لغة القرآن في منظور الإستشراق

هوية الکتاب

العتبة العباسية المقدّسة

المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية

سلسلة القرآن في الدّراسات الغربيّة

لغة القرآن

في منظور الاستشراق

دراسة تقويميّة نقديّة

د. محمود كیشانه

كيشانة محمود، مؤلف.

لغة القرآن في منظومة الاستشراق : دراسة تقومية نقدية / تأليف الدكتور محمود كيشانة. - الطبعة الأولى - النجف، العراق : العتبة العباسية المقدسة، المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية، 1442 ه_. = 2021.

284 صفحة ؛ 24سم. - (سلسلة القرآن في الدراسات الغربية ؛ 10)

ص: 1

اشارة

كيشانة محمود، مؤلف.

لغة القرآن في منظومة الاستشراق : دراسة تقومية نقدية / تأليف الدكتور محمود كيشانة. - الطبعة الأولى - النجف، العراق : العتبة العباسية المقدسة، المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية، 1442 ه_. = 2021.

284 صفحة ؛ 24سم. - (سلسلة القرآن في الدراسات الغربية ؛ 10)

يتضمن إرجاعات ببليوجرافية: صفحة 268-283.

ردمك: 9789922625645

.1 القرآن - لغة، أسلوب .2 الاستشراق والمستشرقون. أ. العنوان.

LCC: PJ6696 .K57 2021

مركز الفهرسة ونظم المعلومات التابع لمكتبة ودار مخطوطات العتبة العباسية المقدسة

فهرسة اثناء النشر

ص: 2

سلسلة القرآن في الدّراسات الغربيّة

لغة القرآن

في منظمة الاستشراق

دراسة تقويميّة نقديّة

د. محمود کیشانه

ص: 3

بسم الله الرحمن الرحیم

ص: 4

فهرس الکتاب

المقدِّمة المرکز ... 7

مقدمة المؤلِّف ... 15

الفصل الأول: اتهام اللغة العربية بالقصور

المبحث الأول: دعوة المستشرقین الصریحة للعامیّة ... 24

المبحث الثالث: الزعم بعدم مواکبة العصر ... 40

المبحث الرابع: محاولة النیل من المحتوری العربي ... 50

الفصل الثاني: إخضاع النص القرآني للنقد الأدبي

المبحث الأول: لغة القرآن و الأدب عند المستشرقین ... 68

المبحث الثاني: دعوی اقتباس القرآن من الشعر الجاهلي ... 84

الفصل الثالث: دعوى الأخطاء اللغويّة في القرآن الكريم

المبحث الثاني: الادّعاءات بوجود أخطاء نحویّة في القرآن ... 136

المبحث الثالث: الادعاءات بوجود أخطاء إملائیّة في القرآن ... 146

المبحث الرابع: التشکیک فی عملیّة النسخ و دلالات الکلمات ... 155

ص: 5

الفصل الرابع: ترجمة لغة القرآن الكريم

المبحث الأول: منهج المستشرقین في الترجمة و غایاتهم ... 165

المبحث الثاني: ترجمة أوري روبین ... 171

المبحث الثالث: ترجمة جاک بیرک ... 189

الفصل الخامس:

دعوى نسبة القرآن إلى اللغات الآراميّة والسريانيّة والعبريّة

المبحث الأول: القراءة الآرامیّة السریانیّة للغة القرآن ... 208

المبحث الثاني: القراءة العبریّة للغة القرآن ... 247

الخاتمة ... 263

المصادر و المراجع ... 268

ص: 6

مقدمة المركز

بسم الله الرحمن الرحیم

الحمد لله رب العالمين، وصلّى الله على سيّدنا محمّد صلّی الله علیه و آله و سلّم، و علی آله الطاهرين، وبعد

لقد صرََّح القرآن الكريم بأنّ لغة القرآن هي اللغة العربيّة في موارد وتعابير عدّة، من قبيل: «إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ» (1) ، «وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانُ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ» (2)، «وَكَذَلِكَ أَنزَلَنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا» (3) .

وأمّا اختيار اللغة العربيّة لتكون لغة القرآن الكريم، فيعود إلى نكاتٍ عدّة، منها:

اتّحاد لسان الرسول ورسالته مع المُرسَل إليهم: فقد جاء نزول القرآن باللغة العربيّة استنادًا إلى أصلِ عامٍّ وسنّةٍ إلهيَّةٍ في الإنذار والتبشير، مفادها: اتّحاد لغة كلّ رسول مع لغة قومه : «وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّه مَن يَشَاء وَيَهْدِى مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» (4). كما أنّ هذه السنّة تقتضي أن يكون الرسول من القوم الذين أُرسل إليهم: «أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ

ص: 7


1- سورة يوسف، الآية 2، وانظر: سورة طه، الآية 113، سورة الزمر، الآية 28 ، سورة فصّلت، الآية 3، سورة الشورى، الآية 7، سورة الزخرف، الآية 3.
2- سورة النحل، الآية 103، وانظر: سورة الأحقاف، الآية 12.
3- سورة الرعد، الآية 37.
4- سورة إبراهيم، الآية 4.

هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ» (1) وهذه القاعدة العامّة في إرسال الرسل علیهم السّلام، تنطبق أيضًا على إنزال الكتب السماويّة: «وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا... » (2).

ومن هذا المنطلق، فإنّ نزول القرآن باللغة العربيّة أمرٌ طبيعيٌّ موافقٌ للسنّة الإلهيّة في الإنذار والتّبشير. وهذا لا يتنافى مع رسالة الإسلام العالميّة، ودعوته العامّة على مدى العصور والأجيال : «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ» (3)، ولا مع ما جاء به القرآن من هداية عامّة للناس كافّة: «... هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ...» (4) . وأمّا إنذار الرسول الأكرم صلّی الله علیه و آله و سلّم لأهل مكّة، الذي ورد في سورة الشورى، فلم يكن إلا لأنّه صلّی الله علیه و آله و سلّم كان في المراحل الأولى من حركته العالميّة، مكلّفًا بدعوة قومه وهداية أبناء بيئته. ومن غير المعقول أن يؤمر صلّی الله علیه و اله و سلّم بإرشاد الناس وهدايتهم، ثمّ يعرض عليهم كتابًا بلغةٍ غريبةٍ عنهم: «وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ» (5).

ويرى علماء اللغة أنّ اللغة العربيّة تمتاز عن اللغات الأخرى بأنّها واسعةٌ جدًّا، ولها قدرةٌ عاليةٌ على حكاية المفاهيم المعنويّة العالية والسّامية التي يطرحها القرآن، أكثر من غيرها من اللغات الأخرى. فعلى سبيل المثال: إنّ الأفعال في اللغة العربيّة لها أربع عشرة صيغة بدلاً من ستّ صيغ في لغات أخرى، ولكلّ الأسماء فيها مذكّر ومؤنّث، وتتطابق معها الأفعال والضمائر والصفات. وتتميّز اللغة العربيّة _ أیضًا _ بكثرة المفردات، واشتقاق الكلمات، ووفرة قواعدها، وفصاحتها، وبلاغتها، وإيجازها...

وقد اختار الله تعالى اللغة العربيّة لتكون لغة للقرآن الكريم، فقال تعالى:

ص: 8


1- سورة الأنعام، الآية 130.
2- سورة الشورى، الآية 7.
3- سورة سبأ، الآية 28.
4- سورة البقرة، الآية 185.
5- سورة الشعراء، الآيتان 198-199.

«إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ» (1)، وقال تعالى: «إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ» (2). وهاتان الآيتان تكشفان عن حقيقة أنّ إكساء القرآن باللغة العربيّة مُسنَدٌ إلى الله تعالى، وهو الذي أنزل معنى القرآن ومحتواه بقالب اللفظ العربيّ، ليكون قابلاً للتعقّل والتأمّل. وفي الآية الواردة في سورة الزخرف يقول تعالی - بعد بيان أنّ لغة القرآن هي العربيّة -: «إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ»، وفي ذلك دلالةٌ ما على أنّ لألفاظ الكتاب العزيز من جهة تعينها ونظمها على مستوى الحروف والألفاظ والجُمل والعبارات والآيات والسور، بالاستناد إلى الوحي وكونها عربيّة، دخلاً في ضبط أسرار الآيات وحقائق المعارف، ما لا يمكن إيصاله عبر لغةٍ أخرى غير اللغة العربية، ولا يمكن تحقّقه عبر ناظمٍ آخر لكلامه غير الله تعالى. ولو أنّه تعالى أوحى إلى النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم بمعناه، وكان اللفظ الحالي له هو لفظ النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم، كما في الأحاديث القدسية - مثلاً - ، أو تُرجِم إلى لغة أخرى، لخفي بعض أسرار آياته البيّنات عن عقول الناس، ولم تنله عقولهم وأفهامهم (3).

ثبات اللغة العربيّة: اللغة ظاهرةٌ اجتماعيّةٌ معرّضةٌ كغيرها من الظواهر الاجتماعيّة للتغيّر والتبدّل وإنْ كانت عمليّة التبدّل والتغيّر فيها تحتاج إلى عشرات السنين، بل مئات السنين، فما من لغةٍ في التاريخ البشريّ إلّا وقد أصابها التغيّر، إلى حدّ أنّها تبدّلت مع مرور السنين إلى لغةٍ أخرى لا تشترك مع اللغة الأمّ إلا في الاسم. لكنّ اللغة العربيّة وحدها من اللغات البشريّة التي احتفظت بخصائصها ومميّزاتها مع مرور السنين والقرون؛ لأنّ القرآن الكريم حفظها فلم يطرأ عليها تغييرٌ أو تبديلٌ جوهريٌّ في بنيتها، إلاّ ما ندر من دخول ألفاظ بفعل احتكاك الشعوب العربيّة بحضارات وثقافات أخرى، أو ظهور معانٍ جديدةٍ لم تكن متداولة للألفاظ سابقًا، وهذا الأمر تستوعبه اللغة العربيّة، بما تشتمل عليه من خاصّيّة التعبير المجازيّ عن معانٍ لها نحو علاقة بالمعنى الحقيقيّ، وخاصّيّات أخرى كالاشتقاق والترادُف

ص: 9


1- سورة يوسف، الآية 2.
2- سورة الزخرف، الآية 3.
3- الطباطبائّي، الميزان في تفسير القرآن، ط1، بیروت، دار التعارف، 1997، ج 11، ص75. (بتصّرف)

والتعريب... وغيرها من الآليَّات التي تستخدمها اللغة العربيّة لتُجدِّد خَلاياها حتى تُناسِب العصر والمُحدَثات، مع احتفاظها بأصُولها وألفاظها وقواعدها، حتى غدت لُغة الأدب والعلم والحضارة. فلو ألقينا نظرةً كلّيّةً على أغلب مفردات اللغة العربيّة المتداولة قبل قرون من الزمن عند العرب القدماء، لوجدناها مفهومةً لدى العرب المعاصرين، وليس ذلك إلا بفعل ثبات اللغة العربيّة ومتانتها، بحيث لا تنفعل بسهولةٍ أمام لغات الثّقافات والحضارات العريقة التي دخلت بموروثاتها وسماتها الحضاريّة في البيئة الإسلاميّة، كحضارات الفرس والروم وغيرهما. ولكن مع ذلك ظلَّت اللغة العربيّة محافِظةً على هُويَّتها وخصائصها ومميّزاتها، فلم تنصهر لغات هذه الثّقافات، بل على العكس، جعلتها تنصهر فيها، كما نراه في اللغة الفارسيّة الحاليّة (نسبة كبيرة من مفردات اللغة الفارسيّة المعاصرة هي عربيّة الأصل). وتجدر الإشارة إلى أنّ تميَّز اللغة العربيّة بالثَّبات لا يَعنِي جمودها وعدم تطوُّرها، أو عدم انفعالها بمتغيّرات الزمان والمكان، والاحتكاك الثقافيّ والحضاريّ بلغات الشعوب الأخرى، بل إنّها متطوِّرةٌ في إطارٍ ثابتٍ مؤطّرٍ بقواعد ثابتة، مع مواكبتها لكلّ زمان ومكان. لذلك لم يصبها ما أصاب اللغات الأخرى من تبدّلٍ أو تغييرٍ جذريٍّ في بنيتها، بما أدَّى إلى اندراسها، أو تبدّلها إلى لغات أخرى لا تشترك معها في الجوهر والبنية اللغويّة إلا في الاسم.

اللغة العربيّة لغة السهولة والوضوح : أكّد القرآن الكريم صفة كونه بلسان عربيّ في وجه مَنْ زعموا أنّ هناك شخصًا يعلّم الرسول صلّی الله علیه و آله و سلّم القرآن: «وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرُ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانُ عَرَبِي .» (1). ويُراد ب_ «أعجميّ»: أنّه غير فصيح، ف» الإعجام: الإبهام. والعجم خلاف العرب، والعجميّ منسوب إليهم.

والأعجم: مَنْ في لسانه عجمة، عربيًّا كان أو غير عربيّ» (2) . وورد في حديثٍ جاء

ص: 10


1- سورة النحل، الآية 103.
2- انظر: الأصفهانّي، مفردات ألفاظ القرآن، نزار مصطفى الباز، لا م، لا ت، مادّة «عجم»، ص 549.

جوابًا عن معنى «لسان عربيٍّ مبين»: «يبيّنُ الألسُنَ، ولا تبيّنه الألسُنُ» (1) . ومن هنا، فالمراد بالعربيّة هو: بيان حقيقة أنّ اللغة العربيّة لغة الفصاحة والوضوح والخلوّ من التعقيد والإبهام، في مقابل الأعجميّ المبهم وغير الواضح والمعقّد. وقد اختارها الله تعالى ليبيّن بها معارف وحقائق راقية، بلغةٍ فصيحةٍ وبليغةٍ.

وبالعودة إلى محاولات المستشرقين المتنوّعة والكثيرة والتّشكيكيّة في لغة القرآن، حيث حاول بعض المستشرقين أن يصوّرها بصورة الأدب العادي، واجتهدوا في التّنقيب عن مواطن التّشابه والمماثلة بين لغة القرآن ولغة البشر، ورأوا أنّ لغة القرآن تشبه إلى حدٍّ بعيدٍ الشّعر العربي القديم في إيقاعه ووزنه وقافيته. وحاول آخرون وصفها بالنّقص والتّبعيّة للغات أخرى أصيلة وقديمة، وغيرها من الإشكاليات الكثيرة التي أثاروها.

نذكر في هذا المجال ما ذكره المستشرق الفرنسي إدوارد مونتيه بقوله: «إنّ أسلوب القرآن أسلوبٌ شعريٌّ مقفى، غير أنّ هذا الأسلوب الشعري ينحصر في السّور المكّيّة، خصوصًا القديمة جدًا منها، دون السور المدنية» (2).

وكذا ما ورد عن المستشرق البلجيكي «هنري لامانس» بقوله: «إنّ كل آيةٍ تنتهي بسجع يقوم مقام القافية، هذه القافية من جنس خاص تسمى السجع، كانت سابقًا مستعملةً عند الكهان الوثنيين العرب، وكانت مستعملةً بحريّة أكثر وبتسامح في البحور العروضية (3) .

وللتدليل أكثر وبشكل أوضح، نستعرض جانبًا من اهتمامات المستشرقين بلغة القرآن، مثل ما كُتِب حول الاشتقاق وأصول الكلمات، وبعض المصطلحات، وجزء من المفردات، وإشارة إلى اللهجات في القرآن الكريم (4) على النحو الآتي:

ص: 11


1- الكلينيّ، الكافي، تصحيح وتعليق: علي أكبر غفاري، ط4، طهران، دار الكتب الإسلاميّة 1365 ش، ج 2، کتاب فضل القرآن، باب النوادر، ح 20، ص 632.
2- إدوارد مونتيه، محمد والقرآن، ص 49 -50.
3- هنري لامانس، الإسلام: المعتقدات والمؤسسات، ص 52.
4- الصغير محمد حسين علي، المستشرقون والدراسات القرآنية، ط 1 ، بيروت، دار المؤرّخ العربي، 1420م ، ص 87.

كتب فرانكيل الألماني ( 1855 م - 1909 م ) رسالته للدكتوراه بعنوان (الكلمات الأجنبية في القرآن)، ليدن (1878).

وكتب المستشرق النمساوي كارل فولليرس (1857 م - 1909 م) موضوعًا بعنوان: (القرآن بلهجة مكة الشعبية).

وكتب المستشرق الألماني كارل هنريخ بيكر ( 1876 م - 1933 م)، (قواعد لغة القرآن في دراسات نولدكه)، مجلة الإسلام (1910م).

وكتب الأستاذ مرجليوث (1858 م - 1940 م ) موضوعًا بعنوان (نصوص القرآن) مجلة العالم الإسلامي، (1925م).

وفي روسيا قام كاشتاليفا (1897 م - 1939 م) بكتابة تقارير إلى مجمع العلوم في مصطلحات أناب، أسلم، أطاع، شهد وحنف في القرآن، وله (مصطلحات القرآن في ضوء جديد) (1928 م).

وكتب المستشرق الألماني كاله، (ولد: 1875م) بحثًا بعنوان: (القرآن والعربية)، ذكرى جولد سهير (1948م).

هذا وإن لم نكن هنا في مقام النّقد والمناقشة لهذه الشّبهات والإشكاليات المثارة، لكن ينبغي الإشارة إلى خصيصةٍ هامّةٍ من خصائص تكوين اللغة العربية تجيب عن الكثير من التّساؤلات، وهي: وجود قسمين للكلام، هما: النثر والشعر، وبالضرورة لابدّ لأيّ نصٍّ مكتوبِ أو مقروءٍ في اللغة أن ينتمي إلى أحدهما، إلّا أنّنا عند التفحّص والتمعّن أو الاستماع للقرآن الكريم أو قراءته، نجد أنفسنا أمام جنسِ أدبيٍّ متفرّدِ في أشكاله البلاغيّة، وأدواته الفنّيّة التّصويريّة، وهذا ما حمل «المارودي» إلى تصنيف الكلام إلى ثلاثة أنواع:

- الأول: منثور، يدخل في قدرة الخَلق.

- والثاني: شعر هو أعلى منه، يقدر عليه فريق، ويعجز عنه فريق.

ص: 12

- والثالث: قرآن هو أعلى من جميعها، وأفضل من سائرها، وتجاوز رتبة النّوعين لخروجه عن قدرة الفريقين (1).

ختامًا ينبغي الإشارة إلى أنّ منطلقات المستشرقين في طريقة دراستهم للغة القرآن، ومحاولة إخضاعه لخصائص الأدب البشريّ وطبائعه، وصولاً إلى الدّعوة إلى إلحاق العرب ولغتهم باللغة الإنكليزية، أو دعوتهم لاعتماد اللهجات المحكيّة العاميّة، كونها أقدر على التّخاطب والاستعمال في المجال الثّقافيّ من اللغة الفصحى...، كل ذلك يرتبط بنظرتهم إلى القرآن من جهة، فالقرآن في نظر كثير من المستشرقين لا يعدو أن يكون مرحلةً من مراحل الأدب العربي، وإلى حساسيّة المكانة المقدّسة للقرآن وما يترتّب على ذلك على المستوى الفكري والعقدي والتشريعي، وهنا يكمن السرّ الأعمق في التّشنيع بلغة القرآن واللغة العربية.

والحمد لله رب العالمين

المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجيّة

ص: 13


1- انظر: الماوردي، أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي: أعلام النبوة، ط1، بیروت، دار ومكتبة الهلال، 1409 ه_، ص 69 .

ص: 14

مقدمة المؤلف

مما لا شكَّ فيه أنَّ الاستشراق قديمه وحديثه قام بدراساتٍ عدَّة حول لغة القرآن الكريم، من حيث اللغويّات والأساليب والنّحو والصّرف وغيرها؛ استكمالاً لدراساتٍ عديدةٍ قام بها المستشرقون في مجالات: القرآن، والسّنّة، والتّاريخ الإسلاميّ، والعلوم الإسلاميّة. وهي الدّراسات التي كان لها أسبابها التي وقف عندها كثيراً أعلام الفكر الإسلاميّ من المهتمِّين بدراسة قضايا الاستشراق.

ومن ثمَّ فإنَّ هذه الدِّراسة تحاول أن تستكشف موقف هؤلاء المستشرقين منها ثمَّ تعرض هذا الموقف على ميزان المنهج العلميّ، محاولين التَّعرُّف على حظِّه من المنهجيّة العلميّة، ومحاولين الإجابة على سؤال مهمِّ مؤدَّاه: هل تعرَّضت لغة القرآن إلى الَّتشويه على يد هؤلاء المستشرقين؟ أم نالت حظّها من الإنصاف؟

ويمكن القول إنَّ هناك نفراً من المفكّرين المسلمين ممَّن نهضوا لمناقشة مواقف هؤلاء المستشرقين في نظرتهم للغة النصِّ القرآنيّ وأساليبه، فأثمر ذلك عددًا من الدّراسات في هذا الحقل، لكن لم تُعالج هذه الدّراسات الموضوع من زوايا عدّة متعاضدة كما فعلنا في هذه الدّراسة، ولكنَّ كلّ واحدةٍ منهنَّ اقتصرت على معالجة زاوية أو جزء منها، دون أن تنظر إلى الموضوع نظرةً شاملةً موسّعةً. إلَّا أنَّ هذا لا يمنع من أنَّ هذه الدّراسات تتضمَّن العديد من النّقود لكثير من الشّبهات التي أثارها المستشرقون حول اللغة العربيَّة الفصحى عامّةً، ولغة النصِّ القرآنيّ خاصّةً، في إطار معالجة قضايا جزئيّة من القضيّة، أو في إطار النّظرة إلى الاستشراق بالمعنى العامّ.

ص: 15

ومن هذه الدّراسات التي تناولت الموضوع من إحدى زواياه، خاصَّةً في مجال الردّ على اتِّهام اللغة العربيَّة بالقصور، هي دراسة إسماعيل أحمد عمايرة، التي حملت عنوان: المستشرقون والمناهج اللغويّة، وكذلك دراسته المعنونة ب_: بحوث في الاستشراق واللّغة، وهما دراستان اهتمّتا بالأساس باللّغة العربيَّة عامَّةً دون الاقتصار على موقف المستشرقين من لغة النصِّ القرآنيّ ذاته، لكنّها تبقى في إطار إنصاف اللغة العربيَّة من تهمة القصور التي يدَّعيها المستشرقون.

ومنها الدّراسات العامَّة التي تهتمُّ بموقف الاستشراق من القرآن الكريم كليّةً، وإن عرجت على بعض مواقفه من لغة النصِّ القرآنيّ، كدراسة محمد مهر علي، الموسومة ب_: مزاعم المستشرقين حول القرآن الكريم، ويُضاف إليها دراسة محمد أمين حسن «المستشرقون والقرآن الكريم»؛ وهما دراستان لم تكونا منصبّتين على المزاعم اللغويّة، بل شملتا مزاعم تندرج تحت مجالاتٍ أخرى، فهما دراستان تتبَّعان مزاعم المستشرقين في أكثر من اتّجاهٍ من اتجاهات المستشرقين في الدّراسات القرآنيّة.

ومن هذه الدّراسات أيضًا، دراسةٌ في مجال الردِّ على الزّعم بوجود أخطاءٍ لغويّةٍ في القرآن، وهي دراسة إلمير رفائيل كولييف، التي تحمل عنوان: القرآن وعالمه للمستشرق يفيم ريزفان ومزاعمه حول كتاب الله. وكذلك دراسة آدم بمبا المعنونة ب_: المستشرقون ودعوى الأخطاء اللغويّة في القرآن الكريم، دراسة تطبيقيّة لبعض الإشكالات في المطابقة.

لكنّنا نعتقد أنّ أشمل الدّراسات في هذا المجال هي موسوعة بيان القرآن، وهي الموسوعة التي شارك فيها عشرات من الباحثين والأكاديميّين في تخصُّصاتٍ متعدِّدةٍ، فهي موسوعة بمعنى الكلمة تقف عند الشّبهات التي أثارها المستشرقون في كلّ المجالات، وتردفها بالردِّ القوي والمقنع من النّاحية العقليّة والعلميّة، وكان من ضمن ما وقفت عليه من شبهات وردود الشّبهات المتعلّقة بلغة النصِّ القرآنيّ.

كما أنّ هناك بعض الدّراسات التي وقفت على لغة النصِّ القرآنيّ في منظور

ص: 16

الترجمات الاستشراقيّة، ومنها دراسة : محمد محمود أبو غدير، ترجمة أوري روبين المعاني القرآن الكريم بالعبرية (عرض وتقويم)، ودراسة ناصر الدين أبو خضير، ترجمات القرآن الكريم إلى العبرية.. ترجمة روبين نموذجًا، مجلة العربيَّة والترجمة/ دراسات، 2016م ، ودراسة إبراهيم عوض، ترجمة جاك بيرك للقرآن الكريم بين المادحين والقادحين، ودراسة زينب عبد العزيز، ترجمات القرآن إلى أين؟ وجهان لجاك بيرك، ودراسة: حسن إدريس عزوزي، ملاحظات على ترجمة معاني القرآن الكريم للمستشرق الفرنسيّ جاك بيرك.

فضلاً عن أنَّنا بعض الدّراسات التي تناولت قضيّة التأثير السريانيّ الآراميّ في لغة القرآن بالتّحليل والنّقد، كدراسة أحمد محمد علي الجمل: «القرآن ولغة السريان»، وهي عبارة عن بحثٍ منشورٍ في مجلّة كلِّيَّة اللغات والترجمة، جامعة الأزهر، عدد 42 لسنة 2007م.

لكنَّ هذه الدّراسات لم تتعقَّب موقف الاستشراق من لغة النصِّ القرآني في الاستشراق القديم والاستشراق المعاصر، وهذا ما حاولت هذه الدّراسة أن تقوم به؛ حيث وقفت على آراء ومواقف عددٍ من المستشرقين المعاصرين تجاه لغة النصٍّ القرآنيّ جنبًا إلى جنبٍ مع عددٍ من المستشرقين القدماء، هادفين إلى بيان مدى قرب هؤلاء من أولئك أو بعدهم عنهم؟ وهنا تكمن أهمِّيَّة هذا الموضوع.

وتبدو أهمِّيَّة هذا الموضوع في أنّه يلقي الضّوء على موقف المستشرقين في الاستشراق القديم والاسشراق المعاصر من لغة النَّصّ القرآنيّ، وهو من الموضوعات التي لم تنل حظَّها من الدِّراسات الموسَّعة، ومن ثمَّ فإنَّ تناوله في دراسةٍ مخصوصةٍ سوف يكشف عن الكثير من هذا الموقف الاستشراقيّ.

كما تبدو أهمِّيَّة هذا الموضوع في محاولته الوقوف على اتِّهام المستشرقين للغة العربيَّة بالقصور، وما ينطوي عليه هذا الموقف من أسانيد عرضها المستشرقون، وما يمكن أن يُوجَّه إليهم من نقدٍ في ذلك. كذلك تبدو أهمِّيَّته في الوقوف على

ص: 17

الدَّعاوى التي أثارها المستشرقون في علاقة القرآن بالأدب، وإخضاعهم النَّصّ القرآنيّ في لغته للنَّقد الأدبيّ.

ولعلَّ من أهداف هذه الدّراسة الكشف عن شبهة الأخطاء اللُّغويّة التي أثارها المستشرقون حول لغة النصِّ القرآنيّ، بوصفها واحدةً من الموضوعات التي وقف عندها المستشرقون للانطلاق إلى القول ببشريّة المصدر القرآنيّ، وهو ما حدا بالدّراسة إلى أن تنزع نزوعًا نقديًّا يهدف إلى تفنيد هذه الفرية والردِّ العلميّ عليها.

وتعدُّ ترجمة النصِّ القرآني وحظّها من المنهجيَّة والسّلامة العلميَّة هدفًا رئيسًا من أهداف هذه الدّراسة، كونها وثيقة الصّلة بلغة القرآن الكريم، ولكن لمَّا كانت التّرجمات التي تناولت نقل ألفاظ النصّ القرآنيّ إلى اللغات الأخرى كثيرة، وتنوء أيُّ دراسة بحملها، فقد اكتفينا بتناول ترجمتين فقط: الأولى لجاك بيرك، والثانية لأوري روبين.

دعاوى نسبة القرآن إلى اللغات الآراميّة - السريانيّة والعبريّة التي قال بها بعض المستشرقين كانت من الأهداف الرئيسة التي عمدت هذه الدّراسة إلى الوقوف عندها، ومحاولة الكشف عن حقيقة ما ذهبوا إليه في هذا الشأن، وقد قامت الدّراسة في هذه القضيّة على التناول التّحليليّ والنّقديّ لأقوال المستشرق کريستوف لوكسنبرغ.

ومن ثمّ، فإنّ هذه الدّراسة تحاول الإجابة على مجموعةٍ من الإشكاليّات التي تثور مؤدَّاها: هل اللغة العربيَّة لغة تُوصف بالقصور؟ وكيف نظر المستشرقون لها ؟ وهل كانت مواقفهم منها مواقف علميّة تتَّسم بالمنهجيّة والبعد عن التعصُّب؟! وتثور هناك إشكاليَّة وتساؤل آخر: هل أخضع المستشرقون المعاصرون والقدماء لغة النصّ القرآنيّ للنقد الأدبيّ؟! هل تعاملهم مع النصِّ القرآنيّ كتعاملهم مع أيِّ نصٍّ بشريٍّ أوصلهم إلى نتائج منطقيّة؟! ما الغاية من محاولات المستشرقين الحثيثة البحث عن تأثُر القرآن بالشّعر الجاهليِّ؟ وهل يقدِّم لنا الشّعر الجاهليُّ خاصَّةً عن امرئ القيس أميَّة بن الصلت ما يدلّ على ذلك؟

ص: 18

ولنا هنا أن نتساءل متعجِّبين لماذا تعامل بعض المستشرقين مع لغة القرآن على أنَّها تُمثِّل مرحلةً من مراحل الأدب العربيّ؟ وهل يليق أن يربط بروكلمان بين لغة القرآن وسجع الكهّان؟ وكيف نفسِّر كلّ ذلك في ضوء دعوة مارجليوث إلى التخلِّي عن لغة القرآن رجاء التّمسُّك باللّهجة الإنجليزيّة؟ ومتى دمجنا العربيَّة في الإنجليزيّة، فكيف نقرأ القرآن حينها ؟ لعلّه يريد أن نقرأه بالإنجليزيّة، وهذا كلّه - وغيره كثير - يمثِّل افتراءً على لغة النصِّ القرآنيّ من قبل الاستشراق.

وماذا عن دعوى الأخطاء اللغويّة في القرآن الكريم؟ ومَنْ مِن المستشرقين المعاصرين والقدماء أذاع هذه القضيّة وتمسَّك بها؟! وهل في مواقفهم وفرضيَّاتهم أدلَّة وقرائن تثبتها أم هي مجرّد خواطر لا ترقى إلى مستوى الدّليل؟

وماذا عن ترجمة المستشرقين لألفاظ القرآن الكريم باعتبار الترجمة منصبَّة على لغة النصِّ القرآنيّ؟ هل كانت ترجماتهم أمينةً أم شابها تعصُّب للعقيدة أو الجنس؟! وإلى أيّ مدى عبَّرت ترجماتهم عن مضمون لغة هذا النصِّ القرآنيّ؟ وما مناهج المستشرقين في ترجماتهم؟ وما الغايات التي قامت عليها ؟

وأخيرًا، ما صحَّة نسبة القرآن إلى اللّغات الآراميّة - السريانيّة والعبريّة؟ وهل ألفاظ القرآن الكريم مأخوذة من هذه اللغات كما ذهب إلى ذلك بعض المستشرقين؟ وما هي الأسانيد التي استند إليها هؤلاء المستشرقون في ذلك؟! وهل تصمد هذه الأسانيد أمام الردود العلميّة من فقه لغة وعلم لغة وغيرهما؟!

وبناءً على هذه الإشكاليّات فإنّ محاور الدّراسة هي:

الأوّل: اتّهام اللغة الغربيّة لغة القرآن بالقصور.

الثاني: إخضاع النصِّ القرآنيّ بلغته لمقاييس النّقد الأدبيّ.

الثالث: شبهة الأخطاء اللغويّة في القرآن الكريم.

الرابع: محاولات ترجمة لغة القرآن بصورة لا تتناسب معه.

ص: 19

الخامس: نسبة القرآن إلى اللغات الآراميّة والسريانيّة والعبريّة.

ويمكن القول إنَّ لغة القرآن تظهر في منظور الاستشراق بمظهرٍ لا يليق بها؛ نتيجة التّشويه الذي قام به المستشرقون، والذي لا يمكن حصره، ومن ثمَّ فنحن في هذه الدّراسة سوف نتعرّض للشّبه والأباطيل التي حاكها المستشرقون للنصِّ القرآنيّ في جانبه اللغويّ، محاولين في الوقت ذاته بیان تهافتها وسقوطها وعدم رسوخها أمام النّقد العلميّ السّليم.

وفي سبيل ذلك فإنَّ المنهج المتّبع في الدّراسة هو المنهج التّحليليّ النّقديّ، يقوم على تحليل الشّبهات التي سيقت بهذا الصدد في إطار استقصائيٍّ، ثم نردفها بالردِّ في إطار المنهج النقديّ الذي لا يُعنى بغلبة الخصم، وإنِّما يُعنى بالإقناع والعمل على الوصول إلى الحقيقة التي تستند إلى بُعدين رئيسيّن: معرفيّ ودينيّ.

المؤلّف

ص: 20

الفصل الأول

اشارة

اتّهام اللغة العربية بالقصور

ص: 21

مقدمة:

اشارة

لا شكّ في أنَّ اللّغة العربيَّة لغةٌ حفظها الله تعالى بالقرآن، فقد شرَّفها سبحانه بأن تكون اللّغة التي نزل بها القرآن ذاته، ويتعبَّد بقراءته المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها، يقول الله تعالى: «وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيّ مُّبِينٍ»، (سورة الشعراء، الآيات 192، 195)، ويقول أيضًا: «وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ، لِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجُمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ؟»، (سورة الشورى، الآية 7). هذه اللغة كانت هدفًا للمستشرقين للنيل منها، وقد كان النّيل منها على محورين؛ الأوّل : اللغة العربيَّة الفصحي عمومًا، والثاني: خصوص لغة القرآن.

وقد عمد الاستشراق القديم والمعاصر إلى الحطّ من قيمة اللغة العربيَّة الفصحى، بدعوى أنّها ليست لغة علم، وأنّ العرب إذا كان عليهم التقدُّم فإنَّه من اللّازم عليهم التّخلّي عنها، واستبدال اللهجات العاميَّة بها، ومن ثم ذهبوا إلى التّشجيع على اللّغة العاميَّة، بزعم أنّها تفي بمتطلّبات الحياة اليوميَّة. وهذا هو دأب الغرب المعاصر؛ حيث أولى اللّهجات المعاصرة «عناية لم يعطوها اللغات الرسميَّة، وبخاصَّة إذا كانت هذه اللّغات تقتصر على الكتابة دون الحديث كاللاتينيَّة واليونانيَّة القديمة مثلاً» (1) فانتصروا لتلك اللّهجات على اللغات القديمة، وصار كلّ ما ينطق به النّاس ويتلفّظون به في حياتهم اليوميّة بلغتهم العاميَّة صحيحًا، حتى مع مخالفته للقواعد اللغويّة. وقد صار الاستشراق على هذه النّهج في تعامله اللّغة العربيَّة الفصحى، فنظر إلى اللغات أو اللّهجات العربيَّة الدّارجة على أنَّها مرحلةٌ من مراحل تطوُّر اللغة (2) .

ومن ثم، فقد ظهرت الدّعوات الاستشراقيّة التي تدعو إلى إحلال اللّهجات الدّراجة محلّ اللّغة الفصحى، بدعوى أنّ الأخيرة أضحت لغة الكتابة فقط، في حين صارت اللّهجات الدارجة هي المناسبة لنسق الحياة اليوميّة. ومن ثمَّ نفهم أنّ أولى ما

ص: 22


1- إسماعيل أحمد عمايرة، المستشرقون والمناهج اللغوية، الأردن - عمان، دار حزين، الثانية، 1992م، ص 109.
2- إسماعيل أحمد عمايرة، بحوث في الاستشراق واللغة، دار وائل للطباعة والنشر والتوزيع، ص 328.

تُتَّهم به اللغة العربيَّة عمومًا أنَّها لغةٌ قاصرةٌ على الوفاء بمتطلَّبات الحياة اليوميَّة، وغير مناسبةٍ للثورة العلميَّة والتكنولوجيَّة، وهي الدّعوى التي يُردّدها الاستشراق المعاصر إلى الآن، ويتابعه فيها بعض من بني جلدتنا من العرب والمسلمين، الذين قلَّ عندهم الإلمام الإلمام بالثّقافة الإسلاميَّة والعربيَّة الرّصينة.

ولا شکَّ فى أنَّ تلك الدّعوى الاستشراقيَّة دعوى مريبة تحاول - كما تحاول الدعاوى المشابهة - أن تقوّض الإسلام، فهم يدركون جيّدًا أهميَّة اللغة العربيّة في حياة المسلم، فهي محورٌ رئيسٌ في حياته وممارساته اليوميَّة، فلا فرائض وطاعات من صلاة ودعاء ومناسك حجّ وقراءة قرآن وغيرها من المناسك إلّا باللّغة العربيَّة، هذا يعني أنّ دعوى إحلال العاميَّة مكان الفصحى سوف يكون له خطره الكبير على الإسلام ذاته بصفةٍ عامَّة، والقرآن الكريم بصفة خاصَّة؛ لأنَّ معنى إحلال العاميَّة محلّ الفصحى أن يقلَّ اهتمام النّاس بالأخيرة وهي لغة القرآن، فضلاً عن أنَّ انفصال المسلم عن لغته الأصليَّة سيصنع حاجزاً بينه وبين القرآن، فيصير القرآن مجرّد قراءةٍ لا تدبُّر، وهنا تكمن الإشكاليَّة؛ لأنَّ قرآنًا بدون تدبّرٍ وفهمٍ لمعاني ألفاظه ودلالاتها معناه أنَّه لن يكون له أثرٌ في نفوس أتباعه، ومن ثمَّ يكون في وادٍ والمسلمون في وادٍ آخر.

وقد ظهرت هذه الادّعاءات والاتّهامات الاستشراقيّة في ثنايا الحركة الاستعماريّة، في مصر وفي القرن التاسع عشر تحديدًا، وقد ظهرت أوّل ما ظهرت على يد المستشرق ولهلم سبيتا (1) الذي كان يشغل منصب مدير دار الكتب المصريّة، وكانت خطَّته تقوم على وضع قواعد للغة العاميَّة، مدّعيًا أنّ اللغة العربيَّة كانت لغة محتلٍّ جاءت مع الفتح الإسلاميّ، ومن ثمّ كانت في زعمه لغةً دخيلةً.

كذلك من الدّعاة الأوائل لهذه القضيّة الاستشراقيّة المستشرق وليم ويلكوكس (2) الذي كان يعمل مهندسًا للريّ في القاهرة، ومنهم أيضًا المستشرق الشهير ماسينيون (3) الذي دعا إلى استبدال الحروف اللاتينيّة بالحروف العربيَّة، التي وجدنا لها هوى عند البعض في فتراتٍ تاليةٍ.

ص: 23


1- فلهلم شپیتَّا(Wilhelm Spitta) ( 1818 - 1883 م) مستشرقٌ ألمانيٌّ، من مؤلفاته «لهجات المصريين العاميَّة».
2- ویلیام ويلكوكس (William Willcocks) مهندس بناء بريطاني (1852 - 1932)، عمل في مصر والعراق وتركيا في إنشاء قطاع الري.
3- لويس ماسينيون (Louis Massignon) ولد (1926 - 1883) مستشرقٌ فرنسيٌّ، عُرف باهتمامه بالتّصوّف الإسلامي.

فقد نقد المستشرقون اللّغة العربيَّة كليّة في فروعها وأهمِّيَّتها وتأثيرها ومبانيها أو قواعدها، وهذا النّقد وجّهوه إليها، لا لنقدها هي في ذاتها، ولكن لنقد القرآن ذاته، فاتَّخذوه مدخلاً لنقده، يُضاف إلى المداخل غير اللّغويَّة في مجالات أخرى من العلوم الإسلاميَّة، وهذا يُمثَّل إدراكًا من المستشرقين لأهميَّة اللغة العربيَّة كحاضنة للهويَّة والدين والحضارة الإسلاميَّة، ومن ثمَّ عمدوا إلى صياغة إطارٍ من الاتِّهام لها بهدف القضاء على دورها في نفوس المسلمين، وبهدف تشويه القرآن الذي جاء بلسانها. فاللغة العربيَّة هي لغة القرآن، المهيمن على ما سواه من الكتب، ومن ثمَّ فإنَّ هذا يقتضي أن تكون هيمنته على ما سواه من اللغات الأخرى أيضًا، باعتبارها لغة خاتم الأنبياء والمرسلين، واختيار الله تعالى اللغة العربيَّة لتكون لغة القرآن يعني صلاحيَّتها لأن تكون لغة البشر أجمعين، حيث إنَّه لما وصفها بالبيان فهذا يعني أنّ سائر اللغات قاصرة عنها، وهذا تاج كلَّل الله تعالى به مفرق اللغة العربيَّة (1) .

ولم يكن نقد المستشرقين للغة العربيَّة نقدًا بالمعنى الصّحيح لكلمة نقد، ولكنَّه كان تشويها وتشويشًا وإغماطًا، من أجل إضعافها والنّيل منها، وكانت هناك مجموعةٌ من الوسائل والأدوات التي اتَّخذوها لمحاولة الوصول إلى هذا الأمر الخطير، ويمكن أن نلخِّص هذه الوسائل والأدوات في المباحث الآتية:

المبحث الأوّل: دعوة المستشرقين الصّريحة للعاميَّة:

لقد كثرت إدّعاءات المستشرقين ك_ - ولهلم سبيتا ووليام ولكوكس - حول الانتقاص اللّغة العربيّة الفصحى وتشويه منبعها ووظيفتها....، وبعد التتبّع والتّدقيق تبيّن أنّهم يدّعون صراحةً إلى اعتماد اللّغة العاميّة وإحلالها مكان اللّغة الفصحى، بزعم أنّها أكثر قدرةً على الوفاء بمتطلّبات الإنسان لغويًا من العربيّة الفصحى، والتمسُّك بها كلغة تحدّثٍ وكتابةٍ؛ ولهذا عمدوا إلى إثارة النّعرة العرقيَّة من جانب، وإلى تشويه اللّغة الفصحى من جانب آخر، واتّهامها بأنَّها لغةٌ غازيةٌ جاءت لتقضي على القبطيَّة عند دخول الإسلام مصر وإحلال الفصحى مكانها، وهذا ما حاول المستشرق الألماني

ص: 24


1- انظر: أسامة مهملي، آليات المستشرقين لهدم اللغة العربيَّة الفصحى، مجلة دفاتر مخبر الشعرية الجزائرية، العدد الرابع، مارس 2017م، ص 30.

ولهلم سبيتا الوصول إليه في مقدّمة كتابه «قواعد اللغة العربيَّة العاميَّة في مصر» (1)؛ حيث يلاحظ أنّه اعتمد سلسلة خطواتٍ ومراحل لتحقيق هدفه، منها:

كان سبيتا يعمد إلى الإشعار بصعوبة اللّغة الفصحى متّهمًا قواعدها بأنَّها صعبةٌ، وكتابتها بأنَّها شاقَّةٌ، حتَّى يكون له مسوِّغٌ في الدّعوة إلى العاميَّة.

الإعلاء من قيمة العاميَّة، ومحاولة الإيهام بأهمِّيَّتها كلغة أدب ولغة تحدث.

استنباط قواعد اللغة العاميَّة، لتكون نواة للاستخدام في الأعمال الأدبيَّة.

الادِّعاء بأنّ العاميَّة لن تؤثر بحال على الشّعائر الدينيّة، فلغة الصلاة والشعائر ستظلّ كما هي، ولن تتغيّر مطلقًا (2) .

شكّلت هذه المراحل والخطوات لبّ الانقلاب اللّغويّ الذي كان ينتويه ولهلم سبيتا تجاه اللّغة الفصحى، وتشي لنا كيف كانت عمليّة إحلال العاميَّة بمثابة عمليّة من بدء نشأتها، لكن مع قليل من الجهد يمكن فهم نواياها والردّ عليها الردّ لعلميّ الذي يدحضها من الأساس.

إنّ نوايا سبيتا ومن سار على دربه تتلخَّص في صنع جدارٍ عازلٍ بين القرآن واللّغة الفصحى، باعتبارها لغة القرآن، فإذا ما صُنع هذا الجدار جاء اليوم الذي يكون فيه القرآن مهجورًا أو غير مفهومٍ نتيجة إهمال الفصحى، فتصير الفصحى كغيرها من اللّغات المندثرة، كالعبريّة واللاتينيّة والآراميّة، لكن لأنّ وجودها مرتبطٌ بالقرآن ذاته فإنّها لغةٌ خالدةٌ.

ولقد توالت محاولات المستشرقين في تنفيذ مخطّطهم في إحلال العاميَّة محلّ اللّغة العربيَّة الفصحى، فهذا المستشرق دوفرين (3)، «وضع تقريرًا عام (1302ه_/

ص: 25


1- انظر: فاطمة هدى نجا، نور الإسلام وأباطيل خصومه، دار الإيمان، الطبعة الأولى، 1993م، ص 213.
2- انظر: فاطمة هدى نجا، نور الإسلام وأباطيل خصومه، ص 213.
3- سياسيٌّ ودبلوماسيٌّ بريطانيٌّ (1826 - 1902م) ، كان مفوضًا لبريطانيا في مصر، أعدّ تقريرًا كان الهدف منه تنظيم البلاد بما يخدم تمكين الاحتلال على الأرض سياسيًا، وكان من ضمن بنوده قضية الإجهاز على اللغة العربيّة الفصحى والعمل على إحلال العاميَّة محلها.

1882م) ، ودعا فيه إلى هجر اللّغة العربيَّة الفصحى وإحلال العاميَّة المصريَّة مكانها في بناء منهج التّربية والتّعليم والثّقافة وغيرها» (1).

وفي سنة 1901 كتب المستشرق الإنجليزي سلدن ولمور (2) كتابًا موسومًا ب_ «العربيَّة المحليّة في مصر»، وذهب إلى أنّ اللغة الإنجليزيّة ستغزو مصر، وأنّ المانع من تقدّم مصر ومثيلاتها من دول العالم العربيّ هو تداولها لِلغة عربيّة فصحى يصعب بها الترقّي في مدارج العلوم (3).

وهناك مجموعةٌ من الكتب لمستشرقين آخرين اهتمَّت باللهجات المحليَّة لبعض المدن المشرقيّة والمغاربيّة، ككتاب: «لغة بيروت العاميَّة 1911م» (4)، وكتاب: «لهجة بغداد العاميَّة 1912م» (5)، وكتاب: «لغة مراكش العاميَّة وقواعدها 1918م (6)، وكتاب: «قواعد العاميَّة الشرقيَّة والمغربيَّة 1918م» (7)، وغيرها من الكتب (8).

لكنّ هناك مسألة مهمّة في هذه القضيّة يجب الالتفات إليها، وهي أنّ المستشرقين دأبوا على النّظر إلى العربيَّة الفصحى على أنَّها لغةٌ كلاسيكيَّةٌ من الماضي، بل هي لا تعدو في نظرهم أكثر من كونها لغة زائلة كاللاتينيَّة واليونانيَّة (9) وغيرهما من اللّغات القديمة، والتي تلاشت مع الزّمن، فالنّظر إلى اللّغة الفصحى على أنَّها لغةٌ كلاسيكيَّةٌ من هذا النوع أمرٌ أساسيٌّ في جدول أعمال المستشرقين للقضاء على العلاقة المتينة بين القرآن والفصحى.

ص: 26


1- أسامة مهملي، آليات المستشرقين لهدم اللغة العربيَّة الفصحى، ص 39.
2- أحد قضاة محاكم الإنجليز في مصر.
3- انظر: عبد الحكيم درقاوي، اللهجات المحلية هل تصلح للتدريس؟ على الرابط التالي: https://www.arabiclanguageic.org/print_page.php?id=12385
4- لمؤلفه إمانويل ماتسن.
5- لمؤلفه لويس ماسينيون.
6- من تأليف بين صامويل.
7- لصاحبه (كوسان دور سبرسفال).
8- انظر: عبد الحكيم درقاوي، المرجع السابق.
9- انظر: إسماعيل أحمد عمايرة، المستشرقون والمناهج اللغوية، ص 89.

إنّ مفهوم «الكلاسيكية عند المستشرقين مرتبطٌ بالقِدم، وأمّا مفهوم المعاصرة فمرتبطٌ بالحداثة. وتاريخ اللّغات الأوروبيَّة يعرف هذين المفهومين، وما يترتّب على كلّ منهما من تغيُّرٍ واسعٍ بين ماضي اللّغة وحاضرها في جميع جوانبها» (1)، ومن ثمَّ عمدوا في سبيل الحداثة إلى القضاء على كلّ مظهرٍ من مظاهر القدم وعدُّوه غير صالحٍ للمعاصرة، ومن ثمّ عمدوا أيضًا إلى البحث عن كلِّ ما هو جديد، وإن كان غير نافع، وبما أنَّ العاميَّة كانت أحدث من الفصحى، فقد عدُّوها لغة المرحلة أو اللغة المرادة التي تتماشى مع المعاصرة والحداثة.

ومن ثمَّ ، فهم ينظرون إلى «تاريخ اللغة، أيَّ لغة، على أنَّه سلسلةٌ من المراحل المتباعدة تاريخيًّا، حتَّى يُصبح الفرق واسعًا بين ماضي اللغة وحاضرها، ويشمل الاتِّساع في الفروق بين المراحل اللغويَّة، جميع الجوانب اللغويَّة، من نحو وصرف وصوت ومعنى» (2).

إنَّ هؤلاء المستشرقين اعتمدوا في استنباطهم لمفهوم الكلاسكيَّة في اللّغة وخصائصه على نظرتهم للاتينيَّة أو للغاتهم القديمة التي بينها وبين لغاتهم الحديثة أوشاج مقطوعة، وليس هناك من مشكلةٍ في تلك النّظرة، وإنَّما تطلُّ المشكلة برأسها حينما يجعلون مفهوم الكلاسيكيَّة مقياسًا معياريًّا صالحًا لأن تخضع له اللغاتُ كلُّها؛

هذا لا شكَّ - يُمثَّل بعدًا عن المنهج العلميّ السّديد، الذي لا بدّ فيه من مراعاة تميُّز بعض اللّغات وتفرُّدها عن غيرها (3).

ومن ثمَّ نفهم أنَّ نظرة المستشرقين للغة العربيّة الفصحى لا تختلف عن نظرتهم لأيّ لغةٍ قديمةٍ وهي نظرةٌ مبنيّةٌ - في التّحليل الأخير - على اتِّهام اللّغة العربيَّة بالقصور عن أداء مهامها، وهذا فيه خطأ كبير، ويظهر هذا الاتِّهام جليًّا

ص: 27


1- إسماعيل عمايرة، بحوث في الاستشراق واللغة، مؤسّسة الرسالة، دار البشير، ط. أولى 1417 ه_ - 1996م، ص 329.
2- م.ن: ص 328.
3- انظر: عصام فاروق، موقف المستشرقين من العربيَّة الكلاسيكية، مقال منشور بموقع الألوكة، بتاريخ 2016/8/31م، على الرابط التالي: 0/106976/https://www.alukah.net/culture

عند المستشرق وليم بولك (1) على سبيل المثال، الذي قال في مقدّمة كتاب ياروسلاف ستتكيفتش (2) العربيَّة الفصحى الحديثة: «أليست اللّغة قبل كلّ شيءٍ مجرّد وسيلة اتِّصال، ومن ثمَّ تقوم بصورةٍ أساسيَّةٍ في ضوء الجوانب العمليَّة؟ وإذا ما وجدت وسيلة أفضل متوفّرة ألَا ينبغي اتِّخاذها؟ أيمكن أن تكون ثمَّة مزية حقيقيَّة في المحافظة على لغاتٍ لا تفي بما يُطلب منها ؟ لغات هُجِرت منذٍ أمد أو في طريقها إلى أن تُهجَر؟» (3) كما يظهر عند المستشرق كارل فولرس (4) الذي ندَّد في مقدّمة كتابه: اللّهجة العربيَّة الحديثة في مصر بالعربيَّة الفصحى متِّهمًا إيَّاها بالجمود، وبأنَّها تسير على منوال اللاتينيَّة واليونانيَّة وسائر اللّغات القديمة التي اندثرت مع الزّمن، وواصفًا لها بأنَّ العلاقة بينها وبين العاميَّة كالعلاقة بين اللاتينيَّة الكلاسيكيَّة القديمة واللغة الإيطاليَّة (5) .

وهذا يشي بوجود تباعدٍ كبيرٍ بين القائلين باللّغة العامية واللغة العربيَّة الفصحى، وهو تباعدٌ ناتجٌ عن طبيعة فهم العلاقة بين اللّغة والدين، فالفريق الأوّل الذي يقوده المستشرقون لا يقيم وزنًا لوجود علاقةٍ متينةٍ بين اللغة الفصحى والدين، ومن ثمّ فقد عدّوها مجرّد لغة ينطبق عليها ما ينطبق على اللّغات القديمة الدارسة، في حين نظر لها الفريق الثاني المتحصِّن بالفصحى لغة القرآن على أنَّها في علاقتها بالدين بمثابة صنوين، يقول أحد الباحثين: «فصِلة الدّين باللغة عند دعاة العاميَّة من المستشرقين والنّصارى العرب لا تختلف عن صِلة التّجارة والحرب والسّياسة بها. ولذلك تراهم يعتبرون التَّحوُّل عن الفصحى إلى العاميَّة

ص: 28


1- مستشرقٌ أمريكيُّ، ولد في عام 1929م، عمل صحفيًا ودبلوماسيًا وباحثًا في المنطقة العربيَّة، أنشأ مركزًا لدراسات الشرق الأوسط وكان مديرًا له، وعمل رئيسًا لمعهد ستيفنسون أدلاي للشؤون الدولية، ومن مؤلفاته كتاب: كيف نفهم العراق؟
2- مستشرقٌ أمريكيٌّ يعمل أستاذًا في الأدب العربي بقسم اللغات وحضارات «الشرق الأدنى» في جامعة شيكاغو. باحث في قسم الدّراسات العربيَّة والإسلامية، بجامعة جورج تاون في العاصمة الأمريكية واشنطن، وحاصل على الدكتوراه في الأدب العربي عام 1962 من جامعة هارفارد.
3- ستتكيفتش، العربيَّة الفصحى الحديثة (بحوث في تطور الألفاظ والأساليب)، ترجمة: محمد حسن عبد العزيز، 1985م، ص 18، 19.
4- مستشرقٌ ألمانيٌّ (1857 - 1909م)، وتولى إدارة المكتبة الخديوية بالقاهرة، عمل أستاذًا بمدرسة الفلسفة في جامعة يينا.
5- انظر: نفو زكريا سعيد، تاريخ الدعوة إلى العاميَّة وآثارها في مصر ، الطبعة الأولى، 1383 ه_ - 1964م، ص 25.

أمرًا طبيعيًّا، في حين يراه دعاة الفصحى يعني الهلاك والفناء والاندثار؛ لأنّ صِلة الدّين الإسلامي عندهم - وعندي - ليست بأقلّ درجة من صِلة الروح بالجسد، وترى أنصار الفصحى يكتبون في هذا الشأن وكأنّهم في المحراب يصلّون صلاة المودع، أمّا كتّاب الغرب وأشياعهم فلا يعيرون صِلة الدّين باللّغة أهمِّيَّة أكبر، فإنَّ أمرَهم يختلف تمامًا فيما يكتبون» (1). هذا يعني أنَّ اللغة العربيَّة الفصحى لها أبعاد كثيرة، أكثر من كونها مجرّد لغة للتخاطب والتّواصل، وأهمّ هذه الأبعاد على الإطلاق البعد الدينيّ، المتمثِّل في الارتباط الوثيق بين الرسالة المحمديّة ولغة القرآن الكريم.

وقد انتقد الدارسون الرّبطَ بين اللّغة العربيَّة واللّغات الدارسة، وكان منطلقهم في ذلك يستند إلى أنّ العربيَّة تختلف عن سائر اللّغات الأخرى في أصولها وتاريخها وحياتها، فالعربيَّة حتّى اليوم لا تزال قائمةً على أسسها المتينة وأعمدتها الصّلبة، لم تُصبها الهزّات التي أصابت اللّغات الأخرى، بدليل أنّ النّصوص التي بنى عليها الدّارسون أبحاثهم وملاحظاتهم وخرجوا منها إلى القواعد والقوانين لا تزال معينًا لا ينضب، ولا تزال القيم التي تُعدُّ معايير الفصاحة والبيان النّاصع للشعراء والخطباء والكتَّاب والمؤلّفين هي هي (2).

فاللّغة العربيَّة الفصحى لم تمت كما يحاول أن يُوهمنا المستشرقون، بل هي لغة الكتابة والمكاتبات الرّسميّة، واللّغة التي يتحدّث بها قطاعٌ كبيرٌ من المثقّفين والمفكّرين، حتى أولئك النّفر الذين يجيدون العربيَّة العاميَّة ولا يجيدون العربيَّة الفصحى، لا يخرج لهم كتابٌ أو إنتاجٌ ما إلّا وفق الثّانية، وهذا كلّه من باب التّأكيد على وجود اللّغة العربيَّة الفصحى حيّة متداولة.

فاللّغة العربيَّة الفصحى لم تُواجه تلك الكوارث والعقبات التي واجهتها اللغات الدارسة كاللاتينيّة وغيرها، وإنَّما وقفت صامدةً لم تستطع أن تنال منها واحدة،

ص: 29


1- عبد الله أحمد خليل إسماعيل، قراءة جديدة في قضية الدعوة إلى العاميَّة، مجلة الجامعة الإسلامية، المجلد الخامس، العدد الثاني، 1997م، ص 77، 78.
2- انظر: عصام فاروق، مرجع سابق؛ انظر: رشيد عبد الحميد العبيدي، البحث اللغوي وصلته بالبنيوية في اللسانيات، مجلة الآداب بالجامعة المستنصرية - بغداد، العدد الثاني عشر، 1985م، ص 56، 57.

بدليل أنَّها تحتلّ الصّدارة في البلاغة والفصاحة والبيان، بقواعدها الرّصينة ووسائلها وتعابيرها الجذّابة.

إضافة إلى ذلك، فإنَّ ما ثبت بالنّسبة للعربيّة لم يثبت لغيرها من اللغات؛ لأنَّ العربيَّة تناسلت تناسلًا طبيعيًّا، واحتفظت بأصالتها، وأصولها التركيبيّة والدّلاليّة والصّوتيّة والبنائية منذ أقدم عصورها فيما تناقلته الأجيال العربيَّة من نصوصها الأدبيّة.. في حين فقدت اللّغات الأوروبيّة هذه الخاصّيّة، فانبتَّت أصولها، وابتعدت عن أمّها اللاتينيّة التي أصبحت في عداد اللغات الميّتة.. ومن هذا المنفذ دخل البنيويّون ينظرون إلى اللغة على أنَّها الموجودة بين أيدينا، لا نعرف لها أصلًا، ولا ننظر في تراثيّتها، ولا نقارن بينها وبين ما كانت عليه، وإنَّما ينظرون إليها نظرة (آنية شمولية) (1).

فالمستشرقون تنبني نظرتهم إلى اللغة العربيَّة على أنَّها لغةٌ فحسب، دون النّظر في أصولها أو مراحلها التّاريخيّة، ومن ثمّ عندما وجدوا أنَّ العاميَّة هي لغةٌ منتشرةٌ، ظنّوا أنَّها هي الأمر الواقع، وأنَّ غيرها غير موجود، أو شيء دارس تعافاه الزّمن وأتى عليه، ومنبتر عن الأصل، مع أنَّ واقع الحال يقول إنّها موجودةً وبقوّةٍ، ولم تمرّ بمرحلة الانفصال عن الأصل كما يشيع المستشرقون وأربابهم.

فهل يا ترى حصل للعربية هذا الانبتار عن الأصل، حتّى نضطّر إلى تطبيق المنهج من جديد لدراستها ووضع قواعدها وفقًا لمتطلّبات مرحلتها؟! وما أظنّنا لو طبّقنا المنهج البنيويّ في دراسة نصوص العربيَّة الصّحيحة خارجين بأكثر مما خرج به النحويّون العرب من أحكام وقواعد (2).

هذه الآراء الاستشراقيّة كلّها حول محاولات إحلال العاميَّة مكان العربيَّة الفصحى تدلّ دلالةً واضحةً على اتّهام الأخيرة بالقصور، وهذا فيه ما فيه من الظّلم

ص: 30


1- انظر: عصام فاروق، مرجع سابق؛ انظر: رشيد عبد الحميد العبيدي، البحث اللغوي وصلته بالبنيوية في اللسانيات، مجلة الآداب بالجامعة المستنصرية - بغداد، العدد الثاني عشر، 1985 م، ص 56، 57.
2- انظر: عصام فاروق، مرجع سابق؛ انظر: رشيد عبد الحميد العبيدي، البحث اللغوي وصلته بالبنيوية في اللسانيات، مجلة الآداب بالجامعة المستنصرية - بغداد، العدد الثاني عشر، 1985م، ص 055656، 57.

البيّن بها، وبالكتاب الذي نطق بلسانها، وهو القرآن الكريم.

لقد أراد المستشرقون أن يجعلوا من اللغويّة الجغرافيّة مقياسًا للصواب أو الخطأ اللغويّ، بمعنى أنَّ أيَّ لهجةٍ يتحدّث بها الناس في منطقةٍ معيّنةٍ فإنّها لهجةٌ صحيحةٌ، ولا غبار عليها ما دامت وسيلة الاتّصال والتّواصل بينهم، وهذا - لا شكّ- يقود إلى نوعٍ من الفوضى اللّغويّة، ويقود في التّحليل الأخير إلى هدم الأصليّة، ومنها اللغة العربيَّة الفصحى بالتأكيد؛ لأنَّ «كلّ ما يقوله أغلبيّة النّاس ويقبلون به كلامًا سليمًا بغضّ النّظر عن اللّغة المكتوبة التي تُستعمل في الأدب وخلافه. فلم يعد هناك معيارٌ للصواب والخطأ مفروضٌ على أفراد المجتمع، بل أصبح كلّ ما يقوله مجتمعٌ معيّنٌ يعدّ لغةً سليمةً لا غبار عليها، وتستحقّ التّسجيل في كتب القواعد، ولم يستبعدوا من ذلك إلّا كلام السوقة، وأولئك الذين يتكلّمون لهجاتٍ محليّةً خاصّةً بأفراد جماعةٍ معيّنةٍ، أو حيٍّ معيّنٍ أو مهنةٍ معيّنةٍ، وحتّى هذه - إن وجدت - فلها الدّراسات الخاصّة بها» (1).

هذا الأمر جعلهم يهتمّون بما يُسمّى باللّغويات الجغرافيّة، فعمدوا إلى إصدار مجموعة من الأطالس، وكانت الدّراسة اللغويّة الجغرافيّة الأولى التي تناولت اللّهجات في بلاد الشام بعنوان: الأطلس اللغويّ لسوريا وفلسطين، للمستشرق الألمانيّ برجشتراسر (2) سنة 1915م (3).

ومسألة الاهتمام بإصدار أطالس عن لهجات الشام ومصر والمغرب من قبل المستشرقين محاولة منهم اصطناع المناهج نفسها والمواقف ذاتها المتّبعة تجاه لغاتهم القديمة خاصة اللاتينيّة واليونانيّة القديمة، «في هذا ما يدلّ على الاتّصال والتزامن الوثيقين بين ما يُطبّق على اللغات الأوروبيَّة والشّرقيَّة، وقد انعكس الاتّجاه

ص: 31


1- نايف خرما، أضواء على الدراسات اللغوية المعاصرة، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب عالم المعرفة، سبتمبر 1978م، ص 89.
2- مستشرقٌ ألمانيٌّ (1886 - 1933)، عُني بدراسة اللغات السامية بعامة والنحو العربي خاصةً، وكذلك اللهجات العربيَّة والقراءات القرآنية، كما أنّه له بصمته في كتاب تاريخ القرآن لنولدكه.
3- انظر: إسماعيل أحمد عمايرة، المستشرقون والمناهج اللغوية، ص 110: 111.

العامّ للبحث في اللهجات الأوروبيّة على دراسات المستشرقين، فقد أخذوا يُولون اللهجات العربيَّة الحديثة عنايةً خاصّةً ... وقد بلغ من شدّة اهتمام المستشرقين باللّهجات الدارجة أنَّ عدّوها اللغات الجديرة بالدراسة دون الفصحى، فقد ذهب بعضهم إلى إنكار أن تكون الفصحى لغةً حيَّةً قياسًا على واقع اللغتين اليونانيَّة واللاتينيَّة».(1)

هذا التأثّر الكبير بالفكر اللغويّ الغربيّ كان له أثره في دراسة المستشرقين للغة العاميَّة واللّهجات المحليّة على حساب اللغة العربيَّة، الأمر الذي قادهم إلى المناداة بإحلال اللغة العاميَّة محلّ اللغة العربيَّة الفصحى. وهذا فيه خطأ كبير؛ لأنَّه نقل ما في البيئة الغربيّة إلى البيئة العربيَّة محاولاً تطبيقه عليها، مع أنَّ الواقع غير الواقع والخصائص اللغويّة غير الخصائص اللغويّة، وطبيعة اللغة هنا غير اللغة هناك، فالمستشرقون حاولوا نقل التجربة اللغويّة في واقعهم قصرًا إلى الواقع اللغويّ العربي، غير مدركين أو لنقل غير مهتمّين بالفوارق بينهما.

ومن ثمّ فإنّهم تحت مظلّة الادّعاء بالتطوّر اللغويّ يحاولون تشويه اللغة العربيَّة الفصحي لغة القرآن؛ فهم يستندون إلى المنهج الوصفي في دراسة اللغة العربيَّة - وهو المنهج ذاته الذي يستخدمونه حيال لغاتهم -تاركين دراستها من جانب المنهج التّاريخي، ومن ثمّ فإنّ أيّ انحرافٍ صرفيٍّ أو نحويٍّ أو دلاليٍّ تجاه العربيَّة الفصحي لا ينظر إليه المستشرقون على أنّه انحرافٌ، بل هو في نظرهم من قبيل التّطوّر اللغويّ، ومن ثمَّ فلا معياريّة ولا قياس.

إنّ اللّا معياريّة التي يعمد إليها المستشرقون صرفيًّا ونحويًّا ودلاليًّا تقود إلى نوعٍ من الفوضى اللغويّة، التي تصبح معها اللغة الفصحى نهبًا لكلّ واردٍ يعبث فيها كيفما يشاء بدعوى التطوّر اللغويّ وطرائق الاستعمالات اللغويّة الجديدة. ومن ثمَّ فلا التزام بقواعد نحويّة، أو قوالب صرفيّة، أو أساليب دلاليّة، فالأمر مشاع، ومن هنا تضيع اللغة الفصحى، كمحاولةٍ حثيثةٍ للقضاء على الكتاب الذي نزل بها.

ص: 32


1- انظر: إسماعيل أحمد عمايرة، المرجع السابق، ص 110: 111.

نحن نفهم أن يذهب المستشرقون إلى وجود ألفاظٍ معرّبةٍ تدخل على اللّغة العربيَّة وتهضمها، فيكون ذلك صورةً من صور اتّساع الألفاظ وملمحًا من ملامح تطوّرها ومواكبتها للألفاظ الجديدة الوافدة، لكن لا نفهم ولا نقبل مطلقًا أن ينحصر التطوّر عند المستشرقين في محاولات الاعتداء على القواعد النحويّة والصرفيّة والأساليب الدّلاليّة، بدعوَى اللغة العربيَّة الحديثة أو المعاصرة.

لكنّ تطوّر اللغة العربيَّة وهضمها للألفاظ الوافدة وإخضاعها لقواعدها النحويّة وقوالبها الصرفيّة هو ما يؤرّق هؤلاء المستشرقين، فهي لغةٌ متجدّدةٌ دون أن تفرّط في مقوّماتها وخصائصها القديمة، وهذا ما يُمثّل أكبر ردٍّ على هؤلاء المستشرقين، وعلى ضعف موقفهم من محاولات إحلال اللغة العاميَّة مكانها.

لكن من المهمّ أن ندرك أنَّ اللغة العربيَّة الفصحى ظلّت وسوف تظلّ صامدةً أمام هذا المدّ الاستشراقي، الذي يزداد يومًا بعد يوم؛ لأنّ العربيّة لغة القرآن ومحفوظة بحفظه سبحانه لقوله تعالى: «إِنَّا نَحنُ نَزَّلْنَا الذِكرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ»، (سورة الحجر الآية 9)، وسوف تظلّ العربيّة الفصحى قائمةً، ما دام القرآن محفوظًا في الصدور متلوًّا باللّسان، وسوف يظلّ إلى يوم الدين. ومن ثمَّ فحفظ اللّغة العربيَّة من لوازم الدين ذاته، فهي لازمةٌ من لوازم الدّين وباقية ببقائه، وما دام ربّ العالمين قد قضى بحفظه، فهي مشمولةٌ أيضًا بهذا الحفظ وناتجةٌ عنه.

الأمر اللّافت للنّظر أنَّ الاحتلال - المُسمّى الاستعمار خطأ - في البلاد العربيَّة عمد إلى إحداث فوارق بين الشّعوب ولغتها؛ بهدف فصلها عن كتاب ربّها المحفوظة به، وبالنّظر إلى الاحتلال الفرنسيّ للجزائر نجده الصّورة المعبّرة عن محاولة النّيل من العربيَّة الفصحى وإبعاد النّاس عنها وإدخال الفرنسيّة عليهم قصرًا، كلّ ذلك في اتِّفاقِ تامٍّ مع الاستشراق، بيد أنَّ ما نادى إليه الاستشراق نظريًّا حاول الاستعمار تطبيقه عمليًّا. لكن كان الرّجوع إلى كتاب الله تعالى حفظًا ومدارسةً هو الحصن الحصين الذي تكسّرت عنده دعوات الاستشراق ومحاولات الاحتلال في النّيل من العربيَّة الفصحى.

ص: 33

وقد فطن مصطفى صادق الرافعي إلى هذه المسألة الخطيرة، قائلاً: «أمّا اللغة؛ فهي صورة وجود الأمّة بأفكارها ومعانيها وحقائق نفوسها، وجودًا متميّزاً قائماً بخصائصها، تتّحد بها الأمّة في صور التّفكير، وأساليب أخذ المعنى من المادّة، والدقّة في تركيب اللّغة. إذا كانت لغة الأمّة هي الهدف الأوّل للمستعمرين فلن يتحوّل الشّعب أوّل ما يتحوّل إلّا من لغته، فليس كاللغة نسب للعاطفة والفكر، حتّى أنّ أبناء الأب الواحد لو اختلفت ألسنتهم نشأ منهم ناشئ على لغة ونشأ الثاني على أخرى والثالث على لغة ثالثة، لكانوا في العاطفة كأبناء ثلاثة آباء» (1)

كما عارض رؤية لطفي السّيد التي دعت إلى استخدام العاميَّة قائلًا: «إنّ في العربيَّة سرًّا خالدًا هو هذا القرآن المبيّن الذي يجب أن يُؤَدِّى على وجهه الصّحيح، وإلّا لزاغت الكلمة عن مؤدّاها. فكيفما قلّبت اللغة العربيَّة وجدتها الصفة الثابتة التي لا تزول بزوال الجنسيّة وانسلاخ الأمّة عن تاريخها» (2).

يُلخّص الحقيقة المؤلمة والهدف الرئيس من الاحتلال والاستشراق معًا قائلاً: وما ذلّت لغة شعب إلا ذلّ، ومن هذا يفرض الأجنبيّ المستعمر لغته فرضًا على الأمّة المستعمرة ، ويركبهم بها ويُشعرهم بعظمته فيها. وليس في العالم أمّةٌ عزيزة الجانب تُقدّم لغة غيرها على لغة نفسها، وإجلال الماضي في كلّ شعبٍ تاريخيه هو الوسيلة الروحيّة التي يستوحي بها الشّعب أبطاله (3).

