بهجة الحدائق في شرح نهج البلاغة

هوية الکتاب

رقم الإيداع في دارالكتب والوثائق العراقية ببغداد 2977 لسنة 2018

مصدر الفهرسة: IQ-KaPLI ara IQ-KaPLI rda

رقم تصنيف BP38.08.S24 B3 2018 :LC

المؤلف الشخصي: السلامي، غيداء كاظم عبد الله - مؤلف.

العنوان: بهجة الحدائق في شرح نهج البلاغة لعلاء الدين محمد بن ابي تراب الحسني /

بيان المسؤولية: دراسة وتحقيق م. د. غيداء كاظم عبد الله السلامي؛ تقديم نبيل قدوري حسن الحسني.

بيانات الطبع: الطبعة الاولى.

بيانات النشر: كربلاء، العراق: العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة، 2018 / 1439 للهجرة.

الوصف المادي: 6 مجلد؛ 24 سم.

سلسلة النشر: (العتبة الحسينية المقدسة؛ 514).

سلسلة النشر: (مؤسسة علوم نهج البلاغة؛ 153).

سلسلة النشر: (سلسلة تحقيق المخطوطات؛ 9).

تبصرة عامة: الكتاب في الاصل رسالة ماجستير.

تبصرة ببليوجرافية: يتضمن ارجاعات ببليوجرافية.

موضوع شخصي: الشريف الرضي، محمد بن الحسين، 359 - 406 للهجرة - نهج البلاغة.

موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (عليه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة - 40 للهجرة - احاديث.

موضوع شخصي: کلستانه اصفهاني، محمد بن ابي تراب، توفي 1110 للهجرة -- بهجة الحدائق في شرح كلمات كلام الله الناطق.

موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (عليه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة - 40 للهجرة - رسائل.

موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (علیه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة - 40 للهجرة - كلمات قصار.

مؤلف اضافي: الحسني، نبيل قدوري، 1965 -، مقدم.

مؤلف اضافي: دراسة ل (عمل): كلستانه اصفهاني، محمد بن ابي تراب، توفي 1110 للهجرة -- بهجة الحدائق في شرح كلمات كلام الله الناطق.

اسم هيئة اضافي: العتبة الحسينية المقدسة (كربلاء، العراق). مؤسسة علوم نهج البلاغة - جهة مصدرة.

عنوان اضافي: بهجة الحدائق في شرح كلمات كلام الله الناطق.

عنوان اضافي: حدائق الحقايق في شرح كلمات كلام الله الناطق

تمت الفهرسة قبل النشر في مكتبة العتبة الحسينية

ص: 1

المجلد 1

اشارة

رقم الإيداع في دارالكتب والوثائق العراقية ببغداد 2977 لسنة 2018

مصدر الفهرسة: IQ-KaPLI ara IQ-KaPLI rda

رقم تصنيف BP38.08.S24 B3 2018 :LC

المؤلف الشخصي: السلامي، غيداء كاظم عبد الله - مؤلف.

العنوان: بهجة الحدائق في شرح نهج البلاغة لعلاء الدين محمد بن ابي تراب الحسني /

بيان المسؤولية: دراسة وتحقيق م. د. غيداء كاظم عبد الله السلامي؛ تقديم نبيل قدوري حسن الحسني.

بيانات الطبع: الطبعة الاولى.

بيانات النشر: كربلاء، العراق: العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة، 2018 / 1439 للهجرة.

الوصف المادي: 6 مجلد؛ 24 سم.

سلسلة النشر: (العتبة الحسينية المقدسة؛ 514).

سلسلة النشر: (مؤسسة علوم نهج البلاغة؛ 153).

سلسلة النشر: (سلسلة تحقيق المخطوطات؛ 9).

تبصرة عامة: الكتاب في الاصل رسالة ماجستير.

تبصرة ببليوجرافية: يتضمن ارجاعات ببليوجرافية.

موضوع شخصي: الشريف الرضي، محمد بن الحسين، 359 - 406 للهجرة - نهج البلاغة.

موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (عليه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة - 40 للهجرة - احاديث.

موضوع شخصي: کلستانه اصفهاني، محمد بن ابي تراب، توفي 1110 للهجرة -- بهجة الحدائق في شرح كلمات كلام الله الناطق.

موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (عليه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة - 40 للهجرة - رسائل.

موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (علیه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة - 40 للهجرة - كلمات قصار.

مؤلف اضافي: الحسني، نبيل قدوري، 1965 -، مقدم.

مؤلف اضافي: دراسة ل (عمل): كلستانه اصفهاني، محمد بن ابي تراب، توفي 1110 للهجرة -- بهجة الحدائق في شرح كلمات كلام الله الناطق.

اسم هيئة اضافي: العتبة الحسينية المقدسة (كربلاء، العراق). مؤسسة علوم نهج البلاغة - جهة مصدرة.

عنوان اضافي: بهجة الحدائق في شرح كلمات كلام الله الناطق.

عنوان اضافي: حدائق الحقايق في شرح كلمات كلام الله الناطق

تمت الفهرسة قبل النشر في مكتبة العتبة الحسينية

ص: 2

سلسلة تحقيق المخطوطات

وحدة تحقيق الشروحات

بهجة الحدائق

في شرح

نهج البلاغة

لعلاء الدین محمد بن ابی تراب الحسنی کلستانة

المتوفی سنة 1110 ه

الجزء الأول

دراسة وتحقيق

م. د. غيداء كاظم السلامي

اصدار

مؤسسة علوم نهج البلاغة

في العتبة الحسينية المقدسة

ص: 3

جميع الحقوق محفوظة

العتبة الحسينية المقدسة

الطبعة الأولى

1439 ه - 2018 م

العراق - كربلاء المقدسة - مجاور مقام علي الأكبر عليه السلام

مؤسسة علوم نهج البلاغة

هاتف: 07728243600 - 07815016633

الموقع الألكتروني: www.inahj.org

الإيميل: Info@Inahj.org

تنويه:

إن الأفكار والآراء المذكورة في هذا الكتاب تعبر عن وجهة نظر كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العتبة الحسينية المقدسة

ص: 4

بسم الله الرحمن الرحيم

«وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ»

صدق الله العلي العظيم

سورة هود الآية 88

ص: 5

ص: 6

الإهداء

إلى من يرنو إليه نظري وفكري وقلبي

صباحاً ومساء حباً ورجاء في شفاعته

سيد الكائنات وخير البرية رسولنا الكريم محمد (صلى الله عليه وآله).

إلى صاحب العلم والبلاغة، شهيد الحق الإمام علي (علیه السلام).

إلى ركنَي الأمان والحنان..... أبي وأمي

إلى شجرة العطاء...

إخوتي وأخواتي.

إلى النجمتين في سماء حياتي... ابنتيَّ

ص: 7

ص: 8

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة المؤسسة

الحمد لله الذي لا يبلغ مدحته القائلون، ولا يحصي نعمائه العادّون، ولا يؤدي حقه المجتهدون، الذي لا يدركه بُعد الهمم، ولا يناله غوص الفطن والصلاة والسلام على خير خلقه وصفوة رسله أبي القاسم محمد وعلى آله موضع سره، ولجؤ أمره، وعيبة علمه، وموْئل حُكمه، وكهوف كتبه، وجبال دينه، وسلم تسليماً آناء الليل وأطراف النهار.

أما بعد:

يُعد حقل (الشروحات) من الحقول المعرفية المهمة التي رافقت الحركة العلمية للأحاديث الشريفة، لا سيما الأحاديث النبوية، فقد شهدت المكتبات الإسلامية العديد من الشروحات التي التصقت بالحديث النبوي الشريف لتنافس في ذلك الحركة العلمية للتفاسير، وكان العلماء المسلمين أرادوا خلق حالة من التوازن في بيان معارف القرآن والحديث النبوي الشريف، ثم تبعوا هذا النهج الفقهاء، فقاموا بشرح كثيرٍ من المصنفات الفقهية لأساطين الفقه في المذاهب الإسلامية السبعة.

وعليه: لم يكن كتاب نهج البلاغة ببعيد عن هذا الحقل المعرفي والمنهج العلمي فقد تتوّق للإنتهال من معينه الفياض بالعلوم والمعارف أساطين

ص: 9

العلماء في اللغة، والكلام، والفقه، والتاريخ، والسيرة، والفلسفة، والعقائد، والتربية، والاجتماع، والسلوك، وغيرها من العلوم، التي وجد فيها العلماء ضالتهم؛ بل لقد أصبحت هذه الشروحات لكتاب نهج البلاغة هي بحد ذاتها منهلاً لكثير من الدراسات الأكاديمية؛ لما تحتويه على معارف كثيرة ومتجددة، مما فسح المجال لحقول معرفية جديدة بالظهور، لا سيما والعالم يشهد حركة معرفية متسارعة.

وعليه: فما هذا الشرح الذي بین أيدينا الموسوم ب(بهجة الحدائق في شرح نهج البلاغة) للعالمٍ الجليل السيد علاء الدين محمد ابن أبي تراب الحسني

(كلستانة) إلا واحداً من تلك الشروح، التي انبرى أصحابها للإدلاء بدلوهم في معین علوم كتاب نهج البلاغة، وما هذا التحقيق لهذا المخطوط إلا واحداً من الدراسات الأكاديمية القيّمة لنيل شهادة الدكتوراه للأخت الباحثة غيداء كاظم السلامي، التي بذلت قصارى جهدها في دراسة هذا المخطوط ومقابلته على سبع نسخ خطية، ووضع الهوامش العلمية والإحالات المرجعية؛ فضلاً عن تزيین العمل بالكشاف العلمي، الذي الحق بهذه الدراسة.

فجزى الله الباحثة على ما بذلت من جهود كبیرة، ونسأل الله تعالى أن ينفعها بهذا العلم في يوم الجزاء «يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ٭ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ» (الشعراء: 88 - 89).

والحمد لله رب العالمين.

السيد نبيل الحسني الكربلائي

رئيس مؤسسة علوم نهج البلاغة

ص: 10

مقدمة

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سبحانَ مَنْ لَبِسَ البهْجَةَ والجَمَالَ، سُبحانَ مَنْ تردّى بالنُّورِ وَالوَقَارِ، سُبْحانَ مَنْ يَرَى أَثَرَ النَّملِ فِي الصَّفا، سُبحانَ مَنْ يَرَى أَثَرَ الطَّیْرِ فِي الهَوَاءَ،

سُبحانَ مَنْ هُو هَكذَا وَلا هكَذا غَیْرُه، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَى أَشْرفِ مَنْ نَطَقَ بالضَّادِ سَيّدنا مُحَمَّدٍ، وعَلَى آلِهِ الطَّيبینَ الطَّاهِرينَ....

أَمَّا بَعْدُ

فإنَّ من كرم الله عليَّ ومنته أن وفقني لدراسة موضوع يتعلق بالإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، فبكلامه استعان كل واعظ بليغ، واحتج به كل عالم حکیم، لأن كلامه (عليه السلام) الكلام الذي عليه مسحة من العلم الإلهي، وفيه عبقة من الكلام النبوي.

من المعروف أنَّ كلَّ دراسة في نهجه البليغ تعطي وتضيف للباحث أكثر مما يضيف لها، ولهذا كثرت الشروح على كلامه (عليه السلام) في نهجه الكريم، وتوالت الأقلام تصفُ حسن عباراته ودقائق نظمه، وعظمة حكمته، ودرر

ص: 11

ألفاظه، ومن أول الشروح ما كتبه قطب الدين الراوندي (ت 573 ه) أو أبي الحسن البيهقي (ت 565 ه) - على اختلاف القول بين صاحب ریاض العلماء وخاتمة المستدرك(1)- إلى آخر الشروح التي خرجت لتوجيه هذا السفر الخالد دراسة وتحليلا، وعلى اختلاف اللغات من عربية وفارسية وأوردية، وتكفي نظرة واحدة إلى كتاب الذريعة، باب شروح النهج لتبيان مقدار هذه الشروح وعدّتها.

وقد انضم السيد علاء الدین کلستانة الأصفهاني إلى كوكبة الشرّاح، فقدم شرحًا للنهج مستعينًا بما سبقه من الشرّاح أمثال القطب الراوندي، وابن أبي الحديد، وابن میثم البحراني، ومن عاصره، أمثال العلامة المجلسي في كتابه بحار الأنوار، وشرح السيد كلامَ الإمام (عليه السلام) شرحًا وافيًا غير مخلٍ ولا مطنبٍ، فهو كما يصفه: (مختصر يذلل من الألفاظ صعابها، ويكشف عن عرائس المعاني على وجه الايجاز جلبابها)، وقد شبهه بأنه كالطلع لحدائق الحقائق الذي هو شرح واسع ومطول للشارح.

والحقّ أنَّ الخوضَ في غمارِ التحقيقِ ليسَ بالأمرِ الهينِ، ولاسيما أن المخطوط واسع تجاوز صحائفه الثلاثمائة صحيفة، مما تطلّب منّي مضاعفة الجهد والرجوع إلى أعداد كثيرة من المصادر المتنوعة بسبب الثقافة الموسوعية للمصنف فتعددت مصادره ما بين لغوية، وأدبيةٍ، وتاريخية، ودينية، وفلسفية وكلامية، وغير ذلك.

ص: 12


1- ریاض العلماء وحياض الفضلاء، عبد الله أفندي (ت 1130 ه): 2 / 421، وخاتمة المستدرك، حسن الطبرسي (ت 1320 ه): 1 / 184

وقد بذلتُ أوقاتًا طوالاً في مقابلة النسخ وإكمال الطمس والخرم، ومعالجة بعض الكلمات غير المقروءة، هذا من جانب، ومن جانب آخر فإني حصلت على سبع نسخ خطية من داخل البلد، والخمس البقية خارج البلد - في إيران - مما تطلب الأمر إلى السفر وجلبها من إيران، وقد بذل المشرف الفاضل جهودًا مضنية لتسهيل هذا الامر؛ فقد استجلبها لي - مشكورًا - من مدينة قم المقدسة من مكتبتي (المرعشي، ودار إحياء التراث).

إلا أنّ الذي هوّن الأمر علىّ حبّي الشديد للتحقيق، ورغبتي في إحياء التراث كي يبصر النور وليفيد منه القارئون، والباحثون.

وبعد أن استوى التحقيق على سوقه من جمع نسخ خطية، ومقابلة، وتخریج، وما يلحق بها من مبادئ تحقيقية، توجهت حينها إلى الدراسة التي جاءت في قسمين:

القسم الأول: قسم الدراسة، ويشمل: المبحث الأول: حياة علاء الدين کلستانة (اسمه، نسبه،، کنیته لقبه، مولده، عصره، أساتذته، تلاميذه، مؤلفاته، أقوال العلماء فيه، وفاته).

أمّا المبحث الثاني فخصصته لموارد الشرح المتمثلة ب(الكتب) التي اعتمدها الشارح فقسمتها إلى (كتب المعجمات، کتب النحو، کتب اللغة، كتب التفاسیر، کتب الأحاديث، كتب الأنساب، كتب التاريخ). و (الأعلام) فذكرت الأعلام الذين رجع اليهم الشارح، وعلى اختلاف مواردهم.

في ما تناول المبحث الثالث منهج الشارح، فعرضت طريقة شرحه للألفاظ المتمثلة بالضدّ، والخلاف، والنقيض، والتقابل، ثم عرضت طريقة

ص: 13

ضبطه للكلمة المتمثلة بطريقتي (الوِزان)، و(وصف الكلمة)، بعد ذلك تكلمت على توجهاته الدلالية (الأضداد، الترادف، تعميم المعنى، الانسجام في المعاني التي يبينها).

ثم عرّجت على اهتماماته الصرفية، وإشارته للمذكر والمؤنث، وتوجيهه للضمائر، واشارته للقياسي وغير القياسي، وایراده لأكثر من رواية والترجيح بينهما، وتعليله للتسميات، وانتقاده لبعض الشارحين وردوده عليهم.

وتضمن المبحث الرابع شواهد الشرح المتمثلة ب(القرآن الكريم)، و(القراءات القرآنية)، و(الحديث النبوي الشريف)، و(الأمثال)، و(الشعر والرجز).

ثم جاء القسم الثاني وهو التحقيق، ويشمل منهج التحقيق، عرضت فيه الخطوات التي اتبعتها في التحقيق، وقدمتُ وصفًا لنسخ المخطوطة التي اعتمدت في التحقيق مع نماذج مصورة منها.

أتبعت الدراسة النص المحقق، وهو في شِقّينِ:

الأول: تحقيق المتن، فقمت بتحقيق المتن، وأظهرت الفرق بينه وبين متن ابن أبي الحديد، ونهج البلاغة لصبحي الصالح، واشرت إلى الفروق في الهامش، وقد اخترتهما من دون غيرهما؛ لأن المحققينِ قد رجعا إلى نسخ من مخطوطات نادرة.

والثاني: تحقیق شرح علاء الدين كلستانه.

وفي نهاية الأطروحة عرضت المصادر والمرجع العلمية التي اعتمدتها في

ص: 14

الدراسة والتحقيق، واتبعتها بمكملات التحقيق العلمية؛ فكانت الفهارس العلمية ل(القرآن الكريم، والحديث النبوي، والاشعار، والاعلام، والأمثال، والكتب، والقبائل، والاماكن والمدن).

وفي الختام لا يسعني إلا أن أتقدم بالشكر والامتنان إلى الاستاذ المساعد الدكتور علي الاعرجي على نصائحه، ومتابعته، وعلى صبره الجميل فكان نعم العون، لما أبداه من ملاحظ سديدة.

وأخيرا أقول: إني بذلت ما بوسعي من جهد وأخلصت النية، أملاً في أن يكون عملي مرضیًّا لله ورسوله وأهل بيته الطاهرين، ولا أدعي أن عملي هذا بلغ الكمال، فإن كنت أصبت فذلك من الله فضلٌ ورحمة، وإن هفوت فإن حسبي توخي الصواب وصدق النية وإن جهدي جهد إنساني، والكمال لله وحده عليه توكلت واليه أنيب.

الباحثة

ص: 15

ص: 16

الدراسة

ص: 17

ص: 18

المبحث الأول: حياة علاء الدين كلستانة

اسمه ونسبه:

هو محمد بن الأمير محمد علي شاه المعروف بأبي تراب بن أبي المعالي بن مرتضى بن أمير منصور بن غیاث بن عبد العزيز بن نظام الدين بن إسماعيل بن شرف الدين صدر بن الأمير إسماعيل بن عماد الدين علي بن الحسن شرف شاه بن عماد الدين بن أبي الفتوح محمد بن أبي الفضل - الشهير بكلستانة - ابن علي بن الحسين بن علي بن الحسين الرئيس بن علي بن الحسين بن الحسين بن القاسم بن محمد - المعروف بالبطحائي - ابن القاسم بن الحسن بن زید بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) الكلستاني البطائحي الحسني(1).

كنيته ولقبه:

لم نقف على كنيته، أما لقبه فهو علاء الدين، وكان أبوه يلقب بأبي تراب، وكان من أعيان كلستانة.

ص: 19


1- تكملة أمل الآمل، حسن الصدر: 3 / 427، والمعقبون من آل أبي طالب، مهدي رجائي الموسوي: 1 / 472

يلقب علاء الدين بكلستانة(1)وهو لقب لحقه من جده الأعلى الذي كان يلقب بکلستانة؛ لأنه أول من سكن من هذه الأسرة وهي أعمال أصفهان.

مولده:

لم تشر المصادر إلى تاريخ ولادته، إلا أنَّ الآبادي ذكر أن عمره يوم مات كان تسع وستون سنة(2)فإذا أثبتنا أنَّ وفاته كانت سنة 1110 ه نستطيع أن نقول إنه ولد سنة 1041 ه.

عصره:

عاش علاء الدین کلستانة خلال حكم الدولة الصفوية في إيران، إذ شهد في صغره ولاية صفي بن صفی میرزا ابن عباس الكبير التي كانت فترة حكمه (1038 ه - 1052 ه)، وشهد من بعده حکم عباس الثاني الذي كان من الفترة (1052 ه - 1077 ه)، وفي أواخر حياته شهد حکم الشاه صفي الثاني الذي حكم إيران من (1077 ه) إلى (1105 ه) والسنوات الخمس الأخيرة شهد فيها حكم ابنه الشاه سلطان التي كانت فترة حكمه (1105 ه - 1135 ه)(3).

وقد ألف الشارح كتابه حدائق الحقائق خلال حكم الشاه صفي الثاني الملقب ب(سلیمان) والدليل على ذلك ما ورد في كتاب الذريعة، إذ جاء فيه: ((... والحدائق هو شرحه الكبير لنهج البلاغة خرج في ثلاث مجلدات وإنه

ص: 20


1- (کُلُسْتان: روضة الأزهار) المعجم الذهبي (فارسي - عربي)، الدكتور محمد التونجي: 508
2- وقائع السنين والأعوام، الخاتون آبادي: 546
3- ينظر: تاريخ الدولة الصفوية في إيران، الدكتور محمد سهيل: 213، 221، 226، 228

لم يتم ألفه بعد شرحه الصغير التام الذي سماه (بهجة الحدائق) کما مرَّ في ج 3 ص 161 وصدره باسم الشاه سلیمان الصفوي، أوله [الحمد لله الذي رفع النا أعلام المجد بولاء حامل لواء الحمد...]))(1)وخلال حكم الشاه سلیمان الذي استمر حكمه ثمانية وعشرون سنة كانت إيران مستقرة نسبياً فلم تتعرض لأي غزو خارجي مهم، غير أنَّ شمال إيران - استراباد والدامغان وسمنان تعرض لغزوه ترکمانية في عامي (1086 - 1087)(2). بالتأكيد فإنَّ هذا الاستقرار كان له دور في عطاء الشارح وغيره من العلماء اضافة إلى أنَّ معظم حكام الدولة الصفوية أهتموا بالعلماء وأكرموهم ووفروا لهم ما يحتاجون لغرض التأليف ونشر علوم أهل البيت وفي مقدمتهم الشاه عباس الأول الذي جعل عاصمته أصفهان(3).

أساتذته:

تتلمذ علاء الدين على يد العلامة محمد باقر المجلسي (ت 1111 ه) صاحب بحار الأنوار(4)، وتجمعهما رابطة مصاهرة، يقال إن علاء الدين هو أخو زوجة المجلسي(5)، وقيل: خالها(6).

ص: 21


1- الذريعة الذريعة إلى تصانيف الشيعة، آغا بزرك (ت 1389 ه): 6 / 284، 285
2- ينظر: تاريخ الدولة الصفوية في إيران: 227
3- ينظر: المصدر نفسه: 151
4- ينظر: تلامذة المجلسي، أحمد الحسيني: 57
5- ينظر: الكنى والألقاب، عباس القمي (1359 ه): 2 / 477، ومستدرك سفينة البحار علي النمازي الشاهرودي (ت 1405 ه): 5 / 259
6- ينظر: أعيان الشيعة، محسن الأمين (ت 1371 ه): 9 / 61

تلاميذه:

تتلمذ على يده:

- محمد هاشم بن أبي طالب الحسيني(1).

- السيد ربيع بن شرف جهان بن أبي الصلاح بن جعفر الحسني الأردستاني(2).

- محمد صادق بن محمد کاظم الخوانساري الأصفهاني(3).

- محمد نصير الكلبايكاني(4).

مؤلفاته

من مؤلفاته:

- بهجة الحدائق في شرح نهج البلاغة(5)وهو المخطوط الذي نحن بصدد تحقيقه.

- ترتيب مشيخة الفقيه(6).

ص: 22


1- ينظر: الذريعة: 4 / 70
2- ينظر: مستدرك أعيان الشيعة، حسن الأمين (1399 ه): 6 / 164، وتراجم الرجال، أحمد الحسینی: 1 / 212
3- ينظر: إجازات الحديث، المجلسي: 217
4- ينظر: تلامذة المجلسي: 131، 132
5- ينظر: جامع الرواة وإزاحة الاشتباهات عن الطرق والاسناد، محمد الأردبيلي (ت 1101): 1 / 544، والذریعة: 6 / 284، 14 / 145، وأعيان الشيعة: 9 / 61، وشروح نهج البلاغة، حسين جمعه العاملي: 80، والغدير، الأميني (ت 1392 ه): 4 / 190، ومصادر نهج البلاغة وأسانیده: عبد الزهراء الحسيني الخطيب: 1 / 254، ومعجم رجال الحدیث: 12 / 197، ومعجم المؤلفين: 9 / 125، 126
6- تلامذة المجلسي: 58

- حدائق الحقائق في شرح نهج البلاغة، وهو شرح كبير، قيل إنه في ثلاثة مجلدات غير تام(1)(مخطوط)، وذكر بعضهم أنه شرح مبسوط في عشرين مجلداً(2).

- روضة الشهداء(3).

- روضة العرفاء ودوحة العلماء في شرح الأسماء الحسنی(4)، وذكرها بعضهم باسم شرح الأسماء الحسنی(5).

- شرح الرسالة الأهوازية الصادقية(6).

- منهج اليقين، وهو شرح الرسالة المُذَهَبَة للإمام الرضا (عليه السلام) التي أرسلها إلى المأمون(7).

أقوال العلماء فيه:

من العلماء الذين اثبتوا في كتبهم آراءهم في السيد علاء الدين:

1 - الميرزا محمد الأردبيلي، قال عنه: ((من سادات کلستانة جلیل القدر،

ص: 23


1- ينظر: الذريعة: 6 / 284، 285، ومعجم المؤلفين: 9 / 125، 126 ومصادر نهج البلاغة وأسانيده: عبد الزهراء الحسيني الخطيب: 1 / 255، وشروح نهج البلاغة، حسين جمعه العاملی: 80
2- ينظر: كشف الحجب والاستار، اعجاز حسین: 193
3- جامع الرواة وإزاحة الاشتباهات عن الطرق والاسناد: 1 / 544، ومعجم رجال الحدیث: 12 / 198، وأعيان الشيعة: 9 / 61، ومعجم المؤلفين: 9 / 125، 126، وتلامذة المجلسي: 58
4- ينظر: الذريعة: 11 / 52، 295
5- أعيان الشيعة: 9 / 61، ومعجم المؤلفين: 9 / 125، 126
6- أعيان الشيعة: 9 / 61
7- ينظر: جامع الرواة: 1 / 544، وأعيان الشيعة: 9 / 61، ومعجم المؤلفين: 9 / 125، 126، وتلامذة المجلسي: 58، ومعجم رجال الحدیث: 12 / 198

عظیم الشأن، رفيع المنزلة، ثقةً ثقة، ثبت عين، عدل، ورع، زاهد، أورع أهل زمانه وأزهدهم، الجامع لجميع الخصال الحسنة، والعالم بالعلوم العقلية والنقلية، کُلف مرتين للصدارة فلم يقبل لكمال عقله، وغاية زهده)).(1)

2 - الشيخ عباس القمي (ت 1359 ه) قال عنه: ((هو السيد الأجل العالم الزاهد مولانا محمد بن أبي تراب))(2)

3 - قال عنه السيد محسن الأمين: ((جلیل القدر، عظيم الشأن عابد زاهد عالم بالعلوم العقلية والنقلية))(3)

4 - الزنوزي قال عنه: ((رجل عالم فاضل، کامل محقق، مدقق، متکلم، علامة منشيء بليغ إمامي))(4).

5 - قال عنه عمر رضا کحالة: ((عالم، مشارك في العلوم العقلية والنقلية))(5).

وفاته:

وردت أكثر من رواية في وفاته، فقيل: توفي في سنة (1100ه)(6)، وقيل:

ص: 24


1- جامع الرواة، محمد الاردبيلي: 1 / 544، ومعجم رجال الحدیث، السيد الخوئي (ت: 1413 ه): 12 / 197، 198
2- الكنى والألقاب، عباس القمي: 2 / 477
3- أعيان الشيعة: 9 / 61
4- ریاض الجنة: 4 / 281
5- معجم المؤلفين: 9 / 125، 126
6- ينظر: الكنى والألقاب: 2 / 477، وأعيان الشيعة: 9 / 61، والغدير: 4 / 190، ومستدرك سفينة البحار: 5 / 259، ومعجم المؤلفين: 9 / 135

في سنة (1110 ه)(1)، ومن المحدثين من ذكر أن تاريخ وفاته كان بعد سنة (1110ه)(2)، والرواية الأولى بعيدة عن الصحة؛ ذلك أن محمد بن علي الأردبيلي(3)المتوفي سنة (1101 ه) صاحب جامع الرواة الذي فرغ من کتابته سنة (1100 ه)(4)ذكر ما يشير إلى أنَّ السيد علاء الدين كان حياً يرزق في هذه السنة، إذ قال عنه: ((... کُلف مرتين للصدارة فلم يقبل لكمال عقله وغاية زهده مدَّ الله تعالى ظله العالي وصانه وأبقاه))(5).

وورد في مقدمة الكتاب أن الأردبيلي لما أراد كتابة نسخة عن نسخة الأصل من كتابه جامع الرواة جمع جماعة من العلماء ومنهم السيد علاء الدين إلى حجرته بالمدرسة المباركة فكتب كل واحد منهم شيئًا تقديراً منهم له، وتيمناً منه بخطوطهم، فكتب له السيد علاء الدين كلمة (الذي)(6).

ص: 25


1- ينظر: الذريعة: 4/ 69، 3 / 161، 6 / 284، 14 / 145
2- ينظر: تلامذة المجلسي: 58
3- محمد بن علي الاردبيلي الغروي الحائري من أهل أردبیل بإيران، عالم بالتراجم، إمامي، سكن مدينة النجف وكربلاء طوال حياته إلا بعض اسفاره إلى إيران وبقائه مدة بأصفهان للاستفادة من دروس علمائها، ولد سنة 1058، قرأ على العلامة المجلسي كثيراً من العلوم الدينية والمعارف اليقينية، فأجازة أجازة مبسوطة، وتتلمذ أيضاً على الشيخ جعفر بن عبد الله القاضي الكمرئي، من كتبه جامع الرواة الذي صنفه في خمسة وعشرين سنة، وتصحيح الاسانيد. ينظر: الاعلام، خير الدين الزركلي: 6 / 295، وتلامذة المجلسي: 67
4- ينظر: جامع الرواة: 1 / 3 (مقدمة الكتاب)
5- ينظر المصدر نفسه: 1 / 544
6- ينظر: جامع الرواة: 1 / 544

المبحث الثاني: أهمية الشرح وموارده

يحتل هذا الشرح أهمية من بين شروح نهج البلاغة؛ لكونه مختصراً تسهل قرأته على القراء بحيث يغني عن قراءة الشروح المطولة، وقد المحَ السيد إلى ذلك بقوله: ((مختصر يذلل من الألفاظ صعابها، ويكشف عن عرائس المعاني على وجه الإيجاز جلبابها)).

وقد استقى السيد علاء الدين موارده من كتب متنوعة، وهو أمر طبيعي بالنسبة لمن يتعامل مع كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) التي تفوق فضاءاته اللغوية كل مقدرة انسانية، ولا يمكن حصر أو تحديد الكميات ولا الكيفيات اللغوية الثرة التي يتضمنها النهج بجانب واحد (نحوي، أو دلالي، أو صوتي، أو صرفي، أو بلاغي) لأنه باختصار کلام کامل، الذي يتعامل مع هذا الكلام لابد أن يتزود بمجموعة من الكتب تعينه على کشف ومزایا كلامه (عليه السلام) وبيانها، ويستعين بآراء أعلام من أهل اللغة، لذا كانت موارده على شقين هما الكتب والاعلام.

أ. الكتب

لجأ الشارح إلى كتب متنوعة اعتمدها في شرحه، وكثيراً ما كان يصرح بها، ويمكن تصنيف هذه الكتب الى:

1 - كتب المعجمات:

من أكثر المعجمات التي اعتمدها الشارح معجم الصحاح، وقد صرح

ص: 26

به كثيراً وكان ينقل - في كثير من الاحيان - نصوصاً منه، من ذلك ما نقله الشارح(1)في بيانه لمعنى (ذَرَّی) قال: ((... وقال الجوهري: (ذَرَتِ الرِّيْحُ الترُّابَ

وَغَیرهُ، تَذَرُهُ وَتَذْرِيهِ ذَرْوًا وَذَرْيًا أي: سَفَتْهُ، وَمنْه قولهم: ذَرَّى الناسُ الحِنطةَ، وأَذْرَيتُ الشيءَ إذا ألقيتَهُ كإلقائِك الحَبَّ لِلزرعِ)(2)، وفي معنى الزبرج: ((قال الجوهري(3): ويقال: الذَّهَب))(4)واعتمده في ايضاح معنى (التواتر) قال: ((والتَواتر: التَّتَابع مطلقًا أو مع فترات کَمَّا ذكرهُ الجوهري))، وقال: إذا لَمْ يَكُنْ بَینَّ الأشياءِ فَترة فمتابعتها مواصلة ومداركة(5))) وفي مواضع أخرى، واعتمد على معجم العين من ذلك ما جاء في بيانه لمعنى (الناجذ)، ((... وقال في العين(6): ((هي السنّ بيَن الأنيابِ والأضراسِ))(7)، واعتمده في معنی کلمة (الكسر): ((... وقال في العين(8): ((الكَسرْ والكِسرْ، لُغتان الشَّقَّةُ السُّفْلى مِنَ الخباءِ، ومِنْ كُلِّ قُبَّة وغشاء يُرفع أحياناً ويرخى حَتَّى يُقال لِناحيتي الصحراء: كِسْراها))(9)، وفي معنى الاعتقام: ((... وقال في العين(10):

ص: 27


1- النص المحقق: 2/ 64
2- الصحاح، مادة (ذرا): 6 / 2345
3- الصحاح، مادة (زبرج): 1 / 318
4- النص المحقق: 1 / 304
5- ينظر: الصحاح، مادة (وتر): 2 / 843
6- العين، مادة (نجد): 6 / 95
7- النص المحقق: 2 / 8
8- العين، مادة (كسر): 5 / 307، 306
9- النص المحقق: 1 / 129
10- العين، مادة (عقم): 1 / 186

((الاعْتِقَامُ الدُّخُولُ فِي الأَمْرِ))(1)، ومواضع أخر ورجع إلى القاموُس المحيط في معنى (واتر)، قال: ((... وفي القاموس(2): واتر أي ((تَابَعَ))(3)، وفي بیان معنی (ثقل): ((... وقال في القاموس(4): الثَّقَلُ مُحرَّكة: مَتاعُ المُسافِرِ، وَحَشمُه، وَكُلُّ شَيءٍ نَفِيسٍ مَصُونٍ))(5)ورجع اليه في بيان معنی (طوح) قال: ((... وفي القاموس(6)طَوَّحَ بِزَيْدٍ: حَمَلَهُ عَلىَ رُكوبِ مَفَازةٍ مُهْلِكة))(7)وغيرها من المواضع. ومن المعجمات التي اعتمدها معجم المصباح المنير في بيان معنی (قدیم)، قال الشارح: ((... وقال في المصباح المنير(8): (أصل القديم في اللسان العربي: السابق؛ لأن القديم هو القادم فيقال الله تعالى قديم بمعنى أنه سابق الموجودات كلها))(9)، وفي معنى (الأمل) قال الشارح: ((... وقال في المصباح المنير(10): (أملته أملًا من باب طلب)))(11)، وفي بيان معنی (الذُلُل) قال: ((الذُلُل بضمتين جمع ذلول وهو ضدّ الصّعب کَرَسُل ورسول صرّح به

ص: 28


1- النص المحقق: 1 / 167
2- القاموس المحيط، مادة (وتر): 2 / 152
3- النص المحقق: 1 / 201
4- القاموس المحيط، مادة (ثقل): 3 / 342
5- النص المحقق: 2 / 74
6- القاموس المحيط، مادة (طوح): 1 / 238
7- النص المحقق: 2 / 196
8- المصباح المنير، مادة (قدم): 2 / 493
9- النص المحقق: 3 / 179
10- المصباح المنير، مادة (أملته) 1 / 22
11- النص المحقق: 3 / 145

في المصباح المنير(1)))(2)واعتمده أيضاً في معنى (المخيلة قال: ((... وقال في المصباح المنير(3): أخالت السحابة إذا رأيتها، وقد ظهرت فيها دلائل المطر، فحسبتها ماطرة))(4)، وفي مواضع أُخر.

2 - كتب النحو:

رجع الشارح إلى كتاب سيبويه (ت 180 ه) من ذلك قوله: ((... والتكرمة مصدر كرّمه كالتكريم، ولكن التفعيل في غير النّاقص قیاس مطرد والتفعلة كثيرة لكنها مسموعة وكذا في المهمُوز اللاّم نحو تخطئة، وتهنئة، وعن سيبويه أنَّ تَفْعِلَةٌ لازم في المهمُوز اللام كما في النّاقص وتكون التكرمة للموضِع الخاص لجلوس الرّجل من فراش أو سرير ممّا يُعَدُّ لاكرامه(5)))(6)، واعتمد مغني اللبيب في الاستدلال على أنَّ (إذ) تكون للمفاجأة إذا جاءت بعد (بين) أو (بینا) فقال: ((... ثم قال صاحب المغني: (وهل هي ظرف مكان أو زمان أو حرف لمعنى المفاجأة، أو حرف توكيد أي زائد؟ أقوال(7)))(8)، وفي موضع آخر قال الشارح: ((وكلمة (عن) بمعنی: (بعد)، ذكره ابن هشام

ص: 29


1- ينظر: المصباح المنير، مادة (ذل): 1 / 210
2- النص المحقق: 3 / 241
3- ينظر: المصباح المنير، مادة (الخيل): 1 / 186، 187
4- النص المحقق: 4 / 186
5- ينظر: کتاب سيبويه: 4 / 271
6- النص المحقق: 1 / 190
7- مغني اللبيب: 1 / 105
8- النص المحقق: 1 / 268

في المغني(1)))(2).

3 - كتب اللغة:

ضم الشرح عدداً من كتب اللغة منها: كتاب البَيان والتّبيين للجاحظ (ت 255 ه)، قال الشارح: في معرض حديثه عن بعض روایات الخطب: ((وقد ذكرها شيخنا أبو عثمان الجاحظ في كتاب (البَيان والتّبيين)(3)))(4)، ورجع إلى كتاب الكامل للمبرد (ت 285 ه) قال الشارح نقلاً عن ابن أبي الحديد (ت 656 ه): ((هذه الخطبة من مشاهير خطبه (عليه السّلَام) قد ذكرهَا كثير من النّاسِ، ورواها أبو العبّاس المبرد في أول الكامل(5)))(6)، ورجع الشارح كثيراً إلى كتاب النهاية لابن الأثير (ت 606 ه)، وكان يصرح به أحياناً أو باسم مؤلفه أحياناً أخرى من ذلك قول الشارح(7): ((وقال في النهاية في تفسير قوله (عليه السلام): ((أي: اجتمعت عليه وانطويت واندرجت))(8)، وقال في موضع آخر(9): ((قال في النهاية: ((وقد أولع الناس فيه بترك الهمز وتشديد الياء))(10)، ورجع أيضا إلى كتاب غريب

ص: 30


1- ينظر: مغني اللبيب: 1 / 167
2- النص المحقق: 5 / 70
3- البيان والتبيين: 237، 238
4- النص المحقق: 2 / 43
5- ينظر: الكامل في اللغة والادب، المبرد: 1 / 20
6- النص المحقق: 2 / 124
7- النص المحقق: 1 / 324
8- النهاية في غريب الحديث والأثر: 1 / 132
9- النص المحقق: 2 / 66
10- النهاية في غريب لحديث والأثر: 4 / 352

الحديث لابن قتيبة (ت 276 ه) قال الشارح نقلاً عن ابن أبي الحديد(1): ((... حليته فقال: رجل أجلى الجبين، أقنى الأنف(2)، ضخم البطن، أزيل الفخذين(3)، أبلج الثنايا(4)، بفخذه اليمين شامة، وذكر هذا الحديث بعينه عبدالله بن قتيبة في كتاب «غریب الحديث»(5)))(6).

4 - التفاسير:

من التفاسير التي رجع اليها الشارح تفسير الكشف والبيان في تفسير القرآن، للثعلبي (427 ه) جاء في شرح النهج: ((... وفي تفسير الثعلبي(7)أنَّه (صلى الله عليه وآله) قبض يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول حين زاغت الشمس))(8)، ورجع للتبيان في تفسير القرآن، للطوسي (ت 460 ه) من ذلك قول الشارح: ((... وفي التبيان(9)عن الزجاج في قوله تعالى: «وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا»(10)انَّه جعل (عدداً) بمعنى المصدر وقال: تقديره: وأحصى كلَّ

ص: 31


1- شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1 / 237
2- القنا في الأنف (هو ارتفاع في أعلاه بين القصبة والمارن من غير قبح) لسان العرب، مادة (قنا): 15 / 203
3- (ورجل أزيل الفخذين: مخرجهما متباعدهما) لسان العرب، مادة (زول): 11 / 317
4- أي مشرق مضيء الثنايا، ينظر: العين، مادة (بلج): 6 / 133، والصحاح، مادة (بلج): 1 / 300
5- غريب الحديث، ابن قتيبة: 1 / 359
6- النص المحقق: 2 / 47
7- ينظر: الكشف والبيان في تفسير القرآن، الثعلبي (427 ه): 2 / 290
8- النص المحقق: 1 / 211
9- ينظر: التبيان في تفسير القرآن، الطوسي: 10 / 159
10- الجن / 28

شيء إحصاءً)(1)، و رجع إلى تفسير الكشاف للزمخشري (ت 538 ه)، قال: ((... قال صاحب الكشاف(2)قوله تعالى: «بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ»(3)يحتملهما فعلى الأول إما من إضافة المصدر إلى الفاعل بأن تكون الكواكب مزينا للأفلاك، أو إلى المفعول بأن زين الله الكواكب وحسنها؛ لأنها إنما زینت السماء لحسنها في أنفسها وعلى الثاني فإضافتها إلى الكواكب بيانية))(4)واعتمد تفسیر مجمع البيان للطبرسي (ت 548 ه) من ذلك قوله: ((وروى الطبرسي رحمه الله في مجمع البيان(5)عنه (عليه السَّلام) أنه قال: ((إنَّ الرجلَ ليعجبهُ شرِاكَ نعلِهِ فيدخل في هذه الآية(6)))، قال: (يعني أن من تكبر على غيره بلباس يعجبه، فهو ممَّن يريد علوا في الأرض)(7).

5 - كتب الاحاديث:

رجع الشارح إلى صحيحي مسلم والبخاري من ذلك قوله: ((ووصى وأوصى بمعنى والوصية في أمر الأنصار رواها من الجمهور البخاري (ت 256 ه)(8)

ص: 32


1- النص المحقق: 1 / 139
2- الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، الزمخشري: 3 / 335
3- الصافات: 6
4- النص المحقق: 1 / 172
5- مجمع البيان: 7 / 464
6- «تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» القصص / 83
7- النص المحقق: 1 / 300
8- روى البخاري: (أوصيكم بالأنصار فإنها كرشي وعيبتي، وقد قضوا الذي عليهم، وبقي الي هم فاقبلوا من محاسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم) صحيح البخاري: 4 / 226

ومسلم (ت 261 ه)(1)وغيرهما(2)، والوصية بهم الأمر بمراعاتهم والاحسان اليهم)(3)، واعتمد على كتاب (الاصول من الكافي) للشيخ الكليني (329 ه) قال: ((... وأما للتقية والخوف من ثوران الفتنة، وتفرق عسکره کما صرح به (عليه السلام) في خطبة طويلة رواها محمد بن يعقوب الكليني (رحمه الله) في الكافي(4)))(5)، و اعتمد على مؤلفات الشيخ الصدوق (ت 381 ه) منها كتابيه علل الشرائع ومعاني الاخبار ((إنما سميَّ انساناً؛ لأنه عهد إليه فنسيَّ، قال تعالى: «وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا»(6)ويدل عليه رواية الصدوق (رضي الله عنه) في العلل(7)ورواية معاني الأخبار(8)))(9)، وكتاب الخصال قال: (((ومن صدقك بهذا) أي: في هذا وكون هذا التصديق تكذيباً للقرآن لادعائه العلم الذي هو عند الله كما يظهر مما رواه الصدوق رحمه الله في الخصال(10))(11)، وكتاب (من لا يحضره الفقيه) جاء فيه: ((وفي رواية الصدوق (رضي الله عنه عن الصادق (عليه السلام) (من اجتنب

ص: 33


1- روى مسلم (... أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الأنصار كرشي وعيبتي، وإن الناس سيكثرون وقلون فاقبلوا من محسنهم، واعفوا عن مسيئهم) صحیح مسلم: 7 / 174
2- ينظر: المعجم الكبير، الطبراني: 9 / 33، وفتح الباري: 7 / 92
3- النص المحقق: 2 / 314
4- ينظر: الكافي، الكليني: 8 / 58 - 63
5- النص المحقق: 2 / 24
6- طه / 115
7- ينظر: علل الشرائع: 1 / 16
8- معاني الاخبار، الشيخ الصدوق: 48
9- النص المحقق: 1 / 187
10- ينظر: الخصال، الصدوق: 290
11- النص المحقق: 3 / 23

الكبائر كَفَّرَ الله عنه جميع ذنوبه(1))(2)، واعتمد على مؤلفات الشيخ المفيد (413 ه) منها كتاب (الإرشاد) قال في حديثه عن الخطبة الشقشقية: ((... وأسندها الشيخ المفيد (قدس الله روحه) في إرشاده(3)إلى أهل النقل))(4).

6 - كتب الانساب:

منها كتاب المعارف لابن قتيبة، قال الشارح نقلاً عن كلام ابن أبي الحديد(5): ((قال: (وروی عنه هذا الكلام بعينه أبو محمد بن قتيبة في كتاب المعارف(6)))(7). واعتمد على كتاب الاستیعاب لابن عبد البرّ (ت 463 ه) كثيرا من ذلك قول الشارح: ((... وجرى ذلك في المكاتيب من يومئذ، ذكر ذلك أبو عمر بن عبد البرّ في كتاب الاستیعاب(8)))(9)، واعتمد على كتاب أنساب الأشراف للبلاذري (279 ه) من ذلك خبر استقالة أبي بكر الصديق أشار الشارح انه ورد في هذا الكتاب قال: ((في أنساب الاشراف(10))(11).

ص: 34


1- من لا يحضره الفقيه، الشيخ الصدوق: 3 / 575
2- النص المحقق: 1 / 220
3- ينظر: الارشاد، الشيخ المفيد: 1 / 287
4- النص المحقق: 1 / 246
5- شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 4 / 95
6- ينظر: المعارف، ابن قتيبة: 169
7- النص المحقق: 2 / 273
8- ينظر: الاستیعاب: 3 / 1151
9- النص المحقق: 1 / 264
10- أنساب الأشراف: 1 / 590، 591
11- النص المحقق: 1 / 268 - 269

7 - كتب التاريخ:

من الكتب التي كانت من موارد الشارح كتابا تاريخ الطبري (ت 310 ه)، والکامل لابن الاثير؛ وذلك لوجود بعض الحوادث التاريخية في كلامه (عليه السلام)، وقد ذكرهما في قوله: ((... فكونوا مع الذّين فيهم عبد الرَّحمن فسعد لا يخالف ابن عمَّه، وعبد الرحمن صهر عثمان لا يختلفان فيوليها أحدهما الآخر فلو كان الاخران معي لم يغنيا شيئاً رَواهُ الطبري(1)وابن الاثير في الكامل(2)))(3).

ب / الأعلام:

رجع علاء الدين إلى آراء العلماء، فنقل عنهم وتنوع نقله عنهم ما بين مفسر، ولغوي، وفيلسوف، ومؤرخ نسَّابه وهم:

1 - النحاة:

رجع إلى سيبويه(4)، والفراء (207 ه)(5)، والأخفش (215 ه)(6)، والزجاج (311 ه)(7)وأبي علي الفارسي (377 ه)(8)، وابن هشام الأنصاري (761 ه)(9).

ص: 35


1- ينظر: تاريخ الطبري: 3 / 294
2- ينظر: الكامل في التاريخ: 3 / 67
3- النص المحقق: 1 / 284
4- ينظر: النص المحقق: 1 / 189، 243، 267، وغيرها...
5- ينظر: النص المحقق: 2 / 247، 249، وغيرها...
6- ينظر: النص المحقق: 1 / 168، 2 / 183، 3 / 116، وغيرها..
7- ينظر: النص المحقق: 1 / 138، 3 / 280
8- ينظر: النص المحقق: 3 / 250
9- ينظر: النص المحقق: 1 / 244

2 - اللغويون:

رجع إلى الخليل (175 ه)(1)، والأزهري(2)والجوهري (393 ه)(3)، ابن الأثير(4)، والفيروز ابادي(5).

3 - المفسرون:

الثعلبي(6)، والطوسي(7)، والزمخشري(8)، والطبرسي(9)، والرازي(10).

4 - الفلاسفة:

ابن سینا(11).

ص: 36


1- ينظر: النص المحقق: 1 / 286، 3 / 133، 135 وغيرها..
2- ينظر: النص المحقق: 1 / 178، 4 / 75، 78. وغيرها..
3- ينظر: النص المحقق: 1 / 169، 308، 2 / 64، 150
4- ينظر: النص المحقق: 1 / 158، 162، وغيرها..
5- ينظر: النص المحقق: 1 / 248، 4 / 94، واغيرها
6- ينظر: النص المحقق: 1 / 211
7- ينظر: النص المحقق: 1 / 150
8- ينظر: النص المحقق: 1 / 278، 3 / 155، وغيرها
9- ينظر: النص المحقق: 1 / 220، 300، وغيرها...
10- ينظر: النص المحقق: 1 / 146، 150، 269
11- ينظر: النص المحقق: 3 / 233

5 - المؤرخون والنسابة:

الواقدي (207 ه)(1)، وابن قتيبة(2)، والبلاذري(3)، والطبري(4)، وابن عبد البر(5).

6 - أصحاب الحديث:

البخاري(6)، ومسلم(7)، والكليني(8)، والشيخ الصدوق(9)والشيخ المفيد(10).

ص: 37


1- ينظر: النص المحقق: 1 / 270، وغيرها
2- ينظر: النص المحقق: 1 / 245، وغيرها..
3- ينظر: النص المحقق: 1 / 268، وغيرها
4- ينظر: النص المحقق: 1 / 268، وغيرها
5- ينظر: النص المحقق: 1 / 264، وغيرها
6- ينظر: النص المحقق: 2 / 120، 313
7- ينظر: النص المحقق: 2 / 72، 120، 313
8- ينظر: النص المحقق: 1 / 208، 2 / 25، وغيرها...
9- ينظر: النص المحقق: 1 / 187، 220، وغيرها..
10- ينظر: النص المحقق: 1 / 190، 246، وغيرها..

المبحث الثالث: منهج الشارح

شرح علاء الدين كلستانة النهج مرتين، المرة الأولى بشرح کبیر سماه (حدائق الحقائق) قيل إنه في ثلاثة مجلدات غير تام(1)(مخطوط)، وبعضٌ ذكر أنَّه شرح مبسوط في عشرين مجلداً(2))، وقد صرح الشارح في مقدمة (بهجة الحدائق) ما يدل على تقدم كتاب حدائق الحقائق، وأنه ألفه أولاً، ثم الف مختصرا له وهو بهجة الحدائق، إذ قال: ((أما بعد... فيقول المرتجي صفح ربه وغفرانه علاء الدين محمد بن أبي تراب الحسني المنتمي إلى کلستانة: إني لمَّا فرغت من تأليف بعض أجزاء حدائق الحقائق في شرح کلمات کلام الله الناطق وقضيت الوطر في شرح الخطبة الشقشقية من رفع الشبه وتسكين الشقاشق رأيت كثيراً من أهل الدهر قاصر الفطنة عن صعود مراقبه وارتقاء تلك الشواهق أو مقصور المهمة على مختصر خالٍ عن الإطناب غير مشتملٍ على الدقائقِ فقدمتُ مختصراً يذلُلُ مِنْ الألفاظ صِعابُها ويكشفُ عَنْ عرائسِ المعاني على وجه الإيجاز جلبابها... ولمَّا كانَ هذا المختصر کالطلعِ لحدائقِ الحقائقِ سَميته بَهجة الحدائق))(3)) وقد جاء هذا الشرح غنياً مع اختصاره واعتمد الشارح فيه على طريقة الشرح المزجي إذ مزج المتن بالشرح مع وضع

ص: 38


1- ينظر: الذريعة: 6 / 284، 285، وشروح نهج البلاغة، حسین جمعه العاملي: 80، ومعجم المؤلفين: 9 / 125، 126، ومصادر نهج البلاغة وأسانيده: عبد الزهراء الحسيني الخطيب: 1 / 255
2- ينظر: کشف الحجب والاستار، اعجاز حسین: 193
3- النص المحقق: 1 / 110

خط على المتن ليتميز من الشرح.

أما طريقة شرحه للألفاظ وطريقة وزانه للكلمات واهتماماته الصرفية والدلالية وإشارته إلى القياسي وغير القياسي من الكلمات، والمذكر والمؤنث فقد وردت في معرض شرحه وهي على النحو الآتي:

1 - طريقة شرحه للألفظ

اعتمد علاء الدين في شرحه للألفاظ على طرائق مختلفة منها:

أ - الضد:

وصفت كتب اللغة العلاقة الضدية من خلال تعريف معنى الضد، منها قول ابن فارس (ت 395 ه): ((المتضادان: الشيئان لا يجوز اجتماعهما في وقت واحد كالليل والنهار))(1)وحرص العرب على جمع الألفاظ المتضادة ومنهم الهمذاني (ت 327 ه) الذي خصص باباً للألفاظ المتضادة سماه باب الأضداد في كتابه الألفاظ الكتابية(2). ولا يخفى أن التضاد الوارد في نهج البلاغة يحقق ((بتناقضاته الدلالية والتركيبة تشكيلاً موسيقياً داخلياً بين الألفاظ تارة أو بين الجمل والتراكيب تارة أخرى، ليضاعف الشعور بإيقاعية اللغة في النص فضلاً عن العناصر الأخرى))(3)، ومن المواضع التي شرح فيها الألفاظ بهذه الطريقة:

في شرحه لقول الإمام (عليه السلام): ((وَآَمَنَ فِيها مَحَلّتَهُ)) قال:

ص: 39


1- معجم مقاییس اللغة، مادة (ضد): 3 / 360
2- الالفاظ الكتابية، عبد الرحمن الهمذاني: 278
3- المستويات الجمالية في نهج البلاغة، نوفل أبو رغيف: 79

((والأَمن: ضِدّ الخَوف(1)))(2).

في بيانه لقول الإمام (عليه السلام): ((حَتَّى إذا اِرْتَوى مِن آجِنٍ)) قال: ((الريان ضِدُّ العَطْشَان(3)))(4).

في شرحه لقول الإمام (عليه السلام): ((قَدْ ألْزَمَ نَفْسَهُ العَدْلَ فَكَانَ أَوَّلَ عَدْلِهِ نَفْيَ الْهَوَى عَنْ نَفْسِهِ)) قال: ((والعَدْل ضِدُّ الجَوْرِ(5)))(6).

في توضيحه قول الإمام (عليه السلام): ((وَمَحَطُ حُفْرَتِهِ)) قال: ((والحَط ضِدُّ الرَفْع))(7).

في بيانه لقول الإمام (عليه السلام): ((بُعْدَاً لَهُمْ كَمَّا بَعُدَتْ ثَمُوُد)) قال: ((البُعْدُ بالضم ضِدُّ القُّرْب(8)))(9)، وتوجد مواضع كثيرة اعتمد الشارح فيها هذه الطريقة.

ب - الخلاف:

يقصد بالخلاف ((المضادة))(10)، وهي ((سمة لغوية منظمة وطبيعية

ص: 40


1- ينظر: الألفاظ الكتابية: 278
2- النص المحقق: 1 / 193
3- الصحاح، مادة (روی): 6 / 2363
4- النص المحقق: 2 / 61
5- الالفاظ الكتابية، عبد الرحمن الهمذاني: 278
6- النص المحقق: 3 / 153
7- النص المحقق: 5 / 157
8- ينظر: النهاية في غريب الحديث والاثر، ابن الاثير (ت 606): 1 / 140
9- النص المحقق: 5 / 350
10- لسان العرب، مادة (خلف): 9 / 94

جداً))(1).

وقد شرح علاء الدين معاني الألفاظ عن طريق ذكر ما يخالفها على سبيل المثال:

شرحه لمعنى (الزهد) في قول الإمام (عليه السلام): (وَمِنْ عَجَائِبهِ (عَلَيهِ السّلَامُ) الَتّي انْفَرَدَ بِهَا وَاَمِنَ المُشارَكَةَ فْيِهَا أنَّ كَلامَهُ الْوارِدَ في الزُّهْد

وَاْلمَواعِظِ...) قال: ((((الزُّهْد: خِلافُ الرَّغبةِ))(2)))(3).

- شرحه لمعنى (أنس) في قول الإمام (عليه السلام): (حَتَّى إِذا أَنِسَ نَافِرُها...)) قال: ((الأَنَسُ بالفتح: ((خِلافُ الوَحْشَةِ))(4)))(5).

- توضيحه لمعنى (الذكر) في قول الإمام (عليه السلام): (ووانْتَفِعُوا بِالذِّكْرِ وَالمَوَاعِظِ) قال: ((وَالذِكْرِ: خِلافُ النسيان(6)))(7).

- بيانه معنى (الصفو) في قول الإمام (عليه السلام): ((وَتَورِدُهُمْ صَفْوَهَا)) قال: (وَالصَّفْوُ: (خِلافُ الكَدر)(8)))(9).

ص: 41


1- علم الدلالة، بالمر: 109
2- الصحاح، مادة (زهد): 2 / 481
3- النص المحقق: 1 / 128
4- الصحاح، مادة (أنس): 3 / 906
5- النص المحقق: 3 / 62
6- الصحاح، مادة (ذكر): 2 / 664
7- النص المحقق: 3 / 133
8- الصحاح، مادة (صفا): 6 / 2401
9- النص المحقق: 3 / 167

- شرحه لمعنى (الرشد) في قول الإمام (عليه السلام): (سيرتهُ القَصْدُ، وسُنَتَهُ الرَّشْدُ) قال: (والرُّشد: (خِلافُ الغَيّ)(1)))(2).

ت - النقيض:

النقض ((يدل على نكث شيء))(3)وهو ((ضد الإبرام))(4)يقال: ((ناقضة في الشي مناقضة ونقاضاً: خالفه))(5)و ((تناقض الكلامان تدافعا كأنَّ واحدًا نقض الاخر وفي كلامه تناقض إذا كان بعضه يقتضي ابطال بعض))(6)، ومن المواضع التي بين فيها الشارح معاني بعض الألفاظ عن طريق ذكر نقائضها:

- في بيانه معنى (الجزع) التي وردت في قول الإمام (عليه السلام): ((فَإنْ أقَلُ يَقُولوُا حَرَصَ عَلَى المُلْكِ وَإِنْ أسُكُتْ يَقُولُوا: جَزَعَ مِنَ اْلمَوتِ)) قال الشارح: ((الجَزَعُ: ((نَقِيْضُ الصَّبْر))(7)))(8). في توضيحه معنى (الضراء) التي وردت في قول الإمام (عليه السلام): ((وَلاَ تَجْزَعُوُا مِنْ ضَرَائِهَا -

وَبُؤْسِهَا)) قال: ((والضَّرّاء الحالةُ التّي تَضُرّ، وهي نَقِيْضُ السَّرّاء التي تَسُر))(9).

ص: 42


1- الصحاح، مادة (رشد): 2 / 474
2- النص المحقق: 3 / 331
3- معجم مقاييس اللغة، مادة (نقض): 5 / 471
4- لسان العرب، مادة (نقض): 7 / 242
5- المصدر نفسه، مادة (نقض): 7 / 242
6- المصباح المنير، مادة (نقضت): 2 / 622
7- القاموس المحيط، مادة (جزع): 3 / 13
8- النص المحقق: 1 / 323
9- النص المحقق: 4 / 32

- في بيانه معنى (الهزيل) التي وردت في قول الإمام (عليه السلام): ((وتَسْتَخْلِصُ المُؤْمِنَ مِنْ بَيْنِكُمْ / و144 / اسْتِخْلاصَ الطَّیْرِ الحَبَّةَ(1)البَطِيْنَةَ

مِنْ بَیْنِ هَزِيلِ الحبِّ)) قال: ((والهَزِيلُ: نَقِيْضُ السَّمِيْن(2)))(3).

- في بيانه معنى (الرَواح) التي وردت في قول الإمام (عليه السلام): ((مَنْ رَائِحٌ إلى اللهِ كَالضَّمآنِ يَرِدُ المَاءَ! الجَنَّةُ تَحْتَ أَطْرَافِ العَوَالِي)) قال: ((الرَّوَاح بالفتح: (نَقِيْضُ الصَّبَاحُ)(4)))(5). في توضيحه معنى (القيادة) التي وردت في قول الإمام (عليه السلام): ((وَأَقْرِبْ بِقَوْمٍ مِنْ الجَهْلِ بِاللهِ قَائِدُهُمْ مُعَاويَةَ)) قال: ((وَالقَوْدُ نَقِيْضُ السَّوْق، فهو من أمام وذَلكَ مِنْ خَلْف(6)))(7).

ث - التقابل:

((وجود لفظتين تحمل أحدهما عكس المعنى الذي تحمله الأُخرى، مثل: الخير والشر والنور والظلمة)(8)وهو من الطرائق التي اعتمدها الشارح عند بيانه لمعاني الألفاظ، مثال ذلك:

ما ورد في شرحه لمعنى (مبائن) في قول الإمام (عليه السلام): ((راكن أو مفارق مبائن)) قال: ((والمراد بالمفارق المبائن التارك للدين المعرض عنه وإن

ص: 43


1- (الجنة) في ر، م، تصحيف
2- لسان العرب، مادة (هزل): 11 / 696
3- النص المحقق: 4 / 104
4- لسان العرب، مادة (روح): 2 / 464
5- النص المحقق: 4 / 247
6- العين، مادة (قود): 5 / 196
7- النص المحقق: 5 / 348
8- ظاهرة التقابل في علم الدلالة، د. أحمد الجنابي، بحث منشور، مجلة آداب المستنصرية: 15

لم يكن له دنيا فيقابل المنقطع إلى الدنيا الساكن اليه لانهماكه في لذاتها...))(1).

2 - طريقةضبط الكلمة

حرص علماء العربية على ضبط الكلمات كي تتبين المعاني المرادة منها، هذا من جهة ومن جهة اخرى كي لا تختلط بألفاظ أخرى مقاربة لها بالبناء، لذلك قدموا طريقتين لضبط الكلمات وهما: طريقة الوِزان، وطريقة وصف الكلمة بحركاتها، وقد لجأ الشارح لهاتين الطريقتين في ضبط الكلمات.

أ - طريقة الوَزان:

وهي طريقة قديمة لجأ اليها أصحاب المعجمات بأن يضبطوا الكلمة على وزان كلمة مشهورة، وقد سلك الشارح هذه الطريقة في ضبط الكلمات من ذلك:

((وعَثَرَ كَضَرَبَ وَنَصَر وعَلِمَ وكَرُمَ وعَثراً وعِثَاراً بالكسر وعَثِير))(2).

((ويَزْعُم كَيَنصُر قريب من يظن))(3).

((ونَكَثَ العَهْدَ كَنَصَرَ نَكْثاً))(4).

((والكِعَام كَكِتاب...))(5).

ص: 44


1- النص المحقق: 5 / 63
2- النص المحقق: 1 / 273
3- النص المحقق: 1 / 330
4- النص المحقق: 1 / 298
5- النص المحقق: 2 / 168

((وَلَعِقَهُ كَسَمِعَهُ لَعِقَهُ لَحَسَهُ))(1).

ب - طريقة وصف الكلمة:

وهي من طرائق الضبط المعتمدة لدى اللغويين ذلك بأن يصفوا حركة كل حرف من الكلمة حرصاً على ضبط الكلمة وبيان معناها، وقد اعتمدها الشارح في شرحه مثال ذلك:

((والدُوَل بضم الدال وفتح الواو...))(2).

((والفِطَن بكسر الفاء وفتح الطاء جمع فِطنة بالكسر))(3).

((والسِنْخ الأصل، وفي بعض النسخ (أَشْبَاحها) جمع شبح بالشين المعجمة والباء الموحدة والحاء المهملة محركة وقد يسكن أي أشخاصها))(4).

((والشُرُك بضمتين جمع شِراك كَكِتاب وهي الطرائق))(5).

3 ۔ توجيهاته الدلالية

اهتم الشارح بدلالة الكلمات الواردة في كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) وبيانها، فكان يقف عند الكلمات التي تكون من الأضداد ويذكر معانيها المتضادة، كما يذكر مرادف الكلمة، ووقف أيضاً عند الكلمات التي تعمم معناها وتوسع، وحرص على الانسجام بين معاني الجمل وان كانت مختلفة

ص: 45


1- النص المحقق: 3 / 8
2- النص المحقق: 1 / 317
3- النص المحقق: 1 / 139
4- النص المحقق: 1 / 160
5- النص المحقق: 1 / 236

عن طريق مناسبة أطراف المعاني التي يوضحها، وفي الآتي أمثلة لاهتماماته الدلالية:

أ - الأضداد:

عَرَّفَ أبو الطيب اللغوي (ت 351 ه) الأضداد قائلاً: ((والأضداد جمع ضد، وضد كل شيء ما نافاه، نحو البياض والسواد، والسخاء والبخل والشجاعة والجبن وليس كل ما خالف الشيء ضداً له))(1)، والشرط في الأضداد اتحاد اللفظ، فإن لم يتحد اللفظ لم يكن من الأضداد بل كان من الألفاظ المتقابلة المعاني، قال أبو الطيب: ((شرط الأضداد أن تكون الكلمة بعينها تستعمل في معنيين متضادين، من غير تغيير يدخل عليها))(2)، وذهب اللغويون الأوائل في الأضداد مذهبين: منهم من انكره أمثال ابن درستويه (ت 347 ه)، الذي وضع كتاباً في إبطال الأضداد(3)، ومنهم من اثبته وأيده كالأنباري، وابن فارس(4)، ومنهم من وضع شروطاً خاصة يجب توافرها فيه من أجل قبوله قال ابن دريد: ((إنَّ شرط الأضداد، أن يكون استعمال اللفظ في المعنيين في لغة واحدة))(5)وشرط الاتحاد الزمني كما قال بعض المحدثين: ((... المفروض في الضد لكي يصح وصفة بصفة التضاد، أن يكون ضداً مستعملاً في الزمان الواحد والبيئة اللغوية الواحدة))(6)ومن

ص: 46


1- الأضداد، أبو الطيب اللغوي: 1 / 455
2- الأضداد، أبو الطيب اللغوي: 1 / 455
3- ينظر: المزهر في علوم اللغة: 1 / 396
4- ينظر: علم الدلالة، أحمد مختار عمر: 195
5- الأضداد، أبو الطيب اللغوي: 1 / 455
6- الاضداد في اللغة، الدكتور محمد حسين ال ياسين: 104

أمثلة الأضداد التي ذكرها الشارح:

ما ورد في شرحه لكلام أمير المؤمنين (عليه السلام): ((وَمَنْ رَمىَ بِكُم فَقَدْ رَمىَ بِأفْوَقِ نَاصِلٍ)) قال الشارح: ((والناصل المنزوع النصل، يقال: أنصل السهم إذا نزع نصله فهو ناصل، وكذلك إذا جعل له نصلاً(1)))(2).

