا عنّا ما لم نقله، وما لم نفعله، ليبغّضونا إلى الناس، وكان عظم ذلك وكبره زمن معاوية بعد موت الحسن (علیه السلام) فقتلت شيعتنا بكل بلدة، وقطعت الأيدي والأرجل على الظنّة، وكان من يذكر بحبنا والانقطاع إلينا سجن، أو نهب ماله، أو هدمت داره، ثمّ لم يزل البلاء يشتد ويزداد إلى زمان عبيد الله بن زياد، قاتل الحسين (علیه السلام) ، ثمّ جاء الحجاج فقتلهم كل قتلة، وأخذهم بكل ظِنّة وتهمة، حتى إن الرجل ليقالله: زنديق أو كافر، أحبّ إليه من أن يقال له: شيعة علي، وحتى صار الرجل الذي يذكر بالخير - ولعلّه يكون ورعاً صدوقاً - يحدث بأحاديث عظيمة عجيبة، من تفضيل بعض من قد سلف من الولاة، ولم يخلق الله تعالى شيئاً منها، ولا كانت ولا وقعت وهو يحسب أنها حق لكثرة من قد رواها ممن لم يعرف بكذب ولا بقلة ورع(1)
ولقد حوت صفحات التاريخ من الأحداث ما يندى له جبين الشرف والإنسانية خجلاً، وإن منها لما تعفّ المروءة حياء من ذكره، وإن منها لما يفتت الأكباد.
وتكاد تتفق كلمة المتسلطين على رقاب الاُمة على مناهضة الشيعة والسعي الحثيث لطمس معالمهم يتوارثه الأجيال جيل بعد جيل.
ومما ينبغي إلفات الأنظار إليه أن الشيعة الإمامية وإن كانت تُعدّ أقلّية - من حيث العدد - بالقياس إلى بعض من عداها، إلاّ أن ذلك لا يعني شيئاً في مقياس تقييم الحقائق والأشخاص، فليست الأقلّية عنصر ضعف في الحجة والبرهان، كما أن الأكثرية ليست دليلاً على الأحقية والصواب، بل قد يكون الأمر على العكس تماماً، وفي النصوص الدينية ما يؤكد هذا المعنى، فقد ورد في العديد من الآيات
ص: 46
القرآنية مدح الأقلّية(1) والثناء عليهم، بينما جاء الذم للأكثرية(2) ، مضافاً إلى أن ما تمخض عن الوقائع والأحداث يؤيد هذه الحقيقة، فإن الأكثرية هي التي حاربت النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) وهضمت علياً (علیه السلام) وظلمت الزهراء (علیها السلام) ، وإن الأكثرية هي التي اعتدت على الحسن (علیه السلام) وقتلت الحسين(علیه السلام) ، وإن الأكثرية هي التي شرّدت أهل البيت وأذاقتهم الويلات، وارجع إلى ما سطره التاريخ لتقف على هذه الحقيقة في كل زمان ومكان، وهي أن الأكثرية ما كانت ولن تكون المقياس في التقييم والترجيح.
أقول: إنّ هذا الاتفاق - من قبل الفئات التي أحكمت القبضة على زمام الاُمور - على اتخاذ علي (علیه السلام) وأولاده وشيعته أعداء أدّى إلى اتّباع مختلف الوسائل والأساليب في القهر والبطش والاضطهاد، وعلى مر العصور ابتداء من قضية مالك بن نويرة(3)، وما سبقها، وما أعقبها من أحداث وإلى يومنا هذا.
فممّا يحدثنا به التاريخ في العهد الاُموي: أن معاوية بن أبي سفيان دعا بُسر بن أرطأة وكان قاسي القلب سفّاكاً للدماء، لا رأفة عنده، ولا رحمة، فوجهه إلى اليمن وأمره أن يأخذ طريق الحجاز والمدينة ومكة، حتى ينتهي إلى اليمن، وقال له: لا تنزل على بلد أهله على طاعة عليّ إلاّ بسطت عليهم لسانك، حتى يروا أنهم لا نجاة لهم منك، وأنك محيط بهم، ثمّ اكفف عنهم وادعهم إلى البيعة لي فمن
ص: 47
أبى فاقتله، واقتل شيعة علي حيث كانوا.
وسار بسر بن أرطأة حتى دخل المدينة فخطب الناس وشتمهم وتهدّدهم ... ثمّ شتم الأنصار فقال: يا معشر اليهود وأبناء العبيد بني زريق، وبني النجار، وبني سالم، وبني عبد الأشهل، أما والله لأوقعنّ بكم وقعة تشفي غليل صدور المؤمنين وآل عثمان، أما والله لأدعنّكم أحاديث كالأمم السالفة ...
وفي طريقه إلى مكة قتل رجالاً، وأخذ أموالاً، حتى إذا دخل مكة أدخل في قلوب أهلها الرعب والخوف، وتركهم متوجهاً بجيشه نحو اليمن حيث شيعة أمير المؤمنين.
ويتفق المؤرخون على أن بُسر بن أرطأة عاث في اليمن فساداً وأهلك الحرث والنسل، فقد غار على همدان وسبى نساءهم، فكن أول مسلمات سبين في الإسلام، وقتل أحياء من بني سعيد، وروى أبو عمر الشيباني بإسناده عن أبي ذر: أنّه دعا وتعوّذ في صلاة صلاها، أطال قيامها وركوعها وسجودها، فسئل ممّ تعوّذت وفيم دعوت؟ قال: تعوذت بالله من يوم البلاء يدركني، ويوم العورة أن أدركه، فقيل له: وما ذاك؟ فقال: أما يوم البلاء فتلتقي فئتان من المسلمين فيقتل بعضهم بعضاً، وأما يوم العورة فإن نساءً من المسلمات يُسبين فيكشف عن سوقهن، فأيتهن كانت أعظم ساقاً اشتُريت على عظم ساقها، فدعوت الله أن لا يدركني هذا الزمان ... ثمّ أرسل معاوية بُسر بن أرطأة إلى اليمن فسبى نساء مسلماتفأقمن في السوق. ووجد ابنين لعبيد الله بن العباس صبيّين، فأخذهما بُسر لعنه الله وذبحهما بيده بمدية كانت معه، فأصاب أم حكيم بنت قارظ - زوجة عبيد الله - ولهٌ على ابنيها، فكانت لا تعقل ولا تصغي إلاّ إلى قول من أعلمها أنهما قد قتلا، ولا تزال تطوف في المواسم تنشد الناس ابنيها بهذه الأبيات:
ص: 48
يامن أحسّ بابني اللذين هما *** كالدرتين تشظّى عنهما الصّدف
يامن أحسّ بابني اللذين هما *** سمعي وقلبي فقلبي اليوم مردهف
يامن أحسّ بابني اللذين هما *** مخّ العظام فمخي اليوم مختطف
نبّئت بُسراً وما صدّقت ما زعموا *** من قولهم ومن الإفك الذي اقترفوا
أنحى على ودجَي ابنيّ مرهفة *** مشخوذة وكذاك الافك يقترف
حتى لقيت رجالاً من أُرومته *** شُمّ الأنوف لهم في قومهم شرف
فالآن ألعن بُسراً حقّ لعنته *** هذا لعمر أبي بسر هو السرف
من دلّ والهة حرّى مولهة *** على صبيين ضلاّ إذ غدا السّلف
قالوا: ولما بلغ علي بن أبي طالب ' قتل بسر الصبيين جزع لذلك جزعاً شديداً ودعا على بسر لعنه الله ...(1)
هذه صورة تنبئك عما تلاها من أحداث، فإذا كان هذا بعض ما فعله سيد الأمويين معاوية فما ظنك بمن جاء من بعده!؟
ومما يحدّث به التاريخ في العهد العباسي: أن المنصور لما بنى الأبنية ببغداد جعل يطلب العلوية طلباً شديداً، ويجعل من ظفر به منهم في الاسطوانات المجوّفة المبنية من الجص والآجر، فظفر ذات يوم بغلام منهم حسن الوجه، عليه شعر أسود من ولد الحسن بن علي بن أبي طالب (علیهم السلام) فسلّمه إلى البنّاء الذي كان يبني له وأمره أن يجعله في جوف اسطوانة بمشهده، فجعله البناء في جوف اسطوانة فدخلته رقة عليه ورحمة له، فترك في الاسطوانة فرجة يدخل منها الروح، وقال للغلام: لا بأس عليك، فاصبر فإني سأخرجك من جوف هذه الاسطوانة إذا جنّ الليل، ولما جنّ الليل جاء البنّاء في ظلمته وأخرج ذلك العلوي من جوف تلك الاسطوانة، وقال له: إتّق الله في دمي ودم الفعلة الذين معي، وغيّب شخصك،
ص: 49
فإني إنما أخرجتك في ظلمة هذه الليلة من جوف هذه الاسطوانة لأنّي خفت إنتركتك في جوفها أن يكون جدك رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يوم القيامة خصمي بين يدي الله عزوجل، ثمّ أخذ شعره بآلات الجصّاصين كما أمكن، وقال له: غيّب شخصك وانجُ بنفسك، ولا ترجع إلى اُمك، قال الغلام: فإن كان هذا هكذا فعرّف اُمي أني قد نجوت وهربت لتطيب نفسها، ويقلّ جزعها وبكاؤها إن لم يكن لعودي إليها وجه، فهرب الغلام ولا يُدرى أين قصد من أرض الله، ولا إلى أي بلد وقع، قال ذلك البنّاء: وقد كان الغلام عرّفني مكان اُمه وأعطاني العلامة شعره، فانتهيت إليها في الموضع الذي كان دلّني عليه، فسمعت دويّاً كدويّ النحل من البكاء، فعلمت أنها اُمّه فدونت منها وعرّفتها خبر ابنها وأعطيتها شعره وانصرفت(1).
وغيرها من الفجائع التي عاناها العلويون إبّان الحكم العباسي، وقد ذاق أئمة أهل البيت (علیهم السلام) ألواناً من القهر والاضطهاد حتى استشهد ستة منهم على أيدي حكام بني العباس، وكانت شهادة بعضهم في غياهب السجون، وهكذا كان بنو العباس مع بني عمهم آل أبي طالب، وقد وضع أبو الفرج الاصفهاني كتاباً سمّاه مقاتل الطالبيين ذكر فيه أسماء العشرات ممن قتل أيام بني العباس من العلويين، وأما من قتل من شيعتهم فحدّث عن ذلك ولا حرج.
ومما يحدّث به التاريخ أيضاً في العهد العثماني(2) : أن السلطان سليم كان شديد التعصب على أهل الشيعة، ولا سيما أنّه كان في تلك الأيام قد انتشرت بين رعاياه تعاليم شيعية تتنافى مع مذهب أهل السنة، وكان قد تمسك بها جماعة من الأهالي، فأمر السلطان سليم بقتل كل من يدخل في هذه الشيعة فقتلوا نحو أربعين ألف رجل،
ص: 50
وأخرج فتوى شيخ الإسلام بأنه يؤجر على قتل الشيعة وإشهار الحرب ضدهم(1)
ويقول الشيخ المظفّر في كتابه «تاريخ الشيعة» : ولا تسل عما لقيته الشيعة من ذريع الفتك عندما استلبه (العراق) العثمانيون في هذه المرة (عام 1045 ه-) وهذه النكبة الكبرى إحدى النكبات الفظيعة التي شاهدهاالشيعة في أدوار حياتهم من جرّاء المذهب وما أكثرها(2)
ويستعرض جملة من النكبات التي ذهب ضحيتها الآلاف من الشيعة في مناطق أخرى ويقول: وهكذا استمر التشيع في حلب رفيع البناء، لم تقلعه تلك الهزّات العنيفة، ولم تردمه تلك العواصف الشديدة، إلى أن أفتى الشيخ نوح الحنفي في كفر الشيعة واستباحة دمائهم وأموالهم تابوا أو لم يتوبوا، فزحفوا على شيعة حلب وأبادوا منهم أربعين ألفاً أو يزيدون، وانتهبت أموالهم، وأخرج الباقون منهم من ديارهم ... واختبأ الشيعة في أطراف حلب في هذه القرى والبلدان، ولم يبق في حلب شيعي أبداً ... ويوجد اليوم في حلب قليل من الشيعة سكنوها بعد تلك الحادثة المؤلمة، وهذه إحدى الوقائع الممضّة التي شاهدها الشيعة من أجل ولائهم لأهل البيت وتمسكهم بعرى مذهبهم ... وهاجم الأمير ملحم بن الأمير حيدر بسبب هذه الفتوى جبال عاملة عام (1048 ه-)، فانتهك الحرمات واستباح المحرمات يوم وقعة قرية أنصار فلا تسل عما أراق من دماء، واستلب من أموال، وانتهك من حريم، فقد قتل ألفاً وخمسمائة، وأسر ألفاً وأربعمائة، فلم يرجعوا حتى هلك في الكنيف ببيروت(3)
وأما الجرائم البشعة التي أحدثها الجزّار في لبنان وأهلك فيها الحرث والنسل فقد سود فيها صفحات من التاريخ.
ولا تكاد تقف على حقبة زمنية مرت على شيعة أهل البيت (علیهم السلام) في أي بقعة
ص: 51
من بقاع الأرض إلاّ وقد اصطبغت بدمائهم وكانوا فيها ضحايا البطش والقهر والاضطهاد، فإذا كان هذا حال الشيعة عبر التاريخ فماذا تراهم فاعلين؟؟
لقد كانت التقية أنجع وسيلة لحفاظ الشيعة على عقائدهم وأرواحهم بالقدر الممكن حيث استطاعوا من خلالها الإبقاء على أنفسهم، ولم يكن ثمّة مناص عنها إذا ما أرادوا أن يعيشوا كسائر الناس.
إنّ التقية أمر فرضته الظروف القاسية والأجواء الرهيبة التي مر بها الشيعة عبر التاريخ، وقد دفعوا إليها دفعاً اضطرهم إلى مسايرة الجائرين في الظاهر إبقاءً على أنفسهم وحفاظاً على أرواحهم وأعراضهم، وقلوبهم مطمئنة بالإيمان، ولم يكن ذلك بدعاً من الفعل، ولا تنكّراً للفطرة ولا خلافاً لقوانين الإسلام وتعاليمه، ولعمر الحق إن قضية التقية أمر لا مراءفيه غير أن المغرضين أرادوا نبز الشيعة بها فكان مآلهم الخسران.
هذا كله ما لم تكن هناك مصلحة أهم من الإبقاء على النفس، وغاية أسمى يسترخص من أجلها كل ثمين، الأمر الذي يفسر لنا إقدام البعض على معانقة الموت واستقبال أهواله في عمليات فدائية حدّدها الشارع الحكيم وعيّن مواطنها.
ولكن مع ذلك قد نجد بعض من لا يبصر أبعد من أنفه يتّخذ من التقية موضوع نبز وافتراء، فيتّهم الشيعة بالنفاق لقولهم بالتقية، لأن ملاكها إظهار خلاف ما انطوت عليه النفس وانعقد عليه القلب، وهو عبارة اُخرى عن النفاق. وقد فات هذا القائل أن معنى النفاق هو عبارة عن إظهار الإيمان وإخفاء الكفر(1) ، وأما التقية فهي وسيلة اتقاء مع اطمئنان القلب بالإيمان، وقد تضطر الإنسان لإظهار الكفر ومجاراة من يخافه ويخشاه في القول والعمل، على أن
ص: 52
القرآن الكريم قد تحدّث عن النفاق والمنافقين ووعدهم بالدرك الأسفل من النار، بينما تحدّث عن أولئك الذين مارسوا التقية فأثنى عليهم وآتاهم أجرهم مرتين، فليست التقية - مفهوماً ومصداقاً - تلتقي مع النفاق في شيء أبداً.
وقد يحلو للبعض أن يصم التقية بأنها تنطوي على تنظيم سرّي يهدف إلى تقويض الدين وزعزعة أركانه ببث الأفكار الهدّامة للدين في الخفاء.
أقول: إنّ الشيعة الإمامية أتقى وأبرّ من أن تدنّس شرف ولائها لأهل البيت الطاهر (علیهم السلام) بذلك، فإنها قد اعتصمت بحبل الله المتين، واستسهلت في سبيله كل عسير، وما فتىء تاريخها حافلاً بمواقف التضحية والفداء دفاعاً عن حريم الدين والمعتقد الحق.
وتتهاوى كل الافتراءات التي تلصق بالشيعة في ممارستهم لهذا المبدأ، فإنها ما مارست التقية في سيرتها العملية في بعض الظروف إلاّ لأجل الإبقاء على نفوسها حيث دفعت إلى ذلك دفعاً، واضطرها إليها جور الجائرين واستبداد الظالمين، ولو أن هؤلاء الذين يحلو لهم هذا النوع من العبث السخيف لاقوا بعض ما لاقاه الشيعة في حياتهم عبر تاريخهم المرير لعرفوا وعلموا أن ما يفعله الشيعة لا يعدو الحق ولا يحيد عن الصواب.ثم إنّ التقية حافظت على قيم الإسلام وتعاليمه، واستطاع رجال الشيعة في تاريخهم أن يساهموا في صيانة الدين والدفاع عنه والمحافظة عليه من عبث العابثين، وتكون التقية بذلك قد أسدت للدين خدمة جُلّى ستبقى آثارها حيّة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
إنّ المعاناة الروحية والجسدية التي واجهها الشيعة في تاريخهم المظلوم دفعت بأئمتهم (علیهم السلام) من أجل الحفاظ على شيعتهم إلى بيان الأحكام في صورتين:
الأولى: بيانها في الصورة الصريحة الواضحة، كما جاء بها النبيّ(صلی الله علیه و آله و سلم)، وكما
ص: 53
هي في القرآن الكريم، وهي المعبر عنها بالأحكام الأوّلية، وذلك في حالات الأمن من العدو والاطمئنان من تربّصه أو انشغاله بغيرهم، وهذا ما نجده في الموسوعات الشيعية الروائية، فإنها زاخرة ببيانات الأئمة(علیهم السلام) في مختلف شؤون الحياة.
الثانية: بيانها وقد ارتدت لباس التقية وهي المعبّر عنها بالأحكام الثانوية في بعض وجوهها، وذلك في حالات الخوف والتربّص بالأئمّة (علیهم السلام) وشيعتهم، وقد امتزجت الروايات في التبويب والتصنيف مما أدّى إلى ظهور التعارض البدوي بينها في بعض جهاته، الأمر الذي احتاج - في عملية الفصل بين الصورتين - إلى مهارة فقهية وتضلع راسخ في معرفة ما يتناسب ومذهب أهل البيت (علیهم السلام) من غيره، ورد كل حكم إلى منشئه، ويحتاج إلى قدرة علمية فائقة وذوقاً فقهياً رفيعاً لمعرفة الضوابط وعمليات الجمع بين الروايات مما جعل البحث في ذلك شاقاً وعسيراً.
وقد بحث فقهاء الإمامية قدس الله أسرارهم - على مر تاريخهم المعطاء - مسألة التقية بجميع أبعادها في جميع أبواب الفقه إلاّ أن أبحاثهم جاءت بحسب اقتضاء المناسبة فكانت مبعثرة في جميع أبواب الفقه ولم تنتظم في سلك عقد واحد، ومن هنا جاء هذا الكتاب ليكون نواة في هذا المجال، ورائد السبق في هذا المضمار حيث يقوم بحصر جميع موارد التقية في الفقه الإمامي الواردة في روايات أهل البيت (علیهم السلام) على نحو استدلالي لوحظت فيه جميع الأدلة الأخرى.
ويمكننا إيجاز منهجية الكتاب على النحو التالي:
أولاً: بيان أصل الحكم الأولي والدليل عليه في المسألة المبحوث عنها.
ثانياً: الإشارة إلى جهات الاختلاف فيها.ثالثاً: ذكر ما عليه العامة - في أغلب الأحيان - وبيان جهة اختلافهم مع الخاصة.
رابعاً: بيان الحكم عند عروض التقية وما يترتب عليه من الآثار.
وستقف - قارئي العزيز - على مواطن ذلك في صفحات هذا الكتاب.
وهذا هو الجزء الأول من هذا الكتاب ويتناول موضوع التقية في أصول الدين والتقية في بعض الفروع وهي الطهارة والصلاة والصوم والحج والزكاة،
ص: 54
وأما بقية الفروع وما يتعلق بها من المسائل والأحكام ففي ما سيليه.
وهذا الكتاب هو مجموعة المحاضرات الفقهية التي كان سماحة العلامة الأستاذ آية الله الحاج الشيخ مسلم الداوري دام ظلّه، يتفضّل بها في مجلس بحثه اليومي في الحوزة العلمية في عشّ آل محمّد (صلی الله علیه و آله و سلم) بقم المقدسة.
وإن من ألطاف الله تعالى - وله الحمد - أن حالفني التوفيق للتشرف بالحضور في مجلس البحث وتدوين هذه المحاضرات تحت إشرافه ورعايته.
وقد حظيت من قبل بشرف تدوين محاضراته في علم الرجال وكان من ثمراتها المباركة كتاب أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق.
وكنت قد ذكرت في مقدمته طرفاً من حياة شيخنا الأستاذ دام ظله، والتي كانت أنموذجاً يحتذى في الدأب والجد في العلم والعمل، وهو مصداق من أعطي العلم كلّه، ورهن حياته في خدمة مدرسة أهل البيت (علیهم السلام) وفقه آل محمّد(صلی الله علیه و آله و سلم).
أسأل الله الكريم المنّان أن يديم ظله وارفاً، وأن ينفع ببركاته أبناء الحوزات العلمية المقدسة، كما أسأله تعالى أن يشمل بعين رعايته هذا الجهد وينظر إليه نظرة القبول والرضا، وأن يكون موضعاً لعناية السادة الأطهار (علیهم السلام) ولا سيما بقية الله في أرضه إمام العصر وصاحب الزمان أرواحنا فداه، وأن يجعله عملاً خالصاً لوجهه الكريم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
وصلى الله على محمّد وآله الطاهرين
محمّد علي المعلم
عش آل محمّد - قم المقدسة20 جمادى الثانية 1417 ه-
ص: 55
ص: 56
· التحديد اللغوي والاصطلاحي للتقية.
· الأدلة الأربعة على مشروعية التقية بل وجوبها.
· دفاع عن حريم التشيع.
· فهرسة إجمالية لفصول الكتاب.
· الموارد المستثناة من حكم التقية.
· منهجية البحث في هذا الكتاب.
ص: 57
ص: 58
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ اَلْرَحیمْ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف خلقه محمّد وآله الطاهرين.
اختلف في تحديد لفظ التقية، من جهة كونه مصدراً أو اسم مصدر، فالذي يظهر من شيخنا الأنصاري ): أنّ التقية اسم لاتقى يتقي(1)
والذي يذهب إليه السيد الأستاذ !: أن التقية مصدر تقي يتقي والاسم التقوى، وهي مأخوذة من الوقاية وتاؤها بدل من الواو(2)
والمستفاد من المعاجم اللغوية أن التقية مصدر ثان لتقي أتقي، والاسم هو التقوى.
قال في القاموس: واتَّقَيْتُ الشيءَ وَتَقيْتهُ أتَّقيه وأتْقِيه تُقىً وتَقِيّةً وتِقاءً ككساء حَذِرْتهُ، والاسم التَّقْوى(3)
وقال في اللسان: وقد توقَّيتُ واتَّقَيتُ الشيء وتَقَيْتهُ أتَّقيه واتْقِيه تُقىً وتَقِيّةً وتقاء: حذرته، الأخيرة عن اللحياني، والاسم التقوى، التاء بدل من الواو والواو بدل من الياء(4)
وجاء في بعض الكتب اللغوية: أن مصدر اتقيت هو الإتقاء.
قال في المصباح: اتقيت الله اتقاءً، والتقية، والتقوى اسم منه والتاء مبدلة من واو، والأصل وقوى من وقيت لكنه أبدل ولزمت التاء في تصاريف الكلمة،
ص: 59
والتقاة مثله وجمعها تُقى(1)
وقال في المجمع: والتقوى فَعْلَى كنجوى، والأصل فيه وقوى من وقيته: منعته قلبت الواو تاء، وكذلك تقاة، والأصل وقاة، قال تعالى: (إِلاَّأَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً)(2)، أي اتقاءً مخافة القتل، وجمع التقاة تقى كطلى للاعناق وقرىء تقية، والتقية والتقاة اسمان موضوعان موضع الاتقاء(3)
ويقرّب هذا المعنى: أنّ الوارد في كثير من الروايات أنسب بالاسم المصدري، كقوله (علیه السلام): «التقية ديني ... الخ»، و «التقية ترس المؤمن»، و «التقية حرز المؤمن» وغير ذلك من الموارد التي وردت محكوماً عليها بنحو الإخبارأو متعلقة للحكم كسائر المتعلقات مثل الصلاة والصوم والحج وغيرها.
وعلى كل تقدير فالتقوى أو التقية أو الإتقاء لها معنيان أحدهما عام، والآخر خاص، أما المعنى الأول فهو التحفّظ والحذر من الوقوع في المحرمات والإخلال بالواجبات، وبعبارة أخرى: أن يجعل الإنسان بينه وبين غضب الله حاجزاً، وهذا إنما يتم بالعمل الصالح.
وقد أسند هذا المعنى في الكتاب العزيز إلى الله تعالى في آيات كثيرة، ومنها: (وَاتَّقُوا اللهَ )(4)، (وَاتَّقُونِي يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ)(5) ، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ)(6)، وغيرها من الآيات.
وهذا المعنى يشمل بمقتضى عمومه، التحفّظ عن كل ضرر، والإتّقاء من كلّ ما يخاف ويخشى، دينياً كان أو دنيوياً، وليس لهذا المعنى حكم شرعي
ص: 60
مولوي بل حكمه الوجوب العقليّ، وما ورد من الأمر فهو محمول على الإرشاد إلى ما أدركه العقل.
وأما المعنى الثاني فهو اصطلاحي خاص، وهو: التحفّظ عن ضرر الغير بموافقته في القول والعمل.
قال في معجم الفقهاء: التّقِيّة: بفتح التاء وكسر القاف وتشديد الياء المفتوحة، مصدر وقي، الحذر والمخافة: إظهار غير ما يعتقد وقاية لنفسه من أذى قد يصيبها(1)
ولهذا المعنى حكم المولويّة، ويتّصف بالأحكام الشرعية الخمسة من الوجوب والحرمة والاستحباب والكراهة والإباحة، وهو محلّ البحثوالكلام.
ويمكن الاستدلال على التقية بالأدلة الأربعة:
وقد استدلّ بعدة آيات:
الأولى: قوله تعالى: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً )(2).
الثانية: قوله تعالى: (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ)(3).
والآيتان صريحتا الدلالة في التقية، وقد ذكر المفسرون أن الآية الثانية نزلت في شأن عمار بن ياسر في قصة مشهورة تقدم ذكرها(4)
الثالثة: قوله تعالى (وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ )ورد في الرواية أن
ص: 61
المراد من الحسنة هي التقية(1) ، وستأتي الرواية في الدليل الثاني.
الرابعة: قوله تعالى (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ )أي أشدّكم تقيّة، كما في صحيحة عبد الله بن حبيب عن أبي الحسن (علیه السلام) (2)
الخامسة: قوله تعالى: (أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً) ورد في رواية المفضل عن الصادق (علیه السلام) أنها التقية، وقوله تعالى: (فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً)، قال: إذا عملت بالتقية لم يقدروا لك على حيلة، وهو الحصن الحصين، وصار بينك وبين أعداء الله سدّاً لا يستطيعون له نقبا(3)
السادسة: قوله تعالى: (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ )، ورد عن حذيفة عن أبي عبد الله (علیه السلام) ، قال: هذا في التقية(4)
السابعة: قوله تعالى: (أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا) وردفي صحيحة هشام بن سالم، عن أبي عبد الله قال: بما صبروا على التقية(5)، وسيأتي نصّ الرواية في الدليل الثاني.
الثامنة: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا )ورد في رواية أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن قول الله عزوجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا... )قال: اصبروا على المصائب وصابروهم على التقية ورابطوا على من تقتدون به، واتقوا الله لعلكم تفلحون(6).
وغيرها من الآيات .
والحاصل: أنّ التقية ثابتة بالكتاب العزيز، وبعض الآيات وإن لم تكن
ص: 62
صريحة في دلالتها، وإنما دلّت بمعونة الروايات التفسيرية، إلاّ أنّ بعضها الآخر صريح في دلالته كما هو بيّن.
والروايات الواردة في التقية كثيرة تبلغ أكثر من سبعين رواية، ولذا لا يبعد القول بأنها متواترة إجمالاً بحيث تطمئن النفس بصدورها عن المعصومين (علیهم السلام) .
وبعض هذه الروايات ورد في بيان أصل مشروعية التقية، وبعضها الآخر في بيان الحكم بالوجوب.
أما الطائفة الأولى: وهي التي يستفاد منها المشروعية فمنها:
ما ورد في صحيحة هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (علیه السلام) في قول الله عزوجل: (أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا)، قال: بما صبروا على التقية (وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ )قال: الحسنة التقية، والسيئة الإذاعة(1)
ومنها: صحيحة حريز عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قال: التقية ترس الله بينه وبين خلقه(2)
ومنها: صحيحة هشام بن سالم، قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: «ماعبد الله بشيء أحب إليه من الخباء» ، قلت: وما الخباء؟ قال: «التقية» (3)
ومنها: صحيحة زرارة، عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: التقية في كل ضرورة، وصاحبها أعلم بها حين تنزل به(4)
ومنها صحيحة إسماعيل الجعفي ومعمّر بن يحيى بن سالم، ومحمّد بن مسلم، وزرارة قالوا: سمعنا أبا جعفر (علیه السلام) يقول: «التقية في كل شيء يضطر إليه ابن آدم
ص: 63
فقد أحلّه الله له» (1)
ومنها: رواية محمّد بن مروان، عن أبي عبد الله (علیه السلام) ، قال: كان أبي(علیه السلام) يقول: وأي شيء أقرّ لعيني من التقية، إنّ التقيّة جنّة المؤمن(2)
ومنها: رواية حبيب بن بشر قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام): سمعت أبي يقول: لا والله ما على وجه الأرض شيء أحب إليّ من التقية، يا حبيب: إنه من كانت له تقية رفعه الله، يا حبيب من لم تكن له تقية وضعه الله. يا حبيب: إن الناس في هدنة فلو قد كان ذلك كان هذا(3)
إلى غير ذلك من الروايات الكثيرة الدالة على أنّ التقية أمر مشروع.
أما الطائفة الثانية: وهي التي يستفاد منها وجوب التقية فهي أيضاً روايات كثيرة:
منها: صحيحة عبد الله بن أبي يعفور، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: «اتّقوا على دينكم واحجبوه بالتقية، فإنه لا إيمان لمن لا تقيّة له، إنما أنتم في الناس كالنّحل في الطير، ولو أنّ الطير يعلم ما في أجواف النحل ما بقي منها شيء إلاّ أكلته، ولو أنّ الناس علموا ما في أجوافكم أنكم تحبونا أهل البيت لأكلوكم بألسنتهم ولنحلوكم في السرّ والعلانية، رحم الله عبداً منكم كان على ولايتنا»(4).
ودلالة هذه الرواية صريحة في الوجوب فإنّها تنفي الإيمان عمّن لا تقية له.
ومثلها في الدلالة صحيحة معمّر بن خلاّد، قال: سألت أبا الحسن (علیه السلام)عن القيام للولاة، فقال: قال أبو جعفر (علیه السلام): التقية من ديني ودين آبائي، ولا إيمان لمن لا تقيّة له(5)
وهكذا صحيحة عبد الله بن أبي يعفور، قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول:
ص: 64
«التقية ترس المؤمن، والتقية حرز المؤمن، ولا إيمان لمن لا تقية له»(1)
ومعتبرة أبان بن عثمان، عن الصادق (علیه السلام) أنّه قال: «لا دين لمن لا تقية له، ولا إيمان لمن لا ورع له» (2)
وصحيحة أبي بصير، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: «لا خير فيمن لا تقية له، ولا إيمان لمن لا تقية له» (3)
وما أورده صاحب السرائر في خاتمة كتابه، نقلاً من كتاب مسائل الرجال ومكاتباتهم مولانا علي بن محمّد ' من مسائل داود الصرمي، قال: قال لي: «يا داود لو قلت: إن تارك التقية كتارك الصلاة لكنت صادقاً» (4)
ورواية الحسين بن خالد، عن الرضا (علیه السلام) ، قال: «لا دين لمن لا ورع له، ولا إيمان لمن لا تقية له، وإن أكرمكم عند الله أعملكم بالتقية، قيل: يابن رسول الله إلى متى؟ قال: إلى قيام القائم، فمن ترك التقية قبل خروج قائمنا فليس منّا» (5)
إلى غير ذلك من الروايات الدالة على وجوب هذا الحكم، بل إنه من أعظم الواجبات، فاتصاف التقية بالوجوب مما لا إشكال فيه.
وأما كيفية ذلك فسيأتي بيانه.
فإنّ المتسالم عليه عند الفقهاء، أنّ التقية واجبة، بل لا نظن أن أحداً منالفقهاء يخالف في ذلك. نعم المتيقن به أنها محلّ اتفاق في الجملة لا في كل مسألة مسألة، فلا خلاف فيها بين الفقهاء، بل قد تعدّ من ضروريات المذهب، وقد ذهب بعض العامة إلى القول
ص: 65
بوجوبها، كما نسب ذلك إلى الشافعي وغيره، وهكذا سيرة العلماء والمتشرعة على ذلك، وهذه السيرة تنتهي إلى الأئمة (علیهم السلام) ، وإنها ممضاة من قبلهم (علیهم السلام) عملاً، وهذا مما لا يعتريه ريب بل تتصل بالأنبياء والأوصياء السابقين قبل الإسلام، كما تقدم في الحديث - مفصلاً - عن تاريخ التقية.
فإنّ التقية موافقة لمقتضى حكم العقل، والاستدلال به على التقية على نحوين:
الأوّل: استقلال العقل بهذا الحكم، فيقال: إن العقل يرى أن أحكام الدين إنما شرعت لسعادة الإنسان في حياته إلى الأبد، فإذا كانت هذه السعادة وإدامة الأحكام متوقفة على التقية والإخفاء عن الأعداء في فترة من الزمن، فالعقل يستقل بالحكم بحسن التقية تقديماً للأهم على المهم، نظير سكوت أمير المؤمنين(علیه السلام) عن حقه رعاية لبقاء الدين.
والشاهد على ذلك سيرة العقلاء في حياتهم العملية، فإنهم في حالات الخوف من الأعداء يخفون عقائدهم ويظهرون الموافقة لخصومهم تحفظاً على أنفسهم، وذلك أمر شايع بيّن، وقد تحدث القرآن عن ذلك في العديد من الآيات ومن ذلك:
أصحاب الكهف فإنهم فتية آمنوا بربهم إلاّ أن الخوف على أنفسهم وإيمانهم دفعهم للتقية، فكانوا يشدون الزنانير ويشهدون أعياد الناس، فآتاهم الله أجرهم مرتين كما نطقت بذلك الروايات.
كما تحدث القرآن عن إبراهيم الخليل (علیه السلام) فإنه مارس التقية مع قومه حيث قال: إني سقيم، وهكذا بالنسبة إلى موسى الكليم (علیه السلام) فإنه عاش في بيت فرعون بالتقية إلى أن صار مأموراً بالتبليغ، ومثله يوسف الصديق (علیه السلام) فإنه أصبح خازن
ص: 66
الملك الكافر وقد عاش في تلك الأجواء بالتقية، وكذلك تحدثت السيرة عن أبي طالب (علیه السلام) وتمكنه من الدفاع عن النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) بواسطة التقية وقد اشار القرآن الكريم إلى قضية عمار بن ياسر كما مر.
وغيرهم من الأنبياء والأوصياء والأخيار والعقلاء الذين كانوا يمارسون التقية.
وإذا كان الأمر كذلك فلا ندري كيف ساغ للعامة الإنكار على الشيعةلقولهم بالتقية؟ وكيف اجترأوا على الشيعة بالتشنيع لذلك، وهل هذا إلاّ ضلال منهم عن الصراط المستقيم وانحراف عن الحق والهداية، حيث لم يدخلوا البيوت من أبوابها ولم يأخذوا الأحكام من معادنها ولم يتبعوا أئمة الهدى (علیهم السلام) وأهل بيت العصمة والطهارة الذين هم أحد الثقلين الذين أمرنا بالتمسك بهم(1).
الثاني: الاستدلال بالعقل غير المستقل، بأن يقال: إن نظر الشارع المقدس في أحكامه أنه: إذا دار الأمر بين الضرر كالقتل والقطع وأمثالهما وبين حكم شرعي بوجوب شيء ما مثلاً فالعقل يحكم بتقديم الضرر على الحكم الشرعي، إذ لا ضرر ولا ضرار في الإسلام، وأحلّ الله ما اضطروا إليه، فتدخل المسألة بهذه المقدمة في الأدلة الحاكمة على الأحكام الأولية وحينئذ يرتفع الحكم الشرعي، وتجب التقية بحكم العقل لا مستقلاًّ بل بمعونة الشارع.
ويمكن الاستدلال أيضاً بالقواعد الكلية إذا تحققت صغريات بعض المسائل، كما إذا كان هناك ضرر راجع إلى النفس، أو العرض، أو المال الخطير، فيقدم على الحكم الشرعي، ولابد حينئذ من التقية، وإن كان هذا يرجع إلى النحو الأول كما لا يخفى.
ثم أنّه ليس في سرد بقيّة أحكام التقية من الحرمة والاستحباب والكراهة
ص: 67
والإباحة كثير فائدة، ولهذا نقتصر على الحكم الأول وهو الوجوب، وقد نتعرض لبعض هذه الأحكام تبعاً، ونعطف الكلام على ذكر ما هو المهم في المقام، وهو البحث حول موارد التقية المشهورة الواردة في الروايات في جميع أبواب الفقه كما ذكرنا آنفاً، والتحقيق في كل مورد بخصوصه بحسب ما تقتضيه طبيعة المورد نظراً لأهمية التقية في مجال التشريع ولعموم الابتلاء بمواردها واستمراره في مجالي العمل والتطبيق، فقد ورد في الاحتجاج عن أبي محمّد الحسن بن علي العسكري ' ، في حديث أن الرضا (علیه السلام) جفا جماعة من الشيعة وحجبهم، فقالوا: يابن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ما هذا الجفاء العظيم، والاستخفاف بعد الحجاب الصعب؟ قال: لدعواكم أنكم شيعة أمير المؤمنين (علیه السلام) ، وأنتم في أكثر أعمالكم مخالفون ومقصرون في كثير من الفرائض، وتتهاونون بعظيم حقوق إخوانكم في الله، وتتقون حيث لا تجب التقية، وتتركون التقية حيث لابدمن التقية(1)
وغيرها من الروايات الواردة في هذا المعنى.
ولما كان تشخيص مواردها وبيان الوظيفة العملية فيها وكيفية التعامل معها في جهتي الموافقة والمخالفة من الأهمية بمكان، ولم نقف إلى الآن على كتاب جامع يخدم هذا الغرض وإن كان علماؤنا رضوان الله تعالى عليهم بحثوا موضوع التقية ووضعوا فيها كتباً ورسائل إلاّ أنها تناولت كليات مسائلها وبعضاً من مواردها، ولذلك انعقد العزم بتوفيق الله على التعرّض لموارد التقية المشهورة في جميع أبواب الفقه والتي صارت مورداً للبحث والكلام أو وردت في روايات أهل البيت (علیهم السلام) (2).
وينبغي أولاً الإشارة إلى العناوين التي تنطبق عليها التقية.
وثانياً: الموارد المستثناة التي لا يجوز فيها التقية.
ص: 68
أما بالنسبة للأمر الأول فقد أحصينا العناوين التي تتعلق بها التقية ووردت في الآيات والروايات فوجدناها تبلغ إلى أكثر من أربعين مورداً وهي:
أ - التقية في أصول الدين وتتضمّن المباحث التالية:
1 - إظهار الكفر أو إنكار أحد أصول الدين.
2 - البراءة.
3 - سبّ أحد الأنبياء أو أحد الأئمة (علیهم السلام) .
ب - التقية في فروع الدين وهي تارة تلاحظ بالإضافة إلى الكفار فقط وأخرى على نحو أعم، أما الأول فيتضمن المباحث التالية:
1 - في حكم مودتهم واتخاذهم أولياء.
2 - في حكم الابتداء بالتسليم عليهم.
3 - في الحكم بطهارتهم أو نجاستهم.
4 - في جواز إطعامهم وعدمه.
5 - في حكم دخولهم المساجد.
6 - في إلحاق أهل الكتاب والمخالفين بالكفار وعدمه.
7 - في حكم بيع المصحف وما في حكمه إليهم.
8 - في حكم طعامهم وذبائحهم.9 - في حكم مناكحتهم.
10 - في بيان آثار الحكم التكليفي والوضعي في حال التقية وبعدها.
وأما الثاني فهو تارة يكون في أمر غير مشروط بقصد القربة، وأخرى يكون في أمر مشروط بها، وثالثة في العقود والمعاملات، ورابعة في الإيقاعات، وخامسة في الأحكام.
أما الأول فيتضمن المباحث التالية:
1 - التقية في كتمان الدين والولاية، والحديث عن الكفار والمخالفين.
ص: 69
2 - التقية في تسمية الحجة .
3 - في حكم الجمع بين اسمه (علیه السلام) وكنيته في المولود.
وأما الثاني فهو يشمل المباحث التالية:
أولاً: التقية في الوضوء وتتناول:
1 - في غسل الوجه واليدين مرة أو ثلاثاً.
2 - في غسلهما من الأعلى أو من الأسفل.
3 - في مسح الرأس كلاًّ أو بعضاً مع الأذنين أو بدونهما.
4 - مسح الرأس والرجلين بماء الوضوء أو بماء مستأنف.
5 - في جواز المسح على الخفين وعدمه.
ثانياً: التقية في الوقت وتتناول:
1 - وقت صلاة المغرب والإفطار من الصوم هل هو ذهاب الحمرة المشرقية أو سقوط قرص الشمس.
2 - في حكم الصلاة قبل غروب الشمس.
ثالثاً: التقية في الصلاة وتتناول:
1 - جواز الاقتداء والائتمام بالمخالف تقية وعدمه.
2 - حكم الاقتداء بسائر فرق الشيعة من غير الإمامية تقية.
3 - حكم الاقتداء بالموافق تقية مع عدم إحراز الشرائط.
4 - في حكم الجهر بالبسملة وإخفائها.
5 - في حكم التأمين في الصلاة.
6 - في حكم التكفير في الصلاة.
7 - في حكم السجود على الأرض أو ما أنبتت من غير المأكول والملبوس وغيرها.
ص: 70
رابعاً: التقية في الصوم وتتناول:
1 - حكم الإفطار في حال التقية.
2 - في وجوب القضاء وعدمه.
خامساً: التقية في الحج وتتناول:
1 - حكم التظليل حال الإحرام تقية.
2 - حكم الوقوف بعرفات والمشعر ومنى في حال التقية.
سادساً: التقية في الزكاة وتتناول:
1 - شرائط المستحق للزكاة.
2 - في حكم إعطاء الزكاة للمخالف.
سابعاً: التقية في الجهاد وتتناول:
1 - أقسام الجهاد.
2 - اشتراط الجهاد الابتدائي بإذن المعصوم (علیه السلام) وعدمه.
3 - التحقيق حول الجهاد الابتدائي في زمان النبيّ (علیه السلام) .
4 - التهمة بأن الإسلام دين الدم والسيف والجواب عنها.
وأما الثالث فيتضمّن المباحث
التالية:
أوّلاً: التقية مع السلطان الجائر وتتناول:
1 - حكم معاونة السلطان الجائر.
2 - حكم قبول الولاية من قبل السلطان الجائر في القضاء والفتوى.
3 - حكم قبول الولاية من قبله في السياسة وتدبير الأمور.
4 - حكم التقية في الإضرار بالناس والتفصيل في أقسام الإضرار بالغير.
5 - حكم جوائز السلطان وأقسامها.
ص: 71
6 - حكم أموال السلطان بالنسبة إلى الورثة والمستحقين والحاكم الشرعي.
7 - ولاية الحاكم الشرعي - حدودها وأحكامها.
ثانياً: التقية في الغناء ويتناول:
1 - موضوع الغناء وحدوده وحكمه.
2 - حكم الآلات والأفعال اللهوية.
3 - الموارد المستثناة من الغناء والتحقيق حولها.
4 - حكم الغناء حال التقية.
ثالثاً: التقية في النكاح ويتناول مناكحة أهل الكتاب والمخالفين.
وأما الرابع فهو يتضمن:
التقية في الطلاق.وأما الخامس فيتضمن:
التقية في الميراث.
وأما بالنسبة للأمر الثاني وهو الموارد التي لا يجوز فيها التقية فهي ستة:
1 - التقية في الدم.
2 - التقية في ما يوجب الفساد في الدين.
3 - التقية في البراءة من أمير المؤمنين (علیه السلام) .
4 - التقية في متعة الحج.
5 - التقية في المسح على الخفين.
6 - التقية في شرب النبيذ.
ثم إنّ الضابط في دخول المورد في التقية هو كل ما يكون الحكم الإلزامي فيه الثابت عند المخالف إجماعاً أو شهرة على خلاف ما هو عند أهل البيت (علیهم السلام) ولا
ص: 72
يمكن التقصي عنه أو علاجه إلاّ بالتقية، وأما الضابط في الموارد المستثناة فهو كل ما ثبت فيه الحكم الإلزامي ولم يرخص الشارع بمخالفته إلى التقية.
ويقع الكلام حول هذه الموارد من جهات ثلاث:
الأولى: التحقيق حول الحكم الواقعي في المسألة.
الثانية: بيان الحكم الثانوي وهو العمل على طبق ما تقتضيه التقية، والآثار المترتبة عليها تكليفاً ووضعاً.
الثالثة: التحقيق حول ما إذا خالف المكلف وظيفته الفعلية وأتى بالواقع بدلاً من العمل على طبق التقية وبيان ما يترتب عليه من جرّاء ذلك.
ومما نلفت إليه أننا لن نتقيد بحرفية هذا الترتيب فقد تقتضي المناسبة تقديم بعض الموارد وتأخير بعضها عن مواقعها من هذا الترتيب، نعم نلتزم بالترتيب العام بجعل كل مورد في موقعه كما هو الحال في ترتيب أبواب الفقه.
ثم إنّ تفصيل الموارد والتحقيق حولها يتم في عدة فصول:
ص: 73
ص: 74
إمكان التقية في أصول الدين.
الأدلة من الكتاب والسنة.
البراءة والسب والفرق بينهما.
هل تجوز التقية في البراءة أو لا؟
الجمع بين الروايات المختلفة.
الوجوه التي من أجلها لم يبرأ أصحاب
علي (علیه السلام) منه.
ص: 75
ص: 76
التقية
في أصول الدين
وهي تشمل أموراً ثلاثة:
الأول: إظهار الكفر أو إنكار أحد الأصول.
الثاني: البراءة من النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) أو أحد الأئمة (علیهم السلام) .
الثالث: سب أحد الأنبياء (علیهم السلام) أو أحد الأئمة (علیهم السلام) .
وقد قيل بجواز التقية في جميع هذه الأمور، ويقع الكلام فيها في مقامات:
الأول: في الأدلة. وقد استدل له بالآيات والروايات:
الدليل الأول:
الآيات ومنها قوله تعالى: (لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) (1)
وقوله تعالى: (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ)(2) وقد وردت هذه الآية في قضية عمار بن ياسر كما ذكرنا سابقاً ، وغيرها من الآيات . وقد ذكرنا جملة منها في ادلة التقية .
الدليل الثاني: الروايات: وهي على طائفتين:
الأولى: الروايات العامّة، وهي متعددة، واشتملت على الصحاح،
ص: 77
وحاصلها أنّ التقية في كل ضرورة، ومن جملة الضرورات التقية في أصول الدين.
الثانية: الروايات الخاصة ومنها: رواية معمّر (عمر) بن يحيى بن سالم عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: التقية في كل ضرورة (1) ، وهذه الروايةوإن كان في سندها معمّر أو عمر وهما محل كلام إلاّ أن البرقي يرويها في المحاسن بسند صحيح عن الحارث بن المغيرة عن أبي جعفر (علیه السلام) (2)
ومنها صحيحة إسماعيل الجعفي، ومعمر بن يحيى بن سالم، ومحمّد بن مسلم، وزرارة قالوا: سمعنا أبا جعفر (علیه السلام) يقول: التقية في كل شيء يضطر إليه ابن آدم فقد أحله الله له(3)
ومنها صحيحة زرارة عن أبي جعفر (علیه السلام) ، قال: التقية في كل ضرورة، وصاحبها أعلم بها حين تنزل به(4)
ومنها: موثقة مسعدة بن صدقة، قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول وسئل عن إيمان من يلزمنا حقه وأخوته، كيف هو؟ وبما يثبت؟ وبما يبطل؟ فقال: إن الإيمان قد يتخذ على وجهين: أما أحدهما فهو الذي يظهر لك من صاحبك، فإذا ظهر لك مثل الذي تقول به أنت حقت ولايته وأخوته، إلاّ أن يجيء منه نقض للذي وصف من نفسه وأظهره لك فإن جاء منه ما تستدل به على نقض الذي أظهر لك خرج عندك مما وصف لك وأظهر وكان لما أظهر لك ناقضاً، إلاّ أن يدعي أنّه إنما عمل ذلك تقية، ومع ذلك ينظر فيه، فإن كان ليس مما يمكن أن تكون التقية في مثله، لم يقبل منه ذلك، لأنّ للتقية مواضع من أزالها عن مواضعها لم تستقم له،
ص: 78
وتفسير ما يتقى مثله [أن يكون] قوم سوء ظاهر حكمهم وفعلهم على غير حكم الحق وفعله، فكل شيء يعمل المؤمن بينهم لمكان التقية بما لا يؤدي إلى الفساد في الدين فإنه جائز(1)
ومنها: صحيحة هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: إن مثل أبي طالب مثل أصحاب الكهف، أسروا الإيمان وأظهروا الشرك فآتاهم الله أجرهم مرتين(2)
ومنها: موثقة أخرى لمسعدة بن صدقة، قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): إن الناس يروون أن علياً (علیه السلام) قال على منبر الكوفة: أيها الناس إنكم ستدعونإلى سبّي فسبوني، ثمّ تدعون إلى البراءة مني فلا تبرؤا مني، فقال: ما أكثر ما يكذب الناس على علي (علیه السلام) ، ثمّ قال: إنما قال إنكم ستدعون إلى سبّي فسبوني، ثمّ تدعون إلى البراءة مني وإني لعلى دين محمّد (صلی الله علیه و آله و سلم) ولم يقل ولا تبرؤا مني، فقال له السائل: أرأيت إن اختار القتل دون البراءة؟ فقال: والله ما ذلك عليه، وما له إلاّ ما مضى عليه عمار بن ياسر، حيث أكرهه أهل مكة وقلبه مطمئن بالإيمان فأنزل الله عزوجل فيه إلاّ من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان، فقال له النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) عندها: يا عمار إن عادوا فعد فقد أنزل الله عذرك وأمرك أن تعود إن عادوا(3).
ومنها: معتبرة محمّد بن مروان قال: قال لي أبو عبد الله (علیه السلام): ما منع ميثم ) من التقية؟! فوالله لقد علم أنّ هذه الآية نزلت في عمار وأصحابه (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ )(4) ، وهذه الرواية وإن كان في سندها محمّد بن مروان وهو مشترك بين جماعة إلاّ أن الظاهر أن المراد به عند إطلاقه هو محمّد بن مروان
ص: 79
الذهلي وأما الحناط فهو قليل الحديث، وأما البصري فقد حدث عنه أسيد بن زيد، وأما الأنباري فهو متأخر من حيث الطبقة وقد روى عنه محمّد بن أحمد بن يحيى الأشعري فالظاهر انحصار الراوي عن الصادق (علیه السلام) في محمّد بن مروان الذهلي، وهو المعروف وإن له كتاباً وما عداه فليس بمعروف وهو وإن لم يوثق صراحة إلاّ أن المشايخ الثقات قد رووا عنه فيحكم بوثاقته واعتبار روايته(1) ، وسيأتي له ذكر أيضاً عما قريب.
ومنها: رواية عبد الله بن عجلان، عن أبي عبد الله (علیه السلام) ، قال: سألته فقلت له: إن الضحاك قد ظهر بالكوفة ويوشك أن تدعى إلى البراءة من علي (علیه السلام) فكيف نصنع؟ قال: فابرأ منه قلت: أيهم أحب إليك؟ قال: أن تمضوا على ما مضى عليه عمّار بن ياسر أخذ بمكة فقالوا له: ابرأ من رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فبرأ منه، فأنزل الله عزوجل عذره (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ ) (2).
وبعض هذه الروايات صريح الدلالة في جواز السب تقية، كما أنبعضها شامل للبراءة، إلاّ أن في البراءة كلاماً سيأتي.
وهناك روايات أخرى يمكن عدّها طائفة ثالثة مؤيدة لما تقدم، منها:
رواية عبد الله بن يحيى، عن أبي عبد الله (علیه السلام) ، أنّه ذكر أصحاب الكهف فقال: لو كلّفكم قومكم ما كلفهم قومهم فقيل له: وما كلفهم قومهم؟ فقال: كلفوهم الشرك بالله العظيم فأظهروا لهم الشرك وأسرّوا الإيمان حتى جاءهم الفرج(3)
ومنها: رواية درست، عن أبي عبد الله (علیه السلام) ، قال: ما بلغت تقية أحد ما بلغت تقية أصحاب الكهف ، إنهم كانوا يشدون الزنانير، ويشهدون الأعياد،
ص: 80
فآتاهم الله أجرهم مرتين(1)
ومنها: رواية الكاهلي عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: إن أصحاب الكهف أسرّوا الإيمان وأظهروا الكفر، وكانوا على إجهار الكفر أعظم أجراً منهم على إسرار الإيمان(2)
ومنها: رواية عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبد الله (علیه السلام) في (حديث)، أن جبرئيل (علیه السلام) نزل على رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فقال: يا محمّد إن ربك يقرؤك السلام ويقول لك: إن أصحاب الكهف أسروا الإيمان وأظهروا الشرك ، فآتاهم الله أجرهم مرتين، وأن أبا طالب أسر الإيمان وأظهر الشرك، فآتاه الله أجره مرتين، وما خرج من الدنيا حتى أتته البشارة من الله بالجنة(3)
وهناك روايات أخرى لا يخرج مفادها عما يستفاد من الروايات المتقدمة من جواز التقية في أصول الدين، وهكذا بالنسبة إلى سبّ أحد المعصومين (علیهم السلام) .
وفيه جهتان:
الأولى: في أصول الدين الخمسة.
الثانية: في سب المعصوم.أما بالنسبة إلى أصول الدين من التوحيد والنبوة والإمامة والمعاد، فيحتمل القول بالجواز كما يحتمل القول بالوجوب.
أمّا الجواز فلأن الآية الشريفة (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ) (4) ،
ص: 81
وإن كانت واردة في قضية الإيمان وإخفائه وإظهار الكفر وإبرازه، إلاّ أنها لا تشتمل على الأمر بالتقية، نعم فيها أن المقام خارج عن غضب الله وعقابه، وإنما يتوجّه العقاب لمن شرح صدره بالكفر كما هو صريح الآية.
وكذلك الحال بالنسبة للروايات الواردة في ذيل هذه الآية، فإنها وردت في عمار وقضيته مع أهل مكة، وأصحاب الكهف وقومهم، وأبي طالب (علیه السلام) وقريش.
كما ورد أن هؤلاء يعطون الأجر مرتين أجر الإيمان وأجر الإخفاء، ولم يرد في هذه الروايات أمر بالإخفاء، فيمكن حمل ذلك على الاستحباب.
وأما القول بالوجوب فذلك:
أولاً: للأدلة العامة التي دلّت على أن التقية في كل ضرورة، ومنها أصول الدين.
وثانياً: لما ورد في ذيل موثقة مسعدة بن صدقة وهو قوله (علیه السلام) لعمار: إن عادوا فعد ... وقد أمرك أن تعود الحديث(1)
إلاّ أنّه يمكن الجواب عنهما - أما عن الأول - فبأنها في مقام بيان أصل المشروعية والجواز، وأما عن الثاني فبأن مقتضى الجمع بينها وبين ما تقدم هو الرجحان، مضافاً إلى ما في الرواية من قوله: فقد أنزل الله عذرك، وأمرك أن تعود، فوجود الأمر هنا بعد قبول العذر نظير الأمر بعد الحظر وليس في ذلك دلالة على الوجوب، مضافاً إلى أنّه قد ورد المدح في كثير ممّن لم يتق كما في آسية بنت مزاحم، فإنها عذبت من أجل أن تعلن الكفر فأبت ولم تعلنه حتى استشهدت وورد فيها من الفضائل والمناقب الشيء الكثير(2)
والحاصل: أن المستفاد من جميع الآيات والروايات الواردة في المقام أن
ص: 82
التقية ليست بواجبة، نعم ربما تكون راجحة في بعض الموارد، كمافي أصحاب الكهف وعمار وغيرهم، فإنه ورد عنهم (علیهم السلام) استحسانهم فعل عمار بن ياسر كما ورد أن التقية رخصة وهي أحب إليهم (علیهم السلام) ، والأخذ بالرخصة أمر راجح في نفسه، فيمكن حمل ذلك على الاستحباب.
وأما بالنسبة إلى الجهة الثانية وهي سب الأنبياء أو أحد الأئمة (علیهم السلام) فمقتضى الأدلة أن التقية فيها واجبة، فإنه لم يرد دليل على الجواز كما في الجهة الأولى، فإن من وقع بين الأعداء وطلب منه أن يسب نبياً أو إماماً فبمقتضى ما مر من الروايات العامة - من أن من لا تقية له لا دين له وغيرها - والروايات الخاصة - كما يأتي في البراءة فإنه قد أمر فيها بالسب عند الاضطرار وخوف النفس - أنّه يجب عليه أن يعلن السب بلسانه تقية منهم وحفاظاً على نفسه.
نعم ورد في بعض الروايات: أن حكم من سب النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) أو الإمام(علیه السلام) القتل إلاّ أن هذا الحكم في غير التقية وسيأتي الكلام عنه في موضعه إن شاء الله، وأما بالنسبة إلى مورد التقية فهي واجبة.
والمسألة محل خلاف لاختلاف النصوص الواردة فيها، ويمكن تقسيمها على نحو الإجمال إلى ثلاث طوائف:
الأولى: ما يستفاد منها وجوب التقية.
الثانية: ويستفاد منها عدم الوجوب.
الثالثة: ويستفاد منها التخيير.
وقد يقال: إن المستفاد من مجموع الروايات أرجحية التقية من عدمها،
ص: 83
ومال إليه الشيخ الأنصاري!(1)، إلاّ أنّ بعضهم استفاد العكس، ومال إليه السيد الأستاذ !، فإنه يذهب إلى القول بالتساوي أو أرجحية عدم التقية(2)
ولتحقيق الأمر لابد أولاً أن نذكر الروايات الواردة في المقام، ومن ثمّ ملاحظة ما قيل أو ينبغي أن يقال.
أما الروايات فقد جاءت على طوائف ثلاث كما ذكرنا:
الطائفة الأولى: وهي الروايات التي يستفاد منها وجوب التقية، وهي عدة روايات، منها: ما تقدم من الروايات العامة من أن التقية في كلضرورة، وهي شاملة لهذا المورد كما هو واضح.
ومنها: معتبرة مسعدة بن صدقة، وقد تقدم ذكرها أيضاً، وهي عن علي بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): إن الناس يروون أن علياً (علیه السلام) قال على منبر الكوفة: أيها الناس إنكم ستدعون إلى سبّي فسبّوني، ثمّ تدعون إلى البراءة مني فلا تبرؤا مني، فقال: ما أكثر ما يكذب الناس على علي (علیه السلام) . ثمّ قال: إنما قال: إنكم ستدعون إلى سبّي فسبّوني، ثمّ تدعون إلى البراءة مني وإني لعلى دين محمّد (صلی الله علیه و آله و سلم)، ولم يقل ولا تبرؤا مني فقال له السائل: أرأيت إن اختار القتل دون البراءة؟ فقال: والله ما ذلك عليه وما له إلاّ ما مضى عليه عمار بن ياسر، حيث أكرهه أهل مكة وقلبه مطمئن بالإيمان، فأنزل الله عزوجل فيه إلاّ من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان فقال له النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) عندها: يا عمار إن عادوا فعد فقد أنزل الله عذرك وأمرك أن تعود إن عادوا(3)
والرواية معتبرة سنداً فإن مسعدة بن صدقة ثقة، لوقوعه في أسناد تفسير
ص: 84
علي بن إبراهيم القمي(1) ، كما أنها واضحة دلالة، وأنه لابد من التقية، فإن الإمام (علیه السلام) قال: والله ما ذلك عليه وما له إلاّ ما مضى عليه عمار بن ياسر.
ومنها: معتبرة محمّد بن مروان قال: قال لي أبو عبد الله (علیه السلام): ما منع ميثم ) من التقية؟! فوالله لقد علم أن هذه الآية نزلت في عمار وأصحابه: (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ) (2).
وظاهر هذه الرواية أن ميثم ) كان عليه أن يتقي، وكلام الإمام (علیه السلام) وارد مورد التعجّب من فعل ميثم، مع أنّه يعلم أن الآية نزلت في عمار وأصحابه، ففيها دلالة على لزوم التقية، إما على نحو الوجوب أو الاستحباب.
الطائفة الثانية: وهي الروايات التي يستفاد منها أن البراءة ليست من موارد التقية وهي أيضاً عدة روايات منها:
رواية الحسن بن محمّد الطوسي )، عن أبيه، عن محمّد بن محمّد بن عمر الجعابي، عن أحمد بن محمّد بن سعيد، عن يحيى بن زكريا بنشيبان، عن بكر بن مسلم، عن محمّد بن ميمون، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عن جده (علیه السلام) قال: قال أمير المؤمنين(علیه السلام): ستدعون إلى سبّي فسبّوني، وتدعون إلى البراءة فمدوا الرقاب، فإني على الفطرة(3)
والرواية من حيث الدلالة واضحة، إلاّ أن سندها ضعيف فإن بكر بن مسلم ومحمّد بن ميمون لم يرد فيهما توثيق.
ومنها: ما رواه ابن الشيخ أيضاً، عن أبيه، عن هلال بن محمّد الحفار، عن إسماعيل بن علي الدعبلي، عن علي بن علي، أخي دعبل بن علي الخزاعي، عن
ص: 85
علي بن موسى الرضا، عن أبيه، عن آبائه، عن علي بن أبي طالب (علیه السلام) أنّه قال: إنكم ستعرضون على سبّي، فإن خفتم على أنفسكم فسبّوني، ألا وإنكم ستعرضون على البراءة مني فلا تفعلوا فإني على الفطرة(1)والرواية كسابقتها، فهي وإن كانت تامة الدلالة إلاّ أن في سندها ضعفاً، فإن إسماعيل بن علي لم يرد فيه توثيق.
ومنها: ما ورد في نهج البلاغة، عن أمير المؤمنين (علیه السلام) أنّه قال: أما إنه سيظهر عليكم بعدي رجل رحب البلعوم، مندحق البطن، يأكل ما يجد، ويطلب ما لا يجد فاقتلوه، ولن تقتلوه ألا وإنه سيأمركم بسبي والبراءة مني، فأما السب فسبوني فإنه لي زكاة ولكم نجاة، وأما البراءة فلا تبرؤا (تتبروا) مني، فإني ولدت على الفطرة وسبقت إلى الإيمان والهجرة(2)
ولا إشكال من حيث الدلالة، وإنما الكلام من حيث الطريق فإنه وإن كان معتبراً إلى السيد الرضي، إلاّ أن طريق السيد الرضي إلى الإمام (علیه السلام) غير مذكور.
ومنها: ما أورده صاحب الوسائل عن الشيخ المفيد في الإرشاد قال: استفاض عن أمير المؤمنين (علیه السلام) أنّه قال: ستعرضون من بعدي على سبّي فسبّوني، فمن عرض عليه البراءة مني فليمدد عنقه فإن برىء مني فلا دنيا له ولا آخرة(3) وفي النقل اختلاف يسير فلاحظ(4)
إلاّ أن الكلام في السند، فإن الاستفاضة أقصى ما تفيده الظن، مضافاً إلى أنّه لم يذكر طريقاً لها، وبناء عليه فلا يمكن التعويل على ما ادعاه الشيخ المفيد في مقام الاستدلال.
ص: 86
ثم إن هنا رواية أخرى ذكرت في ذيل هذا الباب من الوسائل ولم يذكرها الحر العاملي في متن الوسائل، وهي ما رواه الصدوق في عيون الأخبار بإسناده عن محمّد بن عمر الجعابي، عن الحسن بن عبد الله بن محمّد بن العباس الرازي التميمي، عن الرضا (علیه السلام) ، عن آبائه (علیهم السلام) ، عن علي (علیه السلام) قال: إنكم ستعرضون على البراءة مني فلا تبرؤا مني فإني على دين محمّد (صلی الله علیه و آله و سلم) (1)
وهذه الرواية وإن كانت دلالتها تامة إلاّ أن الإشكال في سندها، فإن الحسن بن عبد الله بن محمّد بن العباس الرازي التميمي لم يرد في حقه توثيق.
هذه هي الطائفة الثانية من الروايات ولا إشكال فيها من حيث الدلالةوإنما الإشكال من جهة السند فبينها وبين الطائفة الأولى تهافت في الدلالة.
الطائفة الثالثة: وهي التي يستفاد منها التخيير وبمقتضاها تكون التقية جائزة، وتكون جامعة بين الطائفتين الاُوليين، وهي أيضاً روايات عديدة، منها:
ما رواه الكشي، عن جبرئيل بن أحمد، عن محمّد بن عبد الله بن مهران، عن محمّد بن علي الصيرفي، عن علي بن محمد، عن يوسف بن عمران الميثمي، قال: سمعت ميثم النهرواني يقول: دعاني أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ' وقال: كيف أنت يا ميثم إذا دعاك دعي بني اُمية عبيد الله بن زياد إلى البراءة مني؟ فقلت: يا أمير المؤمنين أنا والله لا أبرأ منك، قال: إذاً والله يقتلك ويصلبك، قلت: أصبر فذاك في الله قليل فقال: يا ميثم إذاً تكون معي في درجتي(2) الحديث.
والمستفاد من هذه الرواية عدم وجوب التقية، فإن أمير المؤمنين (علیه السلام) لم يلزم (ميثم) ميثماً بالتقية، وإنما أخبره بما يجري عليه وما يصير إليه مآله.
ثم إن هذه الرواية رواها الكشي بهذا السند وهو ضعيف.
ص: 87
وذكر صاحب الوسائل(1) أن القطب الراوندي أورد الرواية في كتابه الخرائج، عن عمران، عن أبيه ميثم، إلّا أن الموجود في الخرائج عن يوسف بن عمران، عن ميثم التمار، نعم اُشير في ذيل الحديث من كتاب الخرائج أن في الأصل عمران عن أبيه ميثم(2)
وعلى كل تقديم فلا يمكن الاعتماد على هذه الرواية لعدم تمامية الطريق أو تصحيحه، فإن القطب الراوندي وإن كان له طريق إلى كتب الشيخ ورواياته إلاّ أن الطريق من الشيخ إلى يوسف بن عمران، أو عمران غير مذكور.
ومنها: رواية عبد الله بن عطا قال: قلت لأبي جعفر (علیه السلام): رجلان من أهل الكوفة اُخذا فقيل لهما: ابريا عن أمير المؤمنين (علیه السلام) ، فبرىء واحد منهما وأبى الآخر، فخلّي سبيل الذي برىء وقتل الآخر، فقال: أما الذيبرىء فرجل فقيه في دينه، وأما الذي لم يبرأ فرجل تعجل إلى الجنة(3)
والمستفاد من الرواية الرخصة في البراءة تقية، ولهذا عبّر الإمام (علیه السلام) عن الذي اتقى بالفقيه، وعبر عن الثاني بأنه تعجّل إلى الجنة.
ومنها: رواية أبي بكر الحضرمي، عن أبي عبد الله (علیه السلام) (في حديث) أنّه قيل له: مدّ الرقاب أحب إليك أم البراءة من علي (علیه السلام) ؟ فقال الرخصة أحب إليّ، أما سمعت قول الله عزوجل في عمار: (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ)(4)
وهذه الرواية تفيد أن الإنسان مخير في البراءة وعدمها، وإن كانت التقية أحب إلى الإمام (علیه السلام) .
ومنها: رواية عبد الله بن عجلان، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: سألته فقلت
ص: 88
له: إن الضحاك قد ظهر بالكوفة ويوشك أن تدعى إلى البراءة من علي(علیه السلام) فكيف نصنع قال: فابرء منه قلت: أيهما أحب إليك؟ قال: أن تمضوا على ما مضى عليه عمار بن ياسر، اُخذ بمكة فقالوا له: ابرأ من رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) فبرأ منه وأنزل الله عزوجل عذره (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ) (1)
وقد تقدمت هذه الرواية عند الكلام حول التقية في اُصول الدين، والمستفاد منها في المقام التخيير كالرواية السابقة، فإنها لم تشتمل على الأمر أو النهي، وأما قوله (علیه السلام): فابرأ منه فهو وإن كان أمراً والأمر يقتضي الوجوب، إلاّ أن في المقام قرينة تصرفه عن الحمل على الوجوب وهو قوله(علیه السلام): أحبّ إلي ... بعد سؤال الراوي أيهما أحب إليك؟
والحاصل: أن الرواية تحمل على الرخصة.
وأما كيفية استفادة الحكم من مجموع هذه الروايات وهل أنّ التقية هي الأرجح؟ كما يظهر من كلام الشيخ الأنصاري ) أو أن عدمها هو الأرجح؟ أو أنّه لا أقل من عدم دلالة شيء من الروايات على أرجحيةأحدهما على الآخر، فالأمران متساويان، كما ذهب إليه السيد الأستاذ ) فهذا هو محل الكلام.
وتحقيق المقام يقتضي تنقيح الروايات سنداً ودلالة بالنسبة إلى كلا الدعويين فنقول:
إن روايات الطائفتين الثانية والثالثة كلها ضعيفة من جهة السند، وأما الطائفة الاُولى فهي بالإضافة إلى الروايات العامة تشتمل على روايتين معتبرتين، الاُولى: معتبرة مسعدة بن صدقة، والثانية معتبرة محمّد بن مروان،
ص: 89
وكلتاهما دالتان على لزوم التقية، ففي الاُولى أنكر الإمام عدم التقية، وقال (علیه السلام): والله ما ذلك عليه، وفي الثانية قال (علیه السلام): ما منع ميثم ... فوالله لقد علم ... الخ.
ودلالة قول الإمام (علیه السلام) على لزوم التقية واضحة.
إلاّ أن السيد الاُستاذ ! ناقش في الرواية الاُولى بأنها لا تدل على لزوم التقية لقصور دلالتها على حرمة القتل ووجوب التبري عند الإكراه(1)
وناقش في الرواية الثانية بأن كلمة منع يمكن أن تقرأ بالبناء للفاعل فتكون واردة في مقام التعجب، ويكون مفاد الرواية حينئذ أن ميثم (ميثماً) خالف التقية وعرّض نفسه للهلاك، ويمكن أن تقرأ بالبناء للمفعول ويكون مفادها حينئذ أن ميثم لم يكن ممنوعاً من التقية ولو كانت التقية واجبة عليه لامتنع، والشاهد على ذلك أن لفظ ميثم وردت مرفوعة، فهي واقعة موقع الفاعل ونائبة منابه.
وقد يقال: إن ميثم اسم غير منصرف، وجوابه أنّه غير ممنوع من الصرف وبناء على هذا فلا دلالة في الرواية على لزوم التقية(2)
وفي ما أورده السيد الاُستاذ من المناقشة في كلتا الروايتين نظر.
أمّا الرواية الاُولى: فإن قوله (علیه السلام): والله ما ذلك عليه، ولا له إلاّما مضى عليه عمار بن ياسر، يمكن أن يكون راجعاً إلى بيان التكليف والوظيفة، ومعناه أن التكليف لابد وأن يكون من الشارع، والتكليف من الشارع في هذه المسألة هو لزوم التقية، ولذلك لما قال له السائل: أرأيت إن اختار القتل دون البراءة، بيّن له الإمام (علیه السلام) أن الوظيفة هي المضيّ على ما مضى عليه عمار، فإنه اتّقى، ووظيفة السائل هي أن يتقي أيضاً، فإن اختيار الإنسان وظيفته العملية ليست بيده بل بيد الشارع، وعليه فماذكره السيد الأستاذ في غير محلّه، ولا قصور في دلالة الرواية على لزوم التقية، لأنّ الإمام (علیه السلام) في مقام بيان الوظيفة العملية
ص: 90
للسائل.
وأما الرواية الثانية: فهي واردة في مقام التعجب كما ذكرنا سابقاً، وكلمة منع جاءت للبناء للفاعل، وأما كلمة ميثم فجاءت مرفوعة إما تصحيفاً وإما أنها غير منصرفة لأنه ورد في بعض الروايات(1) أن ميثم اسم أعجمي، فيكون غير منصرف.
والحاصل: أن الجملة ظاهرة في التعجب سواء كان لفظ ميثم منصرف أو غير منصرف، وبناء على هذا فالمستفاد من الرواية هو لزوم التقية.
وقد حكم السيد الأستاذ ! بالتعارض بين الروايات المثبتة والروايات النافية، وجمع بينها بحمل الروايات المثبتة على التخيير بقرينة الطائفة الثالثة، إلاّ أن الذي يوجب الاستغراب في كلام السيد الأستاذ ! أنّه ناقش في الروايات الدالة على لزوم التقية سنداً ودلالة، والحال أنها من حيث السند معتبرة على مبناه في التوثيق، فإن مسعدة بن صدقة واقع في أسناد تفسير القمي، وقد ذكرنا ذلك سابقاً، وهكذا محمّد بن مروان في الرواية الثانية، فهو وإن كان مشتركاً بين الثقة وغيره إلاّ أن المنصرف إليه هو محمّد بن مروان الذهلي الثقة، فإنه المعروف الذي له كتاب، وأما غيره ممن سمي بمحمّد بن مروان من أصحاب الصادق (علیه السلام) فليس فيهم رجل معروف(2) ، وقد تقدم منا قريباً تحقيق ذلك وعليه فالرواية معتبرة، وأما مناقشته في الدلالة ففيها ما تقدم.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى إن الروايات الدالة على الجواز كلها ضعيفة، ولم نظفر برواية معتبرة، فكيف حكم السيد الأستاذ ! بأن الروايات متعارضة؟! إذ المفروض ملاحظة أسناد الروايات أيضاً لتتم بها أركان التعارض، فمقتضى الصناعة لابد وأن نقول بلزوم التقية، وذلك لدلالة الروايات
ص: 91
العامة المشتملة على الصحاح والخاصة المعتبرة، والروايات المقابلة لها كلها ضعيفة الأسناد فلا تعارض بين الروايات، نعم إذا قلنا: إن الروايات ثابتة إجمالاً وغضضنا الطرف عن المناقشة في أسنادها، وبضميمة ما وقع في الخارج كما في أحوال ميثم، ورشيد، وحجر، وقنبر، وغيرهم رضوان الله ورحمته عليهم، فحينئذ يصح الجمع بين الروايات بالحمل على التخيير وإن كان التبري أرجح.والحاصل: أن المستفاد من الروايات أن التقية هي الأرجح كما ذهب إليه الشيخ الأنصاري !.
الأول: الفرق بين السب والتبري:
أما السب فهو الشتم واستنقاص الغير باللسان، فهو يرجع إلى الكلام اللفظي، وقد يستوجب الحد كما في سب الإمام كما سيأتي، أو التعزير وسقوط العدالة كما في سب المؤمن، وتفصيل ذلك في محلّه.
وأما التبرّي فالمستفاد من الاستعمال اللغوي هو انقطاع العصمة ومعناه التخلّص والبينونة. وقد ورد التبرّي في القرآن الكريم كقوله تعالى: (بَرَاءَةٌ مِنْ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ) (1) أي خروج من عهودهم وتخلص منهم، وقد أمهلوا أربعة أشهر ثمّ يقتلوا حيث وجدوا(2)
فإن كانت البراءة من شيء معين كعهد ونحوه فهو، وإلاّ فهي مطلقة ومعناها انقطاع العصمة من جميع الجهات، والبراءة من النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) والإمام(علیه السلام) من هذا القبيل، وإن كان الأظهر منها هو التبري من ولايته وهي بهذا المعنى تكون داخلة في مسائل الاعتقاد بخلاف السب فإنه من الأحكام.
فبناء على أن معنى التبري هو عدم الاعتقاد بالإمام وانقطاع الصلة به
ص: 92
تكون المسألة من أصول الدين، وكل ما ذكرناه هناك يجري هنا، كما وقع لعمار بن ياسر وقد ورد الاستشهاد في التبري بقضية عمار كما تقدم.
ويكون حينئذ معنى البراءة من الإمام (علیه السلام) وولايته هو البراءة من الدين فإنه (علیه السلام) قال: فإني ولدت على الفطرة، وعليه فيلاحظ إن كان التبري بالقلب فهو المحرم، وإن كان بالقول فهو شبيه بفعل عمار وقد مرّ أن التقية فيه جائزة.
ومما يؤيده ما ورد في الرواية من قوله (علیه السلام): «وإن إظهارك براءتك منّا عند تقيتك لا يقدح فينا ولا ينقصنا، ولئن تبرأ منا ساعة بلسانك وأنت موال لنا بجنانك لتبقي على نفسك روحها التي بها قوامها، ومالها الذي به قيامها، وجاهها الذي به تمسكها، وتصون من عرف بذلك أولياءناوإخواننا، فإن ذلك أفضل من أن تتعرض للهلاك ... الخ» (1)
والحاصل: أن الإظهار باللسان لا إشكال فيه، وإنما الإشكال والحرمة في التبري الواقعي.
الثاني: هل تختص البراءة بالإمام أمير المؤمنين علي (علیه السلام) ، أو أنها تشمل الأئمة والأنبياء والمؤمنين؟
قد يقال: إن المستفاد من عنوان المسألة والتعليل الوارد في الرواية هو التعميم، نعم ورد في رواية واحدة زيادة جملة: «وسبقت إلى الإيمان والهجرة»(2)، وأما غيرها من الروايات فلم يرد فيها إلاّ الولادة على الفطرة.
فإن قلنا: إن السبق إلى الإيمان والهجرة دخيل في التعليل فلا يجري في غيره، وإن قلنا: إن التعليل هو خصوص الولادة على الفطرة فيشمل الأئمة(علیهم السلام) والأنبياء والمؤمنين فإنهم ولدوا على الفطرة، ويكون المراد هو التبري من الدين والإيمان، وبناء على هذا يمكن التعدي إلى غير أمير المؤمنين (علیه السلام) ولا خصوصية
ص: 93
لأمير المؤمنين (علیه السلام) في هذا المقام بالذات بمقتضى التعليل الوارد إذ التعليل يعمم ويخصّص.
الأولى: قد تبيّن مما ذكرنا أن التقية في هذا المورد مشروعة فيما إذا كان لها فائدة، كحفظ النفس والعرض ونحوهما، أما إذا لم يترتب عليها شيء من ذلك فلا يستفاد من الأدلة مشروعيتها.
الثانية: إذا كانت مصلحة التقية في أصول الدين أكثر من تركها فهي سائغة وتكون مشمولة للأدلة المتقدمة. وأما إذا كان العكس أي إذا كانت المصلحة في ترك التقية كما إذا لزم من تركها ترويج للدين وإظهاره، أو كان في التقية إذلالٌ أو إضعافٌ للدين فليست بمشروعة.
وبهذا يمكن تفسير ما صدر من خواص أصحاب أمير المؤمنين (علیه السلام) مثل ميثم ورشيد وحجر وغيرهم رضوان الله عليهم، فإن أدلة التقية وإن كانت تشملهم إلاّ أن عملهم على خلاف التقية يمكن أن يوجه بأمور:
الأول: ما تقدم من الأدلة، فإن المستفاد من بعضها التخيير وإن كاناختيار التقية هو الراجح إلاّ أن هؤلاء اختاروا الشق الآخر من التخيير لجهة أخرى هي الموجبة للترجيح عندهم، وهي التعجّل إلى الجنة، فمع أنهم يعلمون برجحان التقية إلاّ أنهم تركوها فراراً من الدنيا ولحوقاً بأمير المؤمنين (علیه السلام) في الدار الآخرة، وقد كشفت بعض الروايات عن ذلك.
الثاني: أن هؤلاء يعدون من أركان الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) وخواص أصحابه وحملة أسراره، وأمرهم في الولاء لعلي (علیه السلام) ظاهر مشهور، فالتقية بالنسبة إليهم توجب وهن الولاية وضعف المذهب، بينما صمودهم وتركهم للتقية يوجب
ص: 94
ترويج أمر الولاية وإعزاز المذهب، وليس حالهم كحال سائر الناس العاديين في اتخاذ موقف معين، فكان فعلهم هذا سبباً لرفع شأن الدين والمذهب والولاية حتى في حال موتهم فإن لهم شأناً بعد شهادتهم إذ صاروا مقصداً للناس كما كانوا في حياتهم، فمن أجل إعزاز الدين وحمايته أقدموا على ذلك.
الثالث: أن هؤلاء قد علموا أن الأعداء لا يكتفون منهم بإظهار البراءة، بل يراد منهم الترويج للظلمة وأن يكونوا منهم ومعهم وهذا مما لا يلتزمون به، فالتبري لو كان بالقول فقط لأمكن ذلك إلاّ أن التبري تترتب عليه لوازم أخرى وإنما أقدموا على ما أقدموا عليه من مخالفة التقية لئلاّ يُلزموا بما لا يلتزمون به.
الرابع: أنهم علموا بعدم الفائدة من إظهار التبري وإنما هو ذريعة للتوصّل إلى قتلهم سواء تبرؤا أم لا، يعني إنهم وإن أظهروا التبري فسيقتلون لا محالة، لأنهم عرفوا بولائهم لأمير المؤمنين (علیه السلام) وحبهم له وتفانيهم في الدفاع عنه فلما علموا أن لا فائدة من إظهار التبري وأنهم يقتلون على كل حال أقدموا على مخالفة التقية.
الخامس: أن هؤلاء بلغوا من حب علي (علیه السلام) وولائه مبلغاً بحيث لا يستطيعون أن يظهروا البراءة منه وكأنما تجسد في أنفسهم هذا الحب والولاء والمعرفة بمقام أمير المؤمنين (علیه السلام) فلا يمكن فرض الانفصال في أنفسهم عنه ولو بالقول، فيكون طلب التبري منه أمراً غير مقدور بالنسبة إليهم وشاهد ذلك أن الإمام (علیه السلام) لما أخبر ميثم بما يجري عليه وكأنما الإمام كان يمتحن صلابته في الحق وولاءه وحبه لأمير المؤمنين (علیه السلام) فقال ميثم: والله لا أبرأ منك - وكان هذا قبل وقوع وبلوغ الأمر مرحلة الفعلية - ولما قال له الإمام(علیه السلام): إذن والله يقتلك ويصلبك، أجابه ميثم قائلاً: أصبر فذاك في الله قليل، فقال: يا ميثم إذن تكون معي في درجتي.
والحاصل: أنّه يمكن أن يوجّه فعل هؤلاء - من تركهم التقية - أنهم لا
ص: 95
يستطيعون ، لأنهم ملؤا حباً لأمير المؤمنين (علیه السلام) ، ولا ينافي هذا ما ورد من أنّه (علیه السلام) سئل عن ذلك فقال: أحب أن تبرأ وتأخذ بما أخذ عمار، وقد قلنا إن هذه الروايات الدالة على الجواز ضعيفة الأسناد.
فبهذه الوجوه يمكن أن يوجه فعل هؤلاء من تركهم للتقية، ولا يمكن أن نقول: إن فعلهم مرجوح كما أنّه يمكن أن تكون هناك وجوه أخر يفسر بها فعلهم ويحمل على أمر لا ينافي العمل بالتقية لخصوصية فيهم دون سواهم.
وبهذا يتم الكلام عن الفصل الأول وهو التقية في أصول الدين.
ص: 96
التقية في فروع الدين التي لا يشترط فيها قصد القربة
حكم موالاة الكفار
والمخالفين على ضوء الكتاب والسنة.
كيفية التعامل مع الكفار في شؤون الحياة.
التحقيق حول نجاسة الكفار وأهل الكتاب وأهمية هذه المسألة.
· حكم طعام الكفار وإطعامهم ودخولهم المساجد والسلام عليهم ابتداءً.
جريان هذه الأحكام في أهل الكتاب والمخالفين وعدمه.
التحقيق في أن المأتي به تقية هل يجزي عن الواقع أو لا؟
في بيان موضوع الكتمان وحكمه.
الخلاف في جواز ذكر اسم الإمام الثاني عشر الحجة بن الحسن' وكنيته والتحقيق في ذلك.
هل يجوز الجمع بين اسمه الشريف وكنيته أو لا
ص: 97
ص: 98
التقية في فروع الدين التي لا يشترط فيها قصد القربة:
ذكرنا فيما سبق أن موارد التقية في الفروع على نحوين عبادية وغير عبادية، كما ذكرنا أن منهجية بحثنا حولها تقتضي التكلم فيها من خلال جهات ثلاث وهي:
بيان الحكم الواقعي لكل مورد ثمّ بيان حكم التقية فيه وآثاره التكليفية والوضعية ومن ثمّ بيان الحكم عند المخالفة وما يترتب على ذلك.
وآثرنا تقديم النحو الثاني لانسجامه مع بحوث الفصل الأول، مضافاً إلى طول الحديث في بحوث النحو الأول وتعدد مواضيعه.
ويقع الكلام في هذا الفصل في عدة موارد:
ص: 99
فإن كان في مورد التقية فلا بأس، وإلاّ فهو محرم حرمة شديدة، ويدل على ذلك الكتاب والسنة وغيرهما من سائر الأدلة.
أما الكتاب فقد وردت عدة آيات تتضمن النهي عن مودة الكفار والمخالفين إلاّ ما كان في حال التقية ومن ذلك:
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُبِيناً) (1).
ومنها: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ) (2).
وهذه الآية دالة على المراد، إلاّ أنها مقيدة بمن اتخذوا الدين هزواً ولعباً، سواء كانوا من أهل الكتاب أو من الكفار.
ومنها: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)(3).وهذه الآية جاءت مطلقة غير مقيدة بشيء.
ومنها: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنْ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ) (4)
ص: 100
ومنها: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنْ الْحَقّ) (1)
وهذه الآيات وردت مورد الخطاب، وصدّرت بيا أيها الذين آمنوا، ومن الآيات الواردة في هذا المعنى أيضاً قوله تعالى: (لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمْ الْمُفْلِحُونَ)(2).
ومنها: قوله تعالى: (بَشِّرْ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمْ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلهِ جَمِيعاً)(3)
هذه هي الآيات الواردة في الكتاب، وهي صريحة في النهي الشديد والحرمة المغلظة عن اتخاذ الكفار أولياء، ولعل هناك آيات أخرى وفي ما ذكرناه كفاية.
نعم إن لفظة الولي جاءت بعدة معان منها الصديق، ومالك الأمر، والناصر، وغيرها من المعاني، وأظهرها في الآيات هو المعنى الأول، وإليه أشارت بعض الآيات المتقدمة، فالتودد والتحبب إلى الكفار حرام، وإنه ليس من الله في شيء، وأشارت بعض الآيات إلى أنها صفة من صفات المنافقين.
وأما بالنسبة إلى الروايات فهي كثيرة وجاءت على طوائف:
الطائفة الأولى: وتدل على النهي عن مودة الكافر وعدم جوازها، ويستفاد هذا من عدة روايات، وبعضها صحيح السند ومنها:
معتبرة الحسن بن علي الخزاز قال: سمعت الرضا (علیه السلام) يقول: إن ممن
ص: 101
ينتحل مودتنا أهل البيت من هو أشد فتنة على شيعتنا من الرجال، فقلت: بماذا؟ قال: بموالاة أعدائنا ومعاداة أوليائنا، إنه إذا كان كذلك اختلط الحق بالباطل واشتبه الأمر، فلم يعرف مؤمن من منافق(1)
ومنها: موثقة ابن فضال، عن الرضا (علیه السلام) قال: من والى أعداء الله فقد عادى أولياء الله، ومن عادى أولياء الله فقد عادى الله، وحق على الله أن يدخله نار جهنم(2).
وهاتان الروايتان معتبرتان من حيث السند واضحتان من حيث الدلالة، فإن الموالاة أعم وتشمل الكافر والمخالف.
ومنها: رواية العلاء بن الفضيل، عن الصادق جعفر بن محمّد ' قال: من أحب كافراً فقد أبغض الله، ومن أبغض كافراً فقد أحب الله، ثمّ قال(علیه السلام): صديق عدو الله عدو الله(3)
والرواية من حيث الدلالة لا إشكال فيها وأما من جهة السند ففيها محمّد بن سنان وقد رجحنا وثاقته فتكون الرواية معتبرة.
ومنها: رواية الفضل بن شاذان، عن الرضا (علیه السلام) في كتابه إلى المأمون، قال: وحب أولياء الله واجب، وكذلك بغض أعداء الله والبراءة منهم ومن أئمتهم(4)
وهذه الرواية أوردها الصدوق في الخصال(5) بإسناده عن الأعمش عن الصادق(علیه السلام) وسندها قابل للاعتبار.
ومنها: معتبرة الحسين بن خالد، عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا' ، في حديث قال: إنما وضع الأخبار عنا في الجبر والتشبيه، الغلاة الذين صغّروا
ص: 102
عظمة الله، فمن أحبهم فقد أبغضنا ومن أبغضهم فقد أحبنا، ومن والاهم فقد عادانا، ومن عاداهم فقد والانا، ومن قطعهم فقد وصلنا، ومن وصلهم فقد قطعنا، ومن جفاهم فقد برّنا، ومن برّهم فقد جفانا، ومن أكرمهم فقد أهاننا، ومن أهانهم فقد أكرمنا، ومن ردهم فقد قبلنا، ومن قبلهم فقد ردّنا، ومن أحسن إليهم فقد أساء إلينا، ومن أساء إليهم فقد أحسن إلينا، ومن صدّقهم فقد كذّبنا، ومن كذّبهم فقد صدّقنا، ومنأعطاهم فقد حرمنا، ومن حرمهم فقد أعطانا، يابن خالد: من كان من شيعتنا فلا يتخذنّ منهم ولياً ولا نصيراً(1)
وهذه الرواية تامة الدلالة إلاّ أنها مختصة بالغلاة ولا تشمل جميع الكفار.
وهناك روايات أخرى كثيرة، وبعضها صحيح السند وكلها تدل على حرمة موالاة الكفار، وأعداء الله والأئمة (علیهم السلام) .
الطائفة الثانية: ما ورد فيها أن الحب والبغض في الله، وهي كثيرة وقد تصل إلى سبعين رواية وبعضها صحيح السند.
الطائفة الثالثة: ما ورد فيها من الروايات الدالة على حرمة التشبّه بالكفار، ويمكن الاستدلال بها بالملازمة على حرمة موالاتهم ومحبتهم، فإنه إذا كان التشبّه بهم حراماً فكذلك موالاتهم بالطريق الأولى.
والحاصل: أنّه يمكن دعوى التواتر الإجمالي للروايات الواردة في هذا المعنى.
وأما بالنسبة إلى الإجماع فهو ثابت بحسب الظاهر، فإن المتسالم عليه عند الخاصة حرمة موالاة الكفار، وإن حرمتها شديدة وهكذا بالنسبة إلى العامة فإنه ورد عنهم حرمة موالاة الكفار، وهم وإن ناقشوا في التقية بأنها منحصرة في زمان الضعف وعدم الشوكة ولا تشمل جميع الأحوال، كما ذكر ذلك عن الحسن البصري وغيره، إلاّ أن نقاشهم في التقية بما هي تقية، أما مسألة الموالاة للكفار
ص: 103
فلا إشكال في حرمتها عندهم.
وعلى كل تقدير فإجماع الطائفة المحقة ثابت على حرمة الموالاة للكفار.
ولا حاجة بعد ذلك إلى بيان الدليل العقلي فإن المهم هو ثبوت ذلك من الكتاب والسنة والتسالم عند الخاصة والعامة.
ثم لا يخفى أنّا قد جعلنا الكلام في الأعم من الكفار وأهل الكتاب وإن كان المستفاد من آيات القرآن الكريم أن الكفار فئة أخرى غير أهل الكتاب، وإنما عمّمنا ذلك لأن بعض الأدلة شاملة لكلتا الفئتين وسيأتي بعض ما يتعلق بالمقام عند الكلام حول نجاسة الكافر.
وهاهنا مسألتان:
المسألة الأولى: هل أن حرمة التولي مطلقة أو مقيدة بما يرتبط بعقيدتهم؟
يمكن أن يقال: إنها على نحو الإطلاق كما يمكن أن يقال: إنها علىنحو التقييد.
وقد يستدل على تقييد الحرمة بما تشعر به بعض الأدلة المتقدمة كما في الآية الكريمة (لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ)(1) أي غير المؤمنين أو عند المؤمنين، وفي هذا إشعار بأن ولاء الكافر إنما حرم من جهة عقيدته، ومثلها في الإشعار بذلك قوله تعالى: (الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ)(2) وقوله تعالى: (لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ )(3) فأخذ عنوان العدو أو عنوان المحادة لله يشعر أن التولي من هذه الجهة أي من جهة كونهم عدو أو كافرين أو محادين لله ورسوله، فتكون التقية
ص: 104
حينئذ لهذه الجهة.
ولكن يمكن أن يقال: إنه لا دلالة في هذه الآيات على التقييد بذلك، بل هي واردة في مقام بيان الحكمة في التحريم أي بما أنهم عدو أو كافرون أو محادون لله ولرسوله، وفي هذا تأكيد للحرمة وترغيب للانتهاء لا أن الحيثية تقييدية.
ثم على فرض الشك في ذلك فالأصل هو الأخذ بسائر الإطلاقات وهي الدلالة على الحرمة المطلقة والتولي المطلق، نعم إذا لم يكن هناك إطلاق وشككنا في أن ولاءهم هل هو من جهة الكفر أو غيرها، فهذه شبهة بدوية ونقتصر فيها على القدر المتيقن. وحينئذ نرجع إلى الأصل العملي، وهو يقتضي البراءة بالنسبة إلى الإطلاق.
ولكن بما أن الأصل اللفظي قائم في المقام فلا تصل النوبة إلى الأصل العملي، والأصل اللفظي يقتضي حرمة التولي مطلقاً من جهة العقيدة وغيرها.
قد يقال: إن هذه الإطلاقات غير تامة لأن هنا رواية معارضة وهي ما أورده صاحب الوسائل، عن مستطرفات السرائر، نقلاً عن جامع البزنطي، عن أبي جعفر وأبي الحسن ': لا لوم على من أحب قومه وإن كانوا كفاراً قال: فقلت له: فقول الله: (لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ) فقال: ليس حيث تذهب، إنه يبغضه في الله، ولا يواده ويأكله ولا يطعمه غيره من الناس(1)
فهذه الرواية معارضة للإطلاقات المتقدمة.
ولكن في هذه الرواية شيء وهو أن ظاهرها التنافي في المدلول، إلاّ أن يحمل الحب على الحب الظاهري، بمعنى أنّه لا يحبه واقعاً وإنما في الظاهر بمعاشرته لأنه من قومه، فيحمل بقرينة الذيل على هذا المعنى وإن كان ظاهر صدر الرواية
ص: 105
أنّ الحب هو الميل القلبي.
والحاصل: أن الرواية ليست معارضة لتلك الروايات فإن حب الكفار ليس حباً واقعياً، فتكون الروايات المطلقة سليمة عن المعارض، والمستفاد منها الحرمة المطلقة.
المسألة الثانية: أن حرمة الولاية للكافر هل هي مشروطة بالاتخاذ أم أنها مطلقة؟
والمفهوم من الآيات أنها مقيدة بالاتخاذ المفسر بالركون إليهم فأكثر الآيات الواردة اشتملت على النهي عن الاتخاذ، إلاّ في آية واحدة لم يرد فيها ذكر وهي قوله تعالى: (لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ) (1)
ولا يخفى أن الاتخاذ غير التولي مفهوماً، والمنهي عنه في الآيات هو الاتخاذ فيمكن التفريق بينهما، وعليه فقد يقال بالتفصيل بين الاتخاذ ونفس التولي الذي هو الميل القلبي والمحبة، إلاّ أن الظاهر من الروايات عدم الفرق بينهما.
ثم إن المراد من الولاية هنا هي المحبة - كما ذكرنا ذلك في مطلع الحديث - فإن من أحب شيئاً تولاه، ويستفاد ذلك أيضاً من الروايات، وهو الظاهر من القرائن.
ولابد أن تكون المحبة أمراً اختيارياً وإلاّ لما ساغ أن يتعلق به النهي، وأما ما ورد من الروايات التي يستفاد منها عدم الفرق بين الاتخاذ وغيره.
فمنها:
رواية عمرو بن مدرك، عن أبي عبد الله (علیه السلام) ، قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) لأصحابه: أيّ عرى الإيمان أوثق؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم، وقال بعضهم:
ص: 106
الصلاة وقال بعضهم: الزكاة، وقال بعضهم: الصوم، وقال بعضهم: الحج والعمرة، وقال بعضهم: الجهاد، فقال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) : لكل ما قلتم فضل وليس به، ولكن أوثق عرى الإيمان الحب في الله، والبغضفي الله وتوالي أولياء الله، والتبري من أعداء الله(1)
والرواية ضعيفة السند بعمرو بن مدرك ورواها البرقي في المحاسن(2) بنفس السند كما رواها الصدوق في معاني الأخبار(3) بسند ينتهي إلى علي بن مروك(4)
ومنها: رواية يوسف بن محمّد بن زياد، وعلي بن محمّد بن سيار، عن أبويهما، عن الحسن بن علي العسكري، عن آبائه (علیهم السلام) ، أن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال لبعض أصحابه ذات يوم: يا عبد الله احبب في الله وابغض في الله، ووال في الله وعاد في الله، فإنه لن «لا خ ل» تنال ولاية الله إلاّ بذلك، ولا يجد رجل طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصيامه حتى يكون كذلك، وقد صارت مواخاة الناس يومكم هذا أكثرها في الدنيا عليها يتوادون وعليها يتباغضون وذلك لا يغني عنهم من الله شيئاً فقال الرجل: يا رسول الله فكيف لي أن أعلم أني واليت في الله وعاديت في الله؟ ومن ولي الله حتى أواليه ومن عدوه حتى أعاديه؟ فأشار له رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) إلى علي (علیه السلام) فقال: أترى هذا؟ قال: بلى، قال: ولي هذا ولي الله فواله، وعدو هذا عدو الله فعاده، وال ولي هذا ولو أنّه قاتل أبيك وولدك، وعاد عدو هذا ولو أنّه أبوك أو ولدك(5)
وهذه الرواية واردة في التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري(علیه السلام) وفي سنده كلام ذكرناه في محله(6)
ص: 107
ومنها: رواية الحسن بن علي الخزاز قال: سمعت الرضا (علیه السلام) يقول: إن ممن ينتحل مودتنا أهل البيت من هو أشد فتنة على شيعتنا من الدجّال، فقلت: بماذا؟ قال: بموالاة أعدائنا ومعاداة أوليائنا، إنه إذا كان كذلك اختلط الحق بالباطل واشتبه الأمر فلم يعرف مؤمن من منافق(1)
وهذه الرواية معتبرة السند واضحة الدلالة وقد تقدم ذكرها في ما سبق.
ومنها: موثقة ابن فضال، عن الرضا (علیه السلام) قال: من وال أعداء الله فقدعادى أولياء الله، ومن عادى أولياء الله فقد عادى الله، وحق على الله أن يدخله نار جهنم(2)
ودلالتها تامة فإنها مطلقة تشمل الاتخاذ وعدمه، وقد ذكرنا هذه الرواية أيضاً فيما سبق.
ومنها: رواية أخرى وقد تقدم ذكرها أيضاً وهي رواية العلاء بن الفضيل عن الصادق جعفر بن محمّد ' قال: من أحب كافراً فقد أبغض الله، ومن أبغض كافراً فقد أحب الله، ثمّ قال (علیه السلام): صديق عدو الله عدو الله(3)
ومنها: أيضاً رواية الفضل بن شاذان، عن الرضا (علیه السلام) في كتابه إلى المأمون قال: وحب أولياء الله واجب، وكذلك بغض أعداء الله، والبراءة منهم ومن أئمتهم(4).
وغيرها من الروايات وفيها الصحاح وغيرها وكلها مطلقة شاملة للاتخاذ وغيره فيمكن على فرض التقييد بالاتخاذ الجمع بجعل الاتخاذ مقدمة للموالاة وعليه فلا تنافي بين الآيات والروايات.
ص: 108
لقد وردت عدة روايات - وبعضها صحيح السند - تنهى عن التسليم عليهم، منها: صحيحة غياث بن إبراهيم عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قال أمير المؤمنين: لا تبدؤا أهل الكتاب بالتسليم، وإذا سلموا عليكم فقولوا: عليكم(1)
ويؤيدها رواية أبي البختري، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، إن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال: لا تبدؤا أهل الكتاب (اليهود والنصارى) بالسلام، وإن سلموا عليكم فقولوا: عليكم، ولا تصافحوهم ولا تكنوهم إلاّ أن تضطروا إلى ذلك(2).
ورواية الجعفريات بسنده عن جعفر بن محمّد عن أبيه عن جده عليبن الحسين، عن أبيه، عن علي (علیه السلام) قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): إن يهود خيبر يريدون أن يلقوكم فلا تبدؤوهم بالسلام، فقالوا: يا رسول الله فإن سلموا علينا فما نرد عليهم؟ قال -: تقولون: وعليكم(3)
ورواية الدعائم عن أمير المؤمنين (علیه السلام): إن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) نهى عن النزول على أهل الكنائس في كنائسهم، وقال: إن اللعنة تنزل عليهم ونهى أن يبدؤوا بالسلام وإن بدرهم (بدأهم) (بدؤوا) به قيل له: عليكم(4)
نعم قد يستفاد من بعض الروايات الكراهة، كما في رواية المستطرفات نقلاً عن رواية أبي القاسم بن قولويه، عن الأصبغ، قال: سمعت علياً (علیه السلام) يقول: ستة لا ينبغي أن تسلم عليهم: اليهود والنصارى، وأصحاب النرد، والشطرنج، وأصحاب خمر وبربط وطنبور، والمتفكهين بسب الأمهات والشعراء(5)
ص: 109
والمستفاد من هذه الرواية هو الكراهة لاشتمالها على ما ليس بمحرم قطعاً كالسلام على الشعراء والمتفكهين وورود كلمة «لا ينبغي» قرينة على الكراهة في جميع الموارد.
ومما يستدل به على الكراهة أيضاً، ما ورد في كتاب محمّد بن مثنى الحضرمي، عن جعفر بن شريح الحضرمي، عن ذريح المحاربي، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: سألته عن التسليم على اليهودي والنصراني والرد عليهم في الكتب؟ فكره ذلك كله(1)
ولكن يمكن الخدشة في كلتا الروايتين سنداً ودلالة.
أما من حيث السند فكلتاهما ضعيفتان.
وأما من حيث الدلالة ففي الأولى أولاً: لا منافاة في الجمع بين موارد الحرمة والكراهة في سياق واحد، وثانياً: أن الإتيان بلفظ «لا ينبغي» قد يرد ويراد منه الحرمة كما وقع نظيره في بعض الروايات.
وفي الثانية أولاً: أن الكراهة قد تطلق ويراد منها الحرمة، وثانياً: أن مورد الرواية هو الكتابة، وهي مما استثني كما سيأتي، ولكن عمدة الإشكال ضعف سند الروايتين، نعم ورد في صحيحة عبد الرحمن بنالحجاج كما سيأتي: «نعم إنه لا ينفعه دعاؤك» (2) وهذا التعليل وإن كان وارداً في مقام الحاجة إلى الكافر ولكنه عام يشمل كلتا الحالتين، وبناء على ذلك فيقوى القول بالكراهة كما هو المشهور بين الفقهاء، وعلى فرض الشك فمقتضى البراءة عدم الحرمة.
والحاصل: أن مقتضى ما تقدم هو رفع اليد عن ظاهر الرواية الناهية وحملها على الكراهة.
والذي يظهر من رواية أبي البختري عدم جواز المصافحة وتسميتهم
ص: 110
بالكنى، ويدل على الأول صحيحة الحسين بن زيد، عن الصادق، عن آبائه، عن النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) في (حديث المناهي) نهى عن مصافحة الذمي(1)
ويمكن أن يحمل النهي هنا على التنزيه أو على الاجتناب عنهم من جهة نجاستهم وملاقاتهم مع الرطوبة وسيأتي تفصيل ذلك في المسألة التالية.
ويستثنى من ذلك ما إذا دعت الحاجة إلى الكافر، فيجوز السلام عليه والدعاء له بلا فرق بين المشافهة والكتابة، ويدل على الأول ما ورد في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: قلت لأبي الحسن (علیه السلام): أرأيت إن احتجت إلى طبيب وهو نصراني أسلم عليه وأدعو له؟ قال: نعم إنه لا ينفعه دعاؤك(2)
وفي رواية محمّد بن عرفة، عن أبي الحسن الرضا (علیه السلام) بيان لكيفية الدعاء قال: قيل لأبي عبد الله (علیه السلام) كيف أدعو لليهودي والنصراني؟ قال: تقول: بارك الله لك في دنياك(3)
ويدل على الثاني ما رواه أبو بصير قال: سئل أبو عبد الله (علیه السلام) عن الرجل تكون له الحاجة إلى المجوسي أو إلى اليهودي أو إلى النصراني أو أن يكون عاملاً دهقاناً من عظماء أهل أرضه فيكتب إليه الرجل في الحاجة العظيمة أيبدأ بالعلج ويسلّم عليه في كتابه وإنما يصنع ذلك لكي تقضى حاجته؟ فقال: أما أن تبدأ به فلا ولكن تسلم عليه في كتابك، فإن رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) كان يكتب إلى كسرى وقيصر(4)وقد عنون صاحب الوسائل الباب بما إذا كانت الحاجة لأهل الذمة، إلاّ أن الروايات مطلقة تشمل الكافر أيضاً.
ص: 111
وقد وردت فيه عدة روايات منها: ما رواه الكليني ! عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: من أشبع مؤمناً وجبت له الجنة، ومن أشبع كافراً كان حقاً على الله أن يملأ جوفه من الزقوم، مؤمناً كان أو كافراً(1)
وهذه الرواية تفيد النهي ولكن عن الإشباع لا مجرد الأكل، كما أن الظاهر منها أن الإشباع منهي عنه مطلقاً أي سواء كان بالمباشرة أو مع الواسطة.
ومنها: ما في معاني الأخبار عن محمّد بن علي ماجيلويه عن عمه محمّد بن أبي القاسم عن النهيكي رفعه إلى أبي عبد الله (علیه السلام) أنّه قال: من مثل مثالاً أو اقتنى كلباً فقد خرج من الإسلام، فقلت له: هلك إذاً كثير من الناس، فقال: إنما عنيت بقولي: من مثل مثالاً، من نصب ديناً غير دين الله ودعا الناس إليه، وبقولي: من اقتنى كلباً، مبغضاً لأهل البيت اقتناه فأطعمه وسقاه، من فعل ذلك فقد خرج من الإسلام(2)
والرواية وردت في المبغض لأهل البيت (علیهم السلام) ، وهو أخص من الكافر وموضوعه الاقتناء، والاقتناء يراد به الملك، وقد يراد به الاختيار، كما أن المقصود هو الأكثر من الإشباع.
ومنها: ما عنه أيضاً - أي عن محمّد بن علي ماجيلويه - عن عمه، عن محمّد بن علي، [عن ابن فضال]، عن معلى بن خنيس، عن أبي عبد الله(علیه السلام) قال: ليس الناصب من نصب لنا أهل البيت، لأنك لا تجد أحداً يقول: أنا أبغض محمداً وآل محمد، ولكنّ الناصب من نصب لكم وهو يعلم أنكم تتولونا وتبرؤن من أعدائنا،
ص: 112
ثمّ قال (علیه السلام): من أشبع عدواً لنا فقد قتل وليّاً لنا(1)
وهناك روايات أخرى في المقام إلاّ أن العمدة هذه الروايات الثلاث ويمكن الاستدلال بها على حرمة إشباع الكافر، والرواية الأولى صريحة في الكافر.إلاّ أن هذه الروايات الثلاث كلها ضعاف فالأولى مرسلة، والثانية مرفوعة، والثالثة فيها محمّد بن علي ماجيلويه ولم يرد فيه التوثيق، نعم هو أحد مشايخ الصدوق ! وقد أكثر الرواية عنه في الفقيه وغيره مترضياً عليه(2) ، فيمكن الحكم بوثاقته، إلاّ أن الرواية اشتملت على محمّد بن علي وهو الصيرفي المعروف بأبي سمينة، فإن محمّد بن أبي القاسم يروي عن الصيرفي(3) ، وعليه فالرواية ضعيفة لا يمكن الاستناد إليها، وفي مقابل هذه الروايات وردت الآية الشريفة وهي قوله تعالى: (لا يَنْهَاكُمْ اللهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)(4)
وإذا كان الكافر غير حربي فلا نهي عن برّه والقسط له، وبناء على اعتبار الروايات فيمكن التخصيص بالإشباع، وأما إذا قلنا بعدم اعتبارها كما هو الظاهر فلا يمكن القول بأن إشباع الكافر حرام، وقد ذهب بعضهم إلى القول بالكراهة، وأما الإطعام ودعوته للأكل فقد صُرّح في بعض الروايات بجوازه كما تقدم في المسألة المتقدمة.
ص: 113
ويقع الكلام فيه في مقامين:
الأول: بالنسبة إلى الدخول في المسجد الحرام، ولا إشكال في حرمة دخولهم فيه لصريح الآية المباركة (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ... )(1) مضافاً إلى عدم الخلاف فيه، بل في الجواهر: أنّه إجماعي بين المسلمين محصّلاً ومحكيّاً مستفيضاً، بلا فرق بين اللبث وعدمه، ولا بين تعدي النجاسة وعدمها(2).
الثاني: بالنسبة إلى الدخول في المساجد غير المسجد الحرام.
والمشهور عند الخاصة عدم الجواز بل ادعي الإجماع عليه، كما عن الشهيد(3) ، وفي كنز العرفان أنّه الموافق لنصوص أهل البيت (علیهم السلام) (4) بلعن المنتهى نسبته إلى مذهب أكثر أهل العلم(5)
وأما العامة فالمشهور عندهم هو الجواز، قال الشيخ في الخلاف: لا يجوز للمشركين دخول المسجد الحرام ولا شيء من المساجد لا بإذن ولا بغير إذن، وبه قال مالك، وقال الشافعي: لا يجوز لهم أن يدخلوا المسجد الحرام بحال لا بإذن الإمام ولا بغير إذنه، وما عداه من المساجد لا بأس أن يدخلوها بالإذن، وقال أبو حنيفة: يدخل الحرم والمسجد الحرام وكل المساجد بإذن(6)
ص: 114
وقال العلامة في التذكرة: لا يجوز لأحد من المشركين دخول المساجد مطلقاً سواء أذن له المسلم أو لا، ولا يجوز للمسلم الإذن فيه، وبه قال مالك، لقوله تعالى: (فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا )وغيره من المساجد مشاركة له في كونه مسجداً، ولقوله (علیه السلام): جنبوا مساجدكم النجاسة، وقال تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ) وقال الشافعي: لا يجوز له دخول المسجد الحرام بكل حال، ويجوز له دخول غيره بإذن المسلمين لأن النبيّ(صلی الله علیه و آله و سلم) أنزل المشركين في المسجد، وربط تمامة بن أثال الحنفي في سارية المسجد وهو كافر، ونمنع ذلك بعد التحريم، وقال أحمد: لا يجوز له دخول الحرمين، وفي سائر المساجد روايتان المنع والجواز بالإذن، وقال أبو حنيفة: يجوز له دخول سائر المساجد والمسجد الحرام أيضاً لقوله (علیه السلام) يوم الفتح: من دخل المسجد فهو آمن، وهو خطاب للمشركين، وأنه مسجد كسائر المساجد، والآية ناسخة لقول أبي حنيفة(1)
والذي يظهر من كلماتهم أن المشهور عندهم هو الجواز مطلقاً أو مع الإذن، بل يظهر من بعضهم الخلاف في المسجد الحرام أيضاً، وأما المشهور عندنا فهو المنع وعدم الجواز.
ويمكن الاستدلال على ذلك مضافاً إلى دعوى الإجماع بوجوه:
الأول: الآية الشريفة: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ... ) وذلك بأحد وجهين:
أ - عدم القول بالفصل بين المسجد الحرام وبين غيره للاشتراك في كون الجميع مساجد وبيوتاً لله تعالى وأماكن لعبادته، كما في التذكرة - ولافرق في ذلك بين كونه من جهة نجاستهم أو لا.
ب - أن الحكم بالتعميم من جهة نجاستهم المصرح بها في الآية الشريفة،
ص: 115
فيستفاد المنع، إما من التفريع في الآية من أن كل نجس لا يجوز له أن يقرب المسجد، وإما من النجاسة التي لا يجوز إدخالها المسجد لصريح الروايات الواردة في المنع، وهي عدة روايات منها: موثقة إسحاق بن عمار عن محمّد الحلبي قال: نزلنا في مكان بيننا وبين المسجد زقاق قذر، فدخلت على أبي عبد الله (علیه السلام) فقال: أين نزلتم؟ فقلت: نزلنا دار فلان فقال: إن بينكم وبين المسجد زقاقاً قذراً أو قلنا له: إن بيننا وبين المسجد زقاقاً قذراً؟ فقال: لا بأس إن الأرض تطهر بعضها بعضاً، قلت: والسرقين الرطب أطأ عليه؟ فقال: لا يضرك مثله(1)
والمستفاد من هذه الرواية: عدم جواز إدخال النجاسة إلى المسجد.
ومنها: ما ورد في آخر السرائر نقلاً عن نوادر البزنطي بسنده عن محمّد الحلبي، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قلت له: إن طريقي إلى المسجد في زقاق يبال فيه فربما مررت فيه وليس علي حذاء فيلصق برجلي من نداوته؟ فقال: أليس تمشي بعد ذلك في أرض يابسة؟ قلت: بلى قال: فلا بأس، إن الأرض تطهر بعضها بعضاً، قلت: فأطأ على الروث الرطب؟ قال: لا بأس، أنا والله ربما وطأت عليه، ثمّ أصلي ولا أغسله(2)
ومنها: ما ورد في النبوي عنه (صلی الله علیه و آله و سلم) أنّه قال: جنبوا مساجدكم النجاسة(3).
ومنها: صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر ' قال: سألته عن الدابة تبول فتصيب بولها المسجد أو حائطه أيصلّى فيه قبل أن يغسل؟ قال: إذا جف فلا بأس(4)
والمستفاد من السؤال في الرواية: أن المرتكز في أذهان المتشرعة وجوب
ص: 116
إزالة النجاسة عن المسجد، هذا من جانب ومن جانب آخر وجود الملازمة بين وجوب تطهير النجاسة عن المسجد وحرمة تنجيسه، فيظهر من الرواية أن هذين الأمرين كانا مركوزين في أذهانهم، وأنهما حكمان قطعيان عندهم، والسؤال إنما هو عن وقت ذلك، ولذا لم يردع الإمام (علیه السلام) السائل من هذا الاعتقاد والارتكاز، وإن كان مورد الرواية هو بول الدابة.ثم إن الرواية وإن كانت معتبرة سنداً إلاّ أنها نوقشت من حيث الدلالة بأنه لم يظهر منها وجه السؤال وهل هو من جهة اللزوم أو الاستحباب، إذ من المحتمل أن بول الدابة من المستقذرات، والسائل إنما سأل عن أفضلية الصلاة أو التطهير قبلها، ولذلك أجابه الإمام (علیه السلام) بقوله: إذا جف فلا بأس، ولو كان نجساً فالجفاف لا ينفع بل لابد من التطهير.
ومنها: ما ورد من الروايات المستفيضة في جواز اتخاذ الكنيف مسجداً بعد تنظيفه ومواراته بالتراب(1) ، ولا بأس بالاستدلال بها على اعتبار طهارة المسجد، هذا ولكن يمكن المناقشة في جميع ذلك.
أما في الوجه الأول فبعدم إحراز الاشتراك، إذ من الواضح أن بعض الأحكام تختص بالمسجد الحرام دون غيره من المساجد ولعل هذا منها.
وأما في الوجه الثاني فالجواب: أن التفريع المذكور في الآية إنما يتم ذلك بناء على تمامية الصغرى، وهو الحكم بنجاستهم الذاتية، والحال أن المسألة محل خلاف.
وأما الجواب عن الروايات فيقال: أولاً: إنه لم يعلم من روايتي الحلبي أن الوجه في السؤال هو دخول المسجد أو الصلاة في النجاسة، بل المستفاد من ذيل الرواية الثانية أن السؤال من جهة الصلاة فيها حيث قال (علیه السلام): أنا والله ربما وطأت عليه ثمّ أصلي ولا أغسله.
ص: 117
وثانياً: إنه لم يحرز أن ذلك من جهة السراية أو مطلقاً أي حتى إذا كانت جافة ولم تتعد، وبذلك يمكن الجواب عن الروايات المستفيضة الدالة على جواز اتخاذ الكنيف مسجداً بعد تنظيفه وردمه بالتراب.
والحاصل: أنّ هذه الروايات على فرض تمامية دلالتها فهي إنما تدل على الحرمة فيما إذا كانت النجاسة مسرية وموجبة للتعدي لا مطلقاً.
وأما عن الرواية الثالثة فهي مضافاً إلى إرسالها لم يعلم عمل الأصحاب عليها، لأن غير واحد حمل المساجد فيها على مواضع السجود(1) إلاّ أن في هذا الحمل بعداً لورود نظير هذا المعنى في الروايات كقوله (علیه السلام): جنبوا مساجدكم صبيانكم ...(2)
الوجه الثاني الاستدلال بالروايات الخاصة الواردة في المقام، ومنها: ما ورد في المستدرك عن الجعفريات بسنده عن علي (علیه السلام) قال: قال رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم): لتمنعن من مساجدكم يهودكم ونصاراكم وصبيانكم أو ليمسخنكم الله قردة أو خنازير ركعاً أو سجداً(3)
ورواها السيد الراوندي في نوادره وصاحب الدعائم في دعائمه.
وهذه الرواية وإن جمع فيها بين الكفار والصبيان في الحكم إلاّ أن هذا ليس دليلاً على الكراهة، فإن الجمع بينها وبين الحرمة في الأخبار غير عزيز، وإنما الإشكال في سند الرواية فإن الطريق إلى الجعفريات غير ثابت، وطريق الراوندي غير معتبر، ومثله في عدم الثبوت الطريق إلى روايات الدعائم، وقد حققنا ذلك في محلّه من علم الرجال(4) ، وبناء على ذلك فلا يمكن الاعتماد على هذه
ص: 118
الرواية من هذه الجهة.
الوجه الثالث: إنه يلزم من دخولهم الإهانة والهتك لحرمة المساجد، وهي بيوت الله وأماكن عبادته، وبناء على أن كلما يوجب إهانة وهتكاً بالمسجد فلا يجوز إدخاله فيه، وهذا الوجه وإن كان تاماً من جهة الكبرى إلاّ أن الكلام فيه من جهة الصغرى.
وإلى هنا تبين أنّه يحكم بعدم جواز الدخول في صورتين:
الأولى: ما إذا كان الدخول موجباً للهتك والإهانة.
الثانية:ما إذا كان الدخول موجباً لسراية النجاسة وتلويثهم المسجد بها كما أفاده السيد الأستاذ ! (1)
وها هنا وجه آخر يمكن جعله مانعاً مطلقاً من دخولهم المساجد وهو أن الكفار لما كانوا لا يغتسلون عن الجنابة فهم محكمون بحدثها، ومن المعلوم عدم جواز دخول المحدث بالجنابة في المسجد كما لا يجوز تمكينهم من الدخول في صورة العلم بذلك على وجه، وهذا لا يبتني على شيء مما تقدم.
هذا تمام ما يمكن أن يستدل به على الحكم.
ولكن على ما تقدم مما اخترناه من دلالة الآية الشريفة على النجاسة، وهي المناط في عدم دخولهم المسجد الحرام، فالمستفاد أن النجس لا يجوز دخوله أو إدخاله المسجد، ولا يفرق فيه بين مسجد وآخر، فمن هذه الجهة يقوى القول: بعدم جواز إدخال النجاسة في المسجد مطلقاً شركاً كان أو غيره من النجاسات، نعم بالنسبة إلى غير الشرك يبتني الحكم فيهعلى القول بالنجاسة كما تقدم.
ص: 119
أن الكافر نجس العين، ولابد من الاجتناب عنه فيما يشترط فيه الطهارة، وهذا هو المشهور عند الفقهاء، وهنا بحث طويل والمسألة ابتلائية وهي محل خلاف بين الفقهاء، ونظراً لأهميتها وعموم الابتلاء بها فلابد من التحقيق حولها بالتفصيل فنقول:
إن هذه المسألة محل خلاف بين الخاصة والعامة، أما الخاصة فقد اشتهر - عندهم - القول بنجاسة الكافر بجميع أقسامه شهرة عظيمة، ويستوي فيه المنكر للتوحيد، والمشرك، وأهل الكتاب، كما يستوي فيه الكافر الأصلي، أو المرتد، وكذا من يلحق بهم من الأولاد، والنواصب والغلاة، ومن أنكر ضرورياً من ضروريات الدين، على خلاف في الأخير، وقد ادعى الإجماع على ذلك كما نسب إلى السيد المرتضى، والشيخ، وابن زهرة، والعلاّمة(1)
ونسب إلى المفيد في رسالته الغرية(2) القول بكراهة أسآرهم، إلاّ أنّه في بقية كتبه حكم بالنجاسة، وذهب ابن الجنيد وابن أبي عقيل إلى القول بعدم النجاسة(3) ولعل الشيخ المفيد كان على هذا ثمّ رجع عنه، ولذا ذكر تلاميذه دعوى الإجماع والاتفاق على النجاسة، وأما مخالفة ابن الجنيد وابن أبي عقيل فلا تضرّ بالإجماع.
وأما العامة فالأمر بالعكس، إذ المشهور عندهم هو القول بالطهارة،
ص: 120
وذهب بعضهم إلى القول بالنجاسة.
قال الشيخ في الخلاف: لا يجوز استعمال أواني المشركين من أهل الذمة وغيرهم، وقال الشافعي: لا بأس باستعمالها ما لم يعلم فيها نجاسة، وبه قال أبو حنيفة، ومالك، وقال أحمد بن حنبل وإسحاق: لا يجوز استعمالها(1)وقال في المغني: الآدمي طاهر وسؤره طاهر سواء كان مسلماً أو كافراً عند عامة أهل العلم(2)
وقال في عمدة القارىء: إن المؤمن لا ينجس، وإنه طاهر، سواء كان جنباً أو محدثاً حيّاً أو ميتاً وكذا سؤره وعرقه ولعابه ودمعه وكذا الكافر في هذه الأحكام(3)
وقال في البدايع: سؤر الطاهر المتفق على طهارته سؤر الآدمي بكل حال مسلماً كان أو مشركاً(4)
وكذا في غيرها من كتب العامة.
وفي مقابل هذا ذهب الرازي في تفسيره إلى القول بنجاسة المشرك لظاهر الآية الشريفة: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ... )ونقل عن الحسن: من صافح مشركاً توضّأ. وقال هذا قول الهادي من أئمة الزيدية(5)
ونسب في فتح الباري القول بالنجاسة إلى أهل الظاهر وقال: الآدمي الحي ليس بنجس العين(6)
وفي المحلّى ذهب إلى النجاسة، وتعجب ممن يقول بالطهارة(7)
ص: 121
والذي يظهر من مجموع أقوال العامة أن المشهور عندهم هو القول بالطهارة على خلاف مشهور الخاصة من القول بالنجاسة.
أما القول المشهور فقد استدل له بأمور:
أ - الكتاب.
ب - السنة .
ج - الإجماع.
وحيث إن الحكم بالنجاسة ينتهي إلى الإجماع فنبدأ أولاً به تبعاً للفقهاءقدس الله أسرارهم(1)
ولابدّ من ملاحظة أقوال فقهاء الطائفة في المسألة، ومن ثمّ ملاحظة الآيات والروايات فنقول:
قال الشيخ المفيد في المقنعة: وإذا صافح الكافر المسلم ويده رطبة بالعرق أو غيره غسلها من مسه بالماء، وإن لم تكن رطوبة مسحها ببعض الحيطان أو التراب(2)
وذكر في رسالته الغرية كراهة سؤر اليهودي والنصراني(3) كما ذكرنا آنفاً.
وظاهر كلامه في المقنعة نجاسة الكافر، فيحمل كلامه في الرسالة على أنّه عدل عن القول بالكراهة بقرينة أن تلاميذه كالسيد والشيخ وغيرهما، ادعوا الاتفاق والإجماع على النجاسة، ومن البعيد جداً أنهم لم يلاحظوا فتوى شيخهم المفيد ولم يطلعوا عليها، فيحتمل قوياً رجوعه عما في الرسالة، وإن كان يمكن القول أن حكمه بالنجاسة في المقنعة تنزيهي لا تحريمي بقرينة قوله: وإن لم تكن
ص: 122
رطوبة مسحها ببعض الحيطان أو التراب.
وقال الشيخ الصدوق في المقنع: ولا تصل في جلد الميتة على كل حال ولا تصل في السواد ... ولا تجوز الصلاة في شيء من الحديد إلاّ إذا كان سلاحاً ... ولا تصل على بواري اليهود والنصارى(1)
وقال في الهداية: ولا يجوز الوضوء بسؤر اليهودي ولا النصراني وولد الزنا والمشرك وكل من خالف الإسلام(2)
وقال في الفقيه: ولا يجوز الوضوء بسؤر اليهودي ولا النصراني وولد الزنا والمشرك وكل من خالف الإسلام، وأشد من ذلك سؤر الناصب(3)
وقال: فإن اجتمع مسلم مع ذمي في الحمام اغتسل المسلم من الحوض قبل الذمي، ولا يجوز التطهير بغسالة الحمام لأنه يجتمع فيه غسالةاليهودي والنصراني والمجوسي والمبغض لآل محمّد (علیهم السلام) وهو شرهم(4)
وأورد في باب الصيد والذبائح من الفقيه عدة روايات تنهى عن مؤاكلة اليهود والنصارى وأكل أسآرهم، واستعمال آنيتهم، وفي بعضهم الأمر بغسل آنية المجوس عند الاضطرار إليها(5)
وظاهر كلماته يحمل على القول بالنجاسة، وإن كان احتمال النجاسة التنزيهية وارداً، لعطف سؤر ولد الزنا في الموردين الثاني والثالث، وعدم جواز الصلاة في السواد والحديد في المورد الأول.
وقال السيد ابن زهرة في الغنية: والثعلب والأرنب نجسان بدليل الإجماع المذكور، والكافر نجس بدليله أيضاً، وبقوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ) وهذا
ص: 123
نص وكل من قال بذلك في المشرك قال به في من عداه من الكفار، والتفرقة بين الأمرين خلاف الإجماع(1)
وكلامه صريح في الحكم بنجاسة الكافر بجميع أقسامه.
وقال السيد المرتضى في الانتصار: مسألة: ومما انفردت به الإمامية القول بنجاسة سؤر اليهودي والنصراني وكل كافر وخالف جميع الفقهاء في ذلك ... ويدل على صحة ذلك مضافاً إلى إجماع الشيعة عليه قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ) ...(2)
وقال في الناصريات عند شرح قوله: «سؤر المشرك نجس» : عندنا أن سؤر كل كافر بأي ضرب من الكفر كان كافراً نجس، لا يجوز الوضوء به، وأجاز الوضوء بذلك أبو حنيفة وأصحابه، وحكى الطحاوي عن مالك في سؤر النصراني أو المشرك أنّه لا يتوضأ به، دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد إجماع الفرقة المحقة قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ )وفي هذا تصريح بنجاسة أسآرهم، وروى عبد الله بن المغيرة، عن سعيد الأعرج، قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن الوضوء بسؤر اليهودي والنصراني فقال: لا(3)
وقال سلار في المراسم: وإزالة النجاسة على أربعة أضرب أحدها بالمسح على الأرض والتراب، وهو ما يكون في النعل والخف، والآخربالشمس وهو البول إذا وقع على الأرض والبواري والحصر، والآخر برش الماء على ما مسه كمس الخنزير والكلب والفأرة والوزغة وجسد الكافر، إذا كان كل من ذلك يابساً وكذلك من ظن أن في ثوبه نجاسة ولم يتيقن ذلك فإنه يرش الثوب بالماء، والآخر ما عدا ما ذكرناه من النجاسات فإنه لا يزول إلاّ بالماء ولا يجزي فيه
ص: 124
غيره(1)
وصريح كلامه أن الكافر نجس كالكلب والخنزير.
وقال ابن حمزة في الوسيلة: وإذا لم يبلغ (الماء) كراً نجس بوقوع كل نجاسة فيه، وبمباشرة كل نجس العين مثل الكلب والخنزير وسائر المسوخ، وكل نجس الحكم مثل الكافر والناصب وبارتماس الجنب فيه(2)
وقال في موضع آخر من الوسيلة: فما تجب إزالة قليله وكثيره أربعة أضرب: أحدهما يجب غسل ما مسه إن كانا رطبين أو كان أحدهما رطباً، والثاني يابساً يجب رش الموضع الذي مس يابساً بالماء إن كان ثوباً، والثالث يجب مسحه بالتراب إن مسه البدن يابسين، والرابع يجب غسل ما أصابه بالماء على كل حال، فالأول والثاني والثالث تسعة أشياء الكلب والخنزير والثعلب والأرنب والفارة والوزغة وجسد الذمي والكافر والناصب، فإنه يجب غسل الموضع الذي مسه رطباً بالماء ثوباً كان أو بدناً إن مس الثوب يابسين، ومسحه بالتراب إن مس البدن يابسين، والرابع أحد وعشرون شيئاً ...(3)
وظاهر كلامه في أن الكافر كسائر النجاسات.
وقال الشيخ في الخلاف: ... لا يجوز استعمال أواني المشركين من أهل الذمة وغيرهم، وقال الشافعي: لا بأس باستعمالها ما لم يعلم فيها نجاسة وبه قال أبو حنيفة ومالك وقال أحمد بن حنبل وإسحق: لا يجوز استعمالها.
دليلنا: قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ) فحكم عليهم بالنجاسة، فيجب أن يكون كلما باشروه نجساً، وعليه إجماع الفرقة وطريقة الاحتياط تقتضي تنجيسها (تجنبها).
ص: 125
وروى محمّد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (علیه السلام) عن آنية أهل الذمةوالمجوس؟ قال: لا تأكلوا في آنيتهم، ولا من طعامهم الذي يطبخونه ولا في آنيتهم التي يشربون فيها الخمر(1)
وقال في التهذيب: أجمع المسلمون على نجاسة المشركين والكفار إطلاقاً(2).
ولا يبعد أن يكون مراده من المسلمين هم الشيعة.
وقال في المبسوط: فسؤر الآدمي كله طاهر، إلاّ من كان كافراً أصلياً أو مرتداً أو كافر ملة، ولا يجوز استعمال ما شربوا منه أو باشروه بأجسامهم من المياه وسائر المايعات، وكذلك ما كان أصله مايعاً فجمد أو جامداً فغسلوه بأيديهم وجففوه، فلا يجوز استعماله إلاّ بعد تطهيره فيما يمكن تطهيره من غسل الثياب، وما عداه فإنه يجتنب على كل حال(3)
وقال أيضاً: وأواني المشركين ما يعلم منها استعمالهم لها في المايعات لا يجوز استعمالها إلاّ بعد غسلها، وإذا استعملوها في مايع طاهر ينجس بمباشرتهم، وما لم يستعملوها اصلاً أو استعملوها في شيء طاهر ولم يباشروها بأجسامهم فلا بأس باستعماله، وحكم سائر الكفار في هذا الباب سواء كانوا عباد الأوثان وأهل الذمة أو مرتدين أو كفار ملة من المشبهة والمجسمة والمجبرة وغيرهم(4)
وقال في التبيان في تفسير قوله تعالى: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ... )(5) : وذلك يختص عند أكثر أصحابنا بالحبوب، لأنها المباحة من أطعمة أهل الكتاب، فأمّا ذبائحهم وكل مائع يباشرونه بأيديهم فإنه نجس(6)
ص: 126
وقال في النهاية: ولا يجوز استعمال أسآر من خالف الإسلام من ساير أصناف الكفار، وكذلك أسؤر (أسآر) الناصب لآل محمّد (علیهم السلام) العداوة(1)
وقال: وماء الحمام سبيله سبيل الماء الجاري إذا كانت له مادة من المجرى، فإذا (فإن) لم يكن له مادة فهو على طهارته ما لم تعلم فيه نجاسة، فإن علمت فيه نجاسة أو أدخل يده فيه يهودي أو نصراني أومشرك أو ناصب ومن ضارعهم من أصناف الكفار فلا يجوز استعماله على حال(2)
وقال في باب تطهير الثياب: وكذلك إن مس الإنسان بيده أحد ما ذكرناه أو صافح ذمياً أو ناصباً معلناً بعداوة آل محمّد (علیهم السلام) وجب عليه غسل يده إن كان رطباً، وإن كان يابساً مسحها بالتراب(3)
وقال في باب الأطعمة المحظورة والمباحة: ولا يجوز مؤاكلة الكفار على اختلاف مللهم ولا استعمال أوانيهم إلاّ بعد غسلها بالماء، وكل طعام تولاه بعض الكفار بأيديهم وباشروه بنفوسهم لم يجز أكله، لأنهم أنجاس ينجس الطعام بمباشرتهم إياه، وقد رخص في جواز استعمال الحبوب وما أشبهها مما لا يقبل النجاسة وإن باشروهم، بأيديهم ... إلى أن قال: ويكره أن يدعو الإنسان أحداً من الكفار إلى طعامه فيأكل معه، وإن دعاه فليأمره بغسل يديه ثمّ يأكل معه إن شاء(4)
وقوله: فليأمره ... الخ محمول على الدعوة إلى الأكل من طعام لا يقبل النجاسة كالحبوب ونحوها.
وقال العلامة في المختلف في باب الأطعمة والأشربة: قال الشيخ في النهاية:
ص: 127
يكره أن يدعو الإنسان أحداً من الكفار إلى طعامه فيأكل معه، وإن دعاه فليأمره بغسل يديه، ثمّ يأكل معه إن شاء، وقال شيخنا المفيد: لا تجوز مؤاكلة المجوس، وقال ابن البراج: لا يجوز الأكل والشرب مع الكفار، وقال ابن إدريس: قول شيخنا في النهاية رواية شاذة أوردها إيراداً لا اعتقاداً، وهذه الرواية لا يلتفت إليها ولا يعرج عليها لأنها مخالفة لأصول المذهب، لأنا قد بيّنا بغير خلاف أن سؤر الكفار نجس ينجس المايع بمباشرته، وأيضاً الإجماع على خلافها، وقال السيد المرتضى في انتصاره: مما انفردت به الإمامية أن كلّ طعام عالجه الكافر من اليهود والنصارى وغيرهم ممن ثبت كفرهم بدليل قاطع فهو حرام، لا يجوز أكله ولا الانتفاع به، وخالف باقي الفقهاء في ذلك، والمعتمد ما اختاره ابن إدريس لنا أنهم أنجاس ... الخ(1)
وقال في باب لباس المصلي: قال الشيخ في النهاية: إذا عمل مجوسيثوباً يستحب أن لا يصلي فيه، وكذلك إذا استعار ثوباً من شارب الخمر أو مستحلّ شيء من النجاسات يستحب أن يغسل أولاً بالماء ثمّ يصلي فيه، وقال في المبسوط: إذا عمل كافرٌ ثوباً لمسلم فلا يصلي فيه إلاّ بعد غسله، لأن الكافر نجس، وكذلك إذا صبغه له، لأن الكافر نجس، وسواء كان أصلياً أو كافر ردة أو كافر ملة، وتعليل الشيخ يؤذن بالمنع وهو اختيار ابن إدريس، وجعل قول الشيخ في النهاية خبراً واحداً أورده إيراداً لا اعتقاداً بل اعتقاده وفتواه ما ذكره في المبسوط.
وقال ابن الجنيد: فإن كان استعاره من ذمي أو ممن الأغلب على ثوبه النجاسة أعاد، خرج الوقت أم لم يخرج، وهو يؤذن بقول الشيخ في المبسوط مع أنّه قال قبل ذلك: واستحب تجنب ثياب المشركين، ومن لا يرى غسل النجاسة
ص: 128
من ثوبه والتنظيف لجسده منها وخاصة ميارزهم وما سفل من أثوابهم التي يلبسونها وما يجلسون عليه من فرشهم، ولو صلى فيه أو عليه ثمّ علم بنجاسته اخترت له الإعادة في الوقت وغير الوقت(1)
ثم قال العلامة: والوجه عندي اختيار الشيخ في النهاية، وأجاب عما تمسك به ابن إدريس من دعوى الإجماع على نجاسة أسآر الكفار، ومن رواية عبد الله بن سنان بأن السؤر يستلزم المباشرة فينجس بخلاف الثوب فالأصل فيه الطهارة، وحمل الرواية على الاستحباب(2)
وقال في التذكرة: الأسآر كلها طاهرة إلاّ سؤر نجس العين وهو الكلب والخنزير والكافر على الأشهر(3)
وقال: الكافر عندنا نجس لقوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) والحذف على خلاف الأصل والوصف بالمصدر جايز لشدة المعنى، وقوله تعالى كذلك: (يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) ولقول النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) وقد سئل إنّا بأرض قوم أهل كتاب نأكل في آنيتهم؟ : لا تأكلوا فيها إلاّ أن لا تجدوا غيرها فاغسلوها ثمّ كلوا فيها، وسؤال الصادق (علیه السلام) عن سؤر اليهودي والنصراني فقال: لا.
ثم قال: لا فرق بين أن يكون الكافر أصلياً أو مرتداً، ولا بين أن يتدين بملة أو لا، ولا بين المسلم إذا أنكر ما يعلم ثبوته من الدين ضرورةوبينه، وكذا لو اعتقد المسلم ما يعلم نفيه من الدين ضرورة(4)
وقال في المنتهى: مسألة: الكفار أنجاس وهو مذهب علمائنا أجمع، سواء كانوا أهل كتاب أو حربيين أو مرتدين وعلى أي صنف كانوا خلافاً للجمهور.
ص: 129
لنا قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) لا يقال: إنه مصدر فلا يصح وصف الجنس (المشبه) إلاّ مع حرف التشبيه ولا دلالة فيه حينئذ، لأنا نقول: إنه يصح الوصف بالمصادر إذا كثرت معانيها في الذات كما يقال: رجل عدل، وذلك يؤيد ما قلناه.
وما رواه الجمهور عن أبي تغلبة، قال: قلت: يا رسول الله إنّا بأرض أهل كتاب أفنأكل في إنائهم؟ فقال (صلی الله علیه و آله و سلم): إن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها، فإن لم تجدوا غيرها فاغسلوها وكلوا فيها متفق عليه. وما رووه عنه (صلی الله علیه و آله و سلم) قال: «المؤمن ليس ينجس» ، وتعليق الحكم على الوصف يدل على سلبه عما عداه. ومن طريق الخاصة ما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن جعفر عن أخيه موسى قال: سألته عن فراش اليهودي ... الخ.(1)
وقال المحقق في المعتبر: وأما الكفار فقسمان يهود ونصارى ومن عداهما، أما القسم الثاني فالأصحاب متفقون على نجاستهم سواء كان كفرهم أصلياً أو ارتداداً لقوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) ولقوله تعالى: (كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) لا يقال: الرجس العذاب رجوعاً إلى أهل التفسير، لأنا نقول: حقيقة اللفظ يعطي ما ذكرناه فلا يستند إلى مفسر برأيه ولأن الرجس اسم لما يكره فهو يقع على موارده بالتواطي، فيحمل على الجميع عملاً بالإطلاق. وأما اليهود والنصارى فالشيخ قطع في كتبه بنجاستهم، وكذا علم الهدى، والاتباع، وابنا بابويه، وللمفيد قولان أحدهما: النجاسة ذكره في أكثر كتبه والآخر: الكراهية ذكره في الرسالة الغرية(2) ثمّ استدل على الحكم بما رواه الخاصة والعامة.
ونكتفي بهذا القدر من كلمات الفقهاء.
ص: 130
والمتحصّل من مجموع هذه الأقوال أمور:
الأول: نسبة المخالفة في المسألة إلى ابن أبي عقيل فقط ولم نقف علىكلامه وأما ابن الجنيد فنسب إليه الاحتياط في بعض كلماته، والحكم بالنجاسة في البعض الآخر.
الثاني: الظاهر من كلمات من ذكرنا أن هذا الحكم مطابق للإجماع واستدلالهم به، بل عن السرائر أنّه من أصول مذهب الإمامية.
الثالث: أن عمدة حكمهم بالنجاسة هو الاستشهاد بالآية الشريفة (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) كما ورد في كلمات ابن زهرة، والسيد المرتضى، والشيخ، والعلامة، والمحقق، كما استشهد بعضهم مضافاً إلى هذه الآية بقوله تعالى: (كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) كما في كلمات العلامة، والمحقق.
الرابع: لم يظهر الفرق بين الشرك وغيره في كلماتهم إلاّ ما جاء في كلام المحقق من أنّه قسّم الكافر إلى قسمين، بل إن بعضهم نفى الفرق صريحاً كما في كلام ابن زهرة المتقدم.
وأما الدليل الثاني وهو الكتاب فالمستفاد من كلمات الفقهاء أن مدرك الإجماع لما اعتمدوه في الحكم بالنجاسة هو الآيات، وقد استدلوا بآيتين الأولى قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا... )(1) ، والثانية قوله تعالى: (كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ)(2)
أما الآية الأولى فقد استدل بظاهرها على أن المراد من قوله تعالى: (نَجَسٌ ) هو النجاسة الاصطلاحية، والآية وإن كانت مطلقة بمعنى أن النجس يطلق ويراد به القذر وما ليس بطاهر، إلاّ أن النجاسة تشمل الذاتية والواقعية ولا
ص: 131
سيما مع تفريع الأثر وهو عدم جواز دخولهم المسجد الحرام بل سائر المساجد فالمستفاد من الآية هو القذارة الذاتية.
وإليه ذهب صاحب الحدائق(1)، وصاحب الجواهر(2)، وغيرهما، كما مر وسيأتي.
وذهب آخرون كالسيد الأستاذ ! (3) وغيره إلى عدم استفادة هذا المعنى من الآية وناقشوا دلالتها بأمور:الأول: في أن كلمة نجس مصدر ولا يصح حمل المصدر على الذات إلاّ بتقدير ذي ونحوها أو التأويل بالمشتق فإذا قيل: فلان نجس فالمقصود ذو نجاسة وهذا أعم من كونه نجساً ذاتاً أو عرضاً، وحيث إن من المعلوم من سيرة الكفار والمشركين وطريقتهم، عدم تجنبهم عن النجاسات كالميتة والخمر والبول وغيرها فالمناسب هو الحمل على النجاسة العرضية ولا أقل من عدم الاختصاص بالنجاسة الذاتية، وبناء على ذلك فلا يمكن الاستدلال بالآية فإنها أعم من المدعى.
الثاني: أن لفظ نجس في اللغة بمعنى القذارة وفيها محتملات أربعة:
الأول: القذارة القائمة بالجسم القابلة للتعدي.
الثاني: القذارة المعنوية وهي الخبث الباطني القائم بالنفس.
الثالث: القذارة المعنوية القائمة بالجسم غير القابلة للتعدي كالجنابة والحيض ونحوهما.
الرابع: القذارة بمعنى النجاسة الاصطلاحية وهي أمر اعتباري وتترتب عليه الآثار من السراية والتعدي مع الرطوبة.
ص: 132
وحيث إن المعنى المراد دائر بين هذه المعاني الأربعة فلا وجه لتخصيصه بالأخير إذ لا دليل عليه بخصوصه.
الثالث: أن لفظ المشركين مختص بفئة معينة من الناس، ولا يشمل كل من لا يدين بدين الإسلام، فهو أخص من الكفار ويكون مقابلاً لأهل الكتاب، نعم هو يشمل الوثنيين وغيرهم ممن يقولون بتعدد الآلهية، وأما أهل الكتاب فلا يشملهم لفظ المشركين فلا يستفاد من الآية شمول الحكم لجميع الأصناف.
وقد يجاب بعدم القول بالفصل بين هذه الأصناف.
وفيه أولاً: عدم ثبوت القول بعدم الفصل.
وثانياً: أن هذا ليس استدلالاً بالآية وحدها بل بضميمة أمر آخر.
وقد يقال: إن المشرك قد يطلق ويراد به أهل الكتاب أيضاً بمفاد الآيات الواردة ومنها قوله تعالى: (وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمْ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُعَمَّا يُشْرِكُونَ) (1)
وفي هذه الآية نص صريح بنعت اليهود والنصارى بالشرك، ويدل على ذلك أيضاً قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ... ) (2)
والمستفاد: أن إطلاق لفظ المشركين شامل لليهود والنصارى.
وأما المجوس فكذلك لأنهم ثنوية قائلون بتعدد الآلهة وأن مبدأ الخير هو يزدان، كما أن مبدأ الشر هو اهرمن أو النور والظلمة(3)
ص: 133
والمتحصل: أن أهل الكتاب داخلون في الآية.
وفيه: أن نعت أهل الكتاب بأنهم مشركون إنما هو بالعناية والالتفات إلى واقعهم، والتعريف بحقيقتهم وأنهم مشركون واقعاً لا بالإطلاق، والظاهر من الآيات وإطلاقها انصراف لفظ المشركين إلى الوثنيين في مقابل أهل الكتاب، ولذا فإن القرآن الكريم في العديد من آياته ولاسيما في سورة التوبة تناول هذه الأصناف وجعل لكل منها أحكاماً خاصة بها.
هذا وقد أجيب عن هذه الإشكالات.
أما عن الإشكال الأول فيقال في جوابه أولاً: إن لفظة نجس قد تأتي صفة لا مصدراً.
وثانياً: على فرض كون نجس مصدراً فما المانع من حمله على الذات؟ كما يقال: زيد عدل على نحو المبالغة بلا حاجة إلى تقدير، فيصح أن يقال: المشركون نجس كما هو ظاهر الآية الشريفة، وهذا هو الأرجح لاحتمال الخدشة في الوجه الأول بعدم التطابق بين الصفة والموصوف.
هذا وقد قرر سيدنا الأستاذ ! (1) الإشكالين الأخيرين والتزم بهما.
أما الإشكال الثاني فقد قرره بوجهين:
الأول: أنّه لا دليل لنا على أن النجاسة استعملت بالمعنى الأخير، وذلك لأن الأحكام كانت تنزل بصورة تدريجية فلم يعلم أن هذا المعنى ثابت وقت نزول الآية الشريفة، وحيث إن أصل ثبوته غير معلوم فكيف يمكن صرف الآية عن بقية المعاني وحملها على معنى يشك في وجوده؟
الثاني: أن الأنسب بمعنى الآية هو المعنى الثاني وهو الحمل علىالقذارة الباطنية والخبث المعنوي وأنهم رجس ينبغي اجتنابه، وذلك لمناسبة عدم جواز
ص: 134
دخولهم المسجد الحرام، فإن النجاسة بالمعنى الأخير لا تتنافى مع دخول المسجد الحرام - على الخلاف فيه - إذا لم تستلزم الهتك، وعليه فالمناسب لتفريع هذا الحكم هو المعنى الثاني من المعاني الأربعة.
ولكن يمكن أن يقال: إن الوجه الأول لا يمكن المساعدة عليه، وذلك لأن عدم ثبوت هذا المعنى في زمان نزول الآية بعيد جداً إذ الآية الشريفة وردت في سورة التوبة وهي من آخر السور نزولاً على النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم)، فهل يتصور عدم ثبوت هذا المعنى إلى أواخر زمان دعوة النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) ؟
نعم لو كان نزول الآية في أول البعثة لكان له وجه، وأما كون زمان نزولها أواخر سني الدعوة فلا يتصور ذلك، فإن كان مراد السيد الأستاذ! هذا المعنى فغير تام، وإن كان مراده هو عدم ثبوت الحقيقة الشرعية فكذلك، فإن الوقوف على الروايات والكلمات الواردة في زمان الوحي يعطي أن لفظ النجاسة كان مستعملاً في نفس هذا المعنى الشرعي بلا قرينة، وقد تتبعنا جملة من روايات العامة والخاصة.
أما في روايات العامة فقد استعمل هذا اللفظ في المعنى الشرعي في عدة موارد:
الأول: ما رواه حذيفة بن اليمان بطرق متعددة متفق عليها عندهم، أن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) لقيه في الطريق وهو جنب فحاد عنه فاغتسل ثمّ جاء فقال: كنت جنباً، فقال: المسلم لا ينجس(1) وفي رواية السنن الكبرى: إن المؤمن لا ينجس(2)
الثاني: ما رواه أبو سعيد الخدري بطرق صحيحة عندهم أيضاً: قيل يا رسول الله أتتوضأ من بئر بضاعة، وهي بئر يطرح فيها لحوم الكلاب والحيض والنتن؟
ص: 135
فقال (صلی الله علیه و آله و سلم): الماء طهور لا ينجسه شيء(1)
الثالث: ما رواه عبد الله بن عمر - وقد رواها الخمسة - قال: سمعت رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وهو يُسأل عن الماء يكون بالفلاة من الأرض ... إلى أن قال (صلی الله علیه و آله و سلم): إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث(2) وفي لفظ ابن ماجه: لاينجسه شيء(3)
الرابع: ما روته كبشة بنت كعب بن مالك - ورواها الخمسة أيضاً - في الهرة، إن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال: إنها ليست بنجس إنما هي من الطوّافين عليكم والطوّافات(4).
الخامس: ما رواه أنس (متفق عليه) قال: أتانا منادي رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فقال: إن الله ورسوله ينهاكم عن لحوم الحمر فإنها رجس(5)
السادس: ما رواه ابن مسعود أنّه أمره رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بأن يؤتيه بثلاثة أحجار، فقال: وجدت الحجرين والتمست الثالث فلم أجد فأخذت روثة فأتيت بهن النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) فأخذ الحجرين وألقى الروثة، وقال: هذه ركس(6) وفي لفظ ابن ماجه(7) وابن خزيمة: رجس وهما بمعنى نجس(8)
السابع: انزاله (صلی الله علیه و آله و سلم) وفد ثقيف في المسجد فقال الأصحاب: إنهم قوم أنجاس، فقال (صلی الله علیه و آله و سلم): ليس على الأرض من أنجاس القوم شيء إنما أنجاس القوم على أنفسهم(9) وورد عن ابن عباس - كما نقل البخاري - أنّه قال: المؤمن
ص: 136
لا ينجس حياً ولا ميتاً(1)
وغير هذه من الموارد التي وردت فيها هذه الكلمة بنفسها وبمشتقاتها.
هذا من جهة العامة.
وأما من جهة الخاصة فقد وردت عدة روايات أيضاً على لسان النبيّ(صلی الله علیه و آله و سلم)، وأمير المؤمنين (علیه السلام) ، منها ما ذكره صاحب الوسائل قال: وروى جماعة من أصحابنا في كتب الاستدلال عن النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) أنّه قال: جنبوا مساجدكم النجاسة(2).
ومنها ما رواه عبد الرحمن بن كثير الهاشمي مولى محمّد بن علي، عن أبي عبد الله (علیه السلام) ، قال: بينا أمير المؤمنين (علیه السلام) ذات يوم جالساً معمحمّد بن الحنفية، إذ قال له: يا محمّد ايتني بإناء من ماء أتوضأ للصلاة، فأتاه محمّد بالماء فأكفأه فصبه بيده اليسرى على يده اليمنى، ثمّ قال: بسم الله وبالله، والحمد لله الذين جعل الماء طهوراً ولم يجعله نجساً ... الخ(3)
ومنها ما نقله صاحب الوسائل عن المحقق الحلي في المعتبر قال: قال(علیه السلام): خلق الله الماء طهوراً لا ينجسه شيء، إلاّ ما غير لونه أو طعمه أو ريحه(4)
ورواه ابن إدريس مرسلاً في أول السرائر، إلاّ أنّه نسبه إلى النبيّ(صلی الله علیه و آله و سلم) (5)
ومنها ما رواه في المستدرك، عن الجعفريات بسنده عن علي بن أبي طالب ': لو أن رجلاً جامع في ثوبه ثمّ عرق فيه منه حتى ينعصر لأمرناه بالصلاة فيه، ولم نأمره بغسل ثوبه لأن الثوب لا ينجسه شيء(6)
ومنها ما في المستدرك أيضاً عن الجعفريات بسنده عن علي (علیه السلام) قال: أربع
ص: 137
لا ينجسهن شيء، الأرض والجسد والماء والثوب، فسئل ما نجاسة الجسد؟ - إلى أن قال : - قالوا: فالأرض يا أمير المؤمنين قال: إذا أصابها قذر ثمّ أتت عليها الشمس فقد طهرت(1)
ومنها ما رواه عن الدعائم عن أمير المؤمنين (علیه السلام): أنّه رخص في الادام والطعام يموت فيه خشاش الأرض والذباب ما لا دم له، وقال: لا ينجس ذلك شيئاً ولا يحرمه ... الخ(2)
ومنها ما رواه عن الجعفريات بسنده أن علياً (علیه السلام) كان يقول: من صلى حتى يفرغ من صلاته وهو في ثوب نجس فلم يذكره إلاّ بعد فراغه ليعد صلاته(3)
ومنها ما رواه عن نوادر الراوندي بإسناده عن موسى عن جعفر عن آبائه قال: قال علي (علیه السلام): من صلى في ثوب نجس فلم يذكره إلاّ بعد فراغه فليعد صلاته(4)ومنها ما رواه في الدعائم، عن جعفر بن محمد، عن آبائه، عن علي صلوات الله عليهم، أن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) نهى عن الصلاة بجلود الميتة وإن دبغت وقال: الميتة نجس وإن دبغت(5)
ومنها ما رواه عن الإرشاد بإسناده عن موسى بن جعفر، عن آبائه، عن أمير المؤمنين (علیه السلام) أنّه قال في ذكر فضل نبينا (صلی الله علیه و آله و سلم) وأمته على سائر الأنبياء وأممهم: إن الله سبحانه رفع نبينا إلى ساق العرش فأوحى إليه فيما أوحى: كانت الأمم السالفة إذا أصابهم أذى نجس قرضوا من أجسادهم وقد جعلت الماء طهوراً لأمتك من جميع الأنجاس والصعيد في الأوقات(6)
ص: 138
ومنها ما رواه عن الدعائم، عن أمير المؤمنين (علیه السلام) أنّه قال: ليس ينجس الماء شيء(1)
ومنها ما رواه عن عوالي اللئالي عن النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) قال: الماء لا ينجسه شيء(2)
وفي حديث آخر: خلق الماء طهوراً لا ينجسه شيء، إلاّ ما غير لونه أو طعمه أو رائحته(3)
ومنها ما رواه عن الجعفريات بسنده عن علي (علیه السلام) قال: الماء الجاري لا ينجسه شيء(4)
ومنها ما رواه عن الجعفريات ونوادر الراوندي بسندهما عن علي (علیه السلام) قال: الماء الجاري يمر بالجيف والعذرة والدم فيتوضأ منه ويشرب منه ليس ينجسه شيء(5)
وعن الجعفريات أيضاً بسنده عنه (علیه السلام) قال: أربع لا ينجسهن شيء، الأرض، والجسد، والماء، والثوب، ثمّ فسر (علیه السلام) مراده في كل واحد منها، إلى أن قال: والماء الجاري يمر بالجيف ... الخ(6)إلى غير ذلك من الروايات.
والمستفاد من مجموع هذه الروايات أن لفظ النجاسة كان مستعملاً في عصر النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) في المعنى الرابع، ولم يكن استعماله بأقل إن لم يكن أكثر من سائر المعاني الأخرى للنجاسة، فالمناقشة في أن هذا اللفظ لم يستعمل في هذا المعنى
ص: 139
ليست في محلها.
والحاصل: أنّه لا إشكال في حمل ما ورد من لفظ النجاسة في الآية الشريفة على معناها الشرعي.
ثم إنه إذا كان هذا المعنى هو الأظهر من هذه المعاني حيث ورد الاستعمال فيه في زمان الوحي، فما ذكره الراغب في مفرداته من قوله: النجاسة القذارة، وذلك ضربان ضرب يدرك بالحاسة وضرب يدرك بالبصيرة، والثاني وصف الله تعالى به المشركين فقال: إنما المشركون نجس(1) ، وما ذكره غيره من اللغويين، فليس بحجة لأنه ناشىء عن تأثر بفقهائهم. فتأمل.
وأما الوجه الثاني فهو قابل للمناقشة أيضاً، فإنه وإن تعددت المعاني لكن يمكن حمله على المعنى الأخير وهو الأنسب لا المعنى الثاني كما ذكرنا، ولا سيما مع استعمال لفظ إنما الدالة على الحصر والاخبار عنهم بأنهم نجس. والتفريع المذكور في الآية يتلاءم مع المعنى الأخير، ويكون حال المشركين حال الكلاب من عدم جواز تمكينهم الدخول في المساجد، مضافاً إلى ما تقدم من استعمال لفظ النجاسة في معناها الشرعي في زمان النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم).
والحاصل: أن هذا الوجه غير تام فالإشكال غير وارد، وعلى فرض الاغماض عن ذلك فما ذكر من الترجيح والأنسبية بالآية سواء كان بالمعنى الثاني أو الرابع أو غيرهما فإنما هي استحسانات عقلية.
وأما الإشكال الثالث فقد قرره السيد الأستاذ ! بوجهين أيضاً:
الأول: أن المراد من المشركين في الآية مرتبة خاصة وهي المقابلة لأهل الكتاب وليس المراد جميع المراتب، وإلاّ لشمل المسلم المرائي في عمله فإن الرياء في العمل شرك، ولا يمكن الالتزام بنجاسة المرائي وعدم جواز دخوله المسجد.
ص: 140
الثاني: أن الظاهر من الآيات الواردة في المقام - ومنها هذه الآية - أنالمشركين هم في مقابل أهل الكتاب لا الأعم، وذلك لأن لكل من أهل الكتاب والمشركين أحكاماً خاصة بكل صنف فمثلاً لا يجوز للمشرك السكنى في بلاد المسلمين، ويجب عليه الخروج منها، وأما أهل الكتاب فلا بأس بسكناهم في بلادهم مع الالتزام بأحكام الجزية ونحوها، فدعوى أن المشركين في
الآية أعم من أهل الكتاب خلاف الظاهر(1)
ولكن هذا الإشكال قابل للدفع أيضاً وذلك:
أولاً: أن لفظ المشركين أطلق على أهل الكتاب أيضاً في آيات عديدة منها ما جاء قبل هذه الآية الكريمة وهو قوله تعالى: (مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ * إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنْ الْمُهْتَدِينَ) (2)
والمشركون هنا في مقابل المؤمنين وهو يشمل أهل الكتاب.
ومنها ما جاء بعد الآية وهو قوله تعالى: (وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمْ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (3)
وهنا تصريح بأنهم مشركون.
ومنها أيضاً ما ورد بعد ذلك في سياق بيان أوصاف اليهود والنصارى وهو
ص: 141
قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ )(1)
ومنها ما ورد في غير هذه السورة وهو قوله تعالى: (وَقَالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ) (2) وفي هذه الآية تعريض باليهود والنصارى بأنهم مشركون.
ومنها ما ورد في وصفهم بالشرك وهو قوله تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَقَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (3)
وهذه الآية بيان لحقيقة شركهم وقولهم بتعدد الآلهية.
وغيرها من الآيات الكثيرة الواردة في بيان أن أهل الكتاب قد يطلق عليهم لفظ المشركين.
وثانياً: أن مناسبة الحكم والموضوع ومقتضى الفهم العرفي كون الحكم بالنجاسة إنما هو من جهة عدم الإيمان بالله ولا فرق في هذا بين الوثنيين وأهل الكتاب وغيرهم من أقسام الكفار.
ويؤيده: أن بعض الفقهاء - كما تقدم - قال بعدم الفصل حيث حكم بنجاسة الجميع، نعم ورد في كلام المحقق تقسيم الكفار وهو مشعر بالفصل، ولم يصرح بذلك بل استدل بالآية على النجاسة، فليس في المقام قول صريح بالفصل.
ويؤيده أيضاً: ما ورد في الآية الأخرى وهي قوله تعالى: (يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ) فإن قوله (لا يؤمنون) عام شامل لجميع أقسام الكفار بناء على أن الرجس هو النجاسة، وسيأتي الكلام حول الآية ومفادها
ص: 142
قريباً كما يمكن تأييد ذلك أيضاً بما ورد من الروايات المعتبرة من أن المؤمن لا ينجس كما سيأتي، وجاء في روايات العامة بهذا اللفظ، وفي بعضها بلفظ المسلم كما تقدم عن ابن عباس، ومفهوم هذه الروايات: أن غير المؤمن نجس بلا فرق بين أقسامهم، وإلاّ فلا فضل لاختصاص هذا بالمؤمن.
والمستفاد من هذين الوجهين إمكان إطلاق لفظ المشركين على أهل الكتاب، ولا يختص بمرتبة معينة من الكفار كما ذكر السيد الأستاذ !.
وأما ما ذكره ! من اختصاص كل صنف منهم بأحكام لا تشمل الآخر فيمكن الجواب عنه أولاً: بأنا لا نقول: إن لفظ المشركين حقيقة في الجميع بل نقول: إن للفظ صلاحية في إطلاقه عليهم كما ذكرنا، وثانياً: أن كون كل صنف له أحكام خاصة مما لا إشكال فيه عند الاجتماع، ويكون من قبيل الفقير والمسكين إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا.
والحاصل: أن لفظ المشركين في الآية الشريفة أطلق على جميع أصناف الكفار بلا فرق بين فئة دون أخرى، هذا بناء على تماميةالوجهين وإلاّ فلابد من الاقتصار على الشرك بمعناه الأخص ومن ساواه ومن دونه كالملحد كما ستأتي الإشارة إلى ذلك.
وأما الآية الثانية وهي قوله تعالى: (كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ )(1) فقد استدل بها على نجاسة الكفار قاطبة بظاهر قوله تعالى: (لا يُؤْمِنُونَ ) فإنه عام شامل لجميع أقسام الكفار، وإن الرجس بمعنى النجس، ويتألف قياس من الشكل الأوّل تكون نتيجته: أن كل من لا يؤمن فهو نجس.
أما عموم قوله تعالى: (الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ) فواضح، وأما أن الرجس بمعنى النجس فقد استعمل في القرآن بهذا المعنى.
ص: 143
قال الشيخ في التهذيب - في نجاسة الخمر - : والذي يدل على أن هذه الأخبار - أي أخبار طهارة الخمر - محمولة على التقية ما تقدم ذكره من الآية، وأن الله تعالى أطلق اسم الرجاسة على الخمر، ولا يجوز أن يرد من جهتهم ( ما يضاد القرآن وينافيه ... إلى أن قال: وإذا عملنا على تلك الأخبار - أي أخبار النجاسة - كنا عاملين بما يلائم ظاهر القرآن ... (1)
وتقدم كلام العلاّمة في التذكرة، وأنه استشهد بالآية الشريفة على نجاسة الكافر.
وقد أشكل على الآية بنظير الإشكال على الآية الأولى: بأن الرجس قد ورد بعدة معان كاللعنة والعذاب والقذر والأعمال القبيحة والمآثم ولطخ الشيطان ووسوسته وفسر قوله تعالى: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ) بالشطرنج(2)، وبناء على هذا فكون الرجس بمعنى النجاسة غير ثابت ولا يمكن حمل الآية عليه.
والتحقيق: أنّه جاء في أكثر التفاسير أن الرجس بمعنى اللعن في الدنيا والعذاب في الآخرة. وجاء في الميزان(3) بمعنى القذارة وهو معنى مطلق فيشمل ما ذكر من المعاني من العذاب والوسوسة والأعمال القبيحة وغيرها، فإن القذر هو ما تنفر منه الطباع كما تنفر من الغذاء المتلطخ بالقذر، وورد في تفسير العياشي(4) بمعنى الشك وهو من مصاديق القذارة. قال في المصباح: الرجس النتن والرِّجس القذر والرجس القَذَر قال الفارابي: وكل شيء يستقذر فهو رجس، وقال النقاش: الرجس النجس وقال في البارع: وربما قالوا: الرجاسة والنجاسة أي جعلوها بمعنى وقال الأزهري: النجس القذر الخارج من بدن الإنسان، وعلى هذا فقد
ص: 144
يكون الرجس والقذر والنجاسة بمعنى، وقد يكون القذر والرجس بمعنى غير النجاسة، ورجس رجساً من باب تعب ورجس من باب قرب لغة(1)
وقال في المجمع: قال بعض الأفاضل: الرجس وإن كان في اللغة بمعنى القذر وهو أعم من النجاسة إلاّ أن الشيخ قال في التهذيب: إن الرجس هو النجس بلا خلاف، وظاهره أنّه لا خلاف بين علمائنا في أنّه في الآية: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ... ) بمعنى النجس(2)
وقال في المعجم: رجس يرجَس رجَسَاً ورَجَاسَةً: نَجُسَ ورجُس يرجُس رجاسة قَذِرَ والرجْسُ القَذَر والشيء القدر والفعل القبيح والحرام واللعنة والكفر والعذاب، وفي التنزيل العزيز (ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون) ورجس الشيطان وسوسته(3)
والمستفاد من ذلك: أن الرجس بمعنى القذارة هو أبرز المعاني، وهو المعنى الأعم الشامل للنجاسة وغيرها، ومع الشك في المراد من الآية أي أن الرجس جاء بمعان متعددة ولا يعلم أنّه في الآية بمعنى النجس إلاّ أنّه يمكن استفادة ذلك من رواية خيران الخادم، وقد رواها الكليني بسنده عن خيران الخادم قال: كتبت إلى الرجل (علیه السلام) أسأله عن الثوب يصيبه الخمر ولحم الخنزير أيصلّى فيه أم لا؟ فإن أصحابنا قد اختلفوا فيه فقال بعضهم: صل فيه فإن الله إنما حرم شربها، وقال بعضهم: لا تصل فيه، فكتب (علیه السلام): لا تصل فيه فإنه رجس(4) الحديث.
ولابد من التكلم حول سند الرواية ودلالتها فنقول:
أما من جهة السند فقد رواها الكليني(5) بسنده عن خيران وفيه سهل بن
ص: 145
زياد، كما أن الشيخ(1) رواها بإسناده وفيه سهل أيضاً، فلا يمكن الاعتمادعلى الرواية من هذه الجهة ولكن يمكن تصحيح سند الرواية عن طريق النجاشي، حيث ذكر خيران فقال: مولى الرضا (علیه السلام) له كتاب أخبرنا أحمد بن محمّد بن هارون قال: حدثنا أحمد بن محمّد بن سعيد، قال: حدثنا أحمد بن محمّد بن عبد الرحمن بن فنتي قال: حدثنا محمّد بن عيسى العبيدي قال: حدثنا خيران(2)
وفي هذا السند أحمد بن محمّد بن عبد الرحمن بن فنتي، وهو ممن لم يرد فيه التوثيق فلا يمكن الاعتماد عليه، إلاّ أنّه قد وقع في السند محمّد بن عيسى العبيدي الراوي المباشر عن خيران وحيث إن للنجاشي(3) وللشيخ(4) طريقاً معتبراً إلى جميع رواياته وكتبه، فهذا الكتاب - وهو كتاب خيران مشمول لروايات محمّد بن عيسى وداخل فيها، وبهذا يصبح طريق النجاشي إلى خيران الخادم معتبراً وهذا النحو من التصحيح للسند هو أحد مصاديق المورد الرابع من موارد تصحيح الروايات التي ذكرناها في مباحثنا الرجالية وخلاصته: أنّه إذا كان للنجاشي طريق صحيح إلى شخص يروي به جميع رواياته وكتبه، وكان للشيخ طريق فيه ضعف، وحيث إن كلا الطريقين يلتقيان في شخص واحد فيكون طريق الشيخ صحيحاً لصحة طريق النجاشي(5) ، وبناء على هذا فطريق الشيخ معتبر ولا بأس بالاعتماد على الرواية من حيث السند .
هذا كله على أن يكون خيران مولى الرضا (علیه السلام) هو خيران الخادم كما هو
ص: 146
الظاهر، وذلك لأن النجاشي(1) ذكر خيران مولى الرضا ولم يذكر خيران الخادم والشيخ(2) بالعكس، ومن البعيد جداً أن يكون هناك شخصان ويتعرض الشيخ لواحد منها والنجاشي للآخر، مضافاً إلى أنهما في طبقة واحدة فإن محمّد بن عيسى يروي عنهما كليهما فلا إشكال في اتحادهما .
وأما من جهة الدلالة فالاحتمالات فيها ثلاثة:
الأول: أن قوله (علیه السلام): «فإنه رجس» إشارة إلى الآية الشريفة: (إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس ...).والظاهر أن الرجس بمعنى النجس ولذلك أمر (علیه السلام) بالاجتناب ونهى عن الصلاة في ثوب أصابه الخمر لنجاسته، ومنه يظهر أن الرجس في لسان الشرع بمعنى النجاسة ولا فرق بين هذه الآية وغيرها إلاّ أن يرد دليل خاص على الخلاف.
الثاني: أن يكون قوله (علیه السلام) علة مستقلة ولا ربط له بالآية ولكنه (علیه السلام) استعمل الرجس في معناه العرفي أي: بمعنى النجس وليس اصطلاحاً حديثاً، وبذلك يعلم أن زمان نزول الآية كان على هذا المعنى.
الثالث: أن يكون قوله (علیه السلام) اصطلاحاً حديثاً، ولم يكن مستعملاً في هذا المعنى من قبل بل هو أمر حادث.
وعلى ضوء الاحتمالين الأولين تتم دلالة الآية، وعلى الثالث لا تتم لعدم الملازمة بين المعنى الحديث والمعنى السابق عند نزول الآية، إذ لا يعلم إرادة المعنى الحديث عند نزول الآية، ثمّ إن هذا الاحتمال بعيد في نفسه ويتوقف الاستدلال بالآية على ثبوت الاحتمالين الأولين أو أحدهما.
هذا ولا يخفى أنّ ورود لفظ الرجس في الروايات قليل جداً عند الخاصة
ص: 147
والعامة، نعم ورد في القرآن الكريم في تسعة موارد بمعان مختلفة منها قوله تعالى: (وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ)(1)) ومنها قوله تعالى: (سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) (2) ومنها قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ) (3) ومنها آية التطهير(4) وغيرها.
والنتيجة: هي توقف الاستدلال بالآية الشريفة على نجاسة الكفار على استظهار أحد الاحتمالين الأولين كما هو ليس ببعيد.
وأما الدليل الثالث وهو الروايات فقد وردت في المقام عدة روايات وهي على ست أو سبع طوائف:
الطائفة الأولى: ما ورد في النهي عن سؤر الكافر، ومنها ما ورد في الكافي، والتهذيب، وهي صحيحة سعيد الأعرج قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عنسؤر اليهودي والنصراني؟ فقال: لا(5) ، وفي الفقيه: عن سعيد الأعرج أنّه سأل الصادق(علیه السلام) عن سؤر اليهودي والنصراني أيؤكل أو يشرب؟ قال: لا(6)
ومنها: ما أورده صاحب المستدرك نقلاً عن كتاب درست بن أبي منصور عن أبي المغرا، عن سعيد الأعرج عن أبي عبد الله وأبي الحسن (علیه السلام) قال: لا نأكل (تأكل) من فضل طعامهم ولا نشرب (تشرب) من فضل شرابهم(7)
ومنها صحيحة علي بن جعفر ... وسأله عن اليهودي والنصراني يدخل يده
ص: 148
في الماء أيتوضأ منه للصلاة؟ قال: لا، إلاّ أن يضطر إليه(1)
وإنما أوردنا هذه الرواية والرواية التالية في هذه الطائفة بناء على أن السؤر هو مباشرة الجسم للماء وعدم اختصاصه بالفم(2)
ومنها: موثقة عبد الله بن أبي يعفور عن أبي عبد الله (علیه السلام) (في حديث) قال: وإياك أن تغتسل من غسالة الحمام، ففيها تجتمع غسالة اليهودي والنصراني والمجوسي والناصب لنا أهل البيت فهو شرهم، فإن الله تبارك وتعالى لم يخلق خلقاً أنجس من الكلب، وان الناصب لنا أهل البيت لأنجس منه(3)
والظاهر من روايتي الأعرج وموثقة ابن أبي يعفور هو نجاسة الكافر، فإن الحكم بعدم جواز الشرب والأكل من فضل شرابهم وطعامهم، وعدم استعمال غسالتهم أسند إلى مباشرة أنفسهم وأعيانهم للطعام والشراب، لا لنجاسة عرضية وإن كان احتمال النجاسة العرضية وارداً إلاّ أنّه خلاف الظاهر.
وأما صحيحة علي بن جعفر فصدرها واضح الدلالة، إلاّ أن قوله (علیه السلام): إلاّ أن يضطر إليه يوهنها، نعم إن حمل الاضطرار على التقية كما حملها الشيخ(4) فالدلالة تامة، وإلاّ فلابد من حمل الرواية على الكراهة أو على النجاسة العرضية، فإن الماء إذا كان كثيراً فالحكم بعدم التوضي منهلجهة الكراهة، إلاّ أن يضطر إليه فيجوز، وإن كان الماء قليلاً فالحكم بعدم التوضي منه لجهة النجاسة العرضية، إذ الغالب أن الكفار لا يجتنبون النجاسات من البول وغيره، وحينئذ يحتاط بالاجتناب عنه إلاّ مع الاضطرار إليه.
وقد حمل السيد الأستاذ ! (5) الرواية على الاحتمال الثالث وهو النجاسة
ص: 149
العرضية بينما حملها صاحب الوسائل(1) على الاحتمال الثاني وهو كثرة الماء وكريته، فيكون مفادها الكراهة ولا ينافي ما ورد في السؤر.
الطائفة الثانية: ما ورد من النهي عن مصافحتهم وهي عدة روايات منها: صحيحة محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (علیه السلام) ، في رجل صافح رجلاً مجوسياً فقال: يغسل يده ولا يتوضأ(2)
والمقصود أن المصافحة لا تنقض الوضوء ويكفي التطهير.
ومنها: صحيحة علي بن جعفر عن أخيه أبي الحسن (علیه السلام) قال: سألته عن مؤاكلة المجوسي في قصعة واحدة وأرقد معه على فراش واحد وأصافحه؟ قال: لا(3)
ومنها: صحيحته الأخرى عن أخيه موسى بن جعفر ' قال: سألته عن فراش اليهودي والنصراني ينام عليه؟ قال: لا بأس، ولا يصلي في ثيابهما، وقال: لا يأكل المسلم مع المجوسي في قصعة واحدة ولا يقعده على فراشه ولا مسجده ولا يصافحه(4)) .
ومنها: موثقة أبي بصير عن أحدهما ' في مصافحة المسلم اليهودي والنصراني قال: من وراء الثوب فإن صافحك بيده فاغسل يدك(5)
ومنها: رواية الحسين بن زيد عن الصادق (علیه السلام) عن آبائه (علیهم السلام) عن النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم)، في حديث المناهي: نهى عن مصافحة الذمي(6)
والظاهر من هذه الروايات هو النجاسة، وأن النهي عن المصافحةوالأمر بغسل اليد بعدها - لو وقعت المصافحة - ليس إلاّ لأنهم أنجاس، نعم لابد من تقييد
ص: 150
المصافحة بأن تكون مع الرطوبة المسرية.
وقد استشكل السيد الأستاذ ! في هذه الروايات بأنها لا دلالة فيها وحاصل ما أفاده: أن الأخذ بإطلاقها أي سواء كانت المصافحة مع الرطوبة أو بدونها يقتضي أن يكون النهي تنزيهاً، وحملها على وجود الرطوبة حمل على غير الغالب والفرد النادر، إذ الغالب هو عدم الرطوبة في اليد، وليس الحمل الثاني أقرب من الأول ليرجح، هذا أولاً. وثانياً: أن ما ورد في موثقة أبي بصير من التفريق في المصافحة بين الثوب وغيره لم يظهر له وجه، لأنه إن كان المصافحة مع الرطوبة فلا فرق بين الثوب وغيره فكما أن اليد تنجس بملاقاة يد الكافر فكذلك الثوب ولابد من الاجتناب، وإن كانت بدون الرطوبة فتجوز المصافحة بدون الثوب.
ولكن يمكن المناقشة في كلا الوجهين:
أما في الوجه الأول فيقال: إن الحمل ليس على الفرد النادر لأن مورد الروايات هو المناطق الحارة والغالب فيها أن تعرق اليد فتحصل الرطوبة المسرية، ولا أقل من التساوي بين الرطوبة وعدمها فدعوى الندرة غير تامة.
وأما في الوجه الثاني فلعل المراد - على فرض وجود الرطوبة - هو أن المصافحة من وراء ثوب الكافر لا ثوب المسلم حتى يتنجس، كما قد يستظهر ذلك من الروايات.
ويؤيد ما ذكرنا: ما رواه الشيخ بسنده عن سيف بن عميرة، عن عيسى بن عمر مولى الأنصار، أنّه سأل أبا عبد الله (علیه السلام) عن الرجل يحلّ له أن يصافح المجوسي؟
فقال: لا، فسأله يتوضأ إذا صافحهم؟ قال: نعم، إن مصافحتهم ينقض الوضوء(1)
ص: 151
وقد حمل الشيخ الوضوء(1) في هذه الرواية على غسل اليد، كما جاء في اللغة استعمال الوضوء بمعنى الغسل، قال في المجمع: وقد يطلق الوضوء على الاستنجاء، وغسل اليد، إلى أن قال: ومن الثاني حديثهما في المؤاكلة حيث قال: إذا أكل طعامك وتوضأ فلا بأس، والمراد به غسل اليد إلى قوله ومنه صريحاً من غسل يده فقد توضأ ومنه صاحب الرجل يشرب أول القوم ويتوضأ آخرهم، ومنه ... ومنه الوضوء قبل الطعامينفي الفقر والوضوء بعد الطعام ينفي الهم، ونحو ذلك(2).. الخ.
إلاّ أن الإشكال في سند الرواية فإن فيه من لم يرد فيهم توثيق ومنهم عيسى بن عمر، وتكون الرواية حينئذ مؤيدة لما سبق.
وبناء على اندفاع كلا الأمرين فلا بأس بالاستدلال بهذه الطائفة أيضاً.
الطائفة الثالثة: ما ورد في النهي عن مؤاكلتهم في قصعة واحدة أو من طعامهم وهي عدة روايات منها:
صحيحة علي بن جعفر عن أخيه أبي الحسن موسى (علیه السلام) قال: سألته عن مؤاكلة المجوسي في قصعة واحدة ... قال: لا(3) ، وقد تقدم ذكر هذه الرواية في الطائفة الثانية.
ومنها: صحيحته الأخرى أيضاً، عن أخيه موسى بن جعفر قال: سألته عن فراش اليهودي والنصراني ينام عليه قال: لا بأس، ولا يصلي في ثيابهما، وقال: لا يأكل المسلم مع المجوسي في قصعة واحدة(4)
وهذه الرواية ذكرها الشيخ عن نوادر الحكمة، وهي غير الصحيحة الأولى
ص: 152
فإنا قد تتبعنا روايات كتاب علي بن جعفر ولم نعثر عليها فيه.
ومنها: صحيحة هارون بن خارجة قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): إني أخالط المجوس فآكل من طعامهم؟ فقال: لا(1)
وقد نوقش في الرواية الأولى بأنها متضمنة لقوله: وأرقد معه على فراش واحد، وهذا قرينة على كون النهي تنزيهياً لأن النوم معاً على فراش واحد لا يوجب سراية الرطوبة من أحدهما إلى الآخر.
ويمكن الجواب عنه: بأن النهي ظاهره الحرمة، وعلى فرض وجود قرينة في فقرة من الرواية على أن النهي فيها تنزيهي لا يوجب ذلك في سائر الفقرات، وله نظائر كثيرة في الروايات.
وأما كون الحرمة لجهة النجاسة فيدل عليه الرواية الثانية، فقد ورد في ذيلها: وسألته عن رجل اشترى ثوباً من السوق للبس لا يدري لمن كان هل تصلح الصلاة فيه؟ قال: إن اشتراه من مسلم فليصل فيه، وإن اشتراه من نصراني فلا يصلي فيه حتى يغسله.
والجملة الأخيرة شاهد على أن النهي إنما هو لجهة النجاسة لا غيرها.وأما الصحيحة الثالثة فظاهر إطلاق الحكم بعدم جواز الأكل من طعامهم يدل على نجاستهم، لا لأجل كونه ميتة أو لنجاسة عرضية، وإلاّ فلابد من بيان ذلك.
ومنها: صحيحة محمّد بن مسلم، قال: سألت أبا جعفر (علیه السلام) عن آنية أهل الذمة والمجوس؟ فقال: لا تأكلوا في آنيتهم ولا من طعامهم الذي يطبخون ولا في آنيتهم التي يشربون فيها الخمر(2)
وهذه الصحيحة كصحيحة هارون بن خارجة المتقدمة فإن إطلاق قوله من طعامهم الذي يطبخون، دال على نجاستهم.
ص: 153
ومنها: صحيحة العيص، قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن مؤاكلة اليهودي والنصراني والمجوسي أفآكل من طعامهم؟ قال: لا(1)
وهذه الرواية كالروايتين السابقتين في الدلالة بمقتضى الإطلاق.
ومنها: صحيحة عبد الله بن يحيى الكاهلي قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن قوم مسلمين يأكلون وحضرهم رجل مجوسي أيدعونه إلى طعامهم؟ فقال: أما أنا فلا أواكل المجوسي، وأكره أن أحرم عليكم شيئاً تصنعون في بلادكم(2).
وهذه الرواية محمولة على التقية، ولا منافاة بينها وبين ما تقدم من حيث الدلالة.
الطائفة الرابعة: ما ورد في النهي عن استعمال آنيتهم ومنها:
صحيحة محمّد بن مسلم - المتقدمة - قال: سألت أبا جعفر (علیه السلام) عن آنية أهل الذمة والمجوس؟ فقال: لا تأكلوا في آنيتهم ولا من طعامهم الذي يطبخون ولا في آنيتهم التي يشربون فيها الخمر.
وهذه الرواية تدل على النجاسة للإطلاق في قوله (علیه السلام): لا تأكلوا في آنيتهم وأما ما ذكر بعد ذلك من قوله: ولا في آنيتهم التي يشربون فيها الخمر فلا يمنع الظهور، وذلك لأن الأصل عدم التكرار وإلاّ لزم كون النهي الأول لغواً، وعليه فتخصيص النهي ثانياً بالذكر لتأكد النجاسة الذاتية بالعرضية فما أشكل به على هذه الرواية من أن ذكر الآنية ثانياً مانع عن الإطلاق في غير محله.ومنها: صحيحة إسماعيل بن جابر، قال: قال لي أبو عبد الله (علیه السلام): لا تأكل ذبائحهم ولا تأكل في آنيتهم، يعني أهل الكتاب(3)
ومنها: صحيحته الأخرى قال أبو عبد الله (علیه السلام): لا تأكل من ذبائح اليهود
ص: 154
والنصارى ولا تأكل من آنيتهم(1)
والروايتان بإطلاقهما تدلان على النجاسة، إلاّ أن يقال: إن قوله (علیه السلام): لا تأكل من ذبائحهم، كما في الأولى وقوله: لا تأكل من ذبائح اليهود والنصارى، كما في الثانية قرينتان على أن المراد بالآنية، الآنية التي تجعل فيها الذبائح، وهو بعيد.
ومنها: صحيحة زرارة عن أبي عبد الله (علیه السلام) في آنية المجوس، قال: إذا اضطررتم إليها فاغسلوها بالماء(2)
وهذه الرواية صريحة الدلالة على نجاستهم لأنه إذا كان يجب غسل الآنية في حال الاضطرار ففي غيره بطريق أولى، ولا وجه لذلك إلاّ النجاسة، والاضطرار هنا بمعنى الحاجة كما هو شائع في الاستعمال.
فهذه الطائفة من الروايات تدل على النجاسة بمقتضى الإطلاق.
الطائفة الخامسة: ما ورد من النهي عن الصلاة في لباسهم وعلى فرشهم ومنها:
صحيحة علي بن جعفر - المتقدمة - عن أخيه موسى بن جعفر ' قال: سألته عن فراش اليهودي والنصراني ينام عليه؟ قال: لا بأس ولا يصلي في ثيابهما ... قال: وسألته عن رجل اشترى ثوباً من السوق للبس لا يدري لمن كان هل تصلح الصلاة فيه؟ قال: إن اشتراه من مسلم فليصل فيه، وإن اشتراه من نصراني فلا يصلي فيه حتى يغسله(3) ، وورد ذيلها في قرب الإسناد(4) وفي السرائر عن جامع البزنطي(5) هكذا: قال: وسألته عن الرجل يشتري من السوق لبيساً لا تدري لمن كان ... الخ.
ص: 155
والرواية صدراً وذيلاً تدل على النجاسة.
ومنها: صحيحته الأخرى - ولم نعثر عليها في الوسائل بل في نفس كتاب علي بن جعفر - عن أخيه، قال: وسألته عن ثياب اليهودي والنصراني أيصلح أن يصلي فيه المسلم؟ قال: لا(1)
ومنها: صحيحته الثالثة عن أخيه موسى بن جعفر (في حديث) قال: سألته عن الصلاة على بواري النصارى واليهود الذين يقعدون عليها في بيوتهم أتصلح؟ قال: لا تصلّ عليها(2)
ولا وجه للنهي عن ذلك إلاّ النجاسة.
وأما ما ورد من الروايات الدالة على جواز الصلاة في الثياب التي يصنعها المجوس، ومنها: صحيحة معاوية بن عمار، قال: سألت أبا عبد الله(علیه السلام) عن الثياب السابرية يعملها المجوس وهم أخباث (أجناب) ، وهم يشربون الخمر، ونساؤهم على تلك الحال، ألبسها ولا أغسلها وأصلّي فيها؟ قال: نعم، قال معاوية: فقطعت له قميصاً وخططته وفتلت له إزاراً ورداء من السابري، ثمّ بعثت بها إليه في يوم جمعة حين ارتفع النهار، فكأنه عرف ما أريد فخرج بها إلى الجمعة(3)
ومنها: صحيحة المعلى بن خنيس، قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: لا بأس بالصلاة في الثياب التي تعملها المجوس والنصارى واليهود(4)
وغيرها من الروايات.
فهي لا تنافي الروايات الناهية لإمكان الجمع بينها بأن ما يصنعه المجوسي واليهودي أو النصراني من الثياب لا يجب غسلها، بخلاف ما يلبسها فإنه يجب
ص: 156
غسلها إلاّ إذا كان قد استعارها من مسلم فلا يجب الغسل كما دلت عليه صحيحة عبد الله بن سنان الآتية.
ومما يدل على هذا الجمع، معتبرة الحسين بن علوان عن جعفر بن محمّد عن أبيه: أن علياً (علیه السلام) كان لا يرى بالصلاة بأساً في الثوب الذي يشترى من النصارى والمجوس واليهود قبل أن تغسل يعني: الثياب التي تكون في أيديهم فينجّسونها وليست ثيابهم التي يلبسونها(1)
فالتفصيل في الثياب شاهد على ما ذكرنا من الجمع، هذا إذا كان قوله:يعني ... الخ من الإمام لا من الراوي، وإلاّ فلا شاهد فيها، فهذه الطائفة لا بأس بدلالتها على المدعى.
وهنا رواية أخرى تدل على نجاستهم من جهة النهي عن المشاركة مع النصراني في الاغتسال بماء واحد وهي صحيحة علي بن جعفر، أنّه سأل أخاه موسى بن جعفر ' عن النصراني يغتسل مع المسلم في الحمام؟ قال: إذا علم أنّه نصراني اغتسل بغير ماء الحمام، إلاّ أن يغتسل وحده على الحوض فيغسله ثمّ يغتسل(2)..
ويمكن الاستدلال بها على المدعى من جهتين:
الأولى: إن الإمام (علیه السلام) أمره بالاغتسال بغير ماء الحمام.
الثانية: إنه إذا أراد أن يغتسل بماء الحمام ينتظر فراغ النصراني ثمّ يطهر المكان ويغتسل بعد ذلك، وقد حمل صاحب الوسائل صدر الرواية على أن الماء لا مادة له وذيلها على كرية الماء(3) ، إلاّ أن هذا الحمل بعيد والصحيح أن يقال: إن الأول أي الحكم بالاغتسال بغير ماء الحمام مبني على عدم غسل أطراف الحوض، والثاني مبني على أن الاغتسال بعد غسل أطرافه بشرط
ص: 157
الانفراد، لا مع النصراني لئلاّ يصيبه شيء من الماء الملاقي لبدن النصراني فإنه موجب للتنجس، والماء في كلا الحالين له مادة.
وبناء على هذا المعنى فيمكن الاستدلال بهذه الرواية على النجاسة.
ثم إن هنا طائفة أخرى يمكن الاستدلال بمفهومها على نجاستهم وهي على قسمين:
القسم الأول: ما ورد في حلية طعامهم المذكور في قوله تعالى: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ )(1) المفسر في بعضها بالحبوب، وفي بعضها بالعدس والحبوب، وفي بعضها بالحبوب والبقول وأشباه ذلك، وهي عدة روايات، منها:
موثقة سماعة قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن طعام أهل الذمة ما يحل منه؟ قال: الحبوب(2)
وهذه الرواية وإن كان في سندها محمّد بن سنان إلاّ أننا رجحنا الأخذ بروايته.ومنها: موثقة أبي الجارود قال: سألت أبا جعفر (علیه السلام) عن قول الله عزوجل: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ )قال: الحبوب والبقول(3)
ومنها صحيحة هشام بن سالم عن الصادق (علیه السلام) قال: العدس والحمص(4) وغير ذلك.
والمستفاد من هذه الروايات انحصار حلية طعامهم في هذه الأشياء، وبدلالة
ص: 158
مفهوم التحديد، يمكن القول: إن ما عدا هذه الأشياء ليس بحلال مطلقاً أي سواء كان من ذبائحهم أو غيرها، وما تباشره أيديهم مطبوخاً كان أو غيره، ووجه عدم الحلية هو النجاسة لا غير.
نعم ورد في تفسير علي بن إبراهيم عن الصادق (علیه السلام) في تفسير الآية قال: عنى بطعامهم هاهنا الحبوب، والفواكه غير الذبائح التي يذبحون، فإنهم لا يذكرون اسم الله عليها أي على ذبائحهم ثمّ قال: والله ما استحلوا ذبائحكم فكيف تستحلون ذبائحهم(1) ؟
وفيه أولاً: ان هذا ليس تخصيصاً بل من باب ذكر بعض المصاديق.
وثانياً: إن الرواية مرسلة فلا تنهض لمعارضة الروايات المتقدمة.
والحاصل: أنّه يمكن التمسك بمفهوم التحديد للدلالة على نجاسة الكفار لنجاسة طعامهم إلاّ ما استثني، وان مطلق ما لم يستثن غير حلال، وهو شامل لجميع أطعمتهم، ولا وجه لذلك إلاّ كون المستند هو نجاستهم.
القسم الثاني: ما ورد في أن المؤمن لا ينجسه شيء، كما في صحيحة زرارة، ومحمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: إنما الوضوء حد من حدود الله ليعلم الله من يطيعه ومن يعصيه، وان المؤمن لا ينجسه شيء إنما يكفيه مثل الدهن(2)
وليس المراد بالنجاسة في الرواية النجاسة العرضية إذ لا فرق فيها بين المؤمن وغيره، بل المراد هي النجاسة الذاتية، وبدلالة مفهوم التحديد يكون غير المؤمن نجساً وإلاّ فلا وجه لتخصيص المؤمن بذلك.
ص: 159
والحاصل: أنّه يمكن الاستدلال بهذين القسمين من الروايات علىالنجاسة بدلالة المفهوم وإن لم يرد في كلمات الأصحاب.
هذه هي الروايات التي يمكن الاستدلال بها على نجاسة الكفار.
وفي إزاء هذه الروايات عدة روايات تدل على طهارتهم.
أما ما ورد في مقابل الطائفة الأولى فمنها: موثقة عمار الساباطي عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: سألته عن الرجل هل يتوضأ من كوز أو إناء غيره إذا شرب منه على أنّه يهودي؟ فقال: نعم فقلت: من ذلك الماء الذي يشرب منه؟ قال: نعم(1)
وهذه الرواية - بحسب ظاهرها - معارضة لتلك الروايات وقد حمل الشيخ(2) قوله: على أنّه يهودي، على الظن وعدم التحقق من كونه يهودياً إذ لا يحكم عليه بالنجاسة إلاّ مع اليقين، وحملها صاحب الوسائل(3) على التقية ولعل التأكيد وتكرار السؤال يؤيده، وقد تقدم في ذيل صحيحة علي بن جعفر من قوله (علیه السلام): إلاّ أن يضطر إليه، وبناء على كون الماء قليلاً تكون هذه الصحيحة معارضة أيضاً.
ومنها: صحيحة علي بن جعفر أيضاً الواردة في كتابه، قال: عن اليهودي والنصراني يشرب من الدورق أيشرب منه المسلم؟ قال: لا بأس(4)
وظاهر الرواية أن الشرب من سؤر اليهودي والنصراني فتكون الرواية دالة على الطهارة، إلاّ أن يحمل السؤال عن استعمال الدورق لا الشرب من بقية الماء ولكنه بعيد.
وأما ما ورد في مقابل الطائفة الثانية فموثقة خالد القلانسي، قال: قلت لأبي
ص: 160
عبد الله (علیه السلام): ألقى الذمي فيصافحني قال: امسحها بالتراب أو بالحائط، قلت: فالناصب قال: اغسلها(1)
وظاهر هذه الرواية الدلالة على التنزيه لا على النجاسة، فإن المسح بالتراب أو الحائط لا يوجب الطهارة، وفي الجمع بين الروايات حمل صاحب الوسائل هذه الرواية على عدم الرطوبة والمسح والغسل على الاستحباب، وما تقدم من الروايات الدالة على وجوب الغسل محمول علىوجود الرطوبة.
وأما ما ورد في مقابل الطائفة الثالثة فعدة روايات منها:
صحيحة عبد الله بن يحيى الكاهلي - المتقدمة - قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن قوم مسلمين يأكلون وحضرهم رجل مجوسي أيدعونه إلى طعامهم؟ فقال: أما أنا فلا أواكل المجوسي، وأكره أن أحرم عليكم شيئاً تصنعون في بلادكم(2)
وظاهر قوله (علیه السلام) أكره ... الدلالة على التنزيه، وإلاّ فلو كان حراماً فهو حرام على السائل أيضاً، إلاّ أن تحمل على التقية كما تقدم.
ومنها: صحيحة عيص بن القاسم - على رواية الكليني - قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن مواكلة اليهود والنصراني والمجوسي؟ فقال: إن كان من طعامك وتوضأ فلا بأس(3)
وفي رواية الشيخ والصدوق بإسنادهما عن العيص بن القاسم قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن مؤاكلة اليهودي والنصراني فقال: لا بأس إذا كان من طعامك وسألته عن مؤاكلة المجوسي؟ فقال: إذا توضأ فلا بأس(4)
والفرق بين الروايتين: أن رواية الكافي ورد فيها التقييد بكون الطعام من
ص: 161
طعامك أي: من طعام السائل مع اشتراط الوضوء، وحينئذ فلا بأس في المؤاكلة، وأما إذا كان الطعام من المجوسي فلا يجوز مطلقاً.
ولكن في رواية الشيخ ورد فيها التقييد بكون الطعام من طعام السائل فقط من دون اشتراط الوضوء إلاّ مع مؤاكلة المجوسي فلابد من الوضوء من دون فرق بين كون الطعام منه أو من المسلم، وعلى كل تقدير فالتقييد بأنه من طعامك واشتراط التوضي يستفاد منهما عدم النجاسة، نعم لما كان طعامهم مشتملاً على النجاسة العرضية أو لمباشرته بأيديهم مع عدم توقِّيهم عن النجاسة العرضية اشترط الوضوء عند المؤاكلة.
هذا إذا كان الطعام رطباً وإلاّ فلا حاجة إلى التوضي، فكلتا الروايتين تدلان على الطهارة.
ومنها: صحيحة إسماعيل بن جابر، قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): ماتقول في طعام أهل الكتاب؟ فقال: لا تأكله، ثمّ سكت هنيئة، ثمّ قال: لا تأكله ثمّ سكت هنيئة، ثمّ قال: لا تأكله ولا تتركه تقول: إنه حرام ولكن تتركه تتنزه عنه، إن في آنيتهم الخمر ولحم الخنزير(1)
والرواية واضحة الدلالة فإن التعليل المذكور للنهي هو النجاسة العرضية، إلاّ أن تحمل الرواية على التقية ويكون التعليل ناظراً إلى ذلك أي: إلى بيان الوجه في التقية.
ومنها: صحيحة علي بن جعفر الواردة في كتابه، قال: سألته عن أهل الأرض (أهل الذمة) أنأكل في إنائهم إذا كانوا يأكلون
الميتة والخنزير؟ قال: لا، ولا في آنية الذهب والفضة(2)
ويمكن الاستدلال بهذه الرواية على جواز الأكل من آنيتهم إذا لم يأكلوا
ص: 162
فيها الميتة والخنزير، إلاّ أن هذا المفهوم مستفاد من كلام السائل لا من كلام الإمام (علیه السلام) .
ثم إن الجمع بين هذه الطائفة وبين الطائفة المقابلة لها الدالة على النجاسة يتم بأحد وجوه:
الأول: حمل روايات هذه الطائفة على التقية، فتكون روايات النجاسة سليمة عن المعارض، ولكن هذا لا يتأتى في جميع هذه الروايات كصحيحة العيص بن القاسم وغيرها إذ لا وجه للأكل من طعامه لو كان للتقية.
الثاني: حمل روايات النهي على أن الممنوع هو طعامهم المطبوخ الذي تباشره أيديهم فقط، وأما طعام المسلم أو طعامهم غير المطبوخ كالحبوب والعدس والبقول والفواكه فيجوز أكله.
الثالث: حملها على النهي التنزيهي دون التحريمي، وشاهده ما دلت عليه - صريحاً - صحيحة إسماعيل بن جابر المتقدمة.
وأما ما ورد في معتبرة ابن القداح، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: سمّت اليهودية النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) في ذراع، وكان النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) يحب الذراع والكتف، ويكره الورك لقربها من المبال(1)
فقد يستدل بها على الطهارة لأن النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) تناول من طعام اليهود الذيباشرته أيديهم، فلو كان نجساً ولا يجوز استعماله فكيف تناوله النبيّ(صلی الله علیه و آله و سلم) ؟ وبناء على هذا تكون هذه الرواية داخلة في الطائفة الثالثة من الروايات الدالة على الطهارة.
ولكن يمكن القول إن الرواية غير قابلة للاستدلال، وذلك لما ورد في مختصر البصائر بسنده عن أبي بصير عن أبي عبد الله قال: سُمّ رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) يوم خيبر، فتكلم اللحم فقال: يا رسول الله صلوات الله عليك وعلى آلك إني مسموم
ص: 163
فقال النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) عند موته: اليوم قطعت مطاياي الأكلة التي أكلتها بخيبر، وما من نبي ولا وصي إلاّ شهيد(1)
ومن المعلوم أن فتح خيبر كان في السنة السابعة من الهجرة، وإلى ذلك الوقت لم يشرّع الحكم بنجاسة الكفار بعد، فإن سورة البراءة نزلت في السنة التاسعة من الهجرة(2) ومع هذا الاحتمال لا يمكن الاستدلال بالرواية المذكورة إلاّ أن يقال: إن سورة البراءة وإن كان نزولها في السنة التاسعة إلاّ أن الآية الثانية نزلت قبل الهجرة فإنها واردة في سورة الإنعام وآياتها مكية إلاّ ست(3) آيات وهذه الآية ليست منها، وعلى هذا فالآية نزلت قبل قضية خيبر، وهذا مما يوهن المناقشة في معتبرة ابن القداح، بل في الاستدلال بالآية الثانية، مضافاً إلى أن سند رواية المختصر يشتمل على علي بن أبي حمزة(4) ، وهو ممن وقع الخلاف فيه.
وأما ما ورد في مقابل الطائفة الرابعة فمنها: صحيحة محمّد بن مسلم، عن أحدهما ' قال: سألته عن آنية أهل الكتاب؟ فقال: لا تأكل في آنيتهم إذا كانوا يأكلون فيه الميتة والدم ولحم الخنزير(5)
وظاهر الرواية أن النهي عن الأكل في آنيتهم مشروط بأكلهم فيها الميتة والدم ولحم الخنزير، وينتفي المشروط بانتفاء شرطه، ونتيجة ذلك هي الطهارة.
ومنها: رواية زكريا بن إبراهيم، قال: كنت نصرانياً فأسلمت فقلت لأبي عبد الله (علیه السلام): إن أهل بيتي على دين النصرانية فأكون معهم في بيت واحدوآكل من آنيتهم ؟ فقال لي (علیه السلام): أيأكلون لحم الخنزير؟ قلت: لا، قال: لا بأس(6)
ص: 164
ودلالة هذه الرواية تامة إلاّ أن في سندها زكريا بن إبراهيم السائل للإمام (علیه السلام) وهو ممن لم يرد فيه توثيق، فتكون الرواية مؤيدة.
وأما ما ورد في مقابل الطائفة الخامسة فمنها: صحيحة إبراهيم بن أبي محمود قال: قلت للرضا (علیه السلام): الخياط أو القصار يكون يهودياً أو نصرانياً، وأنت تعلم أنّه يبول ولا يتوضأ ماتقول في عمله؟ قال: لا بأس(1)
وظاهر هذه الرواية يدل على الطهارة، فإن الخياطة وإن كانت لا تستلزم الرطوبة إلاّ أن القصارة تستلزمها، مضافاً إلى أن السائل مهّد لسؤاله بقوله: وأنت تعلم أنّه يبول ولا يتوضأ والغرض منه الإشارة إلى النجاسة العرضية، وجواب الإمام (علیه السلام) يرجع إلى عدم النجاسة الذاتية، إلاّ أن يحمل قوله (علیه السلام): لا بأس على نفي البأس عن العمل بقرينة أن السؤال عن العمل، وليس ناظراً إلى حكم الثوب من حيث الطهارة والنجاسة.
ومنها: صحيحة الحلبي قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن الصلاة في ثوب المجوسي؟ فقال: يرش بالماء(2)
وهذه الرواية واضحة الدلالة فإنها تدلّ على أنّ الثوب لا يحتاج إلى التطهير، ولو كان نجساً فرشّه بالماء ليس تطهيراً له.
ولكن يمكن حمل الرواية على ما تقدم من التفصيل بين الثياب التي يلبسونها، والثياب التي يصنعونها، ويكون المراد من ثوب المجوسي في الرواية هو ما يصنعه المجوسي، وحينئذ لا تكون الرواية شاهدة على ما نحن فيه.
ومنها: صحيحة إبراهيم بن أبي محمود الأخرى قال: قلت للرضا (علیه السلام): الجارية النصرانية تخدمك، وأنت تعلم أنها نصرانية لا تتوضأ ولا تغتسل من جنابة؟ قال: لا بأس، تغسل يديها(3)
ص: 165
وظاهر الرواية يدل على طهارة الكتابي فإن أكثر الخدمة من الجواري أو جلّها ملازمة لاستعمال اليد مع الرطوبة وخصوصاً مع قوله (علیه السلام): تغسليديها.
وأما ما قيل: من أن الرواية محمولة على التقية بقرينة الخطاب وأن الإمام (علیه السلام) كان مضطراً إلى ذلك فبعيد.
ويرده أولاً: أن الإمام الرضا (علیه السلام) لم يبلغ إلى هذا الحد من التقية بل كان (علیه السلام) مرجعاً في الأحكام في مقابل العامة.
وثانياً: أن السائل في معرض التمثيل والفرض، لا في معرض التقرير بمعنى أن الإمام (علیه السلام) كان له جارية نصرانية تخدمه، بل كان في مقام طرح المسألة على نحو القضية الحقيقية لا على نحو القضية الشخصية، فليس للخطاب في هذا المورد وأشباهه ظهور.
وثالثاً: تقدم في صحيحة إبراهيم بن أبي محمود السابقة وخطابه للرضا(علیه السلام) بنحو هذا الخطاب من قوله وأنت تعلم ... وليس مراده قضية معينة.
والحاصل: أن الرواية تامة الدلالة على الطهارة.
ثم إن في مقابل الطائفة الأخيرة وهي الدالة على النجاسة بمفهومها روايات أخرى كثيرة تدل بمفهومها على الطهارة، ومنها: ما ورد في تغسيل الكتابي للميت المسلم عند فقدان المغسّل المسلم(1)
ومنها: ما ورد في اتخاذ الظئر الكتابية(2)
ص: 166
بناء على القول بحرمة إعطاء النجاسة للطفل.
ومنها ما ورد في التسرّي بالكتابية(1) أو النكاح المنقطع بها(2) فهي تدلبمفهومها على الطهارة.
إن المتراءى بعد استعراض جميع ما يمكن أن يستدل به من الروايات على الطهارة والنجاسة هو التعارض بين الروايات، فلابد من رفعه وإنما يتم رفع التعارض بالجمع بينها بأحد وجوه الجمع وهي:
الأول: أن تحمل روايات النجاسة على الحكم التنزيهي والكراهية دون الحكم التحريمي، بأن ترفع اليد عن دلالة الروايات على النهي وتحمل على الكراهة، وأن تحمل روايات الطهارة على وجود الحزازة بأن ترفع اليد عن دلالة الروايات على الجواز المطلق وتحمل على أن فيه غضاضة، فتكون النتيجة في كلا الأمرين هي الكراهة.
ووجه هذا الجمع لا يخلو إما أن يكون للتجنب عن النجاسة العرضية المظنونة في أهل الكتاب عادة، ولئلاّ يقع المكلف في هذه المظنة يحكم تنزيهاً بذلك.
وإما أن يكون للحزازة الباطنية وهو كفرهم، ويحكم تنزيهاً بالتجنب عنهم لذلك، وقد يعبر عن هذا بالحكم الأخلاقي.
ثم إن هذا الجمع ينسجم مع جلّ هذه الروايات لا كلها كما تقدم في مواردها.
ص: 167
الثاني: أن تحمل روايات المنع على النجاسة العرضية، وروايات الطهارة على عدم النجاسة الذاتية.
وهذا الوجه يلتئم مع جميع الروايات وفي بعضها دلالة على هذا الجمع كما تقدم.
الثالث: أن تحمل روايات الطهارة على التقية لموافقتها مشهور العامة كما تقدمت كلماتهم، وهذا الوجه ينطبق على أكثر روايات الطهارة لا كلها كما مر.
فهذه هي الوجوه المتصوّرة في مقام الثبوت، والمهم هو تعيين أحدها في مقام الدلالة، وقد يقال في ترجيح الوجه الأخير: إن الفقهاء قاطبةفهموا ذلك، وحملوا أخبار الطهارة على التقية، ولا ينبغي وقوع الخطأ عن مثل هؤلاء الأعلام ومهرة الفن بجميع طبقاتهم مع ملاحظة أنهم على التفات للوجهين الأولين كما يظهر ذلك من كلمات الشيخ كما تقدم، مضافاً إلى أن المنشأ لهذا الحمل إما أنهم رأوا أن روايات الطهارة مخالفة للكتاب دون روايات النجاسة إذ أنّ بعضهم - كالشيخ والمحقق وغيرهما - استدل بالآيات وقد تقدم البحث عن ذلك مفصلاً، وإما أنهم رأوا أن السيرة القطعية المتصلة بزمان الأصحاب والأئمة (علیهم السلام) قائمة على ذلك، فكان هذا الحكم معلوماً ومفروغاً عنه عندهم حتى عدّه صاحب السرائر من أصول المذهب(1)، أو أن المنشأ كلا الأمرين معاً، وبناء على ذلك حكموا بالنجاسة وحملوا روايات الطهارة على التقية جمعاً بين الروايات.
ولكن يلاحظ على الأمر الثاني أن
الذي يظهر من غير واحدة من الروايات أن الحكم ليس بهذه المثابة من الارتكاز في أذهان الأصحاب، بل الظاهر أن المرتكز في أذهانهم هو النجاسة العرضية، ويدل على ذلك عدة روايات تقدم أكثرها ومنها:
صحيحة إبراهيم بن أبي محمود قال: قلت للرضا (علیه السلام): الخياط أو القصار
ص: 168
يكون يهودياً أو نصرانياً وأنت تعلم أنّه يبول ولا يتوضأ(1)
ومنها: صحيحته الأخرى قال: قلت للرضا (علیه السلام): الجارية النصرانية تخدمك وأنت تعلم أنها نصرانية لا تتوضأ ولا تغتسل من جنابة(2)..
ومنها: صحيحة معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن الثياب السابرية يعملها المجوس وهم أخباث (أجناب) ، وهم يشربون الخمر، ونساؤهم على تلك الحال(3)..
ومنها: صحيحة عبد الله بن سنان قال: سأل أبي أبا عبد الله (علیه السلام) وأنا حاضر: أني أعير الذمي ثوبي، وأنا أعلم أنّه يشرب الخمر ويأكل لحم الخنزير، فيرده عليّ فأغسله قبل أن أصلي فيه؟ فقال أبو عبد الله (علیه السلام): صل فيه ولا تغسله من أجل ذلك، فإنك أعرته إياه وهو طاهر ولم تستيقن أنّه نجسه، فلا بأس أن تصلي فيه حتى تستيقن أنّه نجسه(4)ومنها: ما رواه في الاحتجاج عن محمّد بن عبد الله بن جعفر الحميري أنّه كتب إلى صاحب الزمان : عندنا حاكة مجوس يأكلون الميتة لا يغتسلون من الجنابة، وينسجون لنا ثياباً فهل تجوز الصلاة فيها من قبل أن تغسل؟ فكتب إليه في الجواب: لا بأس بالصلاة فيها(5)
ومنها: رواية أبي جميلة عن أبي عبد الله (علیه السلام) أنّه سأله عن ثوب المجوسي ألبسه وأصلي فيه؟ قال: نعم قلت: يشربون الخمر، قال: نعم، نحن نشتري الثياب السابرية فنلبسها ولا نغسلها(6)
ومنها: رواية زكريا بن إبراهيم قال: دخلت على أبي عبد الله (علیه السلام) فقلت:
ص: 169
إني رجل من أهل الكتاب، وإني أسلمت وبقي أهلي كلهم على النصرانية، وأنا معهم في بيت واحد لم أفارقهم بعد، فآكل من طعامهم؟ فقال لي: يأكلون الخنزير فقلت: لا، ولكنهم يشربون الخمر فقال لي: كل معهم واشرب(1)
ومنها: صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما ' قال: سألته عن آنية أهل الكتاب؟ فقال: لا تأكل في آنيتهم إذا كانوا يأكلون فيه الميتة والدم ولحم الخنزير(2).
ومنها: صحيحة المعلى بن خنيس قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: لا بأس بالصلاة في الثياب التي تعملها المجوس والنصارى واليهود(3)
وغيرها من الروايات فالقول بأن السيرة القطعية قائمة، وأن المركوز في أذهانهم هو النجاسة الذاتية لا يمكن المساعدة عليه.
اللهمّ إلاّ أن يقال: إن هذه الإضافات والتقييدات للإيهام بإرادة الأمر المقبول عند التقية، ولكن التصديق بهذا مشكل.
والمتحصل: أن الحكم بالنسبة إلى المشرك ومن ساواه، ومن هو دونه كالملحد ونحوه، هو النجاسة بلا خلاف بين الفقهاء، لدلالة الآية والروايات ولمقتضى القاعدة.
وأما بالنسبة إلى أهل الكتاب فالحكم بنجاستهم موضع تأمل، والاحتياط لا يترك.
إنّ ما مرّ من حرمة تولّي الكفار وكراهة بدئهم بالسلام وغيرهما، لا ينافي التعامل معهم بسائر الأخلاق الشرعية والإنسانية كحق الجوار، والمصاحبة، والمجالسة، والبشاشة في وجوههم، وعلى المسلم أن يتحلّى بالآداب الإسلامية
ص: 170
والأخلاق الشرعية بغض النظر عن حقيقة الطرف الآخر.
وبناء على ذلك فالحب والموالاة للكفار شيء ومعاشرتهم بالتي هي أحسن شيء آخر، ولا ملازمة بينهما، وقد ورد في بعض الروايات أن أمير المؤمنين (علیه السلام) كان على ذلك ففي معتبرة مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله عن آبائه (علیهم السلام) : أن أمير المؤمنين (علیه السلام) صاحب رجلاً ذمياً فقال له الذمي: أين تريد يا عبد الله؟ قال: أريد الكوفة، فلما عدل الطريق بالذمي عدل معه أمير المؤمنين (علیه السلام) إلى أن قال: فقال له الذمي: لم عدلت معي؟ فقال له أمير المؤمنين (علیه السلام): هذا من تمام حسن الصحبة أن يشيع الرجل صاحبه هنيئة إذا فارقه، وكذلك أمرنا نبينا. الحديث، وفيه أن الذمي أسلم لذلك(1)
هل الحرمة تختص بالكافر أو أنها شاملة لأهل الكتاب والمخالفين؟
أما ما ورد من الآيات فأكثرها متعلق بالكفار، وبعضها يتعلق بأهل الكتاب.
وأما بالنسبة إلى المخالفين فلم يرد من الآيات فيهم شيء، نعم يمكن استظهار ذلك من الروايات، ومنها ما تقدم ذكره من الروايات التي لم يرد فيها عنوان الكافر، وإنما ورد فيها عنوان العدو فإن عدو أهل البيت (علیهم السلام) عدو لله، وهذا شامل للمخالفين المنكرين ولاية آل محمّد (صلی الله علیه و آله و سلم)، وإن كان في بعض الروايات اختصاص للحرمة بالمخالفين الغلاة كما في رواية الحسين بن خالد عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا ' ، إلاّ أن بعضها عام كما في رواية الفضل بن شاذان عن الرضا (علیه السلام) ، فإنه ورد فيها: وحب أولياء الله واجب وكذلك بغض أعداء الله ...
وهو شامل للغلاة وغيرهم من المخالفين، ومثلها في الدلالة رواية يعقوب بن ميثم التمارمولى علي بن الحسين ' قال: دخلت على أبي جعفر (علیه السلام) فقلت له: إني
ص: 171
وجدت في كتب أبي أن علياً(علیه السلام) قال لأبي: يا ميثم احبب حبيب آل محمّد وإن كان فاسقاً زانياً، وابغض مبغض آل محمّد وإن كان صواماً قواماً، فإني سمعت رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وهو يقول: «إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية» ثمّ التفت إليّ وقال: هم والله أنت وشيعتك وميعادك وميعادهم الحوض غداً غراً محجّلين متوّجين، فقال أبو جعفر (علیه السلام): هكذا هو عندنا في كتاب علي(علیه السلام) (1)
إلاّ أن هذه الرواية اشتملت على الأمر ببغض مبغض آل محمّد فهي تختص ببعض المخالفين لا كلهم.
والحاصل: أنّه يمكن الاستدلال بها للتعميم أي سواء كان كافراً، أو مبغضاً لآل محمد، أو منكراً للولاية، فإن محبة هؤلاء منهي عنها وبغضهم مأمور به.
ثم إن هناك أحكام أخرى تختص بالكفار نشير إليها على نحو الإجمال وهي:
1 - حرمة بيعهم المصحف وما في حكمه، والمسألة وإن كانت خلافية إلاّ أن القول بالحرمة هو المشهور.
2 - حرمة بيع العبد المسلم للكافر، وحرمة ذبيحة الكافر ومن بحكمه من المسلمين كالغلاة والنواصب والخوارج وكل من أنكر ضرورياً من ضروريات الدين، وهذه المسألة طويلة الذيل وردت فيها روايات مختلفة والمشهور هو القول بالحرمة.
3 - حرمة مناكحتهم وعدم جواز تزوج المؤمنة من الكافر وكذلك العكس، إلاّ ما استثني من جواز المتعة بالكتابية، وما عداها محل إشكال وسيأتي البحث حول هذه المسائل في مواضعها من هذا الكتاب.
هذه جملة من الأحكام المتعلّقة بالكفار ولعل هناك غيرها أيضاً.
وسيأتي الكلام بعد هذا حول التقية في هذه الأحكام.
ص: 172
ذكرنا فيما تقدم جملة من الأحكام المتعلقة بالكفار، وهنا نذكر شمول التقية لهذه الأحكام وعدمه، فنقول:أما الحكم الأول وهو التولي فقد تقدم، والآيات والروايات الواردة في المقام تشير إلى أنّه من موارد التقية، ومن ذلك قوله تعالى: (إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً)(1).
وأما بالنسبة إلى سائر الأحكام فهي على قسمين:
الأول: ما يكون أخف من التولي. الثاني: ما لا يعلم حاله.
أما الأول فأدلة التقية الواردة في التولي شاملة له كالسلام، والكتابة، والدعاء ابتداء، والأكل من الذبيحة، والدخول في المسجد، وهذا بالأولوية القطعية لأنه إذا كانت التقية جارية في التولي فهي في السلام والكتابة والدعاء من باب أولى. فدليل التقية الوارد هناك شامل لما نحن فيه، مضافاً إلى ورود الروايات الخاصة في المقام، كما في مورد الحاجة إلى الطبيب مثلاً، والحاجة أعم من أن تكون لضرورة أو لا.
والحاصل: أنّه لا إشكال في شمول أدلة التقية لهذا القسم.
وأما القسم الثاني كالمناكحة وبيع العبد والمصحف فالتمسك بأدلة التولي مشكل، ولابد من التماس دليل آخر غير دليل التقية في التولي.
ويمكن الاستدلال على ذلك بما تقدم من الأدلة العامة من أن التقية في كل شيء يضطر إليه ابن آدم، وإن التقية في كل ضرورة وصاحبها أعلم بها حين
ص: 173
تنزل به، وغيرها من الروايات الصحيحة الدالة بمنطوقها على المراد.
كما أنّه وردت بعض الروايات يستفاد من مفهومها جواز التقية في موارد هذا القسم، ومنها: صحيحة زرارة قال: قلت له: في مسح الخفين تقية؟ فقال: ثلاثة لا أتقي فيهن أحداً : شرب المسكر، ومسح الخفين، ومتعة الحج(1).
فيفهم أن ما عداها يتقى فيه.
ولكن لابد من بيان ضابط الضرورة والاضطرار، فهل هما بمعنى واحد؟ أو متغايران؟ والظاهر هو الأول فقد جاء في بعض الروايات تفسير أحدهما بالآخر كما في صحيحة زرارة، ورواية الفضلاء المتقدمتين فهما من حيث المفهوم شيء واحد.
وهاهنا مبحثان:
الأول: هل يعتبر في التقية مع الكافر عدم المندوحة أم لا؟
الظاهر أنها تعتبر فلا تجوز
التقية مع وجود المندوحة، وذلك لأنه مقتضى القاعدة الأولية، إذ مع المندوحة لا يصدق الاضطرار الموجب للتقية، وليس لنا دليل مستقل على أن التقية مع الكافر مطلقة، فلابد من الاقتصار في التقية على عدم المندوحة، نعم في التقية مع المخالف لا تعتبر المندوحة.
قد يقال: إن عدم اعتبارها مع الكافر بالأولوية، وذلك لأنه إذا كانت مع المخالف غير معتبرة والتقية معه مطلقة فهي مع الكافر من باب أولى.
وجوابه: أن الأولوية محل كلام فإنه يمكن القول: إن في مسألة المخالف مصلحة تقتضي المداراة، وتوجب عدم اعتبار قيد المندوحة، وهذه المصلحة مفقودة في مسألة الكافر، مضافاً إلى أن كون الكافر أشد من المخالف في هذا الحكم محل كلام.
ص: 174
وبناء على هذا فلابد من ملاحظة المندوحة وينبغي مراعاتها، وإذا لم تكن في البين مندوحة أمكنه الاتقاء سواء كان في التولي أو غيره من الأحكام.
الثاني: هل المرفوع بالنسبة إلى التقية مع الكافر هو الحكم التكليفي؟ أو يشمل الحكم الوضعي الذي نسبته إلى الفعل كنسبة الحكم إلى موضوعه مثل الضمان والكفارة والحد وغير ذلك؟ أو يعمهما ويعم الشرطية والمانعية والجزئية؟ وهذه المسألة عامة تأتي في جميع موارد التقية التي تكون مشتملة على الحكم الوضعي أيضاً، فلابد من التحقيق فيها، والكلام يقع في جهات ثلاث:
أما الجهة الأولى - وهي ارتفاع الحكم التكليفي بواسطة التقية - فهي القدر المتيقن، وذلك لأن التقية وإن كان يظهر منها رفع المؤاخذة والعقاب إلاّ أن المؤاخذة منتزعة من الأحكام التكليفية، والشارع بما هو شارع لا نظر له إلى الثواب والعقاب، فإنه أمر آخر، وإنما نظره إلى الأحكام التكليفية، وبناء عليه فكل حكم وجوبي يرتفع بواسطة التقية وهكذا الحرمة، فإذا اضطر الإنسان إلى أن يخالف واجباً تقية أو يفعل محرماً كذلك، فلا يبقى الحكم الإلزامي، وتجوز له المخالفة إذ لا يجتمع حكمان في شيء واحد، وهذا مما لا إشكال فيه.
وأما الجهة الثانية - وهي ارتفاع الحكم الوضعي كالملكية والزوجية ونحوهما وما يترتب عليها من الآثار - فقد وقع الخلاف في ذلك بين الأعلام، فمنهم من قال: بالارتفاع مطلقاً، ومنهم من قال: بالمنع مطلقاً،ومنهم من فصل في المقام.
ذهب إلى القول الأول سيدنا الأستاذ ! وأفاد: إن ذلك هو مقتضى القاعدة، مضافاً إلى الأدلة الخاصة الواردة في خصوص المقام، نعم استثنى من ذلك موردين تأتي الإشارة إليهما.
أما أنّه مقتضى القاعدة فلأن المرفوع في حال الاضطرار هو العمل، ومعناه
ص: 175
أنّ عمله كلا عمل، فإذا لم يعمل بالوظيفة الأولية تقية فلا يترتب على ذلك بطلان عمله أو يُلزم بالكفارة مثلاً، فإن هذا هو معنى الرفع، فكأنه لم يأت به أصلاً، أو أن ما أتى به من عمل - تقية - هو من الدين، فإذا كان الحال كذلك فترتفع عنه جميع الآثار المترتبة عليه لارتفاع الموضوع تعبداً، فالقاعدة تقتضي ارتفاع جميع الآثار المترتبة على الفعل عند التقية والاضطرار(1)
وأما أنّه مفاد الروايات الخاصة فقد وردت عدة روايات منها:
صحيحة أحمد بن أبي عبد الله، عن أبيه، عن صفوان، وأحمد بن محمّد بن أبي نصر، جميعاً عن أبي الحسن (علیه السلام) ، في الرجل يستكره على اليمين، فيحلف بالطلاق والعتاق وصدقة ما يملك يلزمه ذلك؟ فقال: لا، قال رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم): وضع عن أمتي ما أكرهوا عليه، وما لم يطيقوا وما أخطأوا(2)
وهذه الصحيحة مؤيدة لمقتضى القاعدة، حيث استشهد الإمام (علیه السلام) بعدم الإلزام بالعتق والطلاق لأنه مستكره ومضطر إليه، والاضطرار رافع لما يترتب من الآثار فلا يلزم بمضمون يمينه.
ووجه التأييد: أن الحلف بهذه الأمور وإن كان غير صحيح حتى اختياراً إلاّ أن استشهاد الإمام (علیه السلام) بقول النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) لرفعها بالحديث يدل على أن الرفع يشمل جميع الآثار.
ومنها: رواية داود بن الحصين، عن رجل من أصحابه، عن أبي عبد الله (علیه السلام) أنّه قال وهو بالحيرة في زمان أبي العباس: إني دخلت عليه وقد شك الناس في الصوم، وهو والله من شهر رمضان فسلمت عليه، فقال: يا أبا عبد الله أصمت اليوم؟ فقلت: لا، والمائدة بين يديه، قال: فادن فكل، فدنوت فأكلت، قال: وقلت: الصوم معك والفطر معك، فقال الرجل لأبيعبد الله (علیه السلام): تفطر يوماً
ص: 176
من شهر رمضان؟ فقال: إي والله أفطر يوماً من شهر رمضان أحب إلي من أن يضرب عنقي(1)
وفي رواية أخرى عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: دخلت على أبي العباس بالحيرة فقال: يا أبا عبد الله ما تقول في الصيام اليوم؟ فقلت: ذاك إلى الإمام إن صمت صمنا، وإن أفطرت أفطرنا، فقال: يا غلام عليّ بالمائدة فأكلت معه، وأنا أعلم والله أنّه يوم من شهر رمضان، فكان إفطاري يوماً وقضاؤه أيسر عليّ من أن يضرب عنقي ولا يعبد الله(2)
وفي الرواية الثانية ذكر أمر القضاء ولم يذكر الكفارة، ولو كانت الكفارة لازمة لكان الأولى ذكرها لأن الكفارة أشد من القضاء، ففيه إثبات لبعض الآثار، ولكن لقيام الدليل الخاص عليه، وإلاّ فكان عليه أن يلزم بالكفارة أيضاً، وعلى أي حال فالرواية مؤيدة لما تقتضيه القاعدة.
ومنها: رواية الأعمش عن جعفر بن محمّد ' في (حديث شرائع الدين) قال: ولا يحل قتل أحد من الكفار والنصاب في التقية إلاّ قاتل أو ساع في فساد، وذلك إذا لم تخف على نفسك ولا على أصحابك، واستعمال التقية في دار التقية واجب، ولا حنث ولا كفارة على من حلف تقية يدفع بذلك ظلماً عن نفسه(3)
والرواية وإن كان في سندها ضعف إلاّ أنّه يمكن جعلها مؤيدة لمفاد القاعدة.
ثم إنّ السيد ! قد استثنى من ذلك موردين:
الأول: ما إذا كان ذلك يستوجب خلاف الامتنان على نفس الفاعل، كما إذا اضطر إلى بيع داره أو ثيابه لصرف ثمنها في معالجة أو معاش، فإن الحكم ببطلان البيع خلاف الامتنان، لأنه يوقعه في ضرر أشد.
ص: 177
الثاني: ما إذا كان يستوجب خلاف الامتنان في حق الغير، كما إذا اضطر إلى إتلاف مال الغير فإن الحكم بعدم الضمان لمال الغير يوقع مالك المال في الضرر، وهو خلاف الامتنان(1)
هذا وقد ذهب إلى ذلك أيضاً الشيخ الأنصاري ! ، وأضاف إلى ما تقدم بعض الروايات التي يمكن الاستدلال بها.ومنها: موثقة سماعة، عن الرجل يصلي فدخل الإمام وقد صلى الرجل ركعة من صلاة فريضة؟ قال: إن كان إماماً عادلاً فليصل أخرى وينصرف ويجعلها تطوعاً وليدخل مع الإمام في صلاته، وإن لم يكن إمام عدل فليبن على صلاته كما هو ويصلي ركعة أخرى، ويجلس قدر ما يقول: أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله، ثمّ يتم صلاته معه على ما استطاع، فإن التقية واسعة، وليس شيء من التقية إلاّ وصاحبها مأجور عليها إن شاء الله(2).
وحاصل هذه الرواية: أنّه يأتم بالإمام ويصلي في نفس الوقت مع اتساعه، ودلالتها واضحة، فإن الإمام (علیه السلام) أمره بالائتمام مع اتساع الوقت، ولم يأمره بالإعادة أو القضاء.
ومنها: موثقة مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله (علیه السلام) في حديث: إن المؤمن إذا أظهر الإيمان، ثمّ ظهر منه ما يدل على نقضه خرج بما وصف وأظهر، وكان له ناقضاً، إلاّ أن يدعي أنّه إنما عمل ذلك تقية، ومع ذلك ينظر فيه فإن كان ليس مما يمكن أن تكون التقية في مثله لم يقبل منه ذلك، لأن للتقية مواضع من أزالها عن مواضعها لم تستقم له، وتفسير ما يُتقى مثل أن يكون قوم سوء ظاهر حكمهم وفعلهم على غير حكم الحق وفعله، فكل شيء يعمل المؤمن بينهم لمكان التقية مما
ص: 178
لا يؤدي إلى الفساد في الدين فإنه جائز(1).
ومحل الشاهد من الرواية هو قوله (علیه السلام): فكل شيء يعمل المؤمن بينهم لمكان التقية مما لا يؤدي إلى الفساد في الدين فإنه جائز.
ثم إن قوم السوء مطلق يشمل كل من ينطبق عليه هذا الوصف أي: سواء كان كافراً أو مخالفاً أو كان من الشيعة.
وحاصل الرواية: أنّه لا يترتب عليه شيء من الآثار لأنه جائز، والجواز معناه عدم الإشكال فيه، وإن ما أتى به نافذ ومشروع.
ومنها: قوله (علیه السلام) في رواية أبي الصباح: ما صنعتم من شيء أو حلفتم عليه من يمين في تقية فأنتم منه في سعة(2)
وهذه الرواية نظير قوله (علیه السلام): هم في سعة ما لم يعلموا(3)والحاصل: أنّه لا يترتب في مقام التقية أثر من الآثار كالكفارات والقضاء والإعادة ونحو ذلك.
وبناء على ذلك فيمكن الاستدلال بهذه الروايات على المدعى، كما يمكن الاستدلال بمفهوم الروايات المشتملة على استثناء النبيذ أو المسكر ومتعة الحج والمسح على الخفين، وقد تقدمت، وبمقتضى مفهومها: أن التقية في غير هذه الموارد جائزة.
هذه هي الأدلة التي استدل بها الشيخ الأنصاري على دعواه.
ثم إن الأثر - أي لما عمله تقية - هل يرتفع بارتفاع موضوعها أم أنّه يبقى؟
ذهب المحقق الهمداني - في حاشية المصباح - إلى القول: ببقاء الأثر وعدم ارتفاعه، وذكر وجهه وهو استصحاب أثر الحكم الوضعي، فإن من صلى تقية أو
ص: 179
توضأ كذلك فهو محكوم بالصحة، وبعد ارتفاع موضوع التقية لا ندري هل ارتفع أم لا؟ ومع الشك في ارتفاعه نستصحب بقاءه.
وقد استشكل فيه ! بما نصه: والإنصاف أن استفادة صحة ما صدر من الأعمال تقية إذا أخلّ بشيء من أجزائها وشرائطها التي هي من مقومات ماهية ذلك العمل كالطهارة في الصلاة أو إطلاق الماء في الوضوء أو طهارته ما لم يرد فيه دليل بالخصوص من عمومات أخبار التقية في غاية الإشكال، بل غاية ما يمكن استفادته منها إنما هو كون التقية من الأعذار المسوغة للإخلال بأجزاء العبادات وشرائطها التي ينتفي اعتبارها لدى الضرورة، فتصح العبادات في مثل الفرض لا مطلقاً حتى فيما لو أخل بما يختص شرطيته بحال التمكن كالأمثلة المتقدمة، ولذا لو صلى الظهر جمعة تقية لم يجز فتوى ونصاً، فكذا لو صلى بلا طهارة فإنها ليست بصلاة لا اختيارية ولا اضطرارية، وكذلك الوضوء بالمسكر أو بماء متنجس فإنه ليس بوضوء أصلاً، فالتقية إنما تبيح فعله بدلاً عن الواقع لا صحته ... الخ(1)
وأما الجهة الثالثة وهي حول التحقيق في المقام فالكلام فيها يقتضي تقسيم هذه الآثار إلى أقسام أربعة:
1 - الإعادة والقضاء.
2 - الآثار الوضعية من الطهارة والنجاسة والصحة والبطلان.
3 - الضمان والكفارات.
4 - الجزئية والشرطية والمانعية.
والأخير من الأحكام الغيرية لا النفسية، وعليه فالكلام يقع في ثلاثة مواضع:
الأول: ما كان داخلاً في المؤاخذة والقرارات الشرعية كالكفارات
ص: 180
والحدود ونحوها، والذي يظهر أنها مرتفعة في حالة التقية سواء كانت من الكافر أو من غيره وذلك:
أولاً: أنّه مقتضى القاعدة الأولية وقد تقدم ذلك، فإن العمل الصادر من الإنسان تقية هو كلا عمل، فلا يترتب عليه الحد أو الكفارة وغيرها من الآثار التي لوحظت فيها المؤاخذة، إذ بعد أن جعل الشارع ذلك من الدين فلا معنى لمؤاخذته بشيء، فالقاعدة تقتضي عدم ترتب شيء من ذلك.
وثانياً: قيام الأدلة الخاصة، فقد وردت عدة روايات في هذا المعنى، منها: رواية إسماعيل بن سعد الأشعري عن أبي الحسن الرضا (علیه السلام) في حديث قال: سألته عن رجل أحلفه السلطان بالطلاق أو غير ذلك فحلف؟ قال: لا جناح عليه، وعن رجل يخاف على ماله من السلطان فيحلف لينجو به منه؟ قال: لا جناح عليه، وسألته هل يحلف الرجل على مال أخيه كما يحلف على ماله؟ قال: نعم(1)
ومنها: صحيحة أبي الصباح قال: والله لقد قال لي جعفر بن محمّد': إن الله علم نبيه التنزيل فعلمه رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) علياً، قال: وعلمنا والله، ثمّ قال: ما صنعتم من شيء أو حلفتم عليه من يمين في تقية فأنتم منه في سعة(2).
وقد تقدم أن الشيخ الأنصاري ! قد ذكر الرواية ونقلنا موضع الشاهد منها وهذه الرواية أوسع دائرة من السابقة لأن قوله: ما صنعتم من شيء شامل لغير الحلف أيضاً.
ومنها: صحيحة زرارة قال: قلت لأبي جعفر (علیه السلام): نمر بالمال على العشار فيطلبون منا أن نحلف لهم ويخلّون سبيلنا ولا يرضون منا إلاّ بذلك؟ قال: فاحلف لهم، فهو أحل [احلى] من التمر والزبد(3)
ص: 181
ومنها: ما رواه صاحب الوسائل عن الصدوق في الخصال بإسناده عنالأعمش، عن جعفر بن محمّد ' (في حديث شرائع الدين) قال: ولا يحل قتل أحد من الكفار والنصاب في التقية إلاّ قاتل أو ساع في فساد . وذلك إذا لم تخف على نفسك ولا على أصحابك، واستعمال التقية في دار التقية واجب، ولا حنث ولا كفارة على من حلف تقية يدفع بذلك ظلماً عن نفسه(1)
وهذه الرواية رواها الصدوق في عيون الأخبار(2) بإسناده عن الفضل بن شاذان، عن الرضا (علیه السلام) وسند الصدوق إلى الفضل في هذه الرواية فيه بحث، وقد تقدم ذكر هذه الرواية.
ومنها: الصحيحة المتقدمة عن أبي الحسن (علیه السلام) في
الرجل يستكره على اليمين فيحلف بالطلاق والعتاق وصدقة ما يملك أيلزمه ذلك؟ فقال: لا، قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): وضع عن أمتي ما أكرهوا عليه، وما لم يطيقوا، وما أخطأوا(3)
والرواية صريحة الدلالة في عدم الإلزام بآثار الحلف.
وقد يقال: إن الرواية واردة في غير التقية فهي قابلة للمناقشة من هذه الجهة مع إمكان الاستدلال بها.
ومنها: رواية زرارة عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: قلت له: إنا نمر على هؤلاء القوم فيستحلفونا على أموالنا وقد أدّينا زكاتها، فقال: يا زرارة إذا خفت فاحلف لهم ما شاؤا [بما شاؤا] قلت: جعلت فداك بالطلاق والعتاق قال: بما شاؤا(4)
ثم قال صاحب الوسائل: وعنه عن معمر بن يحيى قال: قلت لأبي جعفر (علیه السلام): إن معي بضايع للناس ونحن نمر بها على هؤلاء العشار فيحلفونا عليها
ص: 182
فنحلف لهم؟ فقال: وددت أني أقدر على أن أجيز أموال المسلمين كلها وأحلف عليها، كلما خاف المؤمن على نفسه فيه ضرورة، فله فيه التقية(1)
وقد ذكر في ذيل الروايتين الأخيرتين أن مصدرهما كتاب فقه الرضا،وهذا الكتاب فيه بحث ذكرناه مفصلاً في بحوثنا الرجالية(2) ، ولعلنا نشير إلى بعض ما يتعلق به فيما يأتي.
والحاصل: أن هذه الأحكام في حال التقية مرتفعة بلا إشكال.
الثاني: وهو الآثار الوضعية من الطهارة والنجاسة والصحة والبطلان.
أما بالنسبة إلى أحكام الطهارة والنجاسة فالظاهر عدم ارتفاعها بناء على القول بأنها آثار واقعية، بل هي غير قابلة للرفع لأن رفعها ووضعها ليس بيد الشارع، نعم الشارع كاشف عنها فمن اغتسل غسلاً باطلاً فالحدث باق، وبعد ارتفاع التقية لابد من رفع الحدث بغسل صحيح، وهكذا الحال بالنسبة للطهارة من الخبث.
وبالجملة هذه الآثار باقية ببقاء الموضوع، نعم المرفوع هو الحكم التكليفي كحرمة أكل النجس، وكذلك بالنسبة إلى المؤاخذة كما تقدم.
وهكذا أيضاً بناء على القول بأنها مجعولة من الشارع، وذلك لعدم الدليل الواضح على رفع هذه الآثارلأن الأدلة المتقدمة إما راجعة إلى الأحكام التكليفية أو إلى الأحكام الوضعية، وأما دلالتها على ارتفاع آثار الطهارة والنجاسة فليست تامة. فإن المستفاد من أدلة الاضطرار والإكراه - كما ذكرنا - هو الحلية ورفع المؤاخذة، وشمولها للطهارة والنجاسة بعد ارتفاع التقية والحكم بالطهارة وعدم النجاسة مشكل جداً، فإن الأدلة اللفظية خاصة بالأحكام التكليفية، وأما الأدلة اللبية فلم يقم إجماع، أو تثبت سيرة متصلة بالشارع بحيث يمكن أن يستدل
ص: 183
بها، فالأدلة اللفظية واللبية قاصرة عن شمول آثار الطهارة والنجاسة، ولعل هذا هو المتسالم عليه عند المتشرعة فإنهم لا يرتبون أحكام الطهارة على المتنجس بعد زوال التقية.
ثم إن الابتلاء مع الكفار كان قليلاً، فلم تعلم كيفية التعامل معهم من هذه الناحية.
والحاصل: أنّه لا دليل لنا على ارتفاع أحكام الطهارة والنجاسة.
وأما بالنسبة إلى آثار الصحة والبطلان بمعنى أن ما أتى به من عمل حالة التقية كما إذا باع أو اشترى أو عقد على امرأة أو نحو ذلك، فهل يحكم بالصحة أو يحكم بالبطلان بعد ارتفاع التقية؟
وبيانه: أن الصحة والبطلان إما أن تكون راجعة إلى الجزء أوالشرط أو المانع، وإما أن تكون راجعة إلى أصل العمل، فإن كانت راجعة إلى الأول فسيأتي الكلام عنه قريباً، وإن كانت راجعة إلى الثاني فما ذكرناه بالنسبة إلى آثار الطهارة والنجاسة يأتي هنا حرفاً بحرف، فإن الأدلة اللفظية واللبية قاصرة عن إثبات ذلك، وغاية ما تدل عليه رفع الحكم التكليفي والمؤاخذة عليه، أما من جهة الصحة فلا دليل عليها، فمن تزوج بامرأة كافرة أو بعقد فاسد فلا يمكن الحكم بصحة العقد بعد ارتفاع التقية، ولا يستفاد ذلك من أدلة التقية كما ذكرنا في آثار الطهارة والنجاسة، وإن كانت آثار الولدية مثلاً مترتبة ولا ربط لها بالصحة والبطلان، فإنها مسألة أخرى.
وبناء على هذا فلابد من القول بالبطلان وعدم ترتب آثار العقد، ولابد من الإعادة.
الثالث: وهو ما يرجع إلى الصحة والبطلان بالنسبة إلى الأجزاء والشرائط والموانع، فمن اضطر في حالة التقية إلى الإخلال بجزء أو الإتيان بمانع فهل يوجب ذلك بطلان عمله أم لا؟ ويترتب على هذا الأمر مسألة القضاء والإعادة.
ص: 184
وبيانه: أن المانعية تارة تكون مترتبة على الحكم التكليفي لا أنها مستقلة في مورد التكليف، فمثلاً حينما يقال: الغصب حرام، فهذا الحكم موجب لمانعية الغصب في الصلاة من جهة المكان أو اللباس أو الماء، فالصلاة في اللباس المغصوب باطلة، إذ لا يتحقق قصد القربة بذلك، فمن هذه الجهة يكون الغصب مانعاً وهكذا بالنسبة إلى الشرطية والجزئية.
وتارة يكون الشيء بنفسه مانعاً لا أنّه ناشىء من حكم تكليفي.
فإن كانت المانعية على النحو الأول فالظاهر أنّه ملحق بالقسم الأول من الآثار وهو المؤاخذات والقرارات، فإذا صدر الأمر فيه تقية كما إذا لبس ثوباً مغصوباً وصلى أو توضأ بماء مغصوب فصلاته ووضوءه صحيحان، ولا تلزمه الإعادة أو القضاء، وهذا يجري في كل أمر يكون دليله منتزعاً من الأحكام التكليفية، وذلك لأنه إذا ارتفعت المانعية وهي حرمة الغصب فلا يبقى ما يمنع من الحكم بالصحة، فإن المفروض أن المانعية هي الحرمة فإذا صارت جائزة بواسطة التقية فيحكم تبعاً بصحة الصلاة لعدم وجود المانع حينئذ.
وما يقال: إن ملاك الحرمة موجود فلا يمكن الحكم بالصحة لعدم ارتفاع المانعية.
فجوابه: أن الملاك هو الحكم التكليفي ومع ارتفاع الحرمة يرتفعملاكها تبعاً لها، وبناء عليه فيحكم بالصحة ولا حاجة إلى الإعادة أو القضاء.
وإن كانت المانعية على النحو الثاني وهي ما إذا لم تكن ناشئة من الحكم التكليفي بل بنفسها مانعاً مستقلاً وتسمى بالأحكام الغيرية فهي على صورتين:
الأولى: أن لا يكون لأدلتها إطلاق إما لفقدانه كأن يكون الدليل منحصراً في الإجماع والسيرة، وإما لأن الدليل اللفظي وإن كان موجوداً إلاّ أنّه لا إطلاق له.
الثانية: أن يكون لأدلة المانعية والجزئية والشرطية إطلاق.
ص: 185
أما الصورة الأولى: فالحكم فيها هو الصحة، وذلك لأنه بعد فرض عدم الإطلاق لهذه الأدلة وعدم علمنا أن الشرط أو المانع في جميع الأحوال، أو أنّه مختص بحال الاختيار فقط، فالقدر المتيقن من ذلك هو حال الاختيار، وأما في حال التقية والاضطرار فلا نعلم أنّه شامل للحالين أم لا، فإن كان لدليل الواجب إطلاق فلنا أن نتمسك به ونحكم بصحة الصلاة حتى مع عدم وجود الشرط، وإن لم يكن له إطلاق فالحكم هو البراءة عن التكليف الزائد، فمثلاً إذا لم نعلم أن لدليل المانعية أو الشرطية في الصلاة إطلاقاً أم لا فالقدر المتيقن اعتبار ذلك في حال الاختيار، ثمّ إن كان هناك إطلاق من جهة المتعلق وهو الواجب أخذنا به وحكمنا بصحة الصلاة حتى مع عدم وجود الشرط، وإن لم يكن لدليل الواجب إطلاق نحكم بالبراءة، لأن الشك حينئذ يكون في التكليف بين الأقل والأكثر وحكمه الأخذ بالأقل، فنحكم بالصحة مع عدم الشرط أو وجود المانع في حال التقية.
والحاصل: أنّه إذا لم يكن لأدلة الجزئية والشرطية والمانعية إطلاق سواء كان لدليل الواجب إطلاق أو لم يكن فعلى الأول نأخذ بالإطلاق وعلى الثاني نأخذ بالبراءة وعلى كلا الحالين نحكم بالصحة.
وأما الصورة الثانية: وهي ما إذا كان للأدلة إطلاق فهل الحكم هو الصحة أو البطلان؟ والمسألة محل خلاف.
فذهب بعضهم إلى القول بالصحة، واستدل له بأدلة الاضطرار كحديث الرفع(1) ونحوه فهي تدل على عدم التكليف به، فإذا كانت الأجزاء والموانع والشرائط مرفوعة وكأنها لم تكن مجعولة فتكون الصلاة بدونهاصحيحة، وهذا نظير الجهل قصوراً، ونظير ما لا يعلم إلاّ أن يقوم دليل خاص.
ص: 186
ويؤيده رواية عبد الأعلى مولى آل سام قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): عثرت فانقطع ظفري فجعلت على إصبعي مرارة، فكيف أصنع بالوضوء؟ قال: يعرف هذا وأشباهه من كتاب الله عزوجل، قال الله تعالى: (مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)(1) امسح عليه(2)
فإن الإمام (علیه السلام) أحاله على هذه الآية ومعناه رفع الشرط وهو المسح بالمباشرة، ويستفاد من ذلك أن رفع الحرج كرفع الاضطرار ولا أولوية لأحدهما على الآخر فيكون هذا مؤيداً لما تقدم، ووجه التأييد: أن الرواية محل كلام من جهة السند والدلالة.
أما من جهة السند فإن فيه عبد الأعلى مولى آل سام وقد نوقش في جميع الوجوه التي ذكرت للدلالة على وثاقته(3)
وأما من جهة الدلالة فكذلك نوقش فيها بأن قوله (علیه السلام): يعرف هذا وأشباهه من كتاب الله وارد في مورد الرفع، وأما الحكم بالمسح فإنه من الإمام لا من الكتاب فلا يمكن جعل أحدهما كالآخر(4)
ولكن نقول: إن كل هذا يفهم من الكتاب فإن الإمام أحال التكليف إلى الآية الشريفة، لا أن الإمام في مقام التفصيل وأن بعضها من الكتاب وبعضها منه (علیه السلام) ، فإن الحكم وإن كان دقيقاً ولا يلتفت إليه كل أحد إلاّ أنّه يستفاد من الكتاب سواء فهمنا ذلك أم لم نفهمه، وبناء على ذلك فيبقى الإشكال من جهة السند فتكون الرواية مؤيدة لما تقدم كما ذكرنا.
والحاصل: أن حالها حال الأحكام التكليفية فكما أن نفس الأحكام
ص: 187
التكليفية مرفوعة حال التقية فكذلك الجزئية والشرطية والمانعية، وأما ما عداها فلابد من الإتيان به ويحكم بصحته، وإلى هذا ذهب صاحب الوسائل(1) وغيره.
ولكن هذا الاستدلال يتوقف على ما يفهم من الروايات من أن المرفوع ما هو؟ هل هو المؤاخذة؟ أو الأحكام التكليفية؟ أو مطلق الآثار؟ وقد تقدمالكلام فيه مفصلاً.
وذهب جماعة إلى أن المرفوع هو المؤاخذة والعقاب فقط، كما ذهب بعض إلى أن المرفوع هو الأحكام التكليفية فقط، وذهب غيرهم إلى أن المرفوع هو الآثار.
ويمكن تأييد القول الثاني بأن المؤاخذة أمر مترتب على الأحكام التكليفية، وليس وضعها ورفعها بيد الشارع فالمرفوع والموضوع شرعاً هو ما يكون تحت تصرّف الشارع.
وعليه فينحصر الكلام في اختيار أحد القولين الأخيرين، وهما أن المرفوع هو منشأ المؤاخذة وهي الأحكام التكليفية، أو أنّه مطلق الآثار وإن كانت بالواسطة بمعنى أنّه ليس حكماً تكليفياً مجعولاً ابتداء من الشارع كالجزئية والشرطية والمانعية بمعنى أنها مجعولات تبعاً للمشروط والمركب لا أنها مجعولات على نحو الاستقلال.
وقد ادعي أن الظاهر من الرواية أن المرفوع هو خصوص ما جعله الشارع ابتداء، أي: الأحكام التكليفية ولا تشمل ما جعله الشارع بالواسطة فقوله (علیه السلام): رفع يعني ما يكون حكماً تكليفياً، نعم ترتفع تبعاً له المؤاخذة والآثار المترتبة عليه.
وذلك لأن المجعول لا مستقلاً تابع لجعل منشئه، فلابد أن يكون المرفوع والمجعول هو المنشأ وهو نفس المركب والمشروط، وأما نفس الجزئية والشرطية فهي تابعة لنفس المركب والمشروط، وبناء على هذا فإذا اضطر المكلف إلى ترك
ص: 188
جزء أو شرط والإتيان بمانع فالباقي لا يقتضي الإجزاء ولا تسقط الإعادة أو القضاء.
أما عدم سقوط الإعادة فلأنه مع بقاء الوقت لا يصدق عليه عنوان الاضطرار إلى طبيعي المأمور به إذ يمكنه أن يأتي بالمأمور به شاملاً للأجزاء والشرائط في جزء آخر من الوقت وحينئذ فالإشكال صغروي.
وأما إذا خرج الوقت أو كان الوقت مضيقاً فكذلك لأن الدليل لا يفيد سقوط القضاء، وإنما المستفاد من الرواية هو رفع منشأ الجزئية والشرطية أي الحكم المتعلق بالمركب والمشروط، ورفعه في الوقت لا يقتضي إيجاب الباقي والاجتزاء به، وإذا كان الأمر كذلك وقام دليل على القضاء وجب القضاء خارج الوقت، وإلى هذا ذهب أكثر المحققين(1) وهكذا الحال بالنسبة إلى الجهل إلاّ أن يقوم دليل على الاكتفاء بالباقي،وحينئذ لا تجب الإعادة ولا القضاء، ومع عدمه فالقاعدة تقتضي عدم الإجزاء والاجتزاء.
وقد تتبعنا أدلة الأجزاء والشرائط وظفرنا بعدة روايات وبضمها إلى أدلة العسر والحرج والاضطرار يمكن استفادة القول بسقوط الإعادة والقضاء.
أما الروايات فهي:
الأولى: صحيحة معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن رجل محرم وقع على أهله؟ فقال: إن كان جاهلاً فليس عليه شيء، وإن لم يكن جاهلاً فإن عليه أن يسوق بدنة، ويفرق بينهما حتى يقضيا المناسك ويرجعا إلى المكان الذي أصابا فيه ما أصابا، وعليه الحج من قابل(2)
وهذه الرواية واردة في الجاهل فإنه إذا كان جاهلاً فليس عليه شيء، فإن قلنا: إن الجهل داخل في قوله (علیه السلام): «ما لا يعلمون» فالرواية شاهدة على ما نحن فيه من سقوط الإعادة والقضاء.
ص: 189
الثانية: صحيحة عبد الصمد بن بشير عن أبي عبد الله (علیه السلام) - في حديث - إن رجلاً أعجمياً دخل المسجد يلبّي وعليه قميصه، فقال لأبي عبد الله (علیه السلام) إني كنت رجلاً أعمل بيدي واجتمعت لي نفقة فجئت أحج لم أسأل أحداً عن شيء، وأفتوني هؤلاء أن أشق قميصي وأنزعه من قبل رجلي، وأنّ حجي فاسد، وأنّ علي بدنة، فقال له: متى لبست قميصك أبعد ما لبّيت أم قبل؟ قال: قبل أن ألبّي، قال: فأخرجه من رأسك، فإنه ليس عليك بدنة وليس عليك الحج من قابل أي رجل ركب أمراً بجهالة فلا شيء عليه، طف بالبيت سبعاً وصل ركعتين عند مقام إبراهيم (علیه السلام) ، واسع بين الصفا والمروة، وقصّر من شعرك، فإذا كان يوم التروية فاغتسل وأهلّ بالحج واصنع كما يصنع الناس(1).
والرواية وإن كانت واردة في فساد الحج إلاّ أنّه يمكن تعميمها للأمور التكليفية كالقضاء والإعادة، مضافاً إلى أن مورد الرواية هو الحكم بالحج من قابل وإن كان غير ثابت في نفسه.
والحاصل: أن الرواية يمكن الاستدلال بها في كل الموارد بمقتضى مفاد كلمة شيء الشاملة لكل الموارد، والقضاء شيء داخل في العموم، ودلالة الرواية قوية جداً.الثالثة: صحيحة معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن متمتع وقع على امرأته قبل أن يقصّر؟ قال: ينحر جزوراً، وقد خشيت أن يكون قد ثلم حجه إن كان عالماً، وإن كان جاهلاً فلا شيء عليه(2)
ومحل الشاهد هو الجملة الأخيرة، ولا كلام لنا في انثلام حجه فإنه منوط بالعلم، وهذه الرواية يمكن أن تكون أيضاً كالصحيحة الأولى مصداقاً لقوله (علیه السلام): «ما لا يعلمون» ، فإن قلنا بذلك فهو شامل لجميع ما يُضطر إليه في جميع الأحكام سواء كان بالواسطة أو عدمها.
ص: 190
وإذا ضممنا إلى هذه الروايات أدلة العسر والحرج والاضطرار يتم الدليل العام الشامل للتكليف الابتدائي أو مع الواسطة.
وقد استشكل السيد الأستاذ ! في دلالة هذه الروايات على المدعى بأن غاية ما يفيده هذا الدليل هو رفع الجزء والشرط برفع منشئه، أما أن يكون الباقي واجباً أم لا، فلا دلالة فيه(1)
ونقول: إن الروايات التي ذكرناها يمكن الاستدلال بها على عدم لزوم الإعادة، والقضاء في الحج كما هو الظاهر منها، كما أن أدلة الاضطرار كافية في عدم لزوم الإعادة والقضاء، ونضيف أيضاً: أنّه بناء على قاعدة الميسور يمكن الاستدلال بها على ثبوت الباقي، وفي القاعدة بحث أشرنا إليه في أبحاثنا الفقهية وذكرنا أنها وإن كانت واردة في كتاب العوالي(2) إلاّ أن لنا تحقيقاً حول الكتاب فصلناه في أبحاثنا الرجالية(3) ، ونتيجته إمكان القول بثبوت القاعدة والاستدلال بها، وحينئذ فهي شاملة للأجزاء والشرائط فمن ترك جزءاً أو شرطاً فالباقي باق على وجوبه بمقتضى هذه القاعدة ولا حاجة إلى الإعادة أو القضاء.
ثم إن هنا وجهاً آخر يمكن الاستدلال به وهو استصحاب وجوب الباقي، فإنّنا بعد ارتفاع الجزء أو الشرط نشك في وجوب الباقي فنستصحب بقاءه، إلاّ أن الاستدلال بالاستصحاب محل إشكال، وفي ما ذكرناه من الوجهين الأولين كفاية.
هذا وقد وردت في المقام روايات أخرى استدل بها على الإجزاء وعدم الحاجة إلى الإعادة أو القضاء:منها: صحيحة أبي الصباح وقد تقدم ذكرها وفيها: ما صنعتم من شيء أو حلفتم عليه من يمين في تقية فأنتم منه في سعة(4)
ص: 191
ومحل الشاهد قوله (علیه السلام): فأنتم منه في سعة، فإنه عام يشمل الأجزاء والشرائط والإعادة والقضاء.
وقد ناقش السيد الأستاذ ! في دلالة هذه الجملة على المدعى: بأن ذلك فيما إذا كان فيه ضيق، وأما ما ليس فيه ضيق فلا يرد هذا، فمورد الرواية هو الضيق لا السعة، والإعادة والقضاء ليسا من موارد الضيق وما جاء به ناقصاً في حالة التقية يقتضي الإعادة لأنّ التبعية أمر واقعي وهذا مقتضى النقصان.
واستشهد على ذلك بأن من غسل ثوبه المتنجس بالبول مرة تقية فهل ترتفع النجاسة بعد ارتفاع التقية؟ ولا يمكن الالتزام بذلك، وهكذا الحال بالنسبة إلى ما نحن فيه، فإن التمامية والنقصان والصحة والبطلان ليست من حكم الشارع(1)
ويمكن المناقشة في ما أفاده ! بأن السعة أعم من الأحكام التكليفية وما يترتب عليها، بل تشمل حتى القضاء والإعادة، فإن الحكم بهما لا يتناسب مع التوسعة، ثمّ إن ما أفاده من أن التمامية والنقصان ليسا بيد الشارع، في غير محلّه وذلك لأن الشارع إذا حدد مقدار ما يكتفي به من المكلف وذلك أمر بيد الشارع، فالقضاء والإعادة وإن كانا مترتبين على المأتي به لكن المأتي به بيد الشارع، فإذا حكم بالإتيان بمقدار معين وهو تكليفه الفعلي فما أتى به المكلف على طبق تحديد الشارع له لا يحتاج إلى إعادة أو قضاء، سواء كانت الإعادة تشتمل على حرج ومشقة أم لا، فالموضوع لا يختص بالحكم التكليفي.
وأما ما ذكره ! من الاستشهاد فهذا له دليل خاص.
ولكن مع ما في كلام السيد الأستاذ ! من المناقشة إلاّ أن الجزم بالحكم وشموله للإعادة والقضاء مشكل، نعم فيه إشعار بأنه شامل لكون السعة شاملة
ص: 192
للقضاء والإعادة والمسألة ترجع إلى الاطمئنان.
ومنها: رواية أبي (ابن خ) عمر الأعجمي عن أبي عبد الله (علیه السلام) في حديث أنّه قال: لا دين لمن لا تقية له، والتقية في كل شيء إلاّ في النبيذوالمسح على الخفين(1).
واستدل الشيخ الأنصاري(2)! وجماعة بهذه الرواية على الشمول للأجزاء والشرائط، وذلك:
أولاً: بقوله (علیه السلام): كل شيء فإنه عام يشمل الأحكام التكليفية مع الواسطة أو بدونها.
وثانياً: بدلالة الاستثناء فإن الرواية استثنت النبيذ والمسح على الخفين، والأول حكم والثاني شرط، فيكون المستثنى منه دالاًّ على العموم ويشمل الأجزاء والشرائط.
إلاّ أن الرواية محل نقاش سنداً ودلالة.
أما من جهة السند فإن الأعجمي لم يرد فيه توثيق، وإن كان الراوي عنه هشام بن سالم وهو من الأجلاء ورواية الأجلاء عن شخص لا تدل على وثاقته كما حققناه في محلّه(3) ، كما أنّه لم يثبت أن هشام بن سالم لا يروي إلاّ عن الثقات.
وروى الصدوق ! هذه الرواية في الخصال عن أبيه، عن أحمد بن إدريس، عن أبي سعيد الآدمي، عن الحسن بن الحسين اللؤلؤي، عن ابن أبي عمير، عن عبد الله بن جندب، عن أبي عمر الأعجمي، قال: قال لي أبو عبد الله (علیه السلام): يا أبا عمر إن تسعة أعشار الدين في التقية ... الخ(4) ، وقد ذكرناها فيما تقدم، ووردت أيضاً في المحاسن(5) إلاّ أن فيها عن هشام وعن أبي عمر العجمي، فإذا كان الأمر كذلك فالرواية معتبرة، إذ الراوي لها شخصان، ولكن في بقية المصادر: هشام بن سالم عن أبي عمر الأعجمي، ولما لم نحرز أن الراوي شخصان فلا يمكن الاعتماد
ص: 193
عليها والقول بأن السند معتبر، ثمّ إنه ورد بمضمون هذه الرواية روايات أخرى وقد تقدم ذكر بعضها كصحيحة زرارة، وصحيحة محمّد بن الفضيل بن هاشم، وغيرهما إلاّ أنها وردت خالية عن ذكر المستثنى.
وأما من جهة الدلالة فقد ناقش فيها السيد(1) الأستاذ ! : بأن المسكرمما وقع الاتفاق على تحريمه عند الجميع، وأنه ليس من موارد التقية، وأما المسح على الخفين فلم يقل أحد بوجوب المسح عليهما، فلا يمكن حمل الاستثناء على التخصيص، فالموردان لم يشرع فيهما التقية حتى يمكن الاستثناء وإثبات العموم في ما عداهما للمستثنى منه.
ثم يضيف السيد: والعجب من الشيخ كيف استدل بهذه الرواية؟ ولم يلتفت إلى هذه النقطة مع وجود القرينة، وهو أن شرب المسكر مما لا تقية فيه، فهو خارج تخصصاً لا تخصيصاً، مضافاً إلى الروايات الواردة في أن المسكر لا تقية فيه.
وما أفاده السيد الأستاذ ! قابل للمناقشة وذلك:
أولاً: أن خروج مورد واحد تخصصاً لا يعني خروج جميع الموارد كذلك، فمثلاً إذا قلت: جاء القوم إلاّ زيد وعمرو وبكر وعلمنا بدليل خاص أن أحد هؤلاء الثلاثة خارج تخصصاً فلا معنى لإخراج الآخرين تخصصاً أيضاً، وهكذا بالنسبة إلى ما نحن فيه، وبناء على هذا فلا تكون القرينة تامة على الشمول بمجرد علمنا أن فرداً واحداً خارج تخصصاً وأنه شامل لكل الأفراد.
وثانياً: أن قابلية المورد للدخول في المستثنى منه كافية للتخصيص رفعاً للتوهم، وإن كان المورد في نفسه خارجاً بدليل خاص. وهكذا الجزء والشرط فإذا فرضنا أنهما خارجان تخصصاً ولكن قابليتهما لأن يكونا من موارد التقية يكفي في ذلك، ويتمسك حينئذ بإطلاق المخصص من هذه الجهة.
ص: 194
وعليه فالتقية كما تجري في الأحكام التكليفية كذلك تجري في الأجزاء والشرائط.
ولكن مع ذلك نقول: إن الرواية في تمامية دلالتها على المدعى محل تأمّل، مضافاً إلى عدم الاعتماد عليها من حيث السند.
ومنها: موثقة سماعة قال: سألته عن رجل كان يصلي فخرج الإمام وقد صلّى الرجل ركعة من صلاة فريضة؟ قال: إن كان إماماً عدلاً فليصلّ أخرى وينصرف، ويجعلهما تطوعاً وليدخل مع الإمام في صلاته كما هو، وإن لم يكن إمام عدل فليبنِ على صلاته كما هو ويصلي ركعة أخرى ويجلس قدر ما يقول: أشهد أن لا إله إلاّ الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ثمّ ليتم صلاته معه على ما استطاع، فإنالتقية واسعة وليس شيء من التقية إلاّ وصاحبها مأجور عليها إن شاء الله(1)
واستدل الشيخ(2) ! بقوله (علیه السلام): ما استطاع، أن صلاته صحيحة، وإن زاد أو نقص، وهو شامل للأجزاء والشرائط.
ولكن الاستدلال بذلك مشكل جداً، لأن قوله (علیه السلام): ما استطاع، مجمل غير مبين، فيحتمل أن المراد أنّه ما استطاع متابعته، كما يحتمل أنّه ما استطاع من تحقيق صورة الائتمام كما إذا كان المأموم في الرابعة والإمام في الثانية، وأما أن ذلك شامل لزيادة ركعة أو نقصانها فغير معلوم، ومورد الرواية أن الإمام دخل الصلاة والمأموم في الثانية، فالتمسك بهذه الرواية للاستدلال بها على المدعى محل نظر.
وقد ذكر السيد الأستاذ(3) أن الرواية لا دلالة لها على المدعى أصلاً.
ونقول: إنه على فرض الدلالة إلاّ أنها ليست بواضحة، مضافاً إلى أن الرواية مضمرة، وإن كان الإضمار لا يضر في روايات سماعة.
ص: 195
ومنها: موثقة مسعدة بن صدقة المتقدمة، وورد فيها: إن المؤمن إذا أظهر الإيمان ثمّ ظهر منه ما يدل على نقضه خرج مما وصف وأظهر، وكان له ناقضاً، إلاّ أن يدعي أنّه إنما عمل ذلك تقية، ومع ذلك ينظر فيه، فإن كان ليس مما يمكن أن تكون التقية في مثله لم يقبل منه ذلك، لأن للتقية مواضع من أزالها عن مواضعها لم تستقم له، وتفسير ما يتقى مثل أن يكون قوم سوء ظاهر حكمهم وفعلهم على غير حكم الحق وفعله، وكل شيء يعمل المؤمن بينهم لمكان التقية مما لا يؤدي إلى الفساد في الدين فإنه جائز(1)
ومحل الشاهد هو الجملة الأخيرة: فكل شيء يعمل المؤمن بينهم لمكان التقية مما لا يؤدي إلى الفساد في الدين فإنه جائز، واستدل بها على الأجزاء فإن مفادها أن ما أتى به ممضى من قبل الشارع فلا يحتاج إلى الإعادة أو القضاء.
وقد استدل بذلك الشيخ ! وغيره، إلاّ أن السيد الأستاذ ! ناقش في الرواية من جهة السند وقد تقدم أن الرواية معتبرة فالمناقشة من هذهالجهة غير واردة، كما ناقش فيها من جهة الدلالة بأن ظاهر الرواية أن المفهوم من الجواز هو الجواز التكليفي لا الوضعي بمعنى أن فعله ليس بحرام لا بمعنى أن ما جاء به صحيح، فإنه خلاف المتفاهم العرفي المستفاد من ظاهر الرواية، مضافاً إلى أن صدر الرواية قرينة على أن المورد هو جهة التكليف (إلاّ أن يدعي التقية)، أما أن ما أتى به صحيح أو غير صحيح فأجنبي عن مورد الرواية، لأنها في مقام تشريع التقية لا في مقام تصحيح العمل أو الحكم بصحته، وبناء على هذا فلا مجال للاستدلال بها على المدعى، وما أفاده ! من المناقشة في محله ومع التنزل فلا أقل من الشك في شمول الرواية وحينئذ فالدلالة ساقطة.
ومنها: رواية السيد المرتضى في رسالة المحكم والمتشابه، نقلاً من تفسير
ص: 196
النعماني بإسناده عن علي (علیه السلام) قال: وأما الرخصة التي صاحبها فيها بالخيار فإن الله نهى المؤمن أن يتخذ الكافر ولياً، ثمّ منّ عليه بإطلاق الرخصة له عند التقية في الظاهر «إلى أن قال:» قال الله تعالى: (لا يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمْ اللهُ نَفْسَهُ) فهذه رحمة تفضّل الله بها على المؤمنين رحمة لهم ليستعملوها عند التقية في الظاهر، وقال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه(1).
هذا ما ذكره صاحب الوسائل من هذه الرواية إلاّ أنّه ورد في ذيلها من كتاب الوسائل مكان قوله: «إلى أن قال» هذه العبارة: في الظاهر أن يصوم لصيامه ويفطر بإفطاره ويصلي بصلاته ويعمل بعمله ويظهر له استعمال ذلك موسعاً عليه فيه، وعليه أن يدين الله تعالى في الباطن بخلاف ما يظهر لمن يخافه من المخالفين المستولين على الأمة. قال الله ... الخ، كما أن صدر الرواية يختلف عما في الذيل، والمهم أن محل الشاهد هو قوله (علیه السلام): «ويظهر له استعمال ذلك موسعاً عليه فيه» فإذا كانت هذه الأعمال الصادرة منه تقية مظهراً للجواز والرخصة فلازمه أن تكون ممضاة من قبل الشارع بمقتضى كونه موسعاً عليه فيه، مضافاً إلى ما ورد في نفس الرواية إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه.
والحاصل: أن دلالة الرواية على الأجزاء تامة.
إلاّ أن الكلام في سند الرواية فإن السيد المرتضى يرويها عن كتاب التفسير لأبي عبد الله محمّد بن إبراهيم بن جعفر النعماني، والسند المذكور في الوسائل أن النعماني يرويها عن أحمد بن محمّد بن سعيد بن عقدة، عن أحمد بن يونس بن يعقوب الجعفي، عن إسماعيل بن مهران، عن الحسين بن علي بن أبي حمزة، عن
ص: 197
أبيه، عن إسماعيل بن جابر، قال: سمعت أبا عبد الله جعفر بن محمّد الصادق ' يقول: وذكر الحديث عن آبائه عن أمير المؤمنين(1)
ومحل الكلام هو أحمد بن يونس بن يعقوب الجعفي فمع أنّه شيخ ابن عقدة إلاّ أنّه لم يرد فيه توثيق، وبناء عليه تكون الرواية غير معتبرة.
وقد ورد هذا السند في كتاب جامع أحاديث الشيعة في رواية أخرى هكذا: عن ابن عقدة عن أحمد بن يوسف بن يعقوب، عن إسماعيل بن مهران، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن أبيه، عن إسماعيل بن جابر(2) ، والاختلاف بين السندين في شخصين ففي الوسائل: أحمد بن يونس بن يعقوب والحسين بن علي بن أبي حمزة وفي الجامع: أحمد بن يوسف بن يعقوب والحسن بن علي بن أبي حمزة، ومن المعلوم أن هذا سند واحد فلابد أن يكون قد حصل اشتباه في أحد النقلين والأكثر أن التصحيف والاشتباه وقع في نسخة صاحب الوسائل وذلك لأنّ السند عين الطريق إلى كتاب الحسن بن علي بن أبي حمزة(3) ، والطريق إلى الحسن بن علي فيه أحمد بن يوسف لا أحمد بن يونس.
ثم إن أحمد بن يوسف ثقة كما ذكر ذلك الشيخ في رجاله وأنه من أصحاب الرضا(علیه السلام) (4)
والحاصل: أن السند المذكور في الجامع هو الصحيح، وهو الموافق للمذكور في رسالة المحكم والمتشابه المطبوعة ضمن كتاب بحار الأنوار(5)
وبناء على ذلك يكون محل الكلام هو الحسن بن علي بن أبي حمزة فإن كان
ص: 198
هو البطائني كما هو الصحيح فالسند ضعيف، وإن كان هوالثمالي فالرواية معتبرة.
ومنها: ما رواه الكليني بإسناده عن أبي عبد الله (علیه السلام) في رسالة إلى أصحابه، قال: وعليكم بمجاملة أهل الباطل، تحمّلوا الضيم منهم، وإياكم ومماظتهم، دينوا فيما بينكم وبينهم إذا أنتم جالستموهم وخالطتموهم ونازعتموهم الكلام بالتقية التي أمركم الله أن تأخذوا بها فيما بينكم وبينهم الحديث(1)
والرواية طويلة وفيها مطالب جمّة.
ومحل الشاهد قوله (علیه السلام): دينوا فيما بينكم وبينهم ... بالتقية أي اجعلوها ديناً فهي شاملة لما نحن فيه.
ولكن دلالتها على المراد ليست بواضحة.
وأما من جهة السند فلها طريقان:
الأول: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن فضال، عن حفص المؤذن، عن أبي عبد الله (علیه السلام) .
والثاني: عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع عن محمّد بن سنان عن إسماعيل بن جابر(2)
أما الأول ففيه حفص المؤذن ولم يرد فيه توثيق.
وأما الثاني ففيه محمّد بن سنان وقد استظهرنا وثاقته كما حققنا ذلك في بحوثنا الرجالية خلافاً للسيد الأستاذ ! ، وبناء على ذلك فالرواية معتبرة سنداً إلاّ أن الكلام في الدلالة.
ومنها: صحيحة المعلى بن خنيس، قال: قال لي أبو عبد الله (علیه السلام): يا معلّى اكتم أمرنا ولا تذعه، فإنه من كتم أمرنا ولا يذيعه، أعزّه الله في الدنيا، وجعله نوراً بين عينيه يقوده إلى الجنة، يا معلّى، إن التقية ديني ودين آبائي، ولا دين لمن لا تقية له، يا معلّى: إن الله يحب أن يعبد في السر كما يحب أن يعبد في العلانية، والمذيع لأمرنا كالجاحد له(3)
ص: 199
وهذه الرواية قد يستظهر منها صحة المأتي به تقية، وإن كان غير تام الأجزاء والشرائط وذلك بمفاد قوله (علیه السلام): «إن الله يحب أن يعبد في السر» ، فإن معنى ذلك هو التقية، وأن ما يأتي به تقية هو عبادة سرية، ومقتضى كونه محبوباً أن يكون صحيحاً ومجزياً فلا حاجة إلى الإعادة أوالقضاء.
ولكن مع أن الرواية معتبرة السند إلاّ أن دلالتها على المدعى ليست بواضحة، إذ يتوقف هذا على أن المراد من قوله (علیه السلام): «أن يعبد سراً» أي الإتيان بالعمل تقية مع ترك الواقع رأساً - وأما إذا كان المراد به هو الإتيان بالواقع سراً وخفيةً وإن كان يعمل في الظاهر والعلانية بخلافه فلا يكون شاهداً على المدّعى، وإن كان المعنى الأولى أظهر فحينئذ لا ملازمة بين كتمان العبادة وصحتها، ولا يمكن الالتزام بعدم لزوم الإعادة والقضاء.
ومنها: رواية الكشي بإسناده عن داود الرقي قال: دخلت على أبي عبد الله (علیه السلام) فقلت له: جعلت فداك كم عدة الطهارة؟ فقال: ما أوجبه الله فواحدة، وأضاف إليها رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) واحدة لضعف الناس، ومن توضأ ثلاثاً ثلاثاً فلا صلاة له أنا معه في ذا حتى جاء داود بن زربي، فأخذ زاوية من البيت فسأله عما سألته في عدة الطهارة، فقال له: ثلاثاً ثلاثاً من نقص عنه فلا صلاة له.
قال: فارتعدت فرائصي وكاد أن يدخلني الشيطان، فأبصر أبو عبد الله(علیه السلام) إليّ وقد تغيّر لوني، فقال: اسكن يا داود هذا هو الكفر أو ضرب الأعناق، قال: فخرجنا من عنده، وكان بيت ابن زربي إلى جوار بستان أبي جعفر المنصور، وكان قد ألقي إلى أبي جعفر أمر داود بن زربي، وأنه رافضي يختلف إلى جعفر بن محمد. فقال أبو جعفر: إني مطّلع على أمر طهارته فإن هو توضأ وضوء جعفر بن محمّد فإني لأعرف طهارته حققت عليه القول وقتلته، فاطلع وداود يتهيأ للصلاة من حيث لا يراه، فأسبغ داود بن زربي الوضوء ثلاثاً ثلاثاً كما أمره أبو عبد الله (علیه السلام)
ص: 200
فما تم وضوؤه حتى بعث إليه أبو جعفر فدعاه.
قال: فقال داود: فلما دخلت عليه رحب بي وقال: يا داود، قيل فيك شيء باطل وما أنت كذلك، قال: قد اطلعت على طهارتك وليست طهارتك طهارة الرافضة فاجعلني في حل، فأمر له بمائة ألف درهم.
قال: فقال داود الرقي: التقيت أنا وداود بن زربي عند أبي عبد الله(علیه السلام) فقال له داود بن زربي: جعلني الله فداك حقنت دماءنا في دار الدنيا ونرجوا أن ندخل بيمنك وبركتك الجنة، فقال أبو عبد الله (علیه السلام): فعل الله ذلك بك وبإخوانك من جميع المؤمنين، فقال أبو عبد الله (علیه السلام) لداود بن زربي: حدّث داود الرقي بما مر عليكم حتى تسكن روعته، قال: فحدثته بالأمر كله، قال: فقال أبو عبد الله (علیه السلام): لهذا أفتيته لأنه كان أشرف على القتل منيد هذا العدو، ثمّ قال: يا داود بن زربي توضأ مثنى مثنى، ولا تزيدن عليه، وإنك زدت عليه فلا صلاة لك(1)
وهذه الرواية أصرح من جميع الروايات السابقة في الدلالة على أن ترك الجزء والشرط تقية لا يوجب البطلان، وذلك بمفاد قوله (علیه السلام): «ثلاثاً ثلاثاً من نقص عنه فلا صلاة له» فالمستفاد من هذه العبارة صحة الصلاة يقيناً، فمن أتى بالثلاث حال التقية فصلاته صحيحة بلا إشكال، أما من خالف التقية فهل تكون صلاته صحيحة أم لا؟ فهذا أمر آخر .
والحاصل: أن الرواية من حيث دلالتها على المدعى لا إشكال فيها، إلاّ أن يقال: بأنها واردة في خصوص الوضوء للصلاة والأجزاء فيهما لا إشكال فيه، وإنما الكلام في غيرهما .
وأما من حيث السند فقد رواها الكشي عن حمدويه وإبراهيم، عن محمّد بن إسماعيل الرازي، عن أحمد بن سليمان، عن داود الرقي، والإشكال في أحمد بن سليمان، فإنا في حدود ما فحصنا لم نعثر على توثيق وارد في
ص: 201
حقه، فإن ورد في حقه توثيق فالرواية معتبرة سنداً ودلالة، وإلاّ فالإشكال في سندها فقط .
ومنها: صحيحة هشام بن سالم قال: «سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: ما عبد الله بشيء أحب إليه من الخباء، قلت: وما الخباء؟ قال: التقية» (1)
وجه الاستدلال: أن ما أتى به في حال التقية من العبادات أحب العبادات عند الله، ومن البديهي امتناع اجتماع المحبوبية مع الفساد والبطلان، لأنهما كاشفان عن عدم المحبوبية - فهذه الرواية واضحة دلالة ومعتبرة سنداً، ولكن ربما يشكل بأن المراد بالتقية إذا كان العمل الذي يتقى به فالدلالة تامة، وأما إذا كان المراد به نفس
الاتقاء فهو محبوب وعبادة والعمل مقدمة لذلك لا أنّه محبوب في نفسه، فلا يدل على ذلك كما ورد في الروايات من أن التقية من الدين أو دين آبائي وأمثال ذلك، ومما يؤيد المعنى الأول ما ورد في رواية إسحاق بن عمار من قوله (علیه السلام): « ... فادخل معهم في الركعة واعتد بها فإنها من أفضل ركعاتك ...» (2) إلاّ أن في سندها محمّد بن الحصين على نسخة وكذلك محمّد بن الفضيل -وكلاهما موردان للإشكال ولولا ذلك لكان دليلاً مستقلاً على الأجزاء وعدم لزوم الإعادة والقضاء في الصلاة .
هذا مجموع ما ذكره الشيخ والسيد الأستاذ وغيرهما قدس سرهم مما يمكن الاستدلال به على عدم لزوم الإعادة والقضاء، وقلنا: إن العمدة في الروايات هي الطائفتان الأولى والثانية، وأما بقية الروايات فهي محل نقاش من جهة الدلالة أو السند أو من كلتا الجهتين، ونحن نلتزم بالإجزاء في مقام التقية جزءاً كان المتقى فيه أو شرطاً، خلافاً للسيد الأستاذ ! ، ثمّ لا يخفى أن هذه المسألة هي من أهم مسائل هذا الباب .
ص: 202
ولا يخفى أن التقية تختلف باختلاف الدوافع، فتارة تكون اضطرارية والدافع فيها الخوف على النفس والمال والعرض، وتارة يكون الدافع فيها المداراة لا من جهة الخوف، وثالثة يكون الدافع هو الكتمان، وهو أعم من الخوف وعدمه، فالأقسام ثلاثة.
فهل الأقسام الثلاثة مشروعة مع الكافر والمخالف أو يختص الحكم ببعض دون بعض؟
أما القسم الأول فلا إشكال في مشروعية التقية فيه مطلقاً، فإن من خاف على نفسه أو ماله أو عرضه أو إخوانه وجبت التقية عليه، بلا فرق بين الكافر والمخالف أو غيرهما.
وأما القسم الثاني فالظاهر أنها ليست مشروعة مع الكافر، فإنا لم نظفر بدليل يسوّغ التقية بدافع المداراة، وأدلة هذا القسم تختص بالمخالفين في المذهب، أما بالنسبة إلى الكفار فلم يثبت الدليل على ذلك، إذ لا خوف ولا موجب لإخفاء العقيدة عن الكفار ولا سيما في هذا الزمان.
وأما القسم الثالث - وهو المورد الخامس من الموارد المبحوث عنها في هذا الفصل - فهو محل الكلام ولذلك أفردناه بالبحث وجعلناه عنواناً مستقلاً ويقع الكلام فيه من جهتين:
الأولى: الكتمان عن الكافر والمخالف وغيرهما.
الثانية: موضوع الكتمان.
أما الجهة الأولى فبالنسبة إلى الكافر فإن كان سببه الخوف فقد تقدم، وإن كان سببه غير الخوف فحيث إنّ بعض الروايات الواردة في المقام مطلقة فتكون
ص: 203
شاملة للكافر، وأمّا بالنسبة إلى المخالفين فلا إشكال في مشروعية التقية معهم بل في وجوبها للأدلة الخاصة الواردة فيخصوص المخالفين.
وأما بالنسبة إلى غير الكافر والمخالف كمن يخشى منه إذاعة السر وإن كان من الخاصة فهو مشمول لإطلاق الروايات.
أما الروايات التي يستفاد منها الإطلاق فهي عدة روايات.
منها: رواية عبد الله بن أبي يعفور، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: اتقوا الله على دينكم واحجبوه بالتقية، فإنه لا إيمان لمن لا تقية له إنما أنتم في الناس كالنحل في الطير، ولو أنّ الطير يعلم ما في أجوف النحل ما بقي منها شيء إلاّ أكلته، ولو أن الناس علموا ما في أجوافكم أنكم تحبونا أهل البيت لأكلوكم بألسنتهم ولنحلوكم في السر والعلانية، رحم الله عبداً منكم كان على ولايتنا(1).
وسند الرواية معتبر فإن عبد الله بن أبي يعفور من الأجلاء وجابر المكفوف قد عده ابن شهراشوب من خواص أصحاب الصادق (علیه السلام) ، وأما دلالتها فالمستفاد من قوله (علیه السلام): «اتقوا الله على دينكم واحجبوه بالتقية» ، هو الإطلاق فيشمل الكتمان عن الكافر وغيره إلاّ أن المستفاد من قوله (علیه السلام): «ولو أنّ الناس علموا ما في أجوافكم أنكم تحبونا أهل البيت» وقوله (علیه السلام): «رحم الله عبداً كان على ولايتنا» أنّه خاص بأمر الولاية وينبغي كتمانها، فإن قلنا: إنّ الدين هو الولاية فالرواية مطلقة وحينئذ تكون شاملة للكافر والمخالف وإن قلنا إنّ الولاية أمر خاص فالرواية لا تشمل الكافر بل هي خاصة بالمخالفين، وبناء على ذلك فدلالة الرواية على المراد غير صريحة.
ومنها: ما تقدم ذكره من رسالة الإمام الصادق (علیه السلام) إلى أصحابه قال: وعليكم بمجاملة أهل الباطل ... دينوا فيما بينكم وبينهم إذا أنتم جالستموهم
ص: 204
وخالطتموهم ونازعتموهم بالتقية ...(1)
وقد ذكرنا أن لها سندين واحدهما معتبر، وأما من جهة الدلالة فالمقدار المنقول في الوسائل مطلق لأنّ «أهل الباطل» شامل للكافر والمخالف، وبعد الوقوف على متن الرسالة من كتاب روضة الكافي(2) تبيّن أنها وردت على شبه فصول ومقاطع، وهي بمثابة منهاج خاطب به الإمام (علیه السلام) شيعته يوجههم فيه لإدراك سعادة الدارين، ولم يرد في المقطع الذياشتمل على ما نقله صاحب الوسائل منها على قرينة خاصة تختص بالعامة، بل جاء كلام الإمام(علیه السلام) عاماً كقوله (علیه السلام): «فإن أعداء الله إن استطاعوا صدوكم عن الحق» ونحوه من التعابير العامة الشاملة للكافر وغيره، كما استشهد (علیه السلام) في هذا المقطع من كلامه ببعض الآيات الواردة في صبر الأنبياء وتكذيب أممهم لهم، وليس في هذا المقطع ما يشير إلى أمر الولاية، نعم في بقية الفصول الأخرى من كلامه (علیه السلام) الإشارة إلى اختلاف الأمّة بعد النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) والرد على أهل البدع والمقاييس والأهواء ونحو ذلك.
فإن كان ذلك قرينة يصح التعويل عليها فالرواية خاصة بالمخالفين، وإلاّ فهي مطلقة شاملة للكافر وغيره.
ومنها: رواية جعفر بن محمّد بن عمارة، عن أبيه، قال: سمعت الصادق جعفر بن محمّد ' يقول: المؤمن علوي، (إلى أن قال: ) والمؤمن مجاهد، لأنه يجاهد أعداء الله عزوجل في دولة الباطل بالتقية، وفي دولة الحق بالسيف(3)
والرواية وإن كانت من جهة الدلالة تامة فإن دولة الباطل شاملة للكفار وغيرهم، إلاّ أن سند الرواية غير تام.
ومنها: رواية المعلى بن خنيس قال: قال لي أبو عبد الله (علیه السلام): يا معلى اكتم
ص: 205
أمرنا...(1)
وقد تقدمت الرواية وقلنا: إنّ سندها معتبر، ووردت في موضع آخر من كتاب الوسائل بسند آخر(2) ينتهي إلى حريز عن المعلى، وفيها بعض الإضافات وكأنما هي رواية واحدة وردت بطريقين.
وهذه الرواية يمكن أن يستدل بها على الشمول، لأنّها مطلقة إلاّ أن يقال: إنّ قوله (علیه السلام): «أمرنا» إشارة إلى أمر الولاية، فإن جعلنا هذا قرينة على ذلك فهي خاصة بالمخالفين، وإلاّ فهي عامة تشمل الكفار وغيرهم.
ومنها: رواية خالد بن نجيح عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: إن من أمرنا مستور مقنع بالميثاق، فمن هتك علينا أذلّه الله(3)ومنها: رواية عيسى بن أبي منصور قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: نفس المهموم لنا المغتم لظلمنا تسبيح، وهمّه لأمرنا عبادة، وكتمانه لسرنا جهاد في سبيل الله، قال لي محمّد بن سعيد: أكتب هذا بالذهب، فما كتبت شيئاً أحسن منه(4)
ومنها: صحيحة محمّد الخزاز عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: من أذاع علينا حديثنا فهو بمنزلة من جحدنا حقنا، قال: وقال للمعلى بن خنيس: المذيع لحديثنا كالجاحد له(5)
والروايات في هذا المعنى كثيرة، وهي من قبيل رواية المعلى بن خنيس، ومن مجموعها يستفاد أن كتمان السر وعدم الإذاعة أمر اهتم به الأئمة (علیهم السلام)، وهو شامل للكفار وغيرهم.
ويستثنى من ذلك ما إذا كان للإرشاد مع قابلية المحل للرشاد، وورد الحثّ
ص: 206
عليه في عدة روايات، وأما مع عدمه فالكتمان هو المرجّح.
هذا وقد وردت روايات في الحثّ على الكتمان بالنسبة إلى الكفار في خصوص سبّ آلهتهم ومقدساتهم.
منها: ما رواه علي بن إبراهيم (في تفسيره) عن أبيه، عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: إنه سئل عن قول النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم): إنّ الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ليلة ظلماء، فقال: كان المؤمنون يسبّون ما يعبد المشركون من دون الله، وكان المشركون يسبّون ما يعبد المؤمنون، فنهى الله المؤمنين عن سبّ آلهتهم لكي لا يسبّ الكفار إله المؤمنين، فيكون المؤمنون قد أشركوا بالله من حيث لا يعلمون، فقال: ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم» (1)
ووردت هذه الرواية في تفسير قوله تعالى: (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ...)(2) من تفسير القمّي(3)
وأما الجهة الثانية وهو متعلق الكتمان فالروايات الواردة مختلفة، ففي بعضها ورد فيها مطلق الحديث.ومنها: صحيحة ابن أبي يعفور قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: التقية ترس المؤمن، والتقية حرز المؤمن، ولا إيمان لمن لا تقية له إن العبد ليقع إليه الحديث من حديثنا فيدين الله عزوجل به فيما بينه وبينه فيكون له عزّاً في الدنيا ونوراً في الآخرة، وإن العبد ليقع إليه الحديث من حديثنا فيذيعه فيكون له ذلاًّ في الدنيا وينزع الله ذلك النور منه(4)
ومنها: صحيحة محمّد الخزاز عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: من أذاع علينا حديثنا فهو بمنزلة من جحدنا حقنا، قال: وقال للمعلى بن خنيس: إن المذيع لحديثنا كالجاحد له(5) وقد تقدمت الرواية قريباً .
ص: 207
ومنها: صحيحة ابن أبي يعفور قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام): من أذاع علينا حديثنا سلبه الله الإيمان(1)
ومنها: مرسلة يونس بن يعقوب، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله(علیه السلام) قال: ما قتلنا من أذاع حديثنا قتل خطأ ولكن قتلنا قتل عمد(2)
وغيرها من الروايات الصريحة في أن المنهي عنه هو إذاعة مطلق الحديث.
وفي بعضها ورد فيها النهي عن إذاعة الأمر، وقد تقدمت عدة روايات كرواية خالد بن نجيح، ورواية المعلى بن خنيس، ومن ذلك أيضاً صحيحة داود الرقي ومفضل وفضيل في حديث قالوا: قال أبو عبد الله (علیه السلام): لا تذيعوا أمرنا ولا تحدثوا به إلاّ أهله، فإنّ المذيع علينا أمرنا أشد علينا مؤنة من عدونا، انصرفوا رحمكم الله ولا تذيعوا سرنا(3)
ومرسلة الحسين بن عثمان عمن أخبره عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: من أذاع علينا شيئاً من أمرنا فهو كمن قتلنا عمداً ولم يقتلنا خطأ(4)
وفي هذا المعنى روايات كثيرة.
وفي بعضها ورد فيها الصعب من حديثنا وقد وردت في ذلك عدة روايات: منها:
رواية حفص الأبيض، قال: دخلت على أبي عبد الله (علیه السلام) أيام قتلالمعلى بن خنيس وصلب، فقال: يا حفص إني نهيت المعلّى عن أمر فأذاعه، فاقبل بما ترى، قلت له: إن لنا حديثاً من حفظه حفظ الله عليه دينه ودنياه، ومن أذاعه علينا سلبه الله دينه، يا معلّى لا تكونوا أسرى في أيدي الناس لحديثنا إن شاؤا منّوا عليكم، وإن شاؤا قتلوكم، يا معلّى إنه من كتم الصعب من حديثنا جعله الله نوراً بين عينيه ورزقه العزّ في الناس، يا معلّى من أذاع الصعب من حديثنا لم يمت
ص: 208
حتى يعضه السلاح أو يموت بخبل، إني رأيته يوماً حزيناً فقلت: ما لك؟ أذكرت أهلك وعيالك؟ فقال: نعم فمسحت وجهه فقلت: أنّى تراك، فقال: أراني في بيتي مع زوجتي وعيالي، فتركته في تلك الحال مليّاً، ثمّ مسحت وجهه فقلت: أين تراك؟ فقال: أراني معك في المدينة، فقلت له: احفظ ما رأيت فلا تذعه، فقال لأهل المدينة: إنّ الأرض تطوى لي فأصابه ما قد رأيت(1)
وهذه الرواية أوردها الكشي (2) مع اختلاف في صدر السند وفي بعض ألفاظ المتن، كما وردت هذه الرواية في جامع أحاديث الشيعة(3) ، نقلاً عن بصائر الدرجات مع الاختلاف في السند وبعض العبارات فلاحظ، فإن محل الشاهد من الرواية وهو قوله (علیه السلام): فلا تذعه ... الخ لم يرد في رواية الكشي والجامع، وإنما ورد: أنت مقتول فاستعد.
ومنها: رواية أبي بصير عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: حديثنا صعب مستصعب ذكوان، أجرد، مقنع، قال: قلت فسر لي جعلت فداك قال: ذكوان ذكي أبداً قلت: أجرد قال: طري أبداً، قلت: مقنع، قال: مستور(4)
ومنها رواية أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: سمعته يقول: إن حديثنا صعب مستصعب لا يحتمله إلاّ ثلاث: نبيّ مرسل أو ملك مقرب أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان، ثمّ قال: يا أبا حمزة ألا ترى أنّه اختار لأمرنا من الملائكة المقربين ومن النبيين المرسلين ومن المؤمنين الممتحنين(5)
وغيرها من الروايات الكثيرة.
وفي بعضها ورد السر وسرنا وقد تقدمت جملة من الروايات، ومن ذلك
ص: 209
أيضاً: رواية جابر، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: إنّ أمرنا سر في سر، وسر مستسر، وسر لا نعيده، إلاّ سر، وسر على سر، وسر مقنع بسر(1)
وهذه الرواية معتبرة على الأظهر فإنّ في سندها محمّد بن سنان وجابر وقد استظهرنا وثاقتهما.
ورواية مرازم، قال: قال لي أبو عبد الله (علیه السلام): إن أمرنا هو الحق، وحق الحق، وهو الظاهر، وباطن الظاهر، وباطن الباطن، وهو السر، وسر السر، وسر المستسر، وسر مقنع بسر(2)
وغيرهما من الروايات.
هذه هي العناوين الواردة في الروايات والظاهر من مطلق الحديث هو حديث الإمامة والولاية وما يكون من مختصات أهل البيت (علیهم السلام) من المعجزات، والأحكام الخاصة بالإمامية التي لا يفتي بها غيرهم، وليس المراد هو كل حديث عنهم (علیهم السلام) وإن كان في غير هذه الأمور.
كما أنّ الظاهر من أمرهم (علیهم السلام) هو الولاية، ويشهد على ذلك بعض الروايات.
وأما المراد من الصعب والسر فهو ما لا يكون قابلاً للتحمل كالمغيبات ونحوها فيكون شاملاً لخوارق العادة والمعجزات، ويحتمل أن يكون المراد من الصعب هو أمر الولاية وقد فسرت الأمانة في الآية الكريمة: (إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ...)(3) بالإمامة وهي لا يتحملها كل أحد.
وعليه فيمكن الجمع بهذا النحو من الجمع بين هذه العناوين الواردة في الروايات.
ويمكن أن يستشهد على ما ذكرنا ببعض الروايات الأخرى: منها: رواية عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: أتى الحسين (علیه السلام) أناس فقالوا له:
ص: 210
يا أبا عبد الله حدثنا بفضلكم الذي جعله الله لكم ، فقال: إنكم لا تحتملونه ولا تطيقونه، فقالوا: بلى نحتمل قال: إن كنتم صادقين فليتنح اثنان وأحدّث واحداً، فإن احتمله حدّثتكم، فتنحّى اثنان وحدّث واحداً، فقام طاير العقل ومرّ على وجهه وذهب فكلمه صاحباه فلم يرد عليهما شيئاًوانصرفوا(1)
وفي روايته الأخرى: «فما فرغ الحسين (علیه السلام) من حديث حتى ابيض رأس الرجل ولحيته وأنسي الحديث.
وهاتان الروايتان واضحتان من حيث الدلالة إلاّ أنهما من حيث السند غير تامتين فإن فيها عبد الرحمن بن كثير وهو محل كلام.
ومنها: رواية أحمد بن محمّد بن أبي نصر قال: سألت أبا الحسن علي بن موسى الرضا ' عن الرؤيا؟ فأمسك عني، ثمّ قال: لو أنا أعطيناكم ما تريدون كان شراً لكم، وأخذ برقبة صاحب هذا الأمر، قال أبو جعفر (علیه السلام): «ولاية الله أسرّها إلى جبرئيل (علیه السلام) وأسرّها جبرئيل (علیه السلام) إلى محمّد (صلی الله علیه و آله و سلم) وأسرّها محمّد (صلی الله علیه و آله و سلم) إلى علي (علیه السلام) وأسرّها علي صلوات الله عليه إلى من شاء، ثمّ أنتم تذيعون ذلك من الذي أمسك حرفاً سمع به؟» (2) والرواية طويلة وهي معتبرة السند.
وغيرها من الروايات.
ثم إنّ بعض الروايات اشتملت على عنوان آخر وإن كان غير خارج في المراد منه عن العناوين المتقدمة، وهو عنوان الدين فقد وردت صحيحة سليمان بن خالد في هذا المعنى، قال: قال لي أبو عبد الله (علیه السلام): إنكم على دين من كتمه أعزّه الله ومن أذاعه أذله الله(3)
والظاهر من الدين هو الولاية كما أشرنا إلى ذلك فيما تقدم وليس المراد من الدين هو الإسلام.
ص: 211
الأولى: هل يجب الكتمان عن مطلق المخالفين أم لا؟
والذي يظهر من الروايات جواز الإظهار لمن يوثق به، سواء كان الأصحاب أو الأهل أو غيرهم، وأما غيرهم فلا يجوز سواء كان من المخالفين أو غيرهم، فيكون شاملاً لبعض أفراد الخاصة ممّن لا يوثق به أو لا يتحمل.
ويدل على ذلك عدة روايات:منها: صحيحة أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن حديث، فقال: هل كتمت علي شيئاً قط؟ فبقيت أتذكر فلما رأى ما بي، قال: ما حدثت به أصحابك فلا بأس، وإنما الإذاعة أن تحدّث به غير أصحابك(1)
واصرح منها صحيحة داود بن فرقد قال: قال لي أبو عبد الله (علیه السلام): لا تحدّث حديثنا إلاّ أهلك أو من تثق به(2)
وقوله (علیه السلام): «أو من تثق به» مطلق سواء كان من الأصحاب أو من غيرهم.
وبناء على هذا فالشخص إذا كان من الأهل، أو كان مورداً للوثوق فلا مانع من التحدّث إليه بمقتضى مفاد هذه الرواية.
ومنها: رواية عبد الأعلى بن أعين عن أبي عبد الله جعفر بن محمّد' أنّه قال: ليس هذا الأمر معرفته وولايته فقط حتى تستره عمن ليس من أهله، وبحسبكم أن تقولوا ما قلنا وتصمتوا عما صمتنا، فإنكم إذا قلتم ما نقول وسلمتم لنا فيما سكتنا عنه فقد آمنتم بمثل ما آمنا به، قال الله تعالى: (فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدْ اهْتَدَوا ) (3) قال علي بن الحسين ': حدثوا الناس بما يعرفون، ولا
ص: 212
تحملونهم ما لا يطيقون فتغروهم بنا(1)
ويؤيده رواية عبد الأعلى (مولى آل سام) قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام): إنه ليس من احتمال أمرنا التصديق له والقبول فقط، من احتمال أمرنا ستره وصيانته عن غير أهله، فاقرأهم السلام وقل لهم: رحم الله عبداً اجترّ مودة الناس إلى نفسه، حدثوهم بما يعرفون واستروا عنهم ما ينكرون، ثمّ قال: والله ما الناصب لنا حرباً بأشدّ علينا مؤنة من الناطق علينا بما نكره، فإذا عرفتم من عبد إذاعة فامشوا إليه وردوه عنها، فإن قبل منكم وإلاّ فتحملوا عليه بمن يثقل عليه ويسمع منه، فإن الرجل منكم يطلب الحاجة فيلطف فيها حتى تقضى له، فالطفوا في حاجتي كما تلطفون في حوائجكم، فإن هو قبل منكم وإلاّ فادفنوا كلامه تحت أقدامكم ولا تقولوا إنه يقول ويقول، فإنّ ذلك يحمل عليّ وعليكم، أما والله لو كنتم تقولون ما أقول لكم لأقررت أنكم أصحابي، هذا أبو حنيفة له أصحاب، وهذا الحسن البصري له أصحاب، وأنا امرؤ من قريش قد ولدني رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وعلمت كتاب الله وفيه تبيان كل شيء، بدء الخلق وأمر السماء، وأمرالأرض، وأمر الأولين وأمر الآخرين، وأمر ما كان، وأمر ما يكون، كأني أنظر إلى ذلك نصب عيني(2)
وفي هذا المعنى روايات كثيرة.
والحاصل مما ذكرنا: أنّه يجوز التحدث للأهل ولمن يوثق به.
الثانية: هل الكتمان واجب من جهة الخوف فقط؟ أو يشمل حالة المداراة وجلب القلوب والمودة وإن لم يكن فيه خوف؟
والظاهر من كثير من الروايات أنّه من جهة الخوف، وذلك للتعليل الوارد في بعض هذه الروايات كقوله (علیه السلام): «ما قتلنا من أذاع حديثنا قتل خطأ ولكن
ص: 213
قتلنا قتل عمد» (1) ، فإنّ الإذاعة توجب الهتك والقتل فيكون مرجع وجوب الكتمان إلى الخوف، ثمّ إنّ الإذاعة لا يشترط فيها أن تكون لشخص يخاف منه، بل هي في نفسها كافية بمعنى أنّه لو لم يكن هناك من يخاف منه فالإذاعة أيضاً غير جائزة، لأن إذاعة السر تنتهي بالمآل إلى الخوف، وبناء على هذا فإذاعة السر غير جائزة مطلقاً إلاّ في ما استثني مما تقدم.
وأما إذا كان من جهة المداراة فقد وردت عدة روايات، منها ما تقدم من رواية عبد الأعلى بن أعين، ورواية عبد الأعلى مولى آل سام، وورد فيهما: رحم الله عبداً اجتر مودة الناس إلى نفسه وإلينا، وورد في إحدى الروايتين «حدثوا الناس بما يعرفون ولا تحملونهم ما لا يطيقون» وهاتان الروايتان وردتا بأسانيد متعددة، كما أنّ هناك بعض الروايات اشتملت على هذا المضمون، منها رواية مدرك بن زهير (الهزهازك) قال: قال أبو عبد الله جعفر بن محمّد ': يا مدرك إن أمرنا ليس بقبوله فقط، ولكن بصيانته وكتمانه عن غير أهله، أقرأ أصحابنا السلام ورحمة الله وبركاته وقل لهم: رحم الله امرءاً اجترّ مودة الناس إلينا فحدثهم بما يعرفون وترك ما ينكرون(2).
إلاّ أن استفادة الوجوب من ذلك مشكل، فإن لسان الدليل لا يساعد عليه فإنّ قوله (علیه السلام): «رحم الله عبداً» لا يدل على الوجوب، ومع الشك فالأصل عدمه، نعم القول بالاستحباب المؤكّد له وجه، وعليه فجلب القلوبواجترار مودة الناس إلى أهل البيت (علیهم السلام) مستحب مؤكد.
ص: 214
اختلفت الأقوال في جواز تسمية الإمام الثاني عشر الحجة بن الحسن العسكري عجل الله تعالى فرجه الشريف مطلقاً أي: في حال التقية وعدمها، وأشهر هذه الأقوال خمسة:
الأول: الجواز مطلقاً إلاّ في زمن التقية، وهو قول صاحب الوسائل ! وغيره(1)
الثاني: المنع مطلقاً ونسب إلى المشهور، وهو ظاهر كلام الشيخ المفيد(2) والصدوق(3) والطبرسي(4) والمحدث النوري(5) وغيرهم(6) قدس الله أسرارهم.
الثالث: الحرمة في المحافل والمجالس ومجمع الناس، ونسب إلى المحقق الداماد ! (7)
الرابع: الكراهة ونسب إلى الشيخ الأنصاري ! (8)
الخامس: التفصيل بين زمان الغيبة الصغرى وزمان الغيبة الكبرى، فيحرم في الأول دون الثاني.
والقول الأخير ذكره العلامة المجلسي ! ولم ينسبه إلى قائل معين(9).
ص: 215
ثم إن اختلاف الأقوال متفرع على اختلاف الروايات الواردة ولابد من استعراض جملة منها لنتبيّن حقيقة الحال.
ثم لا يخفى أن هذا وارد في حق الإمام الثاني عشر كما ذكرنا، وأمابقية الأئمة (علیهم السلام) والسيدة فاطمة الزهراء (علیها السلام) فلا إشكال في جواز تسميتهم، وإن صعب على بعض العامة سماع اسم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ' وفاطمة الزهراء (علیها السلام)كما ورد في بعض الروايات: فإنّ الناس ليس شيء أبغض إليهم من ذكر علي وفاطمة(1)
وأما الروايات فيمكن تقسيمها إلى أربع طوائف:
الطائفة الأولى: الروايات الدالة على حرمة التسمية وعدم جواز ذكره بالاسم مطلقاً.
الطائفة الثانية: الروايات الدالة على الجواز بل ورد التصريح فيها باسمه الشريف.
الطائفة الثالثة: الروايات الدالة على المنع عن ذكر اسمه لعدم الأمن عليه وللخوف من وقوع الطلب من الأعداء.
الطائفة الرابعة: الروايات الدالة على المنع عن ذكر اسمه في المحافل ومجامع الناس.
أما الطائفة الأولى فهي عدة روايات:
منها: صحيحة داود بن القاسم الجعفري عن أبي جعفر (علیه السلام) ، (في حديث الخضر (علیه السلام) ) أنّه قال: واشهد على رجل من ولد الحسن لا يسمى ولا يكنى حتى يظهر أمره فيملأها عدلاً كما ملئت جوراً إنه القائم بأمر الحسن بن علي ' (2)
وهذه الرواية بالإضافة إلى صحة السند واضحة الدلالة فإن قوله (علیه السلام): لا
ص: 216
يسمى ولا يكنى دال على الحرمة، ونظير ذلك قوله تعالى: (فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ)(1) ، فمفاد الرواية النهي عن التسمية.
ومنها: صحيحة ابن رئاب عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: صاحب هذا الأمر لا يسميه باسمه إلاّ كافر(2)
وهذه الرواية أوردها الصدوق في كمال الدين عن علي بن الريان، وفي نسخة عن علي بن زياد، عن أبي عبد الله (علیه السلام) فإن كان الراوي هوابن الريان أو ابن رئاب فلا بأس، والرواية حينئذ معتبرة وهي واضحة الدلالة.
ومنها: موثقة الريان بن الصلت، قال: سمعت أبا الحسن الرضا (علیه السلام) وسُئل عن القائم ، فقال: لا يرى جسمه ولا يسمى اسمه(3)
والمستفاد من الرواية النهي عن الرؤية والتسمية إلاّ أن الأول تكويني والثاني تشريعي.
ومنها: معتبرة داود بن القاسم الجعفري قال: سمعت أبا الحسن العسكري(علیه السلام) يقول: الخلف من بعدي الحسن، فكيف لكم بالخلف من بعد الخلف؟ قلت: ولم جعلني الله فداك؟ قال: لأنكم لا ترون شخصه ولا يحل لكم ذكره باسمه، قلت: كيف نذكره؟ قال: قولوا الحجّة من آل محمّد (صلی الله علیه و آله و سلم) (4)
ودلالة الرواية واضحة، وأما من جهة السند فهو وإن كان فيه محمّد بن أحمد العلوي إلاّ أنّه وارد في أسناد تفسير القمي(5) وفي نوادر الحكمة في المستثنى منه(6) وقد ذكرنا غير مرة أن وقوع الراوي في أسناد أحد هذين الكتابين علامة
ص: 217
على الوثاقة، وقد حققنا ذلك في محله وعليه فلا إشكال في اعتبار السند.
ومنها: موثقة السيد عبد العظيم الحسني عن سيدنا علي بن محمّد ' أنّه عرض عليه اعتقاده وإقراره بالأئمة (علیهم السلام) «إلى أن قال:» ثمّ أنت يا مولاي، فقال له (علیه السلام): ومن بعدي ابني الحسن، فكيف للناس بالخلف من بعده؟ قلت: فكيف ذلك؟ قال: لأنه لا يرى شخصه، ولا يحل ذكره باسمه حتى يخرج فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً، «إلى أن قال: » فقال (علیه السلام): فهذا ديني ودين آبائي(1)
ومنها: موثقة أبي أحمد محمّد بن زياد الأزدي عن موسى بن جعفر' في حديث أوصاف الإمام الثاني عشر وغيبته، قال: تخفى على الناس ولادته، ولا تحل لهم تسميته حتى يظهره الله فيملأ الأرض عدلاً وقسطاً،كما ملئت جوراً وظلماً(2)
ودلالة هاتين الروايتين واضحة فإن ذكر اسمه منهي عنه إلى أن يظهر عجل الله تعالى فرجه.
ومنها: معتبرة صفوان بن مهران عن الصادق (علیه السلام) أنّه قيل له: من المهدي من ولدك؟ قال: الخامس من ولد السابع، يغيب عنكم شخصه ولا يحل لكم تسميته(3)
والرواية وإن جاء في سندها محمّد بن سنان إلاّ أننا استظهرنا وثاقته كما ذكرنا سابقاً، فالرواية من جهة سندها لا إشكال فيها، كما أنها من جهة الدلالة واضحة.
ومنها: رواية عبد العظيم الحسني قال: قلت لمحمّد بن علي بن موسى': إني لأرجو أن تكون القائم من أهل بيت محمّد الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما
ص: 218
ملئت جوراً وظلماً، فقال (علیه السلام): يا أبا القاسم ما منّا إلاّ قائم بأمر الله عزوجل وهاد إلى دين الله، ولكن القائم الذي يطهر الله عزوجل به الأرض من أهل الكفر والجحود ويملأها عدلاً وقسطاً هو الذي تخفى على الناس ولادته، ويغيب عنهم شخصه، ويحرم عليهم تسميته، وهو سمي رسول الله (علیه السلام) وكنيّه، وهو الذي تطوى له الأرض، ويذل له كل صعب، ويجتمع من أصحابه عدة أهل بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً من أقاصي الأرض، وذلك قول الله عزوجل: (أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمْ اللهُ جَمِيعاً إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)(1) فإذا اجتمعت له هذه العدة من أهل الإخلاص أظهر الله أمره، فإذا كمل له العقد وهو عشرة آلاف رجل خرج بإذن الله عزوجل، فلا يزال يقتل أعداء الله حتى يرضى الله عزوجل، قال عبد العظيم: فقلت له: يا سيدي وكيف يعلم أن الله عزوجل قد رضي؟ قال: يلقي في قلبه الرحمة، فإذا دخل المدينة أخرج اللات والعزى فأحرقهما(2)
ومنها: رواية محمّد بن عبد الجبار، قال: قلت لسيدي الحسن بن علي': يابن رسول الله جعلت فداك أحب أن أعلم من الإمام وحجة الله على عباده من بعدك؟ قال: إنّ الإمام والحجة بعدي ابني سمي رسول اللهوكنيه الذي هو خاتم حجج الله وخلفائه، إلى أن قال (علیه السلام): فلا يحل لأحد أن يسميه أو يكنيه باسمه وكنيته قبل خروجه صلوات الله عليه(3)
وغيرها من الروايات الدالة على حرمة التسمية مطلقاً.
أما الطائفة الثانية: وهي الروايات التي صرح فيها باسمه الشريف في كلمات الأئمة (علیهم السلام) والرواة فهي أيضاً عدة روايات: منها:
ص: 219
رواية محمّد بن إبراهيم الكوفي أن أبا محمّد الحسن بن علي العسكري' بعث إلى بعض من سماه شاة مذبوحة وقال: هذه من عقيقة ابني محمد(1)
ومنها: رواية أبي غانم الخادم قال: ولد لأبي محمّد (علیه السلام) مولود، فسماه محمداً وعرضه على أصحابه يوم الثالث، وقال: هذا صاحبكم من بعدي، وخليفتي عليكم وهو القائم(2)
وفي هذه الرواية نقل الراوي أنّ الإمام سماه بذلك.
ومنها: رواية علان الرازي عن بعض أصحابنا، أنّه لما حملت جارية أبي محمّد قال: ستحملين ولداً واسمه محمد، وهو القائم من بعدي(3)
ومنها: رواية جابر بن عبد الله أنّه رأى قدام فاطمة (علیها السلام) لوحاً يكاد ضوؤه يغشي الأبصار، فيه اثنا عشر اسم، قال: فقلت: اسماء من هؤلاء؟ قالت: أسماء الأوصياء أولهم ابن عمي وأحد عشر من ولدي، آخرهم القائم، قال جابر: فرأيت فيه محمداً محمداً محمداً في ثلاثة مواضع وعلياً علياً علياً علياً في أربعة مواضع(4)
وحديث اللوح ورد بعدة طرق وبعضها صحيح وورد بعبارات مختلفة وبمضمون واحد، وإن هذا اللوح ضم أسم القائم وكنيته وخصوصياته، وكان جابر يحدث بما رآه في ذلك اللوح.
ومنها: ما رواه المفضّل بن عمر قال: دخلت على سيدي جعفر بن محمّد ' فقلت له: يا سيدي لو عهدت إلينا في الخلف من بعدك، فقال لي: يا مفضّل الإمام من بعدي موسى والخلف المأمول المنتظر محمّد بنالحسن بن علي بن محمّد بن علي بن موسى(5)
ص: 220
ومنها: ما ذكره محمّد بن عثمان العمري عن أبيه عن أبي محمّد الحسن بن علي ' في الخبر الذي روي عن آبائه (علیهم السلام) أنّ الأرض لا تخلو من حجة الله على خلقه، وإن من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية، فقال: إن هذا حق كما أن النهار حق، فقيل: يابن رسول الله فمن الحجة والإمام بعدك؟ فقال: ابني محمّد هو الإمام والحجة بعدي، فمن مات ولم يعرفه مات ميتة جاهلية(1)
ومنها: رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عن آبائه (علیهم السلام) قال: قال أمير المؤمنين (علیه السلام) على المنبر: يخرج رجل من ولدي في آخر الزمان - وذكر صفة القائم وأحواله إلى أن قال: - له اسمان: اسم يخفى واسم يعلن، فأما الذي يخفى فأحمد، وأما الذي يعلن فمحمّد الحديث(2)
فهذه الروايات تشتمل على التصريح باسم الحجة على لسان الأئمة(علیهم السلام) أو على ألسنة الرواة.
وأما الطائفة الثالثة: وهي الدالة على المنع من جهة الخوف، ووقوع الطلب عليه لا مطلقاً فهي عدة روايات:
الأولى: رواية أبي عبد الله الصالحي، قال: سألني أصحابنا بعد مضي أبي محمّد(علیه السلام) أن أسأل عن الاسم والمكان؟ فخرج الجواب: إن دللتم على الاسم أذاعوه وإن عرفوا المكان دلّوا عليه(3)
الثانية: رواية عبد الله بن جعفر الحميري، عن محمّد بن عثمان العمري (في حديث) أنّه قال له: أنت رأيت الخلف؟ قال: إي والله «إلى أن قال:» قلت: فالاسم قال: محرم عليكم أن تسألوا عن ذلك، ولا أقول هذا من عندي فليس لي أن أحلّل ولا أحرّم، ولكن عنه (علیه السلام) فإن الأمر عند السلطان أن أبا محمّد مضى ولم
ص: 221
يخلف ولداً «إلى أن قال:» وإذا وقع الاسم وقع الطلب، فاتقوا الله وامسكوا عن ذلك(1)
الثالثة: معتبرة أبي خالد الكابلي، قال: لما مضى علي بن الحسين دخلت على محمّد بن علي الباقر ' فقلت: جعلت فداك قد عرفت انقطاعيإلى أبيك وأنسي به ووحشتي من الناس، قال: صدقت يا أبا خالد تريد ماذا؟ قلت: جعلت فداك قد وصف لي أبوك صاحب هذا الأمر بصفة لو رأيته في بعض الطريق لأخذت بيده، قال: فتريد ماذا يا أبا خالد؟ قال: أريد أن تسميه لي حتى أعرفه باسمه، فقال: سألتني والله يا أبا خالد عن سؤال مجهد، ولقد سألتني عن أمر ما لو كنت محدثاً به أحداً لحدثتك، ولقد سألتني عن أمر لو أن بني فاطمة عرفوه حرصوا على أن يقطعوه بضعة بضعة(2)
الرابعة: رواية الحسين بن حمدان الحضيني في كتابه، عن علي بن الحسين بن فضال، عن الريان بن الصلت قال: سمعت الرضا علي بن موسى' يقول: القائم المهدي ابن ابني الحسن، لا يرى جسمه ولا يسمى باسمه بعد غيبته أحد حتى يراه ويعلن باسمه فليسمه كل الخلق، فقلنا له: يا سيدنا فإن قلنا: صاحب الغيبة، وصاحب الزمان والمهدي، قال: هو كله جائز مطلقاً وإنما نهيتكم عن التصريح باسمه الخفي عن أعدائنا فلا يعرفوه(3).
ومحل الشاهد قوله (علیه السلام): الخفي عن أعدائنا فلا يعرفوه، فالإخفاء إنما هو عن الأعداء، وأما غير الأعداء فلا نهي.
فهذه الروايات صريحة الدلالة على أن المنع عن ذكر اسمه الشريف إنما هو للخوف عليه من طلب الأعداء.
ص: 222
وأما الطائفة الرابعة: وهي الروايات الدالة على المنع عن التسمية في محافل الناس ومجامعهم فهما روايتان:
الأولى: رواية علي بن الحسين الدقاق وإبراهيم بن محمّد قالا: سمعنا علي بن عاصم الكوفي يقول: خرج في توقيعات صاحب الزمان : ملعون ملعون من سماني في محفل من الناس(1)
الثانية: معتبرة محمّد بن عثمان العمري قال: خرج توقيع بخط أعرفه: من سماني في مجمع من الناس فعليه لعنة الله(2)
هذه جملة من الروايات الواردة في التسمية، وهناك روايات أخرى غير ما ذكرنا لكنها لا تخرج عن واحدة من هذه الطوائف الأربع، ولعلنانشير إلى بعضها فيما سيأتي.
هذا وقد استدل للقول بالمنع عن التسمية مطلقاً بأدلة ثلاثة:
الأول: الروايات المانعة.
الثاني: الإجماع.
الثالث: السيرة العملية.
أما الروايات فسيأتي الكلام عنها.
وأما الإجماع فلا يمكن الاعتماد عليه لأنه لم يحرز أنّه إجماع تعبدي، وإن ورد في كلمات المحقق الداماد وغيره، ونسبوا القول بالمنع إلى قاطبة الأصحاب والمشايخ.
وأما السيرة فكذلك لأنه لا يعلم دلالتها على الحرمة أو الكراهة، ولم يحرز أنها متصلة بزمن الأئمة فتبقى الروايات المانعة وهي معارضة بالطوائف الثلاث الأخرى فلابد من البحث والتأمل.
ص: 223
والتحقيق: أن الروايات الدالة على المنع مطلقاً هي الأرجح من بين الروايات لأن أكثرها صحيح السند وواضح الدلالة، وظاهر النهي هو التحريم فالذي يقوى في النفس هو القول بالنهي عن التسمية مطلقاً ولابد حينئذ من توجيه بقية الروايات فنقول:
أما الطائفة الثانية: وهي التي ورد فيها التصريح باسمه الشريف فهي على نحوين:
الأول: ما ورد التصريح فيها على ألسنة الأئمة (علیهم السلام) .
الثاني: ما ورد التصريح فيها على ألسنة الرواة.
أما بالنسبة إلى النحو الأول فهو غير مشمول للحرمة والدليل الوارد في النهي عن التسمية خاص بما عدا الأئمة (علیهم السلام) ، فتصريح الأئمة (علیهم السلام) بالاسم الشريف للحجة لا مانع منه، وأكثر هذه الروايات من هذا القبيل كخبر اللوح الذي رآه جابر بن عبد الله، ورواية تسمية الإمام العسكري (علیه السلام) ابنه وغيرها كرواية المفضل ورواية السؤال عن معرفة إمام الزمان، مضافاً إلى أن بعضها ضعيف السند، كرواية أبي الجارود فإن في سندها إسماعيل بن مالك وهو لم يعرف.
والمتحصّل إن هذا القسم من هذه الطائفة خارج عن محل الكلام، ولا يصلح لأن يعارض به الروايات الناهية عن التسمية مطلقاً.
وأما بالنسبة إلى النحو الثاني فمع الإغماض عن المناقشة في أسناد هذه الروايات إلاّ أنّه يمكن القول إن الراوي ينقل نفس الألفاظ الواردة عنالمعصوم فتكون من قبيل الحكاية للدعاء أو القراءة للمكتوب، وهذا غير مشمول للأدلة فلابد من ملاحظة الرواية، فإن كانت التسمية من الراوي حكاية عن الإمام ونقلاً لألفاظه فلا إشكال، والإشكال فيما إذا كانت التسمية من نفس الراوي وفعل الراوي ليس حجة علينا، نعم لو صدرت التسمية من الراوي في محضر الإمام
ص: 224
ومجلسه وسكت الإمام كان ذلك تقريراً من المعصوم، ولم نعثر على شيء من ذلك في الروايات، هذا بالنسبة إلى الطائفة الثانية من الروايات.
وأما بالنسبة للطائفة الثالثة وهي الواردة في النهي عن التسمية لجهة الخوف وطلب الأعداء فقد ذكرنا أربع روايات وهي محل نقاش إما من جهة الدلالة، وإما من جهة السند، وإما من كلتا الجهتين.
ففي الرواية الأولى أبو عبد الله الصالحي وورد في بعض الروايات الأخرى أبو عبد الله بن صالح فلعلهما واحد، وعلى كل تقدير فهو مجهول فالرواية لا يعتمد عليها من جهة السند.
وأما من جهة الدلالة ففيها غموض وذلك لأن قوله (علیه السلام): إن دللتم على الاسم أذاعوه وإن عرفوا على المكان دلوا عليه وإن كان وارداً في مقام التعليل من جهة الخوف، ولكن إذا كان الإمام غائباً ولا يرى جسمه ولا شخصه فأي خوف عليه من معرفة الاسم أو المكان، فالحق أن دلالة الرواية غامضة وعليه فلا يمكن الاعتماد عليها سنداً ودلالة.