وقد أيّده عمر فروخ في ذلك قائلاً: «فاللغة علاوة على كونها أداة التّفاهم، فهي جامعٌ موحدٌ للقوميّة بأوسع معانيها وسياجٌ للأمةٌ وصلة بين ماضيها وحاضرها، وطريق مستقبلها وعنوان ثقافتها، فإذا كانت الأمّة قديمة اللّحمة في التّاريخ، واضحة النّسب في المجد، كانت أحرص على ماضي لغتها، لأنَّها لا تريد أن تفرّط بشيءٍ من تاريخها، فإنّ الأمّة إذا بدأت تنسى تاريخها سهل على الحوادث أن توزّعها

ص: 34


1- مصطفى صادق الرافعي، وحي القلم، بيروت، الطبعة الثالثة، الجزء 3، ص 32.
2- أنور الجندي، الفصحى لغة القرآن، لبنان - بيروت، دار الكتاب اللبناني، 1402ه_ - 1982م، ص 187.
3- الرافعي، وحي القلم، راجعه واعتنى به درويش الجويدي، لبنان - بيروت، المكتبة العصرية، بدون، ص 29: 32.

بين الأمم المختلفة الطامعة بها، أو الطاغية عليها من كل جانب» (1).

ومن جانبٍ آخر لنا تساؤلٌ مؤدّاه : إذا كان المستشرقون يلحّون على إحلال العاميَّة محلّ العربيَّة الفصحى، فهل تُحقَّق لهم العاميَّة مطلبهم المزعوم بمواكبة العصر؟! بالطبع لا، لن تحقّق لهم العاميَّة ذلك، إذًا، فما الهدف من وراء حملاتهم المتواصلة؟! الهدف يكمن في القضاء على الرّابطة التي تربط المسلمين في الوطن العربي بعد الدين وهو رابطة اللّغة، فالقضيّة ليست قضيّة الانتقال إلى لغةٍ جديدةٍ بغية تحقيق التَّقدّم العلميّ والحضاريّ؛ لأنَّ العربيَّة الفصحى لغةُ علمٍ وحضارةٍ لا شكّ في ذلك، بدليل أنَّها كانت لغة العلم في العصور الوسطى، تلك العصور التي كانت حالكةَ السّواد على الغرب، فهى لديها من الخصائص على المستوى الصرفيّ والنحويّ والدلاليّ ما يمكّنها من مسايرة العصر، بدليل كميّة المصطلحات العلميّة وخاصّة الطبيّة منها التي هضمتها وأخضعتها لاشتقاقاتها دون أن يكون في ذلك نوعٌ من الجمود أو التّأخّر العلميّ - وإنّما القضيّة قضيّة القضاء على الرّابطة اللغويّة التي توحّد بينهم وعلى الدين الذي يجمعهم.

لكنّ الاستشراق الذي هاجم اللغة، وحاول النّفاذ إلى الدين من خلالها، أسدى خدمةً غير مقصودةٍ إلى العربيَّة الفصحى ذاتها؛ إذ أُنشئت المجامع اللغويّة العربيَّة في العديد من الأقطار العربيَّة كمصر وسوريا والعراق والأردن، وانطلقت تدافع عن لغة القرآن، وتذبّ عنها، وتستخدم مرونة اللغة الفصحى في هضم المصطلحات والألفاظ الوافدة وتخضعها لقوانينها النّحويّة واشتقاقاتها الصّرفيّة ودلالتها الأسلوبيّة.

ليس هذا فحسب، بل إنّ هجمات المستشرقين على العربيَّة الفصحى والمطالبة بإحلال العاميَّة مكانها، أثمرت حالةً من الاستفاقة بأهمّيّة لغتنا؛ إذ أدرك العرب أنَّ لغتهم الحصن الثاني بعد الدين، وأنَّه لا يمكن التّنازل عنها مثلما لا يمكن التّنازل عنه، فرغم تعدّد لهجات الأقطار العربيَّة، إلا أنَّ ما يجمعهم هو العربيَّة الفصحى

ص: 35


1- عمر فروخ، القومية الفصحى، بيروت، دار العلم للملايين، الطبعة الأولى، 1961م، ص 97.

التي يلجؤون إليها ليفهم كلّ منهم الآخر، ويتواصل معه، ولو تحقّق للاستشراق مراده من العاميَّة لصار لكلّ قطرٍ لهجته العاميَّة، وحينها لا يفهم المصري لغة ،العراقيّ، ولا السودانيّ لغة الأردنيّ، ولا التونسيّ لغة المغربيّ، وهكذا، فتضيع العربيَّة الفصحى بإحلال اللهجات العاميَّة محلّها.

المبحث الثاني: الاستعانة بالحروف اللاتينيّة

ظهرت الدّعوة للاتينيّة أوّل ما ظهرت على يد المستشرق كارل فولرس [1] في :كتابه اللغة المصريّة العاميَّة، دعا فيه إلى كتابة العاميَّة بحروفٍ لاتينيّةٍ، محلّلاً نصوصها، دراسًا لقواعدها.

وقد فتح فلهلم سبيتا وكارل فولرس 2 شهيّة الباحثين والمستشرقين الأجانب؛ إذ أصدر سيلدون ويلمور (3) كتاب: العربيَّة المحكيّة في مصر، عام 1901م 4) ، وقد بنى كتابه على ثلاثة محاور:

الأوّل: الهجوم على الفصحى بدعوى وجود سلبيّات بها.

الثاني: إبراز إيجابيّات العاميَّة التي يدعو لها.

الثالث: وضع مشروع لتعليم العاميَّة في مناهج التعليم المصريّة.

فالدّعوة إلى استخدام الحروف اللاتينيّة كانت جزءًا محوريًّا في مشروع إحلال العاميَّة محلّ اللغة العربيَّة الفصحى، وهذا الأمر لم يكن حكرًا على قطرٍ عربيٍّ دون غيره، بل كانت الدّعوة إلى ذلك حاضرةً في كلّ قطر؛ إذ تزامنت الدّعوة في مصر مع دعوات في بيروت ودمشق والمغرب وغيرها من الأقطار العربيَّة، بدعوى أنَّ استخدام العاميَّة بالحروف اللاتينيّة يعني مواكبة العلم الحديث.

[1] - کارل فورس (Karl Wollers)، هو مستشرقٌ ألمانيٌّ (1857 - 1909م) تولىّ إدارة المكتبة الخديوية بالقاهرة في أواخر القرن التاسع عشر.

[2] سبق ترجمتهما.

[3] وكان يعمل قاضيًا في محكمة الاستئناف الأهلية المصرية.

[4]- انظر: نبيل عبد الحميد، الأجانب وأثرهم في المجتمع المصري 1882 - 1992، الناشر مكتبة نانسي، 2004م.

ص: 36

لكن على خلافٍ من ذلك، نجد أحد أعلام الاستشراق المعاصر على سبيل المثال، وهو المستشرق الألماني فولف ديتريش فيشر (1) يشيد باللّغة العربيَّة، قائلًا: «قد اهتممت في البداية وأنا ابن أربع عشرة سنة بكثير من اللغات، ومن بين هذه اللغات جذبت اللغة العربيَّة انتباهي بصفةٍ خاصّةٍ، وذلك لأنَّ الخطّ العربيّ قد أثار إعجابي بأشكاله الفنيّة المتنوّعة والجميلة، فعزمت على أنَّ أدرس اللغة العربيَّة لكي أتمكّن من قراءة هذه الأشكال الفنيّة الجميلة» (2).

وليس هذا فحسب، بل إنّه ليؤكّد أنَّه بعد اطّلاعه على عددٍ من اللّغات الشّرقيّة، كالتركيّة والفارسيّة أعجبته اللغة العربيَّة إعجابًا كبيرًا؛ وذلك لأنَّه رأى فيها - باعترافه هو - أنَّ بناءها اللّغويّ ونظامها النّحويّ يعدّان من أوضح أشباههما في لغات العالم، ولأنَّها لعبت دورًا هامًّا في نقل المعارف والعلوم إلى الحضارات الأخرى (3).

وفي هذا تعبيرٌ واضح من فيشر باهتمامه وفهمه لمكانة اللّغة العربيَّة الفصحى ودورها وأهمّيّتها، ومعارضة داخليّة لأنصار الدّعوة إلى العاميَّة من المستشرقين القدماء، وكأنَّ فيشر درس اللغة العربيَّة الفصحى لذاتها دون إخضاعها لميولٍ أيديولوجيّةٍ أو مذهبيّةٍ أو عقديّةٍ، أو تحقيقًا لأهدافٍ استعماريّةٍ كما ظهر في توجّهات العديد من أعلام الاستشراق القديم.

نعم، كان يُشير إلى صعوباتٍ تُواجه الألمانيّ المبتدئ في دراسة اللغة العربيَّة، ولعلّ ذلك يعود إلى فروقٍ جوهريّةٍ وخصائص تتميّز بها اللغة العربيَّة.... وهذا الأمر في الحقيقة ناشيءٌ عن مميّزات لا عن قصور، فالصّعوبة التي يتحدّث عنها فيشر هي في الحقيقة جوانب تميُّز للغة العربيَّة عن غيرها من اللغات. ومنها أيضًا أنَّ النّظام الصّوتيّ في اللغة العربيَّة يختلف اختلافًا كبيرًا عن الأصوات في اللّغة

ص: 37


1- فولف ديتريش فيشر (Wolfdietric Fischer): مستشرقٌ ألمانيٌّ (1928 - 2013م)، تخصّص في النحو العربي، والشعر القديم واللغات السامية.
2- حوار مع المستشرق الألماني فولف ديتريش فيشر عاشق العربيَّة في بلاد الألَمان - أجراه: ظافر يوسف، والحوار موجود على الرابط التالي: 2002/https://www.voiceofarabic.net/ar/articles
3- حوار مع: المستشرق الألماني فولف ديتريش فيشر عاشِق العربيَّة في بلاد الألَمان - أجراه: ظافر يوسف، والحوار موجود على الرابط التالي: 2002/https://www.voiceofarabic.net/ar/articles

الألمانيّة وفى اللغات الأوروبيّة الأخرى، فمثلاً الأصوات المفخمة (حروف الإطباق) الصاد والضاد والطاء والظاء غير موجودة في اللغات الأوروبيّة، وليس من السّهل على النّاطق باللّغة الألمانيّة أن يفرّق بين السين والصاد وهما صوت (فونيم) واحد في اللغة الألمانيّة، وكذلك بين التاء والطاء، والكاف والقاف... وهلمّ جرًّا. كما يبذل الطالب الألمانيّ جهدًا كبيرًا في نطق حرفي العين والحاء؛ لأنَّه لم يعتد على استعمال الحلق كأداةٍ للنطق . وليس هناك من فرقٍ في اللغة الألمانيّة بين السين والزاي، فكثيرًا ما ينطق الألمانيّ السين بدلاً من الزاي أو العكس من ذلك» (1).

فالنّظام الصوتيّ في اللغة العربيَّة من الأمور الفريدة التي لا تنافسها فيه لغة أخرى على وجه الأرض، ومن ثمَّ فإنّ طالب تعلُّم اللغة العربيَّة يجب أن يكون على مستوى الحدث؛ لأنَّه أمام لغةٍ جليلةٍ، لها تفرّدها وخصائصها التي لا تضاهيها فيها لغة أخرى، خاصّة في الحروف المفخمة أو حروف الإطباق. ومن ثمَّ فإنّ حديث فيشر هنا هو حديثُ المعترف بقوّة اللغة العربيَّة المنبثقة من قوّة خصائصها وتميّزها على غيرها من اللّغات، وليس حديث النّاقد أو المشوِّه لهذه اللغة.

وإذا نظرنا إلى أقوال فيشر (2) هنا، فإنّها تنظر للغة العربيَّة نظرة احترام، وهي نظرةٌ تختلف عن تلك النّظرة التي تبنّاها عددٌ من الرعيل الأوّل في الاستشراق القديم، فلم ينادِ هذا المستشرق المعاصر باستبدال حروف لاتينيّة بالحروف العربيَّة، ولم يهمّش اللغة العربيَّة، ولم يتعامل معها كلغةٍ ميتةٍ أو دارسة، وإنّما تحدّث عن مشكلاتها كما حدث مع لغته الألمانيّة، وحاول أن يضع حلولاً للهجتها العاميَّة من واقع تجربته مع اللغة الألمانيّة: الفصحى والعاميَّة.

وتبدو الدّعوة إلى استبدال الحروف العربيَّة بالحروف اللاتينيّة على لغة القرآن ذات خطورة بالغة على القرآن والإسلام عامّة؛ لأنَّ معنى ذلك أن يشيع استخدام الحروف اللاتينيّة في لغة الأدب والصّحافة والمكاتبات الرّسميّة، فضلاً عن شيوعها

ص: 38


1- حوار مع المستشرق الألماني فولف ديتريش فيشر عاشِق العربيَّة في بلاد الألَمان - أجراه: ظافر يوسف، والحوار موجود على الرابط التالي: 2002/https://www.voiceofarabic.net/ar/articles
2- سبق ترجمته.

وسط العامّة، وهذا بدوره يصنع جدارًا عازلاً بين القرآن بلغته العربيَّة الفصحى، فيكون القرآن بذلك غريبًا عن الأسماع، وتصير حروفه العربيَّة بعيدة عن المألوف، فيهجره أتباعه، أو لعله يأتي الوقت الذي تكون فيه الدّعوة الأخطر بإعادة كتابة القرآن بحروفٍ لاتينيّةٍ، ومن ثمَّ وجب الانتباه إلى مثل تلك الدّعوات الهدّامة.

فضلاً عن أنَّ هذه الدّعوة لها تأثيرها على وحدة الرّابطة العربيَّة؛ لأنَّ كلّ قطرٍ عربيٍّ سوف يستخدم للهجته المحليّة حروفًا لاتينيّةً تزيد من حدّة الفواصل بينها وبين اللّغة العربيَّة الفصحى، بل قد يظهر ما هو أكثر من ذلك، فقد ينادي البعض بتغليب اللهجات القبلية شديدة الخصوصيّة كالأمازيغيّة وغيرها، وهذا كلّه يزيد من الفوارق اللغويّة المصطنعة، التي تزيد بدورها بعدًا عن القرآن ومضامينه السّماويّة الهادية للبشرية.

ولنا في اللغة التركية عظة وعبرة، فقد تخلّت عن الحرف العربيّ، واتّجهت إلى الحرف اللاتينيّ، فلم يضف لها شيئًا جديدًا، إلا بُعدًا عن السّمت العربيّ والإسلاميّ، حتّى إنَّها لم تحظَ من العالم الذي نقلت لغتها إليه إلّا بالتّشابه في استخدام الحرف ليس إلا.

فاستبدال الحرف اللّاتينيّ بالحرف العربيّ يعني التّخلّي عن التّراث العربيّ والإسلاميّ المكتوب باللّغة العربيَّة الفصحى الممتدّ عبر قرون، فمن منّا يتخلّى عن الشّعر الجاهليّ؟ من منّا يتخلّى عن الأدب العربيّ شعره ونثره في مختلف عصوره؟ بل من يستطيع التّخلّي عن التّراث المتعلّق بالعلوم الإسلاميّة من فقهٍ وحديثٍ وعقيدةٍ وتفسيرٍ وغيرها ممّا يعدّ معينًا خصبًا يستمدّ منه المسلم تعاليم دينه بصورةٍ مبسطةٍ وعميقةٍ في آنٍ واحدٍ؟ إنّ عمليّة الاستبدال هذه لن تزيل الحواجز الحضارية بين العرب المسلمين؛ لأنَّ هذه الحواجز لا تخصّ اللغة وإنّما تخصّ العقليّة العربيَّة والبيئة السياسية والاجتماعيّة والثّقافيّة التي تفرزها، وإنّما سوف تزيل الرّابطة بين العربي والعربي.

ص: 39

المبحث الثالث: الزعم بعدم مواكبة العصر

من الملاحظ أنَّ غالبيّة المتّهِمين للغة العربيَّة بعدم مواكبة العصر من غير المتخصّصين في اللغة العربيَّة ذاتها؛ إذ إنّ غالبيّة المتخصّصين فيها يؤمنون بدورها وأهمّيّتها وتاريخها الطويل، ولكنّ هذه الاتّهامات تأتي نتيجة التّعصّب الأعمى النّاتج عن أحكامٍ وخلفيّاتٍ مسبقةٍ، ولا تُبنى مطلقًا على مناهج علميّة سليمة. بل إنَّ المستشرقين المنصفين يطلقون بين الحين والحين دعوات إنصاف للغة العربيَّة تقوم على الدّعوة إلى تدريسها والاهتمام بها من قبيل الاندماج اللغويّ والتعدّد الثّقافيّ (1). ولو لم تكن اللغة العربيَّة مواكبة للعصر لَماَ كانت أهلًا لذلك.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، إن المستشرق الفرنسيّ المعاصر جاك لانج صاحب :کتاب La langue arabe, trésor de France مجَّد اللغة العربيَّة بعدّها اللّغة الخامسة من حيث التّحدّث على مستوى العالم، فهو يرى أنَّ اللغة العربيَّة في فرنسا تُدرَّسُ بشكلٍ غير كافٍ بسبب التّصوّرات المشبوهة تجاهها، والمبنيّة على أفكارٍ مسبّقةٍ، ومن ثمَّ فقد هاجم في كتابه هذه التّصوّرات، داعيًا القارئ إلى اكتشاف ثراء اللغة العربيَّة، وإدراك تاريخها الطويل، حيث أُدخلت إلى فرنسا منذ قرون، فصارت جزءًا من تراثها الثقافيّ، مناشدًا المسؤولين إعطاءها حيّزًا كبيرًا لتدريسها، تلبيةً لنداء الانفتاح الثقافيّ والتعدّدية اللغويّة (2).

فهذا المستشرق المعاصر لم يدعُ لإحلال العاميَّة محلّ الفصحى، ولا استبدال حروف لاتينيّة بحروفها العربيَّة، ولا قلّل من قدرتها على مواكبة التطوّر العلميّ، کما فعل غير نفر من المستشرقين، خاصّة المستشرقين القدماء منهم، ولكنّه دعا إلى تدريسها نحوًا وصرفًا وبلاغة، كتابةً وتحدثًا، وتلك نظرة منصفة نتمنّاها أن تكون الشائعة فى كتابات المستشرقين؛ كونها تعبّر عن احترامها للغة العربيَّة وقيمتها كلغةٍ مؤثّرةٍ في التّواصل على مستوى العالم، فضلاً عن كونها لغة القرآن الكريم.

ص: 40


1- France 2020 Jack Lang La langue arabe, trésor de France.
2- France, 2020 Jack Lang. La langue arabe, trésor de France.

ولقد كانت اللّغة العربيَّة موضعَ إشادةٍ من المدارس اللغويّة الغربيّة ذاتها، فضلاً عن العديد من أقطاب الاستشراق، من هؤلاء المستشرق النّمساوي جوستاف جرونيباوم (1) - الذي الذي تُعدّ جهوده بجوار جهود آخرين بداية لتأسيس الاستشراق الجديد أو المعاصر الذي كانت أهمّ مظاهره إنشاء المراكز والمعاهد البحثيّة التي تهتمّ بشؤون المسلمين في آسيا وشمال أفريقيا، حيث أسّس جرونيباوم مركزًا في جامعة كاليفورنيا - الذي يقول: «وما من لغةٍ تستطيع أن تطاول اللّغة العربيَّة في شرفها، فهى الرسالة التي اختيرت لتحمل رسالة الله النّهائيّة، وليست منزلتها الرّوحيّة هي وحدها التي تسمو بها على ما أودع الله في سائر اللغات من قوّة وبيان، أمّا السّعة فالأمر فيها واضح، ومن يتتبّع جميع اللغات لا يجد فيها - على ما سمعته - لغة تضاهي اللغة العربيَّة» (2).

وهذا اعتراف بقيمة اللغة العربيَّة وأثرها وقدرتها على مواكبة التطوّرات العلميّة؛ بدليل أنَّ بمقارنتها باللّغات الأخرى -حسب جرونيباوم - فإنّ أيًّا منها لا يطاولها، بما يعني أنَّها لا تقلّ عن أيّ منها في مواكبتها للعصر والتّماشي مع المدّ العلميّ والحضاريّ والتكنولوجيّ.

ويقول أيضًا: «ويُضاف جمال الصّوت إلى ثروتها المدهشة في المترادفات، وتزيّن الدقّة ومجازة التّعبير لغة العرب، وتمتاز العربيَّة بما ليس له ضريب من اليسر في استعمال المجاز، وإنّ ما بها من كناياتٍ و مجازاتٍ واستعاراتٍ ليرفعها كثيرًا فوق كلّ لغة بشريّة أخرى، وللغة خصائص جمّة في الأسلوب والنّحو ليس من المستطاع أن يكتشف له نظائر في أيّ لغة أخرى، وهي مع هذه السّعة والكثرة أخصر اللغات في إيصال المعاني، وفي النّقل إليها، يبيَّن ذلك أنّ الصورة العربيَّة لأيّ مثلٍ أجنبيٍّ أقصر في جميع الحالات (3).

ص: 41


1- مستشرقٌ نمساويٌّ (1909 - 1972م)، عمل أستاذًا جامعيًا ومؤرخًا، له كتاب بعنوان: حضارة الإسلام.
2- جوستاف جرونيباوم، حضارة الإسلام، ترجمة عبد العزيز توفيق جاوید، عبد الحميد العبادي، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1994م؛ انظر: المجلة العربيَّة، العدد 334، العام التاسع والعشرون، ذو القعدة 1425ه_ / يناير 2005 م، ص 69 - 70.
3- جوستاف جرونيباوم، المرجع السابق، ص 70؛ انظر: المجلة العربيَّة العدد 334، العام التاسع والعشرون، ذو القعدة 1425ه_ / يناير 2005م.

هذه المقدّمات كلّها تعني أنّنا أمام مستشرقٍ لا يتّهم اللّغة بعدم مواكبة العصر، بل كلّها مقدّمات تقود إلى الاعتراف بفاعليّة اللّغة العربيَّة وتميّزها على جميع لغات العالم، الأمر الذي يشي بأنّها لها القدرة على مواكبة العصر والتّعاطي مع المنجزات العلميّة على الأصعدة كافّة.

وهناك من أعلام الاستشراق المعاصر من أشاد بالدّور الحضاري للغة العربيَّة وأثرها في نقل الفكر القديم إلى أوروبا، فكانت عاملاً رئيسًا في نهضتها، ومن هؤلاء المسشرقة الألمانيّة المعاصرة زيغريد هونكه (1)، فقد كان من الطّبيعيّ عندها أن اللّغة العربيَّة لغة للإدارة والسياسة والقانون، بل لغة للتجارة والمعاملات وجمهور النّاس في ظلّ حضارة العرب الزاهية، متسائلةً في عجب من ذا الذي يريد يخرج عن لغة الجماعة؟! وكيف يستطيع أن يقاوم جمال هذه اللّغة ومنطقها السليم وسحرها الفريد؟! (2).

هذه المستشرقة هي ذاتها التي تُشيد باللغة العربيَّة قائلة: «وهكذا تحوّلت لغةٌ قبليّةٌ في مائة عام إلى لغةٍ عالميّةٍ، ليست اللّغة ثوبًا نرتديه لنخلعه غدًا، لقد وجدت اللغة العربيَّة تجاوبًا من الجماعات وامتزجت بهم وطبعتهم بطابعها، فكوّنت تفكيرهم و مداركهم، وشكّلت قيمهم وثقافتهم، وطبعت حياتهم الماديّة والعقليّة، فأعطت للأجناس المختلفة في القارات الثلاث وجهًا واحدًا مميّزًا» (3) . هي تدرك جيدًا أنّ هذه اللّغة وعاءٌ للفكر والحضارة، وبمقدار امتلاء الوعاء تكون قيمته، كما أنّ قيمة ما يوجد في الوعاء هو ما يكسبه قيمته أيضًا، والفكر والعلم كانا أمرين بارزين في الحضار الإسلاميّة، ومن ثمَّ كانت اللغة العربيَّة تدور معهما حيث دارا؛ لأنّ إنتاج الفكر والعلم والمعرفة يستدعي التّعبير عنها تحفيز اللغة على

ص: 42


1- مستشرقة ألمانية grid Huane) (1999 - 1913)، لها كتاباتها في مجال الدراسات الدينية، ومن أهم كتاباتها: شمس العرب تسطع على الغرب.
2- انظر: زیغرید هونکه، شمس العرب تسطع على الغرب (أثر الحضارة العربية في أوروبة) نقله عن الألمانية: فاروق بیضون، كمال دسوقي، راجعه ووضع حواشیه: مارون عيسى الخولي، بيروت، دار الجيل - دار الآفاق الجديدة، الطبعة الثامنة 1413ه_ - 1993م، ص 367.
3- زیغريد هونكه المرجع السابق، ص 367، 368.

نتاج مصطلحات واشتقاقات تواكبها وتعبّر عنها، ومن ثمَّ فإنّ اللّغة مصبٌّ للفكر، بمعنى آخر اللغة وسيلة التّعبير عن الفكر، ومن ثمَّ فلا يمكن اتّهامها بمواكبة العصر من عدمه، وإنّما يُقال ذلك للفكر، فإنّها تدور حيث دار الفكر. ومن هنا فإنّ هذه المستشرقة تدرك جيّدًا أنّ اللغة العربيَّة اكتسبت قيمتها ومكانتها من قيمة ومكان الفكر الذي كانت تحمله في عصور ظلام أوروبا.

يكفي تأثُر اللّغة العربيَّة - التي تُتّهم بعدم مواكبة العصر- في أوروبا ذاتها باعتراف المستشرقة زيغريد هونكه: «أجل، إنّ في لغتنا كلمات عربيّةً عديدةً، وإنّنا لندين - والتاريخ شاهد على ذلك - في كثير من أسباب الحياة الحاضرة للعرب» (1) . وهذه النّصوص وغيرها تعدّ نسفًا لدعاوى المستشرقين بأنّ اللغة العربيَّة لا تواكب العصر، ولا تساير الرّكب الحضاريّ، فهي نصوصٌ تنصف اللغة العربيَّة من غير واحد من أبناء الغرب ذاته.

لكن لا نجد مثل هذه الدّعوة عند الكثير من المستشرقين خاصّة القدماء، بل على العكس تمامًا نجدها تعادي اللغة العربيَّة وتكيل لها الاتّهامات، وتعدّ دعوة مارجليوث (2) من أشهر هذه الدّعوات الاستشراقيّة القديمة وأشدّها؛ لأنّ هذا المستشرق دعا إلى إلغاء اللغة العربيَّة والتحدُّث بالإنجليزيّة بزعم أنّها لغة الحضارة والتقدّم العلميّ، وهذه الدّعوة تبنّاها بروكلمان (3) الذي زعم أنّ الأتراك ما وصلوا إلى الحضارة والتّقدّم إلاّ بالتّخلّي عن الحروف العربيَّة. وكأنّ اللّغة العربيَّة لغةُ تخلّفٍ واضمحلالٍ، مع أنّ الواقع يشير إلى أنّ اللّغة قرين الفكر، فإذا علا الفكر وزاد العلم والمعرفة نمت اللغة وعلا شأنها، واستطاعت أن تضيف للعلم كما يضيف هو لها، أمّا إذا حصر العقل نفسه ولم يزدد من العلم والمعرفة، فإنّ اللغة

ص: 43


1- زيغريد هونكه، المرجع السابق، ص 20.
2- ديفيد صمويل مرجليوث، بالإنجليزية (1940 - 1858(David Samuel Margoliouthم كان مستشرقًا وقسًّا إنجليزيًا. عمل أستاذًا للغة العربيَّة في جامعة أكسفورد.
3- کارل بروکلمان (Carl Brockelmann) (1868 - 1956م)، وكان مستشرقًا ألمانيًا. اهتم بدراسة اللغات السامية وخاصةً اللغة العربيَّة، من أشهر كتبه: تاريخ الأدب العربي.

تدور معه وتقتفي أثره، فاللّغة تدور مع الفكر حيث دار، فالعلاقة بينهما علاقة طرديّة الفاعل المؤثّر فيها هو الفكر، وإنّما اللغة منفعلة عنه.

ثمّ ما المطلوب منّا بعد دعوة مارجليوث؟ هل نتنازل عن لغتنا؟ وكيف سنقرأ القرآن؟ هل سنقرأه باللّغة الإنجليزية؟ وكيف سنُقيم الصّلوات وسائر العبادات؟! إنّنا سندرك حينها أنّ الأمر يتخطّى كونه مجرّد نقدٍ للّغة ليصبح محاولة هدمٍ للدين من أساسه. وهذا يفسّر لنا دعوات المستشرقين إلى أنّ العاميَّة واللّهجات أكثر قدرةً على لغة التّخاطب بين الجماهير ولغة المسؤولين الرسميّة من اللغة العربيَّة الفصحى، مع أنّ القرآن الذي نزل بهذه اللغة يُعدّ أرقى صور البلاغة العربيَّة.

الغريب في الأمر أنّ مِن المفكّرين العرب والمسلمين مَن تأثّروا بهذه القضيّة، وعملوا على حملها والدّفاع عنها، كسلامة موسى وجورجي صبحي في مصر، والخوري مارون غصن وسعيد عقل في لبنان، وظلّت هذه المواقف لعقود، لكنّها وجدت من يقف في صدّها بكلّ قوّة وعنفوان، ويُثبتون دومًا عظمة اللغة العربيَّة ومكانتها بين لغات العالم أجمع، ويشتقّون مصطلحات وألفاظًا تُناسب التطوّر العلميّ؛ حتّى تكون اللغة في تطورٍ دائمٍ.

لكنّ هذه الدّعاوَى لا تستطيع أن تنال من البناء العظيم، بناء لغة القرآن، وقد مرّت بموقفٍ مشابهٍ لها، ففي العصر العباسي تُرجمت العديد من مؤلّفات اليونانيّين، ومع ذلك استطاعت أن تهضم المصطلحات والألفاظ الوافدة إليها، دون

تعجز عن الوفاء بدورها المنوطة به.

هذا في الوقت الذي اعترف فيه العديد من المستشرقين بعظمة اللغة العربيَّة ومواكبتها للتطوّر وقدرتها الدائمة على التعايش مع كلّ جديد؛ إيمانًا باللغة العربيَّة الفصحى من جانب، وضعف اللغة العاميَّة التي يروّج لها المروّجون من جانب آخر، خاصّة وأنّ الأخيرة غير صالحةٍ للاستخدام من قبل المفكّرين، فأصحاب الدّعوة إليها لم يستطيعوا أن يكتبوا بها، فضلاً عن أن يقنعوا القارئ بها، فقد عدّوها نموذجًا يُحتذى، وإذلههم لم يستطيعوا أن يجعلوا منها هذا النّموذج الذي يدعون إليه.

ص: 44

وقد عمد لطفي السيد وطه حسين إلى الكتابة بالطريقة القديمة جدًا، التي تدمج الشّكل في الكلمات، بيد أنّ هذه الدّعوة قد لقيت السّخرية والامتهان، مثلما لقيت دعوة الكتابة بالحروف اللاتينيّة التي دعا إليها عبد العزيز فهمي، وكان قد سبقه إلى الدعوة إليها كثيرون (1).

وفي بعض الأقطار العربيَّة دعا المستشرق ماسنيون إلى العاميَّة، كما دعا إلى الكتابة بالحروف اللاتينيّة عام 1928 في أندية الشباب العربيّ في باريس، الأمر الذي لقي معارضةً كبيرةً، وهو المسعى نفسه الذي دعا إليه المستشرق كولان (2) الذي وجد ردًّا عنيفًا على دعوته من الكاتب العربيّ المغربيّ عبد الله كنون (3).

وهناك نفرٌ من المستشرقين المهتمّين بإحلال العاميَّة مكان اللّغة العربيَّة الفصحي يدّعون أنّ اللغة العربيَّة لغةٌ بدائيّةٌ، ومن ثمَّ فهي في نظرهم لا تصلح للغة الأدب الحديث، وخاصّة الأدب الشّعبيّ، بزعم أنّه نوع من الأدب المعتمد على اللغة العاميَّة لا الفصحى، والسّؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل اللغة العاميَّة التي يرفعون لواءها لغة تناسب الرّقي الحضاريّ والتقدّم العلميّ؟! وهل معيار القرب من اللغة العاميَّة لغة الأدب الشعبيّ دليل على الرقيّ الحضاريّ؟ ومنذ متى كانت العاميَّة لا الفصحى المعيار الحقيقيّ على جودة العمل الأدبيّ؟! إنّ هذه الدّعوة لا يُفهم منها غير أنّها وسيلةٌ لإبعاد المسلمين عن كتابهم، ومحاولة تهميش وجوده في قلوبهم، وهنا تكمن الخطورة؛ لأنّ أيّ محاولةٍ لهدم اللغة العربيَّة الفصحى هي في النّهاية لا تصبّ إلا في طريق محاولة القضاء على القرآن خاصة والإسلام عامّة.

إنّ هذه الدّعوات تحمل في طياتها بعدًا تعصّبيًّا بغيضًا، فهي لم تَقُم يومًا على منهجٍ علميٍّ، وإنّما تقوم على هوًى وميلٍ، وهذا ما ينسفها من جذورها، ويجعلها كلامًا خاليًا من أيّ حقيقة. وهذا يفسّر لنا لماذا لم تثبت هذه الدّعوات أمام المنهج

ص: 45


1- http://www.habous.gov.ma/daouat-alhaq/item/1247.
2- جورج سيرافان ،کولان مستشرق فرنسي 1893 - 1977 م، من آثاره: معجم اصطلاحي للغة المراكبية في النيل.
3- اللغة العربية في معركة التغريب والتبعية الثقافية، مجلة دعوة الحق، العدد 55، على الرابط التالي: http://www.habous.gov.ma/daouat-alhaq/item/1247.

العلميّ الرّصين الذي اتّبعه المدافعون عن اللغة العربيَّة الفصحى من باحثين عرب ومسلمين، ومن غير المسلمين أيضًا. والمتأمّل في طبيعة هذه الدّعوات يجدها هدّامةً؛ إذ بفرض الخضوع لها، فإنّ هذا يعني إهمال كلّ ما كُتب باللغة العربيَّة الفصحى من زمن ما قبل الإسلام، مرورًا بما كُتب في ظلّ الحضارة الإسلامية، وانتهاءً بما سُطر في أيّامنا هذه، فكيف نُهمل كلّ هذا الإنتاج اللغويّ والفكريّ والدينيّ وفي شتى المجالات خضوعًا وانسياقًا للغة العاميَّة التي لا تملك القيمة نفسها والمكانة ذاتها والرونق نفسه الذي تحمله جميعًا اللغة العربيَّة الفصحى؟! هذا ما يخفى وراء تلك الدعوات؛ فاللّغة العربيَّة الفصحى إحدى الرّوابط التي تربط بين الأقطار العربيَّة والإسلامية أيضًا، كونها لغة القرآن الكريم، ومن ثمَّ فهي تصنع وحدة بين هذه الأقطار لا يمكن أن تتشتّت إلّا بزوال اللغة ذاتها، وهذا هو ما يهدف إليه

الاستشراق قديمًا وحديثًا من وراء هذه الدعوات.

ومن جانب آخر فإنّ قيمة اللغة تُقاس بقيمة العقول التي تحملها، ومن ثمَّ كانت اللغة العاميَّة أقلّ قدرًا لضعف العقول النّاطقة بها.

لكن على الجانب الآخر لم تعدم اللغة العربيَّة من ينصفها من المستشرقين أنفسهم، فاللغة العربيَّة لغةٌ واسعةٌ، حيث تحتوي على عشرات الآلاف من الموادّ، فهي لم تكن يومًا لغةً قاصرةً، ولن تكون، فضلاً عمّا تحتوي عليه من فنون البلاغة والبديع، وهذا ربّما ما جعلها صامدةً أمام حركات التّرجمة الكبرى التي واكبتها. وقد أنصفها بعض ممّن أثاروا الشّبه والأباطيل حول الإسلام، فإسرائيل ولفنسون (1)، الذي أشاد باللغة العربيَّة الفصحى في كتابه تاريخ اللغات السامية، امتدح اللغة العربيَّة، مبينًا دورها بين اللّغات السامية كونها مرّت بالعديد من مراحل التطوّر (2).

وقال عنها شبنجلر (3) : إنّ اللّغة العربيَّة لعبت دورًا أساسيًّا كوسيلةٍ لنشر المعارف

ص: 46


1- أستاذ في اللغات السامية، وباحث ومؤرخ يهودي، ولد في 1899 م، اشتهر باهتماماته ودراساته في مجال الدراسات السامية و دراسة مسألة اليهود في التاريخ العربي.
2- إسرائيل ولفنسون، تاريخ اللغات السامية، القاهرة، لجنة التأليف والترجمة والنشر، الأولى، 1348ه_ 1929م، ص 9، 163.
3- أوسفالد أرنولد وتفريد شبنجلر 1880 - 9366، مؤرخ وفيلسوف ألماني، اُشتهر بكتاب تدهور الحضارة الغربية.

وآلة للتفكير في خلال المرحلة التاريخية التي بدأت حين احتكر العرب - على حساب الرومان واليونان - طريق الهند (1). كما أشاد بعظمتها كلّ من فريتاغ (2) وريتشارد كوبتهيل (3) ووليم ورل (4).

مع العلم أنّ اللغة اليابانيّة واللّغة الصينيّة واللغة العبريّة تستخدم من قبل شعوبها في العلوم الطبيّة والفيزيائيّة والكيميائيّة وغيرها، دون أن يقول أحدٌ إنّ هذه اللّغات قديمةٌ ولا تصلح لمواكبة العلم الحديث!

ولن تقودنا اللغة العاميَّة إلى مواكبة العصر، وهذا يُبيّن فشل الدّعوة التي يدّعيها المستشرقون من أنّ التخلّي عن اللغة العربيَّة الفصحى طريق التقدّم الحضاريّ ومواكبة العصر، فإذا كانت الفصحى في زعمهم لا تستطيع ذلك، فإنّ العاميَّة من باب أولى لا تستطيع هي الأخرى؛ لأنّ اللّغة العربيَّة لغةٌ واحدةٌ، حيث إنّ العاميَّة الصورة الخاطئة منها أو اللغة العربيَّة ممزوجة بالأخطاء اللغوية، ولذا هي عامیّة. هذا من ناحيةٍ، ومن ناحية أخرى يتبادر لنا هنا تساؤل: إذا كنتم أيّها المستشرقون تظنّون أن التخلّي عن العربيَّة الفصحى كفيلٌ بمواكبة العصر، فأيّ اللهجات العربيَّة أحق بمواكبة العصر؟! إذ من المعروف أنّ هناك في كلّ بلد أكثر من لهجة عاميّة محليّة، فأيّها يريد الاستشراق أن يعتمد عليها في مواكبة العصر كما يزعم ؟!

إنّنا نظنّ أنّ مسألة مواكبة العصر ليست أكثر من مطيّة لهجر العربيَّة بالكليّة، وما داموا قد رفضوا العربيَّة الفصحى فسيرفضون لاحقًا العاميَّة، لينادوا باستخدام لغة أجنبيّة كالإنجليزيّة أو الفرنسيّة، لمواكبة العصر، ومن ثمَّ فليست الدّعوة للعاميّة إلّا وسيلة لتمرير غايتهم حول هجر العربيَّة بالكليّة، والبحث عن لغةٍ أجنبيّةٍ بدعوى حضارة العصر وعلومه، فينظر العربي أو المسلم بعدها فلا يجد من لغته شيئًا إلّا كتاب الله تعالى الذي ربّما لا يفهمه مع مرور السنين والبعد

ص: 47


1- أسوالد شبنجلر، تدهور الحضارة الغربية، ترجمة أحمد الشيباني، لبنان - بيروت، منشورات دار مكتبة الحياة، بدون تاريخ.
2- جيورج فلهلم فريتاغ 1788 - 1861 م، مستشرق ألماني، أستاذ اللغات الشرقية بجامعة بون، كان مهتماً باللغة العربيَّة وآدابها، وكما كان يجيد التحدث بها.
3- مستشرق أمريكي، عُرف بتقديره واحترامه للغة العربيَّة.
4- ولیم هوايت ورل 1879 - 1953م، مستشرق أمريكي كان مهتماً بالدراسات القبطية عامةً، واللغة القبطية بصفة خاصة.

عن العربيَّة، وهذا هو ما يهدف إليه المستشرقون من دعوتهم هذه. ومن ثمَّ تنفكّ عُرى الرّابطة اللغويّة والدينيّة التي تجمع أقطارنا، لكن يبقى الدين والتّراث حائطَ صدُّ أمام تلك الدّعوات، وهذا ما أكّده يوهان فوك (1) قائلًا: «لقد قامت الفصحى في جميع البلدان العربيَّة والإسلاميّة رمزًا لغويًّا لوَحدة العالم الإسلاميّ في الثقافة والمدنيّة. لقد برهن جبروت التراث العربيّ الخالد على أنّه أقوى من كلّ محاولة يُقصد بها زحزحة العربيَّة عن مقامها المسيطر . وإذا صدقت البوادر ولم تخطئ الدلائل، فستحفظ العربيَّة في هذا المقام العتيد من حيث لغة المدنيّة الإسلاميّة» (2).

لكنّنا نستطيع بسهولةٍ أن نبيّن خطأ تلك الدّعوة وأهدافها الرئيسة، فالمتأمّل فيها يجد هجومًا غير مبرّرٍ، فهناك تعصّبٌ كبيرٌ ناحية الفصحى من قبل المستشرقين ذوي التوجّهات العقديّة والذين لا يحبّون أن تكون اللغة العربيَّة هي اللغة المعتمدة لدى الجماهير؛ لأنّنا كما قلنا فإنّ هدفهم ليس اللغة، ولكنّ هدفهم هو الدين.

ومن جانب آخر، فإنّ اللغة العربيَّة الفصحى ليست بحال متخلّفةً عن مواكبة العصر، بل هي مؤهّلةً بالكليّة لهذا التواكب، بقدرتها على التّعامل مع تراثها، سواء أكان لغويًّا أم أدبيًّا أم دينيًّا أم علميًّا أم فكريًّا، بالقدرة على إحيائه من خلال تفسيره وتحليله وعرضه بما يخدم العلم ويواكبه. إيمانًا بأنّ التّراث يحمل في طيّاته إجابةً للمستقبل، وليس هناك مجال لمستقبل ما بدون ماضٍ يرتكز إليه، ويتّخذ منه معينًا ومنطلقًا.

كما أنّ ترجمة الأعمال الأجنبيّة من أيّ لغةٍ أخرى إلى العربيَّة الفصحى دليل على قدرتها على مواكبة العصر وتطلّعاته، فإلى العربيَّة الفصحى تترجم أعمال إنجليزيّة وفرنسيّة وألمانيّة وغيرها من اللغات، ولو كانت غير مواكبةٍ للعصر لعجزت عن

ص: 48


1- مستشرق ألماني 1894 - 1974م، من آثاره: العربية : دراسات في اللغة واللهجات والأساليب.
2- يوهان فك، «دراسات في اللغة واللهجات والأساليب»، ترجمة عبد الحليم النجار، القاهرة، مكتبة الخانجي، 1951م، ص 195.

ترجمة هذه الأعمال التي تندرج تحت ألوانٍ شتّى: علميّة وفكريّة وسياسيّة وعلى المستويات كافّة. فما من فنٍّ من فنون العلم الحديث إلاّ وكانت العربيَّة الفصحى تهضمه وتعبّر عنه بأساليبها وألفاظها، ولم تضق يومًا عليه أو تعجز عنه.

وأكثر ما يدلّ على أنّ اللغة العربيَّة الفصحى لغةٌ مواكبةٌ للعصر، وليس هناك استحالة في تعلّمها أنّها توظّف اللسانيّات في تعليمها للناطقين بغيرها. ومع استخدام العلوم اللسانيّة بتوسّع فإنّ التطوّر سيصيب عمليّة تعليم اللغة العربيَّة سواء على مستوى المتعلمين العرب أم المتعلمين من غير العرب.

وبالنّظر إلى اللغة العاميَّة ذاتها نجدها لغة لا تواكب العصر؛ كونها لغة لا تستطيع التّعبير عن المصطلحات العلميّة؛ كونها جاهلة بالمنجزات الإنسانيّة والكونيّة، فضلاً عن أنّها لغةٌ ضيّقةٌ غير متّسعة كاللغة الفصحى، ولا تستطيع أن

تستوعب المصطلحات العلميّة والطبيّة وغيرها.

وتعدّ عمليّة توليد المفردات الجديدة من أكثر الأمور دلالةً على اتّساع اللغة العربيَّة وتطوّرها المستمرّ واستيعابها لكلّ جديدٍ دون انغلاق أو توقّعٍ أو تضييقٍ، فالمنجزات العلميّة المتتالية في حاجة إلى مسمّيات جديدة؛ ذلك أنّ الإنجازات العلميّة الآن تنجز في البيئة الغربيّة أو في غيرها من البيئات غير العربيَّة الإسلاميّة، ومن ثمَّ فهي تملك زمام الأمور، وتسمّي المنجزات بما يتناسب مع بيئتها التي نشأت فيها، ومن ثمَّ إنّنا في حاجةٍ دائمةٍ إلى مواكبة هذه الإنجازات بمسمّياتها، ومن هنا تبدو قدرة اللغة العربيَّة في جانب التّوليد كالاشتقاق والنّحت والمجاز وغيرها.

وتبقى قضيّة المصطلح العلمي والقدرة على تعريبه من أكثر الأمور الدّالّة على ثراء اللغة العربيَّة، وعلى قدرتها على مواكبة كلّ ما هو جديد؛ لأنّ من شأن تعريب المصطلحات تعميمها في المجال العلمي، وشيوعها في الثّقافة العلميّة العربيَّة، هذا بدوره يدلّ على أمرين: مسايرة العلم، وشيوع المصطلحات العلميّة العالميّة، بحيث تقضي على الجهل بها أو عدم التعاطي معها.

هذا فضلاً عن أن قضيّة مواكبة اللغة للعصر ليست إشكاليّة اللغة في حدّ

ص: 49

ذاتها، بل إشكاليّة الفكر المسؤول عن إنتاج العلم والحضارة، فقيمة اللّغة وقدرها العلميّ تدور حيث دار الفكر، فكلّما كان الفكر يعمل على إنتاج أفكارٍ وعلومٍ جديدةٍ، استخدم لغته الخاصّة في التّعبير عن هذا الإنتاج وتسميته مسمّيات في لغته، وليس في لغة غيره، وهنا تأتي ،الإشكاليّة وهي أنّ الفكر الغربيّ يُنتج علمًا بمصطّلحات علميّة تخُصُّه، ومقتبسة من لغته الإنجليزيّة أو الفرنسيّة أو الألمانيّة، فهو ولغته في هذه الحالة هما من يملكان زمام الأمور، فالذي يجعل لغته تتصدّر الواجهة العلميّة والطبيّة هو فكره، ومن ثمَّ فاللّغة العربيَّة ليس لها ذنب في ذلك، بل يُشكر لها قدرتها على هضم هذه المصطلحات وإدخالها ضمن أساليبها الدلاليّة والاشتقاقيّة، فتواكب العصر بما تقوم به من تعريب وترجمة، خاصة وأنّها تمتلك المخزون الذي يؤهّلها لذلك.

المبحث الرابع: محاولة النّيل من النّحو العربيّ

اشارة

من المعروف أنّ النّحو العربيّ هو أداةُ ضبط الكلام، وهو أبرز العلامات التي تميّز العقليّة العربيَّة منذ بداية نشأتها، لكنّه لم ينجُ من اتّهامات المستشرقين ومحاولات النّيل منه، وقد كانت هذه الاتّهامات تسير في اتجاهين:

الأوّل: نفي أصالة النّحو العربيّ.

الثَّاني: الادّعاء بصعوبته وتعقيده، كمحاولةٍ للانفلات منه والالتفاف حوله.

أوّلًا - نفي أصالة النّحو العربيّ:

حاول العديد من المستشرقين نفي الأصالة عن النحو العربيّ، بدعوى التّأثّر باليونانيّة والسريانيّة، وهي دعوى هدفها الرئيس محاولة النّيل من أهمّ فروع اللغة العربيَّة، الذي ينظّم قواعدها الإعرابيّة، إلّا أنّ هذا لا ينفي أنّ هناك بعض المستشرقين الذين أثبتوا أصالة النّحو العربيّ مستنكرين تلك الدّعاوى التي تحاول أن تنكر عليه أصالته.

ومن المستشرقين المعاصرين من حاولوا أن يجرّدوا النّحو العربيّ من أصالته؛

ص: 50

حيث ذهب أحدهم إلى أنّ هناك تأثيراً يونانيًّا في النحو العربيّ، وأنّ هذا التّأثير يرجع إلى مرحلة ما قبل حركة ترجمة العلوم اليونانيّة إلى العربيَّة ذاهبًا إلى أنّ هذه العلوم وصلت العرب عن طريق التّرجمات الفارسيّة في أكاديميّة جنديسابور، ومن ثمَّ كانت هذه التّرجمات في رأيه إضافة إلى كتاب المنطق لابن المقفع مصدر معرفة العرب بالمنتج العلميّ اليونانيّ (1).

وفي هذا السّياق ذاته، يسير المستشرق المعاصر (Cornelis Henricus Maria Verstegh) کورنلس ه_.م فرستیج (2)؛ حيث إنّه كتب العديد من الدّراسات المتعلّقة بالنّحو العربي، منها على سبيل المثال:

العناصر اليونانيّة في التّفكير اللغويّ العربيّ.

دراسات في تاريخ قواعد اللغة العربيَّة (جزآن).

قواعد اللغة العربيَّة والتفسير القرآنيّ في عصر الإسلام المبكر.

ولقد كان هذا المستشرق يتبنَّى فرضيّة التأثير اليونانيّ في نشأة النّحو العربيّ، فهو وإن كان لا يقول بأنّ النّحو العربيّ صورةٌ بالكربون من مثيله اليونانيّ، فإنّه يرى أنّ النّحو اليونانيّ كان بمثابة النّموذج للنحو العربيّ والمصدر الذي انطلق منه خاصّة في بابي المصطلحات والمفاهيم اللغويّة (3).

ففي دراسته الموسومة بالتربية الهلينيّة وأصل النّحو العربيّ، يذهب إلى أنّ النّحاة العرب كانوا متآلفين مع عناصر من الفكر النحويّ اليونانيّ، زاعمًا أنّ كتاب ثراكس ( فنّ النحو) ترجمته للسريانيّة أصبحت معروفة، بداعي أنّ التأثير اليونانيّ في النحو السريانيّ واضح، ومنه إلى النحو العربيّ، مستندًا في تغذية فكرته إلى وجود المراكز العلميّة الموجودة في الحيرة وحرّان ونصبين وغيرها من المراكز التي نشرت

ص: 51


1- وهو المستشرق روند جرين، انظر: عبد المنعم جدامي، المستشرقون والتراث النحوي العربي، الأردن - عمان، دار كنوز المعرفة للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 2016م، ص 27 ، وما بعدها.
2- وهو مستشرقٌ هولنديٌّ معاصٌر، ولد في 1947م.
3- 1977. C.H.M. Versteegh. Greek Elements. In Araic Linguistic Thinking. Leiden E.J. Brill

الثّقافة الهلينيّة، وهي الأماكن التي لم تكن ببعيدةٍ عن العرب، والتي يرى أنّ الفكر اليونانيّ وصل من خلالها إلى النّحاة العرب (1).

هذا المستشرق المعاصر يركّز على فرضيّته هذه من خلال دراسةٍ أخرى له موسومة بأصل مصطلح القياس في النحو العربيّ، وفيه يقرّر أنّ كثيرًا من عناصر الثّقافة الهلينيّة أصبحت موجودةً في العالم العربيّ من خلال دراسة الفقه أيضًا، منتهيًا إلى أنّ تعاليم المدارس الهلينيّة كانت عاملاً أساسيًّا في أصل الثّقافة الإسلاميّة ككلّ.(2) . على العكس من ذلك، فإنّ هناك بعض المؤرخين واللغويّين الذين يرون أنّ اللغة العربية خاليةٌ من التأثير اليونانيّ (3).

هذا التوجّه مع اختلافٍ يسير - نجده عن المستشرق اليهوديّ المعاصر رافي تلمون (4) Rafi Talmon (1948 - 2004 م)، إذ إنّنا نجد أنّه يستبعد فرضيّة التأثير اليونانيّ في النحو العربيّ عندما يقول : «بيد أنّ الوجهة القائلة بوجود التأثير الأجنبي كانت عرضةً للنقد البنّاء الدائم من قبل الذين يرفضونه. فمن خلال النّقاش بين هذين المذهبين اتّضحت في أوساط الباحثين في تاريخ النحو العربيّ حقيقة الفرق بين المنهج النحويّ ونظرة الفلسفة الأرسطوطاليسيّة في قضيّة اللغة» (5).

يبد أنّ هذا المستشرق - رافي تلمون - لم يكن يرفض التأثير اليوناني حبًّا في النحو العربيّ، أو تمسّكًا بأصالته كعلمٍ خالصٍ نابع من البيئة العربيَّة، ولكنّه رفضه لمحاولة إثبات تأثيرٍ من نوعٍ آخر، وهو التّأثير اليهوديّ السريانيّ، بدليل أنّه ينقل عن المستشرق ريفيل قوله: «إنّ الخليل بن أحمد ربّما استمدّ منهجه في ترتيب الحروف

ص: 52


1- انظر: حمداد بن عبد الله، موقف الحركة الاستشراقية من تاريخ النحو العربي ونقدها، بيروت، مجلة دراسات استشراقية، العدد السابع عشر، شتاء 2019م، ص 192.
2- انظر حمداد بن عبد الله، موقف الحركة الاستشراقية من تاريخ النحو العربي ونقدها، ص 192.
3- Dr. Solehah Haji Yaacob. The Greek Influence on Arabic Grammar. International Islamic University Malaysia. pp 3.
4- مستشرقٌ يهوديٌّ معاصرٌ لديه اهتمام باللغة العربيّة.
5- رافي تلمون، مذهب الموّرخين العرب في وصف نشأة علم النحو العربي، مجلة الكرمل - أبحاث في اللغة والأدب، العدد الرابع، 1983م، ص 96.

من مصدر آخر عندما كان العلم المنقول عن اليهود والسريان خلال القرن الأوّل الهجريّ قد نُسِيَ» (1). ويُظهر محاولة إثبات ذلك التوجّه عندما يقول: «ويقدّر ريفيل أنّ التّنقيط بالإعجام أُدخل على أيدي مَن استعمل الكتابة بالعربيَّة في العراق وسوريا من يهود وسريان» (2).

إلَّا أنّ رافي تلمون (3) - فيما يبدو تناقضًا - يعود في دراسة أخرى عنوانها: التفكير النحوي قبل كتاب سيبويه - دراسة في تاريخ المصطلح النحوي العربي إلى القول بوجود تأثير للفكر اليوناني في النحو العربي، فهو يقول: «إلّا أنَّني مقتنعٌ ممَّا مثَّلناه هنا بأنّ النحو العربيّ في عهد نشأته لم يجهل تراث الفلسفة اليونانيّة، بل إنّه استرشد بها إلى حدٍّ ما، وخاصّة في مجال الإصلاح، حيث استعان بترجمة بعض مؤلّفاته إلى العربيَّة، ويبدو الآن أنّ قلّة التأثّر بهذا التراث إنّما هي نتيجة مجهود النحويّين القدماء الواعي الصارم في خلق علمٍ يتَّصف ويتَّسم بعلامات النحو العربيّ الوطنيّ» (4).

لكن من الواضح هنا أنّ هذا المستشرق نسي أنّ النّحاة ومنهم سيبويه من أوطانٍ شتّى وأعراقٍ متباينةٍ، كذلك نسي أنّه يناقض نفسه برأيه هنا الذي يناقض رأيه هناك (5).

إنّ المتأمّل في موقف الاستشراق من النحو العربيّ يجد أنّ قضيّة أصالة النّحو العربيّ كانت موضع اهتمامهم، ففي النّصف الثاني من القرن التاسع عشر زعم جولدزيهر (6) وغيره أنّ النحو العربي مأخوذٌ من الفكر اليونانيّ (7). وفي القرن العشرين

ص: 53


1- رافي تلمون، مذهب المؤرخين العرب في وصف نشاة علم النحو العربي، ص 108.
2- رافي تلمون، المرجع السابق، ص 97.
3- مستشرقٌ يهوديٌّ معاصٌر لديه اهتمام باللغة العربيَّة.
4- رافي تلمون، التفكير النحوي قبل كتاب سيبويه - دراسة في تاريخ المصطلح النحوي العربي، مجلة الكرمل - أبحاث في اللغة والأدب، العدد الخامس، 1984م، ص 37-38
5- انظر: إسماعيل أحمد عمايرة، المستشرقون ونظرياتهم في نشأة الدراسات اللغوية، الأردن، دار حنين، الثانية، 1992م، ص 92.
6- مستشرقٌ يهوديٌّ مجريٌّ 1850 - 1921م، عُرف بنقده وتشويهه للإسلام، ومن آثاره: العقيدة والشريعة في الإسلام.
7- انظر: المهيري عبد القادر، نظرات في التراث اللغوي العربي، تونس، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى، 1993م، ص 85.

نجد استكمالاً من نوعٍ آخر لهذه الفكرة عند كلّ من فيشر في كتابه: الأساس في فقه اللغة العربيَّة، وبرجشتراسر في كتابه: التطوّر النحويّ للغة العربيَّة (1).

لكن ممّا يدعو للاستغراب في موقف الدّاعين إلى محاولة محو أصالة النّحو العربيّ أنّهم ينظرون للأمر في كثيرٍ من الأحيان نظرةً تنبني على تقسيم الشعوب، أو ما يمكن تسميتها نظرة جنسيّة، وهذه النّظرة تجعلهم ينظرون إلى كلّ منتجٍ علميًّ إسلاميٍّ على أنّ له أصلاً غربيًّا، فمحاولات البحث عن تأثير ما هو غربيّ في الفكر والثقافة الإسلاميّة هي محاولات نابعة من نظرةٍ فوقيّةٍ، وهذا يفسّر لنا محاولات عدد من المستشرقين إلى إثبات تأثير للفكر اليونانيّ أو السريانيّ في النحو العربيّ، والنّحو لم يكن أسعد حظًا من الفقه الإسلامي مثلاً الذي جعلوه مأخوذًا من الفقه الرومانيّ.

في حين ذهب المستشرق يوهان فك إلى أنّ النّحو العربيّ نشأ نشأةً عربيّةً أصيلةً استجابةً للظرف التَّاريخيّ نتيجة الأخطاء واللحن الذي بدأ يظهر على ألسنة الناس بتأثير الاختلاط بالأعاجم؛ حيث قال: «وعلى الرّغم من أنّ هذه الروايات المتفرقة المتضاربة غير تاريخيّة بالمعنى الصحيح - يقصد تلك التي تتعلّق بنشأة النحو على يد أبي الأسود الدؤليّ - فإنّها تحتوي على إدراكٍ عميقٍ، لأنَّ اتخاذ المسلمين الجدد العربيّة لسانًا لهم، كان هو الدّافع الأول للملاحظات النّحويّة (2).

أما كارل بروكلمان، فيذهب بدوره إلى وجود تشابهٍ بين المصطلحات النحويّة والمنطق اليونانيّ، إلّا أنّه يعترف أنّ الأمر لا يتعدّى غير ذلك، فليس هناك تأثيرٌ في النحو العربيّ لا من القواعد اللّاتينيّة، ولا من القواعد الهنديّة، وإن أشار إلى أثر فارسي يظهر في استعمال اسم الإشارة في اللغة البهلويّة (الفارسيّة الوسطى) مكان الضمير، أي استخدام هذا بمعنى هو، مؤكّدًا على أنّ هذا الاستعمال ظلّ موجودًا إلى اليوم (3) .

ص: 54


1- انظر: فولفديتريش فيشر تحرير الأساس في فقه اللغة العربيَّة، نقله إلى العربيَّة وعلق عليه: سعيد حسن بحيري، القاهرة، مؤسسة المختار للنشر والتوزيع، الأولى، 1422ه_ - 1992م؛ انظر: برجشتراسر، التطور النحوي للغة العربيَّة، أخرجه وصححه وعلق عليه رمضان عبد التواب، القاهرة، مكتبة الخانجي، الثانية، 1414ه_ - 1994م.
2- يوهان فك، العربيَّة: دراسات في اللغة واللهجات والأساليب، ترجمة عبد الحليم النجار، القاهرة، المركز القومي للترجمة 2014 م ص 11.
3- انظر: كارل بروكلمان، تاريخ الأدب العربي، ترجمة د. محمد عبد الحليم النجار، القاهرة، دار المعارف، 1961م، ج 2، 123، 124.

ويذهب بروكلمان إلى أنّ نشأة النحو العربيّ، تبدأ مع طبقة أساتذة الخليل بن أحمد الفراهيديّ، أمثال عيسى بن عمر؛ فالخليل بن أحمد عنده هو المؤسّس الحقيقيّ لعلم النحو العربيّ، وأنّه عنده هو الذي وضع أشكال الحروف وعلامات القراءة استنادًا إلى نماذج سريانيّة (1). الأمر الذي استدعى ردّ أحد الباحثين قائلاً: «إنّ هذا الإنكار البيّن لمجهودات أبي الأسود وتلاميذه، ليس له ما يبرّره؛ فإن نحن وافقنا على أنّ هذه الطبقة لم يكن لها نشاطٌ نظريٌّ في النّحو، فلا شكّ أنّ نقط المصحف يُنسب لها بلا جدال، وكان هو بداية لفت الأنظار إلى حركات الإعراب في أواخر الكلمات، وحركات الإعراب هي مادّة النحو، فهذه الطبقة ضبطت المصحف نتيجةً لوعيها بحتميّة التّغيّر الطارئ على الظّواهر اللغويّة نتيجةً للعوامل الحضاريّة المعروفة من اختلاط بالعجم وظهور اللّحن، ولم يكن في وعي العرب من قبل هذه الطبقة شيءٌ من هذا. وهذا الإحساس دفع أبا الأسود لضبط المصحف. إنّ هذا العمل ثابتٌ لأبي الأسود حتّى لو سلّمنا بأنّه لم يكن يرتسم لنفسه غاية الكشف العلميّ عن الظاهرة اللغويّة، وإنّ عمله كان كبحًا لتفاعل العجم مع اللغة العربيَّة منعًا للحن، وإنّ غرضه كان دينيًّا فقط هو مجرّد النّطق السليم للغة (2).

ولكن، تبقى هناك إشكاليّة الإصرار من قبل المستشرقين على عدم الاهتمام بجهود كلّ من أبي الأسود الدؤليّ وغيره من تلاميذه، وهي جهودٌ وإن لم تصب إلى في جانب التنظير النحويّ، فإنّها كان لها دورها في نقط المصحف؟ هذا يرجع أنّ المستشرقين كانوا يبحثون في الجانب النظريّ والتقعيديّ النحويّ علّه يقود إلى مظاهر تأثّر باللغات الأخرى، وهذا ما دأب عليه الكثير منهم في كتاباتهم الاستشراقيّة التي تتناول أصالة النحو العربيّ بالتشكيك. إنّ بروكلمان - وغيره ممّن سار على نهجه - أراد أن يذهب إلى فرضيّة تأثّر النّحو العربيّ بغيره من اللغات، فوقف عند بعض أعلام النّحو في الفترة التي تُغذّي رأيه، فنحن نعلم أنّ حركة الترجمة بدأت مع أواخر الدولة الأمويّة وبدايّة الدولة العباسيّة، بما يعني أنّها

ص: 55


1- انظر: بروکلمان، المرجع السابق، ج 2، ص 128، 131، 132.
2- عبد السلام المسدي، التفكير اللساني في الحضارة العربيَّة، ليبيا، الدار العربيَّة للكتاب، 1981م، ص93.

كانت في النّصف الأوّل من القرن الثاني الهجري، فإذا علمنا أنّ الخليل بن أحمد (100 - 170ه_) عاش في تلك الفترة، فإنّ ذلك يعدّ صيدًا سهلاً للمستشرقين للقول بأنّه تأثّر بحركة الترجمة من اللغات الأخرى، على الرغم من أنّ كلامهم هنا محض خيال ليس إلّا، وبما أنّ الإنتاج العلميّ اليونانيّ - إضافة إلى الإنتاج الذي ينتمي إلى حضارات ولغات أخرى - كان قد جذب المترجمين في مجالات الطب والفلك والهندسة والفلسفة والمنطق وغيرها، فإنّ بروكلمان وجدها فرصةً للقول بوجود تشابهٍ بين بعض المصطلحات المنطقيّة اليونانيّة والمصطلحات النحويّة، خاصّة فيما يتعلّق بتقسيم الكلام إلى اسم وفعل وحرف.

وقد تبع بروكلمان في فرضيّته هذه بعض العرب كإبراهيم مدكور، مستندًا ذلك إلى كتب أرسطو المنطقيّة، خاصّة في الجزء الأوّل من كتاب المقولات، ذلك الكتاب الذي عرض فيه أرسطو للحديث عن بعض المباحث اللغويّة والنحويّة وأهمّها المصطلحات، كذلك تطرّق إلى مسائل مشابهة في الجزء الثاني من كتاب العبارة (1). ومن ثمَّ استند إبراهيم مدكور إلى كلام أرسطو في فرضيّته القائلة بتأثير المنطق اليونانيّ في النحو العربيّ، ولذا وجدناه يقول: «وقد أثّر فيه المنطق من جانبين: أحدهما موضوعيّ والآخر منهجيّ، فتأثّر النحو عن قرب أو بعد بما ورد على لسان أرسطو في كتبه المنطقيّة من قواعد نحويّة، وأريد بالقياس النّحويّ أن يحدّد أو يوضّح القياس المنطقيّ» (2).

لكنّنا نعتقد أنّ المقارنة بين أرسطو وسيبويه مثلاً في بعض القضايا، كقضيّة تقسيم الكلم مقارنة ظالمة، نعلم أنّ أرسطو قسّم الكلم إلى اسم وفعل، فالاسم عنده ما دلّ على معنًى غير مرتبط بزمن، والفعل ما دلّ على معنًى، وكان الزّمن جزءًا منه (3)، وكان القسم الثالث عنده هو الأداة والتي أشار إليها في كتاب الجدل (4). وقد قارن

ص: 56


1- انظر: أرسطو، المقولات، كتاب النص الكامل لمنطق ارسطو تحقيق فريد جبر، طبعة دار الفكر اللبناني، الأولى، 1999م؛ انظر: أرسطو، العبارة، كتاب النص الكامل لمنطق ارسطو، تحقيق: فريد جبر، طبعة دار الفكر اللبناني، الأولى، 1999م.
2- د. إبراهيم مدكور، في اللُّغة والأدب، القاهرة، دار المعارف، الأولى، 1971م، ص 42.
3- انظر أرسطو، المقولات، ص 38 - 39؛ انظر: أرسطو، العبارة، ص 103: 105.
4- انظر: أرسطو، الجدل، كتاب النص الكامل لمنطق ارسطو، تحقيق: فريد جبر، طبعة دار الفكر اللبناني الأولى، 1999م.

إبراهيم مدكور بين هذه الأقسام عند أرسطو وأقسام الكلم: اسم وفعل وحرف عند سبيويه؛ لينتهي إلى نتيجة مؤدّاها أنّ التّشابه بينهما بارز ، مستدلاً بتسمية الكوفيّين للحرف بالأداة سيرًا وراء التسمية الأرسطيّة (1).

الدكتور إبراهيم مدكور عمد إلى الحديث عن أساس تكوين الجملة عند أرسطو، وهو الإسناد، وأورد حديث أرسطو عن "المحمولات العامّة الممكنة"، وتوضيحه الصلة بين المحمول والموضوع، وتعريفه النّحوي للجملة من بعد ذلك؛ حيث شبّه الدكتور مدكور ما فعله أرسطو بما فعله سيبويه عندما تحدّث عن المسند والمسند إليه، وعندما تحدّث أيضًا عن المبتدأ والخبر "المبتدأ والمبنى عليه"، ورأى أنّ عبارة المبتدأ أو "والمبنى عليه" تشبه عبارة المحمول والمحمول عليه. (2) وبعد إشارته لأوجه الشّبه بين أقوال أرسطو، وسيبويه؛ اتّجه مدكور لإثبات صلات تاريخيّة توضّح أو تُثبت معرفة سيبويه بمنطق أرسطو، فذهب إلى أنّ كتب أرسطو الثلاثة: المقولات، والعبارة، والتحاليل الأولى، كانت معروفةً لدى المترجمين السريان، وأنّها قد تُرجمت إلى السريانيّة قبل الإسلام، وذهب إلى أنّها تُرجمت إلى الفارسية أيضًا، ثم تُرجمت إلى العربيَّة في النّصف الأوّل من القرن الثاني الهجريّ على يد عبد الله بن المقفع أو ابنه محمد عن السريانيّة، ما يعني أنّ إبراهيم مدكور كان يرى أنّ النحاة كانوا يستعينون في دراستهم للنحو بما يعرفون من لغات ودراسات أخرى .(3).

ونلاحظ أنّ السريانيّة، سواء أكانت لغة أم تقعيدًا أم ترجمةً، محورٌ من محاور تأثير الاستشراق في بعض المفكّرين العرب، ولا أدري لماذا؟ مع أنّ ما انتهى إليه المستشرقون ليس إلّا مجموعة من الفروض التي لا ترقى إلى كونها دليلاً أو حتّى نصفه. كما أنّ الغريب في الأمر النّظر إلى تأثير التقسيم اليونانيّ: اسم، فعل، حرف، في تقسيم الكلم العربيّ، مع أنّ واقع الحال أنّه ليس هناك لغة متداولة تعتمد على

ص: 57


1- إبراهيم مذكور، في اللغة والأدب، ص 44.
2- انظر: أسامة محمد موسى عبد الرازق، طعن المستشرقين في أصالة النحو العربي، الجزائر، مجلة جيل الدراسات الأدبية والفكرية، العدد 35، العام الرابع، نوفمبر، 2017م، ص 59 وما بعدها انظر إبراهيم مدکور، مرجع سابق، ص 45.
3- انظر: أسامة محمد موسى عبد الرازق، المرجع السابق، العدد 35، ص 59 وما بعدها؛ انظر: إبراهيم مدكور، مرجع سابق، ص 45.

هذا التقسيم فيما نعلم، فالإنجليزيّة والفرنسيّة فيهما تقسيم الاسم والفعل والأداة ، وهما اللغتان الأكثر شهرةً في العالم!! فلماذا إذن البحث عنوة عن أي تأثير غير عربيّ في لغة العرب؟!

وقد ردّ المستشرق أرنست رينان ذاته على هذه الفرضيّة، ووقف منها موقفًا نقديًّا، عارضًا تساؤلات عدّة، منها: هل يوجد أيّ مؤثراتٍ أجنبيّةٍ في النحو العربيّ؟ هل أخذه النحويّون العرب عن السريان؟ أم ساروا على نهج النحو اليونانيّ؟ ثم يردّ على كلّ التساؤلات قائلاً: «إنّ الإجابة بالنّفي، فلو أنّ النّصارى السريان كانوا المؤسّسين للنظام النحويّ عند العرب لظلّ هذا باقيًا ومذكورًا في تاريخ العرب... كما أنّ إبداع النّحو كان من خلال كتاب كلّ المسلمين، وهو القرآن، فالنحو جاء لحفظ لغة القرآن، الموضوع الأساس الذي طُرح من خلال النحاة الأوائل» (1). ورينان يستند في ذلك إلى أنّ تقسيم الكلم لاسم وفعل وحرف حقٌّ أصيلٌ، وهو وإن كان وجدًا تأثرًا من العرب بعلوم اليونان في الفلسفة والطب وغيرهما، فإنّه لم يقف على هذا التأثّر في باب النحو العربيّ، فهذه العلوم التي تأثر بها العرب ظهرت مصطلحاتها في البيئة العربيَّة والإسلاميّة كدليل حيّ على تأثّرهم بها، ما في ذلك من شكّ، لكنّنا لا نرى في النحو العربيّ مصطلحات أو مسمّيات لمصطلحات يونانيّة أو غيرها في النحو العربيّ، ما يعني - في التحليل الأخير - أنّه ليس هناك تأثير وقع عليه من خارج، وقد استدلّ رينان في ذلك بعلمي النحو والبلاغة، مستندًا إلى أنّ هذين العلمين ومصطلحاتهما ومضامينهما وتقسيماتهما عربيّة (2).