في أثناء شرحه لقول أمير المؤمنين (عليه السلام): ((وَكَشِفَتْ عَنْهُمْ سُدَفُ الرَّيبِ)) قال الشارح: ((والسدفة من الأضداد يكون بمعنى الظلمة والضياء(3)))(4).

ما ورد في شرحه لكلام أمير المؤمنين (عليه السلام): ((فَأَسْرَعَ طَالِبَاً، وَنَجَا هَارِبَاً، فَأَفَادَ ذَخِیْرَةً)) قال: ((والإفادة من الأضداد، يقال أفدت المال أي: استفدته واعطيته(5)))(6).

ما ورد في شرحه لكلام أمير المؤمنين (عليه السلام): ((تَرِدُ عَلَيْكُمْ فِتْنَتُهُمْ شَوْهَاءَ مَخْشِيَّةً)) قال: ((والشوهاء العابسة ويكون بمعنى الجميلة ضّد(7)))(8)في موضع شرحه لقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): ((وَأَشْهَدُ أَنَّ

مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولَهُ، المُجْتَبَى مِنْ خَلَائِقِهِ، وَالمُعْتَامُ لِشَرْحِ حَقَائِقِهِ، وَالمُخْتَصُّ

ص: 47


1- ينظر: ثلاثة كتب في الأضداد (الاصمعي، السجستاني، ابن السكيت): 246
2- النص المحقق: 2 / 321
3- ينظر: الاضداد، قطرب: 78، والاضداد، الانباري: 114، وثلاثة كتب في الاضداد: 35
4- النص المحقق: 3 / 73
5- ينظر: الاضداد، محمد بن قاسم الانباري: 410
6- النص المحقق: 3 / 76 - 77
7- ينظر: الاضداد، الانباري: 284، 285
8- النص المحقق: 3 / 320

بِعَقَائِلِ كَرَامَاتِهِ، وَالمُصْطَفَى لِكَرَائِمِ رِسَالَاتِهِ، وَالمُوَضَّحَةُ بِهِ أَشْرَاُط الْهُدَى، وَالمَجْلُوُّ بِةِ غِرْبِيبُ الْعَمَى)) قال الشارح: ((والأشراط من الأضداد يقع على الأشراف والأرذال(1)))(2)، وتوجد مواضع أخرى ذكر فيها الشارح الاضداد.

ب - الترادف:

اعتنى اللغويون الأوائل بموضوع الترادف لكونه شكلاً من أشكال الثراء اللغوي وإن لم يصرحوا بالمصطلح، قال سيبويه ((اعلم أن من كلامهم اختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين، واختلاف اللفظين والمعنى واحد))(3)، وكتبَ الأصمعي (ت 216 ه) كتاباً سماه ((ما اختلفت الفاظه واتفقت معانيه))، وبعضهم صرح بالمصطلح فسمى الرماني (ت 384 ه) كتابه ((الألفاظ المترادفة والمتقاربة المعنى)) واثبت كثيرٌ من أهل اللغة الترادف منهم: ابن السراج (ت 316 ه)، وابن جني (392 ه)، ووابن يعيش (ت 643 ه)، ومنهم من أنكر الترادف كابن الاعرابي (231 ه)، وثعلب (291 ه)، والأنباري (328 ه)، وابن درستویه، وابن فارس، وأبو هلال العسكري الذي ألف كتاباً في ((الفروق اللغوية))، وقد بين المحدثون أسباب وقوع الترادف وفصلوا الكلام فيها(4)، كما بينوا ندرة وقوع الترادف التام، قال بالمر: ((يمكن القول مع كل هذا انه ليست هناك مرادفات حقيقية وان ليس هناك لكلمتين نفس

ص: 48


1- ينظر: ثلاثة كتب في الاضداد: 234
2- النص المحقق: 5 / 332
3- کتاب سيبويه: 1 / 24
4- ينظر: فصول في فقه العربية، الدكتور رمضان عبد التواب: 316 - 322

المعنى تماماً))(1)وأيده في ذلك ستيفن أولمان إذ قال: ((والترادف التام بالرغم من عدم استحالته نادر الوقوع إلى درجة كبيرة فهو نوع من الكماليات التي لا تستطيع اللغة أن تجود بها في سهولة ويسر))(2)، فالكلمات مهما تقاربت في دلالتها يصعب أن تتطابق في ظلال معانيها، قال الدكتور محمود فهمي الحجازي: ((ففي ظل مبدأ نسبية الدلالة يندر أن تكون هناك كلمات تتفق في ظلال معانيها اتفاقاً كاملاً))(3)، ومع وجود بعض الآراء المنكرة للترادف التام فإنَّ الترادف ((واقع في العربية لا سبيل إلى إنكاره، وهو موضوع ينميه

- التطور ويدعمه الاستعمال ويشهد به الواقع اللغوي))(4)، ومن أمثلة المواضع التي ذكر فيها الشارح الكلمات المترادفة:

- ما ورد في قول الإمام (عليه السلام): ((وَأَحْصَى كُلَّ شَيءٍ عَدَدًا)) قال الشارح: ((فالإحصاء مرادف للعَدِ))(5).

- ما ورد في قول الرضي: ((... حَمْدًا للهِ الَّذِي جَعَلَ الْحَمْدَ ثَمَنَّاً لِنَعْمائهِ، وَمَعاذًا مِنْ بَلائِهِ))، قال الشارح: ((وقد قيل بترادف الحَمدِ والشكر؛ لأنَّه يوضح كلَّ مقام الاخر))(6).

- ما ورد في قول الرضي: ((إِذْ كانَ أَمِیْرُ الْؤُمِنِیْنَ (عليه السّلاَم) شرَعَ

ص: 49


1- علم الدلالة، بالمر: 104
2- دور الكلمة في اللغة، ستيفن أولمان: 97
3- مدخل إلى علم اللغة، محمود فهمي الحجازي: 79
4- الترادف، الدكتور حاكم الزيادي: 206
5- النص المحقق: 1 / 139
6- النص المحقق: 1 / 111

الفَصاحَةِ وَمَوْرِدَهَا)) قال الشارح: ((المشرع الطريق إلى الماَء للعطشى مرادف للمورد، أو قريب منه))(1).

- ما جاء في قول الرضي: ((وَرُبَّمَا بَعُدَ العَهْدُ أَيْضَاً بِمَا اُخْتِیَر؛ أَوَلاً فَأُعِيْدَ بَعْضُهُ سَهْواً أَو نِسْيَانَاً، لاَ قَصْدَاً أَو اعْتِمَادَاً)) قال الشارح: ((السهو والغفلة والنسيان خلاف الحفظ وهما مترادفان))(2).

ت - تعميم المعنى:

هو نوع من أنواع الانتقال الكمي الدلالي، ويقصد به: ((أن يصبح عدد ما تشیر إليه الكلمة أكثر من السابق، أو يصبح مجال استعمالها أوسع من قبل))(3)وهذا التعميم يتم بصورة غیر شعورية(4)، وقد انتبه اللغويون الأوائل على هذه الحالة الدلالية إذ عقد السيوطي مبحثاً في كتابه المزهرً بعنوان ((فيما وضع في الأصل خاصاً ثم استعمل عاماً))(5)وذكر بعض الباحثین المحدثین أنَّ حالة توسع المعنى (تعميم الدلالة) ((أقل شيوعاً في اللغات من التخصيص، وأقل أثراً في تطور الدلالات وتغيرها))(6)ومن المواضع التي ورد فيها تعميم المعنى:

في بيانه لمعنى (عقائل) التي وردت في قول الرضي: ((فَيَقْضِىِ الحَال أَنْ

ص: 50


1- النص المحقق: 1 / 121
2- النص المحقق: 1 / 133
3- علم الدلالة، د. أحمد مختار عمر: 243
4- دور الكلمة في اللغة، أولمان: 183
5- المزهر في علوم اللغة، السيوطي: 1 / 429
6- دلالة الألفاظ، إبراهيم أنيس: 154

يُعَاد؛ اسْتِظْهَاراً لِلإِخْتِيَار، وَغَیْرَهُ عَلَى عَقَائِلِ الكَلام) قال الشارح: ((والعقائل جمع عقيلة وهي في الأصل المرأة الكريمة النفيسة، ثم استعمل في النفيس الكريم من كل شيء من الذوات والمعاني)(1).

في شرح قول الإمام (عليه السلام): ((فَأَنْتُم غَرَضٌ لِنابِلٍ، وَأُكُلَةٌ لآكِلٍ، وَفرِيسَةٌ لِصَائِلٍ) قال الشارح: ((وفريسة الأسد مايفترسه أي: يصيده ويقتله، وأصل الفرس أن يدّق الأسد عنق ما يصيده ثم كثر حتى سمّي كل قتل فَرْساً))(2).

ث - الانسجام في المعاني التي يبيِّنها:

من الاساليب التي اعتمدها الشارح نظم سلسلة متوازية من المعاني بحيث يناسب فيها بين معنيين مختلفين لجملتين متناسقتين ايقاعياً من جمل الإمام (عليه السلام) وبذلك يقدم تناسبية متوازية بين أطراف المعاني من ذلك شرحه لقول الإمام (عليه السلام): ((عَهْدَكُمْ شِقَاقٌ، وَدِيَنُكُمْ نِفَاقٌ))، قال: ((ولعل المعنى عهدكم يثمر ما تثمره العداوة والخلاف، وكأنه شقاق، أو ما أنفقتم عليه وصار کالميثاق بينكم هو نقض العهود والخلاف، والدين أما المضاد للكفر فيناسب الوجه الأول أو العادة والشأن فيوافق الثاني))(3). فهو يناسب بين أطراف المعاني، فالطرف الأول من معنى الجملة الثانية (دِيْنِكُمْ نِفَاقٌ) الذي هو ضد الكفر متناسب مع الطرف الأول من الجملة الأولى (عَهْدَكُمْ شِقَاقٌ) أي عهدکم شقاق وليس عهداً، والطرف الثاني

ص: 51


1- النص المحقق: 1 / 132
2- النص المحقق: 2 / 21
3- النص المحقق: 2 / 15

من المعنى الخاص بالجملة الثانية قصد بالدين العادة والشأن أي عادتكم وشأنكم النفاق وهو متناسب مع ما تقدم قبله من معنى قوله (عليه السلام): ((عهدكم شقاق)) أي عادتكم نقض العهود، ويمكن توضيح ما تقدم بالمخطط الاتي:

توازي الجمل

عهدکم شقاق // دینکم نفاق

المعنى الأول: عهدكم شقاق ليس بميثاق // دینکم نفاق وكذب

المعنى الثاني: عادتكم ومیثاقكم نقض العهود // عادتكم وشأنكم النفاق

وبذلك يكون هناك توافق وانسجام بين التقابلات الايقاعية المتمثلة بجُمل الإمام (عليه السلام) التي من شأنها تحقيق شعرية النص من جهة وبين سلسلة المتوازيات المعنوية المتناسبة في ما بينهما التي قدمها الشارح.

4 - اهتماماته الصرفية:

لا يخلو شرح ابن علاء الدين من وقفات صرفية، فهو يذكر مواطن الإبدال، والقلب، والإعلال، والتعويض، في أكثر الااحيان، فيشير إليها ويذكر أمثلة توضيحية لها، ومن المواضع التي وردت في الشرح واحتوت على تحليل صر في هي:

1 - في شرحه لقول الإمام (عليه السلام): ((وَمَعَايِشَ تُحْيِيهِمْ، وَآجَالٍ تُفْنِيهِمْ، وَأَوْصَابٍ تُهْرِمُهُمْ، وأَحْدَاثٍ تَتَابَعُ عَلَيهِمْ)) قال الشارح: ((والياء في معايش لا تقلب همزة في الأكثر وكذا كلّ ما وقع بعد الف الجمع فيه واو أو ياء ليست بمدة زائدة سواء كانت أصلية كما في مقاوم ومرایب، أو زائدة

ص: 52

للإلحاق کجداول وعثاير، فيبقى على حالها، وإن كانت الواو والياء مدّة زائدة في المفرد قلبت همزة كما في تنائف وكبائر وكذا في صيغة فاعل ممّا أعلّ فعله نحو قائل وبائع بخلاف نحو عاور، وقد يهمز معایش تشبيهاً لمعيشة بفعيلة(1)))(2).

2 - في بيانه لقول الإمام (عليه السلام): ((وَمُبَايِنْ بَیْنَ مَحَارِمِهِ، مِن كَبیرٍ أوَعَدَ عَلَيْهِ نيرانَهُ، أو صَغٍیرٍ أَرصَدَ لَهُ غُفرانَهُ)) قال الشارح: ((والنّيران جمع نار وهي من الواو؛ لأن تصغيرها نويرة والجمع نُوَرَّ وأنْوُر ونیرَانُ أيضاً انقلبت الواو ياءً لكسرة ما قبلَها))(3).

3 - في شرحه لقول الإمام (عليه السلام): ((أَلا وإِنَّ التَقْوى مَطايَا ذُلُلٌ، حُمِلَ عَلَيْها أهَلُها وَأعطُوا أزِمَّتَهَا، فَأوْرَدَتْهُمُ الْجَنَّةَ)) قال الشارح: ((المطايا والمطيّ جمع مَطِيَّة، وهي ((النّاقة التّي يركب مطاهَا)) أي: ظَهرَها، وقيل: يمطي بها في السّير أي: يّمدَ، والمَطِيُّ يكونُ مفرداً أيضا ويذكر ويؤنث، وقيل: ويُذكَرُ المطّية، والمَطايا فعالى وأصله فعائل قلبت الياء الفاً، ثم قلبت

ص: 53


1- ينظر: المنصف، ابن جني: 1 / 307، 308، وشرح شافية ابن الحاجب، رضي الدين الاستراباذي (ت 686 ه): 3 / 134، ومنها قراءة نافع، وابن عامر، وعبد الرحمن الاعرج، وزید بن علي والاعمش بالهمزة في قوله تعالى: ((وَلَقَدْ مَكَنَاكُم فِي الأَرْض وَجَعَلْنَا لَكُم فيها مَعَايش قليلاً مَا تَشْكِرونَ)) الاعراف / 9، ينظر: التبيان في تفسير القرآن، الطوسي: 4 / 353، 354، جامع البيان عن تأویل آي القرآن، محمد بن جرير الطبري: 8 / 165
2- النص المحقق: 1 / 203
3- النص المحقق: 1 / 217

الهمزة ياء (لخفائها) بين الألفين(1)))(2).

4 - في شرحه لقول الإمام (عليه السلام)): ((وَمِنْهُم مَنْ يَطْلُبُ الدُّنيْا بِعَمَلِ الآخِرةِ، وَلا يَطْلُبُ الآخِرَة بِعَمَلِ الدُّنيْا، قَدْ طَأمَنَ مِنْ شَخْصِه، وَقَارَبَ من خَطْوِهِ...)) قال الشارح: ((وطأمن بالهمز مقلوب طمأن أي:

سكن، وطامن نفسه، أي: سکّنه(3)))(4).

5 - في بيانه لقول الإمام (عليه السلام): ((إِنَّ بَني أُمَيّةَ لَيَفُوِّقُونَنِيْ تُراثَ مُحَمدٍ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلهِ) تَفوْيقاً، وَاللهِ لَئِنْ بَقَيْتُ لَهُم // 188 لأنْفُضَنَّهُم

نَفَضَ اللَّحامِ اْلوِذَام التَّرِبَةَ)) قال الشارح: ((التراث الميراث وأصل التاء واو(5)))(6).

5 - المذكر والمؤنث:

اعتنى الشارح ببيان الألفاظ من حيث التذكير والتأنيث، فكان حريصاً على إبانة اللفظة من حيث جنسها ومعناها، ومن أمثلة ذلك:

- ما ورد في شرحه لقول الإمام (عليه السلام): ((وَخَلَفَ فِيْكُمْ مَا

ص: 54


1- ينظر: المنصف: 2 / 54، 55، 62
2- النص المحقق: 2 / 33
3- ذهب إلى هذا الرأي أبو عُمَر الجرمي، قال ابن جني: ((اعلم أن أبا عُمر الجرمي خالف سیبویه في هذه اللفظة فذهب إلى أن (أطمأنَّ) غیر مقلوب، وأن (طأمن) هو المقلوب كأن أصل هذا الفعل عنده أن يكون الميم قبل الهمزة)) المنصف: 2 / 104 وينظر: شرح شافية ابن الحاجب، رضي الدين الاستراباذي: 1 / 22
4- النص المحقق: 2 / 165
5- ينظر: شرح شافية ابن الحاجب: 2 / 80
6- النص المحقق: 3 / 18

خَلَّفَتِ الأَنْبِياءِ فِي اُمَمِها - إِذْ لَمَ يتركُوُهُمْ هَمَلاً بِغیْرِ طَرِيقٍ وَاضِحٍ وَلاَ عِلَمٍ قَائم - كِتَاب رَبّكُمْ - مُبَيَّناً حَلاَلَهُ وَحَرامَهُ) قال: ((والطريق يذكر ويؤنث تقول: الطّريق الأعظم والطّريق العظمی(1)))(2).

- في كلام لَهُ (عَلَيهِ الْسّلَامُ) يَعني بِهِ الزُّبَیرْ فِي حالٍ اقْتَضَتْ ذلِك...) قال الشارح: ((الحال يذكر ويؤنث(3)))(4).

- ما ورد في شرح قول الإمام (عليه السلام): ((ولا سُلْطانٍ مُبیْنٍ مَعَكُم)) قال الشارح: ((وبالسّلطان المبين الحجّة الدّالة على ما يزعمونه حقاً من جهة الشرع، أو العقل أو البينة الحجّة الشّرعية والسّلطان والبرهان العقلي وهو بمعنى الحجّة والبرهان لا يجمع لأن مجراه مجرى المصدر وإنما يجمع إذا أريد به الوالي ويذكر ويؤنث(5)))(6).

- ما ورد في شرح قول الإمام (عليه السلام): ((وَهُوَ لِباسُ التَّقْوى، وَدِرْعُ اللهِ الْحَصِينَةُ، وَجُنَّتهُ اْلوَثِيقةُ)) قال الشارح: ((ودرعُ الحديد مؤنثة، وقيل يذكّر

ص: 55


1- (الطريق يؤنثه أهل الحجاز، ويذكره أهل نجد) المذكر والمؤنث، أبو حاتم السجستاني (255 ه): 147، وينظر: البلغة في الفرق بين المذكر والمؤنث، کمال الدين الانباري (ت 577 ه): 83
2- النص المحقق: 1 / 212
3- ينظر: المذكر والمؤنث، أبو حاتم السجستاني: 160، والمذكر والمؤنث، ابن التستري (ت 361 ه): 69، والبلغة في الفرق بين المذكر والمؤنث: 83
4- النص المحقق: 1 / 330
5- المذكر والمؤنث، أبو حاتم السجستاني: 134، ينظر: المذكر والمؤنث، ابن التستري: 83، والبلغة: 82
6- النص المحقق: 2 / 196

ويؤنث(1)))(2)، وتوجد مواضع أخرى ذكر فيها الألفاظ من حيث التذكير والتأنيث.

6 - توجيهه للضمائر:

وقف السيد علاء الدين في مواضع عده تجاه الضمائر موقف المحلل والموجه لها، ولا يخفى أنَّ مسألة إحالة الضمائر ظهرت لدى النحويين العرب على أثر تصنيفهم للألفاظ إلى ألفاظ غير مبهمة وهي الألفاظ التي لها دلالة والتي تحيل بمفردها على خارجها في الواقع، وألفاظ أخرى مبهمة لها دلالة لكنها لا يعرف لها خارج إلاَّ متى توفر لها مفسر يفسرها سواء كان هذا المفسر مقامياً أم مقالياً(3).

إنَّ ضمائر الغيبة عموماً - التي وقف عند بعضها الشارح وأخذ يحملها على أوجه - تعد من وسائل التعبير عن عنصر مقالي، ((فهي تعوض بعض عناصر المقال وتنوب منابها مستجيبة بذلك إلى مبدأ الاقتصاد بتعويض عنصر أو جزء أكبر من الخطاب بعنصر آخر أكثر طواعية، وهي بالتالي مقطوعة الصلة بمفهوم الشخص))(4). إن تعویض الضمائر وإنابتها عن عناصر المقال تدعم النص، وتسهم بدور فعال في ترابطه(5)، وفي ((تحقق التماسك الدلالي للنص))(6)ومن

ص: 56


1- المذكر والمؤنث، أبو حاتم السجستاني: 161، والمذكر والمؤنث، ابن التستري: 75، والبلغة: 81
2- النص المحقق: 2 / 125
3- ينظر: أصول تحليل الخطاب، محمد الشاوش: 1 / 125
4- أصول تحليل الخطاب، محمد الشاوش: 2 / 1080
5- ينظر: دراسات لغوية تطبيقية في العلاقة بين البنية والدلالة، دكتور سعيد حسن بحيري: 134
6- نحو النص، الدكتور عثمان أبو زيد: 107

أمثلة مواضع الضمائر التي وقف عند إحالاتها الشارح ما يأتي:

1 - في شرحه لقول الإمام (عليه السلام): ((فِعْلَ مَنْ قَدْ شَرِكَهُ الشَيْطَانُ في سُلْطَانِهِ، وَنَطَقَ بِالْبَاطِلِ عَلَى لِسَانِهِ)) قال الشارح: ((والضمير في (سلطانه) راجع إلى الموصول أي صار الشيطان شریكاً له في قدرته التي أعطاه الله وسلَّطه بها على جوارحه، أو إلى الشيطان أي كأنهم الأصل في سلطانه وقدرته على الاضلال وفي نفاذ امره في اتباعه))(1)، فهو يعطي للقارئ خيارين في حالة الضمير، الأول: أن تكون الإحالة إلى الموصول، والثاني: أن تكون الإحالة إلى الشيطان نفسه، والخيار الأول أقرب للصحة؛ لتواجد قرائن لفظية متقدمة كانت إحالتها جميعاً إلى المتحدث عنهم (الذوات) لا إلى الشيطان وهذه القرائن موجودة في قول الإمام (عليه السلام) المتقدم: ((فَنَظَرَ بِأَعْيُنِهِمْ، وَنَطَقَ بِأَلسِنَتِهِمْ، فَرَكِبَ بِهِمُ الزَّلَلَ، وَزَيَّنَ لَهُمُ الخَطَلَ)) فالقرائن اللفظية (أعينهم، السنتهم) ترجع ضمائرها إلى الذوات، أما الأفعال (نظر، ونطق، وزين) فهي أفعال ضميرها المستتر يعود إلى الشيطان، کما یعود الضمير في (شرکه) إلى الشيطان، ونطق أيضاً فيه ضمير مستتر يعود إلى الشيطان.

2 - في شرحه لقول الإمام (عليه السلام): ((وَظَهَرَتْ فِي الْبَدَائِعِ الَّتِي أَحْدَثَها آثارُ صَنْعَتِهِ وَأَعْلَامُ حِكْمَتِهِ، فَصَارَ كُلُّ مَا خَلَقَ لَهُ حُجَّةً، وَدَلِيلاً عَلَيْهِ،

وَإِنْ كَانَ خَلْقاً صَامِتاً؛ فَحُجَّتُهُ بِالتَدْبِیرِ نَاطِقَةٌ، وَدَلالَتُهُ عَلَى الْمُبْدِعِ قائِمَةٌ)) قال الشارح: ((... والضمير في قوله (عليه السلام) (فحجته) يحتمل أن يعود إلى

ص: 57


1- النص المحقق: 1 / 330

الخلق الصامت كالضمير في (دلالته) ويحتمل أن يعود إلى الله سبحانه.))(1)جعل الشارح عودة الضمير تحتمل وجهين للخلق الصامت أو لله سبحانه تعالى وإن كان عوده الضمير للخالق أقرب للصحة لان سياق الكلام المتقدم ((وإن كان خلقاً صامتاً)) والكلام الذي بعده ((ودلالته على المبدع قائمة)) صريح وواضح في أنَّ المقصود الخلق.

3 - في قول الإمام (عليه السلام): ((.. فَلَوِ ائْتَمَنْتُ أَحَدَكُمْ عَلَى قَعْبٍ لَخَشِيتُ أَنْ يَذْهَبَ بِعِلَاقَتِهِ)) وجه ابن کلستانة الضمير بقوله: ((والضمير في يذهب يمكن أن يرجع إلى (الاحد) فطمعه في العلاقة مع حقارتها يدل على دناءته وشدة خيانته، وأن يعود إلى القعب فيكون من قبيل قولهم: ذهب الاسير بأسره))(2).

7 - إشارته للقياسي وغير القياسي:

وقف الشارح على بعض الكلمات مبیناً نوعها من حيث كونها موافقه للقياس أو مخالفة له فيما يخص حالات الجمع أو النسبة أو غير ذلك، ومن هذه المواضع:

شرحه لقول الإمام (عليه السلام): ((... وَسَتْرِ العَورَة)) قال الشارح: ((والعورة في الثغر والحرب: خلل يخاف منه(3)، وكل شيء يستره الإنسان أنفه أو حياء أو مخافة فهو عورة والجمع عَوْرات بالسكون للتخفيف، والقياس

ص: 58


1- النص المحقق: 3 / 211
2- النص المحقق: 2 / 113
3- ينظر: الصحاح، مادة (عور): 2 / 760

الفتح؛ لأنَّه اسم، وهو لغة هذيل(1)))(2).

توضيحه لقول الإمام (عليه السلام): ((إذْ كَانَتِ الرَوياتُ لاَ تَلِيْقُ إلاَّ بِذَوِي الضَمَائِرِ، وَلَيْسَ بِذِي ضَمِیرٍ فِي نَفْسِهِ. خَرَقَ عِلْمُهُ بَاطِنَ غَيْبِ السَتَّراتِ)) قال الشارح: (والضمير الاسم من أضمرت في نفسي شيئاً، أي أخفيت وضمير الإنسان قلبه وباطنه ويجمع على ضمائر تشبيهاً بسريرة وسرائر، وإن كان القياس في باب فعيل إذا كان اسماً لمذكر أن يجمع على أَفْعِله وفعلان کرَغِيف وأَرْغِفَة ورِغْفَان)(3).

قول الشارح: ((واليمن إقليم معروف سمي بذلك؛ لأنه على يمين الكعبة، والنسبة إليه يمني على القياس وجاء يماني على غير القياس، وعلى هذا ففي الياء مذهبان: أحدهما هو الأشهر تخفيفها، ويقال: قوم يمانية، ویمانیون، مثل ثمانية وثمانون، وثانيهما: التثقيل وجوزهما بعضهم(4)))(5).

قول الشارح في معرض شرحه لبيت شعري: ((والبِيد بالكسر جمع بَيْداء وهي المَفَازة قالوا: والقياس بيداوات(6)))(7).

8 - ترجیحه للروايات:

ص: 59


1- ينظر: مجمع البحرین، فخر الدين الطريحي (ت 1080 ه)، مادة (عور): 3 / 416
2- النص المحقق: 4 / 326
3- النص المحقق: 4 / 93
4- ينظر: شرح شافية ابن الحاجب: 2 / 32
5- النص المحقق: 5 / 337
6- ينظر: شرح شافية ابن الحاجب: 2 / 158
7- النص المحقق: 1 / 266

حرص الشارح في أثناء شرحه إلى ذكر الكلمات التي حصل فيها اختلاف عما موجود عنده من نسخة النهج، لذلك كثيراً ما ترد عنده عبارات (وفي بعض النسخ) وكان يفاضل ويرجح بين العبارات من ذلك:

شرحه لقول الإمام (عليه السلام): ((فهو الْبّحْرُ الَّذِي لاَ يُسَاجَل)) قال: ((وفي بعضها (لا يساحِل)(1)بالحاء المهلة لا يؤتي ساحله، وقيل: لا يشابه في بعد الساحل، وهو بعيد))(2).

شرحه لقول الإمام (عليه السلام): ((فَتَقَحَّمَتْ بِهِمْ فِي النَّارِ)) قال الشارح: ((وتقحّمت به النّاقة على صيغة التفعّل أي: ألقَتهُ في ورطة ومَهْلَكَة، وقحّم الفرسُ فارسَه إذا رماهُ فيها، وفي بعض النسخ (قحَمّتْ بهم) على صيغة التفعّيل(3)، والأصّح الأوّل))(4).

ما شرحه من قول الإمام (عليه السلام): ((تَزَوَّدُوا فِي الدُّنْيَا مِنَ الدُّنْيَا مَا تُحْرِزُونَ بِهِ أَنْفُسَكُمْ غَداً)) قال: ((والإحراز الحفظ والصّيانَّة، وفي بعض النَّسخْ(5)(تحَوُزُون) بالواو من الحيازة وهو الجمع والضَّم أي: ما تجمعون به

ص: 60


1- معارج نهج البلاغة، علي بن زید البيهقي (ت 565 ه): 27، ومنهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، القطب الراوندي: 8، هامش: 2 في نسخة (نا، أ،)
2- النص المحقق: 4
3- (قحمَّت بهم) على صيغة (فَعَّلت) وهو فعل ماضي والمصدر منه على صيغة التفعيل تقيماً)
4- النص المحقق: 2 / 33
5- نهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، القطب الراوندي: 1 / 211، هامش 8، وفيه: (في نا: تحوزون)

أموركم وَيحفظونها عن الشَّتات والأوَّل أظهَر))(1).

9 - تعليله التسميات:

اعتنى الشارح بالوقوف على علة بعض التسميات سواء أكانت تسمية مدن أم غيرها، مثال ذلك:

ما ورد في شرح کلام الإمام (عليه السلام): ((وَفَرَضَ عَلَيْكُمْ حَجَّ بَيْتِهِ الحَرَامِ)) قال: ((وسميت الكعبة حراماً؛ لأنَّ الله عز وجل حَرَّمَ أن يصاد بها أو يعضد شجرها أو يختلي خلاها أو يؤخذ لقطتها إلا على وجه أو يخرج الجني منها))(2).

في شرح قول الإمام (عليه السلام): ((ولاشعْبتَهُم مَصارِفُ الرّيِبِ، ولا أقْتسَمْتَهُم أخْيافُ الهِمَم)) قال الشارح: ((الشّعبة من كل شيء الطائفة منه(3))، وشعبَهُم أي فرّقهم، ومنه سمي الموت شَعوباً بالفتح؛ لأنَّه يفرق الخلائق(4)))(5).

- تعليله لتسمية مصر: قال: ((ومصر(6)هي المدينة المعروفة، قيل

ص: 61


1- النص المحقق: 2 / 146
2- النص المحقق: 1 / 222
3- ينظر: تاج العروس، مادة (شعب): 2 / 166
4- ينظر: المصدر نفسه، مادة (شعب): 2 / 166
5- النص المحقق: 3 / 255
6- مصر مدينة معروفة، قيل إنهَّا سميت بمصر نسبة إلى مصر بن أنيم بن حام بن نوح عليه السلام، ويسمونه البعض مصرایم بن حام، ويرى ابن السكيت أنهَّا سميت بمصر؛ لأنها الحد فأهل هجر يكتبون في شروطهم (اشتري جميع الدار بمصورها، أي بحدودها)، واسمها باليونانية مقدونية، فتحها عمرو بن العاص أيام الخليفة عمر بن الخطاب. ينظر: البلدان: 115، ومعجم البلدان: 5 / 137، 138

سمیت؛ لأنَّه بناها المصر بن نوح وقد تصرف وتذكر(1)))(2).

- تعليله لتسمية اليمن، قال: ((سمي بذلك؛ لأنه على يمين الكعبة(3)))(4).

- تعليله لتسمية ثمود ((قيل سمیت ثمود؛ لقلة مائها من الثَمَد بالفتح ويحرك وهو (الماء القليل) لا مادة له(5)، أو ما يظهر في الشتاء ويذهب في الصيف وهو قوم صالح (عليه السلام) وكانت مساكنهم الحجر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى))(6).

- تعليله لتسمية الصبر، قال: ((والصبر: الحبس(7)، وصبر النفس على الحقوق آداء لحقوق وصرف المال فيما يجب ويثبت وإنما سمي حبساً؛ لأنه

ص: 62


1- ذهب سيبويه، والفراء، والمبرد إلى أن (مصر) ممنوعة من الصرف؛ لأنها اسم بلد بعينه ثلاثي الاحرف، مؤنث بدليل قوله تعالى: ((ادخلوا مِصْرَ أن شاءَ الله آمنين)) البقرة / 99، وذهب ابن السراج أنها مما يذكر ويؤنث مع اتفاقه معهم بأنها ممنوعة من الصرف، وعلل ابن الوراق جواز تذكير أسماء البلدان مع أن الغالب فيها التأنيث أن تأنيثها غير حقيقي. ينظر: كتاب سيبويه: 3 / 242، ومعاني القرآن، الفراء: 1 / 42، 43، والمقتضب: 3 / 291، والأصول في النحو: 2 / 100، وعلل النحو، ابن الوراق: 629
2- النص المحقق: 2 / 315
3- ينظر: البلدان، أحمد الهمذاني (ت 340 ه): 91، والمخصص، ابن سيده (ت 458ه)، ج 3، القسم 13، السفر 12: 48
4- النص المحقق: 5 / 337
5- ينظر: الصحاح، مادة (ثمد): 2 / 451
6- النص المحقق: 5 / 350
7- الصحاح، مادة (صبر): 2 / 706، ولسان العرب: 4 / 438

خلاف مايميل اليه الطبع والنفس الأمارة بالسوء))(1).

10 - انتقاده بعض الشارحين وردوده عليهم

وقف الشارح بإزاء بعض شارحي النهج موقف المنتقد وكانت انتقاداته لهم تقوم على أسباب مختلفة فمنها ما كان يخص أسلوبهم في التعبير والشرح، ومنها ما كان يتعلق بتوجهاتهم الفلسفية.

ومن نقد الشارح القائم على مخالفته لأسلوب بعض الشراح في التعبير ما ورد في معرض شرح قول الإمام (عليه السلام): ((اَيْمُ اللهِ لأَفْرِطَنَّ لَهُمْ حَوْضَاً أنَا مَاتِحُهُ، لاَ يَصْدُرون عَنْهُ، وَلاَ يَعُوُدُونَ إِليهِ)) وضَح الفرق بين (لأُفرِطَّنَ) في ضم الهمزة بمعنى لأملان، و(لأَفرُطن) بمعنی فرط القوم إذا سبقهم ليرتاد لهم الماء ويهيئ لهم الدلاء والرشاء، كما فعل ابن أبي الحديد في شرحه، واختلف معه في معنى (أنا ماتحه)، إذ قال: ((وأنا ماتحه، أي أنا المتصدي لإعداده، والمباشر لتهيئة أسبابه، أي: أقاتلهم على أبلغ وجه، وقول بعض الشارحين معناه: ((أنا خبير به، كما يقول من يدعي معرفة الدار: أنا باني هذه الدار(2)) لا يخلو عن بعد))(3)

وفي شرح قول الإمام (عليه السلام): ((حَتَّى ارْتَابَ النَّاصِحُ بِنُصْحِهِ، وَضَنَّ الزَّنْدُ بِقَدْحِهِ)) الناصح لاعتراه ريب في النّصح لاجماعكم واصرارکم على المخالفة لا كما زعمه بعض الشّارحين(4)من أنَّ استخراج وجه المصلحة

ص: 63


1- النص المحقق: 5 / 9
2- شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1 / 203
3- النص المحقق: 1 / 335
4- ينظر: شرح نهج البلاغة، ابن میثم البحراني: 2 / 87

أمر ظني اجتهادي فإذا كثرت المخالفة جاز أن يتشكك الانسان فيما ظنه صلاحاَ، فإنّه (عليه السّلام) أجل من أن يحوم حول رأيه شكّ لمخالفة المخالفين))(1).

ومن نقده المتعلق بالمنحى الفلسفي الذي اعتنقه بعض الشارحين، قوله في معرض شرحه لقول الإمام (عليه السلام): ((وَفَتَقَ بَعْدَ الإِرْتِتَاقِ صَوَامِتَ أَبْوَابِهَا)) فتقت الثوب فتقا من باب قَتَلَ نقضت خياطته حتّى انفصل بعضه عن بعض، ورتقت الفتق رتقا من باب قتل أيضاً سددته فارتتق والأبواب الصامتة والمصمتة المغلقة منها، وفتق صوامت الأبواب إما ایجاد الأبواب فيها وخرقها بعد ما كانت رتقا لا باب فيها بل كانت جسماً متصلاً، وإما فتح الأبواب المخلوقة فيها حين ايجادها وافاضة الصورة السماوية عليها وهذه الأبواب هي التي تعرج فيها الملائكة وتهبط وتصعد الأعمال والأدعية والأرواح فيها وهي التي أشار إليها بقوله سبحانه: «إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ»(2)أو التي تنزل منها الأمطار كما أشار إليه سبحانه بقوله: «فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ»(3)أي منصب ولا يخفى أن هذا الكلام كغيره من النصوص صريح في أن للسماء أبواباً وتأويلات بعض الشارحين(4)اقتداء بالفلاسفة ناشئة من وهن الإيمان

ص: 64


1- النص المحقق: 2 / 194
2- الاعراف / 40
3- القمر / 11
4- شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 6 / 334، وبحار الانوار: 54 / 129، 130

ونقص الإذعان بما جاء به سید المرسلين (صلى الله عليه وآله الطاهرين)))(1).

ومن ردوده الكلامية ما ذكره في معرض شرحه لقول الإمام (عليه السلام): ((بِأَوَلِيْتِهِ وَجَبَّ أَنْ لاَ أَوْلَ لَهُ، وبِآخِرِّيَّتِهِ وَجَبَّ أَنْ لاَ آخِرَ لَهُ)) ((قال بعض الشارحین(2): يمكن أن يفسر هذا الكلام على وجهين: أحدهما: أنه سبحانه لما فرضناه أولا مطلقاً، تبع هذا الفرض أن يكون قديما أزلياً، وهو المعني بقوله: ((وَجَبَّ أَنْ لاَ أَوْلَ لَهُ))؛ لأنه لو لم يكن أزلياً لكان له محدث متقدم عليه فلا يكون أولاً مطلقاً ولما فرضناه أخراً مطلقاً تبع هذا الفرض أن يكون مستحيل العدم وهو المعنى بقوله: ((وَجَبَّ أَنْ لاَ أَوْلَ لَهُ))؛ لأنه لو عدم بعد استمرار الوجود لما عدم الا بضد يبقى بعده فلا يكون آخراً مطلقاً، هذا محصل كلامه ثم قال: ثانيهما: أن لا تكون الضمائر الأربعة راجعة إلى الباري سبحانه، بل يكون منها ضمیران راجعان إلى غيره، أي بأوليته الأول الذي فرضنا كون الباري سابقاً عليه، علمنا أن الباري لا أول له، وبآخريته الآخر الذي فرضنا أن الباري متأخر عنه، علمنا أن الباري لا آخر له، وانما علمنا ذلك؛ لأنه لو كان سبحانه أولاً لأول الموجودات وله مع ذلك أول لزم التسلسل، واثبات محدثین ومحدثين إلى غير نهاية، وهذا محال. ولو كان سبحانه آخرا لآخر الموجودات وله مع ذلك آخر لزم التسلسل، وإثبات أضداد يعدم ويعدمها غيرها إلى غير نهاية، وهذا أيضا محال، ولا يذهب عليك أن الوجه الأول على ما قرره موقوف على القول بأن العدم لا يكون إلا بوجود الضد وهو باطل والتزام التخصيص في كونه سبحانه آخر بعد

ص: 65


1- النص المحقق: 3 / 224
2- ينظر: شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 7 / 78

كل آخر بغير الفناء الذي يزعمونه ضد الأشياء وجودیا، وهو ينافي الآخرية الحقيقية الظاهرة من الكلام السابق اللهم إلا أن يوجه بأنه يصدق الآخرية بالنسبة إلى الفناء بعد إعادة الأشياء فيصدق بالنسبة إلى الجميع، ولو كان كل في وقت فيه مع التكلف ابتناؤه على وجودية الفناء وكونه قائماً بنفسه وفسادهما واضح وبعد الوجه الأخير ظاهر))(1).

ص: 66


1- النص المحقق: 4 / 44

المبحث الرابع: شواهد الشرح

1 - القرآن الكريم

القرآن الكريم هو دستور الاسلام الذي أُنزل على سيدنا وحبيبنا محمد (صلى الله عليه واله وسلم) بلسان عربي مبين، قال تعالى: «إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ»(1)وهو ((على حد من الفصاحة تقصر عنه قوی البشر))(2)، فألفاظه ((هي لب كلام العرب وزبدته، وواسطته وكرائمه، وعليها اعتماد الفقهاء والحكماء في أحكامهم وحكمهم، واليها مفزع حذاق الشعراء والبلغاء في نظمهم ونثرهم وما عداها، وعدا الألفاظ المتفرعَّات عنها والمشتقات منها، هو بالإضافة اليها كالقشور والنوى بالإضافة إلى أطايب الثمرة))(3).

إنَّ القرآن الكريم هو عماد الأدلة النقلية جميعاً، فالشاهد القرآني هو دلیل نقلي بنص المصحف ولفظه(4)لذلك ليس غريباً أن يكون الشارح قد اعتمد عليه كثيرا واستدل به في شرح وبيان معاني كلام أمير المؤمنين (عليه السلام).

طريقة استدلال علاء الدين واستشهادهِ بالآيات القرآنية لم تكن على

ص: 67


1- الزخرف / 3
2- دلائل الاعجاز: 8
3- المفردات في غريب القرآن: المقدمة: د، ه
4- ينظر: الشاهد القرآني عند النحاة حتى ق 4 الهجري، اطروحة دكتوراه، د. عبد الاله علي جويعد: 21

وتيرة واحدة، فهو يورد الآية كاملة في بعض المواضع - وهي قليلة - وفي بعضها الآخر يورد منها موطن الشاهد ويترك باقي الآية - وهو الغالب في شرحه - وموارد الاستدلال متعددة، ومتنوعة منها: -

1 - استدل بالآية الكريمة لغرض إثبات معنی نحوي، مثل:

استدلاله على أن (اللام) تأتي بمعنى (إلى) في قول الإمام (عليه السلام): ((أَحَالَ الأَشْيَاءَ لأَوْقَاتِهَا)) قال الشارح: ((... واللام في أوقاتها للتعليل کما ذكره بعض الشارحين(1)؛ لأن كل وقت يستحق مالا يستحقه غيره، أو بمعنی (إلى) كقوله تعالى: «بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا»(2)))(3).

استدلاله على أن (ثم) تأتي بمعنى (الواو) المفيدة للجمع المطلق في قول الإمام (عليه السلام): ((ثُمَّ اَنْشَأَ سُبْحَانَهُ فَتْقَ الأَجْوَاءِ، وَشَقَّ الأَرْجَاءِ،

وَسَكَائِكَ الهَواءِ)) قال الشارح: ((كلمة ثم هاهنا أما للترتيب الذكرى والتدرج في الكلام لا للتراخي في الزمان... واما بمعنى الواو المفيدة للجمع المطلق کما قيل في قوله تعالى: «وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى»(4)))(5).

2 - استدل بالآيات الكريمة لبيان اختلاف المعاني في المشترك اللفظي، مثل:

ص: 68


1- ينظر: شرح نهج البلاغة، البحراني: 1 / 135
2- الزلزلة / 5
3- النص المحقق: 1 / 159
4- طه / 82
5- النص المحقق: 1 / 161 - 162

استدلاله بمعنى كلمة (الرجا) وهي الناحية، ومشترکها اللفظي (رجی) بمعنى (الامل أو الخوف: في اثناء شرحه لقول الإمام (عليه السلام): (وَشَقَّ

الأَرْجَاءِ)، قال الشارح: ((والأرجاء جمع الرجا مقصورا وهي ((النّاحية)) قال تعالى: «وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا»(1)، وأما الرجا من الامل أو الخوف كقوله تعالى: [مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ للهِ وَقَارًا](2)))(3).

3 - استدل بالآيات الكريمة للرد على بعض الشارحين، مثل:

استدلاله على أنَّ المقصود بقول الإمام (عليه السلام): ((وَعُلْيَاهُنَّ سَقْفًا مَحْفُوظَاً وَسَمْكَاً مَرْفُوْعَاً)) السماء العليا وليست السماء الدنيا، قال الشارح: ((... ولعل المراد بحفظ العليا إمساكها عن النقض، والهدم، والسقوط، والخرق إلا بأمره سبحانه، وقول بعض الشارحين عن الشياطين بعيد، ولو كان وصفا للسماء الدنيا كان وجها لقوله تعالى: «إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ، وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ»(4)والتّخصيص في كلامه (عليه السلام) يناسب أن يكون المراد بالسماء في قوله تعالى: «وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا»(5)السّماء العلیا.))(6).

4 - لا يقتصر بالاستدلال على معنى الكلمة بآية واحدة، مثل:

ص: 69


1- الحاقة / 17
2- نوح / 13
3- النص المحقق: 1 / 162
4- الصافات / 6، 7
5- الانبياء / 32
6- النص المحقق: 1 / 170

استدلاله على معنى كلمة (السراج) في قول الإمام (عليه السلام): [(فَأَجْرَى فِيْهَا سِرَجَاً مُسْتَطِيْرًا وَقَمَرًا مُنِیْرًا) بالشمس، قال الشارح: ((والمراد بالسّراج الشّمس، قال تعالى: «وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا»(1)، وقال سبحانه: «تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا»(2)))(3).

5 - استدل بالآيات الكريمة لإثبات قاعدة نحوية، مثل:

استدلال على أنَّ التضعيف من أسباب تعدية الفعل، وذلك في شرحه قول الإمام (عليه السلام): ((ولقاه كلمة رحمته)) قال الشارح: ((... أي استقبله بها بتعليمه إياها، يقال: لقي زيد خيرا فيُعَّدى مفعولاً واحدًا، فإذا ضعفت العين عُدِّيَ إلى المفعولين، قال الله تعالى: «فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا»(4)))(5).

6 - استدل بالآيات الكريمة لإثبات حکم فقهي، مثل:

7 - استدلاله على الرخص والقطع في شرحه لقوله (عليه السلام): (((وَرَخَصَهُ وَعَزَائِمَهُ))، قال الشارح: ((الرخصة في الأمر خلاف التشديد، وعزائم الله ما قطع الله على العبد بفعله، والعزم هو القطع على الأمر والجد

ص: 70


1- نوح / 16
2- فرقان / 61
3- النص المحقق: 1 / 173
4- الانسان / 11
5- النص المحقق: 1 / 195

فيه، والرخصة كقوله تعالى: «فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ»(1)، والعزيمة كقوله: «أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ»(2)))(3)، ومثله أيضا في شرحه لقول الإمام (عليه السلام): ((وَوَاجِب فِي السُّنَّةِ أَخْذُهُ، مُرَخَّصِ فِي الكِتَابِ تَرْكُهُ)) قال الشارح: ((ويمكن أن يمثل بقوله تعالى: «وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ»(4)حيث دلت السنة على أن القصر عزيمة وكذلك آية الصفا والمروة وبقوله تعالى: «قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا»(5)حيث دلت السنة على حرمة غير ما ذكر في الآية))(6).

استدلاله بالمحرمات المؤقتة في أثناء شرحه لقول الإمام (عليه السلام): ((وَبَیْنَ وَاجِبٍ بِوْقْتِهِ وَزَائِلٍ فِي مُسْتَقْبَلِهِ)) قال الشارح: ((والمحرمات في الأوقات المخصوصة، قال تعالى: «وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا ؇ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ»(7)))(8).

7 - الاستدلال على جواز تعدي الفعل وإن حذف حرف الجر، مثل:

جواز تعدي الفعل (لأفرطن) في قول الإمام (عليه السلام): ((اَيْمُ اللهِ لَأَفْرِطَنَّ لَهُمْ حَوْضًا أَنَا مَاتِحُهُ، لاَ يَصْدُرُونَ عَنْهُ، وَلاَ يَعُودُونَ إِليْهِ)) على تقدير حرف

ص: 71


1- البقرة / 173
2- الاسراء / 78
3- النص المحقق: 1 / 212
4- النساء / 101
5- الأنعام / 145
6- النص المحقق: 1 / 216
7- المائدة 96
8- النص المحقق: 1 / 216

الجر، قال الشارح: ((والتقدير: (لأفرطن إلى حوض) فلما حذف الجار عدی الفعل بنفسه كقوله تعالى: «وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا»(1)، ولهم أي لأجلهم))(2).

8 - الاستدلال بآيات قرآنية تضمنها قول الإمام (عليه السلام)، مثل:

- الاستدلال على قول الإمام (عليه السلام): ((وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مِنْ عِنْدِ اللهِ سُبْحَانَهُ)) قال الشارح: ((... والعلم بأنَّ النصر من عند الله لا بالكثرة والقوة كما قال سبحانه: «وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ»(3)))(4).

9 - الاستدلال على صحة المعنى اللغوي، مثل:

- الاستدلال على صحة المعنى اللغوي للبلاء في قول الإمام (عليه السلام): ((أَلاَ وَإِنَّ بَلِيَّتَكُمْ قَدْ عَادَتْ كَهَيْئَتِهَا يَوْمَ بَعَثَ اللهُ نَبِيَّهُ (صَلَّى اللهَ عَلَيْه وَآلهِ))): بأنه يكون في الخير والشر، قال الشارح: ((الابتلاء الاختبار والامتحان، يقال: بلوته وابلیته وابتليته، والاسم البلوى والبلية، والمعروف أن الابتلاء يكون في الخير والشر من غير فرق بين فعليهما، ومنه قوله تعالى: «وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً»(5)))(6).

ص: 72


1- الأعراف / 155
2- النص المحقق: 1 / 335
3- ال عمران / 126
4- النص المحقق: 2 / 10
5- الأنبياء / 35
6- النص المحقق: 2 / 30

2 - القراءات القرآنية:

عرف الزركشي القراءات القرآنية بأنها: ((اختلاف ألفاظ الوحي المذكور في كتابة الحروف أو كيفيتها من تخفيف وتثقيل وغيرهما))(1)، ومسألة الاختلاف هي قوام القراءات، والمقصود بالاختلاف ليس لفظ الوحي نفسه، وإنما الاختلاف في نطق لفظ الوحي أو كتابته، لذلك فالبعض يجدها ((بين ما هو اجتهاد من القارئ، وبين ما هو منقول بخبر الواحد))(2).

ان اختلاف لهجات العرب يُعدُّ سبباً من أسباب نشوء القراءات القرآنية واختلافها ومن ثم تطورها إلى علم قائم بذاته(3)، وقد وصف (بلاشير) کتب القراءات بأنها ((وثائق هامة لدراسة اللهجات العربية))(4)وأكد قوله الدكتور عبده الراجحي بِعدِّها ((أصل المصادر جميعاً في معرفة اللهجات العربية))(5).

ومن المواضع التي وردت فيها القراءات القرآنية:

1 - في بيانه قول الإمام (عليه السلام): ((لَبِئْسَ لَعَمْرُ اللهِ سَعْرَ نَارِ الحَربِ أَنْتُمْ))، قال: ((وسعرت النار والحرب کمنعت إذا أوقدتهما وهيجتهما،

ص: 73


1- البرهان في علوم القرآن، الزركشي (ت 794 ه): 1 / 318
2- البيان في تفسير القرآن، السيد الخوئي: 123
3- ينظر: الشواهد والاستشهاد في النحو، عبد الجبار علوان النايلة: 225
4- تاريخ الادب العربي، العصر الجاهلي، بلاشير: 1 / 78
5- اللهجات العربية في القراءات القرآنية، الدكتور عبده الراجحي: 93

وقرئ(1)قوله تعالى: «وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ»(2)بالتخفيف والتشديد، والتّشديد للمبالغة والعرض ذقهم بعدم القدرة على اسعارنا الحرب أو بأنهم يتهيجون الفتنة ولا يصبرون على الشدة ولا يقيمون مراسم الحرب ودفع الأعداء))(3).

2 - في أثناء بیانه لقول الإمام (عليه السلام): ((بل عباد مکرمون لا يسبقونه بالقول وهم بامره يعملون)) قال: ((ومكرمون بالتخفيف من الإكرام، وقرئ(4)بالتشديد من التكريم واللام في ما يقول عوض عن المضاف إليه، أي لا يسبقون الله عز وجل بقولهم بل هو تابع لقوله عَزَّ وَجَل كما أنَّ عملهم تابع لأمره، والغرض تنزيههم عن النقائص التي يكون في البشر وكذلك بعض الكلمات الآتية...)(5).

3 - في أثناء بیانه قول الإمام (عليه السلام): ((... وَجَاهَدَ فِي اللهِ أَعْدَاءهُ، غَیْرُ وَاهِنٍ وَلاَ مُعْذِّرٍ)) قال: ((والمعذر الذي يعتذر من تقصيره بغير عذر موهماً أنَّ له عذر، وقيل: هو المعتذر الذي له عذر، واختلف في تفسير قوله تعالى: «وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ»(6)على الوجهين، وقرأ ابن

ص: 74


1- من الذين قرأوا بالتشديد ابن ذكوان وحفص ورویس، وقرأ الباقون التخفيف، ينظر: تقريب النشر في القراءات العشر، ابن الجزري (ت 833 ه): 201
2- التكوير / 12
3- النص المحقق: 2 / 184
4- قرأها عكرمة بالتشديد، ينظر: معجم القراءات القرآنية، الدكتور. أحمد مختار عمر، الدكتور عبد العال سالم: 4 / 132
5- النص المحقق: 3 / 239
6- التوبة / 90

عباس(1): (وجاء المعذرون) بتخفيف الذال من أعذر وكان يقول: لعن الله المعذرين كأن المعذر عنده إنما هو غير المحق، وبالتخفيف من له عذر))(2).

4 - في أثناء بیانه لقول الإمام (عليه السلام): ((لَقَدْ اِسْتَهَامَ بِكُمْ الخَبِيْثُ. وَتَاهَ بِكُمْ الغَرُورُ)) قال: ((وفسر الغرور في قوله تعالى: «وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ»(3)بالشيطان وبكل شيء غرك حتى تعصي الله وتترك ما أمرت به، وقيل: (الغرور: الدنيا)، وقيل: (تمنيك المغفرة في عمل المعصية)، وقرئ في الشواذ بضم الغين(4)))(5).

3 - الاحاديث النبوية الشريفة

يشهد تاريخ اللغة العربية بأن ليس بعد القرآن الكريم كلام قط ((أعم نفعاً ولا أقصد لفظاً ولا أعدل وزناً، ولا أجمل مذهباً، ولا أكرم مطلباً، ولا أحسن موقعاً ولا أسهل مخرجاً، ولا أفصح عن معنى، ولا أبين عن فحوى من كلامه))(6)(صلى الله عليه واله وسلم)، لذلك كانت أحاديثه (صلوات الله عليه) منبعاً ثراً للاستشهاد، لأن علماء اللغة كانوا على يقين بأن ليس ((بعد القرآن كلاماً يسامي الكلام النبوي أو يدانيه، فصاحت وبلاغة معنى، وبراعة

ص: 75


1- قرأ الكسائي وعاصم الشنبودي وابن عباس وزيد بن علي والاعرج وأبو صالح وعیسی بن هلال وقتيبة ومجاهد وشعبة ويعقوب المعذرون بتخفيف الذال، والباقون بالتشديد. ينظر: تقريب النشر في القراءات العشر: 201، و معجم القراءات القرآنية: 3 / 35
2- النص المحقق: 4 / 197
3- لقمان / 33، وفاطر / 5
4- قراءة (سماك بن حرب، أبو حيوة، بن السميفع) معجم القراءات القرآنية: 5 / 94
5- النص المحقق: 4 / 324
6- البيان والتبيين، الجاحظ: 2 / 17، 18

ترکیب، وجمال أسلوب، وروعة تأثير))(1)، ومع علمهم ويقينهم بمكانة الحديث النبوي الشريف نجدهم وقفوا منه موقف الحذر فانقسموا بإزائه إلى فئات ثلاث(2): فئة جوزت الاستشهاد بالحديث، وفئة منعت الاستشهاد به بحجة أنَّ الرواة جوزوا النقل بالمعنى(3)، ووقوع اللحن فيما روي من الحديث؛ لأن كثيرا من رواته كانوا من غير العرب(4)، وفئة توسطت بينهما أما الشارح (ابن کلستانه) فهو يقدم. الحديث بين يديه شاهدا على إثبات المعنى الذي يختاره في أثناء شرحه لكلام أمير المؤمنين (عليه السلام)، ومن أمثلة مواضع استشهاده بالأحاديث النبوية الشريفة:

1 - في أثناء بیانه لمعنى (المروق) في قول الإمام (عليه السلام): ((وَالمَارِقَة مِنَ السَمَّاءِ العُلْيَا أَعْنَاقُهُمْ...)) الذي يعني الخروج، قال الشارح: ((وسمیت الخوارج مارقة لقوله (صلى الله عليه واله): ((أنهم يمرقون من الدين کما يمرق السهم من الرمية(5)))(6).

2 - في أثناء بیانه لمعنى (الاقتطاع) في قول الإمام (عليه السلام):

ص: 76


1- نظرات في اللغة والنحو، طه الراوي: 20
2- ينظر: الشواهد والاستشهاد في النحو: 301، وموقف النحاة من الاحتجاج بالحديث، الدكتورة خديجة الحديثي: 20، 22، 25
3- ينظر: الاقتراح، السيوطي: 53
4- المصدر نفسه: 53
5- مسند أحمد بن حنبل (ت 241 ه): 1 / 88، وصحیح البخاري (ت 256 ه): 4 / 179، وصحیح مسلم (ت 261 ه): 3 / 111، وسنن ابن ماجه (ت 273 ه): 1 / 60، وسنن الترمذي (ت (279 ه): 3 / 326، وسنن النسائي (ت 303 ه): 7 / 119
6- النص المحقق: 1 / 180

((... وَاقْتَطَعْتَهُمْ عَنْ عِبَادتِهِ)) ويعني (الاخذ)، قال الشارح: ((الاقتطاع الاخذ، وفي الحديث: ((يقتطع بها مال امرئ مسلم(1)))(2).

3 - من بيانه لمعنی (رهينة) في قول الإمام (عليه السلام): ((ذِمَّتِي بِمَا أَقُولُ رَهِيْنَةٌ، وَأَنا بِهِ زَعِيْمٌ)) وتعني (المرهونة) قال الشارح: ((والرهينة المرهونة، وبمعنى الرهن، والهاء للمبالغة كالشتيمة والشتم، ومن الحديث: ((كل غلام رهينة بعقيقته(3)))(4).

4 - من توضيحه معنى كلمة (عِنان) في قول الإمام (عليه السلام): ((فَطِرْتُ بِعَنَانِهَا))، قال الشارح: ((وفي الحديث: ((خَیْرُ الناسِ رَجُلٌ مُمْسِكٌ بِعِنانِ فرسهِ فِي سبيلِ اللهِ كُلَّما سَمَعَ هَيْعَة طَارَ إليها(5)))(6).

5 - اثناء شرحه لقول الإمام (عليه السلام): ((وَجَأَرْتُمْ جُؤَارَ مُتْبَتِّلِي الرَّهْبَان)) وتوضيحه لمعنى الرهبانية روى الحديث النبوي الشريف قائلاً: ((وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنَّه قال: (لا رهبانية في الاسلام)(7)،

ص: 77


1- مسند أحمد: 1 / 377، وينظر: صحيح البخاري: 3 / 75، وينظر: سنن ابن ماجه: 2 / 778
2- النص المحقق: 1 / 200
3- ينظر: مسند أحمد: 5 / 7، 8، وسنن الدارمي (ت 255 ه): 2 / 81، والمعجم الكبير، الطبراني (ت 360 ه): 7 / 201، والسنن الكبرى، البيهقي (ت 458): 9 / 299
4- النص المحقق: 2 / 28
5- غريب الحديث، ابن سلام (ت 244 ه): 1 / 6، والفائق في غريب الحديث والأثر، الزمخشري (ت 538 ه): 3 / 415، والنهاية في غريب الحديث والأثر: 5 / 288
6- النص المحقق: 2 / 199
7- المبسوط، السرخسي (ت 483 ه): 4 / 194، والنهاية في حديث الغريب والاثر، ابن الاثير: 2 / 280، وفتح الباري، ابن حجر العسقلاني (853 ه): 9 / 96، وجامع أحاديث الشيعة، البروجردي (ت 1383 ه): 20 / 21

والنهي عن الرهبانية لا يستلزم النهي عن الجؤار کجؤارهم وأصله من الرهبة الخوف))(1).

6 - استدل بصحة كلام الإمام (عليه السلام): (((وَحَذَّرَكُمْ عَدُوّا نَفَذَ فِي الصُّدُور خَفِّيًا، وَنَفَثَ فِي الآذانِ نَجِّياً...)) بقول النبي (صلى الله عليه واله وسلم) في معرض شرحه إذ قال: ((والمراد دخوله في الصدور، وقد ورد في الحديث: ((إنَّ الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم(2)))(3).

7 - أثناء بیانه معنى كلمة (مُناخ) في قول الإمام (عليه السلام): ((أَلاَ أَنْبَأْتَكُمْ بِنَاعِقِهَا وَقَائِدِهَا وَسَائِقِهَا وَمُنَاخِ رَكَبِهَا...)) قال: ((والمُنَاخ بضم الميم موضع الإناخة اسم مكان من أنَاخَ الرجلُ الجمل إناخة، قالوا ولا يقال في المطاوع: فناخ، بل يقال: فبرك وتنوخ، وقد يقال استناخ، وفي الحديث في صفة المؤمن: إن قيد انقاد وإن أُنيخ على الصخرة استناخ(4)))(5).

8 - في بيانه لمعنى كلمة (يسلمونها) التي وردت في قول الإمام (عليه السلام): ((فَإنَّ الصَابِرِينَ عَلَى نُزوُل الحقائِق هُمْ الذِين يَحفونَ بِرَايَاتِهِمْ، وَيكْتَنِفُونَها: حَفَافِيْهَا، وَوَرَاءِهَا وَأَمَامِهَا، لاَ يَتَأَخَرُونَ عَنْهَا فَيَسْلَمُوهَا، وَلاَ يَتَقَدَمُونَ عَلَيْها فَيَفْرِدُوهَا)) إذ قال: ((وأسلمته واعطيته وأسلم فلان فلاناً إذا

ص: 78


1- النص المحقق: 2 / 251
2- مسند أحمد بن حنبل: 3 / 156، وصحيح البخاري: 2 / 259، وسنن ابن ماجة: 1 / 566، وفتح الباري: 4 / 242
3- النص المحقق: 3 / 100
4- روى السيوطي: ((المؤمنون هينون لينون کالجمل الأنف: إن قيد انقاد، وإذا أنيخ على صخرة استناخ)) الجامع الصغير، السيوطي (ت 911 ه): 2 / 663
5- النص المحقق: 3 / 310

القاه إلى الهلكة، ولم يَحُمهِ من عدوه وهو عام في كل من أسلمته إلى شيء، لكن دخله التخصيص وغلب عليه الإبقاء في الهلكة ومنه الحديث: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه)(1)، وأسلمه أي خذله))(2).

4 - استشهاده بالأمثال:

المثل هو ((قول يرتجل في حادثة معينة، فيعلق في أذهان سامعيه ويردد في الحوادث المشابهة، أو هو قول سائر يشبه به حال الثاني بالأول، والأصل فيه التشبيه))(3).

اعتمد الشارح في تأكيده معاني كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) على الأمثال، ويمكن عرض بعض الأمثال التي وردت في شرحه حسب طريقته في التقديم:

1 - أمثال يوردها بعبارة تميزها، نحو: (وفي المثل)، قال الشارح في بيان معنی (متلاطمًا) الذي ورد في قول الإمام (عليه السلام): ((فَأَجْرَى فِيْهَا مَاءً

مُتَلاَطِمَاً تَيَّارُهُ...)): ((اللَّطُمُ بالفتح في الأصل الضّرب على الوَجْه ببَاطن الرّاحة وفي المثل (لو ذاتُ سِوَارٍ لَطَمْتَني(4)))(5)، كما وردت هذه العبارة في اثناء شرحه لقول الإمام: ((وَامْضوُا فِي الَّذِي نَهَجهُ لَكُمْ وَقُومُوا بِمَا عَصَبَهُ

ص: 79


1- مسند أحمد بن حنبل: 2 / 91، وصحیح مسلم: 8 / 18، وصحیح بخاری: 3 / 98، وسنن ابن داود (ت 275 ه): 2 / 454، وسنن الترمذي: 2 / 440، والسنن الکبری: 6 / 94
2- النص المحقق: 4 / 245
3- مجمع الامثال، الميداني (ت 518 ه): 1 / 7
4- (مثل يقوله الكريم إذا ظلمه اللئيم) جمهرة الامثال، أبو هلال العسكري (ت 395 ه): 2 / 193
5- النص المحقق: 1 / 164

بِكُمْ فَعَلِيٌّ ضَامِنٌ لِفَلْجِكُمْ آجِلاً إنْ لَمْ تَمْنَحُوهُ عَاجِلاً))، قال: ((وفي المثل: (مَنْ يَأْتِ اْلحكمَ وَحْدَهُ يَفْلُجُ(1)))(2).

2 - يذكر قصة المثل، کما ورد في شرحه لقول الإمام (عليه السلام): ((فَإنْ أقُلُ يَقُولوُا حَرَصَ عَلَى المُلْكِ، وَإِنْ أسْكُتْ يَقُولُوا: جَزِعَ مِنَ اْلمَوتِ. هَيْهاتَ بَعْدَ اللِّيتّا والَّتِي!)) إذ قال: ((قيل: تزوج رجل امرأة قصيرة سّيئة الخلق فقاسي منهَا الشدائد، ثم طلقها وتزوج طويلة فقاسي منها أضعاف القصيرة فطلقها، وقال: بعد اللتيا والتي لا أتزوج أبداً، فَصار مثلاً(3)))(4). وأمثال یورد قصتها بعد أن استشهد بها أمير المؤمنين (عليه السلام) کما في قوله (عليه السلام): ((وَقَدْ كُنْتُ أَمَرْتُكُمْ فِي هذِهِ اْلحُكُومَةَ أَمرِي، وَنَخَلتُ لَكُمْ مَخزوُنَ رَأيْي، لَوْ كَانَ يُطاعُ لِقَصِیْرٍ أَمْرٌ!))، فذكر الشارح قصة المثل قائلاً: ((وقصير وهو ابن سعد اللّخمي مولى جذيمة بن الابرش بعض ملوك العَربَ والكلام من قبيل المثل وأصله أن جذيمة كان قتل أبا الزّبا ملكة الجزيرة، فبعثت اليه بعد حين خدعة إني أريد التزوج وسألته القدوم عليها، فأجابها جذيمة إلى ذلك، وخرج في ألف فارس، وخلف باقي جنوده مع ابن أخته وكان قصير مولاه أشار عليه بأن لا يتوجه اليها، فلم يقبل رأيه فلما قرب جذيمة من الجزيرة استقبله جنود (الزبّاء) بالعدّة ولم ير منهم اکرامًا لهُ، فأشار عليه قصير بالرجوع عنها وقال: إنَّها امرأة ومن شأن

ص: 80


1- جمهرة الأمثال: 2 / 225، ولسان العرب، مادة (فلج): 2 / 347
2- النص المحقق: 2 / 108
3- ينظر: جمهرة الأمثال: 1 / 223، ومجمع الأمثال: 1 / 97
4- النص المحقق: 1 / 323

النساء الغدر، فلم يقبل فلما دخل إليها قتلته، فقال قصير: لا يُطاع لقصير أمر، فجرى مثلاً(1)لكلّ ناصح عُصَيِ وهو مصيب في رأيه))(2).