وأما الرواية الثانية فهي من حيث السند معتبرة إلاّ أن الكلام من حيث الدلالة، فقد يستدل بها على أن الحرمة مخصوصة بظرف معين، وذلك بجملتين من الرواية الأولى قوله: «فإنّ الأمر عند السلطان أن أبا محمّد مضى ...» ، فالحرمة خاصة بزمان السلطان، والثانية: قوله: «إذا وقع الاسم وقع الطلب فاتقوا الله» ، فالتسمية توجب أن يقع عليه الطلب، ولذلك تحرم تسميته وهذه الجملة وإن كانت متفرعة عن الأولى إلاّ أنّه يمكن أن يقال: إن المقصود من السلطان الأعم من سلطان زمانه أو غيره، فيمكن الاستدلال بها على أن الحرمة خاصة بزمان الغيبة الصغرى أو مطلقاً، وعلى كل تقدير فالحرمة خاصة لأجل الخوف عليه من طلب الأعداء.
والجواب: أنّ الرواية وإن كانت معتبرة السند إلاّ أنها من حيث الدلالة
ص: 225
غير تامة، وذلك لأنّ التعليل الوارد في الرواية لم يعلم أنّه من الإمام (علیه السلام) بل من العمري، فإنه هو الذي علل الكلام بذلك، نعم الحكم بالحرمة من الإمام إلاّ أن التعليل من غيره، ومع الشك في ذلك لا يمكن الاستدلال بهاعلى المدعى، مضافاً إلى أنّه يرد على الرواية على أحد التقديرين ما يرد على الرواية الأولى، فتكون دلالتها غامضة.
والحاصل: أنّ هذه الرواية لا يمكن الاعتماد عليها لتقييد الروايات الناهية عن التسمية مطلقاً حتى يظهر.
وأما الرواية الثالثة وهي رواية الكابلي فهي معتبرة السند ولا إشكال فيها من هذه الناحية فإن عبد الواحد بن عبد الله(1) ثقة ومحمّد بن جعفر - كما في سند البحار نقلاً عن غيبة النعماني - ثقة أيضاً، وذلك لأنّ محمّد بن جعفر الذي يروي عن ابن أبي الخطاب اثنان: أحدهما ثقة وهو الرزاز(2) ، والآخر ضعيف وهو ابن بطة(3) ، والوارد في الرواية هو الأول دون الثاني، فإن النعماني في غيبته(4) صرح بأنه محمّد بن جعفر القرشي وهو أبو الحسين الكوفي الرزاز، ولولا ذلك لتوقفنا في سند الرواية، ثمّ إنّ ابن أبي الخطاب(5) ومحمّد بن يحيى الخثعمي(6) وضريس(7) وأبا خالد الكابلي(8) كلهم ثقات ومحمّد بن سنان وإن كان فيه نقاش إلاّ أننا استظهرنا وثاقته.
والحاصل: أن سند الرواية معتبر كما أنها وردت في غيبة الطوسي بسند
ص: 226
صحيح(1)
وأما من جهة الدلالة فهي تامة أيضاً، فإن الإمام الباقر (علیه السلام) تحفّظ على الاسم ولم يذكره لأبي خالد، ومنه يعلم أنّ التحريم لا يختص بزمان ولادته بل قبل ولادته أيضاً، وإذا كان يخاف على الإمام من بني فاطمة وهم أقرب الناس إلى الأئمة فكيف بغيرهم؟
ولكن هذا التعليل لا يستفاد منه اختصاص الحرمة بزمان دون زمان بل إلى زمان الظهور، فيكون وجهاً لحرمة التسمية مطلقاً ومؤيداً للطائفة الأولى من الروايات.وأما الرواية الرابعة وهي رواية المستدرك فسندها صحيح، وقلنا: إنّ محل الشاهد قوله: «الخفي عن أعدائنا» ، وغير الأعداء لا تقية عنهم، وقد استدل بعضهم بهذه الرواية على اختصاص النهي عن التسمية بالخوف من الأعداء.
والجواب: أنّ الرواية وإن كانت صحيحة السند إلاّ أنّ الكلام في صاحب الكتاب وهو الحسين بن حمدان الحضيني، فقد قال عنه النجاشي: فاسد المذهب(2) وقال عنه ابن الغضائري كذّاب فاسد المذهب ...(3) ، ولا أقل من أنّه لم يرد فيه توثيق، فلا يمكن الاعتماد على هذه الرواية، هذا ما يتعلق بالطائفة الثالثة.
وأما الطائفة الرابعة التي يستفاد منها أنّ النهي عن التسمية في المجامع والمحافل فقد قلنا إنّها روايتان:
أما الرواية الأولى فهي من حيث السند ضعيفة، فإنّ فيه آدم بن محمّد البلخي وهو لم يوثق وإن كان بقية أفراد السند لا بأس بهم.
ص: 227
وأما من جهة الدلالة فقد استدل بها على أن المراد من الناس في الرواية هم العامة كما يطلق ذلك عليهم كثيراً، وأن النهي مختص بمحافلهم وهو مظنة التقية والمفسدة، وذهب إلى ذلك صاحب الوسائل.
والجواب: أن المقصود من الرواية هو شدة الحرمة وتأكدها في المحافل لا أنّ النهي مختص بها، وبناء على ذلك فالرواية سنداً ودلالة غير تامة.
وأما الرواية الثانية فهي من حيث السند معتبرة فإن محمّد بن إبراهيم بن إسحاق من مشايخ الصدوق وقد ترضى عنه، وبناء على أن الترضي علامة على الوثاقة كما حققناه في محله فيكون محمّد بن إبراهيم ثقة، كما أن محمّد بن همام، ومحمّد بن عثمان ثقتان فلا إشكال في اعتبار السند.
وأما من جهة الدلالة فقد قيل: إنّ الناس هم العامة كما قيل في الرواية السابقة، وبناء عليه فحرمة التسمية مختصة بالتقية من العامة.
وفيه: أولاً: لم يحرز أن الناس هم خصوص العامة وقد وردت روايات أخرى يستفاد منها أن الناس هم مطلق الناس، كما وردت روايات أخرى يستفاد منها أن الناس هم العامة، والظاهر من الرواية هو مطلق الناس وليس فيها قرينة تعينهم بالعامة.
وثانياً: أنّ النهي عن التسمية في مجمع الناس لا يدل على أنّه في غيرالمجمع غير منهي عنه.
وثالثاً: لم تشتمل الرواية على ما يصرف ظاهرها إلى التقية.
وبناء عليه فلا يمكن رفع اليد عن الإطلاقات الكثيرة بهذه الرواية، فإنّ التمسك بها لرفع اليد عن الروايات الصحيحة سنداً والتامة دلالة يلزم منه تخصيص الأكثر.
والذي تحصل: أننا لم نقف على رواية معتبرة السند والدلالة تنهض
ص: 228
لمعارضة الروايات المتعددة الصحيحة في سندها والصريحة في دلالتها على أن الحرمة لا تختص بزمان دون زمان، فالتقييد بزمان الغيبة أو بالخوف أو بمحافل الناس ضعيف جداً، والقول بالحرمة مطلقاً هو الأقوى.
الأول: هل تختص الحرمة بذكر الاسم الشريف للغير؟ أو أنها مطلقة فتشمل الذكر للنفس أيضاً؟
ظاهر الروايات هو الأول وإن كان الذكر في نفسه شاملاً لكلا الحالتين.
وقد ورد الذكر في روايتين الأولى: معتبرة داود بن القاسم الجعفري ففيها: ... ولا يحل لكم ذكره باسمه.
والثانية: موثقة عبد العظيم الحسني وفيها: ... ولا يحل ذكره باسمه حتى يخرج.
والروايتان مطلقتان إلاّ أن انصراف التحريم عرفاً هو الذكر بالنسبة إلى الغير، ولا ينافيه كون الذكر شاملاً للذكر للنفس.
ويؤيد ذلك الروايات المانعة عن التسمية في محافل الناس ومجامعهم، أو عند الخوف من الطلب، ومع الشك في الشمول فالقدر المتيقن هو الذكر للغير، وما عداه يكون مجرى أصالة البراءة للشك في التكليف حينئذ، فالظاهر هو الجواز والاحتياط لا يترك.
الثاني: هل تشمل الحرمة كتابة الاسم الشريف أو أنها تختص بالتلفظ؟
يمكن القول بأن الكتابة خارجة وهي غير مشمولة للحرمة، وذلك لأن الكتابة لا يصدق عليها أنها تسمية، مضافاً إلى ما تقدم من التصريح في النهي عن الذكر، والكتابة ليست من الذكر.
وما يقال: من أن المناط واحد فكما أن الذكر محرم فكذلك الكتابة، مدفوع
ص: 229
بأنّ المناط هنا غير معتبر، فإن الناس وإن كانوا يعرفون الاسم إلاّأن الذكر في نفسه محرم، فلم يحرز أن العلم هو المناط في الحرمة، فالقول بالجواز هو الأقوى والاحتياط في محله.
الثالث: هل تختص الحرمة بناء على القول بها بالاسم الشريف؟ أم أنها تعم الكنية أيضاً؟
والوارد من الروايات في هذا المعنى ثلاث روايات:
الأولى: صحيحة أبي هاشم داود بن القاسم الجعفري - المتقدمة - عن أبي جعفر (علیه السلام) (في حديث الخضر (علیه السلام) ) أنّه قال: واشهد على رجل من ولد الحسن لا يسمى ولا يكنى حتى يظهر أمره، فيملأها عدلاً كما ملئت جوراً إنه القائم بأمر الحسن بن علي ' (1)
وهذه الرواية وإن كانت صحيحة السند إلاّ أن دلالتها على الحرمة ليست واضحة، بخلاف الاسم فإنّ الروايات الناهية عن التسمية صريحة الدلالة، كما أنها صحيحة الأسناد.
الثانية: ما أورده صاحب المستدرك نقلاً عن كتاب الغيبة للفضل بن شاذان، عن محمّد بن عبد الجبار، قال: قلت لسيدي الحسن بن علي ': يابن رسول الله جعلت فداك - أحب أن أعلم من الإمام وحجة الله على عباده من بعدك؟ قال: إنّ الإمام والحجة بعدي ابني سمي رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وكنيه الذي هو خاتم حجج الله وخلفائه «إلى أن قال (علیه السلام): » فلا يحل لأحد أن يسميه أو يكنيه باسمه وكنيته قبل خروجه صلوات الله عليه(2)
الثالثة: ما رواه الفضل بن شاذان أيضاً في كتاب الغيبة عن إبراهيم بن محمّد بن فارس النيسابوري، قال: لما همّ الوالي عمرو بن عوف بقتلي، وهو رجل
ص: 230
شديد وكان مولعاً بقتل الشيعة، فأخبرت بذلك وغلب عليّ خوف عظيم، فودّعت أهلي وأحبائي وتوجهت إلى دار أبي محمّد (علیه السلام) لأودعه، وكنت أردت الهرب، فلما دخلت عليه رأيت غلاماً جالساً في جنبه، وكان وجهه مضيئاً كالقمر ليلة البدر، فتحيرت من نوره وضيائه، وكاد أن أنسى ما كنت فيه من الخوف والهرب، فقال: يا إبراهيم، لا تهرب فإن الله تبارك وتعالى سيكفيك شره فازداد تحيري، فقلت لأبي محمّد (علیه السلام): يا سيدي جعلني الله فداك من هو وقد أخبرني بما كان في ضميري؟! فقال: هو ابني وخليفتي من بعدي. وهو الذي يغيب غيبة طويلة، ويظهر بعد امتلاء الأرض جوراًوظلماً، فيملأها قسطاً وعدلاً فسألته عن اسمه، فقال: هو سمي رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وكنيّه، ولا يحلّ لأحد أن يسميه أن يكنيه بكنيته إلى أن يظهر الله دولته وسلطنته، فاكتم يا إبراهيم ما رأيت وسمعت منّا اليوم إلاّ عن أهله، فصليت عليهما وآبائهما وخرجت مستظهراً بفضل الله تعالى واثقاً بما سمعت من الصاحب (علیه السلام) الخبر(1)
والروايتان وإن كانتا معتبرتين سنداً وواضحتين دلالة وهما أصرح في الحرمة من الرواية الأولى، واحتمال أن الحرمة فيهما إنما هي للجمع بين الاسم والكنية مدفوع بأنّ الإمام (علیه السلام) عبّر بأو دون الواو، إلاّ أن الكلام في الطريق إلى كتاب الغيبة، فبناء على ثبوت الطريق فالحكم بالحرمة ثابت، وأمّا بناء على عدم ثبوت الطريق وانحصاراستفادة الحكم من الرواية الأولى فلا، لعدم وضوح الدلالة فيها على الحرمة كما ذكرنا، ومع الشك فأصالة البراءة جارية.
الرابع: في الجمع بين الاسم والكنية (في المولود).
ظاهر المشهور الحكم بالكراهة.
قال في الجواهر: «ويكره أن يكنيه أبا القاسم إذا كان اسمه محمداً» (2) ولم
ص: 231
ينقل في المسألة خلافاً وقال في المقنع: «وإذا كان اسمه محمداً فلا تكنه بأبي القاسم» (1)
وقال في الهداية: «ولا يكنّيه بعيسى ولا بالحكم ولا بالحارث لا بأبي القاسم، إذا كان الاسم محمداً» (2) ولم يعبر الشيخ الصدوق بالكراهة أو الحرمة بل عبر بالنهي.
وقال السيد الأستاذ في منهاج الصالحين: يستحب غسل المولود والأذان في أذنه اليمنى والإقامة في اليسرى وتحنيكه بتربة الحسين (علیه السلام) وتسميته باسم أحد الأنبياء والأئمة (علیهم السلام) وتكنيته (ولا يكنى محمّد بأبي القاسم) (3) ، وهكذا في كلمات غيرهم.
وجاء في الروايات النهي عن الجمع بين الاسم والكنية ومنها:
معتبرة السكوني عن أبي عبد الله (علیه السلام) أنّ النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) نهى عن أربع كنىعن أبي عيسى وعن أبي الحكم وعن أبي مالك وعن أبي القاسم إذا كان الاسم محمداً(4)
وهذه الرواية أوردها الكليني في الكافي (5) والصدوق في الخصال(6) والشيخ في التهذيب(7)
ومنها: ما جاء في المستدرك نقلاً عن دعائم الإسلام عن رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم)، أنّه نهى عن أربع كنى عن أبي عيسى، وأبي الحكم، وعن أبي مالك، وعن أبي القاسم إذا كان الاسم محمداً، نهى عن ذلك سائر الناس، ورخص فيه لعلي (علیه السلام) ، وقال المهدي من ولدي يضاهي اسمه اسمي وكنيته كنيتي(8)
ص: 232
ومنها: ما عن فقه الرضا (علیه السلام) ولا تكنِّ بأبي عيسى ولا بأبي الحكم، ولا بأبي الحارث، ولا بأبي القاسم إذا كان الاسم محمداً(1)
ومنها: ما عن الجعفريات بإسناده عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده علي بن الحسين عن أبيه، عن علي بن أبي طالب ' ، قال: قال رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم): إني لا أحل لأحد أن يتسمى باسمي ولا يتكنى بكنيتي، إلاّ مولود لعلي(علیه السلام) من غير ابنتي فاطمة (علیها السلام) ، فقد نحلته اسمي وكنيتي وهو محمّد بن علي(2).
ومقتضى الرواية الأخيرة هو الحرمة في الجمع بين الاسم والكنية إلاّ لمن استثني .
إلاّ أن الكلام في سند الكتاب، فإن كان معتبراً أمكن القول بالاحتياط، وقد ذكرنا في بحوثنا الرجالية أن كتاب الجعفريات لم يثبت منه عندنا إلاّ بمقدار الثلث، وما عداه فهو محلّ نظر .
وأما كتاب فقه الرضا فهو أيضاً محلّ كلام وبحث، وفصلنا القول فيه في محله، وهكذا الكلام بالنسبة إلى كتاب دعائم الإسلام .
فتبقى معتبرة السكوني وهي غير تامة الدلالة، لأنّ النهي مطلق يشمل الكراهة والحرمة، مضافاً إلى أن التكنية بأبي عيسى وأبي الحكم وأبي مالك مكروهة، ولم يقل أحد بحرمتها فهذه كذلك، فإنها جميعاً على نسقواحد، نعم ورد النهي عن التسمية بحكم وحكيم وخالد ومالك وحارث وحرب ومرة وضرار وظالم وضريس(3) وهو أيضاً محمول على الكراهة .
وأما التسمية بمحمّد فهي من المستحبات كما يستفاد ذلك من جملة من الروايات ولا بأس بإيراد بعضها تيمناً .
ص: 233
منها: رواية عاصم الكوزي عن أبي عبد الله أنّ النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) قال: من ولد له أربعة أولاد ولم يسم أحدهم باسمي فقد جفاني(1) ، وفي رواية أخرى ثلاث بنين(2).
ومنها: رواية جابر، عن أبي جعفر (علیه السلام) ، في حديث أنّه قال لابن صغير ما اسمك؟ قال: محمد، قال: بم تكنى؟ قال: بعلي، فقال أبو جعفر (علیه السلام): لقد احتظرت من الشيطان احتظاراً شديداً، إنّ الشيطان إذا سمع منادياً ينادي يا محمّد أو يا علي ذاب كما يذوب الرصاص، حتى إذا سمع منادياً ينادي باسم عدو من أعدائنا اهتز واختال(3)
ومنها: رواية أبي هارون مولى آل جعدة، قال: كنت جليساً لأبي عبد الله(علیه السلام) بالمدينة ففقدني أياماً، ثمّ إني جئت إليه فقال: لم أرك منذ أيام يا أبا هارون فقلت: ولد لي غلام، فقال: بارك الله لك فما سميته؟ قلت: سميته محمداً، فأقبل بخده نحو الأرض وهو يقول محمّد محمّد محمد، حتى كاد يلصق خده بالأرض، ثمّ قال: بنفس وبولدي وبأهلي وبأبوي وبأهل الأرض كلهم جميعاً الفداء لرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، لا تسبه ولا تضربه ولا تسيء إليه، واعلم أنّه ليس في الأرض دار فيها اسم محمّد إلاّ وهي تقدّس كل يوم الحديث(4)
ومنها: ما رواه في عدة الداعي قال: قال الرضا (علیه السلام): البيت الذي فيه محمّد يصبح أهله بخير ويمسون بخير(5)
ومنها: ما ورد في صحيفة الرضا عن آبائه، عن النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) قال: إذا سميتم
ص: 234
الولد محمداً فأكرموه وأوسعوا له في المجلس ولا تقبّحوا لهوجهاً(1)
وغيرها من الروايات الكثيرة التي يستفاد منها الترغيب في التسمية بمحمد.
والحاصل مما ذكرنا: أنّ النهي عن الجمع بين الاسم والكنية محمول على الكراهة، ولم نجد قولاً بالحرمة، وقد تقدم أنّ صاحب الجواهر ذكر قولاً واحداً وهو الكراهة ومع الشك فالقدر المتيقّن هو الكراهة، وما زاد فهو مجرى أصالة البراءة .
الخامس: ذكرنا فيما تقدم في الطائفة الثانية رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر (علیه السلام) وفيها أنّ أمير المؤمنين (علیه السلام) قال على المنبر: إنّ لصاحب الأمر اسمين أحدهما معلن والآخر خفي وقد عثرنا على رواية أخرى جاءت في مختصر بصائر الدرجات، وهي أخبرنا جماعة عن أبي عبد الله الحسين بن علي بن سفيان البزوفري، عن علي بن سنان الموصلي العدل، عن علي بن الحسين، عن أحمد بن محمّد بن الخليل، عن جعفر بن محمّد المصري، عن عمه الحسن بن علي، عن أبيه، عن أبي عبد الله جعفر بن محمد، عن الباقرعن أبيه ذي الثفنات سيد العابدين، عن أبيه الحسين الزكي الشهيد، عن أبيه أمير المؤمنين(علیه السلام) قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في الليلة التي كانت فيها وفاته لعلي(علیه السلام): يا أبا الحسن احضر صحيفة ودواة فأملى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وصيته حتى انتهى إلى هذا الموضع، فقال: يا علي إنه سيكون بعدي اثنا عشر إماماً ، ومن بعدهم اثنا عشر مهدياً، فأنت يا علي أول الاثني عشر الإمام، سمّاك الله في سمائه علياً المرتضى وأمير المؤمنين والصديق الأكبر والفاروق الأعظم والمأمون والمهدي، فلا تصلح هذه الأسماء لأحد غيرك، يا علي أنت وصيي على أهل بيتي حيهم وميتهم، وعلى نسائي فمن ثبّتها لقيتني غداً، ومن طلقتها فأنا بريء منها لم ترني ولم أرها في عرصات القيامة، وأنت خليفتي على
ص: 235
أمتي من بعدي، فإذا حضرتك الوفاة فسلمها إلى ابني الحسن البر الوصول، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابني الحسين الشهيد المقتول، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه سيد العابدين ذي الثفنات علي، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه محمّد الباقر، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه جعفر الصادق، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه موسى الكاظم، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى علي الرضا، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه محمّد التقي، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه علي الناصح، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه الحسن الفاضل، فإذاحضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه محمّد المستحفظ من آل محمّد صلى الله عليه وعليهم، فذلك اثنا عشر إماماً، ثمّ يكون من بعده اثنا عشر مهدياً فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه أول المهديين، له ثلاثة أسامي اسم كاسمي واسم أبي وهو عبد الله، وأحمد، والاسم الثالث المهدي، وهو أول المؤمنين(1)
ووردت بهذا المعنى روايات متعددة، إلاّ أنها غير واضحة الدلالة فلعل المراد منها هو الرجعة، ويحتمل أن الأسماء الثلاثة ترجع إلى المهدي الأول، وهو أول المؤمنين لا إلى آخر الأئمة، مضافاً إلى أنّ هذه الرواية يرد عليها ما ورد على الرواية المتقدمة في الطائفة الثانية.
هذا من جهة الدلالة، وأما من جهة السند فهي تشتمل على عدة من المجاهيل، وعليه فلا يمكن الاعتماد عليها، والداعي لذكر الرواية هو ورود التسمية بأحمد كما في الرواية المتقدمة في الطائفة الثانية.
السادس: ما هو الوجه والحكمة لحرمة التسمية؟
أما ما تقدم من بعض الروايات من أنّه للخوف عليه من طلب الأعداء فلم نفهم له معنى، إذ من الثابت أن له غيبة لا يرى فيها شخصه فكيف يخاف عليه؟!
ص: 236
مضافاً إلى أن اسمه معروف فإنه سمي رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ، وأما ما ذكر من أن المنع إنما هو للتقية فهذا لا كلام فيه، فإن التقية في كل شيء حتى بالنسبة لغير الحجّة من سائر الأئمة (علیهم السلام) .
وقد ذكرت وجوه أخرى لذلك.
والذي نراه أنّ وراء هذه الحرمة المشددة والنهي المؤكد شيئاً آخر، وهو أن وجه المنع في ذلك إنما هو لسد الباب على المدعين لهذا الأمر، حتى يظهر بنفسه ويعلن عن نفسه مؤيداً بالدلائل والآيات، وإن في التحفّظ عن ذكر اسمه الشريف إحداث شوق في نفوس المؤمنين، وحرص على التمسك به، وتطلّع إليه، والشعور بأهميته كما أنّ في كتمان اسمه والتحفّظ عليه ربطاً بالإمام الحجّة ، لأن المؤمن إذا التفت إلى أنّه يحمل أمانة وسرّاً ازداد تعلّقه وارتباطه، وليس المنع هو مجرد الخوف عليه من طلب الأعداء، وهكذا الأمر بالنسبة إلى عدم الرؤية، ولعل في الروايات التي تتحدّث عن الظهور وما بعده إشارة إلى ما ذكرناه.
ويحتمل أن هناك وجوهاً ومصالح أخرى لم ندركها بعد.عجّل الله تعالى فرجه الشريف وجعلنا من أنصاره وأعوانه وثبّتنا على القول بعصمته وغيبته.
والحمد لله ربّ العالمين
وبهذا يتم الكلام عن الفصل الثاني
ص: 237
ص: 238
فروع الدين المشروطة بقصد القربة التقية في الوضوء
· تعيين موارد البحث من هذا الموضوع.
· بيان الوضوء الواقعي المستفاد من الكتاب والسنة وعمل النبيّ(صلی الله علیه و آله و سلم) والأئمة (علیهم السلام) .
· الدليل على أنّ الواجب في غسل الأعضاء مرة مرة وأنّ الثالثة بدعة.
· الدليل على أنّ الغسل من الأعلى لا من الأسفل.
· في بيان أنّ الواجب هو مسح مقدم الرأس لا جميعه.
· الدليل على وجوب مسح الرجلين لا غسلهما.
· بطلان المسح على الخفين، واعتراف كثير من الصحابة بذلك.
· أحكام التقية في هذه الموارد وبيان الأحكام المترتبة عند المخالفة.
ص: 239
ص: 240
وهذا البحث هو من أهم البحوث في هذا الموضوع وذلك لعموم البلوى به، واحتجاج كل من الفريقين بعدة أدلة على صحة عمله، وكثرة الروايات الواردة فيه واختلافها.
ونظراً لأهمية البحث لا بأس بمعالجة الموضوع من جميع أطرافه بما يناسب المقام، فنقول: إنّ موارد التقية من الوضوء ستة هي:
الأول: في غسل الوجه واليدين من حيث الكمية (مرة أو ثلاث).
الثاني: في غسل الوجه واليدين من حيث الكيفية (من الأعلى إلى الأسفل أو بالعكس).
الثالث: في مسح الرأس كلاًّ أو بعضاً مع الأذنين أو بدونهما.
الرابع: في غسل الرجلين أو مسحهما.
الخامس: في مسح الرأس والرجلين بماء الوضوء أو بماء مستأنف.
السادس: في جواز المسح على الخفين وعدمه.
أما المورد الأول: فالخلاف بيننا وبينهم بيّن، فهم قائلون بالغسل ثلاثاً وعملهم عليه، حتى أنّه يمكن أن يشخّص الإمامي من غيره بهذا الفعل، فإن المتسالم عليه عند الإمامية أن الواجب في الوضوء هو غسل الوجه واليدين مرة مرة، والثانية مستحبة على خلاف سيأتي، وأما الثالثة فهي بدعة، قال الشيخ في
ص: 241
الخلاف:الفرض في غسل الأعضاء مرة واحدة، واثنتان سنة، والثالثة بدعة، وفي أصحابنا من قال: إنّ الثانية بدعة، وليس بمعول (بمعتمد) عليه، ومنهم من قال الثالثة تكلّف، ولم يصرّح بأنها بدعة، والصحيح الأول. وقال الشافعي: الفرض واحد واثنتان أفضل، والسنة ثلاثة، وبه قال أبو حنيفة وأحمد، وقال مالك: مرة أفضل من المرتين، وحكى عن بعضهم أن الثلاث مرات واجب(1)
والمقصود من قوله: وفي أصحابنا من قال: إنّ الثانية بدعة هو الشيخ الصدوق، فقد نسب إليه ذلك كما في السرائر(2) ، كما أن المراد من قوله:ومنهم من يقول: الثالثة تكلف، هو الشيخ المفيد ! (3)
والحاصل: أنّ المشهور عند الإمامية استحباب الثانية وحرمة الثالثة حرمة تكليفية ووضعية، ونسب الجواز إلى ابن أبي عقيل(4) ، وابن الجنيد(5)، والشيخ المفيد(6) وإلى المحقق في المعتبر حيث استوجه عدم البطلان(7)
كما نسب إلى الشهيد(8) في الدروس والذكرى القول بأنّ الغسلة الثالثة مفسدة للوضوء من جهة أنّ الماء المستخدم فيها ماء جديد مستأنف، فيكون المسح بماء غير ماء الوضوء .
وهنا قول آخر ينسب إلى النهاية(9) والمدارك(10) وهو أنّ فساد الوضوء إنما يتحقق إذا كان الغسل بالماء الثالث وقع على اليد اليسرى لا على غيرها من
ص: 242
سائر الأعضاء، وهذا القول أخص من قول الشهيد وسيأتي بيان الحق في ذلك عند تحقيق المقام .
ثم إنّ كل من يرى أنها بدعة يقول: إنها مفسدة للوضوء بقول مطلق.
هذه هي أقوال الخاصة في المسألة، وأما العامة فقد ذكرنا بعض أقوالهم في العبارة المتقدمة للشيخ .
وقال ابن رشد في البداية: اتفق العلماء على أن الواجب من طهارة الاعضاء المغسولة مرة مرة إذا أسبغ، وأن الاثنتين والثلاث مندوب إليهما(1).
وفي المهذب: والمستحب أن يتوضأ ثلاثاً ثلاثاً ... فإن اقتصر على مرة وأسبغ أجزأه(2)
وفي المغني: الوضوء مرة مرة والثلاث أفضل، هذا قول أكثر أهل العلم، وقال الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز: الوضوء ثلاث ثلاث إلاّ فيغسل الرجلين(3)
وفي فتح الباري: ومن الغرائب ما حكاه الشيخ أبو حامد الاسفرايني، عن بعض العلماء أنّه لا يجوز النقص من الثلاث ... وهو محجوج بالإجماع(4)
هذه أقوال العامة، ومنها يتبين أنّ الثلاث عندهم سنة بخلاف الخاصة، فإنهم يرونها بدعة وتشريعاً محرماً، ولعل التزام العامة بهذه السنّة عملاً وكأنما يرونها واجباً لهذه الجهة أي لجهة أنّ الخاصة يرون أن الثالثة بدعة .
ثم إنّ الكلام ينبغي أن يكون في مورد الخلاف بيننا وبين العامة وهو خصوص الغسلة الثالثة، وأما الكلام بالنسبة إلى الغسلة الأولى والثانية فهو خارج عن المقام، وقد فصلنا القول فيه في مبحث الطهارة من مباحثنا الفقهية،
ص: 243
وإن كان سيأتي خلال الأبحاث الآتية ما يتعلق بالغسلة الأولى والثانية .
وأما ما يتعلق بما نحن في صدده فالحق أنّ الغسلة الثالثة بدعة منهي عنها، وهي توجب فساد الوضوء، وإلى ذلك ذهب الشيخ كما تقدم، والدليل على ذلك من الكتاب والروايات الكثيرة المتواترة، ويمكن دعوى الإجماع للعلم بشخص المخالف في ذلك وإن جلّ الفقهاءمن الطائفة يعتبرون الثالثة بدعة مفسدة للوضوء .
أما ما يستدل به من الكتاب فقوله تعالى: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ ) (1) بتقريب: أنّ الواجب هو غسل الوجه واليدين فمتى تحقق الغسل فقد امتثل المكلف الأمر، وتحقق المأمور به، وهذا إنما يتم بغسلة واحدة، وما زاد على ذلك يحتاج إلى دليل خاص، وقد قام الدليل الخاص على مشروعية الغسلة الثانية بل على استحبابها وأنها متممة للغسلة الأولى، وأما ما زاد على الثانية فلا دليل لنا عليه، فلا يمكن القول بأنّ الثالثة جائزة، وهو لا يخرج عن دائرة التشريع المحرم لأنّ العبادات أمور توقيفية، والمقدار الذي دلّ عليه الدليل هو الغسلة الأولى بالأصل والثانية بواسطة الروايات الخاصة في المورد والزايد على الثانية لم يرد فيه دليل بل ورد النهي عنه .وأما بالنسبة إلى الروايات فيمكن الاستدلال بها أيضاً على عدم جواز الغسلة الثالثة، وهي على طوائف :
الأولى: ما تدل على الاكتفاء بمرة واحدة ولا يجوز التعدي عنها، وإذا كان لا يجوز التعدي عن المرة إلى الثانية فبالأولى لا تجوز الثالثة.
الثانية: ما تدل على جواز الغسل مرتين، وأن الثانية مستحبة، وأن الاستحباب لا يكون أزيد من مرتين .
الثالثة: ما تنص على أنّ الثالثة بدعة .
ص: 244
أما الطائفة الأولى فهي عدة روايات منها الروايات البيانية التي تحكي وضوء رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وهي :
1 - صحيحة زرارة قال: قال أبو جعفر (علیه السلام): ألا أحكي لكم وضوء رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ؟ فقلنا: بلى، فدعا بقعب فيه شيء من ماء فوضعه بين يديه، ثمّ حسر عن ذراعيه، ثمّ غمس فيه كفه اليمنى، ثمّ قال: هكذا إذا كانت الكف طاهرة، ثمّ غرف مِلأها ماء فوضعها على جبهته، ثمّ قال: بسم الله وسدله على أطراف لحيته، ثمّ أمرّ يده على وجهه وظاهر جبهته مرة واحدة، ثمّ غمس يده اليسرى فغرف بها ملأها ثمّ وضعه على مرفقه اليمنى فأمرّ كفّه على ساعده حتى جرى الماء على أطراف أصابعه، ثمّ غرف بيمينه ملأها فوضعه على مرفقه اليسرى فأمرّ كفّه على ساعده حتى جرى الماء على أطراف أصابعه ومسح مقدم رأسه وظهر قدميه ببلة يساره وبقية بلّة يمناه .
قال: وقال أبو جعفر (علیه السلام): إنّ الله وتر يحب الوتر فقد يجزيك من الوضوء ثلاث غرفات: واحدة للوجه، واثنتان للذراعين، وتمسح ببلة يمناك ناصيتك، وما بقي من بلة يمينك ظهر قدمك اليمنى، وتمسح ببلة يسارك ظهر قدمك اليسرى، قال زرارة: قال أبو جعفر (علیه السلام): سأل رجل أمير المؤمنين(علیه السلام) عن وضوء رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فحكى له مثل ذلك(1)
ويستفاد من قوله (علیه السلام): إنّ الله وتر يحب الوتر ... الخ أنّ الواحدة تجزي، وأن الاقتصار على الواحدة ينفي - بحسب ظاهرها - استحباب الزائد حتى الاثنتين لأنه ينافي التعليل .
2 - صحيحة زرارة وبكير، أنهما سألا أبا جعفر (علیه السلام) عن وضوء رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): فدعا بطست أو تور فيه ماء، فغمس يده اليمنى فغرف بهاغرفة فصبّها
ص: 245
على وجهه فغسل بها وجهه، ثمّ غمس كفه اليسرى فغرف بها غرفة فأفرغ على ذراعه اليمنى فغسل بها ذراعه من المرفق إلى الكف لا يردها إلى المرفق، ثمّ غمس كفه اليمنى فأفرغ بها على ذراعه اليسرى من المرفق وصنع بها مثل ما صنع باليمنى، ثمّ مسح رأسه وقدميه ببلل كفه لم يحدث لهما ماء جديداً، ثمّ قال: ولا يدخل أصابعه تحت الشراك، قال: ثمّ قال: إنّ الله تعالى يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ ) فليس له أن يدع شيئاً من وجهه إلاّ غسله، وأمر بغسل اليدين إلى المرفقين فليس له أن يدع من يديه إلى المرفقين شيئاً إلاّ غسله، لأنّ الله تعالى يقول: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ).
ثم قال: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) فإذا مسح بشيء من رأسه أو بشيء من قدميه ما بين الكعبين إلى أطراف الأصابع فقد أجزأه، قال: فقلنا: أين الكعبان؟ قال: هاهنا يعني المفصل دون عظم الساق، فقلنا: هذا ما هو؟ فقال: هذا من عظم الساق والكعب أسفل من ذلك، فقلنا: أصلحك الله فالغرفة الواحدة تجزي للوجه وغرفة للذراع؟ قال: نعم إذا بالغت فيها والثنتان تأتيان على ذلك كله(1)
وصدر الرواية واضح الدلالة في أن وضوء رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) كان بالغسل مرة مرة، نعم قوله (علیه السلام) في ذيل الرواية: والثنتان تأتيان على ذلك كله، غير ظاهر فهل المراد هو الثنتان على كل عضو؟ أو للذراعين؟ ولذا وقع الخلاف في تفسير هذه الجملة.
3 - موثقة بكير بن أعين عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: قال: ألا أحكي لكم وضوء رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ؟ فأخذ بكفه اليمنى كفاً من ماء فغسل به وجهه، ثمّ أخذ بيده اليسرى كفاً فغسل به يده اليمنى، ثمّ أخذ بيده اليمنى كفاً من ماء فغسل به يده
ص: 246
اليسرى، ثمّ مسح بفضل يديه رأسه ورجليه(1)
والرواية واضحة الدلالة كما أنها تامة السند.
4 - صحيحة زرارة قال: حكى لنا أبو جعفر (علیه السلام) وضوء رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فدعا بقدح من ماء، فأخذ كفاً من ماء فأسدله على وجهه (من أعلى الوجه) ثمّ مسح (على) وجهه من الجانبين جميعاً، ثمّ أعاد يده اليسرى في الإناء فأسدلها على يده اليمنى ثمّ مسح جوانبها، ثمّ أعاد اليمنى في الإناءفصبّها على اليسرى، ثمّ صنع بها كما صنع باليمنى، ثمّ مسح بما بقي في يده رأسه ورجليه ولم يعدهما في الإناء(2).
5 - صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: يأخذ أحدكم الراحة من الدهن فيملأ بها جسده والماء أوسع، ألا أحكي لكم وضوء رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ؟ قلت: بلى، قال: فأدخل يده في الإناء ولم يغسل يده فأخذ كفاً من ماء فصبه على وجهه، ثمّ مسح جانبيه حتى مسحه كله، ثمّ أخذ كفاً آخر بيمينه فصبه على يساره، ثمّ غسل به ذراعه الأيمن، ثمّ أخذ كفاً آخر فغسل به ذراعه الأيسر، ثمّ مسح رأسه ورجليه بما بقي في يديه(3)
6 - موثقة ميسر عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: ألا أحكي لكم وضوء رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم)؟ ثمّ أخذ كفاً من ماء فصبها على وجهه، ثمّ أخذ كفاً فصبها على ذراعه، ثمّ أخذ كفاً فصبها على ذراعه الأخرى، ثمّ مسح رأسه وقدميه ثمّ وضع يده على ظهر القدم، ثمّ قال: هذا هو الكعب، وقال: وأومأ بيده إلى الأسفل العرقوب ثمّ قال: إنّ هذا هو الظنبوب(4)
هذه جملة من الروايات البيانية الحاكية لوضوء رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ، وكلها
ص: 247
تنص على أنّ النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) يكتفي بالمرة الواحدة في غسل الوجه واليدين.
وهناك روايات أخرى تنص على المرة الواحدة أو تنفي ما زاد عليها منها:
1 - موثقة عبد الكريم بن عمرو قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن الوضوء فقال: ما كان وضوء علي (علیه السلام) إلاّ مرة مرة(1)
وهذه الرواية صريحة الدلالة على أن الفرض غسلة واحدة ولا يتعدى عنها، وذلك لأنّ الإمام (علیه السلام) نقل فعل أمير المؤمنين (علیه السلام) ولو كان الزائد مستحباً لكان أمير المؤمنين (علیه السلام) أولى بالالتزام به.
2 - موثقة ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله (علیه السلام) في الوضوء قال: اعلم أنّ الفضل في واحدة ومن زاد على اثنتين لم يوجر(2)
والرواية من جهة السند تامة فإنها واردة في نوادر البزنطي، وهي مما استطرفه صاحب السرائر في آخر كتابه والطريق إليها معتبر، كما أنلصاحب السرائر طريقاً إلى الشيخ، وطريق الشيخ إلى البزنطي صحيح فلا إشكال في سند الرواية، وإنما الكلام في دلالتها إذ يحتمل أن المراد من قوله(علیه السلام): الفضل في واحدة أنّ الزائد على الواحدة لا فضل فيه إلاّ أن قوله: ومن زاد على اثنتين ينفي هذا الاحتمال، فهل يستفاد من ذلك استحباب الثانية؟ أو أنها مسكوت عنها؟ كل ذلك محتمل، وعلى كل تقدير فالرواية تنفي الثالثة وهي واضحة الدلالة من هذه الجهة.
3 - رواية ميسر (ميسرة) عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: الوضوء واحد ووصف الكعب في ظهر القدم(3) هذا في رواية الشيخ، وفي رواية الكليني واحدة
ص: 248
واحدة(1)
والرواية من جهة الدلالة لا بأس بها فهي في مقابل الاثنتين أو الثلاث، وتنفي الزائد بنحو الإطلاق وهو الظاهر من الرواية، ويحتمل أنها واردة في مقام بيان الواجب فقط من دون تعرض لما زاد عليه.
ولكن الرواية من جهة السند غير نقية فإنّ فيه علي بن (بن أبي) المغيرة وهو محل اختلاف، هل هو بن المغيرة؟ أو ابن أبي المغيرة؟ وحيث لا يمكن الاعتماد على الرواية من جهة السند فتصبح مؤيدة للروايات السابقة.
وهناك روايات أخرى كثيرة لا يخلو أكثرها عن ضعف السند، وفي ما أوردناه كفاية، وهي بمجموعها تدل على أنّ الغسل في الوضوء مرة مرة.
وأما الطائفة الثانية وهي التي تدل على استحباب الغسل مرتين فهي عدة روايات، منها:
1 - صحيحة معاوية بن وهب، قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن الوضوء، فقال: مثنى مثنى(2)
2 - وصحيحة صفوان عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: الوضوء مثنى مثنى(3).
3 - و منها معتبرة علي بن يقطين، أنّه كتب إلى أبي الحسن موسى (علیه السلام) يسأله عن الوضوء، فكتب إليه أبو الحسن (علیه السلام): فهمت ما ذكرت من الاختلاف في الوضوء، والذي آمرك به في ذلك أن تمضمض ثلاثاً، وتستنشقثلاثاً، وتغسل وجهك ثلاثاً، وتخلل شعر لحيتك وتغسل يديك إلى المرفقين ثلاثاً، وتمسح رأسك كله، وتمسح ظاهر أذنيك وباطنهما، وتغسل رجليك إلى الكعبين ثلاثاً، ولا
ص: 249
تخالف ذلك إلى غيره، فلما وصل الكتاب إلى علي بن يقطين تعجب مما رسم له أبو الحسن (علیه السلام) فيه مما جميع العصابة على خلافه، ثمّ قال: مولاي أعلم بما قال، وأنا أمتثل أمره، فكان يعمل في وضوئه على هذا الحد ويخالف ما عليه جميع الشيعة امتثالاً لأمر أبي الحسن(علیه السلام) ، وسعي بعلي بن يقطين إلى الرشيد، وقيل: إنه رافضي فامتحنه الرشيد من حيث لا يشعر، فلما نظر إلى وضوئه ناداه كذب يا علي بن يقطين من زعم أنك من الرافضة، وصلحت حاله عنده، وورد عليه كتاب أبي الحسن(علیه السلام): ابتدأ من الآن يا علي بن يقطين وتوضأ كما أمرك الله تعالى: اغسل وجهك مرة فريضة، وأخرى اسباغاً، واغسل يديك من المرفقين كذلك وامسح بمقدم رأسك وظاهر قدميك من فضل نداوة وضوئك، فقد زال ما كنا نخاف منه عليك. والسلام(1)
ومحل الشاهد من هذه الرواية قوله (علیه السلام): «وتوضأ كما أمرك الله تعالى أغسل وجهك مرة فريضة وأخرى اسباغاً واغسل يديك من المرفقين كذلك» وهي واضحة الدلالة في استحباب الثانية.
4 - رواية داود الرقي، قال: دخلت على أبي عبد الله (علیه السلام) فقلت له: جعلت فداك، كم عدة الطهارة؟ فقال: ما أوجبه الله فواحدة، وأضاف إليه رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) واحدة لضعف الناس، ومن توضأ ثلاثاً ثلاثاً فلا صلاة له، أنا معه في ذا حتى جاءه داود بن زربي، فسأله عن عدة الطهارة، فقال له: ثلاثاً ثلاثاً من نقص عنه فلا صلاة له، قال: فارتعدت فرائصي وكاد أن يدخلني الشيطان، فأبصر أبو عبد الله (علیه السلام) إليّ وقد تغيّر لوني فقال: اسكن يا داود هذا هو الكفر، أو ضرب الأعناق، قال: فخرجنا من عنده وكان ابن زربي إلى جوار بستان أبي جعفر المنصور، وكان قد أُلقي إلى أبي جعفر أمر داود بن زربي وأنه رافضي يختلف
ص: 250
إلى جعفر بن محمد، فقال أبو جعفر المنصور: إني مطلع إلى طهارته فإن هو توضأ وضوء جعفر بن محمّد فإني لأعرف طهارته حققت عليه القول وقتلته، فاطلع وداود يتهيأ للصلاة من حيث لا يراه، فأسبغ داود بن زربي الوضوء ثلاثاً ثلاثاً كما أمره أبو عبد الله (علیه السلام) ، فما تم وضوءه حتى بعث إليه أبو جعفرالمنصور فدعاه، قال: فقال داود: فلما أن دخلت عليه رحب بي وقال: يا داود قيل فيك شيء باطل، وما أنت كذلك، قد أطلعت على طهارتك وليس طهارتك طهارة الرافضة، فاجعلني في حلّ وأمر له بمائة ألف درهم، قال: فقال داود الرقي: التقيت أنا وداود بن زربي عند أبي عبد الله (علیه السلام) ، فقال له داود بن زربي: جعلت فداك حقنت دماءنا في دار الدنيا ونرجوا أن ندخل بيمنك وبركتك الجنة، فقال أبو عبد الله (علیه السلام): فعل الله ذلك بك وبإخوانك من جميع المؤمنين، فقال أبو عبد الله (علیه السلام) لداود بن زربي: حدّث داود الرقي بما مرّ عليكم حتى تسكن روعته، قال: فحدثته بالأمر كله، قال: فقال أبو عبد الله (علیه السلام): لهذا أفتيته لأنه كان أشرف على القتل من يد هذا العدو، ثمّ قال: يا داود بن زربي توضأ مثنى مثنى، ولا تزدن عليه، وإنك إن زدت عليه فلا صلاة لك(1)
والرواية وإن كانت واردة في التقية كالرواية السابقة إلاّ أنّ محل الشاهد منها قوله (علیه السلام) في صدر الرواية: «ما أوجبه الله فواحدة، وأضاف إليها رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) واحدة لضعف الناس» ، وقوله (علیه السلام) في ذيلها: «يا داود بن زربي توضأ مثنى مثنى، ولا تزدنّ عليه فإنك إن زدت عليه فلا صلاة لك» والعبارتان صريحتان في الدلالة على استحباب الغسلة الثانية، فلا إشكال في الرواية من هذه الناحية وإنما الإشكال من جهة السند، فإنّ فيه أحمد بن سليمان وهو لم يوثق فتحمل الرواية على التأييد.
ص: 251
وهناك روايات أخرى منها ما روي أنه: «من زاد على مرتين لم يوجر»(1)
وكذلك ما روي «أنّ مرتين أفضل»(2)، وكذلك ما روي «في مرتين أنّه اسباغ»(3).
وغيرها من مرسلات الصدوق، وأيضاً ما رواه الفضل بن شاذان عن الرضا(علیه السلام) أنّه قال: الوضوء مرة فريضة واثنتان اسباغ (4)
والمستفاد من روايات هذه الطائفة أنّ الغسلة الثانية مستحبة، وأنّ الثالثة غير جائزة.وأما الطائفة الثالثة وهي التي تدل على عدم جواز الثالثة صراحة فهي عدة روايات منها:
1 - مرسلة ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: الوضوء واحدة فرض، واثنتان لا يوجر، والثالث بدعة(5)
والرواية صريحة في أنّ الثالثة بدعة، فلا إشكال من هذه الجهة وأما من جهة السند فهي وإن كانت مرسلة إلاّ أنّ مراسيل ابن أبي عمير معتبرة كما ذكره الشيخ من دعوى الإجماع على العمل بمراسيله، وقد بسطنا القول فيه في مباحثنا الرجالية، فراجع(6)
2 - ومنها معتبرة علي بن يقطين(7) المتقدمة فإنّ الإمام (علیه السلام) أمر علي بن يقطين أن يغسل ثلاثاً في حال التقية، وبعد ارتفاع التقية أمره أن يغسل مرّة
ص: 252
فريضة والثانية اسباغاً، فيعلم أنّه في غير حال التقية لا يجوز الغسل ثلاثاً، كما أنّ الرواية فيها دلالة على أنّ الغسل ثلاثاً على خلاف ما عليه جميع الشيعة، فيكون تسويغ الامام عليه السلام لعلي بن يقطين الغسل ثلاثاً لمكان التقية وبه يجمع بين صدر الرواية وذيلها .
3 - رواية داود الرقي(1) المتقدمة أيضاً، والشاهد هو ما ذكرناه فيما تقدم عند ذكر الرواية .
4 - صحيحة داود بن زربي قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن الوضوء، فقال لي: توضأ ثلاثاً ثلاثاً، قال: ثمّ قال لي: أليس تشهد بغداد وعساكرهم؟ قلت: بلى قال: فكنت يوماً أتوضأ في دار المهدي فرآني بعضهم وأنا لا أعلم به فقال: كذب من زعم أنك فلاني وأنت تتوضأ هذا الوضوء، قال: فقلت: لهذا والله أمرني(2)
ودلالة الرواية واضحة فإنّ الإمام (علیه السلام) إنما أمر داود بالوضوء ثلاثاً ثلاثاً لشهوده بغداد وعساكر المخالفين، فيعلم من ذلك أنّه فيما عدا ذلك لا يجوز الثلاث، بل إنّ المركوز في ذهن داود هو عدم الجواز ولذلك لما اطلع عليه بعضهم وقال ما قال، قال داود: لهذا والله أمرني، فالثلاث ليست بمشروعة، والعمل عليها إنما هو من جهة التقية.5 - صحيحة زرارة، عن أبي عبد الله (علیه السلام) ، قال: الوضوء مثنى مثنى، من زاد لم يوجر عليه، وحكى لنا وضوء رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فغسل وجهه مرة واحدة، وذراعيه مرة واحدة، ومسح رأسه بفضل وضوئه ورجليه(3)
وظاهر الرواية أنّ المراد من مثنى هو الغسل مرتين، وبعضهم حمل مثنى
ص: 253
مثنى على أنّ المراد غسلات ومسحات، أو أن المراد هو التجديد، وغير ذلك من التأويلات، إلاّ أن الظاهر هو ما ذكرناه من أنّ الغسل مرتان، وما زاد فليس بمشروع.
6 - رواية ابن أبي يعفور(1) الواردة في نوادر البزنطي وقد ذكرناها في الطائفة السابقة ومحل الشاهد هنا هو قوله (علیه السلام): ومن زاد على اثنتين لم يوجر، فتكون الثالثة إما لغواً وإما بدعة، ومثلها في الدلالة ما مر من مرسلة الصدوق(2) : من زاد على مرتين لم يوجر.
وغيرها من الروايات الدالة على أنّ الثالثة ليست بمشروعة.
والحاصل: أنّ الروايات بطوائفها الثلاث تدل بالمطابقة والالتزام على أنّ الغسلة الثالثة في الوضوء بدعة، وهي على خلاف الشرع.
وبعد أن استعرضنا جملة من الروايات الدالة على الغسل في الوضوء مرة أو اثنتين أو ثلاث، وحيث يتراءى من ظاهر بعضها التنافي مع البعض الآخر، مضافاً إلى ما يمكن استفادته من بعض الروايات من حيث الصحة والبطلان والحرمة وعدمها فيقع الكلام في جهات:
الجهة الأولى: في الجمع بين الروايات الدالة على المرة، والروايات الدالة على الاثنتين، فنقول: إننا قد ذكرنا في مبحث الطهارة مفصلاً وجوه الجمع، وأن المشهور بل ادعي الإجماع على أنّ الغسلة الثانية مستحبة، ولا إشكال فيها من هذه الناحية، وقد أشرنا فيما سبق إلى أنّ هذه المسألة خارجة عن محل كلامنا.
إلاّ أننا نشير هنا إلى ناحية أخرى من نواحي البحث وهي: أنّه لا إشكال -
ص: 254
كما ذكرنا - في استحباب الغسلة الثانية، غير أنّه قد نسب الخلاف إلى عدد من القدماء وهم الشيخ الصدوق، والشيخ الكليني والبزنطي،وأنهم لا يرون جواز الغسلة الثانية ونقول: إنّ هذه النسبة لكل من هؤلاء غير متحققة ولا صراحة في عباراتهم على ذلك.
أما البزنطي فقد ذكر في نوادره هذه العبارة: واعلم أنّ الفضل في واحدة ومن زاد على اثنتين لم يوجر(1) وهذه العبارة ليست صريحة في الحرمة بل لعلها ظاهرة في الإباحة، فإن الاثنتين مسكوت عنهما وليس في كلامه دلالة على عدم الجواز.
وأما الكليني فإنه بعد أن أورد رواية عبد الكريم بن عمرو وسؤاله أبا عبد الله(علیه السلام) عن الوضوء وجواب الإمام (علیه السلام) له بأنه: ما كان وضوء علي(علیه السلام) إلاّ مرة مرة. قال: هذا دليل على أن الوضوء إنما هو مرة مرة، لأنه إذا كان ورد أمران كلاهما طاعة لله أخذ بأحوطهما وأشدهما على بدنه ... إلى أن قال: ومن زاد على مرتين لم يوجر، وهذا أقصى غاية الحد في الوضوء الذي من تجاوزه أثم، ولم يكن له وضوء وكان كمن صلى الظهر خمس ركعات، ولو لم يطلق (علیه السلام) في المرتين لكان سبيلهما سبيل الثلاث(2)
وعبارته كالصريحة في أنّ الثانية مباحة وليست هي كالثالثة، فلم يتّضح أنّ الكليني قائل بعدم جواز الثانية.
وأما الصدوق ! فإنه بعد أن ذكر - في الفقيه - الروايات البيانية والتي تدل على المرة، وذكر الروايات التي تدل على المرتين، وتأول بعضها بالتجديد وبعضها بالإسباغ، أورد رواية وهي «من توضأ مرتين لم يوجر» وفسرها بأنّ من أتى بغير ما أمر به فلا يستحق به أجر(3)
ص: 255
وقال في الهداية: ومن توضأ مرتين لم يوجر ومن توضأ ثلاثاً فقد أبدع(1).
ولا دلالة في هذه العبارات على أن الصدوق قائل بعدم جواز الثانية، نعم هو يرى أنّ الثالثة بدعة، وأما أنّ الثانية محرمة فلا دلالة في قوله لم يوجر عليها.
فتحصل: أنّه ليس في القدماء من يرى أن المرة الثانية محرمة، ولا يظهر ذلك من كلماتهم صراحة، والصحيح أنّ الظاهر من كلماتهم القولبالجواز كما في كلمات البزنطي، والكليني. فالغسل مرتين في الوضوء جائز بل مستحب، وقد ذكرنا وجوه الجمع بين الروايات في غير المقام.
ويقع الكلام تارة في حكمها التكليفي وأخرى في حكمها الوضعي.
أما بالنسبة إلى الأول فأكثر علمائنا قائلون بالحرمة، وأنها بدعة كما ذكر ذلك العلامة في المختلف، بل إنّ دعوى الإجماع غير بعيدة، فإنه لم ينسب الخلاف إلاّ إلى ثلاثة من العلماء وهم الشيخ المفيد، وابن الجنيد، وابن أبي عقيل، فقد نسب إليهم القول بالجواز حيث قال الشيخ المفيد في المقنعة: وتثليثه تكلف ومن زاد على الثلاث أبدع وكان مأزوراً(2). وقال ابن الجنيد: الثالثة زيادة غير محتاج إليها(3)، وقال ابن أبي عقيل: فإنه إن تعدّ المرتين لم يوجر عليه(4) ، ولا يخفى أنّ خلاف هؤلاء الأعلام لا يضرّ بدعوى الإجماع، فإن من عداهم من العلماء قائل بالحرمة.
وأما كون الغسلة الثالثة غير مستحبة ولا رجحان فيها فهذا بالإجماع نقلاً وتحصيلاً، ولا خلاف فيه بين علماء الإمامية. هذا بالنسبة إلى الحكم التكليفي.
ص: 256
وأما بالنسبة إلى الحكم الوضعي ففي المقام أربعة أقوال وقد أشرنا إليها فيما سبق وهي:
الأول: القول بالافساد مطلقاً وهو قول أبي الصلاح(1)
الثاني: القول بعدم الافساد مطلقاً وقد استوجهه المحقق في المعتبر(2)
القول الثالث: إنها مفسدة للوضوء من جهة استخدام ماء جديد وهو ظاهر الدروس والذكرى والبيان(3)
القول الرابع: إنها مفسدة للوضوء إذا كانت على اليد اليسرى أما بالنسبة إلى سائر الأعضاء فلا يوجب الإفساد، وهو منسوب إلى النهاية(4)والمدارك(5).
ويمكن القول إنّ جميع الأقوال تذهب إلى البطلان، إلاّ أن جهة البطلان تختلف من أنها تشريع محرم، أو أنها لاستخدام ماء جديد، إلاّ القول الثاني وهو قول المحقق ).
ورفع التنافي فيما بينها فنقول: إنّ الروايات المتقدمة الدالة على أنّ الغسل مرة مرة، وهكذا الروايات الدالة على المرتين تنفي الغسلة الثالثة، فكما أنّ هذه الروايات تثبت مشروعية المرة والمرتين كذلك تنفي المرة الثالثة، مضافاً إلى ما ورد بالخصوص على عدم مشروعية الثالثة، ومن ذلك رواية ابن أبي عمير المتقدمة فقد جاء فيها: والثالثة بدعة، وقد قلنا: إنّ الرواية وإن كانت مرسلة إلاّ أنها معتبرة بناء على أن مراسيل ابن أبي عمير كالمسانيد كما استظهرناه في محلّه(6) ، فهذه الرواية تامة سنداً ودلالة.
ص: 257
ومن ذلك أيضاً معتبرة علي بن يقطين، فقد جاء في ذيلها «وتوضأ كما أمرك الله تعالى اغسل وجهك مرة فريضة وأخرى اسباغاً ...» (1) فهذه الرواية تدل على أن ما أمر الله به هو أنّ المرة الأولى فريضة والثانية اسباغاً وما زاد فهو ما لم يأمر به الله. فيكون تشريعاً محرماً.
ويؤيد ذلك: رواية داود الرقي، فإنه قد جاء فيها: يا داود بن زربي توضأ مثنى مثنى، ولا تزدن عليه، وأنك إن زدت عليه فلا صلاة لك(2)
والرواية من جهة الدلالة واضحة فإن الزيادة منهي عنها موجبة لبطلان الصلاة، وأما من جهة السند فقد ذكرنا أنّ فيه أحمد بن سليمان وهو لم يوثق ولذلك جعلناها مؤيدة.
ومما يؤيد ذلك أيضاً: ما رواه القطب الراوندي في لب اللباب قال: وقد توضأ- مرة مرة وقال: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلاّ به، فمن ترك شيئاً منه اختياراً، فلا صلاة له، ثمّ توضأ مرتين مرتين، فقال: هذا وضوء من أتى به يضاعف له الأجر مرتين، فمن زاد أو نقص فقد تعدى وظلم»(3)
والرواية من جهة الدلالة تامة إلاّ أن الكلام فيها من جهة السند.
وفي مقابل هذه الروايات هناك روايات أخرى يمكن الاستدلال بها على عدم الحرمة، منها صحيحة زرارة عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: الوضوء مثنى مثنى، من زاد لم يوجر عليه ...(4)
وسند الرواية وإن كان فيه القاسم بن عروة وهو لم يذكر بشيء، إلاّ أنّه قد روى عنه ابن أبي عمير فيكون السند معتبراً بناء على ما حققناه في محله من أنّ
ص: 258
رواية مثل ابن أبي عمير عن شخص أمارة على التوثيق.
وأما من جهة الدلالة فإنّ الرواية لم يرد فيها أنها بدعة بل قال (علیه السلام): لم يوجر عليه، فهو بحسب الظاهر فعل لغو والتحريم أخص منه.
ومثلها في الدلالة ما تقدم من مرسلة الصدوق حيث قال: وروى من زاد على مرتين لم يوجر(1) ، وهكذا موثقة ابن أبي يعفور المتقدمة أيضاً، وقد جاء فيها: ومن زاد على اثنتين لم يوجر(2) ، ولم يرد في هذه الروايات عنوان أنها بدعة أو محرمة.
ولكن يمكن الجمع بين هذه الروايات والروايات المتقدمة وذلك بأن يقال: إنّ قوله (علیه السلام): لم يوجر مطلق، وهو إما ساكت عن الحرمة وعدمها، أو مجمل، وأما تلك الروايات فهي صريحة في التحريم وكونها بدعة، فالجمع بين هذه الروايات بأن يؤخذ بالروايات الصريحة في دلالتها وتكون بياناً للروايات الأخرى ورافعة لإجمالها، ويكون المستفاد من الروايات هو حرمة الغسلة الثالثة وأنها بدعة.
هذا ولكن هنا روايتان صريحتان في الدلالة على جواز الغسلة الثالثة:
الأولى: موثقة عثمان بن زياد أنّه دخل على أبي عبد الله (علیه السلام) فقال له رجل: إني سألت أباك عن الوضوء فقال: مرة مرة فما تقول أنت؟ فقال: إنك لن تسألني عن هذه المسألة إلاّ وأنت ترى أني أخالف أبي، توضأ ثلاثاً وخلل أصابعك(3)وهذه الرواية واضحة الدلالة في الأمر بالغسل ثلاثاً.
الثانية: موثقة زيد بن علي عن آبائه عن علي (علیه السلام) قال: جلست أتوضأ فأقبل رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) حين ابتدأت في الوضوء فقال لي: تمضمض واستنشق واستن،
ص: 259
ثمّ غسلت وجهي ثلاثاً فقال: قد يجزيك من ذلك المرتان، قال: فغسلت ذراعي ومسحت برأسي مرتين، فقال: قد يجزيك من ذلك المرة، وغسلت قدمي، قال: فقال لي: يا علي خلل بين الأصابع لا تُخلّل بالنار(1)
وقد أورد الشيخ هذه الرواية في الاستبصار، وعقبها بقوله: فهذا خبر موافق للعامة، وقد ورد مورد التقية لأنّ المعلوم الذي لا يتخالج فيه الشك من مذاهب أئمتنا (علیهم السلام) القول بالمسح على الرجلين، وذلك أشهر من أن يدخل فيه شك أو ارتياب بيّن، ذلك أنّ رواة هذا الخبر كلهم عامة ورجال الزيدية وما يختصون بروايته لا يعمل به على ما بين في غير موضع(2)
فالشيخ ! ناقش في الرواية من جهة الدلالة وحملها على التقية والمناقشة في محلها، فإن هذه الرواية والرواية السابقة عليها واردتان مورد التقية ويشهد لذلك القرائن الواردة في كلتا الروايتين.
وأما سند الروايتين فمعتبر، فإنّ رجال سند(3) الرواية الأولى كلهم ثقات، ولا إشكال من هذه الجهة وسند(4) الرواية الثانية: محمّد بن الحسن الصفار عن عبد الله بن المنبه، عن الحسين بن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي وهو معتبر وإن كان أغلب رجاله من العامة.
أما الحسين بن علوان فهو ثقة على الظاهر قال النجاشي: الحسين بن علوان الكلبي مولاهم كوفي عامي، وأخوه الحسن يكنى أبا محمد، ثقة رويا عن أبي عبد الله (علیه السلام) ...(5)
والظاهر رجوع التوثيق للمترجم لا لأخيه كما قيل(6)
ص: 260
وأما عمرو بن خالد فقد وثقه ابن فضال(1) ، وأما زيد فلا إشكال فيوثاقته.
وأما عبد الله بن المنبه فلم يرد في كتب الرجال بهذا الاسم إلاّ في هذا المورد، والظاهر أنّ فيه تصحيفاً بالتقديم والتأخير، والصحيح هو المنبه بن عبد الله وهو ثقة، وقال عنه النجاشي: صحيح الحديث(2)
والحاصل: أنّ رجال سند الرواية وإن كانوا زيدية كما قال الشيخ إلاّ أنهم موثقون.
أما دلالة الرواية فهي وإن كانت تامة إلاّ أنها محمولة على التقية كما ذكره الشيخ ! ، فالمستفاد من الروايات أنّ المرة الثالثة محرمة، لأنها بدعة وإدخال في الدين ما ليس منه، ولكن القدر المتيقن من هذا أنّ الحرمة تختص بما إذا أتى بها بنية الجزئية، وأما مع عدمها فقد يقال: بأنها ليست محرمة في نفسها ولا إشكال فيها من هذه الناحية .
هذا بالنسبة إلى الحكم التكليفي .
وأما بالنسبة إلى الحكم الوضعي أي من حيث الصحة والفساد فالمشهور هو القول بالفساد وقد استدل له بأمور :
الأول: بالأصل وهو أصل الاشتغال أو الاستصحاب، أما الأول فلأن الشك في براءة الذمة من التكليف مع الإتيان بالغسلة الثالثة يرجع إلى الشك في المحصل والمكلف به، مع العلم بالتكليف وهو يقتضي الفراغ اليقيني ومقتضاه الاحتياط والإتيان بوضوء خال من هذه الزيادة، وإلاّ فهو محكوم بالبطلان وعدم الصحة .
وأما الثاني فلاستصحاب الحدث لأنا كنا على يقين منه وبعد الإتيان
ص: 261
بالزيادة نشك في ارتفاعه فنستصحب بقاءه .
ولكن في كليهما نظر:
أما بالنسبة إلى أصالة الاشتغال فقد تقدم منا سابقاً أن الشك في مثل هذا المورد من حيث الجزئية والشرطية يختلف باختلاف المباني، فإن كانت الطهارة أمراً واقعياً تكوينياً والشارع كاشف عنه - كما قواه الشيخ الأنصاري! (1) - فالمقام من موارد أصالة الاشتغال لأنه شك في المحصل إذ لا نعلم بحصول الطهارة الواقعية، والمرجع حينئذ أصالة الاشتغال.وإن كانت الطهارة أمراً اعتبارياً فهو من موارد مجرى البراءة لأنه شك في اشتراط عدم الزائد إذ لا نعلم أنّ الشارع اعتبر عدم الزائد أم لا فيعود إلى الشك في التكليف، والمرجع حينئذ هو البراءة .
إلاّ أنّه قد تقدم منا أيضاً أنّه يمكن أن يجعل المورد مجرى للبراءة لا للاشتغال حتى على القول الأول، وذلك لأنّ الطهارة وإن كانت أمراً واقعياً إلاّ أننا لسنا مكلفين بالواقع، وإنما مكلفون بما هو محدد لنا من قبل الشارع إذ ليس لنا طريق إلى الواقع إلاّ من طريقه، فكلما حدده الشارع فهو مورد التكليف وما عداه فلا تكليف به .
وعلى هذا فلابد من تحصيل ما
تيقنا به وندفع ما نشك فيه زيادة أو نقيصة بإجراء البراءة فيه لأنه حينئذ يرجع إلى الشك في التكليف .
وأما بالنسبة إلى استصحاب الحدث فلا مورد له فيما نحن فيه، إذ تقرر في علم الأصول: أنّه مع إجراء البراءة في الجزء أو الشرط لا يبقى موضوعٌ للاستصحاب وتكون البراءة حاكمة على الاستصحاب، وإن كان الأمر في غير هذا المورد بالعكس .
ص: 262
الثاني: أنّ الغسلة الثالثة موجبة لفوات الموالاة في غسل الأعضاء فينخرم أحد شرائط الوضوء وذلك موجب للبطلان.
وفيه: أنّ هذا الوجه لا يفيد مطلقاً لأنّ فوت الموالاة لا يتحقق بغسلة واحدة فإنها لا تستغرق زمناً طويلاً بحيث تفوّت الموالاة بين الأعضاء، ولو سلمنا أن ذلك يتحقق بالنسبة إلى بعض الأشخاص إلاّ أن هذا ليس ضابطاً كلياً وعلى نحو الإطلاق، فلا يمكن الحكم بفساد الوضوء لهذه الجهة.
الثالث: أنّ الغسلة الثالثة توجب المسح بماء جديد غير ماء الوضوء ويكون الماء الواقع على أعضاء المسح ممزوجاً بماء الوضوء وغيره، وهذا يوجب الفساد.
وفيه: أنّ هذا يمكن منعه في بعض الموارد كما إذا كانت الغسلة الثالثة للوجه واليد اليمنى دون اليد اليسرى، وعلى فرض أن غسل اليد اليمنى يوجب امتزاج الماء إلاّ أن غسل الوجه بالغسلة الثالثة لا علاقة له بالمسح، نعم يمكن تصور ذلك في اليد اليمنى فيما إذا كان الماء الباقي من غسلة اليد اليمنى غالباً على ما غسل اليد اليسرى، فيمتزج الماءان ويشكل المسح به على الرأس والرجل اليمنى، ولكنه إذا غسلت اليد اليمنى بغسلة ثالثة ثمّ جففت أو جفت من الهواء فحينئذ لا يلزم من ذلك المسح بماء جديد، فهذه الموارد لا توجب الغسلة الثالثة فيها بطلان الوضوء.وأما بالنسبة إلى اليد اليسرى فيمكن تصويره بأن تغسل اليد اليسرى بغسلة ثالثة ثمّ تجفف أو تجف، وللمسح يؤخذ الماء من اللحية فيما إذا كان الوجه مغسولاً بغسلة ثالثة، ففي بعض الحالات يمكن تصوير المسألة في اليد اليسرى من دون إشكال ولا ملازمة كلية في جميع الحالات.
ولكن الغالب هو امتزاج ماء الوضوء بماء أجنبي خارج عنه إما لعدم غلبة الماء واستهلاكه أو لعدم الجفاف، وهذا يوجب البطلان، وعليه فما نسب إلى
ص: 263
المحقق ! (1) - من أن المسح بماء الوضوء غير صحيح فإن الماء ليس خالصاً بل ممزوجاً بماء خارج عن الوضوء - لا بأس به مع ملاحظة الصور التي ذكرناها.
الرابع: أنّ مقتضى الروايات الواردة في المقام هو الفساد، لأنّ في الزيادة خروجاً عن حدّ الوضوء ويكون حالها حال النقصان.
وفيه: أنّ الوارد في المقام روايتان:
الأولى: رواية داود الرقي وقد تقدم ومحل الشاهد منها فيما نحن فيه قوله (علیه السلام) في ذيلها: «ولا تزدن عليه وأنك إن زدت عليه فلا صلاة لك» (2)
وهي من جهة الدلالة تامة ولا إشكال فيها وظاهرة في الفساد إلاّ أنها من جهة السند ضعيفة بأحمد بن سليمان فإنه لم يوثق كما تقدم.
الثانية: معتبرة السكوني عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: من تعدى في الوضوء كان كناقضه(3)
وهي من جهة السند معتبرة ولا إشكال فيها، وأما من جهة الدلالة ففيها: أنّ قوله (علیه السلام): من تعدى ... يحتمل أن يكون التعدي من جهة الكم، ويحتمل أن يكون من جهة الكيف، فهي شاملة لمحل الكلام فإنّ الثلاث تعدٍ بلا إشكال، وقوله(علیه السلام): كناقضه هذا في أكثر النسخ وقد رواها الصدوق في الفقيه(4) وفي العلل(5) كذلك، كما وردت أيضاً في تحف العقول(6) ولكن فيحاشية الفقيه ورد: أنّه في بعض النسخ - وهي نسخة مراد علي التفريشي(7) - كناقصه بالصاد كما أنها
ص: 264
في حاشية الوافي(1) كذلك. وحينئذ يفسر التعدي بالنقصان.
فإن كانت بالصاد فهي أقوى في الدلالة من نسخة الضاد فإنه (علیه السلام) جعل التعدي بمنزلة النقصان فتكون الرواية دالة على البطلان، وإن كانت بالضاد فهي ليست صريحة في الدلالة على الفساد، لأنه إن كان المراد بالعبارة من تعدى فهو ناقض للوضوء فالدلالة تامة، وإن كان المراد كناقضه فليست صريحة في إفادة البطلان، فإنه كالناقض وليس ناقضاً وحيث لم يتبين المراد من هذه الرواية ولم تحرز قوة دلالتها فلا يمكن التمسك بها من هذه الجهة.
والحاصل: أنّه لم يرد في الروايات ما يدل على أنّ الغسلة الثالثة موجبة لبطلان الوضوء، ولكنها لما كانت توجب المسح بماء جديد فيحكم ببطلانه وفساده، ويتأكد هذا في الإتيان بها في اليد اليسرى.
وأما استفادة الحكم بالبطلان من جهة الأصل، أو لفوات الموالاة، أو من جهة الروايات، فغير تامة.
وبناء على ذلك فإذا جاء المكلف بالغسلة الثالثة ناوياً بها الجزئية والاستحباب اجتمعت الحرمة التكليفية والوضعية معاً، وأما إذا جاء بها من دون أن ينوي بها الاستحباب وإنما أتى بها لمجرد أنها فعل من الأفعال فهذا وإن لم يكن محرماً تكليفاً إلاّ أنّه محرم وضعاً ويحكم ببطلان الوضوء.
والكلام فيها من نواح أربع:
الناحية الأولى: في الحكم، ولا إشكال في وجوب الإتيان بالغسلة الثالثة في حال التقية للأدلة العامة وقد تقدمت، وللروايات الخاصة الواردة في المقام،
ص: 265
ومنها معتبرة علي بن يقطين فإنّ الإمام (علیه السلام) أمره بالغسل ثلاثاً(1)ومنها: موثقة داود بن زربي - المتقدمة أيضاً - قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن الوضوء، فقال لي: توضأ ثلاثاً ثلاثاً، قال: ثمّ قال لي: أليس تشهد بغداد وعساكرهم؟ قلت: بلى، قال: فكنت يوماً أتوضأ في دار المهدي فرآني بعضهم وأنا لا أعلم به، فقال: كذب من زعم أنك فلاني وأنت تتوضأ هذا الوضوء، قال: فقلت: لهذا والله أمرني(2)
ويؤيد ذلك رواية داود الرقي وقد تقدمت الإشارة إليها في أكثر من موضع والحاصل: أنّه لا إشكال في وجوب الإتيان بالثلاث حال التقية.
الناحية الثانية: في التطبيق العملي:
وحاصل الكلام فيه: أنا إذا قلنا بأن الغسلة هي الغرفة فكل غرفة غسلة فالأمر واضح، وأما إذا قلنا بأن الغرفة ليست هي الغسلة وإنما الغسلة هي غسل جميع أجزاء العضو فما لم يتحقق غسل الجميع لم تتحقق المرة، وحينئذ فإن كان العامة يعتبرون ذلك وأن مرادهم من الغسلة الثالثة غسلة كاملة فالتقية أيضاً واجبة ولابد من الإتيان بالغسلة الثالثة ولا مجال للتورية فيها.
أما إذا كانوا يكتفون بالغرفة وإن لم تستوعب جميع الأجزاء، ونحن نقول بأن الغسل هو استيعاب الأجزاء بغسلة واحدة فحينئذ لا يتحقق موضوع التقية لأنّ الثالثة ليست حراماً ما لم يكمل غسل العضو بالثانية، فالتطبيق العملي للتقية يتوقف على أحد الأمرين الأولين دون الثالث.
الناحية الثالثة: في القصد وعدمه:
وقد تقدم أنّ الإتيان بها بقصد الجزئية أو الاستحباب تشريع محرم، وأما إذا جيء بها لا بهذا القصد فلا يكون بدعة ولا تشريعاً وحينئذ فهل يجب على
ص: 266
المكلف عدم هذا القصد؟ فإنّ التقية لا تتوقف على القصد، بمعنى: أنّ التقية قد تتحقق ولو لم يقصد.
وبعبارة أخرى: هل يجب على المكلف التورية أم لا ويكفي عدم قصد الجزئية؟
ومقتضى القاعدة في غير المورد أنّه إذا كان هناك مندوحة وجبت التورية، ولكن في مثل المقام وبعض الموارد الأخرى حيث إنّ الدليل ورد على نحو الإطلاق كما في معتبرة علي بن يقطين، وموثقة داود بن زربي، فإنه ورد الأمر فيهما بالغسل ثلاثاً مطلقاً ولم يفصل المعصوم (علیه السلام)بين القصد وغيره، مع أن المورد مما تعم به البلوى وهو (علیه السلام) في مقام البيان فالظاهر من ذلك عدم وجوب التورية في هذا المقام فيجوز له أن ينوي ويقصد الجزئية ويأتي بها بعنوان كونها جزءاً ويفعل كما يفعل العامة، فإنّ الإطلاق محكم ومقتضاه الجواز مطلقاً سواء قصد أو لم يقصد.
هذا بالنسبة للحكم التكليفي.
وأما بالنسبة للحكم الوضعي أي فساد الوضوء وعدمه، من جهة ما ذكرنا من أنّه يلزم استعمال ماء خارج عن الوضوء والمسح به، فلا يفرق فيه هنا بين القصد وعدمه فإنه موجب لبطلان الوضوء، ولكن في حال التقية دل الدليل الخاص على عدم البطلان ولا يفرق فيه بين القصد وعدمه، وأما في غير حال التقية فهو موجب للفساد.
الناحية الرابعة: في مخالفة التقية:
إذا خالف المكلف وظيفة التقية وأتى بالوضوء بوظيفته الأولية فهل يحكم ببطلان وضوئه أم لا؟
وقد تقدم نظير هذه المسألة وهنا نقول: إنّ الغسلة الثالثة لما كانت ليست جزءاً ولا شرطاً ولا دخل لها في أي منهما فمقتضى القاعدة الحكم بصحة الوضوء، والاقتصار على المرتين حال التقية لا يوجب بطلانه، اللهم إلاّ أن يقال: إنّ
ص: 267
التكليف الخاص لهذا المكلف المعين هو الوضوء على نحو التقية، والوضوء الاختياري ليس واجباً في حقه بل مبغوضاً عند الشارع وحينئذ يحكم ببطلان وضوئه.
وهذا الأمر لا يختص بهذا المورد وقد تقدم الكلام فيه، وقلنا: بأن استفادة المبغوضية عند الشارع من الروايات مشكل.
والحاصل: أنّ مقتضى القاعدة الحكم بصحة الوضوء وإن لم يأت بالغسلة الثالثة أي لم يأت بوظيفة التقية وأتى بالوظيفة الواقعية.
هذا من جهة القاعدة، وأما من جهة الرواية فقد يقال: إنّ رواية داود الرقي تدل على بطلان الوضوء فإنّ الإمام (علیه السلام) لما سأله داود بن زربي عن عدة الطهارة قال له: ثلاثاً ثلاثاً من نقص عنه فلا صلاة له.
ودلالة الرواية تامة، وإن أمكن المناقشة بأن قوله: لا صلاة له لا تدل على البطلان بل على عدم تمامية الصلاة من جهة الثواب مثلاً أو نحو ذلك إلاّ أن هذه المناقشة غير تامة، فإنّ الظاهر من هذا التعبير هو نفي الطبيعة وهو يقتضي بطلان الصلاة كما في ذيل الرواية وهو شاهد على ذلك وهو قوله (علیه السلام): وإن زدت فلا صلاة لك.ولكن الرواية وإن كانت تامة دلالة إلاّ أنها ضعيفة سنداً، وعليه فلا مناص من العمل على طبق القاعدة وهي تقتضي الحكم بالصحة.
ص: 268
في غسل الوجه واليدين من حيث الكيفية أي من الأعلى إلى الأسفل أو بالعكس، وهو محل الخلاف بين الخاصة والعامة، فالمتسالم عليه عند الخاصة هو وجوب الغسل من قصاص الشعر إلى الذقن في الوجه ومن المرفق إلى أطراف الأصابع في اليدين، بل ادعي عليه الإجماع، ونسب الخلاف إلى السيد المرتضى ! في أحد قوليه فقد نقل عنه في المصباح(1) القول بعدم الوجوب وذهب ابن إدريس في السرائر(2) إلى القول بكراهة النكس ومال إليه بعض المتأخرين.
وأما العامة فقالوا بجواز النكس، بل نسب إلى بعضهم القول بالاستحباب، ففي مفاتيح الغيب للرازي أنّه جعل من السنة الابتداء من الأصابع، ونسبه إلى جمهور الفقهاء(3) وقريب منه ما في الفقه على المذاهب الأربعة(4) ومثله ما في البدايع(5)
فهم بين من يقول بالجواز وبين من يقول بالاستحباب.
ويقع البحث في جهتين:
الأولى: فيما تقتضيه الأدلّة.
الثانية: في حكم المسألة حال التقية.
أما الجهة الأولى: فالكلام فيها تارة في الأصل العملي وأخرى في الأصل اللفظي وثالثة في الأدلة الخاصة الواردة في المقام.
ص: 269
أمّا بالنسبة إلى الأصل العملي فنقول: قد تقدم منا أنّ الأصل العملي ومقتضاه يبتني على كون الواجب هو الطهارة المسببة عن الغسلات والمسحات، أو هو نفس الأفعال وبعبارة أخرى يتوقف الأصل على أنّ الطهارة أمر تكويني وهو الواجب، فيجب تحصيله والشارع إنما هو كاشف عنه فتكون الأجزاء والشرائط محصلة لذلك الأمر التكويني أيالطهارة الواقعية، أو ليس الأمر كذلك بل الطهارة هي نفس الغسلات والمسحات، وقد تقدم منّا أنّ الأصل يختلف باختلاف المباني في المقام فإن قلنا: بالأول فالمشهور أنّ الشك هنا شك في المحصل ولابد من الاحتياط بمعنى أنا إذا شككنا أنّ الابتداء من الأعلى معتبر أم لا في تحصيل الواجب فمقتضى الاشتغال اليقيني إبراء الذمة بلزوم الابتداء من الأعلى.
وأما إذا قلنا: بالثاني وليس وراء الغسلات والمسحات شيء آخر فالشك حينئذ في اعتبار الابتداء من الأعلى أو بالعكس شك في الزائد، ومرجعه إلى الشك في التكليف وهو مجرى أصالة البراءة، بناء على أنّ مجرى الشك بين الأقل والأكثر هو البراءة، وأما على القول بعدم جريان البراءة عند الشك فيه فمقتضى الأصل حينئذ هو الاحتياط، ولكن قد قلنا: إنه حتى على المبنى الأول يمكن إجراء البراءة، وذلك فيما إذا كان المدار هو الطهارة المحددة من قبل الشارع لا طبيعي الطهارة الواقعية.
وأما بالنسبة إلى الأصل اللفظي فها هنا أمور:
الأول: الآية الشريفة وهي قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ... )(1)
فإنّ الآية مطلقة بالنسبة إلى الوجه واليدين، وإنما وردت لتحديد مواضع الغسل وحدودها، وأما كيفية الغسل هل هو من الأعلى أو بالعكس؟ فهي غير
ص: 270
دالة على أحدهما، اللهم إلاّ أن يقال: إنّ الآية منصرفة إلى ما هو المتعارف بين الناس من أنهم يبدأون في الغسل من الأعلى فتكون الآية دليلاً على ما ذهب إليه الخاصة.
وأما بيان الإطلاق في الآية فهو من جهة المعاني المحتملة في كلمة (إلى) المذكورة في الآية، وهي ثلاثة:
أ - أن تكون بمعناها الظاهر منها وهو الانتهاء.
ب - أن تكون بمعنى من كما فسرت في بعض الروايات.
ج - أن تكون بمعنى مع كما ورد في بعض الآيات مثل قوله تعالى: (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ)(1) أي مع أموالكم، وورد في بعض الروايات أن إلى بمعنى مع تفسيراً لآية الوضوء أي اغسلوا اليدين مع المرافق، ولم يخالف في ذلك أحد إلاّ نفر من العامة، فإنهم قالوا: إنّالمرفق ليس داخلاً في اليد(2) ، ومن عداهم من كافة المسلمين متفقون على دخول المرفق في المغسول، والظاهر من هذه الاحتمالات هو الأول، وأن (إلى) بمعنى الانتهاء والآية مع ذلك مطلقة لأن الانتهاء المستفاد من إلى: إما أن يكون قيداً للمغسول، أو قيداً للغسل، أو قيداً لكليهما، والأول هو المتيقن دون الأخيرين، وذلك لأنّ اليد لفظ مشترك أو كالمشترك يستعمل في معان متعددة بواسطة الأفعال المتعلقة بها، فتارة تطلق على جميع العضو أي: من المنكب إلى أطراف الأصابع كما في العرف واللغة(3) ، وأخرى تطلق على المرفق فما تحته كما في آية الوضوء(4) ، وثالثة تطلق على الزند فما تحته كما في آية التيمم(5) ، وقد تطلق على أصول الأصابع كما في آية السرقة(6) ،
ص: 271
ومن خلال هذه الاستعمالات يتبين أنّ معنى اليد مجمل، ولابد في بيان المراد منها من قرينة وهي تختلف باختلاف الموارد، وحيث إنّ الغسل لا قرينة فيه على تعيين العضو المغسول فهو قابل للانطباق على جميع هذه المعاني.
وإذا كان قد تقرر أنّ المراد ليس هو جميع العضو فلابد من البيان فهذا القيد وهو «إلى» مبين للمقدار المغسول وهو إلى المرفق، وحينئذ فالقدر المتيقن هو أن «إلى» قيد للمغسول هذا من جهة، ومن جهة أخرى أنّ كون إلى قيداً إلى المغسول وهو اليد أقرب منه إلى الغسل، وعند الدوران بين رجوع القيد إلى الغسل أو إلى اليد فالمرجح رجوعه إلى اليد، وأما القول برجوع القيد إلى الغسل فهو باطل قطعاً وذلك لأنّه يلزم الحكم بخلاف ما أجمعت الأمة عليه - كما في مجمع البيان(1) - فإنّ الأمة قاطبة من الخاصة والعامة اتفقت على جواز الغسل من المرفق إلى الأصابع ولا يوجبون العكس، وغاية ما ذهب إليه العامة هو القول باستحباب النكس لا بوجوبه، ولم يذكر في ذلك خلاف إلاّ عن بعض العامة، فعلى القول برجوع القيد إلى الغسل لابد من الالتزام بعدم جواز الغسل من المرفق إلى الأصابع ولا يمكن الالتزام به حتى من العامة، فإنهم لا يقولون بذلك، فإنّ الآية عندهم مطلقة وإنما قالوا بجواز النكس أواستحبابه للروايات التي استندوا إليها.
والحاصل: أنّ هذا الاحتمال غير صحيح.
وأما القول برجوع القيد إلى كل منهما فهو أيضاً لا يمكن الالتزام به وذلك:
أولاً: لزوم المحذور المتقدم وهو الحكم بخلاف ما أجمعت عليه الأمة.
وثانياً: لزوم استعمال اللفظ وهو القيد في أمرين أي الغسل والمغسول ومحذوره أشدّ من محذور استعمال اللفظ في معنيين، وذلك لأنّ الغسل والمغسول هنا في مرتبتين فإنّ المغسول بمنزلة الموضوع وهو متعلق الغسل فلابد من فرض
ص: 272
وجوده قبل الغسل حتى يجب غسله فيكون قيداً في حال واحد - من حيث هو واحداً - متقدماً ومتأخراً وفيه ما لا يخفى، وبناء على ذلك فالقاعدة تقتضي أن يكون القيد راجعاً إلى المغسول فيتعين الاحتمال الأول.
والنتيجة: أنّ الآية مطلقة إن لم نقل بالانصراف كما ذكرنا.
الثاني: الروايات فقد ورد في كثير منها الأمر بغسل الوجه واليدين من دون بيان لكيفية الغسل، فهي مطلقة من هذه الناحية وحينئذ تصل النوبة إلى الدليل الثالث الخاص الوارد في المقام وبه يقيد الإطلاق.
الثالث: بناء على ثبوت الإطلاق من الآية الشريفة ومن بعض الروايات لابد من التماس دليل آخر - كما ذكرنا - على تعيين كيفية الغسل، وهذا الأمر مشترك بيننا وبين العامة فكما أنّ علينا أن نستدل بالأدلة الخاصة من السنة وغيرها لإثبات اعتبار الابتداء في الغسل من الأعلى، كذلك العامة لابد لهم من دليل خاص على استحباب النكس لأنّه تقييد لإطلاق الآية، ولابد من بيانه ولعلنا نشير إلى ذلك.
أما أدلتنا على وجوب الابتداء في الغسل من الأعلى فهي الروايات والإجماع والسيرة، وعمدتها الروايات الواردة في المقام.
ونقول: إنّ جميع ما ورد من الروايات دال على وجوب الابتداء من الأعلى ولم يرد ولو في رواية واحدة الدلالة على جواز النكس، وأما هذه الروايات فهي على طوائف.
الأولى: الروايات البيانية التي تحكي فعل رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ، وهي عدة روايات منها: صحيحة زرارة قال: قال أبو جعفر (علیه السلام): ألا أحكي لكم وضوء رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم)؟ فقلنا: بلى، فدعا بقعب فيه شيء من ماء فوضعه بين يديه، ثمّ حسر عن ذراعيه، ثمّ غمس فيه كفه اليمنى، ثمّ قال: هكذا إذا كانت الكف طاهرة،
ص: 273
ثمّ غرف ملأها ماء فوضعها على جبهته، ثمّ قال: بسم الله وسدله على أطراف لحيته، ثمّ أمر يده على وجهه وظاهر جبهته مرةواحدة، ثمّ غمس يده اليسرى فغرف بها ملأها، ثمّ وضعه على مرفقه اليمنى فأمر كفه على ساعده حتى جرى الماء على أطراف أصابعه، ثمّ غرف بيمينه ملأها فوضعه على مرفقه اليسرى فأمر كفه على ساعده حتى جرى الماء على أطراف أصابعه ...(1)
والرواية صريحة الدلالة في أن الابتداء في غسل الوجه من الجبهة وهي أعلى الوجه وفي غسل اليدين من المرفقين، والإمام (علیه السلام) في مقام الحكاية لفعل رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ، ولو كان هناك استحباب للنكس أو غيره لكان على الإمام (علیه السلام) أن يحكيه فعدم حكايته إلاّ هذه الصورة واقتصاره على هذه الكيفية دليل على عدم وجود غيرها.
ومنها: صحيحة زرارة وبكير، أنهما سألا أبا جعفر (علیه السلام) عن وضوء رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم)، فدعا بطست أو تور فيه ماء، فغمس يده اليمنى فغرف بها غرفة فصبها على وجهه فغسل بها وجهه، ثمّ غمس كفه اليسرى فغرف بها غرفة وأفرغ على ذراعه اليمنى فغسل بها ذراعه من المرفق، إلى الكف لا يردها إلى المرفق، ثمّ غمس كفّه اليمنى وأفرغ بها على ذراعه اليسرى من المرفق وصنع بها مثل ما صنع باليمنى ...(2)
وهذه الرواية أظهر من الرواية السابقة، وفيها تأكيد على أنّ الغسل كان من الأعلى وهو قوله: فغسل بها ذراعه من المرفق إلى الكف لا يردها إلى المرفق، وهذه العبارة وما بعدها وإن كانت من كلام الراوي إلاّ أنّه كان ينقل فعل الإمام(علیه السلام) الذي هو حكاية لفعل رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فهي دالة على ما نحن فيه .
ومنها: رواية بكير وزرارة ابني أعين، أنهما سألا أبا جعفر (علیه السلام) عن وضوء
ص: 274
رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فدعا بطست أو بتور فيه ماء ... إلى أن قال: ثمّ غمس كفه اليمنى في الماء واغترف بها من الماء فغسل يده اليمنى من المرفق إلى الأصابع لا يرد الماء إلى المرفقين ...(1)
وهذه الرواية عين الرواية السابقة إلاّ في بعض الألفاظ وقد رواها الشيخ في التهذيب(2) بطريقه إلى بكير وزرارة، وأما الرواية السابقة فهي بطريق الكليني ولا يبعد أنها رواية واحدة كما أشار إليه صاحبالوسائل(3)
الطائفة الثانية: الروايات التي تدل على أنّ لفظ «إلى» بمعنى «من» في الآية الشريفة:
ومنها: ما رواه الكليني في الكافي عن محمّد بن الحسن وغيره، عن سهل بن زياد، عن علي بن الحكم، عن الهيثم بن عروة التميمي، قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن قوله تعالى: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) فقلت: هكذا ومسحت من ظهر كفي إلى المرفق، فقال: ليس هكذا تنزيلها وإنما هي فاغسلوا وجوهكم وأيديكم «من» إلى المرافق، ثمّ أمر يده من مرفقه إلى أصابعه(4)
والرواية من جهة دلالتها واضحة، فإنّ الإمام (علیه السلام) أمر يده من مرفقه إلى أصابعه وفسر المراد من الآية بهذه الكيفية، فلابد من الغسل بهذا النحو، إلاّ أن الرواية وردت بلفظ «من» على نسخة ولفظ «إلى» على نسخة أخرى كما في نسخة الوافي(5) ، والظاهر أنّ النسخة الصحيحة هي المشتملة على لفظ «من» كما في نسخة جامع الأحاديث(6) وإلاّ فلا فرق بين كلام الراوي وكلام الإمام (علیه السلام) في قراءة
ص: 275
الآية، ولا معنى لاعتراض الإمام (علیه السلام) على السائل بقوله: ليس هكذا تنزيلها، مضافاً إلى أنّ الشيخ حملها على أن هذا قراءة جائزة في الآية، أو بحمل التنزيل على التفسير، وهذا دليل على أنّ نسخة الشيخ جاءت بمن أيضاً وإلاّ فلا حاجة إلى التماس المحامل، ثمّ إنّ معنى التنزيل في الرواية يدور بين محتملات ثلاثة:
الأول: أنّ المراد من قوله: «ليس هكذا تنزيلها» أي نزول الوحي بها يعني أنّ الوحي نزل بها بلفظ «من» لا بلفظ «إلى» ، فإن كان هذا هو المراد فالرواية ساقطة عن الاعتبار ولا يمكن الأخذ بها لأنها حينئذ منافية لما تقدم من الروايات البيانية وغيرها من أنّ الآية بلفظ «إلى» كما أنّها منافية لما ورد من أنّها بمعنى مع .
الثاني: أنّ المراد هو جواز القراءة بها بمعنى أنّ في الآية قراءتينإحداهما بمن ، والاُخرى ب- «الى» . لكن هذا الاحتمال خلاف ظاهر الرواية من قوله عليه السلام: «ليس هكذا تنزيلها» .
الثالث: أنّ المراد من التنزيل هو التأويل أو التفسير بمعنى أن تفسير الآية هو ما ذكره لا ما فعله الراوي، وحينئذ فلا يرد إشكال عليه ويكون موافقاً للروايات البيانية، ولا يتنافى مع تفسير «إلى» بمعنى «مع» ، ومع قطع النظر عن هذه الجملة فذيل الرواية صريح في أنّ الغسل إنما هو من المرفق، هذا من جهة الدلالة، وأما من جهة السند ففيه سهل بن زياد وهو مورد للخلاف وقد رجحنا في محله عدم ثبوت وثاقته، إلاّ أنّه يمكن تصحيح طريق هذه الرواية من جهة أنّ لعلي بن الحكم المذكور في الرواية بعد سهل كتاباً وليس له رواية، وقد روى كتابه جماعة(1) من الأصحاب وللشيخ طرق متعددة إلى كتابه، وجاء في فهرست(2) الشيخ ورجال النجاشي(3) أنّ محمّد بن السندي وأحمد بن محمد، ومحمّد بن
ص: 276
إسماعيل وأحمد بن أبي عبد الله يروون الكتاب فلا يختص الطريق بسهل بن زياد، وبناء على هذا فيمكن تصحيح الرواية ولا بأس بالاستدلال بها.
ومنها: ما رواه في المستدرك عن كشف الغمة إلى أن قال: وذكر حديثاً في ابتداء النبوة يقول فيه: فنزل عليه جبرئيل وأنزل عليه ماء من السماء فقال له: يا محمّد قم توضأ للصلاة، فعلّمه جبرئيل (علیه السلام) الوضوء على الوجه واليدين من المرفق ومسح الرأس والرجلين إلى الكعبين(1)
ومنها: ما رواه في المستدرك أيضاً عن كتاب الاستغاثة قال: وفي مصحف أمير المؤمنين (علیه السلام) برواية الأئمة من ولده صلوات الله عليهم من المرافق وإلى الكعبين، حدثنا بذلك علي بن إبراهيم بن هاشم القمي، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب عن علي بن رئاب، عن جعفر بن محمد، عن آبائه صلوات الله عليهم أنّ التنزيل في مصحف أمير المؤمنين (علیه السلام): (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم من المرافق) .
ورواية كشف الغمة وإن لم تشتمل على الآية وتفسير إلى بمعنى من، إلاّ أنّه لما كان فيها: فعلّمه جبرئيل الوضوء على الوجه واليدين منالمرفق، فتدخل في هذه الطائفة.
ثم إنّ الروايتين الأخيرتين غير تامتين من حيث السند فيمكن اعتبارهما مؤيدتين للرواية الأولى.
الطائفة الثالثة: الروايات الواردة في أنّ الغسل إلى المرافق حال التقية ولزوم الغسل من المرافق بعد ارتفاعها، ومنها:
معتبرة علي بن يقطين فقد جاء في هذه الرواية: والذي آمرك به في ذلك أن تمضمض ثلاثاً، وتستنشق ثلاثاً، وتغسل وجهك ثلاثاً، وتخلل شعر لحيتك، وتغسل يديك إلى المرفقين ثلاثاً ... .
ص: 277
وجاء في ذيل الرواية بعد ارتفاع التقية: ابتدء من الآن يا علي بن يقطين وتوضأ كما أمرك الله تعالى اغسل وجهك مرة فريضة وأخرى اسباغاً، واغسل يديك من المرفقين ...(1)
والرواية تامة السند صريحة الدلالة على أن ابتداء الغسل من المرفقين في حال الاختيار.
الطائفة الرابعة: الروايات التي تدل على عدم رد الشعر في غسل اليدين ومن ذلك صحيحة زرارة بن أعين قال لأبي جعفر (علیه السلام): أخبرني عن حد الوجه الذي ينبغي أن يوضأ الذي قال الله عزوجل، فقال: الوجه الذي قال الله تعالى وأمر الله بغسله الذي لا ينبغي لأحد أن يزيد عليه ولا ينقص منه، إن زاد عليه لم يوجر وإن نقص منه أثم، ما دارت عليه الوسطى والإبهام من قصاص شعر الرأس إلى الذقن وما جرت عليه الاصبعان مستديراً فهو من الوجه، وما سوى ذلك فليس من الوجه، فقال له: الصدغ من الوجه؟ فقال(علیه السلام): لا، قال زرارة: قلت له: ما أحاط به الشعر؟ فقال: كلما أحاط به من الشعر فليس على العباد أن يطلبوه ولا يبحثوا عنه ولكن يجري عليه الماء، وحد غسل اليدين من المرفق إلى أطراف الأصابع، وحد مسح الرأس أن تمسح بثلاث أصابع مضمومة من مقدم الرأس، وحد مسح الرجلين أن تضع كفيك على أطراف أصابع رجليك وتمدهما إلى الكعبين فتبدأ بالرجل اليمنى في المسح قبل اليسرى، ويكون ذلك بما بقي في اليدين من النداوة من غير أن تجدد له ماء ولا ترد الشعر في غسل اليدين ولا في مسح الرأس والقدمين(2).
ومحل الشاهد من هذه الرواية هي الجملة الأخيرة فلا معنى لقوله (علیه السلام):ولا ترد الشعر، إلاّ عدم جواز النكس وهو لزوم الغسل من المرفق، وهذه الجملة
ص: 278
منه (علیه السلام) تأكيد لقوله: وحد غسل اليدين من المرفق إلى أطراف الأصابع.
ومنها: ما رواه في المستدرك عن العياشي في تفسيره، عن صفوان قال: سألت أبا الحسن الرضا (علیه السلام) عن قول الله عزوجل: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) فقال (علیه السلام): قد سأل رجل أبا الحسن (علیه السلام) عن ذلك، فقال: سيكفيك - أو كفتك - سورة المائدة يعني المسح على الرأس والرجلين قلت: فإنه قال: اغسلوا أيديكم إلى المرافق فكيف الغسل؟ قال: هكذا، أن يأخذ الماء بيده اليمنى فيصبه في اليسرى، ثمّ يفضه (يفيضه) على المرفق ثمّ يمسح إلى الكف قلت له: مرة واحدة؟ فقال: كان يفعل ذلك مرتين قلت: يرد الشعر؟ قال: إذا كان عنده آخر فعل، وإلاّ فلا(1)
ومفاد الجملة الأخيرة أنّه لا يجوز رد الشعر إلاّ في حال التقية.
وهذه الرواية واضحة الدلالة إلاّ أنها من جهة السند غير معتبرة لعدم وضوح طريق العياشي إلى صفوان، نعم إذا كان كتاب صفوان مشهوراً معروفاً أمكن الاستدلال بها وإلاّ فهي مؤيدة .
الطائفة الخامسة: الروايات الواردة في استحباب البدئة في الغسل بباطن الذراع للنساء وبظاهره للرجال، ومنها :
صحيحة محمّد بن إسماعيل بن بزيع عن أبي الحسن الرضا (علیه السلام) قال: فرض الله على النساء في الوضوء للصلاة أن يبتدئن بباطن أذرعهن وفي الرجال بظاهر الذراع(2)
ومنها: مرسلة الصدوق في الفقيه قال: قال الرضا (علیه السلام): فرض الله عزوجل على النساء في الوضوء أن تبدأ بباطن ذراعيها والرجل بظاهر الذراع(3).
ومنها: رواية الصدوق في الخصال بسنده عن جابر بن يزيد الجعفي، عن
ص: 279
أبي جعفر محمّد بن علي ' في حديث قال: وتبدأ في الوضوء بباطن الذراع، والرجل بظاهره(1)
وهذه الروايات تدل على ما ذكرنا، وأنه لا يستحب الغسل من الأصابعبل المستحب هو من الذراع إما باطنه أو ظاهره، وهذا الاستحباب في مقابل القول باستحباب البدئة من الأصابع، وإلاّ فالواجب هو الابتداء من الأعلى وهو المرفق.
ولكن هذا الاستحباب يتوقف على أنّ المراد من الذراع غير الكف والأصابع كما هو الظاهر، وأما إذا كانت الذراع شاملة للكف والأصابع فلا دلالة فيها.
والحاصل: أنّ هذه الروايات بطوائفها الخمس وغيرها تدل على عدم جواز النكس، بل المعتبر هو الغسل من المرفق، وقد ادعى صاحب الوسائل تواتر النصوص على ذلك، ونضيف: أنّه لم يرد ولو في رواية واحدة جواز النكس - في غير التقية - فضلاً عن الاستحباب، هذا، ويمكن الاستدلال على ذلك أيضاً بسيرة المتشرعة القائمة على أنّ الوضوء من المرفق، والمراد من سيرة المتشرعة هي سيرة الخاصة فإنها متصلة بزمان الأئمة (علیهم السلام) بلا إشكال.
كما يمكن الاستدلال بالإجماع المدعى في المقام ولا يقدح فيه مخالفة من ذكرنا.
والمتحصل: أنّ المتسالم عليه عند الخاصة استناداً إلى الروايات والسيرة والإجماع أنّ الغسل في الوضوء مشروط بالابتداء من الأعلى في الوجه من قصاص الشعر وفي اليدين من المرفقين.
والعجب مما ذهب إليه العامة من القول باستحباب النكس من دون أن يذكروا دليلاً على مدعاهم.
ص: 280
ويقع الكلام فيها من ناحيتين:
الأولى: في حكم المسألة.
ولا إشكال في وجوب الغسل منكوساً حال التقية.
وذلك أولاً: لما تقدم من الأدلة العامة من أن التقية لكل ضرورة وهي شاملة لهذا المورد بلا إشكال.
وثانياً: الأدلة الخاصة الواردة في المقام ومنها: معتبرة علي بن يقطين المتقدمة، فإنّ الإمام (علیه السلام) كتب إليه: والذي آمرك به في ذلك أن تمضمض ثلاثاً، وتستنشق ثلاثاً، وتغسل وجهك ثلاثاً، وتخلل شعر لحيتك، وتغسل يديك إلى المرفقين ثلاثاً.ويؤيدها رواية العياشي عن صفوان المتقدمة أيضاً ومحل الشاهد منها قول صفوان: قلت يرد الشعر؟ قال: إذا كان عنده آخر فعل وإلاّ فلا.
فالحكم بوجوب العمل على مقتضى التقية ومتابعة العامة في ذلك لا إشكال فيه.
الثانية: فيما إذا لم يعمل بما تقتضيه التقية وعمل بالوظيفة الأولية فهل يحكم بصحة وضوئه أم لا؟
والظاهر هو الحكم بالصحة وذلك لما تقدم من أنّ وظيفة المكلف أن يأتي بالغسل جرياً وعكساً، فالمكلف قد أتى بأصل الواجب فيحكم بصحة فعله وإن لم يراع اعتبار النكس، نعم إذا كان الواجب خصوص الغسل نكساً فلم يأت بوظيفته الفعلية وحينئذ فما أتى به لم يكن مأموراً به بل هو مبغوض عند الشارع ومقتضى القاعدة هو الحكم بالبطلان.
ص: 281
ويقع الكلام فيه في جهات:
ذهب الخاصة إلى وجوب المسح على جزء من الرأس، والمشهور هو الاكتفاء بمسمى المسح، وخالف في ذلك الشيخ الصدوق فقد قال في الفقيه: وحد مسح الرأس أن تمسح بثلاثة أصابع مضمومة من مقدم الرأس(1) ، وهكذا ظاهر النهاية قال: لا يجوز أقل من ثلاث أصابع مضمومة مع الاختيار(2)
وأما المسح على جميع الرأس فقد أجمعت الطائفة على عدمه.
وما ذهب إليه المشهور هو الموافق للروايات الواردة في تفسير الآية الشريفة وللروايات الأخرى كما سيأتي.
وأما العامة فقد اختلفت كلماتهم في ذلك:
قال في المغني: روي عن أحمد مسح جميعه في حق كل أحد، وهو ظاهر كلام الخرقي ومذهب مالك، وروي عنه إجزاء مسح بعضه ... إلاّأن الظاهر عن أحمد رحمه الله في حق الرجل وجوب الاستيعاب وأن المرأة يجزئها مسح مقدم رأسها(3).
وفي بداية المجتهد ذهب مالك أنّ الواجب مسحه كله، وذهب الشافعي وبعض أصحاب مالك وأبو حنيفة إلى أن مسح بعضه هو الفرض، ومن أصحاب مالك من حد هذا البعض بالثلث، ومنهم من حده بالثلثين، وأما أبو حنيفة فحده بالربع، وحد مع هذا القدر من اليد الذي يكون به المسح، فقال: إن مسحه بأقل من ثلاثة أصابع لم يجزه، وأما الشافعي فلم يحد في الماسح ولا في الممسوح حدّاً(4)
وفي المحلّى: وأما قولنا في المسح فإن الناس اختلفوا فقال مالك: بعموم مسح الرأس في الوضوء، وقال أبو حنيفة: يمسح من الرأس فرضاً مقدار ثلاث
ص: 282
أصابع، وذكر عنه تحديد الفرض بما يمسح من الرأس بأنه ربع الرأس وأنه إن مسح رأسه باصبعين أو بأصابع لم يجزه ذلك، فإن مسح بثلاث أصابع أجزأه، وقال سفيان الثوري: يجزىء من الرأس مسح بعضه ولو شعرة واحدة، ويجزىء مسحه بإصبع وببعض إصبع، وحد أصحاب الشافعي ما يجزي من مسح الرأس بشعرتين ويجزي باصبع وببعض اصبع، وأحب ذلك إلى الشافعي العموم بثلاث مرات، وقال أحمد بن حنبل: يجزىء المرأة أن تمسح بمقدم رأسها، وقال الاوزاعي والليث: يجزىء مسح مقدم الرأس فقط ومسح بعضه كذلك، وقال داود: يجزي من ذلك ما وقع عليه اسم مسح وكذلك بما مسح من أصبع أو أقل أو أكثر وأحب إليه العموم ثلاثاً(1)
وقد استدلّ الخاصة على ما ذهبوا إليه بالآية الشريفة وهي قوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ )(2)
وقد فسرت الباء في قوله تعالى: (بِرُءُوسِكُمْ) بأنها للتبعيض(3) أي ببعض رؤسكم، فيكون مفاد الآية المسح ببعض الرأس وهو الواجب، وذلك لأنّ الظاهر من الآية الشريفة هو الفرق بين تعدية الفعل بالحرف وعدمه، فإنه لما كان المراد هو غسل جميع الوجه واليدين عدّي الغسل بنفسه، وأما المسح فإنه حيث عدي بالباء علم أنّ المراد بعض الرأس،ولو كان المراد مسح كل الرأس لعدي المسح بنفسه من دون حاجة إلى الباء، فالفرق بين التعدية وعدمها مع أنّ الفعل - وامسحوا - يتعدى بنفسه يدل على أنّ المراد غسل جميع الوجه واليدين، وأما المسح فالمراد منه بعض الرأس والرجلين.
ثمّ إنّ الآية بمعونة الروايات الواردة في تفسير الآية تدل على ما ذكرنا من أن الباء تفيد التبعيض ومن تلك الروايات:
ص: 283
صحيحة زرارة قال: قلت لأبي جعفر (علیه السلام): ألا تخبرني من أين علمت وقلت: إنّ المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين، فضحك، فقال: يا زرارة قاله رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ونزل به الكتاب من الله عزوجل، لأنّ الله عزوجل قال: فاغسلوا وجوهكم فعرفنا أنّ الوجه كله ينبغي أن يغسل، ثمّ قال: وأيديكم إلى المرافق فوصل اليدين إلى المرفقين بالوجه فعرفنا أنّه ينبغي لهما أن يغسلا إلى المرفقين، ثمّ فصل بين الكلام فقال: وامسحوا برؤسكم فعرفنا حين قال: برؤسكم أنّ المسح ببعض الرأس لمكان الباء، ثمّ وصل الرجلين بالرأس كما وصل اليدين بالوجه فقال: وأرجلكم إلى الكعبين فعرفنا حين وصلهما بالرأس أنّ المسح على بعضهما ثمّ فسّر ذلك رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) للناس فضيعوه(1) الحديث.
ومنها: صحيحة زرارة وبكير المتقدمة وقد جاء فيها ... ثمّ قال: إنّ الله تعالى يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ) فليس له أن يدع شيئاً من وجهه إلاّ غسله، وأمر بغسل اليدين إلى المرفقين فليس له أن يدع من يديه إلى المرفقين شيئاً إلاّ غسله، لأنّ الله تعالى يقول: فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق، ثمّ قال: وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين، فإذا مسح بشيء من رأسه أو بشيء من قدميه ما بين الكعبين إلى أطراف الأصابع فقد أجزأه ...(2)
ومحل الشاهد قوله (علیه السلام): فإذا مسح بشيء من رأسه، وهو صريح في الدلالة على أنّ المراد هو مسح بعض الرأس لا جميعه.
ومنها: صحيحة زرارة وبكير ابني أعين - أيضاً - عن أبي جعفر(علیه السلام) أنّه قال في المسح: تمسح على النعلين ولا تدخل يدك تحت الشراك، وإذا مسحت بشيء من رأسك أو بشيء من قدميك ما بين كعبيك إلى أطرافالأصابع فقد أجزأك(3)
ص: 284
وهي صريحة الدلالة أيضاً في أنّ المسح ببعض الرأس، ولا يجب استيعاب جميع الرأس، وغيرها من الروايات الواردة في هذا المعنى، وسيأتي ذكر بعض الروايات الأخرى.
والحاصل: أنّه لا إشكال في أنّ المسح يختص ببعض الرأس لدلالة الكتاب والسنة وهكذا السيرة العملية بين المتشرعة المتصلة بزمان المعصوم(علیه السلام) ، وكذلك الإجماع على عدم مسح الجميع.
وأما حمل بعض العامة الباء في الآية الشريفة على الزيادة قياساً على آية التيمم وهو قوله تعالى فامسحوا بوجوهكم ففيه: أن هذا قياس باطل لا نقول به، مضافاً إلى ورود المناقشة في أصل المقيس عليه، والصحيح أنّ الباء للتبعيض في كلتا الآيتين ولا موجب لحمل الباء على الزيادة.
وبناء على ما ذكرنا فلا إشكال في ثبوت الحكم وهو المسح ببعض الرأس لا جميعه.
فتارة يكون بقصد الجزئية، وأخرى بلا قصد، فإن أتى المكلف به بقصد الجزئية فلا إشكال في حرمة الفعل لأنه تشريع منهي عنه، ولكن لا يحكم ببطلان الوضوء لأنه أتى بمقدار الواجب من المسح، والزيادة لا تضر بما وقع صحيحاً، وأما إذا كان بغير هذا القصد فلا إشكال فيه.
هذا في حال الاختيار، وأما في حال التقية فيجب المسح على جميع الرأس وذلك أولاً: للأدلة العامة وهي شاملة لهذا المورد بلا إشكال.
وثانياً: للرواية المعتبرة الواردة في خصوص التقية وهي معتبرة علي بن يقطين المتقدمة وقد جاء فيها: وتمسح رأسك كله وتمسح ظاهر أذنيك وباطنهما(1).
فالإمام (علیه السلام) يأمره بمسح الرأس كله فلا إشكال من هذه الجهة ولا فرق
ص: 285
حينئذ بين قصد الجزئية والاستحباب وعدمه فإن إطلاق أمره (علیه السلام) يقتضي الشمول.
وقد أجمعت الإمامية على أن مسحهما ليس جزءاً من الوضوء ولا خلاف بينهم في عدم الوجوب، واختلفت العامة في ذلك فذهب بعضهم إلى القول بالاستحباب وبه قال الشافعي، وابن حزم، وذهب أبو حنيفة إلى وجوب مسحهما وقال: إنهما من الرأس يمسحان معه، وذهب بعضهم إلى القول بوجوب غسلهما وإليه ذهب الزهري، وقال: بأنهما من الوجه يغسلان معه، وذهب مالك وأحمد إلى أنهما من الرأس لكنهما يمسحان بماء جديد، وذهب الشعبي والحسن البصري وإسحاق إلى التفصيل فما أقبل منهما يغسل وما أدبر يمسح مع الرأس(1)
استدل الإمامية على عدم الوجوب - مضافاً إلى إجماعهم - بالكتاب والسنة، أما الكتاب فبالآية الشريفة وهي قوله تعالى: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ) .
بتقريب: أنّ الواجب هو غسل الوجه واليدين ومسح الرأس والرجلين وحيث لم تذكر الأذنان فعلم أنّه لا حكم يتعلق بهما في الوضوء فلا يجب غسلهما ولا مسحهما.
وأما السنّة ففي المقام عدة روايات منها:
صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: الأذنان ليسا من الوجه ولا من الرأس(2)
والرواية صريحة الدلالة، وحينئذ فلا تدخل الأذنان في الغسل أو المسح.
ومنها: موثقة زرارة قال: سألت أبا جعفر (علیه السلام) قلت: إن أناساً يقولون: إن
ص: 286
بطن الأذنين من الوجه وظهرهما من الرأس، فقال: ليس عليهما غسل ولا مسح(1).
ولكن في مقابل ذلك وردت رواية صحيحة السند وفيها أن الإمام (علیه السلام) جعل الأذنين من الرأس، وحينئذ يجري عليهما حكم الرأس من وجوب المسح وهي صحيحة علي بن رئاب، قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) الأذنان من الرأس؟ قال: نعم، قلت: فإذا مسحت رأسي مسحت أذني؟ قال: نعم، كأني اليه أنظر إلى أبي وفي عنقه عكنة، وكان يحفي رأسه إذا جزّه، كأني أنظر اليه والماء ينحدر على عنقه(2).وهذه الرواية بحسب ظاهرها مخالفة للروايتين السابقتين كما ذكرنا، وقد حملهما الشيخ على التقية(3) وهكذا صاحب المنتقى(4)
ولعل التقية فيها واضحة وذلك أولاً: أنّ السائل بعد أن أجابه الإمام (علیه السلام) بأن الأذنين من الرأس سأل مرة أخرى: إذا مسحت رأسي مسحت أذني؟ فكأن السائل في شك من الأمر والمرتكز في ذهنه عدم وجوب المسح.
وثانياً: أنّ الإمام (علیه السلام) علل كلامه بشيء آخر اجنبي عن موضوع السؤال ولا علاقة له به ولا مناسبة بين المسح وبين انحدار الماء على العنق.
واحتمل صاحب الوسائل كون السؤال عن مسح الرأس المستحب بعد الحلق بقرينة قوله: كان يحفي رأسه إذا جزه، والإمام (علیه السلام) كان يغسل رأسه والماء ينحدر على عنقه، وإلاّ لو كان يمسح رأسه لما كان يلزم من ذلك انحدار الماء على عنقه.
والحاصل: أنّ الرواية محمولة على التقية، والحكم في المسألة واضح وليس على الأذنين مسح ولا غسل لا ظاهراً ولا باطناً.
ص: 287
ولا إشكال في لزوم المسح على الأذنين أو غسلهما بحسب ما تقتضيه الحال من التقية، وذلك لما ذكرنا من شمول الأدلة العامة لهذا المورد.
وأما إذا خالف التقية وأتى بالوظيفة الواقعية فهل يحكم بصحة الوضوء أم لا؟
وهذا الأمر يجري في مسح كل الرأس أيضاً، فيما إذا خالف مقتضى التقية ومسح على بعض الرأس فكلتا المسألتين من واد واحد.
والظاهر أنّه لا إشكال في الصحة لأنّهما خارجان عن الوضوء وعن المسح الواجب، وهو بحسب الفرض قد أتى بالواجب وإنما لم يأت بشيء زائد وهذا لا يوجب بطلان الوضوء، وعليه فمخالفة التقية في كلا الموردين لا توجب فساد الوضوء.
لا خلاف عند الإمامية في وجوب المسح على الرجلين فقط، دون الغسل ودون التخيير، ولم يخالف في ذلك أحد من العلماء بل عد من ضروريات المذهب عندهم، وهذا هو المطابق لظاهر الكتاب والأخبار المتواترة من طريق الخاصة ومن طرق المخالفين.
وأما العامة فقد اختلفت كلماتهم في ذلك، فذهب بعضهم إلى وجوب المسح فقط، وذهب بعضهم إلى وجوب الغسل فقط، وذهب آخرون إلى التخيير، ومنهم من قال الجمع بين المسح والغسل وقد جمع الشوكاني كلماتهم وحاصل كلامه: أنّ الآية الشريفة اختلف في قراءتها، فقرأ نافع والحسن البصري، والأعمش، بالنصب - في وأرجلكم - واستدل بهذه القراءة على وجوب الغسل، وذهب جمهور العلماء على هذه القراءة.
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، بالجر، ومن قال بالمسح استدل بهذه القراءة وإليه ذهب ابن جرير الطبري وهو مروي عن ابن عباس، ثمّ قال: وقال
ص: 288
ابن العربي: اتفقت الأمة على وجوب غسلهما وما علمت من رد ذلك إلاّ الطبري من فقهاء المسلمين والرافضة من غيرهم، قال الطبري قد روي عن ابن عباس أنّه قال: الوضوء غسلتان ومسحتان، وقال: وكان عكرمة يمسح رجليه وقال: ليس في الرجلين غسل وإنما نزل فيهما مسح، وقال عامر الشعبي: نزل جبرئيل بالمسح، وقال قتادة: افترض الله المسحتين والغسلتين، قال: وذهب ابن جرير الطبري إلى أنّ فرضهما التخيير بين الغسل والمسح وجعل القراءتين كالروايتين وقواه النحاس(1)
هذه هي كلماتهم حول الآية الشريفة وقد رووا في ذلك روايات في كيفية وضوء النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) وأنه غسل أو مسح.
والحاصل أنّ آراءهم مختلفة.
ويقع الكلام في المقام في جهتين:
في ما تقتضيه الأدلة، فنقول: أما الكتاب وهو قوله تعالى: (فَاغْسِلُواوُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ)(2). فهل الآية الشريفة تقتضي وجوب المسح كما يقوله الإمامية؟ أو غيره كما يقوله غيرهم؟
والظاهر من الآية هو وجوب المسح - كما اعترف به كثير من علماء العامة - وذلك لأنّ قوله تعالى: (وَأَرْجُلَكُمْ) إما أن يقرأ بالجر كما هو قراءة أربعة من القراء، وإما أن يقرأ بالنصب كما هو قراءة ثلاثة منهم، وعلى كلا التقديرين فالمستفاد من الآية هو وجوب المسح، أما على قراءة الجر كما هو المعروف بين القراء وغيرهم من الصحابة والتابعين فيكون قوله تعالى: (أَرْجُلَكُمْ) معطوفاً على رؤسكم والمستفاد حينئذ هو وجوب المسح كالرأس.
ص: 289
وما قيل: من احتمال أن يكون الجر للجوار - كما ذكره بعض العامة - كما في جُحر ضبّ خرب، فهو فاسد، وذلك:
أولاً: لأنّ الجر للجوار مخالف للقواعد العربية، وهو شاذ نادر وإنما يرتكب للضرورة، وما يكون هذا شأنه لا يحمل القرآن عليه وينزه كلام الله تعالى عنه.
وثانياً: إنّ الجر للجوار إنما يصار إليه فيما إذا أمن اللبس كما في المثال المتقدم فإن جعل خرب مجروراً عطفاً على الجوار لا لبس فيه، ولا يحتمل أن يكون نعتاً للضبّ، وأما الآية فهي توجب الوقوع في الالتباس.
وثالثاً: أنّ العطف على الجوار لا يستعمل بالحرف وفي الآية الكريمة جيء بالواو قبل المعطوف، وعلى هذا فالقول بأنّ الجر عطفاً على الجوار غير صحيح، والصحيح هو العطف على الرؤوس وهو يقتضي المسح.
وأما على قراءة النصب فالأمر كذلك أيضاً وذلك لأنّ النصب يحتمل فيه أمران:
الأول: العطف على محل الرؤوس لأنها وإن كانت مجرورة لفظاً إلاّ أنها منصوبة محلاًّ لما تقرر في العربية من أنّ الجار والمجرور مفعول به في المعنى.
الثاني: العطف على الوجوه والأيدي.والظاهر بل الصحيح هو الأول لأنه أولاً: أنّ الرؤوس أقرب إلى المعطوف والعطف على الأقرب أولى.
وثانياً: أن العطف على المحل سائغ ولا محذور فيه.
وثالثاً: أنّ في العطف على الوجوه والأيدي فصلاً بالأجنبي وذلك غير جائز بحسب القواعد العربية، وعلى هذا فالعطف - بناء على قراءة النصب - على محل رؤوسكم ويكون أرجلكم متعلق بقوله وامسحوا.
والنتيجة: أن مقتضى الآية الشريفة - على كلا التقديرين - بحسب القواعد العربية هو المسح ولا مجال لاستفادة الغسل منها أصلاً.
وأما ما قيل: من أنّ قوله تعالى: وامسحوا جاء بمعنيين فهو في الرأس بمعناه الظاهر، وفي الأرجل بمعنى الغسل، ففيه من التكلف والتعسف بما لا يصدر
ص: 290
عن منصف، وأما القول بالتخيير بين المسح والغسل فهو خلاف ظاهر الآية، فإنها لم تذكر إلاّ المسح فقط ومقتضى التخيير أن يذكر العدل الآخر.
ويؤيد ما ذكرنا: قراءة الجر، وذهاب عدة من الصحابة والتابعين إلى القول بوجوب المسح، وأنهم قرأوا الآية بالجر ويبلغ عددهم قريباً من ثلاثين شخصاً منهم أمير المؤمنين (علیه السلام) ، وابن عباس، وتميم بن زيد الأنصاري وعبد الله بن زيد الأنصاري، وحذيفة بن اليمان وغيرهم فإنهم قرأوا بالجر وأفتوا بالمسح ونقلت أقوالهم وفتاواهم في تفاسير العامة ومسانيدهم وكتبهم الفقهية.
الأول: ذكرنا آنفاً أنّ كثيراً من علماء العامة قد اعترف بدلالة الآية على المسح ومنهم الرازي فإنه قال: لا يمكن رفع اليد عن ظاهر الآية بالروايات لأنها آحاد(1) ، ومع ذلك فقد تمسك الرازي بأنّ الغسل مشتمل على المسح والاتيان بالغسل أحوط وهو المتعين، وهو كما ترى إذ لازم كلامه دلالة الآية على المسح إلاّ أنّه قال بالغسل لاشتماله على المسح فكأن الآية في نظره قاصرة عن تأدية المعنى، أليس في ذلك نسبة العجز إلى الله تعالى عن تأدية المراد؟!! تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
الثاني:
قد ظهر مما ذكرنا من ذهاب عدة من الصحابة والتابعين إلىالقول بالمسح وقراءتهم الآية بالجر وفتواهم على لزوم المسح واعتراف عدة من علماء العامة كالرازي وابن حزم وغيرهما بدلالة الآية على المسح ما في كلام بعضهم - كما نقلناه حيث قال: اتفقت الأمة على وجوب غسلهما، وما علمت من رد ذلك إلاّ
ص: 291
الطبري من فقهاء المسلمين والرافضة من غيرهم، فكيف يكون كلامه هذا مطابقاً للواقع !!! وفي قوله: من غيرهم، ما لا يخفى فتأمل.
وأما السنة: وهي الروايات الواردة في المقام فهي كثيرة جداً من طرقنا ومن طرق المخالفين.
أما الروايات - من طرقنا - على وجوب المسح فهي من الكثرة بلغت إلى حد التواتر، حتى نسب إلى السيد المرتضى - كما في الجواهر(1) - بأنها أكثر من الرمل والحصى.
وهي على طوائف، ونحن نكتفي بذكر بعضها:
منها: صحيحة زرارة قال: قلت لأبي جعفر (علیه السلام): ألا تخبرني من أين علمت أنّ المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين؟ فضحك فقال: يا زرارة قاله رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) ونزل به الكتاب من الله عزوجل، لأنّ الله عزوجل قال: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ )فعرفنا أنّ الوجه كله ينبغي أن يغسل، ثمّ قال: (وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ )فوصل اليدين إلى المرفقين بالوجه، فعرفنا أنّه ينبغي لهما أن يغسلا إلى المرفقين، ثمّ فصل بين الكلام فقال: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ ) فعرفنا حين قال: (بِرُءُوسِكُمْ ) أنّ المسح ببعض الرأس لمكان الباء، ثمّ وصل الرجلين بالرأس كما وصل اليدين بالوجه، فقال: (وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ) فعرفنا حين وصلهما بالرأس أنّ المسح على بعضهما، ثمّ فسر ذلك رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) للناس فضيعوه(2) الحديث.
ومنها: معتبرة محمّد بن مروان قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام): إنه يأتي على الرجل ستون وسبعون سنة ما قبل الله منه صلاة، قلت: كيف ذلك؟ قال: لأنّه يغسل ما أمر الله بمسحه(3).
ص: 292
وهذه الرواية يشير فيها الإمام (علیه السلام) إلى ما عليه المخالفين من التزامهم بغسل الرجلين خلافاً لما أمر الله به ، فالصلاة باطلة وغير مقبولة لذلك.
ومنها: رواية سالم وغالب بن هذيل، قال: سألت أبا جعفر (علیه السلام) عنالمسح على الرجلين، فقال: هو الذي نزل به جبرئيل(1)
ومنها: ما روي عن أمير المؤمنين (علیه السلام) وابن عباس عن النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) : أنّه توضأ ومسح على قدميه ونعليه(2)
ومنها: ما روي أيضاً عن ابن عباس أنّه وصف وضوء رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) فمسح على رجليه(3)
ومنها: ما روي عنه أيضاً أنّه قال: إن في كتاب الله المسح، ويأبى الناس إلاّ الغسل(4)
ومنها: ما روي عن أمير المؤمنين (علیه السلام) وأنه قال: ما نزل القرآن إلاّ بالمسح(5)
إلى غير ذلك من الروايات الكثيرة الدالة على أن الواجب هو المسح فقط ولا يجزي الغسل أصلاً ... والحكم في ذلك أوضح من أن يبيّن.
وما ورد من بعض الروايات الدالة على جواز الغسل فهي بالإضافة إلى شذوذها وندرتها وحملها على التقية لا تقاوم روايات المسح ولا تعارضها.
هذا بالنسبة إلى روايات الخاصة.
وأما روايات العامة فقد ظفرنا بأكثر من عشرين رواية في صحاحهم ومسانيدهم وكتبهم، وأسانيدها معتبرة عندهم، وهي تدل على المسح، نعم
ص: 293
وردت عنهم بعض الروايات في مقابلها حيث يدل بعضها على وجوب الغسل، وهذه الروايات القليلة في مقابل تلك الروايات الكثيرة المعتضدة بالكتاب العزيز الدالة على المسح.
فهل تقتضي القواعد العلمية الترجيح لتلك الروايات وإسقاط هذه العدة القليلة؟ أو أنها تقتضي إسقاطهما معاً لتعارضهما والرجوع إلى الكتاب؟ أو أنها تقتضي الأخذ بخصوص هذه الروايات ورد تلك الروايات المعتضدة بالكتاب؟ أو أنها تقتضي الاعتماد على الاستحسانات والأقيسة والخيالات؟ وهذا أمر متروك إليهم وهم أدرى بما يفعلون.
وأما عندنا فلا إشكال في وضوح الحكم، وأنّ المسح واجب بالكتاب والسنة، هذا ويمكن الاستدلال أيضاً بالإجماع والسيرة العملية المتحققةولم ينقل عن أحد خلاف في ذلك.
والكلام فيها في ناحيتين:
الأولى: هل يجب غسل الرجلين حال التقية أم لا؟
الظاهر هو الوجوب وذلك للأدلة العامة فإنها شاملة لهذا المورد بلا إشكال، مضافاً إلى الدليل الخاص الوارد في المقام، ومنه معتبرة علي بن يقطين فإن الإمام(علیه السلام) أمره بذلك فقال: وتمسح ظاهر أذنيك وباطنهما وتغسل رجليك إلى الكعبين ثلاثاً(1) ، وذلك يدل على وجوب متابعة المخالفين حال التقية ولابد من غسل الرجلين.
الثانية: إذا خالف التقية وأتى بالوظيفة الواقعية فمسح على الرجلين ولم يغسلهما، فهل يحكم بصحة الوضوء؟
والظاهر أنّ مقتضى القاعدة هو بطلان الوضوء، لأنه لم يأت بالواجب فإن
ص: 294
المسح لم يكن واجباً عليه، وإنما الواجب حال التقية هو الغسل، فما أتى به لم يكن واجباً عليه فقد أنقص جزءاً واجباً من الوضوء، وعليه فالقاعدة تقتضي البطلان.
لا خلاف بين الأصحاب رضوان الله عليهم في أنّ المسح لابد أن يكون بنداوة الوضوء ما دامت النداوة باقية، فإذا جفت فالمشهور أن يأخذ من سائر أعضائه كلحيته أو حاجبيه ولا يعيد وضوءه، وذكر الشيخ في الخلاف(1) أنّ أكثر الأصحاب لا يجوّز أن يستأنف لمسح الرأس والرجلين ماء جديداً.
وفي مختلف(2) العلامة نسب إلى ابن الجنيد أنّه قال: إذا لم يستبق النداوة - أي ماء الوضوء - أخذ ماءاً جديداً لرأسه ولرجليه.وإطلاق كلامه يشمل ما إذا كان الجفاف وعدم البقاء في يديه مع بقاء النداوة في لحيته وسائر أعضائه وعدمه.
وأما العامة فقد نقل الشيخ في الخلاف(3) عنهم أنهم يوجبون استئناف الماء إلاّ مالكاً فإنه أجاز المسح ببقية الماء وإن كان الأفضل عنده الاستئناف.
وفي المغني(4) : ويمسح رأسه بماء جديد غير ما فضل عن ذراعيه وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم، قاله الترمذي وجوزه الحسن وعروة والاوزاعي... ، ولنا ما روى عن عبد الله بن زيد قال: مسح رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بماء غير فضل يديه ... ولأن البلل الباقي في يده مستعمل فلا يجزي المسح به كما لو فصله في إناء ثمّ استعمله.
وفي بداية المجتهد(5) : أكثر العلماء أوجب تجديد الماء لمسح الرأس قياساً
ص: 295
على سائر الأعضاء.
وفي جامع الترمذي(1) بعد ذكر رواية عبد الله بن زيد قال: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم: رأوا أن يأخذ لرأسه ماء جديداً.
وفي أحكام القرآن(2) : أخذ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) لكل عضو ماءً جديداً.
ومن ذلك يتبيّن مورد الخلاف بيننا وبينهم، فإنا نعتبر أن يكون المسح بماء الوضوء وهم يعتبرونه بماء جديد.
ويقع الكلام في جهتين:
الأولى: في ما تقتضيه الأصول العملية واللفظية وما يستفاد من الأدلة الخاصة.
أما الأصل العملي فتقريره بوجهين:
الأول: أنّه يمكن أن يقال: إنّ الأمر دائر بين اعتبار أن يكون المسح بماء الوضوء وبالنداوة الباقية أو لا يعتبر ذلك، بل يجوز أخذه من الخارج، ويستفاد هذا مما تقدم الكلام في نظائره من أنّه هل يكون المقاممورداً للبراءة أو للاشتغال؟ من جهة الاختلاف الواقع في الطهارة وكونها أمراً بسيطاً يحصل من الغسلات والمسحات، أو كونها أمراً مركباً هي نفس الغسلات والمسحات وقد تقدم الكلام فيه مفصلاً.
الثاني: أنّه إذا قلنا بأنّ المكلف به مردد بين أن يكون الواجب هو المسح بالنداوة الباقية كما ذهب إليه أكثر الخاصة، أو أنّ الواجب هو استئناف ماء جديد للمسح به كما ذهب إليه العامة، وحينئذ فمقتضى الأصل هو الاحتياط لأنّ الشك فيه يرجع إلى الشك في المكلف به وبراءة الذمة من الفعل المأتي به، ومقتضاه الاحتياط، وذلك لأننا نعلم يقيناً بالتكليف وهو وجوب المسح ولكن لا ندري أنّ الواجب أي الفردين، فمقتضى العلم الإجمالي هو لزوم الاحتياط على المكلف والإتيان بهما معاً، ولكن هذا مخالف للإجماع المتفق عليه بين الإمامية وغيرهم أنّ
ص: 296
الواجب أحدهما لا الجمع بينهما.
وبناء على هذا الوجه فليس في المقام أصل عملي يرجع إليه عند الشك.
وأما الأصل اللفظي فمقتضى الآية الشريفة وبعض الروايات الدالة على وجوب مسح الرأس والرجلين هو الإطلاق، إذ لم يبين فيها اعتبار كون المسح بنداوة اليد أو باستئناف ماء جديد، وغاية ما تفيده الآية الشريفة أنها تتكفل ببيان أصل الوجوب فقوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ )(1) مطلق وهكذا غير واحدة من الروايات.
وما يقال: إنّ الظاهر من المطلقات هو المسح بنداوة اليد لأن استئناف ماء جديد يدخل في الغسل ولا يصدق عليه المسح، لا يمكن الالتزام به، وذلك لأنّ بين الموردين عموم من وجه إذ قد يبقى في اليد ماء كثير أو زائد يمكن الغسل به، كما أنّه يمكن أخذ ماء قليل جداً لا يسع الغسل، فالتلازم بين الماء الجديد وبين الغسل لا يكون صحيحاً في جميع الموارد.
وبناء على هذا فلا يمكن التمسك بإطلاق الآية الشريفة والروايات.
وأما ما يستفاد من الأدلة الخاصة ففي المقام روايات كثيرة ادعي تواترها تدل على وجوب المسح بما بقي من ماء الوضوء وهي على طوائف:
الطائفة الأولى: الروايات البيانية التي تحكي وضوء رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ومنها: صحيحة زرارة قال: قال أبو جعفر (علیه السلام): ألا أحكي لكم وضوءرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ؟ إلى أن قال: ومسح مقدم رأسه وظهر قدميه ببلة يساره وبقية بلة يمناه، وقال في ذيل الرواية: وقال أبو جعفر (علیه السلام): إنّ الله وتر يحب الوتر، فقد يجزيك من الوضوء ثلاث غرفات واحدة للوجه واثنتان للذراعين، وتمسح ببلة يمناك ناصيتك وما بقي من بلة يمينك ظهر قدمك اليمنى، وتمسح ببلة يسارك ظهر قدمك اليسرى(2)
ص: 297
ومنها: صحيحة زرارة وبكير انهما سألا أبا جعفر (علیه السلام) عن وضوء رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) فدعا بطست أو تور فيه ماء ... إلى أن يقول: ثمّ مسح رأسه وقدميه ببلل كفه لم يحدث لهما ماءً جديداً(1)
ومنها: صحيحة بكير بن أعين عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: قال: ألا أحكي لكم وضوء رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ... إلى أن قال: ثمّ مسح بفضل يديه رأسه ورجليه(2)
ومنها: صحيحة زرارة قال: حكى لنا أبو جعفر (علیه السلام) وضوء رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) فدعا بقدح من ماء ... إلى أن قال: ثمّ مسح بما بقي في يده رأسه ورجليه ولم يعدهما في الإناء(3)
ومنها: صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: يأخذ أحدكم الراحة من الدهن فيملأ بها جسده والماء أوسع، ألا أحكي لكم وضوء رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)؟ قلت: بلى، قال: فأدخل يده في الإناء ... إلى أن قال: ثمّ مسح رأسه ورجليه بما بقي في يديه(4)
ومنها: صحيحة زرارة قال: حكى لنا أبو جعفر (علیه السلام) وضوء رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) فدعا بقدح من ماء فأدخل يده اليمنى ... إلى أن قال: ثمّ مسح ببقية ما بقي في يديه رأسه ورجليه ولم يعدهما في الإناء(5)
ومنها: صحيحة بكير وزرارة ابني أعين أنهما سألا أبا جعفر (علیه السلام) عن وضوء رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فدعا بطست أو بتور فيه ماء فغسل كفيه ... إلى أن قال: ثمّ مسح رأسه وقدميه إلى الكعبين بفضل كفيه لم يجدد ماء(6)
وهي عين الصحيحة الثانية المتقدمة مع اختلاف في الألفاظ.
ص: 298
وغيرها من الروايات وهي صريحة الدلالة على أنّ المسح يجب أن يكون بنداوة ماء الوضوء.
لا يقال: إنّ هذه الطائفة من الروايات حكاية لفعل النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) ، وغاية ما تدل عليه هو المشروعية لا الوجوب، فلا يمكن استفادة الحكم من فعله- .
لأنا نقول: إنّ الإمام المعصوم (علیه السلام) في حكايته لفعل النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) إنما حكاه لأنه حجة لا أنّه فعل، وذكر هذه الخصوصية من كيفية المسح والتركيز عليها دليل على الوجوب ولو كان غيرها جائزاً لما كان لذكر هذه الخصوصية وجه.
والحاصل: أنّ المتأمل لا يرتاب في دلالة هذه الروايات على الوجوب لا على المشروعية فقط.
الطائفة الثانية: الروايات الدالة على وجوب ذلك من قول الأئمة (علیهم السلام):
ومنها: صحيحة زرارة المتقدمة، وهي الرواية الأولى من الطائفة المتقدمة وقد جاء فيها: وقال أبو جعفر (علیه السلام): إنّ الله وتر يحب الوتر، فقد يجزيك من الوضوء ثلاث غرفات واحدة للوجه واثنتان للذراعين، وتمسح ببلة يمينك ناصيتك وما بقي من بلة يمينك ظهر قدمك اليمنى، وتمسح ببلة يسارك ظهر قدمك اليسرى.
وهذه الجملة قول أبي جعفر (علیه السلام) بعد أن حكى فعل رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) .
ومنها: صحيحة أبي عبيدة الحذاء قال: وضأت أبا جعفر (علیه السلام) بجمع إلى أن قال: ثمّ مسح بفضلة الندى رأسه ورجليه(1)
والرواية وإن لم تكن قولاً للإمام (علیه السلام) وإنما هي حكاية لفعله (علیه السلام) إلاّ أنها تدخل في القول بوجه.
ومنها: صحيحة عمر بن أذينة عن أبي عبد الله (علیه السلام) (في حديث طويل) أنّ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال: لما أسري بي إلى السماء أوحى الله إليّ: يا محمّد ادن من صاد
ص: 299
فاغسل مساجدك وطهرها، وصل لربك، فدنا رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) من صاد وهو ماء يسيل من ساق العرش الأيمن، فتلقى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) الماء بيده اليمنى فمن أجل ذلك صار الوضوء باليمين، ثمّ أوحى
الله إليه أن اغسل وجهك فإنك تنظر إلى عظمتي، ثمّ اغسل ذراعيك اليمنى واليسرى فإنك تلقى بيديك كلامي، ثمّ امسح بفضل ما بقي في يدك من الماء ورجليك إلى كعبيك فإني أبارك عليك وأوطئك موطئاً لم يطأه أحدغيرك(1)
وهذه الرواية صريحة الدلالة على أن الواجب هو المسح بفضل ما بقي من الماء ولا يجوز أخذ الماء من الخارج.
الطائفة الثالثة: الروايات الدالة على جواز أخذ البلل من اللحية أو الحاجبين عند جفاف اليدين:
ومنها: صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: إذا ذكرت وأنت في صلاتك أنك تركت شيئاً من وضوئك (إلى أن قال:) ويكفيك من مسح رأسك أن تأخذ من لحيتك بللها إذا نسيت أن تمسح رأسك فتمسح به مقدم رأسك(2)
وهذه الرواية وإن كان موضوعها الناسي إلاّ أنها تدل على أنّ المسح لابد وأن يكون بماء الوضوء لا بغيره، ولا بأس بدلالتها وإن كانت بالمفهوم.
ومنها: صحيحة زرارة عن أبي عبد الله (علیه السلام) ، في الرجل ينسى مسح رأسه حتى دخل في الصلاة قال: إن كان في لحيته بلل بقدر ما يمسح رأسه ورجليه فليفعل ذلك وليصلّ(3) الحديث.
وهذه الرواية كالرواية السابقة في دلالتها على عدم أخذ الماء من الخارج بالمفهوم، وأصرح من هاتين الروايتين رواية مالك بن أعين عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: من نسى مسح رأسه ثمّ ذكر أنّه لم يمسح رأسه فإن كان في لحيته بلل فليأخذ
ص: 300
منه وليمسح رأسه، وإن لم يكن في لحيته بلل فلينصرف وليعد الوضوء(1)
فهي صريحة في عدم أخذ الماء من الخارج بل ينصرف ويعيد الوضوء، هذا من جهة الدلالة، وأما من جهة السند ففيها مالك بن أعين وهو ممّن لم يرد فيه توثيق، وقد عبر السيد الأستاذ ! في التنقيح عن الرواية بالموثقة(2) إلاّ أن هذا على مبناه السابق في أسناد كامل الزيارات فإن مالك بن أعين ورد في أسناد بعض رواياته(3)، ولكنه ! عدل عن هذاالرأي إلى اختصاص شهادة ابن قولويه بمشايخه، وبناء على هذا فالتوثيق لا يشمل مالك بن أعين، إلاّ أنّه يمكن توثيقه من جهة أخرى وهي بناء على ما حققناه في مباحثنا الرجالية من أن إحدى علائم التوثيق رواية المشايخ - الذين لا يروون ولا يرسلون إلاّ عن ثقة - عن شخص وقد روى ابن أبي عمير عن مالك بن أعين(4) ، وعليه فلا مانع من الاستناد إلى روايته والاستدلال بها، ثمّ لا يخفى أن المراد من مالك بن أعين هو الجهني الذي هو من أصحاب الباقر والصادق ' (5) لا الشيباني أخو زرارة فإنه لا رواية له عن المعصوم (علیه السلام) كما استظهره السيد الأستاذ ! (6)
ومنها: رواية الصدوق، قال: قال الصادق (علیه السلام): إن نسيت مسح رأسك فامسح عليه وعلى رجليك من بلة وضوئك، فإن لم يكن بقي في يدك من نداوة وضوئك شيء فخذ ما بقي منه في لحيتك وامسح به رأسك ورجليك، وإن لم يكن لك لحية فخذ من حاجبك وأشفار عينيك وامسح به رأسك ورجليك، وإن لم يبق من بلة وضوئك شيء أعدت الوضوء(7)
ص: 301
وهذه الرواية واضحة الدلالة ولا إشكال في عدم جواز أخذ الماء من الخارج إلاّ أن الكلام في سند الرواية فإنها مرسلة وقد أوردها الصدوق في الفقيه ونسبها إلى الإمام (علیه السلام) ، وقد تحقق عندنا(1) : أن مرسلات الصدوق في الفقيه يمكن الاعتماد عليها، وذلك لشهادته في أوله ثلاث شهادات على روايات الكتاب وهي أنها صحيحة وحجة بينه وبين الله، وأنها مأخوذة من كتب مشهورة معروفة، وأنها معوّل عليها(2) ، ورد الرواية بعد هذه الشهادات مشكل وعليه يمكن اعتبار هذه الرواية والاستناد إليها.
وهناك روايات أخرى تدخل في هذه الطائفة نكتفي بما ذكرنا، وكلها تدل على جواز أخذ الماء من اللحية والحاجبين وأشفار العين ومع جفاف الماء عنها يبطل الوضوء ولا يجوز أخذ الماء من الخارج.
الطائفة الرابعة: الروايات الواردة في حال التقية ومنها:معتبرة علي بن يقطين فإن الإمام (علیه السلام) كتب إليه بعد ارتفاع التقية، ابتدأ من الآن يا علي بن يقطين وتوضأ كما أمرك الله تعالى، اغسل وجهك مرة فريضة وأخرى اسباغاً، واغسل يديك من المرفقين كذلك، وامسح بمقدم رأسك وظاهر قدميك من فضل نداوة وضوئك، فقد زال ما كنا نخاف منه عليك والسلام(3)
فالمسح الواجب الذي أمر الله به أن يكون من فضل نداوة الوضوء لا من الخارج، وغيرها من الروايات.
هذه جملة من الروايات وهناك روايات كثيرة جداً كلها تدل على أن المسح ينبغي أن يكون بماء الوضوء لا بماء مستأنف.
ولكن بإزاء هذه الروايات ورد ما يدل على جواز أخذ الماء من الخارج ومن ذلك صحيحة أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن مسح الرأس، قلت:
ص: 302
امسح بما على يدي من الندى رأسي؟ قال: لا ، بل تضع يدك في الماء ثمّ تمسح(1).
ومنها: معتبرة معمر بن خلاد قال: سألت أبا الحسن (علیه السلام): أيجزي الرجل أن يمسح قدميه بفضل رأسه؟ فقال برأسه: لا، فقلت: أبماء جديد؟ فقال برأسه: نعم(2)
وقد حمل الشيخ هاتين الروايتين على التقية(3) والرواية الثانية في دلالتها على التقية أوضح فإنّ الإمام (علیه السلام) أجاب برأسه ولم يجب بلسانه.
ومنها: رواية جعفر بن عمارة بن أبي عمارة قال: سألت جعفر بن محمّد ' أمسح رأسي ببلل يدي؟ قال: خذ لرأسك ماءاً جديداً ...(4)
وقد حملها الشيخ على التقية أيضاً، وقال: لأنّ رواته رجال العامة والزيدية(5).
والأمر كما ذكره الشيخ فإن ابن عقدة زيدي، وفضل بن يوسف مجهول ولم يرد له رواية في الكتب الأربعة إلاّ هذه الرواية، فإنّ الشيخ رواها في التهذيب(6) ومثله محمّد بن عكاشة وأما جعفر بن عمارة فهووإن ذكره الشيخ في أصحاب الصادق (علیه السلام) ولكنه من العامة(7)
والحاصل: أنّ الرواية ضعيفة السند مضافاً إلى حملها على التقية.
ومنها: معتبرة أبي بصير عن أبي عبد الله (علیه السلام) في رجل نسي أن يمسح على رأسه ذكر وهو في الصلاة، فقال: إن كان استيقن ذلك انصرف فمسح على رأسه، وعلى رجليه واستقبل الصلاة، وإن شك فلم يدر مسح أو لم يمسح فليتناول من
ص: 303
لحيته إن كانت مبتلّة وليمسح على رأسه، وإن كان أمامه ماء فليتناوله منه فليمسح رأسه(1)
وهذه الرواية وإن ورد فيها أخذ الماء من الخارج إلاّ أنها ليست محلاًّ للشاهد وذلك:
أولاً: إن الرواية موردها الشك.
وثانياً: إنّ المراد هو الاستحباب لأن الشك في مثل هذه الحال لا يعتنى به لجريان قاعدة الفراغ.
وثالثاً: على فرض أنها شاملة لما نحن فيه إلاّ أنها لا تقاوم الروايات الصحيحة السابقة، ولا يمكن ترجيح هذه الرواية على تلك الروايات الكثيرة.
والحاصل: أنّ هذه الروايات المقابلة لتلك الطوائف لابد من حملها على التقية لشذوذها وعدم مقاومتها لتلك الروايات وأنها موافقة للعامة، فلا إشكال في الأخذ بالروايات المتقدمة الدالة على أنّ المسح يجب أن يكون بماء الوضوء.
وهذا هو مذهب الإمامية ولم يستشكل في ذلك إلاّ ما نسب إلى ابن الجنيد كما تقدم. هذا تمام الكلام في الجهة الأولى.
والكلام فيها من ناحيتين:
الأولى: هل يجب استئناف الماء للمسح حال التقية أم لا؟
الظاهر هو الوجوب، وذلك:
أولاً: لما تقدم من الأدلة العامة فإنها شاملة للمورد بلا إشكال.
وثانياً: للأدلة الخاصة الواردة في المقام ومنها معتبرة علي بن يقطين فقد ورد فيها: وتمسح رأسك كله وتمسح ظاهر أذنيك وباطنهما وتغسل رجليك إلى
ص: 304
الكعبين ثلاثاً.
فإنّ الأمر بغسل الرجلين ثلاثاً ظاهر في استئناف الماء إذ لا يتحقق الغسل إلاّ به والرواية واردة في مقام التقية فلا إشكال في وجوب ذلك، نعم الأمر بمسح الرأس كله والأذنين ظاهرهما وباطنهما مطلق، ولم يبين الإمام(علیه السلام) أنّه بماء مستأنف، ولعل الاكتفاء بهذا المقدار - وعدم ذكره أخذ ماء جديد لمسح الرأس والأذنين - محقق للتقية، مضافاً إلى أن مسألة مسح الرأس والأذنين ليست اتفاقية عندهم، بل هي محل خلاف كما تقدم وإن كان المشهور عندهم هو مسح جميع الرأس والأذنين، ويترتب على هذا أنّ الاحتياط يقتضي الاقتصار على ما يحقق التقية ولا يتعدى إلى غيره، فلا يستأنف ماء جديد لمسح الرأس والأذنين لعدم الحاجة إليه اكتفاء بغسل الرجلين.
الثانية: فيما إذا خالف التقية وعمل المكلف بوظيفته الأولية فهل يحكم بصحة وضوئه أم لا؟
والظاهر مما تقدم هو الحكم بالصحة، لأنّ المسح قد تحقق سواء كان بالنداوة الباقية أو المستأنفة، واشتراط كونه من المستأنفة غير دخيل في تحققه، نعم الغسل يتحقق وهو أمر آخر وقد تقدم الكلام فيه وفي نظائره.
والحاصل: أنّه إذا أتى المكلف بالمسح ولم يستأنف ماء جديداً فالحكم بالبطلان حينئذ مشكل.
لا إشكال عند الإمامية بل ادعي عليه الإجماع بل هو مذهب أهل البيت(علیهم السلام) في اعتبار كون المسح على البشرة، ولم ينقل في ذلك خلاف من أحد.
وأما العامة فقد خالفوا في ذلك كما نقله الشيخ عنهم قال في الخلاف: لا
ص: 305
يجوز المسح على الخفين لا في الحضر ولا في السفر وخالف جميع الفقهاء في ذلك على اختلاف بينهم في مقدار المسح في السفر والحضر(1). وذهب بعضهم إلى الجواز للمسافر والحاضر مطلقاً(2) ، وبعضهم جوزه للمسافر مطلقاً(3) ، وبعضهم يرى عدم الجواز بقول مطلق كما نقل ذلك عن مالك(4)
واختلفوا أيضاً في تحديد محل المسح فبعضهم أوجب المسح من أعلى الخف وأسفله مستحب وهو رأي الشافعي، وبعضهم ذهب إلى أن الواجب هو مسح ظهورها وبطونها وهو مذهب ابن نافع(5) ، وبعضهم ذهب إلى مسح الظهور دون البطون وقال بأن البطون ليس مسحها واجباً ولا مستحباً وهو مذهب أبي حنيفة وداود، وسفيان وجماعة(6) ، إلى غير ذلك من الاختلافات الكثيرة العجيبة بينهم، وأعجب من هذا كله أنهم لا يجيزون المسح على الرجلين ويوجبون غسلهما ومع ذلك يجيزون المسح على الخفين ويكتفون بذلك فالترجيح للخفين على الرجلين في المسح والتفريق بينهما عجيب منهم وأي عجيب !!!
ثم أنّ الكلام يقع في جهتين:
الأولى: فيما تقتضيه الأصول العملية واللفظية وما يستفاد من الأدلة الخاصة، أما الأصل العملي فالمستفاد من الأدلة أنّ الواجب هو مسح الرجلين كما هو الحق، أو غسلهما كما هو مذهب العامة فإذا شككنا في مسح الخفين بدلاً من مسح الرجلين أو غسلهما فالظاهر أن مقتضى الأصل هو الاشتغال، لأنّ الشك ليس شكاً في التكليف وإنما هو شك في المكلف به، مضافاً إلى أنّه شك في المصداق لا في المفهوم بمعنى أنّ المسح على الخفين هل هو مسح على الرجلين أو لا؟
ص: 306
فإذا شككنا في ذلك وليس لنا دليل في المقام - كما هو الفرض - فمقتضى الأصل العملي هو الاشتغال ولابد من الاحتياط، لأنّ الاشتغال اليقيني يقتضي الفراغ اليقيني، وهذا الأصل جار حتى بناء على ما تقدم من كون الغسلات والمسحات هو الواجب لا أنّه الأثر التكويني الذي كشف عنه الشارع بالأمر بتحصيله.
والحاصل: أنّ أصالة الاشتغال جارية على اختلاف المباني في المقام.
وأما الأصل اللفظي فالمستفاد من الآية الكريمة ومن بعض الرواياتهو الإطلاق، فإن قوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ)(1)، يقتضي بإطلاقه وجوب المسح كما هو الحق وقد تقدم الكلام فيه، فإذا شككنا في جواز المسح على غير الرجلين كالخفين أو أي حائل آخر فبحسب ظاهر الآية بل نصها عدم الاكتفاء، فإنّ الآية محكمة وليست من المتشابه، ومفرداتها واضحة الدلالة، فلا يلتبس مفهوم الرجلين بمفهوم الخفين ولا يصدق أحدهما على الآخر، وبناء على هذا فلا يجوز المسح على غير الرجل بمقتضى الأصل اللفظي المستفاد من الكتاب العزيز، وهكذا الروايات المطلقة في دلالتها على وجوب المسح على الرجلين لا على الخفين أو أي حائل آخر، ومثله غسل الوجه فإنّه لا يصدق على غسل عضو آخر أو حائل بل لابد من غسل البشرة وإيصال الماء إليها، وهكذا بالنسبة إلى وضوح معنى المسح وموضوعه.
وما قيل: من أنّ الآية منسوخة بفعل النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) فهو مردود بإجماع الفريقين على عدم النسخ، وقد ذكر الرازي في تفسيره(2) إجماع المفسرين على عدم نسخ هذه الآية وسيأتي في الروايات ما يدل على عدم النسخ.
والحاصل: أنّ مقتضى الأصلين العملي واللفظي هو عدم جواز المسح على الحائل ومنه الخفين، وأما ما يستفاد من الأدلة الخاصة ففي المقام روايات كثيرة
ص: 307
تدل على عدم جواز المسح على الخفين وهي على طوائف:
الأولى: الروايات البيانية التي تحكي فعل رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ومنها:
صحيحة زرارة قال: قال أبو جعفر (علیه السلام): ألا أحكي لكم وضوء رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) فقلنا: بلى ... إلى أن قال: ومسح مقدم رأسه وظهر قدميه(1)
والظاهر من المسح على ظهر القدمين أنّه مسح على بشرة القدمين.
ومنها: صحيحة زرارة وبكير أنهما سألا أبا جعفر (علیه السلام) عن وضوء رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) فدعا بطست أو تور فيه ماء ... إلى أن قال: فإذا مسح بشيء من رأسه أو بشيء من قدميه ما بين الكعبين إلى أطراف الأصابع فقد أجزأه(2).والرواية ظاهرة في أنّ المسح على البشرة.
ومنها: معتبرة ميسر عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: ألا أحكي لكم وضوء رسول الله(علیه السلام) ؟ ... إلى أن قال: ثمّ مسح رأسه وقدميه، ثمّ وضع يده على ظهر القدم ثمّ قال: هذا هو الكعب(3)
إلى غير ذلك من الروايات الحاكية لفعل الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) وهي تدل على أنّ المسح كان على نفس بشرة القدمين.
الطائفة الثانية: الروايات الدالة على أنّ المسح على الخفين مخالف للكتاب:
ومنها: صحيحة زرارة عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: سمعته يقول: جمع عمر بن الخطاب أصحاب النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) وفيهم علي (علیه السلام) فقال: ما تقولون في المسح على الخفين؟ فقام المغيرة بن شعبة فقال: رأيت رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يمسح على الخفين فقال علي (علیه السلام): قبل المائدة أو بعدها فقال: لا أدري فقال علي(علیه السلام): سبق الكتاب الخفين، إنما نزلت المائدة قبل أن يقبض بشهرين أو ثلاثة(4)
ص: 308
والمستفاد من الرواية أنّ المسح على الخفين على خلاف كتاب الله.
ومنها: صحيحة الحلبي قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن المسح على الخفين فقال: لا تمسح، وقال: إنّ جدي قال: سبق الكتاب الخفين(1)
ومنها: مضمرة أبي بكر الحضرمي قال: سألت عن المسح على الخفين والعمامة فقال: سبق الكتاب الخفين وقال: لا تمسح على خف(2)
ومنها: رواية أبي الورد قال: قلت لأبي جعفر (علیه السلام): إنّ أبا ظبيان حدثني أنّه رأى علياً (علیه السلام) أراق الماء ثمّ مسح على الخفين، فقال: كذب أبو ظبيان أما بلغك قول علي (علیه السلام) فيكم: سبق الكتاب الخفين، فقلت: فهل فيهما رخصة؟ قال: لا، إلاّ من عدو تتقيه، أو ثلج تخاف على رجليك(3)
والرواية من حيث الدلالة واضحة، وأما من جهة السند ففيه أبو الورد وهو لم يوثق ولكنه واقع في أسناد تفسير علي بن إبراهيم القمي(4) ، فتكون الرواية معتبرة.ومنها: رواية قيس بن الربيع قال: سألت أبا إسحاق عن المسح يعني المسح على الخفين، فقال: أدركت الناس يمسحون حتى لقيت رجلاً من بني هاشم لم أر مثله قط يقال له: محمّد بن علي بن الحسين ' فسألته عن المسح فنهاني عنه، وقال: لم يكن علي أمير المؤمنين (علیه السلام) يمسح على الخفين وكان يقول: سبق الكتاب المسح على الخفين، قال: فما مسحت منذ نهاني(5)
والرواية في دلالتها واضحة، إلاّ أن الكلام في سندها فقد رواها الشيخ المفيد في الإرشاد(6) عن مخول بن إبراهيم عن قيس بن الربيع وكلاهما لم يرد فيهما
ص: 309
توثيق فتحمل على التأييد لما سبق من الروايات.
ومنها: رواية الفضل بن شاذان عن الرضا (علیه السلام) أنّه كتب إلى المأمون... ثمّ الوضوء كما أمر الله، (إلى أن قال:) ومن مسح على الخفين فقد خالف الله ورسوله وترك فريضته وكتابه(1)
والرواية وإن كانت صريحة الدلالة في أنّ المسح على الخفين مخالف للكتاب إلاّ أن سند الرواية غير تام وقد ذكرنا ذلك فيما سبق فتكون الرواية مؤيدة كالرواية المتقدمة.
والحاصل: أنّ هذه الطائفة من الروايات تدل على أنّ المسح على الخفين على خلاف الكتاب.
الطائفة الثالثة: الروايات الدالة على النهي عن المسح على الخفين وعدم إجزائه.
ومنها: صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما ' أنّه سئل عن المسح على الخفين وعلى العمامة فقال: لا تمسح عليهما(2)
ومنها: صحيحة الحلبي المتقدمة وهي الرواية الثانية من الطائفة الثانية.
ومنها: رواية سليم بن قيس الهلالي قال: خطب أمير المؤمنين (علیه السلام) فقال: قد عملت الولاة قبلي أعمالاً خالفوا فيها رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) متعمدين لخلافه، ولو حملت الناس على تركها لتفرق عني جندي، أرأيتم لو أمرت بمقام إبراهيم فرددته إلى الموضع الذي كان فيه (إلى أن قال:) وحرمتالمسح على الخفين، وحددت على النبيذ، وأمرت بإحلال المتعتين، وأمرت بالتكبير على الجنائز خمس تكبيرات، وألزمت الناس الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، (إلى أن قال:) إذاً لتفرقوا عني الحديث(3)
ص: 310
وموضع الشاهد قوله (علیه السلام): وحرمت المسح على الخفين، فإنه مخالف لأمر رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ، وهو بدعة أحدثوها بعده، والرواية من جهة دلالتها واضحة كما أنها من جهة السند معتبرة فقد ذكرنا في مباحثنا الرجالية(1) إمكان تصحيح روايات كتاب سليم بن قيس.
ومنها: موثقة إسحاق بن عمار قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن المريض هل له رخصة في المسح؟ فقال: لا(2)
والمراد من المسح هو المسح على الخفين رخصة في مسحهما، وليس المراد هو ترك المسح، فيجب أن يكون المسح على القدمين ولو بمشقة.
ومنها: موثقة حبابة الوابلية (الوالبية) في حديث عن أمير المؤمنين (علیه السلام) قالت: سمعته يقول: إنّا أهل بيت لا نمسح على الخفين، فمن كان من شيعتنا فليقتد بنا، وليستن بسنتنا(3)
والرواية واضحة الدلالة، وأما من جهة السند فإنها وردت في الفقيه بسنده إلى المفضل بن عمر، وطريق الصدوق إلى المفضل معتبر(4) ، وإن كان فيه محمّد بن سنان إلاّ أننا قد استظهرنا وثاقته كما حققناه في محله، فلا إشكال في الرواية دلالة وسنداً.
وهناك روايات أخرى غير تامة السند فتكون مؤيدة لمضمون هذه الروايات:
منها: رواية رقبة (رقية) بن مصقلة قال: دخلت على أبي جعفر (علیه السلام) فسألته عن أشياء، (إلى أن قال:) فقلت له: ما تقول في المسح على الخفين؟ فقال: كان عمر يراه ثلاثاً للمسافر ويوماً وليلة للمقيم، وكان أبي لا يراه في سفر ولا حضر، فلما خرجت من عنده فقمت على عتبة الباب، فقال لي: اقبل فأقبلت
ص: 311
عليه فقال: إنّ القوم كانوا يقولون برأيهم فيخطئون ويصيبون وكان أبي لا يقول برأيه(1)ومنها: رواية الكلبي النسابة عن الصادق (علیه السلام) (في حديث) قال: قلت له: ما تقول في المسح على الخفين؟ فتبسم ثمّ قال: إذا كان يوم القيامة وردّ الله كل شيء إلى شيئه، ورد الجلد إلى الغنم فترى أصحاب المسح أين يذهب وضوؤهم(2)
وكلتا الروايتين مؤيدتان لما سبق فإن رقبة بن مصقلة والكلبي النسابة لم يرد فيهما توثيق، فلا يمكن الاستناد إلى رواياتهما في مقام الاستدلال.
الطائفة الرابعة: الروايات التي تدل على عدم جواز الصلاة خلف من يمسح على الخفين:
ومنها: رواية حسان المدائني قال: سألت جعفر بن محمّد ' عن المسح على الخفين، فقال: لا تمسح ولا تصلّ خلف من يمسح(3)
وهذه الرواية واضحة الدلالة إلاّ أنها من جهة السند غير تامة فقد رواها الحميري في قرب الاسناد(4) عن محمّد بن علي بن خلف العطار عن حسان المدائني وكلاهما لم يرد فيهما توثيق.
ومنها: معتبرة إبراهيم بن شيبة، قال: كتبت إلى أبي جعفر الثاني (علیه السلام) أسأله عن الصلاة خلف من يتولى أمير المؤمنين (علیه السلام) وهو يرى المسح على الخفين أو خلف من يحرم المسح وهو يمسح، فكتب (علیه السلام): إن جامعك وإياهم موضع فلم تجد بداً من الصلاة فأذن لنفسك وأقم فإن سبقك إلى القراءة فسبّح(5).
ص: 312
والرواية من جهة الدلالة واضحة، فإنّ الإمام (علیه السلام) لا يرى الصلاة خلف من يمسح على الخفين، ومن اضطر إلى ذلك فليصل منفرداً ولم يأذن (علیه السلام) في الاقتداء.
وأما من جهة السند فهي وإن كان فيها إبراهيم بن شيبة إلاّ أنّه يمكن اعتبار روايته برواية البزنطي(1) عنه، وبناء على ذلك فلا إشكال في الرواية سنداً ودلالة.
الطائفة الخامسة: الروايات التي تدل على عدم مراعاة التقية في المسح على الخفين:منها: صحيحة زرارة قال: قلت له: في مسح الخفين تقية؟ فقال: ثلاثة لا أتقي فيهن أحداً، شرب المسكر، ومسح الخفين، ومتعة الحج ...(2)
والرواية تدل على عدم جواز المسح حال التقية، فهي بالأولوية تدل على عدم الجواز في غير التقية.
ومنها: ما في الخصال بإسناده عن علي (علیه السلام) في حديث الأربع مائة قال: ليس في شرب المسكر والمسح على الخفين تقية(3)
والرواية تدل بالأولوية على عدم الجواز في غير حال التقية.
ومنها: رواية أبي عمر الأعجمي عن أبي عبد الله (علیه السلام) في حديث أنّه قال: لا دين لمن لا تقية له، والتقية في كل شيء إلاّ في النبيذ، والمسح على الخفين(4).
والرواية في دلالتها كالروايتين السابقتين إلاّ أنها من جهة السند غير تامة فإنّ أبا عمر الأعجمي لم يرد فيه توثيق، وقد ذكرناه في ما تقدم فلا يمكن الاعتماد على الرواية، نعم يمكن عدها مؤيدة لما سبق.
ص: 313
ومنها: رواية محمّد بن فضل (الفضيل) الهاشمي قال: دخلت مع أخوتي على أبي عبد الله (علیه السلام) فقلنا له: إنا نريد الحج وبعضنا صرورة، فقال: عليك بالتمتع، ثمّ قال: إنا لا نتقي أحداً بالتمتع بالعمرة إلى الحج، واجتناب المسكر، والمسح على الخفين معناه أنا لا نمسح(1)
فهذه الرواية من حيث الدلالة تامة إلاّ أن الكلام في سندها فإنّ محمّد بن فضيل لم يرد فيه توثيق، فتكون مؤيدة كالرواية السابقة.
ومنها: ما أورده في المستدرك عن الشيخ الطوسي في أماليه، عن الحسين بن عبيد الله عن التلعكبري، عن محمّد بن علي بن معمر، عن محمّد بن صدقة، عن الكاظم، عن آبائه (علیه السلام) ، قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) : إنا أهل بيت لا نمسح على خفافنا(2)
وهي من حيث الدلالة لا إشكال فيها، إلاّ أنها من جهة السند غير تامة، فإن فيها محمّد بن علي بن معمر ومحمّد بن صدقة وهما لم يرد فيهما توثيق فتحمل الرواية على التأييد كالروايتين السابقتين.هذه خمس طوئف من الروايات، وهناك روايات أخرى كثيرة وكلها تدل على عدم جواز المسح على الخفين.
وفي مقابل هذه الطوائف وردت روايات تدل على جواز المسح على الحائل ومنه الخف في غير تقية ولا ضرورة، وهي على طائفتين:
الأولى: الروايات التي تدل على إجزاء المسح على غير البشرة وقد فعله النبيّ(صلی الله علیه و آله و سلم) ، وأمير المؤمنين (علیه السلام):
منها: مرسلة الصدوق قال: وروى أنّ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) توضأ ثمّ مسح على نعليه، فقال له المغيرة: أنسيت يا رسول الله؟ فقال له: بل أنت نسيت هكذا أمرني ربي(3)
ص: 314
ومنها: صحيحة زرارة عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: توضأ علي (علیه السلام) فغسل وجهه وذراعيه، ثمّ مسح على رأسه وعلى نعليه، ولم يدخل يده تحت الشراك(1).
ومنها: معتبرة زرارة عن أبي جعفر (علیه السلام) أنّ علياً (علیه السلام) مسح على النعلين، ولم يستبطن الشراكين(2)
ومنها: صحيحة زرارة وبكير ابني أعين عن أبي جعفر (علیه السلام) أنّه قال: في المسح تمسح على النعلين، ولا تدخل يدك تحت الشراك، وإذا مسحت بشيء من رأسك أو بشيء من قدميك ما بين كعبيك إلى أطراف الأصابع فقد أجزأك(3)
وهذه الروايات واضحة الدلالة على أنّ المسح لم يكن على البشرة، وهي مطلقة من جهة وصول الماء إلى البشرة وعدمه.
الطائفة الثانية: الروايات التي تدل على جواز المسح على الخف إذا كان مخرقاً.
ومنها: ما رواه الكليني عن محمّد بن يحيى عن علي بن إسماعيل، عن علي بن النعمان بن محمد، عن جعفر بن سليمان عمه، قال: سألت أبا الحسن موسى (علیه السلام) قلت: جعلت فداك يكون خف الرجل مخرقاً فيدخل يده فيمسح ظهر قدميه أيجزيه ذلك؟ قال: نعم(4)ورواها الصدوق مرسلة قال: وسُئل موسى بن جعفر ' عن الرجل يكون خفه مخرقاً فيدخل يده ويمسح ظهر قدميه أيجزيه؟ فقال: نعم(5)
ولعل هناك روايات أخرى بهذا المضمون وهذه الطائفة هي شاهدة جمع وتفصيل بين الروايات المانعة عن المسح وبين الروايات المجوزة وذلك:
أولاً: أنّ الوارد في الروايات المجوزة عنوان النعلين وليس الخفين وهي
ص: 315
النعل العربية، والقرينة عليه ذكر الشراك والشراكين وليس في الخف شراك، مضافاً إلى أنّ الشراك لا يوجب ستر ظاهر القدم بل يغطي بعض أطرافه، ولهذا قال (علیه السلام): ولم يستبطن الشراكين.
والحاصل: أنّ النعل إذا كانت عربية فهي لا تمنع من وصول الماء إلى الرجل، وحينئذ فلا إشكال.
وثانياً: إنه على فرض أنّ المراد من الروايات هو الخف إلاّ أنّه إذا كان مخرقاً بحيث لا يمنع من إدخال اليد ومسح القدم فلا إشكال، وعليه فما ورد من الروايات في الطائفة الأولى من جواز المسح على النعل على تقدير أنّ المراد منه هو الخف لا ينافي تلك الروايات الكثيرة بطوائفها الخمس، لأنّ النهي الوارد فيها عن المسح على الخف المانع من مباشرة اليد لظاهر القدمين.
ويؤيد هذا ما ذكره الصدوق في الفقيه قال: ولم يعرف للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) خف إلاّ خف أهداه له النجاشي، وكان موضع ظهر القدمين منه مشقوقاً فمسح النبيّ(صلی الله علیه و آله و سلم) على رجليه وعليه خفاه، فقال الناس: إنه مسح على خفيه على أنّ الحديث في ذلك غير صحيح الاسناد(1)
ومراده من الحديث هو الذي أورده مرسلاً وفيه اعتراض المغيرة على النبيّ(صلی الله علیه و آله و سلم) وقد تقدم.
وثالثاً: على تقدير أنّ الرواية صحيحة وأنّ النبيّ مسح على الخفين لا على النعل العربية، ولم يكن الخف مشقوقاً إلاّ أنّه يمكن أن يقال: إنّ رواية المغيرة منسوخة بآية الوضوء فعلى فرض أنّ النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) فعل ذلك فإنما فعله قبل نزول الآية، ولا منافاة بين هذه الرواية على تقدير صحتها وبين تلك الروايات المتواترة على عدم الجواز.
هذا ما يستفاد من الأدلة الخاصة وهي الروايات الواردة في المقام.
ص: 316
كما يمكن أن يستدل على عدم الجواز بالإجماع بين الفريقين، وذلك لأنّ الحكم المتفق عليه بين الخاصة والعامة هو إما المسح على البشرة أو الغسل للرجلين، وأما المسح على الخفين فهو محل خلاف عند الجميع، فالخاصة لم تختلف كلمتهم في عدم الجواز وكذا جماعة من غيرهم كما ذكرنا ذلك عن مالك، فإنه يرى عدم الجواز بقول مطلق مع أنهم يقولون عنه: إنه في الحديث كالشمس الطالعة(1) ، ولو كان المسح على الخفين جائزاً لم يخالف في ذلك، ونقل الخلاف أيضاً عن ابن عباس(2) ، وابن عمر(3) ، فإنّ ابن عمر أنكر على سعد بن أبي وقاص مسحه على الخفين، وهكذا عائشة فإنها أنكرت وقالت: لأن تقطع قدماي أحب إليّ من المسح على الخفين(4) وروي عن ابن عباس أنّه قال: امسح على جلد حمار أحب إليّ من أنْ أمسح على الخف(5) ، وهكذا غيرهم كالرازي فإنه ذكر خمسة أوجه استدلالاً على عدم المسح على الخفين(6) وإن كان لم يرجح في الأخير شيئاً، وعلى أي حال فالمسح على الخفين محل خلاف بين الجميع فلا وجه للعدول إليه وترك ما هو متفق عليه أو لا أقل ما يدور بين محتملي الآية.
الروايات إلاّ عدداً قليلاً جداً لا يتجاوز عدد الأصابع كرواية المغيرة(1) وسعد بن أبي وقاص(2) وأبي هريرة(3) ، ثمّ نقل عنابن المنذر اختلاف العلماء وهل الترجيح لغسل الرجلين أو للمسح على الخفين؟ وقال: إنّ الترجيح عندي المسح على الخفين وذلك لمخالفة من يرى عدم الجواز كالإمامية وغيرهم إحياء للسنة وإماتة للبدعة(4)
أقول: ما ذنب الإمامية إذا كانوا يستندون في أحكامهم إلى كتاب الله وسنة رسوله (صلی الله علیه و آله و سلم) ، وعترته الطاهرين (علیهم السلام) ، وما تقصيرهم إذا كانوا لا يخالفون الله والرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) ولا يفعلون ما يفعله غيرهم من اتباع الهوى والتهالك على الحطام وإن استلزم ذلك التلاعب بالأحكام، وأنها لشنشنة أعرفها من أخزم، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم.
وعلى أي حال فالحكم واضح بالنسبة إلينا الإمامية ولابد من المسح على بشرة ظاهر القدمين، وهو الموافق للكتاب والأصل والروايات وإجماع الأمة والحمد لله رب العالمين.
ظاهر الأصحاب التسالم على وجوب المسح على الخفين إذا اقتضت التقية ذلك، ولم ينقل خلاف فيه، بل يظهر من المختلف الإجماع على ذلك(5)، غير أن الذي يظهر من الهداية(6) والفقيه(7) بعد ذكر روايات استثناء التقية في هذا المورد عدم العمل عليها، بل عدم جواز التقية فيه، وإن كان في الفقيه ذكر روايات
ص: 318
الجواز أوّلاً ثمّ عقبها بروايات الاستثناء.
وقد استدلّ للقول بوجوب التقية بأمور:
الأول: الروايات العامة الدالة على وجوب التقية في كل شيء فهي شاملة لهذا المورد.
الثاني: الأدلة الدالة على نفي الحرج من الآية والروايات الخاصة.
الثالث: فحوى ما يدل على المسح على الجبائر، فإنه يدل بالأولوية على جواز المسح على الخفين لأنه ضرورة، ومنه رواية عبد الأعلى مولى آل سام قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): عثرت فانقطع ظفري فجعلت على اصبعيمرارة، فكيف أصنع بالوضوء؟ قال: يعرف هذا وأشباهه من كتاب الله عزوجل قال الله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)(1) امسح عليه(2)
إلاّ أن الإشكال في سند الرواية وقد تقدم الكلام فيه.
وفي مقابل هذه الوجوه وردت عدة روايات تدل على عدم جواز التقية في المسح وأنه من الموارد المستثناة.
ومنها: صحيحة زرارة قال: قلت له: في مسح الخفين تقية، فقال: ثلاثة لا أتقي فيهن أحداً، شرب المسكر ومسح الخفين ومتعة الحج قال زرارة: ولم يقل الواجب عليكم أن لا تتقوا فيهن أحداً(3)
والرواية وإن كانت مضمرة إلاّ أن إضمار زرارة لا يضر بسندها ودلالة الرواية تامة.
ومنها: ما رواه الكليني في الكافي وهي صحيحة زرارة عن غير واحد قال: قلت لأبي جعفر (علیه السلام) في المسح على الخفين تقية؟ قال: لا يتقى في ثلاثة قلت: وما هن؟ قال: شرب الخمر أو قال: (شرب المسكر) والمسح على الخفين، ومتعة
ص: 319
الحج(1)
وقد ورد في جميع نسخ الكافي لفظ لا يتقى بالبناء للمفعول فتكون رواية أخرى لزرارة، إلاّ أنّه جاء في الوافي(2) لفظ لا نتقي بالبناء للفاعل بصيغة المتكلمين وعليه فيحتمل أن تكون هذه الرواية والرواية السابقة رواية واحدة مع اختلاف في الألفاظ وسيأتي ما ينفع في المقام.
ومنها: رواية محمّد بن فضيل (الفضيل) الهاشمي قال: دخلت مع أخوتي على أبي عبد الله (علیه السلام) ، فقلنا له: إنا نريد الحج وبعضنا صرورة فقال: عليك بالتمتع، ثمّ قال: إنا لا نتقي أحداً بالتمتع بالعمرة إلى الحج، واجتناب المسكر، والمسح على الخفين، معناه أنا لا نمسح(3)
ومنها: رواية أبي عمر الأعجمي عن أبي عبد الله (علیه السلام) في حديث أنّه لادين لمن لا تقية له، والتقية في كل شيء إلاّ في النبيذ، والمسح على الخفين(4).
ومنها: حديث الأربعمائة عن علي (علیه السلام) قال: ليس في شرب المسكر والمسح على الخفين تقية(5)
ومنها: معتبرة حبابة (الوابلية) في حديث عن أمير المؤمنين، قالت: سمعته يقول: إنا أهل بيت لا نمسح على الخفين، فمن كان من شيعتنا فليقتد بنا وليستن بسنتنا(6)
وجميع هذه الروايات واضحة الدلالة عدا الرواية الأخيرة فليست صريحة في عدم جواز التقية، نعم تدل على التشدد في أمر المسح إلاّ أنّه لم يصرّح فيها
ص: 320
بشمولها للتقية وعدمها.
وأما من جهة السند فرواية الهاشمي والأعجمي ضعيفتان بهما كما تقدم ورواية الوالبية لا دلالة فيها فلم يبق إلاّ رواية زرارة، وقد ذكر السيد الأستاذ !(1) أنّ العمدة هي الرواية الأولى، وأما الرواية الثانية فقد استظهر أنها متحدة مع الأولى وذلك بأمور:
الأول: أنّ زرارة فهم من الرواية أنّ عدم جواز التقية من خصائص الإمام(علیه السلام) ولذلك عقب الرواية بقوله: ولم يقل الواجب عليكم أن لا تتقوا، وإذا كان الأمر كذلك فكيف يسوغ له أن يروي رواية أخرى بعين ذلك السند على خلاف ما استفاده من الصحيحة الأولى؟ وإلاّ فلا معنى لما فهمه زرارة.
الثاني: اتحاد السند في كلتا الروايتين.
الثالث: أنّ نسخة الوافي ورد فيها لا نتقي والمراد منها ومن لفظ لا أتقي الوارد في صحيحة زرارة الأولى واحد، إذ ليس المقصود هو شخص الإمام (علیه السلام) بل أهل البيت (علیهم السلام) .
الرابع: الظاهر أنّ نسخة الوسائل لا نتقي أيضاً ولذا لم يذكر الرواية الثانية في الوسائل، فعدم ذكره قرينة على أنّ فماد الروايتين واحد، وهكذا يظهر من صاحب الحدائق فإنه قال: ومثل خبر زرارة المذكور أيضاً مارواه في الكافي(2) ، ثمّ نقل الصحيحة الثانية إلى آخرها، فيعلم من ذلك أنّ نسخته فيها لا نتقي، ومن هذه القرائن يمكن أن يطمأن إلى أنهما رواية واحدة أو روايتان ذاتا مفاد واحد، ولا أقل من الاحتمال وهو كاف في عدم ثبوت نسخة لا يتقى بالبناء للمفعول، وحينئذ لا يبقى لنا دليل على عموم الاستثناء بل الحكم بعدم جواز التقية خاص بهم (علیه السلام) ، وأما سائر الناس فليس حكمهم إلاّ وجوب المسح حال التقية، وتكون
ص: 321
الأدلة على الجواز سليمة عن المعارض.
ثم على فرض الإغماض عن ذلك يمكن أن يقال: ليس في المقام استثناء في الحكم بل هو استثناء في الموضوع في الموارد الثلاثة: شرب المسكر، ومتعة الحج، والمسح على الخفين، فإنها خارجة موضوعاً عن المقام، أما بالنسبة لشرب المسكر فلا خلاف فيه لأنّ العامة قائلون بالحرمة، نعم بالنسبة إلى الكفار يمكن ذلك إلاّ أنّه لا يكون حينئذ مما نحن فيه أي التقية الاصطلاحية.
وأما بالنسبة إلى متعة الحج، فالأمر كذلك فإنّ الفرق بيننا وبينهم في النية والتقصير، والنية أمر قلبي، والتقصير أمر يسير يمكن إخفاؤه عن كل أحد، لأنه يتحقق بأخذ شيء من الشعر أو الظفر فلا يتحقق فيه موضوع التقية، وأما بالنسبة إلى المسح على الخفين فإن أكثر علمائهم يذهبون إلى التخيير بين المسح عليهما أو نزعهما وغسل الرجلين، نعم نسب إلى بعضهم القول بأفضلية المسح على الغسل كما أشرنا إلى ذلك فيما تقدم، ويترتب على هذا أنّه إذا دار الأمر بين المسح على الخفين وبين غسل الرجلين في حال التقية تعين غسل الرجلين، وبناء على هذا يرتفع التنافي بين المستفاد من هذه الروايات وبين الأدلة المتقدمة الدالة على وجوب التقية بخروج الموضوع عن مقام التقية.
والتحقيق يقتضي المصير إلى القول بعدم جريان التقية بحسب الموضوع وهو الوجه الثاني من كلام السيد الأستاذ ! (1) وذلك:
أولاً: إنّ قوله (علیه السلام) لا أتقي يريد به عدم جواز التقية مطلقاً، لا بيان تكليف نفسه وما فهمه زرارة حجة عليه لا علينا، وإلاّ فلا معنى لأن يسأل الإمام عن الحكم ويجيب (علیه السلام) عن تكليف نفسه، ولو كان المسح جائزاً لأجاب الإمام وبيّن الحكم للمكلف فمن البعيد جداً الحمل على أنّالإمام أجاب عن حكم نفسه إذ لا معنى له، وعليه فلا فرق بين قوله: لا أتقي أو لا يتقى، فكلا الجملتين لبيان الحكم
ص: 322
و وظيفة المكلف، ويستفاد الاستثناء على النسختين ولا وجه لترجيح إحداهما على الأخرى، وجعل الروايتين رواية واحدة.
ويؤيد ذلك رواية محمّد بن الفضل (الفضيل) الهاشمي(1) فإنّ الإمام (علیه السلام) قال: عليك بالتمتع ثمّ قال: إنا لا نتقي أحداً بالتمتع بالعمرة، ومن البعيد أن يريد بذلك نفسه.
وثانياً: أنّ السيد ! لم يذكر حديث الأربعمائة فقد جاء فيه ليس في شرب المسكر، والمسح على الخفين تقية. وهو من حيث الدلالة واضح وليس الحكم مختصاً بالمعصوم (علیه السلام) كما أن سنده معتبر، وبناء على هذا فالصحيح في المقام هو ما ذكره السيد ! أخيراً وهو أنّ المسح على الخفين خارج موضوعاً لا حكماً بمعنى أنّ التقية لا تتحقق في هذا المورد.
نعم ورد في رواية أبي الورد المتقدمة وهي قال: قلت لأبي جعفر (علیه السلام) إنّ أبا ظبيان حدثني أنّه رأى علياً (علیه السلام) أراق الماء ثمّ مسح على الخفين، فقال: كذب أبو ظبيان أما بلغك قول علي (علیه السلام) فيكم: سبق الكتاب الخفين، فقلت: فهل فيهما رخصة؟ فقال: لا، إلاّ من عدو تتقيه، أو ثلج تخاف على رجليك(2)
والرواية من جهة السند معتبرة فإن أبا الورد واقع في أسناد تفسير القمي(3) كما ذكرنا، كما أن ظاهرها يفيد أن المسح على الخفين من موارد التقية، فيقع التنافي بين مدلول هذه الرواية وبين ما تقرر أخيراً من أنّ المسح على الخفين خارج موضوعاً عن التقية، ولكن يمكن أن يقال إنّ قوله (علیه السلام): إلاّ من عدو تتقيه مطلق شامل للعدو الديني أي بالنسبة للمذهب وللعدو الدنيوي أي بالنسبة إلى النفس والمال والعرض، وأما ما تقدم من الروايات فهو نص صريح في عدم المسح على الخفين وأنه لا تقية فيه، وحينئذ فبمقتضى الجمع بين هذه الرواية وتلك
ص: 323
الروايات برفع اليد عن إطلاقها وحملها على أنّ المراد من العدو هو العدو الدنيوي وتصبح المسألة من صغريات الضرورة لا التقية، ومثله في الحكم الثلج عندالخوف على الرجلين فيسقط معه المسح على البشرة وبذلك يرتفع التنافي بين هذه الرواية وبين تلك الروايات، وهذا المعنى جار في كل ضرورة كما لا يخفى.
الأولى: إذا اقتضت التقية المسح على الخفين فمسح المكلف عليهما ولم يخالف فهل يحكم بصحة وضوئه وإجزائه أم لابد من الإعادة؟
الذي يظهر من كلام سيدنا الأستاذ ! عدم الإجزاء(1) وذلك بناء على ما ذكره من أنّ الإجزاء لا يستفاد من الدليل اللفظي، وإنما يستفاد من السيرة القائمة ففي كل مورد تحققت فيه السيرة يقال بالإجزاء، وإلاّ فلا، وعليه فما وقع مورداً لكثرة الابتلاء ولم يرد الأمر بالإعادة عد ذلك إمضاء من الشارع وحكم فيه بالصحة ولا حاجة إلى الإعادة، وأما الموارد التي لم تتحقق فيها السيرة ولم تكن مورداً لكثرة الابتلاء كالموقف بعرفة يوم الثامن، والمسح على الخفين ونحوهما فلا يحكم فيها بالإجزاء لقلة الابتلاء بذلك إذ لم تثبت السيرة فيها.
ولكننا قد ذكرنا فيما تقدم إمكان القول بالإجزاء والحكم بالصحة، وأوردنا الروايات الدالة على ذلك بما لا حاجة إلى تكراره، ونتيجته القول بالإجزاء وعدم لزوم إعادة ما أتى به تقية إلاّ أن يقوم دليل خاص على عدم الإجزاء.
والحاصل: أنّ القاعدة تقتضي الإجزاء بلا فرق بين ما كان كثير الابتلاء أو قليله.
المسألة الثانية: إذا اقتضت التقية المسح على الخفين إلاّ أن المكلف خالف في ذلك ولم يمسح عليهما فهل يحكم بصحة وضوئه أم لا؟
والكلام يقع تارة في فرض عدم تحقق التقية، وأخرى في فرض تحقق موضوعها، أما على الفرض الأول فالأمر واضح، لأنه إن أتى بوظيفته فلا إشكال
ص: 324
في الحكم بالصحة إذ لا تقية في المقام، وإن لم يأت بوظيفته فلا إشكال في الحكم بالبطلان.
وأما على الفرض الثاني - وهو فرض تحقق موضوع التقية - فتارة يترك المكلف المسح على الخفين ويأتي بغسل الرجلين وأخرى يأتيبالمسح على الرجلين.
أما في الصورة الثانية - وهي المسح على الرجلين - فالظاهر هو الحكم بالبطلان لأنه أتى بخلاف الوظيفة، وما أتى به لم يكن مأموراً به فلا معنى للحكم بالصحة.
وأما في الصورة الأولى فإن أتى بالمسح على الخفين فلا إشكال في الحكم بالصحة بناء على ما تقدم لأنه أتى بوظيفته، وأما إذا أتى بغسل الرجلين ولم يمسح على الخفين فإن قلنا بأن الوظيفة منحصرة في المسح عليهما فالأمر مشكل لأنّه مأمور بفعل معين لا يتعداه إلى غيره وإن كان يتحقق به التقية والاحتياط في محله وكيفيّته أن يبتدأ بالمسح على الخفين ثمّ يغسل رجليه ولا يكون حينئذ مخالفاً لروايات الاستثناء، مضافاً إلى أنّه إن كان مأموراً بالغسل واقعاً فقد أتى به، وإن قلنا بعدم الانحصار وأنّ التقية تتحقق بأحد فرديها فلا إشكال في الحكم بالصحة.
وبهذا يتم الكلام عن التقية في الوضوء.
والحمد لله رب العالمين.
ص: 325
ص: 326
· تحرير موضع الخلاف من هذا البحث
· استفادة أوقات الصلوات الخمس من الآيات
· الملازمة بين وقت صلاة المغرب والإفطار من الصوم
· هل يتحقق الغروب بسقوط قرص الشمس أو باستتاره الواقعي وذهاب الحمرة المشرقية؟
· استعراض الروايات والتحقيق حول اسنادها ودلالاتها ورفع التنافي بينها
· التزام الشيعة بطريقة أهل البيت (علیهم السلام)
· دفاع وبيان
ص: 327
ص: 328
ويختص موقع الخلاف بيننا وبين العامة في وقت صلاة المغرب، وأما بقية أوقات الصلوات فلا خلاف بيننا وبينهم، وإن التزم العامة بالتفريق بين الصلوات وجعلوا لكل صلاة وقتاً خاصاً بها، ولم يلتزم الخاصة عملاً بذلك، وقالوا: إن صلاة الظهر تختص من أول الوقت بمقدار أدائها، كما تختص صلاة العصر من آخره بمقدار أدائها، ولا تزاحم كل منهما الأخرى وقت اختصاصها، وجعلوا ما بين المقدارين وقتاً مشتركاً بين الصلاتين مع مراعاة الترتيب بينهما، وهكذا بالنسبة إلى العشائين، كما أنهم جمعوا بين الصلاتين حتى أنهم ميزوا بذلك عمن سواهم، وهذا لا يوجب الخلاف بين الفريقين، فإنّ الخاصة لا ترى وجوب الجمع بين الصلاتين، بل قد يكون التفريق أولى عندهم من الجمع على بعض الوجوه، فيتمحض الخلاف في وقت صلاة المغرب، وليس الخلاف بين الفريقين في وقت صلاة المغرب من حيث هو، فإنه لا خلاف بين جميع المسلمين أن أول وقت صلاة المغرب هو غروب الشمس، وإنما الخلاف في تحديد وقت الغروب، فذهب الخاصة إلى أن وقت صلاة المغرب هو ذهاب الحمرة المشرقية عن قمّة الرأس، وهو المشهور(1) بينهم، وعليه أكثر القدماء والمتأخرين، بل ادعي الإجماع(2)
ص: 329
عليه بل كاد أن يكون من ضروريات مذهبهم(1) وبه يعرفون.
وأما العامة فقد اختلفوا في العلامة التي يتحقق بها الغروب، فقيل(2) : - كما في نيل الأوطار : - إنه يتحقق بسقوط قرص الشمس بكماله، وهذا إنما يتم في الصحراء، وأما في العمران فلا، وقيل: برؤية الكوكب الليلي وبه قالت القاسمية، وقيل: بالاظلام وإليه ذهب زيدبن علي، وأبو حنيفة، والشافعي، وأحمد بن عيسى وعبد الله بن موسى، والإمام يحيى، وذكر الروايات الواردة من طرقهم في المقام، وجمع بينها بأنها علامات علىالغروب ولا تكون دخيلة في الوقت(3) ، وهم وإن اختلفوا في الفتوى إلاّ أن عملهم وسيرتهم قائمة على أنّ الغروب يتحقق بسقوط القرص وغيابه عن العين في الأفق، ونسب ذلك إلى جماعة من الإمامية، كالشيخ، والسيد المرتضى، والمحقق، وابن الجنيد، والصدوق وغيرهم، وقد ناقش صاحب الجواهر ! في نسبة ذلك إليهم، ولم يبق في هذه الجماعة إلاّ الصدوق في علله، واعتذر عن ذلك بأنّ كتاب العلل ليس بحوزته ليرى صحة النسبة وعدمها إليه(4)
وهناك قول ثالث وهو: أنّ المغرب يتحقق بذهاب الحمرة المشرقية عن مجموع ناحية الشرق، وزوالها عن تمام ربع الفلك، وهذا إنما يكون بعد ذهاب الحمرة عن قمة الرأس قليلاً، وقد جعله السيد في العروة(5) هو الأحوط، إلاّ أن هذا القول لم ينسب إلى قائل بعينه.
هذه هي الأقوال في المسألة، ومنها يعلم موقع الخلاف بين الخاصة والعامة، ويرتبون الآثار الشرعية من الصلاة والصوم والإفطار وغيرها كل بحسب رأيه.
ص: 330
وبعد هذا يقع الكلام في جهتين:
أما من الكتاب فأظهر الآيات الواردة في وقت صلاة المغرب ثلاث آيات الأولى: قوله تعالى: (أَقِمْ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً )(1) ، وقد اختلف في تفسير الدلوك، ففي أكثر التفاسير وبعض الروايات هو الزوال، وهو المروي عن أهل البيت(علیهم السلام) (2) وبه قال ابن عباس وابن عمر وجابر وأبي العالية والحسن والشعبي وعطا ومجاهد وقتادة(3) وقيل: الدلوك هو غروب الشمس وهو قول النخعي والضحاك والسدي(4)، والأول هو المشهور.وأما غسق الليل فقد فسر بانتصاف الليل، وهو المروي عن أهل البيت(علیهم السلام)(5).
وبناء على التفسير المروي عن أهل البيت (علیهم السلام) للدلوك والغسق يكون قوله تعالى: (أَقِمْ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ) مشتملاً على أربع صلوات، فصلاتا دلوك الشمس الظهر والعصر، وصلاتا غسق الليل المغرب والعشاء.
وقد فسر غسق الليل بتفاسير أخرى منها أنّه بدء الليل، وهو قول ابن عباس وقتادة(6) ، وقيل: هو غروب الشمس وهو قول مجاهد(7) وقيل: هو سواد الليل وظلمته وهو قول الجبائي(8) وأما قرآن الفجر فهو وقت صلاة الصبح(9)
ص: 331
والآية الشريفة وإن اشتملت على أوقات الصلوات الخمس إلاّ أننا لا يمكننا استفادة خصوص وقت صلاة المغرب منها.
الثانية: قوله تعالى: (وَأَقِمْ الصَّلاةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنْ اللَّيْلِ)(1) واختلف في المراد من طرفي النهار فقيل: صلاة الفجر والمغرب، والمراد من قوله: (وَزُلَفاً مِنْ اللَّيْلِ) صلاة العشاء الآخرة والزلف أول ساعات الليل، وهو المروي عن أهل البيت (علیهم السلام) (2) ، وبه قال ابن عباس وابن زيد(3) ، وقيل: صلاة طرفي النهار الغداة والظهر والعصر، وصلاة زلف الليل المغرب والعشاء الآخرة، وبه قال مجاهد والضحاك ومحمّد بن كعب القرظي والحسن(4) وقيل: المراد من طرفي النهار صلاة الفجر وصلاة العصر(5)
وبناء على القول الأول تكون صلاة المغرب في طرف النهار، ولا يستفاد من الآية أنها من الليل، وأما بناء على القول الثاني فتكون صلاة المغرب داخلة في زلف من الليل، وأما بناء على القول الثالث فالأمرواضح.
وهذه الآية كالآية السابقة في عدم إمكان استفادة خصوص وقت المغرب.
الثالثة: قوله تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلهِ قَانِتِينَ)(6) ، وقد اختلفوا أيضاً في المراد من الصلاة الوسطى، وفيها ستة أقوال: الأول: أنها صلاة الظهر وعليه الأكثر، وهو المروي عن أهل البيت(علیهم السلام) (7) الثاني: أنها صلاة العصر(8) الثالث: أنها صلاة المغرب(9)
ص: 332
الرابع: أنها صلاة العشاء الآخرة(1) . الخامس: أنها صلاة الفجر(2) السادس: أنها إحدى الصلوات الخمس وليست واحدة بعينها(3)
والآية الشريفة لا تدل على أوقات الصلاة، والمستفاد من ظاهرها الحث والتأكيد على المحافظة على الصلوات ولا سيما الصلاة الوسطى.
والحاصل: أنّ الآيات الشريفة بحكم المجملة، ولا يمكننا استفادة خصوصية الأوقات كما ذكرنا، وإن كانت معينة في الواقع يعلمها من خوطب بالقرآن وهم أهل البيت (علیهم السلام) ، ولذا نستعين في فهم الآية بما ورد عنهم (علیهم السلام) من الروايات في تفسير الآيات، وممّا ورد في ذلك صحيحة زرارة قال: سألت أبا جعفر عما فرض الله عزوجل من الصلاة؟ فقال: خمس صلوات في الليل والنهار، فقلت: هل سماهن الله وبينهن في كتابه؟ قال: نعم، قال الله تعالى لنبيه (صلی الله علیه و آله و سلم) : (أَقِمْ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ ) ودلوكها زوالها، وفيما بين دلوك الشمس إلى غسق الليل أربع صلوات سماهن الله وبينهن ووقتهن، وغسق الليل هو انتصافه، ثمّ قالتبارك وتعالى: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً ) فهذه الخامسة، وقال تبارك وتعالى في ذلك: (أَقِمْ الصَّلاةَ طَرَفِي النَّهَارِ) وطرفاه المغرب والغداة (وَزُلَفاً مِنْ اللَّيْلِ)، وهي صلاة العشاء الآخرة، وقال تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى )وهي صلاة الظهر، وهي أول صلاة صلاها رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ، وهي وسط النهار، ووسط صلاتين بالنهار صلاة الغداة وصلاة العصر، وفي بعض القراءة حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر وقوموا لله قانتين، قال: وأنزلت هذه الآية يوم الجمعة ورسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في سفره فقنت فيها رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وتركها على حالها في السفر والحضر، وأضاف
ص: 333
للمقيم ركعتين وإنما وضعت الركعتان اللتان أضافهما النبيّ(صلی الله علیه و آله و سلم) يوم الجمعة لمكان الخطبتين مع الإمام، فمن صلى يوم الجمعة في غير جماعة فليصلها أربع ركعات كصلاة الظهر في سائر الأيام(1)
والرواية وإن كانت صحيحة السند وواضحة الدلالة إلاّ أنها لم تنص على خصوص وقت المغرب، فلذا لا يمكن استفادة ذلك منها.
والتحقيق: أنّه يمكننا استفادة وقت المغرب من نفس الآيات الشريفة وإن الإجمال الذي يتراءى منها بدوي يرتفع بإنعام النظر فيها وبيان ذلك:
أنه تقدم أن من جملة الآيات قوله تعالى: (أقِمْ الصَّلاةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنْ اللَّيْلِ)(2) والمراد من طرفي النهار على بعض الأقوال صلاة الصبح وصلاة العصر، هذا من جانب، ومن جانب آخر ورد قوله تعالى: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ)(3) ومن المعلوم أنّ الصوم خارج عن الليل كما أنّ وقت المغرب هو وقت الإفطار فهما متلازمان، وهذا مما لا إشكال فيه، فإذا كان الصوم واجباً إلى الليل فمقتضى التلازم أن تكون صلاة المغرب في الليل أيضاً، وحينئذ فالمراد من قوله تعالى: (زُلَفاً مِنْ اللَّيْلِ) صلاتي المغرب والعشاء، كما أنّ المراد من الليل هو أوله، والليل أمر عرفي يتحقق بانتشار الظلمة الملازمة لذهاب الحمرة المشرقية، فبمعونة آية الصوم يمكننا التعرف على أنّ المراد من وقت صلاة المغرب هو أول الليل، ومنه يعلم المراد أيضاً من قوله تعالى: (زُلَفاً مِنْ اللَّيْلِ) .
ثم إنه مع غض النظر عن الروايات الواردة في تحديد وقت المغرب إذا شككنا في ذلك فالمرجع هو أصالة الاشتغال لأنه شك في المفهوم، وهو مجرى الاشتغال، وأما سقوط القرص فلا يعلم منه تحقق الليل ولا يصدق عليه الليل
ص: 334
عرفاً.
والحاصل: أن الظاهر من الآية بضميمة آية الصوم أن أول الليل ليس هو سقوط القرص، بل انتشار الظلمة في الأفق الملازم لذهاب الحمرة المشرقية وذلك بشهادة العرف.
وأما بالنسبة إلى السنّة وهي الروايات الخاصة الواردة في المقام فقد وردت في ذلك عدة روايات مختلفة وهي على طائفتين:
الطائفة الأولى: الروايات التي تدل على أن علامة المغرب هو ذهاب الحمرة المشرقية، كما هو مذهب الإمامية وهي روايات كثيرة:
منها: رواية بريد بن معاوية عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: إذا غابت الحمرة من هذا الجانب يعني من المشرق فقد غابت الشمس من شرق الأرض وغربها(1).
وقد نوقش في الرواية من جهتين: السند والدلالة.
أما من جهة السند ففيه القاسم بن عروة وهو لم يوثق فتكون الرواية غير معتبرة.
وأما من جهة الدلالة: فلأنّ قوله (علیه السلام): إذا غابت الحمرة من هذا الجانب يعني من المشرق، شرط والشرط هنا فيه احتمالان: الأول: أن يكون المراد هو ناحية المشرق بمعنى تمام ناحية الشرق، الثاني: أن يكون المراد هو النقطة التي خرجت منها الشمس بمعنى الموضع الذي هو مطلع الشمس.
فإن كان المراد هو الاحتمال الأول فالدلالة تامة لأنّ ذهاب الحمرة من جميع ناحية المشرق علامة على سقوط القرص وتحقق الغروب.
وإن كان المراد هو الاحتمال الثاني فليس فيه دلالة على تحقق الغروب وقد ذكر السيد الأستاذ ) أنّ الظاهر من الرواية هو الاحتمال الثاني(2) وقد
ص: 335
أشارت إليه مرسلة علي بن أحمد بن أشيم عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: سمعته يقول: وقت المغرب إذا ذهبتالحمرة عن المشرق وتدري كيف ذلك؟ قلت: لا، قال: لأن المشرق مطل على المغرب هكذا ورفع يمينه على يساره فإذا غابت هاهنا ذهبت الحمرة من هاهنا(1)
وبناء على هذا فالرواية إنما تدل على أنّ ارتفاع الحمرة من خصوص النقطة التي خرجت منها الشمس، ولا دلالة في ذلك على الغروب كما هو مفاد الاحتمال الثاني فدلالة الرواية غير تامة، يضاف إلى ذلك أنّه على فرض بقاء الاحتمالين وعدم ترجيح أحدهما على الآخر تكون الرواية مجملة الدلالة.
ولكن يمكن الجواب عن كلتا الجهتين:
أما من جهة السند فإنّ القاسم بن عروة وإن لم يرد فيه توثيق إلاّ أنّه وقع في أسناد كتاب نوادر الحكمة(2) ولم يستثن منه، مضافاً إلى رواية ابن أبي عمير(3)، وأحد هذين الأمرين كاف في الحكم بوثاقته على ما بيناه في محله فلا إشكال في الرواية من هذه الجهة.
وأما من جهة الدلالة فالظاهر أنّ المراد هو الاحتمال الأول لا الثاني، وذلك:
أولاً: من نفس عبارة الرواية فإنّ الظاهر من قوله: من هذا الجانب، هو ناحية المشرق لا المطلع، لأنّ المطلع مكان مخصوص كما أنّ قوله من المشرق تفسير للجانب، والمراد من المشرق هو المشرق العرفي أي جهة الشرق، مضافاً إلى أن قوله: فقد غابت الشمس من شرق الأرض وغربها أمر مترتب على ذهاب الحمرة من ناحية المشرق، والمراد من شرق الأرض وغربها الأفق الخاص بالمكلف، وغياب الشمس عن الشرق والغرب غيابها الموجب لترتب الآثار الشرعية عليه من الصلاة والإفطار.
ص: 336
والحاصل: أنّ ظاهر الرواية هو الاحتمال الأول.
وثانياً: أنّ القرينة الخارجية قامت على ذلك وهي: أنّ الذين يعتبرون ذهاب الحمرة هم الإمامية، ويعتبرون ذهابها من ناحية المشرق لا خصوص المطلع، ولم ينسب ذلك لأحد غيرهم وهو المراد من قولهم تجاوز الحمرة من المشرق وليس لهم قول آخر بذهاب الحمرة من المطلع فهذا الاحتمال لا وجه له ولا قائل به.والحاصل: أنّ القرينة الداخلية والخارجية تدلان على أنّ المراد هو ذهاب الحمرة المشرقية من ناحية الشرق، ومما يؤيد ذلك أنّ هذه الرواية وردت عن بريد بن معاوية العجلي أيضاً قال: سمعت أبا جعفر (علیه السلام) يقول: إذا غابت الحمرة من هذا الجانب يعني ناحية المشرق فقد غابت الشمس من شرق الأرض وغربها(1)
وفيها التصريح بتفسير الجانب بالناحية، والمراد هو جميع الأفق لا خصوص مطلع الشمس، وقد اعتمد صاحب الجواهر على هذه الرواية فيما اعتمد عليه من الروايات(2)
وأورد صاحب الوسائل(3) هذه الرواية في موضع ثالث عن بريد أيضاً مع اختلاف في الألفاظ، ولكن لا شاهد فيها صراحة على ما نحن فيه، وإنما ورد فيها إذا غابت من المشرق وعليه فلا بأس بالرواية سنداً ودلالة.
ومنها: رواية ابن أبي عمير عمن ذكره عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: وقت سقوط القرص ووجوب الإفطار من الصيام أن تقوم بحذاء القبلة وتتفقد الحمرة التي ترتفع من المشرق، فإذا جاوزت قمة الرأس إلى ناحية المغرب فقد وجب
ص: 337
الإفطاروسقط القرص(1)
وهذه الرواية أوضح الروايات دلالة وأصرح رواية فيما يستدل به كما صرح بذلك السيد الأستاذ ! (2) ، إلاّ أنّه ناقش في الرواية من كلتا جهتيها.
أما من جهة السند فهي ضعيفة من وجهين:
الأوّل: وجود سهل بن زياد في سندها.
الثاني: الارسال بعد ابن أبي عمير، فهي من هذه الجهة غير معتبرة(3).
ويمكن الجواب عن كلا الوجهين:
أما عن الأول فإنّ الرواية وإن كان فيها سهل بن زياد في طريق كلمن الكليني(4) والشيخ(5) ، إلاّ أن للشيخ طريقاً آخر وهو معتبر إلى جميع كتب وروايات ابن أبي عمير(6) وهو شامل لهذه الرواية قطعاً فلا ينحصر طريق الشيخ بسهل بن زياد، ووجوده في السند لا يضر في اعتبار الرواية.
وأما من الوجه الثاني فقد ذكرنا أنّ مراسيل المشايخ الثقات ومنهم ابن أبي عمير معتبرة لشهادة الشيخ بذلك وقد حققنا في مباحثنا الرجالية أنّ مراسيل هؤلاء المشايخ معتبرة بلا إشكال(7)
إلاّ أنّ السيد ! ناقش في الإرسال من جهة أخرى وهي أننا وإن سلمنا الكبرى إلاّ أنّ الصغرى غير تامة وذلك لأنّ الرواية ليست من مرسلات ابن أبي عمير، بل هي مرسلة الراوي الذي نقلهاعن ابن أبي عمير وهو محمّد بن عيسى، فإنه إما نسي اسمه، أو لم يذكره لداع آخر(8) ، فلا تكون الرواية داخلة في
ص: 338
مرسلات ابن أبي عمير حتى تكون مشمولة لشهادة الشيخ.
ولكن هذه المناقشة غير واردة، وذلك لأنّ هذا الاحتمال وإن كان صحيحاً وأن ابن أبي عمير ذكر اسم الراوي ولم يذكره محمّد بن عيسى إلاّ أنّ ذلك لا يضرّ بالمدعى لأنّ شهادة الشيخ شاملة للمسندات أيضاً فإنه قال: الذين لا يروون ولا يرسلون إلاّ عن ثقة(1) ، فليست الشهادة مختصة بالمرسلات ليرد الإشكال.
نعم لو روى ابن أبي عمير عن شخص وكان مورداً للخلاف، أو ورد فيه تضعيف فحينئذ يدخل في باب التعارض على ما بينّاه في محله ومع عدمه فلابد من اعتبار الرواية والحكم بوثاقة رواتها.
وأما المناقشة من جهة الدلالة فمن ناحيتين أيضاً:
الأولى: أنّ مدلولها غير مطابق لما هو المشاهد بالوجدان، ومن نظر إلى المشرق عند الغروب رأى أنّ الحمرة قد ارتفعت من ناحية ثمّ زالت وحدثت حمرة أخرى في ناحية المغرب، والواقع المشاهد كذلك فليستالحمرة باقية سارية تتعدى من
المشرق إلى المغرب كما هو مفاد الرواية(2)
الثانية: ما المراد من سقوط القرص؟ هل هو السقوط الحسي تحت الأفق؟ أو المراد هو سقوطه الحقيقي ودخوله تحت الأرض؟
فإن كان المراد هو الأول فهذا واضح البطلان لأنّ السقوط الحسي دائماً يقع قبل ذهاب الحمرة المشرقية بمدة زمنية تتفاوت من مكان إلى آخر لاختلاف انبساط الأرض وارتفاعها، وذهاب الحمرة المشرقية كلية إنما يتم بعد تجاوزها عن قمة الرأس بمدة.
وإن كان هو السقوط الحقيقي عن الأفق ودخوله تحت الأرض فهذا أمر مبهم لا طريق إلى معرفته ولم يدل عليه الكتاب والسنة(3)
ص: 339
ويمكننا الجواب عن كلتا الناحيتين:
أما عن الناحية الأولى فأولاً: إنّ الوارد في الرواية هو قوله: فإذا جازت قمة الرأس إلى ناحية المغرب، ومعنى جازت هو التجاوز ولم يذكر في الرواية أنّ الحمرة المشرقية عين الحمرة المغربية ولا غيرها.
وثانياً أنّ سبب الحمرة سواء كانت مشرقية أو مغربية هو الشمس، وحينئذ فكيف يقال بتعددها؟ نعم لو كان سبب الحمرة في المشرق غير سببها في المغرب لأمكن القول بالتعدد والحدوث التعاقبي وإنما الذي يحصل هو الحدوث والانعدام التدريجي للحمرة، لا أنّ هناك حمرتين لأنّ السبب فيهما واحد، وتشتد الحمرة وتضعف ببعد الشمس وقربها فكلما بعدت الشمس اشتدت الحمرة وإذا كانت قريبة طالعة فتضعف.
والنتيجة: أنّ القول بحدوث حمرتين إحداهما في المشرق والأخرى في المغرب، وأنّ الثانية غير الأولى لا وجه له.
وأما عن الناحية الثانية فالمراد هو السقوط الحسي الحقيقي لأنّ استتار القرص تارة يكون حسياً غير حقيقي بمعنى أنّه يتراءى للناظر غياب قرص الشمس عن الأفق إلاّ أنّه في الواقع ليس بغايب، بناء على كروية الأرض ولا يقع الغروب حينئذ إلاّ تدريجاً، وأما الوقوع الدفعي فقد يتصور أو يتحقق في الأرض المنبسطة كالصحراء المترامية الأطراف، وتارة يكون السقوط حسياً حقيقياً بمعنى أنّه غايب في الواقع لا مجرد الغياب عن حسِّنا، والرواية تدل على هذا المعنى وذلك لأنّ المشرق مطلعلى المغرب كما صرحت به الرواية المتقدمة وليس للشمس حاجب، نعم بالنسبة إلينا قد يكون هناك حاجب من جبال أو تلال أو نحو ذلك، فمع عدم وجود الحاجب بالنسبة للشمس فإن كانت الحمرة المشرقية موجودة فهذه علامة واضحة على عدم حصول السقوط الحقيقي، وهو الموافق لما
ص: 340
ذكره الفلكيون من الحسابات، وبناء عليه فتحقق المغرب إنما يتم عند ذهاب الحمرة المشرقية، وبمقدار ما يرى من الحمرة في المشرق تكون الشمس في جهة المغرب بعد لم تسقط، فإن ارتفعت الحمرة تحقق السقوط الحقيقي، وحينئذ فما أورده السيد الأستاذ ! من المناقشة على الرواية من هذه الناحية غير وارد، بل هي أصرح الروايات دلالة كما اعترف بذلك كما تقدّم.
ومنها: معتبرة أبان بن تغلب قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): أي ساعة كان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يوتر؟ فقال: على مثل مغيب الشمس إلى صلاة المغرب(1)
والمستفاد من الرواية أنّ النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) يأتي بركعة الوتر في زمن، مقداره هو مقدار المدة من مغيب الشمس إلى صلاة المغرب، وهو مقدار زوال الحمرة المشرقية، ومن هذه الرواية يعلم أنّ هناك فصلاً زمانياً بين غياب الشمس وبين وقت الصلاة.
وقد ناقش السيد الأستاذ ! في الرواية سنداً ودلالة.
أما من جهة السند فالرواية ضعيفة بإسماعيل بن أبي سارة فإنه لم يرد فيه توثيق، فلا يعتمد على شيء من روايته.
وأما من جهة الدلالة فالرواية لا تدل على أن وقت الصلاة متأخر عن استتار القرص، وإنما تدل على أنّ نفس صلاة المغرب أي الإتيان بها كان متأخراً عن الاستتار، ولعل هذا أمر متعارف ولا سيما في الجماعات فإن الصلاة غالباً تقع متأخرة فيقع الفاصل الزماني بين استتار القرص وبين الصلاة فلا دلالة في الرواية على المدعى(2)
ولكن يمكن الجواب عن كلتا الجهتين:
أما عن الجهة الأولى فإن إسماعيل بن أبي سارة وإن لم يرد فيه توثيق إلاّ أنّه قد روى عنه المشايخ الثقات الذين لا يروون ولا يرسلون إلاّ عن ثقة، ومنهم
ص: 341
ابن أبي عمير(1) في نفس هذه الرواية وهو كاف في الحكمباعتبار روايته.
وأما عن الجهة الثانية فإنه من البعيد جداً أن يكون ما ذكره السيد الأستاذ ! هو المراد من الرواية بل الظاهر هو الإشارة إلى وقت الصلاة لا الاتيان بالصلاة، وذلك لأنّ الصلاة فعل من الأفعال ويختلف باختلاف الأشخاص ولا ضابطة كلية له، فإن من الناس من يتهيأ للصلاة قبل وقتها ويأتي بها أول الوقت، ومنهم من يأتي بها في آخره، وهكذا. ثمّ إنّ الرواية في مقام إعطاء ضابطة كلية بغض النظر عن الأشخاص فقوله (علیه السلام): على مثل مغيب الشمس إلى صلاة المغرب، وقياسه على الفجر من حيث المقدار الزماني ليس ناظراً إلى إتيان الصلاة بل نظره إلى الوقت فظهوره في الوقت واضح، وأما نفس الإتيان فهو احتمال بعيد وأبعد منه حمل الرواية عليه.
ومنها: صحيحة بكر بن محمّد عن أبي عبد الله (علیه السلام) أنّه سأله سائل عن وقت المغرب، فقال: إنّ الله يقول في كتابه لإبراهيم: (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي) وهذا أول الوقت، وآخر ذلك غيبوبة الشفق، وأول وقت العشاء الآخرة ذهاب الحمرة، وآخر وقتها إلى غسق الليل يعني نصف الليل(2)
وقد استدل بهذه الرواية على المدعى وأن وقت المغرب هو ذهاب الحمرة المشرقية، لأنّ السؤال الوارد كان عن وقت المغرب والجواب كان بالآية الشريفة ورؤية الكوكب مقترن غالباً بزوال الحمرة المشرقية، وقد ذكر صاحب الوسائل في ذيل هذه الرواية(3) : أنّ بعض المحققين ذكر أنّ ذهاب الحمرة المشرقية يستلزم رؤية كوكب غالباً.
وقد ناقش السيد الأستاذ ! بأن الرواية لا تدل على المدعى، بل على
ص: 342
خلافه، وذلك بمنع الملازمة بين ذهاب الحمرة المشرقية ورؤية الكوكب، فإنّ بعض الأنجم قد ترى قبل ذهاب الحمرة وتجاوزها عن قمة الرأس بزمان، ولا تتوقف رؤية كوكب أو كوكبين على تجاوز الحمرة، وذلك بالتجربة والملاحظة العملية وعليه فلا دلالة في الرواية على المدعى، بل هي دالة على أنّ تحقق المغرب بسقوط القرص(1)
ولكن هذه المناقشة لا يمكن المساعدة عليها وذلك لما ذكرنا من أنالتقارب بين رؤية الكوكب وزوال الحمرة غالبي لا دائمي، وإن كان ما ذكره السيد الأستاذ ! صحيحاً ولا نشك في صدق تجربته إلاّ أنّ الآفاق تختلف ورؤية الكوكب قد تتقدم وقد تتأخر، ولكن الغالب هو ما ذكرنا فيكفي في كونه علامة غالبية، ولعل أفق السائل كان هكذا أي رؤية الكوكب في أفقه ملازم لزوال الحمرة، وعلى فرض التنزل فلا أقل من الدلالة على نفي القول بأنّ المغرب يتحقق بالاستتار، وذلك لأنّ الاستتار يتحقق قبل رؤية الكوكب يقيناً.
والحاصل: أنّ الرواية إن حملناها على الغالب فهي موافقة للمدعى، وإن حملناها على غير الغالب فهي تنفي القول الآخر وهو أنّ المغرب يتحقق بسقوط القرص، فما ذكره السيد ! لا يخلو من نظر.
ومنها: موثقة عمار الساباطي عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: إنما أمرت أبا الخطاب أن يصلي المغرب حين زالت الحمرة من مطلع الشمس فجعل هو الحمرة التي من قبل المغرب وكان يصلي حين يغيب الشفق(2)
والرواية تدل على أنّه (علیه السلام) قد أمر أبا الخطاب أن يصلي المغرب عند زوال الحمرة المشرقية، إلاّ أنّه خالف ذلك وكان يصلي عند ذهاب الحمرة المغربية.
وقد أورد السيد الأستاذ على الرواية إيرادين : الأول: أنها ضعيفة السند
ص: 343
بعلي بن يعقوب، فهي ساقطة عن الاعتبار.
الثاني: أن الرواية اشتملت على لفظة «مطلع الشمس» والمستفاد من ذلك أنّ أبا الخطاب مأمور بالصلاة عند الاستتار وارتفاع الحمرة عن مطلع الشمس ونقطة خروجها لا عن ناحية الشرق كلها.
وهذا الإيراد هو عين ما تقدم إيراده على رواية بريد بن معاوية وهي الرواية الأولى، فإنه هناك حمل الرواية على أنّ المراد هو زوال الحمرة من مطلع الشمس لا من ناحية المشرق، فلا تدل الرواية على المدعى بل هي على القول بالاستتار أدل.
والإيرادان قابلان للدفع:
أما بالنسبة إلى الإيراد الأول فإنّ علي بن يعقوب وإن لم يرد فيه توثيق إلاّ أنّه يمكن تصحيح هذه الرواية من طريق آخر وذلك من طريقالشيخ، فإنّ له طريقاً إلى كتاب عمار الساباطي(1) وقد ذكر الشيخ في الفهرست أن له كتاباً كبيراً جيداً معتمداً وذكر طريقه إليه، بل يمكن القول أنّ كتاب عمار لا يحتاج إلى الطريق لأنه من الكتب المعروفة المعتمدة، وبناء على ذلك فيمكن تصحيح الرواية والاعتماد عليها من جهة السند.
وأما بالنسبة إلى الإيراد الثاني فقد تقدم الجواب عنه، وحاصله: إن كان المراد من مطلع الشمس هو مكان طلوعها ونقطة خروجها فالإشكال وارد، وإن كان المراد منه الناحية أي ناحية المشرق فلا يرد، والظاهر أنّ المراد هو الثاني لا الأول، وذلك:
أولاً: أنّ الرواية وإن ورد فيها لفظة مطلع الشمس ولكن بقرينة أنّ المشهور عند الإمامية هو تحقق المغرب بزوال الحمرة المشرقية فيحمل المطلع على
ص: 344
الجانب والناحية.
وثانياً: أنّه (علیه السلام) قال: فجعل الحمرة التي من قبل المغرب، ومراده من قبل المغرب ناحيته، ويقابله قبل المشرق فيكون المراد منه هو الناحية أيضاً بمقتضى المقابلة لا نقطة الطلوع، وعلى هذا فالرواية من جهة الدلالة بحسب الظاهر لا بأس بها.
ومنها: رواية شهاب بن عبد ربه قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام): يا شهاب إني أحب إذا صليت المغرب أن أرى في السماء كوكباً(1)
والمستفاد من الرواية رؤية الكوكب علامة على وقت المغرب لأنها ملازمة لذهاب الحمرة المشرقية.
وقد أشكل السيد الأستاذ على الرواية من وجهين:
الأول: من جهة السند، فإنّ محمّد بن حكيم لم يرد فيه توثيق.
الثاني: أنّ الرواية دالة على استحباب التأخير لا أنّه أمر لازم حتمي(2).
مضافاً إلى أنّه ورد في روايات أخرى استحباب التأخير كما في معتبرة يعقوب بن شعيب، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قال لي: مسوا بالمغرب قليلاً فإنّ الشمس تغيب من عندكم قبل أن تغيب عندنا(3)
وسيأتي الكلام حول هذه الرواية ودلالتها ويمكن الجواب عن كلاالوجهين:
أما عن الوجه الأول فإن محمّد بن حكيم وإن لم يرد فيه توثيق إلاّ أنّه قد روى عنه ابن أبي عمير(4) وهذا يكفي للحكم بوثاقته لشهادة الشيخ بذلك.
وأما عن الوجه الثاني فقد ناقش بعضهم في ذلك بأن لفظ أحب الوارد في الرواية محمول على الوجوب لا الاستحباب، لأنّ مقتضى الموافقة للتقية هو
ص: 345
التعجيل لا التأخير فإنّ التأخير مناف للتقية، وحيث إنّ التقية واجبة فيعلم أنّ معنى أحب هو الوجوب لا الاستحباب.
ويمكن المناقشة من جهة أخرى وهي: أنّ قوله (علیه السلام): أحب إذا صليت المغرب أن أرى في السماء كوكباً، جملة شرطية والجزاء مترتب على تحقق الشرط فللرواية ظهور في أن رؤية الكوكب إنما تمت عقيب الصلاة، وإن كان يحتمل المقارنة بين إيقاع الصلاة ورؤية الكوكب، وعلى كلا التقديرين لا دلالة للرواية على المدعى فهي خارجة عن المقام فلا يمكن الاستدلال بها.
فنحن وإن كنا نوافق السيد في عدم دلالة الرواية إلاّ أنّه بوجه آخر غير ما ذكره.
ومنها: رواية محمّد بن شريح عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: سألته عن وقت المغرب؟ فقال: إذا تغيرت الحمرة في الأفق، وذهبت الصفرة وقبل أن تشتبك النجوم(1)
والرواية من جهة الدلالة واضحة بحسب الظاهر، فإنّ السائل سأل عن وقت المغرب فأجابه الإمام (علیه السلام) بتغير الحمرة وهو إنما يتم بتبدلها بالسواد قبل اشتباك النجوم، إلاّ أن السيد الأستاذ قد ناقش في الرواية سنداً ودلالة.
أما من جهة السند فهي ضعيفة، بعلي بن الحارث لجهالته، وبكار بن بكير لعدم توثيقه، وأما من جهة الدلالة فإنها واردة في قبال من قال: إن الوقت هو اشتباك النجوم، وهو أبو الخطاب الذي جعل ذلك وقتاً من تلقاء نفسه(2)
ويمكن الجواب عن كلتا الجهتين:
أما عن الجهة الأولى فإنّ محمّد بن شريح له كتاب وطريق الشيخ إليههكذا: أخبرنا به جماعة عن أبي المفضل عن حميد عن ابن سماعة عنه(3) وهذا
ص: 346
الطريق يشتمل على ضعف قبل حميد بن زياد، وأما ما بعد حميد إلى محمّد بن شريح فصحيح وللشيخ طريق معتبر إلى جميع روايات وكتب حميد(1) ، ومن ضمنها كتاب محمّد بن شريح، فطريق الرواية وإن كان فيه ضعف إلاّ أنّه يمكن تصحيحها بما ذكرناه فلا بأس بالاعتماد على الرواية من هذه الجهة.
وأما عن الجهةالثانية فالمراد من قوله (علیه السلام): إذا تغيرت الحمرة في الأفق وذهبت الصفرة، هو زوال الحمرة المشرقية وهو المحقق لوقت المغرب كما هو واضح، والرواية في مقام إعطاء ضابطة كلية لمعرفة الوقت فإنّ كلامه (علیه السلام) واقع في جواب السائل عن وقت المغرب ولا مانع أن يتضمن الرد على أبي الخطاب في ما ذهب إليه، أما أنّ الرواية واردة للرد عليه فقط فلم يظهر ذلك من الرواية، وقد اعترف! بأنّ الرواية لها دلالة قوية على المراد.
ومنها: صحيحة عبد الله بن وضاح، قال: كتبت إلى العبد الصالح (علیه السلام): يتوارى القرص، ويقبل الليل، ثمّ يزيد الليل ارتفاعاً، وتستتر عنا الشمس، وترتفع فوق الجبل حمرة، ويؤذن عندنا المؤذنون، أفأصلي حينئذ وأفطر إن كنت صائماً، أو أنتظر حتى يذهب الحمرة التي فوق الجبل؟ فكتب إليّ: أرى لك أن تنتظر حتى تذهب الحمرة، وتأخذ بالحائطة لدينك(2)
واستدل بهذه الرواية على أن تحقق وقت المغرب بذهاب الحمرة المشرقية، والرواية من حيث السند معتبرة فإنها وإن اشتمل سندها على سليمان بن داود المنقري وهو ممن ضعفه ابن الغضائري(3) إلاّ أن النجاشي وثقه(4) وتضعيف ابن الغضائري معتبر لو ثبتت نسبة كتابه إليه، وحيث لم تثبت فيكون
ص: 347
توثيق النجاشي سليماً عن المعارضة.
مضافاً إلى أنّ سليمان بن داود المنقري واقع في أسناد القسم الأول من تفسير علي بن إبراهيم القمي(1) ، وفي المستثنى منه من كتاب نوادرالحكمة(2) ، وبناء على ذلك فلا إشكال في الرواية من حيث السند، وقد اعتبر السيد الأستاذ الرواية موثقة(3) ولم يشكل في سندها، وإنما أشكل في دلالتها بأنّ قوله (علیه السلام): أرى لك أن تنتظر حتى تذهب الحمرة، وتأخذ بالحائطة لدينك، إما أن يكون محمولاً على التعليل بالاحتياط تقية، ولازم ذلك أن يكون من الاحتياط في الشبهة الحكمية بأن يكون وقت المغرب عبارة عن ذهاب الحمرة المشرقية من باب الاحتياط.
وإما أن يكون محمولاً على الاحتياط في الشبهة الموضوعية وأن مجرد استتار القرص عن الأنظار لا يستلزم الاطمئنان بدخول الوقت، وذلك لبقاء الحمرة فوق الجبل فلعل الشمس لم تدخل تحت الأفق، وإنما استترت بالجبال والأطلال، وحينئذ فالاحتياط في محله، ويكون من الاحتياط في الشبهة الموضوعية وهو يقتضي الانتظار والتأخير إلى أن تذهب الحمرة.
والاحتمال الثاني هو المتعين دون الأول، لأنّ الاحتياط في الشبهة الحكمية يتنافى مع مقام الإمام والإمامة؛ إذ فيه إقرار للجاهل على جهله. وعليه فالاحتياط ليس مستنداً للتقية والرواية صادرة لبيان الحكم الواقعي من جهة الشبهة الموضوعية، ويترتب على ذلك أنّ الرواية لا دلالة فيها على أنّ المغرب يتحقق بذهاب الحمرة وتجاوزها عن قمة الرأس(4)
ص: 348
ولنا في الرواية احتمال آخر وهو: أنّ الرواية واردة في مورد التقية ومع ذلك فالاحتياط فيها محمول على الاحتياط في الشبهة الحكمية وبيان ذلك:
أولاً: أنّ الرواية وردت هكذا: كتبت إلى العبد الصالح (علیه السلام) ، وهذا التعبير من الرواة يريدون به الإمام الكاظم (علیه السلام) ، وكانوا يخفون ذكر اسمه لشدّة التقية في زمانه (علیه السلام) .
ثانياً: أنّ الراوي ذكر الحمرة مجردة عن الوصف وهو لا يريد الحمرة المغربية قطعاً، لأنها لا ترتفع إلاّ بعد العشاء وهذا يكشف عن التفات الراوي إلى التقية.
ثالثاً: أنّ قوله وترتفع فوق الجبل حمرة من دون التصريح بجهتها زيادة في الإخفاء والإيهام، إذ يتوهم أنّ هذه الحمرة هي حمرة الشمسقبل استتارها عن الأفق، فيظن حينئذ أنّ السائل إنما يسأل عن استتار القرص لا عن زوال الحمرة المشرقية.
رابعاً: أنّ جواب الإمام (علیه السلام) أيضاً موافق لمقتضى التقية، فإنه أجاب(علیه السلام) بقوله: أرى لك أن تنتظر حتى تذهب الحمرة، من دون أن يبين جهتها.
خامساً: أنّ الأمر بالاحتياط ليس واقعياً ليكون فيه إقرار على الجهل بل إنما ذكر مراعاة للتقية، فإن أمره (علیه السلام) بالانتظار جواب واقعي ولكن بملاحظة التقية.
سادساً: أنّ أمر الإمام (علیه السلام) بالانتظار للتيقن من سقوط القرص في نظر العامة الذين يكتفون بسقوط القرص، ومراده في الواقع هو ذهاب الحمرة المشرقية وإن فهمها العامة أنها الحمرة المغربية التي تكون فوق الجبل قبل سقوط القرص، ومن ذلك يتبين أنّ الشبهة في ظاهرها موضوعية ولكنها في الواقع شبهة حكمية.
ص: 349
هذا ما تيسر لنا فهمه من الرواية وإنما ذكرناه بعنوان الاحتمال لا بعنوان المناقشة.
هذا كله بناء على أنّ الوارد في الرواية هو قوله (علیه السلام): «وترتفع فوق الجبل حمرة» ، وأما على القول بأنّ الوارد هو «ترتفع فوق الليل» أو «وترتفع وقت الليل» فالدلالة أوضح وقد أشار صاحب الوسائل(1) إلى اختلاف النسخ كما أشير إليه في جامع الأحاديث(2)
ومنها: معتبرة جارود، قال: قال لي أبو عبد الله (علیه السلام): يا جارود ينصحون فلا يقبلون ، إذا سمعوا بشيء نادوا به، أو حدثوا بشيء أذاعوه، قلت لهم: مسوا بالمغرب قليلاً، فتركوها حتى اشتبكت النجوم، فأنا الآن أصليها إذا سقط القرص(3)
وهذه الرواية معتبرة السند، وهي تدل على أنّ الإمام (علیه السلام) أمر بالمس بالمغرب قليلاً لكن بحيث لا تشتبك النجوم كما هو الظاهر منها، إلاّ أن هؤلاء الذين أمرهم الإمام (علیه السلام) بذلك ولعلهم أبو الخطاب وأصحابه لم يقبلوا وخالفوا وكانوا يصلون المغرب عند اشتباك النجوم. وفيها دلالة على أنّ وقت المغرب ليس هو سقوط القرص، وإنما هو المس بالمغرب، ومعناهالتأخير قليلاً حتى تقع الظلمة وذلك يلازم زوال الحمرة المشرقية عن قمة الرأس.
وأما قوله (علیه السلام): فأنا الآن أصليها إذا سقط القرص، فهو ظاهر في التقية والسبب أن هؤلاء أذاعوا ما أمرهم به الإمام (علیه السلام) وكأن المخالفين اطلعوا على ذلك فأظهر الإمام التقية بقوله إنه يصلي إذا سقط القرص، وفي تقييد كلامه ب- «الآن» ما يشعر بذلك.
ص: 350
والحاصل: أنّ الرواية دالة على المدعى وهي واردة في مقام التقية.
وقد ناقش السيد الأستاذ ! في دلالة الرواية بأنّ الأمر بالمس محمول على الندب والأفضلية، لا على الوجوب، ولم يوجب التأخير إلى تجاوز الحمرة مضافاً إلى أنّ صلاته (علیه السلام) إنما كانت في الوقت وهو عند سقوط القرص لا قبله، نعم إن كان في المقام تقية فهي في عدوله (علیه السلام) من الوقت الأفضل إلى الوقت المفضول، بل يمكن القول إن اختياره للوقت المفضول لا للتقية بل لمصلحة أخرى ولا مانع من ذلك، والنتيجة: أنّ الرواية لا دلالة فيها على ما يدعى من أنّ وقت صلاة المغرب هو زوال الحمرة المشرقية عن قمة الرأس(1)
وما ذكره السيد الأستاذ يمكن الجواب عنه:
أولاً: أنّ ظاهر الأمر هو الوجوب، وحمله على الاستحباب خلاف الظاهر.
وثانياً: أنّ اهتمام الإمام (علیه السلام) بهذا واهتمام أولئك بالتأخير حتى تشتبك النجوم ليس لجهة الاستحباب، وإنما لجهة أنّ تحقق الوقت في نظر الإمام (علیه السلام) هو بالمس قليلاً الملازم لزوال الحمرة المشرقية، وتحققه في نظرهم هو باشتباك النجوم.
وثالثاً: أنّ فعل الإمام (علیه السلام) ظاهر في التقية، ويشير إلى ذلك أنّه صار يصلي عند سقوط القرص بعد إذاعتهم ومخالفتهم لأمره (علیه السلام) .
والحاصل: أنّ ظاهر الرواية بمعونة القرينة الخارجية واردة لبيان الوقت لا لفضيلته.
ومنها: موثقة يعقوب بن شعيب، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قال لي: مسوا بالمغرب قليلاً، فإنّ الشمس تغيب من عندكم قبل أن تغيب منعندنا(2).
وظاهر هذه الرواية كالرواية السابقة، فإنّ وقت المغرب عند تحقق الظلمة في أول الليل بعد المس بالمغرب قليلاً وهو ملازم لزوال الحمرة المشرقية عن قمة
ص: 351
الرأس، وأما التعليل الوارد في كلام الإمام (علیه السلام) بقوله: فإنّ الشمس تغيب من عندكم ... الخ معناه أنّ الشمس وإن كانت بحسب الظاهر قد غابت عندكم إلاّ أنها في الواقع لم تغب، ولا يتحقق غيابها إلاّ بالمس الملازم لزوال الحمرة المشرقية.
وقد ناقش السيد الأستاذ ! في دلالة الرواية على المدعى بما حاصله: أنّ مقتضى كروية الأرض اختلاف البلدان في طلوع الشمس وغروبها، ويختلف مقدار التفاوت الزماني بين الطلوع في بلد والطلوع في آخر باختلاف البعد والقرب بين البلدين، وهكذا بالنسبة للغروب، وعليه فإن كان البلدان متوافقين في الأفق كان طلوع الشمس وغروبها واحداً وإلاّ اختص كل بلد بزمن خاص. وبناء على ذلك فإنّ قوله (علیه السلام): فإنّ الشمس تغيب من عندكم قبل أن تغيب من عندنا، يدل على توافق البلدين في الأفق أي بلد الإمام(علیه السلام) وبلد يعقوب بن شعيب، وإلاّ فلا معنى لهذا التعليل، وإنما أمره الإمام (علیه السلام) بالتأخير والمس من أجل الاحتياط لاحتمال عدم الغروب في الواقع واستناد الاستتار إلى جبل أو طلل ونحوهما، ولا ربط لذلك بذهاب الحمرة المشرقية عن قمة الرأس. مضافاً إلى أنّ الأمر بالمس محمول على الندب والاستحباب لا على الوجوب، وأن العادة جرت على تأخير صلاة المغرب قليلاً ولا سيما في الجماعات كما تقدم(1)
والجواب عن ذلك:
أولاً: أنّ الأمر في الرواية ظاهر في الوجوب ولا وجه لحمله على الاستحباب، وقد تقدم كما تقدم الجواب عما ذكره أخيراً من أنّ العادة جرت على تأخير صلاة المغرب وذلك لاختلاف الناس وتفاوتهم في الاستعداد للصلاة.
وثانياً: أن يعقوب بن شعيب من العراق - من أهل الكوفة - فهو يعقوب بن شعيب بن ميثم بن يحيى التمار مولى بني أسد. والإمام (علیه السلام) في المدينة والأفق مختلف،
ص: 352
مضافاً إلى أنّ أرض العراق قليلة الجبال على العكس منالمدينة فإنها محاطة بالجبال العالية، فالتعليل منه ! بأنّ الأمر بالتأخير من أجل الاحتياط لاحتمال عدم الغروب في الواقع، واستناد الاستتار إلى جبل أو طلل في غير محلّه.
وثالثاً: أنّ خطاب الإمام (علیه السلام) ليس قضية شخصية بل خطابه على نحو العموم فليس الحكم خاصاً بيعقوب بن شعيب ولا يفرق فيه بينه وبين غيره.
وبناء على ذلك فليس مراد الإمام إلاّ بيان وقت صلاة المغرب وهو لا يتحقق إلاّ بذهاب الحمرة المشرقية المترتب على المس بالمغرب قليلاً.
ومنها: رواية محمّد بن علي قال: صحبت الرضا (علیه السلام) في السفر فرأيته يصلي المغرب إذا أقبلت الفحمة من المشرق يعني السواد(1)
وظاهر الرواية أن إقبال الفحمة من المشرق معناه زوال الحمرة المشرقية التي يتحقق بها وقت المغرب.
وقد ناقش السيد الأستاذ ! في الرواية من حيث السند والدلالة.
أما من حيث السند فهي ضعيفة لعدم توثيق محمّد بن علي، وأما من حيث الدلالة فمن جهتين:
الأولى: أنّ فعله (علیه السلام) لا دلالة له على أنّ سقوط القرص ليس بوقت المغرب بل لعله للاستحباب فإنّ الإمام (علیه السلام) يأتي بأفضل الأفعال، وقد تقدم استحباب المس بالمغرب قليلاً.
الثانية: أنّه لا ملازمة بين إقبال الفحمة وزوال الحمرة المشرقية، وذلك لأنّ الفحمة إنما تقبل من النقطة التي تطلع منها الشمس لا من ناحية المشرق كله، وهذه الفحمة في طلوعها وتصاعدها كالشيء يخرج من بئر عميق ويتصاعد شيئاً فشيئاً وتأخذ بالارتفاع تدريجياً(2)
ص: 353
ونقول: إنّ المناقشة في سند الرواية في محلها فإنّا لم نقف على توثيق لمحمّد بن علي فلا يمكن الاعتماد على الرواية من هذه الجهة.
وأما المناقشة من حيث الدلالة فقد يقال: إنّ فعل الإمام (علیه السلام) في نفسه لا يدل على المدعى إلاّ أن اهتمام الراوي بملاحظة الإمام في صلاته ربما يشعر بالعناية بالوقت، وليس الأمر كما يفعله العامة من اكتفائهم بسقوط القرص هذا.وأما المناقشة من الجهة الثانية فهي غير واردة، وذلك لأنّ الفحمة التي تظهر في الأفق على نحوين: عرضية وطولية، أما العرضية فهي ملازمة لذهاب الحمرة المشرقية عن الأفق كله أي ناحية المشرق لا خصوص مطلع الشمس، فكما أنّ الحمرة المشرقية تنتشر على الأفق فكذلك الفحمة تحل مكانها، وكما أنّ حدوث الحمرة دفعي فكذلك حدوث الفحمة دفعي لا تدريجي وتنتشر على سطح الأفق في عرض واحد لا في خصوص نقطة معينة من السطح وهي نقطة طلوع الشمس.
وأما الفحمة الطولية وتصاعدها في الأفق فهي كما ذكر السيد الأستاذ! فإنّ حدوثها تدريجي ولكن لا على نحو العمود الأسود المتصاعد، بل إنّ السواد في الأفق كله يتصاعد، وحينئذ فما أورده السيد الأستاذ ! ناظر إلى الجهة الطولية لا العرضية، ولكن بما ذكرناه من البيان ومورد الرواية هو الجهة العرضية فالمناقشة من هذه الجهة غير واردة إلاّ أنّ الرواية لما كانت ضعيفة السند فهي مؤيدة للروايات السابقة وليست دليلاً على المدعى.
ومنها: رواية علي بن أحمد بن أشيم، عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (علیه السلام) ، قال: سمعته يقول: وقت المغرب إذا ذهبت الحمرة من المشرق، وتدري كيف ذلك؟ قلت: لا ، قال: لأنّ المشرق مطل على المغرب هكذا، ورفع يمينه فوق
ص: 354
يساره، فإذا غابت هاهنا ذهبت الحمرة من هاهنا(1)
والرواية في دلالتها صريحة حيث جعل تحقق المغرب ذهاب الحمرة المشرقية لكروية الأرض وكون المشرق مطل على المغرب، إلاّ أن السيد ناقش في الرواية سنداً ودلالة.
أما من جهة السند فلأنها مرسلة، والمراسيل غير قابلة للاستدلال بها على شيء.
وأما من جهة الدلالة فلأنّ المقصود من المشرق في الرواية هو نقطة طلوع الشمس لا ناحية المشرق، وحينئذ فلا دلالة لها على أنّ الغروب هو ذهاب الحمرة المشرقية وتجاوزها عن قمة الرأس(2)
ونقول: أما ما ذكره ! من جهة ضعف السند فالأمر كما قال: فإنّ الرواية مرسلة وليس علي بن أحمد بن أشيم ممن ثبت أنّه لا يرسل إلاّ عن ثقة بل إنّ الرواية ضعيفة من جهة علي بن أحمد نفسه، فإنه لم يوثقفي كتب الرجال، وقد اعتمد السيد الأستاذ ! في توثيقه على وقوعه في أسناد كامل الزيارات(3) ، إلاّ أنّه! قد عدل عن هذا المبنى إلى اختصاص شهادة ابن قولويه بمشايخه وليس هو منهم فيبقى بلا توثيق، وعليه فالرواية ضعيفة السند من جهتين.
وأما ما ذكره من جهة الدلالة فقد تقدم الكلام فيه، إلاّ أنّه مع ذلك يمكننا المناقشة فيما أفاده من وجوه:
الأول: أنّ ما ذكره ! بعيد في نفسه، وذلك لأنّ نقطة المشرق غير مستقرة بل تتغير كل يوم تقريباً فلا يمكن إعطاء ضابطة كلية لمعرفة وقت المغرب كما هو ظاهر الرواية.
ص: 355
الثاني: أنّ قوله: المشرق مطل على المغرب، صريح في أنّ جميع ناحية المشرق مطلة على جميع ناحية المغرب، وهذا معنى كروية الأرض، فلا وجه لاختصاص ذلك بنقطة الطلوع فإنه خلاف صريح الرواية.
الثالث: لا معنى لذهاب الحمرة من نقطة الطلوع أولاً، ثمّ ذهابها من أطرافها ثانياً، وذلك لأنّ زوال الحمرة عن الأفق تارة يكون عرضياً وأخرى طولياً فإن كان على النحو الأول فزوالها دفعي عن سطح الأفق بأجمعه لا من نقطة دون أخرى، وإن كان على النحو الثاني فالانعدام وإن كان تدريجياً إلاّ أنّه يتصاعد من جميع الأفق لا من نقطة معينة، وقد تقدم الكلام حول ذلك عند المناقشة في الرواية السابقة.
والحاصل: أنّ الرواية تامة من حيث الدلالة إلاّ أنها ضعيفة من حيث السند فتكون بذلك مؤيدة لما سبق كالرواية المتقدمة.
وهناك روايات أخرى - غير ما ذكرنا ولم يتعرض لها السيد الأستاذ! - يمكن الاستدلال بها على أنّ وقت المغرب هو ذهاب الحمرة المشرقية.
منها: ما ورد في الصوم كصحيحة زرارة قال: سألت أبا جعفر عن وقت إفطار الصائم؟ قال: حين يبدو ثلاثة أنجم(1)
والرواية تدل على أنّ وقت الإفطار عند ظهور ثلاثة أنجم وهو مقارن لذهاب الحمرة المشرقية بلا إشكال، وقد علمنا أنّ وقت الإفطار وهو وقت صلاة المغرب للتلازم بينهما فلا محالة تكون الرواية دالة على وقتالمغرب أيضاً.
وأما حمل الرواية على استحباب تأخير الإفطار - كما حملها صاحب الوسائل(2) - فغير ظاهر لأنّ السؤال عن وقت الإفطار لا عن فضيلته، فدلالة الرواية واضحة.
ص: 356
وصحيحة زرارة الأخرى أيضاً عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: يحل لك الإفطار إذا بدت ثلاثة أنجم، وهي تطلع من (مع) الشمس(1)
وهذه الرواية وإن كانت بنفس مضمون الرواية السابقة إلاّ أنها أصرح دلالة منها، لأنّ الإمام (علیه السلام) في مقام بيان حلية الإفطار من الصوم في أول الوقت وهو غروب الشمس الملازم لبدو ثلاثة أنجم الملازم لذهاب الحمرة المشرقية، إذ المراد من الغروب هو الغروب الحقيقي لا مجرد سقوط القرص لأنه لا يستلزم ذهاب الحمرة، وقد سبق أن وقت الإفطار هو وقت صلاة المغرب فتكون الرواية دالة عليه بلا إشكال.
ومنها: ما ورد في أحكام الحج والإفاضة من عرفات، كصحيحة يونس بن يعقوب قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): متى تفيض الناس من عرفات؟ فقال: إذا ذهبت الحمرة من هاهنا، وأشار بيده إلى المشرق وإلى مطلع الشمس(2)
والرواية صريحة الدلالة على أنّ الإفاضة من عرفات بعد غروب الشمس، وبمقتضى الملازمة بين الغروب وذهاب الحمرة المشرقية تكون الرواية أيضاً دالة على وقت صلاة المغرب، وإشارته (علیه السلام) إلى المشرق وإلى مطلع الشمس مفادها: أنّه (علیه السلام) أشار إلى جميع ناحية الشرق، فلا ترد المناقشة بأنه أراد نقطة الطلوع كما هو الظاهر.
وصحيحته الأخرى قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): متى الإفاضة من عرفات؟ قال: إذا ذهبت الحمرة، يعني من الجانب الشرقي(3)
وهذه الرواية أصرح في الدلالة من الرواية السابقة، فإنّه (علیه السلام) صرح بالجانب الشرقي ومراده ناحية المشرق بأجمعها.
ص: 357
ومن المحتمل أنّ كلتا الروايتين رواية واحدة وردت بطريقين مع اختلاف في الألفاظ إلاّ أن صاحب الوسائل عدها روايتين.ومنها: ما ورد في المواقيت والفرق بين وقت المغرب في السفر والحضر كصحيحة علي بن يقطين قال: سألته عن الرجل تدركه صلاة المغرب في الطريق، أيؤخرها إلى أن يغيب الشفق؟ قال: لا بأس بذلك في السفر، فأما في الحضر فدون ذلك شيئاً(1)
والظاهر أنّ المراد من الشفق هو الحمرة المغربية، والمستفاد من الرواية أنّه يجوز تأخير صلاة المغرب إلى وقت العشاء في السفر، وأما في الحضر فدون ذلك شيئاً أي قبل ذلك، وهو وقت ذهاب الحمرة المشرقية، فتكون الرواية دالة على وقت صلاة المغرب، ولكن دلالة الرواية على المدعى غير واضحة لاحتمال كونها في مقام بيان آخر الوقت.
ومعتبرة علي بن الريان قال: كتبت إليه: الرجل يكون في الدار تمنعه حيطانها النظر إلى حمرة المغرب ومعرفة مغيب الشفق ووقت صلاة العشاء الآخرة متى يصليها؟ وكيف يصنع؟ فوقع (علیه السلام): يصليها إذا كان على هذه الصفة عند قصرة النجوم، والمغرب (العشاء) عند اشتباكها وبياض مغيب الشمس(2)
والظاهر أنّ في الرواية تقديماً وتأخيراً، والشاهد على ذلك أنّ هذه الرواية رواها ابن إدريس في المستطرفات(3) وجاء فيها: عند اشتباك النجوم والمغرب عند قصرة النجوم. وفسر الشيخ(4) والكليني(5) قصرة النجوم ببيانها وهي محل الشاهد من الرواية، فإن جعل قصرة النجوم علامة على وقت صلاة المغرب يلائم
ص: 358
ذهاب الحمرة المشرقية فلا يكون معنى الغروب هو سقوط القرص.
إلاّ أنّ الرواية مع ذلك ليست واضحة الدلالة لاحتمال أنها بيان لحالة خاصة لمن لا طريق إليه لمعرفة المغيب، أو معرفة الشرق والغرب، فهذه الرواية كالرواية السابقة، وفي ما ذكرناه من الروايات كفاية والعمدة منها ما أضفناه مما لم يتعرض له السيد الأستاذ ! ، ومن مجموع هذه الروايات يستفاد أنّ وقت صلاة المغرب هو زوال الحمرة المشرقية وإن كان بعض هذه الروايات مورداً للمناقشة من حيث السند والدلالة إلاّ أنأكثرها صالح للدلالة وما أورد به عليها مردود.
الطائفة الثانية: الروايات التي تدل بظاهرها على أنّ وقت صلاة المغرب هو استتار القرص وهي عدة روايات:
منها: صحيحة عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (علیه السلام) ، قال: سمعته يقول: وقت المغرب إذا غربت الشمس فغاب قرصها(1)
وهذه الرواية واضحة الدلالة حيث جعل فيها أنّ وقت المغرب منوط بغروب الشمس وغياب القرص ، كما أنها من حيث السند معتبرة.
ومنها: صحيحة زرارة، قال: قال أبو جعفر (علیه السلام): وقت المغرب إذا غاب القرص، فإن رأيت بعد ذلك وقد صليت أعدت الصلاة ومضى صومك، وتكف عن الطعام إن كنت أصبت منه شيئاً(2)
وهذه الرواية تدل على أنّ وقت المغرب هو غياب القرص وعلى فرض الخطأ وتبين أن الشمس لم تغب، فأما الصلاة فلابد من إعادتها لأنه أتى بها في غير وقتها، وأما الصيام فلا حاجة إلى الإعادة لأنّ الإفطار كان عن أمارة شرعية، نعم لابد من الإمساك فيما بقي من الوقت.
ومنها: صحيحته الأخرى عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: إذا زالت الشمس دخل
ص: 359
الوقتان الظهر والعصر، وإذا غابت الشمس دخل الوقتان المغرب والعشاء الآخرة(1)
وفي هذه الرواية جعل المناط في تحقق الوقت غياب الشمس.
ومنها: موثقة إسماعيل بن الفضل الهاشمي، عن أبي عبد الله (علیه السلام) ، قال: كان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يصلي المغرب حين تغيب الشمس حيث تغيب حاجبها(2).
والمراد من الحاجب هو ضوؤها، فإذا غاب ضوؤها فقد دخل وقت الصلاة.
ومنها: موثقة إسماعيل بن جابر، عن أبي عبد الله (علیه السلام) ، قال: سألته عن وقت المغرب؟ قال: ما بين غروب الشمس إلى سقوط الشفق(3)وفي هذه الرواية جعل أول وقت المغرب هو غروب الشمس، فدلالتها على المدعى واضحة.
ومنها: صحيحة صفوان بن مهران الجمال، قال: قلت لأبي عبد الله(علیه السلام): إنّ معي شبه الكرش المنشور فأوخر صلاة المغرب حتى عند غيبوبة الشفق، ثمّ اُصليهما جميعاً يكون ذلك أرفق بي، فقال: إذا غاب القرص فصل المغرب، فإنما أنت ومالك لله(4)
والمراد بالكرش هنا كثرة العيال أو كثرة الجمال كما يشهد به حاله، والغرض: أني لكثرة عيالي محتاج إلى العمل، أو لكثرة جمالي وخوف انتشارها وتفرقها لا أقدر على تفريق الصلاتين(5)
ثمّ إنّ الرواية واضحة الدلالة فإنّ الإمام (علیه السلام) أمره بالصلاة عند غياب القرص، وأما من جهة السند فهي معتبرة فإنّ لها طريقين صحيحين.
ص: 360
ومنها: موثقة سماعة بن مهران، قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): في المغرب إنا ربما صلينا ونحن نخاف أن تكون الشمس خلف الجبل، أو قد سترنا منها الجبل؟ قال: فقال: ليس عليك صعود الجبل(1)
وقد نوقش في سند الرواية ودلالتها إلاّ أنّ المناقشة غير واردة أما من جهة السند فهي وإن كان فيها أحمد بن هلال وهو محل خلاف إلاّ أنّه يمكن تصحيحها بواسطة طريق الصدوق إلى سماعة(2) ، وأيضاً من جهة طريق الشيخ إلى محمّد بن أبي عمير الوارد في سند هذه الرواية بعد أحمد بن هلال فإنّ للشيخ طريقاً معتبراً إلى جميع رواياته وكتبه(3)
وأما من جهة الدلالة فقد حملها بعضهم على التقية لأنّ المراد من غياب الشمس غيابها الواقعي لا الخيالي فلابد من إحرازه.
وقد أجاب عن ذلك السيد الأستاذ ! وحاصله: أنّ من الجائز أن تكون هناك أمارة معتبرة على الغروب بحيث يكون تحققها ملازماً - في الواقع - لتحقق الغروب ودخول الشمس تحت الأفق مثل استتار القرص وغيابه عن الأنظار، ولذا نهاه الإمام (علیه السلام) عن صعود الجبل اكتفاء بتلك الأمارة التي غفل عنها السائل وشك في التلازم بين الغروب الواقعي وبين تلك الأمارة، وبناء على ذلك فلا مقتضي لحمل الرواية على التقية فتكونالرواية دالة على المدعى(4)
وسيأتي الكلام فيها عند الجمع بين الطائفتين.
وهناك روايات أخرى أيضاً يمكن الاستدلال بها على أنّ وقت المغرب هو سقوط القرص ولم يتعرض لها السيد الأستاذ ! كما في الطائفة الأولى: ومنها:
ص: 361
موثقة عبيد بن زرارة، عن أبي عبد الله (علیه السلام) ، قال: إذا غربت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين إلى نصف الليل إلاّ أنّ هذه قبل هذه، وإذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين إلاّ أن هذه قبل هذه(1)
والرواية من جهة الدلالة واضحة كما أنها من جهة السند معتبرة، فإنّ القاسم بن أبي أيوب الوارد في سندها هو القاسم بن عروة مولى أبي أيوب الخوزي كما جاء في ترجمته(2) ، وقد تقدم أنّه ثقة على بعض المباني، مضافاً إلى أنّ هذه الرواية أوردها صاحب الوسائل بسنده عن الكليني وفيها التصريح بالقاسم بن عروة(3).
ومنها: صحيحة أبي أسامة أو غيره قال: صعدت مرة جبل أبي قبيس والناس يصلون المغرب فرأيت الشمس لم تغب وإنما توارت خلف الجبل عن الناس، فلقيت أبا عبد الله (علیه السلام) فأخبرته بذلك فقال لي: ولم فعلت ذلك بئس ما صنعت، إنما تصليها إذا لم ترها خلف جبل غابت أو غارت ما لم يتجللها سحاب أو ظلمة تظلها، وإنما عليك مشرقك ومغربك وليس على الناس أن يبحثوا(4)
والرواية صريحة الدلالة وأمّا سندها وإن كان مردداً بين ابي اُسامة أو غيره، إلاّ أنّه لا يضرّ بصحة الرواية؛ لأنها واردة في كتاب حريز وهو من الكتب المشهورة المعروفة المعول عليها بشهادة الصدوق في أول الفقيه(5) فلا تحتاج إلى سند.
ومنها: معتبرة بكر بن محمد، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: سألته عن وقت صلاة المغرب؟ فقال: إذا غاب القرص. ثمّ سألته عن وقت العشاء الآخرة؟
ص: 362
فقال: إذا غاب الشفق. قال: وآية الشفق الحمرة، ثمّ قال بيدههكذا(1).
والرواية واضحة الدلالة حيث جعل المناط في وقت المغرب هو غياب القرص وهي من حيث السند معتبرة.
ومنها: رواية زريق عن أبي عبد الله (علیه السلام) أنّه كان يصلي الغداة بغلس عند طلوع الفجر الصادق أول ما يبدو قبل أن يستعرض، وكان يقول: «وقرآن الفجر إنّ قرآن الفجر كان مشهوداً» إن ملائكة الليل تصعد وملائكة النهار تنزل عند طلوع الفجر، فأنا أحب أن تشهد ملائكة الليل وملائكة النهار صلاتي، وكان يصلي المغرب عند سقوط القرص قبل أن تظهر النجوم(2)
والرواية من حيث الدلالة واضحة، نعم هي من حيث السند ضعيفة فإنّ سندها مشتمل على محمّد بن خالد الطيالسي، وأبي العباس زريق الزبير الخلقاني وهما لم يرد فيهما توثيق، فتكون الرواية مؤيدة لما سبق.
ومنها: رواية علي بن الحكم عمن حدثه، عن أحدهما ' ، أنّه سئل عن وقت المغرب؟ فقال: إذا غاب كرسيها. قلت: وما كرسيها؟ قال: قرصها، فقلت: متى يغيب قرصها؟ قال: إذا نظرت إليه فلم تره(3)
والرواية من جهة الدلالة واضحة، وأما من جهة السند فهي وإن كانت مرسلة إلاّ أن صاحب الوسائل ذكر أنّ هذا الحديث رواه الصدوق في (المجالس) عن محمّد بن الحسن، عن الصفار، عن العباس بن معروف، عن علي بن مهزيار، عن الحسين بن سعيد، عن علي بن النعمان، عن داود بن فرقد، قال: سمعت أبي يسأل أبا عبد الله (علیه السلام) متى يدخل وقت المغرب؟ وذكر الحديث(4) وهذا السند
ص: 363
لا إرسال فيه وهو معتبر.
ومنها: موثقة عمر بن أبي نصر قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: في المغرب إذا توارى القرص كان وقت الصلاة وافطر(1)
هكذا وردت الرواية في الوسائل إلاّ أن الوارد في الاستبصار: عمرو بن أبي نصر(2) وهو الصحيح وورد: الإفطار بدل افطر.ثم إنّ الرواية من جهة الدلالة واضحة، وأما من جهة السند ففيها موسى بن جعفر البغدادي، ولم يرد فيه توثيق إلاّ أنّه واقع في أسناد كامل الزيارات فكان على السيد الأستاذ ! أن يستدل بهذه الرواية آنذاك لأن نظره يومئذ وثاقة كل من اشتمل عليه كتاب كامل الزيارات، وحيث إنه عدل عن ذلك فلا يكون مشمولاً للتوثيق لعدم كونه من مشايخ ابن قولويه، فتكون الرواية ضعيفة السند إلاّ أنّه يمكن تصحيحها من جهة عبد الله بن سنان الواقع في السند بعد موسى بن جعفر وذلك لأنّ ابن سنان له كتاب معروف رواه جماعات من الناس(3) ، فهو ليس بحاجة إلى الطريق، كما أن للشيخ طريقاً معتبراً إلى كتابه(4) ، وعليه فلا إشكال في الاعتماد على هذه الرواية من جهة السند.
ومنها: صحيحة أبي أسامة وقد رواها الشيخ بإسناده عن جعفر بن سماعة، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن الصباح بن سيابة، وأبي أسامة قالا: سألوا الشيخ(علیه السلام) عن المغرب فقال بعضهم: جعلني الله فداك ننتظر حتى يطلع كوكب؟ فقال: خطابية، إن جبرئيل نزل بها على محمّد (صلی الله علیه و آله و سلم) حين سقط القرص(5)
وبإسناده عن إبراهيم بن عبد الحميد عن أبي أسامة الشحام قال: قال رجل
ص: 364
لأبي عبد الله: أؤخر المغرب حتى تستبين النجوم؟ قال: فقال: خطابية، إن جبرئيل نزل بها على محمّد (صلی الله علیه و آله و سلم) حين سقط القرص(1)
والظاهر أنهما رواية واحدة وهي من حيث الدلالة واضحة، كما أنها من جهة السند تامة فلها عدة طرق وكلها معتبرة.
ومنها: رواية داود بن أبي يزيد قال: قال الصادق جعفر بن محمّد ': إذا غابت الشمس فقد دخل وقت المغرب(2)
وهذه الرواية رواها ابن الشيخ في المجالس عن أبيه عن سعد عن أحمد بن محمّد بن عيسى، وموسى بن جعفر بن أبي جعفر البغدادي، عن أبي طالب عبد الله بن الصلت، عن الحسن بن علي بن فضال، عن داود بن أبي يزيد(3) وهي بهذا السند معتبرة ودلالتها تامة، والمراد من داودبن أبي يزيد هو داود بن فرقد، فلا إشكال في السند، ولكن رواها الشيخ بإسناده عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، وموسى بن جعفر، عن أبي طالب عبد الله بن الصلت، عن الحسن بن علي بن فضال، عن داود بن أبي يزيد وهو داود بن فرقد عن بعض أصحابنا(4).. الحديث، وفيه زيادة ليست في رواية ابن الشيخ والسند واحد وصدر الرواية واحد في كلتا الروايتين إلاّ أن سند الشيخ فيه إرسال.
والرواية وإن كانت واضحة الدلالة إلاّ أنها من جهة السند غير نقية لذا لا يمكن الاعتماد عليها في مقام الاستدلال، نعم يمكن عدّها مؤيدة كما فعل السيد الأستاذ ! فإنه أضاف عدة روايات ضعيفة السند واعتبرها مؤيدة للمدعى(5).
ومنها: رواية ابن الشيخ في المجالس أيضاً عن أبيه، ومحمّد بن الحسن
ص: 365
وأحمد بن محمّد بن يحيى جميعاً، عن سعد بن عبد الله عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن موسى بن يسار العطار، عن المسعودي، عن عبد الله بن الزبير، عن أبان بن تغلب، عن الربيع بن سليمان، وأبان بن أرقم، وغيرهم، قالوا: أقبلنا من مكة حتى إذا كنا بوادي الأخضر إذا نحن برجل يصلي، ونحن ننظر إلى شعاع الشمس فوجدنا في أنفسنا، فجعل يصلي ونحن ندعوا عليه، حتى صلى ركعة ونحن ندعوا عليه ونقول: هذا شباب بن شباب أهل المدينة، فلما أتيناه إذا هو أبو عبد الله جعفر بن محمّد ' ، فنزلنا فصلّينا معه وقد فاتتنا ركعة، فلما قضينا الصلاة قمنا إليه فقلنا: جعلنا فداك هذه الساعة تصلي؟ فقال: إذا غابت الشمس فقد دخل الوقت(1)
وقد استدل بصدر هذه الرواية وذيلها على كل من القولين، أما الاستدلال بصدر الرواية فعلى أن وقت المغرب هو ذهاب الحمرة المشرقية وذلك لأن المرتكز عند الإمامية أن وقت المغرب هو ذهاب الحمرة، ولذلك كان هؤلاء يدعون على ذلك الشاب المصلي، فلما علموا أنّه الإمام سألوه عن صلاته في ذلك الوقت، فيعلم من ذلك أنّ وقت صلاة المغرب لم يحن بعد، وحينئذ فصلاة الإمام(علیه السلام) محمولة على التقية.
وأما الاستدلال بذيل الرواية فعلى أن وقت المغرب هو غياب الشمس وسقوط القرص، وذلك لأنّ الإمام (علیه السلام) كشف لهم الواقع وأخبرهم أنّه إذاغابت الشمس فقد دخل الوقت.
ولكن الذي يسهل الخطب أن سند الرواية ضعيف ففيه عدة مجاهيل كموسى بن يسار العطار، والمسعودي، وعبد الله بن الزبير، فلا تكون الرواية صالحة للاستدلال لأي من القولين.
ص: 366
هذا ما وقفنا عليه من الروايات ويمكن أن يستفاد من روايات أخرى غير ما ذكرنا.
والمتحصل من مجموعها: أنّ وقت المغرب هو غياب الشمس وسقوط القرص لا ذهاب الحمرة المشرقية كما هو مفاد الطائفة الأولى.
ويقع الكلام في ناحيتين:
الأولى: هل يمكن الجمع بين الطائفتين أم لا؟
الثانية: على فرض عدم الإمكان فأيهما المقدم؟
أما عن الناحية الأولى فقد ذكر للجمع بين الطائفتين وجهان:
الوجه الأول: أنّ روايات الطائفة الثانية الدالة على أنّ وقت المغرب هو سقوط القرص مجملة في نفسها لأنّ سقوط القرص يحتمل وجوهاً:
أحدها: أنّ الموضوع بالنسبة إلى المصلي هو سقوط القرص مطلقاً واستتار الشمس عنه، سواء كان السقوط مع الحاجب أو بدونه فبمجرد سقوط القرص يتحقق وقت صلاة المغرب.
ثانيها: أن يكون الموضوع هو سقوط القرص واستتار الشمس لا مطلقاً بل فيما إذا لم يكن هناك حاجب، فإذا سقط القرص واستترت الشمس ولم يكن ثمة ما يحجب فقد دخل الوقت.
ثالثها: أنّ الميزان في دخول الوقت هو سقوط القرص في أفق المصلي تحت الأرض التي يكون أفقه عليها لا سقوطه في أفق آخر في أرض أخرى.
وهذه المحتملات الثلاثة لا تعيّن لواحد منها، والسقوط وإن كان لا إجمال فيه إلاّ أن متعلقه هو المجمل، وحينئذ فتكون الطائفة الأولى بيان لهذا الإجمال إذ بها يتعين أنّ المراد هو الاحتمال الثالث من هذه المحتملات، وأن المناط هو استتار القرص عن أفق المصلي ولازم ذلك زوال الحمرة المشرقية، ويظهر ذلك بوضوح
ص: 367
من صحيحة بريد المتقدمة بطرقها الثلاثة عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: إذا غابت الحمرة من هذا الجانبيعني من المشرق فقد غابت الشمس من شرق الأرض وغربها(1).. والمراد من غياب الشمس من غرب الأرض هو أفق المصلي.
فالرواية تدل على أنّ تحقق الغروب لا يتم إلاّ بذهاب الحمرة المشرقية.
وهكذا معتبرة ابن أبي عمير، عمن ذكره، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: وقت سقوط القرص ووجوب الإفطار من الصيام أن تقوم بحذاء القبلة وتتفقد الحمرة التي ترتفع من المشرق، فإذا جازت قمة الرأس إلى ناحية المغرب فقد وجب الإفطار وسقط القرص(2)
ومثلهما موثقة يعقوب بن شعيب، عن أبي عبد الله (علیه السلام) ، قال: قال لي: مسوا بالمغرب قليلاً فإنّ الشمس تغيب من عندكم قبل أن تغيب من عندنا(3)
وهكذا غيرها من الروايات.
والمستفاد منها: أنّ المراد هو استتار القرص عن أفق المصلي.
ويؤيد ذلك أيضاً: ما ورد في المستدرك عن فقه الرضا: أول وقت المغرب سقوط القرص وعلامة سقوطه أن يسوّد أفق المشرق(4)
وقال (علیه السلام) في موضع آخر: وقت المغرب سقوط القرص إلى مغيب الشفق إلى أن قال: والدليل على غروب الشمس ذهاب الحمرة من جانب المشرق وفي الغيم سواد المحاجر(5)
وكذا ما ورد فيه أيضاً عن الدعائم، عن جعفر بن محمد، عن آبائه(علیهم السلام): أنّ أول وقت المغرب غياب الشمس وهو أن يتوارى القرص في أفق المغرب لغير
ص: 368
مانع من حاجز يحجز دون الأفق مثل جبل، أو حائط ، أو غير ذلك، فإذا غاب القرص فذلك أول وقت صلاة المغرب، وهو [إجماع وعلامة سقوط القرص] إن حال حائل دون الأفق فعلامته أن يسوّد أفق المشرق(1)
وفي موضع آخر عن الدعائم أيضاً: وسمع أبو الخطاب أبا عبد الله(علیه السلام)وهو يقول: إذا سقطت الحمرة من هاهنا - وأومأ بيده إلى الشرق - فذلك وقت المغرب، فقال أبو الخطاب لأصحابه لما أحدث ما أحدثه: وقت صلاة المغرب ذهاب الحمرة من أفق المغرب فلا تصلوها حتى تشتبك النجوم(2)
وهذه الموارد صريحة الدلالة على أنّ المراد هو غياب الشمس عن أفق المصلي، وعلامته زوال الحمرة من ناحية المشرق إلاّ أن أسنادها لما كانت غير تامة جعلت مؤيدة.
والحاصل: أنّه يمكن الجمع بين الطائفتين بهذا الوجه بالنسبة إلى أكثر روايات الطائفة الثانية، وما عداها مما لا يلتئم مع هذا الوجه وهي بعض الروايات القليلة التي يستفاد منها أنّ وقت المغرب هو خصوص سقوط القرص كالواردة في النهي عن صعود الجبل فهي محمولة على التقية.
الوجه الثاني: أنّ روايات الطائفة الأولى محمولة على الاستحباب، يعني أن وقت صلاة المغرب هو سقوط القرص كما هو مفاد روايات الطائفة الثانية ولكن بمقتضى روايات الطائفة الأولى يستحب تأخير الصلاة حتى تزول الحمرة المشرقية، وإلى هذا ذهب بعض الأعاظم منهم السيد الأستاذ! .
والإنصاف: أنّه لا يمكن المساعدة على كل من الوجهين.
أما الوجه الأول فهو وإن تكرر في كلمات غير واحد من الأعلام حتى أن صاحب الوسائل(3) ذكر وجوهاً لهذا الجمع إلاّ أن هذا الوجه قابل للانطباق على
ص: 369
بعض الروايات، وهي ما ورد فيها: أنّ المناط هو غيبوبة الشمس عن الأفق وهو الاحتمال الثالث، ولكن أكثر روايات الطائفة الثانية جاء فيها أنّ المناط هو سقوط القرص وتواريه لا غياب الشمس واقعاً، وفرق بين الأمرين، وحمل سقوط القرص على غيابه بعيد بل هو ظاهر في الاحتمالين الأولين اللذين جاء فيهما أنّ المناط هو استتار القرص وسقوطه، ويبلغ عدد الروايات التي ورد فيها ذلك عشر روايات منها صحيحة زرارة(1) ، ومعتبرة عبد الله بن سنان(2) ، ومعتبرة داود بن فرقد(3) ، وصحيحة أبي أسامة الشحام(4) ، وصحيحة صفوان(5) ، وموثقةسماعة بن مهران(6) ، وغيرها كما تقدم . وهذه الروايات بحسب الظاهر آبية عن الجمع بما ذكر.
وأما الوجه الثاني فلا يمكن المصير إليه لمخالفته لعدة من الروايات كما ذكر ذلك صاحب الجواهر(7) وغيره، لأنّ وقت المغرب ضيق ولابد من الصلاة في أول الوقت.
وأما الروايات الدالة على ذلك (أي على ضيق وقت صلاة المغرب) فهي كثيرة منها:
صحيحة زيد الشحام قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن وقت المغرب؟ فقال: إنّ جبرئيل أتى النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) لكل صلاة بوقتين غير صلاة المغرب فإن وقتها واحد، وإن وقتها وجوبها(8)
ص: 370
ومنها: رواية إسماعيل بن مهران قال: كتبت إلى الرضا (علیه السلام): (إلى أن قال) فكتب: كذلك الوقت غير أنّ وقت المغرب ضيق، وآخر وقتها ذهاب الحمرة، ومصيرها إلى البياض في أفق المغرب(1)
ومنها: رواية ليث، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: كان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) لا يؤثر على صلاة المغرب شيئاً إذا غربت الشمس حتى يصليها(2)
ومنها: صحيحة عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (علیه السلام) (في حديث) قال: وقت المغرب حين تجب الشمس إلى أن تشتبك النجوم(3)
ومنها: رواية أديم بن الحر قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: إنّ جبرئيل أمر رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بالصلوات كلها فجعل لكل صلاة وقتين إلاّ المغرب، فإنه جعل لها وقتاً واحداً(4)
ومنها: مرسلة محمّد بن أبي حمزة، عمن ذكره، عن أبي عبد الله (علیه السلام)قال: ملعون من أخر المغرب طلب فضلها(5)
والمستفاد من هذه الروايات المبادرة إلى الإتيان بالصلاة أول وقتها، ولم يرد فيها استحباب التأخير، وعليه فهذا الوجه كالوجه الأول في عدم إمكان جمع روايات الطائفتين به .
هذا وقد يقال بوجه آخر للجمع بين الروايات وهو: أنّ ما ورد من الروايات الدالة على أنّ وقت المغرب هو سقوط القرص واستتاره مختص بما إذا كان المصلي في مكان لا حاجب فيه من جبال أو بناء كالصحراء مثلاً .
وما ورد من الروايات الدالة على أن وقت المغرب هو ذهاب الحمرة
ص: 371
المشرقية أو طلوع كوكب أو كوكبين مختص بما إذا كان هناك حاجب كالجبال والعمران، وبهذا يمكن الجمع بين الطائفتين .
ويستفاد ذلك من معتبرة علي بن الريان المتقدمة قال: كتبت إليه: الرجل يكون في الدار تمنعه حيطانها النظر إلى حمرة المغرب...(1)
كما يمكن استفادته مما تقدم من رواية الفقه الرضوي، ورواية الدعائم، ولكن هذا الوجه غير تام فإنّ دلالة المعتبرة غير واضحة وكتاب الفقه الرضوي لا يعتمد على رواياته، ومثله كتاب الدعائم .
الناحية الثانية: في ترجيح إحدى الطائفتين على الأخرى .
ومع عدم إمكان الجمع بين الروايات فلابد من تقديم إحداهما على الأخرى، والمتعيّن حينئذ هو ترجيح الطائفة الأولى وذلك لوجهين :
الأول: أنّ روايات الطائفة الأولى موافقة للكتاب بما استفدناه من ضميمة آية الصوم كما تقدم، وأن صلاة المغرب صلاة ليلية.
الثاني: أنها موافقة لعمل الأصحاب وفتواهم ومرتكز الشيعة على ذلك ويؤيده ما تقدم من رواية المجالس بإسناده عن الربيع بن سليمان وأبان بن أرقم وغيرهم، قالوا: أقبلنا من مكة حتى إذا كنا بوادي الأخضر إذا نحن برجل يصلي ونحن ننظر إلى شعاع الشمس فوجدنا في أنفسنا فجعل يصلي ونحن ندعوا عليه(2).. الخ.
وما ذكره السيد الأستاذ ! من أنّ الارتكاز أعم من كونه لجهة الوجوب أو الاستحباب، وأنّ التأخير إلى زوال الحمرة وإن كان شعاراً للشيعة إلاّأنّه على نحو الاستحباب، ومثله القنوت فإنه شعار للشيعة مع أنّه مستحب بلا كلام(3) ،
ص: 372
لا يمكن المساعدة عليه لأنّ عملهم على الوجوب لا على الاستحباب، ويؤيده الرواية المتقدمة فإنهم إنما دعوا على المصلي لأنه صلى في نظرهم قبل الوقت لا أنّه خالف المستحب أو لمجرد كونه مخالفاً.
وهذا بخلاف الطائفة الثانية فإنها موافقة للعامة، وحينئذ يترجح حملها على التقية.
قد يقال: إن روايات هذه الطائفة كثيرة وأكثرها صحيح السند فيبعد حملها على التقية، والجواب أنّ كثرة الروايات ناشئة من كثرة الابتلاء فإنّ الصلوات تؤدى في اليوم خمس مرات، واختلاط العامة بالشيعة كثير آنذاك فالمناسبة تقتضي هذه الكثرة من الروايات، ولا محذور في ذلك.
والحاصل: أنّ الذي يترجح في النظر بملاحظة الأدلة من الآيات والروايات هو تقديم الطائفة الأولى على الطائفة الثانية التي يترجح حملها على التقية، هذا كله بالنظر للأدلة اللفظية الواردة في المقام.
ومع الغض عن ذلك فيمكن الاستدلال على المدعى بالأصل العملي، أما بناء على ما استفدناه من الكتاب وبضميمة آية الصوم فالأمر واضح كما تقدم من أنّ صلاة المغرب من الصلوات الليلية، فإذا شككنا في تحقق الوقت بين أن يكون بسقوط القرص أو بذهاب الحمرة المشرقية فالقاعدة تقتضي الاحتياط، لأنّ الشبهة حينئذ مفهومية وهي مجرى قاعدة الاحتياط.
وأما على فرض عدم استفادة ذلك من الآية الشريفة فالشبهة وإن كانت موضوعية إلاّ أنها دائرة بين الأقل والأكثر وبيان ذلك: أننا لا ندري هل أنّ وقت صلاة المغرب يتحقق بسقوط القرص أو بذهاب الحمرة وحيث إنّ من المعلوم خارجاً أنّ كلاً من الصلوات الخمس موقتة بوقت خاص كما هو صريح الكتاب في
ص: 373
قوله تعالى: (إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً)(1) وقد فسرت بالتوقيت.
وهكذا الروايات الكثيرة الواردة في تحديد أوقات الصلوات ومنها صلاة المغرب فإنها موقتة بوقت خاص كسائر الصلوات، وحينئذ إذا شككنا في تحقق هذا الوقت الخاص بصلاة المغرب بين أن يكون بذهابالحمرة المشرقية وبين أن يكون بسقوط القرص فالشك حينئذ بين الأقل والأكثر ومقتضى الدوران بينهما هو الأخذ بالأقل لأنّه القدر المتيقن، والأقل في المقام هو ذهاب الحمرة بالنسبة إلى سقوط القرص.
مضافاً إلى أنّه موافق للاستصحاب عند الشك في دخول الوقت، نعم عند ذهاب الحمرة لا يجري الاستصحاب لليقين بدخول الوقت حينئذ.
فعلى كلا التقديرين أي سواء كانت الشبهة مفهومية أو موضوعية فمقتضى القاعدة هو الاحتياط.
والحاصل: أنّ المسألة واضحة من جهاتها الثلاث أي الآيات، والروايات والأصل العملي، مضافاً إلى ما ذكرناه من أنّ المرتكز عند الإمامية ذلك وهو أنّ تحقق الوقت إنما يتم بذهاب الحمرة المشرقية، ولكن الاحتياط في عدم تأخير صلاة الظهرين إلى وقت زوال الحمرة المشرقية لا يترك، وينبغي تقديم الصلاتين على ذلك الوقت، وبهذا يتم الكلام في بيان أصل الحكم في المسألة.
الأول: نسب إلى المحقق الوحيد ! القول بأنّه بناء على أنّ ذهاب الحمرة المشرقية علامة على تحقق الغروب فلازمه أن يقال به بالنسبة للطلوع، وأنّ وجود الحمرة المغربية علامة على طلوع الشمس، وبعبارة أخرى: إنّ الزمان الفاصل
ص: 374
بين الغروب وبين ذهاب الحمرة - وهو مقدار عشر دقائق أو خمسة عشر دقيقة تقريباً - لابد من مراعاته في جانب الطلوع أيضاً فإذا كان القرص بعد السقوط باقياً فكذا في حال الطلوع فلابد قبل أن ترى الشمس، يحكم بطلوعها بنفس المقدار ويترتب على ذلك أنّ حدّ صلاة الفجر قبل طلوع الشمس ولا يلتزم بذلك أحد(1)
وقد أجيب عن ذلك في الجواهر بوجوه أربعة وأهمها:
أولاً: بمنع الملازمة بين الوقتين وذلك لما ورد في بعض الأخبار - وقد تقدمت - أنّ المشرق مطل على المغرب لا العكس، وحيث إنّ الأمر كذلك فوجود الحمرة في جانب المشرق علامة على بقاء الشمس في الأفق وعدم سقوطها واقعاً، وأما المغرب فليس مطلاً على المشرق حتى تتصور المساواة فالإشكال غير وارد من أصله.وثانياً: على فرض القول بالملازمة إلاّ أنّ بين الموردين فرقاً من جهة النص، فقد ورد أنّ وقت المغرب هو سقوط القرص عن الأفق واقعاً وتحققه بذهاب الحمرة المشرقية، ولم يرد ذلك بالنسبة إلى طلوع الشمس، وإنما الوارد هو طلوعها بحيث يظهر شعاعها، وأما قبل ظهوره فهو امتداد لوقت الفجر، فبناء على ذلك فالمساواة بين الموردين في غير محلها والإشكال غير وارد.
الثاني: جاء في كتاب نيل الأوطار أنّ الإمامية يذهبون إلى أنّ وقت صلاة المغرب إنما يتحقق عند اشتباك النجوم وهو مخالف للنصوص الواردة، والإجماع(2).
ص: 375
وهذه النسبة - كما تبين - خالية عن الواقع وفارغة عن الحق، وهي محض افتراء وليست هذه أول قارورة كسرت والله المستعان.
نعم إنّ هذا القول منسوب إلى الخطابية الذين برء منهم الإمام المعصوم(علیه السلام) وأمر بالبراءة منهم ولعنهم ورد عليهم كما تقدمت الإشارة إليه، وهو أمر مسطور في كتب الإمامية ورواياتهم عن أئمتهم (علیهم السلام) ، فليس هذا القول مذهباً للإمامية ولم يقل به أحد منهم.
الجهة الثانية: فيما تقتضيه الأدلة بالنسبة إلى التقية.
ويقع الكلام تارة في الحكم التكليفي وأخرى في الحكم الوضعي.
أما بالنسبة إلى الأول فلا إشكال في وجوب العمل على طبق التقية وذلك:
أولاً: للأدلة العامة المتقدمة وهي شاملة لهذا المورد بلا كلام.
وثانياً: للأدلة الخاصة الواردة في المقام وقد تقدم بعضها ومنها: معتبرة جارود قال: قال لي أبو عبد الله (علیه السلام): يا جارود ينصحون فلا يقبلون، وإذا سمعوا بشيء نادوا به، أو حدثوا بشيء أذاعوه، قلت لهم: مسوا بالمغرب قليلاً، فتركوها حتى اشتبكت النجوم، فأنا الآن أصليها إذاسقط القرص(1)
وهي ظاهرة في التقية كما أشرنا إلى ذلك من قبل.
ويؤيد ذلك ما تقدم أيضاً من رواية الربيع بن سليمان، وأبان بن أرقم، وغيرهم قالوا: أقبلنا من مكة حتى إذا كنا بوادي الأخضر، إذا نحن برجل يصلي ونحن ننظر إلى شعاع الشمس فوجدنا في أنفسنا، فجعل يصلي ونحن ندعوا عليه حتى صلى ركعة، ونحن ندعوا عليه ونقول: هذا شباب من شباب أهل المدينة،
ص: 376
فلما أتيناه إذا هو أبو عبد الله جعفر بن محمّد ' ...(1) الخ.
ومحل الشاهد قولهم: «نحن ننظر إلى شعاع الشمس» يعني أنّ الإمام كان يصلي قبل دخول الوقت، والوجه في ذلك أنّ فعله (علیه السلام) محمول على التقية، وحيث إنّ الرواية غير تامة سنداً لاشتمالها على عدة من المجاهيل فتكون مؤيدة لما نحن فيه.
وأما الثاني أي الحكم الوضعي فقد يقال: بأنّ الصلاة محكومة بالبطلان وذلك لأنّ المكلف وإن صلى تقية إلاّ أن الصلاة مشروطة بدخول الوقت وعلامته ذهاب الحمرة المشرقية، فإيقاع الصلاة خارج الوقت غير مجز ولا يكتفى بها ولابد من الإعادة، ولا فرق في ذلك بين التقية وغيرها، فمن يعلم أنّ صلاته كانت قبل الوقت أو شك في ذلك فصلاته غير صحيحة، مضافاً إلى ما ورد من الأدلة على بطلان الصلاة قبل الوقت.
ولكن يمكن القول بالإجزاء وكفاية ما أتى به المكلف من الصلاة تقية وذلك لوجوه:
الأول: إطلاق بعض الروايات الواردة في الأمر بالصلاة معهم كما سيأتي، وهي شاملة لصلاة المغرب قطعاً، وحيث إنّ المورد عام البلوى ولم يرد في هذه الروايات الأمر بإعادة الصلاة فمن مجموع ذلك يستفاد الإجزاء وعدم الحاجة إلى الإعادة.
الثاني: ما ورد من الروايات في خصوص صلاة المغرب ومن ذلك رواية إسحاق بن عمار (في حديث) قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): إني أدخل المسجد فأجد الإمام قد ركع، وقد ركع القوم فلا يمكنني أن أوذن وأقيم وأكبر، فقال لي: فإذا كان ذلك فادخل معهم في الركعة واعتد بها فإنها من أفضل ركعاتك، قال إسحاق: فلما سمعت أذان المغرب وأنا على بابيقاعد، قلت للغلام: انظر أقيمت
ص: 377
الصلاة فجاءني فقال: نعم، فقمت مبادراً فدخلت المسجد فوجدت الناس قد ركعوا فركعت مع أول صف أدركت واعتددت بها، ثمّ صليت بعد الانصراف أربع ركعات، ثمّ انصرفت فإذا خمسة أو ستة من جيراني قد قاموا إلي من المخزوميين والأمويين فأقعدوني ثمّ قالوا: يا أبا هاشم جزاك الله عن نفسك خيراً، فقد والله رأيناك خلاف ما ظننا بك وما قيل فيك، فقلت: أي شيء ذلك؟ قالوا: اتبعناك حين قمت إلى الصلاة ونحن نرى أنك لا تقتدي بالصلاة معنا، فقد وجدناك قد اعتددت بالصلاة معنا وصليت بصلاتنا فرضي الله عنك وجزاك الله خيراً، قال: قلت لهم: سبحان الله ألمثلي يقال هذا؟ قال: فعلمت أنّ أبا عبد الله (علیه السلام) لم يأمرني إلاّ وهو يخاف عليّ هذا وشبهه(1)
وهذه الرواية وإن لم يرد فيها الإشارة إلى خصوص صلاة المغرب من لسان الإمام (علیه السلام) بل وردت على نحو الإطلاق إلاّ أنّ الراوي طبق كلامه على صلاة المغرب.
ثم إنّ مورد الرواية وإن كان حالة استثنائية وهي التقية ولذا أمره الإمام (علیه السلام) بالاقتداء بهم والاعتداد بالصلاة معهم إلاّ أنّه (علیه السلام) لم يأمره بإعادة الصلاة بعد ارتفاع التقية، فبمقتضى إطلاق كلام الإمام (علیه السلام) وبمعونة فهم الراوي يمكن استفادة الإجزاء وعدم الحاجة إلى الإعادة.
الثالث: ما يستفاد من الروايات الواردة في خصوص وقت المغرب والتي ذكر فيها أنّ الإمام (علیه السلام) يصلي عند غياب الشمس، ويأمر أصحابه بذلك، وقد تقدمت جملة منها، وهذه الروايات لا تخرج عن أحد أمرين: إما أن تكون دالة على كون وقت صلاة المغرب هو سقوط القرص وحينئذ لا حاجة إلى الإعادة فلا إشكال، وإما أن تحمل على التقية كما هو الأقوى، وحيث إنّ الإمام (علیه السلام) كان يفعل
ص: 378
ذلك ويأمر أصحابه به ولم يرد فيها أنّه (علیه السلام) أعاد صلاته أو أمر بالإعادة فيمكن استفادة الاكتفاء بما أتي به، وأنّ الصلاة قبل ذهاب الحمرة المشرقية تقية مجزية مطلقاً أي في جماعة كانت أو انفراد من دون حاجة إلى الإعادة.
ولكن مع ذلك لا يترك الاحتياط لإطلاق الروايات بأن من صلى عالماً أو ظاناً أو شاكاً بعدم دخول الوقت فعليه الإعادة، والجمع بين الأدلة يقتضي الاحتياط بالإعادة.وأما لو خالف التقية ولم يصل معهم قبل ذهاب الحمرة المشرقية بل صلى بعد ذلك فلا إشكال في صحة الصلاة لأنّها وقعت في الوقت قطعاً حتى عندهم، نعم في ذلك مخالفة للحكم التكليفي وهو يستوجب الإثم.
هذا تمام الكلام عن التقية في الوقت والحمد لله رب العالمين.
ص: 379
ص: 380
3 - التقية في الصلاة
· اشتراط العدالة في إمام الجماعة
· الروايات الواردة في الحث على الصلاة خلف المخالف والروايات المخالفة لها والجمع بينها
· بيان سيرة أئمة أهل البيت (علیهم السلام) في الصلاة خلف المخالفين
· حكم الصلاة خلف المخالف تقية
· حكم الصلاة تقية خلف الإمامي مع عدم إحراز الشرائط
· الإشارة إلى أنّ البسملة آية من القرآن وحكم الجهر بها في الصلاة
· التحقيق حول قول آمين بعد الحمد والتكفير في الصلاة وحكمهما
· الدليل على وجوب السجود على الأرض أو ما أنبتت من غير المأكول والملبوس والتحقيق حول صحة السجود على القطن والكتان
· شرف التربة الحسينية وقدسيتها وأهمية السجود عليها
ص: 381
ص: 382
إنّ من المتسالم عليه عند فقهاء الإمامية اشتراط الإيمان والعدالة في إمام الجماعة، وهذا مما لا ريب فيه، ولم يتوقف فيه أحد فيما إذا كان الأمر حال الاختيار، وهكذا الحال بالنسبة إلى التقية والاضطرار، ولكن وقع الكلام في أنّ الاقتداء بالمخالف هل يسقط معه الفرض، فلا تجب الإعادة في الوقت والقضاء خارجه أم لا؟
والروايات الواردة في المقام كثيرة جداً، وبينها شبه تعارض - كما سيأتي - فلابد من ذكرها أولاً، ثمّ رفع التعارض ثانياً، ثمّ استخلاص النتيجة.
أما الروايات فهي على نحوين:
الأول: الروايات الواردة في تجويز الاقتداء بالمخالف.
الثاني: الروايات المانعة عن ذلك.
وكل من روايات هذين النحوين جاءت على طوائف.
أما طوائف النحو الأول فهي:
الأولى: ما ورد من الحث والترغيب في الصلاة خلف المخالف على نحو الإطلاق، وهي عدة روايات، وفيها الصحاح ومنها:
صحيحة حماد بن عثمان عن أبي عبد الله (علیه السلام) أنّه قال: من صلى معهم في
ص: 383
الصف الأول كان كمن صلى خلف رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في الصف الأول(1).
ومنها: معتبرة حفص بن البختري، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: يحسب لك إذا دخلت معهم وإن كنت لا تقتدي بهم مثل ما يحسب لك إذا كنت مع من تقتدي به(2).
ومعناه أنّ الثواب يحسب له كمن يصلي خلف الإمام الجامع للشرائط.
وفي قوله (علیه السلام): «وإن كنت لا تقتدي به» إن كان المراد هو الواقع - لا في صلاة الجماعة - فالرواية داخلة في ما نحن فيه، وإن كان المراد هو عدم الاقتداء فعلاً - أي في صلاة الجماعة - فهذا خارج عن البحث، ولا يكون دليلاً على ما نحن فيه.ومنها: صحيحة الحلبي، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: من صلى معهم في الصف الأول كان كمن صلى خلف رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) (3)
وهذه الرواية كالرواية الأولى، إلاّ أن الأولى فيها إضافة في «الصف الأول» ولعل هاتين الروايتين رواية واحدة ففي هذه الرواية يروي حماد عن الحلبي، وفي تلك الرواية ينقلها حماد بلا واسطة، والظاهر أنّ المراد من حماد في الرواية الثانية هو حماد بن عثمان كما في الرواية الأولى.
ومنها: موثقة إسحاق بن عمار قال: قال لي أبو عبد الله: يا إسحاق أتصلي معهم في المسجد؟ قلت: نعم، قال: صل معهم، فإنّ المصلي معهم في الصف الأول كالشاهر سيفه في سبيل الله(4)
ومنها: معتبرة زيد الشحام عن أبي عبد الله (علیه السلام) أنّه قال: يا زيد خالقوا الناس بأخلاقهم، صلوا في مساجدهم، وعودوا مرضاهم، واشهدوا جنائزهم،
ص: 384
وإن استطعتم أن تكونوا الأئمة والمؤذنين فافعلوا، فإنكم إذا فعلتم ذلك قالوا: هؤلاء الجعفرية، رحم الله جعفراً ما كان أحسن ما يؤدب أصحابه، وإذا تركتم ذلك قالوا: هؤلاء الجعفرية فعل الله بجعفر، ما كان أسوأ ما يؤدب أصحابه(1).
ومنها: صحيحة عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: أوصيكم بتقوى الله، ولا تحملوا الناس على أكتافكم فتذلوا، إنّ الله عزوجل يقول في كتابه: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً)(2) ثمّ قال: عودوا مرضاهم، واحضروا جنائزهم، واشهدوا لهم وعليهم، وصلوا معهم في مساجدهم حتى يكون التمييز، وتكون المباينة منكم ومنهم(3)
ومنها: رواية كثير بن علقمة قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام) أوصني، فقال: أوصيك بتقوى الله، والورع، والعبادة وطول السجود، وأداء الأمانة، وصدق الحديث، وحسن الجوار، فبهذا جاءنا محمّد (صلی الله علیه و آله و سلم) صلوا في عشائركم، وعودوا مرضاكم، واشهدوا جنائزكم، وكونوا لنا زيناً ولا تكونوا لنا شيناً، حببونا إلى الناس ولا تبغضونا إليهم، فجرّوا إلينا كلّ مودّة وادفعوا عنا كلّ شرّ(4)ومحل الشاهد قوله: صلوا في عشائركم، فإنه مطلق أي وإن كانوا من العامة إلاّ أنّ سند الرواية ضعيف فإنّ كثير بن علقمة مجهول.
ومنها: موثقة حبيب الخثعمي، قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: عليكم بالورع والاجتهاد، واشهدوا الجنائز، وعودوا المرضى، واحضروا مع قومكم مساجدكم، واحبوا للناس ما تحبون لأنفسكم، أما يستحي الرجل منكم أن يعرف جاره حقه ولا يعرف حقّ جاره(5)
ص: 385
والظاهر من الرواية أنّ المراد هو العامة وإن جاءت الرواية بصيغة الخطاب كالرواية السابقة.
ومنها: رواية هشام الكندي قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: إياكم أن تعملوا عملاً نعيّر به، فإن ولد السوء يعيّر والده بعمله، كونوا لمن انقطعتم إليه زيناً ولا تكونوا عليه شيناً، صلوا في عشائرهم، وعودوا مرضاهم، واشهدوا جنائزهم، ولا يسبقونكم إلى شيء من الخير فأنتم أولى به منهم، والله ما عبد الله بشيء أحب إليه من الخباء قلت وما الخباء؟ قال: التقية(1)
ومنها: رواية عمر بن أبان قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) ، يقول: يا معشر الشيعة: إنكم قد نسبتم إلينا، كونوا لنا زيناً ولا تكونوا شيناً، كونوا مثل أصحاب علي (علیه السلام) في الناس، إن كان الرجل منهم ليكون في القبيلة فيكون إمامهم ومؤذنهم وصاحب أماناتهم وودايعهم، عودوا مرضاهم، واشهدوا جنائزهم، وصلوا في مساجدهم، ولا يسبقوكم إلى خير فأنتم والله أحقّ منهم به(2)
ومنها: رواية عبد الله بن بكر قال: دخلت على أبي عبد الله (علیه السلام) ومعي رجلان، فقال أحدهما لأبي عبد الله (علیه السلام): آتي الجمعة؟ فقال له أبو عبد الله(علیه السلام): ائت الجمعة والجماعة، واحضر الجنازة، وعد المريض، واقض الحقوق، ثمّ قال: أتخافون أن نضلكم؟ لا والله لا نضلكم(3)
وغيرها من الروايات الدالة على الترغيب في الصلاة معهم في مساجدهم وهي مطلقة.
الطائفة الثانية: الروايات الدالة على مشروعية الصلاة معهم من دونالاجتزاء بها وهي عدّة روايات منها:
ص: 386
صحيحة عمر بن يزيد، عن أبي عبد الله (علیه السلام) أنّه قال: ما منكم أحد يصلي صلاة فريضة في وقتها، ثمّ يصلي معهم صلاة تقية وهو متوضىء إلاّ كتب الله له بها خمساً وعشرين درجة، فارغبوا في ذلك(1)
ومنها: صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (علیه السلام) أنّه قال: ما من عبد يصلي في الوقت ويفرغ، ثمّ يأتيهم ويصلي معهم وهو على وضوء إلاّ كتب الله له خمساً وعشرين درجة(2)
ومنها: ما رواه الشيخ بإسناده عن أحمد بن محمّد بن سعيد بن عقدة، عن أحمد بن محمّد بن يحيى الخارقي، عن الحسين بن الحسن، عن إبراهيم بن علي المرافقي وعمر بن ربيع، عن جعفر بن محمّد ' في (حديث) أنّه سأل عن الإمام إن لم أكن أثق به أصلي خلفه وأقرأ؟ قال: لا، صلّ قبله أو بعده، قيل له: أفأصلي خلفه واجعلها تطوعاً؟ قال: لو قبل التطوع لقبلت الفريضة، ولكن اجعلها سبحة(3)
والشاهد قوله: أجعلها سبحة، وستأتي في ذلك طائفة من الروايات.
والرواية من جهة السند فيها الخارقي كما هو المذكور في الوسائل، إلاّ أن السيد الأستاذ ذكر في المعجم(4) أنّ بعض النسخ فيها الخازني وفي بعضها الحازمي، فإن كان هو الخارقي فلم يرد فيه توثيق، وأما الحسين بن الحسن فالظاهر أنّه تصحيف والصحيح هو الحسن بن الحسين السكوني الثقة فإنه الذي يروي عن عمر بن ربيع كثيراً، وأما إبراهيم بن علي المرافقي فهو لم يوثق إلاّ أنّه لا يضر بالسند من هذه الناحية لأنّ الرواية فيها شخصان ويكفي وثاقة أحدهما، وحيث إنّ عمر بن ربيع ثقة(5) فلا إشكال من هذه الجهة وإنما الإشكال من جهة
ص: 387
الخارقي وعليه فالرواية غير معتبرة.
ثم إنّ هذه الرواية لا تختص بالمخالف بل الأعم منه فإن مورد السؤال هو الإمام الذي لم يثق به المأموم.
ومنها: معتبرة نشيط بن صالح عن أبي الحسن الأول (علیه السلام) قال: قلت له:الرجل منا يصلي صلاته في جوف بيته مغلقاً عليه بابه، ثمّ يخرج فيصلي مع جيرته، تكون صلاته تلك وحده في بيته جماعة؟ فقال: الذي يصلي في بيته يضاعف الله له ضعفي أجر الجماعة تكون له خمسين درجة والذي يصلي مع جيرته يكتب له أجر من صلى خلف رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ويدخل معهم في صلاتهم فيخلف عليهم ذنوبه ويخرج بحسناتهم(1)
والرواية من حيث دلالتها على المدعى تامة ومن جهة السند معتبرة.
ومنها: رواية عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قلت: إني أدخل المسجد وقد صليت فأصلي معهم فلا (ولا) أحتسب بتلك الصلاة؟ قال: لا بأس، فأما أنا فأصلي معهم وأريهم أني أسجد وما أسجد(2)
وهذه الرواية وإن كانت من جهة الدلالة تامة إلاّ أنّ في سندها القاسم بن عروة وهو لم يوثق صراحة، ولكنه ذكر في المستثنى منه من كتاب نوادر الحكمة مضافاً إلى رواية ابن أبي عمير عنه وبناء على ما حققناه في محله(3) تكون الرواية معتبرة.
ومنها: رواية عبد الله الأرجاني عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: من صلى في منزله ثمّ أتى مسجداً من مساجدهم فصلى فيه خرج بحسناتهم(4)
ص: 388
وغيرها من الروايات الدالة على عدم الاجتزاء بالصلاة معهم مع مشروعية الصلاة خلفهم.
الطائفة الثالثة: ما تدل على الاجتزاء بالصلاة خلف المخالف وهي أربع روايات:
الأولى: ما رواه الشيخ بإسناده عن محمّد بن الحصين، عن محمّد بن الفضيل، عن إسحاق بن عمار (في حديث) قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): إني أدخل المسجد فأجد الإمام قد ركع وقد ركع القوم فلا يمكنني أن أوذن وأقيم وأكبر، فقال لي: فإذا كان ذلك فادخل معهم في الركعة واعتد بها فإنها من أفضل ركعاتك، قال إسحاق: فلما سمعت أذان المغرب وأنا على بابي قاعد، قلت للغلام: انظر أقيمت الصلاة؟ فجاءني فقال: نعم، فقمت مبادراً فدخلت المسجد فوجدت الناس قد ركعوا فركعت مع أول صف أدركت واعتددت بها، ثمّ صليت بعد الانصراف أربع ركعات، ثمّ انصرفت فإذا خمسة أو ستةمن جيراني قد قاموا لي من المخزوميين والأمويين فأقعدوني، ثمّ قالوا: يا أبا هاشم، جزاك الله عن نفسك خيراً فقد والله رأيناك خلاف ما ظننا بك وما قيل فيك، فقلت: وأي شيء ذاك؟ قالوا: اتبعناك حين قمت إلى الصلاة ونحن نرى أنك لا تقتدي بالصلاة معنا فقد وجدناك قد اعتددت بالصلاة معنا وصليت بصلاتنا فرضي الله عنك وجزاك الله خيراً، قال: قلت لهم: سبحان الله ! ألمثلي يقال هذا؟ قال: فعلمت أن أبا عبد الله لم يأمرني إلاّ وهو يخاف علي هذا وشبهه(1)
ومحل الشاهد من هذه الرواية أنّه صلى خلفهم صلاة المغرب واجتزى بما أتى به من دون إعادة، وصلاته أربع ركعات بعدها يحتمل أن تكون نافلة المغرب كما يحتمل أن تكون صلاة العشاء.
ص: 389
الثانية: معتبرة زرارة عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: لا بأس أن تصلي خلف الناصب ولا تقرأ خلفه فيما يجهر فيه، فإن قراءته يجزيك إذا سمعتها(1)
ودلالة الرواية على الاعتداد واضحة، وإنما قلنا إنّ الرواية معتبرة فلأنّ فيها القاسم بن عروة وقد تقدم أنّه يمكن القول بوثاقته.
والحاصل: أنّ هاتين الروايتين تدلان على الاجتزاء بما أتى به المكلف من الصلاة خلفهم من دون حاجة إلى الإعادة قبل الصلاة معهم أو بعدها.
الثالثة: رواية علي بن سعد البصري - والصحيح علي بن سعيد البصري - قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): إني نازل في قوم بني عدي، ومؤذنهم وإمامهم وجميع أهل المسجد عثمانية يبرؤن منكم ومن شيعتكم، وأنا نازل فما ترى في الصلاة خلف الإمام؟ فقال (علیه السلام): صل خلفه واحتسب بما تسمع، ولو قدمت البصرة لقد سألك الفضيل بن يسار وأخبرته بما أفتيتك فتأخذ بقول الفضيل وتدع قولي، قال علي: فقدمت البصرة فأخبرت فضيلاً بما قال فقال: هو أعلم بما قال ولكني قد سمعته وسمعت أباه يقولان: لا تعتد بالصلاة خلف الناصبي، واقرأ لنفسك كأنك وحدك(2)
وأورد صاحب الوسائل هذه الرواية في موضع آخر(3) وفيها علي بن سعيد كما ذكرنا، ومحل الشاهد من هذه الرواية قوله: «واحتسب بما تسمع» إلاّ أن ذيل الرواية يدل على عدم الاجتزاء، وسيأتي الكلام عنذلك.
الرابعة: ما أورده صاحب المستدرك نقلاً عن التهذيب عن سعد بن عبد الله، عن موسى بن الحسن والحسن بن علي، عن أحمد بن هلال عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أحمد بن عائذ، قال: قلت لأبي الحسن (علیه السلام): ادخل مع هؤلاء في
ص: 390
صلاة المغرب فيعجلون إليّ من أن أذن وأقيم فلا أقرأ شيئاً حتى إذا ركعوا واركع معهم فيجزؤني ذلك؟ قال: نعم(1)
وهذه الرواية صريحة الدلالة على الاجتزاء بقراءتهم، وأما من جهة السند فعلى مبنى السيد الأستاذ ! فهو معتبر لأنّ فيه أحمد بن هلال وهو ثقة عنده(2) ، وأما على ما ذهبنا إليه فالسند غير معتبر كما حققنا ذلك في محله، وأما الحسن بن علي فهو وإن لم يوثق إلاّ أن معه آخر وهو موسى بن الحسن وهو ثقة(3)
والحاصل: أنّ الرواية على مبنى السيد معتبرة السند واضحة الدلالة، وسيأتي الكلام حولها عند الجمع بين الروايات.
الطائفة الرابعة: وهي الروايات التي تدل على الحضور في جماعتهم وتشييع جنائزهم وقد تقدمت جملة منها، وسيأتي البحث حول هذا الموضوع تحت عنوان مستقل.
وأما طوائف النحو الثاني من الروايات فهي أربع طوائف أيضاً:
الطائفة الأولى: ما ورد في عدم جواز الاقتداء خلف المخالف ممن لا يعتقد بالولاية، وهي عدة روايات:
منها: صحيحة زرارة قال: سألت أبا جعفر (علیه السلام) عن الصلاة خلف المخالفين؟ فقال: ما هم عندي إلاّ بمنزلة الجدر(4)
ومنها: صحيحة أبي عبد الله البرقي، أنّه قال: كتبت إلى أبي جعفر الثاني: أيجوز الصلاة خلف من وقف على أبيك وجدك؟ فأجاب لا تصل وراءه(5)
وهذه الرواية خاصة بالواقفة.
ص: 391
ومنها: رواية الفضل بن شاذان عن الرضا (علیه السلام) في كتابه إلى المأمونقال: لا يقتدى إلاّ بأهل الولاية(1)
وهذه الرواية وإن كانت صريحة الدلالة إلاّ أنّ الكلام في الطريق إلى الفضل بن شاذان لكتابه العلل، وقد وقع الخلاف في أنّ الفضل بن شاذان أدرك الإمام الرضا (علیه السلام) أم لا، ومع الإغماض عن ذلك فإنّ الطريق إلى روايات الفضل فيه علي بن محمّد بن قتيبة، وبناء على عدم وثاقته لا يمكن الاستدلال بهذه الرواية، نعم روى الشيخ الصدوق في العيون عن أبي عبد الله الشاذاني أنّه سأل الفضل بن شاذان فقال: جمعتها من الإمام(2) فإن فهم من ذلك أنّ الشاذاني راو عن الفضل فحينئذ يتعدد الطريق إلى الفضل، ولابد من الرجوع إلى كتاب العيون لملاحظة ما إذا أمكن الاستفادة منه أنّ الشاذاني يروي عنه كتاب العلل أم لا.
ثم إنّ الشاذاني معاصر للكشي كما أنّه معاصر للصدوق أيضاً، ومن هنا فإن الصدوق يروي عنه بلا واسطة وحينئذ يقع الكلام في وثاقته، فإن كان ثقة أمكن تصحيح الطريق إلى روايات الفضل بن شاذان، وسيأتي أنّ السيد الأستاذ ! لا يرى وثاقته، وهو وإن لم يرد التصريح بوثاقته إلاّ أنّه يمكن استظهار حسنه من كثير من القرائن.
والحاصل: أنّ تصحيح الطريق إلى الفضل بن شاذان يتوقف على أمرين: وثاقة الشاذاني وروايته عن الفضل كتاب العلل.
ومنها: صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (علیه السلام) أنّه قال: لا تصل خلف من يشهد عليك (لك) بالكفر، ولا خلف من شهدت عليه بالكفر(3)
وهذه الرواية بإطلاقها تشمل بعض المخالفين.
ص: 392
ومنها: رواية إسماعيل الجعفي قال: قلت لأبي جعفر (علیه السلام): رجل يحب أمير المؤمنين (علیه السلام) ولا يتبرأ من عدوه، ويقول: هو أحبّ إليّ ممن خالفه؟ فقال: هذا مخلط وهو عدو، فلا تصل خلفه ولا كرامة، إلاّ أن تتقيه(1)
وهذه الرواية شاملة لكل المخالفين لأنهم لا يبرؤن من عدو أمير المؤمنين(علیه السلام).
الطائفة الثانية: ما تدل على لزوم القراءة خلف من لا يقتدى به وهي عدة روايات:منها: معتبرة علي بن يقطين، قال: سألت أبا الحسن (علیه السلام) عن الرجل يصلي خلف من لا يقتدى بصلاته، والإمام يجهر بالقراءة؟ قال: اقرأ لنفسك وإن لم تسمع نفسك فلا بأس(2)
وهذه الرواية شاملة للمخالف وغيره وإن كانت ظاهرة في خصوص المخالف.
ومنها: رواية إبراهيم بن شيبة قال: كتبت إلى أبي جعفر الثاني (علیه السلام) أسأله عن الصلاة خلف من يتولى أمير المؤمنين (علیه السلام) وهو يرى المسح على الخفين أو خلف من يحرم المسح وهو يمسح؟ فكتب (علیه السلام): إن جامعك وإياهم موضع فلم تجد بداً من الصلاة فأذن لنفسك وأقم، فإن سبقك إلى القراءة فسبح(3).
والظاهر أنّ المراد منها العامة إذ ليس في الشيعة من يرى المسح على الخفين، نعم في قوله: «يحرم وهو يمسح» يحتمل أن يكون من الخاصة وإنما مسح للتقية، ومحل الشاهد من الرواية قوله: فأذن لنفسك وأقم، وأما قوله: فإن سبقك إلى القراءة فسبح فلعل المراد السبق بالنسبة إلى الأذان والإقامة ويحتمل السبق في
ص: 393
القراءة فيجعل التسبيح بدلاً عنها كما سيأتي في الطائفة التالية.
ومنها: رواية علي بن أسباط عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله وأبي جعفر (علیه السلام) في الرجل يكون خلف الإمام لا يقتدى به فيسبقه الإمام بالقراءة؟ قال: إذا كان قد قرأ أم الكتاب أجزأه يقطع ويركع(1)
وهذه الرواية وإن كانت مرسلة إلاّ أنها صالحة للتأييد.
ومنها: رواية أحمد بن محمّد بن أبي نصر عن أبي الحسن (علیه السلام) قال: قلت له: إني أدخل مع هؤلاء في صلاة المغرب فيعجلون إلي ما أن أؤذن وأقيم ولا أقرأ إلاّ الحمد حتى يركع أيجزيني ذلك؟ قال: نعم يجزيك الحمد وحدها(2)
وسيأتي الكلام حول هذه الرواية.
ومنها: صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: إذا صليت خلف إماملا يقتدى به فاقرأ خلفه سمعت قراءته أو لم تسمع(3)
ومنها: رواية قرب الاسناد عن الحسن بن ظريف، عن الحسين بن علوان، عن جعفر، عن أبيه، قال: كان الحسن والحسين ' يقرآن خلف الإمام(4)
ويدخل في هذه الطائفة الروايات الدالة على استحباب ذكر الله بعد الفراغ من القراءة قبل الإمام، وهي عدة روايات.
منها: صحيحة زرارة قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام) أكون مع الإمام فأفرغ من القراءة قبل أن يفرغ، قال: ابق آية ومجد الله واثن عليه، فإذا فرغ فاقرأ الآية واركع(5)
ومنها: صحيحة صفوان الجمال قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): إنّ عندنا مصلى
ص: 394
لا نصلي فيه، وأهله نصاب، وإمامهم مخالف، فأتم به؟ قال: لا، فقلت: إن قرأ أقرأ؟ قال: نعم، قلت: فإن نفدت السورة قبل أن يفرغ؟ قال: سبح وكبر، إنما هو بمنزلة القنوت وكبر وهلل(1)
ومنها: رواية عمر بن أبي شعبة عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قلت له: أكون مع الإمام فأفرغ قبل أن يفرغ من قراءته؟ قال: فأتم السورة ومجد الله واثن عليه حتى يفرغ(2)
وغيرها من الروايات.
الطائفة الثالثة: ما تدل على جعل الصلاة خلف المخالف صلاة تطوع من دون ائتمام به.
منها: ما تقدم من رواية عمر بن ربيع عن جعفر بن محمّد ' في حديث أنّه سأل عن الإمام إن لم أكن أثق به أصلي خلفه وأقرأ؟ قال: لا ، صل قبله أو بعده، قيل له: أفأصلي خلفه وأجعلها تطوعاً؟ قال: لو قبل التطوع لقبلت الفريضة، ولكن اجعلها سبحة(3)
ومحل الشاهد قوله: ولكن اجعلها سبحة، إلاّ أنّ الإشكال في سند الرواية وقد تقدم الكلام فيه.
ومنها: رواية ناصح المؤذن قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): إني أصلي فيالبيت وأخرج إليهم؟ قال: اجعلها نافلة، ولا تكبر معهم فتدخل معهم في الصلاة فإن مفتاح الصلاة التكبير(4)
الطائفة الرابعة: ما تدل على أنّ المصلي خلف المخالف يأتي بوظيفة المنفرد
ص: 395
وهي عدة روايات:
منها: صحيحة حمران عن أبي عبد الله (علیه السلام) (في حديث) قال: في كتاب علي إذا صلوا الجمعة في وقت فصلوا معهم، ولا تقومن من مقعدك حتى تصلي ركعتين أخريين، قلت: فأكون قد صليت أربعاً لنفسي لم أقتد به؟ فقال: نعم(1)
ومنها: صحيحة زرارة قال: قلت لأبي جعفر (علیه السلام): إنّ أناساً رووا عن أمير المؤمنين (علیه السلام) أنّه صلى أربع ركعات بعد الجمعة لم يفصل بينهن بتسليم، فقال: يا زرارة إنّ أمير المؤمنين (علیه السلام) صلى خلف فاسق فلما سلم وانصرف قام أمير المؤمنين (علیه السلام) فصلى أربع ركعات لم يفصل بينهن بتسليم، فقال له رجل إلى جنبه: يا أبا الحسن صليت أربع ركعات لم تفصل بينهن فقال: (أما) أنها أربع ركعات مشبّهات وسكت، فوالله ما عقل ما قال له(2)
ومنها: صحيحة حمران بن أعين، قال: قلت لأبي جعفر (علیه السلام): جعلت فداك إنا نصلي مع هؤلاء يوم الجمعة وهم يصلون في الوقت فكيف نصنع؟ فقال: صلوا معهم فخرج حمران إلى زرارة فقال له: قد أمرنا أن نصلي معهم بصلاتهم فقال زرارة: هذا ما يكون إلاّ بتأويل، فقال له حمران: قم حتى نسمع منه، قال: فدخلنا عليه فقال له زرارة: إنّ حمران أخبرنا عنك أنك أمرتنا أن نصلي معهم فأنكرت ذلك؟ فقال لنا: كان الحسين بن علي ' يصلي معهم الركعتين، فإذا فرغوا قام فأضاف إليها ركعتين(3)
والرواية تدل على أنّ المصلي معهم يأتي بوظيفة المنفرد، ويحتمل أن الإمام (علیه السلام) يرى بطلان الصلاة في نفسها لأنّ هؤلاء ليسوا أهلاً لإقامة صلاة الجمعة لاختصاصها بالمعصوم أو الإمام العادل على الخلاف في المسألة.
ص: 396
ومنها: موثقة سماعة قال: سألته عن رجل كان يصلي فخرج الإمام وقد صلى الرجل ركعة من صلاة فريضة؟ قال: إن كان إماماً عدلاً فليصل أخرى وينصرف ويجعلها تطوعاً وليدخل مع الإمام في صلاته كما هو، وإن لم يكن إمام عدل فليبن على صلاته كما هو، ويصلي ركعة أخرى ويجلس قدر ما يقول أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله، ثمّ ليتم صلاته معه على ما استطاع، فإنّ التقية واسعة وليس شيء من التقية إلاّ وصاحبها مأجور عليها إن شاء الله(1)
والمستفاد من هذه الرواية أنّ المكلف يأتي بوظيفة المنفرد وإن أظهر ذلك في صورة الجماعة.
ومنها: صحيحة زرارة قال: كنت جالساً عند أبي جعفر (علیه السلام) ذات يوم إذ جاءه رجل فدخل عليه، فقال له: جعلت فداك إني رجل جار مسجد لقومي فإذا أنا لم أصل معهم وقعوا فيَّ وقالوا: هو هكذا وهكذا، فقال: أما لئن قلت ذلك لقد قال أمير المؤمنين (علیه السلام) من سمع النداء فلم يجبه من غير علّة فلا صلاة له، فخرج الرجل فقال له: لا تدع الصلاة معهم وخلف كل إمام، فلما خرج قلت له: جعلت فداك كبر علي قولك لهذا الرجل حين استفتاك، فإن لم يكونوا مؤمنين؟ قال: فضحك ثمّ قال: ما أراك بعد إلاّ هاهنا يا زرارة فأية علة تريد أعظم من أنّه لا يأتم به، ثمّ قال: يا زرارة أما تراني قلت: صلوا في مساجدكم وصلوا مع أئمتكم(2)
والمستفاد من هذه الرواية أنّ الإمام لم يجوز الصلاة خلف المخالف إلاّ أن الراوي توهم أنّ الإمام (علیه السلام) أجاز له ذلك، ويحتمل أن تكون القضية خاصة بهذا الشخص، والنتيجة أنّ الصلاة خلفهم غير جائزة.
هذه هي جملة من الروايات المجوزة والمانعة ولعل هناك روايات أخرى إلاّ
ص: 397
أنها لا تخرج عن إحدى هذه الطوائف الثمان، وهنا لابد من الكلام حول كيفية الجمع بين هذه الروايات واستفادة الحكم منها، وهذا هو محل الكلام في البحث التالي، وسنشير إلى ما كان عليه الأئمة (علیهم السلام) وعمل الأصحاب واستفادة الفقهاء.
إنّ ما استفاده الفقهاء قدس الله أسرارهم لا يخرج عن مفاد هذه الروايات وترجع كلماتهم إلى خصوصيات ومقتضيات هذه الروايات.
والذي يستفاد من مجموع كلماتهم أنّ المكلف إذا صلى خلف المخالف فلابدّ له من الإتيان بأحد أمرين:
الأوّل: أن يأتي بوظيفة المنفرد في جميع أفعال الصلاة، وإنما كان الاقتداء بالمخالف صورياً لا واقعياً، ويلزم المكلف حينئذ أن يأتي بالقراءة وسائر الأذكار وأن يراعي أحكام الزيادة والنقصان وغيرهما مما يغتفر في صلاة الجماعة، بل نص بعضهم على الإتيان بالأذان والإقامة كما هو مفاد بعض الروايات، وادعي في ذلك عدم الخلاف، ونسب إلى العلامة في المنتهى ، وإلى السرائر(1)، وهو خيرة المقنع(2)، والهداية(3)، والنهاية(4)، والمبسوط(5)، واللمعة والروضة(6)
الثاني: أن يصلي قبل انعقاد جماعتهم أو بعدها كما ورد ذلك في عدة من الروايات كما تقدم، ويجعل الصلاة معهم نافلة وتطوعاً من دون اقتداء.
وأما الاجتزاء والاعتداد بالصلاة خلفهم من دون أحد الأمرين فهو محل
ص: 398
إشكال بل منع، وقد صرح بعضهم بعدم الاجتزاء وحكم بوجوب الإعادة كما سيأتي فيما إذا لم يأت بالقراءة ولو بالفاتحة، إلاّ أن بعضهم استظهر من الأدلة الاجتزاء كما يظهر من صاحب المستند(1)
ولابد من الفحص في هذه الصورة لمعرفة كيفية الاستفادة من ذلك، ولعلنا نشير إلى بعض هذا فيما يأتي.
والمهم في المقام هو النظر إلى نفس الروايات وما يستفاد منها.
والذي نستفيده من خلال التأمل في جميع هذه الروايات والقرائن الحافة بها أنها بأسرها غير متنافية بل هي قابلة للجمع إلاّ ما يتراءى بدواًمن منافاة الطائفة الثالثة من الروايات المجوزة.
وأما بقية الطوائف فلا تنافي بينها وبيان ذلك:
أنّ الطائفة الأولى واردة في مقام الترغيب ولا دلالة فيها على الاقتداء وكيفية الائتمام بالمخالف فهي مطلقة من هذه الناحية.
وأما الطائفة الثانية فكذلك لأنّ فيها بيان وظيفة المكلف وأن عليه أن يصلي من قبل أو من بعد.
وأما الطائفة الرابعة فهي تدل على الحضور إلى مساجدهم وهو أعم من الائتمام وعدمه، فهي مطلقة ولا دلالة فيها على الاجتزاء بالصلاة خلف المخالف.
والحاصل: أنّ الطوائف الثلاث المجوزة لا تنافي الروايات المانعة ويبقى الكلام في الطائفة الثالثة فإنّ الظاهر منها المنافاة بينها وبين الروايات المانعة وقد يتمسك بروايات الطائفة الثالثة للقول بجواز الاعتداد بالصلاة خلف المخالف.