لكنّ المستشرق جولدزيهر يقف من هذه القضيّة موقفًا مغايرًا؛ إذ يميل إلى الاتّجاه الدّاعي إلى نفي أصالة النّحو العربيّ، فهو ينفي أوّلاً قول القائلين بأنّ العرب

ص: 58


1- Renan E., Histoire générale et système comparé des langues sémitiques, première partie, 6ème édition, Paris, 1863, PP377378- نقلاً عن حمداد بن عبد الله، موقف الحركة الاستشراقية من تاريخ النحو العربي ونقدها، لبنان - بيروت، مجلة دراسات استشراقية، العدد السابع عشر، شتاء 2019م، ص 190.
2- Renan E., Histoire générale et système comparé des langues sémitiques, première partie, 6ème édition, Paris, 1863, PP377378- نقلاً عن حمداد بن عبد الله من عبد مرجع سابق، ص 190.

أخذوا النحو عن السريان مباشرةً، فالمسألة ليست تقوم على سؤال اقتراض النحو العربي وإنّما المسألة عنده - من جانب آخر - تقوم على تساؤل في شبه وتشويش من طرف خفي مؤداه: كيف انتهى النحو العربي إلى المحتويات الأساسية في تقسيمات الجمل والكلام في غياب أيّ تأثير أجنبي؟! (1) وهذا التّساؤل فيه ما فيه من التهكّم والسّخريّة من أن يكون هناك أصالة للعرب في النحو العربيّ أو عقليّة تنتهي بهم إلى هذا العمل المتكامل.

وقد نوّه هذا المستشرق بكون العرب لم يطوّروا معظم محتويات النحو من خلال نبوغهم، وإنّما كان ذلك من خلال السريان؛ لأنّهم عرفوهم، كما يذكر بأنّه لو كان علم النحو عربيًا مميزا كما يقول رينان لوُجدت بدايات العلم الأولى في المدينة، كما وُجدت فيها مدرسة علم الحديث، متسائلاً: وعلى أيّ شيءٍ يدلّ أنّ العلم تطوّر على شاطئ الفرات؟ وعلى أيّ شيء يدلّ أنّ معظم علمائه من ذوي الجنسيّات الأجنبيّة؟ (2)

لكنّنا نعتقد أنّ موقف جولدزيهر وغيره هنا يمثّل موقف التّعالي الغربيّ الذي وجدناه في قضايا كثيرة تتعلّق بالفكر العربيّ والعلوم الإسلاميّة، وهو الموقف القائم على تقسيمهم الجنس البشريّ إلى جنس آريّ وجنس ساميّ، الأوّل مصدر الفكر والعلم ورجاحة العقل، ويمتلك أدوات الإبداع والابتكار، والثاني يتّسم بالجهل والرجعيّة والتخلّف، ولا يمتلك أيًا من أدوات الإبداع والابتكار. وبناءً على هذه النّظرة المتعالية، فإنّنا على زعمهم أمام طرف يملك كلّ شيء وطرف آخر عالة لا يملك شيئًا على الإطلاق.

وهذه النّظرة تكشف العديد من مواقف بعض المستشرقين تجاه العلوم الإسلاميّة، فهي من وجهة النظر هذه علوم لا تتّسم بالأصالة، بل هي مجرّد

ص: 59


1- Goldziche, on the history of grammar among the arabs, translated and edited by devenyi, K. et Ivanyi T. Benjamins, Amsterdam, Philadelphia, 1877, 1994, P5. نقلاً عن حمداد بن عبد الله، بن عبد الله مرجع سابق، ص 190، 191.
2- Ibid P. 9 09.

اقتباساتٍ أو مؤثّراتٍ من الفكر الغربيّ، ومن ثمَّ نفى هذا الفريق أيّ أصالةٍ عن العديد من العلوم العربيَّة - إن لم يكن كلّها - ومنها بالطبع علم النحو العربيّ. ومن ثمَّ فإنّ بحوث ودراسات المستشرقين الدّاعين إلى نفي أصالة النحو العربيّ ليست أكثر من حلقة من حلقات تعصّبهم الآريّ نحو كل ما هو إسلاميّ. «والغريب المقلق أنّ هذه البحوث أُلبست لباس البحث النزيه التي تنفي كلّ طرافة للمناهج العربيّة في النحو، وتنكر أن يكون النّحاة العرب أخرجوا شيئًا جديدًا؛ لعجزهم أو عجز البيئة الاجتماعيّة العربيّة على الإتيان بمثل هذا الصنع المبتدع. وذهبوا يقارنون بين مصطلحاتهم وما تواضع عليه اليونان من قبلهم في علم النحو، ورأوا في تقسيم العرب للكلام تقسيمًا أرسطو طاليسيًّا محضًا» (1).

ونحن لا نستغرب أن تنفث هذه الطائفة الاستشراقيّة سمومها على النّحو العربيّ مدّعيةً عدم أصالته، فقد نفثتها من قبل على الفقه الإسلاميّ مدعيةً في غرابة اقتباسه من الفقه الروماني. ومن ثمَّ نفهم أنّها تحاول أن تفرغ الحضارة الإسلاميّة - بما تتضمّنه من علومٍ وابتكاراتٍ وإبداعاتٍ - من مضمونها؛ حتّى تجعلها حضارةً منزوعة النّخاع، تظهر بمظهر العالة على البشرية، لا المساهمة في دفع عجلة تقدّمها.

ثانيًا - الادّعاء بصعوبة النحو العربيّ:

يمكن القول إنّ هناك علامةً فارقةً بين موقف الاستشراق من صعوبة النّحو العربيّ قديمًا وحديثًا، هذه العلامة هي تطوّر الدّراسات اللسانية على يد ناعوم تشومسكي، وذلك أنّ تشومسكي ينظر إلى اللغات عمومًا على أنّها تمثلّات لشيءٍ واحدٍ عامّ في بني الإنسان مخصوصين به. ولذلك لا نستغرب التّشابهات الكثيرة العميقة بين اللغات، كما لا نستغرب أن يصل بنو الإنسان في دراسة لغاتهم إلى نتائج متشابهة . ونتيجة لهذا الأثر بدأ توجّه جديد فيما يخص الدّراسات العربيَّة في الغرب ذلك هو البحث في تاريخ النحو العربيّ» (2).

ص: 60


1- الحاج صالح عبد الرحمن، بحوث ودراسات في اللسانيات العربيَّة، الجزائر، موفم للنشر، 2012م، ج 1، ص 43 - 44 .
2- حمز بن قبلان المزيني مكانة اللغة العربيَّة في الدراسات اللسانيّة المعاصرة مجلة مجمع اللغة العربيّة الأردنيّ، السنة الحادية والعشرون، العدد 53، ذو القعدة 1417 م، ص 22، 23.

ومن ثمَّ فإنّه يمكن القول إنّه قبل الدّراسات اللسانيّة كان هناك نوعٌ من التّجنّي على النّحو العربيّ واللغة العربية خاصّةً، وقد تبيّن لنا ذلك في العديد من المظاهر التي أبرزناها في سطورٍ سابقةٍ، لكن بعد تطوّر الدّراسات اللسانيّة التي كشفت عن التّشابهات العميقة بين اللغات تغيّرت النّظرة للغة العربيَّة، لا نقول تغيّرًا كليًّا، بل هو تغيّرٌ نقول معه إنّ الدّراسة العلميّة للنحو العربيّ واللغة العربيَّة نالت شيئًا من الإنصاف الذي كانت تفتقده، وإن كان هذا لا يمنع من وجود تربّصاتٍ من قبل بعض المستشرقين المعاصرين تجاهها في بعض الأحيان.

فقضيّة صعوبة النحو العربيّ توارت أمام دراسات كانت تهتمّ بالنحو ذاته: مناهجه، وأدواته، وقضايا أساسيّة يقوم عليها، من ذلك ما قام به المستشرق اللغويّ صاحب العديد من المساهمات اللغوية مايكل كارتر (Michael G. Carter) (1)، منها:

نحويّ عربيّ من نحاة القرن الثامن الميلادي. (2)

اللسانيّات العربيَّة (3).

أسماء العلم المستخدمة كأداة اختبار في كتاب سيبويه (4).

تى أصبحت كلمة النحو علمًا على القواعد النحويّة؟ (5).

مصطلح السبب في النحو العربيّ» (6).

دراسات تاريخ النحو العربيّ (7) بالاشتراك.

ص: 61


1- مستشرق أستراليٌّ، كانت جهوده منصبّة على النظرية النحوية التراثيّة وخاصة عند سيبويه.
2- (Michael G. Carter, "An Arabic Grammarian of theEighth Century A.D", Journal of Americal. Oriental Socity, 93 (1973) PP. 146 - 157.
3- (Michael G. Carter. Arabic Linguistics. (AmesterdamL Philadelphia: John Benjamins Publishing Co., 1981).
4- (Michael G. Carter, "The Use of Proper Names as a testing Device in Sibawaih's Kitab", In Versteegh, Koerner, and Niederehe (eds.) The History of Linguistics in the Middle East. (Amesterdam/ Philadelphia: John Benjamins Publishing Co., 1983) PP. 109 - 120.
5- (Michael G. Carter, "When did the Arabic Word Nahw First Come to Denote Grammar", Language and Communication 5 (1985) PP. 265 272.
6- (Michael G. Carter, "The term Sabab in Arabic grammar" (1985) PP. 53 - 66.
7- (Michael G. Canter and Kees Versteegh. Studies in the History of Arabic Grammar II. (Amesterdam/ 61 Philadelphia: John Benjamins Publishing Co., 1990).

وهذه الدّراسات تصبّ في بوتقة معالجة القضايا النحويّة بالدّراسة، كالتجريد والتأويل، فضلاً عن أنّ عددًا منها كان مهتمًّا بتوصيف قضايا علماء النحو العربيّ من حيث البنيويّة أو الوصفيّة، وهي مدارس لغويّة حديثة، وهي المحاولات التي كانت تعمل على تقريب الدرس النحويّ من الدرس اللساني حاليًا. حتى على سبيل المصطلحات فإنّ عددًا من الأبحاث المتعلّقة بالدراسات اللسانيّة أثبتت أنّ النحويين العرب استخدموا مصطلحات قريبة الشبه بالمصطلحات الموجودة على ألسنة اللسانيّين وفي تنظيراتهم العلميّة.

كما أنّ المستشرق المعاصر فولف ديتريش فيشر أكّد على أنّ النحو الألمانيّ أكثر صعوبةً من النحو العربيّ، مؤكّدًا على أنّ دارس النحو العربيّ يمكنه فهمه بصورةٍ جيّدةٍ دون أن يجد صعوبة كبيرة في ذلك (1). وتلك شهادة حقّ في النحو العربيّ، وردًّا قويًّا على دعاة صعوبة النحو العربيّ من المستشرقين ومن والاهم.

وهذا إنّ دلّ فإنّما يدلّ على أنّ الكثير من الأبحاث المتعلّقة باللغة العربيَّة والنحو العربيّ في الاستشراق المعاصر حاولت - في الغالب - أن تنحّي قضية التعصّب التي اتّسمت بها الكثير من الدراسات في الاستشراق القديم، وغيّرت من فهمها لطبيعة بعض الموضوعات المتعلق به، ومحاولة دراسة اللغة العربيَّة والنحو العربيّ دراسة تعمّق من اللسانيات والدرس اللساني. وبمعنى آخر لم يكن موضوع تأثّر النّحو العربيّ بمثيله اليونانيّ أو السريانيّ أو الهنديّ له الأولويّة كما كان في السابق، كما لم يكن موضوع صعوبة النّحو العربيّ والدّعوة إلى إهماله هو همّهم الأكبر، بل صاحبها دراسات تعمّق من العلميّة خاصّة في اهتمامها بالدرس اللسانيّ الذي أثبت نتائجه العميقة في دراسة اللغات.

لكنّ هناك نفرًا من المستشرقين - وخاصّة القدماء منهم - حاول الإيهام بصعوبة النّحو العربيّ كمقدّمة للتحلّل من النطق باللغة العربيَّة بدون حركات، فيكون ذلك

ص: 62


1- حوار مع المستشرق الألماني فولف ديتريش فيشر عاشِق العربيَّة في بلاد الألَمان - أجراه: ظافر يوسف، والحوار منشور على الرابط التالي: 2002/https://www.voiceofarabic.net/ar/articles

أداة لتفكّك العربيّ من لغته، وكأداة ثانية للتحلّل من دينه: قرآنًا وسنّة، ذلك الدين الذي لا يُقرأ إلّا في لغته، لا في لغةٍ مستوردةٍ أو لهجةٍ محدودةٍ لا تعبّر عن جموع العرب الناطقين بالعربيَّة.

يقول الزجاجي عن دور ضبط أواخر الكلمات وعلاقته بالمعاني: «إنّ الأسماء لمّا كانت تعتورها المعاني، وتكون فاعلة ومفعولة ومضافة ومضافًا إليها، ولم تكن في صورها وأبنيتها دلالة على هذه المعاني، بل كانت مشتركة، جعلت حركات الإعراب فيها (1). فالإعراب فرع المعنى، وفي الوقت الذي يشير إلى المعاني المتضمّنة داخل الكلام والتمييز بينها.

فالنّحاة العرب اهتمّوا بقضيّة الإعراب اهتمامًا بالغًا، نظرًا لرفضهم اللّحن، ولا أدلّ على ذلك من تلك المناظرات التي قاموا بها، وألّفوا فيه كتبًا إلى جانب ارتباط العروض بالإعراب، وغير ذلك ممّا يثبت أصالة الإعراب عند العرب، أمّا النّحاة فقد ركّزوا عليه نظرًا لما له من دلالة في توضيح المعنى وتمييز المعاني وإزالة الإبهام (2).

وبمّا أنّ النّحو العربيّ هو الإعراب، فإنّ الإعراب هو الذريعة التي يقوم عليها اتّهام المستشرقين له بالصّعوبة، ولا نغفل أنّهم اتّخذوا من الزّعم بصعوبة الإعراب أو النّحو العربيّ ذريعة لدعوتهم إلى العاميَّة وإحلالها محلّ اللغة العربيَّة الفصحي التي تستمدّ فصاحتها وصحّتها من الالتزام بقواعد الإعراب. فهذه مرتبطةٌ بتلك، ولا توجد واحدة منها منفصلة عن الأخرى، فهو مخطّطٌ متكامل الأركان قدّر الله تعالى أن يُوجد من يقف ضدّه منذ بدء ظهوره؛ دفاعًا عن دينه في المقام الأوّل.

ثمّ ما الصّعوبة في قواعد الإعراب؟ إنّها بمثابة القواعد المنظّمة للغة، والقواعد المنظّمة للغة لا تخلو منها أيّ لغة كانت، فهي ليست حكرًا على لغة بعينها، وإنّما تُوجد في كلّ اللغات، والمتأمّل في نشأة النحو العربيّ يجد أنّه ما ظهر إلّا للتيسير على الناس؛ إذ من المعروف أنّه نشأ لتلبية احتياجاتٍ تستدعيها الضّرورة الدّينيّة

ص: 63


1- عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي، الإيضاح في علل النحو، بيروت، دار النفائس، الطبعة الثالثة، 1979م، ص 97.
2- انظر: نسيمة نابي، واقع اللغة العربيَّة وأثر المستشرقين عليها، الجزائر، مجلة الممارسات اللغوية، 16 2م ، العدد 35، ص 163.

والضرورة اللغوية. لقد «نشأت اللغة العربيَّة في أحضان جزيرة العرب خالصةً لأبنائها متماسكة البنيان غير مشوبةٍ بلوثة الإعجام، ولم تكن حينها بحاجة إلى قواعد تضبطها وتقوّمها، فقد كانت في حضن أبنائها ذوي اللسان العربي الخالص، ثمّ جاء الإسلام ودخل الناس في دين الله أفواجًا، فاختلطت الألسن وتسرّب اللّحن إلى اللغة العربيَّة وإلى القرآن الكريم، فكان لزامًا وضع علمٍ يصون اللغة من الإعجام ويحفظ القرآن من اللّحن الذي قال فيه أبو بكر: «لَأَن أقرأ فأسقط أحب إلي من أن أقرأ فألحن». وتلبية لهذه الضرورة وُضع علم النحو من قبل أبي الأسود الدولي (ت67ه_) بطلب من علي (ع) على أرجح الأقوال» (1). ومن ثمَّ فلم تكن جهود أبي الأسود الدؤليّ إلا سيرًا في اتّجاه تيسير النّحو العربيّ وتبسيطه، وما جهود التّابعين له من أمثال: نصر بن عاصم، وعيسى بن عمر، والخليل بن أحمد وصولاً إلى سيبيويه ومن جاء بعده إلا تبسيطًا وتيسيرًا للنحو العربيّ واللغة العربيَّة عامّة.

لكنّ المستشرقين الذين نفوا أصالة النّحو العربيّ بزعم وجود تأثيراتٍ خارجيّةٍ كالسريانيّة واليونانيّة وغيرها تغافلوا عن كلّ هذه الجهود من أجل الادّعاء بصعوبته، وما ذلك إلّا خطوة أوّلية للدعوة إلى إلغاء الإعراب والدّعوة لتسكين أواخر الكلمات، ومن ثمَّ يقتربون خطوة أخرى إلى العاميَّة التي يريدون أن نولّي وجوهنا شطرها. ومن ثمَّ فإنّ اللّجوء إلى العاميَّة هنا ليس تسهيلاً، بل استسهال وتهاون، فالخطورة المترتّبة على إلغاء الإعراب كبيرة، ولها تأثيراتها السّلبيّة في فهم النّصوص الدينيّة، وما تنبني عليه من أحكامٍ وقضايا، كما أنّ لها تأثيراتها السلبيّة في النّاحية اللغويّة أيضًا، وهذا ما نبّه عليه الجرجاني، عندما ذهب إلى أنّ ضياع الإعراب معناه تلاشي أحكامه واندثارها وضياع الأصول والقواعد التي لا يصحّ الكلام إلاّ بها (2).

ومن خلال ما تقدّم نجد أنّ اتّهام اللغة العربيَّة بالقصور مرّ عبر بوّابات عدّة: الأولى، الدّعوة للعاميّة ،والثانية محاولة الاستعانة بالحروف اللاتينيّة، والثالثة،

ص: 64


1- إبراهيم برعيش، النحو العربي بين الصعوبة والتيسير (مدرسة الأندلس أنموذجًا)، دراسة منشورة على الرابط التالي: /https://islamanar.com/arabic-grammar-between
2- عبد القادر الجرجاني، دلائل الإعجاز، تحقیق محمود محمد شاكر، القاهرة، الطبعة الأولى، 1984، ص 28.

الزعم بعدم مواكبة العصر، الرابعة، محاولة النيل من النحو العربيّ. وهي تعبّر عن مخطّطٍ استشراقيٍّ تجاه اللغة العربيَّة هدفه الرئيس القضاء على اللغة العربيَّة الفصحى كمقدّمة للقضاء على كتاب الله تعالى.

لكنّ الإشكاليّة التي واجهت دعاة الاستشراق هنا هي إشكاليّة منهج، فالمنهج الذي اعتمد عليه هؤلاء لم يكن منهجًا علميًّا بالمعنى الصّحيح لكلمة منهج، وإنّما اعتمدوا على مناهج هي أقرب إلى التعصّب المقيت من أيّ شيءٍ آخر، وأهمّها: المنهج الإسقاطيّ، والمنهج الشكيّ أو الظنيّ، فالمنهج الإسقاطيّ هو الذي دعاهم إلى وضع اللغة العربيَّة في خانة اللغات القديمة، ومن ثمَّ الدّعوة إلى معاملتها معاملة اللغة اليونانيّة القديمة. فالزّعم بأنّ اللغة الفصحى لا تصلح، والعمل على إحلال العاميَّة مكانها، قائمٌ على منهجٍ إسقاطيٍّ يرى وجوب التّعامل مع اللغة العربيَّة الفصحى بما تعاملت بها مع سابقاتها الدارسات الاستشراقيّة. أمّا المنهج الشّكيّ فقد دعاهم إلى أنّهم جعلوا من كلّ شيءٍ وقع في ظنّهم حكمًا دون دليل دامغ يقوّيه، فقد شكّوا - وكذلك شكّكوا - في أصالة النّحو العربيّ، وقواعده، ولكن لأهدافٍ أخرى بعيدة غير التي يظهرونها.

ص: 65

ص: 66

الفصل الثاني

اشارة

إخضاع النص القرآني للنقد الأدبي

ص: 67

مقدمة

اشارة

عمدت العديد من الدّراسات الاستشراقيّة إلى محاولة إخضاع لغة القرآن العظيم للنقد الأدبيّ ومعاملة نصوصه كأيّ نصٍّ بشريٍّ، بهدف نزع التّقديس والتّنزيه عنه، وتعاملوا معه كتعاملهم مع كتبهم العقدية، فالغرب الذي جاء منه المستشرقون ثاروا ثورةً كبيرةً على كنائسهم ومعتقداتهم وكتبهم، وظنّوا أنّ ما فعلوه في بيئتهم مسوّغًا لهم لتطبيقه في البيئة الإسلاميّة، وظنّوا أنّ أبسط طريق يمكنهم الولوج منه هو نقد كتابنا الكريم تحت دَعاوَى القراءة الأدبيّة.

إنّ هذه الدّراسات الاستشراقية نظرت إلى القرآن في لغته على أنّه مرحلةٌ من مراحل الأدب العربيّ، ومن ثمَّ عمدوا إلى دراسته وفق مقاييس القراءة الأدبيّة، والمتأمّل في كتابات كلّ من بروكلمان الذي ربط بين لغة القرآن وسجع الكهان، أو ماكدونالد (1) في مادّته في دائرة المعارف الإسلاميّة الذي ادّعي أنّ القرآن من عند محمد صلّی الله علیه و آله و سلّم يجد كيف يتعامل هؤلاء المستشرقون مع لغة النصّ القرآنيّ على

أنّه صورةٌ من صور المنتج الأدبيّ.

المبحث الأوّل: لغة القرآن والأدب عند المستشرقين

اشارة

ینظر بعض المستشرقين إلى القرآن الكريم في لغته على أنّه لونٌ من ألوان الأدب تلك الفترة، ومن ثمَّ فقد دأبوا على المقارنة بين لغة القرآن ولغة الأدب، ليحاولوا أن يُثبتوا وجود شبهٍ ما أو تماثلٍ ما بينهما، ولمّا كانوا عازمين على إثبات وجهة نظرٍ معيّنةٍ تمّ ترسيخها في أذهانهم لعقودٍ، وانطبعت في مخيّلتهم، فإنّهم زعموا أنّها تُشبه لغة الشّعر في القافية والإيقاع.

أ - في الاستشراق المعاصر :

توماس باور وفرضيّة العلاقة بين القرآن والشعر

فالمستشرق المعاصر توماس باور (2) يرى أنّ هناك مقاربةً - مثلاً - بين القرآن

ص: 68


1- دانكن بلاك ماكدونالد مستشرق أمريكي 1863 - 1943م.
2- توماس باور Thomas Bauer، ولد 27 سبتمبر 1961 في نورنبرغ. زميل في معهد الدراسات المتقدمة في برلين، 2006-2007م.

والشّعر في اختيار الكلمات المتعلّقة بالقسم، والتي يتمّ اختيارها بناءً على كونها مفردات قديمة فضلاً عن أنّها تذكر أشياءً يُقسم بها في الأغلب من خلال صفات تصف تلك الأشياء، لكنّها لا تسمّيها، «وهذا بشكلٍ مماثلٍ وسيلة بلاغيّة من وسائل الشّعر العربيّ القديم يسمح تقريبًا باستمرار باستيعاب الموضوع المقصود بمثل تلك الكلمات البديلة، بينما ذلك لا يحدث في عبارات القسم القرآنيّة». (1).

فتوماس باور يحاول أن يجد علاقةً ما بين القرآن والشّعر الجاهليّ، من خلال البحث عن وسيلةٍ بلاغيّةٍ بينهما، وهذا إن دلّ فإنّما يدلّ على أنّ لغة القرآن كونها لغةً عربيّةً فصحى نابعةٌ من البيئة العربيَّة ذاتها، وليست ببعيدةٍ عنها، غير أنّ هذا المستشرق يحاول أن يُعلي من الشّعر الجاهليّ على حساب القرآن، بدعوى الشّعر العربيّ القديم يعمد إلى استيعاب الموضوع المقصود بكلماتٍ بديلةٍ مترادفة المعنى، وهذا في ظنّه ما لا يجده في أسلوب القسم القرآني. لكنّه لا يدري أنّ القسم القرآني مع كونه لغةً عربيّةً صرفةً فإنّه جديدٌ في بابه؛ فلم يكن في القسم القرآنيّ كلمات من نحو: اللّات والعزى وغيرها من العبارات التي تُمثّل شركًا ينافي الإسلام؛ لأنّ القرآن جاء بديانة التّوحيد، ونبذ كلّ ما عداها من ألوان الشّرك والخرافات.

ومن جانبٍ آخر، فإنّ توماس باور وقف عند نوعٍ واحدٍ من أنواع القسم، وهو القسم بمخلوقات الله تعالى السّماويّة، وهم الملائكة في قوله تعالى:

(والنازعات غرقًا).

(والناشطات نشطاً).

(والسابحات سبحًا).

(فالسابقات سبقًا).

(فالمدبرات أمرًا).

ص: 69


1- توماس باور، ثقافة الالتباس... نحو تاريخ آخر للإسلام، ترجمة: رضا قطب، بيروت - بغداد، منشورات الجمل - مكتبة التنوير، الطبعة الأولى، 2017م، ص 137.

لكنّ باور فاته أن يقف على أنواع القسم القرآنيّ الأخرى، كالقسم بالمخلوقات السّماويّة الأخرى، كما في قول الله تعالى: «وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى» (سورة النجم، الآية 1)، وفي قوله تعالى: (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا» (سورة الشمس، الآيتان 1-2)، وفي قوله جل شأنه: «وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ» (سورة البروج، الآية 1).

فضلاً عن أنّه تغافل عن القسم القرآنيّ بالمخلوقات الأرضيّة، كما في قوله تعالى: «وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينينَ» (سورة التين الآيتان 1 - 2)، وقوله: «وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا» «سورة الشمس، الآيتان 3 - 4). كذلك تغافل عن قسم الله تعالى بنبيّه الكريم في قوله سبحانه: «لَعَمْرُكَ إِنَّهُم لَفى سَكرَتِهِم يَعمَهونَ» (سورة الحجر، الآية 72). كلّ هذا إضافة إلى تغافله عن القسم بالقرآن الكريم في قول الله تعالى: «يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ» (سورة يس، الآيتان 1 - 2)، وفي قوله: «ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِكْرِ» (سورة ص ، الآية 1)، وقوله: «ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ» (سورة ق، الآية 1). وهذا كلّه من قبيل القسم بالمخلوقات، وهو ما فات توماس باور أن يذكره.

وإذا كان هذا المستشرق المعاصر قد فاته ذكر القسم بالمخلوقات في الأسلوب القرآنيّ - هذا إذا استبعدنا فرضيّة عدم الإلمام به - فقد فاته أيضًا القسم الإلهي بذاته، فقد أقسم الله تعالى بذاته في مواضع عدّة في القرآن، هي: قوله تعالى: «فَلا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا» (سورة النساء، الآية 65)، وقوله عزّ وجلّ: «إى وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَما أَنتُم بِمُعجِزينَ» (سورة يونس، الآية 53)، وقوله سبحانه: «فَوَرَبِّكَ لَنَسأَلَنَّهُم أَجْمَعِينَ» (سورة الحجر، الآية 92)، وقوله سبحانه: «فَوَرَبِّكَ لَنَحشُرَنَّهُم وَالشَّياطينَ» (سورة مريم، الآية 68)، وقوله عزّ وجلّ: «قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ» (سورة سبأ، الآية 3)، وقوله تعالى: «فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» (سورة الذاريات، الآية 23)، وقوله تعالى: «فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ» (سورة المعارج، الآية 40)، وقوله سبحانه: «قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ» (سورة التغابن الآية 7).

ص: 70

والآيات السّابقة التي تتضمّن قسمًا قرآنيًّا، كما هو واضح، تنسف دعوى عدم وضوح المعنى، أو عدم وجود بدائل دلاليّة، كما أنّها تقضي على دعوى أنّ أسلوب القسم القرآنيّ لا يعمد إلى استيعاب الموضوع المقصود، فالقسم القرآنيّ كما هو واضحٌ يتّسم بوضوح المعنى، وإن صعبت بعض كلماته، فالتّفاسير موجودةٌ والمعاجم العربيَّة موجودةٌ؛ لأنّه نزل بلغةٍ فصحى من تلك البيئة القرشيّة الفصيحة، كما أنّ المفردات البديلة كثيرةٌ بدليل تنوّع القسم وتنوّع المقسم به، أمّا من ناحية استیعاب الموضوع المقصود، فللقارئ أن يقف عند هذه الآيات التي تتضمّن القسم ليحكم على ذلك بنفسه.

المستشرق ستيفان سبيرل وفرضيّة العلاقة بين القرآن والشعر:

وهناك من المستشرقين المعاصرين من تناول علاقة الشعر العربيّ بعامّة في علاقته ،بالقرآن فالمستشرق ستيفان سبيرل Stefan Sperl (1) في بحثه الموسوم بالقرآن والشعر العربيّ، يذهب إلى أنّ هناك تأثيراً متبادلاً بين القرآن والشعر العربيّ في مختلف العصور الأدبيّة بدءًا من العصر الجاهليّ وحتّى العصر الحديث والمعاصر، ومن ثمَّ يقول: «إنّ العلاقة بين القرآن والشعر العربيّ علاقة غنيّة ومعقّدة ودائمة، ذلك أنّها تتراوح من العداء والتناقض إلى الاعتماد المتبادّل الذي يعزّز كلّ منهما الآخر، وقد مرّت بمراحل عديدة، ولا زالت حتّى يومنا هذا تشكّل جانبًا محوريًّا في الكتابة الشعريّة» (2). لكنّنا نفهم أن يكون تأثير القرآن في الشعر العربيّ أمرًا واضحًا ومقبولاً، ولكن كيف يكون هناك تأثير للشعر في القرآن؟! فهذا أمرٌ غير مفهومٍ، خاصّة وأنّ ستيفان سبيرل يتحدّث عن تأثيرٍ متبادلٍ لعصور الشّعر المختلفة، فكيف يكون هناك تأثير للشعر الحديث في القرآن، فضلاً عن أن يكون هناك تأثير لشعر العصر الأموي أو العباسي؟!

لكن ستيفان سبيرل، مع هذا، كان يؤمن بأنّ القواسم المشتركة بين القرآن والشّعر

ص: 71


1- مستشرقٌ إنجليزيٌ ولد في 1950م، محاضر اللغة العربيَّة بكلية لندن للدراسات الشرقية والإفريقية، له مؤلفات عدّة في الأدب العربي والدراسات الإسلامية.
2- ( Stefan Spel The QurBan and Arabic Poetry, The Oxford Handbook of Qur'anic Studies, 2017, p1.

الجاهليّ قليلةٌ، بل إنّه يستند إلى حديث القرآن عن الشّعر في سورة الشعراء؛ ليُبيّن أنّ هناك رأيًا مضادًا للرأي القائل بأسطورة الشعر الجاهليّ، الذي يتزعّمه طه حسين. فالنصّ القرآنيّ كان ينفي الشّعر عن سيدنا محمد في سورة الحاقة، وينتقد الشعراء - مستثنيًا طائفةً منهم - في سورة الشعراء. ومن ثمَّ يقول هذا المستشرق: «ينصّ القرآن على أنّ محمّدًا ليس بشاعر، بينما يشنّ هجومًا عليهم في إحدى المواضع» (1).

لكن من الغريب أن يذهب المستشرق سبيرل إلى أنّ الخلاف بين القرآن والشّعر أو النبي والشعراء كان صراعًا على القيادة، محاولاً أن يُقيم علاقةً لغويّة بين القرآن والشعر، لينتقل إلى نتيجة أرادها، يقول عنها: «هناك علامة معبّرة وبارزة في الشعر الجاهليّ والقرآن، وهي صيغة الأمر، فالشّاعر يشبع في نفسه قيمة الشّرف، فيتحدّث ويخاطب العدو والصديق من موقع سلطةٍ كوصيٍّ قبليٍّ بأمر الاستعجال، أمّا الوحي القرآنيّ فيبدأ بأمر، بيد أنّه يأتي من مصدرٍ أعلى» (2). لكن لا يعني هذا مطلقًا صراعًا على القيادة بحالٍ ما، وإنّما يعني أنّ أحدهما كان ينطلق من منطلقٍ قبليٍّ وهو الشعر، والآخر ينطلق من منطلقٍ أعم وأشمل وهو القرآن. ومن ثمَّ فإنّ تصوير أمر رفض القرآن للشعر - كما ورد في سورة الشعراء - على أنّه صراعٌ على سلطة القيادة ودفّة الأمر هو نوع من تشويه القرآن، وتشويه صورة النبيّ الخاتم صلّی الله علیه و اله و سلّم.

وإذا قيل هذا في الشّعر الذي ندر الحديث عنه في القرآن الكريم، فماذا يُقال في الوليد بن المغيرة مثلاً، الذي وردت فيه آيات ربما أكثر مما وردت عن الشعر؟! فهل نقول إنّ هناك صراعًا للقيادة بين القرآن والمغيرة؟ بالطبع لا . فالأمر ليس أمر قيادة، وإنّما الأمر أمر دينٍ يرفض الشعر لعقيدة، ويقبل بعضه للعقيدة ذاتها.

لكنّ مما يحسب لستيفان سبيرل أنّه أكّد على الفرق بين سلطة النّبيّ وسلطة الشّاعر، مبيّنًا أنّ سلطة الشّعراء في أشعارهم لا تضاهي سلطة الآيات التي نزلت على النبيّ، ذلك أنّ النبيّ لا يتكلّم باسم القبيلة كما يفعل الشاعر، ولكنّه يتكلّم

ص: 72


1- Stefan Sperl، ibid. pp 2.
2- Stefan Sperl، ibid.

باسم خالق الكون والإنسان، فضلاً عن أنّ رسالته صادرةٌ من السّماء (1).

وإذا كان سبيرل قد استعرض موقف القرآن من الشّعر العربي، كما ورد في الآيات الأخيرة من سورة الشعراء، فإنّه كان دائم الوقوف على الأسلوب اللغوي في كليهما، وقد قام بعقد الكثير من المقارنات في هذا الصدد، فهو مثلاً يشير إلى التّحذير والرّفض والعقاب في لغة النصّ القرآنيّ تجاه الشعراء في نهاية سورة الشعراء رابطًا بين هذا الموقف وما تكرّر من آية (فاتقوا الله وأطيعون)، مستخلصًا نتيجةً جوهريّةً في ظنّي مؤدّاها أنّ ذلك يُظهر الشّعراء على أنّهم صنفٌ ممّن لا يخافون الله تعالى ولا يطيعونه، ومن ثمَّ ينظر إلى أنّ الأمر الإلهي - هو يسميه الأمر النّبويّ - الذي ورد مكرّرًا أكثر من مرّة في سورة الشعراء أُلقى بقوّة ضدّ اتّجاه سلطة الشعراء المضلّلة باستثناء صنف منهم آمن بالله تعالى وعمل صالحًا وذكر الله كثيرًا (2) .

كما وجدناه يُقارن بين لغة النّصّ القرآنيّ في قوّة أسلوب الأمر، الذي ورد في الآيات وبين لغة الأسلوب الشعريّ الساخر في معلّقة عمرو بن كلثوم، والتي يقول فيها:

أبا هند فلا تعجل علينا *** وأنظرنا نخبرك اليقينا

بأنّا نورد الرايات بيضًا *** ونصدرهن حمرًا قد روينا

فستيفان سبيرل يحاول هنا أن يقارن بين الإنذار والتحذير في هذين البيتين وبين الإنذار والتحذير في الآيات القرآنيّة، ومن ثمَّ فقد كان ينظر للشاعر هنا على أنّه رسولٌ ينذر من عذاب معيّن، لكنّ هذا المستشرق لم يجد مفرًا من الاعتراف بأنّ الأسلوب الشعريّ شاحبٌ بالمقارنة بالأسلوب القرآنيّ القائم على التّحذير من العذاب الأبديّ الذي يصيب المخالفين، وبأنّ مفهوم كلمة اليقين في البيتين تختلف عن مفهوم كلمة اليقين التي وردت مرارًا وتكرارًا في القرآن، والتي تحمل معنى الحقيقة المؤكّد بلقاء الروح بخالقها (3).

ص: 73


1- Stefan Sperl. ibid. pp 3.
2- Stefan Sperl. ibid. pp 3 -4.
3- Stefan Sperl ibid. pp 4.

كما أنّه ينظر للقرآن والشعر على أنّ بينهما تنافسًا يظهر أوّل ما يظهر في إتقان اللغة، وثانيًا في رمز الأخلاق مع اعتقاده باختلافها حسب البيئة الجاهليّة عنها في الإسلام في الكثير من المفاهيم الأخلاقيّة، وهذه الأخيرة مثّلت تناقضًا بين القصيدة الجاهليّة والقرآن، خاصّة عندما قارن بين سورة النور ومعلّقة امرئ

القيس، فيما يتعلق بمفهوم المرؤة، فهذا المفهوم في هذه المعلّقة يقوم على مخاطرة الشّاعر بحياته متحدّيًا الأعراف والحدود، فيقتحم غرف النساء، ويغريهن بالزنا، وإبراز سحرهن وجمالهن الفتّاك، فتلك عنده من معايير المرؤة، في حين يؤكّد هذا المستشرق على أنّ المفهوم في القرآن مختلف تمامًا، حيث يفرض النصّ القرآنيّ قيودًا على مثل هذا السلوك، فالزنا والكلام غير اللّائق محظور، ضرورة الحجاب الذي يستر المرأة، دخول المنازل بإذن، العفة بغض البصر (1).

الاستشراق وفرضيّة دور الشعر في فهم لغة القرآن:

ومن المستشرقين المعاصرين من عمد إلى بيان دور الشّعر في تفسير القرآن، مؤكّدًا على أهميّة التّناصّ بين النّصّ القرآنيّ والشّعر الجاهليّ في تقديم تفسيراتٍ مقنّعة لبعض الآيات القرآنيّة، كما أنّه عمد إلى تطبيق هذا المنهج في عصر صدر الإسلام على الشّاعر المسلم العباس بن مرداس الذي شارك في غزوة حنين (2) . وفي السّياق ذاته، تتّجه مقالة داريا روسانوفا إلى التأكيد على «أنّ الشعر الجاهليّ كان له دور كبير، علمًا بأنّه سمح لنا بمعرفة لغة الذين سمعوا الآيات القرآنيّة الأولى، من خلال فهم هذا الشّعر، بحيث نقترب قليلاً من تصوّرهم لتلك الآيات. فالشعر - باعتباره ذروة لغة الناس في الجاهليّة - مثل المفتاح الذي يفتح أبواب اللغة التي يستخدمها الله في القرآن» (3).

ص: 74


1- Stefan Sperl ibid. 5. PP
2- (GERT BORG, Poetry as a Source for the History of Early Islam: The case of (al-)'Abbās b. Mirdās, Journal of Arabic and Islamic Studies • 15 (2015) : © Gert Borg, Nijmegen University, The Netherlands, pp 139 – 143.
3- Daria Rusanova, The Value of Pre-Islamic Arab Poetry, Follow The Link Below: http://islam4europeans.com/201703/12//the-value-of-pre-islamic-arab-poetry/ Phoenix's blog. The Quran in relation to Pre-Islamic poetry. 072016/23/, Follow the link below: VE

وهذا يعني أنّ الاستشراق المعاصر كان مهتمًّا بصورةٍ أو بأخرى بالرّبط بين القرآن والأدب من خلال محاولته الكشف عمّا يربطه بالشّعر الجاهليّ، مع كون الرّبط هذا من الأمور المبالغ فيها تمامًا، حيث كان يعمد إلى محاولة بيان مظاهر الاتّفاق أو الاختلاف بينهما، وهذه نعدّها من المحاولات المنصفة؛ كونها تحاول

الوقوف على القضايا من ناحيةٍ علميّةٍ، ولا تستند إلى تعصّبها في محاولة وضع النصّ القرآنيّ في قالب شعريّ، ومن ثمَّ النّظر إليه على أنّه والشعر سواء، أو محاولة الادّعاء باقتباس القرآن من الشعر الجاهليّ.

لكن هناك بعض المحاولات الأخرى التي تبنّت فرضيّة هي في الأساس ادّعاءات في علاقة القرآن بالشعر، والتي تعدّ قريبةً من تلك الدّعاوى الاسشراقيّة القديمة أو مستندة إليها، فتعمد إلى محاولة النّظر إلى القرآن وكأنّه قالب شعريّ، أو متأثّر به، وهذا لا يجوز في حق كتاب مرسل فضلاً عن مجافاته للحقيقة.

وبالتّأمّل في مدوّنةٍ كمدوّنة فينيكس نجدها تُفرد مقالاً بعنوان: القرآن وعلاقته بالشعر الجاهليّ، تذهب فيه إلى أنّ القرآن مكتوبٌ بأسلوبٍ أدبيٍّ يمكن تسميته «النثر المقفّي». وإنّ جميع آيات القرآن التي تحتوي على الآيات التالية أو السّابقة، وكذلك العديد من سور القرآن موجودة بالكامل في النّغمة الأحاديّة. ويذهب المقال إلى أنّ القافية في القرآن هي أكثر حريةً قليلاً ممّا نعتبره عادةً القافية في السياق الشعريّ الغربيّ، على الرغم من أنّها قريبةٌ بشكلٍ مدهشٍ من القافية الأكثر حريّةً التي نجدها غالبًا في كلمات الموسيقى الشعبيّة. هذه القوافي «متوقّفة» باستمرار، أي يتمّ نطقها بالطريقة التي تُلفظ بها الكلمات في نهاية الجملة في اللغة العربيَّة الفصحى. هذا يعني - بالنسبة لمقال المدونة - أن نهائي un و in و -u و -i و -a ضاع وأنّ التسلسل - an للمشترك لأجل غير مسمى يُنطق ك_ - a. علاوة على ذلك، إذا كان المؤشر المؤنث - عندما ينتهي الأمر بالكلمة النهائية بسبب فقدان هذه العناصر - تُنطق آه (1).

ص: 75


1- https://phoenixl log.typepad.com/blog/201607//the-quran-in-relation-to-pre-islamic-poetry.html
ب - في الاستشراق القديم:

وهذا الاتّجاه هو ما سار فيه المستشرق إدوارد مونتيه (1) الذي ذهب إلى أنّ القرآن يعتمد على الأسلوب الشعريّ المقفّى، وإن كان قد حصره في السور المكيّة القديمة دون غيرها من السور المدنيّة (2).

وتحدّث بعد ذلك عن الفواصل القرآنيّة أو الجمل الأخيرة من الآيات - كما يسمّيها غالبية المستشرقين - ولاحظ أنّها قصيرةٌ ومنتهيةٌ بقافيةٍ حرّة، فالقوافي التي نلقاها في أكثر الأحيان، هي: in و oun و im و ad و ar إلى آخره. ونادرًا جدًa ما نجده وتابع قوله ب_: «إنّ القافية ترتكز على المقاطع اللفظيّة المعمّقة، بمعنى أنّها منتهيةٌ بحرفٍ صامتٍ غير منغّم، مسبوق بحركة خفيفة Koum، و ho، و ar و it our إلى آخره. فيها خفيفة ونادرة جدًا»، ويختتم قوله ب_: «أنّ المقطع الشعريّ يتبعه تقسيم منظّم، فهو مجموعة أبيات في نظامٍ محدّدٍ، تُحدث بروابطها ورجوعها انطباعًا لطيفًا في الأذن» (3).

وقد كان المستشرق بلاشير (4) واحدًا من أولئك المستشرقين الذين ادّعوا أنّ لغة القرآن الكريم على منوال لغة الشعر العربيّ، في الإيقاع والحركة والسجع والقافية، ليس هذا فحسب، بل يرى أنّ الخطاب القرآنيّ يشبه تنبؤات المنجّمين في غرابتها، وشعر الشعراء في هدره، وأقوال السحرة (5). وكأنّه يقتفي أثر المشكّكين في القرآن في

ص: 76


1- مستشرقٌ فرنسيٌّ (1817 - 1894م)
2- انظر: أحمد نصري، موقف المستشرقين من لغة القرآن الكريم، على الرابط التالي: http://www.habous.gov.ma/daouat-alhaq/item/8471.
3- (E. Montet Mohamet et le Coran. P.49- 50. نقلاً عن أحمد نصري، موقف المستشرقين من لغة القرآن الكريم، على الرابط التالي: http://www.habous.gov.ma/daouat-alhaq/item/8471
4- ريجي بلاشير (Regis Blacher) مستشرق فرنسي (1318 - 1393 ه_ / 1900 - 1973)، ترجم القرآن إلى اللغة الفرنسية، ومن مؤلفاته: تاريخ الأدب العربي.
5- (R. Blachere le problème de. Mahomet. p. 49. نقلاً عن أحمد نصري، موقف المستشرقين من لغة القرآن الكريم، على الرابط التالي: http://www.habous.gov.ma/daouat-alhaq/item/8471

عصر النبوّة، الذين اتّهموا سيدنا محمد بالسّحر والتّنجيم، كما اتّهموه بأنّه شاعرٌ يقول ما يقوله الشّعراء من كلام موزون. وقد بيّن القرآن أبعاد هذا الاتّهام الأثيم وردّ عليه، يقول الله تعالى: «إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُول كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ 5 وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ» (سورة الحاقة، الآيات 40 - 43).

أما هنري ماسيه (1)، فيرى أنّ النّسق الإنشائّي للقرآن يقوم على السّجع، وأنّ الكلمات فيه محسوبة بمسافاتٍ منتظمةٍ، منتهيًا إلى وجود تشابهٍ بين القرآن والشعر الجاهليّ، ثمّ يبني على هذه المقدّمات المستوحاه من منهجٍ إسقاطيٍّ في ذهنه إلى نتيجةٍ يرضاها هو ويأباها المنهج العلميّ السّديد مؤدّاها: أنّه يجب الاعتراف بأنّ خصوم محمد كان لهم بعض الحقّ في وصفه بالكاهن أو الشاعر، بالاستناد إلى أنّ الشاعر الوثنيّ كان يلهمه الشيطان (2).

ويتماشى مع رأي المستشرق هنري ماسيه رأي المستشرق هنري لامانس (3) الذي كان يرى أنّ كلّ آية تنتهي بفاصلةٍ تقوم مقام القافية، هذه القافية من جنسٍ خاصٍّ تُسمّى السّجع، كانت تستعمل في السّابق عند الكهان من الوثنيين العرب، وكانت مستعملة بحريّة أكثر وتساهل في بحور العروض (4).

بينما اتّجهت الموسوعة لاروس العامّة اتّجاهًا معتدلاً، حيث جاء فيها: «يمتلك القرآن بإيقاعه وسجعه وصوره قيمةً شعريّةً تفترق كليّة عن الشعر الجاهليّ

ص: 77


1- مستشرق فرنسيٍّ (1886 - 1969م) عمل مديرًا للمعهد الفرنسي بالقاهرة، وأستاذًا في جامعة الجزائر، وعضوًا في المجمع العلمي العربي بدمشق.
2- Henri Masse Islam;.P - نقلاً عن أحمد نصري، موقف المستشرقين من لغة القرآن الكريم، على الرابط التالي: http://www.habous.gov.ma/daouat-alhaq/item/8471
3- ( 1862 - 1937م) يسوعي ومستشرق بلجيكي، له مؤلفاته في اللغة والتاريخ.
4- 52.Henri Lammens Islam croyances et institutions. P. نقلاً عن أحمد نصري، موقف المستشرقين من لغة القرآن الكريم، على الرابط التالي: 8471/http://www.habous.gov.ma/daouat-alhaq/item

المعاصر، والتّنبؤات المتناثرة المنسوبة لكهان العصر، ويظهر من الوجهة الأدبيّة كعملٍ ليس له مثيل» (1).

لكن يمكن الردّ على تلك المواقف الاستشراقيّة من وجوه عدّة، فالمتأمّل في القرآن الكريم يجد فرقًا شاسعًا بين القرآن والشعر، فالقرآن يستند إلى الجملة، فالجملة هي محور التعبير القرآنيّ، في حين يستند الشعر الجاهليّ على نظام البيت الشعريّ المكوّن من شطرين، ولذا يذهب مالك بن نبي إلى أنّ لغة القرآن لها خصوصيّة التفرّد، وقد عجزت فصاحة العرب وبلاغتهم - وهم أرباب البلاغة والفصاحة - عن محاكاة لغة القرآن... فلو كان القرآن غير خارج عن العادة لأتوا بمثله أو عرضوا من كلام فصحائهم ما يعارضه، فلمّا لم يشتغلوا بذلك علم أنّهم فطنوا لخروج ذلك عن أوزان كلامهم وأساليب نظمهم، وزالت أطماعهم عنه (2).

ومن جهةٍ أخرى، فهناك قضيّة يجب الالتفات لها، وهي أنّ الحكم على القرآن في لغته - كما في غيرها - يجب ألاّ يقف عند المستشرقين الأجانب؛ لأنّ الحكم في هذه الحالة سوف يكون حكمًا فيه جرح؛ حيث إنّ هؤلاء المستشرقين لا يفهمون أسرار اللغة العربيَّة ودلالاتها وتعبيراتها، وهذا يفسّر لنا الأخطاء الفاحشة التي يقعون فيها، وهم بصدد التّعامل مع قضايا القرآن. وهذا ما أكّده أحد الباحثين بقوله: «إنّ الحكم على إنشاء القرآن قضيّة ليست ممّا يحكم فيه أمثال المؤلف عن الأجانب عن اللغة العربيَّة، الذين لا يفهمون حتّى مدلولات ألفاظها وجملها، ويقعون بسبب ذلك في أغلاط شنيعة» (3).

ج - مناقشات وردود:
اشارة

وسوف نحاول هنا الردّ على ثلاثة أسئلةٍ تتعلّق بشبهات المستشرقين حول لغة

ص: 78


1- 550.Encyclopédie Générale Larousse. 3eme tome p، نقلا عن أحمد نصري، موقف المستشرقين من لغة القرآن الكريم على الرابط التالي: 8471/http://www.habous.gov.ma/daouat-alhaq/item
2- مالك بن نبي، الظاهرة القرآنية، ترجمة: عبد الصبور شاهين، بيروت - دار الفكر المعاصر، دمشق - دار الفكر الطبعة الرابعة، 1987م، ص 189.
3- عبد الله كنون، الرد القرآني على كتيب هل يمكن الاعتقاد بالقرآن؟ شركة مكة للطباعة والنشر، الأولى، 1401 ه_ - 1981م، ص 24 .

القرآن فيما يتعلّق بقضيّة القرآن والأدب، وكلّ سؤال منها يمثّل محورًا من المحاور، وهي:

هل تسير لغة القرآن على قواعد وضوابط الشعر العربيّ ببحوره الستة عشر؟ أم تخالفها وتسير على قواعدها الخاصّة الإلهيّة؟

هل الفاصلة القرآنيّة لها علاقة ما بالشعر الجاهليّ؟

هل هناك مماثلة بين لغة القرآن وأسلوب المنجمين وسجع الكهان؟

1 - القرآن وضوابط الشعر:

اهتمّ الاستشراق بقضيّة الشّعر العربيّ دراسةً ونقدًا وتحليلاً وغيرها، واقفًا على السّمات اللّغويّة التي يتضمّنها، من ذلك ما ذهبت إليه المستشرقة ماريجن فان بوتين (Marijn van Putten) - عالمة لغويات بجامعة ليدن متخصّصة في اللغويّات التاريخيّة العربيَّة والبربريّة - والتي تؤكّد على أنّ السّمات أو الخصائص اللغويّة للشعر الجاهليّ ضروريّة، والقافية تعتمد بشكلٍ كبيرٍ على القافية الصوتيّة التي تكون في الغالب في العلّة - والعلّة في الشعر كلّ تغيير يطرأ على تفعيلة الضرب أو العروض

- ومن الأكيد أنّ أيّ فهمٍ لأشكال الشّعر الجاهليّ بدون فهم العلّة أمر خاطئ (1).

ومن المعروف أنّ الشّعر العربيّ له وزن وقافية، وقد أفنى الخليل بن أحمد الفراهيديّ عمره في دراسته؛ حتّى خرج لنا بما يُسمّى علم العروض، وانتهى من خلاله إلى أنّ الشّعر العربيّ يتمّ نظمه على ستة عشر بحرًا، وهي بحور الشعر العربيّ، هذا الشّعر له ضوابط تتعلّق بالوزن والقافية. وهنا يتبادر سؤال: هل يخضع القرآن في نظمه لأيٍّ من هذه البحور الشعريّة، مثلما يخضع لها الشعر العربيّ؟ الإجابة بالنّفي؛ لأنّ النّظم القرآنيّ نظمٌ من نوعٍ آخر، لا هو بالشعر ولا بالنّثر، وإنّما هو قرآن كريم من لدن ربّ العالمين.

ص: 79


1- Marijn van Putten, The Status Quaestionis of Arabiyyah, Pre-Islamic Poetry and the Quran, International Qur'anic Studies Association, 2017. وانظر أيضًا الرابط التالي : https://iqsaweb.wordpress.com

لكن قد يتبادر هنا سؤال مؤدّاه: هل كان النبيّ الكريم محمد صلّی الله علیه و آله و سلّم يقول الشّعر في شبابه قبل البعثة المحمّديّة؟ وإذا كانت الإجابة لا، فلماذا؟ يمكن القول إنّ النبيّ لم يكن شاعرًا ولم يُؤثر عنه أنّه كان يقول الشعر؛ ولعلّ المتأمّل في سيرة النبيّ وحياته وطبيعة رسالته يجد أنّ ذلك من أمر الله تعالى؛ لأنّ النبيّ لو كان شاعرًا يقول الشعر قبل البعثة لقال المرجفون إنّ ما نزل عليه ليس إلّا شعرًا أتى به من عنده، فكانت العناية الإلهيّة والاختيار الإلهيّ له أن لا يكون شاعرًا؛ حتّى لا يدّعي أحد أنّه كاذبٌ بما جاء به، يقول الله تعالى: «وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ» (سورة الحاقة، الآية (41).

إنّ الإيقاع الشعريّ قائمٌ على مجموعةٍ من المقاطع الصوتيّة، فهناك الأسباب والأوتاد والفواصل، وهي التي تشكّل الأوزان الشعريّة، لكن ماذا عن القرآن؟ الإجابة عند أحد الباحثين قائلاً: «سنجد سدًا منيعًا أمامنا من النّصوص القرآنيّة التي تنأى به - بالقرآن - أو بها - الآيات القرآنية - عن فنّ الشعر» (1). بما يعني أنّ القرآن له نظم مغاير للنظم الشعريّ.

ومع يقيننا بأنّ القرآن ليس شعرًا، على الرغم من أنّك تجد فيه بعض الإيقاعات والتراكيب التي تتّفق مع إيقاع الشعر، إلّا أنّ القرآن ليس شعرًا، إنّنا «لو بحثنا في القرآن الكريم عن بعض إيقاعات الشعر؛ لنثبت شيئًا مهمًّا، وهو أنّ القرآن الكريم الذي احتوى علوم العربيَّة، بل هو أصل علوم العربيَّة كما يقول العلماء، ولم يحتو علوم العربيَّة فقط، وإنّما هو أصل العلوم العربيَّة نحوًا وصرفًا وبلاغة وأدبًا، وكلّ علوم العربيَّة، فلم لا يحتوي العروض؟ أو لم لا يشير ولو من بعيدٍ إلى علم العروض؟ أليس هذا إعجازًا بيانيًا يتجلّى في القرآن الكريم يُضاف إلى الإعجازات الأخرى؟» (2).

لكن يجب التأكيد على أنّ هناك اتّجاهين في دائرة العروضيين حول مسألة

ص: 80


1- سالم عياد، نظام الإيقاع في القرآن الكريم (التراكيب العروضية في القرآن الكريم)، محاضرة ألقاها بكلية دار العلوم جامعة القاهرة في الخامس من إبريل 2011م، أعدها وشارك فيها وأدارها محمد جمال صقر، تحرير نهاد مجدي، ص 9. والمحاضرة منشورة على الرابط التالي: 2014/http://mogasaqr.com/wp-content/uploads وانظر أيضًا الرابط التالي: 43234=http://arood.com/vb/showthread.php?p
2- سالم عياد، المرجع السابق، ص 10.

الإيقاع الموسيقيّ أو التركيب العروضيّ في القرآن، الأوّل، يقف منها موقفًا صارمًا رافضًا لها جملة وتفصيلاً، والثاني يحاول أن يستقصي هذه المسألة في القرآن بما يخدم القرآن، وليس بحثًا عن وجود تشابهٍ بين القرآن والشعر. ويرجع ذلك إلى حساسيّتها من جانبٍ وعدم وجود دراساتٍ مستفيضةٍ حولها من جانبٍ ثانٍ.

لكن على أيّة حالٍ، يجب التأكيد على أنّ القرآن ليس بقصيدةٍ ولا بشطر شعريّ، ولا بقطعة شعريّة، نعم قد تكون هناك بعض كلمات - وهي قليلة للغاية في النص القرآني - تشكّل تفعيلةً أو تفعيلتين أو أكثر تتوافق مع الإيقاع الموسيقي والتركيبة العروضيّة، لكنّها ليست على أيّ حالِ قصيدةً أو ببيتٍ أو بشطر أو غيرها، كما أنّ ما توافق منها مع الإيقاع العروضيّ ليس مقصودًا به الشعر؛ لأن القرآن ليس بشعرٍ ولا نثر، ولكنه نوع ثالث فريد.

2 - الفاصلة القرآنيّة والشعر الجاهليّ:

من المعلوم أنّ القافية علامةٌ مميّزةٌ من علامات الشّعر، وهي التي تأتي في نهاية كلّ بيتٍ شعريٍّ، وأنّ السّجعة علامةٌ مميّزةٌ من علامات النّثر العربيّ، وهي التي تأتي في أواخر الجمل النّثريّة، وإذا كانت الأولى خاصية شعريّة، والثانية خاصيّة نثريّة، فإنّ الفاصلة القرآنيّة هي خاصيّة قرآنيّة، وهي التي تكون آخر الآية القرآنيّة.

وهذه الفاصلة من أقوى الدّلائل على ما بين الشعر والقرآن من فروقٍ لا يمكن نكرانها، وهي إحدى القرائن التي تدلّ على أنّ القرآن يختلف كليّة عن الشعر العربيّ، ومن ثمَّ فلا يجوز أن تسمّى الفاصلة القرآنيّة قافيةً؛ لأنّ الله تعالى نفى عن القرآن الشعر، ومن ثمَّ فقد نفيت القافية التي هي من أخصّ خواصّه. وإذا لم يكن في وسعنا تسمية القافية الشعريّة فاصلة، فإنّه ليس في وسعنا أيضًا أن نسمّي الفاصلة القرآنيّة قافية، وإلّا كان الأمر خلطًا بين القرآن الكريم والشعر.

ومن ثمَّ فإنّ القرآن ليس بشعر، وإذا كان الشعر الجاهليّ كان قبل ظهور الإسلام أعلى أسلوب في الفصاحة العربيَّة والبيان، فإنّ الله تعالى أرسل كتابه المعجز بأسلوب أشدّ فصاحةً وبيانًا وبلاغةً، وفي ذلك تحدٍّ إلهيٍّ بأنّ القرآن جاء بلغتكم

ص: 81

وفاق شعركم الذي تتغّنون بفصاحته وبلاغته، ولا تستطيعون أنتم أو شعراؤكم بمجاراته أو الإتيان بمثله.

3 - لغة القرآن وسجع الكهان:

ليس هناك رابطٌ ما بين أسلوب القرآن الكريم في بلاغته وفصاحته وبيانه وبين سجع الكهان وأسلوب المنجّمين، فطائفة الكهان كانت موجودةً في العصر الجاهليّ وتدّعي الاتّصال بالجنّ، كما تدّعي بأنّها يُوحَى إليها، وأكثرهم كانوا يقومون على خدمة الأصنام والأوثان، وربّما من هذه النّاحية كانت لهم قداسة ومكانة خاصّة في قريش، الأمر الذي كان يجعلهم حكّامًا في الشؤون العامّة وفي الخصومات والمنازعات، كما كانوا مصدر مشورةٍ في الأهل والمال والولد والحرب وغيرها. (1).

هؤلاء الكهان كان لهم سجع في الكلام، يقوم في كثير من أجزائه على الغموض والإلغاز والرمز، وقد حاول كفّار قريش الادّعاء بأنّ القرآن يسير على طريقة سجع الكهّان، فكان الردّ الإلهيّ قاطعًا «إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ» (سورة الحاقة، الآيات 40-42).

ويمكن القول إنّ سجع الكهّان يقوم على مجموعة من الخصائص:

الأولى، الرمزية والإبهام والغموض.

الثانية، عدم الوصول من خلاله إلى حقيقة مؤكّدة يستفيد منها السامع.

الثالثة، طابع التكلّف الشّديد الذي يقوم عليه السجع.

الرابعة، ارتباطها ببعدٍ وثنيٍّ واضح.

الخامسة، الإيمان بالنّجوم والسّماء والكواكب بدليل كثرة القسم بها.

ويمكن أن نعرض أحد نماذج سجع الكهّان بالكاهنة من خلال تأويل عفيراء لرؤيا مرثد بن كلال، تقول: رأيت أعاصير زوابع بعضها لبعض تابع، فيها لهب لامع، ولها

ص: 82


1- شوقي ضيف، العصر الجاهلي، القاهرة، دار المعارف، الطبعة الثامنة، ص 420.

دخان ساطع، يقفوها نهر متدافع، وسمعت فيما أنت سامع دعاء ذي جرس صادع، هلمّوا إلى المشارع، روي جارع وغرق كارع. قال الملك (مرثد): أجل هذه رؤياي فما تأويلها يا عفيراء؟ قالت عفيراء: الأعاصير الزوابع ملوك تتابع، والنهر علم واسع، والداعي نبيّ شافع، والجارع وليّ له تابع والكارع عدوّ له منازع» (1).

ومن ذلك قول سلمي بن أبي حية: «والأرض والسماء والعقاب والعنقاء واقعة ببقعاء، لقد نفّر المجد بني العشراء للمجد والسناء» (2).

فهل هناك ما يجمع بين هذه الأقاويل وبين القرآن الكريم؟ بالطبع لا؛ لأنّنا أمام أقوال تفتقد لوجود رابطٍ بين كلماتها، كما أنّها لا تقدّم مضامين حقيقيّة أو رؤية كالمضامين والرؤى التي يقدّمها القرآن، فضلاً عن أنّ الأسلوب يختلف كليّةً عن أسلوب القرآن الكريم، ولعلّ المتذوّق للغة العربيَّة يدرك هذا جيدًا، فسجع الكهّان تشعر عند قراءته من أوّل وهلة أنّه كلامٌ بشريٌّ يفتقد للأسلوب اللغويّ الرّصين، بخلاف القرآن الذي تشعر معه أنّه كلام ربّ العالمين. كما أنّ القرآن تجد فيه مضمونًا وجوهرًا حقيقيًّا، وهذا ما لا نجده في سجع الكهّان الذي استخدمه الكهان للتمويه على السّامعين وإحكام السيطرة النفسيّة عليهم، بحيث يكونون منقادين له رغم أنّه لا يقدّم مضمونًا أو جوهرًا حقيقيًّا.

إنّ القرآن الكريم ليس فيه تكلّف، كما أنّ الفاصلة القرآنيّة فيه تأتي مناسبة للسياق، وتحقيقًا لمضامين معيّنة يضمّنها الله تعالى في الآيات، بخلاف سجع الكهّان الذي يبدو التكلّف فيه بصورةٍ فجّةٍ. هذا فضلاً عن أن القرآن يدعو للتوحيد في حين يقوم سجع الكهّان على أبعادٍ وثنيّةٍ تؤلّه الأصنام وتقدّم لها القرابين، وتجعلها المتحكّم في مصائر الناس.

ومن جانب آخر، فإنّنا لا نجد في القرآن إبهامًا وغموضًا كما يظهر في سجع

ص: 83


1- منير عبيد نجم، سجع الكهان، قسم اللغة العربيَّة، كلية التربية الأساسية، جامعة بابل، 29 / 3 / 2016م، على الرابط التالي: http://www.uobabylon.edu.iq/uobColeges/lecture.aspx?fid=11depid=3lcid=50574
2- الجاحظ البيان والتبيين تحقيق عبد السلام محمد ،هارون القاهرة مطبعة الخانجي 1405 ه- ج ، ص 290.

الكهّان، بل القرآن واضح ليس فيه إلغاز، وإن وجدت بعض الكلمات التي قد لا يعرف القارئ فيه معناها، فإنّه يستعين بالتفسيرات وبالمراجع اللغويّة في هذا الشأن؛ بحيث تضع أمامه المعنى في أبسط صورة يقبلها عقله، ويطمئن لها قلبه.

المبحث الثاني: دعوى اقتباس القرآن من الشعر الجاهليّ

اشارة

هل هناك فرضيّة اقتباس؟!!

حاول بعض المستشرقين - سيرًا خلف منهجهم الإسقاطيّ الدّاعي إلى اقتباس الإسلام من الأديان والثّقافات السّابقة عليه - حمل فرضيّة مؤدّاها أنّ القرآن مقتبسٌ من الشّعر الجاهليّ بعض الآيات، كامرئ القيس وأمية بن الصلت، ورؤبة بن العجاج، وزيد بن نفيل.

أوّلًا - القرآن وشعر امرئ القيس في نظر الاستشراق
اشارة

ولقد كان من أئمة هذا الزعم المستشرق والقس وليام سان كلير تيسدال (1) الذي ذهب إلى أنّ هناك تأثيراً لأشعار امرئ القيس في بعض آيات القرآن الكريم، يقول «في طبعة حجريّة من المعلّقات، حصلت عليها في بلاد فارس، وجدت في نهاية المجلد بعض القصائد التي تنسب إلى امرئ القيس، والتي لم ترد في أيّ طبعة أخرى من الطبعات التي اطّلعت عليها ديوانه». (2).

هذه الأبيات المنسوبة لامرئ القيس هي:

دنت الساعة وانشقّ القمر *** أحور قد حرت في أوصافه

عن غزال صاد قلبي ونفر *** ناعس الطرف بعينيه حور

ص: 84


1- وليام ست کلیر تیسدال (1859-1928م) قسٍّ بريطانيٍّ أنجليكانيٍّ ولغويٌّ ومؤرّةٌ، تكلّم لغات عدّة، بما فيها العربيَّة، وكان مهتمًا بقضيّة مصادر القرآن في اللغات الأخرى بمنهج استشراقي. انظر كتابه: Rev. W. St. Clair Tisdall. The Original Sources Of The Qur'an. 1905 Society For The Promotion Of Christian Knowledge: London، pp. 47- 50.
2- سان كلير تيسدال، المصادر الأصلية للقرآن، ترجمة: عادل جاسم، بغداد - بيروت، منشورات الجمل، الطبعة الأولى، 2019م، ص 41 .

مرّ يوم العيد في زينته *** فرماني فتعاطى فعقر

بسهام من لحاظ فاتك *** فتركني كهشيم المحتظر

وإذا ما غاب عنّي ساعة *** كانت الساعة أدهى وأمر

كتب الحسن على وجنته *** بسحيق المسك سطرًا مختصر

عادة الأقمار تسري في الدجى *** فرأيت الليل يسري بالقمر

بالضحى والليل من طرّته *** فرقه ذا النور كم شيء زهر

قلت إذا شقّ العذار خدّه *** دنت الساعة وانشقّ القمر

ومما نسب له أيضًا قوله:

الفصل الثاني: إخضاع النص القرآني للنقد الأدبي

أقبل والعشاق من خلفه *** كأنّهم من كل حدب ينسلون

وجاء يوم العيد في زينته *** لمثل ذا فليعمل العاملون

لكنّ المتأمّل في نصّ ست كلير تيسدال يجد أنّه قدّم الردّ على تلك الفرية الاستشراقيّة، وهي أنّ هذه الأبيات لا وجود لها في ديوان امرئ القيس، وأنّه ينصّ على أنّها مشكوكٌ في صحّتها، لكنّنا نرى أنّه وجدها فرصةً للتشكيك في مصدريّة القرآن تُضاف إلى ألوان التّشكيك الأخرى التي ضمّنها كتابه. لكن من الواضح أنّ تيسدال الذي أطلق الفريّة معتمدًا على كتاب فيض القدير شرح الجامع الصغير لمحمد المناوي يجد أنّه كان متردّدًا بين موقفين: موقف يطرح فيه الفرية وهو يتمنّى أنّ تكون صحيحة، وموقف يأبى فيه اتّجاهه العلميّ الإيمان بها أو تصديقها، فهو هنا تعامل معها بجانبين: جانب شخصيّ تعصبيّ يرى فيه أنّ الإسلام مقتبسٌ من الديانات والثّقافات السّابقة، وموقف علميّ يجد نفسه فيه أنّه أمام شواهد تاريخيّة وعقليّة تمنع من التّصديق.

إنّنا نستطيع أن نجد في أقوال كلير تيسدال الشّبهة ونقيضها، بل إننا نجد الدّليل

ص: 85

على نقيض رأيه متضمّنًا في ثنايا سطور كلامه، وإنّنا لنجد الشّواهد على ذلك كثيرة، منها قوله: «وقرأت فى هذا المجال قصّة مُفادها أنّه لمّا كانت فاطمة بنت محمد تتلو آية (اقتربت الساعة وانشقّ القمر) ... سمعتها بنت امرئ القيس، وقالت لها: هذه قطعة من قصائد أبي، أخذها أبوك، وادّعى أنّ الله أنزلها عليه. هذه القصّة ملفّقة؛ لأنّ امرأ القيس توفّي حوالي سنة 540 ميلادي، في حين أنّ محمدًا لم يكن قد وُلد حتى عام 570 ميلادي عام الفيل» (1). وهذا دليلٌ على أنّ المستشرق الذي تلقّف الفرية وأذاعها في العالمين هو ذاته الذي ينقض فريته بما يقدّمه من روايةٍ تاريخيّةٍ وقرائن عقليّة، وهو في ذلك يُثبت ما ذهبنا إليه من وجود جانبين في شخصيّته يدعوانه لاتّخاذ موقفين أو على الأقل يتردّد بينهما.

إنّ سان كلير تيسدال كان يدرك جيّدًا مقدار ما تنطوي عليه هذه الأبيات من أخطاءٍ واضحةٍ، ولا سبيل إلى نكرانها، وقد تركها دون تصحيحٍ أو إشارةٍ، وإنّما اكتفى بوضع خطٍّ تحت الألفاظ التي ظنّ أنّها وردت في القرآن الكريم، ثمّ أردف قائلاً: «إذ لا يمكن لأحد إنكار أنّ هذه السّطور المذكورة واردة في سورة القمر (54: 1 و 27 و 29)، وفي سورة الضحى (93 1 و 2)، وفي سورة الأنبياء (21: 96)، وفي سورة الصافات (37: 61)، مع اختلافٍ طفيفٍ في اللّفظ، وليس في المعنى» (2).

وهذا المستشرق وغيره يشير إلى آيات:

«اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ» (سورة القمر، الآية 1).

«حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ» (سورة الأنبياء، الآية 96).

«فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ» (سورة القمر، الآية 29).

(وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى» (سورة الضحى، الآيات 1-2-3).

ص: 86


1- سان كلير تيسدال، المصادر الأصلية للقرآن، ص 41.
2- سان كلير تيسدال، المرجع السابق، ص 42.

«لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ» (سورة الصافات، الآية 61).

لكنّ سان كلير تيسدال أشار للشبه وأخذ يدور بكلامه يمينًا ويسارًا يذكر الشّبهة ثمّ يُورد من جانبٍ آخر نقيضها أو الردّ عليها، فهو الذي يقول: «من الواضح إذن أنّ هناك بعض العلاقة بين هذه الأبيات وآيات من القرآن، ويبدو أنّ هناك سببًا وجيهًا للشكّ في السؤال، بعدما أقدم محمد على استعارتها من المؤلّف الذي عاش قبل زمنه. لكن من جهةٍ أخرى من الصّعب أن نفترض أنّه يمكن أن يوجد أيّ شخصٍ في أيّ وقتٍ مما بعد نشوء الإسلام، لديه الجرأة على السّخرية من القرآن من خلال أخذ آيات منه وتطبيقها على الموضوع الذي تُشير إليه هذه الأبيات الشعريّة» (1).