3 - أمثال لم يقدم لها عبارات تميزها کما فَعَلَ في أثناء شرحه لقول الأمام (عليه السلام): (لاَ نَنْتَفِعُ بِمَا عَلِمْنَا، وَلاَ نَسْأَلُ عَمَّا جَهِلْنَا، وَلاَ نَتَخَوَّفُ قَارعَةً حَتّى تَحُلُّ بِنَا) فقال: ((الكَلام من قبيل: (إيَّاك أعني واسمعي يا جاره)(3)، وعدم الانتفاع بالعِلم لترك العَمَلِ، وعدم السؤال لعدم العلم بفضل العلم، مع عدم الرَّغبة في العمل بمقتضاه))(4).

4 - أمثال قدم الشارح أغراضها والمغزى منها، من ذلك ما ورد في شرحه لقول الإمام (عليه السلام): ((... كُلُّ وَاحد مِنْهُمَا حَامِلٌ ضُبٍ لِصَاحِبِهِ...)) قال: ((والعرب (تضرب) المثل بالضب في العقوق تقول: (أَعَقُ مِنْ ضَب)(5) وذلك أنه ربما يأكل حسوله))(6).

5 - استشهاده بالشعر

استشهد الشارح بأبيات شعرية في أثناء شرحه کلام أمير المؤمنين (عليه السلام) وكانت لشعراء من مختلف العصور، يصرح بأسمائهم أحياناً، وفي

ص: 81


1- ينظر: جمهرة الأمثال: 2 / 394، ومجمع الأمثال: 1 / 244
2- النص المحقق: 2 / 192 - 193
3- المثل لسيار بن مالك الفزاري قاله لأخت حارثة بن لأم الطائي وذلك انه نزل بها فنظر إلى بعض محاسنها فهويها واستحيا ان يخبرها بذلك فجعل يشبب بامرأة غيرها) جمهرة الأمثال: 1 / 29، ونسبه الميداني لسهل بن مالك الفزاري، مجمع الأمثال: 1 / 50
4- النص المحقق: 2 / 161 - 162
5- جمهرة الامثال: 2 / 69، ومجمع الامثال: 1 / 509
6- النص المحقق: 5 / 39

أكثر الاحيان يكتفي بقوله: (قال الشاعر) من دون أن يذكر أسماءهم، كما أنه كان يذكر الابيات الشعرية التي استشهد بها شارحون آخرون في أثناء نقله نصوصهم، ومن المواضع التي استشهد بها الشارح:

1 - في معرض شرحه قول الإمام (عليه السلام): ((وَمُبَايِن بَیْنَ مَحارِمِهِ، مِنْ كَبیرٍ أوَعَدَ عَلَيهِ نِيْرَانَهُ، أَو صَغیْرٍ أَرصَدَ لَهُ غُفْرَانَهُ)): قال: ((الوعدُ يستعمل في الخير والشّر، يقال: وعدته خيراً، ووعدته شراً)) فإذا اسقطوا الخَیْر والشّر قالوا في الخير: الوعد والعدة، وفي الشّر الایعاد والوعيد) قال الشّاعر:

وإنّي وإن اوعدته أو وعدته ٭٭٭ لمُخلف ایعادي ومنجز موعدي(1)))(2).

2 - في أثناء شرحه قول الإمام (عليه السلام): ((كَرَاكِبِ الصَّعبَةِ إِنْ أَشْنَقَ لَهَا خَرَمَ وإِنْ أسْلَسَ لَهَا تَقَحُّمُ)) قال: ((وَمِنَ الّشَاهِد عَلَى أَنَ أشْنَقَ بِمَعنْى شَنَقَ قَولُ عَدّي بِنْ زَيْدٍ الْعِبادي:

سَاءَهَا مَا بنَا تَبَيَّنَ فِي الْأَيْ ٭٭٭ دِي وَأشْنَاقُهَا إِلَی الْأَعْنَاقِ(3)))(4)

3 - في معرض شرحه قول الإمام (عليه السلام): ((وَلَوْ وَهَبَ مَا

ص: 82


1- البيت لعامر بن الطفيل، من البحر الطويل: دیوان عامر بن الطفيل: 360 وقد رود فيه: وإنِّي وإن أَوْعَدْتُهُ أو وَعَدْتُهُ لأُخْلِفَ إِيعَادِي وأنجز موعدي، وينظر: تهذيب اللغة: 3 / 135، تاج العروس الزبيدي، مادة (ختأ): 1 / 143
2- النص المحقق: 1 / 217
3- دیوان عدي بن زید العبادي: 150، وروي الشطر الأول (وساءة ما بنا تبين في الأيدي) الأغاني: 2 / 405
4- النص المحقق: 1 / 306 - 307

تَنَفَّسَتُ عَنْهُ مَعادِنُ الجِبالَ، وَضَحِكَتْ عَنْهُ أصْدافُ البحار، مِنْ فلز اللّجُیَنْ وَالْعِقْيانِ، وَنُثارَة الدُّرِ وَحَصيْد المَرْجانِ، مَا أَثَر ذلِكَ في وجوده، ولا أنْفَدَ سَعَةَ ما عِنْدَهُ)) قال: ((والمرجان صغار اللّؤلؤ)، قال الجوهريّ: وقال قوم هو البُد يعني الحجر الأحمر، ومنه قول الشّاعر يرثی امرأة:

أدْمَى لَهَا الْمَرْجانَ صَفْحَةَ خَدِّهِ ٭٭٭ وَبَكى عَلَيْهَا اللّؤلؤ المكنون(1)))(2).

4 - في معرض شرحه قول الإمام (عليه السلام): ((وذَلِكَ إذا قَلَّصَتْ حَرْبُكُمْ، وَشَمَرَتْ عَنْ سَاقٍ، وَضَاقَتْ الدُّنيا عَلَيْكُم ضِيقاً، تَسْتَطِيْلُونَ أَيَّامَ البَلاءِ عَلَيْكُمْ حَتَّى، يَفْتَحُ الله لِبَقيةِ الأَبرارِ مِنْكُم) قال: ((... وقيل: کشف عن الساق مثل في اشتداد الأمر وصعوبة الخطب، وأصله تشمير المخدرات عن سوقهن في الحرب، قال حاتم:

((أخو الحرب إنْ عَضَتْ بِهِ الحَربُ عَضَّها ٭٭٭ وإنْ شَمَرَّتْ عَنْ سَاقِها الحربُ شمرا(3)))(4).

5 - في معرض شرحه قول الإمام (عليه السلام): ((حدابير السنين)) قال الشارح: ((جمع حدبار وهي الناقة التي أنضاها السير، فشبه بها السنة التي فشا فيها الجدب، قال ذو الرمة:

ص: 83


1- البيت من البحر الكامل لمحمد بن هانئ الاندلسي في مدح معز الدولة،، دیوان ابن هانئ الاندلسي: 203، ومعجم الأدباء: 19 / 101
2- النص المحقق: 3 / 201
3- دیوان حاتم الطائي: 40، والاغاني: 17 / 244
4- النص المحقق: 3 / 314

حدابير ما تنفك إلا مناخةً على الخسف أو نرمي بها بلداً قفراً(1)))(2).

6 - اثناء شرحه لقول الإمام (عليه السلام): (وكأنَّي أنظر اليكم تَکِشُّون کَشِيشَ الضبابِ، لا تأخذونَ حقاً، ولا تمنعونَ ضیماً، قد خُليتم والطريق، فالنجاة للمقتحم، والهلكة للمتلوِّم) قال: ((کشیش الأفعى والضب صوت جلدهما عند الحركة، يقال: کشت الأفعی کفرّت وليس صوت فيها، وهو فحيحها أي: كأنكم لشدة خوفكم واجتماعكم من الجبن كالضباب المجتمعة التي تحك بعضها بعضاً إذا تحركت، قال الراجز:

كَشِيْشُ أَفْعَى أَجْمَعَتْ (لِعّضِّ) ٭٭٭ وهي تَحُكُّ بَعْضَها بِبَعْض(3).))(4)

ص: 84


1- البيت من البحر الطويل، دیوان ذي الرمة : 2 / 153. وفيه: حراجيج مَا تَنْفَك إلاَّ مُناخَةً عى الخَسْفِ أو نَرْمي بِها بَلَداً قفرا
2- النص المحقق: 4 / 195
3- الارجوزة غير منسوبة ومقدمتها: (كأنَّ صوت شخبِها المُرفضِّ) لسان العرب، مادة (کشش): 6 / 341، وقد وردت الارجوزة بأكثر من رواية إذْ نجد الجوهري يرويها: کشیش أفعى ازْمَعَتْ لِعَضًّ، الصحاح: 3 / 1018، ورواية الزبيدي والأزهري: کشیش أفعی ازْمَعَتْ بِعض، تاج العروس: 17 / 359
4- النص المحقق: 4 / 241

منهج التحقيق

1. بعد اختياري لمخطوطة الأصل بدأت بنسخها كما هي، وقد راعيت قواعد الرسم المعروفة إلا ما كان يقتضيه رسم المصحف الشريف، ذي الرسم العثماني وهو غير الاملائي.

2. نبهت على ما في النسخ الاخرى من الاختلاف بينها وبين الأصل، في مرحلة المقابلة، زيادة كانت أو نقصًا، أو تحريفًا، أو تصحيفًا، أو تقدیمًا وتأخيرًا، وأثبت ذلك في هوامش التحقيق.

3. خرجت الآيات القرآنية جميعها وحصرتها بين قوسين مزهرين، وأشرت في الهامش إلى موضعها من المصحف الكريم مبتدئتاً باسم السورة ثم رقم الآية، واشرت إلى الاخطاء التي وردت في المخطوطة.

4. خرجت القراءات التي وردت من كتب القراءات.

5. خرجت الأحاديث النبوية الشريفة من كتب الحديث، وذكرت في الهامش الروايات المختلفة.

6. رجعت في تخريج الأبيات الشعرية إلى دواوين الشعراء والى كتب الادب والمعجمات.

7. خرجت الأمثال التي وردت من كتب الامثال.

8. عرفت بالأعلام الذين ورد ذكرهم من النحاة واللغويين والشعراء، وغيرهم من كتب التراجم.

9. رجعت إلى المعجمات وكتب اللغة في تخريج معاني الكلمات.

ص: 85

10. جاء في المخطوط کلمات قد رسمت بغير ما هو مألوف لدينا في الوقت الحاضر، وقد وجدت أن لا مندوحة من ذكرها، فأهملتها وكتبتها بصورة الرسم اللغوي الحديث، ولم أُشر إلى ذلك، من ذلك: عثمن، معوية، حرث.

11. ميزت بخط أسود عريض كلام الإمام (عليه السلام) من کلام الشارح، كي يسهل الفرق بينهما لدى القارئ.

12. حصرت ما أضفته أو ما يقتضيه السياق بين عضادتين []، ونبهت على ذلك، کما استعنت بالعضادتين للإشارة إلى البياض الذي ورد في نسخ المخطوطة، كما حصرت الزيادة التي لا داعي لها التي تخل بالسياق، أو الكلمات الساقطة بين عضادتين [...].

13. اشرت إلى الطمس والخرم الوارد في المخطوطات واتممته من نسخة الاصل وقد حصرته بين عضادتين [...].

14. اثبت أرقام صفحات المخطوطة، ورمزت لوجه كل صفحة بحرف (و) ورقم صفحة المخطوط بحصرهم بين خطين مائلين على سبيل المثل / و180 /، کما رمزت إلى ظهر المخطوط بحرف (ظ) وحصرته مع رقم الصفحة بين خطين مائلين مثال ذلك / ظ 180 /.

15. راعيت علامات الترقيم المعتمدة في التحقيق.

16. الحقت في النهاية فهارس فنية للآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، والاشعار، والاعلام، والامثال، والكتب، والقبائل، والاماكن والمدن.

ص: 86

نسخ المخطوط المعتمدة

1 - نسخة (أ) (الأصل)

وهي نسخة مكتبة (آية الله العظمی مرعشي نجفي) في مدينة قم المقدسة في إيران مثبت في بطاقة المخطوطة اسم الكتاب: بهجة الحدائق في شرح کلمات کلام الله الناطق، اسم المؤلف: سید علاء الدين محمد بن أبي تراب کلستانة الاصفهاني عدد الاوراق: 237 ورقة، تسلسل 1847، لم يثبت مقاسها وهو 24×16 ولا عدد سطور الصحيفة وهو 23 سطرًا، وهي مكتوبة بخط النسخ.

صفحة العنوان موجودة في المخطوط، کُتِبَ في أعلى الصفحة ((بهجة الحدائق وتفسیر خطب نهج البلاغة)) لكن وسط الصفحة مطموس والهوامش الجانبية واضحة كتب على الجانب الايسر ((شرح نهج البلاغة للعلامة السيد علاء الدين محمد کلستانة، وفي الصفحة التي بعدها وضع في الاعلى وسط المخطوط عنوان ((نهج البلاغة شرح نهج البلاغة)) وبعدها ((بسم الله الرحمن الرحيم)) وابتدأ السطر الاول ب ((الحمد لله الذي أبلج نهج البلاغة في مناهج البلاغ ليكون للمستبصرين علماً مستنيراً وفتح مغاليق أسرار المعاني بمقاليد)).

هذه النسخة تامة وقد اعتمدتها أصلاً، قال الشارح في نهاية الورقة الاخيرة ((تم الشطر الأول من كتاب بهجة الحدائق في شرح کلمات کلام الله الناطق)) كما ذكر فيها تاريخ الانتهاء من تأليفه قال: ((وكان الفراغ من تأليفه في تاسع عشر شهر ربيع الاول من شهور سنة اثني وتسعين بعد الالف من

ص: 87

الهجرة، والحمد لله أولاً وآخراً والصلاة على سيد أنبيائه محمد وعترته الطيبين الطاهرين المعصومين)) وكان هذا الكلام نهاية المخطوطة.

جاءت المخطوطة على شكل وجهين في الصفحة الواحدة ما عدا الصفحة الأولى فجاءت على شكل وجه واحد.

2 - نسخة (ث)

هي نسخة مركز إحياء التراث الاسلامي في مدينة قم المقدسة في إيران برقم 2200، عدد صفحاتها 332، لم يثبت مقاسها وهوه،21 × 5، 15، ولا عدد سطور الصحيفة وهو 22 سطرًا، مكتوب في صفحة العنوان في الأعلى وسط الورقة (المجلد الأول من بهجة الحدائق في شرح کلمات کلام الله الناطق للمولى الفاضل والحبر الكامل الحسب والنسب السيد مولانا علاء الدين الحسيني طاب ثراه وجعل الجنة مثواه) في الصفحة التي بعدها (بسم الله الرحمن الرحيم) في وسط الصفحة والسطر الاول (الحمد لله الذي أبلج نهج البلاغة في مناهج البلاغ ليكون للمستبصرین علماً مستنيراً)، وقد ورد في هذه الصفحة اسم المؤلف فقد ورد ((فيقول المرتجي صفح ربه وغفرانه علاء الدين محمد بن أبي تراب الحسني المنتمي إلى کلستانة إني لما فرغت من تأليف بعض أجزاء حدائق الحقائق في شرح کلمات کلام الله الناطق وقضيت الوطر في شرح الخطبة الشقشقية...) کما ورد في هذه الصفحة عنوان الكتاب قال الشارح: ((ولما كان هذا المختصر کالطلع لحدائق الحقائق سميته ببهجة الحدائق والله المؤيد لإصابة الصواب، وعليه التوكل في فتح الابواب)).

جاءت المخطوطة على شكل وجهين في الصفحة الواحدة ما عدا الصفحة

ص: 88

الأولى والاخيرة فجاءتا على شكل وجه واحد.

على هذه النسخة ختم میرا جلال الدين، وهي تكاد تخلو من الحواشي والتعليقات إلا في مواضع قليلة جداً.

هذه المخطوطة تامة قال فيها الشارح ((تم الشطر الأول من كتاب بهجة الحدائق في شرح کلمات کلام الله الناطق))، وذكر فيها تاريخ الانتهاء من تأليفه قال: ((وكان الفراغ من تأليفه في تاسع عشر شهر ربيع الاول من شهور سنة اثني وتسعين بعد الالف من الهجرة، والحمد لله أولاً وآخراً والصلاة على سيد أنبيائه محمد وعترته الطيبين الطاهرين المعصومين)) وكان هذا الكلام نهاية المخطوطة.

3 - نسخة (ح)

وهي نسخة مكتبة الإمام الحكيم العامة في النجف الاشرف، برقم عام : 92، لم يذكر اسم الناسخ ولا تاريخ النسخ، عدد أوراقها: 314 ورقة، عدد سطور الورقة 23 سطراً، ومتوسط كلمات السطر الواحد (16) مقاسها: 23 × 16 سم.

صفحة العنوان ممزقة لم يبق منها إلاَّ جزء صغير ورد فيه اسم ((ابن کلستانة الاصفهاني)) وفي أعلى الصفحة الاولى من المخطوطة كتب عنوان ((بهجة الحدائق في شرح نهج البلاغة)) وأسفل منه كتب: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أبلج نهج البلاغة في مناهج البلاغ ليكون للمستبصرین علماً مستنيراً وفتح مغاليق....)) وعنوان الكتاب يؤيده قول الشارح في الصحيفة الاولى: ((ولما كان هذا المختصر کالطلع لحدائق الحقائق سميته ببهجة الحدائق

ص: 89

والله المؤيد لإصابة الصواب، وعليه التوكل في فتح الابواب))، واسم المؤلف ورد أيضاً في الصفحة الاولى في نص العبارة ((فيقول المرتجي صفح ربه وغفرانه علاء الدين محمد بن أبي تراب الحسني المنتمي إلى کلستانة إني لما فرغت من تأليف بعض أجزاء حدائق الحقائق في شرح کلمات کلام الله الناطق وقضيت الوطر في شرح الخطبة الشقشقية...).

النسخة كتبت على شكل وجه واحد في كل صفحة، وهي تكاد تخلو من الهوامش إلا في موضعين، وعناوين النسخ كتبت باللون الاحمر، کما وضعت خطوط حمر على بعض الخطب وأحياناً تكون هذه الخطوط موجودة تحت الشرح.

وهذه النسخة غير تامة تنتهي في صحيفة 314، وآخر سطر فيها (تنبيههم على الخطأ وفي تفرجهم وعدم انقيادهم له عليه السلام، ولقطه كنصره اخذه من الأرض ولعل الغرض)).

4 - نسخة (ر)

وهي نسخة مكتبة (آية الله العظمی مرعشي نجفي) في مدينة قم المقدسة في إيران مثبت في بطاقة المخطوطة اسم الكتاب: بهجة الحدائق، اسم المؤلف: السيد علاء الدين محمد بن أبي تراب کلستانة عدد الاوراق: 273 ورقة، تسلسل 1089، ولم يثبت مقاسها وهو 5، 21 × 5، 16، ولا عدد السطور في الصحيفة وهو 26 سطرًا، صفحة العنوان غير موجودة في المخطوط، وكتب في أعلى الصفحة الاولى عنوان الكتاب ((بهجة الحدائق في شرح نهج البلاغة)) واسم المؤلف ((للعلامة السيد علاء الدين کلستانة)) وبعدهما مباشرةً ((بسم

ص: 90

الله الرحمن الرحيم)) جعله السطر الاول من المخطوط، والثاني ((الحمد لله الذي أبلج نهج البلاغة في مناهج البلاغ ليكون للمستبصرين علماً مستنيراً وفتح مغاليق أسرار)).

وعنوان الكتاب ورد في ضمن الصفحة الاولى إذ ورد نص عبارة: ((ولما كان هذا المختصر کالطلع لحدائق الحقائق سميته ببهجة الحدائق والله المؤيد لإصابة الصواب، وعليه التوكل في فتح الابواب)) کما ورد ذكر اسم المؤلف في الصفحة الأولى أيضاً من ضمن الكلام ونصه ((أما بعد فيقول المرتجي صفح ربه وغفرانه علاء الدين محمد بن أبي تراب الحسني المنتمي إلى کلستانة إني لما فرغت من تأليف بعض أجزاء حدائق الحقائق في شرح کلمات کلام الله الناطق وقضيت الوطر في شرح الخطبة الشقشقية...).

جاءت المخطوطة على شكل وجهين في الصفحة الواحدة ما عدا الصفحة الاخيرة جاءت على شكل وجه واحد.

على النسخة ختم مكتبة آية الله العظمی مرعشي نجفي، في وسط الصفحة الاولى في الاعلى وفي أوراق متفرقة كما ثبت في وسط الصفحة الاخيرة بالأسفل.

النسخة خالية من التعليقات والهوامش.

المخطوطة غير تامة انتهت بالسطر الاخير الذي نصه ((بالتحريك وبها سمیت شرط السلطان لانهم جعلوا لأنفسهم علامات يعرفون بها كذا قال أبو عبيد وحكي عن بعض)).

ص: 91

5 - نسخة (ع).

وهي نسخة (كتاب خانة عمومي) مكتبة (آية الله العظمی مرعشي نجفي) في مدينة قم المقدسة في إيران مثبت في بطاقة المخطوطة اسم الكتاب: بهجة الحدائق في شرح کلمات کلام... الناطق، اسم المؤلف: سید علاء الدين محمد بن أبي تراب کلستانة اصفهاني، عدد الاوراق: 356 ورقة، تسلسل 6005، ومقاسها 5، 33×18. كتب في الصفحة الأولى (بهجة الحدائق مختصر حدائق الحقائق) في الصفحة التي بعدها کتب (بسم الله الرحمن الرحيم) في وسط الصفحة والسطر الاول (الحمد لله الذي أبلج نهج البلاغة في مناهج البلاغ ليكون للمستبصرین علماً مستنيراً)، وقد ورد في هذه الصفحة اسم المؤلف جاء فيها ((فيقول المرتجي صفح ربه وغفرانه علاء الدين محمد بن أبي تراب المنتمي إلى کلستانة إني لما فرغت من تأليف بعض أجزاء حدائق الحقائق في شرح کلمات کلام الله الناطق وقضيت الوطر في شرح الخطبة الشقشقية ...) کما ورد في هذه الصفحة عنوان الكتاب قال الشارح: ((ولما كان هذا المختصر كالطلع لحدائق الحقائق سميته ببهجة الحدائق والله المؤيد لإصابة الصواب، وعليه التوكل في فتح الابواب)) جاءت المخطوطة على شكل وجهين في الصفحة الواحدة.

6 - نسخة (م)

وهي نسخة (كتاب خانة عمومي) مكتبة (آية الله العظمی مرعشي نجفي) في مدينة قم المقدسة في إيران مثبت في بطاقة المخطوطة اسم الكتاب: بهجة الحدائق في شرح کلمات کلام الله الناطق، اسم المؤلف: سید علاء الدين محمد

ص: 92

بن أبي تراب کلستانة اصفهاني، عدد الاوراق: 229 ورقة، تسلسل 9137، ومقاسها 5، 16× 5، 29، لم يثبت عدد السطور في الصحيفة وهو 29 سطرًا. صفحة العنوان فيها تعليقات بخط إيراني، أُشِّر عليه بأنه خط حاج فرهاد میزا، واثبت عليها بخط مخالف لخط المخطوط (شرح صغير نهج البلاغة کلستانة).

الصفحة الاولى بعد صفحة العنوان بدأت (احصائها بثمن میسور وقريب التناول لا يعدمه أحد لعموم الموارد مع قلة العوائق عن الوصول إلى واحد من أفراده ولا)) وهي بذلك تكون مختلفة عن بقية النسخ لسقوط بدايتها، وبذلك لم يذكر فيها عنوان الكتاب ولا اسم المؤلف؛ لأنها من ضمن الكلام الساقط في البداية.

وعناوين النسخ كتبت باللون الأحمر، کما وضعت خطوط حمر على بعض الخطب وأحياناً تكون هذه الخطوط موجودة تحت الشرح.

على المخطوطة تعليقات وهوامش.

تمت هذه المخطوطة بعبارة ((تم الشطر الأول من كتاب بهجة الحدائق في شرح کلمات کلام الله الناطق))، وذكر فيها تاريخ الانتهاء من تأليفه قال: ((وكان الفراغ من تأليفه في تاسع عشر شهر ربيع الاول من شهور سنة اثني وتسعين بعد الالف من الهجرة، والحمد لله أولاً وآخراً والصلاة على سيد أنبيائه محمد وعترته الطيبين الطاهرين المعصومين)) وكان هذا الكلام نهاية المخطوطة.

وقد صرح الشارح باسمه في نهاية هذه النسخة إذ قال: ((وأنا الغريق في

ص: 93

بحر العصيان علاء الدين محمد بن سليمان البطاحي في سنة 1102)).

7 - نسخة (ن)

وهي نسخة مكتبة أمير المؤمنين (عليه السلام) العامة في النجف الاشرف مثبت في بطاقة معلومات النسخة اسم الكتاب: بهجة الحدائق، واسم المؤلف محمد بن أبي تراب کلستانة، برقم تسلسل: 3685 وتصنيف 167 / 4 / 14، وتاريخ الكتابة: 1092، والقطع 18 × 20 ومصدر الاقتناء: مکتبة مدرسة الجزائري، عدد الصفحات لم توثق في بطاقة العنوان وهي 446 صفحة.

لا توجد صفحة للعنوان، والصفحة الأولى من المخطوط خالية من العنوان أيضاً، وقد ذكر في الصفحة الاخيرة، كما أنَّ الصفحة الأولى لا تحمل اسم المؤلف، هذه المخطوطة تبدأ ب ((بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد حمداً لله الذي جعل الحمد ثمناً لنعمائه ومعاذاً من بلائه)) وهو السطر الاول منها، والصفحة الأولى كتبت على شكل وجه واحد أما بقية المخطوطة فقد جاءت على شكل وجهين في الصفحة الواحدة. وعناوين النسخ كتبت باللون الأحمر، كما وضعت خطوط حمر على بعض الخطب وأحياناً تكون هذه الخطوط موجودة تحت الشرح.

وعلى المخطوط ختم مكتبة أمير المؤمنين (عليه السلام) العامة على الجانب الأيسر من الصفحة الأولى، وختم دار المخطوطات العراقية في الجانب نفسه والصفحة كما يوجد هذان في أوراق متفرقة من المخطوط وفي الصفحة الاخيرة أيضاً.

هذه النسخة تامة، قال الشارح في نهاية الورقة الاخيرة: ((تم الشطر

ص: 94

الأول من كتاب بهجة الحدائق في شرح کلمات کلام الله الناطق)) کما ذکر فيها تاريخ الانتهاء من تأليفه قال: ((وكان الفراغ من تأليفه في تاسع عشر شهر ربيع الأول من شهور سنة اثني وتسعين بعد الالف من الهجرة، والحمد لله أولاً وآخراً والصلاة على سيد أنبيائه محمد وعترته الطيبين الطاهرين المعصومين))، وكان هذا الكلام نهاية المخطوطة.

ص: 95

ص: 96

نماذج من النسخ المصورة المعتمدة في التحقيق

ص: 97

ص: 98

الصحيفة الأولى والثانية من النسخة (أ)

الصحيفة الأخيرة من النسخة (أ)

ص: 99

الصحيفة الأولى والثانية من النسخة (ر)

الصحيفة الأخيرة من النسخة (ر)

ص: 100

الصحيفة الأولى والثانية من النسخة (ث)

الصحيفة الأخيرة من النسخة (ث)

ص: 101

الصحيفة الأولى من النسخة (ن)

الصحيفة الأخيرة من النسخة (ن)

ص: 102

الصحيفة الأولى من النسخة (م)

الصحيفتين الاخيرتين من النسخة (م)

ص: 103

الصحيفتين الأوليتني من النسخة (ع)

الصحيفتين الأخيرتين من النسخة (ع)

ص: 104

الخاتمة

بعد الانتهاء من قسم الدراسة الخاص بالاطروحة يمكن إيجاز أهم نتائجها:

1 - استبعاد رواية وفاة علاء الدين كلستانة في سنة (1100ه) بدليل ما ذكره محمد الأردبيلي في مقدمة كتابه (جامع الرواة).

2 - كان لعصر الشارح دور في إنماء شخصيته العلمية، إذ شهد عصراً مستقراً نسبياً من الصراعات الخارجية والحروب، واهتمام الولاة أنذاك بالعلم والعلماء وإظهار مكانة أهل البيت (عليهم السلام)، إضافة إلى أنَّ مجالسته لمحمد باقر المجلسي كان لها دور مؤثر أيضاً في توجهاته الفكرية.

3 - رجع علاء الدين كلستانة في شرحة إلى كتب متنوعة منها: (کتب المعجمات، وكتب النحو، وكتب اللغة، وكتب التفاسير، وكتب الأحاديث، وكتب الأنساب، وكتب التاريخ) وهذا دليل على سعة اطلاعه، وحرصه على إغناء الشرح بعلوم وجهود العلماء.

4 - کانت للشارح اهتمامات صرفية، ودلالية، ونحوية، وهذا يتضح من خلال وقفاته الصرفية والدلالية والنحوية في شرحه لكلام الإمام (عليه السلام).

5 - اهتم الشارح كثيراً في بيان معاني الكلمات؛ لذلك نجده يقف على معاني كل كلمة من كلمات الإمام (عليه السلام) حتى وإن كان معناها واضح ومعلوم للقارئ.

6 - شخصية الشارح كانت حاضرة في شرحه، إذ كان يرجح بين الروايات التي يعرضها، وأيضاً كان ينتقد بعض الشارحين ويرد عليهم.

ص: 105

ص: 106

بهجة الحدائق

في شرح

نهج البلاغة

لعلاء الدین محمد بن ابی تراب الحسنی کلستانة

المتوفی سنة 1110 ه

التحقیق

ص: 107

ص: 108

بسم الله الرحمن الرحيم

[الحمد](1)لله الذي أبلج(2)نهج البلاغة في مناهج البلاغ ليكون للمستبصرین علماً مستنيراً، وفتح [مغاليق أسرار المعاني](3)بمقاليد بدائع البيان على السنة حججهِ [وكلماته](4)التامة [فتحاً](5)يسيراً، [وانطق بقدرته](6)الباهرة [الصُمَّ](7)[الصَّياخید](8)، والشُم(9)الجلاميد(10)فَسبحت بحمده تسبيحاً لا يفقهُ [الاّ](11)من كان سميعاً بصيراً، والصلاة على شريعة [مناهل](12)النجاح، وشراع سفينة النجاة الذي ارسلهُ رحمةً للعاملين بشيراً ونذيراً وداعياً اليه بإذنه وسراجاً [مُنيراً](13)، وأنار طرائق العرفان بأنوار هدايته وجعله فيها سراجاً مستطيراً، وعلى الصارم [المنتضی](14)الذي سَلّ

ص: 109


1- [الحمد] خرم في ح
2- البلج: الوضوح والاشراق، ينظر: لسان العرب ابن نظور (ت 711 ه)، مادة (بلج): 2 / 215، 216
3- [مغاليق أسرار المعاني] خرم في ح
4- [وكلماته] طمس في ح
5- [فتحاً] طمس في ح
6- [ونطق بقدرته] طمس في ح
7- [الصمّ] طمس في ح
8- [الصياخید] خرم في ح، جمع صيخود وهي: (الصخرة الملساء الصلبة التي لا تحرك من مکانها، ولا يعمل فيها الحديد) تاج العروس، الزبيدي (ت 5 120 ه)، مادة: (صخد): 5 / 52
9- (الشميم: المرتفع)، تاج العروس، مادة (شمم): 16 / 393
10- جمع جلمود وهو (الصخر) الصحاح، الجوهري (ت 393 ه): 2 / 459
11- [إلا] طمس في ح
12- [مناهل] خرم في ح
13- [منيراً] خرم في ح
14- [المتضی] خرم في ح

سیف التأويل بحكم التنزيل على المارقين من ولايته فجاهدهم به جهاداً كبيراً وجعل [الله الإمامة كلمة](1)باقيةً في عقبه واعتد لمن اعتدى عليه سلاسل وأغلالاً وسعيراً، وعلى مفاتيح [الرحمة من عترته الذين](2)اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم من كل دنسٍ تطهيراً، وتهدلت غصون عطفه [على محبيهم فأعدَّلهم](3)في جناتِهِ نعيمًا(4)ومُلكاً كبيراً، اللهم احشرنا تحت لوائهم يوم تدعو(5)كل [إناس بإمامهم واجعلهم لنا يوم](6)المصير نصيراً، ولا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا إلى معرفتهم وفجرت من قلوبنا [عيون](7)[مودتهم تفجيراً.

أما بعد...](8)

فيقول المرتجی صفح ربه وغفرانه علاء الدين محمد بن أبي تراب الحسني المنتمي إلى [كلستانة إني لمَّا فرغت من تأليف بعض أجزاء حدائق](9)الحقائق في شرح کلمات کلام الله الناطق وقضيت الوطر في [ شرح الخطبة الشقشقية من دفع الشبه](10)وتسكين الشقاشق رأيت كثيراً من أهل الدهر قاصر

ص: 110


1- [الله الإمامة كلمة] خرم في ح
2- [الرحمة من عترته الذين] خرم في ح
3- [على محبيهم فاعد لهم] خرم في ح
4- (نغيمًا) في ر، تصحيف
5- (ندعو) في أ، تصحيف
6- [اناس بإمامهم واجعلهم لنا يوم] خرم في ح
7- [عيون] طمس في ح
8- [مودتهم تفجيراً أما بعد] خرم في ح
9- [كلستانه إني لمَّا فرغت من تأليف بعض أجزاء حدائق] خرم في ح
10- [شرح الخطبة الشقشقية من دفع الشبه] خرم في ح

[الفطنة](1)[عن صعود مراقیه وارتقاء تلك الشواهق، أو مقصور](2)الهمة على مختصر خالِ عن الإطناب غير مشتمل على الدقائق [فقدمت](3)مختصراً يذلل من الألفاظ صعابها ويكشف عن عرائس المعاني على وجه الايجاز جلبابها، ثم أن منحني بعد حين بالتأييد من فضله الملك المنان، وصرف عني صوارف الدهر الخوان عطفت عنان العزم نحو ما اسسته آنفاً فوقیت بحق كل مقام من التدقيق، وخضتُ كل لجُةٍ خضراء من بحار المباحث المهمة ابتغاء للظفر بدرة التحقيق؛ ولما كان هذا المختصر کالطلع لحدائق الحقائق سميته بهجة الحدائق والله المؤيد لإصابة الصّواب وعليه التوكل في فتح الأبواب. قال السيد الجليل النبيل صاحب جلائل المفاخر وکرائم المآثر الرضي المرضي مؤلف الكتاب المستطاب طيب [الله](4)ثراه وجعل فرادیس الجنة مثواه:

(بِسْمِ اللهِ الرحْمَنِ الرَّحيِمِ أمّا بعدُ، حَمْدِا للهِ الذَّي جَعَلَ الحَمدَ ثمناً لنعمائِه، ومَعاذاً مِنْ بَلائِه)، الحَمْدُ في كلامه (رضي الله عَنْهُ) وإن كان يحتمل المعنى اللّغوي المشهور، إلاَّ أنَّ المناسب لأجزاء الكلام حمله على المعنى العُرفي، وهو الفعل المنبئ عن تعظيم المنعم من حيث إنَّه منعم على الحامد، أو غيره سواء كانَ باللّسان أو الجنان أو الأركان(5)/ ظ 1 / وقد قيل بترادف الحَمدْ والشكر؛ لأنَّه

ص: 111


1- [الفطنة] طمس في ح
2- [عن صعود مراقیه وارتقاء تلك الشواهق أو مقصور] خرم في ح
3- [فقدمت] خرم في ح
4- [الله] ساقطة من أ
5- ينظر: الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري (ت بعد 395 ه): 48، 49، وينظر: کتاب التعريفات، الشريف الجرجاني (ت 816 ه): 76

يوضح كلَّ مقام الآخر، وثمن الشّيء ما استحقَ به ذلك الشّيء(1)ويجمع على أثمانِ وأثْمِنة وأَثمَن، والنَعْماء بالفتح والمَد ما أنعم به عليك، والصنيعة، والمنّة، والمسّرة، والمعاذ يحتمل المَصْدر مِنْ قولك: عُذْتُ بفُلانَ أي لجأت الَيْهِ، والمكان(2)، وهو المناسب للمقام، والبلاء في الأصل ((الاختبار))(3)ويكون مِنْحَة ومِحْنَة(4)، وقيلَ: ((يقال من الخَير أبلَيْتهُ إبلاء ومِنْ الشِرَّ بلوته بلاء))(5)؛ والمُراد به مقابل النّعمة بقرينة المقابلة والاستعاذة، وقَدْ حمد الله سُبحانَه بنعمة جليلة هي أنه رضي [عوضاً](6)عن نعمائه التي عجز العَادّوُن عن احصَائها بثمن میسُورٍ قریب التَناول لا يعدمه أحد لعمومة الموارد مع قلّة العوائق عن الوصول إلى واحد مِنْ افراده، ولا يصّد عنهُ رأساً في مقام الشّكْر، والاستِعَاذة حاجزٌ من الجاحدين(7)لعدم الاطلاع على الجنانِ، وقد عدَّ سُبْحانُه بفضلهِ الجَسيْم المُعترِف بالقصُور عن شُكْره شُکورا، والعالم بأنَّ الحَمدَ نعمة منه حامداً ورضى عن عَبْده وإن عظُمت النّعمة علَيْهِ بأنْ يقول: الحمدُ لله ربّ العالمین کما يظهرُ مِنْ الاخبار، وقّدم الحمد بجعله(8)ثمناً للنعماء؛ لأنّه سُبْحانه سَبقت رحمتُه غَضبَهُ، وعوّد عباده الابتداء بآلائه الجّمة.

ص: 112


1- ينظر: لسان العرب، مادة (ثمن): 13 / 82
2- ينظر: لسان العرب، مادة (عوذ): 3 / 498
3- الصحاح، مادة (بلا): 6 / 2285
4- (منحة ومنحة) في ث
5- الترغيب والترهيب من الحديث الشريف، عبد العظيم المنذري (ت 656 ه): 2 / 441، ولسان الميزان، ابن حجر (ت 852 ه): 1 / 490
6- [عوضاً] زيادة في ث، ح
7- (الجاحدين) تصحيف في م
8- (جعله) في ث

((ووَسيلاً إلى جِنانِه وسَبَباً إلى زيادَة إحسانه)) الوسیل جمع وسيلة وهي ((ما يتقرب به إلى الغير))(1)، والجِنان بالكسر جَمع جَنّة وَهي ((الحديقة ذات النّخل والشجر))(2)، قيل: وسُمِّي دارُ النعيم في الآخرة جنّة من الاجْتنَان وهو الستر؛ لتكاثف أشجارها وتظليْلها بالتفاف(3)أغْصانَهِا(4)، والسبب في الاَصْل ((الحَبْلُ الذّي يتوصل به إلى الماءِ، ثم استعيْرَ لكلّ ما يتوصّل به إلى شيء))(5)، ولعلّه لما أورد الجِنان بلفظ الجَمْعِ اشعَاراً بكثرة [عطائه](6)سُبْحانه وسبُوغ جزائه، أورد الوسيل كذلك رعاية للمُناسبة، [وفيه](7)اشارة إلى عموم مَوارد الحمد وتعدد أصنافه وهذا من القرائن على إرادۃِ المَعنْى العرفي، وفي بعض النّسخ (وسبيلاً إلى جنانه)(8)وَهُوَ أوضح وكون الحمدِ سبباً إلى زيادة الاِحسَان مغاير لكونه ثمَناً للنّعماء کما هو ظاهر عند ذي فطرة سليمة. ((والصَّلاةُ عَلى رسُوله نبيّ الرَّحْمة، وإمام الأئمة، وَسِراجِ الأمّة)) المشهُور أن الصَّلاة من الله رحمة حقيقةً، وقیل مجازاً ومن غيره طلبها، أو من الملائكة الاستغفار، ومن المؤمنين الدّعاءِ، والنبي إنسان أوحي اليهِ بشرع أمر بتبليغه، أو لم يؤمر فإنَّ أمر فرسُول أيضاً، أو أمر بتبليغه وإن لم يكن له كتاب، أو نسخ

ص: 113


1- الصحاح، مادة (وسل): 5 / 1841، وتاج العروس، مادة (وسل): 15 / 401
2- تاج العروس، مادة (جنن): 18 / 118
3- (بالتفات) في ث، تحریف
4- ينظر: لسان العرب، مادة (جنن): 13 / 100
5- لسان العرب، مادة (سبب): 1 / 459، وتاج العروس، مادة (سبب): 2 / 65
6- [عطائه] طمس في أ
7- [وفيه] طمس في ح
8- ينظر: منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، القطب الروندي: 6 في نسخة (د) هامش: 3 وسبلاً)

لبعض شرع من قبله، فإنَّ كان فرسُول أيضاً، وقيل: هما بمعنى الرّسول على الأوّل(1)والأنسب بالنسبة على الأوّل الاشهر(2)وإن كان تأخير الرّسول لكونه أخصّ إلاَّ أنّه لعله قدمه؛ لأنَّ الانباء(3)[المشتق منه النبي لغة بعد الامر](4)يكون بعد الاخبار(5)، وقيل: النَّبي من النَّبْوة(6)بفتح النون وسکون الباء أي الرّفعة(7)، لكونه مرفوع الرّتبة على غيره، وكونه (صلىّ الله عليه وآله) نبي الرحمة، لأنَّه قائد إلى الرشاد المؤدي إلى الجّنة والرضوان، مطبوع بخلقٍ عظیم مبعُوث بالحنيفة [السمحة](8)السّهلة التي تكاليفها أسهل ورخصها أكثر مرفوع عن أمته عذاب الاستئصال في الدنيا لعلوّ رتبته وعذاب النّار في الاُخرى عن عَصاتهم بشفاعته وقد قبل الجزية دُون من قبله وفي الكلام اشارة إلى قوله تعالى: «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ»(9)، والامام من يُقتدي به في أقواله وأفَعاله(10)، وقال سبحانه مخاطباً لإبراهيم (عليه السلام):

ص: 114


1- (وقيل: هما الرسول بالمعنى الأول) في ث
2- (وقيل: هما بمعنى الرّسول بالمعنى الأوّل والأنسب على الأوّل الاشهر) في ث، ح
3- (الابناء) في أ، ع، تصحيف
4- [المشتق منه النبي لغة بعد الامر] في م
5- (لأنَّ الانباء المشتق منه النبي لغة يكون بَعدَ الأمر) في، ث، ح
6- النبوة مشتق من الفعل (نبا) قال ابن دريد ((نبا ينبو نَبُوّاً، والنبوة: الارتفاع عن الشيء ومن ذلك قولهم: نبا السهم عن الهدف لأنه تنحّى عنه)) الاشتقاق، ابن دريد (ت 321 ه): 462
7- ينظر: تاج العروس، مادة (نبو): 20 / 213
8- [السحمة] ساقطة من ح، وفي ث: (السهلة)
9- الانبياء / 107
10- ينظر: الصحاح، مادة (أمم): 5 / 1865

«قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي»(1)وهو (صلّى الله عليه واله) إمَام الائمة؛ لأنَّه شهيد على الأنبياء (عليهم السلام)، وآدم ومن دونه تحت لوائه، وسَراج الأمة لقوله تعالى: «وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا»(2). / و2 / (المنتجَب مِنْ طينة الكَرَم، وسُلالةِ المجْد الأَقدَمِ، ومَغْرِس الفَخار المُعْرِق، وفَرْع العلاء المُثْمر المورِق) المُنتَجِب [بالجيم](3)المختار و((الطينة: الخِلقة والجبلة))(4)، والسُّلالة بالضم: ما استُلَ من شيء(5)أي استخرج، وسلالة المجد فرعه كما أنَّ طينة الكرم أصله، والمجد ((الشرف الواسع))(6)، أو الشرف بالإباء، وقيل: إذا قارن شرف الذّات حسن الفعال سمِّي مجداً، وغَرًسَّ الشجر کَضَرَبَ أثبَته في الأرض، والفخار بالكسر المفاخرة، وبالفتح الفخر وهو ادعاء العظَمْ والشرف(7)، والتمّدح بالخصَالِ، والموجود في أكثر النسخ بالكسر، ومغرس الفخار من اتّصف بالشَّرف والمکارم(8)وإن لم يفتخر کما روى عنه(9)(صلى الله عليه واله) ((أنا سيد ولد آدم وَلا فخر))(10)،

ص: 115


1- البقرة / 124
2- الاحزاب / 46
3- [بالجيم] اطمس في ح
4- لسان العرب، مادة (طان): 13 / 270
5- ينظر: تاج العروس، مادة (سلل): 14 / 350
6- لسان العرب، مادة (مجد): 3 / 395
7- ينظر: المصدر نفسه، مادة (فخر): 5 / 49
8- (المكان) في ع، تحریف
9- (انه) في ع، تحریف
10- سنن ابن ماجه، محمد بن یزید القزويني (ت 273 ه): 2 / 1440، والفائق في غريب الحديث، الزمخشري (ت 538 ه): 3 / 9، وشرح صحیح مسلم، النووي (ت 676 ه) 15 / 37، ومجمع الزوائد، الهيثمي (ت 807 ه): 10 / 376

ولعلّ في لفظ الغرس إيماء إلى ذلك والمعرق(1)الأصيل، و((فرع كلّ شيء أعلاَهُ))(2)، ويقال: ((هو فرع قومه للشريف منهم))(3)، والمراد التّشبيه بفرع الشّجر أي غصنه، والعلاء کَسماءِ الرّفعة، ويقال: عَلى فلان في الشرف یَعلی کرضى يرضى علاءً(4)، وأثمر الشّجر أي طلع ثمره، أو المثمر ما بلغ أن يُجني، وأورق الشجر أي خرج ورقهُ، ولعلَّ تأخير المورق لرعَاية السّجع مع أن الثمر مقدّم في الرّتبة على الوَرَق. (وعلى أهلِ بيته مصابيح الظُّلَم، وعِصَم الأمَم، ومَنَار الدِّين الْوَاضِحَة، ومثاقيلِ الفَضْل الرَّاجِحَة) المراد بأهل البيت فاطمة والأئمة (عليهم السّلام) وإن كان قد يطلق على [أصحاب الكساء](5)(عليهم السلام)(6)، والعِصَم جمع عِصْمَه وهيَ المنع والحفظ ويجمع العصَم على أعْصُمْ(7)وهي على أعصام وهم (عليهم السّلام) عصم [الامم](8)؛ لأنهّم يمنعُون الأمم ويحَفظُونهم عن الهلاك والضّياع بالهداية إلى طرق النّجاة، وبهم يفوز الفائزون بكرامة الله و[فضله](9)في الدّنيا وَالآخرة،

ص: 116


1- (المغرق) في م، تصحيف
2- القاموس المحيط، الفيروز آبادي (ت 817 ه)، (مادة (فرع):: 3 / 61
3- لسان العرب، مادة (فرع): 8 / 247
4- (علاه) في ع، تحریف
5- [أصحاب الكساء] خرم في م
6- ينظر، التبيان في تفسير القرآن، الطوسي (ت 460 ه): 8 / 340، ومجمع البيان في تفسير القرآن، الطبرسي (ت 548 ه): 8 / 156 124
7- ينظر: معجم مقاییس اللغة، أحمد بن فارس (395 ه)، مادة (عصم): 4 / 331، وينظر: تاج العروس، مادة (عصم): 17 / 483
8- [الامم] خرم في م
9- [فضله] خرم في م

والمنار جمع منارة بالفتح فيهمَا وهي ((العَلامة))(1)، ومنار الحرم أعلامه التّي ضربت على أقطاره ونواحيه(2)و[أصلها](3)النور؛ ولذلك تجمع على مناور، ومن قال: منائر فقد شبه الأصلي بالزائِد(4)، فالوَجْه في تأنيث الواضحة واضح، و[المثاقيل جمع مثقال](5)وهو في الأصل ((مقدار من الوزن، أي شيء كان من قليل أو كثير))(6)، ومثقال ذرة: وزنها، ووصفها بالرّاجحة؛ لأنَّه لا يوازن بفضلهم فضل وقيل؛ لأنَّه إذا اعتبر فضل غيرهم ونسب بعضه إلى بَعْضٍ كانوا مثاقيل راجحة لذلك الفضل يعتبر رجحان بعضه على بعضٍ بالنسبة اليها وفيه ما تری.

(صلّى الله عليهم أجْمَعینَ، صَلَاةً تكونُ إزاءً لِفَضْلِهمْ، وَمكافَأَةً لِعَملِهِمْ، وكِفاءً لطيب فَرْعِهِمْ وأصْلِهِمْ، ما أنار فَجْرٌ سَاطِعٌ، وخَوَى نَجْمٌ طالعٌ) الإِزاء بالكسر المُحاذاة والمُقابلة، وفُلانٌ إِزاء لِفُلانٍ إذا كان (مقابلاً)(7)لهُ(8)، والمكافأة بالهمزة المجازاة والمُماثلة، وفلانٌ لا کِفاء له بالكسر أي لا نَظيرَ لَهُ(9)وهو في الاَصْل مصدر، وطابَ يطيبُ طيباً وطّيبةً أي: زکی، والطيب ضدّ

ص: 117


1- لسان العرب، مادة (نور): 5 / 241
2- ينظر: المصدر نفسه، مادة (نور): 5: / 241
3- [اصلها] خرم في م
4- ينظر: المنصف، ابن جني (ت 392 ه): 1 / 309
5- [المثاقيل جمع مثقال] خرم في م
6- ينظر: لسان العرب، مادة (ثقل): 11 / 87
7- (مقاوماً) في أ، ث، ح، ر، والانسب للسياق ما اثبت في المتن
8- ينظر: العين، مادة (وزي): 7 / 399
9- ينظر: الصحاح، مادة (كفأ): 1 / 68

الخبيث، وأنار یکون لازماً ومتعدياً، وَالّسطوع الارتفاع(1)وسطوع الفجر في أوله قبلَ أن يَعتَرض، والتخصيْصِ للأولية، وخوی کرمی ((سقط))(2)، وطلعَ ظهر. (فإني كنتُ في عُنْفوان السنّ، وغضاضة الغُصْن ابتدأتُ بتأليفَ كتابٍ في خَصائِصِ الأئمة (عليهم السلام) يَشْتَمِل على محاسِن أخْبارِهِمْ، وجواهِر کَلَامِهِمْ حَدَاني عَلَيْه غرضٌ ذكرتُه في صَدْر الكتاب، وجعلتُه أمَام الكلام) الفاء جزاء الشرط في قوله إمّا بعد، وعنفوان كلّ شيء أوَّله(3)، وَالغَضاضَة بالفَتَح النّضارة والطَراوة(4)، وأغصان الشجّر أطرافُه مَا دَامت ثابته(5)فيهِ، والجَوْهر مُعَرَّب(6)کوهر، وحداني أي بعثني وحملني وهو من حدو الابل / ظ 2 / أي سوقها والغناء لها(7)وهو من أعظم البواعث على سوقها، (وفرغْتُ من الخصائِص التي تَخُصّ أميرَ المؤمنين عليّاً (عليه السلام)(8)، و[عاقتْ(9)عن إتمامِ](10)بقيَّة الكتابِ مُحاجزاتُ الأيّامِ، ومُماطَلَاتُ الزَّمان، وكنتُ قَد بَوَّبْتُ ما خرج مِنْ ذلك أبواباً، وَفَصَّلتُه فصولاً)، عاقني عن كذا أي صرفني وحبسني وعوائق الدهر الشواغل من أحداثة، والمحَاجَزة بالفتح

ص: 118


1- ينظر: تاج العروس، مادة (سطع): 11 / 208
2- معجم مقاییس اللغة، مادة (خوی): 2 / 225
3- ينظر: معجم مقاییس اللغة، مادة (عنف): 4 / 158
4- ينظر: الصحاح، مادة (غضض): 3 / 1095، ولسان العرب، مادة (غضض): 7 / 196
5- (نابتة) في أ، ع، تصحيف
6- المعرب من الكلام الاعجمي على حروف المعجم، الجواليقي (ت 540 ه): 98
7- ينظر: الصحاح، مادة (حدا): 6 / 2309، وينظر: تاج العروس مادة (حدا): 19 / 310
8- [عليه السلام] ساقطة من م
9- (وعافت) في أ، ع، تصحيف
10- [وعافت عن اتمام] خرم في م

((الممانعة))(1)، والمماطلة بالفتح التّسويف بالعدة والديّن وأصله من المطل وهو مد الحديد ليطول(2)، وخرج من ذلك أي تم تأليفه كأنَّه كان قبل ذلك كامناً في بيت أو وراء ستر. (فجاء فِي آخِرِها فَصْلٌ يتضمّن محاسنَ ما نُقل عنه (عليه السلام) من الكَلاَم القَصیر، في المواعِظِ والحِكَمِ والأمثالِ والآدب؛ دُونَ الخُطَبِ الطَّويِلة والكُتبِ المبْسُوطة) الموعظة ذكر ما يلين القلب من الثواب والعقاب ونحوهما(3)، والحِكمة بالكسر العِلم(4)، والأمثال جمع مَثَل بالتّحريك وهو في الأصل النّظير، كمثل ومثيل ومثلها، شبَهَ وشِبهَ وشَبيهٌ، ويقال: المَثل للقول السائر المُمثل مضربه بمورده ولا يضرب إلا ما فيه غرابة ولذلك حوفظ عليه من التْغيیر، ثم استعير لكل حالٍ، أو قصّة، أو صفةِ لها شأن وفيها غرابة، والأدب بالتحريك حسن التناول وتعلم الكتب وغيرها، وأدَّبهُ أي علّمه، والخُطب جمع خُطبة بالضَّم قيل: ((هي الكلام المنثور المسجّع))(5)، ولعلّه تعريف بالأعم مطلقاً بل من وجه، وقيل: يختص في العرف بالتّذكير بایّام الله وأمر الآخرة وعذاب النْار ونحو ذلك، وقيل: يكون في الموعظة وفي النكاح، وقيل: ما يقوله الخاطب على المنبر والظّاهر عدم الاختصاص، والمراد بالكتب [ماکتب](6)إلى ملك أو أمير أو عاملٍ ونحو ذلك.

(فاستحسنَ جماعةٌ من الأصدقاء ما اشتمل عليه الفصلُ المقدمّ ذِكْرهُ

ص: 119


1- الصحاح، مادة (حجز): 3 / 872
2- ينظر: لسان العرب، مادة (مطل): 11 / 624 في أ، ع، م: (لتطول)، وفي ح: (لطول)
3- ينظر: معجم مقاییس اللغة، مادة (وعظ): 6 / 126
4- ينظر: الصحاح، مادة (حکم): 5 / 1901
5- القاموس المحيط، مادة (خطب): 1 / 63
6- [ما كتب] ساقطة من ر

معْجَبین ببدائعِهِ، ومتعجِّبین من نواصِعه، وسألوني عِنْدَ ذلك أنْ اَبْتدِئَ بتأليف كتابٍ يحتوي على مُخْتَارِ كلامِ أمیر المؤمنین (عليّهِ السّلام) في جميعِ فُنونه، ومتشعِّبات غُصونه، من خُطَبٍ وكُتب، ومواعظَ وأدبٍ) استحسن الشيء أي عدّه حسناً، ومُعجَبِين ببدائعه [بفتح الجيم](1)على صيغة اسم المفعُول من قولهم: اعجب فلان برأيه وبنفسه فهو مُعْجَب بهما إذا صارا عنده محلاً(2)؛ لأن يتعجّب منهما، والاسم منه العُجب بالضمَّ، وعجبت من كذا وتعجبّت واستعجبت على صيغ المعلوم بمعنی، وفي بعض النسّخ ([معجّبين](3)ببدائعه) بالتشديد على صيغة الفاعل أي أنهم يعجبّوُن غيرهم بها، والناصع من كل شيء الخالص(4)، يقال: ((أبيض ناصع))(5)، ((ونصع الأمر: وضح))(6)والفُنُون(7)الأنواع جمع فن، وأما الفَنَنُ بالتحريك بمعنی الغُصْنُ فَجَمْعُهُ أَفْنَان ثم أفانين(8)، والتشعب کالانشعاب التفرق، يقال: انشعبت الطريق، وأغصَان الشجرة وتشعبت(9)ورويت الكلمة بهما؛ (عِلمًا إنّ ذلك يتضمّن من عَجَائب الْبَلاغةِ، وغَرَائبِ الْفَصَاحَةِ، وجواهِر العربية، وثواقبِ الکَلِم الدينية والدُّنياوِية؛ مالايوجدُ مجتمعاً في كلامٍ، ولا مجموع

ص: 120


1- [بفتح الجيم] ساقطة من، ث، ح
2- (محلين) في، ث، ح
3- [معجبين] ساقطة من ع
4- ينظر: الصحاح، مادة (نصع): 3 / 1290
5- المصدر نفسه، مادة (نصع): 3 / 1290
6- المصدر نفسه، مادة (نصع): 3 / 1291
7- (بالفنون) في ح
8- ينظر: العين، مادة (فن): 8 / 372
9- ينظر: لسان العرب، مادة (شعب): 1 / 499، 498

الأطراف في كتابٍ) علماً مفعول له لقوله: (سألوني) أو مصدر سّد مسد الحال أي عالمين، والجوهر ((كل حجر يستخرج منه شيء ينتفع به))(1)، ومن كل شيء ما وضعت(2)عليه جبلته(3)، وثواقب الكلم شرائفه شبهت بالشهاب الثاقب / و3 / الذي يثقب الظلم بنوره کما قيل، وفي بعض النسخ (یواقیت الكلم)(4)، وهي أنسب بالجواهر بالمعنى الأول، ولعل المراد بعدم کون کتاب جامعاً لأطرافها عدم اشتمال کتاب من کتب العربية على الضوابط الجامعة لها وهو مغایر لاشتمال كلام عليها (إذْ كانَ أمرُ المؤُمنين (عليه السّلام) مشرع(5)الْفَصَاحَة ومَورِدَها، ومَنْشَأ الْبَلاَغَةِ ومَوْلِدها؛ وَمنه (عَليه السّلام) ظهرت مَكْنُونُها، وعنه أخِذَتْ قوانينُها، وعلى أمثلتهِ حذا كلّ قائِل خطيبٍ، وبکلامِه استعان كلّ واعظٍ بليغ) المشرع الطريق إلى المَاء للعطشی(6)مرادف للمورد، أو قريب منه، فلو قال: ومصدرها والصدر رجوع الشاربة بعد الترويِ(7)لكان أحسن، ولعله راعى السجع والتأنيث في (ظهرت) لكون المكنون من جملة(8)ما اضيف اليها، و(الأمثِلة) بكسر المثلثة(9)جمع مِثال بالکسر،

ص: 121


1- تاج العروس، مادة (جهر): 6 / 225
2- (وصعت) في ح، تصحيف
3- ينظر: تاج العروس، مادة (جهر): 6 / 225
4- منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، الراوندي: 7، هامش: 6، في نسخة (نا)
5- (شرع) في ح
6- ينظر: الصحاح، مادة (شرع): 3 / 1236
7- ينظر: المصدر نفسه، مادة (صدر): 2 / 709، وفي ع: (القرى) تحریف
8- (حملة) في ر، تصحيف
9- المَثْلُ بالفتح: مصدر مثلتُ الشيء بالشيء إذا شبهته به، والمِثْلُ بالكسر: الشبه والمِثْلُ،.. والمُثْل بالضم: جمع مِثَال وهو الفِرَاش وجمع المِثال الذي يراد به النَّظیرُ.)) المثلث، البطليوسي: 2 / 153

وحذا على مثاله أي اقتدى به واقتفى أثره(1)، والمراد بالخطيب الفصيح لا كل خطیب [ويناسبه وصف الواعظ بالبليغ](2)، وإن كان نوع من التعميم فيه غير مضر (ومع ذَلك فقد سَبَق وقصّروا، وتَقَدّم وتأخّروا؛ لأنّ كلامه (عليه السّلَام) الكلامُ الذي عليه مَسْحةٌ من العلم الإلهيّ، وفيه عَبقْةٌ من الكلام النبوي) المراد أن كلامه (عليه السّلَام) مع التقدم على كل كلام في الإمامة لاقتفاء(3)البلغاء أثره فائق على كل كلام في الاحتواء على عجائب البلاغة وغرائب الفصاحة ولم يبلغ(4)المقتفون أثره، ويقال: عليه مسحة من جمال أي أثر، وعبقه من مسك أي رائِحة بالفتح فيهما، والعبق ((لزوق الشيء بالشيء))(5)، ورجل عبِق بكسر الباء إذا تطيَّب بأدني طيب فبقی ریحه أياماً(6). (فأجَبتُهم إلى الابتداءِ بِذَلِكَ، عالماً بما فيه من عَظِيمِ النَّفْعِ، وَمَنْشُور الذِّكْرِ، ومَذْخُورِ الأجْرِ واعتمدتُ بِهِ أن أبیّن عن عَظِيم قَدْر أمر الْؤُمِنیْنَ (عَليهِ السّلام) في هذِهِ الْفَضِيلةِ، مُضَافةً إلى المحاسن الدّثِرة، والفَضائل الجمّة) مذخور الأجر ما يصل أجلا كما ينتفع بالذخيرة بعد حين، أو عظيم الأجر؛ لأنَّه لا يدخر إلا النفيس المختار. واعتمدت أي قصدت، والدَثرة بالفتح الكثيرة يقال: له مال دثر، ومالان دثر، وأموال دُثُر(7)، والجمة بمعناها

ص: 122


1- ينظر: القاموس المحيط، مادة (حذا): 4 / 316
2- [ويناسبه وصف الواعظ بالبليغ] ساقطة من أ، ع
3- (لافتقاء) في ر، تحریف
4- (يبلغه) في أ، ث، ح، والانسب ما اثبت في المتن
5- العين، مادة (عبق): 1 / 182
6- ينظر: القاموس المحيط، مادة (عبق): 1 / 182
7- ينظر: الصحاح، مادة (دثر): 2 / 655

والجموم هو الاجتماع والكثرة(1). (وأنّه انْفَرَدَ ببلوغ غايَتِها عن جَميع السَّلَفِ اْلأَوَّلینَ الَّذِينَ إِنَّما يُؤثَرُ عَنْهُمْ مِنْهَا القليلُ النَّادِرُ، والشَّاذّ الشارِدُ؛ فأمّا كلامُه

(عَليّه السَّلام) فهو الْبّحْرُ الَّذي لا يُساجَل، والجمّ الذي لا يُحَافَل، وأردْتُ أن يسوغَ لِي التمثُّل في الافتخار بقول الفَرَزْدَق(2):

أُولئِك آبائي فَجِئْنِي بمثْلِهِمْ ٭٭٭ إِذَا جَمَعَتْنَا يَا جَريرُ المَجَامِعُ(3)

تقييد الاوّلين ليس للتخصيص [بل](4)لبيان العّلة، وَيؤثر أي ينقل، والشاذ الخارج عن الجماعة(5)، وشرد البعير إذا نفر وذهب في الأرض، ولا یُسَاجَل بالجيم على صيغة المجهول كما في أكثر النسخ أي لا يُغالب في الامتلاء وكثرة المَاء من السجل وهو الدلو الملأى ماء(6)، وفي بعضها (لا يُسَاحِل(7)

ص: 123


1- ينظر: لسان العرب، مادة (جمم): 12 / 104
2- الفرزدق: هو همام بن غالب بن صعصعة التميمي الدارمي، وكنيته: أبو فراس، شاعر من النبلاء، عظيم الاثر في اللغة، وهو من شعراء الطبقة الاولى، من الشعراء الاسلاميين، ولد في البصرة وأقام فيها، لقب بالفرزدق لجهامة وجهه وغلظة، توفي في بادية البصرة وقد قارب عمره المائة عام توفي سنة (110 ه)، ينظر: وفیات الاعیان، ابن خلکان (ت 681 ه): 6 / 86، وسير أعلام النبلاء، الذهبي (ت 748 ه): 4 / 590، والذريعة، آغا بزرك: 1 / 344، ومعجم المطبوعات العربية والمعربة، يوسف اليان سرکیس: 2 / 1443، 1444، والاعلام، خير الدين الزركلي: 8 / 93
3- ديوان الفرزدق: 85، وينظر: خزانة الادب، البغدادي: 9 / 116
4- [بل] ساقطة من أ
5- ينظر: لسان العرب، مادة (شذذ): 3 / 494
6- ينظر: لسان العرب، مادة (سجل): 11 / 325
7- معارج نهج البلاغة، علي بن زید البيهقي (ت 565 ه): 27، ومنهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، القطب الراوندي: 8، هامش: 2، في نسخة (نا، أ، ب)

بالحاء المهلة [أي](1)لا يؤتي ساحله، وقيل: لا يشابه في بعد الساحل، وهو بعيد، ولا يحافل أي لا يغالب في الكثرة، يقال: ضرع حافل أي ممتلئ كثير اللبن(2)، ويسوغ أي يجوز، والتمثل بالبيت انشاده في مقام ضرب المثل أي أردت أن يصدق تمثلي، بل أن يظهر صدقي عند الناس إذا تمثلت بالبيت مفتخراً، وما ذكره بعض الشارحين(3)من أن قوله: (يسوغ لي التمثل) مجاز في الاسناد، فإنّ السوغ حقيقة في الشراب فإسناده إلى التمثل مجاز ووجه العلاقة أنّ التمثل بمَا يريد إذا حسن بين الناس كان لذيذاً عنده فأشبه في لذاذته، وجريانه بين النّاس الماء الزلال / ظ 3 / في لذاذته، وسهولة جريانه في الحلق، فتكلف مستغنى عنه. (وَرأيت کلامهُ (عليهِ السَّلام) يدورُ على أقطاب ثلاثة: أوّلها الخُطَب وَالْأَوامِر، وثانِيها الكُتُب والرَّسَائلُ، وثَالِثُها الْحِكَم والمواعظ؛ فَأجْمَعْتُ بتوفِيقِ الله تَعالى على الابْتِداءِ بِاخْتِيارِ مَحَاسِنِ الخُطَبِ، ثُمَّ

مَحَاسِنِ الْكُتُبِ، ثُمَّ محاسِن الحِكَم وَالأدَبِ، مُفَرِداً لكلّ صِنْفٍ من ذلك باباً، ومُفَصِلاً(4)فيه أوراقاً لتكونَ لاستدراكِ ما عَسَاهُ يشذّ عَنِّي عاجِلًا، ويَقَعُ إليّ آجلا) القُطب قُطب الرّحى مثلثة(5)القاف والمعروف بالضم، وقد مَرَّ

ص: 124


1- [أي] ساقطة من أ، ع
2- ينظر: لسان العرب، مادة (حفل): 11 / 157
3- ينظر: شرح نهج البلاغة، ابن میثم البحراني: 1 / 103
4- مفضلًا) في أ، ح، ع
5- ((القَطْبُ بالفتح: مصدر قطبتُ الشراب إذا مزجته، والقَطْبُ مصدر قَطَبَ ما بین عينيه إذا عبس، والقَطبُ أيضاً مصدر قطبَ العِل وهو أن يدخل إحدى العروتین في الاخرى ثم يثنيها فإن لم يثنها قيل: سلق... والقُطْبُ بالضم: نبات مثل السعدان له شوك... وقُطب الرحى: يفتح ويكسر ويضم)) المثلث، البطليوسي: 2 / 354، 355

تفسير الخطبة وَأخواتها، وأجمعت الأمر وعلى الأمر أي (عزمت عليه))(1)، وأحكمت النية نصّ عليه (الجوهري)(2)، وقول بعض الشّارحين: ((تقديره: أجمعت عازماً على الابتداء))(3)ممالا حاجة اليه، وقوله: (لتكون) يحتمل(4)أن تكون(5)تامة وناقصةً بتقدير الخبر، واستدركت الشيء حاولت ادراکه، وشَذَّ يَشُذُ وَيشِذُّ انفرد عن الجمهُور وندر، وعسى يستعمل في الطّمع والاشفاق(6)؛ فبالنظّر إلى الجزء الثّاني من الكلام من الأوّل، والى الأوّل من الثّاني. (وإذا جاء

ص: 125


1- الصحاح، مادة (جمع): 3 / 1199
2- إسماعيل بن حماد الجوهري، ويكنى أبا نصر، الفارابي اللغوي الاديب من فرسان الكلام وممن أتاه الله قوة بصيرة، وحسن سريرة وسيرة، أصله من بلاد الترك من (فاراب) دخل العراق صغيراً، وقرأ العربية على أبي علي الفارسي، وأبي سعيد السيرافي، كان يؤثر السفر على الوطن والغربة على السكن، فسافر إلى الحجاز وطاف ربيعة ومصر، واجهد نفسه في الطلب، ثم عاد إلى خراسان، ثم أقام في نيسابور فلم يزل مقيماً بها على التدريس والتأليف وتعليم الخط؛ ذلك أن خطة يضرب به المثل في الحسن، له الكثير من الكتب منها: تاج اللغة وصحاح العربية، والمقدمة في النحو، والعروض، وبيان الاعراب، وشرح ادب الكاتب، توفي بنيسابور سنة (393 ه). ينظر: إنباه الرواة على أنباء النحاة، القفطي (ت 624 ه): 1 / 229 ؉ 233، وسیر أعلام النبلاء، الذهبي (ت 748 ه): 16 / 479، 480، وهدية العارفين، البغدادي (ت 1339 ه): 1 / 209، والذريعة، آغا بزرك (ت 1389 ه): 6 / 145، والاعلام، خير الدين الزركلي: 1 / 313، ومعجم المؤلفين، عمر کحاله: 2 / 267
3- شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد (ت 656 ه): 1 / 45، هذا النص ذكره ابن أبي الحديد عن قول القطب الراوندي وهو لم يوافقه الرأي، ونص القطب الراوندي: ((... وهو على اضمار فعل، كأنَّه قال: أجمعت عازماً على الابتداء)) منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة: 1 / 18
4- (تحمل) في أ
5- (يكون) في، ث، ح، ر، ع، م، تصحيف
6- ينظر: شرح الرضي على الكافية، رضي الدين الاستراباذي (ت 688 ه): 2 / 445

شيءٌ من كلامهِ الخارجِ في أثناءِ حِوارٍ، أو جوابِ(1)، سؤال(2)، أو غرضٍ آخرَ من الأغراض في غَیْر الأنحاء التي ذكرتُها، وقرّرتُ القاعدةَ عليها، نَسَبْتَهُ إلى ألْيَق الأبواب بِهِ، وأشدَّها ملامحةً لغَرَضِهِ) أثناء الشيء ومثانيه تضاعيفه(3)جمع ثنِي بالكسر، والحِوار بالكسر مراجعة النطق کالمحاورة، ونسبته أي ضممته، والملاحة المشابهة، ويقال: ((فيه ملامح من أبيه أي مشابه))(4)، وفي بعض النسخ (ملاحمة)(5)أي ملائمة. (وربّما جاء فيما أختارُه من ذلك فصولٌ غيرُ مُتّسقة، وَمَحَاسنُ كَلِمٍ غير مُنتظمة لأنَّي أورِدُ النُّکَت واللُّمَعَ، ولا أَقصِد التَّتَاليَ والنَّسَقَ) اشار إلى حذفه بعض الكلمات مما يرويه من الخطب وغيرها؛ ولذلك ترى كثيرا منها كعقد [...](6)أنفصم نظامه، والنُكَتْ جمع نُکته بالضم فيهما وهي النقطة مأخوذة من النَكت بالفتح وهو أن تضرب الارض بقضيب فتؤثر فيها(7)، واللُمع جمع لمُعة بضمّهما وهي لغةً: قطعة من النَّبتْ(8)إذا أخذت في اليبس وصار(9)لها بیاض(10)وأصله من اللمعان وهو

ص: 126


1- (وجواب) في ح
2- (کتاب) في ح، وفي حاشية أ، ر: (السؤال)
3- ينظر: تاج العروس، مادة (ثني): 19 / 260
4- الصحاح، مادة (لمح): 1 / 402
5- معارج نهج البلاغة: 28، وفيه: (ویروی ملاحمة)، ومنهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، الراوندي: 1 / 18، ملاحمة)، وشرح نهج البلاغة، ابن میثم البحراني: 1 / 94، وفيهما: (وروي ملاحمة)
6- [أنظم] في ح، زيادة لا يرتضيها السياق
7- ينظر: معجم مقاییس اللغة، مادة (نکت): 5 / 475
8- (البنت) في ر
9- (فصار) في ح
10- تاج العروس، مادة (لمع): 11 / 442

الاضاءة والبريق؛ لأنّ البقعة من الأرض ذات الكلاء المذكور كأنّها تضيء دون سائر البقاع وعدى ذلك إلى محاسن الكلام وبليغه لتميزه عن سائر الكلام، فكأنه في نفسه ذو ضياء وتستنير(1)الأذهان به، [و](2)[تتالت الأمور تلا بعضها بعضاً](3)[وفي بعض النسخ التوالي](4)، والنَسَق محركة ما جاء من الكلام [وغيره](5)على نظام واحد[...](6)وتتالت الأمور وتلا بعضها بعضاً، والمتسق المنتظم.