والتحقيق: أنّ روايات هذه الطائفة كما ذكرنا أربع روايات.
أما الرواية الأولى وهي رواية إسحاق بن عمار فالكلام فيها تارة من جهة
ص: 399
السند وأخرى من جهة الدلالة.
أما من جهة السند ففيه محمّد بن الحصين ومحمّد بن الفضيل أما الأول فهو غير معروف وإن ورد في تفسير القمي إلاّ أنّه في القسم الثاني(1) فلا يشمله التوثيق، وأما الثاني فهو وإن كان مشتركاً إلاّ أنّه ينصرف إلى الأزدي وهو غير موثق بل معروف بالضعف، واحتمال أنّه محمّد بن القاسم بن الفضيل مردود وقد قرر ذلك السيد الأستاذ في المعجم فلاحظ(2)
وأما من جهة الدلالة ففيها أولاً: أنّ المستفاد من ذيل الرواية عدم الإجزاء فإن سؤال إسحاق بن عمار عن وظيفته عند عدم التمكن من الأذان والإقامة والتكبير يكشف عن علمه بأن وظيفته الانفراد، ثمّ إن كان مراده من التكبير هو تكبيرة الإحرام فلم تنعقد الجماعة ولم يتحقق الائتمام منه فالصلاة حينئذ باطلة، إلاّ أن يقال: إنّ المراد من التكبير غير تكبيرة الإحرام، ومع الغضّ عن هذا فإنّ المستفاد أن إسحاق يعلم أن وظيفته أن يأتي بصلاته منفرداً.وثانياً: أن ذيل الرواية قرينة على أنّ الحكم خاص بهذا الشخص إذ أنّه في مقام الاضطرار فلا يتعدى إلى غيره وشاهده ما جرى بينه وبينهم من المحاورة وقول إسحاق: «فقلت: إنّ أبا عبد الله لم يأمرني إلاّ وهو يخاف عليّ هذا وشبهه» فيعلم من ذلك أنّ الحكم فيها استثنائي ولا يشمل من عداه، والنتيجة أن الرواية سنداً ودلالة محل نظر.
وأما الرواية الثانية وهي معتبرة زرارة فهي من حيث السند لا إشكال فيها فإننا رجحنا وثاقة القاسم بن عروة لوقوعه في المستثنى منه في كتاب نوادر الحكمة، مضافاً إلى رواية ابن أبي عمير عنه وإن كان على مبنى السيد الأستاذ وغيره ممن يرى التوثيق الصريح فالرواية غير معتبرة السند. وأما من حيث الدلالة فهذه
ص: 400
الرواية معارضة بالروايات المتعددة والناهية عن الصلاة خلف المخالف بل هي مخالفة لما رواه نفس زرارة فإنه سأل الإمام(علیه السلام) عن الصلاة خلف المخالفين فقال: ما هم عندي إلاّ بمنزلة الجدر - كما تقدم - فإذا كان السؤال عن الصلاة خلف المخالف وهو أعم من الناصب وغيره فيكون الناصب من باب أولى.
مضافاً إلى أنّ هذه الرواية مخالفة لرأي زرارة نفسه ويدل على ذلك ما تقدم من محاورته لحمران بن أعين وقوله له: «هذا ما يكون إلاّ بتأويل» ، وقوله للإمام (علیه السلام) في رواية أخرى - وقد تقدمت أيضاً - : «جعلت فداك كبر عليّ قولك لهذا الرجل حين استفتاك» وأيضاً هناك روايات أخرى ذكرناها كصحيحة الحلبي والفضيل وصفوان وبعضها وارد في خصوص الناصب فهذه الرواية شاذة ولا يمكن الأخذ بها فلابد من رد علمها إلى أهلها.
ومع غضّ النظر عن ذلك كله فلا يستفاد من الرواية التعميم إذ الوارد فيها: «فإن قراءته يجزيك إذا سمعتها» فيستفاد منها حالة مخصوصة أي في هذه الحالة أما أنّه يعمم إلى بقية الصلوات فليس في الرواية ما يدل على ذلك، فلا تكون الرواية دالة على صحة الصلاة مطلقاً.
وأما الرواية الثالثة - وهي رواية علي بن سعيد البصري - فهي من جهة السند غير معتبرة فإنّ البصري لم يوثق، وأما من جهة الدلالة فإنّ صدر الرواية وذيلها يدلان على التقية، وقد صرّحت الرواية بعدم الاعتداد بالصلاة خلف الناصب، فالرواية مختصة بشخص خاص في قضية خاصة في وقت خاص، ولم يكن الإمام (علیه السلام) في مقام بيان الحكم الواقعي وشاهده أنّه قال له: «فتأخذ بقول الفضيل وتدع قولي» فيعلم من ذلك أنّ الإمام (علیه السلام) في مقام بيان وظيفة هذا الشخص في حالة خاصة فلايمكن الاعتماد على هذه الرواية لا من حيث السند ولا من حيث الدلالة.
ص: 401
وأما الرواية الرابعة وهي رواية أحمد بن عائذ فهي مختلفة في السند والمتن فإنّ صاحب الوسائل أورد الرواية بنفس السند باستثناء أحمد بن عائذ وفي المتن إضافة جملة: «يجزيك الحمد وحدها» وقد جعلنا هذه الرواية في الطائفة الثانية الدالة على لزوم الإتيان بالقراءة، فيحتمل أنهما سندان لرواية واحدة ينتهي الأول إلى أحمد بن عائذ، والثاني إلى ابن أبي نصر، وقد ذكر في أحوال ابن أبي نصر أنّ له ثلاثة كتب اثنين منها بعنوان النوادر(1) وطريق الشيخ والنجاشي إلى كتاب النوادر المعروف واحد(2) ، فيمكن تصحيح الطريق إليه وإن كان فيه أحمد بن هلال.
إلاّ أن الكلام في كتاب النوادر الثاني فإنّ له طريقاً مختصاً به وفيه أحمد بن هلال(3) أيضاً وليس له طرق متعددة حتى نتمكن من تصحيح الكتاب بها أو ببعضها.
ويحتمل أنّهما رواية واحدة سقط من أحدهما شخص من سندها ومن الأخرى جملة من متنها وصدر السند والمتن في كل منهما واحد، وبناء على ذلك فلا يمكن الاعتماد على الرواية في مقام الاستدلال، ومع الإغماض عن ذلك فإنّ الرواية غير تامة السند من جهة أحمد بن هلال فإنه ضعيف ووردت اللعنة عليه والأمر بالبراءة منه وقد ذكرنا ذلك في محلّه.
نعم بناء على ما ذهب إليه السيد الأستاذ ! من أنّه ثقة في نفسه وإن كان فاسد العقيدة فسند الرواية معتبر.
وأما من جهة الدلالة فمضافاً إلى ما ذكرنا من اختلاف المتن أنّ هذه الرواية فيها دلالة على أنّ السائل يعلم أنّ وظيفته الإتيان بالصلاة منفرداً ولهذا
ص: 402
قال: «فيعجلوني إلى ما أن أوذن وأقيم ولا أقرأ» ولو كان يمكنه ذلك لأتى بوظيفة المنفرد فبناء على صحة المتن فالرواية خاصة بمورد شخصي ولا تعميم فيها، ويبقى الكلام في سند الرواية فإنه محل إشكال.
والحاصل: أنّ الروايات التي تمسك بها على الإجزاء مخدوشة سنداً ودلالة، فالإفتاء بالاجتزاء بالصلاة خلف المخالف لم نرَ له وجهاً، هذا بالنسبة إلى الروايات.وأما بالنسبة إلى عمل الأئمة (علیهم السلام) فقد تقدم أنهم (علیهم السلام) يعملون بوظيفة المنفرد معهم في الصلاة كما في صحيحة زرارة وفيها: «قام أمير المؤمنين(علیه السلام) فصلى أربع ركعات ولم يفصل بينهن بتسليم» وفي صحيحة حمران بن أعين وفيها: «فقال لنا: كان الحسين بن علي يصلي معهم الركعتين فإذا فرغوا قام فأضاف إليها ركعتين» وفي رواية قرب الاسناد وسندها معتبر «كان الحسن والحسين يقرأن خلف الإمام» ورواية عبيد بن زرارة وفيها: «فأما أنا فأصلي معهم وأريهم أني أسجد وما أسجد» (1) وغيرها من الروايات والمستفاد منها أنّ الأئمة (علیهم السلام) لا يعتدون بالصلاة خلفهم ويأتون بالصلاة منفردين عنهم.
وأما بالنسبة إلى عمل الأصحاب فالمستفاد من الروايات المتقدمة هو أنّ الوظيفة هي الانفراد، ويدل على ذلك جواب الفضيل لعلي بن سعيد البصري حيث قال: «ولكني قد سمعته وسمعت أباه يقولان: لا تعتد بالصلاة خلف الناصبي واقرأ لنفسك كأنك وحدك» وما مر من محاورة زرارة مع حمران، ورواية إسحاق بن عمار، ورواية أحمد بن عائذ أو ابن أبي نصر من أن وظيفتهم هي الانفراد وغيرها من الموارد.
ومما يؤيد ذلك ما أورده صاحب المستدرك عن الكشي ) في رجاله: سأل
ص: 403
أبو عبد الله الشاذاني أبا محمّد الفضل بن شاذان: إنا ربما صلينا مع هؤلاء صلاة المغرب فلا نحب أن ندخل البيت عند خروجنا من أهل المسجد فيتوهموا علينا أن دخولنا المنزل ليس إلاّ لإعادة الصلاة التي صلينا معهم فندافع بصلاة المغرب إلى صلاة العتمة، فقال: لا تفعلوا هذا من ضيق صدوركم ما عليكم لو صليتم معهم فتكبروا في مرة ثلاثاً أو خمس تكبيرات وتقرأ في كل ركعة الحمد وسورة - أية سورة شئتم - بعد أن تتموها عندما يتم إمامهم، وتقول في الركوع: سبحان ربي العظيم وبحمده، بقدر ما يتأتى لكم معهم، وفي السجود مثل ذلك، وتسلموا معهم، وقد تمت صلاتكم لأنفسكم، وليكن الإمام عندكم والحائط بمنزلة واحدة، فإذا فرغ من الفريضة فقوموا معهم فصلوا السنّة بعدها أربع ركعات.
فقال: يا أبا محمّد أفليس يجوز إذا فعلت ما ذكرت؟ قال: نعم، فهل سمعت أحداً من أصحابنا يفعل هذه الفعلة؟ قال: نعم، كنت بالعراق وكان صدري يضيق عن الصلاة معهم كضيق صدوركم، فشكوت ذلك إلى فقيههناك يقال له نوح بن شعيب، فأمرني بمثل الذي أمرتكم به، فقلت: هل يقول هذا غيرك؟ قال: نعم، فاجتمعت معه في مجلس فيه نحو من عشرين رجلاً من مشايخ أصحابنا، فسألته - يعني نوح بن شعيب - أن يجري بحضرتهم ذكراً لما سألته، فقال ابن شعيب: يا معشر من حضر، ألا تعجبون من هذا الخراساني الغمر، يظن في نفسه أنّه أكبر من هشام بن الحكم، ويسألني هل يجوز الصلاة مع المرجئة في جماعتهم؟ فقال جميع من كان حاضراً من المشايخ، كقول نوح بن شعيب، فعندها طابت نفسي [وفعلته] (1)
فالفضل بن شاذان ونوح بن شعيب وسائر المشايخ يرون أنّ الوظيفة هي الانفراد، وهذه الرواية لطيفة في بابها، ودلالتها صريحة إلاّ أنّ الكلام في أحمد بن
ص: 404
محمّد بن شاذان فإنّ السيد الأستاذ ! حكم بجهالته مع أنّه من المشايخ ومن تلاميذ الفضل، ووردت في حقه روايات مادحة فعلى فرض عدم وثاقته تكون الرواية مؤيدة لما نحن فيه.
ومما يؤيد أيضاً: ما أورده في المستدرك نقلاً عن أمالي ابن الشيخ، عن أبيه عن أحمد بن هارون، عن الصلت، عن أحمد بن محمّد بن عقدة، عن القاسم بن جعفر بن أحمد، عن عباد بن أحمد القزويني، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن ثابت، عن حسان بن عطية، عن عمر بن ميمون الأزدي، قال: كنت مع معاذ بالشام، فلما قبض أتيت عبد الله بن مسعود بالكوفة، وكنت معه، فأنكر بعض الوقت في زمانه، فقلت له: يا أبا عبد الرحمن كيف ترى في الصلاة معهم؟ فقال: صل الصلاة لوقتها، واجعل صلاتك معهم سبحة، فقلت: أبا عبد الرحمن يرحمك الله، ندع الصلاة في الجماعة! فقال: ويحك يابن ميمون، إنّ جمهور الناس الأعظم قد فارقوا الجماعة، إنّ الجماعة من كان على الحق وإن كنت وحدك، فقلت: أبا عبد الرحمن وكيف أكون جماعة وأنا وحدي؟ فقال: إنّ معك من ملائكة الله وجنوده المطيعين لله أكثر من بني آدم أولهم وآخرهم(1)
وهذه الرواية وإن كانت لا تصلح دليلاً فهي عن غير المعصوم إلاّ أنها مؤيدة لما نحن فيه.
والحاصل: أنّ أصحاب الأئمة (علیهم السلام) يرون أنّ الوظيفة في الصلاة معهم هي الانفراد.
وأما بالنسبة إلى من تأخر من فقهاء الإمامية عن زمان الأئمة (علیهم السلام) فالذي يظهر من صاحب الجواهر(2) وصاحب الحدائق(3)، أنّه لا خلاف في عدم
ص: 405
الاجتزاء بالصلاة خلف المخالف وأن المصلي لابد وأن يعمل بوظيفة المنفرد، وإنما الخلاف في حالة واحدة وهي: ما إذا كان المصلي في تقية شديدة وأعجلوه فلم يتمكن من العمل بوظيفة المنفرد فهل ما أتى به من الصلاة معهم في هذه الحالة مجز أم لا؟
وهذا هو محل الخلاف عندهم فبعضهم قال بالإجزاء، ونسب إلى الشيخ في التهذيب(1) وهو ظاهر الهداية(2) والمقنع(3) ، وقال بعضهم بلزوم الإعادة، وذهب صاحب الحدائق إلى الإجزاء(4) ، وأما صاحب الجواهر فذهب إلى أنّ الأولى هو الإعادة(5) ، وذهب إلى الاحتياط في الإعادة صاحب المدارك(6)
قال في الحدائق: الثالث: قد اختلفت الأخبار المتقدمة في القراءة خلف المخالف فجملة منها دلت على الأمر بذلك وإن سمع قراءته وعليه عمل الأصحاب رضوان الله عليهم، وهو الأوفق بالقواعد الشرعية والضوابط المرعية لأنه منفرد يجب عليه الإتيان بما يجب على المنفرد من قراءة وغيرها، وجملة منها دلت على المنع من القراءة خلفه إذا سمعه والاجتزاء بقراءته، والظاهر حملها على شدة التقية بحيث لا يتمكن من القراءة ولو خفياً مثل حديث النفس وعلى ذلك حمل الشيخ الأخبار المذكورة، ويحتمل حمل هذه الأخبار على خصوص السائلين لما يعلمونه صلوات الله عليهم من لحوق الضرر لهم بترك ذلك كما في أمر إسحاق بن عمار مما أمره به (علیه السلام) إلى أن قال: وبالجملة فإنّ العمل على الأخبار الأولى كما عليه كافة
ص: 406
الأصحاب ... الخ ومحل الشاهد من كلامه ! قوله: كما عليه كافة الأصحاب.
وقال في الأمر الرابع: قد عرفت أنّ الواجب على هذا المصلي تقيةالقراءة لانتفاء القدوة وكونه منفرداً وهو مما لا خلاف فيه ... إلى أن قال: وإنما الخلاف لو ركع الإمام قبل إتمامه الفاتحة فقيل: إنه يقرأ في ركوعه وقيل: إنه تسقط القراءة للضرورة وبه قطع الشيخ في التهذيب(1)
وقال في الجواهر بعد ذكر الخلاف في الاجتزاء بقراءة الفاتحة خلف المخالف وعدمه واشتراط إتمامها وعدمه: فعدم الاعتداد بالصلاة المزبورة حينئذ ووجوب إعادة غيرها لا يخلو من قوة وفاقاً للتذكرة وعن نهاية الأحكام بل قيل إنه قضية ما في المبسوط والنهاية، ولعله أولى منه بذلك ما إذا لم يتمكن من شيء من القراءة كما لو أدركهم في الركوع لكن عن ظاهر الهداية والمقنع والبيان ونص التهذيب الانعقاد بمجرد تكبيره ودخوله معهم، ولعله لخبر إسحاق بن عمار ... إلى أن قال: لكن فيه بعد إرادة التكبير المستحب من التكبير فيه وبعد الغض عن سنده أنّه لعله لمصلحة لخصوص السائل كما وقع نظيره في غير المقام، فالأولى عدم الاعتداد بها(2)
فما أفاده السيد الأستاذ ! من القول بالصحة والإجزاء وعدم وجوب الإعادة والقضاء(3) مطلقاً حال التقية عجيب منه، نعم ذكر في بحث اعتبار عدم المندوحة وعدمه - تحت عنوان (ما ينبغي التنبيه عليه) أنّ الصلاة معهم ليست كالصلاة خلف الإمام العادل، وإنما هي على ما يستفاد من الروايات صورة صلاة يحسبها العامة صلاة وائتماماً بهم، ومن هنا لم يرد في الروايات عنوان الاقتداء بهم، بل ورد عنوان الصلاة معهم فهو يدخل الصلاة معهم ويؤذن ويقيم ويقرأ
ص: 407
لنفسه على نحو لا يسمع همسه فضلاً عن صوته ولا دلالة في شيء من الروايات على أنها صلاة حقيقة(1) وهذا موافق للجمع الذي ذكرناه.
وأعجب منه استشهاده بالروايات المطلقة التي لا دلالة فيها على الاقتداء وعدمه، وأقصى ما تدل عليه الحضور في مساجدهم وجماعتهم فقط من دون نظر إلى الاقتداء بهم في الصلاة، ولا سيما بعد ما ذكرنا أن الخلاف إنما وقع بين الأعلام في فرع واحد وهو: عدم التمكن من إتمام الفاتحة حال الصلاة خلفهم تقية، وقد تقدم نفي الخلاف عما عداه وأنّوظيفة المكلف هي الانفراد، ومما ذكرنا قريباً يظهر وجه الإشكال في كلامه ! فلاحظ.
الأول: الظاهر من الروايات المتقدمة استحباب الصلاة خلف المخالف حال التقية والإتيان بوظيفة المنفرد سواء كانت التقية عن خوف منهم أو كانت لمداراتهم، ولا يشترط عدم وجود المندوحة، وذلك لإطلاق الروايات الكثيرة وقد تقدم بعضها، مضافاً إلى أنّه لم يرد من الروايات ما يعارضها إلاّ رواية إبراهيم بن شيبة، قال: كتبت إلى أبي جعفر الثاني (علیه السلام) أسأله عن الصلاة خلف من يتولى أمير المؤمنين (علیه السلام) وهو يرى المسح على الخفين، أو خلف من يحرم المسح وهو يمسح فكتب (علیه السلام): إن جامعك وإياهم موضع فلم تجد بداً من الصلاة فأذن لنفسك وأقم فإن سبقك إلى القراءة فسبح(2)
فالمستفاد من الرواية أنّ الصلاة معهم بشرط الاجتماع، وأما في حال الاختيار فلا يفهم ذلك منها، إلاّ أنّ الرواية من حيث السند - على مبنى السيد الأستاذ (رحمه الله) - ضعيفة السند لأنّ إبراهيم بن شيبة لم يوثق، أما على ما ذكرناه في
ص: 408
محله من أنّ رواية مثل ابن أبي نصر عن شخص علامة على الوثاقة فيمكن الحكم بوثاقة إبراهيم بن شيبة ويكون سند الرواية معتبراً ولا إشكال من هذه الناحية، وإنما الإشكال من جهة الدلالة فهي في نفسها شاذة نادرة مخالفة لجميع الروايات فلا يمكن التعويل عليها.
الثاني: قد ظهر من الروايات المتقدمة أنّ الصلاة مع المخالف لا تعد جماعة ولا يترتب عليها آثارها، فلابد من الإتيان بوظيفة المنفرد كما ذكرنا حتى بالنسبة إلى الأذان والإقامة وغيرهما من المستحبات، ولابد للمصلي من قراءة الفاتحة والسورة، ومع عدم التمكن من قراءة السورة فهل يسقط وجوبها أم لا؟
قد اختلفت الروايات في ذلك فالمستفاد من بعضها سقوط السورة، كما أنّه يستفاد من بعضها الآخر عدم السقوط، ولابد للمصلي أن يأتي بالقراءة ومن ذلك معتبرة محمّد بن عذافر عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: سألته عندخولي مع من أقرأ خلفه في الركعة الثانية فيركع عند فراغي من قراءة أم الكتاب، فقال: تقرأ في الأخراوين كي تكون قد قرأت في ركعتين(1) وقد وردت هذه الرواية في كتاب العلل(2) بسند معتبر.
والمستفاد من هذه الرواية أنّ السورة لا تسقط ولابد من الإتيان بها.
وفي مقابل هذه الرواية وردت روايات تدل على السقوط كما تقدم منها: مرسلة علي بن أسباط وفيها: قال: إذا كان قد قرأ أم الكتاب أجزأه يقطع ويركع(3).
ومنها: رواية أحمد بن عائذ أو أحمد بن محمّد بن أبي نصر - على الخلاف المتقدم - وفيها فيعجلوني إلى ما أن أؤذن وأقيم، ولا أقرأ إلاّ الحمد حتى يركع(4)
ص: 409
أيجزيني ذلك؟ قال: نعم يجزيك الحمد وحدها.
إلاّ أن رواية علي بن أسباط مرسلة والثانية محل خلاف متناً وسنداً وإن كانت من جهة دلالتها على المدعى لا بأس بها، ويبقى الكلام في سندها فإنّ فيه أحمد بن هلال وقد تقدم الكلام فيه، نعم إذا أمكن تصحيح الرواية عن طريق الشيخ كأن يكون للشيخ طريق معتبر إلى جميع روايات أحمد بن محمّد بن أبي نصر فهو وإلاّ فالرواية الأولى الدالة على عدم السقوط محكمة، وحينئذ لابد من الإتيان بالسورة، وأما مع تمامية السند فالوظيفة هي التخيير، وتحمل الرواية الأولى على الاستحباب جمعاً بين الروايتين.
الثالث: إذا لم يتمكن من قراءة الفاتحة فهل يجزيه ذلك أم لابد من إعادة الصلاة؟
والكلام تارة في تقية دافعها الخوف، وأخرى يكون دافعها المداراة، أما على الثاني فالظاهر عدم الدليل على الإجزاء، لما ذكرنا من أنّ الأدلة التي تمسك بها على الإجزاء كلها واردة في موارد الخوف، فلا دليل على الإجزاء بالنسبة إلى التقية للمداراة، مضافاً إلى أنّ الروايات الدالة على الإجزاء محل نقاش كما تقدم، فالإطلاقات الأولية من أنّه لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب محكمة في المقام ولابد من الإعادة، وأما على الأول أي فيما إذا كانت التقية بدافع الخوف فالأدلة الواردة في المقام كلها محلتأمل، فإن رواية أحمد بن عائذ لا يمكن الاستناد إليها لاختلاف متنها، ورواية زرارة معارضة بما هو أقوى، ورواية علي بن سعيد البصري وإن كان فيها دلالة على الإجزاء لأنّ قوله: «احتسب بما تسمع» أعم من الفاتحة والسورة فيشمله الإجزاء إلاّ أن الرواية ضعيفة السند فلا يمكن التعويل عليها، ورواية إسحاق بن عمار كرواية البصري وهي ضعيفة.
والحاصل: أنّه لم ينهض دليل على الإجزاء، فالاحتياط يقتضي الإعادة
ص: 410
بمقتضى الأدلة الأولية.
الرابع: هل يسقط وجوب الجهر بالقراءة حال التقية في الصلوات الجهرية؟
الظاهر هو السقوط بلا فرق بين التقية للمداراة أو للخوف، ويدل عليه: صحيحة علي بن يقطين قال: سألت أبا الحسن (علیه السلام) عن الرجل يصلي خلف من لا يقتدى بصلاته والإمام يجهر بالقراءة؟ قال: اقرأ لنفسك، وإن لم تسمع نفسك فلا بأس(1)
ويؤيدة رواية محمّد بن إسحاق ومحمّد بن أبي حمزة عمن ذكره عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: يجزيك إذا كنت معهم من القراءة مثل حديث النفس(2)
وهذه الرواية وإن كانت دلالتها واضحة إلاّ أنها مرسلة فتكون مؤيدة ويمكن استفادة ذلك من غيرها من الروايات.
الخامس: هل تلحق الطوائف الأخرى - غير الإمامية - من فرق الشيعة بالمخالفين في الحكم أم لا؟ بمعنى هل يستحب الحضور في صلاتهم أم لا ؟ وعلى فرض الاستحباب هل الأحكام المذكورة تترتب على ذلك من سقوط القراءة والجهر أم لا؟ وعلى فرض عدم السقوط هل يجوز الصلاة خلفهم منفرداً أم لا؟
يمكن القول بوحدة المناط أو الأولوية لأنه إذا كان مع المخالف يستحب فكيف مع من يعترف ببعض الأئمة؟ وإن كان في نظر الشارع لا فرق بينهم فإن من أنكر واحداً من الأئمة فقد أنكر الجميع وقد قامت الأدلة على ذلك، هذا ولكن الأخذ بالمناط غير تام، لأنّ العبادة توقيفية وثبوت حكم بالنسبة إلى المخالفين لا يعني ثبوته لغيرهم من فرق الشيعة، وهكذا الحال بالنسبة إلى الأولوية.
نعم في حال الخوف لا فرق بين فرقة وأخرى، لقيام الدليل على أنّ التقية تبيح كل محذور، إلاّ ما استثني، وأما التقية من أجل مداراتهم فلا يعلم لاحتمال
ص: 411
وجود الملاك بالنسبة إلى المخالفين ولا يحرز وجوده بالنسبة إلى غيرهم، فلابد من الدليل.
والتحقيق في المقام أن يقال: إنّ الصلاة خلف غير الإمامي من سائر الفرق عدا المخالفين إن كانت لتقية خوفية فلا إشكال في الجواز بل في الوجوب، وأما استحباب الحضور في جماعتهم كما هو الحال بالنسبة للمخالفين فمقتضى الروايات الناهية المتقدمة والآتية هو عدم الجواز، وقد ذكرنا سابقاً عدة روايات شاملة لهذه الفرق ومن ذلك:
رواية أبي علي بن راشد قال: قلت لأبي جعفر (علیه السلام): إنّ مواليك قد اختلفوا فأصلي خلفهم جميعاً؟ فقال (قال): لا تصل إلاّ خلف من تثق بدينه(1)
والرواية من حيث دلالتها تامة إلاّ أن الكلام في سندها فإنّ فيه سهل بن زياد وهو ممن اختلف في وثاقته، وقد استظهرنا اعتبار الرواية من جهة أنّ للشيخ ! طريقاً صحيحاً إلى جميع كتب وروايات علي بن مهزيار الواقع بعد سهل.
ومنها: رواية إسماعيل الجعفي قال: قلت لأبي جعفر (علیه السلام): رجل يحب أمير المؤمنين (علیه السلام) ولا يتبرأ من عدوه ويقول: هو أحب إلي ممن خالفه، فقال: هذا مخلط، وهو عدو فلا تصل خلفه ولا كرامة إلاّ أن تتقيه(2)
وسند هذه الرواية معتبر على الظاهر ودلالتها واضحة.
ومنها: صحيحة البرقي قال: كتبت إلى أبي جعفر الثاني (علیه السلام): أيجوز الصلاة خلف من وقف على أبيك وجدك؟ فأجاب: لا تصل وراءه(3)
ومنها: معتبرة إسماعيل بن مسلم أنّه سأل الصادق (علیه السلام) عن الصلاة خلف رجل يكذب بقدر الله؟ قال: ليعد كل صلاة صلاها خلفه(4)
ص: 412
ومنها: صحيحة علي بن مهزيار قال: كتبت إلى محمّد بن علي الرضا': أصلي خلف من يقول بالجسم، ومن يقول بقول يونس؟ فكتب: لاتصلوا خلفهم، ولا تعطوهم من الزكاة، وابرؤوا منهم برأ الله منهم(1)
ومنها: رواية إبراهيم بن أبي محمود عن الرضا (علیه السلام) عن أبيه عن الصادق ' قال: من زعم أن الله يجبر عباده على المعاصي أو يكلفهم ما لا يطيقون فلا تأكلوا ذبيحته، ولا تقبلوا شهادته، ولا تصلوا وراءه، ولا تعطوه من الزكاة شيئاً(2)
وغيرها من الروايات.
ومقتضى هذه الروايات الناهية عن الصلاة خلف المنحرف عن جادة الحق عدم الجواز فضلاً عن الاستحباب، وما يقال: من أنّه إذا كان الحضور في جماعة المخالفين جائزاً فهنا كذلك من باب أولى ففيه: أنّ
الأولوية ممنوعة بما ذكرناه من أنّ الملاك غير تام، وتماميته بالنسبة إلى المخالف لا تعني تماميته هنا، نعم يمكن أن يقال: إن ما ورد من النهي في هذه الروايات ينصرف إلى عدم جواز الاقتداء بهم والاعتداد بالصلاة خلفهم لا إلى الحضور في جماعتهم، ولعل القرائن تساعد على ذلك، ومنها قوله (علیه السلام): «ولا تعطوهم من الزكاة» ونحو ذلك فإذا تمت هذه القرائن فالمنع حينئذ عن الاقتداء بهم لا مجرد الحضور في جماعتهم، فالقول بالإطلاق في الاقتداء وعدمه غير ثابت، ومع الشك في حرمة الحضور فأصالة البراءة جارية، فالقدر المتيقن بمعونة القرائن أن المنع إنما هو عن الاقتداء بهم والاعتداد بالصلاة خلفهم، وأما نفس الحضور فحرمته غير ثابتة ولا يثبت بذلك الاستحباب لأنه يحتاج إلى الدليل وهو مفقود في المقام، فإنّ غاية ما تفيده الأدلة عدم الحرمة أما الدلالة على الاستحباب فلا، وأما بالنسبة إلى المخالفين فقد قامت الأدلة على استحباب الحضور في جماعتهم، وعليه فالحضور في جماعة هذه الفرق لا بأس به
ص: 413
ولكن ما لم يترتب على ذلك عنوان آخر من مفسدة ونحوها كتقوية شوكتهم، أو تغرير المؤمنين بهم، أو إضعاف المذهب الحق ونحو ذلك وإلاّ فلا يجوز.
السادس: هل الحضور في جماعة الفرقة المحقة مع عدم إحراز الشرائط - لا إحراز العدم - في إمام الجماعة كما إذا لم تعلم عدالته أو صحة قراءته أو نحو ذلك جائز أم لا؟ بمعنى أنّ المكلف يأتي بوظيفة المنفرد وإن كان في صورة الاقتداء. وهذه المسألة وإن كانت خارجة عنالباب إلاّ أن لها ارتباطاً ما به، مضافاً إلى أنها مورد للابتلاء فناسب ذكرها استطراداً.
ولم تذكر هذه المسألة في الكتب الفقهية إلاّ في كتاب مجمع المسائل(1) وقال فيه بعدم الجواز مستدلاً بأن ما ورد من جواز هذا العمل خاص بالعامة، وأما مع غيرهم - كما في ما نحن فيه - فلم يرد ذلك.
ولتوضيح المسألة لابد من افتراض عدة صور:
الأولى: أن يكون في مقام التقية الخوفية وفي هذه الحالة لا إشكال في جواز الحضور بل في وجوبه للأدلة العامة والخاصة، ومنها ما تقدم من رواية سماعة وجاء فيها: «وإن لم يكن إمام عدل فليبن على صلاته كما هو، ويصلي ركعة أخرى»، إلى أن قال: «ثم ليتم صلاته معه على ما استطاع فإنّ التقية واسعة وليس شيء من التقية إلاّ وصاحبها مأجور عليها إن شاء الله» (2)
ففي هذه الرواية إن قلنا بكفاية عدم إحراز العدالة في إمام الجماعة فوظيفة المكلف الانفراد في صلاته، وتكون الرواية من محل الكلام وإن قلنا بأنّ إمام الجماعة معلوم الفسق فلا تكون الرواية شاهداً على ما نحن فيه.
الثانية: أن لا يكون في مقام التقية فتارة يكون الحضور في الجماعة بعنوان الاستحباب وتارة يكون الحضور لعنوان آخر.
ص: 414
أما على الأول فالأمر مشكل لأنّ استحباب الحضور في الجماعة مختص بجماعة المخالفين وما عداه غير ثابت والأولوية ممنوعة كما تقدم.
وأما على الثاني بأن كان الحضور لأمر آخر كإدراك ثواب أول الوقت أو ثواب الصلاة في المسجد فتارة يترتب على الحضور عنوان تقوية إمام الجماعة مما يوجب تغرير المؤمنين كأن يكون من ذوي الشأن ويتوهم من حضوره تعديلاً للإمام بحيث يترتب على ذلك جملة من المفاسد كتصديق الإمام والأخذ بشهادته ونحو ذلك فالحضور حينئذ مشكل، وإن كان في خصوص الصلاة لا إشكال.
وبعبارة أخرى: إذا كان الأثر المترتب على حضوره في الجماعة هو اعتقاد الغير بعدالة الإمام فصلاة الغير خلفه لا إشكال فيها وقد تقرر فيمحله: أن من صلى خلف إمام معتقداً عدالته فبان فسقه فصلاته صحيحة، وإنما الكلام في الآثار المترتبة على الحضور غير الصلاة.
وتارة لا يترتب أي أثر على الحضور كأن يكون من سائر الناس وكان دخوله مع الجماعة لا بعنوان الاستحباب فالحضور - بمقتضى القاعدة - لا محذور فيه، ولم نقف على ما يوجب المنع من ذلك عدا ما إذا لم يلزم من حضوره مع إتيانه بوظيفة المنفرد في صلاته هتكاً للإمام أو الجماعة، فمقتضى القاعدة في هذه الحالة هو الجواز.
ولكن وردت طائفتان من الروايات يستفاد من أحدها الجواز ومن الأخرى عدم الجواز.
أما ما يدل على عدم الجواز فروايتان:
الأولى: رواية الصدوق قال: وقال الصادق(علیه السلام): ثلاثة لا يصلى خلفهم: المجهول، والغالي وإن كان يقول بقولك، والمجاهر بالفسق وإن كان مقتصداً(1)
ص: 415
والرواية بحسب الظاهر مرسلة ولكن الرواية الأولى المتقدمة عليها فيها أنّ عمر بن يزيد سأل أبا عبد الله (علیه السلام) فإن كان مرجع الضمير في قال هو عمر بن يزيد المذكور في الرواية المتقدمة عليها فالرواية مسندة، وإن كان يرجع إلى الصدوق فهي مرسلة، وكان مبنى السيد الأستاذ ! في مثل هذه الموارد إرجاع الضمير إلى الراوي لا إلى الصدوق وبناء على هذا فيمكن اعتبار السند.
وأما من جهة الدلالة فيمكن المناقشة بأنّ المجهول لم يعلم أنّه من جهة الدين، أو من جهة العدالة، وقد يستظهر من قوله: «الغالي» أنّ المراد هو الدين والمذهب، وبناء على ذلك فلا تكون الرواية مورداً للاعتماد، مضافاً إلى أنّ المستفاد من بقية فقرات الرواية أنّ النهي عن الاقتداء والائتمام لا عن مجرد الحضور، وبهذا تخرج الرواية عن محل الكلام، وفي ما تقدم من الصلاة خلف المخالف قرائن تدل على الحضور وعدم الاقتداء.
والحاصل: أنّ هذه الرواية غير تامة الدلالة.
الثانية: رواية يزيد بن حماد عن أبي الحسن (علیه السلام) قال: قلت له: أصليخلف من لا أعرف؟ فقال: لا تصل إلاّ خلف من تثق بدينه(1)
وهذه الرواية - بناء على صحة سندها - كالرواية المتقدمة من حيث الدلالة فإنّ قوله: «لا أعرف» قد يكون من جهة الدين وقد يكون من جهة العدالة مضافاً إلى أنّ مورد السؤال هو الاقتداء لا مجرد الحضور، وعليه فالحضور في جماعة من لا يوثق بدينه أو عدالته جائز.
وأما الروايات الدالة على الجواز فمنها:
رواية عمر بن يزيد أنّه سأل أبا عبد الله (علیه السلام) عن إمام لا بأس به في جميع أموره عارف غير أنّه يسمع أبويه الكلام الغليظ الذي يغيظهما أقرأ خلفه؟ قال: لا
ص: 416
تقرأ خلفه ما لم يكن عاقاً قاطعاً(1)
والمستفاد من هذه الرواية أنّ الإمام إذا كان عادلاً فلا يقرأ خلفه وإذا خرج عن حد العدالة فلابد من القراءة، وحينئذ فجواز الحضور مع من لم يعلم حاله من باب أولى.
ومنها: موثقة يونس بن يعقوب قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن الصلاة خلف من أرتضي به أقرأ خلفه؟ قال: من رضيت به فلا تقرأ خلفه(2)
والرواية بدلالة المفهوم - بناء على القول به - يستفاد منها جواز الحضور والقراءة خلفه.
ومثل هذه الرواية في الدلالة صحيحة زرارة عن أحدهما ' قال: إذا كنت خلف إمام تأتم به فانصت وسبح في نفسك(3)
وهناك روايات كثيرة في هذا المعنى فإنّ جواز القراءة وعدمها مترتب على الحضور ولم يرد ما يدل على النهي عنه، وبناء على ذلك فمقتضى القاعدة هو الجواز كما أنّه يستفاد من نفس هذه الروايات.
وبهذا يتم الكلام حول التقية في الصلاة خلف المخالف.
ص: 417
وقع الخلاف بين الخاصة والعامة في مفتتح السور القرآنية، ومورد الخلاف في المسألة من جهتين:
الجهة الأولى: هل أنّ البسملة آية من الآيات القرآنية.
الجهة الثانية: في الجهر والإخفات بها في الصلوات.
والداعي للتعرض للمسألة هو الجهة الثانية باعتبارها مورداً من موارد التقية.
أما الجهة الأولى فقد ذهبت الخاصة إلى أنّ البسملة آية من كل سورة بلا خلاف بينهم بل ادعي الضرورة على ذلك.
واختلف العامة فيما بينهم فذهب بعضهم إلى ما ذهب إليه الخاصة، وذهب آخرون إلى أنها آية من سورة الفاتحة، وذهب قسم ثالث إلى أنها جزء آية من كل سورة وأنها تتم بما بعدها فتصير آية، وقد نقل الشيخ الطوسي! خلافهم في الخلاف حيث قال: بسم الله الرحمن الرحيم آية في (من) كل سورة من جميع القرآن وهي آية من أول سورة الحمد، وقال الشافعي إنها آية من أول سورة الحمد بلا خلاف بينهم، وفي كونها آية من كل سورة قولان أحدهما أنها آية من أول كل سورة والآخر أنها بعض آية من كل سورة وأنها (إنما) تتم بما بعدها فتصير آية، وقال أحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيدة وعطا والزهري وعبد الله بن المبارك: إنها آية من أول كل سورة حتى أنّه قال: من ترك بسم الله الرحمن الرحيم ترك مائة وثلاث عشرة آية، وقال أبو حنيفة ومالك والأوزاعي وداود:
ص: 418
ليست آية من فاتحة الكتاب ولا من سائر السور ... وكان أبو الحسن الكرخي يقول: ليست من هذه السورة ولا من سائر السور سوى سورة النمل، هكذا روى عنه أبو بكر الرازي وقال أبو بكر: ثمّ سمعناه بعد ذلك يقول: إنها آية تامة مفردة في كل موضع أثبتت فيه إلاّ في سورة النمل فإنها بعض آية في قوله تعالى: (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)(1)ولسنا في صدد التحقيق في هذه الجهة ومناقشة العامة فيما ذهبوا إليه فإن لذلك موطناً آخر، والثابت من مذهب الإمامية أنها آية من كل سورة عدا سورة البراءة، وأنها بعض آية من آية النمل وعلى ذلك قام إجماعهم وصحت رواياتهم عن الأئمة (علیهم السلام) ، بل ادعي الضرورة عليه كما ذكرنا آنفاً.
وأما الجهة الثانية - وهي محل البحث - فقد ذهب الخاصة إلى وجوب الجهر بالبسملة في الصلوات الجهرية بلا خلاف بينهم، وإنما وقع الخلاف في الصلوات الإخفاتية وفي المقام خمسة أقوال:
قال المحقق الهمداني: وقد اختلفت كلمات الأصحاب في هذه المسألة على ما حكى عنهم بعد اتفاقهم على وجوب الجهر بها في مواضع يجب الجهر فيها بالقراءة كسائر أجزائها على خمسة أقوال:
الأول: استحبابه مطلقاً سواء كان في حق الإمام أو غيره في الأوليين وغيرهما، ومنه ثالثة المغرب وأخيرتا العشاء، وهذا القول هو المشهور على ما ادعاه غير واحد.
الثاني: اختصاصه بالأوليين، وأما الأخيرتان فلا يستحب الجهر فيهما في شيء من الصلوات، بل لا يجوز، اختاره في السرائر.
الثالث: اختصاص استحباب الجهر بها للإمام خاصة دون من عداه،
ص: 419
حكي ذلك عن ابن الجنيد.
الرابع: وجوبه مطلقاً، نسب هذا القول إلى القاضي ابن البراج في المهذب حيث عد من واجبات الصلوات الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم فيما يجهر أو يخافت، وكذا إلى ظاهر الصدوق في الخصال حيث قال: والإجهار ببسم الله الرحمن الرحيم في الصلوات واجب ... .
خامس الأقوال: هو ما حكي عن أبي الصلاح في الكافي من وجوبه في ابتداء الجهر والسورة في الأوليين من جميع الصلوات(1)
واختلف العامة في المسألة على ثلاثة أقوال: قال الشيخ في الخلاف: يجب الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في الحمد وفي كل سورة بعدها كما يجب بالقراءة، هذا فيما يجب الجهر فيه فإن كانت الصلاة لا يجهر فيها استحب أن يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وإن جمع في النوافل بين سور كثيرة وجب أن يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم مع كل سورة، وهو مذهب الشافعي، إلاّ أنّه لم يذكر استحباب الجهر فيما يسر فيه بالقراءة،ذكر ذلك في البويطي، وفي اختلاف العراقيين، وذكر ابن المنذر عن عطاء وطاووس ومجاهد وسعيد بن جبير أنهم كانوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم، وروي مثل ذلك عن ابن عي (ابن عمرى) أنّه كان لا يدع الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في أم القرآن والسورة التي بعدها، وذهب أبو حنيفة وسفيان الثوري والأوزاعي وأبو عبيدة وأحمد إلى أنّه يسر بها، وقال مالك: المستحب أن لا يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ويفتتح القراءة بالحمد لله رب العالمين(2)
هذه جملة الأقوال في المسألة عند الخاصة والعامة.
وأما الجهة الثانية فالكلام فيها في موضعين:
ص: 420
الأول: في مستند القول بالوجوب، والقول بالاستحباب باعتبارهما أهم الأقوال عند الخاصة.
الثاني: في ارتباط المسألة بموضوع التقية.
أما بالنسبة إلى الموضع الأول فإن مستند القولين هو الأخبار الواردة في المقام وما يستدل به على الوجوب خبران هما:
الأول: رواية سليم بن قيس الهلالي قال: خطب أمير المؤمنين (علیه السلام) فقال: قد عملت الولاة قبلي أعمالاً خالفوا فيها رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) متعمدين لخلافه، ولو حملت الناس على تركها لتفرق عني جندي، أرأيتم لو أمرت بمقام إبراهيم فرددته إلى الموضع الذي كان فيه (إلى أن قال:) وحرمت المسح على الخفين، وحددت على النبيذ، وأمرت بإحلال المتعتين، وأمرت بالتكبير على الجنائز خمس تكبيرات، وألزمت الناس الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم (إلى أن قال:) إذاً لتفرقوا عني الحديث(1)
ومحل الشاهد قوله (علیه السلام): «وألزمت الناس الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم» فإن الإلزام ظاهر في الوجوب ولا سيما أنّ الإمام (علیه السلام) في مقام بيان المحدثات والبدع بعد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ، وإنّ إرجاع الناس إلى جادة الحق يقتضي إلزامهم بذلك، فيعلم أنّ الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم واجب.
الثاني: رواية الأعمش عن جعفر بن محمّد ' (في حديث شرايع الدين)قال: والإجهار ببسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة واجب(2)
وهذه الرواية صريحة في الحكم بالوجوب وهي والرواية المتقدمة مستند القائلين بوجوب الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة.
وأما بقية الروايات الواردة في المقام فهي محتملة للوجوب وعدمه ولذا
ص: 421
يمكن أن تكون مستنداً للقول بالاستحباب وهذه الروايات هي:
الأولى: رواية صفوان الجمال قال: صليت خلف أبي عبد الله (علیه السلام) أياماً فكان إذا كانت صلاة لا يجهر فيها جهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وكان يجهر في السورتين جميعاً(1)
وبضم هذه الرواية إلى رواية (صلوا كما رأيتموني أصلي) (2) يستفاد الوجوب وهناك من استفاد منها الاستحباب وأن جهر الإمام (علیه السلام) بالبسملة من خصوصياته، بمعنى أن الإمام (علیه السلام) هكذا كان يفعل، والراوي يحكي هذه الخصوصية وإلاّ فلو كان الحكم معروفاً ومشهوراً بين الناس فلا معنى لنقل الراوي ذلك لأنّ حال الإمام (علیه السلام) كحال سائر الناس في التكاليف العامة فتخصيص الراوي لهذا الفعل بالذكر يكشف عن أنّه من خصوصيات الإمام(علیه السلام) والمستفاد من ذلك الاستحباب وإليه ذهب السيد الأستاذ ! (3).
الثانية: رواية عبد الرحمن بن أبي نجران عن صفوان قال: صليت خلف أبي عبد الله (علیه السلام) أياماً فكان يقرأ فاتحة الكتاب ببسم الله الرحمن الرحيم، فإذا كانت صلاة لا يجهر فيها بالقراءة جهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وأخفى ما سوى ذلك(4)
وهذه الرواية بنفس مضمون الرواية السابقة، والظاهر أن صفوان هو صفوان الجمال وليس هو صفوان بن يحيى، إذ لا يمكن لصفوان بن يحيى أن يروي عن الإمام الصادق (علیه السلام) لأنه لم يدرك زمان الإمام (علیه السلام) وقد ذكر ذلك في المعجم(5)
الثالثة: عن أحمد بن محمّد الكوفي والظاهر أنّه ابن عقدة - عن علي بن
ص: 422
الحسن بن علي بن عبد الرحمن بن أبي نجران عن هارون - وهومشترك بين جماعة إلاّ أن كل من له كتاب منهم هو من أصحاب الصادق(علیه السلام) وكلهم ثقات - فالسند معتبر - عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قال لي: كتموا بسم الله الرحمن الرحيم فنعم والله الأسماء كتموها، كان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) إذا دخل إلى منزله واجتمعت قريش يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ويرفع بها صوته، فتولي قريش فراراً فأنزل الله في ذلك: (وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً )(1)
والمستفاد من ظاهر الرواية: أنّ الكتمان منهم في الصلاة، إلاّ أنها لم تتعرض للصلوات الجهرية أو الإخفاتية، ولذا لا يمكن استفادة أحد الحكمين بخصوصه (الوجوب أو الاستحباب) من هذه الرواية.
الرابعة: رواية حنان بن سدير قال: صليت خلف أبي عبد الله (علیه السلام) أياماً فتعوذ بإجهار ثمّ جهر ببسم الله الرحمن الرحيم(2)
وهذه الرواية كالرواية السابقة من جهة أنها لم تتعرض للصلوات الجهرية أو الإخفاتية، وقد وردت الرواية بسند آخر وفيها: أنّه قال: (صليت المغرب) فتتعين للصلاة الجهرية وتخرج عن محل الكلام.
الخامسة: رواية أبي حمزة قال: قال علي بن الحسين ': يا ثمالي إن الصلاة إذا أقيمت جاء الشيطان إلى قرين الإمام فيقول: هل ذكر ربه؟ فإن قال: نعم ذهب، وإن قال: لا ركب كتفيه، فكان إمام القوم حتى ينصرفوا، قال: فقلت: جعلت فداك أليس يقرؤن القرآن؟ قال: بلى، ليس حيث تذهب يا ثمالي، إنما هو الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم(3)
ولعل المقصود من قرين الإمام هو الملك الموكل به والمستفاد من الرواية:
ص: 423
أن خاصية الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم إبعاد الشيطان عن إمام الجماعة، إلاّ أن الرواية قاصرة من حيث السند فإنها مرسلة ومن حيث الدلالة فإنه لا يستفاد منها الوجوب في الصلاة الإخفاتية.
السادسة: رواية الفضل بن شاذان عن الرضا (علیه السلام) في كتابه إلى المأمون قال: والإجهار ببسم الله الرحمن الرحيم في جميع الصلوات سنة(1)
والرواية وإن كانت عامة لجميع الصلوات إلاّ أنها تخصص بالصلوات الجهرية فإنّ الإجهار بالبسملة فيها واجب بلا خلاف كما تقدم.السابعة: رواية رجاء بن أبي الضحاك عن الرضا (علیه السلام) أنّه كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في جميع صلاته بالليل والنهار(2)
الثامنة: رواية أبي حفص الصائغ قال: صليت خلف جعفر بن محمّد' فجهر ببسم الله الرحمن الرحيم(3)
هذه جملة الروايات الواردة في الباب، وقد ذكر صاحب المستدرك خمسة عشر رواية في فضل الجهر بالبسملة وعقد باباً في استحبابه، وسيأتي التعرض لبعضها، والمستفاد من مجموع الروايات هو الاستحباب ولا سيما من صحيحتي صفوان المتقدمتين فإنهما في مقام الحكاية عن خصوصية من خصوصيات الإمام (علیه السلام) كما ذكرنا - إذ لو كان الجهر واجباً لما كان معنى لنقل الراوي ذلك كما هو رأي السيد الأستاذ ! وقد ذكرناه آنفاً.
فدلالتها على الاستحباب أقوى وإن كان الإتيان بالفعل أعم من الوجوب والاستحباب، إلاّ أنّه بملاحظة روايات الخصوصيات يكون فعل الإمام (علیه السلام) داخلاً في الآداب وله ظهور في الاستحباب.
ص: 424
والحاصل: أنّ الروايتين لا تدلان على الوجوب وهكذا بقية الروايات مع الغض عن المناقشة في إسناد بعضها.
وأما ما يستدل به على الوجوب فقد ذكرنا أنّه روايتان رواية سليم ورواية الأعمش.
أما رواية سليم فهي قابلة للمناقشة من جهة السند والدلالة.
أما من جهة السند فهي وإن وردت في الكافي بسند معتبر وهو عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن إبراهيم بن عثمان، عن سليم بن قيس الهلالي(1) إلاّ أن الكلام في الراوي عن سليم وهو إبراهيم بن عثمان وهو أبو أيوب الخزاز وهو متأخر من حيث الطبقة عن سليم فإنه من أصحاب الصادق والكاظم (علیه السلام) ، وغاية ما يقال في سليم إنه من أصحاب الباقر (علیه السلام) فإبراهيم بن عثمان بحاجة إلى الواسطة للرواية عن سليم، نعم لو كان مكان إبراهيم بن عثمان، إبراهيم بن عمر اليماني لأمكن ذلك إلاّ أن الرواية وردت عن إبراهيم بن عثمان فاحتمال الإرسال في الرواية وارد، وعليه فالرواية محل تأمّل من حيث السند.أما من حيث الدلالة فيمكن المناقشة فيها بأن يقال: إنّ قوله (علیه السلام): «وألزمت الناس الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم» مطلق قابل للتقييد والقدر المتيقن هو الصلوات الجهرية، وحينئذ فتحمل الرواية على أنّ المراد من الإلزام هو في الصلوات الجهرية لا جميع الصلوات، إضافة على ذلك هناك عدة روايات تدل على الاستحباب كما تقدم، فالجمع بين الروايات يقتضي حمل الروايات الدالة على الاستحباب بالنسبة للصلوات الإخفاتية، ورواية سليم تحمل على الصلوات الجهرية ولا يمكن القول بوجوب الجهر في جميع الصلوات، وذلك لأنّ المشهور تحصيلاً ونقلاً على خلاف ذلك، كما صرّح به صاحب الجواهر(2) ولا دليل على أنّ
ص: 425
الجهر واجب حتى في الصلوات الإخفاتية.
هذا وقد يقال: إنّ رواية سليم ورواية الأعمش معارضتان برواية أخرى صريحة في عدم الوجوب وهي صحيحة الحلبيين أنهما سألاه: عمن يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم حين يريد يقرأ فاتحة الكتاب؟ قال: نعم، إن شاء سراً وإن شاء جهراً فقالا: أفيقرأها مع السورة الأخرى؟ فقال: لا(1)
وظاهر الرواية أنّ السؤال عن القراءة في الصلاة وقرينتها قوله (علیه السلام): «لا» إلاّ أنّ الحق أنّ هذه الرواية لا تصلح للمعارضة لأنها واردة مورد التقية والتفكيك بين صدر الرواية وذيلها بأن يقال: إنّ الصدر لا تقية فيه والذيل وارد في التقية مشكل.
فالأقوى في المسألة بأنّ الإجهار بالبسملة في الصلوات الإخفاتية مستحب لا واجب، وعليه فلا تقية في الصلاة الإخفاتية وإنما التقية في الصلاة الجهرية. هذا ما يتعلق برواية سليم وسيأتي ما ينفع في المقام.
وأما رواية الأعمش فهي أيضاً محل نظر سنداً ودلالة.
أما من حيث السند ففيها عدة مجاهيل وإن كان الأعمش في نفسه لا بأس به، فالرواية غير معتبرة.
وأما من جهة الدلالة فيمكن المناقشة فيها بأن يقال: إنّ قوله (علیه السلام): «والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم واجب» هو في مقابل العامة القائلين بوجوب السر فليس له إطلاق، وهذا الاحتمال وارد أيضاً في رواية سليم، فإنّ إلزام الناس بالجهر في الصلاة الجهرية في مقابل قول العامة لأنهم يلتزمون بالسر وهو بدعة والإمام (علیه السلام) يريد رفعها، وليس الإمام في مقام بيان أنّ الجهر واجب مطلقاً حتى في الصلاة الإخفاتية، وعليه فالإطلاق غير محرز ولا أقل هو محل شك، وبناء على
ص: 426
ذلك فالمرجع حينئذ أصالة البراءة.
ويؤيد هذا عمل المشهور وإن كنا لا نقول إنّ عمل المشهور موجب للتقوية أو التضعيف، لكن إذا كان العمل مشهوراً ومورداً لكثرة الابتلاء بل وادعي عليه الإجماع فذلك يوجب الاطمئنان بعدم تحقق الإطلاق، ومع الشك فقاعدة البراءة محكمة، هذا ما يتعلق بالروايتين وما يرد عليهما من جهة السند والدلالة.
وأما إذا أغمضنا الطرف عن المناقشة فيهما وقلنا بتماميتهما سنداً ودلالة فلابد من القول بالوجوب لأنه دليل لفظي مقدم على الأصل العملي، نعم ذكر السيد الأستاذ ) أن الروايتين - على فرض تماميتهما - معارضتان بصحيحتي صفوان المتقدمتين فتكونان مقيدتين لهاتين الروايتين(1).
ولكن على القول بعدم التعارض - كما هو احتمال في المقام - وعلى فرض تماميتهما لابد من القول بالوجوب وإلاّ بالعدم لأصالة البراءة.
هذا ما يتعلق بالموضع الأول وحاصله: أنّه لا حجة لنا على أنّ الجهر بالبسملة في الصلاة الإخفاتية واجب وإنما هو مستحب، ويؤيده الإجماع وعمل المشهور.
وأما بالنسبة إلى الموضع الثاني - وهو ارتباط المسألة بالتقية - فقد اختلفت كلمات الفقهاء في ذلك: فذهب صاحب الجواهر إلى وجوب العمل على ما تقتضيه التقية(2) ، وذهب ابن أبي عقيل إلى أنّه لا تقية في الجهر بالبسملة ونقل عنه صاحب المدارك، أنّه قال: قد تواترت الروايات بأنه لا تقية في الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم(3)
هذا وقد نقل صاحب المستدرك عن كتاب الدعائم قوله: روينا عن
ص: 427
رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وعن علي والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمّد بن علي وجعفر بن محمّد صلوات الله عليهم أجمعين أنهم كانوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم فيما يجهر بالقراءة من الصلوات في أول فاتحةالكتاب وأول السورة في كل ركعة، ويخافتون بها فيما يخافت فيه من السورتين جميعاً، وقال الحسين بن علي ': «اجتمعنا ولد فاطمة (علیها السلام) على ذلك وقال جعفر بن محمّد ' التقية ديني ودين آبائي، ولا تقية في ثلاث: شرب المسكر والمسح على الخفين وترك الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم» (1)
ونقل أيضاً عن الشيخ أبي الفتوح الرازي في تفسيره عن الرضا عن أبيه الكاظم عن أبيه الصادق (علیه السلام) قال: اجتمع آل محمّد (علیهم السلام) على الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وعلى قضاء ما فات من الصلاة في الليل والنهار، وقضاء ما فات بالنهار في الليل(2)
هذا ما يستدل به على عدم التقية، وفي مقابل ذلك روايات التقية التي تدل بإطلاقها على وجوب التقية وتحريم تركها ومنها هذا المورد، نعم لو كان المخصص تاماً سنداً ودلالة فلا بأس كما قلنا به في المسح على الخفين ونحوه، وأما مع عدم تماميته فلابد من العمل بالعام.
والذي يقتضيه النظر: أنّ كلام ابن أبي عقيل في حكم الرواية المرسلة فإنه خبر واحد، ولم يذكر رواية على مدعاه، فهو من هذه الناحية غير تام.
وأما رواية الدعائم فهي أولاً: إنّ الرواية في نفسها مخالفة لصحيحة صفوان المتقدمة.
وثانياً: إنّ قوله: «لا تقية في ثلاث ... الخ» مخالف لما ورد في المتعة، نعم يمكن القول إنه وردت روايتان أحدهما في المتعة والأخرى في البسملة.
ص: 428
وثالثاً: إننا ذكرنا في مباحثنا الرجالية(1) أنّ الطريق إلى الكتاب غير ثابت والنتيجة: أنّ الرواية لا يمكن الاعتماد عليها.
وأما عن رواية أبي الفتوح فهي أولاً: مرسلة فلا يمكن الاعتماد عليها من جهة السند.
وثانياً: أنّ قوله اجتمع آل محمّد ... الخ معناه أنهم لا يتقون، وهذا تكليف خاص بهم كما في المسح على الخفين لأنه نهي عملي عن البدعة، والنهي عن البدعة لا تقية فيه إذ هم الأئمة ومسؤلية الشرع أنيطت بهم (علیهم السلام)فيمكن أن ترتفع البدعة بعملهم.
وثالثاً: أنّ هذه الرواية مؤيدة لمضمون الرواية السابقة، وعلى كل تقدير فهي ضعيفة سنداً ولا يعتمد عليها، وبناء على ذلك فلم يثبت المخصص لأدلّة التقية العامة فالقول بوجوب الإخفات بالبسملة حال التقية على مقتضى القواعد ولم يثبت ما ينافيه.
فإذا خالف المكلف وظيفته وجهر حال التقية فالظاهر هو بطلان صلاته لأنه جزء وهو محرم منهي عنه والنهي عن العبادة إذا كانت جزءاً أو شرطاً موجب لفسادها، وقد تقدم أنّه لو كان خارجاً عن الجزء والشرط أمكن الحكم بالصحة وإن كان منهياً عنه وبناء على هذا تكون صلاته باطلة وعليه الإعادة.
وهذا المعنى يجري أيضاً في التربة والسجود عليها ومخالفة التقية في ذلك وسيأتي الكلام عن ذلك في محله والله العالم.
في التأمين في الصلاة وهو قول المصلي: آمين بعد الفراغ من قراءته أو سماعه سورة الفاتحة.
ص: 429
وقد وقع الخلاف بين العامة والخاصة في حكم هذه المسألة، فذهب العامة إلى القول بالاستحباب(1) وذكروا في ذلك روايات عن النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) استفادوا منها الاستحباب، إلاّ أنهم من جهة الالتزام العملي يأتون به على نحو الوجوب وكأنه شعار لهم، حتى أنّ جهلتهم يأتون به على نحو الجزئية.
وأما الخاصة فالمشهور عندهم أنّه لا يجوز الإتيان به، وهو مناف للصلاة ولذلك تشمله الحرمة التكليفية والوضعية(2) ، وقد نسب إلى بعضهم دعوى الإجماع على الحرمة كالسيد في الانتصار(3) والشيخ في الخلاف(4) والنهاية(5) ، ولكن نسب إلى أبي الصلاح والإسكافي القولبالكراهة وإن كان في النسبة كلام(6) كما نسب ذلك إلى المحقق في المعتبر إلاّ أنّه قال بالكراهة في صلاة الجماعة، وأما في صلاة المنفرد فقال بعدم الجواز(7)
ونسب إلى صاحب المدارك التفصيل بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي فقال بالحرمة في الثاني دون الأول(8)
هذه جملة الأقوال في المسألة ويقع الكلام في جهتين:
الأولى: في ما تقتضيه القاعدة.
الثانية: في المستفاد من الأدلة الخاصة الواردة في المسألة.
أما بالنسبة إلى الجهة الأولى فيقال: إنّ الإتيان بالتأمين في الصلاة يتصور على أنحاء:
ص: 430
1 - أن يؤتى به على نحو الجزئية - كما يفعله جهلة العامة - ولاشك أنّه موجب للبطلان، لتحقق الزيادة - المبطلة - في الصلاة وإدخال ما ليس منها فيها.
2 - أن يؤتى به بعنوان أنّه ذكر فإنه تأمين على الدعاء لأنّ القراءة تتضمن دعاء فإن كان الأمر كذلك فلا إشكال في الصحة، إلاّ أن هذا يتوقف على أمرين:
الأول: أن يكون هناك دعاء فقد يقال بالعدم لأنّ القراءة حكاية لكلام الله تعالى لا بالإنشاء، والدعاء إنشاء.
الثاني: أن يكون التأمين في نفسه دعاء، فقد يقال بأنّ التأمين ليس دعاء كما في بعض الروايات فإن ثبت هذان الأمران أمكن الحكم بالصحة وإلاّ فلا.
3 - أن يؤتى به من دون قصد الجزئية أو الدعاء بل مماشاة مع الغير وهذا لا إشكال في أنّه موجب لبطلان الصلاة لأنه إدخال لكلام الآدميين فيها.
هذا ما تقتضيه القاعدة بقطع النظر عن الأدلة الخاصة وسيأتي تحقيق المقام.
وأما بالنسبة إلى الجهة الثانية وهي الروايات الواردة في المقام فقد وردت عدة روايات ويمكن جعلها في طائفتين:الأولى: تدل على النهي.
الثانية: ما يستفاد منها رجحان الإتيان به.
أما روايات الطائفة الأولى فهي عدة روايات منها:
صحيحة جميل عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: إذا كنت خلف إمام فقرأ الجهر وفرغ من قراءتها فقل أنت: الحمد لله رب العالمين، ولا تقل آمين(1)
والرواية من حيث السند معتبرة ومن جهة الدلالة واضحة فقد اشتملت على النهي الصريح إلاّ أنّ مورده صلاة الجماعة.
ومنها: صحيحة معاوية بن وهب قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): أقول: آمين
ص: 431
إذا قال الإمام: غير المغضوب عليهم ولا الضالين؟ قال: هم اليهود والنصارى، ولم يجب في هذا(1)
والظاهر أنّ قوله: «ولم يجب في هذا» من الراوي، وقال صاحب الجواهر(2) : إنّ الجملة من كلام صاحب الوسائل، والمستفاد من الرواية أنّ الإمام (علیه السلام) لم يقل للسائل: قل أو لا تقل، إلاّ أن قوله (علیه السلام): «هم اليهود والنصارى» قد يحمل على أنّ قول آمين من فعل اليهود والنصارى وليس ذلك من شريعة الإسلام، ويحتمل أنّ هذا تشبيه من الإمام (علیه السلام) للقائلين باليهود والنصارى، كما يحتمل أنّ الإمام عدل عن الجواب وفسر المراد من المغضوب عليهم والضالين.
فالرواية على بعض المحتملات تدل على النهي عن قول آمين، ثمّ إنّ مورد الرواية هو صلاة الجماعة كالرواية السابقة.
ومنها: صحيحة الحلبي قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام): أقول إذا فرغت من فاتحة الكتاب: آمين؟ قال: لا(3)
والرواية وإن كان في سندها محمّد بن سنان وهو محل خلاف، إلاّ أننا استظهرنا وثاقته فالسند معتبر، كما أنّ الرواية من حيث الدلالة واضحة وهي لا تختص بصلاة الجماعة.
ومنها: حديث زرارة عن أبي جعفر (علیه السلام): ولا تقولنّ إذا فرغت منقراءتك: آمين، فإن شئت قلت: الحمد لله رب العالمين(4)
وسند الرواية وإن كان فيه محمّد بن ماجيلويه وهو ممن لم يرد فيه توثيق إلاّ أنّه قد ترضى عنه الشيخ الصدوق(5)، وقد تقرر في محله أنّ الترضي علامة على
ص: 432
التوثيق فلا إشكال في سند الرواية، وأما من جهة الدلالة فهي واضحة.
هذا بالنسبة إلى روايات الطائفة الأولى.
وأما روايات الطائفة الثانية وهي الدالة على الجواز بل على الرجحان فمنها:
صحيحة جميل قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن قول الناس في الصلاة جماعة حين يقرأ فاتحة الكتاب: آمين، قال: ما أحسنها واخفض الصوت بها(1).
وقد اختلف في قراءة جملة الجواب على وجهين:
الأول: أن يكون على معنى التعجب أي ما أفضلها، ثمّ أمر الإمام (علیه السلام) بخفض الصوت عند قولها.
الثاني: ما أحسنها أي على معنى أنّ الإمام لا يحسن هذا القول، ثمّ إنّ الإمام أخفض من صوته عند قولها.
والأظهر من القراءتين هو الوجه الأول، وحينئذ يقع التعارض بينها وبين الروايات المتقدمة في الطائفة الأولى ولهذا حملها بعضهم على الكراهة جمعاً بين الروايات كما هو رأي المحقق الحلي ) المتقدم ذكره.
هذا حاصل الروايات، والمستفاد منها النهي عن بعضها والجواز في بعضها الآخر.
والتحقيق في المقام أن يقال: إنّ مقتضى القاعدة كما ذكرنا البطلان في صورتين هما الأولى والثالثة، وأما الصورة الثالثة فالحكم بالصحة يتوقف على أمرين: أن يكون في المقام دعاء ليكون التأمين على الدعاء، وأن التأمين في نفسه دعاء وليس من كلام الآدميين.
وقد نوقش في كلا الأمرين، أما بالنسبة إلى الأمر الأول فقد قيل: إنه لا دعاء قبل التأمين وإنما هو قراءة سورة الفاتحة، ولا يمكن حملها على الدعاء لأنه يستلزم استعمال اللفظ في أكثر من معنى.
والجواب: أنّه قد ذكر في علم الأصول أن القراءة وهي الإتيان بلفظ الغير
ص: 433
سواء قصد المعنى أو لا، وقصد المعنى لا يخالف عنوان القراءة فلا إشكال من هذه الجهة. وقد ذكر أيضاً هناك أنّ قراءة القرآن تستدعي قصد المعنى فإن مرت آية عذاب استعاذ بالله منها، وإن مرت آية رحمة تمناها وسأل ربه إياها، وهكذا الحال بالنسبة إلى الصلاة، فإنّ المصلي يحسن به أن يتأمل حال القراءة في معاني ما يقرأ ليكون مقبلاً بكله على الصلاة، وعليه فقصد المعنى لا ينافي القراءة.
وأما بالنسبة إلى الأمر الثاني فقد نوقش بأن للفظ آمين عدة معان منها: أنّه بمعنى اللهم استجب، ومنها: أنّه بمعنى كذلك فليكن أو كذلك فليفعل، هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن آمين صوت أي لفظ للفظ، أي: بمعنى استعمال اللفظ في اللفظ مثل حيهل وصه ومه ونحوها من أسماء الأفعال التي تكون معانيها معاني الأفعال وليس لها معان مستقلة فهي أصوات أي ألفاظ أريد بها ألفاظ أخرى.
ثم على فرض التسليم بكلا الأمرين إلاّ أنّ الحكم بالصحة موقوف على عدم ورود النهي، ومع وروده فلا إشكال في البطلان.
والجواب: أنّ كثرة المعاني وتعددها لا تضر بالمقام إذا كان هناك معنى شائع من بين هذه المعاني.
والظاهر من معنى آمين هو استجب وشاهده القرينة الدالة عليه وهي أن السورة تتضمن الدعاء بالهداية للصراط المستقيم، فالمناسب في المقام أن يكون معنى آمين هو استجب.
وأما كون آمين لفظ استعمل في لفظ آخر وليس له معنى في نفسه فهذا أيضاً غير تام، وذلك لأنّه وإن كان الأمر كذلك إلاّ أن اللفظ له معنى بالمآل وإن كان بتوسط لفظ آخر، فالقول بأنه ليس له معنى في غير محله.
والمهم في المقام هو ورود النهي فإن كان النهي وارداً على نحو الإطلاق فلابد من رفع اليد عن القاعدة بل لا تصل النوبة إليها، وقد ذكرنا أن الأخبار
ص: 434
الواردة في المقام على طائفتين الأولى ناهية والثانية آمرة على أحد القرائتين من قوله (علیه السلام): «ما أحسنها» وهي القراءة المعروفة، وبناء على هذه القراءة فهذه الرواية تكون في مقابل روايات الطائفة الأولى فلابد من حمل الرواية على التقية لأنّ قوله: «ما أحسنها» يدل على الاستحباب وأنه أمر مرغوب في الصلاة، والحال أنّه لم يقل أحد من العلماء قديماً وحديثاً بالاستحباب، مضافاً إلى منافاته مع الرواياتالناهية، والنهي كما تقرر في محله يدل على الفساد إذا كان المنهي عنه عبادة، فيقع التعارض في المقام، إلاّ أن هذه الرواية لما كانت موافقة للعامة فلابد من حملها على التقية، فتكون الروايات الناهية سليمة عن المعارض، وأما على القراءة الأخرى فالمراد منها أنّ الإمام (علیه السلام) لا يحسن ذلك فلابد من الحمل على التقية أيضاً إذ يستشعرمن قوله: «ما أحسنها» أنّه أمر غير صحيح إذ لو كان مستحباً لعرفه الإمام وعمل به فقوله: ما أحسنها، ليس على ظاهره، بل المراد لا أعرفه لا فرضاً ولا مستحباً، وأما قوله: «واخفض الصوت بها» فهو محل خلاف لأنه لم يستعمل أخفض بل المستعمل هو الثلاثي المجرد أي خفض، هذا بناء على أنّه فعل ماض ومرجع الضمير هو الإمام، ولعل هذا خطأ وقع من السائل أو يقال: إن المراد هو أنّ الفعل من باب المفاضلة فالإمام كان صوته منخفضاً ثمّ أخفض صوته أكثر. وبناء على هذه القراءة فلا تعارض بينها وبين الروايات المتقدمة الناهية بل موافقة لها لأنّها حينئذ واردة في النهي عن التأمين، هذا وقد ادعى الشيخ الإجماع(1) على ذلك.
ثم إنّ الروايات بإطلاقها تدل على النهي عن التأمين في الجماعة وغير الجماعة ولا وجه للتفصيل.
والحاصل أنّه إذا أخذنا بالإطلاق وقلنا: إنّ الروايات واردة على نحو
ص: 435
الإطلاق فالتأمين غير جائز، وحينئذ يقدم على القاعدة سواء كان بعنوان الاستحباب أو الجزئية ويحكم ببطلان الصلاة.
وأما إذا قيل إنّ الإطلاق غير محرز، وأن المراد من النهي في الروايات هو النهي عما يفعله العامة أي أنّ الروايات ناظرة إلى ما يفعله المخالفون من إتيانهم بها على نحو الجزئية فلا يمكن حينئذ الأخذ بالإطلاق، ولا يكون التحريم مطلقاً وإنما الحرمة تختص بالمأتي به على نحو الجزئية، وأما الإتيان به بغير قصد الجزئية فلا يكون مشمولاً للروايات، ولكن لا يبعد القول بوجود الإطلاق وذلك:
أولاً: ورود السؤال والجواب في الروايات ولم يقيد الإمام جوابه، بل ورد النهي عنه بنحو الإطلاق مع أنّه كان (علیه السلام) في مقام البيان.
وثانياً: أنّ عوامهم وجهلتهم كانوا يفعلون ذلك أي الإتيان به على نحو الجزئية ولم يحرز أن زمان صدور الروايات أنهم كانوا على هذا النحو،فقد يقال: إنّ هذا يوجب تقوية الإطلاق وحينئذ فالاحتياط يقتضي عدم جواز الإتيان لا بقصد الدعاء ولا بقصد الجزئية.
هذا بالنسبة إلى أصل المسألة في حالة الاختيار.
وأما بالنسبة إلى حال التقية فقد ذكر صاحب الجواهر: أنّه لابد من الإتيان به لشمول أدلة التقية لهذا المورد(1) وأن يكون إتيانه به بقصد الدعاء.
وأما تركه مع وجوب التقية فهل يوجب ذلك بطلان الصلاة؟
الظاهر عدم البطلان لأنّه أمر خارج عن الصلاة، فلم يأت بما ينافي الصلاة، مضافاً إلى أنّه أمر عدمي.
وعليه فالصلاة صحيحة وإن خالف فيها مقتضى التقية.
ص: 436
في التكفير أو التكتف حال القيام في الصلاة وهو وضع إحدى اليدين على الأخرى، على أية كيفية كانت كوضع اليدين على الصدر، أو اليمنى على اليسرى فوق السرة أو تحتها بدعوى أنّ هذا العمل موجب للخضوع والخشوع في الصلاة.
وأصل هذا العمل حدث في زمان عمر، وذلك لما جيء بأسارى العجم وأوقفوا أمامه ورآهم يفعلون ذلك فسأل عن ذلك فأجابوه: بأنا نستعمله خضوعاً وتواضعاً لملوكنا، فاستحسن هو فعله مع الله تعالى في الصلاة(1) وقد التزم أكثر العامة بذلك.
ومن ثمّ أصبحت المسألة خلافية بين العامة والخاصة، وبين العامة أنفسهم فالمشهور عند الخاصة القول بعدم الجواز وأنه موجب للبطلان(2)، بل ادعي الإجماع عليه كما عن الشيخ في الخلاف(3)، والسيد في الانتصار(4)، وغيرهما، ونسب الخلاف إلى الإسكافي فجعل تركه مستحباً، وإلى أبي الصلاح حيث جعل فعله مكروهاً(5) ، واختار المحققفي المعتبر الكراهة(6) ، وذهب صاحب المدارك إلى التفصيل بين الحرمة والبطلان فقال بالحرمة دون البطلان(7) كما في المسألة السابقة.
والمشهور عند العامة وعليه جمهورهم أنّه من مسنونات الصلاة، وذهب مالك إلى كراهته في الفريضة دون النافلة، وله قول آخر بالاستحباب في الفريضة والنافلة، قال في عمدة القارىء: قال في أصل الوضع فعندنا يضع وبه قال
ص: 437
الشافعي وأحمد وإسحاق وعامة أهل العلم، وهو قول علي وأبي هريرة والنخعي والثوري وحكاه ابن المنذر عن مالك، وفي التوضيح وهو قول سعيد بن جبير وأبي محلز وأبي ثور وأبي عبيد وأبي جرير وداود، وهو قول أبي بكر وعائشة وجمهور العلماء قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وحكى ابن المنذر عن عبد الله بن الزبير والحسن البصري وابن سيرين أنّه يرسلهما، وكذلك عند مالك في المشهور يرسلهما وإن طال ذلك عليه وضع اليمنى على اليسرى للاستراحة قاله الليث بن سعيد وقال الأوزاعي: هو مخير بين الوضع والإرسال(1)
والحاصل أنّ المشهور عند جمهور العامة القول بأنه سنة.
ويقع الكلام في تحقيق المقام في جهتين:
الأولى: في ما تقتضيه القاعدة.
الثانية: في المستفاد من الأدلة الخاصة.
أما بالنسبة إلى الجهة الأولى فالإتيان بهذا العمل على أنحاء ثلاثة كما في المسألة السابقة:
1 - أن يكون الإتيان به بعنوان الجزئية، ولا إشكال في حرمته وأنه مبطل للصلاة.
2 - أن يكون الإتيان به بعنوان الخضوع والخشوع، وهذا أيضاً تشريع محرم، أما أنّه مبطل أو غير مبطل فهو محل الكلام وسيأتي بيانه.
3 - أن يكون الإتيان به لا بنية، بل محاكاة للعامة، أو لغرض الاستراحة، فهذا وإن لم يكن تشريعاً محرماً إلاّ أن كونه مفسداً للصلاة وعدمه يتوقف على أنّ العمل بنفسه هل هو ماح لصورة الصلاة أو لا؟ وسيأتي تحقيقه من خلال الكلام عن الجهة الثانية.
ص: 438
وأما بالنسبة إلى الجهة الثانية فقد استدل على عدم الجواز بأدلة خمسة:
الأول: الإجماع.
الثاني: أنّ العبادة توقيفية.
الثالث: أنّ القول بعدم الجواز موافق لقاعدة الاحتياط.
الرابع: أنّ هذا الفعل مناف للصلاة.
الخامس: الروايات.
أما الأدلة الثلاثة الأولى فهي غير تامة، والإشكال عليها واضح فلا تنهض لإثبات الحرمة.
وأما الدليل الرابع فهو محل إشكال أيضاً من جهة أنّ العمل المنافي للصلاة إنما يكون مبطلاً إذا كان ماحياً لصورة الصلاة فذلك منهي عنه وموجب للفساد، وأما إذا كان غير ماح لصورة الصلاة فلا يكون مبطلاً، نعم قد يكون مكروهاً كالعبث باللحية، وفرقعة الأصابع ونحو ذلك، ولم يرد أن مطلق العمل مبطل للصلاة، وهنا وقع الخلاف في التكفير هل هو ماح لصورة الصلاة فيكون مبطلاً أو لا، فلا يكون كذلك؟
قد يقال: بالأول وذلك لما ثبت أن هذا الفعل أمر مستحدث ولم يفعله النبيّ(صلی الله علیه و آله و سلم)، وإنما كانت يداه - حال قيامه أثناء الصلاة مرسلتين وورد في بعض الروايات أنّ المستحب وضع اليدين على الفخذين حال القيام وأنه هو الموجب للخشوع والخضوع فغير هذه الكيفية - أو غير الإرسال - عمل ماح للصلاة كضم اليدين على الصدر أو على السرة أو فوقها أو تحتها فإذا رؤي المصلي يفعل ذلك فكأنه ليس في الصلاة.
هذا غاية ما يقال في تقريب كونه عملاً ماحياً لصورة الصلاة.
ولكن نوقش في هذا بأنه ليس من شرائط الصلاة وضع اليدين على نحو
ص: 439
الإرسال أو من الخلف أو على الصدر، نعم ضم اليدين إلى الفخذين هو المستحب أما تقييد الصلاة بأحد هذه الأمور فلم يثبت، والمكلف مخير في وضع يديه بأية كيفية شاء، وليس فيه محو لصورة الصلاة، نعم لما كان هذا العمل - التكتف - موجب لترك المستحب ففيه حزازة من هذه الناحية، ولذا ذهب بعضهم إلى القول بالكراهة لأنّ فيه تشبهاً بالمجوس.
فكون هذا العمل منافياً للصلاة وماحياً لصورتها لم يثبت.
وعلى فرض التسليم بأنه مخالف لهيئة المصلي إلاّ أن هذا لا يثبت المدعى على نحو الإطلاق، وذلك لأنّه لو كان ماحياً لصورة الصلاة للزم أن يكون مستمراً في مقدار معتد به من الصلاة كتمام القيام أو نصفه، وأما إذا كان في زمان يسير جداً من الصلاة - كحال القيام فقط - كما إذا كانالمصلي يرتدي عباءة أو رداء أو نحو ذلك فلا يكون الفعل ماحياً لصورة الصلاة.
والحاصل: أنّ القول بأنّ التكتف عمل مناف للصلاة وماح لصورتها غير تام.
وأما الدليل الخامس - وهو أهم الأدلة في المسألة - فهو الروايات الواردة في المقام وهي على طائفتين:
الأولى: الروايات الدالة على النهي والمنع أو ظاهرها عدم الجواز.
الثانية: الروايات التي يظهر منها الجواز.
أما روايات الطائفة الأولى فهي:
1 - صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما ' قال: قلت له الرجل يضع يده في الصلاة، وحكى اليمنى على اليسرى، فقال: ذلك التكفير لا يفعل(1)
وفسر قوله: وحكى اليمنى على اليسرى، بأنّ الراوي محمّد بن مسلم هو
ص: 440
القائل لهذه الجملة، وأنّ الفعل صدر من الإمام (علیه السلام) للبيان، ويحتمل أن هذا القول من العلاء الراوي عن محمّد بن مسلم يصف فعل محمّد بن مسلم أمام الإمام (علیه السلام) ويحتمل أيضاً أنّ الضمير راجع إلى الرجل، وعلى كل تقدير فدلالة الرواية واضحة في النهي عن التكفير.
2 - رواية حريز عن رجل عن أبي جعفر (علیه السلام) (في حديث) قال: ولا تكفر إنما يصنع ذلك المجوس(1)
والرواية واضحة الدلالة إلاّ أنها مرسلة.
3 - رواية الخصال بسنده عن علي (علیه السلام) (في حديث الأربعمائة) قال: لا يجمع المسلم يديه في صلاته وهو قائم بين يدي الله عزوجل يتشبه بأهل الكفر يعني المجوس(2)
وهذه الرواية تامة سنداً ودلالة، فإن التشبه بأهل الكفر - ولا سيما في الصلاة - غير جائز.
وظاهر هذه الروايات النهي والنهي ظاهر في الحرمة وإرشاده إلى الفساد.
وأما الطائفة الثانية وهي الروايات الدالة على الجواز فهي:
1 - صحيحة زرارة عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: إذا قمت إلى الصلاة فعليك بالإقبال على صلاتك فإنما لك منها ما أقبلت عليه، ولا تعبث فيها بيديك، ولا برأسك، ولا بلحيتك ولا تحدث نفسك، ولا تتثأب، ولا تتمط، ولا تكفر فإنما يفعل ذلك المجوس، ولا تلثم، ولا تحتفز، وتفرج كما يتفرج البعير، ولا تقع على قدميك، ولا تفترش ذراعيك، ولا تفرقع أصابعك، فإن ذلك كله نقصان من الصلاة، ولا تقم إلى الصلاة متكاسلاً ولا متناعساً ولا متثاقلاً فإنها من خلال النفاق، فإنّ الله سبحانه نهى المؤمنين أن يقوموا إلى الصلاة وهم سكارى، يعني
ص: 441
سكر النوم، وقال للمنافقين: وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤن الناس، ولا يذكرون الله إلاّ قليلاً(1)
والرواية واردة في بيان آداب الصلاة وما ذكر فيها فهو إما مستحب أو مكروه، ومن المكروهات التكفير وشاهده قوله (علیه السلام): «فإن ذلك كله نقصان من الصلاة» فالرواية ظاهرة في الكراهة.
2 - رواية علي بن جعفر قال: قال أخي: قال علي بن الحسين ': وضع الرجل إحدى يديه على الأخرى في الصلاة عمل، وليس في الصلاة عمل(2).
وهذه الرواية لا دلالة فيها إلاّ على الكراهة لأنّ العمل له فردان مبطل وغير مبطل، وصدر الرواية ليس فيه ظهور في الحرمة فلا تدخل في القسم الأول وذيلها له ظهور في الكراهة فتحمل عليه وذلك لأنّ علي بن جعفر روى نحو هذه الرواية وفيها زيادة وهي: وسألته: عن الرجل يكون في صلاته أيضع إحدى يديه على الأخرى بكفه أو ذراعه؟ قال: لا يصلح ذلك، فإن فعل فلا يعود له(3)
وضم هذه الزيادة الموجودة في كتاب علي بن جعفر إلى الرواية مشعر بالكراهة فإنّ قوله: «لا يصلح» ظاهر في الكراهة مضافاً إلى أنّ الإمام (علیه السلام) لم يحكم بالإعادة وإنما قال: «لا يعود له» فهذه الرواية صدراً وذيلاً ظاهرة في الكراهة وإن كانت ليست كالأولى في الظهور.
وأما سند الرواية ففيها عبد الله بن الحسن ولم يرد فيه توثيق إلاّ أنّ في تصحيح رواياته تحقيقاً سيأتي قريباً.
3 - رواية الدعائم عن جعفر بن محمّد ' أنّه قال: إذا كنت قائماً في الصلاة، فلا تضع يدك اليمنى على اليسرى، ولا اليسرى على اليمنى،فإن ذلك تكفير أهل
ص: 442
الكتاب، ولكن أرسلهما إرسالاً فإنه أحرى أن لا يشغل (تشغل) نفسك عن الصلاة(1)
والمستفاد من قوله: فإنه أحرى الدلالة على الكراهة، وأما سند الرواية فهو غير تام على ما حققناه في محله.
4 - رواية العياشي في تفسيره عن إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله(علیه السلام) قال: قلت له: أيضع الرجل يده على ذراعه في الصلاة؟ قال: لا بأس، إنّ بني اسرائيل كانوا إذا دخلوا في الصلاة دخلوا متماوتين كأنهم موتى، فأنزل الله على نبيه خذ ما أتيتك بقوة، فإذا دخلت الصلاة فادخل فيها بجلد وقوة، ثمّ ذكرها في طلب الرزق فإذا طلبت الرزق فاطلبه بقوة(2)
والمستفاد من قوله: «لا بأس» هو الجواز، فالدلالة واضحة إلاّ أن الاستدلال بهذه الرواية على المدعى محل إشكال وذلك:
أولاً: أنّ الرواية مجملة بل في غاية الإجمال كما ذكر ذلك صاحب البحار(3).
وثانياً: احتمال أنّ الرواية واردة في مقام التقية.
وثالثاً: احتمال أنّ ذيل الرواية لا علاقة له بصدرها وإنما ذكر للمناسبة.
رابعاً: أنّ سند العياشي للرواية غير معلوم.
والحاصل: أنّ ما يمكن الاستدلال به على الجواز هو هذه الروايات الأربع إلاّ أن الروايتين الأخيرتين غير معتبرتين لما ذكرنا، والعمدة هي الروايتان الأوليان فيقع شبه التعارض بينهما وبين ما دل على عدم الجواز.
ومقتضى الجمع بين الطائفتين هو حمل الروايات الناهية على الكراهة، مضافاً إلى أنّه يمكن المناقشة في دلالة صحيحة زرارة بأنها غير صريحة في التحريم
ص: 443
لأنّ الإمام (علیه السلام) قال: «لا يفعل» وهكذا بالنسبة إلى رواية الخصال فإنّ حديث الأربعمائة جله آداب وسنن وبيان حكمة التشريع ولم يرد فيه واجبات، وإن ورد فهو قليل جداً، مضافاً إلى ذكر بعض المحرمات فيمكن القول بأنّ الرواية ظاهرة في الكراهة وخصوصاً عند التشبه بالمجوس فإنّ فيه حزازة من هذه الناحية.والحاصل: أنّ هاتين الروايتين ليستا صريحتين في الحرمة وتلك الروايات واضحة الدلالة في الكراهة فحينئذ يجمع بينهما بالحمل على الكراهة، وبها قال المحقق كما تقدم، ونسب صاحب البحار إلى العلامة القول بالتوقف في المنع(1) ، ومال إليه صاحب الحدائق(2) ، وهكذا السيد الأستاذ(3) فإنهم قالوا بالكراهة، وإن كان الأقوى عدم التكفير وادعي نقل الإجماع على ذلك.
هذا بالنسبة إلى أصل المسألة.
وأما علاقة المسألة بالتقية: فعلى القول بالكراهة لا مجال للبحث لأنّ التكفير حينئذ جائز وإن كان مكروهاً، وأما على القول بالحرمة فأدلة التقية تشمله فيكون واجباً ومخالفته تكون حراماً فإذا لم يتق المصلي وصلى بلا تكفير فهل تكون الصلاة صحيحة أو لا؟
ذهب صاحب العروة إلى أنّه مشكل(4) وإن كان الأقوى هو الحكم بالصحة، والاحتياط بالإعادة، وجهة الإشكال تبتني على أمرين:
الأول: أن يكون الأمر بالتقية موجباً للنهي عن ضده.
الثاني: أنّ النهي هنا يوجب الفساد.
فإن تم هذان الأمران فهو وإلاّ فلا وجه للإشكال في الصحة، والمقام كذلك
ص: 444
فإنه أولاً: لا نهي في المقام، وثانياً: على فرض ورود النهي إلاّ أن التكفير أمر خارج عن الصلاة وغير داخل في الأجزاء والشرائط، نعم لو كان من الأجزاء والشرائط لأوجب البطلان، وثالثاً: أنّه ليس عملاً ماحياً لصورة الصلاة.
فالذي يظهر أن ترك التكفير حال التقية بناء على حرمته لا يوجب بطلان الصلاة والله العالم.
في السجود على غير الأرض أو ما أنبتت من غير المأكول والملبوس.
وهي من المسائل الخلافية بين الخاصة والعامة.فذهب العامة إلى عدم اعتبار شيء من ذلك ولم ينقل عنهم خلاف فيه.
وأما الخاصة فهم يعتبرون في صحة السجود أن يكون على الأرض أو ما أنبتت مما لا يؤكل ولا يلبس، وقد ادعي عليه الإجماع تحصيلاً ونقلاً متواتراً كما في الجواهر(1) ، بل يمكن أن يدعى أنّه من ضروريات المذهب، وتدل عليه روايات كثيرة قيل إنها متواترة.
وإنما وقع الخلاف بين الخاصة في بعض الموارد منها السجود على القطن والكتان، فقد نقل الإجماع على عدم جواز السجود عليهما كما في المختلف(2) ، ونسب إلى السيد المرتضى في كتابي الجمل والانتصار(3) ، ولكن نسب إليه في المسائل الموصلية القول بالكراهة(4) ، وكذا نسب إلى العلامة في النهاية(5) ،
ص: 445
وظاهر المحقق في المعتبر الميل إلى ذلك(1) ، وهكذا المحدث الكاشاني(2)
وإنما ذكرنا هذا المورد بخصوصه لأنه محل الابتلاء وإلاّ فهناك موارد أخرى وقع فيها الخلاف بين فقهاء الطائفة.
ويقع الكلام في جهات ثلاث:
الأولى: في أصل الحكم في المسألة.
الثانية: في حكم السجود على القطن والكتان.
الثالثة: في ارتباط المسألة بالتقية.
أما بالنسبة إلى الجهة الأولى فقد ذكرنا أنّه لم يذكر فيه خلاف بين الأعلام وقد وردت فيه عدة روايات تدل عليه وهي على طوائف:
الطائفة الأولى: الروايات التي تحدد ما يصح السجود عليه من غيره، وهي عدة روايات:
منها: صحيحة هشام بن الحكم أنّه قال لأبي عبد الله (علیه السلام): أخبرني عما يجوز السجود عليه وعما لا يجوز؟ قال: السجود لا يجوز إلاّ على الأرض أو على ما أنبتت الأرض إلاّ ما أكل أو لبس، فقال له: جعلتفداك ما العلة في ذلك؟ قال: لأنّ السجود خضوع لله عزوجل، فلا ينبغي أن يكون على ما يؤكل ويلبس، لأنّ أبناء الدنيا عبيد ما يأكلون ويلبسون، والساجد في سجوده في عبادة الله عزوجل، فلا ينبغي أن يضع جبهته في سجوده على معبود أبناء الدنيا الذين اغتروا بغرورها الحديث(3)
وهذه الرواية صحيحة السند وواضحة الدلالة وجهة التعليل مؤكدة للمراد.
ص: 446
ومنها: صحيحة حماد بن عثمان عن أبي عبد الله أنّه قال: السجود على ما أنبتت الأرض إلاّ ما أكل أو لبس(1)
ومنها: صحيحة الفضيل بن يسار، وبريد بن معاوية جميعاً عن أحدهما، قال: لا بأس بالقيام على المصلّى من الشعر والصوف إذا كان يسجد على الأرض، وإن كان من نبات الأرض فلا بأس بالقيام عليه والسجود عليه(2)
وهذه الرواية مضافاً إلى دلالتها على ما نحن فيه، تدل أيضاً على عدم جواز السجود على الشعر والصوف.
ومنها: صحيحة زرارة عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: قلت له: أسجد على الزفت يعني القير؟ فقال: لا، ولا على الثوب الكرسف، ولا على الصوف، ولا على شيء من الحيوان، و لا على طعام، ولا على شيء من ثمار الأرض، ولا على شيء من الرياش(3)
ومنها: صحيحة عبد الرحمن بن حمران عن أحدهما ' قال: كان أبي(علیه السلام) يصلي على الخمرة يجعلها على الطنفسة ويسجد عليها، فإذا لم تكن خمرة جعل حصى على الطنفسة حيث يسجد(4)
وهذه الرواية وإن كانت حكاية لفعل الإمام (علیه السلام) إلاّ أنّه لما كان في مقام البيان فهي دالة على المراد من عدم صحة السجود إلاّ على الأرض أو ما أنبتت من غير المأكول والملبوس.
ومنها: صحيحة الحلبي قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام): دعا أبي بالخمرةفأبطأت عليه، فأخذ كفاً من حصى فجعله على البساط ثمّ سجد(5)
ص: 447
وهذه الرواية كالرواية السابقة من حيث المضمون، وأما من حيث السند فهي وإن كان فيها محمّد بن سنان وفي وثاقته خلاف إلاّ أنّه ثقة كما هو نتيجة التحقيق، ولذلك عبرنا عنها بالصحيحة.
ومنها: رواية المحقق الحلي في المعتبر عن الحلبي عن أبي عبد الله(علیه السلام) قال: سألته عن الرجل يصلي على البساط والشعر والطنافس؟ قال: لا تسجد عليه وإن قمت عليه وسجدت على الأرض فلا بأس، وإن بسطت عليه الحصير وسجدت على الحصير فلا بأس(1)
والرواية من حيث الدلالة واضحة، وأما من حيث السند فالحلبي مشترك بين عبيد الله الحلبي ومحمّد بن علي الحلبي وكلاهما ثقتان(2) ، والظاهر أنّ المراد هو الأول وهو صاحب الكتاب المعروف المشهور المصحح من الإمام (علیه السلام) وهذا الكتاب يرويه جماعات من الناس وللشيخ عدة طرق إليه(3)
وللمحقق طريق صحيح إلى جميع روايات وكتب الشيخ، كما أنّ لابن إدريس وابن طاووس طرقاً إلى روايات الشيخ وكتبه، وحينئذ فالرواية معتبرة.
وأما إذا كان المراد هو الثاني فكتابه مشهور أيضاً إلاّ أنّه لم يرد فيه أنّه صحّح على الإمام، ولابد حينئذ من الفحص لمعرفة أنّ للشيخ طريقاً صحيحاً إلى الكتاب فإن الطريق المذكور في الفهرست(4) ينتهي إلى أبي جميلة المفضل بن صالح.
ومنها: رواية ياسر الخادم قال: مرّ بي أبو الحسن (علیه السلام) وأنا أصلي على الطبري وقد ألقيت عليه شيئاً أسجد عليه، فقال لي: مالك لا تسجد عليه؟ أليس هو من نبات الأرض(5)
ص: 448
والرواية من جهة السند لا إشكال فيها فإنّ ياسر الخادم واقع في أسناد تفسير القمي كما ذكرنا ذلك فيما تقدم، فيحكم بوثاقته، وأما من جهةالدلالة فهي واضحة وإن اختلف في معنى الطبري، فقيل: هو حصير ينسب إلى طبرستان، وقيل: كتان منسوب إليها(1) وقيل: هو بساط مخلوط بالقطن، وعلى كل حال فلا إشكال في دلالة الرواية، ولاسيما أن الطبري موضوع خارجي فالأمر فيه سهل.
وغيرها من الروايات.
الطائفة الثانية: الروايات التي تدل على جواز السجود على ما لا يصح السجود عليه حال التقية.
ومنها: صحيحة علي بن يقطين، قال: سألت أبا الحسن الماضي (علیه السلام) عن الرجل يسجد على المسح والبساط؟ قال: لا بأس إذا كان في حال التقية(2).
ورواها الشيخ أيضاً كذلك بزيادة: «ولا بأس بالسجود على الثياب في حال التقية»(3)، والمفهوم من ذلك أنّه في حال عدم التقية لا يجوز السجود على ما ذكر.
ومنها: صحيحة أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن الرجل يسجد على المسح؟ فقال: إذا كان في تقية فلا بأس به(4).
والمسح بالكسر فالسكون واحد المسوح ويعبرعنه بالبلاس وهو كساء معروف(5)
الطائفة الثالثة: الروايات التي تدل على جواز السجود على غير الأرض
ص: 449
في حال الضرورة.
ومنها: موثقة عيينة بياع القصب قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام) أدخل المسجد في اليوم الشديد الحر فأكره أن أصلي على الحصى، فأبسط ثوبي فأسجد عليه؟ قال: نعم، ليس به بأس(1)
وبهذا المضمون عدة روايات وجميعها تتضمن سؤال الإمام (علیه السلام) عن السجود حال الضرورة، ومنه يفهم أن المرتكز في أذهان السائلين عدم الجواز حال الاختيار، ولم يرد التعبير من الإمام (علیه السلام) بالاضطرار إلاّ في رواية واحدة وهي رواية علي بن جعفر، عن أخيه (علیه السلام) قال: سألته عنالرجل يؤذيه حر الأرض وهو في الصلاة ولا يقدر على السجود، هل يصح له أن يضع ثوبه إذا كان قطناً أو كتاناً؟ قال: إذا كان مضطراً فليفعل(2)
وهذه الرواية من جهة الدلالة واضحة إلاّ أن الكلام من جهة السند، وذلك لأنها وردت في قرب الاسناد، وفي سندها عبد الله بن الحسن وهو ممن لم يرد فيه توثيق، ولهذا فهو ضعيف في نظر السيد الأستاذ ! وسيأتي تحقيقه قريباً.
والمتحصل من هذه الروايات وغيرها مما لم نذكره: عدم جواز السجود على البساط والمسح والصوف والشعر في حال الاختيار.
وأما بالنسبة إلى الجهة الثانية وهي السجود على القطن والكتان فقد وقع الخلاف بين فقهاء الطائفة، والمشهور عدم الجواز حال الاختيار، وقد ذكرنا أنّ العلامة في المختلف نقل الإجماع على ذلك ومنشأ الاختلاف هو الروايات، فقد دلت عدة روايات على عدم الجواز كما دلت روايات أخرى على الجواز.
أما الروايات الدالة على عدم الجواز فهي قسمان:
الأول: الروايات الدالة على عدم الجواز بنحو الإطلاق وهي عدة روايات
ص: 450
وتقدم ذكرهاه وهي بإطلاقها تشمل القطن والكتان وغيرهما مما يؤكل أو يلبس.
الثاني: الروايات الواردة في خصوص القطن والكتان ومنها:
1 - معتبرة أبي الفضل بن عبد الملك قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام): لا يسجد إلاّ على الأرض أو ما أنبتت الأرض إلاّ القطن والكتان(1)
والرواية من حيث الدلالة واضحة فإن استثناء القطن والكتان مما أنبتت الأرض يدل على عدم جواز السجود عليهما، فلا إشكال في الدلالة إلاّ أن الرواية من حيث السند فيها القاسم بن عروة وهو لم يرد فيه توثيق، ولكنه واقع في أسناد نوادر الحكمة ولم يستثنه ابن الوليد فيحكم بوثاقته فتكون الرواية معتبرة.
2 - رواية الأعمش عن جعفر بن محمّد (في حديث شرايع الدين) قال: لا يسجد إلاّ على الأرض أو ما أنبتت الأرض إلاّ المأكول والقطنوالكتان(2).
والرواية صريحة في الدلالة وهي كالرواية السابقة بإضافة المأكول في المستثنى إلاّ أنها من جهة السند تشتمل على عدة مجاهيل كما تقدم.
3 - رواية قرب الاسناد المتقدمة عن علي بن جعفر عن أخيه (علیه السلام) قال: سألته عن الرجل يؤذيه حر الأرض وهو في الصلاة، ولا يقدر على السجود على الأرض، هل يصلح له أن يضع ثوبه إذا كان قطناً أو كتاناً؟ قال: إذا كان مضطراً فليفعل(3).
والمفهوم من الرواية عدم الجواز في غير حال الاضطرار.
4 - صحيحة زرارة المتقدمة أيضاً عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: قلت له أسجد على الزفت يعني القير؟ فقال: لا، ولا على الثوب الكرسف، ولا على الصوف، ولا على شيء من الحيوان، ولا على طعام، ولا على شيء من ثمار الأرض، ولا
ص: 451
على شيء من الرياش(1)
ومحل الشاهد قوله: «ولا على الثوب الكرسف» وقد فسر: بأنه الثوب القطني(2)، فإذا كان الثوب الكرسف من القطن فهو مشمول لعدم الجواز.
5 - رواية قرب الاسناد عن علي بن جعفر قال: وسألته عن الرجل يسجد فتحول عمامته وقلنسوته بين جبهته وبين الأرض؟ قال: لا يصلح حتى يضع جبهته على الأرض(3)
والروايات صريحة في أن السجود لا يتحقق إلاّ بوضع الجبهة على الأرض، فلا يجوز وضعها على غيرها كالعمامة والقلنسوة، اللهم إلاّ أن يقال: إنّ مورد الرواية في بيان وجوب تمكين الجبهة على الأرض فإذا وضعت على العمامة ارتفعت عن الأرض، ويجاب: بأن ذلك وإن كان وارداً في العمامة إلاّ أنّه غير وارد بالنسبة إلى القلنسوة فتدخل الرواية في المقام، ثمّ إنّ الغالب في العمامة أن تكون من القطن، وأما القلنسوة فقد تكون من القطن وقد تكون من غيره، هذا من جهة الدلالة، وأما من جهة السند فالرواية واردة في قرب الاسناد وفي سندها عبد الله بن الحسن وهو ضعيف في نظر سيدنا الأستاذ ! وقد وعدنا بتحقيق الحال في رواياته فيما تقدم وهذا موضع الوفاء، ويجري هذا التحقيق في جميع روايات قرب الاسناد المتقدمة والآتية المروية عن علي بن جعفر فإنّ عبد الله بن الحسن واقع في طريقها فنقول: إنه يمكن تصحيح روايات الحميري عن عبد الله بن الحسن عن جده علي بن جعفر بعدة وجوه:
الأول: ذكر النجاشي(4) أن لعلي بن جعفر كتاباً مبوباً وغير مبوب بمعنى أن
ص: 452
الكتاب يروى بطريقين أحدهما: للمبوب والآخر لغير المبوب، ثمّ ذكر طريقه إلى المبوب وهو طريق صحيح، وذكر طريقه إلى غير المبوب وفيه عبد الله بن الحسن(1) وليس بين النسختين اختلاف، وإلاّ لنبّه النجاشي على ذلك كما هي عادته، وبضم الطريق المجهول إلى الطريق المعتبر تصبح الروايات كلها معتبرة، وذلك لأنّ الطريقين ينتهيان إلى كتاب واحد، هذا من جانب ومن جانب آخر فإنّ النجاشي يروي كتاب قرب الاسناد بطريق معتبر، فتكون النتيجة أن الروايات التي يرويها الحميري عن عبد الله بن الحسن عن جده علي بن جعفر من المسائل كلها معتبرة، هذا ويمكن تصحيح الطريق من جهة الشيخ أيضاً، وذلك لأنّ الشيخ(2) يروي جميع روايات وكتب الحميري ومنها قرب الاسناد المصحح بطريق النجاشي إلى علي بن جعفر.
الثاني: إنّ الشيخ(3) ذكر أنّ لعلي بن جعفر كتاباً اسمه المناسك والمسائل وذكر طريقه إليه، والظاهر أنّ هذا الكتاب هو كتاب الحلال والحرام الذي ذكره النجاشي(4) لا أنهما مختلفان، ولو كانا مختلفين لذكر الشيخ والنجاشي ذلك، فبناء على عدم التعدد وإن ذكره الشيخ بعنوان المناسك والمسائل وذكره النجاشي بعنوان الحلال والحرام إلاّ أنهما عنوانان لكتاب واحد، فينطبق ما ذكره الشيخ على ما ذكره النجاشي، وطريق النجاشي(5) وإن كان فيه عبد الله بن الحسن إلاّ أنّ طريق الشيخ(6) إليه معتبر فهو عن جماعة عن محمّد بن علي بن الحسين (الصدوق) عن أبيه عن محمّد بن يحيى عن العمركي الخراساني البوفكي عن علي
ص: 453
بن جعفر.
فهذا الطريق معتبر ويكون طريقاً لما رواه الحميري عن عبد الله بن الحسن عن علي بن جعفر كما ذكره النجاشي.
الثالث: أنّ الشيخ يروي كتاب مسائل علي بن جعفر بعدة طرق أحدها: الطريق المتقدم عن البوفكي، وثانيها: عن الصدوق عن أبيه عن سعد والحميري - صاحب قرب الاسناد - وأحمد بن إدريس وعلي بن موسى - كلهم - عن أحمد بن محمّد عن موسى بن القاسم البجلي عنه(1)
فمع قطع النظر عن اتحاد الكتابين لكن يعلم من هذا الطريق أنّ للشيخ طريقاً إلى ما رواه الحميري من مسائل علي بن جعفر وهو طريق معتبر، كما يعلم أيضاً أن طريق الحميري لا ينحصر في عبد الله بن الحسن، بل له طريق آخر وهو عن أحمد بن محمّد بن عيسى عن موسى بن القاسم البجلي عن علي بن جعفر.
وقال الشيخ الصدوق في المشيخة: ورويته عن محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنه عن محمّد بن الحسن الصفار، وسعد بن عبد الله جميعاً عن أحمد بن محمّد بن عيسى، والفضل بن عامر، عن موسى بن القاسم البجلي، عن علي بن جعفر(2)
وعلى كل تقدير فيمكن تصحيح روايات الحميري من مسائل علي بن جعفر بعدة وجوه فكلّ ما ورد من قبل ومن بعد من روايات الحميري عن عبد الله بن الحسن عن جده علي بن جعفر فيما سأله أخاه موسى الكاظم (علیه السلام) فهو معتبر ولا يحتاج إلى ملاحظة السند، وعليه فما ورد عن السيد الأستاذ! (3) في تضعيف الروايات الواردة عن هذا الطريق وطرحها من جهة ضعف السند لا يخلو من
ص: 454
إشكال.
هذا بالنسبة إلى الروايات المانعة وأما الروايات المجوزة فهي:
1 - رواية ياسر الخادم قال: مر بي أبو الحسن (علیه السلام) وأنا أصلي على الطبري وقد ألقيت عليه شيئاً أسجد عليه، فقال لي: مالك لا تسجد عليه، أليس هو من نبات الأرض(1)؟
وقد تقدمت الرواية وذكرنا الأقوال في تفسير الطبري ومفاد الرواية هو الجواز كما أنّ سند الرواية معتبر.
2 - رواية داود الصرمي قال: سألت أبا الحسن الثالث (علیه السلام) هل يجوز السجود على القطن والكتان من غير تقية؟ فقال: جائز(2)
والرواية في دلالتها واضحة، ولكنها من جهة السند فيها داود الصرمي وهو وإن لم يرد فيه توثيق إلاّ أنّه واقع في كتاب نوادر الحكمة(3) ولم يستثن فيحكم بوثاقته فتكون الرواية معتبرة.
3 - رواية الحسين بن علي بن كيسان قال: كتبت إلى أبي الحسن الثالث: أسأله عن السجود على القطن والكتان من غير تقية ولا ضرورة؟ فكتب: ذلك جائز(4).
والرواية واضحة الدلالة إلاّ أنها من جهة السند محل كلام، فإنّ الصنعاني لم يرد فيه توثيق إلاّ أنّه ورد في نوادر الحكمة الحسن بن علي بن كيسان فإن كان هذا هو الحسن وصحف بالحسين فيمكن الحكم بوثاقته واعتبار الرواية، وإن كان شخصاً آخر فالرواية غير معتبرة.
ص: 455
4 - وهناك روايات أخرى ذكرها صاحب الوسائل، ومنها: رواية عن تحف العقول عن الصادق (علیه السلام) (في حديث) قال: وكل شيء يكون غذاء الإنسان في مطعمه، أو مشربه، أو ملبسه، فلا تجوز الصلاة عليه، ولا السجود، إلاّ ما كان من نبات الأرض من غير ثمر، قبل أن يصير مغزولاً، فإذا صار غزلاً فلا تجوز الصلاة عليه إلاّ في حال الضرورة(1)
وهذه الرواية تصلح لأن تكون تفصيلاً في القطن والكتان قبل الغزل وبعده.
وأما بالنسبة إلى سند الرواية ففيه وفي جميع روايات تحف العقول تحقيقاً ذكرناه في مباحثنا الرجالية فراجع(2)
هذه جملة الروايات الواردة في الجواز وعدمه.
وأما الجمع بين الروايات فقد ذكروا للجمع بينها أربعة وجوه:
الأول: حمل الروايات الدالة على عدم الجواز على الكراهة جمعاً بينها وبين ما دل على الجواز، وإليه ذهب السيد المرتضى ! في الموصليات،ونسب إلى العلامة في النهاية، وهو ظاهر المحقق في المعتبر كما تقدم.
الثاني: ما ذكره الشيخ كما نقله صاحب الوسائل وهو حمل الروايات المجوزة على حال الاضطرار(3)
الثالث: حمل الروايات المجوزة على التقية.
الرابع: أن يقال بالتفصيل بمقتضى رواية تحف العقول بحمل الروايات المانعة على ما كان بعد الغزل والمجوزة على ما قبل الغزل.
وقد استشكل السيد الأستاذ ! في ثلاثة منها واختار الوجه الثالث وهو الحمل على التقية.
ص: 456
أما الوجه الأول فقد ناقشه: بأنه لا يمكن المصير إليه لأنه جمع غير عرفي فإن الجواز وعدم الجواز غير قابلين للحمل على الكراهة، وذلك لأنّ الجواز إرشاد إلى الصحة وعدم الفساد، كما أنّ عدم الجواز إرشاد إلى عدم الصحة والفساد، نعم لو كان الأمر يدور بين النهي أو المنع مع الجواز لأمكن حمل النهي على الكراهة والمقام ليس كذلك.
ثم إنّ هذا الوجه إنما يتم في رواية واحدة دلت على عدم الجواز وهي صحيحة هشام بن الحكم وقد تقدمت.
وفيها قال (علیه السلام): لا يجوز إلاّ على الأرض أو على ما أنبتت الأرض، إلاّ ما أكل أو لبس.
وحينئذ يقع التعارض بينهما فتقدّم الروايات المانعة على المجوزة وذلك لوجهين: أنها مشهورة وأنها مخالفة للعامة.
والروايات المجوزة غير مشهورة، وموافقة للعامة فتحمل على التقية.
قد يقال: إنّ هذه الروايات المجوزة قد افترض السائل فيها عدم التقية وأجابه الإمام (علیه السلام) على طبق سؤاله ويردّه: أنّ الإمام إنما يجيب بحسب مطابقة جوابه للمصلحة، فعلى السائل أن يسأل ولا يلزم الإمام أن يجيب على طبق السؤال، فإن الإمام أعلم بما تقتضيه المصلحة، وقد يقتضي الجواب أن يكون على طبق التقية، وفي هذا المعنى روايات وردت عنهم (علیه السلام) وأشار إلى ذلك صاحب الحدائق ! .
وأما الوجه الثاني وهو مذهب الشيخ فقد ناقشه السيد الأستاذ: بأنه لا وجه لهذا الحمل لأنّ بعض الروايات افترض فيها عدم الضرورة فينبغي أن يكون الجواب هنا مطابقاً للسؤال، وليس الحال هنا كما في الموردالسابق حتى لا يراعى فيه حال السائل، فإنه هناك تراعى المصلحة في الجواب، أما هنا فيراعى حال
ص: 457
السائل والسؤال، وعليه فهذا الحمل غير تام.
وأما الوجه الرابع وهو التفصيل بين المغزول وغير المغزول، فقد ناقش فيه السيد: بأنّ الجمع غير صحيح، وذلك:
أولاً: أنّ المستند ضعيف وهي رواية تحف العقول، فإنها محكومة بالإرسال.
وثانياً: أنّ دلالة الرواية غير تامة فإن الروايات المانعة غير قابلة للحمل على ما بعد الغزل بل الظاهر أنها شاملة لما قبل الغزل أيضاً، إذ ورد في صحيحة هشام المتقدمة: «إلاّ القطن والكتان» أي الذي يكون معداً للبس لا أنّه ملبوس فعلاً، وذلك لأنّ الظاهر من الاستثناء أن يكون متصلاً والاتصال في الاسثتناء يقتضي أن يكون ما قبل الغزل لا ما صار مأكولاً أو ملبوساً لأنه والحال هذه لا يقال له نبات الأرض، وأما إذا قلنا بأن المراد هو الملبوس والمأكول كان الاستثناء منقطعاً وهو خلاف الظاهر، فلعدم لزوم المحذور يحمل على ما يعدّ للأكل واللبس وهو شامل لما قبل الغزل أيضاً.
ويؤيده ما ورد في بعض الروايات ما أكل أو لبس أي ما يعد للأكل واللبس لا ما كان قد أكل أو لبس فإنه سالب بانتفاء الموضوع، ومنه يستظهر أن هذا التفصيل غير تام.
فالمتيقن هو الوجه الثالث وهو القول بالتعارض ولزوم الرجوع إلى المرجح السندي، ومقتضاه حمل أخبار الجواز على التقية وتقديم الروايات المانعة(1)
والتحقيق: أنّ الذي يمكن أن يقال هنا: إنّ الروايات الواردة في المقام على ثلاثة أقسام:
الأول: الروايات المانعة عن السجود على الملبوس إذا كان من القطن
ص: 458
وهي عدة روايات وقد تقدمت كصحيحة زرارة، وصحيحة هشام، ورواية علي بن جعفر.
وهي تقيد المنع بما هو ملبوس بالفعل كالثوب الكرسف والعمامة، والقلنسوة.الثاني: الروايات المانعة عن السجود على القطن والكتان مطلقاً مغزولاً أو غير مغزول، ومنها رواية أبي الفضل بن عبد الملك، ورواية الأعمش، وغيرها مما تقدم.
الثالث: الروايات الدالة على جواز السجود على القطن والكتان من غير تقية أو ضرورة، كرواية داود الصرمي، ورواية الصنعاني، وغيرهما.
فروايات القسمين الأخيرين مطلقة أي المنع مطلقاً والجواز مطلقاً، وأما القسم الأول فهي دالة على المنع في خصوص اللباس، ولم ترد رواية تدل على الجواز مطلقاً، في خصوص اللباس، وحينئذ فالروايات المجوزة تقيد الروايات المجوزة مطلقاً فتكون الروايات المانعة مخصصة بالروايات المقيدة فيكون من انقلاب النسبة، فإنا لما قيدنا أحد المطلقين يكون المطلق الآخر خاصاً فتكون النتيجة: أن الروايات الدالة على الجواز قبل الغزل في غير اللباس سليمة عن المعارض ويصبح الحكم هكذا: لا يجوز السجود على القطن والكتان إلاّ ما كان غير الملبوس وغير المغزول، وبناء على هذا فيكون مقتضى القاعدة هو: أنّ الروايات الدالة على اللباس مقيدة لروايات الجواز وروايات الجواز تكون خاصة بالنسبة إلى روايات المنع فيقيد بها الروايات الدالة على المنع مطلقاً، فإذا كان الثوب غير مغزول جاز السجود عليه وإلاّ فلا يجوز.
ويؤيد ذلك رواية تحف العقول، وقد ذكرنا في مباحثنا الرجالية أنّه لابد من الاحتياط في روايات الكتاب، ولاسيما أن صاحب الكتاب يقول إنها غير
ص: 459
مرسلة بل مسندة وهو الذي حذف أسنادها، مضافاً إلى ما يظهر من كلامه من أنّ الرواة ثقات.
هذا إذا قلنا إنّ القطن والكتان لهما إطلاق فيكون مقتضى القاعدة ما ذكرناه، وأما إذا كان المراد من القطن والكتان هو اللباس لا المعد للبس - وقد يدعى الظهور في ذلك - فهنا يكون مقتضى القاعدة جواز السجود عليه قبل الغزل، وذلك لأنّ الروايات قيدت باللباس فهو خارج عن المقام وما عدا اللباس يحكم فيه بالجواز، وعلى كلا التقديرين فالحكم هو جواز السجود على القطن والكتان ولكن مع ذلك فالاحتياط يقتضي عدم السجود كما هو المشهور، وقد ادعي عليه الإجماع.
وأما الجهة الثالثة: وهي ارتباط المسألة بالتقية فلا إشكال في أنّ التقية واجبة، وذلك:
أولاً: للعمومات الدالة على أنّ التقية واجبة في كل شيء إلاّ مااستثني، وهذا المورد ليس من المستثنى.
وثانياً: الروايات الخاصة الواردة في المقام وهي عدة روايات منها: صحيحة علي بن يقطين، قال: سألت أبا الحسن الماضي (علیه السلام) عن الرجل يسجد على المسح والبساط؟ قال: لا بأس إذا كان في حال التقية(1)
وفي نفس الرواية زيادة رواها الصدوق والشيخ وهي: لا بأس بالسجود على الثياب في حال التقية(2)
ومنها: صحيحة أبي بصير، قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن الرجل يسجد على المسح؟ فقال: إذا كان في تقية فلا بأس به(3)
ص: 460
وقد تقدمت هذه الروايات وهي تدل على خصوص هذا الحكم في حال التقية وأنه يجوز السجود على ما لا يصح السجود عليه، فإذا أتى المكلف بوظيفة التقية حكم بصحة صلاته، وأما إذا خالف التقية وسجد على ما يصح السجود عليه مخالفاً لوظيفته، فهل يحكم بصحة صلاته أم لا؟
فنقول: قد تقدم ضابط هذه المسألة وهو أنّ الفعل المأتي به مخالفاً للتقية تارة يكون من أجزاء الواجب أو شرائطه وتارة لا يكون، وعلى كلتا الصورتين فتارة يعيد العمل ويأتي بوظيفة التقية وأخرى لا يعيد، فإذا لم يأت المكلف بوظيفة التقية كما في السجدة وهي من الأجزاء فحينئذ يحكم ببطلان صلاته لأنّ ما أتى به ليس بواجب عليه بل منهي عنه - لأنّ الواجب هو الإتيان بوظيفة التقية ولم يمتثل - فيكون في صلاته نقص في الواجب من جهة الشرط أو الجزء على الخلاف والأكثر أنّه شرط لا جزء لأنّ السجدة تتحقق سواء على ما يصح أو لا، ولكن شرطها أن يكون على ما يصح وهذا النقص وقع من المكلف عمداً وهو موجب لنقصان الصلاة وبطلانها، وكذا يحكم ببطلان الصلاة فيما إذا أتى بسجدة أخرى موافقة للتقية، وجهة البطلان أنها زيادة عمدية موجبة لبطلان الصلاة، فبطلان الصلاة للمخالفة في الأول وللزيادة في الثاني.
وبهذا يتم الكلام عن هذه الجهة وهي السجود حال التقية.
وتتميماً للمسائل السابقة لا بأس بالتعرض إلى مطلق مهم له ربط وثيق بالمقام وهو:
أنه يجوز السجود على ثلاثة أشياء: الأول: التراب وهو أفضل، الثاني:النبات غير الملبوس والمأكول، الثالث: القرطاس.
وهذه الأمور مورد تسالم عند الفقهاء، وقد ادعي الإجماع عليها وإن كان في القرطاس خلاف، ولا فرق في القرطاس بين أن يكون متخذاً من القطن
ص: 461
والكتان أو من غيرهما، وهذا يؤيد ما ذكرنا من أنّ القطن والكتان غير الملبوس يجوز السجود عليه، وقد اعترف بذلك صاحب الجواهر(1) نعم لو قلنا إنّ القطن والكتان لا يجوز السجود عليه مطلقاً فنحتاج إلى دليل خاص في جواز السجود على القرطاس، وأما على القول بالجواز فلا نحتاج إلى هذا الدليل الخاص، ثمّ إنّ الأفضلية من هذه الأقسام للأول ثمّ الثاني ثمّ الثالث كما ذكرنا.
ولا إشكال في أنّ أفضل أفراد التراب هو التراب المنسوب لسيد الشهداء (علیه السلام) المعبر عنه بالتربة الحسينية وذلك بدليل عام ودليل خاص.
أما أن التراب أفضل من سائر الأشياء فهذا يظهر من كثير من الروايات سيرة وعملاً، ومنها: الرواية المشهورة: جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً(2)
ومنها: صحيحة إسحاق بن الفضيل أنّه سأل أبا عبد الله (علیه السلام) عن السجود على الحصر والبواري فقال: لا بأس وأن يسجد على الأرض أحبّ إليّ، فإن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) كان يحب ذلك أن يمكن جبهته من الأرض، فأنا أحبّ لك ما كان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يحبّه(3)
ومنها: صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبد الله (علیه السلام) (في حديث) قال: السجود على الأرض أفضل لأنّه أبلغ في التواضع والخضوع لله عزوجل(4)
ومنها: رواية الصدوق في الفقيه والعلل ورواها الشيخ في التهذيب، قال الصادق (علیه السلام): السجود على الأرض سنّة(5)
وفي هذه الرواية بيان لأفضلية السجود على الأرض، وكأنما التفاوت بين الأرض وغيرها في الأفضلية كالتفاوت بين الفريضة والسنّة وغيرها من
ص: 462
الروايات الدالة على أفضلية السجود على الأرض.
هذا ما يتعلق بالدليل العام فإنّ التربة الحسينية أحد أفراد تراب الأرضفهي داخلة تحت عموم الأرض.
وأما ما يتعلق بالدليل الخاص وهو تخصيص التربة الحسينية من دون غيرها من أفراد التراب وفيه جهتان: الأولى الروايات الخاصة، الثانية بيان جهة التعليل.
أما الجهة الأولى فهنا عدة روايات منها:
1 - رواية الصدوق في الفقيه قال: قال الصادق (علیه السلام): السجود على طين قبر الحسين (علیه السلام) ينور إلى الأرضين السبعة، ومن كانت معه سبحة من طين قبر الحسين (علیه السلام) كتب مسبحاً وإن لم يسبح بها(1)
والرواية معتبرة فإنّ الصدوق شهد بصحة روايات كتابه وقد حققنا ذلك في محله.
2 - رواية الطبرسي في الاحتجاج عن محمّد بن عبد الله بن جعفر الحميري عن صاحب الزمان (علیه السلام) أنّه كتب يسأله عن السجدة على لوح من طين القبر، هل فيه فضل؟ فأجاب (علیه السلام): يجوز ذلك وفيه الفضل ...(2)
والرواية وإن كانت في مقام بيان اصل الفضل إلاّ أنّه كاف في أفضليته على غيره.
3 - رواية الشيخ في المصباح بإسناده عن معاوية بن عمار قال: كان لأبي عبد الله (علیه السلام) خريطة ديباج صفراء فيها تربة أبي عبد الله (علیه السلام) فكان إذا حضرته الصلاة صبه على سجادته وسجد عليه، ثمّ قال: إنّ السجود على تربة أبي عبد الله (علیه السلام) يخرق الحجب السبع(3)
ص: 463
والظاهر أنّ هذه الرواية صحيحة وذلك لأنّ الشيخ(1) يروي جميع كتب معاوية بن عمار بسند صحيح، وهي وإن لم يذكر سندها إلاّ أنها مروية من كتاب معاوية فإنّ معاوية ليس له روايات بل كتب.
4 - رواية الديلمي في الإرشاد، قال: كان الصادق (علیه السلام) لا يسجد إلاّ على تربة الحسين (علیه السلام) تذللاً واستكانة إليه(2)
ومن استمرار الإمام (علیه السلام) على ذلك يعلم أنّ لهذا الفعل فضيلة.وغيرها من الروايات التي يستفاد منها أنّ تربة أبي عبد الله (علیه السلام) أفضل أفراد التراب.
وقد ذكر في بعض الروايات أنّ التسبيحة الواحدة بتربة الحسين بسبعين وفي بعضها بسبع تسبيحات وفي بعضها كتب مسبحاً وإن لم يسبح.
فهذه الروايات يستفاد منها أفضلية التربة الحسينية على غيرها وقد ذكر في الروايات حدود التربة الحسينية من أرض كربلاء والمواضع الذي يؤخذ منها التراب وأمور أخرى تتعلق بالتربة وليرجع في ذلك إلى كتاب كامل الزيارات فإنه اشتمل على كثير من الروايات المتعلقة بالمقام.
هذا بالنسبة إلى الجهة الأولى.
أما الجهة الثانية وهي جهة التعليل الواردة في بعض الروايات فقد تقدم في صحيحة هشام: أنّ السجود على الأرض أفضل لأنّه أبلغ في التواضع والخضوع لله عزوجل، وعين هذه الفضيلة جارية في تربة الحسين (علیه السلام) ، بل أبلغ وأكثر تذللاً وخشوعاً من سائر التراب، فإنّ بقاع الأرض متفاوتة، ولما كانت تربة كربلاء قد امتزجت بالأجسام الطاهرة والدماء الزاكية الطيبة والتي كانت مجسدة للتواضع والخشوع والتسليم والعبودية المحضة لله تعالى كانت أخشع المخلوقات وأخضعها إلى الله عزوجل وأكثرها تسليماً لأمره تعالى، وقد ضم ثراها تلك الأجساد
ص: 464
الشريفة التي هي المظهر الأتم للخضوع والخشوع لله تعالى.
إنّ هذه الأرض لما كانت مجسدة للتذلل والاستكانة إلى الله كان لها هذا الشأن العظيم، وقد ظهر ذلك حيث استشهد الحسين (علیه السلام) وأصحابه امتثالاً لأمر الله ورضى بقضائه، وتسليماً له، وإحياء لدينه وإعلاء لكلمته، وإنما نقول إنّ ذلك كان تجسيداً وإظهاراً لأنّ نفس النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) هي أخشع النفوس وهي الأقرب لله تعالى في خضوعها وعبوديتها من كل أحد إلاّ أن تجسيد ذلك وإظهاره كان على يد سيد الشهداء (علیه السلام) ، ولا غرو في ذلك فإنّ الحسين(علیه السلام) هو نفس النبيّ والنبيّ هو نفس الحسين (علیه السلام) وقد قال (صلی الله علیه و آله و سلم) : حسين مني وأنا من حسين(1)
فمن هنا كان لأرض كربلاء هذه الخصوصية من دون سائر بقاع الأرض ولها الأثر الأكبر في احداث الخشوع والخضوع في القلوبوالأجساد ومن ذلك يكون حمل هذا التراب والتسبيح والدعاء والاستشفاء به أكثر ثواباً وأقرب إلى الله وأسرع إجابة وأعظم تأثيراً لأنه يقتضي القرب والخشوع والتذلل ويؤثر في نفس المؤمن الأثر العظيم، الأمر الذي يؤكد أنّ تربة الحسين (علیه السلام) تنبض بالحياة، ولذا كان لها هذا التأثير في النفوس، والحامل لها كأنما يحمل معه شيئاً يقربه من الله زلفى، وإن من خصوصياتها أنها جعلت سبباً من أسباب الشفاء من كل داء، كما كشفت عن ذلك النصوص الشريفة وما ذلك إلاّ لأنّ وراءها أسرار غيبية وألطاف إلهية تقصر عن إدراكها العقول، فلما كانت تربة الحسين بهذه المثابة والمكانة والأثر كانت أفضل ما يسجد عليه من غيره.
والحمد لله رب العالمين.
وبهذا يتم الكلام عن التقية في الصلاة.
ص: 465
ص: 466
4 - التقية في الصوم
· تعيين موضع الخلاف
· استعراض الروايات ومفاد دلالاتها
· في بيان أنّ التقية في الإفطار لا في الصوم
· المناط في ثبوت الهلال
· الملاك في القضاء والكفارة
· الإحالة على الفصل الأول
ص: 467
ص: 468
والكلام يقع فيه من جهتين:
الجهة الأولى: في الحكم التكليفي كما إذا كان اعتقاد المخالفين أنّ الارتماس في الماء جائز، أو لا يبطل به الصوم، وأن الأكل والشرب عند سقوط قرص الشمس كذلك.
الجهة الثانية: في الموضوع كما إذا ثبت العيد عندهم في يوم ولم يثبت عندنا، أو ثبت أنّه أول يوم من شهر رمضان ولم يثبت عندنا ذلك بحجة شرعية، فإذا اضطر المكلف إلى المخالفة تقية في صوم أو إفطار أو إلى الإتيان بما ينافي حكماً من أحكام الصوم فهل يسوغ له ذلك؟
لا إشكال في لزوم التقية في هذه الموارد، وإنما وقع الكلام بين الفقهاء في صحة الصوم وعدمه وفي المسألة أقوال ثلاثة:
الأول: القول بالإجزاء مطلقاً حكماً كان أو موضوعاً.
الثاني: عدم الإجزاء مطلقاً ولابد من القضاء وإليه ذهب صاحب المسالك(1) وصاحب الحدائق(2) والسيد الأستاذ(3)
الثالث: التفصيل بين الحكم والموضوع فيجزي في الأول دون الثاني، وإليه
ص: 469
ذهب صاحب الجواهر(1) والسيد الحكيم(2) وغيرهما.
ولتحقيق المقام لابد من ذكر المستند لهذه الأقوال وما تقتضيه القواعد فنقول: إنّ الأدلة تنحصر في قسمين من الروايات.
القسم الأول: الروايات العامة الدالة على أنّ التقية في كل أمر يضطر إليه، وأن من لا تقية له لا دين له، وقد تقدم الكلام فيها فلا نعيد.
القسم الثاني: الروايات الخاصة وهي أربع:
الأولى: صحيحة عيسى بن أبي منصور أنّه قال: كنت عند أبي عبد الله(علیه السلام) في اليوم الذي يشك فيه، فقال: يا غلام اذهب فانظر أصام السلطان أم لا؟ فذهب ثمّ عاد فقال: لا فدعا بالغذا فتغدينا معه(3)
وهذه الرواية من جهة السند معتبرة فإنّ عيسى بن أبي منصور ثقة خير فاضل من الفقهاء، كما ورد في الرسالة العددية(4) ، وذكر الصدوق في مشيخته رواية في حقه، فقد روى بإسناده إلى ابن أبي يعفور، قال: كنت عند أبي عبد الله (علیه السلام) إذ أقبل عيسى بن أبي منصور فقال لي: إذا أردت أن تنظر خياراً في الدنيا خياراً في الآخرة فانظر إليه(5)
وطريق الصدوق إليه صحيح فالرواية من حيث السند معتبرة.
وأما من جهة الدلالة فكذلك فإنها واردة في مقام التقية.
الثانية: رواية داود بن الحصين عن رجل من أصحابه عن أبي عبد الله(علیه السلام) أنّه قال وهو بالحيرة في زمان أبي العباس: إني دخلت عليه وقد شك الناس في الصوم، وهو والله من شهر رمضان، فسلمت عليه، فقال: يا أبا عبد الله أصمت
ص: 470
اليوم؟ فقلت: لا والمائدة بين يديه، قال: فادن فكل، قال: فدنوت فأكلت، قال وقلت: الصوم معك والفطر معك، فقال الرجل لأبي عبد الله (علیه السلام): تفطر يوماً من شهر رمضان!! فقال: إي والله أفطر يوماً من شهر رمضان أحبّ إلي من أن يضرب عنقي(1)
والرواية وإن كانت من جهة الدلالة واضحة إلاّ أنها من جهة السند غير معتبرة، فإنّ داود بن الحصين من الثقات(2) ولكنه رواها عن رجل من أصحابه فهي مرسلة.
الثالثة: رواية رفاعة عن رجل عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: دخلت على أبي العباس بالحيرة، فقال: يا أبا عبد الله ما تقول في الصيام اليوم؟ فقال: ذلك إلى الإمام إن صمت صمنا، وإن أفطرت أفطرنا، فقال: يا غلام عليّ بالمائدة فأكلت معه، وأنا أعلم والله أنّه يوم من شهر رمضان، فكان إفطاري يوماً وقضاؤه أيسر عليّ من أن يضرب عنقي ولا يعبد الله(3)
وهذه الرواية من جهة السند مرسلة وإن كان رفاعة من الأجلاءمسكون إلى روايته ... حسن الطريقة(4) إلاّ أنّه روى عن رجل فإن قلنا إن حسن الطريقة يوجب التمسك برواياته وإن كانت مرسلة فهو إلاّ أن ذلك مشكل.
وأما من جهة الدلالة فواضحة.
الرابعة: رواية خلاد بن عمارة قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام): دخلت على أبي العباس في يوم شك، وأنا أعلم أنّه من شهر رمضان، وهو يتغدى فقال: يا أبا عبد الله ليس هذا من أيامك، قلت: لم يا أمير المؤمنين؟! ما صومي إلاّ بصومك، ولا
ص: 471
إفطاري إلاّ بإفطارك، قال: فقال: ادن، قال: فدنوت فأكلت وأنا والله أعلم أنّه من شهر رمضان(1)
وهذه الرواية من حيث الدلالة كالروايات السابقة.
وأما من حيث السند ففيها خلاد بن عمارة ولم يرد في حقه توثيق، كما أنّه لم يرو له في الكتب الأربعة إلاّ هذه الرواية، ولكن - كما قررنا في محله - أنّ رواية المشايخ الثقات قرينة على الوثاقة فيكون خلاد بن عمارة ثقة لرواية أحمد بن محمّد بن أبي نصر عنه، كما في سند نفس هذه الرواية، وبناء على هذا فالرواية معتبرة من حيث السند والدلالة.
هذه هي الروايات الخاصة التي يتمسك بها في المقام.
وهناك روايات أخرى قد يستدل بها على المدعى إلاّ أن في دلالتها نظراً.
ومنها: رواية أبي الجارود قال: سألت أبا جعفر (علیه السلام): إنا شككنا سنة في عام من تلك الأعوام في الأضحى، فلما دخلت على أبي جعفر (علیه السلام) وكان بعض أصحابنا يضحي، فقال: الفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحي الناس، والصوم يوم يصوم الناس(2)
والرواية من جهة السند وإن أمكن القول باعتبارها نظراً إلى وقوع أبي الجارود في أسناد تفسير القمي(3) ، وعدم استثنائه من كتاب نوادر الحكمة(4)، ورواية المشايخ الثقات عنه(5) ، وهذه قرائن تدلّ على الوثاقةكما حققناها في محلّها،
ص: 472
مضافاً إلى أنّ الشيخ المفيد قد عدّه من الفقهاء الذين ليس فيهم قدح ولا طعن(1) وهذا كاف للأخذ بروايته، فلا بأس بالرواية من حيث السند إلاّ انها من حيث دخوله في المقام مشكل، وذلك:
أولاً: إنه لا يعلم أن الرواية واردة في مورد التقية، إذ من المحتمل أن المراد من كلام الإمام (علیه السلام) هو الشياع بين الناس الموجب للاطمئنان.
وثانياً: لو كانت واردة في مقام التقية لما كان بعض الأصحاب يرتب الأثر ويضحي.
وثالثاً: إنّ الصوم لا تقية فيه، وإنما التقية في عدم الصوم.
ورابعاً: إنّ المناط هو الاطمئنان، والشياع بين الناس يوجب الاطمئنان نوعاً ولذلك أحال الإمام (علیه السلام) على فعل الناس.
وخامساً: إنه وردت بعض الروايات تؤيد هذا المعنى وهو الشياع الموجب للاطمئنان، ومن ذلك رواية عبد الحميد الأزدي قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): أكون في الجبل في القرية فيها خمسمائة من الناس؟ فقال: إذا كان كذلك فصم لصيامهم وافطر لفطرهم(2)
ورواية سماعة أنّه سأل أبا عبد الله (علیه السلام) عن اليوم في شهر رمضان يختلف فيه؟ قال: إذا اجتمع أهل مصر على صيامه للرؤية فاقضه إذا كان أهل مصر خمسمائة إنسان(3)
ورواية أبي الجارود زياد بن المنذر العبدي قال: سمعت أبا جعفر محمّد بن علي' يقول: صم حين يصوم الناس وافطر حين يفطر الناس، فإنّ الله عزوجل
ص: 473
جعل الأهلة مواقيت(1)
ومحل الشاهد من الرواية الأخيرة هي الجملة الأخيرة وهي قوله: فإنّ الله جعل الأهلة مواقيت.
والذي يقوى في النظر: أنّ هذه الروايات جاءت لبيان أنّ المراد: شياع ثبوت الهلال بين الناس، وأنّ الشك الشخصي لا يعتنى به، ولذلك أحال الإمام(علیه السلام) على فعل الناس، وقريب من هذه الرواية في الدلالة الروايتان المتقدمتان عليها.ثمّ إنّ الرواية الأخيرة لا بأس بها من حيث السند فإنها وإن وقع في سندها محمّد بن سنان إلاّ أننا رجحنا العمل بروايته.
وقد أورد صاحب المستدرك عين هذه الرواية نقلاً عن تفسير العياشي(2)
ومن ذلك يعلم أنّ الإحالة على الناس من هذه الجهة، أي من جهة الأهلة والرؤية لا من جهة التقية، ويمكن استفادة ذلك من الروايات الواردة في اختلاف الأمصار ورؤية الهلال عندهم فيؤخذ بقولهم.
والحاصل: أنّ هذه الرواية خارجة عن محل الكلام فلا يمكن الاستدلال بها على خصوص التقية، وسيأتي في مبحث التقية في الحج أن أكثر الفقهاء يستدلون بهذه الرواية، فإذا قلنا إنّ هذه الرواية خارجة عن المقام فكيف يستدل بها؟
ومنها: ما رواه السيد المرتضى في رسالة المحكم والمتشابه نقلاً عن تفسير النعماني عن علي (علیه السلام) في حديث قال: وأما الرخصة التي صاحبها فيها بالخيار فإن الله نهى المؤمن أن يتخذ الكافر ولياً، ثمّ منّ عليه بإطلاق الرخصة له عند التقية في الظاهر أن يصوم بصيامه، ويفطر بإفطاره، ويصلي بصلاته، ويعمل بعمله ويظهر له استعمال ذلك موسعاً عليه فيه، وعليه أن يدين الله في الباطن بخلاف ما يظهر
ص: 474
لمن يخافه من المخالفين(1)
وهذه الرواية من جهة الدلالة لا بأس بها، وأن الإفطار سائغ إذا كان لتقية، إلاّ أن الكلام في سند هذه الرواية وقد تقدم الكلام حول ذلك مفصلاً فراجع.
ذكرنا فيما تقدم من هذا البحث أنّ الأقوال في المسألة مختلفة، ومنها القول بعدم الإجزاء وأنه لابد من القضاء، وقد تعرّضنا لهذه المسألة على نحو العموم في بحث التقية مع الكفار، وذكرنا أيضاً هنا وهناك أنّ السيد الأستاذ! يذهب إلى القول بعدم الإجزاء، ولزوم الإعادة والقضاء ونقلنا استدلال الطرفين.وهنا تعرّض السيد ! لهذه المسألة في هذا البحث وناقش في الأدلة التي يمكن الاستدلال بها على الصحة، وكلامه هنا يتضمن أموراً لم تذكر هناك، وتتميماً للبحث واستيفاء لجميع أطراف المسألة لا بأس بالتعرّض إلى ما ذكره ! - كما وعدنا - وحاصل ما أفاده ! في المقام: أنّ ما يمكن الاستدلال به على الصحة أمور ثلاثة:
الأول: الروايات العامة الدالة على الرفع وعلى التقية مطلقاً.
وقال ! عن هذه الروايات بأنها لا تدل على الإجزاء، وإنما تدل على رفع الحكم التكليفي، وقد تقدم البحث في ذلك وأنها لا تشمل الأحكام الوضعية.
الثاني: الروايات التي وردت بالنسبة إلى استثناء المسح على الخفين، والمسكر، ومتعة الحج من التقية.
وناقش في هذه الروايات أولاً: بضعف السند، وثانياً: أنّ هذه الروايات في نفسها متعارضة، فهناك روايات تدل على عدم ذلك، وثالثاً: أنّ نفي الاتقاء
ص: 475
لانتفاء الموضوع، ورابعاً: أنّ القدر المتيقن هو رفع الحكم التكليفي، وأما إثبات غيره من الأحكام الوضعية فلا دلالة فيها على ذلك.
وأما الاستدلال بصحيحة أبي الصباح الكناني في قوله (علیه السلام): «ما صنعتم من شيء أو حلفتم عليه من يمين فأنتم فيه في سعة» (1) على الإجزاء فغير تام، لأنّ الرواية واردة في مقام ما يلزم منه الضيق وعدمه، وموضوعه الفعل لا الترك، فما يلزم منه ترك الواجب غير مشمول للسعة، والرواية لا تدل عليه، وبناء على هذا فالعمل الناقص لا يكون مورداً للرواية، مضافاً إلى أن مورد الرواية هو الحلف فيكون المدلول هو رفع الحكم تكليفاً لا الرفع من جميع الجهات، ولذلك لو كان الأمر - مثلاً - يرتبط بالكفارة فلا يشمله الرفع.
الثالث: الروايات الدالة على أنّ العمل بالتقية عمل بالدين، وأنه من الدين، وحينئذ لا حاجة إلى الإعادة أو القضاء، لأنّ ما أتى به على طبق التقية هو من الدين.
وناقش في هذا: بأنّ الدلالة تامة لو كان المراد أنّ العمل من الدين أي نفس ما أتى به هو من الدين، وحينئذ لابدّ من الحكم بالصحة والإجزاء، أما إذا كان المراد هو أنّ الاتقاء من الدين، والعمل هو مقدمة يتحقق به الاتقاء، فالاتقاء من الدين، لا أنّ العمل هو من الدين، وبناء على هذاالاحتمال - وهو احتمال قوي - فلا يمكن الاستدلال بهذه الروايات.
والحاصل: أنّ الروايات التي استدل بها على الإجزاء لا دلالة فيها على ذلك، مضافاً إلى أنّ القاعدة لا تقتضي الإجزاء، نعم إذا قام الدليل الخاص كالأمر - مثلاً - بالإتيان بالمانع أو ترك الجزء إذا أمر به بخصوصه فلا إشكال في صحة ما أتى به والاكتفاء به ولا حاجة معه إلى الإعادة أو القضاء، وأما إذا لم يكن مورداً
ص: 476
للأمر فهنا يلاحظ المورد فإن كان مما يقع الابتلاء به كثيراً ومع ذلك لم يرد فيه دليل خاص على الإجزاء وعدمه، كالتكتف في الصلاة مثلاً، وغسل الرجلين والنكس في الوضوء ونحو ذلك، وكان بمرأى من الأئمة (علیهم السلام) ، أمكن القول بالإجزاء مطلقاً حكماً وموضوعاً وعدم الحاجة إلى القضاء، وإن كان الابتلاء به قليلاً ونادراً كما نحن فيه مثل الصوم في يوم الشك أو الموقف في عرفات ونحو ذلك، فلا يمكن القول بالإجزاء، إذ ليس لنا سيرة متصلة بزمان الأئمة (علیهم السلام) لنكتشف منها الصحة وعدمها فإن القاعدة تقتضي عدم الإجزاء.
وأما إذا لم يأت بالواجب أصلاً للتقية فهذا لا إجزاء فيه قطعاً لعدم الإتيان بالواجب، لا أنّه أتى به ناقصاً فإذا لم يصل تقية أو لم يصم في جميع اليوم كذلك وجب القضاء لعدم إتيانه بشيء من الواجب.
والحاصل: أنّه لا فرق بين الأحكام التكليفية والوضعية من حيث الإجزاء وعدمه إلاّ في هذه الصورة الأخيرة وهي عدم الإتيان بالواجب.
هذا حاصل كلامه ! في المقام(1)
ولكنا قد استفدنا من الأدلة - فيما تقدم في مبحث التقية مع الكفار - الإجزاء مطلقاً حتى في الأجزاء والشرائط لكن لا بهذه الأدلة الثلاثة التي ذكرها السيد الأستاذ ! ولم نتمسك بها على الإجزاء، كما أنّه لا كلام لنا في الصورة الأخيرة وهي ما إذا لزم من التقية ترك الواجب، وإنما محل الكلام فيما إذا لم يأت بشرط أو جزء أو أتى بمانع، هذا أولاً.
وثانياً: أنّه ورد في الروايات أن القضاء في الصوم موضوعه الإفطار بمعنى أنّ المكلف نوى الصوم وأفطر، فإن كان الإفطار يقابل الصوم ويناقضه فلابد حينئذ من القضاء لهذه الجهة، وقد أشار إلى هذا صاحب الجواهر(2) ، ويمكن أن
ص: 477
يستشهد له ببعض الروايات التي تدل على أنّالمناط في القضاء هو الإفطار ومن ذلك: صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (علیه السلام) ، أنّه سئل عن رجل نسي فأكل وشرب؟ قال: لا يفطر، إنما هو شيء رزقه الله فليتم صومه(1)
ومن هذه الرواية يعلم أنّ الأكل والشرب ليس مفطراً في حال النسيان.
ومنها: رواية محمّد بن قيس عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: كان أمير المؤمنين يقول: من صام فنسي فأكل وشرب فلا يفطر من أجل أنّه نسي، فإنما هو رزق رزقه الله تعالى فليتم صيامه (صومه) (2)
وهذه الرواية كالسابقة في دلالتها على أنّ الأكل والشرب نسياناً لا يعد إفطاراً فلا يلزم القضاء، ومن ذلك يستفاد أن موضوع القضاء هو الإفطار لا مجرد الأكل والشرب ولو كان عن نسيان، وبعبارة أخرى أن القضاء في الصوم لازم بأحد وجهين:
الأول: ما ذكره السيد الأستاذ ! (3) : من أنّ ظاهر الروايات هو الإجزاء فيما إذا كان من جهة النقص لا من جهة ترك الإتيان بالواجب رأساً.
الثاني: ما أشار إليه صاحب الجواهر(4) : من أنّ موضوع القضاء هو الإفطار، وإذا تحقق الموضوع لزم الحكم، أما بالنسبة إلى الوجه الأول فهو في محله، فإنّ القول بشمول الأدلة لما لم يأت بالواجب رأساً مشكل، وقد ورد في نظائره الأمر بالقضاء كما إذا نسي الواجب أو جهل حتى انقضى زمانه، ومثل ما إذا فات الواجب لنوم أو مرض أو نحو ذلك، ففي هذه الموارد لابد من القضاء.
وهكذا الحال بالنسبة إلى المعذور كمن كان محبوساً ولم يستطع التشخيص،
ص: 478
فقد ورد في روايات صحيحة(1) أنّه يتوخى شهراً فيصومه، ويلاحظ بعد ذلك أن صيامه وقع متقدماً أو متأخراً أو موافقاً فإن كان موافقاً أو متأخراً فلا قضاء، وأما إذا كان الصيام متقدماً على زمان الواجب - أي شهر رمضان - فلابد من القضاء مع أنّه معذور.نعم ورد استثناء حالة الإغماء وهي محل كلام بين الفقهاء ولسنا في مقام تحقيقها.
وبناء على هذا ففي ما نحن فيه من هذا القبيل، فإنّ المكلف إذا ترك الواجب وإن كان معذوراً إلاّ أنّه يجب عليه القضاء.
وأما بالنسبة إلى الوجه الثاني فقد ذكرنا روايتين يمكن أن يستشهد بهما على المدعى، إلاّ أن في دلالتهما تأمّلاً، فإنه وإن ورد فيهما: «لا يفطر ويتم صومه» إلاّ أنّه يمكن أن يقال: إن معنى لا يفطر أي لا يجب عليه أن يأكل بعد ذلك ويتم صومه، ولا تدلان على أن موضوع القضاء هو الإفطار، وهناك روايات أخرى قيل بدلالتها على ذلك.
منها: صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (علیه السلام) أنّه قال في رجل احتلم أول الليل أو أصاب من أهله، ثمّ نام متعمداً في شهر رمضان حتى أصبح، قال: يتم صومه ثمّ يقضيه إذا أفطر من شهر رمضان ويستغفر ربه(2)
والرواية وإن كانت واردة في موضوع الاحتلام إلاّ أن الحكم كلي وهو الإفطار في شهر رمضان.
ومنها: موثقة مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله عن أبيه ' أنّه قال: من تقيأ متعمداً وهو صائم فقد أفطر وعليه الإعادة، فإن (وإن) شاء الله عذّبه وإن شاء غفر له، وقال: من تقيأ وهو صائم فعليه القضاء(3)
ومنها: موثقة عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: سألته عن رجل أفطر يوماً
ص: 479
من شهر رمضان متعمداً؟ قال: يتصدق بعشرين صاعاً ويقضي مكانه(1).
وغيرها من الروايات التي علق فيها الحكم بالقضاء على الإفطار فعند تحقق الموضوع يترتب الحكم.
ولكن يمكن المناقشة في هذه الاستفادة وذلك:
أولاً: أن الروايات المذكورة أجنبية عن محل الكلام، وذلك لأنّها ناظرة إلى الإفطار العمدي الصادر عن قصد واختيار، وما نحن فيه هو التقية فشمولها للمقام أول الكلام.
وثانياً: أنّ الصحيح من روايات المقام اثنتان الأولى: رواية عيسى بنأبي منصور والثانية: رواية خلاد بن عمارة ولم يرد فيهما ذكر الإفطار، نعم ورد الإفطار في الروايتين الأخريين إلاّ أنهما مرسلتان كما تقدم.
والحاصل: أنّ هذا الوجه لا يمكن الاعتماد عليه لعدم الدليل على إناطة وجوب القضاء بالإفطار، ولكن مع عدم ثبوت هذا الوجه هل يجب القضاء فيه بخصوصه أم لا؟ فمن اضطر تقية إلى الإتيان بمانع أو إنقاص شرط أو جزء فهل حاله حال المتعمد، أم أن القضاء يسقط عنه كسقوط الحكم التكليفي؟ ونفس الكلام يرد بالنسبة إلى الجاهل فمن أفطر عن جهل هل يلزمه القضاء أم لا؟ إذ فرق في المقام بين الموردين.
أما الروايات فقد قلنا بعدم دلالتها على شيء من ذلك وإتمام الحكم من جهة القواعد مشكل.
وقد ذهب السيد الأستاذ(2)! تبعاً لصاحب العروة(3) إلى القول بوجوب القضاء في كلا الموردين مع أنّ الأمر في الجهل - بحسب الظاهر - أسهل من التقية،
ص: 480
فإنّ الوارد في الروايات عنوان التعمد في لزوم القضاء، والتعمد ظاهر في أنّ الإتيان بالمنافي عن علم وإرادة فلا يشمل الناسي والجاهل، ولذلك جعل التعمد مقابلاً للجاهل خصوصاً في مسائل الحج وأحكامه كالصيد وغيره على ما سيأتي.
وأما بالنسبة إلى الاضطرار فإن كان في حال بحيث يسلب عنه الاختيار كما إذا أوجر في حلقه فهذا لا تعمد فيه فلا قضاء.
وأما إذا كان عن اختيار إلاّ أنّه صدر منه لتقية فقد استظهر السيد من الأدلة شمولها لهذه الحالة، لأنه عن قصد وعلم فيكون حاله حال من أفطر متعمداً فيجب القضاء ولا تشمله الأدلة العامة كحديث الرفع ونحوه فإنها واردة في رفع الحكم التكليفي لا الوضعي.
وأما بناء على ما ذكرناه، من أنّ حديث الرفع مطلق بالنسبة إلى الحكم التكليفي والوضعي، كما أنّ أدلة الإفطار مطلقة بالنسبة إلى المتعمد وغيره كالتقية فيقع التعارض بين الإطلاقين فعلى القول بالتساقط فالمرجع هو الأصل العملي وهو البراءة وعلى القول بتقديم أحد الإطلاقين على الآخر، فإن قدمت الأدلة الأولية - كما يظهر من السيد الأستاذ(1) - لأنّ تقييدها بالعلم بعيد في نفسه، مضافاً إلى أنّه خلافالظاهر بل هو أمر مستهجن ويحتاج إلى الدليل، وهي شاملة لأدلة التقية أيضاً، فالحكم حينئذ هو وجوب القضاء.
وإن قلنا بتقديم أدلة الرفع على الأدلة الأولية - كما هو ليس ببعيد - فالحكم هو عدم وجوب القضاء وتكون النتيجة مع القول بالتساقط واحدة، فإن الأصل العملي بناء عليه هو البراءة.
وقد ذكرنا أن حديث الرفع يشمل الحكم التكليفي والوضعي خلافاً لسيدنا الأستاذ ! ، والأدلة الأولية إما أنها غير شاملة لحاكمية أدلة الرفع عليها، وإما
ص: 481
أنها معارضة، فالقاعدة تقتضي عدم وجوب القضاء، ومع الشك في الدلالة تصبح المسألة من الشك في دوران الأمر بين الأقل والأكثر، وذلك لأنّ من أفطر يوماً تقية يجب عليه إتمامه أما وجوب صيام يوم آخر فمشكوك فيه، وحينئذ يؤخذ بالقدر المتيقن وهو إتمام صيام ذلك اليوم فقط، وتفصيل المسألة في علم الأصول، ولكن مقتضى الاحتياط وخصوصاً لما ورد في مرسلة رفاعة هو القضاء، فقد ورد فيها: إفطاري يوماً وقضاوه أيسر عليّ من أن يضرب عنقي.
الأول: إنّ الحكم بجواز الإفطار أو وجوبه مختص بعدم المندوحة، وأما معها فلا يجوز الإفطار، وذلك لأنّ التقية الخوفية - كما في ما نحن فيه - مقيدة بعدم المندوحة، ولا فرق في الخوف بين أن يكون على النفس أو المال أو العرض، وبناء على هذا فإذا تحققت التقية بشرائطها وجب الإفطار وإلاّ فلا، وما ورد من الروايات من فعله (علیه السلام) ودخوله على أبي العباس وإفطاره فهو محمول على أنّه فعل خارجي، لا بيان فيه، أو أنّه صدر منه (علیه السلام) في حالة عدم المندوحة.
الثاني: يقتصر في الإفطار على ما تتوقف عليه التقية، ولا يجوز التعدي إلى ما زاد عليه إذ لا دليل على الجواز، فمن اضطر إلى الأكل لا يجوز له الشرب وهكذا العكس، كما أنّه إذا كان رفع التقية بمرة واحدة لا يجوز له التكرار اقتصاراً على مقدار الضرورة، وهذا هو المستفاد من الأدلة كما ذكره صاحب المسالك وغيره.
وما ورد من الروايات كرواية عيسى بن أبي منصور وقوله: «فتغذينا معه» لا يستفاد منها كيفية الأكل لكونه فعلاً خارجياً لا بيان فيه كما ذكرنا.
الثالث: بناء على وجوب الإمساك بقية النهار لمن أفطر تقية، فإذا أفطر
ص: 482
بعد ذلك فهل تجب الكفارة أم لا؟
الذي يظهر من المسالك(1) أنّ الكفارة واجبة لصدق الإفطار العمدي فإن أدلة الكفارة موضوعها الإفطار عن عمد وإذا صدق العنوان ترتب الحكم.
وناقش في ذلك صاحب الجواهر(2) وصاحب المدارك(3) وغيرهما: بأن موضوع الكفارة الإفطار عن صوم لم يفطر فيه، وما نحن فيه ليس كذلك فإن إفطاره مسبوق بالإفطار عن تقية، فالحكم بوجوب الكفارة مورد للإشكال إذ لا يصدق على المفطر عنوان الإفطار عن عمد.
والتحقيق: أنّه إن قلنا بصحة صوم من أفطر عن تقية وعدم وجوب القضاء عليه فالظاهر وجوب الكفارة، لأنّ صومه - حسب الفرض - صحيح وحاله كحال من أكل ناسياً ثمّ أكل متعمداً، ولا إشكال في هذه الصورة بلزوم الكفارة.
وإن قلنا بعدم صحة الصوم ووجوب القضاء كما أفاده صاحب العروة وتبعه السيد الأستاذ ! فالقول بشمول أدلة الكفارة له مشكل، وذلك لأنّ القدر المتيقن من الروايات هو لزوم الكفارة في حالة الحكم بصحة الصوم، وأما شمولها للصوم الباطل فغير محرز، فيكون مورداً للشك فلا يتمسك بالإطلاق ويقتصر فيه على القدر المتيقن فإذا أفطر بعد الإفطار عن تقية، فلا تلزمه الكفارة.
وبعبارة أخرى: إذا شككنا في شمول الأدلة للحالتين فالقدر المتيقن أن الحكم بوجوب الكفارة منوط بالحكم بصحة الصوم، وأما مع عدم الحكم بصحة الصوم فمقتضى أصالة البراءة عدم وجوب الكفارة.
وبهذا يتم الكلام حول التقية في الصوم.
ص: 483
ص: 484
5 - التقية في الحج
· الاتفاق على حرمة تظليل الرجل المحرم حال المسير اختياراً
· الكفارة وتكررها في إحرام واحد أو إحرامين
· في بيان المراد من الحج الأكبر والشاهد والمشهود من خلال الروايات
· التحقيق حول ركنية الزمان والمكان في عرفات
· الفرق بين يوم عرفة وبين سائر الأيام
· حكم الموقف إذا ثبت عند المخالفين أن يوم التروية هو يوم عرفة
· مخالفة الواقع تقية هل تجزي عن الواقع أو لا؟
ص: 485
ص: 486
وفيها مسألتان:
والكلام فيها يقع في مقامات:
لاشك في حرمة التظليل للرجل الماشي أو الراكب بمظلة أو غيرها ولو كان بسقف المحمل أو السيارة أو الطائرة حال الإحرام، وهو من المتسالم عليه بين الفقهاء بل ادعي عليه الإجماع(1) ، وإن نسب إلى ابن الجنيد القول بالاستحباب(2).
وقد استفاضت الروايات الدالة على حرمته بالنسبة للرجل المحرم الماشي أو الراكب، وموضع البحث التقية في التظليل وما يترتب عليه من آثار، وقد تقدم أنّ التقية علة تبيح كل محذور إلاّ ما استثني وليس منه التظليل، فيكون داخلاً في المستثنى منه وتشمله الأدلة العامة الرافعة للحرمة التكليفية، بل قد ينعكس الأمر
ص: 487
ويصبح التظليل واجباً بعد أن كان حراماً.
وهذه المسألة وإن لم يرد لها ذكر في الروايات ولا في كلمات الفقهاء إلاّ عن بعضهم كالسيد الأستاذ !(1) وغيره، وكان بناؤنا على التعرّض لموارد التقية الواردة في الروايات، ولكن لما كانت هذه المسألة معرضاً للابتلاء ناسب البحث عنها من هذه الجهة، وذلك لأنّ التقية داخلة في سائر الأعذار، بل المستفاد من الروايات الكثيرة والأدلة العامة الواردة في التقية أنها من أقوى العلل المسوّغة للمخالفة، وبناء على هذا فلا إشكال في ارتفاع الحكم التكليفي حال التقية.وأما بالنسبة إلى الآثار فقد يقال: إنّ القاعدة تقتضي ارتفاع الحكم الوضعي أيضاً، فلا تجب الكفارة ولا القضاء أو الإعادة، ولكن لا يبعد القول: إنّ المستفاد من الأدلة أن للمورد خصوصية تقتضي عدم ارتفاع الحكم الوضعي وأن التظليل مطلقاً ملازم للكفارة، ويدل على ذلك عدة روايات:
منها: صحيحة علي بن جعفر قال: سألت أخي (علیه السلام) أظلل وأنا محرم؟ فقال: نعم وعليك الكفارة، قال: فرأيت علياً إذا قدم مكة ينحر بدنة لكفارة الظل(2).
وظاهر السؤال في الرواية أنّ التظليل كان للضرورة بقرينة سائر الروايات المخصصة لها كحرارة الشمس ونحوها، ومحل الشاهد من الرواية هو أنّ الكفارة ملازمة للتظليل.
ومنها: صحيحة سعد بن سعد الأشعري عن أبي الحسن الرضا (علیه السلام) قال: سألته عن المحرم يظلل على نفسه؟ فقال: أمن علة؟ فقلت: يؤذيه حرّ الشمس وهو محرم، فقال: هي علة يظلل ويفدي(3)
والمستفاد من هذه الرواية والرواية السابقة أنّ الكفارة أو الفداء ملازم
ص: 488
للتظليل سواء وقع عن اختيار أم لا، كما أنّ المستفاد من بعض الروايات الأخرى أنّ المرتكز في أذهان أصحاب الأئمة (علیهم السلام) أنّ الكفارة واجبة مع التظليل ومن ذلك:
موثقة عبد الله بن المغيرة قال: قلت لأبي الحسن الأول (علیه السلام): أظلل وأنا محرم، قال: لا، قلت: أفأظلل وأكفر؟ قال: لا، قلت: فإن مرضت قال: ظلل وكفر، ثمّ قال: أما علمت أنّ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال: ما من حاج يضحي ملبياً حتى تغيب الشمس إلاّ غابت ذنوبه معها(1)
هذا فيما إذا صدر التظليل عن اختيار المكلف، وأما إذا كان التظليل عن غير اختيار فهو خارج لأنّ التظليل غير مستند إليه.
ثم إنه لا فرق في ذلك بين أن يعلم بتحقق التقية من أول الأمر أعني قبل الإحرام، كما إذا علم - وهو في بلده - أنّه إذا قصد الحج أو العمرة يبتلي بالتقية ولابد له من التظليل من أول إحرامه أو في أثنائه، أو لم يعلم بذلك - فإنّ التقية حكمها حكم المرض بلا فرق بين علمه السابق بذلك وعدم علمه، وعليه فيجوز له التظليل أو يجب ولا يوجب ذلك الإخلالبصحة حجه وعمرته بل لا يكون من باب التزاحم كما لا يخفى.
والروايات الواردة في ذلك مختلفة، ويمكن تقسيمها إلى ثلاث طوائف:
الأولى: ما دل على أنّ الكفارة شاة وهي عدة روايات:
منها: صحيحة محمّد بن إسماعيل قال: سألت أبا الحسن (علیه السلام) عن الظل للمحرم من أذى مطر أو شمس؟ فقال: أرى أن يفديه بشاة ويذبحها بمنى(2)
ومنها: معتبرة إبراهيم بن أبي محمود قال: قلت للرضا (علیه السلام): المحرم يظلل
ص: 489
على محمله ويفدي إذا كانت الشمس والمطر يضرّان به؟ قال: نعم، قلت: كم الفداء؟ قال: شاة(1)
ومنها: صحيحة محمّد بن إسماعيل بن بزيع عن الرضا (علیه السلام) قال: سأله رجل عن الظلال للمحرم من أذى مطر أو شمس وأنا أسمع، فأمره أن يفدي شاة ويذبحها بمنى(2)
الثانية: ما دل على مطلق الفداء من دون تعيين ومن ذلك:
رواية علي بن محمّد قال: كتبت إليه: المحرم هل يظلل على نفسه إذا أذته الشمس أو المطر أو كان مريضاً أم لا؟ فإن ظلل هل يجب عليه الفداء أم لا؟ فكتب: يظلل على نفسه ويهريق دماً إن شاء الله(3)
والرواية من حيث الدلالة مطلقة إذ لم يعين فيها شيء بخصوصه.
وأما من حيث السند فالظاهر أنّ المراد من علي بن محمّد هو القاساني الذي يروي عنه الصفار كثيراً، وقد اختلف في وثاقته فقال عنه النجاشي: كان فقيهاً مكثراً من الحديث فاضلاً، غمز عليه أحمد بن محمّد بن عيسى، وذكر أنّه سمع منه مذاهب منكرة، وليس في كتبه ما يدل على ذلك(4) ، وضعفه الشيخ في رجاله حيث قال: علي بن محمّد القاشاني ضعيف(5)وقد ورد في كتاب نوادر الحكمة(6) ولم يستثنه ابن الوليد.
ومن جهة أخرى عد الشيخ في أصحاب الهادي (علیه السلام) علي بن شيرة وقال: ثقة وقد جزم العلامة بالاتحاد(7)
فإن كان متحداً فكلام الشيخ مضطرب، ويحمل التضعيف على مذهبه أو
ص: 490
على أن له حالتين، وإن كان متعدداً فلا إشكال على كلام الشيخ.
وقد ذكر السيد الأستاذ في المعجم(1) أنّ إحراز الاتحاد مشكل، لاحتمال أن يكون علي بن شيرة عم علي بن محمد، وبناء على احتمال التعدد لا يمكن الحكم بالاتحاد والوثاقة.
ويؤيد عدم الاتحاد اختلاف الطبقة، وبناء على عدم إحراز الاتحاد وعلى ما قررناه في بحوثنا الرجالية من أن عدم الاستثناء من نوادر الحكمة علامة التوثيق يكون علي بن محمّد بن شيرة القاساني مورداً للتعارض فلا يمكن الأخذ بروايته والنتيجة سقوط الرواية عن الاعتبار، مضافاً إلى أنّ الرواية مطلقة فتحمل على الروايات الأخرى المقيدة.
ومنها: موثقة علي بن جعفر المتقدمة، وهي أيضاً مطلقة كالرواية السابقة، فتقيد بما دل على وجوب الشاة، وأما ما صدر من علي بن جعفر وأنه كفر ببدنة فلا دلالة فيه لأنه فعل خارجي لا بيان فيه، مضافاً إلى أنّ علي بن جعفر ليس بإمام ليكون فعله حجة بالنسبة إلينا، وإذا كان الواجب هو التكفير بشاة كما هو رأي السيد الأستاذ(2) فلا وجه لحمل صاحب الوسائل فعل علي بن جعفر على الأفضلية(3) ، والأولى حمله على أنّه فعل خاص.
الثالثة: ما دل على التصدق بمد من الطعام ومن ذلك:
رواية علي بن أبي حمزة عن أبي بصير قال: سألته عن المرأة يضرب عليها الظلال وهي محرمة؟ قال: نعم، قلت: فالرجل يضرب عليه الظلال وهو محرم؟ قال: نعم إذا كانت به شقيقة، ويتصدق بمد لكل يوم(4)
ص: 491
والرواية وإن كانت دلالتها تامة إلاّ أنها ضعيفة السند بشخصين هما سهل بن زياد، وعلي بن أبي حمزة، فلا يمكن الاستدلال بها في المقام ولا ترفع اليد عن الروايات الصحيحة الدالة على لزوم التكفير بشاة، ومع الإغماض عن سند الرواية تحمل على الإعسار كما حملها صاحب الوسائل(1).
والحاصل: أنّ كفارة التظليل شاة.
في تكرر الكفارة بتكرر الفعل وعدمه وفيه صورتان:
الأولى: أن يكون ذلك في إحرامين مستقلين كالعمرة والحج مثلاً، وفي هذه الصورة تتكرر الكفارة بلا إشكال، لأنّ
الأصل عدم تداخل الأسباب، ويكون حاله حال الإفطار في يومين، مضافاً إلى التصريح بذلك في الروايات.
الثانية: أن يكون ذلك في إحرام واحد.
ومقتضى القاعدة هو تكرر الكفارة لأنّ الأصل عدم تداخل الأسباب، وإذا تعددت الأسباب فلكل سبب كفارة، والتظليل إذا تكرر وإن كان في إحرام واحد فهو من هذا القبيل.
ولكن الظاهر عدم التكرر والحكم بالتداخل في إحرام واحد وذلك:
أولاً: لعدم ورود دليل عليه مع أنّه مورد الابتلاء، كما أنّه لم يرد عنهم(علیهم السلام) الحكم بتعدد الكفارة مع أن كلامهم في مقام البيان.
وثانياً: أنّه ورد في بعض الروايات التصريح بذلك، والتفريق بين ما وقع في إحرام واحد وبين ما وقع في إحرامين، ومن ذلك:
صحيحة أبي علي بن راشد قال: قلت له (علیه السلام): جعلت فداك إنه يشتد عليّ كشف الظلال في الإحرام لأني محرور يشتد عليّ حر الشمس؟ فقال: ظلل وأرق دماً، فقلت له: أو دمين، قال: للعمرة؟ قلت: إنا نحرم بالعمرة وندخل مكة فنحل
ص: 492
ونحرم بالحج قال: فأرق دمين(1)
والرواية واضحة الدلالة ومعتبرة السند.
والحاصل: أنّه لا يجب إهراق أكثر من دم واحد وإن تكرر التظليل فيإحرام واحد.
ويقع الكلام فيها في مقامين:
الأول: في الأدلة على لزوم الإتيان بالأعمال الخاصة في الأيام المخصوصة اختياراً أو اضطراراً.
الثاني: في ما تقتضيه أدلة التقية عموماً وخصوصاً.
أما بالنسبة إلى المقام الأول فلا إشكال في وجوب الوقوف في عرفات من زوال يوم التاسع من ذي الحجة إلى غروب الشمس، وقد ادعي إجماع المسلمين على ذلك(2) ، نعم نسب إلى أحمد الخلاف(3) في مبدأ الوقوف، فقد أوجبه من فجر يوم التاسع لا من الزوال، هذا في الوقوف الاختياري، وأما الوقوف الاضطراري فهو الوقوف برهة من الليل، والوقوف في المشعر فالاختياري منه من طلوع فجر يوم العيد إلى طلوع الشمس، وأما الاضطراري فهو الوقوف وقتاً ما بعد طلوع الشمس إلى زوال يوم العيد.
وأما أعمال منى من الرمي والذبح والحلق أو التقصير فيجب الإتيان بها يوم العيد اختياراً، وأما الاضطراري من ذلك ففيها تفاصيل ليس هنا موضع ذكرها.
والحاصل: أنّ أصل وجوب هذه الأعمال الخاصة في الأيام المخصوصة مما لا خلاف فيه، وقد ذكر العلامة في التذكرة والمنتهى أن ذلك محل إجماع من
ص: 493
المسلمين(1)
وقد دلت على ذلك روايات كثيرة وهي على طوائف.
الطائفة الأولى: ما حكي فيها فعل النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) ومن ذلك:
صحيحة معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله (علیه السلام): إنّ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أقام بالمدينة عشر سنين لم يحج، ثمّ أنزل الله عليه : (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) (2) ، فأمر المؤذنين أن يؤذنوا بأعلى أصواتهم بأنّ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يحج من عامه هذا،فعلم به من حضر المدينة وأهل العوالي والأعراب، فاجتمعوا فحجّ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ، وإنما كانوا تابعين ينتظرون ما يؤمرون به فيتبعونه، أو يصنع شيئاً فيصنعونه، فخرج رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في أربع بقين من ذي القعدة، فلما انتهى إلى ذي الحليفة فزالت الشمس اغتسل ، ثمّ خرج حتى أتى المسجد الذي عند الشجرة فصلى فيه الظهر، وعزم (أحرم) بالحج مفرداً، وخرج حتى انتهى إلى البيداء عند الميل الأوّل، فصفّ الناس له سماطين فلبّى بالحجّ مفرداً وساق الهدي ستاً وستين بدنة أو أربعاً وستين، حتى انتهى إلى مكة في سلخ أربع من ذي الحجّة، فطاف بالبيت سبعة أشواط، وصلى ركعتين خلف مقام إبراهيم، ثمّ عاد إلى الحجر فاستلمه، وقد كان استلمه في أول طوافه، ثمّ قال: إنّ الصفا والمروة من شعائر الله فابدؤا بما بدأ الله به، وإن المسلمين كانوا يظنون أنّ السعي بين الصفا والمروة شيء صنعه المشركون، فأنزل الله تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا)(3) ثمّ أتى الصفا فصعد عليه فاستقبل الركن اليماني، فحمد الله وأثنى عليه ودعا مقدار ما تقرأ سورة البقرة مترسلاً، ثمّ انحدر إلى المروة فوقف عليها كما
ص: 494
وقف على الصفا، ثمّ انحدر وعاد إلى الصفا فوقف عليها، ثمّ انحدر إلى المروة حتى فرغ من سعيه، ثمّ أتى جبرئيل وهو على المروة، فأمره أن يأمر الناس أن يحلوا إلاّ سائق هدي، فقال رجل: أنحل ولم نفرغ من مناسكنا؟! فقال: نعم، فلما وقف رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بالمروة بعد فراغه من السعي أقبل على الناس بوجهه فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: إنّ هذا جبرئيل (وأومأ بيده إلى خلفه) يأمرني أن آمر من لم يسق هدياً أن يحل، ولو استقبلت من أمري مثل الذي استدبرت لصنعت من ما أمرتكم، ولكني سقت الهدي، ولا ينبغي لسائق الهدي أن يحلّ حتى يبلغ الهدي محلّه، قال: فقال «له» رجل من القوم: لنخرجن حجاجاً وشعورنا تقطر؟ فقال له رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) : أما إنك لن تؤمن بعدها أبداً، فقال له سراقة بن مالك بن خثعم الكناني: يا رسول الله علمنا ديننا كأنما خلقنا اليوم، فهذا الذي أمرتنا به لعامنا هذا أم لما يستقبل؟ فقال له رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم):بل هو للأبد إلى يوم القيامة، ثمّ شبك أصابعه بعضها إلى بعض وقال: دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة، وقدم علي (علیه السلام) من اليمن على رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وهو بمكة فدخل على فاطمة(علیها السلام) وهي قد أحلّت، فوجد ريحاً طيبة، ووجد عليهاثياباً مصبوغة، فقال: ما هذا يا فاطمة؟! فقالت: أمرنا رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ، فخرج عليّ (علیه السلام) إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) مستفتياً ومحرشاً على فاطمة (علیها السلام) ، فقال: يا رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) إني رأيت فاطمة قد أحلّت، عليها ثياب مصبوغة، فقال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) : أنا أمرت الناس بذلك، وأنت يا علي بما أهللت؟ قال: قلت: يا رسول الله إهلالاً كإهلال النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) ، فقال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): كن على إحرامك مثلي، وأنت شريكي في هديتي، قال: فنزل رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بمكة بالبطحاء هو وأصحابه، ولم ينزل الدور، فلما كان يوم التروية عند زوال الشمس أمر الناس أن يغتسلوا ويهلّوا بالحج، وهو قول الله الذي أنزله على نبيه:
ص: 495
(فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ)(1) فخرج النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) وأصحابه مهلين بالحج حتى أتوا منى، فصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والآخرة والفجر، ثمّ غدا والناس معه، فكانت قريش تفيض من المزدلفة وهي جمع، ويمنعون الناس أن يفيضوا منها، فأقبل رسول الله وقريش ترجو أن يكون إفاضته من حيث كانوا يفيضون، فأنزل الله على نبيه: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ)(2) يعني: إبراهيم وإسماعيل وإسحاق في إفاضتهم منها ومن كان بعدهم، فلما رأت قريش قبة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قد مضت، كأنه دخل في أنفسهم شيء للذي كانوا يرجون من الإفاضة من مكانهم، حتى انتهوا إلى نمرة وهي بطن عرفة بجبال الأراك، فضربت قبته، وضرب الناس أخبيتهم عندها، فلما زالت الشمس خرج رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ومعه قريش وقد اغتسل وقطع التلبية حتى وقف بالمسجد، فوعظ الناس وأمرهم ونهاهم، ثمّ صلى الظهر والعصر بأذان واحد وإقامتين، ثمّ مضى إلى الموقف فوقف به فجعل الناس يبتدرون أخفاف ناقته «يقضون» يقفون إلى جنبها فنحاها ففعلوا مثل ذلك فقال: أيها الناس إنه ليس موضع أخفاف ناقتي بالموقف، ولكن هذا كله موقف، وأومأ بيده إلى الموقف، فتفرّق الناس، وفعل مثل ذلك بمزدلفة، فوقف حتى وقع القرص قرص الشمس، ثمّ أفاض وأمر الناس بالدعة، حتى إذا انتهى إلى المزدلفة وهي المشعر الحرام فصلى المغرب والعشاء والآخرة بأذان واحد وإقامتين، ثمّ أقام حتى صلى الفجر وعجّل ضعفاء بني هاشم بالليل وأمرهم أن لا يرموا الجمرة جمرة العقبة حتى تطلع الشمس، فلما أضاء له النهار أفاض حتى انتهى إلى منى فرمى جمرة العقبة، وكانالهدي الذي جاء به رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أربعاً وستين، أو ستاً وستين، وجاء علي (علیه السلام) بأربعة وثلاثين، أو ستّ وثلاثين، فنحر رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) ستاً وستين، ونحر علي (علیه السلام) أربعاً وثلاثين بدنة،
ص: 496
وأمر رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أن يؤخذ من كل بدنة منها حذوة «جذوة» من لحم ثمّ تطرح في مرقة «برمة» ثمّ تطبخ فأكل رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) منها وعلي (علیه السلام) ، وحسيا من مرقها، ولم يعطوا الجزارين جلودها ولا جلالها ولا قلائدها، وتصدق بها، وحلق وزار البيت ورجع إلى منى فأقام بها حتى كان اليوم الثالث من آخر أيام التشريق، ثمّ رمى الجمار ونفر حتى انتهى إلى الأبطح، فقالت عائشة: يا رسول الله ترجع نساؤك بحجة وعمرة معاً، وأرجع بحجة، فأقام بالأبطح، وبعث معها عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم فأهلت بعمرة، ثمّ جاءت وطافت بالبيت وصلت ركعتين عند مقام إبراهيم (علیه السلام) ، وسعت بين الصفا والمروة، ثمّ أتت النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) فارتحل من يومه ولم يدخل المسجد الحرام، ولم يطف بالبيت ودخل من أعلى مكة من عقبة المدنيين، وخرج من أسفل مكة من ذي طوى(1).
ومحل الشاهد من هذه الرواية أنّ الموقف هو عرفة، وأنّ النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) وقف في بطنها، وأنه في اليوم التاسع عند الزوال، وإنما أوردنا الرواية على طولها لما اشتملت عليه من وصف أفعاله - في تأدية المناسك.
الطائفة الثانية: ما ورد من الروايات في حكاية فعل إبراهيم الخليل (علیه السلام) وغيره من الأنبياء (علیهم السلام):
ومنها: موثقة أبان بن عثمان عن أبي بصير، أنّه سمع أبا جعفر وأبا عبد الله (علیه السلام) يذكران: أنّه لما كان يوم التروية، قال جبرئيل (علیه السلام) لإبراهيم(علیه السلام): تروه من الماء فسميت التروية، ثمّ أتى منى فأباته بها، ثمّ غدا به إلى عرفات، فضرب خباءه بنمرة دون عرفة، فبنى مسجداً بأحجار بيض وكان يعرف أثر مسجد إبراهيم، حتى أدخل في هذا المسجد الذي بنمرة حيث يصلي الإمام يوم عرفة فصلى بها الظهر والعصر، ثمّ عمد إلى عرفات، فقال: هذه
ص: 497
عرفات فاعرف بها مناسكك، واعترف بذنبك، فسمى عرفات، ثمّ أفاض إلى المزدلفة، فسميت المزدلفة، لأنه ازدلف إليها، ثمّ قام على المشعر الحرام، فأمره الله أن يذبح ابنه وقد رأى فيه شمائله وخلائقه، فلما أصبح أفاض من المشعر إلى منى، ثمّ قال لأمه: زوريالبيت واحتبس الغلام الحديث(1).
ومنها: موثقة أبان بن عثمان أيضاً عن أبي عبد الله (علیه السلام) (في حديث) : إنّ آدم لما اُمر بالتوبة قال جبرئيل له: قم يا آدم فخرج به يوم التروية فأمره أن يغتسل ويحرم، فلما كان يوم الثامن من ذي الحجة أخرجه جبرئيل إلى منى فبات فيها، فلما أصبح توجه إلى عرفات، وكان قد علّمه الإحرام وأمره بالتلبية، فلما زالت الشمس يوم عرفة قطع التلبية وأمره أن يغتسل، فلما صلى العصر أوقفه بعرفات (إلى أن قال:) فبقي آدم إلى أن غابت الشمس رافعاً يديه إلى السماء يتضرع ويبكي إلى الله، فلما غابت الشمس رده إلى المشعر فبات به، فلما أصبح قام على المشعر فدعا الله بكلمات فتاب عليه، ثمّ أفاض إلى منى وأمره جبرئيل أن يحلق الشعر الذي عليه فحلقه، ثمّ رده إلى مكة فأتى به إلى عند الجمرة الأولى، فعرض له إبليس عندها فقال: يا آدم أين تريد؟ فأمره جبرئيل أن يرميه بسبع حصيات وأن يكبّر مع كل حصاة تكبيرة ففعل آدم، ثمّ ذهب فعرض له إبليس عند الجمرة الثانية، فأمره أن يرميه بسبع حصيات فرمى وكبر مع كل حصاة تكبيرة، ثمّ عرض له عند الجمرة الثالثة فأمره أن يرميه بسبع حصيات فرمى وكبّر مع كل حصاة، فذهب إبليس، فقال له: إنك لن تراه بعد هذا أبداً، ثمّ انطلق به إلى البيت الحرام وأمره أن يطوف به سبع مرات ففعل، فقال له: إنّ الله قد قبل توبتك وحلّت لك زوجتك(2) (3).
ص: 498
ومنها: صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: إنّ إبراهيم أتاه جبرئيل عند زوال الشمس من يوم التروية، فقال: يا إبراهيم ارتو من الماء لك ولأهلك، ولم يكن بين مكة وعرفات يومئذ ماء، فسميت التروية لذلك، ثمّ ذهب به حتى أتى منى، فصلى بها الظهر والعصر والعشائين والفجر، حتى إذا بزغت الشمس خرج إلى عرفات، فنزل بنمرة وهي بطن عرفة، فلما زالت الشمس خرج وقد اغتسل فصلى الظهر والعصربأذان واحد وإقامتين وصلى في موضع المسجد الذي بعرفات (إلى أن قال:) ثمّ مضى به إلى الموقف فقال: يا إبراهيم اعترف بذنبك واعرف مناسكك، فلذلك سميت عرفة، حتى غابت الشمس، ثمّ أفاض به إلى المشعر، فقال: يا إبراهيم ازدلف إلى المشعر الحرام، فسميت المزدلفة، وأتى به المشعر الحرام فصلّى به المغرب والعشاء الآخرة بأذان واحد وإقامتين، ثمّ بات بها حتى إذا صلى الصبح أراه الموقف، ثمّ أفاض به إلى منى، فأمره فرمى جمرة العقبة وعندها ظهر له إبليس ثمّ أمره بالذبح الحديث(1)
ومنها: صحيحة معاوية بن عمار أيضاً قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن عرفات لم سميت عرفات؟ فقال: إنّ جبرئيل (علیه السلام) خرج بإبراهيم (علیه السلام) يوم عرفة، فلما زالت الشمس قال له جبرئيل: يا إبراهيم اعترف بذنبك واعرف مناسكك، فسميت عرفات لقول جبرئيل: اعترف فاعترف(2) (3)
ص: 499
والذي يستفاد من هذه الطائفة أنّ الأنبياء السابقين - ولا سيّما إبراهيم الخليل(علیه السلام) الذي شيّد البيت - كانوا يقفون في اليوم التاسع في عرفات، وأن ما يأتون به من المناسك لا يختلف عما فعله النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) ، فكأن أعمال الحجواحدة منذ زمان آدم وإلى يومنا هذا.
ثم إنه لا إشكال في هذه الروايات من حيث السند ولا سيما أن معاوية بن عمار له كتاب في الحج، والطريق إليه صحيح وقد ذكرنا ذلك في بحوثنا الرجالية.
الطائفة الثالثة: ما ورد من تعيين الموقف في وقت محدد وهي عدة روايات:
منها: صحيحة جميل بن دراج عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: ينبغي للإمام أن يصلي الظهر من يوم التروية بمنى، ويبيت بها ويصبح حتى تطلع الشمس ثمّ يخرج(1)
وهذه الرواية وإن لم يصرّح فيها بالخروج إلى عرفات إلاّ أن رواية الصدوق بإسناده عن جميل بن دراج قد صرح فيها بذلك وهي: عن جميل بن دراج عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: على الإمام أن يصلي الظهر بمنى، ويبيت بها ويصبح حتى تطلع الشمس ثمّ يخرج إلى عرفات(2)
ص: 500
ومنها: صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (علیه السلام) (في حديث) قال: فإذا انتهيت إلى عرفات فاضرب خباك بنمرة، ونمرة هي بطن عرنة دون الموقف ودون عرفة، فإذا زالت الشمس يوم عرفة فاغتسل وصل الظهر والعصر بأذان واحد وإقامتين، فإنما تعجل العصر وتجمع بينهما لتفرغ نفسك للدعاء فإنه يوم دعاء ومسألة(1)
ومنها: رواية ابن يزيد عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: إذا زاغت الشمس يوم عرفة فاقطع التلبية واغتسل، وعليك بالتكبير والتهليل والتحميد والتسبيح والثناء على الله، وصل الظهر والعصر بأذان واحد وإقامتين(2)
وغيرها من الروايات التي تدل على تعيين الموقف وتحديده بيوم عرفة.
الطائفة الرابعة: ما ورد فيها أن يوم عرفة هو الشاهد أو المشهود ومن تلك الروايات: صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن أبي عبد الله (علیه السلام) أنّه قال: الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة، والموعود يوم القيامة(3)ومنها: معتبرة أبي الجارود عن أحدهما ' في قول الله عزوجل : (وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ)(4) قال: الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة، والموعود يوم القيامة(5).
ومنها: رواية الحلبي عن أبي عبد الله (علیه السلام) في قوله عزوجل: (وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ) قال: الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة(6).
ص: 501
وسند الرواية ليس بنقي، فإن فيه أبا جميلة وهو محل خلاف، ولنا حوله تحقيق ذكرناه في محله.
ومنها: مرسلة محمّد بن هاشم عمن روى عن أبي جعفر (علیه السلام) (في حديث) قال: الشاهد هو يوم عرفة، والمشهود يوم القيامة(1)
وغيرها من الروايات الدالة على هذا المعنى.
ويلحق بهذه الطائفة الروايات الدالة على معنى الحج الأكبر وأنه يوم عرفة أو غيره، ومن ذلك: رواية الفضيل بن عياض عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: سألته عن الحج الأكبر، فقال: أعندك فيه شيء؟ فقلت: نعم، كان ابن عباس يقول: الحج الأكبر يوم عرفة، يعني من أدرك يوم عرفة إلى طلوع الفجر من يوم النحر فقد ادرك الحج، ومن فاته ذلك فقد فاته الحج، فجعل ليلة عرفة لما قبلها ولما بعدها، والدليل على ذلك أنّه من أدرك ليلة النحر إلى طلوع الفجر فقد ادرك الحج وأجزأ عنه من عرفة فقال أبو عبد الله (علیه السلام): قال أمير المؤمنين (علیه السلام): الحج الأكبر يوم النحر واحتج بقول الله عزوجل: (فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ )(2) فهي عشرون من ذي الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع الأول وعشر من شهر ربيع الآخر، ولو كان الحج الأكبر يوم عرفة لكان السيح أربعة أشهر ويوماً(3)، الحديث.
والمستفاد من روايات هذه الطائفة تعيين يوم التاسع من شهر ذي الحجة بأنه يوم عرفة وهو يوم الموقف، ومحل الشاهد من الرواية الأخيرة، أن من أدرك عرفة إلى طلوع الفجر من يوم النحر فقد أدركالحج، وهذا إشارة إلى الموقف الاضطراري، ولذلك جعل ليلة عرفة لما قبلها وما بعدها، وأما معنى الحج الأكبر
ص: 502
فقد استدل الإمام (علیه السلام) على أنّه يوم العيد بالآية الشريفة، ولولا ذلك لكان مقدار السيح أكثر من أربعة أشهر.
الطائفة الخامسة: ما ورد فيها من انقلاب الحج من التمتع إلى الافراد وهي عدة روايات:
منها: صحيحة جميل بن دراج قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن المرأة الحائض إذا قدمت مكة يوم التروية؟ قال: تمضي كما هي إلى عرفات فتجعلها حجة، ثمّ تقيم حتى تطهر فتخرج إلى التنعيم فتحرم فتجعلها عمرة، قال ابن أبي عمير: كما صنعت عائشة(1)
ومنها: صحيحة الحلبي قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن رجل أهل بالحج والعمرة جميعاً، ثمّ قدم مكة والناس بعرفات فخشي إن هو طاف وسعى بين الصفا والمروة أن يفوته الموقف؟ قال: يدع العمرة فإذا أتم حجه صح، كما صنعت عائشة ولا هدي عليه(2).
ومنها: صحيحة زرارة قال: سألت أبا جعفر (علیه السلام) عن الرجل يكون في يوم عرفة وبينه وبين مكة ثلاثة أميال وهو متمتع بالعمرة إلى الحج؟ فقال: يقطع التلبية تلبية المتعة، ويهل بالحج بالتلبية إذا صلى الفجر ويمضي إلى عرفات، فيقف مع الناس، ويقضي جميع المناسك، ويقيم بمكة حتى يعتمر عمرة المحرم، ولا شيء عليه(3).
ومنها: رواية زكريا بن آدم قال: سألت أبا الحسن (علیه السلام) عن المتمتع إذا دخل يوم عرفة؟ قال: لا متعة له يجعلها عمرة مفردة(4).
ومنها: صحيحة علي بن يقطين قال: سألت أبا الحسن موسى (علیه السلام) عن
ص: 503
الرجل والمرأة يتمتعان بالعمرة إلى الحج ثمّ يدخلان مكة يوم عرفة كيف يصنعان؟ قال: يجعلانها حجة مفردة، وحد المتعة إلى يوم التروية(1)
وغيرها من الروايات والمستفاد منها: أنّ من ضاق به الوقت عن الإتيان بعمرة التمتع إلى يوم التروية انقلب حجه إلى الافراد ولزمه التوجه إلى عرفات.هذه جملة من الروايات التي يمكن أن يستدل بها على تعيين يوم الموقف وبيان الحد الواجب منه اختياراً واضطراراً، وهناك روايات أخرى دالة على هذا المعنى ولا تبعد دعوى التواتر على ذلك، ويترتب على تحديد يوم عرفات ما يتلوه من أعمال، كالموقف في المزدلفة وأنه بين الطلوعين من يوم العاشر، وكذلك أعمال يوم العاشر من الرمي والذبح والحلق أو التقصير.
وبهذا يتم الكلام حول المقام الأول.
في ما يمكن أن يستدل به على الإجزاء فيما إذا أتى المكلف بالأعمال موافقاً للعامة عن تقية، وعلى ضوء تمامية الأدلة تكون أعماله صحيحة ولا حاجة إلى القضاء والإعادة، وهذه الأدلة على نحوين: الأول: الأدلة العامة. الثاني: الأدلة الخاصّة.
أما الأدلة العامة فأمور:
أحدها: أدلة التقية وقد تقدمت.
ومنها: الروايات الدالة على أنّ التقية من الدين، وبناء على ذلك فإن ما يأتي به المكلف من أعمال، تقية فهي محكومة بالصحة لأنّها من الدين، فالموقف عن تقية وإن كان مخالفاً للواقع إلاّ أنّه مراد للمولى، وهكذا ما ورد من هذه النظائر من الروايات العامة الدالة على سقوط التكليف بالواقع والاجتزاء بغيره، ولا حاجة حينئذ إلى القضاء أو الإعادة.
ص: 504
ثانيها: قاعدة الميسور، فإن من لم يتمكن من الإتيان بالواجب بجميع أجزائه وشرائطه كالموقف مثلاً أجزأه الإتيان بأصل الواجب وإن كان في زمان آخر.
ثالثها: أدلة الاضطرار وأحاديث الرفع، فإنّ من مصاديق الاضطرار التقية في الموقف بناء على شمولها للأحكام التكليفية والوضعية، فتكون الشرطية حينئذ مرفوعة، وأمّا بناء على القول باختصاصها بالأحكام التكليفية فلا إطلاق ولا شمول.
وأما الأدلة الخاصة فهي أمور أيضاً:
الأول: الإجماع، وقد ادعي في المقام أنّ العمل المأتي به تقية مجز عن الواقع.
الثاني: السيرة المستمرة والمتصلة بزمان الأئمة (علیهم السلام) ، وأنّ العمل قائم على متابعة العامة في الموقف من دون أن يرد عنهم (علیهم السلام) الأمر بالقضاء،وعدم الورود دليل على قيام السيرة العملية الممضاة من قبلهم (علیهم السلام) ، ولا سيما أنّ المسألة مورد للابتلاء، وأن ذلك على مرأى من الأئمة (علیهم السلام) في أكثر من قرنين من الزمان، ومن ذلك يستفاد صحة العمل وإلاّ لنبّه الأئمة (علیهم السلام) عليه.
الثالث: معتبرة أبي الجارود(1) وقد تقدمت، ومحل الشاهد منها قوله(علیه السلام): «والأضحى يوم يضحي الناس»، ومعنى هذا تنزيل الأضحى عند العامة منزلة الأضحى الواقعي وبالملازمة ينزل ما قبله وما بعده كذلك، فيكون يوم عرفة عندهم كيوم عرفة في الواقع فيثبت المطلوب، ولا حاجة إلى الإعادة والقضاء بل تترتب جميع آثار الصحة.
الرابع: الروايات الواردة في المقام عن النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) الآمرة بالحج كما يحج
ص: 505
الناس، وبناء على هذا فنحن مأمورون بمتابعتهم، وهذا دليل على الإجزاء.
الخامس: ما ورد من الحكم بالإجزاء في سائر الموارد لا في خصوص الحج كالتكتف في الصلاة تقية، والصلاة جماعة اقتداء بإمامهم كذلك، وهكذا بالنسبة إلى الصوم والإفطار وغيرها من الموارد الخاصة، وبتنقيح المناط وإلغاء الخصوصيات يتعدى من هذه الموارد إلى ما نحن فيه، فيحكم حينئذ بالإجزاء في الموقف وإن كان مخالفاً للواقع.
هذا غاية ما يستدل به للقول بالإجزاء على نحو الإجمال.
وأما تحقيق ذلك فالبحث يقتضي الكلام تارة في الأدلة الخاصة، وأخرى في الأدلة العامة.
أما الأدلة الخاصة فأولها الإجماع وقد نوقش فيه صغرى وكبرى.
أما من جهة الصغرى فهذا الإجماع غير معلوم التحقق، وذلك لأنّ هذه المسألة لم تذكر في أكثر الكتب الفقهية والمتعرض لها قليل فكيف يدعى الإجماع في المقام؟
وأما من جهة الكبرى فعلى فرض تمامية الصغرى إلاّ أن الكلام في حجية هذا الإجماع، إذ يحتمل أن يكون مدركياً فلا اعتبار به في نفسه بل المناط حينئذ هو المدرك، وبناء على هذا فلا يمكن الاعتماد على هذا الإجماع المدعى.
الثاني: السيرة العملية المتصلة بزمان الأئمة (علیهم السلام) ، وحيث لم يرد عنهم (علیهم السلام) الخلاف في ذلك ولا الاحتياط لا بالنسبة إليهم أنفسهم، ولا إلى شيعتهم،فيمكن القطع بهذه السيرة وفيه:
أولاً: أنّه لم يحرز الاختلاف في تلك الأزمنة، وعلى فرضه لم يعلم أنّ الأئمة (علیهم السلام) كانوا يحجّون في زمان الاختلاف فلعل حجهم كان في زمان الموافقة.
وثانياً: من المحتمل أن المرجع عند حصول الاختلاف هو قول الأئمة(علیهم السلام)
ص: 506
باعتبارهم من العلماء عند عامة المسلمين، ومن أهل تلك البلاد، فلم يحرز الأخذ بخلاف رأيهم، ولا سيما أنّه لم تتحدد آنذاك معالم المذاهب ويمتاز بعضها عن بعض.
وثالثاً: على فرض التسليم بأنّ الأئمة (علیهم السلام) يحجون في زمان المخالفة لكن من أين لنا أن نعلم أنهم (علیهم السلام) لا يأتون بالوظيفة الواقعية؟ وعدم وصول ذلك إلينا ليس دليلاً على العدم، ولا سيما أنّ المسألة ليست خلافية في المذهب، وقد ذكرنا أنّ الجميع يتفق على أنّ الموقف هو يوم التاسع، والخلاف حينئذ إنما هو في الموضوع الخارجي لا الحكم التكليفي.
والحاصل: أنّه يمكن أن يقال: إن كلاًّ منهم يأتي بوظيفته بحسب تشخيصه ولا دليل لنا على أنّ تلك الأزمنة مثل هذه الأزمنة في التشديد على وحدة الموقف.
ومما يؤيد ذلك: أولاً ما ذكره صاحب أعيان الشيعة ! في معرض الجواب عن اتهام الشيعة بمخالفة سائر المسلمين في بعض مناسك الحج كالوقوف بعرفة ... حيث قال: ... وما ندري ما يريد بالوقوف بعرفة الذي زعم مخالفتهم فيه، فإن عرفة مكان مخصوص معلوم محدود عند جميع المسلمين سنيهم وشيعيهم يقفون فيه يوم التاسع من ذي الحجة، ولعله يريد أن الشيعة قد يقفون في ثاني اليوم الذي يقف فيه غيرهم، وهذا لا لوم فيه عليهم إذا لم يروا الهلال ولم يثبت عندهم كون يوم وقوف غيرهم يوم عرفة، ولم يحصل حكم حاكمهم الشرعي بذلك سيّما في أيام قضاة الترك الذين علمت حالهم في التساهل في أمر إثبات الهلال، وكانوا يبذلون الجهود في تدبير الشهود لجعل وقوف عرفة يوم الجمعة لينالوا الخلعة السلطانية، ولم لا يكون اللوم على غيرهم في ذلك أو لا لوم على الفريقين في عملهم بما أوجبه مذهبهم لا عناداً ولا خلافاً للحق، وفي كثير من السنين كان يتّحد يوم الوقوف للكل، ونحن قد حججنا مرتين كانالوقوف فيهما واحداً ... (1)
ص: 507
وثانياً: ما ذكره أمير الحاج المصري في كتابه (مرآة الحرمين) قال - وهو يصف رحلته إلى الحج - : ... وبعد أن عرف كل منّا محلّه أسرعنا جميعاً إلى جبل الرحمة المعروف بعرفات حيث وقفنا هنالك على سبيل الاحتياط لجواز أن يكون هذا اليوم يوم عرفة مع أنّه ثامن ذي الحجة(1)
وبناء على ذلك فإحراز أن العمل سيرة متصلة بالأئمة (علیهم السلام) غير ممكن وليست هذه السيرة مورداً للاطمئنان.
الثالث: الروايات الخاصة، وأهمها رواية أبي الجارود، ويتوقف الاستدلال بها على ثبوت أمور أربعة:
أولها: اعتبار سندها.
وثانيها: أنّ الرواية واردة في مقام التقية ولا خصوصية للشك، بل حتى في صورة العلم ليكون الحكم فيها مطلقاً والكبرى كلية، وأما مع اختصاصها بمورد الشك فهي خارجة عن المقام كما سيأتي.
وثالثها: أن تكون الملازمة بين العيد وعرفات متحققة بمعنى أن يكون مفاد الرواية أن يوم عرفة يوم يعرف الناس، وهكذا بالنسبة إلى ما قبله وما بعده.
ورابعها: أنّ الرواية ليست واردة في مقام بيان حجية الشهرة والشياع، وإلاّ فهي أجنبية عما نحن فيه، وهذا الأمر يلازم الأمر الثاني وذلك لأنّه إذا ثبت أن الرواية واردة في مقام بيان حجية الشياع فهي غير واردة في مقام التقية.
هذا، إلاّ أن إحراز هذه الأمور بحيث يكون للرواية ظهور في ذلك مشكل، نعم الأمر الأول منها لا إشكال فيه، فإنّ أبا الجارود وإن لم يرد فيه توثيق إلاّ أنّه واقع في القسم الأول من تفسير القمي، كما أنّه لم يستثن من كتاب نوادر الحكمة، مضافاً إلى ثناء الشيخ المفيد ! عليه، وقد أشرنا إلى ذلك فيما تقدم فيمكن الحكم بوثاقته.
ص: 508
وأما الأمر الثاني ففيه:
أولاً: أنّ قول أبي الجارود: وكان بعض أصحابنا يضحي فيه إشعار بأن المقام ليس مقام تقية، وإلاّ فلا معنى لتضحية بعض الأصحاب،فالمسألة تتناول موضوعاً خارجياً لا حكماً شرعياً حتى يرجع فيه للإمام (علیه السلام) .
وثانياً: أنّ قوله (علیه السلام): «والصوم يوم يصوم الناس» أي تقية فيه؟ فإن مورد التقية إنما هو الإفطار لا الصوم، وما ورد في بعض الروايات من هذا القبيل فهو من باب الأشباه والنظائر، وإلاّ فلا تقية في الصوم لأنّ المكلف يمكنه إظهار أنّه صائم وهو غير صائم في الواقع.
وثالثاً: أنّ الشيخ روى في التهذيب هذه الرواية بسند آخر عن نفس أبي الجارود زياد بن المنذر العبدي، قال: سمعت أبا جعفر محمّد بن علي ' يقول: صم حين يصوم الناس، وافطر حين يفطر الناس، فإنّ الله عزوجل جعل الأهلة مواقيت(1)
وهذه الرواية لم تشتمل على صدر تلك الرواية ولم يذكر فيها التضحية، والمذكور هو الفقرتان الأخيرتان بإضافة التعليل بقوله: «فإنّ الله عزوجل جعل الأهلة مواقيت» ومعنى ذلك: أنّ الاعتبار إنما هو بالهلال لأنه أمر توقيفي فالحجة من جهة رؤيتهم الهلال، وهذه الرواية ظاهرة في أن المقام ليس مقام تقية بل من جهة الرؤية والشهادة.
فإن قلنا: إنّ هذه الرواية عين الرواية السابقة كما لا يبعد - فإنّ الراوي واحد والإمام واحد، وإن اشتملت على زيادة ونقيصة - فحينئذ لا تكون الرواية واردة في مقام التقية، والحكم بمتابعة الناس في إفطارهم وصيامهم إنما هو من جهة الشك، مضافاً إلى أنّ الرواية ليست واردة في الحج، وذكر التضحية لا يخصصها
ص: 509
بالحج لأنّ التضحية أعم من أن تكون في الحج أو في غيره.
والحاصل: أنّ هذا الأمر لم يحرز أنّه المراد من الرواية، فلا يمكن الاستدلال بها على المدعى.
وأما الأمر الثالث فهو وإن كان في النظر البدوي كذلك فإنه لا خصوصية للعيد والأضحى، بل يشمل يوم عرفة أيضاً، كما يشمل أول الشهر وغيره من سائر الأيام، إلاّ أنّه يمكن أن يناقش فيه: بأنّ هناك فرقاً بين عرفة وغيره، وذلك لأنّ الوقوف يوم عرفة ركن من أركان الحج ويبطل الحج بفوات ركنه مطلقاً سواء كان عن جهل أو نسيان أو تقية، وأما أعمال يوم العيد فليست هي من الأركان فيمكن إجراء أحكام التقيةفيها، وبعبارة أخرى: تنزيل الزمان غير الواقعي منزلة الواقعي تارة يكون مطلقاً، وأخرى من جهة العمل فقط، فإن كان الأول فلا فرق بين يوم العيد وغيره.
وإن كان الثاني فلا ملازمة بينهما وتنزيل الأضحى تقية منزلة الواقع لا يلازم تنزيل يوم عرفة كذلك وسيأتي ما ينفع في المقام.
وأما الأمر الرابع فلا يبعد القول بأن الرواية واردة في مقام حجية الشياع والشهرة ويؤيده عدة من الروايات :
منها: رواية عبد الحميد الأزدي قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): أكون في الجبل في القرية فيها خمسمائة من الناس، فقال: إذا كان كذلك فصم لصيامهم وافطر لفطرهم(1).
ومنها: صحيحة علي بن جعفر: أنّه سأل أخاه موسى بن جعفر ' عن الرجل يرى الهلال في شهر رمضان وحده، لا يبصره غيره، له أن يصوم؟ قال: إذا لم يشك فليفطر، وإلاّ فليصم مع الناس(2).
ص: 510
والمستفاد من هذه الرواية والرواية السابقة: أنّ صيام الناس حجة في مورد الشك، ومع عدمه فالعمل على اليقين، ومضمون الروايتين واحد.
ومنها: رواية سماعة أنّه سأل أبا عبد الله (علیه السلام) عن اليوم في شهر رمضان يختلف فيه؟ قال: إذا اجتمع أهل مصر على صيامه للرؤية فاقضه، إذا كان أهل مصر خمسمائة إنسان(1).
والمستفاد من الرواية هو حجية الشهرة والشياع وإلاّ فالعدد لا مفهوم له ولا خصوصية لصيام خمسمائة إنسان أو إفطارهم.
ومنها: صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبد الله (علیه السلام) أنّه قال: فيمن صام تسعة وعشرين، قال: إن كانت له بينة عادلة على أهل مصر أنهم صاموا ثلاثين على رؤيته قضى يوماً(2)
والرواية واضحة الدلالة في أنّ الاعتبار بصيام أهل مصر ثلاثين يوماً، فيستفاد: أنّ الشياع حجة مضافاً إلى أنّ الرواية صحيحة من حيث السند.
ومنها: موثقة إسحاق بن عمار، قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن هلالرمضان يغم علينا في تسع وعشرين من شعبان؟ فقال: لا تصمه إلاّ أن تراه، فإن شهد أهل بلد آخر أنهم رأوه فاقضه(3)
وهذه الرواية صريحة الدلالة على أنّ التعويل في الصيام وترتيب القضاء على صيام البلد الآخر وشيوع ثبوت الهلال عندهم.
ومن مجموع هذه الروايات يستكشف أن رواية أبي الجارود واردة في هذا المقام وهو حجية الشياع، وأن قوله (علیه السلام): «الفطر يوم يفطر الناس والأضحى يوم يضحي الناس» يكون من هذا القبيل.
ص: 511
وعلى فرض عدم تعينه فلا أقل من كونه احتمالاً قوياً يعتد به، ومعه فلا يمكن الاستدلال بالرواية على أنها واردة في مقام التقية، وقد تقدم في صحيحة علي بن جعفر ما يستفاد منه حجية الشياع وفي رواية أخرى له عن أخيه قال: سألته عمن يرى هلال شهر رمضان وحده لا يبصره غيره أله أن يصوم؟ فقال: إذا لم يشك فيه فليصم وحده، وإلاّ يصوم مع الناس إذا صاموا(1)
والوارد في الرواية السابقة: فليفطر، فيعلم أن السؤال فيها عن شهر شوال وفي هذه الرواية عن شهر رمضان، وبناء على هذا ففي أول الشهر وفي آخر الشهر يكون الشياع حجة في حالة الشك فقط، فإن قلنا: إنّ المراد من رواية أبي الجارود هو: حجية الشياع كما هو احتمال قوي فلا تصل النوبة إلى حملها على التقية، وما أوردناه من الروايات شاهد على هذا، ولا سيما الرواية الأخرى لأبي الجارود الواردة في جعل الأهلة مواقيت، كما تقدم فتخرج الرواية عن المقام، وإن قلنا: إنّ المراد منها هو خصوص التقية فلابد من تقييدها بروايتي علي بن جعفر المتقدمتين، فإنّ موردهما الشك وفي ما عدا الشك يكون العمل على طبق اليقين، وبناء على ذلك فلا يمكن التعدي من مورد الرواية - وهو الشك - إلى مورد العلم بالخلاف فيقال بلزوم المتابعة حتى في حال العلم بالخلاف.
ثم إنّ روايتي علي بن جعفر وإن لم يرد فيهما ذكر العيد والأضحى إلاّ أنّه لا خصوصية لهما لأنّهما واردتان في الفطر والصيام.
والحاصل: أنّ رواية أبي الجارود لا إطلاق فيها، ومفادها الإجزاء والحكم بأن العيد عيدهم، والصيام صومهم مختص بيوم الشك، وأما اليقين بالخلاف فغير مشمول للرواية.
وأما الأخبار النبوية الواردة في المقام ومنها قوله - : صومكم يوم تصومون وأضحاكم يوم تضحون(2) ، ومنها قوله - : الصوم يوم تصومون،
ص: 512
والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون(1) وقوله - : فطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون وعرفة يوم تعرّفون(2) وغيرها.
ففيها أنّ هذه الروايات عامية ولا وجود لها في روايات الخاصة كما أن دلالتها على المدعى غير تامة مضافاً إلى ضعفها من جهة الأسناد.
هذا وقد تقدم أنّ هذا الأمر يلازم الأمر الثاني في الثبوت، وحيث إنه لم يثبت - كما مر - فمقتضى الملازمة عدم ثبوت هذا الأمر أيضاً.
هذا ما يتعلق بالأدلة الخاصة.
وأما الأدلة العامة فالكلام تارة يقع في أدلة التقية وأخرى في قاعدة الميسور، وثالثة في أدلة العسر والحرج.
أما الأدلة العامة فسيأتي الكلام عنها، وأما قاعدة الميسور فقد أشكل عليها بضعف المستند وقد تقدم الكلام حول أسانيدها على نحو الإجمال، وتفصيل ذلك في بحوثنا الرجالية(3)
وأشكل على دلالتها صغرى وكبرى، أما من جهة الكبرى فإنّ هذه القاعدة إنما يعمل على طبقها فيما إذا عمل عليها المشهور، وما نحن فيه ليس كذلك.
وأما من جهة الصغرى فمحل الكلام لا مجال فيه للتمسك بهذه القاعدة لإمكان الاحتياط، ولا أقل من إدراك البديل وهو الموقف الاضطراري، ومع إمكان الاحتياط أو إدراك البديل لا تصل النوبة إلى هذه القاعدة، ثمّ إنه على فرض عدم إمكان الاحتياط لا يفوت الواجب بل يبقى على حاله ويأتي به من قابل إذ ينكشف أنّه غير مستطيع فلم يتحقق الشرط فلا يجب، لا أنّه وجب
ص: 513
وعرض عدم التمكن.
وأما بالنسبة إلى أدلة العسر فالنقاش فيها صغروي وذلك: لأنّ العسر إنما يصدق فيما إذا كان الواجب مؤقتاً ويفوت الواجب بفوات وقته كالمسح على المرارة (كما ورد في رواية عبد الاعلى مولى آل سام)، أو الإتيان بالصلاة جالساً، أو الاضطرار إلى شرب الماء حال الصوم، أو نحو ذلك، أما إذا كان الواجب غير موقت كالحج فلا يصدق عليه الاضطرار إذ يمكنه أن يأتي بالواجب البديل، أو يؤخره إلى زمان آخر، فأدلة العسر أجنبية عن المقام.
وأما بالنسبة إلى أدلة التقية العامة، فقد أشكل عليها بأنّ هذه الأدلة لا يستفاد منها الإجزاء والصحة، وأقصى ما تفيده هو ارتفاع الحكم التكليفي، وما نحن فيه حكم وضعي وهكذا بالنسبة إلى حديث الرفع والكلام فيه هو الكلام.
أقول: قد تقدم الكلام منّا مفصلاً حول دلالة هذه الأدلة واستفادة الإطلاق منها وعدمه، وقد قوينا دلالتها على الإجزاء لكونها مطلقة فتشمل الأحكام التكليفية والوضعية معاً، إلاّ أنّ دلالتها على الإجزاء في خصوص المقام محل إشكال، وذلك لأنّ إفادة الأدلة للإجزاء موقوف على ما إذا لم يكن للواجب إطلاق وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم، وقلنا: إذا كان للواجب أو للجزء أو للشرط إطلاق أي يستفاد من دليله أنّه واجب مطلق لا فرق في وجوبه بين حالتي الاضطرار والاختيار فهنا لا نقول بالإجزاء، ومحل كلامنا من هذا القبيل.
فإن الواجب وهو الوقوف بعرفات - كما يستفاد من أدلته - واجب مطلق أي في جميع الحالات، ويدل على ذلك: ما ورد من أنّ الوقوف بعرفات ركن وأن الإخلال به سواء كان عن عمد أو غير عمد وعن اضطرار أو غير اضطرار، موجب لفساد الحج وإن كان الركن هو الوقوف في الجملة.
أما ما هو الركن من الموقف هل هو المكان أي عرفات وإن كان في زمان
ص: 514
آخر غير يوم التاسع، أو هو الزمان، أو هو المجموع من الزمان والمكان فقد اختلفت الروايات في ذلك .
أما ركنية المكان أو الحدود المكانية فيمكن أن تستفاد من عدة روايات:
منها: صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في الموقف: ارتفعوا عن بطن عرنة، وقال: أصحاب الأراك لا حج لهم(1)
ومنها: رواية أبي بصير عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: إذا وقفت بعرفات فادن من الهضاب «الهضبات» والهضاب هي الجبال فإنّ النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) قال:إنّ أصحاب الأراك لا حج لهم، يعني الذين يقفون عند الأراك(2)
والأراك موضع قريب من عرفات.
والمستفاد من هاتين الروايتين: أنّ الموقف هو المكان، وفواته موجب لفساد الحج بلا فرق بين الاختيار والاضطرار.
وأما ركنية الزمان فيدل عليها عدة روايات:
منها: صحيحة الحلبي قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن الرجل يأتي بعدما يفيض الناس من عرفات؟ فقال: إن كان في مهل حتى يأتي عرفات في ليلته فيقف بها ثمّ يفيض فيدرك الناس بالمشعر قبل أن يفيضوا فلا يتم حجه حتى يأتي عرفات من ليلته ليقف بها(3) الحديث.
وهذه الرواية صريحة في أنّ إدراك الموقف الاضطراري بدلاً عن الاختياري كاف في إتمام الحج فالمناط هو الزمان.
ومنها: صحيحة حريز قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن رجل مفرد للحج فاته الموقفان جميعاً، فقال: له إلى طلوع الشمس يوم النحر، فإن طلعت الشمس
ص: 515
من يوم النحر فليس له حج ويجعلها عمرة، وعليه الحج من قابل(1)
والرواية واضحة الدلالة على أنّ الركن هو الزمان سواء كان باختياره أو بدونه.
ومنها: موثقة عبد الله بن المغيرة قال: جاءنا رجل بمنى، فقال: إني لم أدرك الناس بالموقفين جميعاً، إلى أن قال: فدخل إسحاق بن عمار على أبي الحسن (علیه السلام) فسأله عن ذلك؟ فقال: إذا أدرك مزدلفة فوقف بها قبل أن تزول الشمس يوم النحر فقد أدرك الحج(2)
وهذه الرواية شبيهة بصحيحة الحلبي المتقدمة.
ومنها: رواية ابن أبي عمير - وهي معتبرة على ما حققناه في محله - عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قال: أتدري لم جعل المقام ثلاثاً بمنى؟ قال: قلت: لأي شيء جعلت فداك؟ أو لماذا جعلها؟ قال: من أدرك شيئاً منها فقد أدرك الحج(3)وغيرها من الروايات التي يستفاد منها أنّ ركنية الموقف من جهة الزمان.
وأما ركنية المجموع من الزمان والمكان فيدل عليها جملة من الروايات:
منها: صحيحة عمر بن أذينة عن أبي عبد الله (علیه السلام) (في حديث) قال: وسألته عن قول الله عزوجل: «الحج الأكبر» فقال: الحج الأكبر الموقف بعرفة، ورمي الجمار(4)
ومنها: رواية زرارة عنه (علیه السلام) قال: الحج الأكبر الوقوف بعرفة وبجمع، وبرمي الجمار بمنى، والحج الأصغر العمرة(5)
وهاتان الروايتان دالتان على أنّ المراد من الحج الأكبر هو الموقف بعرفة
ص: 516
من جهة الزمان والمكان، ثمّ إنّ هنا عدة من الروايات - وبعضها صحيح السند - تدل على أنّ الحج الأكبر هو يوم النحر، وقد تقدمت رواية الفضل بن عياض وفيها أنّ الإمام (علیه السلام) طبق الحج الأكبر الوارد في الآية الكريمة على يوم النحر.
ولا منافاة بين هذه الروايات ويمكن الجمع بينها بأنّ إدراك اليومين معاً هو الحج الأكبر ومما يؤيد ما نحن فيه:
أولاً: ما ورد في رسالة المحكم والمتشابه نقلاً عن تفسير النعماني بإسناده عن علي (علیه السلام) (في حديث) قال: وأمّا حدود الحج فأربعة وهي: الإحرام، والطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف في الموقفين، وما يتبعها ويتصل بها، فمن ترك هذه الحدود وجب عليه الكفارة والإعادة(1)
والمستفاد من هذه الرواية أنّ الوقوف بعرفة حد من حدود الحج وتركه يستوجب الإعادة، وإنما جعلناها مؤيدة لما في ذيلها من ترتب الكفارة مضافاً إلى عدم صراحتها في إفادة الركنية بالنسبة للوقوف بعرفة.
وثانياً: ما ورد من أنّ يوم عرفة هو اليوم المشهود، وقد تقدمت عدة روايات في الطائفة الرابعة تدل على ذلك، وفيها إشعار بالاهتمام بهذا اليوم ومنها يستكشف ركنيته.
وثالثاً: ما ورد في المصدود وهو ما رواه في الكافي عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الفضل بن يونس، عن أبي الحسن (علیه السلام) قال: سألته عن رجل عرض له سلطان فأخذه ظالماً له يوم عرفة قبل أن يعرف، فبعث به إلى مكة فحبسه، فلما كان يوم النحر خلّى سبيله، كيف يصنع؟ فقال: يلحق فيقف بجمع، ثمّ ينصرف إلى منى فيرمي ويذبح ويحلق ولا شيء عليه، قلت: فإن خلى عنه يوم النفر كيف يصنع؟ قال: هذا مصدود عن الحج، إن كان دخل متمتعاً بالعمرة
ص: 517
إلى الحج فليطف بالبيت اسبوعاً ثمّ يسعى اسبوعاً ويحلق رأسه ويذبح شاة، فإن كان مفرداً للحج فليس عليه ذبح ولا شيء عليه(1)
والمستفاد من هذه الرواية أنّ عدم إدراكه للموقف يستوجب بطلان حجه مع أنّه مضطر، فيمكن استفادة الركنية من ذلك، نعم إذا فاته الموقف الاختياري والاضطراري في عرفة وأمكنه إدراك الموقف الاختياري بمزدلفة أغناه ذلك عن إدراك عرفة، وأما إذا فاته الموقف في مزدلفة أيضاً فقد فاته الحج كما هو ظاهر الرواية.
والحاصل: أنّه إذا ثبت أنّ وجوب الوقوف على نحو الإطلاق أي سواء كان على نحو الاضطرار أو الاختيار فأدلة العسر والحرج وأدلة التقية غير نافعة في المقام، فلا يمكن الحكم بالإجزاء ولابد من إدراك الموقف على كل حال ويترتب على هذا البحث:
أولاً: تجب المتابعة في حالة الشك، إما من جهة التقية، وإما من جهة الأمارية والشياع.
وثانياً: لا دليل على صحة المتابعة في حالة العلم بالخلاف، كما إذا رأى الهلال بنفسه، وكذا إذا قامت البينة على الخلاف على القول بتقديم الشهادة على الشياع، وفيه بحث ليس هنا محل ذكره.
وبناء على ما ذكرناه من الأدلة فالحكم بالإجزاء والصحة مشكل جداً والقول به بعيد في النظر.
قال السيد ! في مناسك الحج: «ومن خالف ما تقتضيه التقية بتسويل نفسه أنّ الاحتياط في مخالفتهم ارتكب محرماً وفسد وقوفه. والحاصل: أنّه تجب متابعة الحاكم السني تقية، ويصح معها الحج، والاحتياط
ص: 518
حينئذ غير مشروع، ولا سيما إذا كان فيه خوف تلف النفس ونحوه، كما قد يتفق ذلك في زماننا هذا» (1)
وهذا الفرع له صورتان:
الأولى: أن يترك المكلف متابعتهم ولا يأتي بالموقف رأساً.
الثانية: أن يترك المتابعة ويأتي بالموقف مخالفاً لهم.
أما بالنسبة للصورة الأولى فلا إشكال في بطلان حجه لتركه الوقوف عمداً، وقد ذكرنا فيما تقدم أنّ الوقوف ركن ويبطل الحج بتركه، أما على القول بعدم إجزاء الموقف تقية فواضح، وأما على القول بأنّ التقية تبدل الواقع ولازمها الإجزاء فكذلك، وهكذا بناء على القول بأنّ دليل التقية السيرة المتصلة بالأئمة(علیهم السلام) . وبعبارة أخرى: لا فرق في الحكم بالبطلان بين أن يكون دليل التقية لفظياً أو لبياً وذلك لأنّه لم يأت بوظيفته، فلا وجه للحكم بصحة عمله.
إلاّ أن يقال: بأنّ أدلة التقية إذا كانت لفظية واستفدنا منها رفع الحكم الواقعي فقط من دون إثبات لجزء أو شرط فيمكن القول بالصحة إذا أتى ببقية الأعمال وقد ذهب بعضهم إلى ذلك.
ولكن بناء على ما تقدم من أنّ لأدلة الإجزاء والشرائط إطلاقاً لا يختص بحال الاضطرار وعدمه، وقد استظهرنا من الروايات ركنية الوقوف فلا مناص من القول بالبطلان.
وأما بالنسبة إلى الصورة الثانية ففيها تفصيل وحاصله: أن ما أتى به المكلف من العمل تارة يكون مخالفاً لمقتضى التقية، وأخرى لا يكون، فعلى الأول يكون عمله باطلاً كما هو ظاهر كلامه ! لأنه وقع منهياً عنه والنهي في العبادة يقتضي فسادها، كما أنّ مخالفة التقية حرام، فما أتى به من العمل محرم عليه ومحكوم
ص: 519
بالفساد.
وعلى الثاني فتارة يكون عمله موافقاً للحجة الشرعية من بيّنة، أو شياع، أو اكمال عدة، أو نحو ذلك، وأخرى لا يكون، فإن كان غير موافق للحجة فالعمل باطل إلاّ أن يتبين موافقته للحجة وقد أتى به رجاء.
وإن كان موافقاً للحجة الشرعية مخالفاً للتقية فقد قيل: ببطلان العمل أيضاً واستدل عليه بوجوه:
الأول: أن ما أتى به من العمل مخالف للتقية، ومخالفة التقية حرام فالعبادة باطلة.
الثاني: أن مخالفة التقية وإن لم نقل بحرمتها إلاّ أنّ التقية واجبة، وما يكون خلاف التقية يقع منهياً عنه من جهة اقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضده، فالعمل على خلاف التقية ضد للواجب فيكون من هذه الجهة محرماً ويقع فاسداً.
الثالث: أنّ العمل على خلاف التقية حرام لا من باب التقية، بل من باب إذاعة السر، فإنه مصداق من مصاديق الإذاعة وقد تقدم أنّ إذاعة السر في نفسها حرام، فالعمل المأتي به الموجب لإذاعة السر منهي عنه فيقع فاسداً.
الرابع: دلالة الاقتضاء في خصوص المورد وبيانه: أنّ الشارع المقدس أوجب التقية وبين الكيفية، وأنه لابد أن يؤتى بالعمل على طبق ما حدده الشارع ولازمه عدم كفاية غيره من الأعمال وإن كان هو الوظيفة الأولى، نظير التيمم بدلاً من الوضوء عند عدم التمكن من استعمال الماء، فمن كانت وظيفته التيمم وخالف وأتى بالوضوء فوضؤه باطل، كما ذهب إليه المحقق النائيني(1) وهذا معنى قولهم إن التفصيل قاطع للشركة، فليس للمكلف إلاّ أن يتعبد بما حدده له الشارع، إذ العبادات أمور توقيفية لا مجال فيها للاختيار، إلاّ أن ينص الشارع على ذلك، وما نحن فيه من هذا القبيل، فإن المكلف مأمور في حالة الخوف أن يعمل بعملهم ،
ص: 520
وليس له أن يأتي بوظيفته الأولى، فإنه منهي عنها نظير التيمم بدلاً من الوضوء.
ويؤيده ما تقدم من رواية الكشي(1) بسنده عن داود الرقي وحاصلها أنّ من عمل بالتقية فعمله صحيح، وإلاّ فباطل والرواية صريحة الدلالة إلاّ أن الكلام من جهة السند.
وبناء على هذا فيمكن استفادة حرمة العمل المخالف للتقية وفساده.
هذه هي الوجوه التي يمكن الاستدلال بها على فساد العمل المخالفللتقية، وأقربها إلى الاعتبار هو الوجه الرابع، وأما بقية الوجوه فللمناقشة فيها مجال وإن كان بعضها لا يخلو من قوّة.
أما الوجه الأول فالنقاش في الكبرى، وذلك لأنّ إثبات حرمة مخالفة التقية من الروايات مشكل جداً، نعم لا إشكال في أنّ التقية واجبة بل هي من أعظم الواجبات.
وورد أنّ التقية ديني ودين آبائي، وإن من لا تقية له لا دين له، كما يقال: إن من لا يصلي لا دين له، يعني أنّ ترك الواجب بمنزلة عدم الدين، أما أن تركها حرام ويلزمه عقابان فهذا لم يتضح من الروايات الكثيرة، وقد يقال: إنه يمكن أن يستفاد من بعض الروايات أن ترك التقية مصداق للإلقاء في التهلكة وقد ورد النهي عن ذلك في قوله تعالى: (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة)(2) فإذا كان ذلك مصداقاً للتهلكة وهي محرمة فتقع العبادة حينئذ باطلة ويدل على ذلك عدة روايات:
منها: ما ورد في تفسير العياشي عن حذيفة قال: ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة قال: هذا في التقية(3)
ص: 521
ومنها: ما عن الهداية: وقال الصادق (علیه السلام): الرياء مع المنافق في داره عبادة، ومع المؤمن شرك، والتقية واجبة لا يجوز تركها إلى أن يخرج القائم، فمن تركها فقد دخل في نهي الله عزوجل، ونهي رسول الله، والأئمة صلوات الله عليهم(1)
ومحل الشاهد قوله: «دخل في نهي الله عزوجل» وظاهره التحريم.
ولكن ورد في تفسير هذه الآية أنّ المراد هو مخالفة السلطان، ومن ذلك ما أورده في تفسير البرهان عن ابن بابويه قال: حدثنا محمّد بن عيسى (على خ) بن بشار رضي الله عنه قال: حدثنا علي بن إبراهيم القطان قال: حدثنا محمّد بن عبد الله الحضرمي قال: حدثنا أحمد بن بكر قال: حدثنا أحمد بن مصعب قال: حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس قال: قال رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) : «طاعة السلطان واجبة ومن ترك طاعة السلطان فقد ترك طاعة الله عزوجل ودخل في نهيه، إن الله عزوجل يقول: ولاتلقوا بأيديكم إلى التهلكة» (2) وغيرها من الروايات.
وبناء على هذا فروايتا العياشي والهداية وإن كانتا مطلقتين إلاّ أنّه لا يمكن الأخذ بإطلاقهما، هذا مع الغض عن المناقشة في سند الروايتين، فاستظهار أن ترك التقية من المحرمات لم يتضح دليله، نعم قد يستفاد من بعض الروايات الأخر أن ترك التقية أحد مصاديق الإلقاء في التهلكة وليست خاصة بمخالفة السلطان، ومن ذلك معتبرة عبد الله بن أبي يعفور عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: اتقوا على دينكم واحجبوه بالتقية، فإنه لا إيمان لمن لا تقية له، إنما أنتم في الناس كالنحل في الطير، ولو أنّ الطير يعلم ما في أجواف النحل ما بقي منها شيء إلاّ أكلته، ولو أنّ الناس علموا ما في أجوافكم أنكم تحبونا أهل البيت لأكلوكم بألسنتهم ولنحلوكم في السر والعلانية، رحم الله عبداً منكم كان على ولايتنا(3)
ص: 522
والمستفاد من هذه الرواية أنّ ترك التقية يوجب الضرر، وما فيه ضرر فهو حرام، والرواية من جهة السند معتبرة فإن العباس بن عامر ثقة(1) ، وجابر المكفوف ثقة أيضاً فقد عده ابن شهراشوب(2) من خواص أصحاب الصادق (علیه السلام) كما أنّ عبد الله بن أبي يعفور من الثقات(3) أيضاً، ومن جهة الدلالة واضحة، فالرواية معتبرة سنداً ودلالة.
ويؤيد ذلك روايتان:
الأولى: ما ورد في كتاب سليم بن قيس الهلالي عن الحسن البصري قال: سمعت علياً (علیه السلام) يقول يوم قتل عثمان: قال: رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال: سمعته يقول: إن التقية من دين الله ولا دين لمن لا تقية له، والله لولا التقية ما عبد الله في الأرض في دولة إبليس، فقال رجل: وما دولة إبليس؟ فقال: إذا ولي إمام هدى فهي في دولة الحق على إبليس، وإذا ولى إمام ضلالة فهي دولة إبليس الخبر(4)
والمستفاد من هذه الرواية: أنّ الحكم بالتقية إنما هو لرفع الضرر، فإنّ عدم العبادة ضرر، ولذلك شرعت التقية لرفع الضرر والتمكن منالعبادة.
والرواية من جهة السند غير معتبرة ولذلك جعلناها مؤيدة.
الثانية: ما ورد في تحف العقول(5) من وصية الصادق (علیه السلام) لأبي جعفر محمّد بن النعمان الأحول: يابن النعمان إني لأحدث الرجل منكم بحديث فيتحدث به عني فاستحل بذلك لعنته والبراءة منه، فإن أبي كان يقول: وأي شيء أقرّ للعين من التقية، إن التقية جنة المؤمن ولولا التقية ما عبد الله، وقال الله عزوجل: (لا
ص: 523
يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً)(1).
وهذه الرواية كالرواية الأولى من حيث المضمون.
والحاصل: أنّه يمكن استفادة حرمة ترك التقية من هذه الروايات من جهة أنّ مخالفة التقية تستوجب الضرر وهو محرم.
وأما الوجه الثاني وهو أنهما ضدان ففيه:
أولاً: أنّ من شرائط الضدين اتحاد الزمان وما نحن فيه ليس كذلك.
وثانياً: على فرض تحقق الضدية إلاّ أنا ذكرنا في محله من مباحثنا الأصولية: أنّ الحرمة إما أن تكون من باب التلازم، أو من باب المقدمية، وقد ناقشنا في كلا الأمرين وذكرنا أنّ الضد من باب المقدمة لا يكون محرماً إلاّ مع سائر الشرائط، ومنها الإرادة وبدونها لا تتحقق الحرمة.
والحاصل: أنّ هذا الوجه غير تام.
وأما الوجه الثالث وهو أنّ الحرمة من باب إذاعة السر لا من جهة التقية فقد تقدم الكلام حول هذا الأمر مفصلاً، وذكرنا جملة من الروايات الدالة على حرمة الإذاعة، وقد استظهرنا أنّ الروايات واردة في مورد خاص وهو ما يتعلق بالأحاديث الراجعة إلى الولاية، ورجحنا في ما سبق أنّ المراد منها خصوص أمر الولاية وما يرتبط بها من أسرار فلا تكون الروايات مطلقة لتشمل جميع الأمور حتى الأعمال، فتعميم التحريم غير تام، ويكفي ورود الشك فلا يمكن التعدي، وبناء على هذا فإذا لم نقل بأنّ العمل على خلاف التقية مصداق للإذاعة فالحكم بالحرمة محل إشكال، ولكن قد يستفاد الإطلاق من بعض الروايات وإن كل إذاعة حرام، وهي أعم من موضوع الولاية، ومن ذلك صحيحة هشام بن سالم
ص: 524
عن أبي عبدالله (علیه السلام) في قول الله عزوجل: (أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا )قال: بما صبروا على التقية (وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ)(1) قال: الحسنة التقية والسيئة الإذاعة(2).
والرواية مطلقة والمستفاد منها: أنّ الإذاعة في مقابل التقية وعبر عن الإذاعة بأنها سيئة وهي حرام.
وورد مضمون هذه الرواية في مرسلة حريز(3) عمن أخبره عن أبي عبد الله (علیه السلام) في قول الله عزوجل: (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ) قال: الحسنة التقية والسيئة الإذاعة، وقوله عزوجل: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ) قال: التي هي أحسن التقية، (فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ )(4).
ولا يمكن التقييد بتلك الروايات المذكورة الواردة في إذاعة أحاديث الولاية لأنّ الإذاعة هنا جعلت في مقابل التقية كما ذكرنا، ولا منافاة بين تلك الروايات الخاصة الواردة في الولاية وبين هذه الروايات، وذلك لأنّ هذه الروايات واردة في الأعمال، وأما تلك الروايات فهي واردة في أمر الولاية فالموضوع في كلتا الطائفتين مختلف، وبناء على هذا يمكن أن يقال: إنّ الإذاعة مطلقاً في مقابل التقية.
والمتحصل مما ذكرنا: أنّه يمكن استفادة حرمة مخالفة التقية من الوجه الأول والثالث مضافاً إلى الوجه الرابع الذي قلنا عنه إنه هو الأقرب إلى الاعتبار، ولعل من قال بالحرمة استند إليه أو إلى ما تسالم عليه القدماء من أنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده، لا من جهة الروايات وإلاّ لاستدلوا بها.
ص: 525
وهو أنّ المكلف إذا أتى بالفعل الآخر احتياطاً فهل يحكم عليه باللغوية وعدم الاتصاف بالوجوب والحرمة؟
قد يقال ذلك إذ لا أمر في المقام فما أتى به فهو لغو وعبث.
وفيه: أنّ الحكم باللغوية مطلقاً لا يمكن المساعدة عليه، لإمكان أنيكون له أثر في صحة العمل، وذلك في صورة انكشاف الخلاف، وأن ما أتى به احتياطاً موافق للواقع وقد أتى به رجاء، وحينئذ يحكم بصحة عمله بخلاف ما لم يأت به فالحكم باللغوية مطلقاً محل نظر.
إذا علم المكلف بالخلاف.
والكلام يقع تارة في الحكم التكليفي وأخرى في الحكم الوضعي.
أما من جهة الحكم التكليفي فالظاهر من السيد الأستاذ ! هو وجوب العمل على طبق التقية وإن كان خلاف الواقع، وهو وإن لم يصرّح بذلك إلاّ أن ذلك يظهر من إشكاله في الحكم الوضعي دون التكليفي(1)
هذا مع عدم المندوحة، وأما معها فالمتابعة ليست واجبة ولا دليل عليها، وما أتى به المكلف من العمل مع وجود المندوحة محكوم بالبطلان.
وأما من جهة الحكم الوضعي فقد استشكل السيد الأستاذ ! - كما ذكرنا - بأنه لا وجه للإجزاء لأنّ أدلة التقية لا تفي للحكم بالإجزاء بل لا تتكفل ببيان الحكم الوضعي.
أما الأدلة الخاصة كالسيرة ورواية أبي الجارود فهي واردة في مقام الشك وما نحن فيه هو العلم بالخلاف.
ص: 526
وأما الأدلة العامة ففيها:
أولاً: أنها واردة في مقام بيان الحكم التكليفي.
وثانياً: على فرض الشمول للحكم الوضعي إلاّ أن ذلك مشروط بتحقق موضوع التقية، وفي المقام لم يتحقق الموضوع، إذ أنّ تحققه إنما يتم في ما إذا كان الحكم المخالف الصادر عنهم هو مبنى عقيدتهم ومذهبهم، وأما إذا كان عن جهل منهم في التطبيق واشتباه في التشخيص فهذا خطأ منهم، والفارق بين هذا وذاك أنهم لو علموا بالواقع لما حكموا على خلافه.
والحاصل: أنّ موضوع التقية لم يتحقق فلا يمكن الحكم بالإجزاء والصحة(1).
هذا ما أفاده السيد الأستاذ ! وقد تقدم منا القول بإمكان استفادة الإطلاقمن الأدلة وأنها شاملة للحكم الوضعي والتكليفي معاً. وذكرنا أيضاً أنّ الأدلة وإن كانت مطلقة إلاّ أن للمورد خصوصية لا يمكن معها الأخذ بهذه الأدلة ليحكم بالإجزاء، وذلك لأنّ أدلة الموقف لها إطلاق تقتضي الوجوب على كل حال وقد تقدم الكلام فيه فلا نعيد، كما أنّ الأدلة الخاصة غير ناهضة فإن السيرة غير ثابتة ولا يمكن الاعتماد عليها، ورواية أبي الجارود واردة في مقام حجية الشهرة بناء على القول بأن موردها التقية، وما نحن فيه هو صورة العلم بالخلاف.
والحاصل: أنّ ما ذكره من الإشكال في الحكم بالإجزاء في محله، وحينئذ يتبدل الحج بالعمرة المفردة، فإن كان على استطاعته من قابل فعليه أن يحج، وإلاّ سقط عنه الوجوب والله هو العالم بالصواب.
هذا تمام الكلام حول التقية في الحج.
والحمد لله ربّ العالمين.
ص: 527
ص: 528
6 - التقية في الزكاة
موضوع البحث وتعيينه
الإمامة من أصول الدين
إعطاء الزكاة للمخالف وبراءة الذمة
بذلك وعدمها
التفصيل بين الاختيار والإكراه
ص: 529
ص: 530
ويقع الكلام فيها في جهتين:
الجهة الأولى: في أوصاف المستحقين للزكاة وهي أمور، ومحل الكلام منها أمران:
وهو عبارة عن الإسلام مع الاعتقاد بإمامة الأئمة الاثني عشر (علیهم السلام) واعتبار ذلك مجمع عليه بين الأصحاب(1) مضافاً إلى دلالة كثير من الروايات كما سيأتي.
واستدل عليه في المنتهى(2) أيضاً بأنّ الإمامة من أركان الدين وأصوله، وقد علم ثبوتها من النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) ضرورة، فالجاحد بها لا يكون مصدّقاً للرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) في جميع ما جاء به، فيكون كافراً فلا يستحق الزكاة. ولأنّ الزكاة معونة وإرفاق فلا تعطى لغير المؤمن، لأنه محاد لله ولرسوله، والمعونة والإرفاق مودة فلا يجوز فعلها مع غير المؤمن لقوله تعالى: (لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ) (3) ، وقد قرر صاحب الحدائق كلا الوجهين:
ص: 531
أما الوجه الأول فبأن حديث الغدير مما تواتر بين الفريقين، وأجمع على نقله رواة الطرفين، بل تواتره من طرق العامة أشهر وارتكاب بعض متعصبي المخالفين فيه التأويلات الباردة والتمحلات الشاردة تعصباً وعناداً على الله ورسوله لا يخرجه عن الدلالة، ولا سيما مع اعتراف جمع منهم بالدلالة على ذلك.
وأما الوجه الثاني فبأن ظاهر الأخبار الواردة في العلة في وضع الزكاة تدل على أنها وضعت للإرفاق والمعاونة، ولا يشمل ذلك المخالف لأنّ نصبهم للشيعة الذي هو أظهر من الشمس في دائرة النهار بل للأئمة(علیهم السلام) كما صرحت به جملة من الأخبار معلوم وواضح(1)
هذا وقد تنظر صاحب المدارك في كلا الوجهين وقال: وفي الدليلين بحث(2)
والذي نراه: أنّ من آمن بالله ورسوله، وسلم ذهنه وعقله من الشبهات، وتجرد عن موروثات الآباء والأجداد، وألقى السمع وهو شهيد، ونظر نظرة العاقل المنصف إلى مجموع ما ورد من الآيات، كآية التطهير وآية المباهلة وآية المودة وآية الإنذار يوم الدار وآية الولاية وغيرها، وتأمل في الروايات الكثيرة كحديث المنزلة وحديث الثقلين وحديث السفينة وغيرها مما تواتر نقله يرى هل تكون بمجموعها تقبل الشك والريب في صدورها ودلالتها؟ وهل هناك أمر من أمور الشيعة بل من أمور الدين قد ورد فيه هذا المقدار من الأدلة والبراهين؟ وهل اعتنى القرآن والرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) بأمر كعنايتهما بهذا الأمر تثبيتاً وتركيزاً عليه في النفوس؟ وليجعل من نفسه وعقله ووجدانه حكماً في ذلك. ثبتنا الله على الحق وهدانا وإياهم إلى الصراط المستقيم.
وعلى كل حال فالعمدة في المقام هي الروايات الواردة عنهم (علیهم السلام) وقد ورد كثير من الروايات تدل على اشتراط الإيمان في مستحق الزكاة: منها:
ص: 532
صحيحة بريد بن معاوية العجلي عن أبي عبد الله (علیه السلام) (في حديث) قال: كل عمل عمله وهو في حال نصبه وضلالته ثمّ منّ الله عليه وعرفه الولاية فإنه يوجر عليه إلاّ الزكاة، لأنّه يضعها في غير موضعها، لأنها لأهل الولاية، وأما الصلاة والحج والصيام فليس عليه قضاء(1)
والرواية صريحة الدلالة في اعتبار الإيمان في مستحق الزكاة، وأن وضعها في غير موضعها يستوجب الضمان والإعادة.
ومنها: صحيحة زرارة وبكير والفضيل ومحمّد بن مسلم وبريد العجلي (وهي رواية الفضلاء) كلهم عن أبي جعفر وأبي عبد الله (علیه السلام) أنهما قالا: في الرجل يكون في بعض هذه الأهواء الحرورية، والمرجئة، والعثمانية والقدرية، ثمّ يتوب، ويعرف هذا الأمر، ويحسن رأيه، أيعيد كل صلاة صلاها أو صوم أو زكاة أو حج أو ليس عليه إعادة شيء من ذلك؟ قال: ليس عليه إعادة شيء من ذلك غير الزكاة، ولابد أن يؤديها لأنه وضعالزكاة في غير موضعها، وإنما موضعها أهل الولاية.
وفي هذه الرواية حصر موضع الزكاة بأهل الولاية(2) ولا يجزي غيره.
ومنها: صحيحة ابن أذينة قال: كتب إليّ أبو عبد الله (علیه السلام): إن كل عمل عمله الناصب في حال ضلاله أو حال نصبه ثمّ منّ الله عليه وعرفه هذا الأمر فإنه يوجر عليه ويكتب له إلاّ الزكاة فإنه يعيدها، لأنه وضعها في غير موضعها وإنما موضعها أهل الولاية، فأما الصلاة والصوم فليس عليه قضاؤهما(3)
وهذه الرواية بمضمون الرواية السابقة.
ومنها: صحيحة إسماعيل بن سعد الأشعري عن الرضا (علیه السلام) قال: سألته عن
ص: 533
الزكاة هل توضع فيمن لا يعرف؟ قال: لا، ولا زكاة الفطرة(1)
ومنها: رواية ضريس قال: سأل المدايني أبا جعفر (علیه السلام) قال: إن لنا زكاة نخرجها من أموالنا ففي من نضعها؟ فقال: في أهل ولايتك، فقال: إني في بلاد ليس بها أحد من أوليائك، فقال: ابعث بها إلى بلدهم تدفع إليهم، ولا تدفعها إلى قوم إذا دعوتهم غداً إلى أمرك لم يجيبوك وكان والله الذبح(2)
ومنها: معتبرة علي بن بلال قال: كتبت إليه أسأله: هل يجوز أن أدفع زكاة المال والصدقة إلى محتاج غير أصحابي؟ فكتب: لا تعط الصدقة والزكاة إلاّ لأصحابك(3)
ومنها: رواية يعقوب بن شعيب الحداد عن العبد الصالح (علیه السلام) قال: قلت له: الرجل منا يكون في أرض منقطعة كيف يصنع بزكاة ماله؟ قال: يضعها في إخوانه وأهل ولايته، قلت: فإن لم يحضره منهم فيها أحد؟ قال: يبعث بها إليهم، قلت: فإن لم يجد من يحملها إليهم؟ قال: يدفعها إلى من لا ينصب، قلت: فغيرهم؟ قال: ما لغيرهم إلاّ الحجر(4)
وهذه الرواية تدل على أنّ الناصب لا يعطى، وأما غير الناصب فيعطى مع عدم وجود المؤمن، ولكن الرواية ضعيفة السند بإبراهيم بنإسحاق فإن المراد به النهاوندي الضعيف المتهم في دينه(5)
ومنها: رواية زرارة وابن مسلم عن أبي جعفر وأبي عبد الله (علیه السلام) أنهما قالا: الزكاة لأهل الولاية، قد بين الله لكم موضعها من كتابه(6)
ص: 534
ومنها: معتبرة علي بن جعفر أنّه سأله أخاه موسى بن جعفر ' عن الزكاة هل هي لأهل الولاية؟ قال: قد بين لكم ذلك في طائفة (طالع) من الكتاب(1)
والرواية وإن وردت في قرب الاسناد وفي سندها عبد الله بن الحسن، إلاّ أنّه قد تقدم أنّ روايات علي بن جعفر الواردة في قرب الاسناد كلها معتبرة.
ومنها: صحيحة أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): الرجل يموت ويترك العيال أيعطون من الزكاة؟ قال: نعم، حتى ينشأوا ويبلغوا ويسألوا، من أين كانوا يعيشون إذا قطع ذلك عنهم؟! فقلت: إنهم لا يعرفون، قال: يحفظ فيهم ميتهم ويحبّب إليهم دين أبيهم فلا يلبثون أن يهتموا بدين أبيهم، فإذا بلغوا وعدلوا إلى غيركم فلا تعطوهم(2)
ومنها: رواية أبي بصير أيضاً قال: سأله رجل وأنا أسمع قال: أعطي قرابتي (من) زكاة مالي وهم لا يعرفون (يعرفونك) ؟ قال: فقال: لا تعط الزكاة إلاّ مسلماً، وأعطهم من غير ذلك، ثمّ قال أبو عبد الله (علیه السلام): أترون إنما في المال الزكاة وحدها؟ ما فرض الله في المال من غير الزكاة أكثر، تعطى منه القرابة والمعترض لك مما يسألك فتعطيه ما لم تعرفه بالنصب، فإذا عرفته بالنصب فلا تعط إلاّ أن تخاف لسانه فتشتري دينك وعرضك به(3)
والذي يظهر من الرواية أنّ النواصب غير مسلمين، وأنهم لا يعطون من مال الزكاة شيئاً، ويعطى من لم يعرف بالنصب من غير مال الزكاة، كما يعطى الناصب منه - أي من غير مال الزكاة - في حال التقية.
ومنها: معتبرة أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): الرجل يكون له الزكاة وله قرابة يحتاجون غير عارفين أيعطيهم من الزكاة؟ فقال: لا ولاكرامة،
ص: 535
لا يجعل الزكاة وقاية لماله يعطيهم من غير الزكاة إن أراد(1)
ومنها: معتبرة أحمد بن محمّد بن أبي نصر قال: سألت الرضا (علیه السلام) عن الرجل له قرابة وموال وأتباع يحبون أمير المؤمنين (علیه السلام) وليس يعرفون صاحب هذا الأمر أيعطون من الزكاة؟ قال: لا(2)
والرواية وإن كان في سندها سهل بن زياد إلاّ أنّه يمكن تصحيحها من طريق آخر، وهو أنّ للشيخ طرقاً صحيحة إلى كتب أحمد بن محمّد بن أبي نصر فتكون الرواية معتبرة.
وهذه الروايات وغيرها تدل دلالة واضحة على اعتبار الايمان في مستحق الزكاة، ولا يعطى أحد ممن لا يعرف هذا الأمر مطلقاً ناصباً كان أو غيره، إلاّ ما دلت عليه رواية يعقوب بن شعيب الحداد من جواز إعطاء غير الناصب مع عدم وجود المؤمن، إلاّ أنّ الرواية ضعيفة السند كما تقدم.
وقد اختلف في اشتراطها فنسب إلى جماعة منهم الشيخ(3) والسيد وابن البراج وابن حمزة وغيرهم(4) اعتبارها، وأن لا يرتكب المستحق معصية.
ونقل عن ابن الجنيد(5) اشتراط عدم ارتكاب الكبائر خاصة.
وذهب آخرون منهم صاحب العروة(6) إلى أنّ الشرط هو عدم العلم بصرف المال في المعصية، واحتاط السيد الأستاذ ! (7) إضافة إلى ما ذهب إليه صاحب العروة بأن لا يكون تاركاً للصلاة، ولا متجاهراً بالفسق.
ص: 536
ويظهر من الصدوقين والديلمي عدم اشتراط شيء إلاّ الإيمان(1)وقد استدل للقول الأول - كما عن السيد المرتضى - بإجماع الطائفة، وأنه مقتضى الاحتياط واليقين ببراءة الذمة، مضافاً إلى ما ذكره من إمكان الاستدلال بكل ظاهر من القرآن والسنة المقطوع بها يقتضي النهي عن معاونة الفساق والعصاة وتقويتهم في ذلك(2)
وللمناقشة في ذكره من الإجماع والاحتياط واليقين ببراءة الذمة، مجال، وأما ظاهر الكتاب والسنة فهو أخص من المدعى.
وعليه فلابد من الرجوع إلى الإطلاقات المستفادة من الروايات الواردة في المقام:
ومنها: ما رواه الشيخ بإسناده عن محمّد بن عيسى عن داود الصرمي، قال: سألته عن شارب الخمر يعطى من الزكاة شيئاً؟ قال: لا(3)
والرواية من جهة الدلالة واضحة، ومفادها أنّ شارب الخمر لا يعطى شيئاً من الزكاة، إلاّ أنها من جهة السند تشتمل على داود الصرمي، ولم يرد فيه توثيق كما أنّ المسؤل غير معلوم، فهي بحسب الاصطلاح مضمرة.
ولكن يمكن القول باعتبار الرواية ودفع ما يرد عليها من جهة السند.
أما وثاقة داود الصرمي فهو وإن لم يرد فيه توثيق في الكتب الرجالية، إلاّ أنّه وقع في المستثنى منه من كتاب نوادر الحكمة(4) ، وقد حققنا في محله أنّ وقوع الراوي في كتاب نوادر الحكمة دليل على وثاقته ما لم يستثن، وبهذا يمكن اعتبار روايته، وأما وقوعه في أسناد كامل الزيارات(5) فليس توثيقاً له إذ ليس هو من
ص: 537
مشايخ ابن قولويه لتشمله الشهادة.
وأما الإضمار في الرواية فيقال في جوابه: إنّ الرواية رواها الشيخ المفيد في المقنعة(1) ، والشيخ الكليني في الكافي(2) ، وقد ذكر الأخير أنّه لا يورد في كتابه إلاّ الروايات الواردة عن الصادقين '، فلا يبعد أنتكون الرواية عن المعصوم(علیه السلام) مضافاً إلى أنّه قد ورد في ترجمة داود الصرمي(3) روى عن الرضا (علیه السلام) ، يكنى أبا سليمان، وبقي إلى أيام أبي الحسن صاحب العسكر، وله مسائل إليه، وهذه الرواية من مسائله فالرواية معتبرة سنداً ودلالة.
ومنها: ما رواه الصدوق عن محمّد بن الحسن، عن أحمد بن إدريس، ومحمّد بن يحيى جميعاً، عن محمّد بن أحمد بن يحيى، عن علي بن محمد، عن بعض أصحابنا، عن بشر بن بشار، قال: قلت للرجل يعني أبا الحسن(علیه السلام): ما حد المؤمن الذي يعطى من الزكاة؟ قال: يعطى المؤمن ثلاثة آلاف، ثمّ قال: أو عشرة آلاف، ويعطى الفاجر بقدر، لأنّ المؤمن ينفقها في طاعة الله والفاجر في معصية الله(4)
والرواية تتضمن السؤال عن مقدار ما يعطى المستحق، وقد فرق الإمام(علیه السلام) بين المؤمن والفاجر في مقدار ما يعطى كل منهما، معللاً ذلك بإنفاق المؤمن ماله في طاعة الله وإنفاق الفاجر ماله في معصية الله، ويستفاد من الرواية بمقتضى إطلاقها جواز إعطاء الفاسق، فهي من جهة الدلالة لا إشكال فيها وبها تقيد الرواية المتقدمة، ويكون الممنوع من الإعطاء هو خصوص شارب الخمر، وما عداه يجوز إعطاؤه.
ولكن هذه الرواية غير معتبرة من جهة السند لأنّها مرسلة، ولا يمكن
ص: 538
الاعتماد عليها ولا مجال للاستدلال بها.
ومنها: رواية محمّد بن سليمان عن رجل من أهل الجزيرة يكنى أبا محمّد قال: سأل الرضا (علیه السلام) رجل وأنا أسمع، فقال له: جعلت فداك إنّ الله عزوجل يقول: (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ)(1) أخبرني عن هذه النظرة التي ذكرها الله عزوجل في كتابه لها حد يعرف إذا صار هذا المعسر إليه لابد له من أن ينتظر، وقد أخذ مال هذا الرجل وأنفقه على عياله وليس له غلة ينتظر إدراكها، ولا دين ينتظر محله، ولا مال غائب ينتظر قدومه، قال: نعم، ينتظر بقدر ما ينتهي خبره إلى الإمام، فيقضي عنه ما عليه من الدين من سهم الغارمين إذا كان أنفقه في طاعة الله عزوجل، فإن كان أنفقه في معصية الله عزوجل فلا شيء له على الإمام، قلت: فما لهذا الرجل الذي ائتمنه وهو لا يعلم فيما أنفقه؟ في طاعة الله أمفي معصيته؟ قال: يسعى له في ماله فيرده عليه وهو صاغر(2)
والشاهد في الرواية قوله: «إذا كان أنفقه في طاعة الله عزوجل فإن كان أنفقه في معصية الله عزوجل فلا شيء له على الإمام» .
وهو صريح في أنّ من أنفق ماله في المعصية مطلقاً صغيرة كانت أو كبيرة فلا يستحق شيئاً من مال الزكاة، فالرواية من حيث الدلالة تامة إلاّ أنّ الإشكال فيها من جهة السند فإنها مرسلة ولا يمكن الاعتماد عليها من هذه الجهة.
ومنها: رواية الشيخ بإسناده عن علي بن إبراهيم أنّه ذكر في تفسيره تفصيل هذه الثمانية الأصناف فقال: فسر العالم (علیه السلام) فقال: الفقراء: هم الذين لا يسألون وعليهم مؤنات من عيالهم، والدليل على أنهم هم الذين لا يسألون قول الله تعالى: (لِلفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمْ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنْ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً)(3)
ص: 539
والمساكين: هم أهل الزمانات وقد دخل فيهم الرجال والنساء والصبيان، والعاملين عليها: هم السعاة والجباة في أخذها وجمعها وحفظها حتى يؤدوها إلى من يقسمها، والمؤلفة قلوبهم قال: هم قوم وحدوا الله وخلعوا عبادة من دون الله ولم يدخل المعرفة قلوبهم أنّ محمداً رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) ، وكان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يتألفهم ويعلمهم ويعرفهم كيما يعرفوا، فجعل لهم نصيباً في الصدقات لكي يعرفوا ويرغبوا، وفي الرقاب: قوم لزمتهم كفارات في قتل الخطأ، وفي الظهار وفي الايمان، وفي قتل الصيد في الحرم وليس عندهم ما يكفرون وهم مؤمنون، فجعل الله لهم منها (منها سهماً) في الصدقات ليكفر عنهم، والغارمين: قوم وقعت عليهم ديون أنفقوها في طاعة الله من غير إسراف فيجب على الإمام أن يقضي عنهم ويفكهم من مال الصدقات، وفي سبيل الله: قوم يخرجون في الجهاد وليس عندهم ما يتقوون به، أو قوم من المؤمنين ليس عندهم ما يحجون به، أو في جميع سبل الخير، فعلى الإمام أن يعطيهم من مال الصدقات حتى يقووا على الحج والجهاد، وابن السبيل: أبناء الطريق الذين يكونون في الأسفار في طاعة الله فيقطع عليهم ويذهب مالهم، فعلى الإمام أن يردهم إلى أوطانهم من مال الصدقات(1).
قال صاحب الوسائل(2) : ورواه علي بن إبراهيم في تفسيره عن الصادق(علیه السلام) نحو ما نقله الشيخ، ومحل الشاهد من هذه الرواية قوله: والغارمين قوم قد وقعت عليهم ديون أنفقوها في طاعة الله من غير إسراف، ويستفاد من ذلك: أنهم إذا أنفقوا المال في الطاعة استحقوا وإلاّ فلا، فالرواية من جهة الدلالة تامة، إلاّ أن الإشكال فيها من جهة السند فهي وإن وردت في تفسير القمي وهو كتاب مشهور معروف والطريق إليه معتبر، إلاّ أن طريق علي بن إبراهيم إلى الإمام (علیه السلام) غير مذكور فهي بحسب الاصطلاح مرفوعة السند لأنّ علي بن إبراهيم لا يمكن أن
ص: 540
يروي عن الإمام الصادق أو الكاظم(علیه السلام) بغير وسائط، وحينئذ لا يمكن الاعتماد على هذه الرواية في مقام الاستدلال.
ومنها: صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألت أبا الحسن (علیه السلام) عن رجل عارف فاضل توفي وترك عليه ديناً قد ابتلى به لم يكن بمفسد ولا بمسرف ولا معروف بالمسألة، هل يقضي عنه من الزكاة الالف والالفان؟ قال: نعم(1)
وهذه الرواية قد يستدل بها على المدعى لقوله: «لم يكن بمفسد ولا بمسرف ولا معروف بالمسألة» وإذا كان كذلك فهو مستحق فيعطى من مال الزكاة.
وفيه: أنّ هذا وارد في كلام السائل لا في كلام المعصوم (علیه السلام) ، والإمام أجابه على طبق سؤاله، ولا يدل ذلك على اختصاص الزكاة بمن ذكره في سؤاله، كما لا يدل على عدم استحقاق غيره، فالرواية وإن كانت من جهة السند معتبرة إلاّ أنها من جهة الدلالة غير تامة.
ومنها: معتبرة الحسين بن علوان عن جعفر بن محمّد عن أبيه: أنّ علياً(علیه السلام) كان يقول: يعطى المستدينون من الصدقة والزكاة دينهم كله ما بلغ، إذا استدانوا في غير سرف الحديث(2)
والمستفاد من الرواية: أن من استدان مالاً وأنفقه في غير سرف فهو مستحق، وأما إذا كان أنفقه في سرف فلا يعطى، ومن أجلى مصاديق السرف صرف المال في المعصية فإنه إنفاق للمال في غير موضعه، ومنفق المال في المعصية لا يستحق أن يعطى من مال الزكاة شيئاً، فالرواية من جهة الدلالةتامة.
وأما من جهة السند فقد يقال: إنّ الحسين بن علوان غير موثق، وما ذكره النجاشي من التوثيق(3) راجع لأخيه الحسن، ولكن الظاهر رجوع التوثيق إلى
ص: 541
الحسين لا إلى أخيه، ويعلم ذلك من الوقوف على طريقة النجاشي في تراجمه للرجال، وقد تقدم أنّ بعضهم فهم من ذلك رجوع التوثيق إلى الحسن، وقلنا هناك إنه خلاف الظاهر، فالرواية معتبرة سنداً ودلالة.
وهناك روايات أخرى وردت بهذا المضمون وفي بعضها جاء بعنوان الإسراف بدلاً من السرف.
والحاصل: أنّ من صرف المال في المعصية لا يستحق، ولا يجوز إعطاؤه في دين كان أو في غيره.
ومنها: رواية أبي خديجة عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: لا تعط من الزكاة أحداً ممن تعول، وقال: إذا كان لرجل خمسمائة درهم وكان عياله كثيراً قال: ليس عليه زكاة ينفقها على عياله يزيدها في نفقتهم وفي كسوتهم وفي طعام لم يكونوا يطعمونه، وإن لم يكن له عيال وكان وحده فليقسمها في قوم ليس بهم بأس، أعفّاء عن المسألة لا يسألون أحداً شيئاً، وقال: لا تعطين قرابتك الزكاة كلها، ولكن أعطهم بعضها، واقسم بعضها في سائر المسلمين، وقال: الزكاة تحل لصاحب الدار والخادم ومن كان له خمسمائة درهم بعد أن يكون له عيال، ويجعل زكاة الخمسمائة زيادة في نفقة عياله يوسع عليهم(1)
ومحل الشاهد من الرواية قوله: «فليقسمها في قوم ليس بهم بأس أعفاء عن المسألة لا يسألون أحداً شيئاً» .
واستدل بذلك على اشتراط العدالة في المستحق فإن إطلاق عدم البأس يقتضي كونهم غير عصاة أي: لا بأس بهم من جهة الإيمان والعمل وذلك هو معنى العدالة والاستقامة.
وقد أشكل على هذه الرواية بوجهين الأول: من جهة السند فإنّ فيه سالم
ص: 542
بن مكرم وهو أبو خديجة وقد ضعفه الشيخ(1)الثاني: من جهة الدلالة وذلك :
أولاً: أنّ قوله: ليس بهم بأس لا دلالة فيه على أنّ العاصي لا يعطى، وأن الإعطاء منحصر في خصوص هذا المورد، فلعله من باب الأولوية ويجوز إعطاء من به بأس وإن كان على خلاف الأولوية.
وثانياً: أنّه من المحتمل أن يكون قوله: «لا يسألون أحداً شيئاً» تفسيراً لقوله: «ليس بهم بأس» ويكون المعنى إن الإعطاء مشروط بعدم المسألة، فلا تكون دليلاً على اعتبار عدم المعصية في المستحق.
ونقول: أما الإشكال من جهة السند فقد حققنا في محله من مباحثنا الرجالية أنّ أبا خديجة وإن ضعفه الشيخ إلاّ أن النجاشي قد وثقه(2) ، وأفردنا بحثاً خاصاً حول أبي خديجة(3) وذكرنا سبب تضعيف الشيخ له، وقد رجحنا قول النجاشي، وقلنا بوثاقته والاعتماد على روايته، وبناء على ذلك فالرواية من حيث السند لا إشكال فيها.
وأما الإشكال من جهة الدلالة فالظاهر من الرواية هو اعتبار الإيمان، فإن نفي البأس عنهم باعتبار أنهم من أهل الولاية وحينئذ لا يبقى مجال للأخذ بالإطلاق الشامل للعاصي هذا أولاً.
وثانياً: أن ظاهر الرواية هو الانحصار فإن قوله: «فليقسمها ... الخ» يفيد أنّ التقسيم خاص بهم ولا يشمل غيرهم.
وثالثاً: أن جعل جملة «لا يسألون أحداً شيئاً» تفسيراً لقوله: «ليس بهم بأس» بعيد، نعم هذه الجملة من تتمة الكلام وبيان لبعض أوصافهم.
والحاصل المستفاد من الرواية: أنّ البأس راجع إلى المخالفين الذين هم
ص: 543
ليسوا من أهل الولاية ولا ربط لها بالعصاة، وعليه لا يمكن الاستدلال بهذه الرواية على اشتراط العدالة في المستحق.
ومنها: رواية محمّد بن سنان عن الرضا (علیه السلام) أنّه كتب إليه فيما كتب من جواب مسائله: أنّ علة الزكاة من أجل قوت الفقراء وتحصين أموال الأغنياء، لأن الله عزوجل كلّف أهل الصحة القيام بشأن أهل الزمانة والبلوى، كما قال الله تبارك وتعالى: (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ)(1) في أموالكم إخراج الزكاة وفي أنفسكم توطين الأنفس على الصبر، مع ما في ذلك من أداء شكر نعم الله عزوجل، والطمع في الزيادة، مع ما فيه منالزيادة والرأفة والرحمة لأهل الضعف والعطف على أهل المسكنة والحث لهم على المواساة، وتقوية الفقراء والمعونة لهم على أمر الدين، و (هو خ ل) موعظة لأهل الغنى وعبرة لهم ليستدلوا على فقراء الآخرة بهم، ومالهم من الحث في ذلك على الشكر لله تبارك وتعالى لما خولهم وأعطاهم والدعاء والتضرع والخوف من أن يصيروا مثلهم في أمور كثيرة في أداء الزكاة والصدقات وصلة الأرحام واصطناع المعروف(2)
ومحل الشاهد من هذه الرواية قوله: «والمعونة لهم على أمر الدين» وهذه الجملة هي إحدى العلل الموجبة لإعطاء الزكاة، ويستفاد منها: أن من كان على خلاف ذلك فلا يستحق شيئاً.
وقد نوقش في سند الرواية بأنّ طريق الصدوق إلى كتاب مسائل محمّد بن سنان ضعيف، وقد ذكر السيد الأستاذ ! في المعجم أنّ ضعف الطريق بعلي بن العباس(3) فإنه لم يوثق مضافاً إلى الخلاف في وثاقة محمّد بن سنان وعليه فلا يمكن الاستدلال بهذه الرواية من هذه الجهة.
ص: 544
ولكن يمكن الجواب عنه أولاً: أننا قد رجحنا وثاقة محمّد بن سنان(1) والأخذ بروايته.
وثانياً: أنّ الطريق إلى مسائل محمّد بن سنان وإن كان ضعيفاً إلاّ أنّه يمكن تصحيحه بالطريق العام فإنّ للصدوق طريقاً معتبراً إلى جميع روايات وكتب محمّد بن سنان(2) ، ومنها كتاب المسائل فضعف هذا الطريق بخصوصه لا يضر، مضافاً إلى ما ذكره ابن عقدة من أنّ الكتاب معروف(3) فقد يقال بعدم الحاجة إلى الطريق. فلا إشكال في الرواية من جهة السند.
نعم يمكن المناقشة في الرواية من جهة الدلالة وذلك بأن يقال: إنّ المال إذا أعطي من يصرفه في المعصية فالإشكال في محله، وأما إذا علمنا أنّه لا يصرفه في المعصية فلا دليل على عدم الإعطاء ولا يكون مورداً للإشكال. نعم تدل الرواية على أنّ الإعطاء والصرف في الطاعة والمعونة على أمر الدين، فالرواية موافقة لرواية الحسين بن علوانالمتقدمة الدالة على عدم صرف المال في المعصية.
ومنها: رواية صباح بن سيابة عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) : أيما مؤمن أو مسلم مات وترك ديناً لم يكن في فساد ولا إسراف فعلى الإمام أن يقضيه، فإن لم يقضه فعليه إثم ذلك، إن الله تعالى يقول: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ )الآية، فهو من الغارمين وله سهم عند الإمام، فإن حبسه فإثمه عليه(4).
والرواية من حيث الدلالة واضحة، فإن دين المدين يؤدى من الزكاة إذا لم يكن في فساد ولا إسراف.
إلاّ أنها من جهة السند غير تامة وإن أوردها الكليني في الكافي(5) وذلك
ص: 545
لأنّ صباح بن سيابه لم يرد فيه توثيق، نعم ورد عنه روايتان تشيران إلى كونه من الشيعة الإمامية وهذا لا يكفي في الحكم بوثاقته، فالرواية لا يمكن الاعتماد عليها لضعف سندها.
وقد يستدل على اشتراط العدالة بما ورد في بعض الروايات كقوله- : لا يزني الزاني وهو مؤمن، ولا يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر وهو مؤمن(1) ونحوها، فلا يستحق المرتكب لهذه المعاصي ونحوها شيئاً من الزكاة .
ولكن المناقشة فيها واضحة فإن للإيمان مراتب كما أن عدم الإيمان أيضاً يتفاوت فيه الناس شدة وضعفاً، ولذا لا يحكم بكفر مرتكب المعصية وبنجاسته، نعم تتفاوت درجات العصاة كما تتفاوت درجات المؤمنين، فلا يمكن الاعتماد على هذه الروايات في مقام الاستدلال.
والمتحصل إلى هنا: أنّ ما يعتمد عليه من الأدلة هو عدم كون المستحق شارب الخمر بمقتضى دلالة رواية داود الصرمي المتقدمة، وان لا يكون صرف المال في المعصية بمقتضى معتبرة الحسين بن علوان ومعتبرة محمّد بن سنان، وأما اعتبار شيء آخر فلم نعثر على دليل عليه، نعم ما يكون من المعاصي في درجة شرب الخمر أو أعظم منه كترك الصلاة مثلاً فهو بتنقيح المناط والأولوية يلحق بشرب الخمر، فلا يجوز إعطاء تارك الصلاة شيئاً من الزكاة، ومثله المتجاهر بالفسقفإن في إعطائهما تشجيعاً وتقوية لهما، ومقتضى الاحتياط عدم إعطائهما شيئاً، وأما في غير ما ذكرنا فليس لنا دليل عليه فاشتراط العدالة مطلقاً لا وجه له.
هذا تمام الكلام عن الجهة الأولى.
فيما تقتضيه الأدلة بالنسبة إلى التقية.
لا إشكال في وجوب وضع الزكاة في موضعها، وهي الأصناف الثمانية على طبق ما تقدم في الجهة الأولى، فإذا عرض للمكلف أن يضعها في غير موضعها
ص: 546
تقية، أو أكره على إعطائها لمن لا يستحق أو أخذت منه قهراً من سلطان أو جائر فهل يكون الإعطاء مجزياً ويحسب من الزكاة أم لابد من ضمانها؟
قال الشيخ في الخلاف: المتغلب إذا أخذ الصدقة لم تبرأ بذلك ذمته من وجوب الزكاة عليه، لأنّ ذلك تحكم ظلم به، والصدقة لأهلها ويجب عليه إخراجها، وقد روي أنّ ذلك مجز عنه، والأول أحوط. وقال الشافعي: إذا أخذ الزكاة إمام غير عادل أجزأت عنه لأن إمامته لم تزل بفسقه، وذهب أكثر الفقهاء من المحققين وأكثر أصحاب الشافعي إلى أنّه إذا فسق زالت إمامته، وقال أحمد بن حنبل وعامة أصحاب الحديث: لا تزول الإمامة بفسقه، وهو ظاهر قول الشافعي وقال أصحابه: لا تجيء على أصوله، فأما فسق الإمام فعندنا لا يجوز لأنه لا يكون إلاّ معصوماً، وليس هذا موضع الدلالة عليه، والذي يدل على أنّ ذمته لم تبرأ مما أخذه المتغلب: أنّ الزكاة حق لأهلها فلا تبرأ ذمته بأخذ غير من له الحق، ومن أبرأ الذمة بذلك فعليه الدلالة(1)
والتحقيق في المسألة يتوقف على ذكر الروايات الخاصة الواردة في المقام وهي على طائفتين:
الأولى: الروايات الدالة على الإجزاء:
ومنها: صحيحة يعقوب بن شعيب قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن العشور التي تؤخذ من الرجل أيحتسب بها من زكاته؟ قال: نعم إن شاء(2)ومنها: معتبرة السكوني عن جعفر عن آبائه (علیهم السلام) قال: ما أخذه منك العاشر فطرحه في كوزة فهو من زكاتك: وما لم يطرح في الكوز فلا تحتسبه من زكاتك(3) ، والكوز إناء يوضع فيه المال والمراد به صندوق السلطان.
ومنها: صحيحة سليمان بن خالد قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: إن
ص: 547
أصحاب أبي أتوه فسألوه عما يأخذ السلطان؟ فرقّ لهم، وإنه ليعلم أنّ الزكاة لا تحل إلاّ لأهلها، فأمرهم أن يحتسبوا به، فجال فكري والله لهم فقلت (له) : يا أبه إنهم إن سمعوا إذا لم يزك أحد! فقال: يا بني حق أحب الله أن يظهره(1).
ومنها: صحيحة عبيد الله بن علي الحلبي قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن صدقة المال يأخذه (ها) السلطان؟ فقال: لا آمرك أن تعيد(2)
ومنها: مرسلة الصدوق قال: سئل أبو عبد الله (علیه السلام) (أبو الحسن (علیه السلام)) عن الرجل يأخذ منه هؤلاء زكاة ماله أو خمس غنيمته أو خمس ما يخرج له من المعادن أيحسب ذلك له في زكاته وخمسه؟ فقال: نعم(3)
والرواية وإن كانت مرسلة إلاّ أنّه قد تقدم أنّ مرسلات الصدوق في الفقيه يمكن الاعتماد عليها.
وهذه الروايات كلها صريحة الدلالة في أنّ ما يأخذ السلطان أو وكيله يحتسب من مال الزكاة ولا حاجة للإعادة.
الثانية: ما يدل على عدم الاحتساب من الزكاة، وأن دفعها إليهم لا يجزي، وهي رواية واحدة وهي صحيحة أبي أسامة، قال: قلت لأبي عبد الله(علیه السلام): جعلت فداك إنّ هؤلاء المصدقين يأتونا ويأخذون منا الصدقة فنعطيهم إياها أتجزي عنا؟ قال: لا، إنما هؤلاء قوم غصبوكم أو قال: ظلموكم أموالكم، وإنما الصدقة لأهلها(4)
والرواية صريحة في عدم الإجزاء، وحملها على الاستحباب بعيد لا يمكن المصير إليه، ويمكن الجمع بين هذه الرواية وبين الروايات السابقة بما دلت عليه بعض الروايات من عدم جواز الإعطاء اختياراً، فإن أعطىعن اختيار فلا يجزي، وأما إذا أخذ قهراً فيحتسب من الزكاة، والشاهد عليه صحيحة عيص بن
ص: 548
القاسم عن أبي عبد الله (علیه السلام) في الزكاة قال: ما أخذوا منكم بنو أمية فاحتسبوا به، ولا تعطوهم شيئاً ما استطعتم، فإنّ المال لا يبقى على هذا أن يزكيه مرتين(1)
ففي هذه الرواية تفصيل بين ما أخذ قهراً فيحتسب من الزكاة وبين ما أعطى عن اختيار فلا يحتسب، وصحيحة زرارة عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: سألته عن طلاق المكره وعتقه؟ فقال: ليس طلاقه بطلاق، ولا عتقه بعتق، فقلت: إني رجل تاجر أمر بالعشار ومعي مال؟ فقال: غيبه ما استطعت وضعه مواضعه. فقلت: فإن حلفني بالطلاق والعتاق؟ فقال: احلف له، ثمّ أخذ تمرة فحفر بها من زبد كان قدامه فقال: ما أبالي حلفت لهم بالطلاق والعتاق أو آكلها(2)
والمستفاد منها عدم جواز إعطائهم المال عن طواعية واختيار، ولابد من التحفظ على المال ووضعه في موضعه.
ويؤيد ذلك: رواية أبي البختري عن جعفر عن أبيه: أنّ علياً (علیه السلام) كان يقول: اعتد في زكاتك بما أخذ العشار منك، واحفظها عنه ما استطعت(3)
والرواية صريحة في دلالتها إلاّ أن في سندها ضعفاً ولذا جعلناها مؤيدة لما تقدم.
والحاصل: أنّ مقتضى الأدلة هو التفصيل في المقام بين الاختيار والإكراه، والإجزاء إنما هو في الثاني دون الأول، لا كما ذهب إليه الشيخ من عدم الإجزاء مطلقاً.
وبهذا يتم الكلام عن التقية في الزكاة.
وبعد:
فهذا آخر ما أردناه في الجزء الأول ويتلوه الجزء الثاني، وأوّله التقية في الجهاد.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمّد وآله الطاهرين.
ص: 549
ص: 550
· فهرس المصادر
· فهرس المحتويات
ص: 551
ص: 552
القرآن الكريم.
1- أحكام القرآن لأبي بكر محمد بن عبد الله المعروف بابن العربي ت 543 ه- - تحقيق علي بن محمد البجاوي، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت - لبنان.
2- اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي) لشيخ الطائفة الطوسي تصحيح وتعليق المعلم الثالث ميرداماد الاسترابادي تحقيق السيد مهدي الرجائي نشر مؤسسة آل البيت (علیهم السلام) مطبعة بعثت - قم 1404 ه- .
3- الإرشاد للشيخ المفيد منشورات مكتبة بصيرتي - قم.
4- الإرشاد للشيخ أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي (الشيخ المفيد) ت 413 ه- ، تحقيق مؤسسة آل البيت (علیهم السلام) لإحياء التراث، الطبعة الأولى 1413 ه- .
5- الاستبصار لشيخ الطائفة (الطوسي) تحقيق وتعليق السيد حسن الموسوي الخرسان، دار الكتب الإسلامية 1390 ه- .
6- إشارة السبق للشيخ علاء الدين أبي الحسن علي بن أبي الفضل الحسن بن أبي المجد الحلبي مطبوع ضمن كتاب الجوامع الفقهية، انتشارات جهان - الطبع القديم.
7- أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق تقريراً لبحث الشيخ مسلم الداوري، لمحمد علي المعلم، الطبعة الأولى 1416 ه- ، مطبعة نمونة - قم.
8- الأصول من الكافي لثقة الإسلام الكليني، نشر الشيخ محمد الاخوندي، مطبعة الحيدري طهران.
ص: 553
9- إعلام الورى بأعلام الهدى لأمين الإسلام أبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي ت 548 ه- ، الطبعة الثانية، منشورات دار الكتب الإسلامية.
10- أمالي الشيخ المفيد لفخر الشيعة أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي الملقب بالشيخ المفيد ت 413 ه- ، منشورات مكتبة بصيرتي، قم.
11- الإمام الصادق والمذاهب الأربعة للشيخ أسد حيدر الطبعة الثانية 1390 ه- 1969 م ، دار الكتاب العربي بيروت - لبنان.
12- الانتقال الصعب في المذهب والمعتقد للكاتب السيد إدريس الحسيني، الطبعة الأولى 1414 ه- - 1994 م ، دار النخيل للطباعة والنشر - بيروت.
13- إيمان أبي طالب (الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب) لشمس الدين أبي المعالي فخار بن معد الموسوي ت 630 ، تحقيق الدكتور السيد محمد بحر العلوم ، الطبعة الثالثة 1408 ه- - 1987 م ، منشورات دار الزهراء للطباعة والنشر والتوزيع ، بيروت.
14- بحار الأنوار لشيخ الإسلام المولى محمد باقر المجلسي ت 1111 ه- دار الكتب الإسلامية، طهران.
15- بحار الأنوار الأجزاء 29 ، 30 ، 31 للعلامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي تحقيق الشيخ عبد الزهراء العلوي دار الرضا، بيروت - لبنان.
16- بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع لعلاء الدين أبي بكر بن مسعود الكاساني الحنفي ت 587 ه- ، الطبعة الثانية 1402 ه- - 1982 م ، دار الكتاب العربي بيروت - لبنان.
17- بداية المجتهد ونهاية المقتصد لأبي الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد القرطبي ت 595 منشورات الرضي - قم 1406 ه- .
18- البرهان في تفسير القرآن للسيد هاشم الحسيني البحراني ت 1107 ه- أو 1109 ه- ، الطبعة الثانية مطبعة آفتاب - طهران، دار الكتب العلمية قم - إيران.
ص: 554
19- تاريخ الأمم والملوك (تاريخ الطبري) لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري ت 310 ه- تحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم دار سويدان، بيروت - لبنان.
20- تاريخ الشيعة للشيخ محمد حسين المظفر منشورات مكتبة بصيرتي.
21- التبيان في تفسير القرآن لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي ت 460 تحقيق وتصحيح أحمد حبيب قصير العاملي دار إحياء التراث العربي.
22- تحف العقول عن آل الرسول للشيخ أبي محمد الحسن بن علي بن الحسين بن شعبة الحراني، الطبعة الخامسة منشورات مكتبة بصيرتي 1394 ه- - قم.
23- تذكرة الفقهاء للعلامة الحلي من منشورات المكتبة الرضوية لإحياء الآثار الجعفرية - طهران - الطبع القديم.
24- تفسير العياشي أبو النضر محمد بن مسعود بن عياش السلمي السمرقندي، تصحيح وتحقيق وتعليق السيد هاشم الرسولي المحلاتي المكتبة العلمية الإسلامية - طهران.
25- تفسير القرهن الكريم للسيد عبد الله شبر ت 1242 ه- ، الطبعة الثالثة 1385 - 1966 م منشورات دار الهجرة قم - إيران.
26- تفسير القمي لأبي الحسن علي بن إبراهيم القمي تصحيح وتعليق السيد طيب الموسوي الجزائري الطبعة الأولى 1411 ه- - 1991 م دار السرور، بيروت - لبنان.
27- التفسير الكبير (مفاتيح الغيب) لفخر الدين محمد بن عمر بن الحسين الرازي الشافعي ت 604 الطبعة الأولى 1411 ه- - 1990 م دار الكتب العلمية بيروت - لبنان.
28- تفسير المراغي لأحمد مصطفى المراغي، الطبعة الثانية 1985 م ، دار إحياء التراث العربي.
29- تفسير نور الثقلين للشيخ عبد علي بن جمعة العروسي الحويزي
ص: 555
تصحيح وتعليق وإشراف السيد هاشم الرسولي المحلاتي الطبعة العلمية، قم - دار الكتب العلمية - إسماعيليان نجفي، إيران - قم.
30- التنقيح في شرح العروة الوثقى تقريراً لبحث آية الله العظمى السيد أبي القاسم الخوئي للميرزا علي الغروي التبريزي الطبعة الثالثة 1410 ه- مطبعة صدر - قم.
31- تنقيح المقال في علم الرجال للشيخ عبد الله المامقاني - انتشارات جهان - طهران - الطبع القديم.
32- تهذيب الأحكام لشيخ الطائفة الطوسي تحقيق وتعليق السيد حسن الموسوي الخرسان، الطبعة الثالثة 1390 ه- ، دار الكتب الإسلامية.
33- جامع أحاديث الشيعة ألف تحت إشراف السيد حسن الطباطبائي البروجردي منشورات مدينة العلم لآية الله العظمى الخوئي، قم - إيران.
34- الجامع الصحيح (سنن الترمذي) لأبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة ت 297 ه- تحقيق وشرح أحم محمد شاكر دار إحياء التراث العربي.
35- جامع المسانيد لعماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الشافعي ت 774 ه- توثيق وإخراج وتعليق الدكتور عبد المعطي أمين قلعجي دار الفكر 1415 ه- - 1994 م .
36- جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام للشيخ محمد حسن النجفي ت 1266 ه- الطبعة السابعة 1400 ه- نشر دار الكتب الإسلامية - طهران.
37- الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة للشيخ يوسف البحراني ت 1186 ه- ، دار الكتب الإسلامية، النجف، مطبعة النجف 1376 ه- - 1957 م.
38- الخرائج والجرائح لقطب الدين الراوندي ت 573 ه- تحقيق ونشر مؤسسة الإمام المهدي قم المقدسة، ا لطبعة الأولى 1409 ه- .
39- الخصال لأبي جعفر محمد بن علي بن بابويه القمي (الشيخ الصدوق) ت 381 ه- ، تصحيح وتعليق علي أكبر غفاري، منشورات جامعة المدرسين في الحوزة العلمية - قم المقدسة.
ص: 556
40- الخلاف لشيخ الطائفة (الطوسي) الطبعة الثانية 1377 ه- مطبعة رنكين طهران.
41- الخلاف لشيخ الطائفة (الطوسي) إصدار مكتب الكتب المتنوعة الطبع القديم.
42- دائرة معارف القرن العشرين لمحمد فريد وجدي الطبعة الثالثة - دار المعرفة للطباعة والنشر - بيروت.
43- الدر المنثور في التفسير بالمأثور لعبد الرحمن جلال الدين السيوطي ت 911 الطبعة الثانية 1409 ه- - 1988 م دار الفكر.
44- درر الفوائد وهو تعليقة على شرح ا لمنظومة للسبزواري للشيخ محمد تقي الآملي من منشورات مركز نشر الكتاب بطهران مطبعة المصطفوي.
45- رجال الطوسي لشيخ الطائفة (الطوسي) تحقيق وتعليق السيد محمد صادق آل بحر العلوم الطبعة الأولى 1381 ه- - 1961 م ، منشورات المكتبة والمطبعة الحيدرية في ا لنجف.
46- رجال العلامة الحلي (الخلاصة) للحسن بن يوسف بن علي بن المطهر الحلي ت 726 ه- ا لطبعة الثانية 1381 ه- - 1961 م ، منشورات المطبعة الحيدرية النجف.
47- رجال النجاشي لأبي العباس أحمد بن علي النجاشي الكوفي الأسدي ت 450 ه- تحقيق محمد جواد النائيني الطبعة الأولى 1408 ه- -1- 1988 م دار الأضواء للطباعة والنشر والتوزيع - بيروت.
48- رسالة في التقية للشيخ مرتضى الأنصاري ت 1281 ه- مطبوعة في ضمن كتاب المكاسب الطبع القديم 1375 ه- بخط طاهر خوش نويس.
49- الروضة البهية في شرح ا للمعة الدمشقية للشيخ الشهيد زين الدين الجبعي العاملي (الشهيد الثاني) إشراف السيد محمد كلانتر الطبعة الثانية 1395 ه- منشورات جامعة النجف الدينية.
ص: 557
50- الروضة من الكافي لثقة الإسلام الكليني تصحيح ومقابلة وتعليق علي أكبر غفاري الطبعة الثانية 1389 ه- نشر دار الكتب الإسلامية.
51- سنن ابن ماجة لأبي عبد الله محمد بن يزيد القزويني ت 275 ه- تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي دار الفكر.
52- سنن النسائي لأبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي النسائي ت 303 ه- الطبعة الأولى 1348 ه- - 1930 م دار الفكر بيروت.
53- السنن الكبرى لأبي بكر أحمد بن الحسين بن علي ا لبيهقي ت 458 ه- دار المعرفة بيروت - لبنان.
54- شرح نهج البلاغة لعز الدين أبي حامد عبد الحميد بن هبة الله بن محمد بن أبي الحديد المدائني ت 656 ه- تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية - القاهرة.
55- شرعة التسمية للمعلم الثالث الأمير السيد محمد باقر (الداماد) ت 1041ه- إعداد رضا الاستادي الطبعة الأولى 1409 ه- نشر مؤسسة ميرداماد - اصفهان.
56- الشيعة - نص الحوار مع المستشرق كوربان - للسيد محمد حسين الطباطبائي ترجمة جواد جواد علي (خالد توفيق) الطبعة الأولى 1416 ه- مؤسسة أم القرى للتحقيق والنشر.
57- صحيح البخاري لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري ت 256 ه- الطبعة الخامسة 1406 ه- - 1986 م ، عالم الكتب - بيروت.
58- عدة الأصول لشيخ الطائفة الطوسي تحقيق محمد مهدي نجف الطبعة الأولى المحققة 1403 - 1983 م ، نشر مؤسسة آل البيت (علیهم السلام) لإحياء التراث - مطبعة سيد الشهداء، قم.
59- علل الشرائع للشيخ الصدوق، دار إحياء التراث العربي - منشورات المكتبة الحيدرية ومطبعتها في النجف 1385 ه- - 1966 م .
ص: 558
60- عمدة القارىء شرح صحيح البخاري لبدر الدين أبي محمد محمود بن أحمد العيني ت 855 ه- دار الفكر 1399 ه- - 1979 م .
61- عوالي اللئالي العزيزية في الأحاديث الدينية للشيخ محمد بن علي بن إبراهيم الإحسائي (ابن أبي جمهور) ت 940 ه- ، تحقيق الحاج الشيخ مجتبى العراقي الطبعة الأولى 1403 ه- - 1993 م ، مطبعة سيد الشهداء ، قم - إيران.
62- عيون أخبار الرضا للشيخ الصدوق تصحيح وتعليق السيد مهدي اللاجوردي انتشارات جهان.
63- الغدير في الكتاب والسنة والأدب للشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي الطبعة الخامسة 1403 ه- - 1983 م نشر دار الكتاب العربي بيروت.
64- الغنية للسيد أبي المكارم عز الدين حمزة بن علي بن زهرة الحسيني الحلبي - مطبوع ضمن كتاب الجوامع الفقهية انتشارات جهان - الطبع القديم.
65- فتح الباري بشرح صحيح البخاري لأبي الفضل شهاب الدين أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني الشافعي الطبعة الثانية 1402 ه- ، دار إحياء التراث العربي - بيروت.
66- فرائد الأصول (الرسائل) للشيخ مرتضى الأنصاري المشتملة على حواشي وتعاليق الهمداني وصاحب الاوثق ورحمة الله طبع باهتمام الميرزا حسين آقا المصطفوي الطبع القديم.
67- فرائد الأصول (الرسائل) للشيخ مرتضى الأنصاري ت 1281 تحقيق عبد الله النوراني الطبعة السادسة 1416 ه- ، نشر مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة.
68- الفروع من الكافي لثقة الإسلام أبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني الرازي ت 328 أو 329 تصحيح ومقابلة وتعليق علي أكبر غفاري الطبعة الثانية 1366 ه- مطبعة الحيدري.
ص: 559
69- الفقه على المذاهب الأربعة لعبد الرحمن الجزيري، دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان 1406 ه- - 1986 م.
70- الفقه على المذاهب الأربعة للشيخ أسد حيدر الطبعة الثانية 1390 ه- - 1969م دار الكتاب العربي، بيروت - لبنان.
71- فوائد الأصول تقرير أبحاث الميرزا محمد حسين الغروي النائيني للشيخ محمد علي الكاظمي الخراساني تعليق آقا ضياء الدين العراقي تحقيق الشيخ رحمة الله رحمتي الأراكي الطبعة الأولى 1409 ه- نشر مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة.
72- الفهرست لشيخ الطائفة (الطوسي) تصحيح وتعليق السيد محمد صادق آل بحر العلوم الطبعة الثانية 1380 ه- - 1960 م منشورات المطبعة الحيدرية في النجف.
73- القاموس المحيط لمجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزآبادي ت 816 ه- دار الفكر - بيروت 1403 ه- - 1983 م.
74- قرب الاسناد لأبي العباس عبد الله بن جعفر الحميري القمي، اصدار مكتبة نينوى الحديثة - طهران الطبع القديم.
75- قصص الأنبياء لأبي الفداء عماد الدين اسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي ت 774 دار التراث.
76- قصص الأنبياء المسمى عرائس المجالس لأبي إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم النيسابوري المعروف بالثعلبي ت 427 ه- الطبعة الرابعة - دار الرائد العربي، بيروت - لبنان.
77- كامل الزيارات للشيخ أبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه ت 367 ه- تصحيح وتعليق الشيخ ميرزا عبد الحسين الأميني التبريزي المطبعة المرتضوية - النجف الأشرف 1356 ه- .
ص: 560
78- الكامل في التاريخ لعز الدين أبي الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني المعروف بابن الأثير ت 630 دار صادر، بيروت 1402 - 1982 م .
79- كتاب السرائر لأبي عبد الله محمد بن إدريس العجلي الحلي الطبعة الثانية 1390 ه- انتشارات المعارف الإسلامية - المطبعة العلمية - قم الطبع القديم.
80- كتاب الطهارة من مصباح الفقيه للشيخ آقا رضا الهمداني مطبعة الحيدري من منشورات مكتبة الصدر - طهران الطبع القديم.
81- كتاب الطهارة للشيخ مرتضى الأنصاري مؤسسة آل البيت (علیهم السلام) لإحياء التراث الطبع القديم.
82- كتاب الغيبة لشيخ الطائفة (الطوسي) تحقيق عباد الله الطهراني والشيخ أحمد ناصح الطبعة الأولى المحققة 1411 ه- ، مؤسسة المعارف الإسلامية - قم المقدسة.
83- كتاب مسائل علي بن جعفر ومستدركاتها تحقيق مؤسسة آل البيت (علیهم السلام) لإحياء التراث قم المشرفة - الطبعة الأولى 1409 ه- مطبعة مهر قم.
84- كتاب الوافي لمحمد محسن بن الشاه مرتضى (الفيض الكاشاني) ت 1091 ه- الطبعة الأولى 1406 ه- منشورات مكتبة الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) العامة اصفهان.
85- كتاب الوافي للفيض الكاشاني الطبع القديم منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي، قم المقدسة 1404 ه- .
86- كتاب الهداية للشيخ الصدوق مطبوع في ضمن كتاب الجوامع الفقهية انتشارات جهان - الطبع القديم.
87- الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل لأبي القاسم جار الله محمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي ت 538 ه- دار المعرفة ، بيروت - لبنان.
ص: 561
88- كشف الغمة في معرفة الأئمة لأبي الحسن علي بن عيسى بن أبي الفتح الإربلي تعليق السيد هاشم الرسولي المطبعة العلمية قم 1381 ه- .
89- كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق تصحيح وتعليق علي أكبر غفاري مؤسسة النشر التابعة لجماعة المدرسين بقم ا لمشرفة، إيران 1405 ه- .
90- كنز العرفان في فقه القرآن للشيخ جمال الدين المقداد بن عبد الله السيوري ت 826 ه- منشورات المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية.
91- كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال لعلاء الدين المتقي بن حسام الدين الهندي ت 975 ه- الطبعة الخامسة 1405 ه- - 1985 م مؤسسة الرسالة - بيروت.
92- كنز الفوائد لأبي الفتح محمد بن علي الكراجكي ت 449 ه- مكتبة مصطفوي قم - الطبع القديم.
93- لسان العرب لأبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور المصري ت711 ه- نشر أدب الحوزة 1405 ه- .
94- المبسوط في فقه الإمامية لشيخ الطائفة (الطوسي) تصحيح وتعليق السيد محمد تقي الكشفي الطبعة الثانية 1387 ه- نشر المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية.
95- مجمع البحرين للشيخ فخر الدين ا لطريحي ت 1085 ه- تحقيق السيد أحمد الحسيني الطبعة المحققة الثانية 1395 ه- منشورات1- المكتبة المرتضوية - طهران.
96- مجمع البيان في تفسير القرآن للشيخ أبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي ت 548 ه- من منشورات شركة المعارف الإسلامية 1379 ه- - طهران.
97- مجمع المسائل (فارسي) للسيد محمد رضا الكلبيكاني الطبعة الثالثة 1411ه- نشر دار القرآن الكريم - قم مطبعة أمير - قم.
ص: 562
98- المحاسن للشيخ أبي جعفر أحمد بن محمد بن خالد البرقي تصحيح وتعليق السيد جلال الدين الحسيني (المحدث) الطبعة الثانية دار الكتب الإسلامية، قم.
99- المحلّى لأبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم ت 456 ه- تحقيق لجنة إحياء التراث العربي - دار الآفاق الجديدة - بيروت.
100- مختصر بصائر الدرجات للشيخ حسن بن سليمان الحلي انتشارات الرسول المصطفى - قم .
101- مختلف الشيعة لأبي منصور الحسن بن يوسف بن المطهر الأسدي (العلامة الحلي) ت 726 تحقيق مؤسسة النشر التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدسة الطبعة الأولى 1412 ه- .
102- مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام للسيد محمد بن علي الموسوي العاملي ت 1009 ه- تحقيق مؤسسة آل البيت (علیهم السلام) لإحياء التراث الطبعة الأولى 1410 ه- مطبعة مهر - قم.
103- مرآة الحرمين لأمير الحاج المصري إبراهيم رفعت باشا الطبعة الأولى مطبعة دار الكتب المصرية بالقاهرة 1344 ه- - 1925 م.
104- المراسم للشيخ أبي يعلى سلار بن عبد العزيز الديلمي مطبوع ضمن كتاب الجوامع الفقهية انتشارات جهان - الطبع القديم.
105- مسالك الأفهام في شرح شرائع الإسلام للشيخ الشهيد زين الدين بن علي العاملي الجبعي ت 966 ه- الطبع القديم.
106- مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل للشيخ ميرزا حسين النوري الطبرسي ت1320 ه- تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت (علیهم السلام) لإحياء التراث - قم الطبعة الأولى 1407 ه- مطبعة سعيد - مشهد المقدسة.
107- المستطرفات لأبي عبد الله محمد بن إدريس العجلي الحلي المطبوع ضمن كتاب السرائر الطبعة الثانية 1390 ه- - انتشارات المعارف الإسلامية
ص: 563
المطبعة العلية قم الطبع القديم.
108- مستمسك العروة الوثقى للسيد محسن الطباطبائي الحكيم الطبعة1- الرابعة 1391 ه- مطبعة الآداب النجف الأشرف، دار الكتب العلمية قم - إيران.
109- مستند الشيعة في أحكام الشريعة للمولى أحمد بن المولى مهدي النراقي ت 1244 ه- منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي - 1405 ه- الطبع القديم.
110- مستند العروة الوثقى محاضرات زعيم الحوزة العلمية آية الله العظمى السيد أبي القاسم الخوئي للشيخ مرتضى البروجردي الطبعة الأولى 1414ه- منشورات مدرسة دار العلم المطبعة العلمية قم.
111- مشيخة الفقيه شرح وترجمة وتعليق الشيخ محمد جعفر شمس الدين، دار التعارف للمطبوعات.
112- المصباح المنير لأحمد بن محمد بن علي المقري الفيومي ت 770 ه- الطبعة السابعة بالمطبعة الأميرية بالقاهرة 1928 م.
113- المعتبر في شرح ا لمختصر لنجم الدين أبي القاسم جعفر بن الحسن (المحقق الحلي) ت 676 ه- منشورات مجمع الذخائر الإسلامية - قم - إيران - الطبع القديم.
114- معجم رجال الحديث وتفصيل طبقات الرواة للسيد أبي القاسم الخوئي الطبعة الخامسة 1413 ه- - 1992 م.
115- معجم مفردات ألفاظ القرآن للعلامة الراغب الاصفهاني تحقيق نديم مرعشلي دار الكتاب العربي مطبعة التقدم العربي 1392 ه- - 1972 م.
116- معجم لغة الفقهاء وضع 1 . د محمد رواس قلعجه جي و د . حامد صادق قيبني الطبعة الثانية 1408 ه- - 1988 م دار النفائس للطباعة والنشر والتوزيع بيروت - لبنان.
ص: 564
117- المعجم الوسيط ، إخراج نخبة من الأساتذة - الطبعة الثانية مجمع اللغة العربية.
118- معتمد العروة الوثقى كتاب الحج - محاضرات آية الله العظمى الخوئي للسيد رضا الخلخالي منشورات مدرسة دار العلم - لطفي 1364 ه- . ش المطبعة العلمية - قم.
119- المغني والشرح الكبير لموفق الدين أبي محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة ت 620 ه- ولشمس الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن أبي عمر محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي ت 682 ه- الطبعة الأولى 1404 ه- - 1983 م دار الفكر بيروت - لبنان.
120- المقنع للشيخ الصدوق تحقيق لجنة التحقيق التابعة لمؤسسة الإمام الهادي(علیه السلام) نشر مؤسسة الإمام الهادي (علیه السلام) 1415 ه- مطبعة اعتماد.
121- المقنعة للشيخ المفيد تحقيق ونشر مؤسسة النشر الإسلامي الطبعة الثانية 1410 ه- .
122- مكيال المكارم في فوائد الدعاء للقائم للسيد ميرزا محمد تقي الاصفهاني الطبعة الثانية 1398 ه- - المطبعة العلمية - قم.
123- مناسك الحج لمرجع المسلمين زعيم الحوزة العلمية السيد أبي القاسم الموسوي الخوئي الطبعة التاسعة 1399 ه- مطبعة الآداب في النجف الأشرف.
124- المنتظم في تاريخ الأمم والملوك لأبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي ت 597 ه- دراسة وتحقيق محمد عبد القادر عطا ومصطفى عبد القادر عطا الطبعة الأولى 1312 ه- - 1992 م ، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان.
125- منتقى الجمان في الأحاديث الصحاح والحسان للشيخ جمال الدين أبي منصور الحسن بن زين الدين الشهيد ت 1011 - طبع جاويد.
126- منتهى المطلب في تحقيق المذهب للعلامة الحلي ت 726 ه- - الطبع القديم.
ص: 565
127- منية الراغب في إيمان أبي طالب للشيخ محمد رضا الطبسي النجفي إشراف عماد الدين الطبسي الطبعة الثانية 1395 ه- المطبعة العلمية - قم.
128- من لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق تصحيح وتعليق علي أكبر غفاري الطبعة الثانية منشورات جامعة المدرسين في الحوزة العلمية في قم.
129- منهاج الصالحين للسيد أبي القاسم الخوئي الطبعة الثامنة والعشرون 1410 ه- مطبعة مهر، قم.
130- المهذب في فقه الإمام الشافعي لأبي إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزآبادي الشيرازي ت 476 دار المعرفة - بيروت لبنان.
131- الميزان في تفسير القرآن للعلامة السيد محمد حسين الطباطبائي الطبعة الخامسة 1412 ه- نشر مؤسسة إسماعيليان - قم.
132- الناصريات للسيد أبي القاسم علي بن الحسين بن موسى المرتضى علم الهدى - مطبوع ضمن كتاب الجوامع الفقهية انتشارات جهان - الطبع القديم.
133- نهج البلاغة شرح الشيخ محمد عبده دار التعارف للمطبوعات - بيروت، لبنان ، دار التبليغ الإسلامي.
134- نهج البلاغة ضبط وفهرسة الدكتور صبحي الصالح الطبعة الثانية 1982 م دار الكتاب اللبناني ومكتبة المدرسة بيروت - لبنان.
135- نيل الأوطار لمحمد بن علي بن محمد الشوكاني ت 1255 ه- دار الجيل - بيروت ، لبنان.
136- وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة للشيخ محمد حسن الحر العاملي ت 1104 ه- الطبعة الثالثة، منشورات المكتبة الإسلامية.
137- الوسيلة للشيخ عماد الدين أبي جعفر محمد بن علي بن حمزة الطوسي المشهدي مطبوع ضمن كتاب الجوامع الفقهية انتشارات جهان الطبع القديم.
ص: 566
کلمة الشیخ الاستاد دام الظله... 5
توطئة... 7
المقدمة... 9
التقية في التاريخ:... 9
القسم الأول: التقية قبل الإسلام:... 11
التقية في زمان آدم(علیه السلام):... 11
2 - التقية في زمان إبراهيم الخليل (علیه السلام):... 15
3 - التقية في زمان يوسف الصديق (علیه السلام):... 18
4 - التقية في زمان موسى الكليم(علیه السلام):... 20
5 - مؤمن آل فرعون:... 22
6 - ومنهم امرأة مؤمن آل فرعون:... 23
7 - ومنهم آسية بنت مزاحم:... 23
8 - ومنهم مؤمن آخر من بني إسرائيل:... 24
9 - ومنهم الخضر (علیه السلام):... 24
10 - التقية وأصحاب الكهف:... 25
11 - التقية في زمان عيسى (علیه السلام):... 28
القسم الثاني: التقية بعد الإسلام:... 30
ص: 567
المرحلة الاُولى: التقية في زمان النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم):... 31
12 - أبو طالب في التاريخ:... 32
أقوال العلماء في إيمان أبي طالب:... 39
13 - عمار بن ياسر والتقية:... 40
المرحلة الثانية: التقية بعد وفاة النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم):... 42
صور من الظلم والمعاناة:... 45
شبهات مغرضة:... 47
التقية في الفقه الإمامي:... 53
المدخل التقية وأدلتها... 57
التقية في اللغة والاصطلاح:... 59
أدلة التقية:... 61
الدليل الأول: من الكتاب:... 61
الدليل الثاني: من السنة:... 63
الدليل الثالث: الإجماع منقولاً ومحصّلاً، قولاً وعملاً:... 65
الدليل الرابع: العقل:... 66
الفصل الأول التقية في أصول الدين.... 75
المقام الأول:... 77
ص: 568
المقام الثاني: في حكم التقية في أصول الدين:... 81
المقام الثالث في البراءة:... 83
المقام الرابع: في حكم التقية في البراءة:... 89
بقي أمران:... 92
وها هنا مسألتان:... 94
الفصل الثاني التقية في فروع الدين التي لا يشترط فيها قصد القربة... 97
المورد الأول: اتخاذ الكافرين أولياء:... 100
وها هنا مسألتان... 104
الاولى : هل أن حرمة التولي مطلقة أو مقيدة ؟... 104
الثانية : هل أن حرمة الموالاة للكافر مشروطة بالاتخاذ أو لا ؟... 106
المورد الثاني: في التسليم على الكفار ابتداء:... 109
المورد الثالث: في إطعام الكفار:... 112
المورد الرابع: في دخول الكفار إلى المساجد:... 114
مسائل:... 120
المسألة الأولى:... 120
المسألة الثانية:... 170
المسألة الثالثة:... 171
ص: 569
التقية مع الكفار:... 173
وها هنا مبحثان... 174
الاول : هل يعتبر في التقية مع الكافر عدم المندوحة أم لا... 174
الثاني : هل المرفوع بالنسبة الى التقية مع الكافر هو الحكم التكليف أو يشمل الحكم الوضعي... 175
أقسام التقية مع الكافر والمخالف:... 203
الاول : الاضطرار والخوف... 203
الثاني : المداراة ... 203
الثالث : الكتمان - و هو المورد الخامس -... 203
الكتمان عن الكافر والمخالف وغيرهما... 203
متعلق الكتمان ....
مسألتان:... 212
الأولى : هل يجب الكتمان عن مطلق المخالفين أو لا ؟... 212
الثانية : هل يجب الكتمان من جهة الخوف فقط أو يشمل المداراة... 213
المورد السادس: التقية في تسمية الحجة (علیه السلام):... 215
فروع:... 229
الأول : هل تختص الحرمة بذكر الاسم الشريف للغير أو انها مطلقة فيشمل الذكر للنفس ؟... 229
الثاني : هل تشمل الحرمة كتابة الاسم الشريف أو أنها تختص بالتلفظ ؟... 229
الثالث : هل تختص الحرمة بالاسم أو تعم الكنية... 230
الرابع : في الجمع بين الاسم والكنية في المولود... 231
الخامس : حول الاسم المعلن والاسم الخفي... 235
السادس : ما هو وجه الحكمة لحرمة التسمية... 236
ص: 570
الفصل الثالث فروع الدين المشروطة بقصد القربة... 239
التقية في الوضوء:... 241
التحقيق في المقام:... 254
الجهة الاولی:... 254
الجهة الثانية: في الغسلة الثالثة:... 256
الجهة الثالثة: في ما يستفاد من الروايات ورفع التنافي فيما بينها... 257
الجهة الرابعة: في حكم المسألة حال التقية:... 265
المورد الثاني: 269
الجهة الاولی:... 269
الجهة الثانية: في حكم المسألة حال التقية:... 281
المورد الثالث: في مسح الرأس كلاًّ أو بعضاً مع الأذنين أو بدونهما:... 282
الجهة الأولى: في المسح على الرأس:... 282
الجهة الثانية: في الإتيان بالمسح على جميع الرأس: 285
الجهة الثالثة: في مسح الأذنين:... 286
الجهة الرابعة: في حكم المسألة حال التقية:... 288
المورد الرابع: في غسل الرجلين أو مسحهما:... 288
الجهة الأولى:... 289
تنبيهان:... 291
الاول : اعتراف كثير من العامة بدلالة الآية على المسح... 291
الثاني : ذهاب عدة من الصحابة الى القول بالمسح وقراءتهم الآية بالجر... 291
ص: 571
الجهة الثانية: في حكم المسألة حال التقية:... 294
المورد الخامس: في مسح الرأس والرجلين بنفس ماء الوضوء أو بماء مستأنف:... 295
الجهة الاولى : في ما تقتضيه الاصول العملية واللفظية... 296
الجهة الثانية: في حكم المسألة حال التقية:... 304
المورد السادس: في المسح على البشرة وجوازه على الحائل خفاً كان أو غيره وعدمه:... 305
الجهة الأولى : في ما تقتضيه الاصول العملية واللفظية... 306
تنبيه:... 317
الجهة الثانية: في حكم المسألة حال التقية:... 318
مسألتان:... 324
الأولى : إذا اقتضت التقية المسح على الخفين فهل يحكم بصحة الوضوء... 324
الثانية : إذا اقتضت التقية المسح على الخفين وخالف المكلف في ذلك... 324
الفصل الرابع: التقية في الوقت... 327
التقية في الوقت:... 329
الجهة الأولى: في ما تقتضيه الأدلة من الكتاب والسنة:... 331
الجمع بين الروايات: 439
تنبيهان:... 374
الاول : في ما نسب إلى المحقق البهبهاني من الملازمة بين الطلوع والغروب... 374
الثاني : الافتراء على الشيعة والجواب عنه... 375
الجهة الثانية : في ما تقتضيه الادلة بالنسبة إلى التقية... 376
الفصل الخامس : التقية في الصلاة... 381
التقية في الصلاة خلف المخالف... 383
فروع... 408
الأول : استحباب الصلاة خلف المخالف تقية... 408
الثاني : أن الصلاة خلف المخالف لا تعد جماعة... 409
ص: 572
الثالث : إذا لم يتمكن من قراءة الفاتحة فهل يجزيه ذلك... 410
الرابع : هل يسقط الجهر بالقراءة حال التقية... 410
الخامس : هل تلحق طوائف الشيعة الأخرى غير الامامية بالمخالفين... 411
السادس : هل الحضور في جماعة الفرقة الحقة مع عدم احراز الشرائط جائز أم لا ؟... 414
مسائل التقية في الصلاة... 418
الأولى : الجهر بالبسملة في الصلاة... 418
الجهة الأولى : هل أن البسملة آية من القرآن... 418
الجهة الثانية : في الجهر والاخفات... 420
الموضع الاول : في . مستند القول بالوجوب... 421
الموضع الثاني : ارتباط المسألة بالتقية... 427
المسألة الثانية : في التأمين في الصلاة... 429
الجهة الاولى : في ما تقتضيه القاعدة... 430
الجهة الثانية : الروايات الواردة في المقام... 431
التحقيق في المقام... 433
المسألة الثالثة : التكفير... 437
الجهة الأولى : في ما تقتضيه القاعدة... 438
الجهة الثانية : في المستفاد من الأدلة... 439
المسألة الرابعة : في السجود على غير الأرض... 445
الجهة الأولى : في أصل الحكم في المسألة... 446
الجهة الثانية : في السجود على القطن والكنان... 450
الجهة الثالثة : في ارتباط المسألة بالتقية... 460
تنعيم : حول التربة الحسينية... 460
ص: 573
الجهة الاولى : في الروايات الخاصة... 463
الجهة الثانية : التعليل الوارد في بعض الروايات... 464
الفصل السادس : التقية في الصوم... 467
التقية في الصوم... 469
الجهة الاولى : في الحكم التكليفي... 469
الجهة الثانية : في الموضوع... 469
المستفاد من الروايات... 475
فروع... 482
الاول : ان الحكم بجواز الافطار أو وجوبه مختص بعدم المندوحة... 482
الثاني : يقتصر في الافطار على ما تتوقف عليه التقية... 482
الثالث : إذا افطر تقية ثم افطر اختياراً فهل تجب الكفارة أو لا ؟... 482
الفصل السابع : التقية في الحج... 485
التقية في الحج وفيها مسألتان... 487
الاولى : في التظليل... 487
المقام الاول : حكم التظليل حال الاحرام... 487
المقام الثاني : في تعيين الكفارة... 489
المقام الثالث : في تكرر الكفارة بتكرر الفعل وعدمه... 492
المسألة الثانية : التقية في عرفات والمشعر ومنى... 493
المقام الاول : في الأدلة على لزوم الاتيان بالاعمال الخاصة في أوقاتها... 493
المقام الثاني : في ما يمكن أن يستدل به على الاجزاء... 504
فرعان... 518
الاول : في من خالف ما تقتضيه التقية... 518
الصورة الاولى : ان يترك المكلف متابعتهم ولا يأتي بالموقف رأساً... 519
ص: 574
الصورة الثانية : ان يترك المتابعة ويأتي بالموقف مخالفاً لهم... 519
الفرع الثاني : إذا علم المكلف بالخلاف وبيان الحكم التكليفي والوضعي... 526
الفصل الثامن : التقية في الزكاة... 529
التقية في الزكاة... 531
الجهة الاولى : شرائط المستحقين ومحل الكلام منها... 531
الاول : الايمان... 531
الثاني : العدالة... 536
الجهة الثانية : فى ما تقتضيه الادلة بالنسبة للتقية... 546
الفهرست... 551
مصادر الكتاب... 553
محتويات الكتاب... 567
ص: 575
التقية في فقه أهل البيت جلد 2
تقريراً لبحث
سماحة آية الله
الحاج الشيخ مسلم الداوري
(دام ظلّه)
الجزء الثاني
محمّد علي المعلّم
محرر رقمي:محمد المنصوري
ص: 1
التقية في فقه أهل البيت جلد 2
تقريراً لبحث
سماحة آية الله
الحاج الشيخ مسلم الداوري
(دام ظلّه)
الجزء الثاني
محمّد علي المعلّم
ص: 2
التقية في فقه أهل البيت عليهم السلام ج2
تقريراً لبحث: سماحة آية الله الشيخ مسلم الداوري (دام ظله)
المؤلف : محمد علي صالح المعلم
الاخراج
الفني:
الناشر:
المطبعة:
الطبعة:
عدد
المطبوع:
الشابك
ص: 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ اَلْرَحیمْ
ص: 4
عکس

ص: 5
ص: 6
الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.
وبعد ...
فهذا الكتاب - عزيزي القارىء - يضمّ بين دفتيه دراسة وافية لجانب من جوانب موضوع الجهاد، والجهاد باب من أبواب الجنّة اختص به الأولياء من دون سائر الناس، ولذا كان موضع عناية الكتاب الكريم والسنة المطهرة كما أنه أحد الأمور المهمة التي اتخذها أعداء الدين مادّة للنيل من شرف الإسلام وقدسيته، ومنفذاً للطعن عليه في محاولات هزيلة لتشويه صورته المشرقة، فإنّهم ادّعوا أنّ الإسلام إنما قام على الإكراه وسفك الدماء والقهر والغلبة.
وهذا الكتاب وإن لم يكن موضوعاً للدفاع أو تزييف هذه الفرية - وإنما يتناول بالبحث والدراسة جانباً من موضوع الجهاد وهو الجانب الفقهي المرتبط بمسألة التقية في فقه أهل البيت (علیهم السلام)، ويشكّل الحلقة الثانية من هذه السلسلة- إلاّ أنه يسلط الأضواء على هذه الدعوى المزعومة فيأتي عليها من الأساس.
وقد استغرق البحث حول هذا الموضوع كثيراً من صفحات هذا الكتاب نظراً لكثرة أبحاثه وفروعه ومسائله.
ولمّا كان أكثر مسائل هذا الموضوع - في زماننا - تتوقف على نظر الفقيه الجامع للشرائط اقتضت المناسبة البحث حول ولاية الفقيه والشرائط المعتبرة في
ص: 7
منصب الولاية في زمان الغيبة الكبرى تتميماً للموضوع واستيعاباً لأهم مسائله .
ثم إنّ هذا الكتاب هو حصيلة المحاضرات التي كان يتفضّل بها سماحة العلامة الأستاذ آية الله الحاج الشيخ مسلم الداوري حفظه الله في مجلس بحثه اليومي بالحوزة العلمية في عشّ آل محمد (علیهم السلام) وحرمهم قم المقدسة.
ويبقى من هذه السلسلة الحلقة الأخيرة وبها يتمّ نظام هذه الأبحاث وتتناول موضوع التقية في بقية أبواب الفقه، ونرجو أن نوفّق لإخراجها قريباً.
ونسأل الله تعالى أن يمدّنا بالعون والتسديد، وأن يجعله عملاً مرضياًعنده تعالى خالصاً لوجهه الكريم في ظلّ رعاية مولانا إمام زماننا - أرواحنا فداه - وبركاته .
والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.
محمد علي المعلم
عش آل محمد (علیهم السلام) - قم المقدسة
14 / 1 / 1419 ه-
ص: 8
الجهاد عزّ الإسلام ورابع
أركان الإيمان
المجاهدون عشاق الحق الأبرار
لماذا جهاد النفس دائم لا ينقطع؟
الاجتهاد جهاد بالقلم والبيان وإحياء للكتاب والسنة ومنهج أهل البيت (علیهم السلام)
تعريف وتقسيم
المنهجية الفنية للكتاب
ص: 9
ص: 10
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.
الجهاد عزّ الإسلام(1) وقوامه، وذروة الدين وسنامه(2)، باب فتحه الله لخاصّة أوليائه(3)، وطريق سلكه المخلصون من أصفيائه، به ظهرت(4) الشريعة وارتفع لواؤها، وبه ثبتت الحقيقة وسما بناؤها، هو رابع أركان الإيمان(5)، وهو باب من أبواب الجنان(6)، لباس التقوى، والجنة الوثقى(7)، وسياحة الأمة ومجد أبنائها(8)، والعزّ حيث سنابك خيلها ومراكز رماحها(9)، وهو الصفقة الرابحة بين الحق والخلق «إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» (10) .
ص: 11
«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ»(1) وهو السبيل للعزة وحياة الكرامة في الدنيا وللنعيم الأبدي في الآخرة «وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَالْمُحْسِنِينَ»(2) «وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ» (3) .
وقد فضّل الله المجاهدين فجعلهم خاصة الأولياء، ووصف موتهم بأنه أفضل الموت(4)، وأعد لهم النعيم الدائم في رفقة الأنبياء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، فإنهم الأبرار الذين ليس فوق برّهم برّ(5)، ولا فوق عطائهم عطاء حيث جادوا بأنفسهم في سبيل الله.
والجود بالنفس أقصى غاية الجود.
إنّ المجاهد في سبيل الحقّ لفي ضمان الله ورعايته، وهو مغفور الذنب مستجاب الدعاء(6)، حتى إذا سقط شهيداً في ميدان العزّة والشرف كانت أول قطرة من دمه بعين الله(7)، فتستقبله الملائكة، وتتلقاه الحور، ويكسى من حلل الجنة، ويرى مقامه بين الأنبياء والصالحين، ويفوز بالنظر إلى وجه الله وإنها لراحة لكلّ نبيّ وشهيد(8) .
وإنّ من يقف على النصوص الواردة في شأن الجهاد وفضل المجاهدين
ص: 12
ليخال أنّ شيئاً لم يبلغ مكانة الجهاد عظمة وشأناً(1)، وأنّ أحداً لم يبلغ درجة المجاهد فضلاً ومقاماً(2)، ذلكم لأنّه دفاع عن الدين وحمايته وإعلاء لكلمة الله ونصرته، ولأنّ المجاهدين هم الصفوة الذين عشقوا الحقّ فحنّت إلى لقائه أرواحهم، فأرخصوها وفازوا وذلك هو الفوز العظيم.
وتتعدّد صور الجهاد وأشكاله في نظر الإسلام ويجمعها السعي الحثيث لإحقاق الحق والبلوغ إلى أفضل درجات الكمال الممكن للإنسان. فمنه - وقد ألمحنا إليه - الجهاد ضدّ العدو الخارجي بالقوّة والسلاح ممنحادّ الله ورسوله من الكفار والبغاة والمفسدين الذين يشكّلون حجر العثرة في طريق إجراء أحكام الله وتعاليمه.
ومنه الجهاد ضدّ العدو الداخلي وهو النفس فإنها أعدى الأعداء، ويتمثّل في كبح جماح النفس وبعثها على ملازمة الطاعات ومجانبة المعاصي، وكسر قواها البهيمية وترويض نزعاتها السبعية بالتعاليم الإلهية والآداب الشرعية، ومحاسبتها على ما قدّمت وأخّرت وحملها على الاستقامة لتحقيق السعادة والفلاح(3) «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا»(4).
وقد عبّرت النصوص عن الأول بالجهاد الأصغر(5) وعن الثاني بالجهاد الأكبر(6)، ولعلّ ذلك لأنّ النفس تحتاج إلى مراقبة دقيقة دائمة وإنّ الغفلة عنها
ص: 13
تودي بصاحبها إلى الهلاك.
ومنه الجهاد في طلب العلم وتحصيل المعرفة فقد جاء في الآثار أنّ تعلّمه حسنة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد(1)، وورد أيضاً: أنّه أعظم أجراً من الصائم الغازي (المجاهد) في سبيل الله(2) .
وذلك لأنّه السلاح الماضي ضدّ الباطل والفساد، فبه تُصان الحقائق وبه تكشف الغوامض، وبه يميّز بين الهدى والضلال، وبه أصبح الإنسان إنساناً.
وإذا كانت جميع العلوم والمعارف على اختلاف موضوعاتها تخدم الإنسان في جميع شؤونه، المادي منها والمعنويّ فإنّ أهمها وأشرفها وأولاها العلم بأحكام الله وتحصيل الاجتهاد فيها، فبه يطاع الله ويعبد، وبه يعرف الله ويوحّد، وبه توصل الأرحام، وبه يعرف الحلال والحرام(3) .
وقد اشتقّ الاجتهاد من الجهد - كما سيأتي - وهو يدلّ بمادّته وهيئته على صدور الفعل عن مشقة وكلفة وعناء، وهو معنى ينسجم ومعنى الجهاد في الموضوع والغاية، وذلك لأنّ الاجتهاد يعني القدرة العلمية الخاصة على استنباط الأحكام الشرعية من أدلّتها التفصيلية، وأي جهادهو أبلغ أثراً وأعظم نفعاً وأجلّ خطراً من معرفة أحكام الله التي جعلها لعباده لينالوا بها سعادة النشأتين بعلم راسخ وقول عن دليل، وهل الفقه إلاّ فهم الحياة فهماً صحيحاً كما أراده الله تعالى ورسوله والأولياء، وهل الفقاهة إلاّ معرفة الطريق إلى الله تعالى والوصول إليه.
ثم أليس الاجتهاد جهاداً في سبيل الحق بالقلم والبيان ضدّ الباطل والشيطان؟ أليس في الاجتهاد حفظ للدين وإبقاء للشريعة حيّة غضّة تواكب
ص: 14
مسيرة الإنسان في حياته فتنظّمها معاشاً ومعاداً وتلبّي حاجاته وتضع الحلول لمشاكله وقضاياه، ولا تُلجئه لأن يلتمس حاجته من المحتاج، ويطلب الحلّ ممن يبحث عن الحلّ؟
أليس الاجتهاد جهاداً في إحياء كتاب الله وسنّة نبيّه (صلی الله علیه و آله و سلم) ومذهب أهل البيت (علیهم السلام)؟ أليس الاجتهاد درعاً واقية وسدّاً منيعاً ضدّ الزيغ والأباطيل والضلالات؟
ولكن بلوغ هذه المرتبة لا تنال إلاّ بالكدّ والجدّ واستفراغ الوسع والطاقة وقبل ذلك وبعده التوفيق الإلهي، ولا ينالها إلاّ ذو حظّ عظيم.