وهو أيضًا الذي يردّ على نفسه قائلاً: « ومن ناحيةٍ أخرى فإنّه من المعتاد جدًّا في الشعر العربيّ، وحتّى في العصر الحديث إلى حد ما، أن يجري اقتباس آيات من القرآن ووضعها في تراكيب لاحقة ذات طابع فلسفيٍّ أو دينيٍّ، لكنّ هذه القصائد لا تنتمي لهذا النّوع من التّضمين. كما سيكون من الصّعب أن نتخيّل أن يغامر محمد بالسّرقة من شاعر معروف مثل امرئ القيس» (2) .

كلّ ذلك يغذّي لدينا أنّ مروّجي شبهة اقتباس القرآن من الشّعر الجاهليّ لم يكونوا على يقين ممّا يروّجون له، بل أقول لم يكونوا مؤمنين بما يدعون إليه في هذه الفكرة، فلا العقل ولا المنطق ولا الأدلّة التاريخيّة واللغويّة تؤيّد رأيهم، وإنما تؤيّد عكس ما يذهبون إليه، وهذا ما اعترف به الكثير من المستشرقين أنفسهم في بعض كتبهم حول تلك الأشعار وغيرها.

لكنّ سان كلير تيسدال لم يجد بدًّا من أن ينتهي في هذه القضيّة إلى القول الحقّ، وذلك عندما يقول: «فإنّ ميزان الاحتمال يميل بالتأكيد إلى افتراض أنّ محمدًا بريئٌ من تهمة الانتحال المتهوّر التي اُنُّهِمَ بها» (3) .

ص: 87


1- سان كلير ،تیسدال المرجع السابق، ص 42.
2- م.ن، ص 42 ، 43.
3- سان كلير تيسدال، المرجع السابق، ص 44.

لكنّ هذا المستشرق كان مجبرًا على هذا الاعتراف - الذي أظنّه منقوصًا - لأمرين: الأوّل القرآئن والشّواهد التي تنفي هذه الفرضيّة، والثاني رسالة أرسلها السير تشارلز ليال، والتي تتعلق بأبيات امرئ القيس، وقد اعترف له سان كلير تيسدال بمكانته وفضله؛ حيث لم يجد أفضل منه في الشعر العربي القديم، ومن ثمَّ كانت حججه في القضيّة سببًا في تعديل رأيه باعترافه هو (1).

هذا هو موقف هذا المستشرق من قضيّة الأبيات المنسوبة لامرئ القيس وعلاقتها بالقرآن الكريم، وقد أردنا أن نعرض لها كما هي من خلال عرض موقفه منها والأسانيد الواهية التي استند لها في القضيّة، إلى أن اعترف أخيرًا برفض احتمال اقتباس القرآن من شعر هذا الشاعر الجاهليّ، ومن ثمَّ كان حقّنا هنا أن نردّ عليه بما تحت أيدينا من أسانيد تُوجَّه له ومن سار على دربه من المستشرقين والعرب.

وإذا أردنا أن نستكشف رأي الاستشراق المعاصر في هذه القضيّة - قضيّة شعر امرئ القيس والقرآن - فإنّنا نقف على موقفٍ واحدٍ من المستشرقين المعاصرين الذين لهم بعض المواقف المعادية من الإسلام والمتعصّبة ضد القرآن وهو المستشرق يوخن کاتز jochen katz . والغريب أنّ هذا المستشرق وقف موقف المعارض من هذه القضيّة ذاهبًا إلى أنّه لم يتمّ إثباتها بأدلّةٍ كافيةٍ، وكتب في ذلك مقالة بعنوان: هل انتحل محمد امرئ القيس؟ Did Muhammad Plagiarize Imrau'l Qais (2) .

وقد ذهب هذا المستشرق إلى أنّ من الخطأ النّظر إلى اتّهام النبيّ محمّد بسرقة شعر امرئ القيس على أنّه حقيقة، مؤكّدًا على أنّ الحقيقة هي أنَّ هذه الأبيات الشّعريّة وإن كانت شبيهةً ببعض الآيات القرآنيّة ونسبتها المصادر لامرئ القيس، فإنّ هناك أسبابًا تعارض ذلك، وقد أكّد كذلك على أنّها مسألةٌ فرضيّةٌ لا يُمكن إثباتها بطريقةٍ أو بأخرى، لذا يذهب إلى أنّه من الخطأ القول بسرقة شعر امرئ

ص: 88


1- م.ن، ص 44.
2- (jochen katz, Did Muhammad Plagiarize Imrau'l Qais? 1997, Follow The Link below: http://64.71.77.248/answering_islam/quran/sources/qais.html

القيس، ومن ثمَّ يجب إسقاط هذه الفرضيّة بالكليّة؛ لأنّ الأمر ليس بحاجةٍ إلى ملء الكتب بالتكهّنات (1).

وفي سبيل هذا الرأي رفض القصّة المتداولة في بعض الكتب التراثيّة عن لقاء ابنة امرئ القيس بالسيدة فاطمة الزهراء التي كانت تتلو قول الله تعالى: «اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ»، فسمعتها ابنة امرئ القيس، فاتّهمت النبيّ الكريم بالسرقة من أشعار أبيها. وكان رفض يوخن كاتز مبنيًّا على أساس أنّها روايةٌ خاطئةٌ؛ لأنّ امرأ القيس مات سنة 540م بينما لم يُولد النبي محمد حتّى عام 570م (2).

وقد قلّب يوخن كاتز المسألة على وجوه عدّة مُقرًّا في النهاية بصعوبة إثباتها، فقد كانت هذه المسألة ذات فروضٍ مؤدّاها: إمّا أن يكون القرآن قد أخذ من القصيدة، أو أنّ هناك شخصًا آخر غير امرئ القيس كانت لديه الجرأة هو من اقتبسها، وفي كلا الأمرين ليس هناك إثبات لذلك من وجهة نظره (3).

وفي هذا الصدد يشير هذا المستشرق إلى أنّ هناك كتابين لسان كلير تسيدال حول المصادر الأصلية للقرآن، وأنّ الكتاب الثاني لم تُعَد طباعته أبدًا، على الرّغم من كونه أكثر شمولاً (287 صفحة)، في حين كان الكتاب الأول (102 صفحة)، لكنّه يرى أنّ معظم الناس لا يريدون قراءة الكتب الكبيرة، وهذا هو السبب عنده في عدم معرفة أن تسيدال قد غيّر رأيه في كتابه الأخير (4) .

وسوف نبيّن تهافت هذه القضيّة برمّتها من جوانب عدّة: تاريخيّة، وعروضيّة، وعقليّة، وغيرها مما سنعرضه فيما هو آت:

ص: 89


1- Ibid.
2- jochen katz, Did Muhammad Plagiarize Imrau'l Qais? 1997. Follow The Link below: http://64.71.77.248/answering_islam/quran/sources/qais.html
3- Ibid.
4- Ibid.
أ - من النّاحیة التّاریخیّة و التّأصیلیّة:

وأوّل ما يواجهنا في قضيّة الردّ على سان كلير تسيدال - وغيره من المستشرقين في هذه القضيّة - أنّه لم يكن أصيلاً ، سبقه إلى هذا الرأي المناوي في فيض القدير - لكن على محمل المدح في القرآن لا القدح فيه خلافًا لما أراد تيسدال وغيره - حيث قال:

«وقد تكلم امرؤ القيس بالقرآن قبل أن ينزل، فقال:

يتمنّى المرء في الصيف الشتا *** فإذا جاء الشتا أنكره

فهو لا يرضى بحال واحد *** قُتل الإنسان ما أكفره

وقال:

اقتربت الساعة وانشقّ القمر... من غزال صاد قلبي ونفر» (1).

وإذا جئنا بديوان امرؤ القيس، فلن نجد لهذه الأبيات وجودًا، ممّا يقوّي الزّعم بأنّها أبياتٌ منحولةٌ ومنسوبةٌ إليه زوراً، فالديوان الشّعريّ هو بمثابة سجلٍّ لأشعار الشاعر، اجتهد المحقّقون في جمعها، أما وأنّ هذه الأبيات ليس لها وجود، ولم تُعرف في أوساط أهل الاختصاص ولم يتمّ تداولها بينهم، فهذا يعني لا محالة أنّها أبياتٌ منحولةٌ.

ولنا هنا أن نتساءل إذا كانت قضيّة أبيات امرئ القيس صحيحة، فلماذا لم نسمع أنّ قريشًا صنعت ضجيجًا حول هذه القضيّة؟! لقد اتّهموا سيدنا محمد صلّی الله علیه و آله و سلّم بكلّ نقيصة، فما الذي منعهم من التمسّك بهذه الأبيات كدليلٍ على عمليّة الاقتباس؟! فهذا كلّه لم يحدث، لماذا؟ لأنّ القضيّة محض افتراءٍ من أساسها، ولم يكن لهذه الأبيات أيام الجاهليّة من وجود، وهذا يقوّي الزعم بانتحالها؛ بهدف تشويه الدّين، وإظهاره بصورة الدين المسروق، لكن تأبى الأدلّة العقليّة والتاريخيّة إلّا أن تكشف زيغ هذه الأباطيل وتهافتها أمامها.

إنّ العرب في الجاهلية كانوا أهل فصاحةٍ وبلاغةٍ وبيان، وكانت معلّقاتهم

ص: 90


1- عبد الرؤوف المناوي، فيض القدير شرح الجامع الصغير، بيروت - لبنان، دار المعرفة للطباعة والنشر، الطبعة الثانية، 1391ه- - 1972، ج 1، ص 187.

الشعريّة تُعلّق على أستار الكعبة من جمال أسلوبها وروعة بيانها ،وبلاغتها، ولذا كانت المعجزة الإلهيّة التي أتى بها سيدنا محمد صلّی الله علیه و آله و سلّم، وهي القرآن، معجزة بلاغة، جاءت من جنس ما برع فيه العرب من البلاغة والبيان، تحدّيًا لهم بأن يأتوا بمثله أو بسورةٍ من مثله، فما الذي منعهم من أن يردّوا على هذا التحدّي مستغلين هذه الأبيات المنسوبة لامرئ القيس؟ ما الذي يجعلهم يبارزون المسلمين بالسيف فيقع منهم القتيل والجريح والأسير وكان أمامهم هذه الأبيات؟ هذا كلّه يقودنا إلى أنّه لا أبيات لامرئ القيس من هذا النّوع، ولو كان له أبيات لاستغلتها قريش في حربها المستعرة ضدّ الرسول الكريم.

وهناك ما يُلفت النّظر، وهو أنّ الباقلانيّ أفرد فصلاً بعنوان: الفرق بين الشعر والقرآن، وذلك في كتابه الأشهر إعجاز القرآن، فلم يُشِر من قريب أو بعيد لهذه الأبيات، وهو ابن القرن الرابع الهجري (1)، بما يعني أمرين: الأوّل أنّ هذه الأبيات لیست لامرئ القيس؛ إذ لو كانت له لأشار الباقلانيّ إليها، والثاني أنّ هذه الأبيات نُحلت بعد القرن الرابع الهجريّ، إذ لو كانت قد نُحلت قبله لأشار إليها الباقلانيّ أيضًا، لكنّه لم يفعل، فدلّ على أنّها ليست من أشعار امرئ القيس، وإنّما منسوبة إليه كذبًا.

وقد فطن طه حسين إلى هذه القضيّة - قضيّة الانتحال في شعر امرئ القيس - فأشار في فصلٍ تحت عنوان قصص وتأريخ إلى أنّ أكثر ما يتمّ تناقله من أشعار لامرئ القيس إنّما هي أشعار منحولة، مؤكّدًا على أنّها تُخالف البيئة التي نشأ فيها، واللغة التي يُجيدها، وهي لغة اليمن (2).

بل إنّ البیتین:

يتمنى المرء في الصيف الشتا *** فإذا جاء الشتا أنكره

فهو لا يرضى بحال واحد *** قُتل الإنسان ما أكفره

ص: 91


1- انظر: الباقلاني، إعجاز القرآن، القاهرة، دار المعارف، 1971م، ص 38 - 41، 51 - 56.
2- انظر: طه حسين، في الشعر الجاهلي، سوسة - تونس، دار المعارف للطباعة والنشر، الثانية، 1998 م، ص 154.

منسوبان في كتب أخرى إلى غير امرؤ القيس، كدليلٍ واضحٍ على أنّهما منحولان عليه، فهذان البيتان اللذان نسبهما المناويّ - وتبعه في ذلك بعض المستشرقين - إلى امرئ القيس نجدهما منسوبان لشاعر يُدعى يحيى بن صاعد (ت: 515ه_)، فقد ذکر أحمد بن يوسف التيفاشيّ هذين البيتين في كتابه سرور النفس بمدارك الحواسّ الخمس (1).

ليس هذا فحسب، فإنّ الذهبيّ في كتاب تاريخ الإسلام تعرّض بالترجمة لمحمد بن محمد بن عبد الكريم بن برز المعروف بمؤيّد الدين القمّي فقال: «وكان كاتبًا سديدًا بليغًا وحيدًا، فاضلاً، أديبًا، عاقلاً، لبيبًا، كامل المعرفة بالإنشاء، مقتدرًا على الارتجال... وله يدٌ باسطةٌ في النّحو واللّغة، ومداخلةٌ في جميع العلوم، إلى أن قال: أنشدني عبد العظيم بن عبد القويّ المنذريّ، أخبرنا عليّ بن ظافر الأزديّ، أنشدني الوزير مؤيّد الدّين القمّي النائب في الوزارة الناصريّة، أنشدني جمال الدّين النّحوي لنفسه في قينة :

سمّيتها شجراً صدقت لأنّها *** كم أثمرت طرباً لقلب الواجد

یا حسن زهرتها وطيب ثمارها *** لو أنّها تسقى بماءٍ واحد

قال: وأنشدنا لنفسه:

يشتهي الإنسان في الصّيف الشّتا *** فإذا ما جاءه أنكره

فهو لا يرضى بعيشٍ واحدٍ *** قتل الإنسان ما أكفره (2)

ومن ثمَّ، فإنّ التّوثيق العلميّ يقودنا إلى أنّ هذه الأبيات ليست لامرئ القيس؛ فإذا كان للمستشرقين ومن سار على نهجهم في هذه القضيّة - من الملحدين ومدّعي

ص: 92


1- انظر: أحمد بن يوسف التيفاشي، كتاب سرور النفس بمدارك الحواس الخمس، تحقيق: إحسان عباس، بيروت، المؤسسة العربيَّة للدراسات والنشر، الطبعة الأولى، 1980م، ص 239.
2- انظر: مجدي إبراهيم محرم، طه حسين وانشقاق القمر، على الرابط التالي: http://alarabnews.com/alshaab/20057/2005-11-04/.htm

التنوير - توثيقٌ غير هذا فليأتونا به، فإذا كان لديهم الوثائق الدالّة على أنّ هذه الأشعار لامرئ القيس فليطلعونا عليها، أما وأنّهم لم يفعلوا، ولن يفعلوا، فإنّ ذلك دليل على تهافت قضيّتهم وعدم ثبوتها أمام النّقد العلميّ السديد.

ومن المعلوم أنّ وقوع الانتحال في الشعر العربيّ أمر لا ينكره أيٌّ من الدّارسين والمتخصّصين في الحقل الأدبيّ، بل لا ننكر أنّ هناك الكثير من الانتحال في شعر امرئ القيس ذاته، فهذا الشاعر من أكثر الشعراء الذين نالت هذه الظاهرة من اسمهم ومن شعرهم. وقد اهتمّ الكثير من هؤلاء الدّارسين ببيان أشعار امرئ القيس من المنحولة عليه، لكنّ الغريب أنّ هذه الأبيات التي يعتمد عليها المستشرقون في القول باقتباس القرآن من شعر هذا الشاعر لا توجد في ديوانه المعتمد، كما لا توجد في الأشعار المنحولة.

وقد ذكر ابن عبد ربّه في العقد الفريد شيئًا من الانتحال الذي يقع في الشعر، فهو يقول مثلاً عن خلف الأحمر وحمّاد الراوية: «وكان خَلف الأحمر أَروى الناس للشِّعر وأعلَمهم بجيّده... وكان خلف مع روايته وحِفظه يقول الشعر فيُحسن، وينَحله الشعراء، ويقال إنّ الشعر المَنسوب إلى ابن أخت تأبّط شَرًّا وهو:

إِنَّ بالشِّعب الذي دون سَلْع *** لقتيلاً دَمُه ما يُطَلُّ

لخلَف الأحمر، وإنه نَحله إياه، وكذلك كان يفعل حمّاد الرواية، يَخلط الشعر القديم بأبيات له، قال حماد: ما مِن شاعر إلا قد زِدْتُ في شعره أبياتًا فجازت عليه إلَّا الأعشى، أعشى بكر، فإنّي لم أزد في شعره قطُّ غيرَ بيت فأفسدتُ عليه الشعر، قيل له: وما البيتُ الذي أدخلته في شعر الأعشى؟ فقال:

أنكرتني وما كان الذي نَكِرت *** من الحوادث إلا الشَّيبَ والصلعَا (1)

ص: 93


1- ابن عبد ربه، العقد الفريد، بيروت، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1404ه_، ج 6، ص 156 - 157. انظر: الزركلي، الأعلام، دار العلم للملايين، لبنان - بيروت، الطبعة الخامسة عشر ، 2002م، ج 2، ص 310. انظر: ابن النديم، الفهرست، بیروت - لبنان، دار المعرفة للطباعة والنشر، بدون تاریخ، ص 74. انظر: محمد بن سلام الجمحي، طبقات الشعراء، بيروت - لبنان، دار الكب العلمية، 1422ه_ - 2001م، ص 27: 28، 33، 43: 45، 142.

كذلك من الآيات المنسوبة لامرئ القيس وذكرها المناوي (1):

إذا زلزلت الأرض زلزالها *** وأخرجت الأرض أثقالها

تقوم الأنام على رسلها *** ليوم الحساب ترى حالها

يحاسبها ملك عادل *** فإمّا عليها وإمّا لها

هذه الأبيات نجدها شبيهة في الحقيقة بأبيات للشاعرة الخنساء، حيث نجدها في ديوانها، وتحديدًا في قصيدتها التي بعنوان: ألا ما لعينيك أم ما لها، تقول:

أَبَعدَ اِبنِ عَمروٍ مِن آلِ الشَريدِ *** حَلَّت بِهِ الأَرضُ أَثْقالَها

فَخَرَّ الشَوامِعُ مِن قَبْلِهِ *** وَزُلْزِلَتِ الأَرضُ زلزالها (2)

والخنساء هنا متأثّرة بما ورد في القرآن عن يوم القيامة، ولو كانت هذه الأبيات قد قالها امرؤ القيس من قبلُ لَلِيمت الخنساء، ورُميت بسرقة الشعر من شاعر سابق عليها، وهذه من الأمور التي لا يليق بشاعر أن يقع فيها، وإذا كانت الخنساء لم يُعرف في تاريخ الأدب أنّها وُجّه لها الذم بسبب هذه الأبيات فهذا معناه أنّها لیست لامرئ القيس، وإنّما هي للخنساء بتأثير مما ورد في القرآن الكريم، وهذا ما أكّده ابن داوود الظاهري الأصفهاني، المتوفي في عام 227 ه_، الذي أشار إلى قضيّة استعانة الشعراء بالقرآن الكريم وتأثّرهم به، ومن ضمن من ذكرهم من الشعراء الخنساء، في تأثّرها بالقرآن في هذين البيتين السابقين (3).

ومن جهةٍ أخرى، فإنّ أشعار امرئ القيس كانت مثار اهتمام المحقّقين وعنايتهم قديمًا وحديثًا، وقد اهتمّ العديد منهم بجمع أشعاره وتحقيقها ونشرها، ومن شدّة

ص: 94


1- عبد الرؤوف المناوي، فيض القدير شرح الجامع الصغير، بيروت - لبنان، دار المعرفة للطباعة والنشر، ج 2، ص 187.
2- الخنساء ديوان الخنساء، اعتنى به وشرحه حمدو طماس، بيروت - لبنان دار المعرفة، الثانية، 1425ه_ - 2004م، 101 - 101.
3- این داوود الظاهري الأصفهاني، كتاب الزهرة، فصل ما استعانت به الشعراء من كلام الله، المكتبة الشاملة الحديثة، بدون، ص 234.

العناية والاهتمام بها ظهرت في أكثر من نسخة، منها: نسخة الأعلم الشمنتريّ ونسخة الطوسيّ، ونسخة السكريّ، ونسخة البطليوسيّ وغيرها من النسخ، التي تتّفق جميعها في عدم وجود هذه الأبيات المنسوبة إلى امرئ القيس.

وتفسيرنا لذلك أنّ الإسلام كان مستهدفًا للنيل منه من قبل التّيّارات والدّيانات الأخرى المخالفة له، ومن ثمَّ فإنّهم حاولوا أن ينحلوا بعض الأشعار التي قيلت في ظلّ الدولة الإسلامية إلى امرئ القيس، حتى يُوهموا بأنّ القرآن مأخوذٌ من الأشعار الجاهليّة، وقد أشار إلى هذه الجزئيّة ابن أبي الأصبع (ت: 654 ه_)، عندما أكّد على أنّ هناك بعض الأبيات الأخرى التي تُنسب لامرئ القيس خطأ قائلاً عن السبب: «على أنّ بعض الرواة ذكر أنّه وضعه بعض الزنادقة، وتكلّم على الآية الكريمة، وأنّ امرأ القيس لم يصح أنّه تلفّظ به» (1).

ب - من الناحية العروضيّة:

في الرسالة التي أرسلها تشارلز ليال إلى سان كلير تيسدال بيّن خطأ نسبة هذا الأبيات لدواعي تتعلّق بمسألة الوزن، لكن الرسالة التي ذكرها لنا الأخير في كتاب المصادر الأصليّة للقرآن لم تذكر لنا مزيدًا من التّفاصيل، وقد حاولت الوقوف على الجانب العروضي في هذه الأبيات، ومحاولة تبيّن صدق ما ذهب إليه تشارلز ليال من وجود خطأ في الوزن الشعريّ لبعض أبياتها.

فالشطر الأول فى البيت الأول يقول:

دنت الساعة وانشقّ القمر

وكتابته العروضية:

دَنَت سسَا / عة وانشق / ق لقمر

///./. ///. /. /.//.

ص: 95


1- ابن أبي الإصبع، تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر، القاهرة، 1963م، ص 486.

فعلاتن فعلاتن فاعلاً (بحر الرمل)

وهذا الشطر يروى بصيغة أخرى هي:

اقتربت الساعة وانشق القمر

وهذا يعني أنه الوزن ينكسر هنا في خطأ فادح لا يقع في مثله شاعر كامرئ القيس شاعر زمانه.

الشطر الثاني من البيت الأول يقول:

من غزال صاد قلبي ونفر

وكتابته العروضية:

من غزالن / صاد قلبي / ونفر

• /// • / - // •/ • /// •

فاعلاتن فاعلاتن فعلن (بحر الرمل)

فيما كان الشطر الأول من البيت الثاني يقول :

مرّ بي يوم العيد في زينة

وكتابته العروضية:

مرر بي يو / م لعيد في / زينتن

/•//•/• /•/•//• /•//•

فاعلاتن مستفعلن فاعلاً (بحر الخفیف)

لكن هذا الشّطر ورد بصيغةٍ أخرى مقبولة هي:

مر يوم العيد بي في زينته

ص: 96

مر يوم ل_ / عيد بي في / زينته

/•//•/• /•//•/• /•//•

فاعلاتن / فاعلاتن / فاعلا

أما الشطر الثاني من البيت الثاني فيقول:

فرماني فتعاطى فعقر

وكتابته العروضية:

فرماني / فتعاطى / فعقر

///•/• /// • /• ///•

فعلاتن فعلاتن فعلن (بحر الرمل)

ومن ثمَّ، فإنّ التضارب في الشّطرين الأوليين في هذين البيتين يدلّ على خطأٍ فادحٍ لا يقع فيه أدنى الشعراء منزلة؛ لأنّ البيتين على بحر الرمل إلّا الشّطر الأوّل من البيت الثاني، فهو من بحر الخفيف، فضلاً عن أنّ لفظ اقترب التي وردت في إحدى روايات الشطر الأوّل من البيت الأوّل يحوي خطأً أكثر فداحةً، ومن بديهيّات الشعر العربيّ وعلم العروض أنّ القصيدة مهما بلغ عدد أبياتها فإنّها تلتزم بحرًا شعريًا واحدًا، وإذا ما حدث غير ذلك فإنّ الشاعر تهبط منزلته، فكيف بشاعر سمّع الآفاق کامرئ القيس، فشاعر مثله لا يقع في هذا الخطأ الذي لا يقع فيه المبتدئون من الشعراء. وإن دلّ هذا على شيء فإنّما يدلّ على أنّ هذين البيتين - والأبيات الأخرى المنسوبة إليه - ليسا من شعره، وإنّما هي أشعار منحولة.

ج - من ناحية المضمون

إذا نظرنا إلى هذه الأبيات التي تُنسب لامرئ القيس نجدها أبياتاً أصابها الضّعف العام في الأسلوب والمعنى، وعدم اتّفاق ألفاظ الأبيات الأبيات مع مضمون البيئة

ص: 97

الجاهليّة وسمتها، وهذا من أقوى الأدلّة على أنّ هذه الأبيات منحولة.

فالبيت الذي يقول:

اقتربت الساعة وانشق القمر *** عن غزال صاد قلبي ونفر

يمكن الوقوف على بعض كلماته ودلالتها، لنفهم هل تعبّر هذه الدّلالات عن البيئة الجاهليّة أم هي تعبّر عن بيئة أخرى؟ فمثلاً كلمة (الساعة) تُثير العديد من علامات الاستفهام هنا، ومن ثمَّ فإنّها لا تخرج عن أحد احتمالين: إما الساعة بمعنى يوم القيامة، أو الساعة بمعنى موعد اللقاء بالمحبوبة. لكن الاحتمال الأول خطأ؛ لأنّ العرب في الجاهلية لم يكونوا يؤمنون بيوم القيامة ولا بحساب ولا بعقاب، اللّهم إلا بعض الأفراد الذين كانوا على ديانة سيدنا إبراهيم، كزيد بن نفيل. ومن ثمَّ فالإيمان بقضيّة المعاد لم يكن موجودًا، بل لم نجد لها ذكرًا في أشعار الجاهليّين، ومن هنا يقول أحد الباحثين: «في قصائد امرئ القيس إيمان باليوم الآخر، وهذا شيء غير واقعيٍّ، فضلاً عن أنّ هذا الأمر يثير الدّهشة للغاية بالنسبة لشاعر عُرف بالوقاحة والتدنّي الخلقي» (1). و على الاحتمال الثاني، فإنّ التّعبير عن جمال المحبوبة لم يكن بانشقاق القمر، فلم نسمع أنّ شاعرًا جاهليًّا وصف جمال محبوبته بانشقاق القمر، وإنّما كان يصف جمالها بالبدر أو القمر فقط دون انشقاق أو انفلاق، فالعلاقة بين الجمال والبدر في الأشعار الجاهليّة كانت شيئًا ثابتًا، وهذا ما نجده في أشعار شعراء العصر الجاهلي الكبار.

يقول عنترة بن شداد:

وَبَدَتْ فَقُلْت البَدْرُ لَيْلَة تِمِّهِ *** قَدْ قَلَّدَتْهُ نُجُومَها الجَوْراءُ

بَسَمَتْ فَلاحَ ضِياءُ لُؤْلُوْ تَغْرِها *** فيهِ لِداءِ العاشقينَ شِفاءُ

سَجَدَتْ تُعَظَّمُ رَبَها فَتَمايَلَتْ *** لِجَلالِها أَرْبابُنَا العُظَماءُ (2)

ص: 98


1- (Delara Nemati Pir Ali, Mojgan Khanbaba, Orientalists and the Hesitation of Plagiarism in the Holy Quran, New York Science Journal 2013;6(12), pp 144.
2- الخطيب التريزي، شرح ديوان عنترة، قدم له مجيد طراد، بیروت، دار الكتاب العربي، الطبعة الأولى، 1992م، ص 21.

ويقول أيضًا:

ولَوْلا أنَّني أَخْلو بِنَفْسِي *** وأُطْفِئُ بِالدُّمُوعِ جَوَى غَرَامِي

لَمُتُّ أسَىً وكَمْ أَشْكُو لأًنِّي *** أَغارُ عَلَيْكِ يا بَدْرُ التّمام (1)

و یقول ربیعة بن مقروم الضبي:

دارٌ لِسُعْدَى إِذْ سُعادُ كَأَنَّهَا *** رَشَأْ غَريرُ الطَّرْفِ رَخْصُ المَفْصَل

شَمَّاءُ واضِحَةُ العَوَارِضِ طَفْلَةٌ *** كَالْبَدْرِ مِنْ خَلَلِ السَّحابِ المُنْجَلِي (2)

ويقول رؤبة بن عمرو بن ظهير الثعلبي:

يُهَيِّجُنِي لِذِكْرَى آلِ لَيلى *** حَمَامُ الأَيْكِ مَا تَضَعُ الغُصُونَا

كَأَنَّ البَدْرَ لَيْلَةَ لاَ غَمَام *** عَلَى أَنْمَاطِهَا حَرِجَا رَهِينا

كَأَنَّ المنكَ دُقَّ لَهَا فَصيغَتْ *** عَلْيهِ يَوْمَ كَانَ النَّاسُ طِينَا (3)

ويقول الشاعر الأسود بن يعفر النهشلي:

وَلَقَدْ لَهَوْتُ وَلِلشَّبَابِ لَذَاذَةٌ *** بِسُلاقَةٍ مُرْجَتْ بِمَاءِ غَوَادِي

والبيض تمشي كَالبُدُور وكالدمى *** وَنَواعم يَمْشِينَ بِالإِرْفَادِ

وَالبِيضُ يَرْمِينَ الْقُلُوبَ كَأَنَّه *** أَدْحِيٌّ بَينَ صَريمَة وَجَمَاد (4)

وقوله أيضًا:

ص: 99


1- الخطيب التبريزي المرجع السابق، ص 187.
2- ربيعة بن مقروم الضبي: شعره، جمع وتحقيق نوري حمودي القيس، جامعة بغداد، مجلة كلية الآداب، العدد 11، 1986 م، ص 122.
3- أبو القاسم حسن بن بشر الآمدي، المؤتلف والمختلف في أسماء الشعراء، بيروت، دار الكتب العلمية، الطبعة الثانية 1982م، ص 122.
4- الأسود بن يعفر النهشلي: الديوان جمع وتحقيق نوري حمودي القيسي، بغداد، وزارة الثقافة والإعلام، مطبعة الجمهورية، الطبعة الأولى، 1970م، ص29.

وَنَحْراً مِثْلَ ضَوْءِ البَدْرِ وافٍ *** بِإِتمامٍ أُناساً مُدْجِنِينَا (1)

ومن الشعراء من ربط بين جمال المحبوبة والهلال من ذلك قول عمرو بن كلثوم

وَلَمْ أَرَ مِثْلَ هَالَةَ في مَعَددٍّ *** أُشَبِّهُ حُسْنَهَا إِلا الهِلال (2)

وقول وزير بن المهاجر الأسدي:

وَرَبْعَةُ فِي الدُّنْيا عَلَيْها مَلاحَة *** لَها قَصَبٌ خَدْلٌ وَعَيْنُ عَزَالِ

وَثَغْرٌ كَثر الأقحوان إِذا بَدَا *** وَتَطْلُعُ مِنْ سِتْرِ طُلُوعَ هِلال (3)

ومنهم من ذكر القمر في طور المحاق تشاؤمًا، من ذلك قول خفاف بن ندبة السلمي:

وَلَمْ أَرَها إِلاّ تَعِلَّةَ ساعةٍ *** على ساجِرٍ أو نَظرَةً بِالمُشَرِقِ

وَحَيْثُ الجَميعُ الحابسونَ براکسٍ *** وَكانَ المُحاقُ مَوْعِدَاً للتَفَرُّق (4)

وقد ذكر القمر في كثير من شعراء الجاهلية، ومنهم سحيم عبد بني الحسحاس الذي يقول أبيات في المحبوبة:

ماذا يُريدُ السِّقامُ مِنْ قَمَرِ *** كُلُّ جَمَالِ لِوَجْهِهِ تَبَعُ؟

ما يَرْتَجي خاب من مَحاسِنِه *** أَمَا لَهُ فِي القِباحِ مُتَسَعُ؟

غَيَّرَ مِنْ لَوْنهَا وَصُفْرَتها *** فَزِيدَ فِيهِ الْجَمَالُ وَالْبِدَعُ (5)

ص: 100


1- عمرو بن كلثوم، الديوان جمع وتحقيق وشرح: إميل بديع يعقوب، بيروت، دار الكتاب العربي، الطبعة الأولى، 1991م، ص 50.
2- عمرو بن كلثوم، الديوان، ص 90.
3- الآمدي، المؤتلف والمختلف في أسماء الشعراء، ص 111.
4- الأصمعي، أبو سعيد عبد الملك بن قريب: الأصمعيات، تحقيق: أحمد شاكر وعبد السلام هارون القاهرة، دار المعارف، الطبعة الخامسة، 1979، ص22.
5- سحيم عبد مني الحسحاس، الديوان، تحقيق: عبد العزيز الميمني، القاهرة، الدار القومية للطباعة والنشر، الطبعة الأولى 1965، ص 54.

وغير ذلك من الأشعار التي ربطت بين جمال المحبوبة والبدر والقمر والهلال - أو تشاءمت من المحاق في علاقة الشاعر بالمحبوبة - وقد أستخدمت هذه الألفاظ الثلاثة في وصف المحبوبة، لكنّنا لم نرَ من الشّعراء من تحدّث عن انشقاق القمر كما ظهر في الأبيات المنحولة لامرئ القيس، ولو كان انشقاق القمر وصفًا لجمال المحبوبة في الشعر الجاهليّ لوجدناه شائعًا مثلما وجدنا الألفاظ السّابقة، وهذا دليلٌ على أنّ هذه الأبيات ليست لامرئ القيس ولا لأيّ شاعر جاهليّ.

وإذا نظرنا إلى البيت الذي يقول فيه:

أحور قد حرت في أوصافه *** ناعس الطرف بعينيه حور

فالكلمات التي تحتها خطّ تشير إلى معنى متكرّر، (أحور.. بعينيه حور) وهذا لا يقع من شاعر كامرئ القيس، الذي كانت تتدفّق المعاني في شعره بصورة قلّ أن تجدها في غيره من الشعراء.

ولكن نجد أنّ نظم هذه الأبيات يختلف كليًا عن نظم القصائد الموثّقة لامرئ القيس، فالأسلوب في الأبيات المنحولة فيه ضعف، فضلاً عن ضعف في التراكيب، وتفاوت في الدلالة، فأين هذه الأبيات من أبيات امرئ القيس التي يقول فيها:

أَلا أَيُّها اللَيلُ الطَويلُ أَلا إنجَلي *** بِصُبح وَمَا الإصباحُ مِنكَ بِأَمْثَلِ

فَيا لَكَ مِن لَيْلٍ كَأَنَّ نُجُومَهُ *** بِكُلِّ مُغارِ الفَتلِ شُدَّت بِيَذبل

كَأَنَّ الثُرَیّا عُلَّقَت في مَصامِه *** بأمراسِ كِتَانٍ إِلى صُمَّ جَندَلِ

وقد أعتدي والطير في وكُنُاتِه *** بِمُنجَرِدٍ قَيدٍ الأوابد هَيكَلِ

مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقبِلٍ مُدِيرٍ مَع *** كَجُلمودِ صَخرٍ حَطَّهُ السَيلُ مِن عَلِ

ص: 101

أو من الأبيات التي يقول فيها:

قفا نَبِكِ مِن ذكرى حَبيبٍ وَمَنزِلِ *** يسقط اللوى بَينَ الدَخولِ فَحَومَلِ

فَتَوضِحَ فَالمِقْراةِ لَم يَعفُ رَسمُه *** لِما نَسَجَتها مِن جَنوبِ وَشَمأَلِ

تَرى بَعَرَ الآرامِ في عَرَصاته *** وقيعانِها كَأَنّهُ حَبُّ فُلفلِ

كَأَنّي غَداةَ البَينِ يَومَ تَحَمَّلو *** لَدى سَمُراتِ الحَيِّ ناقِفُ حَنْظَلِ

أو من الأبيات التي يقول فيها:

أرى المَرءَ ذا الأذوادِ يُصبحُ مُحرَض *** كَإحراض بَكرٍ في الدِيارِ مَريضِ

كَأَنَّ الفَتى لَم يَعْنَ في الناسِ سَاعَةً *** إِذا اختَلَفَ اللحيانِ عِندَ الجَريضِ

فإذا قارنا هذه الأبيات الموجودة في ديوان امرئ القيس وبين الأبيات المنحولة له لتبيّن لنا بونًا شاسعًا، بين أبيات تمثّل البيئة والعادات والتقاليد والشجاعة والغزل في قوّتها وشدّتها وجزالتها وبين غيرها من الأبيات؛ ولتبيّن لنا بالتّبعيّة أنّنا أمام هذه الأبيات المنحولة لسنا بصدد شعر امرئ القيس، وإنّما بصدد شعر آخر ليس فيه من سمت امرئ القيس شيء.

ثانيًا: القرآن وشعر أميّة بن الصلت في نظر الاستشراق:

وإذا كان امرؤ القيس محطّ أنظار المستشرقين، والادّعاء بأنّه كان مصدرًا لبعض الآيات القرآنيّة في ظنّهم - وهي الفرية التي نقدناها بالتّفصيل، مبيّنين العوار الذي تنطوي عليه في السّطور السابقة - فإنّ الحال لم يختلف كثيرًا حول الشّاعر أميّة بن الصلت. فقد نسب المستشرقون لهذا الشّاعر أبياتًا، ثم افترضوا فرضيّة اقتباس القرآن منها، ومن هؤلاء المستشرقين المستشرق كليمان هوار (1) الذي ذهب إلى اقتباس بعض القرآن من شعر أمية (2).

ص: 102


1- مستشرقٌ فرنسيٌّ (1854 - 1927م)، عمل عضوًا في المجمع العلمي العربي، وعضوًا في المجمع الفرنسي، والجمعية الآسيوية.
2- انظر: محمد لطفي جمعة، الشهاب الراصد، القاهرة، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، الطبعة الأولى، 2014م، ص 265.

ومن الأشعار المنسوبة إلى أمية بن الصلت:

يوقَفُ الناس للحساب جميعًا *** فشقيٍّ معذَّبٌ وسعيدُ.

ومنها أشعاره التي يقول فيها:

إِنَّ آيات ربنا باقياتٌ *** ما يماري فيهنَّ إلاَّ الكفورُ

خلق الليل والنهارَ فكلّ *** مستبين حسابه مقدورُ

ثم يجلو النهار ربٌ كريم *** بمهاةٍ شعاع ها منشورُ

حبس الفیلَ حتی *** ظلَّ يحبو كأنه معقورُ.

ومنها قوله:

لك الحمد والنعماء والمُلْك ربنا *** فلا شيء أعلى منك جَدًّا وأَمْجَدُ

مليكٌ على عرش السماء مهيمنٌ *** لعزّته تَعْنُو الجباه وتسجدُ

مليك السماوات الشَّدَاد وأرضها *** وليس بشيء فوقنا يتأوّدُ

تسبِّحه الطير الكوامن في الخفا *** وإذ هي في جو السماء تَصَعَّدُ

ومن خوف ربيّ سبّح الرعدُ حمده *** وسبّحه الأشجار والوحش أُبَّدُ

من الحقد نيران العداوة بيننا *** لأن قال ربىّ للملائكة: اسجدوا

لآدم لمّا كمّل الله خلقه *** فخَرُّوا له طوعًا سجودا وكدّدوا

وقال عَدُوٌّ الله للكِبر والشَّقا: **** لطينٍ على نار السموم فسوَّدوا

فَأَخْرَجَه العصيان من خير منزلٍ *** فذاك الذي في سالف الدهر يحقدُ

ومنها قوله:

ويوم موعدهم أن يُحْشَرُوا زُمَرًا *** يوم التغابن إذ لا ينفع الحَذَرُ

ص: 103

مستوسقين مع الداعى كأنهمو *** رِجل الجراد رفته الريح تنتشرُ

وأُبرِزوا بصعيدٍ مستوٍ جُرُزٍ *** وأُنزِل العرش والميزان والزُّبُرُ

وحوسبوا بالذى لم يُخصِه أحدٌ *** منهم، وفى مثل ذاك اليوم مُعتبَرُ

فمنهمو فَرِحُ راضٍ بمبعثه *** وآخرون عَصَوْا، مأواهم السَّقَرُ

يقول خُزانها ما كان عندكمو؟ *** ألم يكن جاءكم من ربكم نُذُرُ؟

قالوا: بلى، فأطعنا سادةً بَطِروا *** وغرَّنَا طولُ هذا العيشِ والعُمُرُ

قالوا: امكثوا فى عذاب الله، ما لكمو *** إلا السلاسل والأغلال والسُّعُرُ

وآخرون على الأعراف قد طمعوا *** بجنةٍ حفّها الرُّمّان والخُضَرُ

یُسقَون فيها بكأسٍ لذةٍ أُنُفٍ *** صفراء لا ثرقبٌ فيها ولا سَكَرُ

مِزاجها سلسبيلُ ماؤها غَدِقٌ *** عذب المذاقة لا مِلحٌ ولا كدرٌ

وليس ذو العلم بالتقوى كجاهلها *** ولا البصير كأعمى ما له بَصَرُ

فاسْتَخْبِرِ الناسَ عما أنت جاهلهُ *** إذا عَمِيتَ ، فقد يجلو العمى الخبرُ

كأَيّن خلت فيهمو من أُمِّةِ ظَلَمَتْ *** قد كان جاء همو من قبلهم نُذُرُ

فصدَّقوا بلقاء الله ربِّكمو *** ولا يصُدَّنَّكم عن ذكره البَطَرُ

وقد استغلّ بعض المستشرقين هذه الأبيات للقول باقتباس بعض آيات القرآن من شعر أميّة بن الصلت، ومن هؤلاء المستشرق كليمان هوار، على الرّغم من أنّ من المستشرقين ذاتهم من وقفوا موقفًا منصفًا من النّاحية العلميّة؛ حيث أكّدوا على أنّ هذه الأشعار ليست لأميّة بالصلت، وإنّما هي منحولة إليه (1)، وأيّدهم في مسعاهم عددٌ من المفكرين العرب (2).

ص: 104


1- ومن هؤلاء المستشرقين تور أندريه وكارل بروكلمان و براو.
2- ومنهم طه حسين، وعمر فروخ، وشوقي ضيف، وغيرهم من الباحثين العرب.

يقول كارل بروكلمان: «أميّة بن الصلت شاعرٌ ثقيفٌ أكثر ما روي من شعره منحول عليه، ما عدا مرثيّته لقتلى بدر التي منع النبي صلى الله عليه وسلم من إنشادها، وزعم كليمنت هوار (CL.Huart) أنّ شعره كان من مصادر القرآن، وهذا غير صحيح، ولكنّ الحقّ ما ذكره تور أندريه (Tor Andra) (1) و هو أنّ الأشعار التي نظر إليها هوار إنّما هي نظم جميع القصّاص فيما استخرجه المفسّرون من موادّ القصص القرآنيّ، ولا بدّ أن تكون هذه الأشعار قد نُحلت لأميّة في عهد مبكر لا يتجاوز القرن الأوّل للهجرة؛ لأنّ الأصمعيّ سمّاه شاعر الآخرة، كما سُمّي عنتر شاعر الحرب، وعمر بن أبي ربيعة شاعر العشق، وأراد محمد بن داود أن يفتتح القسم الثاني في الدينيّات من كتابه الزهرة بأشعار أميّة» (2).

في حين يقول براو (3) في دائرة المعارف الإسلامية: «على أنّ صحّة نسبة هذه القصائد إلى أميّة أمرٌ مشكولٌ فيه، شأن أشعاره في ذلك شأن الشّعر العربيّ القديم بوجه عام... أمّا القول بأنّ محمّدًا قد اقتبَس شيئًا من قصائد أميّة هو زعمٌ بعيد الاحتمال لسببٍ بسيطٍ، هو أنّ أميّة كان على معرفةٍ أوسَع بالأساطير التي نحن بصددها، كما كانت أساطيره تختلف في تفصيلاتها عمّا ورد في القرآن» (4).

ثم يذهب براو إلى أنّه - وإن استبعَد أن يكون أميّة قد اقتبَس شيئًا من القرآن - لا يرى ذلك أمرًا مستحيلاً، وهو يعلِّل التّشابُه بين أشعار أميّة وما جاء في القرآن الكريم بالقول بأنّه قد انتشَرت في أيام البعثة وقبلها بقليل نزعات فكريّةٌ شبيهةٌ بآراء الحنفاء استهوت الكثيرين من أهل المدن؛ كمكّة والطائف، وغذّتها ونشَّطتها كلّ من تفاسير اليهود للتوراة وأساطير المسلمين، ثم يخبِرنا براو بما توصَّل إليه تور أندريه من أنّه ليس في قصائد أميّة الدينية ما هو صحيح

ص: 105


1- مستشرقٌ سويديُّ (1885 - 1947م) ، عمل أستاذًا للعلوم الدينية في استكهولم، من آثاره العلمية: كتاب محمد حياته وعقيدته.
2- کارل بروکلمان تاريخ الأدب العربي، ترجمة عبد الحليم النجار القاهرة، طبعة دار المعارف، بدون، ج 1، ص 113.
3- (h.h brau) كاتب مادة أمية بن الصلت بدائرة المعارف الإسلامية.
4- موجز دائرة المعارف الإسلامية، الترجمة العربيَّة الإمارات - الشارقة، مركز الشارقة للإبداع الفكري، الأولى، 1418ه_ 1998م، ج4، ص 1203.

النسبة إليه، وأنّ هذا اللون من شعره هو من انتحال المفسِّرين» (1).

في حين يُشير طه حسين (2) إلى أنّ «هذا الشعر الذي يُضاف إلى أمية بن أبي الصلت وإلى غيره من المتحنِّفين الذين عاصروا النبىّ صلّی الله علیه و آله و سلّم - وجاؤوا قبله إنّما نُحل نحلاً، نحله المسلمون ليُثبِتوا أنّ للإسلام قُدْمةً وسابقةً في البلاد» (3).

وهذه كلّها شهادات تتضمّن تأكيداتٍ على أنّ شعر أميّة بن الصلت منحولٌ عليه، وهي تحمل قدرًا من المعقوليّة لسببٍ بسيطٍ جدًا، وهو أنه لو كان هذا الشعر لأميّة بن الصلت قبل الإسلام لثار الكفّار علىّ النبي الكريم عند سماعهم آيات القرآن، ولقالوا إنّ هذا الكلام مأخوذٌ من شعر أميّة، لكنّنا لم نسمع أنّ أحدًا من الكفار قال بذلك، وهذا دليل على أنّ هذا الشعر لم يكن موجودًا في الجاهليّة قبل الإسلام. فضلاً عن أنّهم ما قالوا بأنّه قد علّمه عربيّ، وإنما قالوا إنّه يعلّمه أعجميّ؛ افتراء عليه، وهذا دليلٌ آخر على عدم وجود هذه الأشعار قبل الإسلام.

فإذا أضفنا إلى ذلك أنّ أغلب شعره مفقودٌ، وأنّه لم يُثبَت له غير قصيدته في رثاء قتلى الكفّار في بدر، وأنّ شعره الدينيّ ضعيف النّسج لا رونق له (4)، لأدركنا جيّدًا أنّنا أمام شعرِ لم يكن له وجودٌ قبل الإسلام. ويذهب أحد الباحثين إلى أنّ بعض أشعار أمية الدينيّة مدسوسةٌ عليه، ومن ثمَّ لا يمكن أن يكون أميّة قد اقتبَس شيئًا من القرآن، وإلّا لقام النبيّ - عليه الصلاة والسلام - والمسلمون بفضحه، وعلى هذا فهو أيضًا يرى أنّ شعره الذي يوافِق فيه القرآن إنّما صُنع بعد الإسلام صُنعًا؛ لأنّه ليس موجودًا في التّوراة ولا في الإنجيل ولا غيرهما من الكتب الدّينيّة، اللهم إلّا القرآن الكريم، وأنّ أكثَرَه قد وُضع في عهد الحجاج تقرُّبًا إليه، وبخاصّة أن شعره الدينيّ يختلف عن شعره المدحيّ والرثائيّ وغيره، إذ يقترِب من أسلوب الفقهاء

ص: 106


1- موجز دائرة المعارف الإسلامية، الترجمة العربيَّة، ج4، ص 1203.
2- أديبٌ وناقدٌ مصريٌ (1889 - 1973م)، لقّب بعميد الأدب العربي، من أبرز أدباء العصر الحديث.
3- طه حسين، في الأدب الجاهلي، القاهرة، دار المعارف، 1958م، ص 145.
4- انظر: عمر فروخ، تاريخ الأدب العربي، دار العلم للملايين، الخامسة، 1984م، ج 1، ص 217، 218.

والمتصوِّفة ونُسَّاك النّصارى، كما تكرَّرت إشارات الرواة إلى أنّ هذا الشعر أو ذاك مما يُعزى له قد نُسِب لغيره من الشعراء، ثمّ إنّه قد مدَح الرسول صلّی الله علیه و آله و سلّم كما أنّ في الشّعر المنسوب له ما يدلّ على أنّه قد آمن به، فكيف يتَّسِق هذا مع رثائه لقتلى بدر من المشركين؟ (1).

إنّنا بإزاء هذه الأبيات أمام فرضيّتين: الأولى أنّ هذه الأبيات منحولة على أميّة، وليست له، والثانية أنّها من شعره متأثراً فيها بالقرآن الكريم. فعلى الفرضيّة الأولى يكون القرآن بريئًا من اتّهام المستشرقين له باقتباس شعر أمية في بعض آياته، وعلى الثانية يكون فيها القرآن هو المؤثّر، لا المتأثّر، مما ينزّهه عمّا يقوله المستشرقون

ومن سار على دربهم من الملاحدة والعلمانيّين وغيرهم.

قد يقال إنّ هناك فرضيّةً غائبة، وهي أنّ هذه الأبيات من شعر أميّة وأنّه قالها في الجاهليّة قبل بعثة النبيّ محمّد، نعم هذه فرضيّة، لكنّها فرضيّةٌ زائفةٌ ينفيها شعر أميّة ذاته والواقع التاريخيّ أيضًا، فعلى فرضيّة الواقع التاريخيّ لم نجد من برز من المشركين ليقول إنّ كلام محمّد صلى الله تعالى عليه وآله وسلّم مأخوذٌ من شعر أميّة أو غيره، فقد كانوا يتحيّنون الفرص للنيل منه، وما أكثر ما قالوا عليه إنّه شاعر! فوصفه بأنّه شاعرٌ ينفي عنه تهمة الاقتباس أو السرقة من غيره؛ لأنّ العرب لم تكن تطلق لفظ الشّاعر على ناحل الشّعر أو مقتبسه أو سارقه، مما يعني أنّهم نظروا إلى سيدنا محمد على أنّه شاعر، ولو كان سارقًا لشعر أميّة لما أطلقوا عليه ذلك، وإنّما كانوا سيقولون سارق شعر.

ومن ناحية شعر أميّة ذاته، فإنّه يُناقض أيضًا هذه الفرضيّة؛ لأنّه شعرٌ يتضمّن قضايا لم يكن يؤمن بها أهل قريش في الجاهليّة من الأساس، كقضايا الحساب والثواب والعقاب، وبعض القضايا التي لم يكن يؤمن بها أهل الجاهليّة أو يعرفونها، كسجود الملائكة لسيدنا آدم بأمر الله تعالى، وعصيان إبليس وخروجه من رحمة الله تعالى، وخلق الليل والنهار، ويوم التغابن، والحديث عن العرش والميزان والزبر

ص: 107


1- انظر: جواد علي، المفصل في تاريخ العرب، بغداد، جامعة بغداد، الطبعة الثانية، 1413ه_ – 1993 م، ج6، ص 480: 497.

والجنّة والنار. وهذه كلّها قضايا لم يكن للجاهليّين عهدٌ بها، بل عندما ذكرها النبيّ أو بعض منها أمام الكفّار نهروه وكذّبوه وادّعوا عليه السحر تارة والشعر تارة ثانية، والكهانة تارة ثالثة. ويمكن التدليل على ذلك بقضيّة البعث، فقد ورد في الحديث أنّه: «جاء العاص بن وائل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم بعظم حائل ففته بيده فقال يا محمّد، يحيي الله هذا بعد ما أرم؟ قال: نعم يبعث الله هذا ثمَّ يميتك ثمَّ يحييك ثمَّ يدخلك نار جهنّم» (رواه ابن ماجه).

ومن ثمَّ ليس هناك في ظنّنا إلا الفرضيّتان الاثنتان التي أشرنا إليهما: النحل على أميّة أو الاقتباس من القرآن، ولنأخذ كلّ فرضيّة على حدة، ثمَّ نناقشها ونبيّن ما تقوم عليه من أدلّة.

الفرضية الأولى:

انتحال الشعر على أمية بن الصلت

إذا نظرنا إلى بعض الدّراسات الاستشراقيّة المعاصرة نجد أنّها اتّخذت موقفًا علميًا بعض الشيء من فرضيّة العلاقة بين القرآن وشعر أميّة بن الصلت، رافضةً ما يُسمّى باقتباس بعض الآيات القرآنيّة منه، تحت إلحاحاتٍ عقليّةٍ منطقيّةٍ تكشف عن زيغ هذا الادّعاء القديم، فالباحث والمستشرق المعاصر نيكولاي سيناي (1) يرى أنّ الشاعر الذي كتب هذه الآبيات يبدو أنّه على درايةٍ واضحةٍ بمقاطع من أجزاءٍ متعدّدةٍ من السّور القرآنيّة خاصّة أنّ الموضوعات التي وردت في هذه الأبيات الشّعرية تمثّل موادّ موجودة بالفعل في النصّ القرآنيّ، ما يعني عند هذا الباحث أنّه كان يستخدم ما يخطر بباله من مادّة قرآنيّة، ومن ثمَّ يشكّك في نسبة هذه الأبيات إلى الشّاعر، ويعدّها منحولة عليه قائلاً: «إنّ الفرضيّة القائلة بنسب هذه الأبيات إلى هذا الشاعر أميّة بن الصلت تتطلّب أن یتم احتساب أكثر من عشرين سورة قرآنية - على مدى أكثر من قرنين من الزمان -

ص: 108


1- أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة أكسفورد بالمملكة المتحدة.

مأخوذة من قصيدة واحدة، وهذه بالتأكيد فرضيّة ضعيفة الاحتمال» (1).

هذا المستشرق قاده المنهج العلميّ الرّصين إلى دحض فرضيّة اقتباس القرآن من شعر أميّة بن الصلت، مؤكّدًا على أنّ التّظاهر بأنّ شعر أميّة بن الصلت نصّ سابق للقرآن لم يعد هناك ما يؤيّده، مقتربًا كثيرًا من الفرضيّة القائلة بالانتحال، لكنّه يقصر الانتحال - فيما يبدو لنا - على تلك الأشعار التي يدّعي البعض فيها أنّ القرآن قد اقتبس منها، أمّا الأشعار التي تتحدّث عن قتلى قريش في بدر فينسبها إليه، ومن ثمَّ يقول: «إنّه على الرّغم من عدم اليقين الذي يلازم الكثير من الأشعار المنسوبة إلى أميّة، فإنّه من غير المحتمل أن يكون الشعر والأدب المنقول عنه مختلق بالكلية» (2). هو يشير هنا إلى أنّه لا يمكن الحكم على كلّ أشعار أمية بن الصلت بأنّها منتحلة؛ لأنّ هناك أشعارًا قالها في العديد من الحوادث التي ثبتت من النّاحية التاريخيّة، مثل مرثيّته في قتلى بدر وغيرها.

وينتهي المستشرق نيكولاي سيناي إلى نتيجةٍ منطقيّةٍ مؤدّاها أنّه كلّما تمّ الابتعاد بأشعار أميّة عن القرآن زادت نسبة صحتها، أمّا إذا أظهرت كثافةً عاليةً من العناصر القرآنيّة من خلال التّشابه في العبارات والكلمات، فإنّ احتماليّة أن تكون هذه الأشعار متأخّرةً زمنيًّا بعد وفاة أميّة هي الاحتماليّة الأقوى والأقرب للصواب .(3)

ويتزعّم هذا الفريق كما قلنا من المستشرقين القدماء كلّ من كارل بروكلمان وتور أندريه وبراو، وتبعهم من العرب طه حسين وشوقي ضيف (4) وغيرهما، ويقيم هذا الفريق أدلته على أمرين: الأوّل، أنّ هذا الشعر المنسوب لأميّة بن الصلت

ص: 109


1- (Nicolai Sinai, Religious poetry from the Quranic milieu: Umayya b. Abi l-Ṣalt on the fate of the Thamud1, Bulletin of SOAS, 74, 3 (2011), School of Oriental and African Studies, 2011.pp 401.
2- (Nicolai Sinai, Religious poetry from the Quranic milieu: Umayya b. Abi l-Salt on the fate of the Thamūd1.pp 402.
3- (Nicolai Sinai, Religious poetry from the Quranic milieu: Umayya b. Abi l-Salt on the fate of the Thamūd1.pp 402.
4- أديب ولغوي مصري (1910 - 2005م) عمل رئيسًا لمجمع اللغة العربية في مصر، ويعد من من أبرز أدباء العصر الحديث.

فيه ركاكة والثاني، أنّه نظم من القصّاص فيما استخرجه المفسّرون من القصص القرآنيّ. ومن ثمَّ فإنّ الدكتور شوقي ضيف يرى وجود المعاني المتضمّنة في شعر أميّة مستمدّة من القرآن الكريم، إلّا أنّه يرفض أن يكون هذا الشعر لأميّة وإنّما منحول عليه (1).

وهناك من يري أنّ شعر أميّة صُنع بعد الإسلام صنعًا، فهو شعرٌ مأخوذٌ من الإسلام لا من التوراة أو الإنجيل، أو أيّ من الكتب الدينيّة السّابقة؛ إذ لم تذكر هذه الموضوعات إلاّ في القرآن، ويرى أنّ أكثر شعر أميّة وضع في عهد الحجاج تقربًا إليه؛ مستندًا إلى أنّ شعره الدينيّ يختلف بالكليّة عن شعره في المدح والرثاء، فشعره الدينيّ - بناءً على هذا الرأي - يقترب من الفقهاء والمتصوّفة والنسّاك، كما يستند هذا الرأي إلى نسب هذه الأبيات لغيره من الشّعراء، ومدح الرسول الكريم في بعضها وعدم اتّساق هذا مع مرثيّته عن قتلى بدر من الكفّار (2). وهناك من قسّم شعر أميّة قسمين: قسم تأثّر فيها بكتب اليهود والنّصارى، وقسم تأثّر فيه بالقرآن، ومن ثمَّ يقرّر أنّ القسم الأوّل له والثاني منحول عليه (3).

إنّ هذه الفرضيّة تقوم على استقراء علاقة هذه الأبيات بالبيئة المحيطة، فهذه البيئة بما تضمّنته من معارف و حوادث تأبى أن يكون قائل هذه الأبيات هو أميّة بن الصلت الشاعر الجاهليّ، وإنّما تتوافق مع بيئٍة ظهر فيها الإسلام واكتسبت معارف جديدة، فيكون شعره نتاج هذه المعارف المكتسبة من الإسلام، وهذا ما يقوّي عند أصحاب هذه الفرضيّة موقفهم.

وقضيّة التّوافق مع البيئة المحيطة أمرٌ مقرّر في الشعر، بمعنى أنّ البيئة تؤثّر في الشاعر فتجعله ميّالاً لوصفها من جوانبها المختلفة، فالشّاعر الجاهليّ لم يكن يحدّثنا عن البساتين والرياحين وعيون الماء والنهر ولكنّه كان يحدّثنا - طبقًا

ص: 110


1- انظر: شوقي ضيف، العصر الجاهلي، القاهرة، دار المعارف، الطبعة العاشرة، ص 395: 396.
2- انظر: جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، ج 6، ص 491 وما بعدها.
3- انظر: بهجة عبد الغفور الحديثي، أمية بن الصلت حياته وشعره، أبو ظبي، هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث، المجمع الثقافي، الطبعة الأولى، 1430ه_ - 2009م، ص 125.

لتأثيرات بيئيّة - عن الصحاري والأطلال والحب في دائرة بيئته، حتى تعبيراته وألفاظه مأخوذة منها. وإذا ما حاولنا أن نجد أثرًا للبيئة الجاهليّة في الأبيات المنسوبة لأمية بن الصلت، فإنّها تكاد لا تبين؛ لأنّها اتّخذت لنفسها طريقًا لم يكن مرتادًا ولا معروفًا فيها، وإنّما عُرف في البيئة الإسلاميّة في عصر النبوّة، وقد عاش أميّة والمعارف والمعتقدات الجديدة كانت تتوافد، حتى إنّه مات قبل النّبيّ بعامين إذا أخذنا بالرواية القائلة بأنّه مات في العام التاسع للهجرة.

الفرضية الثانية:

تأثره بالقرآن في شعره

هذه الفرضيّة تقوم على أنّ أميّة بن الصلت تأثّر بما جاء في القرآن الكريم، وتمثّله في شعره، وعبّر عنه في نظم موزون مقفى، والمتأمّل في شعره يجد أنّه يقترب في بعض معانيه من القرآن، لكن تبدو تأثيرات القرآن على شعره لا العكس، كون المضامين التي احتوى عليها شعره لم تكن متوافقةً مع البيئة الجاهليّة بغلظتها وجفوتها، وبُعدها عن الإيمان بالله.

لكنّنا نعتقد من خلال استقراء حياة أميّة بن الصلت أنّ هناك مصدرين لشعره:

- المصدر الأوّل، اليهوديّة والنّصرانيّة وأخبار الكتب السابقة.

المصدر الثاني، القرآن الكريم ذاته.

فأميّة بن الصلت كان قارئًا للكتب السابقة، كما أنّه كان على علاقة بزيد بن نفيل، وقد اتّسم بأخلاقيّات حسنة، وكان معروفًا بالاستقامة، وقيل إنّه هو الذي أراده الله تعالى بقوله: «وَاتْلُ عَلَيهِم نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنها فَأَتْبَعَهُ الشَّيطانُ فَكانَ مِنَ الغاوينَ» (سورة الأعراف، الآية 175)، وهذا يعني أنّه كان في بداية أمره على الإيمان ثمَّ زاغ عنه (1).

ص: 111


1- ابن كثير، البداية والنهاية، بيروت، مكتبة المعارف، ج 3، ص 274.

حتّى إنّه - كما تذكر الروايات - قد سمع ببعثة نبيٍّ في آخر الزمان، وكان يهيّئ نفسه ليكون ذلك النبيّ، فلمّا أرسل نبيّنا الكريم بالرّسالة رفض اتّباعه حسدًا. وهذا ما حدّث به الطبرانيّ: «حدّثنا بكر بن أحمد بن مقبل حدّثنا عبد الله بن شبيب حدّثنا يعقوب بن محمد الزهري حدّثنا مجاشع بن عمرو الأسدي حدّثنا ليث بن سعد عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن عن عروة بن الزبير عن معاوية بن أبي سفيان عن أبي سفيان بن حرب أنّ أميّة بن أبي الصلت كان بغزة أو بإيلياء فلمّا قفلنا قال لي أميّة: يا أبا سفيان هل لك أن تتقدّم على الرفقة فنتحدّث؟ قلت: نعم. قال: ففعلنا فقال لي: يا أبا سفيان إيه عن عتبة بن ربيعة؟ قلت: كريم الطرفين، ويجتنب المحارم والمظالم؟ قلت: نعم قال: وشريف مسنّ؟ قلت وشريف مسنّ قال: السنّ والشرف أزريا به. فقلت له: كذبت ما ازداد سنا إلا ازداد شرفا. قال: يا أبا سفيان إنّها كلمة ما سمعت أحدا يقولها لي منذ تبصّرت فلا تعجل علي حتّى أخبرك. قال: قلت: هات قال: إنّي كنت أجد في كتبي نبيًا يُبعث من حرّتنا هذه فكنت أظنّ بل كنت لا أشكّ أني أنا هو فلمّا دارست أهل العلم إذا هو من بني عبد مناف. فنظرت في بني عبد مناف فلم أجد أحدًا يصلح لهذا الأمر غير عتبة بن ربيعة فلمّا أخبرتني بسنّه عرفت أنّه ليس به حين جاوز الأربعين، ولم يُوحَ إليه قال أبو سفيان: فضرب الدهر من ضربه فأوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وخرجت في ركب من قريش أريد اليمن في تجارة فمررت بأميّة فقلت له كالمستهزئ به: يا أمية قد خرج النبيّ الذي كنت تنعته. قال: أما إنّه حقّ فاتّبعه قلت: ما يمنعك من اتّباعه؟ قال: ما يمنعني إلا الاستحياء

من نسيات ثقيف إنّي كنت أحدّثهنّ أنّي هو، ثمَّ يرينني تابعا لغلام من بني عبد مناف! ثمَّ قال أميّة: وكأنّي بك يا أبا سفيان إن خالفته، قد رُبطت كما يُربط الجدي حتّى يُؤتى بك إليه فيحكم فيك بما یرید» (1).

وهذا يقودنا إلى أنّ أميّة بن الصلت كان قارئًا في الكتب القديمة، وكان يُعدّ نفسه ليكون نبيّ آخر الزمان، وكان يتحسّس الأخبار يومًا بعد يوم، إلى أن أدركت النبوّة

ص: 112


1- ابن كثير، البداية والنهاية، ج 3، ص 283، 284.

سيدنا محمدًا صلى الله تعالى عليه وسلّم، فمنعه الاستحياء من قومه أو الحسد.

ومن جانبٍ آخر، فإنّ أميّة بن الصلت كان على صلةٍ قويّةٍ بعلماء النّصارى، وكان يعرف الكثير من الموضوعات المتعلّقة بالجنّة والنار والثواب والعقاب ويوم القيامة وغيرها، بدليل ما ذكره أبو سفيان؛ حيث يقول: «خرجت أنا وأميّة بن أبي الصلت الثقفيّ تاجرًا إلى الشام، فكلّما نزلنا منزلًا أخذ أميّة سفرًا له يقرؤه علينا. فكنّا كذلك حتّى نزلنا قريةً من قرى النّصارى، فجاؤوه وأكرموه وأهدوا له، وذهب معهم إلى بيوتهم، ثمَّ رجع في وسط النّهار فطرح ثوبيه وأخذ ثوبين له أسودين فلبسهما، وقال لي: هل لك يا أبا سفيان في عالم من علماء النصارى إليه يتناهى علم الكتاب تسأله؟ قلت: لا أرب لي فيه والله لئن حدّثني بما أحبّ لا أثق به، ولئن حدّثني بما أكره لأوجلنّ منه. قال: فذهب وخالفه شيخ من النصارى فدخل علي فقال: ما يمنعك أن تذهب إلى هذا الشيخ؟ قلت: لست على دينه قال: وإن فإنّك تسمع منه عجبًا وتراه. ثمَّ قال لي: أثقفيّ أنت؟ قلت: لا، ولكن قرشيّ. قال: فما يمنعك من الشيخ؟ فوالله إنّه ليحبّكم ويوصي بكم. قال: فخرج من عندنا، ومكث أميّة عندهم حتّى جاءنا بعد هدأة من الليل فطرح ثوبيه ثمَّ انجدل على فراشه فوالله ما نام ولا قام حتّى أصبح كئيبًا حزيناً ساقطًا غبوقه على صبوحه، ما يكلّمنا ولا نكلّمه، ثمَّ قال: ألا ترحل؟ قلت: وهل بك من رحيل؟ قال: نعم فرحلنا فسرنا بذلك ليلتين من همّه» (1).

وما الذي أهمّه إلّا ما سمعه من علماء النصارى عن الجنّة والنار، والحساب والعقاب (2)، ومن هنا نفهم الأبيات المتعلّقة عنده بالجنّة والنار والثواب والعقاب؛ إذ هي نتاج تأثرٍ واضحٍ بعلماء النّصارى. بما يعني أنّ قسمًا كبيرًا من إنتاج أمية الشعريّي يعود إلى المبادئ الحنيفيّة الإبراهيميّة والتأثيرات اليهوديّة النصرانيّة بحكم رحلاته إلى الشام وغيرها وعلاقاته برجال دين من الديانتين.

ص: 113


1- م.ن: 277، 278.
2- ابن كثير، البداية والنهاية، ج 3، ص 278.

هذا من جانبٍ، ومن جانبٍ آخر فإنّ الفرضيّة القائلة بتأثّر شعره بالقرآن الكريم تقوم على مجموعة من الأدلّة:

الأوّل: إنّه كان دائم السؤال عن سيدنا محمّد وعمّا جاء به، ومما يدلّ على ذلك ما ذكره ابن كثير في البداية والنهاية قائلاً: «ثمَّ خرج أمية بن أبي الصلت إلى البحرين، وتنبّأ رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم، وأقام أميّة بالبحرين ثماني سنين، ثمَّ قدم الطائف فقال لهم: ما يقول محمد بن عبد الله؟ قالوا: يزعم أنّه نبيّ فهو الذي كنت تتمنّى. قال: فخّرج حتى قدم عليه مكّة فلقيه فقال: يا ابن عبد المطلب ما هذا الذي تقول؟ قال: أقول: إنّي رسول الله وأنّ لا اله إلّا هو. قال: إنّي أريد أن أكلّمك فعدني غدا. قال: فموعدك غدا قال: فتحبّ أن آتيك، وحدي أو في جماعة من أصحابي، وتأتيني وحدك أو في جماعة من أصحابك؟ فقال رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم : أيّ ذلك شئت قال: فإنّي آتيك في جماعة فأت في جماعة. قال: فلمّا كان الغد غدا أميّة في جماعة من قريش قال: وغدا رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم معه نفر من أصحابه حتّى جلسوا في ظلّ الكعبة قال: فبدأ أمية فخطب ثمَّ سجع، ثمَّ أنشد الشعر حتّى إذا فرغ الشعر قال: أجبني يا ابن عبد المطلب فقال رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم: بسم الله الرحمن الرحيم «يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ» (سورة يس الآيتان 1) حتّى إذا فرغ منها، وثب أميّة يجرّ رجليه قال: فتبعته قريش يقولون: ما تقول يا أميّة؟ قال: أشهد أنّه على الحقّ. فقالوا: هل تتّبعه؟ قال: حتّى أنظر في أمره. قال: ثمَّ خرج أميّة إلى الشام، وقدم رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم المدينة.

فلما قتل أهل بدر قدم أميّة من الشام حتّى نزل بدرا، ثمَّ ترحّل يريد رسول الله صلّی الله علیه و آله سلّم فقال قائل: «يا أبا الصلت ما تريد؟ قال: أريد محمدا قال: وما تصنع؟ قال: أومن به وألقي إليه مقاليد هذا الأمر. قال: أتدري من في القليب؟ قال: لا. قال: فيه عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة» (1).

وهذا النصّ يؤكّد على أنّه كان يسأل عن القرآن، لمعرفة ما يقوم عليه، وأنّه

ص: 114


1- ابن كثير، البداية والنهاية، ج 3، ص 278.

أدرك من خلال ما قرأه عليه الرسول الكريم من سورة يس أنّه على الحقّ المبين، بيد أنّه لم يبادر بالإيمان به، ثمَّ سافر إلى الشام علّه يتأكّد من علماء النصارى من صحّة نبوّته؛ لأنّه بعد عودته همّ بالذهاب إلى سيدنا محمد واتّجه بالفعل للإسلام، إلّا أنّه تراجع بعد تذكيره بقتلى الكفّار في بدر الذين أنشد فيهم شعرًا. فهذا كلّه دليلٌ على أنّ أميّة بن أبي الصلت كان يسأل عن القرآن وعن المبادئ التي يقوم عليها.