(ومِنْ عجائِبه (عليّهِ السَّلام) التَّي انفرد بها، وأَمِنَ المشاركةَ فيها؛ أنّ كلامَه الواردَ في الزّهد والمواعظ والتَذكير والزَّواجر إذا تأمَّله [المتأمّل](7)، وفكّر فيه المُفَكّر، وخلعَ من قلبهِ أنّهُ كلامَ مثلِه، ممَّن عَظُم قَدْرُه ونفَذ أمرُه، وأحاطَ بالرّقاب مُلْكه، لم يعترضْه الشكّ في أنّه من كلامُ مَنْ لاحظّ له في غيرِ الزّهَادة، ولا شُغْلَ له بغيرِ العِبَادة، [...](8)قد قَبَع في كِسرْ بيتٍ، أو انقطع إلى سَفْح جبلٍ، لا يَسْمعَ إلا حسَّه، ولا يَرى إلا نفسَه).

ص: 127


1- (يستنير) في أ، ح، ر، ع، م، ن، والصواب ما اثبتناه
2- [و] ساقطة من ع
3- [وتتالت الامور تلا بعضها بعضاً] ساقطة من أ
4- [وفي بعض النسخ التوالي]، ساقطة من أ، ر، ع، م
5- [وغيره] في ح، ساقطة من أ، ث، ع، م
6- (وتتالت الامور تلا بعضها بعضاً، وفي بعض النّسخ التوالي، والنسق محركة ما جاء من الكلام وغيره على نظام واحد) في ح، وفي ر: (وتتالت الامور تلا بعضها بعضاً، والنسق محركة ما جاء من الكلام وغيره على نظام واحد)
7- [المتأمل] ساقطة من أ، ع
8- [و] زيادة في ع

((الزّهد: خلاف الرّغبة))(1)، يقال: زَهَدَ في الشيء [وعن الشيء](2)زُهداً بالضم وزَهادةً بالفتح، وقيل باختصاص الزُّهْد بالدينِ وَالزَّهادةُ بغيرهِ(3)، والموعظة / و4 / ذكر ما يلين القلب کما مرَّ، والتذكير [ذكر](4)ما يرفع الغفلة من الامور المعلومة كذكر الموت ونحوه، والزواجر الموانع عن العمل بمقتضى الشهوة والنسبة بين الامور المذكورة في الصدق عموم من وجه، والمُلك في النسخ بالضم والكسر [وهو بالكسر اسم من مَلَكَه مُلْكاً كضرَب فهو مالك وبالضم اسم من مَلَكَ على الناس أمرهم إذا تولى السلطنة فهو ملك و الثاني أنسب](5)، والحظ النصيب، وقَبَعَ الرجل کَمَنَع إذا ادخل رأسه في قميصه وقبع القنفذ إذا أدخل رأسه في جلده(6)، وکِسر البيت بالكسر أسفل شفة البيت التي تلي الأرض من حيث یکسر جانباه من عن يمينك ويسارك ذكره الجوهري عن ابن السكيت(7)قال: ومنه قيل: فلان مکاسري

ص: 128


1- الصحاح، مادة (زهد): 2 / 481
2- [وعن الشيء] ساقطة من ع
3- ينظر العين، مادة (زهد): 4 / 12
4- [ذكر] ساقطة من أ، ع
5- [وهو بالکسر اسم من ملكه ملكاً كضرب فهو مالك وبالضم اسم من ملك على الناس امرهم اذا تولى السلطنة فهو ملك والثاني انسب] ساقطة من، ث، ح
6- ينظر: الصحاح، مادة (قبع): 3 / 1260
7- يعقوب بن إسحاق بن السكيت، یکنی أبا يوسف، البغدادي النحوي المؤدب، كان أبوه مؤدباً، فتعلم يعقوب وبرع في النحو واللغة والادب، أخذ عن أبي عمرو الشيباني وطائفة، أدب أولاد الامير محمد بن عبدالله طاهر، ثم ارتفع محله فأدب أولاد المتوكل، المعتز والمؤيد، سأله المتوكل أيهما أحب اليه أولاده أم الحسن والحسين (عليهما السلام)، فأجابه ابن السكيت بأن قنبر خادم الإمام علي (عليه السلام) أحب اليه منهما، فأمر بقطع لسانه وقتله، له كتب كثيرة منها: اصلاح المنطق، وسرقات الشعراء، وشرح شعر زهير، وشرح المعلقات، وغریب القرآن، والابل، والاضداد، والاجناس، والامثال، والانساب، والانواء، والمذكر والمؤنث، وغيرها من الكتب، توفي سنة (244 ه): ينظر: وفيات الاعيان: 6 / 395، 396، وسیر أعلام النبلاء: 12 / 16 - 19، ومعجم المطبوعات العربية: 1 / 119، 120، وهدية العارفین: 2 / 536، 537، والاعلام: 8 / 195، ومعجم المؤلفین: 13 / 243

أي جاري، وکسر بيته إلى جانب کسر بيتي(1)، وقال في العين: ((الكَسُرْ والكِسْرُ، لغتانِ: الشُّقّةُ السُّفْلَی من الخِباء ومن كلّ قُبّة، وغشاءُ يُرفع أحياناً ويرخى حتى يقال لناحيتي الصَّحراء: كِسْراها))(2)، وسفح الجبل أسفله حيث يسفح فيه الماء [أي سيل عليه الماء](3)من أعلاه(4)، والحِسّ بكسر الحاء والحسيس ((الصوت الخفي))(5)والضمير في يسمع وحسه راجع إلى من أي: لا يسمع إلاَّ صوت نفسه لانقطاعه عن الخلق وعدم التفاته اليهم.

(ولا يكاد يوقِن بأنّه كلامُ مَنْ يَنْغَمِس في الحرب مُصْلِتاً سيفَه، فيَقُطُّ الرّقابُ، ويُجَدِّلُ الأبطالَ، ويعودُ به يَنْطُفُ دماً، ويقطُر مُهَجاً؛ وهو مع تلك الحالِ زاهدُ الزّهاد، وبَدَلُ الأبْدَال. وهذِه من فضائله العجيبة، وخَصائصه اللّطيفة، التي جَمَع بهابين الأضْداد، وألّف بين الأشْتَات، وكثيراً [ما](6)أذاکِرّ الإخوان بها، واستخرجُ عَجَبُهم منها؛ وهي موضع للعِبْرَة بها، والفِكْرَة

ص: 129


1- اصلاح المنطق، ابن السكيت (ت 244 ه): 18، 13 والصحاح، مادة (كسر): 2 / 806، وفيه: (وکسر)
2- العين، مادة (كسر): 5 / 307، 306
3- [أي يسيل عليه الماء] ساقطة من أ
4- ينظر: المخصص: 3 / 76، وينظر: لسان العرب، مادة (سفح ): 2 / 485
5- الصحاح، مادة (حسس): 3 / 916
6- ساقطة من أ، ع

فيها). الغمس في الشيء الدخول فيه والخوض، وأصله المقل في الماء(1)، وأَصْلَتَ سَيْفَهُ جَرَّدَهُ مِنْ غَمْدِّهِ(2)، والقطّ ((فصل الشيء عرضاً))(3)ومنه قط القلم، قال الجوهري في الحديث: كان سيف علي (عليه السلام) إذا اعتلى، قد، وأن اعترض قط(4)، وفي النهاية: اذا توسط قط(5)، والقدّ هو ((القطع طولاً))(6)، وقال بعض الشارحين: القطّ هو القطع طولًا(7)وهو سهو، ويجدل الأبطال [بالتشديد](8)أي يلقيهم على الجدالة وهي كسحابة: ((الأرض))(9)، وقيل [ارض](10): ((ذات رمل))(11)[رقيق](12)، وفي الحديث: ((أنا خاتم النبيين في أم الكتاب وإن آدم لمنجدل في طينته))(13)، والبَطّل محركة: الشجاع، لأنَّه يبطل جراحته فلا يكترث لها(14)، أو لأنَّه تبطل عنده دماء(15)

ص: 130


1- ينظر: الصحاح، مادة (غمس): 3 / 956
2- ينظر: العين، مادة (صلت): 7 / 105
3- المصدر نفسه، مادة (قطط): 3 / 1153
4- ينظر: الصحاح، مادة (قطط): 3 / 1153
5- النهاية في غريب الحديث والاثر (ت 606 ه)، مادة (قطط): 4 / 81، وفيه: (وإذا)
6- لسان العرب، مادة (قدد): 3 / 344
7- منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، القطب الراوندي (ت 573 ه): 1 / 19، وفيه (القط القطع طولاً)
8- [بالتشدید] ساقطة من ر
9- لسان العرب، مادة (جدل): 11 / 104
10- [الارض] ساقطة من أ، ث، ح
11- لسان العرب، مادة (جدل): 11 / 104
12- [رقيق] ساقطة من أ، ث، ح
13- النهاية في غريب الحديث والاثر، مادة (جدل): 1 / 248
14- ينظر: العين، مادة (بطل): 7 / 431
15- (دما) في، ث، ح

الاقران، والنطفة الماء الكثير والقليل وهو بالقليل أخصّ(1)، وقد نَطًفَ الماء يَنْطُف وَيَنْطِف بالضم والكسر إذا قطرَّ قليلاً [قليلاً](2)، و((المُهجة: الدم))(3)، وقيل: ((دم القلب خاصة))(4)، ويقال: خرجت مهجته إذا خرج روحه، ولو كان المراد بالمهجة القلب(5)كان نسبة القطر اليها مجازا، والمراد بالابدال ((الزُّهاد))(6)، و((العُبَّاد)(7)، وبالأشتات الاوصاف المتفرقة(8)، واستخرج عجبهم بالتحريك، وفي بعض النسخ (تعجبهم) أي استخرجه من القوة إلى الفعل بالتنبيه على غرابة هذه الخصلة قيل: وروی (عُجْبهم) بالضم من قولهم: أُعجِب فلان برأيه وبنفسه، فهو مُعجب بهما(9)، أي اذاکرهم بها لتظهر محبتهم لها وميلهم اليها، وقيل: ((واستخرج عجبهم، أي أعرفهم أنهم عاجزون عن أمثالها فلا يبقى لهم حينئذٍ عجب بأنفسهم منها أي من أجل معرفتها))(10)، والبعد فيهما واضح والموجود في النسخ الصحيحة الأولان، والعِبرة بالكسر [في الأصل](11)ما يتعظ به الانسان ويعتبره؛ ليستدل به

ص: 131


1- ينظر: لسان العرب، مادة (نطف): 9 / 335
2- [قليلًا] ساقطة من، ث، ح، الصحاح، مادة (مهج): 1 / 342
3- لسان العرب، مادة (مهج): 1 / 342
4- الصحاح، مادة (مهج): 1 / 342
5- (الروح) في ث، ح
6- معجم مصطلحات الرجال والدراية، محمد رضا: 13
7- المصدر نفسه: 13
8- ينظر: تاج العروس، مادة (شتت): 3 / 76، 77
9- ينظر: شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1 / 42
10- شرح نهج البلاغة، ابن میثم البحراني: 1 / 105
11- [في الاصل] ساقطة من أ، ع

على غيره(1)، والمراد اعتبارها بالتفكر فيها والاستدلال بها على عظم قدره (عليه السلام) (وربّما جاء في أثناء هذا الاختيار اللفظُ المردّد، أو(2)المعنى المكرّر؛ والعُذْر في ذلك أنّ روایاتِ کلامه (عليه السلام) تختلفُ اختلافاً شدیداً، فربّما اتّفق / ظ 4 / الكلامُ المختار في روايةٍ فَنُقِلَ على وجهه، ثم وُجِد بعد ذلك في روايةٍ أخرى موضوعاً غير وضْعِه الأوّل؛ إمّا بزيادة مختارة، أو لفظ أحسنَ عبارة؛ فيقضي(3)الحال أن يعاد؛ استظهاراً للاختيار، وغَيرْةً على عقائل الكلام). اللفظ المردد وهو المكرر، والمعنى المكرر ما أعيد بلفظ آخر والاختلاف في الروايات أما لتكرر صدور الكلام عنه (عليه السلام) في كل مقام بلفظ خاص، أو لسهو الرواة وعدم اهتمامهم بالرواية على وجهها، أو لنقلهم بالمعنى، أو نقل بعضهم إياها كذلك، و((الظهير: المعين))(4)واستظهر به أي استعان به واستظهر له أي استعان بغيره لحفظه واستظهر عليه أي بغيره لدفعه، ((والغَیْرَة بالفتح مصدر قولك: غَارَ الرَّجلُ على أهلهِ يَغار غَیْراً وَغَاراً))(5)، وهي حمية تعرض عن تخيل مشاركة الغير في أمر مرغوب، والعقائل جمع عقيلة ((وهي في الأصل المرأة الكريمة النفيسة))(6)، ثم استعمل في النفيس الكريم من كل شيء من الذوات والمعاني(7)وسيجيء

ص: 132


1- ينظر، لسان العرب، مادة (عبر): 4 / 531
2- (و) في ث، ر
3- (فتقضى) في ث، ح
4- الصحاح، مادة (ظهر): 2 / 731
5- الصحاح، مادة (غير): 2 / 776
6- لسان العرب، مادة (عقل): 11 / 463
7- المصدر نفسه، مادة (عقل): 11 / 463

في كلامه (عليه السّلامَ) قوله المختص بعقائل کراماتك.

(وربَّما بَعُدَ العهد أيضاً بما اختیر؛ أوّلا؛ فأعيد بعضُه سهواً أو نسياناً، لا قَصْداً أو اعتاداً. ولا أدّعِي مع ذلك إني أحيطُ بأقطارِ جميع كلامِه؛ حتى يشِذّ

عنّي منه شاذّ، ولا ينِدّ نادٌ، بل لا أبعِد أن يكون القاصِرُ عنّي فوق الواقع اليّ، والحاصلُ في رِبْقتي دونَ الخارج من يديّ؛ وما عليّ إِلا بذلُ الجهد، وبلاغ الوسع، وعلى الله سبحانه نَهْج السبيل، ورشاد الدليل إن شاء الله). السهو، الغفلة، والنسيان خلاف الحفظ وهما مترادفان، أو النسيان ذهاب الصورة عن الخزانة أيضاً والاعتماد هو القصد والأنسب بتغایر حرفي العطف التغاير في الاولين، والأَقطار جمع قُطر بالضم وهو الجانب والناحية(1)، ويَشِذُّ في النسخ بالكسر، ويجوز فيه الضم أي يذهب عني، ونَدَّ البعيرُ کفرَّ وشردَ وذهبَ على وجهه(2)والتعبير بالوقوع للتشبيه بالطائر ودون نقيض فوق، والمراد عدم الاستبعاد من قلة ما ظفر به، والجُهد بالضم ((الوسع والطاقة))(3)، وبالفتح ((المشقة))(4)وقيل: ((للمبالغة والغاية))(5)، وقيل: ((هما لغتان في الوسع والطاقة فأما في المشقة والغاية فالفتح لا غير)) (6)والمضبوط في النسخ على تقديره بالضم وفي بعضها الجِدّ، والنَّهْج بالفتح الوضوح والايضاح يقال:

ص: 133


1- ينظر، الصحاح، مادة (قطر): 2 / 795
2- ينظر: الصدر نفسه، مادة (ندد): 2 / 543
3- لسان العرب، مادة (جهد): 3 / 133
4- المصدر نفسه، مادة (جهد): 3 / 133
5- المصدر نفسه، مادة (جهد): 3 / 133
6- المصدر نفسه، مادة (جهد): 3 / 133

((اعمل على ما نهجته لك))(1)، و((الرَّشاد خلاف الغي))(2)، وفي الكلام تسامح. (ورأيت من بعد تسميةَ هذا الكتاب ((بنهج البلاغة))؛ إذْ كان يَفتح للناظر فيه أبوابها، ويقرّب عليه طِلابَها، وفيه حاجة العالِم والمتعلم، وبُغيه البلِيغ والزاهد). النَّهْج بسكون الهاء ((الطريق الواضح))(3)ويكون بمعنی الوضوح والايضاح أيضا کما تقدم، والأول في التسمية أوضح، وأما النَّهَجُ بالتحريك فهو تواتر النفس من شدة الحركة أو فعل متعب(4)، والضمير في أبوابها و(طلابها) راجع إلى البلاغة، والطِلاب كکِتّاب المطالبة، والبِغية بكسر الباء وضمها مصدر قولك: بغيتها بغيه إذا طلبته وبمعنی ما یبتغی ویراد(5).

(ويمضي في أثنائه من عجيب الكلام في التَّوْحيد والعدل، وتنزيه الله سبحانه عن شِبْهِ الخلْق، ما هو بِلال كلّ غُلّة، وشِفاءِ كُلّ عِلَّة، وجِلَاء كلّ شبهةٍ). الشبه بالتحريك المشابهة، والبلال مثلثة(6)ما يبل الحلق من ماء أو لبن(7)أو غيرهما، وفي النسخ بالفتح والكسر(8)، والغُلة بالضم ((حرارة

ص: 134


1- تاج العروس، مادة (نهج): 3 / 505
2- ينظر: الصحاح، مادة (رشد): 2 / 474
3- العين، مادة (نهج): 3 / 392
4- ينظر: الصحاح، مادة (نهج): 1 / 346
5- ينظر: العين، مادة (بغي): 4 / 453
6- ((بَلَالُ وبِلالُ وبُلالُ بَلالُ على زنة حذام وقطام: اسم لعلة الرحم... وبِلالُ بالكسر: اسم رجلٍ، ويقال ماذاق من الماء بِلالاً أي يبلُّ فاه... والبُلالُ بضم الباء جمع بُلاله وهي الرطوبة...)) المثلث، البطليوسي (ت 521 ه): 1 / 371، 372
7- ينظر: تاج العروس، مادة (بلل): 14 / 62
8- ورد بالكسر (البِلال) في شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1 / 49، وشرح نهج البلاغة، ابن میثم البحراني: 1 / 96

العطش))(1)، والجِلاء بالكسر ازالة ما يعرض للسيف ونحوه من الكدر / و5 / والمراد جلاء الذهن عن كدر الشبه. (ومِنَ الله سبحانه استمدّ التوفيق والعِصْمة، واتنجّزُ التّسديد والمعونة، واستعيذه من خطأ الجَنَان قبل خطأ اللّسِان، ومِنْ زَلَة الكلِم قبل زلّة القَدَمِ، وهُو حَسْبِي وَنِعْمَ الوَكيلُ) استنجز الحاجة وتنجزها استنجحها(2)والعدة سأل انجازها أي احضارها و(الخطأ)(3)بالتحريك و(الخطاء)(4)بالمدّ أيضا ضدّ الصواب، وفي النسخ بالقصر، والجَنان بالفتح ((القلبُ))(5)و((الروّح))(6)وتقديم الجنّان لكون خطائه أفحش وأعظم، وكذلك زَلْة الكلم من [زلة](7)القدم، فإنَّ زلة اللسان قد لا ينهض صريعها، ولا يقال: عثرتها وهو حسبي أي محسبي وكافِيَّ، (ونعم الوكيل) معطوفٌ أما على جملة (هو حسبي) بتقدير المعطوفة [أما](8)خبرية بتقدير المبتدأ وما يوجبه أي مقولٌ في حقّه ذلك، أو بتقدير المعطوف عليها انشائية، أو على خبر المعطُوف عليها خاصة، وقيل الواو معترضة لا عاطفة مع أنَّ جماعة من النحاة(9)اجازوا عطف الانشائية على الخبرية وبالعكس واستشهدوا عليه بآياتٍ قرآنية وشواهد شعريّة ومن الله العصمة والتأييد.

ص: 135


1- الصحاح، مادة (غلل): 5 / 1784
2- (استنجز الحاجة وتنجزها استنجزها) في ع، وفي م: (استنجز الحاجة وتنجز استنجحها)
3- (الحظاء) في ح
4- (الحظاء) في ح
5- لسان العرب، مادة (جنن): 13 / 93
6- المصدر نفسه، مادة (جنن): 13 / 93
7- [زلة] ساقطة من أ، ع
8- [أما] ساقطة من أ، ع، م
9- (النجاة) في ر

باب المختار من خطب الإمام علي (عليه السلام)

بابُ المُختار من خطب مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام)وأوامره

الاختيار من كلامه (عليه السلام)؛ لكون بعض الكلمات في نظره أوفق بغرضٍ، أو أنْسبْ بمقام، أو لغرابة ظَنَّها في بعضها ونحو ذلك، ولكن لا يخلو من(1)سوءِ أدَب وفيه تفويت لكثير من الفوائد التي لا تَقتَبَس إِلَا مِنْ أنوارِهم (عَلَيهم السّلام)، وسأذكر(2)في شرح کل کلام إن شاء الله ما ظفرت به من تتمة الكلام(3)، أو ما يناسب المقام وعلى الله التوكل وبفضله الاعتصام (ويدخل في ذلك المختار من كلامه الجاري مجرى الحطب في المقامات المحصورة والمواقف المذكورة (و)(4)الخطوب الواردة). قد مَرَّ تفسير الخطبة في شرح الخطبة، والمَقامة بالفتح المجلس يجتمع اليه النّاس ويكون بمعنی الجماعة(5)، والمحصورة بالصّاد المهملة [كما في كثير من النسخ](6)المعدودة

ص: 136


1- (عن) في أ، ث، ح، ر، ع، م والمناسب للسياق ما أثبتناه
2- (وقد ذكرت) في ث، وفي ر: (وما ذكر)
3- (وقد ذكرتُ في شرح كلْ كلام من کتاب حدائق الحقائق ما ظفرت من تتمة الكلام) في ح
4- (في) في ع
5- ينظر: تاج العروس، مادة (قوم): 17 / 593
6- [كما في كثير من النسخ] ساقطة من أ، ر، ع، م، ومن هذه النسخ: المعارج نهج البلاغة: 33، وشرح نهج البلاغة، ابن میثم البحراني: 1 / 106. وفيهما: (المحصورة)

فيناسب المذكورة، وبالمعجمة أي التي يحضرها النّاس، فيناسب المَقامات بالمعنى الأوّل، ويمكن أن يراد بالمذكورة ما اشتهرت في الألسُن وذُکِرَتُ بينَ النّاس لا في الكتابِ، والخُطُوب بالضم جمعُ خُطب بالسّكون وهو الأمر الذي يقع فيه المخاطبة والشّأنْ والحالُ، والواردة أي السّانحة والحادثة.

فَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ (علیه السلام) يَذّكرُ فيها اِبتِداءَ خَلْق السّماءِ وَاْلأرضَّ وَخَلقَ آدَمَ (علیه السلام)

((الْحَمْدُ للهِ الَّذِي لاَ يَبْلُغُ مِدْحَتَهُ الْقَائِلونَ). الحَمْدُ في المشهور هو الثناء على الجميل الاختياري من نعمة أو غيرها(1)، والمدح هو الثناء على الجميل مطلقا، والشكر مقابلة النعمة قولاً وعملاً واعتقادا، فالحمد أعم من الشّكر متعلقاًة وأخصّ مورداً، والمدح أعم منه مطلقاً ومن الشّكر من وجه ونقيض المدح الذمّ وَالشّكر الكفران(2)، وقيل الحمد والشكر مترادفان، وهو الظاهر من كثير من الاخبار، وقيل بترادف الحمد والمدح أيضاً، وهو الاظهر من كلامه (عليه السّلاَمُ) في هذا المقام، ثم أنه (عليه السّلاَمُ) اعترف أولاً بالعجز عن القيام بالحمد في الحامدين لكونه(3)أكمل الأفراد کما ورد في الخبر(4)، وأبلغ في المقام، والمِدحة بالكسر الهيأة التي يكون المادح عليها في مدحه

ص: 137


1- ينظر: العين، مادة (حمد): 3 / 189
2- ينظر: الفروق اللغوية: 201، 202، وفروق اللغات في التمييز بين مفاد الكلمات، نور الدين الجزائري: 116
3- (لكون هذا الاعتراف من) في ث، ح
4- قال الرسول محمد (صلى الله عليه واله وسلم): ((... وأعوذ بك لا أحصي ثناء عليك أنت أثنيت على نفسك)) مسند أحمد (ت 241 ه): 1 / 150، والسنن الكبرى (ت 303 ه): 1 / 98، وعمدة القارئ، العيني (ت 855 ه): 7 / 19

والاضافة للاختصاص الخاص أي المِدحة اللائقة بجلاله وعزّه والمراد عجز كل واحد / ظ 5 / من القائلين وقد اعترف به سیّد الحامدين (صلى الله عليه وآلهِ الطاهرين)، أو [المراد عجز الجميع](1)(وَلَا يْحُصىِ نَعْمَاءَهُ الْعَادُّونَ)، وفي بعض النسخ (نِعمهُ)(2)، قال بعض الشّارحين: ((الاحصاء انهاءُ(3)العد، والاحاطة بالمعدود وهو من لواحق العدد ولذلك نسبه إلى العادين))(4)، وفيه تأمل؛ إذ الفرق بين العدْ والاحصاء وإن كان مناسباً للآية ولقوله (عليه السّلاَم) لكنه يخالف قول اللغوييّن صرح به الجوهري(5)وغيره(6)، ويؤيده ظاهر قوله تعالى: «لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا»(7)وقيل أحصاهم(8)أي قهرهم بقدرته، وعدّهم أي أحاطَ بهم علماً، ويكون معنى العدّ على هذا التّفسير قريباً مما زعمه معنى الاحصاء، وفي التبيان عن (الزّجاج)(9)في

ص: 138


1- [المراد عجز الجميع] ساقطة من أ، ر، م، ن، [المراد عجز الجميع ولو اجتمعوا متعاونين] ساقطة من ع
2- منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، القطب الراوندي: 1 / 22، هامش: 4، وفيه (في ألف، ب: نعمه)
3- [انهاء] ساقطة من أ
4- شرح نهج البلاغة، ابن میثم البحراني (ت 679 ه): 1 / 107
5- ينظر: الصحاح، مادة (حصا): 6 / 2315
6- ينظر: معجم مقاییس اللغة، ابن فارس (ت 395 ه) مادة (عدَّ): 4 / 29
7- مریم / 94
8- (احصيهم) في ث، ح
9- إبراهيم بن السري بن سهل البغدادي النحوي، یکنی (أبا إسحاق) لقب بالزجاج لأن كان يخرط الزجاج، من أهل العلم بالأدب واللغة والنحو والدين، أخذ الادب والعلم من المبرد وثعلب، من كتبه: معاني القرآن، والاشتقاق، وخلق الانسان، والوقف والابتداء، مات سنة (311 ه). ينظر: الانساب: 3 / 141، واللباب في تهذیب الانساب: 2 / 62، وهدية العارفين: 1 / 5، ومعجم المطبوعات العربية: 1 / 963، 964

قوله تعالى: «وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا»(1)انَّه جعل عدداً بمعنى المصدر(2)، وقال: ((تقديره: واحصى كلَّ شيء إحصاءً))(3)، وكلام غيره من المفسرّین كالصّريح في عدم الفرق، ثم الظّاهر أن عدّ جملة لا يصدق حقيقة بدون الاحاطة بها طُرَّاً فالإحصاء مرادف للعَدِّ، والمراد والله [تعالى](4)يعلم انه لا يُعَدُ نعماءه الذّين شأنهم العدّ والاحصاء، أو المتعرضّون لهذا الخطب الجسيم، أو العَادّون لها في الجملة على التجّوز وينبغي حمل الاِحصاءِ على الاحاطة العلمية حتى يكون اقراراً بالقصور عن الشكر الجناني بعد الاعتراف بالعجز عن اللّساني، كما أنّه ينبغي حمل قوله (عليه السّلَامُ)، (ولاَ يُؤَدِّي حَقَّه الْمُجْتَهِدُونَ) على التقصير في الوظيفة الأركانية. (الَّذِي لاَ يُدْرِكُهُ بُعْدُ الْهِمَمِ، [ولا](5)يَنَالُه غَوْصُ الْفِطَن(6)). همّ بالأمر إذا عزم عليه والهِمة ما هُمّ [به](7)من أمرٍ والقصد والارادة وبعدُها تعلّقها بعليات الأمور، والنّيل الوصُول والاصَابة(8)والغوص الخَوضُ في الماءِ، والفِطَن بكسر الفاء وفتح الطاء جمع فِطنة بالكسر وهي الحذقة وجودة استعداد الذهن لتصور ما يراد

ص: 139


1- الجن / 28
2- ينظر: التبيان في تفسير القرآن، الطوسي (ت 460 ه): 10 / 159
3- المصدر نفسه: 10 / 159
4- [تعالی] ساقطة من ث، ر
5- [ولا] طمس في ح
6- (الفتن) في ع، تحریف
7- [به] ساقطة من أ، ع
8- ينظر: الصحاح، مادة (نال): 5 / 1838

عليه(1)والاسناد إلى البعد(2)، والغوص للمبالغة، والنّص على قصور ما هو في الحقيقة مناطُ النيْل والادراك، والغوص يتضمن تشبیه حركة الاذهان بنزول الغواص في الماء فيقابله ما قبله أي لا يصل اليه الاذهان في حركتها بأي جهة كانت (الَّذِي لَيْسَ لِصِفَتِهِ حَدٌّ مَحْدُودٌ، وَلاَنَعْتٌ مَوْجُودٌ، وَلا وَقْتٌ مَعْدُودٌ، وَلاَ

أَجَلٌ مَمْدُودٌ.) الصفة تكون(3) مصدراً تقول: ((وصفتُ الشيء وصفا وصِفةً))(4)صرح به الجوهري، ويطلق على المعنى المصطلح بين النحاة(5)وما يقَربُ منه، والحدُّ في اللّغة ((المنعُ))(6)والحاجزُ بين شيئين، ومنتهى الشيء(7)، وفي عرف المنطقيين التعريفُ بالذاتي(8)، والنعتُ: الوصفُ بما فيه حُسْنٌ، ولا يقالُ في القبيح إلاّ بتكلْف(9)، والوصف أعم، و((الوقتُ المقدارُ من الدّهرِ وأكثر ما يستعمل في الماضي))(10)، والاجل ((غاية الوقت))(11)، و ((مدةُ الشيء))(12)، قال

ص: 140


1- ينظر: تاج العروس، مادة (فطن): 18 / 434
2- (البعيد) في ح، تحریف
3- (يكون) في أ، ع، م، تصحيف
4- الصحاح، مادة (وصف): 4 / 1438
5- (النجاة) في ر
6- الصحاح، مادة (جدد): 2 / 462
7- ينظر: تاج العروس، مادة (حدد): 4 / 410
8- ينظر: معجم مصطلحات المنطق، جعفر الحسيني: 119، 123، والمعجم الفلسفي بالألفاظ العربية، الدكتور جميل صليبا: 1 / 45
9- ينظر: الفروق اللغوية: 545
10- القاموس المحيط، مادة (وقت): 1 / 160
11- العين، مادة (أجل): 6 / 178
12- لسان العرب، مادة (أجل): 11 / 11

الشارح [عبد الحميد بن أبي الحديد](1): المراد بالصفة هاهنا كنهه وحقيقته، أي ليس لكنهه حدٌّ فَيُعْرَفُ بذلك الحدَّ قياساً على الأشياء المحدودة؛ لأنه ليس بمركب، وكُلّ محدود مرکبٌ(2)، والمراد بالنعتُ الموجود: الرسم أي لا يُدْرَكُ بالرسم کما يُدْرَكُ الاشياء برُسُومها وهو أن يعرفّ بلازم من لوازمها، وصفة من صفاتها، وقوله (عليه السّلَامُ): (وَلا وَقْتٌ مَعْدُودٌ، وَلا أجَلٌ مَمْدُودٌ.) فيه اشارة إلى الردّ على من قال: إنا نعلم کنه الباري سبحانه في الآخرة فإن القائلين برؤيته سبحانه في الاخرة يقولون: انا نعرف حينئذ کَنهه فردّ (عليه السّلاَمُ) قولهم وقال: إنه لا وقت أبدا يُعرَفُ فيه حقیقته، وكَنهه وهو الحق؛ لأنَّ الرؤية تستلزم(3)کونه تعالى في جهة وفيه من البُعْد والتكلّف ما تری، وقال بعض الشارحين: المراد [ليس](4)لمطلقِ ما (تعتبره)(5)عقولُنا و6 / له من الصفات السّلبية والاضافية نهايةٌ معَقولَةٌ يقِفُ عندها فيكون حدّاً له، وليس لمطلق ما يوصفُ به أيضاً وصفٌ موجود يجمعه فیکون نَعْتاً لَهُ، ومنحَصِراً فيه(6)قال: وأما وصفه الحدْ بالمحدودِ فللمبالغة على طريقة قولهم: شعرٌ شاعرٌ، وقيل: معنى قوله: ((ليس لصفته حدٌ)) أي ليس لها غايةٌ بالنسبة إلى متعلقاتها كالعلم بالنسبة إلى المعلومات، والقدرة بالنسبة إلى

ص: 141


1- [عبد الحميد بن أبي الحديد] أساقطة من أ، ر، ع، م، ن
2- ينظر: شرح نهج البلاغة، أبن أبي الحديد: 1 / 57
3- (يستلزم) في أ، ث، ح، ر، ع، م، ن
4- [ليس] ساقطة من أ، ع
5- (يعتبر) في أ، ع، (يعتبره) في ث، ح، ر، م، ن، تصحيف
6- ينظر: شرح نهج البلاغة، ابن میثم البحراني: 1 / 115

المقدورات(1)(انتهى). ويمكن أن يقال: لعل المراد بالصفة المعنى المصدري، وبالحدّ النهاّيات والاطراف وهو الأظهر في كثير من الأخبار ویُحملَ النعّت الموجود على الصفات الزائدة كما قاله الاشاعرة، والوقتُ على الزمّانِ المنتهي في البداية، واَلأجلُ على المتناهي في النهاية ويكون اللام في قوله (عليه السّلَامُ): ((الَّذِي لَيْسَ لِصِفَتهِ حَدٌّ)) مثلها في قولك: ليسّ لي لإكرامه درهمٌ، وتوصیفُ الحدَّ بالمحدود على المبالغة، أو المراد بمحدودية الحدّ معلومِيتَهِ، واحاطَة الذّهن به، أو لكون بعض الحدود محدوداً ببعضِهَا کالسطح بالخَطِّ، وتوصيفُ النعّت بالموجود للدلالة على جواز وصفهِ سبحانَهُ بالسُّلوبِ والاضافاتِ، أو الموجود بمعنی ما وصل(2)اليه العقول ووجد كنههَ وتوصيف الوقت بالمعدود بالنظر إلى الاجزاء کالساعاتِ والسّنين اِشْعاراً بأنَّه سبحانه لا يوصفُ بما يعرضه العدمُ والتناهي وتوصيفُ الاجل بالممدودِ أي إلى حد معينٍ ایماءٌ إلى ذلك، أو لأنَّ المعدود والممدود يعرضهما المقدار فلا يوصف سبحانه بهما ویکون حاصل المعنى أنه تعالى لا يوصف بصفات الأجسام من الحدود، والاطراف، ولا بالنعوت الزّائدة، ولا بالأوقات والآجال، ويحتمل أن يراد بالحد التعريف بالكنه، وبالنّعت الرسّم وأن يحمل الوقت على الماضي، والأجل على الآتي أي لا يوصف سبحانه بذاتي ولا عرضي ولا بالوجود في زمانٍ مَضى أو سَيَأتي. (فَطَر الْخَلائِقَ بِقُدرَتِهِ،) ((الفَطْر: الابتداءُ والاختراعُ))(3)وأصله ((الشَّقُ))(4)،

ص: 142


1- ينظر: شرح نهج البلاغة، ابن میثم البحراني: 1 / 115
2- (صل) في ر
3- الصحاح، مادة (فطر): 2 / 781
4- المصدر نفسه، مادة (فطر): 2 / 781

وقال ابن عباس(1): ((ما كنت أدري ما فاطرُ السموات والأرض حتى احتَكَمَ اليَ اعرابيّان في بئرٍ فقال أحدهما: أنا فَطَرتُها أي ابتَدأتُ حفرهَا))(2)، والمفطورُ على الاصل أما عَدَم الشيء كأنَّه انشَقَّ فخرج منه الشيء فيكون المضاف محذوفاً، أو [هو](3)نفسَه أي انصَدَعَ فظهر منه آثارُ(4)الوجودِ، وهو أما التكوين عن العدمِ المُحَضِ كما قيل أو يَعُّمَهُ، وغيره کایجادِ الصّوُرة وما یُشاكلُها (وَنَشَرَ الرِّيَاحَ بِرَحْمَتِهِ)، نَشَرَهُ بَسَطَهُ، والريُح يجمع على رياحٍ، وأرياح، وعلى أرواح أيضاً؛ لأنَّ أصلها الواو قُلِبَت؛ لانكسارِ ما قبلَها(5)فإذا زالت الكسرةُ عادَّت، قيل عامةَ ما جاء في القرآن بلفظ الرياحِ للرحمة(6)

ص: 143


1- عبد الله بن عباس بن عبدالمطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي، ابن عم الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) کنی بأبيه العباس، وهو أكبر ولده، وأمة لبابه الكبرى بنت الحارث بن حزن الهلالية، وهو ابن خالة خالد بن الوليد، ويلقب بحبر الأمة، لسعة علمه، ولد والنبي (صلى الله عليه واله وسلم) وأهل بيته بالشعب في مكة قبل الهجرة بثلاث سنين، فدعا له الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) بالفهم والعلم، استعمله الإمام علي (عليه السلام) على البصرة، ثم فارقها قبل مقتل الإمام (عليه السلام) إلى الحجاز، روی ابن عباس عن الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) الأحاديث. وكف بصره في آخر عمره، فسكن الطائف، وتوفي بها سنة (68 ه). ينظر: أنساب الاشراف (ت 279 ه): 4 / 27، 28، وأسد الغابة، ابن الاثير (ت 630 ه): 3 / 190 - 195، والوافي بالوفيات، الصفدي (ت 764 ه): 17 / 121، 122، والاعلام، خير الدين الزركلي: 4 / 95، ومعجم الرجال والحديث، محمد الانصاري: 2 / 92
2- التفسير الكبير، الفخر الرازي (ت 606 ه): 12 / 168
3- [هو] ساقطة من ع
4- (انار) في ر، تحریف
5- ينظر: العين، مادة (ريح): 3 / 292، وينظر: المخصص 5 / 2
6- ينظر: مفردات الفاظ القرآن، الراغب الاصفهاني (ت 425 ه): 370. والتطور الدلالي بين لغة الشعر ولغة القرآن، عودة خليل أبو عودة: 512

كقوله تعالى: «وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ»(1)وقوله عز وجل: «وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ»(2)، وبلفظ الريح للنقمة(3)كقوله تعالى: «وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ»(4)، وقوله سبحانه: «بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ»(5)ولعل النكتة الاشارة إلى قلة عذابه، أو ترادف الآئه، أو إلى استغناء العذاب عن الاعوان، أو الایماء إلى حقارة المقهوُرين، أو لكثرة وقوع ما عبر عنه بلفظ الجمعُ، وفي الحديث أنه (صلى الله عليه واله) كان يقول عند الهبوب: ((اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً))(6)، وفسر بما سبق، وقيل: زَعِمَت العربُ إن السحاب لا تلقحُ إلا من رياحٍ مختلفةٍ، ويمكن أن يراد بنشر الرياح في كلامه (عليه السّلاَم) أيضاً ذلك، وقال الفراء)(7): النشُر من الرياح: الطيبة اللينة التي

ص: 144


1- الحجر / 22
2- الروم / 46
3- ينظر: مفردات الفاظ القرآن، الراغب الأصفهاني: 370 والتطور الدلالي بين لغة الشعر ولغة القرآن، عودة خليل أبو عودة: 513
4- الذاريات / 41
5- الاحقاف / 24
6- الفائق في غريب الحديث، الزمخشري: 2 / 65، والنهاية في غريب الحديث والاثر، ابن الاثير: 2 / 272، ومجمع الزوائد، الهيثمي: 10 / 135
7- یحیی بن زیاد بن عبد الله بن منظور، الاسدي الكوفي النحوي، ويكنى أبا زكريا المعروف بالفراء، أديب نحوي لغوي عارف بأيام العرب، ولد بالكوفة سنة (144 ه)، وانتقل إلى بغداد، وصحب الكسائي، وأدب ابني المأمون، من مؤلفاته: معاني القرآن، والوقف والابتداء، والمنقوص والممدود، والمصادر في القرآن، وآلة الكتاب، مات في طريقه للحج سنة (207 ه). ينظر: فهرست ابن النديم: 73، 74، وسیر اعلام النبلاء: 10 / 118، 119، وکشف الظنون: 2 / 1577، ومعجم المؤلفين: 13 / 198 (ينشئ) في أ، ح، م، و(ينسي) في ر، ن، تصحيف

(تنشی)(1)السحاب(2)، ثم إنَّ من الريّاح التي نَشَرها الله سبحانه برحمته الرياح اللواقح، ومُهَيجِةُ السّحابِ الماطر، والحابسَة له / ظ 6 / بين السماء والارض، والعاصرة له حتى يمطر، والمجرية للجواري في البحار کما وقعت الاشارة اليها في الآيات والاخبار، وقد ورد النهي عن سبّها فإنها مأمورةٌ، وعن سَبّ الجبال، والسّاعات، واللّيالي، والأيّام، فيرجع إلى السّاب ويلحقه الاثم(3)(وَوَتَّدَ بِالصُّخُورِ مَيَدَانَ أرْضِهِ) وتَدَ الشيء بالتخفيف أي جعله محكما مُثبتاً بالوتد(4)، والصّخرة الحجرُ العظيم الصّلب، والمَيدانِ بالتحريك التحرك والاضطراب ومنه غُصُنٌ مَيّادٌ(5)؛ والغرضُ من خلقِ الجبال دفعُ المَيّدانِ؛ فلذلك جعَل موتوداً دون الارض تصريحاً بالغَرضَ ومبالغةً، واسکان الارض بالجبالِ مما اشار اليه سبحانه واختلف في وجه العلة، فالمشهور أن الأرض كانت لعدم مقاومة طبيعتها لقسر الماء كسفينة خفيفةٍ اُلقيت على وجه الماء تضطرب، وتميد وتميل فلمّا ثقلت بالجبال سکنت کالسفينة بالاحمال،

ص: 145


1- (ينشئ) في أ، ث، ح، م، و(ينسي) في ر، ن، تصحيف
2- معاني القرآن، الفراء (ت 207 ه): 1 / 381، وفيه: (والنشر)
3- ((قال رسول الله (صلى الله عليه واله): لا تسبوا الرياح فإنها مأموره، ولا تسبوا الجبال ولا الساعات ولا الايام ولا الليالي فتأتموا وترجع عليكم)) علل الشرائع، الشيخ الصدوق (ت 381 ه): 2 / 577، وللإستزاده في نهیه صلوات الله عليه واله ينظر: مسند أحمد: 2 / 268، وصحیح ابن حبان (ت 354 ه): 13 / 39، وکنز العمال، المتقي الهندي (ت 975 ه): 3 / 601، 602، ومستدرك الوسائل، الميرزا حسين النوري (ت 1320 ه): 6 / 176، 177
4- (بالوند) في ر، تصحيف
5- ينظر: لسان العرب، مادة (مید): 3 / 412

واعترض (الفخر الرازي)(1)في تفسيره [عليه](2)بوجوه(3)فصلناها في حدائق الحقائق(4)وذكرنا وجه دفعها ويؤيد هذا الوجه بعض الاخبار، وذكر بعض الشارحين(5)في ذلك وجوها لا يخلو عن التزلزل، والاضطراب.

(أَوَّلُ الدِّينِ مَعْرِفَتِهِ، وَكَمَالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْدِيقُ بِهِ، وَكَمَالُ التَّصْدِيقِ بِهِ تَوْحِيدُهُ، وَكَمَالُ تَوْحِيدِهِ الإخْلاَصُ لَهُ) الدين تطلق على معان منها الاسلامُ، والطاعةُ، والعّادةُ، والشّأنَ، والجزاءُ، والملّةُ، وغيرها(6)، والمعرفة أما التصّورُ المقدمُ على النظر أو التصديق بالصانِع، والمراد بالتصّديق الاذعان بوجوب وجوده وتقدم النظر عليها لا ينافي أوّليِتُها إذ النظرُ من المقّدمات المقصودةِ بالعَرضَ أو المراد بالمعرفة التصديق الفطري وبالتصديق ما يحصل بالنظر والتدبّر في الآفاقِ والانفسِ وإنّما كان كمال التصّديق بالتوحيد؛ لأن إثبات

ص: 146


1- محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري الطبرستاني الرازي فخر الدين المعروف بابن الخطيب، الشافعي الفقيه، يكنى أبا عبد الله، ولد بالري، رحل إلى خوارزم وما وراء النهر وخرسان، كان اوحد زمانه في المعقول والمنقول وعلوم الاوائل، له تصانیف كثيرة منها: معالم أصول الدين، ولوامع البينات في شرح اسماء الله تعالى والصفات، والبيان والبرهان في الرد على اهل الزيغ والطغيان، والبرهان في قراءة القرآن، والدلائل في عيون المسائل، وغيرها من الكتب، توفي بهراة سنة (606 ه). ينظر: وفيات الاعيان: 4 / 248، 249، وهدية العارفين: 2 / 107، 108، والاعلام: 6 / 313
2- [عليه] ساقطة من ع
3- ينظر: التفسير الكبير، فخر الدين الرازي (ت 606 ه): 19 / 3، 4
4- ينظر: مخطوطة حدائق الحقائق: 17، 18
5- ينظر: منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، الراوندي: 1 / 40، وشرح نهج البلاغة، ابن میثم البحراني: 1 / 118، 119
6- ينظر: الصحاح، مادة (دین): 5 / 2118

الشريك ينافي وجوبَ الوجودِ على ما قرر في دليل التوحيد(1)، أو لأنَّه ينافي الصانعية ولو على سبيل التجویز، والمراد بالاخلاص إمّا تنزيههُ سبحانه عن الجسميّة، والعرضيّة وأشباههِما، أو جعل العبادة خالصة لوجهه وهذا وان كان أقرب لفظاً إلاَّ أنه لا يناسبُ ما بعده من قوله (عليه السّلَام): (وکمالُ الْإخْلاَصِ لَهُ نَفْىُ الصِّفَاتِ عَنهُ) وجوزَ بعضُ الشارحينَ(2)أن يراد بالمعرفة التّامة التي هي غاية العارف في مراتب السّلوك وأوليتها في العقل لكونها علة غائية(3)وبَيَنَ الترتيب(4)بأن المعرفة تزدادُ(5) بالعبادة [و](6)تلّقى الأوامر بالقبول فيستعد السالك أولاً بسببها للتصديق بوجوده يقينا، ثم لتوحيده، ثم للإخلاص له ثم لنفي ما عداه عنه فيُغُرَقُ(7)في تيار بحار العظمة وكل مرتبةٍ کمالٌ لما قبلها إلى أن يتم المعرفةُ المطلوبةُ له بحسب ما في وسعه، وبكمال المعرفة يتم الدين وينتهي السّفر إلى الله تعالى (انتهى). وفيه مالا يخفی. واعلم أنه قد اتفق الجمهور عدا الكرامية(8)على أنه سبحانه لا يوصف

ص: 147


1- ينظر: کشف المراد في شرح تجرید الاعتقاد، الطوسي: 15
2- ينظر: شرح نهج البلاغة، ابن میثم البحراني: 1 / 120
3- (غايته) في أ
4- (وبينه بأن) في ح
5- (يزداد) في أ، م، ن، تصحيف
6- [و] خرم في م
7- (فيعرق) في ر، تصحيف
8- وهم فرقة اسلامية أصحاب أبي عبد الله محمد بن کرام، وبلغ عدد طوائف هذه الفرقة اثنتي عشرة، واصولها ستة: العابدية والتونية والاسحاقية والزرينية والاسحاقية والواحدية ومن دعواهم إن الله تعالى إنما يقدر بقدرته على الحوادث التي تحدث في ذاته فأما الحوادث الموجودة في العالم فإنما خلقها الله تعالى بأقواله لا بقدرته. ينظر: الفَرق بين الفِرق، عبد القاهر البغدادي (ت 429 ه): 293، والملل والنحل، الشهرستاني (ت 548 ه): 1 / 108

بالحوادث، واختلفوا في الصفات القديمة فذهبت الإمامية(1)، والمعتزلة(2)إلا من شذ منهم، وجمهور الفلاسفة إلى نفيِ الصفات الزّائدة القديمة مطلقاً(3)، والاشاعرة(4)إلى الاتصاف بالمعاني القديمة من العلم، والقدرة، والارادة والحياة، والكلام، والسّمع والبصر(5)، وذهب أبو هاشم(6)إلى أن الله تعالى أحوالاً مثل العالمية، والقادرية والحيية وغيرها(7)، وتصريحه (عليه السّلاَم)

ص: 148


1- الامامية هم القائلون بإمامة علي رضي الله عنه بعد النبي عليه الصلاة والسلام نصاً ظاهراً وتعييناً صادقاً من غير تعريض بالوصف بل اشاره اليه بالعين، ومن طوائف الإمامية: الباقرية والنووسية، والافطحية، والشميطية، والاسماعيلية، والموسوية، والاثنا عشرية. ينظر: الملل والنحل 1 / 162 - 169، وينظر: نشأة الشيعة الإمامية، نبيلة عبد المنعم: 237
2- ويسمون أصحاب العدل والتوحيد ويلقبون بالقدرية والعدلية، واتفقوا بأن العبد قادر خالق لأفعاله خيرها وشرها مستحق على ما يفعله ثواباً وعقاباً في الدار الاخرة، وبلغت فرق المعتزلة عشرين فرقة، منها: الواصلية والهذيلية والنظامية والخابطية والبشرية، والمزدارية والثمامية والجاحظية. ينظر: الفَرق بين الفِرف: 112 - 172، والملل والنحل: 1 / 43، 45، ونشوء المذاهب والفرق الاسلامية، حسن الشاكري: 88 - 97
3- ينظر: الملل والنحل، الشهرستاني: 1 / 44، وينظر: المعتزلة، زهدي جار الله حسن: 66
4- أصحاب أبي الحسن بن إسماعيل الاشعري، قالوا بصفات أزلية قائمة بذات الله تعالى من علم وقدرة وحياة وسمع وبصر والارادة الازلية متعلقة بجميع المرادات من افعاله الخاصة وافعال عباده من حيث انها مخلوقة له لا من حيث انها مكتسبة لهم. ينظر: الملل والنحل: 1 / 96
5- الملل والنحل، الشهرستاني: 1 / 94، 95
6- هو: عبد السلام بن أبي علي محمد الجبائي بن عبد الوهاب بن سلام أبو هاشم المعتزلي، كان ذكياً، حسن الفهم، ثاقب الفطنة، صانعاً للكلام مقتدرا عليه فيما به، ولد سنة (247 ه)، من تصانيفه: «الابواب الصغير»، و «الابواب الكبير»، و «الاجتهاد»، و «الانسان»، و «الجامع الصغير»، و «الجامع الكبير» وغيرها من الكتب، توفي سنة (321 ه). ينظر: الفهرست: 222، وهدية العارفين، إسماعيل باشا البغدادي (1339 ه): 1 / 569، الاعلام: 4 / 7، ومعجم المؤلفين: 5 / 230
7- ينظر: المعتزلة: 69

دليل على نفيها واکدها بالاستدلال بقوله عليه السّلَام: (لِشَهادَةِ) باللاّم، وفي بعض النسخ بالباء.

(كُلِّ صِفَةٍ أَنَّهَا غَیْرُ الْمَوصُوفِ، وَشَهَادَةِ كُلِّ مَوْصُوفٍ أَنَّهُ غَیْرُ الصِّفَةِ)، واذا ثبت المغايرة فتلك الصفات ليست ممكنة لاستلزامه افتقار الواجب في استکمالهِ إلى الممكن (فتكون)(1)واجبة (فَمَنْ وَصَفَ اللهَ سُبْحَانَهُ فَقَدْ قَرَنَهُ)، أي أثبت له قرينا / و7 / واجب الوجود، ويمكن استفادة بطلان الشق الأوّل من هذه المقدمة بأن يقال الصفة لا (تکون)(2)إلاَّ قريناً للموصُوف في الوجود والبقاء؛ لظهور بطلان كونه سبحانه عارياً عن صفاته الكمالية أزلاً ولأنه لا يقول به المثبتون أيضا إلا من لا يَعْبَأ بهم، والقرين للواجب في القِدم والازلية لا يكون إلا واجباً كما يدلُ عليه قوله (عليه السّلَام) في الخطبة الجامعة لإصول العلم في نفي قدم الكلام ولو كان قدیماً لكان اِلهاً ثانياً، ويمكن أن يكون كلامه (عليه السّلَام) اشارة إلى دليلين بأن يكون قوله (صلوات الله عليه) لشهادة كلّ صفة إلى آخره دليلاً مستقلا تقريره لو كانت له سبحانه صفة لكانت مُغايرة له والموصوف يحتاج في استكماله إلى صفته لكونه ناقصا بدونها، فيكون الواجب محتاجاً إلى الغير، والمحتاج إلى الغير لا يكون إلاَّ ممكناً فيلزم إمكان الواجب، ويكون قوله (عليه السّلاَم) (فَمَنْ وَصَفَ اللهَ سُبْحَانَهُ) بضم مقدمة المُغايرة دليلاً آخر کما قررناه، ويدلُ على بطلان كون الصفة قريناً له واجبُ الوجود أن الصفة لا تقوم(3)بذاتها،

ص: 149


1- (فيكون) في أ، ث، ح، ر، تصحيف
2- (يكون) في أ، ث، ح، ر، م، تصحيف
3- (لا يقوم) في ر

ومالا يقوم بذاته لا يكون واجب الوجود وقد استدل اصحابنا على بطلان المعاني القديمة باستلزامها وجود قدیم سوى الله سبحانه وكل ممکن حادث بالاتفاق وأجَابَ بعض الاشاعرة بأن كل ممكن يكون مغایراً(1)له سبحانه، فهو حادث وأمّا المعاني(2)التّي اثبتناها(3) فلا هِي عَينه؛ لأنها مغايرة له في الوجود، ولا غيره؛ لأنّها صفته فلا استحالة في قدمها ولا يخفى أن هذا من الخرافات التي لا يُصّغي اليها عاقلٌ، ويبطله صريحاً كلامه (عليه السّلَام)، وقد فَرَعَ المحققّ الطوسي(4)(رحمه الله) نفي المعاني، والاحوال على وجوب الوجود وهو مبني على دليل الافتقار(5)ولا يحتاج إلى أخذ المقدمة القائِلة: بأن الواحد لا يكون قابلاً وفاعلاً، كما زعمه الشارح الجديد(6)وحَکَی العلامة (رحمه الله) عن فخر الرازي أنه قال: النصارى كفروا بأنهم اثبتوا قدماء ثلَاثة، وأصحابنا قد أثبتوا تسعة(7)وما استدلَت الاشاعرةُ به في إثبات

ص: 150


1- (معايراً) في ر، تصحيف
2- (المعافي) في ث، تحریف
3- (اثبتناه) في أ، ث، ح، ر
4- محمد بن الحسن بن علي الطوسي، يكنى أبا جعفر،، ولد سنة (385 ه)، انتقل من خراسان إلى بغداد سنة (408 ه) أقام بها أربعين سنة، تفقه اولا للشافعي، ثم أخذ الكلام وأصول القوم عن الشيخ المفيد، فلزمه ثم رحل إلى النجف فاستقر بها، احرقت كتبه عدة مرات، له كتب كثيرة منها: تهذیب الاحکام، والمفصح عن الإمامة، والايجاز، والغيبة، والتبيان الجامع لعلوم القرآن، والمجالس، وتلخيص الشافي، وغيرها من الكتب، توفي في النجف سنة (460 ه). ينظر: سير أعلام النبلاء: 18 / 334، 335، والوافي بالوفيات: 2 / 258، وشذرات الذهب في أخبار من ذهب، ابن العماد الحنبلي (ت 1089 ه): 4 / 126، 127، والاعلام: 6 / 84، 85
5- ينظر، الرسائل العشر، الشيخ الطوسی: 80، 81
6- يقصد ابن أبي الحديد: ينظر: شرح نهج البلاغة: 1 / 68
7- نص ما حكاه العلامة الحلي (قال فخر الدين الرازي: النصارى كفروا بأنهم اثبتوا ثلاثة قدماء، وأصحابنا اثبتوا تسعة) نهج الحق وكشف الصدق: 64

المَعاني من قياس الغائب على الشاهد ومن الاحتياج إلى التأويل في إطلاق العالمِ عليه تعالى فبطلانه واضح، وقد اعترف بعضهم بأنَّ العمدة في إثبات الصّفات الزائدةّ عدم ارتكاب التأويل، وانَّ الاستدلالات العقلية على اثباتها مدخولةٌ، وقد تظافرت الاخبار في نفي الصفات عن الائمة الاطهار (سلام الله عليهم أجمعين).