ثمّ إنّ صور الجهاد وأشكاله وإن تعدّدت إلاّ أنّ النصوص الشرعية جعلتها في قسمين: أصغر وأكبر، وتندرج في الجهاد الأكبر جميع صور الجهاد المختلفة.
الجَهد والجُهد: الطاقة، تقول: اجهد جهدك، وقيل: الجَهد: المشقّة، والجُهد: الطاقة. وجَهد الرجل في كذا: أي جدّ فيه وبالغ، والجَهاد بالفتح: الأرض المستوية، وقيل: الأرض الغليظة، وتوصف به، فيقال: أرض جهاد. وقيل: الأرض الصلبة التي لا نبت فيها، والجهاد بالكسر: مصدر جاهد: المبالغة واستفراغ الوسع في الحرب أو اللسان، أو ما أطاق من شيء.
ومنه الاجتهاد وهو بذل الوسع في تحصيل أمر مستلزم للكلفة والمشقّة، وفي الاصطلاح: استفراغ الوسع في تحصل الحجّة على الحكم أو تعيين الوظيفة عند عدم الوصول إليها.
والجهاد في العرف: حمل النفس بما في الوسع والطاقة على بلوغ الأهداف العالية والكمالات اللائقة في العلم والعمل.
ص: 15
وهو في الاصطلاح: بذل النفس والمال في إعلاء كلمة الإسلام وإقامةشعائر الإيمان(1) .
والمقصود بالبحث في هذا الكتاب هو القسم الأول المعروف في الاصطلاح وهو العلاج المؤقّت ضمن ضوابط وحدود شرعية دون جهاد النفس والاجتهاد فإنّهما مطلقان ومطلوبان في كل زمان ومكان، ولم يقيّدا إلاّ بالضوابط العامة.
ونستمدّ منه تعالى - بجاه الصفوة من أوليائه محمد وآله صلوات الله عليهم أجمعين - التوفيق والعون لدراسة هذا الموضوع وبيان أقسامه وشرائطها وما يرتبط منها بما نحن بصدده بالمقدار الممكن.
والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.
وقبل الخوض في مسائل هذا الفصل وأحكامه لابدّ من تعيين مواضع البحث التي يتناولها هذا الكتاب فنقول:
إنّ موضوع التقية في الجهاد يشتمل على دراسة أمور ثلاثة:
الأول: في أقسام الجهاد وهي ثمانية:
1 - الجهاد ضدّ الكفار والمشركين من أهل الكتاب وغيرهم للدعوة إلى الإسلام وهو المعبّر عنه بالجهاد الابتدائي.
2 - الجهاد من أجل الدفاع عن بيضة الإسلام عند وقوع خطر يهدّد بقاء الدين.
ص: 16
3 - الجهاد على نحو المرابطة في الثغور وأطراف البلاد الإسلامية.
4 - جهاد أهل البغي، وهم الخارجون على الإمام (علیه السلام) .
5 - جهاد الفئة الباغية على فئة أخرى من المسلمين.
6 - جهاد ساب النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) أو أحد المعصومين (علیهم السلام) .
7 - الجهاد دفاعاً عن النفس والمال والعرض، أو عن الغير من المسلمين.
8 - الجهاد من أجل إقامة الدولة.الثاني: في الولاية من قبل السلطان الجائر، وهي على أنحاء ثلاثة:
أ - في السياسة والنظام وشؤون الحكم والإدارة.
ب - في جباية الأموال والصدقات.
ج - في الفتوى والقضاء.
الثالث: التعامل مع سلاطين الجور، وهي في:
أ - أخذ المال والجوائز منهم.
ب - في التعامل معهم بيعاً وشراء.
ج - إعطاؤهم الأموال كالزكاة والخمس والضرائب المالية الأخرى.
على أن تذكر مسائل التقية وأحكامها في مواضعها المناسبة.
وحيث إنّ كثيراً من الفروع والمسائل تتوقّف معرفة الحكم فيها على نظر الفقيه الجامع للشرائط ناسب أن نتناول بالبحث موضوع ولاية الفقيه والشرائط المعتبرة فيه.
وعلى هذا فيقع هذا الفصل في أربعة مباحث:
ص: 17
ص: 18
أقسام الجهاد
· أقسام الجهاد ثمانية
· هل الجهاد الابتدائي مشروط بالإجازة
· كيفية حروب الإسلام
· تفنيد الفرية القائلة بأنّ الإسلام دين السيف وإثبات أن حروب النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) كلها دفاعية
· أدب الإسلام مع أعدائه
· لماذا شارك خيار الصحابة في حروب الخلفاء
· المرابطة - والتحقيق في معنى التعرّب بعد الهجرة
· حرمة البقاء في بلاد الكفر ووجوب الهجرة على المشهور وبيان أنّ الهجرة على أقسام
· هل البغي هو الخروج على الإمام المعصوم (علیه السلام) فقط؟
· جواز قتل سابّ النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) والأئمة (علیهم السلام) هل هو مشروط بالإجازة
· وجوب الدفاع عن النفس والغير - صوره وكيفيته
· مشروعية الدفاع عن الأهل والمال
· أحكام التقية في جميع ذلك
ص: 19
ص: 20
ذكرنا أنّ أقسام الجهاد ثمانية، ولكل منها شروط وأحكام، وفيما يلي نتعرّض بالبحث لجميع هذه الأقسام وبيان أهم الشرائط المعتبرة وأحكام التقية في كل منها.
ولا إشكال في أنّه واجب كفائي بلا خلاف بين المسلمين، ونسب إلى سعيد بن المسيب القول بالوجوب العيني(1) . وحكمه ثابت من الكتاب والسنة.
أما من الكتاب فتدلّ عليه عدّة آيات وردت في الأمر بالقتال:
منها: قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ »(2) وقوله تعالى: «فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ» (3) وقوله تعالى: «وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً »(4) وقوله تعالى: «فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ»(5) وقوله تعالى: «وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلهِ»(6) وقوله تعالى: «كتبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ
ص: 21
لَكُمْ» (1) وغيرها من الآيات الكثيرة الدالة على وجوب جهاد المشركين.
وأمّا من السنّة فإنّ الروايات الواردة كثيرة جداً:
منها: صحيحة سليمان بن خالد، عن أبي جعفر(علیه السلام)، قال: ألا أخبرك بالإسلام، أصله وفرعه وذروة سنامه؟ قلت: بلى جعلت فداك، قال: أما أصله فالصلاة، وفرعه الزكاة، وذروة سنامه الجهاد، ثم قال: إن شئت أخبرتك بأبواب الخير، قلت: نعم، قال: الصوم جنّة. الحديث(2) .
ومنها: موثقة عمر بن أبان عن أبي عبد الله (علیه السلام)، قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): الخير كله في السيف وتحت ظل السيف، ولا يقيم الناس إلاّ السيف،والسيوف مقاليد الجنة والنار(3) .
ومنها: معتبرة السكوني عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): للجنة باب يقال له: باب المجاهدين يمضون إليه، فإذا هو مفتوح وهم متقلّدون بسيوفهم، والجمع في الموقف، والملائكة ترحّب بهم، قال: فمن ترك الجهاد ألبسه الله ذلاًّ وفقراً في معيشته ومحقاً في دينه، إنّ الله أغنى (أعز) أمتي بسنابك خيلها ومراكز رماحها(4) .
وغيرها من الروايات الدالة على أهمية الجهاد، والقدر المتيقن من ذلك هو جهاد المشركين.
وأما ما يدلّ على جهاد أهل الكتاب فمن الآيات قوله تعالى: «قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ» (5) .
ص: 22
والفرق بين المشركين وأهل الكتاب في القتال: أنّ الجزية لا تؤخذ إلاّ من أهل الكتاب، وأما المشركون فليس لهم إلاّ القتل أو قبول الإسلام.
وأما الروايات فهي كثيرة في هذا المعنى، وهي تدل على وجوب قتال أهل الكتاب.
والحاصل: أنّ أصل الحكم لا إشكال فيه، وأنّ جهاد الكفّار سواء كانوا أهل الكتاب أو غيرهم للدعوة إلى الإسلام واجب كفائي مع تحقق شرائطه من البلوغ والحرية والقدرة وغير ذلك.
وإنما الكلام في هذا المورد من الجهاد هو أنّ الجهاد هل هو مشروط بإذن الإمام المعصوم (علیه السلام) أم لا؟
نسب إلى المشهور من الأصحاب الاشتراط مطلقاً(1)، وذهب جماعة ومنهم السيد الأستاذ(قدس سره) إلى التفصيل بين زمان الحضور فيشترط الإذن، وبين زمان الغيبة فلا يشترط(2).
والذي يظهر من الجواهر أنه مشروط بوجود الإمام (علیه السلام) ومن نصّبه للجهاد واستدل عليه بدليلين:الأول: الإجماع، قال: لا خلاف بيننا بل الإجماع بقسميه عليه(3) .
الثاني: الروايات الواردة في المقام وهي عدة روايات:
منها: رواية بشير الدهّان عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قلت له: إني رأيت في المنام أني قلت لك: إنّ القتال مع غير الإمام المفروض طاعته حرام مثل الميتة والدم ولحم الخنزير، فقلت: هو كذلك، فقال أبو عبد الله (علیه السلام): هو كذلك هو كذلك(4).
ص: 23
ومنها: صحيحة عبد الله بن المغيرة قال: قال محمد بن عبد الله للرضا (علیه السلام) وأنا أسمع: حدّثني أبي عن أهل بيته عن آبائه أنه قال له بعضهم: إن في بلادنا موقع رباط يقال له: قزوين، وعدوّاً يقال له: الديلم فهل من جهاد أو هل من رباط؟ فقال: عليكم بهذا البيت فحجّوه، فأعاد عليه الحديث فقال: عليكم بهذا البيت فحجّوه، أما يرضى أحدكم أن يكون في بيته ينفق على عياله من طوله ينتظر أمرنا، فإن أدركه كان كمن شهد مع رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بدراً، فإن مات ينتظر أمرنا كان كمن كان مع قائمنا صلوات الله عليه هكذا في فسطاطه، وجمع بين السبّابتين، ولا أقول: هكذا، وجمع بين السبّابة والوسطى، فإنّ هذه أطول من هذه، فقال أبو الحسن (علیه السلام): صدق(1) .
ومنها: موثقة سماعة عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: لقي عباد البصري علي بن الحسين (علیه السلام) في طريق مكة، فقال له: يا علي بن الحسين تركت الجهاد وصعوبته وأقبلت على الحج ولينه إنّ الله عزوجل يقول: «إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ»(2) الآية. فقال علي بن الحسين(علیه السلام): أتم الآية فقال: «التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ» الآية فقال علي بن الحسين(علیه السلام): إذا رأينا هؤلاء الذين هذه صفتهم فالجهاد معهم أفضل من الحجّ(3) .
ومنها: معتبرة أبي بصير عن أبي عبد الله (علیه السلام) عن آبائه (علیهم السلام) قال: قال أمير المؤمنين(علیه السلام): لا يخرج المسلم في الجهاد مع من لا يؤمن على الحكم، ولا ينفذ في الفيء أمر الله عزوجل، فإنّه إن مات في ذلك المكان كانمعيناً لعدوّنا في حبس حقنا والإشاطة بدمائنا، وميتته ميتة جاهلية(4) .
ص: 24
ومنها: رواية ابن شعبة في تحف العقول عن الرضا (علیه السلام)، في كتابه إلى المأمون قال: والجهاد واجب مع إمام عادل، ومن قاتل دون ماله ورحله ونفسه فهو شهيد، ولا يحلّ قتل أحد من الكفّار في دار التقية إلاّ قاتل أو باغ، وذلك إذا لم تحذر على نفسك، ولا أكل أموال الناس من المخالفين وغيرهم، والتقية في دار التقية واجبة ولا حنث على من حلف تقية يدفع بها ظلماً عن نفسه(1) .
ومنها: رواية محمد بن عبد الله السمندري قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): إني أكون بالباب يعني باب الأبواب فينادون السلاح، فأخرج معهم، قال: فقال لي: أرأيتك إن خرجت فأسرت رجلاً فأعطيته الأمان وجعلت له من العقد ما جعله رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) للمشركين أكان يفون لك به؟ قال: قلت: لا والله جعلت فداك ما كانوا يفون لي به قال: فلا تخرج قال: ثمّ قال لي: أما إنّ هناك السيف(2) .
ومنها: رواية الحسن بن العباس بن الجريش عن أبي جعفر الثاني (علیه السلام) في حديث طويل في شأن «إنّا أنزلناه» قال: ولا أعلم في هذا الزمان جهاداً إلاّ الحجّ والعمرة والجوار(3) .
ومنها: معتبرة عبد الملك بن عمرو قال: قال لي أبو عبد الله (علیه السلام): يا عبد الملك مالي لا أراك تخرج إلى هذه المواضع التي يخرج إليها أهل بلادك؟ قال: قلت: وأين؟ قال: جدّة، وعبادان والمصيصة، وقزوين، فقلت: انتظاراً لأمركم والاقتداء بكم، فقال: إي والله لو كان خيراً ما سبقونا إليه، قال: قلت له: فإن الزيدية يقولون: ليس بيننا وبين جعفر خلاف إلاّ أنه لا يرى الجهاد، فقال: أنا لا أراه !! بلى والله إني لا أراه ولكنّي أكره أن أدع علمي إلى (على) جهلهم(4) .
ص: 25
إلى غير ذلك من النصوص التي مقتضاها عدم مشروعية الجهاد إلاّ مع الإمام المعصوم.
وفي مقابل هذا القول ذكر السيد الأستاذ (قدس سره) - كما أشرنا - أنّ الجهاد في هذاالقسم ليس مشروطاً بوجود المعصوم إلاّ في زمان حضوره، وناقش في هذين الدليلين.
أما الإجماع فقال: إنه في نفسه محلّ إشكال، فإنّ جملة من الأصحاب لم يتعرّضوا لهذه المسألة، فكيف يمكن دعوى الإجماع؟ وعلى فرض تحقّقه لا يكون كاشفاً عن قول المعصوم لاحتمال أن يكون مدركهم فيه الروايات الواردة، وقد نسب المناقشة إلى المحقق السبزواري في الكفاية(1) فلا يمكن الاعتماد على هذا الدليل.
وأما الدليل الثاني: وهو الروايات فذكر أنّ عمدتها روايتان: رواية بشير ورواية عبد الله بن المغيرة.
أما رواية بشير فقد ناقش فيها سنداً ودلالة، فمن حيث السند لم يعلم من هو بشير، لأنه ورد في الرواية مجرّداً، نعم لو كان هو بشير الدهان فهو ثقة، وقد ورد في رواية أخرى وفي سندها بشير الدهان غير أنّها مرسلة فالرواية من هذه الناحية غير معتبرة، ولا يمكن الاعتماد عليها.
ولقائل أن يقول: إنّ بشيراً في هذه الطبقة وإن كان متعدّداً كما ذكره السيد (قدس سره) ولكن بقرينة الراوي عن بشير وهو سويد القلا الذي لا يروي إلاّ عن بشير الدهان وليس له روايات عن غيره نتيقّن بأنّ المراد من بشير في هذه الرواية هو بشير الدهان لرواية سويد القلا عنه فيكون سند الرواية تامّاً، غير أنّ الرواية وإن كان راويها بشير الدهان إلاّ أنّ توثيق السيد له إنّما هو اعتماداً على وقوعه في أسناد كامل الزيارات، وحيث إنه قد عدل عن هذا المبنى وجعل شهادة ابن قولويه
ص: 26
مختصّة بمشايخه، وبشير الدهان ليس من مشايخ ابن قولويه، فالرواية على مبناه غير معتبرة السند لعدم توثيق بشير الدهان، وأما بناء على ما حققناه في مباحثنا الرجالية من أنّ رواية المشايخ الثقات أو أحدهم عن شخص علامة على وثاقة المرويّ عنه(1)، وقد روى ابن أبي عمير عن بشير الدهان فيمكن الحكم بوثاقته والاعتماد على رواياته.
والحاصل: أنّ الرواية من جهة السند معتبرة.
وأمّا من حيث الدلالة فقد ناقش فيها: بأنّ المراد من الرواية بحسب المناسبة بين الحكم والموضوع هو حرمة المحاربة بحكم الجائر في زمان الحضور، فقد كان أمر الحرب والقتال بحكم الجائر، والروايةناظرة إلى ذلك الزمان، وأنّه لابدّ أن يكون تحت نظر المعصوم (علیه السلام)، وليست ناظرة إلى جميع الأحوال والأزمان، وقد أيّد ذلك بأنّه يجوز أخذ الجزية من أهل الكتاب في زمان الغيبة فالقتال كذلك نظراً للملازمة بينهما(2) .
والحاصل: أنّ الرواية تشير إلى ظرف خاص وهو زمان الإمام (علیه السلام) عندما يأمر الحاكم الجائر بالحرب، وليست هي مطلقة لجميع الأزمان، وبناء على هذا فالدليل أخصّ من المدّعى ولا يمكن الاعتماد على هذه الرواية.
وأما مناقشته (قدس سره) لرواية عبد الله بن المغيرة فحاصلها: أنّ هذه الرواية تشتمل على خصوصية في المقام، وإنما لم يجوّز الإمام (علیه السلام) لهذه الخصوصية لا أنّه غير جائز مطلقاً، والشاهد على ذلك تعميم الحكم للمرابطة مع أنّه لا يشترط فيها إذن المعصوم (علیه السلام)، فهذا يدلّ على أنّه مؤقت بوقت خاص لخصوصيّة في المقام لا مطلقاً.
ص: 27
هذا ويمكن تأييد ما ادعاه (قدس سره) بروايات يستفاد منها عدم الحاجة إلى الإذن في الجهاد للدعوة إلى الإسلام:
ومنها: معتبرة حفص بن غياث عن أبي عبد الله (علیه السلام)، قال: سأل رجل أبي (علیه السلام) عن حروب أمير المؤمنين (علیه السلام)، وكان السائل من محبّينا، فقال له أبو جعفر (علیه السلام): بعث الله محمداً(صلی الله علیه و آله و سلم) بخمسة أسياف: ثلاثة منها شاهرة فلا تغمد حتى تضع الحرب أوزارها، ولن تضع الحرب أوزارها حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت الشمس من مغربها أمن الناس كلّهم في ذلك اليوم فيومئذ لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً، وسيف منها مكفوف (ملفوف)، وسيف منها مغمود( ط) سلّه إلى غيرنا، وحكمه إلينا، فأمّا السيوف الثلاثة المشهورة «الشاهرة» فسيف على مشركي العرب، قال الله عزّوجلّ: «اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كلّ مرصد فإن تابوا (يعني آمنوا) وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين»(1) فهؤلاء لا يقبل منهم إلاّ القتل أو الدخول في الإسلام، وأموالهم «ومالهم فيء» وذراريهم سبي على ما سنّ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، فإنّه سبى وعفا وقبل الفداء، والسيفالثاني على أهل الذمّة قال الله تعالى: «وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً»(2) نزلت هذه الآية في أهل الذمة، ثم نسخها قوله عزّوجلّ: «قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ»(3) فمن كان منهم في دار الإسلام فلن يقبل منهم إلاّ الجزية أو القتل، ومالهم فيء وذراريهم سبي، وإذا قبلوا الجزية على أنفسهم حرم علينا سبيهم، وحرمت أموالهم، وحلّت لنا مناكحتهم، ولم يقبل منهم
ص: 28
إلاّ الدخول في دار الإسلام أو الجزية أو القتل، والسيف الثالث سيف على مشركي العجم يعني: الترك والديلم والخزر قال الله عزّوجلّ في أول السورة التي يذكر فيها الذين كفروا فقصّ قصّتهم ثم قال: «فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا»(1) فأمّا قوله (فإمّا منّا بعد) يعني: بعد السبي منهم (وإما فداء) يعني: المفادات بينهم وبين أهل الإسلام، فهؤلاء لن يقبل منهم إلاّ القتل أو الدخول في الإسلام ولا تحلّ مناكحتهم ماداموا في دار الحرب، وأمّا السيف المكفوف فسيف على أهل البغي والتأويل قال الله عزوجل: «وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ»(2) فلما نزلت هذه الآية قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): إنّ منكم من يقاتل بعدي على التأويل كما قاتلت على التنزيل فسئل النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من هو؟ فقال: خاصف النعل، يعني: أمير المؤمنين (علیه السلام) فقال عمار بن ياسر: قاتلت بهذه الراية مع رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ثلاثاً وهذه الرابعة، والله لو ضربونا حتى يبلغونا المسعفات من هجر لعلمنا أنا على الحق وأنّهم على الباطل، وكانت السيرة فيهم من أمير المؤمنين (علیه السلام) ما كان من رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في أهل مكة يوم فتح مكة، فإنّه لم يسب لهم ذرية، وقال: من أغلق بابه فهو آمن، ومن ألقى سلاحه «أو دخل دار أبي سفيان» فهو آمن، وكذلك قال أمير المؤمنين (علیه السلام) يوم البصرة نادى: لا تسبوا لهم ذرية، ولا تجهزوا (لا تتموا) على جريح، ولا تتبعوا مدبراً، ومن أغلق بابه وألقى سلاحه فهو آمن، وأما السيف المغمود فالسيف الذي يقوم «يقام» به القصاص، قال الله عزوجل: «النَّفْسَ بِالنَّفْسِوَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ»(3) فسلّه إلى أولياء المقتول، وحكمه إلينا، فهذه السيوف
ص: 29
التي بعث الله بها (إلى نبيّه) محمداً (صلی الله علیه و آله و سلم) فمن جحدها أو جحد واحداً منها أو شيئاً من سيرها أو أحكامها فقد كفر بما أنزل الله على محمد(صلی الله علیه و آله و سلم) (1) .
والمستفاد من هذه الرواية: أنّ السيوف الثلاثة الأولى شاهرة إلى أن تطلع الشمس من المغرب، إمّا بقيام الحجة (عج الله تعالی فرجه الشریف) كما تشير إليه بعض الروايات التي تتضمن ذكر علامات القائم المهدي (عج الله تعالی فرجه الشریف)، وإما بنهاية الدنيا ووقوع القيامة الكبرى، وعلى كل تقدير فليس في الرواية اشتراط إذن المعصوم (علیه السلام) في إشهار هذه السيوف ولا حاجة إلى الإذن .
ومنها: رواية أبي عمرو الزهري «الزبيري» عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قلت له أخبرني عن الدعاء إلى الله، والجهاد في سبيله، أهو لقوم لا يحلّ إلاّ لهم، ولا يقوم به إلاّ من كان منهم؟ أم هو مباح لكلّ من وحّد الله عزّوجلّ وآمن برسوله (صلی الله علیه و آله و سلم)، ومن كان كذا فله أن يدعو إلى الله عزّوجلّ وإلى طاعته، وأن يجاهد في سبيل الله؟ فقال: ذلك لقوم لا يحلّ إلاّ لهم ولا يقوم لك به إلاّ من كان منهم، فقلت: من أولئك؟ فقال: من قام بشرائط الله عزّوجلّ في القتال والجهاد على المجاهدين فهو المأذون له في الدعاء إلى الله عزوجل، ومن لم يكن قائماً بشرائط الله عزوجل في الجهاد على المجاهدين فليس بمأذون له في الجهاد والدعاء إلى الله حتى يحكم في نفسه بما أخذ الله عليه من شرائط الجهاد، قلت: بيّن لي يرحمك الله فقال: إنّ الله عزوجل أخبر في كتابه الدعاء إليه ووصف الدعاة إليه، فجعل ذلك لهم درجات يعرف بعضها بعضاً، ويستدل ببعضها على بعض(2) - إلىأن قال (علیه السلام): -
ص: 30
ص: 31
ص: 32
فإذا تكاملت فيه شرائط الله عزوجل على المؤمنين والمجاهدين فهو من المأذونين
ص: 33
لهم في الجهاد، فليتّق الله عزوجل عبد ولا يغتر بالأماني التي نهى الله عزوجل عنها من هذه الأحاديث الكاذبة على الله، التي يكذّبها القرآن ويتبرأ منها ومن حملتها ورواتها، ولا يقدم على الله عزوجل بشبهة لا يعذر بها، فإنّه ليس وراء التعرض «المعترض» للقتل في سبيل الله منزلة يؤتى الله من قبلها، وهي غاية الأعمال في عظم قدرها، فليحكم امرؤ لنفسه وليرها كتاب الله عزوجل ويعرضها عليه، فإنه لا أحد أعلم بالمرء من نفسه، فإن وجدها قائمة بما شرط الله عليه في الجهاد فليقدم على الجهاد، وإن علم تقصيراً فليصلحها وليقمها على ما فرض الله تعالى عليها من الجهاد، ثم ليقدم بها وهي طاهرة مطهّرة من كل دنس يحول بينها وبين جهادها، ولسنا نقول لمن أراد الجهاد وهو على خلاف ما وصفنا من شرائط الله عزوجل على المؤمنين والمجاهدين: لا تجاهدوا ولكن نقول: قد علمناكم ما شرط الله عزوجل على أهل الجهاد الذين بايعهم واشترى منهم أنفسهم وأموالهم بالجنان، فليصلح امرؤ ما علم من نفسه من تقصير عن ذلك وليعرضها على شرائط الله عزوجل، فإن رأى أنه قد وفى بها وتكاملت فيه فإنّه ممّن أذن الله عزوجل له في الجهاد، وإن أبى إلاّ أن يكون مجاهداً على ما فيه من الإصرار على المعاصي والمحارم والإقدام على الجهاد بالتخبيط والعمى والقدوم على الله عزوجل بالجهل والروايات الكاذبة، فلقد لعمري جاء الأثر فيمن فعل هذا الفعل أنّ الله تعالى ينصر هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم، فليتق الله عزوجل امرؤ، وليحذر أن يكون منهم، فقد بيّن لكم ولا عذر لكم بعد البيان في الجهل، ولا قوة إلاّ بالله وحسبنا الله عليه توكلنا وإليه المصير(1) .
وهذه الرواية قد تعرّضت إلى شرائط المجاهدين وليس منها اشتراط إذن المعصوم (علیه السلام) بل فيها التصريح أنها جارية في كل زمان ولا حاجة في الجهاد للدعوة
ص: 34
للدين إلى إذن الإمام(علیه السلام).
وأما الرواية من جهة السند فهي معتبرة وإن اختلفت النسخ في الراوي هل هو الزهري أو الزبيري، والصحيح أنه الزبيدي كما استظهر ذلك السيد الأستاذ(قدس سره) في المعجم(1) وهو واقع في أسناد تفسير القمي(2) فيكون ممّن يعتمد على روايته.
وهكذا اختلفت النسخ في القاسم هل هو ابن يزيد أو ابن بريد، والصحيح أنه القاسم بن بريد وقد وثّقه النجاشي(3) .
والحاصل: أنّ الرواية تامة سنداً ودلالة.
ومنها: معتبرة أبي بصير عن أبي عبد الله (علیه السلام) عن آبائه (علیهم السلام) قال: قال أمير المؤمنين(علیه السلام): لا يخرج المسلم في الجهاد مع من لا يؤمن على الحكم، ولا ينفذ في الفيء أمر الله عزوجل، فإنه إن مات في ذلك المكان كان معيناً لعدوّنا في حبس حقنا والإشاطة بدمائنا، وميتته ميتة جاهلية(4) .
والمستفاد من هذه الرواية أنّ المناط هو المأمون على الحكم والمنفذ لأمر الله بلا فرق بين أن يكون إماماً معصوماً أو غيره، وبناء على هذا فلا يشترط إذن الإمام(علیه السلام) في الجهاد للدعوة إلى الإسلام ودلالتها تامة، كما أن سند الرواية تام فقد رواها الصدوق في العلل(5) وفي الخصال(6) في حديث الأربعمائة بسند معتبر.
ومنها: رواية أبي عرة السلمي عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: سأله رجل فقال: إنّي كنت أكثر الغزو، أبعد في طلب الأجر وأطيل في الغيبة، فحجر ذلك عليّ فقالوا:
ص: 35
لا غزو إلاّ مع إمام عادل، فما ترى أصلحك الله؟ فقال أبو عبد الله (علیه السلام): إن شئت أن أجمل لك أجملت وإن شئت ألخّص لك لخّصت، فقال: بل أجمل، فقال: إنّ الله يحشر الناس على نيّاتهم يوم القيامة قال: فكأنه اشتهى أن يلخّص له، قال: فلخّص لي أصلحك الله فقال: هات فقال الرجل: غزوت فواقعت المشركين فينبغي قتالهم قبل أن أدعوهم؟ فقال: إن كانوا غزوا وقوتلوا وقاتلوا فإنّك تجترى (تجزى تجتزى) بذلك: وإن كانوا قوماً لم يغزوا ولم يقاتلوا فلا يسعك قتالهم حتى تدعوهم، فقال الرجل: فدعوتهم فأجابني مجيب وأقرّ بالإسلام في قلبه، وكان في الإسلام فجير عليه في الحكم، وانتهكت حرمته وأخذ ماله، واعتدي عليه فكيف بالمخرجوأنا دعوته؟ فقال: إنّكما مأجوران على ما كان من ذلك، وهو معك يحوطك (يحفظك) من وراء حرمتك، ويمنع قبلتك، ويدفع عن كتابك، ويحقن دمك خير من أن يكون عليك يهدم قبلتك، وينتهك حرمتك، ويسفك دمك، ويحرق كتابك(1) .
ومحل الشاهد من هذه الرواية قوله: «وإن كانوا قوماً لم يغزوا ولم يقاتلوا فلا يسعك قتالهم حتى تدعوهم» فإنه مطلق ولم يقيد بإذن الإمام، فالرواية من حيث الدلالة تامة، وأما من حيث السند فقد اختلفت النسخ في الراوي عن الإمام (علیه السلام) هل هو أبو عرّة كما في الوسائل(2)، أو أبو عمرة السلمي كما في الكافي(3) والتهذيب(4)؟ والصحيح هو ما في الكافي والتهذيب وهو مجهول الحال فالرواية ضعيفة من هذه الناحية وتجعل مؤيدة لما سبق .
والتحقيق في المقام يقتضي التكلم في جهات ثلاث:
ص: 36
فنقول: قد تقدم أنّ السيد الأستاذ (قدس سره) ناقش في دعوى الإجماع، وإنّ جملة من الفقهاء لم يتعرضوا لهذه المسألة، مضافاً إلى احتمال أن يكون المدرك في ذلك على فرض تحققه هو الروايات، فيكون البحث في دلالة الروايات الواردة في المقام.
ولكنّنا بعد الفحص والتتبع لكلمات عدة من فقهاء الطائفة وجدناهم يصرحون باشتراط إذن المعصوم (علیه السلام) في الجهاد للدعوة إلى الإسلام وإليك أقوالهم قال الشيخ في النهاية: ومن وجب عليه الجهاد إنما يجب عليه عند شروط، وهي أن يكون الإمام العادل الذي لا يجوز لهم القتال إلاّ بأمره ولا يسوغ لهم الجهاد من دونه ظاهراً، أو يكون من نصبه الإمام للقيام بأمر المسلمين حاضراً ... ومتى لم يكن الإمام ظاهراً ولا من نصبه الإمام حاضراً لم يجز مجاهدة العدو، والجهاد مع أئمة الجور أو من غير إمام خطأ يستحق فاعله به الإثم وإن أصاب لم يوجر عليه وإن أصيب كان مأثوماً(1) .وقال في المبسوط: وإذا اجتمعت الشروط التي ذكرناها فيمن يجب عليه الجهاد فلا يجب عليه أن يجاهد إلاّ بأن يكون هناك إمام عادل، أو من نصبه الإمام للجهاد، ثم يدعوهم إلى الجهاد فيجب حينئذ ... ومتى لم يكن الإمام ولا من نصبه الإمام سقط الوجوب بل لا يحسن فعله أصلاً ... والجهاد مع أئمة الجور أو من غير إمام أصلاً خطأ قبيح يستحق فاعله به الذم والعقاب، إن أصيب لم يوجر وإن أصاب كان مأثوماً ... إلى أن قال: والمرابطة فيها فضل كثير وثواب جزيل إذا كان هناك إمام عادل(2).
ص: 37
وقال الصدوق في الهداية: الجهاد في سبيل الله فريضة واجبة من الله عزّوجلّ على خلقه بالنفس والمال مع إمام عادل(1).
وقال السيد ابن زهرة في الغنية: أمّا شرايط وجوبه فالحرية، والذكورة، والبلوغ، وكمال العقل، والاستطاعة له بالصحة والقدرة عليه وعلى ما يفتقر إليه فيه من ظهر ونفقة، وأمر الإمام العادل به، أو من ينصبه إمام أو ما يقوم مقام ذلك من حصول خوف على الإسلام، أو على الأنفس والأموال، ومتى اختلّ شرط من هذه الشروط سقط فرض الجهاد بلا خلاف أعلمه(2) .
وقال في المراسم: وأما الجهاد فإلى السلطان أو من يأمره السلطان ... إلاّ أن يغشى المؤمنين العدو فليدفعوا عن نفوسهم وأموالهم وأهليهم(3) .
والظاهر من السلطان هو الإمام العادل .
وقال في الوسيلة: وإنما يجب بثلاثة شروط أحدها: حضور إمام عدل أو من نصبه الإمام للجهاد ... إلى أن قال: ولا يجوز الجهاد بغير الإمام ولا مع أئمة الجور(4) .
وقال في إشارة السبق: وشرائط وجوبه الحرية، والذكورة، والبلوغ وكمال العقل، والقدرة عليه بالصحّة والآفات المانعة منه، والاستطاعة بالخلوّ من العجز عنه والتمكن منه ... مع أمر إمام الأصل به أو من نصبه وجرى مجراه، أو ما حكمه حكم ذلك من حصول الخوف الطاري على كلمة الإسلام أو المفضي إلى اجتياح الأنفس والأموال، فبتكاملهايجب وبارتفاعها أو الإخلال بشرط منها يسقط(5).
ص: 38
وقال في التذكرة: الجهاد قسمان أحدهما: أن يكون للدعاء إلى الإسلام ولا يجوز إلاّ بإذن الإمام العادل أو من نصبه لذلك عند علمائنا أجمع، لأنّه أعرف بشرائط الدعاء وما يدعوهم إليه من التكاليف دون غيره ... وقال أحمد يجب مع كل إمام بر وفاجر لرواية أبي هريرة(1) ...
وقال في المختلف: إنه لو نذر أن يصرف شيئاً من ماله إلى المرابطين فإن كان الإمام ظاهراً وجب الوفاء به إجماعاً، وإن كان مستتراً قال الشيخ في النهاية والمبسوط يصرف في وجوه البر ... وتابعه ابن البراج، وقال ابن إدريس: يجب الوفاء به مطلقاً(2) .
ونظير هذا الحكم ذكره عن الشيخ وابن إدريس في من آجر نفسه للمرابطة في حال انقباض يد الإمام(3) .
والعلامة وإن لم يذكر أصل المسألة في المختلف إلاّ أنه يعلم من ذلك أنّ أصل المسألة مفروغ عنه عنده.
وقال الشيخ الجليل هبة الدين الراوندي في فقه القرآن: ومن شرط وجوبه (أي الجهاد) ظهور الإمام العادل، إذ لا يسوغ الجهاد إلاّ بإذنه، يدلّ عليه قوله: «وَلا تَعْتَدُوا » أي ]بقتال من لم تؤمروا بقتاله ولا تعتدوا[ بالقتال(4) .
وقال في الرياض: وإنّما يجب ... مع الإمام العادل وهو المعصوم أو من نصبه لذلك أي النائب الخاص وهو المنصوب للجهاد أو لما هو أعم، وأمّا العام كالفقيه فلا يجوز له ولا معه حال الغيبة بلا خلاف أعلمه، كما في ظاهر المنتهى وصريح الغنية إلاّ من أحمد، وظاهرهما الإجماع، والنصوص به من طرقنا مستفيضة بل
ص: 39
متواترة(1) .
وقد ذكر هذا الشرط كل من الشهيدين في اللمعة(2) والمسالك(3) وابنإدريس في السرائر(4) فإنه (ابن إدريس) نقل عين كلام الشيخ وإنّما خالفه في المرابطة.
والذي يظهر من كلمات العلماء أنّ هذه المسألة لا خلاف فيها بينهم، وكأنّها مسلمة عندهم، ولم نظفر بقول لأحد من العلماء في الجواز بدون إذن المعصوم(علیه السلام).
فما ادعاه صاحب الجواهر من الإجماع غير بعيد، وعليه فلم يظهر لنا وجه المناقشة في أصل الدعوى.
نعم يبقى الإشكال في إمكان أن يكون إجماعهم مدركياً من جهة الروايات وسيأتي الكلام عنها في الجهة الثالثة.
وأما ما ذكره السيد الأستاذ (قدس سره) من أنّ عدة من العلماء لم يتعرضوا للمسألة فيقال في جوابه :
أولاً: إنّ هذا مجرّد دعوى فلعلهم بحثوها ولم تصل إلينا.
وثانياً: على فرض أنهم لم يبحثوها ولكن لعلّه لمانع التقية، ولا سيما أنّ المسألة في غاية الحساسية لأنها تتضمن تفسيق حكام أزمنتهم وعدم حكمهم بما أنزل الله ونحو ذلك مما يخشى من التصريح به.
لقد وردت عدة من الآيات الشريفة تحث على الجهاد وترغّب فيه، وقد ناقش السيد الأستاذ(قدس سره) فيها بما حاصله: إنّ اهتمام القرآن الكريم بشأن الجهاد وأنه من أركان الدين وعدم توقيته بوقت معين لا ينسجم مع حضور الإمام (علیه السلام) أو نائبه الخاص.
ص: 40
والجواب: أنه لا إشكال ولا نقاش لنا في اهتمام القرآن الكريم بنصوصه الكثيرة، وقد تتبعنا الآيات الشريفة الواردة في الجهاد فوجدناها بلغت أكثر من ستين آية تحضّ على الجهاد وترغّب فيه، كما لا نقاش لنا في أنه من أركان الدين، وهكذا بالنسبة إلى عدم تحديده بوقت معيّن وإنما الكلام والإشكال في ما ذكره أخيراً من عدم انسجام ذلك مع حضور الإمام (علیه السلام)، ولا سيما أنّ زمان الأئمة (علیهم السلام) قليل لا يتناسب مع هذه الكثرة من الآيات والاهتمام الشديد بأمر الجهاد.ونقول: إنّ هذا صحيح لو كان الجهاد منحصراً في الابتدائي، وهذه الآيات الكثيرة واردة فيه بخصوصه، فإنّ اشتراط ذلك بإذن الإمام (علیه السلام) يتنافى مع اهتمام القرآن بأمر الجهاد، أما إذا كان للجهاد أفراد كثيرة منها: الجهاد لردع المشركين والكفار عن التعدي على المسلمين، ومنها الجهاد للدفاع عن حريم الإسلام وعن المسلمين أنفسهم وأعراضهم وأموالهم، فهذه لا يشترط فيها إذن الإمام بلا إشكال. وحينئذ لا يلزم من ذلك ما ذكره من عدم الانسجام.
والجهاد المشروط بالإذن هو الجهاد الابتدائي، نعم لو كان جميع أفراد الجهاد مشروطة بإذن الإمام (علیه السلام) لكان لعدم الانسجام وجه.
وأما الآيات الكثيرة الواردة في الحث على الجهاد فهي واردة في غير الابتدائي ويدل عليه:
أوّلاً: إنّ أكثر الحروب التي خاضها النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) - إن لم يكن كلها - إنما كانت لجهة الردع والدفاع عن الإسلام والمسلمين.
وثانياً: إنّ الذي يظهر من شأن نزول سورة براءة هو: أنّ هذه السورة لما نزلت على النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أعطاها لأبي بكر ليبلّغها إلى المشركين، حتى إذا سار أبو بكر نحو مكة وإذا بالوحي يهبط على النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ويأمره عن الله تعالى أن لا يبلغ السورة إلاّ هو بنفسه أو رجل منه، فما كان من النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) إلاّ أن بعث أمير المؤمنين علياً (علیه السلام)
ص: 41
وأمره أن يدرك أبا بكر ويأخذ السورة منه ويتولّى أمر تبليغها إلى المشركين، وقد أورد هذه الحادثة أكثر المفسرين وأهل النقل وأرباب السير والتاريخ(1) .
وهذه السورة كما ورد في صحيح الأخبار(2) وعن بعض المفسرين(3) هي آخر سورة نزلت على النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وكان نزولها في السنة التاسعة من الهجرة(4) وتتضمن فيما تتضمن أحكاماً أربعة:
الأول: البراءة من المشركين بمعنى انقطاع العصمة والصلة بين الكفار والمشركين وبين المسلمين، ولابد إما أن يسلموا أو يعطوا الجزيةعن يد وهم صاغرون إن كانوا أهل الكتاب، وإما أن يسلموا أو يُقاتلوا إن كانوا مشركين.
الثاني: أن لا يدخل البيت الحرام مشرك بعد هذا لكونهم نجس.
الثالث: أن لا يطوف بالبيت عريان ولا عريانة.
الرابع: أنه إذا استجار أحد من المشركين لاستماع القرآن وكلمة التوحيد يجار حتى يسمع كلام الله ثم يبلغ مأمنه.
وهذه الأحكام هي مضمون الآيات التي بلغها أمير المؤمنين (علیه السلام) إلى المشركين، فالذي يظهر من ذلك أنه إلى حين نزول السورة لم تكن القطيعة بين المسلمين وبين الكفار بلغت إلى حد البراءة بحيث يكون قتالهم ابتدائياً، وقبل نزول السورة لم تكن حرباً ابتدائية من قبل المسلمين وإنما كانت دفاعية، فعلى فرض وقوع الحرب الابتدائية فهو بعد السنة التاسعة للهجرة.
ص: 42
وثالثاً: أن هذا المعنى قد صرحت به الروايات الواردة في شأن هذه الحادثة فقد ورد في صحيحة أبي الصباح الكناني - كما في تفسير علي بن إبراهيم القمي في تفسير قوله تعالى: «بَرَاءَةٌ مِنْ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ »(1) - عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: نزلت هذه الآية بعدما رجع رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) من غزوة تبوك في سنة تسع من الهجرة، قال: وكان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) لما فتح مكة لم يمنع المشركين الحجّ في تلك السنة، وكان سنّة في العرب في الحج أنه من دخل مكة وطاف بالبيت في ثيابه لم يحل له إمساكها، وكانوا يتصدقون بها ولا يلبسونها بعد الطواف، وكان من وافى مكة يستعير ثوباً ويطوف فيه ثم يرده، ومن لم يجد عارية اكترى ثياباً، ومن لم يجد عارية ولا كراءاً ولم يكن له إلاّ ثوب واحد طاف بالبيت عرياناً، فجاءت امرأة من العرب وسيمة جميلة فطلبت ثوباً عارية أو كراءاً فلم تجده فقالوا لها: إن طفت في ثيابك احتجت أن تتصدقي بها، فقالت: وكيف أتصدق بها وليس لي غيرها؟ فطافت بالبيت عريانة وأشرف عليها الناس فوضعت إحدى يديها على قبلها والأخرى على دبرها ...
وكانت سيرة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قبل نزول سورة البراءة أن لا يقاتل إلاّ من قاتله، ولا يحارب إلاّ من حاربه وأراده، وقد كان نزل عليه في ذلك من الله عزوجل: «فَإِنْ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمْ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللهُلَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً»(2) فكان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) لا يقاتل أحداً قد تنحى عنه واعتزله حتى نزلت عليه سورة البراءة، وأمره الله بقتل المشركين من اعتزله ومن لم يعتزله إلاّ الذين قد كان عاهدهم رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يوم فتح مكة إلى مدة، منهم صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، فقال الله عزوجل: «بَرَاءَةٌ مِنْ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ
ص: 43
مِنْ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ »ثم يقتلون حيث ما وجدوا، فهذه أشهر السياحة عشرون من ذي الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع الأول وعشرة من شهر ربيع الآخر.
فلما نزلت الآيات من أول براءة دفعها رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) إلى أبي بكر، وأمره أن يخرج إلى مكة ويقرأها على الناس بمنى يوم النحر، فلما خرج أبو بكر نزل جبرئيل على رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم)، فقال: يا محمد لا يؤدي عنك إلاّ رجل منك، فبعث رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) أمير المؤمنين(علیه السلام) في طلبه فلحقه بالروحا فأخذ منه الآيات، فرجع أبو بكر إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فقال: يا رسول الله نزل الله فيّ شيء؟ قال: لا إن الله أمرني أن لا يؤدي عني إلاّ أنا أو رجل مني(1) .
ومحل الشاهد من هذه الرواية قوله (علیه السلام): «وكانت سيرة رسول الله قبل نزول سورة البراءة أن لا يقاتل إلاّ من قاتله ...» الخ.
مضافاً إلى أنه إذا كان نزول السورة في السنة التاسعة وكانت آخر السور نزولاً على النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) كما تقدم ولم يبق النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بعد نزول السورة إلاّ عاماً يزيد قليلاً فإنّ وفاته - كانت على أشهر القولين في الثامن والعشرين من شهر صفر من العام الحادي عشر، فما نزل من الآيات بعد سورة البراءة قليل جداً سواء كانت في الجهاد أو في غيره.
والمتحصل من مجموع ما تقدم أمور:
الأول: أنّ الآيات الكثيرة الواردة في الحثّ على القتال والجهاد قبل نزول سورة براءة واردة في الجهاد الدفاعي لا الابتدائي، نعم ما ورد بعد ذلك فيلاحظ إن كانت مطلقة فمقتضاها أن تكون في الجهاد الابتدائي وإلاّ فهي للدفاع، وعلى فرض ذلك فهي قليلة جداً فالآيات الكثيرة لم تكن في مورد الجهاد الابتدائي.
ص: 44
الثاني: أن ما نفثت به سموم بعض الأقلام المنحرفة من أن الإسلام دينالسيف والقتل وسفك الدماء دعوى فارغة عن الواقع وليس لها أساس أصلاً. وإنما يراد بها الكيد للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وللإسلام، وذلك لأنّ الحروب التي وقعت إلى سنة تسع كانت للدفاع عن الإسلام والمسلمين والدفاع عن المبدأ والمعتقد حق طبيعي مشروع تقرّه الفطرة الإنسانية السليمة والقوانين والأعراف.
مضافاً إلى أنّ الحرب الابتدائية مقيدة بشروط ومنها: الدعاء والمجادلة بالتي هي أحسن، فما يقال من أنّ الإسلام دين السيف والدماء ما هو إلاّ مجرد اتهام والإسلام منه بريء وحقائق الإسلام وأحكامه في هذا المجال تنكره أشد الإنكار، وقد فات بعض الأعلام الالتفات إلى حقيقة أنّ الجهاد الابتدائي متأخر زماناً من حيث التشريع فحاول التوجيه والتماس المحامل المصححة، وبعد بيان هذه الحقيقة لا حاجة إلى تلك التوجيهات والمبرّرات.
هذا كله بالنسبة إلى الحروب التي خاضها النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في فترة تبليغ الرسالة ولا كلام لنا في ما جرى بعد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من حروب، إلاّ ما كان من أمير المؤمنين (علیه السلام) في حروبه الثلاث وهي حرب الجمل وصفين والنهروان وهي ليست داخلة في هذا الباب وإنما هي داخلة في حرب البغاة والخارجين على الإمام (علیه السلام)، وذلك مما أنبأ به النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) علياً (علیه السلام) حيث روى أبو أيوب الأنصاري قال: أمر رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) علي بن أبي طالب بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين(1) ولعل الكلام حولها يأتي في محله.
الثالث: قد ظهر مما تقدم أنّ هذا الحكم لا يبلّغه إلاّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بنفسه أو رجل منه، وذلك لحساسية الأمر وخطورته وإذا كان الإبلاغ مخصوص بالمعصوم ففي مقام التطبيق والإجراء في الجهاد الابتدائي من باب أولى.
ص: 45
والنتيجة: أن ما ذكره سيدنا الأستاذ (قدس سره) من عدم الانسجام بين كثرة الآيات وبين توقيتها بحضور المعصوم وإذنه لا يرجع إلى معنى محصل.
قد تقدمت جملة من الروايات استدل بها صاحب الجواهر(1) على اشتراط الإذن في الجهاد الابتدائي وسيأتي ذكر بقيتها، وذكرنا أنّ السيدالأستاذ (قدس سره) قد ذكر أنّ عمدة الروايات اثنتان: الأولى: رواية بشير، والثانية رواية عبد الله بن المغيرة، وقد ناقش في الأولى من جهتي السند والدلالة، وفي الثانية من جهة الدلالة فقط لكونها معتبرة من جهة السند. وأوردنا عدة روايات أخرى تؤيد مدعاه (قدس سره) .
والظاهر أن جميع المناقشات غير واردة.
أما رواية بشير فقد ناقش فيها من حيث السند بأنّ بشيراً لم يعلم من هو، وقد قلنا إنه يمكن الاعتماد عليها، وقد تقدم أنّ الراوي عن الإمام (علیه السلام) هو بشير الدهان بقرينة الراوي عنه، وعليه فلا إشكال في سند الرواية.
وأما الرواية من حيث الدلالة فقد ناقش فيها بأنّ مناسبة الحكم للموضوع تقتضي حرمة القتال بحكم الجائر في زمان الحضور لا مطلقاً مؤيداً ذلك بجواز أخذ الجزية من أهل الكتاب في زمان الغيبة الملازم لجواز القتال.
ونقول: إنّ دلالة الرواية تنيط جواز القتال بإذن الإمام (علیه السلام)، وذلك لأنّ المذكور في الرواية أنّ القتال مع غير الإمام المفترض طاعته حرام، ولهذا المفهوم فردان أحدهما: الجائر. والآخر: غير الجائر وغير المفترض الطاعة، والإمام (علیه السلام) حكم بحرمة القتال بهذا العنوان الشامل لذينك الفردين، نعم لو كان التعبير هكذا: القتال مع الإمام غير المفترض طاعته حرام، لكان مفاده ما ذكره السيد(قدس سره)،
ص: 46
وتختص الحرمة حينئذ بالقتال مع الجائر فقط فإنّ بين التعبيرين فرقاً بيناً، والتعبير الأول له فردان وهو الوارد في الرواية، والثاني له فرد واحد، وتخصيص التعبير الوارد في الرواية بفرد واحد مما لا وجه له .
والحاصل: أنّ مقتضى الرواية هو اشتراط إذن المعصوم، وأنّ الجواز منحصر في كونه مع المعصوم، لا أنّ الجواز شامل للقتال مع غير المعصوم إذا لم يكن جائراً، وذلك لما ذكرنا من أنّ مفاد الرواية يقتضي المنع عن القتال مع فردين لا فرد واحد، فالرواية من هذه الجهة واضحة الدلالة.
وأمّا من جهة التأييد فليس الأمر كما ذكره (قدس سره) وذلك:
أولاً: لا ملازمة بين القتال وأخذ الجزية، فقد يكون قتالٌ ولا جزية، وهكذا العكس، كما في العبد المملوك فإنه لا يقتل ولكن يؤخذ منه الجزية، وقد صرح السيد (قدس سره) بذلك في ما ذكره من مسائل الجهاد، نعم في أكثر الموارد الأمر كما ذكره فقد ورد في الطفل والمجنون والمقعد فهؤلاء لا يقتلون ولا تؤخذ منهم الجزية، أما أنه على نحو الملازمة بين الحكمينفلا.
وثانياً: إنّ القول بجواز أخذ الجزية في زمان الغيبة بعنوان أنه أمر مسلم مفروغ عنه غير تام، بل هو محل تأمّل إذ ورد في بعض الروايات أنّ تقدير الجزية للإمام (علیه السلام)، ومن ذلك صحيحة زرارة قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): ما حدّ الجزية على أهل الكتاب؟ وهل عليهم في ذلك شيء موظف لا ينبغي أن يجوز إلى غيره؟ فقال: ذلك إلى الإمام يأخذ من كل إنسان منهم ما شاء على قدر ماله، وما يطيق، إنما هم قوم فدوا أنفسهم أن يستعبدوا أو يقتلوا فالجزية تؤخذ منهم على قدر ما يطيقون له أن يأخذهم به حتى يسلموا، فإنّ الله قال: «حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ»(1) وكيف يكون صاغراً وهو لا يكترث لما يؤخذ منه حتى لا يجد
ص: 47
ذلاًّ «ألماً» لما أخذ منه فيألم لذلك فيسلم(1) .
والمستفاد من الرواية: أنّ أمر الجزية وأخذها وتقديرها للإمام (علیه السلام)، فإطلاق الجواز في زمان الغيبة محلّ تأمل بل إشكال، نعم أخذ المال من الكفار بعنوان آخر لا إشكال فيه، لكن لا بعنوان الجزية.
والحاصل: أنّ ما أورده السيد (قدس سره) على الرواية وما أيد به مدعاه في غير محلّه.
وأما معتبرة عبد الله بن المغيرة فقد ناقش السيد (قدس سره) - كما تقدم - بأنّ الرواية تشتمل على خصوصية في المقام لأجلها لم يجوّز الإمام القتال معهم، لا أنه غير جائز مطلقاً إلاّ بإذنه(علیه السلام)، وشاهده تشريك المرابطة في الحكم مع أنّها غير مشروطة بالإذن.
والظاهر أنّ المناقشة غير تامة، والدلالة واضحة، وذلك:
أولاً: كيف يمكن المناقشة بأنّ المقام يشتمل على خصوصية في ذلك الوقت والحال أنّ الرواية لم تشر إلى وقت بخصوصه وأنّ المتحدّث ينقل حكاية عن أبيه عن آبائه ؟! ومنه يعلم أنّ السؤال متقدم في زمان سابق، وكأنّ السؤال عن أمر كلّي لا قضية شخصية جزئية.
وثانياً: إنّ الجواب بقوله: «عليكم بهذا البيت فحجّوه» لا يختص بزمان دون آخر، بل هو أمر دائمي مستمر إلى زمان خروج الحجة (عج الله تعالی فرجه الشریف).
وثالثاً: إنّ تصديق الإمام (علیه السلام) لهذا الجواب وإمضائه له يتضمنالإشارة إلى أنّ هذا الحكم جار في زمانه (علیه السلام) أيضاً مع أنّ زمان الرضا (علیه السلام) ليس فيه عدو في قزوين ولا في الديلم وإنما كان ذلك في أزمنة سابقة.
والمستفاد من كل ذلك: أنّ الحكم مستمر دائمي إلى حين حصول الإذن فما
ص: 48
ذكره (قدس سره) من أنه كان موقتاً لخصوصية في المقام خلاف ظاهر الرواية.
وأما ما ذكره شاهداً على مدعاه من أمر الرباط وأنه غير مشروط بإذن الإمام فغير مسلم، وذلك لما تقدم في أقوال العلماء من أنّ الشيخ اشترط في المرابطة أن يكون هناك إمام عادل، وخالفه ابن إدريس في ذلك فليست المرابطة جائزة مطلقاً بل هي محل خلاف بين الفقهاء، واقتران الرباط مع الجهاد في الرواية ليس دليلاً على عدم الاشتراط، فما ذكره السيد (قدس سره) من الإيراد على الرواية غير تام .
والمستفاد من كلتا الروايتين اشتراط إذن المعصوم (علیه السلام) في الجهاد الابتدائي، وأمّا بقية الروايات فقد ذكرنا أربع روايات مؤيدة لما اختاره وهي رواية حفص بن غياث، ورواية الزهري (الزبيري)، ورواية أبي عمرة السلمي، ورواية أبي بصير.
أما الرواية الأولى فقد ذكرنا فيما تقدم أنّها تدل على أنّ ثلاثة من السيوف شاهرة وهذه الثلاثة: الأول منها على مشركي العرب، والثاني على أهل الذمة، والثالث على مشركي العجم، وهي مستمرة إلى أن تطلع الشمس من مغربها فبحسب الإطلاق يمكن استفادة عدم الحاجة إلى الإذن إذ لم يشر في الرواية إلى اشتراطه.
ولكن هذه الرواية وإن كانت معتبرة سنداً إلاّ أنه من حيث الدلالة محلّ تأمّل، إذ من المحتمل أن يكون الإمام (علیه السلام) في مقام بيان أصل الوجوب وأنّه باق إلى زمان طلوع الشمس من مغربها المكنى به عن ظهور الحجة (عج الله تعالی فرجه الشریف) أو قيام القيامة الكبرى، أما أنه في مقام بيان جميع الشرائط فليس الأمر كذلك، ولذا لم يتعرض لسائر الشرائط الأخرى من كون المجاهد حراً بالغاً قادراً ونحو ذلك.
فالظاهر من الرواية أنّها واردة في مقام بيان أصل الوجوب وأنّ أحد أحكام الدين محاربة الكفار، وبناء على ذلك لا يمكن التمسك بهذه الرواية في عدم الحاجة إلى الإذن، مضافاً إلى أنّ قوله (علیه السلام): وكان السائل من محبينا فيه إشعار
ص: 49
بأنّه من الشيعة وأهل الولاء، وإنما هو محب لهم (علیهم السلام)، ولذا لم يبيّن له الإمام (علیه السلام) جميع الشرائط واقتصر على بيان أصل التشريع، وعليه فلا يمكن الاستناد إلى هذه الرواية.
وأما الرواية الثانية وهي رواية الزهري (الزبيري) - والصحيح هوالزبيدي كما ذكرنا - فهي وإن اشتملت على السؤال عن شرائط المجاهد لا عن أصل الوجوب، ويمكن استفادة ذلك من عدّة فقرات من الرواية منها: قوله: أخبرني عن الدعاء إلى الله والجهاد في سبيله أهو لقوم لا يحلّ إلاّ لهم ولا يقوم به إلاّ من كان منهم؟ أم هو مباح لكلّ من وحّد الله عزوجل وآمن برسوله (صلی الله علیه و آله و سلم) ... ؟ وقد أجابه الإمام(علیه السلام) بذكر الشرائط ولم يذكر منها حضور المعصوم(علیه السلام)، ومنها قوله(علیه السلام): لو كان إنما أذن في قتال من ظلمهم من أهل مكة فقط لم يكن لهم إلاّ قتال جموع كسرى وقيصر وغير أهل مكة من قبائل العرب سبيل ... إلى أن قال: وليس كما ظننت ولا كما ذكرت.
ومنها: قوله (علیه السلام): وبحجة هذه الآية يقاتل مؤمنو كل زمان.
ومنها: قوله (علیه السلام): ومن كان قائماً بتلك الشرائط فهو مؤمن وهو مظلوم ومأذون له في الجهاد بذلك المعنى.
مضافاً إلى أنّ الإمام (علیه السلام) قد قسّم الدعاء إلى الله على أربعة أقسام، وجعل القسم الرابع هو اتباع النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من المؤمنين وهم المأذون لهم في الدعاء إلى الله والجهاد في سبيله، ولا يختصّ ذلك بزمان دون زمان، فإنّ حكم الله في الأولين والآخرين سواء، فظاهر هذه الفقرات عدم اشتراط الإذن ولم يشر الإمام (علیه السلام) إليه ولو في فقرة واحدة من تلك الفقرات.
هذا ولكن الرواية قابلة للمناقشة سنداً ودلالة.
أما من جهة السند ففيها بكر بن صالح وهو وإن كان وارداً في أسناد تفسير
ص: 50
علي بن إبراهيم القمي في كلا القسمين(1) كما أنه واقع في المستثنى منه من كتاب نوادر الحكمة(2) إلاّ أنه قد ورد فيه التضعيف من النجاشي(3) فيكون مورداً للتعارض ويعامل معاملة المجهول، فالرواية من حيث السند غير معتبرة.
وأمّا من جهة الدلالة ففيها:
أولاً: إنّ الظاهر من الرواية أنّها في مقام بيان شرائط كمال المجاهد في سبيل الله إذ لا يشترط في المجاهدين ما ذكره الإمام من الأوصاف، وما استشهد به من الآية الشريفة في ذكر أحوالهم بل يكتفى بما هو أدنى من تلك الأوصاف.مضافاً إلى أنّ الرواية لم تذكر سائر الشرائط من الرجولة والبلوغ والحرية والإذن ونحو ذلك، وإنّما ذكرت الرواية الشرائط الأخلاقية التي ينبغي أن يكون عليها المجاهد.
وثانياً: إنه (علیه السلام) قسّم الداعين إلى الله عزوجل إلى أربعة أقسام وهم: الله عزوجل، ونبيه(صلی الله علیه و آله و سلم) والقرآن الكريم، وعترة نبيه الذين أذهب الله عنهم الرجس، ثم ذكر أتباع النبي والأئمة (علیهم السلام) الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويجاهدون في سبيل الله وذكر أوصافهم وشرائطهم ولم يتبيّن أنهم من الداعين على نحو الاستقلال وفي عرض الأربعة المذكورة، وبناء على هذا فليست الرواية صريحة في دلالتها، وعليه فلا يمكن الاعتماد عليها في المقام.
وأمّا الرواية الثالثة وهي رواية أبي عرة (عمرة) السلمي فظاهرها السؤال عن الإذن في القتال، فإنّ السائل كان يكثر من الغزو إلى أن حجر عليه وقالوا له: لا غزو إلاّ مع إمام عادل، وليس في جواب الإمام (علیه السلام) ما يشير إلى اشتراط الإذن فيمكن التمسك بدلالة ظاهر الرواية على عدم الحاجة إلى الإذن.
ص: 51
ولكن الرواية غير تامة سنداً ودلالة.
أما من حيث السند فقد تقدم أنّ أبا عمرة لم يرد فيه توثيق فالرواية ضعيفة به.
وأما من حيث الدلالة ففيها أنّ السائل وإن كان سؤاله عن اشتراط الإذن حيث حجر عليه، وقيل له: لا غزو إلاّ مع إمام عادل إلاّ أن جواب الإمام اختلف باختلاف رغبة السائل في الإجمال أولاً ثم عدوله إلى الرغبة في التلخيص ثانياً، بل إنّ السائل عدل عن سؤاله الأول إلى سؤال آخر وهو قوله: غزوت فواقعت المشركين ... الخ والإمام (علیه السلام) أجاب عن السؤال الثاني وانتقل الكلام إلى موضوع آخر وهو جواز القتال قبل الدعوة وعدمه، فليس في الرواية دلالة على عدم اشتراط إذن الإمام (علیه السلام) بل إنّ كلام السائل فيه إشعار باشتراط الإذن، وذلك لأنّهم حجروا عليه وقالوا: لا غزو إلاّ مع إمام عادل، فكأنّ المرتكز في الأذهان اشتراط الإذن، ويظهر أنّ الذي حجر عليه جماعة ولهذا عبر عنهم بقوله قالوا مضافاً إلى أنه قد يستشعر من الرواية أنّ السائل من العامة وإلاّ ما معنى أن يكثر من الغزو طلباً للأجر؟ اللهم إلاّ أن يكون إمامياً قاصراً.
والحاصل: أنّ الرواية لا يمكن الاعتماد عليها من كلتا الجهتين.
وأما الرواية الرابعة وهي معتبرة أبي بصير فقد ذكر فيها أنّ المناطفي الخروج للجهاد أن يكون مع المأمون على الحكم والمنفذ في الفيء أمر الله، بلا فرق بين أن يكون معصوماً أو غير معصوم وليس في الرواية اشتراط الإذن.
ولكن يمكن القول إنّ الرواية وإن كانت معتبرة السند إلاّ أنها من جهة الدلالة قابلة للنقاش وذلك:
أولاً: إنّ الوارد في الرواية لا يخرج المسلم في الجهاد مع من لا يؤمن على الحكم ولا ينفذ في الفيء أمر الله عزوجل، والمستفاد من هذه العبارة النهي عن الخروج لما يترتب على ذلك من المفاسد التي ذكرها الإمام (علیه السلام) كما أنّ المراد ممّن لا يؤمن على الحكم ولا ينفذ في الفيء أمر الله هو الحاكم الجائر؛
ص: 52
فإنّه المصداق لهذا المعنى أي أن له الحكم إلاّ أنه ليس مأموناً عليه وله إنفاذه إلاّ أنه ليس على طبق أمر الله، ويقابله السلطان العادل الذي هو مأمون على الحكم والمنفذ في الفيء أمر الله عزوجل وينحصر مصداقه في الإمام المعصوم (علیه السلام)، فتكون الرواية ظاهرة في اشتراط الخروج مع الإمام العادل.
ثانياً: سلمنا أنّ قوله: من لا يؤمن على الحكم مطلق، وهذا الإطلاق شامل للإمام ولغير الإمام إذا كان عادلاً، ولكن لا تعارض بين هذه الرواية وبين الروايات المتقدمة أو الآتية الدالة على اشتراط الإذن، ومقتضى الجمع هو حمل المطلق على المقيد فيكون المراد من هذه الرواية بعد تقييدها عين ما يراد من تلك الروايات، وهو أنّ القتال لا يكون إلاّ مع إذن الإمام المعصوم(علیه السلام).
هذا ما يتعلق بالروايات الأربع التي ذكرناها كتأييد لما اختاره السيد الأستاذ (قدس سره) وتبين أنها قابلة للنقاش، وبذلك يتم الكلام حول ما استدل به على عدم اشتراط الإذن في الجهاد الابتدائي، وحينئذ إذا لم يكن ثمة دليل على الاشتراط وجب الأخذ بالإطلاقات من الآيات والروايات، وأما مع وجود الدليل على الاشتراط فلا تصل النوبة إلى الأخذ بالإطلاقات، ووجب الأخذ بدليل الاشتراط، وملخص ما تقدم أنّه يمكن الاستدلال على اعتبار إذن المعصوم في الجهاد، ويدل على ذلك عدة من الروايات منها: رواية بشير ومنها رواية عبد الله بن المغيرة، وقد تقدم الكلام حولهما وأنّ دلالتهما على الاشتراط تامة، كما أنّهما معتبرتان من جهة السند.
ومنها: رواية عبد الملك بن عمر، وقد تقدم نقل الرواية، وهي من حيث السند معتبرة فإنه وإن كان في سندها الحكم بين مسكين وهو ممّن لم يرد فيه توثيق، إلاّ أنه يمكن الحكم بوثاقته لوقوعه في المستثنى منهمن كتاب نوادر الحكمة(1)،
ص: 53
ورواية المشايخ الثقات(1) عنه، وبناء على ذلك فالرواية تامة السند.
وأما من جهة الدلالة فهي تامة أيضاً، وذلك بمفاد قوله (علیه السلام): «بلى والله إني لأراه ولكني أكره أن أدع علمي إلى (على) جهلهم»، فالإمام (علیه السلام) يرى وجوب الجهاد إلاّ أنه مع ذلك يقرّ عبد الملك بن عمرو على فعله ويصوبه، والحال أنّ عبد الملك بن عمرو إنما ترك الخروج للجهاد انتظاراً لأمر الإمام (علیه السلام) واقتداء به.
والحاصل: أنّ المقتضي موجود والمانع موجود أيضاً، فإنّ الإمام مع أنه يرى وجوب الجهاد إلاّ أنه لا يرى مشروعية ما يفعله هؤلاء، ومن ذلك يعلم اشتراط الجهاد - سواء كان قتالاً أو رباطاً - بإذن الإمام (علیه السلام) والرواية - صدراً وذيلاً - دالة على ذلك.
ومنها: رواية فضيل بن عياض، وحفص بن غياث قال: - واللفظ للأول - سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن الجهاد أسنّة هو أم فريضة؟ فقال: الجهاد على أربعة أوجه فجهادان فرض، وجهاد سنّة لا تقام إلاّ مع الفرض، وجهاد سنة، فأمّا أحد الفرضين فمجاهدة الرجل نفسه عن معاصي الله عزوجل، وهو من أعظم الجهاد، ومجاهدة الذين يلونكم من الكفار فرض. وأما الجهاد الذي هو سنّة لا يقام إلاّ مع فرض فإنّ مجاهدة العدو فرض على جميع الأمة ولو تركوا الجهاد لأتاهم العذاب، وهذا هو من عذاب الأمة، وهو سنّة على الإمام وحده أن يأتي العدو مع الأمة فيجاهدهم، وأما الجهاد الذي هو سنّة فكل سنّة أقامها الرجل وجاهد في إقامتها وبلوغها وإحيائها فالعمل والسعي فيها من أفضل الأعمال لأنّها إحياء سنة، وقد قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): من سنّ سنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيء(2).
ص: 54
وهذه الرواية من جهة السند معتبرة، وأمّا من جهة الدلالة فالمستفاد منها توقف المشروعية على الإذن.
وبيان ذلك: أنّ الإمام (علیه السلام) قسم الجهاد إلى أربعة أقسام اثنين منها فرض والثالث سنة لا يقام إلاّ مع الفرض والرابع سنة، أما الأول فهو جهاد النفس وهو المعبر عنه في بعض الروايات بالجهاد الأكبر، وأما الثانيفهو مجاهدة الذين يلونكم من الكفار وهو الجهاد الدفاعي عند مداهمة العدوّ، وأما الرابع فهو الجهاد لإحياء السنن والمداومة عليها وإشاعتها بين الناس المتمثل في أعمال البر والإحسان والصدقات الجارية ونحو ذلك.
وأما الثالث - وهو محل الشاهد - فهو جهاد العدو وهو فرض على الأمة سنة على الإمام وحده وقوله: «وجهاد سنّة لا تقام إلاّ مع الفرض» إشارة إلى الاقتران بين الأمة والإمام، غاية الأمر أنّ حضور الإمام إلى ميدان القتال ومحاربته للعدو بنفسه ليس واجباً عليه وإنما هو مستحب، فالمستفاد أنّ هذا القسم من الجهاد مفروض على الأمة مع وجود الإمام (علیه السلام) وإذا وجد الإمام (علیه السلام) فله الحكم بالجهاد وعدمه، ومعنى ذلك هو توقف هذا القسم من الجهاد على إذن الإمام (علیه السلام) .
وهناك روايات أخرى مؤيدة لما تقدم:
منها: رواية الأعمش عن جعفر بن محمد (علیه السلام) في حديث شرائع الدين قال: والجهاد واجب مع إمام عادل ومن قتل دون ماله فهو شهيد(1) .
والمستفاد من الرواية انحصار الجهاد مع الإمام العادل فلا إشكال في دلالة الرواية، وإنما الإشكال في سندها فإنه يشتمل على عدة من المجاهيل فتكون مؤيدة.
ومنها: ما نقله صاحب الوسائل عن جعفر بن محمد بن قولويه في مزاره بسنده عن عبد الله بن عبد الرحمن الأصم عن جده قال: قلت لأبي جعفر (علیه السلام): أيّما
ص: 55
أفضل الحج أو الصدقة؟ فقال: هذه مسألة فيها مسألتان، قال: كم المال يكون ما يحمل صاحبه إلى الحج؟ قال: قلت: لا، قال: إذا كان ما لا يحمل إلى الحج فالصدقة لا تعدل الحج، الحج أفضل، وإن كانت لا تكون إلاّ القليل فالصدقة قلت: فالجهاد؟ قال: الجهاد أفضل الأشياء بعد الفرائض في وقت الجهاد، ولا جهاد إلاّ مع الإمام(1) . الحديث .
ومحل الشاهد قوله: «ولا جهاد إلاّ مع الإمام» والمنصرف إليه هو الإمام المعصوم بقرينة سائر الروايات، فلا إشكال في الدلالة، وإنما الإشكال في السند فإنّ فيه عبد الله بن عبد الرحمن الأصم عن جدّه، أمّاعبد الله فقد ضعّفه النجاشي وابن الغضائري(2) وقال عنه النجاشي: ضعيف غال ليس بشيء(3)، إلاّ أنه ورد في أسناد كتاب نوادر الحكمة(4) وروى عنه المشايخ الثقات(5) فيقع مورداً للتعارض ويعامل معاملة المجهول، نعم قد يقال: إنّ تضعيف النجاشي من جهة المذهب ونسبته إلى الغلوّ فيمكن الجمع بذلك ويكون ثقة في روايته ضعيفاً في مذهبه، وروايته حينئذ معتبرة، ومع ذلك لا يرتفع الإشكال عن السند لاشتماله على جده (أي جدّ عبد الله بن عبد الرحمن) ولم يعرف من هو ولم نقف على ترجمة له فتبقى الرواية محكومة بالضعف وإن كانت من جهة الدلالة تامة.
ومنها: رواية تحف العقول عن الرضا (علیه السلام) في كتابه إلى المأمون قال: والجهاد واجب مع إمام عادل، ومن قاتل فقتل دون ماله ورحله ونفسه فهو شهيد، ولا يحلّ قتل أحد من الكفار في دار التقية إلاّ قاتل أو باغ، وذلك إذا لم تحذر على
ص: 56
نفسك، ولا أكل أموال الناس من المخالفين وغيرهم، والتقية في دار التقية واجبة، ولا حنث على من حلف تقية يدفع بها ظلماً عن نفسه(1) .
وموضع الشاهد من هذه الرواية هو الفقرة الأولى وهي بمضمون الرواية المتقدمة، إلاّ أنها من حيث السند محل كلام ولنا حول كتاب تحف العقول تحقيق ذكرناه في مباحثنا الرجالية(2) فراجع.
ومنها: ما أورده صاحب المستدرك عن كتاب كشف اليقين نقلاً عن تفسير محمد بن العباس الماهيار، قال: حدثنا محمد بن همام بن سهيل عن محمد بن إسماعيل العلوي قال: حدثنا عيسى بن داود النجار عن أبي الحسن موسى بن جعفر عن أبيه عن جده (علیهم السلام) في خبر شريف في المعراج - إلى أن قال: - «قال تعالى: فهل تعلم يا محمد فيم اختصم الملأ الأعلى؟ قلت: ربي أعلم وأحكم وأنت علاّم الغيوب، قال: اختصموا في الدرجات والحسنات، فهل تدري بالدرجات والحسنات؟ قلت: أنت أعلم يا سيدي وأحكم، قال: اسباغ الوضوء في المكروهات والمشي على الأقدام إلىالجهاد معك ومع الأئمة من ولدك، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، وإفشاء السلام وإطعام الطعام، والتهجّد بالليل والناس نيام(3) الخبر.
وموضع الشاهد قوله: «والمشي على الأقدام إلى الجهاد معك ومع الأئمة من ولدك» وعدّ ذلك من الحسنات فيكون مع غير المعصوم أو إذنه ليس من الحسنات في شيء، هذا وقد ورد بدل لفظة الجهاد والجمعات - كما في حاشية المستدرك من الطبعة المحققة نقلاً عن المصدر - فتكون العبارة هكذا: والمشي على الأقدام إلى الجمعات معك ومع الأئمة من ولدك، ولعلّ لفظة الجمعات بمقتضى
ص: 57
التناسب والسياق هي الأليق بالرواية والله العالم، وعلى كل حال فالرواية ضعيفة السند لاشتمالها على من لم يرد فيه توثيق.
ومنها: ما نقله صاحب المستدرك عن كتاب بشارة المصطفى بسنده إلى كميل، عن أمير المؤمنين (علیه السلام) أنه قال: يا كميل لا غزو إلاّ مع إمام عادل، ولا نقل إلاّ مع إمام فاضل يا كميل: أرأيت إن لم يظهر نبي وكان في الأرض مؤمن تقي ما كان في دعائه إلى الله مخطئاً أو مصيباً؟ بلى والله مخطئاً حتى ينصبه الله عزوجل لذلك ويؤهله» (1) الخبر.
والرواية من حيث الدلالة لا إشكال فيها، وإنما الإشكال في سندها فإنّه يشتمل على عدة من المجاهيل .
هذا ويمكن التأييد بعدة روايات معتبرة أخرى:
منها: معتبرة أبي بصير عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: كلّ راية ترفع قبل قيام القائم فصاحبها طاغوت يعبد من دون الله عزوجل(2) .
وهذه الرواية وإن قيل: إنها واردة في الخروج على أئمة الجور، ولكن بمقتضى العموم في قوله كلّ راية تشمل كل قيام إلاّ ما خصّص بالدليل كالراية التي ترفع للدفاع عن بيضة الإسلام فإنّها خارجة عن العموم، ولم ينهض دليل معتبر لإخراج ما نحن فيه عن العموم، ومع الشك فهو داخل تحت العموم أيضاً.
والحاصل: أنّ الرواية صالحة للاستدلال بها على المدّعى ولكن لاحتمال أنها واردة في الخروج على السلطان الجائر جعلناها مؤيدة، وهناك روايات أخرى كثيرة يمكن استفادة هذا المعنى منها وفي ما ذكرناهكفاية.
والنتيجة: أنّ المستفاد من الروايات بضميمة ما تقدم من دعوى الإجماع
ص: 58
اشتراط الجهاد الابتدائي بإذن الإمام (علیه السلام) كما ذهب إليه صاحب الجواهر(1) وهو المذهب المشهور.
ربما يقال: إذا كان الجهاد الابتدائي مشروطاً بإذن المعصوم (علیه السلام) فلماذا شارك بعض الصحابة من المهاجرين والأنصار في الحروب التي وقعت في زمان الخلفاء الثلاثة ضد الفرس والروم؟ وكيف قبل بعضهم كسلمان وعمّار الإمارة لبعض الخلفاء على بعض البلدان؟ ولو كان الأمر كما قرّر من اشتراط الإذن لما شارك هؤلاء في ذلك مع أنّ الأحكام لم تكن خافية آنذاك!
والجواب: أوّلاً: أنّ التتبع والتأمل في تاريخ الحروب الواقعة بين المسلمين وبين الفرس والروم يفيد أنّ لهذه الحروب مناشىء فليست هذه الحروب في بدايتها جهاداً ابتدائياً وإن انجرّت إليه.
وثانياً: لم ينقل في التاريخ مشاركة أمير المؤمنين (علیه السلام) بنفسه في هذه الحروب، وأمّا مشاركة كبار الصحابة وعيونهم أمثال سلمان والمقداد وأبي ذر وعمّار وأمثالهم في هذه الحروب فعلى فرض تحققها من بعضهم فليست إلاّ عن إذن الإمام (علیه السلام)، فما كان هؤلاء ليتصرفون إلاّ بأمره (علیه السلام) .
وثالثاً: احتمال أن تكون هذه الحروب كانت تحت نظر الإمام (علیه السلام) وبعد مشاورته، وقد ورد أنّ عمر شاور أمير المؤمنين (علیه السلام) وقد بشّره الإمام بالفتح، في كثير من الأمور حتى في تعيين مقدار الجزية، وقد عيّنها الإمام بنفسه ويؤيد ذلك ما رواه الصدوق في الخصال بإسناده عن محمد بن الحنفية وعن جابر الجعفي عن أبي جعفر (علیه السلام)، في حديث السبعة قال: أتى رأس اليهود، عليّ بن أبي طالب عند
ص: 59
منصرفه عن وقعة النهروان وهو جالس في مسجد الكوفة فقال: يا أمير المؤمنين إنّي أريد أن أسألك عن أشياء ... إلى أن قال (أمير المؤمنين): وأما الرابعة يا أخا اليهود فإنّ القائم بالأمر بعد صاحبه كان يشاورني في موارد الأمور فيصدرها عنأمري ويناظرني في غوامضها فيمضيها عن رأيي ...(1) ) فقد يقال: إنّ هذه الحروب كانت بإذن الإمام المعصوم، وهكذا بالنسبة إلى قبول الولاية على بعض البلدان .
ورابعاً: على فرض الإغماض عن جميع ذلك وإنّ الحروب لم تكن بإذنه (علیه السلام) إلاّ أنه بعد نشوب الحرب ووصول الأمر إلى مرحلة الخطر بحيث يهدّد الإسلام ففي هذه الحالة يتبدّل الموقف إلى الجهاد الدفاعي عن بيضة الإسلام، وحينئذ لا حاجة إلى الإذن وقد ذكر التاريخ أنّ الروم أرادوا الإغارة على بلاد الإسلام(2) فعلى فرض أنّه غير مشروع ابتداء إلاّ أنه واجب استدامة على جميع المسلمين لدفع الخطر عن الإسلام.
وبناء على هذا فلا يمكن الاستدلال بما وقع من حروب في زمان الخلفاء الثلاثة على مشروعية الجهاد الابتدائي من دون إذن المعصوم (علیه السلام) .
ثم إنّ كشف النقاب عن هذه الحقائق يحتاج إلى دراسة موسّعة وليس هذا المقام موضعها.
الأولى: هل يكفي إذن الفقيه الجامع للشرائط في شرعية الجهاد الابتدائي بدلاً عن الإمام(علیه السلام) أو نائبه الخاص أو لا؟
الذي يظهر من جماعة أنه لا يكفي وقد تقدمت كلمات عدة من الفقهاء،
ص: 60
وذهب صاحب الجواهر(1) إلى أنه لا يبعد الاكتفاء بإذن الفقيه والأمر يبتني على مسألة ثبوت الولاية للفقيه وحدودها فإذا ثبتت بحيث تشمل هذا المورد فهو وإلاّ فلا، وسيأتي البحث عن ذلك مفصّلاً في آخر الكتاب.
الثانية: إذا كان الجهاد مورداً للتقية بحيث خيف على النفس أو العرض أو المال، فهل يجب الجهاد والحضور والاشتراك أو لا؟ وجهان :
الأول: الوجوب وذلك لشمول الأدلة العامة الواردة في التقية لهذا المورد، إذ بمقتضى إطلاقها وأنّ التقية لكل ضرورة، وهذا المورد منها فهي شاملة له، مضافاً إلى ما ورد في المرابطة - كما سيأتي - من أنّها إذاكانت لتقيّة فهي جائزة، بل قد تجب وإذا انجرّت إلى القتال وجبت المقاتلة دفاعاً عن بيضة الإسلام أو عن النفس، فإذا كانت المرابطة جائزة وإن انجرّت إلى القتال فكذلك الجهاد الابتدائي عن تقية واجب وإن انجرّ إلى القتال جوازاً أو وجوباً دفاعاً عن بيضة الإسلام أو النفس، فما يقال في المرابطة عن تقيّة يقال في الجهاد الابتدائي عن تقية حرفاً بحرف .
الثاني: عدم الجواز وذلك لأنّ الأدلة العامة مقيّدة بما لم تبلغ الدم فإذا بلغت الدم فلا تقية، وهذا هو مفاد صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: إنما جعل التقية ليحقن بها الدم فإذا بلغ الدم فليس تقية(2) .
وهذه الصحيحه مقيدة لتلك الأدلة العامة ومقتضى حمل المطلق على المقيد أنّ الأدلّة العامة جارية في ما عدا هذا المورد.
وأمّا قياس الجهاد الابتدائي على المرابطة فهو في غير محلّه، وذلك لأنّ المرابطة إنّما شرعت للمحافظة على الثغور وأطراف البلاد الإسلامية، وليست
ص: 61
للمقاتلة، نعم قد تنجرّ إلى القتال ولكنه حينئذ يصبح قتالاً دفاعياً وهو واجب ولا حاجة فيه إلى الإذن، بخلاف القتال الابتدائي فإن القتال فيه مقصود بالذات، وأمّا القتال في المرابطة فهو عارض تبعي والفرق بينهما واضح فالحكم بالمساواة بينهما مشكل، نعم إذا تمكّن في الجهاد الابتدائي من الحضور من دون مقاتلة تعيّن ذلك إذ لا دم فيه، ومن جانب آخر حقن بحضوره دمه ودفع عن نفسه الخوف بالخروج، وأما مع عدم الإمكان إلاّ بالمقاتلة فالأمر مشكل .
الثالثة: تقدم أنّ الجهاد الابتدائي مشروط بإذن الإمام (علیه السلام) أو من نصبه، لكن في استدامته قد ينقلب إلى الوجوب من دون حاجة إلى الإذن، وذلك فيما إذا خيف على بيضة الإسلام أو بلاد المسلمين أو إضعاف شوكتهم فحينئذ يجب على جميع المسلمين وإن كان في بدايته ليس مشروعاً.
الرابعة: إنّ الخوف مسوغ للجهاد بمعنى أنه إذا خاف المسلمون على أنفسهم أو أعراضهم أو أموالهم، أو خافوا من سيطرة العدو على أراضيهم واستيلائه عليها وجب الجهاد حتى يرتفع الخوف عنهم ويطمئنوا على أرواحهم وأعراضهم وأموالهم، ولا حاجة حينئذ إلى الإذن وذلك لاندراج هذا الجهاد تحت الدفاع عن بيضة الإسلام.
وبهذا يتم الكلام عن القسم الأول من أقسام الجهاد.
ص: 62
وقد علم حكمه من مطاوي البحث المتقدم.
وهي حفظ ثغور بلاد الإسلام وحراستها عن هجوم العدو.
ولا إشكال في أنّ المرابطة أمر مرغوب فيه ومندوب إليه في نفسه، وله أجر عظيم، ومع ذلك هو من الواجبات الكفائية لأنّه دفاع عن الإسلام والمسلمين وصد للعدو عن الهجوم على بلادهم.
وإنّما وقع الكلام في أنّ وجوب المرابطة هل هو مشروط بإذن الإمام (علیه السلام) أو لا؟ وهنا اختلفت كلمات الأعلام فذهب جماعة - ولعله المشهور - إلى عدم الحاجة إلى إذن المعصوم(علیه السلام) بل ادّعى بعضهم عدم الخلاف فيه، واختاره العلامة في التذكرة(1) وابن إدريس في السرائر(2) وغيرهما .
وذهب الشيخ وغيره إلى احتياج المرابطة إلى الإذن من المعصوم (علیه السلام) (3) وقد تقدمت كلمات بعضهم في القسم الأول .
ومنشأ الاختلاف بين الفقهاء اختلاف الأخبار الواردة في المقام.
ولتحقيق المقام لابدّ من البحث حول مداليل الروايات الواردة فنقول:
إنّ الروايات الواردة في المرابطة على طوائف ثلاث:
الأولى: ما تدلّ على مشروعية المرابطة على نحو الإطلاق وهو الموافق لمقتضى الأصل لأنها تندرج تحت الدفاع وهو لا يحتاج إلى الإذن ومن ذلك:
صحيحة محمد بن مسلم، وزرارة عن أبي جعفر وأبي عبد الله (علیه السلام) قال:
ص: 63
الرباط ثلاثة أيام، وأكثره أربعون يوماً، فإذا كان ذلك فهو جهاد(1) .
وهذه الرواية وإن وردت في بيان فضل المرابطة وأنّها إذا بلغت أربعين يوماً أصبحت جهاداً إلاّ أنها مطلقة إذ لم يرد فيها احتياج المرابطة إلى إذن المعصوم، وفي معنى هذه الرواية وردت عدة روايات ذكرهاالمحدث النوري في المستدرك(2) إلاّ أنّ في أسنادها ضعفاً وإن كانت من حيث الدلالة تامة.
الطائفة الثانية: ما تدل على اشتراط المرابطة بإذن المعصوم (علیه السلام):
ومنها: معتبرة عبد الله بن سنان قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): جعلت فداك ما تقول في هؤلاء الذين يقتلون في هذه الثغور؟ قال: فقال: الويل يتعجلون قتلة في الدنيا وقتلة في الآخرة، والله ما الشهيد إلاّ شيعتنا ولو ماتوا على فرشهم(3) .
والرواية تتضمن السؤال عمن يقتل في الثغور فإن كان المراد من الثغور المرابطة فهو داخل في ما نحن فيه، وإن كان المراد هو الجهاد فقد تقدم الكلام فيه وعلى كلا التقديرين فالمستفاد من الرواية النهي المطلق لأنّه بغير إذن الإمام (علیه السلام)، ودلالتها على ذلك تامة وأما من جهة السند ففيها علي بن معبد وواصل وهما وإن لم يرد فيهما توثيق إلاّ أنهما واقعان في أسناد كتاب نوادر الحكمة(4) فيمكن الحكم بوثاقتهما ويكون سند الرواية معتبراً.
ومنها: صحيحة عبد الله بن المغيرة قال: قال محمد بن عبد الله للرضا (علیه السلام) وأنا أسمع: حدثني أبي عن أهل بيته عن آبائه أنه قال له بعضهم: إنّ في بلادنا
ص: 64
موضع رباط يقال له: قزوين وعدوّاً يقال له: الديلم فهل من جهاد أو هل من رباط؟ فقال: عليكم بهذا البيت فحجّوه، فأعاد عليه الحديث فقال: عليكم بهذا البيت فحجّوه أما يرضى أحدكم أن يكون في بيته ينفق على عياله من طوله ينتظر أمرنا، فإن أدركه كان كمن شهد مع رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بدراً، فإن مات ينتظر أمرنا كان كمن كان مع قائمنا صلوات الله عليه هكذا في فسطاطه، وجمع بين السبابتين، ولا أقول: هكذا وجمع بين السبابة والوسطى، فإنّ هذه أطول من هذه، فقال أبو الحسن (علیه السلام): صدق(1) .
وهذه الرواية وإن نقلناها في ما تقدم إلاّ أن موضع الشاهد هنا هو الرباط وفي ما تقدم هو الجهاد، ودلالة الرواية تامة فإنّ الإمام (علیه السلام) صدّقالمتحدث بما حدّث به، والمستفاد من ذلك اشتراط المرابطة بالإذن.
ومنها: معتبرة عبد الملك بن عمرو قال: قال لي أبو عبد الله (علیه السلام): يا عبد الملك مالي لا أراك تخرج إلى هذه المواضع التي يخرج إليها أهل بلادك؟ قال: قلت: وأين؟ قال: جدّة وعبادان والمصيصة وقزوين، فقلت: انتظاراً لأمركم والاقتداء بكم ...(2) الخ.
وهذه الرواية تقدمت أيضاً وموضع الشاهد منها في المقام قوله: قزوين فإنه موضع رباط بقرينة سائر الروايات كالرواية السابقة والآتية.
والمستفاد من هذه الرواية: أنّ الإمام (علیه السلام) أقرّ عبد الملك بن عمرو على عدم خروجه للمرابطة، وفي ذلك دلالة على عدم مشروعية المرابطة بدون إذن المعصوم.
الطائفة الثالثة: ما تدلّ على التفصيل في المقام ومن ذلك:
صحيحة يونس قال: سأل أبا الحسن (علیه السلام) رجل وأنا حاضر، فقلت له:
ص: 65
جعلت فداك إنّ رجلاً من مواليك بلغه أنّ رجلاً يعطي سيفاً وقوساً في سبيل الله فأتاه فأخذهما منه وهو جاهل بوجه السبيل، ثم لقيه أصحابه فأخبروه أنّ السبيل مع هؤلاء لا يجوز وأمروه بردهما، قال: فليفعل، قال: قد طلب الرجل فلم يجده وقيل له: قد قضى الرجل، قال: فليرابط ولا يقاتل، قال: مثل قزوين وعسقلان والديلم وما أشبه هذه الثغور؟ فقال: نعم، قال: فإن جاء العدو إلى الموضع الذي هو فيه مرابط كيف يصنع؟ قال: يقاتل عن بيضة الإسلام، قال: يجاهد؟ قال: لا، إلاّ أن يخاف على دار المسلمين، أرأيتك لو أنّ الروم دخلوا على المسلمين لم ينبغ لهم أن يمنعوهم؟! قال: يرابط ولا يقاتل، وإن خاف على بيضة الإسلام والمسلمين قاتل فيكون قتاله لنفسه ليس للسلطان لأنّ في دروس الإسلام دروس ذكر محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) (1) .
وقريب من هذه الرواية من حيث المضمون ما رواه محمد بن عيسى عن الرضا (علیه السلام) أنّ يونس سأله وهو حاضر عن رجل من هؤلاء مات وأوصى أن يدفع من ماله فرس وألف درهم وسيف لمن يرابط عنه ويقاتل في بعض هذه الثغور، فعمد الوصي فدفع ذلك كلّه إلى رجل من أصحابنا فأخذه منه وهو لا يعلم، ثم علم أنّه لم يأن لذلك وقت بعد، فما تقول يحلّ له أن يرابط عن الرجل في بعض هذه الثغور أم لا؟ فقال: يردّإلى الوصي ما أخذ منه ولا يرابط فإنّه لم يأن لذلك وقت بعد. فقال: يرده عليه؟ فقال يونس: فإنّه لا يعرف الوصي قال: يسأل عنه فقال له يونس بن عبد الرحمن: فقد سأل عنه فلم يقع عليه كيف يصنع؟ فقال: إن كان هكذا فليرابط ولا يقاتل، قال: فإنّه مرابط فجاءه العدو حتى كاد أن يدخل عليه كيف يصنع يقاتل أم لا؟ فقال له الرضا (علیه السلام): إذا كان ذلك كذلك فلا يقاتل عن هؤلاء ولكن يقاتل عن بيضة الإسلام، فإنّ في ذهاب بيضة الإسلام دروس
ص: 66
ذكر محمد (صلی الله علیه و آله و سلم)، فقال له يونس: يا سيدي فإنّ عمك زيداً قد خرج بالبصرة وهو يطلبني ولا آمنه على نفسي فما ترى لي أخرج إلى البصرة أو أخرج إلى الكوفة؟ فقال: بل أخرج إلى الكوفة فإذا مرّ فصر إلى البصرة(1) .
وبهذه الطائفة يمكن الجمع بين الطائفتين السابقتين. وبيان ذلك: أنّ الإمام(علیه السلام) وإن حكم برد المال إلى صاحبه ولم يجوّز المرابطة حيث قال في الرواية الأولى: فليفعل أي ليرد السيف والقوس إلى صاحبهما، وقال في الرواية الثانية: يردّ إلى الوصي ما أخذ منه ولا يرابط فإنّه لم يأن لذلك وقت بعد، إلاّ أنّه بعد التأمل في كلتا الروايتين يعلم أنّ السؤال عن المرابطة المقرونة بالقتال بدليل قوله: يعطي سيفاً وقوساً في سبيل الله بل صرّح به في الرواية الثانية حيث قال: وأوصى أن يدفع من ماله فرس وألف درهم وسيف لمن يرابط عنه ويقاتل في بعض هذه الثغور.
وهذا هو الذي حكم الإمام (علیه السلام) بعدم جوازه لأنه لم يأن لذلك وقت بعد، ولابد حينئذ من رد المال إلى صاحبه وحيث تعذر الظفر بصاحبه أو الوصي حكم الإمام بالمرابطة دون القتال إذ هو أقرب الوجوه لإنفاذ وصية الموصي .
ومن ذلك يعلم أنّ المرابطة على نحوين:
الأول: ما تكون مقرونة بالقتال وهي المتعارفة عندهم، وهذه هي التي نهى عنها الإمام(علیه السلام) إذ لم يأن وقتها بعد.
الثاني: ما تكون مجردة عن القتال وهذه قد أجازها الإمام (علیه السلام) .
نعم، إذا انجرّت المرابطة إلى القتال وخيف على بيضة الإسلام ومداهمة العدو بلاد المسلمين فحينئذ يجب القتال، ولكن لا عن هؤلاء بل دفاعاً عن الإسلام وهذا أمر آخر غير ما نحن فيه وقد تقدم الكلام حوله.
والمستفاد من الروايتين: أنّ المرابطة في نفسها مشروعة، وأمّا مع القتال كما هي المتعارفة عندهم فليست بجائزة، وأمّا حمل كلام الإمام (علیه السلام) على الإذن في
ص: 67
خصوص هذا الشخص فهو بعيد فإنّ الإمام (علیه السلام) ليس في مقام الإنشاء بل في مقام بيان الحكم، وقد فرّق (علیه السلام) بين الرباط مع القتال وبين الرباط بدونه فأجاز في الثاني دون الأول.
ولم نقف على من فصّل هذا التفصيل في كلمات الفقهاء.
ويؤيده: ما ورد في الصحيفة السجادية(1) من دعاء الإمام زين العابدين (علیه السلام) لأهل الثغور وقد طلب لهم التأييد والحماية، وسأل الله تعالى لهم النصر وفي الدعاء ما يشعر بأنه يقصد ثغور البلاد الإسلامية في زمانه (علیه السلام) .
والحاصل: أنّ المرابطة في نفسها جائزة بل مندوبة ولا تحتاج إلى إذن المعصوم(علیه السلام).
الأولى: تقدم أنّ الرباط المتعارف عند العامة وهو المقرون بالمقاتلة غير جائز، فإذا وقع ذلك مورداً للتقية فهل يجب الحضور أو لا؟
فيه تفصيل وذلك: إذا أمكن الحضور لمجرد الرباط فقط وجب الحضور لأنّه مشروع في نفسه، والأدلّة العامة على التقية تشمله ولا إشكال في الوجوب، وأما إذا لم يمكنه ذلك فإمّا أن يعلم بوقوع القتال وإمّا أن لا يعلم، فإن لم يعلم بوقوع القتال فحضوره لا إشكال فيه، وعلى فرض حصول القتال في هذه الصورة يكون القتال دفاعياً كما تقدم، وأمّا إذا علم بوقوع القتال فالأمر في هذه الصورة مشكل، والكلام فيها هو عين الكلام المتقدم في الوجه الثاني من المسألة الثانية في البحث حول الجهاد الابتدائي.
ص: 68
الثانية: إذا أخذ مالاً للمرابطة بالوصية أو بالإجارة فتارة يكون المعطي قاصداً للرباط المشروع ولا إشكال في صحة المعاملة سواء كانت لازمة أو جائزة، وأخرى يكون قاصداً للرباط غير المشروع فالمعاملة حينئذ باطلة، ولابد من ردّ المال إلى صاحبه. فإن وجد صاحبهفهو وإن لم يوجد - كما في الرواية المتقدمة - فيصرف المال في أقرب الوجوه، وهو الرباط المشروع بمقتضى نص الروايتين السابقتين.
الثالثة: إذا نذر أن يرابط بنفسه فهل يجب الوفاء أم لا؟ قولان: ذهب جماعة إلى وجوب الوفاء كما في الجواهر(1) وصرّح به غير واحد بل ادّعى عدم الخلاف المعتد به فيه، وفي السرائر(2) ما يشعر بدعوى الإجماع عليه.
وذهب آخرون إلى عدم الوجوب بل عدم الجواز ولا ينعقد النذر كما عليه الشيخ(3) .
والظاهر ممّا تقدم من الجمع بين الروايات هو التفصيل فإنّه إن كان المراد هو المرابطة المشروعة وجب الوفاء، وأمّا إذا كان المراد هو المرابطة المتعارفة عند العامة فلا ينعقد النذر، وبهذا يمكن الجمع بين القولين، نعم إذا علم المخالفون بنذره وخاف الشنعة احتمل الحضور كما سيأتي.
الرابعة: إذا نذر مالاً ليصرف في المرابطة فهل يجب الوفاء به أم لا؟
اختلفت كلمات الفقهاء فذهب الأكثر إلى وجوب الوفاء بل في التذكرة: لو نذر أن يصرف شيئاً من ماله إلى المرابطين وجب الوفاء به إجماعاً سواء كان الإمام ظاهراً أو مستتراً(4) .
ص: 69
وذهب جماعة منهم الشيخ إلى حرمة صرفه فيهم ولابدّ من صرفه في وجوه البرّ إلاّ مع التقية وخوف الشنعة(1)، واستدل على ذلك بصحيحة علي بن مهزيار قال: كتب رجل من بني هاشم إلى أبي جعفر الثاني (علیه السلام): إنّي كنت نذرت نذراً منذ سنين أن أخرج إلى ساحل من سواحل البحر إلى ناحيتنا مما يرابط فيه المتطوعة نحو مرابطتهم بجدّة وغيرها من سواحل البحر أفترى جعلت فداك أنه يلزمني
الوفاء به أو لا يلزمني أو أفتدي الخروج إلى ذلك بشيء من أبواب البر لأصير إليه إن شاء الله؟ فكتب إليه بخطه وقرأته: إن كان سمع منك نذرك أحد من المخالفين فالوفاء به إن كنت تخاف شنعته وإلاّ فاصرف ما نويت من ذلك في أبواب البر وفقنا اللهوإيّاك لما يحبّ ويرضى(2)، وفي رواية الوافي «فاصرف ما نويت من نفقة ذلك في أبواب البر» (3) .
وظاهر الرواية يدل على أنه إذا نذر شيئاً للمرابطين فلا يجب الوفاء به، وإنّما يصرف ما نذره في وجوه البرّ إلاّ في صورة سماع أحد من المخالفين وخوف الشنعة منه، غير أنّ هذه الرواية وإن ذكروها في نذر المال، بل في الجواهر(4) لم يحتمل غيره، وجعلوها دليلاً للشيخ(5) إلاّ أن الأكثر أعرض عنها وحملها بعضهم على الاستحباب.
وقد يقال: إنّ في الرواية احتمالاً آخر غير ما ذكروه، وهو أنّ المفهوم من قوله: إنّي نذرت نذراً من سنين أن أخرج إلى ساحل من سواحل البحر، أنّ المقصود هو أن يخرج بنفسه لا أن يخرج شيئاً من ماله وحكمه الأوّلي هو عدم
ص: 70
الوجوب ووظيفته حينئذ أن يفتدي خروجه بشيء من ماله في أبواب البرّ، وإذا سمع به أحد المخالفين وخاف الشنعة وجب عليه الخروج.
ولكن قد يورد عليه بأنّ هذا مخالف لمقتضى القاعدة لأنّه إن كان الخروج واجباً وجب الخروج بنفسه وإلاّ فلا معنى للافتداء.
ويوجّه ذلك: بأنّه نذر نذراً مشروعاً ولكنه يعلم بأنّه لا يتحقق منه إلاّ مع القتال وحينئذ يلزمه الافتداء وهذا هو الموافق لمقتضى القاعدة.
وأمّا الاحتمال الآخر وهو أنّ المقصود هو إخراج شيء من ماله لا خروجه بنفسه فالسؤال هو عن مصرف المال هل هو المرابطة أو وجوه البرّ؟ والنذر صحيح إلاّ أنه لا يمكن تحقيقه فيتخلص بهذا الوجه.
ويمكن تأييد هذا الاحتمال بأمرين:
الأول: قوله: نحو مرابطتهم بجدّة وغيرها فإنّه لو لم يكن المقصود هو المال لكان قوله ذلك لغواً لا حاجة له وكان عليه أن يقول أخرج إلى أحد هذه المرابط مثلاً.
الثاني: أنّ جواب الإمام (علیه السلام) وقوله: «إن كان سمع منك نذرك ... وإلاّ فاصرف ما نويت من ذلك في أبواب البر ...» ظاهر في أنّ السؤال عن المال وكيفية مصرفه فيكون المنذور به هو المال، ولعلّ جعلهم الروايةفي نذر المال من جهة ظهور ذيلها في ذلك.
ثم إنّا وإن ذكرنا احتمالاً آخر وهو وارد في المقام إلاّ أنه لا يبعد ظهور الرواية في نذر المال وهو المعنى الثاني.
وهذه الرواية كما ذكرنا يمكن تطبيقها على القاعدة ويتصور في المال المنذور عدة صور، فتارة يكون قصد الناذر أن يصرف المال في المرابطة المشروعة، وأخرى في المرابطة المتعارفة عندهم، وفي الصورة الثانية لا يصح إلاّ مع التقية، وفي الصورة الأولى يكون نذره شرعياً ولابد من صرفه فيها.
ص: 71
وأما في حالة فقدان من يقوم بالمرابطة الشرعية فلابد حينئذ من صرف المال في وجوه البر.
هذا إذا لم يسمع أحد من المخالفين ممن تخاف شنعته، وأما مع ذلك فيجب إرسال المال للمرابطين - عملاً بمقتضى التقية - ويكون ذلك وفاء منه بنذره نظير ما تقدم في الزكاة من أنّه إذا أخذها السلطان كانت مجزية ويسقط الوجوب.
والحاصل: أنّ الرواية ليست مخالفة لمقتضى القاعدة ولا إشكال في الالتزام بها.
الخامسة: المشهور وجوب الهجرة عن بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام والإيمان إذا لم يمكن الإتيان بالوظيفة الدينية كما في المنهاج(1)، أو إذا لم يمكن إظهار شعائر الإسلام كالأذان والصوم والصلاة ونحوها كما في الشرائع(2)، وادعي عليه عدم الخلاف كما في الجواهر(3) .
واستدل على ذلك بالكتاب والسنة، أمّا الكتاب فيدلّ عليه غير واحدة من الآيات الشريفة منها قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً * إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً * فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللهُ عَفُوّاً غَفُوراً»(4).ومنها: قوله تعالى: «يَا عِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ»(5).
ومنها: قوله تعالى: «وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ
ص: 72
ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً»(1) والمهاجر كما ينطبق على المجاهد في سبيل الله لطلب علم أو رزق أو قتال عدو كما نطقت بذلك بعض الروايات، كذلك ينطبق على من ترك بلاد الكفر حفاظاً على دينه.
ومنها: قوله تعالى: «وَالَّذِينَ
هَاجَرُوا فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ»(2) وغيرها من الآيات.
وأما السنة فقد استدل بعدة روايات :
منها: معتبرة منصور بن حازم عن أبي عبد الله الصادق عن أبيه عن آبائه (علیهم السلام) قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): ولا تعرّب بعد الهجرة ولا هجرة بعد الفتح(3) .
والتعرّب كما في مجمع البحرين(4) هو الالتحاق ببلاد الكفر والإقامة بها بعد المهاجرة عنها إلى بلاد الإسلام، وقيل: هو التخلّق بأخلاق العرب والإقامة بالبادية، والأول هو الموافق لما ورد في كثير من الروايات الواردة في تعداد الكبائر وإنّ منها التعرّب بعد الهجرة، وسيأتي أنّ له معنى آخر يستفاد من الروايات.
والمستفاد من الرواية: عدم جواز الالتحاق ببلاد الكفر والهجرة عن بلاد الإسلام.
ومنها: معتبرة السكوني عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: بعث رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) جيشاً إلى خثعم فلما غشيهم استعصموا بالسجود فقتل بعضهم، فبلغ ذلك النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فقال: اعطوا الورثة نصف العقل بصلاتهم وقال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): ألا إنّي بريء
ص: 73
من كل مسلم ترك مع مشرك في دار الحرب(1).
وفي نسخة جامع أحاديث الشيعة «ألا إنّي بريء من كل مسلم نزل مع مشرك في دار الحرب» (2) وهي الأظهر ولعل في نسخة الوسائل تصحيفاً.
وموضع الشاهد قوله -: ألا إني بريء ... الخ فإنّه يدل على عدم جواز البقاء في دار الشرك.
ومنها: معتبرة حذيفة بن منصور قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: المتعرّب بعد الهجرة التارك لهذا الأمر بعد معرفته(3) .
ويحتمل أنّ المراد من الرواية هو أمر الولاية والإمامة بقرينة الإشارة وهو قوله (علیه السلام): «لهذا الأمر» فتكون الرواية حينئذ أخص من المدعى.
ومنها: رواية محمد بن سنان أنّ أبا الحسن الرضا (علیه السلام) كتب إليه فيما كتب من جواب مسائله: وحرم الله التعرّب بعد الهجرة للرجوع عن الدين وترك الموازرة للأنبياء والحجج (علیهم السلام)، وما في ذلك من الفساد وإبطال حق كل ذي حق لعلّة سكنى البدو، ولذلك لو عرف الرجل الدين كاملاً لم يجز له مساكنة أهل الجهل والخوف عليه لأنّه لا يؤمن أن يقع منه ترك العلم والدخول مع أهل الجهل والتمادي في ذلك(4) .
وفي نسخة جامع أحاديث الشيعة «لا لعلة سكنى البدو» (5) .
ودلالة الرواية واضحة كما أنّ سندها تام، فإنّ محمد بن سنان وإن وقع الخلاف في وثاقته إلاّ أنّا ذكرنا غير مرة إمكان الاعتماد على روايته وقد حققنا
ص: 74
ذلك في محله(1)، مضافاً إلى أنّ مسائل محمد بن سنان من الكتب المعروفة المشهورة بشهادة النجاشي(2) ولا تحتاج إلى الطريق، وعليه فلا إشكال في الرواية سنداً ودلالة.
ومنها: رواية جميل بن دراج عن بعض أصحابنا، عن أحدهما (علیه السلام) أنهقال: في اليهودي والنصراني والمجوسي إذا اسلمت امرأته ولم يسلم، قال: هما على نكاحهما ولا يفرّق بينهما ولا يترك أن يخرج بها من دار الإسلام إلى الهجرة(3) .
ومحل الشاهد قوله: «ولا يترك أن يخرج بها من دار الإسلام إلى الهجرة» وهو يدل بظاهره على عدم الجواز. وأمّا التفريق بينهما وعدمه فهو محل خلاف بين الفقهاء، فقيل: يفرق بينهما وقيل: لا يفرق وقيل: لا يفرق على نحو البينونة وتحقيق المسألة موكول إلى محلّه.
وأما الرواية من حيث السند فهي ضعيفة بالإرسال.
ومثلها رواية محمد بن مسلم عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: إنّ أهل الكتاب وجميع من له ذمّة إذا أسلم أحد الزوجين فهما على نكاحهما، وليس له أن يخرجها من دار الإسلام إلى غيرها، ولا يبيت معها ولكنه يأتيها بالنهار، وأمّا المشركون مثل مشركي العرب وغيرهم فهم على نكاحهم إلى انقضاء العدة فإن أسلمت المرأة ثم أسلم الرجل قبل انقضاء عدتها فهي امرأته وإن لم يسلم إلاّ بعد انقضاء العدة فقد بانت منه ولا سبيل له عليها(4) . الحديث.
وموضع الشاهد من هذه الرواية قوله: «وليس له أن يخرجها من دار الإسلام إلى غيرها» وهذا هو مفاد الرواية السابقة كما أنّ الإشكال من حيث
ص: 75
السند هو عين الإشكال فإنّ سند الرواية فيه إرسال فتكونان مؤيدتين.
ومنها: صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: لا يتزوج الأعرابي بالمهاجرة فيخرجها من دار الهجرة إلى الأعراب(1) .
وصحيحة حماد عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: لا يصلح للأعرابي أن ينكح المهاجرة فيخرج بها من أرض الهجرة فيتعرّب بها إلاّ أن يكون قد عرف السنة والحجة، فإن أقام بها في أرض الهجرة فهو مهاجر(2) .
والمستفاد من هاتين الروايتين أنّ التعرّب وهو الانتقال من دار الإسلام إلى دار الشرك ليس فيه خصوصية فإنّ المناط هو عدم معرفة الأحكام ومعرفة الحجة، فالمكان الذي لا يعرف فيه ذلك لا تجوز الهجرةإليه، وهذا هو المعنى الآخر للتعرب والذي قلنا إنه يستفاد من الروايات، ويدل على هذا المعنى أيضاً ما تقدم من رواية محمد بن سنان فقد ورد فيها: وحرّم الله التعرّب بعد الهجرة للرجوع عن الدين وترك الموازرة للأنبياء والحجج (علیهم السلام) إلى قوله: لأنّه لا يؤمن أن يقع منه ترك العلم والدخول مع أهل الجهل والتمادي في ذلك.
ومنها: موثقة مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: إنّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) كان إذا بعث أميراً له على سرية أمره بتقوى الله عزوجل في خاصّة نفسه، ثم في أصحابه عامة، ثم يقول: اغز بسم الله وفي سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، ولا تغلوا ولا تمثّلوا ولا تقتلوا وليداً ولا مبتّلاً في شاهق، ولا تحرقوا النخل ولا تغرقوه بالماء، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تحرقوا زرعاً لأنّكم لا تدرون لعلكم تحتاجون إليه، ولا تعقروا من البهائم، يؤكل لحمه إلاّ ما لابد لكم من أكله، وإذا لقيتم عدواً للمسلمين فادعوهم إلى إحدى ثلاث فإن هم أجابوكم إليها فاقبلوا
ص: 76
منهم وكفوا عنهم: ادعوهم إلى الإسلام فإن دخلوا فيه فاقبلوا منهم وكفّوا عنهم وادعوهم إلى الهجرة بعد الإسلام فإن فعلوا فاقبلوا منهم وكفّوا عنهم، وإن أبوا أن يهاجروا واختاروا ديارهم وأبوا أن يدخلوا في دار الهجرة كانوا بمنزلة أعراب المؤمنين يجري عليهم ما يجري على أعراب المؤمنين، ولا يجري لهم في الفيء ولا في القسمة شيئاً إلاّ أن يهاجروا (يجاهدوا) في سبيل الله، فإن أبوا هاتين فادعوهم إلى إعطاء الجزية عن يد وهم صاغرون، فإن أعطوا الجزية فاقبل منهم وكفّ عنهم، وإن أبوا فاستعن بالله عزوجل وجاهدهم في الله حق جهاده، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك على أن ينزلوا على حكم الله عزوجل فلا تنزل بهم (لهم) ولكن أنزلهم على حكمكم ثم اقض فيهم بعد ما شئتم، فإنّكم إن أنزلتموهم على حكم الله لم تدروا تصيبوا حكم الله فيهم أم لا، وإذا حاصرتم أهل حصن فإن آذنوك على أن تنزلهم على ذمة الله وذمة رسوله فلا تنزلهم، ولكن أنزلهم على ذممكم وذمم آبائكم وإخوانكم، فإنكم إن تخفروا ذممكم وذمم آبائكم وإخوانكم كان أيسر عليكم يوم القيامة من أن تخفروا ذمّة الله وذمّة رسوله (صلی الله علیه و آله و سلم) (1) .
وموضع الشاهد من هذه الرواية قوله (صلی الله علیه و آله و سلم): وادعوهم إلى الهجرة بعد الإسلام ... وإن أبو أن يهاجروا واختاروا ديارهم وأبوا أن يدخلوا في دارالهجرة كانوا بمنزلة أعراب المؤمنين.
وفي هذا دلالة على أنّ المناط في التعرب هو عدم معرفة السنّة والحجّة كما تقدم في الرواية السابقة فلا خصوصية للانتقال من بلد إلى آخر، وطلب الهجرة من هؤلاء إنّما هو لأجل التعلم والمعرفة، وإلاّ فهو بمنزلة أعراب المؤمنين.
وقد أوردنا الرواية بطولها لما تضمنته من الآداب الإسلامية في الحرب وقتال العدو وبيان بعض السنن في الدعوة إلى الإسلام، وفي ذلك ردّ على من يتهم
ص: 77
الإسلام زوراً وبهتاناً أنه دين السيف وسفك الدماء، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك.
والحاصل: أنّه لا يجوز الانتقال إلى مكان بحيث لا يتمكن من معرفة الأحكام سواء كانت بلاد شرك أو غيرها، نعم بلاد الشرك أولى وإلاّ فكل بلد لا يعرف فيه الإيمان ولا يمكن معرفة الأحكام لا تجوز الهجرة إليها فإنّ ذلك من الكبائر، وهذا هو معنى التعرّب بعد الهجرة.
وهذه مسألة ابتلائية مهمة ولا سيما في زماننا حيث سهولة الانتقال من بلد إلى آخر والتوطن بها، ولذا ينبغي التحقيق حولها لمعرفة الوظيفة الدينية فيها حيث لم يتعرض لها كثير من الفقهاء بشكل مفصّل، وإنما ذكروها على نحو الإجمال ونظراً لأهميتها فلابد من تفصيل القول فيها، وتحقيقاً للمقام وما يستفاد من الروايات نقول:
إنّ الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام على أنحاء، وقد قسمها صاحب الجواهر(1) تبعاً للمنتهى(2) إلى ثلاثة أقسام واجبة ومستحبة ومباحة.
أمّا الهجرة الواجبة فهي فيما إذا أسلم الإنسان في بلاد الشرك ولم يتمكن من الإتيان بوظيفته الدينية أو إظهار شعائر الإسلام من الأذان والصلاة والصوم ونحو ذلك.
وأمّا الهجرة المستحبة فهي فيما إذا كان المسلم يتمكن من الإتيان بوظيفته الدينية وإظهار شعائر الإسلام في بلاد الشرك كما إذا كان له قوة توفر له الأمن والحماية، بحيث يتمكن من أداء وظيفته، ومع ذلك يستحب له الهجرة لأنّ في البقاء معهم تكثيراً لسوادهم وموجباً لمعاشرتهم والاختلاط بهم، وذلك وإن كان لا إشكال فيه إلاّ أنّ الأولى تركه لما فيهمن احتمال تقوية جانبهم.
ص: 78
وأمّا الهجرة المباحة فهي فيما إذا كان المسلم لا يتمكن من الهجرة لسبب من الأسباب كالمرض ونحوه.
هذا وقد ألحق بذلك كما عن الشهيد(1) بلاد المخالفين بل بلاد الظلمة، فلا تجوز الهجرة إليها والإقامة بها، ولكن المستفاد من الروايات أنّ الأقسام أكثر ممّا ذكر ويتبين ذلك من خلال الفروع التالية:
الأول: لا يجوز التعرب بعد الهجرة بمعنى الانتقال إلى مكان لا تعرف فيه السنة والحجّة، ولا فرق بين بلاد الشرك وغيرها، وذلك هو مفاد بعض الروايات المتقدمة.
الثاني: مقتضى الأدلة الخاصة المتقدمة كقوله (صلی الله علیه و آله و سلم): «ألا إني بريء من كل مسلم نزل مع مشرك في دار الحرب»(2) عدم جواز الهجرة إلى بلاد الكفر وتحرم السكنى فيها، مضافاً إلى أنّ ذلك هو مقتضى الأولوية.
الثالث: شرط الحرمة في الموردين المتقدمين هو عدم التمكن من الإتيان بالوظيفة الدينية كما أفاده السيد الأستاذ في المنهاج(3)، لا كما أفاده صاحب الجواهر(4) من عدم إمكان إظهار شعائر الإسلام من الأذان والصوم والصلاة ونحو ذلك، ولا كما هو مدلول معتبرة محمد بن سنان(5) من الخوف في الوقوع في ذلك.
وذلك: أمّا ما أفاده السيد الأستاذ (قدس سره) فهو الظاهر من الأدلة، فإنّ قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ...»(6) يفيد أنّ ظلمهم
ص: 79
لأنفسهم إنما هو لعدم إتيانهم بوظيفتهم الدينية ووقوعهم في المعصية، إذ أنّ أظهر مصاديق ظلم النفس هو ترك الواجبات الشرعية وارتكاب المحرمات، وأمّا ما زاد على ذلك من إعلان الشعائر وإظهارها أو من الخوف من الوقوع في ذلك فيحتاج إلى دليل صريح، مضافاً إلى أنّ القدر المتيقن هو عدم القدرة على الإتيان بالوظيفة، وما زاد مشكوك فيه فيكون مجرى البراءة، وبناء على ذلك فالمناط هو عدم التمكن من الإتيانبالوظيفة وأما إذا أمكنه ذلك فالبقاء جائز.
وأمّا ما أفاده صاحب الجواهر (قدس سره) من أنّ المناط هو عدم التمكن من إعلان شعائر الإسلام من الأذان والصلاة والصوم بدعوى أنّ الإتيان بالوظيفة مطلقاً لا يسوغ البقاء في دار الكفر، والتقية إنما شرعت مع المخالفين لا مع الكفار.
ففيه أولاً: إنّ هذا خلاف ظاهر الأدلة.
وثانياً: إنه تكليف زائد مشكوك فيه فينفى بالأصل.
وثالثاً: إن أدلة التقية عامة ولا فرق فيها بين المخالفين وغيرهم.
وأما ما دلت عليه معتبرة محمد بن سنان بدعوى أنها تدلّ على أنّ مجرد الخوف يكفي في حرمة البقاء في بلاد الشرك.
ففيه: أنّ ذلك غير تام إذ لعلّ المراد هو بيان الحكمة لا الملاك.
والحاصل: أنّ القدر المتيقن هو ما ذكرنا، وما زاد عليه لا دخل له سواء كان عدم الإظهار للشعائر أو للخوف، وإن كان الأحوط ترك البقاء في كلتا الحالتين.
الرابع: يستثنى من الحكم بالحرمة ما استثنته الآية الكريمة وهم المستضعفون من الرجال والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً، ويلحق بهم من اضطر إلى البقاء كالمرضى والمقعدين ونحوهم، فلا يحرم عليهم البقاء.
الخامس: إذا كانت الهجرة لبلاد الكفر لغرض الدعوة إلى الإيمان وكان ذلك
ص: 80
ممكناً في حق المهاجر فلا يكون مشمولاً للحكم بالحرمة، ويدل على ذلك ما رواه حمّاد السمندي (السمندري) قال: قلت لأبي عبد الله جعفر بن محمد (علیه السلام): إني أدخل بلاد الشرك، وإنّ من عندنا يقولون: إن مت ثم حشرت معهم، قال: فقال لي: يا حمّاد إذا كنت ثم تذكر أمرنا وتدعو إليه؟ قال: قلت: نعم، قال: فإذا كنت في هذه المدن مدن الإسلام تذكر أمرنا وتدعو إليه؟ قال: قلت: لا، فقال لي: إنّك إن تمت ثم تحشر أمة وحدك ويسعى نورك بين يديك(1) .
ويستفاد من هذه الرواية أنّ البقاء في دار الكفر قد يكون أصلح من البقاء في دار الإسلام، وإذا كان البقاء لغرض الدعوة إلى الإيمان فلا إشكال فيه بل قد يكون مستحباً.وأما سند الرواية فهو وإن كان فيه شخصان لم يرد فيهما توثيق، وهما شريف بن سابق وحماد السمندي (السمندري) فهي ضعيفة من هذه الجهة إلاّ أنها في دلالتها موافقة لمقتضى القاعدة فإنّ الغرض من الهجرة ليس هو للسكنى في نفسها والإقامة لمجرّدها بل للدعوة إلى الدين، فيكون المورد مشمولاً لآية النفر(2) ونحوها.
السادس: إنّ هذا الحكم باق ومستمر لا ينقطع وليس مختصاً بزمان دون زمان، بل ورد في بعض الروايات: إنّ بقاءه إلى زمان ظهور الحجة (عج الله تعالی فرجه الشریف).
فما ورد من قوله (صلی الله علیه و آله و سلم) في حديث: «ولا تعرّب بعد الهجرة ولا هجرة بعد الفتح» (3) فهو مضافاً إلى أنه معارض بالخبر الآخر: «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها» (4) محمول على ظرفه أي
ص: 81
أنّ إطلاق لفظ المهاجر يختص بمن هاجر من مكة إلى المدينة قبل الفتح، ولذا صار لفظ المهاجرين علماً على كل من هاجر في تلك الفترة من مكة إلى المدينة، ولا يشمل مطلق المهاجر، فالقول بانقطاع الهجرة كما عن العامة في غير محله.
السابع: من اضطر إلى البقاء تقية في بلاد الكفر وجب عليه البقاء وذلك لشمول أدلّة التقية لهذا المورد، وهذا ممّا لا إشكال فيه.
والمتحصل من ذلك: أنّ أقسام الهجرة خمسة، وبعبارة أخرى أنّ: الباقين في دار الكفر أو البلاد التي لا تعرف فيها السنة والحجة على خمسة أصناف وهي الثلاثة التي ذكرها صاحب الجواهر بإضافة صنفين آخرين وهما البقاء للدعوة إلى الإيمان والبقاء للتقية، وفي كلام صاحب الجواهر ما يشعر بأول هذين الصنفين فإنه قال في ذيل القسم الثاني - وهو استحباب الهجرة-: «إلاّ أن يكون في بقائه مصلحة للدين»(1) وهو شامل لمن كان غرضه من الهجرة الدعوة إلى الإيمان.
وهو محل وفاق عند الخاصة والعامة وقد ادّعي الإجماع عليه بكلا قسميه(2)، بل المحكي منهما مستفيض كالنصوص، كما في الجواهر(3) ودل عليه أيضاً الكتاب والسنة المستفيضة كما سيأتي.
والبغي لغة: الفساد وأصل البغي الحسد ثم سمي الظالم بغياً لأن الحاسد ظالم(4)، والبغي أيضاً: مجاوزة الحد والمقدار، والتعدي والاستطالة وطلب الشيء(5)، وأمّا
ص: 82
في اصطلاح المتشرّعة فهو: الخروج عن طاعة الإمام العادل المعصوم المفترض الطاعة(1) .
واستدلّ عليه من الكتاب العزيز بقوله تعالى: «وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ»(2).
وقد قيل - كما في الجواهر(3) - : إنّ المستفاد من الآية الشريفة خمسة أمور:
الأول: أنّ الباغي مؤمن ولا يخرج ببغيه عن الإيمان، وهذا المعنى لا يوافق ما عليه الخاصة فإنّ الباغي كافر، وعليه فلابدّ أن يكون إطلاق الإيمان عليه إما على نحو المجاز وإما على حسب معتقد العامة.
الثاني: وجوب قتالهم لصريح قوله تعالى: «فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي» وهذا المعنى موافق لأصول المذهب عند الخاصة.
الثالث: أن القتال مغيّا بالفيء أي الرجوع إلى أمر الله لصريح قوله تعالى: «حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ »وهذا أيضاً موافق لأصول مذهب الخاصة، فلا يجوز قتالهم بعد فيئهم إلى أمر الله.
الرابع: عدم إرجاع شيء إليهم مما يغنم من أموالهم أو يسبى ويسترق من أنفسهم لإطلاق الآية الشريفة، وعدم ذكر شيء من ذلك فيها، وهذا لا يوافق ما عليه الخاصة، ولما فعله أمير المؤمنين (علیه السلام) مع أهل الجمل.
الخامس: أنّ هذا الحكم جار في كل من منع حقاً طولب به ولم يفعل، ولا يختصّ هذا بالخارج على الإمام (علیه السلام)، وهذا أيضاً لا يوافق ما عليه الخاصة، فإنّ
ص: 83
أحكام البغي تختص بالخارج على الإمام (علیه السلام) وتعدية الحكم إلى غيره تحتاج إلى دليل آخر.
والتحقيق: أنّ الظاهر من الآية الشريفة هو الإطلاق فإن ثبت المقيد لها من الروايات بالباغي على الإمام (علیه السلام) فما أفاده صاحب الجواهر تام، وأما إذا لم يثبت المقيد فالآية على إطلاقها وهي شاملة للخارج على الإمام (علیه السلام) وغيره، نعم هو أظهر مصاديق البغي فإن الخروج على الإمام (علیه السلام) بغي بلا إشكال، وأما الخروج على غيره فلا يعلم أنه بغي أو لا، ولابدّ من إحراز الباغي منهما، ومع إحرازه يكون مشمولاً للآية ويجب قتال الباغي - بعد عدم إمكان الصلح - مطلقاً أي سواء كان النزاع في الأمور الشخصية أو العامة أو الدينية.
والحاصل: أنّ للآية مصداقين أحدهما أظهر من الآخر إلاّ أن يثبت المقيد:
والأول: هو الخارج على الإمام (علیه السلام)، ولا إشكال في وجوب قتاله كما تقدم، ويدل عليه كثير من الروايات منها: معتبرة حفص بن غياث المتقدمة عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: سأل رجل أبي (علیه السلام) عن حرب أمير المؤمنين (علیه السلام)، وكان السائل من محبينا، فقال له أبو جعفر (علیه السلام): بعث الله محمداً (صلی الله علیه و آله و سلم) بخمسة أسياف ... وأما السيف المكفوف فسيف على أهل البغي والتأويل قال الله عزوجل: «وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ»(1) فلما نزلت هذه الآية قال رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم): إنّ منكم من يقاتل بعدي على التأويل كما قاتلت على التنزيل، فسئل النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من هو؟ فقال: خاصف النعل يعني أمير المؤمنين (علیه السلام) فقال عمار بن ياسر: قاتلت بهذه الراية مع رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ثلاثاً وهذه الرابعة، والله لو ضربونا حتى يبلغونا المسعفات من هجر لعلمنا أنّا على الحق وأنّهم على الباطل، وكانت السيرة فيهم من أمير
ص: 84
المؤمنين (علیه السلام) ما كان من رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) في أهل مكة يوم فتح مكة، فإنه لم يسب لهم ذرية وقال: من أغلق بابه فهو آمن، ومن ألقى سلاحه أو دخل دار أبي سفيان فهو آمن، وكذلك قال أمير المؤمنين(علیه السلام) يوم البصرة نادى: لا تسبوا لهم ذرية، ولا تجهزوا «لا تتموا» على جريح، ولا تتبعوا مدبراً، ومن أغلق بابه وألقى سلاحه فهو آمن ...(1) .
وهذه الرواية مضافاً إلى اعتبار سندها - كما تقدم - ووضوح دلالتها اشتملت على ذكر بعض أحكام البغاة.
ومنها: موثقة السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه (علیهم السلام) قال: لما فرغ أمير المؤمنين (علیه السلام) من أهل النهروان فقال: لا يقاتلهم بعدي إلاّ من هم أولى بالحق منه (من هو أولى بالحق منهم خ ل) (2) .
ومنها: ما رواه الشريف الرضي في نهج البلاغة، عن أمير المؤمنين (علیه السلام) قال: لا تقتلوا الخوارج بعدي، فليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه، يعني معاوية وأصحابه(3) .
وغيرها من الروايات كما يستفاد ذلك مما يأتي عند ذكر المصداق الثاني.
والحاصل: أنّ الحكم بقتال البغاة لخروجهم على الإمام (علیه السلام) مما لا إشكال فيه، ثم إن ما يتعلق بأهل البغي من حيث كيفية القتال ابتداء وانتهاء وما يرتبط بهم من المسائل مذكور في محله وليس المقام موضعاً لذكره.
وأما الثاني: وهو ما إذا لم يكن أحد الطرفين الإمام المعصوم (علیه السلام) فلم نظفر في حدود تتبّعنا لكلمات الفقهاء على أثر من ذلك إلاّ ما صرّح به العلامة في التذكرة حيث قال: الأصل في ذلك قول الله تعالى: «وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ
ص: 85
اقْتَتَلُوا...» قيل: وردت في طائفتين من الأنصار وقع بينهم، فلما نزلت قرأها عليهم رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فأقلعوا، وليس فيها تعرّض للخروج والبغي على الإمام، ولكن إذا أمرنا بقتال طائفة بغت على طائفة أخرى فلئن نقاتل الذين بغوا على الإمام إلى أن يفيئوا إلى أمر الله أولى(1) .
وما نصّ عليه السيد الأستاذ (قدس سره) في المنهاج(2) قال: البغاة هم طائفتان أحدهما ... الباغية على الإمام (علیه السلام) ... والأخرى: الطائفة الباغية علىالطائفة الأخرى من المسلمين، فإنه يجب على سائر المسلمين أن يقوموا بالإصلاح بينهما، فإن ظلّت الباغية على بغيها قاتلوهم حتى تفيء إلى أمر الله، قال الله تعالى: «وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا...» .
هذا ويمكن مضافاً إلى ذلك استفادة الشمول من الروايات الواردة في المقام:
ومنها: موثقة حفص بن غياث قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن الطائفتين من المؤمنين إحداهما: باغية والأخرى: عادلة فهزمت الباغية العادلة، قال: ليس لأهل العدل أن يتبعوا مدبراً، ولا يقتلوا أسيراً، ولا يجهزوا على جريح، وهذا إذا لم يبق من أهل البغي أحد ولم يكن فئة يرجعون إليها، فإذا كانت لهم فئة يرجعون إليها فإنّ أسيرهم يقتل، ومدبرهم يتبع، وجريحهم يجاز عليه(3) .
وهذه الرواية واضحة الدلالة كما أنّها معتبرة السند، فإنّ القاسم بن محمد الواقع في سندها وإن لم يرد فيه توثيق إلاّ أنه واقع في أسناد تفسير القمي(4) وبناء عليه - كما قرر في محله - فلا إشكال في السند.
ومنها: موثقته الثانية المتقدمة وهي رواية الأسياف الخمسة فقد يقال:
ص: 86
بأنها تدلّ على عدم الانحصار، وإنما ذكر الإمام علي (علیه السلام) وأنه المقاتل على التأويل من باب التطبيق وكونه أظهر المصاديق لا الانحصار.
وأوضح دلالة منها موثقة السكوني عن جعفر عن أبيه قال: ذكرت الحرورية عند علي(علیه السلام) فقال: إن خرجوا على إمام عادل أو جماعة فقاتلوهم، وإن خرجوا على إمام جائر فلا تقاتلوهم فإنّ لهم في ذلك عقالاً(1) .
وهذه الرواية صريحة في ذكر كلا المصداقين معاً.
ويؤيد ذلك: رواية أبي البختري عن جعفر عن أبيه قال: قال علي (علیه السلام): القتال قتالان، قتال أهل الشرك لا ينفر عنهم حتى يسلموا أو يؤتوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وقتال لأهل الزيغ لا ينفر عنهم حتى يفيئوا إلى أمر الله أو يقتلوا(2) .
وروايته الأخرى عن جعفر بن محمد عن أبيه (علیهم السلام) قال: القتل قتلان قتلكفارة وقتل درجة، والقتال قتالان، قتال الفئة الكافرة حتى يسلموا، وقتال الفئة الباغية حتى يفيئوا(3) .
وكلتا الروايتين مطلقتان فهما شاملتان لما نحن فيه.
والحاصل: أنّه يمكن التمسك بما يستفاد من الروايات على شمول الحكم لكلا المصداقين، وأنّ البغي لا ينحصر بالخروج على الإمام (علیه السلام) وإن كان ينصرف إلى الخارج عليه (علیه السلام)، ولكنّا لما لم نجد من استظهر ذلك من الفقهاء عدا من ذكرنا، فلابدّ من زيادة التتبع والبحث في المسألة.
ص: 87
وقد علم حكمه من مطاوي البحث السابق.
ويقع الكلام فيه في أربعة مواضع:
الموضع الأول: في من سبّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وفيه جهات:
الأولى: في أصل الحكم.
والمشهور عند الخاصة والعامة أنه يجب قتله.
قال الشيخ في الخلاف: مسألة: من سب الإمام العادل وجب قتله، وقال الشافعي يجب تعزيره، وبه قال جميع الفقهاء.
دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم، وأيضاً قول النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من سبّ علياً فقد سبّني ومن سبني فقد سب الله ومن سب الله (وسبّ نبيه) فقد كفر ويجب قتله(1). والاستدلال بذلك على ما نحن فيه بطريق الأولوية القطعية فإذا كان سبّ علي (علیه السلام) موجباً للقتل فوجوب القتل بسبّ النبي من باب أولى.
وأما العامة فقد اختلفت أقوالهم في ذلك، قال في نيل الأوطار: نقل عن ابن المنذر الاتفاق على أنّ من سبّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) صريحاً وجب قتله، ونقل أبو بكر الفارسي أحد أئمة الشافعية في كتاب الإجماع أنّ من سب النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بما هو قذف صريح كفر باتفاق العلماء، فلو تاب لم يسقط عنه القتل لأنّ حد قذفه القتل، وحد القذف لا يسقط بالتوبة، وخالفه القفال فقال: كفر بالسبّ فقط فسقط القتل
ص: 88
بالإسلام، وقال الصيدلاني: يزول القتل ويجب حدّ القذف، قال الخطابي: لا أعلم خلافاً في وجوب قتله إذا كان مسلماً، وقال ابن بطّال: اختلف العلماء في من سبّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فأمّا أهل العهد والذمة كاليهود فقال ابن القاسم عن مالك: يقتل من سبّه - منهم إلاّ أن يسلم، وأما المسلم فيقتل بغير استتابة، ونقل ابن المنذر عن ليث والشافعي وأحمد وإسحاق مثله في حق اليهود ونحوه، وروى عن الأوزاعي ومالك في المسلم أنّها ردّة تستتاب منها، وعن الكوفيين إن كان ذمياً عزّر وإن كان مسلماً فهي ردّة(1) ... الخ.
وحاصل كلامهم أنّ المشهور عندهم هو الحكم بالقتل.
ويقع الكلام فيه في أربعة مواضع:
الموضع الأول: في من سبّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وفيه جهات:
الأولى: في أصل الحكم.
والمشهور عند الخاصة والعامة أنه يجب قتله.
قال الشيخ في الخلاف: مسألة: من سب الإمام العادل وجب قتله، وقال الشافعي يجب تعزيره، وبه قال جميع الفقهاء.
دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم، وأيضاً قول النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من سبّ علياً فقد سبّني ومن سبني فقد سب الله ومن سب الله (وسبّ نبيه) فقد كفر ويجب قتله(2). والاستدلال بذلك على ما نحن فيه بطريق الأولوية القطعية فإذا كان سبّ علي (علیه السلام) موجباً للقتل فوجوب القتل بسبّ النبي من باب أولى.
وأما العامة فقد اختلفت أقوالهم في ذلك، قال في نيل الأوطار: نقل عن ابن المنذر الاتفاق على أنّ من سبّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) صريحاً وجب قتله، ونقل أبو بكر الفارسي أحد أئمة الشافعية في كتاب الإجماع أنّ من سب النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بما هو قذف صريح كفر باتفاق العلماء، فلو تاب لم يسقط عنه القتل لأنّ حد قذفه القتل، وحد القذف لا يسقط بالتوبة، وخالفه القفال فقال: كفر بالسبّ فقط فسقط القتل بالإسلام، وقال الصيدلاني: يزول القتل ويجب حدّ القذف، قال الخطابي: لا أعلم خلافاً في وجوب قتله إذا كان مسلماً، وقال ابن بطّال: اختلف العلماء في من سبّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فأمّا أهل العهد والذمة كاليهود فقال ابن القاسم عن مالك: يقتل من سبّه - منهم إلاّ أن يسلم، وأما المسلم فيقتل بغير استتابة، ونقل ابن المنذر عن ليث والشافعي وأحمد وإسحاق مثله في حق اليهود ونحوه، وروى عن الأوزاعي ومالك في المسلم أنّها ردّة تستتاب منها، وعن الكوفيين إن كان ذمياً عزّر وإن كان مسلماً فهي ردّة(3) ... الخ.
وحاصل كلامهم أنّ المشهور عندهم هو الحكم بالقتل.ويستدل عليه بوجهين:
الأول: الإجماع وادعاه في الجواهر بقسميه عليه ونسبه إلى ظاهر المنتهى ومحكي التذكرة وصريح جماعة(4) .
الثاني: الروايات الخاصة الواردة في المقام:
ومنها: رواية علي بن جعفر قال: أخبرني أخي موسى (علیه السلام) قال: كنت واقفاً على رأس أبي حين أتاه رسول زياد بن عبيد الله الحارثي عامل المدينة، فقال: يقول لك الأمير انهض إليّ، فاعتل بعلّة فعاد إليه الرسول، فقال: قد أمرت أن يفتح لك باب المقصورة فهو أقرب لخطوك، قال: فنهض أبي واعتمد علي ودخل على الوالي، وقد جمع فقهاء أهل المدينة كلهم وبين يديه كتاب فيه شهادة على رجل من أهل وادي القرى قد ذكر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فنال منه، فقال له الوالي: يا أبا عبد الله أنظر في الكتاب قال: حتى أنظر ما قالوا، فالتفت إليهم فقال: ما قلتم؟ قالوا: قلنا يؤدب ويضرب ويعزّر ]يهذّب[ ويحبس، قال: فقال لهم: أرأيتم لو ذكر رجلاً من
ص: 89
أصحاب النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) ما كان الحكم فيه؟ قالوا: مثل هذا، قال: فليس بين النبي وبين رجل من أصحابه فرق؟! فقال الوالي: دع هؤلاء يا أبا عبد الله لو أردنا هؤلاء لم نرسل إليك، فقال أبو عبد الله(علیه السلام): أخبرني أبي أنّ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال: الناس فيّ أسوة سواء، من سمع أحداً يذكرني فالواجب عليه أن يقتل من شتمني ولا يرفع إلى السلطان، والواجب على السلطان إذا رفع إليه أن يقتل من نال منّي، فقال زياد بن عبيد الله: أخرجوا الرجل فاقتلوه بحكم أبي عبد الله(علیه السلام)(1).
وهذه الرواية واضحة الدلالة والمستفاد منها: أنّ من شتم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) يجب قتله بلا حاجة إلى رفع أمره إلى الحاكم إلاّ أنها من حيث السند محل كلام، فإنّ فيه سهل بن زياد وهو ضعيف فلا يعتمد عليها من هذه الجهة، غير أنّه يمكن تصحيحها وذلك لأنّ الشيخ قال في علي بن أسباط الذي يروي عنه سهل: له أصل وروايات(2)، وذكر طريقين إلى أصله ورواياته وأحد الطريقين معتبر، وبناء على هذا فتكون هذه الرواية داخلة في مرويات الشيخ بطريق معتبر، وتصبح تامة الدلالة والسند، ويصحّ الاستدلال بها على المدّعى.
ثمّ إنّ مضمون هذه الرواية هو نفس مضمون رواية الحسن بن علي الوشاء قال: سمعت أبا الحسن (علیه السلام) يقول: شتم رجل على عهد جعفر بن محمد (علیه السلام) رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فأتي به عامل المدينة، فجمع الناس فدخل عليه أبو عبد الله (علیه السلام) وهو قريب العهد بالعلّة وعليه رداء له مورّد فأجلسه في صدر المجلس واستأذنه في الاتكاء، وقال لهم: ما ترون؟ فقال له عبد الله بن الحسن، والحسن بن زيد وغيرهما: نرى أن تقطع لسانه فالتفت العامل إلى ربيعة الرأي وأصحابه فقال: ما ترون؟ قال: يؤدّب فقال أبو عبد الله (علیه السلام): سبحان الله!! فليس بين رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم)
ص: 90
وبين أصحابه فرق؟!(1)
إلاّ أنّ رواية علي بن جعفر اشتملت على زيادات صدراً وذيلاً لم ترد في رواية الوشاء، كما أنّ في رواية الوشاء بعض ما لم يرد في رواية علي بن جعفر.
ومنها: صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: إنّ رجلاً من هذيل كان يسبّ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فبلغ ذلك النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فقال: من لهذا؟ فقام رجلان من الأنصار فقالا: نحن يا رسول الله فانطلقا حتى أتيا عربة فسألا عنه، فإذا هو يتلقى غنمه، فقال: من أنتما وما اسمكما؟ فقالا له: أنت فلان بن فلان؟ قال: نعم فنزلا فضربا عنقه، قال محمد بن مسلم: فقلت لأبي جعفر(علیه السلام): أرأيت لو أنّ رجلاً الآن سبّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أيقتل؟ قال: إن لم تخف على نفسك فاقتله(2).
وهذه الرواية وإن كانت معتبرة السند إلاّ أنها من جهة الدلالة على الوجوب قابلة للمناقشة وذلك لأنّ قوله (علیه السلام): فاقتله، جاء بعد السؤال أيقتل؟ وفي هذا وهن في الدلالة على الوجوب، ويكون نظير الأمر بعد الحظر، نعم لو كان قوله فاقتله ابتداء من دون سبق بالسؤال لكان ظاهراً في الوجوب، ويحتمل أنّ قول الإمام (علیه السلام): فاقتله إذن للسائل بخصوصه، وبناء على أحد هذين الاحتمالين تكون دلالة الرواية على الوجوب ضعيفة.
ومنها: صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد الله (علیه السلام) أنه سئل عمّن شتم رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)؟ فقال (علیه السلام): يقتله الأدنى فالأدنى قبل أن يرفع إلى الإمام(3).
وظاهر الجملة الخبرية أنها في مقام الإنشاء، والمستفاد هو وجوب القتل.وغيرها من الروايات، فلا إشكال في ثبوت أصل الحكم عند كافّة الفقهاء حتى أنّ صاحب الجواهر (قدس سره) نقل رواية عن العامة وهي أنّه (صلی الله علیه و آله و سلم) لما فتح مكة عهد
ص: 91
إلى المسلمين أن لا يقتلوا بمكة إلاّ من قاتلهم سوى نفر كانوا يؤذونه ... فقال: اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة(1) .
ثم إنه ظهر مما تقدم، الحكم بالنسبة إلى من سبّ الله تعالى وذلك للأولوية القطعية فإنّ قدسية النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) متفرعة عن قدسية الله تعالى وعظمته، ويمكن الاستدلال على الحكم أيضاً بما سيأتي من الروايات في حكم من أهان الكعبة.
وجميع الأحكام الجارية في ساب النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) تجري في من سب الله تعالى وتقدّس.
الجهة الثانية: هل يسقط الوجوب عند التقية أو الخوف على النفس أو لا؟ والظاهر من الأدلة هو السقوط، بل عدم الجواز، وذلك:
أولاً: بالإضافة إلى دعوى عدم الخلاف في هذا الحكم، أنّ مقتضى الأدلة العامة التي تدلّ على أنّ التقية في كل شيء وأدلّة نفي الضرر تشمل المقام.
وثانياً: لما ورد في خصوص المورد من صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة حيث قيّد الحكم بعدم الخوف على النفس، ومع القول بعدم الفصل بين الخوف على النفس وغيره يتمّ المدعى.
وثالثاً: تقدم في أوائل الجزء الأول من هذا الكتاب الاستشهاد بقضية عمار بن ياسر، وأنّ قريشاً كانت لا تدع إيذاءه حتى ينال من النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، وكان النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) يأمره أن يعود إذا عادوا وفيه نزل قوله تعالى: «إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ»(2) وهي شاهد على ما نحن فيه أيضاً.
الجهة الثالثة: هل يحتاج تنفيذ الحكم إلى إذن الإمام أو الحاكم أو لا؟
والظاهر هو عدم الاحتياج، فإنّ بعض الروايات وإن كانت مطلقة إلاّ أن
ص: 92
بعضها الآخر نصّ على عدم الاحتياج إلى الإذن كما في صحيحة هشام بن سالم ومعتبرة علي بن جعفر المتقدمتين، مضافاً إلى أنّ المذكور في كلمات الفقهاء هو التصريح بعدم الحاجة.
والحاصل: أنّ هذا الحكم ممّا لا إشكال فيه.
الجهة الرابعة: لا فرق في ثبوت الحكم بين المسلم والكافر فمن صدرعنه السب - أيّاً كان - وجب قتله ويدلّ عليه:
أولاً: عموم معقد الإجماع، وثانياً: ما ورد من الروايات الدالة على شمول الحكم بلا فرق بين المسلم والكافر، وقد تقدم ذكرها.
هذا إذا كان السب في حالة القصد والاختيار، أما إذا صدر في حالة الغضب أو الغفلة، وبعبارة أخرى: لم يكن السب عن عمد وقصد فهل يكون حكمه حكم القصد والاختيار؟
الظاهر أنّ مقتضى الروايات عدم جريان الحكم كما في موثقة علي بن عطية عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: كنت عنده وسأله رجل عن رجل يجيء منه الشيء على جهة غضب يؤاخذه الله به؟ فقال: الله أكرم من أن يستغلق عبده(1). وفي نسخة يستقلق عبده.
وقوله: يستغلق عبده أي يكلفه ويجبره فيما لم يكن له فيه اختيار.
وفي القاموس: استغلقني في بيعته لم يجعل لي خياراً في ردّه(2) .
وهذه الرواية واضحة الدلالة، وإنما ذكر الغضب من باب المثال وإلاّ فلا خصوصية له، وحينئذ فليس حكمه حكم العمد. كما أنّ الرواية من حيث السند معتبرة، فإن علي بن عطية وثقه النجاشي(3) في ترجمة أخيه الحسن، مضافاً إلى
ص: 93
رواية ابن أبي عمير عنه كما في نفس هذه الرواية.
وأما لو كان في مقام نفي الفضل عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فهل الحكم بالقتل يشمله أو لا؟
صريح بعض الروايات أنّ الحكم هو القتل كما في رواية مطر بن أرقم قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: إنّ عبد العزيز بن عمر الولي ]الوالبي[ بعث إليّ فأتيته وبين يديه رجلان قد تناول أحدهما صاحبه فمرس وجهه، فقال: ما تقول يا أبا عبد الله في هذين الرجلين؟ قلت: وما قالا؟ قال: قال أحدهما: ليس لرسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) فضل على أحد من بني أمية في الحسب، وقال الآخر: له الفضل على الناس كلّهم في كلّ خير وغضب الذي نصر رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فصنع بوجهه ما ترى فهل عليه شيء؟ فقلت له: إنّي أظنك قد سألت من حولك فأخبروك، فقال: أقسمت عليك لمّا قلت، فقلت له: كان ينبغي لمن زعم أن أحداً مثل رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في الفضل أن يقتل ولا يستحيي، قال: فقال: أوما الحسب بواحد؟ فقلت: إنّ الحسب ليس النسب، ألا ترى لو نزلتبرجل من بعض هذه الأجناس فقراك فقلت: إنّ هذا لحسيب فقال: أوما النسب بواحد؟ قلت: إذا اجتمعا إلى آدم فإن النسب واحد، إنّ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) لم يخلطه شرك ولا بغي فأمر به فقتل(1) .
وهذه الرواية دالة على أنّ من نفى الفضل عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، أو ساواه بغيره فحكمه أن يقتل، إلاّ أن سند الرواية فيه مطر بن أرقم ولم يرد فيه توثيق، مضافاً إلى أنّ أحداً من الأصحاب لم يعمل بمضمون هذه الرواية كما ذكر ذلك صاحب الجواهر (قدس سره) (2)، وإن احتمل (قدس سره) أن القتل إما لأنه من إنكار الضروري، أو أنّ ذلك نوع نيل منه (صلی الله علیه و آله و سلم) .
الجهة الخامسة: هل يستتاب السابّ أو لا؟ وعلى فرض الاستتابة فهل
ص: 94
تقبل توبته أو لا؟
المذكور في الروايات هو الحكم بالقتل من دون تفصيل، ولو كان الحد يسقط بالتوبة أو الاستتابة لذكر في الروايات، والحال أنه لم يرد ذلك في شيء من الروايات، فالظاهر أنّ السابّ يقتل مطلقاً كما هو مقتضى الروايات الواردة في المقام.
وهذه الجهة لم ترد في كلمات الفقهاء، نعم ورد التفريق بين من قذف النبي(صلی الله علیه و آله و سلم)، وبين من قذف أمّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، قال الشهيد في اللمعة: وقاذف أم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) مرتدّ، ولو تاب لم تقبل توبته إذا كان ارتداده عن فطرة. وقال الشهيد الثاني معقّباً: وهذا بخلاف سابّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فإنّ ظاهر النص والفتوى وجوب قتله وإن تاب، ومن ثم قيّده هنا خاصّة(1)، ولم يفرق المحقق الكركي بينهما حيث قال: ولو قذف النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) فهو مرتد ووجب قتله ولا تقبل توبته إذا كان مولوداً على الفطرة وكذا لو قذف أم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) (2) .
وأمّا العامة فقد اختلفت كلماتهم في ذلك كما تقدم.
الجهة السادسة: إذا أحرزت الأولوية القطعية في مورد ترتبت جميع الأحكام كما مر بالنسبة إلى من سبّ الله تعالى، وأما مع عدم الإحراز كما في من سبّ القرآن الكريم مثلاً فهل الأحكام تجري أو لا؟
لم نقف على رواية في المقام تدلّ على حكم معين إلاّ أن يكون محكوماً بالارتداد، وتترتب عليه أحكامه، قال في الجواهر: وبكل فعل دالصريحاً على الاستهزاء بالدين والاستهانة به ورفع اليد عنه كإلقاء المصحف في القاذورات وتمزيقه واستهدافه ووطئه وتلويث الكعبة أو أحد الضرائح المقدّسة بالقاذورات
ص: 95
أو السجود للصنم وعبادة الشمس وإن لم يقل بربوبيّتها(1) .
الجهة السابعة: من ادّعى النبوة وجب قتله بلا خلاف، كما في الجواهر(2) ويدل عليه عدة روايات:
منها: موثقة ابن أبي يعفور قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): إنّ بزيعاً يزعم أنه نبي!! فقال: إن سمعته يقول ذلك فاقتله، قال: فجلست إلى جنبه غير مرة فلم يمكنّي ذلك(3) .
ومنها: معتبرة أبي بصير يحيى بن القاسم عن أبي جعفر (علیه السلام) قال في حديث: قال النبي(صلی الله علیه و آله و سلم): أيها الناس، إنه لا نبي بعدي ولا سنّة بعد سنّتي، فمن ادّعى ذلك فدعواه وبدعته في النار فاقتلوه، ومن تبعه فإنه في النار، أيها الناس، أحيوا القصاص، وأحيوا الحقّ لصاحب الحقّ، ولا تفرقوا وأسلموا وسلّموا تسلموا «كَتَبَ اللهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ »(4) .
ومنها: معتبرة ابن فضال عن الرضا (علیه السلام) في حديث قال: وشريعة محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) لا تنسخ إلى يوم القيامة، فمن ادّعى نبوة أو أتى بعده بكتاب فدمه مباح لكل من سمع منه(5) .
وغيرها من الروايات الدالة على وجوب قتل من ادّعى النبوة، فلا إشكال في ثبوت هذا الحكم.
الجهة الثامنة: من أظهر شكّه في صدق النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وكان على ظاهر الإسلام وجب قتله بلا خلاف، كما في الجواهر(6)، ويمكن أن يستدل عليه بعدة روايات منها:
ص: 96
صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: من شك في الله وفي رسوله فهو كافر(1).وهذه الرواية وإن كانت صحيحة السند إلاّ أنّ دلالتها على وجوب القتل ليست صريحة، فإنّ إقامة الحد ليست بيد كلّ أحد.
ومنها: رواية الحارث بن المغيرة قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): لو أنّ رجلاً أتى النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) فقال والله ما أدري أنبي أنت أم لا، كان يقبل منه؟ قال: لا، ولكن كان يقتله إنه لو قبل ذلك ما أسلم منافق أبداً(2) .
وهذه الرواية وإن كانت أصرح في الدلالة من الأولى حيث دلّت على أنّ الشاك مهدور الدم إلاّ أن الإشكال في سندها فإنّ فيه عبد الرحمن الابزاري ولم يرد فيه توثيق، وبناء عليه فلا يمكن الاستدلال بها من هذه الجهة، ولا يبقى إلاّ الإجماع فإن تمّ فهو وإلاّ فلا دليل على الوجوب.
الموضع الثاني: في من سب أمير المؤمنين (علیه السلام) أو أحد الأئمة (علیهم السلام) وفيه ثلاث جهات:
الأولى: في أصل الحكم: وقد ادعي الإجماع بقسميه على وجوب قتل من سبّ علياً (علیه السلام) أو أحد الأئمة (علیهم السلام) كما في الجواهر(3) .
وتقدم أنّ الشيخ في الخلاف(4) قال بالوجوب مدعياً إجماع الفرقة وأخبارهم عليه، إلاّ أن المستفاد من الروايات هو الجواز لا الوجوب ومن ذلك:
صحيحة هشام بن سالم قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): ما تقول في رجل سبّابة لعلي (علیه السلام) ؟ قال: فقال لي: حلال الدم والله، لولا أن تعمّ به بريئاً، قال: قلت: فما
ص: 97
تقول في رجل موذ لنا؟ قال: في ماذا؟ قلت: فيك يذكرك قال: فقال لي: له في علي(علیه السلام) نصيب؟ قلت: إنه ليقول ذلك ويظهره، قال: لا تعرض له(1) .
وفي قوله (علیه السلام) له في علي نصيب يحتمل وجوهاً ثلاثة:
الأول: أنّ المراد هو الولاية بمعنى أنه يقول بإمامة علي (علیه السلام) وهو الظاهر بقرينة قوله إنه ليقول ذاك ويظهره.
الثاني: أنّ المراد هو الإنكار أن يكون له ولاية لأمير المؤمنين (علیه السلام) .
الثالث: المراد هو النصب وفي الكلمة تصحيف بزيادة الياء.والظاهر هو الأول كما ذكرنا، وأمّا الآخران فبعيدان وأبعدهما الثالث.
ثم إنّ هذه الرواية مضافاً إلى اعتبار سندها تدل على جواز القتل لا وجوبه.
ومنها: ما رواه الشيخ في التهذيب بسنده عن عبد الله بن سليمان العامري قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): أيّ شيء تقول في رجل سمعته يشتم علياً (علیه السلام) ويبرأ منه؟ قال: فقال لي: والله هو حلال الدم وما ألف منهم برجل منكم، دعه(2) .
وفي نسخة الكافي: دعه لا تعرض له إلاّ أن تأمن على نفسك(3) .
وهذه الرواية لا دلالة فيها على الوجوب، وإنما تدلّ على الجواز، وأن الشاتم لأمير المؤمنين (علیه السلام) والمتبرىء منه حلال الدم، وفي قوله: دعه إشارة إلى أنّ قتله قد يجر إلى قتل بعض الشيعة، وأنّ ألفاً منهم لا يساوي رجلاً واحداً من الشيعة.
هذا مضافاً إلى أنّ في سند الرواية ضعفاً إذ فيه ربيع بن محمد، وفي بعض النسخ ربعي وهو وإن ورد ذكره في تفسير علي بن إبراهيم القمي إلاّ أنه واقع في
ص: 98
القسم الثاني(1)، فلا يشمله التوثيق كما حققناه في محله، وكذلك عبد الله بن سليمان فإنه لم يرد فيه توثيق، فالرواية غير تامة سنداً ودلالة.
ومنها: رواية عبيد بن زرارة عن أبيه عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: من قعد في مجلس يسبّ فيه إمام من الأئمة يقدر على الانتصاف فلم يفعل، ألبسه الله عزّوجلّ الذلّ في الدنيا، وعذّبه في الآخرة، وسلبه صالح ما منّ به عليه من معرفتنا(2) .
وقد يقال: إنّ هذه الرواية تدلّ على الوجوب بدعوى: أنّ معنى الانتصاف هو الانتقام، فمن لم ينتقم فعليه الوزر، وألبسه الله الذلّ في الدنيا، وعذّبه في الآخرة، وسلبه الإيمان، وهذا دليل على الوجوب.
ولكن يمكن المناقشة في سند الرواية ودلالتها.
أما في السند ففيه علي بن محمد بن سعيد، أو سعد، وفي المرآة(3) ابنأبي سعيد وهو لم يوثق، ومثله في عدم التوثيق محمد بن سالم أبو سلمة.
وأما في الدلالة فقوله: يقدر على الانتصاف وإن كان يحتمل أنّه بمعنى الانتقام إلاّ أنه يحتمل أيضاً أنه بمعنى إقامة الحجة والمقارعة بالدليل وإبطال مدعى الخصم، وحيث لا ترجيح لأحد الاحتمالين على الآخر فلا يمكن الاستدلال بالرواية على وجوب القتل بخصوصه.
ومنها: معتبرة داود بن فرقد قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): ما تقول في قتل الناصب؟ فقال: حلال الدم، ولكنّي أتقي عليك، فإن قدرت أن تقلب عليه حائطاً أو تغرقه في ماء لكي لا يشهد عليك فافعل، قلت: فما ترى في ماله؟ قال:
ص: 99
توّه ما قدرت عليه(1) .
وهذه الرواية وإن كانت معتبرة من جهة السند إلاّ أنها من جهة الدلالة نظير ما تقدم من أنّ الأمر جاء عقيب السؤال، فيكون من قبيل الأمر بعد توهم الحظر، نعم لو كان الأمر بالقتل ابتداء من الإمام (علیه السلام) لكانت الدلالة تامة، إلاّ أنه لما كان بعد السؤال، فليس له ظهور في الوجوب بل في الجواز.
ومنها: رواية علي بن حديد، قال: سمعت من سأل أبا الحسن الأول (علیه السلام) فقال: إني سمعت محمد بن بشير يقول: إنك لست موسى بن جعفر الذي أنت إمامنا، وحجّتنا فيما بيننا وبين الله، قال: فقال: لعنه الله ثلاثاً - أذاقه الله حرّ الحديد قتله الله أخبث ما يكون من قتلة، فقلت له: إذا سمعت ذلك منه أوليس لي دمه مباح كما أبيح دم السبّاب لرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) والإمام؟ قال: نعم حل والله، حلّ والله دمه، وأباحه لك ولمن سمع ذلك منه، قلت: أوليس ذلك بسابّ لك؟ قال: هذا سبّاب الله، وسبّاب لرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، وسبّاب لآبائي، وسبّابي وأيّ سب ليس يقصر عن هذا ولا يفوقه هذا القول؟ فقلت: أرأيت إذا أنا لم أخف أن أغمر بذلك بريئاً ثم لم أفعل ولم أقتله ما علي من الوزر؟ فقال: يكون عليك وزره أضعافاً مضاعفة من غير أن ينقص من وزره شيء، أما علمت أنّ أفضل الشهداء درجة يوم القيامة من نصر الله ورسوله بظهر الغيب وردّ عن الله وعن رسوله(صلی الله علیه و آله و سلم)(2).
وهذه الرواية يمكن الاستدلال بها على وجوب قتل الساب. إلاّ أن للمناقشة في السند والدلالة مجالاً :
أما من جهة السند فإن فيه محمد بن عبد الله المسمعي، ولم يرد فيهتوثيق فالرواية ضعيفة من هذه الجهة.
ص: 100
وأمّا من جهة الدلالة فلأنّ فيها نوعاً خاصاً من السبّ والقذف واتهام الإمام(علیه السلام) بالكذب - والعياذ بالله (صلی الله علیه و آله و سلم) لأنّ ذلك يرجع إلى إنكار وجود الإمام (علیه السلام) وينجرّ إلى تكذيب النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وتكذيب الله تعالى فإذا قلنا بدلالة الرواية على وجوب القتل فلأنّ الأمر يرجع إلى ما هو أبعد من السب المتعارف الذي ينال شخص الإمام (علیه السلام) .
ومنها: ما استدل به الشيخ في الخلاف كما تقدّم من قول النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): من سبّ علياً فقد سبّني ومن سبّني فقد سبّ الله ومن سبّ الله (وسبّ نبيّه خ) فقد كفر ويجب قتله(1) .
ودلالتها على الوجوب تامة إلاّ أنّ الإشكال في سند الرواية فإنّا لم نقف على سند لها في كتبنا الروائية(2) ولعل الشيخ نقلها عن العامة(3) .
والحاصل: أنّه لا دليل من الروايات على الوجوب، وغاية ما يستفاد منها هو الجواز، نعم يمكن الاستدلال على الوجوب بما تقدم من دعوى الإجماع وبفحوى ما دل من الروايات على وجوب قتل من أحدث في الكعبة حيث ورد في صحيحة أبي الصباح الكناني قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): أيّما أفضل الإيمان أو الإسلام؟ إلى أن قال: فقال: الإيمان، قال: قلت: فأوجدني ذلك قال: ما تقول: في من أحدث في المسجد الحرام متعمداً؟ قال: قلت: يضرب ضرباً شديداً، قال: أصبت، فما تقول في من أحدث في الكعبة متعمداً؟ قلت: يقتل، قال: أصبت، ألا
ص: 101
ترى أنّ الكعبة أفضل من المسجد(1) .
وفي موثقة سماعة قال: سألته وذكر حديثاً يقول فيه: ولو أنّ رجلاً دخل الكعبة فبال فيها معانداً أخرج من الكعبة ومن الحرم وضربت عنقه(2) .وفي معتبرة عبد الرحيم القصير عن أبي عبد الله (علیه السلام) في حديث الإسلام والإيمان قال: وكان بمنزلة من دخل الحرم ثم دخل الكعبة وأحدث في الكعبة حدثاً فأخرج عن الكعبة وعن الحرم فضربت عنقه وصار إلى النار(3) .
وغيرها من الروايات الدالة على وجوب قتل من أحدث في الكعبة، فبمقتضى الأولوية القطعية يحكم بوجوب قتل من سبّ الإمام (علیه السلام) فإنّه أفضل من الكعبة.
والحاصل: أن القول بوجوب القتل يتوقف على تمامية أحد هذين الوجهين الإجماع والأولوية، وأما الروايات فالمستفاد منها هو الجواز.
وقد يتوهم: أنه لا معنى للجواز وإنما الحكم دائر بين الوجوب وعدمه.
ويدفع: بأن تصور الواسطة ممكن جداً وله في الأحكام أمثلة كثيرة:
منها: أنّ ولي الدم يجوز له أن يقتص، ويجوز له أن يعفو بلا عوض أو يأخذ الدية ولا يجب الاقتصاص.
ومنها: أن من رأى مع زوجته أجنبياً على فراشه جاز له قتله ولا يجب.
ومنها: أنّ من له على غيره حقّ أو دين جاز له أن يسقطه ولا يجب.
وغيرها من الموارد فلا إشكال في تصور الحكم بالجواز بل في ثبوته في الأحكام الشرعية.
الجهة الثانية: هل أنّ جواز القتل مشروط بالإجازة أو لا؟
ص: 102
والذي يظهر من بعض الروايات المتقدمة عدم الحاجة إلى الإجازة، كما في معتبرة داود بن فرقد، ويؤيدها رواية علي بن حديد، ويظهر من بعضها عدم الجواز إلاّ مع الإجازة كما في رواية الفضل بن شاذان عن الرضا (علیه السلام) في كتابه إلى المأمون قال: ولا يجوز قتل أحد من النصّاب والكفار في دار التقية إلاّ قاتل أو ساع في فساد وذلك إذا لم تخف على نفسك وأصحابك(1) .
وهذه الرواية قد رواها الصدوق في العيون(2) إلاّ أن في طريق الصدوق إلى الفضل بن شاذان كلاماً قد أشرنا إلى ذلك فيما تقدم وسيأتيأيضاً.
وفي بعض الروايات التفصيل بين سبّ علي (علیه السلام) فلا يحتاج إلى الإجازة، وبين سبّ غيره من الأئمة (علیهم السلام) فيحتاج إليها، وبها يجمع بين الروايات المتقدمة، ففي صحيحة هشام بن سالم قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): ما تقول في رجل سبّابة لعلي(علیه السلام) ؟ قال: فقال لي: حلال الدم والله، لولا أن تعمّ به بريئاً، قال: قلت: فما تقول في رجل موذ لنا؟ قال: فيماذا؟ قلت: فيك يذكرك، قال: فقال لي: له في علي نصيب؟ قلت: إنه ليقول ذاك ويظهره، قال: لا تعرض له(3).
شاهد جمع على التفصيل بين ما دل على لزوم الإجازة مطلقاً حتى بالنسبة إلى من سبّ علياً (علیه السلام) وبين ما دل على عدم لزوم الإجازة مطلقاً حتى بالنسبة إلى من سبّ سائر الأئمة (علیهم السلام)، نعم ورد في بعض الروايات لزوم الإجازة في قتل من سبّ أمير المؤمنين (علیه السلام) كرواية أبي الصباح قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): إنّ لنا جاراً فنذكر علياً (علیه السلام) وفضله، فيقع فيه أفتأذن لي فيه؟ فقال: أو كنت فاعلاً؟ فقلت: إي والله لو أذنت لي فيه لأرصدنّه فإذا صار فيها اقتحمت عليه بسيفي
ص: 103
فخبطته حتى أقتله، فقال: يا أبا الصباح هذا القتل، وقد نهى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) عن القتل، يا أبا الصباح إنّ الإسلام قيد القتل، ولكن دعه فستكفى بغيرك الحديث(1).
والمستفاد من هذه الرواية أنّه لا إشكال في الجواز إلاّ أنه يحتاج إلى الإذن.
وأصرح من ذلك ما نقله صاحب الوسائل عن رجال الكشي بسنده عن عمار السجستاني عن أبي عبد الله (علیه السلام): إنّ عبد الله بن النجاشي قال له وعمار حاضر: إني قتلت ثلاثة عشر رجلاً من الخوارج كلهم سمعته يبرأ من علي بن أبي طالب (علیه السلام)، فسألت عبد الله بن الحسن فلم يكن عنده جواب، وعظم عليه، وقال: أنت مأخوذ في الدنيا والآخرة، فقال أبو عبد الله (علیه السلام): وكيف قتلتهم يا أبا بحير؟ فقال: منهم من كنت أصعد سطحه بسلم حتى أقتله، ومنهم من دعوته بالليل على بابه فإذا خرج قتلته، منهم من كنت أصحبه في الطريق فإذا خلا لي قتلته، وقد استتر ذلك عليّ فقال أبو عبد الله (علیه السلام): لو كنت قتلتهم بأمر الإمام لم يكن عليك شيء في قتلهم، ولكنّك سبقت الإمام فعليك ثلاثة عشر شاة تذبحها بمنى وتتصدق بلحمها لسبقكالإمام وليس عليك غير ذلك(2) .
هذا ما أورده صاحب الوسائل من الرواية، وأما ما رواه الكشي في رجاله فهو حدثني محمد بن الحسن قال: حدثني الحسن بن خرزاد عن موسى بن القاسم البجلي عن إبراهيم بن أبي البلاد عن عمار السجستاني قال: زاملت أبا بحير عبد الله بن النجاشي من سجستان إلى مكة، وكان يرى رأي الزيدية فلما صرنا إلى المدينة مضيت أنا إلى أبي عبد الله (علیه السلام) ومضى هو إلى عبد الله بن الحسن، فلما انصرف رأيته منكسراً يتقلّب على فراشه ويتأوّه قلت: ما لك أبا بحير؟ فقال: استأذن لي على صاحبك إن شاء الله، فلما أصبحنا دخلت على أبي عبد الله (علیه السلام)
ص: 104
فقلت: هذا عبد الله بن النجاشي سألني أن أستأذن له عليك وهو يرى رأي الزيدية، فقال: إئذن له فلما دخل عليه قرّبه أبو عبد الله (علیه السلام)، فقال له أبو بحير: جعلت فداك إنّي لم أزل مقرّاً بفضلكم أرى الحق فيكم لا في غيركم، وإنّي قتلت ثلاثة عشر رجلاً من الخوارج كلهم سمعتهم يتبرأ من علي بن أبي طالب (علیه السلام)، فقال له أبو عبد الله (علیه السلام): سألت عن هذه المسألة أحداً غيري ؟ فقال: نعم، سألت عنها عبد الله بن الحسن فلم يكن عنده فيها جواب وعظم عليه، وقال لي: أنت مأخوذ في الدنيا والآخرة، فقلت: أصلحك الله فعلى ماذا عادينا الناس في عليّ (علیه السلام) ؟ فقال له أبو عبد الله(علیه السلام): وكيف قتلتهم يا أبا بحير؟ فقال: منهم من كنت أصعد سطحه بسلم حتى أقتله، ومنهم من دعوته بالليل على بابه فإذا خرج عليّ قتلته، ومنهم من كنت أصحبه في الطريق فإذا خلا لي قتلته، وقد استتر ذلك كله علي فقال له أبو عبد الله (علیه السلام): يا أبا بحير لو كنت قتلتهم بأمر الإمام لم يكن عليك شيء ولكنك سبقت الإمام فعليك ثلاث عشرة شاة تذبحها بمنى وتتصدق بلحمها لسبقك الإمام وليس عليك غير ذلك .
ثم قال أبو عبد الله (علیه السلام): يا أبا بحير أخبرني حين أصابك الميزاب وعليك الصدرة من فراء فدخلت النهر فخرجت وتبعك الصبيان يعيطون بك أي شيء صيرك على هذا؟ قال عمار: فالتفت إليّ أبو بحير وقال لي: أي شيء كان هذا من الحديث حتى تحدثه أبا عبد الله (علیه السلام) ؟ فقلت: لا والله ما ذكرت له ولا لغيره، وهذا هو يسمع كلامي، فقال أبو عبد الله (علیه السلام): لم يخبرني بشيء يا أبا بحير، فلما خرجنا من عنده قال لي أبو بحير: يا عمار أشهد أنّ هذا عالم آل محمد، وأنّ الذي كنت عليه باطل، وأنّ هذاصاحب الأمر(1) .
وإنما أوردنا الرواية بطولها لاشتمالها على بعض المضامين العالية.
ص: 105
وهذه الرواية صريحة الدلالة، فإنّ قتل هؤلاء وإن كان لا يوجب القود ولا شيء على القاتل سوى أن يذبح ثلاثة عشرة شاة يتصدق بلحمها بمنى إلاّ أنه لا إشكال في دلالتها على الاحتياج إلى الإذن.
ولكن كلتا الروايتين لا يمكن الاستدلال بهما.
أما الرواية الأولى فهي من جهة السند مرسلة، ومن جهة الدلالة ليست بواضحة، لأنه كما يحتمل توقف القتل على الإذن كذلك يحتمل المنع عنه، وهذا مخالف لما تقدم من الروايات.
وأما الرواية الثانية فهي وإن كانت من جهة الدلالة تامة إلاّ أنها من جهة السند غير نقية، وذلك لأنّ موسى بن القاسم وإبراهيم بن أبي البلاد ثقتان، وقد نصّ النجاشي على ذلك(1)، وأما الحسن بن خرزاد فهو وإن لم يرد فيه توثيق إلاّ أنه واقع في كتاب نوادر الحكمة(2) ولم يستثنه ابن الوليد فلا بأس في الاعتماد على روايته.
وأما محمد بن الحسن فهو مشترك بين ثلاثة أشخاص يروي عنهم الكشي.
الأول محمد بن الحسن البراني (البراثي)، والثاني محمد بن الحسن البرناني، والثالث محمد بن الحسن بن بندار، ويحتمل أن يكون الأولان متحدين والتعدد نشأ من التصحيف.
أما الأول فقد ذكره الشيخ في الرجال في باب من لم يرو عنهم (علیهم السلام) (3) .
وأما الثالث فقد استظهر الوحيد البهبهاني أنه محمد بن الحسن الأشعري القمي(4) .
ص: 106
فإن كان هو الثالث فهو ثقة، وإن كان الأول والثاني وقلنا بالاتحاد فلم يرد فيه توثيق، وإن قلنا بالتعدد فكذلك، إلاّ أن الكشي لا يروي عن الاشعري بلا واسطة، وإنما يروي عن كتابه لأنه من أصحاب الرضا (علیه السلام) والجواد (علیه السلام) فهو في طبقة أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري، فروايةالكشي عنه بلا واسطة ممتنعة بحسب العادة، وحينئذ يتعين أن يكون المراد أحد الأولين، وحيث لم يرد فيهما توثيق بناء على تعددهما فلا يمكن الاعتماد على هذه الرواية. وأما عمار - فهو أيضاً لم يرد فيه توثيق.
والحاصل: أنّ الروايتين غير قابلتين لأن يستدل بهما في المقام لعدم اعتبار السند فيهما، وعدم وضوح الدلالة في الأولى.
الجهة الثالثة: هل يجوز إجراء الحكم عند التقية أو الخوف أو لا؟
الظاهر هو عدم الجواز كما تقدم بالنسبة إلى سابّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وذلك:
أولاً: للأدلّة العامة الشاملة للمقام.
وثانياً: للروايات الخاصة فإنّ أكثرها دال على عدم الجواز، بل الفحوى القطعية المستفادة مما تقدم في سبّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، وقد قلنا هناك: إنّ الخوف مسقط للوجوب، بل موجب لعدم الجواز فما نحن فيه كذلك.
الموضع الثالث: في من سبّ الصديقة فاطمة الزهراء (علیها السلام) :
والكلام تارة في القذف وأخرى في السب.
أما القذف فالحكم فيه واضح لأنه ارتكاب لما يخالف الضرورة من الدين ولإجماع المسلمين، ولدلالة آية التطهير.
وأمّا السب فالأقوى أنّ حكمه حكم من سبّ الأئمة (علیهم السلام) للعلم بأنّ احترامها وقدسيتها كاحترامهم وقدسيتهم (علیهم السلام)، فما يجري هناك من أحكام يجري هنا أيضاً.
ص: 107
وأما بالنسبة إلى أمّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وسائر أمهات الأئمة (علیهم السلام) وبناتهم وأولادهم فلم يحرز فيه ذلك، إلاّ أن يكون قذفاً أو سبّاً راجعاً إلى نفس النبي أو الأئمة (علیهم السلام) وحينئذ تترتب نفس الأحكام المتقدمة.
والكلام من جهة الحاجة إلى الإذن، ومن جهة التقية هو الكلام في الموضع السابق.
الموضع الرابع: في من سبّ الأنبياء أو أحدهم (علیهم السلام) :
وقد يقوى إلحاقهم بالنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) والأئمة (علیهم السلام) لأنّ كمالهم وتعظيمهم والإيمان بهم معلوم من دين الإسلام بالضرورة، بل قد يقال: إنّه من أركان الإيمان كما يستفاد من قوله تعالى: «لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِوَالنَّبِيِّينَ ...» (1) وقوله تعالى «وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ...(2)، وقوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ ... أُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ حَقّاً ... وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً»(3)، وقوله تعالى: «لَكِنْ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ»(4)، فسبّهم ارتداد عن الدين كما في المسالك(5) وغيره بل في الغنية دعوى إجماع الطائفة(6) عليه.
وأما ما رواه الطبرسي بإسناده في صحيفة الرضا (علیه السلام) عن آبائه (علیهم السلام) عن
ص: 108
رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) قال: من سب نبياً قتل ومن سبّ صاحب نبي جلد(1) .
فهو وإن كان واضح الدلالة إلاّ أن الإشكال من جهة السند.
وفي مقابلها روى الشيخ في المبسوط عن علي (علیه السلام) أنه قال: لا أوتي برجل يذكر أن داود صادف المرأة إلاّ جلدته مائة وستين فإن جلد الناس ثمانون وجلد الأنبياء مائة وستون(2) .
إلاّ أن هذه الرواية ضعيفة السند بالإرسال فلا يمكن الاعتماد عليها.
فيبقى الحكم معتمداً فيه على ما تقدم من الإلحاق بالنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) والأئمة (علیهم السلام) .
ثم إنّ الكلام في هذا الموضع من جهة الاحتياج إلى الإذن في إجراء الحكم، ومن جهة الخوف والتقية هو الكلام في المواضع المتقدمة.
وقد ورد أنّ حكمه حكم الجهاد، ويقع الكلام فيه في مسائل:
وثانياً: دعوى الإجماع بقسميه عليه كما في الجواهر(1) .
وثالثاً: الروايات الواردة في المقام:
ومنها: معتبرة ضريس عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: من حمل السلاح بالليل فهو محارب، إلّا أن يكون رجلاً ليس من أهل الريبة(2) .
وهذه الرواية تدلّ بإطلاقها على أنّ من حمل السلاح ليلاً فهو محارب، وبناء على لزوم دفع المحارب تجب مقاومته، بلا فرق بين كونه قصد شخصاً معيناً أو أحداً من سائر المؤمنين.
ومنها: رواية أنس أو هيثم بن البرا (فزارة أبي هيثم بن برا) قال: قلت لأبي جعفر (علیه السلام): اللص يدخل علي في بيتي يريد نفسي ومالي؟ قال: اقتله (أقتل خ ل) فأشهد الله ومن سمع أنّ دمه في عنقي(3) .
وربما يشكل في دلالة الرواية على الوجوب لورودها في مقام توهم الحظر بقرينة قوله:... أن دمه في عنقي نعم لا إشكال في دلالتها على الجواز، على أنّ في سند الرواية ضعفاً، فلا تصلح لأن تكون دليلاً في المقام .
ومنها: ما يستفاد من عدة روايات - وبعضها صحيح السند - أنّ حكم من أراد الأهل والمال هو وجوب القتل - كما سيأتي - وبالأولوية القطعية تدلّ على وجوب قتل من أراد النفس.
ومنها: ما أورده في المستدرك عن الجعفريات بسنده عن جعفر بن محمد عن جده علي بن الحسين عن أبيه عن علي (علیه السلام) قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): من شهر سيفه فدمه هدر(4) .
ص: 110
إلاّ أنها ضعيفة السند والدلالة فتكون مؤيدة وغيرها من الروايات.
ثم إنه بمقتضى إطلاق أدلّة وجوب حفظ النفس وعدم جواز تعريضها للتهلكة، يجب الدفاع بمقدار ما يتمكّن وإن لم يرجُ السلامة، ولا يسوغ تسليم النفس للمعتدي والاستسلام إليه، نعم إذا ظن السلامة بالكف أو الهرب وجب عليه ذلك مقدمة للحفظ والنجاة.
الجهة الثانية: في كيفية الدفاع :
وهي تارة في دفع المعتدي ابتداء، وأخرى في دفعه بعد اعتدائه وهجومه.
أما الأولى فظاهر الأصحاب بغير خلاف - كما في الجواهر(1) - مراعاة الترتيب في دفعه، قال المحقق في الشرائع: يجب اعتماد الأسهل فلو اندفع الخصم بالصياح اقتصر عليه إن كان في موضع يلحقه المنجد، وإن لم يندفع عول على اليد، فإن لم تغن فبالعصا، فإن لم تكف فبالسلاح(2) .
وبناء على ذلك فلا يسوغ اعتماد الأشد أولاً في الدفاع.
وأما الثانية فكذلك وقد ادعي عدم الخلاف فيه، وبناء عليه فلو اندفع الخصم بجرح واحد أو بضربة واحدة بحيث يتعطّل عن الحركة فلابدّ من الاقتصار على ذلك، ولا يجوز له أن يزيد على ذلك بأن يجرحه ثانية فضلاً عن أن يقتله، وحينئذ لو زاد في ضربه أو جرحه على ما يندفع به فعليه الضمان، ولو ضربه مقبلاً فقطع يده فلا ضمان على الضارب، ولكن لو ولّى معرضاً عما كان عليه فضربه أخرى فالثانية مضمونة لأنّها تعدّ عليه، وهكذا بالنسبة إلى غيرها.
ولكن المستفاد من إطلاق الروايات الدالة على جواز الدفاع أنّ للدافع
ص: 111
حقاً في أن يقتل المعتدي وأنّ القتل حدّه، وله أن يقدم عليه من دون مراعاة للترتيب ولو أدى ذلك إلى قتله بلا فرق بين ما كان ابتدائياً أو غيره .
ولو لم يكن القول به خلاف المشهور لكان الوجه هو ما ذكرناه، ولكنمع ذهاب الأصحاب بل دعوى عدم الخلاف منهم فمقتضى الاحتياط هو مراعاة الترتيب في الابتداء وأولى منه في ما بعد ذلك .
الجهة الثالثة: إن الحكم بوجوب دفع المعتدي لا يختصّ بالنفس بل يجب دفعه أيضاً عن غيره من سائر المؤمنين، وإليه ذهب العلامة في التحرير(1) وكاشف اللثام(2) وغيرهما وذلك للأصل، ولعموم الإعانة على البر وللنصوص الخاصة الواردة في المقام، ومنها: معتبرة السكوني عن جعفر، عن أبيه، عن آبائه قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): من سمع رجلاً ينادي: يا للمسلمين فلم يجبه فليس بمسلم(3) .
ويؤيدها رواية الأصبغ بن نباتة قال: قال أمير المؤمنين (علیه السلام): يضحك الله إلى رجل في كتيبة يعرض لهم سبع أو لص فحماهم أن (حتى) يجوزوا(4) .
وغير ذلك من الروايات .
والحاصل: أنّه لا إشكال في شمول الحكم للنفس وللغير .
الجهة الرابعة: ورد في بعض الروايات إطلاق الشهيد على من قتل دفاعاً عن نفسه أو عن غيره من المؤمنين، كما في صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله(علیه السلام) قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): من قتل دون مظلمته فهو شهيد(5) .
ص: 112
وفي صحيحة أبي مريم عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): من قتل دون مظلمته فهو شهيد، ثم قال: يا أبا مريم هل تدري ما دون مظلمته؟ قلت: جعلت فداك الرجل يقتل دون أهله وماله وأشباه ذلك، فقال: يا أبا مريم إنّ من الفقه عرفان الحق(1) .
وغير ذلك من الروايات، وليس المراد هو ترتيب أحكام الشهيد المقتول بين يدي المعصوم في المعركة، بل هو محمول على الشهيد في الأجر والثواب، وقد ورد نظير ذلك في المؤمن يموت ليلة الجمعة أو يومها(2) ومن مات على حب آل محمد(صلی الله علیه و آله و سلم) (3)، والمرأة التي يأسرها العدوويعتدى عليها حتى تموت(4) ويشهد على ذلك صحيحة الحسين بن أبي العلاء قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن الرجل يقاتل دون ماله، فقال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): من قتل دون ماله فهو بمنزلة الشهيد، فقلت: أيقاتل أفضل أو لا (لم خ ل) يقاتل؟ فقال: إن لم يقاتل فلا بأس، أما أنا فلو كنت لم أقاتل وتركته(5) .
وموضع الشاهد قوله: فهو بمنزلة الشهيد حيث لم يعتبره شهيداً حقيقة، ولذا فإنّ أحكام الشهيد لا تترتّب عليه كما هو واضح.
الجهة الخامسة: إذا اقتضى الدفاع عن الغير خوف تلف النفس لتقيّة أو غيرها فهل يجب أو لا؟ وفي المقام عدة صور:
الصورة الأولى: أن يعلم أو يظن بسلامتهما معاً - النفس والغير - ولا إشكال
ص: 113
حينئذ في وجوب الدفاع .
الصورة الثانية: أن يعلم أو يظن بعدم سلامتهما ولكن لو لم يدافع يبقى هو سالماً ولا يبعد - في هذه الصورة - عدم الوجوب، بل عدم الجواز لأنّ الضررين وردا على شخص واحد، فلابدّ من تحمل أقلهما وهو تلف شخص واحد، وبعبارة أخرى: إن تلف الآخر - الغير - قطعي سواء أقدم هذا على الدفاع أو لا، فلا يكون الدفاع عنه موجباً لحفظه، وإنّما يتحقق به جلب الضرر على نفسه فقط، بل يكون من مصاديق إلقاء النفس في التهلكة ولا إشكال في عدم جوازه لأنّ ضرر الغير هنا لا محالة متحقق - حسب الفرض - فبدفاعه يوجب ضرراً آخر لا مقتضي له، وسيأتي ما ينفع في المقام.
الصورة الثالثة: أن يعلم بسلامة الغير ولكن يعلم أو يظن بتلف نفسه، وفي هذه الصورة هل يكون من التزاحم فيجب مراعاة الأهم إذا كان، أو يحكم بالتساقط والرجوع إلى الأصل، أو التخيير، أو القرعة، أو يحكم بعدم وجوب الإقدام على الدفاع عن الغير مطلقاً لأنّه:
أولاً: يدخل في كبرى عدم وجوب تحمّل ضرر الغير بتوجيهه إلى نفسه من جهة الحرج أو عدم القدرة.
وثانياً: بانصراف القاعدة - قاعدة نفي الضرر - إلى غير هذه الصورة لأنّها شرعت منّة، ولا منّة في تلف النفس لحفظ الغير، فتكون مختصة بغير هذه الصورة. فيها وجوه سيأتي تفصيلها.نعم إذا قام دليل خاص على أهمية الغير وتقديم حفظه على حفظ النفس كما إذا كان الغير نبياً أو إماماً فهذا أمر آخر.
وفي هذه الصور الثلاث يكون الضرران راجعين إلى النفس.
الصورة الرابعة: أن يكون ضرر الغير عرضياً، وضرر المدافع نفسياً، ولا
ص: 114
إشكال في عدم وجوب الدفاع.
الصورة الخامسة: أن يكون ضرر الغير مالياً، وضرر المدافع نفسياً، والحكم فيها حكم الصورة السابقة.
الصورة السادسة: أن يكون ضرر الغير نفسياً، وضرر المدافع عرضياً أو مالياً، وحكم هذه الصورة وإن كان بحسب القاعدة المتقدمة هو عدم وجوب التحمّل، ولكن الاحتياط اللازم هو التحمل ولا سيما إذا كان ضرر المدافع مالياً.
هذا ما وسعنا ذكره من هذه الجهة على نحو الاختصار، ولم نقف على من تعرّض لهذه الجهة - بهذا النحو - في كلمات الفقهاء وسيأتي بعض ما يتعلق بذلك.
والمراد بالأهل الزوجة والجارية والولد والأم، وفي رواية بنت العم والقرابة(1).
والكلام فيها يقع في جهات:
الأولى في أصل الحكم:
ولا إشكال في جواز قتال من يعتدي أو أراد الاعتداء على الأهل. ويدلّ عليه:
أولاً: دعوى الإجماع بقسميه عليه(2) .
وثانياً: الفحوى القطعية مما دل على جواز القتال دفاعاً عن المال.
وثالثاً: النصوص الكثيرة الواردة في المقام ومنها:
معتبرة أبي مريم المتقدمة حيث أقرّه الإمام (علیه السلام) على كلامه وأمضاه(3) .
ومنها: رواية أبي أيوب (الخزاز) قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: من
ص: 115
دخل على مؤمن داره محارباً له فدمه مباح في تلك الحال للمؤمن، وهي في عنقي(1) .
وهذه الرواية من جهة الدلالة واضحة، وأما من جهة السند فهي وإن رواها الشيخ في المجالس والأخبار بسنده عن صفوان بن يحيى عن الحسين بن أبي عقدر ]غندر[ عن أبي أيوب وفي سند الشيخ قبل صفوان إشكال لاشتماله على من لم يرد فيه توثيق، إلاّ أنه يروي جميع روايات وكتب صفوان بن يحيى بطريق معتبر(2) فتكون هذه الرواية داخلة في مروياته، هذا من جانب ومن جانب آخر إنّ كل من وقع في السند بعد صفوان بن يحيى إما محكوم بالوثاقة كالحسين بن أبي عقدر ]غندر[ لرواية صفوان عنه وإما منصوص على وثاقته كأبي أيوب(3) .
وبناء على هذا فتكون الرواية معتبرة، ويمكن الاعتماد عليها من هذه الجهة أيضاً.
ومنها: موثقة غياث بن إبراهيم عن جعفر عن أبيه أنّه قال: إذا دخل عليك رجل يريد أهلك ومالك فابدره بالضربة إن استطعت، فإنّ اللص محارب لله ولرسوله (صلی الله علیه و آله و سلم) فما تبعك منه من شيء فهو عليّ(4) .
وهذه الرواية ونظائرها - كما سيأتي - وإن ادعي دلالة ظاهرها على الوجوب لكن لما كانت واردة في مقام توهم الحظر فلا يمكن الجزم بدلالتها على الوجوب والقدر المتيقن منها هو الجواز.
والشاهد على ذلك اقتران الأهل بالمال في الرواية، وسيأتي أنه لا يجب الدفاع عن المال إلاّ أن يرجع إلى حفظ النفس كأن يترتب على أخذ ماله هلاكه فيجب حينئذ.
ص: 116
والحاصل: أنّ حكم الدفاع عن الأهل هو الجواز.
وأما القول بالوجوب فهو الظاهر من القواعد(1) والمسالك(2) وكشف اللثام(3) مقيّدا بالإمكان ورجاء السلامة، بخلاف المسألة المتقدمة فإنّالدفاع واجب حتى مع عدم ظنّ السلامة، ويمكن أن يستدل له بعدة روايات:
منها: موثقة غياث المتقدمة، وتقدم الجواب عنها.
ومنها: معتبرة الحسين بن علوان عن جعفر عن أبيه (علیه السلام) قال: كان علي بن أبي طالب(علیه السلام) يقول: من دخل عليه لص فليبدره بالضربة فما تبعه من إثم فأنا شريكه فيه(4) .
والاستدلال بهذه الرواية إما لجهة إطلاقها الشامل للأهل، وإما للأولوية المستفادة بالقياس إلى المال، مضافاً إلى أنها اشتملت على الأمر الظاهر في الوجوب.
وفيه أنّ استفادة الوجوب منها مشكل وذلك لأنّها واردة في اللص فالقدر المتيقن منها هو إرادة المال، وسيأتي عدم وجوب الدفاع عن المال، مضافاً إلى احتمال ورود الرواية في مقام توهم الحظر بقرينة ذيل الرواية، فلا يمكن الجزم بدلالة الرواية على الوجوب.
ومنها: ما رواه الشيخ في التهذيب بسنده عن السكوني عن جعفر عن أبيه (علیه السلام) قال: إنّ الله ليمقت العبد يدخل عليه في بيته فلا يقاتل(5) .
وفي رواية الكليني عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قال أمير المؤمنين صلوات الله
ص: 117
عليه : إنّ الله ليمقت الرجل يدخل عليه اللصّ في بيته فلا يحارب(1) .
وكلا السندين معتبر.
والاستدلال بهذه الرواية هو أنّ معنى المقت: أشد البغض عن أمر قبيح(2) والمستفاد من ذلك هو الوجوب، وبمضمونها عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال: يبغض الله تبارك وتعالى رجلاً (إنّ الله عزوجل يبغض الرجل خ ل) يدخل عليه في بيته فلا يقاتل(3) .
وكلتا الروايتين لا دلالة فيهما على الوجوب، إذ من المحتمل أن يكون المراد من المقت والبغض التنزيه، وقد ورد نظير ذلك في بعضالمكروهات أو ترك بعض المستحبات، مضافاً إلى أنّ الرواية الأخيرة ضعيفة السند.
والحاصل: أنّ استفادة الوجوب من هذه الروايات مشكل.
هذا كله مع الظن بالسلامة، وأما مع عدم الظن أو الظن بالعدم فعلى القول بعدم الوجوب - كما هو الأقوى - فلا كلام في عدم الجواز، وأما بناء على القول بالوجوب فهل يجوز القتال أو لا؟
الظاهر عدم الجواز فإنّ هذه الروايات وإن كانت مطلقة إلاّ أنّ ما دل على وجوب حفظ النفس مقدم على هذه الإطلاقات، إذ لا إشكال في أهمية حفظ النفس على حفظ العرض.
والشاهد على ذلك ما رواه الشيخ المفيد في الإرشاد قال: روى العامة والخاصة أنّ امرأة شهد عليها الشهود أنّهم وجدوها في بعض مياه العرب مع رجل يطأها وليس ببعل لها فأمر عمر برجمها، وكانت ذات بعل فقالت: اللهم إنك تعلم أني برية فغضب عمر وقال: وتجرح الشهود أيضاً؟ فقال أمير المؤمنين(علیه السلام)
ص: 118
ردّوها واسألوها، فلعلّ لها عذراً فردّت وسئلت عن حالها؟ فقالت: كان لأهلي إبل فخرجت مع إبل أهلي وحملت معي ماء ولم يكن في ابلي لبن وخرج معي خليطنا وكان في إبل له فنفد مائي فاستسقيته فأبى أن يسقيني حتى أمكّنه من نفسي فأبيت، فلمّا كادت نفسي أن تخرج أمكنته من نفسي كرهاً، فقال أمير المؤمنين (علیه السلام): الله أكبر «فمن اضطرّ غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه» فلما سمع عمر ذلك خلّى سبيلها(1) .
نعم يظهر من رواية البرقي عن الرضا (علیه السلام) عن الرجل يكون في السفر ومعه جارية له فيجيء قوم يريدون أخذ جاريته أيمنع جاريته من أن تؤخذ وإن خاف على نفسه القتل؟ قال: نعم، قلت: وكذلك إذا كانت معه امرأة؟ قال: نعم، قلت: وكذلك الأم والبنت وابنة العم والقرابة يمنعهن وإن خاف على نفسه القتل؟ قال: نعم، قلت: وكذلك المال يريدون أخذه في سفر فيمنعه وإن خاف القتل؟ قال: نعم(2) .
جواز القتال وإن خاف على نفسه القتل، إلاّ أنّ الرواية ضعيفة بالإرسال فلا يعتمد عليها.
ثم إنّ ما ورد من إطلاق الروايات الكثيرة من أنّ من قتل دون أهلهوماله فهو شهيد، محمول على الرجاء وظن السلامة كما هو الغالب عرفاً في الإقدام على القتال دفاعاً عن الأهل والمال دون الأعم.
فما في الجواهر من أنّ وجوب حفظ العرض كوجوب حفظ النفس(3) ليس على إطلاقه، نعم هو ثابت فيما إذا لم يصل إلى حدّ القتل، وأمّا إذا بلغ إلى هذا الحدّ فهو أول الكلام، وأمّا ما أفاده من أهمية العرض من النفس عند ذوي النفوس الأبية فلابدّ من دفع الأقل ضرراً بالأعظم(4)، فهو مجرد استحسان لا يصلح عدّه
ص: 119
مدركاً للحكم.
الجهة الثانية: إنّ ثبوت الحكم وإجراءه بالنسبة إلى الأهل أولى من الولي بذلك فللمرأة والجارية والأم وغيرهن أن يدفعن عن أنفسهن بلا إشكال، ويدل على ذلك صحيحة عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول في رجل أراد امرأة على نفسها حراماً فرمته بحجر فأصابت منه مقتلاً، قال: ليس عليها شيء فيما بينها وبين الله عزوجل، وإن قدمت إلى إمام عادل أهدر دمه(1) .
الجهة الثالثة: في كيفية الدفاع:
وهي نفس الكيفية المتقدمة في الدفاع عن النفس، فإن قلنا برعاية الترتيب والأخذ بالأسهل فالأشد كما تقدم فلابدّ من مراعاته هنا أيضاً.
الجهة الرابعة: إذا تعرض إلى هتك العرض في مورد التقية فهل يجوز الدفاع أو لا؟ ويمكن استفادة الحكم مما تقدم في الجهة الثانية.
والكلام فيها من جهات:
الأولى: في أصل الحكم:
ولا إشكال في جواز الدفاع عن المال، ويدلّ عليه:
أولاً: الإجماع(2) كما ادعاه في الجواهر.
وثانياً: عدة من الروايات الخاصة الواردة في المقام:
منها: موثقة السكوني عن جعفر عن أبيه عن علي (علیه السلام) أنه أتاه رجل فقال: يا أمير المؤمنين إنّ لصاً دخل على امرأتي فسرق حليّها (حليتها خل) فقال: أما إنه لو دخل على ابن صفية لما رضي بذلك حتى يعمه بالسيف(3) .
والمستفاد من الرواية جواز الدفاع عن المال.
ص: 120
ومنها: صحيحة أبي مريم المتقدمة وموضع الشاهد منها قوله: يقتل دون أهله وماله وأشباه ذلك ...(1) الخ، وهذه الرواية كالسابقة في الدلالة.
ومنها: صحيحة الحسين بن أبي العلاء المتقدمة أيضاً، وموضع الشاهد قوله: من قتل دون ماله فهو بمنزلة الشهيد(2) . وغيرها من الروايات.
ثم إنه لا فرق في ذلك بين ماله ومال غيره، ويدل عليه معتبرة السكوني المتقدمة عن جعفر عن أبيه عن آبائه (علیهم السلام) قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): من سمع رجلاً ينادي ياللمسلمين فلم يجبه فليس بمسلم(3) .
ومنها: رواية الأصبغ المتقدمة أيضاً قال: قال أمير المؤمنين (علیه السلام): يضحك الله إلى رجل في كتيبة يعرض لهم سبع أو لص فحماهم أن يجوزوا(4) .
ومنها: رواية فطر بن خليفة عن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه قال: قال أمير المؤمنين(علیه السلام): قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): من ردّ عن قوم من المسلمين عادية ماء أو نار وجبت له الجنة(5).
والحاصل: أنه لا إشكال في أصل الحكم ومشروعيته.
ولكن وقع الخلاف في جواز ذلك أو وجوبه وفي المقام قولان:
ذهب كاشف اللثام - كما في الجواهر(6) - إلى أنه: لو قدر على الدفع عن غيره فالأقوى كما في التحرير الوجوب مع أمن الضرر(7).
وذهب في القواعد إلى أنّ للإنسان أن يدافع عن ماله كما يدافع عن نفسه
ص: 121
وإن قلّ لكن لا يجب(1)، والظاهر أنّ المستفاد من الجمع بين الروايات هو القول الثاني، فإنّه قد ورد في بعض الروايات المتقدمة مما ظاهره الوجوبكقوله في معتبرة السكوني: إنّ الله ليمقت العبد يدخل عليه في بيته فلا يقاتل (ولا يحارب)(2) .
وقوله في معتبرة الحسين بن علوان: من دخل عليه لص فليبدره بالضربة(3) .
كما ورد في بعضها التصريح بعدم الوجوب كما في صحيحة الحسين بن أبي العلاء المتقدمة ففي ذيلها: فقلت: أيقاتل أفضل أو لا (لم خ ل) يقاتل؟ فقال: إن لم يقاتل فلا بأس، أما أنا فلو كنت لم أقاتل وتركته(4) .
ومقتضى الجمع بين الروايات هو الجواز.
الجهة الثانية: هل يجوز الدفاع عن المال عند التقية وخوف تلف النفس أو لا؟
والظاهر عدم الجواز لتقديم أدلة الاضطرار والتقية ووجوب حفظ النفس، وعليه فما ورد من الروايات المطلقة الدالة على الدفاع عن المال وأن من قتل دون ماله فهو شهيد أو قتل دون مظلمته فهو شهيد، محمول على صورة رجاء السلامة وعدم التلف، كما هو الغالب عرفاً في إقدام الناس على الدفاع عن أموالهم كما ذكرنا في المسألة السابقة.
الجهة الثالثة: من اطلع على قوم في دارهم لينظر إلى عوراتهم فلهم زجره، ولو توقف ذلك على جرحه أو فقأ عينه جاز ولا دية عليهم.
ويدل على ذلك: أولاً: دعوى عدم الخلاف بل الإجماع حيث استدل الشيخ (قدس سره) بإجماع الفرقة كما في الخلاف(5) وادعاه في الجواهر قدس سره (6) بكلا قسميه.
ص: 122
وثانياً: النصوص الكثيرة الواردة في المقام:
منها: معتبرة عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: اطلع رجل على النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) من الجريد، فقال له النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): لو أعلم أنّك تثبت لي لقمت إليك بالمشقص حتى أفقأ به عينيك، قال: فقلت له: وذاك لنا؟ فقال: ويحك أو ويلك أقول لك: إنّ رسول الله فعل وتقول: ذاك لنا(1) ؟ومنها: صحيحته الأخرى بهذا المضمون قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: بينما رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) في حجراته مع بعض أزواجه ومعه معاذل يقلبها، إذ بصر بعينين تطلعان، فقال: لو أعلم أنك تثبت لي لقمت حتى أبخسك، فقلت: نفعل نحن مثل هذا إن فعل مثله فقال: إن خفي لك فافعله(2).
وفي معنى ابخسك اختلاف، والظاهر كما في حاشية الوسائل أنه من البخس بمعنى النقصان وابخسك أي انقصك، وقال العلامة المجلسي (قدس سره): وقوله: «إن خفى لك» أي لم يطلع عليه أحد فيقتص منك(3) .
وعلى أي حال فدلالة الروايتين واضحة كما أنّ سنديهما معتبران.
ومنها: صحيحة حماد بن عيسى عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: بينما رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في بعض حجراته إذ اطّلع رجل في شق الباب وبيد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) مدارة فقال: لو كنت قريباً منك لفقأت به عينك(4) .
ومنها: صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: عورة المؤمن على المؤمن حرام، وقال: من اطلع على مؤمن في منزله فعيناه مباحة للمؤمن في تلك الحال،
ص: 123
ومن دمر على مؤمن بغير إذنه فدمه مباح للمؤمن في تلك الحالة(1) الحديث.
وغيرها من الروايات، فلا إشكال في أصل الحكم ومشروعيته.
وقد ورد في بعض الروايات أنّه لو قتل فلا قود على القاتل كما في معتبرة العلاء بن الفضيل عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: إذا اطلع رجل على قوم يشرف عليهم أو ينظر من خلل شيء لهم فرموه فأصابوه فقتلوه أو فقأوا عينيه فليس عليهم غرم وقال: إنّ رجلاً اطلع من خلل حجرة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فجاء رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بمشقص ليفقأ عينه فوجده قد انطلق فقال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): أي خبيث أما والله لو ثبت لي لفقأت عينك (2) .
والرواية من جهة السند وإن كان فيها محمد بن سنان إلاّ أنّنا رجّحنا العمل بروايته، وقد حققنا ذلك في محلّه، كما أنها من جهة الدلالة واضحة.ومنها: صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (علیه السلام) في حديث قال: أيّما رجل اطلع على قوم في دارهم لينظر إلى عوراتهم ففقؤا عينه أو جرحوه فلا دية عليهم وقال: من اعتدى فاعتدي عليه فلا قود له(3) .
وأما بالنسبة إلى كيفية الدفاع وبقية الأحكام فكما تقدم في المسألتين السابقتين.
بقي الكلام في القسم الأخير وهو الجهاد من أجل إقامة الدولة وسيأتي الكلام حوله في المبحث الرابع ضمن البحث حول ولاية الفقيه بإذن الله تعالى.
والحمد لله رب العالمين
ص: 124
العمل لسلاطين الجور جائز في حدود
كفّارة عمل السلطان
لماذا قبل الإمام الرضا (علیه السلام) ولاية العهد
هل يجوز الإضرار بالغير إذا اقتضته التقيّة؟
استقصاء جميع صور الإضرار بالغير نفساً وعرضاً ومالاً والتحقيق فيها
صور دوران الضرر بين النفس والغير وما هو المقدّم منها؟
خطر الإفتاء بغير علم
التحاكم إلى الظالمين وأثره التكويني والتشريعي
هل يجوز الاعتماد على حكم قاضي الجور كيف ومتى؟؟
ص: 125
ص: 126
ذكرنا أنّ الولاية من قبل السلطان الجائر على ثلاثة أنحاء:
الأول: في السياسة والنظام وشؤون الحكم والإدارة.
الثاني: في جباية الأموال والصدقات.
الثالث: في الفتوى والقضاء.
ويقع البحث فيها في مقامات أربعة:
ولا إشكال في حرمة إعانة سلاطين الجور في الجملة، وأنّها من الكبائر بالأدلة الأربعة، بل عدّ من الضروريات المستغنية عن ذكر ما يدل عليها، كما في الجواهر(1)، ويدلّ عليها من الكتاب قوله تعالى: «وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ»(2) قال في مجمع البيان: أي ولا تميلوا إلى المشركين في شيء من دينكم عن ابن عباس، وقيل: لا تداهنوا الظلمة عن السدي وابن زيد، وقيل: إنّ الركون إلى الظالمين المنهي عنه هو الدخول معهم في ظلمهم وإظهار الرضا بفعلهم وإظهار موالاتهم ... وقريب منه ما روي عنهم (علیهم السلام) أنّ الركون المودة والنصيحة والطاعة(3) .
ص: 127
وقال في الميزان: إنّ الآية بما لها من السياق المؤيد بإشعار المقام إنّما تنهى عن الركون إلى الذين ظلموا فيما هم فيه ظالمون، أي بناء المسلمين دينهم الحق أو حياتهم الدينية على شيء من ظلمهم ... (1) .
وأما دلالة العقل فإن في ذلك دروساً للحق وإحياء للباطل وإظهاراً للظلم والجور والفساد وإبطالاً للكتب وقتلاً للأنبياء وهدماً للمساجد وإبعاداً لعباد الله عن استكمال نفوسهم بالكمالات الإنسانية والصفات الإلهية وسوقهم إلى حضيض الخصائص الحيوانية بل الشيطانية، وقد وردت هذه المضامين في تحف العقول(2)، ولا إشكال في دلالة ذلك علىالحرمة.
وأما دلالة الروايات عليها فهي جليّة، وقد وردت الروايات الكثيرة بل المتواترة الدالة على النهي وهي على طوائف:
الطائفة الأولى: ما ورد في أنّ من دخل في عملهم فهو في النار، وأنه ليس من الدين في شيء، كصحيحة ابن أبي يعفور قال: كنت عند أبي عبد الله (علیه السلام) إذ دخل «فدخل خ ل» عليه رجل من أصحابنا، فقال له: جعلت فداك «أصلحك الله خ ل» إنّه ربما أصاب الرجل منّا الضيق أو الشدة فيدعى إلى البناء يبنيه، أو النهر يكريه، أو المسنّاة يصلحها، فما تقول في ذلك؟ فقال أبو عبد الله (علیه السلام): ما أحبّ أنّي عقدت لهم عقدة أو وكيت لهم وكاء وإن لي بين لابتيها لا ولا مدة بقلم إنّ أعوان الظلمة يوم القيامة في سرادق من نار حتى يحكم الله بين العباد(3) .
وصحيحة أبي بصير قال: سألت أبا جعفر (علیه السلام) عن أعمالهم؟ فقال لي: يا أبا محمد لا، ولا مدة قلم، إنّ أحدهم - وفي التهذيب(4) أحدكم - لا يصيب من
ص: 128
دنياهم شيئاً إلاّ أصابوا من دينه مثله، أو حتى يصيبوا من دينه مثله(1) .
وصحيحة الوليد بن صبيح قال: دخلت على أبي عبد الله (علیه السلام) فاستقبلني زرارة خارجاً من عنده، فقال لي أبو عبد الله (علیه السلام): يا وليد أما تعجب من زرارة؟ سألني عن أعمال هؤلاء أي شيء كان يريد؟ أيريد أن أقول له: لا، فيروي ذاك «ذلك خ ل» علي، ثم قال: يا وليد متى كانت الشيعة تسألهم عن أعمالهم؟ إنما كانت الشيعة تقول: يؤكل من طعامهم ويشرب من شرابهم ويستظل بظلهم؟ متى كانت الشيعة تسأل من هذا(2)؟
وموثقة مسعدة بن صدقة قال: سأل رجل أبا عبد الله (علیه السلام) عن قوم من الشيعة يدخلون في أعمال السلطان يعملون لهم، ويجبون لهم، ويوالونهم قال: ليس هم من الشيعة، ولكنّهم من أولئك، ثم قرأ أبو عبد الله (علیه السلام) هذه الآية: «لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ»(3) إلى قوله: «وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ» قال: الخنازير علىلسان داود، والقردة على لسان عيسى «كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ» قال: كانوا يأكلون لحم الخنزير ويشربون الخمور، ويأتون النساء أيام حيضهن، ثم احتجّ الله على المؤمنين الموالين للكفار فقال: «تَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ»(4) إلى قوله: «وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ» فنهى الله عزّ وجلّ أن يوالي المؤمن الكافر إلاّ عند التقية(5) .
ورواية علي بن أبي حمزة قال: كان لي صديق من كتاب بني أمية فقال لي:
ص: 129
استأذن لي على أبي عبد الله (علیه السلام) فاستأذنت له «عليه» فأذن له، فلّما أن دخل سلّم وجلس ثم قال: جعلت فداك إني كنت في ديوان هؤلاء القوم فأصبت من دنياهم مالاً كثيراً وأغمضت في مطالبه، فقال أبو عبد الله (علیه السلام): لولا أنّ بني أمية وجدوا لهم من يكتب، ويجبي لهم الفيء ويقاتل عنهم، ويشهد جماعتهم لما سلبونا حقّنا، ولو تركهم الناس وما في أيديهم ما وجدوا شيئاً إلاّ ما وقع في أيديهم، قال: فقال الفتى: جعلت فداك فهل لي مخرج منه؟ قال: إن قلت لك تفعل؟ قال: أفعل، قال له: فاخرج من جميع ما كسبت «اكتسبت» في ديوانهم فمن عرفت منهم رددت عليه ماله، ومن لم تعرف تصدقت به، وأنا أضمن لك على الله عزوجل الجنّة، فأطرق الفتى طويلاً ثم قال له: لقد فعلت جعلت فداك، قال ابن أبي حمزة: فرجع الفتى معنا إلى الكوفة فما ترك شيئاً على وجه الأرض إلاّ خرج منه حتى ثيابه التي كانت على بدنه، قال: فقسمت له قسمة واشترينا له ثياباً وبعثنا إليه بنفقة، قال: فما أتى عليه إلاّ أشهر قلائل حتى مرض فكنّا نعوده قال: فدخلت يوماً وهو في السوق قال: ففتح عينيه ثم قال لي: يا علي وفى لي والله صاحبك، قال: ثم مات فتولينا أمره، فخرجت حتى دخلت على أبي عبد الله (علیه السلام)، فلما نظر إليّ قال لي: يا علي وفينا والله لصاحبك، قال: فقلت: صدقت جعلت فداك، والله هكذا والله قال لي عند موته(1) .
ورواية يحيى بن إبرهيم بن مهاجر قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): فلان يقرؤك السلام وفلان وفلان، فقال: وعليهم السلام، قلت: يسألونك الدعاء قال: ما لهم؟ قلت: حبسهم أبو جعفر، فقال: وما لهم وما له؟ فقلت: استعملهم فحبسهم، فقال: وما لهم وما له؟ ألم أنههم؟ ألم أنههم؟ ألم أنههم؟هم النار، هم النار، هم النار، ثم قال: اللهم اجدع عنهم سلطانهم، قال: فانصرفنا من مكة
ص: 130
فسألنا عنهم، فإذا هم قد أخرجوا بعد الكلام بثلاثة أيام(1) .
وغيرها من الروايات الكثيرة، وسيأتي ما يدل على ذلك أيضاً، ودلالة هذه الطائفة على الحرمة واضحة.
الطائفة الثانية: ما دل على النهي عن حب بقائهم، كموثقة عياض والصحيح - فضيل بن عياض - عن أبي عبد الله (علیه السلام) في حديث قال: ومن أحبّ بقاء الظالمين فقد أحبّ أن يعصى الله(2).
وموثقة صفوان بن مهران الجمال قال: دخلت على أبي الحسن الأول (علیه السلام) فقال لي: يا صفوان كلّ شيء منك حسن جميل ما خلا شيئاً واحداً، قلت: جعلت فداك أيّ شيء؟ قال: إكراؤك جمالك من هذا الرجل يعني هارون، قال: والله ما أكريته أشراً ولا بطراً ولا للصيد ولا للهو، ولكنّي أكريته لهذا الطريق يعني طريق مكة، ولا أتولاه بنفسي ولكن أبعث معه غلماني، فقال لي: يا صفوان أيقع كراؤك عليهم؟ قلت: نعم جعلت فداك، قال: فقال لي: أتحبّ بقاءهم حتى يخرج كراؤك؟ قلت: نعم، قال: من أحبّ بقاءهم فهو منهم، ومن كان منهم كان ورد النار...(3) الخ.
ومرفوعة سهل بن زياد عن أبي عبد الله (علیه السلام) في قول الله عزوجل: «ولا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ»(4) قال: هو الرجل يأتي السلطان فيحبّ بقاءه إلى أن يدخل يده إلى كيسه فيعطيه(5) .
وغيرها من الروايات ودلالتها على الحرمة واضحة.
ص: 131
الطائفة الثالثة: ما دل على النهي عن تهنئتهم والنظر إليهم، كصحيحة محمد بن مسلم قال: كنا عند أبي جعفر (علیه السلام) على باب داره بالمدينة فنظر إلى الناس يمرّون أفواجاً فقال لبعض من عنده: حدث بالمدينة أمر؟ فقال: أصلحك الله «جعلت فداك خ ل» ولي بالمدينة وال فغدا الناس «إليه» يهنؤنه، فقال: إنّ الرجل ليغدى عليه بالأمر يهنّى به وإنّه لباب من أبواب النار(1) .ورواية سليمان الجعفري قال: قلت لأبي الحسن الرضا (علیه السلام): ما تقول في أعمال السلطان؟ فقال: يا سليمان الدخول في أعمالهم والعون لهم والسعي في حوائجهم عديل الكفر، والنظر إليهم على العمد من الكبائر التي يستحق بها النار(2) .
الطائفة الرابعة: ما دلّ على النهي عن تسويد الإسم في ديوانهم كرواية الشيخ في التهذيب بسنده عن ابن بنت الوليد بن صبيح الكاهلي عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: من سوّد اسمه في ديوان ولد سابع حشره الله يوم القيامة خنزيراً(3) .
وهذه الرواية وإن ذكر فيها ولد سابع وهو مقلوب عباس، وبإلغاء الخصوصية يمكن الشمول إلى كل جائر.
ورواية الصدوق في عقاب الأعمال بسنده عن ابن بنت الوليد بن صبيح عن الكاهلي عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: من سوّد اسمه في ديوان الجبّارين من ولد فلان حشره الله يوم القيامة حيراناً(4) .
والرواية وإن كانت من حيث المضمون كالرواية السابقة إلاّ أنّ الاختلاف من جهة السند فإن الكاهلي ورد في الرواية الأولى لقباً لوليد بن صبيح وفي الثانية لقباً لشخص آخر روى عنه الوليد وعلى كلّ تقدير فلم يرد توثيق لابن بنت
ص: 132
الوليد فهما من هذه الجهة ضعيفتان وإن كانتا من جهة الدلالة واضحتين.
الطائفة الخامسة: ما دل على النهي عن معاونتهم في كل شيء ولو في مدة قلم أو ربط كيس، كموثقة السكوني عن جعفر بن محمد عن آبائه (علیهم السلام) قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): إذا كان يوم القيامة نادى مناد أين أعوان الظلمة ومن لاق لهم دواة أو ربط كيساً أو مدّ لهم مدّة قلم فاحشروهم معهم(1) .
وما رواه ورام بن أبي فراس في كتابه قال: وقال (علیه السلام): إذا كان يوم القيامة نادى مناد : أين الظلمة وأعوان الظلمة وأشباه الظلمة؟ حتى من برى لهم قلماً ولاق لهم دواة، قال: فيجتمعون في تابوت من حديد ثم يرمى بهم في جهنم(2) .وغيرها من الروايات وبعضها تقدم ذكره.
والحاصل: أنّ الحكم بالحرمة مما لا إشكال فيه، وقد دلّت الأدلة الأربعة عليه.
والمنسوب إلى المشهور أنّ الحرمة تختصّ بما إذا كان العمل عوناً لهم على الظلم، وأمّا ما لا يكون كذلك كالحياكة والخياطة، والبناء، ونحوها فليس بحرام.
وذهب صاحب الحدائق (قدس سره) إلى القول بالحرمة مطلقاً مدعياً صراحة الأخبار في دلالتها على المنع(3) .
وفصّل الشيخ الأنصاري (قدس سره) وحاصل ما أفاده: أنّ العمل لهم على ثلاثة أقسام:
الأول: أن يكون العمل عوناً لهم على الظلم.
الثاني: أن يعدّ العامل منهم ومنسوباً إليهم بحيث يقال عنه مثلاً إنّه خياط
ص: 133
السلطان أو معماره أو نحو ذلك، وحكم هذين القسمين هو الحرمة.
الثالث: أن يكون العمل مباحاً لأجرة أو تبرعاً من غير أن يعدّ العامل معيناً لهم، وحكم هذا القسم هو الجواز(1)، فإنّه وإن كانت الروايات من جهة إطلاقها شاملة بظاهرها لهذا القسم أيضاً، ومنها: ما تقدم من صحيحة أبي بصير قال: سألت أبا جعفر (علیه السلام) عن أعمالهم فقال لي: يا أبا محمد لا ولا مدة قلم...(2) وصحيحة ابن أبي يعفور المتقدمة أيضاً وفيها ... ما أحب أني عقدت لهم عقدة أو وكيت لهم وكاء(3) ... .
وموثقة السكوني المتقدمة أيضاً وفيها ... إذا كان يوم القيامة نادى مناد أين أعوان الظلمة ومن لاق لهم دواة أو ربط لهم كيساً أو مدّ لهم مدّة قلم ...(4) .
وموثقة يونس بن يعقوب قال: قال لي أبو عبد الله (علیه السلام): لا تعنهم علىبناء مسجد(5) .
ورواية محمد بن عذافر عن أبيه قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام): يا عذافر نبئت أنّك تعامل أبا أيوب والربيع فما حالك إذا نودي بك في أعوان الظلمة؟ قال: فوجم أبي، فقال له أبو عبد الله(علیه السلام) لما رأى ما أصابه(6) : أي عذافر إنّما خوّفتك بما خوّفني الله عزوجل به، قال محمد: فقدم أبي فما زال مغموماً مكروباً حتى مات(7) .
وغيرها من الروايات الشاملة بإطلاقها لهذا القسم، وقد نقل الشيخ الأنصاري(قدس سره) أنه (علیهم السلام)قيل لبعض: إنّي رجل أخيط للسلطان ثيابه فهل تراني بذلك
ص: 134
داخلاً في أعوان الظلمة؟ قال له: المعين من يبيعك الابر والخيوط، وأمّا أنت فمن الظلمة أنفسهم(1)، إلاّ أنّ التأمل في الروايات يفيد أن الحرمة مختصة بالقسمين الأولين دون الثالث، وما أفاده الشيخ (قدس سره) موافق لما ذكره صاحب الجواهر في الجملة حيث أفاد بما حاصله: أنّ العمل إذا كان من باب الإعانة لهم عن ميل لظلمهم وبقصد السعي في إعلاء شأنهم وحصول الاقتداء على رعيّتهم والشوكة في دولتهم وتكثير سوادهم وتقوية سلطانهم فإنه لا ريب في حرمته إذ هو كالإعانة بل هو منها في الحقيقة، وأما ما عدا ذلك من خياطة ثوب، أو بناء جدار، ونحو ذلك مما هو مباح في نفسه، ولم يكن من قصد الفاعل ما سمعت فالظاهر جوازه، وإن كان هو لا يخلو من كراهة، فإن القرب إليهم مظنة الهلاك.
وذلك لأنّ السيرة القطعية على الجواز وهو مقتضى سهولة الملّة وسماحتها وإرادة اليسر، ضرورة عدم سوق مخصوص للشيعة، وعدم تمكّنهم من الامتناع عنهم، بل مقتضى الجمع بين الروايات المطلقة المانعة وبين ما دلّ على مجاملتهم وحسن العشرة معهم ذلك(2) .
ولا يخفى أنّ ما ذكره من السيرة والسهولة في الدين وإن سلّما إلاّ أن في ما ذكره من الجمع بين الروايات المانعة والروايات المجوزة مجالاً للتأمل، وذلك لأنّه على فرض وجود الإطلاق في روايات المنع فهي مقدمة على روايات الجواز لأنّ موضوعها خاص بالسلطان، وأما روايات الجواز فموردها غير السلطان، بل الأعم منه ومن المخالفين فلاتعارض بينهما، ولو سلّمنا إطلاق روايات الجواز أيضاً فالنسبة بينها وبين روايات المنع العموم من وجه فيتساقطان في مورد الاتحاد، وقريب مما تقدم، ما ذكره السيد الأستاذ (قدس سره) (3) .
ص: 135
وهو الأقوى لأنّ الروايات المتقدمة الدالة على المنع مطلقاً قابلة للمناقشة إما دلالة وإما سنداً وحيث إنّ الشيخ (قدس سره) (1) قد ذكر المناقشة في كل منها فلا نرى حاجة لذكرها.
فالظاهر من الروايات أنّ الحرمة إنما كانت من جهة الإعانة لهم في ظلمهم، أو حب بقائهم، أو تقوية شوكتهم، أو نحو ذلك ممّا ينجرّ إلى عدّ الشخص منهم ويكون منسوباً إليهم لا مطلقاً، وعلى فرض الشك فالمرجع هو الأصل وهو البراءة في المقام، مضافاً إلى ما ذكر من أنّ السيرة القطعية قائمة على خلاف الحرمة لأنّها توجب العسر والحرج.
نعم ورد في المستدرك نقلاً عن عوالي اللئالي: أنه دخل على الصادق (علیه السلام) رجل، فمت له بالإيمان أنّه من أوليائه، فولّى عنه وجهه، فدار الرجل إليه وعاود اليمين، فولّى عنه، فأعاد اليمين ثالثة، فقال (علیه السلام) له: يا هذا من أين معاشك؟ فقال: إني اخدم السلطان، وإني والله لك محب، فقال (علیه السلام): روى أبي عن أبيه، عن جده، عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أنه قال: إذا كان يوم القيامة نادى مناد من السماء من قبل الله عزوجل: أين الظلمة؟ أين أعوان الظلمة، أين من برى لهم قلماً؟ أين من لاق لهم دواة؟ أين من جلس معهم ساعة؟ فيؤتى بهم جميعاً، فيؤمر بهم أن يضرب عليهم بسور من نار، فهم فيه حتى يفرغ الناس من الحساب، ثم يؤمر بهم إلى النار(2) .
ومحل الشاهد قوله: أين من جلس معهم ساعة، فإذا كان الجلوس معهم له هذه النتيجة فكيف بالعمل لهم؟ ولو كان في مباح ولم يعد العامل منهم.
ولكن هذه الرواية وإن كانت واضحة من جهة الدلالة إلاّ أنها من جهة
ص: 136
السند ضعيفة، ولا يمكن الاعتماد عليها ولم نقف على غيرها، وعليه فما ذكرناه من الحكم هو المحكّم في المقام.
والظاهر هو عدم الفرق في شمول الحكم للظالم مطلقاً أي سواء كان من أهل الخلاف أو أهل الحق، فإنّ الروايات وإن كان كثير منها يختص بسلاطين الجور من أهل الخلاف إلاّ أنّ بعضها مطلق، وقد تقدم بعضها، بل إنّ بعض ما ورد في أهل الخلاف من جهة كونهم أظهر مصاديق الظلمة.
نعم إذا كان الظالم من أهل الحق فقد يرغب في بقائه من أجل غرض سائغ، كما إذا كان في بقائه قوة لأهل الحق، ومنعة لهم، وقد أشار إلى ذلك صاحب الجواهر(1) إلاّ أنّ هذا أمر آخر خارج عما نحن فيه.
لا إشكال في جواز العمل للسلطان الجائر والسعي له إذا اقتضت التقية والخوف ذلك، بلا فرق بين ما إذا كان العمل مباحاً أو غير مباح على تفصيل في الثاني وسيأتي، وذلك:
أولاً: للأدلّة العامة المتقدمة من أنّ التقية في كل شيء.
وثانياً: لما ورد من الروايات في خصوص المقام:
ومنها: ما رواه في المستدرك نقلاً عن الكشي في رجاله: عن نصر بن الصباح عن إسحاق بن محمد البصري، عن جعفر بن محمد بن الفضيل عن محمد بن علي الهمداني عن درست بن أبي منصور، قال: كنت عند أبي الحسن موسى (علیه السلام) وعنده
ص: 137
الكميت بن زيد فقال للكميت: أنت الذي تقول:
فالآن صرت إلى أميّة والأمور إلى مصائر
قال: قد قلت ذلك، فوالله ما رجعت عن إيماني، وإنّي لكم لموال، ولعدوّكم لقال، ولكني قلته على التقية، قال: أما لئن قلت ذلك، إنّ التقية تجوز في شرب الخمر(1).
والرواية من جهة دلالتها واضحة، إلاّ أنها من جهة السند محل إشكال، فإنّ نصر بن الصباح وإن كان الكشي يروي عنه كثيراً إلاّ أنه لم يرد فيهتوثيق.
وأمّا إسحاق بن محمد البصري فلم يرد فيه توثيق أيضاً، بل رمي بالغلو.
وأما جعفر بن محمد بن الفضيل فلم يرد فيه توثيق، وأما محمد بن علي الهمداني فقد استثناه ابن الوليد من كتاب نوادر الحكمة(2) وذلك علامة الضعف كما تقرر في محله وقد نص الشيخ على ضعفه(3)، نعم قد ورد في ترجمته أنه كان وكيلاً للناحية المقدسة(4)، وذلك علامة الوثاقة كما تقرر في محله(5) أيضاً.
ويمكن الجمع: بما ذكره ابن الغضائري من أنّ حديثه يعرف وينكر وأنّه يعتمد المراسيل ويروي عن الضعفاء(6) فلعلّ تضعيف الشيخ واستثناء ابن الوليد كان لهذه الجهة.
والحاصل: أن الرواية ضعيفة السند فلا بأس بكونها مؤيدة للأدلّة العامة.
ص: 138
والظاهر عدم الإشكال في حرمتها في نفسها عند الأصحاب.
ويدلّ على ذلك العقل والنقل كما تقدم، فإنّ الدخول معهم وقبول الولاية منهم من أظهر مصاديق الإعانة على الظلم.
ويدلّ عليهما بالخصوص عدّة روايات منها: صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة ومحل الشاهد قوله (علیه السلام): ... إنّ الرجل ليغدى عليه بالأمر يهنّى به، وإنه لباب من أبواب النار(1) .
ومنها: موثقة مسعدة بن صدقة المتقدمة أيضاً، ومحل الشاهد قوله (علیه السلام): ليس هم من الشيعة ولكنهم من أولئك ثم قرأ ... الحديث(2) .
ومنها: رواية يحيى بن إبراهيم بن مهاجر المتقدمة ومحل الشاهد قوله:ألم أنههم؟ ألم أنههم؟ ألم أنههم؟ هم النار، هم النار، هم النار(3) .
وهذه الروايات الثلاث صريحة الدلالة في النهي عن الدخول في أعمالهم والرواية الثالثة ضعيفة السند فتكون مؤيدة.
ومنها: صحيحة داود بن زربي قال: أخبرني مولى لعلي بن الحسين (علیه السلام) قال: كنت بالكوفة فقدم أبو عبد الله (علیه السلام) الحيرة فأتيته، فقلت: جعلت فداك لو كلّمت داود بن علي أو بعض هؤلاء فأدخل في بعض هذه الولايات، فقال: ما كنت لأفعل «إلى أن قال» جعلت فداك ظننت أنك إنّما كرهت ذلك مخافة أن أجور أو أظلم، وإنّ كل امرأة لي طالق، وكل مملوك لي حر، وعليّ وعليّ إن ظلمت أحداً أو جرت عليه «على أحد خ ل» وإن لم أعدل، قال: كيف قلت؟
ص: 139
فأعدت عليه الأيمان فرفع رأسه إلى السماء فقال: تناول السماء أيسر عليك من ذلك(1) .
وهذه الرواية واضحة الدلالة، فإن الدخول في ولايتهم لا ينفكّ عن الظلم عادة.
ومنها: رواية حميد قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): إنّي وليت عملاً فهل لي من مخرج؟ فقال: ما أكثر من طلب المخرج من ذلك فعسر عليه، قلت: فما ترى؟ قال: أرى أن تتقي الله عزوجل ولا تعمد «تعود خ ل» (2) .
والرواية من حيث الدلالة تامة إلاّ أنها من حيث السند ليست كذلك، فإنّ حميد لم يرد فيه توثيق فتكون مؤيدة لما سبق.
والحاصل: أنّه لا إشكال في حرمة الدخول في أعمالهم وقبول الولاية منهم.
هذا وقد استثني من الحرمة عدة مواضع:
الأول: ما إذا كان العمل مباحاً في نفسه، وقد ادعي أنّ قبول الولاية فيه جائز، ولكن على كراهة، وذلك لأنّ الولاية على ثلاثة أقسام:أحدها: أن تكون في عمل محرم كبيع الحرام لهم، أو أخذ العشور والضرائب من الناس، وسيأتي الكلام عنه، أو ما فيه تقوية لملكهم وسلطانهم كإيذاء الناس بالتجسّس عليهم ونحو ذلك، ولا إشكال في حرمة ذلك وهو القدر المتيقن من الأدلة المتقدمة.
ثانيهما: ما إذا كان العمل ممزوجاً فبعضه مباح وبعضه حرام، ولا إشكال
ص: 140
في حرمة ما كان منه حراماً، وأما بالنسبة إلى ما كان منه مباحاً ففيه وجهان:
الوجه الأول: الحلّية لأنه عمل مستقل في مباح فله حكمه، والحرام لا يحرّم الحلال.
الوجه الثاني: الحرمة لأنّ المجموع عمل واحد، وكون بعض العمل مباحاً لا يجعله جائزاً لأنّ مجرد تسويد الاسم في ديوان الجائرين كاف في الحرمة وإن كان بعض العمل مباحاً، إلاّ إذا كان مأذوناً في العمل من قبل الإمام (علیه السلام) وكان العمل كله مباحاً لا ممزوجاً بالحرام فحينئذ يمكن القول بالجواز.
والحاصل: أنّ هذا القسم داخل في عمومات النهي وإطلاقاته، ولعل الحكم في هذا القسم ليس مورداً للخلاف المعتد به.
ثالثها: ما إذا كان العمل مباحاً في نفسه، وهو محل الكلام فقد يقال: بعدم الحرمة وأنه مستثنى من الحكم بالحرمة فيكون جائزاً على كراهة، وذلك لوجوه:
الأول: ما ذكره في الجواهر من أنّه مقتضى الجمع بين الروايات الناهية والروايات الدالة بإطلاقها على جواز أخذ المال وقبوله منهم، فيكون الدخول في ولايتهم جائزاً لأنه حينئذ مأذون من قبل الإمام (علیه السلام) رأفة بالمؤمنين إلاّ أن ذلك مشروط باعتقاد الداخل أنّ السلطان غاصب، وإن دخوله في ولايته ليس ركوناً منه إليه(1) .
ويدل على ذلك عدة من الروايات كصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: قال لي أبو الحسن موسى (علیه السلام): ما لك لا تدخل مع علي في شراء الطعام إنّي أظنّك ضيقاً، قال: قلت: نعم، فإن شئت وسعت علي، قال: اشتره(2) .
فهذه الرواية تتضمن الإجازة والإذن من الإمام (علیه السلام)، وذلك دليل على
ص: 141
مشروعية العمل وكصحيحة زرارة قال: اشترى ضريس بن عبد الملك وأخوه من هبيرة أرزاً بثلاثمائة ألف قال: فقلت له: ويلك أو ويحك انظر إلى خمس هذا المال فابعث به إليه واحتبس الباقي فأبى عليّ قال: فأدّى المال وقدم هؤلاء فذهب أمر بني أمية، قال: فقلت ذلك لأبي عبد الله (علیه السلام)، فقال مبادراً للجواب: هو له، هو له، فقلت له: إنه قد أدّاها فعضّ على إصبعه(1) .
وهذه الرواية تدلّ على الإمضاء والجواز. وغيرها من الروايات.
ولكن لا يمكن الاستدلال بهذه الروايات لقصورها عن إفادة المدعى، فإنّ أقصى ما تدل عليه هو جواز المعاملة معهم من دون الدخول في ولايتهم، فليس فيها دلالة على جواز الدخول، وتنقيح المناط يحتاج إلى مؤنة.
الثاني: ما دلّ على أنّ الإجازة من الإمام (علیه السلام) إنما تكون في العمل المباح إما بدلالة المفهوم، أو بدلالة المنطوق كصحيحة داود بن زربي المتقدمة، ومحلّ الشاهد قوله (علیه السلام): «ما كنت لأفعل ... تناول السماء أيسر عليك من ذلك»(2) الدالة بمفهومها على الجواز فإنّ قوله(علیه السلام): «ما كنت لأفعل» إنما كان من جهة عدم القدرة على أن لا يجور فإذا قدر على ذلك جاز.
ورواية أبي حمزة عن أبي جعفر (علیه السلام): قال: سمعته يقول: من أحللنا له شيء من أعمال الظالمين فهو له حلال، وما حرمناه من ذلك فهو له حرام»(3) الدالة بمنطوقها على الجواز.
ولكن كلتا الروايتين لا يمكن الاستدلال بهما على المدعى، أما صحيحة داود بن زربي فهي وإن كانت معتبرة سنداً إلاّ أنها من جهة الدلالة غير تامة، لأنّ مفادها عدم تيسر ذلك في الخارج وفي قوله (علیه السلام): «تناول السماء أيسر عليك من
ص: 142
ذلك» بيان لعدم الانفكاك عن الظلم والاستحالة العادية وقد أشرنا إلى ذلك فيما تقدم.
وأما رواية أبي حمزة فهي أخصّ من المدعى لأنّها تدل على لزوم الحاجة إلى الإذن والإجازة من قبل المعصوم (علیه السلام)، مضافاً إلى ضعف سند الرواية بالإرسال.
الثالث: ما دل على أنّ من يقوم بالوظيفة الدينية ويؤدّي الحقوق يجوزله الدخول في الولاية، كرواية الحسن بن الحسين الأنباري عن أبي الحسن الرضا(علیه السلام) قال: كتبت إليه أربع عشرة سنة أستأذنه في عمل السلطان، فلما كان في آخر كتاب كتبته إليه أذكر أنّي أخاف على خيط عنقي، وإنّ السلطان يقول لي: إنّك رافضي، ولسنا نشكّ إنّك تركت العمل للسلطان للرفض، فكتب إلي أبو الحسن(علیه السلام): فهمت كتابك «كتبك خ ل» وما ذكرت من الخوف على نفسك، فإن كنت تعلم أنّك إذا وليت عملت في عملك بما أمر به رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ثم تصيّر أعوانك وكتّابك أهل ملّتك، وإذا صار إليك شيء واسيت به فقراء المؤمنين حتى تكون واحداً منهم كان ذا بذا وإلاّ فلا(1) .
ورواية زياد بن أبي سلمة، قال: دخلت على أبي الحسن موسى (علیه السلام) فقال لي: يا زياد إنّك لتعمل عمل السلطان؟ قال: قلت: أجل، قال لي: ولم؟ قلت: أنا رجل لي مروّة وعليّ عيال، وليس وراء ظهري شيء، فقال لي: يا زياد لئن أسقط من حالق فأتقطع قطعة قطعة أحبّ إليّ من أن أتولّى لأحد منهم عملاً أو أطأ بساط رجل منهم إلاّ لماذا؟ قلت: لا أدري جعلت فداك قال: إلاّ لتفريج كربة عن مؤمن، أو فكّ أسره، أو قضاء دينه، يا زياد إنّ أهون ما يصنع الله عزوجل بمن تولّى لهم عملاً أن يضرب عليه سرادق من نار إلى أن يفرغ «الله» من
ص: 143
حساب الخلائق «الخلق» يا زياد فإن ولّيت شيئاً من أعمالهم فأحسن إلى إخوانك فواحدة بواحدة والله من وراء ذلك، يا زياد أيّما رجل منكم تولّى لأحد منهم عملاً ثم ساوى بينكم وبينه فقولوا له: أنت منتحل كذاب، يا زياد إذا ذكرت مقدرتك على الناس فاذكر مقدرة الله عليك غداً، ونفاد ما أتيت إليهم عنهم وبقاء ما أتيت «أبقيت . يب» إليهم عليك(1) .
ولا بأس بهما من جهة الدلالة وإن ورد في الأولى الاستئذان للدخول في أعمالهم ولكن المستفاد من قوله (علیه السلام): «فإن كنت تعلم أنّك إذا وليت عملت في عملك بما أمر به رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) ثم تصيّر أعوانك وكتّابك أهل ملّتك ...، هو الجواز مطلقاً حينئذ فيجوز الدخول في العمل إذا كان لهذا الغرض، ولكن مع ذلك لا يمكن الاستدلال بكلتا الروايتين لضعف سندهما معاً فإنّ الأنباري، وزياد بن أبي سلمة لم يرد فيهما توثيق.
نعم هنا رواية أخرى يمكن أن يستدل بها على الجواز وهي موثقة زيدالشحام قال: سمعت الصادق جعفر بن محمد (علیه السلام) يقول: من تولّى أمراً من أمور الناس فعدل وفتح بابه، ورفع ستره، ونظر في أمور الناس، كان حقّاً على الله عزوجل أن يؤمّن روعته يوم القيامة، ويدخله الجنّة(2) .
والظاهر من هذه الرواية أنّ الولاية من قبل الجائر لانصراف ذلك إلى زمانه(علیه السلام).
كما يمكن الاستدلال على ذلك أيضاً بصحيحة الحلبي، قال: سئل أبو عبد الله(علیه السلام) عن رجل مسلم وهو في ديوان هؤلاء، وهو يحبّ آل محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) ويخرج مع هؤلاء في بعثهم فيقتل تحت رايتهم، قال: يبعثه الله على نيته، قال: وسألته عن
ص: 144
رجل مسكين خدمهم رجاء أن يصيب معهم شيئاً فيعينه الله به فمات في بعثهم قال: هو بمنزلة الأجير إنّه إنّما يعطي الله العباد على نيّاتهم(1) .
وظاهر الرواية الدلالة على جواز الدخول في أعمالهم.
ويؤيد ذلك: ما رواه الصدوق بسنده عن الصادق (علیه السلام) عن آبائه (علیهم السلام) في حديث المناهي قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): من تولّى عرافة قوم أُتي به يوم القيامة ويداه مغلولتان إلى عنقه، فإن قام فيهم بأمر الله عزوجل أطلقه الله، وإن كان ظالماً هوى به في نار جهنم وبئس المصير(2) .
وهي من حيث الدلالة لا بأس بها إلاّ أنّ في سندها عدة مجاهيل، وقريب منها ما رواه الصدوق أيضاً بسنده عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في حديث قال: من أكرم أخاه فإنّما يكرم الله عزوجل، فما ظنكم بمن يكرم الله عزوجل أن يفعل به، ومن تولّى عرافة قوم «ولم يحسن فيهم خ» حبس على شفير جهنم بكلّ يوم ألف سنة وحشر ويده مغلولة إلى عنقه، فإن كان قام فيهم بأمر الله أطلقها الله، وإن كان ظالماً هوى به في نار جهنّم سبعين خريفاً(3) .
وهي أيضاً من جهة السند ضعيفة.
وبناءً على تمامية دلالة الروايتين المتقدمتين فإذا كان العمل مباحاً في نفسه وكان العامل عادلاً فلا إشكال في الجواز، ويؤيد هاتين الروايتين - غير ما ذكرنا - عدة روايات أخرى منها: ما رواه في المستدرك نقلاً عنكتاب الروضة للشيخ المفيد بسنده عن الفضل بن عبد الرحمن الهاشمي قال: كتبت إلى أبي الحسن (علیه السلام) أستأذنه في أعمال السلطان، فقال: لا بأس به ما لم يغيّر حكماً، ولم يبطل حدّاً وكفّارته قضاء حوائج إخوانكم(4) .
ص: 145
والرواية واضحة الدلالة، وذكر الكفّارة إنّما هو لرفع الحزازة فإنّ العمل مع السلطان وإن كان جائزاً إلاّ أنه لا يخلو عن كراهة كما تقدم.
هذا ولكن الرواية من جهة السند غير تامة، فإنّ الطريق إلى كتاب الروضة وطريق المفيد إلى الفضل بن عبد الرحمن الهاشمي غير معلومين، ولذا جعلنا الرواية مويدة.
ومنها: ما رواه في المستدرك أيضاً نقلاً عن كتاب المجموع الرائق للسيد هبة الله نقلاً عن كتاب الأربعين لأبي الفضل محمد بن سعيد بسنده عن صفوان بن مهران قال: كنت عند أبي عبد الله (علیه السلام) إذ دخل عليه رجل من الشيعة، فشكا إليه الحاجة، فقال له: ما يمنعك من التعرّض للسلطان فتدخل في بعض أعماله؟ فقال: إنّكم حرمتموه علينا، فقال: خبّرني عن السلطان لنا أو لهم؟ قال: بل لكم، قال: أهم الداخلون علينا أم نحن الداخلون عليهم؟ قال: بل هم الداخلون عليكم، قال: فإنّما هم قوم اضطرّوكم فدخلتم في بعض حقّكم، فقال: إنّ لهم سيرة وأحكاماً قال (علیه السلام): أليس قد أجرى لهم الناس على ذلك؟ قال: بلى قال: أجروهم عليهم في ديوانهم وإيّاكم وظلم مؤمن(1) .
وهذه الرواية وإن كانت واردة في مقام الحاجة إلى الدخول في عمل السلطان إلاّ أنّها تدل أيضاً على عدم البأس في الدخول في أعمالهم وإجراء أحكامهم بمقتضى قاعدة الإلزام، ولا إشكال في ذلك، نعم يستثنى من ذلك المؤمن فلا يجوز ظلمه لقوله: وإيّاكم وظلم المؤمن.
ولكن الرواية من حيث السند غير تامة فإنّ طريق محمد بن سعيد إلى صفوان بن مهران غير معلوم فتكون الرواية مؤيدة.
ومنها: ما رواه نقلاً عن رجال الكشي بسنده إلى أبي حمزة قال: قال:
ص: 146
سمعت أبا جعفر (علیه السلام) يقول: من أحللنا له شيئاً ]أصابه[ من أعمال الظالمين فهو له حلال، لأنّ الأئمّة منّا مفوّض إليهم، فما أحلّوا فهو حلال، وما حرّموا فهو حرام(1) .وقد رواها الشيخ المفيد في الاختصاص(2) عن محمد بن خالد الطيالسي عن سيف بن عميرة، وهي من جهة الدلالة واضحة، فإنّ قوله: «من أحللنا له شيئاً من أعمال الظالمين» صريح في جواز العمل عند السلطان، نعم بناء على النسخة الأخرى يحتمل أنّ المراد هو المال الذي أصابه من الظالمين لا نفس العمل.
وعلى كل تقدير فهي مؤيدة لما تقدم وذلك لضعف كلا السندين بالإرسال وقد رواها الصفّار في بصائر الدرجات(3) والمحدّث العاملي في الوسائل(4) نقلاً عن التهذيب مع اختلاف في النقل، وفي كلا السندين إرسال أيضاً، مضافاً إلى الشكّ والخلاف في نسبة كتاب الاختصاص للشيخ المفيد(5) .
والحاصل: أنّ مقتضى دلالة موثقة زيد الشحام وصحيحة الحلبي والروايات المؤيدة لها أنّ هذه الصورة من الولاية جائزة، وهي مستثناة من عموم النهي ولكن الجواز منوط بما إذا لم تستلزم الولاية تقوية الظالمين وبقاء شوكتهم واستمرار ظلمهم بحيث يعدّ العامل معيناً لهم، ومع ذلك كله لا يخلو الأمر في نفسه عن حزازة وكراهة كما هو ظاهر من بقية الروايات المتقدمة.
الثاني: ما إذا كان الداعي للعمل هو الضيق في المعيشة، ويدلّ على جواز الدخول في عملهم عدة روايات.
ص: 147
منها: صحيحة محمد بن عيسى العبيدي قال: كتب أبو عمرو الحذاء إلى أبي الحسن (علیه السلام) وقرأت الكتاب والجواب بخطه يعلمه أنّه كان يختلف إلى بعض قضاة هؤلاء، وأنّه صيّر إليه وقوفاً ومواريث بعض ولد العباس أحياء وأمواتاً، وأجرى عليه الأرزاق، وأنه كان يؤدي الأمانة إليهم، ثم إنّه بعد، عاهد الله أن لا يدخل لهم في عمل وعليه مؤنة وقد تلف أكثر ما كان في يده، وأخاف أن ينكشف عنه ما لا يحبّ أن ينكشف من الحال فإنّه منتظر أمرك في ذلك فما تأمر به؟ فكتب (علیه السلام) إليه: لا عليك وإن دخلت معهم، الله يعلم ونحن ما أنت عليه(1) .وموضع الشاهد قوله (علیه السلام): لا عليك ... فإنه ظاهر في الإباحة والجواز.
ومنها: موثقة عمار عن أبي عبد الله (علیه السلام) سئل عن أعمال السلطان يخرج فيه الرجل قال: لا، إلاّ أن لا يقدر على شيء يأكل ولا يشرب ولا يقدر على حيلة، فإن فعل فصار في يده شيء فليبعث بخمسه إلى أهل البيت(2) .
ودلالة هذه الرواية واضحة فإنه (علیه السلام) استثنى حالة كون الداخل في أعمال السلطان ذا حاجة بحيث لا يقدر على حيلة، والمراد من عدم القدرة هو أن يكون في ضيق من معيشته بمعناه العرفي لا أنّه مضطر إليه كالاضطرار إلى أكل الميتة ونحو ذلك ممّا فيه الإشراف على الهلاك.
فما ورد في رواية تحف العقول من قوله: «... فلذلك حرم العمل معهم ومعونتهم والكسب معهم إلاّ بجهة الضرورة نظير الضرورة إلى الدم والميتة ...(3) فلعل المراد هو التشديد على ذلك، ومن أجله عبّر بقوله: نظير الضرورة إلى الدم والميتة.
ص: 148
وأما ما ورد من التشديد في النهي عن الدخول في أعمالهم مطلقاً كرواية زياد بن أبي سلمة المتقدمة وغيرها، فهو محمول على صورة عدم الحاجة، وبذلك يجمع بين الروايات.
الثالث: ما إذا كان العمل معهم من أجل التفريج عن المؤمنين وإصلاح أمورهم وقضاء حوائجهم. ويدل على ذلك عدة روايات:
منها: صحيحة علي بن يقطين قال: قال لي أبو الحسن موسى بن جعفر (علیه السلام): إن لله تبارك وتعالى مع السلطان أولياء يدفع بهم عن أوليائه(1) .
وهذه الرواية واضحة الدلالة في جواز العمل إذا كان لهذا الغرض.
ومنها: رواية عبد الله بن سليمان النوفلي المتضمنة لكتاب عبد الله النجاشي والي الأهواز إلى الإمام الصادق (علیه السلام) وجواب الإمام له وهي طويلة وموضع الشاهد منها قوله: ... فأما سروري بولايتك، فقلت: عسى أن يغيث الله بك ملهوفاً خائفاً من آل محمد (علیهم السلام) ويعزّ بك ذليلهم ويكسو بك عاريهم، ويقوي بك ضعيفهم، ويطفىء بك نار المخالفين عنهم...(2) .
وفي هذه الرواية دلالة على الجواز لأنّ في ذلك سرور الإمام (علیه السلام) فلاإشكال من جهة الدلالة، وإنما الإشكال من جهة السند فقد رواها الشهيد الثاني(3) بإسناده الصحيح المتصل إلى عبد الله بن سليمان النوفلي، ولم يرد للنوفلي في الكتب الأربعة إلاّ هذه الرواية، كما أنه لم يرد في حقه مدح أو قدح، وقد جعله السيد الأستاذ (قدس سره) في المعجم تحت عنوان مستقل(4) .
ص: 149
والظاهر أنّ النوفلي هو عبد الله بن سليمان النخعي الذي ورد فيه أنّه من أصحاب الصادق (علیه السلام) كما نصّ على ذلك الشيخ(1) والبرقي(2) في كتابيهما فإن النوفل من النخع كما يظهر من ترجمة الحسين بن يزيد النوفلي(3)، ولكن مع ذلك لم يرد فيه توثيق فتبقى الرواية غير معتبرة من جهة السند فتكون مؤيدة.
ومنها: ما نقله النجاشي عن الكشي: وحكى بعض أصحابنا عن ابن الوليد (قال) : وفي رواية محمد بن إسماعيل بن بزيع قال أبو الحسن الرضا (علیه السلام): إنّ لله تعالى بأبواب الظالمين من نوّر الله له البرهان، ومكّن له في البلاد، ليدفع بهم عن أوليائه ويصلح الله بهم أمور المسلمين، إليهم ملجأ المؤمن من الضرّ، وإليهم يفزع ذو الحاجة من شيعتنا، وبهم يؤمن الله روعة المؤمن في دار الظلمة، أولئك المؤمنون حقّاً أولئك أمناء الله في أرضه، أولئك نور في رعيتهم يوم القيامة، ويزهر نورهم لأهل السماوات كما تزهم الكواكب الدرية لأهل الأرض، أولئك من نورهم يوم القيامة تضيء منهم القيامة، خلقوا والله للجنة وخلقت الجنة لهم فهنيئاً لهم، ما على أحدكم أن لو شاء لنال هذا كله (قال) : قلت: بماذا جعلني الله فداك؟ (قال) (علیه السلام): يكون معهم فيسرنا بإدخال السرور على المؤمنين من شيعتنا فكن منهم يا محمد(4) .
وهذه الرواية واضحة الدلالة، وما يقال: إنّ هذه الرواية لم يرد فيها بيان كيفية الدخول ولعلّه لأحد المسوغات الأخرى فبعيد، لأنّ مضمون الرواية في الترغيب للدخول في أعمالهم ولا سيما بقوله: «يكون معهم... فكن منهم يا محمد» فلا إشكال في دلالة الرواية، وإنّما الإشكال من جهة السند فإن طريق ابن الوليد
ص: 150
إلى روايات محمد بن إسماعيل وكتبه غير معلوم، نعم طريقه إلى كتاب الحج معتبر، مضافاً إلى أن في سند الكشي إرسالاً، فالرواية من جهة السند محل إشكال فتكون مؤيدة.
وروى النجاشي بسند معتبر عن الحسين بن خالد قال: كنا عند الرضا (علیه السلام) ونحن جماعة، فذكر محمد بن إسماعيل بن بزيع قال (علیه السلام): وددت أنّ فيكم مثله(1) .
وقد ورد في أحوال محمد بن إسماعيل أنّه كان من صالحي هذه الطائفة وثقاتهم كثير العمل، ثقة ثقة عين وكان في عداد الوزراء(2) .
وقريب من ذلك ما ورد في حق علي بن يقطين فقد روى محمد بن عيسى عن علي بن يقطين أو عن زيد عن علي بن يقطين أنه كتب إلى أبي الحسن موسى (علیه السلام): إنّ قلبي يضيق ممّا أنا عليه من عمل السلطان - وكان وزيراً لهارون - فإن أذنت جعلني الله فداك هربت منه، فرجع الجواب: لا آذن لك بالخروج من عملهم واتق الله أو كما قال(3) .
والرواية من جهة الدلالة واضحة إلاّ أنها من جهة السند محل كلام، فإن زيد الوارد في السند لم يعرف من هو، ولم يرد في الكتب الأربعة رواية زيد عن علي بن يقطين، نعم ورد في رجال الكشي رواية زياد القندي عن علي بن يقطين(4) ولا يبعد أن في الرواية تصحيف زياد بزيد، فإن كان هو زياد القندي فهو ثقة(5)، وتكون الرواية معتبرة، فإنّ للشيخ طريقاً معتبراً(6) إلى جميع روايات وكتب عبد الله بن جعفر الحميري ومنها قرب الإسناد المشتمل على هذه الرواية، كما أنّ له طرقاً معتبرة إلى كتب ومسائل علي بن يقطين(7)، وبناء على هذا فلا
ص: 151
إشكال في سند الرواية.
وقد ورد في أحوال علي بن يقطين: رضي الله عنه جليل القدر لهمنزلة عظيمة عند أبي الحسن موسى (علیه السلام) عظيم المكان في الطائفة(1)، وروى الكشي في مدحه روايات كثيرة وفي بعضها: أنّ الإمام أبا الحسن (علیه السلام) ضمن له الجنة، وأن لا تمسّه النار، وأنّه لا يظله سقف سجن(2)، وروى الكشي أيضاً - فيما يتعلق بالمقام - عن محمد بن مسعود، قال: حدثني علي بن محمد، قال: حدثنا محمد بن عيسى، قال: زعم الحسن بن علي أنه أحصى لعلي بن يقطين بعض السنين ثلاثمائة ملبّ له، أو مائة وخمسين ملبّياً ولم يكن يفوته من يحج عنه، وكان يعطي بعضهم عشرون ألف وبعضهم عشرة آلاف في كل سنة للحج، مثل الكاهلي وعبد الرحمن بن الحجاج وغيرهما، ويعطي أدناهم ألف درهم، وسمعت من يحكي في أدناهم خمسمائة درهم وكان أمره بالدخول في أعمالهم ...(3) الخ.
وموضع الشاهد قوله: «وكان أمره بالدخول في أعمالهم» فإنّه صريح الدلالة على جواز الدخول بل وجوبه، كما أن سند الرواية قابل للاعتبار فإنّ علي بن محمد وإن لم يرد فيه توثيق إلاّ أنه في حكم الموثق لكونه ممن يعتمد عليه(4) .
هذا، ولكن الذي يظهر من مجموع الروايات الواردة في المقام، الاختلاف من جهة أن بعضها يدل على الكراهة كصحيحة عبيد بن زرارة أنه قال: بعث أبو عبد الله (علیه السلام) رجلاً إلى زياد بن عبيد الله فقال: وأد «داو خ ل» نقص عملك «وإذا نقص عملك فداوه(5) خ ل» .
ص: 152
فإنّ ظاهر الرواية أنّ في نفس العمل نقصاً يحتاج إلى رفع، وذلك يدلّ على الكراهة، ومرسلة الصدوق قال: وقال الصادق (علیه السلام): كفارة عمل السلطان قضاء حوائج الاخوان(1) .
وظاهر الرواية أنّ في العمل حزازة تحتاج إلى رفع بواسطة الكفارة.
وكذا ما رواه في المستدرك نقلاً عن كتاب المجموع الرائق عن كتاب الأربعين لأبي الفضل محمد بن سعيد بسنده عن صفوان بن مهران الجمال قال: دخل زياد بن مروان العبدي على مولاي موسى بن جعفر (علیه السلام) فقال لزياد: أتقلّد لهم عملاً؟ فقال: بلى يا مولاي، فقال: ولم ذاك؟ قال:فقلت: يا مولاي إني رجل لي مروءة ]و[ عليّ عيلة وليس لي مال، فقال (علیه السلام): يا زياد والله لئن أقع من السماء إلى الأرض فانقطع قطعاً ويفصلني الطير بمناقيرها مفصلاً مفصلاً، لأحبّ إليّ من أن أتقلّدهم عملاً فقلت: إلاّ لماذا؟ فقال: إلاّ لإعزاز مؤمن أو فكّ أسره، إنّ الله وعد من يتقلّد لهم عملاً أن يضرب عليه سرادقاً من نار، حتى يفرغ الله من حساب الخلائق فامض واعزز من إخوانك واحداً، والله من وراء ذلك يفعل ما يشاء(2) .
وهذه الرواية قريبة المضمون من رواية زياد بن أبي سلمة المتقدمة(3) وظاهرها الدلالة على الكراهة في العمل، وغيرها من الروايات.
وبعض الروايات تدل على استحباب الدخول في أعمال السلطان كما تقدم في صحيحة علي بن يقطين، ورواية محمد بن إسماعيل بن بزيع وغيرهما.
ويمكن الجمع بين الروايات بأن يقال: إنّ الدخول في أعمال السلطان على ثلاثة أقسام، فتارة يكون الدخول في العمل بقصد التفريج عن المؤمنين والقيام
ص: 153
بمصالحهم وقضاء حوائجهم، وحكم هذا القسم هو الاستحباب وهو الظاهر من روايات الترغيب في العمل كما تقدم، وتارة يكون الدخول بقصد المعيشة والتوسعة على النفس، وحكم هذا القسم هو الجواز على كراهة فإن أحسن إلى إخوانه المؤمنين وسعى في حوائجهم كان ذلك كفارة له، ويدل عليه ما تقدم من بعض الروايات التي ورد فيها اشتراط الإحسان إلى المؤمنين والتفريج عنهم ويكون واحدة بواحدة.
وتارة أخرى يكون الدخول للضرورة والحاجة للأكل والشرب، وحكم هذا القسم هو الإباحة والجواز بلا كراهة، ويدلّ عليه بعض ما تقدم من الروايات.
هذا كله مع قطع النظر عن أسانيد الروايات، وقد ذكر الشيخ الأنصاري(قدس سره)(1)، بعض هذه الوجوه، واستحسنه في الرياض(2)، وحملها صاحب الجواهر (قدس سره) (3) على وجه آخر من الجمع، وهو أنّ روايات المنع تحمل على قبول الولاية في المحرمات أو الممزوجة بين الحلال والحرام، وأمّا روايات الجواز فهي محمولة على الولاية في المباحاتعلى كراهة لمجرّد الإعانة، وأمّا روايات الترغيب فهي محمولة على الدخول في الولاية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحفظ نفوس المؤمنين وأموالهم وأعراضهم وإدخال السرور عليهم، واستشهد (قدس سره) على ذلك بما رواه ابن إدريس في المستطرفات نقلاً عن كتاب مسائل الرجال من قوله (علیه السلام): ... من فعل ذلك فليس مدخله في العمل حراماً بل أجراً وثواباً(4) .
وهناك وجه ثالث في الجمع ذكره المحقق (قدس سره) وهو حمل نصوص المنع على عدم الأمن من اعتماد المحرّم، والجواز على الأمن، والاستحباب على الأمر
ص: 154
بالمعروف(1).
الرابع: ما إذا كان الدخول في العمل لإقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتصوير هذا الأمر على أنحاء: فتارة يكون الشخص منبعثاً عن أمر الوالي العادل كالإمام المعصوم (علیه السلام)، ولا إشكال في وجوب الإطاعة والامتثال سواء كان الأمر بالمعروف منحصراً بهذا الشخص أو لا، وذلك لأنّ طاعته واجبة، ومثله ما إذا كان الآمر نائباً خاصاً عن المعصوم(علیه السلام)، أو كان نائباً عاماً على إشكال في الأخير، وتارة يكون منبعثاً من نفسه لا بأمر آمر، وحينئذ يلاحظ إن كان الأمر بالمعروف منحصراً فيه فيجب، وذلك لأنّ الأمر بالمعروف من الواجبات المطلقة وليس مشروطاً بالقدرة الشرعية كما في الحج - مثلاً - المشروط بالاستطاعة ولا يجب تحصيلها حينئذ، بل يجب - في ما نحن فيه - تحصيل القدرة شرعاً كانت أو عقلاً على الاختلاف في وجوب تحصيل المقدمة - كما هو مقرر في محله - ويجب قبول الولاية، كما أنّه لا يجوز له تفويت القدرة على فرض تحققها.
وإن كان غير منحصر به فحكمه حكم سائر الواجبات الكفائية.
هذا إذا كان السلطان عادلاً، وأمّا إذا كان جائراً وكان القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غير منحصر به (الشخص) فلا يجب عليه تحصيل القدرة بل لا يجب قبول الولاية. وأما إذا كان ذلك منحصراً فيه فهل يجب عليه قبول الولاية كما نسبه صاحب الجواهر(2) إلى السرائر،وقوّاه الشيخ الأنصاري(3) والسيد الأستاذ(4) قدست أسرارهم؟ أو أنه يجوز بل يستحب كما
ص: 155
نسب إلى معظم الأصحاب ومنهم المحقق(1) وصاحب الجواهر(2) ؟ قولان:
وناقش في الاستحباب صاحب المسالك(3) وذكر أنّ القاعدة تقتضي الحكم بالوجوب لما تقدم من أنّ مقدمة الواجب واجبة، وإذا لم يكن الواجب مشروطاً بالقدرة الشرعية فكيف يقال بالاستحباب حينئذٍ؟
ثمّ وجّه كلامهم بأن قولهم بعدم الوجوب لكونه (الشخص) كالنائب عن الجائر، ومع ورود النهي عن الدخول معهم يقع التعارض بين أدلة الأمر بالمعروف وأدلة النهي عن الدخول في مورد الاجتماع، والحكم حينئذ هو التخيير، وقوّى صاحب الجواهر(4) هذا التوجيه وقال باستفادة الاستحباب من دلالة بعض الروايات كما يظهر من رواية محمد بن إسماعيل المتقدمة الدالة على الترغيب في التصدي وقبول الولاية إذا كانت لهذا الغرض.
وأشكل عليه السيد الأستاذ (قدس سره) (5) تبعاً للشيخ(6)، بأنّ المقام ليس من التعارض في شيء، لأنّ مورده التنافي في الجعل، ولا تنافي بين الحكمين في المقام، بل هو من التزاحم فيقدم الأهم، ومع عدمه فالحكم هو التخيير، على ما تقتضيه القاعدة.
وأمّا ما تقتضيه الروايات فبعد تخصيص حرمة الولاية بما إذا كانت لإصلاح أمور المسلمين والتفريج عن المؤمنين ورعاية مصالحهم وإدخال السرور عليهم الشاملة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قطعاً فحينئذ يتعيّن الوجوب، إذ
ص: 156
بعد التخصيص لا نهي عن المقدمة، فإذا كانت المقدمة (كقبول الولاية) مباحة في نفسها حكم بوجوبها إذا كانت مقدمة للواجب، والحكم بوجوب المقدمة إنما هو عرضي طارىء ناشىء عن وجوب ذي المقدمة، وتكون على غرار النذر في امر مباح فإنه يصبحواجباً بالعرض، ولذلك حمل الشيخ الأنصاري (قدس سره) كلام الأصحاب القائلين بالاستحباب على الاستحباب العيني حتى لا ينافي القول بالوجوب الكفائي للمقدمة.
ويمكن أن يؤيد هذا القول بما ورد في رواية ابن يقطين المتقدمة حيث إنّ الإمام (علیه السلام) نهاه عن الخروج عن ولايتهم، والنهي بمنزلة أن يكون البقاء واجباً، وهذا ينافي القول بالاستحباب أو التخيير.
اللهم إلاّ أن يقال: بأنّ أمره (علیه السلام) بالبقاء ونهيه عن الخروج إنما هو لحفظ نفوس الشيعة، ولا يستفاد منه أنّه لمطلق الإصلاح الشامل للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والحاصل: أنّ القول بالوجوب لا يخلو عن قوة خصوصاً على القول بأنّ قبول الولاية فيما لا يحرم جائز كما تقدم في المقام الأول.
الخامس: ما إذا كان الدخول في العمل لجهة التقية أو الإكراه سواء كان عن خوف على النفس، أو على من يتعلق به، أو على أحد من المؤمنين، وسواء كانت التقية أو الإكراه من قبل المخالف أو غيره ولا إشكال في الجواز بل هو مورد لتسالم الفقهاء عليه. ويدل على ذلك:
أولاً: من الكتاب عموم قوله تعالى: «لا يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ...»(1) وهي نص في دلالتها وشمولها لمحل الكلام.
ص: 157
وثانياً: الإجماع بقسميه كما في الجواهر(1) .
وثالثاً: الأخبار العامة المتقدمة كحديث الرفع وعمومات أدلة التقية.
ورابعاً: الروايات الخاصة الواردة في المقام وهي كثيرة:
منها: ما رواه الصدوق بسنده عن أبي الصلت الهروي، قال: إنّ المأمون قال للرضا(علیه السلام): يابن رسول الله قد عرفت فضلك وعلمك وزهدك وورعك وعبادتك، وأراك أحقّ بالخلافة منّي، فقال الرضا (علیه السلام) بالعبودية لله عزّوجلّ أفتخر، وبالزهد في الدنيا أرجو النجاة من شرّ الدنيا، وبالورع عن المحارم أرجو الفوز بالمغانم، وبالتواضع في الدنيا أرجو الرفعة عند الله عزوجل، فقال له المأمون: فإنّي رأيت أن أعزل نفسي عن الخلافة وأجعلها لك وأبايعك، فقال له الرضا (علیه السلام): إن كانت هذه الخلافة لكوجعلها الله لك فلا يجوز أن تخلع لباساً ألبسك الله، وتجعله لغيرك، وإن كانت الخلافة ليست لك فلا يجوز لك أن تجعل لي ما ليس لك، فقال له المأمون: يابن رسول الله لابدّ لك من قبول هذا الأمر، فقال: لست أفعل ذلك طائعاً أبداً، فما زال يجهد به أياماً حتى يئس من قبوله، فقال له: إن لم تقبل الخلافة ولم تحب مبايعتي لك فكن ولي عهدي لتكون لك الخلافة بعدي، فقال الرضا (علیه السلام): والله لقد حدثني أبي عن آبائه عن أمير المؤمنين (علیه السلام) عن رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) أنّي أخرج من الدنيا قبلك مقتولاً بالسم مظلوماً، تبكي عليّ ملائكة السماء والأرض، وأدفن في أرض غربة إلى جنب هارون الرشيد، فبكى المأمون وقال له: يابن رسول الله ومن الذي يقتلك أو يقدر على الإساءة إليك وأنا حي؟ فقال الرضا (علیه السلام): أما إني لو أشاء أن أقول لك الذي يقتلني لقلت، فقال المأمون: يابن رسول الله إنّما تريد بقولك هذا التخفيف عن نفسك ودفع هذا الأمر عنك ليقول الناس إنّك زاهد في الدنيا، فقال له الرضا (علیه السلام): والله ما كذبت منذ خلقني الله عزوجل، وما زهدت في الدنيا للدنيا،
ص: 158
وإنّي لأعلم ما تريد، فقال المأمون: وما أريد؟ قال: الأمان على الصدق قال: لك الأمان قال: تريد أن يقول الناس: إنّ علي بن موسى الرضا لم يزهد في الدنيا بل زهدت الدنيا فيه، أما ترون كيف قبل ولاية العهد طمعاً في الخلافة؟ قال: فغضب المأمون، ثم قال: إنّك تتلقاني أبداً بما أكرهه، وقد أمنت سطوتي، فبالله أقسم لئن قبلت ولاية العهد وإلاّ أجبرتك على ذلك، فإن فعلت وإلاّ ضربت عنقك، فقال الرضا(علیه السلام): قد نهاني الله أن ألقى بيدي إلى التهلكة، فإن كان الأمر على هذا فافعل ما بدا لك، وإنّما أقبل ذلك على أن لا أولّي أحداً ولا أعزل أحداً ولا أنقض رسماً ولا سنة، وأكون في الأمر من بعيد مشيراً، فرضي بذلك منه وجعله وليّ عهده على كراهية منه (علیه السلام) لذلك(1).
والرواية صريحة الدلالة، ومواضع الشاهد صدر الرواية وذيلها.
كما أنها معتبرة السند فإنّ الحسين بن إبراهيم بن تاتانه - الواقع في سندها - وإن لم يرد فيه توثيق إلاّ أنه من مشايخ الصدوق(2) وقد ترضى عنه، وبناء على أن الترضي علامة على الوثاقة كما هو المختار فتكون الرواية معتبرة السند.
وبمضمون هذه الرواية عدة روايات أخرى:منها: رواية الحسن بن موسى قال: روى أصحابنا عن الرضا (علیه السلام) أنه قال له رجل: أصلحك الله كيف صرت إلى ما صرت إليه من المأمون؟ فكأنه أنكر ذلك عليه، فقال له أبو الحسن الرضا (علیه السلام): يا هذا أيّما أفضل النبي أو الوصي؟ فقال: لا بل النبي فقال: أيّهما أفضل مسلم أو مشرك؟ فقال: لا بل مسلم، قال: فإنّ العزيز عزيز مصر كان مشركاً وكان يوسف (علیه السلام) نبياً، وإن المأمون مسلم وأنا وصيّ، ويوسف سأل العزيز أن يولّيه حين قال: «اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ»(3) وأنا أجبرت على
ص: 159
ذلك(1) الحديث .
ومنها: صحيحة الريّان بن الصلت قال: دخلت على علي بن موسى الرضا(علیه السلام) فقلت له: يابن رسول الله إنّ الناس يقولون: إنك قبلت ولاية العهد مع إظهارك الزهد في الدنيا، فقال (علیه السلام): قد علم الله كراهتي لذلك فلما خيّرت بين قبول ذلك وبين القتل اخترت القبول على القتل، ويحهم أما علموا أنّ يوسف (علیه السلام) كان نبياً رسولاً فلما دفعته الضرورة إلى تولّي خزائن العزيز قال له: «اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ » ودفعتني الضرورة إلى قبول ذلك على إكراه وإجبار بعد الإشراف على الهلاك على أنّي ما دخلت في هذا الأمر إلاّ دخول خارج منه، فإلى الله المشتكى وهو المستعان(2) .
ومنها: موثقة مسعدة بن صدقة المتقدمة قال: سأل رجل أبا عبد الله (علیه السلام) عن قوم يدخلون في أعمال السلطان يعملون لهم ويحبّون لهم ويوالونهم قال: ليس هم من الشيعة، ولكنهم من أولئك، ثم قرأ أبو عبد الله (علیه السلام) هذه الآية: «لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ »إلى قوله: «وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ»(3) قال: الخنازير على لسان داود والقردة على لسان عيسى «كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ» قال: كانوا يأكلون لحم الخنزير ويشربون الخمور ويأتون النساء أيام حيضهن ثم احتجّ الله على المؤمنين الموالين للكفّار فقال: «تَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ» إلى قوله: «وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ» فنهى الله عزوجل أن يواليالمؤمن الكافر إلاّ عند التقية(4) .
ص: 160
ومحل الشاهد هو الجملة الأخيرة فإنّ الإمام (علیه السلام) استثنى حالة التقية من عموم النهي.
ومنها: ما نقله صاحب الوسائل عن مستطرفات السرائر نقلاً عن كتاب مسائل الرجال عن أبي الحسن علي بن محمد (علیه السلام)، إنّ محمد بن علي بن عيسى كتب إليه يسأله عن العمل لبني العباس وأخذ ما يتمكن من أموالهم هل فيه رخصة؟ فقال: ما كان المدخل فيه بالجبر والقهر فالله قابل العذر وما خلا ذلك فمكروه ...(1) الخ.
وهي واضحة الدلالة على المراد، فإنّ المكره على قبول العمل معذور فيه.
وغيرها من الروايات الواردة في هذا المعنى، فلا إشكال في المقام.
ثم إنّ المعتبر في التقية - فيما نحن فيه - هو عدم إمكان التفصّي والمندوحة إذ هو القدر المتقين في هذا المورد، وأما المعتبر في الإكراه فهو أن لا يكون مما يتحمل عادة، وإلاّ فلا يصدق عليه عنوان الإكراه كما إذا كان في عدم القبول تهديد بأخذ مال يسير، أو نحو ذلك مما لا يصدق عليه الإكراه عرفاً، فاشتراط كون المال خطيراً - في قبول الولاية - في غير محلّه، والميزان هو ما ذكرناه إذ بدونه لا يتحقق موضوع الإكراه.
ونظراً لأهمية هذا الأمر واختلاف الحالات فيه، وفي بعضها لا مجال للتقية فيه، لابد من بيان صور المسألة ومن ثم ذكر أحكامها فنقول: إنّ التقية أو الإكراه إما أن يكونا من جهة الضرر على النفس بالقتل أو الجرح، وإما أن يكونا من جهة الضرر على العرض، وإما أن يكونا من جهة الضرر على المال، وعلى التقادير الثلاثة فتارة يكون الضرر راجعاً إلى الشخص وأخرى يكون إلى الغير، ثم إنّ قبول الولاية والدخول في العمل تارة لا يستتبع ارتكاب الحرام، وهذا القسم
ص: 161
خارج عن محل الكلام وقد تقدم حكمه، وتارة يستتبع ذلك كما إذا كان العمل في نفسه حراماً أو لازمه ارتكاب الحرام، والحرام تارة يكون من حقوق الله تعالى وأخرى منحقوق الناس، ثم الاضرار بالغير تارة يكون في النفس قتلاً أو جرحاً وأخرى في المال وثالثة في العرض، والغير تارة يكون شخصاً معيناً مع تعين الضرر أو مع تردده بين ضررين، وأخرى مخيراً بين شخصين، وثالثة مخيراً بين نفسه وغيره فها هنا صور كثيرة، وبإضافة صور الضرر في غير الإكراه قد يبلغ مجموعها إلى سبع وثلاثين صورة ويتبيّن حكم كل منها فيما يلي:
الصورة الأولى: أن تستتبع التقية ارتكاب الحرام الإلهي وهذا هو القدر المتيقن من النصوص الدالة على جواز التقية بالمعنى الأعم من الآيات والروايات العامة والخاصة ومعقد الإجماع، وحينئذ فالإتيان بالحرام مشروع في حقه ولا يجب عليه تحمّل الضرر، سواء كان في النفس أو في العرض أو في المال، بل إذا كان الخوف على النفس أو العرض حرم عليه ترك ارتكاب الحرام ولم يجز له تحمل الضرر، نعم إذا كان خوفه على ماله جاز له أن يخالف لأن الناس مسلطون على أموالهم.
ويبقى في المقام جهتان:
الجهة الأولى: ما إذا كان الحرام من العزائم التي توجب هتك الدين أو المذهب أو يترتب عليها تزلزل عقيدة المؤمنين كمحو الكعبة أو قبر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أو أحد الأئمة (علیهم السلام) أو الإفتاء بما يؤدي إلى ذلك، وحينئذ فالقول بجواز التقية في هذه الموارد مشكل جداً، ولا يبعد تقدّمها لأهميتها على النفس خصوصاً بملاحظة أن تشريع التقية لحفظ الحقّ وبقاء الدين فلا تجوز التقية فيها، كما ورد في موثقة مسعدة بن صدقة المتقدمة حيث ورد فيها ... فكل شيء يعمل المؤمن بينهم لمكان التقية مما لا يؤدي إلى الفساد في الدين فإنه جائز(1) ؛
ص: 162
ولذلك جعلناه - فيما تقدم - أحد المحامل لإقدام بعض أصحاب أمير المؤمنين (علیه السلام) كميثم التمار ورشيد الهجري وحجر وأصحابه - رضوان الله عليهم - على الشهادة والرضا بالقتل في مقابل البراءة من أمير المؤمنين (علیه السلام) .
الجهة الثانية: ما إذا كانت التقية لحفظ نفس المؤمن فهل يجوز ارتكاب الحرام حينئذ أو لا؟
لا يبعد ذلك لأهمية المؤمن كما هو المستفاد من الأدلة كرواية الاحتجاج حيث ورد فيها:... وإيّاك ثم إيّاك أن تترك التقية التي أمرتك بهافإنّك شائط بدمك ودماء إخوانك معرض لنعمتك ونعمتهم للزوال، مذل لهم في ايدي أعداء دين الله، وقد أمرك الله بإعزازهم فإنّك إن خالفت وصيّتي كان ضررك على إخوانك ونفسك أشد من ضرر الناصب لنا الكافر بنا(1) .
فالإقدام على الحرام جائز إذا كان مقدمة يتوقف عليها حفظ نفس المؤمن.
وأما في حفظ عرضه أو ماله فجواز ارتكاب الحرام لذلك محلّ إشكال إذ لا يستفاد الجواز من الروايات وستأتي زيادة توضيح لذلك في ضمن الصور والمسائل والفروع الآتية.
الصورة الثانية: ما إذا كان قبول الولاية والدخول في العمل يستتبع ارتكاب الحرام في حقوق الناس.
وهذه الصورة هي من أهم ما في المقام ويترتب عليها كثير من الفروع ولابد - أولاً - من تقريرقاعدة كلية تنفع في ما نحن بصدده، ومن ثمّ التعرض لفروعها - في ضمن المسائل الآتية مع بيان أحكامها، فنقول:
قد وقع الخلاف في أن التقية أو الإكراه كما تباح بهما نفس الولاية المحرمة فهل يباح ما يستلزمها من المحرمات مطلقاً سواء كان من حقوق الله تعالى أو من
ص: 163
حقوق الناس والإضرار بهم من نهب الأموال وهتك الأعراض وغيرها من العزائم، ولو كان الضرر المتوعد عليه أقل بمراتب من الضرر المكره عليه كما إذا خاف على عرضه من كلمة نابية لا تليق به، أو ذهاب مال يسير منه، فهل يباح بذلك أعراض الناس وأموالهم وإن بلغت ما بلغت حرمة وخطورة أم لا؟ أي أنّ المباح هو خصوص المحرمات الإلهية، وأما الإضرار بالغير فلا يكون مباحاً مطلقاً، أو لابد من مراعاة الأهم فيقدم الأشد ضرراً سواء كان على النفس أو على الغير؟ أو التفصيل بين ما إذا كان الضرر المتوعد عليه مباحاً كما إذا كان ضرراً مالياً فلا يجوز دفعه بالإضرار بالغير وبين ما إذا كان الضرر المتوعد عليه محرّماً فيجوز دفعه بالإضرار بالغير؟
ذهب شيخنا الأنصاري (قدس سره) إلى الأول(1) وهو مذهب جماعة، ومنهم صاحب الجواهر (قدس سره) (2) ولعلّه المشهور ولم نر في كلمات الفقهاء من اختارالقول الثاني غير المحقق الإيرواني (قدس سره) (3)، ونسب الثالث إلى بعضهم ومنهم أستاذ صاحب الجواهر(4) وذهب السيد الأستاذ (قدس سره) إلى القول الرابع(5) .
وقد استدل للقول الأول بأمور:
الأول: بعموم دليل نفي الإكراه والتقية، فإنّه يشمل جميع المحرمات بلا فرق بين المحرمات الإلهية وغيرها و «التقية في كل شيء يضطرّ إليه ابن آدم فقد أحلّه الله» .
الثاني: بعموم أدلة نفي الحرج، فإنّ ترك ما أكره عليه إلزام له بتحمل الضرر وهو حرج عليه بلا إشكال وأدلّة نفي الحرج تشمله.
ص: 164
الثالث: بقوله (علیه السلام): «إنما جعل التقية ليحقن بها الدم فإذا بلغ الدم فليس تقية» (1) وهي تدل على أنّ حدّ التقية بلوغ الدم فما كان قبل ذلك فالتقية فيه جائزة مطلقاً وإن كان إضراراً بالغير.
الرابع: بما ورد من الروايات المتعددة الآمرة بإظهار الكفر وسب النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) والأئمة (علیهم السلام) والتبري منهم (علیهم السلام) عند الإكراه أو التقية، ولا شك أنها أعظم الأعراض حرمة فإذا جاز النيل من عرض النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) - مثلاً - تقية أو إكراهاً فبالأولوية يجوز ذلك في أعراض سائر الناس.
وأما القول الثاني فقد استدل له أيضاً بأمور:
الأول: إنّ أدلة الإكراه والتقية إنما سيقت لنفي الضرر فكيف يجوز دفعه بالإضرار بالغير، وهل هو إلاّ دفع الضرر بالضرر؟! ولسان الأدلة قاصر عن الشمول لمثل هذا المورد.
الثاني: إنها إنما شرعت للامتنان على الأمة فالترخيص في الإضرار بالغير لدفع الضرر عن النفس مناف للامتنان فأي منة في دفع ضرر شخص بالإضرار بشخص آخر. وقد جعل الشيخ (قدس سره) (2) هذا الوجه عبارة أخرى عن الأول.
الثالث: إنّ الإضطرار والإكراه وردا في سياق واحد وحكمهما واحد، فكما لا يجوز دفع الاضطرار بالإضرار بالغير عرضاً كان أو مالاً حيثلا يجوز هتك أعراض الناس ونهب أموالهم إذا توقف حفظ عرضه أو ماله على ذلك، مثلاً إذا توقف حفظ فرسه عن السبع بتعريض فرس الغير إليه، فلا يجوز فكذلك الحال بالنسبة إلى الإكراه.
الرابع: بقوله (علیه السلام): «إنما جعل التقية ليحقن بها الدم فإذا بلغ الدم فلا تقية» .
ص: 165
والمراد أنّ للتقية حدّاً وهو بلوغ الدم فإذا بلغت ذلك الحدّ فلا تقية، وهكذا بالنسبة إلى العرض أو المال، فإنّ لكل منهما حدّاً وهو البلوغ إلى هتك العرض ونهب المال فإذا بلغت التقية إلى هتك العرض أو نهب المال فلا تقية، فالمستفاد من الرواية أمر كلي وهو أنّ التقية إنّما شرعت لحفظ الحدود من الدم والعرض والمال فإذا بلغت تلك الحدود فلا تقية.
وقد أجاب الشيخ (قدس سره) عن أدلة القول الثاني بأنّ التقية وإن شرعت لدفع الضرر - وهذا لا نزاع فيه - ولكن بمعنى دفع توجّه الضرر وحدود مقتضيه، لا بمعنى دفع الضرر المتوجه بعد حصول مقتضيه، فإذا توجّه الضرر إلى شخص بمعنى حصول المقتضي فلا يجب دفعه بالإضرار بنفسه أو بغيره بل لا يجوز في الجملة، فمثلاً لو أجبر المكلف على دفع مقدار من ماله وفرض أنّ نهب مال الغير يحفظ ماله فلا يجوز نهب مال الغير لرفع الضرر عن نفسه، وكذا لو أكره على نهب مال الغير فلا يجب تحمّل الضرر على نفسه بترك النهب لدفع الضرر المتوجّه إلى الغير(1) .
ففي محل الكلام حيث إنّ الضرر متوجه ابتداء إلى الغير فلا يجب صرفه عن الغير بتحمله بنفسه، نعم لو تحمّل الضرر بنفسه ولم يوقع الضرر بالغير فهو وإن صرف الضرر عن الغير ووجهه إلى نفسه عرفاً إلاّ أن الشارع لم يوجب عليه ذلك، والامتنان بهذا المعنى على بعض الأمّة لا قبح فيه كما لو أراد ثالث الإضرار بالغير لم يجب على شخص آخر أن يتحمّل الضرر ويصرفه إلى نفسه، وعلى حدّ تعبير صاحب الجواهر أنه: ليس هذا الشخص إلاّ كالأجنبي الذي يستطيع رفع الظلم عن مؤمن بما يضرّ بحاله من مال أو نفس أو عرض، ولا يجب عليه تحمّل الضرر في رفع الإكراه مقدمة لتجنب ظلم الغير ضرورة معلومية سقوط وجوب
ص: 166
المقدمة بالعسر والحرج والمشقة والضرر في سائر التكاليفالشرعية المطلقة فيسقط حينئذ وجوب ذيها فلا يجب عليه حينئذ نقل نفسه من موضوع الإكراه إلى موضوع الاختيار بما يضر بحاله ضرراً لا يتحمّل خصوصاً وقد صار بالإكراه كالآلة للمكره(1) .
ومن ذلك يظهر الجواب عن الوجه الثالث فإنه فرق بين الاضطرار والإكراه إذ الاضطرار متوجه إلى نفسه أولاً فصرفه عن نفسه إلى الإضرار بغيره غير جائز، ولذلك تختص أدلة الاضطرار بالمحرمات فقط، نعم إذا خاف على نفسه جاز له التصرف في مال الغير وأكله بمقدار ما ترتفع به الضرورة، هذا مضافاً إلى أنّ أدلة الحرج هي الفارق بين المقامين إذ لا حرج في عدم ترخيص الشارع في دفع الضرر عن نفسه بالإضرار بغيره بخلاف المقام فإنه لو ألزم الشارع الإضرار بالنفس لدفع الضرر المتوجّه إلى الغير لكان فيه حرج قطعاً.
وأما الوجه الرابع فيمكن الجواب عنه بأن يقال: إنّ الرواية وإن كانت تدلّ على أن التقية إذا بلغت الدم ارتفع موضوعها وحينئذ فلا تقية، إلاّ أن التعدي عن الدم إلى العرض والمال لا يكون إلاّ بتنقيح المناط، وإحراز المناط في المقام مشكل، إذ لعلّ ارتفاع التقية هنا لخصوصية المورد لا مطلقاً بحيث تشمل العرض والمال، فلا دليل على وجوب هتك العرض وضياع المال لحفظ عرض الغير وماله.
هذا مضافاً إلى أنّ الحدود قد تختلف من حيث المرتبة ففي أحد الشخصين قد يكون عرضه وفي الآخر ماله وكذلك العكس، فدعوى أن المستفاد من الرواية أمر كلي وأنها لحفظ الحدود غير تامة، بل يمكن القول: إن المستفاد من الروايات هو جواز ارتكاب كلّ حرام ما لم يصل إلى الدم، وأن ما دون الدم تجوز فيه التقية وإن كان عرضاً أو مالاً، وذلك لأنّ الوارد بهذا المضمون ثلاث روايات:
ص: 167
الأولى: صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: إنما جعل التقية ليحقن بها الدم فإذا بلغ الدم فليس تقية(1) .
الثانية: موثقة أبي حمزة الثمالي قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام): لم تبق الأرض إلاّ وفيها منا عالم يعرف الحق من الباطل، وقال: إنما جعلت التقية ليحقن بها الدم، فإذا بلغت التقية الدم فلا تقية، وايم الله لو دعيتم لتنصرونا لقلتم لا نفعل إنما نتقي ولكانت التقية أحب إليكم من آبائكموأمهاتكم، ولو قد قام القائم ما احتاج إلى مساءلتكم عن ذلك ولأقام في كثير منكم من أهل النفاق حدّ الله(2) .
الثالثة: مرسلة الصدوق في الهداية عن الصادق (علیه السلام) أنه قال: لو قلت: إن تارك التقية كتارك الصلاة لكنت صادقاً، والتقية في كل شيء حتى يبلغ الدم فإذا بلغ الدم فلا تقية(3).
وصريح الروايات الثلاث أن الحدّ هو الدم كما أن الظاهر من الموثقة أنّ من لوازم النصرة ضياع الأموال وغيرها كالأعراض ما لم تصل إلى الدم، فالمستفاد هو شمول التقية لما عدا الدم، ولاسيما بدلالة الرواية الثالثة من أن التقية في كل شيء، وقد ورد هذا التعبير في روايات أخرى كما تقدم.
هذا ولكن مع ذلك جميع هذه الأجوبة قابلة للمناقشة:
أما الأول والثاني فيمكن المناقشة فيهما بما ذكره المحقق الإيرواني (قدس سره) (4) من أن الضرر لم يكن متعلقاً بالغير فقط بل بالجامع بينه وبين الغير، فإنّه لا يفرق بين قوله: خذ من فلان مائة دينار، فإن لم تأخذ فأت بها من مالك، وقوله: أنت مخير إما أن تأتي بمائة دينار من مال فلان أو من مالك والواقع واحد ولا عبرة
ص: 168
باختلاف اللفظ، فإنّ للمكره - بالكسر - إرادتين طوليتين إحداهما متعلقة بأخذ المال من الغير، والثانية أخذه من المكره - بالفتح - في صورة عدم أخذه من الغير، وحكم الشارع حينئذ بتحمله من دون الإضرار بالغير ليس حرجياً، ومنه يظهر الجواب عن الوجه الثالث.
هذا ولكن الظاهر صحة قول الشيخ وذلك: لأنه إذا صدق عنوان المكره - بالفتح - جاز له ارتكاب المحرمات لذلك - كما اعترف به المحقق الإيرواني(1) - فدليل الإكراه حينئذ يقدّم على الأدلة الأولية، ولاشكّ أن حرمة الإضرار بالغير من الأحكام الأولية فلا وجه للقول بالتفصيل بين تحمل الضرر وارتكاب الإضرار بالغير، أو ملاحظة النسبة بين الضرر المتوعد عليه وبين الإضرار بالغير، أو التفصيل بين كون الضررالمتوعد عليه محرماً وكونه مباحاً - كما هو رأي السيد الأستاذ (قدس سره) (2) .
نعم الإشكال في عموم هذه الأدلة وأنها في نفسها هل تكون عامة بحيث تشمل جميع المحرمات أو تختص بالمحرمات الإلهية؟
وهذا إشكال آخر مغفول عنه في كلامه وكلام سيدنا الأستاذ (قدس سره) .
ومما يؤيد ما ذكرنا من صدق عنوان المكره - بالفتح - على هذا الشخص وأنه يسوغ له ارتكاب جميع المحرمات، فهم الأصحاب ذلك حيث أفتوا بجواز ما تلزمه الولاية من المحرمات من قبل الجائر إلاّ القتل. واستثناء القتل وعدم تعرّضهم لشيء آخر ظاهر في جواز التقية في جميع الموارد غير القتل، بل يظهر - أيضاً - من اختلافهم في إلحاق الجرح بالقتل وعدمه، حيث حكي عن شيخ الطائفة (قدس سره) (3) ذلك لإطلاق الدم عليه، وخالف جماعة في ذلك وقالوا: بأنّ المراد
ص: 169
من الدم هو القتل ولا يشمل الجرح وذهبوا إلى جواز ارتكاب جميع المحرمات وإن استدعى جرح الغير، نعم احتاط في مفتاح الكرامة(1) في الجرح وقال إذا كان الضرر المتوعد عليه مالاً فالاحتياط يقتضي تقديم الجرح.
والحاصل: أنّ الظاهر من إطلاق كلماتهم تسالمهم على جواز الإضرار بالغير عدا القتل سواء كان الضرر المتوعّد عليه محرّماً في نفسه أو مباحاً.
الأولى: إذا اقتضت التقية القتل، بمعنى أن الجائر أمر شخصاً بقتل شخص مؤمن، وتوعده بالقتل إن لم يفعل، فهل يجوز للمأمور الامتثال أم لا؟
المشهور هو عدم الجواز، وقد ادعي الإجماع عليه، كما في السرائر(2) والرياض(3) والمستند(4) وكشف اللثام(5) ومكاسب الشيخ(6) بل فيالجواهر دعوى الإجماع بقسميه(7) .
وذهب السيد الأستاذ (قدس سره) إلى الجواز ولكن على نحو التخيير(8) وسيأتي بيانه ولم نقف - في حدود ما بحثنا - على قائل آخر يفتي بذلك إلاّ ما نسب إلى ابن الجنيد) من أنه إذا كان المأمور عبداً أو جاهلاً أو مكرهاً، حيث حكم بالقود على الآمر، والحبس على القاتل حتى الموت بعد التعزير والتكفير(9) .
ص: 170
وقد استدل للمشهور بوجهين:
الأول: دعوى الإجماع كما تقدم.
الثاني: الروايات الخاصة الواردة في المقام:
ومنها: صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: إنما جعل التقية ليحقن بها الدم، فإذا بلغ الدم فليس تقية(1).
ومنها: موثقة أبي حمزة الثمالي قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام): لم تبق الأرض إلاّ وفيها منّا عالم يعرف الحق من الباطل، وقال: إنّما جعلت التقية ليحقن بها الدم فإذا بلغت التقية الدم فلا تقية(2) ... وغيرهما من الروايات.
والمستفاد منها: الدلالة على عدم جواز ارتكاب القتل حال التقية، لأنّ غاية التقية حقن الدم فإذا وصلت إلى الدم فلا تقية، وبعبارة أخرى: إنّ قوله (علیه السلام): فلا تقية، يحتمل أمرين:
الأول: أن تكون لا ناهية بمعنى أنّ التقية حرام نظير قوله تعالى: «فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ»(3) فالجملة إنشاء في صورة الإخبار، والدلالة على الحرمة حينئذ واضحة.
الثاني: أن تكون نافية بمعنى أنه لا مورد للتقية ولا حكم لها، فهي من قبيل نفي الحكم بنفي موضوعه، وحيث لا حكم في المقام فالمرجع هو الأدلة الأولية ومفادها إطلاق حرمة قتل المؤمن لتقية أو غيرها.
وببيان أوضح إنّ الروايات تدلّ على أن التقية إنما جعلت لحفظ الدمفإذا بلغ الدم فليس تقية إلاّ أن في المراد بالدم في الرواية احتمالات:
الأول: إنّ قوله: إنما جعلت التقية ليحقن بها الدم مطلق، أي سواء كان دم
ص: 171
نفس المأمور أو دم غيره، كما أنّ قوله: فإذا بلغ الدم، كذلك.
الثاني: أن يكون قوله: إنما جعل الدم أي دم نفسه لا مطلق الدم، وأنّ قوله: فإذا بلغ الدم، مقيد بدم الغير.
الثالث: أن يكون قوله: إنما جعلت التقية ليحقن الدم مطلق، أي دم نفسه أو غيره، وقوله: فإذا بلغ الدم أي دم غيره.
الرابع: عكس الثالث.
وهناك احتمالات أخرى مجموعها تسعة تشترك مع ما تقدم في الحكم.
وأظهر هذه الاحتمالات الثاني والثالث، وهما ما كان الصدر مقيداً بنفسه والذيل مقيداً بغيره، وما كان الصدر مطلقاً والذيل مقيداً بالغير، والجامع بين هذين الاحتمالين أن يكون الذيل مقيداً بالغير سواء كان الصدر مقيداً بنفسه أو مطلقاً، وأما بقية الاحتمالات فهي خلاف الظاهر، وإنما قلنا بأنهما الأظهر لوجهين:
الأول: إنه لا معنى للجعل بعد الوصول إلى الدم إذ لا موضع للتقية، فيكون الجعل لها عبثاً ولغواً، وذلك فيما إذا كان الذيل مطلقاً فإن هذا الاحتمال بعيد في نفسه للزوم اللغوية.
الثاني: إنّ المستفاد من نفس الرواية أنّ المراد هو حقن دم الغير فإن صحيحة محمد بن مسلم وإن جاء ذيلها مطلقاً غير مقيد بشيء إلاّ أن ذيل موثقة أبي حمزة جاء مقيداً بالتقية في قوله: فإذا بلغت التقية الدم فلا تقية، يعني أن تكون التقية سبباً لإراقة دم الغير فحينئذ لا تقية، فتكون هذه الموثقة بياناً لتلك الصحيحة، ويكون المعنى إذا أوجبت التقية سفك دم الغير فلا جعل للتقية حينئذ ولا حكم، ولذا قلنا إن هذين الاحتمالين هما أظهر الاحتمالات وأما بقيتها فهي خلاف الظاهر كما ذكرنا، وبناء على هذا يكون دليل وجوب حفظ النفس لا إطلاق له في هذه الصورة ولا حكم مجعول، وحينئذ فإطلاقات حرمة قتل الغير
ص: 172
محكّمة، ولا تصل النوبة إلى التزاحم كما سيأتي قريباً.
وأما ما ذهب إليه السيد الأستاذ (قدس سره) فقد يستدل له بأن الإجماعات المدعاة في المسألة مدركية وليست كاشفة عن قول المعصوم فلا يمكن الاستناد إليها، وأمّا الروايات فالمستفاد منها وإن كان هو المعنى الثاني أي نفي الحكم بنفي موضوعه إلاّ أنه لا يمكن الرجوع إلى الإطلاقات الدالة على حرمة قتل الغير بمجرّدها، وذلك لدوران الأمر بين ارتكاب محرم وهوقتل النفس المحترمة، وبين ترك واجب وهو حفظ نفسه وعدم تعريضها للهلاك، فتدخل المسألة في باب التزاحم، وحيث لا ترجيح في البين فالحكم هو التخيير(1) .
والذي يمكن استظهاره في المقام هو قوة ما ذهب إليه المشهور من أنّه لا يجوز قتل الغير مطلقاً، وذلك مضافاً إلى دعوى الإجماع، أنّ الحرمة يمكن استفادتها من نفس الروايات بغض النظر عن كون لا ناهية أو نافية، حيث إنّ لسان الروايات دال على أن جعل التقية وتشريعها إنما ليحقن بها الدم، فإذا لم يحقن بها فلا مشروعية لها حينئذ، فالأساس في تشريع التقية هو حفظ الدماء والتشريع إنما هو لهذه الحالة فإذا لم تكن التقية موجبة لحقن دم الغير فلا تقية وليست مجعولة وحينئذ فإطلاقات الحرمة محكّمة، وأما وجوب حفظ النفس فلا إطلاق لدليله حتى يقع التزاحم في المقام، وذلك لأنّ أدلة وجوب حفظ النفس وإن كانت مطلقة في نفسها ولكنها مقيدة بهذه الروايات، بمعنى أن مورد الروايات هو صورة عدم إراقة دم الغير، وأما في صورة إراقة دمه فلا تقية، وبعبارة أخرى: إن روايات التقية تدل على وجوب حفظ النفس ولكن إلى حدّ لا يبلغ الدم وإلاّ فلا تقية.
هذا وقد يقال في وجه جواز قتل الغير: إنّ الأمر يدور بين المباشرة
ص: 173
والتسبيب بمعنى: أنّ ترك التقية وعدمها سبب في إلقاء النفس في التهلكة وهو حرام، فإنّ الجائر يقتله لعدم امتثاله كما أنه إذا امتثل أمر الجائر وقتل الغير فقد ارتكب حراماً، والفرق بينهما أن الأول تسبيبيّ والثاني مباشري، والتسبيب هنا ليس عادياً ولا عقلياً لأنّه متعلق بإرادة الغير وهو الجائر فلا يصلح لأن يزاحم حرمة قتل النفس مباشرة.
وفيه: أنّ الواجب هو حفظ النفس بناءً على وجوبه استقلالاً، والتزاحم إنّما يقع بينه وبين حرمة قتل الغير، وكلاهما مباشري لا أنه يقع بين محرّمين أي حرمة إلقاء النفس في التهلكة، وحرمة إتلاف الغير.
هذا كلّه فيما إذا كان الحكم منوطاً بالتقية والإكراه، وأمّا إذا كان في غير هذا المورد كدوران الأمر بين حفظ النفس وبين قتل الغير من غير إكراه ولا تقية كما إذا كان في مخمصة مثلاً وعدم وجود طعام يكفي لكلا الشخصين، أو لجهات أخرى فهنا يقع التعارض بين إطلاق وجوب حفظ النفس وإطلاق حرمة قتل الغير، ونتيجته التزاحم فيقدم الأهم وإلاّفالتخيير، نعم يظهر من بعض الآيات والروايات الثناء على الإيثار ومدح المؤثرين على أنفسهم كما ذكر في قوله: «وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ»(1) كما ورد أنّ سبعة عطشوا في يوم أحد، فجيء بماء يكفي لأحدهم، فقال واحد منهم: ناول فلاناً، حتى طيف على سبعتهم وماتوا ولم يشرب أحد منهم، فأثنى الله سبحانه عليهم(2) .
المسألة الثانية: هل الحكم يختص بالمؤمن أو يشمل المخالف أيضاً؟
فيه احتمالان، الأول: اختصاصه بالمؤمن، والثاني: شموله للمخالف ولا يبعد الأول لكونه هو المشهور، ولأنّ التقية - كما يظهر من بعض الروايات - من
ص: 174
مختصات المؤمن كما في موثقة عبد الله بن أبي يعفور قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: التقية ترس المؤمن، والتقية حرز المؤمن، ولا إيمان لمن لا تقية له(1) .
ومنها: رواية محمد بن مروان عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: كان أبي (علیه السلام) يقول: وأي شيء أقرّ لعيني من التقية إنّ التقية جنّة المؤمن(2) .
وأما المخالف فهو غير مشمول لها، مضافاً إلى ما يظهر من الروايات الأخرى من أن المخالف لا حرمة له إلاّ بالعرض، وبناء على ذلك فأحكام التقية تختص بالمؤمن دون المخالف.
المسألة الثالثة: إذا توقّف حفظ نفس الغير أو ماله أو عرضه على قبول الولاية أو ارتكاب الحرام فهل يجوز ذلك أم لا؟
أما بالنسبة إلى قبول الولاية فقد تقدم - مفصلاً - أنها من المستثنيات ولا بأس بقبولها لذلك، وأما بالنسبة إلى ارتكاب الحرام ففيه تفصيل بين حفظ نفس الغير وبين حفظ ماله أو عرضه.
فإذا كان حفظ نفس الغير متوقفاً على ارتكاب الحرام فالظاهر هو الوجوب، ولا خلاف في ذلك فإنّ المستفاد من مذاق الشارع أن نفس المؤمن عزيزة لا يوازيها شيء، فمقتضى القاعدة أنّ حفظ نفس المؤمن واجب وإن اقتضى ذلك ارتكاب الحرام.
ويؤيده: رواية الاحتجاج عن أمير المؤمنين (علیه السلام) في احتجاجه على بعض اليونان قال: وآمرك أن تصون دينك، وعلمنا الذي أودعناك، فلاتبد علومنا لمن يقابلها بالعناد، ولا تفش سرّنا إلى من يشنّع علينا، وآمرك أن تستعمل التقية في دينك، فإنّ الله يقول: «لا يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ
ص: 175
يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً »وقد أذنت لكم في تفضيل اعداءنا إن ألجأك الخوف إليه، وفي إظهار البراءة إن حملك الوجل عليه وفي ترك الصلوات المكتوبات إن خشيت على حشاشة نفسك الآفات والعاهات، فإنّ تفضيلك أعدائنا عند خوفك لا ينفعهم ولا يضرّنا، وإنّ إظهارك براءتك منّا عند تقيتك لا يقدح فينا ولا ينقصنا، ولئن تبرأ منّا ساعة بلسانك وأنت موال لنا بجنانك لتبقي على نفسك روحها التي بها قوامها، ومالها الذي بها قيامها، وجاهها الذي به تمسكها، وتصون من عرف بذلك أولياءنا وإخواننا، فإنّ ذلك أفضل من أن تتعرض للهلاك، وتنقطع به عن عمل في الدين، وصلاح إخوانك المؤمنين وإياك ثم إياك أن تترك التقية التي أمرتك بها، فإنّك شائط بدمك ودماء إخوانك معرّض لنعمتك ونعمتهم للزوال، مذل لهم في أيدي أعداء دين الله، وقد أمرك الله بإعزازهم، فإنّك إن خالفت وصيّتي كان ضررك على إخوانك ونفسك أشدّ من ضرر الناصب لنا الكافر بنا(1) .
ومحل الشاهد قوله: «وتصون من عرف بذلك أولياءنا وإخواننا» وقوله: «فإنّك شائط بدمك ودماء إخوانك» فإنّ هاتين الجملتين تدلاّن على وجوب حفظ نفس المؤمن وإن اقتضى ذلك إظهار البراءة وترك الصلاة وتفضيل الأعداء، مضافاً إلى التشديد على ملازمة التقية عند الخوف وأنّ ضرر المخالفة أشد من ضرر الناصب، فدلالة الرواية لا بأس بها إلاّ أنها من جهة السند غير تامة للإرسال.
والعمدة في المقام هي القاعدة المذكورة وهي تقتضي وجوب ارتكاب الحرام مطلقاً فيما لو توقف إنقاذ المؤمن من الخطر عليه.
هذا بالنسبة إلى حفظ نفس الغير، وأما بالنسبة إلى حفظ مال الغير أو
ص: 176
عرضه أو جاهه فقد يقال بجواز ارتكاب الحرام إذا توقف الحفظ عليه ويتمسك على ذلك بوجهين:
الأول: الإطلاقات الواردة في التقية كقوله (علیه السلام): «... إنّ التقية جنة المؤمن» (1) وأن «التقية في كلّ ضرورة» (2)، وغير ذلك، وهي شاملةللعرض والمال، فتكون حاكمة على أدلة المحرمات.
الثاني: أنّ رواية الاحتجاج المتقدمة دالّة على ذلك فقوله: «وتصون من عرف بذلك أولياءنا وإخواننا» مطلق شامل للنفس والمال والعرض كما أنّ قوله: «وإيّاك ثم إيّاك أن تترك التقية التي أمرتك بها فإنّك شائط بدمك ودماء إخوانك معرض لنعمتك ونعمتهم للزوال، مذل لهم في أيدي أعداء دين الله، وقد أمرك الله بإعزازهم» صريح في الدلالة على ذلك، وعليه فيجوز ارتكاب الحرام وإن كان لحفظ مال الغير أو عرضه.
هذا ولكن كلا الوجهين قابلان للمناقشة:
أما الوجه الأول فالروايات وإن كانت مطلقة إلاّ أن إطلاقاتها منصرفة إلى نفس الإنسان لا إلى غيره، بمعنى أنّ الإنسان إذا خاف على نفسه أو ماله أو عرضه ساغ له ارتكاب الحرام إذا توقف حفظها على ذلك، وأما إذا كان ذلك لشخص آخر فلا، ويكفي في المقام عدم إحراز الإطلاق.
وأما الوجه الثاني فالدلالة وإن كانت تامة ولا بأس بها إلاّ أن الرواية من جهة السند ضعيفة بالإرسال كما تقدم، فلا يمكن الاعتماد عليها، وبناء على عدم تمامية كلا الوجهين فيقتصر على ما تقتضيه القاعدة، وهو حفظ نفس الغير فقط دون ماله أو عرضه، فإذا توقف حفظهما على الإتيان بالحرام فلا يجوز، نعم ورد
ص: 177
في بعض الروايات جواز ارتكاب الكذب لحفظ مال الغير وعرضه إلاّ أنه مورد خاص والقاعدة تقتضي ما ذكرناه.
المسألة الرابعة: هل أن الإضرار بالغير عن تقية يستتبع الضمان أم لا؟
فيه وجوه بل أقوال:
الأول: الحكم بلزوم الضمان مطلقاً وإليه ذهب السيد الأستاذ R .
الثاني: الحكم بعدم الضمان مطلقاً، وإليه ذهب في عمدة المطالب.
الثالث: التفصيل بين الانحصار وعدمه، فإن انحصر الإضرار بالغير بالمكره - بالفتح - وجب الضمان، وإن لم ينحصر به بل الإضرار واقع لا محالة ولو من شخص آخر فلا يجب، وإليه ذهب في منتقى الأصول.
أما القول الأول فيمكن الاستدلال له بأنّ الضمان هو مقتضى القاعدة، فإن رفع الضمان لا يخلو إمّا أن يكون بحديث الرفع الشامل للاستكراه، فيرفع الحكم سواء كان تكليفياً أو وضعياً وهو حاكم على الأدلة الأولية ومنها قاعدة الإتلاف، وإما أن يكون رفع الضمان بمقتضى قاعدة لا ضرر حيث إنّ الحكم بالضمان ضرر على المتلف.
وكلا الأمرين غير تامين:أما الأول فلأنّ حديث الرفع وارد في مقام الامتنان على العباد فرفع الضمان وإن كان امتناناً على المكره - بالفتح - إلاّ أنه ليس امتناناً على المالك، ولا معنى لاختصاص الامتنان ببعض دون بعض، وعليه فحديث الرفع غير شامل للمقام نظير الاضطرار إلى إتلاف مال الغير فإنه لابد من الضمان ولا يقال إنه مرفوع بحديث الرفع.
وأما الثاني فلأنّ قاعدة لا ضرر وإن كانت واردة في مقام الامتنان أيضاً إلاّ أن صدرها يعارض ذيلها في هذا المورد، ومع تساقطهما يرجع إلى القاعدة وهي تقتضي الضمان.
والحاصل: إن ما يرجع إلى حقوق الناس مما يترتب عليه الضمان فضمانه لا
ص: 178
يسقط، نعم ما يرجع إلى حقوق الله أو حقوق الناس ممّا لا يترتب عليه الضمان وإن كان موجباً للعقوبة - مثلاً - إلاّ أنّه فهو مرفوع(1) .
وأما القول الثاني: فقد استدل له بوجهين:
الأول: بعموم حديث الرفع - كما في عمدة المطالب - الشامل للأحكام التكليفية والوضعية إلاّ ما كان مجعولاً على نفس الموضوعات، كالحكم في الخطأ والنسيان والإكراه والاضطرار فلا يكون مرفوعاً، وهو حاكم على جميع الأحكام الأولية ومنها قاعدة من أتلف، ولا يعتبر كونه امتناناً على الجميع بل المستفاد من الحديث هو اختصاص الامتنان بالفرد المكره - بالفتح - وإن كان خلاف الامتنان بالنسبة إلى الآخرين، هذا في حال التقية، وأما إذا كان المدرك وجوب الإتلاف لأجل حفظ ما هو الأهم كما إذا دار الأمر بين الإضرار بأحد شخصين أحدهما في نفسه أو عرضه والآخر في ماله فحينئذ يجب الإضرار بالثاني دون الأول، ووجوب الإضرار بمال الغير أو جوازه لا ينافي الضمان بمعنى أنه لا تنافي بين رفع الحرمة التكليفية وبقاء الحكم الوضعي، أي يجوز التصرف بل يجب لكن مع الضمان، إذ لا معارض لقاعدة الضمان حينئذ(2) .
الثاني: ما عن المحقق النائيني - في مسألة أخذ المال من السلطان الجائر أو كل ظالم مع العلم بكونه غصباً - وقد أفاد بما حاصله: أنه إذا أخذ مال الغير عن إكراه أو تقية فلا يوجب الضمان لأنّ يده كالعدموتشمله الأدلة الأولية، وإن كان يظهر من جملة من الأعلام كالشيخ وتبعه الطباطبائي في حاشيته أنه لا ضمان مع قصد الرد وأمّا مع عدمه ففيه الضمان لأنه لم يضطر إلى ذلك بل اضطر إلى الأخذ فقط(3)،
ص: 179
بل يمكن استفادة الحكم من كلام الشيخ (قدس سره) وغيره من الأعلام، حيث إنّهم قيدوا الضمان بصورة التملك وعدم قصد الردّ لا مطلقاً، هذا كله بناء على التعدي عن حكمهم بعدم الضمان بالأخذ وشموله للإتلاف أيضاً، وإلاّ فلا يكون وجهاً لعدم الضمان.
وأما القول الثالث فقد استدل له بأنه قد يقال بارتفاع الضمان عن المكره - بالفتح - لأنّ تشريع الضمان مستلزم لارتداعه عن الإتلاف، والارتداع هنا ضرري لأنه مخالفة للجائر المتوعّد، وهو مدفوع بأن رفع الضمان أيضاً يستلزم الضرر على الغير، وحينئذ لا تجري قاعدة نفي الضرر، فيتعين الالتزام بالضمان أخذاً بعموم دليله، هذا في صورة الانحصار، وأما في صورة عدم الانحصار بالمكره - بالفتح - فإن الضرر واقع على كل حال منه أو من غيره ممن لا يكون بصدد التعويض كنفس الوالي فلا يكون تركه مستلزماً لرفع الضرر عن المالك، فقد يقوم بالهدم - هدم دار الغير - من لا دين له ولا يهتم بدليل الضمان، وحينئذ لا يكون جعل الضمان مستلزماً لعدم الضرر على المالك، وإلزام المكره - بالفتح - بالضمان ضرري عليه فتكون قاعدة الضرر مختصة به فقط فيرتفع الضمان(1) .
هذا والظاهر هو رجحان القول الأول، وهو الحكم بالضمان مطلقاً - ولكن من باب الاحتياط - تمسكاً بالأدلة الأولية من قاعدة الإتلاف، أو قاعدة اليد، أو قاعدة احترام مال المسلم، وأنّ حديث الرفع لا يشمل مثل هذا المورد، لأنّ التمسك به للحكم بعدم الضمان خلاف الامتنان على المالك مع أنه وارد في مقام الامتنان على الأمة، وهكذا الحال بالنسبة إلى قاعدة الضرر فإنها غير شاملة للمقام للحكم بالتساقط كما تقدم، مضافاً إلى أنّ الضمان في نفسه حكم ضرري كالجهاد والخمس والزكاة، فدليل لا ضرر قاصر عن الشمول لهذه الموارد.
ص: 180
وأما الوجه الثاني المتقدم فيمكن التفريق فيه بين الإتلاف والإضرار بالغير، وبين مجرد الأخذ فيقال بأن الثاني لا يوجب الضمان بل الأخذبقصد الردّ إلى مالكه يصيّره أمانة شرعية فلا يستلزم الضمان، وهذا بخلاف الإتلاف والإضرار بالغير فإنه يوجب الضمان ابتداءً على المتلف وإن كان استقراره على المكره - بالكسر - وبذلك يظهر ما في القول الثالث.
هذا مع أنّ للمناقشة في هذه الأدلة مجالاً، أما في قاعدة الإتلاف فلأنّها قاعدة متصيدة من الموارد الجزئية، أو أنها مستفادة من السيرة كذلك، ولم ترد في الروايات بهذا اللفظ، وعلى كلا التقديرين فهي دليل لبّي لا إطلاق له حتى يتمسك به في المقام، وأما قاعدة اليد فهي - مع الغض عن سندها - ظاهرة في اليد العدوانية ويد المكره - بالفتح - ليست كذلك بل قد تكون واجبة كما إذا كان في الخوف على النفس أو العرض، وأما في قاعدة احترام مال المسلم وأنّ ماله كدمه ولا يحل مال امرىء مسلم إلاّ عن طيب نفسه، فلاحتمال اختصاص الحكم بالحرمة التكليفية دون الوضعية فلا تشمل الضمان، وعلى فرض الشمول فالقدر المتيقن منها هو ما إذا كانت يده حراماً تكليفاً فتحرم وضعاً، وأما إذا لم تكن كذلك - كما نحن فيه - فدلالتها على الحكم بالضمان ليست بواضحة.
وبناء على عدم تمامية الأدلة الأولية فالمرجع هو البراءة عن الضمان والمسألة بحاجة إلى التأمل ولعلّ في ما يأتي بعض ما ينفع في المقام.
الصورة الثالثة: إذا كان الأمر دائراً بين ضررين على شخص واحد.
ولهذه الصورة ثلاثة أقسام: لأنه تارة يكون بين ضررين مباحين - أي يسوغ - للمكره - بالفتح ارتكابهما تقية - كما إذا كان الضرران ماليين، وحينئذ يتخيّر المكره - بالفتح - في ارتكاب أحدهما إذا كانا متساويين وإلاّ وجب اختيار أخفهما ضرراً على الغير، لأنّ موضوع الإكراه هو الحق المشترك، وأمّا الزائد فلا
ص: 181
إكراه فيه، ولو ارتكبه كان تعدّياً محرماً وهو يوجب الضمان، وتارة يكون أحدهما حراماً دون الآخر كما إذا كان أحدهما في المال والآخر في العرض، ولا ينبغي الإشكال بلزوم ارتكاب الضرر المالي دون الضرر العرضي، وتارة يكون الضرران محرّمين فإن كان أحدهما أشدّ حرمة من الآخر كما إذا دار الأمر بين سبّ مؤمن أو ضربه، وبين هتك حرمة أهله فلابدّ من اختيار الأخف منهما وإلاّ فالتخيير.
الصورة الرابعة: ما إذا كان الأمر دائراً بين الإضرار بشخصين كما إذا أكره على إيقاع الضرر بزيد أو بعمرو ويأتي فيها ما تقدم من الأنحاء الثلاثة في الصورة السابقة، ولا كلام في عدم جواز ارتكاب الحرام مع إمكان ارتكاب المباح، وإنّما الكلام فيما إذا كان كلا الضررين مباحين،كما إذا كان الضرر مالياً بالنسبة إلى كلا الشخصين فهل يجب ارتكاب أقلّ الضررين وأخفهما أو لا؟ فيه وجوه:
الأول: لزوم ذلك، ومع التساوي فالمرجع هو العمومات والأصول، ومع عدمهما فالمرجع هو القرعة وإليه ذهب شيخنا الأنصاري(قدس سره) وتبعه المحقق النائيني(قدس سره) والسيد الأستاذ(قدس سره) .
الثاني: أنه من الأمر المشكل فالمرجع هو القرعة ابتداء.
الثالث: التخيير.
استدل للقول الأول بوجوه:
أحدها: ما عن الشيخ الأنصاري (قدس سره) بأنّ مقتصى نفي الضرر عن العباد في مقام الامتنان، عدم الرضا بحكم يكون ضرره أكثر من ضرر الحكم الآخر، لأن العباد كلهم متساوون في نظر الشارع، بل بمنزلة عبد واحد فإلقاء الشارع أحد الشخصين في الضرر بتشريع الحكم الضرري فيما نحن فيه نظير لزوم الإضرار بأحد الشخصين لمصلحته، فكما يؤخذ فيه بالأقل كذلك فيما نحن فيه، ومع
ص: 182
التساوي فالرجوع إلى العمومات الأخر ومع عدمها فالقرعة، لكن مقتضى هذا ملاحظة الضررين في الشخصين المختلفين باختلاف الخصوصيات الموجودة في كل منهما من حيث المقدار ومن حيث الشخص، فقد يدور الأمر بين ضرر درهم وضرر دينار مع كون ضرر الدرهم أعظم بالنسبة إلى صاحبه من ضرر الدينار بالنسبة إلى صاحبه، وقد يعكس حال الشخصين في وقت آخر(1) .
وهذا الوجه قابل للمناقشة وذلك: لأنّ مجرد عدم شمول حديث لا ضرر لكل من الشخصين للتعارض لا يوجب هذا الحكم، وهو الأخذ بالأقل وتنزيل المقام منزلة الضررين لشخص واحد وإعمال قواعد التزاحم، فما أفاده ! لا ينهض بما حكم به فإنه بهذا المقدار ناقص كما هو واضح.
ثانيها: ما يظهر من المحقق النائيني(2) والسيد الأستاذ(3) (قدس سره) وحاصله: أنه بعد عدم شمول قاعدة لا ضرر لمثل المورد فلابدّ من الأخذ بأخف الضررين، ومع عدم المرجح يحكم بالتخيير، إذ المورد من موارد تزاحم الحقين لا من موارد التعارض كي يحكم بالتساقط والرجوع إلى سائرالقواعد، وهذا نظير إنقاذ أحد الغريقين حيث إنّ المكلف لا يتمكن من إنقاذهما معاً فلابدّ من اختيار الأهم منهما وإلاّ فالحكم هو التخيير.
وهذا الوجه يمكن أن يناقش فيه بأن المقام ليس من موارد تزاحم الحقين في مقام الامتثال، بل هو من موارد رفع أحد الحقين، كما أنه ليس في المقام حكمان بل حكم واحد، فإنّ وجوب حفظ مال الشخصين غير ثابت على المكره - بالفتح - نعم يحرم التسلّط على مالهما وقد أسقط أحدهما عنه، فيجوز له إتلاف أحد المالين، والمفروض أنه قادر على الامتثال فتأمّل.
ص: 183
ثالثها: أنّ جواز ارتكاب الأقل هو القدر المتيقن من دليل الإكراه، إما من جهة دوران الأمر بين التعيين والتخيير فإنّ الأقل جائز على كل حال أي سواء كان له عدل آخر فيتخير بينهما أو لم يكن فيتعين ارتكابه، وإما من جهة دوران الأمر بين الأقل والأكثر فإنّ الأقل قدر متيقن بدليل الإكراه وأمّا الأكثر فمشكوك فيه، وحينئذ يتعين ارتكاب أقل الضررين.
وهذا الوجه قابل للمناقشة أيضاً في كلا وجهيه.
أما بالنسبة إلى دوران الأمر بين التعيين والتخيير فلا يجري في المقام، وذلك لأنّ الدوران - كما ذكر في محلّه - على ثلاثة أنحاء فتارة يكون في الحجية كدوران الأمر بين حجية فتوى الأعلم أو الأعم ولا إشكال - في هذا القسم - في الحكم بالتعيين لأنّ الشك في الحجية يساوق عدمها، وتارة يكون في مقام الامتثال كما إذا دار الأمر بين إنقاذ أحد الغريقين واحتمل أهمية أحدهما فلابدّ حينئذ من الأخذ بالطرف المحتمل الأهمية ضرورة أنّ الإتيان به يوجب القطع بالامتثال والأمن من العقاب لأنّ إنقاذه هو الوظيفة إما تعينياً أو تخييراً بخلاف العدل الآخر فإنه لا يوجب القطع بالامتثال واليقين بالبراءة، وتارة يكون الدوران في مقام الجعل عند الشك في كيفيته وأنه هل تعلّق بفرد خاص، أو بالجامع الذي يمكن تحققه في فرد ما بلا خصوصية، كما إذا شك في أنّ كفارة الإفطار العمدي في شهر رمضان هل تعلق بصيام شهرين متتابعين بخصوصه، أو أنه تعلّق بالجامع بين الصيام والإطعام، ومرجعه إلى الشك في إطلاق التكليف وتقييده، والأصل عدم التقييد لأنه كلفة زائدة مدفوعة بأصالة البراءة، وما نحن فيه من هذا القبيل فإنّ المجعول هنا حكم واحد وهو جواز الإضرار بمال الغير ولكن لا ندري هل قيّد بالأقل أو لا؟ والمرجع حينئذ هو البراءة لأنّ التعيين أمر زائد مشكوك فيه فيدفع بأصالة البراءة.
ص: 184
وليس المقام من باب جعل حكمين ليقع التزاحم بينهما في الامتثال كما تقدم.وأما بالنسبة إلى دوران الأمر بين الأقل والأكثر فالمناقشة واضحة، وذلك لأنّهما من المتباينين فإنّ موضوع أحدهما غير موضوع الآخر، وتنزيلهما منزلة موضوع واحد والقول بأن جميع العباد بمنزلة عبد واحد - كما تقدم عن الشيخ - إنما هو مجرّد استحسان لم يقم عليه دليل.