الثاني: إنّ أميّة مات ما بين السنة الثانية والسنة التاسعة للهجرة على اختلافٍ بين المحقّقين من أهل التراجم، أي أنّه عايش فترة البعثة المحمّديّة ما بين 15 سنة إلى 22 سنة، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: «والمعروف أنّه مات في التاسعة. ولم يختلف أصحاب الأخبار أنّه مات كافرًا، وصحّ أنّه عاش حتّى رثى أهل بدر، وقيل: إنه الذي نزل فيه قوله تعالى: «الَّذي آتَيناهُ آياتِنا فَانسَلَخَ» [سورة الأعراف، الآية 175] وقيل: «إنّه مات سنة تسع من الهجرة بالطائف، كافرا، قبل أن يسلم الثقفيّون» (1) بما يعني أنّه سمع عن الكثير من الآيات والسّور القرآنيّة ومضامينها، ومن ثمَّ فلا يُحسب شعره كلّه على العصر الجاهليّ؛ لأنّ هناك شعرًا يبدو أنّه تأثّر فيه بما جاء في القرآن الكريم. وإذا اعتمدنا تاريخ وفاته في السنة الثانية للهجرة على أقلّ تقدير، فهذا يعني أنّ جميع السور المكيّة كانت قد نزلت على النبيّ محمد صلى الله تعالى عليه وسلّم، وهي تربو على الثّمانين سورة، إضافة إلى بعض السّور المدنيّة، ما يعني أنّ أميّة عاصر نزول ما يربو على ثلاثة أرباع القرآن، وهذا يقوّي الزّعم بأنّه اقتبس من القرآن بعض المضامين التي ضمّنها شعره، فما بالنا لو اعتمدنا تاريخ وفاته في السنة التاسعة أي قبل وفاة النبيّ الكريم بعامين، فماذا يكون قد عاصر من نزول القرآن؟

الثالث ومما يؤكّد على أنّ أميّة اقتبس من القرآن أنّ المضامين الشعريّة في شعره تقوم على الجنّة والنار والثواب والعقاب والتذكير بيوم الحساب، والعمل على نشر الإيمان في القلوب، وهي بعض المضامين التي تضمّنتها السّور المكيّة التي

ص: 115


1- ابن حجر العسقلاني، الإصابة، كلكتة، مطبعة مدرسة الأسقف، 1836 م، ج 1، ص 262 .

نقول إنّ أميّة عاصر نزولها قبل وفاته، ممّا يقوّي الزّعم بفرضيّة اقتباسه من القرآن لا العكس، نحن لا ننكر تأثير الكتب السّابقة عليه في شعره، لكنّنا نقف عن بعض ألفاظ النّعيم أو الجحيم التي تُشير إلى اقتباسها من القرآن اقتباسًا.

الرابع: ولك أن تتخيّل رجلاً كان يعدّ نفسه لأن يكون رسول هذا الزمان الذي سمع عنه من علماء النّصارى وقرأه في كتبهم، كيف سيكون حاله مع هذا الدين الجديد وقد نزل على غيره، هل سيُهمل السؤال عنه؟ أم سيكون دائم السّؤال عنه؟ إنّنا نعتقد الثانية، حتّى ولو كان يتحسّس السماع عنه من بعيد، بدليل ما تضمّنه شعره من كلماتٍ موجودةٍ في القرآن، ولك أن تتخيّل شاعرًا عاصر ما يزيد على 85% من البعثة المحمّدية وربّما أكثر، كيف سيكون شعره؟!

الخامس: الغريب في الأمر أنّ النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وسلّم لم يقابل في حياته - حسبما تغذينا المصادر التاريخية - بحيرا إلا مرّة واحدة لم تستغرق الكثير، ثمَّ يقال ظلمًا إنّ القرآن أقتبس من هذا اللقاء اليتيم، فما بالنا وقد عاصر أمية أغلب فترات البعثة المحمّديّة، ألا يؤكّد ذلك على أنّه اقتبس من القرآن لا العكس؟ خاصّة وإنّنا ليس لدينا ما يفيدنا بالتواريخ الحقيقيّة لكلّ قصيدة أنشدها، وما منها ما قيل في الجاهليّة، وما منها ما قيل في فترة معاصرته البعثة المحمّدية؟

السادس: لو كان ما في القرآن اقتباسًا من شعر أميّة، فما الذي منع أميّة - وقد عاصر كلّ تلك الفترة من البعثة المحمّدية - من أن يتّهم سيدنا محمّدًا بسرقة شعره؟ ألم يكن في ذلك فرصة كي يشفي غليله من محمّد الذي اُبتعث بالرسالة، وكان يمنّي نفسه بها؟ ما الذي منعه من تأليب الناس على سيدنا محمّد لو صحّت كلّ هذه الأقاويل؟

السابع: الحديث الذي دار بين الرسول الكريم والشريد بن الصامت، وفيه كان يسمع بعض الأبيات من شعر أميّة، وفي نهاية الأبيات قال كاد أن يُسلم، بما يعني أنّ هذه الأبيات معاصرةٌ للنبي الكريم، ولم تكن قد قيلت قبل البعثة المحمديّة،

ص: 116

وإلّا لما قال كاد أن يُسلم، فهذه الجملة تعني أنّ شعره الذي وصل للنبيّ كان مرهونًا بتلك الفترة الزّمنيّة، ولم يكن قبلها بما يعني أيضًا أنّ أميّة ابن الطائف كان على علمٍ بمضامين الرّسالة المحمّديّة، وأنّه كانت تصله أخبار الإسلام، وأنّ هناك أمرين كان يتنازعانه: الأوّل حسده وكبره والثاني ضميره، ولم يمنعه الأوّل من الإتيان بشعر - متأثّرًا بالقرآن - في مضامين إيمانيّة، وهذا ربّما ما يفهم من قول النبيّ كاد أن يسلم.

الثامن : ومع فرض أنّ هذا الكلام صحيح - وهو بلا شك كلام خاطئ لا أساس له من الصحّة - فكم يمثّل من جملة القرآن الكريم، ومن أين أتى سيدنا محمّد بالباقي إن كان كلامهم صحيحًا؟ هذا كلّه يؤكّد على أنّ كلامهم محض أباطيل غرضها الرئيس التشويش على الإسلام وغرس بذور التشكيك فيه.

ومن هنا ننتهي إلى أنّ هناك فرضيّتين فقط يمكن أن يكون لهما أسانيدهما التي تقطع بصّحتهما، الأولى فرضيّة الانتحال على شعر أميّة، والثاني فرضيّة اقتباس أمية من القرآن الكريم، لا العكس الذي يحاول أن يزعمه المستشرقون، وننتهي من الفرضيّتين إلى أنّ شعر أميّة لم يكن مصدرًا للقرآن، وإنّما كان مصدره الوحيد والحقيقيّ هو الله تعالى.

ص: 117

ص: 118

الفصل الثالث

اشارة

دعوى الأخطاء اللغوية في القرآن الكريم

ص: 119

المبحث الأوّل: أسلوب القرآن الكريم

عمد المستشرقون في دراساتهم القرآنيّة - إلّا القليل منهم - إلى اعبتار الأسلوب القرآنيّ بمخالفة أساليب اللغة العربيَّة وقواعدها ونظمها، ومن ثمَّ اتّجهوا إلى الوقوف عند السّور المكيّة والسّور المدنيّة، ذاهبين إلى اختلاف الأسلوبين المكّيّ والمدنيّ، وهذا الاختلاف في ظنّهم غير مستساغٍ، ولا يتناسب مع اللغة العربيَّة، وكأنّهم أعلم باللغة العربيَّة من القرآن ذاته.

ويمكن الاستدلال بنصّين في هذا الصدد: النصّ الأوّل لجولدزيهر، والثاني لدائرة المعارف البريطانيّة. فجولد زيهر يذهب إلى أنّ القرآن هو الأساس الأوّل للدين الإسلاميّ، وهو كتابه المقدس، والدستور الإلهيّ المُوحى به، وأنّه - في رأيه - مزيجٌ من الطّوابع المختلفة اختلافًا جوهريًّا، والتي طبعت كلاً من العصرين الأوّليّين من عهد طفولة الإسلام (1). ومن ضمن هذه الطّوابع المختلفة التي يُشير إليها الأسلوب الذي اختلف عن أسلوب الشعر والنّثر الجاهليّ.

مع أنّه من الطّبيعي أن يختلف الأسلوب في السور المكيّة عنه في السور المدنيّة، من حيث طول الآيات أو قصرها، ومن حيث طبيعة الموضوعات التي تأتي في سياق هذا الأسلوب، وهذا من إعجاز القرآن وليس فيه ما يشين، ولو حكّم المستشرقون عقولهم لوجدوا أنّ ذلك ما يؤكّد على عظمة الأسلوب القرآنيّ ومغايرته للألوان الأدبيّة في العصر الجاهليّ.

إنّ المرحلة المكيّة في البعثة النبويّة كانت مرحلةً تأسيسيّةً، أسّس فيها النبيّ الكريم أركان هذا الدين الجديد بأمرٍ من الله تعالى، وكان من الطّبيعيّ أن تكون السور والآيات مواكبةً لهذا التّأسيس أو تكون هي مصدر هذا التّأسيس شارحةً له ومبينةً أركانه، ومن ثمَّ فلا غضاضة أن يكون أسلوبها يعتمد على قصار الآيات وتدفّق المضمون في سرعة، وهذا يقودنا إلى شيءٍ من الأهمّيّة بمكان وهي أنّ حصر

ص: 120


1- جولد تسيهر، العقيدة والشريعة في الإسلام، ترجمة: محمد يوسف موسى بالاشتراك، مصر، دار الكتب الحديثة – بغداد، مكتبة المثنى، الثالية، 1959م، ص 29: 30، 40، 41.

العديد من المستشرقين أسلوب القرآن المكّيّ في قصار الآيات والسور، يعني إغفال الجوانب الأسلوبيّة الأخرى في السور المكيّة.

ومنها هذه الجوانب التي عمد المستشرقون إلى إخفائها في الأسلوب القرآنيّ في السور المكّيّة وقوفه على القضايا العقديّة الكبرى: الإلهيّات والنبوّات والسمعيّات، وكان من أبرز مظاهرها الدّعوة إلى التّوحيد الخالص، ونبذ عبادة الأوثان، ومبادلة الكفّار والمشركين الحجّة بالحجّة وبيان تهافتها وتعارضها مع العقل السليم، إضافةً إلى النّهي عن العادات التي توارثها الكفّار كوأد البنات وتقديم القرابين وغيرها وبیان تعارضها مع الحقيقة الدينيّة والعقليّة، كلّ ذلك وغيره في كلماتٍ قصيرةٍ متدفّقةٍ، وعبارات موجزة.

فالأسلوب القرآنيّ في السور المكيّة لم يكن يتّسم بالعنف كما كان يحاول أن يدّعي المتشكّكون، ولكنّه كان فيه حسمٌ وتحذيرٌ من عقاب ربّ العالمين في الآخرة لمن خالف وأصرّ على الضلال، بدليل أنّ آيات الجنّة في هذه السور ظلّت حاضرةً بجوار آيات العذاب، بما يعني أنّ القرآن كان يُمارس أسلوب التّرغيب والتّرهيب، لا التّرهيب فقط، كما يحاول أن يدّعي المدّعون، ثمَّ ما الذي في أسلوب التّرهيب حتّى يُوصف القرآن بسببه بالعنف؟! وهل يعني التّرهيب عنفًا؟! من قال ذلك؟! وما المانع من وصف مظاهر العذاب في النار تخويفًا وزجرًا للناس حتّى يدخلوا في دين الإسلام؟! إنّ في ذلك حرصًا من الله تعالى على ألّا يقع عباده في الضلال؛ فلأنّه ربٌّ رحيمٌ يريد لعباده الخير، فهو يخوّفهم من عقابه أو عذابه، بالقدر ذاته الذي يرغّبهم فيه في جنّته ونعيمه.

ويعدّ المستشرق الألماني نولدكه من أوائل من اتّجهوا هذا الاتّجاه، إذ ذهب إلى اتّهام الأسلوب القرآنيّ بالعديد من الاتّهامات الخاطئة التي يُوصف بها كتابٌ بشريٌّ، لا كتاب مصدره ربّ العالمين، فقال بأن أجزاءه غير متناسبةٍ، متّهمًا أسلوب القرآن

ص: 121

بالنّشاز والخشونة وعدم الجماليّة، وأنّ محمدًا لم يكن يعير أسلوبه الاهتمام قبل أن يخرج كتابه - يقصد القرآن - إلى النور (1).

وقد عمد بعض المستشرقين إلى نقد أسلوب القرآن من اتّجاهٍ آخر، وقد ظهر ذلك في صورٍ عدّة، من أشهرها:

الأوّل: إعادة ترتيب سور القرآن الكريم.

الثاني: التّلاعب بالصياغة من خلال الحذف.

الثالث: التّلاعب بالصّياغة من خلال الإضافة.

وقد اجتمعت هذه الصّور الثلاثة عند المستشرقين ريتشارد بيل (2)، ووليم مونتجمري وات (3)، وقد أفصحا عنها في كتاب بيل: مدخل إلى القرآن، من تأليف الأوّل، وتحرير الثاني.

وقد كانت هناك مجموعةٌ من الآيات التي لم تنجُ من تلاعب بيل، منها قول الله تعالى: «وَهُوَ الَّذى يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشرًا بَينَ يَدَى رَحمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّت سَحَابًا يُقالًا سُقناهُ لِبَلَدٍ مَيّتٍ فَأَنزَلْنا بِهِ الماءَ فَأَخرجنا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذلِكَ تُخْرِجُ المَوتى لَعَلَّكُم تَذَكَّرُونَ * وَالبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بإِذنِ رَبِّهِ وَالَّذِى خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذلِكَ نُصَرِفُ الآياتِ لِقَومٍ يَشكُرونَ» (سورة الأعراف، الآيتان 57، 58).

فالمستشرق بيل يذهب إلى أنّ هذه الآيات تحتاج إلى إعادة ترتيب، ومن ثمَّ فهو ينتقد الأسلوب في الآية من وجوه عدّة:

الأوّل: إنّ الانتقال من الحديث عن السّحب والأمطار إلى الحديث عن البعث انتقالٌ غير منطقيٍّ في رأيه.

ص: 122


1- (Oliver. Leaman (ed). Encyclopedia of the Quran. Routledge. 2005. P 357.
2- مستشرقٌ بريطانيٌّ (1876 - 1952م) ، أستاذ اللغة العربيَّة في جامعة أدنبره، له دراسات حول القرآن واللغة العربيَّة وعدد من الشخصيات الإسلامية.
3- مستشرقٌ بريطانيٌّ (1909 - 2006م) أستاذ اللغة العربيَّة والدّراسات الإسلامية والتاريخ بجامعة أدنبره باسكتلندا، من مؤلفاته: کتاب محمد في مكة، وكتاب محمد في المدينة.

الثاني: إنّ الحديث عن البعث - في ظنّه - مقحمٌ في الآية محاولاً الاستدلال على ذلك بالانتقال من الضمير الغائب (هو) إلى ضمير المتكلّم (نحن).

الثالث: حذف الكلمات المتعلّقة بالبعث وحذف الجزء الأخير من الآية الأخيرة، فذلك - في ظنّه - التّصحيح الذي يراه مناسبًا للآية، ومن ثمَّ تصير الآية عنده: (هو الذي يرسل الرياح بشرًا بين يديه رحمته حتّى إذا أقلّت سحابًا ثقالاً يخرج نباته بإذن ربه في البلد الطيب)!! معتقدًا بأنّ ما قام به من حذف يجعل الآية في غاية المنطقيّة [1].

والحقيقة التي لا جدال فيها أنّ ما قام به هذا المستشرق لا يدلّ إلّا على عدم إلمامه باللغة العربيَّة، كما يدلّ على جهله ببلاغتها، فالآيات تُشبّه إحياء الموتى بإحياء الأرض بعد موتها، وهذا تقريب قضيّة الموت من أفهام الناس، وهذا ما ذهب إليه ابن كثير في تفسيره لهذه الآيات الكريمة، التي تعني أنّه كما أحيينا هذه الأرض بعد موتها، كذلك نحيي الأجساد بعد صيرورتها رميمًا يوم القيامة، حيث ينزّل الله سبحانه وتعالى ماءً من السّماء فتمطر الأرض أربعين يومًا فتنبت منه الأجساد في قبورها كما ينبت الحب في الأرض (2). وهذا يعني أنّ الانتقال من الحديث عن السّحب والأمطار إلى البعث ليس انتقالاً غير منطقيٍّ كما يدّعي هذا المستشرق، وإنّما كان انتقالاً في محلّه، ومتوافقًا مع المضامين التي تُشير إليها الآيات [3].

وهذا دليلٌ على أنّ قضيّة البعث لم تكن مقحمةً على الآيات، فالله تعالى يُشبّه قضيّة البعث بعمليّة الإنبات التي كان أحد عواملها المطر الذي تحرّكه الرياح، وهي دعوةٌ إلهيّةٌ للتأمّل والتّفكّر في أنّه كما يحيي والتّفكّر في أنّه كما يحيي الله تعالى الأرض

[1]- ( Oliver, Leaman, Encyclopeidia of the Quran, Bell, R. The Beginnings of Muhammed's Religious Activity, in A. Rippen, ed, The Qur'an: Style Contents.(Aldershot: Ashgate, 2001), Vol 24, p 259 - 260. 2000م، ص 0763

[2] ابن كثير، تفسير ابن كثير، لبنان - بيروت، دار ابن حزم، الطبعة الأولى، 1420ه_ - 2000 م، ص 763.

[3]- ويعد اتهام المستشرقين هنا أداة من أدواتهم لاتهام القرآن خاصة والإسلام عامة بأنه سبب تخلف المسلمين، انظر في ذلك كتابنا: الدين والنهضة.. قراءة في إشكالية التخلف الحضاري عند المسلمين، مصر، الفيوم، مطبعة الفرج، 2014م؛ انظر أيضًا رسالتنا للماجستير بعنوان: محمود قاسم ومنهجه في دراسة الفكر الإسلامي، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة القاهرة، كلية دار العلوم، 2006م.

ص: 123

بالنبات، فإنّه كذلك يخرج الموتى من قبورهم، فأين هذا الإقحام المزعوم؟!

كما أنّ ما قام به هذا المستشرق من حذف ما يتعلّق بقضيّة البعث في الآية، وتغيير ترتيبها، إن هو إلّا مظهر من المظاهر الدالّة على جهله باللغة العربيَّة ودروبها وبلاغتها؛ لأنّ الله تعالى في الآيات أراد أن يقيم الحجّة على الناس في قضيّة البعث باعتبارها من عالم الغيب بمقارنتها بما هو موجود في عالم الشهادة، وهو إحياء الأرض بالمطر بعد أن كانت هامدةً.

في حين زعم المستشرق جيرد بوين (Gerd Pain) (1) إلى أنّ القرآن ليس بواضح - رغم القول بأنّه مبينٌ - مع وجود اختلافات به، وأنّ هذه الاختلافات تُشير إلى أنّ السور القرآنيّة لم تكتب في شكلها النّهائيّ أثناء حياة النّبيّ محمد صلّى الله تعالى عليه وآله وسلّم، بل يذهب إلى أنّ قرآنًا ذا ترتيبٍ مختلفٍ للسور كان متداولاً لزمنٍ طويلٍ (2).

آراء جيرد بوين هنا كانت في حواراتٍ صحفيّةٍ وتليفزيونيّةٍ، بيد أنّها لاقت رواجًا في الوسط الغربيّ، وتلقّتها الأقلام بالتهليل في الغالب حتّى ممن يُحسبون على العرب والإسلام، وهناك من تناولها بالتّحليل والدّراسة، أو بالنّقد والرّدّ (3). وهناك من اتّخذ منها منطلقًا لأفكارٍ أخرى أكثر تعصّبًا ضدّ القرآن الكريم (4).

كان غيرد بوین رئیس مشروع ترمیم، بتكليفٍ من الحكومة اليمنيّة، قضى وقتًا طويلاً في فحص المخطوطات القرآنيّة القديمة المكتشفة في صنعاء، اليمن، في عام

ص: 124


1- مستشرقٌ ألمانيٌّ (مواليد (1940م) عمل محاضًرا للغة العربيَّة في كلّ من جامعة سارلاند، وجامعة ساربروكن، متخصّص في دراسة وتفسير المخطوطات القديمة، والكتابات العربيَّة القديمة.
2- انظر: محمد مهر علي، مزاعم المستشرقين حول القرآن الكريم، السعودية، مجمع الملك فهد، 1421ه_، ص 301 وما بعدها.
3- انظر في ذلك: https://www.scribd.com/mobile/doc/110978941/Sanaa-1-and-the-Origins-of-the-Qur-An https://ilmfeed.com/how-does-the-earliest-manuscript-of-the-quran-compare-to-todays-quran/ http://www.middle-east-online.com https://www.google.com/amp/s/muslim memo.com/oldest-manuscripts-of-the-quran/amp/ https://www.theatlantic.com/magazine/archive/199901//what-is-the-koran/304024/ https://web.archive.org/web/20010301210648/http://amconline.org/publish/op/op-lang.html
4- من أمثال جون انسبرو، وباتريشيا كرون، وغيرهما.

1972، من أجل إيجاد معايير لفهرستها بشكلٍ منهجيٍّ. وفقًا للكاتب توبي ليستر، كشف الفحص الذي أجراه - بحسب موسوعة التاريخ العالميّ - عن ترتيبٍ غير تقليديٍّ للآيات، وتنوّعات نصّيّة طفيفة، وأنماط نادرة في قواعد الإملاء والزخرفة الفنيّة. ذاهبًا إلى أنّ الكتب المقدّسة كُتبت بالخط الحجازيّ العربيّ المبكّر، مطابقة الأجزاء من أقدم المصاحف المعروفة في الوجود. وأنّ هناك بعض أوراق البرديّ التي يظهر عليها النصّ علامات واضحة على الاستخدام السّابق، حيث تظهر أيضًا الكتابات السّابقة المغسولة عليها. وأنّه في عامي 2008 و 2009 نشر الدكتور اليزابيث Puin النتائج المفصّلة لتحليل صنعاء مخطوطة (DAM دار مخطوطات) محاولاً إثبات أنّ النصّ كان لا يزال في حالة تغيّرٍ مستمرٍّ في فتراتٍ زمنيّةٍ (1).

جيرد بوين زعم أنّ الخطّ السفليّ أو الكتابة السّفليّة التي تمّ محوها تُشير إلى أنّ القرآن ليس ثابت النصّ، وبناءً عليه - من وجهة نظره - فإنّ ذلك دليل على تطوّر النصّ القرآنيّ، مستندًا إلى وجود كتابة ممحاة تحت النصّ المكتوب، مع أنّه اعترف بوجود تطابق بين النّسخة الفوقيّة وبين نسخة القرآن الحاليّة.

لكن من الملاحظ أنّ كلّ ما يذهب إليه بوين هنا مجرّد تخميناتٍ ليس إلّا، فهي حتّى لا ترقى لأن تكون فرضًا علميًّا؛ لأنّ الفروض العلميّة لها شروطها ومقدّماتها التي تقود إليها، بخلاف ما ذهب إليه هذا المستشرق الذي لا تقوم تخميناته على أسسٍ علميّةٍ، فضلاً عن أنّ كلامه لا نجده في بحثٍ أو كتاب، وإنّما كان كلامًا إمّا في مجلّة أو صحيفة، كمجلّة أطلانتيك الأمريكيّة، أو في قناة تليفزيونيّة تكيل الاتّهامات على الإسلام، كقناة الحياة التبشيريّة، وهذا كفيل بالكشف عن نواياه تجاه الإسلام والمسلمين والقرآن.

وقد يدلك على تلك النوايا، أنّه ما استند إلّا على ثلاثة رقعاتٍ ونصف بنى

ص: 125


1- Gerd R. Puin, "Observations on Early Qur'an Manuscripts in Sana'a", in The Qur'an as Text, Stefan Wild, (Ed.) (Leiden - New York - Koln: E.J. Brill, 1996).pp107: 110. also:. Gerd R. Puin, Publisher: World Heritage Encyclopedia, 2017. World Heritage Encyclopedia

عليها كلّ تخميناته التي ظلّ يردّدها لطيلة عشرين عامًا من دون بحثٍ علميٍّ ولا كتاب (1) من جملة آلاف الرقاع وعشرات النّسخ التي وُجدت في صنعاء. فكيف يستند إلى هذه الرّقاع الثّلاث على أنّها تدلّ على تطوّر النصّ القرآنيّ، أو بعبارة أخرى تحريفه؟!

فضلاً عن أنّ هذه الرّقاع لا تعدو كونها رقاعًا تعليميّةً تحفيظيّةً، كما هو متعارفٌ عليه في كتاتيب تحفيظ القرآن، التي تعتمد على الكتابة في ألواح معدّة لذلك، ثمَّ إذا انتهى الطالب من كتابتها وحفظها فإنّه يمحوها لتكون معدّة لقبول كتابةٍ جديدةٍ وحفظٍ جديدٍ.

وقد قدّمت الدكتورة أسماء الهلالي الباحثة في مركز الاستشراق الألمانيّ عرضًا حول دراسة مخطوطات صنعاء النّادرة للقرآن الكريم بكليّة العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة بتونس العاصمة. وكشفت الباحثة أنّ المخطوط الذي تشتغل عليه منذ ستة أشهر هو عبارة عن صورةٍ فوتوغرافيّةٍ لجزءٍ من ميكروفيلم عن هذه الرقاع بقي في حوزة صاحبه الألماني مدة ثلاثين عامًا دون عرضها على الباحثين، ثمَّ أفرجت زوجته بعد وفاته عن قسم منها (2).

كما أنّ بوين يعترف أنّ تاريخ الخطّ الأصليّ الفوقيّ قريبٌ أو مطابقٌ لتاريخ الخطّ السفليّ الذي تمّ محوه. بمعنى أنّ فترة الكتابة الزّمنيّة واحدة. هذا بحدّ ذاته يدحض "تخمينه" بأنّ النصّ القرآنيّ قد تطوّر مع الزّمن؛ لأنّ أيّ نصٍّ مقدّسٍ، لكي يتطوّر (الكلمة الألطف من كلمة التّحريف)، يجب أن يتمّ ذلك عبر فتراتٍ متفاوتةٍ (3).

ص: 126


1- انظر: مقال جدلية مخطوطات صنعاء القرآنية بين الحقيقة العلمية والمبالغة المفتعلة على الرابط التالي: https://fadiswaiti.wordpress.com/201711/01
2- انظر: مصحف صنعاء مجرد كراسة تعليمية، على الموقع التالي: https://middle-east-online.com
3- انظر: مقال جدلية مخطوطات صنعاء القرآنية بين الحقيقة العلمية والمبالغة المفتعلة على الرابط التالي: https://fadiswaiti.wordpress.com/201711/01//

فضلاً عن وجود أخطاء إملائيّة ولغويّة في الكتابة السّفليّة التي تمّ محوها مثل: حتا بدلاً من حتّى، فاعدوا بدلاً فاعتدوا، ليحكموا بين الناس بدلاً من ليحكم بين الناس، البساء بدلاً من البأساء، أو لا يروا بدلاً من أو لا يرون، وقل ربّي إنّي وهن العظم مني بدلا من قال ربي إني وهن.... ولم تك شاي بدلاً من ولم تك شيئا. إلخ. وهذا يؤكّد أنّ الطرس تمّ استعماله للتدريس والتّدريب على القراءة والكتابة للقرآن. (1)

أمّا المستشرق المعاصر بيلامي (2) فهو يذهب إلى أنّ فواتح السّور اختصاراتٌ للبسملة في أوّل السّور، وضعها أصحاب المصاحف الأوائل من صحب النبيّ الكريم، غير أنّهم في ظنّه التبس عليهم الأمر، فاستبدلوا بهذه الحروف المختصرة الأحرف المقطعة التي يتمّ قراءتها الآن (3). وهذا ضربٌ من خيالات المستشرقين التي ليس عليها دليلٌ من عقلٍ أو شواهد من تاريخ، هدفها الرئيس البحث عمّا يؤكّد زعمها بوجود تدخّلات من البشر في القرآن.

أمّا المستشرق الروسيّ المعاصر يفيم أناتوليفيتش ريزفان (4) فقد اتّخذ نقد أسلوب القرآن عنده أشكالاً عدّة:

الشّكل الأوّل: اتّهام أسلوب القرآن بالصعوبة بدون تفاسير (5)، محاولاً أن يشي بأنّ القرآن من النّصوص العتيقة، وهو لا يقصد العتيقة بمعنى الأصيلة، ولكنّه يشير بها إلى الغموض.

ص: 127


1- انظر: مقال جدلية مخطوطات صنعاء القرآنية بين الحقيقة العلمية والمبالغة المفتعلة على الرابط التالي: https://fadiswaiti.wordpress.com/201711/01//
2- مستشرقٌ وباحثٌ معاصٌر كتب سلسلةً من المقالات في مجلة الجمعية الاستشراقية الأمريكية (ournal of the American Oriental Society) تقوم على الادعاء بوجود أخطاء في لغة القرآن.
3- (Bellamy, Some proposed emendations to the text of the Koran, p 563 - 564.
4- مستشرقٌ روسيٌّ (مواليد 1957م)، أستاذ الدراسات القرآنية، ورئيس تحرير المجلة العلمية الدولية (Manuscripta Orientalia)، ونائب مدير متحف علم الإنسان في سان بطرسبورغ.
5- انظر: المير رفائيل كولييف، القرآن وعالمه للمستشرق يفيم ريزفان ومزاعمه حول كتاب الله، طبعة ألكترونية بمكتبة نور الألكترونية، بدون تاريخ، ص 59.

لكن لنا هنا أن نتساءل: ما معيار الصّعوبة أو السّهولة من وجهة نظره؟! وبعبارةٍ أخرى ما مقياس الغموض والوضوح في الأسلوب؟ لا نظن وجود معيار عند هؤلاء يُقام له وزن، إلّا أن يكون هذا المعيار هو مدى فهمه كأعجميٍّ للنصّ من عدمه، وهذه هي الإشكاليّة الكبرى التي يقع فيها الكثير من المسشرقين، وهي أن يجعلوا من أنفسهم دليلاً على غموض الأسلوب القرآنيّ، متناسين أنّهم ليسوا من أهل اللغة العربيَّة، ومن ثمَّ سوف يكون الأسلوب في الغالب غير واضحٍ بالنسبة لهم، فالإشكاليّة إذن ليست في الأسلوب، ولكن الإشكاليّة فيهم أنفسهم. ونحن نظنّ أنّ جزءًا من عظمة القرآن في قوّة أسلوبه وجزالته وفصاحته، فقد نزل في قومٍ أهل فصاحةٍ وبيانٍ، ومن ثمَّ كان من الطبيعي أن يكون أسلوبه قوّيًّا يفوق أسلوبهم ويعلو عليه.

وإذا كان هذا المستشرق يقيس الأمر على ما آلت إليه لغة العرب من العاميَّة، فهذا لا يقدح في القرآن ولا يعدّ مقياسًا من الأساس، وإذا كان ينظر للصعوبة من جهة انتشار العاميَّة في لغاتنا العاديّة، فإنّ هذا أيضًا لا يقدح في القرآن، وإنّما يقدح فيمن أهملوا لغتهم الفصحى، حتّى مع وجود العاميَّة فإنّ هذا لا يُعدّ منطلقًا لاتّهام الأسلوب القرآنيّ بالصعوبة؛ إذ إنّ التفاسير والمعاجم كفيلةٌ بتيسير فهم النصّ القرآنيّ.

لعلّه كان يريد قرآنًا بالعاميَّة، حتى يتغلّب على قضيّة الصّعوبة المزعومة، أو قرآنًا بلغة دارجة، هو لا يعلم - ولعلّه يعلم مدّعيًا عدم العلم - بأنّ جمال القرآن في فصاحته ولغته العربيَّة الفصحى لغة القوم الذين نزل فيهم القرآن، ولك أن تتخيّل كميّة النّقد التي كانت ستُوجّه له لو لم ينزل بهذه اللغة التي يفهمونها.

الشّكل الثاني: الاتّهام باضطراب الإيقاع الأسلوبيّ والتراكيب اللغويّة والأسلوبيّة. ثمَّ يقول أيضًا عن أسلوب القرآن: «إنّ أصالة لغته وعدم تجانس صيغه وأسلوبه جاءت نتيجة طول مدّة تأليف القرآن كذلك تنوّع مضمونه، إنّما نتيجة بحث محمّد عن وسائل دقيقة للتعبير عن الأفكار والحقائق الاجتماعيّة التي اكتسب

ص: 128

معانيها خلال نشاطه النبويّ» (1). ولا أدري هل كان على القرآن أن يقتفي أثر الشعر وزنًا وقافيةً حتّى ينال رضا المستشرق يفيم ريزفان؟! هل كان المطلوب أن يكون الإيقاع القرآنيّ إيقاعًا شعريًا حتَّى ينال إعجابه؟! إنّنا أشرنا في سطورٍ سابقةٍ إلى أنّ القرآن نوعٌ مختلفٌ تمامًا عن الشعر والنثر، فإذا كان هناك شعرٌ ونثرٌ، وكلّ له سماته وخصائصه وممّيزاته، فإنّ القرآن نوعٌ فريدٌ له سماته وخصائصه ومميّزاته التي يختلف فيها عنهما. ومن ثمَّ نفهم أنّ الأسلوب في القرآن له نظمٌ إيقاعيٌّ يختلف عن النّظم الإيقاعي في الشعر العربي.

أمّا من حيث التراكيب اللغويّة والأسلوبيّة، فليس هناك اضطراب يشوبها إلّا في عقليّة الاستشراق، لا لشيء إلّا لأنّ كلّ كلمة في القرآن تتألف مع الكلمة التي تسبقها والكلمة التي تليها في نظمٍ بديعٍ، فكلّ منها تسلّم للأخرى طواعيّةً في تناغمٍ عجيبٍ وفي ذلك يقول الرافعيّ: «ولو تدبّرت ألفاظ القرآن في نظمها، لرأيت حركتها الصرفيّة واللغويّة تجري في الوضع والتركيب، مجرى الحروف أنفسها فيما له من أمر الفصاحة فيهيّئ بعضها البعض، ويساند بعضها بعضًا، ولن تجدها إلَّا مؤتلفةً مع أصوات الحروف، متساوقةً لها في النّظم الموسيقيّ، حتى إنّ الحركة ربما كانت ثقيلةً في نفسها لسببٍ من أسباب الثّقل أيّها كان؛ فلا تعذب ولا تساغ، ربّما كانت أوكس النّصيبين في حظّ الكلام من الحرف والحركة؛ فإذا هي استعملت في القرآن رأيت لها شأنًا عجيبًا، ورأيت أصوات الأحرف والحركات التي قبلها قد امتهدت لها طريقًا في اللّسان، واكتنفتها بضروبٍ من النّغم الموسيقيّ، حتّى إذا خرجت فيه كانت أعذب شيء وأرقّه» (2).

الشّكل الثالث: الاتّهام بظهور علامات عدم استقرار عمليّة الاتّصال النطقيّ، بما أنّ هذا يُعدّ عاملًا من عوامل صعوبة الأسلوب. وهذه الجزئيّة لا يمكن أن تكون في حقّ نبيٍّ مرسلٍ ولا كتابٍ منزّلٍ؛ لأنّ القول باضطراب الاتّصال النطقيّ أو

ص: 129


1- يفيم ريزفان، القرآن وعالمه، ص 39، نقلًا عن إلمير رفائيل كولييف، القرآن وعالمه للمستشرق يفيم ريزفان ومزاعمه حول كتاب الله، ص 60.
2- مصطفى صادق الرافعي، إعجاز القرآن، بيروت - لبنان، دار الكتاب العربي، الطبعة التاسعة، 1393ه_ - 1973م، ص 227.

عدم استقراره يعني - في التحليل الأخير - التّشكيك في النبيّ المرسل والتّشكيك في القرآن الذي نزل عليه، بما يعني أنّه يحاول هدم مصدري الإسلام: القرآن والسنة.

نحن نعلم أنّ عمليّة الاتصال تقوم على ثلاثة محاور: المرسل (مركز الاتّصال)، والرّسالة، والمتلقّي أو المستقبل (مركز الاستقبال)، ومن ثمَّ نفهم أنّ المرسل عند المستشرق يفيم ريز فان (1) هو الرسول، والرسالة هي القرآن بما يقوم عليه من لغة ونصّ، ومركز الاستقبال هو قارئ القرآن. فهل الإشكاليّة عند ريزفان تكمن في المرسل أم الرسالة أو القارئ؟ نحن نعتقد أنّه يرى الإشكاليّة في المرسل أي الرسالة؛ لأنّ التّشكيك في المرسل أو مركز الاتّصال هو تشكيك في الرسالة وضرب لعمليّة الاتّصال برمّتها. وهذا ما يرجوه يفيم وغيره من المستشرقين في الاستشراق القديم والمعاصر، ومن ثمَّ دأب على اتّهام الأسلوب القرآنيّ بالاضطراب كضربٍ للرسالة ذاتها وفيمن جاء بها وهو النبيّ الكريم.

وحتى ندرك مقدار الخطورة والتّشويهات المترتّبة على آراء يفيم، فإنّنا نشير إلى المقصود بفقد الاتّصال النطقيّ أو تعذّره؛ لندرك إلىّ أي مدى يستغل هذا المستشرق المصطلحات العلميّة الحديثة ولي عنقها لتشويه الدين تحت إلحاحاتٍ عقائديّةٍ. فالمقصود منه تعذّر الأداء النطقيّ بحيث يؤثّر على مرحلة النّطق؛ حيث إنّ عمليّة التحدّث تمرّ عبر ثلاث مراحل: التصوّر، والصياغة، والنطق، وفقد الاتّصال النّطقي تتعلّق بالمرحلة الأخيرة مرحلة النّطق.

لكنّ الشّخص المصاب بفقدان الاتّصال النّطقي لا يُواجه أيّ مشاكل في اللّغة، بيد أنّه يواجه مشاكل في إنتاج اللّغة على صورة شيءٍ مفهومٍ أو مقبولٍ، هذا الخلل ناتجٌ عن خللٍ في جزءٍ من الدّماغ الذي يقوم بمسؤوليّة إرسال الإشارات إلى عضلات الفم لتأدية أداءٍ صوتيٍّ معيّن. ومن مظاهره ظهور أخطاءٍ في النّطق والإيقاع والتّرانيم، كذلك توتّر غير طبيعيٍّ مع عدم ثباتٍ في النّطق. ومن ثمَّ، فَإِنّ اتّهام يفيم ريزفان للقرآن أو للنبيّ محمد - الأمر سيّان - بعدم استقرار عمليّة الاتّصال النّطقيّ تشي

ص: 130


1- مستشرقٌ روسيٌّ (مواليد 1957م)، أستاذ الدراسات القرآنية، ورئيس تحرير المجلة العلمية الدولية (Manuscripta Orientalia)، ونائب مدير متحف علم الإنسان في سان بطرسبورغ.

في التّحليل -الأخير بأنّه يتّهم الرسول بأنّه مُصابٌ بفقدان الاتّصال النّطقي.

وهو يرجع ذلك إلى توتّر أعصاب النّبيّ وانفعالاته أثناء تلقّي الوحي، يقول: ولعلّ تركيب وإيقاع كثير من الوحي، وظهور الخلل والأخطاء اللغويّة والنحويّة في تنسيق الكلام، وظهور علامات عدم استقرار عمليّة الاتّصال النطقيّ، تتعلّق بتوتّر أعصاب النّبيّ وانفعالاته حال قبول الوحي وإلقاء المواعظ» (1).

ومن ثمَّ، فإنّه يحاول أن يستغلّ ما عُرف عن الرّسول الكريم من حاله حالة نزول الوحي، وراح يحوّر القضيّة ويكيّف هذا الأمر لتسويغ مثل هذه الشّبهة التي ينكرها عقل الطفل الصغير، ومن ثمَّ نفهم أنّ إلحاح هذا المستشرق على قضيّة حالة النبيّ أثناء نزول الوحي تعني أنّه يحاول أنّ يشي بأنّ فقدان الاتّصال النّطقيّ نتيجة تلك الحالة، مع أنّ الواقع يُشير إلى خلاف ما ذهب إليه؛ لأنّنا حسب معطيات لغتنا العربيَّة الفصحي، فإنّ القرآن - الذي كان يقرأه الرسول ويمليه على الصّحابة شفاهةً، والصحابة يكتبون ما يُملى عليهم - ليس فيه دليلٌ على ما انتهى إليه يفيم ريزفان.

ولا نشكّ في أنّ هذا المستشرق يربط بين ما أسماه فقدان استقرار الاتّصال النطقيّ وبين ما كان ينتاب النبيّ وقت نزول الوحي عليه من أحوال، وهو في ذلك يقتفي أثر العديد من المستشرقين القدماء، الذين اتّهموا النبي الكريم بالصّرع أو بحالة نفسيّة، وكلّها ترّهات لا أساس لها، لكنّ الجديد عند المستشرق يفيم ريزفان أنّه استخدم هذا الادّعاء القديم في استخراج شبهةٍ جديدةٍ لم يسبقه إليها أحد من المستشرقين - فيما أعلم - لكنّها لا تثبت أمام النّقد السّليم.

الشكل الرابع: الاتّهام بافتقاد التّسلسل المنطقيّ مع الاعتماد على البيان والمقارنة، ومن ثمَّ فهو يذهب إلى أنّ القرآن كان له أسلوبه الفكريّ الخاصّ؛ مستشهدًا بأنّ الدّعوة المحمّديّة كانت زاخرةً بضرب الأمثال مثلما كانت زاخرةً

ص: 131


1- يفيم ريزمان، القرآن وعالمه، ص 36، نقلًا عن المير رفائيل كولييف، القرآن وعالمه للمستشرق يفيم ريزفان ومزاعمه حول كتاب الله، ص 59.

بالمقارنة والتّشبيه (1). ومن قال إنّ الاعتماد على المقارنة والبيان يُفقد الأسلوب التّسلسل؟! وهل كان الأسلوب القرآنيّ لا يعتمد إلّا عليهما فقط؟! إنّ المقارنات بما تقوم عليها من تشبيهاتٍ واستعاراتٍ وكذلك الأساليب البيانيّة تعبّر عن بلاغة القرآن الكريم، وهذه البلاغة إحدى الوسائل الدالّة على تفرّد الأسلوب القرآني وتميّزه، خلافًا لما يرى يفيم ريزفان. «فالإنسان إذا أغفل علم البلاغة وأخلّ بمعرفة الفصاحة لم يقع علمه بإعجاز القرآن من جهة ما خصّ الله به كتابه من حسن التأليف وبراعة التّركيب، وما شحنه به من الإيجاز البديع؛ والاختصار اللّطيف إلى غير ذلك من محاسنه؛ التي عجز الخلق عنها؛ لأنّ البلاغة تُعتبر من أهمّ وسائل إدراك الإعجاز القرآنيّ، وذلك بأن يتمكّن البليغ فيها ويتقنها ويفهم أساليبها وفنونها» (2).

يحاول المستشرق يفيم ريزفان (3) أن يدّعي بأنّ أسلوب القرآن يداوم على طريقة الانفصال، لينطلق إلى نقد القرآن بفقد التّرابط في المضمون، وذلك افتراءً على القرآن ذاته؛ لأنّ أسلوب القرآن منفصلاً أو متّصلاً يُشير إلى ترابطٍ معنويٍّ وتناسق في المضمون، لا يختلف في ذلك أيٌّ من أرباب العربيَّة الفصحى، فالانفصال سواء كان يُعبّر عن حقيقةٍ أو مجازٍ من خلال التّشبيه والكناية والاستعارة، فإنّ عباراته دالّة تدلّ على أسلوبٍ يتوافق مع طبيعة الموضوع لينًا وشدّةً. في حين يظهر الاتّصال في التّرابط بين الجمل والتّراكيب؛ بحيث يجسّد المشاهد بصورةٍ جماليّةٍ بالغة الجمال (4).

إنّ المستشرق يفيم ريزفان وكأنّه يريد للقرآن أن يسير على أسلوب واحد نمطيٍّ، أو علّه لم يفهم تنوّع الأساليب القرآنيّة وفحواها وانضوائها تحت نسقٍ واحدٍ، ألا

ص: 132


1- يفيم ريزمان، القرآن وعالمه، ص 109، نقلًا عن المير رفائيل كولييف، القرآن وعالمه للمستشرق يفيم ريزفان ومزاعمه حول كتاب الله، ص 60 .
2- أبو هلال العسكري، الصناعتين الكتابة والشعر، تحقيق محمد البجاوي ومحمد أبو الفضل، بيروت، المكتبة العصرية، 1986 م، ص 167 .
3- سبق ترجمته.
4- انظر: عبد القادر حسين، أضواء بلاغية على جزء الذاريات، القاهرة، دار غريب للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى - بدون تاریخ، ص 4.

يعلم أنّ القرآن ليس مقارنةً أو تباينًا فقط كما يظنّ؟ لأنّ القرآن ليس موضوعًا للمقارنة، فالمقارنة تأتي في سياقاتها المطلوبة فيه، وإنّما هو كتاب تشريع وإخبار بالغيب وقصص للأمم السّابقة، وتعاليم ومواعظ لخير الإنسان.

إنّ الأسلوب القرآنيّ أسلوبٌ يُعدّ الخطاب فيه متعدّدًا، فقد يكون الخطاب عامًّا، وقد يكون خاصَّا، وقد يكون للرسول، وقد يكون للمسلمين، وقد يكون للمنافقين، وقد يكون للكفّار، وقد يكون للناس عامّة، إلى غير ذلك من أنواع الخطاب القرآنيّ الرائع، والقارئ لكتاب الله تعالى يستطيع أن يستخرج العديد من الآيات التي تدلّ

تعدّد الفئات المُوجَّه لها الخطاب القرآنيّ.

ثمَّ من قال إنّ المقارنة أو ضرب الأمثال أو التّشبيه وألوان البيان تُفقد الأسلوب القرآني تسلسله المنطقيّ؟ لو كان الأمر مبالغًا فيه لا شكّ سوف يحدث ذلك، لكنّ هذا إذا افترضنا أنّ الأسلوب همّه الأكبر المبالغة في التّصوير والمحسنات البديعيّة والبلاغيّة، وهذا ما لا وجود له فى القرآن؛ لأنّ القرآن يجعل من قضيّة المضمون هدفًا له، ثمَّ تجيء العمليّة البلاغيّة في سياق المضمون وليست دخيلةً عليه، ومن جانب آخر فإنّ الأسلوب القرآنيّ ليس ذلك الأسلوب الأدبيّ الذي يخاطب الوجدان والعواطف، ولا بذلك الأسلوب الجافّ الذي يُقيم مضمونه على العقل وحده، ولكن كان أسلوبًا يوازن بين كونه يخاطب العقل والوجدان معًا. فمن أين يفقد تسلسله المنطقيّ إذن؟

انظر مثلاً إلى قول الله تعالى:

«قُل الحمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى اللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَابِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهُ مَّعَ اللهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ . أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِرًا أَإِلَهُ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ . أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهُ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ . أَمَّن

ص: 133

يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهُ مَّعَ اللهِ تَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ . أَمَّن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهُ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (سورة النمل، الآيات 59 - 65).

وانظر إلى قول الله تعالى:

«يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ تُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ تُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةٌ فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ» (سورة الحج، الآية 5)

وقوله تعالى:

«وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ» (سورة المؤمنون، الآيات 12 - 14).

وبالنّظر والتّأمّل نجد أنّ الأسلوب القرآنيّ مُتقن التّسلسل، يجمع بين العقل والوجدان في توازنٍ عجيبٍ، إضافةً لهذا فهو أسلوبٌ يتّسم بفصاحة الألفاظ، وملائمة الألفاظ للمعنى، بل واختيار ألفاظٍ دقيقةٍ للمعنى، كلّ ذلك في ظلّ حسنٍ في النّظم، وجودة في الحبك، وجمع بين الدّليل العقليّ والتّأثير الوجدانيّ. فأين افتقار التّسلسل المنطقيّ في الأسلوب القرآنيّ الذي يزعمه المستشرق يفيم ريزفان؟! وهل كان الأسلوب القرآنيّ معوجًّا حتى يأتي الأعاجم لإقامته وسوقه إلى الاعتدال!!

ص: 134

ومن أدرى النّاس بالعربيَّة وأساليبها والقرآن وأسلوبه؟ هل العرب أم الأعاجم؟! بالطبع العرب؛ لأنّهم أعلم الناس بالعربيَّة، فكما أنّه ليس من المقبول - في الغالب - أن يقيّم عربيَّاً كتابًا مقدّسًا في الإنجليزية أو في أيّ لغةٍ أخرى من حيث الأسلوب، فإنّه ليس من المقبول أن يجعل غير العربيّ من نفسه مقيّمًا لأسلوب القرآن؛ لأنّه مهما بلغت درجة إتقانه للغة العربيَّة فإنّه يظلّ أقلّ من أربابها ومن فهمهم لها.

الشكل الخامس: اتّهام الأسلوب القرآنيّ بأنّه ذو كلمات مستوردة، ذاهبًا إلى ما زعمه هر شفيلد (1) من أنّ النبيّ محمّد صلىّ الله تعالى عليه وآله وسلّم عجز عن التّعبير الكافي عن أفكاره وأمثاله باللغة العربيَّة، ومن ثمَّ لجأ في ظنّه إلى الاستعانة بكلماتٍ أخرى من لغاتٍ أخرى في القرآن (2).

العجيب أنّ هذا الاتّهام موغلٌ في الغرابة؛ لأنّه يفترض أنّ الرسول الكريم كان على درايةٍ بالعديد من اللّغات، مع أنّه في واقع الأمر لم يكن يجيد قراءة وكتابة العربيَّة لغته ولغة قومه من الأساس، فكيف يستقيم هذا مع ذاك؟! فهل يعقل أنّ النبيّ الأُمّيّ كان على علمٍ بهذه اللغات والاطلاع على ما كُتب فيها؟! ولو كان ذلك صحيحًا فلماذا لم يذكر لنا التاريخ شيئًا من هذا؟! بل لماذا لم يقف له أهل قريش ناقدین بدعوى استعمال كلمات غير عربيّة من لغاتٍ أخرى يعلمها؟!

هذا فضلاً عن أنّ هناك تساؤلاً : هل ورود أيّ كلمةٍ من المشترك الساميّ القرآن تعني التّبعيّة؟ بالطبع لا، فلغة القرآن لم تكن مقتبسةً، ولم تكن تابعةً، نعم القرآن فيه بعض الكلمات التي اُختلف في أصلها هل هي عربيّة أم غير عربيّة؟ لكن حتّى في ظلّ القول بأنّ أصلها غير عربيٍّ فهي لم ترد في القرآن إلّا بعدما دخلت اللغة العربيَّة واستعملتها العرب على ألسنتها لمئات السنين، بما يعني أنّها صارت جزءًا من العربيَّة نحوًا وصرفًا واشتقاقًا وغيره، ومن ثمَّ فعندما تأتي في القرآن فإنّها لغةٌ

ص: 135


1- هر تفیج هرشفیلد (مواليد 1934م) مسشرقٌ يهوديٌّ إلمانيٌّ متحاملٌ على القرآن خاصّة والإسلام عامّة، من آثاره: كتاب أبحاث جديدة في تكوين القرآن وتفسيره.
2- يفيم ريزمان، القرآن وعالمه، ص 56، نقلًا عن المير رفائيل كولييف، القرآن وعالمه للمستشرق يفيم ريزفان ومزاعمه حول کتاب الله، ص 60.

عربيّةٌ صرفة؛ فقد مرّ عليها قرون على ألسنة العرب قبل نزوله. وسوف نتطرّق إلى هذه القضيّة تفصيلاً في الفصل الخاص بالقراءة السريانيّة الآراميّة والعبريّة للقرآن.

المبحث الثاني: الادّعاءات بوجود أخطاء نحويّة في القرآن

من هؤلاء الذي زعموا بوجود أخطاء نحويّة - وكذلك صرفيّة - المستشرق برجستراسر، في الجزء الثالث من كتاب تاريخ القرآن لنولدكه، وقد تناول في هذا الجزء ما أسماه أخطاء النّصّ العثمانيّ، متّكنَّا على مجموعةٍ من الآيات القرآنيّة التي ظنّ بسبب عدم إلمامه باللغة العربيَّة أنّها تحوي أخطاءً نحويّةً، لكنّنا يمكن الردّ عليه بسهولة في ضوء اللغة العربيَّة ذاتها التي يحاول التّمسّح بها.

لقد تناول هذا المستشرق بعض الجمل في بعض الآيات التي ظنّها تحوي أخطاءً نحويّة، ومن هذه الجمل:

في الآية 177 من سورة البقرة ذهب إلى أنّ كلمة (والصابرين) في (والصابرين في البأساء) خطأ والصواب كلمة والصابرون.

في الآية 162 من سورة النساء ذهب إلى أنّ كلمة (والمقيمين الصلاة) خطأ وصوابها والمقيمون الصلاة.

وفي الآية 73 من سورة المائدة ذهب إلى أنّ كلمة والصابئون في قوله الله تعالى «إن الذين آمنوا...... والصابئون) خطأ، وأنّ صوابها والصابئين.

وفي الآية 66 من سورة طه ذهب إلى أنّ كلمة هذان في (إن هذان لساحران) خطأ، وصوابها عنده هذين.

لكن بالنّظر إلى آية (والصابرين في البأساء والضراء) نجد أنّ كلمة والصّابرين نصبت على الاختصاص على سبيل المدح، والتقدير: وأخصّ بالمدح الصابرين، وهذا بابٌ من أبواب النّحو العربيّ مأخوذ من لغة العرب، حيث يُميّز العرب فيه الممدوح عن غيره في سياق الكلام، وليس شيئًا مستحدثًا من عنديّات المحدثين. كما أنّ

ص: 136

السّياق هنا فيه بلاغة؛ لأنّ الانتقال من الرفع للنصب رغم العطف فيه جذب لانتباه السّامع. كلّ ذلك فضلاً عن أنّ العرب أرباب اللغة لم نسمع عنهم من قال بخطأ في هذه الكلمة أو في غيرها، وهم من هم في إتقان اللغة وإجادتها.

وفيما يتعلّق بكلمة (والمقيمين)، فإنّها ينطبق عليها ما ينطبق على كلمة (والصابرين) من الردود الثلاثة السّابقة.

أما كلمة (والصابئون) في سورة المائدة، في قول الله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِتُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ» (سورة المائدة، الآية 69). فقد ظَنّ أهل الاستشراق وتابعوهم أنّ كلمة (والصابئون) معطوفة على اسم إنّ الذي حقّه النّصب لا الرفع، ومن ثمَّ كان من اللّازم عند أصحاب هذه الشَّبهة أن تكون الكلمة والصابئين لا (والصابئون)، وهم لا يدرون أسرار اللغة العربيَّة وبلاغتها.

والكلمة لها أكثر من وجهٍ إعرابيًّ ترتضيه اللغة العربيَّة ردًّا على ما ذهب إليه هؤلاء المستشرقون وهي:

الأوّل: ما ذهب إليه الخليل بن أحمد وسيبويه؛ حيث ذهبا إلى أنّ رفع (والصابئون) على التّقديم والتّأخير - وهو أمر شائع في باب النحو العربيّ - ومن ثمَّ يكون التقدير: إن الذين آمنوا والذين هادوا من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحًا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والصابئون كذلك (1). فتكون كلمة (والصابئون) مبتدأ والخبر محذوف تقديره كذلك (2). وقد استشهد سيبويهٍ بقول الشاعر:

وإلّا فاعلموا أنّا وأنت وأنتم *** بغاة ما بقينا في شقاق.

أي فاعلموا أنّنا بغاة ما بقينا في شقاق، وأنتم كذلك (3).

ص: 137


1- انظر: الخليل، الجمل في النحو، تحقيق فخر الدين قبادة، لبنان - بيروت، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، 1405ه_ 1985م، ص 129.
2- انظر: محي الدين الدرويشي، إعراب القرآن وبيانه، اليمامة - دار ابن كثير - دار الإرشاد، ج 2 ص 269.
3- انظر: سيبويه أبو بشر عمرو بن عثمان الكتاب كتاب سيبويه، القاهرة، مكتبة الخانجي، ص 49.

وهذا ما أكده الألوسي في روح المعاني قائلاً: « ورفع (الصابئون) على الابتداء وخبره محذوف لدلالة خبر إنّ عليه والنيّة فيه والتأخير عمّا في خبر إنّ. والتقدير: إنّ الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كيت وكيت والصابئون كذلك بناءً على أنّ المحذوف في إنّ زيدًا وعمرو قائم خبر الثاني لا الأوّل كما هو مذهب بعض النحاة (1).

وكذلك ابن عاشور في التّحرير والتنوير عندما قال: وجمهور المفسرين جعلوا قوله (والصابئون) مبتدأ وقدّروا له خبرًا محذوفًا لدلالة خبر إنّ عليه، وأنّ أصل النّظم : إنّ الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى لهم أجرهم إلخ، والصابئون كذلك، جعلوه كقول ضابي بن الحارث: فإنّي وقيّار بها لغريب، وبعض المفسرين قدّروا تقادير أخرى أنهاها الألوسي إلى خمسة (2).

ونختم هنا بألفية ابن مالك التي يقول فيها:

وجائز رفعك معطوفاً على *** منصوب إنَّ بعد أن تستكملا

وألحقت بإنّ لكنّ وأنّ *** من دون ليت ولعل وكأنّ

الثاني: النّظر إلى أنّ العطف هنا ليس عطف كلمةٍ على كلمة، وإنّما عطف جملةٍ على جملة، ومن ثمَّ نفهم أنّ جملة (والصابئون) وخبرها المحذوف كذلك معطوفة على جملة إنّ الذين آمنوا؛ لأنّها جملةُ ابتدائيّةٌ حقّها الرّفع، وما عطف عليها يكون مرفوعًا مثلها. ومن ثمَّ تكون جملة (والصابئون) من المبتدأ الظاهر والخبر المحذوف وتقديره كذلك معطوفة على الجملة المرفوعة قبلها.

الثّالث: أن تكون (والصابئون) معطوفة، ولكن على محلّ إنّ واسمها (إن الذين)، وهو محلّ ابتداء (3)، والابتداء يكون مرفوعًا.

ص: 138


1- انظر: الألوسي، روح المعاني، بيروت - لبنان، دار إحياء التراث العربي، بدون تاریخ، ج4، ص 295.
2- الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر، 1984م، ج 8، ص 253.
3- انظر: إعراب القرآن وبيانه، ج2، ص 270.

الرّابع: أن تكون كلمة (والصائبون) معطوفةً على الضمير في (هادوا)، ومن ثمَّ تكون مرفوعة (1).

الخامس: أن تكون منصوبةً على لغة قبيلة بلحارث بن كعب، وهي لغةٌ تثبت فيها الواو والنون في جمع المذكر السالم رفعًا ونصبًا وجرًّا (2).

السّادس : وهو وجهٌ تكون فيه (إنّ) بمعنى حرف الجواب نعم، وليس (إنّ) النّاسخة، ومن ثمَّ يكون ما بعدها مبتدأ مرفوعًا (3).

ومن ذلك قول الشاعر عبد الله بن قيس الرقيات:

بكر العواذل في الصبوح يلمنني وألومهنه *** ويقلن شيب قد علاك وقد كبرت فقلت: إنّه

أمّا ما يتعلّق بآية (إنّ هذان لساحران) فإنّها ليس فيها من خطأ كما ادّعى المستشرقون، ويمكن الردّ على دعواهم من خلال الوجوه الآتية:

الأوّل: أن تكون (إنّ) هي الناصبة و(هذان) اسمها منصوب على لغة قبيلة بلحارث بن كعب التي تثبت فيها ألف المثنى نصبًا ورفعًا وجرًّا. وهذه لغة كنانة كذلك، وبعض القبائل العربيَّة (4).

ومن ذلك قول الشاعر (5).

إنّ أباها وأبا أباها *** قد بلغا في المجد غايتاها

فكلمة (غايتاها) مثني وتعرب مفعولاً به، لكنّها لزمت الألف نصبًا ورفعًا وجرًّا،

ص: 139


1- انظر: الألوسي، روح المعاني، ج4، ص 295.
2- انظر: أبو محمد مكي بن أبي طالب القيسي، مشكل إعراب القرآن، تحقيق حاتم صالح الضامن، بيروت - لبنان مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية، 1984م، ص 211.
3- انظر: الألوسي، روح المعاني، ج4، ص 295.
4- انظر: الألوسي روح المعاني، ج 9، ص 325.
5- يقال البيت لرؤبة بن العجاج، وقيل لأبي النجم العجلي؛ انظر: الخليل، الجمل في النحو، ص 219.

علمًا بأنّ نون المثنى حُذفت للإضافة.

وعلى هذا أيضًا جاء قول الشاعر أبو النجم العجلي:

واهًا لريا ثمَّ واهًا واهًا *** يا ليت عيناها لنا وفاها.

وموضع الخلخال من رجلاها *** بثمن نُرضي به أباها.

ومنها قول الشاعر:

فأطرق إطراق الشجاع ولو رأى *** مساغاً لناباه الشجاع لصمّما.

ومنها أيضًا قول الشاعر:

تزوّد منا بين أذناه ضربة *** دعته إلى هابي التراب عقيم.

فكلمة ( عيناها) فى البيت الأوّل منصوبة؛ لأنّها اسم ليت منصوب، بيد أنّها منصوبةٌ وعلامة نصبها فتحة مقدّرة على الألف للتعذر على لغة بعض القبائل العربيَّة التي تُلزِم المثنى الألف، ولو كان على لغة قريش لقال الشاعر عينيها. وكذلك جاءت كلمة (رجلاها) على هذه اللغة، وتُعرب اسم مجرور وعلامة جرّه الكسرة المقدّرة على الألف للتعذّر.

الثاني: أن تكون إنّ ناصبة واسمها ضمير الشأن محذوف ويكون التقدير:

إن الشأن هذان لساحران. *** إن الحال هذان لساحران.

ومن ثمَّ تعرب (هذان) مبتدأ مرفوعًا بالألف كونه مثنّى، ولساحران خبر مرفوع الألف، وجملة (هذان لساحران) في محلّ رفع خبر إنّ. وهذا هو رأي فريق من النحاة القدامى (1).

الثالث: أن تكون إنّ جوابيّة بمعنى نعم، وليست حرفًا ناسخًا، ومن ثمَّ يكون التّقدير: نعم هذان لساحران.

ص: 140


1- انظر: الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، ج8، ص 253.

الرابع: أن تكون إن مخفّفة من الثّقيلة وفي هذا الحالة يكون لا عمل لها، أيّ لا تنصب اسمًا ولا ترفع خبرًا، وفي هذه الحال تكون (هذان) مبتدأ مرفوعًا على الابتداء وعلامة رفعه الألف؛ لأنّه مثنّى، و (الساحران) خبر مرفوع وعلام رفعه الألف أيضًا. وقد أشار ابن مالك فى الألفيّة إلى هذه القضيّة النحويّة قائلاً:

خففت إن فقل العملُ *** وتلزم اللام إذا ما تهمل.

بمعنى أنّ حرف النّصب إنّ إذا خُفّف يكون مهملاً لا عمل له فيما بعده.

وبعد أن ذكر هذا المستشرق ما ذكره في الجزء الثالث من تاريخ القرآن لنولدكه نراه يقول: «إنّ لهذه الروايات اتّجاها تبريريًا واضحًا، فالذين يتحمّلون مسؤوليّة نصّ القرآن، أي عثمان ولجنته، وبالطبع النبيّ نفسه سيدفعون عن أنفسهم الاتّهام بوجود مآخذ لغويّة في المحتوى بإلقاء مسؤوليّتها على الكتّاب. وعلى أيّ حالٍ، فإنّ المسلك التبريريّ ساذجٌ؛ لأنّه ينطلق من نظرةٍ بشريّةٍ بسيطةٍ لإنتاج نسخة القرآن الرّسميّة، بحيث يجعلنا نردّ نشوء هذه الروايات على كل حال إلى وقتٍ مبكرٍ جدًّا» (1)

فبرجستراسر هنا يحاول أن يدّعي قضيّةً من لا شيء، ثمَّ يبني عليها استنتاجات خاطئةً، ثمَّ يجعل من هذه الاستنتاجات الخاطئة أحكامًا، مع أنّ خطأ المقدّمات يقود في النّهاية إلى خطأ النتيجة، فلا النّبيّ الكريم قال بوجود أخطاء في القرآن ناتجةً عن الكتّاب؛ إذ كيف يقول ذلك ومثل هذا الكلام يقدح في الكتاب ويقدح في الرسالة بعامّة، ويثير حولها الشّبهات؟ والنبيّ صلّى الله تعالى عليه واله وسلّم لم يكن شخصًا عاديًا حتّى يصدر عنه ما يحاول هذا المستشرق إلصاقه به، بل كان ذا عقليّةٍ كبيرةٍ، وفهمٍ واسعٍ. ومن قال إنّ عثمان ولجنته قالوا بوجود خطأ حتّى يبرّروه؟! وهل يعقل أن تكلّف لجنة بجمع المصحف الذي سيكون – وقد كان بالفعل - النّسخة المعتمدة والمرجع الرئيس في العبادة والتّشريع والمعاملات وتقرّ بوجود خطأ في عملها؟! إنّ هذا إلاّ أفك افتراه هذا المستشرق وأعانه عليه قوم آخرون عن قصد أو عن غير قصد.

ص: 141


1- نولدكه، تاريخ القرآن، نقله إلى العربيَّة جورج تامر، بيروت، مؤسسة كونراد أدناور، 2004م، ج3، ص 445.

أمّا الموقف الأكثر حريّةً عنده، فهو «الموقف الأقدم، لا يتحمّل مثل هذه المقترحات، ويتّجه ببساطة إلى تغييرها كما حدث في المواضع المذكورة آنفًا، وفي مئات غيرها كما سنتعرض له أدناه، وهذه التغييرات المأثورة تظهر أنّ الاستياء سواء من الناحية اللغويّة أو من ناحية المحتوى كان يزيد كثيرًا جدًا عمّا يرد في الروايات المذكورة» (1). هذا الموقف الذي يحييه هو ذلك الموقف الذي يقرّ بوجود أخطاءٍ في ظنّه، دون تبريرٍ أو بحثٍ عن أصلٍ لغويًّ للقضيّة. لكن مع استعراضنا لبعض المواقف التي يدّعي فيها وجود أخطاءٍ، سنجد أنّها وليدة الخيال المريض، وأنّ مواقفه تنبني على افتراءٍ يحاول أن ينتهي إلى بشريّة القرآن.

ومن ضمن المستشرقين المعاصرين الذين زعموا وجود أخطاءٍ نحويّةٍ في القرآن، المستشرق كريستوفر لوكسنبرغ، فقد حاول هذا المستشرق القول بأنّ القرآن لم يراعِ المطابقة بين الصّفة والموصوف، والمسند والمسند إليه، والعدد والمعدود، مستشهدًا ببعض الآيات القرآنيّة وهي:

«وَقَطَّعناهُمُ ابْنَتَى عَشرَةَ أَسباطًا أُمَمًا» (سورة الأعراف، الآية 160).

«وَلَبِثوا فى كَهْفِهِم ثَلاثَ مِائَةٍ سِنينَ وَازدادوا تِسْعًا» (سورة الكهف، الآية 25).

«قالَت يا لَيتَني مِتُّ قَبلَ هذا وَكُنتُ نَسيّا مَنسِيّا» (سورة مريم، الآية (23).

«يا أُختَ هارونَ ما كانَ أَبوكِ امرَأَ سَوءٍ وما كانَت أُمُّكِ بَغِيًّا» (سورة مريم، الآية (28).

فقد ذهب إلى أنّ الأشكال النّحويّة الموجودة في هذه الآيات عائدةٌ إلى تأثّر اللّغة العربيَّة بالآراميّة؛ مستندًا إلى أنّ القواعد النّحويّة الآراميّة الأشوريّة تلزم الثّبات وعدم المطابقة في جميع الأحوال (2). ولكن لنا سؤال: لو كان ما تذهبون إليه حقًا فمتى انتقلت هذه القواعد السّريانيّة إلى العربيَّة هذا إن سلّمنا جدلاً بأنّ فرضيّتكم صحيحة؟ هل انتقلت على أيام النبي الكريم؟ هل اقتبسها؟ أم أنّها

ص: 142


1- نولدکه تاريخ القرآن، ج 3، ص 445.
2- انظر: آدم بمبا، المستشرقون ودعوى الأخطاء اللغوية في القرآن الكريم، دراسة تطبيقية لبعض الإشكالات في المطابقة، لبنان، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 2015م، ص 16، 17.

انتقلت عبر مئات السنین حتی صارت جزءًا من اللغة العربیَّة؟

على التّساؤل الأوّل، بالطّبع لا؛ لعدم إجادة النّبيّ الكريم للقراءة والكتابة، ولأنّ العرب كانوا سينتقدون القرآن لاحتوائه على ألفاظٍ غير عربيّةٍ، وحينها سيجدون منفذًا للهجوم على النّبيّ لكنّ هذا لم يحدث، فدلّ على خطأ هذه الفرضيّة من الأساس.

وعلى التّساؤل الثاني، يمكن القول إنّه لا يُمنع من أن تدخل بعض ألفاظ لغةٍ ما لغةً أخرى، لكنّها لا تصير جزءًا منها إلّا بعد مئات السنين، وهذا ربّما حدث اللغة العربيَّة، كما حدث مع غيرها، فلا يُمنع من أن تكون قد دخلتها بعض الألفاظ من اللّغات الأخرى قبل مجيء الإسلام بقرون، حتى شاعت على الألسنة، وصارت جزءًا من اللغة العربيَّة وتخضع لقواعدها واشتقاقاتها، ومن ثمَّ يُنظر لها على أنّها من اللغة العربيَّة، وليست شيئًا خارجًا عنها.

وممّن ذهب مذهب لوكسنبرغ الباحث المستشرق جونتر لولنج (Gunter 1928 Luling) (1) الذي ادّعى أنّ القرآن عبارةٌ عن ترانيم دينيّةٍ قديمةٍ أُلّفت بلهجةٍ عربيّة مسيحيّةٍ، ثمَّ أُخضعت في نظره للقواعد النّحويّة التي وُضعت في القرنين الثامن والتاسع الميلاديّين وسُمّي ذلك بالقرآن البدائيّ (2).

ولا شكّ في أنّ رأي لولنج هو رأي يفتقر لأدنى مستويات الرّأي العلميّ القائم على براهين وقرائن وأدلّة، فأين هذه التّرانيم الدّينيّة التي يتحدّث عنها؟! فليأت لنا بترنيمةٍ واحدةٍ يدلّل بها على صدق كلامه؟ بالطّبع ليس في إمكانه ولا إمكان غيره أن يأتي لنا بذلك، لا لشيء إلّا لأنّ القرآن ليس فيه ترانيم قديمة، لا يهوديّة ولا مسيحيّة ولا غيرهما، ولو كانت فيه ترانيم قديمة كما يدّعي هذا المستشرق لكان أوّل من نقده هم النّصارى في ذلك الوقت؛ لأنّهم حينها سيكونون الأقرب زمنيًّا

ص: 143


1- مستشرقٌ ألمانيٌّ (1928 - 2014م)، وعالٌم في اللاّهوت والسياسة، عمل مديرًا لمعمل جوته الألماني بحلب، شنّ هجومًا على القرآن في كتاباته وأبحاثه.
2- انظر: آدم بمبا، المستشرقون ودعوى الأخطاء اللغوية في القرآن الكريم، دراسة تطبيقية لبعض الإشكالات في المطابقة، لبنان، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 2015م، ص 16، 17 .

من هذه التّرانيم المزعومة من لولنج ومن لفّ لفيفه، أمّا وأنّهم لم يفعلوا، ولم يُؤثر عنهم أنّهم فعلوا، فذلك دليل على سقوط هذه الفرية من الأساس.

كما أنّ قريشًا كانت تقف للنبيّ الكريم بالمرصاد، وتتحيّن الفرص للانقضاض على الدّعوة وتشويه الرّسالة، فلماذا لم تدّع قريش أنّ القرآن ترانيمٌ قديمةٌ، ومن ثمَّ يجدون فرصةً سانحةً تشفي غليلهم من محمّد الذي حطّم عقيدتهم الوثنيّة، ورفض دين الآباء والأجداد؟! هذا دليلٌ على أنّ هذه الفرية لا وجود لها من الأساس؛ إذ لو كانت كذلك لتلقّفها اليهود والنّصارى، وأذاعوها في العالمين بأنّ محمدًا أخذ ترانيمهم وضمنها القرآن.