(وَمَنْ قَرَنَهُ فقدْ ثَنَّاهُ، وَمَنْ ثَنًّاهُ فقدْ جزَّأَهُ، وَمَنْ جزَّأَهُ فقدْ جَهِلَه)، جَزَّأهُ بالهمزة والتشديد أي قَسَمهُ أَجزَّاءٌ كجزأه بالتخفيف أي من اثبت له سبحَانه قریناً هو صفته فقَد حَکَمَ باثنينيته لمغايرة(1)الذّات والصفة، ومن أثبت له هذا التعدد فقد جزَّأَهَ نوعاً من التجزئة، فإنّه أطلق لفظة الله مثلاً على الذّات والصّفة، فجعل مسّمى هذا اللفظ متجزئا كما في إطلاق الأسود على جسمٍ وسوادٍ، ومن جَزَّأهُ كذلك أو مطلقاً فقد جهِلهُ؛ لأنَّه اعتقدَهُ على خلافِ ما هو عليه وفي الحقيقة جعله ممکن الوجود، لأن الواجب لا يكون كذلك هذا ما [ذكره الشراح(2)في هذا المقام و](3)هو کما ترى، ويحتمل أن يكون المراد والله يعلم أنّ من أثبت له قريناً مطلقاً فقد جعل الواجب [متعددّا أي أثبت](4)ذاتین واجبي الوجود؛ لأنَّ الواجب لا يكون إلا ذاتاً لأنَّ الصّفة مفتقرة إلى موصوفهَا، ولا يقوم بذاتها، أو أثبت واجبين مطلقاً ومن أثبت

ص: 151


1- (لمعايرة) في ر، ن، تصحیف
2- ينظر: منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، القطب الراوندي: 1 / 49، وشرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1 / 69، وشرح نهج البلاغة، ابن میثم البحراني: 1 / 122، 123
3- [ذكره الشراح في هذا المقام و] خرم في م
4- [متعددّا أي أثبت] خرم في م

فردین لهذا المفهوم فقد جعل الواجب مركبا بل جعلهما مركبين لاستلزام وجود الاثنين المشتركين في وجوب الوجود تشخصاً به يمتاز كل منهما عن(1)الاخر، والضمير في قوله (عليه السلام): (فقد ثناه) أما راجع إلى مفهوم واجب الوجود على نوع من الاستخدام [مع تجوز في التعليق](2)، أو يكون المراد بالتثنية إثبات الاثنين بدل الواحد وضم واحد [إليه](3)وحينئذ يكون اشارة إلى الدّليل المشهور في مقام التوحيد ويمكن أن يكون المراد بالتجزئة تجزئة الملك والصانعية على تقدير مضاف أو تعليق(4)مجازي فيكون المعنى من ثناه / ظ 7 / وأثبت له شریکاً جعل ملكهُ منقسماً بينه وبين شریکه وأسند بعض مقدوراته ومَصنُوعَاته إلى ذلك الشريك بالصّدور عنهُ بالفعل حتی [لا يلزم](5)تعطیله مطلقاً أو بالامكان حيث أثبت صَانعا يصحّ أن يصدر عنه بعض مصنُوعاته سبحانه، ومن جزأه كذلك فقد جهله فلا يكون(6)الغرض(7)الاستدلال على التوحيد ولعلّه (عليه السّلاّم) جعل اللازم الجهل به سبحانه لاستلزامه نفي المعرفة التي جعلها (عليه السّلَام) أوّل(8)الديّن ولو بنفي الكمال ([وَمَنْ جَهِلَهُ فقَدْ أشَارَ إِلَيْهِ]،(9)ومَنْ أَشارَ إِلَيْهِ فَقَدْ حَدَّهُ،

ص: 152


1- الصواب (من)
2- [مع تجوز في التعليق] ساقطة من أ، ر، ن
3- [اليه] ساقطة من ر
4- (اسناد) في ر، م، ن
5- [لا يلزم] ساقطة من أ
6- (فلا يكون) في ح
7- (العرض) في أ
8- (أو) في ث
9- [وَمَنْ جَهِلَهُ فَقَدْ أشَارَ إلَيْهِ] ساقطة من أ، ث، ح ر، م، ن

وَمَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ)، يحتمل أن يكون المراد بالاشارة [الاشارة](1)الحسّية أي من اشار اليه لزعمه أنه في جهة، أو جوّز الاشارة اليهِ فقد جعله محدودا بنهايات، [...](2)وأطراف کما هو شأن كلّ ذي جهة لاستلزام الاشارة للجسمّية، ومن جعله ذا حدودٍ ونهايات فقد جعله معدوداً ذا أجزاء وجعله مركباً ولو من الأجزاء الفرضية معروضاً للعدد ولو لمغايرة ذاته وعوارضه التي اثبتها له سبحانه والله سبحانه واحد لا يعرضه عدد کما سيجيء قوله (عليه السّلَام): ((واحد لا بتأويل عددٍ))، وقال بعض الشارحين: من جعله محدوداً فقد عدّه من الذّوات المحدثة(3)، ولا يخلو عن بعد، ويحتمل أن يكون المراد بالاشارة العقلية أي تصوره بکهنه، أو بوجهٍ جزئي حتى يكون محاطاً بالآلات الجزئية فيكون محدوداً بالمعنى المصطلحبين المنطقيين فيكون مركباً من جنس، وفصل معروضاً للعدد کما مرَّ، أو بمعنى أنَّه يكون له نهايةٌ عقلية ينتهي اليها وما كان كذلك لا يكون إلاَّ ممكناً معروضاً للعدد، أو يكون محدوداً محفوفاً بالغواشي المادية؛ لكونه مُدركَاً بالقُوى الجزئية فيكون معدودا؛ لكونه ممكنا. وقال بعضهم: ((كلّ محدود معدودٍ))(4)، لأنَّه مبدأ كثرة إذ العقل يِجَوّزُ وجود أمثاله (وَمَنْ قَالَ: ((فِيمَ)) فَقَدْ ضَمَّنَهُ، وَمَنْ قَالَ: ((عَلاَم؟)) فَقَدْ أخْلَى مِنْهُ) أصل (فِيمَ) وَ(عَلاَمَ) (فيما) وَ (عَلى ما) حُذِفَ الالف عن (ما) تخفیفاً وهذا في الاستفهام خاصة، وَضَمَّنهُ أي جعله مشمولاً بشيء داخلا

ص: 153


1- [الاشارة] ساقطة من أ
2- [فقد جعله محدودا ذا أجزاء وجعله مركباً] زيادة في أ
3- ينظر: شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1 / 69
4- شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1 / 69

فيه ويشمل ذلك التضمين جعلَ الشيء محلا له أو مكانا يحيط به وكل منهما يتضمن نوعاً من الغلبة والاحاطةِ المُنافِيتَينِ لجلاله وعظمته سبحانه ولذلك جعل لازمَّاً مبطِلاً لِزُعم السّائل عن محله سبحانَه أو مكانه، (وأخْلَى مِنْهُ) أي جعل بعض الامكنة خاليَّاً منه مع أن نسبته إلى جميع الأمكنة(1)على السّواء کما هو شأن خالق الكل، وإبطال اللازم بمثل هذا كافٍ في مقام الخِطابة ولا يبعد کون بطلان اللازمین برهانياً فتدبر.

(كائنُ لاَ عَنْ حَدَث، مَوْجُودٌ لاعَنْ عَدَمٍ) لما كان الكون بمعنى الثبوت أعم من القدم، والحدُوث ويكون بمعنى الحدوث قيده (عليه السّلَام) بنفي الحدوث تخصيصاً، أو رفعاً للاشتباه، والوجود الإدراك، يقال: وجد المطلوبُ کَوَعَدَ ووَرَمَ يَجِدُه ويجدُه بضمّ الجيم، ولا نظير لها، ووجد من العدم على صيغة المجهوُل فهو موجود، والعدم بالتحريك كما في النسخ وبالضمّ وبضمتين الفقدان، قالوا: ((وقول المتكلمين وجد فانعدم لحن))(2)، والصّواب فَعُدِمَ على صيغة المجهوُل، و[يحتمل أن يكون](3)المراد بالفقرة الثانية [أما](4)تأكيد الأولى، والمراد من الأولى تعليم كيفية(5)اطلاق لفظ(6)الكون في حقْه سبحانه والاشعار بأن المراد منه ليس ما يسبق اليه بعض

ص: 154


1- الصواب: الأمكنة جميعها
2- القاموس المحيط، مادة (عدم): 4 / 148
3- [يحتمل ان يكون] ساقطة من أ، ر، ع، م، ن
4- [أما] ساقطة من ث، ح
5- (كفيه) في ن، تحریف
6- (لفط) في ن، تصحيف

الاذهان، وقيل المراد [بالأولى نفي الحدوث الذاتي](1)أو الاعم منه، ومن الزماني وبالثانية في الحدوث الذاتي(2)وهو تعسّف لعدم الاطلاق على الذاتي في عرف العَربْ، وإنّما ذلك من مصطلحات الفلاسفة ومن يحذو حذوهم. (مَع كلِّ شَيءٍ لاَ بِمُقَارَنَةٍ، وَغَیْرُ كلِّ شَءٍ لا بِمُزَايَلَةٍ) المراد بكونه تعالى مع كل شيء علمه بها أو حفظه لها أو تربيته إياها / و8 / أو تأثيره فيها على الاحتياج في البقاء أو الاعم منها، أو من بعضها وبالمقارنة المنفية المصاحبة المكانية أو الزمانية في مبدأ الوجود، أو مطلقاً كما قيل، أو الحالية والمحلية، أو الأعم وبالمغايرة المثبتة تنزهه سبحانه عن الحلول والاتحاد والمجاورة وعن شبه المخلوقين، وبالمزايلة المنفية المفارقة بعد نوع من المقارنة المتقدمة، وقيل المراد [بالمزايلة](3)بالمنفيتين(4)الحادثتان في وقت؛ فإن نسبتهما إلى أوقات وجود الاشياء على السواء، وقيل: المراد وعن الحاجة إلى غيره «إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ»(5)لا كفعل المخلوقين، فإنَّه [حركة و](6) تصرف(7)في المواد الموجودة بما أعطاهم الله من القوى والآلات. (بَصِیرٌ؛ إِذْ لا مَنْظُورَ إِلَيهِ مِنْ خلْقِهِ)، أي كان متصفاً بتلك الصفة كسائر الصّفات حين عدم المتعلقات فإنهْا قديمة، وإن كانت تعلقاتها [الخاصة](8)حادثة کما صرح

ص: 155


1- [بالأولى في الحدوث الذاتي] خرم في م
2- (الزماني) في ث، ر، م
3- [بالمزايلة] ساقطة من ث، ح، ع، م، ن
4- (لمنفيتين) في أ
5- يس / 82
6- [حركة و] ساقطة من أ، ر، ع، ن
7- (تصترف) في أ
8- [الخاصة] ساقطة من أ، ع، ن

به بعض الاخبار، وذلك لأنَّ العلم عبارة عما هو مناط انکشاف المنکشف على العالم، والسّمع كذلك بالنّسبة إلى المسموع والبصر إلى المبصر وتلك الصفات فينا کيفیات وقوى قائمة بذواتنا وليس كذلك في حقه سبحانه إنما مناط هذه الامور ذاته الاحدية المقدسة عن عروض الكيفيات والقوى والعوارض، فهو سبحانه موصوف بها بذاته بالنسبة إلى كل ما يقبل تعلقها به، (مُتَوَحِّدٌ؛ إِذْ لا سكَنَ) بفتح النون، وفي بعض النسخ بالرفع، والسّكن بالتحريك ما تسكن اليه النفس، وتطمئن، وكلمة (إذ) هاهنا تعليلية بخلاف السابقة(1)(يَستَأنِسُ بِهِ ولا يَسْتَوْحِشُ لِفَقْدِهِ) الاستيناس الألفة، وذهاب التوحش، والظاهر من كلام الشارحين(2)أنهّم جعلوا الاستيحاش للفقدان من صفات السّكن کالاستیناس عند الوجدان، ولعل التوصيف حينئذ للإشعار بعلّة الحكم؛ فإن الاستیناس والاستيحاش يستلزمان الحاجة والنقص [وعلى هذا](3)فمقتضى(4)المقام(5)يستوحش بدون كلمة لا والظاهر انّهم جعلوهَا زائدة كما قيل في قوله تعالى: «مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا ٭ أَلَّا تَتَّبِعَنِ»(6)وقوله تعالى: «مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ»(7)وقوله تعالى: «لِئَلَّا يَعْلَمَ

ص: 156


1- يقصد قوله (عليه السلام): ((بَصيٌر إذْ لَا مَنْظُورَ إلَيْهِ مِنْ خلّقِهِ))
2- ينظر: شرح نهج البلاغة، ابن أبي حديد: 1 / 72، وشرح نهج البلاغة، ابن میثم البحراني: 1 / 103 طه / 92
3- [وعلى هذا] ساقطة من ع
4- [فيقتضي] في ع
5- [المقام] ساقطة من أ، ر، ع، م، ن
6- طه / 92 - 93
7- الاعراف / 12

أَهْلُ الْكِتَابِ»(1)ويحتمل أن تكون(2)الجملة مستأنفة لدفع توهم ربما نشأ من الكلام السابق؛ فإنَّ نفي السّكن واثبات التوحید مظنة الاستيحاش عند الفقدان، فلا يكون من صفات السّكن، ويحتمل بعيدا من جهة المعنى أن يكون الكلام في قوة الاستدلال بنفي الاستيحاش فقط لظهور کونه نَقصاً وتسليم جواز الاستیناسِ مما شاء(3)فتدبرَ.

(أنْشَأ الْخَلْقَ إِنْشَاءً، وَابْتَدَأَهُ ابْتِدَاءً، بِلاَ رَوِيَّة أجَالَها، ولاَ تَجرِبَةٍ اسْتَفَادَها، وَلاَ حَركةٍ أحْدَثَهَا، ولا هَمامَةِ نَفْسٍ اضْطرَب فيها) الانشاء بمعنى: الخلق کما ذکره الجوهري(4)وغيره(5)حينئذٍ فالفرق بينه وبين الابتداء، بأن الانشاء «خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ ٭ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ»(6)وقال: «خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ»(7)، وأمثالها كثيرة، وقال بعض الشّارحین(8): لم أجد لأهل اللغة فرقاً بين الانشاء والابتداء وهو الايجاد الذي لم يسبق بمثله إلا أنه يمكن أن يفرق هاهنا بينهُما صوناً لكلامه (عليه السّلَام) عن التكرار بأن يقال: المفهوم من الإنشاء هو الايجاد الذّي لم يسبق غير الموجد [الموجد](9)اليه، والمفهوم من الابتداء هو الايجاد الذي لم يقع من الموجد قبل، ولا يخفى أنه على

ص: 157


1- الحديد / 29
2- (يكون) في أ، ر، ع، تصحيف
3- (مما شاه) في ث، ح
4- الصحاح، مادة (نشأ): 1 / 77
5- ينظر: تاج العروس، مادة (نشأ): 1 / 265
6- الرحمن / 14، 15
7- فاطر / 11
8- ينظر: شرح نهج البلاغة، ابن میثم البحراني: 1 / 132
9- [الموجد] ساقطة من ث، ع

تقدير الترادف كما يستفاد من كلام بعض أهل اللغة(1)یکون(2)[التأكيد](3)لدفع(4)توهم التجوز في لفظ الانشاء بأن يراد الايجاد من مادة مخلوقة لغيره، والرّؤية [التفكر](5)/ ظ 8 / في الامر وأصلها من المهموُز جرت في كلامهم غير مهموزة وتجمع على روايا(6)قال ابن الاثير(7): ومنه الحديث: ((شر الروایا روایا الكذب))(8)والاجالة الادارة من الجولان واجالة الرؤية حركة قوة المفكرة في تحصيل المبادئ والانتقال منها إلى المطالب، والله سبحانه منزه عنها؛ لتقدسهِ عن القوة وعن العلم بعد الجهل. والمُجرَب بفتح الراء من جربته الأمور واحكمته وايجاده سبحانه ليس بإعانة ولو مما خلقه قبل للتنزه عن الجهل وَ

ص: 158


1- ينظر: الألفاظ الكتابية، عبد الرحمن الهمذاني: 69
2- (تكون) في أ، ع، تصحيف
3- [التأكيد] ساقطة من ث
4- (لدهم) في ث، ح
5- [التفكر] ساقطة من ع
6- ينظر: الصحاح، مادة (روأ): 1 / 54
7- أبو السعادات المبارك بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني المعروف بابن الأثير الجزري الملقب مجد الدين، هو شقيق عز الدین صاحب تاريخ الكامل، يعد من العلماء الافاضل أخذ علم النحو عن شيخه أبي محمد سعيد بن المبارك الدهان، ولد سنة (544 ه) بجزيرة عمر ونشأ بها، ثم انتقل إلى الموصل، اتصل بخدمة الامير قایماز إلى ان مات فاتصل خدمة صاحب الموصل عز الدين بن مسعود وولي ديوان الانشاء من مصنفاته: الجواهر اللآلي من املاء المولى الوزير الجلالي، المرصع في اللغة، النهاية في غريب الحديث والاثر، والانصاف في الجمع بين الكشف والكشاف، المصطفى والمختار في الادعية والاذكار، توفي في الموصل سنة (606 ه). ينظر: وفيات الاعيان: 4 / 141 - 143، وسير أعلام النبلاء: 21 / 488 - 491، وتاریخ الاسلام: 43 / 228 - 255. وکشف الظنون، حاجي خليفة: 1 / 618، وهدية العارفين، البغدادي: 2 / 2، 3
8- ينظر: النهاية في غريب الحديث والاثر: 2 / 279

الافتقار ولا يجوز عليه الحركة لكونها حادثة مستلزمه للانتقال من حال إلى حالٍ، وهَمَامَة النفس بالفتح اهتمامها بالأمور، وقصدها اليه، والاضطراب الحركة، والحركة في الهمامة الانتقال من رأي إلى رأي أو من قصد أمر إلى قصد امر آخر بحصول صورة، وفي بعض النسخ(1)(ولا همِة نفس) بكسر الهاء، قال بعض الشارحين(2)في نفي الهامة: ردّ على الثنوية(3)والمجوس القائلين بها، وكلماتهم(4)الواهية مذكورة في كتب المقالات.

(أَحَالَ الْأَشْيَاءَ لِأَوْقاتها) بالحاء المهملة كما في كثير من النسخ أما من الاحالة بمعنى التحويل والنقل أي نقل كلا منها إلى وقتها، واللام في لأوقاتها للتعليل کما ذكره بعض الشارحين(5)؛ لأنَّ كل وقت يستحق مالا يستحقه غيره، أو بمعنى (الى) كقوله تعالى: «بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا»(6)أي نقل كل شيء وقدر خلقه في وقت يناسبه، وأما من قولهم: حال في متن فرسه أي وثب فعدى بالهمزة أي أقر الأشياء في أوقاتها، كمن أحال غيره على فرسه کما ذكره بعضهم(7)، ولكن استعمال الكلمة باللام غير معروفٍ، وفي بعض

ص: 159


1- معارج نهج البلاغة: 55، وفيه: (ویروی: ولا همِه)
2- ينظر: شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1 / 73
3- الثنوية هم أصحاب الأثنين الأزليين، يزعمون أنَّ النور والظلمة أزليان، فالنور عندهم هو مبدأ الخيرات، والظلمة هو مبدأ الشرور، وظهرت من الفرقة المانوية، والمزدكية، والديصانية، والمرقونية، والكينونية والصيامية والتناسخية. ينظر: الملل والنحل: 1 / 244 - 253، وشرح المقاصد في علم الكلام، التفاتزاني (ت 792 ه): 2 / 64
4- (كلاماتهم) في ع
5- ينظر: شرح نهج البلاغة، البحراني: 1 / 135
6- الزلزلة / 5
7- ينظر: شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1 / 73

النسخ الصحيحة ورواه أيضاً بعض الشارحین(1)(آجال) بالجيم أي أدار کأنَّه سبحانه حرك الاشياء ورددّها في العدم حتى حضر وقتها فأوجدها، وروی (أجَّل) بالجيم المشددة أي آخر. (وَلاءمَ بیْنَ مُخْتَلِفَاتِها) أي جعلها ملتئمة مؤتلفة كما ألف بين العناصر المتخالفة في الطباع وبين النفوس تقول: لاءمت بين القوم ملاءمة إذا أصلحت وجمعت، فإذا اتفق الشيئان فقد التأما ((وَغَرَّزَ غَرَائِزَها، وَأَلزَمَها أَسناخها) الغريزة الخلق والطبيعة صالحة كانت أو رديئة(2)والسِنْخ بكسر السين وسكون النْون الأصل، وفي بعض النسخ (أشباحها)(3)جمع شبح بالشين المعجمة والباء الموحدة والحاء المهملة محركةٌ وقد يسكن أي أشخاصها وتغريز الغرائز ايجادها أو(4)تخصيص كل منها(5)بغريزة خاصة بها من قبيل قولهم سبحانه من ضَّوء الأضّواء، أو من تغريز العود في الارض؛ ليثمر على ما قيل والضمير المنصوب في الزمها راجع إلى الأشياء كالسوابق فالمعنى جعلها بحيث لا يفارقها أصولها أو جعل الأشخاص لازمة للكليات على ما في بعض النسخ أو راجع إلى الغرائز أي جعل كل ذي غريزة، أو كل شخص بحيث لا تفارقه(6)غريزته غالباً أو مطلقاً (عَالِماً بَهِا قبلَ ابْتدَائِهَا، مُحِيطاً بِحُدُودِهَا وانْتِهائِهَا عَارِفاً بِقَرَائِنِهَا وأَحْنَائِهَا) العامل في عالماً وما بعدها

ص: 160


1- ينظر: شرح نهج البلاغة، البحراني: 1 / 135
2- ينظر: العين، مادة (غرز): 4 / 382
3- شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1 / 71، وشرح نهج البلاغة، ابن میثم البحراني: 1 / 23
4- (و) في ح
5- (من الأشياء) في ث، ح
6- (يفارقه) في أ، ث، ر، م، ن،، وفي ع: (يفارق) تصحيف

أما الزم لكونه(1)أقرب أو الافعال الثلاثة الأخيرة علىَ الترّتيب [أو الاربعة دون ما قبلها بقرينة الفصل](2)، أو العامل في الاول(3)قوله (عليه السلام) انشاء [وابتدأ](4)بقرينة قوله: قبل ابتدائها [وفي ما بعده ما بعده](5)والمراد بالحدود أما الأطراف أو التشخصات أو الحدود الذهنية وبالانتهاء الانتهاء اللازم للحدود أو انقطاع الوجود بانقضاء الزمان المعيّن لوجودها، [وبالقرائن](6)ما يقترن بها على وجه التركيب، أو المجاورة، أو العروض، والأحناء جمع حِنو بالكسر أي ((الجوانب))(7)أحناء الوادي [معاطفة، و](8)في كلامه (عليه السّلام) دلالة على جواز اطلاق العارف على الله سُبحانه. ((ثُمَّ أَنْشَأَ سُبْحَانَهُ فَتْقَ الْأَجْوَاءِ، وَشَقَّ الْأَرْجَاءِ، وَسَكَائِكَ الْهَوَاءِ)) كلمة ثم(9)هاهنا أما للترتيب الذكرى والتدرّج في الكلام لا للتراخي في الزّمان، ويكون لوُجوه(10) منها الانتقال [الى التّفصْيل من الاجمال، ومنها](11)الاهتمام بتقدم المؤخّر، أو المقارن لوجه آخر ويستعمل الفاء كذلك، وأمّا بمعنی

ص: 161


1- (لكونها) في م
2- [أو الاربعة دون ما قبلها بقرينة الفصل] في ع، ساقطة من أ، ح، ر
3- (الجميع) في ث
4- [وابتدأ] ساقطة من أ، ح، ر، ع، م
5- [وفي ما بعده ما بعده] ساقطة من أ، ح، ر
6- [وبالقرائن] خرم في م
7- الصحاح، مادة (حنو): 6 / 2321
8- [معاطفة، و] خرم في م
9- [سَكَائِكَ الْهَوَاءِ)) كلمة ثم] خرم في م
10- ينظر: الجنى الداني في حروف المعاني، الحسن بن القاسم المرادي (749 ه): 426 - 429
11- [الى التّفصْيل من الاجمال، ومنها] خرم في م

[الواو](1)المفيدة للجمع [المطلق کما قيل في قوله تعالى: «وَإِنِّي لَغَفَّارٌ(2)لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى»(3)، وعلى التقديرين لا يدلّ على تقديم انشاء الخلق على ايجاد الماء والأرض والسّماء، والفتق بالفتح الفتح والشق(4)، والجو، ما بين السماء والارض، وقيل الفضاء الواسِع، والأرجاء جمع الرجّا مقصوراً وهي ((النّاحية))(5)/ و9 / قال تعالى: «وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا»(6)، وأمّا الرجّا من الامل أو الخوف(7)كقوله تعالى: «مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا»(8)أي لا تخافون عظمة الله فممدود والسُّكاك بالضم وكذا السّكاكة الهواء الملاقي أعنان السّماء(9)، [والسّكائك](10)جمع سكاكة، وفسّرهَا ابن الاثير ب((الجوّ ما بينَ السّماء والارض))(11)وقال: ((ومنه حديث علي))(12)(عليه السّلام)، والهواء بالمد ((ما بين [السماء](13)والارض))(14)،

ص: 162


1- [الواو] خرم في م
2- [المطلق كما قيل في قوله تعالى: ((واِنِي لَغَفارٌ] خرم في م
3- طه / 82
4- العين، مادة (فتق): 5 / 130
5- معجم مقاییس اللغة، مادة (رَجِیَ): 2 / 495
6- الحاقة / 17
7- ينظر: معجم مقاییس اللغة، مادة (رَجِیَ): 2 / 494
8- نوح / 13
9- ينظر: العين، مادة (سكك): 5 / 272، والصحاح، مادة (سكك): 4 / 1591
10- [والسكائك] خرم في م
11- النهاية في غريب الحديث والاثر: 2 / 385
12- المصدر نفسه: 2 / 385
13- [السماء] خرم في م
14- الصحاح، مادة (هوی): 6 / 2537

ويقال لكلّ خالٍ هواء، ومنه قوله تعالى: «وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ»(1)أي خالية من العقل، أو الخير، أو من كل شيء فزعاً(2)وخوفاً، أو من الطّمع في الخير، والمراد بفتق الأجواء ايجاد الاجسام في الأمكنة الحالية بناء على وجود المكان بمعنی البعد، وجواز الخلاء، أو المراد بالجوّ البعد الموهوم، أو أحد العناصر بناء على تقدّم خلق الهواء وهو الظّاهر ممّا ذكره عليّ بن إبراهيم(3)في تفسير قوله تعالى: «وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ»(4)(5)والظاهر أنّه مضمُون الخبر(6)وقد اختلفت الرّوايات في أوّل ما خلَق الله والجمع بينَهُا بحمل بعضها على الأولية الاضافية، وحمل(7)الاختلاف في بعضهَا على اختلاف(8)التعبير عن الصّادر الأوّل کما حرر في حدائق الحقائق(9)وهذا الكلام لا يدّل صريحاً على أن

ص: 163


1- إبراهيم / 43
2- (فرغاً) في ر، تصحيف
3- علي بن إبراهيم بن هاشم القمي، يكنى أبا الحسن، من مصنفي الإمامية، فقیه مفسر، أخذ عنه الكليني من مؤلفاته تفسير القرآن، والناسخ والمنسوخ، والمغازي، والشرائع، والانبياء، والتوحید، صار ضريراً في آخر عمر توفي في القرن الرابع الهجري. ينظر: الفهرست، الطوسي (ت 460 ه): 152، والوافي بالوفيات (20 / 6، ولسان الميزان، ابن حجر (ت 852 ه): 4 / 191، وهدية العارفين: 1 / 678، وایضاح المكنون 2 / 334، والكنى والالقاب، القمي (ت 1359 ه): 3 / 85، ومستدرك علم رجال الحدیث، علي الشاهرودي (ت 1405 ه): 5 / 278، معجم المؤلفين: 7 / 9
4- هود / 7
5- ينظر: تفسير القمي، علي بن إبراهيم القمي (ت 329 ه): 1 / 321
6- (الخير) في ع، تصحيف
7- (حمل) في ر
8- (واختلاف) في ر
9- ينظر: مخطوطة حدائق الحقائق: 30، 31

الصّادر الاوّل ماذا ولا على تقدّم الماء على الهواء بل العكس أظهر، وقوله (عليه السّلاَم): ((وشق الأرجاء)) كالتّفسير لفتق الأجواء، أو المراد بالأرجاء الأمكنة والفضاء، وبالأجواء عنصر الهواء، وقوله (عليه السّلام): ((وسکائك الهواء)) بالنّصب کما في كثير من النّسخ معطوف على فتق الأجواء أي انشأ سبحانك سکائك الهواء، والأظهر أن يكون بالكسر معطوفاً على الأجواء أي أنشاء سبحانهُ فتق سکائِك الهواءِ ((فَأَجْرَى فِيهَا مَاءً مُتَلَاطِمَاً تَيَّارُهُ، مُتَرَاكماً

زَخَّارُهُ)) اللَّطم بالفتح في الأصل الضّرب على الوَجْه ببَاطن الرّاحة وفي المثل (لوذاتُ سِوَارٍ لَطَمْتَنى)(1)قالته امرأة لطَمّتُها [من ](2)لم تكن(3)لها بكفؤ، وتلاطمت الأمواج ضرب بعضها بعضاً كأنّه يلطّمه، والتّيار موج البحر(4)، ولجّته، ورَکُم الشيء يرکُمه [بالضم](5)إذا جمعهُ والقى بعضه على بعضٍ، وتراكم الشيء إِذَا اجتمع(6)، وزخر البحر إذا ((مدّ وكثر ماؤُهُ وارتفعت أمواجه))(7)أي إنه سبحانه خلق الماء المتَلاطم الزّاخر في الاجواء وخلّاه وطبعه أوّلاً فجرى في الهواء، ثم أمر الرّيح برده وشدةّ [كما يدلّ](8)عليه [قوله ](9)(عليه السّلام) بعد ذلك حتّى يظهر قدرته ((حَمَلَهُ عَلىَ مَتْن الرِّيحِ

ص: 164


1- (مثل يقوله الكريم إذا ظلمه اللئيم) جمهرة الامثال، أبو هلال العسكري: 2 / 193
2- [من] ساقطة من م
3- (يكن) في أ، ث، ح، ر، ع، م، ن
4- ينظر: الصحاح، مادة (تیر): 2 / 602
5- [بالضم] ساقطة من أ، ر، ع، ن
6- ينظر: الصحاح، مادة (ركم): 5 / 1936
7- لسان العرب، مادة (زخر): 4 / 320
8- [كما يدلّ] خرم في م
9- [قال] خرم في م

العَاصِفَةِ، والزَّعْزَعِ الْقَاصِفَةِ)) المتن من كلّ شيء [ما ظهر منه](1)، والمتن من الأرض ((مَا ارتفع وصلب))(2)، والمتين القويّ، وعصفت الرّيح اشتدّ هُبوبها والزّعزعة بالزاي والعين المهملة (تحريك الشيء)(3)ليقلعه ويزيله، وريح زعزع وزعازع أي يزعزعُ الاشياء، وقصفه(4)كضربه قصفا(5)کسره، وقصف الرّعد وغيره اشتد صوته أي جعل الرّیح حال عصفها حاملة له فكان متحرکا بحركتها أو جعل الرّيح التي من شأنها العصْف والقَصْف حاملة له والأول أظهر وهذه الرّيح غير الهواء المذكور أولا كما يدل عليه(6)قول الصّادق (عليه السلام) في أجوبة مسائل الزنديق قال: (الرّيح على الهواء والهواء تمسكهُ القدرة)(7)، فيمكن أن يكون متقدّمة(8)في الخلق عليه أو متأخرة عنه أو مقارنة له ويمكن أن يكون المراد بهَا مَاتحرّكَ منهُ (فَأَمَرَهَا بِرَدِّهِ، وسُلَّطَهَا عَلَى شَدِّهِ، وَقَرَنَهَا إلى حَدِّهِ). أي أمر [الرّيح](9)أن تحفظ(10)الماء وتردّه بالمنع عن الجَريْ الذّي سبقت الاشارة إليه بقوله (عليه السّلام): فأجرى فيها

ص: 165


1- [ما ظهر منه] خرم في م
2- لسان العرب، مادة (متن): 13 / 399
3- ينظر: الصحاح، مادة (زعع): الصحاح: 3 / 1225
4- (قصوفه) في ث، تحریف
5- (کصفا) في ع
6- (على) في ر
7- الاحتجاج، الطبرسي (ت 548 ه): 2 / 100
8- (مقدمة) في ح
9- [الريح] خرم في م
10- (يحفظ) في أ، ث، ح، ع

مّاء [فكان](1)بل [الردّ قد خلىّ](2)وطبعه أي عن الجري الذّي يقتضيه طبعهُ وقواه على ضبطه كالشيء المشدوُد وجعلها مقرونة [الى انتهائه محيطة](3) به (الْهَوَاءُ مِنْ تَحْتِهَا فَتيِقٌ، وَالمَاءُ مِنْ فَوْقِهَا دَفِيقٌ) أي الهواء الذي هو محل الريح کما مرَّ في الخبر، [مفتوق أي مفتوح منبسط](4)من تحت الرّيح الحاملة للماء والماء دفيق من فوقها أي مصبوب مندفق والغرض [انه سبحانه بقدرته ضبط الماء المصبوب](5)بالرّيح الحاملة له کما ضبط الريح بالهواء المنبسط وهو موضِع العجب. (ثُمَّ أَنْشَأَ [سُبْحَانَهُ رِيحاً اعْتَقَمَ مَهَبَّهَا، وَأَدَامَ مُرَبَّها])(6)الظّاهر أن هذه الرّيح غير ما جعلها اللهِ محلا للماء بل مخلوقة من الماء، کما ورد في بعض الرّوايات، والاعتقام أن تحفر البئر فإذا قربت من الماء احتفرت بئراً صغيراً بقدر / ظ 9 / ما تجد طعم الماء فإن كان عذباً حفرت بقيتّهَا، ويكون اعتقم بمعنی صَار عقيمَّاً، ومنه الرّيح العقيم التّي لا تلقح شجراً ولا تثير سحاباً مَاطراً، وقال في العين: ((الاعْتِقَامُ الدُّخولُ فِي الأمْرِ))(7)، وقال بعض الشّارحين: (الشد والعقد))(8)، ولم نجده في كلام اللّغويين، والمَهب مصدر بمعنى الهُبوب، أو اسم مكان، ورُبَ یکون بمعنی جمع وزادَ ولزمَ وأقام والمعنى على ما ذكره بعض الشّارحين أنّ الله تعالى ارسلها بمقدار مخصُوصٍ

ص: 166


1- [فكان] ساقطة من أ
2- [الرد قد خلى] خرم في م
3- [الى انتهائه محيطة] خرم في م
4- [مفتوق أي مفتوح منبسط] خرم في م
5- [انه سبحانه بقدرته ضبط الماء المصبوب] خرم في م
6- [سُبْحَانَهُ رِيحاً اعْتَقَمَ مَهَبَّهَا، وَأَدَامَ مُرَبهَّا)] خرم في م
7- العين، مادة (عقم): 1 / 186
8- شرح نهج البلاغة، ابن میثم البحراني: 1 / 133

يقتضيه الحكمة ولم يرسلها مطلقاً، بل جَعل مهبها ضيقاً كما يُحتفر(1)البّئر الصغير في الكبير(2)، فالمَهب اسم مكان أو مصدر على التوسع(3)، وقيلا لمعنى جعلها عقيمة لا تلقح(4)، وهذا انَّما يصّح لو كان الاعتقام متعدّياً أو كان مهبها مرفوعاً لا منصوباً كما في النّسخ التي وقفنا عليها ويظهر من کلام بعض الشّارحين(5)أنه روی (اعقم) بدون التاء على صيغة الافعال فيصح المعنى المذكور، ويحتمل أن يكون بمعنی شدّ مهبها وعقده على مَا يقتضيه الحكمة والمصلحة، وقيل: على تقدير كون اعتقم بالتاء كما في النسخ المراد أنّه اخلى مهبّها من العوائق وإنه أرسَلها بحيث لا يعرف مهبّهَا وهو كما تری، ومعنى أدامة مربها إدامة جعلها ملازمة لتحريك الماء وَأدامه هبوُبها(6). (وَأَعْصَفَ مَجْرَاهَا، وَأَبْعَدَ مَنْشَاهَا) عصفت الرّيح أشتدّ هُبوبها، ومجراها جریانها، أو اسند إلى المحل مجازا، وأبعد مِنشأهَا أي انشأها من مبدأ بعيد، ولعلّه ادخل في شدّتها والمنشأ بالهمزة على الأصل، أو بالألف للازدواج وكلاهما موجود في النّسخ (فَأَمَرَهَا بِتَصْفِيقِ المَاءِ الزَّخَّار،ِ وَإثَارَةِ مَوْجِ

الْبِحَارِ، فَمَخَضَتْهُ مَخْضَ السِّقَاءِ، وعَصَفَتْ بِهِ عَصْفَهَا باِلفَضَاءِ) ((الصّفق الضّرب الذّي يسمع له صوت))(7)، وكذلك التصّفيق، والتشديد يدل على

ص: 167


1- (تحُتفر) في ع، وفي ن (تحفر)
2- ينظر: شرح نهج البلاغة، ابن میثم البحراني:: 1 / 138
3- (توسع) في أ، ث، ح، ر،ع، م، ن، وما أثبتناه هو المناسب للسياق
4- ينظر: شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1 / 79
5- ينظر: معارج نهج البلاغة: 58، وفيه: (ريحاً اعتقم واعقم واحد)، وبحار الانوار: 54 / 184 وفيه: (وروي اعقم)
6- ينظر: بحار الانوار: 54 / 184
7- الصحاح، مادة (صفق): 4 / 1507

الشدّة، والثوران الهيجان، والإثارة التهييج، والمخض: تحريك السقاء الذي فيه اللبن ليخرج زبده(1)، والعصف (بالفضاء)(2)يكون أشد لعدم المانع أي أشتدّ عصفه حتى اضمحلّ المانع. (تَرُدُّ أَوَّلَهُ على آخِرهِ، وَسَاجِيَهُ على مَائِرِهِ، حَتَّى عَبَّ عُبَابُهُ، وَرَمَى بِالزَّبَدِ رُكَامُهُ) السّاجي هو ((السّاكن))(3)ومنه قوله (عليه السلام): ((ولا ليل داج ولا بحر ساج))(4)، ((ومار الشيء يمور مورا تحرِك وجاء وذَهَبَ))(5)وبه فسّر الأخفش(6)، وأبو عبيدة(7)قوله تعالى: «يَوْمَ

ص: 168


1- تاج العروس، مادة (محض): 10 / 150
2- (الفضا) في ث، ح
3- تاج العروس، مادة (سجر): 6 / 498
4- شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 6 / 311
5- الصحاح، مادة (مور): 2 / 802، وتاج العروس، مادة (مور): 7 / 496
6- سعید بن مسعدة المجاشعي البلخي المعروف بالأخفش الاوسط، ويكنى أبا الحسن، أحد نحاة البصرة، أخذ النحو عمن أخذ سيبويه، ولقي من لقيه من العلماء، وكان أكبر منه سناً، وكان معلماً لولد الكسائي، من مؤلفاته: معاني القرآن، والمقاييس في النحو، والاشتقاق، والعروض، والاصوات، توفي سنة (215 ه). ينظر: فهرست ابن النديم (ت 438 ه): 58، وإنباه الرواة: 2 / 36 - 44، ووفيات الأعيان: 2 / 380، 381، والوافي بالوفيات: 15 / 161، 162، والاعلام: 3 / 101، 102
7- معمر بن المثنى التيمي البصري من تیم قریش لا من تیم الرباب، وهو مولى لهم، وکنیته أبا عبيدة، ولد في البصرة سنة (110 ه) من أئمة العلم بالأدب واللغة والاخبار والانساب، استقدمه هارون الرشيد إلى بغداد سنة (188 ه) وقرأ عليه أشياء من كتبه، صاحب مصنفات كثيرة جدا تصل المائتين منها: بيوتات العرب، والجمع والتثنية، ومجاز القرآن، وأدعية العرب، واسما الخيل، والانسان، والزرع، والشوارد، وغيرها من المؤلفات، توفي في البصرة سنة (209 ه). ينظر: فهرست ابن النديم: 58، ولسان الميزان: 7 / 395، وکشف الظنون: 1 / 26، وهدية العارفين: 2 / 466، 467، ومعجم المطبوعات العربية: 1 / 322، 323، والاعلام: 7 / 272

تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا»(1)(2)، وقال (الضّحاك): ((أي تموجُ موجاً))(3)، والعُباب بالضم معظم الماء وكثرته وارتفاعه، ويقال: جاؤوا بعبابهم أي بأجمعهم، وعبّ عَبابه(4)أي ارتفع وعبَ النبت اذا طال، ورُكام الماء بالضّم ما تراکم منه واجتمع بعضه فوق بعض، وقد ورد في الاخبار أنّ الارضَ مخلوقة من هذا الزبد، ثم ثار من الماء دخان فخلقت(5)منه السّماء ((فَرَفَعَهُ فِي هَوَاءٍ مُنْفَتِقٍ، وجوٍّمُنْفَهِقٍ، فَسَوَّى مِنْهُ سَبْعَ سَموَاتٍ)) أي رفع الله ذلك الزّبد بأن جعل بعضه دخانا في هواءٍ مفتوق مفتوح بخلق ما خلق سابقا، أو برفع ذلك الدّخان وفي جو متّسع، والانفاق الاتّساع والانفتاح(6)، وقد نطق الكلام المجيد والأخبار المتظافرة بأنَّ السّماء مخلوقة من الدّخان، وإنّها متأخّرة في الخلق عن الأرض وظاهر الآيات والاخبار إنّ السّموات سبع، والعرش والكرسي ليسا من جنس السّماء، لا كما تزعمه الفلاسفة بناء على أصول فاسدة. (جَعَلَ سُفْلاَهُنَّ مَوْجاً مَكْفُوفاً؛ وَعُلْيَاهُنَّ سَقْفاً مَحْفُوظاً، وسَمْكاً مَرْفُوعاً) الكف المنع، والسّقف معروف، وقال الجوهري(7)وغيره(8)السّقف اسم للسّماء، ولعلّ المعروف أنسب بالمقام، وسَمك البيت بالفتح سَقْفُهُ،

ص: 169


1- الطور / 9
2- ينظر: مجاز القرآن، أبو عبيدة: 2 / 231
3- ينظر: معارج نهج البلاغة: 206 والتبيان في أقسام القرآن، ابن قيم الجوزية (ت 751 ه): 169
4- (غبابه) في ر، تصحيف
5- (فحلقت) في ر، تصحيف
6- ينظر: لسان العرب، مادة (فهق): 10 / 315
7- ينظر: الصحاح، مادة (سقف): 4 / 1375
8- ينظر: العين، مادة (سقف): 5 / 81، وينظر: تاج العروس: 12 / 275

وسَمك الله السّماء سمكا رفعها، والمسمُوكات السَموات أي جعل السَماء السّفلى التي هي أقرب الينا، موجاً ممنوعاً من السَيلان أمّا بامساکه بقدرته، أو بأن خلق تحته وحوله جِسْماً جَامِداً يمنعه عن الانتشار وَالسَيلان، أو بأن اجمدها بعد ما كانت سَيالة وظاهر بعض الاخبار، وهذا الكلام اختصاص الحكم بسماء الدّنيا، فقول / و10 / بعض الشّارحين(1)أن جميع السّموات كانت كذلك فما وجه التخصيص لا وجه له، وحمل الكلام على تشبيه السَماء بالموج في الارتفاع واللّون الموهوم توهم والاستدلال على كونها موجاً بارتعاد الكواكب حساً ضعيف جداً، ولعلّ المراد بحفظ العليا إمساكها عن النقض، والهدم، والسّقوط، والخرق إلاّ بأمره سبحانه، وقول بعض الشّارحين عن الشّياطين بعيد ولو كان وصفاً للسّماء الدّنيا كان وجهاً لقوله تعالى: «إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (6) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ»(2)والتّخصيص في كلامه (عليه السّلام) يناسب أن يكون المراد بالسّماء في قوله تعالى: «وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا»(3)السّماء العُليا (بِغَیِرْ عَمَدٍ يَدْعَمُهَا، وَلاَ دِسَارٍ يَنْظِمُها) العمد بالتحريك كما في النسخ جمع كثرة لعمود البيت، وكذلك العُمُد بضمتين وجمع القلة أعمدة كأسورة، وقال في العين: العُمُد بضمتين: ((جمع عِمادٍ، والأعمدة جمع عَمود من حديد أو خشب))(4)[وتذکیر الفعل لأنّه من أسماء الجمع](5)، والدَعم بالفتح أنَّ يميل الشيء فتدعمه

ص: 170


1- ينظر: شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1 / 80
2- الصافات / 6، 7
3- الانبياء / 32
4- العين، مادة (عمد): 2 / 57
5- [وتذكير الفعل لأنّه من أسماء الجمع] ساقطة من أ، ر، ع، ن

بدعام کما تدعم عروش الكرم ونحوه ليصير له مساكاً ((والدّعامة: اسم الخشبة التّي يدعم بها))(1)، (ويَدْعَمُهَا) في أكثر النّسخ(2)بالتخفيف مفتوحة العين، وفي بعضها يدّعمها بتشديد الدّال على صيغة الافتعال من الادّعام وهو الإتكاء على ما ذكره أهل اللّغة(3)ولعلّ الأوّل أظهر، والدِّسَار بالکسر المسمّار وجمعه دُسُر(4)، ونظم اللُؤلُؤ جمعه في السّلك ومنه نظمت الشعر، والنظّام الخيط الذّي ينظم به وينظِمها بكسرِ الظاء والتخفيف، وفي بعض النّسخ (ينتظمها)(5)من الانتظام وَجاء متعدّياً والظّاهر أنَّ الضّمير المنصوب في يدعمهَا وينظمُها راجع إلى السّموات، وارجاعه إلى العليَا لا يخلو عن وجه، والى السّفلى بقرينه قوله (عليه السلام) بعد ذلك: «ثُمَّ زَیَّنَهَا بِزِينَةِ الْكَوَاكِبِ»؛ حيث إنّ الظّاهِر إرجاع الضّمير فيه إلى السّفلى ليكون أوفق بقوله تعالى: «إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ»(6)لا يخلو عن بعد وإن كان الظّاهر رجوع هذا الضّمير إلى السّفلى لما ذكروا، والزينة أما مصدر كالنسبة أو اسم لما یُزانَ(7)به کاللّيقة لما يلاقُ به أي يُصَلحُ [بِهِ](8)المدِادُ، قالَ

ص: 171


1- لسان العرب، مادة (دعم): 12 / 201
2- شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1 / 75
3- ينظر: الصحاح، مدة (دعم): 5 / 1919، ولسان العرب، مادة (دعم): 12 / 202، وتاج العروس، مادة (دعم): 16 / 241
4- ينظر: العين، مادة (دسر): 7 / 225، والمخصص: 3 / 26
5- منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة: 1 / 56، وشرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1 / 75، وشرح نهج البلاغة، ابن میثم البحراني: 1 / 147، وبحار الأنوار: 54 / 187
6- الصافات: 6
7- (یران) في ث، تصحيف
8- [به] ساقطة من أ، ر

صاحب الكشاف (في) قوله تعالى: «بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ»(1)يحتملهما فعلى الأوّل امّا من اضافة المَصدْرِ إلى الفاعل بأن يكون الكواكب مزينا للأفلاك، أو إلى المفعول بأن زيّن اللهُ الكواكب وحسّنها لأنّها انما زینت السّماء لحُسنها في أنفسها وعلى الثاني فاضافتها إلى الكواكب بيانية(2)وتنوين الزينة كما قرئت الآية [به](3)ليس موجوداً في النسخ وزينة الكواكب للسّماء أمّا لضوئها، أو (4)للأشكال الحاصلة منهَا كالثّريا والجوزاء ونحوهما، أو باختلاف أوضاعها بحركتها، أو لرؤية النّاس إيّاها مضيئة في اللّيلة الظّلماء، أو للجميع، وَلعلّ بعضها أوفق بقوله تعالى: «وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ»(5)ثم انّ الظاهر من التّخصيص(6)أنّ الكواكب في [السّماء](7)الدّنيا مركوزة أو متحركة بذاتها(8)كالحيتان في الماء ولا دليل على ما زعمته الفلاسفة كما فصّل في حدائق الحقائق(9)، والقول بتزيينها بالكواكب المركوزة فيما فوقها لرؤيتها فيْها خروج عن الظّاهر من غير دليل وقد اعترف بعضهم [بامكان](10)استقامة(11)الاحوال

ص: 172


1- الصافات / 6
2- الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الاقاويل في وجوه التأويل، الزمخشري: 3 / 335
3- [به] ساقطة من ح
4- (و) في أ، ع
5- فصلت / 12. وفي أ: ((انا زینا...))
6- (التحصيص) في أ، وفي ث: (التحضيص)، تصحيف
7- [السماء] ساقطة من أ، ع
8- (بداتها) في أالافصح بنفسها
9- ينظر: مخطوطة حدائق الحقائق: 40، 41
10- [بامكان] ساقطة من أ، ر، ع، ن، وفي م: (مکان)
11- (باستقامة) في أ، ر، ع، م، ن

والاوضاع المشاهدة وإن لم يكن الحال ما زعمُوه (وَضِياءِ الثَّواقِبِ) المراد بها أمّا الكواكب فيكون كالتّفسير لزينة الكواكب والكواكب ثواقب أي مضيئة ومنه قولهم: استثقب النّار إذا استوقدت وحَسَبٌ ثاقب أي مضي شريف، والمضيء كأنّه يثقب الظّلمة بنوره أو المراد بها الشهب التي ترمي بها الشياطين فتثقبهم(1)أو تثقب(2)الهواء بحركتها، أو الهواء المظلمة بنورها، وتفصيل الكلام في حدوث الشهب أو كثرتها ببعثة النبي (صلى الله عليه وآله) وأنها من الكواكب أم لا مذكور في حدائق الحقائق(3).

(فَأَجْرَى فَيهَا سِرَجاً مُسْتَطِيراً، وَقَمَراً مُنِیراً) / ظ 10 / وفي بعض النسخ (وأجرى)(4)بالواو مکان الفاء، والمراد بالسرّاج الشّمس، قال تعالى: «وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا»(5)، وقال سبحانه: «تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا»(6)قيل لما كان اللّيل عبارة عن ظلّ الارض وكانت الشمّس سبباً لزواله كان شبيهاً بالسّراج في ارتفاع الظّلمة به، والمُستطير المنتشر الضوءِ واستطار تفرق وسطع وأنار الشيء واستنار أي أضاء وقيل ما بالذات من النّور ضوء وبالعرض نور ولذا قال تعالى: «هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا»(7)،

ص: 173


1- (فيثقبهم) في ث، تصحيف
2- (یثقب) في ث، وفي ر: (تنقب)
3- ينظر: مخطوطة حدائق الحقائق: 42
4- منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة: 1 / 56، وشرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1 / 75
5- نوح / 16
6- الفرقان / 61
7- يونس / 5

لأنّ النّور أضعف من الضّوء(1)، وظاهر الكلام مطابقاً لظاهر قوله تعالى: «وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ»(2)حركة الشمّس والقمر في الفلك بذاتیهما والضّمير المجرُور أمَا راجع إلى السّفلی کالمنصوب في (زيّنها) على ما هو الاظهر وحينئذٍ لا يطابق ما فهم من قوله تعالى: «وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ»(3)من أن لكلّ فلكاً آخر، فيمكن أن يكون المراد في الآية كونهما في فلك کما يفهم من كلام صاحب الكشاف(4)حيث جعل التنوين للعوض لا للتنكير أي كلّهم يسبحون في فلك، ويؤيد هذا [ظاهر](5)قوله (عليه السّلام) فِي: (فيِ فَلَكٍ دَائِرٍ) وأمّا راجع إلى السّموات بقرينة قوله تعالى: «وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا»(6)، والظّرف أمّا بدل عن فيها فيفيد حركة السّفلى على تقدير أن يكون الفلك الدائر عبارة عنها ويمكن أن يستفادَ حينئذ استناد إحدى الحركتين الخاصّة واليوميّة إلى الفلك والاخرى إلى الشمّس والقمر نفسهما(7)، وامّا في موضع الحال عن المنصوبين فيمكن أن يكون المراد بالفلك الدّائر فلكاً جزئياً للسّفلى يكونان مركوزين فيه وقِسْ على ذلك لو عاد الضمير إلى السّموات، والفَلَكُ بالتحريك كلّ شيء دائر منه فَلْكة المِغْزل

ص: 174


1- (الضوء: ما كان من ذات الشيء المضيء، والنور ما كان مستفاداً من غيره) الفروق اللغوية: 332
2- يس / 40
3- يس / 40
4- الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الاقاويل في وجوه التأويل، الزمخشري: 2 / 571
5- [ظاهر] ساقطة من أ، ر، ع
6- نوح / 16
7- (نفسها) في ع

بالتّسكين، ويقال : فلّك ثَديُ المرأة تفليكاً إذا استدار (وَسَقْفٍ سَائِرٍ، وَرَقِيمٍ مَائِرٍ)، قد مَرَّ تفسير السّقف، والرّقيم في الأصل ((الكتاب))(1)فَعِيْل بمعنی مفعُول، قال ابن الاثير: منه حديث علي (عليه السلام): في صفة السّماء (سقف سائر ورقیم مائر یرید به وشي السماء بالنجوم)(2) والمائر المتحرك(3)وليس هذا بالمَورْ الذّي قال تعالى: «يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا»(4)، والكلمات الثلاثة تدل على حركة الفلك في الجملة، ولا ينافي حركة الكواكب حركة ذاتية كما هو مقتضى الظّواهر والله تعالى يعلم (ثُمَّ فَتَقَ مَا بَیْنَ الْسَموَاتِ الْعُلاَ، فَمَلأَهُنَّ أَطْوَاراً مِنْ مَلائِكَتِهِ) الظّاهر أنّ كلمة (ثم) للترتيب المعنوي فيكون فتق السّموات بعد خلق الشمّس والقمر بل بعد جعلها سَبْعاً، وخلق الكواكب فيْها ويحتمل أن يكون للتّرتيب الذكرى، والظّاهر في المقام أنّ فتقها فَصل بعْضُها عن بعضٍ وهذا غير الفتق الذّي فسّر به في الرّواية قوله تعالى: «أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا»(5)من أنَّ السّموات والارض كانتا رتقاً بالاستواء، والصّلابة ففتق الله السَماء سبحانه(6)بالمطر، والأرض بالنبات والشجر، ويدل الكلام كغيره من الرّوايات على بطلان ما زعمت المتفلسفة من تماسَ الافلاك وعدم الفصل بينها بهواءٍ

ص: 175


1- الصحاح، مادة (رقم: 5 / 1936
2- النهاية في غريب الحديث والاثر: 2 / 256، وفيه: (ومنه حديث علي رضي الله عنه)
3- تاج العروس، مادة (مور): 7 / 496
4- الطور / 9
5- الانبياء / 30
6- (سبحانه) ساقطة من أ، ر، ع، م، ن

ونحوه، والأَطْوار جمع طَّوْرٍ بالفتح وهو في الاصل ((التّارة))(1)قالَ الله تعالى: «وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا»(2)قيل أي طوراً نطفة، وَطْوراً علقة، وطوراً مضغة، وقيل أي حالاً بعد حال، وقيل أي خلقكم مختلفين في الصّفات أغنياء وفقراء وزمنى واصّحاء، والمناسب لكلامه (عليه السّلام) في مقام التّفضيل ما يقرب من الأخير أي اصنافاً مختلفة في عباداتهم وسيجيء تفصيل أحوالهم وبيان كثرتهم في خطبة الأشباح إن شاء الله تعالى، وفي رواية الهروي ((3)/ و11 / عن الرّضا (عليه السّلام) أنّ الملائكة خُلقت قبل السّموات، فقبل(4): فتقها كانت في مكان [...](5)يعلمهُ الله تعالى(6)، والآيات القرآنية والأخبار المتضافرة صريحة في تجسم الملائكة وانکاره کما يظهر من كلام بعض الشّارحين(7)جرياً على أصول المتفلسفين یُعَدُّ(8)من إنکار ضروريات الدّين (مِنْهُمْ سُجُودٌ لَا يَرْكَعُونَ، وَرُكُوعٌ لاَ يَنْتَصِبُونَ، وصَافُّونَ لاَ يَتَزاَيَلُونَ، ومُسَبِّحُونَ لاَ يَسْأَمُونَ) السّجُود والرُّكوع بالضّم فيهما جمع ساجدٍ، وراكع وفاعل الصفة يجمع على

ص: 176


1- العين، مادة (طور): 7 / 446
2- نوح / 14
3- عبد السلام بن صالح الهروي بن سليمان بن أيوب ويكنى أبا الصلت، مولى عبد الرحمن بن سمرة، حافظاً للاحادیث، زاهداً، متعبداً، رحل في طلب العلم إلى البلاد، توفي سنة (236 ه). ينظر: تاریخ بغداد، الخطيب البغدادي (ت 463 ه): 11 / 48 - 52، والانساب، السمعاني (ت 562 ه): 5 / 638، 639، وسیر اعلام النبلاء: 11 / 446 - 448، والنجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، يوسف الاتباكي (ت 874 ه): 2 / 287
4- (فقيل) في ح، ر، ع، م، ن
5- [لا] زيادة في أ، ع، لا يقتضيها السياق
6- ينظر: عيون الاخبار، الصدوق (ت 381 ه): 1 / 123
7- ينظر: شرح نهج البلاغة، ابن میثم البحراني: 1 / 156
8- (يقرب) في نسخة أ، ر، م

فعولٍ إذا جاء مصدره عليه أيضاً، والانتصاب القيام، والصف ترتیب لجمع على خط کالصّف في الصّلاة، وفي الحرب، وقال أبو عبيدة: ((كلّ شيء بين السّماء والأرض لم يَضُمّ قُطرَيْه فهو صّافٌ))(1)، ومنه قوله تعالى: «وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ»(2)أي نَشَرَتْ أجنحتها، وبالوجهين فسر قوله تعالى: «وَالصَّافَّاتِ صَفًّا»(3)فقيل: هم الملائكة المُصّطَفّوُنَ في السّماء کالمؤمنين في الصلاة، وقيل هم الملائكة تصفّ أجنحتَها في الهواء إذا أرادت النّزول إلى الأرض واقفة ينتظر ما يأمُرها الله تعالى، ولعلّ الأنسب بكلامه (عليه السّلام) هو الأوّل وفسرت في الآية بالمؤمنين المصطَفين في صلَواتهم وجهَادِهم، و (التزایل): التّباين، والتفارق، والتسبيح هو التنزيه والتقديس والتّبرئة من النّقائص، والسأمة الملالة والضجر، يقال: سئم کعلم یسأم سأماً سأمةً.

(لاَ يَغْشَاهُمْ نَوْمُ الْعُيُونِ، وَلاَ سَهْوُ الْعُقُولِ، وَلاَ فَتْرَةُ الأَبْدَانِ، وَلاَ غَفْلَةُ النِّسْيَانِ) غشیه کعلمه إذا جاءه أي لا يعرضهم النّوم وغيره، والفترة الانكسَار والضعف، والنّسيان خلاف الذّكر والحفظ كالسّهو وربما يفرق بينهما بزوال الصّورة عن الخزانة في النّسيان، وظاهر الكلام اختصاص الاوصاف بهذا الصّنف ويمكن أن يكون التّخصيص بها أو ببعضها لأمرٍ آخر غير الاختصاص (وَمِنْهُمْ أُمَنَاءُ عَلَى وَحْيِهِ، وَأَلسِنَةٌ إلى رُسُلِهِ، وَمُخْتَلِفُونَ بِقَضَائِهِ، وَأَمْرِهِ) الوحي في الأصل أن يلقي الإنسان إلى صَاحبه شيئاً بالاستتار والاخفاء، ويكون بمعنى الكتابة والاشارة والرّسالة والإلهام، والاختلاف

ص: 177


1- مجاز القرآن، أبو عبيدة: 2 / 166
2- النور / 41
3- الصافات / 1

التّردد ومنه الحديث: (من اختلف إلى المسجد أصاب احدى الثمان)(1)، والقضاء في الأصل القطع والفصل وقضاء الشيء أحكامه وامضاؤه والفراغ(2)[منه](3)ويكون بمعنى الخلق، وقال الازهري(4)القضاء في اللغة على وجوه مرجعها إلى انقطاع الشيء وتمامه وكلّ ما احكم عَملهُ أو أتّم أو ختم أو أدي(5)أو أوجب أو أعلم أو أنفذ أو أمضى فقد قضى(6)، قال وجاءت هذه الوجوه كلّها في الحديث والألسنة إلى الرّسل هم الذين أشارَ سبحانه اليهم بقوله عزَّ شأنه: «اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا»(7)، ولعلّ الاختلاف بالأمر والقضاء أعّم من آداءِ الرِسَّالة، فيحمل على غيره تحصیلاً للتقابل، قال بعض الشارحين(8): المراد بالقضاء الأمور المقضّية، يقال هذا قضاء الله [أي مقضي الله](9)، ولا يراد به المصدر، فإنّ معنى ذلك هو سطر ما كان وما یکون في اللّوح المحفوظ بالقلم الالهّي، وذلك قد فرغ منه كما قال

ص: 178


1- الأمالي، الصدوق، (ت 381 ه): 474، والأمالي، الطوسي (ت 460 ه): 432
2- (الفراع) في ث، تصحيف
3- [منه] ساقطة من أ، ع
4- محمد بن أحمد بن الأزهر بن طلحة الهروي، ولد بهراة بخراسان، اشتهر بالفقه واللغة، ارتحل في طلب العلم بعد ان سمع من الحسين بن إدريس وسمع ببغداد من أبي القاسم البغوي، من مؤلفاته: تهذيب اللغة، ووفوائد منقولة من تفسير المزني، وعلل القراءات، والروح، مات سنة (370 ه). ينظر: سير أعلام النبلاء: 16 / 310 - 317، والوافي بالوفيات: 2 / 34، وکشف الظنون: 1 / 515، والاعلام: 5 / 311
5- (أودي) في ع
6- ينظر: تهذيب اللغة، مادة (قضی): 9 / 211
7- الحج / 75
8- شرح نهج البلاغة، ابن میثم البحراني: 1 / 163، وفيه: (وبالقضاء الامور المقضية إذ...)
9- [أي مقضي الله] ساقطة من ع

صلى الله عليه وآله: ((جفْ القلم بمَا هو كائن)(1)، وفيه نظر واضح (وَمِنْهُمُ الْحَفَظةُ لِعِبَادِهِ، وَالسَّدَنَةُ لِأَبْوَابِ جِنَانِه) يمكن أن يكون الحفظة للعبَاد غير الحافظين عليهم الذين أشار سبحانه اليهم بقوله: «وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ٭ كِرَامًا كَاتِبِينَ ٭ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ٭»(2)وهم المشار اليهم بقوله تعالى: «لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ»(3)أي بأمر الله / ظ 11 / من أن يقع في ركن، أو يقع عليهِ حائط، أو يصيبه شيء حتى إذا جاء القدر خلو بينه وبينه يدفعونه إلى المقادير وهما مَلكان يحفظانه بالليل(4)، وَملکان بالنّهار يتعاقبانه. هكذا ورد عن أبي جعفر (عليه السّلام) وعن أبي عبد الله (عليه السّلام) إن الآية إنّما نزلت (يحفظوُنه بأمر الله)(5) وفسرت الحفظة في هذه الآية بالكتبة، وقال في مجمع البيان: ((روي ذلك عن أئمتنا (عليه السلام)))(6)، ويمكن أن يكون المراد بها في كلامه (عليه السّلام) هم الكرام الكاتبون بتقدير مضاف وربما فهم من بعض الأخبار اتّحاد الكتبة والحفظة والسّدنة لأبواب الجنان هم المتولّون لأمور الجنان وفتح الأبواب وإغلاقها، وأصل السّدانة في الكعبة وبيت الاصنام. ((وَمِنْهُمُ الثَّابِتَهُ فِي الْأَرَضِينَ السُّفلَى

أَقْدَامُهُم)) في بعض النسخ (في الأرض أقدامهم) وهو أظهر والجمع على ما في

ص: 179


1- مسند الإمام أحمد بن حنبل (ت 241 ه): 1 / 307، والمعجم الكبير، الطبراني (ت 360 ه): 11 / 178، ومجمع الزوائد: 7 / 189
2- الانفطار / 10، 11، 12
3- الرعد / 11
4- (باللبل) في ر، تصحيف
5- ينظر: مجمع البيان في تفسير القرآن، الطبرسي: 6 / 15
6- المصدر نفسه: 6 / 19

الأصل أما باعتبار القَطعات والبقاع، أو لأنَّ كلا من الأرضين السبع موضع قدم بعضهم والوصف على الأوّل بالقياسِ إلى سائر الطّبقات وعلى الثاني بالقياس إلى السّماء، وَسيجيء بيان تعدد الأرضين وكونها سبعاً ان شاء الله تعالى. ((وَالمَارِقَةُ مِنَ السَّمَاءِ الْعُلْيَا أَعْناقُهُمْ، وَالْخَارِجَةُ مِنَ الأَقْطَارِ أَرْكَانُهُمْ،

وَالْمُنَاسِبَةُ لِقَوَائِمِ الْعَرْشِ أكتَافُهُمْ(1))) المروق كالخروج لفظاً ومعنىً، يقال: مرق السَّهْمُ من الرّميّة إذا خرج من الجانب الآخر(2)، وسمّيت الخوارج مَارقة لقوله (صلى الله عليه وآله): ((إنَّهُم يَمرُقون من الدّين كما يَمْرقُ السّهم

من الرّمية))(3)وهي فعلية بمعنى المرميّة وتفسيرها بالقوس کما وقع لبعض الفضلاء لعلّه لتوهُّمِهَا الرَّمْية بسُكون الميم وتأويل الخروج منها بالخروج من القوس أو حملها بمعنی ما یُرمی به، والأقطار: الجوانب(4)، وأركانهم جوارحهم التي يقومون بها ويستندون اليها، ولعل مناسبة أكتافهم لقوائم العرش قربها منها أو انّها تشبهها في العظم وقائمة الشيء ما يقوم به والجمع کالمفرد بالهمزة دون الياء(5)على القياس ويمكن أن يكون الموُصوُفون بهذه الصّفات هم الحملة ويناسبهُ هذه المناسبة (نَاكِسِةٌ دُونَهُ أَبْصَارَهُمْ، مُتَلَفِّعُونَ تَحْتَهُ بِأَجْنِحَتِهِمْ، مَضْرُوبَةٌ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَنْ دُونَهُمْ حُجُبُ الْعِزِّةِ، وَأَسْتَارُ الْقُدْرَةِ)

ص: 180


1- (أكنافهم) في ع
2- ينظر: الصحاح، مادة (مرق): 4 / 1554 وبحار الانوار 54 / 191
3- مسند أحمد: 1 / 88، وصحیح البخاري (ت 256 ه): 4 / 179، وصحیح مسلم (ت 261 ه): 3 / 111، وسنن ابن ماجه (ت 273 ه): 1 / 60، وسنن الترمذي (ت 279 ه): 3 / 326، وسنن النسائي (ت 303 ه): 7 / 119
4- ينظر: الصحاح، مادة (قطر): 2 / 795
5- (الباء) في ث، ع، تصحیف، ينظر: المبدع في التعريف، ابو حيان الاندلسي: 191

((النّاكس المطأطئ رأسه))(1)، وفي اسناده إلى الابصار دلالة على عَدمِ التفاتهم في النكس يميناً وشمالاً، والضّمير في (دونه وتحته) راجع إلى العرش، واللفاع ثوب يجللّ به الجسد كلّه كساء كان أو غيره، وَتلّفع بالثوب اذا اشتمل به(2)، والمراد بمن دونهم أمّا بعض الملائكة أو البشر أو الجنّ أو الأعّم، [وناكسة ومضروبة بالرفع على ما في بعض النّسخ وفي بعضها بالنّصب، ومتلفعين بالياء](3).

(لاَ يَتَوَهَّمُونَ رَبَّهُمْ بالتَّصْوِيرِ، وَلاَ يُجْرُونَ عَلَيْهِ صِفَاتِ المَصْنُوعِينَ، وَلاَ يَحُدُّونَهُ بِالْأَماكِنِ، وَلاَ يُشِیرُونَ إِلَيْهِ بِالنَّظَائِرِ) لعل [...](4)المراد تقديس الملائكة عن اثباتهم لوازم الجسمّية والامكان له سبحانه صريحاً وتوبيخ المشبهّين من البشر ضمنا، والنظّائر جمع نظيرة وهي المثل والشّبه في الاشكال، والاخلاق، والاقوال، والافعال(5)، (والنظّير: المثل في كلّ شيء)(6)وفي بعض النّسخ (لا يشيرون اليه بالنّواظر) أي بالأبصار أي لا يجوزون عليه الرّؤية وفي بعضِها بالمواطن أي الامكنة.