فظهر أنّ ما ذكر من الوجوه دليلاً على اللزوم غير تام.
وأما القول الثاني فقد استدل له بما ورد من الروايات الدالة على أنّ القرعة لكل أمر مشكل أو مجهول، ومن ذلك معتبرة محمد بن حكيم قال: سألت أبا الحسن (علیه السلام) عن شيء؟ فقال لي: كل مجهول ففيه القرعة، قلت له: إنّ القرعة تخطىء وتصيب! قال: كلّما حكم الله به فليس بمخطىء(1).
ومحل الشاهد قوله: «كل مجهول ففيه القرعة» ودلالتها واضحة كما أنّ الرواية من حيث السند معتبرة، فإنّ طريق الصدوق إلى محمد بن حكيم صحيح(2) .
وأما نفس محمد بن حكيم فهو وإن لم يرد فيه توثيق صريح إلاّ أنه يمكن الحكم بوثاقته كما قررناه في محلّه من أنّ من علامات التوثيق رواية أحد المشايخ الثلاثة عن الشخص أو وقوعه في أسناد نوادر الحكمة ما لم يستثن(3) وقد روى ابن أبي عمير عن محمد بن حكيم(4) كما أنّه ورد في أسناد كتاب نوادر الحكمة ولم يستثنه ابن الوليد(5) مضافاً إلى ما أورده الكشي(6) من الروايات في مدحه، وما
ص: 185
ورد في بعض النسخ من أنه محمد بن حكم فهو تصحيف.
وهناك كثير من الروايات الواردة في هذا المعنى حتى أنه ادعي فيها التواتر.
ولكن الظاهر من هذه القاعدة أنها مختصة بالشبهات الموضوعية ولا تشمل غيرها، مضافاً إلى احتمال أن يكون موردها المجهول الواقعي الذي لا تجري فيه قاعدة من القواعد الظاهرية كما استظهره السيد الأستاذ(قدس سره) (1)، وعليه فالتمسك بالقرعة في المقام فيه ما لا يخفى، فمقتضى القاعدة هو الحكم بالتخيير.
لكنّ الظاهر هو رجحان القول الأول وهو الأخذ بالأقل مطلقاً سواء كان في الأعراض أو في الأموال، أمّا بالنسبة إلى الأعراض فحيث إن عرض المؤمن واجب الحفظ ففي المقام تكليفان ولا يتمكن المكلف من امتثالهما معاً فيرتفع أحدهما بدليل الإكراه فلابدّ من ارتكاب الأقل كما تقدم، وعلى فرض التساوي - حيث إنّ اختيار أحدهما وتطبيق الجامع عليه لا إكراه فيه بل الإكراه إنما تعلّق بالجامع بينهما - فالاحتياط يقتضي تعيينه بالقرعة.
وأما بالنسبة إلى الأموال فالظاهر أيضاً أنه لابدّ من الاقتصار على الأقل - كماً وكيفاً - من جهة تكليف نفس المكره - بالفتح - حيث إنّ إكراهه بالنسبة إلى الأخفّ أو الأقل قطعي، وأما بالنسبة إلى الأشد أو الأكثر فمورد للشك، ولا يصدق الإكراه فيه.
وبعبارة أخرى: إنّ الضررين وإن كانا مختلفين من جهة الموضوع إلاّ أنّهما ليسا كذلك من جهة المتعلق وهو المال، فلابدّ من الاقتصار على المقدار الذي يندفع به الإكراه وهو الأقل إذ الضرورات تقدر بقدرها، ولاسيما بناء على أنّ الحرمة تنحل بانحلال المتعلّق كما أنها تنحل بانحلال الموضوع أيضاً.
والحاصل: أنّ الإضرار بمال أي منهما حرام، إلاّ أنّ دليل الإكراه رفع
ص: 186
الأقل منهما، ومع التساوي فالحكم فيه ما تقدم في الأعراض.
هذا إذا لم يكن أحدهما راضياً بإيقاع الضرر بماله وإلاّ فيتعين دون الآخر.
إذا توقف عدم الإضرار بشخص على الإضرار بشخص آخر في مورد الإكراه أو الاضطرار ففيه تفصيل: لأنّ الضرر تارة يكون نفسياً والظاهر جوازه بل وجوبه لأهميّة حفظ نفس المؤمن فإنه لا يوازيه شيء، وتارة يكون الضرر مالياً أو عرضياً فهل يجوز دفعه بالإضرار بالآخر إن كان أقل أو لا يجوز مطلقاً؟ والظاهر أن دفع الضرر المتوجّه إلى شخص آخر يحتاج إلى دليل، ولا دليل في المقام، ومقتضى القاعدةهو عدم الجواز مطلقاً.
هذا كله فيما إذا كان الضرر من جهة الإكراه وأما إذا لم يكن كذلك كما إذا أدخلت الدابة رأسها في قدر شخص آخر ولم يمكن التخليص إلاّ بكسر القدر أو ذبح الدابة فهاهنا أربع صور: الأولى: أن يكون بفعل أحد المالكين. الثانية: أن يكون بفعلهما معاً.
الثالثة: أن يكون بفعل شخص أجنبي. الرابعة: أن لا يكون مستنداً إلى فعل شخص.
وبيان حكم كل صورة منها موكول إلى محله، فهي خارجة عن محل الكلام والداعي لذكرها هنا هو استيعاب الأقسام والصور.
الصورة الخامسة: ما إذا كان الضرر دائراً بين نفسه وبين شخص آخر، ولهذه الصورة ثلاثة أقسام أيضاً، فتارة يكون الضرر بحسب الاقتضاء والطبع متوجّهاً إلى الغير كما إذا أكرهه الجائر على أخذ مال من الغير وإلاّ أخذه من نفسه،
ص: 187
وتارة يكون الضرر متوجهاً إلى نفسه إلاّ أنه يتمكن من توجيهه إلى الغير كما إذا اتّهم بأنه شيعي وخاف من وقوع الضرر على نفسه فاتّهم شخصاً آخر بذلك لدفع الضرر عن نفسه، وتارة يكون الضرران في عرض واحد كما إذا أكره على دفع مقدار من المال إمّا من ماله أو من مال الغير.
أما الأول: وهو أن يكون الضرر متوجهاً إلى الغير بحسب الطبع فهل يجوز الإضرار به مطلقاً وإن كان الضرر لو وقع على المكره - بالفتح - أقل؟ أو يجب تحمل الضرر عن الغير ولا يجوز الإضرار بالغير مطلقاً؟ أو يفصل بين المباح والحرام؟ فيه وجوه، بل أقوال وقد تقدمت، والمشهور هو القول الأول كما عن الشيخ الأنصاري والمحقق النائيني، وهو جواز الإضرار مطلقاً، وذكرنا أنّ السيد الأستاذ ذهب إلى القول بالتفصيل، وقلنا إنّ الأقوى هو قول المشهور فلا يجب على المكره - بالفتح - أن يتحمل الضرر مطلقاً إلاّ إذا كان ضرر الغير نفسياً فيجب.
وأما الثاني وهو ما إذا كان الضرر متوجهاً إلى المكره - بالفتح - إلاّ أنه يتمكن من توجيهه إلى غيره ليدفع الضرر عن نفسه، وقد تقدم مثاله في الإكراه، أما في غير الإكراه فكما إذا وقع السيل على داره ويمكنه توجيه الماء إلى دار جاره، فهل يجوز صرف الضرر عن النفس بإيقاعه بالغير؟
فيه قولان:الأول: عدم الجواز وهو مذهب المشهور.
الثاني: الجواز - كما هو محتمل صاحب الكفاية - مقيداً بكون الضرر الواقع على الغير أقل.
وصرح في منتقى الأصول بالجواز مع الحكم بالضمان، ومثله في عمدة المطالب.
أما القول الأول فقد استدل له بأنّ مقتضى الأدلة الأولية حرمة الإضرار
ص: 188
بالغير وليس في المقام دليل حاكم عليه، لأنّ الدليل الحاكم لا يخلو إما أن يكون دليل الإكراه، وإما أن يكون دليل لا ضرر وكلاهما لا يجريان في المقام.
أما عدم جريان دليل الإكراه فلأنّ متعلق الإكراه مال نفسه لا مال الغير فلا يشمل ما نحن فيه، مضافاً إلى أنه وارد في مقام الامتنان على الأمة لا على نفس المكره - بالفتح - فقط.
وأما عدم جريان دليل لا ضرر فلأنّ جريانه بالنسبة إلى نفسه معارض بجريانه في حق الغير، ومقتضى ذلك التساقط مع أنه امتناني.
والحاصل: أنه لا دليل على جواز الإضرار بالغير وإن كان ضرره أقل من ضرر نفسه كما هو مقتضى القاعدة.
وأما القول الثاني فقد استدل له بوجوه ثلاثة:
الأول: ما ذكره صاحب الكفاية - حيث احتمل الجواز - فقال: نعم لو كان الضرر متوجهاً إليه ليس له دفعه عن نفسه بإيراده على الآخر، اللهم إلاّ أن يقال: إنّ نفي الضرر وإن كان للمنّة إلاّ أنه بلحاظ نوع الأمة، واختيار الأقل بلحاظ النوع منّة، فتأمل(1) .
الثاني: ما ذكر في منتقى الأصول تصريحاً بالجواز - حيث قال: والذي نراه إنّ المورد ليس من موارد التعارض (أي بين الضررين لتشمله قاعدة لا ضرر)، فإنّ مورد التعارض ما إذا كان لدينا حكمان متنافيان يترتب على كل منهما الضرر بحيث لا يمكن تطبيق القاعدة بالنسبة إليهما كمورد إدخال الدابة رأسها في القدر ... بل ليس هنا إلا حكم واحد وهو حرمة توجيه السيل إلى دار الغير من جهة أنه إتلاف لماله وإضرار به.
والذي نلتزم به في هذا المورد بمقتضى الصناعة هو جواز توجيه السيل إلى
ص: 189
دار الغير مع ثبوت الضمان عليه، بيان ذلك: إنّ حرمة الإتلاف أو إضرار الغير ضررية على الشخص، فترتفع بالقاعدة فيثبت هاهنا جواز توجيه السيل، نعم قد يقال: إنّ حرمة الإتلاف وإن كانت ضررية، إلاّ أن رفع الحرمة يستلزم الضرر على الغير بإتلاف ماله ...
ولكن نقول: إنّ المفروض أنّ ضرر الغير المترتب على رفع الحرمة متدارك بالضمان، والتدارك يرفع صدق الضرر ...(1) .
الثالث: ما في عمدة المطالب حيث قال: (إنه) بعد فرض عدم إمكان الأخذ بقاعدة لا ضرر هل يمكن الأخذ بقاعدة رفع الاضطرار إذا صدق أنه مضطر إليه؟ ربما يقال - كما في كلام الشيخ (قدس سره) - : إنه خلاف الامتنان على جنس الأمة، والجواب عن هذه الشبهة قد ظهر مما ذكرنا آنفاً، فمقتضى إطلاق الحديث أنه لا مانع عن الأخذ بها، ولو فرض أنّ الغير أيضاً مضطر إلى الإضرار إلى من فرض اضطراره نلتزم بشمول القاعدة إياه أيضاً، ولا يتوجه إشكال، فإنّ دليل رفع الاضطرار يشمل كليهما، فكل من الطرفين له أن يتصرف في مال الآخر لأجل الاضطرار وتشملهما القاعدة، فمقتضى الصناعة هو الجواز بمقتضى قاعدة نفي الاضطرار إلاّ أن يقوم إجماع تعبدي على عدم الجواز(2) .
والظاهر هو ما عليه المشهور من عدم جواز الاضرار بالغير، وحرمة إتلاف ماله، وذلك لعدم شمول ما استدل به على الجواز للمقام.
أما عدم شمول دليل الإكراه فكما تقدم من أنّ الإضرار بالغير ليس مورد الإكراه، بل مورده هو مال نفس المكره - بالفتح - مضافاً إلى أنه حكم امتناني على جميع الأمة.
ص: 190
وأما عدم شمول قاعدة الضرر فمضافاً إلى أنها حكم امتناني، أن نفي الضرر عن نفسه معارض بنفي الضرر عن الغير فلا تجري فيما نحن فيه.
وأما عدم شمول قاعدة الاضطرار فلأنّه أولاً: إن معنى الاضطرار هو الضرورة الشديدة التي لا محيص عنها إلاّ بارتكاب الحرام كما ورد في الآيات الشريفة كقوله تعالى: «فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ»(1) وقوله: «فَمَنْ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَغَفُورٌ رَحِيمٌ»(2) .
وثانياً: إن ما نحن فيه هو ما إذا لم يكن مضطراً للإضرار بالغير بمعنى أنّ متعلق الإضرار هو مال نفسه لا مال غيره وإن أمكنه صرف الضرر عن نفسه وإيقاعه بغيره، ومجرد الإمكان لا يسوّغ إيقاع الضرر بالغير، نظير من اضطرّ إلى علاج نفسه أو ولده لبيع داره فإن بيع الدار وإن كان طريقاً منحصراً للعلاج لكنه يقع منه بالاختيار، نعم إذا كان هناك خوف على تلف النفس فهذا أمر آخر، وهو خارج عن محل الكلام.
وبعبارة أخرى: إنّ المكره - بالفتح - مضطر إلى إعطاء ماله لا مال الغير، ويريد بإعطاء مال الغير دفع الاضطرار عن نفسه، فلا يكون مضطراً إلى الإعطاء من مال الغير ليشمله دليل الاضطرار.
وما ذكر من القول بأنّ الإعطاء من مال الغير مع الضمان لا يصدق عليه الضرار حتى يقع التعارض فيبقى ضرر نفسه وحرمة التصرف في مال الغير مرفوعة بقاعدة لا ضرر - كما في منتقى الأصول - لا يمكن المساعدة عليه بوجه وذلك: أولاً كيف لا يصدق عنوان الضرر مع التدارك خصوصاً إذا كان الضمان بالقيمة فإن فوات العين وصفاتها ضرر بلا إشكال.
ص: 191
وثانياً: إنّ لازم ذلك جواز التصرف في أموال الناس مهما بلغت مع الضمان إذا كانت حرمة التصرف تستوجب الضرر ولو كان الضرر يسيراً سواء كان بإكراه الغير أو عدمه، وهذا مما يستلزم الفقه الجديد وإن ورد في كلمات بعض وهو كما ترى.
وثالثاً: إنّ هذا ينافي ما اختاره - في مسألة ذكرها بعد ذلك - من أنه لو أكره على أمر ضرري متوجه إليه كإعطاء عشرة دنانير وتوعد على ترك الإعطاء بالضرب، وكان يتمكن من دفع الضرر عن نفسه بأخذ عشرة دنانير من الغير بقوله: فلا وجه للالتزام بجواز نهب مال الغير لدفع الضرر عن نفسه بإضرار الغير وهو واضح(1) .
مع أن المسألتين من واد واحد، ولذا جعلهما السيد الأستاذ (قدس سره) في المصباح صورة واحدة(2)، وذلك لعدم الفرق بين الضرر المتوجه إلى الشخص أن يكون منشؤه المكره - بالكسر - أو غيره فإذا أمكن دفعهبالإضرار بالغير فالحكم فيهما سواء.
وأما الثالث وهو ما إذا كان الضرران في عرض واحد فإن كان أحدهما نفسياً فلا إشكال في تقديمه على الآخر مطلقاً، وهكذا إذا كان أحدهما عرضياً والآخر مالياً، وأما إذا كانا ماليين ففيه وجوه بل أقوال:
الأول: عدم جواز الإضرار بالغير بل يجب على المكره - بالفتح - أن يتحمل الضرر بنفسه، وهو الظاهر من كلام صاحب الجواهر (قدس سره) وغيره واختاره السيد الأستاذ (قدس سره) .
الثاني: الجواز وهو الظاهر من كلام الشيخ في مسألة ما إذا كان تصرفه في
ص: 192
ملكه موجباً لتضرر جاره وإن لم يتصرف وقع الضرر عليه نفسه، فإنه حكم بجواز التصرف وإن استلزم ضرر الجار(1)، كما أنه أظهر الوجهين من كلام صاحب الكفاية(2)، وكل من قال بجواز الإضرار بالغير في النحو الثاني المتقدم فهو قائل بالجواز في المقام بمقتضى الأولوية.
الثالث: القول بمراعاة الأهم - إن كان - فيقدم على الآخر، وعلى فرض التساوي فالحكم هو التخيير أو الرجوع إلى الأصول لدخوله في باب التزاحم، واحتمله صاحب الكفاية(3) وإن كان قد اختار غيره .
الرابع: القول بالأخذ بالأقل - إن كان - وعلى فرض التساوي يؤخذ بأحدهما تخييراً وتوزع الخسارة عليهما بالنسبة بمقتضى قاعدة العدل والإنصاف وهو ظاهر المحقق المشكيني(4).
أما القول الأول فقد استدل له بوجهين:
أحدهما: ما ذكره السيد الأستاذ (قدس سره) من أنه إذا توجه الضرر ابتداء إلى الغير ثم إلى المكره - بالفتح - على تقدير المخالفة وكان الضرر المتوعد عليه أمراً مباحاً في نفسه كما لو أكرهه الجائر على نهب مال الغير وإلاّ نهب ماله بأنه: لا يجوز للمكره - بالفتح - نهب مال الغير ويجب عليه تركه إذ أنّ دفع مال نفسه إلى الجائر جائز، فلا يجوز ارتكاب الحرام لأجل ترك المباح، مضافاً إلى أنّ أدلة الإكراه والحرج والتقية كلهاامتنانية لا تشمل المقام(5) .
ثانيهما: ما ذكره صاحب الجواهر (قدس سره) من أنه لم يلجئه (الجائر) إلى ظلم غيره ليكون مكرهاً - بالفتح - بذلك ... بل إنما يتحقق الإكراه في ذلك ونحوه بأمره
ص: 193
بظلم الشخص المخصوص وإلجائه إلى ذلك(1) .
توضيحه - كما عن بعض السادة الأجلاء - : إنّ الإكراه إنما تعلق بالجامع وهو أحد المالين، والجامع غير موجود في الخارج، وأحدهما المعين لا دليل عليه، فتصل النوبة - حينئذ - إلى التمسك بمتمّم التطبيق وهو حكم العقل في هذه الحالة بصحة انطباق الجامع على كل واحد من الفردين، فإذا حكم العقل بالتخيير في الانطباق وتعيين مصداق الجامع فحينئذ لا يصدق الإكراه على الحرام أو على مال الغير لأنّ أحد فردي الانطباق هو مال المكره - بالفتح - ومع التمكن من انطباق الجامع على ماله وهو ليس بحرام فيتعين عليه التصرف في ماله دون مال الغير.
وبعبارة أخرى: لا يتحقق الإكراه على مال الغير أو على الحرام إذ مع صحة الانطباق على ماله وكونه مباحاً فلا يتحقق الإكراه على مال الغير(2) .
وأما القول الثاني فقد استدل له بوجوه ذكرها الشيخ (قدس سره) وهي:
الأول: أنّ دليل نفي الإكراه يعم جميع المحرمات حتى الإضرار بالغير ما لم يصل إلى الدم.
الثاني: أنّ تحمل الضرر حرج عظيم على المكره - بالفتح - وهو مرفوع في الشريعة المقدسة.
الثالث: ما دل على أنّ التقية إنما جعلت ليحقن بها الدم، فإذا بلغت الدم فلا تقية، والمستفاد من ذلك جواز الإضرار بالغير في كل ما عدا الدم بالغاً ما بلغ(3) .
مضافاً إلى أنّ مقتضى قول القائلين بجواز الإضرار بالغير في النحو المتقدم، القول بجواز الإضرار بالغير فيما نحن فيه بطريق أولى، وبنفس الأدلة التي ذكرت هناك.
ص: 194
وأما القول الثالث فقد استدل له بأن الضرر المتوجه إليهما كالضررينالمتوجهين إلى شخص واحد، ولا يمكن نفيهما معاً بقاعدة نفي الضرر للتزاحم، فلابدّ من إعمال قاعدة التزاحم في المقام ولا سيما على مبنى كون القاعدة امتنانية على جميع الأمة.
أما القول الرابع فقد استدل له:
أولاً: بمقتضى قاعدة العدل والإنصاف وهي قاعدة عقلائية مؤيدة بالآيات والروايات.
وثانياً: أنهم حكموا بتوزيع الخسارة الواردة على المالين بالنسبة، كما لو كان لأحدهما درهم ولآخر درهمان فتلف أحد الدراهم من عند الودعي، أن لصاحب الاثنين واحداً ونصفاً وللآخر نصفاً(1) وهو مضمون رواية السكوني عن الصادق عن أبيه (علیه السلام) في رجل استودع رجلاً دينارين فاستودعه آخر ديناراً فضاع دينار منها قال: يعطى صاحب الدينارين ديناراً ويقسم الآخر بينهما نصفين(2) .
ولكن الأظهر من هذه الأقوال هو الثاني، لما ذكر في أدلته من أن دليل نفي الإكراه يعمّ جميع المحرمات حتى الإضرار بالغير ما لم يصل إلى الدم، وهذا هو المستفاد من أدلة التقية وغيرها، مضافاً إلى صدق عنوان المكره - بالفتح - على المكلف لانطباق الجامع عليه، وصدق عنوان الإكراه على غيره لا يخرجه عن الإكراه، وعليه فإذا كان مكرهاً - بالفتح - جاز له العمل بمقتضى أمر المكره - بالكسر - والتحفظ على ماله مهما كان، وهذا نظير ما لو توجّه بلاء كسيل - مثلاً - ودار بين أن يقع على داره أو دار جاره فلا يجب توجيهه إلى داره لئلاّ يتوجه إلى دار جاره، بل الحكم من جهة صدق الإكراه عليه أولى من هناك، ومن ذلك تظهر
ص: 195
المناقشة في القول الأول بكلا وجهيه إذ بعد تسويغ الإضرار بالغير عند الإكراه لا يبقى مجال للتمسك بوجوب تحمّل الضرر على نفسه للقول بأنّه أمر مباح أو القول بأنّ الإكراه تعلّق بالجامع وإن الإضرار بالغير ليس مكرهاً عليه، فإنّ من الواضح هنا أنّ الإكراه يصدق على هذا الشخص فإن غرضه أن يقي ماله عن وقوع الإضرار به ومع صدق الإكراه عليه - سواء كان الضرران في عرض واحد أو أنّ ضرر نفسه في طول ضرر الغير - فحينئذ يجوز له الإضرار بالغير بالغاً ما بلغ وإن كان أكثر من ضرر نفسه ما لم يبلغ الدم. كما لا يبقى مجال للتمسك بالقول الثالثلأنه في مورد ثبوت التزاحم ولا تزاحم في المقام.
وأما قاعدة العدل والإنصاف فيمكن المناقشة فيها بوجهين:
الأول: ما أفاده السيد الأستاذ (قدس سره): من أنا لو التزمنا بالقاعدة فإنّما تتجه في موارد لم يكن المكلف ضامناً كما في الودعي ونحوه من موارد الأمانات الشرعية فليفرض أن جواز التنصيف مقدمة للعلم بإيصال النصف الآخر إلى صاحبه(1) . وتقديم الموافقة القطعية على الموافقة الاحتمالية في تمام المال، وليس المقام كذلك لأنه ليس هنا مال مردد بين شخصين ليقسم بالنسبة مقدمة لإيصاله إلى مالكه ولو في الجملة بل هنا خسارة واقعة على أحد المالين معيناً فهل يجبر بعضها بمال الآخر؟
وثانياً - ما عنه أيضاً - : أنّ القاعدة في نفسها غير تامة إذ لم يثبت بناء ولا سيرة من العقلاء على ذلك حتى تكون ممضاة لدى الشارع، اللهم إلاّ إذا تصالحا وتراضيا على التقسيم على وجه التنصيف (أو بالنسبة) فإنه أمر آخر، وإلاّ فجريان السيرة على ذلك بالتعبد من العقلاء أو الشارع استناداً إلى ما يسمى بقاعدة العدل والإنصاف لا أساس له - وإن كان التعبير حسناً مستحسناً - إذ لم يقم أي دليل على جواز إيصال مقدار من المال إلى غير مالكه مقدمة للعمل
ص: 196
بوصول المقدار الآخر إلى المالك(1) .
هذا مضافاً إلى أنّ التمسك بالرواية والتعدّي عنها مشكل خصوصاً أنه لم يلحظ فيها توزيع الخسارة بالنسبة بل لوحظ التنصيف بين صاحب الدينار وصاحب الدينارين، وهذا أمر تعبدي غير قاعدة العدل والإنصاف.
وما قيل: من إثبات القاعدة بالآيات كآية الأمر بالعدل والإحسان(2) ونحوها فهو مشكل جداً إذ لم يحرز أن هذه الآيات واردة في مقام إثبات هذه القاعدة، فالأظهر هو القول الثاني أي جواز الإضرار بالغير وعدم وجوب تحمل الضرر على نفسه وإن كان جائزاً.
الأول: إذا قال الجائر: أعطني مائة دينار من مالك وإلاّ فأت بها من مال عمرو، فهذا داخل في الضرر المتوجه إلى نفسه ابتداء، ويجب عليه تحمله ولا يجوز صرفه إلى الغير والإضرار به.
وأما إذا قال: ائتني بمائة دينار من مال عمرو وإلاّ فمن مالك، فهذا من الضرر المتوجه إلى الغير ابتداء ولا يجب عليه تحمله كما تقدم.
الثاني: إذا توجه الضرر إلى أهل بلد بواسطة رئيسهم فلا يجب دفع الضرر عنهم بتحمله على نفسه لأنه داخل في الضرر المتوجه إلى الغير ابتداء، نعم إذا كان الضرر نفسياً أو عرضياً وتمكن من دفعه عنهم وجب عليه.
ص: 197
الثالث: إذا قال له الجائر: ارتكب الحرام الفلاني وإلاّ ألجأت فلاناً إلى ارتكابه فلا يجوز له ارتكابه، إذ لا يصدق عليه عنوان الإكراه إلاّ إذا كان منع الآخر عن المعصية واجباً عليه، والمقام ليس كذلك، نعم إذا كان حفظه واجباً عليه كما إذا كان الضرر نفسياً أو عرضياً فحينئذ يصدق عليه عنوان الإكراه فيجب عليه تحمله في الأول ويقع التزاحم في الثاني.
الرابع: إذا أكره الجائر شخصاً من أهل بلد على إعطاء مقدار من المال فليس له توجيه الضرر إلى بعض أفراد البلد أو توزيع الضرر عليهم.
الخامس: إذا أكره الجائر شخصاً على إعطاء مقدار من المال من نفسه أو من مال أحد شخصين مخيّراً بينهما فهو على نحوين:
الأول: دوران الضرر بينه وبين غيره وقد تقدم الكلام فيه، وقلنا بجواز الإضرار بالغير وعدم وجوب تحمل الضرر على نفسه.
الثاني: دوران الضرر بين شخصين وقد تقدم الكلام فيه أيضاً، وقلنا بدخوله في باب التزاحم ولزوم مراعاة الأهم ومع عدمه فالتعيين بالقرعة.
السادس: إذا دار الضرر بينه وبين غيره من غير جهة الإكراه كما إذا لزم من تصرّفه في ملكه تضرّر جاره فهو على خمسة أنحاء:
الأول: أن يكون التصرف بداعي دفع الضرر عن نفسه.
الثاني: أن يكون بداعي جلب المنفعة.
الثالث: أن يكون بداعي التحرّز عن الوقوع في الضرر.
الرابع: أن يكون قاصداً لإضرار الجار من دون دفع مضرة أو جلب منفعة.
الخامس: أن يكون فعله عبثاً من دون قصد الإضرار.
وبيان حكم كل منها موكول إلى محلّه وإنّما ذكرناها من أجل استيعاب جميع الأقسام.
ص: 198
الصورة السادسة: ما إذا أكره الجائر أحد الشخصين على فعل الحرام.
الصورة السابعة: ما إذا أكره الجائر أحد الأشخاص كأهل بلد على فعل الحرام.
الصورة الثامنة: ما إذا أكره الجائر أحد الشخصين على أحد الفعلين المحرمين.
وفي هذه الصور يقع الكلام في أنه: هل يعتبر في صدق الإكراه وجواز فعل الحرام علم المكلف بعدم صدور الفعل من الآخر أو احتماله ذلك؟ أم لا يعتبر؟
بيانه: إذا علم أو احتمل أن الآخر يقدم على الفعل إما لعدم اطّلاعه على صاحبه المكره - بالفتح - أو يعلم بإرادته الفعل وبرغبته في فعله بلا إكراه، فلو بادر هذا إلى العمل خرج عن كونه مكرهاً - بالفتح - إذ لا يكون قصده حينئذ رفع ضرر المكره - بالفتح - بل إنّ مبادرته إلى الفعل تكون من باب التقرب إلى الظالم، وذلك لأنّ الفعل الإكراهي ما كان تمام العلة فيه هو صدور الفعل عن إكراه المكره - بالكسر - ومع ضميمة التقرب إلى الظالم لا يصدق عليه الإكراه، أو لا يكفي ذلك بمعنى أنه لو علم أنّ الآخر يقدم على الفعل - والحال هذه - جاز للعالم أن يقدم عليه لدفع الإكراه عن نفسه أو عن صاحبه، وذلك لأن مجرّد العلم بأنّ الآخر يفعله لا يدخله في عنوان المختار إذا كان فعله لدفع ضرر المكره - بالكسر - .
فيه احتمالان بل قولان، ولا يبعد التفصيل في المقام بين ما إذا كان الغير يقدم على الفعل للرغبة فيه فلا يتحقق عنوان الإكراه، لأنّ الإكراه توجّه إلى الجامع بين الشخصين أو الأشخاص، وحيث إنّ أحد الفردين أو الأفراد ليس بمكره - بالفتح - لإتيانه الفعل برغبته فهو نظير ما إذا كان العمل بالنسبة إلى أحدهما مباحاً وبمقتضى متمّم الجعل التطبيقي فإن الجامع ينطبق عليه، وحينئذ لا يصدق عنوان الإكراه على الآخر أو الآخرين، وبين ما إذا كان إقدامه على الفعل لجهة الإكراه ودفع ضرر المكره - بالكسر - فلا يخرج فعل الآخر عن
ص: 199
الإكراه ونتيجة ذلك: أن الجامع كما ينطبق على فعل الآخر كذلك ينطبق على فعل المكلف نفسه على حد سواء، فلا يخرج عن كونه إكراهاً فيجوز له الإقدام على الفعللدفع الضرر وإن كان يعلم بأنه مع عدم إتيانه به يقدم الآخر عليه.
هذا ما تقتضيه القاعدة ولكن مقتضى الاحتياط عدم الإقدام حتى يعلم بعدم إتيان الآخر به خصوصاً إذا كان المحرم هو الإضرار بالغير، وهكذا الأمر بالنسبة إلى احتمال ذلك، فمع علمه أو احتماله بأن غيره يتصدى لذلك وإن كان من جهة الخوف والإكراه فالمبادرة حينئذ خلاف الاحتياط، وما ذكرناه يأتي في هذه الصور الثلاث.
هذا تمام الكلام في هذا المقام وقد استوفينا فيه بيان أقسام الضرر والإكراه وحكم كل منها، ولم نقف على هذا النحو من التفصيل في كلمات الأصحاب.
وهي عبارة عن الولاية والتصدّي لجمع الأموال من الصدقات والخراج والمقاسمة والأخماس ونحوها كالزكوات والمكوس والعشور (الضرائب المالية) مما لا يستحقه السلطان الجائر.
ولا إشكال في عدم الجواز، وذلك لما تقدم من حرمة العمل لسلاطين الجور والدخول معهم، إلاّ ما استثني وهذا ليس منها، مضافاً إلى أنّ في نفس هذا العمل إضراراً بالناس في أموالهم، أما المعطي فبأخذ المال منه بغير حق وأما المستحق فبمنعه عن حقه، وفي إعطاء المال للجائر إعطاء لغير المستحق، فالحكم في هذه المسألة ينحلّ إلى حكمين: حرمة نفس العمل وحرمة الإضرار بالمالك والمستحق.
نعم إذا اقتضت التقية ذلك أو كان التصدي لغرض الإصلاح أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلا بأس كما تقدم بيان ذلك مفصلاً.
ومما يدل على حرمة التصدي وأنّ فيه إضراراً بالناس ما ورد في عدة من
ص: 200
الروايات منها: ما رواه الصدوق بسنده عن حماد بن عمر وأنس بن محمد عن أبيه عن جعفر بن محمد عن آبائه (علیهم السلام) (في وصية النبي 6 لعلي (علیه السلام) ) قال: يا علي خلق الله عزوجل الجنة لبنتين: لبنة من ذهب، ولبنة من فضة «إلى أن قال:» فقال الله جل جلاله: وعزتي وجلالي لا يدخلها مدمن خمر، ولا نمّام، ولا ديّوث، ولا شرطي، ولا مخنّث، ولا نبّاش، ولاعشّار، ولا قاطع رحم، ولا قدري ...(1) .
ومحل الشاهد قوله: ولا عشار، وهو آخذ
العشر من أموال الناس بأمر الظالم(2) .
ومنها: ما رواه الصدوق أيضاً بسنده عن أبي هريرة وعبد الله بن عباس عن رسول الله6 في آخر خطبة خطبها قال: ... ومن منع طالباً حاجته وهو يقدر على قضائها فعليه مثل خطيئة عشّار، فقام إليه مالك بن عوف فقال: وما يبلغ من خطيئة عشّار يا رسول الله؟ فقال: على العشّار في كل يوم وليلة لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، ومن يلعن الله فلن تجد له نصيراً(3) .
ومنها: صحيحة أبي أسامة قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): جعلت فداك إنّ هؤلاء المصدّقين يأتونا ويأخذون منّا الصدقة فنعطيهم إيّاها أتجزي عنّا؟ فقال: لا، إنما هؤلاء قوم غصبوكم، أو قال: ظلموكم، وإنّما الصدقة لأهلها(4) .
وفي الرواية دلالة على أنّ هذا الفعل غصب أو ظلم على العباد وهو محرم.
ومنها: صحيحة عيص بن القاسم عن أبي عبد الله (علیه السلام) في الزكاة قال: ما أخذوا (أخذ) منكم بنو أمية فاحتسبوا ولا تعطوهم شيئاً ما استطعتم، فإن المال لا يبقى على هذا أن يزكيه مرتين(5) .
ص: 201
ومحل الشاهد قوله (علیه السلام): «ولا تعطوهم شيئاً ما استطعتم» فإنه يدل على أن الآخذ غير مستحق، وأما أن المال المأخوذ هل يمكن احتسابه عن الزكاة الواجبة كما هو مفاد هذه الرواية، أو لا يمكن احتسابه ولا يجزي كما هو مفاد الرواية السابقة؟ فقد تقدم تفصيل ذلك في مبحث التقية في الزكاة من الجزء الأول، وقلنا بالإجزاء في بعض الحالات دون بعض جمعاً بين الروايات.
هذا ولكنّ الروايتين الأوليين وإن كانتا دالتين على مبغوضية الفعل إلاّ أنّهما ضعيفتان من جهة السند فإنّ طريقا الصدوق إليهما يشتمل على عدةمجاهيل فهما غير معتبرتين، ولم نقف - في حدود ما تتبعناه - على روايات أخرى، والعمدة في المقام هما الصحيحتان الأخيرتان.
والحاصل: أنّ التصدّي لجباية الأموال لسلطان الجور والولاية من قبله لهذا الغرض حرام لما ذكرناه ولدلالة الروايتين المتقدمتين.
والكلام فيه من جهتين:
الأولى: في الفتوى.
الثانية: في القضاء.
أما الجهة الأولى فإنّ الفتوى وإن كانت في حال الاختيار غير جائزة إلاّ بشرائطها لأنّها - مع عدم الشرائط المعتبرة - افتراء على الله والرسول، وقد تظافرت الروايات الناهية عن الإفتاء بغير علم والآمرة بالاحتياط مما هو مذكور في محله، إلاّ أنه في حالة التقية يجوز الإفتاء بالخلاف، والقدر المتيقن من ذلك هو موافقة العامة.
ويمكن الاستدلال على الجواز بأمور:
الأول: الأدلة العامة الواردة في أنّ التقية في كل ضرورة، وقد تقدم ذكرها
ص: 202
في الجزء الأول.
الثاني: السيرة العملية للأئمة (علیهم السلام) وهذا من الواضحات، فإنّهم (علیهم السلام) كانوا يفتون شيعتهم - في بعض الأحوال - بما يوافق العامة، وعلى ذلك عدة روايات:
منها: موثقة عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: ما سمعته منّي يشبه قول الناس فيه التقية، وما سمعت منّي لا يشبه قول الناس فلا تقيّة فيه(1).
ومنها: معتبرة علي بن يقطين(2) المتقدمة في مبحث التقية في الوضوء، فإنّ الإمام (علیه السلام) أمر علي بن يقطين أن يتوضأ كما يتوضأ العامة في حالة التقية.
وغيرها من الروايات الدالة على أنّ سيرة الأئمة (علیهم السلام) كانت على ذلكحال التقية.
الثالث: أنّ الأئمة (علیهم السلام) كانوا يأمرون شيعتهم بذلك ويدلّ عليه ما ورد في معتبرة أبان بن تغلب قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): إنّي أقعد في المسجد فيجيء الناس فيسألوني فإن لم أجبهم لم يقبلوا منّي، وأكره أن أجيبهم بقولكم وما جاء عنكم، فقال لي: أنظر ما علمت أنه من قولهم فأخبرهم بذلك(3) .
وهذه الرواية واضحة الدلالة على جواز الإفتاء بما يوافق العامة وإن كان على خلاف الحق كما أنها معتبرة من حيث السند.
وما ورد في معتبرة معاذ بن مسلم النحوي عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: بلغني أنك تقصد في الجامع فتفتي الناس؟ قلت: نعم، وأردت أن أسألك عن ذلك قبل أن أخرج، إنّي أقعد في المسجد فيجيء الرجل فيسألني عن الشيء فإذا عرفته بالخلاف لكم أخبرته بما يفعلون، ويجيء الرجل أعرفه بمودّتكم فأخبره بما جاء عنكم، ويجيء الرجل لا أعرفه ولا أدري من هو، فأقول جاء عن فلان كذا وجاء
ص: 203
عن فلان كذا، فأدخل قولكم فيما بين ذلك، قال: فقال لي: اصنع كذا، فإنّي كذا أصنع(1) .
والرواية صريحة الدلالة في الجواز بل هو فعل الإمام (علیه السلام) إلاّ أنها اشتملت على التفصيل بين من يعرف بالمودّة وعدمها فيفتي بحسب مذهبه، وبين من لا يعرف مذهبه فيفتي بجميع الأقوال ويجعل قول الحقّ من بينها.
وأما الرواية من جهة السند فهي معتبرة فإن معاذ بن مسلم ممّن وثّقه النجاشي(2) .
وأما ابنه حسين أو حسن فهو وإن لم يوثق إلاّ أنه يمكن استظهار وثاقته بناء على ما قررناه في محله(3) من أنّ رواية أحد المشايخ الثقات علامة على التوثيق وقد روى ابن أبي عمير عن ابن معاذ في نفس هذه الرواية، فالأظهر من هذه الرواية أنها معتبرة من حيث السند واضحة من حيث الدلالة.
والحاصل: هو جواز الإفتاء على خلاف الحق حال التقية، إلاّ أن القدرالمتيقن هو الاقتصار على ما يوافق العامة، ويظهر من بعض الروايات أنّ الإفتاء على مذهب العامة جائز وإن كانت التقية مداراتية لا خوفية.
وأما ما ورد في مقابل ذلك كما في رواية علي بن السندي عن أبيه قال: سألت أبا الحسن(علیه السلام) عن الرجل يأتيه من يسأله عن المسألة فيتخوّف إن هو أفتى فيها أن يشنّع عليه، فيسكت عنه؟ أو يفتيه بالحق؟ أو يفتيه بما لا يتخوّف على نفسه؟ قال: السكوت عنه أعظم أجراً وأفضل(4)
والمستفاد وجوب السكوت وعدم الإفتاء بما يوافق العامة.
ص: 204
ففيه: أنّ الرواية قاصرة سنداً ودلالة .
أما قصور السند فإن فيه السندي وهو مشترك بين عدة أشخاص لم يرد في بعضهم توثيق، نعم جاء في تفسير القمي(1) بعنوان السندي ولكن لما كان مردداً بين أكثر من شخص فلم يتعين أنه المراد، وأما علي بن السندي فهو وإن لم يرد فيه تصريح بوثاقته إلاّ أنه واقع في المستثنى منه من كتاب نوادر الحكمة(2) وقد ذكرنا غير مرة أنّ وقوع الراوي في أسناد نوادر الحكمة علامة على وثاقته، إلاّ أن الرواية تبقى ضعيفة السند من جهة السندي فلا يمكن الاعتماد عليها من هذه الجهة.
وأما قصور الدلالة فلأنّ قوله: «السكوت عنه أعظم أجراً وأفضل» لا دلالة فيه على تعيّن السكوت، وغاية ما يدل عليه أرجحية السكوت ولا يعني ذلك وجوبه.
والنتيجة: أنّ الرواية ضعيفة السند، وقاصرة الدلالة فلا تعارض الأدلّة المتقدمة الدالة على الجواز.
وأما الجهة الثانية وهي قبول الولاية في القضاء فالكلام فيها من ناحيتين:
الأولى: من ناحية تولّي العمل والتصدّي له.
والثانية: من ناحية رجوع الناس إلى المتصدّي والتحاكم إليه.
أما بالنسبة إلى الناحية الأولى فإنّ تولّي منصب القضاء من قبل السلطان الجائر لا يخلو إما أن يكون المتصدّي أهلاً للقضاء ومتمكّناً من الحكم بالحق، وإمّا أن لا يكون أهلاً لذلك، وإمّا أن يكون أهلاً غير متمكن.
ص: 205
فإن كان أهلاً للقضاء ومتمكناً من الحكم بالحق فيجري فيه ما تقدم من التفصيل حول قبول الولاية من قبل الجائر، وبناء على جواز الولاية في الأمر المباح ولا يعد ذلك تقوية للجائر فحينئذ يجوز التصدي للقضاء، بل لا يبعد القول برجحان ذلك في المقام كما إذا كان الحكم بالحق متوقفاً على قبوله وتصدّيه لذلك، ولكن مع نية الولاية عمّن له الولاية وهو الإمام المعصوم (علیه السلام)، وإن كان غير أهل لذلك أو غير متمكن فهل يجوز التصدّي للقضاء حال التقية أم لا؟ وهذا هو محل الكلام.
والوارد في الروايات النهي المشدّد عن التصدّي للقضاء والحكم بغير الحقّ، وأنه بمنزلة الكفر بالله عزّوجلّ، كما في صحيحة أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: من حكم في درهمين بغير ما أنزل الله عزوجل فهو كافر بالله العظيم(1) .
وفي صحيحته الأخرى قال: قال أبو جعفر (علیه السلام): من حكم في درهمين فأخطأ كفر(2) .
وفي صحيحته الثالثة قال: وقال (علیه السلام): الحكم حكمان: حكم الله وحكم أهل الجاهلية، فمن أخطأ حكم الله حكم بحكم أهل الجاهلية، ومن حكم بدرهمين بغير ما أنزل الله عزوجل فقد كفر بالله تعالى(3) .
وغيرها من الروايات الدالة على خطورة هذا الأمر، وفي بعضها: أنّ من قضى بالحق وهو لا يعلم فهو في النار(4)، مما يدل على أنّ من لا أهلية له أو لا يتمكن من الحكم بالحق لا يسوغ له التصدّي للقضاء بين الناس.
ص: 206
ثمّ إنّ المراد من الخطأ الوارد في صحيحتي أبي بصير هو الحكم بغير ما أنزل الله كما تدلّ عليه صحيحته الثالثة.
ولكن مع ذلك إذا اقتضت التقية أن يتصدّى للقضاء وأن يحكم بغير الحق جاز له ذلك.
ويدل عليه:
أولاً: الأدلة العامة المتقدمة، وأنّ التقية في كل ضرورة، وهي تشمل هذا المورد بلا إشكال.وثانياً: الروايات الخاصة الواردة في المقام:
ومنها: ما رواه الشيخ بإسناده عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن صالح بن عقبة، عن عمرو بن أبي المقدام عن عطاء بن السائب عن علي بن الحسين (علیه السلام) قال: إذا كنتم في أئمة جور فاقضوا في أحكامهم ولا تشهّروا انفسكم فتقتلوا، وإن تعاملتم بأحكامنا كان خيراً لكم(1) .
ورواها الصدوق في الفقيه(2) كذلك بسند معتبر إلى عطاء، ولكنه رواها في العلل عن أبيه عن سعد عن عمرو بن أبي المقدام عن علي بن الحسين(3) من دون ذكر عطاب بن السائب، كما أنها تختلف متناً فقد جاء فيها: «فامضوا في أحكامهم» «وإن تعاملتم بأحكامهم ...» وقد أورد الشيخ كلتا الروايتين في التهذيب(4) .
وبناء على رواية الفقيه تكون الرواية ظاهرة في الجواز، وأما بناء على رواية العلل والوافي(5) والتهذيب الوارد فيها: «فامضوا في أحكامهم» فالرواية
ص: 207
أجنبية عن المقام، إذ المراد حينئذ هو إمضاء أحكامهم وقبولها في حال التقية، وليس المراد هو القضاء بأحكامهم.
ويؤيد ذلك: أنّ الفعل في كلتا الروايتين عدّي بفي لا بالباء ولو كان المراد هو القضاء لعدّي بالباء، وهذه الرواية هي التي اعتمدها صاحب الجواهر(1) فإنه لم يذكر الرواية الأخرى، مضافاً إلى الإشكال فيها من جهة السند فإن عطاء بن السائب لم يرد فيه توثيق، نعم استظهر السيد الأستاذ (قدس سره) في المعجم أنه كان من العامة سابقاً ثم استبصر(2) وقال عنه علماء العامة: أنه ثقة في حديثه القديم ولكنه تغيّر(3)، ولعله لتشيعه، وأما بناء على سند العلل فالطريق صحيح لعدم اشتماله على عطاء بن السائب،إلاّ أن الكلام حينئذ في الدلالة والظاهر سقوطه من سند العلل وكلتا الروايتين رواية واحدة، فلا يمكن الاعتماد على هذه الرواية للاختلاف في سندها ومتنها.
ومنها: صحيحة علي بن مهزيار عن علي بن محمد (علیه السلام) قال: سألته هل نأخذ في أحكام المخالفين ما يأخذون منّا في أحكامهم؟ فكتب (علیه السلام): يجوز لكم ذلك إن شاء الله إذا كان مذهبكم فيه التقية منهم والمداراة لهم(4) .
والرواية وإن كانت تامة من حيث السند إلاّ أنها من حيث الدلالة غير تامة، وذلك لأن قوله: «هل نأخذ في أحكام المخالفين ما يأخذون منّا في أحكامهم؟» يحتمل ثلاثة معان:
الأول: أن المراد هو أنّ ما يحكم به المخالفون لنا وكان الحكم فيه على غير الحق فهل نأخذ به ونرتب الآثار عليه؟ وإليه ذهب صاحب الوافي(5) .
ص: 208
الثاني: أنّ المراد هو هل نقضي بأحكامهم وإن كانت على خلاف الحق إذا اقتضت التقية ذلك؟
الثالث: إنّ المراد هو هل يجوز الرجوع إليهم والتحاكم عندهم كما أنهم يرجعون إلينا في أحكامهم؟ وقد احتمله بعضهم وسيأتي الإشارة إليه في الناحية الثانية.
والأظهر هو الاحتمال الأول وأن المراد هو الأخذ بما حكموا به لنا وإن كنّا نعلم أنه على خلاف الحق، وأنّ المسوّغ لذلك هو التقية.
وبناء على هذا فالرواية أجنبية عما نحن فيه، ومع التنزل فلا وضوح في دلالتها.
ومما يلفت النظر أنّ صاحب الجواهر(1) وغيره كصاحب العروة(2) عبّروا عن هذه الرواية بخبر علي بن محمد والحال أنه هو المروي عنه لا الراوي، والراوي هو علي بن مهزيار والسند إليه صحيح وبحسب ظاهر السند أن علي بن محمد هو الإمام من حيث الطبقة فإنه لا يوجد من اسمه علي بن محمد يروي عنه علي بن مهزيار إلاّ الإمام الهادي (علیه السلام) ممايؤكد القول بأن المروي عنه هو الإمام، هذا وقد عثرنا على نفس الرواية وردت بطريق آخر معتبر، وقد أوردها صاحب الوسائل في باب الفرائض والمواريث نقلاً عن التهذيب، وهي ما رواه الشيخ بإسناده عن علي بن الحسن بن فضال عن أيوب بن نوح قال: كتبت إلى أبي الحسن(علیه السلام) أسأله هل نأخذ في أحكام المخالفين ما يأخذون منا في أحكامهم أم لا؟ فكتب (علیه السلام): يجوز لكم ذلك إذا كان مذهبكم فيه التقية منهم والمداراة(3) .
ص: 209
وهي عين رواية علي بن مهزيار إلاّ في قوله: أم لا، فإنه ورد في الثانية دون الأولى، وقوله: إن شاء الله، فإنه ورد في الأولى دون الثانية، كما ورد في الرواية الأولى «لهم» عقيب كلمة «المداراة» دون الرواية الثانية.
ويظهر من ذلك أمور ثلاثة:
الأول: أنّ الشيخ نقل الرواية في موضعين من التهذيب بطريقين مختلفين أحدهما في كتاب القضاء(1) عن طريق علي بن مهزيار، وثانيهما في كتاب الميراث(2) عن طريق أيوب بن نوح، وثاني الطريقين معتبر.
الثاني: أنّ المراد من علي بن محمد - في رواية علي بن مهزيار - هو الإمام (علیه السلام) بقرينة الرواية الثانية فإن أبا الحسن (علیه السلام) هو الإمام الهادي (علیه السلام) وأيوب بن نوح من أصحابه(علیه السلام)(3)، وعليه فتعبير صاحب الجواهر وصاحب العروة وغيرهما مما لا وجه له، والصحيح أنّ رواية علي بن مهزيار عن الإمام (علیه السلام) وهي صحيحة السند.
الثالث: أن المتعين من الاحتمالات هو الاحتمال الأول - كما ذكرنا بقرينة سائر الروايات وهو أنّ المراد الأخذ بما حكم به المخالفون لنا - في حال التقية وإن كان على خلاف الحق من باب إلزام الخصم بما ألزم به نفسه كالعول والتعصيب ونحو ذلك، ويشهد على ذلك: أنّه قد ورد هذا المضمون في عدة روايات منها: ما ورد في الصحيح عن عبد الله بن محرز قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): رجل ترك ابنته وأخته لأبيه وأمه، فقال: المال كله لابنته وليس للأخت من الأب والأم شيء، فقلت: فإنا قداحتجنا إلى هذا والميت رجل من هؤلاء الناس وأخته مؤمنة عارفة، قال: فخذ لها النصف، خذوا منهم كما يأخذون منكم في سننهم وقضاياهم، قال ابن أذينة: فذكرت ذلك لزرارة فقال: إنّ على ما جاء به ابن
ص: 210
محرز لنورا(1) .
ورواها الشيخ بإسناده عن عبد الله بن محرز وزاد: خذهم بحقك في أحكامهم وسننهم كما يأخذون منكم فيه(2) .
وهناك روايات أخرى وردت بهذا المضمون وسيأتي بعض ما يتعلق بذلك.
والحاصل: أنّ المتيقن هو ما ذكرنا، وأن صحيحة علي بن مهزيار من الأدلة على قاعدة الإلزام وإن لم يذكروها في هذا الموضع وهي أجنبية عما نحن فيه فما فعله في الجامع(3) من ذكر الرواية في باب الميراث دون القضاء هو الأنسب والله العالم.
والعمدة في المقام هي الأدلة العامة.
هذا كله ما لم يصل الحكم إلى الدم وإلاّ فلا تقية.
ثم إنّ مما ينبغي التنبيه عليه في القضاء على خلاف الحق للتقية هو مراعاة الأقرب للحق فالأقرب من الأحكام، فإنه القدر المتيقن من الأدلة، مضافاً إلى مراعاة الأخف فالأخف وهو ما يقتضيه الجمع بين الروايات.
وأما الناحية الثانية وهي في حكم الترافع إلى قضاة الجور والتحاكم إليهم، فالكلام فيها يقع في ثلاث مسائل:
الأولى: هل يجوز الترافع إليهم حال الاختيار؟
والمعروف عدم الجواز، بل هو من المحرمات المشدّدة، بل عده بعضهم من
ص: 211
الكبائر(1)، وفي الجواهر: تواترت النصوص في النهي عن المرافعة إلى قضاتهم، بل هو من ضرورات مذهبنا(2) .ويدل على ذلك الأدلة الثلاثة بل الأربعة: الكتاب والسنة والإجماع والعقل، بناء على أنّ الترافع إليهم من الإعانة على الإثم.
فمن الكتاب قوله تعالى: «وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا»(3) الآية، وقوله تعالى: «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ ...»(4)، بناء على أن المراد من الطاغوت هو كل ظالم وجائر والذي يحكم بخلاف الحق، ومصداقه بعد زمان النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قضاة الجور، نعم مصداقه في زمانه (صلی الله علیه و آله و سلم) شيء آخر كما ورد في الروايات الآتية.
وأما ما يدل على ذلك من السنة فعدة روايات:
منها: صحيحة أبي بصير عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: في رجل كان بينه وبين أخ مماراة في حق، فدعاه إلى رجل من إخوانه ليحكم بينه وبينه فأبى إلاّ أن يرافعه إلى هؤلاء، كان بمنزلة الذين قال الله عزوجل: «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ» الآية(5) .
ومنها: صحيحته الأخرى قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): قول الله عزوجل في كتابه : «وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ » فقال: يا
ص: 212
أبا بصير إنّ الله عزوجل قد علم أنّ في الأمة حكّاماً يجورون، أما أنه لم يعن حكام أهل العدل، ولكنه عنى حكام أهل الجور، يا أبا محمد إنه لو كان لك على رجل حق فدعوته إلى حكام أهل العدل فأبى عليك إلاّ أن يرافعك إلى حكام أهل الجور ليقضوا له، لكان ممن حاكم إلى الطاغوت، وهو قول الله عزوجل: «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ»(1) .
ومنها: مقبولة عمر بن حنظلة قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان أو إلى القضاة أيحلّ ذلك؟ فقال: من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنّما تحاكم إلى طاغوت، وما يحكم له فإنّما يأخذ سحتاً وإن كان حقّه ثابتاً، لأنه أخذهبحكم الطاغوت وقد أمر الله أن يكفر به، قال الله تعالى: «يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ» الحديث(2) .
والرواية وإن نوقش في سندها من جهة عمر بن حنظلة إلاّ أننا قد حققنا في محله وثاقته، وقد عقدنا لذلك بحثاً مستقلاً في مباحثنا الرجالية(3) .
وهناك روايات أخرى وردت في هذا المعنى، وبناء على ذلك فلا إشكال في حرمة الترافع إلى قضاة الجور.
المسألة الثانية: إذا ترافع الخصمان عند قضاة الجور أو من ليس له أهلية للحكم، فهل يجوز الأخذ بحكمهم أو لا؟
فيه وجوه، بل أقوال:
الأول: عدم الجواز مطلقاً سواء كان الحكم في العين أو في الدين، وسواء
ص: 213
علم بأنه حقه أو لا، وإليه ذهب المحقق السبزواري(1) .
الثاني: الجواز مطلقاً، والمنع الوارد في الروايات راجع إلى أصل الترافع، وإليه ذهب بعض مشايخ المحقق الاشتياني(2) .
الثالث: الجواز في العين دون الدين إذا علم أنه حقه.
الرابع: الفرق بين حكم قضاة الجور وبين حكم من ليس له أهلية، فلا يجوز في الأول دون الثاني إذا علم بحقه، وهو الظاهر من صاحب العروة حيث قال: وأما المأخوذ بالترافع إلى غيرهم ممّن ليس من أهل الحكم أو بالاستعانة من ظالم في استنقاذ حقه مع عدم توثقه على ذلك وإمكان الأخذ بالحكم الشرعي فإنه وإن فعل حراماً إلاّ أن حرمة ما يأخذه من حقه عيناً أو ديناً غير معلومة، فيعاقب على فعله لا على التصرف في المأخوذ، والخبر مختص بقضاة الجور، بل بالمنصوبين منهم للقضاء، وشموله لغيرهم غير معلوم(3) .
ومنشأ الاختلاف في هذه الأقوال يرجع إلى تحديد ما يستفاد من الروايات الواردة في المقام، فلابدّ من ملاحظتها لمعرفة ما يمكن أن يستفاد منها.فيقع الكلام في جهتين:
الأولى: في مقتضى الأصل والقاعدة فنقول: إنّ النزاع تارة يكون في العين وأخرى في الدين، وعلى كلا التقديرين فتارة يعلم ثبوت حقّه بالعلم الوجداني أو الشرعي كالبينة واليد ونحوهما، وأخرى لا يعلم بذلك.
ثم إنّ القاضي تارة يكون من قضاة الجور، وأخرى يكون من غيرهم ممّن ليس له أهلية للقضاء
ص: 214
فإن كان المتنازع عليه عيناً ويعلم بثبوته له وجداناً أو شرعاً فحكم الجائر أو من ليس له أهلية غير نافذ، ولا يغيّره عن الواقع سواء حكم له أو عليه، فلو حكم عليه جاز له أخذ ماله وملكه مخالفاً لحكم الحاكم، اللهم إلاّ أن يكون الحاكم ممّن ليس له أهلية للقضاء لعدم الاجتهاد دون سائرالشرائط وكان الحاكم قاضي التحكيم وقد رضي المتخاصمان به فعلى القول بعدم اشتراط الاجتهاد يكون حكمه نافذاً وإن كان المشهور على خلاف ذلك.
وأمّا إذا كان لا يعلم بثبوت العين له وجداناً أو شرعاً فحكمهما وإن لم يكن نافذاً ولكنه لا يجوز له أخذ العين المتنازع عليها لعدم ثبوتها له بطريق شرعي ويبقى النزاع على حاله.
وإن كان المتنازع عليه ديناً يعلم بثبوت حقه وجداناً أو شرعاً وحكم له به جاز له أخذه إذا كان الخصم راضياً بالحكم، سواء كان الحاكم من العامة أو من الخاصة إذ أنّ تشخيص الدين وتعينه بنظره (الخصم)، والمفروض رضاه بذلك فيتعين الحق بما يدفع، وأما إذا حكم عليه فهل يجوز أخذ حقه مقاصّة أو لا؟ فيه تفصيل وذلك: لأنه إن كان الخصم قد امتنع عن الترافع إلى قاضي الحق مع التمكن منه أو امتنع عن أداء الحق مطلقاً جازت المقاصة لامتناعه عن التعيين، وإن لم يمتنع عن ذلك فلا يجوز التقاصّ لعدم تماميّة شرائطه.
هذا فيما إذا علم بثبوت الحق، وأما في صورة عدم ثبوت الحق له وجداناً أو شرعاً فالحكم وإن لم يكن نافذاً إلاّ أنه لا يجوز له أخذ الحق أصلاً سواء حكم له أو عليه، لعدم ثبوت الحق بحكمه، ويبقى النزاع على حاله، هذا هو مقتضى الأصل والقاعدة في المقام.
الجهة الثانية: فيما يستفاد من الروايات الواردة في المقام، فمنها ما يدل على عدم جواز أخذ الحق مطلقاً كما في مقبولة عمر بن حنظلة المتقدمة فقد ورد
ص: 215
فيها: ... فقال: من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنما تحاكم إلى طاغوت، وما يحكم له فإنما يأخذ سحتاً وإن كان حقه ثابتاً، لأنه أخذهبحكم الطاغوت ...(1) .
وهي تدل على عدم جواز الأخذ بحكمهم مطلقاً أي سواء كان في حق أو باطل، وسواء كان في العين أو الدين، وجواب الإمام (علیه السلام) وإن كان في الحق وثبوته وهو منصرف إلى الدين إلاّ أن السؤال في صدر الرواية كان عن الدين أو الميراث فبملاحظة صدر الرواية والعموم في قوله: «في حق أو باطل» يكون المراد من الحق هو الأعم من الدين والعين، وإلاّ فلو كان المراد بالحق هو الدين فقط لما كان الجواب مطابقاً للسؤال، فمقتضى ظاهر الرواية عدم جواز أخذ الحق بحكمهم مطلقاً، سواء كان ديناً أو عيناً، وسواء علم بأنّ الحق له أو لم يعلم فضلاً عن العلم بالعدم.
وكما في صحيحة أبي ولاّد الحناط قال: اكتريت بغلاً إلى قصر ابن هبيرة ذاهباً وجائياً بكذا وكذا، وخرجت في طلب غريم لي، فلما صرت قرب قنطرة الكوفة خبّرت أن صاحبي توجه إلى النيل، فتوجهت نحو النيل، فلما أتيت النيل خبّرت أن صاحبي توجه إلى بغداد، فاتبعته وظفرت به، وفرغت مما بيني وبينه ورجعنا إلى الكوفة، وكان ذهابي ومجيئي خمسة عشر يوماً، فأخبرت صاحب البغل بعذري وأردت أن أتحلّل منه مما صنعت وأرضه، فبذلت له خمسة عشر درهماً فأبى أن يقبل، فتراضينا بأبي حنيفة فأخبرته بالقصة، وأخبره الرجل، فقال لي: ما صنعت بالبغل؟ فقلت: قد دفعته إليه سليماً، قال: نعم، بعد خمسة عشر يوماً، فقال: ما أرى لك حقاً، لأنه اكتراه إلى قصر ابن هبيرة فخالف وركبه
ص: 216
إلى النيل، وإلى بغداد فضمن قيمة البغل، وسقط الكراء، فلما رد البغل سليماً وقبضته لم يلزمه الكراء، قال: فخرجنا من عنده وجعل صاحب البغل يسترجع فرحمته مما أفتى به أبو حنيفة، فأعطيته شيئاً وتحللت منه، وحججت تلك السنة فأخبرت أبا عبد الله (علیه السلام) بما أفتى به أبو حنيفة فقال: في مثل هذا القضاء وشبهه تحبس السماء ماءها، وتمنع الأرض بركتها، قال: فقلت لأبي عبد الله (علیه السلام): فما ترى أنت؟ فقال: أرى له عليك مثل كراء بغل ذاهباً من الكوفة إلى النيل، ومثل كراء بغل راكباً من النيل إلى بغداد، ومثل كراء بغل من بغداد إلى الكوفة توفيه إياه، قال: فقلت: جعلت فداك قد علفته بدراهم فلي عليه علفه؟ فقال: لا، لأنك غاصب، قال: فقلت له: أرأيت لو عطب البغل ونفق أليس كان يلزمني؟ قال: نعم قيمة بغل يوم خالفته، قلت: وإن أصاب البغل كسر أو دبر أوغمز، فقال: عليك قيمة ما بين الصحة والعيب يوم تردّه عليه، فقلت: من يعرف؟ قال: أنت وهو، إما أن يحلف هو على القيمة فيلزمك، فإن ردّ اليمين عليك فحلفت على القيمة لزمه ذلك، أو يأتي صاحب البغل بشهود يشهدون أن قيمة البغل حين اكتري كذا وكذا فيلزمك، فقلت: إني كنت أعطيته دراهم ورضي بها وحلّلني، فقال: إنما رضي بها وحلّلك حين قضى عليه ابو حنيفة بالجور والظلم، ولكن ارجع إليه فأخبره بما أفتيتك به فإن جعلك في حلّ بعد معرفته فلا شيء عليك بعد ذلك. الحديث(1) .
وهذه الرواية تدل على أن حكم قاضي الجور غير نافذ، لأنه خلاف الواقع وإن لم يعلم الخصم بثبوت الحق له، نعم لا دلالة فيها على حرمة الأخذ إذا كان الحق ثابتاً.
ص: 217
هذا بناء على أنّ أبا حنيفة قد قضى بينهما - كما ورد في تعبير الإمام (علیه السلام) - وأمّا إذا كان في مقام الافتاء، إذ قد يعبر عن الإفتاء بالقضاء وكما ورد في تعبير الراوي، فالرواية أجنبية عما نحن فيه، فالعمدة هي معتبرة عمر بن حنظلة.
ومنها: ما يدل على التفصيل بين كون الخصم يعلم أنه مبطل في دعواه، وبين عدم علمه بذلك، كما في موثقة ابن فضال قال: قرأت في كتاب أبي الأسد إلى أبي الحسن الثاني (علیه السلام) وقرأته بخطه سأله: ما تفسير قوله تعالى: «وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ»(1)؟ فكتب بخطه: الحكام القضاة، ثم كتب تحته: هو أن يعلم الرجل أنه ظالم فيحكم له القاضي، فهو غير معذور في أخذه ذلك الذي قد حكم له إذا كان قد علم أنه ظالم(2) .
ولا إشكال في اعتبار سند هذه الرواية فإنها موثقة كما ذكرنا، فما في الجواهر(3) من التعبير عن هذه الموثقة بخبر ابن فضال في غير محله، ولعلّ إشكاله فيها من جهة استثناء ابن الوليد لمحمد بن عيسى من كتاب نوادر الحكمة، ولم يكن استثناؤه لعدم وثاقته، بل لشيء في روايته لم يظهر لنا وجهه، ولعلّ الوجه في ذلك نسبته إلى الغلوّ وأنه كان يذهبمذهب الغلاة(4)، فيكون التضعيف من جهة مذهبه وذلك غير قادح في وثاقته فان ظاهر الاصحاب على حلالته ووثاقته العباس بن نوح: وقد أصاب شيخنا أبو جعفر محمد بن الحسن بن الوليد في ذلك كلّه، وتبعه أبو جعفر بن بابويه رحمه الله على ذلك، إلاّ في محمد بن عيسى بن عبيد، فلا أدري ما رابه فيه، لأنه كان على ظاهر العدالة والثقة(5) .
ص: 218
وقال عنه النجاشي: جليل في أصحابنا، ثقة، عين كثير الرواية حسن التصانيف ... ذكر أبو جعفر بن بابويه عن ابن الوليد أنه قال: ما تفرّد به محمد بن عيسى من كتب يونس وحديثه لا يعتمد عليه، ورأيت أصحابنا ينكرون هذا القول ويقولون: من مثل أبي جعفر محمد بن عيسى(1) .
والحاصل: أنه لا إشكال في وثاقة محمد بن عيسى وأن جهالة الوجه في استثناء ابن الوليد له لا تقدح بعدالته، فسند الرواية لا إشكال في اعتباره وأما من جهة الدلالة فهذه الرواية تدلّ على عدم جواز الأخذ بحكم القاضي إذا علم الخصم أنه ظالم ومبطل في دعواه، ومفهومه أنه إذا لم يعلم، أو علم أن الحق له جاز له الأخذ، فيقع التعارض بين مفهوم هذه الرواية وبين منطوق مقبولة عمر بن حنظلة الدالة على عدم جواز الأخذ مطلقاً، وإن علم أن له حقاً، ومقتضى الجمع بين الروايتين يتحقق بأحد وجوه:
الأول: أن يقال: إنّ الموثقة تختصّ بحاكم الحق، والمقبولة تختص بحاكم الجور، وحينئذ يرتفع التنافي بين الروايتين.
الثاني: أن يقال: إنّ الموثقة واردة في مقام التقية، فإذا علم الخصم بأنه ظالم فلا يجوز له الأخذ، وأما إذا لم يعلم أو علم بأنّ الحق له جاز له الأخذ وإن كان القاضي من قضاة الجور، وذلك لأنّ تخصيص عدم الجواز في صورة العلم بأنه ظالم وليس له حق في المتنازع عليه، وهذا مما يقوله العامة، وأما بالنسبة إلى المفهوم وهو جواز الأخذ في صورتي العلم بثبوت الحق أو عدم العلم بثبوته فمحمول على التقية، وتبقى المقبولة حينئذ على إطلاقها سليمة عن المعارض.
الثالث: أن يقال: إنّ المراد من القضاة في الموثقة إما قضاة الجور أو الأعم إلاّ أنها ظاهرة في المفهوم أي فيما إذا لم يعلم بثبوت حقه، وهي نص فيما إذا علم
ص: 219
بثبوت حقّه، والمقبولة نصّ في عدم جواز الأخذ إذا لم يعلم بثبوت حقه، وظاهرة في عدم الجواز فيما إذا علم بثبوت حقه فإنّ قوله في المقبولة: وإن كان حقه ثابتاً يعني به في الواقع لا في علم الخصم، وإذا كان كل منهما نص في شيء وظاهر في الآخر فيرفع اليد عن ظاهر كل منهما بنص الآخر.
والنتيجة: هي أنه لا يجوز الأخذ بحكمهم فيما إذا لم يعلم بثبوت حقّه وإن كان حقه في الواقع ثابتاً، ويجوز الأخذ فيما إذا علم بثبوت حقه، بلا فرق بين العين أو الدين.
والأظهر من هذه الوجوه هو الثالث وذلك لأنّ حمل الرواية على التقية - كما في الوجه الثاني - مما لا دليل عليه فلا يمكن المصير إليه.
وأما حمل القضاة على قضاة العدل - كما في الوجه الأول - فهو بعيد لمخالفته للقرينة الداخلية وهي انصراف القضاة في زمان الإمام (علیه السلام) إلى قضاة الجور، وللقرينة الخارجية وهي ما دلّ من الروايات على أنّ المراد بالحكام هم قضاة الجور، كما في صحيحة أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): قول الله عزوجل في كتابه: «وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ »، فقال: يا أبا بصير إن الله عزوجل قد علم أنّ في الأمة حكّاماً يجورون، أما أنه لم يعن حكام أهل العدل، ولكنه عنى حكام أهل الجور، يا أبا محمد إنه لو كان لك على رجل حقّ فدعوته إلى حكّام أهل العدل فأبى عليك إلاّ أن يرافعك إلى حكام أهل الجور ليقضوا له لكان ممن حاكم إلى الطاغوت، وهو قول الله عزوجل: «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ »(1) .
والمستفاد من هذه الرواية أنّ المراد من الحكّام هم أهل الجور، فحمل
ص: 220
الموثقة على إرادة حكام العدل في غير محله، نعم قد يقال: إنّ المراد هو الأعم، وعلى كلا التقديرين يقع التعارض بينها وبين المقبولة، ومادة الاجتماع هي صورة العلم بثبوت الحق وعدم العلم بثبوته فيجمع بينهما بما ذكرناه في الوجه الثالث.
ومقتضاه أن يقال: إنّه إذا علم بثبوت حقه له - سواء كان عيناً أو ديناً - جاز له أخذه بحكم قاضي الجور، وأما في صورة الشك أو عدم العلم فلا يجوز الأخذ بحكمه سواء كان عيناً أو ديناً، كما ذكرناه في النتيجةالمتقدمة.
ولا يتوهم الإطلاق في إحدى الروايتين والتقييد في الأخرى، ليحمل المطلق منهما على المقيد بل كلتا الروايتين مطلقتان.
ثم إنّ هذا الوجه من الجمع موافق للأصل المتقدم وليست الرواية مخالفة له.
وعلى فرض التنزل وعدم إمكان الجمع بذلك فيمكن القول بأنه في صورة العلم بثبوت الحق له يجوز له الأخذ، وذلك لأنّ التعليل الوارد في المقبولة لعدم جواز الأخذ مختص بما إذا أخذه بحكم قاضي الجور وهو قوله (علیه السلام): «لأنه أخذه بحكم الطاغوت» وفي ما نحن فيه أخذه بعلمه لا بحكم الطاغوت.
وعلى كل حال فالأقوى جواز الأخذ في صورة العلم وعدم الجواز في صورة عدمه، هذا فيما إذا كان الحاكم هو قاضي الجور، وأما إذا كان الحاكم لا أهلية له للحكم لفقدانه سائر الشرائط - غير الاجتهاد - فالأمر فيه كذلك، بمعنى جواز الأخذ في صورة العلم وعدم الجواز في صورة عدم العلم.
وأما إذا كان عدم الأهلية لفقدان الاجتهاد فهو محل خلاف كما تقدم.
المسألة الثالثة: ما إذا لم يكن الترافع إليهم بالاختيار وهو على نحوين:
فتارة يكون الترافع لجهة التقية والخوف، وأخرى يكون لجهة توقّف أخذ الحق على الرجوع إليهم، إما لامتناع الخصم من الترافع إلى أهل العدل، أو لعدم وجود القاضي من أهل الحقّ.
ص: 221
أما النحو الأول فلا ينبغي الإشكال في الجواز وأخذ الحق بحكمهم لما تقدم من الأدلة العامة الدالة على أنّ التقية في كل شيء، ويؤيد ذلك رواية عطاء بن السائب(1) المتقدمة بناء على أنّ الوارد فيها: «فامضوا في أحكامهم» كما هو الأظهر، نعم الإشكال فيها من جهة السند وقد تقدم الكلام فيها.
وأما النحو الثاني - بكلا شقيه - فهو محلّ خلاف بين الأعلام، فقد ذهب صاحب الجواهر(2) وصاحب العروة(3) إلى عدم الإشكال في الجواز، ولعله المشهور بين الأصحاب لانصراف أدلة المنع عن هذه الصورة.وأشكل المحقق السبزواري في ذلك: بأنّ حكم الجائر بينهما فعل محرم والترافع إليه يقتضي ذلك، فيكون إعانة على الإثم وهو منهي عنها(4) .
وردّه في الجواهر(5) بالمنع من كونه إعانة على الإثم، وبمنع الحرمة لظهور النصوص الواردة في اختصاص الإثم بالممتنع عن الترافع إلى قاضي الحق، وغير الممتنع لا يكون آثماً وخصوصاً إذا كان الخصم منهم، فلا ينبغي التوقف في جواز أخذ الحق منه بحكم قضاتهم، بل لعلّه المراد من خبر علي بن محمد.
والظاهر أنّ ما ذكره (قدس سره) هو الصحيح، فإنّ الروايات الواردة في المنع كلّها في مقام ما إذا كان الخصمان من أهل الحق، وأمّا إذا كان أحد الخصمين من أهل الباطل فهو غير مشمول لهذه الروايات، نعم إذا كان الخصمان من أهل الحقّ وامتنع أحدهما عن الترافع إلى قاضي العدل فالإثم على الممتنع كما ذكره صاحب
ص: 222
الجواهر(1) وقد يتوهم أنّ صحيحة أبي بصير(2) المتقدمة - والوارد فيها: « ... لو كان لك على رجل حق ...» - مطلقة فتشمل ما إذا كان الخصم من غير أهل الحق.
ويدفع: بأنّ قوله (علیه السلام) عقيب ذلك: «فدعوته إلى حكام أهل العدل فأبى عليك إلاّ أن يرافعك إلى أهل الجور ليقضوا له ...» قرينة على أن الخصم من أهل الحق، ولو كان الخصم من غير أهل الحق لما كان لكلامه (علیه السلام) معنى فإنّ الخصم من غير أهل الحقّ يرى مشروعية الرجوع إلى قضاتهم وإن كان مخطئاً في ذلك.
فالرواية واردة في المتخاصمين من أهل الحق إلاّ أنّ أحدهما أبى إلاّ الترافع إلى أهل الجور، وهكذا جميع الروايات في المقام.
ثم إنّ مقتضى قاعدة نفي الضرر والحرج هو جواز الرجوع إليهم في هذه الصورة لتوقف أخذ الحقّ على ذلك.
هذا إذا كان الحق معلوماً ثابتاً بالوجدان أو بالبينة الشرعية، وأما في غير ذلك فلا وجه لجواز الرجوع إليهم والأخذ بحكمهم.
وأما رواية علي بن محمد فقد تقدم الكلام فيها سنداً ودلالة وهي أجنبية عن المقام.
والحمد لله ربّ العالمين
ص: 223
ص: 224
· لماذا هذا المبحث؟
· ما هي مصادر أموال السلطان الجائر؟
· كيف يردّ المال إلى صاحبه
· ظهور صاحب المال مع بقاء المال وعدمه
· ما هو حكم جوائز السلطان
· نظر الحاكم الشرعي في استنقاذ حقوق الناس من أموال السلطان الجائر وهل يسوغ للمستحق ذلك أم لا؟
· صور المسألة وأحكامها
· هل يسوغ لمستحق الخمس أو الزكاة المقاصّة ممن تعلقت ذمته بهما أو لا؟
· إذا مات الجائر وفي ذمته حقوق للناس فهل يجب على ورثته إخراجها من تركته أو لا؟
· الإشارة إلى مراتب ولاية الفقيه
· التفصيل في أحكام الخراج والمقاسمات
· توجيه كلمات الأعلام
· من هو السلطان الجائر؟
· هل يجوز الأخذ من السلطان مجاناً أو بعوض أم لا؟
· مناقشات المحقق الأردبيلي (قدس سره) في أدلة الجواز والجواب عنها
· هل يعتبر الاستحقاق في الجواز أو لا؟
ص: 225
ص: 226
ذكرنا فيما تقدم أنّ هذا المبحث يشمل ثلاثة موارد:
الثاني: في المعاملة معهم في الخراج والمقاسمات بيعاً وشراء.
الثالث: في إعطائهم الأموال كالزكاة والخمس ونحوهما.
وقد تقدم الكلام في المورد الثالث في مبحث التقية في الزكاة، والبحث في المقام حول الموردين الأولين.
أما المورد الأول: فلابدّ - قبل الخوض فيه - من بيان وجه إفراده بالبحث وتخصيصه بالجائر وأمواله دون غيره ممّن لا يتورع عن الحرام في الأموال كالغاصب والسارق والمرتشي وغيرهم.
والوجه في ذلك أحد أمرين: أولهما: أن يكون الوجه هو احتمال حرمة أموالهم حتى في الشبهات البدوية، بمعنى أنه وإن لم يعلم وجود الحرام في أموالهم على نحو الإجمال أو التفصيل إلاّ أنهم لما كانوا ظلمة وقد نهي عن الركون إليهم أو معاونتهم مضافاً إلى عدم تورعهم عن الحرام ومبالاتهم بأكل أموال الناس بالباطل فلا ينفكّون عادة عن الحرام، وحينئذ فهل يجوز قبول صلتهم وجوائزهم والتصرف فيها مع العوض أو بدونه؟
وهذا الوجه بعيد لعدم وروده في كلمات الأعلام أصلاً، نعم ورد في بعضها كما هو ظاهر الحدائق(1) ومحتمل الشيخ(2) من اعتبار خصوصية زائدة، وهي أنه
ص: 227
لابدّ من العلم بأنّ للظالم مالاً حلالاً لا عدم العلم، وأمّا الحكم بالكراهة فلا يختصّ بأموال السلطان الجائر، بل في مال كلّ من يحتمل في حقّه عدم التورع والمبالاة.
ثانيهما: أنّ الوجه في التعرض لخصوص أموال السلطان الجائر دون غيره هو عدم تنجّز قاعدة العلم الإجمالي في الشبهة المحصورة في هذا المورد، ولا يجري حينئذ حكمها، ولا يجب الاجتناب عن أطراف الشبهة، وبعبارة أخرى: أنه مع العلم الإجمالي بوجود الحرام في أموال السلطان الجائر وكون الشبهة محصورة، قد يقال بجواز الأخذ والتصرف في أمواله ما لم يعلم الحرام بعينه منها، وذلك لما ورد في كلمات جماعة من الأعلام كما هو محتمل الشرائع(1)، حيث قيّد المنع وحرمة أخذ جوائز السلطان وعمّاله بما إذا علمت أنّها حرام بعينها، ومثله فيالمختصر النافع ونهاية الأحكام والدروس والكفاية ومعقد إجماع المصابيح كما في الجواهر(2).
وهو صريح المسالك حيث قال: إنّ التقييد بالعين إشارة إلى جواز أخذها وإن علم أنّ في ماله مظالم كما هو مقتضى حال الظالم، ولا يكون حكمه حكم المال المختلط بالحرام في وجوب اجتناب الجميع للنصّ على ذلك(3) .
وقال ابن إدريس في السرائر: إذا كان يعلم أنّ فيها شيئاً مغصوباً إلاّ أنه غير متميز العين بل هو مخلوط في غيره من غلاته وأمواله فلا بأس بشرائه منها، وقبول صلته منها، لأنّها صارت بمنزلة المستهلكة(4) .
ص: 228
وقد خالف في ذلك جماعة منهم صاحب الجواهر(1) والشيخ(2) وغيرهما فقالوا بعدم الفرق بين الجائر وغيره، وحملوا ما ورد من جواز الأخذ منهم على محامل لا توجب الفرق، وستأتي الإشارة إليها، والوجه الثاني هو الأرجح.
ثم إنّ أخذ المال من الجائر والتصرف فيه مع العوض أو بدونه يتصف بالأحكام الخمسة كغيره من الأمور، فقد يكون الأخذ مباحاً كما إذا علم أنه حلال ولم يوجب الميل إليهم ومحبّتهم، وقد يكون مستحباً كما إذا علم بحلّيته وأخذه للإنفاق أو لغرض إنقاذ مال الغير وإيصاله إليه إذا كان المال له، وقد يكون حراماً كما إذا علم بكونه حراماً تفصيلاً أو علم بصاحبه ولم يرض بأخذه، وقد يكون مكروهاً كما في الشبهة البدوية، وقد يكون واجباً كما إذا كان المكلف حاكماً شرعياً وعلم بصاحبه فيجب أخذه وإيصاله إليه، أو كان الأخذ للضرورة من تقية ونحوها.
ويظهر حكم كل من هذه الأقسام من خلال بيان الصور المحتملة في أموال الجائر وهي أربع، فإنه تارة لا يعلم بوجود الحرام في أمواله بحيث يصلح أن يكون ما يأخذه منها، وأخرى يعلم إجمالاً بوجود الحرام في أمواله وقابلاً للانطباق على المال المأخوذ، وثالثة يعلم تفصيلاً بوجود الحرام في المال المأخوذ على نحو متميز، ورابعة يعلم بوجود الحرام فيه إجمالاً.أما الصورة الأولى فقد ذهب جماعة من الأعلام إلى القول بجواز الأخذ من أموال الجائر والمعاملة عليها كغيره من سائر الناس.
واستدل الشيخ(3) على ذلك بأمور ثلاثة:
الأول: بالأصل. الثاني: بالإجماع.الثالث: بالروايات الخاصة الواردة في
ص: 229
المقام، وقد ادّعى صاحب الجواهر(1) الضرورة على ذلك، وقيام السيرة القطعية والعمل المستمر من العلماء وغيرهم في سائر الأعصار والأمصار، وجواز ذلك لا يحتاج إلى إثبات، ولولاه لم يمكن لمؤمن التعيش في أمثال هذه الأزمنة المستلزم للعسر والحرج المنفيين آية ورواية.
هذا، وقد ناقش السيد الأستاذ (قدس سره) (2) في الأصل بأنه: يلزم منه إما القول بالتسامح أو الحمل على الأخص، وذلك لأنّ الأصل إن كان المراد به قاعدة اليد المتصيدة من الروايات في الموارد المختلفة بأن يقال: إنّ يد الجائر معتبرة كيد غيره من سائر الناس فهو وإن كان صحيحاً ما لم يعلم بالخلاف إلاّ أن في التعبير عن القاعدة بالأصل تسامحاً.
وإن كان المراد أصالة الصحة في عمله، لزم الحمل على الأخص لأنّ الدليل لبّي وهو السيرة، والقدر المتيقن منها ما إذا شك في الصحة بالنسبة للعقود والإيقاعات مع إحراز أهلية المتعاقدين، وأما في غير هذه الموارد فلم تثبت السيرة على الصحة، ولا دليل على حمل فعل المسلم على الصحة.
وإن كان المراد به أصالة الإباحة فإنّها جارية في الأموال التي لم تكن مسبوقة بيد آخر كالمباحات الأصلية التي ملكها الجائر بالحيازة، وأما إذا كانت مسبوقة بيد آخر فلا تجري أصالة الإباحة لأنها محكومة بأصل آخر وهو أصالة عدم انتقال المال إلى الجائر فتحرم، إلاّ أن يثبت ذلك بقاعدة اليد أو أصالة الصحة كما تقدم، وحينئذ نحتاج إليهما أيضاً، وعلى كل تقدير فلا يتم الاستدلال بذلك.
وأما الإجماع فقد أشكل فيه بأنه: ليس من الإجماع الكاشف لاحتمال أن يكون المستند هو الأصل أو الروايات الخاصة.
ص: 230
فالعمدة هي الروايات الخاصة الواردة في المقام.
هذا، ولكن يمكن أن يقال: إنّ المراد بالأصل شيء آخر غير ما ذكره (قدس سره) وهو أن يكون المراد به أصالة الإباحة في خصوص أموال الجائر، أو كل من يغلب على أمواله جانب الحرام ولا ينفك عنه عادة، حيث يحتمل عدم اعتبار صحة عقودهم وتصرفاتهم لكونهم ظلمة غير متورعين عن الحرام، وحينئذ فالأصل يقتضي عدم الاعتبار بهذا الاحتمال بل التعامل معهم كالتعامل مع سائر الناس، وبناء على هذا المعنى فهذا الأصل مقدم على قاعدة اليد أو أصالة الصحة، لأنه يتحقق معه موضوعهما.
وأما الروايات فقد استدل بجملة منها على ذلك:
منها: صحيحة أبي ولاّد قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): ما ترى في رجل يلي أعمال السلطان ليس له مكسب إلاّ من أعمالهم، وأنا أمرّ به فأنزل عليه فيضيفني ويحسن إليّ، وربما أمر لي بالدرهم والكسوة، وقد ضاق صدري من ذلك؟ فقال لي: كل وخذ منه، فلك المهنّا «الحظ» وعليه الوزر(1) .
ومحل الشاهد قوله: «كل وخذ منه» وهو صريح في الجواز.
ومنها: صحيحة أبي المغرا - وهو حميد بن المثنى - قال: سأل رجل أبا عبد الله(علیه السلام) وأنا عنده فقال: أصلحك الله أمرّ بالعامل فيجيزني بالدرهم آخذها؟ قال: نعم، قلت: وأحج بها؟ قال: نعم(2).
وروى الشيخ بإسناده عن ابن أبي عمير عن أبي المغرا عن محمد بن هشام أو غيره، قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): أمر بالعامل فيصلني بالصلة أقبلها؟ قال: نعم، قلت: وأحجّ منها؟ قال: نعم وحجّ منها(3).
ص: 231
وهاتان الروايتان متقاربتان في المتن فإن كانتا رواية واحدة فهي غير معتبرة للإرسال في سند الرواية الثانية، نعم لو كان الإرسال من ابن أبي عمير لكانت معتبرة، لما تقرر في محلّه من أنّ مراسيل ابن أبي عمير وأمثاله يمكن الاعتماد عليها، إلاّ أنّ الإرسال هنا من أبي المغرا، وأما سند الرواية الأولى فهو صحيح، وذلك لأنّ الشيخ يرويها بإسناده عن الحسين بن سعيد عن فضالة عن أبي المغرا(1)، كما أنّ الصدوق يرويهابسنده عن أبيه عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن عثمان بن عيسى، عن أبي المغرا(2)، والأظهر أنّهما روايتان لا واحدة والأولى منهما صحيحة السند واضحة الدلالة، والثانية وإن كانت تامة الدلالة إلاّ أنّ في سندها إشكالاً، وأما أبو المغرا فهو حميد بن المثنى كما ذكرنا وهو ممّن وثقه الشيخ(3) والنجاشي(4) والصدوق(5) وروى عنه ابن أبي عمير وصفوان(6) .
ومنها: معتبرة محمد بن مسلم وزرارة قالا: سمعناه يقول: جوائز العمال ليس بها بأس(7).
والرواية من حيث الدلالة تامّة، وأما من جهة السند ففيه كلام لاشتماله على علي بن السندي وهو ممن لم يوثق، نعم نقل الكشي عن نصر بن الصباح أنه قال: علي بن إسماعيل ثقة وهو علي بن السندي لقب إسماعيل بالسندي(8).
ص: 232
وقد ناقش السيد الأستاذ (قدس سره) في المعجم في اتحادهما أولاً وعلى فرض الاتحاد ناقش في توثيق نصر بن الصباح ثانياً(1) .
هذا، ولكن لما كان علي بن السندي واقع في أسناد كتاب نوادر الحكمة(2) ولم يستثنه ابن الوليد وقد رجحنا اعتبار من وقع في أسناد هذا الكتاب ولم يستثن فيمكن الحكم بوثاقته والاعتماد على روايته.
ومنها: معتبرة أحمد بن محمد بن عيسى في (نوادره) عن أبيه عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: لا بأس بجوائز السلطان(3) .
والرواية تامة سنداً ودلالة، وغيرها من الروايات والمستفاد منها أنّ أصل الحكم مما لا إشكال فيه.نعم لشيخنا الأنصاري (قدس سره) بحث في المقام حاصله: أنّه يظهر من بعض الروايات أنّ المعتبر في هذه الصورة العلم بوجود مال حلال في أموال الجائر، ولا يكتفى بعدم العلم(4) وهذا ما يظهر من رواية الاحتجاج عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري أنه كتب إلى صاحب الزمان (عج الله تعالی فرجه الشریف) يسأله عن الرجل من وكلاء الوقف مستحلّ لما في يده لا يرع عن أخذ ماله، ربما نزلت في قريته وهو فيها، أو أدخل منزله وقد حضر طعامه فيدعوني إليه، فإن لم آكل طعامه عاداني عليه، فهل يجوز لي أن آكل من طعامه وأتصدق بصدقة؟ وكم مقدار الصدقة؟ وإن أهدى هذا الوكيل هدية إلى رجل آخر فيدعوني إلى أن أنال منها وأنا أعلم أنّ الوكيل لا يتورع عن أخذ ما في يده، فهل عليّ فيه شيء إن أنا نلت منها؟ الجواب:
ص: 233
إن كان لهذا الرجل مال أو معاش غير ما في يده فكل طعامه واقبل برّه، وإلاّ فلا(1) .
ومحل الشاهد قوله: إن كان لهذا الرجل مال أو معاش غير ما في يده فكل طعامه واقبل برّه، وإلاّ فلا.
وبناء على ذلك تكون هذه الرواية مقيدة لإطلاقات الروايات المتقدمة، وأنّه لابد في جواز الأخذ من العلم بوجود المال الحلال في أموال الجائر أو عمّاله، ولكن ذكر الشيخ أنّ هذه الصورة قليلة التحقق(2) .
وقد ناقش السيد الأستاذ (قدس سره) في الرواية سنداً ودلالة، أما من جهة السند فهي ضعيفة بالإرسال فلا يمكن الاعتماد عليها.
وأما من جهة الدلالة فبأنها أجنبية عن المقام لأنّ مورد الكلام هو الصورة الأولى، وهي عدم العلم بوجود المال الحرام في أموال الجائر، ومفاد الرواية هو العلم بوجود الحرام في أمواله، فهي راجعة إلى الصورة الثانية الآتية، ولعل ذكره هنا اشتباه من الناسخ حيث كتبها في غير موضعها(3) .
هذا، ولكن يمكن دفع كلا الإشكالين أما من جهة السند فإنّ للشيخ طريقاً معتبراً إلى جميع روايات الحميري وكتبه ومسائله(4)، مضافاً إلىأن الشيخ روى هذه الرواية في كتابه الغيبة(5) بسند معتبر.
وأما من جهة الدلالة فيمكن أن يقال: إنّ نظر الشيخ (قدس سره) إلى جواب الإمام(علیه السلام) لا إلى مورد السؤال أي بإلغاء خصوصية المورد، وكأنّما الإمام (علیه السلام) في مقام ضرب قاعدة كلّية لا تختصّ بمورد السؤال، وفي كلام الشيخ إشارة إلى ذلك .
ص: 234
وبناء على هذا فإذا كان جواب الإمام (علیه السلام) على نحو كلّي فهي شاملة للمقام ويكون مؤدّى الرواية إذا علمت بأنه حلال فخذ وكل، واقبل، وإذا علمت بأنه حرام فلا، نعم، إذا لوحظ الجواب والسؤال معاً فالرواية من موارد العلم الإجمالي كما ذكره السيد الأستاذ (قدس سره) .
هذا، ولكن الالتزام بإلغاء خصوصية المورد لا يخلو من إشكال.
وأما الصورة الثانية وهي ما إذا علم المكلّف إجمالاً بوجود الحرام في أموال الجائر، فتارة يكون العلم الإجمالي غير منجز كما إذا كانت الشبهة غير محصورة أو كان بعض أطرافها خارجاً عن محل الابتلاء، وتارة يكون منجزاً كما إذا كانت الأطراف محصورة ومورداً للابتلاء.
أما الأول فقد حكموا فيه بعدم وجوب الاجتناب وهو ما تقتضيه القاعدة، نعم حكموا فيه بالكراهة، وذكروا طرقاً للتخلص منها، وستأتي الإشارة إليها.
وأما الثاني فهو محل الخلاف بين الأعلام، فذهب أستاذ صاحب الجواهر(1) والشيخ(2) وكثير من الفقهاء إلى وجوب الاجتناب، بلا فرق بينه وبين سائر الناس، ولا بين الأموال وغيرها، فإذا كان الشبهة محصورة وفي معرض الابتلاء كما إذا أراد أخذ شيء من مال الجائر مقاصّة، أو أذن له الجائر في أخذ شيء من أمواله على سبيل التخيير، أو علم المكلّف أن الجائر قد أجاز له الأخذ من المال المختلط بالحرام في اعتقاده، أو نحو ذلك من الموارد فمقتضى القاعدة هو الاحتياط ووجوب الاجتناب.
وذهب جماعة آخرون - تقدم ذكرهم - إلى أنّ القاعدة مخصصة بأموال الجائر فيجوز الأخذ والتصرف في أمواله ما لم يعلم بالحرام منها بعينه، وذهب
ص: 235
صاحب الجواهر (قدس سره) إلى القول بالاحتياط في الاجتناب وإن كان الأقوىعنده عدم وجوب الاجتناب(1)، ولابدّ من النظر فيما استدلوا به على التخصيص لنرى مقدار نهوض أدلّتهم على ذلك، وقد استدلوا بطوائف من الروايات :
الأولى - وهي العمدة - ما ورد في خصوص الجائر وعمّاله، وهي عدّة روايات:
منها: صحيحة أبي ولاّد المتقدمة، وموضع الشاهد منها قوله (علیه السلام): «كل وخذ منه فلك المهنّا وعليه الوزر» (2) .
وقد ناقش الشيخ (قدس سره) في دلالتها بأنها لا تدل على المدّعى، وذلك لاحتمال أنّ المراد من الرواية أنّ ما يأخذه عمّال السلطان بإزاء عملهم له، مع أنّ العمل له من المكاسب المحرمة، هل يجوز الأخذ من ماله وحضور ضيافته والأكل من طعامه أم لا؟ فإنّه وإن كان في يده مال حرام إلاّ أن الذي يعطيه أو يجيز به شبهة بدوية لاحتمال كونه مالاً حلالاً كأن يكون مما اقترضه أو اشتراه في الذمة، فأجاب الإمام (علیه السلام) بجواز ذلك، وهذا ممّا تقتضيه القاعدة، وأمّا احتمال أن يكون المال المأخوذ من عين الحرام فهو بعيد واحتماله ساقط، فالرواية من جهة دلالتها على المدعى غير تامة(3) .
ومنها: صحيحة أبي المغرا المتقدمة أيضاً، وموضع الشاهد منها قوله: آخذها؟ قال: نعم، قلت: وأحجّ بها؟ قال: نعم(4) .
ومنها: رواية محمد بن هشام - أو غيره - قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام) أمرّ بالعامل فيصلني بالصلة أقبلها؟ قال: نعم، قلت: وأحجّ منها؟ قال: نعم وحج
ص: 236
منها(1) .
ومنها: معتبرة محمد بن مسلم وزرارة - المتقدمة أيضاً - قالا: سمعناه يقول: جوائز العمال ليس بها بأس(2) .
وقد ناقش الشيخ (قدس سره) في هذه الروايات بما ناقش به في الرواية الأولى وخلاصة ما أفاده: أنه لابد من رفع اليد عن إطلاقات هذه الروايات وحملها إما على الشبهة البدوية، أو الشبهة غير المحصورة، أو ما إذاكان بعض الأطراف خارجة عن محل الابتلاء، أو ما إذا كان العلم الإجمالي غير منجز في حقه وإن كان مورداً للابتلاء، كما إذا كان الباقي تحت يد الجائر معلوم الحرمة تفصيلاً، لأنه إما أن يكون مال الغير ويحرم أخذه، وإما أن يكون مالاً للجائر ولم يؤذن له في أخذه، وحينئذ لا يبقى أثر للعلم الإجمالي(3).
والأخير من هذه الوجوه هو الأقوى، وذلك لأنّ كون المورد من الشبهة غير المحصورة بعيد جداً إذ لا تتحقق شبهة غير محصورة في أموال شخص واحد إلاّ نادراً، نعم بناء على دعوى صاحب الجواهر(4) يمكن تحقّقها في جميع من علم بوجود الحرام في أمواله كالسارق والعشّار والمرابي والمرتشي ومن لم يخرج الحقوق ونحوهم، إلاّ أنّ هذا خارج عن محل الكلام، ولابدّ من ملاحظة كل صنف على حياله، وإلاّ أمكن إرجاع كل شبهة محصورة إلى شبهة غير محصورة بإلغاء خصوصية الموضوع أو الصنف.
وأمّا كون بعض الأطراف خارجة عن محل الابتلاء فلا يجري في جميع أمواله، بل في ما يختص به كجاريته وأمّ ولده وملابسه ونحو ذلك، وهذا لا يوجب
ص: 237
انحلال العلم الإجمالي، مع أنّه لا دليل على اعتبار عدم الابتلاء في تنجيز العلم الإجمالي، بل المناط هو القدرة عقلاً أو شرعاً في التنجيز وهي متحققة في المقام، وأمّا كون الشبهة بدوية فينطبق على الوجه الأخير بالنسبة إلى المقدار المأخوذ من أموال الجائر إذ من المحتمل أن يكون المال المأخوذ من الجائر حلالاً ولا علم بأنّه حرام، وهذا كاف في جواز التصرف.
والحاصل: أنّ هذه الروايات الدالة على جواز التصرف في أموال الجائر لا إطلاق فيها وموردها ما يعطيه الجائر من المال، ومع هذا الحمل المطابق لمقتضى القاعدة لا يبقى مجال للقول بجواز التصرف في أموال الجائر مطلقاً.
ما دلّ على حلّية الأشياء ما لم تثبت حرمتها وهي عدّة روايات:
منها: رواية عبد الله بن سليمان قال: سألت أبا جعفر (علیه السلام) عن الجبنفقال لي: لقد سألتني عن طعام يعجبني ... فقال: سأخبرك عن الجبن وغيره، كلّ ما كان فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه(1) .
والرواية بإطلاقها شاملة لما نحن فيه.
ومنها: روايته الأخرى عن أبي عبد الله (علیه السلام) في الجبن قال: كلّ شيء لك حلال حتى يجيئك شاهدان يشهدان أنّ فيه ميتة(2) .
ومنها: مرسلة معاوية بن عمار عن رجل من أصحابنا قال: كنت عند أبي جعفر (علیه السلام) فسأله عن الجبن فقال أبو جعفر (علیه السلام): إنه لطعام يعجبني وسأخبرك عن الجبن وغيره، كلّ شيء فيه الحلال والحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام فتدعه بعينه(3) .
ص: 238
ومنها: صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: كل شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال أبداً حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه(1) .
فهذه الروايات تدل بإطلاقها على جواز التصرف فيما أخذ من الظالم ما لم تعلم حرمته تفصيلاً.
إلاّ أنّ التمسك بهذه الروايات واضح الضعف، لأنّ العمل بإطلاقها يقتضي جواز ارتكاب جميع الشبهات المحصورة وغير المحصورة وإلغاء العلم الإجمالي من أصله، وهذا ممّا لا يمكن الالتزام به.
ما ذكره السيد الأستاذ (قدس سره) في حاشيته على المكاسب(2) وهي ثلاث روايات في موارد مختلفة:
الأولى: في الربا، وهي صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: أتى رجل أبي(علیه السلام) فقال: إنّي ورثت مالاً وقد علمت أنّ صاحبه الذي ورثته منه قد كان يربي، وقد عرف أنّ فيه ربا واستيقن ذلك، وليس يطيب لي حلالهلحال علمي فيه، وقد سألت فقهاء أهل العراق وأهل الحجاز فقالوا: لا يحلّ أكله، فقال أبو جعفر (علیه السلام): إن كنت تعلم بأنّ فيه مالاً معروفاً ربا وتعرف أهله فخذ رأس مالك وردّ ما سوى ذلك، وإن كان مختلطاً فكله هنيئاً، فإنّ المال مالك، واجتنب ما كان يصنع صاحبه، فإنّ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قد وضع ما مضى من الربا وحرّم عليهم ما بقي، فمن جهل وسع له جهله حتى يعرفه، فإذا عرف تحريمه حرم عليه ووجب «وجبت خ ل» عليه فيه العقوبة إذا ركبه كما على من يأكل الربا(3) .
فهذه الرواية تدلّ على جواز التصرف في الأموال المأخوذة من الجائر ولو
ص: 239
مع العلم باشتمالها على الحرام.
الثانية: - في المال الحلال المختلط بالحرام - وهي موثقة سماعة وقال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن رجل أصاب مالاً من عمل بني أمية وهو يتصدق منه، ويصل منه قرابته، ويحجّ ليغفر له ما اكتسب، ويقول: إنّ الحسنات يذهبن السيئات، فقال أبو عبد الله (علیه السلام): إنّ الخطيئة لا تكفّر الخطيئة، وإنّ الحسنة تحطّ الخطيئة، ثم قال: إن كان خلط الحرام حلالاً فاختلطا جميعاً فلم يعرف الحرام من الحلال فلا بأس(1) .
الثالثة: - في شراء ما يأخذه العامل - وهي رواية محمد بن أبي حمزة عن رجل قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): اشتري الطعام فيجيئني من يتظلّم ويقول: ظلمني، فقال: اشتره(2) .
إلاّ أنّ دلالة هذه الروايات على المدعى مشكل، أمّا صحيحة الحلبي فموردها خاص وهو الربا ولا يمكن التعدي منه إلى غيره، ولعلّ للشارع المقدس غرضاً في ذلك، وهو التسهيل على العباد في خصوص هذا المورد، ولاسيّما أنّ السائل في مقام الاستفتاء لمعرفة وظيفته الشرعية تجاه المال الذي ورثه، مضافاً إلى أنّ الرواية لم تشتمل على لفظ يستفاد منه الإطلاق، فإنّ قوله(علیه السلام): «وإن كان مختلطاً فكله هنيئاً، فإنّ المال مالك» يريد به نفس المال الموروث لا مطلق المال.
وأما موثقة سماعة فصدرها مختص بأموال السلطان وهو ما كان يصيبه من عمل بني أمية، نعم يمكن استفادة الإطلاق من قوله (علیه السلام): «إن كان خلط الحرام حلالاً فاختلطا جميعاً فلم يعرف الحرام من الحلال فلابأس» وكأنّما الإمام (علیه السلام) يعطي قاعدة كلية في ذلك فقد يقال بدلالتها على المدعى.
ص: 240
ولكن الرواية وإن كانت مطلقة إلاّ أن الجمع بينها وبين الروايات الدالة على وجوب الخمس في المال المشتمل على مقدار من الحرام ولا يعرف صاحبه يقتضي تقييدها بها، وأنّه لابد من إخراج الخمس ليحلّ الباقي، وبناء على هذا فلابدّ من رفع اليد عن إطلاق الرواية كما هو مقتضى الجمع بين الروايات، وقد أشار إلى ذلك صاحب الوسائل في تعقيبه على الرواية(1).
وأما رواية محمد بن أبي حمزة فهي غير تامة أولاً: لضعف سندها فإنها مرسلة فلا يمكن الاعتماد عليها من هذه الجهة، وثانياً: أنّ قوله: ظلمني، لا يستلزم العلم بالحرمة، وثالثاً: أنّ الرواية واردة في الخراج والمقاسمة ولها حكم خاص يأتي بيانه.
ما دلّ على جواز شراء المال الحرام من السلطان وهي عدة روايات:
منها: صحيحة أبي بصير قال: سألت أحدهما (علیه السلام) عن شراء الخيانة والسرقة، قال: لا، إلاّ أن يكون قد اختلط معه غيره، فأما السرقة بعينها فلا، إلاّ أن يكون من متاع السلطان فلا بأس بذلك(2) .
وموضع الشاهد قوله: «إلاّ أن يكون من متاع السلطان فلا بأس بذلك» أي: وإن كان سرقة أو شبهة محصورة فيجوز شراؤها.
ومنها: موثقة سماعة قال: سألته عن شراء الخيانة والسرقة؟ فقال: «اذا عرفت أنّه كذلك فلا، إلاّ أن يكون شيئاً اشتريته من العامل»(3).
ومنها: معتبرة أحمد بن محمد بن عيسى في «نوادره» عن أبيه قال: سئل أبو عبد الله (علیه السلام) عن شراء الخيانة والسرقة، قال: إذاعرفت ذلك فلا تشتره، إلاّ
ص: 241
من العمّال(1) .
وهاتان الروايتان في دلالتهما كالرواية الأولى، والمستفاد منها أنه إذاكان في المال حلال وحرام جاز شراؤه وإن كان شبهة محصورة .
وهذه الروايات وإن كانت معتبرة الأسناد إلاّ أنّ دلالتها على المدعى غير تامة.
أما الرواية الأولى فلأنّ في قوله (علیه السلام): «إلاّ أن يكون من متاع السلطان» احتمالين:
الأول: أن يكون المراد من المتاع هو الأموال التي سرقها من الناس أو غصبها منهم أو نحو ذلك، وهذه الأموال يجوز شراؤها والتصرف فيها.
الثاني: أن يكون المراد من المتاع هو الأموال التي يأخذها من الناس بعنوان الخراج والمقاسمة والزكوات، وإنّما كانت هذه الأموال سرقة وخيانة لأنه لا يستحقها أو أنه إذا أخذها منهم أجحف بهم وأخذ أكثر ممّا ينبغي، وهذا الاحتمال هو الأرجح.
ويؤيده ما ورد في الاحتجاج عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري أنه كتب إلى صاحب الزمان (عج الله تعالی فرجه الشریف) أنّ بعض أصحابنا له (لبعض اخواننا ممّن نعرفه) ضيعة جديدة بجنب ضيعة خراب، للسلطان فيها حصّة، وأكرته ربما زرعوا وتنازعوا في حدودها، وتؤذيهم عمّال السلطان، وتتعرض في الكلّ من غلات ضيعة (ضيعته)، وليس لها قيمة لخرابها، وإنّما هي بائرة منذ عشرين سنة، وهو يتحرّج من شرائها لأنه يقال: إنّ هذه الحصة من هذه الضيعة كانت قبضت من الوقف قديماً للسلطان، فإن جاز شراؤها من السلطان كان ذلك صوناً «صواباً خ ل» وصلاحاً له وعمارة لضيعته، وأنه يزرع هذه الحصة من القرية البائرة بفضل (لفضل) ماء ضيعته العامرة وينحسم عن (عنه) طمع أولياء السلطان، وإن لم يجز
ص: 242
ذلك عمل بما تأمره به إن شاء الله فأجابه: الضيعة لا يجوز ابتياعها إلاّ من مالكها أو بأمره أو رضى منه(1) .
والمستفاد من هذه الرواية أنّ الأرض كانت وقفاً وقبضت للسلطان، ولم يجوّز الإمام (علیه السلام) ابتياعها إلاّ من صاحبها أو بأمره أو رضاه، وهذه الرواية وإن كانت من جهة السند غير تامة إلاّ أنّ دلالتها على تأييد الاحتمال الثاني واضحة .
ويؤيّد ذلك أيضاً: ما ورد في كثير من الروايات الواردة في جوازالشراء من العامل الظالم، كما ورد في صحيحة أبي عبيدة عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: سألته عن الرجل منّا يشتري من السلطان من إبل الصدقة وغنم الصدقة، وهو يعلم أنّهم يأخذون منهم أكثر من الحق الذي يجب عليهم، قال: فقال: ما الإبل إلاّ مثل الحنطة والشعير وغير ذلك، لا بأس به حتى تعرف الحرام بعينه، قيل له: فما ترى في مصدّق يجيئنا فيأخذ منّا صدقات أغنامنا فنقول: بعناها فيبيعناها، فما تقول في شرائها منه؟ فقال: إن كان قد أخذها وعزلها فلا بأس، قيل له: فما ترى في الحنطة والشعير يجيئنا القاسم فيقسم لنا حظّنا، ويأخذ حظّه فيعزله بكيل فما ترى في شراء ذلك الطعام منه؟ فقال: إن كان قبضه بكيل وأنتم حضور ذلك فلا بأس بشرائه منه من غير كيل(2) .
وغيرها من الروايات، ومع وجود هذين الاحتمالين لا يمكن الاستدلال بالرواية على أنّ جميع أموال السلطان حلالاً وإن كانت شبهة محصورة، هذا أولاً، وثانياً: إنه على فرض ثبوت الإطلاق والتعميم لجميع أموال السلطان، يختص السلطان بحكم خاص من دون سائر الناس، والتمسك بهذه الرواية في مقابل سائر الروايات والقواعد المخالفة مشكل، ولابدّ من ردّ علمها إلى أهلها.
ص: 243
وأما الروايتان الأخيرتان فيرد عليهما ما ورد على نفس الرواية السابقة، وأنّ المراد من هذه الأموال التي تؤخذ من الناس من قبل السلطان هي أموال الصدقات والخراج ولا تشمل جميع أموال السلطان، بل إنّ الاحتمال الثاني فيهما أظهر لورود كلمة العامل فيها، وهذه قرينة على أنّ الابتياع مما يكون عاملاً فيه لا مطلق الأموال، فالروايتان واردتان في أموال الخراج والصدقات ولا تشملان الأموال المغصوبة من الناس، فالاستدلال بهذه الطوائف على المدّعى لا يخفى ضعفه.
والحاصل: أنّ الاستدلال بهذه الطوائف من الروايات غير تام لقصور دلالتها على المدعى، ولعدم استفادة الإطلاق منها، وأقصى ما تفيده هو جواز التصرف في الأموال التي تخرج من يد السلطان وعمّاله على نحو الهبة والجائزة، أو ما كان فيه بيع وشراء كما هو مقتضى القاعدة، وأمّا ما عداه من التصرف في أموالهم على نحو مطلق أو على نحو المقاصّة فلا دليل على الإباحة ولا يسوغ التصرف فيها، والقاعدة تقتضي عدم الجواز.بقي في المقام روايتان ربما يتوهم منافاتهما لما تقدم من عدم الجواز:
الأولى: صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: قال لي أبو الحسن موسى (علیه السلام): مالك لا تدخل مع علي في شراء الطعام، إنّي أظنّك ضيقاً، قال: قلت: نعم، فإن شئت وسّعت عليّ، قال: اشتره(1) .
وموضع الشاهد قوله: «فإن شئت وسّعت عليّ» فإنه ينبىء عن أنّ المرتكز في الأذهان أنّ الأمر منوط بإجازة الإمام (علیه السلام)، وقد رخّص له الإمام في ذلك، فإذا كان الشراء على طبق القاعدة كما تقدم فما الحاجة إلى الإجازة؟
الثانية: رواية أبي حمزة عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: سمعته يقول: من أحللنا له
ص: 244
شيئاً أصابه من أعمال الظالمين فهو له حلال، وما حرّمناه من ذلك فهو له حرام(1).
والمستفاد من الرواية أنّ حلّية ما يصاب من أعمال السلطان مشروط بإجازة الإمام (علیه السلام) .
والحاصل: أنّ كلتا الروايتين منافيتان لمقتضى القاعدة الدالة على جواز التصرف في بعض ما يؤخذ من أموال الجائر وعمّاله.
ولكن يمكن الجواب عن هاتين الروايتين بما لا ينافي ما تقدم.
أما الرواية الأولى فهي وإن كانت تامة السند إلاّ أنّها واردة في شراء الطعام، وهو من الصدقات والزكوات أو من الخراج والمقاسمات مما لا يستحقّه السلطان فهي من معلوم الحرمة، وأمرها بيد الإمام (علیه السلام) وهذا خارج عن محل الكلام.
وأما الرواية الثانية فمضافاً إلى ضعف سندها بالإرسال، واختلاف متنها(2) كما ذكرنا ذلك في المورد الأول من الموارد المستثناة من حرمة الدخول في أعمال السلطان، إنّ المراد من قوله: «شيئاً أصابه» هو نفس العمل أو ما يكسبه بإزاء العمل للسلطان الجائر - كما تقدم - وأن إعانة الظالم وتقوية شوكته وأجرة العمل حرام، ولابدّ من إذن الإمام (علیه السلام) ليدخلفي الموارد المستثناة من حرمة العمل للظالمين، وهذا هو المراد من الرواية، وعليه فهي أجنبية عن المقام، فإنّ محل الكلام هو أموال السلطان وعمّاله التي تؤخذ منهم بعوض أو بدونه.
الصورة الثالثة: فيما إذا علم تفصيلاً بوجود مقدار من الحرام في المال المأخوذ وفيها مقامات أربعة:
ص: 245
الأول: في حكم الأخذ تكليفاً ووضعاً.
الثاني: في كيفية الرد إلى صاحبه.
الثالث: في حكم ما إذا لم يعلم بالمالك.
الرابع: في حكم ما إذا ظهر المالك.
أما المقام الأول: ففيه اثنا عشرة صورة لأنّ المكلف إما أن يعلم بالحرمة قبل أخذ المال، وإما أن يعلم بعد أخذه واستقراره في يده، وعلى كلا التقديرين فتارة يكون مع العلم برضا صاحبه، وأخرى مع العلم بعدم رضاه، وثالثة مع الشك، وعلى جميع التقادير فتارة يكون مضطراً إلى الأخذ لتقية أو إكراه، وأخرى يكون مختاراً في ذلك.
ويقع الكلام في هذه الصور في موضعين:
الأول: في حكم المضطر تكليفاً ووضعاً.
الثاني: في حكم المختار كذلك.
الموضع الأول: في ما إذا كان المكلّف مضطراً للأخذ للتقية أو الإكراه، أما حكمه التكليفي فلا إشكال في الجواز لما تقدّم من الأدلة العامة الدالة على أنّ التقية في كل ضرورة، أو في كل شيء ما لم تبلغ الدم، بل قد يجب في بعض الأحيان، سواء كان علمه بالحرمة قبل الأخذ أو بعده، وسواء علم برضا مالكه أو بعدم رضاه أو كان شاكّاً في ذلك.
ولكن لابدّ من الاقتصار على مقدار ما ترتفع به التقية أو الإكراه وهو الأخذ فقط، وأما التصرف زائداً على ذلك فهو غصب لا يجوز لحرمة التصرف في مال الغير بغير إذنه، فإنّ حرمة ماله كحرمة دمه، ولابدّ من قصد الردّ إلى صاحبه لا قصد التملك، فإنه لم يكن مضطراً إلاّ إلى أخذه فقط، فإذا قصد التملك مع كون المال تحت يده عدّ ذلك تصرفاً وهو حرام، وأما إذا لم يقصد التملّك بل قصد الردّ فلا يعدّ ذلك تصرفاً منه بل هو إحسان وأمانة شرعية في يده، ومع العلم برضا صاحبه يكون أمانة مالكية أيضاً.
ص: 246
وأمّا حكمه الوضعي فإن علم برضا صاحبه وقصد الردّ فلا إشكال في عدم الضمان، لما تقدم من أنه أمانة شرعية ومالكية، وإن علم بعدم رضاهفلا وجه للضمان أيضاً لأنّ يده ليست بعدوانية بل يد أمانة شرعية وإحسان، وأولى بعدم الضمان ما إذا كان شاكّاً في رضا صاحبه، هذا مع قصد الردّ، وأما مع قصد التملك فإن كان أخذه بعد العلم بالحرمة فلا مناص عن القول بالضمان لأنّه يعدّ تصرفاً في مال الغير ويده عدوانية، فيترتب عليه أحكام الضمان، ولابدّ من ردّه إلى صاحبه ولا يجوز له التفريط فيه، ولا يردّه إلى الجائر، ولو فرط فيه بذلك استقرّ عليه الضمان، وإن كان أخذه قبل العلم بالحرمة مع قصد التملك فهل يجب الضمان في هذه الصورة أم لا؟ وهو محل الخلاف بين الأعلام والذي يظهر من الشيخ(1) وصاحب الجواهر(2) (قدس سره) قوة الحكم بالضمان بل هو المنسوب إلى المشهور(3)، وعن المسالك(4) والمصابيح(5) عدم الضمان، ثم لا فرق في الحكم بالضمان بين بقاء قصد التملك واستمراره أو تبدله إلى نية الرد، وإن كان يظهر من السيد الطباطبائي (قدس سره) في حاشيته على المكاسب(6) عدم الضمان في الأخير.
فها هنا مسألتان:
الأولى: هل الأخذ مع بقاء قصد التملك موجب للضمان أو لا؟
استدلّ الشيخ على لزوم الضمان بعموم قاعدة الضمان لأنّ أخذ المال وتملكه يوجب الضمان، سواء كان عالماً بالحرمة أو جاهلاً، فهو من موارد القاعدة.
ص: 247
واستشهد (قدس سره) على ذلك بالموارد التي حكم فيها بالضمان وإن كان الآخذ جاهلاً، ومنها: تعاقب الأيدي على مال الغير وإن كان بعضها عن جهل، ومنها: الهبة في ما إذا كان القابض المتهب جاهلاً بالغصب، ومنها: إيداع الغاصب مالاً عند شخص مع جهله بالغصب، ففي هذه الموارد حكم بالضمان فكذلك ما نحن فيه(1) .
ويؤيد هذا الوجه بما ذكره صاحب الجواهر (قدس سره) بأنّ القبض بعنوان قبول الهبة وإثبات يد المدفوع إليه بدل يد الدافع، فليست هي حينئذ إلاّ يد الدافع الذي فرض كونه غاصباً، وإن كان المدفوع إليه جاهلاً وعزم علىإرجاعها على مالكها بمجرّد علمه بالغصب، لكن قد سبقت ذلك يد الضمان، فلا يجديه هذا العزم في رفعه، ولا في تحقيق كونها يد أمانة(2) .
وأما عدم الضمان فقد استدلّ له بوجوه أقواها ما في المسالك(3) من أنّ وضع يده على المال لمّا كان بترخيص الشارع وإذنه لجهله بالحرمة ولا ضمان عليه حينئذ، فعند العلم بالحرمة يستصحب عدم الضمان.
ويرد عليه أنّ الترخيص هنا حكم ظاهري لا يوجب رفع الضمان، كالموارد التي استشهد بها الشيخ (قدس سره) فإنه مع فرض جواز الأخذ وترخيص الشارع له بذلك إلاّ أنّ الحكم بالضمان ثابت.
والحاصل: أنّ الضمان مستقرّ على الآخذ في حالتي العلم والجهل، ولا يختصّ بصورة العلم.
ومن ذلك يظهر الحكم في المسألة الثانية وهي ما إذا تبدّلت نيّة الآخذ إلى قصد الردّ، خلافاً للسيد الطباطبائي (قدس سره) في الحاشية من أنه مع تبدل نيّته إلى قصد الرد لا ضمان عليه، وذلك لأنه يوجب انقلاب اليد العدوانية إلى يد أمانة
ص: 248
وإحسان، وقاعدة ضمان اليد مخصّصة بأدلة الأمانة إذ لا ضمان فيها، فلا يبقى موضوع للاستصحاب لتبدّل الموضوع(1) .
وما ذكره (قدس سره) غير تام، وذلك لأنّ تبدل اليد من العدوان إلى الإحسان لا يستلزم رفع الضمان الثابت قبل التبدل، فإنّ غاية ما تدلّ عليه أدلة الأمانة أنها لا تقتضي الضمان لا أنها ترفع الضمان المستقر، ولابدّ لرفعه من وجود أسبابه، ومنها إيصال المال إلى صاحبه أو إبراء المالك ذمة الآخذ أو غير ذلك، وعليه فلا يتوقف الحكم بثبوت الضمان على الاستدلال بالاستصحاب حتى يستشكل في جريانه بعدم إحراز الموضوع.
نعم إذا رضي المالك ببقاء المال في يد الآخذ حتى يردّه إليه فهذا الرضا بمنزلة القبض وموجب لسقوط الضمان، ويصبح المال وديعة جديدة في يده.
الموضع الثاني: ما إذا كان المكلف مختاراً في الأخذ فإن علم بالحرمة قبل الأخذ ففيه ثلاث صور:
الأولى: أن يعلم برضا صاحبه، ولا إشكال في جواز الأخذ كما لاإشكال في عدم الضمان.
الثانية: أن يعلم بعدم رضاه ولا إشكال في عدم الجواز ولزوم الضمان، ويظهر وجههما مما تقدم.
الثالثة: أن يشك في ذلك وحينئذ فهل يجوز له الأخذ مع عدم الضمان أم لا؟ فيه وجهان:
الأول: الجواز مع عدم الحكم بالضمان، وإليه ذهب السيد الأستاذ (قدس سره) واستدلّ عليه بأن الأخذ بنية الرد إلى صاحبه مصداق للعدل والإحسان، وما على المحسنين من سبيل، والسبيل كما يشمل الحكم التكليفي كذلك يشمل الحكم
ص: 249
الوضعي، فلا يكون الأخذ حينئذ حراماً ولا موجباً للضمان.
وأما ما ورد من قاعدة ضمان اليد فإنّها وإن كانت عامة وتدلّ على الضمان مطلقاً أي سواء كان بالتعدي أو غيره إلاّ أنها مخصّصة بدليل الإحسان والأمانة، فلا ضمان في موارد الإحسان والأمانات(1) .
الثاني: عدم الجواز وثبوت الضمان.
واستدلّ عليه بما دلّ على أن تصرّف الشخص في مال الغير مع عدم إحراز رضى صاحبه غير جائز، إذ لا يصدق عليه الإحسان ويترتّب عليه الضمان، كموثقة سماعة عن أبي عبد الله (علیه السلام) (في حديث): أنّ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال: من كانت عنده أمانته فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، فإنه لا يحل دم امرىء مسلم ولا ماله إلاّ بطيبة نفس منه(2) .
ورواية أبي الحسين محمد بن جعفر الأسدي قال: كان فيما ورد على الشيخ أبي جعفر محمد بن عثمان العمري قدّس الله روحه في جواب مسائلي إلى صاحب الدار (علیه السلام): ... فلا يحل لأحد أن يتصرف في مال غيره بغير إذنه(3) .
وقد ناقش (قدس سره) في كلتا الروايتين، أما في الأولى فبأنّ الحلية والحرمة فيهما حكمان لموضوع واحد، وهو المال والمراد به منافعه التي تعود إلى المتصرّف من الأكل والشرب والبيع والهبة ونحوها، فلا تشمل المنافع العائدة إلى الآخذ بل هو من المنافع العائدة إلى المالك، وليس للآخذ إلاّ العناء والكلفة.
وأمّا الرواية الثانية فمضافاً إلى ضعف السند بالإرسال، تدلّ على حرمة التصرّف بغير الإذن، ولا يصدق عنوان التصرّف على مجرّد الأخذ بنية الردّ إلى مالكه فإنّ التصرف عبارة عن التقلّب، وعلى فرض التسليم وصدقه عليه لغة
ص: 250
فإنّه منصرف عنه عرفاً، فيكون المال المأخوذ أمانة شرعية عند الآخذ، فتترتب عليه أحكامها الوضعية والتكليفية(1) .
والحاصل: أنّ المقام خارج عن مفاد الروايتين موضوعاً وحكماً.
والظاهر أنّ ما ذكره (قدس سره) متين إلاّ حكمه على الرواية الثانية بالإرسال، فإنها وإن وردت مرسلة في كتاب الاحتجاج(2) إلاّ أن الصدوق رواها في «كمال الدين»(3) بسند معتبر عن أربعة من مشايخه مترضياً عنهم(4) عن أبي الحسين محمد بن جعفر الأسدي وهو ممّن نص النجاشي(5) على وثاقته، وذكر الشيخ في الرجال أنه كان أحد الأبواب(6)، وروى الشيخ بسند معتبر توقيعاً عن الحجة (عج الله تعالی فرجه الشریف) ينص على وثاقته(7)، فلا إشكال في سند الرواية، نعم الإشكال في دلالتها كما ذكر (قدس سره) .
ويؤيد ما قرّره (قدس سره): أولاً: بما ورد في موثقة السكوني عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): عونك الضعيف من أفضل الصدقة(8) .
وما ورد في صحيحة معاوية بن وهب عن أبي عبد الله (علیه السلام)، قال: قال رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم): كل معروف صدقة(9) .
ولا إشكال في أنّ أخذ المال من الجائر واستنقاذه لردّه إلى صاحبه يعدّ من العون والمعروف، وذلك ممّا يوجب خروج هذا المورد تخصّصاً عمّا ورد من حرمة
ص: 251
التصرّف في مال الغير بغير إذنه.
وثانياً: إنّ من المعلوم بالوجدان رضا جلّ الناس باستنقاذ أموالهم من الغاصبين وردّها إليهم، ولا تجد أحداً لا يرضى بذلك إلاّ نادراً، ويمكنعدّ هذا أمارة عقلائية على الرضا وطيب النفس، فالحكم بالجواز في هذه الصورة هو الأقوى.
ولكن هل يمكن - هنا - التمسك باستصحاب عدم الرضا وطيب النفس في التصرف بالمال فيحكم بعدم جواز التصرف، أو يقال - على فرض جريانه - إنه معارض بالأدلة المتقدمة ويكون المرجع هو أصالة الحلّ، أو أنّ الاستصحاب غير جار في المقام؟
ويمكن تقريب الاستصحاب بوجوه ثلاثة:
الأول: استصحاب عدم تحقّق السبب الثابت للحلّية.
الثاني: استصحاب عدم رضا المالك وطيب نفسه.
الثالث: استصحاب حرمة التصرّف في المال الثابتة قبل وضع الجائر يده عليه.
والظاهر عدم جريان الاستصحاب في المقام وجميع هذه الوجوه محلّ إشكال، أما عدم جريانه على التقريب الأول فلأنّ السبب - هنا - انتزاعي، والاعتبار بمنشئه وهو أحد أمرين: إما إذن المالك ورضاه، وإما إذن الشارع وترخيصه، فإن كان المنشأ هو الأول فهو متحد مع التقريب الثاني، وسيأتي ما فيه.
وإن كان المنشأ هو الثاني أي إذن الشارع ففيه: أن الحلية لا تحتاج إلى السبب حتى يجري استصحاب عدمه، بل الحرمة هي التي تحتاج إلى السبب لأنّ الأصل الجاري هو البراءة، إلاّ أن يدلّ دليل على الحرمة، فإنّ مقتضى تدريجية الأحكام هو البراءة عن الحكم في مورد الشك.
ص: 252
نعم لو كان في المقام عموم لفظي دال على حرمة التصرف في مال الغير مطلقاً، ومخصّص منفصل دال على الجواز إذا كان برضا صاحبه وطيب نفسه فلا مجال للاستصحاب بل يكون المقام من موارد التمسك بالعام.
وأمّا إذا كان المخصص متصلاً فالعموم لا ينعقد ولا مجال للتمسك به، وحينئذ يكون المقام من موارد استصحاب المخصص - إذا كان - وعلى فرض عدم جريانه فالأصل يقتضي البراءة، والمقام كذلك لأنّ الدليل وهو الروايتان المعتبرتان المتقدمتان - معتبرتي سماعة والأسدي - لم ينعقد لهما عموم، لكون المخصّص متصلاً في كلتا الروايتين، فمع الشك في مورد بأنه مصداق للحرمة أو لا، يكون مجرى للبراءة.
وما يقال: من أنّ إذن الشارع يمكن أن يكون من باب المخصص المنفصل ويحكم حينئذ بحرمة التصرف فهو ضعيف، لأنّ دليل ترخيصالشارع هو الأولوية المستفادة من أدلة إذن المالك ففي مثل المقام يكون حكمهما واحد.
وأمّا التقريب الثاني فقد يشكل عليه بأنه لا يثبت به عدم الرضا المضاف إلى المالك لأنّ المستصحب بسيط، والمعتبر هو رضا المالك وطيب نفسه على نحو الإضافة لا مجرّد الرضا وكونه مالكاً ليستصحبا معاً باستصحاب العدم الأزلي كما في المرأة القرشية.
ويمكن دفع هذا الإشكال أولاً: بأنّ نفس رضا المالك لم يكن ثابتاً لعدم وجوده، وبعد وجوده يُشك في تحقق صفة الرضا على نحو الإضافة لا مطلق الصفة فيستصحب عدمها أزلاً كما في المرأة القرشية.
ولكن ذكرنا في مباحثنا الأصولية أنّ لنا في جريان استصحاب العدم الأزلي تفصيلاً حاصله الفرق بين القضية السالبة المحمول إذا كان قيدها ابتدائياً ولم يكن مستفاداً من التخصيص، وهكذا السالبة المحصّلة إذا كانت من الضدّين
ص: 253
اللّذين لهما ثالث، فيجري فيهما الاستصحاب، وبين ما إذا كانت القضية سالبة المحمول وقيدها مستفاد من التخصيص أو كانت معدولة، أو كانت سالبة محصّلة ولكنّها من الضدين اللّذين لا ثالث لهما فلا يجري، وما نحن فيه إما من قبيل السالبة المحصّلة - كما إذا لم يكن المالك راضياً - وإما من قبيل القضية المعدولة - كما إذا كان التصرّف بغير رضاه - وعليه فلا يصحّ التمسّك باستصحاب العدم الأزلي في المقام.
وثانياً: على فرض التسليم بذلك إلاّ أنه يمكن استصحاب عدم رضا المالك على نحو العدم المحمولي.
وذلك بأن يقال: إنّ المالك لم يكن راضياً في التصرف في ماله قبل استيلاء الجائر عليه، وبعد وضع يده على المال يشك في رضاه فيستصحب عدم الرضا الثابت قبل ذلك.
إلاّ أنّ هذا محل إشكال، وذلك لإمكان القول بتعدد الموضوع فإنّ متعلّق اليقين قبل استيلاء الجائر على المال لم يكن متعنوناً بعنوان الرد لعدم الموضوع وبعد استيلاء الجائر عليه تعنون التصرف بنيّة الرد، وفرق بين العنوانين فإنّ التصرف في المال بعنوان الرد كان مشكوكاً في جوازه من الأول فلم يتحد الموضوع فلا يجري الاستصحاب.
وأما التقريب الثالث وهو استصحاب الحكم، فيرد عليه ما يرد على التقريب الثاني من أنّ الموضوع متعدد، وعلى تقدير الشك لا يصحّ التمسّك بالاستصحاب، فمقتضى ما تقدم أنّ حكم صورة الشك هو الجواز وعدمالضمان، كما يستفاد من إطلاق كلام الشيخ(1) أيضاً.
وأما إذا علم بالحرمة بعد الأخذ وكان أخذه للمال بنية التملّك سواء قصد
ص: 254
الرد بعد ذلك أو لا، فحكمه حكم ما إذا أخذه قهراً مع عدم العلم بالحرمة قاصداً للتملّك، وما ذكر هناك يأتي هنا حرفاً بحرف، وقد تقدم أنّ مذهب صاحب الجواهر والشيخ بل المنسوب إلى المشهور هو الحكم بالضمان ومذهب المسالك والمصابيح هو عدم الضمان، وفصّل السيد الطباطبائي في حاشيته فحكم بعدم الضمان في صورة ما إذا انقلبت نيّة الآخذ إلى نيّة الرد لصاحبه، فجميع ما تقدم يأتي هنا بلا فرق بين العلم برضا المالك وعدمه.
نعم إذا لم يكن أخذه بعنوان التملك بل للعمل بما تقتضيه الوظيفة الشرعية كالفحص عن المالك ونحوه فإن علم برضا صاحبه أو شكّ فيه جاز له الأخذ مع عدم الضمان، وإن علم بعدم رضاه فالضمان ثابت وإن كان الحكم بالحرمة ساقطاً من جهة جهله.
وأما المقام الثاني وهو كيفية ردّ المال إلى صاحبه فتارة يكون المالك معلوماً وأخرى يكون مجهولاً، ومحلّ الكلام في هذا المقام هو ما إذا كان المالك معلوماً.
ولا خلاف كما لا إشكال في وجوب ردّ المال إلى مالكه فوراً في جميع الصور المتقدمة في المقام الأول، وذلك لأنّ المال في يد الآخر - على بعض هذه الصور - أمانة شرعية ومالكية، أو شرعية فقط، وعلى بعضها الآخر بحكم الغصب، وعلى كلا التقديرين يجب ردّه إلى مالكه.
أما على التقدير الأول فقد دلّ الكتاب والسنة على وجوب ردّ الأمانة إلى أهلها كقوله تعالى: «إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا»(1) وكمعتبرة الحسين بن مصعب الهمداني قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: ثلاث لا عذر لأحد فيها أداء الأمانة إلى البرّ والفاجر، والوفاء بالعهد للبرّ والفاجر، وبرّ
ص: 255
الوالدين برّين كانا أو فاجرين(1) .
ومعتبرة عمار بن مروان قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام) في وصيته له: اعلم أنّ ضارب علي(علیه السلام) بالسيف وقاتله لو ائتمنني واستنصحني واستشارني ثمقبلت ذلك منه لأديت إليه الأمانة(2).
وغيرها من الروايات الكثيرة الدالّة على وجوب ردّ الأمانات إلى أهلها ولو كانوا أعداءً لله.
وأما على التقدير الثاني فيدلّ عليه مضافاً إلى حكم العقل بأنّ حبس مال الغير أو التصرف فيه بدون إذنه ظلم وعدوان، الروايات الدالة على الوجوب:
منها: صحيحة أبي عبيدة الحذاء قال: قال أبو جعفر (علیه السلام): قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): من اقتطع مال مؤمن غصباً بغير حقّه لم يزل الله معرضاً عنه ماقتاً لأعماله التي يعملها من البر والخير لا يثبتها في حسناته حتى يردّ المال الذي أخذه إلى صاحبه(3).
والرواية صريحة الدلالة في وجوب ردّ المال المغصوب إلى صاحبه كما أنّها معتبرة من جهة السند.
ومنها: رواية علي بن أبي حمزة قال: كان لي صديق من كتّاب بني أمية فقال لي: استأذن لي على أبي عبد الله (علیه السلام) فاستأذنت له «عليه» فأذن له، فلمّا أن دخل سلم وجلس، ثم قال: جعلت فداك إنّي كنت في ديوان هؤلاء القوم فأصبت من دنياهم مالاً كثيراً، وأغمضت في مطالبه، فقال أبو عبد الله (علیه السلام): لولا أنّ بني أمية وجدوا لهم من يكتب ويجبي لهم الفيء ويقاتل عنهم ويشهد جماعتهم لما سلبونا حقنا، ولو تركهم الناس وما في أيديهم ما وجدوا شيئاً إلاّ ما وقع في أيديهم، قال: فقال الفتى: جعلت فداك فهل لي مخرج منه؟ قال: إن قلت لك تفعل؟ قال:
ص: 256
أفعل، قال له: فاخرج من جميع ما كسبت «اكتسبت» في ديوانهم، فمن عرفت منهم رددت عليه ماله، ومن لم تعرف تصدّقت به، وأنا أضمن لك على الله عزوجل الجنّة ...(1).
والرواية طويلة وقد ذكرناها فيما تقدم ومحل الشاهد منها قوله: «فمن عرفت منهم رددت عليه ماله»، وهو واضح الدلالة في وجوب ردّ المال إلى صاحبه، وأمّا من جهة سند الرواية ففيه علي بن أبي حمزة، وهو البطائني وفيه بحث ذكرناه في محله(2) .ومنها: موثقة حفص بن غياث قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن رجل من المسلمين أودعه رجل من اللصوص دراهم أو متاعاً، واللص مسلم، هل يرد عليه؟ فقال: لا يردّه فإن أمكنه أن يردّه على أصحابه فعل، وإلاّ كان في يده بمنزلة اللقطة يصيبها فيعرفها حولاً، فإن أصاب صاحبها ردّها عليه وإلاّ تصدّق بها، فإن جاء طالبها بعد ذلك خيّره بين الأجر والغرم، فإن اختار الأجر فله الأجر، وإن اختار الغرم غرم له وكان الأجر له(3).
وموضع الشاهد قوله: «فإن أمكنه أن يردّه على أصحابه فعل»، وقوله: «فإن أصاب صاحبها ردّها عليه» وهو دال على وجوب الرد إلى المالك.
ومنها: ما ورد في تحف العقول عن الحسين (علیه السلام) قال: ويروى عن علي (علیه السلام): اعتبروا أيها الناس بما وعظ الله به أولياءه ... وذلك أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دعاء إلى الإسلام مع ردّ المظالم ومخالفة الظالم وقسمة الفيء والغنائم وأخذ الصدقات من مواضعها ووضعها في حقّها.
وموضع الشاهد قوله: «مع ردّ المظالم ومخالفة الظالم» وفيه دلالة على لزوم
ص: 257
ردّ المال إلى صاحبه فإنه من المظالم.
وأما سند الرواية فقد أشرنا فيما تقدم إلى أنّ لنا تحقيقاً حول روايات تحف العقول ذكرناه في محله.
وغيرها من الروايات الكثيرة الدالة على وجوب ردّ المغصوب إلى مالكه فلا إشكال في الحكم.
وإنّما الكلام في أنّه: هل يعتبر في الردّ الإقباض وحمل المال إلى المالك كما هو ظاهر الردّ؟ أو يكفي مجرّد رفع اليد عن المال والتخلية بين المال وصاحبه مع إعلام المالك بذلك؟
ظاهر الجواهر هو الأول حيث قال: حتى لو احتاج إلى أجرة بذلها(1) وذهب الشيخ إلى أنه وإن كان ظاهر الردّ هوالأول، ولكن مقتضى فهم غير واحد من الأصحاب هو الثاني كما ذكره في التذكرة والمسالك وجامع المقاصد وعليه فلا يجوز له حمل المال إلى المالك لأنه يعدّ تصرفاً لم يؤذن فيه إلاّ إذا كان النقل أحفظ(2)، وأيّده السيد الأستاذ (قدس سره) فيذلك بأن المرتكز في أذهان عامة أهل العرف هو التخلية بين المال وبين صاحبه، ولذلك لو طلب من الودعي حمل الوديعة إليه لذمّه العقلاء، خصوصاً إذا بعد موضع أحدهما عن الآخر، واحتاج النقل إلى المؤنة، بل ربما يستلزم الحمل الحرج والضرر(3) .
ويمكن أن يُفصّل في المقام بين الوديعة وأمثالها كالأمانة، وبين غيرها كالغصب، وذلك بمقتضى فهم العرف ومناسبة الحكم والموضوع، بأن يقال: إنّ الردّ يتحقق بإيصال المال إلى المكان الذي أخذ منه بحيث يتمكن المالك من وضع يده عليه، وهذا يختلف باختلاف الموردين ففي الوديعة أو الأمانة حيث يقوم
ص: 258
صاحب المال بإيداعه عند المستأمَن فمحلّه هو مكانه، وردّه إلى المالك يتمّ إمّا بالتخلية ورفع اليد عن المال، وإما بإعطائه إياه، وهذا كاف في تحقيق الإيصال إلى صاحبه، ولا حاجة إلى حمله إليه.
وأما في الغصب - حيث إنّ الغاصب معتد - فمحل المغصوب هو المكان الذي أخذ منه، فلابدّ من إرجاعه إلى محله، فإذا غصب المال مثلاً في بلد فرده هو إرجاعه إلى نفس ذلك البلد، ولا يجب عليه حمله إلى بلد آخر وإن كان المالك قد انتقل إليه، إلاّ أن يكون التكليف بذلك من باب أخذ الغاصب بأشد الأحوال، ولولا ذلك لصدق الرد بإيصال المال إلى المحلّ الأول. وبناء على ذلك فردّ الوديعة والأمانة يتحقق بالتخلية ورفع اليد أو الإعطاء، وأمّا رد المغصوب فلا يتحقق إلاّ بالحمل والإيصال إلى المكان الذي غُصب منه.
وأما المقام الثالث وهو ما إذا كان المالك مجهولاً: فهل يجب على الآخذ الفحص عن المالك، أو يجوز له التصدق عنه؟ فيه قولان:
ظاهر الشيخ(1) هو الأول وإن احتمل الثاني(2)، واختاره السيد الأستاذ (قدس سره) (3)، وصريح الجواهر(4) هو الثاني وهو ظاهر المحقق(5) .
والكلام فيه يقع في جهات:
الأولى: في بيان دليل الحكم.
وقد استدل للأول بوجهين:
أحدهما: بأنّ الردّ الواجب بمعنى التمكن وعدم حبس المال عن صاحبه يتوقف على الفحص وإعلام الغير، وإلاّ لا يتحقق الردّ،
ص: 259
فلابدّ من وجوب الفحص من باب المقدمة.
ولا يخفى أنّ المراد بالوجوب هنا إن كان هو الوجوب الشرعي فذلك يبتني على وجوب المقدمة شرعاً، وهو محل نزاع بين الأعلام، وإن كان المراد هو الوجوب العقلي فهو ثابت بلا إشكال، أما في الموارد التي هي بحكم الأمانة فوجوب الفحص من باب المقدمة للردّ، وأما في الموارد التي هي بحكم الغصب فوجوب الفحص إما مقدمة للردّ، وإما لحرمة استمرار بقاء المال عنده.
ثانيهما: بالروايات الدالة على وجوب الفحص عن المالك في موارد مختلفة:
منها: ما تقدم في معتبرة حفص بن غياث(1)، من إيداع اللص رجلاً دراهم أو متاعاً، وموضع الشاهد منها قوله: «فيعرّفها حولاً فإن أصاب صاحبها ردّها عليه» وهو يدل على وجوب الفحص عن المالك.
ومنها: ما دل على وجوب الفحص عن الأجير كما في صحيحة هشام بن سالم قال: سأل حفص الأعور أبا عبد الله (علیه السلام) وأنا عنده جالس، قال: إنّه كان لأبي أجير كان يقوم في رحاه، وله عندنا دراهم وليس له وارث، فقال أبو عبد الله(علیه السلام): تدفع إلى المساكين، ثم قال: رأيك فيها ثم أعاد عليه المسألة، فقال له مثل ذلك، فأعاد عليه المسألة ثالثة فقال أبو عبد الله (علیه السلام): تطلب وارثاً فإن وجدت وارثاً وإلاّ فهو كسبيل مالك، ثم قال: ما عسى أن يصنع بها، ثم قال: توصي بها فإن جاء طالبها وإلاّ فهي كسبيل مالك(2) .
وموضع الشاهد قوله: «تطلب وارثاً» وظاهر الرواية أنّ الأجير ميّت ولابد من الفحص عن وارثه وإعطائه المال.
ومنها: ما ورد في وجوب تعريف اللقطة وهي عدة روايات(3) تشتمل
ص: 260
على الصحاح ومنها ما دلّ على وجوب الفحص عن صاحب الحق، كصحيحة معاوية بن وهب، قال: سئل أبو عبد الله (علیه السلام) عن رجل كان له على رجل حق ففقد ولا يدري أحي هو أم ميت، ولا يعرف له وارث ولا نسب ولا بلد، قال: اطلبه، قال: إنّ ذلك قد طال فاصدق به قال: اطلبه(1) .
وموضع الشاهد قوله (علیه السلام): «اطلبه» وهو دال على الوجوب.
ومنها: ما دلّ على وجوب الفحص عن صاحب المتاع الذي فارق متاعه وأخذه آخر، كصحيحة يونس بن عبد الرحمن قال: سئل أبو الحسن الرضا (علیه السلام) وأنا حاضر - إلى أن قال: - فقال: رفيق كان لنا بمكة فرحل منها إلى منزله ورحلنا إلى منازلنا، فلما صرنا في الطريق أصبنا بعض متاعه معنا، فأيّ شيء نصنع به؟ قال: تحملونه حتى تحملوه إلى الكوفة، قال: لسنا نعرفه ولا نعرف بلده ولا نعرف كيف نصنع، قال: إذا كان كذا فبعه وتصدق بثمنه، قال له: على من جعلت فداك؟ قال: على أهل الولاية(2) .
وموضع الشاهد قوله (علیه السلام): «إذا كان كذا فبعه ...» وهو يدلّ على أنّ جواز
ص: 261
البيع والتصدق مشروط باليأس عن العثور على صاحبه.
هذه هي الروايات التي استدل بها على وجوب الفحص عن المالك إلاّ أن السيد الأستاذ(قدس سره) قد أشكل على الاستدلال بها في المقام.
أما الرواية الأولى فالإشكال عليها من جهتي السند والدلالة، فسندها ضعيف، كما أنّ دلالتها قاصرة عن شمول المقام لاختصاصها بقضية خاصّة وهي الوديعة، فلا وجه للتعدّي إلى غير موردها(1) .
وأما سائر الروايات فالإشكال عليها من جهة الدلالة فرواية اللقطة مختصة بموردها ولا يعم غيرها، وبقية الروايات واردة فيما إذا كانالمالك معلوماً مع تعذّر الوصول إليه، ومورد البحث إنّما هو المالك المجهول من الأول، فلا وجه للتعدّي عن مورد الروايات إلى غيره، ودعوى وحدة الملاك بين مواردها وبين مجهول المالك - وهو عدم الوصول إلى المالك - دعوى جزافية إذ لا طريق لنا إلى كشف ذلك(2) .
وما ذكره (قدس سره) بالنسبة إلى اللقطة فهو في محله لاحتمال أن يكون لها حكم خاص، ومعه لا يمكن التعدّي عن موردها إلى غيره. وكذلك بالنسبة إلى بقية الروايات فإن مواردها خاصة كما ذكره (قدس سره) .
وأمّا الإشكال على الرواية الأولى فللمناقشة فيه مجال، أما ما ذكره من ضعف(3) سند الرواية ففيه أنّ السند وإن كان يشتمل على علي بن محمد القاساني،
ص: 262
والقاسم بن محمد وهما وإن لم يرد فيهما توثيق إلاّ أنهما قد ورد ذكرهما في كتاب نوادر الحكمة ولم يستثنهما ابن الوليد، وبناء على ذلك فيمكن الحكم بوثاقتهما، نعم ربما يشكل بأنّ القاسم بن محمد مشترك - من حيث الطبقة - بين شخصين أحدهما الجوهري والآخر الأصفهاني فإنّهما يشتركان في الرواية عن سليمان بن داود المنقري والأمر وإن كان كذلك إلاّ أنه يمكن الحكم باعتبار هذا السند لوروده بعينه في تفسير القمي(1) في عدة موارد وقد تتبعناها فوجدنا أن رواية القاسم بن محمد عن سليمان بن داود المنقري عن حفص بن غياث في أكثر من خمسة مواطن من التفسير ومنها رواية الأسياف الخمسة المتقدمة، مضافاً إلى أنّه إن كان هو الجوهري فيمكن الحكم بوثاقته لرواية ابن أبي عمير وصفوان عنه(2) .
وبناء على ذلك فيمكن الحكم بوثاقتهما والتعويل على روايتهما، فتكون الرواية من حيث السند معتبرة.
وأما من جهة الدلالة فيمكن المناقشة فيها بأن يقال: إنه قد يستفاد التعدي من مورد الرواية وهو الوديعة إلى محل الكلام، وذلك لأنّالمستفاد من تحليل الرواية، ثلاث نقاط: الأولى: أن المالك غير معلوم، الثانية: أنّ المودع وهو اللص غير مالك للمال، الثالثة: أن مورد الرواية هو الوديعة، والنقطتان الأوليان تنطبقان على ما نحن فيه، فإنّ المال المأخوذ مجهول المالك والجائر غير مالك للمال، ويبقى أن الإعطاء بعنوان الوديعة هل له دخل في الحكم أو لا؟ فإن السلطان الجائر إنما أعطى المال بعنوان التمليك، وفي الرواية أن اللص أعطى المال بعنوان الوديعة.
ولكن لما كان التمليك من قبل غير المالك غير صحيح يقيناً، فإذا قلنا يجب الفحص عن المالك في مورد الرواية لعدم ملكية اللص للمال ففي ما نحن فيه كذلك؛
ص: 263
لعدم ملكية السلطان للمال، فيجب الفحص عن المالك بطريق أولى لأنه لم يعط المال بعنوان الوديعة بل بعنوان التمليك وهو باطل، وعلى فرض عدم الأولوية فهما متساويان، وعليه فالإشكال في عدم امكان التعدي من مورد الرواية إلى غيره في غير محله، ويصح الاستدلال بالرواية على وجوب الفحص عن المالك.
وأما القول الثاني وهو جواز التصدق من دون فحص فقد استدل له بعدة روايات:
منها: رواية علي بن أبي حمزة(1) المتقدمة، وموضع الشاهد منها قوله: «فمن عرفت منهم رددت عليه ماله، ومن لم تعرف تصدقت به» فإنه يدل على جواز التصدق من دون حاجة إلى
الفحص عن المالك.
ومنها: صحيحة أبي علي بن راشد، قال: سألت أبا الحسن (علیه السلام) قلت: جعلت فداك اشتريت أرضاً إلى جنب ضيعتي بألفي درهم، فلما وفيت المال خبّرت أن الأرض وقف، فقال: لا يجوز شراء الوقف ولا تدخل الغلّة في مالك، وادفعها إلى من وقفت عليه، قلت: لا أعرف لها ربّاً، قال: تصدّق بغلّتها(2) .
والرواية واضحة الدلالة كما أنها صحيحة السند.
ومنها: معتبرة علي بن ميمون الصائغ، قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عما يكنس من التراب فأبيعه فما أصنع به؟ قال: تصدّق به، فإمّا لك وإمّا لأهله قال: قلت: فإنّ فيه ذهباً وفضة وحديداً فبأي شيء أبيعه؟ قال: بعه بطعام،قلت: فإن كان لي قرابة محتاج أعطيه منه؟ قال: نعم(3) .
ومنها: معتبرته الأخرى قال: سألته عن تراب الصواغين وإنّا نبيعه قال: أما تستطيع أن تستحلّه من صاحبه؟ قال: لا، إذا أخبرته اتّهمني، قال: بعه،
ص: 264
قلت: بأيّ شيء نبيعه؟ قال: بطعام، قلت: فأيّ شيء أصنع به؟ قال: تصدّق به، إمّا لك وإما لأهله (لأهلك خ ل) قلت: إن كان ذا قرابة محتاجاً أصله؟ قال: نعم(1) .
ومنها: صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (علیه السلام) في رجل ترك غلاماً له في كرم له يبيعه عنباً أو عصيراً، فانطلق الغلام فعصر خمراً ثم باعه، قال: لا يصلح ثمنه، ثم قال: إنّ رجلاً من ثقيف أهدى إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) راويتين من خمر، فأمر بهما رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فاهريقتا، وقال: إنّ الذي حرّم شربها حرّم ثمنها، ثم قال أبو عبد الله (علیه السلام): إنّ أفضل خصال هذه التي باعها الغلام أن يتصدّق بثمنها(2).
ومنها: رواية أبي أيوب قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): رجل أمر غلامه أن يبيع كرمه عصيراً، فباعه خمراً، ثم أتاه بثمنه، فقال: إن أحبّ الأشياء إليّ أن يتصدّق بثمنه(3) .
والمستفاد من هذه الروايات عدم وجوب الفحص عن المالك، ويكفي التصدق بالمال المجهول المالك.
ولكن للمناقشة في دلالة الروايات على ذلك مجال وذلك:
أولاً: بأنه لا إطلاق في هذه الروايات حتى تشمل محل الكلام.
أما رواية علي بن أبي حمزة فمع الغضّ عن سندها إلاّ أن المستفاد من قوله: «فمن عرفت منهم رددت عليه ماله، ومن لم تعرف تصدّقت به» هو عدم الظفر بصاحب المال واليأس من معرفته، مضافاً إلى أنّ هذه قضية شخصية لعلم الإمام(علیه السلام) بعدم بقاء الرجل على قيد الحياة، فإنه ما مضى عليه إلاّ أشهر قلائل حتى مرض ثم مات، وعليه فلا دلالة في الرواية على جواز التصدّق مطلقاً من دون فحص عن صاحب المال.
ص: 265
وأمّا صحيحة أبي علي بن راشد ففيها: أنّ قوله: «لا أعرف لها ربّاً» يحتمل منه عدم وجود ربّ لها، ولو كان موجوداً لأمكن معرفته بالإعلامونحوه، ويساعد على ذلك الفهم العرفي، فإنّ الظاهر من قوله: «لا أعرف لها ربّاً» عدم وجود الربّ لا أنه موجود مجهول ولا طريق - والحال هذه - إلاّ التصدّق، مضافاً إلى أنها قضية خاصة فلا إطلاق في الرواية لتشمل ما نحن فيه.
وأما معتبرة علي بن ميمون الصائغ ففيها أنه لا يعلم أن المال للغير إما لأنه لنفس الصائغ، وإما لإعراض صاحبه عنه لقلته وعدم الرغبة فيه، فيكون ملكاً للصائغ، وعلى فرض عدم الإعراض عنه إلاّ أنه لا يعلم أنه للغير، والشاهد على ذلك أنه جاء في روايته الثانية قوله: أما تستطيع أن تستحلّه من صاحبه قال: لا، إذا أخبرته اتهمني فقال: بعه ... الخ. وإنّما أمره الإمام بذلك من باب الاحتياط ولم يوجب عليه الاستحلال، ولو كان المال معلوماً أنه للغير لوجب الاستحلال منه وإن لزم منه التهمة، ضرورة اقتضاء براءة الذمة ذلك، فالرواية خارجة عن محلّ النزاع، مضافاً إلى أنّ الرواية الثانية قد يقال بخروجها عن المقام من جهة أخرى، وهي أنّ المالك معلوم لا مجهول بقرينة قوله: «أما تستطيع أن تستحلّه من صاحبه» وذلك يفيد أنّ صاحب المال معلوم إلاّ أن خوف التهمة منعه من استحلاله، وعلى كل تقدير فالروايتان خارجتان عن محل الكلام.
وأما إشكال السيد الأستاذ (قدس سره) على الرواية بضعف السند فهو في غير محلّه بناء على ما قررناه من أنّ رواية أحد المشايخ الثقات - الذين لا يروون ولا يرسلون إلاّ عن ثقة - عن شخص علامة على الوثاقة، وأنّ وقوع الراوي في كتاب نوادر الحكمة ما لم يستثنه ابن الوليد علامة أخرى عليها، وقد روى صفوان عن علي بن ميمون الصائغ كما في سند الرواية الثانية(1) وورد في أسناد كتاب
ص: 266
نوادر الحكمة(1) ولم يستثنه ابن الوليد، وبناء على ذلك فلا إشكال في وثاقته والاعتماد على روايته إلاّ أنّ الإشكال من جهة الدلالة.
وأما صحيحة محمد بن مسلم ورواية أبي أيوب ففيهما أنه وإن كان ثمن البيع حرام وهو الخمر فالبائع لا يكون مالكاً للثمن إلاّ أنّ المشتري أعطى المال برضاه فيمكن القول بأنه أعرض عن المال في مقابل الخمر، وعلى فرض عدم الإعراض وفساد المعاملة وأنّ المال لم يخرج عن ملك المشتري إلاّ أن صاحب الخمر لا يعرف المشتري ولا يتمكنمن ردّ المال إليه، هذا بالإضافة إلى ما يترتب على الفحص عن المشتري من المفاسد كإشاعة المنكر والتشهير بالمشتري والبائع وغير ذلك، فمن أجل عدم الوقوع في هذه المحاذير يكون الفحص كالمتعذر، بل هو ممنوع شرعاً، ولذلك أمر الإمام (علیه السلام) بالتصدّق بالثمن، وعليه فهاتان الروايتان أيضاً خارجتان عن محلّ الكلام.
والحاصل: أنّ هذه الروايات لا تدلّ على جواز التصدّق بالمال المجهول المالك، إما لعدم إطلاقها وإما لخروجها موضوعاً عمّا نحن فيه، فدعوى الإطلاق غير مسموعة.
وثانياً: بما ذكره السيد الأستاذ (قدس سره) وحاصله: أنّه على فرض أنّ الروايات الواردة مطلقة، وأنها ظاهرة في وجوب التصدق بمجهول المالك على وجه الإطلاق أي حتى مع التمكن من الفحص، إلاّ أن بين هذه الروايات وبين إطلاق الآية تعارضاً، وذلك لأنّ الآية تدلّ على وجوب الفحص عن المالك مقدمة إلى الردّ سواء كانت أمانة مالكية كالوديعة والعارية ونحوهما، أم شرعية كاللقطة ومجهول المالك كالغصب والسرقة والمال المأخوذ من الجائر مع العلم بكونه مغصوباً ولكنّه مقيد بالتمكن العقلي من الأداء والفحص أي بحيث يتمكن من
ص: 267
إيصال المال إلى صاحبه.
وأما الروايات فهي وإن دلّت بإطلاقها على وجوب التصدّق مطلقاً إلاّ أنّ موردها الأمانات الشرعية لا المالكية.
فتكون الآية أعمّ مورداً لشمولها الأمانات المالكية والشرعية وأخصّ من جهة وجوب الفحص، والروايات أعمّ من جهة الفحص لشمولها لحالتي التمكّن منه وعدمه وأخصّ من جهة اختصاصها بالأمانة الشرعية.
فيقع التعارض في مورد الاجتماع وهو ما إذا كانت الأمانة شرعية مع القدرة على الفحص، فإنّ مقتضى الآية وجوب الفحص، ومقتضى الروايات عدم وجوبه، وقد ذكر (قدس سره) أنّ مقتضى التحقيق في مبحث التعادل والترجيح من علم الأصول أنه إذا تعارض الخبر مع الكتاب معارضة العموم من وجه ترفع اليد عن الخبر ويؤخذ بعموم الكتاب أو بإطلاقه، وعليه فلابدّ من الأخذ بإطلاق الآية والحكم بوجوب الفحص مع التمكّن منه، ورفع اليد عن المطلقات الظاهرة في عدم الوجوب، وعلى فرض الإغماض والحكم بالتساقط يرجع إلى ما دلّ على حرمة التصرّف في مالالغير بدون إذنه(1) فلابدّ حينئذ من الفحص بمقتضى الآية ولا يجوز التصدّق.
ولكن يمكن المناقشة في ما أفاده بوجهين:
الأول: أنه (قدس سره) ذكر أنّ مورد الاجتماع والتعارض في الروايات هو الأمانات الشرعية، وهو غير تام، فإنّ أغلب الروايات ليست كذلك كرواية علي بن أبي حمزة فإنّ مفادها أنّ المال مغصوب، وذلك لقوله: «فأصبت من دنياهم مالاً كثيراً وأغمضت في مطالبه» وحينئذ فليس هو من الأمانة الشرعية بل هو غصب ويلزمه حكمه من الضمان والردّ إلى صاحبه، ولذلك أمره الإمام (علیه السلام) برده.
ص: 268
وهكذا صحيحة أبي علي بن راشد فإنه اشترى الأرض لظنّه أنها غير مملوكة لأحد فتبين أنها وقف، فتكون بحكم المغصوبة وهي مضمونة عليه فليست الأرض في يده أمانة شرعية.
ومثلهما صحيحة محمد بن مسلم ورواية أبي أيوب فإنّ المال المأخوذ ثمناً للخمر ليس ملكاً للبائع لفساد المعاملة - كما ذكرنا - وحكم المال حينئذ حكم الغصب ويده عليه يد ضمان لا يد أمانة.
نعم في رواية علي بن ميمون الصائغ تكون يده على المال يد أمانة مالكية، وعليه فالروايات ليست مختصة من حيث المورد بالأمانات الشرعية بل هي أعم.
إلاّ أنّنا قد ذكرنا أنّ السيد الأستاذ (قدس سره) يرى أنّ رواية علي بن ميمون الصائغ ضعيفة السند به فعلى مبناه لا يمكن الاستدلال بهذه الرواية وهي خارجة عن محل الكلام.
وعلى أيّ حال فالقول بأنّ بينهما عموم من وجه على فرض الإطلاق في الروايات وأنّ مادة الاجتماع هي الأمانات الشرعية غير تام.
الثاني: إنّه بناء على كون مادة التعارض هي التمكن من الفحص في الأمانات الشرعية - كما ذكره (قدس سره) - فالحكم بتقديم الكتاب غير واضح، وذلك لأنّ الآية الشريفة لا تدل بظاهرها على وجوب الفحص وإنما تدل على وجوب ردّ الأمانة إلى أهلها، نعم يستفاد وجوب الفحص من حكم العقل من باب المقدمية، فيقع التعارض بين ظاهر إطلاق الروايات وبين حكم العقل، وحينئذ لا مناص عن الأخذ بمفاد الروايات إذ لا يلجأ إلى حكمالعقل إلاّ عند فقدان الدليل، ولكن من المحتمل أنّ المراد من مورد التعارض هو ردّ الأمانة لا وجوب الفحص.
والحاصل: أنّ الآية تدلّ على وجوب الردّ مطلقاً سواء كان المالك معلوماً أو لا، والروايات تدلّ على عدم وجوب الردّ إذا كان غير معلوم مع التمكن منه
ص: 269
وتحصيله، فيقع التعارض بينهما ومادة الاجتماع هي وجوب الردّ مع التمكن إذا كان المالك غير معلوم لا وجوب الفحص مع التمكن.
فإن كان هذا مراده (قدس سره) فالإشكال الثاني غير وارد عليه وإلاّ فهو وارد، ولعلّ مراد السيد (قدس سره) هو ما ذكرناه والاشتباه من قلم المقرر (قدس سره) حيث جعل مورد التعارض وجوب الفحص المستفاد من حكم العقل.
فالعمدة في الإشكال هو الوجه الأول، وهو أنّ الروايات لا إطلاق فيها فلا شمول لها لما نحن فيه.
الأولى: بناء على القول بوجوب الفحص فإذا ادّعى مدع بأنّ المال له، ولم يكن هناك مدع آخر فهل يجوز إعطاؤه المال؟ أو لابد من بيان الأوصاف كما في اللقطة؟ أو لابدّ من حصول الاطمئنان بأنه هو صاحب المال؟ فيه وجوه:
ولم يظهر من الشيخ (قدس سره) ترجيح لأحد هذه الوجوه، والظاهر كما ذكره السيد الأستاذ(قدس سره) (1) أنّ الأقوى هو الأخير.
أما الوجه الأول وهو جواز الإعطاء بمجرّد الادعاء فلا دليل عليه إلاّ ما ورد من قاعدة من ادّعى شيئاً ولم يعارضه أحد في دعواه يحكم بكون الشيء ملكاً له(2)، وبناء على هذه القاعدة يقال بجواز الإعطاء.
ومستند هذه القاعدة رواية منصور بن حازم عن أبي عبد الله (علیه السلام)، قال: قلت: عشرة كانوا جلوساً وسطهم كيس فيه ألف درهم فسأل بعضهم بعضاً ألكم هذا الكيس؟ فقالوا كلهم: لا، وقال واحد منهم: هو لي، فلمن هو؟ قال: للذي ادّعاه(3) .
ص: 270
والرواية وإن أوردها الكليني(1) مرسلة إلاّ أنّ الشيخ(2) رواها بسند معتبر فلا إشكال في سند الرواية: وإنما الإشكال في دلالتها من جهة أنّ المال ليس تحت يد أحد، بينما المال في ما نحن فيه تحت يد الآخذ فهذه الرواية خارجة عن محل الكلام، ولا يمكن الاستدلال بها على المدعى.
وورد نظير هذه الرواية في اللقطة وهي صحيحة البزنطي قال: سألت أبا الحسن الرضا(علیه السلام) عن الرجل يصيد الطير الذي يسوى دراهم كثيرة، وهو مستوي الجناحين، وهو يعرف صاحبه أيحلّ له إمساكه؟ فقال: إذا عرف صاحبه ردّه عليه، وإن لم يعرفه وملك جناحه فهو له، وإن جاءك طالب لا تتّهمه ردّه عليه(3) .
وموضع الشاهد منها قوله (علیه السلام): «وإن جاءك طالب لا تتّهمه ردّه عليه» فهو نظير ما ورد في الرواية المتقدمة، ولكن هذه الرواية لم يعمل بها في موردها فكيف فيما نحن فيه؟ وبناء على ذلك فلا يمكن الاستدلال بها ولا بالقاعدة على جواز إعطاء المال لمجرّد الادّعاء.
وأما الثاني وهو جواز إعطاء المال اعتماداً على الوصف فهو محلّ إشكال أيضاً، لأّنه لا دليل على ذلك حتى في اللقطة وجميع ما ورد من الروايات في ذلك حملت على حصول الاطمئنان وأما مع عدمه فلا يجوز الإعطاء، وعلى فرض الجواز في اللقطة إلاّ أنه هنا غير جائز لأنّ تنزيل ما ورد في رواية حفص بن غياث المتقدمة(4) منزلة اللقطة إنما هو في التعريف بالمال حولاً ووجوب الفحص عن مالكه، لا أنّ حكم المال حكم اللقطة من جميع الوجوه.
ص: 271
وبناء على ذلك فهذا الوجه أيضاً لا يمكن الاعتماد عليه.
فيبقى الوجه الثالث وهو اعتبار حصول الاطمئنان وهو المتعين لموافقته للقاعدة، فإنّ كون المال تحت يد الآخذ فلا يسوغ له إعطاؤه لأحد إلاّ مع الاطمئنان بأنه صاحبه وما لم يعطه إياه فهو ضامن، ولكن إذا أعطاه المال لاطمئنانه بأنه صاحبه، ثم تبيّن أنه ليس مالكاً للمال فحينئذ يلزمه الضمان ووجهه واضح.
المسألة الثانية: لا يجوز إرجاع المال إلى الجائر اختياراً فإن أرجعهإليه لزمه الضمان، وأما إذا أكرهه الجائر على ذلك فهل يحكم عليه بالضمان أم لا؟
وقد تقدم نظير هذه المسألة وذكرنا الاختلاف فيها، ومقتضى القاعدة أنه إذا أخذه بقصد التملك فيحكم بالضمان سواء علم بالغصبية قبل الأخذ أو بعده، وسواء كان مكرهاً على الأخذ أو مختاراً.
وأما إذا أخذه بقصد الردّ إلى مالكه وعلم برضاه فلا ضمان عليه لعدم حصول سببه كالتفريط مثلاً، وكذا إذا كان شاكّاً في رضا المالك على الأقوى.
الجهة الثانية: في مقدار الفحص، فهل يكفي فيه صرف تحقق الفحص في الخارج كصرف تحقق الطبيعة؟ أو أنّ الفحص منوط بالصدق العرفي؟ أو لابدّ من الفحص مقيّداً إلى سنة كما في اللقطة(1)، أو لابدّ من بلوغه حدّ اليأس وحصول القطع أو الاطمئنان بعدم الظفر بالمالك؟ فيه وجوه:
الأول: الاكتفاء بمسمّى الفحص من جهة أن الأمر بالفحص مطلق ويتحقق بصرف الوجود في الخارج فيصدق عليه عنوان الفحص بذلك.
وفيه: أنه إن كان المستند في وجوب الفحص هو الروايات فالمستفاد منها بمقتضى فهم العرف وارتكازهم عدم كفاية المسمّى، بل يحتاج صدقه إلى مضي
ص: 272
زمان يشتغل فيه بطلب المالك والفحص عنه، مضافاً إلى ما ورد في بعض هذه الروايات من طلب التكرار كما في صحيحة معاوية بن وهب، فقد جاء فيها أنه قال: سئل أبو عبد الله (علیه السلام) عن رجل كان له على رجل حقّ ففقد ولا يدري أحيّ هو أم ميّت ولا يعرف له وارث ولا نسب ولا بلد، قال: اطلبه قال: إنّ ذلك قد طال فأصدّق به؟ قال: اطلبه(1) .
فالأمر بتكرار الطلب يدلّ على عدم كفاية المسمّى وصرف الوجوب الخارجي.
وإن كان المستند هو حكم العقل بوجوب الفحص مقدمة لردّ الأمانة إلى صاحبها كما هو
المستفاد من الآية الشريفة فلابدّ - حينئذ - من الفحص حتى يتحقّق اليأس من الظفر بالمالك، وما لم يبلغ حدّ اليأس فوجوب الفحص باق.الثاني: إنّ مقدار الفحص هو ما يصدق عليه ذلك عرفاً، لأنّه مقتضى حمل الخطابات الشرعية على المفاهيم العرفية، والمرتكز في فهم العرف أنه إذا كان هناك أمر بالفحص توقف امتثاله على مقدار من الاشتغال بالطلب بحيث يشهد العرف بذلك.
وفيه: أنه بعيد أيضاً إذ مع الإشكال في الروايات الدالة على وجوب الفحص لا يبقى إطلاق يمكن التمسك به على الفحص بمفهومه العرفي، فيبقى الأمر دائراً بين الوجهين الأخيرين، فإن قلنا بأنّ المستند في وجوب الفحص هو دلالة الآية الشريفة فمقتضاها هو الثاني أي الفحص إلى حدّ اليأس من الظفر بالمالك، وإن قلنا بأنّ المستند غير مختص بها بل تدل عليه معتبرة حفص بن غياث - كما قوّيناه - فمقتضاه هو الأول أي الفحص إلى سنة سواء حصل اليأس من الظفر بالمالك قبل السنة أو بعدها، نعم للشيخ(2) تفصيل في المقام وحاصله: أنّه بناء
ص: 273
على الأخذ برواية حفص فالأقوى هو التفصيل بين ما إذا كان الأخذ لمصلحة المالك أي بنية الرد إلى صاحبه وبين ما إذا كان الأخذ لمصلحة نفسه أي بنية التملّك، فإن كان على النحو الأول فالفحص إلى سنة، وإن كان على النحو الثاني فالفحص إلى حد اليأس وذلك هو مقتضى رواية حفص لأنّ الأخذ كما هو مفاد الرواية كان بعنوان الأمانة والإيداع، ومالك المال - حسب الفرض - مجهول ولذا أمر الإمام (علیه السلام) بالتعريف سنة، ولا خصوصية لمورد الرواية فمع إلغاء الخصوصية يجري حكمها في كل مال أخذ من الظالم أو الغاصب وإن لم يكن بعنوان الأمانة إذا كان الأخذ بقصد الرد إلى صاحبه، وبالتعدي من مورد الرواية إلى ما نحن فيه يكون الفحص إلى سنة، وفي ما عدا ذلك وهو ما إذا لم يكن الأخذ بعنوان الردّ بل لمصلحة نفسه فهو خارج عن مفاد الرواية ويكون داخلاً تحت القاعدة، ولابدّ حينئذ من الفحص إلى بلوغ حدّ اليأس، وهذا هو الأرجح وقد ذكرنا فيما تقدم أنّ الرواية يمكن تعديتها إلى غير موردها.
والمتحصل: هو التفصيل بين ما إذا أخذ المال بقصد الردّ إلى المالك فالفحص إلى سنة، سواء حصل اليأس في أثنائها أو لم يحصل، وبين ما إذا أخذه بقصد التملّك فالفحص إلى بلوغ حدّ اليأس.
فإذا مضت السنة ولم يظفر بالمالك ولم ييأس بل قطع أو اطمأنّ بالظفر به فالقول بعدم الفحص مشكل، والاحتياط يقتضي استمرار الفحص وإنكان مقتضى الرواية هو الاقتصار على السنة، لاحتمال أن يكون الغرض من التحديد بالسنة هو حصول اليأس، وأما إذا شكّ في الظفر بالمالك بعد مضي السنة فالحكم هو الاقتصار على السنة.
ثم إنّ هناك رواية مفادها الاكتفاء بتعريف اللقطة ثلاثة أيام وهي رواية أبان بن تغلب قال: أصبت يوماً ثلاثين ديناراً فسألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن ذلك،
ص: 274
فقال: أين أصبته؟ قال: قلت له: كنت منصرفاً إلى منزلي فأصبتها قال: فقال: صر إلى المكان الذي أصبت فيه فعرفه فإن جاء طالبه بعد ثلاثة أيام فأعطه إياه وإلاّ تصدّق به(1) .
إلاّ أنّ هذه الرواية معارضة بالروايات الصحيحة المتعددة الدالة على أنّ التعريف باللقطة لابدّ وأن يكون إلى سنة، فهي نادرة شاذة ولا يمكن التمسّك بها، مضافاً إلى أنّ في سندها محمد بن موسى الهمداني وهو ممّن استثناه ابن الوليد من كتاب نوادر الحكمة(2) وكان يقول عنه: إنه كان يضع الحديث(3)، والرواية وإن كان يمكن تصحيح سندها من جهة أخرى إلاّ أنه غير نافع في المقام بعد عدم إمكان الأخذ بدلالتها.
الجهة الثالثة: في حكم المال بعد انتهاء أمد الفحص سواء كان حدّه اليأس من الظفر بالمالك أو بلوغ الفحص إلى سنة، فهل يحكم بتعيّن التصدّق به؟ أو بإبقائه وحفظه؟ أو بتملكه مع الضمان؟ أو بالتخيير بين هذه الأمور؟ أو بدفعه إلى الحاكم الشرعي لأنه ولي الغائب أو أنه للإمام (علیه السلام) ؟
فيه وجوه: نسب الأول - كما في مكاسب الشيخ(4) - إلى المشهور، واستدلّ عليه بأمور:
أحدها: بما أرسله في السرائر حيث قال: وروى أصحابنا أنّه يتصدّق به عنه، ويكون ضامناً إذا لم يرضوا بما فعل(5) .
فإنّها وإن كانت مرسلة إلاّ أنها منجبرة بعمل المشهور.
ص: 275
ثانيهما: إنّ التصدّق إحسان إلى المالك، وهو أقرب طرق إيصال المال إلى صاحبه، ولا يبعد دعوى شهادة حال المالك للقطع برضاه بانتفاعه بماله في الآخرة على تقدير عدم انتفاعه به في الدنيا، مضافاً إلى أنّ إبقاءالمال في يد الآخذ والوصية به بعد موته في معرض التلف.
ثالثها: بما ورد في عدة من الروايات المتقدمة كرواية علي بن أبي حمزة، وأخبار اللقطة، ورواية علي بن ميمون الصائغ، وصحيحة ابن أبي راشد، وصحيحة يونس، وغيرها، فإنها وإن وردت في موارد خاصة إلاّ أنه يمكن الاستدلال بمجموعها على الحكم.
رابعها: بما ذكره السيد الأستاذ (قدس سره) من أنّ مقتضى إطلاق الروايات المتقدمة هو وجوب التصدق.
خامسها: بما ذكره (قدس سره) أيضاً من الأولوية المستفادة من الروايات التي تدلّ على وجوب التصدّق فيما إذا كان المالك معلوماً، فإذا كان مجهولاً من الأول فالحكم بوجوب التصدق حينئذ بطريق أولى(1) .
وجميع هذه الوجوه قابلة للمناقشة:
أما الأول وهو مرسل السرائر فهو - وإن جعله الشيخ عمدة(2) ما استدلّ به في المقام - ضعيف بالإرسال، ودعوى الانجبار بعمل المشهور غير تامة صغرى وكبرى كما تقدم مفصلاً.
وأما الثاني فقد أشكل عليه الشيخ بأنه لا يمكن عدّه مؤيداً فضلاً عن الاستدلال به(3)، لأنّ الإحسان إلى المالك إنّما يتمّ فيما إذا كان التصرف في المال - بما ذكر - بإذنه أو إحراز رضاه بذلك.
ص: 276
وأمّا كونه أقرب الطرق للإيصال فغير مطّرد في جميع الموارد، لاحتمال أن يكون المال لذمي أو مخالف ولا يرضى بالتصدّق به على أهل الولاية.
وأما الثالث وهو الروايات فهي وإن لم يتعرض لها الشيخ (قدس سره) إلاّ أنّ الوجه فيها واضح، فإنّها واردة في موارد خاصة، والتعدّي منها إلى ما نحن فيه يحتاج إلى دليل وهو مفقود في المقام.
ويبقى الوجهان الأخيران اللذان ذكرهما السيد (قدس سره) والاستدلال بهما غريب منه (قدس سره)، أما الاستدلال بالإطلاقات فمضافاً إلى أنه لم يستدل برواية علي بن أبي حمزة لضعفها وهو مخالف لما تقدم منه في ردّ إطلاق الروايات واعتماده في الحكم على الآية الشريفة وحدها(1) .
وأما ما ذكره (قدس سره) من الأولوية فإنه وإن لم يستفدها من هذه الروايات - بالنسبة إلى وجوب الفحص - لإمكان الفرق بين الموردين بأن يقال: إنّ وجوب الفحص في ما إذا كان المالك معلوماً من الأول فيختص بمورده ولا مجال لاستفادة الأولوية، وأما في ما نحن فيه حيث إنّ الحكم بالتصدّق بعد الفحص في ما إذا كان المالك من الأول معلوماً ففي ما إذا كان المالك مجهولاً فالحكم بالتصدق من باب أولى، والأولوية في محلها.
ولكن يمكن أن يقال: إنّ استفادة الحكم بوجوب التصدّق بالأولوية يتوقف على ما إذا لم يرد في جملة هذه الروايات ما يدلّ على جواز التملك، وحيث إنه قد ورد في غير واحدة من الروايات كما في أخبار اللقطة جواز التملك فلا يبقى حينئذ مجال للتعويل على الأولوية للحكم بوجوب التصدق.
وأما القول الثاني وهو الحكم بتملّك المال مع ضمانه فقد استدلّ له بوجهين:
الأول: بما ورد في صحيحة علي بن مهزيار من قوله (أبي جعفر (علیه السلام))
ص: 277
: «... ومثل مال يؤخذ ولا يعرف له صاحب ...»(1) وإليه ذهب المحقق الإيرواني وقال: إنّ هذه الصحيحة صريحة في جواز تملّك مجهول المالك بعد إخراج الخمس(2) كما استظهره المحقق الهمداني من نفس الرواية أيضاً(3) .
وبناء على هذا فالمستفاد من الرواية أنّ الآخذ يجوز له تملّك المال بعد إخراج خمسه.
ولكن الرواية وإن كانت من حيث السند تامّة إلاّ أنها من جهة الدلالة ليست كذلك، وذلك لأنّ الرواية ليست في مقام بيان حكم المأخوذ وموضوعه فلا إطلاق لها، نعم لها دلالة على وجوب إخراج الخمس مما جاز تملّكه، وأما أنّها في مقام بيان خصوصية الموارد فلا، وعليه فلابدّ من استفادة الموضوع من أدلة أخرى لقصور دلالة هذه الرواية عن شمولها لما نحن فيه، وقد يقال: إنّ مورد الرواية هو ما دلّت عليه بعضالروايات من أنّ من اشترى حيواناً فوجد في بطنه مالاً ولم يدعه البايع فحينئذ يجوز للمشتري تملّكه بعد إخراج خمسه(4) ومثله ما إذا اشترى سمكة فوجد في جوفها مالاً فإنه يتملكه ويخرج خمسه من دون حاجة للرجوع إلى البائع(5) وسيأتي بيان ذلك، وكذا إذا وجد مالاً في خربة قد جلا عنها أهلها(6)، وورد هذا الحكم أيضاً في باب اللقطة كما جاء في كثير من الروايات(7) وبناء على ذلك فلا يمكن الاستدلال بالرواية على ما نحن فيه لقصور الدلالة كما ذكرنا.
ص: 278
الثاني: بما ورد في صحيحة هشام بن سالم قال: سأل خطّاب الأعور أبا إبراهيم (علیه السلام) وأنا جالس، فقال: إنه كان عند أبي أجير يعمل عنده بالأجرة ففقدناه وبقي من أجره شيء ولا يعرف له وارث. قال: فاطلبوه، قال: قد طلبناه فلم نجده، قال: فقال: مساكين - وحرّك يده - قال: فأعاد عليه قال: اطلب واجهد، فإن قدرت عليه وإلاّ فهو كسبيل مالك حتى يجيء له طالب، فإن حدث بك حدث فأوص به إن جاء لها طالب أن يدفع إليه(1) .
وورد نظير هذه الصحيحة عن هشام بن سالم أيضاً قال: سأل حفص الأعور أبا عبد الله(علیه السلام)، وأنا حاضر، فقال: كان لأبي أجير وكان له عنده شيء فهلك الأجير فلم يدع وارثاً ولا قرابة، وقد ضقت بذلك كيف أصنع؟ قال: رأيك المساكين رأيك المساكين، فقلت: إنّي ضقت بذلك ذرعاً قال: هو كسبيل مالك فإن جاء طالب أعطيته(2) .
وموضع الشاهد في الرواية الأولى هو قوله (علیه السلام): «اطلب واجهد، فإن قدرت عليه وإلاّ فهو كسبيل مالك» وهو يدل على الأمر بالفحص ومع عدم الظفر بالمالك يكون كسبيل المال، ثم أمر (علیه السلام) بالوصية به، فالرواية بحسب الظاهر دليل على ما نحن فيه بعد إلغاء الخصوصية وهي كون المالك معلوماً ثم فقد، فإن أمكن إلغاؤها صح الاستدلال بها وإلاّ فلا.
وقد أشكل على دلالة الرواية بأمور:أولاً: قوله (علیه السلام): «مساكين» فلعلّ من المحتمل أن مراد الإمام (علیه السلام) هو التصدّق بالمال على المساكين.
وثانياً: أنّ قوله (علیه السلام): «وإلاّ فهو كسبيل مالك» مجمل ولعلّ المراد هو حفظ المال لا تملّكه.
ص: 279
وثالثاً: إنّ الرواية مضطربة، ويحتمل اتحادها مع الرواية الثانية، فإنّ كلتا الروايتين عن هشام وتدوران حول مسألة واحدة وقد اشتملت الأولى على الأمر بالفحص والوصية بالمال دون الثانية.
إلاّ أن هذه الإشكالات غير واردة.
أما قوله (علیه السلام): «مساكين» فيحتمل أن المراد به في الرواية الأولى هو الحكاية عن حال السائل وأنه في حيرة من أمره والإمام (علیه السلام) يبدي شفقته عليه بقرينة تحريكه يده (علیه السلام)، وأما احتمال أن المراد هو أمر الإمام (علیه السلام) بالتصدق بالمال على المساكين فلا يستفاد من الرواية.
وأما قوله (علیه السلام): «رأيك المساكين رأيك المساكين» في الرواية الثانية فيحتمل أنّ المراد هو أنّ الإمام (علیه السلام) كأنّما يستنطق السائل بمعنى هل ترى أنّ الحكم هو التصدّق بالمال على المساكين؟ ويحتمل أن المراد هو أنّ المال يعود للإمام (علیه السلام) بقرينة هلاك صاحبه ولا وارث له ولا قرابة، وقد ثبت أنّ الإمام (علیه السلام) وارث من لا وارث له، وإنما قال: رأيك المساكين وكررها للدلالة على عدم العلم بمآل المال بعد هلاك صاحبه، وكلام الإمام (علیه السلام) يتضمن التوبيخ على الجهل بهذا الحكم، إلاّ أنّ الإمام (علیه السلام) لما رأى ضيق السائل بالمال وتحيّره أذن له بتملّكه وجعله كسبيل الله.
وأما دعوى الإجمال في قوله (علیه السلام): «وإلاّ فهو كسبيل مالك» فغير تامة، إذ لا إجمال في العبارة بل هي صريحة في أن يصنع بالمال كما يصنع بماله من حفظه أو صرفه ونحوهما من سائر التصرفات، ويوضح هذا ما ورد في بعض روايات اللقطة كما سيأتي.
وأما الإشكال بأن الرواية مضطربة فهو وارد لو كانت كلتا الروايتين رواية واحدة، وأما مع التعدد فليست الرواية مضطربة.
والظاهر أنّهما روايتان والسائل في الرواية الأولى غير السائل في الثانية؛
ص: 280
فإنّ السائل في الأولى هو خطّاب بن عبد الله (عبيد الله) الهمداني الأعور(1) وفي الثانية هو حفص بن عيسى الأعور الكناسي(2) هذا أولاً.وثانياً: إنّ الأولى مروية عن أبي إبراهيم (علیه السلام) وهو الإمام الكاظم (علیه السلام) والثانية مروية عن أبي عبد الله (علیه السلام) وهو الصادق (علیه السلام) .
وأما كون موضوع الروايتين واحد وهو السؤال عن الأجير فمع أنه ليس بغريب في الروايات فإنه قد يسأل أحد الأئمة (علیهم السلام) عن أمر ويسأل إمام آخر عن نفس الأمر إلاّ أن الموضوع في هاتين الروايتين مختلف ففي الرواية الأولى فرض السائل أنّ الأجير مفقود ولم يعلم أنه مات ولذا أمر الإمام (علیه السلام) بالفحص عنه والوصية بالمال، وأما في الرواية الثانية فالسؤال عن أجير هلك ولذا لم يأمر الإمام بالفحص أو الوصية بالمال.
والحاصل: إنهما روايتان مستقلتان لا رواية واحدة، وأنّ الاستدلال بالأولى دون الثانية، ومع إلغاء الخصوصية لا بأس بالاستدلال بها على ما نحن فيه.
وهنا رواية صحيحة أخرى عن هشام بن سالم أيضاً وقد تقدم ذكرها وهي أنه قال: سأل حفص الأعور أبا عبد الله (علیه السلام) وأنا عنده جالس قال: كان لأبي أجير كان يقوم في رحاه وله عندنا دراهم وليس له وارث، فقال أبو عبد الله (علیه السلام): تدفع إلى المساكين ثم قال: رأيك فيها، ثم أعاد عليه المسألة فقال له مثل ذلك، فأعاد عليه المسألة ثالثة، فقال أبو عبد الله (علیه السلام): تطلب وارثاً فإن وجدت وارثاً وإلاّ فهو كسبيل مالك، قال: ما عسى أن يصنع بها، ثم قال: توصي بها فإن جاء طالبها وإلاّ فهي كسبيل مالك(3) .
وموضع الشاهد منها قوله (علیه السلام): «تدفع إلى المساكين» والظاهر أنّ
ص: 281
الإمام (علیه السلام) في مقام الإخبار والحكاية عن حال السائل لا في مقام إنشاء الحكم، ولذا لم يقنع السائل بهذا الجواب وأراد رأي الإمام (علیه السلام) في المسألة فبيّن (علیه السلام) بعد ذلك الحكم وهو الفحص عن الوارث وإلاّ فهو كسبيل أمواله مع الوصية به، وبذلك يمكن تفسير ما ورد في الروايتين السابقتين وأنّ المقصود من قوله: «مساكين» وقوله: «رأيك المساكين» هو الإخبار عن حال السائل كما ذكرنا، وتكون هذه قرينة على المراد من كلتا الروايتين، ثم إنّ دلالة هذه الرواية على المدعى أتمّ ولا بأس بالاستدلال بها في المقام، وقد أورد صاحب الوسائل هذه الرواية في أبواب الدين والقرض ولم يذكرها في باب الميراث، وكان من المناسب أن تذكر في أبواب الميراث أيضاً لتعلّقموضوعها به.
هذا ويمكن الاستدلال بالروايات الواردة في اللقطة من أنّه إذا فحص ولم يظفر بالمالك فالمال كسبيل مال الملتقط وهي عدة روايات:
منها: صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: سألته عن اللقطة قال: لا ترفعها فإن ابتليت بها فعرفها سنة، فإن جاء طالبها وإلاّ فاجعلها في عرض مالك يجري عليها ما يجري على مالك حتى يجيء لها طالب، فإن لم يجىء لها طالب فأوص بها في وصيتك(1) .
ومنها: صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (علیه السلام) في حديث قال: واللقطة يجدها الرجل ويأخذها، قال: يعرّفها سنة فإن جاء لها طالب وإلاّ فهي كسبيل ماله(2) .
وأصرح منهما صحيحة حنان قال: سأل رجل أبا عبد الله (علیه السلام) وأنا أسمع عن اللقطة فقال: تعرّفها سنة فإن وجدت صاحبها وإلاّ فأنت أحقّ بها، وقال: هي كسبيل مالك، وقال: خيّره إذا جاءك بعد سنة بين أجرها وبين أن تغرمها له
ص: 282
إذا كنت أكلتها(1) .
وهذه الروايات يمكن الاستدلال بها لكن بعد إلغاء الخصوصية كما ذكرنا، وأما إذا قلنا بأنها مختصة بمواردها فلا يمكن الاستدلال بها، وأما مع إلغاء الخصوصية بأن يقال: إنّ اللقطة لا خصوصية لها لأنّ المالك مجهول أي: أنّ وجوده كان معلوماً ثم شكّ في وجوده وفي ما نحن فيه كذلك، بل يمكن القول: إنه إذا كان صاحب المال في اللقطة موجوداً أو يُطمأن بوجوده ومع ذلك يجوز تملّك المال بعد التعريف به سنة فجواز التملك في ما نحن فيه من كون المالك غير معلوم الوجود أصلاً بطريق أولى.
والحاصل: أنّه بناء على إلغاء الخصوية والقول بالأولوية يمكن الاستدلال بهذه الروايات على جواز التملك.
ومما يؤيد ذلك أنه قد يقال: إنّ انتهاء أمد الفحص وهو السنة أو اليأس من الظفر بالمالك أمارة على إعراض صاحب المال عن ماله بمعنى أنه لو رجع المال إليه بعد ذلك لكان كأنه ملك جديد، ومقتضى القاعدة أنه إذا أعرض المالك عن ماله جاز تملّكه لواجده، فما نحن فيه من هذا القبيل،إلاّ أن ذلك غير تام.
أولاً: إنه لا دليل على ثبوت الإعراض عن المال بذلك ولا سيما في الأموال الخطيرة.
وثانياً: إنّ القاعدة إنما تجري فيما لم يقم دليل على خلافها، وبناء على القول بأنّ الشارع أمر بالتصدّق فلا تصل النوبة إلى إجراء القاعدة، وفي ما ذكرناه من الأدلة على جواز التملك كفاية.
ص: 283
وأما القول الثالث وهو إبقاء المال وحفظه لصاحبه فقد استدلّ عليه بوجهين:
الأول: إنه موافق لمقتضى القاعدة، وذلك لأنّ المال للغير ولم يحرز جواز التصرف فيه بتملّكه أو التصدق به، والقاعدة حينئذ تقتضي وجوب إمساكه وحفظه حتى يأتي صاحبه.
وأشكل عليه الشيخ بأنّ القاعدة إنّما تجري فيما إذا لم يقم دليل على خلافه وأدلّة التملّك والتصدّق على خلاف القاعدة، مضافاً إلى أنّ إمساك المال وحفظه نوع تصرّف فيه لابدّ له من الإذن ولم يحرز إذن الشارع في ذلك(1)، وأضاف صاحب الجواهر أنّ هذا القول اجتهاد في مقابل النصّ والفتوى(2) .
الثاني: بما ورد في رواية الهيثم بن أبي روح صاحب الخان قال: كتبت إلى عبد صالح(علیه السلام): إني أتقبل الفنادق فينزل عندي الرجل فيموت فجأة ولا أعرفه ولا أعرف بلاده ولا ورثته فيبقى المال عندي كيف أصنع به؟ ولمن ذلك المال؟ قال: اتركه على حاله(3) .
وأشكل على هذه الرواية بأنها ضعيفة سنداً ودلالة.
أما ضعف السند فلأنّ الهيثم بن أبي روح لم يرد فيه توثيق.
وأما ضعف الدلالة فلأنّ قوله: «اتركه على حاله» أمر بالإبقاء قبل الفحص لا بعده، والإمام (علیه السلام) لم يبيّن حكم ما بعد الفحص وبقرينة سائر الروايات يمكن حمل الرواية على ما قبل الفحص لا بعده.
والحاصل: أنّ ما استدل به على وجوب حفظ المال وإمساكه غير تام.
ص: 284
وأما القول الرابع وهو وجوب دفع المال إلى الحاكم فقد استدلّ لهبوجهين:
الأول: إنّ المال للإمام (علیه السلام)، فلابدّ من دفعه إلى نائبه، ويدلّ على ذلك رواية داود بن أبي يزيد عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قال رجل إنّي قد أصبت مالاً وإنّي قد خفت فيه على نفسي ولو أصبت صاحبه دفعته إليه وتخلّصت منه، قال: فقال له أبو عبد الله (علیه السلام): والله أن لو أصبته كنت تدفعه إليه؟ قال: إي والله، قال: فأنا والله، ماله صاحب غيري، قال: فاستحلفه أن يدفعه إلى من يأمره، قال: فحلف، فقال: فاذهب فاقسمه في إخوانك ولك الأمن ممّا خفت منه، قال: فقسمته بين إخواني(1) .
والمستفاد من هذه الرواية أنّ المال الذي لا يعلم صاحبه يعود إلى الإمام (علیه السلام) ولابدّ من دفعه إليه، وحيث إنّ الحاكم الشرعي نائب عنه فلابد من دفع المال إليه.
وقد أشكل على هذه الرواية بأنّها ضعيفة سنداً ودلالة.
أما ضعف السند فلأنّ الحجّال الواقع في سند الرواية لم يوثق.
وفيه: أنّ الحجال هو أبو محمد عبد الله بن محمد الأسدي الحجّال المزخرف، وقد وثقه الشيخ وعدّه في أصحاب الرضا (علیه السلام) (2)، وقال عنه النجاشي : ثقة ثقة(3) ولم ندر ما وجه تضعيفه إلاّ أن يكون المراد غيره ولم نقف على من يلقّب بالحجال إلاّ الحسن بن علي (أبو محمد الحجال) وهو ثقة أيضاً كما نصّ على ذلك النجاشي، بل إنّما سمّي هذا بالحجال لأنّه كان دائماً يعادل الحجّال الكوفي (عبد الله بن محمد) الذي يبيع الحجل فسمي باسمه(4) .
ص: 285
وأمّا غيره من أفراد السند فلا إشكال في وثاقتهم، وبناء على هذا فلا إشكال في اعتبار الرواية من هذه الجهة.
وأما الدلالة فقد أشكل عليها بأمور:
أولاً: إنّ هذه الرواية معارضة بالروايات الدالة على وجوب الفحص.
وثانياً: بما ذكره الشيخ من أنّ ظاهر الرواية هو تعيين التصدّق(1) .
وثالثاً: بما ذكره السيد الأستاذ (قدس سره) من أنّ الإشكال في أصل الدلالة، وذلكلأنّ الرواية واردة في قضية شخصية فلا تكون مستنداً لكبرى كلية، إذ من المحتمل أن يكون المال في تلك الواقعة مفقوداً من الإمام نفسه، كما يحتمل أن الإمام (علیه السلام) علم بموت المالك ولم يترك وارثاً غير الإمام (علیه السلام)، ويحتمل أيضاً أن يكون المال من صفو دار الحرب الذي هو خاص للإمام، ومع هذه الاحتمالات لا يبقى مجال للاستدلال بهذه الرواية(2) على ما نحن فيه لقصورها عن ذلك، وقد ذكر العلاّمة المجلسي بعض هذه الاحتمالات كما ذكر غيرها عند شرحه الرواية(3) .
أما الإشكال الأول فهو قابل للدفع فإنّ قوله: «وإنّي خفت فيه على نفسي» يشعر بأنّ المال كان عنده مدة طويلة وفحص عن صاحبه حتى يئس من الظفر به، وعليه فالرواية لا تعارض الروايات الدالة على وجوب الفحص.
وأما الإشكال الثاني فقد حمل الشيخ الرواية على التخيير بين الصدقة والدفع إلى الحاكم جمعاً بين الدليلين(4) .
وأما الإشكال الثالث فهو وارد، وبناء عليه فلا يمكن الاستدلال بها على المدعى، وقد استظهر المحقق النائيني أنّ الفقهاء لا يفتون على طبق هذه الرواية(5).
ص: 286
الثاني: أنّ الحاكم ولي الغائب فيجب دفع المال إليه.
وأشكل عليه السيد الأستاذ (قدس سره) بأنها دعوى غير تامة، لأنّ ولايته على الغائب إنما هي من جهة الحسبة، فلابدّ من الاقتصار فيها على المورد المتيقن وهو ما إذا لم يكن له ولي آخر غير الحاكم كما في الولاية على اليتيم مع عدم وجود الجد، وأمّا مع وجوده فلا تصل النوبة إلى ولاية غيره، وما نحن فيه من هذا القبيل، إذ مقتضى الروايات هو ثبوت الولاية على مجهول المالك لمن وضع يده عليه، فلا تصل النوبة إلى غيره.
وهكذا الحال بالنسبة إلى وجه آخر وهو أن يقال: بوجوب الدفع إلى الحاكم من جهة أنّ مصرف المال هو الفقراء والمساكين، والحاكم وليّهم.
وذلك لأنّ ولاية الحاكم متأخرة، بل لا مجال لها لثبوت الولاية للآخذ عليه، فلا تصل النوبة إلى الحاكم.وأمّا احتمال أنّ الحاكم أعرف بموارد المال ممّن وضع يده عليه.
ففيه: إن كان المراد أنّ الحاكم أعرف بمصرف مجهول المالك من حيث الشبهة الحكمية فهو مسلّم لأنّ ذلك وظيفة العالم، إلاّ أنّ ذلك لا يدلّ على وجوب دفعه إليه، بل الواجب على العامي أن يسأل العالم عن حكم الواقعة ويعمل على طبق ما أفتى به، وإن كان المراد كونه أعرف من حيث الشبهة الموضوعية فمع عدم اطراده إذ قد يكون الآخذ أعرف بالموارد من الحاكم، لا يجب دفعه إلى الحاكم بل لا تجب الاستجازة منه في إيصاله إلى موارده، نعم الأولى اختيار أحد الأمرين (الدفع إلى الحاكم أو استجازته) لوجود القائل بوجوبه، ولكن لابدّ وأن يكون الدفع إلى الحاكم بعنوان الوكالة في إيصاله إلى موارده، وإلاّ فمقتضى القاعدة لزوم الضمان على الآخذ وإن دفعه إلى الحاكم.
ثم إنه لا فرق بين الدين وبين العين خلافاً لمن فرّق بينهما بأنّ الدين لا
ص: 287
يتشخّص إلاّ بإذن المالك أو وليّه، وذلك لإطلاق الروايات الواردة في المقام ومقتضاه عدم الفرق بينهما(1) .
أقول: ما أبعد ما بين ما ذكره السيد (قدس سره) وبين ما اختاره الشيخ(2) وصاحب الجواهر(3) والمحقق النائيني(4) من أنّه مخير بين الإمساك وبين الدفع إلى الحاكم حتى أنهم جعلوا الاحتياط في دفعه إلى الحاكم ليتخلّص الدافع بذلك من الضمان.
ويبتني هذا الفرق على الاختلاف في مقدار ولاية الحاكم فإن قلنا باتساعها اتّجه القول بالدفع إلى الحاكم وإلاّ فلا، وفي مقدار ولاية الحاكم سعة وضيقاً بحث طويل وسيأتي البحث عن ذلك مفصلاً بإذن الله تعالى.
ثم إنه بناء على عدم تمامية الوجهين الأخيرين يبقى الأمر دائراً بين الوجهين الأولين، وهما وجوب التصدق أو التملّك، وقد ذكرنا أدلّة كلا القولين.
وممّا يؤيد القول بالتصدّق بل يدلّ عليه ما تقدم من معتبرة حفص بن غياث(5) بعد إلغاء الخصوصية فتتكافأ أدلة القولين، ويمكن الجمع بينهمابأن يقال برفع اليد عن ظاهر كلّ منهما في التعيين ويحمل على التخيير جمعاً بينهما، ومقتضى ذلك تخيّر الآخذ بين التصدّق وبين التملّك بعد الفحص لمدة سنة أو حصول اليأس من الظفر بالمالك على التفصيل المتقدم عن الشيخ (قدس سره) (6) من كون الأخذ لمصلحة المالك أو لمصلحة الآخذ مع لزوم الضمان في كلّ من حالتي التصدّق أو التملك.
نعم الأحوط أخذ الإجازة من الحاكم خصوصاً مع احتمال كون الإمام هو
ص: 288
صاحب المال إما لموت المالك ولا وارث له غير الإمام، وإمّا لأنّ المال من مختصّات الإمام (علیه السلام) أو غير ذلك مما دلّت عليه رواية داود بن أبي يزيد حيث يشترط فيها إذن الإمام (علیه السلام) .
وأما رواية نصر بن حبيب صاحب الخان قال: كتبت إلى عبد صالح (علیه السلام): لقد وقعت عندي مائتا درهم وأربعة دراهم وأنا صاحب فندق، ومات صاحبها ولم أعرف له ورثة فرأيك في إعلامي حالها، وما أصنع بها فقد ضقت بها ذرعاً؟ فكتب: اعمل فيها واخرجها صدقة قليلاً قليلاً حتى يخرج(1) .
والمستفاد منها العمل في المال والتصدّق بربحه تدريجاً حتى يستوفي مقدار المال، فهي مضافاً إلى ضعف سندها لم يعمل بها الأصحاب.
الأولى: إن مالك المال تارة يكون مجهولاً مطلقاً، وأخرى يكون معلوماً إلاّ أنه بين عدد غير محصور، وثالثة يكون معلوماً بين عدد محصور، ورابعة يكون شخصه معلوماً إلاّ أنه يتعذر الوصول إليه لمانع خارجي كما إذا كان مسجوناً أو في مكان بعيد لا يمكن الوصول إليه أو غير ذلك.
أما بالنسبة إلى الصورتين الأوليين فقد تقدم الكلام حولهما، بل إنّ الروايات المتقدمة واردة في بيان حكمهما، وقد صرّح في بعضها بحكم الشبهة إذا كانت غير محصورة كما في صحيحة يونس بن عبد الرحمن(2) المتقدمة.
وأما الصورة الثالثة فالقاعدة تقتضي الاستحلال من جميع أفراد الشبهةكما في سائر الموارد.
ص: 289
وأما الصورة الأخيرة فقد صرّح جماعة منهم المحقق(1) وغيره بأن حكمها حكم الصورة الأولى، وذلك لوحدة المناط وهو عدم إمكان الوصول إلى مالك المال.
ومن المعلوم أنّ هذا الحكم مقيد باليأس عن الوصول إليه وعدم وجود الوارث أو الولي.
المسألة الثانية: إنّ هذا الحكم وهو جواز التصرّف أو التملّك إنما يجري فيما إذا لم يحرز رضا المالك بنحو من أنحاء التصرّفات كالتصدّق أو الإمساك أو التملك، وأما بعد إحراز رضاه فلا إشكال في العمل بمقتضاه ولا ضمان حينئذ على المتصرّف وينبغي الاقتصار في التصرّف على مورد الرضا ولا يسوغ التصرّف فيه بوجه آخر، وبناء عليه فإذا تصرّف في المال بنحو آخر غير ما أحرز رضاه فيه كان من التصرّف في مال الغير بلا إذن.
المسألة الثالثة: إذا اختار الآخذ التصدّق فهل ينوي الصدقة عن المالك أو عن نفسه؟
لم يرد في الأخبار نصّ يشير إلى ذلك، ولعلّه لعدم الحاجة إلى هذا القيد، فإنّ المعتبر هو نية الصدقة فقط، وأمّا كون النية عن نفسه أو عن المالك فلم يؤخذ فيها ذلك، ولذا يكون الثواب مراعى وأنه لمن يتبين أنه صاحب المال، وعلى فرض اللزوم تكون النية عن
المالك لأنه صاحب المال في الظاهر، فإذا ظهر وقبل ذلك فهو، وإلاّ أصبح الثواب إلى المتصدّق إذ ينكشف أنه هو صاحب المال إلاّ أن عليه أن يغرمه للمالك كما يستفاد من الروايات.
المسألة الرابعة: إنّ الحكم المتقدم إنما يجري فيما إذا علم بوجود المالك، وأما إذا علم بعدم وجوده فتارة يعلم بعدم الوارث فالمال حينئذ للإمام (علیه السلام) فإنه وارث من لا وارث له، ومع عدم ظهوره يدفع إلى الحاكم فإنه نائب عنه. وتارة يشك في
ص: 290
وجود المالك من جهة الشك في وجود أمه وأبيه وحينئذ يلحق بالمجهول وهو مشمول لبعض الروايات المتقدمة.
وأما إذا علم بعدم وجود الأب والأمّ وشكّ في وجود غيرهما من الأقارب كالأخ والعم مثلاً فبأصالة عدم الوارث مع ضميمة موته وجداناً يتحقّق موضوع من مات ولا وارث له، ولابدّ حينئذ من دفع المال للإمام(علیه السلام) أو نائبه، نعم بناء على عدم جريان الاستصحاب - هنا - لعدم وحدة الموضوع فحكمه حكم الصورة السابقة ويلحق بالمجهول.
المسألة الخامسة: إذا اختار الآخذ التصدّق بالمال فلا إشكال في جواز التصدّق به على الفقراء من غير الهاشميين، وأما جواز التصدّق به على الفقراء الهاشميين أو دفعه للغني ففيه خلاف.
أما الثاني أي جواز دفعه إلى الغني فهو ضعيف، وقد حكي القول به عن صاحب الجواهر(1) تمسكاً بإطلاق الروايات المتقدمة وعدم تقييدها بالفقير.
وفيه : - كما ذكر الشيخ(2) - أنّ المتبادر من إطلاق الأمر بالتصدّق هو الفقير، ومع الإغماض عن ذلك فيكفي ما ورد في الآية الشريفة في تحديد موارد الصدقات فالمتعيّن في مصرف الصدقة هو الفقراء ولا يبقى مجال للتمسّك بإطلاق الروايات.
وأما الأول وهو جواز دفع المال إلى الفقراء الهاشميين فقد ذكر الشيخ (قدس سره) في ذلك قولين(3) أحدهما: الجواز لأنها صدقة مندوبة في نفسها عن المالك وإن وجبت على المعطي إلاّ أنه بمنزلة الوكيل أو الوصي، فالوجوب حينئذ عرضي نظير النذر بالتصدّق بمقدار من المال، ولا إشكال في جواز إعطائه للهاشمي ولا يعدّ من الصدقة الواجبة التي يحرم دفعها للهاشمي.
ص: 291
وثانيهما: عدم الجواز لأنه مال تعيّن صرفه بحكم الشارع لا بأمر المالك حتى تكون مستحبة.
فإن قلنا إن الصدقة الواجبة مطلقاً لا يجوز أعطاؤها للهاشمي وهي محرّمة عليه فالاحتياط في المقام يقتضي عدم الإعطاء، وإن قلنا بأنّ المحرم على الهاشمي هو الصدقة الواجبة أي زكاة الأموال والأبدان - لا ما نحن فيه - فيجوز بلا إشكال.
والأحوط إعطاء المال - هنا - للعالم الفقير غير الهاشمي وبه يتحقق الجمع بين الأدلة.
المقام الرابع: ما إذا ظهر المالك. فهل يحكم بالضمان مطلقا، وهوالظاهر من صاحب الجواهر(1) واستوجهه الشيخ(2) أو عدمه مطلقاً، كما هو الظاهر من المحقق النائيني(3) والسيد الأستاذ (قدس سره) (4) وغيرهما، أو التفصيل بين ما إذا كانت يد الآخذ عادية من الأول فحكمه الضمان، وبين عدمها وحكمه عدم الضمان، وقد جعله الشيخ الأوفق بالقواعد(5) فيه وجوه:
وقد استدل للوجه الأول - وهو الضمان - بأمور:
الأول: بعموم قاعدة من أتلف فإنها شاملة لما نحن فيه، والإتلاف هنا وإن كان بحكم الشارع إلاّ أنه ليس على إطلاقه، بل إذن الشارع بالتصدق مقيّد بالضمان كحكمه في التصدق باللقطة، أو في الاضطرار إلى إتلاف مال الغير في مخمصة ونحوها.
ص: 292
الثاني: بأنّ مقتضى قاعدة: «على اليد ما أخذت حتى تؤديه» شمولها لما نحن فيه.
الثالث: بالأدلة الخاصة الواردة في المقام كمرسلة السرائر(1) حيث قال: وروى أصحابنا أنه يتصدق به عنه ويكون ضامناً إذا لم يرضوا بما فعل، وقد مر ذكرها فيما تقدم، وكرواية حفص بن غياث(2) المتقدمة أيضاً وغيرهما من الروايات.
الرابع: بأنه مقتضى الأصل وهو الاستصحاب، وذلك لأنّه إذا كانت يد الآخذ يد ضمان من الأول كما إذا أخذه بعنوان التملّك فمع الشك بعد التصدّق يستصحب الضمان السابق الثابت عليه، وبناء على القول بعدم الفصل بين هذه الصورة وبين ما إذا كان الأخذ بعنوان الإيصال إلى صاحبه فحينئذ يحكم بالضمان مطلقاً تحكيماً للاستصحاب على البراءة.
هذا وقد أشكل على جميع هذه الأدلة:
أما الأول وهو قاعدة الإتلاف ففيه:
أولاً: أنّ هذه القاعدة لم ترد في آية أو رواية وإنما هي متصيدة من موارد شتى فيقتصر فيها على مواردها، وبناء على ذلك فلا يمكن التمسكبها في غير تلك الموارد.
وثانياً: أنّ القاعدة إنما تقتضي الضمان فيما إذا كان التصرف عائداً بالضرر على المالك لا فيما إذا كان التصرّف عائداً عليه بالنفع، نظير ما إذا توقف حفظ شخص على بذل ماله أو جزء منه فيجب البذل ولا ضمان حينئذ، وقد تقدّم أنّ التصدق عن المالك إحسان إليه بل هو أقرب طرق الإيصال، وعليه فالمقام غير مشمول للقاعدة.
ص: 293
وثالثاً: أنّ التصدّق بمجهول المالك لو كان موجباً للضمان ببدله لكان البدل أيضاً مجهول المالك ومشمولاً لما دلّ على وجوب التصدق به وهكذا فيلزم التسلسل، ومن الضروري أنّ ذلك مقطوع العدم(1) .
ورابعاً: إنّ قاعدة الإتلاف إنما تكون شاملة للمورد فيما إذا كان الإتلاف علّة تامة، وأما إذا كان جزء العلة فلا تشمله القاعدة، وما نحن فيه من قبيل جزء العلة، وذلك لأنّ الضمان موقوف على رضا المالك، فلو فرضنا ظهور المالك ورضاه بما فعل الآخذ فلا ضمان عليه فمجرّد الإتلاف لا يوجب الضمان.
وأما الثاني فقد أورد عليه بأنّ قاعدة اليد غير جارية في المقام لأنّ يد الآخذ يد إحسان وما على المحسنين من سبيل.
وأمّا الثالث فما ذكر من الروايات إما ضعيف السند، وإمّا خاص بمورده ولا يتعدّى منه إلى غيره، وليس لدينا دليل خاص على الضمان مطلقاً.
وأما الرابع ففيه:
أولاً: إنّ الأصل إنّما يجري فيما إذا لم يكن في المقام دليل لفظي على خلافه، والإطلاقات الدالة على التصدق دالة على عدم الضمان أيضاً، فلا تصل النوبة إلى التمسّك بالأصل.
وثانياً: على فرض جريان الأصل إلاّ أنّه كما يجري بالنسبة إلى لزوم الضمان كذلك يجري بالنسبة إلى عدمه، بمعنى أنه إذا كانت يد الآخذ يد ضمان كما إذا أخذه بنيّة التملك والأصل يقتضي الضمان فكذلك إذا كانت يد الآخذ يد إحسان كما إذا أخذه بنيّة الرد والإيصال إلى صاحبه فالأصل يقتضي عدم الضمان، وبعبارة أخرى: أنه لا أولوية لإجراء الاستصحاب في أحد الطرفين دون الآخر، وبناء على القول بعدم الفصل بين الصورتين فحينئذ يقع التعارض بين الاستصحابين ولا
ص: 294
وجه لترجيح أحدهما علىالآخر والمرجع حينئذ هو البراءة.
إلاّ أنّ جميع هذه الإشكالات قابلة للدفع.
أما بالنسبة إلى ما أورد على العمومات والأول منها أنّ القاعدة متصيدة ويقتصر فيها على مواردها فالجواب أنها وإن كان متصيدة إلاّ أنها مسلّمة على إطلاقها عند الفقهاء في جميع الموارد، مضافاً إلى أنه يمكن استفادتها مما ورد في موثقة أبي بصير عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): سباب المؤمن فسوق، وقتاله كفر، وأكل لحمه معصية، وحرمة ماله كحرمة دمه(1) .
وقد استدل الشيخ (قدس سره) في الخلاف(2) على ذلك بقوله تعالى: «فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ»(3).
وأما الثاني منها ففيه: أن الظاهر من القاعدة أنّ الإتلاف بنفسه يوجب الضمان مطلقاً سواء كان الإتلاف لضرر المالك أو لنفعه، نظير ما إذا أعطى شخص طعام المالك للمالك فأكله بزعم أنه من مال المعطي فالفقهاء يحكمون بلزوم الضمان على المعطي، نعم إذا كان الإقدام على الإتلاف واجباً بحكم الشارع ولا يحتاج فيه إلى إذن المالك بل إذنه غير معتبر فحينئذ لا يكون الإتلاف موجباً للضمان، بل يمكن القول إنه خارج عن الإتلاف تخصّصاً وما نحن فيه ليس كذلك إذ التصدق ليس بواجب بل هو جائز كما ذكرنا.
وأما الثالث ففيه: أن الضمان لا يتحقق بمجرد التصدّق بل يتوقف على صدق الإتلاف أو انكشاف أنه إتلاف، وذلك بظهور المالك وعدم رضاه فلو ظهر المالك وكان راضياً بالتصدّق فلا يعدّ ذلك إتلافاً ولا يصدق عليه أنه أتلف مال المالك، بلا فرق بين كون الرضا جزء العلّة، أو كاشفاً عن العلّة، وحينئذ لا يحكم
ص: 295
بالضمان حتى يلزم التسلسل.
وأما الرابع فقد ظهر جوابه مما تقدم وذلك لإمكان القول بأن عدم الرضا كاشف عن تحقق العلّة التامة ووجودها في ظرفها لا أنه جزء للعلّة.
وأما بالنسبة إلى ما أورد على الأدلة الخاصة ففيه: أنّ الإشكال وإنكان وارداً على مرسلة السرائر(1) إلاّ أنه غير وارد على رواية حفص(2) وقد تقدم أنها معتبرة من حيث السند، وأما من حيث الدلالة فقد ذكرنا أنه إذا كانت يد الآخذ يد أمانة كما في مورد الرواية فمع إلغاء الخصوصية لا فرق بين الوديعة وغيرها، فإذا كانت يد الآخذ يد ضمان فيتعدّى منه إلى غيره بطريق أولى، لأنه إذا كانت اليد يد أمانة ومع ذلك يلزم الضمان فكيف إذا كانت يد ضمان.
وعلى فرض عدم الأولوية فحينئذ يمكن التمسك بالاستصحاب على لزوم الضمان، وأما بقية الروايات كرواية علي بن أبي حمزة(3) وصحيحة ابن أبي راشد(4) وصحيحة يونس(5) ومعتبرة علي بن ميمون الصايغ(6) وصحيحة داود بن أبي يزيد(7) وغيرها، فكلّها واردة في موارد خاصة ولا يمكن استفادة الإطلاق منها حتى تشمل محلّ الكلام، نعم رواية علي بن أبي حمزة وإن كانت منطبقة على محلّ الكلام إلاّ أنها ضعيفة السند، مضافاً إلى عدم صراحتها في عدم الضمان، وذلك لأنّ السائل أراد المخرج عن المظالم والإمام (علیه السلام) أمره بالتصدّق، فقد يقال:
ص: 296
بأنّ التصدّق مع الضمان يخرجه عن المظلمة في حين أنّ المستفاد من الرواية أنّ التصدّق وحده كاف في الخروج عن المظالم.
وفيه: أنّ الضمان إنما يتحقق بعد ظهور المالك وعدم رضاه، وحينئذ فخروج السائل عن المظالم مما لا إشكال فيه، وعلى فرض الضمان فهو يتعلّق بماله ووارثه.
والحاصل: أنّ الرواية ليست صريحة في عدم الضمان، وفي المقام إطلاق فيقيّد بما تقدم.
وأمّا بالنسبة إلى ما أورد به على الأصل ففيه: أنّ التعارض إنّما يتحقّق في ما إذا قلنا بأنّ الضمان هو كون العين في عهدة الآخذ إلى حين ردّها أو بدلها، وأما إذا قلنا بأنّ الضمان هو اشتغال الذمة بالبدل فلا يجري استصحاب الضمان بل الأصل حينئذ هو البراءة، وعلى فرضتحقّق التعارض فإنما يلزم على القول بعدم جواز الفصل في الأحكام الظاهرية، وأما على القول بأنه مختصّ بالأحكام الواقعية فلا يتحقّق التعارض، وحينئذ يمكن التفكيك بين الصورتين ويقال: إنّ الضمان يتعلّق بما إذا كان الأخذ بنية التملّك فيجري فيه استصحاب الضمان، وأما إذا أخذ بنيّة الإحسان والردّ فيجري استصحاب عدم الضمان فلا تعارض في البين، بل جعل المحقق النائيني(1) قول الشيخ بحكومة استصحاب الضمان على أصالة البراءة من الغرائب لتعدّد موردها، فلا وجه لحكومة الاستصحاب في مورد على البراءة في مورد آخر.
والحاصل: أنه بناء على قاعدة الإتلاف وبمعتبرة حفص هو الحكم بالضمان مطلقاً.
ص: 297
الأولى: إذا ظهر المالك وكانت العين موجودة فهل يجوز له أو للمتصدّق الرجوع إلى الفقير واسترداد العين منه أو لا؟
والظاهر عدم الجواز وهو المتسالم عليه بينهم كما نقله الشيخ (قدس سره) من أنه لم يقل أحد بالرجوع(1) وذلك لوجهين:
الأول: إطلاق عدّة من الروايات الواردة في باب الصدقات(2)، وهيتدلّ على عدم الرجوع في الصدقة سواء كان المتصدق هو المالك أو غيره إذا كان التصدق شرعياً.
الثاني: على فرض عدم تمامية الإطلاق ودعوى كون هذه الروايات
ص: 298
ظاهرة في اختصاصها بالمالك أو وكيله فيكفي ما ورد من الروايات في نفس المقام كمعتبرة حفص بن غياث(1) المتقدمة حيث ذكر في ذيلها: «فإن جاء طالبها بعد ذلك خيّره بين الأجر والغرم ...» الخ، ولم يحكم الإمام (علیه السلام) بالرجوع إلى عين المال إذا كان موجوداً، بل عليه أن يختار الغرم إن لم يرض بالتصدّق، وهكذا الحال بالنسبة إلى المتصدّق أيضاً فقد حكم (علیه السلام) عليه بالغرم والأجر له ولا يرجع إلى المال إذا كانت عينه موجودة.
هذا وقد ورد في باب اللقطة أنّه إذا ظهر المالك فالملتقط ضامن والأجر له إلاّ أن يرضى المالك بالتصدق ويكون الأجر له، كما في صحيحة علي بن جعفر عن أخيه قال: وسألته عن الرجل يصيب اللقطة فيعرّفها سنة ثم يتصدّق بها فيأتي صاحبها ما حال الذي تصدّق بها؟ ولمن الأجر؟ هل عليه أن يردّ على صاحبها؟ أو قيمتها؟ قال: هو ضامن لها والأجر له إلاّ أن يرضى صاحبها فيدعها والأجر له(2) .
الثانية: إذا مات المالك فهل لوارثه حقّ الخيار في الإمضاء أو الردّ أو لا؟ وجهان، ذكرهما الشيخ (قدس سره) وقوّى الأول وقال: لأنّ ذلك من قبيل الحقوق المتعلّقة بالأموال فيورث كغيره من الحقوق، ويحتمل العدم لفرض لزوم التصدق بالنسبة إلى العين فلا حقّ لأحد فيه والمتيقّن من الرجوع إلى القيمة هو المالك(3) .
والبحث في هذه المسألة من جهتين:
الأولى: فيما إذا كان موت المالك قبل التصدّق.
والثانية: فيما إذا كان موته بعد التصدّق، فإن كان موته قبل التصدّق فالظاهر انتقال المال إلى الورثة ويعد من جملة التركة، ويكون الورثة مالكي المال وحينئذ يصبح المال مشمولاً للروايات الدالة على أنه إذا جاءصاحب المال خيّر بين الإمضاء والاسترجاع.
ص: 299
وإن كان موته بعد التصدّق فمقتضى القاعدة هو الانتقال إلى الوارث، وذلك لأن المال وإن لم يخرج عن ملك مالكه بأخذ السلطان الجائر له ولا بإعطائه أحداً ولا بقبض الآخذ سواء قصد التملّك أم لا، إلاّ أنه بعد التصدّق تخرج العين عن ملكه، نعم المالية باقية له ولذلك يكون المتصدّق ضامناً كما ورد في بعض الروايات كصحيحة علي بن جعفر المتقدمة، ووجه ضمان المتصدق بقاء المالية للمالك فيخيّر بين الإمضاء وأخذ البدل، وما ورد من التعبير في الروايات بالغرم هو عبارة أخرى عن الضمان لا أنّ الغرم حكم مستقل، وبناء على هذا فالمال ينتقل إلى الورثة كسائر الأموال والحقوق القابلة للانتقال.
ويمكن التأييد بما ورد في معتبرة حفص المتقدمة حيث جاء فيها: «فإن جاء طالبها» والطالب أعمّ من المالك والوارث، وهكذا الحال بالنسبة إلى ما ورد في أخبار اللقطة. هذا وإن نفى السيد الأستاذ (قدس سره) الحكم برجوع الوارث على المتصدق(1) ونفاه مطلقاً في عمدة المطالب(2) إلاّ أن الظاهر هو ما ذكرناه.
الثالثة: إذا مات المتصدّق وظهر المالك فهل يجوز له الرجوع إلى ورثته أو لا؟
وجهان: عدم الجواز، وهو المستفاد من قوله (علیه السلام): «خيّره بين الأجر والغرم» (3) الدال على أنّ الحكم مختص بالمتصدق ولا يتعدى إلى ورثته. والجواز، لكون المتصدق ضامناً للبدل وهو مراعى بعدم رضا المالك فيكون ديناً في تركته - كما استظهره الشيخ(4) - ومقتضاه جواز الرجوع إلى الورثة.
الرابعة: هل يتوجه الضمان من حين الأخذ، أو من حين التصدّق، أو من حين مطالبة المالك؟
ص: 300
وجوه كما ذكرها الشيخ(1)، وبيانها: أنّ دليل الضمان إن كان هو الاستصحاب توجه الضمان من حين الأخذ، وإن كان الدليل هو الإتلاف فالضمان من حين التصدّق، وإن كان الدليل هوالروايات الخاصّة مع استصحاب عدم الضمان قبل الردّ فالضمان من حين المطالبة.
والقاعدة تقتضي التفصيل بين ما إذا كانت يد الآخذ يد أمانة وبين ما إذا لم تكن كذلك، فإن كانت يد أمانة فالحكم بالضمان من حين التصدّق بناء على صحة التمسّك بقاعدة من أتلف، وما يستفاد من بعض الروايات الدالّة على الضمان ليس على خلاف القاعدة، فإنّ الحكم بالضمان إنّما يكون عند ظهور المالك ومطالبته، وأما حين توجه الضمان فمسكوت عنه.
وإن كانت يد الآخذ ليست يد أمانة فهو مشمول لقاعدة اليد ويتوجّه الضمان من حين الأخذ.
الخامسة: إذا وجد في جوف حيوان أو سمكة مالاً فهل يلحق بمجهول المالك أو لا؟
وقد فصّلت الروايات بين الحيوان والسمكة فإن كان الموجود من جوف حيوان فلابدّ من الرجوع إلى البائع وتعريفه إياه فإن لم يدّعه لنفسه ملكه المشتري، وإن كان الموجود من بطن سمكة فهو للمشتري من دون حاجة للرجوع إلى البائع، وقد وردت عدة روايات في كلا القسمين وقد أشرنا لبعضها فيما تقدم.
أما ما ورد في الحيوان فقد جاء في صحيحة عبد الله بن جعفر قال: كتبت إلى الرجل (علیه السلام) أسأله عن رجل اشترى جزوراً أو بقرة للأضاحي، فلما ذبحها وجد في جوفها صرّة فيها دراهم أو دنانير أو جوهرة لمن يكون ذلك؟ فوقّع (علیه السلام):
ص: 301
«عرّفها البايع فإن لم يكن يعرفها فالشيء لك رزقك الله إيّاه» (1) .
وفي صحيحته الأخرى قال: سألته (علیه السلام) في كتاب عن رجل اشترى جزوراً أو بقرة أو شاة أو غيرها للأضاحي أو غيرها، فلما ذبحها وجد في جوفها صرة فيها دراهم أو دنانير أو جواهر أو غير ذلك من المنافع لمن يكون ذلك؟ وكيف يعمل به، فوقّع (علیه السلام): عرّفها البايع فإن لم يعرفها فالشيء لك رزقك الله إيّاه(2) .
وكلتا الروايتين بمضمون واحد ولا يبعد أنهما رواية واحدة، ودلالة كل منهما واضحة.وأما ما ورد في السمكة فقد نصّت عدة روايات على ذلك:
ومنها: ما رواه الزهري قال: كنت عند علي بن الحسين (علیه السلام) فجاءه رجل من أصحابه فقال له علي بن الحسين (علیه السلام): ما خبرك أيّها الرجل؟ فقال الرجل: خبري يابن رسول الله إنّي أصبحت وعليّ أربعمائة دينار، دين لا قضاء عندي لها، ولي عيال ثقال ليس لي ما أعود عليهم به، قال: فبكى علي بن الحسين (علیه السلام) بكاءً شديداً، فقلت: ما يبكيك يابن رسول الله؟ قال: فأية محنة ومصيبة أعظم من حرّ مؤمن من أن يرى بأخيه المؤمن خلّة فلا يمكنه سدّها، ويشاهده على فاقة فلا يطيق رفعها، قال: فتفرّقوا عن مجلسهم ذلك، فقال بعض المخالفين وهو يطعن على علي بن الحسين : عجباً لهؤلاء يدّعون مرّة أن السماء والأرض وكل شيء يطيعهم، وأنّ الله لا يردّهم عن شيء من طلباتهم، ثم يعترفون أخرى بالعجز عن إصلاح خواصّ إخوانهم!! فاتّصل ذلك بالرجل صاحب القصّة فجاء إلى علي بن الحسين (علیه السلام) فقال له: يابن رسول الله بلغني عن فلان كذا وكذا، وكان ذلك أغلظ عليّ من محنتي، فقال علي بن الحسين (علیه السلام): فقد (قد) أذن الله في فرجك، يا فلانة: احملي
ص: 302
سحوري وفطوري، فحملت قرصتين، فقال علي بن الحسين (علیه السلام) للرجل: خذهما فليس عندنا غيرهما، فإن الله يكشف عنك بهما، وينيلك خيراً واسعاً منهما، فأخذهما الرجل ودخل السوق لا يدري ما يصنع بهما، يتفكر في ثقل دينه وسوء حال عياله، ويوسوس إليه الشيطان أين مواقع هاتين من حاجتك؟! فمرّ بسمّاك قد بارت عليه سمكته قد أراحت، فقال له: سمكتك هذه بائرة عليك، وإحدى قرصتي هاتين بائرة عليّ فهل لك أن تعطيني سمكتك البائرة وتأخذ قرصتي هذه البائرة؟ فقال: نعم، فأعطاه السمكة وأخذ القرصة ثم مرّ برجل معه ملح قليل مزهود فيه، فقال له: هل لك أن تعطيني ملحك هذا المزهود فيه بقرصتي هذه المزهود فيها؟ قال: نعم، ففعل، فجاء الرجل بالسمكة والملح، فقال: أصلح هذا بهذا، فلمّا شقّ بطن السمكة وجد فيه لؤلؤتين فاخرتين فحمد الله عليهما، فبينما هو في سروره ذلك إذ قرع بابه فخرج ينظر من الباب، فإذا صاحب السمكة وصاحب الملح قد جاءا يقول كل واحد منهما له: يا عبد الله جهدنا أن نأكل نحن أو أحد عيالنا هذا القرص فلم تعمل فيه أسناننا، وما نظنّك إلاّ وقد تناهيت في سوء الحال، ومرنت على الشقاء، قد رددنا إليك هذا الخبز وطيّبنا لك ما أخذته منّا، فأخذ القرصتين منهما، فلما استقر بعد انصرافهما عنه، قرع بابه فإذا رسول علي بن الحسين (علیه السلام) فدخل فقال: إنه يقول لك: إنّ الله قد أتاك بالفرج فاردد إلينا طعامنا فإنه لا يأكله غيرنا، وباع الرجل اللؤلؤتين بمال عظيم قضى منه دينه وحسنت بعد ذلك حاله، فقال بعض المخالفين: ما أشدّ هذا التفاوت! بينا علي بن الحسين (علیه السلام)لا يقدر أن يسدّ منه فاقة إذ أغناه هذا الغناء العظيم، كيف يكون هذا؟! وكيف يعجز عن سدّ الفاقة من يقدر على هذا الغناء العظيم؟!
فقال علي بن الحسين (علیه السلام): هكذا قالت قريش للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم): كيف يمضي إلى بيت المقدس ويشاهد ما فيه من آثار الأنبياء من مكّة ويرجع إليها في ليلة واحدة
ص: 303
من لا يقدر أن يبلغ من مكة إلى المدينة إلاّ في اثني عشر يوماً؟! وذلك حين هاجر منها، ثم قال علي بن الحسين(علیه السلام): جهلوا والله أمر الله وأمر أوليائه معه، إنّ المراتب الرفيعة لا تنال إلاّ بالتسليم لله جلّ ثناؤه وترك الاقتراح عليه والرضا بما يدبّر بهم، إنّ أولياء الله صبروا على المحن والمكاره صبراً لم يساوهم فيه غيرهم فجازاهم الله عزوجل عن ذلك بأن أوجب لهم نجح جميع طلباتهم لكنّهم مع ذلك لا يريدون منه إلاّ ما يريده لهم(1) .
وإنما أوردنا الرواية بطولها لما اشتملت عليه من المضامين العالية ومن بيان مقام أولياء الله (علیهم السلام) وكرامتهم عند الله تعالى، وموضع الشاهد منها بيّن، وهناك روايات أخرى دلّت على هذا المعنى أيضاً.
والحاصل: هو الفرق بين ما وجد في جوف حيوان وبين ما وجد في جوف سمكة إلاّ أن الظاهر بحسب مناسبة الحكم والموضوع وبمقتضى الفهم العرفي أنّ المناط في الحكم بالتعريف وعدمه هو كون الحيوان أهلياً دون السمك ولو انعكس الأمر ألحق كل منهما بحكم الآخر، فإذا فرض أنّ الحيوان غير أهلي كالبقر الوحشي والظباء ونحوها فما يوجد في جوفه يكون حكمه حكم ما يوجد في جوف السمك من عدم الحاجة إلى التعريف كما أنّ السمك لو صار أهلياً - كما هو متعارف عند بعض الناس بالنسبة إلى بعض أنواعه حيث يُربّى في أحواض خاصة فالحكم حينئذ بأنّ ما يوجد في جوفه للمشتري مشكل، ولا يبعد أن يكون ملحقاً بالحيوان وهو مقتضى الاحتياط .
الصورة الرابعة: ما إذا علم إجمالاً باشتمال الجائزة على الحرام فتارة يكون الاشتباه موجباً لحصول الإشاعة كخلط السمن بالسمن، أو الحنطة بالحنطة، وأخرى لا يوجب ذلك كما إذا علم - مثلاً - أنّ أحد الفراشين مغصوب، واشتبه
ص: 304
أحدهما بالآخر.
أما الأول فهو على أربعة أقسام لأنّه قد يكون المالك والمقدار معلومين، وقد يكونان مجهولين، وقد يكون المقدار معلوماً والمالك مجهولاً، وقديكون بالعكس.
أما الأول وهو ما كان فيه المالك والمقدار معلومين فحكمه واضح.
وأما الثاني ففيه أقوال والمشهور بين الأصحاب هو القول بإخراج الخمس(1) وحلّية الباقي، وذهب بعضهم إلى القول بوجوب التصدّق به، كما ذهب آخرون إلى القول بالتخيير بين إخراج الخمس والتصدّق.
وأما الثالث فقد علم حكمه من الصورة الثالثة المتقدمة، وذهب جمع من الفقهاء إلى القول بوجوب إخراج الخمس في هذا القسم أيضاً كما في النهاية(2) والغنية(3) والوسيلة(4) والشرائع(5) والتبصرة(6) والحدائق(7) .
وأما الرابع وهو ما إذا كان المالك معلوماً والمقدار مجهولاً فلابدّ من استرضاء المالك بصلح ونحوه، فإن لم يصالحه المالك قيل بإخراج خمسه، واختاره في التذكرة(8) .
وأما الثاني وهو ما إذا كان الاشتباه لا يوجب الإشاعة فذهب الشيخ إلى التخيير بين تعيين المقدار بالقرعة وبين البيع والاشتراك في الثمن(9)، وحينئذ
ص: 305
تتحقق الإشاعة وتأتي فيه أقسامها الأربعة المتقدمة، وظاهر السيد الاستاذ (قدس سره) أنّ الأقسام الأربعة تأتي حتى قبل البيع والاشتراك في الثمن، وأن ما ورد من وجوب إخراج الخمس في المال المختلط بالحرام لا يختص بصورة الإشاعة، بل يشمل بإطلاقه هذه الصورة أيضاً(1)، وتفصيل هذه الأقسام وبيان أحكامها موكولان إلى محلّهما من مباحث الخمس.
والكلام يفرض تارة بالنسبة إلى الحاكم الشرعي، وأخرى بالنسبة إلى المستحقّين للمال، وثالثة بالنسبة إلى ورثة السلطان الجائر.
أما بالنسبة إلى الأول فظاهر كلام الشيخ وجوب استنقاذ حقوق الناس من يده عليه، حتى أنه يجب عليه - الحاكم الشرعي - استنقاذ ما في ذمته - الظالم - من حقوق السادة والفقراء ولو بعنوان المقاصة(2). فإن علم بعين المال أخذه وإلاّ فمن سائر أمواله، وذهب السيد الطباطبائي (قدس سره) في العروة إلى الجواز حيث قال: يجوز للحاكم الشرعي من باب الولاية الشرعية الاقتصاص من مال من عنده ولو في ذمته الزكاة أو الخمس أو المظالم مع جحوده أو مماطلته إذا لم يمكن له إجباره على الأداء(3)، كما ذهب السيد الأستاذ (قدس سره) إلى الجواز أيضاً حيث قال: يجوز للحاكم الشرعي أن يقتص من أموال من يمتنع عن أداء الحقوق الشرعية من خمس أو زكاة(4) .
والتحقيق أنّ هذا الأمر يبتني على القول بولاية الحاكم الشرعي ومقدار
ص: 306
سعتها، فبناء على ثبوت الولاية له مطلقاً أو ثبوتها له بمرتبتها الثانية (التي عليها إقامة النظام) فهي تشمل الحقوق الشرعية كالزكاة والخمس وغيرها كما تشمل حفظ مال الغائب واليتيم والصغير والكبير والفقراء والسادة وغيرهم، اتّجه القول بالوجوب من جهة وجوب مراعاة مصلحتهم والحفاظ على استقامة النظام.
وأمّا بناء على عدم الشمول وأنّ ولايته ليست بهذه السعة بل تنحصر بالأيتام والصّغار وبكل أمر لا يرضى الشارع بتركه وإهماله أو تعطيله حتى أنه مع عدم وجود الحاكم يجب على عدول المؤمنين القيام به كفاية (وهي المرتبة الثالثة من الولاية) فيجب أيضاً بالنسبة إلى القصّر والغيّب وهكذا بالنسبة إلى الحقوق المالية إذ لا يخلو بعض المستحقين من كونهم صغاراً.
وأما بناء على القول بعدم ولاية الحاكم حتى في هذا القسم فحينئذ يمكن القول بالتفصيل بين ما إذا كان المستحق كبيراً وبين ما إذا كان يتيماً أوصغيراً، فإن كان كبيراً فالظاهر من الأدلة توقف وجوب استنقاذ الحق على المطالبة والمرافعة وإلاّ فلا، نعم يجوز للحاكم ذلك من باب الإحسان، ويستفاد من بعض الروايات التفريق بين حقوق الله وحقوق الناس كما في رواية الحسين بن خالد عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: سمعته يقول: الواجب على الإمام إذا نظر إلى رجل يزني أو يشرب الخمر أن يقيم عليه الحدّ، ولا يحتاج إلى بيّنة مع نظره، لأنه أمين الله في خلقه، وإذا نظر إلى رجل يسرق أن يزبره وينهاه ويمضي ويدعه، قلت: وكيف ذلك؟ قال: لأنّ الحق إذا كان لله فالواجب على الإمام إقامته، وإذا كان للناس فهو للناس(1) .
وفي سند الرواية محمد بن أحمد المحمودي وأبوه وهما لم يوثقا صريحاً، نعم وردت في حق الأب روايات مادحة، وقد عدّه السيد (قدس سره) في المعجم من
ص: 307
الحسان(1) وأما الابن فقد احتمل(2) أن يكون هو المحمودي الوارد في تفسير القمي(3)، وبناء على ذلك فيمكن القول بوثاقته، ومع الغضّ عن ذلك يمكننا تصحيح السند من جهة أخرى وهي أنّ للشيخ طريقاً صحيحاً إلى جميع روايات وكتب يونس(4) وهو ابن عبد الرحمن كما هو الظاهر بقرينة روايته عن الحسين بن خالد(5) وانصراف يونس - إذا ورد مجرداً - في هذه الطبقة إليه.
وأما الحسين بن خالد وإن كان مشتركاً بين شخصين هما الحسين بن أبي العلاء الخفّاف، والحسين بن خالد الصيرفي إلاّ أنّهما ممّا يعتمد على رواياتهما، أما الأول فمضافاً إلى رواية صفوان بن يحيى وابن أبي عمير عنه(6) وقع في تفسير القمي(7)، وأما الثاني فلرواية صفوان بن يحيى عنه(8) وقد ذكرنا غير مرة أنّ ذلك علامة على الوثاقة، والظاهر من حيث الطبقة أنه الأول لما جاء في ترجمة الصيرفي من أنه لم يُعد فيأصحاب الصادق (علیه السلام)، فضلاً عن روايته عنه(9)، وهذه الرواية عن الإمام الصادق (علیه السلام)، وعلى كل تقدير فيمكن اعتبار سند الرواية.
والحاصل: أنّ الظاهر من الرواية أنّ الحقوق إن كانت لله فعلى الحاكم إذا علم بها أن يقيم الحدود ويجري الأحكام ولا حاجة فيها إلى المرافعة والمطالبة،
ص: 308
وإن كانت للناس فهي بحاجة إلى ذلك وإن علم بها الحاكم.
نعم يجوز للحاكم الشرعي استنقاذها من باب الإحسان.
وأما إذا كان المستحق صغيراً أو يتيماً فبمقتضى خصوص ولاية الحاكم الشرعية عليهما - إذا لم يكن عليهما وليّ - ولزوم مراعاة مصلحتهما (وهي المرتبة الرابعة من الولاية) فالظاهر وجوب استنقاذ حقوقهما على الحاكم الشرعي من الظالم وحفظها لهما، وسيأتي قريباً البحث عن مراتب ولاية الفقيه - مفصلاً - إن شاء الله تعالى.
وأما بالنسبة إلى المستحقين: فلا إشكال في جواز أخذ أموالهم إذا كانت أعيانها موجودة من دون حاجة إلى المرافعة.
وأما إذا لم تكن العين موجودة ففيه صور: لأنّه تارة لا يكون الآخذ ممتنعاً عن الأداء ولا مماطلاً فيه، وأخرى يكون ممتنعاً أو مماطلاً لكن بوجه شرعي كما إذا لم يعلم الآخذ بثبوت مال للمستحق في ذمته، وثالثة يكون الامتناع أو المماطلة بغير وجه كما إذا كان عن ظلم وتعدٍ، وهذا الأخير على نحوين لأنّ المال الذي يراد استنقاذه تارة لا يكون تحت يد المستحقّ إلاّ أنه يتمكن من الوصول إليه، وأخرى يكون تحت يده كأن يكون المال وديعة عنده ويمكنه استيفاء حقّه منه.
أما الصورة الأولى: وهي ما إذا لم يكن الآخذ ممتنعاً ولا مماطلاً فلا يجوز التقاصّ منه، والتصرّف في مال الآخذ غير جائز كما أن تعيين المال ومقداره بيده.
وأما الصورة الثانية: فحكمها حكم الصورة الأولى من عدم الجواز، ولابدّ من الترافع إلى الحاكم الشرعي لأنها من موارد التنازع والاختلاف، ولا يجوز الاستقلال في أخذ الحقّ بل لابدّ من سلوك الطريق الشرعي لرفع الخلاف وهو الترافع عند الحاكم.
وأما الصورة الثالثة: وهي الامتناع عن غير وجه مع تمكن المستحقّ من
ص: 309
أخذ حقّه فهل يجوز له التقاصّ من دون إذن الحاكم الشرعي أو لابدّمن استئذانه مع الإمكان؟ أما مع عدم الإمكان فلا إشكال في الجواز.
وها هنا قولان: الأول هو الجواز ونسب إلى الأكثر(1) والثاني: عدم الجواز ولابدّ من الاستئذان، ونسب ذلك إلى المحقق في النافع(2) وتلميذه في كشفه(3) والفخر في إيضاحه(4) .
واستدلّ للقول الأول بالكتاب والسنة - أما الكتاب فبقوله تعالى: «فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ»(5)وقوله تعالى: «وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ »(6) وقوله تعالى: «وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ»(7).
وأما من السنة فبعدة روايات:
منها: موثقة جميل بن دراج قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن الرجل يكون له على الرجل الدين فيجحده فيظفر من ماله بقدر الذي جحده أيأخذه وإن لم يعلم الجاحد بذلك؟ قال: نعم(8) .
وهذه الرواية واضحة الدلالة في جواز استيفاء الحق من دون حاجة إلى الإذن كما أنّها من جهة السند معتبرة؟؟؟، فإنه وإن عبّر صاحب الجواهر(9) عنها بالخبر إشعاراً بضعفها ولعلّه لاشتمال السند على علي بن حديد إلاّ أنّنا حقّقنا في محله اعتبار روايته(10) فلا إشكال في السند.
ص: 310
ومنها: رواية داود بن رزين (بن زربي) قال: قلت لأبي الحسن موسى (علیه السلام) إنّي أخالط السلطان فتكون عندي الجارية فيأخذونها، والدابة الفارهة فيبعثون فيأخذونها، ثم يقع لهم عندي المال فلي أن آخذه؟ قال: خذ مثل ذلك ولا تزد عليه(1) .
والرواية من حيث الدلالة تامة وأما من حيث السند فقد وردت عنداود بن رزين وفي بعض النسخ عن داود بن زربي وهو الصحيح وليس في الرجال داود بن رزين(2) وعلى فرض وجوده فهو ممن يعتمد على روايته لأنّ ابن أبي عمير روى عنه كما في سند هذه الرواية.
ومنها: صحيحة أبي بكر الحضرمي قال: قلت له: رجل لي عليه دراهم فجحدني وحلف عليها، أيجوز لي إن وقع له قبلي دراهم أن آخذ منه بقدر حقي؟ قال: فقال: نعم، ولكن لهذا كلام، قلت: وما هو؟ قال: تقول: اللهم إنّي لا آخذه «لم أخذه، لن آخذه خ ل» ظلماً ولا خيانة وإنما أخذته مكان مالي الذي أخذ مني لم أزدد عليه شيئاً(3) .
ومنها: صحيحته الأخرى عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قلت له: رجل كان له على رجل مال فجحده إياه وذهب به، ثم صار بعد ذلك للرجل الذي ذهب بماله مال قبله أيأخذه مكان ماله الذي ذهب به منه ذلك الرجل؟ قال: نعم ولكن لهذا كلام يقول: اللهم إني آخذ هذا المال مكان مالي الذي أخذه مني، وإني لم آخذ الذي أخذته خيانة ولا ظلماً(4) .
ومنها: معتبرة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (علیه السلام) قال: سألته عن
ص: 311
الرجل الجحود أيحلّ أن أجحده مثل ما جحد؟ قال: نعم ولا تزداد(1) .
والرواية وإن كان في سندها عبد الله بن الحسن إلاّ أننا ذكرنا فيما تقدم - في الجزء الأول - طرقاً لتصحيح روايات علي بن جعفر الواردة في قرب الإسناد فلا إشكال في اعتبار الرواية.
واستدل للقول الثاني: بأنّ الأصل عدم جواز التصرف في مال الغير إلاّ بإذنه أو من هو بمنزلة صاحبه كما إذا كان وكيلاً أو حاكماً شرعياً في صورة امتناع صاحب المال فإنّ الحاكم حينئذ بمنزلة صاحب المال فلابد من استئذانه في ذلك مع التمكّن .
ولا يخفى ضعف هذا الوجه فإنه مع قيام الأدلة الصريحة من الآيات والروايات لا مجال للتعويل على الأصل .
وأما الصورة الرابعة: وهي كون المال عند المستحق وديعة فهل يجوز التقاصّ منه أو لا؟نسب إلى أكثر المتأخرين الجواز على كراهة(2)، ونسب إلى جماعة من القدماء عدم الجواز(3) بل عن الغنية الإجماع عليه(4)، وتفصيل ذلك موكول إلى بحث التقاصّ من كتاب القضاء.
مسألة: هل يجوز لآحاد الفقراء المستحقين للخمس أو الزكاة أو المظالم المقاصّة من مال من عليه الحقّ وهو جاحد أو لا؟
الظاهر من الشيخ(5) وصاحب العروة(6) (قدس سره) جواز ذلك معلّقاً
ص: 312
على إذن الحاكم، وذهب في المستند(1) إلى جوازه مطلقاً بعد الجحود أو المماطلة، لصدق كون حقّه عليه وإن كان المستحق أحد أفراد النوع وليس واحداً معيّناً، وذلك لصدق كونه صاحب الحق .
هذا، ولكنّ الحكم بالجواز مطلقاً مشكل، وذلك :
أولاً: لأنّ بعض هذه الحقوق كالزكاة والخمس مشروط بقصد القربة والروايات المتقدمة إنما وردت في استيفاء الحقوق التي لا تحتاج إلى قصد القربة كالمال المغصوب أو الدين ونحوهما فإلحاقها بها يحتاج إلى دليل وهو مفقود في المقام .
وثانياً: لعدم ورود عنوان من كان عليه حق بحيث يكون كلياً عامّاً شاملاً للخمس والزكاة، وإنّما الوارد في الروايات عناوين جزئية كغصب حق أو جحوده وأمثالهما، وعليه فلا يمكن تعميم الحكم لما نحن فيه .
والحاصل: أنّ كل واحد من الفقراء وإن كان مالكاً من جهة كونه فرداً للنوع إلاّ أنّ جواز المقاصّة من دون إذن الحاكم مما تصعب المساعدة عليه .
وأما الثالث: وهو ورثة السلطان الجائر بالنسبة إلى أمواله: فهل يحسب ما في ذمته من قيم المتلفات غصباً من جملة ديونه كما إذا كان في ذمته قرض أو ثمن مبيع أو صداق أو غيرها أو لا يحسب من الديون؟
وعلى الأول لابدّ من تقديمها على الإرث والوصية فتخرج من أصل التركة، وعلى الثاني تخرج من الثلث إذا أوصى بها، وإلاّ فتبقى في ذمتهإلى الأبد .
وفي المقام قولان ذكر الشيخ (قدس سره)(2) : أنّ مقتضى القاعدة هو الأول ونقل الثاني عن بعض الأساطين ولعلّه كاشف الغطاء (قدس سره) وذكر له وجهين:
أحدهما: عدم المقتضي لجعلها من الديون، وذلك لأنّ الدين الوارد في الآية
ص: 313
الشريفة: «مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ»(1) منصرف إلى الديون المتعارفة كالقرض ونحوه، فلا تكون شاملة لمثل هذه الديون ويبقى عموم دليل الوصية على حاله.
وثانيهما: وجود المانع وهو أنّه على فرض الشمول لابدّ من تخصيصها بغير هذه الديون، وذلك لقيام السيرة المأخوذة يداً بيد من مبدأ الإسلام إلى يومنا هذا على ذلك فإنهم لا يعاملون هذه الأمور معاملة الديون بل يقسّمون أموال الميت وينفذون وصيّته من دون إخراجها من أصل التركة.
وقد أجاب (قدس سره) (2) عنهما:
أما عن الأول فبأن دعوى الانصراف غير تامة، وذلك لأنا لا نجد فرقاً عند العرف بين ما أتلفه هذا الظالم عدواناً وبين ما أتلفه نسياناً، ولا بين ما أتلفه هذا الظالم عدواناً وبين ما أتلفه شخص آخر من غير الظلمة، ولا بين ما أتلفه في حياته وبين ما أتلفه بعد مماته فكما تجري أحكام الدين عليه في حال حياته من جواز المقاصّة من ماله وعدم تعلّق الخمس والاستطاعة وغيرها من الأحكام فكذلك تجري بعد مماته، وإلاّ لزم تعطيل كثير من الأحكام.
وأما عن الثاني فبأنّ هذه السيرة ليست بحجة لأنها ناشئة عن قلّة المبالاة ولذا لا يفرّقون بين الظلمة وغيرهم ممن علموا باشتغال ذمته بحقوق الناس كحقّ السادة والفقراء، أو من جهة العلم بفساد أكثر معاملاته ولا في إنفاذ وصايا الظلمة وتوريث ورثتهم بين اشتغال ذممهم بعوض المتلفات وأرش الجنايات وبين اشتغالها بديونهم المستقرة عليهم من معاملاتهم وصدقاتهم الواجبة عليهم وكذلك بين ما علم المظلوم فيه تفصيلاً وبين ما لم يعلم فبمثل هذه السيرة لا يمكن رفع اليد عن القواعد المنصوصة. وما أفاده (قدس سره) في غاية المتانة.
ص: 314
وقد عرّف الخراج والمقاسمة بعدة تعاريف منها ما في المسالك(1) من أنّ المقاسمة هي: حصّة السلطان من حاصل الأرض يؤخذ عوضاً عن زراعتها، والخراج: مقدار من المال يضرب على الأرض والشجر.
وعرّفهما المحقق الأردبيلي(2) بأنهما: المقدار المعين بمنزلة الأجرة في الأرض الخراجية - أي المعمورة المفتوحة عنوة بإذن النبي أو الإمام على المشهور - أو المأخوذ بالصلح بأن تكون الأرض للمسلمين ولهم السكنى وهي لمصالح المسلمين والأمر فيها إليهم صلوات الله عليهم، والمقاسمة: الحصة المعينة من حاصل تلك الأرض مثل العشر، والخراج: المال المضروب عليها غالباً، فلا يضرّ إطلاق الخراج على المقاسمة كما ورد في بعض الروايات والعبارات.
وفي المستند(3) أنّ المراد بالمقاسمة: الحصّة المعينة من حاصل الأرض يؤخذ عوضاً عن زراعتها، وبالخراج: المال المضروب عليها أو على البحر حيث ما يراه الحاكم، وقد يطلق الثاني على الأول.
وفي جامع المقاصد(4) أنّ المقاسمة هي: مقدار معين يؤخذ من حاصل الأرض نسبته إليه بالجزئية كالنصف والثلث، والخراج: مقدار معين من المال يضرب على الأرض أو على البستان كأن يجعل على كل جريب كذا درهماً.
وغيرها من التعاريف.
والظاهر من العنوان أن الحكم شامل لكلّ ما يُرى أنّ للسلطان مشروعية المطالبة به كالزكوات والصدقات ونحوها كما هو شأن السلطان العادل وتكون
ص: 315
مصارفه مصالح المسلمين العامة.
ومقتضى القواعد الأولية حرمة أخذ السلطان لها ولو أخذها اشتغلت ذمته بها لأنّ لها أرباباً شرعيين وليس السلطان من أربابها، فإذا أخذها السلطان الجائر فالكلام يقع في جهتين:
الجهة الأولى: هل تبرأ ذمة المعطي أو لابدّ من إعطائها ثانياً لأربابهاالشرعيين أو إيصالها إلى محلها؟
أما ما قيل من وجوب إعطائها للسلطان وحرمة منعه عنها كما نسب إلى صاحب المسالك(1) والمحقق الثاني(2) وكاشف الغطاء(3) فمما لا وجه له إذ المفروض أن السلطان ظالم فدفع هذه الأموال إليه يدخل في باب إعانة الظالم، مضافاً إلى عدم كونه مأذوناً من قبل الإمام(علیه السلام)، وليس أهلاً ومحلاً لمصارف هذه الأموال، ويده حينئذ يد عدوان، فكيف يقال بحرمة منعه عنها اختياراً !!؟ ولعلّ مرادهم من حرمة المنع إنما هو في صورة الإكراه، أو فيما إذا لم يتمكن المكلّف من دفعها إلى الحاكم الشرعي من دون ضرر، أو عدم تمكّنه من صرفها بنفسه في مواردها، وحينئذ فللقول بوجوب دفعها إلى السلطان الجائر وحرمة منعه عنها وجه، لكونه - بحسب الظاهر - متصدياً لصرفها في مواردها، وقد تقدّم في بحث التقية في الزكاة أنّ الذي يظهر من الروايات هو عدم جواز الإعطاء اختياراً، وأما مع الإجبار فيجوز ذلك ويوجب إبراء الذمة، وأما غير الزكاة - مما نحن فيه - فيمكن إلحاقه بالزكاة في جواز الدفع وبراءة الذمة.
الجهة الثانية: إذا أخذها الجائر فهل يجوز شراؤها منه وتملّكها بعوض أو بغير عوض، أو لا يجوز ذلك؟
ص: 316
والمشهور هو الجواز(1)، بل عن غير واحد دعوى الإجماع عليه كما عن جامع المقاصد حيث قال: والجائر وإن كان ظالماً بالتصرف فيه، إلاّ أن الإجماع من فقهاء الإمامية، والأخبار المتواترة عن أئمة الهدى دلّت على جواز أخذ أهل الحق لها عن قول الجائر(2) .
وعن مصابيح العلامة الطباطبائي: أنّ عليه اجماع علمائنا(3)، وفي المسالك: أذن أئمتنا( في تناوله وأطبق عليه علماؤنا(4)، وفي الرياض: أن عليه الإجماع المستفيض(5)، وفي محكي التنقيح وتعليق الإرشاد الإجماععليه(6) .
بل احتمل صاحب الجواهر أنّ المسألة من الضروريات التي لا يحتاج في إثباتها إلى الاستدلال(7).
ونسب الخلاف إلى المحقق الأردبيلي (قدس سره) (8) تبعاً للشيخ إبراهيم القطيفي (قدس سره) (9) حيث كتب رسالة مشهورة سمّاها بالسراج الوهّاج لدفع عجاج قاطعة اللجاج في حلّ الخراج(10)، وذكر صاحب الجواهر (قدس سره) أنه رجع عن قوله وكتب رسالة أخرى في عكسها(11)، وعلى أيّ تقدير فقد استدل المشهور بأمور :
ص: 317
منها: ما ذكره الشيخ (قدس سره) (1) من الإجماع المؤيد بالشهرة المحققة بين الشيخ الطوسي ومن تأخر عنه .
ومنها: ما ذكره (قدس سره) أيضاً من لزوم الحرج العظيم في الاجتناب عن هذه الأموال بل اختلال النظام .
ومنها: ما ذكره صاحب الجواهر (قدس سره) (2) من دعوى السيرة القطعية من العوام والعلماء في سائر الأعصار والأمصار في الدولة الأموية والعباسية وما تأخر عنهما على ذلك، خصوصاً أن أغلب جوائز سلاطين الجور من هذه الأموال .
وهذه الوجوه قابلة للمناقشة والعمدة هي الروايات الواردة في المقام وهي على ثلاث طوائف:
الطائفة الأولى: ما دلّ على جواز قبول جوائزهم وهداياهم وقد تقدمت جملة منها، والمستفاد من إطلاقاتها بل من ظواهرها أنّ الأموال التي تعطى بعنوان الجائزة هي من قبيل الخراج والمقاسمة، فإذا جاز أخذها مجاناً فجواز الأخذ مع العوض من باب أولى .
واحتمال كونها من أموالهم الخاصة بعيد جدّاً خصوصاً مع ما ورد فيصحيحة أبي بكر الحضرمي قال: دخلت على أبي عبد الله (علیه السلام) وعنده إسماعيل ابنه، فقال: ما منع ابن أبي السمال «السماك خ ل الشمال» أن يخرج شباب الشيعة فيكفونه ما يكفيه الناس، ويعطيهم ما يعطي الناس؟ ثم قال لي: لم تركت عطاءك؟ قال: مخافة على ديني، قال: ما منع ابن أبي السمال «السماك الشمال خ ل» أن يبعث إليك بعطائك؟ أما علم أنّ لك في بيت المال نصيباً(3).
الطائفة الثانية: ما دل على جواز شراء المقاسمة وهي عدة روايات منها:
ص: 318
صحيحة أبي عبيدة عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: سألته عن الرجل منّا يشتري من السلطان من إبل الصدقة وغنم الصدقة وهو يعلم أنهم يأخذون منهم أكثر من الحق الذي يجب عليهم، قال: فقال: ما الإبل إلاّ مثل الحنطة والشعير وغير ذلك، لا بأس به حتى تعرف الحرام بعينه، قيل له: فما ترى في مصدّق يجيئنا فيأخذ منّا صدقات أغنامنا فنقول: بعناها فيبيعناها فما تقول في شرائها منه؟ فقال: إن كان قد أخذها وعزلها فلا بأس، قيل له: فما ترى في الحنطة والشعير يجيئنا القاسم فيقسم لنا حظّنا، ويأخذ حظّه فيعزله بكيل فما ترى في شراء ذلك الطعام منه؟ فقال: إن كان قبضه بكيل وأنتم حضور ذلك فلا بأس بشرائه منه من غير كيل(1) .
وهذه الرواية تدل على جواز شراء مال الصدقة والمقاسمة، واستفادة الجواز من ثلاثة مواضع من الرواية:
الأول: من قوله: «وهو يعلم أنّهم يأخذون منهم أكثر من الحق الذي يجب عليهم» فأجاب(علیه السلام) بنفي البأس والظاهر من هذه الجملة أنّ أصل الشراء مفروغ عنه، وإنما سأله عن حكم الزيادة على الحقّ الواجب.
الثاني: من قوله (علیه السلام): «إن كان قد أخذها وعزلها فلا بأس» وهو يدلّ على أنّ أصل الشراء مفروض إلاّ أنّ الإشكال من جهة القبض والعزل فإن قبضها وعزلها فلا إشكال في الجواز، وإلاّ فالمعاملة غير تامة من جهة أنه قبل القبض والعزل لم يخرج المال عن ملك صاحبه، ولا معنى لشراء الشخص مال نفسه.
الثالث: قوله (علیه السلام): «إن كان قبضه بكيل وأنتم حضور ذلك فلا بأسبشرائه منه من غير كيل» وهو يدلّ على جواز شراء المقاسمة مع الكيل وحضور المشتري.
والحاصل: أن الرواية واضحة الدلالة في جواز شراء أموال المقاسمات كما أنّها من جهة السند صحيحة فإنّ أبا عبيدة الوارد في سند الرواية هو أبو عبيدة
ص: 319
الحذاء وهو من الثقات(1) .
هذا ولكن المحقق الأردبيلي(2) أشكل على هذه الرواية بأمور أهمها:
أنّ سندها غير تام وذلك لاحتمال أن يكون أبو عبيدة غير الحذاء المشهور.
وأنّ دلالتها غير واضحة، لعدم صراحتها في الجواز، وذلك لأنّ الفقرة الأولى إنّما تدلّ على الجواز فيما إذا لم يعلم الحرام بعينه كما إذا كان حلالاً أو مشتبهاً.
وأما جواز شراء الزكاة أو المقاسمة فالدلالة غير صريحة في ذلك، والعبارة وإن كانت ظاهرة في الجواز إلاّ أنه لا ينبغي الحمل عليه لمنافاته للعقل والنقل مضافاً إلى احتمال أنّ الإمام (علیه السلام) أجمل في الجواب لداعي التقية.
وأما الفقرة الثانية فهي وإن كانت ظاهرة في جواز الشراء إلاّ أنّ كون المصدّق من قبل الجائر الظالم غير معلوم، مضافاً إلى أنّ الشراء ليس حقيقياً بل صورياً إذ المبيع هو مال المشتري فيكون شراؤه استنقاذاً للمال لا شراء حقيقياً.
وأما الفقرة الثالثة فهي بيان لشروط الشراء وهو التعيين.
وجميع ما ذكره (قدس سره) قابل للمناقشة.
أما عن جهة سند الرواية فالمراد من أبي عبيدة هو الحذاء وذلك لأنّه لم يرد في الرجال عنوان أبي عبيدة إلاّ في خمسة أشخاص:
الأول: أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح وهو في عداد الصحابة وطبقته متقدمة.
الثاني: أبو عبيدة البزّاز ولم يرد في حقّه مدح أو قدح، وله رواية واحدة رواها عن حريز وروى عنه عبد الرحمن الأصم(3) .الثالث: أبو عبيدة المدائني، ولم يرد فيه شيء أيضاً، وله رواية واحدة
ص: 320
رواها عنه عمرو بن سعيد المدائني(1) .
الرابع: أبو عبيدة معمر بن المثنى وهو أيضاً لم يرد في حقّه شيء، وليس له رواية في الأحكام، نعم روى أول خطبة كتبها أمير المؤمنين (علیه السلام) بعد بيعة الناس له على الأمر(2) .
الخامس: أبو عبيدة الحذاء وهو المعروف والمشهور وقد وثقه النجاشي(3)، ونقل توثيق سعد بن عبد الله الأشعري له(4)، وله روايات كثيرة، وروى عنه كثيرون ومنهم هشام بن سالم(5) في موارد عديدة(6)، وبناء على ذلك، فإذا ورد أبو عبيدة مجرّداً فهو ينطبق على الحذاء لكونه هو المشهور من بين المشتركات ولتمييزه من جهة الراوي عنه.
فالخدشة في سند الرواية في غير محلّها ولا إشكال في صحّة السند.
وأما عن الدلالة فيقال في جوابه: إنه لا إجمال في جواب الإمام (علیه السلام) بل هو صريح في جواز الشراء، ولا وجه للحمل على التقية ما دام الحمل على غيرها ممكناً، وما ذكره من مخالفة العقل والنقل غير ثابت، بل يمكن القول بموافقة الحكم للعقل والنقل حيث إن الحرمة موجبة للعسر والحرج، والحكمة تقتضي تسهيل الأمر على العباد والحكم بجواز الشراء والتصرف في مثل هذه الأموال.
وبقية ما أورده على الدلالة بيّن الدفع، فالإشكال من جهة الدلالة أيضاً في
ص: 321
غير محلّه ودلالة الرواية على الجواز تامّة.
ومنها: موثقة إسحاق بن عمار قال: سألته عن الرجل يشتري من العامل وهو يظلم، قال: يشتري منه ما لم يعلم أنه ظلم فيه أحداً(1) .
وهي واضحة الدلالة كما أنّها معتبرة السند فإنّها وإن كانت مضمرة إلاّ أن ذلك غير مضرّ باعتبار السند.ومنها: صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: سألته عن الرجل أيشتري من العامل وهو يظلم؟ قال: يشتري منه(2) .
وهي تدلّ على جواز الشراء بلا إشكال، والكلام في سندها هو ما ذكرناه في الرواية السابقة.
ومنها: صحيحة أبي بكر الحضرمي المتقدمة، ومحل الشاهد منها قوله (علیه السلام): أما علمت أنّ لك في بيت المال نصيباً(3) .
إلاّ أنه قد أشكل عليها بأنّ دلالتها غير تامة، وذلك لأنّها إنما تدل على جواز الأخذ من الأموال التي له حق فيها لا من كل مال.
وفيه: أنّ الظاهر من الرواية أنّ لجميع المسلمين حقاً في بيت المال، ولا خصوصية لأبي بكر الحضرمي.
لا يقال: إنّ هذا الحق إنما هو من النذورات والأوقاف لا من مال الخراج والمقاسمة.
فإنه يقال: مضافاً إلى بعده في نفسه، أنه لا يفي بحاجة الجميع وأنه ليس لكل أحد، فالظاهر أنّ هذا الحق هو من أموال الخراج والمقاسمة التي يكون مرجعها إلى المسلمين.
ص: 322
ولكن مع ذلك مفاد هذه الرواية أخصّ من المدعى لأنها تدلّ على جواز أخذ مقدار الحقّ فقط، وأما ما زاد عليه فلا دلالة فيها على جوازه.
ومنها: رواية محمد بن أبي حمزة عن رجل قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): أشتري الطعام فيجيئني من يتظلم ويقول: ظلمني فقال: اشتره(1) .
ودلالة الرواية على الجواز واضحة غير أنها ضعيفة بالإرسال فتكون مؤيدة لما سبق، وهناك روايات أخرى وفي ما ذكرناه كفاية.
الطائفة الثالثة: ما دلّ على جواز تقبّل الأرض وأهلها من قبل السلطان وهي عدة روايات:
منها: صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (علیه السلام) أنه قال في القبالة أن تأتي الأرض الخربة فتقبلها من أهلها عشرين سنة، فإن كانت عامرة فيها علوج فلا يحلّ له قبالتها إلاّ أن يتقبّل أرضها فيستأجرها من أهلها، ولا يدخل العلوج في شيء من القبالة فإنّ ذلك لا يحلّ «إلى أن قال:» وقال:لا بأس أن يتقبّل الأرض وأهلها من السلطان(2) الحديث.
ومحل الشاهد قوله (علیه السلام): «لا بأس أن يتقبّل الأرض وأهلها من السلطان» فإنه كالصريح في جواز الشراء من أموال المقاسمة.
ومنها: صحيحة إسماعيل بن الفضل الهاشمي عن أبي عبد الله (علیه السلام) في الرجل يتقبل بجزية رؤوس الرجال وبخراج النخل والآجام والطير وهو لا يدري لعله لا يكون من هذا شيء أبداً، أو يكون، أيشتريه وفي أيّ زمان يشتريه ويتقبّل منه؟ قال: إذا علمت أنّ من ذلك شيئاً واحداً أنه قد أدرك فاشتره وتقبّل به «منه» (3) .
وهذه الرواية صريحة في جواز الشراء وتقبّل حاصل الأرض بل هي
ص: 323
أوضح دلالة من الرواية السابقة لأنّها واردة في تقبل الأرض الخراجية، وهذه واردة في تقبّل غلّة الأرض وشرائها.
ووجه الأوضحية أنه يحتمل أن تقبّل نفس الأرض إنما هو لئلاّ تبقى الأرض معطّلة فلا يكون الحكم بالجواز شاهداً صريحاً على ما نحن فيه، وأمّا هذه الرواية فقد ورد السؤال فيها عن تقبّل حاصلها وخراجها وشرائه فأجاب (علیه السلام) بالجواز مشروطاً بإدراك بعض حاصل الأرض، ومثلها رواية الفيض بن المختار(1) وغيرها من الروايات وقد أشار الشيخ (قدس سره) إلى بعضها(2).
والحاصل: أنّ هذه الطائفة تدلّ أيضاً على جواز شراء الخراج والمقاسمات كما تدلّ على جواز قبول الجوائز منهم ولا إشكال في ذلك.
الأولى: هل يجوز شراء الخراج والمقاسمات أو أخذها من السلطان الجائر قبل قبضها واستقرارها في يده أو يد عامله، أو لا يجوز الشراء أو الأخذ إلاّ بعد قبض السلطان أو عامله لها؟
ظاهر عبارات أكثر الفقهاء بل الكلّ أنّ الجواز مختصّ بما بعد القبض، والجمود عليها يقتضي عدم جواز الشراء قبل الأخذ فلا يصح شراء ما في الذمة ولا الحوالة عليه، ولكن صرّح جماعة بجواز ذلك كماعن المحقق الثاني(3)، وصاحب الرياض(4)، وقد ادّعى الأول تصريح الأصحاب بعدم الفرق، وادّعى الثاني عدم الخلاف.
ص: 324
والظاهر هو الجواز مطلقاً كما هو المستفاد من كلام الشيخ(1) وغيره، وذلك:
أولاً: لما تقدم من صحيحتي الحلبي(2) وإسماعيل(3) بن الفضل المتقدمتين حيث إنّ المستفاد منهما جواز التعامل على ما في ذمّة أهل الأرض قبل أن يقبض السلطان منهم شيئاً.
وثانياً: لما يظهر من حكم المشهور بجواز اشتراط خراج الأشجار على العامل في المساقاة وإن كان بحسب طبعه على مالك الأرض والأشجار، ويستفاد من ذلك جواز المعاملة عليه قبل القبض من قبل السلطان أو عامله.
وثالثاً: إنّ كلمات الأكثر الدالة على عدم الجواز قبل القبض إما أنها محمولة على الغالب، وإما على أنّ هذه المسألة وردت في كلامهم عقيب الكلام حول مسألة جوائز السلطان الجائر، وحيث إنهم ذكروا حرمة أخذ الجائزة من يد السلطان الجائر إذا علمت أنها حرام، استثنوا مسألة الخراج والمقاسمة من عدم الجواز، وبعبارة أخرى: إنّ نتيجة المسألتين معاً هي حرمة الجائزة المعلومة الحرمة إلاّ ما كان من قبيل الخراج والمقاسمات وإن كان السلطان غير مستحقّ لها وأنّ يده عليها يد عدوانية وليس لقبضه موضوعية حتى يعلّق الجواز عليه.
وقد يقال: إنّه يمكن استفادة ذلك من صحيحة أبي عبيدة الحذاء المتقدمة لقوله (علیه السلام): إن كان أخذها وعزلها فلا باس(4) .
ولكن قد تقدم الوجه في اعتبار الأخذ والعزل في خصوص المقام وهو أنّه إنما اشترط ذلك لئلاّ يلزم شراء مال نفسه.
والحاصل: أنّه لا وجه للمنع عن الشراء قبل قبض السلطان، بل يجوز
ص: 325
مطلقاً.
الثانية: هل أنّ أمر الأراضي الخراجية بيد السلطان الجائر أو لا؟ لا إشكال في أنّها ملك لجميع المسلمين، ولابد من صرف أجرتها في مصالحهم العامة، أما في زمان الحضور فالتصرف فيها وتعيين خراجها بيد الإمام (علیه السلام)، وأما في زمان الغيبة فقد اختلفت كلمات الأصحاب في ذلك على أقوال متعددة نقلها السيد الطباطبائي(قدس سره) في حاشيته على المكاسب(1).
ومحلّ الكلام منها ما ذكره الشيخ (قدس سره) (2) أيضاً من أنه يظهر من جماعة كالمحقق الكركي الذي نقل عن كثير من معاصريه وخصوصاً عن شيخه الأعظم الشيخ علي بن هلال) وحاصل ما أفاده: أنّ الحكم بيد الجائر وأنه لا يجوز لمن عليه الخراج سرقته، ولا جحوده، ولا منعه، ولا شيء منه، لأنّ ذلك حقّ واجب عليه(3).
كما صرّح الشهيدان (قدس سره) بذلك أيضاً، ففي الدروس: يجوز شراء ما يأخذه الجائر باسم الخراج والزكاة والمقاسمة وإن لم يكن مستحقّاً له ... فلو أحاله بها وقبل الثلاثة أو وكله في قبضها أو باعها وهي في يد المالك أو في ذمّته جاز التناول ويحرم على المالك المنع ... ولا يحلّ تناولها بغير ذلك(4) .
وفي المسالك: إنه لا يجوز لأحد جحدها ولا منعها ولا التصرّف فيها بغير إذنه، بل ادّعى بعضهم الاتفاق عليه(5) .
وفي شرح القواعد: ويقوى حرمة سرقة الحصّة وخيانتها، والامتناع عن
ص: 326
تسليمها، وعن تسليم ثمنها بعد شرائها إلى الجائر وإن حرمت عليه، ودخل تسليمها في الإعانة على الإثم بالبداية أو الغاية، لنصّ الأصحاب على ذلك ودعوى الإجماع عليه(1) .
ولكن ذلك محل نظر إذ لا يستفاد من الأدلة أنّ هذا منصب مشروع للسلطان الجائر كما أنّ فتاوى الأصحاب لا نصّ فيها ولا ظهور لها في ذلك.
أما الأول فغاية ما تفيده الروايات المتقدمة هو نفوذ تصرّفات السلطانالجائر بالنسبة إلى ما يأخذه بعنوان الخراج والزكاة والمقاسمات كما يستفاد منها براءة ذمة المكلف بالدفع إلى السلطان الجائر إذا لم يتمكن من دفعها إلى أهلها، وتدلّ أيضاً على جواز شرائها أو أخذها من السلطان، وهذه الأمور لا تلازم شرعية المنصب حتى يقال بحرمة منعها عنه إذا كان ذلك ممكناً.
ولعلّ الحكم بالجواز من جهة التسهيل على الشيعة لئلاّ يقعوا في العسر والحرج في أمور معاشهم ومعاملاتهم، وليس ذلك دليلاً على حرمة المنع، بل قد يظهر من بعض الروايات رجحان المنع عند الإمكان، وقد تقدّمت في مبحث التقية في الزكاة ومن ذلك ما يظهر من صحيحة زرارة قال: اشترى ضريس بن عبد الملك وأخوه من هبيرة أرزاً بثلاثمائة ألف، قال: فقلت له: ويلك أو يحك انظر إلى خمس هذا المال، فابعث به إليه، واحتبس الباقي فأبى عليّ، قال: فأدّى المال وقدم هؤلاء، فذهب أمر بني أمية قال: فقلت ذلك لأبي عبد الله (علیه السلام) فقال مبادراً للجواب: هو له، هو له، فقلت له: إنه قد أدّاها فعضّ على إصبعه(2) .
والمستفاد منها: أنه لا يجب دفع المال إليهم مهما أمكن وإن كان عوضاً عما يشتريه منهم، وما يقال: من أنّ الأرز إذا كان من الأرض الخراجيّة وهو
ص: 327
للمسلمين فلا وجه لعدم أداء العوض أصلاً، مدفوع بأنّ ذلك إما من جهة أنه حقّه وإما أنّ الإمام (علیه السلام) قد أذن له بذلك.
ويمكن استظهار ذلك أيضاً من رواية علي بن يقطين قال: قلت لأبي الحسن(علیه السلام): ما تقول في أعمال هؤلاء؟ قال: إن كنت فاعلاً فاتق أموال الشيعة، قال: فأخبرني عليٌّ أنه كان يجبيها من الشيعة علانية ويردّها عليهم في السرّ(1) .
ولو كان الدفع واجباً لما كان معنى لإرجاعها، كما أنّ هذه الأموال مطلقة فهي شاملة للخراج والمقاسمة ولا وجه لاختصاصها بغيرها.
نعم سند الرواية غير تام فتكون مؤيدة لما تقدم.
والحاصل: أنه يمكن مضافاً إلى عدم الدليل، الاستظهار من الروايات عدم وجوب الدفع إلى السلطان الجائر بل يجوز المنع بلا إشكال.
وأما الثاني وهو فتاوى الأصحاب فيمكن أن يكون مرادهم من حرمة المنع أو السرقة أو الجحود هو عدم إعطاء الخراج والمقاسمة أصلاً حتىإلى الحاكم الشرعي أو صرفه في مصالح المسلمين حسبة، وهذا لا إشكال في عدم جوازه، والشاهد على ذلك التعليل الوارد في كلمات بعضهم بأنه حقّ واجب عليه كما في عبارة المحقق الكركي المتقدمة، فإنّ كونه حقّاً واجباً يقتضي حرمة منعه رأساً لا عن خصوص الجائر، مضافاً إلى ما ورد في كلام المحقق الكركي (قدس سره) أيضاً فإنّه بعد أن نقل القول بحلّية ما يأخذه الجائر من الخراج والمقاسمة، وأنّ النصوص قد وردت به وأجمع الأصحاب عليه بل المسلمون قاطبة، قال: فإن قلت: فهل يجوز أن يتولّى من له النيابة حال الغيبة ذلك أعني الفقيه الجامع للشرائط؟
قلنا: لا نعرف للأصحاب في ذلك تصريحاً لكن من جوّز للفقهاء حال الغيبة تولّي استيفاء الحدود وغير ذلك من توابع منصب الإمامة ينبغي له تجويز
ص: 328
ذلك بطريق أولى(1) .
وظاهر كلامه أنه حتى مع وجود السلطان الجائر فله التصدّي لذلك، ولعل مراد مشايخه الذين نقل عنهم حرمة منع المالك أو جحوده أو سرقته هو ما ذكرناه آنفاً من المنع مطلقاً حتى عن النائب الشرعي للسلطان العادل، وهذا أمر مسلّم فتوى ونصّاً، فإنّ الخراج لا يسقط عن مستعمل الأرض الخراجية وإنّ مصرفه مصالح المسلمين العامّة.
وعلى ما ذكرنا تحمل كلمات الأصحاب المتقدمة.
فمقتضى القاعدة أنّ أمر الأراضي الخراجية وأموالها - في زمان الغيبة - بيد نائب الإمام (علیه السلام) الخاصّ أو العام مع التمكّن أو بإذنه، ومع عدم التمكّن فالتصرّف بيد المكلّف حسبة ومع عدم التمكن من ذلك فالأمر إلى السلطان الجائر أو إذنه ويكون تصرّفه - حينئذ نافذاً - من قبلهم (علیهم السلام) ولا حاجة إلى الإذن الخاص بعد ذلك من نوّابهم (علیهم السلام) .
الثالثة: إنّ الحكم المتقدم يختص بالسلطان المدّعي للرئاسة العامة وعمّاله ولا يشمل من تسلّط على قرية أو بلدة خروجاً على سلطان الوقت.
ويشترط أن يكون السلطان مبسوط اليد في سلطنته، وأما مع ضعفه وعدم استيلائه على الأراضي الخراجية لقصور يده عنها وعدم انقياد أهلها له ابتداء أو خروجهم عن طاعته وعصيانهم بعد ذلك فالظاهر عدم جريان الحكم لعدم عموم أو إطلاق في الروايات المتقدمة بحيث يشمل هذه الحالات، فإنّها إنّما وردت في شأن السلاطين الذين كانوا في أزمنة الأئمة (علیهم السلام)، فمقتضى الاقتصار على القدر المتيقن الخارج عن القواعد والأصول بهذه الروايات هو السلطان العام الذي يكون باسطاً يده على هذه الأراضي، وفي غيره لابدّ من الرجوع إلى الحاكم
ص: 329
الشرعي كما تقدم.
الرابعة: إنّ المراد بالسلطان هو خصوص المخالف، وأما شمول الحكم للسلطان الموافق أو الكافر فهو محل كلام.
وحكم هذه المسألة كالمسألة السابقة أيضاً، فإنّ الروايات الواردة في المقام إنما صدرت في زمان تسلّط المخالفين وعالجت مشكلة التعامل معهم والتخلص من مكرهم حيث يدّعون الولاية العامة على المسلمين، وليس فيها عموم أو إطلاق يمكن التمسّك به بالنسبة إلى السلطان الجائر الموافق أو الكافر وتنقيح الحكم وتعديته إليهما أو التمسّك بلزوم العسر والحرج غير تام.
فمقتضى القاعدة هو تخصيص الحكم بالسلطان المخالف، وأما بالنسبة إلى غيره فجواز الأخذ منه مشروط بالاستئذان من الحاكم الشرعي، ومع عدمه فالأخذ والتصرف من باب الحسبة كما تقدّمت الإشارة إليه .
الخامسة: هل يعتبر في جواز الأخذ الاستحقاق أو لا؟
والكلام فيها تارة في صورة الأخذ بعوض، وأخرى في صورة الأخذ مجاناً.
أما الصورة الأولى وهي الأخذ في مقابل العوض كما إذا اشتراه من السلطان فالذي يظهر من إطلاق الروايات هو عدم اعتبار ذلك، بل يجوز مطلقاً كما في صحيحة زرارة(1) المتقدمة وغيرها(2) .
وأما الصورة الثانية وهي الأخذ مجاناً فبمقتضى قوله (علیه السلام) في صحيحة أبي بكر الحضرمي المتقدمة أيضاً: «ما منع ابن أبي السمال «السماك الشمال خ ل» أن يبعث إليك بعطائك؟ أما علم أنّ لك في بيت المال نصيباً» (3) أنّ مقدار النصيب والعطاء لا إشكال في جواز أخذه، كما لا إشكال في جواز أخذ جوائز السلطان،
ص: 330
فإنها القدر المتيقّن من الروايات، وأما الزائد على ذلك فهو محلّ إشكال، نعم إذا أخذ الزائد بعنوان الاستنقاذ وإيصاله إلى الحاكم الشرعي مع الإمكان، ومع عدمه يوصله إلىالمستحقّ فلا إشكال في الجواز.
ثم إنّ الشيخ(1) (قدس سره) قد ذكر في المقام جملة من الفروع كثبوت كون الأرض خراجية وشرائطها وحدودها ومقدار الخراج عليها وغيرها مما هو خارج عمّا نحن فيه والتحقيق فيها موكول إلى البحث في أحكام الأرضين وأقسامها.
وبهذا يتم الكلام حول الولاية من قبل السلطان الجائر وما يتعلّق بها من المسائل والفروع، وبه تتمّ المباحث الثلاثة حول التقية في الجهاد.
والحمد لله رب العالمين
ص: 331
ص: 332
· الإشارة إلى أهمية هذا البحث
· ما هي الولاية التكوينية وهل هي ثابتة للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) والأئمة (علیهم السلام)
· الإمامة ضرورية والإلماح إلى بعض أدلتها
· لماذا لم يصرّح باسماء الأئمة (علیهم السلام) في القرآن؟
· مراتب ولاية الفقيه خمس
· استقصاء أدلة الثبوت وردّ المناقشات
· طوائف الروايات العشر التي استدل بها على ثبوت الولاية ونقدها
· التحقيق في سند التوقيع الشريف ودلالته
· استقصاء أدلة النافين وما يرد عليها
· الشروط التسعة المعتبرة في الفقيه المتصدي
· هل الأعلمية معتبرة في الفقيه أم لا؟
· إذا كانت الأعلمية معتبرة فكيف يمكن تعيين الفقيه الأعلم؟
· التحقيق في صلاحية المرأة للولاية
· نظرة حول مشروعية الانتخاب
· الإشارة إلى مهامّ الفقيه
ص: 333
ص: 334
وهي من المسائل المهمّة في الفقه، وتتوقف عليها جملة من الأحكام المتقدمة، وكنّا قد وعدنا - فيما سبق - بالتحقيق حولها، ونظراً لأهميتها فلابدّ من التعرّض لها والبحث حولها - بما يناسب المقام - تتميماً للمباحث السابقة واستيفاءً لجميع مسائلها فنقول:
الولاية بالفتح: مصدر ولي يلي، ويقال: استولى على الشيء: غلب عليه، وتمكّن منه(1) والاسم منه الولاية بالكسر.
وذكر في الصحاح أنّ الولاية بالكسر بمعنى السلطان، وبالفتح بمعنى النصرة، ونقل عن سيبويه أنه بالفتح مصدر وبالكسرة اسم مصدر مثل الإمارة والنقابة، قال: لأنه اسم لما تولّيته وقمت به، فإذا أرادوا المصدر فتحوا(2) .
ومثله ما في تاج العروس(3) واللسان(4)، وهو الظاهر من المفردات(5) أيضاً، فإنه ذكر الولاية بالكسر وفسّرها بالنصرة، وبالفتح بمعنى تولّي الأمر.
ص: 335
هذا، ولكن ذكر صاحب المجمع أنّ الولاية - بالفتح - : النصرة، وبالكسر: الإمارة، قال: وفي النهاية هي بالفتح: المحبّة، وبالكسر: التولية والسلطان، ثم نقل رواية «بني الإسلام على خمس» ومنها الولاية، وقال: الولاية بالفتح محبة أهل البيت (علیهم السلام) واتّباعهم في الدين، وامتثال أوامرهم ونواهيهم، والتأسي بهم في الأعمال والأخلاق، وأما معرفة حقّهم واعتقاد الإمامة فيهم فذلك من أصول الدين لا من الفروع العملية(1) .
وورد في كتب اللغة أنّ للولي معاني كثيرة جداً(2)، والمستفاد منها أنهاتشترك في معنى واحد هو التصرّف والتأثير في الغير كما هو الظاهر من موارد استعمال هذا اللفظ كوليّ اليتيم، والصغير، ووليّ النكاح، ووليّ الدم، ووليّ الأمر وغيرها، حتى ما كان منه بمعنى المحبّة فهو مشمول للمعنى العام المشترك.
ويؤيد ذلك: ما ورد في أقرب الموارد حيث اقتصر في تعريف الولي على هذا المعنى المشترك، قال: ولي الشيء وعليه ولاية وولاية ملك الأمر وقام به(3) .
وبناء على هذا ففي جميع موارد استعمال هذا اللفظ هو بمعنى واحد، أي التصرف والنفوذ والتأثير في الغير بلا فرق في موارده من العلو والدنو كالمالك والمملوك، والخالق والمخلوق، والسلطان والرعية، فكما يقال: الله ولي المؤمنين كذلك يقال المؤمنون أولياء الله، وهكذا الأمر بالنسبة إلى ما يشتق من هذا اللفظ، كما في قوله تعالى: «إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ»(4)، وقوله تعالى: «النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ»(5) وغير ذلك.
ص: 336
والحاصل: أنّ جميع ما ذكر للولي من المعاني يعود إلى معنى واحد كما ذكرنا، وإنما تختلف في مصاديق التصرف والتأثير كلّ بحسبه، فهو بالنسبة إلى المالك بمعنى السلطنة والاستيلاء، وأما بالنسبة إلى المملوك فهو بمعنى نفوذ الأمر والطاعة وهكذا الحال بالنسبة إلى سائر الموارد ومن ذلك يظهر أن ليس للولاية في الاصطلاح معنى غير معناها اللغوي.
ثم إنّ محلّ الكلام في هذه المسألة هو الوليّ بمعنى المتصرّف أي من له حقّ التصرّف في الغير، فهل أنّ هذا المعنى ثابت للفقيه الجامع للشرائط في زمان الغيبة أو لا؟
ويقع البحث في مقامات ثلاثة:
الأول: في ثبوت هذا المعنى للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) والأئمة (علیهم السلام) تكويناً وتشريعاً.
الثاني: في ثبوته للفقهاء تشريعاً.
الثالث: في شرائط الفقيه في زمان الغيبة، بناء على ثبوت الولاية له.
أما مرحلة الثبوت فلا محذور في إمكان ثبوت هذا المعنى لهم (علیهم السلام)، ولا مانع منه، لا عقلاً ولا نقلاً، وذلك لأنّ تصرّفهم في الممكنات تصرفاً تكوينياً لا يلزم منه المحال، نعم إن من الممتنع عقلاً تعدد الواجب بالذات إذ يلزم من تعدده عدمه - كما قرر في محله - ويرشد إليه قوله تعالى: «لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا»(1).
وأما التصرف في الكائنات والتعدد في المتصرف فلا يلزم منه محذور عقلي.
وغاية ما يقال: إنه يلزم من ذلك الشرك في الولاية على الكون وعدم اختصاصها بالحق تعالى وهو محال.
والجواب: أنّ المحذور إنما يلزم فيما إذا كانت ولايتهم وتصرّفهم في الكون في
ص: 337
عرض ولاية الله وتصرّفه، وأما إذا كانت ولايتهم في طول ولاية الله تعالى بمعنى أنّ الله تعالى اختصّ بعض أوليائه ومنحهم قوة التأثير بحيث تكون الموجودات خاضعة لهم وجعلها تحت طاعتهم وتصرّفهم فلا محذور في ذلك ولا إشكال.
كيف وهذه الولاية ثابتة في الجملة للمخلوقات فيما بينها، فإنّ الله تعالى قد أودع في بعض الممكنات قوة التأثير في بعضها على نحو يتوقف وجود بعضها على بعض، فإنّ لشرب الماء - مثلاً - تأثيراً في الري ورفع العطش، ومثله الطعام في رفع الجوع، والنار في إحراق بعض الأشياء وهكذا غيرها من سائر الموجودات، وهذه قاعدة عقلية قررها الحكماء وحاصلها: أنّ جميع الممكنات تتألف من سلسلة طولية تبتني على العلية والمعلولية إلى أن تنتهي إلى مسبّب الأسباب وهو الحقّ عزوجل فهو الغني المطلق وما سواه مفتقر بالذات إليه.
وهذه العلّية والمعلولية السارية في الموجودات وإن لم يعبّر عنها بالولاية - بحسب الاصطلاح - إلاّ أنها لا تخرج عن قانون التأثير والتأثر والتصرف في الغير كما ذكرنا.
فإذا كان هذا المعنى ثابتاً للموجودات فأيّ محذور في ثبوته للأنبياء والأئمة (علیهم السلام)؟ وكما لا يجوز الاعتقاد بأنّ التأثير في سلسلة العلل في الممكناتعلى نحو الاستقلال كذلك الحال بالنسبة إلى الأنبياء والأئمة (علیهم السلام)، ومنتهى سببية الجميع إلى الله تعالى، فلا ندري أيّ فرق بين الموردين حتى يجعل من لا بصيرة له أنّ هذا شرك بالله تعالى دون ذاك.
والحاصل: أنّه لا إشكال في مرحلة الثبوت.
وأما مرحلة الإثبات فيمكن الاستدلال على ثبوتها بالأدلة الأربعة.
أما من الكتاب فبعدة آيات:
منها: قوله تعالى في شأن نبينا محمد (صلی الله علیه و آله و سلم): «سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً
ص: 338
مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى»(1).
بتقريب: أنّه - انطلق بشخصه من مكة إلى بيت المقدس في مدة قصيرة تصرّف فيها بنفسه في الكون، ومثله قضية المعراج إلى السماء كما صرحت بذلك الروايات.
لا يقال: إنّ ذلك لا دلالة فيه على التصرّف في الكون لأنه لم يكن له من الأمر شيء.
لأنّا نقول: يكفي في الدلالة على ذلك أنّ الكون بأسره كان خاضعاً له - مؤتمراً بأمره- في تلك الليلة.
ومنها: قوله تعالى في قصة إبراهيم: «وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنْ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً»(2).
ومنها: قوله تعالى في شأن موسى (علیه السلام): «فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ»(3).
ومنها: قوله تعالى في قصة عيسى (علیه السلام): «أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللهِ...»(4).
ومنها: قوله تعالى في شأن داود وسليمان (علیه السلام): «وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ * وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْمِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ * وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا
ص: 339
وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ»(1).
ومنها: قوله تعالى في شأن آصف بن برخيا: «قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ» (2).
وغيرها من الآيات الكثيرة الدالة على ذلك.
ولا إشكال في أفضلية نبينا محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) والأئمة (علیهم السلام) على سائر الأنبياء (علیهم السلام) - كما قرر في محله - فإذا ثبت ذلك للأنبياء والأولياء فهو ثابت للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) والأئمة (علیهم السلام) بطريق أولى.
هذا ولكن قد يناقش ذلك بأمور:
الأول: أنّ ما ورد من الآيات إنما يدل على صدور ذلك في مقام الإعجاز وهو ثابت لهم (علیهم السلام) في ظروف خاصة تأييداً لدعوى النبوة، وليس ثبوته لهم على نحو الإطلاق.
الثاني: أنّ الأنبياء (علیهم السلام) جميعاً يعترفون بعجزهم وعدم تمكّنهم من ذلك، كما في قوله تعالى حكاية عن الأمة مع نبيها (صلی الله علیه و آله و سلم): «وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنْ الأَرْضِ يَنْبُوعاً * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَقْرَؤُه قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَراً رَسُولاً »(3).
وهذه الآيات صريحة في اعتراف النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بعجزه عن الاستجابة إلى مقترحات المشركين.
وفي القرآن آيات أخرى دلّت على هذا المعنى أيضاً وردت على لسان
ص: 340
بعض الأنبياء (علیهم السلام).
الثالث: أنهم (علیهم السلام) في معيشتهم مثلهم كمثل سائر الناس، يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، وتعتريهم الحالات المختلفة من الأعراض والأمراض، وعليه فكيف يمكن القول إنّ بيدهم التصرف في الكون وإن الكائنات منقادة إليهم؟والجواب: أنّ ذلك لا ينافي ولايتهم التكوينية لما ذكرنا من أنّ ولايتهم (علیهم السلام) في طول ولاية الله تعالى، وأنهم عباد مكرمون لا يشاؤون ولا يصدرون إلاّ عن مشيئة الله وإرادته، وهذا مقتضى خلوصهم لله تعالى ومظهريتهم له عزوجل وأنهم بلغوا من الكمال مرتبة لا يفعلون شيئاً من عند أنفسهم ولا يتصرفون إلاّ بإذن الله وإرادته وإن كان الله تعالى قد منحهم القدرة على ذلك.
ومما يؤيد ذلك بل يدلّ عليه: ما رواه الزهري عن الإمام زين العابدين (علیه السلام) في رواية مفصّلة ذكرناها فيما تقدّم ونقتصر هنا على موضع الشاهد منها قال (الزهري) : كنت عند علي بن الحسين (علیه السلام) فجاءه رجل من أصحابه، فقال له علي بن الحسين (علیه السلام): ما خبرك أيّها الرجل؟ فقال: خبري يابن رسول الله أني أصبحت وعليّ أربعمائة دينار، دين لا قضاء عندي لها، ولي عيال ثقال ليس لي ما أعود عليهم به، قال: فبكى علي بن الحسين (علیه السلام) بكاء شديداً، فقلت: ما يبكيك يابن رسول الله؟ قال: فأيّة محنة ومصيبة أعظم على حر مؤمن من أن يرى بأخيه المؤمن خلّة فلا يمكنه سدّها ويشاهده على فاقة فلا يطيق رفعها، قال: فتفرقوا عن مجلسهم ذلك، فقال بعض المخالفين وهو يطعن على علي بن الحسين: عجباً لهؤلاء يدّعون مرة أنّ السماء والارض وكل شيء يطيعهم، وأنّ الله لا يردّهم عن شيء من طلباتهم، ثم يعترفون أخرى بالعجز عن إصلاح خواص إخوانهم!! فاتّصل ذلك بالرجل صاحب القصة فجاء إلى علي بن الحسين (علیه السلام) فقال له: يابن رسول الله بلغني عن فلان كذا وكذا، وكان ذلك أغلظ عليّ من
ص: 341
محنتي، فقال علي بن الحسين (علیه السلام): فقد (قد) أذن الله في فرجك، يا فلانة: احملي سحوري وفطوري، فحملت قرصتين، فقال علي بن الحسين (علیه السلام) للرجل: خذهما فليس عندنا غيرهما، فإنّ الله يكشف عنك بهما وينيلك خيراً واسعاً منهما، ثم مضى إلى السوق وابتاع بالقرصين سمكة وملحاً، ولمّا رجع إلى بيته وشقّ بطن السمكة وجد فيها لؤلؤتين وسرّ بذلك فإذا بصاحبي السمكة والملح قد جاءا إليه وأرجعا القرصين وطيّبا له ما أخذه منهما - إلى أن قال: فإذا رسول علي بن الحسين (علیه السلام) فدخل فقال: إنه يقول لك: إنّ الله قد أتاك بالفرج فاردد علينا طعامنا فإنّه لا يأكله غيرنا، وباع الرجل اللؤلؤتين بمال عظيم قضى منه دينه وحسنت بعد ذلك حاله، فقال بعض المخالفين: ما أشدّ هذا التفاوت! بينا علي بن الحسين (علیه السلام) لا يقدر أن يسدّ منه فاقة إذ أغناه هذا الغناء العظيم، كيف يكون هذا؟! وكيف يعجز عن سدّ الفاقة من يقدر على هذا الغناء العظيم؟! فقال علي بن الحسين (علیه السلام):هكذا قالت قريش للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم): كيف يمضي إلى بيت المقدس ويشاهد ما فيه من آثار الأنبياء من مكة ويرجع إليها في ليلة واحدة من لا يقدر أن يبلغ من مكة إلى المدينة إلاّ في اثني عشر يوماً؟! وذلك حين هاجر منها، ثم قال علي بن الحسين(علیه السلام): جهلوا والله أمر الله وأمر أوليائه معه إنّ المراتب الرفيعة لا تنال إلاّ بالتسليم لله جلّ ثناؤه وترك الاقتراح عليه والرضا بما يدبّر بهم، إنّ أولياء الله صبروا على المحن والمكاره صبراً لم يساوهم فيه غيرهم فجازاهم الله عزوجل عن ذلك بأن أوجب لهم نجح جميع طلباتهم لكنهم مع ذلك لا يريدون منه إلاّ ما يريده لهم(1) .
والرواية واضحة الدلالة كافية في رفع ما يتوهم من المنافاة بين ولايتهم (علیهم السلام) وبين ظاهر معيشتهم، على أنّ هناك روايات أخرى كثيرة تدلّ على
ص: 342
هذا المعنى أيضاً وفي ما أوردناه كفاية.
وأما السنة فالروايات الدالة على ثبوت الولاية التكوينية للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) والأئمة (علیهم السلام) بلغت حدّاً فوق الإحصاء، وهي مضافاً إلى تواترها جاءت على طوائف متعددة، ونكتفي بذكر بعض الروايات محيلين طالب المزيد على المجاميع الروائية التي تناولت هذا الموضوع.
روى المحدّث الحر العاملي ) بسنده عن موسى بن جعفر بن محمد عن آبائه عن علي (علیهم السلام) قال: سبّحت في يده (النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)) تسع حصيات تسمع نغماتها في جمودها ولا روح فيها، لتمام حجة نبوّته، ولقد كلّمه الموتى من بعد موتهم، واستغاثوه ممّا خافوا تبعته(1) .
وعن أبي حمزة الثمالي عن علي بن الحسين (علیه السلام): وإن قلَبَ الله العصى لموسى حيّة فمحمد دفع إلى عكاشة بن محصن يوم بدر لما انقطع سيفه قطعة حطب فتحول سيفاً في يده، ودعا الشجرة فأقبلت نحوه تخد الأرض(2) .
قال: وإن كان داود سخّر له الجبال والطير يسبّحن له وسارت بأمره، فالجبل نطق لمحمد(صلی الله علیه و آله و سلم) إذ جاء اليهود وشهد له بالنبوة، ثم سألوا أن يسيّر الجبل من مكانه فسار الجبل وسبّح العصا في يد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وسخّر له الحيوانات(3) .وروى المحدّث الحر أيضاً بسنده عن أبي هاشم الجعفري في حديث: إنّ رجلاً دخل على أبي محمد (علیه السلام) ومعه حصاة، فطبع له فيها بخاتمه قال: وسأله عن اسمه فقال: مهجع بن الصلت بن عقبة بن سمعان بن غانم بن أم غانم، وهي الأعرابية اليمانية صاحبة الحصاة التي طبع فيها أمير المؤمنين (علیه السلام) والسبط إلى وقت أبي الحسن(4) .
ص: 343
وغيرها من الروايات الكثيرة(1) جداً الدالة على أنّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) والأئمة (علیهم السلام) أعطوا القدرة على التصرف في الكائنات هبة من الله تعالى لهم (علیهم السلام) .
وأما الإجماع فهو محقق من جميع الإمامية بل من جميع الأمة على ذلك، فإن أحداً من المسلمين لا يشك في صدور المعاجز والخوارق والتصرّف في الكائنات عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وقد قام إجماع الإمامية على ثبوت ذلك للأئمة (علیهم السلام) على ما قرر في كتبهم الكلامية.
وأما العقل فيمكن الاستدلال به على ذلك من وجهين:
الأول: وحاصله: أنّه لا شك في أنّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) هو أشرف
الممكنات، وأقربهم منزلة من الله تعالى.
وهكذا بالنسبة إلى أئمتنا (علیهم السلام)، فلا يدانيهم بعد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في الفضل والشرف والمنزلة أحد، فإنّهم المعصومون المطهّرون وهم المثل الأعلى، والمظهر الأتم لكمال الله وجلاله وجماله.
ولاشكّ أيضاً في أنه كلما تقرّب العبد من الله تعالى وتكاملت نفسه وتخلّق بأخلاقه واتصف بصفاته تعالى صار موضعاً للفيوضات الإلهية وانفتحت له أبواب التأثير في الأشياء.
وقد ورد ما يدلّ على ذلك كما في الرواية القدسية: «يابن آدم أنا غنيّ لا أفتقر، أطعني فيما أمرتك أجعلك غنيّاً لا تفتقر، يابن آدم أنا حيّ لا أموت، أطعني فيما أمرتك أجعلك حياً لا تموت، يابن آدم أنا أقول للشيء كن فيكون، أطعني فيما أمرتك أجعلك تقول للشيء كن فيكون»(2).
وهذا المعنى مما لا إشكال في ثبوته لخواصّ أوليائه فضلاً عن الأنبياء
ص: 344
والمرسلين ولا سيما خاتم الأنبياء والمرسلين وعترته المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين.وبناء على ذلك فكيف لا يثبت ذلك للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) والأئمة (علیهم السلام) الذين هم صفوة الخلق المنتجبين.
وبعبارة أخرى: إذا كان هذا ثابتاً لعباد الله الصالحين فثبوته لسادتهم وهم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) والأئمة (علیهم السلام) من باب أولى، وإذا كان لألفاظ أسماء الله تأثير في الكون فثبوته لمظاهر أسماء الله تعالى وصفاته ومجالي كماله وجماله وجلاله وهم الذوات المقدسة محمد وأهل بيته المعصومين بطريق أولى.
والحاصل: أنّ الولاية والقدرة على التصرّف في الكون ثابتة للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) والأئمة (علیهم السلام) بالضرورة.
الثاني: ما نراه بالعيان من قضاء الحوائج واستجابة الدعوات وكشف الملمّات وشفاء المرضى عند التوسل بهم إلى الله تعالى، وخصوصاً عند زيارتهم، وهذا أمر غير قابل للإنكار بل هو كالشمس في رابعة النهار، وقد ذكرها العامة في كتبهم فضلاً عن الخاصة، وكم رأينا من المضطرّين والآيسين ممن انسدت الأبواب في وجوههم، قد لاذوا بقبورهم وتوسلوا إلى الله بهم فقضيت حوائجهم ورفعت الشدائد عنهم، ولم يكن ذلك مختصّاً بشيعتهم، بل هو شامل لمن عداهم من غير المعتقدين بإمامتهم من المخالفين والكفّار فكان ذلك سبباً لهداية بعضهم فاهتدى إلى الحق على أثر ذلك.
والوجه عندنا واضح، وذلك لأنّهم عباد الله وأولياؤه المكرمون، ولا فرق بين حياتهم ومماتهم، وإذا كان الشهداء عند ربهم أحياء يرزقون فكيف بمن هم سادات الشهداء؟
ولقد كان هذا الباب - وهو باب الرحمة - مفتوحاً للجميع، وميسوراً لكل
ص: 345
أحد وهو معجزة خالدة، إلاّ أن الأعداء والمخالفين المبغضين خافوا على مقاماتهم الدنيوية فحاولوا سدّ هذا الباب وسعوا في محو هذه القبور والمشاهد المشرفة وإلقاء الشبهة بين المسلمين وأفتوا بحرمة التوسل بهم وأنه يستوجب الشرك بالله، واغترّ جماعة من البسطاء بذلك واستسلموا لتلك الشّبه مع عدم معرفتهم بحقيقة الأمر، فحرّموا على أنفسهم زيارة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بل اعتقدوا أنهم لا يضرّون ولا ينفعون وأنّهم كالجمادات أو أقلّ شأناً منها مع الغفلة أو التغافل عن أن موت الشهداء سبب إلى الكمال وارتفاع الدرجات والرجوع إلى الله تعالى والإشراف على الخلق والفوزبالنعيم الدائم «وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ»(1).
وأما شيعة أهل البيت (علیهم السلام) فقد ثبتوا على الحق وهو منهاج رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وعترته الطاهرين (علیهم السلام)، ولا زالوا ولن يزالوا يأمّون مشاهدهم، ويتوسلون إلى الله في حوائجهم الدينية والدنيوية والأخروية، ويؤوبون بالخير والثواب والحمد لله على هدايته لدينه والتوفيق لما دعا إليه من سبيله، ونعوذ بالله من الجهالة والضلالة ونسأله تعالى أن يثبتنا على الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين.
والحاصل: أنّ هذا المنصب من الولاية التكوينية ثابت في الجملة بلا إشكال، وأمّا مقدار هذا المنصب وسعته وحدوده فهو راجع إليهم ويظهر من الروايات الصادرة عنهم (علیهم السلام) ولسنا في مقام بيانه فليرجع إلى مظانّه.
ونكتفي بهذا القدر مما يتعلق بالولاية التكوينية.
ص: 346
والبحث فيها يقع من جهتين:
الأولى: في بيان المراد من التشريعية وتحرير محل الكلام.
الثانية: في الأدلة على ثبوتها.
أما الجهة الأولى: فيمكن تفسير التشريعية بوجهين:
الأول: أن تكون وصفاً للولاية أي ولاية تشريعية بمعنى أنّها مجعولة من الله لهم (علیهم السلام) على جميع المكلفين، وهي بهذا المعنى اعتبارية باعتبار حكم الله تعالى «النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ» وحينئذ يجب طاعتهم والانقياد إليهم امتثالاً لأمر الله تعالى.
الثاني: أن تكون وصفاً للمتعلّق أي في الأحكام الشرعية فلهم حق التشريع، وبعبارة أخرى: أنه تعالى فوّض لهم جعل الأحكام بحسب ما يرونه من المصالح، وبناء عليه فلهم التحليل والتحريم والأمر والنهي لا أنهم مبلّغون عن الله وبين المعنيين فرق كبير كما لا يخفى.
ومحلّ الكلام هو المعنى الأول دون الثاني فإنه خارج عما نحن فيه، وإن كان يظهر من بعض الروايات ثبوت هذا المعنى لهم أيضاً.
وأما عن الجهة الثانية فنقول: إنّ هذا المنصب ثابت للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) والأئمة (علیهم السلام) بالأدلة الأربعة بلا خلاف، وإنما وقع الخلاف في مصاديق أولي الأمرفعند الإمامية هم الأئمة (علیهم السلام) من ذريته الذين عيّنهم من بعده، ونصّ عليهم بأسمائهم، وجعلهم أوصياءه وخلفاءه على الأمة.
وأنكر العامة ذلك وقالوا: إنّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لم يعيّن أحداً من بعده، ولم ينصّ على إمامة شخص بعينه، والأمة هي التي تختار وليّ أمرها بنفسها من دون حاجة إلى النصّ والتعيين.
ص: 347
واستدل الإمامية على ذلك بل على عدم جواز إهمال النبي هذا الأمر بأدلة قاطعة واضحة من العقل والنقل والإجماع.
أما من العقل فمن وجهين: الأول عن طريق العقل المستقل. الثاني: عن طريق العقل غير المستقل.
أما الأول: فيقال في تقريره - على سبيل منع الخلو - : إنّ الحال لا يخلو إما أن يكون النبي قد عيّن الوصي من بعده، وإما أنه أهمل ذلك ولم يعيّن أحداً، وإما أنه أحال على الأمة لتختار وليّها بنفسها.
والشقان الأخيران باطلان فيتعيّن الأول.
أما بطلان الشق الثاني وهو أنّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قد أهمل أمر التعيين فواضح وذلك:
أولاً: إنه يلزم من ذلك نسبة التقصير للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في تبليغ الرسالة وهو محال، كيف! وقد جاء التصريح بإكمال الدين في قوله تعالى: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً»(1) ولاشك أن أمر الإمامة من الدين في الصميم فالاعتقاد بذلك تكذيب للقرآن وهو كفر بالله تعالى.
ثانياً: إنّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بيّن جميع ما يحتاج إليه الإنسان حتى بالنسبة إلى أقل الأشياء شأناً كإرش الخدشة، وآداب التخلّي، ونحو ذلك فلا يعقل أن يُغفل النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أمر الأمة من بعده وهو أمر خطير يتوقف عليه كيان الدين وبقاء الإسلام.
ثالثاً: إنه يلزم من ذلك تكذيب النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) إذ ثبت أنّه - لم يدع شيئاً تحتاج إليه الأمة إلاّ وبيّنه كما ورد في موثقة أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: خطب رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في حجة الوداع فقال: أيها الناس والله ما من شيء يقرّبكم
ص: 348
من الجنة ويباعدكم من النار إلاّ وقد أمرتكم به، وما من شيءيقرّبكم من النار ويباعدكم من الجنّة إلاّ وقد نهيتكم عنه ...(1) وغيرها.
والحاصل: إنّ القول بأنّ النبي أهمل هذا الأمر مع أهميته وخطورته لا يمكن المصير إليه.
وأما بطلان الشق الثالث وهو أنّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قد أحال أمر التعيين على الأمة لتختار وليّها فمن وجوه:
الأول: إنّ الإحالة في هذا الأمر الخطير مع كثرة الأصحاب وقرب عهدهم بالكفر والاختلاف فيما بينهم، وعدم اتفاقهم على شخص جامع للشرائط، أمر غير جائز إذ الإمامة في الإسلام ليست مجرد السلطنة وحفظ الثغور، بل هي تتضمن مضافاً إلى ذلك حفظ الدين وردّ الشبه عنه، وبيان الأحكام، وتفسير الكتاب، والعلم بخصوصه وعمومه وناسخه ومنسوخه وغير ذلك.
وخلاصة القول: إنّ الإمامة لا تنحصر في إدارة الأمور المادية فالإحالة على الناس وهم الجاهلون بمصالح أنفسهم فضلاً عن مصالح غيرهم مما لا يمكن قبوله، فلابدّ من النصّ والتعيين من قبل الله تعالى على يد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لعلمه تعالى بخفايا الأمور (الله أعلم حيث يجعل رسالته).
والشاهد على ذلك ما ورد في رواية عبد العزيز بن مسلم عن الرضا (علیه السلام) وهي رواية طويلة وقد جاء فيها: « ... فكيف لهم باختيار الإمام؟! والإمام عالم لا يجهل، وراع لا ينكل، معدن القدس والطهارة والنسك والزهادة والعلم والعبادة، هل يعرفون قدر الإمامة ومحلّها من الأمة فيجوز لهم فيها اختيارهم، إنّ الإمامة أجلّ قدراً وأعظم شأناً وأعلى مكاناً وأمنع جانباً وأبعد غوراً من أن يبلغها الناس بعقولهم أو ينالوها بآرائهم...» (2) .
ص: 349
والحاصل: أنّ الإحالة على الناس في تعيين الإمام أمر غير صحيح في نفسه.
الثاني: لو فرضنا صحّة هذه الدعوى لكان حقيقاً أن يقع في حال حياته - ليكون مطلعاً على صحّة الاختيار وصيانته عن الانحراف.
الثالث: عدم ورود أي نصّ في أمر الإحالة لا من الكتاب ولا من السنة بإجماع المسلمين قاطبة، وإقرارهم على ذلك ولو كان لظهر وبان،بخلاف الأول وهو التعيين فقد استفاضت الأدلة كتاباً وسنة وأذعن بها كل منصف.
فإن قيل: قد وردت النصوص التي يستفاد منها أنّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أحال الأمر على الأمة ومنها قوله تعالى: «وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ»(1)، وقوله تعالى: «وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ»(2)، وقوله (صلی الله علیه و آله و سلم): «لا تجتمع أمتي على ضلالة» (3) وأمثال ذلك.
فالجواب: أما اجتماع الأمة على الضلالة فهو غير متحقق قطعاً.
وأما قوله تعالى: «وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ» فهو لا يشمل منصب الولاية إذ لا مشاورة فيه، على أنّ المشاورة إنما تكون بعد تحقق الولاية للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) مضافاً إلى أنّ الغرض من المشاورة في الآية هو التأليف لقلوبهم وليست واجبة على النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) مع أنها لا ترتبط بالأحكام الشرعية وإنما مجال المشاورة هو الأمور العامة التي لا مساس لها بالتشريع، وهكذا بالنسبة إلى الآية الأخرى وذلك لأنه من غير المعقول أن يشاور النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) الناس في شؤون الدين وأحكامه، فكيف بالولاية التي هي قوام الدين وأساس وجوده.
ثم إنّ المراد من قوله (بينهم) وكذا ضمير الجمع في قوله: (وشاورهم) لا يخلو إما أن يكون كلّهم أو أكثرهم أو أهل الحلّ والعقد أو أقلهم، والأول غير
ص: 350
متحقق في الخارج، والأخير غير صحيح إذ لا حجية له، وأما الأكثر فلم يتحقق لغيابهم عن اجتماع السقيفة بل لم يجتمع فيها إلاّ عدد قليل حتى قيل إنهم ستة نفر من المهاجرين منهم أبو بكر وأبو عبيدة بن الجراح وأما أهل الحلّ والعقد فلم يكن أحد منهم حاضراً يوم ذاك بل خالف جماعة كثيرة لما أبرم في السقيفة ومنهم سلمان والمقداد وعمار وأبو ذر والزبير وغيرهم، وقد نسب إلى أمير المؤمنين (علیه السلام) قوله:
فإن كنت بالشورى ملكت أمورهم
وإن كنت بالقربى حججت خصيمهم
فكيف بهذا والمشيرون غيّبُ
فغيرك أولى بالنبي وأقربُ(1)
الرابع: إن هذا خلاف المعلوم من سيرته (صلی الله علیه و آله و سلم) في مختلف شؤونه، فقدكان (صلی الله علیه و آله و سلم) يعيّن أمراء البلدان والغزوات، وإذا أراد سفراً أقام مقامه أميراً على المدينة، فهل يعقل أن يحيل النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) في سفره الطويل الأمر على الأمة؟!
الخامس: إنّ الإحالة على الناس في تعيين وليّ الأمر يناقض ما فعله الشيخان وبيانه أن نقول: أما خلافة عمر فبتعيين من أبي بكر، وأما خلافة أبي بكر فقد كانت فلتة وقى الله المسلمين شرّها على حدّ تعبير عمر بن الخطاب نفسه(2) .
وأما ما فعله عمر من أمر الشورى فهو وإن جعلها في ستة نفر من بعده إلاّ أنه قيدها بأمور يعلم منها مصيرها إلى شخص معيّن.
فعلى فرض أنّ النبي أحال الأمر على الأمة يكون فعلهما مناقضاً لفعل النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) فإن كان فعلهما صحيحاً فلازمه بطلان الإحالة، وإن كانت الإحالة صحيحة ففعلهما باطل(3) .
ص: 351
إن قلت: يمكن القول بجواز كلا الأمرين معاً: التعيين والانتخاب، مضافاً إلى أن أولي الأمر الوارد في الآية مطلق أي سواء كان بالتعيين أو بالإحالة فلا يرد الإشكال.
قلنا: إن ظاهر فعلهما عدم جواز الإحالة على الناس بل على التعيين فإنّ عبد الله بن عمر قال لأبيه عند موته: إنّي سمعت الناس يقولون مقالة فآليت أن أقولها لك، زعموا أنك غير مستخلف، وأنه لو كان لك راعي إبل أو راعي غنم ثم جاءك وتركها لرأيت أن قد ضيع فرعاية الناس أشد(1) .
كما أنّ عائشة قالت لعبد الله بن عمر: يا بني أبلغ عمر سلامي، وقل له: لا تدع أمّة محمد بلا راع(2) .
والمستفاد من ذلك أنّ البناء والتصميم كان على التعيين لا على الإحالة على الناس.
وأما ما قيل من أنّ أولي الأمر في الآية الشريفة مطلق - كما ذهبإلى ذلك بعضهم - فهو في غير محلّه، وذلك لأنّ الإطلاق تارة يكون في الحكم وأخرى في الموضوع، والآية الشريفة ناظرة إلى الموضوع، والموضوع في زمان نزول الآية لا إطلاق فيه، بمعنى أنّ الموضوع كان مقيداً من الأول بالتعيين وأصبح من المرتكزات، فبعد ذلك لا يمكن التمسّك بالإطلاق بل لا مجال له، فإنّ التعيين مانع عن الإطلاق.
نعم لو كان الموضوع غير مقيد بالتعيين في زمان نزول الآية أمكن التمسك بالإطلاق، ولكن ليس الأمر كذلك.
والحاصل: أنّ الموضوع مشخص محدود في نظر المخاطبين وهو لا ينطبق إلاّ
ص: 352
على فرد معيّن، وإذا كان الأمر كذلك فلا يبقى مجال للقول بالإطلاق - مضافاً إلى أنّ مقتضى سياق الآية اشتراط العصمة في أولي الأمر وهي محصورة في أفراد معينين.
السادس: إنّ الإمامة عهد الله وهو لا ينال الظالمين كما صرّح القرآن بذلك، فعلى فرض التسليم بجميع ما تقدم إلاّ أن انتخابهما إمامين على الأمة ليس مشروعاً من أصله وذلك لأنهما ظالمان حيث قضيا أكثر عمرهما على الشرك، مضافاً إلى ظلمهما لبنت النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) التي يغضب الله لغضبها ويرضى لرضاها(1) وقد ماتت صلوات الله عليها وهي غضبى(2) حتى أنها أوصت أن لا يصلّيا عليها(3) . وأن تدفن ليلاً(4) وفي ذلك من الدلالة ما لا يخفى، وقد تضافرت بذلك النصوص واعترف به العامة وأجمعت عليه الخاصة.
وبناء على ذلك فلا يمكن لظالم أن يكون إماماً على الأمة وقد ورد في العديد من الآيات النهي عن إطاعة الظالمين:
منها: قوله تعالى: «فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً»(5).
ومنها: قوله تعالى: «وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً»(6).ومنها: قوله تعالى: «وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ»(7).
وغيرها من الآيات.
ص: 353
السابع: على فرض الإغماض عن جميع ذلك إلاّ أنه يناقض ما ورد من النصوص الكثيرة من تعيين عدد الأئمة من بعده - وأنهم اثنا عشر، وقد حارت أفهام علماء العامة في تطبيق ما رووه أنفسهم من قوله -: «يكون بعدي اثنا عشر خليفة كلهم من قريش»(1) على مصاديقه وهو لا ينطبق إلاّ على معتقد الشيعة الإمامية من أنهم ذرية رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) الذين نصّ عليهم بل وسمّاهم بأسمائهم.
الثامن: أنه على فرض الإغماض عن ذلك أيضاً إلاّ أنه يلزم - من عدم قبول أمير المؤمنين والصديقة الزهراء والحسنين (علیهم السلام) وعدم اعترافهم بإمامة أبي بكر - امّا عصيانهم وحاشاهم فإنه مخالف للكتاب الكريم الشاهد على عصمتهم، وإما كونهم على الحق وعدم صحة إمامة أبي بكر، وذلك كاف في إثبات المطلوب.
ثم على فرض الإحالة فهو مناقض لما ثبت عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في خصوص تعيين أمير المؤمنين علي (علیه السلام) وحاشا رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أن يتناقض في أقواله.
وهناك مفاسد أخرى كثيرة تترتب على القول بالإحالة وفي ما ذكرنا كفاية.
والحاصل: أنّ القول بالإحالة على الناس في تعيين الولي من بعد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) مجازفة وتخبط.
وبناء على ذلك فإمامة من لا نص عليه باطلة وليست بمشروعة.
وأما الوجه الثاني: وهو عن طريق العقل غير المستقل فهو أن يقال: إنّ المستفاد من الروايات الصحيحة المتضافرة أنّ الإسلام بني على خمس: على الصلاة والزكاة والحج والصوم والولاية(2) ولم يناد بشيء ما نودي بالولاية(3) .
بل ورد كما في صحيحة زرارة: أنّ الولاية أفضل لأنّها مفتاحهن والوالي
ص: 354
هو الدليل عليهن(1).
وورد في رواية الفضيل بن يسار: إنّ الله عزوجل يقول: من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولّى فما أرسلناك عليهم حفيظاً، أما لو أنّ رجلاً قام ليله وصام نهاره وتصدّق بجميع ماله وحج دهره، ولم يعرف ولاية ولي الله فيواليه، ويكون جميع أعماله بدلالته إليه، ما كان له على الله حق في ثوابه، ولا كان من أهل الإيمان(2) .
وفي رواية عبد العظيم الحسني قال: دخلت على سيّدي علي بن محمد (علیه السلام) فقلت: إني أريد أن أعرض عليك ديني فقال: هات يا أبا القاسم، فقلت: إني أقول: إن الله واحد، إلى أن قال: وأقول: إن الفرائض الواجبة بعد الولاية الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فقال علي بن محمد (علیه السلام): يا أبا القاسم هذا والله دين الله الذي ارتضاه لعباده، فاثبت عليه ثبّتك الله بالقول الثابت في الحياة الدنيا والآخرة(3) .
وفي رواية ابن أبي نجران قال: سمعت أبا الحسن (علیه السلام) يقول: من عادى شيعتنا فقد عادانا، إلى أن قال: شيعتنا الذين يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويحجّون البيت الحرام، ويصومون شهر رمضان ويوالون أهل البيت، ويبرؤون من أعدائنا، أولئك أهل الإيمان والتقى والأمانة، من ردّ عليهم فقد ردّ على الله، ومن طعن عليهم فقد طعن على الله(4) الحديث.
وغيرها من الروايات الكثيرة الواردة في هذا المعنى.
ثم نقول: من خلال التأمل في هذه الروايات والوقوف على مدى التركيز
ص: 355
والاهتمام بهذا الأمر بحيث جعل أمر الولاية هو المفتاح لباب العبادات والوالي هو الدليل عليهن، وأنّ عبادة المرء مهما بلغت كثرة لا قيمة لها ما لم تكن عن معرفة ولاية ولي الله وموالاته.
وإذا ضممنا إلى ذلك ما نراه بالعيان ويشهد به التاريخ أنّ كل دين أو قانون يراد له البقاء فلابدّ من إقامة راعٍ يحفظه عن التبديل والتغيير ويتولّى مهمة بيانه وإيصاله إلى الناس مصوناً عن الانحراف ولولا ذلك لتبدّل القانون وتغير، ووقع الاختلاف في تفسيره وبيانه وانهدم أساسه.ولمّا كان دين الإسلام خاتم الأديان فلا نبي بعد النبي محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) ولا شريعة بعد شريعته، اقتضت الحكمة الإلهية أن يكون لهذا الدين - بما يتضمّن من التعاليم والأحكام - رعاة وحماة، يردّون عنه الشبه ويصونونه عن التحريف، وهذا ما ابتنت عليه عقيدة الشيعة الإمامية من ضرورة الإمامة بعد النبي وأنها من قبل الله تعالى وبتعيين من النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، ولا مجال للناس في الاختيار، وإلاّ لترتب على ذلك كثير من المفاسد.