ثمَّ نتساءل في استنكار: وهل في القرآن لهجة عربيّة مسيحيّة؟! إن هذا إلّا إفك مفترى، فما هي الكلمات التي تظهر فيها اللّهجة المسيحيّة؟ وأين التّرانيم التي تتكوّن من هذه الكلمات؟! في أيّ سورة؟! وفي أيّ آية؟ كلّ هذه أسئلة لا نجد لها إجابةً عند صاحب هذه الدّعوة ولا عند غيره، إن هي إلّا أضغاث تخمين، إن جاز هذا التعبير.

لكن من المستشرقين المعاصرين من انتقد لوكسنبرغ وسلفه من أمثال نولدكه و برجستراسر، فالمستشرق جيرالد هاوتنج (Gerald Hawting) (1) وصف آراء لوكسنبرغ هنا بأنّها آراءٌ غير منصفةٍ (2).

كذلك المستشرق جون وانسبرغ (John Wansorough) (3) رفض ما انتهى إليه لوكسنبرغ في هذا الصدد (4)، «حيث ذهب إلى أنّ العربيَّة المعياريّة إنمّا تطوّرت على أيدي اللغويّين والنّحاة في القرن الثاني متزامنًا مع نسخ القرآن، وعليه ردّ مزاعم نولدكه عن الأخطاء في القرآن، لأنّ نسخ القرآن قد سبق وضع تلك القواعد، فلم تكن ثمة قواعد يمكن أن نزعم أنّ القرآن كان عليه أن يتبعها وأنّه قد خرقها، كذلك

ص: 144


1- مستشرقٌ بريطانيٌّ (مواليد 1944م)، عمل أستاذًا لدراسات الشرق الأوسط في مدرسة الدّراسات الاستشراقيّة والإفريقيّة SOAS.
2- انظر: آدم بمبا، مرجع سابق، ص 18.
3- مستشرقٌ أمريكيٌّ (1928 - 2002م)، عمل مؤرّخًا بكلية الدّراسات الاستشراقيّة والإفريقيّة، اهتمّ بالمخطوطات القرآنيّة المبكرة.
4- (Quranic Studies: Sources and Methods of Scriptural Inretpretation, Oxford. Oxford University, press, 1977.

أكّد وانسبرغ أنّه طالما قد تزامن نسخ القرآن ظهور اللغة المعياريّة أو الشعريّة عند العرب، أو بالأحرى سبق نسخ القرآن وضع القواعد النّحويّة العربيَّة، فلا سبيل للقول إنّ القرآن قد حوّر؛ ليوافق تلك اللغة الجديدة» (1).

وقد ردّ على لوكسنبرغ في دعواه الآراميّة السريانيّة المستشرق المعاصر سيدني جريفيث (Sidney Griffith) (2) حيث أشار إلى وجود أدلّةٍ جديدةٍ تثبت أنّ الكتاب المقدّس لم يكن مترجمًا بالكامل إلى العربيَّة قبل الإسلام، ومن ثمَّ يتهاوى الزّعم بأنّ القرآن قد أُخذ عن مصادر مسيحيّة، كما يتهاوى زعم لوكسنبرغ القائل بأصل هجين للقرآن، ومن ثمَّ فلا أساس له من الصحّة (3).

وقد نحا المستشرق الرّوسي المعاصر يفيم ريزفان منحى الادّعاء بوجود أخطاءٍ نحويّةٍ في النّصّ القرآنيّ، منتهيًا إلى القول: «وفيما بعد أنتجت هذه الخصائص النّحويّة للقرآن تفاسير معقّدة للغاية من قبل العلماء العرب والمسلمين في القرون الوسطى، كما أنتجت مجموعة من النّظريات المتعلّقة بلغة القرآن» (4).

ونصّه هذا يناقض موقفه فيما يخصّ تعرّض القرآن للتحرير؛ إذ لو كان الأمرُ كما ادّعى، فما الذي منع الرسول الكريم من أن يصحّح خطأ نحويًا فيما بعد؟! كما يناقض ما كانت عليه عمليّة كتابة الوحي في مراحلها التي أشرنا إليها قبلاً، والتي كانت تبدأ بالمشافهة، فالكتابة، ثمَّ المراجعة الدّقيقة من أطرافٍ عدّةٍ من حفظة القرآن الكريم بعد وفاة الرسول، ومن الرسول ذاته قبل وفاته.

المبحث الثالث: الادّعاءات بوجود أخطاءٍ إملائيّةٍ في القرآن

عمد الاستشراق إلى البحث عن أخطاءٍ لغويّةٍ في القرآن، وهي محاولاتٌ قديمةٌ ومعاصرةٌ في آنٍ واحدٍ، ونحن نعتقد أنّ المستشرقين المعاصرين في تعاملهم مع

ص: 145


1- انظر آدم بمبا، مرجع سابق، ص 16، 17.
2- مستشرقٌ ألمانيٌّ (مواليد 1938م)، أستاذ الدراسات المسيحية المبكرة، في الجامعة الكاثوليكية الأمريكية.
3- انظر آدم بمبا، المستشرقون ودعوى الأخطاء اللغوية في القرآن الكريم، ص 16، 17.
4- يقيم ريزمان، القرآن وعالمه، ص 36، نقلًا عن المير رفائيل كولييف، القرآن وعالمه للمستشرق يفيم ريزفان ومزاعمه حول كتاب الله، ص 59.

هذه القضيّة لا يختلفون كثيرًا عن المستشرقين القدماء، إلّا في بعض التفاصيل، لكنّ المنهجيّة واحدةٌ، والفكرة واحدة، والغاية المرادة واحدة أيضًا.

المستشرق المعاصر .ج. أ بيلامي كان من المستشرقين المعاصرين الذي كتبوا مقالات وأبحاث عدّة في هذا الموضوع، وكانت تقوده هذه الفكرة، غير أنّه كان يرى أنّ هذه الأخطاء ليست واقعةً من النبيّ الكريم، ولكنّه كان يذهب إلى أنّها من فعل النسّاخ؛ حيث نظر إليهم على أنّ استقبالهم لتلاوة النبيّ لم يكن على ما يرام مما نشأ عنه ذلك التغيّر الذي ترتب عليه أخطاء في نظره (1).

وقد وقف بيلامي على أحد عشر موضعًا زعم أنّ فيها أخطاءً بفعل الكتبة والنّسّاخ، بحيث شكلّت في نظره عائقًا أو تحدّيًا أمام المفسّرين المسلمين والمترجمين من المستشرقين، مرجعًا ذلك إلى خطأ في الإملاء وقع فيه النسّاخ، ومن ثمَّ فقد نصّب من نفسه مصحّحًا لما ادّعاه من أخطاءٍ، فعزل ما أسماه أخطاءً وعمد إلى إعادة تشكيلها على ما زعم من أنّها أصوله المرجّحة معتقدًا أن بفعلته هذه قد قرّب الكلمة من شكلها الأوّل الذي نطق به النبيّ محمد صلّی الله علیه و آله و سلّم (2).

لكنّ الغريب هو ما قام به هذا المستشرق، فهل كان المسلمون العرب الخلّص في حاجةٍ إلى أعجميّ يبيّن لهم أخطاءً في كتابهم مدّعيًا تصحيح القرآن لهم، فهل يُعقل أن يقع المسلمون الأوائل حفظة القرآن وسدنته وهم أرباب اللغة العربيَّة في أخطاء، ثمَّ يأتي من هو أبعدهم بالعربيَّة وأصولها واشتقاقاتها ليدّعي خطأ كتابهم الكريم؟! وهل يُعقل أن يقرأ القرآن وهو على خطأ أمام كفار قريش، ثمَّ لا يجدونها فرصةً للنيل من سيدنا محمد ورسالته، وقد كانوا يتحيّنون الفرص ليل نهار للانتقام منه والإجهاز عليه وعليها؟!

إنّ القرآن لو كان كما يقول هذا المستشرق وغيره، لكان أوّل من نبّه على هذه

ص: 146


1- (Bellamy. Some proposed emendations to the text of the Koran. Journal of American Oriental Society. Vol: 113. No: 4. Oct - Dec. 1993. 563.
2- (Bellamy, Some proposed emendations to the text of the Koran, p. 563.

الأخطاء هم أهل اللغة، فلماذا لم يقف صناديد قريش مهاجمين القرآن بزعم وجود أخطاء؟ هل منعهم الحياء؟! أم منعهم حبّهم لسيدنا محمّد؟! إنّ عدم ورود شيءٍ من هذا أيام الدّعوة الأولى معناه أنّه لم يكن هناك من أخطاء ألبتّة؟! حتّى مع محاولة بيلامي الالتفاف على هذا الأمر بالزعم أنّ الخطأ كان من الكتبة، وهل كان الكتبة غير العالمين بالعربيَّة ودروبها؟! إنّهم كانوا أهل اللغة تعلّموها بالسّليقة من قبائلهم في الجاهليّة وبعد البعثة المحمّديّة؟! فهل يُعقل أن يقع هؤلاء في الخطأ أو أن يقرّوا به دون تصحیح؟!

ويمكن أن نقف على الأحد عشر موضعًا التي زعم بيلامي أنّ فيها أخطاءً لغويّةً أو إملائيّةً، ثمَّ نتبيّن هل هناك من خطأ أم إنّه الجهل باللّغة العربيَّة ودروبها وبلاغتها؟! وسوف نستعرض المواضع اللغويّة التي أشار إليها فيما هو آت:

الموضع الأول:

قول الله تعالى: «إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ» (سورة الأنبياء، الآية 98). فقد ذهب بيلامي إلى أنّ كلمة (حصب) خطأ والصّواب كلمة حطب، لكن بيلامي يعلّل ذلك بأمرين:

الأوّل: يحاول فيه بيلامي أن يقنعنا قصرًا بأمر لا يقع فيه طفلٌ صغيرٌ في بداية تعليمه، فهو يذهب إلى أنّ النّاسخ نسي وضع الخطّ السّاقط عموديًا على الحرف، فاستبدل بالطاء صادًا على ظنّه.

الثاني: يرفض فيه حمل كلمة (حصب) على معنى الوقود، وقود النار، رافضًا ما ذهب إليه اللغويّون والمفسّرون في هذا الشأن، وأنّ هذه الكلمة لها معنًى واحد لا يناسب السّياق وهو السّياق وهو الحصاة (1).

ولا شكّ في أنّ الأمر الأوّل الذي ساقه هذا المستشرق يُمثّل في ظنّي استخفافًا بعقل القارئ أو المتلّقي؛ لأنّ مسألة أنّ النّاسخ لم يضع الخطّ العموديّ للطاء، هو

ص: 147


1- Bellamy, Sohe proposed emendations to the text of the Koran, p 564.

أمرٌ لا يقع فيه متعلّمٌ مبتدئٌ، فكيف بكتبة القرآن الذين اختارهم الرسول بعنايةٍ فائقةٍ؟ حتّى الكتبة الذين نسخوا المصاحف في عهد عثمان لا يُعقل منهم أن يقعوا في هذا الخطأ؟ لأنّ من أختيروا لهذه المهمّة حتمًا كانوا أهلاً لها، أم ترى أنّ الاختيار تمّ هكذا اعتباطًا؟! بالطبع لا، خاصّة وأنّ نسخ المصاحف عُرضت على الحفظة من الرعيل الأوّل في الأقطار الإسلاميّة، ولم نسمع أنّ أحدًا اعترض على وجود خطأ فيها من أيّ نوع.

أمّا القول بأنّ المعنى هو الحصاة، فلا غضاضة في ذلك ولا مشاحّة، أمّا الغضاضة والمشاحّة فتجيء عندما يذهب هذا المستشرق إلى أنّ المعنى لا يناسب إلاّ أن تكون الكلمة «حطب» لا «حصب»، وهذا دليلٌ قويٌّ على جهل الرّجل بالعربيَّة الفصحى؛ لأنّ الحطب والحصب وإن كان المعنى واحد بينهما، والمقصود هو الإحراق في التحليل الأخير، فإنّ هناك فروقاً جوهريّةً بينهما تكشفها آيات القرآن الكريم ذاته، الذي يدّعي هذا المستشرق تصحيحه.

فنحن نجد في القرآن الكريم قول الله تعالى: «إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ» (سورة الأنبياء، الآية 98).

كذلك نجد قوله سبحانه: «وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا» (سورة الجن، الآية 15).

فالحصب في الآية الأولى هو الحجارة والحصى الصغيرة، التي هي من الموادّ المشتعلة في جهنّم، وكذلك الحطب هو كلّ ما جفّ من زرعٍ وشجرٍ تُوقد به النّار، وهو من الموادّ المشتعلة في جهنّم، لكن عندما نتأمّل أكثر نجد أنّ الحطب بطبيعته قابلٌ لأن يتحوّل لرمادٍ بسهولةٍ أو في أقصر مدّة زمنيّة، في حين أنّ الحصب كونه حجارةً صغيرةً فهو يستمرّ فترةً أطول في الاشتعال، وبالتأمل أكثر نجد أنّ وصف القرآن هنا في غاية الدّقّة، فالحطب ذو الاشتعال الأقلّ زمنًا يناسب المنحرفين عن الحقّ في قوله تعالى: «وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا» في حين يُناسب الحصب ذو الاشتعال الأطول من الناحية الزمنيّة الأصنام ومن يعبدها من الكفّار في قوله

ص: 148

تعالى «إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ».

وهذا يعني منتهى الإذلال لمن يعبدون الأصنام، فضلاً عمّا يصيبهم في جهنّم من العذاب الشّديد، كون الحجارة أكثر اشتعالاً من حيث المدّة الزمنيّة من الحطب، ففي ذلك إمعانٌ في العذاب؛ جرّاء الإشراك بالله تعالى.

وفي ضوء ذلك يُمكن أن نفهم قول الله تعالى: «فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ» (سورة البقرة، الآية 24). فهذا المستشرق رفض أن يكون الحصب بمعنى الحجارة، مادّة الإحراق، ظنًّا منه أنّ هذا لا يناسب المقام، وإنّما المناسب عنده الحطب، فكانت الآية السّابقة آية سورة البقرة دليلاً وردًّا من القرآن ذاته على أنّ الحجارة جزءٌ من وقود النّار، ومن ثمَّ يتبيّن خطأ ما ذهب إليه.

فضلاً عن أنّ الكلمة بمدلولاتها تُوجد في الشعر العربيّ بصورةٍ تجعلها أمرًا متداولاً لا يمكن نكرانه ألبتّة.

من ذلك قول ذي الرمة:

شرح يرقد في ظلّ عراص ويطرده *** حفيف نافحة عثنونها حصب.

وقوله أيضًا:

إذا نسبوا إلى العلياء قالوا *** أولاك أذلّ من حصب الجمارا.

وقول أبي العلاء المعري:

ألهى البريّة إلقاء إلى هضم *** كأنمّا هو حصب في التنانير.

وقول بن القيسراني: .

أجريت من ثغر الأعناق أنفسها *** جرى الجفون امتراها بارح حصب.

ويقول ابن حيوس:

ص: 149

وطالما أضرموا في كلّ معترك *** نارًا حماة أعاديها لها حصب.

فطالما أضرمت بوارقها *** نارًا أسود الوغى لها حصب.

ومن ثمَّ نفهم من خلال الرّدود السّابقة أنّ جهل بيلامي باللّغة العربيَّة جعله يُصدر استنتاجاتٍ لا تستند إلى دليلٍ أو قرينةٍ، وبالتالي ادّعى وجود أخطاءٍ في القرآن الكريم، ولو أنّه كان على وعيٍ بهذه اللغة لما وقع فيما وقع فيه من أخطاءٍ يأباها المنهج العلميّ السّليم.

الموضع الثاني:

في قوله الله تعالى: «وَلين أَخَّرنا عَنهُمُ العَذابَ إلى أُمَّةٍ مَعدودَةٍ لَيَقولُنَّ ما يَحبِسُهُ» (سورة هود، الآية (8) ، وفي قوله تعالى: «وَقالَ الَّذى نَجا مِنهُما وَادَّكَرَ بَعدَ أُمَّةٍ أَنا أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرسلونِ» ( سورة يوسف، الآية 45) ذهب المستشرق بيلامي إلى أنّ كلمة (أمّة) في الآيتين خطأ، وصوابها في ظنّه كلمة أمد، ويستند في ذلك إلى ثلاثة أمور:

الأوّل: أنّ النّاسخ أخطأ في النّظر، فظنّ الدال تاءً.

الثاني: كلمة أمّة في نظره لا ترتبط بالزمن.

الثالث: أنّ استبدال التاء بالدّال عنده جعله يؤنّث الصفة (معدودة) لتناسب الموصوف المؤنّث، ذاهبًا إلى أنّ النّاسخ فعل ذلك بوعيٍ وفهمٍ، أو بناءً على فطرته أو سليقته اللغويّة (1).

ونحن نرى بدورنا أنّ الأمور الثلاثة هشّة، ولا تصمد أمام النّقد السّليم، وهي في التّحليل الأخير تُثبت جهل هذا المستشرق باللغة العربيَّة، وعدم فهمه لطبيعة عمليّة جمع القرآن وتدوينه، ونظنّ أنّ الأفكار التي أتى بها ليست أكثر من تأثّر بالمستشرقين الكلاسيكيين من أمثال نولدكه وشفالي وغيرهما.

ص: 150


1- Bellamy Some proposed emendations to the text of the Koran، p) 564)

ويبدو تهافت رأي بيلامي إذا علمنا أنّه يحاول أن يتّهم على الدّوام النّاسخ، إمّا في ذهنيّته أو في أعضاء جسده التي يعتمد عليها في عمليّة النّسخ؛ وصولاً إلى الهدف الذي يبتغيه في اتّهام القرآن بالتّحريف، ففي الموضع السّابق اتّهم النّاسخ بالنّسيان في وضع الخطّ العموديّ على الطاء، وفي هذا الموضع يتّهمه بضعف النّظر، ولا ندري من أين جاء بيلامي بهذا الزعم؟! فلا نرى في آرائه إلا أقولاً تفتقر إلى الدّليل، فأين الدّليل على ما يقوله؟! نحن لا نجد أيّ دليلٍ سوى ترّهات واستناجات من وحي الخيال ليس إلّا.

أمّا القول بأنّ كلمة أمّة لا تدلّ على زمنٍ، فيكفي أن يطّلع المرء على المعاجم العربيَّة القديمة والحديثة ليدرك أنّها كلمةٌ لها معانٍ عدّةٍ، ومن ضمنها معنى الوقت والحين أو المدّة والأجلّ، وكلّها معانٍ تدلّ على الزمن. لكن فيما يبدو فإنّ هذا المستشرق إنّما يحصر معنى الأمّة في الجماعة من الناس، وهذا جهل باللغة العربيَّة؛ لأنّ كلمة الأمّة لها أكثر من معنى في اللغة العربيَّة.

فلفظ الأمّة ورد بمعانٍ عدّة، منها:

1 - الأمّة المحمّديّة، وقد وردت بهذا المعنى في قول الله تعالى: «كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ» (سورة آل عمران، الآية 110)، وقوله تعالى: «وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا» (سورة البقرة، الآية 143).

2 - الجماعة من النّاس، وقد ورد ذلك في قول الله تعالى: «تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ» (سورة البقرة، الآية 141)، وكذلك قوله سبحانه: «وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ» (سورة آل عمران، الآية 104).

3 - الخلق أو المخلوقات عامّة، وقد ورد ذلك في قول الله تعالى: «وَما مِن دابَّةٍ في الأَرضِ وَلا طَاهِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمثالُكُم» (سورة الأنعام، الآية 38).

4 - المدّة الزّمنيّة والأجل المعلوم، وهو المعنى الذي جاء في الآيتين اللتين استشهد

ص: 151

بهما المستشرق بيلامي، وذلك في قول الله تعالى: «وَلَين أَخَّرنا عَنهُمُ العَذابَ إلى أُمَّةٍ معدودَةٍ» (سورة هود، الآية 8) ، وقوله سبحانه: «وَقالَ الَّذى نَجا مِنهُما وَادَّكَرَ بَعدَ أُمَّةٍ» (سورة يوسف، الآية (45).

5 - الكفّار، وقد ورد هذا المعنى تحديدًا في قول الله تعالى: «كَذلِكَ أَرسلناك فى أُمَّةٍ» (سورة الرعد، الآية (30).

6 - الرجل القدوة والإمام للناس، وقد ورد هذا المعنى في قول الله تعالى: «إِنَّ إبراهيمَ كانَ أُمَّةً قائِنَّا لِلَّهِ حَنيفًا وَلَم يَكُ مِنَ المُشرِكينَ» (سورة النحل، الآية 120).

7 - المنهج والطريقة الواضحة، وقد وردت بهذا المعنى في قول الله تعالى: «بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُهْتَدُونَ» (سورة الزخرف، الآية 22).

فهذه كلّها معانٍ عربيّة لكلمة أمّة، فهل يستطيع بيلامي أو غيره أن يدّعوا - في أيّ من الآيات السّابقة - أن تُستبدل بها كلمة أمد؟ بالطّبع لا؛ لشيءٍ بسيطٍ وهو أنّ كلّ لفظةٍ فى كتاب الله تعالى جاءت بدقّة لحكمةٍ إلهيّةٍ، ولا يستطيع بشر كائنًا كان أن يُبدِّل أو يُغيّر فيه إلّا ظهر في كلامه العوار وفي منطقه الزيغ، يكفي أن ننظر إلى آراء بيلامي لنجد أنّها وحي خيالٍ، وتفتقر إلى دليلٍ من أيّ نوعٍ كان.

وهذه الفرضيّات ذهب إليها برجستراسر من قبل في الجزء الثالث من كتاب تاريخ القرآن لنولدكه، ومن ذلك قوله : «ويعزو بعضهم - وربّما كانوا على حقّ في ذلك - كتابة (تستأنسوا) في سورة النور 24 ،27، وييس بيئس في سورة الرعد 13: 30/ 31 إلى خطأ في كتابة تستأذنوا وتتبيّن، أو كتابة (وقضى) في سورة الإسراء 17: 23 / 21، بدلاً من ووصّى؛ بسبب اختلاط الحبر في الكتابة» (1).

ومن المزاعم التي يُشيعها المستشرق برجستراسر قوله: «والأكثر جرأةً من ذلك عندما يقال بلا تردّد إنّ ما ورد فى سورة النور 24: 35 (مثل نوره كمشكاة) هو خطأ بالكتابة؛ لأنّ من المشكوك فيه مقارنة نور الله العظيم بنور المصباح، وتصحيح ذلك

ص: 152


1- نولدكه، تاريخ القرآن، نقله إلى العربيَّة جورج تامر ،بيروت، مؤسسة كونراد أدناور، 2004م، ج3، ص 444.

بقراءة: نور المؤمن» (1).

ولعلّ الأمر الثالث الذي استند إليه بيلامي يظهر تناقضًا من نوعٍ ما، مّما يدلّ على تخبّطه، ففي الوقت الذي يتّهم فيه النّاسخ بالنّصب اللغويّ ليناسب النّعت (معدودة) المنعوت (أمّة) حسب ظنّه، فإنّه ما يلبث أن يصفه بالوعي والفهم اللغويّ والسّليقة الفطريّة اللغويّة، فكيف يستقيم هذا وذاك؟! أم إنّه الحقّ الذي أنطق الله تعالى به لسانه دون أن يشعر؟!

هذا الأمر إن دلّ فإنّما يدلّ على جهل هذا المستشرق بكيفيّة جمع القرآن الكريم ومراجعته حتّى وصل إلينا صافيًا نقيًّا كما نزل على رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وسلّم، فعمليّة جمع القرآن كانت تتّسم بالدّقّة، الأمر الذي يستحيل معه وجود سهوٍ أو نسيانٍ أو ضعف نظر من قبل النّاسخ كما يحاول أن يزعم بيلامي.

وإنّما كانت هذه العمليّة دقيقةً، كونها انبنت على مراحل عدّة، كلّ منها مرتبطةٌ بالفترة الزمنيّة التي عايشتها، ويُمكن أن نُقسّم هذه المراحل على النحو الآتي:

1 - مرحلة كتابة الوحي في عهد النبيّ، وهي مرحلة التّدوين الأولى؛ حيث كان هناك مجموعةٌ من الكتبة والنّسّاخ الذين كانوا يكتبون الوحي وهم يتلقّونه شفاهةً من النّبيّ الكريم، وقد اختار الرسول عددًا من الكتبة من أهل الثّقة والكفاءة تختلف الرّوايات في عددهم. وقد كان الرسول يُملي عليهم الوحي فيكتبونه، فإذا فرغ الكاتب من الكتابة راجعه على النبيّ، فإذا كان فيه سقط أقامه، ثمَّ خرج به إلى الناس. بما يعني أنّ هناك مرحلة إملاءٍ تتلوها مرحلة الكتابة، تتلوها مرحلة المراجعة، ثمَّ مرحلة النشر والإذاعة بين الناس.

2 – مرحلة جمع القرآن بعد وفاة النّبيّ في عهد أبي بكر، وتظهر دقّتها في أنّ جمع القرآن كان بعد وفاة النبيّ الكريم بستة أشهر فقط، خاصّة بعد وفاة عددٍ كبيرٍ من حفظة القرآن من الصّحابة في حروب الردّة، فكتبت الآيات على الرّقاع واللّوح والكتف والعسب (جريد النخل العريض) واللخاف (الحجارة الرقيقة فقد

ص: 153


1- نولدکه، تاریخ القرآن، ج 3، ص 444، 445.

كان يكتب عليها) (1). ومن ثمَّ كانت عمليّة الجمع هذه دقيقةً، خاصّة إذا علمنا أنّه أثناء جمع القرآن في مصحفٍ خاصٍّ كان يستلزم ممّن يأتي بآية أن يكون معه شاهدان عليها، إضافة إلى ما كان لديهم من آياتٍ مكتوبةٍ على الكتف أو الرقاع أو العسب. وهناك مرحلةٌ أخيرةٌ، وهي جمع الآيات وترتيبها كما سمعها من النبيّ الكريم، كلّ ذلك في رقاع متساويةٍ؛ حتى يمكن وضعها بين لوحين، ومن ثمَّ كان هذا هو المصحف على عهد أبي بكر.

فهل يُتصوّر بعد هذه العمليّة الدّقيقة من جمع القرآن وكتابته في رقاعٍ متساويةٍ أيّ خطأ من أيّ نوع؟! وهل يُعقل أن يكون هناك مجالٌ لنسيانٍ أو ضعف بصرٍ أو خطأ كما يحاول أن يزعم بيلامي وغيره؟! بالطبع لا؛ لأنّ الكتابة على عهد الرسول مرّت بمراحل من الدّقّة، و هي الدقّة التي وجدناها في جمع المصحف، فكلّ ذلك يقودنا إلى اليقين من أنّ نسخة المصحف كانت مطابقةً لما قرأه النبيّ الكريم على الصحابة ولمَا أمر بكتابته.

3 - جمع القرآن على عهد عثمان، وقيل إنّه نُسخ منه ستّ نسخ: نسخة البصرة، ونسخة الكوفة، ونسخة الشام، ونسخة مكة، ونسخة المدينة العامّة، ونسخة المدينة الخاصّة التي احتفظ بها الخليفة عثمان. وقد أُرسلت كلّ نسخة منها إلى مكانها؛ ليكون في كلّ أنحاء العالم الإسلامي نسخٌ من القرآن يرجعون إليها في حفظهم وتلاوتهم وعباداتهم.

ولا نشكّ في أنّ شروط جمع المصحف في تلك الفترة لم يختلف عن شروط جمعه في فترة الخليفة عثمان، بل لقد وصل الأمر إلى إرسال إمام عدل ضابط مع كلّ نسخة مُرسلة إلى الأمصار؛ بحيث تكون مهمّته قراءة المصحف للناس القراءة الموافقة لما كانت عليها قراءة النبيّ الكريم، فكان زيد بن ثابت مع نسخة المدينة، وعبد الله بن السائب مع النسخة المكية، والمغيرة بن شهاب مع الشامية، وأبو عبد الرحمن السلمي مع الكوفية، وعامر بن عبد قيس مع البصرية. وهذا من الأمور

ص: 154


1- انظر: أبو بكر بن أبي داود، المصاحف، تحقيق محمد بن عبده، القاهرة، الناشر الفاروق الحديثة، الطبعة الأول، 1423ه_ - 2002 ، ص 48: 53.

الدالّة على الدقّة في الكتابة والقراءة والتهجئة.

وهذا المصحف الجامع الذي أخذ الصكّ الرسميّ لجمعه يتميّز عن المصاحف الفرديّة كمصحف عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وغيرهما؛ كون المصاحف الفرديّة كانت مقتصرة على ما كان يحفظه الصحابيّ فقط، فضلاً عمّا كان يتضمّنه من تفسيرات للقرآن وأدعية.

وهذا يعني أنّ الشكّ لا يمكن أن يتطرّق إلى كلمةٍ واحدةٍ وردت في القرآن؛ لأنّها خضعت لعمليّةٍ منظمةٍ من الإملاء والتّدقيق والمراجعة التي يستحيل معها وجود أيّ نوعٍ من الخطأ أو السهو أو النسيان؛ لأنّ هذه العمليّة كانت كفيلةً بالقضاء على ما يزعمه المستشرقون ومن سار على نهجهم وتمسّك بآرائهم.

المبحث الرابع: التّشكيك في عمليّة النّسخ ودلالات الكلمات

أوّلاً - التّشكيك في عمليّة النّسخ:

ظلّت دعوى وجود أخطاءٍ في عملية نسخ القرآن الكريم متداولةً بصورةٍ مستمرّةٍ، سواء في كتابات الاستشراق القديم أو في كتابات الاستشراق المعاصر، وقد عمد المستشرقون من خلال الاستشراق بنوعيه إلى التّشكيك في قدسيّة النّصّ القرآنيّ، أو إلى القول ببشريّته.

فالمستشرق المعاصر جيمس بيلامي ( Bellamy J. A) حمّل النسّاخ مسؤوليّة ما أسماه بأخطاءٍ في القرآن، ممّا يعني أنّ هذا المستشرق من حَمَلَة لواء وجود أخطاءٍ لغويّةٍ في القرآن، وأنّ هذه الأخطاء في ظنّه هي أخطاء لا يرجعها إلى النبيّ محمّد ولكنّه يرجعها إلى من قاموا بعملية الكتابة أو النّسخ (1). وقد ركّز بيلامي جهوده على البحث عمّا أسماه أخطاء لغويّة وإعرابيّة وأسلوبيّة تحت إلحاحات التأثّر بعددٍ من المستشرقين القدماء، من أمثال: نولدكه، وبرجستراسر، وشفالي،

ص: 155


1- (Bellamy. Some proposed emendations to the text of the Koran. Journal of American Oriental Society. Vol: 113 N: 4 Oct - Dec 1993 562.

وغيرهم. يقول بيلامي: «على الرّغم من أنّ الجيل الأوّل من المفسّرين المسلمين لم يقوموا بتعديلاتٍ في النّصّ القرآنيّ، إلّا أنّهم كانوا يدركون ما يتضمّنه من أخطاء» (1).

ومن ثمَّ، نفهم أنّ الذّهنيّة الاستشراقيّة لا ترى في القرآن غير كتابٍ محرّفٍ، ومن ثمَّ، فهي تتعامل معه على أنّه نصٌّ يقوم على أخطاءٍ وينطلق منها، ومن ثمَّ، نصّبت نفسها مسؤوليّة الكشف عن هذه الأخطاء المزعومة.

في الجزء الثالث من كتاب نولدکه تاریخ القرآن، اتّجه برجستراسر إلى الزّعم بوجود أخطاءٍ لغويّةٍ في القرآن، مقتفيًا أثر أستاذه نولدكه، وإن زاد الأمر تفصيلاً عنه، فمن المعروف أنّ برجستراسر هو الذي كتب الجزء الثالث من كتاب نولدكه تاريخ القرآن مكمّلاً إياه، وقد وقف عند ما أسماه أخطاءً في النّصّ العثمانيّ، مدّعيًا أنّ هناك أخطاءً لغويّةً فيه، قائلاً: «اعترف المسلمون منذ زمن طويلٍ بأنّ النّصّ القرآنيّ الذي أصدرته اللّجنة التي عيّنها عثمان لم يكن كاملاً على وجه الإطلاق، ويُوجد بين أيدينا عددٌ من الرّوايات التي أخذت على هذا النّصّ أخطاءً مباشرة» (2).

ويستند براجستراسر على روايةٍ ضعيفةٍ مضطربةٍ منقطعة السّند، منسوبة للخليفة الثالث عثمان بن عفان، ففي رواية الإمام القاسم بن سلام: «حدّثنا أبو عبيدة قال: حدّثنا الحجاج، عن هارون بن موسى، قال: أخبرني الزبير بن الخريت، عن عكرمة، قال لما كُتبت المصاحف عرضت على عثمان، فوجد فيها حروفًا من اللحن، فقال: (لا تغيروها فإن العرب ستغيرها، أو قال ستعرّبها بألسنتها، لو كان الكاتب من ثقيف، والمملي من هذيل لم توجد فيه هذه الحروف» (3).

وقد استند برجستراسر إلى هذه الرّواية - بجوار أخرى - للادّعاء بوجود أخطاءٍ لغويّةٍ تتمثّل في الأخطاء النّحويّة، وأخطاء في المحتوى تتعلّق بالمفردات، من خلال استبدال مفردةٍ مكان أخرى فيما يظنّ، ممّا يؤدّي إلى تغيير المعنى. لكنّ موقف

ص: 156


1- (Ibidp: 562.
2- نولدکه، تاریخ القرآن، ج 3، ص 443، 444.
3- القاسم بن سلام، فضائل القرآن، تحقيق مروان العطية ومحسن خرابة ووفاء تقي الدين، دمشق - بيروت دار ابن كثير، الأولى، 1415ه_ - 1995م، ص 287.

هذا المستشرق هنا لا يقلّ غرابةً عن موقف غيره من المتربّصين للإسلام الذين يستندون إلى كلّ ما هو شاذ وغريب، دون أن يكلّفوا أنفسهم مؤونة البحث عن مدى مصداقيّة هذا الحديث وسنده. فهذه الرّواية المنسوبة لعثمان بن عفان تحوي عوارًا كبيرًا؛ كونها جمعت بين ثلاثةٍ تُفقدها أهميتها فضلاً عن مصداقيّتها، فهي روايةٌ ضعيفةٌ مضطربةٌ منقطعة السّند (1).

ومن المؤكّد أنّ الخليفة عثمان كان حريصًا على نسخة المصحف، فلا يُعقل أن يكون في القرآن خطأ كما يزعم المستشرق ويقرّه، بل «فكيف يرى فيه لحنًا ويتركه لتُقيمه العرب بألسنتها، وقد كتب مصاحف عدّة، وليس فيها اختلاف أصلاً، إلّا فيما هو من وجوه القراءات، وإذا لم يُقِمْه هو ومن باشر الجمع وهم من هم كيف يُقيمه غيرهم ؟! (2).

ونحن نتساءل هنا بدورنا لماذا المصحف العثمانيّ تحديدًا؟ ولماذا ادّعاء اللّحن فيه في عصر جمعه؟ الإجابة ببساطة هي محاولة لتشكيك المسلمين في القرآن الذي وصل إليهم متواترًا، وبثَّ الرّيبة والشكّ في صحّة ما وصل إليهم منه؛ لأنّ التّشكيك في بدايات تدوين المصحف وفي النّسخ الأولى منه هو تشكيكٌ في المصحف ذاته والإيهام بتحريفه.

ولنا هنا أن نتساءل إذا كان مصحف عثمان ينبني على لحن كما يزعم المستشرقون، فكيف حاز على إجماع الصحابة والتابعين؟! وهل كان الصحابة سيقبلون بهذا المصحف لو كان فيه مثل هذا الزعم، ومنهم الحفظة لكتاب الله تعالى؟!

بل لنا هنا أن نتساءل: أليست هذه الرّواية ضعيفة ومضطربة ومنقطعة السند؟! إذًا، فكيف نلجأ إلى الاستناد إلى الضّعيف في وجود المتواتر؟! وهل من المنهج العلمي الاستناد إلى الضّعيف وإهمال المتواتر؟! لعلّ الإجابة على هذه

ص: 157


1- انظر: أبو الثناء محمود بن عبد الله الحسيني الألوسي، تفسير الألوسي، ج 12، ص 205.
2- م.ن، ج4، ص 309.

الأسئلة تكشف عن المقصد الخفيّ الذي يبغيه المستشرقون من وراء الاستناد إلى هذه الرّواية.

إنّ الغريب في الأمر أنّ هذه الرّواية تقرّ بالخطأ وتدفع بأمر تصحيحه إلى العرب، فكيف ذلك، فكيف يصحّح العرب كفّار قريش ما في الكتاب؟ وهل يعقل ترك أمر تصحيحه لهم، وفي المسلمين في ذلك الوقت حفظة القرآن ومتدبّروه والعاملون به؟! وهل يترك أمر تصحيحه إلى من هم جاهلون به؟! هذا أمر لا يُعقل. «ولقد وصلت مصاحف عدّة من جمع عثمان إلى البلدان الإسلاميّة، فلو وجدوا فيها خطأ أو لحنًا لما سكت أحدٌ من المسلمين عليه، لكنّهم أجمعوا على صحّتها وقبولها، ولهذا كان إجماعهم حجّة، على أنّك لن تجد من المسلمين عنايةً بشيءٍ كعنايتهم بكتاب الله تعالى الذي (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه)، سواء في نسخه أو تصحيحه أو حفظه أو حرمته، وهذا لا يحتاج إلى دليل... كم من المصاحف لا تعدّ ولا تحصى قد كُتبت منذ بدء الإسلام إلى يومنا هذا... فهل رأيت فيها تبديلاً أو تغیّیرًا كثرة أعداء الدين من مختلف الأجناس والعقول» (1).

ومع فرض صحّة هذا الخبر المروي عن عثمان بن عفان، فإنّ هناك من يرى أنّه يمكن تأويله مع استبعاده لصحّة الرّواية من الأساس، فموسوعة بيان الإسلام (2) تذهب إلى أنّه لو فُرض صحّة هذا الخبر فإنّ معنى اللحن في الرواية يُؤول بما يتّفق مع الصّحيح والمتواتر عن المصحف العثماني على معنى القراءة واللغة دون الرسم. بالاستناد إلى أنّ معنى اللحن اللغويّ هو اللغة. وعلى هذا يكون معنى الرواية: أنّ في القرآن ورسم المصحف وجهًا في القراءة، لا تلين به ألسنتهم مرة واحدة، ولكنّها لا تلبث أن تلين به ألسنتهم جميعًا بالمران وكثرة تلاوة القرآن بهذا الوجه، وقد ضرب بعض كبار العلماء لذلك مثلاً بكلمة (الصراط)، كتبت بالصاد المبدلة من السين،

ص: 158


1- عبد الحي الفرماوي، رسم المصحف بين المؤيدين والمعارضين، القاهرة، مكتبة الأزهر، الطبعة الأولى، 1397 ه_ - 1977م، ص 121.
2- موسوعة بيان الإسلام للرد على الافتراءات والشبهات. تعد قاعدة علمية شاملة للرد العلمي على الشبهات والأباطيل والافتراءات. شارك فيها أكثر من مائتي عالم وباحث في تخصصات مختلفة. مخصّصة للرد على قرابة 1200 (ألف ومائتي) شبهة في 24 مجلدًا.

فتقرأ العرب بالصاد عملاً بالرسم، وبالسين عملاً بالأصل (1).

وفيما يتعلّق بقول عثمان : «لو أنّ الكاتب من ثقيف والمملي من هذيل لم تُوجد هذه الحروف»، فإنّه يمكن حملها على معنى أنّها «لم تُوجد فيه مرسومة بتلك الصور المبنيّة على المعاني، دون الألفاظ المخالفة لذلك، إذ كانت قريش ومن ولي المصحف قد استعملوا ذلك، أي رسم اللفظ حسب أحد معانيه الكثيرة، التي يتحمّلها الرّسم الآخر في كثير من الكتابة، وسلكوا فيها تلك الطريقة، ولم تكن ثقيف وهذيل مع فصاحتهما يستعملان ذلك، فلو أنّهما وليتا من أمر المصاحف ما وليه من تقدّم من المهاجرين والأنصار لرسمتا تلك الحروف جميعًا على حال استقرارها في اللفظ، ووجودها في المنطق دون المعاني والوجوه، إذ ذاك هو المعهود عندهما والذي جرى عليه استعمالهما» (2).

ونفهم من ذلك أنّ الأمر لا يتعلّق بتحريف في المتن، وإنّما نفهم أنّ الأمر يتعلّق باختلاف اللهجات، بما يعني أنّ في رسم القرآن وكتابته في المصاحف وجهًا في القراءة لا تلين به ألسنة العرب جميعها، لكنّها مع الدربة والمران وكثرة تلاوة القرآن سوف تلين ألسنتهم (3).

ثانيًا - التّشكيك في دلالات بعض الكلمات:

حاول العديد من المستشرقين - خاصة أولئك الذين أخضعوا مناهجهم لدوافع غير علميّة وإنّما لدوافع عقديّة صرفة - أن يتلاعبوا بدلالات بعض الألفاظ لتمرير دلالاتٍ بعينها لأهدافٍ لا تمتّ للمنهج العلميّ بصلةٍ؛ كونها مبنيّةً على خيالاتٍ وتخميناتٍ، ولا تستند إلى دليلٍ علميٍّ واضحٍ. وهذه الدّلالات المراد نشرها وإشاعتها تصبّ - في التحليل الأخير - في مسار اتّهام القرآن بالتحريف أو بالمصدريّة البشريّة، لنزع أيّ قدسيّةٍ إلهيّةٍ عنه.

ص: 159


1- بيان القرآن للرد على شبهات حول الإسلام، شبهة: ادعاء أن القرآن الكريم أصابه اللحن بشهادة عثمان بن عفان. وانظر عبد الحي الفرماوي، رسم المصحف بين المؤيدين والمعارضين، ص 124، 125.
2- عبد الحي الفرماوي، رسم المصحف بين المؤيدين والمعارضين، ص 124، 125.
3- موسوعة بيان القرآن، شبهة ادعاء أن القرآن الكريم أصابه اللحن بشهادة عثمان بن عفان، 167.

ويمكن أن تستدلّ على هذه القضيّة بنموذجين اثنين: الأوّل من الاستشراق المعاصر، ويمكن التمثيل له بالمستشرق المعاصر كريستوف لوكسنبرغ (1)، وكان هدفه من ذلك القول بتأثّر القرآن بالسريانيّة كبداية للقول بتأثّر القرآن بالمسيحيّة. والثاني من الاستشراق القديم، ويمكن التّمثيل له بكلّ من سبرنجر (2) وفنسنك (3)، والهدف هو التّشكيك في مصدريّة القرآن والزّعم ببشريّته.

فالمسشرقون المعاصرون تحديدًا، اهتمّوا بقضيّة تغيير دلالات الألفاظ القرآنيّة لأهدافٍ أخرى، وإمامهم في هذا الطريق كريستوف لوكسنبرغ، فهذا المستشرق عمد إلى تغيير دلالات الكثير من الكلمات القرآنيّة - وهذا ما سوف نطرحه تفصيلاً في الفصل الأخير - بدعوى تأثّر القرآن باللّغات الآراميّة والسريانيّة، مثل تغيير دلالة (وحور عين) من نساء الجنّة إلى العنب الأبيض ، و (سريًا) من النّهر الجاري إلى الحلال مقابل الحرام، إلى غير ذلك ممّا يُعدّ تلاعبًا في دلالات ألفاظ القرآن الكريم (4) .

أمّا الاستشراق القديم فقد وجّه جزءًا كبيرًا من اهتمامه في دراسة القرآن بهذه المسألة، ومن الألفاظ التي اهتمّ بها الاستشراق القديم تحديدًا لفظ أُميّ؛ حيث حازت قضيّة أميّة الرسول الكريم اهتمامهم باعتبار أنّ نفيها عندهم كان يمثّل طاقة أمل للزعم بأنّ القرآن من صنعه ما دام يجيد القراءة والكتابة.

لقد وقف عددٌ كبيرٌ من المستشرقين القدامي من لفظ (الأميّ) موقفًا متشدّدًا، وأثاروا حوله العديد من الشّبهات والأباطيل للتشكيك في مصدريّة القرآن، وإظهار أنّ القرآن من عند النبيّ محمّد، وأنّه أخذ القرآن شفويًا من بحيرا الرّاهب وزيد بن نفيل وغيرهما في ظنّهم، ثمَّ أعاد صياغة ما سمع كتابةً في القرآن. وهذه كلّها افتراءات وتشكيكات ينطلقون إليها من خلال الادّعاء بعدم أميّة النّبيّ خلافًا

ص: 160


1- أغلب الظن أنه اسم مستعار لمؤرخ مجهول الهوية، اهتم باللغة العربية واللغات السامية، له كتاب قراءة آرامية سريانية للقرآن والذي يعد في التحليل الأخير اتهامًا للقرآني التحريف.
2- ألويس شبرنجر مستشرقٌ نمساويّلإ (1813 - 1893م)، صاحب كتاب: حياة النبي محمد.
3- أرند جان فنسنك، مستشرقٌ هولنديٌّ (1882 - 1939م)، حصل على الدكتوراة في بحث بعنوان: محمد واليهود في المدينة، له كتاب في فهرسة الحديث النبوي ترجمه إلى العربيّة محمد فؤاد عبد الباقي تحت عنوان: مفتاح كنوز السنة.
4- انظر: الفصل الخامس.

للقرآن. ومن ثمَّ نفهم لماذا تُمثّل لهم هذه القضيّة محورًا مهمًّا بالنسبة لهم؟

لكن يجب الانتباه إلى أنّ لفظ أميّ واشتقاقاته له معانٍ متعدّدةٍ في القرآن الكريم، وقد وردت باشتقاقاتها في مواضع عدّة، منها:

قول الله تعالى: «وَمِنْهُمْ أُمِيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِي وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ» (سورة البقرة، الآية 78).

وقوله تعالى: «الَّذِينَ يَتَّبِعونَ الرَّسُولَ النَّبي الأتى الَّذى يَجِدونَهُ مَكتوبًا عِندَهُم في التَّوراةِ وَالإنجيل» (سورة الأعراف، الآية 157).

وقوله تعالى: «هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ» (سورة الجمعة، الآية 2).

لكنّ عددًا من المستشرقين كان لهم رأيٌ آخر في هذه القضيّة، رافضين أن يكون الأمّيّ هنا بمعنى الذي لا يقرأ ولا يكتب، فالمستشرق النمساوي إلويس سبرنجر (aloys sprenger) في كتابه: محمّد حياة وعقيدة، يذهب إلى أنّ الناس قبل البعثة المحمّديّة كانوا منقسمين إلى أهل كتاب ووثنيين، وأنّ الأمّيّ يقابل الوثنيّ أو غير اليهوديّ، ومن ثمَّ بناء على هذا فإنّ الأمّيّ له دلالة مختلفة لا تدلّ عنده على عديم القراءة والكتابة، وقد ردّد هذا الرأي كلّ من فنسنك وروفتز وبلاشير ورودي بارت وآخرين (1).

فالمستشرق فنسنك يرى أنّه يطلق على الوثني مقابل العبري، والمستشرق روفتز يذهب إلى الرأي ذاته.

ويرى فرانتز بوهل (2) أنّ لفظ أمّيّ يقابل في اليونانيّة لا يكوس أيّ الذي ليست

ص: 161


1- عبد الرحمن بدوي، دفاع عن القرآن، ترجمة كمال جاد الله، القاهرة، الدار العالمية للكتب والنشر، بدون تاریخ، ص 132؛ انظر: أحمد بابانا العلوي، المستشرقون والدراسات القرآنية، مرجع سابق.
2- مستشرق دانماركيٌّ (1850 - 1932م)، له كتاب بعنوان: حياة محمد، وتمتلئ كتاباته بالكره والحقد على الإسلام.

له دراية بأمور الدين، ومن ثمَّ كانت هذه مقدّمة لإنكار عدم معرفة سيدنا محمّد بالقراءة والكتابة، لكنّه لم يقرأ في رأيه الكتاب المقدس، وإنّما علم بمضامينه من العلماء الذين كانوا على إلمام به (1).

لكنّ كلّ هذه الآراء لا تثبتُ أمام الشَّواهد الدّينيّة والتّاريخيّة التي تؤكّد على أميّة النّبيّ الكريم، وكأنّ ذلك كان لحكمةٍ إلهيّةٍ حتّى لا يأتِ من يقول إنّه كان يقرأ في كتب السّابقين ويكتب عنهم، لكي ينتهوا إلى الزّعم بأنّه أخذ القرآن عنهم، وهذا ما يتمنّى المستشرقون إثباته، ولكن هيهات!! حتّى إنّ من يُسلّم منهم بأميّته يزعم أنّه سمع عن أهل الكتاب وجالسهم وأخذ عنهم شفاهةً القرآن! في تحدٍّ عجيبٍ لكلّ الشّواهد والقرائن التي تنسف ما يذهبون إليه.

ويندرج تحت هذه الجزئيّة الزّعم بوجود مصطلحاتٍ إسلاميّةٍ قبل الإسلام ذاته، فالباحثان باتريشيا كرون (2) وميكائيل كوك (3)، ألّفا كتابًا بعنوان: الهاجريّة: نشأة العالم الإسلامي ( The Making of the Islamic World Hagarism:)؛ وقد زعما أنّ مصطلح إسلام ومسلمون لم يكن شائعًا في أوّل الإسلام؛ لأنّ الإسلام كان شكلاً مستحدثًا من اليهوديّة، ولأنّه في ظنّهما قد جُمع ودُوِّن في عهد الحجاج بن يوسف الثّقفي عام 85 ه_ (4).

ص: 162


1- عبد الرحمن بدوي، دفاع عن القرآن، ص 133؛ انظر أحمد بابانا العلوي، المستشرقون والدراسات القرآنية، مرجع سابق.
2- مستشرقةٌ أمريكيةٌ ( 1945 - 2015 م) ، عملت في معهد الدراسات المتقدمة في نيو جيرسي، اهتمت بقضايا تاريخ القرآن.
3- مستشرقٌ ومؤرخٌ بريطانيٌّ (من مواليد 1940م)، عمل أستاذًا بمدرسة الدراسات الشرقية والإفريقية وجامعة برنستون.
4- Patricia Corne Michael Cook Hagarism: The Making of the Islamic World. Cambridge: Cambridge University Press. 1977, P 8.

الفصل الرابع

اشارة

ترجمة لغة القرآن الكريم

ص: 163

مقدمة

اشارة

تعرّض القرآن منذ بدء الاستشراق إلى ترجماتٍ عدّةٍ من بعض المستشرقين، الذين ينتمون إلى جنسيّاتٍ شتّى، فهناك ترجمات فرنسيّة، وترجمات ألمانيّة، وترجمات إنجليزيّة، وغيرها من التّرجمات التي عمدت إلى نقل النّصّ القرآنيّ، وهو محمّل بأيديولوجيّاتها وتوجّهاتها وتعصّبها الجنسيّ أو العقديّ. لكنّ هذا لا يمنع من وجود ترجماتٍ لمسلمين حاولوا نقل ترجمة النّصّ القرآنيّ بحياديّة؛ لأنّهم أرادوا بيان وجه الإسلام الحقيقيّ في الغرب. ولعلّ الاهتمام الغربيّ وربّما العالميّ بالتعرّف على الإسلام عامّة والقرآن خاصّة قاد إلى الاهتمام بترجمات القرآن، خاصّة الترجمات الإنجليزيّة والفرنسيّة والألمانيّة، باعتبارها اللغات الأكثر انتشارًا في العالم، والتي يُجيدها قطاع كبير من البشر.

وإذا نظرنا إلى الاستشراق المعاصر وترجماته حول معاني ألفاظ القرآن الكريم، فإنّنا يمكن أن نضع مثالاً لذلك ترجمات كلّ من: أوري روبين (1) وجاك بيرك (2)، فالأولى ترجمة احتوت على أخطاء لغويّة ممنهجة؛ لأهدافٍ سياسيّةٍ وعقديّةٍ، والثّانية شابها الكثير من الأخطاء نتيجة الجهل باللغة العربيَّة، وربما شابها بعض الأخطاء التي تقوم على بعدٍ عقديًّ لا يمكن إغفاله.

وإذا كانت علاقة الاستشراق في الفصول السّابقة تتعلّق باللفظ والمعنى، فإنّ علاقته بالتّرجمة هنا تتعلّق بالمعنى بصورةٍ أكبر، فالتّعدّي على اللغة لا يكون على مستوى اللّفظ فقط، بل يكون كذلك على مستوى المعنى، فالتّغوّل على النّصّ القرآنيّ بداعي التّرجمة واحدٌ من صور تشويه لغة القرآن، سواء عن قصد أو عن دون قصد. وفي هذا الصدد يقول محمّد رشيد رضا : «إنّ ترجمات القرآن التي يعتمد

ص: 164


1- مستشرق يهوديٌّ إسرائيليٌّ (مواليد 1944م) ، أستاذ متخصّص في الدّراسات العربية والإسلامية بكلية الآداب جامعة تل أبيب، يعدّ من المستشرقين المعاصرين المعدودين في مجال الدراسات القرآنية.
2- مستشرقٌ فرنسيٌّ ( 1910 - 1995م)، عمل بكل من جامعة الجزائر وجامعة السوربون، تخصّص في دراسة القرآن، من آثاره: القرآن محاولة ترجمة.

عليها علماء الإفرنج في فهم القرآن كلّها قاصرة عن أداء معانيه التي تؤدّيها عباداته العليا، وأسلوبه المعجز للبشر، وهي إنّما تؤدّي بعض ما يفهمه المترجم له منهم، أن كان يزيد بيان ما يفهمه، وإنه لمن الثابت عندنا أنّ بعضهم تعمّدوا تحريف كلمه من مواضعه، على أنّه قلّ ما يكون فهمهم تامًّا صحيحًا، ويكثر هذا فيمن لم يكن به مؤمنًا، بل يجتمع لكل منهم القصوران كلاهما: قصور فهمه وقصور لغته» (1).

المبحث الأوّل: منهج المستشرقين في الترجمة وغاياتهم

أوّلاً - منهج المسشرقين في الترجمة وتأثيره في لغة النصّ القرآني:

من المعلوم يقينًا أنّ الترجمة تقوم على مجموعةٍ من الأسس المهمّة أبرزها:

الموضوعية والأمانة ومن ثمَّ كان على المترجم أن يتخلّص من كل الأحكام المسبقة، ومن كلّ دوافع التّحيّز والتّعصّب لدينه أو جنسه؛ كي ينتهي إلى نتائج علميّة وأمينة ودقيقة، إلّا أنّ عددًا من المستشرقين تعمّدوا إثبات النّقص والخطأ والتّناقض في ترجماتهم لمعاني القرآن الكريم؛ بسبب الميول الذاتيّة والرّغبة الواضحة في ذلك (2). وهذا ما يفسد أيّ ترجمةٍ ويفقدها مصداقيتها.

ويُعدّ المنهج الذي انتهجه المستشرقون في ترجمة معاني ألفاظ القرآن الكريم ذا تأثيرٍ سلبيٍّ على لغة النّصّ القرآنيّ؛ لأنّ هذا المنهج لم يكن محكمًا نتيجة غلبة الهوى الشخصيّ عليه، هذا الهوى يكون في الغالب متغلغلاً في أعماق النّفس لاعتباراتٍ عقديّةٍ أو سياسيّةٍ؛ ونتيجة أنّ اللغة العربيَّة لا تُمثّل للمترجم اللّغة الأصلية له، ومن ثمَّ فمهما وصل فيها إلى درجة من الإجادة، فإنّها بالنسبة له لغةٌ غريبةٌ. لكن يمكن القول على كلّ حال إنّ هذا المنهج كان يقوم على مجموع من الخطوات التي اشترك فيها كلّ من أوري روبين وجاك بيرك، وغيرهما من المستشرقين الذين حاولوا التّصدّي لترجمة معاني ألفاظ القرآن الكريم.

ص: 165


1- انظر: محمد أمين حسن، المستشرقون والقرآن الكريم، الأردن - أربد، دار الأمل للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 2004م، ص 394 .
2- انظر: زلافي إبراهيم، الأخطاء المنهجية في الترجمات الاستشراقية لمعاني القرآن الكريم، الجزائر، مجلة الحكمة - مؤسس كنوز الحكمة للنشر والتوزيع، العدد 11، 2011م، ص 160.

أبرز هذه الخطوات تعصّب المترجم لعقيدته التي يؤمن بها، وهو بصدد ترجمة القرآن، وهذه من أخطر القضايا التي وقع فيها المستشرقون المترجمون لهذا الكتاب العظيم؛ لأنّ هذا التّعصّب استدعى تحميل المستشرقين لغة النّصّ بمعانٍ ليست لها في الحقيقة، بل معانٍ معاكسة للسياق ذاته، وقد ظهر ذلك في العديد من ترجمات كلّ من أوري روبين وجاك بيرك.

ومن ثمَّ، فإنّ المستشرق يخضع لغة النّصّ لهواه وميوله، ولك أن تتخيّل أيّ نصّ لغويّ - في أيّ فرع من فروع اللغة - يُخضعه المترجم لهواه وميوله هل ستكون ترجمته حياله حقيقيّة؟ هل تعبّر عن مضمون النصّ الحقيقيّ؟! بالطبع لا، فما بالنا لو كان هذا النّصّ نصَّا قرآنيًّا مقدّسًا يتعبّد به المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها، أظنّ حينها لن تعبّر هذه الترجمة عن مضمون هذا النصّ العظيم ولا عن دلالات لغته الجميلة.

ومن خطوات هذا المنهج القيام بعمليّة فلترةٍ سلبيّةٍ للألفاظ والجمل في الآيات القرآنيّة، بحيث لا يقبلون إلّا ما يريدون، ويعرضون عن غيره، وهذا ما وجدناه في استبدال كلّ من أوري روبين وجاك بيرك بألفاظ القرآن ألفاظًا أخرى تقود إلى تغييرٍ جذريٍّ في المعنى، تمريرًا لأهداف عقائديّةٍ يرجوها المترجم.

وقد وصلت التّرجمة في بعض الأحيان - وهي خطوة أيضًا من خطوات منهجهم في الترجمة - إلى نوعٍ من تحريف النّصّ الذي يؤدّي إلى تحريف المعنى، وقد تتبّع بعض الباحثين والدّارسين العرب بعض المظاهر الدالّة على ذلك، منها ترجمة بيرك لقول الله تعالى: «فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ» (سورة البقرة، الآية 213). وهو يترجمها إلى: لكن الله هدى المؤمنين إلى الاختلاف بموافقته حول نقاط معيّنة من الحقيقة (1).

وهذا في نظرنا يعدّ تحريفًا للمعنى الحقيقيّ للآية الكريمة؛ لأنّ الترجمة هنا تقدّم

ص: 166


1- انظر: حسن إدريس عزوزي، ملاحظات على ترجمة معاني القرآن الكريم للمستشرق الفرنسي جاك بيرك، مجمع الملك فهد، ندوة ترجمة معاني القرآن الكريم تقويم للماضي وتخطيط للمستقبل، 1422ه_ - 2001م، ص 39، 40.

معنًى معكوسًا لمعنى الآية، بل تخرجها من سياقها؛ لتضعها في سياقٍ آخر بعيد عنها. فالمعنى الحقيقيّ للآيات يشير إلى أنّ الله تعالى وفّق المؤمنين لتمييز الحقّ من الباطل وبيان ما اختلفوا حوله، في حين جعل بيرك المعنى يدور حول أنّ الله دلّهم على الاختلاف وأرشدهم إليه، وهذا أمرٌ يتناقض تمامًا مع معنى الآية القرآنيّة.

هذا التّحريف وجدناه كذلك عند روبين في ترجمته لآية (بقرة صفراء فاقع لونها) حيث قلب المعنى من بقرة صفراء إلى بقرة حمراء، لاعتباراتٍ عقديّةٍ سبق أن بيّنّاها في سطورٍ سابقةٍ.

وقد يلجأ المترجم في كثير من الأحيان - وهذا ما كشفته لنا الدّراسات العربيّة حول بعض هذه التّرجمات - إلى تفسيره الشّخصيّ حول الآية، ثمَّ يترجمها بناءً على هذا التّفسير دون الاعتماد على مرجعٍ تفسيريٍّ عربيٍّ معتمد يُنير له الطريق، وهذا ما وجدناه جليًّا عند روبين في اعتماده على تفسيره الشّخصيّ في الوقت الذي كان يصدّر لنا فيه أنّه يعتمد على أربعة تفاسير إسلاميّة، وهذا نتج عنه العديد من الأخطاء. كذلك وجدناه عند جاك بيرك الذي كان يصدّر أيضًا لقرّائه أنّه ظلّ عمله في ترجمة القرآن قرابة العشر سنوات، وهذا يعني أنّه كانت لديه فرصة المراجعة التّفاسير الإسلاميّة كافّة في هذا الشأن، لكنّ الأخطاء الواردة في ترجمته لا

تعبّر عن هذا.

كما أنّ منهجيّة المترجمين قامت من ضمن ما قامت عليه - على الوقوف على بعض النصوص التي يحاولون أن يستنطقوها لغرضٍ في نفوسم؛ لتكون متوافقةً مع قضيّة من القضايا التي يثيرونها ضدّ الإسلام، وهذه الخطوة تنبثق في الأساس من منهجهم الإسقاطيّ الذي يحاولون من خلاله إسقاط بعض التصوّرات التي شغلت الذّهنيّة الغربيّة تجاه الإسلام مع البحث عمّا يؤيّدها قصرًا، ولو على حساب اللغة وليّ عنق النصّ.

هذا المنهج الإسقاطيّ - وهو ما يكشف عن خطوةٍ أخرى في منهجيّة المستشرقين في تعاملهم مع ترجمة النّصّ القرآنيّ - يعمد إلى محاولةٍ دائمةٍ من خلال هذه

ص: 167

التّرجمة إلى إثبات بشريّة المصدر القرآنيّ، وهذه القضيّة تظهر تارةً علانيةً، وتارةً تظهر في الخفاء. ومن ثمَّ تظهر إشكاليّة جديدة تُمثّل عوارًا في هذه الترجمة وهي التجنّي على اللغة بتغيير معناها أو إخراجها من سياقها أو الحذف منها أو الزيادة عليها، وقد تطرّقنا إلى شيءٍ كثيرٍ من هذا في سطورٍ قادمةٍ.

لكنّ كلّ هذه الخطوات التي تُمثّل منهج المستشرقين في التّعامل مع ترجمة لغة النّصّ القرآنيّ تقوم على بُعدٍ هرمنيوطيقيٍّ ظاهرٍ، بحيث لا يمكن إنكاره ألبتّة، فالمترجمون لا يتعاملون معه على أنّه كتابٌ مقدّسٌ، بل يتمّ التّعامل معه كأيّ نصٍّ بشريٍّ، ومن ثمَّ يُعملون فيه كلّ مظاهر النّقد والتّأويل تحت ستار ما يُسمّى بالتّأويل العقليّ أو الهرمنيوطيقا، خاصّة وأنّ كلاً من بيرك وروبين قد تشربّا هذه الطريقة باعتبارهم في تعايشٍ في كنف الفكر الغربيّ الأوروبيّ الحديث.

فضلاً عن أنّ هذه المنهجيّة في التّرجمة تقوم على الخلط بين ما هو مبثوثٌ في المصادر وما كانت تمليه تخيّلات وتكهّنات المستشرقين، كما تقوم أيضًا على تمهيد أعمالهم بكتابة مقدّماتٍ أو دراساتٍ عن القرآن تتضمّن في الغالب التّشهير بالإسلام ونبيّه، وعلى بذل كلّ الجهود لإثبات بشريّة القرآن (1).

لكنّ هذا المنهج أفرز لنا مجموعةً من الأخطاء والمثالب التي تتعلّق بعمليّة الترجمة، والتي كان لها أثرها السّلبيّ في نقل معاني ألفاظ النّصّ القرآنيّ إلى اللّغات الأخرى، فضلاً عمّا اعترى هذه الترجمة من عوار وتشوّه وقصور. هذه الأخطاء تشكّل في حدّ ذاتها معوّقًا للترجمة وعاملاً - في الوقت ذاته - من عوامل انحرافها

عن المعنى المقصود.

ثانيًا - أهداف الترجمات وغاياتها:

لا نظنّ أنّ ترجمةً ما لألفاظ القرآن الكريم تخرج من باب الاستشراق إلّا كان لها أهدافٌ بعيدةٌ وغاياتٌ تتخفّى خلف ستار العلميّة والمنهجيّة، وليس لها علاقةٌ

ص: 168


1- انظر: شاكر عالم، شوق، ترجمة معاني القرآن ودور المستشرقين فيها، مجلة دراسات، الجامعة الإسلامية العالمية، شيتاغونغ، المجلد الرابع، عدل ديسمبر، 2007م، ص 68؛ انظر : محمد صالح البنداق، المستشرقون وترجمة القرن الكريم، ص 108.

بخدمة القرآن أو الإسلام من قريبٍ أو بعيدٍ، هذه الأهداف أو الغايات كانت واحدةً من ثلاثة: غاية دينيّة - غاية سياسيّة - غاية علميّة.

أ - الغاية الدينيّة:

تبرز الغاية العقديّة بوضوحٍ في ترجمات المستشرقين خاصّة عند كلٍّ من أوري روبين وجاك بيرك؛ إذ ما من ترجمةٍ منهما - وغيرهما - إلّا كانت ترتئي في القرآن الكتاب الذي ينازعهم عقائدهم، وقد كانت هذه الفكرة متغلغلةً في أعماقهما وهم بصدد التّرجمة، ومن ثمَّ حاولا في ترجمتهما الإيحاء ببشريّة المصدر القرآنيّ، وأنّه من صُنع سيدنا محمّد، وهذا يُفسِّر لنا العديد من الملاحظات التي وقعوا فيها أثناء هذه الترجمة.

وهذه الغاية تفسّر وقوفهما عند عددٍ من الألفاظ أو الجمل في الآيات القرآنيّة وتفسيرها بما يتناسب مع ما جاء في العهد القديم مثلاً، فترجمة الآية في ضوء فهم المترجم لآيات العهد القديم - أو الجديد - وتفسير معانيها في ضوئه تمثّل أوضح المظاهر على تغلغل الغاية الدينيّة في هذه الترجمة، وإهمال المترجم التّفاسير الإسلاميّة، والبحث عن مبتغاه في كتابه العقديّ الذي يؤمن به، دليلٌ على هذه الغاية وأثرٌ من آثارها.

كما تظهر هذه الغاية في التّعصّب لكلّ ما هو عقديّ يمثّلهم، والتعصّب ضدّ الإسلام في كثيرٍ من القضايا، فقد كانت النّظرة إلى أنّ الإسلام دينٌ جاء ليمحي الأديان الأخرى السّابقة عليه تتحكّم في بعض توجّهاتهم أثناء عمليّة الترجمة، وهذا ما ينطبق على كثيرٍ من الملاحظات السّابقة التي تناولت أخطاء الترجمة عند كلّ

من هذين المستشرقَين.

ب - الغاية السياسيّة:

لا ندّعي كذبًا إذا قلنا إنّ الغاية السياسيّة كانت محرّكًا في كثيرٍ من الأحيان لبعض مترجمي القرآن تجاه ترجمة الكلمات على نحوٍ معيّنٍ يخدم اتّجاههم وميولهم

ص: 169

لسياسيّة. ويظهر هذا الاتّجاه أشدّ ما يكون وضوحًا عند المستشرق اليهودي أوري روبين الذي كان يحاول التّرسيخ للكيان الإسرائيلي من خلال اختلاق قضيّة شرعنة وجوده فيها مترجمًا بعض الآيات ترجمةً تسير في هذا التّيّار، وهذا ما ظهر على سبيل المثال في ترجمته لآية (ادخلوا الأرض التي كتب الله لكم)، وقد سبق أن بيّنّا ظهور اتّجاهه السّياسيّ في ترجمة هذه الآية.

وفي سبيل هذا الاتّجاه أو هذه الغاية راح روبين يتلاعب بلغة القرآن ويفسّرها تفسيرًا يخدم الكيان الإسرائيلي سياسيًّا، ثمَّ ينقل هذا التّفسير المغلوط في ترجمته لمعاني ألفاظ القرآن الكريم. وهنا يمكننا القول إنّ لغة النصّ القرآني في ترجمة أوري روبين تعرّضت لتشويهٍ متعمّدٍ خاصّة في تلك القضايا التي كان يتّخذها منفذًا لتمرير أفكاره السّياسيّة وآرائه في قضيّة استحقاقيّة الوجود على الأرض.

لكن هذه الغاية كانت تصطدم على الدّوام بالتّفاسير الأربعة التي اعتمدها روبين مرجعًا لترجمته، وهي التّفاسير التي لم تمكّنه من تحقيق هذه الغاية في ترجمته إلّا بالتخلّي عنها، وترك المجال لهواه ليكون منطلقه في العديد من الآيات التي وجّهها توجيهًا سياسيًّا، وهذا ما حدث بالفعل.

ج - الغاية العلميّة:

لكن لا يمكن أن ننكر أنّ في داخل بعض الترجمات ميولاً علميّةً إذا ابتعدت عن القراءة الدينيّة والقراءة السياسيّة، وفي داخل هذه الغاية تكمن بعد الالتزامات بمعاني الألفاظ الصّحيحة داخل النّصّ القرآنيّ. بيد أنّ هذه الغاية تتوارى للأسف خلف الغاية الدينيّة والغاية السياسيّة؛ لأنّ الترجمة حينما تتلطّخ بأهواء وميول وأيديولوجيّات المترجم فإنّ الغاية العلميّة فيها تتوارى.

وسوف نحاول الوقوف على حقيقة هذه المناهج والغايات من خلال ترجمات المستشرقَين الاثنين اليهودي أوري روبين، والفرنسي جاك بيرك.

ص: 170

المبحث الثاني: ترجمة أوري روبين

اشارة

يمكن القول إنّ ترجمة أوري روبين تُعدّ حلقةً من حلقات ترجمات اليهود للقرآن الكريم، فقد سبق ترجمته نوعان من الترجمات (1).

الأوّل: ترجمات غير منشورةٍ، وهي ثلاث ترجمات: الأولى ليوسف بن إسرائيل هاليفي، وهي ترجمةٌ موجودةٌ بالمتحف البريطانيّ، والثانية غير معروف صاحبها، وموجودةٌ في المكتبة البريطانيّة في لندن، والثالثة موجودة بمكتبة الكونجرس بواشنطن، وهي مأخوذة بتصرّف عن الترجمة الهولنديّة لمعاني القرآن.

الثاني: ترجماتٌ منشورةٌ سابقةٌ على ترجمة المستشرق المعاصر أوري روبين، ثلاث ترجماتٍ أيضًا: الأولى، ترجمة تسيفي حاييم ريكندورف (2) في عام ،1857م، والثانية، ترجمة يوسف يوئيل ريفلين (3) في عام 1936م، والثالثة، ترجمة أهرون شيمش في عام 1971م (4).

يعترف أوري روبين في مقدّمته بأنّ ترجمته لن تصل إلى حدّ المصداقيّة الكاملة، وأنّ هدفه الذي يصبو إليه هو أن تحظى ترجمته بالثّقة (5). وهذا – في الحقيقة - يتضمّن اعترافًا منه بأنّ ترجمته ناقصةٌ، وهذا يعود في ظنّنا إلى أنّ ألفاظ القرآن تبلغ درجةً من الدّقّة والبلاغة، بحيث لا تستطيع أيّ ترجمة أن تفيها حقّها من الترجمة، أو أن تنقل صور اللّفظ والجمل بالدّقّة والبلاغة نفسها. حتّى مع القول بأنّ ترجمة روبين ترجمةٌ تفسيريّةٌ تحاول أن تنقل التّفسير لا النّقل الحرفيّ، فإنّها تظلّ في النّهاية ترجمة لا تعبّر عن مضمون النّص القرآنيّ.