(منها في صفة خلق آدم (عليه السلام):

ثُمَّ جَمَعَ سُبْحَانَهُ مِنْ حَزْنِ الأَرْضِ وَسَهْلِهَا، وَعَذْبِهَا وَسَبَخِهَا، تُرْبَةً

ص: 181


1- الصحاح، مادة (نكس): 3 / 986
2- ينظر: تهذيب اللغة، الازهري، مادة (لفع): 2 / 402
3- [وناكسة ومضربة بالرّفع على ما في بعض النّسخ وفي بعضها بالنّصب، ومتلفعين بالياء] ساقطة من أ، ر، ع، ن، وفي ث، م: (متلفين بالباء)
4- [لعل] زيادة مكرره في ر
5- لسان العرب، مادة (نظر): 5 / 219
6- المصدر نفسه، مادة (نظر): 5 / 219

سَنَّهَا بِالْمَاءِ حَتَّى خَلَصَتْ، وَلاَطَهَا بِالْبَلَّةِ حَتَّى لَزَبَتْ)، الحَزَن بالفتح المكان الغليظ الخشن والحُزونة بالضّم الخشونة(1)، والسّهل ضدّه، والعَذب بالفتح الذي لا ملوحة فيه، والسبخة الأرض التي تعلوها الملوحة ولا تكاد(2)تنبت / و12 / إلا بعض الشجر(3)، وسّنَّ الماء بالمهملة صّبه من غير تفريق، وأمَا الصّب المتفرق المنقطع فهو الشن بالمعجمة(4)قالوا في قوله تعالى: «مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ»(5)المسنُون المتغيرّ(6)، ومنه قوله تعالى: «فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ»(7)في بعض التّفاسير، وقيل: المصُبوب(8)، وقيل: المحكوكَ من سَنَّ الحجر إذا احكمه(9)، والأظهر(10)في كلامه (عليه السلام) مَا ذكرناه أوّلًا، وقالَ بعض](11)الشّارحين:((سّنها بالماء أي ملّسَها))(12)، واستشهد(13)بقول عبد الرّحمن بن حسان(14)، وقد حكاهُ الجوهري قال: إنّ يزيد بن معاوية قال

ص: 182


1- ينظر، العين، مادة (حزن): 3 / 161
2- (يكاد) في م
3- ينظر: تاج العروس، مادة (سبخ): 4 / 267
4- ينظر: الصحاح، مادة (سنن): 5 / 2141
5- الحجر / 26
6- ينظر: المفردات في غريب القرآن، الراغب الاصفهاني: 245
7- البقرة / 259
8- ينظر: مجمع البيان في تفسير القرآن: 6 / 113، التبيان في تفسير القرآن، الطوسي: 6 / 331
9- ينظر: التفسير الكبير، الرازي: 19 / 180
10- (الاطهر) في ر، تصحيف
11- [بعض] ساقطة من ر، وفي ث: (بغص) تصحيف
12- شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1 / 86
13- ينظر: المصدر نفسه: 1 / 86
14- (عبد الرحمن بن حسان بن ثابت الانصاري الخزرجي (ت 104 ه)، شاعر ابن شاعر كان مقيما في المدينة وتوفي فيها، اشتهر بالشعر في زمن أبيه) الاعلام 3 / 303

لأبيه: ألا ترى عبد الرّحمن بن حسَان يُشَبب باْبنَتِكَ؟ فقال معاوية: وما قالَ؟: قالَ: قال:

هي زَهْراءُ مِثل لُؤلُوءة اْلغَوّاصِ ٭٭٭ ميُزَتْ مِنْ جَوْهَرٍ مَكْنُونٍ(1)

فقال معاوية: صدق. فقال يزيد: وإذا مَا نَسْبتَها لَم تَجِدْها فِي سَناءٍ مِنَ اْلمَكارِمِ دُوْنٍ، قال: وصدق، قال: وأين قوله: ثُمَّ خَاصَرْتُها إلى اْلقُبَّةِ اْلخَضْراءِ

تمشي في مَرْمَرٍ مَسْنُونٍ فقال معاوية: كذب(2)، قوله خاصرتها بالخاء المُعجمة والصّاد المُهْملة، قال في العين: ((فُلانٌ مُخاصِر فلانٍ أي اخذ بيده في المشي بجنبه))(3)، ثم ذكر البيت، وخلصت [كنصرت](4)أي صارت طينة خالصة، وفي بعض النسخ (حتی خضلت) [كفر حت](5)بتقديم الضّاد المعجمة على اللاّم أي أبتلّت(6)يقال: ((بکوا حتى اخضلوا لحاهم أي بلّوها بالدّموع))(7)ولعلّه أظهر، (ولاطها بالبلْة) أي جعلها ملتصقاً بعضها ببعضٍ بسبب البلة،

ص: 183


1- هذه الابيات وما بعدها قالها حسان في رملة بنت معاوية كذا نسبها ابن قتيبة في (الشعر والشعراء) 1 / 474. ونسبها أبو فرج الاصفهاني إلى (وهب بن زمعة) المكنى أبو دهبل ينظر: الاغاني 7 / 91
2- ينظر: الصحاح، مادة (سنن): 5 / 2139، 2140
3- العين، مادة (خصر): 4 / 183
4- [كنصرت] ساقطة من ث، ر، ع، م، ن
5- [كفرحت] ساقطة من ر، ع، م، ن
6- ينظر: الصحاح، مادة (خضل): 4 / 1685
7- ينظر: لسان العرب، مادة (خضل): 4 / 208

ويقال: لاطَ الشيء بقلبي أي لصق به(1)، ولَزَبت بالفتح أي لزقت(2)، قال الله تعالى: «إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ»(3).

قيل اللاَّزب واللاَّزم بمعنى أبدلت من الميم الباء، (وقال ابن عبّاس: اللاّزب المُلتصق من الطّين الحّر الجيّد)(4)، (فَجَبَلَ مِنْها صُورَةٌ ذَاتَ أحْنَاءٍ وَوُصُولٍ، وَأعْضَاءٍ وَفُصُولٍ) جَبَل بالفتح أي خَلَقَ(5)، والأحناء الأطراف جمع حنو بالكسر، والوصول هي الفصول باعتبار (أَجْمَدَهَا حَتَّى اسْتَمْسَكَتْ، وَأَصْلَدَهَا حَتَّى صَلْصَلَتْ، لِوَقْتٍ مَعْدُودٍ، وأجلٍ مَعْلُومٍ) أي جعلها جَامدة حتّى يكون أجزاؤها لازقة بعضها ببَعْض فلا يتفرق بسهولة، وأصلدهَا أي جعلها صلبة والصلد من الحجر ((الصلب الاملس))(6)، وصلصلت أي صارت صلصالاً، قال الله تعالى: «وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ»(7)قال أبو عبيدة: ((الصّلصال الطّين الحر خلط بالرمّل فصار يتصلصل إذا جفّ، فإذا طبخ بالنّار فهو فخار))(8)، ويتصلصل أي يصّوت، قيل: كانت الريح إذا مّرت به سمع له صلصله، فلذلك سمّاه الله تعالى صلصالاً، [وقيل الصلصال المتغّير](9)، وقيل الصّلصال الطّين اليابس

ص: 184


1- ينظر الصحاح، مادة (لوط): 3 / 1158، وينظر: لسان العرب، مادة (لوط): 7 / 395
2- ينظر الصحاح، مادة (لزب): 1 / 219
3- الصافات / 11
4- مجمع البيان: 8 / 299
5- ينظر: العين، مادة (جبل): 6 / 137
6- تاج العروس، مادة (صلد): 5 / 64
7- الحجر / 26
8- الصحاح، مادة (صلل): 5 / 1745، وينظر: مجاز القرآن، أبو عبيدة (ت 210 ه): 1 / 350
9- [وقيل الصلصال المتغّير] ساقطة من ع

يصلصل أي يصّوت إذا نقر(1)، واللّام في قوله (عليه السّلام) (لوقت) يحتمل أن يتعلق بمحذوف أي كائنة لوقت فينفخ(2)حينئذ روحه فيه، ويحتمل تعلّقه ب(جبل) أي خلق هذه الصّورة لوقت نفخ الروح أو ليوم القيامة ويمكن أن يكون الوقت مّدة الحياة، وَالأجل منتهاها، أو يوم القيامة، ووصف الوقت بالمعدود باعتبار الاجزاء.

(ثُمَّ نَفَخَ فِيهَا مِنْ رُوحِهِ) إضافة الروّح إلى ضميره سبحانه للّتشريف المفهوم من الاختصَاصِ كبيت الله کما صرحت به الرّواية، وفي بعض الرّوايات في الجواب عن كيفيّة(3)هذا النّفخ أن الرّوح متّحرك كالريّح مجانس لها، وإنّما اشتق اسمه منها وظاهرهَا كغيرها تجسّمُ الرّوح والأقوال في حقيقته متكثرة لا يسع المقام تفصيلها وأدّلة تجرده لا تخلو عن كلام (فَمَثّلَتْ إِنْسَاناً ذَا أَذْهَانٍ يُجِيلُها، وَفِكَرٍ يَتَصرَّفُ فيها(4)، وَجَوارِحَ يْخَتَدِمُهَا، وَأَدَوَاتٍ يُقَلِّبُهَا) مثلت بضم المثلْثة كما في النسخ ويكونُ بفتحها أي قامت منتصبة، ويقال: مثل إذا زال عن موضعه، والفاعل ضَمير الصّورة، و(إنساناً) منصوب على الخبرية بتضمين الفعل معنى الناقصة كما قيل في قوله تعالى: «فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا»(5)أو(6)الحالية كما قيل في مثله، وفي بعض النّسخ فمثلت بتشديد

ص: 185


1- ينظر: تهذيب اللغة، مادة (صلَّ): 12 / 112
2- (فينفح) في ث، م، م
3- (كنفيه) في ر، تحريف
4- وردت (بها) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم: 1 / 85، ونهج البلاغة، تحقيق صبحي الصالح: 21، ونهج البلاغة، تحقيق: هاشم الميلاني: 44
5- مريم / 17
6- (و) في ث، ر

المثلثّة على صيغة المؤنث المجهُول قال ابن الاثير: تقول(1): مثلت بالتخفيف والتّثقيل؛ إذا صورت / ظ12 / مثالاً، ومنه الحديث: رأيت الجنّة والنار ممثلين في الجدار(2). والإنسان على قول الجوهري هو: ((الانس)(3)أي ((البشر))(4)بزيادة الالف والنّون، قال: ويجمع على أناسي (فتكون)(5)(الياء عوضاً عن النّون وتقدير إنسانٍ فعلان، وإنّما زيد في تصغیره یاء کما زيد في تصغير رجل فقيل رویجل(6)، وقال في العين: ((سّمى الإنسان من النسيان والإنسان في الأصل إنسیان؛ لأنّ جماعته أناسي وتصغيره إنيسيان))(7)ترجع المدّة التي حذفت وهو الياء وكذلك إنسان العين جمعه أناسی(8)قال: ((أناسُيّ مَلحُودٌ لها في الحَواجب(9)))(10)يَصِفُ إبلًا غارَتْ عيونها من التعب والسّير، وقال الزوزني(11)

ص: 186


1- (يقول) في أ، ث، ع
2- النهاية في غريب الحديث والاثر: 4 / 295، وفيه: (يقال... رأيت الجنة والنار ممثلتين في قبة الجدار)
3- الصحاح، مادة (أنس): 3 / 904
4- المصدر نفسه، مادة (أنس): 3 / 904
5- (فيكون) في ث، ح، ع، م، تصحيف
6- ينظر: الصحاح، مادة (أنس): 3 / 904، 905
7- العين، مادة (نسي): 7 / 304
8- ينظر: المصدر نفسه، مادة (نسي): 7 / 304
9- البيت من البحر الطويل وصدره: (إذا استوحشت آذانها استأنست لها) دیوان ذي الرمة 1 / 124
10- العين، مادة (نسي): 7 / 304
11- حسين بن أحمد بن حسين الزوزني، يكنى أبا عبد الله، عالم بالادب، قاضٍ، من أهل زوزن بين (هراة ونیسابور) من مؤلفاته: شرح المعلقات السبع، توفي سنة (486 ه). ينظر: کشف الظنون: 2 / 1703، ومعجم المطبوعات العربية: 1 / 981، 982، وهدية العارفين: 1 / 310، والاعلام: 2 / 231

أناسي جمع إنسان العين مشدّد والآخر يخفف(1)ويشدّد، وفي التبّيان عن ابن عبّاس أنه ((انّما سّمى إنساناً لأنّه عُهِدَ اليه فنسی))(2)، قال تعالى: «وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا»(3)ويدلّ عليه رواية الصّدوق(4)(رضي الله عنه) في العلل(5)ورواية معاني الأخبار وفيها أنَّ ((معنى النساء انهنَّ انس للرّجال))(6)، والذّهن الفطنة والحفظ، ولعلّ المراد بالأذهان هاهنا القوى المُدركة أو الجمع لتعدّد المتعلّقات، والإجالة الادارة والتحريك والفكر جمع فِكرة بالكسر وهي الاسم من التّفكر التّأمل، وفي بعض النّسخ (يتصّرف بها)(7)، فيمكن أن يراد بالفكر القوى أو المبادئ و(يختدمها) أي يستخدمها والأدوات الجوارح فالفقرة كالتفسير لسّابقها أو أعمّ منها ومن القوى (وَمَعْرِفَةٍ يَفْرُقُ بَهَا بَيْنَ الْحَقّ وَالْبَاطِلِ، وَالْأَذْوُاقِ وَالْمَشَامِّ، وَالْأَلوَانِ وَالْأَجْنَاسِ) يُفَرُق بضم الراء من قولهم: فرقت بين الشيئين افرق

ص: 187


1- (فحفف) في ر، تصحيف
2- جامع البيان عن تأويل آي القرآن، محمد بن جرير الطبري: 14 / 37
3- طه / 115
4- الصدوق محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه، القمي، الملقب بالصدوق، وكنيته أبو جعفر، مفسر فقيه، أصولي، حافظاً للأحاديث، بصيراً بالرجال، ناقداً للأخبار، من أهل خرسان له مصنفات كثيرة وصلت الثلاثمائة، منها: الخصال، والشرائع، والفضائل، والمواعظ والحكم، والسلطان، ومن لا يحضره الفقيه، وغيرها من المؤلفات، ورد بغداد، وتوفي بالري سنة (381 ه). ينظر: الفهرست، الطوسي: 238، وايضاح المكنون: 2 / 12، ومعجم المطبوعات العربية: 1 / 43، 44، والذريعة: 1 / 67، ومعجم المؤلفين: 11 / 3
5- ينظر: علل الشرائع: 1 / 16
6- معاني الاخبار، الشيخ الصدوق: 48
7- منهاج البراعة شرح نهج البلاغة، القطب الراوندي: 1 / 70، وشرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1 / 85

فرقاً وفرقانا، وفي بعض النّسخ (يفرّق) بالتشديد، والأذواق جمع ذوق وهو في الأصل اختبار الطّعم، ولعلّ المراد الطّعوم والمشام الرّوائح، والمراد بالمعرفة أمّا إدراك النّفس النّاطقة بناء على أنها هي المدركة مطلقاً أو أعمّ من إدراكها أو إدراك القوى الجزئية فالوحدة جنسّية. (مَعْجُوناً بطِينَةِ الْأَلوَانِ المُخْتَلِفَةِ، وَالْأَشْبَاهِ الْمُؤْتَلِفَةِ، وَالْأَضُدَادِ اُلْمُتَعَادِيَةِ، وَالْأَخْلَاطِ الْمُتَبَائِنَةِ(1)مِنَ الْحَرِّ وَالْبْرَدِ،

وَالْبَلَّةِ وَالْجُمودِ، والمَساَءَةِ والسُّرُو(2)معجوناً صفة لقوله (عليه السّلام): إنساناً أو حالٌ عنه، والطّينة أخّص من الطّين وطينة الإنسان خلقه وجبلّته والظّاهر أنّ المراد بالألوان الأنواع، والبِلّة بالكسر النّداوة، والاخِلاط جمع خِلط بالكسر وهو كل ما خالط الشيء وأخلاط الإنسان أمزجته(3)الأربعة، والظّاهِر أنّ البيان للّمجموع [مجملاً](4)(وَاسْتَأْدَى اللهُ سُبْحَانَهُ وتعالى(5)الْمَلائِكَةَ وَدِيعتَهُ لَدَيْهِمْ، وَعَهْدَ وَصِيَّتِهِ إِلَيْهِمْ، في الْإِذْعَانِ بِالسُّجُودِ لَهُ،

وَالْخنوعِ(6)لِتَكْرِمَتِهِ) استأدى وديعته أي طلب اداءها، والعهد المعهود المعروف الذي عاهدوا عليه أو الوصّية ومنه العهد الذي يكتب للُولاةِ وعهدت إليه أي أوصيته، أو رعاية الحرمّة والحفاظ، والإذعان الذل والخضوع وكذّا

ص: 188


1- (المتباينة) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم: 1 / 85، ونهج البلاغة، تحقيق صبحي الصالح: 21، ونهج البلاغة، تحقيق: هاشم الميلاني: 44
2- (والمساءة والسرور) لم ترد في نهج البلاغة، تحقيق: صبحي الصالح: 21
3- (امرحبه) في ر
4- [مجملًا] ساقطة من أ، ر،ع، م، ن
5- (سبحانه الملائكة) في: شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم: 1 / 86، ونهج البلاغة، تحقيق صبحي الصالح: 21، ونهج البلاغة، تحقيق: هاشم الميلاني: 45
6- (الخشوع) في ع، تصحيف

الخنُوع والتكرمة مصدر [کرّمه](1)كالتكريم ولكن التفعيل في غير النّاقص قیاس مطرد والتفعلة كثيرة لكنها مسموعة وكذا في المهمُوز اللاّم نحو تخطئة، وتهنئة، وعن سيبويه(2)أنّ تفعله لازم في المهمُوز اللّام(3)كما في النّاقص(4)وتكون(5)التكرمة للموضِع الخاص لجلوس الرّجل من فراش أو سرير ممّا يُعَدَ لاكرامه، وودیعته سبحانه مَا أشار اليه بقوله عز وجل: «إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ ٭ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ»(6)وكان ذلك بعدَ مَا أفسد بنو الجانّ في الأرض، فطهرها الله منهم وعهد إلى الملائكة في آدم (عليه السّلام) قبل خلقه کما ورد في الخبر و13 / (فَقالَ: «اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ»(7)وَقَبِيلَهُ) اختلفوا في هذا السّجود بعد الإجماع على انّه ليس للعبَادة فقيل كان آدم (عليه السّلام)

ص: 189


1- [کرمه] ساقطة من م
2- عمرو بن عثمان بن قنبر، ويكنى أبا بشر، الملقب سیبویه، مولى بني الحارث بن کعب بن عمرو بن علة امام النحاة، وأول من بسط علم النحو ولد في أحدى قرى شیراز سنة (148 ه)، وقدم البصرة فأخذ النحو عن الخليل بن أحمد، ويونس بن حبيب وعیسی بن عمرو، وأخذ اللغة عن أبي الخطاب الاخفش وغيره، وسيبويه بالفارسية تعني رائحة التفاح، توفي شاباً سنة (180 ه)، صنف الكتاب الذي خط به علم النحو العربي، ينظر: المعارف: 544، واخبار النحويين البصريين، السيرافي (368 ه)، وانباه الرواة على انباه النحاة، القفطي (ت 625 ه): 2 / 346 - 360، ووفیات الاعیان، ابن خلکان (ت 681 ه): 3 / 463 ؊ 465، ومعجم المؤلفين: 8 / 10، والاعلام: 5 / 81
3- (باللام) في ع
4- ينظر: کتاب سيبويه: 4 / 271
5- (يكون) في أ، ر، ع، م، ن
6- سورة ص: 71، 72
7- البقرة / 34

كالقبلة وهو عبادة لله، وقيل السّجود هو الخضوع والانقياد، قال (تَرىَ الأكُمَ فِيْها سُجّداً لِلْحَوافِرِ)(1)[أي](2)الجبَال الصّغار كانت مذّللة لحوافر الخيُول ومنه قوله تعالى: «وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ»(3)، وقيل كان تعظيمًا لآدم (عليه السّلام) وتكرمة له وهذا هو المطابق للأخبار ولكلامه (عليه السّلام)، واختلفُوا أيضاً في أنّ إبليس هل كان من الملائكة أم لا، والمشهور بين أصحابنا واليه ذهب الشيخ المفيد(4)(رضي الله عنه) إنّه لم يكن من الملائكة بل كان من الجنّ قال: وقد جاءت به الأخبار متواترة عن أئمة الهُدى (سلام الله عليهم أجمعين) وهو مذهب الإمامية(5)واختار(6)شيخ الطَائفة في التّبيان أنه منهم قال: (وهو المروىّ عن أبي عَبْد الله (عليه السلام) والظاهر في تفاسيرنا)(7)، والأظهر في مقام الجمع بين الأدلة والروايات كما

ص: 190


1- البيت لزيد الخيل الطائي، من البحر الطويل، وصدره: بجيشٍ تضل البلق في حجراتهِ، دیوان زيد الخيل الطائي: 66
2- [أي] ساقطة من ر
3- الرحمن / 6
4- محمد بن محمد بن النعمان بن عبد السلام بن جابر بن لقمان بن سعيد العكبري البغدادي، ابن المعلم، الملقب بالشيخ الطوسي، ويكنى، أبا عبد الله، كان فقيهاً عالماً بالأخبار وعلم الرجال، وعلم الكلام، والتفسر والنحو والشعر، قوي النفس، كثر البر، صاحب مؤلفات كثیرة منها: الارشاد، وأوائل المقالات، وتهذيب الاحكام، والاستبصار فيما جمعه الشافعي من الاثار، وغيرها من المؤلفات، توفي سنة ( 413 ه). ينظر: فهرست، ابن النديم: 247، وسیر اعلام النبلاء: 17 / 344، 345، ولسان الميزان، ابن حجر (ت 852 ه): 5 / 368، وكشف الظنون: 1 / 71، وهدية العارفین: 2 / 61، 62
5- ينظر: أوائل المقالات، الشيخ المفيد: 133
6- (ولاختار) في ع
7- التبيان في تفسير القرآن: 1 / 150، 151

يستفاد من بعض الأخبار أنه كان منهم بالولاء وكان بينهم بعد إهلاك بني الجانّ، وفي بعضها أنّ الملائكة كانت ترى أنه منهم وكان الله سبحانه يعلم أنه ليس منهم فلّما أمر بالسّجود لآدم ظهر أنه لم يكن منهم، ثم أنّ الظاهر من كلامه (عليه السّلام) أنّ إبليس كان له في السّماء نسل وذرّية والذي يظهر من الأخبار أن الملائكة بعد إهلاك الجان صعدوا به وحده فليس اتباعه إلا من نسله، فيمكن أن يكون عدم التعرض لقبيله في الأخبار بناء على عدم الاعتناء، ويحتمل على ظاهر بعض الاخبار من أنّ حدوث الذّرية له كان [...](1)بعد اهباطهِ إلى الأرض أن يكون المراد بقبيله طائفة خلقها الله تعالى في السّماء غير الملائكة، وقد فسّر القبيل بالجنود والأعوان كما فسّر بالنّسل والذرية، ويمكن أن يكون إسناد الاباء من السّجدة إلى القبيل من قبیل إسناد العقر إلى ثمود وسيجيء في كلامه (عليه السّلام) (أيّها ألنّاس إنَّما يجمع النّاسَ الرّضَا والسّخطُ وإنما عقر ناقة ثمود رجل واحد، فعمّهم الله بالعذاب لمَا عمّوه بالرّضَاء، فقال سبحانه: «فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ»(2)، والقبيل في الأصل الجماعة تكون من الثلاثة فصَاعداً من قوم شتى مثل الروم والزنج والعرب فإن كانُوا من أبٍ واحدٍ فهم قبيلة وجمع القبيل قُبُل بضمتين، والقبيلة قبائل(3)، قال الاخفش في قوله تعالى: «وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا»(4): ((أي قبيلًا قبيلاً))(5)((اُعْتَرَتُهْمُ الْحَمِيَّةُ، وَغَلَبَتْ عَلَيْهِمُ الشَّقْوةُ، وتَعَزُّزُوا بِخِلْقَةِ النَّارِ،

ص: 191


1- [كان] زيادة مكررة في ع
2- الشعراء / 157
3- ينظر: المخصص: 1 / 120
4- الانعام / 111
5- معاني القرآن، الاخفش: 2 / 501

وَاسْتَوْهَنُوا خَلْقَ الصُّلْصَالِ) اعترا(1)أي غشيه وقصده، ((الحمّية: الانفة والانكار))(2)، [...](3)يقال: فلان ذو حّميةٍ إذا كان ذا غضب وأَنَفة، والشِقوة بالكسر نقيض السّعادة(4)والفتح لغةً فيه(5)وفي النسخ بالکسر، والتعزز التكبر وحُدَ التكبر برفع النفس إلى منزلة لا تستحقها واستوهنه أي عده وهناً ضعيفاً وقد مرَّ تفسير الصلصال (فَأَعْطَاهُ اللهُ النَّظِرَةَ اسْتِحْقَاقاً لِلسَّخْطَةِ،

وَاسْتِتْمَاماً لِلْبَلِيَّةِ، وَإِنْجَازاَ لِلْعِدَةِ فقالَ: «إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ٭ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ»(6)النَّظِرة بفتح النّون وكسر الظاء المعجمة (( التأخير والامهال))(7)، للسّخطة بالسّكون ((الغضب))(8)والبليّة والبلاء والبلوى واحد ويكون في الخير والشر(9)والابتلاء الامتحان والاختبار واستتمام البلّية واتمامها وتتميمها بمعنى، العِدة بالكسر الوعد والهاء عوض عن الواو وإنجار الوَعْد احضاره، ولعل المراد بانجار العدة أن يعطيه ما وعده من الثواب على عبادته فاستجاب دعوته لما سأل الله الانظار بقوله: «رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ»(10)، وقول

ص: 192


1- (اعتراه) في ث، وفي ح: (اعتراء)، تحریف
2- مجمع البيان: 9 / 209، وينظر: لسان العرب، مادة (حمي): 14 / 199
3- [و] زيادة في ح
4- ينظر الصحاح، مادة (شقا): 6 / 2394، وفيه: (الشَقَاء والشَقَاوة بالفتح نقيض السعادة)
5- جاء في الصحاح: ((وأشقاه الله يًشقيه فهو شَقِي بين الشِقوة بالكسر وفتحه لغةً) الصحاح: 6 / 2394
6- الحجر / 37، 38
7- لسان العرب، مادة (نظر): 5 / 219
8- تاج العروس، مادة (سخط): 10 / 277
9- ينظر: العين، مادة (بلي): 8 / 340
10- الحجر / 36

بعض الشارحين: معناهُ أنَّ الله تعالى قد وعده الابقاء(1)، لا يخلو عن بعد، ويحتمل على بعد أن يراد بالعدة مَا وعد الله في عمله، أو اطلع عليه بعض ملائكته من ثواب المُحسْنين وجزاء المسيئين [بعد الابتلاء ](2)بفتنة إبليس وحينئذ فَالسخطة والبليّة والعدة يعّم إبليس وسَائر المكلفين، ويوم الوقت المَعلوم، أمّا يوم القيامة كما يظهُر من بعض الرّواياتِ، أو يوم نفخ / ظ13 / الصّورُ مَا بين النّفخة الاوَلى والثّانية كما ورد في بعضها، أو يَوْم يذبحه رسول الله (صلى الله عليه وآله) على الصّخرة التّي في بيت المقدس کما في بعضها، ولا منافاة بينها لجواز أن يراد بالانظار تأخير العذاب إلى يَومْ الدّين وعدم المُعاجلة في الدّنيا وأن يذبح مَا بين النّفختين، ولعلّ يوم الوقت معلومُ لله سبحانه من أعلمه إيّاه لا لأبليس فاندفعَ ما يتوهم من أنه اغراء بالقبيح؛ لأنه إذا علم المكلف آخر أجله أقدم على المعصية بقلب فارغ، فإذا قرب الأجل تاب فيقبل(3)اللهُ توبته على أن قبول التّوبة في إبليس ممنوع، وقيل: انّما يتم الاغراء لو جاز منه التوبة وقد علم الله انّه لا يتوبُ للاصرار أو النّسيان أو معلوم له بأنّه يوم المجازاة. (ثُمَّ اَسْكَنَ سُبحَانَهُ آدَمَ دارَاً أَرغَدَ فِيهَا عِيشَتَهُ، وآمَنَ فِيهَا مَحَلَّتَهُ) أرغد عشيتَهُ أي جعلها رَغَداً وهو الواسِع الطّيب الذّي ليس فيه عناء وتعب والعيش الحياة، والعِيشة بالكسر الحالة التي يستمر بها الحياة، وفي بعض النسخ (عَيشَهُ)(4)بالفتح بدون التاء، والامن ضدّ الخوف

ص: 193


1- لم اجد هذا القول ولا معناه عند الشارحين
2- [بعد الابتلاء] ساقطة من أ، ع
3- (فتقبل) في ر، تصحيف
4- شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1 / 193

والمحلة مصدر قولك: حلّ بالمكان، والتعليق تجوز، والمراد بتلك الدّار الجنَة واختلف في أنها هل كانَتْ في الارض أم في السّماء؟ وعلى الثاني فهل [هي](1)جنّة الخلد أم غيرها؟ والأدلة لا تخلوا عن تعارض والتّفصيل في حدائق الحقائق(2)(وحذّره اِبِلْيِسَ وَعداوَتهِ) كما قال تعالى: «قُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى» (3)(فَاغْتَرَّهُ عَدُوُّهُ نَفَاسَةً عَلَيهِ بِدَارِ الْمُقَامِ، وَمُرَافَقَةِ الْأَبْرَارِ، فَبَاعَ الْيَقِینَ بِشَكِّه، وَالْعَزِيمَةَ بِوَهْنِهِ) اغتر أي طلب غفلته وأتاه على غرة منه والغِرة [بالكسر](4)(الغفلة)(5)، واغتر فلان بالشيء أي خُدع به(6)، ونَفِسْتُ عليه الشيء وبالشيء بالكسر نَفاسَته بالفتح إذا لم تره له أهلاً، ونفست به أيضا بالكسر أي تجلت به، والمقُام بالضم مصدر أقام اقامة، ولا مقام لكم أي لا اقامه لكم ويكون للموضع أيضاً(7)، وهذا الكلام يشعر بأنّ جنّته كانت جنّة الخلد، ولعل المراد بالأبرار الملائكة، والعزيمة والعزم في الأصل توطين النفس على الفعل والقطع عليه ويستعمل بمعنى الجد والصّبر والثبات على الأمر والقوّة(8)، والوهن هو ((الضّعف))(9)وهذا البيع كان بالأكل من الشجرة واختلفت الأقوال والأخبْار في الشجّرة و

ص: 194


1- [هي] ساقطة من أ، ر، ع، م، ن
2- ينظر: مخطوطة حدائق الحقائق: 66
3- طه / 117
4- [بالكسر] ساقطة من أ، ث، ر، ع، م، ن
5- الصحاح، مادة (غرر): 2 / 768
6- ينظر: المصدر نفسه: 2 / 768
7- ينظر: الصحاح، مادة (قوم): 5 / 2017
8- ينظر: لسان العرب، مادة (عزم): 12 / 399، 400
9- القاموس المحيط، مادة (وهن): 4 / 276

وجه الجَمْع ما يدل عليه رواية(1)الهروي عن الرّضا (عليه السّلام) من أنهّا تحمل أنواعاً(2)، وظاهر هذا الكلام كغيره من الآيات وَغيرهَا صدور المعصية عن آدم (عليه السّلام) وذلك عمدة ما استند به المخطئوُن لأنبياء الله (عليهم السّلام)، وقد بسطنا القول في إزالة شبههم في حدائق الحقائق(3)(وَاسْتَبْدَلَ

بِالجَذَلِ وَجَلاً، وَبِالِاغْتِرَارِ نَدَماً) جذل كفرح لفظاً ومعنی(4)جذلًا محركة، والوَجَل بالتحريك ((الخوف))(5)، وعن الصّادق (عليه السّلام) إنّ آدم (عليه السّلام) بکی على الجنّة حتّى صار في خديه مثل الأودية(6)(ثُمَّ بَسَطَ اللهُ سُبُحانَهُ لَهُ في تَوُبَتهِ، وَلَقّاهُ كَلِمَةَ رَحمَتَهَ) بسط له أي وسع عليه وفي أسّماء الله الباسط؛ لأنه يبسط الرّزق لعباده ويوسّعه عليهم وويوسع عليهم الأمر بعد الضّيق ونقلهم من العسر إلى اليسر(7)، والضمير في توبة أمّا راجع إلى آدم (عليه السّلام) كالضمير في له أو اليه سبحانه کالضّمير في رحمته وكلمة (في) للظّرفية(8) المجازية، أو للّسببية وهي راجعة اليها، (ولقاه كلمة رحمته) أي استقبله بها بتعليمه إيّاها، يقال: لقي زيد خيراً فيعدّى إلى مفعول واحدٍ، فإذا ضُعّفت العين عدّى إلى المفعولين، قال الله تعالى: «وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا»(9)

ص: 195


1- (رواية) في ع، تحریف
2- ينظر: عيون أخبار الرضا (عليه السلام): 1 / 274
3- ينظر: حدائق الحقائق: 70، 71
4- ينظر: الصحاح، مادة (جذل): 4 / 1654
5- العين، مادة (وجل): 6 / 182، والقاموس المحيط، مادة (وجل): 4 / 63
6- ينظر: معاني الاخبار، الشيخ الصدوق: 269
7- ينظر: اشتقاق أسماء الله الحسنی، الزجاجي (ت 337 ه): 99
8- (للطرفية) في ر، تصحیف
9- الانسان / 11

والكلمة تقع(1)على القليل والكثير(2)، يقولون: قال امرؤ القيس في كلمته أي قصيدته، فافرادها لا ينافي لفظ الجمع في قوله تعالى: «فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ»(3)، وقد ورد في الكلمات روايات / و14 / وفي عدّة منها أنّه توسل بالخمسة أصحاب الكساء(4)، وفي رواية في تفسير قوله تعالى: «فَأَتَمَّهُنَّ»(5)يعني (الى القائم (عليه السّلام) أثنی عشر امّاماً تسعة من ولد الحسين (عليه السّلام))(6)(ووعَدَهُ المَرَدَّ إلى جنَّتهِ) المردّ هو الرد وظاهره أنّ جنَّة آدم (عليه السّلام) هي جنّة الخلد، ولو تْم الدّليل على خلافة لا يأبی عن التّأويل (فَاَهْبَطهُ إلى دَارِ اَلبَليَّةِ وَتَناسلِ الذرّيَّةِ) البليّة والبلوى والبلاء واحد ویکون في الخير والشْر وأصلها الامتحان والاختبار کما مّر(7)، وقد تخصّ بالشرّ ولا يأبى عنه المقام وإن كان التّعميم أظهر، والنّسل الولد وتناسلوا أي ولد بعضهم من بعضٍ(8)(وذرأ الخلق يّذْرءَهُم ذرءً أي خلقهم ومنه الذّرية وهي نسل الثقلين) إلا أنّهم تركوا همزها وقيل: (الذّرء مختصّ بخلق الذّرية)(9)، [والظاهر](10)من العطف أنّ الاهباط كان بعد قبول التوبة،

ص: 196


1- (يقع) في ر، تصحيف
2- ينظر: الصحاح، مادة (كلم): 5 / 2023
3- البقرة / 37
4- ينظر: مجمع البيان، الطبرسي: 1 / 175
5- البقرة / 124
6- مجمع البيان: 1 / 375
7- ينظر: النص المحقق: 22
8- ينظر: لسان العرب، مادة (نسل): 11 / 660
9- المصدر نفسه، مادة (ذرأ): 1 / 79، 80
10- [والظاهر] ساقطة من أ، ع

وبه قال بعض المفسرّين(1) ويطابقه(2)ترتيب الكلام في سورة طه(3)وغيرها(4)، لكنه خلاف ظاهِر(5)الأخبار، والمشهور بين المفسّرين وظاهر قوله تعالى في سورة البقرة(6)وهو أقوى من دلالة الترّتيب، ويمكن أن يكون المراد بالاهَباطِ في كلامه (عليه السّلام) إبقاءهُ في الأرض للتكليف والتّناسل(7) لا النّزول قبل استقرار الأمر ومهبطه (سرنديب)(8)على ما يظهر من بعض الاخبار(9)و(أبو قبيس)(10)أو الصّفا على ما يدّل عليهِ بعضها ويمكن الجمع بحمل بعضها على المَسكن وقد اتفقت كلمة اهل الملل قاطبة سوى المجوُس على أنّ أوّل البشر هو آدم (عليه السّلام)، وزعمت الفلاسفة ومن يحذو

ص: 197


1- التبيان، الطوسي: 1 / 171، 172، وجوامع الجامع، الطبرسي: 2 / 505
2- (وبطائفه بترتيب) في أ
3- (فأكلا منها فبدت لهما سواءتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى ادم ربه فغوى ٭ ثم اجتباه ربه فتاب علیه وهدى ٭ قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مي هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى) طه / 122، 121
4- [وغيرها] ساقطة من أ، ر، ع، ن، وفي ث: (وغير)
5- (طاهر) في ر، تصحيف
6- البقرة / 38، 37
7- ينظر: مجمع البيان: 1 / 171
8- (هي جزيرة عظيمة في بحر هركند بأقصى بلاد الهند طولها ثمانون فرسخاً.... وفي سرنديب الجبل الذي هبط عليه ادم عليه السلام يقال له الرهون) معجم البلدان، الحموي: 3 / 216
9- ينظر: تفسير البحر المحيط : 2 / 92، الكامل في التاريخ، ابن الاثير: 1 / 36، 37
10- (أبو قبيس بلفظ التصغیر كأنَّه تصغیر قبس النار: وهو اسم الجبل المشرف على مكة، وجهة إلى قعيقعان ومكة بينهما، أبو قبيس من شرقيها قيل سمي باسم رجل من مذحج كان يكنى أبا قبيس؛ لأنَّه أول من بنى فيه قبة، قال أبو المنذر هشام: أبو قبيس الجبل الذي بمكة كناه ادم عليه السلام بذلك حین اقتبس منه هذه النار التي بأيدي الناس إلى اليوم من مرختین نزلتا من السماء على أبي قبيس) معجم البلدان: 1 / 80

حذوهم إلى أنّه لا أوّل لنوع البشر، والمجوس لا يعرفون آدم ونوحاً وأول البشر عندهم (کیومرث)(1)ولبعض الشارحين في هذا المقام حكاية تأويلات واهية تؤدي إلى ردّ القرآن وإنكار الاديَان ومن الله العصمة والتّأیید.

(وَاصْطَفَى سُبْحَانَهُ مِنْ وَلَدِهِ أَنْبِيَاءَ أَخَذَ عَلَى الْوَحْي مِيثَاقَهُمْ، وَعَلَى تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ أَمَانَتَهُمْ)، الاصطفاء والاجتباء والاختيار نظائر وهو افتعال من الصّفوة للاتخاذ، وصفوة الشيء مثلثة(2)خياره وخلاصته أي أتخذ الصفوة للنّبوة(3)، وهذا من تشبيه المعقول بالمحسوس شبه خلوصهم من النّقائص والفساد بخلوص الصاّفي من الكدر وسائر الادناسِ، والولد محركة وبالضّمِ والكسر والفتح واحد وجمع(4)وفي النسخ بالتحريك، وقول بعض الشّارحين أنّ الولد لا يقال على الواحد والجمع؛ لأنه مصدر في الأصل(5)، فاسد، والوحي في الأصل أن يلقي الإنسان إلى صاحبه كلاماً بالاستتار والاخفاء [کما مرّ](6)، ويطلق على وحي النّبوة والإلهام والإشارة والكتابة، والميثاق العهد مفعال من الوثاق وهو في الاصلِ حبل أو قيد يشدّ به الاسير

ص: 198


1- (وتفسیر کیومرث هو الحي الناطق وقد ورد في تواريخ الهند والعجم ان کیومرث هو ادم عليه السلام) الملل والنحل 1 / 233
2- وهو من باب المثلث المتفق المعاني ((يقال: أخذتُ صَفْوَةَ الشيء وصِفْوَتُهُ وصُفْوَتُهُ: أي أخلصَهُ وأفضَلَهُ)) المثلث، البطليوسي: 2 / 213
3- (صفوة الانبياء للنبوة) في ح
4- ينظر: الصحاح، مادة (ولد): 2 / 553
5- ينظر: شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1 / 100
6- [كما مر] ساقطة من أ، ر،ع، م، ن

والدابة(1)، والرِّسالة بالكسر وبالفتح اسم من الارسال وهو((التّوجيه))(2)، وفي النسخ بالكسر [...](3)والامانة الأمان والثقة، ويكون بمعنى ضّد الخيانة وما ائتُمِنت عليه، وفي بعض النسخ (وعلى تبليغ الرّسالة ذمامَهُم) والذِّمام بالكسر ((الحرمة))(4)وهي مالا تهتك، ولعل المعنى أخذ على اداء الوحي منهم ميثاقاً وعلى التبليغ أماناً يوم الميثاق أو في غيره أو أكدّ عليهم القيام بما أمُروا به (لَمَّا بَدَّلَ أَكْثَرُ خَلْقِهِ عَهْدَ اللهِ إِلَيْهِمْ، فَجَهِلُوا حَقَّهُ، وَاتَّخَذُوا الأَنْدَادَ مَعَهُ) العَهْد ما عاهدوا عليهِ واقّروا بأن لا يزولوا عنه، أو الوصّية ويكون بمعنى الحفاظَ ورعاية الحُرمة والمراد بعَهدْ الله اليِهَمْ ما أشار [إليه](5)سبحانه بقوله: «وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ(6)قَالُوا بَلَى»(7)أو(8)ما وصّاهم به من اَلعملّ / ظ14 / بطاعته والاجتناب عن مساخطه قال الله تعالى: «أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ »(9)أو ما فطرهم عليه وركزه في عقولهم من القوة على معرفته والعلم بوجوب عبَادته وحق الله ما يجب على العباد القيام به وَينبغي الوفاء به، وجهله عدم العمل بمقتضاه أو إنكاره، وعدم معرفته،

ص: 199


1- ينظر: تاج العروس، مادة (وثق): 13 / 472
2- المخصص: 3 / 225
3- [وبالفتح ایم من الارسال وهو التوجيه وفي النسخ بالكسر] مكررة في ر
4- الصحاح، مادة (ذمم): 5 / 1926
5- [إليه] ساقطة من ح
6- (بربهم) في أ، ع
7- الاعراف / 172
8- (و) في ث، ح
9- يس / 60

والأندَاد جمع نِد بالكسر وهو مثل الشيء الذّي يضادّه في أموره ويقال: نادّه أي خالفهُ(1)، والكلام إشارة إلى وجه الحكمة الالهيّة في بعث الانبياء (عليهم السّلام).

(وَاُجْتَالَتْهُمُ الشَّياطِينُ عَنْ مَعْرِفَتِهِ، وَاقْتَطَعَتْهُمْ عَنْ عِبَادَتِهِ، فَبَعَثَ فِيهِمْ رُسُلَهُ، وَوَاتَرَ إِلَيْهِمْ أَنْبِيَاءَهُ) اجتالتهم أي أدارتهم واستخفتهُم فجالوا معهم في الضّلال يقال: جَالَ واجتال إذا ذهبَ وَجاء، ((واجتال الشيء إذا ذهبَ به وسَاقه، والجائِل الزائل عن مكانه))(2)ولمّا كانت المعرفة هي العهد والفطرة ومن شأنها الثبات عليها جعلها (عليه السّلام) مكانا لهم، والاقتطاع(3)الأخذ وفي الحديث أو ((يقتطع بها مال امرئ مسلم))(4)أي يأخذه لنفسه، وواتر اليهم أي أرسلهم متفرقين بينهم فترة وزمان، ومنه مواترة الصّوم أن تصوم يوماً وتفطر يوماً وتقضيه(5)وترا وتراً، وأتبع بعضهم بعضاً، كما روى عن ابن عباس(6)في قوله تعالى: «ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا»(7)، وقال في العين: المتواترة:(8)المتابعة(9)، وفي القاموس:

ص: 200


1- لسان العرب، مادة (ندد): 3 / 420
2- لسان العرب، مادة (جول): 11 / 131
3- (والاقطاع) في م، وفي ر: (الاقتطاع)
4- مسند أحمد: 1 / 377، وينظر: صحيح البخاري: 3 / 75، وينظر: سنن ابن ماجه: 2 / 778
5- (يقتضيه) في أ، ع
6- ينظر: مجمع البيان: 7 / 191
7- المؤمنون / 44
8- (المواترة) في ر
9- نص الخليل: ((المواترة: المتابعة)) العين، مادة (وتر): 8 / 133

واتر أي ((تابَعَ))(1)وليَس کما ظنَّهُ الشارح عبد الحميد بن أبي الحديد(2)اقتصارا على ما في الصحاح(3)قالَ: وهذا ممّا تغلط فيه العَامة فتظنّه کما ظنّ القطب(4)الرّاوندي(5) أنّ المراد به المرادفة والمتابعة. (لِيَسْتَأْدَوهُمْ مِيثَاقَ

فِطْرَتِهِ، وَيُذَكِّرُوهُمْ مَنْسِىَّ نِعْمَتِهِ، وَيَحْتَجُّواَ عَلَيْهِمْ بِالتَّبْلِيغِ، وَيُثِیرُوا لَهُمْ دَفائِنَ الْعُقُولِ) استيداء(6)الميثاق المطالبة بما عاهدوا عليه وفطرة الله هي الملّة التي خلق الله الناس علَيها ولأجلها وأمرهُم بالتّمسك بها قال الله تعالى: «فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا»(7)، وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): كلّ مولوُد يولد على الفطّرة حتى يكون [...](8)أبواه هما اللّذان

ص: 201


1- القاموس المحيط، مادة (وتر): 2 / 152
2- عبد الحميد بن هبة الله بن محمد بن محمد بن أبي الحديد عز الدين المدائني المعتزلي هو من الفضلاء المتشيعين والنبلاء المتبحرین، موالياً لأهل بيت العصمة والطهارة، ولد في المدائن سنة (586 ه)، وانتقل إلى بغداد، وخدم في الدواوين السلطانية، وكان على اطلاع واسع بالتاريخ وبرع في الانشاء، وله شعر جيد، من مؤلفاته: شرح نهج البلاغة، والفلك الدائر على المثل السائر، والقصائد العلويات، والعبقري الحسان في الادب، والاعتبار على الذريعة في اصول الشريعة، مات في بغداد، واختلف في سنة وفاته فقيل سنة (655 ه) وقيل سنة (656 ه) وهو الاشهر. ينظر: الوافي بالوفيات: 18 / 46، وکشف الظنون: 2 / 1586، وهدية العارفين: 1 / 507، وومعجم المطبوعات العربية: 1 / 29، والذريعة: 4 / 10، والاعلام: 3 / 289، ومعجم المؤلفين: 5 / 106
3- جاء في الصحاح: ((المواترة: المتابعة، ولا تكون المواترة بين الاشياء إلا إذا وقعت بينهم فترة، وإلا فهي مدركة ومواصلة، ومواترة الصوم: أن تصوم يوماً وتفطر يوماً أو يومين، وتأتي به وتراً وتراٍ، ولا يراد به المواصلة؛ لأنَّ أصله من الوتر)) الصحاح، مادة (وتر): 2 / 843
4- شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1 / 99، 100، وفيه: (کما ظنّ الرّاوندی)
5- قال القطب الراوندي: ((و ((واتر)) أي تابع)) منهاج البراع في شرح نهج البلاغة: 1 / 77
6- (استبداء) في أ، ع، تصحيف
7- الروم / 30
8- [يكون] زيادة مكررة في ع

یهودانه وينصّرانه ويمجّسانه(1)، أو ما سبق في يوم أخذ الذّرية والاشهاد، وقيل في تفسير الآية: المراد بالفطرة ما دّلهم عليه ابتداء خلقه للأشياء(2)؛ لأنّه خلقهم وركَبّهُم وَصورهم على وجه يدل على أن لهم صَانِعاً قادِراً عَالِماً حيّاً قدیماً واحدا لا يشبه شيئاً ولا يشبهه شيء وإضافة الميثاق يحتمل اللامية والبيانيَة ونسيان النّعمة ترك القيام بواجب شكرها والحجّة والبُرهَان والاحتجاج أقامته وفيه إشارة إلى قوله تعالى: «لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ»(3)، وثار الغبار إذا سطع وارتفع وأثارهُ غيره وأثارة الدفينة اخراجها والإضافة في دفائن العقول، أما بمعنى في أي العلوم الحقه والعقائد اليقينّية الكامنة في العقول لترك النظر في الدلائل والبراهين، أو بمعنى اللاّم أي العلوم التّي يمكنها استخراجها، فكأنها(4)لها أو بيانية والمراد بدفائن العقول [العقُول](5)المنغمرة(6) في الجهالات المُستترة بها واثارتها إزالة الشّبهة وإزاحة الجَهالات عنها وحينئذ يمكن أن يراد بالعقول الصُور العقلية (وَيُرُوهُمْ آيَاتِ الْمَقْدِرَةِ؛ مِنْ سَقْفٍ فَوْقَهُمْ مَرْفوعٍ، وَمِهَادٍ تَحْتَهُمْ مَوْضُوعٍ) المقدرة مثلثة(7)الدّال المقدرة أي القوة، وفي النسخ بالضم، وآية الشيء علامته، والسّقف سقف البيت واسم للسّماء والأوّل أنسب وان أريد بالسّقف السّماء،

ص: 202


1- ينظر: صحيح البخاري: 2 / 104 والفائق في غريب الحديث: 3 / 39
2- ينظر: الكشاف: 3 / 222
3- النساء / 165، وفي ع، تحريف: ((لئلا يكون على الناس حجة بعد الرسل))
4- (وكأنها) في أ، ن، وفي ع: (أو كأنها)
5- [العقول] ساقطة من أ، ث، ع
6- (المتغمرة) في ث
7- من الثلث المتفق المعاني، يقال: ((وقدوت عليه مَقْدَرَة ومَقْدِرَة ومَقْدُرَة)) المثلث، الطليوسي: 2 / 146

والمِهاد بالكسر ((الفراش))(1)والموضع يهيأ للصّبي واسم للأرض أيضا(2)، والوَضْع مقابل الرفع واراءة الآيات التنبيه على دلالتها وهي كالبَيان لإثارة دفائن العقول ویمکن / و15 / تعميم الأوّل على بعض الوجوه. (وَمَعَايِشَ تُحْيِيهِمْ، وَآجَالٍ تُفْنِيهِمْ، وَأَوْصَابٍ تُهْرِمُهُمْ، وأَحْدَاثٍ تَتَابَعُ عَلَيِهُم) المعايش جمع معيشة وهي ما تعيش بها من المطعم والمشرب وما يكون به الحياة، والعيش الحياة وَالعيش الهنئ أن يأتيك الرّزق من غير كدّ وتعب، والياء في معايش لا تقلب همزة في الأكثر(3)وكذا كلّ ما وقع بعد الف الجمع فيه واو أو ياء لیست بمدة زائدة سواء كانت أصلية كما في مقاوم ومرایب، أو زائدة للإلحاق کجداول وعثائر، فيبقى على حالها وإن كانت الواو والياء مدّة زائدة في المفرد قلبت همزة کما في تنائف وكبائر وكذا في صيغة فاعل ممّا أعلّ فعله نحو قائل وبائع بخلاف نحو عاور، وقد يهمز معایش(4)تشبيهاً لمعيشة بفعلية(5)وكذا قد يهمز المنائر في جمع منارة تشبيهاً لها بفعاله، والفصيح المناور والتزم الهمز في مصائب تشبيهاً لمُصيبة بفعيلة(6)، ومنهم من يرى الهمز في معائش لحناً

ص: 203


1- لسان العرب، مادة (مهد): 3 / 410
2- ينظر المصدر نفسه: 3 / 411
3- ينظر: المنصف، ابن جني: 1 / 307، 308
4- (معا) في ع
5- ينظر المنصف، ابن جني 1 / 307، 308، وشرح شافيه ابن الحاجب، رضي الدين الاستراباذي: 3 / 134، ومنها قراءة نافع وابن عامر، وعبد الرحمن الاعرج، وزيد بن علي، والاعمش بالهمزة في قوله تعالى: ((ولقد مكناكم في الارض وجعلناكم فيها معايش قليلا ما تشکرون)) الاعراف / 9، ينظر: التبيان في تفسير القران، الطوسي: 4 / 353، 354، جامع البيان عن تاويل أي القران، محمد بن جریر الطبري: 8 / 165
6- شرح شافيه ابن الحاجب، رضي الدين الاستراباذي: 3 / 134 وفيه: (والتزم الهز في مصائب) وينظر: المبدع في التصريف: 192

واسناد الاحياء إلى المعائش(1)من قبل الإسناد إلى السبب العادي، ولعلّ المراد بالإحياء إبقاء الحياة، والأَجَلُ: غاية الوقت ومدّة الشيء(2)وإفناء الأول بالبلوغ، والثاني بالإنقضاء والإسنّاد من قبيل الإسنّاد إلى المقارن، والأوصّاب الأمراض جمع وصَب بالتحريك(3)، والهرم محركة ((أقصى الكبر))(4)يقال: هرم کفرح واهرمه الدّهر، وقيل ولعلّ المراد به لازمة من الوهن والضّعف وأحداث الدّهر نوائبه التّي تحدث يوماً فيوماً، وَالتتابع التّوالي والكلمة في النسخ بحذف أحدى التائين (وَلَمْ يُخْلِ اللهَ سُبحانَهُ خَلْقَهُ مِنْ نّبيٍ مُرْسَلٍ، أَوْ كِتَابٍ مُنَزَلٍ، أَوْ حُجَّةٍ لاَزِمَةٍ، أَوْ مَحَجَّة قَائِمَةٍ) النّبي بالهمز من النباء وهو الخبر؛ لأنّ النبي مخبر عن الله سبحانه وبلا همز وهو الأكثر وهكذا في النسخ أمّا تخفيف من المَهمُوز بقَلْب الهمزة ياء، أو لأنَّ أصله من النَبْوة بفتح النون وسكون الباء أي الرفعة؛ لأن النبي مرفوع الرتبة على غيره من الخلق(5)، وقد سبق في شرح خطبة الكتاب الفرق بين النبي والمرسلِ والتّوصيف من قبيل التخصيص أو تأكيد على الترادف(6)، والحجّة ((البرُهان))(7)ولزومُها كونها بحيث لاترفع، والمراد بها الإمام المنصوص عليه، والمحجة ((جادة الطّريق))(8)، والقائمة الدّائمة

ص: 204


1- (المعاش) في م
2- ينظر: العين، مادة (أجل): 6 / 178
3- ينظر: لسان العرب، مادة (وصب): 1 / 797
4- لسان العرب، مادة (هرم): 12 / 607
5- ينظر: الصحاح، مادة (نبأ: 6 / 2500
6- ينظر: النص المحقق: 2
7- المصدر نفسه، مادة (حجج): 1 / 304
8- تاج العروس، مادة (حجج): 3 / 318

المستمرة التّي لا يترك(1)العمل، والمراد بها الشريعة والترديد لمنع الخلو کما اشعر به کما أول الكلام.

(رُسُلٌ لاَ تُقَصِّرُ بِهِمُ قِلَّةُ عَدَدِهِم، وَلاَ كَثْرَةُ الْمُكَذِّبِینَ لَهُمْ) أي: هم رسل كذلك و((التقصير في الامر: التواني فيه))(2)وقصرّ به أي جعله مقصراٌ، وفي بعض النسخ (يقصر) بالياء المثناة من تحت.

(مِنْ سَابِقٍ سُمّي لَهُ مَنْ بَعْدَهُ، أَوْ غَاِبرٍ عَرَّفَهُ مَنْ قَبْلَه) الغابر الماضي والآتي وهو من الأضداد(3)والمراد الثّاني بقرينة السّابق أي من نبي سابق عرف من يأتي بعدّهُ ببيان الله أو متأخر عرفه وبيّنه للنّاسِ نبي قبله کما بشر عیسی (علیه السلام) بنبينّا (صلى الله عليه وآله)، ويمكن أن يكون الفاعل في عرفه الضّمير الرّاجع إلى الله سبحانه أي متأخر بين الله له من كان قبله من الأنبياء (عليهم السّلام) وهذا أنسب بالقرينة السّابقة من وجه (عَلَى ذلِكَ نَسَلَتِ الْقُرُونُ، وَمَضَتِ الدُّهُورُ، وَسَلَفَتِ الآبَاءُ، وَخَلَفَتِ الْأَبْنَاءُ)، قال بعض الشّارحين: (نسلت القرون أي ولدت))(4)، وقال بعضهم(5): ((أي درجت(6)ومضت مأخوذة(7)من نَسل ريش الطَائر ونسل الوبر اذا وقع))(8)

ص: 205


1- (تترك) في ر
2- الصحاح، مادة (قصر): 2 / 794
3- ينظر: الاضداد، الانباري: 129
4- شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1 / 102
5- (بعصهم) في ث، تصحيف
6- (ورجت) في ث
7- (ماخوذ) في ث، ر، ح
8- شرح نهج البلاغة، ابن میثم البحراني: 1 / 200

وسقطَ، والأظهر انّه من قولهم: نسل في العَدْو ينسل كيضرب إذا أسرَعْ(1)قال الله تعالى: «وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ»(2)، والقرن ((الوقت من الزّمان))(3)، وقيل: عشرة، وقيل: عشرون وهكذا إلى ثمانين، وقيل مائة [سنةٍ](4)،(5)[قالوا: مسح رسول الله رأس غلام وقاْل: عِش قرناً، فَعاشَ مائة سنةٍ(6)، وقيل: مائة وعشرون سنة(7)](8)والدّهر ((الزّمان / ظ15 / الطّويل))(9)، أو الزّمان مُطلقاً أو ألف سنة، وسلف مثل طلب أي ((مضی))(10)، وسلفُ الرجل أباؤه [وقرابته](11)المتقدّمون، والخلف بالتسكين والتحريك من يجيء(12)بعد من مضى وخلف أي بقی، قال الله تعالى: «خَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ»(13)(إلَی أَنْ بَعَثَ اللهُ

ص: 206


1- ينظر: الصحاح، مادة (نسل): 5 / 1830
2- يس / 51
3- تاج العروس، مادة (قرن): 18 / 444
4- [سنه] ساقطة من أ، ع
5- ينظر: الازمنة والأمكنة: 177
6- ينظر: الفايق في غريب الحديث: 3 / 79، والنهاية في غريب الحديث والاثر: 4 / 51
7- ينظر: الازمنة والأمكنة: 177
8- [قالوا: مسح رسول الله رأس غلام وقالْ: عِش قرناً، فَعاشَ مائة سنةٍ، وقيل: مائة وعشرون سنة] ساقطة من ث
9- ينظر: تاج العروس، مادة (دهر): 6 / 427
10- تاج العروس، مادة (سلف): 12 / 279
11- [قرابته] ساقطه من أ، ر، ع، ن
12- (یحي) في ح
13- مریم / 59

سُبْحانَهُ مُحَمَّداً (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلهِ)(1)لِإنْجازِ عِدَتِهِ، وَتمْامِ(2)نُبُوَّتِهِ) البَعْث: ((الإرْسَال))(3)، وسمى نبيّاً محمداً (صلى الله عليه وآله) تعليمًا، أو الهاماً من الله تعالى، وتفاؤلاً بحمد الخلق له لكثرة خصاله الحميدة، وقیل لجدّه عبد المطلبّ، وقد سّماه يوم سابع ولادته لموت أبيه قبلَها سّميت أبنك محمداً وليس من أسماء آبائك ولا قومك، فقال: رجوت أن يحمد في السّماء والارضِ، وقد حَقق الله رجاءه، والعدة الوعد، وإنجازه إحضارهُ، والضمير راجع إلى الله [سبحانه](4)أمّا في نبوّته، فقال بعض الشّارحين: إنه راجع إلى محمّد صلی الله عليه وآله(5)، ولعلّ الأولى إرجاعه أيضاً إلى الله سبحانه أي بعثه ليتم به النّبوة ويختمها به (مَأْخُوذاً عَلَى النَّبِيَّین مِيثَاقُهُ، مَشْهُورَةً سِمَاتُهُ، كَرِيماً مِيلَادُهُ) الشهرة وضوح الامر، والسمة ((العلامة))(6)يقال: وسمتهُ وَسْمًا وسِمَة إذا أثرت فيه، والميلاد الوقت الذّي يولد فيه، والمولد الموضِع كذا في الصّحاح(7)، ويظهر من كلام صَاحب القاموُسِ أن المولد للوقت أيضاً، وقد تضافرت الرّوايات بأخذ الميثاق على الانبياء بالإقرار بنبوّة نبيّنا (صلى الله عليه وآله)، وبولاية علّي بن ابي طالب (عليه السّلام)، والأئمَة من ذّريته (صلوات الله عليهم أجمعين) وسماته الكريمة وأعلام نبوتّه مذكورة في كُتُبِ المعّجزات

ص: 207


1- (صلى الله عليه) في شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1 / 101
2- (إتمام) في شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1 / 101، ونهج البلاغة، صبحي الصالح: 23
3- العين، مادة (بعث): 2 / 112
4- [سبحانه] ساقطة من أ، ث، ر، م
5- ينظر: شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1 / 102
6- تاج العروس، مادة (وسم): 17 / 726
7- ينظر: الصحاح، مادة (ولد): 2 / 554

وغيرها من كتب الأخبار، وأمّا ميلاده (صلّى الله عليه وآله)، فالمشهور بين أصحابنا أنّه اليوم السّابع عشر من شهر ربيع الأوّل(1)، وذهب محمد بن يعقوب الكليني(2)(رضي الله عنه) إلى أنه اليوم الثاني عشر منه(3)وهو الذّي صححه الجمهور وکرم میلاده أبهر من الشمس في رابعة النّهار (وَأهْلُ اْلأَرْضِ يَوْمَئِذٍ مِلَلٌ مُتَفَرِّقَةٌ، وَأَهْوَاءٌ مُنْتَشِرَةٌ، وَطَرَائقُ مُتَشَتِّتَةٌ) الملّة ((الدّين وَالشّريعة))(4)، والهوى مقصورة مَيل(5)النفس إلى شيء وَما أحبته والجمع الأهواء(6)، والطّرائق جمع طريقة وهي الحالة وَطريقة الرّجل مذهبُهُ(7)، والتشتت التّفرق والانتشار(8)والحمل أمّا مُبالغة أو على حذف مضاف أو تقدیر مبتدأ أي مللهم ملل متفرقة وهكذا وذكر الأهواء والملل يفيد فائدة التأكيد، أو الملل ما سّنه النبي وإن نسخ بعضها والأهواء مَا وضعُوه بميل طَبائعهم والطّرائق أعمّ منهما أو الأهْواء مَا وضعوه للأغراض الدُّنيْاوية، والطّرائق ما اتّبعوه لخطاء (بَیْنَ مُشَبِّهٍ للهِ بِخَلْقِهِ، أَوْ مُلْحِدٍ فِي اسْمِهِ، أَوْمُشِیرٍ إلى

ص: 208


1- ينظر: کنز الفوائد، أبو الفتح الكراجكي (ت 449 ه): 72
2- محمد بن یعقوب بن أسحاق الكليني الرازي، ويكنى أبا جعفر، فقيه إمامي، ثقة عارف بالأخبار، من أهل كلين (بالري)، من كتبه الكافي صنفه في عشرين سنة، والرد على القرامطة، ورسائل الائمة، توفي سنة (329 ه) في بغداد. ينظر: الفهرست، الطوسي: 210، 211، وإكمال الكمال، ابن ماکولا (ت 475 ه): 7 / 186، والذريعة: 6 / 179، 180، والاعلام: 7 / 145
3- ينظر: الكافي، الكليني: 1 / 439
4- الصحاح، مادة (ملل): 5 / 1821
5- (مثل) في ع، تصحيف
6- ينظر: لسان العرب، مادة (هوا): 15 / 372
7- ينظر: المصدر نفسه، مادة (طرق): 1 / 221
8- ينظر: المصدر نفسه، مادة (شتت): 2 / 48

غَیْرِهِ) الإلحاد في الاَصل ((الميل والعدول عن الشيء))(1)، والانحراف عَنِ الاستقامَة ومنه للحد الذي يحفر في جانب القبر خلاف الضّريح الذي يحفر في وسطه(2)، ويطلق على المرِاءِ والجِدالِ ومن المشبهة لله بخلقه المجسّمة ومن جوّز عليه سُبحانه الحركة والانتقال والحلول في الأجسَام ومعانقة الاولياء، ومنهم طائفة من عبدة الأوثان يقولون: نعبد أصنامنا؛ لأن الله تعالى قد حل في هياكل رجال كانوا على هذه الصّور(3)، واليهود والنَّصارى أن أثبتوا الابن على الحقيقة وإلا فهم من الملحدين(4)في أسمائه، ومن هؤلاء عبدة الاوثان الذّين اشتقوا لأصنامهم أسماء من أسماء الله تعالى كاللاّت(5)من الله، والعزي(6)من العزيز(7)والمناة(8)من المنان(9)كما قيل، ومنهم من أطلق اسمه على غيره كمن يسمّي الصّنم الهاً(10) والمُسيلمة رحمن اليَمامة(11)، أو سمى الله

ص: 209


1- تاج العروس، مادة (لحد): 5 / 237
2- ينظر: لسان العرب، مادة (لحد): 3 / 388
3- ينظر: أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار، محمد الازرقي: 1 / 126
4- (فمن الملحدين) في ر
5- صخرة مربعة كانت بالطائف اخذوا يعبدوها، وكان سدنتها من ثقيف بنو عتاب بن مالك، وكانت قريش وجميع العرب تعظمها وقد بنوا عليها بناء. ينظر: الاصنام، الكلبي: 16
6- وهي أعظم الاصنام عند قريش، كانوا يزورونها ويهدون لها ويتقربون عندها بالذبح، وكانت بوادي من نخلة الشامية يقال له حُراض. ينظر: الاصنام، الكلبي: 16
7- ينظر: الزاهر في معاني كلمات الناس: 109
8- من أقدم الأصنام، كان منصوباً على ساحل البحر بين المدينة ومكة، وكانت العرب جميعاً تعظمه، وتذبح حوله. ينظر الاصنام: 13
9- ينظر: معالم التنزيل في تفسير القرآن، البغوي: 2 / 218
10- ينظر: تفسير البيضاوي: 4 / 25
11- ينظر: الكشاف: 3 / 98

تعالی بمَا لا يجوز تسميته بِه کتَسميته أبا (العُزير) والمسيح من غير إرادة المعنى الحقيقي کا مرّ وهذه الوجوه ذكرُوهَا في تفسير قوله تعالى: «وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ»(1)، لكَن في كلامه (عليه السّلام) إدخال من زعم(2) الصّنم الهاً على الحقيقة في المشير إلى غيره أولى، ومن زعم(3) الأصنام شفعاء عندّ الله وقال: «مَا / و 16 / نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى»(4)، واقتصر على التّسمية فهو داخل في الملحد في اسمه وامّا المشيرون إلى غيره فمنهم عبدة الأوثَان لو قالوا بأن الجسم المنحوت خالق للعالم وقد استبعد طائفة أن يقول أحد(5) به للعلمِ الضرّوري بخلاَفه، ومنهم الثنوية القائلوُن بالنّور والظّلمة، ومنهم الدّهرية الذَّينَ قَالوُا: «مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ»(6) وكانوا يسبون الدَّهرَ إذا لم يدركوا ما املوا(7)، ومنهم عبدة الشمس والقمر والكَواكب ونحوهم من أصحاب الملل الباطلة(8) (فَهَدَاهُمْ بِهِ مِنَ الضَّلاَلَةِ، وَأَنْقَذَهُمْ