ولذا نرى أنه لما رفضت الأمة ذلك، ولم تقبل ولاية أولياء الله الذين عينهم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وقعت في الحيرة والضياع، وساقها الانحراف إلى المعتقدات الفاسدة من القول بالتجسيم والتعطيل والتشبيه ونسبة الظلم إلى الله تعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
وإذا كان الأساس كذلك فما ظنّك بما يتفرّع عليه من الأحكام، وما ذلك إلاّ لإعراضهم عن الباب الذي أمروا بالدخول منه وبديهي أنّ النتائج تتبع أخسّ مقدماتها.
ومن الطبيعي جداً أن كل عمل عبادي وغيره منسوب لله جيء به عن غير الطريق الإلهي المرسوم يكون وبالاً على صاحبه، وهباء لا قيمة له، مهما كان هذا
ص: 356
العمل المأتي به كثيراً إذ لا أساس له من عقيدة صحيحة وامتثال للمأمور به وفقاً لما أمر الله تعالى به فكم من صائم ليس له من صيامه إلاّ الجوع والعطش وكم قائم ليس له من قيامه إلاّ التعب (علیهم السلام)وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً» (1) .
والحاصل: أنّ الضرورة العقلية تقتضي وجود القائم مقام النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لحفظ الدين وصيانته وإيصاله إلى الناس كما جاء به النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، وهذه المهمة لا يتولاها إلاّ من اختاره الله تعالى أميناً على دينه ونصبه النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ليكون خليفة من بعده، وهو لا يتم إلاّ على ما تعتقده الشيعة الإمامية.
وما ذكرناه من هذا الدليل هو المستفاد من الرواية الواردة عن الإمام الرضا (علیه السلام) في مقام بيان العلل في لزوم نصب الإمام (علیه السلام) وتعيينه حيث ذكر عللاً متعددة ومنها قوله (علیه السلام): إنه لو لم يجعل لهم إماماً قيّماً أميناً حافظاً مستودعاً لدرست الملّة، وذهب الدين، وغيّرت السنن والأحكام، ولزاد فيه المبتدعون، ونقص منه الملحدون، وشبّهوا ذلك على المسلمين، لأنّا قد وجدنا الخلق منقوصين محتاجين غير كاملين، مع اختلافهمواختلاف أهوائهم وتشتت أنحائهم، فلو لم يجعل لهم قيّماً حافظاً لما جاء به الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) لفسدوا على نحو ما بيّنا، وغيّرت الشرائع والسنن والأحكام والإيمان، وكان ذلك فساد الخلق أجمعين(2) .
وأما الدليل من الكتاب فقد وردت آيات كثيرة:
ومنها: آية التبليغ وهي قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ»(3).
وقد روى الخاصّة والعامة أن هذه الآية الشريفة نزلت في يوم غدير خم عند منصرف النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من حجة الوداع، وكان يوماً شديد الحرارة، وكان قد
ص: 357
اجتمع من المسلمين مائة ألف أو يزيدون، فأمرهم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بالنزول وبلّغهم رسالة ربه.
روى صاحب جامع الأخبار بسنده عن زرارة بن أعين الشيباني قال: سمعت الصادق(علیه السلام) قال: لما خرج رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) إلى مكة في حجة الوداع، فلما انصرف منها ... إلى أن قال: جاءه جبرئيل في الطريق فقال له: يا رسول الله إنّ الله تعالى يقرئك السلام وقرأ هذه الآية: «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ» فقال له رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): يا جبرئيل إنّ الناس حديثوا عهد بالإسلام، فأخشى أن يضطربوا ولا يطيعوا، فعرج جبرئيل (علیه السلام) إلى مكانه، ونزل عليه في اليوم الثاني، وكان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) نازلاً بغدير فقال له: يا محمد «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ» فقال له: يا جبرئيل أخشى من أصحابي أن يخالفوني، فعرج جبرئيل ونزل عليه في اليوم الثالث وكان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بموضع يقال له غدير خم، وقال له: «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ» فلما سمع رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) هذه المقالة قال للناس: أنيخوا ناقتي فوالله ما أبرح من هذا المكان حتى أبلّغ رسالة ربي، وأمر أن ينصب له منبر من أقتاب الإبل وصعدها، وأخرج معه علياً (علیه السلام) وقام قائماً وخطب خطبة بليغة وعظ فيها وزجر، ثم قال في آخر كلامه: يا أيها الناس ألست أولى بكم منكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، ثم قال: قم يا علي، فقام علي (علیه السلام) فأخذ بيده فرفعها حتى رُئي بياض إبطيهما ثم قال: ألا من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذلمن خذله، ثم نزل من المنبر وجاء أصحابه إلى أمير المؤمنين وهنّوه بالولاية، وأوّل من قام له عمر بن الخطاب فقال له: يا علي أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة ونزل جبرئيل (علیه السلام) بهذه الآية «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
ص: 358
وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً»(1).
وقد روى هذه القضية المؤالف والمخالف حتى تجاوزت حد التواتر وذكر صاحب الغدير(2) أنّ مائة وعشرة من الصحابة وأربعة وثمانين تابعياً قد روى هذه القضية.
وفي كتاب إحقاق الحق(3) أنّ عدد الرواة لهذه القضية بلغ مائة وثلاثة وثلاثين صحابياً وذكر مائة وخمسة أشخاص بأسمائهم.
وفي كتاب عوالم العلوم: أنّ عدد الرواة من الصحابة بلغ مائتين وأربعة عشر شخصاً ووردت القضية في أكثر من أربعين كتاباً من كتب العامة(4) .
وقال صاحب إحقاق الحق: ذكر الشيخ ابن كثير الشامي الشافعي عند ذكر أحوال محمد بن جرير الطبري الشافعي أنّي رأيت كتاباً جمع فيه أحاديث غدير خم في مجلدين ضخمين، وكتاباً جمع فيه طرق حديث الطير، ونقل عن أبي المعالي الجويني أنه كان يتعجب ويقول: شاهدت مجلداً ببغداد في يد صحّاف فيه روايات هذا الخبر مكتوباً عليه المجلدة الثامنة والعشرون من طرق من كنت مولاه فعلي مولاه، ويتلوه المجلدة التاسعة والعشرون، وأثبت الشيخ ابن الجوزي الشافعي في رسالته الموسومة بأسنى المطالب في مناقب علي بن أبي طالب(علیه السلام) تواتر هذا الحديث من طرق كثيرة، ونسب منكره إلى الجهل والعصبية(5).
والحاصل: أنّ سند الرواية مما لا يشوبه ريب وأنّ التشكيك في صدوره يساوق التشكيك في البديهيات.
ص: 359
وأما من جهة الدلالة فمهما ذكر للفظة المولى من المعاني إلاّ أنّ الواقف على أساليب الكلام في الخطابات يرى أنّ المتكلم إذا أورد جملة صريحة وعطف عليها كلاماً يحتمل فيه إرادة المعنى المصرّح به المتقدمكما يحتمل غيره أيضاً، لم يجز حمل الكلام إلاّ على المعنى الأول المصرّح به.
فقوله (صلی الله علیه و آله و سلم): ألست أولى بكم منكم أو ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم وإقرارهم له بذلك، ثم قوله (صلی الله علیه و آله و سلم) متبعاً لقوله الأول بلا فصل: من كنت مولاه فعلي مولاه، قرينة على أنّ المراد بالمولى هو ما أراده من قوله (صلی الله علیه و آله و سلم) الأول أي الأولى بالأمر والمتصرف المطاع في كل ما يأمر، ولا ينكر ذلك إلاّ جاهل أو متجاهل.
على أنّ بعض ما ورد للفظ المولى غير مراد قطعاً كالمعتق والحليف والجار والصهر وابن العم، كما أنّ بعضها الآخر ممّا لا فائدة فيه قطعاً كالناصر والمحبّ، وهل خفيت محبة الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) لعلي (علیه السلام) ونصرة علي له على أحد حتى يقف هذا الموقف العظيم وتنزل عليه هذه الآية الشديدة الوقع على قلبه (صلی الله علیه و آله و سلم) .
ثم أيّ معنى لتهنئة عمر والأصحاب علياً (علیه السلام) ؟ ونزول آية الإكمال في ذلك اليوم؟ وأيّ عاقل يتوهم أنّ هذا الاهتمام العظيم من النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في ذلك الوقت وهو في آخر عمره الشريف إنّما كان لمجرد إظهار محبّته لعلي (علیه السلام)، اللهم إلاّ أن يكون عن سخافة في الفهم واعوجاج في السليقة وانحراف عن جادة الحق، أعاذنا الله من ذلك.
ومنها: آية الولاية وهي قوله تعالى: «إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ» (1) .
والمستفاد من «إنما» حصر الولاية في الله والرسول والمؤمنين، وقوله: «وهم راكعون» جملة حالية أي أن إيتاء الزكاة كان في حالة الركوع.
ص: 360
وهذا مما انفرد به أمير المؤمنين (علیه السلام) وقد روى ذلك الخاصة والعامة بأسانيد متعددة عن أبي ذرّ قال: سمعت رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بهاتين وإلاّ فصمّتا، ورأيته بهاتين وإلاّ فعميتا، يقول: علي قائد البررة، وقاتل الكفرة، ومنصور من نصره، ومخذول من خذله، أما إني صلّيت مع رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يوماً من الأيام صلاة الظهر، فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد شيئاً، فرفع السائل يده إلى السماء وقال: اللهم اشهد أني سألت في مسجد رسول الله فلم يعطني أحد شيئاً، وكان علي (علیه السلام) راكعاً فأومأ بخنصره اليمنى إليه،وكان يتختم فيها فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم من خنصره، وذلك بعين رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فلما فرغ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من صلاته رفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم إنّ أخي موسى سألك فقال: ربّ اشرح لي صدري ويسّر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي واجعل لي وزيراً من أهلي هارون أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري، فأنزلت عليه قرآناً ناطقاً سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطاناً فلا يصل إليكما، اللهم وأنا محمد نبيك وصفيّك اللهم فاشرح لي صدري ويسّر لي أمري واجعل لي وزيراً من أهلي علياً اشدد به ظهري. قال أبو ذر: فوالله ما استتم رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) الكلمة حتى نزل عليه جبرئيل من عند الله فقال: يا محمد اقرأ قال: وما أقرأ؟ قال: اقرأ إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا(1) الآية.
ودلالة الآية صريحة في المراد.
ومن العجيب أنّ الرازي في تفسيره قد أنكر دلالة إنّما على الحصر في هذا المقام(2) مع أنه أصرّ على دلالتها عليه في مواضع متعددة من تفسيره، منها ما ذكره في آية: «إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ...»، وفي آية: «إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ...»،
ص: 361
وفي آية: «إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ...»، بل استدلّ على ذلك بوجوه، فراجع(1).
ومنها: آية المباهلة وهي قوله تعالى: «فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ» (2) .
وقد روى المفسرون والمؤرخون أنّ الآية نزلت في قضية المباهلة مع نصارى نجران، وقد خرج النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) للمباهلة ومعه الحسن والحسين والصديقة الزهراء وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم ولم يخرج بأحد آخر بإجماع الأمة.
وإذا كان أمير المؤمنين علي (علیه السلام) هو نفس النبي وهو موجود بعد وفاته - فلا تصل النوبة إلى استخلاف غيره.
ومنها: آية التطهير وهي قوله تعالى: «إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْالرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» (3) .
ومنها: آية المودة وهي قوله تعالى: «قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى» (4).
والمراد من أهل البيت وذوي القربى هم ذرية الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) وعترته باتفاق المسلمين قاطبة.
وغير ذلك من الآيات الكثيرة وفيما ذكرناه كفاية لمن ألقى السمع وهو شهيد.
وأما الدليل من السنة فقد بلغت الروايات فوق حدّ الإحصاء وهي على
ص: 362
طوائف كثيرة منها:
حديث الثقلين وهو قوله (صلی الله علیه و آله و سلم): إني تارك فيكم الثقلين، ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا كتاب الله سبب طرفه بيد الله، وطرفه بأيديكم، وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يرادا عليّ الحوض.
ومنها: حديث المنزلة وهو قوله (صلی الله علیه و آله و سلم): أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنه لا نبي بعدي.
ومنها: حديث السفينة وهو قوله (صلی الله علیه و آله و سلم): مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركب فيها نجى، ومن تخلّف عنها غرق وهوى.
ومنها: قوله (صلی الله علیه و آله و سلم): علي مع الحق والحقّ مع علي، يدور معه حيثما دار، ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض.
ومنها: قوله (صلی الله علیه و آله و سلم): عليّ مع القرآن والقرآن مع علي.
ومنها: قوله (صلی الله علیه و آله و سلم): الأئمة اثنا عشر كلّهم من قريش.
ومنها: حديث الدواة والكتف وحديث الإنذار يوم الدار وحديث إبلاغ سورة براءة.
وغيرها من الروايات، واستقصاء جميع ما ورد يخرجنا عن خطة البحث(1) .
وأما دليل الإجماع فقد أجمعت الخاصة والعامة على إمامة أمير المؤمنين (علیه السلام) ولا خلاف في أصل ثبوت إمامته، وإنما وقع الخلاف في أنهأول الخلفاء كما تقول به الخاصّة، أو رابعهم كما يقول به غيرهم، وأما من عداه فقد وقع الخلاف في أصل إمامته بين المسلمين.
فلا إشكال في ثبوت الولاية لأمير المؤمنين من بعد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بتعيين
ص: 363
من الله ورسوله وهكذا الأئمة الأحد عشر من بعده.
فإن قلت: إذا كانت الإمامة بهذه المرتبة من الأهمية وحظيت بهذا الاهتمام من النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) فلماذا لم يُنصّ على أسماء الأئمة (علیهم السلام) في القرآن الكريم دفعاً للخلاف والاختلاف، وحسماً للنزاع؟ ولماذا اكتفى في أمر الإمامة بذكر الأوصاف الكلية الموهمة للانطباق على غير الأئمة المعصومين (علیهم السلام) ؟
قلت: لعلّ عدم ذكر الأسماء صراحة لأسباب: منها: أنّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قد أراد - وهو على فراش الموت - أن يصرّح باسم عليّ وأولاده (علیهم السلام) حين قال (صلی الله علیه و آله و سلم): آتوني بدواة وكتف لأكتب لكم كتاباً لن تضلّوا من بعده أبداً، فقال عمر: إنّ الرجل ليهجر وحسبنا كتاب الله ووقع اللغط والنزاع بينهم(1)، فبعد هذه الجرأة العظيمة على رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، وعلم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من ذلك بتصميم القوم وعزمهم على المخالفة وأنّ الكتابة لا فائدة منها وقد تنجرّ إلى ما هو أسوأ من ذلك، بل قد تصل الحال - والله العالم - إلى هتك حرمة الإسلام في نفس ذلك المجلس، ومن أجل ذلك انصرف النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) عن الكتابة، ولعلّ عدم التصريح في الكتاب العزيز بأسماء الأئمة (علیهم السلام) إنما كان لهذه الجهة أيضاً، فليس من البعيد أن يقع التحريف بعد ذلك - في الكتاب كما وقع التحريف في السنة النبوية الشريفة.
ومنها: أنّ ذلك امتحان للعباد ليحيى من حيّ عن بيّنة ويهلك من هلك عن بيّنة.
ومنها: ما أجاب به الإمام الصادق (علیه السلام) أبا بصير حينما سأله عن ذلك، فقد
ص: 364
روى الكليني بسنده الصحيح، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن قول الله عزوجل: «أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ» فقال: نزلت في عليّ بن أبي طالب والحسن والحسين (علیه السلام) فقلت له:إنّ الناس يقولون: فما له لم يسمّ عليّاً وأهل بيته (علیهم السلام) في كتاب الله عزوجل؟ قال: فقال: قولوا لهم: إنّ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) نزلت عليه الصلاة ولم يسمّ لهم ثلاثاً ولا أربعاً، حتى كان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) هو الذي فسّر ذلك لهم، ونزلت عليه الزكاة ولم يسمّ لهم من كل أربعين درهماً درهم، حتى كان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) هو الذي فسّر ذلك لهم، ونزل الحج فلم يقل لهم: طوفوا اسبوعاً حتى كان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) هو الذي فسّر ذلك لهم، ونزلت: «أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ» ونزلت في عليّ والحسن والحسين، فقال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في علي: من كنت مولاه فهذا علي مولاه، وقال (علیه السلام): أوصيكم بكتاب الله وأهل بيتي، فإنّي سألت الله عزوجل أن لا يفرّق بينهما حتى يوردهما عليّ الحوض، فأعطاني ذلك، وقال: لا تعلّموهم فهم أعلم منكم، وقال: إنهم لن يخرجوكم من باب هدى، ولن يدخلوكم في باب ضلالة، فلو سكت رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فلم يبيّن من أهل بيته لادّعاها آل فلان وآل فلان، ولكنّ الله عزوجل أنزله في كتابه تصديقاً لنبيه (علیه السلام): «إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» فكان علي والحسن والحسين وفاطمة (علیهم السلام)، فأدخلهم رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) تحت الكساء في بيت أم سلمة، ثم قال: اللهم إنّ لكل نبي أهلاً وثقلاً وهؤلاء أهل بيتي وثقلي، فقالت أم سلمة: ألست من أهلك؟ فقال: إنّك إلى خير، ولكن هؤلاء أهلي وثقلي فلمّا قبض رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) كان علي أولى الناس بالناس لكثرة ما بلّغ فيه رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وإقامته للناس وأخذه بيده، فلما مضى علي لم يكن يستطيع علي ولم يكن ليفعل أن يدخل محمد بن علي، ولا العباس بن علي ولا واحداً من ولده، إذاً لقال الحسن والحسين: إنّ الله تبارك وتعالى أنزل فينا كما
ص: 365
أنزل فيك فأمر بطاعتنا كما أمر بطاعتك، وبلّغ فينا رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) كما بلّغ فيك، وأذهب عنّا الرجس كما أذهبه عنك، فلمّا مضى علي (علیه السلام) كان الحسن(علیه السلام) أولى بها لكبره، فلما توفّي لم يستطع أن يدخل ولده ولم يكن ليفعل ذلك، والله عزوجل يقول: «وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ» فيجعلها في ولده، إذاً لقال الحسين: أمر الله بطاعتي كما أمر بطاعتك وطاعة أبيك، وبلّغ فيّ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) كما بلّغ فيك وفي أبيك، وأذهب الله عنّي الرجس كما أذهب عنك وعن أبيك، فلما صارت إلى الحسين لم يكن أحد من أهل بيته يستطيع أن يدّعي عليه كما كان هو يدّعي على أخيه وعلى أبيه، لو أرادا أن يصرفا الأمر عنه، ولم يكونا ليفعلا، ثم صارت حين أفضت إلى الحسين (علیه السلام) فجرى تأويل هذه الآية «وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ » ثم صارت من بعد الحسين لعلي بنالحسين، ثم صارت من بعد علي بن الحسين إلى محمد بن علي، وقال: الرجس هو الشكّ، والله لا نشك في ربّنا أبداً(1) .
ومنها: ما أجاب به العلاّمة السيد شرف الدين (قدس سره) من أنّ الله تعالى علم أنّ القوم لا يرضون بعلي إماماً من بعد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فإنّ القلوب اضبّت على عداوته لأنّه وتر الأقربين والأبعدين في الله، وكان مقتضى حكمة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في تبليغه عهد الإمامة إلى علي (علیه السلام) أن يكون على وجه يراعي فيه الحكمة ويتحرى به المطابقة لمقتضى تلك الأحوال، فلو صرّح باسمه (علیه السلام) في القرآن لكان في ذلك الخطر على الأمة والتغرير بالإمام وبالنبي وبالدين كلّه فروعه وأصوله(2) .
ومنها: أنّ ذكر الأوصاف إذا كانت لا تنطبق في الخارج إلاّ على فرد معيّن،
ص: 366
فإنّ ذلك يغني عن التصريح باسمه، وقد اشتمل القرآن على آيات عديدة انحصر مصداقها في أمير المؤمنين والأئمة المعصومين من ولده صلوات الله عليهم أجمعين.
ولعل هناك أسباباً أخرى لم نقف عليها.
والحمد لله على هدايته لدينه والتوفيق لما دعا إليه من سبيله.
وبهذا يتم الكلام عن الولاية التكوينية والتشريعية للنبي والأئمة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
في ثبوت الولاية التشريعية بالمعنى المتقدم، للفقيه الجامع للشرائط وعدمه.
والمتسالم عليه بين الفقهاء هو الثبوت في الجملة، ونسب إلى جماعة ثبوتها للفقيه على نحو الإطلاق، وذهب آخرون إلى عدم الثبوت.
وقبل الدخول في البحث لابدّ من ذكر مناصب الفقيه ومراتب ولايته وتحرير محلّ الكلام فنقول:
يمكن تقسيم مراتب ولاية الفقيه إلى خمسة أقسام:الأولى: أن تكون للفقيه الولاية العامة على جميع الناس في جميع شؤونهم الفردية والاجتماعية، كما هي بالنسبة للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) والأئمة (علیهم السلام)، بمعنى أن يكون الفقيه أولى بالناس من أنفسهم.
الثانية: أن تكون له الولاية على جميع شؤون الناس الاجتماعية مع سلطته وأمارته عليهم.
الثالثة: أن تكون له الولاية عليهم في أمورهم الاجتماعية التي هي مورد اهتمام الشارع المقدس والتي علم منه أنه لا يرضى بتركها من دون السلطة عليهم.
الرابعة: أن تكون له الولاية في القضاء والحكم.
ص: 367
الخامسة: أن تكون له الولاية في الفتوى والأحكام الشرعية الفرعية.
والمقصود بالبحث من هذه المراتب في هذا المقام هي المرتبة الثالثة، وما عداها خارج عن محل الكلام.
وذلك لأنّ المرتبتين الأخيرتين ثابتتان بلا إشكال، وقد تسالم الفقهاء عليهما.
وأمّا الأوليان فهما وإن كانتا محل الخلاف بين الأعلام حتى أنّ شيخنا الأنصاري (قدس سره) قد قال عن المرتبة الأولى: إنّ دون إثباتها خرط القتاد، وإن كان القول بها مشهورياً(1)، ونقل السيد الأستاذ (قدس سره) أنه نسب إلى بعض معاصري صاحب الجواهر (قدس سره) أنه كان يقول بالولاية العامة للفقيه وكونه مستقلاً في التصرّف في أموال الناس وأنفسهم واجتمع معه في مجلس، وقال صاحب الجواهر: زوجتك طالق، فقال المعاصر: لو كنت متيقناً باجتهادك لاجتنبت عن زوجتي(2) - إلاّ أنهما غير داخلتين فيما نحن بصدده ولا ربط لهما به، وذلك لأنّنا قد ذكرنا في ما تقدم أنّ البحث عن ولاية الفقيه فيما يتعلق بحقه في التصرّف في أموال اللقطة والرجوع إليه في أموال الظالمين، وأخذ الزكوات والخمس والخراج، ونحو ذلك، وهذا المقدار لا يتطلب التعرض لأكثر من المرتبة الثالثة.
هذا، مضافاً إلى أنّ عدة من الأعلام قد وضعوا رسائل وكتباً تناولوا بالبحث فيها عن تينك المرتبتين فلا داعي للتعرّض إليهما.
على أنّ البناء في البحث في هذا الموضوع على الاختصار.وعليه فالبحث يقع في أنه إذا فرض التفكيك في مناصب الفقيه وولايته وتمكّن الفقيه من التصدي لهذه الأمور كما إذا كان تحت سلطان عادل أو كان تحت سلطان جائر ولكن مكّنه من التصرّف، فهل للفقيه أن يتصدّى أو لا؟
ص: 368
فنقول وبالله التوفيق: إنّ البحث تارة يقع في مقتضى الأصل العملي وأخرى في مقتضى الأصل اللفظي.
وقبل الشروع في ذلك لابدّ من الإشارة إلى تمييز المهام والوظائف التي ترجع إلى القاضي عن المهام والوظائف التي ترجع إلى الفقيه - موضع البحث - لئلاّ يقع الخلط بين مهام أحدهما بمهام الآخر.
أما مهام ووظائف القاضي فهي على نحو الإجمال كما يلي:
الأولى: الحكم في المرافعات والتسوية بين المتخاصمين والتحلّي بجميع آداب القضاء.
الثانية: استعلام حال الشهود وأمنائه والعمل على طبق اختباراته.
الثالثة: أخذ المال من الممتنع وإيصاله إلى مستحقه.
الرابعة: حفظ مال الغائب.
الخامسة: التصدّي أو نصب القيّم على الأيتام والمجانين والمحجور عليهم لسفه أو فلس، على وجه.
السادسة: التصدّي للأوقاف العامة بحفظها وتنميتها وقبض عوائدها وصرفها في مواردها، على وجه.
السابعة: التصدي لأموال اللقطة، على وجه.
الثامنة: إنفاذ الوصايا مع شروط الموصي إما مع عدم الوصي أو مع وجوده وإخلاله بالشروط، على وجه.
التاسعة: تزويج الأيامى بالأكفاء مع فقدان الأولياء وصلاحهن للنكاح، على وجه.
هذا، وليس ما ذكرناه من هذه الوظائف على سبيل الحصر، وسيتضح ذلك فيما سيأتي.
ص: 369
وأما المهام والوظائف التي ترجع إلى الفقيه فهي أيضاً كما يلي:
الأولى: رعاية بيت المال بأخذ الخراج والزكوات والأخماس وصرفها في مصالح المسلمين والإنفاق على المستحقين.
الثانية: قبض سهم الإمام (علیه السلام) بالنيابة والتصرّف فيه بصرفه في محلّه، وهذه الوظيفة وإن كان داخلة في الأولى إلاّ أننا أفردناها بالذكر لأهميتها.الثالثة: إقامة الحدود والتعزيرات.
الرابعة: حق العفو عن الجاني في بعض الحالات.
الخامسة: الحكم بالجهاد على قول، ووضع الجزية على الرؤوس بحسب ما يراه أو قسطاً منها على الرؤوس وقسطاً منها على الأراضي.
السادسة: نصب أئمة الجمعات والأعياد وتعيين القضاة.
السابعة: إعلان الفطر والأضحى والحكم بالصوم في شهر رمضان.
الثامنة: في الحكم بالهلال وتعيين الموقفين في الحج وإعلان الوقوف والرحيل في المشاعر.
التاسعة: إقامة فرائض الدين وشعائره وعدم تعطيلها كلزوم بعث الناس إلى أداء الحج إذا امتنعوا ونحو ذلك.
العاشرة: محاربة البدعة وإماتتها والدفاع عن الدين وحفظه وإقامة السنن وصيانة الشريعة عن التغيير والتبديل والانحراف.
وهذه هي وظائف الفقيه على نحو الإجمال لا الحصر وإنما ذكرناها تمييزاً لها عن مناصب القاضي، وسيأتي ذكر بعض آخر في خاتمة هذا المبحث بإذن الله تعالى.
وبعد هذا نقول: يقع الكلام أولاً فيما يقتضيه الأصل العملي. وثانياً فيما يقتضيه الأصل اللفظي.
ص: 370
أما الأصل العملي فهو في ثلاثة موارد.
وذلك لأنّ الشك تارة يكون في المفهوم وهو على نحوين:
الأول: أن يكون فيما علم فيه استقلال الإمام (علیه السلام) بالتصرّف فيه ويشك في أنّ للفقيه ذلك أو لا؟
الثاني: أن يكون فيما علم فيه اشتراط إذن الإمام (علیه السلام) ويشكّ في أنه مشروط بإذن الفقيه أو لا؟
وأخرى يكون الشك في المصداق، بمعنى أنّ الأمر المشكوك فيه لا يعلم هل للإمام (علیه السلام) وحده حق التصرّف فيه وليس لأحد غيره حق في ذلك، أو أنه مشروط بإذنه، أو أنه لا حاجة فيه للإذن أصلاً ومع ذلك يشك في أن للفقيه ذلك أم لا؟
والنسبة بين الموردين الأولين عموم من وجه، فقد يجتمعان كما في مجهول المالك، والتصدق بالمال عن صاحبه، فإنّ للإمام (علیه السلام) أن يتصرّف على نحو الاستقلال كما أنّ لغيره أن يتصدّق عنه بإذن الإمام (علیه السلام)، وهكذا التصرّف في أموال القاصرين.ويفترق الأول عن الثاني في الحكم بالهلال، والتصدّي لجمع الزكاة والخراج.
ويفترق الثاني عن الأول في التقاص في الأموال فهو مشروط بالإذن وليس للإمام (علیه السلام) أو الفقيه الاستقلال بالتصرّف.
أما المورد الأول: وهو ما يتعلق بالموارد التي شك في أنّ للفقيه حق الاستقلال بالتصرف فيها نيابة عن المعصوم (علیه السلام)، فإن تمت أدلّة النيابة العامة فهو، وإلاّ فهي مجرى أصالة البراءة بمعنى أصالة عدم المشروعية فيما إذا شكّ في مشروعيّته للفقيه كإقامة الحدود والتعزيرات، وتزويج الصغيرة أو الصغير من دون رضى الأب
ص: 371
والجد، وولاية المعاملة على مال الغايب بالعقد عليه وفسخ العقد الخياري عنه، وغير ذلك.
وأما مع عدم الشك في المشروعية بمعنى أنّ مشروعية إيجادها في الخارج مفروغ عنها بحيث لو فرض عدم الفقيه كان على الناس القيام بها كفاية كتجهيز الميت وتغسيله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه.
وبعبارة أخرى: عند دوران الأمر بين كونه واجباً عينياً أو كفائياً، فحينئذ تكون أدلة النيابة دالّة على الجواز إما على نحو العينية، وإما على نحو الكفاية، ولا إشكال في ثبوت أصل المشروعية.
وبناء على هذا فمقتضى الأصل عدم المشروعية في الصورة الأولى دون الثانية، وكلتا الصورتين وإن كانتا مجرى لأصالة البراءة لكنها في الأولى بمعنى عدم المشروعية وفي الثانية بمعنى المشروعية.
هذا ما ذكره الشيخ (قدس سره) (1) إلاّ أنّ المحقق الاصفهاني (قدس سره) ذكر أنّ الأصل الجاري في الصورة الثانية هو الاشتغال، حيث قال: نعم إن علم إجمالاً بوجوبه عليه إما عيناً أو كفاية وجب عليه بالخصوص للقطع بتوجه الخطاب نحوه مع الشك في سقوطه بفعل الغير، وإن قلنا بالبراءة في التعيين والتخيير، لإمكان دعوى العلم بالتكليف بالجامع والشك في لزوم الخصوصية هناك دون ما نحن فيه، إذ لا معنى لتوجه التكليف نحو الجامع من المكلّفين والشك في خصوصية الفقيه(2) .
والظاهر أنّ الصحيح في هذه الصورة - الثانية - هو ما ذكره ! وذلك:
أما بالنسبة إلى الفقيه فإن كان هناك إطلاق في الأمر بالتصرّف فمقتضاه أن يكون عينيّاً لما حقق في محلّه من أنّ مقتضى إطلاق الأمر هو العينية التعيينيّة، وأما
ص: 372
الكفائية فهي بحاجة إلى مؤونة زائدة.
وإن لم يكن هناك إطلاق في الأمر فيختلف الأصل العملي باختلاف المباني المذكورة في الواجب الكفائي من أنّ التكليف يتعلق بكل فرد، أو بالجامع الانتزاعي، أو بالفرد المردد، أو غير ذلك مما فصّلناه في الأصول.
وبناء على ما قويناه تبعاً لصاحب الكفاية ! (1) من أنّ التكليف يتعلّق بكل فرد، غاية الأمر عدم العلم بسقوط التكليف عن الفقيه عند إتيان الغير به أو تصدّيه له، فيحكم بعدم السقوط بأصالة الاشتغال.
وأما بالنسبة إلى غير الفقيه فيقال: إنّ أصل توجّه التكليف إليه مع التمكن من الرجوع إلى الفقيه مشكوك فيه، والأصل عدم مشروعية التصرّف فلا يجوز له التصدّي.
والحاصل: أنّ للفقيه حقّ التصدّي والتصرّف إما من جهة الإطلاق وإما من جهة الاشتغال، وأما غير الفقيه فلا يسوغ له ذلك.
وأما المورد الثاني: وهو ما إذا كان الشك في كون إذن الفقيه شرطاً في جواز التصرف، فقد ذكر الشيخ ! (2) أنّ مجرى الأصل هو الاشتغال وعدم جواز تصرّف الغير بدون إذنه، فإنه وإن فرض عدم ثبوت الولاية العامة للفقيه بالدليل إلاّ أنه يمكن إثبات ذلك بالأصل.
ولكن الظاهر هو التفصيل في هذا المورد أيضاً كالمورد الأول كما يظهر من المحقّقين صاحب الكفاية(3) والاصفهاني(4) والسيد الأستاذ(5) قدست أسرارهم
ص: 373
وبيان ذلك:
إنّ التصرف تارة يكون في المعاملات، فالأصل يقتضي عدم نفوذ تصرّف الغير إلاّ بإذن الفقيه، لأنّ الأصل عند الشك في المعاملات هو الفساد، وتارة يكون التصرف في غير المعاملات وهو لا يخلو إما أن يكون متعلقاً بالأنفس والأموال وإما أن لا يكون كذلك.فإن كان متعلقاً بالأنفس والأموال كالحدود والتعزيرات، والتصرّف في أموال الإمام (علیه السلام)، والأوقاف وأمثال ذلك فلا يجوز التصرّف إلاّ بإذن الفقيه، وذلك لأنّ من الضرورات المسلّمة عدم جواز التصرّف في أموال الناس وأنفسهم وأعراضهم من دون إحراز مسوّغ شرعي، ومع عدم الإذن لم يحرز المسوّغ، فلا يكون التصرّف مشروعاً.
وإن كان غير متعلّق بالأنفس والأموال بل كان أمراً عبادياً وشبهه، فهو على قسمين:
الأول: أن يحرز أصل الوجوب ويشكّ في أنّ الإذن شرط في صحّته أو لا، والمسألة - حينئذ - من باب الأقل والأكثر الارتباطيين، والحكم فيها البراءة العقلية والنقلية أو أحدهما.
الثاني: أن لا يحرز أصل الوجوب وهو على ثلاثة أنحاء:
أحدها: أن يكون الشك في أصل الوجوب وهل هو مشروط بإذن الفقيه أو لا؟ كما في صلاة الجمعة، بناء على ما ذهب إليه بعضهم من أنّ وجوبها مشروط بإذن الفقيه، وحينئذ تجري أصالة العدم أي البراءة، بل لا يجب الاستئذان لعدم وجوب تحصيل شرط الواجب، وإنما الواجب هو إتيانه بعد تحقق موضوعه وشرائطه بأجمعها.
ثانيها: أن يكون الشك في أصل المشروعية وجواز العمل وتوقفه على إذن
ص: 374
الفقيه، والأصل حينئذ هو الإباحة.
ثالثها: أن يكون الشك في كلا الوجهين أي الشك في أصل الوجوب وفي جواز التصرّف معاً وتوقفهما على إذن الفقيه.
فإن كان في الأمور المالية فحكم الأول عدم الوجوب، وحكم الثاني عدم الجواز إلاّ مع إذن الفقيه.
وإن كان في غير الأموال كما هو المفروض ففي كلا الأمرين تجري الإباحة أي مشروعية التصرّف وإباحته.
فتبيّن أنّ القول بالاشتغال أو البراءة يختلف باختلاف الصور، فالقول بأصالة الاشتغال مطلقاً غير تام.
وأما المورد الثالث وهو ما إذا كانت الشبهة مصداقية فقد ذكر الشيخ ! أنّ المرجع فيها إلى إطلاقات أدلة تلك التصرفات - إن وجدت - على الجواز أو المنع، وإلاّ فإلى الأصول العملية(1).وتفصيل ذلك: إنّ صور الشبهة المصداقية ثلاث:
الأولى: أن يشك في الأمر بأنه هل هو من وظائف الفقيه أو القاضي أو لا؟
الثانية: أن يشك فيه بأنه هل هو من وظائف الفقيه أو لا؟
الثالثة: أن يشك فيه بأنه هل هو من وظائف القاضي أو لا؟
وكل من هذه الصور الثلاث إما أن تكون مع فرض ثبوت الولاية للفقيه، وإما أن تكون مع فرض عدم ثبوتها، وإما أن تكون مع فرض الشك في ثبوتها.
أما الصورة الأولى وهي تردد الأمر بين أن يكون من وظائف الفقيه أو القاضي فمع فرض ثبوت الولاية يجوز للفقيه التصدي دون القاضي، وذلك لأنّ للفقيه الصلاحية في التدخّل في شؤون القاضي بخلاف العكس.
ص: 375
وإذا دار الأمر بين أن يكون للفقيه فقط أو الأعم منه فالقدر المتيقن هو تصدّي الفقيه، وأما تصدّي القاضي فمشكوك في جوازه فتجري في حقه أصالة العدم.
وأما مع فرض عدم ثبوت الولاية للفقيه فهو على نحوين لأنه تارة يكون المورد المشكوك فيه من الموارد غير المهمة، وأخرى يكون من الموارد المهمة فإن كان من قبيل الأول فلا يجوز التصرف لكل من الفقيه والقاضي.
وإن كان من قبيل الثاني أي من الموارد المهمة التي لا يرضى الشارع بتركها بحيث إذا تركت استوجب الإخلال بالنظام أو الهرج والمرج، كحفظ مال الغائبين والقاصرين ونحو ذلك فحكمه عكس الفرض الأول، بمعنى أنه يجب على القاضي التصدي له دون الفقيه لفرض عدم ثبوت ولايته.
وإذا دار الأمر بين تصدّي القاضي فقط والأعم منه فالقدر المتيقن هو تصدي القاضي، وأما تصدي الفقيه فحيث إنّ الفرض عدم ثبوت ولايته فلا يجب عليه بكلا نحويه، بمعنى أنه إن كان من الأمور غير المهمّة فليس لكل من الفقيه والقاضي حق التصرف، وإن كان من الأمور المهمة فللقاضي حقّ التصدّي والتصرّف دون الفقيه.
وأما الصورتان الثانية والثالثة فحكمهما واحد، بمعنى جريان أصالة الاشتغال في حق الفقيه على فرض ثبوت الولاية دون القاضي، والتفصيل على فرض عدم ثبوت الولاية بين الأمور المهمة فتجري أصالة الاشتغال في حق القاضي دون الفقيه، وبين الأمور غير المهمةفتجري أصالة العدم في حق كل منهما، وكذا مع فرض الشك في الولاية للفقيه فالحكم فيها هو حكم فرض عدم الثبوت.
هذا ما يقتضيه الأصل العملي بغض النظر عن ثبوت الولاية بالدليل
ص: 376
الاجتهادي، وقد تبيّن من خلال التفاصيل المتقدمة أي من الأصول جارٍ في المقام كما تبيّن موارد جريانها.
وأما ما يقتضيه الأصل اللفظي فقد ذكر كلّ من المثبتين والنافين أدلّة في المقام.
استدل المثبتون على ثبوت المرتبة الثالثة من الولاية للفقيه بالأدلة الأربعة: الكتاب والسنة والإجماع والعقل.
وهو قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ»(1).
وتقريب
الاستدلال بالآية الشريفة من وجهين:
الأول: وهو يتوقف على بيان الوجه في تكرير الأمر بالطاعة أولاً، وعلى بيان معنى أولي الأمر ثانياً.
فنقول: أما بالنسبة إلى تكرار الأمر بالطاعة فقد ذكر بعضهم أنّ الوجه في ذلك هو إفادة التأكيد.
والظاهر أن هذا الوجه غير وجيه لإمكان القول بأن عدم التكرير هو المفيد للتأكيد لدخول إطاعة الرسول وأولي الأمر في وحدة الأمر بالطاعة والملازمة بين إطاعة الله وإطاعة الرسول وأولي الأمر وكأنهما هي، بخلاف تكرير الأمر بالإطاعة فلا يفيد ذلك لاحتمال المغايرة وانفكاك إحداهما عن الأخرى.
ولعلّ الحكمة في التكرير هي اختلاف متعلّق الإطاعة فهي بالنسبة إلى الله
ص: 377
تعالى تتعلق بالأحكام والفرائض، وأما بالنسبة إلى الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) فهي تتعلق بالسنن وبكل ما يأمر به النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) من الأمور المهمة بما يراه هو (صلی الله علیه و آله و سلم) وإن كان لا يأمر ولا يتصرّف إلاّ بما فيه رضى الله تعالى.وبعبارة أخرى: إنّ الأمر بإطاعة الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) متعلّق بما فوّض له فيه وكذا الحال بالنسبة إلى أولي الأمر، فإنّ أوامرهم وتصرفاتهم في الأمور المهمة واجبة الإطاعة كإطاعة الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم)، ولذلك اكتفي في الآية بلفظة واحدة بالنسبة إليهما معاً .
ومن ذلك يظهر أنّ كل ما كان واجباً من الإطاعة كإطاعة الولد لوالده والزوجة لزوجها، والعبد لمولاه، ونحو ذلك فهو داخل في إطاعة الله تعالى، وأنّ المراد من إطاعة الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) وأولي الأمر هو إطاعتهم في كل ما يأمرون به ويتصرّفون فيه من الأمور المهمة التي يلزم من الإخلال بها الإخلال بالنظام وحصول الهرج والمرج.
وعلى ما ذكرنا حمل شيخنا الأنصاري ! الأمر الوارد في الآية حيث قال: فإنّ الظاهر من هذا العنوان عرفاً من يجب الرجوع إليه في الأمور العامة التي لم تحمل في الشرع على شخص خاص(1) .
كما حمل ! الحوادث في رواية «وأما الحوادث الواقعة ...» على ذلك أيضاً قال: فإنّ المراد بالحوادث ظاهراً مطلق الأمور التي لابدّ من الرجوع فيها عرفاً أو عقلاً أو شرعاً إلى الرئيس(2) .
وأما بالنسبة إلى معنى أولي الأمر فقد اختلف فيه على أربعة أقوال ذكر صاحب المجمع قولين وأضاف الرازي قولين آخرين.
أما صاحب المجمع فقد قال: للمفسّرين فيه قولان: أحدهما: أنهم الأمراء
ص: 378
(أمراء السرايا كما في رواية أخرى) عن أبي هريرة، وابن عباس في إحدى الروايتين، وميمون بن مهران، والسدي، واختاره الجبائي، والبلخي، والطبري.
والآخر: أنهم العلماء عن جابر بن عبد الله وابن عباس في الرواية الأخرى، والحسن، وعطاء، وجماعة، وقال بعضهم: لأنّهم الذين يُرجع إليهم في الأحكام، ويجب الرجوع إليهم عند التنازع دون الولاة(1) .
وأما الرازي فقد ذكر في تفسيره القولين الآخرين قال: أحدهما: أنّ المراد من أولي الأمر الخلفاء الراشدون ... ورابعها: نقل عن الروافض أنّ المراد به الأئمة المعصومون(2) . واختار أنّ المراد هو أهل الحلوالعقد من الأمة مع أنّه خلاف الإجماع ثم أرجعه إلى القول الثاني المتقدم(3) في كلام صاحب المجمع.
وإذا تبيّن هذان الأمران أمكن الاستدلال بالآية الشريفة بأن يقال: إنّ الفهم العرفي للظاهر من لفظ «أولي الأمر» مع غضّ النظر عن أية قرينة في البين هو أن معناه: أصحاب الأمر الذين تجب إطاعتهم فيما إذا كانت أوامرهم في طاعة الله، لا في معصيته وعليه فلا مناص عن شموله لأولي الأمر الذين لهم الولاية بالحق لا بالجور أي الذين أمرهم أمر بالحقّ.
وأما خصوص طائفة معيّنة من هذه الأقوال المذكورة فلا دلالة للآية على شيء منها، نعم للآية شمول للطوائف الأربع من باب التطبيق لا من باب الانحصار، وعليه فالمراد بصاحب الأمر هو كل من له حق الأمر وثبت له ذلك شرعاً، وأما مع عدم الثبوت فهو غير مشمول فلا يقال صاحب الدار - مثلاً - لمن لم يثبت شرعاً أنّ الدار له.
هذا، مضافاً إلى أنّه لا إشكال في وجوب إطاعة أمراء الأئمة وعمّالهم
ص: 379
ونوابهم، ووكلائهم، بمقدار ما رسم لهم من ولايتهم، مع أنّهم غير داخلين في هذه الأقوال.
والحاصل: أنّ الفقهاء داخلون في المراد من «أولي الأمر» إما على التنصيص والتعيين بناء على أنّ ولايتهم شرعية وصحيحة من جهة النص، أو من جهة رجوع الناس إليهم وانتخابهم لذلك، فإنّ الناس مسلّطون على أنفسهم وأموالهم ومن حق الناس أن ينقلوا هذه السلطنة للفقيه الجامع للشرائط، فيكون وليّاً عليهم.
ويؤيد ذلك: ما ورد في التفسير عن ابن عباس في قوله: «أولي الأمر منكم» يعني: أهل الفقه والدين، وأهل طاعة الله الذين يعلّمون الناس معاني دينهم ويأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر، فأوجب طاعتهم على العباد(1) .
وما ورد عن جابر بن عبد الله في قوله: «أولي الأمر» قال: أولي الفقه وأولي الخير(2) .وما ورد عن مجاهد قال: هم الفقهاء والعلماء(3) .
هذا، ولكن هذا التقريب قابل للمناقشة من وجوه:
الأول: أنه خلاف إجماع الإمامية، قال في المجمع بعد نقله لقولي العامة في تفسير «أولي الأمر» : وأما أصحابنا فإنهم رووا عن الباقر والصادق: أنّ أولي الأمر هم الأئمة من آل محمد(صلی الله علیه و آله و سلم)، أوجب طاعتهم بالإطلاق كما أوجب طاعته وطاعة رسوله(4) .
الثاني: أنّ المراد من أولي الأمر في الآية الشريفة هو المراد من أولي الأمر
ص: 380
في آية أخرى من نفس السورة وهي قوله تعالى: «وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمْ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً»(1) .
ولم يرد في القرآن الكريم لفظ أولي الأمر إلاّ في هاتين الآيتين.
والظاهر أنّ المراد من أولي في الآية الثانية هم الذين يملكون القدرة على إخراج القول من مرحلة الإبهام إلى مرحلة التمييز والوضوح، وبيان صحته وسقمه وصدقه وكذبه، والوقوف على بطن المعنى، وكشف صلاحه من عدمه.
وهذه القدرة لا تتمثّل إلاّ في الأئمة المعصومين (علیهم السلام) ولا تنطبق إلاّ عليهم دون بقية الأقوال.
أما عدم انطباق هذا المعنى على أمراء السرايا فلأنّ شأنهم غير هذا الشأن وذلك لأنّ المراد من قوله تعالى: «وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ »هو الأقاويل والأباطيل التي يدسها الكفار ورسلهم لإيقاع الفتنة والنفاق بين المسلمين بحيث يوجب تزلزلهم واختلافهم، وكان الضعفاء والبسطاء من المسلمين يذيعون ذلك ويفشونه، الأمر الذي يكون سبباً لوصول الكفار إلى مقاصدهم وأهدافهم الدنيئة.
ولاشكّ أنّ فهم هذه الأمور ومعرفتها ليست من شأن أمراء السرايا، وإنما شأنهم التدبير الحربي والتنظيم العسكري، وما يتعلّق بشؤون الحرب والقتال.نعم قد ينطبق المعنى المذكور على بعض أمراء السرايا على نحو الإيجاب الجزئي إلاّ أنه لا يفيد في المقام لأنّ المراد هو أنّ جميع أولي الأمر لهم هذا الشأن.
والحاصل: أنّ معرفة ما يوجب الإخلال والزعزعة في الدين من فعل الكفار والمشركين ليس من شأن أمراء السرايا، وإنما هو من شأن العالمين بأسرار
ص: 381
الأمور وأبعادها وهم الأئمة المعصومين (علیهم السلام) .
وأما عدم انطباقه على الفقهاء فلأنّ المراد بهم رواة الأحاديث والعلماء وهؤلاء ليس لهم الخبرة الكافية في الاستنباط والعلم التام بأسرار الأمور، وأبعادها فإنّ إحاطتهم بالقضايا والأحكام إحاطة ظاهرية لا واقعية، ولذا قد يقضي نظرهم في تشخيص أمر بردّه أو قبوله أو إهماله إلى مفاسد كثيرة بحيث لا يمكن بعد ذلك إصلاحها، نظراً لقصور إحاطتهم، وأما المعذورية أو عدمها فهي شيء آخر لا ربط له بالمقام.
والحاصل: أنّ القول بأنّ المقصود من أولي الأمر هم الفقهاء والعلماء قاصر عن أن يكون هو المراد من الآية الشريفة.
وأما عدم انطباقه على الخلفاء فلأنّه:
أولاً: لو كان المراد به هم الخلفاء لكان هذا الأمر معلوماً في زمان النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وشائعاً بين المسلمين آنذاك، وليس من ذلك عين ولا أثر.
وثانياً أنّه يلزم من ذلك انقطاع حكم الآية بانقطاع أعمارهم، وهو خلاف ظاهر الآية، إذ المستفاد منها أن هذا الحكم باق ببقاء الليل والنهار إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
فتعين أنّ المراد من الآية هم الأئمة المعصومون (علیهم السلام) الذين هم عدل الكتاب ولن يفترقا حتى يردا الحوض.
الثالث: إنّ في القول بانطباق الآية الشريفة على إحدى الطوائف الثلاث غير الأئمة (علیهم السلام) مخالفة لظاهر الآية من جهة أخرى وبيانها:
أنّ قوله تعالى: «أَطِيعُوا اللهَ» يشتمل على الأمر بالإطاعة على نحو الإطلاق.
كما أنّ الأمر في قوله تعالى: «وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ » كذلك، وحيث قرنت إطاعة الرسول وأولي الأمر بإطاعة الله بمعنى أنهما في عرض واحد
ص: 382
فلازم ذلك أن يكون الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) وأولوا الأمر معصومين عن الخطأ، إذ لو كان الرسول غير معصوم والخطأ عليه جائز لما وجبت إطاعته في كل شيء لاحتمال أن يأمر بالمعصية وذلك يستوجب التناقض إذ لا يجب إطاعته في المعصية وهذا ينافي الأمر بإطاعته على نحوالإطلاق.
ومن ذلك يعلم أنّ الرسول لابدّ وأن يكون معصوماً وهذا بعينه يجري في أولي الأمر لاقتران إطاعتهم بإطاعة الرسول ولذا اكتفي في الأمر بالإطاعة بلفظ واحد، ونتيجة ذلك أنّ أولي الأمر لابدّ وأن يكونوا معصومين وإلاّ لزم التناقض.
والحاصل: أنّ وجوب الإطاعة مطلق أي في كل شيء وذلك يقتضي العصمة في القول والفعل، وهذا المعنى لا ينطبق إلاّ على الأئمة المعصومين (علیهم السلام) إذ لم تدّع العصمة لأحد من الطوائف الثلاث في حين قامت الأدلة على عصمة الأئمة المعصومين (علیهم السلام) .
الرابع: أنه قد ورد في تفسير أولي الأمر روايات كثيرة جداً وكلّها تنصّ على أنّ المراد هم الأئمة (علیهم السلام) على نحو الانحصار فيهم، لا من باب التطبيق.
ومن تلك الروايات موثقة بريد العجلي قال: سألت أبا جعفر (علیه السلام) عن قول الله عزوجل : «إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ»(1)، قال: إيّانا عنى، أن يؤدي الأول إلى الإمام الذي بعده، الكتب والعلم والسلاح، وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل الذي في أيديكم، ثم قال للناس: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، إيّانا عنى خاصة، أمر جميع المؤمنين إلى يوم القيامة بطاعتنا...(2).
وموثقة الحسين بن أبي العلا(3) قال: ذكرت لأبي عبد الله (علیه السلام) قولنا في
ص: 383
الأوصياء إنّ طاعتهم مفترضة؟ فقال: نعم، هم الذين قال الله عزوجل: «أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ» وهم الذين قال الله عزوجل: «إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ».
ومنها: صحيحة أبي بصير عن أبي جعفر (علیه السلام) في قول الله عزوجل: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ »قال: الأئمة من ولد علي وفاطمة (علیهم السلام) إلى أن تقوم الساعة(1) .ومنها: ما رواه الشيخ الصدوق ! بسنده عن جابر بن يزيد الجعفي قال: سمعت جابر بن عبد الله الأنصاري يقول: لما أنزل الله عزوجل على نبيه محمد (صلی الله علیه و آله و سلم): «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ» قلت: يا رسول الله عرفنا الله ورسوله، فمن أولوا الأمر الذين قرن الله طاعتهم بطاعتك؟ فقال (صلی الله علیه و آله و سلم): هم خلفائي يا جابر وأئمة المسلمين ]من[ بعدي أوّلهم علي بن أبي طالب، ثم الحسن والحسين، ثم علي بن الحسين، ثم محمد بن علي المعروف في التوراة بالباقر وستدركه يا جابر، فإذا لقيته فاقرأه مني السلام، ثم الصادق جعفر بن محمد، ثم موسى بن جعفر، ثم علي بن موسى، ثم محمد بن علي، ثم علي بن محمد، ثم الحسن بن علي، ثم سميّي وكنيّي حجة الله في أرضه، وبقيّته في عباده ابن الحسن بن علي، ذاك الذي يفتح الله تعالى ذكره على يديه مشارق الأرض ومغاربها، ذاك الذي يغيب عن شيعته وأوليائه غيبة لا يثبت فيها على القول بإمامته إلاّ من امتحن الله قلبه للإيمان، قال جابر: فقلت له: يا رسول الله فهل يقع لشيعته الانتفاع به في غيبته؟ فقال (صلی الله علیه و آله و سلم) إي والذي بعثني بالنبوة إنهم يستضيؤن بنوره وينتفعون بولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس وإن تجلّلها سحاب، يا جابر هذا من مكنون سرّ الله، ومخزون علمه فاكتمه إلاّ عن أهله ...(2) .
ص: 384
ومنها: ما ورد في صحيحة أبي بصير الأخرى قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن قول الله عزوجل: «أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ» فقال: نزلت في علي بن أبي طالب والحسن والحسين (علیهم السلام) فقلت له: إنّ الناس يقولون: فما له لم يسمّ علياً وأهل بيته (علیهم السلام) في كتاب الله عزوجل؟ قال: فقال: قولوا لهم: إنّ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) نزلت عليه الصلاة ولم يسمّ الله لهم ثلاثاً ولا أربعاً، حتى كان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) هو الذي فسّر ذلك لهم، ونزل الحج فلم يقل لهم: طوفوا اسبوعاً حتى كان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) هو الذي فسّر ذلك لهم، ونزلت: «أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ » ونزلت في علي والحسن والحسين، فقال رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) في علي: من كنت مولاه فعلي مولاه، وقال (صلی الله علیه و آله و سلم): أوصيكم بكتاب الله وأهل بيتي، فإنّي سألت الله عزوجل أن لا يفرّق بينهما حتى يوردهما عليّ الحوض فأعطاني ذلك ...(1) .والرواية طويلة اقتصرنا منها على موضع الحاجة وقد ذكرناها بطولها فيما تقدم.
وغيرها من الروايات الكثيرة وقد أورد صاحب البرهان في تفسيره(2) أكثر من ثلاثين رواية كلّها تنصّ على أنّ المعني بأولي الأمر في الآية هم الأئمة المعصومون (علیهم السلام).
والحاصل: أنّه لا معنى للقول بأن أولي الأمر في الآية مطلق ولا سيّما بعد ورود النصوص الكثيرة في تعيينهم على نحو الانحصار وقد تقدم أنّ بعضهم ادّعى الإطلاق في الآية وأجبنا عن ذلك.
وأما ما ورد في الاستدلال من أنّ ولاية الفقهاء ثابتة إما من جهة النص أو بالانتخاب استناداً إلى أنّ الناس مسلّطون على أموالهم وأنفسهم، وبناء عليه
ص: 385
تكون ولايتهم صحيحة وشرعية.
فجوابه: أولاً: إنّ دعوى ثبوت ذلك بالنصّ مصادرة على المطلوب.
وثانياً: إنه لم يقم دليل شرعي تام على شرعية الانتخاب وكل ما ذكر من الأدلة فهي إما وجوه عقلية ترجع إلى الاستحسانات والأقيسة الباطلة، وإما أدلة نقلية ضعيفة سنداً ودلالة ولا سيّما الاستناد إلى أنّ الناس مسلطون على أموالهم، أو أدلة البيعة وعدم جواز نكثها، أو أدلة النيابة في الأعمال.
مضافاً إلى أن غاية ما تثبته هذه الأدلة على فرض صحّة بعضها هو الجواز في أمر جزئي شخصي بالنسبة إلى شخص معين - كما في النيابة عن الأعمال العبادية مثلاً - ولا تتكفل بتسويغ التصرف في الأمور العامة، كالأوقاف وأموال القاصرين والغائبين وغيرها من الأمور المهمة على أنه سيأتي - مفصّلاً - البحث حول دعوى شرعية الانتخاب وبيان فسادها في المقام الثالث.
وبناء على ذلك فلا يمكن الاستدلال بهذه الأمور على مشروعية ولاية الفقيه فهذا الوجه من الاستدلال بالآية غير تام.
الوجه الثاني: أن يقال: إنّ مقتضى اهتمام الشارع بتنظيم شؤون الناس الفردية والاجتماعية في معاشهم ومعادهم، وإطلاق الخطاب في الآية الشريفة بإطاعة الله تعالى ورسوله وأولي الأمر، بقاء هذا الحكم وعدم انقطاعه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وقد ورد ذلك في الرواياتالواردة عنهم (علیهم السلام) كما تقدم. مضافاً إلى ما ذكرنا من تفسير الأمر الوارد في الآية الشريفة بأنه: ما كان مورداً لاهتمام الشارع مما لا يرضى بتركه وتعطيله، وإلاّ لزم اختلال النظام وحدوث الهرج والمرج.
وعليه فإن كان في زمان الحضور أمكن تحقيق ذلك وتحصيل غرض الشارع بإطاعتهم (علیهم السلام) والرجوع إليهم في مختلف القضايا والشؤون.
ص: 386
وأما في زمان الغيبة حيث لا ينال شرف لقاء المعصوم كلّ أحد فلابدّ من الالتزام بأحد أمرين:
الأول: أن يُلتزم بتعطيل هذه الأحكام ويترتب عليه الإهمال لأغراض الشارع، وهو موجب لاختلال النظام.
الثاني: أن يُلتزم بأن تناط مسؤولية إجراء الأحكام بأشخاص منصوبين من قبلهم (علیهم السلام) يقومون مقامهم بالمقدار الميسور لئلاّ يلزم الوقوع في المحذور من اختلال النظام والإهمال لأغراض الشارع، وإن لم يكن هؤلاء الأشخاص في قيامهم بهذه المسؤولية كالأئمة (علیهم السلام) من حيث المرتبة، وعلى الأئمة (علیهم السلام) - من باب اللطف - تأييد هؤلاء الأشخاص ومساندتهم وتسديدهم.
وإذا كان هناك من تتمثل فيه اللياقة للقيام بهذه المهمة فهم الفقهاء العدول دون من عداهم، وهو المطلوب.
هذا، وقد نوقش هذا الوجه بالالتزام بالأول من دون أن يلزم منه أي محذور وذلك لأنّ غياب الإمام المعصوم (علیه السلام) واستتاره إذا كان ناشئاً عن ظلم الأمة وخذلانها إياه، وأنّ كفّ يده الشريفة عن التصرّف في الأمور مستند إلى بسط أيدي الظالمين وجورهم فلا يُعدّ ذلك إهمالاً لغرض الشارع فإنّ ذلك نتيجة أعمال الناس أنفسهم، وأنهم حُرموا الخيرات والبركات بسوء أفعالهم، وأتُوا من قبل أنفسهم، وإذا كان ثمّة تقصير فهو راجع إلى من تسبّب في ذلك.
وقد اعتمد الأجلاء من الأصحاب على ذلك في الجواب عن الشبهة القائلة: أيّ فائدة ولطف في غيبة الإمام (علیه السلام) المساوية لفقده من جهة عدم تمكّنه من التصرّف في الأمور؟
فأجاب الشيخ المفيد ! في نكته بقوله: اللطف الواجب على الله تعالى في الإمام هو نصبه وتكليفه بالإمامة، والله تعالى قد فعل ذلك، فلم يكن مخلاًّ
ص: 387
بالواجب، وإنما الإخلال بالواجب من قبل الرعية، فإنّهم يجب عليهم أن يتابعوه ويمتثلوا أوامره ونواهيه ويمكّنوه من أنفسهم، فحيث لم يفعلوا كانوامخلّين بالواجب فهلاكهم من قبل أنفسهم(1) .
وأجاب السيد المرتضى ! في كتاب جمل العلم والعمل بقوله: وغيبة ابن الحسن (علیه السلام) سببها الخوف على النفس المبيح للغيبة والاستتار، وما ضاع من حد أو تأخّر من حكم يبوء بإثمه من سبّب الغيبة وأحوج إليها(2) .
وأجاب شيخ الطائفة ! في تلخيص الشافي: أنّ سبب غيبته إخافة الظالمين له ومنعهم يده عن التصرف فيما جعل إليه التدبير والتصرّف فيه ... إلى أن قال: وإذا خاف على نفسه وجبت غيبته ولزم استتاره، وقد استتر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) تارة في الشعب وأخرى في الغار، ولا وجه لذلك إلاّ الخوف من المضار الواصلة إليه(3).
وقال في كتاب الغيبة: لا علّة تمنع من ظهوره إلاّ خوفه على نفسه من القتل لأنّه لو كان غير ذلك لما ساغ الاستتار، وكان يتحمّل المشاقّ والأذى فإن منازل الأئمة وكذلك الأنبياء (علیهم السلام) إنما تعظم لتحمّلهم المشاقّ العظيمة في ذات الله تعالى(4) .
وقال المحقق الطوسي !: وجوده لطف وتصرّفه لطف آخر وعدمه منّا(5) .
ويظهر هذا المعنى أيضاً من كثير من الروايات منها: ما ورد في الكافي في موثقة زرارة قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: إنّ للغلام غيبة قبل أن يقوم، قال: قلت ولمَ؟ قال: يخاف - وأومأ بيده إلى بطنه - ثم قال: يا زرارة وهو المنتظر ...(6) .
ص: 388
ومنها: روايته الأخرى قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: إنّ للقائم (عج الله تعالی فرجه الشریف) غيبة قبل أن يقوم، قلت: ولم؟ قال: إنّه يخاف - وأومأ بيده إلى بطنه، يعني القتل(1).ورواهما صاحب الكافي في موضعين آخرين من نفس الباب(2) .
وقريب منهما ما رواه النعماني في غيبته(3) .
ومنها: ما رواه أبو حمزة في الصحيح عن أبي إسحاق السبيعي، عن بعض أصحاب أمير المؤمنين (علیه السلام) ممّن يوثق به، أنّ أمير المؤمنين (علیه السلام) تكلّم بهذا الكلام وحفظ عنه، وخطب به على منبر الكوفة: اللهم إنه لابدّ لك من حجج في أرضك، حجة بعد حجة على خلقك، يهدونهم إلى دينك ويعلمونهم علمك، كيلا يتفرّق أتباع أوليائك، ظاهر غير مطاع أو مكتتم يترقّب، إن غاب عن الناس شخصهم في حال هدنتهم فلم يغب عنهم قديم مبثوث علمهم، وآدابهم في قلوب المؤمنين مثبتة، فهم بها عاملون.
ويقول في هذه الخطبة في موضع آخر: فيمن هذا، ولهذا يأزر العلم إذا لم يوجد له حملة يحفظونه ويروونه كما سمعوه من العلماء ويصدقون عليهم فيه، اللهم فإنّي لأعلم أن العلم لا يأزر كلّه ولا ينقطع موادّه، وإنك لا تخلي أرضك من حجة لك على خلقك، ظاهر ليس بالمطاع، أو خائف مغمور كيلا تبطل حجّتك، ولا يضلّ أولياؤك بعد إذ هديتهم، بل أين هم؟ وكم هم؟ أولئك الأقلّون عدداً الأعظمون عند الله قدراً(4) .
ورواها صاحب الكافي في موضعين من كتابه، وفي كل من الموضعين زيادة
ص: 389
ليست في الآخر(1).
ومنها: ما رواه صاحب الكافي بسنده عن محمد بن الفرج، قال: كتب إليّ أبو جعفر (علیه السلام) إذا غضب الله تبارك وتعالى على خلقه نحّانا عن جوارهم(2) .
ومنها: ما أورده الشيخ في غيبته من رواية أبي خالد الكابلي ... قال: سألت أبا جعفر(علیه السلام) أن يسمّي القائم حتى أعرفه باسمه، فقال: يا أبا خالد سألتني عن أمر لو أنّ بني فاطمة عرفوه لحرصوا على أن يقطّعوه بضعة بضعة(3) .
ومنها: ما رواه الصدوق بسنده عن داود بن كثير الرقي، قال: سألتأبا الحسن موسى بن جعفر (علیه السلام)، عن صاحب هذا الأمر، قال: هو الطريد الوحيد الغريب الغائب عن أهله الموتور بأبيه (علیه السلام) (4).
وغيرها من الروايات الدالة على ذلك.
ولكن يمكن الإجابة عن ذلك بعد الاعتراف بصحة ما تقدم بأن يقال: ما هو الفرق بين زمان الغيبة وزمان الحضور؟ فإنهم في ذلك الزمان - وهو زمان حضورهم - مع أنهم كانوا مضطهدين مقهورين، وقد غصب منهم منصب الإمامة إلاّ أنهم لم يهملوا شيعتهم بل كانوا يرعون مصالحهم بالأمر والنهي والإرشاد، بل وينصبون لشيعتهم من يقوم بمصالحهم ويرعى شؤونهم ويأمرون شيعتهم بالرجوع إليهم والترافع عنده، وينهونهم عن الرجوع إلى الطواغيت وقضاتهم.
وقد ورد في الروايات أنّ الأئمة (علیهم السلام) نصبوا لشيعتهم أشخاصاً ابتداء منهم (علیهم السلام) أو إمضاء، وأوكلوا إليهم مهمّة التصرّف في الأمور العامة، كعبد الله بن النجاشي الذي كان والياً على الأهواز من قبل المنصور العباسي في زمان الإمام
ص: 390
الصادق (علیه السلام) وقد بعث الإمام (علیه السلام) برسالة إليه(1)، وكعلي بن يقطين الذين كان وزيراً لهارون الرشيد في زمان أبي الحسن موسى بن جعفر (علیه السلام) (2)، وكمحمد بن إسماعيل بن بزيع الذي كان في عداد الوزراء في زمان أبي الحسن الرضا (علیه السلام) (3) وغيرهم ممن كانوا مواضع الثقة من قبل الأئمة (علیهم السلام) .
فإذا كان الأمر كذلك في زمان حضورهم (علیهم السلام) فما حال الشيعة في زمان الغيبة، وقد اشتدت بهم الحاجة وطال بهم الزمان وكثر عددهم وتفرّقوا في البلدان وأقطار الأرض وتتابعت عليهم المحن والفتن؟؟
وإذا كانت الإمامة لطفاً فهل يغض الأئمة (علیهم السلام) الطرف عن شيعتهم ويهملونهم وهم على تلك الحال؟ أليس هذا كاشفاً عن نصبهم للفقهاء للقيام بهذه المسؤولية بالمقدار الميسور كما ذكرنا أي ليس جميع المناصب بل في مناصب المرتبة الثالثة على ما تقدم بيانها.
والله سبحانه وتعالى هو الهادي والعالم بالصواب.
وقد استدلوا بعدة روايات وهي على طوائف:
الطائفة الأولى: ما دلّ على أنّ العلماء ورثة الأنبياء أو كالأنبياء أو أمناؤهم وهي عدة روايات منها:
ما رواه الكليني ! بسنده عن القدّاح، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قال رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم): من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك الله به طريقاً إلى الجنة ... - إلى أن قال - : وإنّ العلماء ورثة الأنبياء، إنّ الأنبياء لم يورّثوا ديناراً ولا درهماً، ولكن ورّثوا العلم، فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر(4) .
ص: 391
وهذه الرواية وردت في الكافي بطرق أربعة اثنين ضعيفين، واثنين معتبرين أمّا الأولان فهما ما رواه ! عن محمد بن الحسن، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمد، عن جعفر بن محمد الأشعري، عن القدّاح.
وما رواه عن علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمد، عن جعفر بن محمد الأشعري، عن القداح.
وضعف كلا الطريقين بسهل بن زياد، فإنّه ممن لم تثبت وثاقته على ما قررناه في محلّه(1).
وأما الطريقان المعتبران فالأول منهما: هو ما رواه عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن جعفر بن محمد الأشعري عن القداح.
فإنّ جعفر بن محمد الأشعري وإن لم يرد فيه توثيق إلاّ أنّ الظاهر أنه جعفر بن محمد بن عبيد وهو واقع في أسناد كتاب نوادر الحكمة، وهو كاف في الحكم بوثاقته كما قررناه في محله(2) .
وهكذا القداح وهو عبد الله بن ميمون القداح، فإنه واقع في أسناد نوادر الحكمة أيضاً(3)، وبناء على ذلك فلا إشكال في الاعتماد على رواياتهما.
والثاني: هو ما رواه عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن القدّاح.
ورواه الشيخ الصدوق في أماليه بعين السند الأخير إلاّ أنه سقط منهحماد بن عيسى(4) .
كما رواه في كتاب ثواب الأعمال(5) أيضاً.
ص: 392
ورواه الصفار في بصائر الدرجات أيضاً بسند معتبر(1) .
ومنها: ما أرسله الصدوق في الفقيه قال: وقال أمير المؤمنين في وصيّته لابنه محمد بن الحنفية (رضي الله عنه) - وهي وصية طويلة وموضع الشاهد منها قوله (علیه السلام) - : وتفقّه في الدين فإنّ الفقهاء ورثة الأنبياء، إنّ الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، ولكنّهم ورّثوا العلم، فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر ... إلى أن قال: لأنّ الفقهاء هم الدعاة إلى الجنان والأدلاء على الله تبارك وتعالى(2) .
وهي وإن كانت مرسلة إلاّ أنه يمكن اعتبارها بناء على ما حققناه في محله(3) .
ومنها: موثقة السكوني عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): الفقهاء أمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا، قيل: يا رسول الله وما دخولهم في الدنيا؟ قال: اتّباع السلطان، فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دينكم(4) .
ويؤيد ذلك عدة من الروايات الأخرى.
منها: رواية أبي البختري عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: إنّ العلماء ورثة الأنبياء. وذاك أنّ الأنبياء لم يورّثوا درهماً ولا ديناراً، وإنّما أورثوا أحاديث من أحاديثهم فمن أخذ بشيء منها فقد أخذ حظّاً وافراً، فانظروا علمكم هذا عمن تأخذونه، فإنّ فينا أهل البيت في كلّ خلف عدولاً ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين(5) .
ورواها في بصائر الدرجات مرفوعة إلى أبي عبد الله (علیه السلام) (6) .
ص: 393
ونقلها صاحب الوسائل(1) عن الكافي.ومنها: ما ورد في العوالي، وقال (صلی الله علیه و آله و سلم): علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل(2) .
ومنها: ما ورد في جامع الأخبار عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أنه قال: أفتخر يوم القيامة بعلماء أمتي فأقول: علماء أمتي كسائر أنبياء قبلي(3) .
ومنها: ما في نهج البلاغة: إنّ أولى الناس بالأنبياء أعلمهم بما جاؤا به(4) .
وغيرها من الروايات، وهي بمجموعها تدلّ على أنّ الفقهاء بمنزلة الأنبياء وورثتهم وأمناؤهم فكلّ ما ثبت لهم (علیهم السلام) فهو ثابت لورّاثهم إلاّ ما أخرجه الدليل، وهو لا يشمل ما نحن فيه من التصرّف في الأمور المهمة، ولمّا كان ذلك ثابتاً للأنبياء (علیهم السلام) فهو ثابت للفقهاء أيضاً.
وقد أجيب عن هذه الطائفة بوجوه أهمها وجهان:
الأول: إنّ التنزيل أو التشبيه يقتضيان أن يكون المنزّل والمشبّه في منزلة المنزل عليه أو المشبه به في كل شيء إذا لم تكن هناك صفة ظاهرة عند العرف كالشجاعة في التشبيه بالأسد مثلاً، وإلاّ انصرف التشبيه إلى خصوص الصفة البارزة، كما إذا قيل زيد كالأسد أو أسد فإنّه ينصرف إلى أنّ وجه الشبه هو الشجاعة فقط دون سائر الأوصاف.
والمقام من هذا القبيل فإنّ من صفات الأنبياء البارزة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتطبيق أحكام الله تعالى، فإنهم الدعاة إلى الله والأدلاّء عليه، فإذا قيل العالم أو الفقيه كالنبي فإنه ينصرف إلى أنه مثله في هذه الصفة دون غيرها من سائر الصفات.
ص: 394
الثاني: على فرض التسليم بأنّ مقتضى التنزيل هو الإطلاق في جميع الصفات إلاّ أنه يتم فيما إذا لم يكن في اللفظ قرينة على التقييد.
والمقام ليس كذلك إذ ورد في صحيحة القداح، وموثقة السكوني، وغيرهما تقييد الوراثة بالعلم، ومعناه أن العلماء ورّاث الأنبياء في المعارف الحقّة والعلم بأحكام الدين، وأنه ليس همّ الأنبياء جمع الدينار والدرهم وإنّما همّهم العلم وذخيرتهم المعارف، والعلماء أيضاً كذلك.
وممّا يؤكّد هذا ما تقدم من الروايات الدالة على أنّ العلم هو الأمرالمشترك بين جميع الأنبياء، وحيث إنّ العلماء ورّاث الأنبياء فبطبيعة الحال يكون الميراث هو هذا الأمر المشترك، وإلاّ فالأنبياء يختلفون في المناصب فإنّ لبعض الأنبياء الولاية المطلقة، ولبعضهم منصب التبليغ دون سائر المناصب، وقد أشار القرآن الكريم إلى تفاوت مراتب الرسل والأنبياء (علیهم السلام) كما في قوله تعالى: «تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ»(1)، وقال تعالى: «وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ»(2)، وقال تعالى: «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً »(3).
ومن ذلك يظهر ما في دلالة بقية الروايات مع ضعف أسناد بعضها.
وأما ما قيل من أنّ المراد بالعلماء في هذه الروايات هم الأئمة (علیهم السلام) فالمناقشة به غير واردة لاشتمال بعض الروايات المتقدمة على ما يصرفها عن هذا المراد كما في صحيحة القداح وهو قوله (صلی الله علیه و آله و سلم): من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك الله به طريقاً إلى الجنة ... فإنّ المراد به غير الأئمة (علیهم السلام) قطعاً.
نعم يمكن انطباق ذلك على الرواية الأخيرة فإنّ المراد بها الأئمة (علیهم السلام) .
ولكن من جهة أخرى، ذكر صاحب مجمع البيان الرواية هكذا: إنّ أولى
ص: 395
الناس بالأنبياء أعملهم بما جاؤا به ثم تلا هذه الآية أي قوله تعالى: «إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ»(1) وقال: إنّ وليّ محمد من أطاع الله وإن بعدت لحمته، وإنّ عدوّ محمد من عصى الله وإن قربت قرابته(2).
والظاهر أنّ هذه النسخة هي الأصح للمناسبة بين قوله (علیه السلام): أعملهم، وبين استشهاده (علیه السلام) بالآية، ثم تعقيبه الكلام بما يناسب أمر الطاعة والإتباع وهو ينسجم مع العمل لا مع العلم، وعلى كلا التقديرين فلا يمكن الاستدلال بهذه الرواية مع قطع النظر عن سندها، لأنّه إن كانت الرواية قد وردت على النسخة الأولى أي أعلمهم بما جاؤا به، فهذا المعنى منحصر بالأئمة (علیهم السلام) ولا ينطبق على من عداهم، وإن كانت الرواية قد وردت على النسخة الثانية فهي مضافاً إلى ذلك، خارجة عن محلّ الكلاملأنّ نظرها إلى العمل والطاعة ولا ربط لها بالعلم.
الطائفة الثانية: ما دلّ على أنّ العلماء خصوص خلفاء نبينا (صلی الله علیه و آله و سلم) وهي عدة روايات منها:
ما رواه الصدوق في الفقيه مرسلاً: قال أمير المؤمنين (علیه السلام): قال رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم): اللهم ارحم خلفائي، قيل: يا رسول الله ومن خلفاؤك؟ قال: الذين يأتون من بعدي يروون حديثي وسنّتي(3) .
ورواها أيضاً في المعاني بسنده عن علي ]بن أبي طالب[ (علیه السلام) قال: قال رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم): اللهم ارحم خلفائي، الله ارحم خلفائي، اللهم ارحم خلفائي، قيل له: يا رسول الله من خلفاؤك؟ قال: الذين يأتون من بعدي يروون حديثي
ص: 396
وسنّتي(1).
ورواها أيضاً في الأمالي بسنده عن علي (علیه السلام) قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): اللهم ارحم خلفائي ثلاثاً، قيل: يا رسول الله ومن خلفاؤك؟ قال: الذين يبلّغون (يتبعون) حديثي وسنّتي ثم يعلّمونها أمّتي(2) .
وبهذا التقييد يعين المراد بأنهم الفقهاء لأنّ شأن الراوي إنّما هو النقل وليس التعليم، ومضمون هذه الروايات الثلاث واحد ودلالاتها واضحة.
وأما أسنادها فقد رواها في الفقيه مرسلة إلاّ أنه تقدم أنه يمكن الاعتبار بمراسيل الصدوق في الفقيه.
وأما سندها في المعاني فقد رواها عن أبيه، عن علي بن إبراهيم بن هاشم عن أبيه عن الحسين بن يزيد النوفلي، عن علي بن داود اليعقوبي، عن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن جده، عن علي بن أبي طالب (علیه السلام) (3) .
والظاهر أنّ هذا السند معتبر فإن علي بن داود اليعقوبي وإن لم يرد فيه توثيق إلاّ أنه واقع في أسناد نوادر الحكمة بعنوان اليعقوبي(4)، وهوكاف في الحكم باعتبار روايته على ما قررناه في محلّه(5)، مضافاً إلى ما يظهر من طريق الشيخ إلى كتاب عيسى بن عبد الله أنّ راوي الكتاب هو النوفلي بلا واسطة علي بن داود اليعقوبي(6) فليس من البعيد أن يكون في سند المعاني تصحيف بإبدال الواو بعن
ص: 397
وأنّ علي بن داود اليعقوبي راو آخر للكتاب لا أنّ النوفلي يروي عنه.
وأمّا عيسى بن عبد الله(1) وعبد الله بن محمد بن عمر(2) ومحمد بن عمر(3) فهم واقعون في أسناد نوادر الحكمة وذلك كاف في الحكم باعتبارهم والأخذ بروايتهم، وبناء على ذلك فالسند معتبر مضافاً إلى أنّ النجاشي ذكر أنّ كتاب عيسى بن عبد الله يرويه جماعة(4)، وشهرة الكتاب تغني عن الطريق.
وأما سندها في الأمالي فقد رواها عن الحسين بن أحمد بن إدريس، عن محمد بن أحمد بن يحيى بن عمران الأشعري، عن محمد بن علي، عن عيسى بن عبد الله العلوي العمري، عن أبيه، عن آبائه عن علي (علیه السلام) (5) .
والظاهر أنّ المراد بمحمد بن علي هو الصيرفي المعروف بأبي سمينة(6) الراوي لكتاب عيسى بن عبد الله وهو ضعيف فهذا السند غير تام.
اللهم إلاّ أن يقال إنّ للشيخ طرقاً معتبرة إلى كتبه مما ليس فيها تخليط أو غلو أو تدليس أو ينفرد به ولا يعرف من غير طريقه(7)، وحيث إنّ هذه الرواية مما لم ينفرد محمد بن علي بروايتها فيمكن حينئذ اعتبار روايته من هذه الجهة، وبناء على ذلك فكل رواية وردت عن هذا الطريق فلا بأس في الاعتماد عليها، ولا إشكال في الأخذ بها نظراً إلى أنّ روايات هذا الطريق كلّها نقية عن الغلو والتخليط والتدليس.
هذا وقد رواها الصدوق أيضاً في العيون بسنده عن عبد الله بن أحمد بن
ص: 398
عامر بن سليمان، عن أبيه، عن علي بن موسى الرضا (علیه السلام)، قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): اللهم ارحم خلفائي ثلاث مرات، قيل له: ومن خلفاؤك؟ قال: الذين يأتون من بعدي ويروون أحاديثي وسنّتي فيعلّمونها الناس من بعدي(1) .
كما رواها بسندين آخرين ينتهي الأول منهما إلى أحمد بن عبد الله الهروي الشيباني وينتهي الثاني إلى داود بن سليمان الفراء.
وهذه الطرق الثلاثة هي طرق صحيفة الرضا (علیه السلام) وقد ذكرنا في مباحثنا الرجالية أنّ هذه الطرق كلها ضعيفة(2) .
ومنها: ما أورده في المستدرك(3) عن صحيفة الرضا (علیه السلام) وهي نفس رواية العيون.
ونقلها أيضاً عن العوالي وزاد في آخرها: أولئك رفقائي في الجنة(4) .
ومنها: ما ورد في منية المريد: قال: وقوله (صلی الله علیه و آله و سلم): رحم الله خلفائي فقيل: يا رسول الله ومن خلفاؤك؟ قال: الذين يحيون سنّتي ويعلّمونها عباد الله(5) .
ومنها: ما في المستدرك عن السيد هبة الله في المجموع الرائق نقلاً عن الأربعين لأبي الفضل محمد بن سعيد القطب الراوندي عن أمير المؤمنين (علیه السلام) عن النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) قال: أدلّكم على الخلفاء من أمتي ومن أصحابي ومن الأنبياء قبلي، هم حملة القرآن والأحاديث عنّي وعنهم في الله، ولله عزوجل، ومن خرج يوماً في طلب العلم فله أجر سبعين نبياً(6) .
ص: 399
ومنها: ما نقله أيضاً عن القطب الراوندي في كتاب لبّ اللباب عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قال: رحمة الله على خلفائي، قالوا: وما خلفاؤك؟ قال: الذين يحيون سنّتي ويعلّمونها عباد الله، ومن يحضره الموت وهو يطلب العلمليحيي به الإسلام فبينه وبين الأنبياء درجة(1) .
وغيرها من الروايات.
وتقريب الاستدلال بهذه الطائفة أن يقال: إنّ مضمون هذه الروايات هو أنّ العلماء خلفاء رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، وخليفة الشخص هو نائبه والقائم مقامه في جميع الأمور على نحو الإطلاق، إلاّ ما أخرجه الدليل.
ودلالة هذه الطائفة على ما نحن فيه أظهر من دلالة الطائفة الأولى لأنّ التشبيه فيها ينصرف إلى الصفات البارزة كما ذكرنا ولذا فإنّ الإشكال الأول لا يرد على هذه الطائفة نعم الإشكال الثاني وارد، وهو أنّ الخلافة لو كانت مطلقة لكانت الدلالة تامّة ولكنها ليست كذلك، فإنّ جميع هذه الروايات وردت مقيدة برواية الحديث والتعليم وإحياء السنة ونحو ذلك.
وبذلك يظهر أنّ دلالة الخلافة إنما هي في هذا المقدار من تبليغ الأحكام وتعليم الناس وإرشادهم لا أنّ خلافة العلماء للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من جميع الجهات.
والحاصل: أنّ دلالة هذه الطائفة غير تامة أيضاً.
الطائفة الثالثة: ما دلّ على أنّ الفقهاء حجج من قبل الأئمة (علیهم السلام)، وهي عدة روايات:
منها: ما رواه الصدوق ! في كمال الدين عن محمد بن محمد بن عصام الكليني، عن محمد بن يعقوب الكليني، عن إسحاق بن يعقوب قال: سألت محمد
ص: 400
بن عثمان العمري(رضي الله عنه) أن يوصل لي كتاباً قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليّ فورد ]ت في[ التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان (عج الله تعالی فرجه الشریف) : أما ما سألت عنه أرشدك الله وثبتك من أمر المنكرين لي من أهل بيتنا وبني عمّنا فاعلم أنه ليس بين الله عزوجل وبين أحد قرابة، ومن أنكرني فليس منّي وسبيله سبيل ابن نوح.
أما سبيل عمّي جعفر وولده فسبيل إخوة يوسف.
أما الفقاع فشربه حرام، ولا بأس بالشلماب، وأما أموالكم فلا نقبلها إلاّ لتطهروا، فمن شاء فليصل، ومن شاء فليقطع، فما آتاني الله خير ممّا آتاكم.
وأما ظهور الفرج فإنه إلى الله تعالى ذكره وكذب الوقّاتون.وأما قول من زعم أن الحسين (علیه السلام) لم يقتل فكفر وتكذيب وضلال.
وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجّتي عليكم وأنا حجّة الله عليهم، وأما محمد بن عثمان رضي الله عنه وعن أبيه من قبل، فإنه ثقتي وكتابه كتابي.
وأما محمد بن علي بن مهزيار الأهوازي فسيصلح الله له قلبه، ويزيل عنه شكّه، وأما ما وصلتنا به فلا قبول عندنا إلاّ لما طاب وطهر، وثمن المغنية حرام، وأما محمد بن شاذان بن نعيم فهو رجل من شيعتنا أهل البيت، وأما أبو الخطاب محمد بن أبي زينب الأجدع فملعون وأصحابه ملعونون، فلا تجالس أهل مقالتهم، فإنّي بريء وآبائي (علیهم السلام) منهم براء.
وأما المتلبسون بأموالنا فمن استحلّ منها شيئاً فأكله فإنما يأكل النيران، وأما الخمس فقد أبيح لشيعتنا وجعلوا منه في حلّ إلى وقت ظهور أمرنا لتطيب ولادتهم ولا تخبث.
وأما ندامة قوم قد شكّوا في دين الله عزوجل على ما وصلونا به فقد أقلنا
ص: 401
من استقال، ولا حاجة في صلة الشاكّين.
وأما علّة ما وقع من الغيبة فإنّ الله عزوجل يقول: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ» إنه لم يكن لأحد من آبائي إلاّ وقد وقعت في عنقه بيعة لطاغية زمانه، وإني أخرج حين أخرج ولا بيعة لأحد من الطواغيت في عنقي.
وأما وجه الانتفاع بي في غيبتي فكالانتفاع بالشمس إذا غيّبتها عن الأبصار السحاب، وإني لأمان لأهل الأرض كما أنّ النجوم أمان لأهل السماء.
فاغلقوا باب السؤال عمّا لا يعنيكم، ولا تتكلّفوا علم ما قد كفيتم، وأكثروا الدعاء بتعجيل الفرج فإنّ ذلك فرجكم.
والسلام عليك يا إسحاق بن يعقوب وعلى من اتبع الهدى(1) .
وموضع الشاهد من هذه الرواية قوله (علیه السلام): وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجّتي عليكم وأنا حجة الله عليهم.
وإنما أوردناها بطولها لتضمنها المطالب العالية المهمة كما سنشير إلى ذلك.ورواها الشيخ في الغيبة عن جماعة، عن جعفر بن محمد بن قولويه، وأبي غالب الزراري، وغيرهما عن محمد بن يعقوب الكليني، عن إسحاق بن يعقوب(2).
ورواها الطبرسي في الاحتجاج عن محمد بن يعقوب الكليني.
وطرق الرواية كلها تنتهي إلى الكليني، وهو يرويها عن إسحاق بن يعقوب، وأسانيدها إلى إسحاق بن يعقوب كلها معتبرة.
فإنّ في سند الصدوق محمد بن محمد بن عصام وهو شيخه وقد ترضّى عنه
ص: 402
وهو أمارة على وثاقته كما حقّقناه في محلّه(1). والكليني وحاله معلوم فإنه ثقة الإسلام.
كما أنّ طرق الشيخ إلى الرواية قد اشتمل على أجلاّء الأصحاب.
وإنما الكلام في إسحاق بن يعقوب، فإنه لم يذكر له توثيق، بل لم يتعرّض الرجاليون لحاله.
وقد استظهر صاحب القاموس(2) من قوله (علیه السلام) في آخر الرواية: «والسلام عليك يا إسحاق بن يعقوب الكليني، وعلى من اتّبع الهدى»، أنه أخ الكليني صاحب الكافي.
وفيه أنه غير تام وذلك:
أولاً: إنّ هذا مجرّد احتمال، وهو غير مفيد في المقام، بل هو بعيد، إذ لا قرينة، إلاّ الاتفاق في اسم الأب، ولا دليل في ذلك على الأخوة فإنّ الاشتراك في الأب كثير جداً، وأما النسبة إلى كلين على فرض وجودها فهي أيضاً لا تدل على ذلك، مضافاً إلى أنّه لم يذكر في ترجمة محمد بن يعقوب أنّ له أخاً اسمه إسحاق.
وثانياً: على فرض التسليم بأنه أخ لصاحب الكافي، لا دلالة فيه على الوثاقة.
وأما ما ورد في صدر الرواية من الدعاء له والسلام عليه في آخرها فلا يمكن الاعتماد عليه في وثاقته لأنّه هو الراوي لذلك في مدح نفسه.
وثالثاً: إنّ النسخ الموجودة في أيدينا المتضمنة لهذه الرواية خالية من لفظة الكليني، وإنما وردت في قاموس الرجال.والحاصل: أنّه لا دليل على وثاقة إسحاق بن يعقوب.
ولكن لا يبعد القول بصحة الرواية، والاطمئنان بصدورها عن الإمام
ص: 403
الحجّة (علیه السلام) وذلك لأنّ الراوي لها هو الكليني في زمان الغيبة الصغرى، وفي زمن سفراء الناحية المقدسة، ورواها عنه أجلاّء الأصحاب، كابن قولويه الذي هو من ثقات الأصحاب وأجلائهم في الحديث والفقه(1)، وأبي غالب الزراري الذي هو شيخ العصابة في زمنه ووجههم(2)، وغيرهما، فلو كانت هذه الرواية موضوعة ولم تصدر عن الناحية المقدسة لأنكرها هؤلاء الأجلاء، بل لصدر تكذيبها عن الناحية المقدسة كما صدر تكذيب غيرها مما هو أهون منها، إذ اشتملت على قريب من عشرين أمراً مهمّاً: من السؤال عن أحوال بعض الأشخاص، ومدح بعض، وذم بعض آخر، ومن السؤال عن الغيبة وفائدتها ومن السؤال عن بعض الأحكام، وما إلى ذلك من الأمور المهمة، مضافاً إلى أنها صدرت في زمان محمد بن عثمان العمري، وهو السفير الثاني، فالدواعي متوفرة على تكذيبها لو لم تكن عن الحجة، ولو لم يكن الكليني مطمئناً بصحة هذا التوقيع لأمكنه الرجوع إلى أحد السفراء، ولوجب عليهم تكذيب هذه النسبة كما هي عادتهم في ردّ الدعاوى الباطلة، ابتداء منهم أو بأمر من صاحب الأمر، كما في قضية الشلمغاني، وأحمد بن هلال، وبني فضّال وغيرهم.
وبناء على ذلك فممّا يطمأن إليه هو صحة الرواية واعتبارها وإن كان إسحاق بن يعقوب غير معروف، ولم ينصّ أحد على وثاقته، ويترتب على ذلك كثير من المسائل تقدم بعضها وسيأتي البحث عن بعضها الآخر في مواضعها من هذا الكتاب.
ومنها: مقبولة عمر بن حنظلة، قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث، فتحاكما إلى السلطان، وإلى القضاة،
ص: 404
أيحلّ ذلك؟ قال: من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنّما تحاكم إلى الطاغوت، وما يحكم له فإنّما يأخذ سحتاً، وإن كان حقّاً ثابتاً له، لأنه أخذه بحكم الطاغوت وما أمر الله أن يكفر به، قال الله تعالى: «يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ»(1)، قلت: فكيف يصنعان؟ قال: ينظران من كان منكم ممّن قد روى حديثنا، ونظرفي حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فليرضوا به حكماً فإني قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه، فإنّما استخفّ بحكم الله وعلينا ردّ، والراد علينا الراد على الله، وهو على حدّ الشرك بالله ...(2).
وقد رواها الكليني في كتاب الكافي(3) كما رواها الشيخ في التهذيب(4) بطريقين وتنتهي جميع هذه الطرق إلى محمد بن عيسى عن صفوان بن يحيى، عن داود بن الحصين، عن عمر بن حنظلة.
والطرق كلّها صحيحة إلى عمر بن حنظلة، وأما هو فقد وقع الخلاف في وثاقته، وقد عقدنا له بحثاً مستقلاً ذكرنا فيه جميع الوجوه التي يمكن الاستدلال بها على وثاقته وناقشنا في بعضها واعتمدنا منها على وجهين:
الأول: رواية صفوان بن يحيى عنه، وذلك كاف في الحكم باعتبار روايته.
الثاني: ما ورد في نعته بعدم الكذب، وهي معتبرة يزيد بن خليفة، قال: قلت لأبي عبد الله(علیه السلام): إنّ عمر بن حنظلة أتانا عنك بوقت، فقال أبو عبد الله (علیه السلام): إذاً لا يكذب علينا(5) الحديث.
وسند الرواية معتبر فإنّ يزيد بن خليفة وإن لم يرد فيه توثيق إلاّ أنّ
ص: 405
صفوان بن يحيى قد روى عنه في موارد متعددة وكونه واقفياً لا ينافي وثاقته(1) .
وبناء على ذلك فلا إشكال في وثاقة عمر بن حنظلة، وعليه فسند الرواية معتبر وإن عبّر عنها بالمقبولة لتلقّي الأصحاب لها بالقبول.
ومنها: موثقة أبي خديجة سالم بن مكرم الجمّال قال: قال أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق (علیه السلام): إيّاكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور، ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا (قضائنا) فاجعلوه بينكم، فإنّي قد جعلته قاضياً فتحاكموا إليه(2) .
وقد وردت هذه الرواية بأربعة طرق، فقد رواها الصدوق في الفقيهبسند معتبر(3)، كما رواها الكليني بسند صحيح أيضاً(4)، وللشيخ طريق معتبر(5) وهو يشترك مع سند الكليني في الحسن بن علي وهو الوشاء.
وهناك رواية أخرى لأبي خديجة يرويها الشيخ بسنده عن الحسين بن سعيد، عن أبي خديجة قال: بعثني أبو عبد الله (علیه السلام) إلى أصحابنا فقال: قل لهم: إياكم إذا وقعت بينكم خصومة أو تدارى في شيء من الأخذ والعطا أن تحاكموا إلى أحد من هؤلاء الفسّاق، اجعلوا بينكم رجلاً قد عرف حلالنا وحرامنا، فإنّي قد جعلته عليكم قاضياً، وإياكم أن يخاصم بعضكم بعضاً إلى السلطان الجائر(6) .
وسند هذه الرواية ضعيف بأبي الجهم فإنه مجهول، وما قيل من أنه مشترك بين شخصين هما بكير بن أعين، وثوير بن أبي فاخته، وكلاهما معتبران فإنّ بكيراً ثقة بلا إشكال فقد ترحم عليه الإمام الصادق (علیه السلام) (7) وقال عنه: إنّ الله أنزله
ص: 406
بين رسول الله وأمير المؤمنين صلوات الله عليهما(1) وأما ثوير فهو وإن لم يرد فيه توثيق إلاّ أنه واقع في أسناد تفسير القمي(2) .
وذلك كاف للحكم بوثاقته وبناء على ذلك فيكون الطريق معتبراً.
ولكن ذكر السيد ! في المعجم أنّ أبا الجهم وإن كان كنية لشخصين معتبرين إلاّ أن المذكور في سند هذه الرواية لا ينطبق على أحدهما قطعاً بل هو شخص آخر غير معروف، وذلك لاختلاف الطبقة، فإنّ الحسين بن سعيد لا يمكن أن يروي عن بكير أو ثوير(3) .
والأمر كما ذكره ! وبناء على ذلك فالرواية غير معتبرة السند.
وأما أبو خديجة فهو وإن وقع الخلاف في وثاقته إلاّ أننا حقّقنا المسألة في مباحثنا الرجالية وقلنا باعتبار روايته(4) .
والحاصل: أنّ أسناد هذه الطائفة من الروايات معتبرة إلاّ رواية أبيخديجة الثانية.
كما أنّ المستفاد من هذه الروايات أنّ الفقهاء حجج من قبل الأئمة (علیهم السلام) .
وأما دلالة هذه الطائفة على ما نحن فيه فهي أنّ الرواية الأولى يمكن الاستدلال بها بوجهين:
الأول: بمفاد قوله (علیه السلام): وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا.
الثاني: بمفاد التعليل في قوله (علیه السلام): فإنّهم حجّتي عليكم.
أما الوجه الأول فقد استظهره شيخنا الأنصاري ! حيث قال: فإنّ المراد
ص: 407
بالحوادث ظاهراً مطلق الأمور التي لابدّ من الرجوع فيها عرفاً أو عقلاً أو شرعاً إلى الرئيس، مثل النظر في أموال القاصرين لغيبة أو موت أو صغر أو سفه، وأما تخصيصها بخصوص المسائل الشرعية فبعيد من وجوه:
منها: أنّ الظاهر وكول نفس الحادثة إليه ليباشر أمرها مباشرة أو استنابة لا الرجوع في حكمها إليه.
ومنها: التعليل بكونهم حجّتي عليكم وأنا حجة الله، فإنه إنّما يناسب الأمور التي يكون المرجع فيها هو الرأي والنظر، فكان هذا منصب ولاة الإمام من قبل نفسه لا أنه واجب من قبل الله سبحانه على الفقيه بعد غيبة الإمام، وإلاّ كان المناسب أن يقول إنهم حجج الله عليكم، كما وصفهم في مقام آخر بأنّهم أمناء الله على الحلال والحرام.
ومنها: أنّ وجوب الرجوع في المسائل الشرعية إلى العلماء الذي هو من بديهيات الإسلام من السلف إلى الخلف ممّا لم يكن يخفى على مثل إسحاق بن يعقوب، حتى يكتبه في عداد مسائل أشكلت عليه، بخلاف الرجوع إلى المصالح العامة إلى رأي أحد ونظره، فإنه يحتمل أن يكون الإمام (علیه السلام) قد وكّله في غيبته إلى شخص أو أشخاص من ثقاته في ذلك الزمان.
والحاصل: أنّ الظاهر أنّ لفظ الحوادث ليس مختصاً بما اشتبه حكمه، ولا بالمنازعات(1).
وأما الوجه الثاني: فبمقتضى قوله (علیه السلام): فإنّهم حجّتي، إذ المستفاد منه التعميم على فرض عدم الإطلاق في الحوادث، ومعنى ذلك أن يكونالفقيه حجّة من قبل الإمام في كل ما يكون للإمام، لأنّ الحجة هو عبارة أخرى عن الخليفة القائم مقام الإمام وهو أخصّ من الوكيل.
ص: 408
وبناء على ذلك فالمستفاد من الرواية هو الرجوع إلى الفقيه في كل ما يرجع فيه إلى الإمام تمسكاً بعموم التعليل.
وأما الاستدلال بالروايتين الأخريين فهو أن يقال: إنّ الروايتين وإن كان موردهما التخاصم والتنازع والقضاء إلاّ أنه يمكن التعدي منهما إلى جميع الأمور المهمّة التي يرجع فيها إلى الإمام (علیه السلام) بأحد وجهين:
الأول: بتنقيح المناط كما استظهره الشيخ ! حيث قال: الظاهر - أي نصب الحاكم - في كونه كسائر الحكّام المنصوبة في زمان النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) والصحابة في إلزام الناس بإرجاع الأمور المذكورة إليه والانتهاء فيها إلى نظره، بل المتبادر عرفاً من نصب السلطان حاكماً وجوب الرجوع في الأمور العامة المطلوبة للسلطان إليه(1).
والمستفاد من كلامه ! أنّ الإمام (علیه السلام) وإن نصب حاكماً للفصل بين الخصومات إلاّ أن هذا الظهور يفيد عدم الاختصاص بالرجوع إليه في القضاء، بل يتعدى منه إلى جميع الأمور العامة.
الثاني: أن يقال: إنّ المستفاد من هاتين الروايتين بضميمة ما ورد في صحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: اتّقوا الحكومة، فإنّ الحكومة إنما هي للإمام العالم بالقضاء العادل في المسلمين نبي ]كنبي[ ووصي نبي(2) .
وما ورد في رواية إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قال أمير المؤمنين لشريح: يا شريح قد جلست مجلساً ما جلسه إلاّ نبي أو وصي نبي أو شقي(3) .
أنّ منصب القضاء هو منصب للإمام (علیه السلام)، فإذا أسند الإمام هذا المنصب إلى شخص وجعله قاضياً وحاكماً كان هذا الشخص قائماً مقام الإمام وتكون النتيجة
ص: 409
أنّ هذا المجلس لا يجلسه إلاّ نبي أو وصي نبي أو من استخلفه الوصي، فيثبت لهذا الحاكم كلّ ما ثبت للإمام (علیه السلام) من التصرّف في الأمور العامة.هذا، ولكن نوقش في جميع روايات هذه الطائفة.
أما التوقيع الشريف فقد ناقش في وجهه الأول كل من المحقق النائيني، والمحقق الاصفهاني، والسيّد الأستاذ قدس الله أسرارهم بمناقشات بعضها مشترك بينهم وبعضها مختصّ ببعضهم.
وحاصل مناقشة المحقق النائيني ! لهذا الوجه أنّ استفادة العموم من صدر الرواية وهو قوله (علیه السلام): «وأما الحوادث الواقعة» غير تام، وذلك لأنّ الجمع المحلّى باللام إنما يفيد العموم فيما إذا لم يكن هناك عهد في البين، ومع وجود العهد أو احتماله فالعموم غير مستفاد، بل ينصرف اللام إلى المعهود، وفي ما نحن فيه حيث لم يعلم السؤال بمعنى أن قوله (علیه السلام): «وأما الحوادث» جاء جواباً عن سؤال غير معلوم فلعلّ المراد من الحوادث هي الحوادث المعهودة بين الإمام (علیه السلام) والسائل.
وعلى فرض العموم وعدم العهد في البين إلاّ أنّ العموم إنما يؤخذ به إذا لم يكن هناك قدر متيقن، وما نحن فيه ليس كذلك، فإنّ المتيقّن منها (الحوادث) هي الفروع المتجددة والأمور الراجعة إلى الإفتاء لا الأعم.
وأما ما ذكر من الشواهد على أنّ المراد من الحوادث هي الأمور العامة فلا شاهد فيها.
أما الشاهد الأول وهو أنّ الإمام (علیه السلام) أرجع نفس الحوادث إلى رواة الأحاديث الذين هم الفقهاء فتكون ظاهرة في الأمور العامة لا أحكامها حتى تكون ظاهرة في الإفتاء والقضاء.
فجوابه: أنّ أدنى المناسبة بين نفس الحوادث وحكمها كاف للسؤال عن
ص: 410
حكمها، فيكون الفقيه هو المرجع في الأحكام لا في نفس الحوادث(1) .
واختصّ المحقق الاصفهاني ! في الجواب عن هذا الشاهد بقوله: إنّ اللازم سكوت الخبر عن الرجوع إلى الرواة في المسائل الشرعية، لأنّه رجوع إليهم في حكم الوقائع لا في نفسها، مع أنّ الخبر من الأدلة التي يستدلّ بها على حجية الخبر، وحجيّة الفتوى، فلابدّ من الحمل على معنى جامع، فيسقط عن الشهادة بعد الخدشة في العموم(2) .
كما اختصّ السيد الأستاذ ! في الجواب عنه بقوله: إنه لو كان المراد بالرواية هو ذلك (أي إرجاع نفس الحوادث) لقال (علیه السلام) فارجعوها إلى رواةحديثنا، ولم يقل فارجعوا فيها، ومن الظاهر أنّ الظاهر من الموجود في الرواية ليس إلاّ الرجوع إليهم في الحكم، فإنّ المناسب للرجوع إليه في الشيء ليس إلاّ الرجوع في حكمه، بل هذا هو المناسب للرجوع إلى الرواة، فإنهم لا يدرون إلاّ حكم الواقعة، وأما اعتبار إذنهم في التصرّف فلا(3) .
وأما الشاهد الثاني وهو التعليل بكونهم حجة من قبله كما أنه (علیه السلام) حجة من قبل الله فما كان له (علیه السلام) من قبل الله وكان قابلاً للتفويض فهو للرواة، وبعبارة أخرى: إنّ هذا منصب ولاة الإمام من قبل نفسه لا أنه واجب من قبل الله سبحانه على الفقيه بعد غيبة الإمام، وإلاّ كان المناسب أن يقول: إنهم حجج الله عليكم.
فقد أجاب المحقق النائيني ! عنه بأن الحجة تناسب المبلّغية في الأحكام والرسالة على الإمام أيضاً، كما في قوله عزّ من قائل: «قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ»(4).
وقوله: «تِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ»(5) ونحو ذلك، مما ورد بمعنى
ص: 411
البرهان الذي به يحتجّ على الطرف، وبهذا المعنى أيضاً ورد قوله (علیه السلام): إنّ الأرض لا تخلو من حجة(1) لأنّ به يتمّ الحجة ويهلك من هلك عن بيّنة ويحيى من حيّ عن بيّنة، ولذا وصفهم برواة الأحاديث الذين شأنهم التبليغ(2) .
وأوضح المحقق الأصفهاني ! وجه المناسبة في إضافة الحجة إلى الله تعالى تارة، وإلى الإمام (علیه السلام) تارة أخرى بقوله: إنّ النبي والإمام (علیه السلام) يبلّغان عن الله تعالى فهما حجّتان لله تعالى على عباده على حكمه تعالى، والراوي - بما هو راوٍ - لا يخبر إلاّ عن الإمام (علیه السلام) فهو حجّة له (علیه السلام) على من سمعه من الراوي، فبهذه المناسبة أضاف حجّيته إلى الله تعالى، وحجّية الرواة إلى نفسه المقدسة مضافاً إلى أنّ مفاد الحجية صحّة الاحتجاج بالشخص أو بالشيء في مقام المؤاخذة على مخالفة ما قامت عليه الحجّة فيناسب قيام الدليل على حكم شرعي سواء كان الحجة إخبارالراوي أو رأي المجتهد ونظره.
وأما مطلق النظر كنظر الفقيه في بيع مال اليتيم فلا معنى لاتصافه بالحجية فإنّ البيع الواقع عن مصلحة بنظره صحيح نافذ، لا أنّه حجة له أو لغيره على أحد(3) .
وأما الشاهد الثالث وهو أنّ إسحاق بن يعقوب أجلّ شأناً من أن يخفى عليه لزوم الرجوع في المسائل الشرعية إلى الفقهاء، بخلاف الرجوع إليهم في الأمور العامة فإنه يحتمل أن يكون الإمام (علیه السلام) قد جعله لشخص أو أشخاص معينة من ثقات ذلك الزمان فيريد معرفته فوقّع الإمام(علیه السلام) بأنّ جميع الرواة مراجع لهذه الأمور.
ص: 412
فقد أجاب عنه المحقق النائيني ! بما حاصله أولاً: إن كون إسحاق بن يعقوب من أجلاّء العلماء لا ينافي سؤاله عن أمر جليّ وقد وقع نظيره من أجلاّء أصحاب الأئمة (علیهم السلام) كزرارة ومحمد بن مسلم وغيرهما حيث سألوا الإمام (علیه السلام) عما لا يخفى على أحد كما أنّ أحمد بن إسحاق الذي كان وافد القميين ومن خواص أبي محمد (علیه السلام)(1) وقد رأى صاحب الزمان(علیه السلام)(2) وكان ممن ترد عليه التوقيعات(3) ومع ذلك كلّه فقد سأل أبا الحسن (علیه السلام) عن أمور من هذا القبيل حيث قال: سألته وقلت له: من أعامل، أو عمّن آخذ، وقول من أقبل؟ فقال له: العمري ثقتي، فما أدّى إليك عنّي فعنّي يؤدّي، وما قال لك عنّي فعنّي يقول، فاسمع له وأطع فإنّه الثقة المأمون(4) .
بل إنّ نفس إسحاق بن يعقوب قد سأل عن أمور هي كالبديهيات، كحكم شرب الفقّاع، وعن قتل الحسين (علیه السلام) .
والحاصل: أنه لا منافاة بين جلالة القدر وبين السؤال عن أمور غير خفية.
وثانياً: أنّ سؤاله لا يكون ظاهراً في تكليف المسلمين في الغيبة الكبرى حتى يكون الجواب ظاهراً في عموم الوقائع، بل يسأل عن حالهم في الغيبة الصغرى، فإنّ العمري وهو محمد بن عثمان كان سفيراً من قبله(علیه السلام) وهو الواسطة في الاتصال بين الإمام (علیه السلام) وبين إسحاق بن يعقوب، فلعلّ السؤال عن المرجع في الفروع المتجددة في ذلك العصر لا عن المرجع في الأمور العامة(5) .
ص: 413
واختصّ السيد الأستاذ ! في الجواب بقوله: إنّ الظاهر من الحوادث هي الفروع المتجددة التي أرجع الإمام فيها إلى الرواة، فإنّ بعض الفروع قد تكون متجددة ومستحدثة صرفة وهي من مهام المسائل التي لابدّ وأن يسأل عنها الإمام فليست هذه الأمور بديهية ليكون السؤال عنها لغواً كما هو واضح.
وبعبارة أخرى: إنّ السؤال الصادر من إسحاق بن يعقوب هو عن الفروع المستحدثة التي يشكّ في أنّ المرجع من هو في زمان الغيبة الكبرى، إذ المرجع في زمان الغيبة الصغرى هو الإمام (علیه السلام) بواسطة السفراء، وأما في زمان الغيبة الكبرى فلا، ولذا أرجع الإمام (علیه السلام) في ذلك الزمان إلى الفقهاء بالنيابة العامة، وإنهم وإن لم تصل إليهم في رواية إلاّ أنّهم يتمكّنون من الوصول إلى حكمها ولو عن طريق الأصول ككثير من الفروع المتجددة في زماننا كمسألة التلقيح الصناعي وأن الولد الناشىء فيه بمن يلحق وممّن يرث(1) .
والفرق بين جوابي العلمين واضح، فإنّ المحقق النائيني ! حمل السؤال الصادر من إسحاق بن يعقوب على السؤال عن المرجع في الفروع المتجددة في زمان الغيبة الصغرى.
وأما السيد الأستاذ ! فقد حمله على السؤال عن المرجع في الفروع المتجددة في زمان الغيبة الكبرى والحكم في الحوادث المستقبلية.
هذا ما يتعلق بالتقريب الأول.
وأما الوجه الثاني وهو العموم المستفاد من التعليل، فيرد عليه من المناقشة ما ورد على الشاهد الثاني من التقريب الأول وحاصلها على ما أوضحه المحقق الإيرواني! بأنّ الحجية تكون في تبليغ أمر، فيختص مدلولها في المقام بتبليغ الأحكام الشرعية، ولا يشمل التصرّفات الشخصية في الأموال، والنفوس أو
ص: 414
التصدّي للمصالح العامة من الحكومة، وفصل الخصومة، وإجراء الحدود، فإنّ كلّ ذلك أجنبي عن مفهوم الحجية التي هيمن الاحتجاج، فإنّ الله تعالى يحتجّ على العباد ببعث الأنبياء، والأنبياء بنصب الخلفاء، والخلفاء باستنابة الفقهاء في تبليغ الأوامر والنوهي، والتصرّفات ليس من محلّ الاحتجاج، فالتوقيع الشريف أجنبي عن ما هو المدّعى(1).
وبناء على ذلك فلا عموم في التعليل بالنسبة إلى غير الأحكام الشرعية حتى يتمسّك به.
وأما المقبولة ومعتبرة أبي خديجة فقد قلنا إنه يمكن الاستدلال بهما بأحد وجهين:
الأول: بتنقيح المناط، والثاني: بما يستفاد منهما ومن الروايات الواردة في منصب الحكومة.
هذا، وإن كان يظهر من المحقق الاصفهاني ! موافقة الشيخ في التمسّك بهما، إذ لم يتعرّض لهما إلاّ أنّ المحقق النائيني والسيد الأستاذ ! قد ناقشا فيهما بقصور دلالتهما على المدّعى.
أما عن رواية أبي خديجة فقد أشكل المحقق النائيني ! أولاً: بضعف السند فإنّ لأبي خديجة حالة اعوجاج عن طريق الحق وهي زمان مشايعته للخطابية، وحالتي استقامة وهما قبل الاعوجاج وبعده، ولم يعلم أنه رواهما في أي الحالات.
وثانياً: بأنها مختصة بالقضاء ولا تشمل مطلق الأمور العامة.
وأما عن المقبولة فلم يناقش في سندها، والذي يظهر منه في متن كلامه أنه سلّم بدلالتها على المدعى، حيث قال في قوله (علیه السلام): «فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً »:
ص: 415
فإنّ الحكومة ظاهرة في الولاية العامة، فإنّ الحاكم هو الذي يحكم بين الناس بالسيف والسوط، وليس ذلك شأن القاضي.
إلاّ أنه ناقش في ذلك في حاشية منه على كلامه حيث قال: ولا يخفى أنّ المقبولة أيضاً ليست ظاهرة في المدّعى، لإطلاق الحاكم على القاضي في غير واحد من الأخبار كما يظهر من الوسائل في كتاب القضاء(1)، وكفى في ذلك تفسير الآية المباركة «وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ»(2) بما في المكاتبة، فإنّه (علیه السلام) كتب بخطّه «الحكّامالقضاة» (3) فالمتيقّن هو الرجوع إلى الفقيه في الفتوى وفصل الخصومة بتوابعها ومن جملتها التصدّي للأمور الحسبية(4) .
وبناء على هذا فيختص مورد المقبولة بالقضاة أيضاً كرواية أبي خديجة.
والسيد الأستاذ ! وإن وافق الحاشية في أنّ الروايتين مختصتان بالقضاء(5) إلاّ أنه صرّح بضعف سند المقبولة(6) لعدم ثبوت وثاقة عمر بن حنظلة، وناقش في جميع الوجوه التي استدل بها على وثاقته(7) .
وأما عن رواية أبي خديجة فقال بأنها وإن كانت معتبرة سنداً(8) إلاّ أنها مختصة بقاضي التحكيم(9) لا القاضي المنصوب، فهي أجنبية عن محلّ الكلام، إذ لا
ص: 416
يعتبر فيه الاجتهاد هذا بالنسبة إلى الوجه الأول.
وأما الوجه الثاني - وهو استفادة الدلالة على منصب الحكومة من الروايتين بضميمة الروايات الأخرى - فلم يورد عليه أحد من الأعلام بشيء.
هذا ويمكن الجواب عن جميع هذه المناقشات:
أما ما أورد به على الوجه الأول من التوقيع باحتمال إرادة العهد من لفظ الحوادث الواقعة دون العموم فيقال في جوابه:
أولاً: إنّ هذا الاحتمال ضعيف في نفسه، وذلك لأنه لو كان هناك عهد بين السائل والإمام(علیه السلام) في مسائل معيّنة لكان مقتضى مناسبة الكلام ذكرها والتعرّض لها، ولا أقل من الإشارة إليها، والحال أنّه لا أثر منها في التوقيع أصلاً.
وثانياً: على فرض التسليم بالعهد إلاّ أنّ التعبير عنها في الجواب بصيغة أخرى وهو قوله(علیه السلام): «وأمّا الحوادث الواقعة ...» ربما يستفاد منه التعميم، وأن الرجوع إلى الرواة لا يختصّ بمورد دون آخر، بل كل ماينطبق عليه الحوادث الواقعة فلابدّ فيه من الرجوع إليهم، فلقوله (علیه السلام) ظهور في إعطاء ضابطة وقاعدة كلية، ولازم ذلك استفادة العموم.
وأما ما أورده المحققان النائيني والاصفهاني ! على الشاهد الأول فجوابه: أنّ ما ذكراه لا يوجب انصراف الحوادث عن العموم، واختصاصها بالأحكام المتجددة.
وأما ما أورده السيد الأستاذ على هذا الشاهد فيقال في جوابه: إنّ المراد من الحوادث الواقعة الأمور العامة، وهي على ثلاثة أنحاء:
الأول: الأمور المستقلة التي يرجع فيها إلى الإمام (علیه السلام) .
الثاني: الأحكام والفروع المتجددة.
الثالث: الأمور التي يشترط فيها إذن الفقيه.
ص: 417
وقوله (علیه السلام): «فارجعوا فيها» كما هو شامل للثاني كذلك هو شامل للثالث أيضاً، وليست كلمة فيها قرينة على أنّ المراد هو الأحكام والفروع المتجددة فحسب، أي خصوص الثاني، وإنما عبّر (علیه السلام) بكلمة «فيها» نظراً لكثرة مواردهما ولا سيّما الأمور المشروطة بالإذن.
نعم الأمور المستقلّة لابد من إرجاعها إلى الإمام (علیه السلام)، ولعلّ دخولها من باب الغلبة.
ويؤيد ذلك: أولاً: أنّ كل ما ورد في التوقيع من المسائل قد أجاب عنه الإمام (علیه السلام) إلاّ الحوادث الواقعة فإنه أجاب عنها بجواب كلّي، ولو كانت مسألة جزئية شخصية لتعرّض إليها كما تعرّض لنظائرها ممّا ورد في التوقيع.
وثانياً: لو كان المراد من الحوادث الواقعة خصوص الأحكام لكان على السائل أن يصرّح بها ليكون جواب الإمام (علیه السلام) مطابقاً للسؤال.
والحاصل: أنّ كلمة «فيها» لا تنحصر بالأمور المتجددة، بل تشمل ما يعتبر فيه الإذن أيضاً، وبناء على ذلك فهذا الإيراد غير وارد.
وأما ما أورد به على الشاهد الثاني من أنّ الحجية أجنبية عن المقام لأنّها من الاحتجاج فلا ينطبق على ما نحن فيه، لاختصاصها بالأحكام دون التصرّفات.
فجوابه: أنّ الحجّة وإن جاءت بمعنى الاحتجاج وما يكون به الظفر عند الخصومة، وبمعنى الغلبة، وما يتخذ حجة، قال الأزهري: إنما سمّيتحجة لأنها تحجّ أي تقصد، لأنّ القصد لها وإليها(1)، إلاّ أن الظاهر من الحجة في اصطلاح العرف والروايات أنه إذا أطلق على شخص بأنه حجة أومن حجج الله فالمقصود هو أنّ كل فعل صدر عنه كان حقاً وصحيحاً، وأنه لابد من إطاعته والاقتداء به،
ص: 418
لا أنّه مبلّغ للأحكام فقط.
والشاهد على ذلك ما ورد في عدة روايات:
منها: رواية هشام بن الحكم عن أبي عبد الله (علیه السلام) وهي طويلة وموضع الشاهد منها قوله(علیه السلام): لكيلا تخلو الأرض من حجة يكون معه علم، يدلّ على صدق مقالته وجواز عدالته(1).
قال العلاّمة المجلسي: قوله (علیه السلام): يكون معه عَلَم بفتحتين أي علامة ودليل وربما يقرأ بكسر الأول وسكون الثاني. قوله (علیه السلام): على جواز عدالته، أي جريان حكمه العدل(2) .
ومنها: صحيحة منصور بن حازم، قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): إن الله أجلّ وأكرم من أن يعرف بخلقه بل الخلق يعرفون بالله، قال: صدقت، قلت: إنّ من عرف أنّ له ربّاً فقد ينبغي له أن يعرف أنّ لذلك الرب رضا وسخطاً وأنه لا يعرف رضاه وسخطه إلاّ بوحي أو رسول، فمن لم يأته الوحي فقد ينبغي له أن يطلب الرسل، فإذا لقيهم عرف أنهم الحجة وأن لهم الطاعة المفترضة، وقلت للناس: تعلمون أنّ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) كان هو الحجة من الله على خلقه؟ قالوا: بلى قلت: فحين مضى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) من كان الحجة على خلقه؟ فقالوا: القرآن، فنظرت في القرآن فإذا هو يخاصم به المرجي والقدري والزنديق الذي لا يؤمن به حتى يغلب الرجال بخصومته، فعرفت أنّ القرآن لا يكون حجة إلاّ بقيّم، فما قال فيه من شيء كان حقاً، فقلت لهم: من قيّم القرآن؟ فقالوا: ابن مسعود قد كان يعلم، وعمر كان يعلم، وحذيفة يعلم، قلت: كلّه؟ قالوا: لا، فلم أجد أحداً يقال: إنّه يعرف ذلك كلّه إلاّ علياً (علیه السلام)، وإذا كان الشيء بين القوم، فقال هذا: لا أدري، وقال هذا: لا
ص: 419
أدري، وقال هذا: لا أدري، وقال هذا: أنا أدري، فأشهد أنّ علياً (علیه السلام) كان قيّم القرآن، وكانت طاعته مفترضة، وكان الحجة على الناس بعد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، وأنّ ما قال في القرآن فهو حقّ، فقال:رحمك الله(1) .
والرواية واضحة الدلالة وموضع الشاهد قوله: فإذا لقيهم عرف أنهم الحجة وأنّ لهم الطاعة المفترضة.
وقوله: فعرفت أنّ القرآن لا يكون حجة إلاّ بقيّم فما قال فيه من شيء كان حقّاً.
وقوله: وكانت طاعته مفترضة، وكان الحجة على الناس بعد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم).
وهذه الأقوال وإن لم تكن من الإمام (علیه السلام) إلاّ أنّه أقرّها وأمضاها وترحّم على قائلها.
ومنها: صحيحة أبان قال: أخبرني الأحول: أنّ زيد بن علي بن الحسين (علیه السلام) بعث إليه وهو مستخف، قال: فأتيته فقال لي: يا أبا جعفر ما تقول إن طرقك طارق منّا أتخرج معه؟ قال: فقلت له: إن كان أباك أو أخاك، خرجت معه، قال: فقال لي: فأنا أريد أن أخرج أجاهد هؤلاء القوم فاخرج معي، قال: قلت له: لا ما أفعل جعلت فداك، قال: فقال لي: أترغب بنفسك عنّي؟ قال: قلت له: إنما هي نفس واحدة فإن كان لله في الأرض حجة فالمتخلف عنك ناج والخارج معك هالك، وإن لا تكن لله حجة في الأرض فالمتخلّف عنك والخارج معك سواء قال: فقال لي: يا أبا جعفر كنت أجلس مع أبي على الخوان فيلقمني البضعة السمينة ويبرّد لي اللقمة الحارة، حتى تبرد شفقة عليّ ولم يشفق عليّ من حرّ النار إذا أخبرك بالدين ولم يخبرني به؟ فقلت له: جعلت فداك من شفقته عليك من حرّ النار لم يخبرك، خاف عليك أن لا تقبله فتدخل النار، وأخبرني أنا فإن قبلت
ص: 420
نجوت، وإن لم أقبل لم يبال أن أدخل النار، ثم قلت له: جعلت فداك أنتم أفضل أم الأنبياء؟ قال: بل الأنبياء قلت: يقول يعقوب ليوسف: يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك، فيكيدوا لك كيداً، لم يخبرهم حتى كانوا لا يكيدونه ولكن كتمهم ذلك، فكذا أبوك كتمك لأنه خاف عليك، قال: فقال: أما والله لئن قلت ذلك لقد حدثني صاحبك بالمدينة أنّي أقتل وأصلب بالكناسة، وأنّ عنده لصحيفة فيها قتلي وصلبي، فحججت فحدّثت أبا عبد الله (علیه السلام) بمقالة زيد وما قلت له، فقال لي: أخذته من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوق رأسه ومن تحت قدميه ولم تترك لهمسلكاً يسلكه(1) وغيرها من الروايات.
وموضع الشاهد قوله: فإن كان في الأرض حجة فالمتخلّف عنك ناج والخارج معك هالك، وإن لا تكن لله حجة في الأرض فالمتخلّف عنك والخارج معك سواء.
وليس المقصود من الحجة هنا هو المبلّغ للأحكام بل هو المفترض الطاعة الذي يجب الاقتداء به فيكون نظير الخليفة فقوله (علیه السلام): فإنّهم حجّتي من قبيل قوله هم خلفائي، وحينئذ فيثبت للحجة والخليفة ما يثبت للإمام (علیه السلام) إلاّ ما أخرجه الدليل الخاص.
وأما ما أورد به على الشاهد الثالث ففيه أنّ ما ذكره السيد الأستاذ ! وإن كان صحيحاً في نفسه إلاّ أنه أجنبي عما نحن فيه لأنّ محل الكلام هو في حكم الرجوع فيها، والظاهر أنّ حكمها عند العرف حكم سائر المسائل ولابدّ من الرجوع فيها إلى الفقهاء سواء كانت واضحة أو صعبة، ولا تلازم بين كون المسألة صعبة ومهمة وبين كون وجوب الرجوع صعباً، كما أنّ المسائل غير المتجددة قد تكون صعبة ومهمة جداً ومع ذلك فوجوب الرجوع فيها إلى الفقيه بديهياً.
ص: 421
وأما ما ذكره المحقق النائيني (قدس سره) من أنّ التوقيع صادر في عصر السفير الثاني وكان المرجع في الأمور العامة إليه وإلى أمثاله من السفراء المعينين من قبل الناحية المقدسة لا إلى الفقهاء، وعليه فالتوقيع لا يدل إلاّ على الرجوع إلى الرواة في الأحكام لا في الأمور العامة لوجود المتصدّي لها، وهم وكلاء الناحية المقدسة، فهو وإن كان في بادي النظر وارداً على كلام الشيخ (قدس سره) إلاّ أنّ نفس الإشكال يرد على نفس المحقق النائيني (قدس سره) بالنسبة إلى الأحكام المتجددة، فما الحاجة إلى الرجوع إلى الرواة ما دام بالإمكان الرجوع إلى السفراء والوكلاء، إذ لا خصوصية للأمور العامّة دون الأحكام في الرجوع إليهم.
مضافاً إلى أنّنا قد أشرنا فيما تقدم إلى اختلاف العلمين ! في المراد من السؤال بين الغيبة الصغرى والكبرى.
ولكن ليس من البعيد أن يكون السؤال عاماً لكلتا الغيبتين.
وذلك أولاً: لقلّة النواب والسفراء في ذلك العصر.
وثانياً: للتمهيد والتوطئة وتهيئة النفوس لتلقّي الغيبة الكبرى.وعليه فلابدّ من إسناد الرجوع إلى الفقهاء والرواة في كلتا الفترتين.
هذا كله بالنسبة إلى التوقيع.
وأما بالنسبة إلى المقبولة ومعتبرة أبي خديجة فما أورده العلماء ! على استدلال الشيخ فهو في محلّه وذلك لاختصاص موردهما بالتخاصم والقضاء ورفع الخصومات، وأما التعدّي عن ذلك إلى سائر الأمور فيحتاج إلى دليل.
نعم إشكالهما على سندي الروايتين غير تام، لما تقدم من الكلام في اعتبار سندهما معاً كما بيّناه مفصلاً.
وأما ما ذكره الشيخ (قدس سره) من أنّ الظاهر أنّه كسائر الحكّام المنصوبين في زمان النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) والصحابة في إلزام الناس بإرجاع الأمور المذكورة إليه والانتهاء فيها
ص: 422
إلى نظره، بل المتبادر عرفاً من نصب السلطان حاكماً وجوب الرجوع في الأمور العامة المطلوبة للسلطان إليه(1)، فهذا مجرّد دعوى ولم يقم على ثبوتها أيّ دليل في أصله فضلاً عن فرعه.
مضافاً إلى أنّ ذيل المقبولة التي تدل على ترجيح مستند حكم الحكمين كالصريح في اختصاصها بالأحكام.
وأما الوجه الثاني من الاستدلال بالروايتين وهو أنّ المستفاد منهما بضميمة الروايات الأخرى الدالة على إناطة هذا المنصب بالفقيه - بما هو فقيه - باعتباره القائم مقام الإمام (علیه السلام) لأنّ منصب الحكومة خاص بالنبي أو بالوصي أو بمن ينصبانه فتثبت للفقيه الولاية في الأمور العامّة.
ففيه: أنّ هذا إنما يتم لو كانت العبارة وردت هكذا : - «فإنّ الحكومة إنما هي للإمام العالم بالقضاء العادل في المسلمين كنبي أو وصي نبي» والحال أنّها غير ثابتة، وإنما وردت في نسخة الفقيه(2) فقط وأما الكافي والتهذيب فقد ورد فيهما(3): «لنبي أو وصيّ نبي» .
هذا، مضافاً إلى أظهريته من جهة المعنى مؤيداً برواية إسحاق بن عمّار عن أبي عبد الله(علیه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (علیه السلام) لشريح: يا شريح قد جلست مجلساً لا يجلسه إلاّ نبيّ أو وصي نبي أو شقي(4) .
وبناء على هذا فلابد من التعيين من قبل النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أو الوصي (علیه السلام) إما لشخص بعينه وإما لأشخاص على نحو كلّي بلا فرق بين زماني الحضور والغيبة.
ص: 423
وهذا لا يستلزم نصبه بحيث يكون مرجعاً في الأمور العامة، بل هو خاص بما نصب من أجله وحدّد إليه من وظيفته.
الأول: قد اضطربت كلمات الشيخ (قدس سره) في هذا المقام(1) حيث استدل أولاً بقوله (علیه السلام) في التوقيع: «فإنّهم حجّتي عليكم وأنا حجة الله عليهم» وبقوله في المقبولة والمعتبرة: «فإنّي جعلته حاكماً أو قاضياً» على ثبوت الولاية العامة للأئمة (علیهم السلام)، ثم قال في مقام البحث حول ولاية الفقيه من القسم الأول وهي ولايته الاستقلالية بعد أن ذكر هذه الروايات الثلاث: الإنصاف بعد ملاحظة سياقها أو صدرها أو ذيلها يقتضي الجزم بأنها في مقام بيان وظيفتهم من حيث الأحكام الشرعية لا كونهم كالنبي والأئمة صلوات الله عليهم في كونهم أولى الناس في أموالهم.
والمستفاد من كلامه أنّ شأن الفقهاء هو تبليغ الأحكام فحسب، ولكنه (قدس سره) عند البحث حول ولاية الفقيه من القسم الثاني وهي الولاية التي لا يستقل فيها وإنما المعتبر فيها إذنه، استدلّ أيضاً بالروايات الثلاث واستظهر من قوله (علیه السلام) في التوقيع: «فإنّهم حجّتي عليكم» أنها تدلّ على أنّ لهم الولاية في مطلق الأمور التي يرجع فيها القوم إلى رئيسهم.
والتنافي بين كلاميه (قدس سره) واضح، فراجع وتدبّر لعلّك تجد وجهاً لما ذكره (قدس سره) يرفع به التنافي والاضطراب.
الثاني: أنه (قدس سره) بعد أن استدل بالروايات الثلاث على ثبوت الولاية للفقيه بمعنى اعتبار إذنه في الأمور العامة التي يرجع القوم فيها إلى رئيسهم لا في خصوص المسائل الشرعية، واستشهد بما نقلناه فيما تقدم، وبعد أن ذكر النسبة
ص: 424
بينها وبين ما دل على أنّ كل معروف صدقة، وأنّ عون الضعيف من أفضل الصدقة، وهي نسبة العموم من وجه، وأنّ المقدم في مورد الاجتماع هو الأول (أي التوقيع) لحكومته عليها، وعلى فرض التساقط فمقتضى الأصل العملي عدم مشروعية هذه الأمور التي يحتمل فيها اعتبارنظر الفقيه ووقوعها عن رأي وليّ الأمر أو نائبه.
وحاصل ما أفاده ! ثبوت الولاية للفقيه في هذا القسم للدليل والأصل العملي ثم قال: هذا لكن المسألة لا تخلو عن إشكال، وإن كان الحكم به مشهورياً(1) .
ولم نفهم لذلك وجهاً، اللهم إلاّ أن يقال: إنّ الوجه في ذلك هو التفاته (قدس سره) إلى ما يرد على ما استدلّ به من الإشكالات والنقوض كما نقلناها عن الأعاظم والفحول من أهل التحقيق، وقد تقدم منّا ما يمكن التفصّي به عنها، ولكن مع ذلك كلّه هل تطمئن النفس وتعتمد على هذه الروايات في مقام الاستدلال على ما نحن فيه؟
والله سبحانه هو العالم والهادي إلى الصواب.
ثم إنّ لسيد الطائفة البروجردي (قدس سره) كلاماً ينتهي إلى المقبولة سيأتي في محلّه إن شاء الله عند الكلام حول الدليل العقلي.
الطائفة الرابعة: ما دلّ على إمضاء ولاية الفقهاء وهي عدة روايات:
منها: صحيحة زيد الشحام قال: سمعت الصادق جعفر بن محمد (علیه السلام) يقول: من تولّى أمراً من أمور الناس فعدل، وفتح بابه، ورفع ستره، ونظر في أمور الناس، كان حقّاً على الله عزوجل أن يؤمن روعته يوم القيامة، ويدخله الجنّة(2)
ص: 425
ومنها: معتبرة ابن أبي عمير عن جماعة من أصحابنا، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: ما قدّست أمة لم يؤخذ لضعيفها من قويّها غير متعتع(1) «متضع خ ل متصنع» .
ومنها: ما في نهج البلاغة وهو قوله (علیه السلام): فاعلم أنّ أفضل عباد الله عند الله إمام عادل، هُديَ وهَدَى، فأقام سنّة معلومة، وأمات بدعة مجهولة وإنّ السنن لنيّرة لها أعلام، وإنّ البدع لظاهرة ولها أعلام، وإنّ شرّ الناس عند الله إمام جائر ضُلَّ به، فأمات سنّة مأخوذة وأحيا بدعة متروكة(2) .
ومنها: ما في نهج البلاغة أيضاً عن أمير المؤمنين (علیه السلام) أنه قال: فإني سمعت رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) يقول في غير موطن: لن تقدّس أمة لا يؤخذ للضعيففيها حقّه من القويّ غير متتعتع(3).
ومنها: ما رواه حفص بن عون رفعه قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): ساعة إمام عادل أفضل من عبادة سبعين سنة، وحدّ يقام في الأرض أفضل من مطر أربعين صباحاً(4) .
ومنها: ما أورده صاحب المستدرك عن القطب الراوندي في لبّ اللباب عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قال: يوم واحد من سلطان عادل، خير من مطر أربعين يوماً وحدّ يقام في الأرض أزكى من عبادة ستين سنة(5) .
وغيرها من الروايات الواردة بهذا المعنى.
ويمكن الاستدلال بهذه الروايات بأن يقال: إنهم: قد أمضوا ولاية من يتصدّى لأمور المسلمين إذا كان جامعاً للشرائط من العدالة ونحوها.
ص: 426
ولكن الاستدلال بها غير تام.
أولاً: إنّ هذه الروايات مخدوشة سنداً إلاّ الروايتين الأوليين فإن سنديهما معتبران: أما الأولى فلأنّ رجال سندها كلهم ثقات، وأما الثانية وإن كانت مرسلة إلاّ أنه بناء على ما حققناه في محلّه(1)، من أنّ مرسلات ابن أبي عمير معتبرة فلا إشكال من هذه الناحية.
وثانياً: إنّ هذه الروايات كلّها تشترك في قصور الدلالة، لأنّ الموضوع فيها أعمّ من المدّعى، إذ هو في الرواية الأولى: من تولّى أمراً من أمور المسلمين، وفي رواية نهج البلاغة الأولى: إمام عادل، ومثلها مرفوعة حفص، وفي رواية لبّ اللباب: سلطان عادل، وفي الروايتين الثانية والأخيرة لم يذكر فيهما الموضوع.
ومحلّ الكلام هو الفقيه المجتهد العادل.
وثالثاً: من المحتمل أن يكون المراد بهذه الروايات هو الإمام المعصوم فإن قلنا بذلك فهي خارجة عن محلّ الكلام، وإلاّ فهي أعم كما ذكرنا.
والحاصل: أنّ هذه الطائفة لا دلالة فيها على ما نحن فيه.
الطائفة الخامسة: ما دلّ على أنّ وظيفة الفقهاء هي التصدّي للأمور العامّة وأنّ مجاريها بأيديهم، وهي عدة روايات:
منها: ما ورد في تحف العقول عن سيد الشهداء أبي عبد الله الحسين (علیه السلام)، ويروى عن أمير المؤمنين (علیه السلام) في رواية طويلة جاء فيها ... وأنتم أعظم الناس مصيبة لما غلبتم عليه من منازل العلماء لو كنتم تشعرون (تسعون) ذلك، بأنّ مجاري الأمور والأحكام على أيدي العلماء بالله، الأمناء على حلاله وحرامه، فأنتم المسلوبون تلك المنزلة، وما سلبتم ذلك إلاّ بتفرّقكم عن الحقّ، واختلافكم في السنّة (الألسنة) بعد البيّنة الواضحة ...(2) .
ص: 427
ومنها: ما ورد في البحار عن كنز الكراجكي: وقال الصادق (علیه السلام): الملوك حكّام على الناس، والعلماء حكّام على الملوك(1) .
ومنها: ما ورد في نهج البلاغة في الخطبة الشقشقية لأمير المؤمنين (علیه السلام): أما والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة، لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء أن لا يقارّوا على كظّة ظالم، ولا سغب مظلوم لألقيت حبلها على غاربها، ولسقيت آخرها بكأس أولها(2) .
وظاهر هذه الروايات يدلّ على أنّ شأن العلماء هو التصدّي لأمور الناس العامة، بل إنّ ذلك عهد مأخوذ عليهم وأنّ لهم الحاكمية في شؤون الناس.
وقد نوقشت روايات هذه الطائفة سنداً ودلالة.
أما رواية تحف العقول فهي من حيث السند مرسلة كما أن مؤلف الكتاب لم يذكر في الأصول الرجالية مع أنه كان معاصراً للشيخ الصدوق، وإنما ذكر في كتب المتأخرين، كصاحب الوسائل، والشيخ القطيفي(3)، والمحدّث القمي(4) وصاحب الرياض(5) .
وأما من جهة الدلالة فقد ذكر كل من المحقّقين النائيني والاصفهاني والسيد الأستاذ قدس الله أسرارهم أنّ الظاهر من القرائن في صدر الرواية وذيلها أنّ المراد بالعلماء هم الأئمة (علیهم السلام) .
قال المحقق النائيني (قدس سره): فإنّ فيه قرائن تدلّ على أنّ المراد من العلماءفيه هم
ص: 428
الأئمة (علیهم السلام) فإنهم هم الأمناء على حلال الله وحرامه(1) .
وقال المحقق الاصفهاني (قدس سره): وسياقها يدل على أنها في خصوص الأئمة، والظاهر أنّها كذلك، فإنّ المذكور فيها هم العلماء بالله لا العلماء بأحكام الله، ولعلّ المراد أنهم (علیهم السلام) بسبب وساطتهم للفيوضات التكوينية والتشريعية تكون مجاري الأمور كلها حقيقية بيدهم (علیهم السلام) لا جعلاً، فهي دليل الولاية الباطنية لهم كولايته تعالى، لا الولاية الظاهرية التي هي من المناصب المجعولة(2) .
واضاف السيد الأستاذ (قدس سره) بأنه مع قبول شمول العلماء بالله للفقيه أيضاً فلا دلالة فيها على المدّعى، إذ المراد من ذلك كون جريان الأمر به لا يكون إلاّ في يد الفقيه بحيث لولاه لوقف الأمر فهو لا يكون إلاّ في توقف الأمر بدونها وهو الحلال والحرام(3) .
وببيان آخر للمحقق الأيرواني (قدس سره) حيث قال: مجرى الأمر هو منبعه الذي ينبعث منه، تشبيهاً له بمنبع الماء، فلو كانت عبارة الحديث: العلماء هم مجاري الأمور، أو كانت العبارة: الأمور بيد العلماء، كان ظاهر ذلك أنّ العلماء بوجودهم مجاري للأمور، وذلك لا يكون إلاّ بأن تكون تصرّفاتهم الشخصية نافذة مؤثّرة، فلو باعوا مال زيد، أو أوقعوا النكاح على هذه، كان ذلك مؤثّراً وأما هذه العبارة فتدلّ على أنّ المجرى بيد العلماء، والمجرى الذي يمكن فرض كونه بيدهم هو الأحكام والقوانين الشرعية التي ينبغي أن يصدر المكلّفون في حركاتهم وسكناتهم عنها ولا يتخلّفوا عنها(4) .
والمستفاد من كلماتهم أنّ الرواية قاصرة عن الدلالة على المدّعى.
ص: 429
هذا ولكن يمكن الجواب عن جميع تلك المناقشات:
أما من جهة السند فقد ذكرنا في محله(1) أنّ الكتاب بشهادة صاحب الوسائل يعدّ من الكتب المعتمدة، بل من الكتب المشهورة على ما نقله المحدّث القمي.
وبناء على ذلك فالرواية ليست بمرسلة، والمصنف هو الذي حذف السند للتخفيف والإيجاز.وأما المؤلّف فهو وإن لم يذكر في الأصول الرجالية إلاّ أنه لما كان من المشهورين فمن البعيد أن يكون مدح المتأخرين له وثناؤهم عليه بلا مستند، ومن القويّ أن يكون مدركهم في ذلك أقوال أو كتب المتقدمين، وهذا كاف في اعتباره والحكم بوثاقته بل الظاهر أنّه من الأجلاء.
نعم لما كانت عبارته حول روايات كتابه مجملة، وشهادته ليست بصريحة توقفنا في الحكم بصحة جميع روايات كتابه - ومنها هذه الرواية - وقلنا بأنّ الاحتياط فيها في محلّه(2) .
وأما ما أورد على دلالة الرواية فما ذكره المحقق النائيني (قدس سره) من أنّ المراد هم الأئمة (علیهم السلام) غير تام، وذلك لأنّ الذي يظهر - من الوقوف على تمام الرواية - أنّ المراد من العلماء هم العصابة حيث خاطبهم الإمام (علیه السلام) في أولها بقوله: «اعتبروا أيها الناس بما وعظ الله به أولياءه من سوء ثنائه على الأحبار ...» ثم خاطبهم (علیه السلام) بقوله: «ثم أنتم أيها العصابة عصابة بالعلم مشهورة، وبالخير مذكورة، وبالنصيحة معروفة، وبالله في أنفس الناس مهابة، فيهابكم الشريف ويكرمكم الضعيف، ويؤثركم من لا فضل لكم عليه ولا يد لكم عنده، تشفعون في الحوائج إذا امتنعت
ص: 430
من طلابها، وتمشون في الطريق بهيئة الملوك وكرامة الأكابر، أليس كل ذلك إنما نلتموه بما يرجى عندكم من القيام بحق الله، وإن كنتم عن أكثر حقه تقصرون، فاستخففتم بحق الأئمة، فأما حق الضعفاء فضيّعتم، وأما حقكم بزعمكم فطلبتم» وقال: «لقد خشيت عليكم أيها المتمنّون على الله أن تحلّ بكم نقمة من نقماته» وقال: «وأنتم لبعض ذمم آبائكم تفزعون وذمة رسول الله مخفورة» .
وقال: «كل ذلك فما أمركم الله به من النهي والتناهي وأنتم عنه غافلون» ثم قال: «وأنتم أعظم الناس مصيبة ...» إلى أن قال: «ولكنكم مكنتم الظلمة من منزلتكم، وأسلمتم أمور الله في أيديهم يعملون بالشبهات ويسيرون في الشهوات».
ثم قال (علیه السلام): «فالله الحاكم فيما فيه تنازعنا والقاضي فيما شجر بيننا» وختم كلامه بقوله: «اللهم إنك تعلم أنه لم يكن ما كان منّا تنافساً في سلطان ولا التماساً من فضول الحطام، ولكن لنري المعالم من دينك، ويظهر الإصلاح في بلادك، ويأمن المظلومون من عبادك، ويعملبفرائضك وسننك وأحكامك فإنّكم (إن لم) تنصرونا وتنصفونا قوي الظلمة عليكم، وعملوا في إطفاء نور نبيّكم، وحسبنا الله وعليه توكلنا وإليه أنبنا وإليه المصير» (1) .
فالمعني بهذه الخطابات ليس هم الأئمة قطعاً لأنها تتضمن اللوم والعتاب الشديدين للمخاطبين، ونسبة الاستخفاف بحق الأئمة إليهم، وغفلتهم عن الأوامر والنواهي وتمكين الظالمين، وتسليم أمور الله إليهم، وما إلى ذلك، فما ذكره الأعلام من أنّ المراد هم الأئمة لا يمكن المصير إليه.
ثم إنّ ما ذكره المحقق النائيني (قدس سره) من أنّ كون العلماء هم الأمناء على حلال الله وحرامه قرينة على أنّ المراد هم الأئمة (علیهم السلام) غير تام، وذلك لأنّ هذا التعبير ورد في كلام الإمام الصادق (علیه السلام) في وصف بعض أصحاب أبيه (علیه السلام) .
ص: 431
فقد روى الكشي بسند صحيح عن جميل بن دراج قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: بشّر المخبتين بالجنة، بريد بن معاوية العجلي، وأبو بصير ليث بن البختري المرادي، ومحمد بن مسلم، وزرارة، أربعة نجباء أمناء الله على حلاله وحرامه، ولولا هؤلاء انقطعت آثار النبوة واندرست(1) .
وروى أيضاً بسند صحيح عن سليمان بن خالد الأقطع، قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: ما أجد أحداً أحيا ذكرنا وأحاديث أبي (علیه السلام) إلاّ زرارة، وأبو بصير ليث المرادي، ومحمد بن مسلم، وبريد بن معاوية العجلي، ولولا هؤلاء ما كان أحد يستنبط هذا، هؤلاء حفّاظ الدين وأمناء أبي(علیه السلام) على حلال الله وحرامه وهم السابقون إلينا في الدنيا والسابقون إلينا في الآخرة(2) .
فقد وصفهم (علیهم السلام) تارة بأمناء الله على حلاله وحرامه، وأخرى بأمناء أبي على حلال الله وحرامه.
والحاصل: أنّ هذا الوصف لا يختص بالأئمة (علیهم السلام) فلا يكون قرينة على المدّعى.
وأما ما ذكره المحقق الاصفهاني ! من أنّ الفقهاء علماء بأحكام اللهوأنّ العلماء بالله هم الأئمة (علیهم السلام) فهذا أيضاً لا يمكن المساعدة عليه، وذلك لأنّ لازم قوله (علیه السلام) الأمناء على حلال الله وحرامه علمهم بالأحكام فلا حاجة تدعو إلى هذه القرينة للاستغناء عنها بقوله الأمناء.
ولذا لا يبعد أن يكون المراد بقوله العلماء بالله الإشارة إلى علمهم بالأصول الاعتقادية والمعارف الإلهية الحقّة، مضافاً إلى معرفتهم بالأحكام.
وأما ما ذكره ! من أنّهم واسطة في الفيوضات التكوينية والتشريعية فهو
ص: 432
معنى دقيق بعيد عن أذهان المخاطبين، ومخالف للفهم العرفي.
وأما ما ذكره السيد الأستاذ والمحقق الإيرواني ! فواضح الدفع وذلك:
أولاً: إنّ الرواية اشتملت على ذكر الأمور والأحكام معاً، وهما متغايران فلا معنى لحمل الأمور على الأحكام.
وثانياً: إنّ الإمام (علیه السلام) ليس في مقام بيان أنّ الإفتاء قد سلب عن المخاطبين بل في مقام بيان أنّ جميع الأمور من المصالح العامة والأحكام الشرعية التي كانت بأيديهم قد سلبت عنهم.
ويؤيد ذلك ما ورد في ذيل الرواية وهو قوله (علیه السلام): ولو صبرتم على الأذى وتحمّلتم المؤونة في ذات الله كانت أمور الله عليكم ترد، وعنكم تصدر، وإليكم ترجع، ولكنّكم مكّنتم الظلمة من منزلتكم، وأسلمتم أمور الله في أيديهم(1) .
ولا شبهة في دلالته على شموله لجميع الأمور لا خصوص الأحكام.
هذا، ولكن لا يبعد أن يكون المراد بالعصابة التي تكون مجاري الأمور بأيديهم أحد أمرين:
الأول: أن يكون المراد هم العصابة وأنّ هذه المنزلة لهم من حيث إنهم علماء.
الثاني: أن تكون لهم هذه المنزلة من حيث إنّ الأئمة (علیهم السلام) فيهم بمعنى أن كونها بأيدي العلماء في طول كونها في أيدي الأئمة (علیهم السلام) ولولا ذلك لما كانت هذه المنزلة للعلماء ولا يعني ذلك أنّ الأئمة (علیهم السلام) معنيون في الخطابات الواردة في الرواية، بل المقصود هو أولوية الأئمة (علیهم السلام) بمجاري الأمور، وأنها لهم أولاً وبالذات وللعلماء ثانياً وبالعرض، ومع وجود هذا الاحتمال يضعف الاستدلال بهذه الرواية على
ص: 433
المدّعى.
وأما الرواية الثانية فهي مع ضعف سندها لا يمكن الاستدلال بها، وذلك لاحتمال أن يكون الإمام (علیه السلام) في مقام بيان فضيلة العلم والعلماء وأنّ للعلماء هيمنة على قلوب الناس وأنفسهم.
ويؤيد ذلك ما ورد في رواية الكراجكي المتقدمة وهو قوله (علیه السلام): «والملوك حكام على الناس» وهذه الجملة واردة في مقام بيان الواقع، فللعلماء نفوذ وسلطان على الملوك، لاحتياج الملوك للعلماء في الاستفادة من آرائهم ونظراتهم، وحيث إنّ للملوك سلطنة ظاهرية على الناس فتكون النتيجة أنّ للعلماء سلطنة على الناس بنحو أعلى وأشد من سلطنة الملوك عليهم، ويؤكد ذلك ما رواه الشيخ في أماليه بسنده عن داود بن سليمان الغازي عن الرضا عن آبائه عن الحسين (علیهم السلام) قال: الملوك حكّام على الناس، والعلم حاكم عليهم، وحسبك من العلم أن تخشى الله، وحسبك من الجهل أن تعجب بعلمك(1) .
ويحتمل أيضاً أن يكون الإمام في مقام بيان وظيفة العلماء بأنّ لهم منصب الحكومة على الملوك وحكمهم نافذ عليهم.
وحيث إنّ الرواية تحتمل الأمرين وإن كانت في نفسها ظاهرة في الثاني لولا رواية الكراجكي، ومع ملاحظتها يقوى ظهورها في المعنى الأول.
وعلى كلا التقديرين فلا يصح الاستدلال بهذه الرواية.
وأما الرواية الأخيرة فهي وإن كان موردها خاص وهو رفع الظلم عن المظلوم، وأخذ حقّه من الظالم إلاّ أن الظاهر عدم اختصاصها بموردها لأنّ رفع الظلامة يتوقف على النفوذ والسلطة بحيث تكون للمتصدّي قدرة على ذلك، ولا يتمّ إلاّ بأن تكون الأمور بيده.
ص: 434
ولكنّ الكلام في استفادة ذلك من كلامه (علیه السلام) فإنّ معنى لا يقارّوا على كظة ظالم، أي عدم إقرارهم لظلم الظالم ورضاهم بفعله، وهذا كما قد يتحقق بالقهر والغلبة كذلك قد يتحقق بالبيان وتبليغ الأحكام وعدم السكوت، وليس في الرواية تعيين للأول دون الثاني، وعليه فدلالة الرواية غير تامة.
والحاصل: أنّ روايات هذه الطائفة ضعيفة السند والدلالة.
الطائفة السادسة: ما دلّ على أنّ العلماء حصون الإسلام، وهي عدة روايات:منها: ما رواه الكليني بسنده الصحيح إلى علي بن أبي حمزة، قال: سمعت أبا الحسن موسى بن جعفر (علیه السلام) يقول: إذا مات المؤمن بكت عليه الملائكة، وبقاع الأرض التي كان يعبد الله عليها، وأبواب السماء التي كان يصعد فيها بأعماله، وثلم في الإسلام ثلمة لا يسدّها شيء، لأنّ المؤمنين الفقهاء حصون الإسلام كحصن سور المدينة لها(1) .
ومنها: ما رواه ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله (علیه السلام)، قال: إذا مات المؤمن الفقيه ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدّها شيء(2) .
ومنها: رواية علي بن أسباط، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (علیه السلام): المؤمن العالم أعظم أجراً من الصائم القائم الغازي في سبيل الله، وإذا مات ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدّها شيء إلى يوم القيامة(3) .
ومنها: ما رواه الحارث الأعور، قال: سمعت أمير المؤمنين (علیه السلام) يقول: من حقّ العالم أن لا يُكثر عليه السؤال، ولا يُعنت في الجواب ... فإنّ العالم أعظم أجراً
ص: 435
من الصائم القائم المجاهد في سبيل الله، وإذا مات العالم ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدّها إلاّ خلف منه ...(1) .
وأوردها ابن فهد الحلي في عدة الداعي(2) عن عبد الله بن الحسن عن أبيه عن جده (علیه السلام) مع اختلاف في بعض الألفاظ.
كما رواها البرقي في المحاسن(3) بسنده عن سليمان بن جعفر الجعفي عن رجل عن أبي عبد الله (علیه السلام) .
وأوردها الشهيد الثاني في منية المريد(4) .
وجاء فيها: إذا مات المؤمن الفقيه ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدّها شيء(5) .
وغيرها من الروايات.وتقريب الاستدلال بها هو: أنّ مقتضى تشبيه الفقهاء بالحصون كونهم حافظين للشريعة وأحكامها، قائمين على شؤونها، وإجرائها، ولا يتحقّق ذلك إلاّ بأن تكون الأمور بأيديهم بحيث يكون قوام شؤون الناس بهم، وإلاّ لم يصدق عليهم أنهم حصون الإسلام، وهذا المعنى قد ورد في كلمات أمير المؤمنين (علیه السلام) كما في عهده لمالك الأشتر (رضي الله عنه) حيث قال (علیه السلام): «فالجنود بإذن الله حصون الرعية، وزين الولاة، وعزّ الدين، وسبل الأمن، وليس تقوم الرعية إلاّ بهم» (6) فإذا كان الفقيه حصناً فمعناه أنّ قوام شؤون الناس به كما في قوام المدينة بالسور الحافظ لها.
ولكن قد نوقش في هذه الطائفة من جهتي السند والدلالة.
ص: 436
أما الرواية الأولى فهي من حيث السند ضعيفة، فإنّ في طريقها علي بن أبي حمزة وهو ضعيف، وقد وردت فيه روايات كثيرة في ذمّه ولعنه، وهو أساس القول بالوقف، وقد كذب على الإمام موسى بن جعفر (علیه السلام) (1) مضافاً إلى أنّ في سندها ابن محبوب، والأصحاب يتهمونه في روايته عن ابن أبي حمزة(2) بناء على أنّ المراد به البطائني لا الثمالي.
وأما من حيث الدلالة فهي ضعيفة أيضاً وذلك:
أولاً: إنّ تشبيه الفقهاء بالحصون هو كونهم حفظة للأحكام بالاستنباط والتبليغ والتفسير ورد الشبه عنها، وفي التعبير بأنهم حصون الإسلام قرينة على ذلك، وإلاّ لعبّر عنهم بحصون المسلمين، فلا دلالة فيها على أنّ الأمور العامة لابدّ وأن تكون بأيديهم.
ومما يؤيد هذا المعنى: ما ورد في معتبرة إسماعيل بن جابر، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: العلماء أمناء، والأتقياء حصون، والأوصياء سادة، وفي رواية أخرى العلماء أمناء، والأتقياء حصون، والأوصياء سادة(3) .
وهذه الرواية وإن كان في سندها محمد بن سنان إلاّ أنه بناء على ما حققناه في محلّه(4) هو اعتبار روايته.
والشاهد في هذه الرواية أنّه (علیه السلام) وصف الأتقياء بأنهم حصون وليست الأمور العامة بيد الأتقياء، بل بيد الأوصياء الذين وصفهم بأنهم سادة.
وثانياً: إنّ هذه الرواية وردت بسند معتبر عن علي بن رئاب(5) عن أبي
ص: 437
الحسن(علیه السلام) وليس فيها لفظة الفقهاء.
هذا، ولكن يمكن القول بأنّ لفظة الفقهاء ساقطة من رواية ابن رئاب، وذلك بقرينة بقية الروايات المتقدمة، مضافاً إلى أنّ مقتضى الاعتبار هو ذلك أيضاً.
والمهمّ في المقام هو ضعف الرواية سنداً ودلالة فلا يمكن الاستدلال بها على المدّعى.
وأما الرواية الثانية فهي وإن كانت مرسلة إلاّ أنه بناء على ما تقرّر في محلّه(1) من أنّ مرسلات ابن أبي عمير كلها معتبرة فلا إشكال من هذه الناحية، إلاّ أنّ الإشكال في دلالتها، فإنها قاصرة عن إفادة المدّعى كالرواية الأولى، إذ كون الفقيه حصناً وفقده موجباً لانثلام هذا الحصن لا يستلزم كون الأمور العامة بيده، ولا دلالة في الرواية على ذلك، بل المناسب أن يكون مورد الروايتين هو الأحكام وأنّهم حافظون للشريعة بالاستنباط والتبليغ والتفسير ورد الشبه.
وأمّا بقية الروايات فهي غير تامة السند والدلالة.
والحاصل: أنّ هذه الطائفة من الروايات قاصرة عن إثبات المدّعى.
الطائفة السابعة: ما دلّ على أنّ من مات وليس عليه إمام حيّ ظاهر فميتته ميتة جاهلية، وهي عدة روايات:
منها: ما رواه الكليني ! بسنده الصحيح عن محمد بن مسلم، قال: سمعت أبا جعفر(علیه السلام) يقول: كل من دان الله عزوجل بعبادة يجهد فيها نفسه ولا إمام له من الله فسعيه غير مقبول، وهو ضالّ متحيّر، والله شانىء لأعماله، ومثله كمثل شاة ضلّت عن راعيها وقطيعها، فهجمت ذاهبة وجائية يومها، فلما جنّها الليل بصرت
ص: 438
بقطيع غنم مع راعيها، فحنت إليها واغترّت بها فباتت معها في مربضها، فلما أن ساق الراعي قطيعه أنكرت راعيها وقطيعها، فهجمت متحيّرة تطلب راعيها وقطيعها، فبصرت بغنم مع راعيها فحنت إليها واغترّت بها، فصاح بها الراعي الحقي براعيك وقطيعك فأنت تائهة متحيّرة عن راعيك وقطيعك، فهجمت ذعرة متحيّرة تائهة لا راعي لها يرشدها إلى مرعاها أو يردّها، فبينا هي كذلك إذ اغتنم الذئب ضيعتها فأكلها، وكذلك والله يا محمد من أصبح منهذه الأمة لا إمام له من الله عزوجل ظاهر عادل أصبح ضالاً تائهاً، وإن مات على هذه الحالة مات ميتة كفر ونفاق، واعلم يا محمد أنّ أئمة الجور وأتباعهم لمعزولون عن دين الله، قد ضلّوا وأضلّوا، فأعمالهم التي يعملونها كرماد اشتدّت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون ممّا كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد(1) .
ومنها: ما رواه الصفار في بصائر الدرجات بسنده الصحيح عن يعقوب السراج، قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): تخلو الأرض من عالم منكم حيّ ظاهر تفزع إليه الناس في حلالهم وحرامهم؟ فقال: يا أبا يوسف لا، إن ذلك لبيّن في كتاب الله تعالى فقال: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا» عدوّكم ممّن يخالفكم، ورابطوا إمامكم، واتّقوا الله فيما يأمركم وفرض عليكم(2).
ومنها: ما رواه الصفار أيضاً بسنده الصحيح عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: لا تبقى الأرض بغير إمام ظاهر(3) .
ومنها: ما ورد في الاختصاص عن محمد بن علي الحلبي قال: قال أبو عبد الله(علیه السلام): من مات وليس عليه إمام حيّ ظاهر مات ميتة جاهلية(4) .
ص: 439
ومنها: ما في الاختصاص أيضاً عن أبي الجارود قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: من مات وليس عليه إمام حي ظاهر مات ميتة جاهلية، قلت: إمام حي جعلت فداك؟ قال: إمام حيّ(1).
وتقريب الاستدلال بهذه الطائفة هو: أنّ مقتضى مدلول الروايات أنّ أعمال المكلفين لابد وأن تكون صادرة عنهم بدلالة الإمام العادل الظاهر وإرشاده، لا الإمام الجائر، وإلاّ كانوا ضالّين متحيّرين، ويترتب على ذلك أنهم لو ماتوا وهم على تلك الحال - أي من دون إمام حي ظاهر - كانت ميتتهم ميتة جاهلية.
وحيث إنّ الإمام (علیه السلام) غائب فلابد أن تكون أعمال الناس وأمورهم العامة بدلالة وإرشاد شخص منصوب من قبله (علیه السلام) وإلاّ صدق عليهم أنّهم ضالّون تائهون متحيّرون، وبهذا يمكن الجمع بين هذه الروايات وبينالروايات الكثيرة الدالة على جواز غيبة الإمام (علیه السلام) كما حدثت وتحققت، بل يمكن أن يقال: إنّ ذلك هو مقتضى الإمامة، وأنّ ما ورد من الروايات الكثيرة الثابتة من طرق الخاصة(2) والعامة(3) أنّ من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية هو أن يكون للناس إمام يهتدون به ويسترشدون بدلالته، وتكون أعمالهم تحت نظره، إما مباشرة أو بالواسطة سواء كان ظاهراً أو غائباً.
والحاصل: أنه يمكن الاستدلال بمفاد هذه الروايات على المدّعى.
ولكن قد نوقش في دلالة هذه الروايات.
ص: 440
أمّا الرواية الأولى فهي وإن كانت من جهة السند صحيحة إلاّ أنها من جهة الدلالة غير تامّة وذلك:
أولاً: لما ذكره العلاّمة المجلسي في المرآة حيث قال: إنّ المراد من قوله (علیه السلام): ظاهر، أي بيّن حجّيته بالبرهان وإن كان غائباً.
ونقل عن الفاضل التستري ) أنه قال: الظاهر أنه بالطاء المهملة وأيّد كلامه بما ورد في بعض الروايات: إنّ الله طهّرنا وعصمنا(1) .
وما احتمله الفاضل التستري وإن كان بعيداً في نفسه إلاّ أنّ ما أورده العلامة المجلسي من الاحتمال كاف في بيان قصور الدلالة على المدّعى.
مضافاً إلى أنّ ظاهر الرواية أنها واردة في مقام وجوب الرجوع والدلالة في الأحكام بقرينة قوله في صدر الرواية: كل من دان الله عزوجل بعبادة ... الخ ولا إشكال في ثبوت هذا المقام للفقيه، وضرورة أخذ الأحكام منه في زمان الغيبة الكبرى، بل يمكن القول بوجوب تعيين الفقيه من قبل الإمام (علیه السلام) ليكون مرجعاً للناس في أخذ الأحكام في زمانه غيبته.
وأما بالنسبة إلى غير الأحكام كالأمور العامة فلا دلالة في الرواية عليها.
وبهذا الوجه يمكن المناقشة في جميع الروايات المطلقة كقوله: من مات ولم يعرف إمام زمانه ونحوها مما ورد خالياً من لفظ ظاهر.وثانياً: إنّ هذه الرواية وردت باختلاف يسير في المحاسن(2) بسنده عن محمد بن مسلم وليس فيها كلمة ظاهر بل ورد فيها « من أصبح في هذه الأمة ولا إمام له من الله عادل أصبح تائهاً متحيّراً» .
وأما الروايات الأخرى فهي وإن كان بعضها صحيح السند إلاّ أنه يرد
ص: 441
عليها جميعاً ما يرد على الرواية الأولى.
والحاصل: أنّ هذه الطائفة غير تامة في دلالتها على المدعى أيضاً.
الطائفة الثامنة: ما دلّ على توقف نظام حوزة الإسلام والمسلمين على وجود الإمام وهي عدة روايات:
منها: صحيحة زرارة عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: بني الإسلام على خمسة أشياء على الصلاة، والزكاة، والحج، والصوم، والولاية، قال زرارة: فأيّ ذلك أفضل؟ فقال: الولاية أفضلهن، لأنها مفتاحهنّ، والوالي هو الدليل عليهنّ ... (قال) ثم قال: ذروة الأمر وسنامه ومفتاحه وباب الأشياء ورضى الرحمن الطاعة للإمام بعد معرفته، إن الله يقول: «من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً» أما لو أن رجلاً قام ليله، وصام نهاره، وتصدّق بجميع ماله، وحجّ جميع دهره، ولم يعرف ولاية وليّ الله فيواليه، ويكون جميع أعماله بدلالته له عليه، ما كان له على الله حق في ثواب، ولا كان من أهل الإيمان، ثم قال: أولئك، المحسن منهم يدخله الله الجنة بفضل رحمته(1) .
ومنها: ما رواه الكليني عن الرضا (علیه السلام) وهي رواية طويلة وموضع الشاهد منها قوله: ... إنّ الإمامة زمام الدين، ونظام المسلمين، وصلاح الدنيا وعزّ المؤمنين، إنّ الإمامة أسّ الإسلام النامي، وفرعه السامي، بالإمام تمام الصلاة والزكاة، والصيام، والحج، والجهاد، وتوفير الفيء، والصدقات، وإمضاء الحدود، والأحكام، ومنع الثغور والأطراف، الإمام يُحل حلال الله، ويحرّم حرام الله، ويقيم حدود الله، ويذبّ عن دين الله ...(2) .
ص: 442
ومنها: ما رواه الشيخ المفيد ! في الأمالي بسنده عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): اسمعوا وأطيعوا لمن ولاّه الله الأمر، فإنه نظامالإسلام(1) .
ومنها: ما رواه الصدوق بسنده عن الفضل بن شاذان عن الرضا (علیه السلام) وهي رواية العلل التي ذكر الفضل بن شاذان في آخرها أنه سمعها من الرضا (علیه السلام) مرة بعد مرة، وشيئاً بعد شيء، فجمعها وأطلق لعلي بن محمد بن قتيبة النيسابوري روايتها عنه عن الرضا (علیه السلام) وهي طويلة وموضع الشاهد منها قوله: ... فإن قال قائل: فلِمَ جعل أولي الأمر، وأمر بطاعتهم؟
قيل: لعلل كثيرة، منها: أنّ الخلق لمّا وقفوا على حدّ محدود وأمروا أن لا يتعدّوا ذلك الحد لما فيه من فسادهم، لم يكن يثبت ذلك ولا يقوم إلاّ بأن يجعل عليهم فيه أميناً يمنعهم من التعدي والدخول فيما حظر عليهم، لأنه لو لم يكن ذلك لكان أحد لا يترك لذته ومنفعته لفساد غيره، فجعل عليهم قيّماً يمنعهم من الفساد، ويقيم فيهم الحدود والأحكام. ومنها: أنا لا نجد فرقة من الفرق ولا ملّة من الملل بقوا وعاشوا إلاّ بقيّم ورئيس، ولما لابد لهم منه في أمر الدين والدنيا، فلم يجز في حكمة الحكيم أن يترك الخلق مما يعلم أنه لابد له منه، ولا قوام لهم إلاّ به، فيقاتلون به عدوهم، ويقيمون فيئهم ويقيم جمعهم وجماعتهم، ويمنع ظالمهم من مظلومهم، ومنها: أنه لو لم يجعل لهم إماماً قيّماً أميناً حافظاً مستودعاً لدرست الملّة، وذهب الدين، وغيّرت السنن والأحكام، ولزاد فيه المبتدعون، ونقص منه الملحدون، وشبّهوا ذلك على المسلمين، لأنا وجدنا الخلق منقوصين محتاجين غير كاملين مع اختلافهم واختلاف أهوائهم وتشتت أنحائهم، فلو لم يجعل لهم قيّماً حافظاً لما جاء به الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) لفسدوا على نحو ما بيّنا وغيّرت الشرائع والسنن
ص: 443
والأحكام والإيمان وكان في ذلك فساد الخلق أجمعين(1).
ومنها: ما ورد في نهج البلاغة قال (علیه السلام): فرض الله الإيمان تطهيراً من الشرك والصلاة تنزيهاً عن الكبر ... والأمانة نظاماً للأمة والطاعة تعظيماً للإمامة(2) .
ومنها: ما رواه الصدوق بسنده عن زينب بنت علي (علیه السلام) قالت: قالت فاطمة (علیها السلام) في خطبتها: لله فيكم عهد قدّمه إليكم، وبقية استخلفها عليكم ...ففرض الإيمان تطهيراً من الشرك، والصلاة تنزيهاً عن الكبر، ... والعدل تسكيناً للقلوب والطاعة نظاماً للملّة، والإمامة لمّاً من الفرقة، والجهاد عزّاً للإسلام، والصبر معونة على الاستيجاب، والأمر بالمعروف مصلحة للعامة(3) .
وغيرها من الروايات الكثيرة الواردة في هذا المعنى.
وتقريب الاستدلال بهذه الطائفة هو: أنّ المستفاد من مجموع هذه الروايات أنّ شأن الامامة في الأحكام وغيرها من سائر الأمور شأن عظيم، بل هي أعظم شأناً من جميع الفرائض لكونها مفتاحاً لهن، وأنّ بقاء الملة والدين يتوقف عليها، وإهمالها موجب لاضمحلال الدين وتغيّر الأحكام والسنن، الأمر الذي يدل على ضرورة وجود المنصوبين من الفقهاء الجامعين للشرائط لتولي زمام الأمور من قبلهم (علیهم السلام) في زمان الغيبة لئلاّ يضلّ الناس عن طريق الهدى.
هذا، ولكنّا نقول: أما دلالة هذه الروايات على لزوم أصل الإمامة وضرورتها وأنه لابدّ من الرجوع في الأحكام وغيرها من سائر الأمور إلى الإمام (علیه السلام) فهو حقّ ولا إشكال فيه، كما يظهر ذلك أيضاً من غيرها من الروايات الكثيرة البالغة حدّ التواتر.
ص: 444
وأما دلالتها على المدعى فيقال: إنّ الرواية الأولى وإن كانت صحيحة السند إلاّ أنها إن دلّت فإنما تدل على وجوب نصب الفقيه بالنسبة إلى الأحكام لتكون أعمال المكلفين بدلالة الإمام(علیه السلام) أو من كان منصوباً من قبله (علیه السلام)، وهذا أيضاً مما لا إشكال فيه، فإنّ الفقيه الجامع للشرائط منصوب من قبلهم (علیهم السلام)، وفتواه حجة بلا كلام، وإنما الكلام في دلالتها على تصدّي الفقيه للأمور العامة ولا دلالة فيها على ذلك.
وأما سائر الروايات فهي - مع الغضّ عن أسنادها - مبنية على وجوه عقلية وترجع إلى الدليل العقلي وسيأتي الكلام عنه إن شاء الله تعالى.
الطائفة التاسعة: ما دلّ على فضل العلماء وهي عدة روايات:
منها: صحيحة عبد الله بن ميمون، عن أبي عبد الله (علیه السلام)، عن أبيه، قال: قال رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم): فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم ليلة البدر(1) .ومنها: موثقة مسعدة بن زياد عن جعفر (علیه السلام)، عن أبيه، أنّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قال: إنّ فضل العالم على العابد كفضل الشمس على الكواكب، وفضل العابد على غير العابد كفضل القمر على الكواكب(2) .
ومنها: ما رواه في مجمع البيان عن جابر بن عبد الله أنه قال (صلی الله علیه و آله و سلم): فضل العالم على الشهيد درجة، وفضل الشهيد على العابد درجة، وفضل النبي على العالم درجة، وفضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على سائر خلقه، وفضل العالم على سائر الناس كفضلي على أدناهم(3).
ومنها: ما أورده الشهيد الثاني في منية المريد: قال مقاتل بن سليمان وجدت
ص: 445
في الإنجيل أنّ الله تعالى قال لعيسى (علیه السلام): عظّم العلماء واعرف فضلهم، فإني فضّلتهم على جميع خلقي إلاّ النبيين والمرسلين، كفضل الشمس على الكواكب، وكفضل الآخرة على الدنيا، وكفضلي على كلّ شيء(1) .
ومنها: ما رواه في قرب الاسناد في موثقة مسعدة بن صدقة، قال: حدثني جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه، أنّ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال: ثلاثة يشفعون إلى الله يوم القيامة فيشفّعهم الأنبياء، ثم العلماء، ثم الشهداء(2) .
ومنها: ما رواه الشيخ في أماليه بإسناده عن أبي الحسن علي بن علي - أخ دعبل بن علي - عن الرضا (علیه السلام) عن آبائه، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السلام)، أنه قال: فقيه واحد أشدّ على إبليس من ألف عابد(3) .
ومنها: ما ورد في التفسير المنسوب للإمام الحسن العسكري (علیه السلام): وقال الإمام(علیه السلام): وأشد من يتم هذا اليتيم، يتيم ]ينقطع[ عن إمامه، لا يقدر على الوصول إليه، ولا يدري كيف حكمه فيما يبتلي به من شرائع دينه، ألا فمن كان من شيعتنا عالماً بعلومنا، وهذا الجاهل بشريعتنا المنقطع عن مشاهدتنا يتيم في حجره، ألا فمن هداه وأرشده وعلّمه شريعتنا كان معنا في الرفيق الأعلى، حدثني بذلك أبي عن آبائه، عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وقال علي بن أبي طالب(علیه السلام): من كان من شيعتنا عالماً بشريعتنا، وأخرج ضعفاء شيعتنا من ظلمة جهلهم إلى نور العلم الذي حبوناه ]به[ جاء يوم القيامةوعلى رأسه تاج من نور يضيء لأهل جميع تلك العرصات ... ثم نقل الإمام (علیه السلام) هذا المضمون عن أمّه الصديقة الزهراء، وعن الحسن المجتبى(علیه السلام)، وعن آبائه (علیهم السلام) واحداً بعد واحد إلى أن قال: وقال علي بن محمد(علیه السلام): لولا من يبقى بعد غيبة قائمكم ]قائمنا[ عليه الصلاة والسلام من العلماء
ص: 446
الداعين إليه، والدالّين عليه، والذابين عن دينه بحجج الله، والمنقذين لضعفاء عباد الله من شباك إبليس ومردته، ومن فخاخ النواصب لما بقي أحد إلاّ ارتدّ عن دين الله، ولكنهم الذين يمسكون أزمة قلوب ضعفاء الشيعة كما يمسك صاحب السفينة سكّانها أولئك هم الأفضلون عند الله عزوجل(1) .
وغيرها من الروايات الكثيرة الواردة بهذا المضمون.
وقد استدلّ بهذه الطائفة أيضاً على أنّه إذا كان للعلماء هذه المنزلة من الفضل والدرجة فذلك يقتضي أنهم أحقّ بهذا المنصب، بل إنّهم منصوبون من قبل الأئمة (علیهم السلام) للتصدّي للأمور العامة في زمان الغيبة الكبرى.
ونقول: أما دلالة هذه الروايات على فضل العلماء وتقدّمهم على غيرهم فهو حق ولا إشكال فيه.
وأما دلالتها على أنّهم منصوبون من قبلهم للتصرّف في الأمور العامة، أو أنّ ذلك يتوقف على إذنهم (علیهم السلام) فلا دلالة فيها على شيء منهما أصلاً.
نعم يمكن الاستدلال بهذه الروايات على أولوية العلماء في التصدّي للأمور العامة فيما إذا دار الأمر بينهم وبين غيرهم.
ثم إنّنا إنما ذكرنا هذه الطائفة من الروايات تبعاً لصاحب العوائد ! (2) حيث تعرّض إليها.
الطائفة العاشرة: ما صدر عن إمام العصر الحجة ابن الحسن عجل الله تعالى فرجه الشريف في حقّ بعض خواصّ الشيعة.
منها: ما جاء في الاحتجاج قال: ورد من الناحية المقدّسة حرسها الله
ص: 447
ورعاها في أيام بقيت من صفر سنة عشر وأربعمائة، على الشيخ المفيد أبي عبد الله محمد بن محمد النعمان قدّس الله روحه ونوّر ضريحه، ذكر موصله أنه يحمله من ناحية متصلة بالحجاز، نسخته: للأخ السديد والوليالرشيد الشيخ المفيد أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان أدام الله إعزازه من مستودع العهد المأخوذ على العباد:
بسم الله الرحمن الرحيم
أمّا بعد، سلام عليك أيها الولي المخلص في الدين، المخصوص فينا باليقين، فإنا نحمد إليك الله الذي لا إله إلاّ هو، ونسأله الصلاة على سيدنا ومولانا ونبينا محمد وآله الطاهرين، ونعلمك أدام الله توفيقك لنصرة الحق، وأجزل مثوبتك على نطقك عنّا بالصدق، أنه قد أذن لنا في تشريفك بالمكاتبة، وتكليفك فيها بما تؤدّيه عنّا إلى موالينا قبلك أعزهم الله بطاعته، وكفاهم المهم برعايته لهم وحراسته.
فقف أمدّك الله بعونه على أعدائه المارقين عن دينه على ما نذكره، واعمل في تأديته إلى من تسكن إليه بما نرسمه إن شاء الله ... فليعمل كل امرىء منكم ما يقرب به من محبّتنا، وليتجنّب ما يدنيه من كراهيتنا وسخطنا، فإنّ أمرنا بغتة فجأة حين لا تنفعه توبة، ولا ينجيه من عقابنا ندم على حوبة، والله يلهمكم الرشد ويلطف لكم بالتوفيق برحمته.
نسخة التوقيع باليد العليا على صاحبها السلام:
هذا كتابنا إليك أيها الأخ الولي، والمخلص في ودّنا الصفيّ، والناصر لنا الوفيّ، حرسك الله بعينه التي لا تنام، فاحتفظ به ولا تظهر على خطّنا الذي سطرناه بما له ضمّناه أحداً، وأدّ ما فيه إلى من تسكن إليه، وأوص جماعتهم بالعمل عليه إن شاء الله، وصلّى الله على محمد وآله الطاهرين(1) .
ص: 448
ومنها: التوقيع الثاني من الناحية المقدّسة للشيخ المفيد أيضاً.
قال الطبرسي في الاحتجاج: ورد عليه كتاب آخر من قبله صلوات الله عليه يوم الخميس الثالث والعشرين من ذي الحجة سنة اثنتي عشرة وأربعمائة نسخته:
من عبد الله المرابط في سبيله إلى ملهم الحقّ ودليله.
بسم الله الرحمن الرحيم
سلام عليك أيها الناصر للحق الداعي إليه بكلمة الصدق، فإنا نحمد الله إليك الذي لا إله إلاّ هو، إلهنا وإله آبائنا الأولين، ونسأله الصلاة على نبيناوسيدنا ومولانا محمد خاتم النبيين وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين وبعد:
فقد كنّا نظرنا مناجاتك عصمك الله بالسبب الذي وهبه الله لك من أوليائه وحرسك من كيد أعدائه، وشفّعنا ذلك الآن من مستقرّ لنا ينصب في شمراخ من بهماء صرنا إليه آنفاً من غماليل ألجأنا إليه السباريت من الإيمان، ويوشك أن يكون هبوطنا منه إلى صحصح من غير بعد من الدهر ولا تطاول من الزمان، ويأتيك نبأ منّا بما يتجدّد لنا من حال، فتعرف بذلك ما تعتمده من الزلفة إلينا بالأعمال والله موفقك لذلك برحمته ...
ولو أنّ أشياعنا وفقهم الله لطاعته على اجتماع من القلوب في الوفاء بالعهد عليهم لما تأخر عنهم اليمن بلقائنا، ولتعجّلت لهم السعادة بمشاهدتنا على حق المعرفة وصدقها منهم بنا، فما يحبسنا عنهم إلاّ ما يتصل بنا مما نكرهه ولا نؤثره منهم والله المستعان، وهو حسبنا ونعم الوكيل وصلواته على سيدنا البشير النذير محمد وآله الطاهرين وسلم، وكتب في غرة شوال من سنة اثنتي عشرة وأربعمائة.
نسخة التوقيع باليد العليا صلوات الله على صاحبها:
هذا كتابنا إليك أيها الوليّ الملهم للحق العلي بإملائنا وخطّ ثقتنا فأخفه عن
ص: 449
كلّ أحد وأطوه واجعل له نسخة تُطلع عليها من تسكن إلى أمانته من أوليائنا شملهم الله ببركتنا ودعائنا، إن شاء الله والحمد لله والصلاة على سيدنا محمد وآله الطاهرين(1) .
قال صاحب المستدرك: الذي نقله في اللؤلؤة(2) وغيرها عن رسالة ابن بطريق الحلي: أنّ مولانا صاحب الزمان صلوات الله عليه وعلى آبائه وأهل بيته كتب إليه ثلاث كتب في كلّ سنة كتاباً، والذي نقله في الاحتجاج اثنان، فالثالث مفقود، والذي يظهر من تاريخ وفاة الشيخ أنّ وصول الكتاب الأخير كان قبل وفاته بثمانية أشهر تقريباً(3) .
وقال أيضاً: إنّ المحقق النقّاد ابن بطريق الحلي ذكر في رسالته نهج العلوم كما في اللؤلؤة وغيرها: أنه ترويه كافّة الشيعة وتتلقّاه بالقبول(4) .وقد نقل قطب الدين الراوندي في الخرائج شطراً من التوقيع الأول وذكره مرسلاً(5) .
وإنما أوردنا هذين التوقيعين لأنه ورد في كلمات بعض الأعلام كصاحب الجواهر ! (6) حيث استشهد به على عموم ولاية الفقيه، كما سيأتي، لاشتماله على التبجيل والتعظيم للشيخ المفيد ! من قبل الناحية المقدسة.
ومنها: ما رواه شيخ المحدّثين الميرزا النوري ! في كتابيه النجم الثاقب، وجنة المأوى، عن الصالح الصفي التقي الحاج علي البغدادي الذي تشرّف بلقاء
ص: 450
إمام العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف، وقد حدّثه بقصة لقائه به (علیه السلام) مشافهة وكان المحدّث النوري ! قد سمع هذه الحكاية من شخص آخر(1) .
قال في النجم الثاقب: نقل الحاج المذكور - أيده الله (صلی الله علیه و آله و سلم) اجتمع في ذمتي ثمانون توماناً من مال الإمام (علیه السلام) فذهبت إلى النجف الأشرف، فأعطيت عشرين توماناً منه لجناب علم الهدى والتقى الشيخ مرتضى أعلى الله مقامه، وعشرين توماناً إلى جناب الشيخ محمد حسين المجتهد الكاظميني، وعشرين توماناً لجناب الشيخ محمد حسن الشروقي، وبقي في ذمّتي عشرون توماناً كان في قصدي أن أعطيها إلى جناب الشيخ محمد حسن الكاظميني آل ياسيني (ياسين) أيده الله عند رجوعي، فعندما رجعت إلى بغداد كنت راغباً في التعجيل بأداء ما بقي في ذمتي، فتشرّفت في يوم الخميس بزيارة الإمامين الهمامين الكاظمين (علیه السلام)، وبعد ذلك ذهبت إلى خدمة جناب الشيخ سلّمه الله وأعطيته مقداراً من العشرين توماناً، وواعدته بأني سوف أعطي الباقي بعد ما أبيع بعض الأشياء تدريجياً، وأن يجيزني أن أوصله إلى أهله، وعزمت على الرجوع إلى بغداد في عصر ذلك اليوم، وطلب جناب الشيخ منّي أن أتأخّر فاعتذرت بأنّ علي أن أوفي عمّال النسيج أجورهم، فإنه كان من المرسوم أن أسلّم أجرةالأسبوع عصر الخميس، فرجعت.
وبعد أن قطعت ثلث الطريق تقريباً رأيت سيّداً جليلاً قادماً من بغداد من أمامي، فعندما قرب منّي سلّم عليّ وأخذ بيدي مصافحاً ومعانقاً وقال: أهلاّ وسهلاً وضمّني إلى صدره وعانقني وقبّلني وقبّلته، وكانت على رأسه عمامة
ص: 451
خضراء مضيئة مزهرة وفي خدّه المبارك خال أسود كبير فوقف وقال: حاج علي، على خير، على خير، أين تذهب؟ قلت: زرت الكاظمين (علیه السلام) وأرجع إلى بغداد، قال: هذه الليلة ليلة الجمعة فارجع، قلت: يا سيّدي لا أتمكن، فقال: في وسعك ذلك، فارجع حتى أشهد لك بأنك من موالي جدّي أمير المؤمنين (علیه السلام) ومن موالينا، ويشهد لك الشيخ كذلك، فقد قال تعالى: «وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ »(1).
وكان ذلك منه إشارة إلى مطلب كان في ذهني أن ألتمس من جناب الشيخ أن يكتب لي شهادة بأني من موالي أهل البيت (علیهم السلام) لأضعها في كفني، فقلت: أي شيء تعرفه وكيف تشهد لي؟ قال: من يوصل حقّه إليه كيف لا يعرف من أوصله؟ قلت: وأيّ حق؟ قال: ذلك الذي أوصلته إلي وكيلي، قلت: من هو وكيلك؟ قال: الشيخ محمد حسن، قلت: وكيلك؟ قال: وكيلي.
وكان قد قال لجناب الآقا السيد محمد: «وكان قد خطر في ذهني أنّ هذا السيد الجليل يدعوني باسمي مع أنّي لا أعرفه، فقلت في نفسي: لعله يعرفني وأنا نسيته، ثم قلت في نفسي أيضاً: إنّ هذا السيد يريد منّي شيئاً من حق السادة وأحببت أن أوصل إليه شيئاً من مال الإمام(علیه السلام) الذي عندي. فقلت: يا سيّدي بقي عندي شيء من حقّكم، فرجعت في أمره إلى جناب الشيخ محمد حسن لأؤدّي حقّكم يعني السادات بإذنه، فتبسّم في وجهي وقال: نعم، قد أوصلت بعضاً من حقّنا إلى وكلائنا في النجف الأشرف، فقلت: هل قبل ذلك الذي أدّيته؟ فقال: نعم.
خطر في ذهني أنّ هذا السيد يقول بالنسبة إلى العلماء الأعلام (وكلائنا) فاستعظمت ذلك، فقلت: العلماء وكلاء في قبض حقوق السادات وغفلت» انتهى(2) .
ص: 452
ثم قال: ارجع زر جدّي، فرجعت وكانت يده اليمنى بيدي اليسرى، فعندما سرنا رأيت في جانبنا الأيمن نهراً ماؤه أبيض صافٍ جارٍ،وأشجار الليمون والنارنج والرمان والعنب وغيرها كلّها مثمرة في وقت واحد مع أنه لم يكن موسمها وقد تدلّت فوق رؤوسنا، قلت: ما هذا النهر وما هذه الأشجار؟ قال: إنها تكون مع كلّ من يزورنا ويزور جدّنا من موالينا.
فقلت: أريد أن أسألك ... - ثم سأله عدة مسائل وأجاب عنها إلاّ اثنتين ثم وصف دخولهما إلى الحرم الشريف وزيارتهما وصلاتهما وغيابه عنه وما شاهده من الدلائل على أنه الحجة (علیه السلام) وغفلته عن ذلك إلى أن قال: - فعندما صار الصباح ذهبت إلى جناب الشيخ محمد حسن ونقلت له كلما رأيت، فوضع يده على فمي ونهاني عن إظهار القصة وإفشاء هذا السرّ، وقال: وفّقك الله تعالى فأخفيت ذلك ولم أظهره لأحد إلى أن مضى شهر من هذه القضية فكنت يوماً في الحرم المطهر، فرأيت سيداً جليلاً قد اقترب منّي وسألني ماذا رأيت؟ وأشار إلى قصّة ذلك اليوم، قلت: لم أر شيئاً، فأعاد عليّ ذلك الكلام وأنكرت بشدّة، فاختفى عن نظري ولم أره بعد ذلك(1) .
قال المحدّث النوري في وصف هذه القضية: ولو لم يكن في هذا الكتاب الشريف - النجم الثاقب - إلاّ هذه الحكاية المتقنة الصحيحة التي فيها فوائد كثيرة وقد حدثت في وقت قريب لكفت في شرفه ونفاسته(2) .
وأما الاستدلال بهذه الطائفة فهو أن يقال: إنّ تعظيم مقام الشيخ المفيد !
ص: 453
- كما في التوقيعين - ووصفه (علیه السلام) للعلماء بأنهم وكلاؤه - كما في قصة الحاج البغدادي - يدلّ على أنّهم نوّابه ويقومون مقامه في التصدّي للأمور العامة.
ولكن يمكن المناقشة في ذلك:
أما التوقيعان فهما محلّ إشكال من حيث السند والدلالة.
أما من حيث السند فقد ناقش السيد الأستاذ ! في سندي التوقيعين بوجهين:
قال: هذه التوقيعات لا يمكننا الجزم بصدورها من الناحية المقدسة،فإنّ الشيخ المفيد ! قد تولّد بعد الغيبة الكبرى بسبع أو تسع سنين، وموصل التوقيع إلى الشيخ المفيد ! مجهول. هب أنّ الشيخ المفيد جزم بقرائن، أنّ التوقيع صدر من الناحية المقدسة، ولكن كيف يمكننا الجزم بصدوره من تلك الناحية؟ على أنّ رواية الاحتجاج لهذين التوقيعين مرسلة، والواسطة بين الطبرسي، والشيخ المفيد مجهول(1) .
أقول: ما ذكره ! من وجهي المناقشة قابل للدفع.
أما عن الوجه الأول فيقال: إنّه بعد أن أثبتنا - في محلّه - أنّ الشيخ المفيد وغيره من الأعاظم إنما يعتبرون في حجّية الرواية وثاقة راويها، فمن الطبيعي أنهم لا يعتمدون على كل شخص وإن كان مجهولاً، وعليه فإذا اعتمد الشيخ المفيد ! على شخص فذلك يكشف أن المخبر أمين وثقة عنده، وأنّ خبره مفيد للعلم أو الاطمئنان بحيث لا يحتاج إلى ملاحظة الواسطة، اللهم إلاّ أن يقال: إنّ الاطمئنان من مثله لا يوجب الاطمئنان عندنا وهو بعيد، فإنّه ! قد انتهت إليه رئاسة الإمامية ووصف بأنه دقيق الفطنة ومقدّم في الفقه، والكلام والرواية والثقة، والعلم(2) .
ص: 454
وأما عن الوجه الثاني فيقال: إنّ الذي يظهر من الإجازات أنّ لصاحب الاحتجاج طريقاً إلى جميع كتب وروايات الشيخ المفيد !، فليس الطريق إليه مجهولاً.
نعم يمكن الخدشة في السند بوجه آخر - مع قطع النظر عن ملاحظة مضمون التوقيعين وما فيهما من القرائن - وهو: أنّ الطريق منحصر بصاحب الاحتجاج أي لم يروهما غيره، ولم يردا في كتاب للشيخ المفيد أو نقلاً عنه، وحينئذ فإن كانا متواترين فهو، وإلاّ فالاعتماد عليهما مشكل، ولكنّ دعوى التواتر غير تامة، وإن كان ربما يستفاد من كلام ابن بطريق الحلي ذلك، فإنه قال: ترويه كافة الشيعة وتتلقّاه بالقبول، ولكن يبعده عدم تعرّض الشيخ المفيد للتوقيعات في أي من كتبه، وكذا كل من كان في طبقته ومن بعده من تلاميذه كالنجاشي والشيخ مع أنهما قد تعرّضا لذكر أحواله ولو كانا شايعين لأشارا إليهما ونقلاهما، وليس من ذلك أثر.
وأما من حيث الدلالة فما ذكره صاحب الجواهر ! من دلالة التبجيل والتعظيم فهو غير واضح، إذ لا ملازمة ظاهراً بين هذه المدائح المذكورةكالأخ السديد، والولي الرشيد، والمخلص في الدين، المخصوص فينا باليقين، والملهم للحق وغيرها وبين الولاية العامة، فإن كان نظره ! إلى مثل هذه الكلمات فقد ورد نظيرها بل ما هو أبلغ منها كما تقدم من قولهم صلوات الله عليهم: هم خلفائي، وورثة الأنبياء، وحجتي عليكم، وأمناء الله على حلاله وحرامه، وغيرها من التعابير الدالة على علوّ المنزلة، ومع ذلك نوقش في دلالتها كما مرّ فكيف بهذه الألفاظ؟!
على أنّه قد ورد في شأن زرارة، ومحمد بن مسلم، وأبي بصير، وبريد بن معاوية، المدح العظيم، وقد ذكرنا بعضه فيما تقدم.
ومما ورد أيضاً عن أبي عبد الله (علیه السلام): أوتاد الأرض وأعلام الدين أربعة: محمد بن مسلم، وبريد بن معاوية، وليث بن البختري المرادي، وزرارة بن أعين، وفي رواية أخرى عنه(علیه السلام): هؤلاء القوّامون بالقسط، هؤلاء القوّامون بالصدق،
ص: 455
هؤلاء السابقون، أولئك المقربون، وعنه (علیه السلام) قال: بشر المخبتين بالجنة وعدّهم ثم قال: أربعة نجباء أمناء الله على حلاله وحرامه، لولا هؤلاء انقطعت آثار النبوة واندرست(1) .
ومع ذلك كله لا يقال بدلالتها على الولاية فتدبر.
وأما قضية المؤمن الصالح الحاج البغدادي فإنها من جهة السند معتبرة ولا إشكال فيها، فإنّ المحدّث النوري ! رواها بلا واسطة، كما رواها بواسطة واحدة، وقد نقلناها للسيد الأستاذ ! في مقام أنها تدل على عدم إباحة الخمس للشيعة وتقرير الإمام (علیه السلام) بأنّ حقّه متعلق بأموال المؤمنين بقوله (علیه السلام): «من يوصل حقّه إليه كيف لا يعرف من أوصله؟» وقوله(علیه السلام): «قد أوصلت بعضاً من حقّنا» فقبل ! ولم يستشكل فيها، إلاّ أنه يمكن المناقشة في دلالتها على ما نحن فيه، بأنها غير واضحة.
وذلك لأنّ الوكيل يختلف في معناه عن النائب، فإنّ لفظ النائب إذا ورد بلا قرينة انصرف إلى أنه قائم مقام المنوب عنه فيما له النيابة فيه، كالخليفة إلاّ أن تكون هناك قرينة على التخصيص.
وأما الوكيل فهو بعكس ذلك إذ المنصرف إليه من لفظ الوكيل هو الوكالة في أمر خاص، والظاهر من الوكيل أنه يطلق على من اعتمد عليه وفوّض إليه أمراً وغالباً ما يستعمل مع متعلّق الوكالة، فيقال: وكيل في البيع والشراء والنكاح أو وكيل في جميع الأمور.وبناء على هذا فلابد من تعيين المتعلّق وإلاّ كان اللفظ مجملاً ولا ينصرف إلى جميع الأمور فهو نظير اليد فإنّها قد تطلق على الكف أو عليه مع الذراع، أو عليهما مع العضد، وأما لفظ اليد وحده فهو مجمل لا ينصرف إلى جزء بخصوصه.
هذا تمام الكلام عن الروايات بجميع طوائفها.
ص: 456
وقد ادّعي الإجماع من الخاصة والعامة على ثبوت الولاية للفقيه.
أما الخاصة فقد نسب إلى جماعة من الفقهاء صريحاً، منهم المحقق الكركي، والفاضل النراقي وقد جعله من المسلّمات عند الأصحاب، وصاحب مفتاح الكرامة، وصاحب العناوين وقد
ادّعاه محصّلاً ومنقولاً على حدّ الاستفاضة، وصاحب بلغة الفقيه، وظاهر صاحب الجواهر لأنّه ذهب إلى إمكان تحصيل الإجماع من الأصحاب عليه، بل لعلّه من المسلّمات أو الضروريات عندهم، وظاهر المحقق الهمداني، والمحقق الاشتياني، حيث نفى الخلاف فيه، والظاهر من المحقق الاصفهاني أنه من المسلّمات في الجملة، ونسبه الشيخ إلى المشهور وبيان ذلك:
أما المحقق الكركي ) فقد قال في رسالة صلاة الجمعة: اتفق أصحابنا رضوان الله عليهم على أن الفقيه العدل الإمامي الجامع لشرائط الفتوى، المعبّر عنه بالمجتهد في الأحكام الشرعية نائب من قبل أئمة الهدى صلوات الله وسلامه عليهم في حال الغيبة في جميع ما للنيابة فيه مدخل ... والأصل فيه ما رواه الشيخ في التهذيب بإسناده إلى عمر بن حنظلة، عن مولانا الصادق جعفر بن محمد (علیه السلام) ... - وذكر الرواية ثم قال - : وفي معناه أحاديث كثيرة(1) .
وقال في رسالة قاطعة اللجاج في مسألة تولّي الفقيه للخراج: ومن تأمّل في كثير من أحوال كبراء علمائنا السالفين، مثل السيد الشريف المرتضى علم الهدى، وأعلم المحقّقين من المتقدمين والمتأخرين نصير الحق والدين الطوسي، وبحر العلوم مفتي الفرق جمال الملة والدين الحسن بن مطهر، وغيرهم رضوان الله عليهم، نظر متأمل منصف لم يعترضه الشك في أنهم كانوا يسلكون هذا المنهج ويقيمون هذا السبيل وماكانوا ليودعوا بطون كتبهم إلاّ ما كانوا يعتقدون صحّته(2) .
ص: 457
وأما الفاضل النراقي ! فقد قال في عوائده: أما الأول - وهو كل ما كان للنبي والإمام فيه الولاية كان للفقيه - فالدليل عليه بعد ظاهر الإجماع حيث نصّ به كثير من الأصحاب بحيث يظهر منهم كونه من المسلّمات - ما صرّحت به الأخبار ... .
وأما الثاني - وهو كل فعل متعلّق بأمور العباد في دينهم أو دنياهم ولابدّ من الإتيان به... - فيدلّ عليه بعد الإجماع أيضاً أمران ...(1) .
وأما صاحب مفتاح الكرامة ! فقد قال: ويدلّ عليه - نصب الفقيه من قبل الإمام(علیه السلام) - العقل والإجماع والأخبار ... .
وأما الإجماع فبعد تحققه كما اعترف به - العلامة - يصحّ لنا أن ندّعي أنه انعقد على أنه نائب عنه عجّل الله فرجه، واتفاق أصحابنا حجّة، وإلاّ لوجب الظهور ... أو نقول: بعد أن دلّ عليه العقل انعقد الإجماع عليه قطعاً، على أنا ولله الحمد عندنا من الأخبار ما يدل على ذلك صريحاً، وفي ذلك بلاغ وكفاية، منها ما رواه الصدوق في إكمال الدين وإتمام النعمة، عن محمد بن عصام، عن محمد بن يعقوب، عن إسحاق بن يعقوب، قال: سألت محمد بن عثمان العمري أن يوصل لي كتاباً قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليّ، فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان (علیه السلام) إلى أن قال: أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنّهم حجّتي عليكم وأنا حجة الله(2) .
فإنه وإن كان كلامه في القضاء إلاّ أنه ربما يظهر من كلامه النيابة العامة.
وأما صاحب الجواهر ) فقد قال - في كتاب الزكاة - في مسألة وجوب صرف الزكاة إلى الإمام (علیه السلام) لو طلبها: قلت: إطلاق أدلة حكومته خصوصاً
ص: 458
رواية النصب التي وردت عن صاحب الأمر (علیه السلام) روحي له الفداء يصيّره من أولي الأمر الذين أوجب الله علينا طاعتهم، نعم من المعلوم اختصاصه في كل ما له في الشرع مدخلية حكماً أو موضوعاً، ودعوى اختصاص ولايته بالأحكام الشرعية يدفعه معلوميّة تولّيه كثيراً من الأمور التي لاترجع للأحكام، كحفظه لمال الأطفال والمجانين والغائبين وغير ذلك مما هو محرّر في محلّه، ويمكن تحصيل الإجماع عليه من الفقهاء، فإنهم لا يزالون يذكرون ولايته في مقامات عديدة لا دليل عليها سوى الإطلاق الذي ذكرناه المويّد بمسيس الحاجة إلى ذلك أشدّ من مسيسها في الأحكام الشرعية(1) .
وقال في مسألة صرف سهم الإمام (علیه السلام) من كتاب الخمس: لكنّ ظاهر الأصحاب عملاً وفتوى في سائر الأبواب عمومها - ولاية الحاكم - بل لعلّه من المسلّمات أو الضروريات عندهم(2) .
وقال في مسألة إقامة الفقيه للحدود من كتاب الأمر بالمعروف: أو لظهور قوله (علیه السلام): «فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً» في إرادة الولاية العامة نحو المنصوب الخاص كذلك إلى أهل الأطراف الذي لا إشكال في ظهور إرادة الولاية العامة في جميع أمور المنصوب عليهم فيه، بل في قوله (علیه السلام): «فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله» أشدّ ظهوراً في كونه حجة فيما أنا فيه حجة الله عليكم، ومنها إقامة الحدود ... بل يمكن دعوى المفروغية منه بين الأصحاب، فإنّ كتبهم مملوءة بالرجوع إلى الحاكم المراد به نائب الغيبة في سائر المواضع.
ثم نقل كلام المحقق الكركي في رسالة صلاة الجمعة ... ثم قال: وبغير ذلك ممّا يظهر بأدنى تأمّل في النصوص وملاحظتهم حال الشيعة وخصوصاً علماءهم في
ص: 459
زمن الغيبة وكفى بالتوقيع الذي جاء للمفيد من الناحية المقدسة، وما اشتمل عليه من التبجيل والتعظيم، بل لولا عموم الولاية لبقي كثير من الأمور المتعلّقة بشيعتهم معطلة.
فمن الغريب وسوسة بعض الناس في ذلك بل كأنه ما ذاق من طعم الفقه شيئاً ولا فهم من لحن قولهم ورموزهم أمراً، ولا تأمّل المراد من قولهم إنّي جعلته عليكم حاكماً وقاضياً وحجة وخليفة، ونحو ذلك مما يظهر منه إرادة نظم زمان الغيبة لشيعتهم في كثير من الأمور الراجعة إليهم، ولذا جزم فيما سمعته من المراسم بتفويضهم (علیهم السلام) لهم في ذلك ... وبالجملة فالمسألة من الواضحات التي لا تحتاج إلى أدلّة(1) .
وأما صاحب العناوين (رحمه الله) فقد قال: الأدلة الدالة على ولاية الحاكمالشرعي أقسام أحدها: الإجماع المحصّل، وربما يتخيل أنّه أمر لبّي لا عموم فيه حتى يتمسك به في محل الخلاف، وهو كذلك لو أردنا بالإجماع، الإجماع القائم على الحكم الواقعي الغير القابل للخلاف والتخصيص، ولو أريد الإجماع على القاعدة بمعنى كون الإجماع على أنّ كل مقام لا دليل فيه على ولاية غير الحاكم فالحاكم وليّ له فلا مانع من التمسك به في مقام الشك، فيكون كالإجماع على أصالة الطهارة ونحوها، والفرق بين الإجماع على القاعدة، والإجماع على الحكم واضح لمن تتبع كلمة الأصحاب.
وثانيها: فنقول: الإجماع في كلامهم على كون الحاكم ولياً فيما لا دليل فيه على ولايته غيره، ونقل الإجماع في كلامهم على هذا المعنى لعلّه مستفيض في كلامهم(2) .
ص: 460
وأما صاحب البلغة ! فقد قال في مقام استدلاله على عموم النيابة: فنقول: إنما يتوقف على إذن الإمام (علیه السلام) إن لم يكن لصرف تعظيمه وجلالته ومحض المكرمة له، بل كان من حيث رياسته الكبرى على كافة الأنام الموجب للرجوع إليه في كل ما يرجع إلى مصالحهم المتعلّقة بأمور معادهم أو معاشهم، ودفع المضار عنهم، وتوجه الفساد إليهم، مما يرجع المرؤوسون من كل ملة إلى رؤسائهم، إتقاناً للنظام المعلوم كونه مطلوباً مدى الليالي والأيام، فلابدّ من استخلاف من يقوم مقامه في ذلك حفظاً لما هو المقصود من النظام ... فتعيّن كون المنصوب هو الفقيه الجامع للشرائط في زمن الغيبة مع ظهور بعض الأدلة المتقدمة في ذلك، كقوله (علیه السلام): أما الحوادث الواقعة ...
هذا، مضافاً إلى غير ما يظهر من تتبع فتاوى الفقهاء في موارد عديدة - كما ستعرف - في اتفاقهم على وجوب الرجوع فيها إلى الفقيه مع أنه غير منصوص عليها بالخصوص وليس إلاّ لاستفادتهم عموم الولاية له بضرورة العقل والنقل، بل استدلوا عليه، بل حكاية الإجماع عليه فوق حدّ الاستفاضة، وهو واضح بحمد الله لا شكّ فيه ولا شبهة تعتريه(1) .
وأما المحقق الهمداني ) فإنه بعد أن استشكل في استفادة الولاية العامة من أدلة النصب، وأنها لا تخلو عن خفاء، قال: ولكن الذي يظهر بالتدبّر في التوقيع المروي عن إمام العصر عجّل الله فرجه، الذي هو عمدة دليلالنصب إنما هو إقامة الفقيه المتمسّك برواياتهم مقامه بإرجاع عوام الشيعة إليه في كل ما يكون الإمام مرجعاً فيه كي لا يبقى شيعته متحيّرين في أزمنة الغيبة ... وكيف كان فلا ينبغي الإشكال في نيابة الفقيه الجامع لشرائط الفتوى عن الإمام (علیه السلام) حال الغيبة في مثل هذه الأمور كما يؤيده التتبع في كلمات الأصحاب حيث يظهر منها كونها
ص: 461
لديهم من الأمور المسلّمة في كل باب حتى أنه جعل غير واحد عمدة المستند لعموم نيابة الفقيه لمثل هذه الأشياء هو الإجماع(1) .
وأما المحقق الأشتياني ! فقد قال في كتاب القضاء:
الخامس: لا إشكال في ثبوت سائر الولايات العامة الحسبية المختصة بالمجتهدين للمفضول كثبوتها للفاضل على القول باختصاص ولاية القضاء به، بل الظاهر أنه مما لا خلاف فيه، لعموم ما دلّ عليه من الأخبار سيّما التوقيع الشريف الدال على كونهم حجة من الحجة أرواحنا له الفداء على الخلق، وأنهم المرجع للحوادث الواقعة، وانتفاء ما يقتضي تخصيصه بطائفة منهم، وهو أمر ظاهر(2) .
وأما المحقق الأصفهاني ! فإنه بعد أن استشكل في عموم الولاية وأن الأدلة قاصرة عن إفادتها قال: إلاّ أن ولاية الحاكم في كثير من تلك الموارد إجماعية وقد أرسلت في كلمات الأصحاب إرسال المسلّمات بحيث يستدلّ بها لا عليها(3) .
وظاهر كلامه أنّ المراد من الحاكم هو الفقيه لا القاضي.
وأما الشيخ ! فإنه بعد أن أثبت القسم الثاني من ولاية الفقيه وهي الولاية المشروطة بإذنه، وبعد أن ذكر الروايات الدالة عليها قال: هذا ولكنّ المسألة لا تخلو عن إشكال وإن كان الحكم به مشهورياً ... كما اعترف به جمال المحققين في باب الخمس، بعد الاعتراف بأن المعروف بين الأصحاب كون الفقهاء نواب الإمام(4) .
هذا ما تيسّر لنا من أقوال العلماء الذين وردت في كلماتهم دعوى الإجماع أو عدم الخلاف أو الشهرة على هذا الحكم.
ص: 462
وأمّا من صرّح به في الموارد الخاصة فكثير.هذا، ولكن الذي يظهر من التأمّل في كلمات الناقلين للإجماع أمور:
الأول: أن المستفاد منها أنّ هذه المسألة ليست معنونة في كلمات القدماء كثيراً نعم وردت في كلام الشيخ المفيد ! كما سيأتي، وإنما استفادوا الإجماع من الموارد التي يتوقف الحكم فيها على ثبوت الولاية، ومن خلال حكمهم بالثبوت استفادوا ذلك، كمسألة وجوب صلاة الجمعة أو استحبابها بإذن الفقيه، أو إعطائه الزكاة وجوباً أو استحباباً في صورة مطالبته، أو مطلقاً، وكذا الخمس، واللقطة، وحفظ مال اليتيم أو الغائب وإقامة الحدود وغيرها.
والظاهر أنّ الأمر كذلك، فإنّ المسألة ليست معنونة في كلماتهم بهذه الصورة، ولعل المحقق الكركي ! هو الذي عنونها وتبعه من جاء من بعده، ومع ذلك فإنّ استفادة هذا الحكم أي ثبوت الولاية وإن كانت ظاهرة من بعض هذه الموارد إلاّ أنها غير ظاهرة في بعضها الآخر، وذلك لأنّ هذه الموارد محصورة وهي تنقسم إلى قسمين:
أولهما: ما يكون الحكم فيها بوجوب الرجوع إلى الفقيه من باب الرجوع إلى الحاكم، وليس هذا القسم محلاً للكلام، فإنّ الحاكم منصوب من قبل الإمام (علیه السلام) بلا إشكال، وبناء على هذا فحكمهم بالرجوع في هذه الموارد للفقيه لا يثبت المدّعى.
وثانيهما: ما تكون من مختصات الفقيه دون الحاكم، كصلاة الجمعة وجمع الزكوات وأخذ الأخماس والخراج وغيرها، والقول بثبوت الحكم فيها على نحو الإطلاق لا يلازم القول بثبوت الولاية، لأنّ بينهما عموم من وجه، فإنه ربما يقال بالوجوب مع أنّ القائل لا يعتبر إذن الإمام(علیه السلام)، فكيف باعتبار إذن الفقيه كصلاة الجمعة، فإنّ صاحب الحدائق ! (1) يذهب إلى القول بوجوبها العيني في زمان
ص: 463
الغيبة، ولا يعتبر اشتراط وجود الإمام (علیه السلام) ولا إذنه فكيف بالفقيه؟! أو يقال بوجوب دفع الزكاة إلى الفقيه لكونه مقتضى الاحتياط، أو لأنه أعرف بموارد استحقاقها، كما أنّ بعضهم ينفي وجوب الدفع إليه لا لعدم كون الفقيه نائباً عن الإمام (علیه السلام) بل لعدم اعتبار الدفع للإمام (علیه السلام) بل يجوز للمالك أن يدفعها إلى مستحقيها بنفسه كما نسبه صاحب الرياض لظاهر ابن زهرة والقاضي(1) .
نعم إذا كان الحكم بوجوب الرجوع مع التصريح بنيابة الفقيه عنالإمام (علیه السلام) فهو يدل على المدعى، ولعل دعوى من يدّعي الإجماع مبتنية على مثل هذه الموارد.
الثاني: أنّ الظاهر من كلماتهم أنّ الأصل في الإجماع هو العقل والأخبار الواردة، خصوصاً التوقيع الشريف المروي عن إسحاق بن يعقوب كما جاء في كلام غير واحد منهم، وعليه فلا يكون هذا الإجماع إجماعاً كاشفاً بل لابدّ حينئذ من ملاحظة المستند لهذا الإجماع.
الثالث: أنه ربما حكي عن السيد ابن زهرة(2)، وعن ابن إدريس(3)، خلاف دعوى الإجماع، وهو صريح صاحب الحدائق(4)، والمحقق الإيرواني(5)، والسيد الأستاذ(6)، والشهيدي(7)، ومحتمل المحقق النائيني(8)، وغيرهم(9) .
والإنصاف أنّ الإغماض عن دعوى الإجماع من مثل هؤلاء الأعلام ليس
ص: 464
بالأمر اليسير، والمسألة تحتاج إلى دقة أكثر. والله العالم.
وأما العامة فقد ادّعوا الإجماع أيضاً على ولاية الفقيه كما صرّحت به كلماتهم في مواطن مختلفة من كتبهم الفقهية، وحيث لا غرض لنا يتعلّق بتحقيق دعواهم فلا نرى حاجة للبحث حول المسألة عندهم وبيان آرائهم فيها.
والاستدلال به تارة مستقلاً وأخرى غير مستقل أما الأول فمن وجهين:
الوجه الأول: ما ذكره سيد الطائفة البروجردي (قدس سره) - وقد أشرنا إليه فيما تقدم - قال: إنّ إثبات ولاية الفقيه وبيان الضابطة الكلية لما يكون من شؤون الفقيه ومن حدود ولايته يتوقف على تقديم أمور:
الأول: إنّ في الاجتماع أموراً لا تكون من وظائف الأفراد، ولا ترتبطبهم، بل تكون من الأمور العامة الاجتماعية التي يتوقف عليها حفظ نظام الاجتماع مثل القضاء وولاية الغيّب، والقصّر، وبيان مصرف اللقطة، والمجهول المالك، وحفظ الانتظامات الداخلية، وسدّ الثغور، والأمر بالجهاد، والدفاع عند هجوم الأعداء، ونحو ذلك مما يرتبط بسياسة المدن، فليست هذه الأمور مما يتصدّاها كل أحد بل تكون من وظائف قيّم المجتمع، ومن بيده أزمّة الأمور الاجتماعية، وعليه أعباء الرياسة والخلافة.
الثاني: لا يبقى شك لمن تتبع قوانين الإسلام وضوابطه في أنه دين سياسي اجتماعي، وليست أحكامه مقصورة على العباديات المحضة المشروعة لتكميل الأفراد وتأمين سعادة الآخرة، بل يكون أكثر أحكامه مربوطة بسياسة المدن، وتنظيم الاجتماع، وتأمين سعادة هذه النشأة، أو جامعة للحسنيين، ومرتبطة بالنشأتين، وذلك كأحكام المعاملات، والسياسات، من الحدود، والقصاص
ص: 465
والديات والأحكام القضائية المشروعة لفصل الخصومات، والأحكام الكثيرة الواردة لتأمين الماليات التي يتوقف عليها حفظ دولة الإسلام، كالأخماس، والزكوات، ونحوها، ولأجل ذلك اتّفق الخاصة والعامة على أنه يلزم في محيط الإسلام وجود سائس وزعيم يدبر أمور المسلمين، بل هو من ضروريات الإسلام، وإن اختلفوا في شرائطه وخصوصياته، وأنّ تعيينه من قبل رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) أو بالانتخاب العمومي.
الثالث: لا يخفى أنّ سياسة المدن وتأمين الجهات الاجتماعية في دين الإسلام لم تكن منحازة عن الجهات الروحانية، والشؤون المربوطة بتبليغ الأحكام وإرشاد المسلمين، بل كانت السياسة فيه من الصدر الأول مختلطة بالديانة ومن شؤونها، فكان رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) بنفسه يدبر أمور المسلمين ويسوسهم، ويرجع إليه في فصل الخصومات وينصب الحكّام للولايات، ويطلب منهم الأخماس، والزكوات، ونحوها من الماليات، وهكذا كان سيرة الخلفاء بعده ...
وكانوا في بادي الأمر يعملون بوظائف السياسة في مراكز الإرشاد والهداية كالمساجد، فكان إمام المسجد بنفسه أميراً لهم، وبعد ذلك أيضاً كانوا يبنون المسجد الجامع قرب دار الإمارة، وكان الخلفاء والأمراء بأنفسهم يقيمون الجمعات والأعياد، بل ويدبّرون أمر الحج أيضاً، حيث إنّ العبادات الثلاث مع كونها عبادات قد احتوت على فوائد سياسية لا يوجد نظيرها في غيرها كما لا يخفى على من تدبّر، وهذا النحو من الخلط بين الجهات الروحية والفوائد السياسية من خصائص الإسلاموامتيازاته ...
وحينئذ فنقول: إنّه لما كان من معتقداتنا معاشر الشيعة الإمامية أنّ خلافة رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) وزعامة المسلمين من حقوق الأئمة الاثني عشر عليهم صلوات الله، وأنّ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) لم يهمل أمر الخلافة، بل عيّن لها من بعده علياً (علیه السلام) ثم انتقلت
ص: 466
منه إلى أولاده عترة رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) وكان تقمّص الباقين، وتصدّيهم لها غصباً لحقوقهم، فلا محالة كان المرجع الحق لتلك الأمور الاجتماعية التي يبتلي بها جميع المسلمين هو الأئمة الإثنا عشر (علیهم السلام)، وكانت من وظائفهم الخاصة مع القدرة عليها فهذا أمر يعتقده جميع الشيعة الإمامية، ولا محالة كان مركوزاً في أذهان أصحاب الأئمة (علیهم السلام) أيضاً، فكان أمثال زرارة، ومحمد بن مسلم، من فقهاء أصحاب الأئمة (علیهم السلام) وملازميهم لا يرون المرجع لهذه الأمور والمتصدّي لها عن حقّ إلاّ الأئمة أو من نصبوهم لها، ولذلك كانوا يراجعون إليهم في ما يتّفق لهم مهما أمكن كما يعلم ذلك بمراجعة أحوالهم.
إذا عرفت هذه المقدمات فنقول: إنه لما كان هذه الأمور والحوائج الاجتماعية مما يبتلي بها الجميع مدة عمرهم غالباً، ولم يكن الشيعة في عصر الأئمة (علیهم السلام) متمكنين من الرجوع إليهم (علیهم السلام) في جميع الحالات - كما يشهد بذلك مضافاً إلى تفرّقهم في البلدان، عدم كون الأئمة (علیهم السلام) مبسوطي اليد بحيث يرجع إليهم في كل وقت لأي حاجة اتفقت - فلا محالة يحصل لنا القطع بأنّ أمثال زرارة، ومحمد بن مسلم وغيرهما من خواصّ الأئمة (علیهم السلام) سألوهم عمّن يرجع إليه في مثل تلك الأمور إذا لم يتمكنوا منهم (علیهم السلام)، ونقطع أيضاً بأنّ الأئمة (علیهم السلام) لم يهملوا هذه الأمور العامة البلوى التي لا يرضى الشارع بإهمالها، بل نصبوا لها من يرجع إليه شيعتهم إذا لم يتمكنوا منهم، ولا سيما مع علمهم (علیهم السلام) بعدم تمكن أغلب الشيعة من الرجوع إليهم، بل عدم تمكن الجميع في عصر غيبتهم، التي كانوا يخبرون عنها غالباً ويهيّئون شيعتهم لها، وهل لأحد أن يحتمل أنهم (علیهم السلام) نهوا شيعتهم عن الرجوع إلى الطواغيت وقضاة الجور، ومع ذلك أهملوا لهم هذه الأمور ولم يعيّنوا من يرجع إليه الشيعة في فصل الخصومات والتصرّف في أموال الغيّب والقصّر، والدفاع عن حوزة الإسلام، ونحو ذلك من الأمور المهمّة التي لا يرضى الشارع
ص: 467
بإهمالها؟
وكيف كان فنحن نقطع بأنّ أصحاب الأئمة (علیهم السلام) سألوهم عمّن يرجع إليه الشيعة في تلك الأمور مع عدم التمكّن منهم (علیهم السلام)، وأنّ الأئمة (علیهم السلام) أيضاً أجابوهم بذلك ونصبوا للشيعة مع عدم التمكن منهم (علیهم السلام) أشخاصاً يتمكنونمنهم إذا احتاجوا، غاية الأمر سقوط تلك الأسئلة والأجوبة من الجوامع التي بأيدينا ولم يصل إلينا إلاّ ما رواه عمر بن حنظلة وأبو خديجة.
وإذا ثبت بهذا البيان النصب من قبلهم (علیهم السلام) وأنهم لم يهملوا هذه الأمور المهمة التي لا يرضى الشارع بإهمالها - ولا سيما مع إحاطتهم بحوائج شيعتهم في عصر الغيبة - فلا محالة يتعيّن الفقيه لذلك، إذ لم يقل أحد بنصب غيره، فالأمر يدور بين عدم النصب وبين نصب الفقيه العادل، وإذا ثبت بطلان الأول بما ذكرناه صار نصب الفقيه مقطوعاً به، ويصير مقبولة عمر بن حنظلة أيضاً من شواهد ذلك(1) .
ونقول: إن ما ذكره ! من المقدمات الثلاث تام ومتين ولا غبار عليه، وأما ما رتّبه من النتيجة على تلك المقدمات فيمكن إرجاعه إلى أربعة أمور:
الأول: أنّ أصحاب الأئمة (علیهم السلام) سألوا عن القيّم عليهم والمدبّر لأمورهم في زمان الحضور، وقد عيّن الأئمة (علیهم السلام) لشيعتهم أشخاصاً يرجعون إليهم، وإن لم يصل ذلك إلينا.
الثاني: أنّ الأئمة (علیهم السلام) قد عيّنوا أيضاً لشيعتهم من يرعى مصالحهم ولم يهملوهم في زمان الغيبة.
الثالث: أنا نعلم قطعاً بصدور الأسئلة من أصحاب الأئمة (علیهم السلام) حول هذا الأمر، كما نعلم قطعاً بأنّ الأئمة (علیهم السلام) قد أجابوا عنها إلاّ أنّ تلك الأسئلة والأجوبة قد سقطت من المجاميع الروائية الموجودة لدينا.
ص: 468
الرابع: أنّ الأجوبة الصادرة عن الأئمة (علیهم السلام) قد تضمّنت تعيين الفقيه الجامع للشرائط ونصبه للتصدي للأمور العامة، وذلك لأنّه القدر المتيقن.
وهذه الأمور الأربعة كلها محل تأمل.
أما الأول ففيه: أنّ الأئمة (علیهم السلام) وإن كانوا قد عيّنوا لهم وكلاء في زمان حضورهم كما هو الظاهر من بعض الروايات إلاّ أنه لا ملازمة بين ذلك وبين أن تكون الوكالة على نحو مطلق بحيث يكون الوكيل عن الإمام (علیه السلام) نائباً عاماً في كل الأمور، بل لم يعلم مقدار الوكالة وسعتها فكما يحتمل أن تكون عامة كذلك يحتمل أن تكون خاصة ببعض الأمور، وأنهم (علیهم السلام) هم المرجع في كل الأمور، ويحتمل أيضاً أن عدم التعيين كان لجهة التقية والتحفظ على أنفسهم وشيعتهم عن جور الجائرين ومع هذه الاحتمالاتكيف نقطع بصدور التعيين منهم (علیهم السلام)، ووقوع السؤال والجواب حول هذا الأمر؟؟
نعم صدر عنهم (علیهم السلام) في القضاء والإفتاء وشؤونهما، الترخيص والنصب على نحو العموم، وهذا مما لا إشكال فيه كما يظهر من رواية عمر بن حنظلة وغيرها ولكنه خارج عن محل الكلام.
وأما الثاني والثالث ففيهما ما في الأول وذلك لأنّ الأمر إن كان يرجع إلى القضاء والإفتاء وما يتعلق بهما فهو مما لا إشكال فيه، إلاّ أنه خارج عن محل كلامنا كما ذكرنا، وأما إذا كان الأمر يرجع إلى غيرهما من الموارد فليس بواضح، لاحتمال أنّ الأصحاب لم يسألوا عنه لعدم الابتلاء به لوجود الإمام (علیه السلام) بينهم، ويحتمل أيضاً أنّ الأصحاب سألوا عن ذلك وأجاب الأئمة (علیهم السلام) بمثل التوقيع المتقدّم المروي عن إسحاق بن يعقوب، وعليه فالجزم بسقوط الأسئلة والأجوبة من الجوامع الحديثية التي بأيدينا هو كما ترى.
وأما الرابع فهو وإن كان تاماً حيث إنّ إهمال الأمور المهمّة التي لا يرضى
ص: 469
الشارع بتركها لاستلزام ذلك الإخلال بالنظام، وحدوث الهرج والمرج غير جائز، وعند دوران أمر الولاية بين الفقيه وغيره، فالفقيه الجامع للشرائط هو القدر المتيقن في القيام بذلك - وقد استظهر ! ثبوت الولاية في هذه الأمور في ذيل كلامه المتقدم مع المناقشة فيه حيث قال: وبالجملة كون الفقيه العادل منصوباً من قبل الأئمة (علیهم السلام) لمثل تلك الأمور العامة المهمة التي يبتلي بها العامة مما لا إشكال فيه إجمالاً(1)، إلاّ أنّ الأمور المختصة بالإمام (علیه السلام) أو ما يشك في اعتبار مباشرته فيها لا تثبت بهذا الوجه(2) .
الوجه الثاني: ما يظهر من جماعة من المتأخرين وحاصله: أنّ الأحكام المقدسة على قسمين:
الأول: الأحكام العبادية والشخصية. الثاني: الأمور الاجتماعية.
وحيث إنّ الإسلام قد كفل جميع ما يحتاج إليه الإنسان في معاشه ومعاده من بدوّ تكوّنه إلى آخر مراحل حياته من المصالح الفردية والاجتماعية، لذلك اهتمّ بكلا الجانبين، ولا يرضى بإهمال أيّ منهما.وحيث إنّ كثيراً من الأحكام الاجتماعية قد جعل لها قيّماً منفذاً بحيث يتوقف تحقّقها على ذلك، وهو ظاهر لمن تصفّح ولاحظ الأخبار الواردة في الأحكام وتتبع فتاوى الفقهاء الواردة في الكتب الفقهية من باب الصلاة، والصوم، والزكاة، والخمس، والحجّ، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والتجارة، والديون، والرهن، والوكالة، والوصايا، والنكاح، واللقطة، والشهادات، والحدود، والديات، إذ يرى أنّ كثيراً من هذه الأحكام قد علّقت على الإمام (علیه السلام) أو السلطان أو الحاكم وغيرها من التعابير.
ص: 470
وحينئذ فلابدّ من نصب قيّم على هذه الأمور ومنحه القدرة وتمكينه من التصرف وإلاّ لزم تعطيل هذا القسم الكبير من الأحكام، ولا يختلف زمان الحضور عن زمان الغيبة، فكما كان الإمام (علیه السلام) والمنصوبون من قبله قُيّماً على هذه الأحكام، فكذلك ينبغي وجود المنصوب من قبلهم (علیهم السلام) في زمان الغيبة، وإلاّ فلا مناص عن الالتزام بتعطيل هذه الأحكام وهذا مما لا يمكن الالتزام به.
ونقول: الظاهر أنّ هذا الوجه والوجه السابق كليهما من واد واحد، ولا فرق بينهما، غير أنّه هنا عبّر عن عدم تصدّي الفقيه بلزوم التعطيل في الأحكام وعبّر عنه في الوجه السابق بلزوم اختلال النظام وحدوث الهرج والمرج.
وما ذكرناه في الوجه الأول يأتي هنا بعينه.
وأما الثاني - وهو العقل غير المستقل - فمن وجهين أيضاً:
الوجه الأول: ما يحكم به العقل بضميمة ما ورد من الروايات الدالة على أن الإمامة والولاية من أركان الدين، وأن قبول أعمال العباد مرهون بالولاية.
وقد تقدم نظيره عند البحث حول وجوب وجود الإمام (علیه السلام)، وتقدم أيضاً ما يدل على ما نحن فيه، ومن ذلك ما ورد أنّ الإسلام بني على خمس، منها الولاية وأنه لم يناد بشيء مثلما نودي بها، وأنّ الناس أخذوا بالأربع وتركوا هذه يعني الولاية.
وقد ورد التعليل في بعض الروايات لأفضلية الولاية بأنها مفتاح العبادات وأنّ الوالي هو الدليل عليهن، وورد أنّ الولاية هي الخاتمة والحافظة لجميع الفرائض والسنن وأنه رُخّص في ما عداها ولم يُرخصفيها(1) .
والمستفاد من مجموع ما ورد في هذا المعنى أنّ عظمة الولاية وشموخ مقامها وأهميتها إنما هو لأنها المناط في حفظ الأحكام وصيانتها عن التغيير والتحريف
ص: 471
وهي الضمان لبقائها نقيّة سليمة عن أن تنالها يد العبث والتلاعب ولولا الولاية لكانت الشريعة بتعاليمها الإلهية عرضة للتبديل والتغيير ونتيجة ذلك الاضمحلال والزوال.
والشاهد على ذلك أمور:
الأول: ما نراه بالوجدان، ويشهد به التاريخ من أنّ كل دين أو قانون سماوياً كان أو أرضياً إذا أسّس ولم يجعل له قيّماً خبيراً، وراعياً يحفظه ويحوطه بعنايته، ويقوم بدور البيان والتفسير ويحلّ غوامضه للعاملين والمعتقدين به ويردّ شبه المناوئين والخصوم عنه لما بقي هذا الدين أو القانون سليماً عن التغير والتبدل، إذ لا تمضي فترة قليلة إلاّ وقد تسرّب إليه الخلل وبالتالي اضمحلاله وزواله.
وحيث إنّ دين الإسلام نظام إلهي أريد له الخلود والبقاء لتأمين سعادة البشر ولكي يبقى مصوناً عن كل خطر فلابدّ من وجود القيّم والدليل عليه والحافظ له ولتعاليمه وأحكامه.
الثاني: ما ورد في بعض الروايات - وقد تقدمت - من أنه لو أنّ رجلاً قام ليله، وصام نهاره، وتصدّق بجميع ماله، وحجّ دهره، ولم يعرف ولاية وليّ الله فيواليه، وتكون جميع أعماله بدلالته، ما كان له على الله حقّ في ثوابه، ولا كان من أهل الإيمان في شيء، فإذا نظرنا في مثل هذه الروايات نظر متأمّل وجدنا أن المسألة ليست مجرّد تعبّد بل هو أمر واقعي، وذلك لأنّ من لم يعتقد بهذا الأمر - أي الولاية - ولم يهتد بنورها فهو ضال في أفعاله وأعماله ومعتقداته إذ أنّ ما يأتي به من عمل عبادي أي كان كطهارة أو صوم أو زكاة أو حج، وغيرها من أعماله العبادية لا يخلو عن تغيير، أو تبديل، أو زيادة، أو نقيصه، وما ذلك إلاّ لأنه ضلّ الطريق إليها، ولم يدخل من الباب الذي أمر بالدخول منه، وهكذا الحال بالنسبة إلى معاملاته وشؤونه الأخرى، فكيف يكون عمله - والحال هذه - صحيحاً أو
ص: 472
مورداً للقبول أو مستحقاً للثواب.
وقس على هذا الأمر معتقداته فإنه حيث ضلّ الطريق وصار تائهاً لا يهتدي بدليل يرشده إلى الحق، أصبح يعتقد بالباطل ظنّاً منه أنه الحقكالاعتقاد بالتجسيم أو بالجبر أو بالتفويض، وينسب للباري تعالى ما لا يليق بساحة قدسه وجلاله من الظلم، والعجز، والعبث، وغيرها من العقائد الباطلة، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً.
الثالث: ما ورد عن الإمام الرضا (علیه السلام) - وقد تقدم - في بيان لزوم نصب الإمام(علیه السلام) حيث قال: ... إنه لو لم يجعل لهم إماماً قيّماً أميناً حافظاً مستودعاً لدرست الملّة وذهب الدين، وغيّرت السنن والأحكام، ولزاد فيه المبتدعون، ونقص منه الملحدون، وشبّهوا ذلك على المسلمين، لأنا وجدنا الخلق منقوصين محتاجين، غير كاملين، مع اختلافهم واختلاف أهوائهم وتشتّت أنحائهم، فلو لم يجعل لهم قيّماً حافظاً لما جاء به الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) لفسدوا على نحو ما بيّنا وغيّرت الشرائع والسنن والأحكام والإيمان، وكان في ذلك فساد الخلق أجمعين ...(1) .
وبعد هذا كلّه يقال: إنّ زمان الغيبة لا يختلف عن زمان الحضور، فإنّ المناط في الحاجة إلى الولي والدليل متحقق في كلا الزمانين، بل قد تكون الحاجة في زمان الغيبة أشدّ، وذلك لاستتار الإمام (علیه السلام) عن الناس وحرمانهم من بركاته مباشرة، وعدم تمكّنهم من الوصول إليه، وعليه فلابدّ من وجود القيّم المنصوب من قبله(علیه السلام) لحفظ الدين وصيانته والدلالة عليه والتصدّي للأمور وإلاّ لزم التعطيل أو الاخلال وفساد الدين وضياع الأحكام، وفي ذلك فساد الخلق أجمعين.
ص: 473
وإذا كان ثمّة من يصلح لهذا الأمر فهو العالم الفقيه الخبير المتورّع البصير الجامع للشرائط فإنّه المقدّم على غيره.
ونقول: إنّ هذا الوجه في غاية المتانة والإحكام، اللهم إلاّ أن يقال: إنّ وجود الإمام (علیه السلام) وإن كان مستتراً عن الأنظار غائباً عن الناس إلاّ أنه حافظ للدين بوجوده وراع للأحكام يصون الشريعة بنفسه وإن كان عن طريق غير عادي فإنّ أزمّة الأمور بيده (علیه السلام) .
أو يقال: إنّ غاية ما يثبته هذا الوجه هو لزوم النصب لحفظ الدين وأحكامه فحسب، وأما بالنسبة لجميع الأمور فلا، والمفروض أنّ نصب الفقيه لبيان الأحكام مما لا إشكال فيه فهو خارج عن محل الكلام.
وكلا القولين كما ترى.الوجه الثاني: ما ذكره السيّد الأستاذ ! عن بعض المعاصرين وهو أن يقال: إنّ ما هو مسلّم عند العامة من القول بالولاية العامة مذكور بحسب الكبرى في التوقيع الشريف(1) فإنّ المذكور فيه أنهما تحاكما إلى السلطان أو القاضي فهو بصراحته يدل على ذلك، فنحكم بثبوت تلك الكبرى للفقيه الجامع للشرائط في زمان الغيبة، إذ لا نحتمل أن يكون غيره وليّاً في عرضه، بل لو كان فهو وليّ لذلك(2) .
وأشكل عليه ! بأنه لا يمكن المساعدة عليه، فإنه وإن ذكر السلطان والقاضي في الرواية، وذكر الإمام (علیه السلام) بأن من عرف حلالنا وحرامنا أني جعلته قاضياً في رواية أبي خديجة، وجعلته حاكماً في المقبولة، ولكن الذي أرجع الإمام إليه ليس إلاّ في المرافعة والمنازعة، كما قال في الصدر تنازعا في دين أو ميراث إلى السلطان أو القاضي، وأما أزيد من ذلك فلا، إذن: فالمسلم من الرواية هو ثبوت الولاية له في المنازعات والمرافعات ومنصب القضاوة، وثبت له منصب التقليد
ص: 474
وكونه مرجعاً في الأحكام بالأدلة الخارجية، وأما في غير هذين الموردين فلا(1) .
أقول: هذا الإشكال منه ! إنما يرد على هذا الوجه لو كان القائل به في مقام الاستدلال بالرواية على المدّعى والاكتفاء بذلك، وأما إذا كان مراده أنّ الرواية تتكفل ببيان الكبرى فقط، وأما الصغرى فتستفاد من دليل آخر كما لعله ظاهر كلامه، وبعبارة أخرى: أنّ المذكور في الرواية هو عدم جواز الرجوع إلى السلطان والقاضي الجائرين كما هو المفروض في الرواية، والإمام (علیه السلام) بعد أن منع عن الرجوع إليهما لم يبيّن من هو المرجع في الأمور فالقدر المتيقّن في ذلك هو الفقيه وهذا لا يندفع بما ذكره ! .
هذا تمام الكلام في أدلة المثبتين.
وأما النافون فقد استدلوا بأمور:
الأول: بمقتضى الأصل. فإنّ مقتضى الأصل هو عدم سلطنة أحد علىأحد وحكومته عليه إلاّ من استثني وهم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) والأئمة المعصومون (علیهم السلام)، فكما أن الدليل يقتضي لزوم متابعة الأئمة (علیهم السلام) بعد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) والاعتقاد بإمامتهم وولايتهم (علیهم السلام) كذلك يقتضي المنع عن هذا الاعتقاد بالنسبة إلى غيرهم إلاّ ما قام الدليل القطعي عليه.
ويشهد على ذلك العقل والنقل.
أما شهادة العقل فلوضوح قبح الاعتقاد بأمر باطل لا حقيقة له وإسناده إلى الله سبحانه وتعالى، لأنه يدخل في الافتراء والبهتان على الله تعالى، والقول بغير العلم وفساد ذلك واضح.
وأما شهادة النقل فبعدة من الآيات والروايات.
ص: 475
أما الآيات فمنها قوله تعالى: «إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ »(1).
ومنها: قوله تعالى: «اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللهِ ...» (2) .
وقد ورد في معتبرة أبي بصير عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قلت له: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله؟ قال: أما والله ما دعوهم إلى عبادة أنفسهم ولو دعوهم ما أجابوهم، ولكن أحلّوا لهم حراماً، وحرّموا عليهم حلالاً فعبدوهم من حيث لا يشعرون(3) .
وورد هذا المضمون في عدة روايات نقلها صاحب البرهان عند تفسيره للآية(4) .
ومنها: قوله تعالى: «وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ» (5) .
روى الكليني بسنده عن سورة بن كليب عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: قلت: قول الله عزوجل: «وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ» قال: من قال: إني إمام وليس بإمام، قال: قلت: وإن كان علوياً؟ قال: وإن كان علوياً، قلت: وإن كان من ولد علي بن أبي طالب(علیه السلام)؟ قال:وإن كان(6) .
وفي سند الرواية أبو سلام ولم يرد فيه توثيق، ورواها(7) الكليني أيضاً بطريق آخر ينتهي إلى الحسين بن المختار كما رواها النعماني في الغيبة(8)، وفيها:
ص: 476
«... قلت: وإن كان فاطمياً علوياً؟ قال: وإن كان فاطمياً علوياً» .
وأما الروايات فهي كثيرة ومنها: ما رواه الصدوق بسنده عن داود بن فرقد عن أبي عبد الله (علیه السلام)، قال: من ادعى الإمامة وليس بإمام فقد افترى على الله وعلى رسوله وعلينا(1) .
ومنها: ما رواه الكليني بطريقين عن ابن أبي يعفور، قال: سمعت أبا عبد الله(علیه السلام) يقول: ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكّيهم ولهم عذاب أليم، من ادّعى امامة من الله ليست له، ومن جحد إماماً من الله، ومن زعم أنّ لهما في الإسلام نصيباً(2) .
ورواها الصدوق في الخصال(3) بسند معتبر عن أبي مالك الجهني عن أبي عبد الله (علیه السلام) .
ومنها: ما رواه الصدوق أيضاً بسند معتبر عن الفضيل عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: من ادعى الإمامة وليس من أهلها فهو كافر(4) .
ومنها: ما رواه أيضاً بسنده عن الوليد بن صبيح قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: إنّ هذا الأمر لا يدّعيه غير صاحبه إلاّ بتر الله عمره(5) .
ومنها: ما رواه الكليني بسنده عن طلحة بن زيد عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: من أشرك مع إمام - إمامته من عند الله (صلی الله علیه و آله و سلم) من ليس إمامته من الله، كان مشركاً بالله(6) . وغيرها من الروايات.
ص: 477
وفيه أنّ هذا الوجه غير تام وذلك لأنّ القائلين بالولاية يتمسّكون في إثباتها بالأدلة الأربعة - كما تقدم - فليس القول بها قولاً بلا دليل، وعليه فلا يبقى مجال للتمسك بالأصل، مضافاً إلى أنّ المنصرف من لفظ الإمام في هذه الروايات هو إمام الأصل كما هو واضح ولا يشمل المنصوب من قبلهم (علیهم السلام) الذي هو محل الدعوى فهي أجنبية عن المقام.
هذا، ولعلّ مراد المستدلّ بالأصل بقوله: «إلاّ ما قام الدليل القطعي عليه» هو المعنى المقابل للدليل الظاهري، لعدم كفاية غير القطع في المقام وأنه لابد في ثبوت هذا الأمر من الدليل القاطع، وذلك:
أولاً: إنّ الولاية ذات مقام شامخ وليست من الأمور العادية، بل هي أهم الأمور لأنها مفتاح العبادات والوالي هو الدليل عليهن كما تقدم.
وثانياً: كونها مورداً للابتلاء العام وتتوقف شؤون الناس عليها.
وثالثاً: علم الأئمة (علیهم السلام) بوقوع الغيبة وانقطاع الصلة الظاهرية بينهم وبين شيعتهم، بحيث لا يتمكنون من الوصول إلى المعصوم (علیه السلام) .
فهذه الأمور تقتضي الإفصاح بأمر الولاية والتصريح بها ويكون الحكم بها نصاً صريحاً في غاية الوضوح، والحال أنّ الأمر ليس كذلك ولو كان لظهر وبان، وأما الاعتماد في إثبات هذا الحكم الخطير على الإشارات والاستظهارات المعارضة بمثلها أو ضدّها فلا يمكن المصير إليه.
وهذا الوجه - في بادي النظر - وإن كان وجيهاً إلاّ أن التأمل التام والإمعان الدقيق في خصوص المقام يقضي بغير ذلك، فإننا لا ننازع في أهمية الولاية وشموخ مقامها، وأنّ عليها مدار أحكام الشريعة، ولكن الدواعي في اتخاذ هذا النحو من البيان في خصوص هذا المورد متوفرة وملحّة نظراً إلى أنّ هذا الحكم يأتي في مواجهة سلطة الجور القائمة آنذاك والتي جرّدت سيوفها وفتحت أعينها،
ص: 478
وكانت في غاية اليقظة والحذر من أي تصرّف معاكس تراه خطراً يهدد سياستها، ولاشكّ في أنّ الحكم بالولاية يتضمّن الحكم ببطلان دعاوى الجائرين وأنهم ليس لهم من الأمر شيء، وإذا كان الأمر كذلك من الشدة والبلاء فكيف يتمكن الأئمة (علیهم السلام) من التصريح بالولاية ومن نصب القيّم، والمرجع في الأمور العامة بصورة واضحة تكون نصّاً صريحاً في المراد بحيث لا يترتب عليه أيّ خطر على الأئمة (علیهم السلام) أو شيعتهم.
لا يقال: إنّ منصبي القضاء والإفتاء من هذا القبيل، فكيف صُرّح بالنصب فيهما دون الولاية؟
لأنّا نقول: إنّ هذين المنصبين يختلفان عن منصب الولاية إذ لا يعدّانفي مقابل السلطة الجائرة بحيث يشكّلان خطراً عليها، وهما وإن كانا من فروع الزعامة إلاّ أنهما منحازان ومستقلاّن عن الولاية والوالي، ولذا كان الحكم فيهما واضحاً، بل يمكن القول إنّ الإمام (علیه السلام) لم يصرّح بالنصب حتى في هذين المنصبين، بل كان منه الإمضاء والتقرير وذلك لأنه (علیه السلام) أمضى في المقبولة وغيرها النصب وأقرّه، ولم يكن ابتداء منه (علیه السلام) حيث قال: «ينظران إلى من كان منكم قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، وليرضوا به حكماً فإني قد جعلته عليكم حاكماً» .
ولعلّ النكتة في عدم الجعل والنصب ابتداء منه (علیه السلام) هو ما ذكرناه من خطورة المسألة وتوفر دواعي الإخفاء لاتخاذ هذا النحو من البيان.
مضافاً إلى أنه (علیه السلام) لما حظر عن الرجوع إلى السلطان الجائر لم يصرّح بذكر البديل والمرجع في الأمور العامة.
ولعلّ الوجه في ذلك هو عدم الحاجة إلى النصب لكون الإمام موجوداً آنذاك، وكان الشيعة يتمكنون من الوصول إليه.
ص: 479
أو يقال: إنّ الأئمة (علیهم السلام) صرّحوا بالنصب وسمع الأصحاب بذلك عندهم (علیهم السلام) إلاّ أنه أسقط وأخفي لعدم جرأة الرواة على الإظهار.
والحاصل: أنّ الحكم في هذه المسألة ليس من قبيل الحكم في مسائل الطهارة، والصلاة، والصوم، ونحوها فالمطالبة بالدليل القطعي في غير محلّها.
الثاني: بمقتضى الدليل. وهو من الكتاب والسنة.
أما من الكتاب فبقوله تعالى: «أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ»(1).
وتقريب الاستدلال بالآية هو: أنّ الظاهر - كما تقدم - من اقتران إطاعة أولي الأمر بإطاعة الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) اعتبار العصمة فيهم كما هي معتبرة في الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) مضافاً إلى قيام إجماع الطائفة المحقة على اعتبارها، وبناء على هذا فالقول بثبوت الولاية للفقيه يوجب إما إلغاء هذا الشرط، وإما عدم تحقّق صغرى لذلك، لعدم وجود الفقيه المعصوم.
وفيه: أنّ أغلب القائلين بالولاية لا يقولون بثبوتها للفقيه على نحو ثبوتها للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وأولي الأمر (علیه السلام)، بمعنى كونه أولى بالناس من أنفسهم،التي هي المرتبة الأولى كما تقدمت الإشارة إليها، بل يقولون بثبوتها إما على نحو المرتبة الثانية، وإما على نحو المرتبة الثالثة، ومن المعلوم عدم اشتراط العصمة في أي من هاتين المرتبتين، وإنما المعتبر هو أن يكون الفقيه جامعاً للشرائط فحسب.
وبعبارة أخرى: إذا كان المنصوب من قبل أولي الأمر وهم الأئمة (علیهم السلام) فلا يشترط فيه العصمة في زمان حضورهم (علیهم السلام)، وهكذا إذا كان جامعاً للشرائط فهو منصوب من قبلهم (علیهم السلام) فلا يشترط فيه العصمة في زمان غيبتهم أيضاً، بل يمكن جعل الآية دليلاً على الثبوت كما تقدم.
ص: 480
وأمّا من السنة فقد استدل بعدة طوائف من الروايات:
الطائفة الأولى: ما دلّ على الأمر بالسكوت وعدم الحركة إلى زمان قيام الحجّة(علیه السلام) .
وهي عدة روايات:
منها: موثقة سدير قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام): يا سدير الزم بيتك، وكن حلساً من أحلاسه، واسكن ما سكن الليل والنهار، فإذا بلغك أنّ السفياني قد خرج فارحل إلينا ولو على رجلك(1) .
وهذه الرواية واضحة الدلالة كما أنّها معتبرة السند، فإنّ سديراً وإن كان في وثاقته بحث إلاّ أنه يكفي في اعتبار وثاقته وقوعه في أسناد تفسير علي بن إبراهيم القمي(2)، مضافاً إلى أنّ ابن شهرآشوب قد عدّه في المناقب(3) من خواصّ أصحاب الصادق (علیه السلام) .
ومنها: معتبرة عمر بن حنظلة قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: خمس قبل قيام القائم: الصيحة، والسفياني، والخسف، وقتل النفس الزكية، واليماني، فقلت: جعلت فداك إن خرج أحد من أهل بيتك قبل هذه العلامات أنخرج معه؟ قال: لا . الحديث(4) .
وهذه الرواية واضحة الدلالة كما أنّها معتبرة السند أيضاً، فإنّ عمر بن حنظلة وإن لم يرد فيه توثيق إلاّ أنه لا إشكال في الاعتماد على روايتهبناء على ما حققناه في محلّه(5) .
ص: 481
ومنها: ما رواه الشيخ بسنده عن جابر عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: الزم الأرض ولا تحرّك يداً ولا رجلاً حتى ترى علامات أذكرها لك، وما أراك تدركها، اختلاف بني فلان، ومنادٍ ينادي من السماء، ويجيئكم الصوت من ناحية دمشق. الحديث(1) .
وهذه الرواية وإن كانت واضحة الدلالة إلاّ أنها غير تامة من حيث السند لضعف الطريق إليها فإنّ الشيخ يرويها عن الفضل بن شاذان وله إلى رواياته وكتبه طريقان(2)، وفي الأول علي بن محمد بن قتيبة، وهو لم يوثق، وفي الثاني أبو نصر قنبر بن علي بن شاذان عن أبيه ولم يرد فيهما توثيق، وعليه فالرواية مؤيّدة لما تقدم.
ومنها: مرفوعة ربعي عن علي بن الحسين (علیه السلام) قال: والله لا يخرج أحد منّا قبل خروج القائم إلاّ كان مثله كمثل فرخ طار من وكره قبل أن يستوي جناحاه فأخذه الصبيان فعبثوا به(3) .
وهذه الرواية وإن كانت واضحة الدلالة إلاّ أنّ الإشكال في سندها.
وغيرها من الروايات الواردة بهذا المضمون.
ويمكن الجواب عن هذه الطائفة بأمور:
الأول: إنّ المنساق من هذه الروايات عدم جواز الانضواء تحت لواء من يدعو إلى جهاد الكفّار أو من يدعو إلى جهاد حكّام الجور ويتخذ ذلك ذريعة باسم الدين والإيمان إلى الوصول إلى حطام الدنيا من الرئاسة والغلبة.
وكذا الذين يدعون إلى الجهاد مع سلامة نيّتهم وحسن قصدهم إلاّ أنهم لا يتمكنون من ذلك لقلّة الأنصار مثلاً فيهلكون أنفسهم ومن معهم ويكونون بذلك
ص: 482
سبباً في تعريض من ينتسب إليهم من أهل نحلتهم إلى المحنة والبلاء والشدة، وأما غير هؤلاء من الذين اجتمعت فيهم الشرائط من القدرة وصلاح النية وحسن القصد فغير مقصودين ولا يشملهم النهي. وبعبارة أخرى: إنّ النهي الوارد إنما هو لعدم الوصول إلى النتيجة لا عن أصل الفعل، بل يمكن أن يجعل التعليل بعدم الوصول دليلاً علىمشروعية أصل القيام، وإلاّ فالأولى بل المتعيّن تعليل النهي به لا بما يترتب عليه، كما هو ظاهر الرواية الأخيرة فتدبّر.
والشاهد على ذلك عدة روايات أخرى.
منها: صحيحة عيص بن القاسم، قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: عليكم بتقوى الله وحده لا شريك له، وانظروا لأنفسكم، فوالله إنّ الرجل ليكون له الغنم فيها الراعي، فإذا وجد رجلاً هو أعلم بغنمه من الذي هو فيها يخرجه ويجيء بذلك الرجل الذي هو أعلم بغنمه من الذي كان فيها، والله لو كانت لأحدكم نفسان يقاتل بواحدة يجرّب بها ثم كانت الأخرى باقية يعمل على ما قد استبان لها، ولكن له نفس واحدة إذا ذهبت فقد والله ذهبت التوبة، فأنتم أحقّ أن تختاروا لأنفسكم إن أتاكم آت منّا فانظروا على أي شيء تخرجون، ولا تقولوا خرج زيد، فإنّ زيداً كان عالماً، وكان صدوقاً، ولم يدعكم إلى نفسه، وإنما دعاكم إلى الرضا من آل محمد(صلی الله علیه و آله و سلم)، ولو ظهر لوفى بما دعاكم إليه، إنما خرج إلى سلطان مجتمع لينقضه، فالخارج منا اليوم إلى أي شيء يدعوكم إلى الرضا من آل محمد(صلی الله علیه و آله و سلم)؟ فنحن نشهدكم أنا لسنا نرضى به، وهو يعصينا اليوم، وليس معه أحد وهو إذا كانت الرايات والألوية أجدر أن لا يسمع منّا إلاّ من اجتمعت بنو فاطمة معه، فوالله ما صاحبكم إلاّ من اجتمعوا عليه، إذا كان رجب فأقبلوا على اسم الله، وإن أحببتم أن تتأخروا إلى شعبان فلا ضير، وإن أحببتم أن تصوموا في
ص: 483
أهاليكم فلعلّ ذلك يكون أقوى لكم، وكفاكم بالسفياني علامة(1) .
وهذه الصحيحة واضحة الدلالة على ما ذكرنا من أنّ النهي خاص بظروف معيّنة لا مطلقاً.
ومنها: ما رواه سدير الصيرفي نفسه قال: دخلت على أبي عبد الله (علیه السلام) فقلت له: والله ما يسعك القعود، فقال: ولم يا سدير؟ قلت: لكثرة مواليك وشيعتك وأنصارك، والله لو كان لأمير المؤمنين (علیه السلام) مالك من الشيعة والأنصار والموالي ما طمع فيه تيم ولا عدي، فقال: يا سدير، وكم عسى أن تكونوا؟ قلت: مائة ألف، قال: مائة ألف؟! قلت: نعم، ومائتي ألف، قال: مائتي ألف؟! قلت: نعم، ونصف الدنيا، قال: فسكت عنّي، ثم قال: يخفّ عليك أن تبلغ معنا إلى ينبع، قلت: نعم فأمر بحمار وبغل أن يسرجا، فبادرت فركبت الحمار، فقال: يا سدير ترى أن تؤثرني بالحمار؟ قلت:البغل أزين وأنبل، قال: الحمار أرفق بي، فنزلت فركب الحمار وركبت البغل، فمضينا فحانت الصلاة، فقال: يا سدير انزل بنا نصلّي، ثم قال: هذه أرض سبخة لا يجوز الصلاة فيها، فسرنا حتى صرنا إلى أرض حمراء ونظر إلى غلام يرعى جداءاً، فقال: والله يا سدير لو كان لي شيعة بعدد هذه الجداء ما وسعني القعود، ونزلنا وصلّينا فلمّا فرغنا من الصلاة عطفت على الجداء فعددتها فإذا سبعة عشر(2) .
والمستفاد من هذه الرواية أنّ المانع هو عدم القدرة لقلّة الأنصار.
ومنها: ما رواه النعماني بسنده عن أبي بصير - في حديث طويل - عن أبي جعفر محمد بن علي (علیه السلام) وقد جاء فيه: «... ثم قال (علیه السلام): خروج السفياني واليماني والخراساني في سنة واحدة، في شهر واحد، في يوم واحد، نظام كنظام الخرز،
ص: 484
يتبع بعضه بعضاً، فيكون البأس من كلّ وجه، ويل لمن ناواهم، وليس في الرايات أهدى من راية اليماني، هي راية هدى لأنّه يدعو إلى صاحبكم، فإذا خرج اليماني حرم بيع السلاح على الناس، وكل مسلم، وإذا خرج اليماني فانهض إليه، فإنّ رايته راية هدى، ولا يحلّ لمسلم أن يلتوي عليه، فمن فعل ذلك فهو من أهل النار، لأنّه يدعو إلى الحقّ وإلى طريق مستقيم ...» (1) .
والمستفاد من هذه الرواية أنّ الخروج واجب عند اجتماع الشرائط وتهيّىء الأسباب.
والحاصل: أنّ التشدّد في النهي عن الخروج والأمر بملازمة البيوت وعدم الحركة إنما هو لما ذكرنا من عدم سلامة النيّة وصدقها، أو عدم القدرة على النهوض، وليس النهي مطلقاً حتى عند توفر الأسباب والشرائط.
الثاني: أنّ محلّ الكلام هو أصل ثبوت الولاية للفقيه وعدمه، لا في جواز القيام وعدمه، بل إنّ القيام أو عدمه مما يتفرّع على ثبوت الولاية بحيث إنه لو ثنيت الوسادة للفقيه وأخذ بزمام الأمور سواء كانت بتخلّي السلطان عن سلطانه له، أو بتمكينه من تولّي الأمور قهراً على السلطان، فهل يجب عليه - الفقيه - حينئذ التحفّظ على ذلك والعمل على ما تقتضيه الولاية، أو لابدّ من رفع اليد والتخلّي عنها؟ وليس الكلام في جواز القياموعدمه.
الثالث: إنّ هذه الروايات لا تعارض ما نحن في مقام إثباته ولا تنافي بينهما، فإنّنا في مقام إثبات ولاية الفقيه بالمرتبة الثالثة وهي التصدي للأمور العامة المهمة التي لا يرضى الشارع بتركها، ويترتب على إهمالها الإخلال بالنظام وحدوث الهرج والمرج.
ص: 485
الثانية: ما دلّ على النهي عن الدخول تحت كلّ راية ترفع قبل قيام الحجة (علیه السلام) وهي عدة روايات:
منها: صحيحة أبي بصير عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: كلّ راية ترفع قبل قيام القائم فصاحبها طاغوت يعبد من دون الله عزوجل(1) .
ومنها: ما رواه النعماني في كتاب الغيبة بسنده عن مالك بن أعين الجهني، قال: سمعت أبا جعفر الباقر (علیه السلام) يقول: كلّ راية ترفع قبل راية القائم(علیه السلام) صاحبها طاغوت(2) .
وهذه الرواية وردت بعدة طرق كلّها ضعيفة، فإنّها تنتهي إلى مالك بن أعين الجهني، ولم يرد فيه توثيق، وما ورد في حقّه من الروايات المادحة لا يمكن الاعتماد عليها في الحكم بوثاقته، لأنّه هو الراوي لها، نعم قد يستفاد منها أنه شيعي إمامي حسن العقيدة أما أنه ثقة فلا(3).
ومنها: ما رواه الكليني في الروضة بسنده عن زكريا النقّاض، عن أبي جعفر(علیه السلام)، قال: سمعته يقول: الناس صاروا بعد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بمنزلة من اتّبع هارون (علیه السلام) ومن اتبع العجل، وإنّ أبا بكر دعا فأبى علي (علیه السلام) إلاّ القرآن، وإنّ عمر دعا فأبى علي (علیه السلام) إلاّ القرآن، وإنّ عثمان دعا فأبى علي (علیه السلام) إلاّ القرآن، وإنه ليس من أحد يدعو إلى أن يخرج الدجّال إلاّ سيجد من يبايعه ومن رفع راية ضلال (له) فصاحبها طاغوت(4) .
وهذه الروايات واضحة الدلالة في عدم جواز الدخول تحت كلّ راية قبل راية القائم من آل محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) .
ص: 486
ولكن يمكن الجواب عنها بأمور:
أولاً: إنّ الظاهر من هذه الروايات هو الإخبار بأنّ الرايات التي ترفع قبل قيام الحجة (علیه السلام) كلها على غير هدى، ولا يستفاد منها النهي عن القيام إذا كانت الراية المرفوعة راية حق وهدى، بمعنى أن الإشكال في نفس القائم لا في القيام، وهذا نظير ما ورد عن أمير المؤمنين(علیه السلام) من قوله: «بشّر قاتل ابن صفية بالنار» (1) وابن صفية هو الزبير بن العوام وقاتله ابن جرموز(2) . وليس في قوله (علیه السلام) ذلك دلالة على أنّ الزبير على الحق بل يدل على ضلال القاتل، وأنه من أهل النار ولذا قيل إنّ ابن جرموز قتل نفسه(3)، وقيل إنه خرج على أمير المؤمنين(علیه السلام) فقتل في معركة النهروان(4) . وما نحن فيه من هذا القبيل.
وثانياً: إنّ المنساق والمنصرف من هذه الروايات أنّ من يرفع الراية بعنوان كونه إماماً ويدعو إلى نفسه سواء كان من حكّام الجور أو غيرهم فهو على ضلالة ولعلّ كلمة «فصاحبها» تشعر بذلك، وأما إذا كان رفع الراية بغير هذا العنوان فلا تدلّ على أنّ صاحبها طاغوت، ويشهد على ذلك أنّ بعض الرايات قد ترفع للدفاع أو للصلح أو غيرهما وصاحبها ليس بطاغوت قطعاً.
ويؤيّد هذا المعنى ما ورد في الرواية الثالثة من التقييد بأنّ الراية المرفوعة راية ضلالة لا كلّ راية.
وثالثاً: لو سلّمنا ببقاء الروايات على إطلاقها وعمومها، وقلنا بدلالتها على النهي عن رفع كلّ راية فلازم ذلك عدم جواز القيام بمصالح المؤمنين، ولم يكن القيام بذلك واجباً كفائياً حتى لغير الفقيه مع التمكّن، بل يجب تسليم الأمور
ص: 487
بيد الكفّار أو المخالفين وهذا ممّا لا يمكن الالتزام به.
ورابعاً: إنّ محلّ الكلام - كما تقدّم - هو التصدّي للأمور العامة المهمّة بحسب وظائف المرتبة الثالثة، لا المرتبة الأولى أو الثانية.
والحاصل: أنّ هذه الطائفة من الروايات أجنبية عمّا نحن بصدده.
الثالثة: ما دلّ على أنّ وظيفة المؤمن انتظار الفرج وهي روايات كثيرة جدّاً:
منها: ما رواه الكليني في الكافي بسنده عن عمّار الساباطي عن أبيعبد الله (علیه السلام) - في حديث طويل - جاء فيه: ... أما والله يا عمار لا يموت منكم ميّت على الحال التي أنتم عليها إلاّ كان أفضل عند الله من كثير من شهداء بدر وأحد فابشروا(1).
والمراد من الحال التي هم عليها هو انتظار الفرج ودولة الحق كما صرّح به في موضع آخر من نفس الرواية.
ومنها: ما رواه في الكافي أيضاً عن أبي جعفر (علیه السلام) - في حديث جاء فيه: واعلموا أنّ المنتظر لهذا الأمر له مثل أجر الصائم القائم، ومن أدرك قائمنا فخرج معه فقتل عدوّنا كان له مثل أجر عشرين شهيداً، ومن قتل مع قائمنا كان له مثل أجر خمسة وعشرين شهيداً(2) .
ومنها: ما رواه الصدوق ! بسنده عن أبي خالد الكابلي قال: دخلت على سيّدي علي بن الحسين زين العابدين (علیه السلام) فقلت له: يابن رسول الله أخبرني بالذين فرض الله عزوجل طاعتهم ومودتهم، وأوجب على عباده الاقتداء بهم بعد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ؟ فقال: يا كنكر إنّ أولي الأمر الذين جعلهم الله عزوجل أئمّة
ص: 488
للناس وأوجب عليهم طاعتهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السلام) ثم الحسن، ثم الحسين ابنا علي بن أبي طالب، ثم انتهى الأمر إلينا ثم سكت ... - ثم ذكر (علیه السلام) الأئمّة واحداً واحداً وأخبر (علیه السلام) ببعض ما سيقع - إلى أن قال أبو خالد: يابن رسول الله ثمّ يكون ماذا؟ قال: ثم تمتدّ الغيبة بولي الله عزوجل الثاني عشر من أوصياء رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) والأئمة بعده، يا أبا خالد إنّ أهل زمان غيبته القائلين بإمامته والمنتظرين لظهوره أفضل من أهل كل زمان، لأنّ الله تبارك وتعالى أعطاهم من العقول والأفهام والمعرفة ما صارت الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة، وجعلهم في ذلك الزمان بمنزلة المجاهدين بين يدي رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بالسيف أولئك المخلصون حقاً، وشيعتنا صدقاً، والدعاة إلى دين الله سراً وجهراً، وقال علي بن الحسين (علیه السلام): انتظار الفرج من أعظم الفرج(1) .
وغيرها من الروايات.
ويمكن أن يجاب عن هذه الطائفة أيضاً بأنّ التصدّي للأمور العامة المهمّة إذا كان منافياً لظهور الحجّة(علیه السلام) أو انتظاره أو كان موجباً للاستغناء عن ظهوره(علیه السلام) فللاستدلال بها وجه.وأما مع القطع بعدم شيء من ذلك بل مع إلحاح الحاجة إلى ظهوره (علیه السلام) لكثرة الأعداء، وتبدّل الأحكام، وخفاء كثير منها، وانتشار الفساد في البر والبحر، ولما يترتّب على خروجه وقيامه من الخيرات والبركات، وتحقيق العدالة الإلهية في الأرض، فلا تنقطع الوظيفة بالانتظار والتهيء والدعاء لتعجيل فرجه الشريف (علیه السلام) .
هذا مضافاً إلى ما تقدم من أنّ محلّ الكلام - وهو ثبوت الولاية بالمرتبة الثالثة - لا ينافي هذه الروايات أصلاً.
ص: 489
ثمّ إنّ بعض النافين قد تمسّكوا بأدلة أخرى غير ما ذكرنا، وحيث إنّها غير ناهضة أعرضنا عن ذكرها.
هذا تمام الكلام في المقام الثاني، والحمد لله ربّ العالمين.
والمشهور بين الأصحاب أنها تسعة وهي: البلوغ، وكمال العقل، والذكورة، والإيمان، والعدالة، والفقاهة، وطهارة المولد، والقدرة وحسن التدبير، وأن لا يكون مقبلاً على الدنيا ولا من أهل البخل والحرص والطمع.
أما الأول والثاني فقد تسالم الفقهاء عليهما، بل لم يذكر فيهما خلاف، فلا ولاية لغير البالغ وإن كان مجتهداً جامعاً لبقية الشرائط، وكذلك المراهق، والمجنون وإن كان إدوارياً في حال جنونه.
ويستدلّ على ذلك بأمور:
الأول: الإجماع بقسميه معلوماً ومنقولاً كما في المفتاح(1) وفي الجواهر: بلا خلاف أجده(2)، وفي المسالك: هذه الشروط عندنا موضع وفاق(3)، وفي مجمع الفائدة والبرهان: دليلهما الإجماع(4)، وادّعاه في الرياض ونسبه إلى الغنية ونهج الحق وغيرهما(5) .
الثاني: العقل وسيرة العقلاء الممضاة شرعاً.
وذلك لأنّ الشارع حيث رفع القلم عنهما وأنّهما لا ولاية لهما على أنفسهما،
ص: 490
وكونهما مسلوبي الأقوال والأفعال، مولّى عليهما، فكيف يمكن الاعتماد عليهما وتكون لهما الولاية على غيرهما؟
مضافاً إلى أنّ العقلاء لا يفوّضون الأمور المتعارفة العادية إلى صبي أو مجنون ولا يسندون إليهما شيئاً من ذلك فكيف بأمر الولاية؟
الثالث: النقل .
وهو تارة من الآيات وأخرى من الروايات.
أما من الآيات فبقوله تعالى: «وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ...» (1) .
وقوله تعالى: «وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَاماً...» (2) .
ودلالة هاتين الآيتين واضحة.
وأما الروايات فهي كثيرة.
منها: معتبرة أبي خديجة عن أبي عبد الله (علیه السلام) - وقد جاء فيها: ... فانظروا إلى رجل منكم ...» (3) .
وورد في روايته الأخرى عنه (علیه السلام): «...اجعلوا بينكم رجلاً قد عرف حلالنا وحرامنا...»(4) .
والرجل ينصرف إلى البالغ العاقل دون الصبي أو المجنون.
والروايتان وإن كانتا واردتين في القضاء إلاّ أنّه بناء على أنّ القضاء من فروع الولاية وشؤونها وأنّ ما يعتبر فيه معتبر فيها فيصح الاستدلال بهما على ما نحن فيه.
ص: 491
ويؤيّد ذلك: ما ورد في نهج البلاغة حيث قال (علیه السلام): يأتي على الناس زمان لا يُقرب فيه إلاّ الماحل، ولا يُظرّف فيه إلاّ الفاجر، ولا يضعّف فيه إلاّ المنصف، يعدّون الصدقة فيه غرماً، وصلة الرحم منّاً، والعبادة استطالة على الناس، فعند ذلك يكون السلطان بمشورة النساء، وإمارةالصبيان، وتدبير الخصيان(1) .
ومنها: معتبرة زيد الشحام قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام): يقول: إنّ الله تبارك وتعالى اتخذ إبراهيم عبداً قبل أن يتخذه نبياً، وإنّ الله اتخذه نبياً قبل أن يتخذه خليلاً، وإنّ الله اتخذه خليلاً قبل أن يجعله إماماً، فلمّا جمع له الأشياء قال: «إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً» قال: فمن عظمها في عين إبراهيم قال: «وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ » قال: لا يكون السفيه إمام التقي(2).
وهذه الرواية وإن كان في صدر سندها إرسال إلاّ أنه بناء على ما حققناه في مباحثنا الرجالية(3) يمكن اعتبار سندها.
والشاهد هو الجملة الأخيرة وهي واضحة الدلالة.
وأما الشرط الثالث وهو الذكورة فهو أيضاً مما تسالم الفقهاء عليه بل ادّعي عليه الإجماع كما في المسالك(4)، والرياض(5)، وغيرها(6) وخالف في ذلك المقدّس الأردبيلي، حيث قال: وأما اشتراط الذكورة فذلك ظاهر فيما لم يجز للمرأة فيه أمر، وأما في غير ذلك فلا نعلم له دليلاً واضحاً، نعم ذلك هو المشهور، فلو كان إجماعاً فلا بحث، وإلاّ فالمنع بالكلّية محلّ بحث إذ لا محذور في حكمها بشهادة
ص: 492
النساء مع سماع شهادتهن بين المرأتين مثلاً بشيء مع اتصافها بشرائط
الحكم(1) .
وذهب - من العامة - أبو حنيفة إلى جواز أن تكون قاضية فيما يجوز أن تكون شاهدة فيه وهو جميع الأحكام إلاّ الحدود والقصاص(2) .
وقال ابن جرير - وهو من العامة أيضاً - يجوز أن تكون قاضية في كل ما يجوز أن يكون الرجل قاضياً فيه لأنّها تعدّ من أهل الاجتهاد(3) .
ويستدلّ على اشتراط الذكورة بأمور:
الأول: بالإجماع المدّعى في المقام.الثاني: بالسيرة القطعية المتصلة بزمان النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) والأئمة (علیهم السلام) إذ لم يؤثر عن النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) ولا عن أحد من خلفائه حتى خلفاء الجور أنه ولّى امرأة على بلد أو إمارة أو قضاء.
الثالث: بما دلّ من الآيات على أنّ المرأة لا ولاية لها على الأمور ذات الشأن كقوله تعالى: «الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ...» (4) .
والمستفاد من هذه الآية أنّ النساء تحت قيمومة الرجال لجهتين:
الأولى: معنوية، وهي أفضليّة الرجال عليهن، وقد فسّرت جهة التفضيل - كما في المجمع - بالعلم والعقل وحسن الرأي والعزم(5) .
وغير خفي أنّ هذه الأمور هي من أهم ما تتوقف عليه الولاية.
والثانية: مادية، وهي المهر والنفقة من قبل الرجال عليهنّ.
ص: 493
وبالجملة فحيث كنّ تحت قيمومة الرجال فلا معنى لأن تكون لهنّ الولاية على غيرهن.
وعلى فرض اختصاص القيمومة بالأزواج فقط - كما قال به بعضهم على ما سيأتي - فكذلك، أي يمكن استفادة عدم صلاحية النساء للولاية لأنّه إذا كانت المرأة في البيت وهو المجتمع الصغير ولا ولاية لها عليه فعدمها خارج البيت وهو المجتمع الكبير من باب أولى.
هذا ويمكن التمسك أيضاً بقوله تعالى: «وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ» (1).
وقد فسّرت الدرجة بالمنزلة من الوزن في الاجتماع والتأثير والكمال في شؤون الحياة(2).
ومقتضى التفضيل في الآية الأولى والدرجة في الآية الثانية للرجال على النساء هو عدم صلاحيتهن للولاية.
الرابع: بالروايات وهي على طوائف:
الأولى: ما دلّ على عدم صلاحية المرأة للولاية صريحاً.
منها: ما نقله صاحب الوسائل عن خصال الصدوق بسنده عن جابر بنيزيد الجعفي قال: سمعت أبا جعفر محمد بن علي الباقر (علیه السلام) يقول: ليس على النساء أذان، ولا إقامة، ولا جمعة، ولا جماعة، ولا عيادة المريض، ولا اتباع الجنائز، ولا إجهار بالتلبية، ولا الهرولة بين الصفا والمروة، ولا استلام الحجر الأسود، ولا دخول الكعبة، ولا الحلق، وإنّما يقصرن من شعورهن، ولا تولّى المرأة القضاء، ولا تلي الأمارة، ولا تستشار ...(3).
ص: 494
والرواية طويلة اشتملت على وظائف المرأة وما يجوز لها وما لا يجوز.
ومحلّ الشاهد من هذه الرواية قوله: «ولا تولّى المرأة القضاء ولا تلي الأمارة» وهي صريحة في دلالتها.
ومنها: ما في تحف العقول عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أنه قال: لن يفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة(1) .
وهذه الرواية مشهورة بين الخاصّة والعامّة، وقد وردت بألفاظ مختلفة، ففي نسخة أخرى من تحف العقول: لن يفلح قوم أسدوا أمرهم إلى امرأة(2) .
وفي الخلاف: لا يفلح قوم وليتهم امرأة(3) .
في البحار: لن يفلح قوم يدبر أمرهم امرأة(4) .
وفي موضع آخر من البحار: لا يفلح قوم ملكت عليهم امرأة(5) .
وأما في كتب العامة فقد وردت في صحيح البخاري: لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة(6)، ومثله في سنن النسائي(7)، وسنن الترمذي(8)، والجامع الصغير(9) .وفي موضع من كنز العمال: لا يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة(10) .
وفي موضع آخر منه: لن يفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة(11) .
ص: 495
وفي موضع ثالث: لا يقدّس الله أمّة قادتهم امرأة(1) .
وفي نهاية ابن الأثير: ما أفلح قوم قيّمهم امرأة(2) .
ومفادها جميعاً واحد.
ومنها: ما نقله صاحب الوسائل عن الكليني بسنده عن يعقوب بن يزيد عن رجل، رفعه عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قال أمير المؤمنين: كلّ امرء تدبّره امرأة فهو ملعون(3) .
وقال صاحب الوسائل: ورواه الصدوق مرسلاً(4) .
وهذه الروايات صريحة الدلالة على عدم صلاحية المرأة لتولّي الأمر وتدبيره إلاّ أنها كلّها ضعيفة الأسناد.
أما الأولى ففيها عدة مجاهيل. وأما الثانية فهي مرسلة. وأما الثالثة فهي مرفوعة في طريق الكليني، ومرسلة في طريق الصدوق.
الطائفة الثانية: ما دلّ على أنّ المرأة ليس لها من الأمر شيء.
منها: ما نقله صاحب الوسائل عن الكليني، بسنده عن عمرو بن أبي المقدام، عن أبي جعفر (علیه السلام)، قال في رسالة أمير المؤمنين (علیه السلام) إلى الحسن (علیه السلام): لا تملك المرأة من الأمر ما يجاوز نفسها، فإنّ ذلك أنعم لحالها، وأرخى لبالها، وأدوم لجمالها، فإنّ المرأة ريحانة وليست بقهرمانة ...(5) .
ورواها الكليني أيضاً بطريق آخر ينتهي إلى عبد الرحمن بن كثير(6) .
ص: 496
كما رواها السيد الرضي في نهج البلاغة مرسلة مع اختلاف يسير(1) .ومنها: ما نقله صاحب الوسائل أيضاً عن الكليني بسنده عن الأصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين(علیه السلام) قال: كتب أمير المؤمنين (علیه السلام) بهذه الرسالة إلى ابنه محمد(2) . وهي عين الرواية السابقة.
ومنها: ما نقله صاحب الوسائل عن الصدوق بإسناده، إلى وصية أمير المؤمنين لولده محمد بن الحنفية(3) وهي على نحو الرواية المتقدمة.
ومنها: ما عن كنز الفوائد قال أمير المؤمنين (علیه السلام): ... ولا تملك المرأة من أمرها ما يجاوز نفسها، فإنّ ذلك أنعم لبالها وبالك، وإنما المرأة ريحانة وليست بقهرمانة ...(4) .
وهذه الروايات وإن كانت واضحة الدلالة إلاّ أنها من جهة الأسناد ضعيفة فإنّ في طريقي الكليني إلى الرواية الأولى إرسالاً وفي الرواية الثانية علي بن عبدك، ولم يرد فيه توثيق.
وأما رواية الصدوق فهي مرسلة فإنه رواها عن أبيه عن علي بن إبراهيم بن هاشم عن أبيه عن حمّاد بن عيسى عمن ذكره عن أبي عبد الله(5) .
وأما رواية الكنز فهي مرسلة أيضاً.
الطائفة الثالثة: ما دلّ على أنّ المرأة لا تتولّى القضاء ولا تستشار.
منها: ما تقدم في الطائفة الأولى وهي رواية الصدوق بسنده عن جابر بن يزيد الجعفي قال: سمعت أبا جعفر محمد بن علي الباقر (علیه السلام) يقول: ليس على النساء
ص: 497
أذان، ولا إقامة، ولا جمعة، ولا جماعة، ... ولا تولّى المرأة القضاء، ولا تلي الأمارة ولا تستشار ...(1) .
ومنها: ما نقله صاحب الوسائل عن الكليني بسنده عن إسحاق بن عمار رفعه، قال: كان رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) إذا أراد الحرب دعا نساءه فاستشارهن ثم خالفهن(2).
قال صاحب الوسائل: ورواه الصدوق مرسلاً(3) .ومنها: ما نقله أيضاً عن الكليني، بسنده عن محمد بن خالد، رفعه إلى أبي جعفر (علیه السلام) قال: ذكر عنده النساء فقال: لا تشاوروهنّ في النجوى ولا تطيعوهنّ في ذي قرابة(4) .
ومنها: ما نقله أيضاً عنه، بسنده إلى سليمان بن خالد قال: سمعت أبا عبد الله(علیه السلام) يقول: إياكم ومشاورة النساء فإنّ فيهن الضعف والوهن والعجز(5) .
ومنها: ما نقله عنه أيضاً بسنده عن عمرو بن عثمان، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله (علیه السلام)، في حديث، قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): النساء لا يشاورن في النجوى ولا يطعن في ذوي القربى ...(6) .
قال صاحب الوسائل: ورواه الصدوق بإسناده عن جابر عن أبي جعفر (علیه السلام) نحوه(7) .
ومنها: ما نقله صاحب الوسائل عن الصدوق بإسناده عن حمّاد بن عمرو، وأنس بن محمد، عن أبيه، عن جعفر بن محمد، عن آبائه (علیهم السلام) في وصية النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم)
ص: 498
لعليّ (علیه السلام)، يا علي ليس على النساء جمعة، ولا جماعة، ولا أذان، ولا إقامة ... ولا تولّى القضاء ولا تستشار...(1).
ومنها: ما في نهج البلاغة في وصية أمير المؤمنين (علیه السلام) إلى ابنه الحسن (علیه السلام): وإيّاك ومشاورة النساء فإنّ رأيهنّ إلى أفن، وعزمهنّ إلى وهن ...(2) .
ومنها: ما رواه المفيد في الاختصاص بسنده عن ابن عباس عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) - من مسائل عبد الله بن سلام - ... قال: فأخبرني عن آدم، خلق من حواء، أو حواء خلقت من آدم؟ قال: بل خلقت حواء من آدم، ولو أنّ آدم خلق من حواء لكان الطلاق بيد النساء، ولم يكن بيد الرجال، قال: من كلّه أو من بعضه؟ قال: بل من بعضه، ولو خلقت من كلّه لجاز القضاء في النساء كما يجوز في الرجال...(3) .ومنها: ما في المستدرك عن كتاب تحفة الأخوان عن أبي بصير عن الصادق(علیه السلام) في خبر طويل في خلقة آدم وحواء ودخولهما الجنة وخروجهما منها - إلى أن قال -: قال ابن عباس: فنوديت يا حواء: ومن الذي صرف عنك الخيرات التي كنت فيها، والزينة التي كنت عليها؟ قالت حواء: إلهي وسيدي ذلك خطيئتي، وقد خدعني إبليس بغروره، وأغواني وأقسم لي بحقّك وعزّتك أنه لمن الناصحين لي، وما ظننت أن عبداً يحلف بك كاذباً، قال: الآن أخرجي أبداً، فقد جعلتك ناقصة العقل، والدين والميراث، والشهادة، والذكر، ومعوجة الخلقة شاخصة البصر، وجعلتك أسيرة أيام حياتك، وأحرمنّك أفضل الأشياء: الجمعة والجماعة، والسلام والتحية، وقضيت عليك بالطمث وهو الدم، وجهة الحبل والطلق والولادة، فلا تلدين حتى تذوقين طعم الموت، فأنت أكثر حزناً، وأكسر قلباً، وأكثر دمعة، وجعلتك دائمة الأحزان، ولم أجعل منكنّ حاكماً، ولا أبعث
ص: 499
منكنّ نبياً. الخبر(1) .
وهذه الروايات وإن كانت واضحة الدلالة على أنّ المرأة لا قابلية لها للقضاء والمشورة إلاّ أنها كلّها ضعيفة الأسناد.
أما الرواية الأولى فقد تقدم ما في سندها.
وأما الرواية الثانية فطريق الكليني مرفوع، وطريق الصدوق مرسل.
وأما الرواية الثالثة فهي مرفوعة. وأما الرواية الرابعة ففي سندها الجاموراني وهو محمد بن أحمد أبو عبد الله الرازي، وقد استثني من كتاب نوادر الحكمة(2)، والحسن بن علي بن أبي حمزة وهو مطعون عليه(3) .
وأما الرواية الخامسة فطريق الكليني مرسل، وطريق الصدوق فيه عمرو بن شمر وهو وإن وقع في أسناد تفسير القمي(4) وذلك أمارة على الوثاقة إلاّ أنّ النجاشي قد ضعّفه(5) فيكون مورداً للتعارض، ويحكم بجهالة حاله.
وأما الرواية السادسة فقد رواها الصدوق بطريقين وفيهما عدة من المجاهيل(6).
ص: 500
وأما الرواية السابعة فهي مرسلة كما تقدّمت الإشارة إليها في الطائفة الثانية.
وأما الرواية الثامنة فهي مرسلة أيضاً.
وأما الرواية التاسعة فكذلك، لأنّ الطريق إلى كتاب تحفة الأخوان غير معلوم، كما أنّ مؤلّفه وهو المولى سعيد المزيدي غير مذكور في الكتب الرجالية.
الطائفة الرابعة: ما دلّ على أنّ القضاء مختصّ بالرجال، وهي عدّة روايات:
منها: معتبرة أبي خديجة سالم بن مكرم الجمّال قال: قال أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق (علیه السلام): إيّاكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور، ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم فإنّي قد جعلته قاضياً فتحاكموا إليه(1) .
ومنها: روايته الأخرى قال: بعثني أبو عبد الله (علیه السلام) إلى أصحابنا فقال: قل لهم: إيّاكم إذا وقعت بينكم خصومة أو تدارى في شيء من الأخذ والعطا أن تحاكموا إلى أحد من هؤلاء الفسّاق، اجعلوا بينكم رجلاً قد عرف حلالنا وحرامنا، فإنّي قد جعلته عليكم قاضياً، وإيّاكم أن يخاصم بعضكم بعضاً إلى السلطان الجائر(2).
ومنها: ما رواه الكليني(3) بإسناده عن أحمد عن أبيه رفعه، ورواهالصدوق(4) مرسلاً عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: القضاة أربعة: ثلاثة في النار وواحد
ص: 501
في الجنة: رجل قضى بجور وهو يعلم فهو في النار، ورجل قضى بجور وهو لا يعلم فهو في النار، ورجل قضى بالحق وهو لا يعلم فهو في النار، ورجل قضى بالحق وهو يعلم فهو في الجنة(1) .
ومنها: صحيحة أبي بصير عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال في رجل كان بينه وبين أخ له مماراة في حقّ، فدعاه إلى رجل من أخوانه ليحكم بينه وبينه فأبى إلاّ أن يرافعه إلى هؤلاء: كان بمنزلة الذين قال الله عزوجل : «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ» الآية(2) .
أما أسناد هذه الروايات فالأولى معتبرة وقد تقدّم أنّ لها أربعة طرق.
وأما الثانية فهي ضعيفة بأبي الجهم فإنه مجهول وقد تقدم الكلام فيه أيضاً.
وأما الثالثة فهي مرفوعة، وأما الرابعة فلها ثلاثة طرق وكلها معتبرة، فإن طريق الكليني(3) وإن كان فيه يزيد بن إسحاق ولم يرد فيه توثيق إلاّ أنه واقع في أسناد كتاب نوادر الحكمة(4) وذلك كاف في اعتبار روايته، ورواها الصدوق بإسناده عن حريز(5) الراوي عن أبي بصير وطريقه صحيح. ورواها الشيخ(6) بطريق الكليني، كما أنّ للشيخ طريقاً معتبراً إلى جميع روايات حريز وكتبه(7)
ويكفي في المقام الروايتان الأولى والرابعة وما عداهما فمؤيّد.
ص: 502
وأما الاستدلال بهذه الطائفة فيمكن تقريبه بأن يقال: إن تقييد الرجوع إلى الرجل، وجعله قاضياً وعدم جواز ردّ حكمه كما في الروايتين الأوليين، وكذا التقييد في الأخيرتين به مما يفيد أنّ القضاء مختصّ به،وإلاّ فلو كان غير مختصّ به لكان ذكر الرجل بلا وجه، وأما احتمال أن يكون الإتيان به من باب الغلبة فموهون، بل الظاهر من الإتيان بلفظ الرجل أنّ له موضوعية في القضاء، وإلاّ فيمكنه (علیه السلام) أن يأتي بلفظ مشترك كما في مقبولة عمر بن حنظلة حيث قال (علیه السلام) ... ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا.
والحاصل: أنّ المستفاد من هذه الطائفة هو اختصاص القضاء بالرجل دون المرأة فكذلك الولاية.
الطائفة الخامسة: ما دل على أنّ المرأة ضعيفة العقل والنفس والقوى.
منها: ما رواه الكليني ! في حديث مالك بن أعين قال: حرّض أمير المؤمنين صلوات الله عليه الناس بصفّين، فقال: إنّ الله عزوجل دلّكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم وتشفي بكم على الخير، الإيمان بالله، والجهاد في سبيل الله، وجعل ثوابه مغفرة للذنب، ومساكن طيبة في جنات عدن ... - إلى أن قال (علیه السلام): - ولا تهيجوا امرأة بأذى وإن شتمن أعراضكم وسببن أمراءكم وصلحاءكم فإنّهنّ ضعاف القوى، والأنفس، والعقول، وقد كنّا نؤمر بالكفّ عنهنّ وهن مشركات ...(1) .
والرواية طويلة وهي تشتمل على كثير من آداب الحرب والقتال.
وموضع الشاهد قوله (علیه السلام): فإنّهنّ ضعاف القوى، والأنفس، والعقول.
ص: 503
ورواها الشريف الرضي ! في نهج البلاغة(1) باختلاف يسير.
ومنها: ما نقله صاحب الوسائل عن الصدوق ! بإسناده عن سماعة، عن أبي عبد الله(علیه السلام) قال: اتقوا الله في الضعيفين يعني بذلك اليتيم والنساء(2) .
ورواه الصدوق في الخصال بسنده عن سماعة أيضاً(3) .
ومنها: ما نقله أيضاً عن الكليني بسنده عن سماعة عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: اتقوا الله في الضعيفين يعني بذلك اليتيم والنساء وإنّما هنّ عورة(4) .
ومنها: ما نقله أيضاً عن الصدوق بسنده عن عمار الساباطي، عن أبيعبد الله(علیه السلام) قال: أكثر أهل الجنة من المستضعفين، النساء علم الله ضعفهنّ فرحمهنّ(5) .
ومنها: ما رواه الكليني في الكافي بسنده عن الرحمن بن الحجاج قال: بعث أبو الحسن موسى بوصية أمير المؤمنين (علیه السلام) وهي: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصى به وقضى به في ماله عبد الله علي ابتغاء وجه الله ليولجني به الجنّة ... - إلى أن قال (علیه السلام): - الله الله في النساء وفيما ملكت أيمانكم فإنّ آخر ما تكلّم به نبيّكم (علیه السلام) أن قال: أوصيكم بالضعيفين النساء وما ملكت أيمانكم ...(6) .
ومنها: ما نقله صاحب الوسائل عن الكليني بسنده عن سليمان بن جعفر الجعفري، عمّن ذكره عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): ما رأيت من ضعيفات الدين وناقصات العقول أسلب لذي لبّ منكنّ(7) .
ص: 504
قال صاحب الوسائل: ورواه الشيخ بإسناده عن محمد بن يعقوب، ورواه الصدوق!(1).
ومنها: ما نقله أيضاً عن الكليني بسنده عن السكوني، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): إنما المرأة لعبة، من اتخذها فلا يضيّعها(2) .
وهذه الرواية وإن لم يصرّح فيها بضعف المرأة إلاّ أن المستفاد من كونها لعبة هو ضعفها.
وأما أسناد هذه الروايات فأكثرها معتبر، وذلك لأنّ الروايتين الأولى والخامسة وإن كانتا مرسلتين إلاّ أن بقية الروايات معتبرة الأسناد، فإنّ طريقي الصدوق والكليني إلى سماعة معتبران.
وطريق الصدوق إلى عمار الساباطي صحيح، وأما عمار فهو وإن كان فطحياً(3) إلاّ أنه ثقة(4).
وطريق الكليني إلى عبد الرحمن بن الحجاج وإن كان فيه محمد بنإسماعيل وهو لم يوثق إلاّ أن معه محمد بن عبد الجبار وهو ثقة لوقوعه في أسناد تفسير القمي(5)، وكتاب نوادر الحكمة(6) .
وأما طريقه إلى الرواية الأخيرة فهو وإن كان فيه النوفلي والسكوني وهما ممّن لم يرد فيهما توثيق إلاّ أنّهما واقعان في أسناد تفسير القمّي(7)، وكتاب نوادر
ص: 505
الحكمة(1)، وذلك كاف في اعتبار روايتهما.
والحاصل: أنّ أكثر روايات هذه الطائفة معتبرة الأسناد.
الطائفة السادسة: ما دلّ على أنّ أمر المرأة لا يطاع:
منها: ما نقله صاحب الوسائل عن الكليني بسنده إلى عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله(علیه السلام) قال: ذكر رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) النساء فقال: اعصوهنّ في المعروف قبل أن يأمرنكم بالمنكر، وتعوّذوا بالله من شرارهنّ، وكونوا من خيارهنّ على حذر(2).
ومنها: ما نقله أيضاً عن الصدوق بإسناده إلى عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: وشكى رجل من أصحاب أمير المؤمنين (علیه السلام) نساءه، فقام (علیه السلام) خطيباً فقال: معاشر الناس لا تطيعوا النساء على حال، ولا تأمنوهنّ على مال، ولا تذروهن يدبّرن أمر العيال، فإنّهنّ إن تركن وما أردن أوردن المهالك ...(3) .
ورواه الصدوق أيضاً في الأمالي(4)، والعلل(5)، بطريق آخر.
ومنها: ما نقله أيضاً عن الكليني بسنده عن السكوني، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): طاعة المرأة ندامة(6) .
ومنها: ما نقله صاحب البحار عن كتاب الإمامة والتبصرة من الحيرة لأبي الحسن علي بن الحسين بن بابويه والد الصدوق بسنده عن ابن فضال عن الصادق
ص: 506
عن أبيه، عن آبائه (علیهم السلام) عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قال: شاوروا النساءوخالفوهن فإنّ خلافهنّ بركة(1) .
وأورده صاحب المستدرك(2) أيضاً عن البحار، وأسناد هذه الروايات كلّها معتبرة.
فإنّ طريقي الكليني والصدوق إلى عبد الله بن سنان صحيحان.
وأما طريق الصدوق في الأمالي، والعلل، فهو معتبر بناء على ما حققناه في محلّه(3) فإنه رواه عن علي بن أحمد بن عبد الله بن أحمد بن أبي عبد الله البرقي ) قال: حدثني أبي، عن جده أحمد بن أبي عبد الله، عن أبيه، عن محمد بن أبي عمير عن غير واحد، عن الصادق جعفر بن محمد عن أبيه، عن آبائه (4) .
وأما طريق الكليني إلى السكوني فقد تقدم أنه معتبر.
وأما رواية ابن فضّال فهي معتبرة أيضاً فإنّ سندها وإن كان فيه محمد بن علي وهو مشترك، إلاّ أنّ للشيخ طريقاً معتبراً(5) لجميع روايات وكتب ابن فضال. وأما الطريق إلى كتاب الإمامة والتبصرة فهو معتبر أيضاً وللشيخ إليه طريق صحيح(6)، كما أنه مذكور في الإجازات(7).
ثم إنّ هناك عدة روايات أخرى مؤيّدة لما تقدم.
منها: ما نقله صاحب الوسائل عن الكليني بسنده عن أحمد بن أبي عبد الله، عن أبيه، عمّن ذكره عن الحسين بن المختار عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قال
ص: 507
أمير المؤمنين (علیه السلام) في كلام له: اتقوا شرار النساء، وكونوا من خيارهنّ على حذر، وإن أمرنكم بالمعروف فخالفوهنّ كيلا يطمعن منكم في المنكر(1) .
ومنها: ما نقله أيضاً عن الكليني بسنده عن المطلب بن زياد، رفعه عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: تعوّذوا بالله من طالحات نسائكم، وكونوا منخيارهنّ على حذر، ولا تطيعوهنّ في المعروف فيأمرنكم بالمنكر(2) .
وروى الشريف الرضي نحوه في نهج البلاغة(3) .
ومنها: ما نقله عنه أيضاً بسنده إلى عمرو بن عثمان، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: استعينوا بالله من شرّ نسائكم، وكونوا من خيارهنّ على حذر، ولا تطيعوهنّ فيدعونكم إلى المنكر الحديث(4) .
ومنها: ما نقله عنه أيضاً بسنده عن يعقوب بن يزيد، عن رجل رفعه عن أبي عبد الله(علیه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (علیه السلام) في خلاف النساء البركة(5) .
ومنها: ما في مكارم الاخلاق و قال عليه السلام في خلافهنّ البركه(6) .
وغيرها من الروايات.
وهذه الروايات وإن كانت واضحة الدلالة كالروايات المتقدمة إلاّ أنها من جهة الأسناد ضعيفة فإنّها إما مرسلة أو مرفوعة ...
هذا ولكن قد تناقش هذه الطائفة بأنها لا إطلاق فيها، وأنّها مقيّدة من وجهين:
ص: 508
الأول: من جهة تقيّد الطاعة بأمور نصّ عليها في غير واحدة من الروايات، فقد ورد النهي في بعض الروايات عن إطاعة النساء في ذوي القربى كما تقدم، وورد في بعضها الآخر النهي عن إطاعتهن في بعض رغباتهن، كما في موثقة السكوني، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): من أطاع امرأته أكبّه الله على وجهه في النار قيل: وما تلك الطاعة؟ قال: تطلب إليه الذهاب إلى الحمّامات، والعُرسات، والعيدات، والنايحات ]النياحات[، والثياب الرقاق(1) .
ويؤيده ما في الدعائم: وعنه (علیه السلام) أنه قال: من أطاع امرأته في أربع خصال كبّه الله على وجهه في النار فقيل: وما تلك الطاعة يا أمير المؤمنين؟ فقال: تطلب أن تذهب العُرُسات، وإلى النياحات، وإلىالعيادات، وإلى الحمّامات(2) .
الثاني: تقيّدها بالزوج واختصاصها به، ولا تشمل غيره، والمدّعى يتوقّف على إطلاق الطاعة في غير ما نُصّ عليه وعمومها لغير الزوج.
ويمكن
الجواب عن كلتا الجهتين بأن يقال: إنّ الظاهر من الروايات بالنسبة إلى الجهة الأولى أنّها غير مختصّة، وأما الجهة الثانية فهي وإن كانت مختصة إلاّ أنها لا تضرّ بالاستدلال وبيان ذلك:
إنّ التقييد - في الجهة الأولى - في بعض الروايات لا ينافي إطلاق سائر الروايات، ولا يقتضي تقييدها، فإنّ الروايات الناهية عن إطاعة النساء في ذوي القربى إنما هي من باب ذكر أجلى المصاديق لأهميّة المورد، ولا تدل على اختصاص النهي عن الإطاعة فيهم دون غيرهم.
وأما موثقة السكوني فإنّ المنساق منها هي الإطاعة الخاصة وهي محرّمة فإنّ الإذن لهنّ في الذهاب إلى هذه الأماكن المخصوصة كالحمّامات، والعيدات،
ص: 509
وغيرها ممّا ورد في الموثقة مما لا إشكال في حرمته، وإطاعتهنّ في هذه الأمور تستوجب غضب الله تعالى، وليس الموجب لغضب الله تعالى هو مطلق الطاعة، وعليه فما في الموثقة ليس تفسيراً لما ورد في تلك الروايات من الأمر بعصيانهنّ وترك إطاعتهنّ.
ويشهد على ذلك أمران:
الأول: ما ورد من النهي عن إطاعة النساء على حال كما في صحيحة ابن سنان الثانية.
الثاني: ما ورد من الروايات المتعددة الناهية عن إطاعتهن في ذوي القربى مع أنهم - أي ذوي القربى - لم يذكروا في الموثقة، مضافاً إلى ما ورد من الأمر بمخالفتهنّ عند المشاورة.
والحاصل: أنّ الالتزام بأنّ المراد من الإطاعة هو في خصوص الأمور الخمسة المذكورة في الموثقة مما لا وجه له.
وأما الاختصاص بالزوج - في الجهة الثانية - فهو الظاهر من أكثر روايات هذه الطائفة وذلك لأنّ مورد بعضها هو نهي الزوج عن إطاعة الزوجة كما في قوله (علیه السلام): «لا تطيعوهنّ في المعروف فيأمرنكم بالمنكر» فإنّ الأمر بالمنكر إنما يصدر - عادة - من النساء لأزواجهن لا لكلّ شخص، ومورد بعضها الآخر وإن لم يكن كذلك إلاّ أن المستفاد منالقرائن هو ذلك، كما في صحيحة ابن سنان الثانية إذ ورد فيها: «ولا تذروهنّ يدبّرن أمر العيال» والظاهر منها هو النساء بالنسبة إلى أزواجهنّ دون غيرهم.
نعم لا قرينة في موثقة السكوني ومعتبرة ابن فضّال ومرفوعة يعقوب بن يزيد على التقييد بالأزواج، وهي إما أن تكون محمولة على التقييد باعتبار وحدة الحكم، وإما أن تبقى على إطلاقها ويكون الحكم بالنسبة إلى الأزواج آكد.
ص: 510
ثمّ إنّ الروايات وإن كانت مقيّدة من هذه الجهة كما هو غير بعيد، ولكن مع ذلك لا يضرّ بالاستدلال بها على المدّعى - كما ذكرنا - وذلك لأنّا إذا تأمّلنا في هذه الروايات لا نرى لخصوصية الزوجية أثراً في النهي عن الإطاعة، بل نرى أنّ الروايات الواردة واردة في مقام بيان عدم كفاءة النساء وصلاحيتهن للإطاعة إما لضعفهنّ، أو لخلطهن بين المعروف والمنكر ولا موضوعية للزوجية في ذلك، ولذا لا يُطعن في مطلق المعروف وإن لم يكن راجعاً إلى الزوجين، وهكذا الحال بالنسبة إلى المشاورة في الحروب مثلاً وغيرها.
مع أنّه يمكن أن يقال: إنّ الخصوصية الزوجية تتطلب أكثر تعلّقاً ونصحاً بالنسبة إلى زوجها من دون سائر الناس، فإذا لم تكن لها الصلاحية في حق زوجها فعدم صلاحيتها بالنسبة إلى غيره بطريق أولى.
الظاهر من المعروف في هذه الروايات هو الأمور الأخلاقية الواقعة موقع الاستحسان عند العرف الراجعة إلى شؤون الحياة الفردية والاجتماعية، ولكن لا مانع من شموله للواجبات والمستحبّات الشرعية أيضاً ويقال: بأنه وإن كانت الوظيفة هي الإتيان بها شرعاً من باب كونها معروفاً واجباً أو مستحباً إلاّ أنه إن أتى بها بعنوان إطاعة المرأة وامتثال أمرها فلا تخلو عن حزازة ونقص، وإن كان كل من الوجوب أو الاستحباب على مرتبته، ويكون المقام من قبيل الإتيان بالمستحبّات في الأماكن أو الأوقات المكروهة بمعنى أنها أقل ثواباً كما قال به المشهور، فتدبّر جيّداً.
الطائفة السابعة: ما دلّ على عدم جواز الائتمام بالمرأة في الصلاة.
أما إمامة المرأة للرجال فلا خلاف في عدم الجواز، بل ادّعي عليه الإجماع
ص: 511
نقلاً وتحصيلاً كما في الجواهر(1)، وبه قال جميع الفقهاء إلاّ أبا ثور فإنه قال يجوز ذلك كما في الخلاف(2) .
واستدل على ذلك بوجوه من الأصل وهو عدم مشروعية الجماعة إلاّ بدليل، والإجماع، والسيرة القطعية المستمرة، وبالروايات، إذ مضافاً إلى استفادة ذلك مما ورد من السؤال عن جواز إمامة المرأة للنساء - كما سيأتي - أنه لو جازت إمامة المرأة للرجال فلا وجه للسؤال عن جواز إمامتها للنساء.
ومما يدل على ذلك من الروايات.
ما نقله صاحب المستدرك، عن ابن أبي جمهور في درر اللآلي، عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أنه قال: أخّروهنّ من حيث أخّرهنّ الله(3) .
وما نقله أيضاً عن الدعائم، عن جعفر بن محمد، أنه قال: لا تؤمّ المرأة الرجال(4).
ومن روايات العامة ما رواه البيهقي بسنده عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) يقول: ... ألا ولا تؤمنّ امرأة رجلاً(5) .
وغيرها من الروايات.
وأما إمامة المرأة للنساء فهي محلّ خلاف بين الأعلام، والمشهور هو الكراهة، ونسب إلى جماعة منهم(6) السيد المرتضى، والكليني، والصدوق عدم الجواز.
ومرجع الخلاف بينهم إلى اختلاف الروايات الواردة في المقام، وهي على
ص: 512
صنفين:
الأول: ما دلّ على عدم الجواز.
ومنها: صحيحة هشام بن سالم أنه سأل أبا عبد الله (علیه السلام) عن المرأة هل تؤمّ النساء؟ قال: تؤمّهنّ في النافلة، فأما في المكتوبة فلا، ولا تتقدّمهنّ ولكن تقوم وسطهنّ(1) .والمراد بالنافلة هي النوافل التي تشرع فيها الجماعة كالاستسقاء، والعيدين في زمان الغيبة - كما هو رأي الأكثر - والصلاة المعادة.
ومنها: صحيحة زرارة عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: قلت له: المرأة تؤمّ النساء؟ قال: لا، إلاّ على الميّت ...(2) .
ومنها: معتبرة الحلبي عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: تؤمّ المرأة النساء في الصلاة، وتقوم وسطاً بينهنّ، ويقمن عن يمينها وشمالها تؤمّهنّ في النافلة، ولا تؤمّهنّ في المكتوبة(3) .
وفي سند الرواية محمد بن عبد الحميد ولم يرد فيه توثيق، إلاّ أنه واقع في كتاب نوادر الحكمة(4)، وروى عنه المشايخ الثقات(5)، وذلك كاف في اعتبار روايته كما حقّقناه في محله(6).
ومنها: معتبرة سليمان بن خالد قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن المرأة تؤمّ النساء؟ فقال: إذا كنّ جميعاً أمّتهنّ في النافلة فأما المكتوبة فلا، ولا تتقدمهنّ،
ص: 513
ولكن تقف وسطاً منهنّ(1) .
وفي سند الرواية ابن سنان والمراد فيها هو محمد بن سنان، وقد استظهرنا وثاقته فلا إشكال في سند الرواية.
الثاني: ما دلّ من الروايات على الجواز.
ومنها: صحيحة علي بن جعفر عن أخيه (علیه السلام) قال: سألته عن المرأة تؤمّ النساء، ما حدّ رفع صوتها بالقراءة والتكبير؟ فقال: قدر ما تسمع(2) .
ومنها: موثقة سماعة بن مهران قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن المرأة تؤمّ النساء؟ فقال: لا بأس به(3) .
ومنها: ما نقله صاحب الوسائل، عن الصدوق، بسنده عن الحسن بن زياد الصيقل، قال: سئل أبو عبد الله (علیه السلام) كيف تصلّي النساء على الجنائز(إلى أن قال:) ففي صلاة مكتوبة أيؤمّ بعضهنّ بعضاً؟ قال: نعم(4) .
وهذه الرواية أصرح الروايات في الدلالة على الجواز.
وأما سندها فالأظهر أنها معتبرة، فإنّ طريق الصدوق إلى الحسن بن زياد صحيح(5)، وأما نفس الحسن بن زياد فهو وإن لم يرد فيه توثيق إلاّ أنه واقع في أسناد كتاب نوادر الحكمة(6)، وذلك كاف للحكم باعتبار روايته.
ومنها: ما رواه جابر عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: إذا لم يحضر الرجل تقدّمت المرأة وسطهنّ، وقام النساء عن يمينها وشمالها وهي وسطهنّ (تكبّر) حتى تفرغ
ص: 514
من الصلاة(1) .
وهذه الرواية وإن كانت واضحة الدلالة إلاّ أنها ضعيفة السند فتكون مؤيدة لما قبلها.
ومنها: مرسلة عبد الله بن بكير عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (علیه السلام) (في حديث) في المرأة تؤمّ النساء؟ قال: نعم، تقوم وسطاً بينهنّ ولا تتقدمهنّ(2) .
والرواية ضعيفة السند للإرسال في سندها.
هذا، ومقتضى الإطلاق في روايات هذا الصنف ينافي روايات الصنف الأول الدالة على عدم الجواز.
وقد ذكرت وجوه للجمع بين الروايات.
الأول: التفصيل بين المكتوبة فلا يجوز للنساء الائتمام بالمرأة وعليها تحمل روايات عدم الجواز، وبين النافلة فيجوز، وعليها تحمل روايات الجواز.
والشاهد على هذا الجمع بعض ما تقدم من الروايات كصحيحة هشام بن سالم.
الثاني: أن تحمل روايات الجواز على التقية، والأخذ بروايات المنع، ومقتضى هذين الوجهين عدم جواز ائتمام النساء بالمرأة في الفرائض.
الثالث: أن تحمل روايات المنع على الكراهة جمعاً بينها وبين ما دلّ على الجواز صريحاً، وهو مختار صاحب الجواهر(3)، والسيد الأستاذ(4) ! بل هو مذهب المشهور(5) .
ص: 515
الرابع: أن تكون كل من النافلة والمكتوبة صفة للجماعة لا للصلاة، والمراد بالجماعة النافلة أي المستحبة كالصلاة اليومية، لاستحباب الجماعة فيها، والمراد بالجماعة الواجبة كالجمعة والعيدين، فإنه لا يجوز إمامة المرأة فيها، وهو مختار صاحب الحدائق ! (1).
وبناء على هذا القول يجوز ائتمام النساء بالمرأة في الفرائض بلا كراهة.
ولكن هذا الجمع خلاف الظاهر فتبقى الوجوه الثلاثة الأولى.
والحاصل: أنّ ائتمام النساء بالمرأة إما أن يكون غير جائز كما في إمامتها للرجال، وإما أن لا يخلو عن حزازة تحريماً أو كراهة كما في إمامتها للنساء.
ثم إنّا إذا تأملنا جميع روايات هذه الطائفة لم نجد وجهاً للمنع عن إمامة المرأة في الصلاة للرجال أو النساء إلاّ عدم كفاءتها وصلاحيتها للإمامة، وذلك لأنّ الوجوه المتصورة للمنع - عدا هذا الوجه - أربعة وكلها غير وجيهة وهي:
الأول: أن المانع من إمامة المرأة في الصلاة هو أن صوتها عورة، وسماع الرجال له مرغوب عنه ومرجوح شرعاً.
وفيه: أولاً: أنّ هذا يختص بالرجال ولا يشمل النساء، فإنّ صوت المرأة للمرأة ليس بعورة.
وثانياً: إمكان معالجته باشتراط عدم رفع صوتها - في إمامتها للرجال - عند القراءة والأذكار، فإنّ الجهر بهما ليس بواجب على المرأة.
الثاني: أن يكون المانع هو لزوم محاذاة المرأة أو تقدمها على الرجال حال الصلاة وهما محظوران عليها.
وفيه: أولاً: أنّ كثيراً من الفقهاء ذهب إلى جواز ذلك.
وثانياً: إمكان معالجته بوضع ساتر بينها وبين من يأتمّ بها لو كانوارجالاً،
ص: 516
وبذلك يرتفع المحذور لو كان.
الثالث: أنّ المانع هو أن تكون المرأة في معرض أنظار الرجال الأجانب، والشارع المقدس حريص على ستر المرأة وحفظها عن النظر المحرّم.
وفيه: أولاً: أنّ هذا مختصّ بالرجال دون النساء.
وثانياً: إمكان معالجته أيضاً بوضع الساتر بينها وبين المأمومين على فرض كونهم رجالاً لا نساء.
الرابع: أنّ المانع هو مجموع ما ذكر من الوجوه الثلاثة المتقدمة.
وفيه: أنّه ينبغي القول بالصحة وبعدم الحزازة في صورة إمامة المرأة مع عدم شيء من تلك الوجوه الثلاثة، مع أنّ ظاهر إطلاق النص والفتوى خلاف ذلك.
وحيث بطلت هذه الوجوه فلا يبقى إلاّ ما ذكرناه من أنّ وجه المنع هو عدم كفاءتها وصلاحيّتها للإمامة في الصلاة.
وإذا ثبت عدم كفاءة المرأة بهذا المقدار - وهو الصلاة - للإمامة والمتابعة فعدم كفاءتها وصلاحيتها للولاية العامة بطريق أولى.
هذا، ولكن في المقام إشكال وسيأتي بعد ذكر بقية الروايات إن شاء الله تعالى.
الطائفة الثامنة: ما دلّ على عدم ائتمان المرأة على الأموال، وعدم صلاحيّتها للوصاية.
ومنها: صحيحة ابن سنان المتقدمة في الطائفة الخامسة.
وموضع الشاهد منها في المقام قوله (علیه السلام): ... ولا تأمنوهنّ على مال ولا تذروهنّ يدبّرن أمر العيال ...(1) .
ومنها: ما رواه الصدوق بسنده عن السكوني، عن جعفر بن محمد، عن
ص: 517
أبيه، عن آبائه (علیهم السلام)، قال: قال أمير المؤمنين (علیه السلام): المرأة لا يوصى إليها لأنّ الله عزوجل قال: «وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ»(1).
وسند الرواية معتبر(2) .وقال صاحب الوسائل: ورواه الشيخ أيضاً بإسناده عن السكوني(3) .
وطريق الشيخ(4) إليه معتبر أيضاً.
ومنها: ما رواه الصدوق أيضاً قال: وفي خبر آخر، سئل ابو جعفر (علیه السلام) عن قول الله عزوجل: «وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ» قال: لا تؤتوها شارب الخمر، ولا النساء. ثم قال: وأيّ سفيه أسفه من شارب الخمر(5) .
هذا، ولكن ورد بإزاء هذه الروايات ما يدل على جواز الوصية للمرأة كما في موثقة علي بن يقطين، قال: سألت أبا الحسن (علیه السلام) عن رجل أوصى إلى امرأة، وشرّك في الوصية معها صبيّاً، فقال: يجوز ذلك، وتمضي المرأة الوصية، ولا تنتظر بلوغ الصبي، فإذا بلغ فليس له أن لا يرضى، إلاّ ما كان من تبديل أو تغيير فإنّ له أن يردّه إلى ما أوصى به الميّت(6) .
وهي صريحة في الجواز، ومقتضى الجمع بينها هو أنّ الروايات المانعة إما أن تحمل على الكراهة، كما هو مذهب المشهور، بل ادّعي الإجماع على الجواز كما
ص: 518
في الخلاف(1) والاستبصار(2)، وإما أن تحمل على التقية لأنه مذهب كثير من العامة كما في الاستبصار(3) .
وعلى كلا التقديرين لا يحمل النهي على الحرمة.
هل أنّ اعتبار الذكورة في تولّي القضاء والتصدّي للأمور العامة يخدش بشأن المرأة ويمسّ كرامتها أو لا؟والذي يبدو أنّ هذه المسألة أخذت بعداً جديداً ولا سيّما في عصرنا الحاضر بنظراته المتجددة. وهو امتداد للشعارات المنادية بإخراج المرأة من عزلتها، ولكن بأسلوب مبطّن، يهدف إلى تطويع القضايا الدينية لمقتضيات العصر ومتطلبات أبنائه وإضفاء صبغة شرعية عليه، مع الغفلة عن أنّ أحكام الشرع المقدّس صالحة لكلّ زمان ومكان، من دون داع للتمحّلات والتكلّفات والادّعاء بفهم الشريعة في هذه المسألة دون جميع الفقهاء.
وشاهدنا على ذلك أنه قد جعل بعضهم من قوله: «كلّ ما كان من بديهيّات الفقه فليس من بديهيات الشريعة» (4) منطلقاً للمناقشة في جميع الأدلة المتقدّمة
ص: 519
من الكتاب، والسيرة، والإجماع، والسنّة.
أما الكتاب فقد ناقش في دلالة قوله تعالى: «الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ»(1) بذكر احتمالين: الأول: بأنّ القوامية في الآية ليست بمعنى الولاية على التصرف، بل هي بمعنى الكفالة والإصلاح والرعية(2) .
الثاني: بأنها خاصة في الأسرة للأزواج على الزوجات(3) .
واستظهر من الآية الاحتمال الثاني(4)، ولكنه قرّر على كلا الاحتمالين عدم صلاحية الآية لأن تكون دليلاً على عدم أهلية المرأة لتولّي رئاسة الدولة(5) .
وأما السيرة فقد أنكرها، ونسب القائل بها تارة إلى الغفلة عن المناخ الفقهي الكلامي الذي كان يسيطر على التوجّه الفكري في قضية رئاسة الدولة، ثم ذكر أنّ وجه الغفلة هو أنّ قضية رئاسة الدولة كانت محكومة على مستوى رؤية عامة المسلمين بقضية أنّ الأئمة من قريش، والروايات التي قررت هذا المبدأ نصّت على اثني عشر رجلاً من قريش، وكانت محكومة على مستوى خطّ أئمة أهل البيت (علیهم السلام) بمبدأ النصّ وتحديد الخليفة بشخص الإمام علي بن أبي طالب(علیه السلام) والأئمة المعصومين من ولده(6) .
وتارة إلى الخطأ في تشخيص حقل العمل السياسي وطبيعته في ذلك العهد، ثم ذكر أنّ وجه الخطأ هو أنّ أشكال وأساليب العمل السياسي تختلف باختلاف شكل المجتمع ومؤسساته وطرق التعبير السياسي فيه(7)، ثم قال: إذا فحصنا
ص: 520
سيرة المجتمع الإسلامي في الصدر الأول آخذين بالاعتبار طبيعته ومكوناته ومجالات الاهتمام السياسي فيه وأساليب الاتصال والتعبير السياسي عن المواقف والاتجاهات فسنجد أنّ المرأة لم تكن غائبة عن حقل العمل السياسي بحسب أعراف وأساليب ذلك العصر(1)، ثم ذكر شواهد لشخصيات نسائية كان لها نشاط سياسي في ذلك العهد، مثل خديجة (علیها السلام)، وأم سلمة (رضي الله عنها)، وحفصة، وكثير من المسلمات في مكة في ظروف الاضطهاد، مثل الزهراء (علیها السلام) وعائشة ونساء أخر(2)، وبذلك أراد نقض السيرة المدعاة في المقام.
وأما الإجماع فقد ناقش فيه بأنّ حجيته إنما تتقوّم بكونه كاشفاً عن رأي النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) أو الإمام المعصوم، وحيث لم يُحرز أنّ هذه القضية التي ادّعي الإجماع عليها من القضايا التي كانت متداولة في عصر الأئمة المعصومين، أو علم أنها من المسائل المستحدثة التي فرّعها الفقهاء واستنبطوا حكمها بالنظر في الأدلة والأصول والاجتهاد فيها فالاتفاق على حكمها ليس حجة، لأنه لا يكشف عن رأي المعصوم (علیه السلام)، بل هي آراؤهم وفهمهم للأدلة، فالإجماع فيها من قبيل الإجماع في المسائل العقلية واللغوية(3) .
وأما الروايات فقد ناقش فيها بأمور:
الأول: أنها ضعيفة الأسناد(4) .
الثاني: أنّ بعض الروايات أجنبي عن محلّ البحث(5) .
ص: 521
الثالث: أنّ بعضها وارد في قضايا خاصّة(1) .الرابع: أنّ بعضها يختصّ بشؤون الحياة الزوجية ولا عمومية فيها بالنسبة إلى غيرها(2) .
الخامس: أنّه على فرض التسليم بالدلالة إلاّ أنها لا تشمل تولّي الرئاسة ومؤسسات اليوم إذ الرئيس ليس مستقلاً برئاسته بل هو ملزم بالمشاورة والعمل بالقانون(3) .
وذكر وجوهاً أخرى واضحة الضعف.
ولا نرى حاجة إلى الإجابة عنها(4) فإنها بيّنة الخلل لمن مارس أواطّلع
ص: 522
ص: 523
على أساليب الاستدلالات الفقهية.
ولعلّ الدافع لطرح هذه المسألة وتبنّي الدعوة إلى أهلية المرأة والدفاع عنها بحرارة هو إما ملاحظة وضع المرأة اليوم، وتطلّعها وانخراطها في الساحة
ص: 524
الاجتماعية والسياسية، وإما توهّم أن المرأة تعيش الحرمان والظلم فلابدّ من السعي لحفظ حقها، ومراعاة كرامتها، مما جعل المستدل في موقف حرج دفعه لمعالجة ذلك بهذا النحو من الاستدلالات الواهية مستنداً إلى أصل مزيّف وهو قوله: «كلّ ما كان من بديهيات الفقه فليس من بديهيات الشريعة» الأمر الذي أدّى به إلى هذا الاشتباه متخيلاً أنه أصاب الحقيقة وفهمها دون سواه.
ولا يناسب المقام أن نتحدّث عن تكوين المرأة وطبيعتها ومقدار إمكانياتها وشؤونها النفسية، والعاطفية، ومدى استعدادها وقابليتها لتولي الأمور، وقد كتب في هذا المجال المحققون وذوي الاختصاص كتباً وبحوثاً وافية، وإنما قلنا لا يناسب المقام لأنّ دائرة بحثنا تنحصر في حدود الأدلة الشرعية والوقوف على مستندات الأحكام الواصلة إلينا، وقد تناولنا هذه المسألة بالبحث والتتبع في الأبحاث المتقدمة، ومنها يعلم وجود الخلل والضعف فيما ذكره هذا المستدل.
على أنه قد اعترف في بعض كلماته أنّ جعل سلطة الطلاق بيد الزوج هو أسلم الفروض وأبعدها من المفاسد، وأوفقها بمصلحة الزوجين والأسرة، وأنّ هذا الفرض هو الأليق بقدسية العلاقة الزوجية وخصوصيتها بكرامة الزوجين وأولادهما وسمعة الجميع في المجتمع(1) وذكر نظير هذا في مسألة اعتبار التعدد في شهادة النساء(2) .
وفي ختام هذا الأمر نكتفي بتوجيه الأسئلة التالية:
الأول: هل يمكن التسليم بأنّ : «كلّ ما كان من بديهيات الفقه فليس من بديهيات الشريعة» بمعنى أن جميع الفقهاء من صدر الإسلام وإلى يومنا هذا كانوا
ص: 525
على الخطأ عمداً أو جهلاً، ولم يتبين ذلك إلاّ ممن لم يتميز بنبوغ نادر وإحاطة واسعة وخبرة أكثر من غيره بحيث يتنبه إلى ما لم يتنبه إليه أحد؟
الثاني: هل من المعقول أن تكون أحكام الدين وقضايا الشريعة على حسب مشتهيات الناس ورغباتهم؟ وهل أنّ معالجة المواقف تتطلب طرح ما يوافق هوى الناس؟
الثالث: هل كان الشارع المقدس جاهلاً بحقائق الأشياء وبمقادير قابليتها واستعدادها، وأنه لم يعط كلّ ذي حقّ حقه بالقسط والعدل، حفظاً للنظام ورعاية للأصلح، حتى نحتاج إلى الدفاع عن جانب والأخذ بجانب آخر وإثبات شيء ونفي آخر بتكلّفات وتوجيهات واهية، مع الغفلة عما يترتب على ذلك من المفاسد من اختلال النظام الاجتماعي، وتشتت الأحوال، والتورّط في الضلالات والمعاصي ومن هو المسؤول عن ذلك؟؟؟
أعاذنا الله سبحانه وتعالى من الزلل والخطل في القول والعمل بحق محمد وآله الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين.
ومما يؤيد المقام ويوضّح أنّ الشارع المقدّس المحيط بجميع المصالح والمفاسد قد راعى مكانة المرأة وصلاحيتها في حفظ نظام المجتمع الصغير وهو البيت الذي هو الأصل لنظام المجتمع الكبير، وأنه قد وضعها في موضعها اللائق بها من دون أن تخدش كرامتها أو يُحطّ من قدرها ما اورده صاحب تفسير الميزان نقلاً عن الدر المنثور(1) : أخرج البيهقي عن أسماء بنت يزيد الأنصارية، أنها أتت النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وهو بين أصحابه فقالت: بأبي أنت وأمي إني وافدة النساء إليك، واعلم - نفسي لك الفداء - أنه ما من امرأة كائنة في شرق ولا غرب سمعت بمخرجي هذا إلاّ وهي على مثل رأيي، إنّ الله بعثك بالحق إلى الرجال والنساء، فآمنّا بك وبإلهك الذي
ص: 526
أرسلك، وإنّا معشر النساء محصورات مقصورات، قواعد بيوتكم، ومقضى شهواتكم، وحاملات أولادكم، وإنكم معاشر الرجال فضّلتم علينا بالجمعة والجماعات، وعيادة المرضى، وشهود الجنائز، والحجّ بعد الحج، وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله، وإنّ الرجل منكم إذا خرج حاجّاً أو معتمراً أو مرابطاً حفظنا لكم أموالكم،وغزلنا لكم أثوابكم، وربّينا لكم أموالكم (أولادكم) فما نشارككم في الأجر يا رسول الله؟ فالتفت النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) إلى أصحابه بوجهه كلّه ثم قال: هل سمعتم مقالة امرأة قط أحسن من مساءلتها في أمر دينها من هذه؟ فقالوا: يا رسول الله ما ظننّا أن امرأة تهتدي إلى مثل هذا، فالتفت النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) إليها ثم قال لها: انصرفي أيتها المرأة وأعلمي من خلفك من النساء: أنّ حسن تبعّل إحداكنّ لزوجها، وطلبها مرضاته، واتّباعها موافقته يعدل ذلك كلّه، فأدبرت المرأة وهي تهلّل وتكبّر استبشاراً(1) .