ص: 171


1- انظر: محمد محمود أبو غدير، ترجمة أوري روبين لمعاني القرآن الكريم بالعبرية (عرض وتقويم)، ص 7 - 10. وهو كتاب إلكتروني على الرابط التالي : https://down.ketabpedia.com/files/bnr/bnr50341-1.pdf
2- مستشرقٌ وأديبٌ يهوديٌّ (1825 - 1875م).
3- مستشرقٌ يهوديٌّ (1890 - 1971م).
4- مستشرقٌ وأديبٌ يهوديٌّ، اهتمّ بالدّراسات الإسلاميّة، وقام بترجمة معاني القرآن الكريم إلى العبريّة.
5- مقدّمة روبين لترجمة معاني القرآن الكريم، ص 13. نقلًا عن محمد محمود أبو غدير، ترجمة: أوري روبين لمعاني القرآن الكريم بالعبرية (عرض وتقويم)، ص11.

وهذا يعني أنّ لغة القرآن هنا تتعرّض للتجنّي، كون المترجم – سواء أكان روبين أم غيره - لا يستطيع الوفاء بمتطلّبات ترجمة هذه اللغة، ونقل بلاغتها وبيانها كما يُوجد في لغة القرآن العربيَّة الأصليّة، ولا شكّ في أنّ اتّساع هذه اللّغة وكثرة دروبها التي تدلّ على قوّتها ليست أمرًا مشاعًا لكلّ وارد، ومن ثمَّ يجد المترجم صعوبةً في الوفاء بمتطلّباتها، ومن ثمَّ فإنّ تجنّى الترجمة على لغة القرآن تحمل جانبين: الأوّل اللغة ذاتها، والثاني شخصيّة المترجم ذاته وقلّة حيلته تجاهها.

وفي ذلك يقول أحد الباحثين: «وفي محاولةٍ منه للتغلّب على معضلة عجز اللغة العبريّة عن استيعاب النصّ القرآنيّ وعن توفير الألفاظ العبريّة القادرة على التّعبير عن العديد من معانيه، عمل - كما ذكر دكتور يوسف سدان - على بلورة رداءٍ لغويٍّ عبريٍّ يوازن عن طريقه بين الحاجة إلى استخدام لغةٍ عبريّةٍ تناسب القارئ المعاصر وبين الحاجة إلى الحفاظ على قدرٍ من روح النصّ القرآنيّ المقدّس، ثمَّ وجد نفسه في نهاية المطاف يستخدم أسلوبًا يبتعد عن رونق البلاغة القرآنيّة، ويلتزم بصورة أكبر بصيغٍ تتمشّى مع اللّغة العبريّة العصريّة السّائدة لدى المتلقّي» (1).

ويردف قائلاً: «أيّ أنّ حاجة المتلقّي إلى من يخاطبه بمستوى أسلوبيّ معيّن، هو الذي أملى علي المترجم اختيار النهج الذي سلكه في ترجمته ممّا أدّى إلى الابتعاد عن بلاغة النصّ القرآني وسحر بيانه. ويصبح القول البيّن في هذه القضيّة هو أنّ روبين أراد أن يُثبت أنّ اللغة العبريّة قادرة على استيعاب المفاهيم الثريّة لمعاني القرآن الكريم، وأنّها - أي العبريّة - ليست مهدّدة بالزوال» (2).

ويمكن القول إنّنا سوف نقرأ ترجمته بصورةٍ نقديّةٍ من جانبين فقط لهما علاقة بلغة القرآن من خلال ترجمته لمعاني القرآن الكريم وهما:

جانب الترجمة المتعلّقة باللفظة الواحدة.

جانب الترجمة المتعلّقة بالنص ككلّ.

ص: 172


1- انظر: محمد محمود أبو غدير، ترجمة أوري روبين لمعاني القرآن الكريم بالعبرية (عرض وتقويم)، ص 11 - 12.
2- انظر: محمد محمود أبو غدير، المرجع السابق، ص 12.
الجانب الأوّل:

ترجمة روبين لألفاظ القرآن:

تمثّل ترجمة روبين لألفاظ القرآن تعدّيًا على لغة القرآن في علاقتها بالمعني الفصيح؛ حيث ترجم الرجل بعض الألفاظ ترجمةً لا تتعلّق بالمعنى المراد لها في القرآن، إمّا جهلاً باللغة العربيَّة، وإمّا تمريرًا لقضيّةٍ دينيّةٍ أو سياسيّةٍ يقصدها، وقد استخرج بعض الدّارسين العديد من الأخطاء المتعلّقة بهذا الجانب، منها:

1 - لفظ المائدة:

ورد في سورة المائدة قول الله تعالى: «إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَا بِدَةٌ مِّنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ» (سورة المائدة، الآية (112)، وقوله سبحانه: «قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أُنزِلْ عَلَيْنَا مَا بِدَةٌ مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ» (سورة المائدة، الآية 114).

المستشرق المعاصر أوري روبين استخدم في ترجمة اللفظ معنًى مخالفًا لما هو عليه في الآية الكريمة؛ حيث استخدمه بمعنى المائدة المعدّة الجاهزة، وهذا المعنى له دلالاتٌ أخرى عند اليهود، ومن ثمَّ يقول أحد الباحثين: «أمّا روبين فاختار مقابلاً لكلمة المائدة مصطلحا دينيًّا معروفًا في الكتابات الدينيّة اليهوديّة وهو... (شولحان عاروخ) والمعنى الحرفيّ الشولحان عاروخ هو (المائدة المعدّة أو الجاهزة) ولكن حدث أن تقمّص هذا المصطلح بعدًا دينيًّا خاصًّا باليهود فقط، أطلقه الحاخام اليهودي (يوسف كارو) في عام 1565م اسمًا على كتابٍ له وضعه في حينه، وجمع فيه جميع الفرائض والفتاوى الدِّينيّة اليهوديّة، وعند ذكر هذا المصطلح بين اليهود يكون المقصود به هو كتاب يوسف كارو» (1).

ولكن لماذا أطلق روبين لنفسه العنان لترجمة لفظ المائدة على هذا المعنى؟!

ص: 173


1- انظر: محمد محمود أبو غدير، المرجع السابق، ص 19.

هل الأمر يتعلّق بعنوان كتاب يوسف كارو ؟! أم يتعلّق بمضمون هذا الكتاب؟! إنّنا نعتقد طبقًا للسياق العام المتعلّق بفهمنا للشخصيّة اليهوديّة، وخصوصًا فيما يتعلّق بنوایاها الاستشراقيّة أنّ روبين يحاول من طرفٍ خفيٍّ أن يشير إلى مضمون الكتاب ليكون ضمن النّسيج العام لفكرته حول اقتباس القرآن من التوراة، فهو يستغلّ ترجمة اللّفظ على هذا النّحو؛ ليُشير إلى شبهاتٍ متعلّقةٍ بعلاقة القرآن بالتوراة اليهوديّة. ومن ثمَّ، فبما أنّ كتاب كارو يتضمّن الفتاوى والفرائض اليهوديّة، فما المانع من أن يُلبس على اليهود الذين ترجم لهم معاني القرآن ويُوحي لهم بأنّ المائدة في جملة الفرائض والفتاوى اليهوديّة التي أخذها محمد من اليهودية وضمّنها كتابه المسمّى بالقرآن!! هذه فكرةٌ خبيثةٌ في رأيي، ولا تنتج إلّا من عقليّةٍ متعصّبةٍ لعقيدتها ضاربةً عرض الحائط بكلّ الأعراف العلميّة والطرق المنهجيّة.

وترجمته هنا تمثّل نوعًا من الاعتداء على لغة القرآن، بل يمكن أن تُعدّ من قبيل التّزوير اللغويّ؛ لأنّه نقل عمدًا صورةً مغايرةً للفظ عمّا هو موجود في لغته الأصليّة أو لغة النصّ القرآنيّ؛ لأهدافٍ دينيّةٍ هدفها إشعار الأنا بفوقيّةٍ واستعلائيّةٍ على أتباع النّصّ المترجم، باعتباره في ظنّه نصًّا مسروقًا منها أو على أقل تقدير مقتبسًا

القرآن هي من نصوصها.

2 - لفظ الروم:

ورد في سورة الروم قول الله تعالى: «غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ) (سورة الروم، الآيتان 2 - 3). المستشرق أوري روبين عمد إلى ترجمة لفظ «الروم» بأبناء بيزنطة، فقد «اختلف روبين عن سابقيه في ترجمة كلمة الروم، بينما اتّفق السابقون له على نقل الكلمة إلى العبريّة بمنطوقها العربيّ استخدم روبين.... (بناي بيزنطيّون)، أي أبناء بيزنطة أو البيزنطيّون» (1).

ويُعدّ هذا المنحى من الأخطاء اللفظيّة في ترجمة روبين؛ لأنّه ما دام بالإمكان الاستعانة بمنطوق الكلمة العربيَّة في العبرية - خاصّة وأنّ المترجمين السابقين عليه

ص: 174


1- انظر: محمد محمود أبو غدير، المرجع السابق، ص 20.

اتَّفقوا على ذلك - فلا داعي لأن يأتي بمعنًى آخر بعيدًا كلّ البُعد عن المعنى الأصلي إلّا إذا كان له في ذلك مآرب أخرى.

3 - لفظ فاطر:

وقد ورد في سورٍ عدّة، لکنّنا سنقف هنا عند وروده في سورة فاطر؛ حیث يقول الله تعالى: «الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَابِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» سورة فاطر، الآية الأولى.

المستشرق أوري روبين لجأ في ترجمته لهذا اللّفظ إلى معنًى بعيدٍ، في الوقت الذي كان لديه أن يستعين بالمقابل العبريّ المباشر؛ إذ «رغم وجود المقابل العبريّ المباشر لكلمة فاطر وهو... (بوريه) بالعبريّة، أي الخالق أو المبدع للكون، وهي في الإصحاح الأوّل من سفر التّكوين عن خلق الله للكون، فإنّ روبين ترجم الكلمة إلى الكلمة العبريّة... (هايوتسير) بمعنى المنتج للشيء الماديّ أو الفنيّ، ولا تصلح لخلق الكون والبشر» (1). ولا شكّ في أنّه بين المعنيين بونٌ شاسعٌ. لكنّا لا نستغرب من موقف روبين هذا، لا لشيءٍ إلّا لكونه امتدادًا طبيعيًّا لتصوّر العقليّة اليهوديّة للإله، ونظرتها إليه نظرةً ماديةً بحتةً، تتأسّس على تحقيق أطماع بني إسرائيل في الأرض.

إنّ الإله في تصوّر هذه العقليّة قريبٌ في صفاته من البشر، فمسكنه في الأرض، لا في السماء أو في أيّ جانبٍ غيبيٍّ، وانحسار مفهوم اليوم الآخر في الدنيا وعلى الأرض وليس مفهومًا غيبيًّا، والحياة اليهوديّة مبنيّةٌ على امتلاك أرض كنعان كمقدّمةٍ لامتلاك الأرض وحكمها، وجمع المال وامتلاك السلطة لتحقيق ذلك، وأنّ الثّواب والعقاب ماديّان وليسا معنويّين، ومرتبطان بتحقيق طموحات إسرائيل أو عدمها في العقاب (2) فليس من المتوقّع إذن من شخصيّة يهوديّة حتّى النخاع كأوري روبين

ص: 175


1- انظر: محمد محمود أبو غدير، المرجع السابق، ص 20 - 21.
2- انظر: علاء هيلات ومحمد الجمل، الدور الوظيفي المادي في تصور اليهود للإله من خلال سفر التكوين، دراس تحليلية نقدية في ضوء القرآ الكريم، عمان - الأردن، مجلة المنارة، المجلد 21، العدد 4، 2015م، ص 238.

أن يكون تصوّره للإله مغايرًا للتصوّر اليهوديّ العامّ، وأن ينطبع هذا التصوّر في فهمه لمفهوم فاطر، لكنّ الغريب في الأمر أن يسير بالنصّ القرآنيّ إلى محاولة تصوير الإله تصويرًا ماديًّا بعيدًا كلّ البُعد عن الإسلام، قريبًا كلّ القرب من اليهوديّة، وهذا عملٌ يشي بنوعٍ من التّلبيس على القارئ اليهوديّ ذاته.

ليس هذا فحسب، بل إنّه باجتماع المكوّنات المعرفيّة للعقليّة اليهوديّة، التي كتبت التّوراة في التّاريخ اليهوديّ وانعكاسات مراحل هذا التّاريخ وآلامه وخيباته وتناقضاته، بالإضافة إلى نفسيّة اليهود الطّامعة بلا حدودٍ - حسب أحد الباحثين - نجد تصوّر اليهود للإله هو تصوّرٌ وظيفيٌّ مقاصديٌّ مادي يخدم مصالح الشّعب اليهوديّ فحسب، وليس تصوّرًا يخدم قضيّة الإيمان بالإله وكيفيّاتها، وإنّما هو دور يخدم قضيّة إيمان اليهود بأنفسهم وبطموحاتهم في هذه الأرض (1). وهذا كلّه يدلّ على أنّ التّكوين المعرفيّ اليهوديّ -بما فيهم روبين- يؤمن بتصوّرٍ ماديٍّ للإله، ومن ثمَّ عمد هذا المستشرق إلى محاولة إلصاقه للقرآن ونزع التّصوّر القرآنيّ الصّحيح عنه، للإيحاء باقتباس القرآن هذا المفهوم من التوراة، هذا الإيحاء الذي يتماشى مع تصوّرهم الأم للإسلام في أنّه اقتباسٌ يهوديٌّ بصناعةٍ محمّديّةٍ.

4 - لفظ التوبة:

لفظ التوبة الذي ورد في القرآن اسمًا لسورة التوبة، استخدم روبين لترجمته معنًی مخالفًا، فقد اختار روبین لفظ nnnnn أي البيان (2). لكنّ هذه الترجمة لا تتناسب مع دلالة اللفظ في اللغة العربيَّة. حتّى إنّ كلمة البيان ليست اسمًا من أسماء السّورة، فالسورة سُمِّيَت بالتّوبة نسبةً إلى الثلاثة الذين تاب الله تعالى عليهم بعدما خُلّفوا، وهم كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، يقول الله تعالى: «وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا

ص: 176


1- انظر: علاء هيلات ومحمد الجمل، الدور الوظيفي المادي في تصور اليهود للإله من خلال سفر التكوين، دراس تحليلية نقدية في ضوء القرآ الكريم، ص 238.
2- انظر: براء خلف حمادي، تاريخ وأهداف المستشرقين اليهود في ترجمة القرآن الكريم إلى اللغة العبرية، بغداد، مجلة دراسات في التاريخ والآثار، العدد 55، أغسطس، 2016م، ص 409.

رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنّ الله هُوَ التّوابُ الرّحِيمُ» (سورة التوبة، الآية (118). كما أنّ السّورة سُمِّيَت بسورة براءة، حيث بدأت بالبراءة من المشركين، يقول الله تعالى: «بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدتُم مِنَ المُشرِكينَ» (سورة التوبة، الآية الأولى).

حتّى إنّ سورة التوبة قيل إنّ لها أسماء عدّة، منها: التوبة - براءة - الفاضحة - المنقّرة - المبعثرة - المثيرة - البحوث - العذاب - الحافرة - المدمّرة - المقشقشة، إلّا أنّ أيًا منها لا تحمل معنى البيان الذي جاء في ترجمة روبين. فمن أين أتى روبين بهذه التّسمية؟! من الممكن أن يقال إنّ البيان مناسبٌ لبعض القضايا التي وردت في السّورة للكشف عمّا في قلوب المشركين مثلًا، لكنّ هذا خطأ كبير من روبين الذي كان عليه أن يترجم اسم السورة بما يقابلها في اللغة العبريّة، لا أن يخترع مقابلاً من عندياته؛ لأنّ من شروط الترجمة السّليمة والصّحيحة أن تعبّر عن معنى اللفظ في اللغة المترجم إليها دون تدخّلٍ من المترجم في توجيه المعنى.

5 - الأداة ألا:

يقول الله تعالى في سورة البقرة: «أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ» (سورة البقرة الآية 12)، ويقول تعالى أيضًا «ألا إنّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِن لا يَعْلَمُونَ» (سورة البقرة الآية 13). والأداة (ألا) في الآيتين افتتاحيّة للتنبيه كما قرّر بذلك نحاة اللغة العربيَّة، وهي تشير إلى تحقّق ما بعدها وحدوثه يقينًا.

في حين ترجم روبين معنى الأداة (ألا) في الآيتين ترجمةً خاطئةً؛ حيث ترجمها فيهما بمعنى لكن أو بل، وهذا لا يتّفق مع مضمون السياق القرآنيّ، لذا لم يلتزم روبین جادة الصواب في ترجمته لهذه الأداة، وكان عليه أن يترجمها وفقًا لمعاجم اللغة العبريّة (1).

ص: 177


1- انظر: ناصر الدين أبو خضير، ترجمات القرآن الكريم إلى العبرية.. ترجمة روبين نموذجًا، مجلة العربيَّة والترجمة، المنظمة العربية للترجمة، مركز دراسات الوحدة العربية، 2016م، ص 93.

وهذا الموقف يظهر خطوه من وجوه عدّة:

الأوّل: أنّ هذا الموقف ليس موقَف استدراكٍ حتّى نستخدم له لكن أو بل، ولكنّه موقفُ تنبيهٍ وتأكيدٍ، ولذا جاء بالأداة (ألا).

الثاني: أنّه ليس في العربيَّة ما يدلّ على أنّ (ألا) تُستخدم بمعنى بل أو لكن.

قد يُقال إنّ روبين فهم الأداتين: لكن وبل على أنّ كلاً منهما ابتدائيّة لا استدراكيّة، لكنّ هذا لا يغيّر من الأمر شيئًا؛ لأنّه حتّى مع هذا فإنّ هاتين الأداتين لا تقدّمان المعنى الذي تؤدّيه الأداة (ألا)، فهما لا يفيدان تنبيهًا ولا تأكيدًا، في حين تفيد (ألا) هذين المعنيين. ومن ثمَّ، نفهم أنّ اللغة العربيَّة كانت حبيسة ضعف الإلمام اللغويّ لدى المترجمين، ممّا جعل ألفاظها في القرآن تُحمّل دلالات ومعانٍ بعيدةً عنها من قبل هؤلاء المترجمين، الأمر الذي يعدّ تشويهًا فجًّا لها.

6 - فضّلتكم:

يقول الله تعالى: «وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ» (سورة البقرة، الآية 122).

وقد ترجم المستشرق أوري روبين (فضّلتكم) ترجمةً حملته على معنًى غير المعنى المراد في القرآن، فروبين لم يأخذ بعين الاعتبار في ترجمته أنّ هذا الفعل فعلُ ماضٍ؛ إذ لم يكن اليهود موضع تفضيلٍ على العالمين عندما نزل القرآن على نبيّنا الكريم، فالآية جاءت في سياق الذّمّ والتّوبيخ لليهود؛ لأنّهم كذّبوا بسيّدنا محمد، على الرّغم ممّا أنعم الله تعالى به عليهم من نِعَم في السابق، «من خلال ما سبق يتبيّن لنا أنّ اختيار المترجم للمصدر... (رفعي إيّاكم) بمعنى تفضيلي إيّاكم، بدلاً من... (رفعتكم) ليس موفقًا؛ لأنّه لا يخدم المعنى بدقّة؛ إذ إنّ التّفضيل في الماضي وليس الآن. ونجمل النّقاش في هذه الآية بنتيجةٍ مؤدّاها أنّ روبين يُكثر من استعمال صيغ الفعل الماضي بدلاً من المضارع، وهو أسلوبٌ متّبعٌ في ترجمته كلّها، ويهدف روبين من خلال هذا الأسلوب إلى الوصول إلى القارئ العاديّ المعاصر للعبريّة». (1)

ص: 178


1- انظر: ناصر الدين أبو خضير، ترجمات القرآن الكريم إلى العبرية.. ترجمة روبين نموذجا، ص 93، 94.

لكن وعلى الرّغم من وجاهة هذا الرأي الذي انتهى إليه متقنو اللغة العبريّة من الدّارسين العرب - إذ لا يمكن منازعتهم فيه لإتقانهم هذه اللغة ودروبها - إلّا أنّ ترجمة روبين هنا تقودنا إلى تساؤلٍ لا يمكن تجاهله، وهو أنّه إذا كان روبين يُكثر من استخدام الفعل الماضي بهدف الوصول إلى القاعدة العريضة من اليهود المعاصرين، فلماذا لم يلتزم بقاعدته هذه فيما يتعلّق بالفعل الماضي (فضّلتكم) وخالفها إلى المصدر، رغم أنّ السّياق حقّه الماضي بالفعل؟! إنّنا نعتقد أنّ هذا البُعد العقديّ هو الذي دعاه للتخلّي عن هذا الأمر؛ لأنّ التزامه بترجمة السّياق القرآني بدقّةٍ سوف يناقض عقيدة شعب الله المختار التي يتغنّى بها اليهود، فليس من المقبول في العقيدة اليهوديّة أن يقول لهم إنّ الله تعالى كان قد فضّلهم في السّابق، وإنّما اختار صيغة المصدر المبهمة التي لا تشي بزمن، وهذا هو المطلوب بالنسبة له. وهذا يُعدّ في نظرنا تلبيسًا على القارئ من جانب، وعلى عدم الأمانة العلميّة من جانبٍ ثانٍ، فالتّلبيس وعدميّة الأمانة هما اللذان قادا روبين إلى التغوّل على اللغة العربيَّة، وتحميلها معانٍ ليست لها، يرفضها السّياق، وترفضها اللغة العربيَّة ذاتها.

7 - كلمة يسقون:

يقول الله تعالى في سورة القصص: «وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ» (سورة القصص الآية 23).

المستشرق أوري روبين ترجم يسقون بمعنى يستخرجون الماء. (1) وهذه الترّجمة لا تتماشى مع سياق الآيات الذي يُشُير إلى أنّ (يسقون) بمعنى يسقون مواشيهم وأغنامهم (2).

إنّ هذا المستشرق اعتمد على أربعة تفاسير باعترافه هو، وهذه التّفاسير هي:

ص: 179


1- انظر: ناصر الدين أبو خضير، ترجمات القرآن الكريم إلى العبرية، ترجمة.. روبين نموذجًا، ص 94.
2- انظر: الطبري، تفسير الطبري، القاهرة، طبعة الشعب، بدون، آية: 23؛ انظر: ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، القاهرة، بدون، آیه 23.

- تفسير بحر العلوم للسمرقنديّ.

- تفسير زاد المسير لابن الجوزيّ.

- تفسير أنوار التنزيل للبيضاويّ.

- تفسير الجلالين للمحليّ والسيوطيّ.

ولكن السّؤال الذي يطرح نفسه للوهلة الأولى: هل استند أوري روبين في تفسيره لكلمة (يسقون) على هذه التفاسير الأربعة؟! بمعنى آخر: هل أيّ من التّفاسير السّابقة تفسّر (يسقون) بمعنى يستخرجون الماء؟ أم إنّ ترجمة روبين هنا من عنديّاته، ولم يستند فيها إلي أيّ من هذه التفاسير الأربعة المعتمد عنده؟ يمكن القول إنّه بمراجعة هذه التفاسير تبيّن لنا أنّ ما ذهب إليه هذا المستشرق خالف ما جاء في هذه التفاسير؛ لأنّ هذه التفاسير فسّرت (يسقون) بمعنى يسقون الماشية، وليس كما ذهب إليه من تفسير اللفظ على معنى استخراج الماء.

وإخراج اللّفظ من معناه الصّحيح إلى معنًى آخر لا يطلبه السّياق القرآنيّ، هو نوعٌ من أنواع تشويه لغة القرآن والعمل على نقلها للآخر - من خلال الترجمة - بصورةٍ مغايرةٍ، والتّشويه هنا ليس تشويهًا لفظيًّا، ولكنّه تشويهٌ معنويٌّ، يشوّه المعنى الحقيقيّ، ويضع بديلاً له معنًى آخر لا يناسبه.

8 - كلمة (استوى):

المستشرق أوري روبين ترجم (استوى) في قول الله تعالى: «ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ» (سورة البقرة، الآية 29)، بمعنى حلّق في السماء (1). وهذه الترجمة فيها تشويهٌ للغة القرآن من جانبٍ ولمضمون الصّفات الإلهيّة في القرآن من جانبٍ آخر، كونها تقوم على عوارٍ واضحٍ في فهم اللغة من جانبٍ وأصول العقيدة الإسلاميّة من جانبٍ ثانٍ، ويمكن بيان هذا العوار في الآتي:

ص: 180


1- انظر: ناصر الدين أبو خضير، ترجمات القرآن الكريم إلى العبرية.. ترجمة روبين نموذجًا، ص 96.

أ - ترجمة روبين تحمل تجسيمًا وتشبيهًا للذات الإلهيّة، وهذا ما لا يليق بها؛ لأنّ ترجمة الفعل (استوى) بمعنى حلّق فيه تجسيم للذات الإلهيّة، وقياس لعالم الغيب على عالم الشهادة.

ب - مخالفة روبين بهذه الترجمة لما أجمع عليه المسلمون من نفي التّشبيه والتّجسيم عن الذات الإلهيّة، وهو مذهب المحقّقين من علماء المسلمين.

ج - ترجمة روبين هنا لا تتّفق مطلقًا أيّ من التّفاسير الأربعة المعتمدة عنده وهو بصدد ترجمته عن القرآن الكريم، بل تعدّ مخالفةً صريحةً لكلّ التّفاسير بدون استثناء.

إنّنا في صدد قضيّة الاستواء على العرش خاصّة، والصفات الإلهيّة في القرآن عامّة، أمام ثلاثة آراء: الأوّل، الإيمان بالصّفات والتّمسّك بها في القرآن دون تكييفٍ أو تشبيهٍ أو تجسيمٍ أو تعطيلٍ، والثاني، تأويل الآيات بما ينزّه الذات الإلهيّة وفق مقتضيات اللغة العربيَّة، والثالث، التّمسّك بظاهر النصّ، وتشبيه الصّفات الإلهيّة

بصفات الإنسان.

وقد اختار روبين أن يكون في صفّ المشبّهة المرفوض إسلاميًّا، فصار على الموقف الثالث؛ حيث تمسّك بظاهر الاستواء وتشبيه هذه الصفة الإلهية بصّفة البشر، فقال بالتحليق، وهذا لا يليق بالله، وإنّما يليق بالبشر، في الوقت الذي التزمت فيها التّفاسير الأربعة التي جعل منها مرجعًا له موقف التّأويل، تأويل الاستواء على أنّه صعود أمره إلى السّماء، أو قصد إليها بإرادته، أو تُوّجت إرادته، أو أقبل إلى خلق السماء (1).

لكنّنا نرى أنّ النظرة الماديّة للإله في العقيدة اليهوديّة هي التي أدّت بروبين إلى

ص: 181


1- انظر: ابن الجوزي، زاد المسير في علم التفسير، دار ابن حزم، الطبعة الأولى، 1423 ه_ - 2002م، ج1، ص 49؛ انظر: البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، تحقيق: محمد حلاق، ومحمود الأطرش، بيروت - دمشق، دار الرشيد، ومؤسسة الإيمان، الطبعة الأولى، 141ه_ - 2000م، ج 1، ص 66؛ انظر: جلال الدين السيوطي، وجلال الدين المحلي، تفسير الجلالين، القاهرة، مطبعة البابي الحلبي، 1374ه_ - 1954م ، ص 8؛ انظر: السمرقندي، بحر العلوم، تحقيق: على محمد معوض، وعادل أحمد عبد الموجود، وزكريا عبد المجيد بيروت - لبنان، الدار العلمية، الطبعة الأولى، 1413ه_ 1993م، ج1، ص 39.

هذه الترجمة، فهو نتاج هذه العقيدة، وآراؤه في ترجمة القرآن تعدّ تأثيراً واضحًا من تأثيراتها فيه، ومن ثمَّ فهو لم يستطع أن يحيد عمّا رسمته له عقيدته، لكن كان عليه أن يكون أمينًا، وأن ينقل المعنى الحقيقيّ الموجود في التفاسير الإسلاميّة التي اتّخذ من أربعة منها مرجعًا له باعترافه، لكنّه لم يُعِرْها في رأيي اهتمامًا يذكر، ولم يستنر بها كثيرًا في ترجمته.

ومن ثمَّ، فإنّ ترجمة الألفاظ المفردة التي قام بها روبين في ترجمته للقرآن كان يشوبها العديد من الأخطاء التي حدثت عن عمد أو عن جهل باللغة العربيَّة، لكنّنا نرجّح فرضيّة العمد، خاصّة أنّ هناك العديد من ترجمات الألفاظ التي قام بها تَبِعَ فيها روبين عقيدته، أو أثّرت عقيدته فيه في ترجمته لها، بصورةٍ نقلتها من كونها ترجمةً جيّدةً إلى كونها ترجمةً مزيّفةً تُؤسّس لصراعٍ بين الأديان، وليس إلى إقامة أطرٍ حضاريّةٍ بينها.

الجانب الثاني

الترجمة التفسيريّة المتعلّقة بالنصّ:

ونقصد بهذه التّرجمة تلك التّعليقات والهوامش التي ذيّل بها أوري روبين الهوامش والحواشي والتّعليقات على ترجمته لألفاظ القرآن الكريم، وهذه التّرجمة التّفسيريّة لا تقوم على ترجمة ألفاظ النصّ بقدر ما تقوم على تفسير النصّ وفق بُعدٍ عقديٍّ / أيديولوجيٍّ تمسّك به روبين.

كما نقصد بها تلك الترجمة التي حاول فيها روبين أن يفسّر النصّ ولغته بانتزاعهما من سياقهما، ووضعهما في سياقٍ آخر مغايرٍ ظهر فيه بعدٌ عقديٌّ / أيديولوجيٌّ أيضًا، فلكي يصبغ روبين النصّ بصبغةٍ توراتيّةٍ يحاول أن يقدّم فيها القرآن على أنّه اقتباسٌ محمّديٌّ من التوراة، في صورةٍ تكشف عن الأغراض الحقيقيّة التي ساق من خلالها هذه الترجمة المحرّفة في ظنّي. ويمكن النّظر إلى هذه الترجمة على أنّها «شرح الكلام وتوضيحه وبيان معناه بلغة أخرى دون

ص: 182

رعاية لترتيب الأصل ونظمه، ومن غير الحفاظ على جميع المعاني المرادة منه» (1).

ويمكن أن نمثّل لهذه الترجمة التفسيريّة بمجموعةٍ من النّماذج الدّالّة على ذلك من خلال ما طرحه روبين من شروحات أو تعليقات لبعض الآيات القرآنيّة، وهي:

1 - قول الله تعالى: «إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ» (سورة البقرة، الآية 69)

حيث يعلّق أوري روبين على هذه الآية في الحاشية بأنّ الآية صدى لنصّ في التوراة يتحدّث عن أحكام البقرة الحمراء التي يُضحّى بها في عيد الفصح (2). وهذا يمثّل انحرافًا واضحًا عن لغة النصّ القرآنيّ. فمن قال إنّ صفراء تعني في اليهوديّة حمراء؟ ألا يعني هذا انحرافًا في الترجمة وقصورًا في التفسير؟! بل ألا يدلّ ذلك على أنّ المترجم في ترجمته التفسيريّة يقوم بليّ عنق النصّ القرآنيّ في لغته الواضحة التمرير أيديولوجيّة عقديّة معيّنة؟

ويتأكّد هذا كلّه عند تفسيره لقول الله تعالى: «مُسَلَّمَةٌ لَّا شِيَةَ فِيهَا» (سورة البقرة الآية 7)، حيث يترجمها «بمعنى: بقرة حمراء خالية من العيوب، وهذه الترجمة لا تمثّل النصّ القرآنيّ تمامًا؛ لأنّها تخلو من الجملة : لا شية فيها، التي تركها المترجم، متصرّفًا وفق ما يشاء، في نقل نصّ دينيّ» (3). وموقفه هنا يشي بأمرين:

الأوّل: موافقته لعقيدته أو لنقل تغليبه لعقيدته على المنهج العلميّ والأمانة العلميّة في الترجمة؛ حيث يتصرّف في النصّ حسبما توجّهه عقيدته اليهوديّة.

الثاني: مخالفته للتفاسير الأربعة المعتمدة لديه، فهذه التّفاسير فسّرت (مسلمة لا شية فيها) بأنّ لونها الأصفر لا يخالطه أي لون آخر (4). وهذا يعني أنّ هناك مخالفةً صريحةً من روبين لهذه التّفاسير.

ص: 183


1- شاکر عالم شوق، ترجمة: معاني القرآن الكريم ودور المستشرقين فيها، ص 60.
2- انظر: ناصر الدين أبو خضير، ترجمات القرآن الكريم إلى العبرية.. ترجمة روبين نموذجًا، ص 84، 85.
3- م، ن ص 85.
4- انظر: ابن الجوزي، زاد المسير في علم التفسير، ج 1، ص 77؛ انظر: البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، ج 1، ص 88؛ انظر: جلال الدين السيوطي، وجلال الدين المحلي، تفسير الجلالين، ص 15؛ انظر: السمرقندي، بحر العلوم، ج 1، ص 63.

2 - قول الله تعالى: «رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةٌ مُسْلِمَةٌ لَّكَ» (سورة البقرة، الآية 128)

كلمة (مسلمين) في هذه الآية يُراد بها الإخلاص والاستسلام لله تعالى في التّفاسير التي استند إليها روبين (1). لكن ما موقف هذا المستشرق في ترجمته لهذه الكلمة؟ يقول أحد الباحثين: «ولكنّ اللّافت أنّه التزم بهذا التّفسير الحرفيّ، ولم يتركها كما هي، ولكن بأحرف عبريّة، بمعنى اتِّباع الدين الإسلامي الذي جاء به محمّد عليه الصلاة والسلام، وهو عكس ما فعله في ترجمة كلمة الأرض في سورة الإسراء؛ إذ استخدم التّخصيص، فاعتبرها أرض إسرائيل، أيّ أنّه لا يتّبع منهجيّة ثابتة في تفسيره، فقد يترجم المعنى بتصرّف، وفقًا لإسقاطات آية في التوراة يعرفها، وقد يخرج عن هذا المنهج فيترجم ترجمة حرفيّة» (2). وهذا يعني أنّ لغة القرآن الكريم خضعت لأهواء وميول روبين العقديّة، بحيث أضحت عمليّة الترجمة من اللغة العربيَّة إلى اللغة العبريّة رهينةً لأفكارٍ مسبّقةٍ لدى المترجم، وهذا يكفي لإثبات ما تعرّضت له هذه اللغة - ممثّلة في كلمات القرآن - من تشويهٍ وتحريفٍ متعمّدَين. لذا فإنّ أيّ قضيّة ذات بعدٍ عقديٍّ في القرآن، خاصّة تلك التي لها علاقة ببني إسرائيل في القرآن، هي قضيّةٌ المتحكّمُ الرئيسُ في ترجمتها بين اليهود المعاصرين هو ميولُ روبين العقديّة، وهذه الميول لا يتوقّع منها إنصافًا للغة القرآن ولا للمضامين والتّعاليم المتضمّنة فيها. ومن ثمَّ، فهو «يرى أنّ التّوراة هي الأصل الذي اعتمد عليه القرآن الكريم، وأنّ في القرآن تحريفاتٍ هدفها الإعلاء من شأن إسماعيل، مقابل إسحق ويعقوب، بما يخدم المسلمين في دعوتهم إلى دينهم. وهذا تجنٍّ عظيمٌ يتولّى كبره روبين؛ إذ إنّه يشوّه ترجمة معاني القرآن من جهة، ويظلّ محافظًا على منهج موحّد طوال تفسيره، في اعتبار القرآن نقلاً غير أمين لما جاء في التوراة من جهة أخرى» (3).

ص: 184


1- انظر: البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، ج 1، ص 106؛ انظر: جلال الدين السيوطي، وجلال الدين المحلي، تفسير الجلالين، ص 27؛ انظر: السمرقندي، بحر العلوم، ج 1، ص 93 .
2- انظر: ناصر الدين أبو خضير ، ترجمات القرآن الكريم إلى العبرية.. ترجمة روبين نموذجًا، ص 87.
3- م،ن: ص 87.

وهذا يعني أنّ روبين آلَ على نفسه في ترجمة كلمة (مسلمين) وغيرها من كلمات القرآن ألّا ينقل أو يترجم الكلمة بما هي عليه في محيطها اللغويّ و السّياقيّ، وإنّما نقلها وترجمها وهي محمّلة بمعانٍ مغايرةٍ ومضامين معكوسةٍ رجاءَ تشويه العقيدة الإسلاميّة وإظهارها بمظهر المُقتبس من اليهوديّة، فالتوراة عنده الأصل والقرآن الفرع، وفي هذا الإطار خلع روبين عباءة المترجم الأمين للغة، ولبس عباءة الحبر الأمين لعقيدته فقط، ولذا فإنّنا نعتقد أنّ كثيرًا من الأخطاء التي وقع فيها روبين وهو بصدد ترجمة معاني القرآن الكريم كان نتيجة الولاء لعقيدته اليهوديّة.

3 - قول الله تعالى: «يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ» (سورة المائدة، الآية 21).

لقد ترجم روبين هنا كلمة (كتب) بما يخدم عقيدته اليهوديّة، وليس بما يخدم عمليّة الترجمة ذاتها، فقد علّق في الحاشية مترجمًا الآية قائلاً: هذه الأرض التي وعدها لهم الله (1). وهذه الترجمة التفسيريّة التي يقدّمها روبين تنبني على مغالطةٍ واضحةٍ ؛ لأنّ معنى الآية هنا هو: ادخلوا الأرض التي فرض الله تعالى عليكم دخولها. وما بين الفعل وعد الذي اختاره روبين، وبين فرض الذي هو رأي المفسّرين المسلمين بونٌ شاسعٌ، فالفعل وعد يحمل معنى الهبة أو العطيّة، ولذا اختاره روبين - في مغالطة فجّة - ترجمةً للفعل كتب، محاولاً أن يرسّخ للوجود اليهوديّ في إسرائيل، أو أن يضع سندًا تاريخيًا له، وهكذا أملت دوافع سياسية هنا - بجوار دوافع عقدية بالطبع - على روبين أن يشوّه اللغة العربيَّة من جانبٍ ومضمون النصّ القرآنيّ من جانبٍ آخر.

قد يُقال إنّ روبين اعتمد في ترجمته هذه على بعض التّفاسير الأربعة المعتمدة لديه، والتي يذهب فيها أصحابها إلى تفسير الفعل (كتب) من وجوه عدّة، منها: ما ذهب إليه روبين في ترجمته بيد أنّه تغافل عن الوجوه الأخرى، كما أنّه تغافل

ص: 185


1- انظر: ناصر الدين أبو خضير، المرجع السابق، ص 88.

عن الشّروط التي وضعها مفسّرٌ كابن الجوزي لتكون هذه الأرض لهم (1)، وكان عليه - حسب ما تقتضيه الأمانة العلميّة - أن يذكرها؛ لكنّه اختار ما يوافق عقيدته اليهوديّة، دون أن يبيّن هذه الوجوه أو تلك الشّروط.

4 - قول الله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ سَيَنالُهُم غَضَبٌ مِن رَبِّهِم وَذِلَّهُ فِي الحَياةِ الدُّنيا» (سورة الأعراف، الآية 152).

وقد ترجم روبين (وذلّة في الحياة الدنيا) ترجمةً لا تتّفق مع اللغة العربيَّة من أيّ وجهٍ من الوجوه؛ حيث «يترجم روبين (وذلّة في الحياة الدنيا)..... ثمَّ يعقّب في الحاشية، مستندًا إلى بعض الباحثين - دون ذكر المصدر - الذين يرون أنّ الآية تلمّح إلى تدنّي منزلة اليهود بوصفهم أهل ذمّة تحت حكم المسلمين» (2). لكنّ هذه الترجمة لا تتّفق مطلقًا مع اللغة العربيَّة، بل تحمّل لغة النّصّ القرآني ما لا تحتمل، وما يبعد به عنها، فلغة القرآن أيسر وألين من تلك التّحميلات التي تعيق لغة النصّ من أن تصل إلى العالمين.

لكن إذا رجعنا إلى التّفاسير الأربعة التي ادّعى أنّ اعتماده في التّرجمة عليها، لوجدنا خلاف ما يذهب إليه روبين في ترجمته، فتفسير الجلالين يفسّر الآية بقوله: وضُربت عليهم الذلّة إلى يوم القيامة (3). في حين فسرّها البيضاويّ على معنى الخروج من ديارهم أو الجزية (4). وهذا ما ذهب إليه السمرقندي

ص: 186


1- يذهب ابن الجوزي في زاد المسير إلى أن في معنى (كتب) جوابان: أحدهما أنه إنما جعلها لهم بشرط الطاعة، فلما عصوا حرمها عليهم، والثاني أنه كتبها لبني إسرائيل، وإليهم صارت، ولم يعن موسى أن الله كتبها للذين أمروا بدخولها بأعيانهم. انظر: زاد المسير في علم التفسير، دار ابن حزم، الطبعة الأولى 1423ه_ - 2002 م ، ج 1، ص 371. ويذهب الجلالان في تفسير الجلالين إلى أن (كتب الله لكم) أي أمركم بدخولها. انظر: جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي، تفسير الجلالين، القاهرة، مطبعة البابي الحلبي، 1374ه_ - 1954م، ص 111.
2- انظر: ناصر الدين أبو خضير، ترجمات القرآن الكريم إلى العبرية.. ترجمة روبين نموذجًا، ص 89.
3- انظر: جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي، تفسير الجلالين، القاهرة، مطبعة البابي الحلبي، 1374 ه_ - 1954م، ص 169.
4- انظر: ناصر الدين أبو سعيد البيضاوي، تفسير البيضاوي، المسمى أنوار التنزيل وأسرار التأويل، تحقیق محمد حلاق، ومحمود الأطرش، بيروت - دمشق، دار الرشيد، ومؤسسة الإيمان، الطبعة الأولى، 141ه_ - 2000م، ص 590.

أيضًا في تفسير بحر العلوم (1)، وابن الجوزي في زاد المسير (2).

ومن ثمَّ، فإنّ هذه التفسيرات لم تحمّل اللّفظة أو الجملة ذلك المعنى الذي أتى به روبين من عنديّاته، وإن كان يترجم اللفظة في ضوء ما ذهب إليه عددٌ منهم من وجوه تفسيرها على معنى الجزية، فيعوّل على الجزية ظنًّا منه أنّها تعبّر عن ضعف مكانتهم ومنزلتهم؛ بسبب النّظر إليهم على أنّهم أهل ذمّة، فليس في ذلك وجه لما يذهب إليه؛ لأنّهم ما قصدوا بمعنى اللفظة ما ذهب إليه هو، وإنّما تفسير هؤلاء المفسرين يتعلّق بالمستقبل، أيّ أنّهم سيكونون في ذلّة مستقبلاً بكفرهم وعصيانهم، ولم يكن الأمر يتعلّق بوضعهم في المدينة أيام البعثة؛ لأنّهم كان ينظر إليهم على أنّهم جزءٌ من وطن المدينة. هذا فضلاً عن أنّ مصطلحي: الجزية وأهل الذمّة في الإسلام لا يحمل هذه الدلالات السلبيّة التي يحاول روبين أن يلصقها بجملة (وذلّة في الحياة الدنيا) وألفاظها واضحة الدّلالة في اللغة العربيَّة، وإنّما يحمل المصطلحان المعاني الإيجابيّة التي تضع لغير المسلم واجباته أمامه بجوار حقوقه، مثلما تضع أمام المسلم حقوقه وواجباته. ومن هذه المعاني الإيجابيّة حماية غير المسلم مع عدم تحمّل غير المسلم مشاقّ الدفاع عن نفسه، ومن هنا تجب الجزية، لكن في حال مشاركته في الدّفاع تسقط عنه الجزية، هذا من جانبٍ، ومن جانبٍ آخر، فإنّ قيمة الزكاة المفروضة على المسلم أكبر من الجزية المفروضة على غير المسلم، فأين تدني مكانة اليهود بسبب كونهم أهل ذمّة يدفعون الجزية؟! فهذه تُرهّات لا أساس لها من الصحّة.

ه - قول الله تعالى: «الَّذِينَ يَتَّبِعونَ الرَّسُولَ النَّبِيِّ الأُمِّيَّ الَّذِى يَجِدونَهُ مَكتوبًا عِندَهُم فِي التَّوراةِ وَالإنجيل..» (سورة الأعراف، الآية 157).

وقف روبين عند تفسير هذه الآية معوّلاً على كلمة (الأمّيّ)؛ حيث ترجمها ترجمةً تخرج بها عن سياقها، فالأمّيّ عنده هو الأمميّ، ولقد كانت هذه الكلمة

ص: 187


1- انظر: السمرقندي، بحر العلوم، تحقيق على محمد معوض، وعادل أحمد عبد الموجود، وزكريا عبد المجيد بيروت - لبنان، الدار العلمية، الطبعة الأولى، 1413ه_ 1993م، ص 572.
2- انظر: ابن الجوزي زاد المسير، ج 1، ص 371.

محورًا لترجمة تفسيريّة في الحاشية، «وفي الهامش يوضّح روبين بأنّه يتبنّى هذا التفسير بما يخالف معظم المفسّرين المسلمين الذين يرون أنّ (النبي الأمّيّ) الذي لا يكتب ولا يقرأ، ولكن ما يُوجِّه روبين في ترجمته اعتقاده بأنّ آية الأعراف إن هي إلَّا صدى لما ورد في التوراة.... أيّ سأجعل لهم نبيًّا مثلك من بين إخوتهم، لذلك يرى روبين أنّ هذه الآية تشكّل خلفيّة آية الأعراف، فأعتبرت البشارة التي تنبّئ بمجيء النّبيّ محمد عليه الصلاة والسلام» (1).

موقف روبين هنا يعدّ حلقةً من حلقات المواقف الاستشراقيّة من قضيّة أمّيّة النّبيّ الكريم عبر مراحل الاستشراق المختلفة، وهو يمثّل مخالفةً صريحةً للشواهد التّاريخيّة التي تثبت أنّ النبيّ الكريم لم يكن له علم بالقراءة والكتابة، وهذا ما أكّدته التّفاسير الأربعة التي اعتمد عليها روبين - فضلاً عن سائر التفاسير - فتفسير الجلالين لم يطرق باب قضيّة أمّيّة الرسول، بيد أنّه كذلك لم يَنْفِها، وقد أكّد تفسير البيضاويّ وتفسير السمرقنديّ على عدم معرفة الرسل بالقراءة والكتابة، في حين ذهب ابن الجوزيّ في تفسيره إلى وجهين في تفسير المعنى: الأوّل لأنّه لا يكتب، والثاني لأنّه من أمّ القرى (2).

وهذه التّفسيرات تعني أنّنا أمام أربعة مواقف: الأوّل لم يذكر القضيّة، والثاني والثالث أكّدا على أمّيّة النبيّ قراءة وكتابة، والرابع قال بالأمّيّ على معنيين: عدم معرفة الكتابة، وأمميّ نسبة إلى قريش. وكان من المفترض أن ينقل روبين ترجمته بذكر الوجوه الأربعة أو ما انتهى إليه معظمها؛ لكنّه آثر أن يختار معنى يتيم من المعنيين اللذين ذهبا إليهما ابن الجوزي، ما يعني عندنا أنّ عمليّة ترجمة ألفاظ القرآن الكريم بالاستناد إلى هذه التّفاسير كانت عمليّة انتقائيّة، ينتقي منها روبين ما يحاول أن يعضد به توجّهه العقديّ والسياسيّ، فما وجد فيه خدمة لعقيدته - مستندًا بالطبع إلى جهده في التحوير وقلب الحقائق حول ما وجده - اختاره،

ص: 188


1- انظر: ناصر الدين أبو خضير، ترجمات القرآن الكريم إلى العبرية.. ترجمة روبين نموذجًا، ص 90.
2- انظر: جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي، تفسير الجلالين، ص 170؛ انظر: ناصر الدين أبو سعيد البيضاوي، تفسير البيضاوي، المسمى أنوار التنزيل وأسرار التأويل ج9، ص 576؛ انظر السمرقندي، بحر العلوم، ص 574؛ انظر: ابن الجوزي، زاد المسير، ج 1، ص 522 .

وما خالف عقيدته ولو كان هو الأقوى والأغلب والأصحّ تركه واختار الأضعف، وكلّ هذا يؤكّد على أنّ ترجمة روبين للقرآن كانت عمليّةً انتقائيّةً يبحث من خلال التّفاسير الإسلاميّة - إضافة إلى ما انتهى إليه هواه وأيديولوجيّته - عمّا يؤيّد به غايته ومقصده. وهذا يقودنا - في التّحليل الأخير - إلى أنّ التفاسير الأربعة المعتمدة لديه لا تعني شيئًا بالنّسبة له ولترجمته ما لم تؤيّد النصّ التوراتيّ الذي يؤمن به.

ومن هنا ننتهي إلى أنّ ترجمة أوري روبين لمعاني ألفاظ القرآن الكريم، کانت تمثّل اعتداءً على اللغة العربيَّة التي يقوم عليها النصّ القرآنيّ، وهذا الاعتداء كان على مستوى الألفاظ وعلى مستوى المعاني، على مستوى اللفظة المفردة وعلى مستوى الترجمة التفسيريّة، وهذا الاعتداء وصل إلى حدّ التّحريف الممنهج، فقد كان الاعتداء على لغة النصّ وسيلته لتمرير أفكاره ومعتقداته تجاه الإسلام، وهي كلّها أفكارٌ ومعتقداتٌ تصبّ في غير صالح الإسلام، وإنّما في صالح عقيدته اليهوديّة التي ظلّ أمينًا معها في ترجمته للقرآن حتّى النهاية.

المبحث الثالث: ترجمة جاك بيرك

يُعدّ جاك من المستشرقين الفرنسيين الذين اهتموا بترجمة معاني ألفاظ القرآن الكريم، فقد ظهرت ترجمته في عام 1990م، وقد سبقه إلى هذا النّهج مستشرقون فرنسيّون لهم ترجماتهم عن القرآن كسافاري (1) ومونتيه (2) وبلاشير وغيرهم. وقد كانت هذه الترجمة التي قام بها جاك بيرك محلّ نقاشٍ كبيرٍ بين المهتمّين والدّارسين العرب، بين مؤيّدٍ ومعارضٍ، لكن ما يُهمّنا هنا هو الوقوف على علاقة هذه الترجمة بلغة النّصّ القرآنيّ؟ هل نقل معاني الألفاظ بصورةٍ دقيقةٍ؟ أم شابت عمليّة النقل أخطاء ممّا يشي بتشويه لغة النصّ القرآنيّ؟ كلّ ذلك بالاسترشاد بأقوال الدّارسين العرب والمهتمّين بالفكر الفرنسيّ واللغة الفرنسيّة.

ص: 189


1- كلود إتيان سافاري، مستشرقٌ فرنسيٌّ ( 1750 - 1788م)، من آثاره العلمية: ترجمة فرنسية للقرآن.
2- إدوارد مونتيه مستشرقٌ فرنسيٌّ (1817 - 1894م)، عمل أستاذًا للغات الشرقية بجامعة جنيف.

نعلم أنّ جاك بيرك قد قام بجهدٍ كبيرٍ وعملٍ مضنيِّ في سبيل تحرير هذه الترجمة وإخراجها للنور؛ فقد قيل إنّه ظلّ في هذا العمل ما يقرب من عشرين عامًا. بيد أنّ هذا لا يعني أنّنا أمام عملٍ متكاملٍ - خاصّة وأنّنا لا زلنا ننظر لنوايا الغرب على أنّها نوايا سلبيّة - ومن ثمَّ فلا مفرّ من وجود أخطاءٍ في ترجمة جاك بيرك، ولكنّ إثبات الأخطاء لا يُبنى على النوايا، ولكنّه يُبنى على شواهد وأدلّة من ترجمات بيرك ذاتها، وهذا ما سنعرض لبعضه فى السّطور القادمة.

أ - أخطاء في كتابة الألفاظ:

وهذه الأخطاء مترتّبةٌ بطبيعة الحال على أخطاءٍ في نطق الكلمات من المترجم ذاته؛ إذ لو كانت تنطق صحيحةً لما أدّى ذلك إلى أخطاءٍ في كتابتها، يقول أحد الباحثين: «بيد أنّنا نُصاب بالدّهشة الكبيرة عندما نجده لا يحسن نطق الكلمات العربيَّة، حتّى السهل منها الذي لا يشكّل أيّ صعوبةٍ في ضبط حروفه، مثل (أتّخذوا) بفتح الهمزة بدلاً من كسرهما / هامش الآية 125 من سورة البقرة / ص42،... وأعتدى بفتح الهمزة بدلاً من كسرها / هامش الآية 178 من السورة نفسها ص 45، وحبطت بفتح الباء بدلًا من كسرها / هامش الآية 22 من آل عمران / ص (72) (1) .

وهذا اعتداءٌ واضحٌ على اللّغة العربيَّة لغة النصّ القرآنيّ، بل اعتداءٌ على النّصّ ذاته لغةً ومضمونًا؛ لأنّ المعنى هنا يتغيّر باختلاف نطق الكلمة أو كتابتها، فمثلاً يقول الله تعالى: «وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةٌ لِلنَّاسِ وَأَمْنا وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى...» (سورة البقرة الآية (125)، فالفعل (اتّخذوا) بكسر الخاء فعل أمر باتّخاذ مقام إبراهيم مصلّى، ولو قرئ بفتح الخاء كما فعل جاك بيرك لصار ماضيًا، وهذا مخالفٌ لسياق الآيات، ومن هنا فإنّ الخطأ في نطق أو تشكيل اللّفظ يقود إلى تشويه لغة النّصّ وما تنبني عليه من مضامين إلهيّة.

وقد تتبّع أحد الباحثين العديد من الأخطاء التي في الكتابة وتشكيل الحروف، بما يعد تعدّيًا على اللغة العربيَّة، من تلك الأخطاء ما نجده في كلمات من نحو:

ص: 190


1- إبراهيم عوض ترجمة جاك بيرك للقرآن الكريم بين المادحين والقادحين، القاهرة، مكتبة زهراء الشرق ،1421 ه_ - 2000م، ص 15 . - 2000م، ص 15.

- كتابة الفعل استحقّ بهمزة قطع في سورة المائدة الآية 107.

- كتابة كلمة تأويله (بفتح اللام) رغم كونها فاعلاً في الآية 153 من سور الأعراف.

- الفعل المضارع (يهدّي) في سورة يونس الآية 35 كتب بكسر الدال مع كونه مشدّدًا (1) .

والسّؤال الذي يطرح نفسه هنا كيف يقع مترجم للقرآن في كلّ هذه الأخطاء البسيطة مع تصدّيه لترجمة معاني القرآن الكريم؟! وكيف تكون حال ترجمة المعاني مع وجود بعض الأخطاء على مستوى كتابة الألفاظ وتشكيلها؟!

ب - أخطاء في الإعراب:

من عوامل انتهاك اللغة العربيَّة والتعدّي عليها مخالفة القواعد النحويّة التي تنظّم عمليّة النحو العربيّ واللغة العربيَّة، فما بالنا إذا كان التعدّي إعرابيًّا يكون في لغة نصّ القرآن الكريم، وهذا ما وقف عليه بعض الدّارسين لترجمة جاك بيرك؛ حيث وُجد أنّها تنطوي على أخطاءٍ من حيث الإعراب.

ومن هذه الأخطاء قوله بأنّ كلمة (الأرحام) في قول الله تعالى: «وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ» (سورة النساء، الآية 1) مفعول به ثان للفعل (واتّقوا) (2). مع أنّ هذا لا يتّفق مطلقًا مع القواعد النحوية؛ بل لا أظنّ أنّه لا يقع . في هذا الخطأ إلا طالب مبتدئ؛ لأنّ الكلمة هنا معطوفة على اسم الجلالة (الله)، وإلّا فما فائدة الواو العاطفة هنا، ومثل هذا الخطأ دليل على ما تعرّضت له اللغة العربيَّة من انتهاك على يد بيرك سواء أكان عمدًا أم جهلاً .

ومن هذه الأخطاء قوله بأنّ كلمة (ليلاً) في قول الله تعالى: «سُبحانَ الَّذى أَسرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ المَسجِدِ الحَرامِ إِلَى المَسجِدِ الأَقصَى» (سورة الإسراء، الآية 1) حال (3).

ص: 191


1- إبراهيم عوض، المرجع السابق، ص 16، 17.
2- م،ن: ص 18.
3- إبراهيم عوض، ترجم جاك بيرك للقرآن الكريم بين المادحين والقادحين، ص 18.

وهذا خطأ أيضًا؛ لأنّ الكلمة هنا ظرف زمان منصوب وفقًا للقواعد النحويّة. ويمكن الرجوع في ذلك إلى محي الدين الدرويشيّ في كتابه إعراب القرآن وبيانه، وأبي البقاء العكبريّ في كتابه التبيان في إعراب القرآن (1).

ومنها أيضًا قوله بأنّ (دين القيّمة) في قول الله تعالى: «وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ» (سورة البينة، الآية 5) عبارة عن منعوت نكرة ونعت معرّف بأل (2). وهذا من أغرب ما يمكن أن يقال في مجال اللغة العربيَّة والنحو العربي. فالإعراب النحويّ الصّحيح يؤكّد على أنّ الكلمتين مضاف ومضاف إليه، ولا يصح أن يُعربا نعتّا

ومنعوتًا؛ لأنّ من شروط النعت المفرد - أي الذي ليس بجملة ولا شبه جملة - المطابقة في التّعريف أو التّنكير، وفي التّذكير والتّأنيث (النوع)، والإعراب، وهذه الشّروط غير منطبقة على ما قاله جاك بيرك، فكلمة الدين مذكرة وكلمة القيمة مؤنّثة، والأولى مرفوعة وعلامة الرفع الضمة والثانية مجرورة بالإضافة وعلامة الجر الكسرة، وهذا يقضي بخطأ ما ذهب إليه بيرك وتقصيره في حق لغة النصّ القرآنيّ.

ج - أخطاءٌ بلاغيّةٌ:

وقد وقف بعض الباحثين على الأخطاء التي وقع فيها جاك بيرك من الناحية البلاغيّة في استخدامه لبعض المصطلحات البلاغيّة؛ حيث يرى أنّ بين آية: «وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ» (سورة الجاثية، الآية 4)، وآية: «وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِى مَا السَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنَّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ» (سورة الجاثية، الآية 32) ردًّا للأعجاز على الصدور (3).

لكنّ كلام بيرك هنا خالٍ من الصواب؛ فليس هذا من باب ردّ الأعجاز على الصدور، فمن قال بأنّ ردّ الأعجاز على الصدور يكون بين كلمة في الآية الرابعة

ص: 192


1- انظر: محي الدين الدرويشي، إعراب القرآن وبيانه، إعراب سورة الإسراء، آية: 1؛ انظر: أبو البقاء العكبري، التبيان في إعراب القرآن، تحقيق: علي محمد البجاوي، القاهرة، عيسى البابي الحلبي، 1379ھ، ج 2، ص 120.
2- إبراهيم عوض، ترجم جاك بيرك للقرآن الكريم بين المادحين والقادحين، ص 18.
3- م.ن، ص 18.

وكلمة في الآية الثانية والثلاثين؟! من قال بأنّ ردّ الأعجاز يكون بين كلمتين أحدهما في بدايات السّطر الثالث والأخرى في السّطر الرابع والأربعين؟! من قال بأنّ ردّ الأعجاز يكون بين كلمتين أحدهما في بدايات السورة والأخرى في نهاياتها؟! من قال بأنّ ردّ الأعجاز يكون بين كلمتين بينهما 409 كلمة؟! فكلمة (يوقنون) وكلمة (بمستيقنين) التي يذهب جاك بيرك أنّ بينهما ردًّا للأعجاز على الصدور بينهما 28 آية، وأربعين سطرًا، و 409 كلمة ، وهذا لا يصحّ في باب البلاغة والبديع.

وقد فصّل الخطيب القزوينيّ الكلام في هذا الأمر، بما يدلّ على خطأ ما ذهب إليه بيرك، فعرّف ردّ الأعجاز على الصدور أوّلاً بقوله: «هو أن يجعل أحد اللّفظين المكرّرين أو المتجانسين، أو الملحقين بهما، في أوّل الفقرة والآخر في آخرها» (1).

ومن الأمثلة على ذلك:

قول الله تعالى: «وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخشَاهُ» (سورة الأحزاب، الآية 37).

وقولهم : الحيلة ترك الحيلة.

وقولهم : سائل اللئيم يرجع ودمه سائل.

وكما ترى فإنّ الأمثلة التي تمثّل تطبيقًا للتعريف هي أمثلة قليلة الكلمات، يكون ردّ الأعجاز على الصدور فيها بين كلمتين أحدهما في بداية الجملة الواحدة والأخرى في نهايتها، أو في بداية الجملة الأولى ونهاية الجملة الثانية.

هذا من جانب، ومن جانبٍ ثانٍ، فإنّ ردّ الأعجاز على الصدور من المحسنات البديعيّة، ولا يُتصوّر في باب المحسنات البديعيّة أن يكون هناك ردّ أعجاز على الصدور بين كلمة (يوقنون) وكلمة (بمستيقنين)، فكيف يكون هناك محسن بديع ما بينهما مع ما من كلّ هذه المسافة؟

ص: 193


1- الخطيب القزويني، الإيضاح في علوم البلاغة، وضع حواشيه إبراهيم شمس الدين، بيروت - لبنان، دار الكتب العلمية، الأول، 2003م، ص 543.

وإذا نظرنا إلى بعض الأمثلة من الشعر العربي، فإنّنا نجد التّقارب الشّديد بين الكلمتين موضع الشّاهد في إثبات ردّ الأعجاز على الصدور، من ذلك مثلاً قول الشاعر:

سريع إلى ابن العمّ يلطم وجهه *** وليس إلى داع الندى بسريع.

وقول الشاعر:

تمتّع من شميم عرار نجد *** فما بعد العشيّة من عرار.

وهكذا نجد أنّ الأبيات السّابقة من الشعر العربيّ تقوي الزعم بأنّ هذا اللّون من المحسنات البديعيّة يتّسم بقرب المسافة بين الكلمتين؛ حيث نجده في الشعر في الشطر الأوّل والثاني من البيت الواحد، أو بين البيت وبداية البيت الذي يليه، إدراكًا بأنّ المحسن البديعيّ لا يكون إلّا في هذه المواضع وبين الكلمتين موضع الشاهد هذه المسافة المتقاربة. وهذا كلّه يحكم بخطأ ما ذهب إليه جاك بيرك في مسعاه أثناء ترجمة معاني ألفاظ القرآن الكريم، كما يحكم في الوقت ذاته بمدى تجنّيه على لغة النصّ القرآنيّ.

هذا فضلاً عن أنّ هذا اللّون البديعي يكون بتكرار اللفظ بمعناه، أو تكراره بغير معناه، على سبيل الجناس

(1).

د - أخطاء فى دلالات الألفاظ:

وقع جاك بيرك في أخطاءٍ عدّةٍ تُصنّف على أنّها أخطاءٌ في فهم دلالة ألفاظ النصّ القرآني، «فإنّه يحوّر قوله تعالى عن إبليس (وكان من الكافرين) إلى: وكان أوّل الكافرين... ومن ذلك ترجمته لقوله عزّ شأنه (فذبحوها وما كادوا يفعلون) ب_: ذبحوها مقطبي الوجه... ومثل قوله: (وقالوا قلوبنا غلف) الذي ترجمه بيرك إلى قلوب معتمة» (2) . وهذه كلّها أخطاء في دلالات الألفاظ، فمن قال إنّ الكلام حول

ص: 194


1- إبراهيم عوض، ترجم جاك بيرك للقرآن الكريم بين المادحين والقادحين، ص 18، 19.
2- إبراهيم عوض المرجع السابق، ص 18، 19.

إبليس يُحوّر وتُغيّر دلالته من الحديث عن أنّه من الكافرين إلى أوّل الكافرين، نعم قد يُفهم من خلال عناد إبليس ورفضه السجود لآدم أنّه أوّل الكافرين، ولكنّ سياق هذه الآية لا يُشير إلى هذه الجزئيّة، وإنّما أشار إلى أنّه من زمرة الكافرين، ومن ثمَّ كان من الواجب ترجمة الآية بما تؤدي إليه ألفاظها، خاصّة وأنّنا في سياق ترجمة، ولا بدّ من أن تكون الكلمات معبّرة عن معنى ألفاظ الآية، دون تحميلها دلالات أخرى.

ه_ - أخطاء حول استبدال كلمات القرآن بأخرى مختلفة الدلالة:

من الأخطاء التي وقع فيها جاك بيرك، وأشار إليها المهتمّون بترجمته من العرب، قضيّة استبداله بكلمات القرآن كلمات أخرى في الترجمة متعارضة الدّلالة أو منقوصة الدّلالة، فقد لاحظ أحد الباحثين: «أنّه قد يُسقط بعض الألفاظ أو يستبدل بها ألفاظاً أخرى لا تؤدّي المعنى المراد، أو يتصرف في الترجمة تصرُّفًا مخلاً، أو يأتي بترجمةٍ غير دقيقةٍ، فعلى سبيل التمثيل نراه يغيّر كلمة بناءً في قوله تعالى: «الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً» (سورة البقرة، الآية 22) إلى قبة» (1).

وهذا الاستبدال الذي جاء به جاك بيرك في ترجمته أضاع المعنى الحقيقيّ للآية، بل لقد أضاف معنى آخر يتعارض مع هذا المعنى الحقيقيّ، وهل يصوّر القرآن السماء بالقبّة؟! إن هذا إلا إفك مفترى. فتصوير السماء بالقبّة لا نجد له وجودًا في أيّة آية من آي القرآن الكريم، فهذا موقف عجيب وغريب من جاك بيرك.

من ذلك أيضًا ما ذهب إليه هذا المستشرق من استبدال كلمة ندم بكلمة تاب في قول الله تعالى: «فَتَابَ عَلَيْكُمْ» (سورة البقرة، الآية (187)، مترجمًا الآية بقوله: ندم من أجلكم (2). وهل يُعقل أن يُنسب الندم إلى الله تعالى؟! وهل يُوصف الله تعالى - حاشاه - بما يُوصف به البشر؟! وكيف تقوم كلمة ندم مقام (تاب)؟! أليس في ذلك انتهاك واضح للغة العربيَّة؟!

ص: 195


1- إبراهيم عوض، المرجع السابق، ص 20.
2- م.ن، ص 21.

وفي قول الله تعالى: «فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ» (سورة البقرة، الآية 222)، فإنّ بيرك يترجمها ترجمةً تبعد بها عن النصّ القرآنيّ، فقد ترجمها إلى: اعزلوا النساء في المحيض (1). وربما كان هذا ناتجًا عن عدم إلمامٍ باللغة العربيَّة، وهناك فرق كبير بين (اعتزلوا) واعزلوا، فالأولى تعني النّهي عن جماع المرأة، مع السّماح بالمجالسة والمخالطة والمؤاكلة، وكذلك الملامسة متى أراد (2) في حين تختلف الدّلالة كليّة في كلمة اعزلوا التي تحمل معنى المنع والتنحية للآخر، ومنه قول الله تعالى: «إِنَّهُمْ عَنِ السَمْعِ لَمَعْرُولُونَ» (سورة الشعراء، الآية 212) بمعنى: ممنوعون من المنع لغةً.

كما أنّ هناك فرقًا كبيرًا بين أن أقول لشخص عزلتك، فهذا يعني أنّني منعته وصددته، وصنعت حوله جدارًا عازلاً، وهذا ما لم يقل به القرآن الكريم، وبين أن أقول له اعتزلتك، فمعناه أنّني قد أبعد عنك، ولكنّي لا أصنع حولك جدارًا عازلاً، ومنه قوله الله تعالى: «وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُوا لِى فَاعْتَزِلُونِ». أي إن لم تؤمنوا لي فلا تكونوا معي أو عليّ، بمعنى ابتعدوا عنّي.

ولم تكن قضيّة الاستبدال عنده تقف عند هذا الحدّ، بل لقد تعدّتها إلى عناوين السور القرآنيّة، فتارةً كان - كما تؤكد زينب عبد العزيز - يستبدل بعنوان السورة عنوانًا من الفرنسيّة، وأحيانًا أخرى كان يضع اللفظ كما هو بدون ترجمة، مع كتابته بالأحرف اللاتينيّة، مثل: سورة الحجر، فكتبها Al-Hijr، وسورة الأحقاف Al-Ahqaf، ومن ثمَّ تتساءل في استنكار: «ألم يستطع أن يجد لها معنى أو تعليلاً رغم كلّ التّفاسير التي اطّلع عليها ؟!» (3).

لا شكّ في أنّ هذه السور لها معنًى واضح مذكور في كتب التّفاسير المختلفة، فضلاً عن معاجم اللغة العربيَّة، وكان على بيرك - وقد كان عضوًا في مجمع العربيَّة بالقاهرة، أي أنّه عالم بالعربيَّة وإلّا لما وصل إلى هذه العضويّة اللغويّة - أن

ص: 196


1- انظر: إبراهيم عوض، المرجع السابق، ص 21.
2- وقد استدل ابن كثير على ذلك بالعديد من الأدلة انظر ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، سورة البقرة، أية: 222.
3- انظر: زینب عبد العزيز، ترجمات القرآن إلى أين؟ وجهان لجاك بيرك، القاهرة، مكتبة وهبة الأولى، 1325ه_، 2005م، ص 21.

يكلّف نفسه مؤنة البحث عن معاني هذه الكلمات، ثمَّ ترجمتها الترجمة الصحيحة والمناسبة في اللغة الفرنسيّة.

ومن مظاهر استبدال بعناوين سور القرآن عناوين أخرى مختلفة الدّلالة عند جاك بيرك ترجمته عنوان سورة الروم إلى كلمة (روما) ، وقد اُنتُقد في ذلك، بل وأُنتُقد في تبريره لهذا المسلك بدعوى أنّ ترجمته هنا لأسبابٍ تتعلّق بترخيم الصّوت أو التطريب (1). لكنّ هذا المسلك أقلّ ما يمكن أن يُوصف به أنّه ينا في الأمانة العلميّة؛ إذ إنّها تقتضي نقل الكلمة كما هي بترجمتها في اللغة الأخرى، دون تدخلٍ بالزيادة أو النقصان، فكيف تُفسّر (الروم) إلى روما؟! وهل يختزل جنس الروم في اسم مكان؟! إن ترجمتها على هذا النحو خطأ كبير؛ فيه تشويهٌ للغة النصّ القرآنيّ لأنّ كلمة الروم هنا ليس المقصود بها روما، وإنّما المقصود بها بالأحرى البيزنطيّون، والدولة البيزنطيّة المنتسب لها البيزنطيّون ومقرّها القسطنطينيّة، كانت امتدادًا للدولة الرومانيّة في الغرب. ومن ناحيةٍ أخرى، فإنّ بيرك كان يجوز له ذلك لو كان الروم هم أهل روما فحسب، لكن ممّا تغافل عنه أنّ الروم لم يكونوا قصرًا على روما؛ لأنّ منهم من كان في القسطنطينية تحت ظلّ حكم الدولة البيزنطية، بما يعني أنّ ترجمة بيرك هنا منقوصة؛ كونه اختزل الترجمة لتعود على جزءٍ مما ينطبق عليه اللفظ دون دلالاته المطابقيّة.

ولو كان جاك بيرك قد أراد الصواب لترجمها إلى البيزنطيّين؛ لأنّ الدولة البيزنطيّة كانت الأقرب إلى الدول الإسلاميّة حدوديًا في ذلك الوقت، حيث احتلّت أجزاءً من الأردن وغيرها، وفي الأردن، وتحديدًا في غور البحر الميت حيث قامت المعركة التي أخبر بها القرآن. لكنّ القضيّة أنّ جاك بيرك ترجمها إلى روما البعيدة كلّ البعد عن مسرح الأحداث في الشرق، فهل كان للعلاقة المتوتّرة بين البيزنطيّين والمسلمين تأثيراً في ترجمته تلك، خاصّة وأنّ الغلبة في الحروب بينهم كانت تصبّ في صالح المسلمين وهم بصدد الفتح الإسلاميّ؟

ص: 197


1- انظر: زينب عبد العزيز، المرجع السابق، ص 22.

هذا من جانبٍ، ومن جانبٍ آخر، فإنّ بيرك إذا كان قد أخطأ في ترجمة عنوان السورة، فإنّه كذلك قد أخطأ وجانبه الصواب فيما يتعلّق بالمبّررات التي ساقها لترجمته هنا بدعوى الترخيم أو التطريب؛ فليس في ترجمته لكلمة (الروم) ههنا ترخيم أو تطريب؛ لأمور تتعلّق بقواعد الترخيم والتطريب ذاته.