بِمَكَانِهِ مِنَ الْجَهَالَةِ) أنقذهم أي نجّاهم والظّاهر أنّ المكان هاهنا مصدر كان

ص: 210


1- الأعراف / 180
2- (رغم) في أ، ع تصحيف
3- (رغم) فيع، تصحيف
4- الزمر / 3
5- (أخذ) فيع، تصحيف
6- الجاثية / 26
7- ينظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل، ابن حزم: 1 / 207، وينظر: البداية والنهاية، ابن کثیر: 1 / 143
8- ينظر: الملل والنحل، الشهرستاني: 2 / 259، 258

التّامّة (ثُمَّ اخْتَارَ سُبْحَانَهُ لِمُحَمَّدٍ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وآله(1) لِقَاءَهُ، وَرَضَيِ لَهُ مَا عِنْدَهُ) لقاء الله كناية عن المصر إلى دار البقاءِ والمشهوُر أن وفاته (صى الله عليه وآله) كان يوم الاثنن لليلتن بقيتا من صفر سنة عرة من الهجرة قبض مسمُوماً ذكره الشيخ رحمه الله في التهذيب(2)، وقال محمد بن يعقوب (رضي الله عنه): قبض (صلى الله عليه وآله) لاثنتي عر ليلةٍ مضت من ربيع الأوّل يوم الاثنن وهو ابن ثاث وستين سنةٍ(3)، وفي تفسر الثعلبي(4) انّه (صى الله عليه وآله) قبض يوم الاثنين [لليلتن](5) خلتا من ربيع الأوّل حن زاغت الشّمسِ(6) (وَأَكْرَمَهُ عَنْ دَارِ الدُّنْيا، وَرَغِبَ بِهِ عَنْ مَقامِ الْبَلْوى؛ فَقَبَضَهُ إِلَيْهِ كَرِيماً (صَىَّ اللهُ عَلَيْهِ وَآلهِ)(7))، [و](8) في بعض النسخ فاكرمهُ بالفاء، ومقارنة البلوى مكان مقام البلوى [والبلوى](9) والبلية والباء واحد وأصلها الامتحان والاختبار كما سبق(10) والأنسب أن يراد بها الآفات والمصائب

ص: 211


1- (صلى الله عليه) في شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1 / 101
2- ينظر: تهذيب الاحكام، الطوسي (ت 460 ه): 6 / 2
3- الاصول من الكافي، الكليني: 1 / 439
4- أحمد بن محد بن إبراهيم الثعلبي، ويكنى أبا إسحاق من أهل نيسابور، أحد أوعية العلم، كان بصیراً بالعربية، طويل الباع في الوعظ ، من مؤلفاته: الكشف والبيان عن تفسر القرآن، و العرائس في قصص الانبياء، توفي سنة (427 ه). ينظر: سر أعام النباء: 430 - 437، و كشف الظنون: 2 / 1131، و معجم المطبوعات العربية: 1 / 663، و الاعام: 1 / 212
5- [لليلتين] ساقطة من أ
6- ينظر: الكشف والبيان في تفسير القرآن، الثعلبي (427 ه): 2/ 290
7- (صلى الله عليه واله) لم تذكر في شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1 / 101
8- [و] ساقطة من أ. ر
9- [والبلوى] ساقطة من أ
10- ينظر: النص المحقق: 22

(وَخَلَّفَ فِيكُمْ مَا خَلَّفَتِ الأنْبِياءُ فِي أُمَمِها إذْ لَمْ يَتْرُكُوهُمْ هَمَلاً بِغَیْرِ طَرِيقٍ وَاضِحٍ، ولاَ عَلَمٍ قَائِمٍ كِتَابَ رَبِّكُمْ(1)، مُبَيِّنا حَلَالَهُ وَحَرَامَهُ) خلّف بالتشديد أي ترك وراءه، والهمل محركة ضوّال الإبل التي تركت مهملة لا رعاءَ لها ولا فيها من يصلحها ويهديها(2)، ومثلها النّفش إلا أنّ النّفش(3) لا يكون الّا ليلاً والهَمل يكونُ ليلاً ونَهاراً(4)، يقول: تركتها هملًا أي سُدىً إذا ارسلتها لَيْلًا ونهاراً بلاَ راع(5)، والطريق يذكر ويؤنث تقول: الطّريق الأعظم والطّريق العظمى(6)، والعلم محركة ((الجبل)(7) والمَنصُوب في الطّريق والمنار يهتدي بهَا، و(كتاب ربّكم) منصُوب على أنه عطف بيان لما في قوله (عليه السّلام): مَا خلفّت الانبياء وحينئذ يكون المراد بالطريق الواضح، والعلمِ القائم هو

القرآن، أو الشريعة التي كان تخليف القرآن سبباً في وضوحهَا، وظهورها، وَيكون مبنياً منصُوباً على أنّه حال من فاعل (خلّف)، وقي لالمراد بما خلّفَ هو الإمام (عليه السّلام) أي نصب فيكم وصيّاً ونصَّ عليه على سنن الانبياء (عليهم السلام) فيكون قوله (عليه السّلام): إذ لم يتركوهم هملاً اشارة

إلى الدّليل على وجوب نصب الإمامِ ومبنّياً حالاً من مَفعُول خلّف، وكتاب منصوبا عى أنّه مفعول مبنيّاً وكذا حلاله، وحرامهُ عى البدلّية من الكتاب،

ص: 212


1- (ربكم فيكم) في نهج البلاغة، صبحي صبحي الصالح: 24
2- ينظر: لسان العرب، مادة (همل): 11 / 710
3- (النفس) في أ، ع تصحيف
4- ينظر: الصحاح، مادة (نفش): 3 / 1022، ومفردات ألفاظ القرآن: 819
5- ينظر: المصدر نفسه، مادة (همل): 5 / 1854
6- ينظر: المذكر والمؤنث، أبو حاتم السجستاني (255 ه): 147
7- الصحاح، مادة (علم): 5 / 1990

وهذا الوجه وإن كان لا يخلوعن بعد لفظاً إلَا أنّه أقرب معنى فإنَّ بَیان الحلال والحرام، والفرائض، والفضائل وغيرها على الوجه التفصيلي هو وظيفة الإمام وشأنه (عليه السّلام)، ويحتمل أن يتكلّف على الوجه الأوّل لظهور الإشارة إلى نصب الإمام (عليه السلام) بأن يقال تبیینه (صلى الله عليه وآله) للحلال والحرام هو نصه على الإمام (عليه السّلام)، فالمبين هو الرّسول (صلى الله عليه وآله)، ولَكن بنصب الإمام (عليه السّلام) والمراد بالحلال أمّا المُباح، أو ما يشملَ المكروهُ (وَفَرائِضَهُ وَفَضَائِلَهُ) أي واَجباته ومندُوَباته، أو مَا يشمل المكروهُ (وَنَاسِخَهُ وَمَنْسُوخَهُ) النسخ على وجوه [نسخ](1) القرآن بالقرآن، وبالسنّة والسنّة بهاوبه والأمثلة مذكورة في محلّها (وَرُخَصَهُ وَعَزَائِمَهُ) الرخصة / ظ 16 / في الأمر خلاف التشديد، وعزائم الله مَا قطعَ الله على العبدِ بفعله، والعزم هو القطع على الأمر والجد فيه(2)، والرّخصة كقوله تعالى: «فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ»(3)، والعزيمة كقوله [تعالى](4): «أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ»(5) (وخَاصَّهُ وعَامَّهُ) يمكن أن يراد [...](6) بالخاص مَالا يجري في سائر المكلّفين كقوله تعالى: «وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ»(7) وان يراد [....](8) بالعَام

ص: 213


1- [نسخ] ساقطة من ح
2- ينظر: الصحاح، مادة (عزم): 5 / 1985
3- البقرة / 173
4- [تعالی] ساقطه من ث، ح، ن، م
5- الاسراء / 78
6- [به] زائدة في ح
7- الاحزاب / 50
8- [به العام] في ث، ح، م

المخصّص كقوله تعالى: [](1) والعام على الأوّل كقوله تعالى: «وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ»(2)، وَعلى الثّاني كقوله تعالى: «وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ»(3) (وعِبَرَهُ وأَمْثَالَهُ) العِبرة بالكسر مَا يعتره الانسان ويستدلّ به على غیره، والمثل بالتحريك وبالكر كالشّبه بهمَا وقد مرّ بيانه في شرح خطبة الكتاب(4)، والكتاب الكريم مشحُون بالعبر من أحوال الماضین ودلائل القدرة، وضروب الأمثال «إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا»(5) (وَمُرْسَلِهُ وَمَحْدُودَهُ) الإرسال الإطلاق و الإهمال(6)، والحدّ الفصل بن الشّيئين(7)، والظّاهر أنّ المراد بالمرسل والمحدُود المطلق والمقيد كقوله تعالى: «فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ»(8)، وقوله سُبحانه: «فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ»(9) (ومُحْكَمَ

هُوَمُتَشَابِهَهُ) المحكم مأخوذ من احكمت اليء إذا اتقنته(10)، والمتشابَهِات من

الأشياء المُتَماثلات وذكروا في محكم القرآن ومتشابهة وجوهاً أظهرها ما روي

عن جابر أن المحكم ما يعلم تعين تأويله و المتشابه خلافه(11)، سمّي متشابهاً

ص: 214


1- [] بیاض في أ، ث، ح، ر، ع، م، ن
2- النور / 32
3- البقرة / 282
4- ينظر: النص المحقق: 4
5- البقرة / 26
6- ينظر: لسان العرب، مادة (رسل): 11 / 285
7- ينظر: العين، مادة (حد): 3 / 19
8- النساء / 92
9- النساء / 92
10- ينظر: الزاهر في معاني كلمات الناس: 1/ 207
11- ينظر: أحكام القرآن، الجصاص (ت 370 ه): 2 / 4، و متشابه القرآن ومختلفه، ابن شهرآشوب (ت 588 ه): 1 / 2

لتماثل معانيه وتشابهها في الفهم، أمّا المحكم فكقوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا»(1)، والمتشابه فكقوله تعالى: «الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى»(2) (مُفَسِّراً جُمَلَه(3) ومُبَيِّناً غَوامِضَهُ) التّفسير الإبانة(4) وكشف المغطى والغامض من الكلام خلاف الواضح (بَیْنَ مَأخُوذٍ مِيثَاقُ عِلْمِهِ، ومُوَسَّعٍ عَلَى الْعِبَادِ فِي جَهْلِهِ) الظّرف(5) متعلّق بمحذوف تقديره حال كون الكتاب دائر أو هو دائر بن ما كلف العباد بعلمه كقوله تعالى: «فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»(6) وبين مَا لم يكلفوا به كالمتشابهات ومقطَّعات أوائل السّور. (وبَیْنَ مُثْبَتٍ فِي اِلْكِتَابِ فَرْضُهُ، مَعْلُومٍ فِي السُّنَّةِ نَسْخُهُ) ذهب أصحَابنا وجمهُورالعامة إلى جوازنسخ القرآن بالسّنَة المتواترة(7)، وأنكره الشافعي(8) (9)، وهذا الكلام حجة عليهِ

ص: 215


1- يونس / 44
2- طه / 5
3- (مجمله) في شرح نهج البلاغة، صبحي الصالح: 24
4- (التفسير الأول الانابة) في ح
5- (الطرف) في ر، تصحيف
6- محمد / 19
7- ينظر: أصول السرخسي، السرخسي (ت 490 ه): 2 / 67
8- محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن نافع بن السائب بن عبد الله بن يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف الشافعي، ويكنى أبا عبد الله، ولد سنة ( 150 ه) بعسقلان مات أبوه وهو صغر فنشأ يتيماً، سكن مع أمه في مكة وهو ابن سنتين، عرف بفطنته وذكاء، وحفظه، افتى وهو ابن عشرين عاماً، وهو أحد الامة الاربعة عند أهل السنة، من مؤلفاته: اختاف الحديث، واثبات النبوة والرد عى البراهمة، و الاماء الصغر، المبسوط في الفقه، مات في مر سنة (204 ه). ينظر: مروج الذهب ومعادن الجوهر، المسعودي (ت 346 ه): 3 / 436، و سر اعام النباء: 10 / 5، 6، و هدية العارفن: 2 / 9، و معجم المؤلفن: 9 / 32، و الاعام: 6 / 26
9- ينظر: الرسالة، الشافعي: 106

وأما بالآحاد فأكثر العلماء على عدمه، وقد مثلوا له بنسخ حبس الزانية(1) حتى تموت بالرّجم، والجلد والتغريب(2) والجز على تفصيل وخلاف وفيه کلام. (وَواجِبٍ فِي السُّنَّةِ أَخْذُهُ، مُرَخَّصٍ فِي الْكِتَابِ تَرْكُهُ) مثل له بعض الشّارحين بصوم عَاشُورا قال: ((كان وَاجباً بالسّنة، ثم نسخه صوم شهر رَمضان الواجب بنص الكتاب))(3)، وفيه نظر لعدم دلالة هذا الإيجاب على ذلك النسخ، وإنما النّاسِخ أمر آخر وإنّ قارن نزول الآية، ومثَل بعضهم بالتوجه إلى بيت المقدس حيث نسخ بالآية، و فيه نظر لبعد اطلاق الرخصة على إيجاب الترك، ويمكن أن يمثل بقوله تعالى: «وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ»(4) حيث دلت السنّة على أنّ القصر عزيمة وكذلك آية الصفا والمروة(5) وبقوله تعالى: «قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا»(6) الآية حيث دلت السنّة على حرمة غير مَا ذكر في الآية، والمناقشة(7) في اطلاق الأخذ والترك هينّ ولا ضرورة في الحمل على النسخ المصطلحِ فتأمّل. (وَبَیْنَ واجِبٍ بوَقْتِهِ(8) وَزَائِلٍ فِي مُسْتَقْبَلِهِ) كالواجبَات المؤقتة والمُحرمات في الأوقات المَخصُوصة، قال تعالى: «وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا

ص: 216


1- (الرانية) في ث، ر
2- (التعريب) في ث، وفي ع: (التعزير)، تحریف
3- شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1 / 109
4- النساء / 101
5- «إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ» البقرة / 158
6- الانعام / 145
7- (والمنافسة) في أ، (والمنافسة) في ر
8- (لوقته) في شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1 / 102

دُمْتُمْ حُرُمًا»(1)، وفي بَعض النسخ لوقته باللّام بدل الباء (ومُبَايَنُ بَیَنْ مَحَارِمِهِ،

مِنْ كَبِیرٍ أَوْعَدَ عَلَيْهِ نِيَانَهُ، أَوْ صَغِیرٍ أَرْصَدَ لَهُ غُفْرَانَهُ) المُباينة المفارقة وباين وبين كذا وكذا أي جعلهم فارقاً له، والمحارم جمع محَرم بالفتح وهو الحرام و((الوعد يستعمل في الخر والشّر، يقال: وعدته شراً، و وعدته شراً))(2) (فإذا اسقطوا الخَیرْ والشّر قالوا في الخیر: الوعد والعدة، وفي الشّر الايعاد

والوعيد)(3) / و 17 / قال الشّاعر:

وإنِّ وإن أَوْعَدْتُهُ أو وَعَدْتُهُ *** لمخْلِفَ إِيعَادِي ومنجز موعدي(4)

والنّيران جمع نار وهي من الواو؛ لأن تصغيرها نويرة والجمع نَور وأنورُ

ونیرَانُ أيضاً انقلبت الواو ياءً لكرة ما قبلَها(5)، وارصَدَ أي اعَدَّ وهَيّأ ورصدهُ أي ترقبه، والغفرانُ مصدرِ، يقال:غفر اللهُ لهُ غفراً ومغفرةً وغفراناً، وكلمة مباين في النسخ بالجّر على صيغة الفاعلِ و المفعول معاً، وقال بعض الشارحين: الواجب أن يكون مباين(6) بالرفع لا بالجّر فإنه ليس (بمعطوفٍ)(7) على ما قبله ألا ترى أنَ جميع مَا قبله يستدعي الشيّء وضّده، أو الشيء ونقيضه؛ وقوله عليه السلام(8): ((ومباين بن محارمه) لا نقيض له ولا ضّد

ص: 217


1- المائدة / 96
2- الصحاح، مادة (وعد): 2 / 551
3- المصدر نفسه، مادة (وعد): 2 / 551
4- البيت لعامر بن الطفيل، من البحر الطويل: ديوان عامر بن الطفيل: 360 وقد رود فيه: وإنِّي وإن أَوْعَدْتُهُ أو وَعَدْتُهُ لأُخْلِفَ إِيعَادِي وأنجز موعدي
5- ينظر: التكملة: 403
6- (ومباين) في شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1 / 106
7- (معطوفاً) في شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1 / 106
8- (وقوله: ومباين) في شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1 / 106

له؛ لأنّه ليس القرآن العزيز على قسمين: أحدهما مباين بن محارمه، والآخر

غیّر مباين، فإنّ ذلك لا يجوز، فوجب رفع (مباين) وأن يكون خبر مبتدأ محذوفٍ(1)، وفيه نظر إذ (الظاهر)(2) من المباينة بن المحارم تقسيمها إلى قسمين وظاهر أن بعض الآيات ليس فيها ذلك فالمعنى أن الكتاب بن مباين وبین ما ليس كذلك ونظره الفقرة التّالية له، وقال بعضهم: ((ومباين بن محارمه عطف على المجرُورات السَّابقة والياء(3) مفتوحة وفي معنى الكلام وتقديره لطف فإن المَحارم لما كانت هي محال الحكم المسّمى بالحُرمة صَار المعنى: وبن حكم مباين محاله هو الحُرمة))(4)، ولا يخفى أنه على عى تقدير كسر الياء يمكن أن يكون الضمر في محارمه راجعاً إلى الكتَاب، أو إلى الله تعالى ويكون المعنى أنّ الكتاب بن ما يفرق بَین المحارم، وما ليس كذلك ثم انّ كلامه (عليه السّلام) يدل على انقسام الذّنب إلى كبر وصغر كما ذهب اليه طائفة من أصحابنا منهم المحقق و أكثر المتأخرين وهو المطابق لظاهر قوله

سبحانه: «إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا»(5)، وقوله عزّ وجل: «الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ»(6) واللّمم صغائر(7) الذنوب(8) على المشهور

ص: 218


1- ينظر: شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1 / 106
2- (الظ) في ث، ح
3- (الباء) في ر، تصحيف
4- شرح نهج البلاغة، ابن ميثم البحراني: 1 / 222
5- النساء / 31
6- النجم / 32
7- (صعائر) في أ
8- ينظر: الصحاح، مادة (لمم): 5 / 2032

ويدلّ على الانقسام كثير من الأخبار ولا ينافي ذلك اشتراك الذّنوب في مخالفة أمره سُبحانه، والنّهي عن استصغار الذنب؛ لأنّ غفران الصغائر إنّما هو تفضّل من الله سبحانه وإنجاز للوعد، لا أن(1) العبد يستحقّ العفو عنه وعقابه عَليْهَا ظلم کما زعمته المعتزلة، قال شيخ الطّائفة (رحمه الله) في التّبيان(2) بعد حكاية قول المعتزلة: ((فعلى مذهب المعتزلة من اجتنب الكبائر واوقع الصّغائر فإنّ الله يكفر الصغائر عنه ولا يَحسنَ مَع اجتناب الكبائر عندهم المؤاخذة بالصّغائر ومتي واخذه بها كانَ ظُلماً وعندنا انَّه يحسَنْ من الله تعالى اَنْ يؤاخذ العاصي بأيّ معصيته فَعلها ولا يجب عليه اسقاط عقاب معصيته لمكان اجتناب مِا هو أكبر منها غير انا نقول إنه تعالى وعد تفضّلا منه أنّ من اجتنب الكبائر يكفر عنه ما سَواها بأن يسقُط عِقابَها عنه تفّضُلا ولو واخذه بها لم يكن ظالماً ولم يعين الكبائر التّي إذا اجتنَبها كفر ما عداها لأنه لو فعل ذلك لكان اغراء بها عداها وذلكَ لا يَجُوز في حكمته تعالى))(3) (انتهی)، ولعلّ مراده (رضي الله عنه) بقوله قبل هذا الكلام المعاصي وإن كانت كلّها عندنا کبائر من حيث كانت معصيته لله تعالى فإنا نقول إنّ بعضها أكبر من بعض ففيها إذاً كبير بالإضافة إلى ما هو أصغر منه نفي الصغر عن بعض الذنوب بمعنی عدم استحقاق من فارقها(4) العقاب وكون العقاب عليها ظلماً(5) لا عدم الانقسام إلى قسمَينْ وغفران بعضها تفضّلا منه سبحانه

ص: 219


1- (لأن) في، ث، ع
2- (البيان) في ع، تحریف
3- التبيان في تفسير القرآن: 3 / 183
4- (قارفها) في أ، ر، ع، م، تصحیف، وفي ث: (قاومها)، تحریف
5- (طلمًا) في ث، تصحيف

کما زعمهُ الطّبرسي(1) (رحمهُ الله) في كتاب مجمع اَلبيان(2) حيث اسند القول

بأن الذّنُوب كلّها كَبائر إلى اصحَابنا ولا يخفى عى من راجع الكتابن أن

التّباين في أكثر المواضِع كالأصلِ لهذا الكتاب ولو كان مراد الشّيخ (رحمه الله)

نفي الانقسام مطلقاً لم يكن لسقوط العقاب عما سوى الكبائر(3) تفضّلا وانّ

المؤاخذة ليس ظلماً، ولعدم تعين الكبائر / ظ 17 / التّي إذا اجتنَبها(4) المكلّف كفّر الله عنه ما عداهَا كما صرح به معنى، وكون المراد باجتناب الكبائر في الآية وفي كلامه اجتناب الذّنوب والمنهيّات بأسرهَا الاَ واحدة من المعاصي كانت أصغر من جميعها حتى يكون ذلك الاجتناب مكفراً لتلكَ السيئة، ويكون الجمع في الآية باعتبار تعّدد المكلّفین، أو تكرر صدُورُهَا من مكلف بعيد غاية البعد، وفي رواية الصّدوق (رضي الله عنه) عن الصّادق (عليه السّلام) (من اجتنب الكبائر كفّر الله عنه جميع ذنوبه)(5)، وذلك قوله عزّ

وجل: «إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا»(6)، ولَعلّ في قول الشيخ (رَحمِهُ الله) المعاصي وإن كانت كلّها

ص: 220


1- الفضل بن الحسن بن الفضل، أمن الدين، أبو عي الطَبْرَسي من علماء الإمامية، مفسر، محقق، ترجع نسبته إلى طَبْرس، من مؤلفاته: تفسر مجمع البيان، و تاج المواليد، و جوامع الجامع، الكاف الشاف من كتاب الكشاف، وغيرها، توفي سنة (548 ه)، ينظر: معجم المطبوعات العربية: 2 / 1227، وهدية العارفين: 1/ 820، والذريعة: 5 / 268، و الاعلام: 5 / 148
2- ينظر: مجمع البيان، الطبرسي: 3 / 70
3- ينظر: الكبائر، محمد الذهبي (ت 748 ه): 24
4- (اجتبها) في ر
5- من لا يحضره الفقيه، الشيخ الصدوق: 3 / 575
6- النساء / 31

عندنا كبائر من حيث كانت معصيته لله ایماء إلى مَا ذكرنا من أنّ المراد نفي الظَّلم على تقدير المعاقبة لا مايفهم من ظاهر القول بأن اطلاق الكبر والصّغر اضافيّة والله تعالى يعلم، وقد قال بنفي الانقسام وكون الوصف اضافياً طائفة مِن العامة واسندوه إلى ابن عَباس وغيره من المفسرين، وقد فصّلنا الكلام فيه في كتاب حدائق الحقائق(1) ولا يذهب عليك أنّ ظاهر الآية وكلامه (عليه السّلام) لا يدل على خصوص ما ذهبت اليهِ المعتزلة كما زعمه بعض الشّارحین(2). (وبَیَن مَقْبُولٍ فِي أَدْنَاهُ، ومُوَسَّعٍ فِي أَقْصَاهُ) مثلوه بالقراءة فإنَّ القليل منها مقبُول، والكثير منها موسع مرّخصٍ في تركه وَمِنها (وَفَرَضَ عَلَيْكُمْ حَجَّ بَيْتِهِ الْحَرَامِ) الفرض في اللّغة ((التوقيت))(3) و ((التقدير))(4) وأصلهُ من ((فرض القوس وهو الحز الذّي يقع فيه الوتر))، ويطلق على الواجب مطلقاً وعلى ما دّل القرآن على وجوبه، وقيل: الفرض آكد من الواجب، وقيل: الفرض الواجب بجعل جاعل؛ لأنه فرضه على صاحبه، والواجب قد يكون واجباً من غير جعل جاعل فالفرض على هذا هو الواجب الذي لم يستقل العقل في الحكم بوجوبه، والحَج بالفتح في اللغة القصد المتكرر أو مطلقاً(5)، والحِج بالكسر الاسم، وفي النسخ بالفتح(6)،

ص: 221


1- ينظر: مخطوط حدائق الحقائق: 112 - 119
2- شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1 / 106
3- القاموس المحيط، مادة (فرض): 2 / 339
4- تاج العروس، مادة (فرض): 10 / 123
5- ينظر: العين، مادة (حج): 3 / 9
6- شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1 / 106

وقيل الفتح والكسِر لغتان، وخصّ في الشرع بقصد معين ذي شروطٍ معلومة، ويمكن أن يحمل في كلامه (عليه السّلام) على المعنى اللغوي، والحرام کمافي بعض النّسخ ماله حرمة والحرمة كلّ ما لا يجوز انتهاكه وسمّيت الكعبة حراماً لأن الله عزّ وجل حرم أن يصّاد صيدها أو يعضد شجرَها أو يختلي خلاهَا أو يؤخذ لقطتها إلاّ على وجه أو يخرج الجاني منهَا (الَّذِي جَعَلَهُ قِبْلَةً

لِلْأَنَامِ) القبلة ((الجهة))(1) وكلّ ما يستقبل والحالة التي تقابل(2) الشيء غيره عليها كما أنّ الجلسة هي الحال التي يجلس عليها ثم صّارت علماً لما يستقبل في الصلاة(3) والظاهر من هذا الكلام كون القبلة عين الكعبة ولما كان(4) تكليف النّاسِ مطلقاً كما هو ظاهر اللّفظ بالتّوجه إلى عينها حقيقة من قبيل التكليف بما لا يطاق فإرادة الجهة بالنسبة إلى البعيد غير بعيدٍ، وعرّفها بعض الاصحاب بأنها السِّمت الذّي يحتمل كون البيت فيه ويقطع بعدم خروجه عنه لإمارة شرعية (يَرِدُونَهَ وُرُدَ الْأَنْعَامِ،وَيَأْلُهَونَ(5) إِليْهِ وُلُوَه(6) الْحَمَامِ) ورود الماء حضوره للشرب، والماء ورِد بالكسر والتشبيه في الشوق والازدحام، وقيل في عدم اطلاعهم على أسرار الحج و[و](7) ظائفه(8)، و الولوه کما(9) في

ص: 222


1- لسان العرب، مادة (قبل): 11 / 545
2- (يقابل) في ث، ح، م، تصحيف
3- ينظر: تاج العروس، مادة (قبل): 15 / 596
4- (کانت) في أ
5- (يو لهون) في شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1 / 106
6- (وله) في شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1 / 106
7- [و] ساقطة من ث
8- (وطائفة) في أ، ع، و في ث: (وفطائفه)، تصحيف
9- (كما) في ح

النسخ التي رأيناها امّا مصدر آله المهموز لكن هذا المصدر غير مذکُورٍ في کلام أهل اللّغة، أو مصدر ولِه بالكسر بمعنى تحيّر، ويألهُون بمعنی يولهون، وأصل الهمزة الواو(1) کما ذکره القطب الرّاوندي(2) (رحمه الله (تعالى)(3))، وأورد عليهِ [الشارح](4) عبد الحميد بن أبي الحديد بأن ((فعولًا لا يُجوز أن يكون مصدراً من فَعِلت بالكسر))(5) وكان في نسخته (ولَهَ الحَمام)(6) بالتحريك، قال: الوله شدّة الوجد؛ حتّی یکاد العقل يذهب، ومن روی: (يألهون اليه ولوه الحَمام) فسّره بشيء آخر، وهو: يعكفون عليه / و 18 / عكوفُ الحمام. و أصل (الهَ) عبد، ومنه الآله، أي المعبُودِ. ولما كان العكوف على الشيء كالعبادة له لملازمته والانقطاع اليهِ قيل: اله فلان إلى كذا، أي عكف عليه كأنّه يعبده، قال: ولا يمتنع أن يكون مصدراً لالهَ المفتوح كقولك: دخل دخولاً(7) (انتهى)، وقد ذكر في القاموسِ (وله) ک((وعد))(8) فيكون وجهاً لكلام القطب الرّاوندي(9) (رحمه الله)، والحمام مثل في الشّوق

ص: 223


1- ينظر: منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة: 1 / 106
2- سعید بن هبة الله بن الحسن الراوندي، يكنى أبا الحسن، قطب الدین، عالم، أديب، أمامي، من تصانيفه: الخرائج والجرائح، تهافت الفلاسفة، و غریب النهاية، وتحفة العليل، وغيرها من المصنفات، توفي في بلدة (قم) سنة (573 ه). ينظر: هدية العرفين: 1 / 392، و الاعلام: 3 / 104، و معجم المؤلفين: 4 / 225
3- (تعالى) زيادة في ث
4- [الشارح] ساقطة من ث، ح
5- شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1 / 107
6- المصدر نفسه: 1 / 107
7- ينظر: المصدر نفسه: 1 / 107
8- القاموس المحيط، مادة (وله): 4 / 295
9- ينظر: منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، القطب الراوندي: 1 / 106

إلى وكره و فرخه، وقال في حياة الحيوان في طبع الحمام: ((انّه يطلب وكره ولو ارسل من الف فرسخ))(1) ويعود اليه بعدمَا اصطيد وغاب عنه عشر سنين(2) (جَعَلَهُ سُبْحانَهُ عَلَامَةً لِعَظَمَتِهِ(3)، وَإذْعَانِهِمْ لِعِزَّتِهِ) قد فصل (عليه السّلام) هذا المعنى في الخطبة القاصعة وسنقف عليه في شرحهَا أن شاء الله تعالى. (وَاخْتارَ مِنْ خَلْقِهِ سُمَّاعاً أَجَابُوا إِلَيهِ دَعْوَتَهُ، وَصَدَّقُوا كَلِمَتَهُ) السماع جمع سامِع وهو من الأوزان(4) التّي يجمع عليهَا فاعل الصّفة غالباً، والمراد بالدّعوة أمّا التكليف الظّاهري، أو دعوة إبراهيم (عليه السّلام) بأمره سبحانه لما بنى البيت فنادى هلم إلى الحج فأجابه من أجاب في أصلاب الرجال لبيكَ داعَيِ الله مرّة ومرّات فحجوا كذلك، ومن لم يلب لم تحج کما روته العامة والخاصّة. وروي عن أمير المؤمنين (عليه السّلام) هذا الوجه في تفسير قوله تعالى: «وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ»(5) والضّمير في (اليه) أمّا راجع إلى ما يرجع اليه أخواته، أو إلى البيت والظّرف متعلّق بالفعل بتضمين معنى التّوجه أو بالدعوة وتصديق الكلمة أمّا تأكيد لإجابة الدّعوة، أو المراد به إطاعة التكليف الظّاهري والعكس لا يخلو عن بعد (وَوَقَفُوا مَوَاقِفَ أَنْبِيَائِهِ، وَتَشَبَّهُوا بِمَلائِكَتِهِ الْمُطِيفِنَ

ص: 224


1- حياة الحيوان الكبرى، الدميري: 1 / 365
2- المصدر نفسه: 1 / 395
3- (علامة لتواضعهم لعظمته) في شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1 / 106، وشرح نهج البلاغة، صبحي الصالح: 25
4- (أوزان) في ع
5- الحج / 27

بِعَرْشِهِ) أطاف بالشيء ((أي: أحاطَ بِهِ، فَهو مُطيفٌ))(1) قاله في العين، (وأطاف به أي الم به وقاربه)(2)، وقد وردت الاخبار في حج الانبياء (عليهم السلام) (يُحْرِزُونَ الْأَرْبَاحَ فِي مَتْجَرِ عِبَادَتِهِ، وَيَتَبَادَرُونَ عِنْدَهُ مَوْعِدَ مَغْفِرَتِهِ) الاحراز الحيازة والجمع(3)، والمتجر بالفتح مصدر، أو اسمِ مکان والاضافة بَيانّیة(4) أو لاميّةٍ، والتبادر التّسارع(5)، والموعِد بالكسر يحتمل الوجهين والاضافة لاميّة (جَعَلَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعالَی لِلْإِسْلَامِ عَلَماً، ولِلْعَائِذِينَ حَرَماً) العَلَمُ بالتحريك العلامة والجبل و كلُّ ما يُهتدى بهِ(6)، ولعلّ المراد [على الأوّل](7) كون البيت أي حجّه من علامات الاسلام کَما أن بعض العبَادات من علامات الايمان، فالعَطْف يحتاج إلى ارتكاب مَا يشبه الاستخدام لعَدم الحاجة إلى تقدير المضاف وجعل الحج حرماً للعائذين بَعيد، وفي بعض النّسخ و(للعَابدین) بالباءِ الموّحدة، والدّال المُهملة فلا يبعد حينئذٍ تقديره، ويمكن عود المنصوب إلى الحج فكونه علماً للإسلام وحرماً للعَابدين على ما في بعض النسخ، وعلى الاصل يمكن أن يراد بالعَائذين المستجيرون من العذاب ولو أريد بالعلم مَا يهتدى بهِ وعاد الضّمير إلى البيت، فالمعنى واضح على النّسختين، ولو عاد إلى الحج فكونه حرماً للعَائذين بالمعجمة كما سبق وقد

ص: 225


1- العين، مادة (طاف): 7 / 458
2- الصحاح، مادة (طوف): 4 / 1397
3- معجم لغة الفقهاء، محمد قلعجي: 48
4- (بیانید) في ر
5- ينظر: لسان العرب، مادة (بدر): 4 / 68
6- ينظر: العين، مادة (علم): 2 / 152، 153
7- [على الاول] ساقطة من ع

سبق بَيان كون البيت حرماً في تفسير البيت الحرام (فَرَضَ حَجَّهُ، وَأَوْجَبَ

حَقَّهُ(1)، وَكَتَبَ عَلَيْكُمْ وِفَادَتَهُ) قد مرّ بيان [الفرض](2) والواجب والكتاب الفرض والحكم، والوِفادة بالكسر الاسم من قولهم: وفد فلان على الأمير أي: قصده لزيارة، أو(3) استرفاد وأصله الورُود للرسَّالة(4)، والمجرُورات إمّا راجعة إلى الله سُبحَانه، أو إلى البيت والمال(5) واحد وقد ورد أنّ الحاج، والمعُتمر وفد الله إن سألُوه اعطاهم، وإن دعوه اجَابَهم، وإن شفعُوا شفعَهُم، وإن سكتُوا ابتدأهم، ويعوّضوُن بالدّرهم الف درهم (فَقَال(6): «وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ»(7) الحَج بالفتح مصدر، وبالكسر اسم، وقيل إنّه مصدر أيضا، وقرئ في [الآية](8) على الوجهين(9) ويوجدان / ظ 18/ في النسخ، والنّاس عام أبدل منه من استطَاعَ بدل البعض، وتفسير الاستطاعة موكوُل إلى محلّهِ وفي ذکر

ص: 226


1- (فرض حقه، وأوجب حَجَّه) في شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1 / 107، ونهج البلاغة، صبحي الصالح: 25
2- [الفرض] ساقطة من أ، ع
3- (و) في ع، تحریف
4- (فا لمال) في ث، ح
5- ينظر: الصحاح، مادة (وفد): 2 / 553
6- (فقال سبحانه في شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1 / 107، و نهج البلاغة، صبحي لصالح: 25
7- آل عمران / 97
8- [الآية] ساقطة من أ
9- قرأها بالكسر أبو جعفر وحمزة والكسائي وخلف و حفص، والباقون بالفتح. ينظر: الحجة في القراءات السبع، ابن خالويه: 88، وتقريب النشر في القراءات العشر، ابن الجزري (ت 833 ه): 182، 183

الكفر مكان التّرك تغليظ لا يخفي وقد ورد في الأخبار: من مات ولم يحجّ فليمت إن شاء يهودياً و إن شاء نصرانياً(1) وفي الآية ضروب من التأكيد في أمر الحج فصّلهَا المفسّرون(2).

(ومن خطبة له (عليه السلام) بَعدَ انصِرافه مِن صفيّن)

صفيّن كسّجين اسم الأرض التّي كانَتْ فِيْهَا الوقعة العُظمى وهي من أرض الشّام قرب الرقة بشاطئ الفرات(3) غير منصرف للتأنيث والعلميّة، والنّون فيهَا أصلّية )(أَحْمَدُهُ اسْتِتْمَماً لِنِعْمَتِهِ، واسْتِسلَاماً لِعِزَّتِهِ، وَاسْتِعْصَاماً مِنْ

مَعْصِيَتِهِ) استنم الشيء وتمّمه وأتّمه بمعنى وَ استتم النّعمة طلب اتمامها والظّاهر أنّ المراد بالحمد الشكر، وفي الكَلام ایماء إلى قوله تعالى: «لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ»(4)، والاستِسلام ((الانقياد))(5) والعزة: القوة والشدّة والغلبة(6)، والعصمة: المنع والحفظ(7) وكلّ من المَنصُوبَات الثلاثة مفعُول له القوله (عليه السّلام): احمده، وكون استتمام النعمة غاية للحمد ظاهر، وأمّا الانقياد للعزة فيمكن أنَّ يكون المراد به ظهوره وترتيب الاثر عليه، ويمكن أن يقال: الانقياد هو الطّاعة ولا ريب في حصولها بالحمد ويمكن أن يكون

ص: 227


1- نص الحديث (من لم يمنعه عن الحج حاجة ظاهرة أو سلطان جائر أو مرض حابس فمات ولم يحج فليمت ان شاء يهودياً وإن شاء نصرانياً) سنن الدارمي، عبد الله الدارمي: 2 / 28، 29
2- ينظر: الكشف والبيان عن تفسير القرآن، الثعلبي: 3 / 152، و تفسير الرازي (ت 606 ه): 8 / 162 - 164، و تفسير البحر المحيط، أبو حيان (ت 745 ه): 3 / 12
3- ينظر: معجم البلدان، یاقوت الحموي: 3 / 414
4- إبراهيم / 7
5- لسان العرب، مادة (سلم): 12 / 293
6- ينظر: الصحاح، مادة (عزز): 3 / 886
7- ينظر: الصحاح: مادة (عصم): 5 / 1896

من قبيل قعدت عن الحرب جبناً(1) فإن الانقياد القبلي من أسباب الشّكر والحمد، وما ذكره بعض الشارحین(2) من أنّ العبد يستعد بكمال الشّكر لمعرفة المشکُور(3) وهيَ مستلزمه للانقياد لعزته والخضوع(4) لعظمته وهو في ذلك ناظر إلى قوله تعالى: «وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ»(5) فلا يخلو(6) عن بعد، ولمّا كان استتمام النعمة التي من جملتها الهدايات الخاصة والتوفيقات الالهيّة وكذا الانقياد للعزة من أسباب العصمة عن المعصية آخر الاستعصام عنهما وجعله بعض الشارحين(7) وسيلة إلى الغايتين السابقتين وهو كما ترى (وَأَسْتَعِينُهُ فَاقَةً إلى كِفَايَتِهِ؛ إِنَّهُ لاَ يَضِلُّ مَنْ هَدَاهُ، وَلاَيَئِلُ مَنْ عَادَاهُ، وَلاَ يَفْتَقِرُ مَنْ كَفَاهُ) العون: ((الظهير على الامر))(8) واستعنت فلاناً وبفلان طلبت منه الاعانة، وَالفَاقة: ((الفقر والحاجة))(9) يقال: افتاق الرّجل، ولا يقال: فاق، وكفاية الرّجل القيام بمَا يحتاج اليه، وَوَءَلَ(10) کوعد التجأ إلى موضِع ونجا منه ما روي في حديثه (عليه السّلام) أنّ درعه كان صدراً بلا ظهر فقيل له لَواحترزت من ظهرك فقال: إذا امكنتُ مِن ظهري فلا وألت أي لانجوت،

ص: 228


1- (جنباً) في ح، تصحیف، وفي ث: (حبناً) تصحيف
2- ينظر: شرح نهج البلاغة، ابن میثم البحراني: 1 / 237
3- في شرح نهج البلاغة، ابن میثم البحراني: 1 / 237. (المشكور وهو الله)
4- في شرح نهج البلاغة، ابن میثم البحراني: 1 / 237 (الخشوع)
5- إبراهيم / 7
6- (تخ) في ع، اختصار كلمة (تخلو)
7- ينظر: شرح نهج البلاغة، ابن میثم البحراني: 1 / 237
8- لسان العرب، مادة (عون): 13 / 298
9- المصدر نفسه، مادة (فوق): 10 / 319
10- (ووأل) في أ، ر، ع

ولعلّ المراد بالمُعادَات تترك(1) الاستعَانة ولمّا كان كمال الكافي وتمامُ الفاقة إلى کفایته بعدم ضلال من هداهُ الرّاجع إلى کمال عمله وعدم من افتقار من كفاه العائد إلى کمال قدرته وهلاك من أعرض عنه العَائد إلى انحصَار الكافي فيه عللّ (عليه السّلام) الاستعانة المعللّةِ بالفاقة بالأمُورِ الثّلاثة (فَإِنَّهُ أَرْجَحُ مَا وُزِنَ، وأفْضَلُ مَا خُزِنَ) قال بعض الشّارحين: الضّمير يعود إلى الحمد المّدلول عليه بالفعل(2)، وقال بعضهم: ((يعود إلى الله سُبحانه ولا كانت ذاتهُ(3) مقدّسة عن الوزن والخزن(4) اللذين هما من صفات الاجسَام فبالحرى أن يكون المقصود رجحان عرفانه في ميزان العقل إذ لا يوازنه عرفان مَا عَداهُ بل لا يخطر ببال العَارف عند الاخلاص سَواهُ))(5) ولَعلّ الأولى على فرض التقدير تقدير الفضل والجُود حتی یکون التّعليل لعدم افتقار من كفاه المتّصل بهذا الكَلام، ويمكن أن يكون التّعليل لمجمُوع الحمد والاستعانة (وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَ اللهُ(6) شَهَادَةً مْمُتَحَناً إخْلاصُها، مُعْتَقَدا مُصَاصُهَا) الشّهادة الإخبار بالشيء عن مشاهدة، أو ما يقوم مقام المشاهدة، ومنه الشهادة / و 19 / عند القاضي؛ لأّنها أخبار عن العلمِ، والامتحان الاختبار، و((الممتحن المصّفى المهذّب يقال: محنت الفضّة أي: صفيتها وخلّصتها بالنارِ))(7)،

ص: 229


1- (ترك) في ث، ر
2- ينظر: شرح نهج البلاغة، ابن ابي الحديد: 1 / 115
3- (داته) في ث
4- (الحزن) في، ح، ر، وفي ث، ن: (الخرن)، تصحيف
5- شرح نهج البلاغة، ابن میثم البحراني: 1 / 237
6- (وأشهد أنَّ لا اله إلا الله وحده لا شريك له) في شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1 / 114، ونهج البلاغة، صبحي الصالح: 26
7- لسان العرب، مادة (محن): 13 / 401

والمُصاصِ بالضّم ((خالص كلّ شيء))(1)، وفلان مُصَاصِ قومه أي أخلصهم نسباً(2) يستوى الواحدِ والأثنان والجمع والمؤنث أي اشهدُ شهادة امتحن اخلاصها فظهر خالصاً مصفى من الشّوائب اعتقد خالصها من حيث خلوُصها (نَتَمَسَّكُ بِهَا أبَداً مَا أَبْقَانَا، وَ نَدَّخِرُهَالِأَهَاوِيلِ مَا يَلْقَانَا) تمسّکت بالشيء وامتسکت به واستمسكت به وامسكت به کلّه بمعنى [...](3) اعتصمت به (وندّخرها) في كثير من النسخ(4) بالدّال المهملة المشدّدة على صيغة الافتعال، وفي بعضها بالمعجمة السّاكنة وفتح الخاء وهما بمعنی والأهَاويل جمع أهوال والأهوال جمع هول كأنعام و أَناعيم، والهَوْل المخافة من الأمر، والمراد بمَا یَلْقانَا شَدائد الآخرة أو ما هو أعمّ منهَا (فَإِنَّهَ عَزِيمَةُ الْإيمَانِ، وَفَاتِحَةُ الْإِحْسَانِ، وَمَرْضَاةُ الرحْمَّنِ، وَمَدْحَرَةُ الشَّيْطَانِ) عزائم الأمور ما وكدت رأيك عليهِ وقطعت على فعله، وعزائم الله فرائضه التّي أوجَبها والمراد بعزيمة الايمان ما لابدّ له منه، وفاتحة الشيء أوّله، والمرضاة والرّضا والرّضوان واحد والدحر الدفع بعنف على سبيل الاهانة و الاذلال، و الظّاهر أن المدحرة مصدر والحمل على المبالغة [لا](5) کما زعم بعض الشارحين(6) أنّها اسم مکان (وَأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ بِالدِّينِ الْمَشْهُورِ،

ص: 230


1- لسان العرب، مادة (مصص): 7 / 91
2- ينظر: المصدر نفسه، مادة (مصص): 7 / 91
3- [أي] في:ث، ح، ر، م، ن، زيادة لا يقتضيها السياق
4- شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1 / 114، وشرح نهج البلاغة، ابن میثم البحراني: 1 / 239
5- [لا] ساقطة من ع
6- ينظر: شرح نهج البلاغة، ابن میثم البحراني: 1 / 236

وَالْعَلَمِ الْمَأْثُورِ، وَالْكِتَابِ الْمَسْطُورِ) المشهور الواضحِ تقول(1): شهرت الامر وشهراً فاشتهر أي وضح، والعلم بالتحريك كل ما(2) يهتدی به والعلامة والراية، وفي بعض النسخ (العِلم) بالكسرِ، والمأثور: المنقول، تقول(3): أثرت الحديث إذا ذكرته عن(4) غيرك، قال بعض الشارحين(5): العلم المأثور يجوز أن يعني [به](6) القرآن(7)؛ لأنّه المحكي، والعلم مايهتدى به، والمتكلمون يسمعون المعجزات أعلاماً، ويجوز أن يريد به أحد معجزاته غير القرآن؛ فإنها كثيرة ويؤكد هذا قوله بعده: (والكتاب المسطُور)، وإن جاز أن يكون تأكيداً على قاعدة الخطابة، وقال بعضهم: ((المأثور المقدم على غيره، والمأثور أيضاً المنقول))(8)، ((وكونه مأثورا إما إشارة إلى كونه مقدماً على سائر الأديان كما يقدم العلم ويهتدي به قوم بعد قوم، أو إلى نقله من قرن [الى قرن](9)))(10) (انتهى)، والظاهر أنه حمل العلم على معنى الراية وجعل العلم كالتفسير للدين وهذا وإن كان لا يخلو عن مناسبه إلا أن هذه التفسير لَيْسَ بمأثور في كتب اللّغة نعم يناسب معنى الايثار وهو الاختيار ومع ذلك كون

ص: 231


1- (يقول) في أ، ر، ع
2- (کلما) في أي ع
3- (يقول) في أ، ر، ع
4- (من) في أ، ع
5- ينظر: شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1 / 117
6- [به] ساقطة من ع
7- (بالقرآن) في ع
8- شرح نهج البلاغة، ابن میثم البحراني: 1 / 236
9- [إلى قرن] ساقطة من أ، ع
10- شرح نهج البلاغة، ابن میثم البحراني: 1 / 240

هذا النّوع من التقدير إيثاراً لا يخلو عن شيء وعلى تقدير الصّحة فالأولى جعل العلمِ عبارة عن القرآن، أو غيره من المعجزات کما تقدم، والسطر ترتيب الحروف على وجه مخصوصٍ تقول(1): سطرت الكتاب اسطره سطراً أي كتبته، ((والسّطر: الصف من الشيء))(2) يقال: غرس سطرا وبنی سطرا(3) وأصله المصدر والقرآن مَسطور، لأنَّه مكتوب عند الله في الّلوح المحفُوظ(4)، أو لأنَّه يكتبه المؤمنون في الصّحائف، وَالألواح وبالوجهين فسر قوله تعالى: «وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ»(5) وقيل: القرآن مسطور؛ لأنَّه سطر حقائقه في ألواح النّفُوس، (وَالنُّورِ السَّاطِعِ، وَالضِّيَاءِ اللاَّمِعِ، والْأَمْرِ الصَّادِعِ) السّطوع الارتفاع(6)، ولمع البرق کمنع لمعاً ولمعاناً أي: أضاء، والوَصْف للتأكيد، والصدع والفرق والفصل نظائر وأصله ((الشق)(7)، وصَدع بالحق إذا تكلم به جِهارا(8)، و في الكلام إشارة إلى قوله تعالى: «فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ»(9) قيل أي أظهر وأعلن وصرح بما أمرت به غير خائف، وقيل: فافرق بين الحقّ والبَاطِل بما أمرت بهِ، وقيل: شق جماعَاتهم بالتوحيد. (إِزَاحَةً لِلشُّبُهَاتِ، وَاحْتِجَاجاً

ص: 232


1- (يقول) في أ، ر، ع
2- الصحاح، مادة (سطر): 2 / 684
3- ينظر: المصدر نفسه، مادة (سطر): 2 / 684
4- ينظر: مجمع البيان 9 / 271، والتبيان في تفسير القرآن: 9 / 402، و الميزان في تفسير القرآن: 19 / 6
5- الطور / 2
6- ينظر: تاج العروس، مادة (سطع): 11 / 208
7- العين: 1 / 292
8- ينظر: الصحاح، مادة (صدع): 3 / 1242
9- الحجر / 94

بِالْبَيِّنَاتِ، وتَحْذيراً / ظ 19 / بِالْآيَاتِ، وتَخْوِيفاً للْمَثُلَاتِ(1)) زاح الباطل أي زال وذهبَ وازاحه غيره والشّبهة الباطِل يشبه الحق وسيجيء تفسيرها في كلامه (عليه السّلام)، والبيّنات الدلالات الواضحة الفاصلة بين القضية الصّادقة والكاذبة مأخوذة من إبانة احد الشيئين عن الآخرليزوُل التباسه به، والآية ((العلامة))(2)، أو التي فيها عبرة، أو التّي فيها الحجة، والآية من القرآن جماعة حروف وكلمات من قولهم خرج القوم بآیتهم أي بجماعتهم، والمراد بالآيات ما اشتمل من القرآن على الوعيد ونحوه، أو مَا نزل بالأمم المَاضين، والمَثُلات جمع مثله بفتح الميم وضم المثلثة فيهما وهي ((العقوبة))(3)، والأنسب أن يكون إزاحة الشّبهات عبارة عن إبطال الملل الباطلة، والآراء الفاسدة، والاحتجاج بالبينات عن الاستدلال على المطالب اليقينّية(4) والتّحذير بالآيات التخويف بما نزل بالأمم [مّما](5) يدل عليه الكتاب الكريم وغيره من العقوبات الدنياوية والتخويف بالمثلات عن الإنذار بالعقوبات الآخروية، والأخيرتان تحتملان العكس، (وَالنَّاسُ فِي فِتَنٍ انْجَذَمَ فِيهَا حَبْلُ

الدِّينِ، وَتَزَعْزَعَتْ سَوَارِى الْيَقِنِ) الفتن جمع فتنة وهي في الأصل ((الامتحان والاختبار))(6) تقول(7): فتنت الذهب إذا أدخلته النّار لتعلم جودته، ويكون

ص: 233


1- (بالمثلات) في شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1 / 117، ونهج البلاغة، صبحي الصالح: 26
2- العين، مادة (أيا): 8 / 441
3- الصحاح، مادة (مثل): 5 / 1816
4- (التقينيه) في ر
5- [مما] ساقطة من أ، ع
6- الصحاح، مادة (فتن): 6 / 2175
7- (يقول) أ، ع، ر، ن

بمعنى الابتلاء بالشدائد والعذاب والكفر والقتال والضّلال واختلاف الناسِ في الآراء والفضيحة وغير ذلك، وانجذم بالجيم والذال المعجمة أي انقطع(1)، وفي بعض النّسخ بالزّاي(2) بمعناه ومنه قلم جزم للذّي لا حرف له، والحبل بالسّكون ((الرسن))(3) وكلّ ما يتوصل به إلى شيء والعهد والأمان والوصَال(4) وتزعزع أي تحّرك واضطرب تقول(5) زعزعته فتزّعزع، والسّواريجمع سَارية وهي الاسطوانة والظاهر أنّ الواو في قوله (عليه السّلام): (والنّاس في فتن) للحال والعامِل ارسله والفتن فتن الجاهلّية وحال البعثة، وانجذام حبل الدّين تشتت الأمُور واختلاف النّاس في آرائهم واضطراب دعَائم اليقين عدم ثبات أركان الدّين لغلبة الشرك وجوّز بعض الشارحين(6) أن یکون ابتداء کلام وغرضه (عليه السّلام) ذمّ اصحابه وذكر مساوئ أهل زمانه لينتهبُوا من رقدة الغفلة ويشمروا عن سَاق الجد؛ لإقامة مراسم الملة التّي من جملتها الجهاد الذّي هو من أهمّ المطالب في ذلك الزّمان، وأن يكون المراد بتزعزع سوارى اليقين موت أصحابه الذين(7) كانوا لا تأخذهم في الله لومة لائم، أو خوْفهم من الأعداء المارقين عن الدّين (وَاخْتَلَفَ النَّجْرُ، وَتَشَتَّتَ الْأَمْرُ، وضَاقَ الْمَخْرَجُ، وعَمِىَ الْمَصْدرُ) النَجْر بفتح

ص: 234


1- ينظر: لسان العرب، مادة (جذم): 12 / 88
2- (بالراي) في أ، ث، ع، ن
3- العين: 3 / 236
4- ينظر: الصحاح، مادة (حبل): 4 / 1664
5- (يقول) في أ، ح، ر
6- ينظر: شرح نهج البلاغة، ابن میثم البحراني: 1 / 241
7- (الدين) في أ، ع، تصحیف

النّون وسكون الجيم ((الأصل والطّبع))(1) وسوق الابل شديدا(2)، واختلافه اختلاف النّاس في مذاهبهم وآرائهم أو أصولهم وقواعدهم أو في الفطرة و الخلقة، وتشتت الامر تفرقة، ويمكن أن يراد به الاختلاف في الفروع، والمخرج محل الخروج من الشبهة الواردة، أو الفتن، أو الخروج منها وفي النسبة تجوّز کنسبة العمى إلى المصدر وهو محّل الرّجوع عن المقصِد أو الرّجوع نفسه(3) (فَالْهُدَى خَامِلٌ، والْعَمَى شَامِلٌ، عُصَيِ الرَّحَمْنُ، ونُصِرِ الشَّيْطَانُ، وخُذِلَ الإيمَانُ، فَانْهَارَتْ دَعَائِمُهُ، وتَنَكَّرَتْ مَعَالِمُهُ، ودَرَسَتْ سُبُلُهُ، وعَفَتْ شُرُكُهُ) الحامل ((السّاقط الذي لا نباهة(4) له))(5)، وانهارت أي: تساقطت وانهدمت والانهيار كالانهيالُ لفظاً ومعنىً(6)، والدّعائِم جمع دِعامة بالكسر وهي ((عمادُ البيت الذي يقومُ عليه))(7) ويسمّى سيد القومُ دعامة(8)، ومعلم الشيء / و 20 / ما جَعل علامة له يستدّل بها عليه وقيل معالم الشّيء: اثارهُ، وتنكرت أي: تغيّرت إلى مجهولٍ، ودَرَسَ رسم الشَيء أي: ذّهب

ص: 235


1- لسان العرب، مادة (نجر): 5 / 193
2- ينظر: الصحاح، مادة (نجر): 2 / 823
3- ينظر: الصحاح مادة، (صدر): 2 / 710
4- (بناهه) في أ، ع، ر، م
5- لسان العرب، مادة (خمل): 11 / 221
6- (الانهيار: موضع لين ينهار،.... وكل ماسقط من أعلى جرف أو شفير ركبة في أسفلها، فقد تهور وتدهور) لسان العرب، مادة (هور): 5 / 268. و (يقال رمل هيل، وهائل، للذي لا يثبت مكانه حتى ينهال فيسقط) تاج العروس: 15 / 821
7- لسان العرب، مادة (دعم): 16 / 241
8- ينظر: تاج العروس، مادة (دعم): 16 / 241

وبطل وكذلك عفي، والشُرُك بضمتين جَمْع شراك كَکِتاب وهي الطّرائق(1)، وفي بعض النۀسخ (شَرَكَة) بالتحريك جمع شَرَكَة كذلك وهي ((معظم الطّريق ووسطه))(2) (أَطَاعُوا الشَّيْطَانَ فسَلَكُوا مَسَالِكَهُ، وَوَرَدُوا مَنَاهلهُ؛ بِهِمْ سَارَتْ

أَعْلَمُهُ، وقَامَ لِوَاؤُهُ.) الوروُد حضُور الماء للشَرب(3)، والنَهَل بالتحريك ((عين ماء ترده الابل في المراعي، وتسمى المنازل التّي في المفاوز على طرق السّفار مناهل؛ لأنّ فيها ماء))(4)، والأعلام جَمع علم وهو اللّواء، والانسب بقيام اللّواء أن يكون الباء في بهم للاستَعانة وإن كان مَا قبله يحتمل التعدية (فِي فِتَنٍ دَاسَتْهُمْ بِأَخْفَافِها، وَوَطِئَتْهُم بِأَظْلَفِهَا، وقَامَت عَلَى سَنَابِكهَا) الدوس بالفتح ((الوطء بالرجل))(5)، والخف للبعير والنعام بمنزلة القدم للإنسان، والحافر للخيل، والظِلف بالكسِر للبقر والشاة والظبي، والسنبك كقنفذ ((طرف مقدم الحافر))(6) بمنزلة برثن الأسد، وأصابعَ الانسان، ومخلب الطائر ومنسم البعير، قال بعض الشارحين(7): [الظرف](8) يحتمل أن يكون متعلقاً بقوله (عليه السلام): سارت أعلامه، وقام لواءه، ويحتمل التعلق بمقدر يكون خبراً ثانياً لقوله والناس، وهذه الفتن هي التي أشار اليّها أولاً، وإنّما أوردهَا ثانياً بزيادة أوصَاف فشبهها بأنواع الحيوان، ويحتمل أن يكون

ص: 236


1- ينظر: الصحاح، مادة (شرك): 4 / 1594
2- المصدر نفسه، مادة (شرك): 4 / 1594
3- ينظر لسان العرب، (ورد): 3 / 456
4- تاج العروس، مادة (نهل): 15 / 762
5- القاموس المحيط، مادة (دوس): 2 / 217
6- الصحاح، مادة (سبك): 4 / 1589
7- ينظر: شرح نهج البلاغة، ابن میثم البحراني: 1 / 242، 243
8- [الظرف] ساقطة منع، وفي أ (الطرف) تصحيف

هناك اضهار أي داستهم باخفاف إبلها، وحينئذ يكون التجوز في نسبته الوطئ والدّوس والقيام اليّها فقط وهو المجاز [في الاسناد](1) (انتهى). وفيه تأمّل (فَهُمْ فِيهَا تَائِهُونَ حَائِرُونَ جَاهِلُونَ مَفتُونُونَ) التائه الضّال المتّحير فحائرون كالتّفسير له والمفتُون من أصابته الفتنة وقد مرّ تفسيرُها (فِي خَیْرِ دَارٍ وشَرِّ جِیرانٍ؛ نَوْمُهُمْ سُهُودٌ، وكُحْلُهُمْ دُمُوعٌ؛ بِأَرْضٍ عَالِمُهَا مُلْجَمٌ، وجَاهِلُهَا مُكْرَمٌ) الظاهر أن السّهود جمع سُهد بالضّم وهو السّهر والأرق(2) لا مَصدر سَهِدَ كفَرِح کما زعمه بعض الشّارحين(3)؛ لأنّ مصدر فَعِل بكسر العين لا يجيء على فعول بالضّم والجمع أنسَبَ بالدموع، والملجم الممنُوع عن الكلام وعّما یریده لخوف ونحوه(4)، واختلف الشارحون لهذا الكلام فقيل: المراد بخیر دار أرض الشّامِ، لأنّها الأرض المقدّسة، وشر جيران أصحاب معاوية ونومهم سهود؛ لأنهم لا ينامون اهتماماً بأمر القتال، وكحلُهم دموع لبكائهم على قتلاهم، والعالم هو [عليه السّلام](5)، والجاهِل معاوية(6)، وقيل خیر دار الكوفة وشرّ جيران أصحابه (عليه السلام) الذّين خذلوه وقعدوا عن نصره(7)، ونوم الناس مطلقاً سهود لخوفهم وابتلائهم بالفتن [و كحلهم دموع البكائهم على المقتولين أو نوم المتخاذلين سهود لخوفهم من معاوية [و](8)

ص: 237


1- [في الاسناد] ساقطة من ع
2- الصحاح، مادة (سهد): 2 / 492
3- ينظر شرح نهج البلاغة، ابن میثم البحراني: 1 / 236
4- ينظر: تاج العروس، مادة (لجم): 17 / 639
5- [عليه السلام] ساقطة من أ، موجوده في ح، ر
6- ينظر: منهاج البراعة شرح نهج البلاغة، قطب الدين الراوندي: 1 / 113
7- منهاج البراعة شرح نهج البلاغة، قطب الدين الراوندي: 1 / 133
8- [و] ساقطة من أ، ع

أصَحابه](1) وكحلهم دموع للبكاء على القتلى، أو لنفاقهم(2) فإنه إذا تم نفاق المرء ملك عينه وبناء الوجهين على أن يكون الكلام بياناً لحال أهل زمانه (عليه السّلام) لا زمن البعثة، وقيل: خير دار دار الدنيا وهي دار فاضلة لمن قام فيها بأمر الله کما سيجيء في كلامه (عليه السّلام) و شر جيران أهلها الجهالأ والمخاذلُون لمن انتصر بهم على أعداء الدّين ونومهم سهود لوقوع الفتن بهم وكحلهم دموع لابتلائهم بالمصائب والارض مكانهم من الدّنيا والعالم الملجم بلجام الذل من قام فيهم بالأمر بالمعروف والجاهل المكرم الاشرار الجهال وهذا الوجه يصلح و صفا لكلا الزمانين. وقيل: (خير دار) مكة، (والجِيّران) قریش(3) وهذا لفظ النّبي (صلى الله عليه وآله) في وصف حال البعثة ((كنت في خير دارٍ، وشر جیران))، ثم حكى (صلى الله عليه وآله) ما جرى له مع عقبة بن أبي معيط، والحديث مشهور، (ونومهم سهود، وكحلهم / ظ 20 / دمُوع) مثل قولك: جودهم بخل، وأمنهُم خوف، أي لو استماحهم (صلى الله عليه وآله) النوم لجادوا عليه بالسّهوُد عوضاً عنه(4)، ولو استجادهم الكحل لكان كحلهم [...](5) الذي يصلُون به الدّمُوع، ثّم قال (عليه السّلام): (بأرض عالمها ملجم) أي: من عرف صدق [محمد](6)

ص: 238


1- [وكحلهم دموع لبكائهم على المقتولين أو نوم المتخاذلين سهود لخوفهم من معاوية وأصَحابه] ساقطة من ث
2- (لبقاقهم) في أ
3- ينظر: شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1 / 118
4- والصواب عوضا منه
5- [كحلهم] مكررة في ع
6- [محمد] ساقطة من أ، ع

(صلى الله عليه وآله) وآمن به في تقية وخوفٍ. (وجاهلها مكرم) أي: من جحدنبوته وكذبه في عز ومنعة(1) وهذا الوَجْه أظهر الوجوه إلاَّ أنه يمكن أن يكون المراد بكون نومهم سهوداً و كحلهم دموعاً [في](2) بعض مَا سبق من شدة الفتن وتظاهرهَا والضمير في نومهم و کحلِهم يمكن أن يعود إلى الناس عامة والى الجيران أي انّهم كانوا يؤذون رسول الله (صلى الله عليه وآله) مع ابتلائهم بالشدائد والبلايا والقتل والقتال أو إلى أصحاب الرّسول (صلى الله عليه وآله) خاصة، فيكون بیاناً لشدّة بلائه (صلى الله عليه وآله) وَابتلاء أصحابه وتَحملّهم اذى القوم، وقال بعض الشارحين: الظاهر [أن](3) هذا الذي أورده السّيد رضي الله عنه من هذه الخُطبة فصول ملتقطة ليست على نظامِها التّي خرجت عليه فإن كان كذلك فربما يلوح منها لو انتظمت مقاصد توضح ما اختلفوا فيه والله تعالى يعلم.(4)

(ومنهَا ويعني آل النّبي صلى الله عليه وآلهِ هُمْ مَوْضعُ سِرِّهِ، وَلَجَاء أَمْرِهِ،

وَعَيْبَةُ عِلْمِهِ، ومَوْئِلُ حُكْمِهِ، وكُهُوفُ كُتُبِه، وجبَالُ دِينِهِ) اللّجا موضع الالتجاء كالملجأويقال: لجأت اليهِ والتجأت اليه لجاءً بالتحريك و ملجأً و((العيبة ما يجعل فيه الثياب))(5)، والموئِل بالكسر الملجأ الذّي ينجو من التجأ اليه(6)، والحُكم بالضّم العلم والفقه والقضاء بالعدل والمنع عن الجهلِ

ص: 239


1- ينظر: شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1 / 118، 119
2- [في] ساقطة في ث، ح، ر
3- [أن] ساقطة من ا، ع، موجودة في ث، ح، ر
4- شرح نهج البلاغة، ابن میثم البحراني: 1 / 244
5- لسان العرب، مادة (عاب): 1 / 634
6- ينظر: الصحاح، مادة (وأل): 5 / 1838