والمستفاد من هذه الرواية أنّ وظيفة المرأة هو حسن التبعّل، وأنّ مكانها اللائق بها هو البيت، وأنّ لها من الأجر والثواب - إذا قامت بوظيفتها - ما يعدل ثواب الرجل في حضوره الجمعة والجماعة، وعيادة المريض وحضور الجنازة، والحجّ، والمرابطة، والجهاد، وهذا لا ينقص من شأن المرأة ولا يمس بكرامتها، وشأنها شأن الرجل في جميع الفضائل والمكارم، بل ربّ امرأة أفضل وأكرم - عند الله تعالى - من كثير من الرجال، واختصاص بعض الأحكام بأحدهما دون الآخر لا يوجب منقصة، فإنّ الصلاة - وهي عمود الدين ولا تسقط بحال - تسقط عن المرأة في بعض الأحوال، وهكذا عدم تولّيها القضاء والولاية، فلا وجه للاستيحاش أو توهّم النقص في ذلك، فإنّ الشارع المقدّس وهو الحكيم قد جعل كلاًّ من الرجل والمرأة في موضعه اللائق به وأسند إليه ما يناسبه من الأحكام وهو
ص: 527
الهادي والعالم بالصواب.
هذا تمام الكلام حول اشتراط الذكورة، وإنما أطلنا الكلام فيه لاقتضاء المقام.
وأما الشرط الرابع - من شرائط الفقيه - وهو الإيمان بمعناه الأخصّ فهو مما لا إشكال في اعتباره، وهو ثابت بالأدلة الأربعة.
أما من الكتاب فبعدّة آيات:
منها: قوله تعالى: «وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ»(1). ولا إشكال في أنّ غير المؤمن من أوضح مصاديق الظالم.
ومنها: قوله تعالى: «وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً»(2).ولا شكّ أن الولاية سبيل من أقوى السبل، والآية تنفي ولاية الكافرين على المؤمنين، وبناء على القول بأنّ المخالفين في حكم الكافرين فالآية تنفي ولاية المخالفين أيضاً.
وغيرهما من الآيات.
وأما من الروايات: فبما تقدم من الطوائف الكثيرة بناء على دلالتها على الولاية فإنّ اعتبار الإيمان فيها واضح.
وأما الإجماع: فقد ذكر صاحب مفتاح الكرامة(3) أنه ثابت معلوماً ومنقولاً، ونسبه إلى المسالك، والكفاية، والمفاتيح، ومثله صاحب الرياض(4).
وكلامهما وإن كان في القاضي فيكون بالنسبة إلى الوالي بطريق أولى.
وأما العقل فدلالته واضحة، وذلك لأنّ الولي هو القائم مقام المعصوم في
ص: 528
التصدّي لأمور الدين والدنيا وهو المؤتمن عليها، فمنصب الولاية بنفسه يقتضي الإيمان بمبادىء الإسلام والاعتقاد بأصول وتعاليم أهل البيت (علیهم السلام)، ولو كان معتقداً بخلافها لكان في ذلك نقض للغرض، ولا مجال حينئذ للاطمئنان به.
مضافاً إلى أنّه إذا كان غير المؤمن ليس أهلاً لإمامة الجماعة، ولا تولّي القضاء، ولا تقبل له شهادة، فعدم صلاحيته للولاية بطريق أولى.
والحاصل: أنّ هذا الشرط مما لا إشكال في اعتباره.
وأما الشرط الخامس وهو العدالة فممّا لا إشكال في اشتراطه.
وقد استدل عليه بالأدلة الأربعة:
أما من الكتاب فبعدة آيات:
منها: قوله تعالى: «وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ...» (1) .
ومنها: قوله تعالى: «وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ...» (2) .
ومنها: قوله تعالى: «وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً...» (3) .
ومنها: قوله تعالى: «وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَهَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً »(4).
وغيرها من الآيات.
ولا إشكال أنّ الفاسق أحد مصاديق هذه الآيات.
وأما من السنة فبعدة روايات.
منها: موثقة حنان عن أبيه عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): لا تصلح الإمامة إلاّ لرجل فيه ثلاث خصال: ورع يحجزه عن معاصي الله، وحلم
ص: 529
يملك به غضبه، وحسن الولاية على من يلي حتى يكون لهم كالوالد الرحيم(1) .
وهذه الرواية وإن كان في سندها صالح بن السندي ولم يرد فيه توثيق إلاّ أنه واقع في أسناد نوادر الحكمة(2)، وذلك كاف في اعتبار وثاقته والأخذ بروايته.
ومنها: ما ورد في تحف العقول عن الصادق (علیه السلام) - في حديث - وأما وجه الحرام من الولاية فولاية الوالي الجائر، وولاية ولاته، الرئيس منهم واتباع الوالي فمن دونه من ولاة الولاة إلى أدناهم باباً من أبواب الولاية على من هو والٍ عليه، والعمل لهم والكسب معهم بجهة الولاية لهم حرام ومحرّم(3) .
ودلالة هاتين الروايتين إنما تتم بناء على أن المراد من الولاية معناها الأعم وليست مختصّة بمن يدّعي الإمامة وإلاّ فهما أجنبيّتان عن المقام.
ومنها: ما يستفاد من أكثر روايات الطوائف المتقدمة الدالة على ثبوت الولاية للفقيه، كالتوقيع الشريف وغيره، فإنّ قوله (علیه السلام): « ... فإنّهم حجّتي عليكم وأنا حجة الله ...» (4) يدل على أنّ الفاسق لا يمكن أن يكون حجة من قبل الإمام(علیه السلام).
وأما الإجماع فقد ادّعاه صاحب مفتاح الكرامة معلوماً ومنقولاً(5) .وقال صاحب الجواهر: بلا خلاف أجده(6)، وفي المسالك: إنه موضع وفاق(7).
وأما العقل فمن وجهين:
ص: 530
الأول: أنّ الفاسق لا يطمأنّ إليه، فكيف يعتمد عليه في هذا الشأن وتجعل له الولاية على الأمور.
الثاني: أنّ العدالة معتبرة في إمام الجماعة والشاهد والقاضي، وذلك يقتضي بالأولوية القطعية اعتبارها في الوالي.
فالظاهر أنّ ثبوت هذا الشرط مما لا إشكال فيه.
وأما الشرط السادس وهو العلم فلا إشكال في اعتباره في الجملة، فإن الجاهل بالأحكام ليس أهلاً للولاية، وإنما الكلام في أنّه هل يعتبر الاجتهاد والفقاهة في العلم أو يكتفي بالتقليد؟ وعلى فرض اعتبار الاجتهاد فهل لابدّ أن يكون مطلقاً أو يكتفى بالتجزّي؟ ثم بناء على اعتبار الإطلاق في الاجتهاد فهل الأعلمية معتبرة أيضاً أو لا؟
فهاهنا جهات ثلاث لابد من البحث حولها بما يناسب المقام.
الجهة الأولى: في أنّ الولاية هل هي ثابتة لمن يستقل بأهلية الفتوى أو تشمل مطلق العالم وإن كان مستنداً إلى فتوى الغير.
والظاهر أنه لا خلاف ولا إشكال في اعتبار الاستقلال في الأهلية، وقد ادّعي الإجماع عليه بالنسبة إلى القاضي كما في المسالك والكفاية على ما في المفتاح(1) والجواهر(2)، فهو بالنسبة إلى الوالي بطريق أولى.
نعم قوّى صاحب الجواهر عدم اعتباره في القاضي(3)، غير أنّ الذي يظهر من كلماته ! في مواضع مختلفة حول ولاية الفقيه والحاكم الشرعي هو اعتبار الاجتهاد في الوالي(4). وسيأتي ما في دعوى الإجماع.
ص: 531
ويمكن الاستدلال على الاعتبار بأمور:
الأول: بالأصل.
وبيانه: أن الأصل الأولي يقضي بعدم ولاية أحد على أحد، وحيث إنّالولاية على الغير أو على الأمور العامة خلاف الأصل فلابدّ من رفع اليد عنه بمقدار الدليل والإذن الشرعي، والقدر المتيقّن منه هو المجتهد الجامع للشرائط، وأما من عداه فهو باق تحت مقتضى الأصل ويحكم بعدم ولايته.
الثاني: بالكتاب.
ومنه: قوله تعالى: «أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ»(1).
وتقريب الاستدلال: أنّ الآية الشريفة وأن كانت واردة في مقام الإنكار على المشركين - حيث احتجّ الباري تعالى عليهم بأنه هل أن من كان على الهدى أو مهتدياً بنفسه إلى الحق هو الأحقّ والأليق بالاتباع، أم أنّ الأحق والأليق بذلك من لم يكن كذلك؟ كمن ليس قابلاً للهداية أو كان مهتدياً بغيره.
ولاشكّ أنّ الفطرة السليمة تحكم بأنّ الأول هو المتعيّن - إلاّ أنّها بمقتضى إطلاقها شاملة لما نحن فيه أيضاً، إذ المجتهد مهتدياً بنفسه إلى معرفة الحكم والوظيفة بخلاف المقلد فإنه مهتد اليهما بغيره فيتعيّن اتباع المجتهد دون المقلّد، والأحقيّة في الآية منسلخة عن معناها بمعنى أنّ أفعل التفضيل الدال على المشاركة والزيادة غير ملحوظ في الآية وأنّ المراد هو تعيّن الاتباع كما في قوله تعالى: «وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ»(2)، وقوله تعالى: «فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ»(3).
ص: 532
ومنه: قوله تعالى: «وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنْ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ» (1) .
وقد حكت الآية الشريفة بعض أحوال بني إسرائيل كما ورد في تفسيرها في صحيحة أبي بصير عن أبي جعفر (علیه السلام): إنّ بني إسرائيل بعد موسى (علیه السلام) عملوا المعاصي وغيّروا دين الله، وعتوا عن أمر ربّهم، وكان فيهم نبيّ يأمرهم وينهاهم فلم يطيعوه، وروي أنه أرميا النبيّ، فسلّط اللهعليهم جالوت، وهو من القبط فأذلّهم وقتل رجالهم وأخرجهم من ديارهم وأموالهم واستعبد نساءهم ففزعوا إلى نبيّهم، وقالوا سل الله أن يبعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله، وكانت النبوة في بني إسرائيل في بيت، والملك والسلطان في بيت آخر، لم يجمع الله لهم الملك والنبوة في بيت واحد، فمن ذلك «قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمْ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً...» الخ، وقوله: «وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً » فغضبوا من ذلك «قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنْ الْمَالِ » وكانت النبوّة في ولد لاوي، والملك في ولد يوسف، وكان طالوت من ولد بنيامين أخي يوسف لأمه لم يكن من بيت النبوة ولا من بيت المملكة، فقال لهم نبيّهم: «إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ» وكان أعظمهم جسماً، وكان شجاعاً قويّاً، وكان أعلمهم، إلاّ أنه كان فقيراً فعابوه بالفقر فقالوا لم يؤت سعة من المال ...(2).
وموضع الشاهد قوله تعالى: «إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي
ص: 533
الْعِلْمِ...» فإنّه تعالى بيّن سبب اصطفائه عليهم وأنه زيادة البسطة في العلم والجسم، أي كان أعظمهم جسماً وكان شجاعاً قوياً وكان أعلمهم، كما في الرواية.
والمستفاد من ذلك أنّ مما يوجب الأهلية للولاية هو البسطة في العلم.
فإذا دار الأمر فيما نحن فيه بين المجتهد وغيره فالمتعيّن هو المجتهد.
الثالث: الروايات:
ومنها: ما تقدّم من الطوائف العشر التي استدل بها على ثبوت الولاية للفقيه، فإنّ جل تلك الروايات تدل على ذلك لصراحة بعضها في الدلالة كرواية تحف العقول حيث ورد فيها: «أنّ مجاري الأمور والأحكام على أيدي العلماء بالله، الأمناء على حلاله وحرامه...» (1) .
وظهور بعضها الآخر فيها حيث جُعل الموضوع الفقهاء تارة، والعلماء أخرى ورواة الأحاديث الذين هم المرجع في الحوادث الواقعة والحجّة من قبل الإمام(علیه السلام) ثالثة، وهذه العناوين كلّها ظاهرة في أنّ المراد هو المجتهد، ولذا لا يقال لمن كان عارفاً بالمسائل عن طريق فتوى الغير إنّه فقيه أو من العلماء أو مرجع في الحوادث.ومنها: الروايات الواردة في خصوص هذا المورد.
منها: صحيحة عيص بن القاسم قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: عليكم بتقوى الله وحده لا شريك له، وانظروا لأنفسكم، فوالله إنّ الرجل ليكون له الغنم فيها الراعي، فإذا وجد رجلاً هو أعلم بغنمه من الذي هو فيها يخرجه ويجيء بذلك الرجل الذي هو أعلم بغنمه من الذي كان فيها...(2) .
والمستفاد منها أنّ المتصدّي للأمور ورعاية مصالح الأمة لابدّ وأن يكون
ص: 534
عالماً بمخارجها ومداخلها.
ومنها: ما ورد في عهد الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) لمالك الأشتر (رضي الله عنه) حينما ولاّه على مصر: ... ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيّتك في نفسك، ممن لا تضيق به الأمور، ولا تمحكه الخصوم، ولا يتمادى في الزلّة ... ثم أكثر تعاهد قضائه وأفسح له في البذل ما يزيح علّته، وتقلّ معه حاجته إلى الناس، وأعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره ...(1) .
ولا إشكال في السند فإنّ للشيخ طريقاً معتبراً إلى عهد الإمام (علیه السلام) لمالك (رضي الله عنه) فإنه يرويه عن ابن أبي جيد، عن محمد بن الحسن، عن الحميري، عن هارون بن مسلم، والحسن بن طريف جميعاً، عن الحسين بن علوان الكلبي، عن سعد بن طريف، عن الأصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين (علیه السلام) (2) .
والظاهر أنّ المراد بالعهد هو العهد المشهور المعروف الوارد في نهج البلاغة ولو كان هناك عهد آخر لأشير إليه.
وأما من جهة الدلالة فهي تامة أيضاً حيث إنّ الإمام (علیه السلام) أمر مالكاً بتعاهد قضاء القاضي، وذلك يقتضي أن يكون مالك - وهو الوالي - عالماً فقيهاً وإلاّ فلا معنى للتعاهد، اللهم إلاّ أن يناقش من جهة أخرى وهي أنّ كلامه (علیه السلام) لا يدلّ على عدم جواز تنصيب غير العالم الفقيه.
ويجاب أولاً: إذا كانت وظيفة الوالي هو تعاهد قضاء القاضي فلازمه أن يكون الوالي أعلم وأفقه.
وثانياً: إنّ المستفاد من كلامه (علیه السلام) حيث أمر باختيار الأفضل للحكم والقضاء بين الناس أنّ الأفضلية معتبرة في الوالي بطريق أولى.
ص: 535
ومنها: ما ورد في مجالس الشيخ ! بسنده عن الحسن بن علي (علیه السلام) في خطبته قال: وقد قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): ما ولّت أمّة أمرها رجلاً وفيهم من هو أعلم منه إلاّ لم يزل أمرهم يذهب سفالاً حتى يرجعوا إلى ما تركوا(1) .
وورد نظيرها في كتاب سليم بن قيس عن أمير المؤمنين (علیه السلام) - في كلام له (علیه السلام): -... فينبغي أن لا يكون الخليفة على الأمة إلاّ أعلمهم بكتاب الله وسنة نبيّه ... وقال رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم): ما ولّت أمّة قطّ أمرها رجلاً وفيهم أعلم منه إلاّ لم يزل أمرهم يذهب سفالاً حتى يرجعوا إلى ما تركوا...(2) .
ووردت في موضع آخر من كتاب سليم عن الحسن بن علي بن أبي طالب (علیه السلام) وفيها: «حتى يرجعوا إلى ملّة عبدة العجل ...» (3) .
والظاهر أنّها من جهة الدلالة تامة، فإنّ العلم بالكتاب والسنة لا يختصّ بالإمام المعصوم(علیه السلام) وإن اختلفت مراتب العلم بهما بين المعصوم (علیه السلام) وغيره.
ولكن قد يقال: إنّ المستفاد من كلام الإمام (علیه السلام) أنّ المقصود هو الإمام المعصوم (علیه السلام) فإنّ كلامه (علیه السلام) في مقام الاحتجاج في أمر الإمامة والخلافة بعد النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) . مضافاً إلى أنّ العلم بالكتاب والسنة من مختصّات الإمام (علیه السلام) وأما من عداه فقد يكون علمه جهلاً مركباً.
ويمكن أن يجاب بأنّ كلامه (علیه السلام) وإن كان وارداً في مقام الاحتجاج إلاّ أنه حيث استشهد(علیه السلام) بقول النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فذلك قرينة على إرادة الأعم، وأما العلم بالكتاب والسنة فإن كان المراد به العلم الواقعي فهو من مختصاتهم (علیهم السلام) وإن كان المراد به استفراغ الوسع بحسب الطاقة والاستعانة بسائر الأدلة فهو شامل لما نحن
ص: 536
فيه، والظاهر أنّ المراد هو الثاني، وعليه فالعلم بالكتاب والسنة بمعنى الإحاطة بمدارك الأحكام والقدرة على استنباطها معتبر في كلّ من يتصدّى للأمور العامة.
وأما من جهة السند فطريق الشيخ إلى الرواية وإن كان ضعيفاً فتكونمؤيدة، إلاّ أن طريقها في كتاب سليم معتبر، بناء على ما حققناه في مباحثنا الرجالية(1) فيمكن الاستدلال بها ولا يبعد أنها رواية واحدة وردت بعدّة طرق، ومنها: ما رواه المفيد في الاختصاص حيث قال: وقال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): من تعلّم علماً ليماري به السفهاء، ويباهي به العلماء، ويصرف به الناس إلى نفسه يقول: أنا رئيسكم فليتبوء مقعده من النار، ثم قال: إنّ الرئاسة لا تصلح إلاّ لأهلها، فمن دعا إلى نفسه وفيهم من هو أعلم منهم لم ينظر الله إليه يوم القيامة(2) .
والرواية من جهة الدلالة واضحة، إلاّ أنها من جهة السند ضعيفة فتكون مؤيدة.
ومنها: ما رواه العرزمي عن أبيه رفع الحديث إلى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قال: من أمّ قوماً وفيهم من هو أعلم منه لم يزل أمرهم إلى السفال إلى يوم القيامة(3) .
وهذه الرواية ضعيفة سنداً ودلالة.
أما من جهة السند فقد وردت بأربعة طرق(4).
ص: 537
وكلها ضعيفة، فإنهاتنتهي إلى العرزمي، عن أبيه، وهو يرفعه إلى النبي.
وأما ضعف الدلالة فلأنّ الظاهر من قوله: «من أمّ قوماً» أنّ ذلك مختص بالإمامة في صلاة الجماعة، لا الإمامة في الدين والتصدّي للأمور العامة.
ومنها: ما في تحف العقول عن الصادق (علیه السلام): من دعا الناس إلى نفسه وفيهم من هو أعلم منه فهو مبتدع ضالّ(1) .
والظاهر أنّ المراد من قوله: «من دعا إلى نفسه» مطلق الرئاسة لا خصوص الإمامة فيمكن التمسك بها أيضاً.
ومن الواضح أنّ العامي المقلّد لا يسمّى عالماً، وعلى فرض صدق التسمية إلاّ أن المجتهد أعلم منه قطعاً، وعليه فالدلالة تامة، ولكن الكلام في السند فتكون مؤيّدة.
وهذه الروايات وإن كانت واردة في مقام الأعلمية والأفضلية إلاّ أنه لا مانع من الاستدلال بها على أصل الموضوع وهو العلم، على أنه سيأتي الكلام
ص: 538
حول الأعلمية في الجهة الثالثة.
ثم إنّ هنا روايتين صحيحتين قد يستدل بهما على ما نحن فيه.
الأولى: صحيحة عبد الكريم بن عتبة الهاشمي - في حديث طويل - ... وفيه قال أبو عبد الله (علیه السلام): فإنّ أبي حدثني - وكان خير أهل الأرض وأعلمهم بكتاب الله وسنة نبيه (صلی الله علیه و آله و سلم) - أنّ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال: من ضرب الناس بسيفه، ودعاهم إلى نفسه وفي المسلمين من هو أعلم منه فهو ضالّ متكلّف(1) .
الثانية: صحيحة الفضيل بن يسار قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: من خرج يدعو الناس وفيهم من هو أعلم منه فهو ضالّ مبتدع، ومن ادّعى الإمامة وليس بإمام فهو كافر(2) .
وهاتان الروايتان وإن كانتا صحيحتي السند، إلاّ أنهما أجنبيّتان عن محلّ الكلام، لأنّ موردهما الخروج بالسيف والقهر، وادّعاء الباطل، فالاستدلال بهما غير تام.
وقد ادّعي الإجماع على اعتبار الاجتهاد في الوالي، والمسألة وإن لم تكن معنونة في كلمات أكثر الأصحاب إلاّ أنه يمكن استفادة ذلك مما ورد عنهم في باب القضاء حيث ادّعي الإجماع على اعتبار الاجتهاد في القاضي على ما نقله في المفتاح والجواهر - كما ذكرنا - فيثبت فيما نحن فيه بطريق أولى.
وقد ذكرنا أنّ صاحب الجواهر ! قد ناقش في اعتباره بالنسبة إلى القضاء ونقل ما حكاه صاحب التنقيح عن المبسوط من أنّ في المسألة أقوالاً ثلاثة:
ص: 539
أولها: جواز كونه عامّياً، ويستفتي العلماء ويقضي بفتواهم ...(1) .
ولكن لم يظهر منه عدم اعتباره بالنسبة إلى الولاية، بل الظاهر من عدّة مواضع من كلماته هو الاعتبار وقد نقلنا بعضها فيما تقدّم.
هذا، ولكن يمكن المناقشة في حجيّة الإجماع في المقام، وكذا في حجيته في القضاء لاحتمال أن يكون مستفاداً من الأدلة الأخرى وليس كاشفاً عن قول المعصوم (علیه السلام) .
والمناقشة وإن كانت واردة على بعض ما استدلّ به إلاّ أنّ الظاهر أنّ أصل المسألة وهو اعتبار الاجتهاد في الولاية الشرعية ثابت.
الجهة الثانية: هل المعتبر في الوالي هو الاجتهاد المطلق أو يكفي التجزّي؟
وتبتني هذه المسألة على القول بإمكان التجزّي في الاجتهاد بأن تتحقّق ملكة الاستنباط لشخص في بعض أبواب الفقه دون بعض، وإلاّ فهي خارجة عما نحن فيه.
والظاهر هو اعتبار الاجتهاد المطلق في الوالي سواء قلنا بحجّية فتوى المجتهد المتجزّي بالنسبة إلى نفسه أو لغيره، وكذلك نفوذ قضائه أو لم نقل بذلك.
ويمكن الاستدلال عليه بوجهين:
الأول: بالأصل.
وقد ذكرنا في ما تقدم أنّ الأصل الأولي يقضي بعدم ولاية أحد على أحد إلاّ ما علم من الشارع الإذن فيه، والقدر المتيقّن منه هو المجتهدالذي تحقّقت له الملكة الفعلية لاستنباط جميع الأحكام أو أكثرها، وأما إذا لم يستنبط أصلاً وإن كانت الملكة متحقّقة، أو من لم تتحقق له الملكة المطلقة ولا قدرة له على الاستنباط إلاّ في باب واحد أو مسألة أو مسألتين فلا يصدق عليه عنوان العالم أو الفقيه.
ص: 540
وعلى فرض الصدق يكون من الشبهة المصداقية فلا يكون داخلاً تحت الأصل المذكور.
الثاني: بالأدلة اللفظية وذلك:
أولاً: إنّ الموضوع في أكثر الروايات الواردة في المقام هو الفقيه أو العالم، والظاهر أن المراد من إطلاقه هو المجتهد دون غيره، ومع فرض الشكّ فلابدّ من الأخذ بالقدر المتيقّن وهو المجتهد المطلق.
وثانياً: إنّ المستفاد من الروايات الواردة في القضاء هو اعتبار كون القاضي مجتهداً، فاعتبار الاجتهاد في الوالي بطريق أولى.
وقد يناقش في ذلك كما في الجواهر(1) بأنّ المستفاد من بعض هذه الروايات كرواية أبي خديجة سالم بن مكرم نفوذ قضاء المجتهد المتجزّي أيضاً، وذلك لقوله(علیه السلام): «ولكن انظروا إلى رجل منكم يعرف شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم فإنّي قد جعلته قاضياً فتحاكموا إليه ...» (2) .
حيث يستفاد من ذلك أنّ العلم ببعض أحكامهم وقضاياهم (علیهم السلام) كافٍ في الأهلية للقضاء، فيكون المراد هو الأعمّ من المجتهد المطلق فيشمل المتجزّي.
ولا يخفى أنه بالقياس إلى علوم الأئمة (علیهم السلام) وأحكامهم وقضاياهم التي لا حدود لها بحيث يمكن أن يقال إنّ المجتهد يعلم شيئاً من قضاياهم وأحكامهم (علیهم السلام)، وما ذكره صاحب الجواهر من أن العلم ببعض الأحكام والقضايا إن أراد به الاجتهاد فهو، وإلاّ فلا يصدق عرفاً على المقلّد الذي يعرف باباً أو مسألة أو مسألتين أنه يعرف شيئاً من قضاياهم وأحكامهم (علیهم السلام) .
والشاهد على ذلك ما ذكره السيد الأستاذ ! في مجلس البحث: أنه نقل أنّ
ص: 541
صاحب الجواهر ! لمّا حضرته الوفاة سُمِع من جهة خفيّة أنّ عنده شيئاً من علم جعفر بن محمد(علیه السلام) .
مع أنّه ! كان أستاذ الفقهاء في زمانه، وفي ذلك دلالة على أنّ المرادبلفظ (شيئاً) الوارد في الرواية هو القلّة الإضافية، فلا يصح التمسّك بها في المقام.
نعم ورد في بعض نسخ الرواية: «يعلم شيئاً من قضائنا» كما في الكافي(1) والفقيه(2)، ومن المعلوم أن أحكام القضاء محصورة وليست بكثيرة، وعليه فيصدق على المتجزّي أيضاً أنه يعلم شيئاً من قضائهم (علیهم السلام) .
ويمكن الجواب عن هذا أيضاً بوجوه:
الأول: أنه مع اختلاف النسخ وأن في بعضها: «قضايانا» كما في التهذيب(3) فلم تحرز صحة هذه النسخة، فتكون الرواية مجملة من هذه الناحية، ولابدّ حينئذ من الأخذ بالقدر المتيقّن أو المبيّن في سائر الروايات.
الثاني: أنه على فرض تمامية الدلالة تكون الرواية مطلقة قابلة للتقييد، فتقيّد بما ورد في مقبولة عمر بن حنظلة الظاهرة في اعتبار الاجتهاد المطلق حيث قال(علیه السلام): «ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا» (4) .
الثالث: بما ذكره السيد الأستاذ ! من أنّ الرواية خارجة عن محل الكلام لأنها غير ناظرة إلى نصب القاضي ابتداءاً، فإن قوله (علیه السلام): «فإني قد جعلته قاضياً» متفرّع على قوله: «فاجعلوه بينكم قاضياً» فتكون الرواية واردة في القاضي المجعول من قبل المتخاصمين، ولا يعتبر فيه الاجتهاد(5) .
ص: 542
وفي ما ذكره ! من عدم اعتبار الاجتهاد في قاضي التحكيم خلاف، وتحقيقه موكول إلى محلّه.
وبالجملة إنّ الاستدلال بهذه الرواية على الاكتفاء بالتجزّي وعدم اعتبار الاجتهاد المطلق غير تام، وعلى فرض التمامية فلا يلازم ذلك عدم اعتباره في الوالي على ما يستفاد من الأدلة المتقدّمة.
الجهة الثالثة: هل تعتبر الأعلمية في الوالي أو لا؟
وفي المسألة احتمالات:الأول: الاعتبار واستدل عليه بوجوه:
أحدها: بالأصل كما تقدم بيانه في اعتبار أصل الاجتهاد.
ثانيها: بما تقدّم من الروايات كصحيحة عيص بن القاسم، وعهد الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) لمالك الأشتر (رضي الله عنه)، ومعتبرة سليم بن قيس وغيرها المؤيّدة ببقية الروايات، فإنها تدلّ بأجمعها على اعتبار الأعلمية في الوالي.
ثالثها: إنه لو لم تعتبر الأعلمية في الوالي، وقلنا بجواز الولاية لمطلق المجتهد، وفرضنا وجود عدد كثير من الفقهاء في عصر واحد، وكانوا جامعين للشرائط فلا يخلو الحال: إما أن تكون الولاية لكل واحد منهم على نحو الاستقلال مع جواز إعمال كلّ منهم ولايته، وإما أن تكون الولاية لكل واحد منهم مع عدم جواز إعمال الولاية إلاّ لواحد منهم، وإما أن تكون الولاية لكل واحد بشرط الاتفاق فيما بينهم، وإما أن تكون الولاية لمجموعهم لا لكلّ واحد واحد منهم، وإما أن تكون الولاية لواحد منهم إلاّ أن تعيينه يتمّ عن طريق اختيار الأمة وانتخابها له من بينهم، وإما أن تكون الولاية لواحد منهم وهو الأعلم.
وجميع هذه المحتملات باطلة، ولا طريق إلى إثباتها ما عدا الأخير، فيتعيّن، فلا مناص عن القول باعتبار الأعلمية في الوالي.
ص: 543
أمّا بطلان الاحتمال الأول فلأنّ القول به يلزم منه حدوث الهرج والمرج ونقض الغرض، إذ الغاية من نصب الفقيه وولايته حفظ النظام ورفع الاختلال ومع هذا الاحتمال يوجب خلاف ذلك.
أما بيان اللازم فهو أنّ أنظار الفقهاء مختلفة، وباختلافها تختلف الكيفيّات في معالجة القضايا وإدارة الأمور التي يسوغ لهم التدخل فيها حتى بالنسبة إلى أموال القصّر والغيّب ونحوها، فكيف بغيرها من القضايا المهمّة، ولا إشكال أنّ ذلك مما يوجب الاختلال.
وأما بيان الملزوم فهو أنّ الولاية إنما جعلت وشرّعت لحفظ النظام وهي فرع عن ولاية الإمام (علیه السلام)، وكما لا يجوز نصب إمامين في زمان واحد بحيث يكون كل منهما متصرفاً في الأمور فكذلك بالنسبة إلى الفقهاء، وقد ورد في ذلك عدّة من الروايات: منها: ما ورد في رواية العلل عن الفضل بن شاذان عن الرضا (علیه السلام) وقد جاء فيها ... فإن قال ]قائل قيل:[ : فلم لم يجوز أن يكون في الأرض إمامان في وقت واحد أو أكثر من ذلك؟
قيل: لعلل منها: إنّ الواحد لا يختلف فعله وتدبيره، والاثنين لا يتفقفعلهما وتدبيرهما، وذلك إنا لم نجد اثنين إلاّ مختلفي الهمم والإرادة، فإذا كانا اثنين ثم اختلفت هممهما وإرادتهما وكانا كلاهما مفترضي الطاعة لم يكن أحدهما أولى بالطاعة من صاحبه، فكأن يكون في ذلك اختلاف الخلق والتشاجر والفساد، ثم لا يكون أحد مطيعاً لأحدهما إلاّ وهو عاص للآخر فتعمّ المعصية أهل الأرض، ثم لا يكون لهم من ذلك السبيل إلى الطاعة والإيمان، ويكونون إنما أتوا في ذلك من قبل الصانع والذي وضع لهم باب الاختلاف ]وسبب[ التشاجر والفساد إذ
ص: 544
أمرهم باتّباع المختلفين ...(1) .
وذكر (علیه السلام) علّتين أخريين لعدم جواز ذلك في الإمام (علیه السلام) - وهو المعصوم - فكيف بغيره؟
ومنها: صحيحة الحسين بن أبي العلاء، قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام) تكون الأرض ليس فيها إمام؟ قال: لا، قلت: يكون إمامان؟ قال: لا، إلاّ وأحدهما صامت(2) .
وغيرهما من الروايات الواردة بهذا المضمون.
والحاصل: أنّ هذا الاحتمال باطل ولا يمكن المصير إليه.
وأمّا بطلان الاحتمال الثاني فلأنّه يلزم منه الإرجاع إلى شخص غير معيّن وهو مما لا يمكن الالتزام به، وعلى فرض التنزّل والقول بإمكان تعيينه بالقرعة، أو بالانتخاب من قبلهم، أو من قبل الناس، ففيه: مضافاً إلى عدم الدليل على ذلك، أنه يلزم لغوية جعل الولاية للآخرين، فهذا الاحتمال غير تام أيضاً.
وأما بطلان الاحتمالين الثالث والرابع فلأنّهما مضافاً إلى عدم القائل بهما مخالفان للسيرة قطعاً، ويوجبان الإعاقة والتعطيل لكثير من الأمور الراجعة إليهم، إذ قلّما يتحقق اتفاق النظر في أمر واحد فكيف بالأمور الكثيرة ولا سيّما الأمور التي لا تحتمل التأخير ولابدّ فيها من فورية اتخاذ القرار.
وأما بطلان الاحتمال الخامس وهو أن تكون الولاية لواحد ويتمّ تعيينه عن طريق الانتخاب والاختيار ففيه:
أولاً: عدم الدليل على ذلك، إذ لم يرد في أدلة ولاية الفقيه ما يشير إليه فضلاً عن الدلالة عليه، نعم ورد في قاضي التحكيم أنّ المتخاصمين يختاران
ص: 545
قاضياً يجعلانه بينهما، وبناء على شرعية ذلك وتمامية أدلته يقتصر عليه ولا يتعدّى إلى غيره.
وثانياً: إنه لا دليل على حجيّة الانتخاب في نفسه بمعنى أن يُعتمد عليه في تعيين الولاية في شخص وإسقاطها عن الباقين.
وحيث بلغ بنا الكلام إلى هذه النقطة فلا بأس بالإشارة إلى ما ذكره بعض الأعلام مستدلاًّ به على حجية الانتخاب، ثم الجواب عنه دفعاً للشبهة وإزاحة للالتباس فنقول: إنّ المستدل ذكر ستّة وعشرين أمراً زعم أنّها تدل على حجية الانتخاب، وأهم هذه الأمور خمسة:
الأول: السيرة العقلائية واستمرارها في جميع الأعصار والأمصار على الاستنابة والتوكيل في الأمور الشخصية، والاجتماعية، والنظامية، ومنها الولاية، وقد أمضاها الشارع المقدس.
الثاني: فحوى قاعدة السلطنة المستفادة من النبوي المشهور: «الناس مسلّطون على أموالهم»(1) . ورواية أبي بصير، عن أبي عبد الله (علیه السلام) ... إنّ لصاحب المال أن يعمل بماله ما شاء ما دام حيّاً ...(2) .
وغيرهما من الروايات، فإذا فرضنا أنّ الناس مسلّطون على أموالهم فبالنسبة إلى أنفسهم وشؤونهم بطريق أولى، فإنّ السلطنة على الذات قبل السلطنة على المال بحسب الرتبة، إذ أنّ المال محصول العمل وهو محصول الفكر والقوى، والإنسان بملكه لذاته وفكره وقواه تكويناً، يملك أمواله، وقد خلقه الله
ص: 546
سبحانه وتعالى مسلّطاً على ذاته حرّاً مختاراً، فليس لأحد أن يحدّد حرّيته أو يتصرّف في مقدّراته بدون إذنه، وحيث كان الإنسان مسلّطاً على نفسه فله أن ينتخب الفرد الأصلح ويولّيه على نفسه.
الثالث: إنّ الانتخاب يعتبر معاهدة ومعاقدة بين الوالي والأمة، ويدلّ على صحتهما ونفوذهما الآيات كقوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ»(1)، والروايات كصحيحة ابن سنان، عن الصادق (علیه السلام): المسلمونعند شروطهم ...(2) .
الرابع: ما دلّ من الآيات والروايات على الحثّ على الشورى في الأمر والولاية، كقوله تعالى: «وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ»(3)، وقوله (صلی الله علیه و آله و سلم): «إذا كان أمراؤكم خياركم وأغنياؤكم سمحاكم وأمركم شورى بينكم فظهر الأرض خير لكم من بطنها ...»(4)، وما رواه أبو الحسن الرضا (علیه السلام) عن آبائه عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أنه قال: «من جاءكم يريد أن يفرّق الجماعة، ويغصب الأمة أمرها، ويتولّى من غير مشورة، فاقتلوه فإنّ الله عزّوجلّ قد أذن ذلك» (5) .
الخامس: بما ورد في البيعة من الآيات والروايات.
أما الآيات فكقوله تعالى: «لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ» (6) وقوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ»(7) وقوله
ص: 547
تعالى: «إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ...» (1) .
وأما الروايات فهي كثيرة منها ما ورد في بيعة العقبتين(2)، ومنها ما ورد في بيعة الغدير(3) وما ورد في بيعة النساء للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) (4)، ومبايعة الناس لأمير المؤمنين(علیه السلام) (5) ومبايعتهم للإمام الحسن (علیه السلام) (6) ومبايعة أهل الكوفة للإمام الحسين (علیه السلام) على يد مسلم بن عقيل(7) ومبايعة الناس للإمام الرضا (علیه السلام) بولاية العهد(8)، ومنها ما دلّ على مبايعة المؤمنين للإمامالحجّة (علیه السلام) (9)، وغيرها من الروايات وهي مشهورة معروفة.
والبيعة من المبايعة بين المتعاملين، والمصافقة بينهما هي إحدى طرق إنشاء المعاملة، بل أحكمها عند العرف، وبذلك تتحقق المقاولة والتراضي بين الطرفين، وفي مقام المبايعة يذكر الناس حوائجهم وشروطهم للرئيس وهو يضمن العمل والسعي لتحقيقها وإنجازها، وبعد التراضي ينشآن المبايعة بالمصافقة.
وهذا المعنى مطابق للاعتبار والفهم العرفي والمعنى اللغوي، وعليه فالبيعة في حدّ ذاتها نافذة، ولابدّ من الالتزام بمقتضاها، وقد أمضى الشارع ذلك كما ورد في الآيات والروايات.
ثم إنّ البيعة تارة تكون ابتدائية وأخرى تكون بعد النصب والتعيين، فإن
ص: 548
كانت ابتدائية فهي حجّة بنفسها، وإن كانت بعد النصب والتعيين فهي مؤكّدة للولاية المنصوبة، وكونها مؤكّدة يدلّ على أنّ لها أثراً وإلاّ فلا معنى للتأكيد، ولا سيّما مع الاهتمام بها في الموارد الكثيرة التي تقدمت الإشارة إليها.
وكما ورد الاهتمام بأمر البيعة والالتزام بها كذلك ورد الذمّ في نكثها ونقضها.
والحاصل: أنّ البيعة مما يمكن الاستدلال بها على حجّية الانتخاب والتعيين من قبل الأمة لمن يتولّى عليها(1) .
هذه هي أهم الوجوه التي ذكرها في حجية الانتخاب وأما بقية الوجوه فهي ملفّقة من روايات العامة والخاصة، وقد حاول من خلالها أن يستنتج إثبات دعواه، وهي وجوه بعيدة لا يمكن المصير إليها، وكلّها ضعيفة سنداً ودلالة، ولذا لا نرى حاجة لذكرها والجواب عنها، وإنما نكتفي في الجواب عن الوجوه الخمسة التي هي أهمّ ما استدلّ به فنقول:
أما الأول ففيه: أنّ دعوى السيرة، مردودة بفعل النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) والأئمة (علیهم السلام)، فإنّ النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) كان يعيّن ولاته بنفسه، وقد نصّ على إمامة الأئمة (علیهم السلام) واحداً واحداً، وهكذا أمير المؤمنين (علیه السلام) من بعده، وكان كلّ إمام سابق ينصّ على الإمام اللاحق، بل في الواقع إنّ النصب والتعيين كانا من الله تعالى على أيديهم لا منهم (علیهم السلام) .
وقد ورد عدم حجّية انتخاب الناس بل الردع عنه في الآياتوالروايات الكثيرة.
أما الآيات فمنها قوله تعالى: «وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ»(2) وقوله تعالى: «وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا
ص: 549
يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ»(1) وغيرهما.
وأما الروايات فهي كثيرة بل متواترة، وقد ذكرنا بعضها فيما تقدم وسيأتي ذكر بعض منها أيضاً.
وأما ما استشهد به(2) من كلام أمير المؤمنين (علیه السلام) المروي في كتاب سليم كقوله(علیه السلام): «والواجب في حكم الله وحكم الإسلام على المسلمين بعدما يموت إمامهم أو يقتل ... أن لا يعملوا عملاً، ولا يحدثوا حدثاً، ولا يقدّموا يداً، ولا رجلاً، ولا يبدؤا بشيء، قبل أن يختاروا لأنفسهم إماماً عفيفاً، عالماً، ورعاً، عارفاً بالقضاء والسنة يجمع أمرهم ...» (3) فهذا إنما كان منه (علیه السلام) في مقام الجدال والاحتجاج على الناس بما اعتقدوا به، وإلزام لهم بما جروا عليه فكيف يستدل به على المدعى؟ مضافاً إلى أنه (علیه السلام) قد صرّح في نفس الرواية بأنّ ذلك لهم لو لم يكن هناك نصب وتعيين من قبل الله تعالى، وأما مع وجود التعيين فلا مجال لهم في الاختيار قال(علیه السلام): «هذا أول ما ينبغي أن يفعلوا أن يختاروا إماماً يجمع أمرهم إن كانت الخيرة لهم ويتابعوه ويطيعوه، وإن كانت الخيرة إلى الله عزوجل وإلى رسوله فإنّ الله قد كفاهم النظر في ذلك والاختيار ... - إلى أن قال (علیه السلام): - وإن كان الله عزوجل الذي يختار له الخيرة، فقد اختارني للأمة واستخلفني عليهم وأمرهم بطاعتي ونصرتي في كتابه المنزل وسنة نبيّه (صلی الله علیه و آله و سلم)، فذلك أقوى لحجّتي وأوجب لحقّي ...» (4) .
ومن ذلك يظهر وجه الخلل فيما ذكره المستدل حيث استظهر وجوب اختيار الناس، وكونه منشأ للأثر، ولكنّه في رتبة متأخرة عن اختيار الله، فإذا لم
ص: 550
يكن منصوب كما في زمان الغيبة مثلاً فاختيار الناس هو الذي تنعقد به الإمامة(1) .وذلك لأنّ الإمام (علیه السلام) حكم بأن ثبوت الحق للأمة في الاختيار مشروط بعدم النصب، وحيث إنّ النصب أمر حتمي ممتنع العدم كذلك يمتنع هذا الحق بالنسبة إليهم فإنّ المشروط بالممتنع ممتنع بالضرورة، وهذا نظير ما ورد في الآية الشريفة: «لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا»(2) وليس المقام نظير ما ورد في الصوم من قوله: «ذاك إلى الإمام إن صمت صمنا وإن أفطرت أفطرنا ...»(3)، نعم غاية ما تدل الرواية عليه هو ضرورة وجود الإمام (علیه السلام) وأنّ أصل الولاية لازمة على كل حال وهذا ثابت بالضرورة.
والحاصل: أنّ ما استشهد به لا شاهد له فيه بل هو شاهد عليه، وأنه إذا كان النصب متحققاً للوالي فلا مجال للانتخاب بل لا مشروعية فيه.
وأما الثاني ففيه: منع استفادة الأولوية من قاعدة السلطنة إن لم نقل إنّ التسالم على خلافه، وذلك لأنّ المال وإن كان من عمل الإنسان إلاّ أنه ليس بأهمّ من نفسه عند العرف والعقلاء حتى يمكن الاستدلال بالفحوى والأولوية، كيف! وهو مسلّط على إتلاف ماله، وبيعه، وهبته، فيا تُرى هل له إتلاف نفسه، أو جزء منها، أو بيعها، أو هبتها؟ هذا مضافاً إلى أنّ مسألة الولاية لا تختص بكونها على نفسه فقط بل هي سلطنة على الشؤون الاجتماعية والتدخل في أمور الغير من القصّر، والغيّب، والأيتام، والفروج، والدماء، فهل يحقّ لشخص أن يتسلّط على هذه الأمور بمجرّد تسلّطه على نفسه؟
وأما الثالث ففيه: أولاً: المنع من كون الانتخاب من مصاديق العقود، وذلك لأنّ الانتخاب في مرتبة سابقة على العقد وهو مقدمة له وليس عينه، فلا
ص: 551
يعدّ مجرّد الانتخاب عقداً حتى يشمله «أوفوا بالعقود» أو «المؤمنون عند شروطهم» .
وثانياً: على فرض التسليم لكن إنما يجب الوفاء بالشرط إذا كان في ضمن عقد لازم لا ابتداءً كما هو متسالم عليه عند الفقهاء، كيف! والوكالة مع عدم الإشكال في شرعيّتها لا تقتضي اللزوم، على أنا لو فرضنا أنّ الانتخاب عقد يقتضي اللزوم فإنما هو مختصّ بنفسه، ولا دليل على وجوبه في حقّ غيره.وأما الرابع ففيه: أنّ الشورى وإن كانت أمراً مرغوباً فيه، وقد ورد الحثّ عليها في الكتاب والسنة إلاّ أنه لا مجال لها في أمر الولاية، وإنما مجالها الأمور الأخرى والشؤون العادية التي لا مساس لها بتعيين الوالي على الناس المتصدّي للأمور العامة، ولذا لم يؤمر بها النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في تعيين أمير المؤمنين (علیه السلام) إماماً على الأمة، أو في تعيين سائر ولاته، مضافاً إلى أن الالتزام بالشورى وإن كان أمراً مرغوباً إلاّ أنه ليس بواجب كما هو متسالم عليه بين الفقهاء، كما أنّ المستفاد من قوله تعالى : «وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ...» (1) أنّ المشاورة إنما هي لتبيين الأمر لا للالتزام بنتائجها، ويؤيده ما ورد في نهج البلاغة أنّ أمير المؤمنين (علیه السلام) قال لعبد الله بن العباس وقد أشار عليه في شيء لم يوافق رأيه: لك أن تشير عليّ وأرى، فإن عصيتك فأطعني(2) .
وقد تقدم في أوائل هذا البحث بعض ما يتعلق بالمقام.
وأما رواية تحف العقول فهي من جهة دلالتها على خلاف المدّعى أظهر، وذلك لأنه ذكر فيها أمر الولاية أولاً بقوله (علیه السلام): «إذا كان أمراؤكم خياركم»، ثم ذكر أمر الشورى ثانياً، ومنه يعلم أنّ المراد بقوله: «وأمركم شورى بينكم» غير الإمارة والولاية.
ص: 552
وأما رواية العيون فهي أيضاً لا تدل على المدعى، وذلك لأنّ قوله: «ويغصب الأمة أمرها» يدل على أنّ الولاية والتأمّر على الأمة بالغصب والقهر والغلبة، أو على خلاف نصب الله وتعيينه، وهذا خارج عن محل البحث، وليس فيه دلالة على أنّ الأمر للأمة فيغصبه منها، وقوله: «ويتولّى من غير مشورة» أي يتسلّط على الأمور ويتدخّل فيها بغير مشورة لا أنّ نفس الولاية بدونها.
وعلى فرض التسليم فالظاهر من الأمة هو جميعها لا أكثرها أو بعضها، فلا يتحقق ذلك إلاّ في الوالي العادل المنصوب من قبل الله تعالى لا بالانتخاب.
هذا مضافاً إلى أنّ الرواية ضعيفة من جهة السند، فلا يمكن الاستدلال بها.
وكيف يمكن الالتزام بما استظهره المستدلّ مع أنّه قد ورد عن الإمامالرضا(علیه السلام) وغيره من الأئمة (علیهم السلام) ما هو على خلاف هذه الرواية صريحاً، في نفس كتاب العيون وغيره، وقد استدلّ (علیه السلام) معلّلاً أنّ الإمامة لا تكون إلاّ من الله وليس للناس فيها اختيار، ومن ذلك ما رواه الكليني في الكافي عنه (الرضا) (علیه السلام) - في رواية طويلة جاء فيها - : ... إنّ الإمامة أجلّ قدراً، وأعظم شأناً، وأعلا مكاناً، وأمنع جانباً، وأبعد غوراً من أن يبلغها الناس بعقولهم، أو ينالوها بآرائهم، أو يقيموا إماماً باختيارهم ...(1) .
ومن ذلك أيضاً ما رواه الصدوق في كمال الدين بسنده عن سعد بن عبد الله القمي - في حديث طويل - عن القائم ... قال: قلت: فأخبرني يا مولاي عن العلّة التي تمنع القوم من اختيار إمام لأنفسهم؟ قال: مصلح أو مفسد؟ قلت: مصلح، قال: فهل يجوز أن يقع خيرتهم على المفسد بعد أن لا يعلم أحدهم ما يخطر ببال غيره من صلاح أو فساد؟ قلت: بلى، قال: فهي العلة أوردها لك ببرهان ينقاد له (يثق به) عقلك، أخبرني عن الرسل الذين اصطفاهم الله وأنزل عليهم الكتب
ص: 553
وأيّدهم بالوحي والعصمة إذ هم أعلام الأمم وأهدى للاختيار منهم مثل موسى وعيسى(علیه السلام)، هل يجوز مع وفور عقلهما، وكمال علمهما إذا همّا بالاختيار أن تقع خيرتهم على المنافق، وهما يظنّان أنه مؤمن؟ قلت: لا، فقال: هذا موسى كليم الله مع وفور عقله، وكمال علمه، ونزول الوحي عليه، اختار من أعيان قومه ووجوه عسكره لميقات ربّه سبعين رجلاً ممن لا يشكّ في إيمانهم وإخلاصهم، فوقعت خيرته على المنافقين قال الله عزوجل: «وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقَاتِنَا - إلى قوله - لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمْ الصَّاعِقَةُ» (1) .
فلما وجدنا اختيار من قد اصطفاه الله للنبوة واقعاً على الأفسد دون الأصلح، وهو يظنّ أنه الأصلح دون الأفسد، علمنا أن لا اختيار إلاّ لمن يعلم ما تخفي الصدور، وتكنّ الضمائر، ويتصرّف عليه السرائر، وأن لا خطر لاختيار المهاجرين والأنصار بعد وقوع خيرة الأنبياء على ذوي الفساد لمّا أرادوا أهل الصلاح ...(2).
والمستفاد من هاتين الروايتين وغيرهما بطلان الانتخاب، وأنّ الناسلا محالة يقعون في الخطأ والاشتباه إذا أوكل الأمر إليهم، والروايتان وإن كان في سنديهما نظر إلاّ أنّ مضمونهما صريح الدلالة.
وأما الخامس ففيه أولاً: أنّ المبايعة وإن كانت أمراً مطلوباً شرعاً وعرفاً، وقد تحقّقت في مواطن عديدة كما ذكرها المستدلّ، وورد الذم على من نكثها، إلاّ أنه لم يعهد ورودها في الشرع على أنها للتأسيس، وإنما كانت في جميع الموارد مؤكّدة لما وجب قبل تحقّق المبايعة، فاستفادة الإيجاب من هذه الموارد في غير
ص: 554
محلّه.
ولو فرض أنّ شخصاً بايع شخصاً آخر غير الوالي المنصوب من قبل الله تعالى فلا يستفاد من نفس المبايعة وجوب الالتزام بها وحرمة نكثها.
وثانياً: على فرض التسليم وأنها واجبة إلاّ أن ذلك حكم تكليفي، وأما أنها حكم وضعي بمعنى جعل الولاية لشخص وإسقاطها عن الغير مما لا دليل عليه، ولا ملازمة بينهما، نعم يمكن أن يقال: إنّ الحكم التكليفي بالوجوب مؤكّد للحكم الوضعي لأصل الولاية إذا كانت مجعولة لشخص، وأنّ نكثها يوجب العقاب، كما يمكن أن يقال: إنها موجبة للرجحان في هذا الشخص دون غيره إلاّ أنها على كلا التقديرين مؤكّدة للولاية المجعولة لا مؤسّسة، وذلك لا يدلّ على أنها مسبّبة للولاية كما حاول المستدلّ أن يستفيد ذلك من التأكيد.
والحاصل: أنّ هذه الوجوه - وهي أهم ما استدلّ به - ليست أدلة مقنعة بل كلّها وجوه باطلة، ولا يمكن الاعتماد عليها، ولا دليل على أنّ انتخاب شخص لشخص للولاية عليه حجّة، فضلاً عن انتخاب جماعة خاصة لشخص للولاية على جميع الأمة.
ومما يؤكد بل يدلّ على عدم شرعية الانتخاب هو أن نسأل المستدلّ بأنه كيف تلتزم بشرعية الانتخاب وأنه حجّة في زمان الغيبة، ولا تلتزم بشرعيّته وحجّيته في زمان الحضور، وأنه لابدّ من النصب والتعيين فيه وأي فرق بين الزمانين؟
ومن ذلك يعلم بطلان هذه الدعوى من أساسها، والله الهادي إلى الصواب.
وإذا تبين بطلان هذه الاحتمالات فلابد إما أن يقال: بتعيّن الأعلم، وإما أن يقال: إنّ الولاية لكلّ واحد من الفقهاء لكن إذا سبق أحدهم إلى التصدّي فلا يجوز لبقية الفقهاء مخالفته أو مزاحمته لحجّية فعله على الجميع، ولكونه بمنزلة
ص: 555
الإمام (علیه السلام)، وإما أن يقال: إنّ حقّ المزاحمة والتقدم عند التشاجر والخلاف إنما هو للأعلم والأعدل والأورع منهم دون سواه.فهاهنا وجوه، أظهرها الأول.
وقد استدلّ له بوجهين:
أحدهما: أنّه مقتضى الأصل، إذ أنّ الأصل عدم ولاية أحد على أحد إلاّ ما خرج بالدليل، والقدر المتيقّن منه هو الأعلم.
ثانيهما: بما ورد من الروايات المتقدّمة الدالّة على تقديم المجتهد على غيره، كصحيحة عيص بن القاسم، وعهد الإمام (علیه السلام) لمالك الأشتر، ومعتبرة سليم، وغيرها من الروايات، المويّدة لها، فإنّها مضافاً إلى دلالتها على اعتبار الاجتهاد يستفاد منها اعتبار الأعلمية، فلابدّ أن يكون الوالي هو الأعلم من غيره.
ومقتضى الجمع بينها وبين ما دلّ على ثبوت الولاية للفقهاء على نحو الإطلاق هو تقييدها بهذه الروايات، والقول باعتبار الأعلمية في الوالي.
وأما الوجه الثاني - وهو عدم اعتبار الأعلمية - فقد استدلّ له بوجوه:
الأول: بما ورد في الروايات الكثيرة المطلقة الدالّة على ثبوت الولاية للفقيه، وحيث لم يرد دليل على نفي الولاية عنه إذا لم يكن هو الأعلم فلابدّ من الأخذ بإطلاقها والقول بعدم اعتبار الأعلمية.
الثاني: بمعاقد الإجماعات المنقولة في المقام، فإنّ ظاهرها كما ذكرنا في أدلة ثبوت الولاية هو الفقيه والحاكم الشرعي، ولم يكن فيها تقييد بالأعلمية.
الثالث: إنّ تشخيص الأعلمية من الأمور التي تصعب على العلماء فضلاً عن العوام، وتكليف العامّي بذلك يوجب وقوعه في العسر والحرج - لعدم أهليّته لتمييز الأفضل عن غيره - وهما منفيّان بالكتاب والسنة.
الرابع: إنه قد يتساوى شخصان أو أشخاص في العلم والفضيلة، والاعتماد
ص: 556
على أهل الخبرة قد لا يجدي، لأنّهم كثيراً ما يختلفون في تشخيص الأعلم، ونتيجة ذلك قد يتعدد الولاة في عصر واحد في مكان واحد، وفي ذلك اختلال للنظام كما ذكرنا فيما تقدم، وهذا كاشف عن بطلان القول بالأعلمية، ولا أقلّ من عدم جدواه.
هذا غاية ما يمكن أن يستدلّ به على عدم اعتبار الأعلمية إلاّ أن جميع هذه الوجوه ضعيفة ما عدا الوجه الأول وسيأتي الكلام حوله.
وأما الثاني فلعدم كشف الإجماع على فرض تحقّقه عن رأي الإمام (علیه السلام)، ومن المحتمل أن يكون مدركه الروايات الواردة في المقام.
وأما الثالث فلأنّ تشخيص الأعلم ليس من الأمور الصعبة، وذلك لإمكان الاتكال على الشياع المفيد للاطمئنان، أو الاعتماد على أقوال أهلالخبرة، كما في سائر الموضوعات، كالاجتهاد، والفتوى، ونحوهما.
وعلى فرض الصعوبة واختلاف الآراء وما يترتّب على ذلك من اختلال النظام، فبالإمكان معالجة ذلك بتشكيل لجنة تضمّ المجتهدين الجامعين لشرائط الفتوى، ويعيّنون الأعلم والأصلح من بينهم - كما وقع ذلك بعد وفاة الشيخ الأنصاري !، حيث اجتمع أعيان تلاميذه واتفقت كلمتهم على تعيين المجدد الشيرازي ! مرجعاً عاماً وزعيماً للشيعة، وهي قضيّة مشهورة(1) - ثم يعلن ذلك للناس لئلاّ يقعوا في الخطأ والاشتباه.
ولا يرد على هذا النحو من التعيين ما ورد من الإشكال على انتخاب الناس للوالي لأنّ مقامنا مقام تعيين الأعلم وليس انتخاباً مطلقاً، وعلى فرض أنه انتخاب فهو أقلّ محذوراً وأهون خطأ بلا إشكال.
ومن ذلك يظهر الجواب عن الوجه الرابع، فإنّ فرض التساوي في العلم
ص: 557
والورع والعدالة والصدق - كما في مقبولة عمر بن حنظلة - قليل التحقق، وعلى فرض تحقّقه فبالإمكان معالجته بأحد وجهين:
الأول: إنه إذا تصدّى أحد المتساويين فلا يحقّ للآخر مزاحمته لأنّ المتصدّي حينئذ بمنزلة الإمام (علیه السلام) .
الثاني: إنه يمكن دفعه بما ذكرنا من تشكيل لجنة تضمّ المجتهدين، ومن خلالها يُعيّن شخص للتصدّي ويلتزمون بعدم مخالفته.
ولا إشكال في ذلك، إذ هو من شؤون ولايتهم، فكما أنّ لكلّ منهم حقّ التوكيل لشخص يتصدّى للأمور كذلك الحال بالنسبة إلى أنفسهم حيث يعيّنون واحداً لذلك، ولا يلزم الإشكال الوارد على انتخاب الناس للوالي، بل يمكن القول بلزوم التعيين عليهم لجهة دفع اختلال النظام.
وأما الوجه الأول - وإنّما أخّرناه لأنه محل الكلام - فهل يمكن رفع اليد عن المطلقات وتحمل على المقيّدات أو لا؟
ومقتضى الصناعة وإن كان هو حمل المطلق على المقيّد في غير المقام، إلاّ أنّ خصوصية المقام تقتضي عدم الحمل وذلك:
أولاً: كثرة الروايات المطلقة، مع العلم بتعدد الفقهاء ووجودهم في زمان الأئمة (علیهم السلام)، وإرجاعهم (علیهم السلام) الناس إليهم، كما دلّت عليه نفس هذه الروايات، ولم يرد فيها ما يشير إلى أنّ المتعيّن هو الرجوع إلى الأعلم منهم دون غيره، ولو كان الرجوع الى الأعلم متعيّناً لوجب البيان، لتوفّرالدواعي ومسيس الحاجة.
وثانياً: إنّ حمل هذه المطلقات الكثيرة على خصوص الأعلم يكون من حمل المطلق على الفرد النادر، وفي جوازه خلاف، ولا يبعد عدم صحة الحمل للزوم الاستهجان كما في العام.
هذا مع إمكان المناقشة في نفس الروايات المقيّدة بقلّة المعتبر منها، وعدم
ص: 558
وضوح دلالتها، ومن ذلك كلّه يقوى القول بعدم اعتبار الأعلمية، وأنّ الولاية منصب لمطلق الفقيه الجامع للشرائط، فإذا تصدّى أحدهم فلا يجوز لغيره مزاحمته، أو لابدّ من تعيين واحد منهم على النحو المتقدم.
ولكن هذا بناء على أنّ المستند في إثبات الولاية هو الروايات المتقدمة بطوائفها العشر باستثناء مقبولة عمر بن حنظلة.
وأما بناء على أنّ المستند في ذلك هو المقبولة، كما اعتمد عليها بعض المحققين فلابدّ من القول بتقديم الأعلم عند الخلاف والتشاجر، لقوله (علیه السلام): ... الحكم ما حكم به أعدلهما، وأفقههما، وأصدقهما في الحديث، وأورعهما، ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر(1) .
فإذا اجتمعت هذه الصفات في شخص قدّم على غيره في هذه الحالة أي حالة الاختلاف، وإلاّ فلا يجب.
وأما إذا بنينا على عدم تمامية دلالة الروايات على إثبات الولاية مطلقاً وانحصر المستند في جواز تصدّي المجتهد في كونه القدر المتيقّن، وأصالة التعيين عند دوران الأمر بين خصوص المجتهد أو الأعم فمقتضى ذلك اعتبار الأعلمية في كل الأحوال لا في حال الاختلاف والتشاجر فحسب.
والحاصل: أنّ النتيجة تختلف باختلاف المباني.
والله هو الهادي إلى الصواب والعالم بحقائق الأمور.
وأما الشرط السابع: وهو طيب الولادة فلا إشكال في اعتباره.
واستدل عليه بأمور:
الأول: الإجماع كما في الجواهر حيث قال بعد ذكر الشرائط ومنها طهارة
ص: 559
المولد بلا خلاف أجده في شيء منها(1)، وفي المسالك إنهاموضع وفاق(2)، وفي الرياض(3) وغيره دعوى الإجماع عليه. وفي المفتاح أنّ هذه الشروط معتبرة إجماعاً معلوماً ومنقولاً(4) .
الثاني: فحوى ما دلّ على عدم جواز إمامة ولد الزنا في الصلاة، وعدم قبول شهادته وقضائه، فيدلّ ذلك على عدم ولايته بطريق أولى.
الثالث: الأخبار الكثيرة الدالة على دناءة ولد الزنا وخباثته الذاتية، مما تستلزم عدم صلاحيته للولاية العامة، ونصبه أميناً، وقائماً مقام الإمام (علیه السلام)، والتدخّل في شؤون الناس من الأيتام والقصّر والغيّب وغيرهم. ومن تلك الروايات ما ورد في صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: لبن اليهودية، والنصرانية، والمجوسية، أحبّ إليّ من ولد الزنا ...(5) .
ومنها: ما ورد في الخصال عن الصادق (علیه السلام) ... أنه - ولد الزنا - يحنّ إلى الحرام الذي خلق منه(6) .
ومنها: النبوي المرويّ بطريق الشيعة والسنة: ولد الزنا شرّ الثلاثة(7) .
وغيرها من الروايات.
وما ذكرنا من أنّ ولد الزنا دنيء النفس خبيث الذات كما دلّت عليه الروايات لا يستلزم الكفر أو الجبر، بل هو محكوم بالإسلام، له ما للمسلمين
ص: 560
وعليه ما عليهم، ولذا قد يكون من الصلحاء والأخيار، وهو مختار في أفعاله وتروكه كما هو الحال في سائر الناس، ويدلّ على ذلك مضافاً إلى الاعتبار ما رواه الكليني بسنده المعتبر عن ابن أبي يعفور قال: قال أبو عبد الله(علیه السلام): إنّ ولد الزنا يستعمل، إن عمل خيراً جزي به، وإن عمل شرّاً جزي به(1) .
والمسألة وإن كانت موضع خلاف(2) إلاّ أن تحقيقها خارج عما نحن فيه.وأما الشرط الثامن وهو حسن التدبير بمعنى أن تكون له القدرة على التصرّف في الأمور وإدارتها بنحو أكمل، فالظاهر أنه مما لا إشكال فيه.
ويتوقف هذا المعنى على أركان أربعة:
الأول: وفور العقل والفراسة، ومعرفة مداخل الأمور ومخارجها.
الثاني: الإرادة القويّة المستقلّة الناشئة عن الشجاعة في مواطن الإقدام والإحجام.
الثالث: العلم بأحوال زمانه وحوادثه.
الرابع: الاتّصاف بمكارم الأخلاق التي لابدّ منها في إدارة أمور الناس والتصرّف في شؤونهم كالحلم، والحكمة، وسعة الصدر، ونحوها.
قال الشيخ المفيد !: ومن لم يصلح للولاية على الناس لجهل بالأحكام، أو عجز عن القيام بما يسند إليه من أمور الناس، فلا يحلّ له التعرّض لذلك والتكلّف له، فإن تكلّفه فهو عاص غير مأذون له فيه من جهة صاحب الأمر الذي إليه الولايات(3) .
وقال !: وإذا عدم السلطان العادل - فيما ذكرناه من هذه الأبواب - كان الفقهاء أهل الحقّ العدول من ذوي الرأي والعقل والفضل أن يتولّوا ما تولاّه
ص: 561
السلطان، فإن لم يتمكّنوا من ذلك فلا تبعة عليهم فيه(1) .
هذا ويمكن أن يستدل لذلك بأمور:
الأول: بالكتاب ومنه قوله تعالى: «إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ» (2).
وليس المراد من زيادة البسطة في الجسم هو البدن من حيث الحجم، بل المراد هو مع لوازمه من القوة والشجاعة، كما أنّ المراد من زيادة البسطة في العلم هو الصفات المعنويّة اللازمة للملك وإدارة أموره.
ومنه قوله تعالى: «اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ»(3) .
حيث علّل صلاحيّته للولاية على الأموال بالأمرين اللذين تحتاج إليهما وهما الأمانة، والعلم بحفظها وتنميتها.
والذي يظهر من الآيتين أنّ المعتبر في الولاية على أمر مّا، القدرةعليه، والمهارة وحسن التدبير في إدارته، ومراعاة كلّ أمر بحسبه.
فإذا كانت الولاية على الأمور العامة فهي تستوجب كلّ ذلك بلا إشكال.
الثاني: بالروايات وهي كثيرة:
منها: ما ورد في عهد الإمام (علیه السلام) لمالك الأشتر (رضي الله عنه) - كما تقدم - حيث قال(علیه السلام): ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيّتك في نفسك، ممن لا تضيق به الأمور، ولا تمحكه الخصوم، ولا يتمادى في الزلّة، ولا يحصر من الفيء إلى الحقّ إذا عرفه، ولا تشرف نفسه على طمع(4).
والمستفاد من قوله (علیه السلام): «أفضل رعيتك» هو أن يكون جامعاً لما تقدّم من
ص: 562
الصفات، وكلامه (علیه السلام) وإن كان وارداً في القاضي وصفاته إلاّ أنه شامل لما نحن فيه كما تقدّم.
وقال (علیه السلام) في موضع آخر من العهد: فولّ من جنودك أنصحهم في نفسك لله ولرسوله ولإمامك، وأنقاهم جيباً، وأفضلهم حلماً، ممّن يبطىء عن الغضب، ويستريح إلى العذر ويرأف بالضعفاء، وينبو على الأقوياء، وممّن لا يثيره العنف، ولا يقعد به الضعف(1) .
وفي كتاب تحف العقول(2) بعد قوله : وأفضلهم حلماً: وأجمعهم علماً وسياسة، ممن يبطىء عند الغضب ... الخ.
وفي كتاب الدعائم: ولّ أمر جنودك أفضلهم في نفسك حلماً، وأجمعهم للعلم، وحسن السياسة، وصالح الأخلاق ممّن يبطىء عن الغضب، ويسرع إلى العذر، ويرأف بالضعيف، ولا يلحّ على القوي، ممّن لا يسرّه العنف، ولا يقعد به الضعف ...(3) .
فإذا كانت هذه الشروط معتبرة في قائد الجند، فاعتبارها في الوالي بطريق أولى.
ومنها: معتبرة حنان عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): لا تصلح الإمامة إلاّ لرجل فيه ثلاث خصال: ورع يحجزه عن معاصي الله، وحلم يملك به غضبه، وحسن الولاية على من يلي، حتى يكون لهم كالوالد الرحيم.وفي رواية أخرى: حتى يكون للرعية كالأب الرحيم(4) .
ص: 563
وسند هذه الرواية وإن كان فيه صالح بن السندي إلاّ أنه قد تقدم إمكان اعتبار روايته والحكم بوثاقته فلا إشكال فيها من هذه الناحية.
وأما من جهة الدلالة فإنّ الكليني ! قد أوردها في باب ما يجب من حق الإمام على
الرعية وحقّ الرعية على الإمام (علیه السلام) من كتاب الحجّة، فقد يقال باختصاصها بموردها وهو الإمام المعصوم (علیه السلام) ولا تشمل ما نحن فيه.
ولكن الظاهر عدم اختصاصها بل تشمل كل متصدّ للأمور العامةوإن لم يكن معصوماً، ويؤكّد ذلك أنها واردة على لسان النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) .
وممّا يؤيّد ما تقدم ما رواه الشيخ ! في أماليه بسنده عن أبي ذر: أنّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قال: يا أبا ذر إنّي أحبّ لك ما أحب لنفسي، إني أراك ضعيفاً فلا تؤمّرن على اثنين، ولا تولّين مال يتيم(1) .
وغيرها من الروايات.
الثالث: بالعقل.
وذلك لأنّه موافق لمقتضاه فإنّ العقلاء لا يولّون شخصاً على أمر إلاّ أن يروا فيه الكفاءة، والأهلية، والقدرة اللازمة للقيام بذلك الأمر وشؤونه، فكيف بالوالي على شؤون الناس، من أموالهم وأعراضهم، وأنفسهم.
والحاصل: أنّه لا إشكال في اعتبار هذا الشرط.
وأما الشرط التاسع - وهو أن لا يكون بخيلاً، ولا حريصاً على الدنيا، ولا من أهل المداهنة والمصانعة، ولا محبّاً للجاه - فقد وقع فيه الخلاف بين الأعلام، فذهب بعضهم كالسيد! في العروة إلى اعتباره زائداً على العدالة(2)، ونفاه آخرون كالسيد الأصفهاني! في الوسيلة(3)، والسيد الأستاذ ! في التنقيح(4)،
ص: 564
حيث اعتبراه تفسيراً للعدالة وليس شيئاً وراءها.
وقد يستدل له بعدة روايات:منها: ما ورد في عهد الإمام (علیه السلام) لمالك (رضي الله عنه) حيث قال (علیه السلام): ولا تدخلنّ في مشورتك بخيلاً يعدل بك عن الفضل، ويعدك الفقر، ولا جباناً يضعفك عن الأمور، ولا حريصاً يزيّن لك الشره بالجور، فإنّ البخل والجبن، والحرص، غرائز شتى يجمعها سوء الظنّ بالله(1) .
وقد تقدّم أنّ سند العهد معتبر، وأما دلالة هذه العبارة على المدّعى فهي تامة لأنّه إذا كان ذلك معتبراً في مستشار الوالي فاعتباره في نفس الوالي بطريق أولى.
ويؤيّده ما ورد في نهج البلاغة حيث قال (علیه السلام): وقد علمتم أنه لا ينبغي أن يكون الوالي على الفروج، والدماء، والمغانم، والأحكام، وإمامة المسلمين البخيل، فتكون أموالهم نهمته، ولا الجاهل فيضلّهم بجهله، ولا الجافي فيقطعهم بجفائه، ولا الحائف للدول فيتخذّ قوماً دون قوم، ولا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق، ويقف بها دون المقاطع، ولا المعطّل للسنّة فيهلك الأمة(2) .
والظاهر من المرتشي في الحكم هو المداهن لأقربائه أو للناس بأخذ الرشوة.
ومنها: قوله (علیه السلام) في نهج البلاغة أيضاً: لا يقيم أمر الله سبحانه إلاّ من لا يصانع، ولا يضارع، ولا يتّبع المطامع(3) .
ومنها: ما ورد في التفسير المنسوب للإمام الحسن العسكري (علیه السلام) حيث قال: ... فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلّدوه(4).
ص: 565
وغيرها من الروايات.
ولكن يمكن المناقشة في جميع هذه الروايات.
أما الأولى فسيأتي الكلام عنها.
وأما الثانية والثالثة فهما وإن كانتا من حيث الدلالة تامّتين إلاّ أنهما من حيث السند ضعيفتان فلا يمكن الاعتماد عليهما.
وأما الرابعة: فهي ضعيفة سنداً ودلالة، أما من جهة السند فقد ذكرنا في مباحثنا الرجالية(1) أنّ الطريق إلى التفسير غير ثابت، وعقدنا لذلكبحثاً مستقلاً تعرّضنا فيه لما قيل حول التفسير ونسبته للإمام (علیه السلام) وثبوت الطريق إليه.
وأما من جهة الدلالة فيمكن أن يقال: إنّ المراد بهذه الفقرات هو عدم العصيان، وارتكاب المحرمات، بقرينة المقابلة بين علماء الشيعة وعلماء اليهود، حيث قال (علیه السلام) قبل ذلك: إنّ عوام اليهود كانوا قد عرفوا علماءهم بالكذب الصراح، وبأكل الحرام، وبالرشاء، وبتغيير الأحكام عن واجبها بالشفاعات والعنايات والمصانعات(2) .
وبناء على ذلك فالمستفاد من الرواية هو تفسير معنى العدالة وليس شيئاً زائداً عليها، فتكون خارجة عمّا نحن فيه.
والعمدة في المقام هي ما ورد في عهد الإمام (علیه السلام) لمالك (رضي الله عنه) وهو وإن كان معتبراً سنداً إلاّ أن دعوى تمامية الدلالة محلّ نظر، وذلك لأنّ الظاهر من كلامه(علیه السلام) هو اعتبار ذلك في مرتبة البروز والفعلية، بمعنى أن تكون هذه الأوصاف ظاهرة بحيث توجب الانحراف عن الحق والعدالة، وأما كون هذه الأوصاف كامنة في باطن النفس مع عدم ظهورها خصوصاً إذا كان في مقام تهذيب النفس وتصفيتها، فلا دلالة في كلامه (علیه السلام) على اعتبار انتفائها، ولعلّ هذا
ص: 566
كان مراد السيدين ! في الوسيلة والتنقيح.
نعم ورد في عدّة روايات التحذير عن حبّ الجاه وطلب الرياسة كما في صحيحة محمد بن مسلم قال: سمعت أبا عبد الله يقول: أترى لا أعرف خياركم من شراركم؟ بلى والله، إنّ شراركم من أحبّ أن يوطأ عقبه ...(1) .
وفي معتبرة معمّر بن خلاّد عن أبي الحسن (علیه السلام) أنه ذكر رجلاً فقال: إنّه يحبّ الرئاسة فقال: ما ذئبان ضاريان في غنم تفرّق رعاؤها بأضرّ من دين المسلم من الرياسة(2) .
وفي رواية أبي حمزة الثمالي قال: قال لي أبو عبد الله (علیه السلام): إياك والرياسة الحديث(3) .
وفي رواية محمد بن إسماعيل بن بزيع وغيره، رفعوه قال: قال أبوعبد الله (علیه السلام): ملعون من ترأس، ملعون من همّ بها، ملعون من حدّث نفسه بها(4) .
وغيرها من الروايات.
هذا، وقد يظهر من الشهيد الثاني في المنية اعتبار أمر آخر في المجتهد والمفتي، وهو وجود ملكة قدسية إلهية حيث قال: ولا يكفي ذلك كلّه إلاّ بهبة من الله تعالى إلهيّة وقوة قدسية توصله إلى هذه البغية وتبلّغه هذه الرتبة، وهي العمدة في فقه دين الله، ولا حيلة للعبد فيها، بل هي منحة إلهية ونفحة ربانية، يخصّ بها من يشاء من عباده، إلاّ أنّ للجدّ والمجاهدة والتوجّه إلى الله تعالى والانقطاع إليه أثراً بيّناً في أفاضتها من الجناب القدسي «وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ»(5).
ص: 567
والظاهر أنه اعتمد في ذلك على ما ورد في مصباح الشريعة المنسوب للإمام الصادق(علیه السلام) حيث قال (علیه السلام): لا يحلّ الفتيا لمن لا يصطفى من الله تعالى بصفاء سره، وإخلاص عمله، وعلانيته، وبرهان من ربّه في كل حال، لأنّ من أفتى فقد حكم، والحكم لا يصحّ إلاّ بإذن من الله عزوجل وبرهانه ومن حكم بالخير بلا معاينة فهو جاهل، مأخوذ بجهله ومأثوم بحكمه، كما دلّ الخبر: العلم نور يقذفه الله في من يشاء(1) .
أو على ما ورد في رواية الكشّي بسنده عن أحمد بن حماد المروزي المحمودي، يرفعه، قال: قال الصادق (علیه السلام): اعرفوا منازل شيعتنا بقدر ما يحسنون من رواياتهم عنّا، فإنّا لا نعدّ الفقيه منهم فقيهاً حتى يكون محدّثاً، فقيل له: أيكون المؤمن محدّثاً؟ قال: يكون مفهّماً، والمفهّم المحدّث(2).
أو على غيرهما من الروايات فتدبّر.
ثم إنّه قد ذكرت شروط أخرى كالحرية، وسلامة الأعضاء والحواس، وكونه هاشمياً، وكونه مهاجراً غير مقيم في بلاد الكفر، وغيرها.
وحيث إنّها غير ثابتة، فلذا لم نتعرّض إليها.
هذا تمام الكلام عن شرائط الوالي، والحمد لله ربّ العالمين.
تتميماً للفائدة نذكر أهم الموارد التي يحقّ للفقيه التصدّي لها والتصرّف فيها بنفسه، أو يتوقف ذلك على إذنه، على ما ذكرها الفقهاء في كتبهم، وقد أشرنا إلى بعضها فيما تقدم، ووعدنا بذكر بعض آخر في هذا المقام وهي كما يلي:
1.ولايته في القضاء بين الناس.
ص: 568
2.ولايته على ميراث من لا وارث له.
3.ولايته في أداء دين الممتنع من ماله.
4.ولايته في قبض ما بقي من يد ابن السبيل بعد وصوله إلى وطنه.
5.ولايته في قبض مال الزكاة ابتداءً أو بعد الطلب.
6.ولايته في قبض خمس أرض الذمّي أو منفعتها.
7.ولايته في قبض الثمن إذا امتنع البائع.
8.ولايته في قبض حقّ كلّ ممتنع عن قبض حقّه.
9.ولايته في قبض دين المأيوس منه.
10. ولايته في بيع الرهن الآيل إلى الفساد.
11. ولايته في إجارة الرهن لو امتنع المتراهنان.
12. ولايته في تعيين عدل لقبض الرهن لو لم يرض المتراهنان.
13. ولايته في تعيين نقد ما يباع به الرهن فيما لو تعدّد النقد.
14. ولايته في الحجر على المفلّس.
15. ولايته في الحجر على السفيه على قول.
16. ولايته في قبض وديعة الغائب لو احتيج إلى القبض.
17. ولايته في إجبار الوصيّين على الاجتماع أو الاستبدال.
18. ولايته في ضمّ المعين إلى الوصيّ العاجز.
19. ولايته في عزل الوصي الخائن على القول بعدم انعزاله بنفسه.
20. ولايته في إقامة الوصي لمن لا وصيّ له أو مات وصيّه أو عزل.
21. ولايته في تزويج المجنون والسفيه البالغين.
22. ولايته في فرض مهر المفوّضة بضعها إليه.
23. ولايته في ضرب أجل العنّين، على وجه.
24. ولايته في بعث الحكمين من أهل الزوجين.
25. ولايته في إخبار الممتنع عن أداء النفقة.
ص: 569
26. ولايته في ضرب الأجل لمفقود الخبر وطلبه في الجهات، على وجه.
27. ولايته في طلاق زوجة المفقود.
28. ولايته في إجبار المظاهر على أحد الأمرين، على وجه.
29. ولايته في إجبار المولي على أحد الأمرين، على وجه.
30. ولايته في التسعير على المحتكر أو البيع عليه.
31. ولايته في قتل المرتدّ وقسمة أمواله وإنكاح نسائه.
32. ولايته في قتل فاعل الكبيرة بعد الرابعة.
33. توقّف إخراج الودعيّ الحقوق على إذنه.
34. توقّف حلف الغريم على إذنه.
35. توقّف قبض الوقف على الجهات العامّة على إذنه.
36. توقّف النظارة على الأوقاف العامّة على إذنه.
37. توقّف التقاص من أموال الغائب على إذنه.
38. توقف التقاصّ من مال الحاضر على إذنه، على قول.
39. توقّف بيع الوقف حيث يجوز، ولا وليّ له سواه على إذنه.
40. توقّف إنفاق الملتقط على اللقيط مع الحاجة على إذنه.
وهناك موارد أخرى كثيرة تربو على مائة مورد يقف عليها المتتبع لكلمات الفقهاء.
وبعد:
فهذا آخر ما أردناه في الجزء الثاني ويتلوه الجزء الثالث وأوّله التقية في المكاسب.
والحمد لله ربّ العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.
ص: 570
· فهرس المصادر
· فهرس المحتويات
ص: 571
ص: 572
القرآن الكريم.
1. إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات، للمحدث الأكبر الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي - المطبعة العلمية - قم.
2. الاحتجاج، لأبي منصور أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي، من علماء القرن السادس، تحقيق الشيخ إبراهيم البهادري، والشيخ محمد هادي به، الطبعة الأولى 1413 ه-، انتشارات أسوة التابعة لمنظمة الحج والأوقاف والشؤون الدينية.
3. الاحتجاج، لأبي منصور أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي، تعليق وملاحظة السيد محمد باقر الموسوي الخرسان، الطبعة الثانية 1403 ه- - 1983 م، منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت، لبنان.
4. إحقاق الحق وإزهاق الباطل، للقاضي السيد نور الله الحسيني المرعشي التستري، مع تعليقات السيد شهاب الدين النجفي، منشورات المكتبة الإسلامية - طهران.
5. الاختصاص، لأبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان ت 413 ه-، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري، المطبوع ضمن سلسلة مصنفات الشيخ المفيد ج 12 الطبعة الأولى 1413 ه- .
6. الاختصاص، للشيخ المفيد أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان، من منشورات مكتبة بصيرتي - قم.
7. اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي)، لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي ت 460 ه-، تصحيح وتعليق المعلم الثالث ميرداماد الاسترابادي، تحقيق السيد مهدي الرجائي، مؤسسة آل البيت (علیهم السلام) لإحياء التراث.
ص: 573
8. الإرشاد للشيخ أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي (الشيخ المفيد) ت 413 ه-، تحقيق مؤسسة آل البيت ( لإحياء التراث، الطبعة الأولى 1413 ه- .
9. الإرشاد، لأبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان ت 413 ه-، تحقيق مؤسسة آل البيت (علیهم السلام) لإحياء التراث، المطبوع ضمن سلسلة مصنفات1. الشيخ المفيد ج 11، الطبعة الأولى 1413 ه- .
10. إشارة السبق، للشيخ علاء الدين أبي الحسن علي بن أبي الفضل الحسن ابن أبي المجد الحلبي، مطبوع ضمن كتاب الجوامع الفقهية، انتشارات جهان، الطبع القديم.
11. أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق تقريراً لبحث آية الله الشيخ مسلم الداوري، لمحمد علي المعلم، الطبعة الأولى 1416 ه-، مطبعة نمونة قم المقدسة - إيران.
12. الأصول من الكافي، لثقة الإسلام الكليني، نشر الشيخ محمد الاخوندي، مطبعة الحيدري - طهران.
13. الافصاح في الإمامة، لأبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان ت 413 ه-، تحقيق قسم الدراسات الإسلامية مؤسسة البعثة، قم المطبوع ضمن سلسلة مصنفات الشيخ المفيد ج 8 الطبعة الثانية 1413 ه- .
14. أقرب الموارد في فصيح العربية والشوارد، لسعيد الخوري الشرتوني اللبناني، منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي قم - إيران 1403 ه- .
15. الأمالي لأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي (الشيخ الصدوق)، تحقيق قسم الدراسات الإسلامية مؤسسة البعثة، الطبعة الأولى 1417 ه- .
16. الأمالي، لأبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان ابن المعلم العكبري البغدادي ت 413 ه-، تحقيق علي أكبر الغفاري وحسين الاستادولي، المطبوع ضمن سلسلة مصنفات الشيخ المفيد ج 13، الطبعة الثانية، مؤسسة النشر التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة.
ص: 574
17. الأمالي، لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي ت 460 ه-، تقديم السيد محمد صادق بحر العلوم، منشورات المكتبة الأهلية، بغداد 1384 ه- - 1964 م.
18. الأمالي، لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي ت 460 ه-، تحقيق قسم الدراسات الإسلامية - مؤسسة البعثة، الطبعة الأولى 1414 ه-.
19. أمالي الشيخ الطوسي، لشيخ الطائفة (الطوسي)، مطبعة النعمان، النجف الأشرف، من منشورات المكتبة الأهلية، بغداد.
20. الإمامة والسياسة، لأبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، الطبعة الثالثة 1401 ه- - 1981 م، مؤسسة الوفاء - بيروت.
21. الانتصار، للشريف المرتضى علم الهدى علي بن الحسين الموسوي ت 436 ه-، تحقيق ونشر مؤسسة النشر الإسلامي شوال 1415 ه-، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم المشرفة.
22. الإيضاح، للشيخ الفضل بن شاذان الأزدي النيسابوري ت 260 ه-، تحقيق وإخراج وتقديم السيد جلال الدين الحسيني الارموي، انتشارات جامعة طهران 1363 ه- ش .
23. بحار الأنوار لشيخ الإسلام المولى محمد باقر المجلسي ت 1111 ه- دار الكتب الإسلامية، طهران.
24. بحار الأنوار الأجزاء 29، 30، 31 للعلامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي تحقيق الشيخ عبد الزهراء العلوي دار الرضا، بيروت - لبنان.
25. البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر، تقرير أبحاث السيد حسين الطباطبائي، للشيخ حسين علي المنتظري، الطبعة الثالثة 1416 ه- .
26. البرهان في تفسير القرآن، للسيد هاشم الحسيني البحراني 1107 ه- و 1109 ه-، الطبعة الثانية، مطبعة آفتاب، طهران - دار الكتب العلمية، قم - إيران.
27. بصائر الدرجات الكبرى، لأبي جعفر محمد بن الحسن بن فروخ (الصفار) ت 290 ه-، من أصحاب الإمام الحسن العسكري (علیه السلام)، تقديم وتعليق وتصحيح الميرزا محسن (كوچه باغي)، منشورات مؤسسة الأعلمي، طهران 1404 ه- .
ص: 575
28. بلغة الفقيه، للسيد محمد آل بحر العلوم ت 1326 ه-، شرح وتعليق السيد محمد تقي آل بحر العلوم، الطبعة الرابعة 1403 ه- - 1084 م، منشورات مكتبة الصادق - طهران.
29. تاج العروس من جواهر القاموس، لمحب الدين بن أبي الفيض السيد محمد مرتضى الحسيني الواسطي الزبيدي الحنفي، الطبعة الأولى 1306 ه-، منشورات دار مكتبة الحياة - بيروت، لبنان.
30. تاريخ الأمم والملوك (تاريخ الطبري)، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري ت 310 ه-، تحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم، دار سويدان - بيروت، لبنان.
31. تبصرة المتعلمين، للعلامة الحلي، تحقيق السيد أحمد الحسيني والشيخ هادي اليوسفي، مجمع الذخائر الإسلامية.
32. تحرير الأحكام، للعلامة الحلي آية الله الحسن بن يوسف بن علي بن1. المطهر ت 726 ه-، مؤسسة آل البيت (علیهم السلام) الطبع القديم.
33. تحف العقول عن آل الرسول، للشيخ أبي محمد الحسن بن علي بن الحسين بن شعبة الحراني، الطبعة الخامسة، منشورات مكتبة بصيرتي 1394 ه- - قم.
34. تحف العقول عن آل الرسول، للشيخ أبي محمد الحسن بن علي بن الحسين بن شعبة الحراني، من أعلام القرن الرابع، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري، الطبعة الثانية 1404 ه-، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة إيران.
35. تذكرة الفقهاء، لجمال الدين الحسن بن يوسف بن علي بن مطهر (العلامة الحلي) ت 726 ه-، منشورات المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية، طهران، الطبع القديم.
36. التفسير الكبير، لفخر الدين محمد بن عمر بن الحسين الرازي ت 604 ه-، الطبعة الأولى 1411 ه- - 1990 م، دار الكتب - بيروت، لبنان.
37. تفسير القمي، لأبي الحسن علي بن إبراهيم القمي، تصحيح وتعليق السيد طيب الموسوي الجزائري، الطبعة الأولى 1411 ه- - 1991 م، دار السرور، بيروت - لبنان.
ص: 576
38. التفسير المنسوب إلى الإمام أبي محمد الحسن بن علي العسكري (علیه السلام) ت 260 ه-، تحقيق ونشر مدرسة الإمام المهدي (علیه السلام)، الطبعة الأولى 1409ه-.
39. التقية في فقه أهل البيت ج 1، تقرير بحث آية الله الشيخ مسلم الداوري، لمحمد علي المعلم، الطبعة الأولى 1418 ه-، مطبعة بهمن - قم المقدسة.
40. تلخيص الشافي، لشيخ الطائفة أبي جعفر الطوسي، الطبعة الثانية 1394 ه- - 1974 م، دار الكتب الإسلامية، قم.
41. تهذيب الأحكام، لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي ت 460 ه-، تحقيق وتعليق السيد حسن الموسوي الخرسان، الطبعة الثالثة 1390 ه-، نشر دار الكتب الإسلامية طهران.
42. التنقيح في شرح العروة الوثقى، تقرير بحث السيد أبي القاسم الخوئي، للميرزا علي التبريزي الغروي، من منشورات المطبعة العلمية 1407 ه- .
43. تنقيح المقال في علم الرجال، الشيخ عبد الله المامقاني ت 13511. ه-، المطبعة المرتضوية في النجف الأشرف 1352 ه- - الطبع القديم.
44. ثواب الأعمال، لأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي ت 381 ه-، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري، منشورات كتبي نجفي، مكتبة الصدوق - طهران.
45. جامع أحاديث الشيعة ألف تحت إشراف آية الله العظمى الحاج آقا حسن الطباطبائي البروجردي، منشورات مدينة العلم آية الله العظمى الخوئي، قم - إيران، المطبعة العلمية.
46. جامع الأخبار أو معارج اليقين في أصول الدين، للشيخ محمد بن محمد السبزواري، من أعلام القرن السابع الهجري، تحقيق علاء آل جعفر، الطبعة الأولى 1414 ه-، نشر مؤسسة آل البيت (علیهم السلام) لإحياء التراث - قم.
47. الجامع الصحيح (سنن الترمذي) لأبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة ت 297 ه- تحقيق وشرح أحمد محمد شاكر دار إحياء التراث العربي.
ص: 577
48. الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير، لجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي ت 911 ه-، الطبعة الأولى 1401 ه- - 1981 م، دار الفكر - بيروت.
49. جامع المقاصد في شرح القواعد، للمحقق الثاني الشيخ علي بن الحسين الكركي ت 940 ه-، تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت (علیهم السلام) لإحياء التراث - قم المشرفة، الطبعة الأولى 1408 ه-، مطبعة المهدية - قم.
50. جمل العلم والعمل، للشريف المرتضى علي بن الحسين الموسوي العلوي، تحقيق السيد أحمد الحسيني، الطبعة الأولى 1387 ه-، النجف الأشرف.
51. جنة المأوى في ذكر من فاز بلقاء الحجة (علیه السلام)، أو معجزته في الغيبة الكبرى، للميرزا حسين النوري، المطبوع ضمن خاتمة الجزء الثالث والخمسين من كتاب بحار الأنوار، منشورات المكتبة الإسلامية 1389 ه- .
52. جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام للشيخ محمد حسن النجفي ت 1266 ه- الطبعة السابعة نشر دار الكتب الإسلامية - طهران.
53. حاشية كتاب المكاسب للشيخ محمد حسين الاصفهاني ت 1361 ه-، تحقيق الشيخ عباس محمد آل سباع القطيفي، الطبعة الأولى1. 1418 ه- منشورات أنوار الهدى - قم.
54. حاشية المكاسب، للميرزا علي الايرواني الغروي، الطبعة الثانية 1379 ه- مطبعة رشدية طهران - الطبع القديم.
55. الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة، للشيخ يوسف البحراني ت 1186 ه-، نشر الشيخ علي الآخوندي، مطبعة النجف 1376 ه- - 1957م.
56. حلية الأولياء وطبقات الاصفياء، لأبي نعيم أحمد بن عبد الله الاصبهاني ت 430 ه-، الطبعة الرابعة 1405 ه- - 1985 م، دار الكتاب العربي.
57. الخرائج والجرائح، لقطب الدين الراوندي ت 573 ه- تحقيق ونشر مؤسسة الإمام المهدي قم المقدسة، الطبعة الأولى 1409 ه- .
58. الخصال، لأبي جعفر محمد بن علي بن بابويه القمي (الشيخ الصدوق) ت 381 ه-، تصحيح وتعليق علي أكبر غفاري، منشورات جامعة المدرسين في الحوزة العلمية - قم المقدسة.
ص: 578
59. الخلاف، لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي ت 460 ه-، تحقيق السيد علي الخرسان، والسيد جواد الشهرستاني، والشيخ مهدي طه نجف، اشراف الشيخ مجتبى العراقي، الطبعة الجديدة 1411 ه-، طبع ونشر مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة.
60. دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلامية، للشيخ حسين علي المنتظري، الطبعة الأولى 1408 ه-، نشر المركز العالمي للدراسات الإسلامية - قم، إيران.
61. الدروس الشرعية في فقه الإمامية، لشمس الدين الشيخ محمد بن مكي العاملي (الشهيد الأول) ت 786 ه-، تحقيق ونشر مؤسسة النشر الإسلامي، الطبعة الأولى 1414 ه- .
62. الدر المنثور في التفسير بالمأثور، للإمام عبد الرحمن جلال الدين السيوطي، الطبعة الأولى 1403 ه- - 1983 م، دار الفكر، بيروت.
63. دعائم الإسلام، لأبي حنيفة النعمان بن محمد بن منصور بن أحمد بن حيّون التميمي المغربي ت 363 ه-، تحقيق آصف بن علي أصغر فيضي، دار المعارف 1383 ه- - 1963 م.
64. الذريعة إلى تصانيف الشيعة، للشيخ آقا بزرك الطهراني، تنقيح وزيادة ع ؟؟؟ المنزوي، الطبعة الأولى 1380 ه- - 1962 م، مطبعة1. جامعة طهران.
65. رجال البرقي، لأبي جعفر أحمد بن أبي عبد الله البرقي، منشورات مطبعة جامعة طهران 1342 ه- . ش.
66. رجال الطوسي لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي ت 460 ه-، تحقيق وتعليق السيد محمد صادق آل بحر العلوم الطبعة الأولى 1381 ه- - 1961 م، منشورات المكتبة والمطبعة الحيدرية في النجف.
67. رجال النجاشي لأبي العباس أحمد بن علي النجاشي ت 450 ه-، تحقيق محمد جواد النائيني، الطبعة الأولى 1408 ه- - 1988 م دار الأضواء للطباعة والنشر والتوزيع - بيروت، لبنان.
ص: 579
68. رسالة السراج الوهاج لدفع عجاج قاطعة اللجاج، للشيخ إبراهيم بن سليمان القطيفي، المطبوعة في ضمن كتاب كلمات المحققين، منشورات مكتبة المفيد، قم، إيران 1402 ه-، الطبع القديم.
69. رسالة في قاعدة نفي الضرر، للشيخ مرتضى الأنصاري ت 1281 ه-، مطبوعة ضمن كتاب المكاسب - الطبع القديم 1375 ه- - الطبع القديم بخط طاهر خويش نويس.
70. رسائل المحقق الكركي، للشيخ علي بن الحسين الكركي (المحقق الثاني) ت 940 ه-، تحقيق الشيخ محمد الحسون، الطبعة الأولى 1409 ه-، منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي مطبعة الخيام، قم.
71. رياض العلماء وحياض الفضلاء، للميرزا عبد الله أفندي الاصبهاني، مطبعة الخيام 1401 ه- .
72. رياض المسائل في بيان الأحكام بالدلائل، للسيد علي الطباطبائي، منشورات مؤسسة آل البيت (علیهم السلام) للطباعة والنشر، مطبعة الشهيد - قم إيران، 1404 ه-، الطبع القديم.
73. الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية، للشيخ الشهيد زين الدين الجبعي العاملي (الشهيد الثاني)، إشراف السيد محمد كلانتر، الطبعة الثانية 1395 ه- منشورات جامعة النجف الدينية.
74. الروضة من الكافي، لثقة الإسلام الكليني، تصحيح ومقابلة وتعليق علي أكبر غفاري، الطبعة الثانية 1389 ه- نشر دار الكتب الإسلامية.
75. السنن الكبرى، لأبي بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي ت 4581. ه-، دار المعرفة بيروت، لبنان.
76. سنن النسائي، لأبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي النسائي ت 303 ه-، الطبعة الأولى 1348 ه- - 1930 م دار الفكر بيروت.
77. الشافي في الإمامة، للشريف المرتضى علي بن الحسين الموسوي ت 436 ه-،
ص: 580
تحقيق وتعليق السيد عبد الزهراء الحسيني الخطيب، الطبعة الثانية 1410 ه-، نشر مؤسسة الصادق، طهران.
78. شرائع الإسلام، لأبي القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن (المحقق الحلي) ت 676 ه-، ت حقيق وإخراج وتعليق عبد الحسين محمد علي، الطبعة الأولى 1389 ه- - 1969 م، مطبعة الآداب في النجف الأشرف.
79. شرح نهج البلاغة، لعز الدين أبي حامد عبد الحميد بن هبة الله بن محمد بن أبي الحديد المدائني ت 656 ه- تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية - القاهرة.
80. الصحاح - تاج اللغة وصحاح العربية، لإسماعيل بن حماد الجوهري، تحقيق أحمد عبد الغفور عطار، الطبعة الرابعة 1407 ه- - 1987 م، دار العلم للملايين بيروت، لبنان.
81. صحيح البخاري، لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري ت 256 ه- الطبعة الخامسة 1406 ه- - 1986 م، عالم الكتب - بيروت لبنان.
82. الصحيفة السجادية الكاملة، تقديم السيد محمد باقر الصدر، الطبعة الثانية 1408 ه- - 1987 م، منشورات دار الأضواء بيروت - لبنان.
83. الطبقات الكبرى، لمحمد بن سعد بن منيع الزهري، دار صادر، بيروت، لبنان 1405 ه- - 1985 م .
84. عدة الداعي ونجاح الساعي، لأحمد بن فهد الحلي ت 841 ه-، تصحيح وتعليق أحمد الموحدي القمي، مكتبة الوجداني، قم.
85. العروة الوثقى، للسيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي، إشراف السيد محمد حسين الطباطبائي، مطبعة الحيدري، طهران 1378 ه- .
86. علل الشرائع، لأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي (الشيخ الصدوق) ت 381 ه- الطبعة الثانية 1385 ه- - 1966 م، منشورات المكتبة الحيدرية ومطبعتها في النجف، - دار إحياء التراث العربي للنشر والتوزيع.
ص: 581
87. عمدة المطالب في التعليق على المكاسب، للسيد تقي الطباطبائي1. القمي، الطبعة الأولى 1413 ه-، مطبعة الخيام، انتشارات محلاتي، قم.
88. العناوين، للمير عبد الفتاح الحسيني المراغي ت 1250 ه-، الطبع القديم.
89. عوائد الأيام، للمولى أحمد النراقي، تحقيق مركز الأبحاث والدراسات الإسلامية، الطبعة الأولى 1417 ه- .
90. عوالم العلم والمعارف والأحوال، للشيخ عبد الله البحراني الاصفهاني، تحقيق ونشر مؤسسة الإمام المهدي(علیه السلام)، قم المقدسة، الطبعة الأولى 1413ه- .
91. عوالي اللئالي العزيزية في الأحاديث الدينية، للشيخ محمد بن علي بن إبراهيم الإحسائي (ابن أبي جمهور)، تحقيق الشيخ الحاج آقا مجتبى العراقي، الطبعة الأولى 1403 ه- - 1983 م، مطبعة سيد الشهداء، قم - إيران.
92. عيون أخبار الرضا، لأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (الشيخ الصدوق) ت 381 ه-، تصحيح وتذييل السيد مهدي الحسيني اللاجوردي، انتشارات جهان.
93. الغدير في الكتاب والسنة والأدب، للشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي، الطبعة الخامسة 1403 ه- - 1983 م نشر دار الكتاب العربي، بيروت - لبنان.
94. الغنية، للسيد عزّ الدين حمزة بن علي بن زهرة الحسيني الحلبي المطبوع ضمن كتاب الجوامع الفقهية، انتشارات جهان، طهران، الطبع القديم.
95. غنية النزوع إلى علمي الأصول والفروع، للسيد حمزة بن علي بن زهرة الحلبي ت 585 ه-، تحقيق إبراهيم البهادري، الطبعة الأولى 1417 ه-، نشر مؤسسة الإمام الصادق (علیه السلام) .
96. الغيبة، للشيخ محمد بن إبراهيم بن جعفر النعماني، من أعلام القرن الرابع، تحقيق علي أكبر الغفاري، منشورات مكتبة الصدوق.
97. فرائد الأصول (الرسائل)، للشيخ مرتضى الأنصاري ت 1281 ه-، تحقيق عبد الله النوراني، الطبعة السادسة 1416 ه-، نشر مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة
ص: 582
المدرسين بقم المشرفة.
98. الفروع من الكافي، لثقة الإسلام أبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني ت 328 ه- أو 329 ه-، تصحيح ومقابلة وتعليق علي أكبر غفاري،1. الطبعة الثانية 1366 ه-، مطبعة الحيدري.
99. فقه القرآن، لقطب الدين أبي الحسين سعيد بن هبة الله الراوندي ت 573 ه-، تحقيق السيد أحمد الحسيني، الطبعة الثانية 1405 ه-، نشر مكتبة آية الله العظمى النجفي المرعشي.
100. فلسفة الميثاق والولاية، للسيد عبد الحسين شرف الدين، منشورات دار النعمان النجف الأشرف 1387 ه- .
101. الفهرست، لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي ت 460ه-، تصحيح وتعليق السيد محمد صادق آل بحر العلوم، الطبعة الثانية 1380 ه- - 1960 م، منشورات المطبعة الحيدرية في النجف.
102. قاعدة لا ضرر ولا ضرار، محاضرات آية الله العظمى السيد علي السيستاني، الطبعة الأولى 1414 ه- - قم.
103. قاموس الرجال، للشيخ محمد تقي التستري، تحقيق ونشر مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، الطبعة الثانية 1410 ه- .
104. القاموس المحيط، لمجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزآبادي ت 816 ه-، دار الفكر - بيروت 1403 ه- - 1983 م.
105. قرب الإسناد، للشيخ أبي العباس عبد الله الحميري، تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت (علیهم السلام) لإحياء التراث قم، الطبعة الأولى 1413 ه- .
106. قواعد الأحكام، للعلامة الحلي آية الله الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر، ت 726 ه-، منشورات الرضي، قم - إيران.
107. كتاب الدروس الشرعية في فقه الإمامية، لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن مكي العاملي (الشهيد الأول) ت 786 ه-، تصحيح وتعليق السيد مهدي اللازوردي الحسيني.
ص: 583
108. كتاب السرائر، لأبي عبد الله محمد بن إدريس العجلي الحلّي، الطبعة الثانية 1390 ه-، انتشارات المعارف الإسلامية طهران - المطبعة العلمية - قم، الطبع القديم.
109. كتاب السرائر، لمحمد بن إدريس الحلي ت 598 ه-، تحقيق لجنة التحقيق في مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم المشرفة، الطبعة الثانية 1410 ه- .
110. كتاب سليم بن قيس الهلالي ت حوالي 90 ه-، تحقيق الشيخ محمد باقر الأنصاري الزنجاني الخوئيني، الطبعة الأولى 1415 ه-، نشر الهادي قم، إيران.
111. كتاب الغيبة، لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي ت 460 ه-، تحقيق الشيخ عباد الله الطهراني، والشيخ علي أحمد ناصح، الطبعة الأولى المحققة 1411 ه-، نشر مؤسسة المعارف الإسلامية - قم المقدسة، مطبعة بهمن.
112. كتاب الغيبة، لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي ت 460 ه- الطبعة الثانية 1408 ه-، منشورات مكتبة بصيرتي قم.
113. كتاب القضاء، للميرزا محمد حسن الاشتياني، الطبعة الثانية 1404 ه-، من منشورات دار الهجرة إيران - قم.
114. كتاب المراسم، للشيخ أبي يعلى سلار بن عبد العزيز الديلمي، مطبوع ضمن كتاب الجوامع الفقهية، انتشارات جهان الطبع القديم.
115. كتاب الوافي، للمحدث محمد محسن (الفيض الكاشاني) ت 1091 ه- الطبعة الأولى 1406 ه-، منشورات مكتبة الإمام أمير المؤمنين علي (علیه السلام) بأصفهان.
116. كتاب الوافي، للمحدث محمد محسن بن الشاه مرتضى (الفيض الكاشاني) ت 1091 ه-، منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي، قم المقدسة - إيران 1404 ه- .
117. الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، لأبي القاسم جار الله محمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي ت 538 ه-، دار المعرفة، بيروت - لبنان.
ص: 584
118. كشف الريبة عن أحكام الغيبة، لزين الدين الجبعي العاملي الشامي (الشهيد الثاني) ت 965 ه-، تحقيق السيد علي الخراساني الكاظمي، الطبعة الثانية، 1408 ه- - 1978 م، دار الأضواء، بيروت - لبنان.
119. كشف الخفاء ومزيل الالباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس، للشيخ إسماعيل بن محمد العجلوني الجراحي ت 1162 ه-، إشراف وتصحيح وتعليق أحمد القلاش، مؤسسة الرسالة، الطبعة الرابعة 1405 ه- - 1985 م .
120. كشف اللثام، لبهاء الدين محمد بن الحسن بن محمد الاصفهاني المعروف بالفاضل الهندي ت 1135 ه- أو 1137 ه-، منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي، قم المقدسة، إيرن 1405 ه- .
121. كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، لجمال الدين أبي منصور1. الحسن بن يوسف بن علي بن مطهر الحلي، من منشورات مكتبة المصطفوي - قم.
122. كفاية الأصول، للشيخ محمد كاظم الخراساني ت 1329، مع حواشي الميرزا ابي الحسن المشكيني بخط طاهر خوش نويس، انتشارات العلمية الإسلامية - الطبع القديم.
123. كفاية الأصول، للمحقق الشيخ محمد كاظم الخراساني (الآخوند) ت 1329 ه-، تحقيق ونشر مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدسة، الطبعة الثالثة 1415 ه- .
124. كمال الدين وتمام النعمة، لأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (الشيخ الصدوق) ت 381 ه-، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري، نشر مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة - إيران 1405 ه- .
125. كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، لعلاء الدين المتقي بن حسام الدين الهندي ت 975 ه- الطبعة الخامسة 1405 ه- - 1985 م مؤسسة الرسالة - بيروت.
126. لسان العرب، لأبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور الافريقي المصري، نشر أدب الحوزة قم - إيران 1405 ه- .
ص: 585
127. لؤلؤة البحرين، للشيخ يوسف بن أحمد البحراني ت 1186 ه-، تحقيق وتعليق السيد محمد صادق بحر العلوم، الطبعة الثانية، نشر مؤسسة آل البيت (علیهم السلام) .
128. مباني تكملة المنهاج، للسيد أبي القاسم الموسوي الخوئي، مطبعة الآداب النجف الأشرف.
129. المبسوط في فقه الإمامية، لشيخ الطائفة الطوسي، تصحيح وتعليق السيد محمد تقي الكشفي، الطبعة الثانية 1387 ه-، نشر المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية.
130. مجمع البحرين، للشيخ فخر الدين الطريحي ت 1085 ه-، تحقيق السيد أحمد الحسيني، الطبعة المحققة الثانية 1395 ه-، منشورات المكتبة المرتضوية - طهران.
131. مجمع البيان في تفسير القرآن، للشيخ أبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي، تصحيح وتعليق الشيخ أبي الحسن الشعراني، المطبعة الإسلامية بطهران 1373 ه- .
132. مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان، للمولى أحمد1. المقدس الاردبيلي ت933ه-، تحقيق آقا مجتبى العراقي، والشيخ علي بناه الاشتهاردي، وآقا حسين اليزدي، الطبعة الأولى 1411 ه- طبع ونشر مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة.
133. المحاسن، للشيخ أبي جعفر أحمد بن محمد بن خالد البرقي، تصحيح وتعليق السيد جلال الدين الحسيني (المحدث)، الطبعة الثانية، دار الكتب الإسلامية، قم.
134. مختلف الشيعة في أحكام الشريعة، للحسن بن يوسف بن مطهر (العلامة الحلي) ت 726 ه-، تحقيق مركز الأبحاث والدراسات الإسلامية، الطبعة الأولى 1417 ه-، نشر مركز النشر التابع لمكتب الإعلام الإسلامي - قم.
135. مختلف الشيعة، لأبي منصور الحسن بن يوسف المطهر الأسدي (العلاّمة الحلي) ت 726 ه-، تحقيق مؤسسة النشر التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدسة الطبعة الأولى 1412 ه- .
136. مدينة المعاجز، للسيد هاشم الحسيني البحراني، الطبع القديم، من منشورات مكتبة المحمودي، طهران.
ص: 586
137. مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، للعلامة شيخ الإسلام المولى محمد باقر المجلسي ت 1111 ه- إخراج ومقابلة وتصحيح السيد هاشم الرسولي، الطبعة الثانية 1394 ه- نشر دار الكتب الإسلامية طهران، مطبعة الحيدري.
138. مسائل حرجة في فقه المرأة - أهلية المرأة لتولي السلطة، للشيخ محمد مهدي شمس الدين، الكتاب الثاني - مؤسسة المنار.
139. مسالك الأفهام في شرح شرائع الإسلام، للشهيد زين الدين بن علي العاملي الجبعي ت 965 أو 966 ه-، الطبع القديم.
140. المستدرك على الصحيحين في الحديث، للحاكم النيسابوري، دار الفكر بيروت 1389 ه- - 1978 م .
141. مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل، لخاتمة المحدثين الحاج ميرزا حسين النوري الطبرسي ت 1320 ه-، تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت (علیهم السلام) لإحياء التراث - قم، الطبعة الأولى 1407 ه- .
142. مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل ج 3، للميرزا حسين النوري الطبرسي، الطبع القديم، من منشورات مؤسسة إسماعيليان والمكتبة الإسلامية - قم.
143. مستند الشيعة في أحكام الشريعة، للمولى أحمد بن المولى مهدي النراقي ت 1244 ه-، منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي، قم المقدسة، إيران 1405 ه- الطبع القديم.
144. مستند العروة الوثقى - كتاب الخمس، محاضرات السيد أبي القاسم الموسوي الخوئي، للشيخ مرتضى البروجردي، المطبعة العلمية - قم 1364 ه- ش نشر لطفي.
145. مستند العروة - كتاب الصلاة - القسم الثاني، محاضرات زعيم الحوزة العلمية السيد أبي القاسم الخوئي، للشيخ مرتضى البروجردي، منشورات دار العلم 1412 ه- .
146. مسند الإمام أحمد بن حنبل، لأبي عبد الله الشيباني ت 241 ه-، الطبعة الثانية 1414 ه- - 1993 م مؤسسة التاريخ العربي - دار إحياء التراث العربي.
ص: 587
147. مسند الإمام أحمد بن حنبل، لأبي عبد الله الشيباني ت 241 ه-، مؤسسة التاريخ العربي، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الثانية 1414 ه- - 1993م.
148. مشيخة الفقيه،شرح وترجمة وتعليق محمد جعفر شمس الدين، دار التعارف للمطبوعات.
149. مصباح الأصول، تقرير بحث آية الله العظمى السيد أبي القاسم الخوئي، للسيد محمد سرور الواعظ الحسيني البهسودي، مطبعة النجف 1386 ه-، النجف الأشرف.
150. مصباح الشريعة، المنسوب للإمام جعفر الصادق (علیه السلام) ت 148 ه-، الطبعة الأولى 1400 ه-، منشورات مؤسسة الأعلمي، بيروت، لبنان.
151. مصباح الفقاهة، تقرير أبحاث آية الله العظمى السيد أبي القاسم الخوئي للميرزا محمد علي التوحيدي، الطبعة الأولى 1412 ه- - 1992 م، دار الهادي للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت لبنان.
152. مصباح الفقاهة ج 5، من تقرير بحث الأستاذ الأكبر آية الله العظمى السيد أبي القاسم الخوئي، للميرزا محمد علي التوحيدي التبريزي، مؤسسة أنصاريان للطباعة والنشر - قم.
153. مصباح الفقيه في الزكاة والخمس والصوم والرهن، للشيخ آقا رضا الهمداني الغروي، الطبع القديم.
154. المصباح المنير، للعلامة أحمد بن محمد بن علي المقري الفيومي ت 770 ه-، الطبعة السابعة، المطبعة الأميرية بالقاهرة 1928 م .
155. معاني الأخبار، للشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي ت 381 ه-، منشورات مكتبة المفيد - قم.
156. معجم رجال الحديث وتفصيل طبقات الرواة، للسيد أبي القاسم الموسوي الخوئي، الطبعة الخامسة 1413 ه- - 1992 م.
157. معجم مفردات ألفاظ القرآن، لأبي القاسم الحسين بن محمد بن الفضل (الراغب الاصفهاني)، تحقيق نديم مرعشلي، دار الكتاب العربي، مطبعة التقدم العربي 1392 ه- - 1972 م.
ص: 588
158. المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، لمحمد فؤاد عبد الباقي، مطبعة دار الكتب المصرية، القاهرة 1364 ه- .
159. المعجم الفهرس لألفاظ نهج البلاغة، فهرسة كاظم محمدي، ومحمد دشتي، مؤسسة النشر التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة 1406 ه- .
160. مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلامة، للسيد محمد جواد الحسيني العاملي ت حدود 1226 ه-، مؤسسة آل البيت (علیهم السلام) للطباعة والنشر.
161. المقنعة، لفخر الشيعة أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي الملقب بالشيخ المفيد ت 413 ه-، تحقيق ونشر مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، الطبعة الثانية 1410 ه- .
162. مكارم الأخلاق، لرضي الدين أبي نصر الحسن بن الفضل الطبرسي، من أعلام القرن السادس الهجري، تقديم وتعليق محمد الحسين الأعلمي، منشورات مؤسسة الأعلمي، الطبعة السادسة 1392 ه- - 1972 م.
163. المكاسب، للشيخ مرتضى الأنصاري ت 1281 ه-، الطبع القديم 1375 ه-، بخط طاهر خوش نويس.
164. المكاسب والبيع، تقرير أبحاث الميرزا محمد حسين الغروي النائيني، للعلامة الشيخ محمد تقي الآملي، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة 1413 ه- .
165. الملل والنحل، لأبي الفتح محمد بن عبد الكريم بن أبي بكر أحمد الشهرستاني، الطبعة الرابعة 1415 ه- - 1995 م، دار المعرفة، بيروت - لبنان.
166. المناقب، لأبي جعفر رشيد الدين محمد بن علي بن شهراشوب،1. منشورات المطبعة العلمية - قم.
167. مناقب آل أبي طالب، لأبي جعفر محمد بن علي بن شهراشوب السروي المازندراني ت 588 ه-، تحقيق وفهرسة الدكتور يوسف البقاعي، الطبعة الثانية 1412 ه- - 1992 م، دار الأضواء بيروت، لبنان.
ص: 589
168. منتقى الأصول، تقرير أبحاث آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الروحاني، للسيد عبد الصاحب الحكيم، الطبعة الأولى 1413 ه- مطبعة أمير، قم.
169. منتهى المطلب في تحقيق المذهب، للعلامة الحلي ت 726 ه- الطبع القديم.
170. منهاج الصالحين، فتاوى مرجع المسلمين زعيم الحوزة العلمية السيد أبي القاسم الموسوي الخوئي، الطبعة الثامنة والعشرون 1410 ه- .
171. الميزان في تفسير القرآن، للعلامة السيد محمد حسين الطباطبائي، الطبعة الخامسة 1412 ه-، نشر مؤسسة إسماعيليان - قم.
172. منية الطالب في حاشية المكاسب، تقرير أبحاث الميرزا محمد حسين الغروي النائيني، للشيخ موسى النجفي الخونساري، الطبع القديم بخط محمد علي التبريزي الغروي.
173. من لا يحضره الفقيه، لأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (الشيخ الصدوق) ت 381 ه-، تحقيق وتعليق السيد حسن الموسوي الخرسان، الطبعة الخامسة 1390 ه-، نشر دار الكتب الإسلامية طهران.
174. منية المريد في أدب المفيد والمستفيد، للشيخ زين الدين بن علي العاملي (الشهيد الثاني) ت 965 ه-، تحقيق رضا المختاري الطبعة الأولى 1409 ه-، نشر مكتب الإعلام الإسلامي.
175. النجم الثاقب، لخاتمة المحدثين الشيخ الميرزا حسين الطبرسي النوري، تقديم وترجمة وتحقيق وتعليق السيد ياسين الموسوي، الطبعة الأولى 1415 ه- منشورات أنوار الهدى.
176. النكت الاعتقادية، لأبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان ت 413 ه-، تحقيق رضا المختاري، المطبوع ضمن سلسلة مصنفات الشيخ المفيد ج 10، الطبعة الأولى 1413 ه- .
177. النهاية، لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي ت1. 460 ه-، المطبوع ضمن كتاب الجوامع الفقهية انتشارات جهان، طهران - الطبع القديم.
ص: 590
178. النهاية في مجرد الفقه والفتاوى، لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي ت 460 ه-، الطبعة الأولى 1390 ه-، 1970 م - دار الكتاب العربي بيروت لبنان.
179. النهاية في غريب الحديث والأثر، لمحمد الدين أبي السعادات المبارك بن محمد الجزري (ابن الأثير) ت 606 ه-، تحقيق طاهر أحمد الزاوي ومحمود محمد الطناجي، الطبعة الرابعة، نشر مؤسسة إسماعيليان، قم.
180. نيل الأوطار من أحاديث سيد الأخيار شرح منتقى الأخبار، لقاضي قضاة القطر اليماني محمد بن علي بن محمد الشوكاني ت 1255 ه-، دار الجيل - بيروت لبنان 1973 م.
181. وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، للمحدث الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي ت 1104 ه-، تصحيح وتحقيق وتذييل الشيخ عبد الرحيم الربّاني الشيرازي الطبعة الخامسة 1398 ه-، منشورات المكتبة الإسلامية طهران.
182. الوسيلة إلى نيل الفضيلة، للشيخ عماد الدين أبي جعفر محمد بن علي بن حمزة الطوسي المشهدي، المطبوع ضمن كتاب الجوامع الفقهية، انتشارات جهان، طهران، الطبع القديم.
183. وسيلة النجاة، لآية الله العظمى السيد أبي الحسن الموسوي الاصفهاني، مع تعاليق آية الله العظمى السيد محمد رضا الموسوي الگلبايگاني، الطبعة الثانية 1397 ه- - 1977 م، دار التعارف للمطبوعات بيروت - لبنان.
184. الهداية، للصدوق، المطبوع ضمن كتاب الجوامع الفقهية انتشارات طهران - الطبع القديم.
185. هداية الطالب إلى أسرار المكاسب، للميرزا فتاح الشهيدي التبريزي، الطبعة الثانية 1375 ه-، مطبعة الاطلاعات، تبريز - الطبع القديم.
186. هدية الرازي إلى الإمام المجدّد الشيرازي، للشيخ آقا بزرگ الطهراني، نشر مكتبة الميقات، طهران 1403 ه- .
ص: 591
ص: 592
الموضوع
كلمة الشيخ الاستاذ... 5
المقدمة... 7
الفصل التاسع : التقية في الجهاد... 9
المدخل... 11
صور الجهاد... 13
الجهاد في اللغة والعرف والاصطلاح... 15
مواضع البحث... 16
المبحث الأول - أقسام الجهاد... 19
القسم الاول : في الجهاد ضد الكفار والمشركين للدعوة الى الاسلام... 21
الجهة الاولى : في أقوال الفقهاء... 37
الجهة الثانية : في الآيات الواردة في الجهاد... 40
الجهة الثالثة : في الروايات ....46
تنبیه... 59
وها هنا مسائل... 60
الأولى : في كفاية إذن الفقيه الجامع للشرائط وعدمها... 60
الثانية : في وجوب الحضور والاشتراك في الجهاد تقية... 61
الثالثة : في استدامة الجهاد... 62
ص: 593
القسم الثاني : الجهاد من أجل الدفاع عن بيضة الاسلام... 63
القسم الثالث : المرابطة... 63
وها هنا مسائل... 68
الأولى : المرابطة للتقية... 68
الثانية : في أخذ المال للمرابطة... 69
الثالثة : في نذر المرابطة بالنفس... 69
الرابعة : في نذر المرابطة بالمال .... 69
الخامسة : في التعرب بعد الهجرة واقسام الهجرة لبلاد الكفر .... 72
القسم الرابع : جهاد أهل البغي... 82
القسم الخامس : جهاد الفئة الباغية على فئة أخرى من المسلمين... 88
القسم السادس : جهاد ساب النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) أو أحد الأئمة(علیهم السلام) أو الصديقة الزهراء(علیها السلام) أو الانبياء(علیهم السلام)... 88
الموضع الأول : في من سب النبي(صلی الله علیه و آله و سلم)... 97
الموضع الثاني : في من سب أمير المؤمنين أو احد الائمة(علیهم السلام) .... 107
الموضع الثالث : في من سب الصديقة الزهراء(علیها السلام)... 108
الموضع الرابع : في من سب الانبياء أو أحدهم(علیهم السلام)... 109
القسم السابع : الجهاد دفاعاً عن النفس والأهل والمال... 109
المسألة الأولى : في الدفاع عن النفس... 109
المسألة الثانية : في الدفاع عن الأهل... 115
المسألة الثالثة : في الدفاع عن المال... 120
المبحث الثاني : الولاية من قبل السلطان الجائر.... 125
المقام الاول : في معاونة سلاطين الجور.... 127
المقام الثاني : في حكم الدخول في اعمالهم وقبول الولاية منهم... 139
موارد الاستثناء... 140
ص: 594
ثم إن ها هنا مسائل... 170
الأولى : إذا اقتضت التقية القتل... 170
المسألة الثانية : هل يختص الحكم بالمؤمن أو يشمل المخالف ؟... 174
المسألة الثالثة : إذا توقف حفظ نفس الغير أو ماله أو عرضه على قبول الولاية أو ارتكاب الحرام... 175
المسألة الرابعة : هل أن الاضرار بالغير عن تقية يستتبع الضمان ؟... 178
فروع... 187
المقام الثالث : في جباية الأموال للسلطان الجائر.... 200
المقام الرابع: في تولي منصبي الفتوى والقضاء من قبل السلطان الجائر... 202
الجهة الاولى : في الفتوى... 202
الجهة الثانية : في قبول الولاية في القضاء ... 205
الناحية الأولى : تولي العمل والتصدي له... 205
الناحية الثانية : في حكم الترافع إلى قضاة الجور والتحاكم إليهم... 211
المسألة الأولى : هل يجوز الترافع إليهم حال الاختيار ؟... 211
المسألة الثانية : هل يجوز الاخذ بحكم القاضي الجائر أو من لا أهلية له ؟ ... 213
المسألة الثالثة : في الترافع إليهم مع عدم الاختيار.... 221
المبحث الثالث : في التعامل مع الحكام الظالمين... 225
المورد الأول : في أخذ المال والجوائز منهم مع العوض أو بدونه... 227
صور الأخذ وأحكام كل منها وما يتفرع عليها من المسائل... 229
تذييل: في تعامل سائر الناس - غير الآخذ - مع السلطان الجائر... 306
مسألة: هل يجوز لأحاد الفقراء المستحقين للخمس أو الزكاة أو المظالم المقاصة من مال من عليه الحق وهو جاحد؟... 312
ص: 595
المورد الثاني : في التعامل مع السلطان الجائر في الخراج والمقاسمات... 315
ثم إن ها هنا مسائل... 324
الأولى : هل يجوز شراء الخراج والمقاسمات أو أخذها من السلطان الجائر قبل قبضها واستقرارها في يده أو يد عامله؟... 324
الثانية : هل ان امر الاراضي الخراجية بيد السلطان أو لا؟.... 326
الثالثة : : من هو السلطان الجائر ؟ .... 329
الرابعة : هل المراد بالسلطان خصوص المخالف أو الاعم؟ .... 330
الخامسة : هل يعتبر في جواز الأخذ الاستحقاق؟ .... 330
المبحث الرابع : ولاية الفقيه .... 333
الولاية في اللغة والاصطلاح.... 335
المقام الاول في الولاية التكوينية للنبي(صلی الله علیه و آله و سلم) والائمة(علیهم السلام)... 337
شبهات وردود... 340
الولاية التشريعية وإمامة المسلمين... 347
لماذا لم ينص على أسماء الأئمة(علیهم السلام) في القرآن؟ .... 364
المقام الثاني في ثبوت الولاية للفقيه الجامع للشرائط وعدمه... 367
مراتب ولاية الفقيه ويبان موضع البحث.... 367
تمييز وظائف القاضي عن وظائف الفقيه... 369
أدلة القائلين بالولاية... 377
تنبیهان... 424
أدلة الثافين للولاية... 475
المقام الثالث : في شرائط الفقيه... 490
البلوغ وكمال العقل .... 490
الذكورة... 492
الدفاع عن المرأة... 519
ص: 596
الايمان... 528
العدالة... 529
العلم واعتبار الاجتهاد المطلق في الوالي وعدمه... 531
هل تعتبر الاعلمية في الوالي؟... 543
الانتخاب ومشروعيته... 546
طيب الولادة... 559
حسن التدبير... 561
التنزه عن البخل وحب الدنيا والجاه والمداهنة والمصانعة... 564
خاتمة في ذكر بعض مهام الفقيه... 568
فهرست المصادر... 573
فهرست المحتويات... 591
ص: 597
التقية في فقه أهل البيت (علیهم السلام)
تقريراً لبحث سماحة آية الله الحاج الشيخ مسلم الداوري (دام ظلّه)
الجزء الثالث
محمّد علي المعلّم
ص: 1
التقية في فقه أهل البيت عليهم السلام ج3
تقريراً لبحث... سماحة آية الله الشيخ مسلم الداوري (دام ظله)
المؤلف : ..... محمد علي صالح المعلم
الاخراج الفني:.... السید فاخر البطاط
الناشر:..... الؤلف
المطبعة: .... العلمیة
الطبعة: .... الأولی
عدد المطبوع:.... 1000 نسخة
الشابك : 9-3-90950-964 (دوره 3 جلدی)
ISBN 964-90950-3-9
محرر رقمي:میثم حیدري
ص: 2
ص: 3
بسم الله الرحمن الرحیم
ص: 4
الصورة

ص: 5
ص: 6
الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.
وبعد ...
فهذا الكتاب _ عزيزي القارىء _ هو الجزء الثالث والأخير من سلسلة البحوث الفقهية حول التقية في فقه أهل البيت (علیهم السلام) ، والتي كان يتفضّل بها سماحة الأستاذ آية الله الحاج الشيخ مسلم الداوري دام ظلّه في بحثه اليومي في الحوزة العلمية في عشّ آل محمد (علیهم السلام) .
ويضمّ الكتاب بين دفّتيه بقية المباحث الفقهية التي اشتملت على أحكام التقية، وهي: النكاح، والطلاق، والمكاسب، والصيد، والذباحة، والفرائض، وما يلحق بها من مباحث كما يضمّ خاتمة تشتمل على ذكر بقيّة مستثنيات التقيّة.
وبذلك يتمّ الكتاب ويكمل نظامه بأجزائه الثلاثة في سبق علمي متميّز، عالج هذه المسألة من جميع جوانبها، فإنه أول كتاب يتناول هذا الموضوع بهذا النحو من الدراسة والتحليل في جميع أبواب الفقه، إذ أنّ الدراسات الفقهية العليا وإن بحثت المسألة إلاّ أنها لم تكن بهذه الصورة من الاستيعاب والحصر والتنظيم، وكانت أغلب الدراسات التي تناولت التقية قد جاءت في بحوث استطرادية
ص: 7
اقتضتها المناسبة.
هذا، ومما تجدر الإشارة إليه أنّ هذا الجزء قد تميّز بالتوسع في عرض أدلةالعامة ومناقشتها على ضوء المباني الفقهية والرجالية المعتمدة لديهم، والموثقة بمصادرهم الكثيرة، مضافاً إلى مقارنتها بالمباني العلمية الدقيقة التي يعتمدها فقهاء شيعة آل محمد (صلي الله علیه وآله)، وكانت حصيلة ذلك نتائج مهمة تعين الباحثين في الفقه المقارن، وتكون رافداً لهم في دراساتهم المختلفة.
فقد تناول الكتاب مسألة المتعة أو النكاح المنقطع واستعرض فيها الجانبين التاريخي والاجتماعي عدا الجانبين الفقهي والروائي ورصد جميع أدلّتها ووضع النقاط فيها على الحروف.
ومثلها موضوع الطلاق بمسائله الخلافيّة المتعددة، وما يرتبط بها من فروع فقهيّة مهمّة.
وهكذا تناول الكتاب موضوع الغناء وبيان حدوده وموارده والأحكام المتعلّقة به.
وبحث الكتاب مسألة سوق المسلمين بحثاً تفصيلياً دقيقاً واضعاً في الاعتبار أنّ المسألة من أكثر المسائل ابتلاءً وغموضاً في زماننا.
واحتلّ موضوع الإرث _ ولا سيما مسألتا التعصيب والعول _ نصيباً كبيراً من الكتاب مستعرضاً الأدلة ومناقشتها على ضوء الكتاب والسنّة والعقل، إلى غير ذلك من المسائل المهمّة التي تناولها الكتاب وسيقف عليها القارىء العزيز.
وقد كانت الخطّة الموضوعة للكتاب تقضي بتقديم مبحث التقية في المكاسب كما هو المتعارف في ترتيب أبواب الفقه، وكما أشرنا إلى ذلك في آخر الجزء الثاني، إلاّ أنّ سماحة الشيخ الأستاذ دام ظلّه رأى تقديم مبحثي التقية في النكاح والطلاق نظراً لأهمّيتهما وأهميّة المسائل المتعلّقة بهما.
ص: 8
وقد قدّمنا دراسة مختصرة شاملة حول النكاح وأهمّيته في المجالين التكويني والاجتماعي والإلماح إلى نظرة الشريعة المقدسة في موضوع الزواج ومعالجة قضاياه بأبعاده المختلفة وسيادته على سائر الأنظمة الأخرى، بالإضافة إلى بيان انّ النكاح لا ينحصر بالإنسان أو الحيوان بل يشمل جميع ما في عالم الإمكان، ومن ثمّ البحث حول كيفيّة بدء النسل والتكاثر في البشر على ضوء الأدلّة الواردة.
وأرجو أنّي وفقت في عرض نظرات سماحة الشيخ الأستاذ وبيان مراده، وأسأل الله تعالى أن يجعله عملاً خالصاً لوجهه الكريم، مرعيّاً بنظر ولي الأمر وحجّة الزمان أرواحنا فداه.
كما وأبتهل إليه تعالى أن يمدّ في عمر شيخنا الأستاذ في خير وعافية.
وأن ينفع بعلومه طلاّب العلم والمعرفة في الحوزات العلمية المباركة، وأن يوفّقنا جميعاً لمراضيه، إنّه وليّ التوفيق.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.
محمد علي المعلم
قم المقدّسة وعش آل محمد (علیهم السلام)
الجمعة 14 / 1 / 1420 ه_
ص: 9
ص: 10
* النكاح حاجة روحية وجسدية
* أهمية النكاح في المجالين التكويني والاجتماعي
* معالجة الإسلام لجميع قضايا النكاح بأبعاده المختلفة، وعجز الأنظمة الأخرى
* التناكح بين جميع الممكنات، وعدم اختصاصه بالإنسان والحيوان والنبات
* كيف حدث انتشار النسل البشري؟ نقد وتحليل
* تقسيم البحث إلى مقامات خمسة وحكم كلّ منها
* جواز نكاح الكتابيّة وعدمه على ضوء الأدلّة
* التحقيق حول زواج الخليفة الثاني من ابنة أمير المؤمنين (علیه السلام)
* ثبوت حلية نكاح المتعة بالكتاب والسنة والإجماع والاعتبار
* بقاء
حلّية المتعة ومشروعيتها وأهمّيتها في نظر أهل البيت (علیهم السلام) والتأكيد عليها
* تزييف دعوى نسخ حلّية المتعة واستعراض أدلّة التحريم وتقييمها
* الخليفة الثاني هو أول من نهى عن المتعة واعتراض الصحابة عليه
* عبد الله بن الزبير مولود من نكاح المتعة
* المتعة درع واقية لصيانة المجتمع عن الانحراف، وإفتاء بعض علماء السنّة بحلّيتها
* أحكام التقية المتعلّقة بالنكاح
* خاتمة المطاف
ص: 11
ص: 12
بسم الله الرحمن الرحیم
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، محمد وآله الطيبين الطاهرين. واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.
إنّ الحديث عن الزواج واقتران الذكر بالأنثى من أهم الأحاديث إلى القلوب وأحبّها إلى النفوس، ذلك لأنّ الزواج يشكّل الحاجة الجسدية والروحية بالنسبة إلى الإنسان، أوجدها الخالق الحكيم فيه لحفظ النوع وعمران الأرض، وإدراك حكم ومصالح أرادها الله تعالى من ذلك.
وقد أولته الشريعة المقدّسة عناية خاصّة، فأكّدت عليه نصوص الكتاب العزيز وروايات أهل بيت العصمة والطهارة، واعتبرته أمراً يحبّه الله ورسوله، ورغّبت في الإقدام عليه، وسعت إلى تيسير أمره وتسهيله، وجعلته أحد الأسباب المهمّة في صيانة الإنسان _ الرجل والمرأة _ عن الانحراف، ولم تأل جهداً في الترغيب فيه، بل عدّت الإعراض عنه نوعاً من الشذوذ وخروجاً عن السنن الطبيعية الفطرية التي فطر الله الناس عليها.
على أنّ الزواج لا ينحصر في الإنسان والحيوان والنبات، بل يتعدّاه إلى سائر الممكنات حتى الجمادات وغيرها، على ما سيأتي بيانه.
ونظراً لما ينطوي عليه هذا الموضوع من أسرار تسترعي الالتفات، وتثير
ص: 13
التساؤلات، وهي أمور تتجلّى فيها عظمة الخالق وحكمته، رأينا أنّ منالمناسب أن نستجلي _ في هذا المدخل _ بعض تلكم الأسرار، وأن نجيب عن بعض تلكم التساؤلات بما يتناسب مع ما نحن بصدده من البحث الفقهي حول جانب من جوانب هذا الموضوع، وهو التقية في النكاح، وسيقع البحث في أمور خمسة:
إنّ حدث التوالد والتناسل وإيجاد المثل الذي هو ركن العالم وأساسه في البقاء والدوام لهو من أعظم الأحداث وأهمّها بعد خلق الإنسان.
وذلك لأنّ نظام التكوين إنما يتمّ باستمرار بقاء النوع الإنساني في هذا العالم على نحو يطابق مقتضى حكمة الخالق الحكيم، فإنّه تعالى بعد أن أوجد الإنسان الأول _ آدم (علیه السلام) _ وأحسن خلقه بدأ بخلق حواء وأنشأها لتكون زوجاً وسكناً له، وجعل بينهما الألفة والمودة، وفي ذلك تمهيد وإعداد لبدء التناسل والتكاثر، فقال عزوجل: «وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ»(1) .
وقال عزّ شأنه: «هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا»(2) . وقال تبارك وتعالى: «الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍوَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً ...» (3) .
ومن ذلك ندرك أهمية هذا الأمر وخطورته، حتى أنه سبحانه وتعالى جبل الفطرة الإنسانية على الميل إليه والرغبة فيه، وأودع في الطباع البشرية الشوق
ص: 14
الأكيد إليه، وكأنّه إحدى الضرورات التي لا يستغني عنها الإنسان في حياته، ولذلك عدّ الإعراض عنه خللاً تكوينيّاً وخروجاً عن الفطرة السليمة.
وإنما أودع في الإنسان كلّ ذلك من أجل حتميّة تحقيقه على نحو مستمر لا توقّف فيه، وإن كان من دون شعور واختيار.
وما القوى الشهوانية والرغبات النفسانية إلاّ معدّات وآلات تمهيديّة غرزت في المخلوقات لتحقيق هذا الغرض.
وللتأكيد على ما أودع في الفطرة البشرية من ميل كلّ من الذكر والأنثى للآخر، يتوسّل كل منهما لإثارة الرغبة وتحريكها نحوه، فقد جبلت كلّ أنثى على إبراز مظاهر الجمال والزينة عندها لإحداث رغبة الرجل فيها واستجلاب مشاعره نحوها، كما أنّ همّ كلّ ذكر هو التحبّب والتودد لامتلاك قلب الأنثى بالأساليب المختلفة.
وذلك أمر قد فطر كلّ منهما عليه، فيمارسه بصورة عفوية طبيعية.
ولعلّ أغلب الناس في غفلة عن السبب والغاية، ولا يلتفت إلى أنّ وراء ذلك حكمة بالغة، فيقصر نظره وشعوره على الظاهر المحسوس، ويحسب أنّ هذا مجرّدلعب، ولهو وعبث، ويتصرّف على خلاف ما تقتضيه الحكمة والغرض الأسنى.
إنّ استقرار الحياة الزوجية بين الرجل والمرأة وقيام نظامها على أسس صحيحة علامة بارزة على استقرار نظام المجتمع، ذلك لأنّ المجتمع يتألف من الأسر التي تعيش حياة مشتركة في بيئة ذات منافع عامة مشتركة، وقوام هذه الأسر إنّما هو بالأفراد، ولاشكّ في أنّ صلاح الأفراد بصلاح الأصل والمنشأ،
ص: 15
فإن كان المنشأ زاكياً عفيفاً كان نتاجه قويماً صالحاً ذا نفع، فإنّ الفروع _ في الأعم الأغلب _ تحمل خصائص الأصول، وإنّ لعامل الوراثة دوراً كبيراً في ذلك، وسيكون المجتمع المتألّف من الأصل الطيب صالحاً مستقيماً في جميع شؤونه وأحواله، وأما إذا كان الأمر بالعكس فإنّ النتائج تتبع أخسّ مقدماتها، إذ أنّ اختلال الأسر ناشىء عن اختلال في الأفراد وهو يعود بالمآل إلى الأساس والمنشأ، وفي ذلك فساد النظام الاجتماعي وتلاشيه، إذ يترتب عليه الاعوجاج في السلوك فتتحكّم الأهواء الشخصية، والنوازع الفردية والخروج عن ضوابط العدالة، والتمرد على القانون للانحراف في أصله ومنشأه عن جادة الاستقامة.
وإنّ ما عانته البشرية من ويلات الدمار والخراب وهلاك النفوس وهتك الأعراض، إنما هو نتيجة لتمرّد بعض الأفراد على الضوابط المقرّرة الناشىء عن الانحراف.
وفي التاريخ صفحات حمراء كتبها أبطال الجريمة قديماً وحديثاً بسطور من دماء الأبرياء، وملؤوها بقصص الرعب والدماء والفساد والخديعة والخيانة،ولا يبعد أن يكون السبب في ذلك هو أن بعض أولئك المجرمين قد انحدروا من أصول فاسدة غير زاكية، فهم ثمرات لعلاقات غير مشروعة، وطبيعي أنه إذا انحرف الأصل تبعه الفرع في الانحراف.
وإنّ في ما يحدّثنا به التاريخ عن بعض هؤلاء ممّن كانوا نتائج لتلك العلاقات كزياد بن أبيه(1) وعمرو بن العاص(2) وغيرهما(3) شاهداً على ما نقول،
ص: 16
فقد عاثوا في الأرض فساداً، وهتكوا الحرمات وأهلكوا الحرث والنسل، وكانوا سبباً في حرمان البشر من الخير الكثير.
وفي التاريخ المعاصر ذكروا أنّ ادولف هتلر وأضرابه ممّن قادوا العالم بالحديد والنار إلى هاوية الدمار والخراب كانوا ثمرات فجّة لعلاقات غير مشروعة(1) .ومن هنا ندرك ضرورة أن يكون هناك نظام دقيق محكم ينظّم علاقة الرجل بالمرأة على أساس تراعى فيه جميع الأبعاد النفسية والأخلاقية وغيرها لإيجاد نسل صالح ينفع البشرية ويكون سبباً في العمران.
ولما كانت النظريات التي تناولت هذه المسألة متعددة ومختلفة، ونظراً لأهميّتها وأهمية آثارها فلابدّ من تسليط الأضواء على الأنظمة الموجودة ونظراتها حول هذه المسألة الخطيرة ومعرفة أيّ منها أحقّ بالاتباع.
إنّ استقصاء جميع الأنظمة ونظراتها حول مسألة الزواج وبيان قواعده وضوابطه ولوازمه يخرجنا عن الغرض المقصود، ونكتفي بالإشارة الإجمالية
ص: 17
إليها، ونحيلك _ عزيزي القارىء _ على المصادر التي تناولت هذه المسألة بالدراسة والتحليل(1) ، على أن يكون أكثر اهتمامنا بالنظرة الشرعية المتمثلة في الدين الإسلامي، حيث راعت قواعده وضوابطه في هذه المسألة جميع المصالح والحكم التكوينية والتشريعية الفردية منها والاجتماعية، وكان بدّقته وشموليته فوق أن يقارن بسائر القوانين والأنظمة الأخرى في هذه المسألة أو غيرها، وأما النظريات الدينية السماوية _ غير الإسلام _ فهي وإن كانت في حدّ ذاتها صحيحةإلاّ أنها لما كانت محدودة قد لوحظ في تشريعها زمن معيّن فلا تصلح لأن تكون منهجاً متبعاً كما لا تصحّ مقارنتها بنظرة الإسلام لعدم وفائها بالأغراض والمصالح.
وبعد هذا نقول: إنّ أهم الأنظمة(2) التي تناولت مسألة الزواج واقتران الذكر بالأنثى ثلاثة: دينية وبشرية وإباحية.
وتسمية الإباحية نظاماً من باب المجاز، وإلاّ فهي في الواقع إشاعة للفوضى وعدم النظام، ولذا لن نعتني بالحديث عنها لكونها انسلاخاً عن الإنسانية وانحداراً إلى حضيض البهيمية، والذي يعنينا هو النظام الديني المتمثل بالإسلام كما أشرنا وسيأتي الحديث عنه.
وأما النظام البشري فقد ذكر بعض المحقّقين أنّ هناك عدة أساليب اتخذها البشر في كيفية اقتران الرجل بالمرأة، وأهمها ثلاثة:
الأول: عن طريق الأسر والاستيلاء، وقد كان هذا الأسلوب هو الطريق الوحيد والمتبع في ابتداء هذا الأمر عند البشر، فعلى أثر النزاعات والحروب بين
ص: 18
القبائل يستولي الأقوياء على الضعفاء ويأخذون أموالهم ويأسرون نساءهم ويتخذونهنّ أزواجاً لهم، أو يتم ذلك عن طريق اختطاف القويّ امرأة الضعيف أو ابنته وتبقى القبيلة الضعيفة مسلوبة الكرامة محرومة من حقوقها.
الثاني: عن طريق البيع والشراء فتباع المرأة كما تباع سائر السلع والبضائع،وتصبح مملوكة للمشتري، وقد ذكرت المصادر أنّ ظهور هذا الأسلوب كان متبعاً في روما، ويتمّ بحضور أشخاص معينين وحامل الميزان، ومعهم الولي أو القيّم على المرأة ويعطى ثمنها على حسب ما يتقرّر بين البائع والمشتري.
وكانت هذه الطريقة مألوفة عند الشعوب الأوربية قبل المسيحية، ولا تزال آثارها باقية إلى اليوم في جنوب أسبانيا عند الفلاحين، وبعض قبائل سومطرة، والقبائل الصينية، حتى أنّ المرأة قد تباع أكثر من مرة.
الثالث: عن طريق الإجارة، فإنه إذا عجز الرجل عن دفع ثمن المرأة أو مهرها آجر نفسه عند أوليائها للعمل لهم مدة من الزمن، وبذلك تصبح المرأة زوجاً له.
وقد يقال: بأنّ هذا الأسلوب كان متبعاً في زمان موسى (علیه السلام) ، حتى أنه (علیه السلام) تزوّج إحدى ابنتي شعيب (علیه السلام) عن هذا الطريق، كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى: «قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَةَ حِجَجٍ ...» (1).
هذا، ولكن من الواضح عدم صلاحية أيّ من هذه الأساليب لاقتران الرجل بالمرأة، فإنّ فيها حطّاً من قدر المرأة وشأنها إلى درجة تصبح فيها المرأة سلعة بل أخس قدراً، مضافاً إلى ما يترتّب على ذلك من هدم أساس الأسرة وعدم إمكان التربية الصحيحة لأولاد صالحين، وفي ذلك فساد المجتمع واختلال نظامه.
ص: 19
واعطف على ما ذكرنا ما كان عليه أهل الجاهلية من قانون الزواج، فإنه وإنكان يتمّ عن تعاقد بين الرجل والمرأة إلاّ أنّ النظرة الجاهلية للمرأة نظرة سقيمة، حيث تعامل المرأة بالعسف والجور، وهي عندهم كالبهيمة أو أحطّ قدراً، فإنها تورث كما يورث المتاع، وتحرم من أبسط حقوقها، وإذا مات زوج المرأة جاء وليّه فألقى عليها ثوبه ليعلم أنها من مختصاته إن شاء نكحها بغير مهر، وإن شاء زوّجها وأخذ مهرها، بل تجاوز جورهم الحدّ فكانوا ينظرون إلى المرأة على أساس أنها مصدر العار والفضيحة «وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنْ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ» (1) .
ومن ذلك كلّه يتبيّن أنّ ما وضعه البشر من أنظمة تتعلّق بمسألة الزواج كلّها فاشلة، ولا تصلح لمعالجة هذه القضية الخطيرة، عدا أنّها تنزل بقدر المرأة إلى مستوى الحضيض.
وأما نظرة الشريعة المقدّسة المتمثّلة في الإسلام فقد أشرنا فيما تقدم إلى أنّ الإسلام قد راعى جميع المصالح والأغراض على ما تقتضيه الحكمة الإلهية، ووضع نظاماً دقيقاً كاملاً، وعالج هذه القضية كغيرها من القضايا الأخرى بل بلغ قمّة الكمال، فأعطى كل ذي حقّ حقه، مضافاً إلى أنه أبطل جميع النظريات الخاطئة والأنظمة الفاسدة التي تناولت هذه المسألة، ووضع الحلول بدقّة وإحكام على أساس من العدالة والإنصاف، مراعياً جميع الجوانب النفسية والفرديّة والاجتماعية، وذلك لأنّ هذا النظام إلهي من الخالق العالم بجميعالأشياء وكنهها، ظاهرها وباطنها ومقادير قابلياتها واستعدادتها، فجاءت الأحكام المتعلّقة بها
ص: 20
على وفق الحكمة والمصالح الواقعية والآداب الأخلاقية.
وإذا كان ذلك يدلّ على شيء فإنّما يدلّ على عظمة المشرّع وحكمته وصلاحية الشريعة وانسجامها مع الفطرة التي فطر الناس عليها. وقد جاء بيان ذلك كلّه في كتابه العزيز، وفي ما أثر عن النبي (صلي الله علیه وآله) وأهل بيته الأطهار (علیهم السلام) من شروح وبيانات، فبيّن تعالى أنه خلق الرجل والمرأة من أصل واحد، وأنّ كلاًّ منهما يكمّل نقص الآخر، وجعل المرأة سكناً ومستقراً يأوي إليه الرجل، وأوجد بينهما الألفة والمودّة ليدوم الترابط بينهما على أساس من احتياج كلّ منهما للآخر، وبيّن ما لكلّ منهما من الحقوق وما عليهما من الواجبات، وفي ذلك بيان لمكانة المرأة وإعزاز لشأنها ومقامها اللائق بها وأنّها أحد الأسس التي يقوم عليها بناء المجتمع، فقال تعالى: «هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا»(1)، وقال تعالى: «وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً»(2)، وقال عزّ شأنه: «هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ»(3) إلى غير ذلك من الآيات الشريفة الدالّة على أهميّة الارتباط بين الرجل والمرأة وقدسيته في نظر الإسلام.وأما بيان الحقوق والواجبات فقد ذكرت في آيات أخرى وشرحها أهل البيت(علیهم السلام) في أحاديثهم الكثيرة التي تناولت هذا الموضوع ولا غرو بعد هذا إذا قيل: إنّ ربع الفقه يتعلّق بهذا الأمر، ولا بأس بالإشارة إليها على سبيل الإجمال في ضمن المراحل التالية:
المرحلة الأولى: الاهتمام بأمر الزواج، والترغيب فيه والحثّ عليه، وتأكيده
ص: 21
من نواح شتّى:
منها: من جهة بيان فضله، حيث ورد عن النبي (صلي الله علیه وآله) أنه قال: «ما بني في الإسلام بناء أحبّ إلى الله تعالى من التزويج» (1) وأنه من سنته (صلي الله علیه وآله) ومن رغب عنه فقد رغب عن سنّته(2) ، وأنّ في التزويج إحراز نصف الدين(3)، وأنّ من سرّه أن يلقى الله طاهراً مطهّراً فليلقه بزوجة ...(4) .
ومنها: من جهة ذمّ العزوبة وترك الزواج، حيث ورد عنه (صلي الله علیه وآله) أنه قال: رذال موتاكم العزّاب(5) ، وشرار موتاكم العزّاب(6) ، وأكثر أهلالنار العزّاب(7) .
ومنها: من جهة السعي بالشفاعة في إنجاز الزواج بين الرجل والمرأة، حيث ورد عن أبي عبد الله (علیه السلام) أنه قال: من زوّج أعزباً كان ممّن ينظر الله إليه يوم القيامة(8) .
وعنه (علیه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (علیه السلام): أفضل الشفاعات أن يشفع بين اثنين في نكاح(9) .
وعن موسى بن جعفر (علیهما السلام) قال: ثلاثة يستظلّون بظلّ عرش الله يوم لا ظلّ إلاّ ظلّه: رجل زوّج أخاه المسلم ...(10) .
ص: 22
ومنها: من جهة كراهية الانفصال والطلاق، حيث ورد عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قال رسول الله (صلي الله علیه وآله): تزوّجوا وزوّجوا ... وما من شيء أبغض إلى الله عزّوجلّ من بيت يخرب في الإسلام بالفرقة يعني الطلاق(1) .
المرحلة الثانية: في أوصاف كل من الزوج والزوجة، وقد وردت في هذا المجال روايات كثيرة تؤكّد على اختيار المرأة العفيفة المأمونة الجميلة ذات الدين،وكذا الرجل بأن يكون مرضيّ الدين والخلق، وتضمّنت هذه الروايات ما يجوز نكاحه من الرجال والنساء وما لا يجوز، وما يكون راجحاً وما يكون مرجوحاً من الشرائط والأوصاف في كلّ من الرجل والمرأة.
ومن ذلك ما ورد عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قال رسول الله (صلي الله علیه وآله): من سعادة المرء الزوجة الصالحة(2) .
وعن النبي (صلي الله علیه وآله) أنه قال: إذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوّجوه إلاّ تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير(3) .
المرحلة الثالثة: في رضى كلّ من الزوجين بالآخر واقعاً، وما يترتب عليه من الأحكام، فقد روي عن أبي عبد الله (علیه السلام) أنه قال: تستأمر البكر وغيرها، ولا تنكح إلاّ بأمرها(4) .
المرحلة الرابعة: في بيان حقوق كلّ من الزوجين على الآخر ولزوم رعايتها كالاستمتاع والإنفاق وغيرهما، فقد ورد عن أبي عبد الله (علیه السلام) ، أنه قال: «إذا صلّت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحجّت بيت ربّها، وأطاعت زوجها، وعرفت حقّ علي، فلتدخل من أي أبواب الجنة شاءت» (5) .
ص: 23
وقد أكدت النصوص على الحقوق المفروضة لكلّ من الزوجين على الآخروربما تبلغ إلى عشرة حقوق أساسية ذكرت تفاصيلها في مواضعها من الفقه.
المرحلة الخامسة: في آداب طلب النسل وبيان حقوق الوالدين على الولد وحقوقه عليهما قبل الولادة وبعدها، فقد ورد عنه (صلي الله علیه وآله): أنكحوا الأكفاء وانكحوا فيهم، واختاروا لنطفكم(1) .
وعن أبي عبد الله (علیه السلام) أنه قال: من سعادة الرجل الولد الصالح(2) .
وقال (صلي الله علیه وآله): من عال ثلاث بنات أو ثلاث أخوات وجبت له الجنّة ...(3) .
وعن أبي الحسن (علیه السلام) قال: سأل رجل رسول الله (صلي الله علیه وآله) ما حقّ الوالد على ولده؟ قال: لا يسمّيه، ولا يمشي بين يديه، ولا يجلس قبله، ولا يستسب به(4) .
وهناك حقوق للولد على الوالد مذكورة في محلّها.
المرحلة السادسة: في معالجة ما يقع بين الزوجين من المشاكل والدعاوى كما في حالات الظهار والنشوز واللعان وغيرها وما يترتب عليها من الأحكام، فقد قال تعالى: «وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْيُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا»(5) .
وروي عن رسول الله (صلي الله علیه وآله): من كانت له امرأتان فلم يعدل بينهما في القسم من نفسه وماله، جاء يوم القيامة مغلولاً مائلاً شقّه حتى يدخل النار(6) .
المرحلة السابعة: في أحكام الانفصال بين الزوجين وكيفية مراعاة الحقوق
ص: 24
بينهما آنئذ، فقد قال الله تعالى: «الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ » (1) وقال: «وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً»(2) .
المرحلة الثامنة: في بيان أحكام مفارقة أحد الزوجين بالموت وكيفية التوارث بينهما. كما في قوله تعالى: «وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ ... وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ ...»(3) وغيرها من الآيات حيث حكم الشارع بالتوارث بين الزوجين وفي ذلك إسقاط لأحكام الجاهلية الجائرة التي حرمت المرأة من الميراث وجعلته من مختصات الرجل، بل جعلت المرأة كسائر ما يورث.
وبملاحظة هذه المراحل وما انطوت عليه من دقّة وإحكام ومراعاة كافة الحقوق والآداب بأدق تفاصيلها، لا يبقى مجال للمقايسة بين هذا النظام الإلهيوبين غيره من سائر الأنظمة التي وضعها البشر من خلال تصورات قاصرة تزيد الأمور تعقيداً وغموضاً وتكون منشأ للفساد والإفساد.
قد أشرنا في مطلع الحديث إلى ذلك، وقلنا بأنّ التناكح لا ينحصر بالإنسان والحيوان، بل هو جار في سائر الممكنات، ويمكن الاستدلال على ذلك:
أولاً: بالكتاب فإنه مضافاً إلى ما ورد في الآيات الكثيرة الدالة على وقوع التزاوج بين الطوائف الثلاث: الإنسان والحيوان والنبات كما في قوله تعالى: «فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى»(4) وقوله تعالى: «قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ»(5)
ص: 25
وقوله تعالى: «وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ»(1).
وقوله تعالى: «وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى»(2) وغيرها من الآيات، وردت أيضاً آيات أخرى تدلّ على أنه ثابت في جميع الأشياء.
منها: قوله تعالى: «وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ»(3) ،وقوله تعالى: «سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ»(4).
فأشار سبحانه وتعالى إلى أنّ توالد الأشياء وتكاثرها من فاعل وقابل وهما بمثابة الذكر والأنثى من الإنسان والحيوان والنبات. وفي قوله تعالى: «وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ » نصّ في جريان هذا الأمر في غير الثلاثة من سائر الممكنات.
وثانياً: بما قرّره الفلاسفة، وخلاصته: أنّ المتأمّل في ما حواه هذا الكون ليشاهد التمازج بين الممكنات والتفاعل فيما بينها، وما يترتب على ذلك من وقوع التوالد والتكاثر فيها، وقد عبّروا عن الإنسان والحيوان والمعدن بالمواليد الثلاثة، وهي نتيجة تزاوج أو فعل وانفعال حاصل بين العناصر الأربعة _ الماء والتراب والهواء والنار _ المعبّر عنها عندهم بالأمهات الأربع، كما هي نظرية قدماء الفلاسفة.
وقرّروا أنّ كل ما سوى الله تعالى ممكن، وكل ممكن زوج تركيبي، فإن لوحظت الممكنات من قوسها النزولي فعالم العقول المجردة _ بناء على القول به _ وإن كان لا كثرة فيه، وأنّ كلّ نوع منحصر في فرد، إذ الكثرات إنما تنشأ من المادة ومقارناتها، إلاّ أنه لا يخرج عن دائرة الإمكان، فيكون مركباً من ماهية ووجود، والماهية وإن كانت أمراً اعتبارياً إلاّ أنه من الاعتبار النفس الأمري، وهي عبارة
ص: 26
عن حدّ الوجود والدلالة على الإمكان والاحتياج، فهو ثنائي بهذا الاعتبار، وأما وصفه بالوحدة فهو وصف إضافي بالقياس إلى ما يتلوه من عالم النفوس، فإنّها ثوالث في المرتبة من جهة أنّ النفوس وإن كانت مجردة عن المادة ذاتاً إلاّ أنّ لهاماهية ولها تعلّق تدبيري بالأبدان، ويتلوها الروابع وهي الصور النوعية، فإنّ لها بالإضافة إلى ما تقدّم حلولاً وانطباعاً في المادة .
وإن لوحظت الممكنات من قوسها الصعودي فالأمر أوضح.
وأما الوحدة الحقّة الحقيقية فهي من الصفات الذاتية للباري الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد.
ومما يؤيد ذلك ما ذهب إليه العرفاء من أنّ دائرة مفهوم النكاح _ عندهم _ واسعة جدّاً بحيث تشمل الكليات فضلاً عن الجزئيات، فقد فسّروه بأنه ازدواج شيئين لإنتاج ثالث، أو توجّه نحو الإنتاج أيّاً كان ذلك التوجّه، فالنكاح في عالم العناصر هو الاتصال بين ذكر وأنثى لإنتاج النسل، وقد يصدق على اتحاد عنصرين أيّاً كانا لإنتاج عنصر ثالث، والنكاح في عالم الأرواح هو التوجّه الإلهي نحو الطبيعة وفتح صور العالم فيها، والنكاح في عالم المعاني هو الإنتاج العقلي، أو توليد النتيجة من المقدمات في القياس المنطقي.
وبغض النظر عن صحّة ما قرروه وعدمها ولكن المستفاد أنّ التناكح جار في جميع الممكنات.
وثالثاً: بما قرّره الحكماء أيضاً في مباحث القوة والفعل من أنّ بقاء العالم دليل على التوالد الناتج عن التزاوج بين الأشياء ولولاه لم يبق العالم، إذ من الضروري أنّ كل مادة حادثة لها قوة محدودة وأمد محدود طال أو قصر، ومن المعلوم أنّ المادة في حدّ ذاتها لا فعلية لها، وإنما فعليتها باقترانها بالصورة، وبانتهاء أمدها يزول أثرها وتأثيرها، فإما أن ترتفع فعليتها لتصبح أساساً لفعلية
ص: 27
أخرى، وإما أن تكون في حركة اشتدادية طولية أي مع الاحتفاظ بخصائصالفعلية السابقة.
وبعبارة أخرى: إما أن تكون بطريق اللبس بعد الخلع كما هو مذهب فلاسفة المشّاء، وإما بطريق اللبس بعد اللبس كما هو مذهب الحكمة المتعالية وعلى كلا التقديرين فلابدّ من صورة تقارن المادة وإلاّ لزم من انتهاء أمدها وزوال أثرها وتأثيرها من دون أحد الأمرين فناء العالم وزواله.
ومما يؤكّد ذلك ما قرره علماء الطبيعة من أنّ الذرّة التي هي أصل الأشياء عندهم، تتألف من جزئين متزاوجين.
ومنه يعلم أنّ التزاوج والفعل والانفعال وإيجاد المثل أمور حتمية وضرورية لبقاء العالم بمقتضى قانون السببية الذي أودعه الباري تعالى في كلّ الأشياء.
هذا والعمدة في المقام هو ما ذكرناه أولاً وهو كاف في إثبات المطلوب.
والبحث فيه يقع من جهات:
اختلف الخاصّة والعامة في كيفية انتشار النسل، وفي المسألة نظريتان مشهورتان.
فالمشهور عند الخاصة هو أنه بعد أن كبر أولاد آدم وبلغوا مبالغ الرجال أنزل الله سبحانه وتعالى حوريتين من الجنة فتزوج شيث أو هبة الله من واحدة وتزوج يافث من الأخرى، أو أنه تعالى أنزل حورية وجنية فتزوّج شيث أو هابيل من الحورية كما تزوج هبة الله أو قابيل من الجنية، وولد لكلّ منهما ذكر وأنثى،
ص: 28
فلما بلغ هؤلاء الأربعة تزوج ابن العمّ من ابنة عمّه، وهكذا نشأت طبقات النسل، وإليه ذهب بعض العامة كما نسبه الرازي إلى بعض مشايخه(1) .
وأما المشهور عند العامة كما ذكره الطبري في تاريخه وتفسيره(2) ، وابن الأثير في كامله(3) ، والمسعودي في مروجه(4) ، والرازي في تفسيره(5) ، فهو أنّ آدم (علیه السلام) زوّج كل ابن له من ابنته من بطن آخر، ونشأ النسل عن طريق التناكح بين الأخوة والأخوات، ثم حرّم هذا النكاح بعد ذلك، وإليه ذهب بعض الخاصة كالمقداد السيوري في لوامعه(6) ، والعلامة الطباطبائي في ميزانه(7) .
وهناك احتمال ثالث تأتي الإشارة إليه.
وقد استند كلّ من الطرفين إلى أدلة تدعم موقفه.
أما قول العامة فقد استدل له بعدة روايات، وهي من طرق العامة والخاصة.
أما الروايات الواردة من طرق العامة فهي:الأولى: ما رواه الطبري في تفسيره، قال: حدثني موسى بن هارون، ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، فيما ذكر عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرّة عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي(صلي الله علیه وآله)، كان لا يولد لآدم مولود إلاّ ولد معه جارية، فكان يزوّج غلام هذا البطن
ص: 29
جارية هذا البطن الآخر، ويزوج جارية هذا البطن غلام هذا البطن الآخر...(1) .
الثانية: ما رواه الطبري أيضاً قال: حدثني القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج عن ابن جريح، قال: أخبرني عبد الله بن عثمان بن خثيم، قال: أقبلت مع سعيد بن جبير أرمي الجمرة، وهو متقنّع متوكىء على يدي حتى إذا وازينا بمنزل سمرة الصراف وقف يحدّثني عن ابن عباس قال: نهى أن ينكح المرأة أخوها توأمها، وينكحها غيره من أخوتها ... فلم يزل بنو آدم على ذلك حتى مضى أربعة آباء فنكح ابنة عمّه، وذهب نكاح الأخوات(2) .
وهاتان الروايتان نقلهما السيوطي في الدر المنثور(3) .
الثالثة: ما رواه أيضاً عن ابن حميد قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم بالكتاب الأول، أنّ آدم أمر ابنه قابيل أن ينكح أخته توأمة هابيل،وأمر هابيل أن ينكح أخته توأمة قابيل ...(4) .
الرابعة: ما نقله السيوطي عن ابن إسحاق بن بشر في المبتدأ، وابن عساكر في تاريخه من طريق جويبر ومقاتل، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: ولد لآدم أربعون ولداً، عشرون غلاماً وعشرون جارية ...(5) .
وأما ما ورد من طرق الخاصة فروايتان:
الأولى: ما رواه الحميري في قرب الإسناد بسنده عن أحمد بن محمد عن البزنطي، قال: وسألته (الرضا (علیه السلام)) عن الناس كيف تناسلوا من آدم (علیه السلام) ؟ فقال: حملت حواء هابيل وأختاً له في بطن، ثم حملت في البطن الثاني قابيل وأختاً له
ص: 30
في بطن، فتزوّج هابيل التي مع قابيل، وتزوّج قابيل التي مع هابيل، ثم حدث التحريم بعد ذلك(1) .
الثانية: ما رواه الطبرسي في الاحتجاج عن أبي حمزة الثمالي، قال: سمعت علي بن الحسين (علیهما السلام) يحدّث رجلاً من قريش، قال: لما تاب الله على آدم واقع حواء ولم يكن غشيها منذ خلق وخلقت إلاّ في الأرض، وذلك بعدما تاب الله عليه، قال: وكان آدم يعظّم البيت وما حوله من حرمة البيت، وكان إذا أراد أن يغشى حوّاء خرج من الحرم وأخرجها معه، فإذا جاز الحرم غشيها في الحلّ ثميغتسلان إعظاماً منه للحرم، ثم يرجع إلى فناء البيت، قال: فولد لآدم من حواء عشرون ولداً ذكراً وعشرون أنثى، فولد له في كل بطن ذكر وأنثى، فأول بطن ولدت حواء هابيل ومعه جارية يقال لها إقليما، قال: وولدت في البطن الثاني قابيل ومعه جارية يقال لها لوزا، وكانت لوزا أجمل بنات آدم، قال: فلما أدركوا خاف عليهم آدم الفتنة فدعاهم إليه وقال: أريد أن أنكحك يا هابيل لوزا، وأنكحك يا قابيل إقليما، قال قابيل: ما أرضى بهذا أتنكحني أخت هابيل القبيحة وتنكح هابيل أختي الجميلة؟ قال آدم: فأنا أقرع بينكما فإن خرج سهمك يا قابيل على لوزا وخرج سهمك يا هابيل على إقليما زوّجت كلّ واحد منكما التي خرج سهمه عليها، قال: فرضيا بذلك فاقترعا، قال: فخرج سهم هابيل على لوزا أخت قابيل، وخرج سهل قابيل على اقليما أخت هابيل، قال: فزوّجهما على ما خرج لهما من عند الله، قال: ثم حرّم الله نكاح الأخوات بعد ذلك. قال: فقال له القرشي: فأولدهما؟ قال: نعم، قال: فقال القرشي: فهذا فعل المجوس اليوم، قال: فقال علي بن الحسين (علیهما السلام): إنّ المجوس إنما فعلوا ذلك بعد التحريم من الله، ثم قال علي بن الحسين (علیهما السلام): لا تنكر هذا، أليس الله قد خلق زوجة آدم منه، ثم أحلّها له؟
ص: 31
فكان ذلك شريعة من شرائعهم، ثم أنزل الله التحريم بعد ذلك(1) .
وهذه الروايات كلها واضحة الدلالة على ما ذهب إليه مشهور العامة. مضافاً إلى أنها موافقة لظاهر قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْنَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً...» (2) .
فإنّ الظاهر من البثّ هو التفريق والانتشار، ومفاد الآية الشريفة أنّه من آدم وحواء (علیهما السلام) من دون واسطة كما عليه القول الآخر، وإلاّ لزم التأويل في الآية وتكلّف حملها على غير ظاهرها، إذ الانتشار حينئذ منهما ومن غيرهما.
لا يقال: إنّ المرأة إنما هي وعاء للحمل، ولا دخل لها في تكوّن الولد وخلقته، فوجود الواسطة لا أثر له، وعليه فالأولاد ينتسبون للأب وحده لأنهم منه.
لأنّه يقال: لو كان الأمر كذلك فلماذا نسب البثّ إلى حواء أيضاً؟ حيث ثنّي الضمير في قوله تعالى: «وَبَثَّ مِنْهُمَا» فإنه يعود على آدم وحواء معاً، ونتيجة ذلك أنّ لوعاء الحمل دخلاً في خلق الولد وتكوّنه، وحيث إنّ البثّ منحصر في آدم وحواء كما هو ظاهر الآية فلا واسطة بينهما.
وأما قول الخاصة فقد استدلّ له بعدّة من الروايات:
الأولى: ما رواه الصدوق بسنده عن زرارة عن أبي عبد الله (علیه السلام) أنّ آدم (علیه السلام) ولد له شيث، وأنّ اسمه هبة الله، وهو أوّل وصي أوصى إليه من الآدميين في الأرض، ثم ولد له بعد شيث يافث، فلما أدركا أراد الله عزوجل أن يبلغ بالنسل ما ترون وأن يكون ما قد جرى به القلم من تحريم ما حرّم الله عزوجل من الأخوات على الأخوة، أنزل بعد العصر في يوم خميس حوراء من الجنة اسمها «نزلة» فأمر الله عزوجل آدم أن يزوّجها من شيث فزوّجها منه،ثم أنزل بعد العصر من الغد حوراء من الجنة واسمها «منزلة» فأمر الله عزوجل آدم أن يزوجها من
ص: 32
يافث فزوّجها منه، فولد لشيث غلام، وولد ليافث جارية، فأمر الله عزوجل آدم حين أدركا أن يزوّج ابنة يافث من ابن شيث ففعل، فولد الصفوة من النبيين والمرسلين، ومعاذ الله أن يكون ذلك على ما قالوا من أمر الأخوة والأخوات(1) .
الثانية: ما رواه فيه أيضاً بسنده عن القاسم بن عروة عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: إنّ الله تبارك وتعالى أنزل على آدم حوراء من الجنة فزوّجها أحد ابنيه، وتزوج الآخر ابنة الجانّ، فما كان في الناس من جمال كثير أو حسن خلق فهو من الحوراء، وما كان فيهم من سوء خلق فهو من ابنة الجانّ(2) .
الثالثة: ما رواه الكليني في الصحيح عن خالد بن إسماعيل عن رجل من أصحابنا من أهل الجبل عن أبي جعفر (علیه السلام) ، قال: ذكرت له المجوس وأنهم يقولون نكاح كنكاح ولد آدم، وأنّهم يحاجّونا بذلك، فقال: أما أنتم فلا يحاجّونكم به، لما أدرك هبة الله قال آدم: يا ربّ زوج هبة الله، فأهبط الله عزوجل له حوراء فولدت له أربعة غلمة، ثم رفعها الله، فلما أدرك ولد هبة الله قال: يا ربّ زوج ولد هبة الله، فأوحى الله عزوجل إليه أن يخطب إلى رجل من الجنّ وكان مسلماً أربع بنات له على ولد هبة الله، فزوّجهنّ، فما كان من جمال وحلمفمن قبل الحوراء والنبوّة، وما كان من سفه أو حدّة فمن الجنّ(3) .
الرابعة: ما رواه الصدوق بسنده عن زرارة قال: سئل أبو عبد الله (علیه السلام) كيف بدء النسل من ذرية آدم (علیه السلام) ؟ فإنّ عندنا أناس يقولون: إنّ الله تبارك وتعالى أوحى إلى آدم (علیه السلام) أن يزوج بناته من بنيه، إنّ هذا الخلق كلّه أصله من الأخوة
ص: 33
والاخوات، قال أبو عبد الله (علیه السلام): سبحان الله وتعالى عن ذلك علوّاً كبيراً، يقول من يقول هذا إنّ الله عزوجل جعل أصل صفوة خلقه وأحبائه وأنبيائه ورسله وحججه والمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات من حرام، ولم يكن له من القدرة ما يخلقهم من الحلال، وقد أخذ ميثاقهم على الحلال والطهر الطاهر الطيب، والله لقد نبئت أنّ بعض البهائم تنكّرت له أخته فلما نزا عليها ونزل كشف له عنها وعلم أنها أخته، أخرج عزمو له ثم قبض عليه بأسنانه ثم قلعه ثمّ خرّ ميتاً(1) الحديث.
الخامسة: ما ورد في رسالة المحكم والمتشابه نقلاً من تفسير النعماني بسنده عن علي بن أبي طالب (علیهما السلام) في بيان المحكم من القرآن، قال: ومنه قوله عزوجل: «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ» فتأويله في تنزيله. ومنه قوله تعالى: «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ » إلى آخر الآية، فهذا كلّه محكم لم ينسخه شيءقد استغني بتنزيله عن تأويله، وكل ما يجري هذا المجرى(2) .
السادسة: ما رواه الصدوق بأسناده عن الأصبغ بن نباتة، قال: لما جلس علي(علیه السلام) في الخلافة وبايعه الناس (إلى أن قال:) سلوني قبل أن تفقدوني، فقام إليه الأشعث بن قيس فقال: يا أمير المؤمنين كيف تؤخذ من المجوس الجزية ولم ينزل عليهم كتاب ولم يبعث إليهم نبي؟ قال: بلى يا أشعث قد أنزل الله عليهم كتاباً وبعث إليهم نبياً، وكان لهم ملك سكر ذات ليلة فدعا بابنته إلى فراشه فارتكبها، فلما أصبح تسامع به قومه فاجتمعوا إلى بابه فقالوا: أيها الملك دنّست علينا ديننا وأهلكته فاخرج نطهّرك ونقم عليك الحدّ، فقال لهم: اجتمعوا واسمعوا كلامي فإن
ص: 34
يكن لي مخرج مما ارتكبت وإلاّ فشأنكم، فاجتمعوا فقال لهم: هل علمتم أنّ الله لم يخلق خلقاً أكرم عليه من أبينا آدم وأمنا حواء؟ قالوا: صدقت أيها الملك قال: أفليس قد زوّج بنيه من بناته؟ قالوا: صدقت هذا هو الدين، فتعاقدوا على ذلك، فمحا الله ما في صدورهم من العلم، ورفع عنهم الكتاب، فهم الكفرة يدخلون النار بلا حساب، والمنافقون أشدّ حالاً منهم، فقال الأشعث: والله ما سمعت بمثل هذا الجواب، والله لا عدت إلى مثلها أبداً(1) .ورواه المفيد في الاختصاص(2) .
السابعة: ما نقله صاحب المستدرك من كتاب المختصر للشيخ حسن بن سليمان الحلّي تلميذ الشهيد الأول نقلاً من كتاب الشفاء والجلاء بإسناده عن معاوية بن عمار، قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن آدم أبي البشر أكان زوّج ابنته من ابنه؟ فقال: معاذ الله، لو فعل ذلك آدم لما رغب عنه رسول الله (صلي الله علیه وآله)، وما كان آدم إلاّ على دين رسول الله (صلي الله علیه وآله)، فقلت: وهذا الخلق من ولد من هم ولم يكن إلاّ آدم وحواء (علیهما السلام) ؟! لأنّ الله يقول: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً» فأخبرنا أنّ هذا الخلق من آدم وحواء، فقال (علیه السلام): صدق الله وبلّغت رسله وأنا على ذلك من الشاهدين، فقلت: ففسّر لي يابن رسول الله، فقال: إنّ الله تبارك وتعالى لمّا أهبط آدم وحواء إلى الأرض وجمع بينهما ولدت حواء بنتاً فسمّاها عناقا، فكانت أول من بغى على وجه الأرض، فسلط عليها ذئباً كالفيل ونسراً كالحمار فقتلاها، ثم ولد له إثر عناق قابيل بن آدم، فلما أدرك قابيل ما يدرك الرجل أظهر الله عزوجل جنّية من
ص: 35
ولد الجان يقال لها جهانة في صورة الإنسية، فلما رآها قابيل ومقها، فأوحى الله إلى آدم أن زوّج جهانة من قابيل فزوجها من قابيل، ثم ولد لآدم هابيل، فلما أدرك هابيل ما يدرك الرجل أهبط الله إلى آدم حوراء واسمها ترك الحوراء، فلما رآها هابيل ومقها، فأوحى الله إلى آدم أن زوّج تركاًمن هابيل ففعل ذلك، فكانت ترك الحوراء زوجة هابيل من آدم(1) الخبر.
الثامنة: ما نقله أيضاً من أصل من أصول قدمائنا عن عمرو بن أبي المقدام، قال: سألت مولاي أبا جعفر (علیه السلام) كيف زوّج آدم ولده؟ قال: أيّ شيء يقول هذا الخلق المنكوس؟ قلت: يقولون: إنه إذا كان ولد آدم ولداً جعل بينهما بطناً بطناً، ثم يزوّج بطنه من البطن الآخر، فقال: كذبوا هذه المجوسية محضاً، أخبرني أبي عن جدّه (صلي الله علیه وآله) قال: لما وهب آدم هابيل وهبة الله بعث إليهما حورائين ناعمة ومدية، وأمره أن يزوج ناعمة من هابيل ومدية من هبة الله فزوّجهما إياهما فتزاوجا، فكانت تزويج بنات العم(2) .
التاسعة: ما رواه العياشي في تفسيره بسنده عن أبي بكر الحضرمي عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: قال لي: ما يقول الناس في تزويج آدم ولده؟ قال: قلت: يقولون: إنّ حواء كانت تلد لآدم في كل بطن غلاماً وجارية فتزوج الغلام الجارية التي من البطن الآخر الثاني، وتزوج الجارية الغلام الذي من البطن الآخر الثاني حتى توالدوا، فقال أبو جعفر (علیه السلام): ليس هذا كذلك، ولكنّه لما ولد آدم هبة الله وكبر سأل الله أن يزوّجه فأنزل الله له حوراء من الجنة فزوجها إياه فولد له أربعة بنين، ثم ولد لآدم ابن آخر فلما كبر أمره فتزوّج إلى الجان فولد له أربع بنات، فتزوج بنو هذا بنات هذا، فما كان من جمال فمن قبل الحوراء، وما كان من حلم فمن
ص: 36
قبل آدم، وما كان من خفّة فمن قبل الجان، فلماتوالدوا صعدت الحوراء إلى السماء(1) .
العاشرة: ما رواه في تفسيره بسنده عنه أيضاً عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: إنّ آدم له أربعة ذكور فأهبط الله إليهم أربعة من الحور العين فزوّج كلّ واحد منهم واحدة فتوالدوا، ثم إنّ الله رفعهنّ وزوّج هؤلاء الأربعة أربعة من الجنّ فصار النسل فيهم، فما كان من حلم فمن آدم، وما كان من جمال فمن قبل الحور العين، وما كان من قبح أو سوء خلق فمن الجنّ(2) .
الحادية عشرة: ما رواه في تفسيره أيضاً بسنده عن سليمان بن خالد، قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): جعلت فداك إنّ الناس يزعمون أنّ آدم زوّج ابنته من ابنه، فقال أبو عبد الله (علیه السلام): قد قال الناس ذلك، ولكن يا سليمان أما علمت أنّ رسول الله(صلي الله علیه وآله) قال: لو علمت أنّ آدم زوج ابنته من ابنه لزوّجت زينب من القاسم، وما كنت لأرغب عن دين آدم، فقلت: جعلت فداك إنهم يزعمون أنّ قابيل إنما قتل هابيل لأنهما تغايرا على أختهما، فقال له: يا سليمان تقول هذا؟! أما تستحي أن تروي هذا على نبي الله آدم؟ فقلت: جعلت فداك ففيم قتل قابيل هابيل؟ فقال: في الوصية، ثم قال لي: يا سليمان إنّ الله تبارك وتعالى أوحى إلى آدم أن يدفع الوصية واسم الله الأعظم إلى هابيل، وكان قابيل أكبر منه، فبلغ ذلك قابيل فغضب فقال: أنا أولى بالكرامة والوصية، فأمرهما أن يقرّبا قرباناً بوحي من الله إليه ففعلا، فقبل الله قربان هابيل فحسدهقابيل فقتله، فقلت له: جعلت فداك فممّن تناسل ولد آدم؟ هل كانت أنثى غير حواء؟ وهل كان ذكر غير آدم؟ فقال: يا سليمان إنّ الله تبارك وتعالى رزق آدم من حواء قابيل، وكان ذكر ولده من بعده هابيل، فلما
ص: 37
أدرك قابيل ما يدرك الرجال أظهر الله له جنية وأوحى إلى آدم أن يزوجها قابيل ففعل ذلك آدم ورضي بها قابيل وقنع، فلما أدرك هابيل ما يدرك الرجال أظهر الله له حوراء وأوحى الله إلى آدم أن يزوّجها من هابيل ففعل ذلك، فقتل هابيل والحوراء حامل فولدت حوراء غلاماً فسمّاه آدم هبة الله، فأوحى الله إلى آدم أن ادفع إليه الوصية واسم الله الأعظم، وولدت حواء غلاماً فسماه آدم شيث بن آدم، فلما أدرك ما يدرك الرجال أهبط الله له حوراء وأوحى إلى آدم أن يزوجها من شيث بن آدم ففعل فولدت الحوراء جارية فسماها آدم حورة، فلما أدركت الجارية زوج آدم حورة بنت شيث من هبة الله بن هابيل فنسل آدم منهما، فمات هبة الله بن هابيل فأوحى الله إلى آدم أن ادفع الوصية واسم الله الأعظم وما أظهرتك عليه من علم النبوة وما علمتك من الأسماء إلى شيث بن آدم، فهذا حديثهم يا سليمان(1) .
الثانية عشر: ما رواه الصدوق في الأمالي بسنده عن مقاتل بن سليمان عن الصادق (علیه السلام) قال: قال رسول الله (صلي الله علیه وآله): ... ثم أوحى الله عزوجل إليه يا آدم أوص إلى شيث، فأوصى آدم إلى شيث وهو هبة الله بن آدم، وأوصى شيث إلى ابنه شبان وهو ابن نزلة الحوراء التي أنزلها الله على آدممن الجنة فزوّجها ابنه شيثاً ... الخبر(2) .
وذكر المسعودي مضمونها في إثبات الوصية(3) .
الثالثة عشر: ما ورد في صحيفة الرضا (علیه السلام) بإسناده إلى الحسين بن علي(علیهما السلام) قال: جاء رجل إلى الحسن بن علي (علیهما السلام) فقال: حقّ ما يقول الناس أنّ آدم زوّج
ص: 38
هذه البنت من هذا الإبن؟ فقال: حاشا لله، كان لآدم (علیه السلام) ابنان وهو شيث وعبد الله، فأخرج الله لشيث حوراء من الجنة، وأخرج لعبد الله امرأة من الجنّ، فولد لهذا وولد لذاك، فما كان من حسن وجمال فمن ولد الحوراء، وما كان من قبح وبذاء فمن ولد الجنية(1).
وهذه الروايات كلّها تدل على عدم وقوع التناكح بين الأخوة والأخوات، وتشدد النكير عليه وأنه لا يقع بين البهائم فضلاً عن أن يشرّعه الله لعباده، وأنّ في فعله تبريراً لما سلكه المجوس، مضافاً إلى أن فيه خدشاً لمقامات الأنبياء والأولياء وتدنيساً لساحات شرفهم، تعالوا عن ذلك علوّاً كبيراً.
ومدلول هذه الروايات يعارض ما استدل به على القول الأول.
ومع الإغماض عن وقوع التعارض بين الأدلة فقد يناقش في كل منها.أما ما استدل به للقول الأول ففيه:
أولاً: لا يمكن الالتزام بحلية نكاح الأخت من أخيها لحرمته في الكتب السماوية، مضافاً إلى أنّه في عداد الفواحش، وله أثر وضعي سيّىء ينزّه عنه الأنبياء والأولياء وصفوة الصالحين بل سائر المؤمنين.
وثانياً: إنّ المستفاد من الروايات أنّ كل ما يفعله آدم (علیه السلام) _ كما في الحج وغيره _ فهو مشروع وأسوة لمن بعده، وذلك لأنّه خليفة الله في أرضه وحجّته على البشر، فإذا كان آدم (علیه السلام) قد زوّج الأخت من أخيها فينبغي أن يكون ذلك جائزاً وحلالاً إلى الأبد.
وقد يجاب عن كلتا المناقشتين بأنّ هذا النكاح لم يكن محرّماً لمكان
ص: 39
الحاجة والاضطرار، ثم حرّم بعد ذلك كما نطقت به بعض الأخبار المتقدمة.
هذا ولكن يبقى في المقام إشكالان آخران:
الأول: إذا كان الاضطرار هو المناط في حلية الأخت لأخيها فلابدّ من الالتزام بذلك في كل مورد لا يكون فيه غير الأخوات، فيقال بجواز نكاح الأخوات عند الاضطرار، والحال أنه لا يمكن تصوّر صدور الحكم أو الالتزام به من أحد.
الثاني: على فرض الإغماض عن جميع ذلك إلاّ أنّ الاضطرار يرتفع بتزويج اثنين أي أخ من أخته في حين أنّ الروايات المذكورة قد صرّحت بأن آدم (علیه السلام) كان يزوّج غلام هذا البطن جارية البطن الآخر، ويزوج جارية هذا البطن غلام هذا البطن الآخر، وأنه لم يزل بنو آدم على ذلك حتى مضى أربعة آباء، وأين الاضطرار في ذلك؟وأما ما استدل به على القول الثاني ففيه:
أولاً: إنّ الروايات الكثيرة المذكورة وإن كانت تتفق في النتيجة إلاّ أنها في أنفسها مختلفة، فإنّ بعضها يدلّ على إنزال حوريتين من الجنّة، وبعضها يدلّ على إنزال حورية واحدة، كما أنّ بعضها يدل على أن قابيل هو الذي تزوج الجنية، وبعضها يدل على أنّ الذي تزوج الجنية غيره، بل في بعضها أنّهن أربع وغيرهما من الاختلافات، ومع ذلك فكيف يمكن الاعتماد على شيء منها؟
وثانياً: إنّ الحور والجن طبيعتان مغايرتان لطبيعة البشر، فهما غير قابلتين للحمل والولادة مع أنّ ظاهر الأمر أنه كان على النحو العادي الطبيعي، ولو كان على نحو الإعجاز لأمكن أن يخلق الله تعالى نساء ابتداءً كما خلق نفس آدم وحواء من دون تزاوج بين الذكر والأنثى، ثم بعد ذلك ينتشر النسل عن طريق التناكح.
ص: 40
وثالثاً: إنّ هناك طريقاً آخر للتوالد من الحلال من دون حاجة إلى إنزال الحورية من الجنة وتزويجها أو التزويج من الجنية، وهو الطريق الذي تمّت به ولادة مريم بنت عمران (علیه السلام) بعيسى (علیه السلام) ، فما وجه انتخاب الحورية والجنية بدلاً عن هذا الطريق الأسهل؟
ورابعاً: أنّ هذه الروايات قد تضمنت أمراً لا يمكن تصديقه، وهو: أنّ حواء ولدت بنتاً اسمها عناق، وكانت أول من بغى على وجه الأرض ... وهذا مما لا يمكن قبوله إذ لم يكن هناك موجود آخر غير آدم وحواء.
وقد يجاب عن هذه المناقشات:
أما عن الأول: فإنّ الروايات وإن كانت مختلفة في نفسها إلاّ أنها كلّها تتفقعلى عدم زواج الأخت من أخيها وهو كاف في إثبات المطلوب.
على أنّ الاختلاف في الروايات قابل للتوجيه بأن يقال: لعلّ التزويج قد وقع أكثر من مرة، واختلاف الروايات إشارة إلى التعدد، وإنّ المستفاد من صحيحة زرارة أنّ آدم (علیه السلام) زوّج ابنيه شيثاً ويافث من حوريتين من الجنّة.
ويظهر من مرسلة الكافي أنّ هبة الله تزوج من حورية فولدت له أربعة غلمان تزوجوا بأربع من بنات الجن، وفي بعض الروايات أن قابيل هو الذي تزوّج من الجنية، وعلى أي تقدير فهذا الاختلاف لا يستدعي ردّ الروايات لإمكان توجيهها بما ذكرنا أو يقال: بأنّ ذلك من اشتباه الراوي في النقل وليس ذلك بعزيز.
والحاصل: أنّ جميع هذه الروايات تشترك في نفي زواج الأخ من أخته.
وأما عن الثاني: فهو أنّ الإشكال بعدم قابلية الحورية والجنية للحمل والولادة غير وارد، وذلك لأنّ القرآن الكريم قد نصّ على قابلية الحور للزواج
ص: 41
فقال تعالى: «وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ»(1) على أنّ بعض الروايات قد ورد فيها أنّ الله تعالى لما أنزل الحورية من الجنة خلق لها رحماً(2) ، وذلك مما يرفع الاستبعاد.
وأما اختلاف الجنس والطبيعة فقد أجاب القرآن الكريم عنه في قضية هاروت وماروت(3) .وأما عن الثالث فلعلّ عدم انتخاب الطريق الذي تمّت به ولادة عيسى بن مريم (علیهما السلام) إنما هو من أجل اختصاصهما بهذه المعجزة دون غيرهما، أو لأنّ الظرف الذي كانا فيه اقتضى أن تكون ولادة عيسى (علیه السلام) على هذا النحو من الإعجاز أو لغير ذلك من الأسرار والمصالح التي لا نعلمها، وهذا لا يوجب نقض ما دلّت عليه الروايات.
وأما الرابع ففيه:
أولاً: إنّ قصة عناق قد وردت في رواية واحدة فقط، على أنها ضعيفة السند، وهذا لا يوجب الإشكال في غيرها من سائر الروايات.
وثانياً: إنه لا دليل على عدم موجود آخر غير آدم وحواء بل الدليل قائم على العكس، وأنّ هناك موجودات أخرى كما سنشير إلى ذلك قريباً.
وعلى فرض التسليم بأدلة كل من القولين يقع التعارض فيما بينها، ومقتضى القاعدة _ في التعارض _ تقديم ما يقترن بالمرجّح _ بناء على جريانه في مثل المقام _ ومع عدمه يسقط كلّ من الطرفين عن الحجيّة ويكون المرجع حينئذ إلى
ص: 42
الأصول اللفظية أو العملية.
وبعد ملاحظة وقوع التعارض بين الطائفتين لاشتمال كل منهما على الصحيح السند إذ أنّ رواية قرب الإسناد الدالة على القول الأول صحيحة، كما أنّ رواية زرارة في الفقيه الدالة على القول الثاني صحيحة أيضاً.
والمشهور أنّ المرجحات أربعة: فإما أن تكون من جهة الراوي ككونه أعدلأو أفقه أو نحو ذلك، وإما أن تكون من جهة شهرة الرواية، وإما أن تكون من جهةالموافقة للكتاب، وإما أن تكون من جهة المخالفة للعامة.
أما المرجّح الأول فهو في جانب الطائفة الثانية لأنّ العمدة فيها هي الصحيحة، وراويها زرارة، وهو من أجلّ الأصحاب، وأعلاهم كعباً، وأرفعهم مقاماً، وأكثرهم علماً، وهو من القوّامين بالقسط القوّالين بالصدق(1) ، وهو من أحبّ الناس إلى أبي عبد الله (علیه السلام) حيّاً وميّتاً(2) ، وقد ترحّم عليه الإمام الصادق (علیه السلام) فقال: رحم الله زرارة بن أعين، لولا زرارة ونظراؤه لاندرست أحاديث أبي(علیه السلام)(3)، وقال (علیه السلام): لولا زرارة لظننت أنّ أحاديث أبي ستذهب(4) ، إلى غير ذلك من الروايات الدالة على جلالة قدره وأنه من السابقين المقرّبين(5).
وأما المرجّح الثاني فهو في جانب الطائفة الثانية أيضاً، فإنّ عدد رواياتها أكثر من اثني عشر رواية، ولم نقف على أكثر من روايتين من طرق الخاصة في الطائفة الأولى.
وأما المرجّح الثالث فقد يقال: إنّه في جانب الطائفة الأولى؛ لأنّها موافقة
ص: 43
لظاهر الكتاب حيث قال الله سبحانه وتعالى: «وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً» وظاهر ذلك أنه لم يكن لغير آدم وحواء دخل في البثّ وانتشار النسل كما تقدم بيان ذلك، وأما بناء على القول الثاني فليس البثّ منحصراً فيهما بل معهما غيرهما من الحور والجن.
هذا، ولكنا نقول: إن كان المراد بالبث هو انتشار النسل على نحو الإطلاق أي الشامل للطبقات المتأخرة أيضاً فالكلام تام، ويكون المرجّح في جانب الطائفة الأولى.
وأما إذا كان المراد بالبثّ هو الانتشار الأول أي انتشار الرجال والنساء من آدم وحواء فقط ولا يشمل الطبقات المتأخرة فليست روايات الطائفة الثانية مخالفة له، كما أنّ روايتي الطائفة الأولى ليستا موافقتين له، بل الآية ساكتة عن الطبقات المتأخرة.
واستفادة هذا المعنى من الآية الشريفة قريبة جداً، فإنه قد ورد في بعض الأخبار المتقدمة أنّ حواء قد ولدت لآدم عشرين بطناً في كل بطن ذكر وأنثى، وفي بعضها أنها قد ولدت ماءة وعشرين بطناً وفي كل بطن ذكر وأنثى، وفي رواية العلل أنّ آدم ولد له سبعون بطناً في كل بطن غلام وجارية(1) .
وإذا كان عدد الذكور والإناث ماءتين وأربعين، أو ماءة وأربعين، أو أربعين فإنه يصدق عليه أنّ البثّ من آدم وحواء ولا يتوقّف على شموله للطبقاتالمتأخرة.
وهو الظاهر من بعض تفاسير العامة، فإنّ السيوطي في درّه المنثور قد اكتفى في تفسير قوله تعالى: «وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً» برواية ابن عباس
ص: 44
الدالّة على أنّ حواء ولدت لآدم عشرين بطناً في كل بطن ذكر وأنثى(1) .
وقال المراغي في تفسيره بعد قوله تعالى: «وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً»: أي ونشر من آدم وحواء نوعي جنس الإنس وهما الذكور والإناث فجعل النسل من الزوجين كليهما ...(2) .
مضافاً إلى أنّ وصف الرجال بالكثرة دون النساء يؤيّد أنّ المراد بالبثّ هو الانتشار الأول، وذلك لأنّ الله تعالى عوّض آدم بعد مقتل هابيل بشيث ويافث كما في بعض الروايات، فصار عدد الرجال أكثر من عدد النساء، ولو كان الملحوظ في الآية جميع الطبقات لم يصدق ذلك، إذ قد يكون النساء أكثر عدداً من الرجال.
والحاصل: أنّ هذا المرجّح _ وهو العمدة في ما ذهب إليه العلامة الطباطبائي في الميزان _ غير تام.
وأما المرجّح الرابع فهو في جانب الطائفة الثانية أيضاً كما هو واضح، لأنه مخالف للمشهور عند العامة.والنتيجة أنّ المرجحات كلّها تقتضي تقديم الطائفة الثانية. ما عدا المرجّح الثالث فإنّه ليس مع أحدهما، فالظاهر هو صحّة القول الثاني الموافق لقواعد الشرائع، ومذاق أهل الشرع، والموجب لتطهير ساحة الأنبياء والأولياء وصفوة الخلق من دنس الفحشاء والمنكر.
ويؤيد ما رجّحناه، ما ثبت علمياً كقاعدة مسلّمة بين علماء الطب المتخصّصين في أمراض الدم، من أنّ فصائل دم الأولاد تابعة لدم أحد الوالدين (الأب أو الأم) ، ولا يمكن أن يخرج عن أحدهما، فلو كان تكاثر طبقات البشر ناشئاً من التناكح بين الأخوة والأخوات للزم أن تكون جميع فصائل دم أفراد
ص: 45
البشر لا تتجاوز فصيلتين مع أنها متعددة بلا إشكال كما هو مقرّر عندهم.
فيمكن أن يقال: إنّ هذا التعدّد في فصائل الدم ناشىء من التزاوج الحاصل بين الإنسان وبين غيره من الأجناس الأخرى كالحور أو الجن في بداية التناسل البشري، على ما تقدم بيانه.
ويعضد ذلك ما سنذكره قريباً.
ثم إنّ هناك نظرية ثالثة في كيفية تكاثر البشر وتناسلهم وقد ذكرت على أنها مجرّد احتمال، وحاصلها أنّ آدم (علیه السلام) قد زوّج أبناءه من بقايا السلالات البشرية السابقة عليه التي كانت تعيش على الأرض قبل أن يهبط آدم إليها من الجنة، فقد ورد في بعض الروايات أنّ الله تعالى خلق ألف ألف عالم وألف ألفآدم (ونحن) في آخر تلك العوالم وأولئك الآدميين(1) .
وقد يؤيّد ذلك أولاً: بأنّ الفترة الزمنية الفاصلة بيننا وبين آدم (علیه السلام) لا تتجاوز عشرة آلاف سنة، وهي فترة زمنية قصيرة بالنسبة إلى ما قرره علماء طبقات الأرض وما توصّلوا إليه من مكتشفات قدّروا أعمارها بمئات الآلاف من السنين.
وثانياً: بأنه وردت بعض الروايات تدلّ على وجود بعض المخلوقات كانت تعيش على الأرض قبل آدم (علیه السلام) بزمن طويل، ومن ذلك ما ورد في معتبرة جابر بن يزيد الجعفي عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين عن أبيه عن آبائه (علیهم السلام) عن أمير المؤمنين (علیه السلام) قال: إنّ الله تبارك وتعالى أراد أن يخلق خلقاً بيده وذلك بعدما مضى من الجنّ والنسناس في الأرض سبعة آلاف سنة، وكان من شأنه خلق آدم ...(2) .
وغيرها من الروايات(3) الدالة على وجود الحياة على الأرض قبل آدم (علیه السلام) .
ص: 46
وهذه النظرية وإن ذكرناها على أنها مجرد احتمال وهي من جهة الثبوت تامة، ويرتفع بها كثير من الإشكالات، إلاّ أن الكلام في جهة الإثبات وقيام الدليلعليها.
وبعد: فهذا ما أردناه في هذا المدخل. وأما المقصود بالذات فهو ما سيأتي في ضمن الفصول القادمة.
والحمد لله رب العالمين
ص: 47
ص: 48
وهي من المسائل الابتلائية ولا سيّما في زماننا هذا، ونظراً لأهمّيتها وكثرة الابتلاء بها لابدّ من البحث حولها بما يناسب المقام.
وينبغي أولاً تعيين مواضع البحث من هذه المسألة، وثانياً بيان الأحكام المتعلّقة بها على ضوء الأدلة الأولية والثانوية.
أما مواضع البحث فهي مناكحة الكافر والمخالف، وذلك لأنّها تارة تكون مع الكافر الكتابي أو مع من له شبهة كتاب كالمجوسي، وأخرى مع الكافر غير الكتابي، وثالثة مع من حكم بكفره كالنواصب والغلاة والخوارج، ورابعة مع المخالف غير من تقدّم.
ثمّ إنّ هذه الأقسام الأربعة تارة يكون النكاح فيها ابتدائياً، وأخرى بقائياً كما أنه تارة يكون نكاحاً دائماً، وأخرى منقطعاً، والزوج تارة يكون رجلاً وأخرى امرأة والحاصل من ذلك ستة عشر قسماً.
وأما بيان أحكام هذه المواضع فيقع الكلام فيها في مقامات خمسة:
الأول: مع المشرك والكافر غير الكتابي.
الثاني: مع أهل الكتاب.
الثالث: مع من له شبهة كتاب كالصابئة والمجوس والسامرة.
الرابع: مع المخالف.
الخامس: في مناكحة هذه الأصناف فيما بينهم.
ص: 49
أما المقام الأول: وهو الكافر غير الكتابي _ رجلاً كان الزوج أو امرأة _ فمناكحته باطلة بجميع أقسامها الثمانية، بإجماع المسلمين فضلاً عن المؤمنين كما في الجواهر(1) ، مضافاً إلى دلالة الكتاب والسنة المستفيضة على ذلك.
وأما المقام الثاني: وهو الكافر الكتابي فقد اختلفت كلمات الخاصة على ستّة أقوال:
الأول: التحريم مطلقاً وهو مذهب المرتضى(2) ، والشيخ المفيد في أحد قوليه(3)، وهو أحد قولي الشيخ الطوسي أيضاً(4) ، وقواه ابن إدريس(5) .
قال السيد المرتضى: مما انفردت به الإمامية حظر نكاح الكتابيات(6) .
وقال الشيخ في الخلاف: المحصّلون من أصحابنا يقولون: لا يحلّ نكاح من خالف الإسلام لا اليهود ولا النصارى ولا غيرهم، وقال قوم من أصحاب الحديث من أصحابنا يجوز ذلك، وأختار في كتابي الأخبار التحريم أيضاً مطلقاً(7).
الثاني: الجواز مطلقاً وهو منقول عن الشيخ علي بن الحسين بن بابويه(8)وابنه(9) وابن عقيل(10) .
قال الشيخ علي على ما نقله عنه في المختلف: وإن تزوجت يهودية أو
ص: 50
نصرانية فامنعها من شرب الخمر، وأكل لحم الخنزير(1) ، وقواه صاحب الجواهر(2) .
الثالث: جواز المتعة اختياراً والدوام اضطراراً، وهو مذهب الشيخ في النهاية(3) ، وابن حمزة(4) ، وابن البرّاج(5) .
الرابع: عدم جواز العقد بحال، وجواز الوطىء بملك اليمين، وهو مذهب الشيخ المفيد(6) في قوله الآخر.
الخامس: جواز المتعة وملك اليمين وتحريم الدوام، ونقل عن أبي الصلاح(7) وسلاّر وهو ظاهر الشيخ في المبسوط(8) واختاره المتأخرون(9) .السادس: تحريم نكاحهن مطلقاً اختياراً، وتجويزه مطلقاً اضطراراً، وتجويز الوطي بملك اليمين، ونقل عن ابن الجنيد(10) .
وأما العامة فقد نقل الشيخ في الخلاف بعض ما هم عليه، قال بعد أن ذكر مذهب الخاصّة:
... وأجاز جميع الفقهاء التزويج بالكتابيّات، وهو المروي عن عمر، وعثمان، وطلحة، وحذيفة، وجابر. وروي أنّ عماراً نكح نصرانية، ونكح طلحة نصرانية، ونكح حذيفة يهودية. وروي عن عمر كراهية ذلك، وإليه ذهب
ص: 51
الشافعي(1) .
وقال في موضع آخر: لا يحل للمسلم نكاح أمة كتابية، حرّاً كان أو عبداً، وبه قال في الصحابة عمر، وابن مسعود، وفي التابعين الحسن البصري، ومجاهد، والزهري. وفي الفقهاء مالك والشافعي، والأوزاعي، والليث بن سعد، والثوري، وأحمد، وإسحاق(2) .
والفرق بين الموضعين أنّ الأول في نكاح الحرائر، والثاني في الإماء.
وقال في المغني: ليس بين أهل العلم بحمد الله اختلاف في حلّ حرائر نساء أهل الكتاب، وممّن روي عنه ذلك عمر، وعثمان، وطلحة، وحذيفة، وسلمان، وجابر، وغيرهم، وقال ابن المنذر: ولا يصحّ عن أحد من الأوائل أنه حرّم ذلك ... وبه قال سائر أهل العلم، وحرمته الإماميّة تمسكاً بقوله تعالى: «وَلاتَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ » «وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ»(3) .
وقال في المحلّى: جائز للمسلم نكاح الكتابية، وهي اليهودية والنصرانية والمجوسية بالزواج، ولا يحلّ له وطىء أمة غير مسلمة بملك اليمين، ولا نكاح كافرة غير كتابية أصلاً، قال عليّ روينا عن ابن عمر تحريم نكاح نساء أهل الكتاب جملة ... وأباح أبو حنيفة ومالك والشافعي نكاح اليهودية والنصرانية ووطىء الأمة اليهودية والنصرانية بملك اليمين، وحرّموا نكاح المجوسية جملة ووطئها بملك اليمين، إلاّ أنّ مالك حرّم زواج الأمة اليهودية والنصرانية، وأباح نكاح المجوسية بملك اليمين(4) ، وقال: لا يحلّ لمسلم نكاح غير مسلم أصلاً(5) .
ص: 52
وقال في الفقه على المذاهب الأربعة: المخالفون للمسلمين في العقيدة ثلاثة أنواع:
الأول: لا كتاب لهم سماوي ولا شبهة كتاب ... ويلحق بهؤلاء المرتدون الذين ينكرون المعلوم من الدين الإسلامي بالضرورة، والرافضة الذين يعتقدون أنّ جبرئيل غلط في الوحي، فأوحى إلى محمد مع أنّ الله أمره بالإيحاء إلى علي، أو يعتقدون أنّ علياً إلهاً، أو يكذب بعض آيات القرآن فيقذف عائشة ... .
الثاني: قسم لهم شبهة كتاب، وهؤلاء هم المجوس.
الثالث: قسم لهم كتاب محقّق تؤمن به كاليهود الذين يؤمنون بالتوراة، والنصارى الذين يؤمنون بالتوراة والإنجيل، فهؤلاء تصحّ مناكحتهم بمعنى أنهيحلّ للمؤمن أن يتزوّج الكتابية ولا يحلّ للمسلمة أن تتزوّج الكتابي، كما لا يحلّ لها أن تتزوّج غيره، فالشرط في صحّة نكاح المسلمة أن يكون الزوج مسلماً ...(1) .
ومن ذلك يتبين أنّ نكاح الكتابية عندهم جائز بل عليه دعوى إجماعهم، كما أنّ المشهور عندهم عدم جواز نكاح المسلمة للكتابي، وأنّ في نكاح الأمة الكتابية بملك اليمين خلافاً ولعلّ المشهور عندهم فيه هو الجواز.
ثم إنّ ما يثير الدهشة والعجب ما نسبه صاحب الفقه على المذاهب الأربعة إلى الرافضة من اعتقادهم بغلط الوحي وتأليه علي وقذف عائشة، فإن كان مراده الشيعة الإمامية فليته أشار إلى مصدر من مصادرهم ذكروا فيه ذلك، وكان على هذا الكاتب بدل أن يلقي الكلام على عواهنه ويجترّ ما سطّره أسلافه أن يتثبّت في الأمر ونحن في عصر الانفتاح _ كما يُدّعى _ وهو من المعاصرين، وكان بإمكانه أن يتعرّف على عقائد الشيعة عن كثب، فليست النجف الأشرف
ص: 53
حاضرة العلم الشيعي، أو قم المقدسة عش آل محمد بعيدتين عن مصر التي ألف فيها الكاتب كتابه وأهداه إلى شيخ الأزهر، فهل هذا هو مقتضى الأمانة العلمية؟! أليس ما فعله هذا الكاتب أسلوباً من أساليب الخداع والتضليل وتشويه الحقائق والتدليس، ولو رجع هذا الكاتب إلى مصادر الشيعة لرأى أنّ فقهاء الشيعة يفتون بكفر من يقول بذلك ويعتقد به، وكم فرق بين الأمرين، ولكن كلّ إناء بالذي فيه ينضح، وتلك شكاة ظاهر عنك عارها، وإنها لشنشنة نعرفها ... ، نعوذ بالله من الخذلان والزور والبهتان والظلم والعدوان، وإنا للهوإنّا إليه راجعون.
ثمّ إنّ المشهور عند الإمامية هو القول الأول والخامس، وهو عدم جواز نكاح الكتابية مطلقاً، والتفصيل بين النكاح الدائم وبين المنقطع وملك اليمين فلا يجوز في الأول دون الأخيرين، نعم قوّى صاحب الجواهر القول الثاني كما تقدّم.
هذا وقد استدلّ لكل من الحرمة والجواز بالآيات والروايات.
أما ما استدلّ به على الحرمة من الكتاب فعدة آيات:
الأولى: قوله تعالى: «وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ ...»(1).
وهي واضحة الدلالة في النهي عن نكاح المؤمنين للمشركات ونكاح المؤمنات للمشركين، والآية وإن كان ظاهرها يختصّ بالمشركين والمشركات إلاّ أنّ شمولها لليهود والنصارى إما لجهة أنهم مشركون في الواقع كما يظهر من بعض الآيات الأخرى على ما حققناه في محلّه في الجزء الأول من هذا الكتاب، وإما من جهة تعليق المنع على الغاية وهو الإيمان فيدلّ على اشتراطه
ص: 54
في النكاح، وإما من جهة ما ورد في ذيل الآية الشريفة وهو قوله تعالى: «أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَىالنَّارِ » فالعلّة عامة لا تختصّ بالمشرك بل تشمل اليهود والنصارى أيضاً.
الثانية: قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمْ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنفَقُوا وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ» (1) .
ومحل الشاهد قوله تعالى: «وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ» فإنّ العصم جمع عصمة وهو ما يعتصم به من عقد وسبب(2) كملك اليمين، والنهي في الآية عن الإمساك بعصم الكوافر مطلق لا يختصّ بالمشركة فيشمل الكتابية أيضاً، وعليه فدلالة الآية واضحة، ويؤكدها ما ورد في الآية الشريفة، وهو قوله تعالى: « فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ » .
الثالثة: قوله تعالى: «وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمْ الْمُؤْمِنَاتِ...» (3) .
وقد استدلّ بهذه الآية على عدم جواز نكاح الكتابيات بوجوه:
الأول: بمفهوم المخالفة، وذلك لأنّ منطوق الآية يدلّ على أنّ من لم يستطع نكاح المحصنات المؤمنات فعليه بنكاح الإماء المؤمنات، ومفهومه عدم جواز نكاح غير المؤمنات، ولو كان نكاح غير المؤمنات جائزاً لما كانت حاجة إلى تعيينالنكاح بالإماء المؤمنات، ولكانت الكتابيات عدلاً للمؤمنات، ولم يقل بذلك أحد، فالاختصاص بالإماء المؤمنات عند عدم التمكّن من نكاح
ص: 55
الحرائر يدلّ على عدم جواز نكاح غير المؤمنات.
الثاني: بمفهوم الموافقة وذلك لأنّه إذا كان مع عدم الطول لا يجوز نكاح الكتابية فعدم الجواز مع الطول من باب أولى.
الثالث: بمفهوم الوصف _ في خصوص المورد _ فإنّ قوله تعالى: «فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمْ الْمُؤْمِنَاتِ » يدلّ على عدم جواز نكاح غير المؤمنات.
الرابعة: بمقتضى قوله تعالى: «لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ »(1) .
والآية الشريفة تنهى عن موادة الكافر، وإنّ من أجلى مصاديق الموادّة الزواج كما أشير إلى ذلك في قوله تعالى: «وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً »(2) .
الخامسة: بمقتضى قوله تعالى: «لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ»(3).
والآية الشريفة تنفي الاستواء مطلقاً من جميع الجهات ومنها المناكحة، فإنّ المعتبر في المناكحة الكفاءة والاستواء ولا أقل من جهة الدين.والحاصل: أنّ المستفاد من هذه الآيات عدم جواز نكاح الكتابيات.
وأما ما استدلّ به من الكتاب على حلّية نكاح نساء أهل الكتاب فهو قوله تعالى: «الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ...»(4).
ص: 56
فقد قيل: إنّ هذه الآية ناسخة للآيات المتقدمة، وهي تدلّ على جواز نكاح الكتابية، ودلالتها واضحة على ذلك، فلا مناص عن الأخذ بها دون الآيات المتقدمة.
ولكن قد يقال: إنّ هذه الآية منسوخة لا ناسخة، ويدلّ على ذلك عدّة روايات:
منها: صحيحة زرارة بن أعين قال: سألت أبا جعفر (علیه السلام) عن قول الله عزوجل: «وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ» فقال: هي منسوخة بقوله: «وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ» (1) .
وهي واضحة في دلالتها وتامة في سندها.
ومنها: موثقة الحسن بن الجهم، قال: قال لي أبو الحسن الرضا (علیهالسلام): يا أبا محمد ما تقول في رجل تزوج نصرانية على مسلمة؟ قال: قلت: جعلت فداك وما قولي بين يديك؟ قال: لتقولنّ فإنّ ذلك يعلم به قولي، قلت: لا يجوز تزويج النصرانية على مسلمة ولا غير مسلمة، قال: ولم؟ قلت: لقول الله عزوجل: «وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ» قال: فما تقول في هذه الآية: «وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ» قلت: فقوله: «وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ» نسخت هذه الآية، فتبسم ثم سكت(2) .
وظاهر هذه الرواية حيث إنّ الإمام (علیه السلام) قرّر كلام الحسن بن الجهم بتبسّمه وسكوته، أنّ الآية منسوخة، وسند الرواية معتبر.
غاية الأمر أنّ الناسخ للآية في هذه الرواية هو قوله تعالى: «وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ» وفي صحيحة زرارة هو قوله تعالى: «وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ»
ص: 57
وذلك لا يوجب الإشكال فإن النسخ متحقق على كل حال بإحدى الآيتين والثانية تأكيد لها، على أنه سيأتي في بعض الروايات أنّ كلتا الآيتين ناسختان.
ومما يؤيد هاتين الروايتين عدة روايات أخرى:
منها: رواية أخرى لزرارة بن أعين عن أبي جعفر (علیه السلام) ، قال: لا ينبغي نكاح أهل الكتاب، قلت: جعلت فداك وأين تحريمه؟ قال: قوله : «وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ»(1) .والرواية من جهة دلالتها واضحة، إلاّ أنها من جهة السند غير تامة، فإنّ أحمد بن عمر الواقع في سندها _ وهو ابن كيسبة(2) بقرينة أنه الراوي لكتاب درست الواسطي _ لم يرد فيه توثيق، فهي ضعيفة السند فتكون مؤيدة لما تقدم، نعم يمكن تصحيح الرواية _ بناء على أنها من كتاب درست كما هو الظاهر _ عن طريق حميد بن زياد الواقع في طريقي الشيخ(3) والنجاشي(4) إلى كتاب درست الواسطي.
ومنها: ما رواه الطبرسي في مجمع البيان عند قوله تعالى: «وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ» قال: روى أبو الجارود عن أبي جعفر (علیه السلام) أنه منسوخ بقوله تعالى: «وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ» وبقوله: «وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ»(5) .
والرواية واضحة الدلالة وقد ذكر فيها أنّ كلتا الآيتين ناسختان، كما أشرنا إلى ذلك فيما تقدم، إلاّ أنها من جهة السند غير تامة.
ص: 58
ومنها: ما رواه العياشي في تفسيره عن مسعدة بن صدقة قال: سئل أبو جعفر(علیه السلام) عن قول الله : «وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ» قال: نسختها «وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ» (1) .ومنها: رواية أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن تزويج اليهودية والنصرانية قال: لا، قلت: قوله تعالى: «وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ» قال: هي منسوخة، نسخها قوله تعالى: «وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ»(2) .
ومنها: خبر الدعائم عن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه عن علي صلوات الله عليهم، أنه قال: إنّما أحلّ الله نساء أهل الكتاب للمسلمين إذا كان في نساء المسلمين قلة، فلما كثرت المسلمات قال الله عزوجل: «وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ» وقال: «وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ».
ونهى رسول الله (صلي الله علیه وآله) أن يتزوّج المسلم غير المسلمة وهو يجد مسلمة، ولا ينكح مشرك مسلمة(3) .
وهذه الرواية واضحة الدلالة، وقد اشتملت على بيان العلّة في الحلّية والتحريم.
والحاصل: أنّ الآية منسوخة ولا تنافي بينها وبين الآيات الدالة على التحريم.
هذا، ولكن للمناقشة في دلالة هذه الآيات مجال.
أما الآية الأولى ففيها: أنّ ظاهرها مختصّ بالمشركة، فإنّ المتبادر من لفظ المشركات _ كما في الآية الشريفة _ في إطلاق أهل الشرع غير أهل الكتاب.ويؤيده عطف المشركين على أهل
ص: 59
الكتاب وبالعكس في آيات عديدة من القرآن على ما بيّنا في البحث حول نجاسة الكفار في الجزء الأول من هذا الكتاب.
ثم إنّ أهل الكتاب وإن كانوا مشركين في العقيدة على ما يظهر من بعض الآيات، إلاّ أن الكلام في إطلاق لفظ المشرك عليهم لا نفي الشرك عنهم في عقيدتهم، ولا ملازمة بين الأمرين بمعنى صحّة إطلاق لفظ المشرك على كلّ مشرك في العقيدة، وإلاّ لزم إطلاق لفظ المشرك على المرائي في عبادته أيضاً لرجوع الرياء إلى الشرك في العقيدة.
وأما التمسك بالغاية وهي قوله تعالى: «حَتَّى يُؤْمِنَّ» وأن المنع علّق عليها.
ففيه: أنّ المراد من الإيمان هنا هو المعنى المقابل للشرك أي الإقرار والاعتراف بالله تعالى، وأما أن يكون المراد به خصوص الإسلام فغير ظاهر.
وأما التمسك بذيل الآية وهو قوله تعالى: «أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ...» وأنّ هذه العلة لا تختصّ بالشرك.
ففيه: أنّ الصغرى ممنوعة، ولا نصّ على أنّ ذلك هو العلّة في التحريم، ولعلّ هناك مصالح أخرى للحكم بحرمة التزوّج من المشركة.
وأما الآية الثانية ففيها: أنّ جواز إبقاء النكاح والتمسّك بعقد الذمية بعد إسلام الزوج مما لا إشكال فيه بل هو مورد وفاق، وعليه فلابدّ من حمل النهي في الآية على التنزيه، وإذا كانت دلالة الآية على الحرمة في موردها غير تامة فكيف يمكن التمسّك بها في غير موردها وهو النكاح الابتدائي، ومنه يظهر ما في التأكيد بصدر الآية الشريفة.
ص: 60
وأما الآية الثالثة فدلالتها غير ثابتة، لاحتمال اهتمام الشارع بالفتيات المؤمنات والترغيب في نكاحهنّ وإن كنّ إماءً دون الكافرات وإن كن حرائر، مضافاً إلى أنّ عدم الطول ربما يقتضي بنفسه عدم التمكّن من نكاح حرائر أهل الكتاب أيضاً كالمسلمات، وعلى فرض التمكّن فيأتي احتمال الخصوصية المتقدم، لعدم الشكّ في أنّ نكاح الكتابيات مرغوب عنه في نظر الشرع، ومن ذلك تظهر الفائدة في الوصف بالمؤمنات فإنه لا مفهوم له في المقام، وبذلك تبطل الأولوية أيضاً.
وأما الآية الرابعة ففيها: أنّ النهي عن الموادّة من جهة المحادة لله لا مطلقاً، والنكاح وإن كان مقتضياً للموادة لكن لا من هذه الجهة فلا تدل على الحرمة، مضافاً إلى منع أن تكون جميع أفراد النكاح توجب المودّة دائماً وفي جميع الأحوال.
وأما الآية الخامسة ففيها: أنّ الظاهر منها هو الإخبار عن عدم الاستواء في المرتبة والمقام عند الله كما يظهر من نظائر هذه الآية، كقوله تعالى: « قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ»(1)، وقوله تعالى: «لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»(2) ، وقوله : «قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ»(3) ، وقوله: «قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ»(4) ، وقوله: «وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُوَلا الأَمْوَاتُ»(5) ، وقوله تعالى: «لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا»(6) وغيرها من الآيات
ص: 61
الكثيرة، ولولا ذلك لشمل العصاة من المؤمنين أيضاً، ويترتب عليه عدم جواز المناكحة، ولم يقل بذلك أحد.
وأما الآية الأخيرة فقد نوقش في كونها منسوخة بوجوه:
الأول: أنّ هذه الآية جزء من سورة المائدة وهي آخر سورة نزلت على النبي(صلي الله علیه وآله)، فإنها نزلت قبل أن يقبض رسول الله (صلي الله علیه وآله) بشهرين كما في صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (علیهما السلام) عن أمير المؤمنين (علیه السلام) في حديث طويل ... إنما نزلت المائدة قبل أن يقبض بشهرين(1) .
وفي صحيحة زرارة عن أبي جعفر (علیه السلام): ... إنما نزلت المائدة قبل أن يقبض بشهرين أو ثلاثة(2) .
وقد ورد في بعض الروايات أن هذه السورة نزلت كملاً ونزل معها سبعون ألف ملك(3) وهي مدنية كلها إلاّ قوله: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ » فإنه نزلفي يوم غدير خم بعد منصرف النبي (صلي الله علیه وآله) من حجة الوداع(4) .
ومما يؤيد أن سورة المائدة هي آخر ما نزل على النبي (صلي الله علیه وآله) ما رواه العياشي في تفسيره بإسناده عن قيس بن عبد الله عن أبيه عن جدّه عن علي (علیه السلام) قال: كان القرآن ينسخ بعضه بعضاً، وإنما كان يؤخذ من أمر رسول الله (صلي الله علیه وآله) بآخره. فكان آخر ما نزل عليه سورة المائدة نسخت ما قبلها ولم ينسخها شيء، ولقد نزلت عليه وهو على بغلة شهباء، وثقل عليها الوحي حتى وقفت وتدلّى بطنها حتى رأيت سرّتها تكاد تمس الأرض، وأغمي على رسول الله (صلي الله علیه وآله) حتى وضع يده على ذؤابة شيبة بن وهب الجمحي، ثم رفع ذلك عن رسول الله (صلي الله علیه وآله)،
ص: 62
فقرأ علينا سورة المائدة، فعمل رسول الله وعملنا(1) .
وما رواه العياشي أيضاً عن زرارة وأبي حنيفة جميعاً عن أبي بكر بن حزم قال: توضأ رجل فمسح على خفّيه فدخل المسجد يصلّي فجاء علي (علیه السلام) فوطأ على رقبته وقال: ويلك تصلّي على غير وضوء، فقال: أمرني به عمر بن الخطّاب قال: فأخذ به فانتهى به إليه، فقال: انظر ما يروي هذا عليك، ورفع صوته فقال: نعم أنا أمرته، إنّ رسول الله (صلي الله علیه وآله) مسح على خفّيه فقال: قبل المائدة أو بعدها؟ قال: لا أدري، قال: فلم تفتي وأنت لا تدري؟!سبق الكتاب الخفين(2) .
وما رواه السيد المرتضى في رسالة (المحكم والمتشابه) نقلاً من تفسير النعماني بإسناده عن علي (علیه السلام) قال: وأما الآيات التي نصفها منسوخ ونصفها متروك بحاله لم ينسخ وما جاء من الرخصة في العزيمة فقوله تعالى: «وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ» وذلك أنّ المسلمين كانوا ينكحون في أهل الكتاب من اليهود والنصارى وينكحونهم حتى نزلت هذه الآية نهياً أن ينكح المسلم من المشرك أو ينكحونه، ثم قال تعالى في سورة المائدة ما نسخ هذه الآية فقال: «وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ» فأطلق الله مناكحتهن بعد أن كان نهى، وترك قوله: «وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا» على حاله لم ينسخه(3) .
ص: 63
ونحوه ما ذكره علي بن إبراهيم القمي في تفسيره(1) وهو وإن لم يسنده إلى المعصوم إلاّ أنّ الظاهر أن ما يورده في كتابه هو من تفسير الإمام (علیه السلام) كما هي طريقة المحدثين.
وروى السيوطي في الدر المنثور أنّ سورة المائدة هي آخر ما نزل على النبي(صليالله علیه وآله)(2).
فإذا كان الأمر كذلك فكيف تكون الآية منسوخة؟!
وأما ما ورد من صحيحة زرارة وموثقة الحسن بن الجهم وغيرهما من الروايات الدالة على أنها منسوخة فهي وإن كانت معارضة لهذه الروايات إلاّ أنّ الظاهر أنّ الترجيح لهذه الروايات لكونها منسجمة مع زمان نزول السورة.
الثاني: أنّ في دلالة الروايات الدالة على أنّ هذه الآية منسوخة ضعفاً من جهتين:
الأولى: من جهة التنافي بينها فإنّ رواية زرارة تدل على أنّ الناسخ هو قوله تعالى: «وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ» وموثقة الحسن بن الجهم تدل على أنّ الناسخ هو قوله تعالى: «وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ» والظاهر أنّه لا يمكن الجمع بينهما لأنّ النسخ لا يقع مرتين إلاّ أن يُأَوّل بأنّ النسخ يتحقق بإحداهما ويكون إطلاق النسخ على الأخرى من باب التوسع لكونه بمنزلة الناسخ من حيث الدلالة على الحكم المخالف للمنسوخ، أو بمعنى أنّ لها شأنية النسخ وإن لم تكن ناسخة بالفعل، أو يقال بتكرر النسخ.
ولا تخلو هذه الوجوه عن تكلّف ظاهر.
الثانية: أنّ الآيتين في نفسهما ليس فيهما اقتضاء للنسخ وذلك؛ لأنّ آية
ص: 64
«وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ» واردة في مقام النهي عن الإبقاء إذ الإمساك ظاهر في الإبقاء على النكاح وهو ليس بمحرم إجماعاً فكيف يكون ناسخاً؟وأما قوله تعالى: «وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ» فعدم اقتضاء النسخ فيها من جهة اختلاف الموضوع، فإنّ مورد هذه الآية النهي عن نكاح المشركات، وأما آية المائدة فموردها نساء أهل الكتاب، وظاهر الإطلاق في الآيات أنّ بينهما فرقاً كما ذكرنا، وعلى فرض التعميم يدور الأمر بين النسخ والتخصيص ولا إشكال أنّ التخصيص أولى من النسخ.
وبعبارة أخرى: إما أن يكون قوله تعالى: «وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ» ناسخاً لآية المائدة؛ بناء على إطلاق لفظ المشركات على نساء أهل الكتاب بمقتضى عمومها، وإما أن تكون آية المائدة مخصّصة لقوله: «وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ» والحمل على التخصيص أولى من الحمل على النسخ.
الثالث: أنّ آية المائدة لا تحتمل أن تكون منسوخة وذلك لجهتين أيضاً:
الأولى: أنّ سياق الآية حيث صدّرت بقوله: «الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمْ» يفيد أنّه كان محرّماً من قبل ثم حكم بحليته، وكان الحكم بالحلية حادث بعد الحرمة فالمناسبة تقتضي أنّ الآية ناسخة لا منسوخة.
الثانية: أنّ المستفاد من الآية أنها واردة في مقام الامتنان والحكم الامتناني لا يحتمل فيه النسخ.
الرابع: أنّ هذه الآية موافقة للروايات الكثيرة الدالة على جواز نكاح الكتابيات، حتى أنّ صاحب الجواهر احتمل تواترها بخلاف صحيحة زرارة وموثقة الحسن بن الجهم والروايات المؤيدة لهما الدالّة على المنع، ومقتضى القاعدة في المقام هو إما أن تُأَوّل وإما أن يردّ علمها إلى أهلها.
والحاصل: أنه لا دليل على حرمة نكاح حرائر أهل الكتاب.
ص: 65
والتحقيق: إنّ دلالة الآيات تارة تلحظ في أنفسها مع قطع النظر عن الروايات، وأخرى مع ملاحظة الروايات، فإن كان النظر فيها على النحو الأول فلا نسخ لأيّ من هذه الآيات الثلاث للأخرى، وذلك لأنّ آية البقرة وردت في النهي عن نكاح المشركات فموردها يختلف عن مورد آية المائدة الواردة في جواز نكاح الكتابيات، ولا تنافي بينهما حتى يوجب نسخ أحدهما بالأخرى، وعلى فرض التعميم وشمول آية البقرة للكتابيات أيضاً فهي مخصّصة بآية المائدة كما تقدم، والمستفاد من ذلك حلّية نكاح الكتابية مطلقاً أي دائماً ومنقطعاً أو خصوص المنقطع، بناء على ما قيل من أنّ قوله تعالى: «إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ» قرينة على إرادة النكاح المنقطع دون الدائم، وعلى أي تقدير يكون إطلاق النسخ على آية المائدة ليس على حقيقته.
وأما آية الممتحنة فهي مختصّة بالدوام وأن قوله تعالى: «وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ» يدلّ على عدم جواز النكاح الدائم حدوثاً وبقاء.
وأما آية المائدة فعلى فرض كونها ظاهرة في النكاح المنقطع فموردها أيضاً يختلف عن مورد آية الممتحنة، ولعلّ تقييد الحكم بقوله تعالى: «الْيَوْمِ» مع ذكر المحصنات من المؤمنات، قرينة على تشريع حكم النكاح المنقطع، وعليه فلا تنافي بين الآيتين، وعلى فرض التعميم وشمول آية المائدة للنكاح الدائم تكون النسبة بين الآيتين عموم من وجه حيث إنّ آية الممتحنة أعمّ من جهة الكفر وأخصّ من جهة الدوام وآية المائدة بالعكس فهي أعم من جهة الدوام والانقطاع وأخصّ من جهة الكتابية، ومورد الاجتماع هو نكاح الكتابية دواماً، وبناء على ذلك فإمّا أن يقال بتقديم آية المائدة لكونها متأخرة زماناً وهي ناسخةلآية الممتحنة.
وإما أن يقال بالتساقط والمرجع حينئذ إلى أصالة الحل .
ص: 66
وإن كان النظر إلى الآيات مع ملاحظة الروايات الواردة وقطع النظر عن التعارض بين الآيتين فيحكم _ بمقتضى صحيحة زرارة المؤيدة بعدة روايات أخرى _ بأنّ آية الممتحنة هي الناسخة للتصريح بذلك في الرواية، بخلاف موثقة الحسن بن الجهم فإنّ سكوت الإمام (علیه السلام) وإن كان يدلّ على أصل الحكم وهو الحرمة، إلاّ أن استدلال الحسن بن الجهم بآية البقرة على النسخ ليس في صراحة صحيحة زرارة فدلالتها على ذلك ضعيفة، ولم يرد في رواية معتبرة أخرى أنّ آية البقرة هي الناسخة.
فإن قلنا بأنّ آية الممتحنة هي الناسخة ودلالتها على الحرمة تامة فلابدّ من التعويل عليها، وحينئذ يمكن القول إنّ ظاهر الكتاب يدل على الحرمة.
وما يقال من أنّ سورة المائدة هي آخر ما نزل على النبي (صلي الله علیه وآله) محمول على أنّ المراد به هو المجموع لا الجميع أو لغيره من الوجوه.
وإن قلنا: بعدم دلالة آية الممتحنة على الحرمة لقيام الإجماع والنصوص على عدم الحرمة في موردها وهو النكاح البقائي، وكذا بناء على القول بتحقّق التعارض بين الروايات فلا تصحّ لأن تكون ناسخة، ولابدّ من التماس طرق المعالجة كما سيأتي.
وأما الروايات التي استدل بها على ذلك فهي على قسمين:القسم الأول: ما يدلّ على الحرمة مطلقاً وهي عدة روايات:
منها: صحيحة زرارة بن أعين(1) المتقدمة.
ومنها: موثقة الحسن بن الجهم(2) المتقدمة أيضاً، فإنها تدلّ على الحرمة من تقرير الإمام (علیه السلام) وقوله (علیه السلام): «لتقولنّ فإنّ ذلك يعلم به قولي» .
ص: 67
ومنها: صحيحة محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: سألته عن نصارى العرب أتؤكل ذبائحهم؟ فقال: كان علي (علیه السلام) ينهى عن ذبائحهم، وعن صيدهم، وعن مناكحتهم(1) .
وهذه الرواية وإن رواها الكليني(2) عن سهل بن زياد، إلاّ أن الشيخ(3) قد رواها بسند صحيح، فلا إشكال في اعتبار الرواية من حيث السند، كما أنها من جهة الدلالة واضحة.
ومنها: رواية زرارة بن أعين(4) المتقدمة وفي سندها أحمد بن عمر بن كيسبة،وقد تقدم الكلام فيه، وقلنا بإمكان تصحيح سندها وذكرنا وجهه.
ويؤيد ذلك غيرها مما تقدم.
القسم الثاني: الروايات الدالة على الجواز وهي على طوائف:
الطائفة الأولى: ما يدل على كراهة نكاح الكتابية، وهي عدة روايات:
منها: صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (علیه السلام) في حديث قال: وما أحبّ للرجل المسلم أن يتزوّج اليهودية ولا النصرانية، مخافة أن يتهوّد ولده أو يتنصّر(5) .
وهي ظاهرة في الكراهة، فإنّ قوله (علیه السلام): «وما أحبّ» ظاهر في ذلك.
ومنها: صحيحة معاوية بن وهب وغيره جميعاً عن أبي عبد الله (علیه السلام) في الرجل المؤمن يتزوّج اليهودية والنصرانية، فقال: إذا أصاب المسلمة فما يصنع باليهودية والنصرانية؟ فقلت له: يكون له فيها الهوى، قال: إن فعل فليمنعها من
ص: 68
شرب الخمر وأكل لحم الخنزير، واعلم أنّ عليه في دينه غضاضة(1) .
ومحل الشاهد قوله (علیه السلام): «واعلم أنّ عليه في دينه غضاضة» فإنه ظاهر في الكراهة بقرينة قوله: «إن فعل فليمنعها ...» .
ومنها: موثقة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (علیه السلام) في حديث قال: لاينبغي للمسلم أن يتزوّج يهودية ولا نصرانية وهو يجد مسلمة حرّة أو أمة(2) .
ومنها: موثّقة يونس عنهم (علیهم السلام) قال: لا ينبغي للمسلم المؤسر أن يتزوج الأمة إلاّ أن لا يجد حرّة، وكذلك لا ينبغي له أن يتزوج امرأة من أهل الكتاب إلاّ في حال ضرورة حيث لا يجد مسلمة حرّة ولا أمة(3) .
والظاهر من قوله (علیه السلام) في كلتا الروايتين: «لا ينبغي» هو الجواز على كراهية. نعم قيّد الجواز في الرواية الثانية بحال الضرورة.
ومنها: موثقة حفص بن غياث، قال: كتب بعض إخواني أن أسأل أبا عبد الله(علیه السلام) عن مسائل، فسألته عن الأسير هل يتزوّج في دار الحرب؟ فقال: أكره ذلك، فإن فعل في بلاد الروم فليس هو بحرام هو نكاح، وأما في الترك والديلم والخزر فلا يحلّ له ذلك(4) .
والمستفاد من الرواية هو التفصيل بين المشركات والكتابيات فيجوز في الثاني دون الأول، وقوله (علیه السلام): «أكره ذلك» نصّ في الدلالة على الكراهة.
ومما يؤيد ذلك رواية أبي البختري عن جعفر عن أبيه أنه كره مناكحة أهل الحرب(5) والرواية بإطلاقها شاملة لنكاح الكتابيات.الطائفة الثانية: ما يدل على جواز نكاح البله من الكتابيات.
ص: 69
ومنها: موثّقة زرارة بن أعين قال: سألت أبا جعفر (علیه السلام) عن نكاح اليهودية والنصرانية، فقال: لا يصلح للمسلم أن ينكح يهودية ولا نصرانية، إنما يحلّ منهنّ نكاح البله(1) .
ومنها: موثقة حمران بن أعين، قال: كان بعض أهله يريد التزويج فلم يجد مسلمة موافقة، فذكرت ذلك لأبي عبد الله (علیه السلام) فقال: أين أنت من البله الذين لا يعرفون شيئاً(2) .
الطائفة الثالثة: ما يدل على جواز نكاح الكتابية مطلقاً استشهاداً بعمل بعض أصحاب النبي (صلي الله علیه وآله) .
ومنها: موثقة أبي مريم الأنصاري، قال: سألت أبا جعفر (علیه السلام) عن طعام أهل الكتاب، ونكاحهم حلال هو؟ قال: نعم، قد كانت تحت طلحة يهودية(3) .
ومحل الشاهد هو جواب الإمام (علیه السلام) ، وأما فعل طلحة وإن كان ليس بحجة إلاّ أنه لما كان بمرأى من النبي (صلي الله علیه وآله) وسكوته عن ذلك فيعلم من ذلك جوازه.
ويدلّ على ذلك صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (علیه السلام) قال:سألته عن نكاح اليهودية والنصرانية، فقال: لا بأس به، أما علمت أنه كانت تحت طلحة بن عبيد الله يهودية على عهد النبي (صلي الله علیه وآله) (4) .
والشاهد قوله (علیه السلام): «لا بأس به» وتقرير النبي (صلي الله علیه وآله) لفعل طلحة.
وكلتا الروايتين بإطلاقهما تدلاّن على الجواز سواء كان النكاح بقائياً أو ابتدائياً.
ص: 70
الطائفة الرابعة: ما يدلّ على جواز نكاح المسلمة على الذمية، وهي عدة روايات:
منها: موثقة سماعة بن مهران، قال: سألته عن اليهودية والنصرانية أيتزوجها الرجل على المسلمة؟ قال: لا، ويتزوج المسلمة على اليهودية والنصرانية(1) .
ومنها: موثقة عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) هل للرجل أن يتزوّج النصرانية على المسلمة والأمة على الحرّة؟ فقال: لا تزوج واحدة منهما على المسلمة، وتزوج المسلمة على الأمة والنصرانية، وللمسلمة الثلثان، وللأمة والنصرانية الثلث(2) .
والرواية من حيث الدلالة تامة، وأما من جهة السند ففيه عبد الله بن محمد، والظاهر أنه عبد الله بن محمد بن عيسى المسمى بنان(3) لرواية محمد بن يحيى عنه(4)وهو وإن لم يرد فيه توثيق إلاّ أنه واقع في أسناد كتاب نوادر الحكمة(5) ، ولم يستثنه ابن الوليد وذلك كاف للحكم بوثاقته، وعليه فالرواية معتبرة من حيث السند.
هذا وقد وردت هذه الرواية في نوادر أحمد بن محمد بن عيسى بسند آخر معتبر ليس فيه عبد الله بن محمد، وهو عن القاسم عن أبان عن عبد الرحمن عن أبي عبد الله (علیه السلام) (6) . نعم لم يذكر فيها القسمة إلى الثلثين والثلث.
ص: 71
ثمّ إنّ الرواية بإطلاقها تدلّ على الجواز سواء كان النكاح ابتدائياً أو بقائياً، وأصرح منها في الدلالة على ذلك صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد الله (علیه السلام) في رجل تزوّج ذمية على مسلمة قال: يفرّق بينهما، ويضرب ثمن حدّ الزاني اثنا عشر سوطاً ونصفاً، فإن رضيت المسلمة ضرب ثمن الحد ولم يفرّق بينهما، قلت: كيف يضرب النصف؟ قال: يؤخذ السوط بالنصف فيضرب به(1) .
فهذه الرواية تدل على صحة النكاح مع رضا المسلمة، ومن سؤال الراوي وجواب الإمام (علیه السلام) يعلم أنّ النكاح ابتدائي لا بقائي.
ومنها: صحيحة أبي بصير _ المرادي _ عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: سألته عن رجل له امرأة نصرانية، له أن يتزوج عليها يهودية؟ فقال: إنّ أهل الكتاب مماليك للإمام، وذلك موسّع منا عليكم خاصة، فلا بأس أن يتزوج، قلت: فإنه تزوج عليها أمة، قال: لا يصلح له أن يتزوج ثلاث إماء، فإن تزوج عليهما حرةمسلمة ولم تعلم أن له امرأة نصرانية ويهودية ثم دخل بها فإنّ لها ما أخذت من المهر، فإن شاءت أن تقيم بعدُ معه أقامت، وإن شاءت أن تذهب إلى أهلها ذهبت، وإذا حاضت ثلاث حيض أو مرّت لها ثلاثة أشهر حلّت للأزواج، قلت: وإن طلق عليها اليهودية والنصرانية قبل أن تنقضي عدّة المسلمة، له عليها سبيل أن يردها إلى منزله؟ قال: نعم(2) .
وهي واضحة الدلالة.
الطائفة الخامسة: ما يدلّ على جواز التمتع بالكتابية في الجملة وهي عدّة روايات:
منها: مضمرة إسماعيل بن سعيد الأشعري، قال: سألته عن الرجل يتمتع
ص: 72
من اليهودية والنصرانية، قال: لا أرى بذلك بأساً، قال: قلت: فالمجوسية؟ قال: أما المجوسية فلا(1) .
والرواية من حيث الدلالة واضحة، وأما من حيث السند فهي وإن كانت مضمرة إلاّ أنها لا تقصر عن الصحيحة.
ومنها: معتبرة زرارة قال: سمعته يقول: لا بأس أن يتزوّج اليهودية والنصرانية متعة وعنده امرأة(2) .
والرواية واضحة الدلالة، وأما من جهة السند ففيه محمد بن سنان وقد رجّحنا الأخذ بروايته، فلا إشكال فيه من هذه الجهة، وأما الإضمار فيها فهوأيضاً مما لا يضر باعتبار السند.
ومنها: معتبرة محمد بن سنان عن الرضا (علیه السلام) قال: سألته عن نكاح اليهودية والنصرانية، فقال: لا بأس، فقلت: فمجوسية؟ فقال: لا بأس به يعني متعة(3) .
والمستفاد من هذه الرواية جواز نكاح المجوسية متعة بخلاف ما دلت عليه مضمرة الأشعري المتقدمة.
ومما يؤيّد ذلك مرسلة ابن فضّال عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: لا بأس أن يتمتع الرجل باليهودية والنصرانية وعنده حرّة(4) .
ورواية الحسن التفليسي قال: سألت الرضا (علیه السلام) أيتمتع من اليهودية والنصرانية؟ قال: يتمتع من الحرّة المؤمنة أحبّ إليّ وهي أعظم حرمة منهما(5) .
ص: 73
والرواية بظاهرها تدل على الجواز، وإنما جعلناها مؤيدة لما تقدم لأنّ الحسن التفليسي لم يرد فيه توثيق.
والحاصل: أنّ هذه الطوائف من الروايات كلها تدلّ على جواز نكاح المرأة الكتابية وهي في مقابل روايات القسم الأول الدالّة على الحرمة، وظاهر ذلك هو وقوع التعارض بين القسمين.
ويمكن الجمع بينها بأحد الوجوه الخمسة التالية:
الأول: حمل الروايات المجوزة على الضرورة، وشاهد الحمل على ذلك هو روايات الطائفة الأولى من القسم الثاني، وهو مستند القائلين بالجواز حال الضرورة كابن الجنيد على ما تقدم.
الثاني: حمل الروايات المجوّزة على جواز نكاح البله والمستضعفات، وشاهد الحمل على ذلك هو روايات الطائفة الثانية.
الثالث: حمل الروايات المجوّزة على المتعة وملك اليمين دون الدوام، وشاهد الحمل على ذلك هو روايات الطائفة الخامسة، وهو مستند القائلين بذلك كأبي الصلاح، وسلار، وظاهر الشيخ في المبسوط، وخيرة المتأخرين.
الرابع: حمل روايات الجواز على التقية لكونها موافقة للعامة بقرينة التعليل الوارد في بعض رواياتها واستنكاف الإمام (علیه السلام) عن التصريح بالحكم كما يظهر من موثقة الحسن بن الجهم، وعليه فيقال بالحرمة مطلقاً وهو مستند القائلين بذلك كالسيد المرتضى والشيخ المفيد والشيخ الطوسي في أحد قوليهم وهو ما قوّاه ابن إدريس.
إلاّ أنّ هذا ينافي ما ورد في الطائفة الأخيرة الدالة على جواز المتعة
ص: 74
بالكتابية؛ لعدم احتمال التقية فيها، وكذا ينافي ما ورد في الطائفة الثانية للتصريح بأنهنّ لا يعرفن شيئاً كما تقدّم، وفي بعضها إنّهن لا يعرفن ما أنتم عليه(1) ، وهذا لا يجتمعمع التقية.
الخامس: حمل روايات المنع على الحكم التنزيهي، ويقال بالجواز مطلقاً ويحمل الاختلاف في روايات الجواز على تعدد مراتب الكراهة.
والوجه في هذا الجمع هو أن مورد بعض روايات المنع كصحيحة زرارة بن أعين(2) هو النهي التنزيهي، وأما المعتبرتان الأخريان(3) فلا تأبيان عن ذلك مع فرض أنّ روايات الجواز صريحة في دلالتها.
وعلى فرض التعارض وعدم إمكان الجمع بهذا الوجه فلابدّ من ملاحظة المرجحات، وهي إما الشهرة، وإما موافقة الكتاب، وإما مخالفة العامّة.
أما الشهرة فهي مفقودة في المقام، وأما الموافقة للكتاب فقد تقدم الكلام في ما يمكن استفادته من الآيات، وقلنا: بإمكان استفادة الجواز في صورتين واستفادة المنع في صورة واحدة وهي غير تامة، وبناء على ذلك فتكون روايات الجواز موافقة للكتاب، فلا تصل النوبة إلى المرجح الثالث وهو مخالفة العامة.
ومما يؤيد هذا المرجح أنّ علي بن إبراهيم القمي مع أنه يروي بعض روايات المنع كصحيحة زرارة إلاّ أنه قال في تفسيره(4) بعد أن ذكر قوله تعالى من سورة المائدة: «وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ»: فقد أحلّ الله نكاح أهل الكتاب بعد تحريمه في قوله في سورة البقرة: «وَلا تَنكِحُوا
ص: 75
الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىيُؤْمِنَّ » .
والحاصل: أنّ مقتضى القاعدة في المقام هو تقديم روايات الجواز، وهو ما ذهب إليه الصدوقان وابن أبي عقيل وقواه صاحب الجواهر كما تقدم، وهو الظاهر من السيد الأستاذ ! (1) .
ولكن مع دعوى السيد المرتضى الإجماع(2) على المنع مطلقاً ونفي الخلاف عنه في الغنية(3) وقد يستظهر من قول الحسن بن الجهم في محاورته مع الإمام(علیه السلام)، مضافاً إلى أنه لم يذهب أحد من القدماء إلى القول بالجواز مطلقاً إلاّ الصدوقان وابن أبي عقيل فالاحتياط في محله.
المقام الثالث: في نكاح من له شبهة كتاب كالمجوس والصابئة والسامرة.
أما الأول فقد اختلف في المجوس هل أنّ حكمهم حكم أهل الكتاب أو لا؟
ذهب جماعة منهم الشيخ في النهاية(4)، والمحقق في الشرائع(5)، والشيخ الأنصاري (في رسالة التحريم من جهة المصاهرة)(6) إلى أنهم من أهل الكتاب، وإن كان مختارهم في الكتابية جواز التمتع والوطي بملك اليمين.وذهب جماعة آخرون كصاحب الجواهر(7) ، وصاحب الرياض(8) ، إلى الثاني، وأنهم ليسوا من أهل الكتاب وفي الجواهر: بل لعلّ الشهرة على
ص: 76
الخلاف(1)، وفي التبيان(2) والسرائر(3) دعوى الإجماع عليه وعدم الخلاف فيه.
واستدل للقول الأول بوجهين:
أحدهما: بما ورد من الروايات على أنّ المجوس من أهل الكتاب وهي عدّة روايات:
منها: مرسلة أبي يحيى الواسطي عن بعض أصحابنا قال: سئل أبو عبدالله(علیه السلام) عن المجوس أكان لهم نبي؟ فقال: نعم، أما بلغك كتاب رسول الله إلى أهل مكة: أسلموا وإلاّ نابذتكم بحرب، فكتبوا إلى النبي (صلي الله علیه وآله): أن خذ منّا الجزية ودعنا على عبادة الأوثان، فكتب إليهم النبي (صلي الله علیه وآله): إني لست آخذ الجزية إلاّ من أهل الكتاب، فكتبوا إليه يريدون بذلك تكذيبه، زعمت أنّك لا تأخذ الجزية إلاّ من أهل الكتاب ثم أخذت الجزية من مجوس هجر، فكتب إليهم رسول الله (صلي الله علیه وآله): إنّ المجوس كان لهم نبي فقتلوه، وكتاب أحرقوه أتاهم نبيهم بكتابهم في اثني عشر ألف جلد ثور(4) .وهذه الرواية تدلّ على أنّ لهم كتاباً وأنّ حكمهم حكم أهل الكتاب.
ومنها: رواية الأصبغ بن نباتة أنّ علياً (علیه السلام) قال على المنبر: سلوني قبل أن تفقدوني، فقام إليه الأشعث فقال: يا أمير المؤمنين كيف يؤخذ الجزية من المجوس ولم ينزل عليهم كتاب ولم يبعث إليهم نبي؟ فقال: بلى يا أشعث، قد أنزل الله عليهم كتاباً وبعث إليهم نبياً(5) .
ص: 77
ومنها: مرسلة المفيد عن أمير المؤمنين (علیه السلام) أنه قال: المجوس إنما ألحقوا باليهود والنصارى في الجزية والديات، لأنه قد كان لهم فيما مضى كتاب(1) .
ومنها: رواية علي بن علي بن دعبل _ أخي دعبل بن علي _ عن علي بن موسى الرضا عن أبيه عن آبائه عن علي بن الحسين (علیهما السلام) أنّ رسول الله (صلي الله علیه وآله) قال: سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب، يعني المجوس(2) .
ثانيهما: الروايات الدالة على جواز المتعة بالمجوسيات ووطيهن بملك اليمين وهي عدة روايات:
منها: معتبرة محمد بن سنان(3) المتقدمة.
ومنها: رواية منصور الصيقل عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: لا بأسبالرجل أن يتمتع بالمجوسية(4) .
ومثلها مرسلة حمّاد بن عيسى(5) عن أبي عبد الله (علیه السلام) .
ومنها: صحيحة محمد بن مسلم _ الواردة في الوطي بملك اليمين _ عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: سألته عن الرجل المسلم يتزوّج المجوسية؟ فقال: لا ، ولكن إذا كانت له أمة مجوسية فلا بأس أن يطأها ويعزل عنها ولا يطلب ولدها(6) .
والحاصل: أنّ المستفاد من هذه الروايات أنّ المجوس من أهل الكتاب وأنه يجوز نكاح نسائهم متعة أو بملك اليمين.
هذا ولكن أشكل في الجواهر(7) على كلا الوجهين:
ص: 78
أما على الوجه الأول: فمن جهتين الأولى: من جهة السند فإنّ الروايات المذكورة كلها ضعيفة الأسناد وليست منجبرة بعمل المشهور، بل المشهور على خلافها، بل قد ورد في بعضها: «غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم» (1) .
وأنّ المراد من قوله (صلي الله علیه وآله): «سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب» إنما هو في الجزية والديات، كما دلّت عليه مرسلة المفيد لا في جميع الأحكام، ومنه يعلم أنّهم ليسوا بأهل كتاب، مضافاً إلى أنّ المتبادر من إطلاق أهل الكتاب انصرافه إلى اليهود والنصارى لا غير، على أنّ المراد بأهل الكتاب من أظهر اتّباعه والانقياد له، لا من أحرقه وأعرض عنه.
والحاصل: أنّه لا يجوز نكاح المجوسيات إلاّ بملك اليمين بمقتضى صحيحة محمد بن مسلم(2) المتقدمة.
وأما إشكاله على الوجه الثاني فبأنّ الروايات التي استدلّ بها على الجواز كلّها ضعيفة، والصحيح هو ما دلّ على عدم جواز نكاح المجوسية إلاّ بملك اليمين كما دلّت عليه صحيحة محمد بن مسلم(3) .
ولكنّ الظاهر أنّ الإشكال _ بكلا شقيه _ غير وارد على الوجه الأول.
أما الإشكال بالنسبة إلى ضعف السند ففيه أنّه قد وردت بعض الروايات المعتبرة تدل على أنّ المجوس من أهل الكتاب وأنّ حكمهم حكم اليهود والنصارى.
ومنها: موثقة سماعة بن مهران عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: بعث النبي (صلي الله علیه وآله) خالد بن الوليد إلى البحرين فأصاب بها دماء قوم من اليهود والنصارى والمجوس، فكتب إلى النبي (صلي الله علیه وآله): إني أصبت دماء قوم من اليهود والنصارى
ص: 79
فوديتهم ثمانمائة درهم ثمانمائة، وأصبت دماء قوم من المجوس ولم تكن عهدت إليّ فيهم عهداً، فكتب إليه رسول الله (صلي الله علیه وآله): إنّ ديتهم مثل دية اليهود والنصارى، وقال: إنهم أهلالكتاب(1) .
وهذه الرواية صريحة في دلالتها ومعتبرة في سندها.
مضافاً إلى أنّ رواية أبي يحيى الواسطي المتقدمة(2) وإن وردت مرسلة إلاّ أن الشيخ(3) قد رواها بسند متصل لا إرسال فيه، وينتهي إلى أبي يحيى الواسطي الذي يروي عن الإمام (علیه السلام) وهو زكريا بن يحيى الثقة(4)، ومن القوي أنها رواية أخرى غير تلك المرسلة.
ويؤيد ذلك رواية أبي بصير عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف، ودية المجوسي ثمانمائة درهم، وقال أيضاً: إنّ للمجوس كتاباً يقال له: جاماس(5) .
وهذه الرواية من جهة الدلالة واضحة إلاّ أنها من جهة السند اشتملت على علي عن أبي بصير، فإن كان هو ابن أبي حمزة البطائني كما هو الظاهر فالرواية ضعيفة السند ولذلك جعلناها مؤيدة.
ويمكن استفادة ذلك من صحيحة أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (علیهالسلام) عن الجزية، فقال: إنما حرّم الله الجزية من مشركي العرب(6) .
ومنه يعلم أنّ أخذ الجزية من المجوس لأنهم أهل كتاب لا أنهم مشركون.
ص: 80
والحاصل: أنّ ما أورده صاحب الجواهر من أنّ جميع الروايات ضعيفة الأسناد في غير محلّه .
وأما الإشكال على الدلالة من أنّ المنصرف عند الإطلاق هم اليهود والنصارى، وأنّ المستفاد من مفهوم بعض الروايات عدم شمول جميع أحكام أهل الكتاب للمجوس بل بعضها كالجزية والديات وغير ذلك من المناقشات فهي ضعيفة جداً، إذ بعد أن ثبت في الروايات المعتبرة أنهم أهل الكتاب فهي حاكمة على الإطلاقات التي يُتبادر منها اليهود والنصارى، وكذا بالنسبة إلى اختصاص المجوس ببعض الأحكام دون بعض، بل إنما جاز أخذ الجزية منهم ومساواتهم باليهود والنصارى في الديات لأنهم أهل الكتاب في جميع الأحكام.
وأما الإشكال على الوجه الثاني فهو غير وارد أيضاً، وذلك بناء على ما تقدّم من اعتبار رواية محمد بن سنان الدالّة على جواز نكاح المجوسية متعة المؤيدة بحسنة منصور الصيقل ومرسلة حماد بن عيسى، ومقتضى الجمع بينها وبين صحيحة الأشعري هو الحمل على الكراهة بالنسبة إلى المتعة وجواز الوطي بملك اليمين بمقتضى صحيحة محمد بن مسلم بلا كراهة.
والحاصل: أنّ حكم المجوس حكم اليهود والنصارى في أصل الجواز.وأما الثاني وهم الصابئة فالكلام يقع فيه تارة في أصل دينهم ومعتقدهم وأخرى في حكمهم.
أما دينهم: فقد اختلفت الكلمات فيه على أقوال كثيرة، فقيل _ كما في المصباح المنير _ : إنهم طائفة من الكفار يقال: إنها تعبد الكواكب في الباطن وتنسب إلى النصرانية في الظاهر، ويدّعون أنّهم علي دين صابىء بن شيث بن آدم(1) .
ص: 81
وقيل _ كما في المجمع _ : إنّ أصل دينهم دين نوح فمالوا عنه(1) .
وقيل _ كما في الكشّاف _ : هم قوم عدلوا عن دين اليهودية والنصرانية وعبدوا الملائكة(2) .
وقيل _ كما في الصحاح _ : إنهم جنس من أهل الكتاب(3) .
وفي القاموس: إنهم يزعمون أنّهم على دين نوح، وقبلتهم من مهب الشمال عند منتصف النهار(4) .
وعن قتادة: أنهم يعبدون الملائكة، ويصلّون إلى القبلة، ويقرأون الزبور(5) .
وفي الجواهر: عن أبي علي أنهم قوم من النصارى(6) .وفي التبيان(7) : إنهم ليسوا من أهل الكتاب.
وفي الخلاف الإجماع على عدم جريان حكم أهل الكتاب عليهم(8) .
وذكرهم صاحب الملل والنحل وفصّل في بيان معتقداتهم، ثم قال: والصابئون كلّهم يصلّون ثلاث صلوات، ويغتسلون من الجنابة، ومن مس الميت، وحرّموا أكل الجزور والخنزير والكلب، ومن الطير كل ما له مخلب والحمام، ونهوا عن السكر في الشراب، وعن الاختتان، وأمروا بالتزويج بوليّ وشهود، ولا يجوزون الطلاق إلاّ بحكم حاكم، ولا يجمعون بين امرأتين(9) .
ص: 82
وعلى كلّ فلم يظهر من هذه الأقوال أنهم من أهل الكتاب.
ومما يؤكد ذلك ما ورد في تفسيرالقمي حيث قال: الصابئون لا مجوس ولا يهود ولا نصارى ولا مسلمون، وهم يعبدون الكواكب والنجوم(1) .
وما في المجمع حيث قال: وفي حديث الصادق (علیه السلام): سمّي الصابئون لأنهم صبوا إلى تعطيل الأنبياء والرسل والشرائع، وقالوا: كلما جاؤا به باطل، فجحدوا توحيد الله ونبوة الأنبياء ورسالة المرسلين ووصية الأوصياء،فهم بلا شريعة ولا كتاب ولا رسول(2) .
هذا وقد ورد ذكرهم في ثلاثة مواضع من القرآن الكريم(3) ، وفي جميع هذه الموارد ذكروا بالعطف على اليهود تارة وعلى النصارى أخرى، وفي ذلك إشعار بأنهم ليسوا من إحدى الفئتين، فإنّ ظاهر العطف يقتضي المغايرة.
والحاصل: أنّ إجراء حكم أهل الكتاب عليهم مشكل، وعلى فرض الشك فالشبهة مصداقية ولا يمكن التمسك فيها بالعام على ما قرر في محله من علم الأصول.
والمرجع حينئذ هو الأصل العملي وهو يقتضي الفساد، فالقول بصحة مناكحتهم مما لا دليل عليه.
وأما الثالث وهم السامرة فالكلام فيهم على غرار ما تقدم.
ص: 83
والظاهر _ كما في الجواهر _ أنهم قوم من اليهود يسكنون بيت المقدس وقرايا من أعمال مصر، يتقشّفون في الطهارة أكثر من سائر اليهود، أثبتوا نبوّة موسى وهارون ويوشع، وأنكروا من بعدهم رأساً إلاّ نبياً واحداً، وقالوا: التوراة إنمابشّرت بنبي واحد يأتي بعد موسى يصدّق ما بين يديه من التوراة ويحكم بحكمها، ولا يخالفها البتّة، وقبلتهم الطور الذي كلّم الله تعالى عليه موسى ...(1).
وفي المصباح: والسامرة فرقة من اليهود(2) .
وفي الملل والنحل: قبلتهم جبل يقال له: غريزم بين بيت المقدس ونابلس، وقال: إنّ اليهود على أربع فرق كبار أحدها السامرة(3) .
وبناء على ذلك فحكمهم حكم أهل الكتاب وقد تقدّم بيانه مفصّلاً.
وهو هل أنّ المعتبر في إجراء أحكام أهل الكتاب على شخص ما، أن يكون دينه أصلياً بمعنى أنه نشأ وتربّى عليه، لا ما إذا كان انتقالياً كما إذا كان وثنياً أو بلا دين ثم تهوّد أو تنصّر فلا تجري عليه أحكام أهل الكتاب مطلقاً؟ أو أنّ عدم إجراء أحكام أهل الكتاب مخصوص بما إذا كان الانتقال بعد مجيء الإسلام وبعثة النبي(صلي الله علیه وآله) كما في زماننا، أو في زمان الأئمة (علیهم السلام) ، دون ما إذا كان الانتقال قبل ذلك؟
وجوه بل أقوال.
والظاهر من الجواهر(4) وكشف اللثام(5) هو الأخير.
ص: 84
قال في الجواهر: لا عبرة عندنا بمن تهوّد أو تنصّر بعد البعثة، لأنّ كلّ من انتقل من الإسلام أو من دين من أديان الكفر إلى دين أهل الكتاب بعد مبعث النبي(صلي الله علیه وآله) لم يقبل منه عندنا من غير خلاف يعرف فيه ... بل عن بعضهم دعوى الإجماع عليه(1) .
وذهب الشيخ إلى إقرار الكتابي المنتقل إلى غير ملّته إذا كان الثاني مما يقرّ عليه مدّعياً الإجماع على ذلك(2) .
واستدلّ لما ذهب إليه صاحب الجواهر بثلاثة أدلّة:
الأول: بقوله تعالى: «وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ» (3) وهو بعمومه يشمل من كان له دين أو ليس له دين، واختار غير الإسلام فإنه لا يقبل منه إلاّ الإسلام.
الثاني: بعموم قوله (صلي الله علیه وآله): «من بدّل دينه فاقتلوه» (4)وهو شامل لمن انتقل عن دينه إلى دين آخر غير الإسلام.
الثالث: إنّ كل دين _ ما عدا الإسلام _ منسوخ فلا تبقى له حرمة، والانتقال إلى ما عدا الإسلام من سائر الأديان غير مقبول.
ولكن للمناقشة في هذه الأدلة مجال.
أما الأول: فإنّ ظاهر معنى عدم القبول هو عدم القبول في الواقع وفي الآخرة ومن جهة الثواب والعقاب.
ويؤيده ذيل الآية الشريفة وهو قوله تعالى: «وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ»(5).
ص: 85
وأما الثاني فمضافاً إلى أنّ الرواية ضعيفة السند بالإرسال، أنّ الظاهر منها أنّ المراد هو المرتد عن فطرة لا كل من بدل دينه.
وأما الثالث: فبأنّ عدم بقاء الحرمة وكون الدين منسوخاً لا ينافي إجراء أحكام الذمة وجواز المناكحة.
وبناء على ذلك فإن تمّ هناك إجماع على عدم إجراء أحكام أهل الكتاب فهو، وإلاّ فمقتضى إطلاقات الأدلة الدالة على جواز نكاح الذمية مطلقاً هو ما اختاره الشيخ من عدم الفرق بين كون الانتقال للدين الآخر قبل البعثة أو بعدها فضلاً عن اعتبار كونه أصلياً، فالمناط هو صدق كونها من أهل الكتاب وعدّها منأتباعه، وإن كان الاحتياط في ذلك حسناً.
نعم إذا كان مسلماً ثم تهوّد أو تنصّر فهو ارتداد ويجري عليه حكمه من القتل أو الحبس إذا كان الارتداد عن فطرة، أو الاستتابة إذا كان عن ملّة وهو واضح.
والكلام يقع فيه في أمور:
الأول: في نكاح المؤمن للمرأة المخالفة.
الثاني: في العكس، أي: نكاح المخالف للمرأة المؤمنة.
الثالث: في مناكحة الناصبي ومن بحكمه.
أما الأول فقد ذكر صاحب الجواهر أنه لا خلاف في جوازه، كما اعترف به في كشف اللثام، بل قال: لم يحك أحد هنا الخلاف في ذلك عمّن علم أنّ مذهبه كفر المخالفين ونجاستهم، كالمرتضى وابن إدريس وغيرهما، نعم ربما حكي عن سلاّر عدم جواز ذلك، ولم نتحققه إذ المحكي عنه أنه إنما منع من
ص: 86
المعانِدة وهي المناصبة التي ستعرف كفرها(1) .
هذا، ولكن ذهب صاحب الحدائق إلى عدم الجواز، ونسب القول بالجواز إلى أكثر المتأخرين(2)، قال: وأما على مذهب المتقدمين القائلين بكفر المخالفين ونصبهموعدم جواز إجراء شيء من أحكام الإسلام عليهم ... فلا يتم، بل يجب الحكم بعدم صحّة مناكحتهم كسائر أفراد الكفّار(3) .
ثم إنه قد استدلّ للقول بالجواز _ كما في التذكرة(4) _ بالأصل، وبما ورد من الروايات الدالة على ذلك.
ومنها: صحيحة زرارة بن أعين عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: تزوّجوا في الشكّاك ولا تزوّجوهم، فإنّ المرأة تأخذ من أدب زوجها ويقهرها على دينه(5) .
والمراد من الشكّاك الذين لا يكونون معاندين للحق ولا تحملهم العصبية على ردّه وإن كانوا غير عارفين به.
ومنها: صحيحته الأخرى(6) قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): أتزوّج بمرجية أو حرورية؟ قال: لا، عليك بالبله من النساء، قال زرارة: فقلت: والله ما هي إلاّ مؤمنة أو كافرة، فقال أبو عبد الله (علیه السلام): فأين أهل ثنوى الله عزوجل، قول الله أصدق من قولك: «إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِوَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً»(7) .
وبمضمونها صحيحته الثالثة قال: قلت لأبي جعفر (علیه السلام): إني أخشى أن لا
ص: 87
يحلّ لي أن أتزوّج ممن لم يكن على أمري، فقال: وما يمنعك من البله، قلت: وما البله؟ قال: هنّ المستضعفات من اللاتي لا ينصبن ولا يعرفن ما أنتم عليه(1) .
ومنها: موثقته عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: قلت: ما تقول في مناكحة الناس فإنّي بلغت ما ترى وما تزوجت قطّ؟ قال: وما يمنعك من ذلك؟ قال: ما يمنعني إلاّ أنّي أخشى أن يكون لاتحلّ لي مناكحتهم فما تأمرني؟ قال: كيف تصنع وأنت شابّ أتصبر؟ قلت: أتّخذ الجواري، قال: فهات الآن فبم تستحلّ الجواري؟ أخبرني، فقلت: إنّ الأمة ليست بمنزلة الحرّة إن رابتني الأمة بشيء بعتها أو اعتزلتها، قال: حدثني فبم تستحلّها؟ قال: فلم يكن عندي جواب، فقلت: جعلت فداك أخبرني ما ترى أتزوّج؟ قال: ما أبالي أن تفعل، قلت: أرأيت قولك ما أبالي أن تفعل فإنّ ذلك على وجهين: تقول: لست أبالي أن تأثم أنت من غير أن آمرك، فما تأمرني أفعل ذلك عن أمرك؟ قال (علیه السلام): فإنّ رسول الله (صلي الله علیه وآله) قد تزوّج، وكان من امرأة نوح وامرأة لوط ما قصّ الله عزوجل، وقد قال الله عزوجل: «ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَنُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا»(2) فقلت: إنّ رسول الله (صلي الله علیه وآله) لست في ذلك مثل منزلته، إنما هي تحت يديه وهي مقرّة بحكمه مظهرة دينه، قال: أما والله ماعنى بذلك إلاّ في قول الله عزوجل: «فَخَانَتَاهُمَا » ما عنى بذلك إلاّ (الفاحشة)(3) ، وقد زوّج رسول الله (صلي الله علیه وآله) فلاناً، قال: قلت: أصلحك الله فما
ص: 88
تأمرني أنطلق فأتزوج بأمرك؟ فقال: إن كنت فاعلاً فعليك بالبلهاء من النساء، قلت: وما البلهاء؟ قال: ذوات الخدور العفائف، فقلت: من هي على دين سالم بن أبي حفصة؟ فقال: لا، قلت: من هي على دين ربيعة الرأي؟ قال: لا، ولكن العواتق اللاتي لا ينصبن ولا يعرفن ما تعرفون(1) .
وغيرها من الروايات.
هذا ولعلّ مراد العلاّمة الحلي من الأصل هو العمومات الدالة على صحة التناكح بالإسلام، وهي روايات كثيرة عبّر عنها صاحب الجواهر(2) بالنصوصالمتواترة الدالة على اشتراك المسلم والمؤمن في بعض الأحكام كالمناكحة.
ومنها: موثقة سماعة، قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): أخبرني عن الإسلام والإيمان أهما مختلفان؟ فقال: إنّ الإيمان يشارك الإسلام، والإسلام لا يشارك الإيمان، فقلت: فصفهما لي، فقال: الإسلام شهادة أن لا إله إلاّ الله والتصديق برسول الله (صلي الله علیه وآله)، به حقنت الدماء وجرت عليه المناكح والمواريث وعلى ظاهره جماعة الناس ...(3) .
ومنها: صحيحة حمران بن أعين عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: سمعته يقول: الإيمان ما استقرّ في القلب وأفضي به إلى الله عزوجل وصدّقه العلم بالطاعة لله والتسليم لأمره، والإسلام ما ظهر من قول أو فعل وهو الذي عليه جماعة الناس من الفرق كلها، وبه حقنت الدماء وعليه جرت المواريث وجاز النكاح(4) .
ومنها: صحيحة فضيل بن يسار، قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: إنّ
ص: 89
الإيمان يشارك الإسلام ولا يشاركه الإسلام، إنّ الإيمان ما وقر في القلوب والإسلام ما عليه المناكح والمواريث وحقن الدماء ...(1) .
ومنها: صحيحة عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) بم يكون الرجل مسلماً تحلّ مناكحته وموارثته وبم يحرم دمه؟ قال: يحرم دمه بالإسلام إذا ظهر، وتحلّ مناكحته وموارثته(2) .
ومنها: صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: سألته عن الإيمان، فقال: الإيمان ما كان في القلب، والإسلام ما كان عليه التناكح والمواريث وتحقن به الدماء. الحديث(3) .ومنها: صحيحة حمران بن أعين عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: سمعته يقول: الإيمان ما استقرّ في القلب وأفضي به إلى الله عزوجل وصدّقه العلم بالطاعة لله والتسليم لأمره، والإسلام ما ظهر من قول أو فعل وهو الذي عليه جماعة الناس من الفرق كلها، وبه حقنت الدماء وعليه جرت المواريث وجاز النكاح(4) .
ومنها: صحيحة فضيل بن يسار، قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: إنّ الإيمان يشارك الإسلام ولا يشاركه الإسلام، إنّ الإيمان ما وقر في القلوب والإسلام ما عليه المناكح والمواريث وحقن الدماء ...(5) .
ومنها: صحيحة عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) بم يكون الرجل مسلماً تحلّ مناكحته وموارثته وبم يحرم دمه؟ قال: يحرم دمه بالإسلام إذا ظهر، وتحلّ مناكحته وموارثته(6) .
ومنها: صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: سألته عن الإيمان، فقال: الإيمان ما كان في القلب، والإسلام ما كان عليه التناكح والمواريث وتحقن به الدماء. الحديث(7) .ومنها: خبر العلاء بن رزين أنه سأل أبا جعفر (علیه السلام) عن جمهور الناس، فقال: هم اليوم في هدنة، تردّ ضالّتهم، وتؤدّى أمانتهم، وتحقن دماؤهم، وتجوز مناكحتهم وموارثتهم في هذه الحال(8) .
فهذه الروايات وغيرها واضحة الدلالة على جواز نكاح غير المؤمنة ما لم تكن ناصبة معاندة وإن لم تكن عارفة بما عليه أهل الحق من أمر الولاية وغيرها.
ومما يدلّ على ذلك أيضاً ما ورد في موثّقة الفضيل بن يسار قال: قلت لأبي جعفر (علیه السلام): إنّ لامرأتي أختاً مسلمة لا بأس بها، وليس بالبصرة أحد فما ترى في تزويجها من الناس؟ فقال: لا تزوجها إلاّ ممن هو على رأيها وتزويج المرأة التي ليست بناصبية لا بأس به(9) .
ص: 90
والرواية تامة سنداً وهي تدلّ على جواز نكاح المرأة المخالفة ما لم تكن ناصبة، بل هي أصرح من الروايات السابقة في الدلالة، وصدرها موافق لصحيحة الفضيل الآتية.
ويؤيّده ما روي أنّ سلمان الفارسي خطب إلى عمر فأجابه إلى ذلك، فكره عبد الله بن عمر ذلك، فقال له عمرو بن العاص: أنا أكفيك، فلقي عمرو بن العاص سلمان الفارسي فقال: ليهنئك يا سلمان، فقال: وما هو؟ فقال: تواضع لك أميرالمؤمنين فقال سلمان: لمثلي يقال هذا؟! والله لا نكحتها أبداً(1) .
وسلمان كان من العجم، فأجابه عمر إلى التزويج، وابن عمر لم ينكر وإنما كرهه(2).
والرواية وإن كانت واردة في الكفاءة في النسب إلاّ أنه يمكن استفادة الجواز في ما نحن فيه، فإنّ سلمان من أهل الولاية والإيمان ومع ذلك خطب إلى عمر ابنته، ومن البعيد أن تكون ابنة عمر على خلاف رأي أبيها وأخيها، نعم الكلام في سندها فإن الرواية عامية ونقلها الشيخ في الخلاف وأشار إليها السيد المرتضى في المسائل الناصريات(3) ولذا جعلناها مؤيدة لما تقدّم.
وأما ما ورد من النهي عن نكاح المرجئة والحرورية كما في صحيحة زرارة المتقدمة(4) فلا يكون مانعاً عما ذكرنا لأنّ المرجئة والحرورية محكومتان بالكفر كما في صحيحة أبي مسروق قال: سألني أبو عبد الله (علیه السلام) عن أهل البصرة، فقال لي: ما هم؟ قلت: مرجئة وقدرية وحرورية، قال: لعن الله
ص: 91
تلك الملل الكافرة المشركة التي لا تعبد الله على شيء(1) .
وغيرها من الروايات.
فما ورد من الروايات الدالة على أنّ جميع المخالفين نواصب وأنّهم بحكم الكفار، إنما هو بحسب الواقع ونفس الأمر لا بحسب الظاهر، إلى أن يأذن الله تعالى في ظهور الحجة ابن الحسن أرواحنا فداه، كما تدلّ عليه بعض الروايات، ومنها رواية العلاء بن رزين المتقدمة، وهذا هو مقتضى الجمع بين الطائفتين من الروايات، وبناء على ذلك فما استدلّ به صاحب الحدائق(2) من الروايات على عدم جواز مناكحتهم مطلقاً وإن كان من طرف المرأة المخالفة وتشدّده في النكير على من أجاز ذلك في غير محلّه.
وأما الأمر الثاني وهو تزوّج المرأة المؤمنة من الرجل المخالف.
ففيه أقوال ثلاثة:
الأول: عدم الجواز وهو المنسوب إلى مشهور المتأخرين، بل في الرياض(3) عن الخلاف والمبسوط والسرائر وسلار والغنية دعوى الإجماع عليه.
الثاني: الجواز على كراهة وهو المنسوب إلى المفيد وابن حمزة والمحقق(4) واختاره صاحب الجواهر(5).
الثالث: اختصاص الجواز بالزوج دون الزوجة(6) .
ص: 92
واستدل للقول الأول بوجوه:
الأول: الإجماعات المستفيضة على المنع.
وأجيب: بأنّ الإجماع لم يثبت على اعتبار الإيمان بالمعنى الأخص، بل المراد بالإيمان في كلام المجمعين هو الإسلام، ويدلّ على ذلك قرائن، منها: ما قرره السيد المرتضى ! في المسائل الناصرية بقوله: الذي يذهب إليه أصحابنا أنّ الكفاءة في الدين معتبرة، لأنه لا خلاف في أنه لا يجوز أن تتزوج المرأة المسلمة المؤمنة بالكفار(1) .
والمستفاد من ذلك أنّ المعتبر عند الجميع هو الإسلام، وعلى فرض التسليم لا يكون الإجماع حجة في المقام لذهاب جماعة إلى خلاف ذلك كما تقدم واحتمال أن يكون مدركه ما يأتي من الروايات.
الثاني: النصوص الكثيرة الدالة على كفر المخالفين(2) ، ومن المعلوم عدم جواز مناكحة الكفار.
وأجيب: بما تقدم في الأمر السابق بأنهم كفار في الواقع وفي الآخرة وأما في دار الدنيا وزمان الهدنة فيعدّون من المسلمين وتجري عليهم أحكام الإسلام منالمناكحة والتوارث وحرمة دمائهم وأموالهم كما صرّحت بذلك الروايات المعتبرة وقد تقدمت جملة منها.
الثالث: الروايات الدالة على عدم جواز مناكحة الناصبي وأنه كافر بل شرّ من اليهودي(3) ، وبانضمام هذه الروايات إلى ما دلّ على أنّ كل مخالف ناصبي _
ومنها: ما أورده في الوسائل عن مستطرفات السرائر نقلاً من كتاب مسائل
ص: 93
الرجال عن محمد بن أحمد بن زياد وموسى بن محمد بن علي بن عيسى قال: كتبت إليه يعني علي بن محمد (علیهما السلام) أسأله عن الناصب، هل أحتاج في امتحانه إلى أكثر من تقديمه الجبت والطاغوت واعتقاد إمامتهما؟ فرجع الجواب: من كان على هذا فهو ناصب(1) .
ومنها: رواية عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: ليس الناصب من نصب لنا أهل البيت، لأنك لا تجد رجلاً يقول: أنا أبغض محمداً وآل محمد، ولكن الناصب من نصب لكم وهو يعلم أنكم تتولونا وأنكم من شيعتنا(2) .
ومنها: رواية المعلى بن خنيس قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: ليس الناصب من نصب لنا أهل البيت، لأنك لا تجد أحداً يقول: أنا أبغض آل محمد، ولكن الناصب من نصب لكم وهو يعلم أنكم تتولونا وتبرأون منأعدائنا، وقال: من أشبع عدوّاً لنا فقد قتل ولياً لنا(3) .
وغيرها من الروايات _ يستفاد عدم جواز مناكحة المخالف لكونه ناصبياً.
وأجيب: بأنه مضافاً إلى المناقشة في أسناد هذه الروايات، أنّ المراد هو الناصب لأهل البيت (علیهم السلام) لا المخالف، وأما الروايات الدالة على كفر المخالف فهي محمولة على أنّ الكفر في الواقع وفي الآخرة لا في الدنيا، وذلك لما ورد من الروايات الدالة على الفرق بين المخالف والناصب.
ومنها: رواية الفضيل بن يسار قال: سألت أبا جعفر (علیه السلام) عن المرأة العارفة هل أزوّجها الناصب؟ قال: لا، لأنّ الناصب كافر، قلت: فأزوّجها الرجل غير الناصب ولا العارف؟ فقال: غيره أحبّ إليّ منه(4) .
ص: 94
وغيرها من الروايات والمستفاد منها: أنّ هناك صنفاً ثالثاً وليس هو إلاّ المخالف ولكنه بعيد وسيأتي ما فيه.
الرابع: النصوص الدالة على أنّ المؤمنين بعضهم أكفاء بعض.
ومنها: ما رواه الكليني قال: سقط عني إسناده قال: إنّ الله عزوجل لم يترك شيئاً مما يحتاج إليه إلاّ وعلّمه نبيّه (صلي الله علیه وآله)، فكان من تعليمه إياه أنه صعد المنبر ذات يوم فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس إنّ جبرئيل أتاني عن اللطيف الخبير فقال: إنّ الأبكار بمنزلة الثمر على الشجر إذا أدركثمارها فلم تجتن أفسدته الشمس، ونثرته الرياح، وكذلك الأبكار إذا أدركن ما يدرك النساء فليس لهنّ دواء إلاّ البعولة وإلاّ لم يؤمن عليهنّ الفساد لأنّهنّ بشر، قال: فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله فمن نزوّج؟ فقال: الأكفاء فقال: ومن الأكفاء؟ فقال: المؤمنون بعضهم أكفاء بعض، المؤمنون بعضهم أكفاء بعض(1) .
وغيرها من الروايات، وهي تدلّ على أنّ المؤمنة كفؤها المؤمن ومن المعلوم أنّ المخالف ليس كفؤاً للمؤمنة.
وأجيب: بأنّ المراد من الإيمان في هذه الروايات ولا سيّما ما ورد على لسان النبي (صلي الله علیه وآله) هو الإسلام، وأما الإيمان بالمعنى الأخصّ فهو اصطلاح حادث فلا تحمل عليه الروايات الواردة في ذلك الظرف.
الخامس: النصوص الدالة على تزويج البنت ممن يُرضى خلقه ودينه.
ومنها: معتبرة علي بن مهزيار قال: كتب علي بن أسباط إلى أبي جعفر (علیه السلام) في أمر بناته، وأنه لا يجد أحداً مثله، فكتب إليه أبو جعفر (علیه السلام): فهمت ما ذكرت من أمر بناتك، وأنك لا تجد أحداً مثلك، فلا تنظر في ذلك رحمك الله، فإنّ رسول الله (صلي الله علیه وآله) قال: إذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوّجوه، إلاّ تفعلوه
ص: 95
تكن فتنة في الأرض وفساد كبير(1) .
وغيرها من الروايات، ومن المعلوم أنّ المخالف ممّن لا يرضى دينه.لا يقال: إنّ هذه الروايات محمولة على الإرشاد بقرينة قوله: ترضون خلقه والخلق هو السجية، وهو غير شرط في صحة النكاح إجماعاً.
فإنه يقال: إنّ الخلق قد يأتي بمعنى الدين(2) والملة أيضاً فيكون تأكيداً، وليس معناه منحصراً في السجية حتى تحمل الروايات على الإرشاد.
وأجيب أولاً: أنّ الحمل على التأكيد خلاف الظاهر، بل الظاهر أنه بمعنى السجية وهو يقوّي الحمل على الإرشاد.
وثانياً: أنّ الرواية واردة على لسان النبي (صلي الله علیه وآله)، وقد تقدم أنّ المراد بالإيمان في زمانه هو الإسلام لا الإيمان بالمعنى الأخص.
وعلى فرض التسليم إلاّ أنّ الأمر بتزويج من يرضى دينه لا يدلّ على فساد التزويج من غيره، مضافاً إلى أنه قد ورد في بعض الروايات(3) اشتراط الأمانة أيضاً وهي ليست شرطاً في صحة النكاح.
السادس: النصوص الدالة على النهي عن تزويج المؤمنة من الشاك معللاً أنّ المرأة تأخذ من أدب زوجها، كما في موثقة زرارة بن أعين عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: تزوّجوا في الشكّاك ولا تزوّجوهم، فإنّ المرأة تأخذ من أدب زوجها ويقهرها على دينه(4) .
فإذا كان لا يجوز تزويج المؤمنة من الشاك وهو الجاهل المتردّد في
ص: 96
عقيدته ودينه فبطريق أولى لا يجوز من المعتقد بالخلاف الثابت عليه.
هذا مضافاً إلى أنّ التعليل بأنّ المرأة تأخذ من أدب زوجها جار في المخالف أيضاً.
وأجيب عن ذلك: بأنّ المراد بالشكّاك في الرواية مجمل غير معلوم، فإن كان المراد به هو المستضعف فالتعليل يناسب الأمر بالتزويج، إذ ربما يكون ذلك سبباً لهدايته ونجاته، ولا يناسب النهي، لأنّ المستضعف لا يخشى منه القهر والغلبة، مضافاً إلى أنّ الرواية معارضة بما دلّ على جواز مناكحة المستضعف، والمناسب هو حمل الرواية على الكراهة.
السابع: _ وهو العمدة في المقام _ النصوص الخاصة الدالة على المنع من تزويج المؤمنة من المخالف وهي عدة روايات:
منها: صحيحة الفضيل(1) بن يسار قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): إنّ لامرأتي اختاً عارفة على رأينا، وليس على رأينا بالبصرة إلاّ قليل فأزوجها من لا يرى رأيها؟ قال: لا ولا نعمة، إن الله عزوجل يقول: «فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ»(2) .
والظاهر من قوله: «وليس على رأينا بالبصرة إلاّ قليل» شموله للمخالف، لا أنّ كل من في البصرة ناصبي أو خارجي، فالرواية بظاهرها تدل على عدمالجواز.
ومنها: صحيحته الأخرى قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن نكاح الناصب فقال: لا والله ما يحلّ، قال فضيل: ثم سألته مرة أخرى فقلت: جعلت فداك ما تقول في نكاحهم؟ قال: والمرأة عارفة، قلت: عارفة، قال: إنّ العارفة لا
ص: 97
توضع إلاّ عند عارف(1) .
ومورد السؤال في الرواية وإن كان هو الناصب إلاّ أنّ الحصر في الجواب وقوله (علیه السلام): «إنّ العارفة لا توضع إلاّ عند عارف» يدل على عدم جواز تزويج المؤمنة من المخالف.
ومنها: صحيحة عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن الناصب الذي قد عرف نصبه وعداوته، هل يزوّجه المؤمن وهو قادر على ردّه، وهو لا يعلم بردّه؟ قال: لا يتزوج المؤمن الناصبة، ولا يتزوّج الناصب المؤمنة، ولا يتزوّج المستضعف مؤمنة(2) .
ومحل الشاهد من هذه الرواية الجملة الأخيرة وهو قوله (علیه السلام): ولا يتزوج المستضعف مؤمنة .
فهذه الروايات وغيرها تدل على عدم جواز تزويج المرأة المؤمنة من الرجل المخالف .هذا، ولكن ورد في مقابل هذه الروايات ما يدل على الجواز ومن ذلك: رواية الفضيل بن يسار قال: سألت أبا جعفر (علیه السلام) عن المرأة العارفة هل أزوّجها الناصب؟ قال: لا لأنّ الناصب كافر، قلت: فأزوجها الرجل غير الناصب ولا العارف؟ فقال: غيره أحبّ إليّ منه(3) .
والرواية تدلّ على أنّ هناك صنفاً ثالثاً لا يكون ناصباً ولا عارفاً وهو المخالف، إلاّ أن يقال إنّ الضمير في قوله (علیه السلام): غيره أحبّ إليّ، راجع إلى الناصب فيدلّ على جواز التزويج من غير العارف، وأما إرجاع الضمير على الناصب وغير العارف معاً فهو بعيد وإلاّ لقال: غيرهما.
ص: 98
ومعتبرة حمران قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن قول الله عزوجل: «إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ»(1) قال: هم أهل الولاية، قلت: وأي ولاية؟ فقال: أما أنها ليست بولاية في الدين، ولكنّها الولاية في المناكحة والموارثة والمخالطة، وهم ليسوا بالمؤمنين ولا بالكفّار وهم المرجون لأمر الله(2) .
وبمضمونها صحيحة عمر بن أبان قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن المستضعفين، فقال: هم أهل الولاية، فقلت: أيّ ولاية؟ فقال: أما أنها ليست بالولاية في الدين ولكنّها الولاية في المناكحة والموارثة والمخالطة، وهمليسوا بالمؤمنين ولا بالكفّار، منهم المرجون لأمر الله عزّوجلّ(3) .
فهذه الروايات تدل على الجواز.
وأجيب: أنّ الرواية الأولى ضعيفة السند والروايتان الأخريان وإن كانتا معتبرتين من حيث السند إلاّ أنّ حكمهما من حيث الدلالة حكم الروايات الدالة على جواز المناكحة والتوارث جرياً على ظاهر الإسلام كما تقدّم، فتكون هاتان الروايتان ملحقتين بها.
فإن قلنا بأنّ الروايات الخاصة مخصصة لتلك الروايات فمقتضى القاعدة عدم جواز نكاح المؤمنة من المخالف.
وإن قلنا: إنّها آبية عن التخصيص كما ادّعاه صاحب الجواهر!(4) إذ جواز المناكحة والتوارث لكلا الطرفين، فلابدّ من حمل الروايات الخاصة على الكراهة.
والتحقيق أن يقال: إنّه لا يجوز للمرأة المؤمنة أن تتزوّج من الرجل
ص: 99
المخالف مطلقاً إلاّ مع الاطمئنان بأنها لا تأخذ من دينه، ولا تقهر على متابعته في معتقده، وذلك لما ورد في صحيحة زرارة بن أعين المتقدمة عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: تزوّجوا في الشكّاك ولا تزوّجوهم، فإنّ المرأة تأخذ من أدب زوجها ويقهرها على دينه(1) .
وهذه الرواية وردت بطريقين صحيحين أحدهما عن زرارة والآخر عن أبيبصير، ورواها في النوادر عنهما كليهما(2) فهي من حيث السند في غاية الاعتبار.
وأما من حيث الدلالة فإنّ الإمام (علیه السلام) قد فصّل بين جواز تزويج غير المؤمنة من الرجل المؤمن، وعدم جواز تزوّج المؤمنة من غير المؤمن، وعلّل عدم الجواز بأنّ المرأة تأخذ من أدب زوجها ويقهرها على دينه، فالحمل على عدم الجواز يتوقف على أمرين:
الأول: تحديد معنى الشكّاك، وقد فسره المجلسي الأول بأمور:
أحدهما: أنّ المراد من الشكّاك هم غالب الناس منهم ممن ليس له عداوة، فإنّه يقبل التشكيك والرجوع إلى الحق.
ثانيهما: المستضعف الذي ليس له عداوة مع الأئمة ولا مع شيعتهم، ولكن لا يلعنون الصحابة فإنّهم يرجعون إلى الحق بالنصيحة.
ثالثها: من لا عقل له ولا عداوة فإنّهم أيضاً يمكن رجوعهم(3) .
والأظهر من هذه المعاني هو الأول، ويدلّ عليه صحيحة فضيل بن يسار عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: إنّ الله عزوجل نصب علياً علماً بينه وبين خلقه، فمن
ص: 100
عرفه كان مؤمناً، ومن أنكره كان كافراً، ومن جهله كان ضالاًّ، ومن نصب معه شيئاً كان مشركاً، ومن جاء بولايته دخل الجنة، ومن جاء بعداوته دخلالنار(1) .
والمراد بالمشرك في الرواية هو المتردد الذي لم يتيقّن بإمامته، وبناء على هذا فالمستفاد من قوله (علیه السلام): «الشكّاك» هم غالب الناس من العامة الجاهلين بأمر الإمامة، وهذا هو محل الكلام ونتيجته عدم الجواز.
وإن كان المراد هو المعنيين الأخيرين فيدلّ بطريق أولى على عدم جواز تزويج المرأة المؤمنة من الرجل المخالف الذي لا يكون مستضعفاً، أو له عقل، وعلى كلا التقديرين فدلالة الرواية واضحة على عدم جواز تزويج المرأة المؤمنة من الرجل المخالف على الإطلاق، والتعليل الوارد في الرواية من أنها تأخذ من أدب زوجها ويقهرها على دينه هو وجه الجمع، فإنّ المستفاد منه أنّ المنع ليس من جهة الكفر كما في الناصب، بل من جهة أخذها من أدبه وقهرها على دينه، فلابدّ من الحكم بالحرمة مطلقاً بمقتضى هذه الرواية إلاّ إذا حصل الاطمئنان بأنها لا تأخذ من أدبه ولا يتمكّن من قهرها بأن كانت عالمة مثقفة محصّنة بالمعارف الحقّة.
هذا، وقد ذهب السيد الأستاذ ! إلى القول بالجواز على كراهة إلاّ مع خوف الضلال فيحرم(2) .
وأما الاستدلال على الجواز بفعل أمير المؤمنين (علیه السلام) وتزويجه أمّ كلثوم من عمر فغير تام وذلك :
أولاً: لما ورد من الروايات الصحيحة أنّ ذلك كان عن تقيّة واضطرار، كما في صحيحة زرارة عن أبي عبد الله (علیه السلام) في تزويج أمّ كلثوم فقال: إنّ ذلك
ص: 101
فرج غصبناه(1).
وصحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: لمّا خطب إليه قال له أمير المؤمنين (علیه السلام): إنها صبيّة، قال: فلقي العباس، فقال: ما لي؟ أبي بأس؟ فقال: وما ذاك؟ قال: خطبت إلى ابن أخيك فردّني، أما والله لأغورنّ زمزم، ولا أدع لكم مكرمة إلاّ هدمتها، ولأقيمنّ عليه شاهدين بأنّه سرق، ولأقطعنّ يمينه، فأتاه العباس فأخبره وسأله أن يجعل الأمر إليه فجعله إليه(2) .
ففي هاتين الروايتين دلالة على أنّ الأمر _ على فرض وقوعه _ لم يكن عن اختيار وإنما كان عن تقية ودفعاً لما هو أشد، وقد ذكر صاحب الاستغاثة(3) القضية بالتفصيل، وناقش الشيخ المفيد في ثبوت القضية سنداً ودلالة ثم وجهها _ على فرض صحّتها _ بوجهين لا ينافيان مذهب الشيعة وعقيدتهم(4) .
وثانياً: لما نقله صاحب الوافي في رواية عن الصادق (علیه السلام) من أنّ أميرالمؤمنين(علیه السلام) إنما زوّج عمر بامرأة يهودية ولم يزوجه بأم كلثوم(5) .
ص: 102
وأما الأمر الثالث: وهو مناكحة الناصبي ومن بحكمه كالغالي ومن حكم بكفره لإنكاره ضرورياً من ضرويات الدين.
فلا إشكال في عدم جواز مناكحة هذه الأصناف وذلك:
أولاً: لِما ذكره في الجواهر من عدم الخلاف، بل الإجماع بقسميه على ذلك(1).
وثانياً: للنصوص المتواترة أو القريبة من التواتر الدالّة على كفرهم وعدمجواز مناكحتهم.
وثالثاً: للروايات الخاصة الناهية عن مناكحتهم وهي عدة روايات.
منها: صحيحة عبد الله بن سنان، قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن الناصب الذي قد عرف نصبه وعداوته، هل يزوّجه المؤمن وهو قادر على ردّه، وهو لا يعلم بردّه؟ قال: لا يتزوج المؤمن الناصبة، ولا يتزوج الناصب المؤمنة ولا يتزوّج المستضعف مؤمنة(2) .
ومحلّ الشاهد قوله (علیه السلام): «لا يتزوج المؤمن الناصبة، ولا يتزوج الناصب المؤمنة» فإنه واضح الدلالة في النهي عن مناكحة الناصبي والناصبية، كما أنّ الرواية تامة من حيث السند.
ومنها: موثقة فضيل بن يسار عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: ذكر النصّاب،
ص: 103
فقال: لا تناكحهم ولا تأكل ذبيحتهم ولا تسكن معهم(1) .
ومنها: موثقته الأخرى عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: لا يتزوج المؤمن الناصبة المعروفة بذلك(2) .
والرواية واردة في خصوص نكاح المرأة الناصبة.
ومنها: موثقته الثالثة قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن نكاح الناصب فقال: لا، والله ما يحلّ، قال فضيل: ثم سألته مرة أخرى فقلت: جعلت فداك ماتقول في نكاحهم؟ قال: والمرأة عارفة؟ قلت: عارفة، قال: إنّ العارفة لا توضع إلاّ عند عارف(3) .
وهذه الرواية واردة في خصوص نكاح الناصب.
ومنها: صحيحته عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قال له الفضيل: أزوّج الناصب قال: لا، ولا كرامة، قلت: جعلت فداك والله إنّي لأقول لك هذا ولو جاءني بيت ملآن دراهم ما فعلت(4) .
وغيرها من الروايات الدالة على النهي عن تزوج المؤمن من المرأة الناصبة أو تزوج المرأة المؤمنة من الناصبي فلا إشكال في المسألة.
والحاصل: أنّ المستفاد من الروايات هو حرمة مناكحة المحكوم بالكفر ناصباً كان أو غالياً أو منكراً لما هو ضروري من الدين.
ص: 104
الأول: هل يعتبر في الناصبي إعلانه النصب كما هو ظاهر المحقق(1) ؟ أو لا يعتبر كما هو ظاهر الجواهر؟(2)
مقتضى إطلاق النصوص والأخبار الواردة عدم الفرق في ذلك، بل يكفي أنيعرف بالنصب.
وقد يتوهم اعتبار ذلك، لما ورد في معتبرة زرارة عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: دخل رجل على علي بن الحسين (علیهما السلام) فقال: إنّ امرأتك الشيبانية خارجية تشتم علياً(علیه السلام) ، فإن سرّك أن أسمعك ذلك منها أسمعتك، قال: نعم، قال: فإذا كان حين تريد أن تخرج كما كنت تخرج فعد فاكمن في جانب الدار، قال: فلما كان من الغد كمن في جانب الدار وجاء الرجل فكلّمها فتبيّن منها ذلك فخلّى سبيلها وكانت تعجبه(3) .
فظاهر الرواية يوهم أنّ المعتبر في عدم الجواز هو الإعلان بالنصب، وأما مع عدمه فيجوز.
وفيه: أنّ الدلالة على ذلك غير تامة، لأنّ المستفاد من الرواية أنها كانت معلنة بالنصب لغير الإمام (علیه السلام) ، ولعلّ الإمام (علیه السلام) إنما امتحنها لكشف الواقع لا من جهة إعلانها، ولكن يبقى السوال كيف خفي ذلك على الإمام (علیه السلام) وهو العالم بالواقع؟ ولا ندري السرّ في ذلك، ولعلّ فعل الإمام (علیه السلام) إنما هو لإظهار الاهتمام بشأن هذا الأمر فإنّ الفعل _ أحياناً _ أبلغ من القول فتزوّجها (علیه السلام) وخلّى سبيلها اهتماماً منه (علیه السلام) بذلك، وأما إبقاؤها تحته فيمكن أن يكون من باب الملك والولاية لأنها بحكم الكافرة الحربية.
ص: 105
الثاني: يتحقّق النصب ببغض أحد الأئمة (علیهم السلام) ، ولا يعتبر خصوص النصب لأمير المؤمنين (علیه السلام) أو لجميع الأئمة (علیهم السلام) لصدق الناصب لهم أهل البيت (علیهم السلام) بذلك.
وبناء على هذا فمن يقول بإمامة إسماعيل _ مثلاً _ وينصب العداوة للإمام الكاظم (علیه السلام) لا تجوز مناكحته، وهكذا الحكم في سائر الفرق.
الأولى: بناء على ما تقدم من إجماع المسلمين كافة على عدم جواز مناكحة الكافر غير الكتابي فلا يتحقق _ حينئذ _ موضوع للتقية، فإذا نكح المسلم امرأة كافرة غير كتابية فإن كان مع العلم والاختيار فلا إشكال في حرمة النكاح وبطلانه، ويعتبر الولد بالنسبة للمسلم ابن زنا، فلا نسب ولا توارث بينهما، وأما بالنسبة إلى المرأة فالحكم على طبق ملّتها، فإن كان هذا النكاح جائزاً بحسب دينها فهو صحيح وينسب الولد إليها وتترتب آثاره وإلاّ فلا، وكذا الكلام لو تزوجت المرأة المسلمة من رجل كافر غير كتابيّ.
ويبقى الكلام في إقامة الحدّ على المسلم أو المسلمة.
والذي يظهر من السيد الأستاذ ! أنه لا فرق بين كون الزاني مسلماً أو كافراً، وكذا لا فرق بين كون المزني بها مسلمة أو كافرة وذلك لإطلاقات الأدلّة(1).
ومقتضى إطلاق كلامه أنّ حكم المسلم أو المسلمة في إقدامهما على النكاح منالكافرة أو الكافر غير الكتابيين مع العلم والاختيار حكم الزاني والزانية من حيث إقامة الحد عليهما.
ص: 106
نعم استثنى ! في مسألة(1) بعد ذلك وهي ما إذا زنى الذمي بمسلمة فحكم عليه بالقتل، وهذا حكم خاصّ قام الإجماع(2) ودلّ النصّ الصريح عليه(3) ، وإذا كان هذا حكم الذمي إذا زنى بمسلمة فثبوته بالنسبة إلى الكافر غير الكتابي بطريق أولى.
وإن كان نكاح المسلم للمرأة الكافرة عن جهل فهو وطىء شبهة وتترتب عليه أحكامه.
وأما إذا كان النكاح عن غير اختيار، فتارة يكون _ غير الاختيار _ بمعنى الاحتياج الشديد كما إذا كان في بلاد الكفر ولم يجد غير الكافرة فحكمه عدم الجواز أيضاً، وذلك:
أولاً: للأصل. وثانياً: لما ورد في موثقة حفص بن غياث قال: كتب بعض إخواني أن أسأل أبا عبد الله (علیه السلام) عن مسائل، فسألته عن الأسير هل يتزوّج في دار الحرب؟ فقال: أكره ذلك، فإن فعل في بلاد الروم فليس بحرام هو نكاح، وأما في الترك والديلم والخزر فلا يحلّ له ذلك(4) .والإمام (علیه السلام) فصّل بين النكاح في بلاد الروم فيجوز لأنهم من أهل الكتاب، وبين الترك والديلم والخزر فلا يجوز لأنهم من أهل الشرك.
ويؤيد ذلك: ما رواه الزهري عن علي بن الحسين (علیهما السلام) قال: لا يحلّ للأسير أن يتزوّج ما دام في أيدي المشركين مخافة أن يولد له فيبقى ولده كافراً في أيديهم(5) .
ص: 107
وتارة يكون _ أي عدم الاختيار _ بمعنى الخوف على النفس، ولا إشكال في جواز النكاح في هذه الصورة، وذلك لما تقدّم من الأدلة العامة، بل وجوبه لوجوب حفظ النفس.
هذا بالنسبة للحكم التكليفي، وأما بالنسبة للحكم الوضعي من إلحاق الولد وترتب الآثار الأخرى فالظاهر هو ذلك لأنّ العقد إما أن يكون محكوماً بالصحة شرعاً، وإما أن يكون ملحقاً بوطىء الشبهة وعلى كلا التقديرين تترتب الآثار إلاّ في التوارث بين الزوجين فإنه يتحقق على التقدير الأول، لكن من طرف المسلم لا من طرف الكافر، وأما على التقدير الثاني فلا توارث بينهما أصلاً.
الثانية: إذا اقتضت التقية مناكحة الكافر الكتابي _ بناء على القول بعدم الجواز حال الاختيار، فلا إشكال في الجواز بل الوجوب، لما تقدم من الأدلة العامة ولما ورد في خصوص المقام من أنه إذا لم يجد المسلم حرّة مسلمة أو أمة جاز له أن يتزوّج امرأة من أهل الكتاب كما في موثقة يونس عنهم (علیهم السلام) قال: لاينبغي للمسلم المؤسر أن يتزوّج الأمة إلاّ أن لا يجد حرّة وكذلك لا ينبغي له أن يتزوّج امرأة من أهل الكتاب، إلاّ في حال الضرورة حيث لا يجد مسلمة حرّة ولا أمة(1).
والرواية واضحة الدلالة على الجواز عند عدم وجدان المرأة المسلمة الحرة أو الأمة فعند الخوف على النفس يجوز بطريق أولى.
ويترتّب على هذا النكاح آثار الصحة من إلحاق الولد وغيره من الآثار إلاّ في التوارث فإنه لا يكون إلاّ من طرف المسلم دون العكس.
فإذا ارتفعت التقية فهل يحكم ببقاء النكاح وصحّته وتدخل المسألة
ص: 108
حينئذ في مسألة ما إذا أسلم أحد الزوجين؟ أو يقال بالبطلان؟
ويمكن الاستدلال للأول بوجهين:
الأول: وحدة المناط في كلتا المسألتين.
الثاني: أنّ العقد إذا وقع صحيحاً _ كما هو المفروض _ فلا ينقلب عما هو عليه.
ولكن يمكن المناقشة في كلا الوجهين.
أما في الأول فيقال: بأنّ مقتضى الجمود على مورد الأدلة في إسلام أحد الزوجين هو اختصاص الحكم بمورده لعدم العلم بمناط الحكم، فتعديته إلى ما نحن فيه قياس باطل.
وأما في الثاني فيقال في جوابه: إنّ الاستدامة شرط أيضاً كالحدوث كما تقدمتفصيل ذلك في مسائل الطهارة والنجاسة، وبناء عليه فإذا ارتفعت التقية رجع الأمر إلى حكمه الواقعي الأولي.
الثالثة: لا تجوز مناكحة الناصبي ومن يلحق به، فإذا وقعت المناكحة مع العلم بالحرمة والاختيار فحكمها حكم مناكحة الكافر غير الكتابي المتقدّم في المسألة الأولى.
وأما إذا وقعت في حال التقية فلا إشكال في الجواز وذلك:
أولاً: للأدلة العامة الدالة على وجوب التقية في كل ضرورة.
وثانياً: للأدلة الخاصة الواردة في المقام.
ومنها: صحيحة زرارة(1) المتقدمة الواردة في تزويج أمّ كلثوم (علیها السلام) فإنّ قوله(علیه السلام): «إن ذلك فرج غصبناه» يدلّ على جواز وقوع ذلك عن تقية.
ص: 109
ومنها: صحيحة هشام بن سالم(1) المتقدمة أيضاً والواردة في نفس هذه القضية.
ويمكن استفادة الجواز أيضاً من صحيحة عبد الله بن سنان، قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن الناصب الذي قد عرف نصبه وعداوته، هل يزوّجه المؤمن وهو قادر على ردّه، وهو لا يعلم بردّه؟ قال: لا يتزوّج المؤمن الناصبة ولايتزوّج الناصب المؤمنة، ولا يتزوّج المستضعف مؤمنة(2) .
ومحل الشاهد قوله: وهو لا يعلم بردّه، فإنه وإن كان من كلام السائل إلاّ أنّ الإمام (علیه السلام) قرّر ذلك، وجوابه (علیه السلام) وإن كان في حال عدم التقية إلاّ أن المفهوم منه الجواز في حال التقية، ولولا ذلك لكان على الإمام (علیه السلام) البيان بتعميم النهي حتى في صورة علم الناصب بسبب الرد كأن يقول (علیه السلام) _ مثلاً _ : وإن علم بردّه.
وأما إذا كان النكاح مع عدم العلم بالنصب فيجوز، ويقع العقد صحيحاً ويدلّ على ذلك:
صحيحة زرارة المتقدمة عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: دخل رجل على علي بن الحسين (علیهما السلام) فقال: إنّ امرأتك الشيبانية خارجية تشتم علياً (علیه السلام) فإن سرّك أن أسمعك ذلك منها أسمعتك، قال: نعم، قال: فإذا كان حين تريد أن تخرج كما كنت تخرج فعد فاكمن في جانب الدار، قال: فلما كان من الغد كمن في جانب الدار، وجاء الرجل فكلّمها فتبيّن منها ذلك فخلّى سبيلها، وكانت تعجبه(3) .
وموثقة مالك بن أعين أنه دخل على أبي جعفر (علیه السلام) وعليه ملحفة حمراء فقال: إنّ الثقفية أكرهتني على لبسها وأنا أحبها (إلى أن قال:) ثم دخلت عليه
ص: 110
وقد طلّقها، فقال: سمعتها تبرأ من عليّ فلم يسعني أن أمسكها وهي تبرأمنه(1) .
ويؤيده رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (علیه السلام) في حديث أنه كان له امرأة يقال لها: أمّ علي، وكانت ترى رأي الخوارج، قال: فأدرتها ليلة إلى الصبح أن ترجع عن رأيها وتولّى أمير المؤمنين (علیه السلام) فامتنعت عليّ، فلما أصبحت طلّقتها(2) .
والمستفاد من هذه الروايات جواز النكاح مع عدم العلم بالنصب، وأما بعد العلم فإن حصلت التوبة فهو وإلاّ فيجب الطلاق.
وأما ما يمكن أن يستشكل به في خصوص مورد الروايات، وهو كيف يخفى ذلك على الإمام (علیه السلام) وهو العالم بالواقع؟ فقد أجبنا عنه فيما تقدم.
وهذا المقام وإن كان خارجاً عن محلّ الكلام إلاّ أننا نتعرّض له تتميماً للفائدة، وهو يحتوي على كثير من الفروع والمسائل ونقتصر على ذكر المهمّ منها على نحو الاختصار، فنقول:
الظاهر عدم الخلاف في صحة المناكحة فيما بينهم، واستدل على ذلك بأمور:
الأول: الإجماع المدّعى في كلام غير واحد كالشيخ في الخلاف(3) والعلاّمة فيالتذكرة(4) وغيرهما في غيرهما.
الثاني: الأخبار والروايات العامة والخاصّة.
ص: 111
أما الروايات العامة فمنها: صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: سألته عن الأحكام، قال: يجوز على أهل كل ذوي دين ما يستحلّون(1) .
ومنها: معتبرة أبي الحسن الحذّاء، قال: كنت عند أبي عبد الله (علیه السلام) فسألني رجل ما فعل غريمك؟ قلت: ذاك ابن الفاعلة؟ فنظر إليّ أبو عبد الله (علیه السلام) نظراً شديداً قال: فقلت: جعلت فداك إنه مجوسيّ أمّه أخته، فقال: أو ليس ذلك في دينهم نكاحاً؟(2)
والرواية وإن كانت واردة في خصوص المجوسي، إلاّ أن المستفاد من جواب الإمام (علیه السلام) واستنكاره شمول الحكم لكل ذوي دين ولا خصوصية لمورد الرواية.
ومنها: موثقة أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: نهى رسول الله(صلي الله علیه وآله) أن يقال للإماء: يا بنت كذا وكذا، وقال: لكل قوم نكاح(3) .وهي واضحة الدلالة.
ويؤيد ذلك رواية عمرو بن نعمان الجعفي، قال: كان لأبي عبد الله (علیه السلام) صديق لا يكاد يفارقه إذا ذهب مكاناً، فبينا هو يمشي معه في الحذّائين ومعه غلام له سنديّ يمشي خلفهما إذ التفت الرجل يريد غلامه ثلاث مرّات فلم يره، فلما نظر في الرابعة قال: يابن الفاعلة أين كنت؟ قال: فرفع أبو عبد الله (علیه السلام) يده فصكّ بها جبهة نفسه، ثم قال: سبحان الله تقذف أمّه!! قد كنت أرى (أو أريتني) أنّ لك ورعاً، فإذا ليس لك ورع، فقال: جعلت فداك إنّ أمّه سنديّة مشركة، فقال: أما علمت أنّ لكل أمّة نكاحاً، تنحّ عنّي، قال: فما رأيته يمشي
ص: 112
معه حتى فرّق بينهما الموت(1) .
وغيرها من الروايات.
وأما الروايات الخاصة فهي كثيرة:
ومنها: صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (علیه السلام) في حديث قال: سألته عن رجل هاجر وترك امرأته مع المشركين، ثم لحقت به بعد ذلك أيمسكها بالنكاح الأول أو تنقطع عصمتها؟ قال: بل يمسكها وهي امرأته(2) . وغيرها من الروايات.
الثالث: السيرة القطعية الثابتة عن النبي (صلي الله علیه وآله) من إقرارهكلّ من يدخل الإسلام على نكاحه من دون أن يأمر (صلي الله علیه وآله) بتجديد العقد، وذاك أمر محقّق ولم يناقش فيه أحد.
ويؤيد ذلك:
أولاً: أنّ التعبيرات الواردة في القرآن من نسبة النساء إلى أزواجهم وإن كانت أنكحتهم جاهلية، كما في قوله تعالى: «وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ»(3) ، وقوله تعالى: «وَقَالَتْ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ...»(4) وغيرهما من الآيات الدالة على إضافة النساء إلى أزواجهن بنكاحهن على طبق مللهم وأديانهم.
وثانياً: ما ذكره الشيخ في كتاب الخلاف عن العامة من الروايات الدالة على إقرار النبي (صلي الله علیه وآله) لنكاح من يدخل في الإسلام ، ومنها:
ص: 113
أنّ غيلان بن مسلمة الثقفي أسلم وعنده عشر نسوة، فقال له النبي (صلي الله علیه وآله): أمسك أربعاً وفارق سائرهن، وفي رواية أخرى أمره النبي (صلي الله علیه وآله) أن يختار أربعاً ويفارق البواقي(1) . وغيرها من الروايات.
والحاصل: أنه لا إشكال في أصل المسألة وأنّ بعض أنكحة الجاهلية صحيحة وقد أقرّها الإسلام وأمضاها.
فإذا أسلم الزوجان أو أحدهما ففيه ثلاث صور:
الأولى: أن يكون الإسلام من كلا الطرفين، الزوج والزوجة.الثانية: أن يكون من طرف الزوج دون الزوجة.
الثالثة: أن يكون من طرف الزوجة دون الزوج.
أما الصورة الأولى فإن كان عدد النساء أربعاً أو أقلّ من أربع فلا إشكال في بقاء النكاح بلا خلاف ولا إشكال كما في الجواهر(2) ، إلاّ أنه مشروط بما إذا لم يكن النكاح مشتملاً على ما يقتضي فساده بقاءً، كما إذا كان فيه جمع بين الأختين أو بين الأم والبنت، أو كان بإحدى المحارم نسباً أو سبباً، وغير ذلك من الموارد التي توجب الفساد بقاءً، وكذا الكلام بالنسبة للمرأة كما إذا كانت متزوجة _ حال الكفر _ برجلين على نحو التقارن بمعنى أنّ كلا العقدين وقعا في زمان واحد.
وأما إذا كان وقوعهما على نحو الترتيب فيحكم بصحّة العقد الأول دون الثاني.
وأما إذا كان المقتضي للفساد منقضياً كما إذا كان العقد من الأول وقع في
ص: 114
العدّة وكان صحيحاً بحسب ملّتهم فانقضت العدّة حين الإسلام فالنكاح باق على حاله، ويحكم بصحّته ولا يحتاج إلى تجديد العقد بعد الإسلام.
وإن كان النساء أكثر من أربع وجب على الزوج أن يختار أربعاً منهن مع ملاحظة الشرط المتقدم، أي: بأن لا يكون في اختياره ما يقتضي الفساد بقاءً، وقدادّعي عدم الخلاف في ذلك كما في التذكرة(1)، بل الإجماع عليه كما في الخلاف(2).
ويدلّ على ذلك أيضاً رواية عقبة بن خالد عن أبي عبد الله (علیه السلام) في مجوسيّ أسلم ولم سبع نسوة وأسلمن معه كيف يصنع؟ قال: يمسك أربعاً ويطلق ثلاثاً(3).
وهي واضحة الدلالة، وأما من جهة السند فهي وإن اشتمل سندها على شخصين لم يرد فيهما توثيق وهما محمد بن عبد الله بن هلال، وعقبة بن خالد، إلاّ أنهما واقعان في أسناد كتاب نوادر الحكمة(4) وذلك أمارة على التوثيق على ما قرّرناه في محلّه، وبناء عليه فالرواية معتبرة والاستدلال بها تام.
ويؤيد ذلك عدة من الروايات الواردة عن طرق الخاصّة(5) والعامة، ومن الثاني ما تقدم ذكره عن الشيخ في الخلاف(6) من أنّ غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وعنده عشر نسوة.
والحاصل: أنّ هذا الحكم مما لا إشكال فيه.
وأما الصورة الثانية: وهي ما إذا كان الإسلام من طرف الزوج دون
ص: 115
الزوجة، فإن كانت الزوجة كتابية فالنكاح باق على حاله، سواء كان إسلامه قبل الدخول أو بعده، وسواء أسلمت الزوجة بعد ذلك أو لا، وذلك لدعوى عدم الخلاف فيه كما في الجواهر(1) بل هو موضع وفاق كما في المسالك(2) .
ولما دلّ من الروايات الخاصة على جواز استدامة نكاح الكتابية إذا أسلم زوجها، ومنها صحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة(3).
نعم ورد في خصوص المجوسية أنّ بقاء النكاح يتوقف على إسلام المرأة قبل انقضاء عدّتها كما في رواية منصور بن حازم قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن رجل مجوسيّ كانت تحته امرأة على دينه فأسلم أو أسلمت، قال: ينتظر بذلك انقضاء عدّتها، فإن هو أسلم أو أسلمت قبل أن تنقضي عدّتها فهما على نكاحهما الأول، وإن هي لم تسلم حتى تنقضي العدّة فقد بانت منه(4) .
وإن كانت الزوجة كافرة غير كتابية انفسخ العقد في الحال إن كان قبل الدخول، وأما إذا كان إسلام الزوج بعد الدخول، فبقاء النكاح يتوقف على إسلامها قبل انقضاء عدتها، فإن أسلمت قبل الانقضاء فهو وإلاّ بانت منه.وقد ادّعى في الجواهر(5) نفي الخلاف على ذلك فتوى ونصاً، بل احتمل الاتّفاق عليه نقلاً وتحصيلاً.
وأما الصورة الثالثة وهي ما إذا كان الإسلام من طرف الزوجة دون الزوج فإن كان إسلامها قبل الدخول انفسخ العقد لحرمة تزويج المسلمة من الكافر كتابيّاً كان أو غيره.
ص: 116
وإن كان إسلامها بعد الدخول توقف بقاء النكاح على إسلامه قبل انقضاء عدتها، فإن أسلم فهو وإلاّ بانت منه من حين إسلامها وفاقاً للأكثر بل للمشهور، كما في الجواهر(1) وذلك لنفي السبيل(2) وللنصوص الدالة على ذلك:
ومنها: معتبرة السكوني عن جعفر عن أبيه عن علي (علیهم السلام) أنّ امرأة مجوسية أسلمت قبل زوجها، فقال علي (علیه السلام): لا يفرّق بينهما، ثم قال: إن أسلمت قبل انقضاء عدّتها فهي امرأتك، وإن انقضت عدّتها قبل أن تسلم ثم أسلمت فأنت خاطب من الخطّاب(3) .
ومنها: رواية منصور بن حازم المتقدمة(4) .
ومنها: صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: إذاأسلمت امرأة وزوجها على غير الإسلام فرّق بينهما(5) .
ومنها: صحيحة أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: سألت الرضا (علیه السلام) عن الرجل تكون له الزوجة النصرانية فتسلم هل يحلّ لها أن تقيم معه؟ قال: إذا أسلمت لم تحلّ له، قلت: فإن الزوج أسلم بعد ذلك أيكونان على النكاح؟ قال: لا، يتزوج بتزويج جديد(6) .
ثم إنه لا فرق _ كما ذكرنا _ في الحكم بين كون الزوج ذميّاً أو غيره، نعم ذهب الشيخ في النهاية(7) والتهذيبين(8) إلى الحكم ببقاء النكاح إذا كان الزوج
ص: 117
ذميّاً، وكان على شرائط الذمة إلاّ أنه لا يمكّن من الدخول إليها ليلاً، ولا من الخلوة بها، ولا من إخراجها من دار الهجرة إلى دار الحرب.
وذهب في المبسوط(1) إلى ما عليه المشهور من عدم الفرق بين الذمي وغيره واستدلّ على بقاء النكاح برواية جميل بن دراج عن بعض أصحابنا عن أحدهما(علیهما السلام) أنه قال في اليهودي والنصراني والمجوسي إذا أسلمت امرأته ولم يسلم قال: هما على نكاحهما، ولا يفرق بينهما، ولا يترك أن يخرج بهامن دار الإسلام إلى دار الهجرة(2) .
وبرواية محمد بن مسلم عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: إنّ أهل الكتاب وجميع من له ذمّة إذا أسلم أحد الزوجين فهما على نكاحهما، وليس له أن يخرجها من دار الإسلام إلى غيرها، ولا يبيت معها، ولكنّه يأتيها بالنهار، وأما المشركون مثل مشركي العرب وغيرهم فهم على نكاحهم إلى انقضاء العدّة، فإن أسلمت المرأة ثم أسلم الزوج قبل انقضاء عدّتها فهي امرأته، وإن لم يسلم إلاّ بعد انقضاء العدّة فقد بانت منه، ولا سبيل له عليها الحديث(3) .
ولكن كلتا الروايتين ضعيفتان بالإرسال، وبمقتضى الروايات المعتبرة المتقدّمة هو القول بعدم الفرق بين الذمّي وغيره في الحكم وهو ما عليه المشهور.
ص: 118
ومما يناسب المقام _ تتميماً للفائدة _ التعرّض لإحدى المسائل الخلافية والتي لا تقلّ أهمية عما تقدّم، وهي مسألة النكاح المنقطع، والتحقيق حول بقاء مشروعيّته وعدمه، إذ وقع الخلاف بين الخاصّة والعامة بعد إجماع المسلمين قاطبة على حلّيته في زمان النبي (صلي الله علیه وآله)، فذهب الخاصة إلى القول ببقاء الحلية، بل عدّوا ذلك من ضروريات مذهبهم، كما صرّح به صاحب الجواهر(1) .
وذهب العامة إلى القول بأنّ هذا النكاح منسوخ، وأنكروا بقاء الحلية وتشددوا في ذلك، بل جاوز بعضهم حدّ الاعتدال فاتهم الشيعة الإمامية _ زوراً وبهتاناً _ بأنهم يبيحون الزنا والعياذ بالله.
والسبيل إلى معرفة الحق في هذه المسألة هو الاهتداء بالقرآن الكريم، والأخذ بما أثر عن النبي (صلي الله علیه وآله)، والبحث حول هذا الأمر على ضوء الموازين الشرعية المقرّرة، بعيداً عن العصبية، وتجرّداً عن الهوى، والتزاماً بالعدل والإنصاف.
ولابدّ قبل الشروع أن نذكر أقوال بعض الفقهاء من كلا الفريقين في هذهالمسألة فنقول وبالله التوفيق:
أما من الخاصة فقد قال الشيخ ! في الخلاف: نكاح المتعة عندنا مباح
ص: 119
جائز... وبه قال علي (علیه السلام) على ما رواه أصحابنا، وروي ذلك عن ابن مسعود، وجابر بن عبد الله، وسلمة بن الأكوع، وأبي سعيد الخدري، والمغيرة بن شعبة، ومعاوية بن أبي سفيان، وابن عباس، وابن جريح، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء.
وحكى الفقهاء تحريمه عن علي (علیه السلام) وعمر بن الخطاب، وابن مسعود، وابن الزبير، وابن عمر، وقالوا: إنّ ابن عباس رجع عن القول بإباحتها(1) .
وقال ابن إدريس في السرائر: النكاح المؤجّل مباح في شريعة الإسلام، مأذون فيه، مشروع بالكتاب، والسنة المتواترة، وبإجماع المسلمين، إلاّ أنّ بعضهم ادّعى نسخه فيحتاج في دعواه إلى تصحيحها ودون ذلك خرط القتاد(2) .
وقال: وأيضاً فقد سبق إلى القول بإباحة ذلك جماعة معروفة الأقوال من الصحابة والتابعين كأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیهما السلام) ، وابن عباس، ومناظرته لابن الزبير معروفة، رواها الناس كلّهم ونظم الشعراء فيها الأشعار فقال بعضهم:
أقول للشيخ لما طال مجلسه *** ياصاح هل لك في فتوى ابن عباس
هل لك في قينة بيضاء بهكنة *** يكون مثواك حتى مصدر الناس
وعبد الله بن مسعود، ومجاهد، وعطاء، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وسلمة بن الأكوع، وأبي سعيد الخدري، والمغيرة بن شعبة، وسعيد بن جبير، وابن جريح، فإنهم كانوا يفتون بها فادّعاء الخصم الاتفاق على حظر النكاح المؤجّل باطل(3) .
وأما من العامة فقد قال الرازي في تفسير قوله تعالى: «فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ
ص: 120
مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ»(1) : المسألة الثالثة: في هذه الآية قولان: أحدهما: وهو قول أكثر علماء الأمة أنّ قوله: «أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ»(2) المراد منه ابتغاء النساء بالأموال على طريق النكاح، وقوله: «فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ» فإن استمتع بالدخول آتاها المهر بالتمام، وإن استمتع بعقد النكاح آتاها نصف المهر.
والقول الثاني: أنّ المراد بهذه الآية حكم المتعة، وهي عبارة عن أن يستأجر الرجل المرأة بمال معلوم إلى أجل معيّن فيجامعها، واتفقوا على أنها كانت مباحة في ابتداء الإسلام، روي أنّ النبي (صلي الله علیه وآله) لما قدم مكّة في عمرته تزين نساء مكة، فشكا أصحاب الرسول (صلي الله علیه وآله) طول العزوبة، فقال: استمتعوا من هذه النساء، واختلفوا في أنها هل نسخت أم لا؟ فذهب السواد الأعظم من الأمة إلى أنها منسوخة، وقال السواد منهم: إنها بقيت مباحةكما كانت، وهذا القول مرويّ عن ابن عباس، وعمران بن الحصين(3) .
وقال ابن حزم في المحلّى: ولا يجوز نكاح المتعة، وهو النكاح إلى أجل، وكان حلالاً على عهد رسول الله (صلي الله علیه وآله) ثم نسخها الله تعالى على لسان رسوله(صلي الله علیه وآله) نسخاً باتاً (تاماً) إلى يوم القيامة، وقد ثبت على تحليلها بعد رسول الله (صلي الله علیه وآله) جماعة من السلف رضي الله عنهم، منهم من الصحابة رضي الله عنهم، أسماء بنت أبي بكر الصديق، وجابر بن عبد الله، وابن مسعود، وابن عباس، ومعاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن حريث، وأبو سعيد الخدري، وسلمة ومعبد ابنا أميّة بن خلف، ورواه جابر بن عبد الله عن جميع الصحابة مدة رسول الله، ومدة أبي بكر وعمر إلى قرب آخر خلافة عمر، واختلف في إباحتها عن ابن
ص: 121
الزبير، وعن علي فيها توقف، وعن عمر بن الخطاب أنه إنّما أنكرها إذا لم يشهد عليها عدلان فقط، وإباحتها بشهادة عدلين، ومن التابعين طاووس، وعطاء، وسعيد بن جبير، وسائر فقهاء مكة أعزّها الله، وقد تقصّينا الآثار المذكورة في كتابنا الموسوم بالإيصال، وصحّ تحريمها عن ابن عمر، وعن ابن أبي عمرة الأنصاري، واختلف فيها عن علي، وعمر، وابن عباس، وابن الزبير، وممّن قال بتحريمها وفسخ عقدها من المتأخرين، أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأبو سليمان، وقال زفر: يصحّ العقد ويبطل الشرط(1) .
إذا تبيّن هذا فيقع البحث في أربعة مواضع:الأول: في بيان مقتضى الأصل والقاعدة في حكم المتعة.
الثاني: في حكم المتعة بمقتضى أدلة العامة.
الثالث: في حكمها بمقتضى أدلة الخاصّة.
الرابع: في أحكام التقية في المتعة.
أما الموضع الأول فإن مقتضى القاعدة مع قطع النظر عن أدلة الطرفين هو حلية كلّ عقد قرّره الشارع ولم يردع عنه سواء كان العقد تأسيساً أو إمضاءاً.
وقد قامت الأدلة الشرعية القطعية من السنة وإجماع المسلمين قاطبة على حلّية المتعة، كما أنّ بعضهم قد استند إلى الكتاب الكريم في الحكم بالحلية.
أما السنة فقد بلغت الروايات الدالة على الحلية حدّ التواتر بل فوق التواتر عند العامة والخاصة، وتتفق جميع الروايات في دلالتها على أنها كانت مشروعة في زمان مّا، وإذا كان ثمّة اختلاف فإنّما هو في بقاء مشروعيتها أو
ص: 122
ارتفاعه بعد ذلك.
وأما الإجماع على الحلية فهو ثابت عند كافة المسلمين ولم يخالف في ذلك أحد على الإطلاق.
وأما الكتاب فإنه وإن استند جمع من الأصحاب إلى قوله تعالى: «فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ»(1) في الحكم بحلّية المتعة، وأنّ الآية نزلتفي نكاح المتعة لا في النكاح الدائم، كما اعترف بذلك الرازي(2) والجصّاص(3) وغيرهما(4) من علماء العامة، إلاّ أنه لما لم تتفق الكلمة بينهم على نزول الآية الشريفة في المتعة، وإنما اتفقت كلمة الخاصة فقط على ذلك فلذا نرجىء البحث حول الآية إلى الموضع الثالث الذي نتناول فيه أدلة الخاصة.
وبالجملة فيكفينا في المقام قيام الدليلين القطعيين السنة والإجماع على الحكم بالحلية، ولم يرد الإنكار أو الخلاف عن أحد من المسلمين.
فمقتضى القاعدة هو بقاء الحلّية واستمرارها إلاّ أن يقوم دليل قطعي أو حجّة شرعية على النسخ أو التحريم، فإنّ استصحاب عدم النسخ هو أحد الأمور المسلّمة عند فقهاء المسلمين، فإن تمّ دليل القائلين بالنسخ فهو، وإلاّ فلابدّ من الرجوع إلى مقتضى الأصل والعمل على طبقه.
وأما الموضع الثاني وهو البحث عن حكم المتعة على ضوء أدلة العامة فالمستفاد من كلماتهم أنّ المتعة كانت مباحة في أوائل زمان النبي (صلي الله علیه وآله) ثم
ص: 123
نسخت، وحكم بحرمتها، وصارت بمنزلة الزنا؛ وذلك لوجوه:
الأول: بالروايات الكثيرة، وقد ادّعى ابن رشد وغيره تواتر الأخبار في ذلكحيث قال: وأما نكاح المتعة فإنه وإن تواترت الأخبار عن رسول الله (صلي الله علیه وآله) بتحريمه إلاّ أنها اختلفت في الوقت الذي وقع فيه التحريم(1) .
الثاني: بالإجماع وقد ادّعاه غير واحد منهم(2) .
الثالث: بالآيات وهي وإن كانت محل خلاف عندهم إلاّ أنّ بعضهم حيث سلّم بأنّ الآية الشريفة «فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ»(3) نزلت في نكاح المتعة، ادّعى أنها منسوخة بقوله تعالى: «وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ»(4) نظراً إلى أنّ المرأة المتمتع بها ليست بزوجة، ولا بملك يمين. أو بقوله تعالى: «يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ...»(5) نظراً إلى أن نكاح المتعة لا طلاق فيه، فلا تكون المرأة المتمتع بها داخلة في النساء، أو بقوله تعالى: «وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمْ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ ...»(6)، نظراً إلى أنّ المرأة المتمتع بها لا ميراث لها، فيعلم أنهاليست بزوجة.
هذه مجموع أدلّتهم على الحرمة إجمالاً ولابدّ من البحث حولها تفصيلاً وبيان مقدار دلالتها.
ص: 124
أما ما دلّ من السنة على الحرمة فعدّة روايات.
الأولى: ما رواه البخاري في صحيحه، قال: حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا ابن عيينه أنه سمع الزهري يقول: أخبرني الحسن بن محمد بن علي، وأخوه عبد الله، عن أبيهما، أنّ علياً رضي الله عنه قال لابن عباس: إنّ النبي (صلي الله علیه وآله) نهى عن المتعة، وعن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر(1) .
وقد وردت هذه الرواية بألفاظ مختلفة.
الثانية: ما رواه أيضاً عن محمد بن بشار، حدّثنا غندر، حدّثنا شعبة، عن أبي جمرة، قال: سمعت ابن عباس سئل عن متعة النساء فرخّص، فقال له مولى له: إنما ذلك في الحال الشديد، وفي النساء قلة، فقال ابن عباس: نعم(2) .
الثالثة: ما رواه أيضاً عن علي، حدثنا سفيان قال عمرو: عن الحسن بن محمد، عن جابر بن عبد الله، وسلمة بن الأكوع، قالا: كنّا في جيش فأتانا رسول الله(صلي الله علیه وآله) فقال: إنه قد أذن لكم أن تستمتعوا فاستمتعوا(3) .الرابعة: ما رواه البخاري أيضاً قال: وقال ابن أبي ذئب: حدثني إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه، عن رسول الله (صلي الله علیه وآله): أيما رجل وامرأة توافقا فعشرة (بعشرة) ما بينهما ثلاث ليال، فإن أحبّا أن يتزايدا أو يتتاركا تتاركا، فما أدري أشيء كان لنا خاصّة أم للناس عامّة(4) .
قال أبو عبد الله (البخاري): و (قد) بيّنه علي عن النبي (صلي الله علیه وآله) أنه منسوخ(5) .
ص: 125
الخامسة: ما رواه المتقي الهندي في كنز العمال عن ابن قانع عن حارث بن غزية: متعة النساء حرام، ولا أعلم أحداً أعدى على الله ممن استحلّ حرمات الله وقتل غير قاتله، وإنّ مكة هي حرم الله عزوجل(1) .
السادسة: ما رواه في الكنز أيضاً: إني كنت قد أذنت لكم في الاستمتاع، وإنّ الله تعالى قد حرّم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهنّ شيء فليخلّ سبيله، ولا تأخذوا مما آتيتموهنّ شيئاً(2) .
ورواه مسلم في صحيحه بسنده عن الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه(3) .السابعة: ما رواه أبو داود والبيهقي في سننهما بسنديهما عن الزهري، قال: كنا عند عمر بن عبد العزيز ، فتذاكرنا متعة النساء، فقال رجل يقال له ربيع ابن سبرة: اشهد على أبي أنه حدّث أنّ رسول الله نهى عنها في حجّة الوداع(4) .
الثامنة: ما رواه البيهقي عن سالم بن عبد الله أنّ رجلاً سأل عبد الله بن عمر عن المتعة فقال: حرام، قال: فإنّ فلاناً يقول فيها، فقال: والله لقد علم أنّ رسول الله(صلي الله علیه وآله) حرّمها يوم خيبر وما كنّا مسافحين(5) .
التاسعة: ما نقله في نيل الأوطار من حديث جابر، قال: خرجنا مع رسول الله(صلي الله علیه وآله) إلى غزوة تبوك، حتى إذا كنّا عند الثنية مما يلي الشام جاءتنا نسوة تمتعنا بهن يطفن برحالنا، فسألنا رسول الله (صلي الله علیه وآله) عنهن، فأخبرناه، فغضب، وقام فينا خطيباً فحمد الله وأثنى عليه، ونهى عن المتعة، فتوادعنا يومئذ ولم نعد ولا نعود فيها أبداً، فلهذا سميت بثنية الوداع(6) .
ص: 126
قال الحافظ: وهذا اسناد ضعيف لكن عند ابن حبان من حديث أبي هريرة ما يشهد له(1) .
العاشرة: ما رواه البيهقي من حديث أبي هريرة قال: خرجنا مع رسول الله(صلي الله علیه وآله) في غزوة تبوك، فنزلنا بثنية الوداع، فرأى نساء يبكين،فقال: ما هذا؟ قيل: نساء تمتع بهنّ أزواجهن ثم فارقوهن، فقال رسول الله: حرّم أو هدم المتعة النكاحُ والطلاقُ والعدةُ والميراثُ(2) .
ورواه الدارقطني أيضاً في سننه(3) .
الحادية عشرة: ما رواه السيوطي في الدر المنثور عن ابن مسعود قال: كنّا نغزو مع رسول الله (صلي الله علیه وآله) وليس معنا نساؤنا، فقلنا: ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك، ورخص لنا أن نتزوج المرأة بالثوب إلى أجل، ثم قرأ عبد الله «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ »(4) .
الثانية عشر: ما رواه البيهقي في سننه عن ابن عباس قال: كانت المتعة في أول الإسلام، وكانوا يقرأون هذه الآية «فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمّى» الآية، فكان الرجل يقدم البلدة ليس بها معرفة فيتزوّج بقدر ما يرى أنه يفرغ من حاجته لتحفظ متاعه وتصلح شأنه، حتى نزلت هذه الآية «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ » إلى آخر الآية، فنسخ الأولى فحرمت المتعة، وتصديقها من القرآن «إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ» وما سوى هذا الفرج فهو حرام(5) .
ص: 127
الثالثة عشر: ما نقله السيوطي عن ابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن أبي مليكة قال: سئلت عائشة عن متعة النساء فقالت: بينيوبينكم كتاب الله، وقرأت: «وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ» فمن ابتغى وراء ما زوّجه الله أو ملكه فقد عدا(1).
الرابعة عشر: ما رواه البيهقي عن سالم بن عبد الله عن أبيه عن عمر بن الخطاب (رض) قال: صعد عمر على المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ما بال رجال ينكحون هذه المتعة؟ وقد نهى رسول الله (صلي الله علیه وآله) عنها، ألا وإني لا أوتي بأحد نكحها إلاّ رجمته(2) .
الخامسة عشر: ما ذكره السيوطي قال: وأخرج البيهقي عن أبي ذر، قال: إنما حلّت لأصحاب رسول الله متعة النساء ثلاثة أيام، نهى عنها رسول الله(صلي الله علیه وآله)(3).
السادسة عشر: ما رواه البيهقي عن بسام الصيرفي قال: سألت جعفر بن محمد عن المتعة فوصفتها (له) فقال لي: ذلك الزنا(4) .
هذه هي الروايات الواردة في كتب العامة التي يمكن الاستدلال بها على التحريم وما عداها مما لم نذكره يرجع إلى أحد هؤلاء الرواة.
وفيها أولاً: ان بعض هذه الروايات لا دلالة فيها على التحريم كالثانية،والثالثة، والرابعة، والحادية عشر، فإنها كلها تدلّ على الإباحة فقط، وبعضاً آخر منها ليس من كلام النبي (صلي الله علیه وآله) بل من كلام الأصحاب كالخامسة والسادسة والثانية عشر والثالثة عشر، مضافاً إلى أنّ الروايتين الأخيرتين ليستا
ص: 128
صريحتين في التحريم لأنّ المدّعى أنّ المرأة المتمتع بها داخلة في الأزواج، وعلى فرض دلالتهما على التحريم فهو اجتهاد من ابن عباس وعائشة، على أنه سيأتي من أنّ ابن عباس كان من المتشدّدين في القول بالحلّية، ويؤكده أنّ الروايات الواردة في رجوع ابن عباس عن القول بالحلّية كلها ضعيفة الأسناد كما صرّح بذلك الشوكاني في نيل الأوطار(1).
وأما الروايتان الأولى والأخيرة فلم تثبتا لأن المعروف من مذهب أمير المؤمنين وجعفر بن محمد خلاف ذلك كما سيأتي أيضاً.
وأما الرواية الثامنة فهي محل كلام للاختلاف في نسبة التحريم إلى ابن عمر.
وأما الرواية الرابعة عشر فهي غريبة إذ سيأتي أنّ عمر نفسه قد شهد بأنّ المتعة كانت حلالاً على عهد رسول الله، وهو الذي حرّمها وتوعّد بالعقاب عليها.
وأما الرواية الخامسة عشر فيبعّدها أنّ أبا ذر من شيعة أمير المؤمنين (علیه السلام) وأتباعه، ومذهب علي (علیه السلام) فيها معروف كما ذكرنا.
فتبقى في المقام ثلاث روايات يمكن الاستدلال بها، وهي السابعة والتاسعة والعاشرة، على ما فيها من التأمل في أسناد بعضها.وثانياً: هل يمكن أن يدّعى التواتر بهذا المقدار حتى مع فرض التسليم بصحّة جميع الروايات سنداً ودلالة، أليس مما يثير العجب أن يدّعي ابن رشد تواتر الأخبار على التحريم؟ وأين موقع هذه الدعوى من العلم والتحقيق؟
وثالثاً: لو سلّمنا بتحقق التواتر بهذا المقدار، فهل يكون مفيداً للعلم إذا كان هناك تواتر على خلافه كما هو الحال في المتعة؟ فإنّ الروايات الدالة على الحلّية أضعاف ما دلّ على التحريم وقد ادّعي التواتر فيها.
ص: 129
ورابعاً: إنّ هذه الروايات لا يمكن الاستناد إليها والأخذ بها، إما لجهة الضعف في أسناد بعضها كما أشرنا، وإما لجهة التعارض فيما بينها ففي بعضها أنّ التحريم كان في يوم الفتح، وفي بعضها في يوم خيبر، وفي بعضها يوم تبوك، وفي بعضها في عمرة القضاء، وفي بعضها في يوم أوطاس، وفي بعضها يوم حنين وفي بعضها في حجة الوداع، وفي بعضها أنّ المتعة حرّمت، ثم حلّلت، ثم حرّمت، إلى غير ذلك من الاختلافات حتى بلغت أقوال العامة فيها إلى عشرة أقوال متضاربة، مضافاً إلى خلوّ خطب النبي (صلي الله علیه وآله) في يوم خيبر ويوم الفتح وحجة الوداع عن التلويح فضلاً عن التصريح بالتحريم، وقد تنبّه إلى ذلك السهيلي وهو من علماء العامة فأورده مورد الإشكال حيث قال: ومما يتصل بحديث النبي عن أكل لحوم الحمر تنبيه على إشكال في رواية مالك عن ابن شهاب فإنه قال فيها: نهى النبي (صلي الله علیه وآله) عن نكاح المتعة يوم خيبر وعن لحوم الحمر الأهلية، وهذا شيء لا يعرفه أحد من أهل السير ورواة الأثرأنّ المتعة حرمت يوم خيبر ...(1) .
وخامساً: إنّ الروايات الدالة على التحريم كلّها مخالفة لما ورد في روايات كثيرة اشتملت على الصحاح والحسان من أنّ النهي كان في زمان عمر، وأنها كانت حلالاً على عهد رسول الله (صلي الله علیه وآله) وعهد أبي بكر، بل وشطر من زمان عمر.
ومنها: ما رواه أبو نضرة قال: كنت عند جابر بن عبد الله فأتاه آت، فقال: ابن عباس وابن الزبير اختلفا في المتعتين، فقال جابر: فعلناهما على عهد رسول الله(صلي الله علیه وآله)، ثم نهانا عنهما عمر فلم نعد لهما، وفي لفظ آخر: وعلى عهد أبي بكر فلما ولي عمر خطب الناس فقال: إنّ رسول الله هذا الرسول، وإنّ القرآن هذا القرآن، وإنهما كانتا متعتين على عهد رسول الله، وأنا أنهى عنهما وأعاقب
ص: 130
عليهما، إحداهما متعة النساء، ولا أقدر على رجل تزوج امرأة إلى اجل إلاّ غيبته بالحجارة والأخرى متعة الحج(1) .
ومنها: ما روي عن عمر أنه قال في خطبته: متعتان كانتا على عهد رسول الله،وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما، متعة الحج، ومتعة النساء(2) .
ومنها: ما روي عنه أيضاً أنه قال: ثلاث كنّ على عهد رسول الله، أنا محرمهنّ ومعاقب عليهنّ، متعة الحج، ومتعة النساء، وحي على خير العمل في الأذان(3) .
ومنها: ما عن سعيد بن المسيب قال: نهى عمر عن متعتين، متعة النساء ومتعة الحج(4) .
ومنها: ما عن عروة بن الزبير أنه قال لابن عباس: أهلكت الناس، قال: وما ذاك؟ قال: تفتيهم في المتعتين وقد علمت أنّ أبا بكر وعمر نهيا عنهما، فقال: ألا للعجب، إني أحدّثه عن رسول الله، ويحدّثني عن أبي بكر وعمر !! فقال: هما كانا أعلم بسنة رسول الله وأتبع لها منك(5) .
ومنها: ما رواه عمران بن سواد الليثي، قال: صلّيت الصبح مع عمر فقرأ سبحان وسورة معها، ثم انصرف وقمت معه، فقال: أحاجة؟ قلت: حاجة، قال:
ص: 131
فالحق، قال: فلحقت فلمّا دخل أذن، فإذا هو على رمال سرير ليس فوقه شيء، فقلت: نصيحة، قال: مرحباً بالناصح غدوّاً وعشيّاً، قلت: عابت أمّتك _ أو قال:رعيتك _ عليك أربعاً، قال: فوضع رأس درّته في ذقنه، ووضع أسفلها على فخذه، وقال: هات، قال: ذكروا أنك حرّمت المتعة في أشهر الحج، وهي حلال ولم يحرمها رسول الله(صلي الله علیه وآله)، ولا أبو بكر (رض)، فقال: أجل إنكم إذا اعتمرتم في أشهر حجّكم رأيتموها مجزئة عن حجّكم فقرع حجّكم، فكانت قابية قوب عامها، والحج بهاء من بهاء الله، وقد أصبتَ، قال: وذكروا أنك حرّمت متعة النساء، وقد كان رخصة من الله نستمتع بقبضة ونفارق عن ثلاث، قال: إنّ رسول الله (صلي الله علیه وآله) أحلّها في زمان ضرورة، ورجع الناس إلى السعة ثم لم أعلم أحداً من المسلمين عاد إليها ولا عمل بها، فالآن من شاء نكح بقبضة وفارق عن ثلاث بطلاق وقد أصبتَ...(1) .
ومنها: ما روي عن جابر بن عبد الله، قال: كنّا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق، الأيام على عهد رسول الله وأبي بكر، حتى نهى عنه عمر في شأن عمرو بن حريث(2) .
ومنها: ما روي عن جابر أيضاً قال: كانوا يتمتّعون من النساء حتى نهاهم عمر بن الخطاب(3) .
ومنها: ما رواه ابن جريح قال: أخبرني أبو الزبير عن جابر، قال: قدم عمروبن حريث الكوفة، فاستمتع بمولاة، فأتي بها عمر وهي حبلى، فسأله فاعترف، قال: فذلك حين نهى عنها عمر(4) .
ص: 132
ومنها: ما روي عن عطاء قال: قدم جابر بن عبد الله معتمراً، فجئناه في منزله، فسأله القوم عن أشياء، ثم ذكروا المتعة، فقال: استمتعنا على عهد رسول الله(صلي الله علیه وآله) وأبي بكر وعمر، وفي لفظ أحمد: حتى إذا كان في آخر خلافة عمر، ثم نهى الناس عنه(1) .
ومنها: ما روي عن أبي سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله، قالا: تمتعنا إلى نصف من خلافة عمر (رض) حتى نهى الناس عنها في شأن عمرو بن حريث(2).
ومنها: ما روي عن عروة بن الزبير إنّ خولة بنت حكيم دخلت على عمر بن الخطاب (رض) فقالت: إنّ ربيعة بن أمية استمتع بامرأة مولّدة فحملت منه، فخرج عمر (رض) يجرّ رداءه فزعاً، فقال: هذه المتعة، ولو كنت تقدّمت فيه لرجمته(3).
ومنها: ما روي عن الحكم إنه سئل عن هذه الآية _ آية متعة النساءأمنسوخة؟ قال: لا . وقال علي: لولا أنّ عمر نهى عن المتعة ما زنى إلاّ شقي(4) .
ومنها: ما روي عن ابن عباس أنّه قال: ما كانت المتعة إلاّ رحمة من الله رحم بها أمة محمد، ولولا نهيه لما احتاج إلى الزنا إلاّ شفا(5) .
ومنها: ما روي عن نافع أن ابن عمر سئل عن المتعة فقال: حرام، فقيل له: ابن عباس يفتي بها، قال: فهلاّ ترمرم (تزمزم) بها في زمان عمر(6) .
ص: 133
ومنها: ما روي عن سليمان بن يسار عن أمّ عبد الله، ابنة أبي خيثمة، إنّ رجلاً قدم من الشام فنزل عليها، فقال: إنّ العزبة قد اشتدّت عليّ فابغيني امرأة أتمتع معها، قالت: فدللته على امرأة فشارطها وأشهدوا على ذلك عدولاً، فمكث معها ما شاء الله أن يمكث، ثم إنّه خرج فأخبر عن ذلك عمر بن الخطاب، فأرسل إليّ فسألني أحقّ ما حدّثت؟ قلت: نعم، قال: فإذا قدم فأذنيني، فلما قدم أخبرته، فأرسل إليه، فقال: ما حملك على الذي فعلته؟ قال: فعلته مع رسول الله(صلي الله علیه وآله)، ثم لم ينهنا عنه حتى قبضه الله، ثم مع أبي بكر فلم ينهنا عنه حتى قبضه الله، ثم معك فلم تحدث لنا فيه نهياً، فقال عمر: أما والذي نفسي بيده لو كنت تقدّمت في نهي لرجمتك بينوا حتى يعرف النكاح من السفاح(1) .ومنها: ما روي عن عمران بن حصين، قال: نزلت آية المتعة في كتاب الله تعالى لم تنزل آية بعدها تنسخها، فأمرنا بها رسول الله (صلي الله علیه وآله) وتمتعنا مع رسول الله(صلي الله علیه وآله) ومات ولم ينهنا عنها حتى قال رجل بعد برأيه ما شاء(2) .
ومنها: ما روي أنه سأل رجل من أهل الشام ابن عمر عن متعة النساء، قال: حلال، فقال: إنّ أباك قد نهى عنها، فقال: أرأيت إن كان أبي قد نهى عنها وسنّها رسول الله (صلي الله علیه وآله) نترك السنة ونتّبع أبي؟(3)
ومنها: ما روي عن أيوب، قال عروة لابن عباس: ألا تتقي الله ترخّص في المتعة؟ فقال ابن عباس: سل أمّك يا عريّة فقال عروة: أمّا أبو بكر وعمر فلم يفعلا، فقال ابن عباس: والله ما أراكم منتهين حتى يعذّبكم الله نحدّثكم عن النبي (صلي الله علیه وآله) وتحدثونا عن أبي بكر وعمر!!(4)
ص: 134
ومما يؤيد ذلك ما ذكره الراغب في المحاضرات، قال يحيى بن أكثم لشيخ بالبصرة بمن اقتديت في جواز المتعة؟ قال: بعمر بن الخطّاب (رض) قال: كيف وعمر كان أشد الناس فيها؟ قال: لأنّ الخبر الصحيح أنه صعد إلى المنبر فقال: إنّ الله ورسوله قد أحلاّ لكم متعتين وإنّي محرّمهما عليكم وأعاقب عليهما فقبلناشهادته ولم نقبل تحريمه(1) .
وما ذكره أيضاً في محاضراته قال: عيّر عبد الله بن الزبير عبد الله بن عباس بتحليله المتعة، فقال له: سل أمّك كيف سطعت المجامر بينها وبين أبيك؟ فسألها فقالت: ما ولدتك إلاّ في المتعة(2) .
وقال ابن عباس: أوّل مجمر سطع في المتعة مجمر آل الزبير(3) .
وذكر ابن أبي الحديد أنّ ابن الزبير خطب بمكة على المنبر، وابن عباس جالس مع الناس تحت المنبر، فقال: إنّ هاهنا رجلاً أعمى الله قلبه كما أعمى بصره، يزعم أنّ متعة النساء حلال من الله ورسوله، ويفتي في القملة والنملة، ... فقال ابن عباس: يابن الزبير، أما العمى فإن الله تعالى يقول: «فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ»(4) .
وأما فتياي في القملة والنملة، فإنّ فيها حكمين لا تعلمها أنت ولا أصحابك... .
وأما المتعة فسل أمك إذا نزلت عن بردي عوسجة ... فلما عاد ابن الزبير إلى أمه سألها عن بردي عوسجة، فقالت: ألم أنهك عن ابن عباس، وعن بني هاشم، فإنهم كُعُم الحواب إذا بدهوا، فقال: بلى، وعصيتك، فقالت: يا بني
ص: 135
أحذر هذاالأعمى الذي ما أطاقته الإنس والجن، واعلم أنّ عنده فضائح قريش ومخازيها بأسرها...(1).
هذا، وقد تقدّمت بعض الروايات الدالة على جواز المتعة وإباحتها في زمان الرسول (صلي الله علیه وآله) .
وعند المقارنة بين هذه الروايات، والروايات المتقدمة الدالة على التحريم نرى:
أولاً: إنّ الروايات الدالة على التحريم قليلة جداً بالقياس إلى روايات الإباحة، فإنّ بعض رواتها غير معروفين كسبرة الجهني مع الاضطراب الواضح في رواياته، وأبي عمرة الأنصاري، والحارث بن غزية، كما أن بعضهم متهم في رواياته كأبي هريرة، وبعضهم قد نسب إليه القول بالتحليل كابن عمر.
وأما الروايات الدالة على الحلية فهي كثيرة جداً حيث رويت عن كثير من الصحابة المعروفين بالعلم والفقه، كأمير المؤمنين (علیه السلام) وهو باب مدينة علم النبي(صلي الله علیه وآله)، وابن عباس وهو حبر الأمة، وعبد الله بن مسعود، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأبي سعيد الخدري، وعن عمر بن الخطاب، وعمرو بن حريث، وعمران بن الحصين، وعمران بن سوادة وقد نسبه إلى الأمة، وعن أبي بكر، وأسماء بنت أبي بكر، وغيرهم، ومن التابعين طاووس، وعطاء، وسعيد بن جبير، وسائر فقهاء مكة، وعن يحيى بن أكثم، والحكم بن عيينة وغيرهم، مضافاً إلى أنّ الروايات الدالة على التحريم كانت موافقة لرغبةالحاكم آنذاك وهو عمر بن الخطاب، بخلاف الروايات الدالة على الحلّية فإنّها ليست مشوبة بالتهمة، بل رواها بعضهم في زمان الخوف والتهديد بالرجم، فقد ذكر سبط ابن الجوزي أنّ عمر(رض) كان يقول: والله لا أوتى برجل أباح المتعة إلاّ رجمته(2) .
ص: 136
وثانياً: إنّ الروايات الدالة على حلية المتعة موافقة للكتاب العزيز، ولروايات أخر كثيرة دلّت على الحلّية كما سيأتي.
وثالثاً: على فرض التسليم بروايات التحريم وتكافؤها مع روايات الإباحة يقع التعارض بين الطائفتين، ومقتضاه التساقط فلابد من الرجوع إلى الأصل كما تقدم، وهو يقتضي حلية المتعة الثابتة في الشرع أولاً بالاتفاق.
قد يعرض على بعض الأذهان التساؤل عن نهي عمر عن المتعة على مسمع من الصحابة خلافاً للكتاب والسنة وسكوتهم عن ذلك.
وقد ذكره الفخر الرازي وأجاب عنه بقوله: إنّ عمر قال في خطبته: «متعتان كانتا على عهد رسول الله (صلي الله علیه وآله) أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما» ذكر هذا الكلام في مجمع الصحابة، وما أنكر عليه أحد فالحال هنا لا يخلو إما أن يقال إنهم كانوا عالمين بحرمة المتعة فسكتوا، أو كانوا عالمين بأنها مباحة ولكنهم سكتوا على سبيل المداهنة، أو ما عرفوا إباحتها ولاحرمتها فسكتوا لكونهم متوقفين في ذلك.
والأول هو المطلوب، والثاني يوجب تكفير عمر وتكفير الصحابة، لأنّ من علم أنّ النبي (صلي الله علیه وآله) حكم بإباحة المتعة قال: إنها محرّمة محظورة من غير نسخ لها فهو كافر بالله، ومن صدقه عليه مع علمه بكونه مخطئاً كافراً كان كافراً أيضاً، وهذا يقتضي تكفير الأمة وهو على ضدّ قوله: «كنتم خير أمة» .
والقسم الثالث وهو أنهم كانوا غير عالمين بكون المتعة مباحة أو محظورة فلهذا سكتوا، فهذا أيضاً باطل لأنّ المتعة بتقدير كونها مباحة تكون كالنكاح، واحتياج الناس إلى معرفة الحال في كل واحد منهما عام في حق الكلّ، ومثل
ص: 137
هذا يمنع أن يبقى مخفيّاً، بل يجب أن يشتهر العلم به فكما أنّ الكل كانوا عارفين بأنّ النكاح مباح وأن إباحته غير منسوخة وجب أن يكون الحال في المتعة كذلك، ولما بطل هذان القسمان ثبت أنّ الصحابة إنما سكتوا عن الإنكار على عمر(رض) لأنهم كانوا عالمين بأن المتعة صارت منسوخة في الإسلام(1) .
ولعلّ قائلاً يقول إذا كان الأمر كذلك فما بال عمر ينسب النهي عن المتعة إلى نفسه دون الرسول (صلي الله علیه وآله) .
فأجاب الرازي عن ذلك بقوله: كان مراده المتعة كانت مباحة في زمن الرسول (صلي الله علیه وآله) وأنا أنهى عنها لما ثبت عندي أنّه (صلي الله علیه وآله) نسخها(2) .ونقول: إنّ الفخر الرازي وهو الذي يعدّ من فحول العلماء وله في الكلام والتفسير والفقه باع طويل قد اختلطت عليه السبل، وزلّت قدماه _ وما أكثر زلاّته _ حيث حاول تصحيح الواقع كما وقع وتبرير ما حدث فتمحّل في الجواب بما لا ترضى به أمانة العلم والبحث والإنصاف.
وجوابنا عن ذلك:
أولاً: إنّ الصحابة قد أنكروا على عمر ولم يسكتوا، وفي ما تقدّم من الروايات ما يدلّ على ذلك، وكأنّ الرازي قد تغافل عنها، على أنّ الخوف من الرجم كان مانعاً عن المجاهرة، وفي قول
ابن عمر يعني ابن عباس: فهلاّ تزمزم بها في زمان عمر، وفي قول عمران بن حصين، فقال رجل بعد برأيه ما شاء، ما يشعر بذلك.
وثانياً: إنّ ما ذكره الرازي من التوجيه لا يرضى به عمر نفسه فإنّه قال _ وهو على المنبر _ إنّ الله ورسوله قد أحلاّ لكم متعتين، وإنّي محرّمهما عليكم.
ص: 138
فلو كان التحريم صادراً عن النبي (صلي الله علیه وآله) فلِمَ ينسبه إلى نفسه؟ وحين حاوره الشامي وذكر له أنّها كانت حلالاً ولم ينه عنها رسول الله وأبو بكر إلى أن قال: ثم معك فلم تحدث لنا فيه نهياً، لم يجبه عمر بأنّ النبي نهى عنها، وإنما أجاب بما يؤكد أنّ التحريم صدر منه، حيث قال: أما والذي نفسي بيده لو كنت تقدّمت في نهي لرجمتك.
على أنّ ما ورد عن علي (علیه السلام) ، وابن عباس، وجابر، وغيرهم من التصريح بأنّ عمر هو الذي نهى، يكفي في المقام فإنه لو صدر النهي من رسول الله (صلي الله علیه وآله) لعلمه هؤلاء قبل غيرهم.
وثالثاً: إنّ ما جرى من النهي عن المتعة ليس هو أول قارورة، فما أكثر الأوامروالنواهي الصادرة عن عمر في مختلف القضايا الشرعية حيث رأى أنّ المصلحة على خلاف ما جاء به النبي (صلي الله علیه وآله)، ومن ذلك متعة الحج فقد روى البخاري عن عمران بن حصين: تمتعنا على عهد رسول الله (صلي الله علیه وآله) فنزل القرآن، قال رجل برأيه(1) .
وفسّر ابن حجر أنّ المراد برجل هو عمر، فإنه أول من نهى عنها، وكان من بعده تابعاً له في ذلك، ففي مسلم: إنّ ابن الزبير كان ينهى عنها وابن عباس يأمر بها فسألوا جابراً فأشار إلى أنّ أول من نهى عنها عمر(2) .
وقد روي أنّ ابن عمر قد خالف أباه في ذلك، حدّث سالم بن عبد الله أنه سمع رجلاً من أهل الشام وهو يسأل عبد الله بن عمر عن التمتع بالعمرة إلى الحج فقال عبد الله بن عمر: هي حلال، فقال الشامي: إنّ أباك قد نهى عنها، فقال عبد الله بن عمر: أرأيت إن كان أبي نهى عنها، وصنعها رسول الله أأمر أبي
ص: 139
نتّبع أم أمر رسول الله ؟ فقال الرجل: أمر رسول الله ، فقال: لقد صنعها رسول الله (صلي الله علیه وآله) (1) .
وروى ابن عباس قال: سمعت عمر يقول: والله إنّي لأنهاكم عن المتعة، وإنهالفي كتاب الله، ولقد فعلها رسول الله يعني العمرة في الحج(2) .
إلى غير ذلك من الروايات، ولا ندري هل يوجّه الرازي هذه المسألة بما وجّه به مسألة متعة النساء أم أنه يتمحّل وجهاً آخر؟
ورابعاً: كان بإمكان الفخر الرازي أن يتخلص من المأزق فيحمل نهي عمر على الاجتهاد، وأنه رأى أن مصلحة الأمة في الحكم بالحرمة كما صنع القوشجي حيث حمل فعل عمر على الاجتهاد(3) ، وليس هذا أمراً جديداً عليه، فنظائره في سيرة عمر كثيرة، وقد تقدم آنفاً أنه أول من نهى عن متعة الحج، وذكروا أيضاً أنه أول من أسقط حيّ على خير العمل من الأذان، وهو أول من أمضى الطلاق ثلاثاً، وهو أول من أمر بالجماعة في النوافل وذكر أبو هلال العسكري أن عمر هو أول من سنّ قيام شهر رمضان، وقال: بدعة وأيّ بدعة، وأول من عسّ بالليل، و أول من جمع الناس في صلاة الجنائز على أربع تكبيرات، وأول من أعال الفرائض(4) ، وغير ذلك من أوّليّاته التي كان يرى فيها أنّ المصلحة في مخالفة النصوص، وما ذكره الفخر الرازي لا يغني طائلاً في دفع الشبهة، على أنّ الاجتهاد في مقابل النصوص مما لا يمكن المصير إليه فإنّ فيه ما لا يخفى.
ص: 140
والمتحصّل إلى هنا أنّ الاستدلال بالروايات على التحريم لا يمكن الاعتماد عليه.
وأما الإجماع فقد ذكرنا أنه قد ادّعاه غير واحد من علماء العامة، إلاّ أنّ هذهالدعوى ساقطة عن الاعتبار، وذلك لمخالفة كثير من الصحابة والفقهاء، والتزامهم بالقول بالحلية بعد زمان رسول الله (صلي الله علیه وآله) وقد ذكر ابن حزم في المحلّى أنّ عدداً من الصحابة والتابعين على ذلك منهم أسماء بنت أبي بكر، وجابر بن عبد الله، وابن مسعود، وابن عباس، ومعاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن حريث، وأبو سعيد الخدري، وسلمة ومعبد ابنا أمية بن خلف، ورواه جابر بن عبد الله عن جميع الصحابة مدة رسول الله (صلي الله علیه وآله) ومدة أبي بكر، وعمر، إلى قرب آخر خلافة عمر، ومن التابعين طاووس وعطاء وسعيد بن جبير، وسائر فقهاء مكة(1).
وذكر ابن إدريس أن من ذهب إلى القول بالحلية أمير المؤمنين علي (علیه السلام) ومجاهد، وسلمة بن الأكوع والمغيرة بن شعبة، وابن جريح(2) .
وقال الرازي في تفسيره: وقال السواد منهم إنها بقيت مباحة كما كانت وهذا القول مروي عن ابن عباس، وعمران بن الحصين(3) .
وهو الظاهر من خالد بن مهاجر بن خالد المخزومي فقد روى مسلم في صحيحه قال: بينما هو جالس عند رجل، جاءه رجل فاستفتاه في المتعة، فأمر بها، فقال له ابن أبي عمرة الأنصاري: مهلاً. فقال: ما هي والله لقد فعلت في عهد إمام المتقين(4) .
ص: 141
ونقل صاحب الجواهر عن مسلم في صحيحه وأبي الحسن بن علي بن زيد في كتاب الألفة أنهما زادا في الصحابة معاوية بن أبي سفيان، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعمر بن جويدة، وربيعة بن أمية، وسلمة بن أمية، وصفوان بن أمية، ومعلّى بن أمية، والبراء بن عازب، وربيع بن ميسرة، وسهل بن سعد الساعدي.
وعن أبي الحسن علي بن الحسين الحافظ في كتاب سير العباد الزيادة في التابعين الحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وسعيد بن حبيب، وابن جريح، وعمر بن دينار(1) .
وزاد أبو جعفر محمد بن حبيب في كتاب المحبر خالد بن عبد الله الأنصاري، وزيد بن ثابت الأنصاري، وعمران بن الحصين الخزاعي، وسلمة بن الأكوع الأسلمي(2) .
وهو الظاهر من أبيّ بن كعب حيث روي عنه أنه كان يقرأ الآية: «فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى» (3) كما سيأتي.
وهو الظاهر أيضاً من سمير أو سمرة بن جندب(4)، والسدي(5)، وزفر(6)، وغيرهم.
ونقل ابن حجر في تهذيب التهذيب عن الشافعي أن ابن جريح _ فقيه مكة _ استمتع بسبعين امرأة(7) كما ذكر ذلك الذهبي في ميزان الاعتدال(8) فإذا
ص: 142
كان الأمر كذلك فأين موقع دعوى الإجماع؟!
والحاصل: أنّ دعوى الإجماع أسوأ حالاً من دعوى ثبوت التحريم بالروايات.
وأما الآيات فقد ذكرنا أنّ بعضهم ادّعى أنّ آية المتعة منسوخة إما بآية حفظ الفروج، أو بآية الطلاق، أو بآية الميراث.
إلاّ أنّ هذه الدعوى ساقطة أيضاً بل هي أخس من الدعويين السابقتين.
أما دعوى النسخ بالآية الأولى ففيها:
أولاً: المنع من خروج المرأة المتمتع بها عن الأزواج، غاية الأمر أنها زوجة إلى أجل، فإنّ النكاح على قسمين دائم ومنقطع «ولم يختلف العلماء من السلف والخلف إنّ المتعة نكاح إلى أجل لا ميراث فيه» كما نقله القرطبي في تفسيره عن أبي عمر(1) .
على أنّ ما ذكروه منقوض بالأمة الموهوبة، فإنه يجوز للموهوب وطؤها مع أنها ليست بزوجة ولا ملك يمين.
مضافاً إلى أنه لا فرق بين من تزوّج امرأة عازماً على طلاقها بعدة مدة معيّنةكما ذهب إليه أبو حنيفة(2) وبين من تزوج امرأة بعقد منقطع بنفس تلك المدة.
وثانياً: إنّ قوله تعالى: «وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ»(3) ورد في سورتين هما المؤمنون والمعارج وكلتاهما مكيّتان، فكيف يمكن النسخ، والحال أنّ آية المتعة مدنية
ص: 143
متأخرة في النزول؟
وأما دعوى النسخ بالآية الثانية ففيها:
أولاً: إنّ في إرث المرأة المتمتع بها خلافاً بين القائلين بحلّية المتعة، وليس الحكم بعدم إرثها اتفاقياً بينهم ليصحّ الاستدلال بها.
وثانياً: إنّه منقوض طرداً وعكساً، أما طرداً فلأنه لا ملازمة بين الزوجية والميراث، كما في الكتابية، والقاتلة، والأمة، والمعقود عليها إذا مات الزوج قبل الدخول، وأمّا عكساً فلأنّ المرأة قد ترث مع خروجها عن الزوجية كما إذا طلّق زوجته في مرض الموت، ومات بعد خروجها من العدة قبل انقضاء الحول.
وأما دعوى النسخ بآية الطلاق ففيها:
أولاً: إنّ الآية وردت في مقام بيان كيفية الطلاق، لا في مطلق البينونة، إذ قد تحصل البينونة من دون طلاق كما في الملاعنة، والمرتدة، والأمة المبيعة.
وثانياً: على فرض التسليم إلاّ أنّ عموم الآية غير آب عن التخصيص بأنيقال لابد من الطلاق إلاّ في نكاح المتعة وأنّ طلاقها يتحقق بانقضاء الأجل من دون حاجة إلى إنشاء.
هذا كله مع أنّه يرد على دعوى النسخ بالآيات ما اعترف به جماعة من أكابر علماء العامة حيث ذكروا أنّ آية المتعة غير منسوخة منهم الزمخشري في الكشاف، فإنه نقل عن ابن عباس أنها محكمة يعني لم تنسخ(1) ، مضافاً إلى أنّ القول بالنسخ مخالف لجميع ما تقدم من الروايات الدالة على أنّ المنع إنما وقع في زمان عمر، وأنه أول من نهى عنها.
ولو كانت الآية منسوخة فما الداعي إلى نسبة عمر النهي إلى نفسه وهلّا
ص: 144
قال: إنّ آية المتعة منسوخة بالكتاب. ولكن ...
والذي يظهر: أنّ القوم حاولوا تصحيح ما وقع فتكلّفوا وجوهاً واهية من الاستدلال لإثبات وقوع التحريم قبل نهي عمر، غير أنّ البحث العلمي يثبت عكس ما راموه، وإن كان ثمة من توجيه فهو ما ذكرناه من أنّ النهي عن المتعة كان اجتهاداً من عمر حيث رأى المصلحة في ذلك كما يظهر من كلماته حيث قال: «بينوا حتى يعرف النكاح من السفاح» فكأنه كان يرى أنّ المتعة نوع من الزنا ولذلك نهى عنها.
وقد يقال: إنّ دافعه إلى التحريم هو ارتفاع الاضطرار إليها، ولا سيّما بعد اتساع البلاد وانتشار الفتوحات ورخاء البلاد والعباد، بخلاف ما كان عليهالحال في زمان النبي (صلي الله علیه وآله) من الشدة والضيق، إلاّ أنّ الذي يظهر من كلماته هو الأول كما ذكرنا.
وعلى أيّ تقدير فلا يخرج الأمر عن كونه اجتهاداً منه في مقابل نصّ الكتاب والسنة، وعلى الذين يرون ويعتقدون أنّ رأي عمر مقدّم على رأي النبي (صلي الله علیه وآله) وأنّ له حق التشريع تحليلاً وتحريماً أن يعدّوا جواباً لذلك، وقد قال الله تعالى: «الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ » أعاذنا الله من الجهل والشطط والهوى والعصبية وهو من وراء القصد.
وأما الموضع الثالث وهو البحث عن حكم المتعة على ضوء أدلة الخاصة فقد استدلوا مضافاً إلى أصالة الحلية واستصحاب عدم النسخ كما تقدم، بوجوه ثلاثة من الكتاب والسنة والإجماع.
أما من الكتاب فبقوله تعالى: «فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ
ص: 145
فَرِيضَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً» (1) حيث استدلّ بها الإمامية، وكثير من مفسري العامة على أنها نزلت في مشروعية المتعة، وأنكر بعض العامة دلالتها على ذلك، وذهبوا إلى أنها نزلت في حكم النكاح الدائم، لأنّ الاستمتاع الوارد في الآية بمعنى التلذذ وهو كناية عن النكاح فلا ظهور للآية في نكاح المتعة.إلاّ أنّ مقتضى ظاهر الآية والقرائن الخارجية دلالتها على الأول.
أما ظاهر الآية فمن جهتي اللفظ والمعنى، فإنّ لفظ الاستمتاع وإن كان لغة بمعنى التلذذ والجماع، إلاّ أنه في العرف الشرعي ولا سيما بإضافته إلى النساء، منصرف إلى نكاح المتعة، ويظهر ذلك أيضاً من مراجعة موارد استعمال اللفظ في الروايات الواردة من العامة والخاصة، وقد تقدمت جملة منها وستأتي جملة أخرى.
وبناء على ذلك فلا وجه للحمل على المعنى اللغوي إلاّ أن تقوم قرينة عليه.
وأما من جهة المعنى فإنه وإن ورد لفظ الأجور مستعملاً في المهر والصداق في مورد واحد من القرآن إلاّ أن ترتّبه ووجوب إعطائه على الاستمتاع في الآية يقتضي أن يكون المراد به عقد المتعة فقط.
ولو كان المراد به النكاح الدائم لم يصح سواء قلنا بأنّ المراد بالاستمتاع هو مجرد العقد، أو قلنا بأنه الالتذاذ والجماع، إذ على كلا التقديرين لا يصح ترتب تمام الأجر ووجوب إعطائه.
أما على الأول فلأنّ الواجب بمجرد العقد هو نصف المهر لا تمامه، كالطلاق قبل الدخول.
ص: 146
وأما على الثاني فلأنّ ترتب تمام المهر وجوداً وعدماً على الالتذاذ، والحال أنه ليس كذلك بل الترتب والإعطاء لازم وإن لم يتحقق الالتذاذ.
وعليه فترتّب تمام المهر لا يصح إلاّ على المعنى الاول وهو أن يكون المراد به عقد المتعة.
ويؤيد ذلك أولاً: إن وجوب إيتاء المهر قد ذكر في آية سابقة على هذه الآيةوهي قوله تعالى: «وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ...»(1) ، فلو كان المراد فيما نحن فيه هو ذلك لزم التكرار بلا داعي، وأما حمله على نكاح المتعة فلا يلزم منه التكرار.
وثانياً: إنّ مقتضى المناسبة بين ما ذكرنا وبين قوله تعالى: «وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ» أنّ المراد بقوله: (فيما تراضيتم به) هو أجل النكاح من حيث الزيادة والنقيصة، لا أنّ المراد زيادة الأجر أو نقصانه لكونه أمراً عرفياً لا يحتاج إلى بيان.
والحاصل: أنّ المستفاد من الآية صدراً وذيلاً هو النكاح إلى أجل لا النكاح الدائم.
وأما القرائن الخارجية الدالة على أنّ المراد بالآية هو نكاح المتعة فأمور:
الأول: ما ورد من القراءات حيث روي عن جماعة من الصحابة أنهم قرأوا الآية: «فما استمتعتم به منهنّ إلى أجل مسمّى فآتوهنّ أجورهنّ» منهم ابن عباس، وقد روى كثير من المفسرين وغيرهم عنه هذه القراءة كالطبري والزمخشري والقرطبي والبغوي والبيهقي والجصاص والأندلسي وغيرهم.
روى الطبري في تفسيره عن أبي نضرة قال: سألت ابن عباس عن متعة النساء، قال: أما تقرأ سورة النساء قال: قلت: بلى، قال: فما تقرأ فيها، فما
ص: 147
استمتعتم به منهنّ إلى أجل مسمّى؟ قلت له: لو قرأتها ما سألتك، قال: فإنهاكذا. وفي حديث قال ابن عباس: والله لأنزلها الله كذلك، ثلاث مرات(1) .
وعن أبي ثابت: إنّ ابن عباس أعطاني مصحفاً فيه: فما استمتعتم به منهنّ إلى أجل مسمّى(2) .
ومنهم: أبي بن كعب فقد أخرج عن قتادة في قراءته: «فما استمتعتم به منهنّ إلى أجل مسمى» (3) .
ومنهم: سعيد بن جبير، فقد روى عمر بن مرّة أنّه سمع سعيد بن جبير يقرأ: «فما استمتعتم به منهنّ إلى أجل مسمى» (4) .
الثاني: ما ورد من الروايات الكثيرة الواردة في تفسير الآية الشريفة والدالة على أنّ الآية محكمة ولم تنسخ وقد رواها العامة كما تقدم، والخاصة كما سيأتي.
الثالث: ما ورد في عدة من روايات العامة من أنّ الآية منسوخة، إما بالكتاب أو بالسنة، فإنّ ذلك يدل بالتضمن على أنّ الآية نزلت في المتعة إذ أنّ النسخ متفرع على دلالة الآية على حلّية المتعة، وهذا الوجه الزامي كما لا يخفى، وإلاّ فالنسخ لم يثبت كما حققناه.
الرابع: ما ورد من الروايات الواردة عن الأئمة (علیهم السلام) الدالة على حلّية المتعة استناداً إلى الآية الشريفة، وهي كثيرة جداً، وستأتي الإشارة إليها.
والحاصل: أنّ الظاهر عدم الإشكال في أنّ الآية نزلت في مشروعية المتعة، بعد إجماع الإمامية وذهاب كثير من فقهاء العامة ومفسريهم إلى القول
ص: 148
بها، وبما ذكرناه من الشواهد والقرائن على ذلك.
وأما من السنة فقد استدلّ الخاصة على حلّية المتعة بروايات كثيرة جداً تجاوزت حد التواتر وهي على طوائف، وذكر المحدّث الحرّ ! في الوسائل فقط أكثر من مائتين وثلاثين رواية، جعلها في ست وأربعين طائفة، اشتملت على بيان جواز المتعة وأحكامها، بل وأهميتها ففي بعض الروايات ما يدل على استحبابها وكراهية تركها، وفي بعضها أنها جعلت من محض شرائع الدين، وأنها لهو المؤمن وعوض له عن الأشربة المحرمة، وأن فعلها إحياء للسنة، وأن الشرط أو العهد على تركها باطل، وغير ذلك مما يتعلق بالمتعة.
ولعل السر في اهتمام الأئمة (علیهم السلام) والتأكيد على حلية المتعة حتى بلغت الروايات الواردة عنهم (علیهم السلام) حداً فوق التواتر، هو الوقوف أمام بدعة التحريم، باعتبارهم اُمناء الله على دينه ، مضافاً الى ما يترتب على ذلك من التحصين والحد من انتشار فاحشة الزنا، وقد روى العامة والخاصة أنّ أمير المؤمنين علياً(علیه السلام) قال: «لولا أنّ عمر نهى عن المتعة ما زنى إلاّ شقي» وغيره من الآثار.
ونظراً لحصول العلم القطعي بحلّية المتعة فلا نرى حاجة لنقل جميع الروايات الواردة فيها إلاّ أننا نتيمّن بذكر بعض الروايات المتضمنة لما أشرنا إليه.
منها: ما نقله صاحب الوسائل عن الكليني بسنده الصحيح عن أبي بصير قال: سألت أبا جعفر (علیه السلام) عن المتعة فقال: نزلت في القرآن: «فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهنّ فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة» (1) .
ص: 149
ومنها: معتبرة عبد الله بن سليمان قال: سمعت أبا جعفر (علیه السلام) يقول: كان علي(علیه السلام) يقول: لولا ما سبقني به بني الخطّاب ما زنى إلاّ شقيّ «شفى خ» (1) .
ومنها: معتبرة ابن أبي عمير عمن ذكره عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: إنما نزلت فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمّى فآتوهنّ أجورهنّ فريضة(2) .
ومنها: صحيحة زرارة قال: جاء عبد الله بن عمر «عمير خ ل» الليثي إلى أبي جعفر (علیه السلام) فقال: ما تقول في متعة النساء؟ فقال: أحلّها الله في كتابه وعلى سنّة نبيه، فهي حلال إلى يوم القيامة، فقال: يا أبا جعفر مثلك يقول هذا وقد حرمها عمر ونهى عنها؟ فقال: وإن كان فعل، فقال: فإنّي أعيذك بالله من ذلك أن تحلّ شيئاً حرّمه عمر، فقال له: فأنت على قول صاحبك وأنا علىقول رسول الله (صلي الله علیه وآله) فهلمّ اُلاعنك أنّ الحق ما قال رسول الله (صلي الله علیه وآله)، وأنّ الباطل ما قال صاحبك، قال: فأقبل عبد الله بن عمير فقال: يسرّك أن نساءك وبناتك وأخواتك وبنات عمّك يفعلن؟ قال: فأعرض عنه أبو جعفر (علیه السلام) حين ذكر نساءه وبنات عمّه(3) .
ولعلّ إعراض الإمام (علیه السلام) عنه إشارة إلى خروجه عن أدب المحاورة والجدال.
ومنها: موثقة عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: سمعت أبا حنيفة يسأل أبا عبد الله (علیه السلام) عن المتعة، فقال: عن أيّ المتعتين تسأل؟ قال: سألتك عن متعة الحج فأنبئني عن متعة النساء أحق هي؟ قال: سبحان الله!! أما تقرأ كتاب الله: «فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً » فقال أبو حنيفة: والله لكأنّها آية لم أقرأها قطّ(4) .
ص: 150
وغيرها من الروايات.
وأما ما يدلّ على استحبابها فعدة روايات أيضاً.
منها: صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: يستحب للرجل أن يتزوج المتعة، وما أحبّ للرجل منكم أن يخرج من الدنيا حتى يتزوج المتعة ولو مرّة(1) .
ومنها: صحيحته الأخرى عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: إني لأحبللرجل أن لا يخرج من الدنيا حتى يتمتع ولو مرّة وأن يصلّي الجمعة في جماعة(2) .
وأما ما يدل على كراهية تركها فعدة روايات:
منها: صحيحة بكر بن محمد عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: سألته عن المتعة، فقال: إني لأكره للرجل المسلم أن يخرج من الدنيا وقد بقيت عليه خلّة من خلال رسول الله (صلي الله علیه وآله) لم يقضها(3) .
وأما ما دلّ على أنّ المتعة من محض شرائع الإسلام فهو ما رواه الصدوق في العيون بإسناده عن الفضل بن شاذان عن الرضا (علیه السلام) في كتابه إلى المأمون: محض الإسلام شهادة أن لا إله إلاّ الله «إلى أن قال:» وتحليل المتعتين اللذين أنزلهما الله في كتابه، وسنّهما رسول الله (صلي الله علیه وآله) متعة النساء ومتعة الحج(4) .
وسند هذه الرواية قابل للاعتبار، وذلك لأنّ للصدوق إلى روايات الفضل بن شاذان ثلاثة طرق الأول: وفيه علي بن محمد بن قتيبة، الثاني: وفيه قنبر بن علي بن شاذان عن أبيه، الثالث: وفيه محمد بن شاذان بن نعيم.
ص: 151
ولم يرد في هؤلاء توثيق إلاّ ما ورد في علي بن محمد بن قتيبة من أنه فاضل(1) ،وعليه اعتمد أبو عمرو الكشي في كتاب الرجال(2) ، ولا يعدّ ذلك توثيقاً، نعم قد يستفاد وثاقة محمد بن شاذان بن نعيم الواقع في الطريق الثالث مما ورد في التوقيع الشريف المروي عن الحجة أرواحنا فداه حيث جاء فيه: «وأما محمد بن شاذان بن نعيم فهو رجل من شيعتنا» (3) ، فإنّ فيه إشعاراً بمكانته الاجتماعية، الأمر الذي دفع إسحاق بن يعقوب للسؤال عنه، كما أن في جواب الإمام (علیه السلام) تصريحاً بأنّ محمد بن شاذان ذو شأن عند الأئمة (علیهم السلام) ولذا أضافه (علیه السلام) إليهم وعدّه من شيعتهم، فقد يقال: إنّ ذلك وإن لم يدل صراحة على الوثاقة إلاّ أنه لا يقصر عنها، وبناء على اعتبار سند التوقيع الشريف كما حققناه في محلّه من هذا الكتاب(4) فالظاهر اعتبار هذه الرواية؛ لأنّ محمد بن شاذان بن نعيم يرويها عن الفضل بن شاذان.
ويترتّب على ذلك اعتبار جميع روايات الصدوق عن الفضل الواردة عن طريق محمد بن شاذان بن نعيم.
وأما ما دلّ على أنّ المتعة قد جعلت لهواً للمؤمن وعوضاً له عن شرب الحرام فهو ما ورد في صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: إنّ الله تبارك وتعالى حرّم على شيعتنا المسكر من كل شراب، وعوّضهم من ذلك المتعة(5).
ص: 152
ومعتبرة زرارة بن أعين عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: لهو المؤمن في ثلاثة أشياء: التمتع بالنساء، ومفاكهة الأخوان، والصلاة بالليل(1) .
وأما ما دلّ على أنّ التمتع إحياء للسنة فهو ما ورد في صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قال لي: تمتعت؟ قلت: لا، قال: لا تخرج من الدنيا حتى تحيي السنة(2) .
وأما ما دل على بطلان العهد على تركها فهو ما ورد في صحيحة علي السائي قال: قلت لأبي الحسن (علیه السلام): إني كنت أتزوّج المتعة فكرهتها وتشأمت بها، فأعطيت الله عهداً بين الركن والمقام وجعلت عليّ في ذلك نذراً أو صياماً أن لا أتزوّجها قال: ثم إنّ ذلك شقّ عليّ وندمت على يميني، ولم يكن بيدي من القوة ما أتزوّج به في العلانية، قال: فقال لي: عاهدت الله أن لا تطيعه؟ والله لئن لم تطعه لتعصينّه(3) .
وما نقله صاحب الوسائل عن الاحتجاج من أنّ محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري قد كتب إلى صاحب الزمان يسأله عن الرجل ممّن يقول بالحق، ويرى المتعة، ويقول بالرجعة إلاّ أن له أهلاً موافقة له في جميع أموره، وقدعاهدها أن لا يتزوج عليها ولا يتمتع ولا يتسرّى، وقد فعل هذا منذ تسعة «بضع خ ل» عشر سنة، ووفى بقوله فربما غاب عن منزله الأشهر فلا يتمتع، ولا يتحرك نفسه أيضاً لذلك، ويرى أن من معه من أخ وولد وغلام ووكيل وحاشية مما يقلّله في أعينهم ويحبّ المقام على ما هو عليه محبّة لأهله وميلاً إليها وصيانة لها ولنفسه، لا لتحريم المتعة، بل يدين الله بها، فهل عليه في ترك ذلك
ص: 153
مأثم أم لا؟
الجواب: يستحبّ له أن يطيع الله تعالى بالمتعة ليزول عنه الحلف في المعصية ولو مرّة واحدة(1) .
وهذه الرواية وإن وردت في الاحتجاج مرسلة إلاّ أنّ الشيخ رواها في كتاب الغيبة عن جماعة عن أبي الحسن محمد بن أحمد بن داود القمي، قال: وجدت بخطّ أحمد بن إبراهيم النوبختي، وإملاء أبي القاسم الحسين بن روح على ظهر كتاب فيه جوابات ومسائل انفذت من قم ...(2) .
ولا إشكال في وثاقة محمد بن أحمد بن داود فإنه شيخ هذه الطائفة وعالمها وشيخ القميين في وقته وفقيههم، وحكى أبو عبد الله الحسين بن عبيد الله أنه لم ير أحداً أحفظ منه ولا أفقه ولا أعرف بالحديث(3) .
إلاّ أنّ الكلام في أحمد بن إبراهيم النوبختي فإنّه لم يرد فيه توثيق، نعم ذكر ابنطاووس أنّ بني نوبخت أعيان الشيعة(4) ، وهو وإن كان لا يدل على الوثاقة صريحاً إلاّ أنّ فيه إشعاراً بالحسن.
وممّا يؤيّده أنّه كان كاتباً للحسين بن روح، فإن أوجب ذلك كلّه الاطمئنان بوثاقته فهو، وإلاّ فالرواية مؤيّدة.
وغيرها من الروايات الدالة على إباحة المتعة وأهميتها.
وقد وردت عدة روايات تدلّ على عظم ثواب المتمتع ويمكن استفادة الاستحباب منها أيضاً إلاّ أنّها ضعيفة الأسناد.
ص: 154
ومنها: ما رواه الصدوق بإسناده عن صالح بن عقبة، عن أبيه عن أبي جعفر(علیه السلام) قال: قلت: للمتمتع ثواب؟ قال: إن كان يريد بذلك وجه الله تعالى وخلافاً على من أنكرها لم يكلّمها كلمة إلاّ كتب الله له بها حسنة، ولم يمد يده إليها إلاّ كتب الله له حسنة، فإذا دنا منها غفر الله له بذلك ذنباً، فإذا اغتسل غفر الله له بقدر ما مر من الماء على شعره، قلت: بعدد الشعر؟ قال: بعدد الشعر(1) .
ومنها: ما رواه الصدوق أيضاً قال: وقال أبو جعفر (علیه السلام): إنّ النبي (صلي الله علیه وآله) لما أسري به إلى السماء قال: لحقني جبرئيل (علیه السلام) فقال: يا محمد إنّ الله تبارك وتعالى يقول: إنّي قد غفرت للمتمتعين من أمّتك منالنساء(2) .
والحاصل: أنّه لا إشكال في دلالة الروايات الواردة عن الأئمة (علیهم السلام) على مشروعية المتعة واستحبابها والثواب عليها.
وأمّا الإجماع فممّا لا ريب في ثبوته، قال صاحب الجواهر: أمّا من الطائفة المحقّة فهو واضح، بل هو من ضروريات مذهبهم، وأمّا من غيرهم فلاتفاق الصحابة ومن كان في صدر الإسلام على إباحتها وشرعيتها من غير نكير، كما يظهر من أخبار جابر وغيرها، حتى ما روي عن المحرّم نفسه، فإنّه يدلّ على أنّ الحكم بالحلّ كان شائعاً معروفاً في زمان النبي (صلي الله علیه وآله)، ومدة خلافة أبي بكر، وبرهة من خلافته، فالقول بالتحريم بعد ذلك مخالف لإجماع الأمّة التي لا تجتمع على ضلالة(3) .
وموضع الشاهد في كلامه هو الجملة الأولى فإنّها تدلّ على ثبوته قطعاً وأنّه كاشف عن رأي الإمام (علیه السلام) مع قطع النظر عن الكتاب والسنّة.
ص: 155
وهو هل تعدّ المتعة في نظر العقل بملاحظة المصالح والمفاسد من الحسن أو القبح؟
وبعبارة أخرى: هل أنّ العقل يرى أنّ المتعة جائزة سائغة أو أنّها قبيحة بغضالنظر عن جميع النصوص المتقدمة؟
وللجواب عن ذلك نقول: إذا ثبت وجود المفسدة الملزمة في المتعة فلابدّ من حكم العقل بقبحها وإلاّ حكم بالجواز.
وما يقال أو يتصوّر فيها من المفسدة أمران:
الأول: أنّ المتعة نوع من السفاح ونحو من أنحاء الزنا، وفي ذلك من المفسدة ما لا يخفى.
الثاني: أنّ المتعة تستوجب الشنعة والعار على ذوي الشأن والمروءات.
وكلا الأمرين غير ثابتين في المقام.
أمّا الأول فلأنّه مجرّد كلام فارغ عن الحقيقة والمحتوى، وذلك لأنّ السفاح من السفح وهو أن يصبّ الماء ضائعاً والسفاح هو الزنا(1) ، والإضاعة إما من جهة عدم معلومية الولد، بسبب اختلاط المياه، وعدم تمييز الأنساب، وإما من جهة ضياع الولد عن التربية والأخلاق اللازمة أو غير ذلك كما ورد التعليل به فيما كتبه الإمام الرضا (علیه السلام) إلى محمد بن سنان في جواب مسائله فقال (علیه السلام): وحرّم الزنا لما فيه من الفساد من قتل الأنفس، وذهاب الأنساب، وترك التربية للأطفال، وفساد المواريث، وما أشبه ذلك من وجوه الفساد(2) .
ويترتّب على ذلك اختلال نظام المجتمع وفساده.
ص: 156
وهذا كله أجنبي عن النكاح المؤقت، فإنه كالنكاح الدائم من لزوم العقد، وإثبات النسب، والتزام الأب بتربية الأولاد، واعتبار العدة، وغيرها من الأحكام، وإنّما الفرق في المدة وبعض الأحكام الجزئية الأخرى، فما يترتّب على السفاح من المفاسد لا يترتب على هذا النكاح.
وأمّا الثاني فلأنّه من آثار العادات والتقاليد الخاصة التي لا تصلح لأن تكون مناطاً للأحكام كعادة أهل الجاهلية في وأد بناتهم، وشعورهم بالعار عند ولادة البنت كما صوّر القرآن حالهم في قوله تعالى: «وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنْ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ» (1) ولولا نهي عمر عن المتعة لكان موقعها في النفوس كالنكاح الدائم، بل لعلّها أفضل منه في بعض الأحوال، فإنّ من حكمته التسهيل لمن لا يستطيع النكاح الدائم لقلّة مال أو لسفر أو نحو ذلك سواء في ذلك الرجل والمرأة، ولا سيّما في زماننا حيث اختلط فيه الرجال بالنساء في ميادين الحياة المختلفة العلمية والعملية في الداخل والخارج، وإذا دار الأمر بين أن يبقى الإنسان في غاية العسر والمشقّة أو يرتكب فاحشة الزنا وينحرف في أخلاقه ويسلك طريق الشيطان، وبين أن يتزوّج إلى أجل على طبق الضوابط الشرعية المقرّرة فلا إشكال في أنّ النكاح المنقطع رحمة من الله تعالى رحم بها أمة محمد (صلي الله علیه وآله) كما ورد في حديث ابنعباس، مضافاً إلى ما ذكرناه من أنّ ذلك يحدّ من انتشار فاحشة الزنا كما ورد في عدة أحاديث عن أمير المؤمنين (علیه السلام) .
وقد تنبّه لذلك بعض علماء العامة المعاصرين ومنهم الشيخ أحمد حسن الباقوري وزير الأوقاف المصري حيث استفتاه بعض طلبة الجامعات الذين
ص: 157
يدرسون في بلاد الغرب ولا يستطيعون النكاح الدائم، فأفتاهم بالمتعة(1) .
وكفى بذلك أثراً حيوياً للمتعة حيث تكون درعاً واقية للمسلم عن الانحراف.
ولكن لمّا خولف القرآن وصحّفت السنّة، وغيّرت الأحكام، وجعلت البدعة شريعة متّبعة، وسمي الدواء باسم الداء، والوقاية باسم المرض، والمتعة باسم الزنا، نفرت القلوب واشمأزّت النفوس وشبّت وشابت على ذلك ورأتها عاراً وعيباً وما سببه إلاّ الانحراف عن جادّة الحقّ، وعدم التمسك بالثقلين اللذين أمر الله عزوجل عباده بالاهتداء والاقتداء بهما أماناً لهم من الضيعة والضلال.
وأما نحن الشيعة الإمامية _ بحمد الله _ حيث تمسّكنا بالثقلين، وركبنا سفينة النجاة فالأمر واضح عندنا لا يحتاج الى بيان.
ثبّتنا الله على الحق والهدى وأعاذنا من الزلل والانحراف بحق محمد وآله الطاهرين.
وأما الموضع الرابع وهو حكم المتعة حال التقية فيقع الكلام فيه من جهتين:
الأولى: في الحكم التكليفي.الثانية: في الحكم الوضعي.
أما الجهة الأولى فالظاهر هو الحرمة وعدم الجواز عند الخوف على النفس أو العرض أو المال.
وذلك أولاً للأدلة العامّة الدالة على أنّ التقية في كلّ ضرورة.
وثانياً: للأدلّة الخاصة الواردة في المقام.
ومنها: ما رواه الكليني بسنده عن عمّار قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام) لي
ص: 158
ولسليمان بن خالد: قد حرّمت عليكما المتعة من قبلي ما دمتما بالمدينة، لأنّكما تكثران الدخول عليّ وأخاف أن تؤخذا فيقال: هؤلاء أصحاب جعفر(1) .
وهذه الرواية وإن كان في سندها سهل وهو ضعيف، والحكم بن مسكين ولم يرد فيه توثيق، إلاّ أنه يمكن تصحيح السند من جهة أخرى وهي أنّ للشيخ طريقاً معتبراً إلى أصل وروايات علي بن أسباط(2) الواقع في سند الرواية بعد سهل، كما أنّ الحكم بن مسكين واقع في أسناد كتاب نوادر الحكمة(3) ، وقد روى عنه المشايخ الثقات(4) وذلك كاف في الحكم باعتبار روايته على ما حققناه في محلّه.وحيث إنّ للشيخ طريقاً معتبراً إلى جميع روايات الكليني وكتبه(5) ، فتكون الرواية معتبرة.
وبناء على ذلك فالرواية معتبرة ولا إشكال في الاستناد إليها من هذه الجهة.
ويؤيدها: ما رواه الشيخ المفيد ! في خلاصة الإيجاز في المتعة، قال: وروى أصحابنا من غير واحد عن أبي عبد الله (علیه السلام) أنه قال لإسماعيل الجعفي ولعمّار الساباطي: حرّمت عليكما المتعة ما دمتما تدخلان عليّ، ذلك لأني أخاف أن تؤخذا وتضربا وتشهّرا، فيقال: هؤلاء أصحاب جعفر بن محمد(6) .
كما يؤيّدها ما رواه الشيخ المفيد ! في الخلاصة أيضاً عن سهل عن عدة من أصحابنا، أنّ أبا عبد الله (علیه السلام) قال لأصحابه: هبوا لي المتعة في الحرمين،
ص: 159
وذلك أنكم تكثرون الدخول عليّ فلا آمن أن تؤخذوا، فيقال: هؤلاء أصحاب جعفر.
قال جماعة من أصحابنا (رضي الله عنهم) العلة في نهي أبي عبد الله (علیه السلام) عنها في الحرمين أنّ أبان بن تغلب كان أحد رجال أبي عبد الله (علیه السلام) والرؤساء منهم، فتزوج امرأة بمكة وكان كثير المال فخدعته المرأة حتى أدخلته صندوقاً لها، ثم بعثت إلى الحمّالين فحملوه إلى باب الصفا، ثم قالت: يا أبان هذا باب الصفا، إنّا نريد أن ننادي عليك: هذا أبان بن تغلب يريد أن يفجر بامرأة، فافتدى نفسه بعشرة آلاف درهم، فبلغ ذلك أبا عبد الله (علیه السلام)فقال لهم: لا تأتوهن في منازلهن وهبوها لي في الحرمين(1) .
وهاتان الروايتان وإن كانتا ضعيفتي السند إلاّ أنّ في الرواية الأولى بناء على اعتبار سندها وما تقدم من الأدلّة العامّة كفاية.
والحاصل: أنّه لا إشكال في وجوب التقية عند حدوث دواعيها.
وأما ما ورد في رواية الفتح بن يزيد قال: سألت أبا الحسن (علیه السلام) عن المتعة، فقال هي حلال مباح مطلق لمن لم يغنه الله بالتزويج فليستعفف بالمتعة، فإن استغنى عنها بالتزويج فهي مباح له إذا غاب عنها(2) .
فهي بمفهومها تدلّ على عدم الحلّية في الحضر، ولمن استغنى بالتزويج.
ولابدّ من حملها على ما لا ينافي ما تقدم من حليتها مطلقاً، ولعل المراد بها أنّ التمتع ببعض الموارد لا يخلو من حزازة كالتمتع بالأبكار والمشهورات بالفجور وأمثالهن، على أنّ الرواية ضعيفة السند فلا تصح للمعارضة.
وأما الجهة الثانية: وهي الحكم الوضعي فالظاهر صحة العقد والنكاح وإن
ص: 160
استوجب الإثم بالمخالفة، وذلك لأنّ الحرمة عرضية كالوطىء في الحيض، وبناء على ذلك فالولد يلحق به، وتترتّب عليه جميع آثار العقد الصحيح.
هذا وقد بقي في المقام بيان أركان المتعة وشرائطها وهو موكول إلى محلّه من كتب الفقه.
هذا تمام الكلام حول التقية في النكاح.
والحمد لله ربّ العالمين.
ص: 161
ص: 162
الطلاق ونظام المجتمع، واهتمام الشارع المقدّس بأحكامه
الطلاق ثلاثاً بلفظ واحد لا يقع إلاّ واحدة
استعراض أدلّة العامّة وتقييمها
عمر بن الخطاب هو أول من أمضى الطلاق ثلاثاً
التصدّي لمغالطات ابن حزم وكشفها
تحليل الأفعال الصادرة عن الإنسان من حيث قابليتها للتكرار وعدمها
حكم المرأة المطلقة ثلاثاً، وتطبيق قاعدة الإلزام على بعض مواردها
الإشهاد على الطلاق ثابت بنصّ الكتاب
اعتراف بعض علماء السنّة بصحّة ما ذهب إليه الإمامية من اشتراط الإشهاد على الطلاق
مسائل خلافيّة أخرى في الطلاق
ص: 163
ص: 164
الطلاق لغة: اسم من طلق يطلّق، والمصدر التطليق كالسلام بمعنى التسليم(1)، والطلاق: الترك والإرسال والتخلية عن وثاق وتقييد، ثم استعير لتخلية المرأة عن حبالة عقد النكاح وقيد الزوجية، فصار حقيقة شرعية في ذلك بكثرة الاستعمال.
وقد جعل الله تعالى قوام النكاح بيد المرأة فإنّها طرف الإيجاب، كما جعل الطلاق بيد الزوج فإنّه هو الذي يحلّ عقد الزوجية بعد قبوله، ولذلك جعل له حقّ الرجوع ما دامت المرأة في العدة.
وحيث إنّ موضوع الطلاق من القضايا الاجتماعية المهمّة، وله مدخلية في حلّ وتنظيم كثير من مشاكل الأسرة والمجتمع، اهتمّ به الشارع المقدّس ووضع له الضوابط والحدود، كما هو شأنه في جميع مجالات الحياة، وذلك من خلال النصوص القرآنية وما ورد على ألسنة أهل بيت العصمة والطهارة (علیهم السلام) ، ففي القرآن الكريم _ مثلاً _ قول الله تعالى: «وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ
ص: 165
وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحاً وَلَهُنَّمِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ * فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ» (1) .
وغيرها من الآيات البيّنات.
وأما الروايات فقد حفلت بها الموسوعات الروائية كالوسائل(2) وغيره(3) .
وستأتي الإشارة إلى بعض تلك الروايات.
هذا، وقد وقع الخلاف بين الخاصّة والعامّة في عدة مسائل وأهمها ثلاث:
المسألة الأولى: هل يقع الطلاق ثلاثاً بلفظ واحد في مجلس واحد أو لا يقع إلاّ واحدة أو لا يقع شيء؟
قال الشيخ في الخلاف: إذا طلّقها ثلاثاً بلفظ واحد، كان مبدعاً، ووقعت واحدة عند تكامل الشروط عند أكثر أصحابنا، وفيهم من قال: لا يقع شيء أصلاً، وبه قال علي (علیه السلام) ، وأهل الظاهر، وحكى الطحاوي عن محمدبن إسحاق أنه قال: تقع واحدة كما قلناه .
وروي أنّ ابن عباس وطاووساً كانا يذهبان إلى ما يقوله الإمامية، وقال الشافعي: المستحب أن يطلّقها طلقة ليكون خاطباً من الخطّاب قبل الدخول،
ص: 166
ومراجعاً لها بعد الدخول، فإن طلقها ثنتين أو ثلاثاً في طهر لم يجامعها فيه دفعة، أو متفرّقة، كان ذلك مباحاً غير محظور ووقع، وبه قال في الصحابة عبد الرحمن بن عوف، ورووه عن الحسن بن علي (علیهما السلام) ، وفي التابعين ابن سيرين، وفي الفقهاء أحمد، وإسحاق، وأبو ثور .
وقال قوم: إذا طلّقها في طهر واحد ثنتين أو ثلاثاً دفعة واحدة أو متفرّقة فعل محرماً، وعصى وأثم، ذهب إليه في الصحابة علي (علیه السلام) وعمر، وابن عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وفي الفقهاء أبو حنيفة وأصحابه، ومالك، قالوا: إلاّ أنّ ذلك واقع(1) .
وقال الشوكاني في نيل الأوطار: واعلم أنّه قد وقع الخلاف في الطلاق الثلاث إذا أوقعت في وقت واحد هل يقع جميعها ويتبع الطلاق أم لا؟ فذهب جمهور التابعين وكثير من الصحابة وأئمّة المذاهب الإسلامية وطائفة من أهل البيت منهم أمير المؤمنين علي (علیه السلام)، والناصر، والإمام يحيى، حكى ذلك عنهم في البحر، وحكاه أيضاً عن بعض الإمامية إلى أنّ الطلاق يتبع الطلاق، وذهبت طائفة من أهل العلم إلى أنّ الطلاق لا يتبع الطلاق بل يقع واحدة فقط، وقد حكى ذلك صاحب البحر عن أبي موسى، ورواية عن علي (علیه السلام)وابن عباس، وعطاء، وجابر بن زيد، والهادي، والقاسم، والباقر، والناصر، وأحمد بن عيسى، وعبد الله بن موسى بن عبد الله، ورواية عن زيد بن علي، وإليه ذهب جماعة من المتأخرين منهم ابن تيمية وابن القيم وجماعة من المحققين، وقد نقله ابن مغيث في كتاب الوثائق عن محمد بن وضّاح، ونقل الفتوى بذلك عن جماعة من مشايخ قرطبة، كمحمد بن بقى، ومحمد بن عبد السلام، وغيرهما، ونقله ابن المنذر عن أصحاب ابن عباس، كعطاء، وطاووس، وعمرو بن دينار.
ص: 167
وحكاه ابن مغيث أيضاً في ذلك الكتاب عن علي (علیه السلام) ، وابن مسعود، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير، وذهب بعض الإمامية إلى أنه لا يقع بالطلاق المتتابع شيء، لا واحدة ولا أكثر منها، وقد حكي ذلك عن بعض التابعين، وروي عن ابن عليّة، وهشام بن الحكم، وبه قال أبو عبيدة، وبعض أهل الظاهر، وسائر من يقول إنّ الطلاق البدعي لا يقع لأنّ الثلاث بلفظ واحد أو ألفاظ متتابعة منه، وعدم وقوع البدعي هو أيضاً مذهب الباقر، والصادق، والناصر، وذهب جماعة من أصحاب ابن عباس، وإسحاق بن راهويه، أنّ المطلقة إن كانت مدخولة وقعت الثلاث وإن لم تكن مدخولة فواحدة(1). ومن ذلك يظهر أنّ المشهور عند العامة أنّ الطلاق الثلاث يقع جميعها . والمشهور عند الخاصة أنّه يقع واحدة .
ثم إنّ البحث يقع في ثلاثة مواضع:
الأول: في الدليل على وقوع الطلاق ثلاثاً.الثاني: في أنّه هل يقع واحدة كما هو مشهور الخاصة أو لا يقع شيء كما اختاره جماعة منهم؟
الثالث: في حكم المطلقة ثلاثاً.
أما الموضع الأول فالمشهور عند العامة كما ذكرنا أنّه يقع ثلاثاً، وقد استدلّوا بالكتاب والسنة والإجماع.
أما من الكتاب فلإطلاق الآيات، قال الشوكاني: استدلّ القائلون بأنّ الطلاق يتبع الطلاق بأدلة منها: قوله تعالى: «الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ»(2) وظاهرها جواز إرسال الثلاث أو الثنتين دفعة أو مفرّقة
ص: 168
ووقوعها، قال الكرماني: إنّ قوله (الطلاق مرتان) يدل على جواز جمع الثنتين، وإذا جاز جمع الثنتين دفعة جاز جمع الثلاث، وقال: إنّ التسريح بإحسان يتناول اتباع الثلاث دفعة(1).
وقال ابن حزم: وأما قولهم معنى قوله: (الطلاق مرتان) أنّ معناه مرة بعد مرة فخطأ، بل هذه الآية كقوله تعالى: «نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ»(2) أي مضاعفاً معاً، وهذه الآية أيضاً تعليم لما دون الثلاث من الطلاق، وهو حجة لنا عليهم، لأنّهم لا يختلفون _ يعني المخالفين لنا _ في أنّ طلاق السنة هو أن يطلّقها واحدة ثم يتركها حتى تنقضي عدّتها في قول طائفة منهم، وفي قول آخرين منهم أن يطلّقها في كلطهر طلقة، وليس شيء من هذا في هذه الآية، وهم لا يرون من طلّق طلقتين متتابعتين في كلام متصل طلاق سنة، فبطل تعلّقهم بقوله تعالى: «الطَّلاقُ مَرَّتَانِ»(3).
وحاصل عبارته أنه استظهر من الآية أنّ الطلاق مرتين في مجلس واحد جائز.
قال: ثم وجدنا من حجّة من قال إنّ الطلاق الثلاث مجموعة سنّة لا بدعة قول الله تعالى: «فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ»(4) فهذا يقع على الثلاث مجموعة ومفرّقة، ولا يجوز أن يخصّ بهذه الآية بعض ذلك دون بعض بغير نص، وكذلك قوله تعالى: «إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا»(5) عموم لإباحة الثلاث والاثنتين والواحدة وقوله تعالى: «وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ»(6) فلم
ص: 169
يخصّ تعالى مطلقة واحدة من مطلقة اثنتين ومن مطلقة ثلاثاً(1) .
وأما من السنة فقد ذكر ابن حزم عدة روايات وحاول الاستدلال بها على المدّعى قال: وجدنا ما رويناه من طريق مالك، عن ابن شهاب، أنّ سهل بن سعد الساعدي أخبره عن حديث اللعان عويمر العجلاني مع امرأته، وفي آخرهإنه قال: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، فطلقها ثلاثاً قبل أن يأمره رسول الله (صلي الله علیه وآله) ثم قال: وأنا مع الناس عند رسول الله (صلي الله علیه وآله) .
قال ابن حزم: لو كانت الثلاث مجموعة معصية لله لما سكت رسول الله عن بيان ذلك، فتصحّ يقيناً أنها سنّة مباحة(2) .
قال: ومن طريق البخاري نا محمد بن بشار، نا يحيى _ هو ابن سعيد القطان _ عن عبيد الله بن عمر، نا القاسم بن محمد بن أبي بكر، عن عائشة أم المؤمنين، قالت: إنّ رجلاً طلّق امرأته ثلاثاً فتزوّجت فطلّق، فسئل رسول الله (صلي الله علیه وآله) أتحلّ للأول؟ قال: لا حتى يذوق عسيلتها كما ذاق الأول، فلم ينكر عليه الصلاة والسلام هذا السؤال، ولو كان لا يجوز لأخبر بذلك(3) .
وخبر فاطمة بنت قيس المشهور، رويناه من طريق يحيى بن أبي كثير، أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أنّ فاطمة بنت قيس أخبرته أنّ زوجها ابن حفص بن المغيرة المخزومي طلّقها ثلاثاً، ثم انطلق إلى اليمن، فانطلق خالد بن الوليد في نفر فأتوا رسول الله (صلي الله علیه وآله) في بيت ميمونة أم المؤمنين، فقالوا: إنّ ابن حفص طلّق امرأته ثلاثاً فهل لها من نفقة؟ فقال رسول الله (صلي الله علیه وآله): ليس لها نفقة، وعليها العدة وذكر باقي الخبر، ثم نقل هذه الرواية عن ثلاثة طرق أخرى وفي بعضها: أنّ فاطمة أخبرت النبي فقال (صلي الله علیه وآله): ليس لها سكنى ولا نفقة.
ص: 170
ثم قال: إنّ هذا نقل تواتر عن فاطمة وأنّه (صلي الله علیه وآله) حكم في المطلّقة ثلاثاً ولم ينكر عليه الصلاة والسلام ذلك، ولا أخبر بأنه ليس بسنة، وفي هذا كفاية لمن نصح نفسه(1).
ثم احتجّ بعمل الصحابة(2) والتابعين(3) .
هذا، ولكن في كلا الدليلين ما لا يخفى من الوهن والضعف، ولا سيّما ما ذكره ابن حزم من ظهور الآية في الجمع فإنه منه عجيب، ولا ندري كيف يسوغ لفاضل فضلاً عن عالم أن يفسر المرّتين بما فسره ابن حزم؟! ولذا علّق الدكتور عبد الغفار البنداري على كلامه بقوله: لقد غاب عن الشيخ ابن حزم رشده في هذا الأمر فتخبّط حتى قال هذا الرأي البعيد عن الحق الخالي عن الصواب، وظنّ بسرعة استدلاله من غير تمحيص أنّ لفظ الثلاث مجموعة يفكّ العقد ثلاثاً، فوقع في سوء الاستدلال وأخطأ خطأً شديداً(4) .
وقد أوضح الدكتور البنداري الوجه في اشتباه ابن حزم في تفسير الآية وقياس معناها على معنى الآية الأخرى وهي قوله تعالى: «نُؤْتِهَا أَجْرَهَامَرَّتَيْنِ» ببيان برهاني وحجّة رصينة ومن شاء فليراجع(5) .
وقال الرازي: حجة القائلين بالقول الأول _ وهو عدم وقوع الطلاق ثلاثاً _ أنّ لفظ الطلاق يفيد الاستغراق لأنّ الألف واللام إذا لم يكونا للمعهود أفاد الاستغراق فصار تقدير الآية: كلّ الطلاق مرّتان، ومرة ثالثة، ولو قال هكذا لأفاد أنّ الطلاق المشروع متفرّق لأنّ المرّات لا تكون إلاّ بعد تفرّق
ص: 171
بالإجماع(1) .
وقال الجصاص: (الطلاق مرّتان) يقتضي التفريق لا محالة، لأنه لو طلق اثنتين معاً لما جاز أن يقال طلّقها مرتين، وكذلك لو دفع رجل إلى آخر درهمين لم يجز أن يقال: أعطاه مرتين حتى يفرّق الدفع، فحينئذ يطلق عليه، وإذا كان هذا هكذا فلو كان الحكم المقصود باللفظ هو ما تعلّق بالتطليقتين من بقاء الرجعة لأدّى ذلك إلى إسقاط فائدة ذكر المرّتين إذا كان هذا الحكم ثابتاً في المرة الواحدة إذا طلق اثنتين، فثبت بذلك أنّ ذكره للمرّتين إنما هو أمر بإيقاعه مرّتين ونهي عن الجمع بينهما في مرّة واحدة(2) .
وما ذكره هؤلاء في فقه الآية الشريفة واضح، فإنه سبحانه وتعالى أوجب في الطلاق تحقيق المرّتين والتحريم بعد الثالثة، وهو لا يلتئم مع ما ذكره ابن حزم من جمع التطليقات بلفظ ثلاثاً أو بتكرير الطلاق في مجلس واحد.
وبيان ذلك: إنّ الأفعال الصادرة عن الإنسان في نظر العرف من حيثصلاحيتها للتكرار والإعادة على ثلاثة أقسام:
الأول: ما يكون صالحاً للتكرار دائماً كالأكل، والشرب، والصلاة، والصوم، والقراءة، ونحو ذلك فالقارىء لسورة مثلاً يمكنه تكرارها عشراً.
الثاني: ما لا يكون صالحاً مطلقاً كالقتل حيث يرتفع الموضوع بالفعل الأول فلا يمكن تكراره.
الثالث: ما يكون صالحاً للتكرار في حين وغير صالح في حين آخر، كما في الاتصال والانفصال والرجعة والفراق والطلاق والقطيعة ونحو ذلك، فانقطاع المحبّة مثلاً عن شخص مّا لا تقبل الانقطاع ثانياً إلاّ بعد تجدّد الصلة والعلاقة.
ص: 172
إذا تبين هذا فنقول: إذا أخبر شخص بأنه فعل الشيء الفلاني مكرراً أو أنه أمر بالإتيان بفعل مّا مكرّراً فإن كان من القسم الأول فالمتبادر منه أنّ المراد هو تكرار نفس الفعل، لا الإتيان بالفعل مرّة ثم إردافه بقوله: عشر مرات مثلاً، فإنّ ذلك لا يعدّ تكراراً للفعل، ومثله ما إذا استؤجر شخصٌ لقراءة القرآن عشر مرات فلا يكفي أن يقرأه مرة واحدة ثم يقول: عشراً، أو كما ورد من استحباب صلاة ألف ركعة فيصلّي ركعة واحدة ويقول بعدها ألف ركعة، وهذا في غاية الوضوح، ولا فرق في ذلك بين أن يذكر العدد أو يكرر نفس اللفظ.
ولاشكّ أنّ الاكتفاء بذلك خلاف للظاهر، وهو مجاز ويحتاج إلى قرينة.
وإن كان من القسم الثاني فلا يصحّ وصفه بالتكرار أصلاً إلاّ على ضرب من التأويل.
وإن كان من القسم الثالث _ كما نحن فيه _ فالفعل وإن كان يصحّ وصفه بالتكرار إلاّ أنه يتوقف على تحقق شرطه وهو تجدد الموضوع، فإنّ تعدّد الطلاق _وهو حلّ عقدة النكاح وفكّ قيد الزوجية والفراق بين الزوجين _ لا يمكن تكراره بلفظ ثلاثاً أو بلفظ طالق، لأنّ المفروض تحقّق الفرقة بينهما باللفظ الأول، فما لم تتجدّد العلاقة فلا موضوع لإحداث الفرقة ثانية وثالثة، نعم إذا تجدّدت العلاقة بالرجعة أمكن تكرار الطلاق ثانياً وهكذا.
والمتحصل: أنّ التكرار في هذا القسم من الأفعال لا يمكن تحقّقه إلاّ مع التفريق، والآية الشريفة من هذا القبيل فإنّه لا إطلاق فيها بالنسبة إلى التفريق والجمع فضلاً عن الظهور في الجمع _ كما ادّعاه ابن حزم _ بل إنّ المتعين هو ظهور الآية في التفريق، فالقول بتحقق التكرار في الجمع باطل.
وأما التمسّك بإطلاق سائر الآيات الأخرى فهي إما لا إطلاق فيها أصلاً،
ص: 173
كقوله تعالى: «فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ»(1) وقوله تعالى: «فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ»(2) لكونها واردة عقيب ما دلّ على أنّ الطلاق مرّتان يتخللهما الاعتداد بعد كل مرة، فإن رجع فإمساك بمعروف وإلاّ طلقها ثالثاً، وهو التسريح بالإحسان، فإذا طلّقها ثالثاً حرمت، فلا تحلّ له حتى تنكح زوجاً آخر، فأيّ إطلاق يتصوّر في هذه الآيات.
وإما أنّ الإطلاق في مقام بيان حكم آخر غير التعدد كقوله تعالى: «إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍتَعْتَدُّونَهَا»(3) فإنّها واردة في مقام بيان عدم لزوم العدّة إذا كان الطلاق قبل المماسّة.
وهكذا غيرها من سائر الآيات فإنّها ليست واردة في بيان كمّية الطلاق حتى يصحّ التمسّك بإطلاقها.
فما نقله الشوكاني وما ذكره ابن حزم ضعيف جداً لا يمكن التعويل عليه.
وأما ما استدلّ به من الروايات ففيها أوّلاً: إنه لم يرد في جميع هذه الروايات التصريح بوقوع الثلاث مجموعة، ومن المحتمل أنها وقعت على نحو التفريق، فهي لإجمالها لا يمكن الأخذ بها، إذ لابدّ من البيان، والمتكفل لذلك هو ما دلّ على لزوم التفريق وبه يتمّ الجمع بين الروايات.
وثانياً: على فرض إفادتها وقوع الطلاق بالجمع ثلاثاً إلاّ أنها معارضة بالروايات الكثيرة الصحيحة سنداً والصريحة دلالة على أنها إما تقع باطلة أو تردّ إلى الواحدة وسنذكر بعض هذه الروايات فيما يأتي.
وثالثاً: إنّ رواية عويمر العجلاني لا ربط لها بالطلاق فإنّها واردة في اللعان
ص: 174
وسكوت النبي (صلي الله علیه وآله) بعد قوله (عويمر): فطلّقتها ثلاثاً، لا يدلّ على التقرير والرضا بقوله، لتحقق البينونة بينه وبين امرأته باللعان فما تفوّه به من الطلاق لا يخرج عن كونه لغواً لا أثر له سواء كان واحدة أو ثلاثاً.
ورابعاً: إنّ قضيّة فاطمة بنت قيس التي وصفها بأنها نقل متواتر، لم تكنبالصورة التي ذكرها ابن حزم، وقد غالط في بيانها وحاول إخفاء الحقيقة بقوله: وذكر باقي الخبر. ولو أنه أورد القصة كاملة وذكر الروايات الواردة في قصّتها لتبيّن أن الروايات قد وردت في بيان حكم خروج المطلّقة من بيتها قبل انقضاء عدتها وفي استحقاقها السكنى والنفقة بعد إكمال التطليقات وعدمه، وأما الطلاق فقد وقع مفرّقاً لا مجموعاً، فقد روى أحمد في مسنده بسنده عن فاطمة بنت قيس قالت: كنت عند أبي عمر بن حفص بن المغيرة، وكان قد طلّقني تطليقتين، ثم إنه سار مع علي إلى اليمن حين بعثه رسول الله (صلي الله علیه وآله) فبعث بتطليقتي الثالثة ...(1) .
وروى أيضاً بسنده عن عبيد الله بن عبد الله أنّ زوجها أرسل إليها بتطليقة كانت بقيت لها من طلاقها(2) .
وفي سنن الدارقطني بسنده عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن فاطمة بنت قيس أنها أخبرته أنها كانت عند أبي عمر بن حفص بن المغيرة فطلّقها آخر ثلاث تطليقات، فزعمت أنها جاءت رسول الله فاستفتته في خروجها من بيتها(3) .
وغيرها من الروايات الواردة في قصة فاطمة بنت قيس الدالة على أنّ الطلاق وقع مفرّقاً، فكيف يدّعي ابن حزم أنّ طلاقها وقع على نحو الجمع ويبهم في البيان؟!
والحاصل: أنّ التمسّك بهذه الروايات موهون جداً ولا يمكن الاستناد
ص: 175
إليها في مقام الاستدلال.
هذا وقد نقل الشوكاني روايات أخرى _ غير ما تقدم _ وناقش في سندها ودلالتها، ونحن وإن كنّا نرى عدم الحاجة إليها إلاّ أنّه لا بأس بذكرها تتميماً للبحث واستيفاء لأدلّة المسألة.
قال: منها ما عن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن عمر أنه طلّق امرأته تطليقة وهي حائض، ثم أراد أن يتبعها بتطليقتين آخرتين عند القرأين، فبلغ ذلك رسول الله(صلي الله علیه وآله)، فقال: يابن عمر ما هكذا أمرك الله تعالى، إنّك قد أخطأت السنّة، والسنّة أن تستقبل الطهر فتطلّق لكلّ قرء، وقال: فأمرني رسول الله (صلي الله علیه وآله) فراجعتها، ثم قال: إذا هي طهرت فطلّق عند ذلك أو أمسك، فقلت: يا رسول الله أرأيت لو طلّقتها ثلاثاً أكان يحلّ لي أن أراجعها؟ قال: لا، كانت تبين منك وتكون معصية، رواه الدارقطني(1) .
وناقش في السند بقوله: إنّ في أسناده عطاء الخراساني، وهو مختلف فيه، وثّقه الترمذي، وقال النسائي وأبو حاتم: لا بأس به، وكذّبه سعيد بن المسيّب، وضعّفه غير واحد، وقال البخاري: ليس فيمن روى عنه مالك من يستحق الترك غيره، وقال شعبة: كان نسيّاً، وقال ابن حبان: كان من خيار عباد الله غير أنه كان كثير الوهم، سيّىء الحفظ، يخطىء ولا يدري، فلمّا كثر ذلك في روايته بطل الاحتجاج به، وأيضاً الزيادة التي هي محلّ الحجّة أعني قوله: أرأيت لوطلّقتها ... الخ ممّا تفرّد به عطاء، وخالف فيها الحفّاظ فإنّهم شاركوه في أصل الحديث ولم يذكروا الزيادة، وأيضاً في اسنادها شعيب بن زريق الشامي وهو ضعيف(2) .
ص: 176
وأمّا الدلالة فقد ناقش فيها بأنّ لفظ ثلاثاً محتمل، فيقيّد بروايات التفريق(1) .
أقول: إنّ الظاهر من الرواية بقرينة صدرها أنّ المراد هو الطلاق مع التفريق.
ومنها: ما ورد في حديث ركانة بن عبد الله: أنّه طلّق امرأته سهيمة البتّة فأخبر النبي (صلي الله علیه وآله) بذلك، فقال رسول الله (صلي الله علیه وآله): والله ما أردت إلاّ واحدة؟ قال ركانة: والله ما أردت إلاّ واحدة، فردّها إليه رسول الله (صلي الله علیه وآله) وطلّقها الثانية في زمان عمر، والثالثة في زمان عثمان(2) .
ووجه الاستدلال بها أنّه لو كان قد طلّقها ثلاثاً لما ردّها رسول الله (صلي الله علیه وآله) إليه، وسؤاله (صلي الله علیه وآله) ركانة ليعرف منه عدد التطليقات، وإلاّ فلا معنى له، فالسؤال يدلّ على أنّ الطلاق لو وقع ثلاثاً لكان صحيحاً.
وناقش الشوكاني في سند الرواية ودلالتها.
أما من جهة السند ففيه الزبير بن سعيد الهاشمي، وقد ضعّفه غير واحد، وقيلإنه متروك، وذكر الترمذي عن البخاري أنّه يضطرب فيه، تارة يقال: فيه ثلاثاً، وتارة قيل: واحدةن وأصحّها أنه طلّقها البتّة وأنّ الثلاث ذكرت فيه على المعنى.
وأما من جهة الدلالة فبوجهين: الأول أنّها مضطربة أخرجها أبو داود عنه أنه قال: يا رسول الله إنّي طلّقتها ثلاثاً، قال: قد علمت، أرجعها ثمّ تلا «إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ» الآية، وأخرج أحمد أنه طلّق ركانة امرأته في مجلس واحد فحزن عليها، وقيل: واحدة، وقيل: طلقها البتّة.
ص: 177
الثاني: أنّها معارضة بما روي عن ابن عباس أنّ طلاق الثلاث كان واحدة وهو أصحّ أسناداً وأوضح متناً(1) .
ومنها: ما أخرجه عبد الرزاق في مصنّفه عن يحيى بن العلاء، عن عبد الله بن الوليد الوصافي، عن إبراهيم بن عبد الله بن عبادة بن الصامت، عن داود، عن عبادة بن الصامت، قال: طلّق جدّي امرأة له ألف تطليقة، فانطلق إلى رسول الله فذكر ذلك، فقال النبي (صلي الله علیه وآله): ما اتقى الله جدّك أمّا ثلاث فله، وأما تسعمائة وسبع وتسعون فعدوان وظلم، إن شاء الله عذّبه وإن شاء غفر له .
وفي رواية: إنّ أباك لم يتّق الله فيجعل له مخرجاً، بانت منه بثلاث على غير السنّة، وتسعمائة وسبع وتسعون إثم في عنقه(2) .
وناقش في سند الرواية بأنّ يحيى بن العلاء ضعيف، وعبد الله بن الوليد هالك، وإبراهيم بن عبد الله مجهول، فأيّ حجّة في رواية ضعيف، عن هالك،عن مجهول، ثم والد عبادة بن الصامت لم يدرك الإسلام فكيف بجدّه؟!(3) .
فظهر من ذلك كلّه ضعف كلا الدليلين، ولا يمكن الاعتماد على شيء منهما بوجه أصلاً، وما ادّعاه ابن حزم وأضرابه مجازفة، وعار عن التحقيق.
وأمّا الإجماع _ وهو عمدة أدلتهم _ فقد استدلوا به على أنّ الطلاق الوارد في الكتاب منسوخ كما قرّره العيني في عمدة القارىء حيث قال:
فإن قلت: ما وجه هذا النسخ وعمر (رض) لاينسخ؟ وكيف يكون النسخ بعد النبي (صلي الله علیه وآله) ؟
قلت: لما خاطب عمر الصحابة بذلك فلم يقع إنكار صار إجماعاً، والنسخ بالإجماع جوّزه بعض مشايخنا بطريق أنّ الإجماع موجب علم اليقين
ص: 178
كالنصّ، فيجوز أن يثبت النسخ به، والإجماع في كونه حجّة أقوى من الخبر المشهور، فإذا كان النسخ جائزاً بالخبر المشهور في الزيادة على النص فجوازه بالإجماع أولى.
فإن قلت: هذا إجماع على النسخ من تلقاء أنفسهم، فلا يجوز ذلك في حقّهم.
قلت: يحتمل أن يكون ظهر لهم نصّ أوجب النسخ، ولم ينقل إلينا ذلك(1) .
وفيه أولاً: إنه من الثابت أنّ عمر هو أول من أمضى هذا النوع من الطلاق، وإنه لم يكن معهوداً في زمان النبي (صلي الله علیه وآله) ولا في زمان أبي بكر بل حتى في أوائل زمان عمر نفسه، ويدلّ على ذلك عدّة من الروايات.منها: ما ورد عن ابن عباس قال: كان الطلاق على عهد رسول الله (صلي الله علیه وآله) وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر (رض) طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر (رض): إنّ الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم(2).
ومنها: ما أخرجه الطحاوي _ وصحح أسناده _ عن طريق ابن عباس قال: لمّا كان زمن عمر قال: أيها الناس قد كان لكم في الطلاق أناة وإنه من تعجّل أناة الله ألزمناه إياه(3) .
ومنها: ما روي عن طاووس قال: إنّ أبا الصهباء قال لابن عباس: أتعلم إنما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد رسول الله (صلي الله علیه وآله)، وأبي بكر (رض)
ص: 179
وثلاثاً من إمارة عمر (رض) ؟ قال ابن عباس: نعم(1) .
وفي لفظ البيهقي: فلما كان في عهد عمر (رض) تتابع الناس في الطلاق فأمضاه عليهم(2) .
وفي سنن أبي داود: فلما رأى الناس قد تتابعوا فيها قال: أجيزهن عليهم(3) .ومنها: ما رواه طاووس أيضاً قال: قال عمر بن الخطاب: قد كان لكم في الطلاق أناة فاستعجلتم أناتكم، وقد أجزنا عليكم ما استعجلتم من ذلك(4) .
ومنها: ما رواه الحسن أنّ عمر بن الخطاب كتب إلى أبي موسى الأشعري: لقد هممت أن أجعل إذا طلق الرجل امرأته ثلاثاً في مجلس، أن أجعلها واحدة ولكنّ أقواماً جعلوا على أنفسهم، فألزم كلّ نفس ما لزم نفسه، من قال لامرأته: أنت عليّ حرام فهي حرام، ومن قال لامرأته: أنت بائنة فهي بائنة، ومن قال: أنت طالق ثلاثاً فهي ثلاثاً(5) .
وغيرها من الروايات .
والمستفاد منها أنّ عمر هو أول من أجاز هذا الطلاق وأمضاه خلافاً لحكم الله ورسوله .
وثانياً: إنه مع تحقّق الخلاف في المسألة، وذهاب كثير من الصحابة والتابعين إلى عدم صحّة الطلاق ثلاثاً، وإرجاعها إلى الواحدة _ كما مرّ _ فكيف تتمّ دعوى الإجماع؟
ص: 180
على أنه قد ادّعي الإجماع على العكس من ذلك، قال صاحب عون المعبود _ وهو أسبق زماناً من العيني _ : وقد أجمع الصحابة إلى السنة الثانية من خلافة عمر على أنّ الثلاث بلفظ واحد واحدة، ولم ينقض هذا الإجماع بخلافه، بل لا يزال في الأمة من يفتي به قرناً بعد قرن إلى يومنا هذا(1) .ولا ندري كيف يمكن التوفيق بين الإجماع على النقيضين؟
وثالثاً: على فرض التسليم فهل يكون سكوت الناس كاشفاً عن وجود نصّ يدلّ على النسخ؟ إذا كانت قلوبهم قد امتلأت رعباً من الدرة وبطش الخليفة، على أنّ هذه الدعوى على خلاف ما تقدّم من الروايات الدالة على أنّ عمر نفسه هو الذي رأى هذا الرأي وأمضاه، وهو القائل: قد كان لكم في الطلاق أناة وإنه من تعجّل أناة الله ألزمناه إياه، كما رواه العيني نفسه في عمدة القاري(2) .
فلو كان هناك نصّ فلا وجه للتشبث بمثل هذا الرأي لتغيير حكم الله، ولو كان هناك نصّ يدلّ على النسخ كما ادّعاه العيني لما أفتى أبو حنيفة، ومالك، والأوزاعي، والليث، بأنّ الجمع بدعة، ولما قال الشافعي، وأحمد، وأبو ثور، بأولوية التفريق ولما استظهر السندي الحرمة(3) .
ورابعاً: وعلى فرض التسليم بوجود النصّ، فكيف ساغت مخالفة المسلمين من الصحابة والتابعين، من زمان رسول الله (صلي الله علیه وآله) وأبي بكر، وسنتين أو ثلاث من خلافة عمر كما ورد في كثير من الروايات، وقد تقدم بعضها وهل في هذا إلاّ الطعن على مسلمي الصدر الأول!!
ص: 181
على أنّه قد ورد في حديث محمود بن لبيد ما يدل على خلاف ذلك، قال: أخبر رسول الله (صلي الله علیه وآله) عن رجل طلّق امرأته ثلاث تطليقات جميعاً، فقام غضباناً، ثم قال: أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم، حتى قام رجل فقال:يا رسول الله ألا أقتله(1) .
وصحّح ابن حجر أسناده حيث قال: ورواته موثوقون(2) ، وقال ابن كثير: أسناده جيد(3) ، واحتجّ به النسائي في سننه(4) .
فما أشكل به ابن حزم على سند الحديث من أنّه مرسل في غير محلّه(5) .
والحاصل: أنّه لا دليل في المقام يمكن التمسك به على صحة هذا الحكم، ولم يبق إلاّ ما دلّت عليه الروايات من أنه اجتهاد من عمر، ورأي قد رآه على خلاف ما أنزل الله.
ولنا أن نتساءل هل أنّ اجتهاد الخليفة في مقابل النصّ حجّة نافذة، يسوّغ إلغاء النص النازل في القرآن والصادر عن الرسول (صلي الله علیه وآله) ويكون حكم البدعة هو الجاري على الناس؟
وقد وقفنا على جواب ذلك وقد حررته أقلام بعض أتباع الخليفة السائرين على خطاه، ونكتفي بأقوال أربعة منهم:
1 _ قال الشيخ ابن حزم: ولا أضعف من قول من يقرّ أنه ينفذ البدعة ويحكمبما لا يجوز بغير نصّ من الله تعالى ولا رسوله (صلي الله علیه وآله) (6) .
ص: 182
2 _ وقال الشيخ محمد بن علي الشوكاني: الحاصل أنّ القائلين بالتتابع قد استكثروا من الأجوبة على حديث ابن عباس، وكلّها غير خارجة عن دائرة التعسّف، والحقّ أحقّ بالاتباع، فإن كانت تلك المحاماة لأجل مذاهب الأسلاف فهي أحقر وأقل من أن تؤثّر على السنة المطهّرة، وإن كانت لأجل عمر بن الخطاب فأين يقع المسكين من رسول الله (صلي الله علیه وآله) ؟ ثم أيّ مسلم من المسلمين يستحسن عقله وعلمه ترجيح قول صحابي على قول المصطفى؟(1)
3 _ وقال الشيخ صالح العمري المالكي: إنّ المعروف عند الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعند سائر العلماء المسلمين أنّ حكم الحاكم المجتهد إذا خالف نصّ كتاب الله تعالى أو سنّة رسول الله (صلي الله علیه وآله) وجب نقضه ومنع نفوذه، ولا يعارض نصّ الكتاب والسنة بالاحتمالات العقلية والخيالات النفسانية والعصبية الشيطانية بأن يقال: لعلّ هذا المجتهد قد اطّلع على هذا النص وتركه لعلّة ظهرت له، أو أنّه اطّلع على دليل آخر ونحو هذا ممّا لهج به فرق الفقهاء المتعصّبين وأطبق عليه جهلة المقلّدين(2) .
4 _ وقال الدكتور عبد الغفار البنداري في وصف أخلاق الخليفة عمر: كانشديداً في الحقّ غيوراً عليه، لكن ربّ شدة في الحقّ تفصمه أو غيرة عليه تغيّره(3).
ونكتفي بهذا المقدار في بيان هذا الموضع من هذه المسألة وهو بحمد الله واضح لمن ألقى السمع وهو شهيد، وحاله في الوضوح كحال مسألة المتعة المتقدمة.
وأما الموضع الثاني _ وهو أنّ الطلاق ثلاثاً هل يقع باطلاً أو يقع واحدة؟
ص: 183
فقد اختلف الأعلام فيه، فنسب الأول إلى جماعة إذا كان الطلاق بكلمة واحدة على نحو الإرسال _ بأن يقول: هي طالق ثلاثاً _ كما عن السيد المرتضى في الانتصار(1) ، وابن أبي عقيل، وابن حمزة، وسلاّر، ويحيى بن سعيد(2) ، وإليه ذهب صاحب الحدائق(3) .
ونسب الثاني _ وهو الوقوع واحدة _ إلى المشهور كما عن السيّد في قوله الآخر في المسائل الناصريات(4)، والشيخ(5)، وابن إدريس(6)، والعلاّمة(7)، وجماعة آخرين منهم السيد الأستاذ(8) ، بل يظهر من كلمات بعضهم دعوى الإجماع عليه(9) .وأما إذا كان الطلاق ثلاثاً على نحو التتابع _ بأن يقول: هي طالق، هي طالق _ فلا خلاف عندهم في وقوعه واحدة، وقد قام الإجماع بقسميه على ذلك(10) .
وأما عدم وقوع الثلاث فهو من ضروريات مذهب الشيعة فضلاً عن قيام الإجماع عليه(11) .
واستدل للقول الأول بأمور:
ص: 184
الأول: بالأصل، وهو اعتبار اللفظ المخصوص في وقوع الطلاق، فلا يترتب الأثر بكلّ لفظ أو فعل وإن كان يدلّ عليه، وقد دلّت عدّة من الروايات على انحصار ترتب آثار الطلاق في ألفاظ مخصوصة، ومنها ما ورد في صحيحة محمد بن مسلم... إنما الطلاق أن يقول لها في قبل العدة بعدما تطهر من محيضها قبل أن يجامعها: أنت طالق، أو اعتدّي، يريد بذلك الطلاق، ويشهد على ذلك رجلين عدلين(1).
ومنها: صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: الطلاق أن يقول لها: اعتدّي أو يقول لها: أنت طالق(2) .
ومنها: ما رواه بكير بن أعين أن يقول لها وهي طاهر من غير جماع: أنتطالق ويشهد شاهدي عدل، وكلّ ما سوى ذلك فهي ملغى(3) .
ومقتضى الحصر عدم انفصام العقد وانحلاله بغير ما نصّت عليه الروايات من الألفاظ، وهو شامل للمقام فإنّ الطلاق ثلاثاً مرسلاً أو متتابعاً مما لم يرد في النصوص فلا يترتب على إيقاعه أي أثر.
الثاني: إنه لم يقع من المطلّق قصد الطلاق الصحيح وهو الواحدة، وما أوقعه وهو الثلاث بدعة فلا أثر له، مضافاً إلى أنه مخالف للكتاب والسنّة.
أما مخالفته للكتاب فلأنّ قوله تعالى: «الطَّلاقُ مَرَّتَانِ»(4) يدلّ على أنّ الطلاق الشرعي إنما هو مرّتان تفصل بينهما العدة في كل مرّة، وما أوقعه المطلّق على خلاف ذلك، فلا يكون نافذاً لمخالفته لنصّ الكتاب.
ص: 185
وأمّا مخالفته للسنّة فلأنّه ورد في عدّة من الروايات الصحيحة(1) أنّ ابن عمر طلّق امرأته ثلاثاً فأمره رسول الله (صلي الله علیه وآله) أن يراجعها، وفي بعضها أنّ النبي (صلي الله علیه وآله) قال لابن عمر: أمسك أو طلّق على السنّة إن أردت الطلاق(2) .
ولو كان الطلاق ثلاثاً شرعياً لما أمره النبي (صلي الله علیه وآله) بمراجعة امرأته.
الثالث: بما ورد من الروايات المعتبرة الدالة على بطلان الطلاق ثلاثاً.
ومنها: صحيحة أبي بصير عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: من طلّق ثلاثاً في مجلس فليس بشيء، من خالف كتاب الله عزوجل ردّ إلى كتاب الله عزّوجلّ وذكر طلاق ابن عمر(3) .
ومنها: معتبرة صفوان الجمال عن أبي عبد الله (علیه السلام) أن رجلاً قال له: إني طلقت امرأتي ثلاثاً في مجلس، قال: ليس بشيء، ثم قال: أما تقرأ كتاب الله: «يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ » إلى قوله: «لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً » ثم قال: كلما خالف كتاب الله والسنة فهو يرد إلى كتاب الله والسنّة(4) .
ومنها: رواية هارون بن خارجة عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قلت: إنّي ابتليت فطلقت أهلي ثلاثاً في دفعة واحدة فسألت أصحابنا فقالوا: ليس بشيء وإن المرأة قالت: لا أرضى حتى تسأل أبا عبد الله (علیه السلام) فقال: ارجع إلى أهلك فليس عليك شيء(5) .
ص: 186
ومنها: رواية علي بن إسماعيل قال: كتب عبد الله بن محمد إلى أبي الحسن(علیه السلام): روى أصحابنا عن أبي عبد الله (علیه السلام) في الرجل يطلق امرأته ثلاثاً بكلمة واحدة على طهر بغير جماع بشاهدين أنه يلزمه تطليقةواحدة، فوقّع بخطه، أخطأ على أبي عبد الله (علیه السلام) ، إنه لا يلزم الطلاق، ويرد إلى الكتاب والسنة إن شاء الله (1) .
ومنها: موثقة حفص بن البختري عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: إيّاكم والمطلّقات ثلاثاً فإنّهنّ ذوات أزواج(2) .
ومنها: معتبرة عمر بن حنظلة عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: إيّاكم والمطلّقات ثلاثاً في مجلس واحد فإنّهنّ ذوات أزواج(3) .
والرواية وإن وصفها صاحب الجواهر(4) بالخبر، ولعلّه لوقوع عمر بن حنظلة في سندها وهو لم يرد فيه توثيق، إلاّ أنّنا قد حققنا في مباحثنا الرجالية(5) وثاقته وإمكان الاعتماد على روايته فلا إشكال _ بناء على ذلك _ في اعتبار الرواية. ثم إنّ في كون الراوي عن الإمام (علیه السلام) هو عمر بن حنظلة أو غيره بحثاً سيأتي.
والمستفاد من هذه الروايات عدم وقوع الطلاق أصلاً وأن المرأة لم تخرج من حبالة زوجها وما صدر منه فهو لغو لا أثر له.
واستدل للقول المشهور بعدة روايات:
منها: صحيحة أبي بصير الأسدي، ومحمد بن علي الحلبي، وعمر بن
ص: 187
حنظلة،جميعاً عن أبي عبد الله (علیه السلام) ، قال: الطلاق ثلاثاً في غير عدّة إن كانت على طهر فواحدة، وإن لم تكن على طهر فليس بشيء(1) .
ومنها: صحيحة زرارة عن أحدهما (علیهما السلام) قال: سألته عن رجل طلّق امرأته ثلاثاً في مجلس واحد وهي طاهر، قال: هي واحدة(2) .
ومنها: صحيحته الأخرى عن أحدهما (علیهما السلام) قال: سألته عن الذي يطلّق في حال طهر في مجلس ثلاثاً، قال: هي واحدة(3) .
وهذه الرواية بنفس مضمون الرواية السابقة ولعلّهما رواية واحدة.
ومنها: صحيحة شهاب بن عبد ربّه عن أبي عبد الله (علیه السلام) في حديث قال: قلت: فطلقها ثلاثاً في مقعد، قال: تردّ إلى السنّة فإذا مضت ثلاثة أشهر أو ثلاثة قروء فقد بانت منه بواحدة(4) .
ومنها: صحيحة أبي أيوب الخزّاز عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: كنت عنده فجاء رجل فسأله عن رجل طلق امرأته ثلاثاً، قال: بانت منه، قال: فذهب ثم جاء رجل آخر من أصحابنا فقال: رجل طلّق امرأته ثلاثاً، فقال: تطليقة. وجاء آخر فقال: رجل طلّق امرأته ثلاثاً فقال: ليس بشيء، ثم نظر إليّ فقال: هو ما ترى، فقال: قال: قلت: كيف هذا؟ قال: هذا يرى أنّ من طلّق امرأته ثلاثاً حرمت عليه،وأنا أرى أنّ من طلّق امرأته ثلاثاً على السنة بانت منه، ورجل طلّق امرأته ثلاثاً وهي على طهر فإنّما هي واحدة، ورجل طلّق امرأته ثلاثاً على غير طهر فليس بشيء(5).
ص: 188
وموضع الشاهد قوله (علیه السلام): تطليقة، وبيانه ذلك بقوله (علیه السلام): ورجل طلّق امرأته ثلاثاً وهي على طهر فإنّما هي واحدة.
ومنها: موثقة بكير بن أعين عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: إن طلّقها للعدّة أكثر من واحدة فليس الفضل على الواحدة بطلاق(1) .
ومنها: مضمرة سماعة قال: سألته عن رجل يطلّق امرأته ثلاثاً في مجلس واحد، فقيل له: إنها واحدة، فقال لها: أنت امرأتي فقالت: لا أرجع إليك أبداً فقال: لا يحلّ لأحد أن يتزوجها غيره(2) .
وموضع الشاهد صدر الرواية حيث أمضى (علیه السلام) ما سمعه من سماعة، وأما الإضمار في قوله سألته، فإن قلنا: إنّ سماعة لا يضمر إلاّ وهو يعني الإمام (علیه السلام) _ كما لا يبعد ذلك _ فالرواية معتبرة من حيث السند وإلاّ فهي مويّدة.
ومنها: معتبرة أبي محمد الوابشي، عن أبي عبد الله (علیه السلام) في رجل ولّى امرأته رجلاً وأمره أن يطلّقها على السنة فطلّقها ثلاثاً في مقعد واحد، قال: يردّإلى السنّة، فإذا مضت ثلاثة أشهر أو ثلاثة قروء فقد بانت منه(3) .
والمستفاد من هذه الروايات المعتبرة أنّ الطلاق ثلاثاً يقع واحدة ويؤيّدها عدّة من الروايات الأخرى.
ومنها: رواية محمد بن سعيد «سعد السندي خ ل» الأموي قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن رجل طلّق ثلاثاً في مقعد واحد، قال: فقال: أما أنا فأراه قد لزمه، وأما أبي فكان يرى ذلك واحدة(4) .
وموضع الشاهد هو الجملة الأخيرة من الرواية، وهي صريحة في دلالتها
ص: 189
إلاّ أنّ الإشكال في سند الرواية فإنّها مضافاً إلى الإرسال في سندها لم يرد في الأموي توثيق.
ومنها: رواية موسى بن أشيم، قال: دخلت على أبي عبد الله (علیه السلام) فسألته عن رجل طلّق امرأته ثلاثاً في مجلس، فقال: ليس بشيء، وأنا في مجلسي إذ دخل عليه رجل فسأله عن رجل طلّق امرأته ثلاثاً في مجلس، فقال تردّ الثلاث إلى واحدة فقد وقعت واحدة ولا يردّ ما فوق الثلاث إلى الثلاث ولا إلى الواحد، فنحن كذلك إذ جاءه «رجل خ» آخر فقال له: ما تقول في رجل طلّق امرأته في مجلس؟ فقال: إذا طلّق الرجل امرأته ثلاثاً بانت منه، فلم تحلّ له حتى تنكح زوجاً غيره، فأظلم عليّ البيت وتحيّرت من جوابه في مجلس واحد بثلاثة أجوبة مختلفة في مسألة واحدة، فقال: يابن أشيم أشككت؟ ودّ الشيطانأنك شككت، إذا طلّق الرجل امرأته على غير طهر ولغير عدّة كما قال الله عزوجل، ثلاثاً أو واحدة فليس طلاقه بطلاق، وإذا طلّق الرجل امرأته ثلاثاً وهي على طهر من غير جماع بشاهدين عدلين فقد وقعت واحدة وبطلت الثنتان، ولا يردّ ما فوق الواحدة إلى الثلاث ولا إلى الواحدة، وإذا طلّق الرجل امرأته ثلاثاً على العدّة كما أمر الله عزوجل فقد بانت منه ولا تحلّ له حتى تنكح زوجاً غيره، فلا تشكنّ يابن أشيم ففي كلّ والله من ذلك الحق(1) .
وهذه الرواية وإن كانت واضحة الدلالة ومضمونها قريب من صحيحة أبي أيوب الخزّاز المتقدمة والشاهد فيها قوله (علیه السلام): تردّ الثلاث إلى واحدة فقد وقعت واحدة، إلاّ أنّ الإشكال في سندها من جهة الإرسال وعدم ما يدلّ على وثاقة موسى بن أشيم.
ومنها: رواية إسماعيل بن عبد الخالق قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول:
ص: 190
طلّق عبد الله بن عمر امرأته ثلاثاً فجعلها رسول الله واحدة وردّه إلى الكتاب والسنّة(1) .
وهذه الرواية غير تامّة سنداً ودلالة أما من جهة السند فإنّ الطيالسي الواقع في سندها لم يوثق.
وأمّا من جهة الدلالة فقد اضطربت الروايات الواردة في قضية طلاق ابن عمر ففي بعضها ورد أنّه طلّقها وهي حائض، وفي بعضها ورد أنّه طلّقها ثلاثاً،كما اختلفت الروايات الواردة في ذلك من طرق العامة أيضاً، ولكن لما كانت هذه الرواية بخصوصها واضحة الدلالة على المدّعى فلا بأس في جعلها مؤيّدة لما تقدم.
وهناك روايات أخرى مؤيدة وفي ما ذكرناه كفاية.
هذا ما استدلّ به لكلّ من القولين، والعمدة في المقام هي الروايات، فإن الروايات التي استدل بها للقول الأول تدلّ على عدم وقوع الطلاق مطلقاً، بينما الروايات التي استدل بها للقول الثاني تدلّ على وقوع الثلاث واحدة، وظاهر ذلك التنافي، فلابدّ من التماس وجه للجمع بين الروايات أو الحكم بالتعارض وترجيح إحدى الطائفتين على الأخرى.
وأمّا ما استدلّ به للقول الأول من الأصل والمخالفة للكتاب والسنة فهما متفرعان على الروايات، فإن تمّ الجمع بين الطائفتين أو رجّحت الروايات الدالّة على وقوع الثلاث واحدة فلابدّ من رفع اليد عنهما لإرتفاع موضوعهما، بخلاف ما إذا رجّحت الروايات الدالّة على عدم الوقوع مطلقاً، فإنّهما حينئذ يكونان دليلين آخرين في المقام.
هذا، والذي يمكن أن يقال في الجمع بين الروايات _ غير ما سيأتي عن صاحب
ص: 191
الجواهر _ أحد وجهين:
الأول: أن تحمل الروايات الدالّة على عدم الوقوع مطلقاً على ما إذا وقع الطلاق في حال عدم تحقق الشرائط، وأما الروايات الدالّة على الصحّة فتحمل على ما إذا كانت الشرائط متحققة.
ويشهد لهذا عدّة من الروايات:منها: صحيحة أبي بصير الأسدي، ومحمد بن علي الحلبي، وعمر بن حنظلة(1)، المتقدمة فإنها صريحة في الدلالة على التفصيل بين اجتماع الشرائط وعدمه، حيث قال (علیه السلام): الطلاق ثلاثاً في غير عدّة إن كانت على طهر فواحدة، وإن لم تكن على طهر فليس بشيء.
ومنها: صحيحتا زرارة(2) المتقدّمتان أيضاً، فإنّهما تدلاّن على أنّ وقوع الثلاث واحدة مشروط بما إذا وقع الطلاق في حال الطهر، نعم الرواية الأولى أصرح دلالة من هاتين الروايتين لورود التفصيل فيها على لسان الإمام (علیه السلام) دونهما.
ومنها: صحيحة أبي أيّوب الخزّاز(3) المتقدمة أيضاً، وشاهد الجمع فيها قوله(علیه السلام): ورجل طلّق امرأته ثلاثاً وهي على طهر فإنّما هي واحدة، ورجل طلّق امرأته ثلاثاً على غير طهر فليس بشيء.
ودلالته على التفصيل واضحة.
ومنها: رواية موسى بن أشيم(4) المتقدمة أيضاً، وهي على نحو ما ورد في صحيحة أبي أيّوب الخزّاز من التفصيل.
ص: 192
ومنها: معتبرة سماعة بن مهران، قال: سألته عن رجل طلّق امرأته ثلاثاً فيمجلس واحد، فقال: إنّ رسول الله (صلي الله علیه وآله) ردّ على عبد الله بن عمر امرأته، طلّقها ثلاثاً وهي حائض، فأبطل رسول الله (صلي الله علیه وآله) ذلك الطلاق، وقال: كلّ شيء خالف كتاب الله والسنّة ردّ إلى كتاب الله والسنّة(1) .
ومنها: رواية علي بن أبي حمزة، قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام): لا طلاق إلاّ على السنّة، إنّ عبد الله بن عمر طلّق ثلاثاً في مجلس وامرأته حائض فردّ رسول الله(صلي الله علیه وآله) طلاقه، وقال: ما خالف كتاب الله ردّ إلى كتاب الله(2) .
ومنها: رواية الكلبي النسابة عن الصادق (علیه السلام) في حديث قال: قلت له: رجل قال لامرأته: أنت طالق عدد نجوم السماء، فقال: ويحك أما تقرأ سورة الطلاق؟ قلت: بلى، قال: فاقرأ، فقرأت: «فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ» فقال: أترى هاهنا نجوم السماء؟ قلت: لا، فقلت: فرجل قال لامرأته: أنت طالق ثلاثاً، فقال: تردّ إلى كتاب الله وسنّة نبيّه ثم قال: لا طلاق إلاّ على طهر من غير جماع بشاهدين مقبولين(3) .
هذا، ولكن يعارض هذا الجمع ما ورد في رواية علي بن إسماعيل _ المتقدمة _ قال: كتب عبد الله بن محمد إلى أبي الحسن (علیه السلام): روى أصحابنا عن أبيعبد الله(علیه السلام) في الرجل يطلّق امرأته ثلاثاً بكلمة واحدة على طهر بغير جماع بشاهدين أنه يلزمه تطليقة واحدة، فوقّع بخطّه: أخطأ على أبي عبد الله (علیه السلام) إنه لا يلزم الطلاق ويردّ إلى الكتاب والسنّة إن شاء الله(4) .
فإنّها تدلّ على أنّ الطلاق وقع في حال اجتماع الشرائط ومع ذلك وقّع
ص: 193
الإمام(علیه السلام) بأنه لا يلزمه الطلاق.
وسند هذه الرواية قابل للاعتبار، وذلك لأنّ علي بن إسماعيل _ في هذه الطبقة _ مردّد بين ثلاثة أشخاص، الأول: علي بن إسماعيل بن شعيب بن ميثم التمار وهو وجه من وجوه المتكلّمين من أصحابنا(1) ، وقد روى عنه المشايخ الثقات(2) ، وذلك كاف في الحكم بوثاقته.
الثاني: علي بن إسماعيل بن عيسى ولم يرد فيه توثيق.
الثالث: علي بن إسماعيل بن عمار وهو من وجوه من روى الحديث(3) ، وروى عنه المشايخ الثقات أيضاً(4) وهو أمارة على الوثاقة كما ذكرنا.
والظاهر أنّ المراد به هنا هو الأول، لما ورد في ترجمته من أنّ له كتاب الطلاق، ولنقل الشيخ الرواية من كتابه حيث التزم في التهذيب بالبدء باسم صاحبالكتاب(5) ، مضافاً إلى أنه وقع في أسناد نوادر الحكمة(6) مجرداً، وهو كاف للحكم بوثاقة علي بن إسماعيل أيّاً كان من بين هؤلاء الثلاثة.
وأمّا الطريق إلى الكتاب فهو وإن لم يذكره الشيخ في مشيخة التهذيبين أو الفهرست إلاّ أن طريق الصدوق إليه صحيح(7) وحيث إنّ للشيخ طريقاً صحيحاً إلى جميع روايات الصدوق وكتبه، فيكون داخلاً في القسم الثالث من الطرق الموجبة لتصحيح الشيخ على ما حققناه في محلّه(8) .
ص: 194
وبناء على أنّ طريق الصدوق شامل لكتاب علي بن إسماعيل _ كما هو الراجح _ لا خصوص ما يرويه في الفقيه ودخوله في مرويّات الشيخ يكون سند الرواية معتبراً، إلاّ أنّ دلالتها على المدّعى غير تامّة، ويمكن مناقشتها بأمور:
الأول: إنّ الشيخ قد وصف الرواية بالشذوذ وأنّها مخالفة للأخبار الكثيرة فلا تصلح للمعارضة(1) .
الثاني: إنّ المستفاد منها أنّ الحكم بتطليقة واحدة كان مشهوراً عند الأصحاب بقرينة قول الراوي: روى أصحابنا، فلعلّ الإمام قال ذلك تقية كما حملهاصاحب الوسائل(2) ، وهذا الحمل وإن كان مخالفاً للعامة إلاّ أنه لا يبعد أن يكون أهون من ردّه إلى الواحدة لخصوصية في المورد.
ويؤيد هذا الحمل كيفية بيان الإمام (علیه السلام) حيث قال: أخطأ على أبي عبد الله(علیه السلام)، ولم يقل كذبوا عليه. وقال: إنّه لا يلزم الطلاق، ولم يقل إنه ليس بشيء وفي هذا الأسلوب من بيان الإمام (علیه السلام) نوع إخفاء، ويحتمل أن يكون مراده (علیه السلام) هو عدم وقوع الثلاث، وفي قوله: ويردّ إلى الكتاب والسنّة، إشارة إلى أنّه يقع واحدة كما فسّر ذلك في بعض الروايات كما سيأتي.
الثالث: إنّ الشيخ ! حمل الرواية على صدور الطلاق من سكران أو مجبر أو غير مريد(3) وبناء على هذا فالرواية خارجة عن محلّ الكلام.
والحاصل: أنّ هذه الرواية لا تنهض لمعارضة الروايات المتقدّمة الدالّة على التفصيل.
ص: 195
الثاني _ من وجهي الجمع _ : أن تحمل الروايات الدالة على البطلان على ما إذا كان الطلاق وقع على نحو الإرسال أي بكلمة واحدة، وأما الروايات الدالة على الصحّة فتحمل على ما إذا كان الطلاق وقع على نحو الترتيب والتتابع، وذلك بدعوى أنّ قوله: ثلاثاً إما أنه ظاهر في التتابع ولا ينصرف إلى ما كان بكلمةواحدة كما في ظهور التسبيح عشر مرات في التكرار والتتابع، لا في التسبيح مرة وإردافها بقوله: عشراً. وإما أنّه _ على فرض عدم الظهور _ مخصّص بما يستفاد من الروايات الدالة على الصحة إذا وقع على نحو التتابع لكونه القدر المتيقّن.
ويشهد لهذا الجمع عدّة من الروايات.
منها: معتبرة إسحاق بن عمار الصيرفي عن جعفر، عن أبيه: إنّ علياً (علیه السلام) كان يقول: إذا طلّق الرجل المرأة قبل أن يدخل بها ثلاثاً في كلمة واحدة فقد بانت منه، ولا ميراث بينهما ولا رجعة حتى تنكح زوجاً غيره، وإن قال هي طالق، هي طالق، هي طالق، فقد بانت منه بالأولى، وهو خاطب من الخطّاب، إن شاءت نكحته نكاحاً جديداً، وإن شاءت لم تفعل(1) .
وشاهد الجمع في هذه الرواية قوله (علیه السلام): وإن قال هي طالق ... الخ. فإنّ الإمام (علیه السلام) قيّد الطلاق بكيفية معيّنة وهو التكرار على نحو التتابع، فيستفاد من ذلك التفصيل بين ما يكون بكلمة واحدة وبين ما يكون مكرراً، وإلاّ لزم لغوية التقييد في كلام الإمام (علیه السلام) . نعم صدر الرواية محمول على التقية لكون ما ذكر فيه على خلاف المذهب.
ومنها: رواية هارون بن خارجة(2) المتقدمة، وشاهد الجمع فيها هو
ص: 196
دلالتها على أنّ الطلاق ثلاثاً في دفعة ليس بشيء، وقد أبطل الإمام (علیه السلام) طلاقه وأمره بالرجوع إلى أهله.ومنها: رواية الكلبي النسابة المتقدمة أيضاً، فإنها ظاهرة في أنّ الطلاق عدد النجوم إنما وقع في دفعة واحدة، وشاهد الجمع فيها أنّه حين سأل الإمام (علیه السلام) بأنّ رجلاً قال لامرأته: أنت طالق ثلاثاً، فقال: تردّ إلى كتاب الله وسنّة نبيّه، ومعنى ذلك أنّ
الطلاق الواقع ليس بشيء.
هذا وقد ذهب إلى هذا الجمع صاحب الحدائق !(1)، وقوّاه صاحب الجواهر! إلاّ أنه توقّف فيه لمخالفته للمشهور مع ضعف المعارض _ كما سيأتي _ وعدم الجابر(2) .
وقد احتمل ! وجهاً آخر للجمع وهو التفصيل بين من قصد التقييد بالثلاث، وبين من قصد بها التأكيد فيصح الثاني دون الأول، وبيانه أنّ الروايات الدالة على البطلان حيث وقع الطلاق على نحو التقيد بالثلاث فيرجع إلى قصد الطلاق الصحيح. وأما الروايات الدالة على الصحة حيث قصد معنى الصيغة أولاً وأضاف إليها ثلاثاً بقصد آخر مستقل فيقع الطلاق صحيحاً وتلغو الزيادة(3) .
وما ذكره ! وإن كان على مقتضى القاعدة إلاّ أنه جمع تبرّعي خارج عن الفهم العرفي.
هذا، ولكن ما ذكرناه من الجمع الثاني يعارضه ما ورد في رواية عمرو بنالبراء، قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): إنّ أصحابنا يقولون: إنّ الرجل إذا طلّق امرأته مرّة أو مائة مرّة فإنّما هي واحدة، وقد كان يبلغنا عنك وعن آبائك أنّهم
ص: 197
كانوا يقولون: إذا طلّق مرة أو مائة مرّة فإنّما هي واحدة، فقال: هو كما بلغكم(1) .
فإنّ الظاهر منها أنّ لفظ مائة صدر بكلمة واحدة، وقد ردّه (علیه السلام) إلى الواحدة، على أنّ الحكم بالواحدة كان معروفاً عند الأصحاب كما هو مفاد الرواية.
وهذه الرواية وإن كانت من جهة الدلالة واضحة إلاّ أنها من جهة السند ضعيفة فإنّ عمرو بن البراء لم تثبت وثاقته، فلا تصلح الرواية للمعارضة.
هذا، ولكنّ ما ذكر من شواهد الجمع قابل للمناقشة وأنّ الروايات المذكورة كلّها ضعيفة.
أما موثقة إسحاق بن عمار الصيرفي فهي وإن كانت معتبرة السند إلاّ أنّ الإشكال في دلالتها، وذلك لأنّ استفادة التفصيل منها إنّما هو من جهة مفهوم القيد، وحجّيته تتوقف على عدم ترتب فائدة أخرى عليه، والفائدة في المقام متحققة، إذ من المحتمل أن عدم الإطلاق في كلامه (علیه السلام) إنّما هو لكونه في حال التقية، وعليه فدلالة الرواية على التفصيل ليست واضحة.
وأما رواية هارون بن خارجة فهي ضعيفة سنداً ودلالة.أما من جهة السند فلعدم العلم بطريق الراوندي إلى هارون بن خارجة.
وأما من جهة الدلالة فلأنّ قوله (علیه السلام): ارجع إلى أهلك فليس عليك شيء، لا يدلّ على بطلان هذا الطلاق بل ينسجم مع وقوعه واحدة، وأمره (علیه السلام) بالرجوع ليس من جهة وقوع الطلاق وعدمه، وإنّما من جهة عدم المحذور في الرجوع بمعنى أنّه لم تقع البينونة التي يترتّب عليها عدم جواز الرجوع، ولذا عقّب الإمام (علیه السلام) كلامه بقوله: فليس عليك شيء.
وأما رواية الكلبي النسابة فهي أيضاً ضعيفة سنداً ودلالة.
ص: 198
أما من جهة السند فلأنّ الكلبي لم يرد فيه توثيق.
وأما من جهة الدلالة فلأنّه لم يصرّح في هذه الرواية ببطلان الطلاق، وإنما قال تردّ إلى كتاب الله وسنّة نبيه. وهو قابل للتصحيح بالحمل على وقوع الطلاق واحدة، كما في صحيحة شهاب بن عبد ربه المتقدمة(1) ، فهذه الرواية كسابقتيها في عدم الصلاحية للشهادة.
والحاصل: أنّ ما ذكر من الروايات الدالة على الجمع كلّها ضعيفة فليس هناك ما يصلح أن يكون شاهداً عليه.
بل يمكن أن يقال: إنّ الجمع في نفسه غير تام وذلك:
أولاً: لما ذكره صاحب الجواهر من أنّه على خلاف ما اشتهر بين الأصحابقديماً وحديثاً بل الإجماع(2) ...
وثانياً: من جهة أنّ المراد من الطلاق ثلاثاً هو ما يكون مشهوراً بين العامة ومتعارفاً عليه عندهم، وهو إيقاعه بكلمة واحدة، فلا يبعد القول بأنّ هذه الروايات إما أنّها ظاهرة في الطلاق دفعة واحدة فلا يمكن الجمع بين الروايات، وإما أن يقال: إنها ظاهرة في العموم وليس هناك ما يخصّصها.
وأما ما ذكر في الدليلين الأولين اللذين استدلّ بهما للقول الأول من حصر الطلاق في ألفاظ معيّنة والتعدّي عنها إلى غيرها يوجب عدم ترتيب الأثر ومن كون الطلاق ثلاثاً مخالفاً للكتاب والسنّة، فهما غير تامين.
أما عدم تمامية الأول فلأنّ لفظ _ ثلاثاً بعد التلفّظ بصيغة الطلاق ليس مخالفاً للحصر، وإنما هو تأكيد للصيغة ولا تنافي بين المؤكّد والمؤكّد، نعم لو كان الطلاق على نحو التعليق بحيث يعدّ تصرّفاً في المعنى فهو مخالف للحصر
ص: 199
ولا يترتب الأثر.
وأما عدم تمامية الثاني فلأنه إذا طلّقها ثلاثاً فهو قاصد للواحدة بلا إشكال كمن سبّح مائة مرة مثلاً فهو قاصد للتسعين قطعاً، وهكذا من طلّق ثلاثاً فإنه قاصد للواحدة، نعم لو قصد بقوله ثلاثاً التقييد من دون قصد للواحدة لكان مخالفاً، فإضافة لفظ ثلاثاً بعد تحقّق قصد الواحدة لا يعدّ من المخالفة في شيء وإنما هو من قبيل التأكيد أو اللغو.
والنتيجة: أنّ الإتيان بالثلاث دفعة لا يعدّ مخالفة للكتاب والسنّة كما لا يكونمخالفة للحصر في الألفاظ المعينة أيضاً.
والحاصل: أنّ القول الأول بأدلّته والجمع الثاني بشواهده كليهما غير تامّين.
والظاهر أنّ الصحيح هو الجمع الأول من أنّه إذا طلّقها ثلاثاً مع اجتماع الشرائط ترتب الأثر على تطليقة واحدة، ومع فقدان بعض الشرائط لا يترتب عليه شيء ويحكم ببطلانه.
وبذلك يمكن الجمع أيضاً بين ما ورد في الروايات من أنّه إذا طلّقها ثلاثاً في مقعد سواء كان بكلمة واحدة أو متتابعاً تردّ إلى السنة، حيث حكم فيها بوقوعها واحدة، كما في صحيحة شهاب بن عبد ربّه المتقدمة(1) ، وبين ما ورد من أنّه إذا طلّقها ثلاثاً في مجلس ردّ إلى كتاب الله، حيث حكم فيها بأنّه ليس بشيء كما في صحيحة أبي بصير المتقدمة(2) أيضاً.
ووجه الجمع هو أنّه إن كان الطلاق واجداً للشرائط فمقتضى الرجوع إلى الكتاب والسنة هو الحمل على وقوعه واحدة، وإن كان فاقداً لها أو لبعضها.
ص: 200
فمقتضى ذلك هو البطلان فلا تنافي بين هذه الروايات.
وبذلك يظهر أنّ هذا الجمع موافق للكتاب والسنة والأصل معاً.
وأما الموضع الثالث وهو في حكم المطلّقة ثلاثاً فيقع الكلام فيه في فروع ثلاثة:
الأول: في جواز نكاح المؤمن المرأة المطلّقة ثلاثاً.الثاني: في ما إذا استبصر المطلّق وأراد الرجوع إليها فهل يجوز له ذلك؟ أو أنّها بانت منه فلا تحلّ له حتى تنكح زوجاً غيره.
الثالث: فيما إذا كان المطلّق مؤمناً والمرأة مخالفة وقد أوقع الطلاق على مذهبها فهل تتحقّق البينونة بينهما أو لا؟
أما الأول فالظاهر من جماعة كما في الرياض(1) ، والحدائق(2) ، والجواهر(3) ، هو الجواز مطلقاً أي سواء كان مع العلم أو بدونه، وسواء كانت المرأة مؤمنة أو مخالفة.
واستدل على ذلك بأمور:
الأول: بدعوى عدم الخلاف فيه، بل الإجماع بقسميه عليه كما في الجواهر(4).
الثاني: بالنصوص العامة المستفيضة الدالة على الإلزام.
ومنها: صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: سألته عن الأحكام قال: تجوز على أهل كلّ ذوي دين ما يستحلون(5) .
ص: 201
ومنها: صحيحة أيوب بن نوح قال: كتبت إلى أبي الحسن (علیه السلام) أسأله هل نأخذ في أحكام المخالفين ما يأخذون منّا في أحكامهم أم لا؟ فكتب(علیه السلام): يجوز لكم ذلك إذا كان مذهبكم فيه التقية منهم والمداراة(1) .
ومن المعلوم أنّ ما ذكره الإمام (علیه السلام) من شرط الجواز متحقّق وهو التقية والمداراة.
ومنها: صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع قال: سألت الرضا (علیه السلام) عن ميّت ترك أمّه وأخوة وأخوات، فقسّم هؤلاء ميراثه، وأعطوا الأم السدس، وأعطوا الأخوة والأخوات ما بقي، فمات الأخوات فأصابني من ميراثه، فأحببت أن أسألك هل يجوز لي أن آخذ ما أصابني من ميراثها على هذه القسمة أم لا؟ فقال: بلى، فقلت: إنّ أمّ الميّت فيما بلغني قد دخلت في هذا الأمر أعني الدين، فسكت قليلاً ثم قال: خذه(2) .
فالمستفاد من الرواية أنّ القسمة لم تكن على مذهب الإمامية وإلاّ فالأخوة والأخوات لا نصيب لهم في الميراث لأنّهم من الطبقة الثانية إلاّ أنّ الإمام (علیه السلام) أمضى ذلك لإلزام المخالفين بما التزموا به.
ويؤيد ذلك: رواية عبد الله بن محرز قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): رجل ترك ابنته وأخته لأبيه وأمّه فقال: المال كلّه لابنته وليس للأخت من الأب والأم شيء، فقلت: فإنّا قد احتجنا إلى هذا، والميّت رجل من هؤلاء الناس وأخته مؤمنة عارفة، قال: فخذ لها النصف، خذوا منهم كما يأخذون منكم في سننهم وقضاياهم، قال ابن أذينة: فذكرت ذلك لزرارة فقال: إنّ على ما جاء بهابن محرز لنورا(3) .
ص: 202
وموضع الشاهد من هذه الرواية قوله: خذوا منهم كما يأخذون منكم في سننهم وقضاياهم، فإنه شامل لما نحن فيه.
وأمّا سند الرواية ففيه عبد الله بن محرز، وهو وإن كان من الشيعة كما يظهر من الرواية إلاّ أنه لم يرد فيه توثيق، نعم إن حصل الاطمئنان من قول زرارة بصدور الرواية عن الإمام (علیه السلام) فهو وإلاّ فهي مؤيّدة كما ذكرنا.
ويؤيّد ذلك أيضاً: رواية علي بن أبي حمزة، أنه سأل أبا الحسن (علیه السلام) عن المطلّقة على غير السنّة أيتزوّجها الرجل؟ فقال: ألزموهم من ذلك ما ألزموه أنفسهم وتزوجوهنّ فلا بأس بذلك(1) .
وموضع الشاهد منها قوله: ألزموهم من ذلك ما ألزموه أنفسهم، فإنّه صريح في الدلالة على الإلزام، وحيث إنّ الرواية ضعيفة السند فهي مؤيّدة لما تقدّم.
وغيرها من الروايات.
الثالث: بالنصوص الخاصّة الواردة في المقام وهي عدّة روايات:
منها: معتبرة إبراهيم بن محمد الهمداني قال: كتبت إلى أبي جعفر الثاني (علیه السلام) مع بعض أصحابنا، فأتاني الجواب بخطّه: فهمت ما ذكرت من أمر ابنتك وزوجها «إلى أن قال:» ومن حنثه بطلاقها غير مرّة، فانظر فإن كانممن يتولاّنا ويقول بقولنا فلا طلاق عليه لأنّه لم يأت أمراً جهله، وإن كان ممّن لا يتولاّنا ولا يقول بقولنا فاختلعها منه فإنّه إنّما نوى الفراق بعينه(2) .
والرواية من حيث السند معتبرة فإنّ إبراهيم بن محمد أحد وكلاء الناحية(3) ، وقد بيّنا في محلّه(4) أنّ ذلك أمارة على الوثاقة، مضافاً إلى وقوعه
ص: 203
في أسناد نوادر الحكمة(1) ، وهو كاف في الحكم بوثاقته أيضاً، فلا إشكال في السند.
وأما من حيث الدلالة فكذلك حيث أمر (علیه السلام) بالتفريق بينهما ووقوع الطلاق بما هو باطل في مذهبنا وصحيح في مذهبهم، ومنه الحنث بالطلاق، والظاهر عدم الفرق في اختلال شرائط الطلاق بين شرط وآخر، نعم لا صراحة في الرواية بجواز الزواج من هذه المرأة.
ومنها: موثّقة عبد الرحمن البصري، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قلت له: امرأة طلّقت على غير السنّة، فقال: يتزوّج هذه المرأة لا تترك بغير زوج(2) .
ومنها: صحيحة عبد الله بن سنان قال: سألته عن رجل طلّق امرأته لغير عدّة ثم أمسك عنها حتى انقضت عدّتها، هل يصلح لي أن أتزوّجها؟ قال: نعم، لاتترك بغير زوج(3) .
وهاتان الروايتان وإن كانتا مطلقتين إلاّ أنه لابدّ من تقييدهما بكون المطلّق عامياً إذ لو كان إمامياً لم يكن الطلاق صحيحاً ولا يجوز زواجها لأنّها ذات بعل.
ومنها: معتبرة جعفر بن محمد بن «عبيد خ ل» عبد الله العلوي عن أبيه قال: سألت أبا الحسن الرضا (علیه السلام) عن تزويج المطلّقات ثلاثاً، فقال لي: إنّ طلاقكم «الثلاث» لا يحلّ لغيركم، وطلاقهم يحلّ لكم، لأنّكم لا ترون الثلاث شيئاً وهم يوجبونها(4) .
وهذه الرواية من جهة الدلالة واضحة، وأما من جهة السند فإنّ فيه جعفر بن محمد بن عبد الله، عن أبيه كما رواها الشيخ في التهذيب(5)، وهما وإن لم
ص: 204
يرد فيهما توثيق إلاّ أنّهما واقعان في أسناد نوادر الحكمة(1)، وذلك كاف في الحكم بوثاقتهما وعليه فتكون الرواية معتبرة.
ومنها: رواية عبد الأعلى، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: سألته عن الرجل يطلّق امرأته ثلاثاً، قال: إن كان مستخفّاً بالطلاق ألزمته ذلك(2) .
والرواية واضحة الدلالة، فإنّ في قوله: «إن كان مستخفّاً بالطلاق»إشعاراً بأنّ المطلّق عامّي ... وأما من جهة السند ففيه عبد الأعلى وهو مشترك، وينصرف إمّا إلى عبد الاعلى بن أعين العجلي وهو ثقة حيث عدّه الشيخ المفيد من فقهاء أصحاب الأئمة (علیهم السلام) ، والأعلام والرؤساء المأخوذ عنهم الحلال والحرام والفتيا والأحكام، والذين لا يطعن عليهم، ولا طريق إلى ذمّ واحد منهم(3) ... ، وأما إلى عبد الأعلى مولى آل سام بناء على عدم اتحادهما، ولم يرد فيه توثيق ولكن حيث روى المشايخ الثقات(4) عنه، كما رووا عن عبد الأعلى مجرداً، وبناء على كفاية ذلك في الحكم بالوثاقة تكون الرواية معتبرة.
هذا ولا يبعد أن يكون المراد بعبد الأعلى في هذه الرواية هو ابن أعين العجلي بقرينة الراوي عنه وهو يونس بن يعقوب(5) . وعلى كلا التقديرين فلا إشكال في سند الرواية.
ومنها: رواية علي بن أبي حمزة(6) المتقدمة حيث أجاز (علیه السلام) الزواج من المطلّقة على غير السنّة فقال: وتزوّجوهنّ فلا بأس بذلك.
ص: 205
وقد تقدّم أنّ سند الرواية ضعيف فتكون مؤيدة.
هذا إذا كانت المطلّقة مخالفة، وأما إذا كانت مؤمنة فالإطلاقات المتقدمة تشملها كما يشملها إطلاق صحيحة الأشعري، قال: كتب بعض موالينا إلى أبيجعفر (علیه السلام) معي: إنّ امرأة عارفة أحدث زوجها فهرب من البلاد، فتبع الزوج بعض أهل المرأة فقال: إمّا طلّقت وإمّا رددتك فطلّقها، ومضى الرجل على وجهه فما ترى للمرأة؟ فكتب بخطّه: تزوّجي يرحمك الله(1) .
فإنّه لم يعلم أنّ الطلاق _ حين إيقاعه _ كان واجداً للشرائط أم لا، ولم يبيّن ذلك الإمام (علیه السلام) مع الحاجة إلى البيان، فيمكن الأخذ بإطلاقها، مضافاً إلى دلالة خصوص معتبرة إبراهيم بن محمد الهمداني المتقدمة الواردة في شأن المرأة العارفة.
ولكن بإزاء هذه الروايات عدة روايات أخرى تدلّ على عدم الجواز وهي على طائفتين:
الطائفة الأولى: ما دلّ على عدم الجواز مطلقاً.
منها: معتبرة عمر بن حنظلة عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: إيّاكم والمطلّقات في مجلس واحد فإنّهن ذوات أزواج(2) .
وهذه الرواية أوردها الشيخ في التهذيب(3) ، والاستبصار(4) بسنده عن عمر بن حنظلة، ورواها الكليني(5) بسنده عن علي بن حنظلة.
والظاهر أنّ الصحيح هو ما ذكره الكليني وأنّ الراوي هو علي بن حنظلة
ص: 206
لا عمر، ويؤيده ما رواه الشيخ نفسه في التهذيب بسنده عن جعفر بن سماعة أنه سئل عن امرأة طلّقت على غير السنة ألي أن أتزوّجها؟ فقال: نعم، فقلت له: ألست تعلم أنّ علي بن حنظلة روى: إيّاكم والمطلّقات ثلاثاً على غير السنّة فإنّهنّ ذوات أزواج؟ فقال: يا بني رواية علي بن أبي حمزة أوسع على الناس، روى عن أبي الحسن (علیه السلام) أنّه قال: ألزموهم من ذلك ما ألزموه أنفسهم وتزوّجوهنّ فلا بأس بذلك(1) .
وموضع الشاهد واضح، ومن ذلك يظهر أنّ الراوي علي بن حنظلة، وأنّ ما وقع في التهذيبين من سهو واشتباه النساخ حيث جعلوا عمر مكان علي، اللهمّ إلاّ أن يقال: إنّهما معاً قد سمعا الإمام (علیه السلام) في مجلس واحد، وروى موسى بن بكر عنهما معاً، وهو تارة يرويها عن علي، وأخرى عن عمر، وأما حديث جعفر بن سماعة فلا ينافي الرواية عن عمر لاحتمال أنّ ما بلغه إنّما كان عن علي لا عن عمر، وعلى كلا التقديرين فالرواية معتبرة فإنّ علي بن حنظلة مما لا إشكال في وثاقته، وقد ورد في حقّه أنّه رجل ورع(2) ، وأما عمر بن حنظلة فكذلك، بناء على ما حقّقناه في محلّه(3) .ومنها: موثّقة حفص بن البختري، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: إيّاكم والمطلّقات ثلاثاً فإنّهنّ ذوات أزواج(4) .
ومنها: رواية الفضل بن شاذان، عن الرضا (علیه السلام) في كتابه إلى المأمون قال: وإذا طلّقت المرأة بعد العدّة ثلاث مرات لم تحلّ لزوجها حتى تنكح زوجاً غيره.
ص: 207
قال: وقال أمير المؤمنين (علیه السلام): اتّقوا تزويج المطلّقات ثلاثاً في موضع واحد فإنّهنّ ذوات أزواج(1) .
وموضع الشاهد منها قوله (علیه السلام): وقال أمير المؤمنين (علیه السلام): اتّقوا ...
وأما سند الرواية فقد تقدّم البحث فيه وقلنا بإمكان اعتبار روايات الصدوق عن الفضل بن شاذان الواردة عن طريق محمد بن نعيم بن شاذان.
ومنها: مرسلة عثمان بن عيسى عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (علیه السلام) أنه قال: إيّاكم وذوات الأزواج المطلّقات على غير السنّة، قال: قلت له: فرجل طلق امرأته من هؤلاء ولي بها حاجة قال: فيلقاه بعدما طلّقها وانقضت عدتها عند صاحبها فيقول له: أطلّقت فلانة؟ فإذا قال: نعم، فقد صارت تطليقة على طهر، فدعها من حين طلّقها تلك التطليقة حتى تنقضي عدّتها ثم تزوّجهاوقد صارت تطليقة باينة(2) .
وموضع الشاهد هو صدر الرواية حيث أمر (علیه السلام) باجتناب المطلّقات على غير السنّة فإنّهن ذوات أزواج، وهي مؤيدة للروايات المتقدمة.
الطائفة الثانية: ما دلّ على جواز نكاحهنّ بعد تصحيح الطلاق الواقع.
منها: موثّقة إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله (علیه السلام) في رجل يريد تزويج امرأة قد طلّقت ثلاثاً كيف يصنع فيها؟ قال: يدعها حتى تحيض وتطهر ثم يأتي زوجها ومعه رجلان فيقول له: قد طلّقت فلانة؟ فإذا قال: نعم، تركها حتى تمضي ثلاثة أشهر ثم خطبها إلى نفسه(3) .
ومنها: موثّقة حفص بن البختري، عن أبي عبد الله (علیه السلام) في رجل طلّق امرأته ثلاثاً فأراد رجل أن يتزوّجها كيف يصنع؟ قال: يأتيه فيقول له: طلّقت
ص: 208
فلانة؟ فإذا قال: نعم، تركها ثلاثة أشهر ثم خطبها إلى نفسها(1) .
ومضمون هاتين الروايتين واحد إلاّ أنّ الثانية لم يذكر فيها الإمهال حتى تحيض وتطهر وإتيان الزوج بالشاهدين، فإن لم تكونا رواية واحدة وقد سقط من سند الثانية إسحاق بن عمار إذ أنّ الراوي عنه في الأولى هو حفص بن البختري فلابدّ من تقييد الثانية بالأولى.
هذا ولكن يمكن حمل الطائفة الأولى على أحد وجهين:الأول: أن يكون المراد بالمطلّقات فيها ما كان المطلق لهنّ مؤمناً لا مخالفاً، وإنما ورد النهي عن نكاحهنّ لأنّ المؤمن لا يراه شيئاً.
والشاهد على هذا الحمل معتبرة جعفر بن محمد بن عبيد الله عن أبيه(2) المتقدمة حيث فصّل (علیه السلام) بين طلاق المؤمن وطلاق المخالف فمنع في الأول وأجاز في الثاني وعلّله بقوله (علیه السلام): لأنّكم لا ترون الثلاث شيئاً وهم يوجبونها.
ويؤيدها رواية عبد الله بن طاووس قال: قلت لأبي الحسن الرضا (علیه السلام): إنّ لي ابن أخ زوّجته ابنتي وهو يشرب الشراب ويكثر ذكر الطلاق، فقال: إن كان من إخوانك فلا شيء عليه، وإن كان من هؤلاء فأبنها منه فإنّه عنى الفراق، قال: قلت: أليس قد روي عن أبي عبد الله (علیه السلام) أنه قال: إياكم والمطلّقات ثلاثاً في مجلس فإنّهن ذوات الأزواج؟ فقال: ذلك من إخوانكم لا من هؤلاء، إنه من دان بدين قوم لزمته أحكامهم(3) .
وهي صريحة في التفصيل بين المؤمن والمخالف في الطلاق ثلاثاً.
وأما من جهة السند فهي ضعيفة ولذا جعلناها مؤيدة.
وأما ما ورد في مرسلة عثمان بن عيسى(4) المتقدمة حيث جاء فيها ...
ص: 209
قال: قلت له: فرجل طلّق امرأة من هؤلاء ولي بها حاجة، قال: فيلقاه بعدما طلّقهاوانقضت عدّتها عند صاحبها فيقول له: أطلّقت فلانة؟
والمستفاد منها أنّ المطلّق مخالف وذلك مناف للحمل المذكور.
ففيه: أنّ هذه الرواية لا تصلح للمعارضة وذلك أولاً: لعدم تمامية السند. وثانياً: أنّ مورد الرواية هو غير الطلاق ثلاثاً، وإنما هو فقدان سائر الشرائط فالرواية قاصرة عن المعارضة سنداً ودلالة.
ومثلها في قصور
الدلالة عن المعارضة أيضاً حديث جعفر بن سماعة المتقدّم، حيث استظهر من رواية علي بن حنظلة أنّ المراد بالمطلّقة ثلاثاً هي المخالفة لا المؤمنة، وذلك لأنّ ما أجاب به جعفر بن سماعة لم يكن رواية عن المعصوم وإنّما هو اجتهاد منه وليس بحجة علينا، ولا يصلح للمعارضة وإن كان السند معتبراً.
الثاني: أن تحمل الروايات على أنّ المراد هو أنّ الطلاق وقع على غير طهر، ويشهد لهذا الحمل ما تقدم في صحيحة(1) أبي بصير، والحلبي، وعمر بن حنظلة، عن أبي عبد الله (علیه السلام) ، حيث قال (علیه السلام): الطلاق ثلاثاً في غير عدّة إن كانت على طهر فواحدة، وإن لم تكن على طهر فليس بشيء.
وما تقدم أيضاً في صحيحة(2) أبي أيوب الخزّاز عن أبي عبد الله (علیه السلام) حيث جاء فيها: ورجل طلّق امرأته ثلاثاً وهي على طهر فإنّما هي واحدة، ورجل طلّق امرأته ثلاثاً على غير طهر فليس بشيء.وغيرها من الروايات.
إلاّ أنّ هذا الوجه ضعيف، وذلك لأنّ الظاهر أنّ الحكم بالتفصيل بين
ص: 210
وقوع الطلاق ثلاثاً على طهر واحدة، ووقوعه على غير طهر ليس بشيء، إنما هو للمؤمن لا للمخالف، لما تقدم من أنّ طلاق المخالف يلزمه بأي نحو وقع.
وبناء على هذا فما ذكرناه من الوجه الأول هو الأرجح.
وأما الطائفة الثانية فهي وإن كان الحكم فيها بالجواز _ بعد تصحيح الطلاق الواقع _ مطلقاً إذ لم يقيّد بكون المطلّق موافقاً أو مخالفاً إلاّ أنه لابدّ من حمل مفادها على الحكم التنزيهي ومراعاة الاحتياط، ولا سيّما أنّ المسألة ترتبط بالفروج والاحتياط فيها مطلوب، إذ غالباً ما يقع الإخلال ببعض الشروط المعتبرة في الطلاق بلا فرق بين المؤمنين والمخالفين، فمن أجل تحقيق الدقّة والضبط وتحصيل الاطمئنان في هذا الموضوع المهم جاءت هذه الروايات لتبيّن كيفية تحقّق ذلك وتأمر بالتريّث قبل الإقدام عليه.
فهذا الحكم على تقدير شموله للمؤمن لا ينافي ما تقدم.
والحاصل: أنّ هاتين الطائفتين ليستا معارضتين للروايات المتقدمة الدالة على إمضاء طلاقهم وجواز نكاح نسائهم وإن كان الحكم ظاهرياً لأجل مداراتهم.
وأما الفرع الثاني وهو حكم رجوع المخالف بعد استبصاره فقد ذهب السيد الحكيم(1) والسيد الأستاذ(2) قدّس سرهما إلى جواز رجوع المستبصر إلى مطلّقته أوالزواج منها، من دون الحاجة إلى أن تنكح زوجاً غيره.
وذهب الشيخ حسين الحلي ! (3) إلى عدم الجواز.
وحاصل كلام السيد الحكيم في الاستدلال على ذلك: أنّ النصوص
ص: 211
الواردة في ذلك على ثلاث طوائف:
الأولى: ما دلّ على قاعدة الإلزام.
والمستفاد منها: جواز الإلزام أو وجوبه، ولا تدلّ على صحّة الطلاق المذكور، وإنّما تدلّ على مشروعية الإلزام بما ألزم به نفسه، والإلزام إنما يصحّ مع بقائه على الخلاف، وأما مع استبصاره فلا يرى نفسه ملزماً بالطلاق بل بالزوجية.
ومثل هذه الطائفة ما ورد من الروايات المتضمنة للأمر بالتزويج وترتيب الأثر على فعلهم كصحيحة ابن سنان، ومكاتبة إبراهيم بن محمد الهمداني، ورواية عبد الله بن طاووس، وموثقة عبد الرحمن البصري، ورواية عبد الله بن محرز.
فإنّ الأمر بالتزويج في الأولى والرابعة، والاختلاع في الثانية، والإبانة في الثالثة، والأخذ بالتعصيب في الأخيرة لا يدلّ على الصحّة بل يمكن أن يكون هذا حكماً عليهم، فيجوز للمؤمن أن ينكح زوجة المخالف فتخرج بذلك عن زوجيتها له، نظير استرقاق الكافر الحر، وحيازة المباح الموجبة لملكية ما كان مباحاً قبل الحيازة، واسترقاق زوجة الكافر، فالأمر بالتزويج لا يدلّ على صحّةالطلاق.
الطائفة الثانية: ما تتضمّن اللزوم دون الإلزام، كرواية عبد الله بن طاووس، ورواية عبد الأعلى وغيرهما.
وهذه الروايات ليست صريحة في دلالتها على صحّة الطلاق فإنّ اللزوم أعم، خصوصاً إذا كان أحد الزوجين مخالفاً والآخر مستبصراً، فإنّ المستبصر يراه فاسداً والمخالف يراه صحيحاً، ولا يمكن الجمع بين الحكمين، لأنّ الطلاق لا يقبل الوصف بالصحة والفساد من جهتين في مورد واحد، فلابدّ أن يكون
ص: 212
المراد مجرّد الحكم على من دان منهما بما دان ما دام باقياً على ما هو عليه، فإذا استبصر فلا يرى نفسه ملزماً بما كان يدين به.
الطائفة الثالثة: ما تتضمّن تحريم المطلّقة ثلاثاً على الزوج كرواية الهيثم بن أبي مسروق عن بعض أصحابه قال: ذكر عند الرضا (علیه السلام) بعض العلويين ممن كان ينتقصه، فقال: أما إنه مقيم على حرام، قلت: جعلت فداك وكيف وهي امرأته؟ قال: لأنّه قد طلّقها، قلت: كيف طلّقها؟ قال: طلّقها وذلك دينه فحرمت عليه(1).
وهذه الرواية مع ضعف سندها وقصور دلالتها _ لعدم تعرّضها إلى أنّ الطلاق كان على خلاف المشروع _ لا تصلح لإثبات نفوذ الطلاق غير الجامع للشرائط إذا كان مذهب المطلّق ذلك، لأنّ التحريم عليه أعمّ إذ من الجائز أن يكون التحريم بما أنه دينه، ولو استبصر فصار دينه حلّية الزوجة كانت له حلالاً، بل قوله: «ذلكدينه» ظاهر في ذلك، فيدل على التحليل لو استبصر، ومثلها رواية العلوي.
والحاصل: أنّ الظاهر من روايات الطلاق بأجمعها عدم الدليل على صحّة الطلاق، وإنما تدلّ على إلزامهم بذلك حيث كان دينهم، فيدور الحكم مدار بقائه فإذا تغيّر ودانوا بالخلاف فلا دليل على الإلزام، ويجوز الرجوع أو الزواج بحسب ما دان به أخيراً، نعم إذا تزوّجت المرأة قبل ذلك فلا يبقى مجال للرجوع، ولا يوجب أبطال النكاح، نظير ما إذا قسّم ميراث المخالف أو المسلم ثم استبصر أحد الورّاث أو أسلم فإنه لا يوجب إبطال القسمة(2) .
وحاصل ما استدل به الشيخ الحلي ! أنّ مقتضى الحكم الواقعي الثانوي
ص: 213
هو صحّة الطلاق، وحيث إنّه ليس محدوداً بما دام سنّياً بل إنّ تسنّنه يكون علة في تحقق الحكم بالانفصال وبقائه، فحينئذ لا فائدة في تشيّعه بعد ذلك، ولا يتمكّن من الرجوع إليها بدون محلّل(1) .
والظاهر هو القول الأول، وذلك لأنّ غاية ما تدلّ عليه الروايات هو الحكم بالصحة ظاهراً في حقه وعليه بما هو سنّي حين تسنّنه، وأما الحكم عليه بعد الاستبصار فلا ظهور للروايات في ذلك، مضافاً إلى أنّه مشمول لإطلاق أدلة جواز التزويج لكلّ شيعي فتجري عليه أحكام الشيعي، وعليه فإذا كانت في العدّة جاز له الرجوع إليها، وإذا انقضت عدّتها جاز له العقد عليها من دونحاجة إلى المحلّل.
وقد يستدل على ذلك أيضاً بما ورد في مكاتبة علي بن سويد لأبي الحسن موسى (علیه السلام) وهي طويلة اشتملت على مسائل جليلة وسندها معتبر وموضع الشاهد منها قوله (علیه السلام): وسألت عن أمهات أولادهم، وعن نكاحهم، وعن طلاقهم، فأمّا أمّهات أولادهم فهنّ عواهر إلى يوم القيامة، نكاح بغير ولي، وطلاق في غير عدّة، وأما من دخل دعوتنا فقد هدم إيمانه ضلاله ويقينه شكّه(2) .
وقد قرّب السيد الحكيم ! الاستدلال بها بأن قال: إنّ الاستبصار يهدم ما قبله، فالتحريم الثابت للمطلّق ثلاثاً يتبدّل بالتحليل وعقّبه بقوله: لكن لا يخلو عن إشكال وغموض لعدم وضوح رجوع الفقرة إلى ما ذكر، بل من المحتمل رجوعها إلى مسألة أخرى غير هذه المسألة فلا تنفع فيما نحن فيه(3) .
ص: 214
وفيه: أنّ هذه الفقرة وهي قوله (علیه السلام): «وأما من دخل دعوتنا فقد هدم إيمانه ضلاله ويقينه شكّه» راجعة إلى نفس هذه المسألة لا إلى مسألة أخرى كما احتمله السيد بقرينة المسائل السابقة واللاحقة الواردة في نفس الرواية، نعم قد يقال: إنّ هذه الفقرة وإن كانت من تتمة الجواب عن هذه المسألة إلاّ أنّها ناظرة إلى حكمهم من جهة الأصول الاعتقادية لا إلى حكمهم فيالفروع.
ويؤيّد ذلك التعبير بالإيمان والضلال واليقين والشك فإنّ هذه الألفاظ إنما تستعمل غالباً في مسائل الاعتقاد، وحينئذ فالرواية أجنبية عن المقام، وأما إذا كانت ناظرة إلى حكم عبادتهم ومعاملاتهم وأنها ممضاة بعد الاستبصار فلا تدلّ على المطلوب، بل على عكسه، لأنّ لازم ذلك صحّة طلاقه في حال تسنّنه، وحينئذ فالرواية معارضة للاستظهار المتقدم.
والحاصل: أنّ المراد من هذه الفقرة غير واضح، وفي قول السيد ! لا يخلو عن إشكال وغموض إشارة إلى ذلك، ولابدّ من الفحص والتأمل.
وأما الفرع الثالث وهو ما إذا كانت الزوجة مخالفة والزوج مؤمناً وطلّقها ثلاثاً على مذهبها فمقتضى قاعدة الإلزام أنها بحكم المطلّقة ويترتب على ذلك عدم استحقاقها المطالبة بالحقوق الزوجية كالنفقة ونحوها.
وأما بالنسبة إلى الزوج فله كامل حقوقه عليها كالاستمتاع ونحوه، لأنها لم تخرج عن حبالته وعصمته.
فإن كان الطلاق الواقع منه مستوفياً لسائر الشرائط فيعتبر تطليقة واحدة، وله حق الرجوع إليها إن كانت في عدتها، وإلاّ جاز له العقد عليها.
نعم في جواز تمكين الزوجة وعدمه، وغلبة حق الزوج على الزوجة أو بالعكس، وجوه ولا يبعد الأول، وسيأتي تفصيله إن شاء الله.
المسألة الثانية: إذا طلّق الرجل امرأته وهي حائض أو في طهر واقعها فيه،
ص: 215
فهل يقع الطلاق وتترتب آثاره أو لا؟
ذهب الخاصّة إلى بطلان الطلاق، ولا خلاف فيه عندهم نصاً وفتوى، بلالإجماع بقسميه عليه(1) .
وذهب جمهور العامة إلى صحّته ووقوعه وإن كان بدعيّاً.
قال الشيخ ! في الخلاف: الطلاق المحرّم هو أن يطلّق مدخولاً بها غير غائب عنها غيبة مخصوصة في حال المحيض أو في طهر جامعها فيه، فما هذا حكمه فإنه لا يقع عندنا، والعقد ثابت بحاله، وبه قال ابن عليّة، وقال جميع الفقهاء: إنّه يقع وإن كان محظوراً، وذهب إليه أبو حنيفة وأصحابه، ومالك، والأوزاعي، والثوري، والشافعي(2) .
وقال الشوكاني بعد أن ذكر الروايات الواردة في طلاق عبد الله بن عمر، وأنه طلّق تطليقة فحسبت من طلاقها. وقد تمسّك بذلك من قال بأنّ الطلاق البدعي يقع وهم الجمهور، وذهب الباقر، والصادق، وابن حزم، وحكاه الخطابي عن الخوارج، والروافض إلى أنّه لا يقع، وحكاه ابن العربي عن ابن عليّة يعني إبراهيم بن إسماعيل بن عليّة وهو من فقهاء المعتزلة، قال ابن عبد البرّ: لا يخالف في ذلك إلاّ أهل البدع والضلال قال: وروى مثله عن بعض التابعين وهو شذوذ(3) ... إلى أن قال: وممّن ذهب إلى هذا المذهب أعني عدم وقوع البدعي شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم(4) .
وقال ابن قدامة: فصل: فإن طلّق للبدعة وهو أن يطلّقها حائضاً أو في طهر أصابها فيه أثم ووقع طلاقه في قول عامّة أهل العلم، قال ابن المنذر، وابن
ص: 216
عبد البر: لم يخالف في ذلك إلاّ أهل البدع والضلال، وحكاه أبو نصر عن ابن علية، وهشام بن الحكم، والشيعة، قالوا: لا يقع طلاقه لأنّ الله أمر به في قبل العدة، فإذا طلّق في غيره لم يقع، كالوكيل إذا أوقعه في زمن أمره موكّله بإيقاعه في غيره(1).
ومن ذلك يظهر أنّ المشهور عند العامة هو صحّة الطلاق وإن كان على غير السنّة، ومخالفاً لمدلول الآية كما سيأتي.
وأما الخاصة فقد اتفقت كلمتهم على عدم صحّة هذا الطلاق ولا يترتّب عليه شيء من الآثار.
استدلّ الخاصة على اعتبار الخلوّ عن الحيض، وأن يكون في طهر لا وقاع فيه _ مضافاً إلى الأصل المتقدّم في المسألة السابقة _ بالأدلّة الثلاثة، الكتاب والسنّة والإجماع.
أما من الكتاب فبقوله تعالى: «يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ ...»(2) الآية. فإنّ المراد من قوله: «فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ» هو زمان عدّتهنّ، وذلك أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه، كما عن ابن عباس، وابن مسعود، والحسن، ومجاهد، وابن سيرين، وقتادة، والضحاك،والسدي، فهذا هو الطلاق للعدّة لأنّها تعتدّ بذلك الطهر من عدّتها وتحصل في العدّة عقيب الطلاق، فالمعنى فطلّقوهنّ لطهرهنّ الذي يحصينه من عدّتهنّ(3) .
ونفى الشيخ ! في الخلاف الخلافَ في ذلك(4) .
وذكر الرازي أنّ معنى لعدّتهنّ أي لزمان عدّتهنّ وهو الطهر بإجماع الأمّة(5).
ص: 217
على أنّه قد وردت بعض الروايات من طرق الخاصّة والعامّة فسرت فيها الآية بهذا المعنى(1) .
وأما من السنّة فقد بلغت الروايات حدّ الاستفاضة بل قد يدّعى فيها التواتر كما في الجواهر(2) وغيره(3) .
منها: ما ورد في صحيحة عمر بن أذينة عن زرارة، وبكير بن أعين، ومحمد بن مسلم، وبريد بن معاوية العجلي، والفضيل بن يسار، وإسماعيل الأزرق، ومعمّر بن يحيى بن سام (بسام خ ل) ، كلّهم سمعه من أبي جعفر، ومن ابنه (علیه السلام) بصفة ما قالوا، وإن لم أحفظ حروفه، غير أنه لم يسقط عنّي جمل معناه: أنّ الطلاق الذي أمر الله به في كتابه وسنّة نبيه (صلي الله علیه وآله) أنه إذاحاضت المرأة وطهرت من حيضها أشهد رجلين عدلين قبل أن يجامعها على تطليقة، ثم هو أحقّ برجعتها ما لم تمض لها ثلاثة قروء، فإن راجعها كانت عنده على تطليقتين، وإن مضت ثلاثة قروء قبل أن يراجعها فهي أملك بنفسها، فإن أراد أن يخطبها مع الخطّاب خطبها، فإن تزوّجها كانت عنده على تطليقتين، وما خلا هذا فليس بطلاق(4) .
ومنها: صحيحة ابن بكير، وغيره، عن أبي جعفر (علیه السلام) أنه قال: الطلاق الذي أمر الله عزوجل به في كتابه والذي سنّ رسول الله (صلي الله علیه وآله) أن يخلّي الرجل عن المرأة، فإذا حاضت وطهرت من محيضها أشهد رجلين عدلين على تطليقة وهي طاهر من غير جماع، وهو أحقّ برجعتها ما لم تنقض ثلاثة قروء، وكلّ
ص: 218
طلاق ما خلا هذا فباطل ليس بطلاق(1) .
ومنها: صحيحة زرارة، عن أبي جعفر (علیه السلام) أنه قال: كل طلاق لا يكون على السنّة أو طلاق على العدّة فليس بشيء، قال زرارة: قلت لأبي جعفر (علیه السلام): فسّر لي طلاق السنة، وطلاق العدة، فقال: أما طلاق السنة فإذا أراد الرجل أن يطلّق امرأته فلينتظر بها حتى تطمث وتطهر، فإذا خرجت من طمثها طلّقها تطليقة من غير جماع، ويشهد شاهدين على ذلك، ثم يدعها حتى تطمث طمثتين فتنقضي عدتها بثلاث حيض وقد بانت منه، ويكون خاطباً من الخطاب إن شاءت تزوّجته وإن شاءت لم تزوّجه، وعليه نفقتها والسكنى مادامت في عدتها، وهما يتوارثان حتى تنقضي عدّتها. الحديث(2) .
وقد أورد صاحب الوسائل تتمة الرواية في موضع آخر وهي:
وأما طلاق العدّة الذي قال الله عزوجل: «فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ» فإذا أراد الرجل منكم أن يطلّق امرأته طلاق العدّة فلينتظر بها حتى تحيض وتخرج من حيضها، ثم يطلّقها تطليقة من غير جماع بشهادة شاهدين عدلين ويراجعها من يومه وذلك إن أحبّ أو بعد ذلك بأيام قبل أن تحيض ويشهد على رجعتها ويواقعها حتى تحيض، فإذا حاضت وخرجت من حيضها طلّقها تطليقة أخرى من غير جماع ويشهد على ذلك، ثم يراجعها أيضاً متى شاء قبل أن تحيض ويشهد على رجعتها ويواقعها، وتكون معه إلى أن تحيض الحيضة الثالثة، فإذا خرجت من حيضتها الثالثة طلّقها التطليقة الثالثة بغير جماع ويشهد على ذلك، فإذا فعل ذلك فقد بانت منه ولا تحلّ له حتى تنكح زوجاً غيره، قيل له: وإن كانت ممّن لا تحيض؟ فقال: مثل هذه تطلّق طلاق السنّة(3) .
ص: 219
وغيرها من الروايات الكثيرة.
وأما الإجماع فقد ورد في كلام غير واحد من الأصحاب كما في كشف اللثام(1) والرياض(2) والحدائق(3) والجواهر(4) .ومن ذلك يتبين أنّ المسألة عند الخاصة واضحة جداً ولا وجه لبسط الكلام فيها.
وأما العامة فقد خالفوا الحق في ذلك، وجعلوا _ بزعمهم _ أدلّة نسجوها بأوهامهم وهي أوهن من بيت العنكبوت.
منها: ما رواه مسلم من أنّ عبد الله بن عمر طلّق امرأته وهي حائض فأتى عمر النبي (صلي الله علیه وآله) فسأله، فقال: مره فليراجعها ثم يطلّقها قبل عدّتها قال: قلت: فتعتدّ بها؟ فقال: فمه؟ أرأيت إن عجزوا واستحمق(5) .
وروى قريباً منه البخاري في صحيحه(6) .
وفي رواية أخرى: أنّ عبد الله بن عمر قال: طلّقت امرأتي وهي حائض فذكر ذلك عمر للنبي (صلي الله علیه وآله) فتغيّظ رسول الله، ثم قال: مره فليراجعها حتى تحيض حيضة أخرى مستقبلة سوى حيضتها التي طلّقها فيها، فإن بدا له أن يطلّقها طاهراً من حيضها قبل أن يمسّها فذلك الطلاق للعدّة كما أمر الله(7) .
بدعوى أنّ قوله: (مره فليراجعها) يدلّ على وقوع الطلاق وصحّته.ومنها: ما ورد من أنّ عبد الله بن عمر طلّقها تطليقة واحدة فحسبت من
ص: 220
طلاقها(1) . وفي لفظ البخاري: حسبت عليّ بتطليقة(2) .
بدعوى أنّ احتساب التطليقة دليل على وقوع الطلاق وصحّته.
وغيرها من الروايات التي زعموا دلالتها على صحة الطلاق حال الحيض وهذه الأدلة كلها غير تامة وذلك:
أولاً: إنّ هذه الروايات مضافاً إلى عدم صراحتها قاصرة الدلالة في إفادة المدّعى فإنّ قوله «مره فليراجعها» لا يدل على وقوع الطلاق، بل إنّ دلالته على بطلانه أوضح، بقرينة أنه (صلي الله علیه وآله) عرّفه كيفية الطلاق الصحيح بقوله: «فليطلّقها قبل عدّتها» كما أن تغيّظه (صلي الله علیه وآله) من فعل ابن عمر شاهد آخر على أنّ ما أوقعه من الطلاق باطل لا يعتدّ به.
وأما قوله (صلي الله علیه وآله): فمه؟ فليس صريحاً في إمضاء الطلاق الواقع حال الحيض، ولا سيّما إنه قال ذلك بعد بيانه (صلي الله علیه وآله) لكيفية الطلاق الصحيح، فيكون سؤال عمر واستنكار النبي (صلي الله علیه وآله) عليه راجعين إلى ما ذكره (صلي الله علیه وآله) من الكيفية الصحيحة، على أنّ قوله (صلي الله علیه وآله): «فإن بدا له أن يطلّقها ...» صريح في عدم الاعتداد بما وقع .
وثانياً: إنّ قوله فحسبت من طلاقها أو حسبت عليّ بتطليقة ليس من قولالنبي (صلي الله علیه وآله)، وإنما هو إما من الراوي وإما من ابن عمر وأي حجّة فيه؟
وثالثاً: على فرض تمامية الدلالة إلاّ أنّ هذه الروايات مخالفة لما هو أقوى دلالة منها، وهو ما ورد عن ابن عمر نفسه، فقد روى نافع مولى ابن عمر، عن ابن عمر أنه قال في الرجل يطلّق امرأته وهي حائض، قال ابن عمر: لا يعتدّ لذلك(3).
ص: 221
وقد قال الشوكاني عن سند هذه الرواية بأنه صحيح(1) .
وفي رواية أخرى من طريق عبد الله بن مالك، عن ابن عمر، أنه طلّق امرأته وهي حائض، فقال رسول الله (صلي الله علیه وآله): ليس بشيء(2) .
ورابعاً: وعلى فرض التعارض بين الروايات إلاّ أنّ الروايات الدالّة على البطلان هي الأرجح _ كما ذكر الشوكاني(3) _ لموافقتها للكتاب والسنة.
أما موافقتها للكتاب فلأن قوله تعالى: «يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ»(4) يدلّ على أنّ المطلّق في حال الحيض أو الطهر الذي وطأ فيه لم يطلّق بتلك العدة التي أمر الله بتطليق النساء لها.وأنّ قوله تعالى: «فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ»(5) يدل على أنّ الطلاق حال الحيض ليس من التسريح بإحسان، بل هو قبيح، ولا أقبح من التسريح الذي حرّمه الله.
وأنّ قوله تعالى: «الطَّلاقُ مَرَّتَانِ»(6) يدل على أنّ المراد هو الطلاق المأذون، فما عداه ليس بطلاق لما في هذا التركيب من الصيغة الصالحة للحصر أي تعريف المسند إليه بلام الجنس.
وأما موافقتها للسنّة فلقوله (صلي الله علیه وآله): «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ» (7) وهو حديث صحيح _ كما يقول الشوكاني _ شامل لكل مسألة مخالفة لما عليه أمر رسول الله (صلي الله علیه وآله)، وما نحن فيه من هذا القبيل، فإنّ الله لم يشرّع هذا
ص: 222
الطلاق ولا أذن فيه، فليس من شرعه وأمره(1) .
هذا وقد ناقش ابن حزم في المحلّى دعوى صحة الطلاق بوجوه أخرى فإن شئت فراجع(2) .
ونكتفي بما ذكرنا فإنّ المسألة واضحة لا تحتاج إلى أكثر من هذا البيان.
والخلاصة: أنّ الطلاق في حال الحيض أو في طهر المواقعة باطل لا يترتبعليه أيّ أثر، ثم إنّ الحكم ببطلان الطلاق جارٍ فيما إذا وقع حال النفاس أيضاً.
المسألة الثالثة: هل يعتبر الإشهاد على الطلاق أو لا؟
ذهب الخاصّة إلى أنّ وقوع الطلاق من دون حضور شاهدين عدلين يسمعان صدوره من الزوج باطل.
وخالف العامة في ذلك وقالوا بصحة الطلاق وإن لم يكن في حضور الشاهدين، واعتبروا الإشهاد في النكاح.
قال الشيخ في الخلاف: كل طلاق لم يحضره شاهدان مسلمان عدلان _ وإن تكاملت سائر الشروط _ فإنه لا يقع، وخالف جميع الفقهاء في ذلك ولم يعتبر أحد منهم الشهادة(3) .
وقال سيد سابق في فقه السنة: ذهب جمهور الفقهاء من السلف والخلف إلى أنّ الطلاق يقع بدون إشهاد لأنّ الطلاق من حقوق الرجل ولا يحتاج إلى بيّنة كي يباشر حقّه، ولم يرد عن النبي (صلي الله علیه وآله) ولا عن الصحابة ما يدل على مشروعية الإشهاد، وخالف في ذلك فقهاء الشيعة الإمامية ... وممّن ذهب إلى وجوب الإشهاد واشتراطه لصحّته من الصحابة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب،
ص: 223
وعمران بن حصين، رضي الله عنهما، ومن التابعين الإمام محمد الباقر، والإمام جعفر الصادق، وبنوهما أئمة آل البيت رضوان الله عليهم،وكذلك عطاء، وابن جريج وابن سيرين ...(1) .
والظاهر أنّ في كلامه تهافتاً واضحاً، حيث نفى ورود ما يدل على مشروعية الإشهاد عن الصحابة، وأثبت أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وعمران بن الحصين _ وهما من الصحابة _ قد اشترطا الإشهاد لصحّة الطلاق وذهبا إلى القول بالوجوب فضلاً عن المشروعية.
وقال الشيخ محمد جواد مغنية في الفقه على المذاهب الخمسة: قال الشيخ أبو زهرة في الأحوال الشخصية: قال فقهاء الشيعة الإمامية الإثنا عشرية والإسماعيلية: إنّ الطلاق لا يقع من غير إشهاد عدلين لقوله تعالى في أحكام الطلاق وإنشائه في سورة الطلاق: «وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ»(2) ، فهذا الأمر بالشهادة جاء بعد ذكر إنشاء الطلاق وجواز الرجعة، فكان المناسب أن يكون راجعاً إليه، وأنّ تعليل الإشهاد بأنه يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر يرشّح ذلك ويقوّيه، لأنّ حضور الشهود العدول لا يخلو من موعظة حسنة يزجونها إلى الزوجين فيكون لهما مخرج من الطلاق الذي هو أبغض الحلال إلى الله سبحانه وتعالى، وإنه لو كان لنا أن نختار للمعمول به في مصر لاخترنا هذا الرأي فيشترط لوقوع الطلاقحضور شاهدين عدلين ...(3) .
وذكر الشيخ مغنية أنّ عمل الحكومة المصرية على ذلك، وأنّها قد
ص: 224
أحسنت بأخذها في كثير من شؤون الطلاق بالمذهب الإمامي وأنّ المذاهب الأربعة لم تشترط الإشهاد لصحة الطلاق بخلاف الإمامية حيث اعتبروه ركناً من أركانه(1).
هذا وقد استدلّ الخاصة للقول بالوجوب، بالكتاب والسنة والإجماع.
أما من الكتاب فبقوله تعالى: «وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ»(2) وهو صريح في الدلالة على الأمر بالإشهاد وقد تقرر في محلّه أنّ الأمر يقتضي الوجوب.
وأما من السنة فقد دلّت على اعتباره عدة روايات بلغت حدّ الاستفاضة أو التواتر، كما في الجواهر(3) منها:
صحيحة زرارة _ المتقدمة _ عن أبي جعفر (علیه السلام) أنه قال: كلّ طلاق لا يكون على السنة أو طلاق العدّة فليس بشيء، قال زرارة: قلت لأبي جعفر (علیه السلام): فسّر لي طلاق السنّة وطلاق العدّة، فقال: أمّا طلاق السنّة _ إلى أن قال: _ ويشهد شاهدين على ذلك، ثم يدعها حتى تطمث طمثتين فتنقضي عدّتها بثلاثحيض ...(4) الحديث.
ومنها: صحيحة بكير وغيره _ المتقدمة أيضاً _ عن أبي جعفر (علیه السلام) أنه قال: الطلاق الذي أمر الله عزوجل به في كتابه والذي سنّ رسول الله (صلي الله علیه وآله): أن يخلّي الرجل عن المرأة، فإذا حاضت وطهرت من محيضها أشهد رجلين عدلين على تطليقة وهي طاهر من غير جماع _ إلى أن قال: _ وكل طلاق ما خلا هذا
ص: 225
فباطل ليس بطلاق(1) .
ومنها: صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: قام رجل إلى أمير المؤمنين (علیه السلام) فقال: إنّي طلّقت امرأتي للعدة بغير شهود، فقال: ليس طلاقك بطلاق، فارجع إلى أهلك(2) .
ومنها: صحيحته الأخرى عن أبي جعفر (علیه السلام) في حديث قال: جاء رجل إلى علي (علیه السلام) فقال: يا أمير المؤمنين إنّي طلّقت امرأتي، فقال (علیه السلام): ألك بيّنة؟ قال: لا ، قال: اغرب(3) .
وهي بمضمون الرواية السابقة، ومثلها روايته الثالثة قال: قدم رجل إلى أمير المؤمنين (علیه السلام) بالكوفة فقال: إنّي طلّقت امرأتي بعدما طهرت من محيضها قبل أن أجامعها، فقال أمير المؤمنين (علیه السلام): أشهدت رجلينذوي عدل كما أمرك الله؟ فقال: لا، فقال: اذهب فإنّ طلاقك ليس بشيء(4) .
ومنها: صحيحة زرارة، ومحمد بن مسلم، وبكير، وبريد، وفضيل، وإسماعيل الأزرق، ومعمر بن يحيى عن أبي جعفر وأبي عبد الله (علیه السلام) في حديث أنه قال: وإن طلّقها في استقبال عدّتها طاهراً من غير جماع ولم يشهد على ذلك رجلين عدلين فليس طلاقه إياها بطلاق(5) .
وهي أصرح في الدلالة من جميع الروايات المتقدمة.
ومنها: موثقة زرارة عن أبي جعفر (علیه السلام) أنه سئل عن امرأة سمعت أنّ رجلاً طلّقها وجحد ذلك أتقيم معه؟ قال: نعم، وإنّ طلاقه بغير شهود ليس بطلاق،
ص: 226
والطلاق لغير العدة ليس بطلاق، ولا يحلّ له أن يفعل فيطلّقها بغير شهود ولغير العدة التي أمر الله عزوجل بها(1) .
ومنها: رواية محمد بن الفضيل عن أبي الحسن (علیه السلام) أنه قال لأبي يوسف: إنّ الدين ليس بقياس كقياسك وقياس أصحابك، إنّ الله أمر في كتابه بالطلاق وأكّد فيه بشاهدين، ولم يرض بهما إلاّ عدلين، وأمر في كتابه بالتزويج وأهمله بلا شهود، وأتيتم بشاهدين فيما أبطل الله، وأبطلتم شاهدين فيما أكّد الله عزوجل، وأجزتم طلاق المجنون والسكران ...(2) .والرواية من جهة الدلالة واضحة، وأما من جهة السند ففيه سهل بن زياد(3) وهو ممن لا يعتمد على روايته، وهي وإن كان بالإمكان تصحيح طريقها من جهة أخرى غير أنه لا يمكن الاعتماد عليها لضعف محمد بن الفضيل(4) الراوي عن الإمام (علیه السلام) فتكون الرواية مؤيدة لما تقدّم.
وعلى كل تقدير فإنّ في ما ذكرناه من الروايات الصحيحة سنداً والتامة دلالة كفاية في ثبوت الحكم بالوجوب.
وأما الإجماع فهو أحد أدلة الفرقة كما في الخلاف(5) ، وفي الجواهر أنّه ثابت بقسميه، بل المحكي منه مستفيض أو متواتر(6) ، ولم تختلف كلمة أحد من الخاصة في ذلك.
فالمسألة بحمد الله واضحة ولا تحتاج إلى أكثر من هذا البيان. وبعد: فهذه هي أهم المسائل الخلافية في الطلاق، وهناك عدة مسائل أخرى وقع الخلاف
ص: 227
فيها بين الخاصة والعامة.
منها: طلاق السكران، فذهب جمهور فقهاء العامة(1) إلى صحّته وترتّب آثاره.
ومنها: صحة طلاق المكره كما هو مذهب أبي حنيفة، والثوري، وغيرهما(2).ومنها: صحة الطلاق المعلّق على مشيئة الله أو على فعل يقع في المستقبل، كما هو مذهب أكثر العامة(3) .
ومنها: وقوع الطلاق بالحلف وقد اتفق جمهور العامة على صحّته(4) .
ومنها: صحّة طلاق الجزء كاليد والرأس والإصبع ووقوعه على الكل كما هو مذهب الشافعي، وأبي ثور، وأبي القاسم صاحب مالك، وأصحاب الرأي(5) .
ومنها: صحة الطلاق بالكتابة كما هو مذهب الشافعي، وأبي حنيفة، ومالك وغيرهم(6) .
وذهب الخاصة إلى القول بالبطلان في جميع هذه المسائل.
ومنها: الجمع بين العمة وابنة الأخ، والخالة وابنة الأخت، وقد أجمع العامة على الحرمة(7) .
ص: 228
وذهب الخاصة إلى الجواز مشروطاً بإجازة العمة أو الخالة إذا كانتا مأخوذاً عليهما لا في صورة العكس.
ومنها: الإشهاد على النكاح حيث أوجبه أبو حنيفة، والشافعي، ومالك(1) .
ومنها: العدة على اليائسة، والصغيرة دون التسع، وقد اتفق العامة(2) على وجوبها.
وذهب الخاصة إلى القول بعدم الوجوب في كلتا هاتين المسألتين.
وغيرها من المسائل، وقد أقام الخاصّة أدلّتهم الواضحة الوافية على ما ذهبوا إليه خلافاً للعامة، وهي على غرار ما تقدّم، وما ذكرناه من أحكام التقية والإلزام جارٍ في هذه المسائل حرفاً بحرف، ولا نرى حاجة إلى التفصيل.
وبهذا يتمّ الكلام حول التقية في الطلاق.
والحمد لله ربّ العالمين.
ص: 229
ص: 230
* القرآن الكريم وقدسيّته ووجوب صيانة حرمته
* الخلاف في جواز بيع المصحف إلى الكافر
* التفصيل في جواز بيع المصحف للكافر
* نظرة حول ما ينقش على الأوراق النقدية من الأسماء المقدّسة والمشاهد المباركة
* هل يجوز بيع العبد المسلم إلى الكافر؟
* استعراض الأدلة ونقدها وترجيح جانب الاحتياط
* مسائل مهمّة في التعامل مع الكافر
* قاعدة الإلزام وتطبيقها على بعض مواردها
* حكم الغناء وحرمته بالكتاب والسنة وعرض الأدلة
* الغناء عش النفاق
* عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وبعض آخر من الصحابة والتابعين يرون حلّية الغناء وسماعه
* التحقيق في بيان موضوع الغناء وحدوده وحكم التغنّي بالقرآن والمراثي
* استثناء بعض الموارد من الغناء
* الآلات اللهوية وحكم استعمالها وبيعها وشرائها
* الرقص وحكمه
* أحكام التقية في الغناء
ص: 231
ص: 232
ذكرنا في الجزء الأول من هذا الكتاب _ في مبحث التقية مع الكفار _ أنّ هناك أحكاماً تختصّ بالكفّار كبيع المصحف وما في حكمه إليهم، وكذا مناكحتهم، وحكم ذبائحهم، وقد وعدنا بالبحث عن هذه المسائل، وقد تقدم بعضها. وسيأتي البحث عن بقيّتها في مواضعها المناسبة من هذا الكتاب.
وفي هذا الفصل نتناول موردين منها، ونضيف مورداً آخر لمناسبته للمقام وإن كان لا يختصّ بالكفار، وعليه فيقع الكلام في ثلاثة مباحث:
إنّ الخلاف في جواز بيع المصحف للكافر وعدمه إنما يصحّ بناء على القول بجواز بيعه للمسلم بأيّ نحو كان، وإلاّ فمع القول بعدم الجواز فلا مجال للبحث عن هذه المسألة إذ الحرمة حينئذ ثابتة بالنسبة إلى الكافر بطريق أولى.
قال شيخنا الأنصاري !: المشهور عدم جواز نقل المصحف إلى الكافر، ذكره الشيخ، والمحقق في الجهاد، والعلاّمة في كتبه، وجمهور من تأخر عنه، وعن الإسكافي أنه قال: ولا أختار أن يرهن الكافر مصحفاً، وما يجب على المسلمتعظيمه، ولا صغيراً من الأطفال انتهى(1) .
ص: 233
واستدل على ذلك بوجوه:
الأول: بفحوى ما دل على عدم جواز تملك الكافر للمسلم، فإذا لم يجز للكافر أن يمتلك المسلم فعدم الجواز بالنسبة إلى القرآن ثابت بطريق أولى، لأشرفية القرآن وأنه أعظم حرمة من العبد المسلم.
أما عدم جواز تملّك الكافر للمسلم فلقوله تعالى: «وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً»(1) .
وقوله تعالى: «وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ»(2) .
ومعتبرة المعلّى بن خنيس عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: سمعته يقول: قال الله عزوجل: ليأذن بحرب منّي من أذلّ عبدي المؤمن، وليأمن غضبي من أكرم عبدي المؤمن(3) .
وبناء على ذلك فلا يجوز بيع العبد المسلم للكافر، ولا إجارته، بل كلّ شيء يقع تحت يد الكافر من أمر المسلم، لأنّ فيه إذلالاً له أو احتمال إذلاله، وجعلاً للسبيل عليه، وهذه الأمور ثابتة للقرآن بطريق أولى كما ذكرنا، وسيأتي البحث حول حكم بيع العبد المسلم وما يتعلق بذلك في المبحث الثاني.
الثاني: بما رواه الصدوق وهو النبوي المعروف قال: وقال (علیه السلام): الإسلام يعلو ولا يعلى عليه(4) .
واستدل الشيخ بهذه الرواية على عدم جواز بيع المسلم إلى الكافر(5) .
ص: 234
الثالث: أنّ بيع المصحف للكافر موجب لهتكه _ وهو محرّم قطعاً _ لعدم مبالاة الكافر بهتك حرمات الله.
الرابع: أنّ ذلك يستلزم تنجيس القرآن للعلم العادي بمسّ الكافر إياه مع الرطوبة، إما بناء على نجاسة أعيانهم، أو لعدم مبالاتهم بالنجاسة العرضية، وفي ذلك تعريض القرآن للنجاسة وهو حرام.
هذا ما استدل به على عدم الجواز، ولا يخفى أنّ بعض هذه الأدلة راجع إلى عدم الجواز تكليفاً، وبعضها راجع إليه وضعاً.
ولكن قد نوقش في جميع هذه الأدلة.
أما الوجه الأول ففيه: أولاً: إنكار أصل الحكم لعدم تمامية الأدلة على حرمة بيع العبد المسلم، بل قام الدليل على وجوب بيع العبد المسلم على الكافر وهو وإن كان قهرياً عليه إلاّ أنه يدلّ بالالتزام على تملّكه، ومثله ما ثبت من الحكم بانعتاق العمودين إذا اشتراهما الولد مع أنّه لا عتق إلاّ في ملك.وثانياً: على فرض التسليم إلاّ أنّ الأولوية ممنوعة، لأنّ في تملّك الكافر للمسلم إذلالاً وسبيلاً بخلاف تملّكه للمصحف لأنّه قد يكون موجباً لمزيد احترامه للقرآن وعنايته به، بل ربما يكون موجباً لهدايته.
وأما الوجه الثاني ففيه: مضافاً إلى ضعف السند بالإرسال، أنّ الرواية تحتمل وجوهاً خمسة ذكرها السيد الطباطبائي ! في حاشيته على المكاسب أحدها: بيان كون الإسلام أشرف المذاهب، وثانيها: بيان أنه يعلو من حيث الحجة والبرهان.
وثالثها: أنه يعلو بمعنى يغلب على سائر الأديان. ورابعها: أنه لا ينسخ. وخامسها: ما أراده الفقهاء من إرادة بيان الحكم الشرعي الجعلي بعدم
ص: 235
علوّ غيره عليه(1) .
ومع هذه الاحتمالات فلا مجال للاستدلال بها على المدعى.
وأما الوجه الثالث: ففيه: أولاً: أنه لا ملازمة بين البيع والهتك _ كما ذكرنا _ فإنّ النسبة بينهما عموم من وجه، فقد يتملّك الكافر المصحف ويحترمه ويعظّمه.
وثانياً: أنه على فرض التسليم بالملازمة لكنّ الهتك إنما يتحقق بالتسلّط عليه خارجاً لا بمجرد بيعه، فلو كان له وكيل مسلم على بيعه وشرائه والتصرف فيه فإنّه لا يترتب عليه أي هتك من ناحية الكافر.
وأما الوجه الرابع: فيرد عليه ما تقدم، إذ لا ملازمة بين الشراء والتنجيس، وعلى فرض التسليم فإنه يدخل حينئذ في صغرى الإعانة على الإثم ولم تثبت حرمة ذلك.
والحاصل: أنّ هذه الأدلة غير كافية للحكم بحرمة بيع المصحف للكافر،فالقاعدة تقتضي الجواز إذا لم يستلزم منه مهانة وهتكاً للكتاب العزيز، والتفصيل بين ما إذا علم أنّ غرض الكافر من شرائه هو التعلّم والتدبر في آياته، وبين ما إذا كان غرضه الاتجار والاسترباح منه كسائر الكتب فيجوز في الأول دون الثاني، كما يظهر من الشيخ ! (2) ، وقد أفتى بذلك السيد الأستاذ ! في رسائله العملية(3) .
ولا فرق حينئذ بين البيع والرهن وسائر ما يتحقق به تسلّط الكافر على المصحف خارجاً، كما أنه لا فرق في ذلك بين أقسام الكافر، فكلّ من حكم بكفره ونجاسته كالنواصب والغلاة فهو مشمول لهذا الحكم.
وأما غير المصحف من سائر الكتب المشتملة على الأحاديث الشريفة
ص: 236
والأدعية فلا دليل على عدم جواز بيعها للكافر إلاّ بناء على تنقيح المناط باشتمالها على أسماء الله تعالى والأنبياء والأئمة (علیهم السلام) .
إذا قلنا: إنّ المناط في حرمة بيع المصحف إلى الكافر هو لزوم الهتك والمهانة مضافاً إلى حرمة الإعانة وأنه من المنكر الذي لا يرضى به الشارع مطلقاً ويجب الردع عنه لا من جهة التعبد بالروايات فهذا جار في أبعاض القرآن أيضاً كالسور والآيات، وكذا الأحاديث الشريفة والأدعية المأثورة وأسماء الله سبحانه وتعالى وأسماء الأنبياء والأئمة (علیهم السلام) .بل لا يبعد شمول ذلك لصورهم وصور المشاهد المقدسة والأماكن المباركة، فإنّه إذا علم أنّ بيع هذه الأمور للكافر تستلزم المهانة والهتك فلا يجوز، ومن ذلك يظهر حكم ما يكتب على الأوراق النقدية من السور والآيات والأسماء المباركة وما ينقش عليها من صور المشاهد المقدسة، وحيث إنّ ذلك يستلزم الهتك والمهانة عادة لوضعها في غير مواضعها المناسبة غالباً، وتمكين الأطفال منها وكذا الكفّار والعصاة الذين لا يراعون احترامها، ومع العلم بذلك فالإعطاء أو البيع أو التمكين مشكل ومع عدمه لا بأس.
والذي ينبغي أن يقال هنا هو: إنه لابدّ من توجّه المسؤولين والقائمين على طبع هذه الأمور ونقشها على هذه الأوراق والالتفات إلى قدسيتها والعمل على صيانتها، ولا يخفى أنّ الجمع بين مظاهر الدعوة إلى التنزّه عن الدنيا وحطامها وبين طبعها ونقشها على نفس الأوراق المالية أيضاً غير مناسب(1) .
والله العالم وهو العاصم عن الخطأ والزلل.
ص: 237
والمشهور بين الأصحاب عدم الجواز بل في الجواهر عدم تحقق الخلاف فيهصريحاً(1) وفي الغنية دعوى الإجماع عليه(2) .
وقد استدل على ذلك بوجوه:
الأول: التسالم من الأصحاب بل دعوى الإجماع على عدم الجواز.
الثاني: أنّ الكافر يمنع من استدامة مالكيّته للمسلم كما إذا ملكه قهراً بإرث أو أسلم في ملكه، فإنّه يباع عليه فيمنع من ابتدائه وحدوثه كالنكاح، وذلك لحصول العلم بعدم رضا الشارع بأصل وجوده حدوثاً وبقاء من دون مدخلية لخصوص البقاء، كما لو أمر الولي بإخراج رجل من الدار أو بإزالة النجاسة عن المسجد فإنّ المفهوم من ذلك عرفاً عدم رضاه بدخوله من الأول.
الثالث: أنّ الاسترقاق سبيل على المؤمن وهو منفي عنه بقوله تعالى: «وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً»(3) .
الرابع: بما ورد من النبوي المشهور الوارد في كلمات الفقهاء والاستدلال به في موارد متعددة، وهو ما رواه الصدوق قال: وقال (علیه السلام): الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه(4) ، حتى أنهم استدلوا به على عدم جواز علوّ بناء الكافر على بناء المسلم، بل على عدم مساواته، والاستدلال به على ما نحن فيه أولى.
الخامس: بما ورد في رواية حماد بن عيسى عن أبي عبد الله (علیه السلام) أنّ أميرالمؤمنين(علیه السلام) أتي بعبد ذمي قد أسلم، فقال: اذهبوا فبيعوه من المسلمين، وادفعوا ثمنه إلى صاحبه ولا تقرّوه عنده(5) .
ص: 238
بناء على أنّ تخصيص البيع بالمسلمين في مقام البيان والاحتراز فيدل على المنع من بيعه للكافر.
ويقع الكلام في هذه المسألة تارة في بيان الأصل فيها، وأخرى في ما يستفاد من الأدلة.
أما الأول: فالأصل العملي في المعاملات هو الفساد للشك في ترتب الأثر وحصول النقل والانتقال، والأصل عدمه، إلاّ أن يقال: إنّ الأصل في المقام هو الصحة وذلك لاستصحابها في بعض الموارد، كما إذا كان العبد كافراً فأسلم أو كان مسلماً سابقاً فالبيع في هذين الموردين كان صحيحاً حين وقوعه، فعند الشك تستصحب الصحة، وحيث إنّ الحكم واحد في كلا الموردين وفي سائر الموارد لعدم القول بالفصل فيحكم بالصحة في جميع الموارد.
وقد أشكل السيد الأستاذ ! على هذا بوجوه:
أولاً: إنّ الاستصحاب هنا تعليقي لا نقول به، لعدم ثبوت الحكم المنجز هناليستصحب.
وثانياً: إنه من الاستصحاب في الأحكام ولا نقول به.
وثالثاً: إنّ الموضوع متعدد لأنّ الكافر غير المسلم فلا يصح الاستصحاب لتعدد الموضوع.
ورابعاً: أنه لا وجه لعدم القول بالفصل في الأحكام الظاهرية، وإنما هو في الأحكام الواقعية، وأما الأحكام الظاهرية فالتفكيك فيها من الكثرة بمكان، وإلاّ يلزم إسراء الحكم من موضوع إلى موضوع آخر، وهو قياس باطل، وعلى فرض تمامية عدم القول بالفصل فلا وجه لمعارضة أصالة الفساد في مورد آخر،
ص: 239
وهو بيع العبد المسلم ابتداء من الكافر مع أصالة الصحة في الموردين المذكورين الذين جرى فيهما الاستصحاب، نعم جريانها في مورد واحد ومعارضتها فيه وتقديم أصالة الصحة على أصالة الفساد للحكومة لا ريب فيه، ولكنه غير تعارضها إذا جريا في موردين، بل يعمل بكلّ منهما في مورده من غير تعارض وتمانع أصلاً(1).
والظاهر أنّ الإشكالين الأولين لا يردان على مبنى من يلتزم بصحة الاستصحاب التعليقي وجريانه في الأحكام كما هو مبنى الشيخ ! ، وأما الأخيران فهما واردان، ولعلّ أمر الشيخ بالتأمل إشارة إلى ذلك(2) .
والنتيجة أنّ مقتضى الأصل العملي هو الفساد.وأما الأصل اللفظي فمقتضى عموم «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» الشامل لكلّ عقد، وإطلاقات «أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ» و«تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ» و«الناس مسلّطون على أموالهم» هو الصحة في المقام، ولكن في مقابلها عموم قوله تعالى: «وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً» فإن قلنا: إنّ المراد من الآية هو نفي السبيل مطلقاً سواء كان واقعياً في الآخرة، أو في مقام الحجة، أو اعتبارياً من جهة التملّك وغيره، فحينئذ يقع التعارض بينهما ويتساقطان في مورد الاجتماع، ويرجع إلى الأصل العملي وهو يقتضي الفساد.
وإن قلنا: إنّ المراد هو نفي السبيل في الآخرة فقط، أو في مقام الاحتجاج والمخاصمة، فحينئذ تكون أصالة الصحة سليمة عن المعارض، وكذلك إذا قلنا: إنّ المراد هو نفي السبيل في الآخرة، أو في مقام الحجة، أو التسلط الخارجي لا الاعتباري ففي هذه الصورة لا تتحقق المعارضة أيضاً.
ص: 240
فعدم الأصل اللفظي إنما يتمّ في صورة واحدة وهي الأولى، وأما في الصورتين الأخيرتين فالأصل اللفظي هو أصالة الصحة من دون معارض.
وأما تعيين أحد هذه الاحتمالات فسيأتي. هذا بالنسبة إلى الأصل الجاري في المقام.
وأما بالنسبة إلى ما يستفاد من الأدلة فالأول منها: الإجماع.
وفيه: مضافاً إلى أنّه منقول يحتمل أن يكون مستنده أحد الأدلة الأخرى من الكتاب والسنة فلا يمكن الاعتماد عليه، وكذا الكلام في الشهرة فهذا الوجه غير تام إلاّ لمن حصل له الاطمئنان به.
وأما الثاني فهو وإن كان الظاهر منه تحقق الملازمة عرفاً بين حرمة البقاء والحدوث ولكن لابد أن يكون الحكم في الحدوث تابعاً للحكم في البقاء، وأنّعدم الرضا في الحدوث لابد أن يكون على نهج عدم الرضا في البقاء، ومن المعلوم أنّ حرمة البقاء حكم تكليفي محض وكذا في الحدوث، وهذا لا يدلّ على فساد الملكية والبيع حدوثاً، نعم لو دلّ الدليل على انعتاق العبد على الكافر لا وجوب البيع عليه لكان دالاًّ على الحرمة الوضعية أيضاً.
وأما الثالث وهو الآية الشريفة فقد قال الشيخ !: إنّ باب الخدشة فيها واسع(1)، وذلك لأنّ السبيل إن كان المراد به هو الأعم الشامل للملكية الاعتبارية ففيه:
أولاً: لزوم التخصيص في الآية بالموارد التي تسالم الأصحاب فيها على صحّة تملّك الكافر، مثل ما إذا ملك الكافر العبد المسلم قهراً بإرث ونحوه، أو اشترى من ينعتق عليه، أو أسلم العبد في ملكه، أو وكّل الكافر مسلماً في شراء عبد وعتقه عنه، وغيرها من الموارد، ففي جميع هذه الموارد يلزم التخصيص
ص: 241
في الآية مع أنّ سياقها آب عن التخصيص، وذلك لدلالة لن على التأبيد، وإناطة عدم جعل السبيل على الإيمان وهو لا يقيّد بحال دون حال.
وثانياً: أنّ الظاهر من سياق الآية صدراً وذيلاً هو أنّ المراد جعل السبيل في الآخرة، وتعميمه إلى نفي السبيل في الدنيا فضلاً عن شموله للأمور الاعتبارية خلاف الظاهر ولا أقلّ من كونه غير محرز.
وثالثاً: أنه ورد في تفسير الآية بأنّ المراد هو الحجّة والبرهان وهو مساوق لقوله تعالى: «فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ»(1)، وقوله (صلي الله علیه وآله): الإسلاميعلو ولا يُعلى عليه(2).
ومعناه أنّ حجة المؤمنين وبراهينهم فوق كل حجة وبرهان.
ويؤيده: رواية الصدوق في العيون بإسناده عن أبي الصلت الهروي _ وقد جاء فيها ... قال: قلت: يابن رسول الله وفيهم قوم يزعمون أنّ الحسين بن علي(علیهما السلام) لم يقتل، وأنه ألقي شبهه على حنظلة بن أسعد الشامي، وأنه رفع إلى السماء كما رفع عيسى بن مريم (علیهما السلام) ، ويحتجّون بهذه الآية: «وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً» فقال: كذبوا عليهم غضب الله ولعنته، وكفروا بتكذيبهم لنبي الله(صلي الله علیه وآله) في إخباره بأنّ الحسين بن علي (علیهما السلام) سيقتل، والله لقد قتل الحسين (علیه السلام) وقتل من كان خيراً من الحسين، أمير المؤمنين والحسن بن علي (علیهما السلام) ، وما منّا إلاّ مقتول، وإنّي والله لمقتول بالسمّ باغتيال من يغتالني أعرف ذلك بعهد معهود إليّ من رسول الله (صلي الله علیه وآله) أخبر به جبرئيل عن رب العالمين عزوجل.
وأما قول الله عزوجل: «وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً» فإنه يقول: لن يجعل الله لكافر على مؤمن حجّة، ولقد أخبر الله عزوجل عن
ص: 242
كفّار قتلوا النبيين بغير الحق، ومع قتلهم لن يجعل الله على أنبيائه (علیهم السلام) سبيلاً من طريق الحجة(1).وبناء على ذلك فتعميم الآية بحيث يشمل الملكية يتوقف إما على تعميم الحجة على وجه يشمل الاستيلاء بالملكية وإما بتعميم السبيل حتى يشمل كلاًّ من الحجة والملكية، وتكون الحجة أحد المصاديق، وأنّ الآية واردة لبيان بعض المصاديق، والجامع لها هو السبيل إلاّ أن فيه تكلّفاً.
فالمعنى الجامع الذي لا محذور فيه هو القول بأنّ المراد من السبيل في الآية هو الاعم، وهذا الوجه وإن استلزم التقييد في عموم أدلة: الناس مسلّطون على أموالهم، إلاّ أنه أهون من التخصيص في الآية.
والحاصل: هو عدم شمول الآية لما نحن فيه.
وأما الرابع فيرد عليه ما تقدم في المسألة المتقدمة من ضعف السند والدلالة وقد ذكرنا كلام السيد الطباطبائي ! في حاشيته حول المعاني المحتملة في الرواية، مضافاً إلى أنه إذا كان المراد هو نفي العلوّ مطلقاً يلزم الإخبار بخلاف الواقع فإنّ الكفار متسلّطون على المؤمنين في كثير من الأزمنة بل من زمان آدم إلى يومنا هذا، إلاّ أن يقال: بأنّ المراد هو عدم علوّهم في مقام الجعل والإنشاء لا مطلقاً، بمعنى أنّ الرواية وإن كانت في صورة الإخبار إلاّ أنّ المراد هو الإنشاء.
وأما الخامس ففيه:
أولاً: أنّ الرواية ضعيفة السند وذلك لأنّ الشيخ رواها في النهاية(2) عن
ص: 243
حمادبن عيسى من دون أن يذكر طريقه إليه ورواها في التهذيب(1) بإسناده عن محمد بن يحيى مرفوعاً عن حماد، وكلا الطريقين ضعيفان، نعم يمكن تصحيح الطريق الأول إذا كان الشيخ رواها عن كتاب حمّاد، فإنّ له طريقاً إلى كتب حماد(2)، إلاّ أنّ إحراز ذلك مشكل.
وثانياً: أنّ دلالة الرواية غير تامة، إذ يرد عليها ما ورد على الوجه الأول من أنّ النهي عن استدامة الملك لا يدل على فساد البيع ابتداء، وأما قوله (علیه السلام): «فبيعوه من المسلمين» فإنما يدل على المفهوم، فيما إذا لم تكن هناك فائدة أخرى من اختصاص البيع بالمسلمين، والفائدة متحققة في المقام، وهي أنّ عدم استدامة الملك في يد الكافر لا تتم إلاّ ببيعه من المسلمين فليس تخصيص المأمور به _ وهو البيع للمسلمين _ لاختصاص الصحّة به، فهذا الوجه غير تام أيضاً.
والحاصل: أنّ الوجوه التي استدل بها على الجواز كلّها قابلة للمناقشة كما ذكره الشيخ(3) والسيد الأستاذ(4) ! وإن كان لبعض الأعلام كلاماً في بعض هذه المناقشات(5) ، ولكن لا تخلو هذه الوجوه من حيث المجموع عن الإشكال.ثم إنه يرد على الوجه الثاني _ مضافاً إلى ما تقدّم _ : أنّه لا دليل على عدم استدامة الملك في يد الكافر إلاّ ما ورد في الوجه الخامس، وفيه ما تقدم، ويرد على الوجه الثالث أيضاً أنّ مجرد العقد والملكية الاعتبارية لا يعدّ سبيلاً عرفاً.
ص: 244
نعم التسلّط الخارجي الذي يترتب على البيع أحد مصاديق السبيل، وعليه فيمكن التفكيك بين صحة البيع وبين الأثر وهو التسلّط، والقول بأنّ المبيع حينئذ مسلوب المنفعة والإقدام عليه سفهي وهو باطل _ كما في الجواهر _ (1) غير تام، وذلك لأنّ الأغراض تختلف من شخص لآخر، فقد تكون المنفعة في نفس الشراء كما يمكن أن تكون لتحصيل الربح فيما إذا بيع عليه، وغير ذلك من المنافع والأغراض.
والحاصل: أنّ الوجه الوحيد في الاستدلال على المنع هو الاعتماد على مفاد الآية الشريفة ولكنّه غير تام كما تقدم.
فمقتضى القاعدة هو صحة العقد وتحقق الملكية لعمومات (أوفوا بالعقود) و (أحل الله البيع) وغيرها.
هذا ولكن لما كان الكافر محجوراً عليه وممنوعاً عن التصرّفات الموجبة لتسلّطه على المؤمن لكونها داخلة تحت عنوان السبيل وهو منفيّ بالآية الشريفة فالاحتياط يقتضي عدم مخالفة ما عليه المشهور.
الأولى: إنّ المراد بالكافر هو كل من حكم بكفره مطلقاً سواء كان أصلياً أو كان منتحلاً للإسلام كالغلاة والنواصب والخوارج، غاية الأمر عدم وجود هذه الأصناف في زمان نزول الآية الشريفة، ولا إشكال في ذلك ولا فرق بين الصغير والكبير فيشمل الحكم حتى الأطفال منهم، هذا إذا كان المستند في الحكم هو مفاد الآية الشريفة، وأما إذا كان المستند هو الإجماع والشهرة فيقتصر فيه على القدر المتيقن وهو الكافر الأصلي الكبير دون الصغير ولا
ص: 245
يشمل الحكم غيره من سائر الأصناف.
الثانية: إنّ المراد بالمسلم هو كل من حكم بإسلامه سواء كان مؤمناً أو مخالفاً من أي فرقة من فرق المخالفين، فكلّ من أقرّ بالشهادتين _ ما لم يكن محكوماً بالكفر _ لا يجوز بيعه إلى الكافر، وذلك لأنّ المراد بالمؤمنين في الآية الشريفة هو المعنى المقابل للكافرين، والإيمان والإسلام بمعنى واحد في زمان نزول الآية، وأما التقابل بين الإسلام والإيمان فهو اصطلاح حدث في زمان الأئمة (علیهم السلام) لتمييز الإمامية القائلين بإمامة أئمة أهل البيت (علیهم السلام) عمّن عداهم، والروايات وإن كانت تدلّ على أنّ المخالف كافر واقعاً لعدم اعتقاده بالولاية إلاّ أنّه يعامل معاملة المسلم وتجري عليه أحكام الإسلام من التناكح والمواريث وحقن الدماء وعصمة الأموال.
ويدل على ذلك ما ورد في معتبرة حمران بن أعين عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: سمعته يقول: الإيمان ما استقر في القلب وأفضى به إلى
الله عزوجل وصدّقه العمل بالطاعة والتسليم لأمره، والإسلام ما ظهر من قول أو فعل وهو الذيعليه جماعة الناس من الفرق كلّها وبه حقنت الدماء، وعليه جرت المواريث، وجاز النكاح، واجتمعوا على الصلاة والزكاة والصوم والحج فخرجوا بذلك من الكفر وأضيفوا إلى الإيمان، والإسلام لا يشرك الإيمان، والإيمان يشرك الإسلام وهما في القول والفعل يجتمعان، كما صارت الكعبة في المسجد والمسجد ليس في الكعبة، وكذلك الإيمان يشرك
الإسلام والإسلام لا يشرك الإيمان، وقد قال الله عزوجل: «قالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلْ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ»(1) فقول الله عزوجل أصدق القول، قلت: فهل للمؤمن فضل على المسلم في شيء من الفضائل والأحكام
ص: 246
والحدود وغير ذلك؟ فقال: لا، هما يجريان في ذلك مجرى واحد ولكن للمؤمن فضل على المسلم في أعمالهما وما يتقرّبان به إلى الله عزوجل...(1).
وغيرها من الروايات، هذا بناء على كون المستند هو الآية الشريفة، وأما بناء على أنه الشهرة والإجماع فظاهر كلماتهم هو ذلك أيضاً حيث عبّروا كثيراً بأنه لا سبيل للكافر على المسلم، ومقتضى ذلك عدم جواز بيع المخالف للكافر مطلقاً حتى أطفالهم.
الثالثة: هل يجوز بيع العبد المؤمن للمخالف أو لا؟
وهذه المسألة تبتني على ما تقدم، نعم قال الشيخ ! : إذا قلنا بحرمة تزويجالمؤمنة من المخالف لأخبار دلّت على ذلك، فإنّ فحواها يدل على المنع من بيع الجارية المؤمنة، لكن الأقوى عدم التحريم(2) .
الرابعة: لا فرق بين البيع وبين سائر التمليكات المتعلقة بالعين كالوصية والهبة والمصالحة، لوحدة المناط في الجميع، وهو تمليك الكافر وتسلّطه على العين، سواء كان المستند في ذلك الآية الشريفة أو الشهرة والإجماع، لوجود الملاك فيهما معاً.
الخامسة: في تمليك المنافع كالإجارة فهل تجوز إجارة المسلم إلى الكافر أو لا؟
وهذه المسألة محلّ خلاف بين الأعلام فذهب بعضهم إلى القول بالجواز مطلقاً، كما يظهر من التذكرة(3) والخلاف(4)، وذهب آخرون إلى القول بعدم
ص: 247
الجواز مطلقاً، وهو ظاهر القواعد(1) والإيضاح(2)، والقول الثالث هو التفصيل بين ما تكون الإجارة في الذمة فيجوز لعدم تحقّق السبيل والسلطنة على المسلم وهو الظاهر من حواشي الشهيد(3) وجامع المقاصد(4) والمسالك(5) ، وبين ما تكون متعلقة بعينهفلا تجوز، ورابع الأقوال هو التفصيل بين كونه حراً فيجوز، وبين كونه عبداً فلا يجوز، وهو ظاهر الدروس(6) .
والذي يظهر من الشيخ(7) والمحقق النائيني(8) والسيد الأستاذ(9) وغيرهم قدس الله أسرارهم هو التفصيل الأول، لأنه إذا كان في الذمة فهو كالاقتراض من الكافر، ولا يصدق عليه أنه سبيل على المؤمن، وقد ورد في بعض الروايات أنّ أمير المؤمنين (علیه السلام) قد استقرض ثلاثة أصوع من شعير من يهودي(10) وفي بعضها أنه استقرضها منه في مقابل أن تغزل فاطمة (علیها السلام) له صوفاً(11) بل في بعض الروايات أنّ أمير المؤمنين (علیه السلام) آجر نفسه ليسقي نخلاً بشيء من شعير(12) ، كما ورد في تفسير قوله تعالى: «وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً»(13).
ص: 248
وروى صاحب الوسائل عن قرب الأسناد بإسناده عن الحسين بن علوان، عن جعفر بن محمد، عن آبائه (علیهم السلام) قال: لقد قبض رسول الله (صليالله علیه وآله) وأنّ درعه لمرهونة عند يهودي من يهود المدينة بعشرين صاعاً من شعير استلفها نفقة لأهله(1) .
وغيرها من الروايات، ولا فرق بين كون الأجير حرّاً أو عبداً وهو ظاهر إطلاق كثير من الفقهاء كما تقدم عن التذكرة، وحواشي الشهيد، وجامع المقاصد، بل صريح الخلاف نفي الخلاف فيه حيث قال: إذا استأجر كافر مسلماً لعمل في الذمّة صحّ بلا خلاف، وإذا استأجره مدة من الزمان شهراً أو سنة ليعمل له عملاً صحّ أيضاً عندنا(2) .
وكذا يظهر من الإيضاح فإنه ادّعى أنه لم ينقل من الأمة فرق بين الدين وبين الثابت في الذمة بالاستئجار فإنّ طريقهما واحد(3) .
هذا، ولكن الظاهر هو التفصيل بين ما إذا كان المستند هو الشهرة والإجماع فلا يشمل تمليك المنافع، وحينئذ تجوز الإجارة مطلقاً، وبين ما إذا كان المستند هو الآية الشريفة وقلنا بأنّ مجرّد البيع والتمليك سبيل كما عليه المشهور فالتفصيل _ بين كون الإجارة على العمل في الذمة وبين كونها على النفس فيجوز في الأول دون الثاني _ في محله، كما نسب إلى الأكثر. وأما بناء على القول بأنّ المنفي بالآية هوالتسلّط الخارجي كما استظهره الشيخ(4) وقواه
ص: 249
السيد الأستاذ(1) قائلاً بأنه لا منافاة بينه وبين كون المراد بالسبيل في الآية هو الحجّة في الدنيا أو الآخرة لأنّها أحد مصاديقه لا أنّه تمام المراد من الآية ولعلّه هو الأقوى، فلا وجه حينئذ لبطلان نفس الإجارة مطلقاً سواء كانت في الذمة أو على النفس، وذلك لأنّ تمليك العين بناء على هذا الوجه ليس باطلاً فكيف بتمليك المنافع، نعم يلزم محجوريته بالنسبة إليها، فإذا كان له وكيل مسلم للاستيفاء فلا إشكال حينئذ، وإلاّ فلابدّ إما من تبديل الإجارة إلى الذمة وتعيين العمل ويكون للكافر حقّ العمل فقط، وإما أن تباع المنافع _ كما إذا كان عبداً _ أو يصالح عليها _ كما إذا كان حرّاً _ ويعطي بدلها للكافر كما في البيع.
السادسة: في تمليك الانتفاع فهل يجوز للمسلم أن يرهن شيئاً من أمواله عند الكافر أو لا؟
وقد اختلفت كلمات الفقهاء في ذلك ففي نهاية الأحكام(2) القول بالجواز مطلقاً، وفي القواعد(3) والإيضاح(4) القول بالمنع مطلقاً، وظاهر المبسوط(5) والدروس(6)وجامع المقاصد(7) والقواعد(8) والإيضاح(9) في كتاب الرهن القول بالتفصيل بين ما إذا لم يكن تحت يد الكافر كما إذا وضع عند مسلم فيجوز، وإلاّ فلا، وتردّد العلاّمة في التذكرة(10) وقد رجّح الشيخ(11) والمحقق
ص: 250
النائيني(1) والسيد الأستاذ(2) القول الأخير لأنّ كون الرهن تحت يده سبيل بخلاف ما إذا لم يكن كذلك، فإنّ مجرّد استحقاقه الأخذ من ثمنه لا يعدّ سبيلاً.
هذا ولكن الظاهر أنّ ما ذكرناه في الإجارة يأتي في المقام فإنّه لا إشكال في نفس الارتهان، نعم يلزم أن لا يكون تحت يده للحجر عليه كما قلنا هناك، فإن رضي بأن تكون العين تحت يد مسلم فلا إشكال وإلاّ فيجبر على ذلك.
السابعة: في العقود الأمانية كالوديعة والعارية، فهل يجوز الإيداع عند الكافر وإعارته أو لا؟
قد يقال بالمنع وعدم الجواز لأنّ ذلك أقوى منعاً من الارتهان، وفصّل الشيخ!(3) بين العارية فقال: بأنها سبيل، لأنّ المقصود منها هو الاستفادة من العين بخلافالوديعة فإنّه ملزم بحفظها فقط وليس له عليها سبيل.
والظاهر هو التفصيل في الوديعة أيضاً كالتفصيل في الرهن فإنّ الوديعة إذا كانت تحت يده فإنه وإن لم يكن له حق التصرف فيها بل هو ملزم بحفظها ولكن لما كانت العين تحت اختياره يقلبها كيف شاء ويحملها وينقلها من مكان إلى آخر وغير ذلك من التصرفات فلا يبعد أن يعدّ ذلك سبيلاً عرفاً وهو منفي فالأحوط المنع، وأما إذا كانت تحت يد مسلم فلا إشكال.
الثامنة: إذا وقف الكافر عبده المسلم على أهل ملّته فهل يعدّ ذلك سبيلاً أو لا؟
وذلك يتحقق فيما إذا كان العبد كافراً فأوقفه ثم أسلم.
والظاهر من كلمات الفقهاء صدق السبيل عليه، لأنّه أحد منافع الموقوف
ص: 251
عليهم فيكون سبيلاً، والحكم في هذه المسألة هو الحكم المتقدم في مسألة الإجارة وما مرّ من التفاصيل هناك يأتي هنا.
التاسعة: في عقد الوكالة فهل يصح إجراؤه بين المسلم والكافر أو لا؟
وهي تارة تكون من الكافر للمسلم ولا إشكال فيها لأنّها توجب تسلّط المسلم على الكافر وعلى أمواله، وتارة بالعكس، فإن كانت على أموال المسلم فجائزة، وإن كانت على نفسه وشؤونه أو أطفاله وعبيده فهي محلّ إشكال، وكذا الكلام في الوصية العهدية له.
العاشرة: قد ظهر مما تقدم حكم الإشتغال للكافر اختياراً سواء كان في بلاد الإسلام أو في خارجها، فإن كان بعنوان الإجارة على العمل في الذمة فلا إشكال فيه، وإن كان على المنافع فحكمه يبتني على ما تقدم من الأقوال والتفاصيل،وعلى ما ذكرناه من التفصيل تكون الإجارة صحيحة، نعم لا يستحق الكافر الاستيفاء للحجر عليه في ذلك، وعليه فإمّا أن يوكّل مسلماً لذلك وإلاّ ألزم بالبيع أو المصالحة أو بتبديلها إلى الذمّة وتعيين العمل، وإن لم يقبل ذلك فللمسلم أن يأخذ الأجرة التي يستحقها بالغلبة والاستعلاء إذا لم يكن الكافر ذمّياً وأما إذا كان ذميّاً فله أجرة المثل.
الحادية عشر: إذا اضطرّ المسلم إلى الإيجار أو الارتهان، أو الإيداع، أو الإعارة إلى الكافر، من جهة المعيشة، أو للتقية على القول ببطلان البيع وفساده مطلقاً، أو في بعض الموارد على التفصيل المتقدم، فهل يحكم بصحّتها وضعاً كعدم الإشكال في جوازها أو لا؟
وقد تقدم الكلام في هذه المسألة مفصّلاً في أوائل بحث التقية من الجزء الأول من هذا الكتاب فراجع.
ص: 252
الأول: قد استثني من حرمة بيع العبد المسلم عدّة موارد وحيث إنّ المسألة ليست ابتلائية فمن أراد الوقوف عليها فليرجع إلى الكتب التي تناولتها بالبحث كمكاسب الشيخ وغيره، وكذا الكلام في حقّ الكافر في الخيار والفسخ.
الثاني: يجوز إجراء قاعدة الإلزام في الموارد التي يختلف حكمها بيننا وبين العامة، ويسوغ أخذ الحق منهم إلزاماً لهم بما ألزموا به أنفسهم، ولا بأس بالإشارة إلى بعضها.
فمنها: ثبوت خيار الرؤية على مذهب الشافعي لمن اشترى شيئاً بالوصف ثمرآه، وإن كان المبيع حاوياً للوصف المذكور في عقد البيع(1) ، وعليه فلو اشترى الإمامي من شافعي شيئاً بالوصف ثم رآه ثبت له الخيار بقاعدة الإلزام وإن كان المبيع مشتملاً على الوصف.
ومنها: أنه لا يثبت خيار الغبن للمغبون عند الشافعي(2) ، وعليه فلو اشترى إمامي من شافعي شيئاً ثم انكشف أن البائع مغبون فللإمامي إلزامه بعدم حق الفسخ له.
ومنها: أنه يشترط عند
الأحناف في صحة عقد السلم أن يكون المسلم فيه موجوداً(3) ، ولا يشترط ذلك عند الإمامية، وعليه فلو اشترى الإمامي من حنفي شيئاً ولم يكن المسلم فيه موجوداً جاز للإمامي إلزامه ببطلان العقد، وهكذا الحكم في سائر الموارد في باب التجارة.
ص: 253
والغناء من المسائل الخلافية بين الخاصة والعامة، ونظراً لكونه من القضايا الابتلائية وله مدخلية بوجه في باب المكاسب، كما أنّ له ارتباطاً بموضوع التقية فلابدّ من البحث فيه بما يناسب المقام فنقول:
لا خلاف بين الخاصة في أنّ الغناء محرّم في الجملة، بل عن غير واحد دعوىالإجماع إلى حدّ الاستفاضة، بل الإجماع المحقق نقلاً وتحصيلاً كما في المستند(1) والجواهر(2) ، بل في الأول دعوى كونه ضرورة دينية، وفي الثاني أنه يمكن دعوى كونه ضرورياً في المذهب.
وأما عند العامة فالذي يظهر من كلماتهم أنّ المشهورعندهم هو إباحته في نفسه، ففي الفقه على المذاهب الأربعة: أنّ التغنّي من حيث كونه ترديد الصوت بالألحان مباح لا شيء فيه، ولكن قد يعرض ما يجعله حراماً أو مكروهاً(3) .
وفي الإحياء: ونقل أبو طالب المالكي إباحة السماع من جماعة ... وقال: لم يزل الحجازيون عندنا بمكة يسمعون السماع في أفضل أيام السنة وهي الأيام المعدودات التي أمر الله عباده فيها بذكره كأيام التشريق، ولم يزل أهل المدينة مواظبين كأهل مكة على السماع إلى زماننا هذا(4) .
وفي نيل الأوطار بعد أن نقل الخلاف في الحرمة والجواز حكى عن ابن النحوي في العمدة قوله: روى الغناء وسماعه عن جماعة من الصحابة والتابعين، فمن الصحابة عمر كما رواه ابن عبد البر وغيره، وعثمان كما نقله
ص: 254
الماوردي وصاحب البيان والرافعي، وعبد الرحمن بن عوف كما رواه ابن أبي شيبة، وأبو عبيدة بن الجراح كما أخرجه البيهقي، وسعد بن أبي وقاص كما أخرجه ابنقتيبة... (إلى أن عدّ زهاء عشرين شخصاً من الصحابة).
وأما التابعون فسعيد بن المسيب، وسالم بن عمرو بن حسان، وخارجة بن زيد، وشريح القاضي، وسعيد بن جبير، وعامر الشعبي ... .
وأما تابعوهم فخلق لا يحصون منهم الأئمة الأربعة، وابن عيينة، وجمهور الشافعية(1) ومن هذا يتبين أن المشهور عندهم هو الإباحة.
ويقع الكلام في هذه المسألة في خمسة مواضع:
الأول: في حكم المسألة.
الثاني: في موضوع الغناء وحدوده.
الثالث: في الموارد المستثناة منه.
الرابع: في حكم الآلات اللهوية.
الخامس: في حكم الأفعال اللهوية.
أما الموضع الأول _ وإنما قدّمناه بالذكر تبعاً للشيخ، ولاستفادة بعض الخصوصيات المتعلقة بالموضع الثاني من خلال بيان الحكم وإلاّ فالطبع يقتضي تقديم الموضوع على الحكم _ فقد استدل على الحرمة بأمور:
الأول: الإجماع _ كما تقدم عن المستند والجواهر _ محصّلاً ومنقولاً إلى حدّ الاستفاضة، فلا إشكال في تحقّقه وإن لم يحرز كونه تعبّدياً.
الثاني: الآيات وهي عدة، منها: قوله تعالى: «فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِوَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ»(2) .
ص: 255
والاستدلال بهذه الآية من جهتين:
الأولى: الاستدلال بها مع قطع النظر عن الروايات الواردة في تفسيرها.
الثانية: الاستدلال بها مع ملاحظة الروايات التفسيرية.
أما الجهة الأولى: فإنّ قوله تعالى: «اجْتَنَبُوا» أمر بالاجتناب عن قول الزور مطلقاً سواء كان على نحو السماع أو التكلم أو غيرهما، وأما القول فهو الكلام مصدراً كان أو اسم مصدر، والثاني هو الأظهر، وأما الزور فهو بمعنى الميل والانحراف _ والمراد به هنا الانحراف عن الحق _ وقد ورد بهذا المعنى في قوله تعالى: «تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ»(1) أي تمايل عنه، كما ورد في غير واحد من كتب اللغة كذلك .
قال في المجمع: ولذا يقال للكذوب زَوْرٌ لأنه يميل عن الحق، ويقال: تزاور عنه تزاوراً عدل عنه وانحرف(2) .
وقال في المصباح: وازورّ عن الشيء وتزاور عنه مال، والزور بفتحتين الميل(3).
وقال في اللسان: والزَّور بالتحريك: المَيل ... والزُّور جمع أزور من الزَّور الميل ... والزور الكذب والباطل وقيل شهادة الباطل. رجل زور، وقوم زوروكلام مُزَوّر ومزوَّر مموه بكذب... وقولهم قد زوّر عليه كذا وكذا، قال أبو بكر: فيه أربعة أقوال، يكون التزوير فعل الكذب والباطل، والزور الكذب، وقال خالد بن كلثوم: التزوير التشبيه، وقال أبو زيد: التزويرالتزويق والتحسين وزوّرت الشيء: حسّنته وقوّمته، وقال الأصمعي: التزوير تهيئة
ص: 256
الكلام وتقديره ...(1) .
وقال في المعجم: الزور الباطل وشهادة الباطل والكذب، ومجلس اللهو والغناء(2).
والجامع بين هذه المعاني _ في محل الكلام _ هو الميل والانحراف عن الحقّ وتمويه الباطل، وهو منهي عنه بمقتضى الآية الشريفة بلا فرق بين ما كان موجباً للانحراف من جهة المادة كما في الكذب وشهادة الباطل، وبين ما كان من جهة الهيئة والتركيب كما في اللهو والغناء، فإنّ مقتضى إطلاق قول الزور يصدق على الغناء إذا كان موجباً للانحراف عن الحق والميل إلى الباطل، سواء كان من جهة المادة أو الهيئة، وسواء كان التغني بأمر باطل كالكذب وهجاء المؤمن أو كان بأمر حق كالقرآن أو المراثي الحسينية.
وبهذا يتم الاستدلال بالآية الشريفة على حرمة الغناء كما في حرمة شهادة الزور والكذب.
هذا ولكن أشكل على هذا الاستدلال بأمور:
الأول: أنّ كلمة قول الزور، إما أن تكون من إضافة المصدر إلى مفعوله، أوتكون من إضافة الموصوف إلى صفته بمعنى أنّ المراد هو التكلم بالباطل، أو الكلام الباطل، وعلى كلا التقديرين فلا يشمل الغناء إذا لم يكن باطلاً من جهة مادته.
أما على الأول فواضح، وأما على الثاني فكذلك، لأنّ ظاهره أنّ نفس القول باطل، فما كانت مادته حقاً فليس بباطل وإن كانت هيئته وكيفية أدائه باطلة، وبناء على هذا فالدليل أخصّ من المدّعى فلا يتم المطلوب.
والجواب: إنّ الظاهر من الإضافة أنّها من قبيل الثاني لا الأول؛ وذلك
ص: 257
لأنّ المناسبة بين الأمر بوجوب الاجتناب عن قول الزور مطلقاً أي سواء كان من جهة السماع أو التكلم تقتضي أن يكون بمعنى اسم المصدر لا من إضافة الموصوف إلى الصفة، وعليه فكل ما أوجب الانحراف عن الحق _ في المقام _ يشمله قول الزور، بلا فرق فيه بين كونه من جهة المادة وحدها أو من جهة الهيئة وحدها أو من جهتهما معاً، وحينئذ فاختصاص قول الزور بما يكون من جهة المادة فقط ودعوى ظهوره في ذلك بلا وجه.
ومما يؤيد هذا المعنى ما ورد من الروايات الدالة على أنّ الهيئة وكيفية الأداء داخلة في الزور ويشملها حكمه وإن كانت المادة في نفسها خارجة عنه لكونها حقاً أو ليست بباطل، كرواية عبد الأعلى(1) فإنه سأل أبا عبد الله (علیه السلام) وقال: إنهم يزعمون أنّ رسول الله (صلي الله علیه وآله) رخّص في أن يقال: جئناكم جئناكم حيّونا حيّونا نحيكم فقال (علیه السلام): كذبوا إنّ الله عزوجليقول: «وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ * لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ...» وكرواية عبد الله بن عباس(2) عن رسول الله (صلي الله علیه وآله) في حديث ... إلى أن قال: فعندها يكون أقوام يتعلمون القرآن لغير الله ويتخذونه مزامير ... ويتغنون بالقرآن...
والمستفاد من ذلك أنّ المناط ليس هو المادة وحدها بل هو شامل للهيئة أيضاً.
الثاني: أنّ المنهي عنه هو قول الزور، والقول هو الكلام المركّب المفيد فلا يشمل المفرد والمهمل ومجرد الصوت، لعدم إطلاق القول على هذه الأمور.
والجواب: أنّ هذه الأمور داخلة في المنهي عنه، إما من جهة أنّ الوصف مشعر بالعلّية، وأنّ مناط الحرمة هو كونه زوراً وباطلاً وموجباً للانحراف، وهذا
ص: 258
لا يختص بالكلام المركب المفيد، بل يشمل المفرد والمهمل والصوت، وإما من جهة القول بعدم الفصل.
ويؤيد ذلك أولاً: أنه لا إشكال في أنّ الأصوات المجرّدة والألفاظ المفردة والمهملة التي قد تقع بين أداء الحروف فيما إذا كانت المادة باطلة حرام منهي عنها بلا إشكال، ولم يقل أحد بأنّ المجموع مركب من الحرام والحلال.
وثانياً: بما ورد في بعض الروايات من أنّ المناط في الحرمة هو الصوت كرواية ياسر عن أبي الحسن (علیه السلام) قال: من نزّه نفسه عن الغناء فإنّ في الجنة شجرة يأمر الله عزوجل الرياح أن تحرّكها فيسمع صوتاً لم يسمع مثله، ومن لميتنزّه عنه لم يسمعه(1) .
ورواية عنبسة عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: استماع اللهو والغناء ينبت النفاق كما ينبت الماء الزرع(2) .
فإنّ ظاهر الرواية الأولى أنّ الشجرة تصدر صوتاً وهو ليس بكلام مركب مفيد، كما أنّ الظاهر من عطف الغناء على اللهو في الرواية الثانية أنهما متغايران، والمراد من اللهو ما لا فائدة فيه، فليس المادة وحدها هي المناط في الحكم بالحرمة.
الثالث: أنّ مقتضى ظاهر النهي والأمر بالاجتناب هو حرمة قول الزور مطلقاً أي سواء كان عن نفسه أو من غيره، ومقتضى إطلاق قول الزور هو شموله لكل باطل سواء كان حراماً أو غير حرام، ولا يمكن الجمع بينهما، فلابدّ من رفع اليد عن أحد الإطلاقين، إما عن إطلاق ظاهر النهي بحمله على الكراهة، وإما عن إطلاق قول الزور بحمله على الباطل الذي يحرم ارتكابه.
والجواب: أنّ ظاهر النهي في الحرمة أقوى من ظهور الآخر؛ ووجهه أنّ
ص: 259
الآية الكريمة اشتملت على الأمر باجتناب الرجس من الأوثان، وهو قرينة على أنّ المراد فيما نحن فيه هو الحرمة لا الكراهة، فلا مناص عن الالتزام برفع اليد عن الإطلاق الثاني وأنّ المراد هو الباطل الذي يحرم ارتكابه.ويؤيد ذلك ما ورد في بعض الأخبار من أنّ شهادة الزور عدلت بالشرك بالله(1).
وأما الجهة الثانية وهي الاستدلال بالآية الشريفة مع ملاحظة الروايات التفسيرية فقد وردت عدة روايات في ذلك:
ومنها: صحيحة زيد الشحام قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن قوله عزوجل: «وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ» قال: قول الزور الغناء(2) .
ومنها: صحيحة هشام عن أبي عبد الله (علیه السلام) في قوله تعالى: «فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ» قال: الرجس من الأوثان الشطرنج وقول الزور الغناء(3) .
ومنها: معتبرة ابن أبي عمير عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله (علیه السلام) في قول الله تعالى: «وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ» قال: قول الزور الغناء(4) .
ويؤيد ذلك ما ورد في صحيحة أبي الصباح _ والظاهر أنه الكناني الثقة كما سيأتي _ عن أبي عبد الله (علیه السلام) في قوله عزوجل: «لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ» قال: الغناء(5).
ص: 260
وإنما جعلنا هذه الرواية مؤيدة لأنها واردة في تفسير الزور لا قول الزور.
وأما من جهة السند فهي وإن رواها الكليني عن أبي علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان، عن أبي أيوب الخزّار، عن محمد بن مسلم، عن أبي الصباح، إلاّ أن الكليني نفسه روى عين الرواية بسنده عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبي أيوب، عن محمد بن مسلم وأبي الصباح الكناني عن أبي عبد الله (علیه السلام) عن قول الله عزوجل: «وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ» قال: «هو خ» الغناء(1) .
ويشترك السندان في أبي أيوب ومن قبله، وسند الرواية الثانية هو الأصح لأنّ محمد بن مسلم لا يروي عن أبي الصباح كما جاء في سند الرواية الأولى، مع أنّ أبي أيوب يروي عن أبي الصباح بلا واسطة، والظاهر أنه وقع تصحيف في سند الرواية الأولى بإبدال الواو بعن.
والحاصل: أنّ أبا أيوب يروي الرواية عن محمد بن مسلم وأبي الصباح معاً لا عن محمد بن مسلم عن أبي الصباح.
هذا، ويؤيده أيضاً عدة روايات أخرى.
منها: رواية أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن قول الله عزوجل: «فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ » قال: الغناء(2) .
ومنها: رواية عبد الأعلى قال: سألت جعفر بن محمد (علیهما السلام) عن قول الله عزوجل: «فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ» قال: الرجس من الأوثان الشطرنج، وقول الزور الغناء، قلت: قول الله عزوجل: «وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ » قال: منه الغناء(3) .
ص: 261
ومنها: رواية محمد بن عمرو بن حزم في حديث قال: دخلت على أبي عبد الله(علیه السلام) فقال: الغناء اجتنبوا الغناء اجتنبوا قول الزور، فما زال يقول: اجتنبوا الغناء اجتنبوا، فضاق بي المجلس وعلمت أنّه يعنيني(1) .
والرواية الأخيرة وإن لم تكن صريحة في كونها تفسيراً لقول الزور بالغناء لاحتمال كونها بياناً للمصداق إلاّ أن ظاهرها هو التفسير.
وعلى أي حال فهذه الروايات واضحة الدلالة كما أنّ بعضها صحيح السند كالروايات الثلاث الأولى، والمستفاد من جميعها أنّ قول الزور في الآية الشريفة هو الغناء.
وقد يقال: إنّه ورد في بعض الروايات تفسير قول الزور بشهادة(2) الزور كما ورد في بعض التفاسير(3) أنّ المراد من قول الزور هو تلبية المشركين لبيك لاشريك لك، إلاّ شريكاً هو لك، تملكه وما ملك، وهذا يخالف ما ورد في الروايات السابقة من أنّ قول الزور هو الغناء تفسيراً أو انطباقاً.
والجواب: أنّ الزور وإن كان يطلق على شهادة الزور كثيراً كما يطلق على الكذب والافتراء أيضاً، إلاّ أنّ هذا الإطلاق لم يرد مجرّداً بل مقيّداً بشهادة الزور، مضافاً إلى أنّ الروايات الواردة في تفسير قول الزور بشهادة الزور أو كونها مصداقاً له كلها ضعيفة، فلا تقاوم تلك الروايات الصحيحة الواردة في تفسيره بالغناء، ولا مناص عن الأخذ بمضمونها والعمل عليها والالتزام بأنّ المراد من قول الزور في الآية الشريفة هو الغناء.
هذا كلّه من جهة النصوص التي لابدّ من التمسك بها في تفسير الكتاب.
ص: 262
مضافاً إلى ما ذكرناه من إمكان الاستدلال بالآية مع قطع النظر عن الروايات.
فمن القريب جداً أن يكون المراد بقول الزور هو الباطل والموجب للانحراف عن الحق في نفس القول سواء كان من جهة مادته أو هيئته.
ومنها: قوله تعالى: «وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ»(1) .
والاستدلال بها على نحو ما تقدّم في الآية الأولى من الكلام حولها تارة مع قطع النظر عن الروايات، وأخرى مع ملاحظة الروايات الواردة في تفسيرها.
أما الجهة الأولى: فالآية الشريفة تتضمن الوعيد بالعذاب المهين لمن يشتريلهو الحديث، ولا إشكال في دلالته على الحرمة وذلك لترتب عدة أمور عليه وهي:
الأول: أن يكون ذلك موجباً للإضلال والصدّ عن سبيل الله.
الثاني: أن يكون ذلك مع الجهل وعدم العلم.
الثالث: أنه يوجب اتخاذ الحق هزواً.
الرابع: أنه موجب للعذاب المهين.
مضافاً إلى أنّ الآية التالية متفرعة على هذه الآية وهي كالنتيجة لها، وهي قوله تعالى: «وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ»(2) .
فلا إشكال في استفادة الحرمة الشديدة بل إن ذلك من الكبائر.
وأما لهو الحديث فهو ما يشغل الإنسان ويلهيه عن الواقع والحقيقة كما يستفاد ذلك من موارد استعمالات هذه الكلمة في القرآن الكريم كقوله تعالى:
ص: 263
«أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ»(1) وقوله تعالى: «وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً»(2) وقوله تعالى: «لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ»(3) وغيرها من الآيات.
وكذلك بما ورد في كلمات اللغويين ففي المجمع: قوله تعالى: «لاهِيَةًقُلُوبُهُمْ» أي ساهية مشغولة بالباطل عن الحق وتذكّره، قوله تعالى: «لَهْوَ الْحَدِيثِ» أي باطله وما يلهي عن ذكر الله(4) .
وفي معجم مفردات ألفاظ القرآن: اللهو ما يشغل الإنسان عما يعنيه ويهمه(5).
وفي المصباح: اللهو معروف ... قال الطرطوشي: وأصل اللهو الترويح عن النفس بما لا تقتضيه الحكمة وألهاني الشيء بالألف شغلني(6) .
وقال في اللسان: اللهو ما لهوت به ولعبت به وشغلك من هوى وطرب ونحوهما، وفي الحديث : «ليس شيء من اللهو إلاّ في ثلاث» أي ليس منه مباح إلاّ هذه، لأنّ كل واحدة منها إذا تأمّلتها وجدتها معينة على حق أو ذريعة إليه، واللهو اللعب يقال: لهوت بالشيء ألهو به لهواً وتلهيت به إذا لعبت به وتشاغلت وغفلت به عن غيره(7) .
وأما الحديث فهو معلوم وهو الخبر ويرادف الكلام _ كما في المجمع _ وسمي به لتجدده وحدوثه شيئاً فشيئاً(8) .
وفي المصباح: والحديث ما يتحدث به وينقل(9) .
ص: 264
وفي اللسان: الحديث ما يحدث به المحدّث تحديثاً، وقد حدّثه الحديث وحدّثه به، الجوهري: المحادثة والتحادث والتحدّث والتحديث معروفات(1) .
والمستفاد من إضافة اللهو إلى الحديث هو كل ما يلهي الإنسان ويشغله عن الحق ويوجب انحرافه سواء كان ذلك في الحديث من جهة المادة أو من جهة الهيئة أو من جهتهما معاً.
وما ورد في شأن نزول الآية الشريفة من الاختلاف في المعنى المراد وأنّ المقصود به هل هو النضر بن الحرث بن علقمة بن كلدة بن عبد الدار بن قصي بن كلاب الذي كان يتجر فيخرج إلى فارس فيشتري أخبار الأعاجم ويحدّث بها قريشاً ويقول لهم: إنّ محمداً يحدّثكم بحديث عاد وثمود، وأنا أحدّثكم بحديث رستم واسفنديار وأخبار الأكاسرة فيستمعون حديثه ويتركون استماع القرآن(2) .
أو أنه اشترى جارية تغنيه ليلاً ونهاراً(3) .
أو ما كان أبو جهل وأصحابه يجيئون به من الطعن بالحق والاستهزاء به، وكان يقول: يا معشر قريش ألا أطعمكم من الزقوم الذي يخوّفكم به صاحبكم، ثم يرسل إلى زبد وتمر ويقول هذا الزقوم الذي يخوّفكم به(4) ، لا ينافي ما ذكرناه في تقريب الاستدلال بالآية الشريفة لأنّ هذه الأمور من مصاديق الآية، ولايتوقف تفسير الآية على المصاديق وإلاّ لزم انتهاء القرآن وهو محال.
وبناء على ذلك فيمكن الاستدلال بالآية الشريفة على حرمة مطلق الغناء سواء كان بكلام حق أو باطل.
ص: 265
هذا وقد أشكل على هذه الآية _ نظير ما تقدّم في الآية السابقة _ بأمور:
الأول: إنّ الإضافة في قوله تعالى: «لَهْوَ الْحَدِيثِ »إما أن تكون من إضافة الصفة إلى الموصوف والمراد هو الحديث الملهي كما لعله الظاهر، وإما أن تكون بالعكس أي من إضافة الموصوف إلى الصفة والمراد هو اللهو المتصف بكونه حديثاً وعلى كلا التقديرين فاللهو لا يكون محرماً مطلقاً، وإنما المحرّم منه ما كان في الحديث، ومجرّد الصوت لا تشمله الحرمة لعدم دخوله في الموضوع.
وأما احتمال أن يكون لهو الحديث من إضافة المصدر إلى مفعوله فيكون المراد هو اللهو الذي يوجب الحديث بمعنى أنّ للأصوات تنظيماً خاصاً رتبت على طبيعة الإنسان بحيث توجب إحداث الخيالات والأفكار في نفس الإنسان وقلبه، ولذا قيل: إنّ للغناء لساناً، فهو بعيد عن فهم العرف، ولا يستفاد من ظاهر الآية الشريفة.
والجواب: أنّ الآية الشريفة مطلقة، وظاهرها أنّ المناط في الحرمة هو لهو الحديث سواء كانت اللهوية في مادة الحديث أو هيئته.
الثاني: إنّ الآية الشريفة تدل بظاهرها على حرمة اشتراء لهو الحديث والقابل للاشتراء هو نفس القصص والحكايات، وأما الغناء من حيث هو كيفية مخصوصة فليس قابلاً لذلك فتكون الآية أخصّ من المدعى.
والجواب: إنّه لا موضوعية للاشتراء بل هو كناية عن التعليم والتعلّم،والغرض هو تحصيل اللهو بأي طريق كان، فهو من باب التشبيه والكناية، ولعلّ التعبير بالاشتراء في الآية الشريفة إنما كان من جهة ما ورد في شأن نزول الآية حيث ذكر أنها نزلت في النضر بن الحرث بن علقمة أو في رجل اشترى مغنّية تغنّيه ليلاً ونهاراً كما ذكرنا ذلك آنفاً، وعلى أي حال فلا خصوصية للاشتراء.
ص: 266
ويؤيد هذا ما ورد في الروايات من المنع عن اللهو مطلقاً.
الثالث: إنّ الحرمة بمقتضى قوله تعالى: «لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ» تختصّ بما إذا كان القصد هو الإضلال وأما إذا كان بدون هذا القصد فالاستدلال بالآية على الحرمة مطلقاً غير تام.
والجواب: إنّ الظاهر من اللام في قوله تعالى: «لِيُضِلَّ» أنها للعاقبة والنتيجة لا للغاية كما في قوله تعالى: «لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً»(1) ، وهو المناسب لمعنى الآية إذ الإضلال عن سبيل الله واتخاذ آيات الله هزواً، وكذلك الآية التالية وهي قوله تعالى: «وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِراً ...»(2) هي نتائج مترتبة على اشتراء لهو الحديث فحمل اللام على التعليل في غير محله.
الرابع: إنّ الظاهر من مورد الحرمة هو لهو الحديث الذي يترتب عليه الإضلال عن سبيل الله، وأما إذا لم يكن كذلك _ بحيث يكون لهو الحديث مشتملاً على الكذب والباطل الذي يوجب الانحراف عن الحق والإضلال عن سبيل الله _ كما إذا كانت مادته حق أو كان باطلاً في كيفيته فقط فلا تكون مشمولة للحرمة.والجواب: أنّ سبيل الله مطلق وهو شامل للأصول الاعتقادية والواجبات والمحرّمات الإلهية، وهو عبارة أخرى عن دين الله ولا وجه لاختصاصه بأصول الاعتقاد، فالحرمة شاملة لكل ما يصدّ عن الحقّ سواء كان في الاعتقاد أو غيره وهو داخل تحت المراد من الآية، ولا إشكال في أنّ الكيفية لها دخل في الصدّ عن سبيل الله سواء كان في كلام حقّ أو باطل.
على أنه يمكن أن يكون في الواقع مؤثراً وموجباً للانحراف في الأمور
ص: 267
الاعتقادية كما ورد في بعض الروايات من أنّ استماع اللهو والغناء ينبت النفاق كما ينبت الماء الزرع(1) .
وبعد فهذه هي أهم الإشكالات الواردة على الآية الشريفة وهي قابلة للدفع كما تبيّن.
وأما الجهة الثانية: وهي الاستدلال بالآية مع ملاحظة الروايات، فقد وردت عدة روايات في المقام إلاّ أنّ بعضها يفسّر لهو الحديث بالغناء، وبعضها الآخر يعدّ الغناء من مصاديقه.
منها: رواية الوشّاء، قال: سمعت أبا الحسن الرضا (علیه السلام) «يقول: سئل أبو عبد الله (علیه السلام) خ ل» يسأل عن الغناء، فقال: هو قول الله عزوجل: «وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ»(2) .
وهذه الرواية من جهة دلالتها واضحة فإنّها تفسر لهو الحديث بالغناء.وأما من جهة السند فهي ضعيفة لوقوع سهل بن زياد في سندها، وهو ممّن لم تثبت وثاقته، وهذه الرواية هي الصريحة في دلالتها على تفسير لهو الحديث بالغناء.
ومنها: معتبرة محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: سمعته يقول: الغناء مما وعد الله عليه النار، وتلا هذه الآية: «وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ»(3) .
وهذه الرواية من حيث السند معتبرة، وأما من حيث الدلالة فهي تحتمل الأمرين.
ومنها: معتبرة مهران بن محمد عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: سمعته يقول:
ص: 268
الغناء مما قال الله عزوجل: «وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ»(1) .
وهذه الرواية من حيث السند معتبرة، فإنّ مهران بن محمد وإن لم يرد فيه توثيق إلاّ أنه يمكن الحكم بوثاقته لرواية ابن أبي عمير عنه، كما في هذه الرواية، وهو _ أي ابن أبي عمير _ الراوي لكتابه(2) ، مضافاً إلى وقوعه في أسناد كتاب نوادر الحكمة(3) فلا إشكال في سند الرواية.وأما من حيث الدلالة فهي واردة لبيان أنّ الغناء أحد مصاديق لهو الحديث.
ويؤيد ذلك رواية الحسن بن هارون قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: الغناء مجلس لا ينظر الله إلى أهله، وهو مما قال الله عزوجل: «وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ»(4) .
وهذه الرواية من جهة الدلالة كالسابقة، وأما من جهة السند فليست بمعتبرة لأنّ الحسن بن هارون مشترك بين جماعة لم يرد فيهم توثيق، ولذلك جعلناها مؤيدة.
ومثلها في التأييد أيضاً رواية عبد الأعلى المتقدمة وهي واردة لبيان المصداق وقد جاء فيها ... قلت: قول الله عزوجل: «وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ» قال: منه الغناء(5) .
وما تقدم من الروايتين المعتبرتين كاف في الدلالة.
ص: 269
وبناء على هذا فلا مناص عن القول بأنّ الغناء هو أحد مصاديق لهو الحديث.
على أنّه لو فرضنا عدم تمامية دلالة الآية بنفسها فلابدّ من القول بذلك استناداً إلى هاتين الروايتين.
هذا، وقد استدلّ على حرمة الغناء بآيات أخر:
منها: قوله تعالى: «وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّواكِرَاماً»(1) واستفادة الحرمة منها محل تأمل، فإنها واردة في تعداد صفات المؤمنين.
ومنها: قوله تعالى: «وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً»(2).
وهي كالآية السابقة في عدم تمامية دلالتها على الحرمة لاقتران اللهو بأمور أخرى.
وغيرها من الآيات التي ادعي أنها تدلّ على الحرمة، والحقّ أن استفادة الحرمة منها غير تام، ويكفي في المقام الآيتان المتقدمتان.
الثالث: الروايات وهي كثيرة جداً بل ادّعى صاحب الجواهر(3) وغيره تواترها، وفيما يلي نذكر جملة منها مع غضّ النظر عن أسنادها اتكالاً على دعوى التواتر وهي على طوائف:
الأولى: ما ورد في تفسير قول الزور، وقد تقدمت.
الثانية: ما ورد في تفسير لهو الحديث، وقد تقدمت أيضاً.
الثالثة: ما ورد في ذمّ الغناء، وما يترتب عليه من الآثار وهي عدة روايات:
منها:
ص: 270
موثقة عبد الأعلى، قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن الغناء، وقلت: إنهم يزعمون أنّ رسول الله (صلي الله علیه وآله) رخّص في أن يقال:جئناكم جئناكم حيّونا حيّونا نحيّكم، فقال: كذبوا إنّ الله عزوجل يقول: «وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ * لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ * بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمْ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ» ثم قال: ويل لفلان مما يصف، رجل لم يحضر المجلس(1) .
والظاهر من هذه الرواية أنّ هذا المقدار غير مرخّص فيه لانطباق اللهو والباطل عليه، فكيف بغيره؟! وقد أشرنا إلى هذه الرواية فيما تقدم.
ومنها: رواية أبي أسامة عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: الغناء غشّ النفاق(2) .
ومنها: رواية يونس، قال: سألت الخراساني (علیه السلام) عن الغناء، وقلت: إنّ العباسي ذكر عنك أنّك ترخّص في الغناء، فقال: كذب الزنديق، ما هكذا قلت له: سألني عن الغناء، فقلت: إنّ رجلاً أتى أبا جعفر (علیه السلام) فسأله عن الغناء، فقال: يا فلان إذا ميّز الله بين الحق والباطل فأين يكون الغناء؟ قال: مع الباطل، فقال: قد حكمت(3).
والمستفاد من هذه الرواية حيث كذّب الإمامُ العبّاسيَّ في دعواه ترخيص الغناء وأنه في عداد الباطل، أنّ حكم الغناء هو الحرمة.
ومنها: ما ذكره الشيخ الصدوق في المقنع حيث نقل وصية والده إليه وفيها:وإيّاك والغناء فإنّ الله توعّد عليه النار، والصادق (علیه السلام) يقول: شرّ الأصوات الغناء(4).
ص: 271
وهي تدل بظاهرها على أنّ الغناء شرّ من الكذب والبهتان ونحوهما، وذلك يدلّ على الحرمة.
ومنها: رواية الحسن بن هارون، قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: الغناء يورث النفاق، ويعقب الفقر(1) .
ومنها: رواية عبد الله بن عباس عن رسول الله (صلي الله علیه وآله) في حديث قال: إنّ من أشراط الساعة إضاعة الصلوات، واتباع الشهوات، والميل إلى الأهواء، «إلى أن قال:» فعندها يكون أقوام يتعلّمون القرآن لغير الله، ويتّخذونه مزامير، ويكون أقوام يتفقهون لغير الله، وتكثر أولاد الزنا، ويتغنّون بالقرآن، «إلى أن قال:» ويستحسنون الكوبة والمعازف، وينكرون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر «إلى أن قال:» فأولئك يدعون في ملكوت السموات الأرجاس الأنجاس(2) .
ومنها: رواية إسحاق بن جرير، قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: إنّ شيطاناً يقال له: القفندر إذا ضرب في منزل الرجل أربعين صباحاً بالبربط، ودخل الرجال وضع ذلك الشيطان كلّ عضو منه على مثله من صاحبالبيت، ثم نفخ فيه نفخة فلا يغار بعدها، حتى تؤتى نساؤه فلا يغار(3) .
وهي تدل على الحرمة بناء على إلحاق البربط _ وهو شيء من ملاهي العجم يشبه صدر البط ... قال في القاموس: ويقال له العود(4) _ بالغناء.
ونحوها رواية أبي داود المسترق قال: من ضرب في بيته بربط أربعين يوماً سلّط الله عليهم شيطاناً يقال له: القفندر فلا يبقى عضو من أعضائه إلاّ قعد
ص: 272
عليه، فإذا كان كذلك نزع منه الحياء ولم يبال ما قال ولا ما قيل فيه(1) .
ومنها: رواية كليب الصيداوي قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: ضرب العيدان ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الخضرة(2) .
وغيرها من الروايات.
الطائفة الرابعة: ما ورد في حرمة استماع الغناء:
ومنها: صحيحة عنبسة عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: استماع اللهو والغناء ينبت النفاق كما ينبت الماء الزرع(3) .
ومنها: رواية العياشي في تفسيره عن الحسن قال: كنت أطيل القعود في المخرج لأسمع غناء بعض الجيران، قال: فدخلت على أبي عبد الله (علیهالسلام) فقال لي: يا حسن «إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً» السمع وما وعى والبصر وما رأى والفؤاد وما عقد عليه(4) .
وغيرهما من الروايات.
الطائفة الخامسة: ما ورد في ذمّ مجلس الغناء:
ومنها: صحيحة زيد الشحام قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام): بيت الغناء لا تؤمن فيه الفجيعة، ولا تجاب فيه الدعوة، ولا يدخله الملك(5) .
ومنها: معتبرة علي بن جعفر في كتابه، عن أخيه موسى بن جعفر (علیهما السلام) قال: سألته عن الرجل يتعمّد الغناء يجلس إليه؟ قال: لا(6) .
ص: 273
ومنها: معتبرة عاصم بن حميد، قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام): أنّى كنت؟ فظننت أنه قد عرف الموضع، فقلت: جعلت فداك إني كنت مررت بفلان فدخلت إلى داره ونظرت إلى جواريه، فقال: ذاك مجلس لا ينظر الله عزوجل إلى أهله، أمنت الله على أهلك ومالك(1) .
وهذه الرواية إنما تدل على الحرمة بناء على أنّ الجواري كن يغنّين، وإلاّ فمجرد النظر إلى الجواري بإذن مالكها لا إشكال فيه، وإنما أوردها صاحب الوسائل في باب تحريم سماع الغناء والملاهي لاحتمال أنّ الجواري كنّ يغنّين.ويؤيد هذا الاحتمال أنّ صاحب الدعائم قد روى هذه الرواية باختلاف يسير في الألفاظ. وفيها زيادة جملة: وأخرج إليّ جارية له فغنّت(2) .
ومنها: رواية إبراهيم بن محمد المدني عمّن ذكره عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: سئل عن الغناء وأنا حاضر، فقال: لا تدخلوا بيوتاً الله معرض عن أهلها(3) .
ومنها: رواية ورّام بن أبي فراس في كتابه قال: قال (علیه السلام): لا تدخل الملائكة بيتاً فيه خمر أو دف أو طنبور أو نرد، ولا تستجاب دعاؤهم، وترفع عنهم البركة(4).
وهي تدل على الحرمة بناء على إلحاق آلات اللهو بالغناء.
الطائفة السادسة: ما ورد في حرمة ثمن المغنية وكسبها وتعليمها، وهي عدة روايات:
منها:
صحيحة إبراهيم بن أبي البلاد قال: قلت لأبي الحسن الأول (علیه السلام): جعلت فداك إنّ رجلاً من مواليك عنده جوار مغنيات قيمتهن أربعة عشر ألف دينار،
ص: 274
وقد جعل لك ثلثها، فقال: لا حاجة لي فيها، إنّ ثمن الكلب والمغنية سحت(1).ومنها: رواية الحسن بن علي الوشاء قال: سئل أبو الحسن الرضا (علیه السلام) عن شراء المغنية، قال: قد تكون للرجل الجارية تلهيه، وما ثمنها إلاّ ثمن كلب، وثمن الكلب سحت والسحت في النار(2) .
ولا إشكال في دلالة هذه الرواية على الحرمة، وإنما الإشكال في سندها فإنّ فيه سهل بن زياد، وهو ممّن لم يوثق إلاّ أنّه يمكننا تصحيح الطريق بنحو آخر، وهو أنّ للشيخ طريقاً آخر إلى كتاب الحسن بن علي الوشاء برواية أحمد بن محمد بن عيسى(3)، وطريق الشيخ وإن كان ضعيفاً كما أنه لم يصرّح في طريقه بأنّ الكتاب هو مسائل الرضا (علیه السلام) ، ولكن للشيخ طرق معتبرة إلى جميع روايات وكتب أحمد بن محمد بن عيسى(4) ، ومن جملتها كتاب مسائل الرضا، فيكون للشيخ طريق معتبر إلى هذه الرواية، ولعل انتهاء طريق الشيخ إلى أحمد بن محمد بن عيسى قرينة على أنّ المراد بالكتاب هو كتاب مسائل الرضا (علیه السلام) ، نعم طريقه ضعيف كما ذكرنا، ولكن للنجاشي طريق آخر معتبر(5) ينتهي إلى أحمد بن محمد بن عيسى، وليس فيه سهل بن زياد، فيعلم أنّ كتاب مسائل الرضا (علیه السلام) لا تنحصر روايته بسهل.ثم إنّ الشيخ قد روى هذه الرواية في التهذيب(6) والاستبصار(7) بإسناده
ص: 275
عن الكليني فيكون للشيخ طريقان، أحدهما فيه سهل، والآخر بدونه، وبناء على ذلك يمكن اعتبار الطريق إلى الوشاء.
والظاهر _ والله العالم _ أنّ للكليني أيضاً طريقاً آخر إذ من البعيد جداً أن تكون طرق الكليني منحصرة بسهل مع أنّ للنجاشي والشيخ عدة طرق وهما متأخران عنه، مضافاً إلى أنّ الكليني يروي عن عدة عن سهل ومن جملة العدة محمد بن الحسن(1) وهو مشترك بين الصفار وغيره، فإن كان هو الصفار _ كما استظهره بعضهم(2) _ فله إلى روايات الحسن بن علي الوشاء طريقان أحدهما أحمد بن محمد بن عيسى وإبراهيم بن هاشم جميعاً كما صرح بذلك الشيخ الصدوق عند ذكر طريقه إلى روايات الحسن بن علي الوشاء(3) .
وبالجملة فهذا الطريق يمكن اعتباره، كما يمكن أيضاً بما ذكرنا استظهار أنّ للكليني طرقاً أخرى عن غير سهل، وإن أورد الروايات في الكافي عن طريقه.
والحاصل: أنّ الرواية معتبرة.ومنها: رواية سعيد بن محمد الطاطري عن أبيه عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: سأله رجل عن بيع الجواري المغنيات، فقال: شراؤهن وبيعهنّ حرام، وتعليمهنّ كفر، واستماعهنّ نفاق(4) .
وهذه الرواية تامة الدلالة إلاّ أنها من جهة السند اشتملت على سعيد بن محمد الطاطري، وهو ممن لم يرد فيه توثيق، إلاّ أنه يمكن اعتباره بناء على أنّ روايات الطاطريين معتبرة كما ذكره الشيخ في العدة(5) ، ويكون حالهم حال
ص: 276
بني فضّال في الأخذ برواياتهم.
ومنها: التوقيع الشريف الوارد على إسحاق بن يعقوب عن محمد بن عثمان العمري بخط صاحب الزمان (علیه السلام) _ وقد جاء فيه _ ... أما ما سألت عنه أرشدك الله وثبّتك من أمر المنكرين لي ... «إلى أن قال:» وأما ما وصلتنا به فلا قبول عندنا إلاّ لما طاب وطهر، وثمن المغنية حرام(1) .
وموضع الشاهد هو الجملة الأخيرة وهي واضحة الدلالة، وأما من جهة السند فقد تقدّم البحث مفصّلاً حول سند التوقيع وقلنا بإمكان اعتباره بلا إشكال.
ثم إنّ هناك روايات أخرى تؤيد ما ذكرنا من حرمة ثمن المغنية وكسبها.
منها: رواية أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن كسبالمغنيات فقال: التي يدخل عليها الرجال حرام، والتي تدعى إلى الأعراس ليس به بأس وهو قول الله عزوجل: «وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ»(2).
وموضع الشاهد قوله: «التي يدخل عليها الرجال حرام» وأما ما ذكره من نفي البأس بالنسبة إلى الأعراس فسيأتي البحث عنه، كما سيأتي الكلام حول سند هذه الرواية فإنه قابل للتصحيح.
ومنها: رواية إبراهيم بن أبي البلاد قال: أوصى إسحاق بن عمر بجوار له مغنّيات أن تبيعهنّ (يبعن) ويحمل ثمنهنّ إلى أبي الحسن (علیه السلام) قال إبراهيم: فبعت الجواري بثلاثمائة ألف درهم، وحملت الثمن إليه، فقلت له: إنّ مولى لك يقال له: إسحاق بن عمر أوصى عند وفاته ببيع جوار له مغنيات وحمل الثمن إليك، وقد بعتهنّ وهذا الثمن ثلاثمائة ألف درهم فقال: لا حاجة لي فيه، إنّ هذا
ص: 277
سحت وتعليمهنّ كفر، والاستماع منهنّ نفاق وثمنهنّ سحت(1) .
ومنها: مرسلة الصدوق قال: روي أنّ أجر المغنّي والمغنّية سحت(2) .
وغيرها من الروايات الدالة على حرمة ثمن المغنية وكسبها وتعلّمها وتعليمها.
هذا، ولكن ورد في مقابل هذه الطائفة روايات قد يقال بدلالتها على الجواز.
ومنها: رواية عبد الله بن الحسن الدينوري قال: قلت لأبي الحسن (علیهالسلام): جعلت فداك ما تقول في النصرانية أشتريها وأبيعها من النصراني؟ فقال: اشتر وبع، قلت: فأنكح؟ فسكت عن ذلك قليلاً، ثم نظر إليّ وقال شبه الإخفاء: هي لك حلال، قال: قلت: جعلت فداك فأشتري المغنّية أو الجارية تُحسن أن تغنّي أريد بها الرزق لا سوى ذلك؟ قال: اشتر وبع(3) .
والظاهر من هذه الرواية أنّ الجارية المغنية يجوز شراؤها وبيعها، وهو مناف لما تقدم من حرمة ثمنها وأنّه سحت.
ولكن يمكن المناقشة في هذه الرواية سنداً ودلالة، أما من جهة السند فهي ضعيفة لعدم توثيق عبد الله بن الحسن الدينوري، وأما من جهة الدلالة فيمكن حملها على أنّ المغنية نصرانية وأنّ البيع والشراء من النصارى بقرينة صدر الرواية.
ومنها: رواية الصدوق قال: سأل رجل علي بن الحسين (علیهما السلام) عن شراء جارية لها صوت، فقال: ما عليك لو اشتريتها فذكرتك الجنة، يعني بقراءة القرآن والزهد والفضائل التي ليست بغناء، فأما الغناء فمحظور(4) .
ص: 278
والظاهر أنّ قوله: يعني ... الخ تفسير من الصدوق لا من الإمام (علیه السلام) ، وبناء عليه فيمكن القول بدلالتها على جواز شراء المغنية.
ولكن هذه الرواية قابلة للمناقشة سنداً ودلالة، أما من جهة السند فهي ضعيفة بالإرسال، وأما من جهة الدلالة فهي غير تامة لأنّ السؤال عن الصوت،ولا دليل على أنّها مغنية فإنّ حسن الصوت أعم من الغناء، كما ذكر ذلك صاحب الوسائل(1)، وعليه فالرواية لا دلالة فيها على جواز شراء المغنّية فليس كل جارية حسنة الصوت يحرم شراؤها، بل قد يكون الشراء راجحاً كما إذا كان صوتها للتذكير بالجنة وقراءة القرآن والدعاء ونحو ذلك.
ومنها: مضمرة سماعة قال: سألته عن كسب المغنية النائحة فكرهه(2) .
وقد يقال: بأنّ كراهة الإمام (علیه السلام) لكسب المغنية لا يعني الحرمة، فتدل على الجواز.
والجواب: أنّ الكراهة قد تطلق ويراد بها التحريم، ولا دلالة فيها على الجواز.
وأما سند الرواية فهي معتبرة وإن كانت مضمرة، فإنّ مضمرات سماعة لا إشكال فيها.
ومنها: رواية سعيد بن عمر الجعفي عن رجل من أهل مصر قال: أوصى إليّ أخي بجارية فارهة، وجعلها هدياً لبيت الله الحرام، فقدمت مكة فسألت فقيل: ادفعها إلى بني شيبة، وقيل لي غير ذلك من القول، فاختلف عليّ فيه، فقال لي رجل من أهل المسجد: ألا أرشدك من يرشدك في هذا إلى الحق؟ قلت: بلى، قال: فأشار إلى شيخ جالس في المسجد فقال: هذا جعفر بن
ص: 279
محمد (علیهما السلام) فاسأله قال: فأتيته (علیه السلام) فسألته وقصصت عليه القصّة، فقال: إنّ الكعبة لا تأكل ولا تشرب وما أهدي لها فهو لزوّارها، بع الجارية وقم علىالحجر فناد: هل من منقطع به؟ وهل من محتاج من زوّارها؟ فإذا أتوك فسل عنهم وأعطهم واقسم فيهم ثمنها، قال: فقلت له: إنّ بعض من سألته أمرني بدفعها إلى بني شيبة فقال: أما إنّ قائمنا لو قد قام لقد أخذهم فقطع أيديهم وطاف بهم وقال: هؤلاء سرّاق الله(1) .
فهذه الرواية تدل أيضاً على جواز بيع الجارية المغنية.
ولكن الرواية غير تامة سنداً ودلالة.
أما من جهة السند فلجهالة الراوي إذ لم يعلم سوى أنه من مصر.
وأما من جهة الدلالة فلعلّ المراد أنّ أمر الإمام ببيع الجارية من جهة كونها جارية لا من جهة أنها مغنية، ويحتمل أنّ السائل من العامة والأمر عندهم جائز فأفتاه الإمام على طبق مذهبه، وعلى أي حال فلا دلالة في الرواية على جواز بيع المغنية.
هذه هي الروايات الدالة على جواز شراء المغنية وإباحة كسبها وهي مخدوشة دلالة وسنداً، وأما روايات الحرمة بطوائفها الست الدالة على حرمة أصل الغناء فهي تامة الدلالة، وبعضها معتبر السند بل ادّعي فيها التواتر كما ذكرنا فلا إشكال فيها ولا مناص عن الالتزام بها.
وأما الموضع الثاني: وهو في بيان موضوع الغناء وحدوده:
فالكلام فيه تارة بملاحظة أقوال أهل اللغة، وأخرى بملاحظة أقوالالفقهاء.
أما كلمات اللغويين فهي كثيرة ومختلفة جداً، وقد تربوا على أكثر من عشرة معان ففي المصباح: والغناء مثال كتاب الصوت، وقياسه الضمّ لأنه
ص: 280
صوت، وغنّى بالتشديد إذا ترنم بالغناء(1) . وقال في طرب: طرباً فهو طرب من باب تعب وطروب مبالغة، وهي خفة تصيبه لشدة حزن أو سرور، والعامة تخصّه بالسرور، وطرّب في صوته بالتضعيف رجّعه ومدّه(2) .
وفي اللسان: كل من رفع صوته ووالاه فصوته عند العرب غناء ... والغناء من الصوت ما طُرّب به(3) .
وفي المجمع: والغناء ككساء: الصوت المشتمل على الترجيع المطرب أو ما يسمّى بالعرف غناء، وإن لم يطرب، سواء كان في شعر أو قرآن أو غيرهما(4) .
وفي الصحاح: والغناء من السماع(5) .
وفي المعجم الوسيط: الغناء التطريب والترنّم بالكلام الموزون وغيره يكون مصحوباً بالموسيقى وغير مصحوب(6) .إلى غير ذلك من المعاني.
وقد جمع صاحب المستند ! أكثر هذه المعاني فقال: إنّ كلمات العلماء من اللغويين والأدباء والفقهاء مختلفة في تفسير الغناء، ففسّره بعضهم بالصوت المطرب، وآخر بالصوت المشتمل على الترجيع، وثالث بالصوت المشتمل على الترجيع والإطراب معاً، ورابع بالترجيع، وخامس بالتطريب، وسادس بالترجيع مع التطريب، وسابع برفع الصوت مع الترجيع، وثامن بمدّ الصوت
ص: 281
وتاسع بمدّه مع أحد الوصفين أو كليهما، وعاشر بتحسين الصوت، وحادي عشر بمدّ الصوت وموالاته، وثاني عشر وهو الغزالي بالصوت الموزون المفهم المحرّك للقلب(1) .
وأضاف بعضهم ما يسمّى بالعرف غناء وإن لم يطرب، وبالصوت اللهوي، وبألحان أهل المعاصي والكبائر، وبما كان مناسباً لبعض آلات اللهو والرقص، وبالصوت المعدّ لمجالس اللهو، وبالصوت المثير لشهوة النكاح وغير ذلك من التفاسير(2).
وأما في كلمات الفقهاء، فالمشهور عندهم أنّ الغناء هو مدّ الصوت المشتمل على الترجيع المطرب، كما نسبه صاحب المفاتيح إليهم على ما جاء في مفتاح الكرامة، وعن الشهيد في المسالك والروضة والفاضل المقداد هو ما يسمى فيالعرف غناء وإن لم يطرب، وعن السرائر وإيضاح النافع أنه الصوت المطرب(3) .
ولا يخفى الاختلاف بحسب الظاهر بين هذه المعاني والتفاسير، فكم فرق بين مدّ الصوت أو رفعه وبين الترجيع والاطراب، وكذا الفرق بين قول المشهور من الفقهاء وبين غيرهم، وعلى ضوء هذا الاختلاف يختلف الحكم كثيراً وإن كان يمكن إرجاع هذه الأقوال والجمع بينها كما تصدّى إلى ذلك صاحب مفتاح الكرامة(4) .
والذي يهمّنا في المقام هو الرجوع إلى الأدلة الدالة على التحريم، فإن فهمنا منها موضوع الغناء وحدوده فهو، ولابد حينئذ من الالتزام به، وإلاّ
ص: 282
فمقتضى القاعدة هو الرجوع إلى العرف أو الأخذ بالقدر المتيقن من هذه المعاني، وأما ما زاد عليه فالمرجع فيه إلى البراءة.
والمستفاد من الآيتين _ كما تقدم _ هو حرمة الصوت اللهوي سواء كان من جهة المادة أو الهيئة.
وأما الروايات الواردة فهي على أقسام:
منها: ما يدل على أنّ مجرد رفع الصوت ليس من الغناء كما في الأخبار الواردة في استحباب رفع الصوت بالأذان(1) ، ولم يتوهم أحد أن ذلك من الغناء، ومثله ما إذا رفع الإنسان صوته لنداء غيره أو بداع آخر.ومنها: ما يدل على أنّ رفع الصوت مع كونه حسناً لا يعدّ من الغناء فقد ورد في بعض الروايات أنه ما بعث الله نبياً إلاّ حسن الصوت(2) .
ومنها: ما يستفاد من بعضها أنّ الصوت مع الترجيع ليس من الغناء فقد ورد ورجّع بالقرآن صوتك فإنّ الله عزوجل يحب الصوت الحسن يرجّع فيه ترجيعاً(3).
وورد أيضاً أنّ علي بن الحسين (علیهما السلام) كان أحسن الناس صوتاً بالقرآن(4) وفي بعضها: أنه كان يقرأ القرآن فربما مرّ به المارّ فصعق من حسن صوته(5) .
والظاهر أنّ حسن الصوت ملازم للترجيع وموالاته لا أنّه مجرد المدّ والرفع، ومن المستبعد جداً أن يكون هذا استثناء من الغناء المحرم، بل الظاهر
ص: 283
أنه غير داخل فيه.
ومنها: ما يدل على عدم اعتبار كون مادة الكلام باطلة، بل حتى فيما إذا كان الكلام حقاً، كما في معتبرة عبد الأعلى المتقدمة في الطائفة الثالثة.
ويؤيده رواية العيون عن الرضا عن آبائه عن علي (علیهم السلام) قال: سمعت رسول الله (صلي الله علیه وآله) يقول: أخاف عليكم استخفافاً بالدين، وبيع الحكم، وقطيعة الرحم، وأن تتخذوا القرآن مزامير، تقدّمونأحدكم وليس بأفضلكم في الدين(1) .
وموضع الشاهد قوله: وأن تتخذوا القرآن مزامير.
ورواية عبد الله بن عباس المتقدمة في الطائفة الثالثة وقد جاء فيها: فعندها يكون أقوام يتعلمون القرآن لغير الله ويتخذونه مزامير ... ويتغنّون بالقرآن(2) .
وقد جمع فيها بين التغنّي بالقرآن واتّخاذه مزامير، ولعل المراد من اتخاذ القرآن مزامير إما أن تكون القراءة في المزمار، وإما أن تكون مع المزمار، وإما أن تكون القراءة مزمارية وهو التغني بالقرآن، إلاّ أن التصريح بالتغني بالقرآن يقتضي حمل اتخاذ القرآن مزامير على أحد المعنيين الأوليين لئلاّ يلزم التكرار.
ورواية عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قال رسول الله (صلي الله علیه وآله): اقرؤا القرآن بألحان العرب وأصواتها، وإياكم ولحون أهل الفسق وأهل الكبائر، فإنّه سيجيء من بعدي أقوام يرجّعون القرآن ترجيع الغناء والنوح والرهبانية لا يجوز تراقيهم، قلوبهم مقلوبة وقلوب من يعجبه شأنهم(3) .
والمستفاد من هذه الروايات وغيرها أنّ الغناء هو نفس الصوت ذو اللحن
ص: 284
اللهوي من دون ملاحظة المادة ولا إشكال في حرمته.
ومنها: _ وهي أكثر الروايات _ ما ورد في النهي عن الغناء مطلقاً، كما ورد فيتفسير قول الزور، ولهو الحديث، وغيرهما كما تقدم وهي تنطبق على ما يصدق عليه الغناء عرفاً بلا إشكال.
والجامع بين الآيتين والروايات أنّ كل ما يعدّ غناء ويترتب عليه الإضلال شأناً بمعنى أنّ فيه اقتضاء لخروج السامع فضلاً عن المتكلم عن الحالة الطبيعية في الجملة، وهو مصداق للغناء المحرم سواء اشتمل على الترجيع أم لا، وسواء كان الأثر اللهوي من جهة المادة والصوت معاً بحيث يكون لكل منهما دخل في ذلك أو من جهة الصوت فقط، وسواء انطبقت عليه التفاسير المتقدمة أو لا، فإنّ أدلّة حرمة الغناء شاملة لكل ذلك.
ومن ذلك يظهر أنّه قد يكون للمادة دخل في صدق كون الكلام لهواً وغناء، وقد لا يكون لها ذلك.
أما الأول ففي ما إذا كان الكلام حقّاً كالقرآن والدعاء وغيرهما، ولا يعدّ ذلك مصداقاً للغناء بل هو خارج موضوعاً عنه.
وأما الثاني ففي ما إذا كان نفس الصوت لهوياً فإنه يعدّ من الغناء بلا فرق حينئذ بين كون الكلام حقاً أو باطلاً، بل وإن لم يكن هناك صوت أصلاً فإنّ مجرد الصوت فقط كالمزامير والبرابط وأصوات سائر الآلات اللهوية داخلة في الغناء، فلو جيء بالكلام الحق كالقرآن والدعاء ونحوهما بالصوت اللهوي المختص بمجالس اللهو والطرب فهو داخل في الغناء، بل قد يكون أشد كما أفاده الشيخ!(1) والسيد الأستاذ ! (2) أيضاً لكونه مصداقاً للهتك، وقد ورد
ص: 285
النهي عنه بخصوصه، وكذا مجرد النفخ في آلات اللهو بما هو متعارف عند أهل الفسوق، فإنه داخل في الغناء أيضاً وتشمله أدلة التحريم.
نسب القول بالتفصيل إلى المحققين صاحبي الوافي(1) والكفاية(2) وقد يميل إليهما الأردبيلي(3) والنراقي(4) في بعض الموارد، وحاصله: أنّ حرمة الغناء ليست ذاتية، وإنما تكون من جهة المحرمات التي تقترن به كدخول الرجال على النساء، وتكلّمهنّ بالأباطيل ولعبهنّ بالملاهي وأمثال ذلك.
والظاهر أنّ ذلك لا يستفاد من كلماتهما بل المستفاد أنّ الغناء على قسمين: محرّم وهو ما يكون مصداقاً للهو عرفاً، ومباح وهو ما تكون مادته غير لهوية كالقرآن والأدعية والمواعظ كالتذكير بالجنة والنار ونحوهما.
وعلى كل تقدير فالمستفاد من كلام الأول في الوافي(5) أنّ ذلك هو مقتضى الجمع بين الروايات وذلك لوجوه:
الأول: بما ورد في رواية الفقيه المتقدمة عن شراء الجارية التي لها صوت وقدجاء فيها: ما عليك لو اشتريتها فذكّرتك الجنة(6) .
وقد جعل هذه الرواية وجهاً للجمع لأنّ هذا النحو من الغناء حلال.
وقد تقدم الكلام في الرواية دلالة وسنداً، وقلنا بعدم دلالتها على ذلك أصلاً.
الثاني: بما ورد في صحيحة أبي بصير، قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام): أجر
ص: 286
المغنّية التي تزفّ العرائس ليس به بأس، وليست بالتي يدخل عليها الرجال(1) .
كذا في الوسائل والفقيه(2) ولكن في الوافي(3) والكافي(4) والتهذيبين(5) : «ليست بالتي» بدون الواو.
وعلى أي تقدير فالاستدلال بهذه الرواية مبني على أنّ قوله: وليست أو ليست، علة للحكم، وبناء على اختصاص العلة بما يكون في الأعراس لا مطلقاً وحينئذ فيجوز، ولكن من المحتمل أن لا يكون قوله وليست ... علة للحكم أصلاً بل شرط في عدم الحرمة بمعنى أنّ حلية أجر المغنية مشروط بشرطين:الأول: أن تزفّ العرائس.
الثاني: أن لا يدخل عليها الرجال.
ومع هذا الاحتمال لا يمكن التمسك بهذه الرواية لإثبات المدّعى.
الثالث: بما ورد من الحث على قراءة القرآن واستحباب قراءته بصوت حسن وهو لا ينفكّ عن الغناء.
وقد أجبنا عن ذلك فيما تقدم.
ثم إنه ربما استدل على التفصيل بصحيحة علي بن جعفر عن أخيه قال: سألته عن الغناء هل يصلح في الفطر والأضحى والفرح؟ قال: لا بأس به ما لم يعص به(6) .
ص: 287
وقد اختلفت النسخ في الجملة الأخيرة ففي قرب الإسناد(1) هو كما ذكره صاحب الوسائل، وقال في الوسائل: ورواه علي بن جعفر في كتابه: ما لم يؤمر به(2).
وفي البحار(3) : نقلاً عن كتاب المسائل لعلي بن جعفر: ما لم يزمّر مكان ما لم يعص به.
أما بناء على ما في كتاب علي بن جعفر فالرواية خارجة عن محلّ الكلاملورودها مورد التقية، واحتمله صاحب الوسائل(4) ، إلاّ أنّ الحمل على التقية إنما يصحّ فيما إذا لم يكن قوله: «لا بأس» وارد في الرواية، وإلاّ كان المعنى غلطاً وهذه العبارة لم نعثر عليها في غير كتاب الوسائل حتى كتاب علي بن جعفر نفسه فإنّ فيه ما لم يزمّر به، ولعل ما وقع في الوسائل تصحيف.
وأما بناء على ما في البحار ففيه احتمالات:
الأول: أن لا يكون على صورة النفخ في المزمار، وإن كان في نفسه غناء وبهذا الوجه يمكن الاستدلال على المدّعى.
الثاني: أن يكون الغناء مزمارياً وحينئذ لا مجال للاستدلال بالرواية على التفصيل لأنّه عبارة أخرى عن الغناء المحرم.
وينطبق هذا الاحتمال على ما ورد في نسخة قرب الإسناد وهو قوله: «ما لم يعص به» وهذا هو الأظهر لعدم الحاجة فيه إلى التقدير بخلاف الاحتمال الأول فإنه يحتاج إلى التقدير المصحح للكلام، مضافاً إلى أنّ الأخذ بالاحتمال الأول وهو إباحة الغناء إذا لم يقترن بالمحرّمات الأخرى في الموارد الثلاثة
ص: 288
المذكورة في الرواية غير تام، حيث لا يخلو الحال إما أن يكون الغناء في نفسه ليس بحرام وإنما الحرمة من جهة المقارنات، وعلى هذا فلا وجه لاختصاص الإباحة بالموارد الثلاثة، وإما أن يكون الغناء محرّماً بذاته إلاّ أن الموارد الثلاثة مستثناة، وهذا مقطوع البطلان فإنّ الحرام لا يحل بمناسبة عيد أو فرح بل كيف يباح الحرام لمناسبة الفطروالأضحى وهما من أيام الطاعة والقربات إلى الله تعالى والأعمال الصالحة، على أنه يمكن لكثير من الناس أن يرتكبوا هذا الحرام والتحايل على تحليله بإيجاد موضوع الفرح، وفي ذلك فتح لباب من أبواب الفساد، وعليه فلابدّ على هذا الاحتمال من حمل الرواية على التقية فإنها موافقة لمشهور المخالفين في الجملة.
والحاصل: أنّ هذه الرواية لا شاهد فيها على التفصيل ولا وجه له، والصحيح هو ما ذكرناه من الجمع بين الآيات والروايات.
وأما الموضع الثالث فهو في مستثنيات الغناء وقد استثني منه عدة موارد:
الأول: الغناء في زفّ العرائس.
وقد نسب الجواز إلى الشهرة كما في الجواهر(1) ، وإلى أعاظم الأصحاب كما في المصباح(2) ، ونسب عدمه إلى جماعة منهم المفيد في المقنعة(3) ، والسيد في المراسم(4) ، وصريح الحلي في السرائر(5) ، والفخر في الإيضاح(6) ، وظاهر المحقق في الشرائع(7) ، وكل من لم يتعرض للاستثناء، وجعله في
ص: 289
الدروس(1) هو الأحوط.هذا وقد استدل على الجواز بروايات كلها عن أبي بصير، ولعلها رواية واحدة مختلفة الألفاظ والأسانيد بناء على ما ورد في الوسائل من أنّ المسؤول في الرواية الثالثة الآتية هو أبو عبد الله (علیه السلام) ، وأما بناء على ما ورد في الكافي(2) والتهذيبين(3) من أنّ المسؤول هو أبو جعفر (علیه السلام) فمتعددة.
فمنها: ما رواه عن الصادق (علیه السلام) قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام): أجر المغنية التي تزفّ العرائس ليس به بأس، وليست بالتي يدخل عليها الرجال(4) .
وهذه الرواية من جهة السند صحيحة كما أنّها من جهة الدلالة واضحة، وقد تقدمت.
ومنها: روايته الأخرى عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: المغنية التي تزفّ العرائس لا بأس بكسبها(5).
وهذه الرواية واضحة الدلالة فإنّ حلّية الكسب تدل على مشروعية العمل، وأما من جهة السند ففيه حكم الخياط، وهو وإن لم يرد فيه توثيق إلاّ أنه قد روىعنه المشايخ الثقات(6) ، وذلك أمارة على وثاقته، كما حققناه في محلّه، وبناء عليه فلا بأس بسند الرواية.
ومنها: روايته الثالثة قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن كسب المغنّيات فقال: التي يدخل عليها الرجال حرام، والتي تدعى إلى الأعراس ليس به بأس،
ص: 290
وهو قول الله عزوجل: «وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ»(1).
وهذه الرواية من جهة الدلالة أوضح من السابقة إلاّ أن سندها اشتمل على علي بن أبي حمزة وهو ضعيف.
ويمكن تصحيح السند من جهة أخرى، وهي أنّ الشيخ قد روى هذه الرواية في التهذيب(2) عن الحسين بن سعيد فيعلم أنه قد رواها من كتابه، مضافاً إلى ما ورد من أنّ كتب الحسين بن سعيد معمول بها عند الأصحاب(3) وهذه الرواية منها، فيمكن اعتبارها، ولا يبعد أن يكون للحسين بن سعيد طريق إلى أبي بصير غير طريق علي بن أبي حمزة.
والمستفاد من هذه الروايات حلّية الغناء الخاص بزف العرائس.
هذا وقد نوقشت هذه الروايات بوجوه:أولها: أنّ الروايات ضعيفة الأسناد.
وفيه: أنه غير تام كما تقدم.
ثانيها: أنّ أدلة حرمة الغناء متواترة كأدلة حرمة الزنا، وقد عبّر في القرآن الكريم عنه بقول الزور ولهو الحديث، وصرّحت الروايات بأنه الباعث على الفجور والفساد فتحريمه عقلي لا يقبل التخصيص، فلابدّ من حمل ما دل على الجواز إما على التقية أو الطرح.
وفيه: أنّ هذا الوجه غير سديد، وذلك لأنّ شدة حرمة الغناء وكثرة الروايات الناهية عنه ليست بأزيد من الربا، مع أنه قد ورد فيه التقييد، فما ذكر في هذا الوجه إنما هو استحسان في مقابل الدليل.
ص: 291
ثالثها: أنّ حلية الأجر لا يلازم حلية الغناء، ولعل الأجرة في مقابل الزفّ لا الغناء، وذلك لا ينافي حرمة الغناء.
وفيه: أنّ هذا الوجه ضعيف، لأنّ الظاهر من الروايات ولا سيما الرواية الثالثة، حيث جعلت الغناء قسمين: أحدهما حرام، والآخر حلال، وأنّ الأجرة في مقابل الحلال.
وبناء على ذلك فمقتضى القاعدة هو الأخذ بروايات الاستثناء لتمامية دلالتها واعتبار أسنادها كما قال به المشهور.
ولكن لابدّ من الاقتصار على مورد الروايات وهي:
1 _ أن يكون ذلك في المغنية دون المغنّي.
2 _ أن يكون في زفّ العرائس لا في غيره من سائر الأفراح.3 _ أن يختص بوقت الزفاف لا قبله ولا بعده.
4 _ أن لا يدخل عليهن الرجال، والظاهر عدم اختصاصه بالأجانب بل هو شامل للمحارم أيضاً، ولا يبعد اعتبار عدم سماع أصواتهن لا مجرّد عدم الدخول للقطع بحرمة استماع أصواتهنّ ولو مع عدم الدخول بالنسبة إلى الأجانب، والأحوط أن لا يكون مقترناً بسائر المحرّمات كالتغنّي بالكذب والفحش وآلات اللهو وإن كان الإطلاق يشملها.
الثاني: الحُداء كدعاء لسير الإبل.
قال في المجمع: حدا بالإبل حدواً وحداء مثل غراب: إذا زجرها وغنّى لها ليحثّها على السير(1) .
وقال في المصباح: حدوت بالإبل أحدو حدواً حثثتها على السير بالحداء مثل غراب وهو الغناء لها(2) .
ص: 292
وقد اختلف في حكمه فقيل: إنّ جوازه مشهور كما في الكفاية(1) والرياض(2) والمستند(3) ، وقال جماعة بالجواز منهم المحقق(4) في كتاب الشهادات في الشرائعوالعلاّمة(5) في القواعد والشهيد في الدروس(6) .
وذهب آخرون إلى عدم الجواز ومنهم صاحب الجواهر(7) واستضعفوا القول بالشهرة، بل قيل: إنّ الشهرة على خلافه(8) ، وذلك لعدم الدليل عليه.
وقد استدل على الجواز بروايتين:
الأولى: بما روي عن النبي (صلي الله علیه وآله) أنه قال لعبد الله بن رواحة: حرّك بالنوق فاندفع يرتجز، وكان عبد الله جيّد الحداء وكان مع الرجال، وكان أنجشة مع النساء، فلما سمعه تبعه، فقال (صلي الله علیه وآله) لأنجشة: رويدك، رفقاً بالقوارير(9) .
والمستفاد من الرواية أنّ النبي (صلي الله علیه وآله) أمر بتحريك النوق فلما حدا عبد الله وتبعه أنجشة لم ينههما رسول الله (صلي الله علیه وآله)، وهذا يدل على الجواز.
ولكن الرواية غير تامة سنداً ودلالة، أما من جهة السند فهي عامية مرسلة ولم يحرز انجبارها بعمل المشهور، فلا يمكن الاعتماد عليها من هذه الجهة.وأما من جهة الدلالة فلم يعلم أنّ الحداء من الغناء، وذلك لأنّ النبي (صلي الله علیه وآله) قال لعبد الله: حرّك بالنوق فاندفع يرتجز، والرجَز بحر من بحور الشعر ونوع من
ص: 293
أنواعه ويستخدم عادة في الحروب لإثارة الحماس وشحذ العزيمة للقتال وتهيّج النفس لملاقاة العدو، فيكون معنى مقابلاً للغناء وإن كان كلاهما يحدثان التهيّج إلاّ أنهما يختلفان في الأثر، فلعلّه قسيم للغناء لا قسم منه كما مال إليه صاحب الجواهر(1) مستشهداً بالعرف، وعليه فهو خارج موضوعاً لا حكماً، ولعل التعبير بالاستثناء في كلماتهم لهذه الجهة كما أنّ التعبير عنه في ألسنة اللغويين مبني على المسامحة.
وعلى كل حال فالاستدلال بهذه الرواية غير تام.
الثانية: بموثقة السكوني بإسناده يعني عن جعفر بن محمد عن آبائه (علیهم السلام) قال: قال رسول الله (صلي الله علیه وآله): زاد المسافر الحداء والشعر ما كان منه ليس فيه جفاء وفي نسخة: ليس فيه خناء(2) .
والرواية وإن كانت من جهة السند تامة إلاّ أنّ الكلام فيها من جهة الدلالة، فقد يقال بعدم دلالتها على الاستثناء، وذلك لما ورد في ذيل الرواية وهو قوله: ليس فيه جفاء أو خناء، والجفاء هو غلظ الطبع والبعد عن آداب الشرع(3) .وأما الخناء فهو الفحش من القول(4) والباطل، وذكر صاحب الوسائل أنّ من معانيه الطرب(5) .
ومن ذلك يعلم أنّ الحداء المحلّل هو الذي لا فحش ولا باطل فيه.
وعلى فرض عدم ظهوره في هذا المعنى فهو مجمل، ولا يمكن الاستدلال بالرواية.
ص: 294
ثم إنّ الظاهر أنّ مرجع الضمير في قوله: «ما كان منه ليس فيه» هو الشعر لا الحداء وإلاّ لجاء الضمير بالتثنية، وحينئذ فيبقى الحداء على إطلاقه شاملاً للغناء بمعنى الطرب أو الارتجاز أو غيرهما وإن كان الحداء في نفسه مجملاً، نعم ورد في بعض الروايات التوبيخ على التغنّي على ظهر الدابّة كما روي عن أبي عبد الله(علیه السلام) أنه قال: أما يستحي أحدكم أن يغنّي على دابته وهي تسبّح(1) .
وما روي عنه (علیه السلام) (في حديث) قال: لا تغنّوا على ظهورها، أما يستحي أحدكم أن يغنّي على ظهر دابّته وهي تسبّح(2) .
إلاّ أنّ هاتين الروايتين غير تامتين سنداً.
والحاصل: أنّه بناء على القول بجواز الحداء فالاحتياط يقتضي أن يكون بغير الغناء.الثالث: الغناء في قراءة القرآن.
وقد اشتهرت نسبة الجواز إلى صاحب الكفاية(3) حيث قال: إنّ غير واحد من الأخبار يدلّ على جواز الغناء في القرآن، بل استحبابه، بناء على دلالة الروايات على استحباب حسن الصوت والتحزين والترجيع به، والظاهر أنّ شيئاً منها لا يوجد بدون الغناء، على ما استفيد من كلام أهل اللغة وغيرهم، على ما فصّلنا في بعض رسائلنا.
ثم ذكر وجهين للجمع بين الأخبار أحدهما: تخصيص تلك الأخبار الواردة المانعة بما عدا القرآن، وحمل ما يدل على ذمّ التغنّي بالقرآن على قراءة تكون على سبيل اللهو كما يصنعه الفساق(4) ، المؤيدة برواية عبد الله بن سنان
ص: 295
الناهية عن قراءة القرآن بألحان أهل الفسوق(1) .
ثانيهما: ما نسب إليه في كلام الشيخ ! (2) من جواز الغناء في القرآن مطلقاً بناء على وقوع التعارض بين الأخبار الكثيرة المتواترة الدالّة على فضل قراءة القرآن والأدعية والأذكار، وبين ما دلّ على حرمة الغناء مطلقاً بالعموم من وجه، وبعد التساقط في مورد الاجتماع يكون المرجع هو أصالة الإباحة، والنتيجة هي الحكم بالجواز.وقد قيل: إنّ هذا الوجه لا عين منه ولا أثر في كتاب الكفاية ولا لما نسبه الشيخ إليه من العبارات(3) .
وتوجيهه أن يقال: إنّ الشيخ ! إما أنه قد نقله من بعض رسائل صاحب الكفاية والتي أشار إليها في عبارته المتقدمة، وإما أنه قد استفاده من مجموع الكلام ونقله بالمعنى وشاهده قوله: وثانيهما أن يقال: ... وحاصل ما قال(4) ... الخ.
وعلى أي تقدير فلا إشكال في الوجه الأول، وإنما الكلام في الوجه الثاني فقد أشكل عليه الشيخ ! بأنه لا وجه للقول بالتعارض بين أدلة المستحبات والأدلة الإلزامية من الواجبات والمحرمات، وذلك لأنّ مرجع أدلة الاستحباب إلى استحباب إيجاد الشيء بسببه المباح لا بسببه المحرّم، ولذا لا يجوز إدخال السرور في قلب المؤمن وإجابته بالمحرمات كالزنا واللواط والغناء، وسرّه أنّ دليل الاستحباب إنما يدل على كون الفعل لو خلي وطبعه كان خالياً عما يوجب لزوم أحد طرفيه، فلا ينافي ذلك طروّ عنوان من الخارج يوجب لزوم فعله أو تركه كما إذا صار مقدمة لواجب، أو صادفه عنوان محرّم،
ص: 296
وجهات الأحكام الثلاثة أي الإباحة والاستحباب والكراهة لا تزاحم جهة الوجوب أو الحرمة، فالحكم لهما مع اجتماع جهتيهما بإحدى الجهات الثلاث، ويشهد لذلك عدم تأدّي المستحباتفي ضمن المحرّمات(1) .
هذا، وقد أشكل على الشيخ جماعة ممن تأخر عنه منهم السيد الأستاذ ! وحاصل ما أورده عليه: أنّ ما ذكره الشيخ إنما يتم فيما إذا كان التعارض في مقام الامتثال لا في مقام الجعل والإنشاء، وإلاّ فلا فرق بين الحكمين المتعارضين سواء أكانا إلزاميين أو أحدهما أو كلاهما غير إلزاميين، فإنّ التعارض _ وهو تكاذب الدليلين _ واقع لا محالة، ولذا لو صرّح _ في محل كلامنا _ باستحباب قراءة القرآن بالصوت اللهوي كان معارضاً لما دل على حرمة الغناء مطلقاً، مع أنّ قراءة القرآن مما لا إشكال في استحبابها، إلاّ أن يكون أحدهما مقيداً بعدم وجود الآخر، أو يكون أحدهما حكماً أولياً والآخر ثانوياً، ولابدّ من علاج آخر وهو أن يقال: لا وجه للحكم بالتساقط والرجوع إلى أصالة الإباحة بل الرجحان لأدلة المنع على أدلة الجواز لمخالفتها لما ذهب إليه العامة من الجواز(2) .
هذا، ولكن ليس من البعيد أن يكون مراد الشيخ من عدم المقاومة هو تقييد أدلة الجواز بما هو مرتكز في عرف المتشرعة، بمعنى أنّ كل مستحب وإن كانت أدلّته مطلقة إلاّ أنها مقيدة بما إذا لم يترتب عليها الحرام فتدبر.
ثم إنّ لصاحب مفتاح الكرامة كلاماً لطيفاً لا بأس بذكره قال في مقام الجواب: قد قام المحدّث الكاشاني والفاضل الخراساني فنسجا على منوال الغزالي وأمثاله من علماء العامة، وخصّا الحرام منه بما اشتمل على محرّم من
ص: 297
خارج، مثلاللعب بآلات اللهو ودخول الرجال والكلام في الباطل، واستندا في ذلك إلى أخبار تقرب من اثني عشر خبراً (مع أنها ضعيفة ومتعارضة) ، وهي على تقدير تسليم وضوح دلالتها مخالفة للكتاب المجيد موافقة للعامة محمولة على التقية، مع أنها معارضة بخمسة وعشرين خبراً بين صريحة الدلالة أو ظاهرة على تحريم الغناء مطلقاً من غير تقييد، ويعضدها الأخبار الدالة على تحريم استماع الغناء وهي ثلاثة أخبار، والأخبار الدالة على تحريم ثمن المغنية وهي خمسة أخبار، فلو كان الغناء حلالاً بل مستحباً في نحو القرآن والأدعية والمناجاة كما هو ظاهر كلامهما لما حكم بتحريم سماعه، وتحريم ثمن المغنية وأنه سحت وأنّ تعليمها كفر(1) .
هذا، وقد تقدم منّا أنّ قراءة القرآن خارجة عن الغناء تخصّصاً واستشهدنا بما ورد في رواية عبد الله بن سنان إذ ورد فيها: اقرأوا القرآن بألحان العرب وأصواتها وإياكم ولحون أهل الفسق والكبائر(2) .
ومعه فلا تصل النوبة إلى تكلّف الترجيح أو الجمع بين الروايات.
الرابع: الغناء في رثاء الحسين (علیه السلام) .
قال المحقق الأردبيلي ! في مجمع الفائدة: وقد استثني مراثي الحسين(علیه السلام) أيضاً، ودليله غير واضح، ولعل دليل الكلّ أنه ما ثبت بالإجماع إلاّ في غيرها، والأخبار ليست بصحيحة صريحة في التحريم مطلقاً، والأصل الجواز،فما ثبت تحريمه يحرم والباقي يبقى فتأمل فيه.
ويؤيده أنّ البكاء والتفجّع عليه (علیه السلام) مطلوب ومرغوب، وفيه ثواب عظيم، والغناء معين على ذلك، وأنه متعارف دائماً في بلاد المسلمين في زمن المشايخ
ص: 298
إلى زماننا من غير نكير، وهو يدلّ على الجواز غالباً ويؤيده جواز النياحة بالغناء ...
ويؤيده أنّ التحريم للطرب على الظاهر، ولهذا قيد بالمطرب، وليس في المراثي طرب بل ليس إلاّ الحزن، وأكثر هذا يجري في استثناء مطلق المراثي وكأنّه ترك للظهور(1) .
والكلام في هذا المورد هو ما مر في المورد السابق، فإنّ المراثي خارجة عن الغناء موضوعاً، إذ هي ليست من أحد القسمين المحرّمين إلاّ أن يكون اللحن لهوياً بحيث يُعدّ من ألحان أهل الفسوق والكبائر، فيحكم حينئذ بحرمتها كما إذا قرىء القرآن كذلك.
فما ورد في فضل الرثاء وثواب إقامة العزاء على المعصومين (علیهم السلام) لا يعارض ما دلّ على حرمة الغناء أصلاً.
وعلى فرض إطلاق أدلة المراثي فلا تقاوم أدلة التحريم.
وأما ما ذكره من المؤيدات فهي مندفعة بأدنى تأمّل، إذ كيف يكون الغناء المحرّم معيناً على البكاء والتفجّع؟!!وكيف يقال: إنّ السيرة قائمة على الغناء في بلاد المسلمين؟! وهل هذه السيرة _ على فرض تحققها _ مورد للاعتبار؟ وهل هي متصلة بزمان المعصومين؟ وكذا الكلام في ما ذكره من المؤيدات الأخرى.
وأما الموضع الرابع وهو في حكم الآلات اللهوية فالذي يقال:
إنّه قد ورد النهي عن استعمال آلات اللهو كالطبل والناي والطنبور والمزمار وغيرها، والاستماع إليها في أكثر من أربعين رواية كما في الوسائل والمستدرك.
ص: 299
وتنقسم هذه الروايات إلى قسمين:
الأول: ما يدل على عدم جواز استعمالها بعنوان عام شامل لكل الآلات اللهوية وهي على طوائف:
الطائفة الأولى: ما ورد في النهي عن اللهو والملاهي وهي عدة روايات منها:
موثقة عنبسة عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: استماع اللهو والغناء ينبت النفاق كما ينبت الماء الزرع(1) .
ومنها: معتبرة حمران عن أبي عبد الله (علیه السلام) في حديث _ وهو طويل يتضمّن أخبار الملاحم _ وقد جاء فيه: ورأيت الملاهي قد ظهرت يمرّ بها لا يمنعها أحدٌ أحداً، ولا يجتري أحدٌ على منعها ...(2) .
ومنها: ما في المقنع قال: واجتنب الملاهي واللعب بالخواتيم والأربعة عشر،وكلّ قمار، فإنّ الصادقين (علیهما السلام) نهوا عن ذلك(3) .
ومنها: رواية عبد الله بن علي، عن علي بن موسى، عن آبائه عن علي (علیهم السلام) قال: كل ما ألهى عن ذكر الله فهو من الميسر(4) .
والظاهر أنّ المراد بعبد الله هو عبد الله بن علي بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين (علیهما السلام) فإنّ له نسخة عن الرضا (علیه السلام) (5) . ولكن لم يرد فيه توثيق.
ومنها: رواية سماعة قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام) لما مات آدم شمت به إبليس وقابيل فاجتمعا في الأرض، فجعل إبليس وقابيل المعازف والملاهي
ص: 300
شماتة بآدم (علیه السلام) فكلّ ما كان في الأرض من هذا الضرب الذي يتلذذ به الناس فإنما هو من ذلك(1) .
وهذه الرواية تدل على أنّ الملاهي من عمل الشيطان.
ومنها: رواية تحف العقول المعروفة الواردة في أقسام المعائش وقد جاء فيها: وذلك إنما حرّم الله الصناعة التي هي حرام كلّها التي يجيء منها الفساد محضاً نظير البرابط والمزامير والشطرنج وكلّ ملهوّ به(2) .ومنها: رواية الصدوق في العيون بإسناده عن الفضل بن شاذان عن الرضا(علیه السلام) الواردة في تعداد جملة من الكبائر، وقد جاء في آخرها: والمحاربة لأولياء الله والاشتغال بالملاهي والإصرار على الذنوب(3) .
ومنها: ما في أصل زيد النرسي عن أبي عبد الله (علیه السلام): وأنّ المؤمن لفي شغل عن ذلك، شغله طلب الآخرة عن الملاهي _ إلى أن قال _ : وإنّ المؤمن عن جميع ذلك لفي شغل، ماله وللملاهي، فإنّ الملاهي تورث قساوة القلب، وتورث النفاق ...(4).
ومنها: ما رواه القطب الراوندي في لبّ اللباب عن النبي (صلي الله علیه وآله) قال: من استمع إلى اللهو يذاب في أذنه الآنك(5) .
ويؤيد ذلك ما رواه الصدوق بإسناده عن حماد بن عمرو، وأنس بن محمد، عن أبيه عن جعفر بن محمد عن آبائه (علیهم السلام) في وصية النبي (صلي الله علیه وآله) لعلي (علیه السلام)،
ص: 301
قال: يا علي ثلاثة يقسين القلب: استماع اللهو، وطلب الصيد، وإتيان باب السلطان(1) .
الطائفة الثانية: ما ورد في النهي عن المعازف وهي على ما في كتب اللغة: آلات اللهو يضرب بها، الواحد عَزْفٌ رواية عن العرب، وإذا أفرد المعزف بكسرالميم، فهو نوع من الطنابير يتخذه أهل اليمن كذا نقل عن المغرب. وفي النهاية: العزف اللعب بالمعازف وهي الدفوف وغيرها مما يضرب بها، والعزف كفلس: واحد المعازف على غير قياس، والعازف اللاعب، وعزف عزفاً من باب ضرب - وعزيفاً: لعب بالمعازف(2).
وقد وردت فيها عدة روايات منها:
منها: معتبرة حمران المتقدمة في الطائفة الأولى وقد جاء فيها: ورأيت المعازف ظاهرة في الحرمين(3) .
ومنها: رواية عبد الله بن عباس عن رسول الله (صلي الله علیه وآله) في حديث قال: إنّ من أشراط الساعة إضاعة الصلوات واتّباع الشهوات والميل إلى الأهواء ... إلى أن قال: ويستحسنون الكوبة والمعازف(4) .
ومنها: رواية الديلمي في الإرشاد قال: قال رسول الله (صلي الله علیه وآله) يظهر في أمتي الخسف والقذف، قالوا: متى ذلك؟ قال: إذا ظهرت المعازف والقينات وشربت الخمور(5).
ومنها: روايته الأخرى قال: وقال النبي (صلي الله علیه وآله): إذا عملت أمتي خمس عشرة خصلة حلّ بهم البلاء _ إلى أن قال: _ واتخذوا المعازفوالقينات وشربوا
ص: 302
الخمور وكثر الزنا، فارتقبوا عند ذلك ريحاً حمراء وخسفاً أو مسخاً وظهور العدوّ عليكم، ثم لا تنصرون(1) .
ومنها: رواية سماعة المتقدمة في الطائفة الأولى(2) .
وغيرها من الروايات.
الطائفة الثالثة: ما ورد في النهي عن الأوتار، وهي تطلق على جملة من آلات اللهو كالعود والطنبور والقيثار(3) ونحوها من الآلات اللهوية ذات الأوتار، وقد وردت فيها عدة روايات:
منها: رواية الأعمش عن جعفر بن محمد (علیهما السلام): في حديث شرائع الدين قال: والكبائر محرمة ... والمحاربة لأولياء الله، والملاهي التي تصدّ عن ذكر الله عزّوجلّ مكروهة كالغناء وضرب الأوتار، والإصرار على صغائر الذنوب(4) .
والكراهة هنا إما بمعنى الحرمة وإما أنها محمولة على التقية فإنّ الغناء والإصرار على الذنوب مما لا إشكال في حرمتهما.
ومنها: ما رواه الشيخ أبو الفتوح في تفسيره عن أبي أمامة عن رسول الله(صلي الله علیه وآله) أنه قال: إنّ الله تعالى بعثني هدى ورحمة للعالمين،وأمرني أن أمحو المزامير والمعازف والأوتار والأوثان، وأمور الجاهلية _ إلى أن قال: _ إنّ آلات المزامير شراؤها وبيعها وثمنها والتجارة بها حرام(5) .
ومنها: ما رواه صاحب الروضات عن رسالة قبائح الخمر للسيد الجليل الأمير صدر الدين الدشتكي عن الرضا (علیه السلام): استماع الأوتار م