والسّفه، ((والكهف کالبيت المنقور في الجبل والجمع الكهوُف، ويقال فلان کهف أي ملجأ))(1)، وجبال(2) الدّين عبَارة عما يستقر به الدّين ويحفظهُ عن الميدَان بأهله والتزَّلزل والاضطراب کما يستقر الأرض بالجَبال، أو عمّا بيهتدی النّاس به في طرق الدّين كما يهتدى النّاس في الفيافي بالجَبال وفي دلالة على علّو شأنهم ورفعة درجتهم والسنة المَجرورات أمّا راجعة إلى الله سبحانه، فالكتب هي الكتب السماوية وقد وردت في الأخبار أنها كما انزلت عندهم عليهم السّلام، وامّا عائدة إلى الرّسول (صلى الله عليه وآله)، فالمراد بها الكتاب الکریم کما أنزل والجفر والجامعة وغيرها كما يدلّ عليهِ كثير من الأخبار (بِهِمْ أقَامَ انْحِنَاء ظَهْرِهِ، وأَذْهَبَ ارْتِعَادَ فَرَائِصِه) (الارتعاد الاضطراب يقال: أرعده فارتعد والاسم الرِعدة))(3) بالكسر وبالفتح أيضاً، والفريصة(4) اللحمة بين الجنب(5) والكتف(6) التي [لاتزال](7) [...](8) ترتعد من الدّابة وجمعها فريص و فرائص(9) وارتعاد الفرائص(10) كناية عن الخوف، والضّمير المرفوع في أقام راجع إلى الله سُبحانه أو إلى الرسول (صلى الله عليه وآله)، والمجرُوران رَاجَعان

ص: 240


1- الصحاح، مادة (كهف): 4 / 1425
2- (حبال) في أ، ث، تصحيف
3- الصحاح، مادة (رعد): 2 / 475
4- (الفريضة) في ث، ر، تصحيف
5- (الحبّ) في ث، تحریف
6- (الكتب) في ر
7- [لاتزال] ساقطة من ث
8- [ولا] زيادة في ث، ح، ولا يقتضيها السياق
9- (فريض وفرائض) في ث، ر، تصحیف.، ينظر: الصحاح، (فرص): 3 / 1048
10- (الفرائض) في ث، ر

اليهِ (صلى الله عليه وآله) على مَا ذكره بعض الشّارحین(1) أو إلى الدّين(2) على ماهو الاقرب لفظاً ومعنىً ومنهَا في المنافقين في كثير من النسخ الصّحيحة ويعني قوماً آخرین بدل قوله في المنافقين، قال بعض الشارحين: اشارته هذه ليست إلى المنافقين كما ذكره السّيد (رضي الله عنه)، وانّما هي اشارة إلى من تغلب عليه، وجحد حقه كمعاوية وغيره، ولعل الرضي عرف ذلك و کنی عنه(3)، والظاهر أن مراده (عليه السّلام) من تقدم على آل الرّسول (صلى الله عليه وآله) وتعبير السّيد بأحدِ اللفظين لنوع من التقية. (زَرَعُوا(4) الفُجُورَ، وَسَقَوْهُ الغُرُورَ، وحَصَدُوا الثُبُورَ) الفُجُور الفسق والكذب وأصله الميل(5)، والغُرور بالضّم الخدعة(6)، وحصد الزرع كنصر وضرب قطعه بالمنجل، والثبور الهلاك والخُسران أيضا ولمّا كان فُسوقهم وميلهم عن الحق الصّريح أعنی إتباعه (عليه السّلام) مّما يزداد في نفسه وينتشر آثاره بغرُورهُم وغرور الشَّيطان ويثمر الهلاك والخسران في الدّنيا والآخرة شبهه (عليه السّلام) بالحب في نموّه وانتشار عروقه في الارض وازدياده بالسّقي وانتفاع الزاّرع به واستعار لفظ الزرع والسّقي والحَصْد. (لاَ يَقَاسُ بآلِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلهِ(7) أَحَدٌ(8)، وَلَا

ص: 241


1- ينظر: شرح نهج البلاغة، ابن میثم البحراني: 1 / 245
2- ينظر: شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1 / 119
3- شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1 / 120
4- (فذرعوا) في ع
5- ينظر: لسان العرب، مادة (فجر): 5 / 67
6- ينظر: الصحاح، مادة (غرر): 2 / 769
7- (صلى الله عليه) في شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1 / 119
8- (من هذه الأمة أحد) في شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1 / 119، ونهج البلاغة، صبحي الصالح: 27

يُسَّوى بِهِمْ من جَرَتْ / و 21 / نِعْمَتُهُمْ عَلَيْهِ أَبَداً) قستُ الشيء بالشيء أي قدَّرتُهُ على مثاله وقاسه قدرَه، و((المقياس: المقدار))(1)، وسوّيته به وسَاویت بمعنی وفي بعض النسخ لا يُساوی بهُم وفي الجريان تشبيه للنّعمة بالماء السّائل في عمومه وشموله، والنّعمة النّعم(2) الدّنياوية والأخروية مِن بدء الايجاد فإنه لولاهم لما خلق الله أرضا ولا سماء، ولا جناً ولا اِنساً كما يدلّ عليهِ الاَخبار، ثم الحياة بالنّجاة من الأعداء للصّحابة وغيرهم بسيفه (عليه السّلام)، ثم الهداية إلى طرق(3) الرّشاد وقد انتهى المخالف والمؤالف اليه وأدعى أرباب العلوم الاقّتباس من شوارق أَنواره وأقرَّ كلّ ذي فَضِل بالاستفاضة من بحار علوم الطّاهرين من ذرّيته من بعده (سلام الله عليهم أجمعين) (هُمْ أَسَاسُ

الدِّينِ، وَعِمَادُ الْيَقِینِ، إليهم يَفِيءُ الغَالِي، وبِهُمْ يُلْحَقُ التَالِي) الاسَاس بالفتح

أصل البناء وأصل كلّ شيء كالأسّ مثلثة(4) والاسس محركة ويفيء أي يرجع(5) يقال: ((فلان سريع الفيء منغضبه))، والغلو مجاوزة الحدّ، والتالي المتأخّر، يقال: ما زلت اتلوه حتى اتليته أي تبعته حتى تقدمته وصّار خلفي(6) ولعلّ

ص: 242


1- العين، مادة (قیس): 5 / 189
2- (نعم) في أ، ر، وفي ث: (بالنعم)
3- والصواب طرائق
4- (الَأسُّ والِإسُّ والُأسُّ: الَأسُّ بفتح الهمزة: مصدر أَسَّ الشاة إذا زجرها،... ويقال للشاة إذ زجرت إس بكسر الهمزة، والأُسُّ بالضم خاصة: أصل البنيان ومنه اشتقَّ أُسُّ الحساب)) المثلث، البطليوسي: 1 / 316، 315
5- ينظر: لسان العرب، مادة (وفاء): 1 / 125
6- ينظر: المصدر نفسه، مادة (تلا): 6 / 2289، 2290

المراد لابد لكل أحد من التمسك بحبلهم فمن أفرط، أو فُرط يرجع إلى الطّريق الاوسط وهو الاقتداء بهم واتباع آثارهم (وَلَهُمْ خَصَائِصُ حَقِّ الوِلَيةِ، وَفيهمُ الوَصِيَّةُ والوِراثَةُ) خصائص الشّيء لوازمه، والولاية بالكسر الإمارة والسّلطان، وأمّا الوَلاية بالفتح فهو النّصر والحُبّ(1) وهما مصدران(2)، وقال سيبويه بالفتح مصدر، وبالكسر اسم کالامارة والنقابة(3)، والوِراثة بالكسر يشمل وراثة الخلافة والعِلم والمَال والسّلاح، وفي الكلام ردّ لما رووه ((ونحن(4) معاشر الأنبياء لا نورث))(5)، والمراد بتخصيصهم بخصَائص الخلافة، والولاية نفيهمَا عن غيرهِم بنفي اللّوازم، والوصّية النّص على الطّاهِرين عليهم السّلام، وقد حكى الشارح عبد الحميد بن أبي حديد أبياتاً كثيرة لشعراء صدِر الاسلام يتضمّن تسميته (عليه السّلام) بوصّي رسول الله (صلى الله عليه وآله)(6). (الآنَ إِذْ رَجَعَ الحقُّ إلى أَهْلِهِ، ونُقِلَ إلى مُنْتَقَلِهِ) هكذا في أكثر النسخ(7)، وفي بعضها على ما ذكره بعض الشّارحين(8) (قد رجع) موضِع (إذ رجع)، وفي بعض النسخ (وكان قد رجع)(9)، والأمر على الاخيرين(10) واضح، وأما على

ص: 243


1- ينظر: لسان العرب، مادة (ولي): 15 / 407
2- ينظر: المهذب في علم التصريف 231، 232، 239
3- القول ذكره الجوهري في الصحاح، مادة (ولي): 6 / 2030، وينظر: کتاب سيبويه: 4 / 34
4- (نحو) في أ، ع
5- فتح الباري، ابن حجر: 12 / 6
6- ينظر: شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1 / 123 - 129
7- المصدر نفسه: 1 / 120
8- ينظر: شرح نهج البلاغة، ابن میثم البحراني: 1 / 248
9- ينظر: منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة: 1 / 110، هامش: (1)
10- (الاخير) في أن ع

الأصل فيحتمل أن يكون (الآن) مبتدأ و(إذ رجع) خبره بناء على جَواز کون (إذ) اسماً کما يظهر من [كلام](1) صاحب الكشاف(2)، والفاضل التفتازاني(3) في تفسير قوله تعالى: «لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا»(4) وذكر ابن هشام(5) في (المغني)(6) أنّه قيل في قولك: (بينما أنا قائم إذ جاء عمرو) أنّ (بين) مبتدأ و(إذ) خبره، والمعنى: حين أنا قائم حين جاء زيد(7)، ويحتمل أن یکون (الآن) ظرفاً(8) للفعل، و(إذ) زائدة للتوكيد نقل ذلك ابن هشام عن أبي

ص: 244


1- [کلام] ساقطة من ع
2- ينظر: الكشاف: 1 / 477
3- مسعود بن عمر بن عبد الله التفتازاني الملقب بسعد الدين، من أئمة العربية والبيان والمنطق، ولد سنة (712 ه) بتفتازان من بلاد خرسان، وأقام بسرخس وأبعده تیمورلنك إلى سمرقند، فتوفي فيها توفي سنة (793 ه)، من كتبه تهذیب المنطق، والمطول، و مقاصد الطالبين، والنعم السوابغ في شرح الكلم النوابغ للزمخشري، والمختصر. ينظر: هدية العارفين: 2 / 429، 430، والاعلام: 7 / 219، ومعجم المؤلفين: 12 / 228، و معجم المطبوعات العربية: 1 / 635
4- ال عمران / 164
5- جمال الدين أبو محمد عبد الله بن يوسف بن أحمد بن عبد الله بن هشام الأنصاري، ولد بمصر سنة (708 ه)، تفقه للشافعي ثم تحنبل، اتقن العربية ففاق الاقران، بل الشيوخ، من مؤلفاته، الغاز نحوية، أوضح المسالك إلى الفية ابن مالك، مغني اللبيب، الجامع الصغیر، الجامع الكبير، وغيرها، توفي في مصر سنة (761 ه): ينظر معجم المطبوعات العربية: 1 / 273 - 276، و کشف الظنون 2 / 1021، و هدية العارفين: 1 / 265، و الاعلام: 4 / 147
6- (المعنى) في ث، ح، تصحيف
7- (حين أنا قائم أنا حين جاء زيد) في ر، وفي ث: (حين قائم أنا حين جاء زيد)
8- (طرفاً) في، تصحيف

عبيدة، وابن قتيبة(1) (2)، أو يكون للتحقيق کقد کما نقله عن بعضهم، و احتمال کون الظرف متعّلقا بها قبله وإذ(3) تعليلية(4) حتی یکون [المراد](5) بالوصية وَالوراثة ما ترتب عليه الأثر بعيد والمنتقل بالفتح اسم مكان من الانتقال، ويجيء المكان والزّمان من المزيد فيه على لفظ المفعول کالمصدرِ قياسا لا ينكسر فلا حاجة إلى ما تكلفه بعض الشارحين من أن في الكلام تقدير مضاف أي (إلى موضِع منتقله)(6) أي انتقاله، والمراد بموضِع الانتقال أمّا الموضع الذّي يليق بأن ينتقل الحق اليه ويستقر فيه، أو الموضع الذّي كان فيه بأمر الله فنقله الناقلون إلى غيره ظلماً، والأوّل أظهر.

ومن خطبة له (عليه السلام) المعروفة بالشقشقية

هذه الخطبة من مشاهير خطب أمير المؤمنين (عليه السّلام) وروتها العامة والخاصّة في كتبهم و(شرحُوها)(7)، وضبطوا کلماتها فمن أصحابنا رواهَا شيخ

ص: 245


1- عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، لقب بالدينوري لأنه كان حاکم دینور، برع في الادب ومعرفة الانساب والاخبار والعربية، أخذ عن أبي حاتم السجستاني وغيره،، وأخذ عنه أبو محمد عبد الله بن درستویه وغیره، من مؤلفاته، ادب الكاتب، والمعارف، و غریب القرآن، وغریب الحديث، وعيون الاخبار وغيرها من الكتب، مات سنة (276 ه) ينظر: الانساب: 4 / 452، و سیر اعلام النبلاء: 13 / 298 - 302، و معجم المطبوعات العربية: 1 / 211، و معجم المؤلفين: 6 / 150، و الاعلام: 4 / 137
2- ينظر: مغني اللبيب: 1 / 105
3- (إد) في ر، تصحيف
4- (تعليلته) في ر
5- [المراد] ساقطة من م
6- شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1 / 121
7- (وسرحوها) في ح، تصحيف

الطّائفة (رضي الله عنه) / ظ 21 / مسندا في أماليه(1)، ورئيس المحدثين (رحمه الله) في كتابي العلل(2)، ومعاني الأخبار(3) بسندين، والقطب(4) الرّاوندي (رحمه الله) في شرحه(5) على ما وجدته بخطّ بعض الفضلاء بسند، واسندهَا الشيخ المفيد (قدس الله روحه) في ارشاده إلى أهل النّقل قال: رووها من طرق مختلفة عن ابن عبّاس(6)، ومن أهل الخلاف رَوَاهَا ابن الجوزي(7) في مناقبه وابن عبد ربّه(8) في

ص: 246


1- ينظر: الامالي، الطوسي: 372
2- ينظر: علل الشرائع، الشيخ الصدوق: 1 / 150
3- ينظر: معاني الأخبار: الشيخ الصدوق: 361
4- (الفطب) في أن تصحيف
5- ينظر: منهاج البراعة شرح نهج البلاغة، الراوندي: 1 / 118
6- ينظر: الارشاد، الشيخ المفيد: 1 / 287
7- عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي بن عبيد الله بن حمادي بن أحمد بن جعفر القرشي، التيمي البكري البغدادي الحنبلي المعروف بابن الجوزي الملقب جمال الدين، المكنى أبا الفرج، الواعظ الحافظ العلامة، المفسر الفقيه الاديب المؤرخ، ولد في بغداد سنة (510 ه) تقريباً، من مؤلفاته: المنتظم في تاريخ الملوك والامم، بستان الواعظين ورياض السامعين، ولمغني في علوم القرآن، ونزهة الاعين في علم الوجوه والنظائر، وغيرها من الكتب، مات في بغداد سنة (597 ه). ينظر: وفیات الاعیان: 3 / 140 - 142، و کشف الظنون: 2 / 2001، و معجم المؤلفين: 5 / 157، و الاعلام: 3 / 316، 317
8- أحمد بن محمد بن عبد ربه بن حبيب بن جدير بن سالم أبو عمر القرطبي مولى هشام بن عبد الرحمن الأموي، ولد سنة (246 ه) كان عالم الأندلس بالأخبار والاشعار، من مؤلفاته: الإرشاد في اللغة، و اللباب في معرفة العلم والأدب، والعقد الفريد، وغيرها من المؤلفات، مات بقرطبة سنة (328 ه). ينظر: سير أعلام النبلاء: 15 / 283، و الوافي بالوفيات: 8 / 8 -11، و هدية العارفين: 1 / 60، و معجم المطبوعات العربية: 1 / 162 - 163، و الاعلام: 1 / 207

الجزء الرابع من كتاب العقد(1)، وأبو علي (الجبائي(2))(3) في كتابه وابن الخشاب(4) في درسه على ما حكاه بعض الأصحاب والحسن [بن عَبْد الله](5) بن (سعيد)(6) العسكري(7) في كتاب النهاية لفظ الشّقشقة(8) ثم قال: ومنه حديث علي (عليه السلام) في خطبة له تلك شِقْشِقَه هَدَرَتْ ثمّ قرت(9)، وشرح كثيراً من ألفاظها

ص: 247


1- (العقل) في ع، تحریف. بحثت عن الخطبة الشقشقية في العقد الفريد ولم اجدها، وقد ذكر عبد الزهراء الحسيني الخطیب صاحب کتاب مصادر نهج البلاغة وأسانيده في 1 / 329، انها قد حذفت من کتاب العقد الفريد
2- (الجبائر) في ث، تحریف، وفي ح: (الحبائي)، تصحيف
3- محمد بن عبد الوهاب بن سلام الجبائي، يكنى أبا علي، من أئمة المعتزلة ورئيس علماء الكلام في عصره، واليه نسبة الطائفة (الجبائية)، له آراء ومقالات انفرد بها في المذهب، ولد سنة (235 ه) واشتهر بالبصرة، له تفسير مطول، مات سنة (1303). ينظر: الانساب: 2 / 17، و وفيات الأعيان: 4 / 297، والوافي بالوفيات: 4 / 55
4- ابن الخشاب: هو عبد الله بن أحمد بن أحمد بن أحمد، وكنيته أبو محمد ويعرف بابن الخشاب، من أهل بغداد مولداً ووفاةً، كان عارفاً بعلوم الدين مطلقاً، على شيء من الفلسفة والحساب والهندسة، مشهوراً بالأدب، والنحو، والتفسير، والحديث حفظ الكتاب العزيز بالقراءات المشهورة، من مؤلفاته «المرتجل» و «نقد المقامات الحريرية» و«الرد على التبريزي» و «شرح مقدمة الوزير ابن هبيرة»، ولد ابن الخشاب، عام (492 ه)، وتوفي عام (567 ه). ينظر: وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، ابن خلکان: 3 / 102 - 104، والاعلام: 4 / 67
5- [بن عبد الله] ساقطة من م
6- (مسعود) في ح تحریف
7- الحسن بن عبد الله بن سعید بن إسماعيل العسكري ویکنی، أبا أحمد فقيه أديب، ولد في عسکر مکرم، واليها نسبته، انتهت اليه الرئاسة والتحدث والاملاء للاداب والتدريس بخورستان، وكان يملي الناس بعسکر، وبتستر، ومدن ناحيته، من مؤلفاته: الحكم والامثال التصحيف، راحة الأرواح، الزواجر والمواعظ، مات سنة (382 ه): الانساب: 4 / 193، و سیر اعلام النبلاء: 16 / 413 - 415، و کشف الظنون: 2 / 956، و الاعلام: 2 / 196
8- (الشقشقية) في ر
9- النهاية في غريب الحديث والاثر: 2 / 490، وفيه: (علي في خطبة)

کما سنشير اليه إن شاء الله تَعالى، وقال: الفيروز آبادي(1) في القامُوسِ في تفسيرها (الشقشقة بالكسر: شيء کَالرية يخرجه البعير من فيه إذا هاج، والخطبة الشّقشقية العلوية لقوله لابن عّباس لما قالَ: لو اطّردت مقالتك من حيث أفضيت: يا ابن عّباس هَیهات تلك شقشقه هَدرت ثم قَرّتْ(2)، وقال الشّارح عبد الحميد بن أبي حديد: قد وجدت أنا كثيراً من هذه الخطبة في تصانیف شيخنا أبي القاسم البلخي(3) إمام البغداديين(4) من المُعتزلة، وكان في دولة المقتدر قبل أن يخلق السيد الرّضي بمدّة طويلة. ووجدت أيضا كثيراً منها في كتاب أبي جعفر بن قبّة(5) أحد متکلّمي الإماميّة وهو الكتاب المعروف بكتاب «الانصاف». وكان أبو جعفر هذا

ص: 248


1- محمد بن يعقوب بن محمد بن إبراهيم بن عمر، مجد الدين الشيرازي الفيروز آبادي، ویکنی أبا طاهر، من أئمة اللغة والأدب، ولد بکارزین (شمال شیراز) سنة (729 ه)، وانتقل إلى العراق، ورحل إلى مصر والشام، ودخل بلاد الروم والهند، كان مرجع عصره في اللغة والحديث والتفسير، من مؤلفاته: نزهة الأذهان في تاريخ اصفهان، و انواء الغيث في اسياء الليث، و القاموس المحيط، وغيرها من الكتب، مات في (817 ه). ينظر: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة: 14 / 133، 134، و هدية العارفين: 2 / 180، 181، و معجم المؤلفين: 12 / 118، و الاعلام: 146، 147
2- القاموس المحيط: 3 / 251، وفيه: (لما قال له)
3- أبو القاسم البلخي قال عنه ابن النديم (كان يطوف البلاد . ويجول الأرض، حسن المعرفة بالفلسفة، و العلوم القديمة...، ورأيت شيئاً كثيراً في علوم كثيرة، مسودات ودساتير لم يخرج منها إلى الناس کتاب تام، وقيل إن بخرسان كتبه موجودة). الفهرست: 357
4- (البغداديتين) في أ، ر
5- هو محمد بن عبد الرحمن بن قبّة الرازي ويكنى بأبي جعفر، متکلم بغدادي كان معتزلًا، ثم انتقل إلى مذهب الشيعة الإمامية، توفي بحدود (600 ه) ومن مصنفاته: كتاب الانصاف في الإمامة، وكتاب الرد على أبي علي الجبائي، وكتاب الرد على الزيدية، وكتاب المستثبت في الرد على أبي القاسم البلخي. ينظر: هدية العارفين: 2 / 102، و معجم المؤلفين: 10 / 148، 149

من تلامذة الشيخ أبي القاسم البلخي، ومات قبل أن يكون الرّضي موجوداً(1) ثم حکی عن شيخه مصدق بن شيث الواسطي إنّه قال: لما قرأت هذه الخطبة على الشيخ أبي محَمد عَبْد الله بن أحمد بن أحمد المعروف بابن الخشاب، قلت اله: أتقول أنها منحولة! فقال: لا والله، وإنّي لأعلم(2) أنهّا كلامه، كما أعلم أنك مصّدق. قال: فقلت له إنّ كثيرا من النّاسِ يقولون إنها من كلام الرضي، فقال لي: آنّی للرّضي ولغير الرّضي هذا النفس وهذا الاسلُوب! قد وقفنا(3) على رَسائل الرّضي، وعرفنا طريقته وفنه في الكلام المنثور(4)، ثم قال: والله لقد وقفت على هذه الخطبة في كتب صُنفت قبل أن يخلق الرضي بمائتي سنة وقد وجدتها مسطورة بخطوط أعرف أنها خطوط [من](5) هو(6) من العلماء وأهل الأدب قبل أن يخلق النقيب أبو أحمد والد الرّضي(7)، وقال الشارح: کمال الدين بن میثم البحراني(8):

ص: 249


1- ينظر: شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1 / 170، وبحار الأنوار: 29 / 507، 508
2- هو مصدق بن شبيب بن الحسين الصلحي أبو الخير النحوي، من أهل واسط، من قرية تعرف بدوران من قرى الصلح، قدم بغداد، وقرأ بها على أبي محمد بن الخشاب النحوي، وعلي أبي الغنائم حبشي بن محمد الضرير الواسطي، ولد سنة (535 ه) وتوفي ببغداد سنة (605 ه). ينظر: إنباه الرواة على أنباه النحاة، القفطي: 3 / 274، 275
3- (وفقنا) في ر، ع
4- ينظر: شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1 / 175 وينظر: بحار الانوار: 29 / 507 - 508
5- [من] ساقطة من أ، ع
6- (هي) في أ، ث، ح، ر، ع، م
7- ينظر: شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1 / 175
8- هو میثم بن علي بن میثم البحراني، کمال الدين، فقیه شیعی، عالم بالأدب والكلام، من أهل البحرين، توفي في بلده سنة (679ه) من مؤلفاته: شرح نهج البلاغة، وشرح المائة كلمة، والقواعد. ينظر: هدية العارفين 2 / 486، و معجم المطبوعات العربية: 2 / 1822، و الاعلام: 7 / 336

وجدت هذه الخطبة بنسخة عليها خطّ الوزير أبي الحسن عليّ بن محمد بن الفرات(1) كان وزير المقتدر بالله وذلك قبل مولد الرضي بنيف وستين سنة، والذي يغلب على ظني أنّ تلك النّسخة كانت کتبت قبل وجود ابن الفرات بمدة(2)، وأقول من الشواهد العادلة على بطلان دعوی من زعم أن الخطبة من کلام السّيد (رضي الله عنه) أن القاضي عبد الجبّار(3) المعروف بقاضي القضاة وهو من متعصبي المعتزلة قد تصدى في كتاب(4) المغني(5) لتأويل بعض كلمات الخطبة، ومنع دلالتها على الطّعن في خلافة من تقدم عليه ولم ينكر استناد الخطبة

ص: 250


1- علي بن محمد بن موسى أبو الحسن ابن الفرات، وزیر من الدهاة الفصحاء الادباء، مهد الدولة المقتدر بالله العباسي، ولد بالنهروان سنة (241 ه)، تولى الوزارة ثلاث مرات، سجن أكثر من مرة، مات في سنة (312 ه). ينظر: وفیات الاعیان: 3/ 421 - 244، و النجوم الزاهرة: 3 / 165، و الاعلام: 4 / 324
2- جعفر بن أحمد بن طلحة، أبو الفضل، المقتدر بالله ابن المعتضد بن الموفق من خلفاء بني العباس، ولد سنة (282 ه) ببغداد،، وأمة رومية، وقيل تركية اسمها شغب، وبويع بالخلافة بعد وفاة أخيه المكتفي وكان صغيرا يبلغ ثلاث عشرة سنة، فاستصغره الناس، لذلك خلعوه، ونصبوا عبد الله المعتز، وبعد يومين رجع المقتدر بعد دفعه المال للمعتز، مات سنة (320 ه). ينظر: تاریخ بغداد، ی. الخطيب البغدادي (463 ه): 7 / 222 - 226، واللباب في تهذیب الانساب: 3 / 246، و تاریخ الخلفاء، السيوطي (ت 911 ه): 408، 409، و الاعلام: 2 / 121
3- عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار بن أحمد بن خليل بن عبد الله الهمداني، ويكنى أبا الحسن، شيخ المعتزلة في عصره، فقيه أصولي متکلم، مفسر، كان مقلداً الشافعي في الفروع، ورد بغداد وحدث بها، ثم استدعاه الصاحب إلى الري فتولى قضاء فيها والتدريس، مات سنة (415ه) ينظر: سیر اعلام النبلاء: 17/ 268، 265، و هدية العارفين: 1/ 698 - 499، ومعجم المطبوعات العربية: 2/ 1299، و معجم المؤلفين: 5/ 78، و الاعلام: 3/ 273،2
4- (کباب) في ث
5- (المعنى) في أ، ث، ر، ع، تصحيف

اليه (عليه السّلام)، وذكر السّيد الاجل علّم الهدی (قدّس اللهُ رُوحه) کلامه في الشافي وبين بطلانه وهو أكبر من أخيه الرّضي (رضي الله عنه)، وقاضي القضاة متقدم عليهما ولو كان للقدح في استناد الخطبة اليه (عليه السلام) مساغ لما تمسّك قاضي القضاة بَالتّأويلات البعيدة في مقام الاعتذار وقدح في صحتها کما قدح في كثير من الروايات المشهورة وذلك وأضح عند من راجع كتابه وكفى للمنصف وجود الخطبة في كتابي العلل ومعاني الأخبار للصدوق (رحمه الله) وكانت وفاته سنة تسع وعشرين وثلاثمائة(1) وهي السنة التي تناثرت(2) فيها النجوم، وكان مولد الرضي (رضي الله عنه) سنة تسع وخمسين / و 22 / وثلاثمائة(3)، وكان مولد السّيد بعد وفاة الصّدوق (رحمه الله) بثلاثين سنة وإنكار استناد الكتب المعروفة إلى مصنّفيها من قبيل القدح في الضّروريات و منشأ انکار انتساب الخطبة اليه (عليه السّلام) استبعاد ذمّة (عليه السّلام) لمن تقدم عليه وتظلّمه منهم وليس ذلك الاّ لقلة تبع السّير والاثار أو رفض الإنصاف وقد ذكرنا من كلماته (عليه السّلام) في التظلّم وبث الشكوى في كتاب حدائق الحقائق(4) ما لا يجود مجتمعاً في کتاب ولا يبقى معه للمنصف شك، وارتياب، وقد اعترف الشارح عبد الحميد بن أبي الحديد(5) في شرح قوله (عليه السّلام): (وقد قال لي قائل: إنك على هذا

ص: 251


1- وفاة الشيخ الصدوق سنة (381 ه) ذكرها البغدادي في ايضاح المكنون: 2 / 12، وهدية العارفين: 2 / 52، واغا بزرك في الذریعة: 1 / 81، والزركلي في الاعلام: 6 / 274. وسنة (329 ه) التي ذكرها ابن کلستانة هي سنة وفاة والده علي بن الحسين بن موسی بن بابویه، ينظر: ایضاح المكنون: 1 / 126، والاعلام: 4 / 277
2- (ساثرت) في أنع، وفي ث: (سائرت)، وفي ر: (ساترت)، تحریف
3- ينظر: الاعلام: 6 / 99، ومعجم المؤلفين: 9 / 261
4- ينظر: مخطوطة حدائق الحقائق: 147، 148
5- شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 9 / 243، وفيه: (وقد قال قائل)

الامر يا ابن أبي طالب لحريص بتواتر هذا المعنى عنه (عليه السلام) واعتذر عنه بوجوه تمجها اذان أولي الألباب، ومن الله نرجو الهداية والتأييد في جميع الأبواب. (أمَا وَاَللهِ لَقَدْ تَقَمَّصَها (فلانٌ)(1)) تقمّص الشيء أي اتخذه قميصا والتفعل بهذا المعنى مطاوع لفَعَّلَ الذّي هو لجعل الشيء ذا أصله إذا كان اسماً لا مصدراً يقال: ردَّيتَه الثوّب فتردّی أي جعلته ذا رداء فصارَ كذلك، و وسدْته الحجر أي جعلته وسَادَة له فتوسَّدَ، وصيغة(2) فعّل هذه تعدى إلى مفعولين ثانيهما بیان لأصل الفعل فالثوّب بيان الرّداء، والحجر بیان الوسادة؛ ولهذا(3) يتعدى هذا المطاوع إلى مفعول واحدٍ هو ثاني مفعولي فعّل، والضّمير في تقمّصها راجع إلى الخلافة التي سبق ذكرها كما يظهر من الرّوايات المُسندة التي اشرنا اليها(4)، وقال بعض الشارحين(5): لم يذكر المرجع [ها هنا](6) للعلم به [كقوله](7) سبحانه: «حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ»(8) أي الشمس، وكقوله عزّ وجل: «كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ»(9) يعني الأرض، وفلان كناية عن أبي بكر، وفي بعض النسخ مصرحَ به، وكان في نسخه الشّارح عبد الحميد بن أبي الحديد بلفظ (ابن أبي قُحافة)(10) بضمّ القاف

ص: 252


1- (ابن أبي قحافة) في شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1 / 130
2- (صنعه) في أ، ث، ع
3- (ولذلك) في ث، ح، ر، تحریف
4- (فيها) في ث، ر، تحریف
5- ينظر: شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1 / 131، وينظر: بحار الانوار: 29 / 509
6- [ها هنا] ساقطة من أ، ع
7- [كقوله] ساقطة من أ، ع
8- سورة ص / 32
9- الرحمن / 26
10- شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1 / 130

وتخفيف الحاء المهملة، والظّاهر أن التعبير بلفظ الكناية نوع تقية من السّيد (رضي الله عنه) والنّسخ التي صحّحها وعرضت عليه كانت متعدّدة كما يظهر للمتتبع، فيمكن أن يكون عدل في بعضها عن الكناية لزوال الخوف، ويمكن أن يكون تقية من الناسخين، ويدل على أن الكناية ليست من لفظه (عليه السّلام) أن قاضي القضاة في المغني(1) [بعد] ذكر الفقرة تصدى لدفع دلالة تعبيره (عليه السّلام) عن(2) أبي بكر بلفظ ابن أبي قحّافة دون الألقاب المادحة على استخفاف به، فقال: قد كانت العادة في ذلك الزّمان أن يسمي احدهم صاحبه ویکنّیه ويضيفه إلى أبيه، حتى كانوا ربما قالوا لرسول الله (صلى الله عليه وآله): يا أبا محمد فليس [في](3) ذلك استخفاف ولا دلالة على الوضِع وبإزاء هذه الاَخْبار المروية ما رويناه من الاخبار في تعظيمه (عليه السّلام) لهُما ويعضدها الاخبار عن الرّسول (صلى الله عليه وآله) في فضلهما(4)، وأجاب عنه السّيد الاجل (رضي الله عنه) في الشافي بأنّه ليس هذا النّوع من التّعبير صنع من يريد التعظيم والتّبجيل وقد كانت لأبي بكر عندكم من الألقاب الجميلة ما يقصد اليه من يريد تعظيمه كالصّديق وخليفة رسول الله(5) والعُدول عن مثلها بإضافته إلى أبيه لا يكون إلاَّ لنوع من التحقير، وما ذكره [...](6) من عادة العرب؛ فإنَّما هو فيمن لم يكن له مثل تلك الألقاب

ص: 253


1- (المعنى) في أ، ث، ع، م
2- (من) في أيع
3- [في] ساقطة من أ
4- ينظر: المغني في أبواب التوحيد والعدل، القاضي عبد الجبار: 20 / 295 (القسم الأول)
5- ينظر: الشافي في الإمامة: 3 / 268
6- [و] زائدة في أ، ع، لا يرتضيها السياق

عند النَّاس، وَمعاذ الله أنْ(1) بنادى الرَّسول (صَلىَ الله عليه وآله) باسمه إلا شاك، أو جاهل من عوام(2) الأعراب الذين لا يعرفون ما يجب في هذا الباب هذا كلامهما و مماكسة قاضي القضاة في التحقير المُستْفاد من التعبير مع وجود ماهو أذل(3) منه في الخُطبة لا يخلو عن غرابة وفي الكلام إيماء إلى عدم الاهلية لها وفي التدرج إلى الأصرح رعاية للبلاغة، والتعبير بتكلّف لبس القميص الشامل [الملاصق للبدن دون الرّداء ونحوه؛ للتنبيه على شّدة / ظ 22 / ](4) حرصه علَيها (وَإِنَّهُ لَيَعْلَمُ أَنَّ مَحَلِّي مِنْهَا مَحَلُّ الْقُطْبِ مِنَ الرَّحَى) الواو للحال، وقطب الرّحى هي الحديدة: التّي رُكبت في وَسط الحجر السَّفلي مِنْ حجري الرَّحي التي (تدور)(5) حولها العُليا(6)، أي: تقمص الخلافة مع علمه بأنَّي مدار أمرها، ولا ينتظم إلا بي، و لا عوض له عني، كما أن الرَّحي لا (تدور)(7) إلا بالقطب، و لا عوض لها عنه، وقال بعض الشَّارحين: ((عندي أنه أراد أمراً آخر، وهو أنّي من الخلافة في الصّميم، وفي وسطها وبحبوحتها، كما أن القطب وسط دائرة الرَّحی))(8)، والظَّاهر أن غرضْه(9) تطبيق الكلام

ص: 254


1- (أي) في أ، ع، تحریف
2- (طعام) في أ، ث، ع، وفي ح، م، ن: (طغام)
3- (أذل) في أتصحيف
4- (الملاصق للبدن للتنبيه دون الراء ونحوه على شدة) في أ، ث، ر، ع، م، وفي ن: (الملاصق دون الرداء ونحوه للبدن للتنبيه على شدة)
5- (يدور) في أ، ث، ح، ر، ع، م، ن تصحيف، والأنسب ما أثبتناه
6- ينظر: العين، مادة (قطب): 5 / 108، وينظر: لسان العرب، مادة: (قطب): 1 / 682
7- (يدور) في أ، ث، ح، ر، ع، م، تصحيف، والأنسب ما أثبتناه
8- شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1 / 132
9- (عرضه) في ث، ح، تصحيف

على معتقده(1) من التفضيل لا نفي الأهلية ويشق عليه حينئنذٍ تفسير الكلمات الآتية على أنّ اعتبار الكون في الوسط لا ينافي ما ذكرنا في وجه التشبيه فليعتبر الجميع حتى يكون أتمّ، وأبلغ، ويوافق مَا بعده من الكلام في الدّلالة على نفي الاهلية؛ وإنّما لم يكشف (عليه السلام) القناع عن محض(2) الحق الصرّيح لنوع من التقية، كما يظهر لمن تدبر في كلماته (عليه السلام) في التظلم والشكوى، وقال قاضي القضاة في (المغني)(3) المراد بهذا الكلام أنه أهل لها، وإنَّه أصلح منه يبين(4) ذلك أن القطب من الرحي لا يستقل بنفسه ولابدّ في تمامه من الرّحی فنبه بذلك على أنّه أحّق وان كان قد تقمصها، وردّ عليه السّيد الأجّل في الشّافي(5) بأنَّ هذا التأويل مع أنه لا يجري في(6) غير هذا اللَّفظ من الألفاظ المرويَّة عنه (عليه السلام) فاسد لأنَّ مفاد هذا الكلام ليس إلاَّ التفرد في الاستحقاق وإنَّ غيره لا يقوم مقامه لا أنَّه أهل للأمر وموضع له قوله: (إنَّ القطب لا يستقلّ بنفسه) تأويل على عكس المراد؛ فإنَّ المستفاد من هذا الكلام عند من يعرف اللَّغة عدم انتظام دوران الرَّحی بدون القُطب لا عدم استقلال القطب بدون الرَّحي، وقال بعض الشَّارحين(7): قد جَمَعَ هذا التَّشبيه أنواعه الموجودة في كلام العرب وهي ثلاثة: تشبيه محله منها بمحل القطب من الرَّحي، وهو تشبيه المعقول بالمعقُول؛

ص: 255


1- (مقعده) في أي ع
2- (محص) في ح، ن
3- (المعنى) في ث، ح، تصحيف
4- (تبين) في أنع
5- ينظر: الشافي في الإمامة: 3 / 267، 268
6- (عن) في ث، ر
7- قول متصرف به، ينظر: شرح نهج البلاغة، ابن میثم البحراني: 1 / 254

فإنَّ محل القطب هو كونه نظام أحوال الرَّحي وذلك أمر معقول، و تشبيه نفسه بالقطب وهو تشبيه المحسُوس بالمحسوسِ، و تشبيه الخلافة بالرَّحي، وهو تشبيه المعقول بالمحسُوس.

(يَنْحَدِرُ عَنِّي السَّيْلُ، وَلاَ يَرْقَى إِلَيَّ الطَّيْرُ) الانحدار الانهباط عن موضع عال(1)، ورقي اليه کرضى صعد كارتقی وترقی، وانحدار السَّيل عنه (عليه السلام) كنايَّة عن افاضة العلوم، والكمالات والنعم الدُّنياوية والاخروية على المواد القابلة تشبيها لنفسه بالجبل(2) العالي والعلوم وغيرها بالسَّيل في العموم، والنفع والناس بالأراضي الهابطة، وقال بعض الشَّارحين المعنى إني فوق السَّيل بحيث لا يرتفع اليَّ(3) وهو کما ترى ثم انه (عليه السلام) ترقّی في الوصف بالعلوّ فقال: لا يرقى إلي الطَّير فإنَّ مرقى الطَّير أعلى من منحدر السَّيل فكيف [ما](4) لا يرقى اليه، والغرض باثبات أعلى مراتب الكمال الإشارة إلى بطلان خلافة [من](5) تقمصها؛ لقبح تفضيل المَفْضول، وترجيح المَرجوح. (فَسَدَلْتُ دوُنَهَا ثَوْباً، وَطَوَيْتُ عَنْهَا كَشْحاً) سَدل الثوب يسْدِلهُ بالضم أي: ((أرْخاه وأْرسَلَه))(6)، ودُونَ الشيء ((أمامه))(7)، وقريب(8) منه(9)،

ص: 256


1- ينظر: الصحاح، مادة (حدر): 2 / 625
2- (الحبل) في ع
3- ينظر: منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة: 1 / 122
4- [ما] ساقطة من ث، ر
5- [من] ساقطة من أ، ع
6- لسان العرب: مادة (سدل): 11 / 333
7- أساس البلاغة، مادة (دون): 289
8- (قرب) في أ، ع، تحریف
9- ينظر: الصحاح، مادة (دون): 5 / 2115

والمعنى: ضربت بيني وبينها حجاباً، وقطعت النَّظر عنها، والكشح بالفتح ((ما بين الخاصرة(1) الى الضّلِع الخلف))(2) وهو أقصر الأضلاع من لدن السَّرة إلى المتن، وهو موضع موقع السَّيف للمتقلد وفلان طوی ((كشحه)) / و 23 / عني أي: أعرَضَ مهاجراً ومال عني(3)، قال بعض الشَّارحين: ((من كان إلى جانبك الأيمن (ماثلاً)(4) فطویت کشحك الايسر فقد ملت عنهُ))(5) ثمَّ قال: ((وعندي أنهَّم أرادوا غير ذلك، وهو أنَّ من أجاع نفسه فقد طوی کشحه، كما أن من أكل وشبع فقد(6) ملأ كشحه))(7)، وَطَفِقْتُ أَرْتأِي بَیْنَ أَنْ أصُولَ بِيَدٍ جَذَّاءَ، أَوْ أَصْبِرَ عَلَىَ طَخْيَةٍ عَمْيَاءَ) طِفّقّ فِيْ فِعْلٍ أي: أخذ وشرع(8)، وفلان أرتأى في الأمر إذا فكر في طلب الأصلح ((وهو أفتعل من رؤية(9) القلب، أو من الرأي))(10)، والصولة الحملة والوثبةَ(11)، يقال:((رُبَّ قول أشَّد من صَوْلٍ))(12)، واليد الجَّذاء

ص: 257


1- (الحاصرة) في أ، ع، وفي ث: (الحاضرة)، تصحيف
2- العين، مادة (كشح): 3 / 57
3- ينظر: العين، مادة (كشح): 3 / 57، وينظر: الصحاح، مادة (كشح): 1 / 333
4- في النسخ جميعها (مثلا)، والتصويب من شرح نهج البلاغة، ابن ابی الحدید: 1 / 130
5- شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1 / 130
6- في المصدر نفسه: 1/ 130: ((من أكل وشبع ملا كشحه))
7- المصدر نفسه: 1 / 130
8- ينظر: تاج العروس، مادة (طفق): 13 / 300
9- (رونا) في ع
10- لسان العرب، مادة (رأي): 14 / 299
11- ينظر: تاج العروس، مادة (صال): 15 / 415
12- جمهرة الامثال: 1 / 47، (يضرب عند الكلام يؤثر فيمن يواجه به) مجمع الامثال: 1 / 302

بالجيم والذّال [..](1) المعجمة ((المقطوعة))(2)، والمكسورة أيضاً على ما ذكرهُ الجوهري(3)، وقال ابن الأثير في النهاية في حديث علي (عليه السَّلام): ((أصول بید جذَّاء(4)، کنَّی به عن قصورِ أصحابه، وتقاعدهم عن الغزو فإنَّ الجند للأمير کاليد، ويروى بالحاء المهملة، وفسَّره في موضعه باليد القصيرة التي لا تمد إلى مايراد(5)، قال: ((وكأنهَّا بالجيم أشبه))(6)، والنسخ التَّي عندنا متفقة على الجيم، والذّال المعجمة، والطُخية بالضم على ما في أكثر النسخ ((الظَّلمة))(7)، أو ((الغيم))(8)، وفي بعضها بالفتح، قال في القاموس: الطُّخية(9) ((الظُّلْمَةُ ويُثَلَّثُ))(10) ولم يذكر الجوهري سوى الضم، وفسَّره بالسَّحاب(11)، وفي النهاية الطخية(12) (الظلمة والغيم)(13)، والعمياء تأنيث

ص: 258


1- [والذال] زيادة مكررة في ع
2- لسان العرب، مادة (جذذ): 3 / 479
3- ينظر: الصحاح، مادة (جذذ): 2 / 561
4- وفي رواية ابن الأثير: ((أصول بید جذاء أي مقطوعة کنی به عن قصور أصحابه...)) النهاية في غريب الحديث والأثر: 1 / 250
5- النهاية في غريب الحديث والأثر: 1 / 356
6- المصدر نفسه: 1 / 356
7- (الدال) في م
8- المصدر نفسه:، مادة (طخا): 15 / 5
9- (الطُحيه) في ث، ح، ر، ن، تصحيف
10- القاموس المحيط، مادة (طخا): 4 / 356
11- ينظر: الصحاح، مادة (طخا): 6 / 2412
12- (الظحية) في ث، ح، ر، ن، تصحيف
13- النهاية في غريب الحديث والأثر: 3 / 116

الاعمى ووصف الطخية بها؛ لأنَّ الرَّائي لا يبصر فيها شيئاً يقال مفازة عماء أي لا يهتدي فيها الدَّليل، وهو مبالغة في وصف الظَّلمة بالشدة، وحاصل المعنى إنَّي [لمَّا](1) رأيت الخلافة في يد من لم يكن أهلًا لها كنت متردداً متفكراً بين قتالهم بلا أعوان، وبين الصَّبر على معاينة الخلق في ضلالة وجهالة في شَّدة (يَهْرَمُ فيهَا الكَبِرُ، وَيَشِيبُ فيهَا الصَّغِرُ، وَيَكْدَحُ فيهَا مُؤْمِنٌ حَتَّى يَلْقَى رَبَّه) هَرِمَ کفرح بلغ أقصى الكبر(2)، والشيَّب بالفتح بَياض الشعر، قيل: هو والمَشيبُ واحد(3)، و((قال الأصمعي(4): الشَيْبُ بَياضُ الشَعَرِ))(5)، ودخول الرَّجل في حَّدِ الشیَّب، وقال في العين(6): شاب الرجل شيباً وشيبة ورجل أشيب وقوم شيب ولا ينعت به بالمرأة بل يقال: شابَ رأسُها. والكدَحُ الکَدُ والعَمل والسَّعي(7)، والجمل(8) الثلاثة أوصاف للطُّخية(9) العمياء

ص: 259


1- [لما] ساقطة من أ، ع
2- ينظر: لسان العرب، مادة (هرم): 12 / 607
3- ينظر: الصحاح، مادة (شيب): 1 / 159
4- هو عبد الملك بن قریب بن عبد الملك بن علي بن أصمع بن مظهر بن عبد شمس الأصمعي البصري، ویکنی (أبا سعید)، ولد بالبصرة، وعرف بعلمه باللغة والشعر ومعرفة الأخبار والبلدان، كان كثير التطواف في البوادي يقتبس علومها ويتلقى أخبارها، من مؤلفاته: خلق الانسان، و الاجناس، و الانواء، و الهمز، و المقصور والممدود وغيرها من المؤلفات، مات سنة (216 ه). ينظر: فهرست ابن النديم: 60، 61، و سير أعلام النبلاء: 10 / 175، 176، و تهذيب التهذیب، ابن حجر: 6 / 368، و هدية العارفين: 1 / 623، 624، و معجم المطبوعات العربية: 1 / 456، 457
5- الصحاح، مادة (شيب): 1 / 159
6- قول متصرف به، ينظر: العين، مادة (شيب): 6 / 292
7- ينظر: الصحاح، مادة (كدح): 1 / 398، وينظر: لسان العرب، مادة (كدح): 2 / 569
8- (الحمل) في ث، تصحيف
9- (للظحية) في ث، ر، ن. و في ع (للطحية)

وايجابها لهرم الكبير وشيبَ الصَّغير أمَّا لكثرة الشدائد فيها؛ فإنَّها ممَّا يسرع بالهرم والشيب، وأمَّا لطول مدّتها، وتمادي أیَّامَها ولياليها، وأمَّا للأمرين جميعاً، ولعلَّ الأوَّل أظهر وعلى الوجهين الأوّلين فسرَّ قوله تعالى: «يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا»(1)، وكدح المؤمن يمكن أن يراد به لازمه أعني التَّعب، ومقاساة الشدَّة في الوصول إلى حقه، وقيل يسعى فلا يصل إلى حقه فيمكن أن يراد بالكدح معناه، وقيل المراد إنَّ المؤمن المجتهد في الذَّب عن الحقَّ، والأمر بالمعروف يسعى فيه ويكدّ، ويقاسي الشَّدائد حتى يموت. (فَرَأَيْتُ أنَّ الصَّبْرَ عَلَى هَاتَا أَحْجَى، فَصَبَرْتُ وَفِي العَیْنِ قَذًى، وَفي الحَلْقِ شَجىً، أَرَى تُرَاثي نَهْباً) كلمة (ها) في (هاتا) للتَّنبيه و (تا)(2) للإشارة إلى المؤنَث أشير بهَا إلى الطخية(3) الموصوفة، وأحجي أي أولى وأجدَرُ(4) قال الشَارحان: هذا أحجی من كذا أي: أليق وأقرب بالحجي، وهو العقل(5)، وقال في النَّهاية: أحجی بمعنى أولى وأجدر(6) وأحق من قولِهم حجا بالمكان إذا أقام وثبت(7)، ولعل مَا ذكره أحجي، والقَذى جمع قذاة(8)، وهو ما يسقط في العين، وفي الشرَّاب

ص: 260


1- المزمل / 17
2- (نا) في ر، تصحيف
3- (الظحية) في أ، ث، ر، وفي ع، ح، ن (الطحية)
4- ينظر: لسان العرب، مادة (حجا): 14 / 167
5- تصرف علاء الدين كلستانه بنقل النص، ينظر: شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1 / 130، وينظر: شرح نهج البلاغة، ابن میثم البحراني: 1 / 253
6- وفي رواية ابن الأثير: (أجدر وأولى) النهاية في غريب الحديث والأثر: 1 / 348
7- المصدر نفسه:: 1 / 348
8- ينظر: لسان العرب، مادة (قذي): 15 / 173

أيضاً من تبن أو تراب أو وسخ(1) والشجي ما اعْتَرَض في الحَلْق ونَشِبَ مِن عَظْمٍ ونحوه(2)، و((الترُاث ما يخلفه الرَّجُل لورثته، والتاء فيه بدل من الواو))(3)، والنَّهَبْ السَّلْب والغارة والغنيمة(4)، والجُملة بيان لوجود القذي والشجي، والحاصل إنَّي بعد التَّردد في القتال استقر رأيي على أنَّ الصبر أجدَر؛ وذلك لأداء القتال إلى استئصال ال الرَّسُول (صلى الله عليه وآله)، وزوال كلمة الإسلام؛ لغلبة الأعداء / ظ 23 / کما صرَّح به (عليه السَّلام) في بعض أخبار التظَّلم، قال بعض الشَّارحين(5): اعلم أنَّ في الكلام تقديمًا وتأخيراً والتقدير: وَلا يَرْقى إليَّ الطَّیرُ، فَطفِقَتْ ارتأي بين كذا وكذا، فرأيتُ الصَّبرِ على هَاتا أحجي فَسَدَلْتُ دُونها ثوباً، وَطَوَيْتُ عَنْها کشحا، وصبرت وفي العَيْن قَذىً إلى آخر الفصل، لأنه لا يجوز أن يسدل دوُنَها ثوباً ويَطوْى عَنْها کشحا، ثم طفق يرتأي [بين](6) أن ينابذهم أو يصبر؛ ألا ترى [أنه](7) إذا سدل دونها ثوباً وطوى عنها کشحا فقد تركها، ومن يترك لايرتأي في المنابذة، والتقديم والتأخير طريق لا حبٍ، وسبيلَ مَهْيَعٌ في لغة العرب، قال الله سبحانه: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا * قَیِّمًا»(8)

ص: 261


1- ينظر: الصحاح، مادة (قذي): 6 / 2460
2- ينظر: القاموس المحيط، مادة (شجا): 4 / 347
3- لسان العرب / مادة (ورث): 2 / 201
4- ينظر: لسان العرب، مادة (نهب): 1 / 773
5- قول متصرف به: ينظر: شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1 / 133
6- [بين] ساقطة من ث، ر
7- [انه] ساقطة من ع
8- الكهف / 1، 2

وهذا كثير (انتهى) والتقديم في الآية قول بعض المفسرين(1) لكن وجوده في الكلام ممَّا صرَّح به كثير، وأمَّا في كلامه (عليهِ السَّلام) فيمكن أن يقال: سدل الثوْب، وطيّ الكشح لم يكن على وجه البتَّ، وتصميم العزم على الترك بل المراد ترك العجلة، والمبادرة إلى الطلب من غير تدَّبر في عاقبة الأمر فأعرض (عليهِ السَّلام) عن الطَلب وصبر حتی نظر في الأمر وتفكر(2) في مصالح الصَّبر، والطّلب و مضارَّهَما(3) فلماَّ استقر رأيه على الصَّبرْ ترك المنابذة رأساً وأعرض عَنْها إعراضاً تاماً، ولعلَّ سدل الثوب وطي الكشح أنسب با عدا التَّرك(4) رأساً (حَتَّى مَضىَ الْأَوَّلُ لِسَبِيلِهِ، فَأَدْلَی بَهِا إِلَی فُلَان(5) بَعْدَهُ) مضى السبيله قال بعض الشَّارحين(6): تقديره: مضى على سبيله كقوله:

فَخَرَ صَريْعاً لِلْيَدَيْن وَلِلْفَم(7) وَ أدْلى بها إلى فلان أي: ألقاهَا اليه ودفعهَا، صرح به بعض المفسَّرين(8) في قوله تعالى: «وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ»(9)،

ص: 262


1- ينظر: مجمع البيان: 1 / 262، وينظر : أنوار التنزيل وأسرار التأويل: 3 / 272، وينظر: الاتقان: 1 / 33
2- (ويفكر) في أ، ع، تصحيف
3- (رماضارهما) في ر
4- (للترك) في ر
5- (ابن الخطاب) في شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1 / 139
6- قول متصرف به، ينظر: شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1 / 139
7- البيت لربيعة بن مكدم، وصدره: *وهتكت بالرمح الطويل إهابه*، ينظر: الأغاني: 16 / 314، وينظر: نهاية الأرب في فنون الأدب: 15 / 371
8- ينظر: الكشف والبيان عن تفسير القرآن: 2 / 83، وينظر: التبيان في تفسير القرآن: 2 / 139، وينظر: جوامع الجامع، الطبرسي: 1 / 187
9- البقرة / 188

وتفسيره بالرَّشوة بيان لحاصل المعنى فلا حاجة إلى ما ارتكبه بعض الشَّارحين(1) من أنَّه من قبيل التَّشبيه بالرشوة، إذ الدفع كان على غير جهة الاستحقاق، والتَّعبير بلفظ فلان کما سَبَقَ، وفي نسخة ابن أبي الحديد(2) بلفظ ابن الخطَّاب، وإدلاؤه الَيْهِ بها نصبه إياه للخلافة وكان ابن أبي الخطَّاب يسمَّي نفسه خليفة أبي بكر، ويكتب إلى عماله من خليفة أبي بكر حتى جاءه لبيد بن ربيعة(3) وعدي بن حاتم(4) فقالا لعمرو بن العَاص(5) استأذن لنا على أمير المؤمنين فخاطبه عمرو بن العَاص بأمير المؤمنين، وجرى ذلك في المكاتيب

ص: 263


1- ينظر: منهاج البراعة، القطب الراوندي: 1 / 124
2- ينظر: شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1 / 139
3- (هو لبيد بن ربيعة بن مالك أبو عقيل العامري، أحد الشعراء الفرسان الأشراف في الجاهلية من أهل عالية نجد، أدرك الاسلام ووفد على النبي صلى الله عليه واله وسلم، ويعد من الصحابة،... وهو أحد أصحاب المعلقات الأعلام: 5 / 240، وينظر: معجم المؤلفين: 8 / 152
4- هو عدي بن حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج الطائي، المكنى أبو طريف، أمير، صحابي، من الأجواد العقلاء، شهد فتح العراق، وشهد أيضاً وقعة الجمل، و صفين، والنهروان مع الإمام علي (عليه السلام)، سكن الكوفة وتوفي سنة (67 ه)، وقيل سنة (68 ه). ينظر: مشاهير علماء الأمصار، ابن حبان (ت 354 ه): 75، وينظر: سير أعلام النبلاء: 3 / 162- 165)، وينظر: الأعلام: 4 / 220
5- عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد السهمي القرشي، وكنيته أبو عبد الله، وأمه النابغة بنت حملة، سبية من بني جلان، ولد سنة (50 ق ه) كان في الجاهلية من الأشداء على الإسلام، أسلم في هدنة الحديبية ولاه النبي (صلى الله عليه واله) إمرة جيش ذات السلاسل، فتح قنسرين ومصر، ولما وقعت الحرب بين الإمام علي (عليه السلام)، ومعاوية كان بجانب معاوية، ولاه معاوية من بعدها على مصر سنة (38 ه) توفي بالقاهرة سنة (43 ه). ينظر: أسد الغابة: 4 / 115 - 118، و الاعلام: 5 / 79

من يومئذ، ذكر ذلك أبو عمر بن عبد البّر(1) في كتاب الاستیعاب(2)، ثمَّ تمثل (عليه السلام) بقول الاعشی:

شَتَّانَ مَا يَوْمِي عَلَی كوُرِهَا *** وَيَوْمُ حَيَّانَ أخِي جَابِرِ(3)

تَمثَّل بالبَيْت وتَمثَل بَیْتاً أنشده، والأعشى هو أعشی قیس واسمُه میمون بن جندل(4)، وشتان من أسماء الأفعال بمعنی بَعُد [أو افترق](5) وفيه معنی التعجب أي مَا أشدَّ الافتراق وكذلك في غيره من أسماء الأفعال إذا كان بمعنى الخبر، ويقال: (([شتَّان ما هما](6)، وَشتَّانَ ماعمرٌو وأخوه))(7)،

ص: 264


1- هو يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري الشهير بابن عبد البر القرطبي، وكنيته أبو عمر، وهو محدث، وحافظ، مؤرخ، عارف بالرجال والأنساب، مقرئ، فقيه، نحوي، ولد بقرطبة سنة (368 ه) وتوفي بشاطبة سنة (463 ه) من تصانیفه آداب العلم، الاجوبة المرعبة على المسائل المستغربة من صحيح البخاري، الاستذكار لمذاهب أئمة الأمصار، الاستیعاب في معرفة الأصحاب، وغيرها من الكتب . ينظر: هدية العارفين: 2 / 550، والأعلام: 8 / 240، ومعجم المؤلفين: 13 / 315
2- ينظر: الاستیعاب: 3 / 1151
3- ديوان الأعشى الكبير: 147، البيت من البحر السريع، قاله في هجاء علقمة بن علاثه ويمدح عامر بن الطفيل وينظر: الأغاني: 16 / 436، وينظر: خزانة الأدب: 6 / 259
4- وهو من بني قيس، يقال له أعشی بکر بن وائل، والأعشى الكبير، من شعراء الطبقة الأولى في الجاهلية، وأحد أصحاب المعلقات، كان كثير الوفود على الملوك من العرب والفرس، غزير الشعر، لقب بالأعشى لضعف بصره، وعمي في أواخر عمره، توفي سنة (7 ه). ينظر: الأعلام: 7 / 341
5- (أو افترق) ساقطة من أ، ر، ع، م، ن، وينظر: المقتصد في شرح الإيضاح، عبد القاهر الجرجاني: 1 / 575، ومعاني النحو: 4 / 39
6- [شتان ما هما] ساقطة من ع
7- الصحاح، مادة (شتت): 1: 255

وقال بعض اللَّغويين: ([يقال](1): شتَّان ما بينهما)(2)، وأنكره الاصمعي، والكور بالضم رَحْل البعير بأداته(3)، والضَّمير راجع إلى الناقة، (وحيان كان صَاحب حصن باليمامة، وكان من سادات بني حنيفة مطاعاً في قومه يصله کسری في كلَّ سنته، وكان في رفاهية ونعمة، مصوناً من وعثاء السَّفر، ما كان يسافر أبداً، وكان الأعشی بنادمه وكان أخوه جابر أصغر سنا منه، يروى أنّ حیان [...](4) عَاتب(5) الأعَشى في نسبته إلى أخيه فاعتذر بأن الروّي اضطرنّي إلى ذلك، فلم يقبل عذره، ومعنى البيت كما أفاده السَّيد الاجَّل المرتضی(6) (رضي الله عنه) إظهار البعد بين يومه، وبين يوم حيّان لكونه في شدة من حر الهواجر، وكون حيّان في راحة وخفض(7) وكذا غرضه (عليه السَّلام) بیان البون البعيد بين يومه صَابراً على القذى والشجي، وبين يومهم فائزين بما

ص: 265


1- [يقال] ساقطة من أ، ع
2- تاج العروس، مادة (شتت): 3 / 77، و ينظر: لسان العرب، مادة (شتت): 2 / 49
3- ينظر: الصحاح، مادة (كور): 2 / 810، وينظر : لسان العرب، مادة (كور): 5 / 154
4- [بن] زائدة لا يقبلها السياق
5- (عابت) في أ، ث، ع
6- علي بن الحسين بن موسی بن محمد بن إبراهيم، ويكنى أبا القاسم، متکلم، فقيه، أصولي، مفسر، ادیب، نحو، لغوي، شاعر، نقیب الطالبين، ولد في بغداد، من مؤلفاته: الشافي في الإمامة، و الامالي، و المسائل الناصرية، و تنزيه الأنبياء، مات سنة (436 ه) في بغداد. ينظر: کشف الظنون: 1 / 794، و معجم المطبوعات العربية: 1 / 1123، 1124، معجم المؤلفين: 7 / 81، و الاعلام: 4 / 278
7- ينظر: رسائل المرتضی: 2 / 109

طلبوه من(1) الدنيا، وهذا هو الظاهر المطابق للبيت التالي له، وهو ما تمثَّل به (عليه السَّلام) على ما في بعض النسخ، وهو قوله:

أرَمْي بِهَا الْبيْدَ(2) إذَا هَجَّرَتْ *** وَأنتَ بَيَن الْقَرِو وَالْعَاصر / و 24 /

والبِيد بالكسر جمع بَيْداء وهي المَفَازة قالوا والقياس بيداوات(3)، والهَاجِرَة نصفُ النَّهار عند شدة الحرّ(4) وقيل: ((من الزّوال إلى العصر))(5)؛ لأنَّ الناسَ يستكنّون في بيوتهم وكأنَّهم(6) قَدْ تهاجرُوا، والتّهجير والاهجار ((السّير في الهاجرة))(7) ويقال هجَر الرَاكب وهجر النّهار(8) وهّجر المكان أيضا على التجوز في الاسناد، و((القرو قدح من الخشب))(9)، ((وقيل: إناء صغير))(10) أو إجّانة للشرب(11)، والعَاصر الذي يعصر العنب للخمر، أي: أنا في شدة من حر الشمس أسوق ناقتي في الفيافي(12) وأنت في عيش وشرب

ص: 266


1- (في) في ر
2- (لبيد) في ع
3- ينظر: الصحاح، مادة (بید): 1 / 447، وينظر: لسان العرب، مادة (بید): 3 / 97
4- ينظر: الصحاح، مادة (هجر): 2 / 851
5- الأزمنة والأمكنة: 245
6- (فكأنهم) في ر، ث،، م
7- الصحاح، مادة (هجر): 2 / 851
8- (النار) في ر
9- الصحاح، مادة (قرا): 6 / 2460
10- لسان العرب، مادة (قرا): 15 / 174
11- ينظر: تاج العروس، مادة (قرو): 20 / 75
12- الفيافي: جمع فيف، وهي المفازة التي لا ماء فيها. ينظر: العين، مادة (فيف): 8 / 407، 408

وليس معنى البيت ما ذكره بعض الشارحين(1) من أنَّ غرض(2) الشاعر [ما](3) أبعد مابين يوم يبين يومي على كور الناقة أدأب وانصب وبين يومي منادما حيّان أخي جابر في خفض ودعة وزعم أن غرض التمثل اظهار(4) البعد بين يومه (عليه السَّلام) بعد وفاة الرَّسول (صلى الله عليه وآله) مقهوراً ممنوعاً عن حقه، وبين يومه في صحبة النبي (صلى الله عليه وآله) وعلى ما زعمه یکون الاضافة في يوم حيَّان لملابسة ضعيفة (فَيَا عَجَبَا!

بَيْنَا هُوَ يَسْتَقِيلُهَا فِي حَيَاتِهِ، إِذْ عَقَدَهَا(5) لآخَرَ بَعْدَ وَفَاتِهِ!) أصل یا عجبا [یا عجبي](6) بإضافة العجب إلى ياء المتكلّم قلبت الياء الفاً؛ لأنَّ الألف والفتحة أخف من الياء والكسرة(7) كأنَّ المتكلَّم ينادي عجبه ويقول له: احضر(8) فهذا أوان حضُورك، و (بینا) هِيَ (بين) الظَرفية(9) اشبعَتْ فتحتها فَصارت الفاً، ويقع بعدها (إذا)(10) الفجائية(11) غالباً(12)، نصَّ سیبویه کما حكاه في

ص: 267


1- ينظر: شرح نهج البلاغة، ابن میثم البحراني: 1 / 257
2- (وعرض) في ث، ر، تصحيف
3- [ما] ساقطة من أ، ع
4- (اطهار) في ح، ن، تصحیف
5- في شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1 / 29، و نهج البلاغة، صبحي الصالح: 1 / 139
6- [يا عجبي] ساقطة من ر
7- ينظر: أمالي ابن الشجري، (ت 542 ه): 2 / 74
8- (اخضر) في أ، ن، تصحيف
9- ينظر: مغني اللبيب: 1 / 102، النحو الوافي: 2 / 267، ومعاني النحو: 2 / 180
10- (إذ) في ث، ر، م
11- (لفجائية) في ر
12- ينظر: شرح الرضي على الكافية: 3 / 198

المغني(1) على أن (إذ) بعد (بینا) و (بینما) للمفاجأة، [...](2) قال [صاحب المغني](3): ((وهل هي ظرف زمان أو ظرف مكان أو حرف بمعنى المفاجأة أو حرف مؤکد أي زائد؟ أقوال))(4)، ثم فصل القول في عاملهَا على الظرفية(5)، والاستقالة طلب الاقالة وهو في البيع نسخة للنَّدم، ويكون في البيعة(6) والعَهْد أيضاً(7)، و تقول: قلتُه البيع بالكسر كما تقول أقلته، واستقالة أبي بكر قوله بعد ما بُويع: (أقيلوني فَلَسْتُ بِخَير كم وعلي فيكم) وقد روى خبر الاستقالة الطبري(8) في تاريخه(9)، والبلاذري(10) في أنساب

ص: 268


1- (المعنى) في أ، ث، ر، تصحيف
2- [ثم] زيادة في ح
3- [صاحب المغني] ساقطة من أ، ث، ر، ع، ن
4- ينظر: مغني اللبيب: 1 / 105
5- ينظر: مغني اللبيب: 1 / 105
6- (للبيعة) في ث، ر
7- ينظر: المخصص: 1 / 135، وينظر: لسان العرب، مادة (قال): 11 / 580
8- هم محمد بن جریر بن یزید بن خالد بن كثير الطبر