فالترخيم في اللغة مصدر رخم، بمعنى لان وسهل (1). أمّا اصطلاحًا فهو حذف حرف أو حرفين من آخر المنادى المبني، على سبيل التخفيف، نحو: يا فاطم، أي يا فاطمة (2)، يقول سيبويه عن الترخيم: «حذف أواخر الأسماء المفردة تخفيفاً، كما حذفوا غير ذلك من كلامهم تخفيفًا» (3). كذلك عرّفه ابن عقيل في الألفية بأنّه حذف أواخر الكلم في النداء، مثل: يا سعا، والأصل يا سعاد (4).

فهل نجد فيما ذهب إليه جاك بيرك ترخيمًا؟ بالطبع لا؛ لأنّ كلمة (الروم) لم تقع موضع النداء حتى يصيبها الترخيم، هذا من جانب، ومن جانب ثانٍ، فالترخيم يكون بالحذف لا بالزيادة كما فهم هذا المستشرق؛ فكلمة روما ليست مرخمة لكلمة (الروم) لأنّها زادت عليها، إضافة إلى هذا كلّه فما علمنا من الترخيم إلّا أن يكون الحذف في آخر الكلمة لا في أوّلها. وإذا ما قيل إنّ عمليّة الترخيم حدثت في الترجمة الفرنسية - وهذا شيء ربما تقبله الفرنسيّة - فنقول: وهل يكون الترخيم على حساب المضمون؟! هل يكون على حساب المعنى الذي تقدّمه لغة النصّ؟! وما فائدة ترخيم يقود إلى عكس مضمون النصّ؟! ما الفائدة من ترخيم يشوّه لغة النصّ ويستخلص منه معاني مغلوطة؟!

والأمثلة على استبدال كلمات القرآن بكلماتٍ أخرى مختلفة الدّلالة بل تشوّه الدّلالة الحقيقيّة كثيرة في ترجمة جاك بيرك، فسورة الملك ترجمها الملكيّة، وسورة

ص: 198


1- انظر: ابن منظور، لسان العرب، بيروت - لبنان دار صادر، طبعة 1300ه_، مادة رخم.
2- انظر: محمد الأنطاكي، المحيط في الأصوات العربيَّة ونحوها وصرفها، بيروت، دار الشرق العربي، الطبعة الثالثة، ج 2، ص 322.
3- سيبويه، الكتاب، القاهرة، مكتبة الخانجي، 1966م، ج2، ص 239.
4- انظر: ابن عقیل، شرح ابن عقيل، القاهرة، دار التراث، الطبعة العشرون، 1980م، ج3، ص 288.

التكاثر سمّاها التنافس عن طريق العدد، كما شوّه كلمة مسجد في الترجمة وترجمها إلى كنيسة صغيرة، وغير ذلك كثير (1).

و - الترجمة مع وضع زيادات غير موجودة بالنصّ:

لقد انتبه العديد من الباحثين العرب إلى مقدار ما تنطوي عليه ترجمة جاك بيرك من تشويهٍ - وهو تشويهٌ يصبّ أوّل ما يصبّ في جانب لغة النصّ، الأمر الذي يؤدّي إلى تشويه مضمون النصّ - ومن مظاهر هذا التّشويه ترجمة معاني ألفاظ النصّ مع إضافة زياداتٍ غير متداولةٍ في النصّ ولا تعبّر عن مضمونه، «وأكثر مثال لذلك سورة الإسراء، فلم يكتفِ بترجمة معناها الذي حرّفه إلى Le trajet nocturne أي (المسيرة الليليّة) وإنّما أضاف بعده عنوانًا آخر هو (أو أبناء إسرائيل)، وهو غير واردٍ في المصاف المتداولة، والشيء نفسه مع سورة غافر ترجمها إلى ما معناه (المؤمن أو المتسامح) Le Croyant ou L indulgent وغيرها كثير... أمّا سورة النصر فقد ترجمها إلى (النجدة المنتصرة) Le secours Victorieux !» 2» (2).

إنّ قضيّة ترجمة عناوين السّور القرآنيّة بهذه الطريقة لا تتّفق مع معاني الألفاظ في اللغة العربيَّة، فالترجمة - أيًّا كان نوعها - ليست مجالاً لإظهار الآراء والميول والاتّجاهات كما نرى عند جاك ،بيرك ولكنّ الترجمة الصحيحة هي التي تنقل معاني الألفاظ بدقّة، ودون تدخّل الرأي الخاص؛ لأنّ الآراء والاتّجاهات وغيرها مجالها الكتب المؤلّفة المنسوبة إلى أصحابها، ولو كان جاك بيرك يقول بهذه التسميات لعناوين السور في كتابٍ خاصٍّ من تأليفه، لقلنا إنّه رأيٌ يخضع لما تخضع له الآراء من أوجه النّقد والمدارسة، لكنّه لم يختر المجال الملائم، فوضع هذه التّسميات في ترجمة معاني القرآن إلى الفرنسيّة، وهي ترجمات - فضلاً عن كونها انبنت على آراء وميول - لا تتوافق مع معاني هذه العناوين في اللغة العربيَّة، مما يُعدّ تشويهًا للغة القرآن.

ولقد راع أحد الباحثين أنّ جاك بيرك يتّخذ ذلك المنحى مع أن كلمة النّصر لها

ص: 199


1- انظر: زینب عبد العزيز، ترجمات القرآن إلى أين؟ وجهان لجاك بيرك، ص 22، 23.
2- م.ن، ص 21.

مقابلها في اللغة الفرنسيّة، وهو Victoire، متتبّعًا بعض الآيات التي وردت فيها اللفظة ذاتها، إلّا أنّه هاله أنّ هذا المستشرق فى كلّ مرة يترجمها بمعنى النّجدة لا النّصر، وقد فعل ذلك في قول الله تعالى: «حتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ» (سورة البقرة، الآية 214)، وقوله تعالى: «أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ» (سورة البقرة، الآية 214)، فترجم الأولى بمعنى: متى نجدة الله؟ وترجم الثانية بمعنى: إن نجدة الله قريبة (1) .

والحقيقة أنّ هذا الأمر يُثير الريبة والشكّ تجاه نوايا الرجل؛ إذ ما دام مقابل اللفظة في الفرنسيّة موجودًا ، فلماذا يضع لها مقابلاً لا يتلاءم معها في العربيَّة، بل تقود إلى الانتقاص من اللغة، وبالتالي الانتقاص من المضمون الذي تقدّمه هذه اللغة لغة النص القرآنيّ. وما المشكلة أن يترجمها بمعنى النصر أو الانتصار في الفرنسيّة؟! هل يُؤلمه مثلاً أن يترجم ما يدلّ على انتصار الإسلام؟! وما المشكلة أن يترجم للفرنسيّين الكلمة بمقابلها الصحيح في الفرنسيّة؟!

وبالنّظر إلى سياق الآيات، فإنّه لا يشي بمجرد نجدةٍ أو مساعدةٍ، ولكنّه يدلّ على نصرٍ حقيقيٍّ مؤزّرٍ من قبل الله تعالى؛ إذ معنى الآيات كما يدلّ تفسير الطبريّ: أم حسبتم أنّكم أيّها المؤمنون بالله ورسله تدخلون الجنّة ولم يصبكم ما أصاب أتباع الرسل والأنبياء من قبلكم من الشدائد والمحن والاختبار والابتلاء، وما أصابهم من أعدائهم من الخوف والرعب شدّةً وجهدًا، حتّى يستبطئ القوم نصر الله تعالى إيَّاهم، فيقولون: متى الله ناصرنا؟ فيخبرهم الله تعالى أنّ نصره لهم قريب، وأنّه مُظهرهم على عدوّهم، فنصرهم وأعلى كلمتهم، وأطفأ نار حرب الذين كفروا؛ وفاءً بوعده سبحانه (2).

ز - ترجمة اللفظ بما يؤدّي إلى إحداث خللٍ في القصص القرآنيّ:

هذا فيما يتعلّق بالرّبط بين القصص القرآنيّ ونقد قضايا إسلاميّة، أمّا ما يتعلّق

ص: 200


1- انظر: زينب عبد العزيز، المرجع السابق، ص 21.
2- انظر: ابن کثیر، تفسير القرآن العظيم سورة البقرة آية: 214.

بالرّبط بين القصص القرآنيّ وتشويه بعض القضايا الإسلاميّة، فيظهر في تناول جاك بيرك لبعض الآيات القرآنيّة والخروج عن معناها القصصيّ الذي سِيقت له إلى معنى آخر - ولو جزئيًّا - يُؤثّر في فهم تفصيلٍ صغيرٍ في القصّة، ممّا قد يحوّل مجرى معناها تمامًا، ويمكن أن نستدلّ على ذلك بمثالين فقط:

الأوّل: ترجمته لقوله تعالى: «وَآتَينا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبصِرَةٌ» (سورة الإسراء، الآية 59). ومعناها عند بيرك: ألم نعط لثمود الناقة لتبصرهم. ويعلّق أحد الباحثين على هذا الأمر بأنّه من الملاحظ أنّ جاك بيرك قد جعل الجزء من الآية جملةً استفهاميّةً، وهو ما لا يُوجد في النّصّ القرآنيّ، ومن ثمَّ فقد انقلب المعنى كليًّا، «ويبدو أنّ الرجل - الذي نعتقد أنّه رجع إلى التّفاسير في ترجمة هذه الآية - قد توهّم فاعتقد أنّ لفظة مبصرة تعود على النّاقة، وهذا ما يقع فيه كلّ من لا يتريّث أو يرجع إلى ما قاله المفسّرون في هذا الصدد، حيث الإجماع على أنّ المراد من قوله تعالى: «وَآتَيْنَا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةٌ»، أي آية دالّة مضيئة نيّرة على صدق صالح علیه السّلام وعلى قدرة الله تعالى» (1).

وهذا يدلّ على واحد من أمرين: إمّا جهل بيرك باللغة العربيَّة وأصولها وبلاغتها، أو أنّه يعلمها ولكنّه يتعمّد ذلك لحاجةٍ في نفسه قضاها، ذلك أنّ المُلمّ ولو بصورةٍ مقتضبةٍ باللغة العربيَّة بإمكانه أن يُدرك أنّ المقصود من الآية هو أنّ النّاقة دليلٌ وآيةً وعلامةٌ على أنّ سيدنا صالح نبيّ من أنبياء الله تعالى، بدليل قول الله تعالى: «وَإلى ثَمُودَ أَخاهُم صالحًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُم مِن إِلهٍ غَيْرُهُ قد جاءَتكُم بَيِّنَةُ مِن رَبِّكُم هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً...» (سورة الأعراف، الآية 73). إضافة إلى أنّه «من جهةٍ أخرى يترجّح أيضًا أن يكون جاك بيرك قد انساق وراء ترجمة المستشرقة الفرنسيّة دنيس ماصون عندما ترجمت مبصرة بقولها: أي

لتجعلهم الناقة مبصرين» (2).

ص: 201


1- حسن إدريس عزوزي، ملاحظات على ترجمة معاني القرآن الكريم للمستشرق الفرنسي جاك بيرك، ص 40، 41 .
2- حسن إدريس عزوزي، المرجع السابق، ص 40، 41.

والثاني: ترجمته لقول الله تعالى: «قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ» (سورة الأنبياء، الآية 69). يقول جاك بيرك في ترجمته: «وكأنّ معناه: قلنا يا نار كوني بردًا. وسلام على إبراهيم، حيث انشطرت الآية إلى جزأين تفصل بينهما نقطة، فالجزء الأوّل فيه أمرٌ بأن تتحوّل النّار إلى برد، وفي الجزء الثاني ينشأ معنًى جديد ليس في الآية؛ إذ فيه كأنّ الله تعالى يوجّه السلام إلى إبراهيم علیه السّلام» (1) . وهذه الترجمة تمثل مخالفةً صريحةً للغة العربيَّة أولّاً وللتفاسير السّابقة ثانيًا ولسير القصص القرآنيّ ثالثًا؛ لأنّ الله تعالى أمر النار بأن تكون بردًا وسلامًا معًا؛ إذ لو قال بردًا فقط لربّما هلك أو تأذّى سيدنا إبراهيم من الأمر بالبرد، ولو قال سلامًا فقط لخرج سالماً، بيد أنّه يكون تأذّى من النار من ناحية كون النّار حامية تلهب من فيها من شدّتها، حتّى ولو لم تؤثّر على بدنه بشيءٍ ظاهر كما أمر الله تعالى.

وهذا يقودنا إلى أنّ إدخال بعض الترجمات التفسيريّة اللفظيّة الشاذّة يؤثّر على الفهم الحقيقيّ للقصص القرآنيّ؛ إذ إنّ تفسير كلّ من الآيتين على هذا النحو يؤدّي إلى تشويه مضمون القصّة، وإدخال جزئيّةٍ عليها مناقضةٍ لما جاء به هذا القصص. وهذا يقودنا إلى شيءٍ من الأهميّة بمكان، وهو أنّ الاستشراق المعاصر على الرّغم من أن يتبنّى المواقف نفسها والمناهج ذاتها، إلا أنّه يحاول أن يبحث لنفسه عن إضافةٍ تُشبع نهمه هو، فيتّكئ على تفصيلاتٍ لم يتطرّق إليها الاستشراق القديم، أو على الأقل يحاول أن يجد له دليلاً واهيًا يُضاف إلى أدلّة نظرائه القدماء.

وبناءً على ما سبق من انتهاكٍ للغة النصّ القرآنيّ في ترجمة جاك بيرك لمعاني القرآن الكريم، يُمكننا القول إنّ مسألة الاطمئنان لترجمات المستشرقين للقرآن شيءٌ صعب المنال؛ نتيجة عدم الإلمام الجيّد باللغة العربيَّة الفصحى لغة القرآن، ونتيجة للأفكار الاستباقيّة حول القرآن؛ حيث حصروه في كونه منتجًا بشريًّا، وأنّه من صنع محمد صلّی الله علیه و آله، وقد أكّد على هذه الجزئيّة موريس بوكاي بقوله: «وإذا أمعنت النّظر

ص: 202


1- م.ن، ص 43.

في طرائق المستشرقين لترجمة القرآن، علمت أنّه من غير الممكن أن تحصل على واحدة يُطمأنّ إليها بين ترجماتهم» (1).

وهذه الأخطاء التي تتعلّق بترجمة النصّ القرآنيّ كان من المفترض ألّا يقع فيها بيرك، رغم أنّه يقول: «تعمّقت من خلال دراساتي المتواصلة والمستمرّة، بحيث أكون في مستوى ترجمة النصّ، ولكي لا يحدث أيّ تقصيرٍ في النّصّ الفرنسيّ الذي يتوخّي تقديم القرآن بكلّ أبعاده اللغويّة والروحيّة إلى لغة أخرى» (2). فقد وقع في التّقصير في النصّ القرآنيّ، فإنّ خشيته من التّقصير في النصّ الفرنسيّ تكشف لنا عن أنّه كان يولي اهتمامه بمن ينقل إليهم النصّ أكثر من اهتمامه بلغة النصّ المنقول، ولو كان جاك بيرك وجّه خشيته تجاه التّقصير في لغة النصّ لقادته إلى عدم التّقصير في نقلها إلى النصّ الفرنسيّ، لكنّه ارتضى العكس، فكانت ترجمته متضمّنةً العديد من الأخطاء التي تمسّ اللغة ومضمون النصّ.

ومن ثمَّ، فمن المستغرب أن يقف التيار المؤيّد لترجمة بيرك موقف المادح على طول الخطّ، مع عدم إعطاء نفسه فرصًا لمراجعة الأخطاء التي وقع فيها الرجل تجاه لغة النصّ أولّاً، وتجاه المضامين التي يتضمّنها هذا النّصّ، وموقف المادح هنا هو موقف غير علميٍّ؛ لأنّه يقف عند حدود الظاهر من قول بيرك في حواراته ولقاءاته، دون أن يتعدّى هذا الظاهر إلى دراسة متن الترجمة ليكتشف ما تقوم عليه من عوارٍ لغويٍّ ودلاليٍّ، ومن ثمَّ فنحن نتعجّب من محمد سنكير عندما يقول: «تتميّز ترجمة بيرك قبل كلّ شيء بسهولة قراءتها وفهمها، فهي ليست ترجمة إلى اللغة الفرنسيّة، بل هي - لو أجزنا هذا التعبير - القرآن باللغة الفرنسيّة، وهي خدمةً تُؤدّى إلى اللغة الفرنسيّة، بل هي هديّةً مهداة إلى المسلمين وإلى المثقّفين الذين يعجزون عن قراءة النصّ العربيّ بلغته الأصليّة، والذين يتمكّنون بفضل

ص: 203


1- موريس بوكاي، الأفكار الخاطئة التي ينشرها المترجمون خلال ترجمتهم للقرآن الكريم، الأزهر، العدد التاسع، رمضان 1906م - مايو يونيو 1986 م، ص 1369.
2- سعيد اللاوندي، إشكالية ترجمة معاني القرآن الكريم، القاهرة، مركز الحضارة العربية للإعلام والنشر والدراسات، الأولى، 2001م، ص 98.

ترجمة بيرك من التّعرّف على جمال الأسلوب وعمق التّفسيرات، وجمال الموسيقى الدّاخليّة للألفاظ في القرآن الكريم» (1). ونقول إنّ هذا الموقف غير علميّ؛ لأنّه أوّلًا لم يُبنَ على قراءةٍ متأنيّةٍ للنصّ الفرنسيّ ومقارنته بالنصّ القرآنيّ في لغته العربيَّة الأصليّة؛ إذ لو فعل ذلك لانتهى إلى وجود سلبيّاتٍ جمّةٍ بجوار الإيجابيّة التي يتحدّث عنها، أما موقف المدح على الدّوام، فهو موقفٌ لا يخدم العلم ولا يخدم المنهج العلميّ، فضلاً عن أنّه لا يخدم لغة النصّ القرآنيّ ذاتها.

ح - حذف جمل وكلمات بما يخلّ بلغة النصّ القرآنيّ:

وهذه من مظاهر انتهاك المستشرق جاك بيرك للغة النصّ القرآنيّ؛ فالنصّ القرآنيّ کلٌّ متكاملٌ، كلّ لفظة فيه لها دورها ومكانتها وأهمّيّتها في السّياق، فهو تنزيل ربّ العالمين، ومعنى أن تحذف أجزاءً من هذا النصّ أنّك تحاول أن تُفقد هذا النصّ اكتماله وبلاغته وفصحاته. فإذا كان الأمر بصدد نقل نصٍّ لمؤلّف ما في مجالٍ من المجالات، فإنّ إسقاط جزءٍ ولو يسيرٍ من هذا النصّ أثناء ترجمته يمثّل سقطةً كبرى، فكيف بكتاب ربّ العالمين؟! وقد اُنتقد بيرك جرّاء هذا الفعل من الدّارسين العرب والمسلمين؛ لأنّ ذلك يكشف - في التّحليل -الأخير عن تهاونٍ تجاه النّصّ، وعدم اكتراثٍ بأهمّيّته، فضلاً عمّا يكشفه ممّا يُعارض الأمانة العلميّة.

ولقد وقف الدّارسون العرب عند العديد من المواقف التي تُثبت إسقاط بيرك جزءًا من الآيات القرآنيّة، مستدلّين في ذلك بالآية 110 من سورة المائدة؛ حيث أهمل بيرك ترجمة خمس كلمات هي: «فتنفخ فيها فتكون طيرًا بإذني» (2)، وهي جزء من آية: «إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بإذني وَتُبْرِئُ الْأَكْمَة وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَابِيلَ

ص: 204


1- مجلة القاهرة عدد غشت 1993 م، ص 15، نقلاً عن حسن إدريس عزوزي، ملاحظات عن حسن إدريس عزوزي، ملاحظات على ترجمة معاني القرآن الكريم للمستشرق الفرنسي جاك بيرك، ص 8.
2- انظر حسن إدريس عزوزي، ملاحظات على ترجمة معاني القرآن الكريم للمستشرق الفرنسي جاك بيرك، ص 21.

عَنكَ إذْ جنتَهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ» (سورة المائدة، الآية 110).

ولا ندري سببيّة هذا الخطأ الذي وقع فيه جاك بيرك هنا، فقد يكون متعمّدًا نتيجة انتماءٍ عقديٍّ مسيحيٍّ يقوم على الادّعاء بمشاركة سيدنا عيسى لله تعالى في الألوهيّة. علمًا بأنّ من أخصّ صفات الألوهيّة الخلق، فكان حذف الكلمات الخمسة هنا اعتقادًا بقدرة سيدنا عيسى على الخلق، كونه إلهًا في اعتقادهم. وقد يكون سهوًا نتيجة سقوط النّظر على ما بعد الكلمات الخمسة التي سقطت في الترجمة. ففي حال الفرضيّة الأولى فإنّ ذلك يتنافى مع الأمانة العلميّة، وفي حالة الفرضيّة الثانية فإنّ ذلك يعنى عدم اكتراتٍ من قبل بيرك، وفقدان المراجعة الدّقيقة لترجمته.

من مظاهر الحذف في ترجمة هذا المستشرق حذفه لثلاثة كلمات، وهي (أولئك هم الراشدون) في قول الله تعالى: «وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّة إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَبِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ» (سورة الحجرات، الآية 7)

ومن مظاهر الحذف في الكلمات كلمة (الساجدون) في قول الله تعالى: «التايبونَ العابدون الحامدونَ السايحونَ الرّاكِعونَ السّاجِدونَ الأمرونَ بِالمَعروفِ وَالنَّاهونَ عَنِ المُنكَرِ وَالحافِظونَ لِحُدودِ اللَّهِ وَبَيِّرِ المُؤمِنينَ» (سورة التوبة، الآية 112). ومن ذلك أيضًا كلمة (اجتباه) في قول الله تعالى: «شاكِرًا لِأَنعُمِهِ اجتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُستقيم» (سورة النحل، الآية 121). كذلك كلمة (رسلي) في قول الله تعالى: «وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ» ( سورة سبأ، الآية 45) وغيرها من الكلمات (1).

ص: 205


1- انظر: حسن إدريس عزوزي، المرجع السابق، ص 22.

ط - التلاعب بترتيب جمل الآية الواحدة تقديمًا وتأخيراً:

من القضايا التي تكشف عن انتهاك جاك بيرك للغة النصّ القرآنيّ إقدامه على التّلاعب بترتيب أجزاء الآية من خلال تقديم بعضها على بعضٍ، وتأخير بعضها على بعضٍ، بما يُخالف ترتيب الآية في النصّ القرآنيّ. فإنّ «من أغرب ما وقع فيه جاك بيرك من تغيير للنصّ القرآنيّ تصرّفه في ترتيب مقاطع الآية القرآنيّة الواحدة، ولم يبدِ لنا المترجم سببًا لإقدامه على هذا التّغيير المتعمّد الذي لا يجوز في حق أيّ نصّ يُراد ترجمته، وبالأحرى إذا تعلّق الأمر بالنصّ القرآنيّ» (1).

من ذلك ترجمته لقول الله تعالى: «يُولِجُ اللَّيْلَ فِى النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِى اللَّیلِ» (سورة لقمان، الآية 29)، حيث عكس الآية إلى : يُولج النهار في الليل، ويُولج الليل في النهار. ومن ذلك ترجمته لقول الله تعالى: «يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيّ» (سورة الأنعام، الآية 95)، حيث عكس الآية إلى: يُخرج الميّت من الحيّ، ويُخرج الحيّ من الميت. كذلك ترجمته لقول الله تعالى: «لَنا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ» (سورة الشورى، الآية 15)، وغيرها من الآيات (2).

وهذا القلب للآيات ليس من الأمانة العلمية في شيء، فهل يُعقل أن يُترجم أيّ نصّ بشريّ بتقديم ما حقّه التّأخير وتأخير ما حقّه التقديم؛ مخالفًا ترتيب أجزائه؟! بالطبع لا؛ إذ سوف يُواجه المترجم نقدًا لا هوادة فيه، فكيف بكلام رب العالمين؟!

ص: 206


1- انظر: حسن إدريس عزوزي، المرجع السابق، ص 48.
2- انظر: حسن إدريس عزوزي، ملاحظات على ترجمة معاني القرآن الكريم للمستشرق الفرنسي جاك بيرك، ص 49.

الفصل الخامس

اشارة

دعوى نسبة القرآن إلى اللغات الآراميّة والسريانيّة والعبريّة

ص: 207

مقدمة

اشارة

تنطلق بعض الفرضيّات في الاستشراق المعاصر إلى القول بأنّ القرآن اقتبس من بعض اللغات، كالآرميّة والسريانيّة والعبريّة، ومن ثمَّ صدرت بعض القراءات التي تسير في هذا الصدد، ويمكن الوقوف على قراءتين منها:

القراءة الأولى : قراءة آراميّة سريانيّة.

القراءة الثانية: قراءة عبريّة.

المبحث الأوّل: القراءة الآراميّة السريانيّة للغة القرآن:

اشارة

القراءة الآراميّة السريانيّة قام بها المستشرق المعاصر كريستوف لوكسنبرغ، الذي أصدر كتابًا بعنوان: قراءة آرميّة سريانيّة للقرآن - مساهمة في تفسير لغة القرآن، والذي صدر في عام 2000 في برلين بألمانيا، ومحوره الرئيس فرضيّة أنّ لغة الكتابة التي كانت منتشرةً في بلاد الحجاز، والتي تمّ تدوين القرآن الكريم بها هي اللغة الآراميّة. لكنّ هذه الفرضيّة لا تصمد أمام النّقد العلميّ السّديد كما سيتبيّن في السّطور القادمة.

ومن المعلوم أنّ اللغة الآراميّة هي تلك اللغة التي وُصفت من قبل الإغريق القدماء بالسريانيّة. والآرميّون هم بنو آرام بن سام بن نوح، وكانوا يعيشون في البلاد التي تُسمّي في التوراة: «آرام» (1). وآرام يُقصد بها حاليًا العراق وبلاد الشام.

فالسريانيّة كانت لغةً مقدّسةً عند اليهود وعند المسيحيّين، فقد كتب بها اليهود بعض أسفارهم، كما أنّها اللغة التي كُتب بها الإنجيل، فقد كان نبيّ الله تعالى عيسى علیه السّلام يتحدّث بها، وقد كان انتشار المسيحيّة يمثّل تحوّلاً كبيرًا للغة السريانيّة، فقد انتشرت في بلاد الآراميّين، فقد أنف هؤلاء من تلك التّسمية القديمة - آراميّة

ص: 208


1- زاكية رشدي، السريانية نحوها وصرفها القاهرة، دار الثقافة للطباعة والنشر، الطبعة الثانية، 1978م، ص 9.

- حيث اقترنت لفظة آراميّ بالوثنيّ كما قلنا، فاتّخذوا من تسمية اليونان سريان علامة على لغتهم الجديدة، فكانت آراميّ تُطلق على الوثنيّ، وسريانيّ تُطلق على المسيحيّ (1).

وقد عمد هذا المستشرق إلى مسلكين في محاولة التّدليل على فرضيّته هذه، هذان المسلكان هما:

الأوّل، المسلك التاريخيّ:

وهو القائم على محاولة دراسة المسالك التاريخيّة التي مرّت بها اللغة الآراميّة (السريانيّة) حتى وصلت إلى أرض العرب من وجهة نظره، ومنها مسالك حمّلها لوكسنبرغ ما لم تحتمل؛ تحقيقًا لهدفه الذي ارتآه من هذه الدراسة.

الثاني، المسلك الداخليّ:

وهو المتعلّق بدراسة الألفاظ الواردة في الآيات القرآنيّة، والتي يحاول إرجاعها إلى اللغة الآراميّة - السريانيّة، الأمر الذي يقوده إلى تغيير معنى هذه الآيات ودلالتها إلى حدّ أنّه يزعم وجود تحريفٍ فيها من قبل كتاب الوحي. وهذا ما سنتبيّن من تهافته عند دراسة آرائه وفرضيّاته في المتن القرآنيّ بالتفصيل.

أ - المسلك التاريخيّ عند لوكسنبورغ:
اشارة

وهذا المسلك ينبني على جانبين لا يمكن إغفالهما، وهما:

الجانب الأوّل يتعلّق باللغة الآراميّة الساميّة وعلاقتها باللغة العربيَّة:

المسلك التاريخيّ عند المستشرق المعاصر لوكسنبرغ يقوم على مجموعةٍ من المحاور التي يمكن عرضها ثمَّ الردّ عليها واحدة واحدة، وهذه المحاور هي:

- أنّ اللغة الآراميّة هي لغة ظهرت قبل الميلاد، وقد وصفها الإغريق القدماء بالسريانيّة نسبة إلى الحضارة الآشوريّة في سوريا وبلاد ما وراء النهرين.

ص: 209


1- انظر: سمير عبده، السريان قديمًا وحديثًا، الأردن، عمان، دار الشروق للنشر والتوزيع، 1977م، ص 25.

- أقدم ما ظهر من آثار للغة الآراميّة السريانيّة عبارة عن نقوش ترجع إلى القرن التاسع قبل الميلاد.

- الآراميّون الذي اعتنقوا الديانة المسيحيّة وقت ظهورها عرفوا بالسريانيّين، وذلك كتمييز لهم عن غيرهم ممّن ارتضوا الوثنيّة حتى صار الآراميّ مرادقًا للوثنيّ.

- الطبريّ في تفسيره الشهير للقرآن الكريم يذكر السريانيّة لا الآراميّة.

- كانت ترجمة الكتاب المقدّس - الإنجيل والتوراة - بالسريانيّة، وهذا ما كان له دوره في رفع شأنها وإعلاء قيمتها وسط اللغات في القرن الثاني الميلاديّ، وربّما أرجعها إلى ما قبل ذلك؛ حيث سريانيّة الرها؛ حيث كانت اللغة الآراميّة في منطقة الرها شمال غرب بلاد ما وراء النهرين.

- كان تنصّر ملك الرها الملك أبجر الخامس في نهايات القرن الثاني الميلاديّ - في رأي لوكسنبرغ - فضلاً عن مساهمة السريانيّين في انتشار المسيحيّة من سوريا إلى بلاد الرافدين وفارس والجزيرة العربيَّة - كان له أثره في ذيوع السريانيّة وعلوّ قامتها في تلك الفترة الزمنيّة.

- حديث نبويّ شريف أنّ الرسول صلّی الله علیه و آله و سلّم طلب من زيد بن ثابت الذّهاب إلى بلاد الشّام كي يتعلّم السريانيّة، مستندًا إلى أنّ ذلك يبيّن أهمّيّة اللغة السريانيّة - عنوان المسيحيّة في ذلك الوقت - في عصر نزول القرآن وما بعد نزوله.

- افتراض لكسنبوغ أنّ تاريخ الأدب العربيّ يبيّن أنّ للسريان دورًا بارزًا في تطوير اللغة العربيَّة الكتابيّة بما أنجزوه من ترجمات من السريانيّة واليونانيّة إلى العربيَّة في العصر العباسيّ، حتّى إنّها صارت لغة العلم والفلسفة والأدب.

- وبما أنّ السريانيّة امتدادٌ طبيعيّ للآرميّة القديمة التي تشبّعت بالطابع المسيحيّ بعد الميلاد، فضلاً عن أنّها كانت اللغة الرسميّة بجوار اللغة العربيَّة في العصر الأمويّ، حتّى عهد عبد الملك بن مروان (ت:685م)، فإنّها كانت على علاقة وثيقة بالعربيَّة حتّى عصر ما بعد الفتوحات الإسلاميّة.

ص: 210

الجانب الثاني المتعلّق بالقواعد النحويّة والنحويّين المقعّدين لها:

من الملاحظ في سعي المستشرق المعاصر لوكسنبرغ أنّه يذهب إلى عصر ما قبل تقعيد القواعد النحويّة على يد أعلام النحو العربيّ كسيبويه (ت:795م) وغيره، بما يزيد عن قرن ونصف من الزمان، ومن ثمَّ فهو يمهّد للانطلاق من هذه المقدّمة إلى نتيجةٍ خاطئةٍ لكنّه يرجوها، وهي أنّ اللّسان العربيّ الذي أُنزل به القرآن يختلف عن العربيَّة التي وضع قواعدها أعلام النّحو العربيّ سواء أكانوا عربًا أم أعاجم.

وكأنّ سيبويه وسائر النحويّين هم الذين وضعوا اللغة العربيَّة، وهذا خطأ؛ لأنّ اللغة العربيَّة موجودةٌ منذ القدم، هم فقط استخلصوا القواعد من المادّة اللغويّة - كلام العرب - التي بين أيديهم، فهم لم يضعوا لغةً كما قد يتبادر إلى ذهن لكسنبورغ، ولكنّهم أتوا بهذه اللغة وفهموها واستنتجوا منها القواعد النحويّة، كما فعل الإنجليز في الإنجليزيّة، والألمان في الألمانيّة، والفرنسيّون في الفرنسيّة، وهذا شيء بديهيّ ولا خلاف فيه أو عليه.

الغريب أنّه يشكّك في العمل الجبّار الذي قام به علماء النحو العربيّ، استنادًا إلى أنّ معظمهم كانوا غير عرب، بل كانوا أعاجم، يجهلون اللغة التي نزل بها القرآن الكريم، مع أنّ لكسنبرغ ذاته أعجميّ ويجهل اللغة التي نزل بها القرآن، ومع ذلك فقد عمد إلى إظهار مقدرته - المزعومة - على فهم القرآن، فزعم تحریفه واقتباسه من اللغات الأخرى: آراميّة - سريانيّة. لكنّ الحقيقة التي يُخفيها لوكسنبرغ أنّ هؤلاء النحاة الأعاجم هم الذين كشفوا عن عظمة لغة القرآن، وهو لا يرضى بهذا المنهج، ولا بهذا الموقف، وإنّما يريد موقفًا سلبيًّا يحاول أن يظهر فيه القرآن بأنه يقتبس مادّته اللغويّة من لغات أخرى، بيد أنّه فشل في أن يُثبت وجهة نظره هذه بالدليل، وكلّ ما اعتمد عليه مجرّد خواطر وملاحظات غير علميّة.

هذا المستشرق المعاصر يُشير إلى أنّ القرآن الكريم هو أوّل كتابٍ مدوّنٍ باللغة العربيَّة، مستدلاً على ذلك بعدم وجود مخطوطاتٍ تبيّن عكس ذلك، إلّا بعض النّقوش النّبطيّة التي كان يراها لوكسنبرغ قريبةً من اللغة العربيَّة في عدم وجود

ص: 211

تنقيط. كما يشير إلى أنّ الكتابة العربيَّة في بداياتها كانت كالكتابة النبطيّة غير معنيّةٍ بأمر التنقيط، ولا حتّى الحركات الموجودة على الحروف وتعطيه الصوت المنطوق، ويستدلّ على ذلك بعددٍ من المخطوطات المحفوظة في بعض المتاحف، وآخرها تلك التي أشار إلى ظهورها في أوائل السبعينيات من القرن المنصرم في جامع صنعاء الكبير، فضلاً عن أنّه يشير إلى أنّ عملية التنقيط أضيفت إلى النصّ القرآنيّ في عصرٍ لاحقٍ.

نعلم يقينًا أنّ مرحلة تنقيط الحروف في اللغة العربيَّة عامّة والقرآن خاصّة كانت لاحقةً، لكنّ الإشكاليّة الكبرى هي أنّ لوكسنبرغ يحاول أن يصنع حول هذا الأمر ضجّةً كبرى لا تستحقّ كلّ هذا العناء، إلّا إذا كان يرمي إلى أهدافٍ أيديولوجيّةٍ وأفكارٍ تقوم على التّعصّب. فهذا المستشرق يعمد إلى أنّ هذا التنقيط كان خطأ، وأنّه أفسد المعنى القرآنيّ الذي بالرجوع إلى الآراميّة - السريانيّة حسب ظنّه فإنّ المعنى الحقيقيّ الذي أضاعه التّنقيط سيظهر. ليس هذا فحسب، بل إنّه يتّخذ من ذلك تكأة إلى الانطلاق إلى نتيجة أشدّ شناعةً منها، وهي أنّه بناءً على ذلك فإنّ القرآن في نظره محرّف.

إنّ القراءة التي قام بها لوكسنبرغ ما قام بها إلّا لمحاولة الادّعاء بأنّ القرآن الكريم أصابه التّحريف، وهي المحصّلة النّهائيّة التي يقود إليها كلامه، والغاية النّهائيّة التي يريد إثباتها وألّف من أجلها كتابه، فسوء النّيّة واضحٌ من بداية الكتاب إلى نهايته، وإن حاول صاحبه أن يصبغه بمسحة علميّة.

أمّا عن قضيّة التّنقيط ذاتها، فقد ظهرت كضرورةٍ شرعيّةٍ ولغويّةٍ في آنٍ واحد، خاصّة بعد أن بدأ يظهر خطأ البعض في القراءة ممّن لا يحفظون كتاب الله تعالى، فكان يختلط عليهم الأمر بين النون والباء مثلاً لعدوم وجود التنقيط، فكانت عمليّة التّنقيط لوضع النّقاط على الحروف؛ ليدرك القارئ للقرآن القراءة الصحيحة، وهذا لم يكن تحريفًا، وإنّما كان أمرًا اقتضته الحاجة لقراءةٍ أكثر دقّةً للقرآن، ولا تؤثّر في متن القرآن ولا فى معانيه وألفاظه.

ص: 212

ب - المسلك الداخليّ عند لوكسنبورغ:

ا - المنهج أو الخطوات الإجرائيّة.

2 - نقد لغة المتن القرآنيّ.

المنهج أو الخطوات الإجرائيّة:
اشارة

المسلك الداخليّ الذي سلكه لوكسنبرغ ينبني على لغة الآيات القرآنيّة، هذا المسلك يدخل في إطار ما يُسمّى بالنقد الداخليّ للنصوص، وقد حدّد لنفسه بعض الخطوات الإجرائيّة التي سار عليها في كتابه، هذه الخطوات بمثابة منهجٍ أو خارطة طریق سار عليها، كلّ خطوة منها بديل للخطوّة السّابقة عليها في حال لم تنجز له المهمّة التي يرجوها، بمعنى أنّ كلّ خطوة يستبدلها بسابقتها، ويمكن أن تجتمع أكثر من واحدة، ويمكن أن نوجز هذه الخطوات الإجرائيّة في الآتي:

الخطوة الأولى:

وهي التي غضّ فيها لوكسنبرغ الطرف عن كلّ التفسيرات السّابقة التي قام بها مستشرقون وعرب للقرآن الكريم، فقد طرح كلّ هذه الجهود، خاصّة الجهود الإسلاميّة في تفسيره بدعوى أنّها تمثّل عربيّة سيبويه المختلفة عن عربيّة القرآن حسب ظنّه، وهو في ذلك يعمد إلى علم اللسان، فقرأ النصّ القرآنيّ في إطاره الزمنيّ بعيدًا عمّا أسماه المؤثّرات اللّاحقة، ويقصد بها بالطبع التفسيرات التي أنتجها كبار المفسّرين.

إنّ لوكسنبرغ يظنّ أنّهم اعتمدوا على النّقل الشّفويّ اللّاحق دون أن يهتمّوا بلغة القرآن في إطارها الزمني التاريخيّ، وهذا ما يفسّره على أنه خطأٌ نتج عن هؤلاء المفسّرين، وقاد في نظره إلى ما أسماه المقاطع الغامضة في القرآن، وهي المقاطع التي يرى أنّها لا سبيل للنقاش حولها؛ كونها غير مشكوكٍ فيها، إلّا أنّها في نظره ينبغي إعادة قراءتها وفق علم اللغة الموضوعيّ.

ص: 213

الخطوة الثانية:

استند فيها لوكسنبرغ على الكشف عن المعنى في التّفاسير أو المعاجم العربيَّة، وفي هذه الخطوة اعتمد على تفسير الطبريّ خاصّة، وإلّا فالاستعانة بمعجم لسان العرب لابن منظور، وهذه المرحلة يمكن أن نسمّيها مرحلة المراجعة والاستكشاف في المصادر العربيَّة التي يسير لوكسنبرغ في اتّجاه أنّها لا تقدّم المعنى الحقيقيّ للقرآن في نظره، كونهم اعتمدوا في قراءته على اللغة العربيَّة لا اللغة الآراميّة السريانيّة.

الخطوة الثالثة:

قراءة النصّ القرآنيّ كما هو قراءة سريانيّة كان يظنّ أنّه بذلك يصل بها إلى المعنى الحقيقي للقرآن.

الخطوة الرابعة:

معاملة النّصّ القرآنيّ كأيّ نصٍّ بشريٍّ من خلال التّدخّل فيه بوضع نقاط على الحروف مكان النّقاط الأخرى، بهدف قراءة النّصّ في صورته العربيَّة، بدعوى عدم فهم المسلمين لمعناه الحقيقيّ، بهدف الوصول إلى النتائج التي يريدها المستشرق لوكسنبرغ.

الخطوة الخامسة:

وهي تسير أيضًا في إطار معاملة النصّ القرآنيّ كأيّ نصٍّ بشريٍّ، عن طريق التَّدخّل فيه بوضع نقاطٍ على الحروف مكان نقاط أخرى، لا بهدف قراءته وفهمه قراءةً وفهمًا عربيًّا - كما في الخطوة السابقة - ولكن بهدف قراءة النّصّ قراءةً آراميّةً - سريانيّةً؛ بدعوى أنّ ذلك يُعيد إلى النصّ معناه الحقيقيّ.

الخطوة السادسة:

يقوم فيها لوكسنبرغ بعمليّة إبدالٍ بين الحروف، بتقديم حروفٍ على أخرى وتأخير غيرها؛ لكي تتناسب مع كلمة سريانيّة يبني عليها فكرته.

ص: 214

الخطوة السابعة:

و هي الخطوة التي يلجأ فيها إلى التغيير في تنقيط حروف كلمة ما؛ لتوافق معنى يريده، لكنّه غير موجودٍ في المراجع السريانيّة، ومن ثمَّ يلجأ إلى البحث عن مرادف له. بمعنى أنّ هذه الخطوة تعتمد على تخيّله أنّ الكلمة سيكون لها معنًى حقيقيٌّ معيّنٌ في العربيَّة، لكنّ هذا المعنى لكي يصل إليه عليه أن يمرّ بخطوات فرعيّة عدّة، هي: تغيير نقاط الحروف، البحث عن معناها بالشّكل الجديد في اللغة العربيَّة، البحث عن مرادف لها في السّريانيّة، حتّى يلصق به المدلول المراد تمريره؛ ليُحكِم من خلاله قراءته السريانيّة للقرآن، ثمَّ يتمسّك بهذه القراءة على أنّها تحمل المدلول الحقيقيّ للكلمة، وهذا شيءٌ في منتهى الغرابة من ناحية المنهج العلميّ والبحث المنزّه عن الهوى.

وهذه الخطوة الرئيسة بخطواتها الفرعيّة نجدها في قراءته لآية (فناداها من تحتها) بسورة مريم، فقرأها نحتك أو نحاتك بمعنى الولادة أو الوضع، لكنّه وجد أنّ هذا المفهوم غير موجود في مراجع اللغة السريانيّة، فراح يبحث عن مرادفه، وهو نفل حيث وجده مرة بمعنى سقط ونزل، وفي موضع آراميّ آخر بمعنى الولادة غير الطبيعيّة، وبما أنّ القرآن يعبّر عن الولادة الطبيعيّة بكلمات: ولد ووضع، إلّا أنّه في تلك الآية تحديدًا - على حسب ما يظنّ لوكسنبرغ - استخدم النحات للتعبير عن الولادة الطبيعيّة لسيدنا عيسى علیه السّلام، باعتبار ولادته غير طبيعيّة، وفي ذلك إفراد وتمييز له عن ولادة أيّ شخص آخر (1) .

الخطوة الثامنة:

وهي الخطوة الأخيرة التي يلجأ إليها لوكسنبرغ في حالة لم تصل به أيّ من الخطوات السابقة إلى مبتغاه، وهي الخطوة التي تعبّر عن توجّهٍ مقيتٍ في ليّ عنق النّصوص بصورةٍ لا تخفى على أحد، هذه الخطوة تتلخّص في نقل الدّلالة

ص: 215


1- Aramaic Reading of The Koran, Acontriution to The Decoding of [1]- christoph Luxenerg, The Sero The Language of The Kooran, Verlag Hans Schiler, Berlin, 2007. PP: 112: 135.

العربيَّة للنصوص إلى اللغة السريانيّة؛ بهدف اقتباس مضمون هذه الدّلالة من المعاني المرادفة له في اللغة السريانيّة؛ بدعوى أنّ الدلالة السريانيّة أو مفهوم التعبير السريانيّ سيكشف المقاطع التي أسماها غامضة في القرآن.

لكن المنهج الرئيس الذي تقوم عليه طريقة لوكسنبرغ بخطواته الإجرائيّة، منهجٌ تشكيكيٌّ في المقام الأوّل، يعمد إلى محاولة التشكيك في نصوص القرآن الكريم بدعوى العلميّة والمنهجيّة والقراءة الحداثيّة للنصوص، لكنّ الصورة البارزة شديدة الوضوح تُشير إلى أنّ لوكسنبرغ ينطلق من منطلقٍ تشكيكيٍّ صرف. هذا المنهج التشكيكيّ يحاول أن يرمي إلى تحريف القرآن بعد عمليّة التنقيط، وهنا يكمن مكر الرجل وخبثه؛ فهو لا يسير على خُطا بعض المستشرقين السّابقين في التّشكيك في نسبة القرآن إلى المصدر الإلهيّ في كتابه: قراءة آراميّة سريانيّة للقرآن، وإنّما يعمد إلى التّشكيك في صحّة القرآن بعد استخدام النّقاط على الحروف؛ لأنّها في ظنّه استخدمت في غير موضوعها، بما يُوحي بأنّه حدث خلطٌ ما عند المحقّقين في إضافة نقاط بدلاً من نقاط أخرى أدّت وفق نظرته هذه إلى تغيير في معاني القرآن الكريم

ومدلولاته.

هذا المنهج وإن كان رئيسًا، فهو لا يعتمد عليه وحده، بل يعتمد أيضًا - وإن كان بصورةٍ أقل قليلاً - على منهج إسقاطيّ، يحاول أن يطرح فيه آراءه وأحكامه الموجودة في ذهنيّته على أنّها حقائقٌ تفتقر إلى التّدليل عليه، فالمّادة المتاحة ليست التي تقوده، بل تقوده تصوّراته الذّهنيّة المسبقة باحثًا عمّا يغذّي هذه

التّصوّرات، ولو على حساب المنهج العلميّ.

- نقد لغة المتن القرآنيّ:
اشارة

عند رسم لوكسنبرغ طريقه كما بيّنا في السّطور السابقة، فإنّه ما رسمها إلّا لتكون منطلقات ينطلق منها لنقد لغة القرآن الكريم في متنه الإلهيّ، وهذا المستشرق لم يأنف من أن يستخدم عددًا من النّصوص القرآنيّة لتمرير فكرته غير العلميّة، يدلّ على ذلك تدخلّاته المتكرّرة في المتن - وكأنّه متنٌ بشريٌّ - وليّ عنق النّصوص لتوصيل

ص: 216

الفكرة، وإن ضاع معها المعنى الحقيقيّ المنبثق من النصّ العربيّ. وسوف نحاول هنا أن نقف على بعض النماذج لا كلّ النّماذج التي تطرّق إليها هذا المستشرق، ثمَّ التّعقيب عليها بالتّحليل والنقد.

ومن ضمن الآيات التي يقف عندها المستشرق لوكسنبرغ لتمرير فكرته قوله الله تعالى: «وَاستَفزِز مَنِ اسْتَطَعتَ مِنهُم بِصَوتِكَ وَأَجلِب عَلَيْهِم بِخَيلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكهم في الأموال والأولادِ وَعِدهُم وَما يَعِدُهُمُ الشَّيطانُ إِلَّا غُرُورًا» (سورة الإسراء، الآية 64). فهو يرى أنّ مدلول هذه الآيات فُهمَ خطأً في الذّهنيّة التَّفسيريّة للمفسرين المسلمين؛ لأنّهم بظنّه قرأوها قراءةً عربيّةً، وهو يريد أن يقرأها قراءةً سريانيّةً، فالمدلول الحقيقيّ في ظنّه أن نقرأ الآيات بهذه القراءة.

ومن ثمَّ، فهو ينطلق أوّلاً بالرجوع إلى تفسير الطبريّ للآية - وهو يُولي الطبريّ اهتمامه - فتفسير الطبريّ يشرح اللفظ (استفزز) بمعنى افزع بصوتك (1)، لكنّ لوكسنبرغ لا يعجبه هذا التفسير اللغويّ، فيتّهمه بالتناقض مع قول الله تعالى: «الذي يُوسوس فى صدور الناس» (سورة الناس، الآية 5).

ثمَّ يبدأ لوكسنبرغ في شرح الآية تفسيراً سريانيًّا حسبما يريد، ويستنطق النّصوص بما يحب، فيشير إلى أنّ لسان العرب يشرح (استفزز) بمعنى ختله حتى أوقعه في مهلكة، وهو يرى أنّ هذا التّعبير هو المطابق للمفهوم القرآنيّ، في حين يرى أنّ شرح الطبريّ (وأجلب عليه بخيلك وركبك) بمعنى الهجوم على الناس بجلبة لتخويفهم بالخيالة والمشاة، يخالف حقيقة المعنى القرآنيّ. إذَا، إنْ كان لوكسنبرغ قد رفض هذا المعنى، فما الذي يمكن أن يقدّمه من معنًى مغايرٍ لذلك؟

قبل الإجابة على هذا السؤال تجب الإشارة إلى أنّ لوكسنبرغ اعتمد في منهجه على منهج الهدم والبناء، بمعنى أنّه كان يقدّم أوّلاً المعنى في التّفسير العربيّ الإسلاميّ عامدًا إلى نقده وتسفيهه (الهدم) ، ثمَّ يعمد ثانيًا إلى تقديم المدلول السريانيّ الذي

ص: 217


1- الطبري، تفسير الطبري. جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تحقيق: بشار عواد معروف، عصام فارس، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، 1415ه_ - 1994م ، سورة الإسراء، الآية: 64.

يزعم أنّه المعنى الحقيقي للآيات القرآنيّة (البناء)، لكنّ منهج الهدم والبناء الذي اعتمده، والذي بنى عليه آراءه ومواقفه يحتاج إلى هدمٍ وبناءٍ من جديد.

قراءة لوكسنبرغ للآية تعتمد على تغييرٍ في مواضع النّقاط، وكذلك استبدال حروف بأخرى، فيقرأ (أخلب) بدلاً من أجلب، بمعنى احتل عليهم وانصب، ولمّا كان يرفض احتيال إبليس على الناس من خلال الهجوم بجلبة الخيالة والمشاة كما ذهب الطبريّ في تفسيره، فإنّه يزعم أنّ الأنسب أن نقول بحبلك بمعنى حبالك أو حيلك، بدلاً من (خيلك)، وهذا تشكيكٌ منه في عمليّة التنقيط، وهو يريد من ذلك كلّه الإيهام بخطأ والتباس في وضع النقاط على الحروف عند بداية عمليّة التنقيط. ليس هذا فحسب، بل إنّه يزاوج في هذه الآية بين التغيير في نقاط الحروف وبين إبدال حروف بأخرى، فيذهب إلى قراءة دجلك بدلاً من (رجلك)، حتّى يتوافق على زعمه مع المنطق القرآنيّ (1).

واستمرارًا لتلك القراءة التي تعمد إلى قراءة النصّ القرآنيّ كأيّ نصٍّ لغويٍّ بشريٍّ، فإنّه يقف عند (وشاركهم في الأموال والأولاد)، فيذهب إلى أنّ مصدر شرك بالسريانيّة مشتقٌّ من الشرك في اللغة العربيَّة، وبمعنى أغرى، محاولاً الاستدلال بقول الرسول صلّى الله تعالى عليه وآله وسلّم: (أعوذ بالله من شر الشيطان وشركه)؛ لكي يذهب إلى أنّ المفهوم القرآنيّ يشير إلى أنّ إبليس يُغري الناس بوعوده الكاذبة بالمال والبنين، وليس مشاركته لهم فيهما، محاولاً الاستدلال على ذلك بنهاية الآية (وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورًا)، ليكون معنى الآية عنده حسب فهمه السريانيّ هو: أوقع من استطعت منهم في مهلكة بصوتك واحتل عليهم بحيلك ودجلك واغرهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورًا (2).

الغريب في هذه القراءة أنّها قراءة تحاول أن تنزع من لغة القرآن بلاغتها، بهدف إلباسها ثوبًا ليس ثوبها، وأن تضع القرآن في ضوء لغة هو لم ينزل بها، لينتهي في النهاية إلى أنّ القرآن أصابه التدخّل البشريّ كغيره من الكتب المقدّسة السابقة

ص: 218


1- christoph Luxenerg، The Sero - Aramaic Reading of The Koran، PP: 216: 220.
2- christoph Luxenerg. The Sero - Aramaic Reading of The Koran. PP: 216: 220.

عليه. قد يكون من المقبول أن يقول لوكسنبرغ إنّ هناك بعض الكلمات من لغات أخرى، لكنّها أستخدمت وشاعت على الألسنة، فصارت من مفردات اللغة العربيَّة، وهذا - فيما أظنّ ليس موجودًا في اللغة العربيَّة فحسب، بل يُوجد في كلّ اللغات.

إنّ موضوع اللغة العربيَّة ولغة القرآن، وعلاقة العربيَّة بالسريانيّة والآراميّة - على حدّ قول أحد الدارسين - أمر طبيعيّ من المنظور التاريخيّ، وخاصّة تاريخ تطوّر اللغات وتشعّباتها، وتاريخ اللغات الساميّة... عندما يتم الحديث عن أنّ القرآن متأثّر و به آثار سريانيّة وآراميّة، فليس في الأمر استغراب ولا حالة غير طبيعيّة، ولا يعني هذا أنّ مصدر القرآن هو اللغة السريانيّة أو الآراميّة، أو أنّ نبع القرآن، كفكر وعقيدة، من خارج دائرة مكّة والمدينة، وللتنبيه والتّنويه بهذا الأمر، فإنّ علاقة القرآن بالتوراة والإنجيل، وهي في أكثرها علاقة نقديّة، لا تُخرج لغة القرآن من دائرتها الثقافيّة - الجغرافيّة، فهذه اللغة، العربيَّة القرشيّة، هي المخزون اللغويّ الذي رسمت من مرادفاته لغة القرآن (1).

إنّ هذه القراءة تفتح الباب أمام كلّ طارقٍ أن يقول في القرآن ما شاء، وأن يهذي بما شاء، بدعوى الإبداع أو الابتكار، وهنا تكمن الإشكاليّة التي تدعو إليها القراءات الحداثيّة للنصّ القرآنيّ، ومنها قراءة لوكسنبرغ الآراميّة السريانيّة، حيث تعمد إلى تفريغ القرآن من مضمونه وجعله شيئًا منزوع النّخاع، حتى يظهر وكأنّه كتابٌ عاديٌّ يخضع للنقد والتّجريح والتّعديل.

وأظنّ أنّ هذه الدّراسة هي الدّراسة الاستشراقيّة الأولى التي تعمد إلى التدخّل في القرآن بالتغيير والاستبدال لتمرير المدلول الذي تريده، في حين كانت الدّراسات الاستشراقيّة الكلاسيكيّة تعمد إلى تشويه النصّ القرآنيّ، دون أن تتدخّل في نصوصه كما فعل المستشرق لوكسنبرغ.

إنّه يتعامل مع النصّ القرآني وكأنّه نزل باللغة السريانيّة، ويفسّره وفقها بعد

ص: 219


1- انظر: محمد كمال، لغة القرآن بين العربيّة والسريانية، صحيفة الأيام البحرينية، العدد 10474 ، الثلاثاء 21 ديسمبر 2017م، الموافق 24 من ربين الأول، 1439ه_.

إعادة تنقيط الحروف وإعادة ترتيبها، ولماذا اللغة السريانيّة؟ هل لأنّ لها علاقة بالمسيحيّة كما سبق أن أشرنا؟ وهل يحاول لوكسنبرغ أنّ يشي بأن القرآن أخذ عن المسيحيّة من خلال محاولاته قراءة القرآن قراءةً آراميّةً سريانيّةً؟ كلّ هذه الأسئلة تُثار في الذّهن، وتحاول أن تصل إلى إجابة. وإجابة هذه الأسئلة نجدها في النصّ التالي: «إنّ موضوع القرآن وتضمّنه كلمات آراميّة يجب أن ننظر إليه بحذرٍ ورويّةٍ وبقدرٍ من الشكّ، لأنّ هناك من يريد أن يبلغ رسالة بأنّ الرسول استقى موضوع القرآن، نصًّا وعقيدة وتشريعًا، من قسيس مسيحي في الشام، وهذا الأمر لا يستقيم إذا ما قارنا الكتب السماوية الثلاثة، ففي كلّ كتاب لغة وثقافة، التوراة تشعّ منها ثقافة مختلفة عن ثقافة الإنجيل والقرآن، وكذلك الإنجيل نستخلص من نصوصه

السرديّة لحياة المسيح وأعماله ثقافة مختلفة عن ثقافة القرآن والتوراة (1)».

أليس هناك علاقة من نوعٍ ما بين العبريّة والعربيَّة مثلاً باعتبارهما لغتين ساميتين، أو بين العربيَّة والفارسيّة؛ إذ إن هناك ألفاظاً مشتركة بين هاتين اللغتين وبين العربيَّة، فهل هذا مسوّغ للقول بأنّ القرآن عبريّ أو فارسيّ، ومن ثمَّ قراءته قراءةً عبريّةً أو فارسيّة؟ بالطبع لا، على الرّغم من أنّ ما بين العربيَّة وهاتين اللغتين أكبر بكثير ما بينها وبين اللغة السريانيّة.

إنّ اللغويّين العرب كانوا يدركون علاقات اللغات الساميّة بعضها بعضًا، فالخليل بن أحمد في معجم العين يقول: «وكنعان بن سام بن نوح، يُنسب إليه الكنعانيّون، وكانوا يتكلّمون بلغة تضارع العربيَّة» (2) ، كذلك ابن حزم شرح العلاقة بين العربيَّة (2) والعبريّة والسريانيّة في كتابه «الإحكام في أصول الأحكام» قائلاً: «من تَدَبَّرَ العربيَّة والعبرانيّة والسريانيّة، أيقن أنّ اختلافها، إنّما هو من نحو ما ذكرنا من تبديل ألفاظ

ص: 220


1- انظر: محمد كمال، لغة القرآن بين العربيّة والسريانية، صحيفة الأيام البحرينية، العدد 10474، الثلاثاء 21 ديسمبر 2017م، الموافق 24 من ربين الأول، 1439ه_.
2- الخليل بن أحمد الفراهيدي، كتاب العين، تحقيق: مهدي المخزومي، إبراهيم السامرائي، إيران - قم، منشورات دار الهجرة، الطبعة الثانية، بدون تاريخ، ج 1 ص 205.

من الناس على طول الأزمان، واختلاف البلدان، ومجاورة الأمم، وأنّها لغة واحدة في الأصل» (1).

وبالنّظر إلى كتاب كارل بروكلمان (فقه اللغات الساميّة) فإنّنا نجد أنّه يشير إلى وجود علاقةٍ بين العربيَّة والسريانيّة، وبين العربيَّة والعبريّة، دون أن يقرأ القرآن قراءةً سريانيّةً كما فعل لوكسنبرغ؛ لأنّه أدرك طبيعة هذه العلاقة، ولم يعطِ لبعض الألفاظ السريانيّة أكثر من حجمها في قراءة النصّ القرآنيّ.

هذا من جانب، ومن جانب آخر، فإنّنا نجد بعض الكلمات العربيَّة الأصل في العبريّة مثل: أرض ومهر وغيرهما، فهل لنا أن نقول إنّ التوراة متأثّرة بالعربيَّة، أو نعمد إلى قراءتها قراءةً عربيّةً، بالطبع لا، ولكن عندما نسأل: لماذا؟ فإنّ الإجابة تُشير إلى أنّ وجود بعض ألفاظ لغة ما في لغة أخرى ليس مسوّعًا لقراءة مضامينها بتلك اللغة الأخرى. والسريانيّة ذاتها «لهجة من اللهجات الآراميّة التي تصعد أصولها إلى البابليّة / الأشوريّة القديمة والأكاديّة» (2).

كما وقف لوكسنبرغ على كلمة قسورة في قول الله تعالى: «فَمَا لَهُمْ عَنِ التّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ كَأَنّهُمْ حُمُرُ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ» (سورة المدثر، الآيات 49-51). فهو أوّلاً يُشير إلى أنّ المفسّرين أجمعوا على أنّ هذه الكلمة حبشيّة الأصل، وعلى غرابتها عن اللغة العربيَّة، وذهبوا إلى أنّ قسورة هو الأسد، ودلّ على ذلك فرار الحمير منه، كما أنّه يُشير إلى أحد المفسّرين المسلمين - لم يذكر لوكسنبرغ اسمه - ذكر أنّ أسدًا يقال له بالسريانية أريا، مستنتجًا من ذلك أنّ بعضهم كان لديه إلمام بالسريانيّة (3).

أما المفسّرون الغربيّون فقد ذهب لوكسنبرغ إلى أنّهم بحثوا في أصل الكلمة، ولم يجدوا لها اشتقاقًا في الحبشية، فاستنتجوا من ذلك أنّ معنی الأسد هو الأقرب

ص: 221


1- ابن حزم، الإحكام في أصول الأحكام، تحقيق: أحمد محمد شاكر، بيروت - لبنان، دار الآفاق الجديدة، الثانية، 1403ه_ - 1983م، ج 1 ص 32.
2- فولوس غبريال، الآداب السريانية العصور الأولى، بيروت - لبنان، منشورات الجامعة اللبنانية، الأولى، 1969م، ج1، ص 17.
3- .Christoph Luxe herg، The Sero - Aramaic Reading of The Koran، PP: 216: 220.

للمعنى المراد، وحملوه على معنى قسر، بمعنى أجبر وأرغم، لكنّهم ظلّوا ينظرون إلى المعنى الحقيقيّ على أنّه غامض. وهو لم يقف عند ذلك، بل يشير إلى أنّ الرسم القرآنيّ يشير إلى اسم فاعل في اللغة السريانيّة على وزن فعول - بقراءة فاعول - مدعيًا أنّ الوزن العربيّ فعول وفاعول مشتقّ منه، وأنّ الكلمة في نظره سريانيّة الأصل اشتقّها لوكسنبرغ من الجذر قسر وقصر، وبرجوعه إلى القواميس السريانيّة فإنّه يشير إلى أنّ هذا التّعبير يُوجد بقلب السين والواو فيقول قوسرا. كلّ ذلك ينطلق منه لوكسنبرغ لكي يحاول التأسيس لمعنًى جديدٍ، وهو أنّ معنى قسورة ليس الأسد كما طرحت التّفاسير العربيَّة، ولكنّ معنى قسورة هو الحمار الهرم الذي لا يقدر على الحمل، فهو فاشل في أداء مهمته (1).

لكنّ السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل الأنسب القول بأنّ المعنى المراد من قسورة هو الهرب من شيءٍ مرعبٍ كالأسد، خاصة أنّ السياق يُشير إلى هذا؟ أم الأنسب أن يقال إنّ الأنسب أن يكون المراد الفرار من الحمار الفاشل الذي لا يقدر على حمل الأشياء؟ أيّهما يقتضيه الموقف؟ وأيّهما أنسب للسياق؟ المستشرق لوكسنبرغ يقول بالطرح الثاني، وهو أنّ المقصود من الآية الإشارة إلى فرار الهاربين من تذكرة القرآن بالحمار الهرم الذي ليس فيه ما يدفع للهرب، محاولاً أن يدلّل على أخذ القرآن من السريانيّة بأيّ وسيلة (2). مع أنّ واقع الآية وسياقها يشيران إلى أنّ القرآن يشبّه المشركين المعرضين عن تذكرة القرآن بالحمار الوحشي شديد الفرار من أسد كاسر؛ إذ من الطبيعي أن ينفر الحمار من شيءٍ يخيفه كالأسد، لا أن ينفر من شبيهه لكونه عاجزًا عن الحمل، فما سمعنا بهذا في لغة من العالمين!

كذلك وقف لوكسنبرغ عند الآية 259 من سورة البقرة، والتي تتحدّث عن سيدنا عُزير، والتي يقول الله تعالى فيها: «فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهُ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِرُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا» (سورة البقرة، الآية 259). وقد وقف تحديدًا عند خمس كلمات قرأها

ص: 222


1- Ibid, PP: 216: 220.
2- Ibid, PP: 45:47.

قراءةً سريانيّةً لتمرير المعنى الذي يريده، وهي كلمات طعامك - شرابك - يتسنّه - حمارك - ننشرها.

إنّ هذا المستشرق المعاصر يقف عند هذه الألفاظ عامدًا إلى قراءتها قراءةً سريانيّةً، فيشير أوّلاً إلى أنّ سياق الآية ليس سياق طعام وشراب، متسائلاً ماذا يقصد الله تعالى من الإشارة إلى الطعام والشّراب إلى هذا الإنسان الذي بعثه الله تعالى من موته بعد مائة عام، وأنّ السياق في نظره ليس له علاقة بالطعام والشراب (1). مع أنّ سياق القصّة في القرآن يشير إلى أهمّيّة الطعام والشراب كقرينةٍ على قدرة الله تعالى يستدلّ بها هذا الرجل على المعجزة الإلهيّة كونهما ظلًّا على حالتيهما دون تغييرٍ أو فسادٍ، بمعنى أنّهما بقيا صالحين للاستخدام، إلا أنّ لوكسنبرغ عمد إلى نقل هذه الألفاظ من بيئتها العربيَّة إلى بيئةٍ مغايرةٍ تمامًا هي البيئة السريانيّة، ومحاولة إكسابها مدلولاتٍ أخرى في هذه البيئة الأخيرة.

وبناءً على هذا، فقد قرأ (طعامك) على أنّها «طعما» السّريانيّة التي تحمل أحد معنيين: العقل والفهم من جانب، الحال أو الشأن أو الأمر من جانبٍ ثانٍ، مستندًا إلى أنّ الألف الوسطى أضيفت في الغالب في المصاحف اللّاحقة، ثمَّ استبدل بكلمة و (شرابك) «شربا» في السريانيّة الذي يراه مترادفًا في هذه اللغة مع «طعما»، محاولاً الاستدلال بالفعل التّابع لهما الذي جاء بصيغة المفرد المذكر (لم يتسنّه)، الذي يقرأه بدوره على أنّه «إشتني» في السريانيّة بمعنى تغيّر. ومن ثمَّ يكون المعنى الذي يريد الذهاب هو: انظر إلى حالك وأمرك لم يتغير.

بل إنّ كلمة (حمارك) الواضحة بذاتها، والتي لا تحتاج لأيّ توضيحٍ أو تفسيرٍ لم تُعجب هذا المستشرق في ثوبها العربيّ محاولاً إلباسها ثوب السريانيّة، ولكن بعد استبدال الجيم بالحاء فيقرأها جمارك بدلاً من (حمارك)، بمعنى كمالك في السريانيّة، ومن ثمَّ يكون المعنى على تلك الصورة السريانيّة التي يريدها لوكسنبرغ هي: وانظر إلى كمالك؛ معتقدًا أنّ هذا هو المعنى المنطقيّ، وليس المعنى المقصود

ص: 223


1- Ibid. PP: 14.

عنده هو الحمار الذي يرى أنّ السّياق لا يستدعيه في هذا النّصّ.

أمّا الكلمة الأخيرة، التي وقف عندها في هذه الآية، فهي كلمة (ننشزها)، فقد قرأها ننشرها - وهي للحقيقة واردة في إحدى القرءات على هذا النحو - لكنّه يلبسها ثوبًا سريانيًّا عندما ربطها بمرادفها السريانيّ فشط بمعنى نشر وأصلح، ومن ثمَّ ينتهي من كلّ تلك التّدخّلات الصارخة إلى أنّ معنى الآية هو: انظر إلى حالك وأمرك لم يتغيّر، وانظر إلى كمالك، ولنجعلك آية للناس، وانظر إلى العظام كيف ننشرها (نصلحها)، ثمَّ نكسوها لحمًا (1).

ومن ضمن المواضع التي وقف عندها لوكسنبرغ، وحاول أن يطبّق منهجيّته الخاصّة فيها ليقرأها قراءةً سريانيّةً الآيتين 101، 102 من سورة مريم، في قوله الله تعالى: «فَناداها مِن تَحتِها أَلا تَحزَنى قَد جَعَلَ رَبُّكِ تَحتَكِ سَرِيَّا» (سورة مريم، الآية 24).

لكن قبل عرض تحليل لوكسنبرغ السريانيّ لهاتين الآيتين تجب الإشارة إلى أنّ السيوطيّ في كتابه الإتقان في علوم القرآن أشار إلى أنّ كلمة «تحت» كلمة نبطية، وهذا ما أشار إليه الكرمانيّ أيضًا في كتابه العجائب (2). وقيل إنّها تعني البطن، وقيل إنّها تعني الجنين (3).

وربّما كان هذا سبب استنكار لوكسنبرغ لعدم انتباه المستشرقين – على حدّ قوله - لهذا الشرح مؤكّدًا على أنّ كلمة تحت في الآراميّة والعبريّة والسريانيّة والحبشيّة بمعنى واحد وغير مختلفةٍ عن المعنى العربي في شيء، وكذلك استنكاره أنّ تفسير الطبريّ لم يرد فيه أيّ تفسيرٍ لهذه الكلمة، باستثناء التّساؤل عمّا إذا كان المنادي جبريل أم عيسى علیه السّلام. وكأنّه مطلوبٌ من المستشرقين الذين أشار إليهم وكذلك الطبريّ أن يكون كلامهم مطابقًا لكلامه ومهيمنًا عليهم، وهذا ليس من باب البحث

ص: 224


1- Ibid. PP: 194: 195.
2- انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1975م، الجزء الثاني الجز الثاني، ص 131.
3- Christoph Luxenerg, the Sero - Aramaic Reading of the Koran, PP: 101: 102 - 26: 220.

العلميّ في شيء. ومن الطبيعي أن يؤيّد المستشرقون المعنى الذي ذهب إليه كلّ من السيوطيّ والكرمانيّ، بل كان على لوكسنبرغ أن يفهم أنّ كلّ هذه اللغات التي ذكرها إضافة إلى العربيَّة من أصلٍ واحدٍ، وهو اللغة الكنعانيّة، وهذا ما سنعود إليه بشيءٍ من التّفصيل في مكانه من هذا الكتاب. أمّا الطبريّ، فقد كان من الطبيعيّ ألّا يقف عند هذه الكلمة بالتفسير؛ كونها من الكلمات الواضحة بذاتها في العربيَّة، خاصّة وأنّه ليس من اللّازم على المفسّرين أن يقفوا كثيرًا عند الكلمات الواضحة بذاتها، فما وجه الغرابة أو الاستنكار في ذلك؟!

إنه رفض أن يكون أصل كلمة (تحتها) عربيّة، فلا أصل لها في العربيَّة عنده، بل يرى أن أصلها سريانيّ، وأنّها مشتقّةً من الفعل السريانيّ نحت - بكسر الحاء - بمعنى نزل وانحدر، وأنّه مشتق منه الفعل العربي نحت، فيقال نحت الشيء بمعنى سوّاه وزاد صقله، ومنه نحت الحجر بمعنى سوّاه والمقصود هنا تنزيل الشيء الزائد أو غير النافع (1).

وهذا كلّه معناه شيء واحد أنّ لوكسنبرغ يتّهم القرآن بوجود أخطاءٍ فيه ناتجة عن التنقيط، وإلّا ما قال بأنّ الصواب نحت وليس تحت، إلّا أنّه لا يستطيع أن يقول بتحريف القرآن صراحة، ولكنّه يأتي بأمثلةٍ تجعله يشوّش على ضعيفي الإيمان عقولهم وقلوبهم فيقتنعون بمقولته، وهي أبعد ما تكون عن الصّواب. وهذا تأكيدٌ على أنّ قراءة لوكسنبرغ قراءة تشكيكيّة وليست قراءةً علميّةً كما يدّعي صاحبها.

واستكمالاً لقراءته للآية، فإنّه كما قلنا يرفض أن يكون المقصود بكلمةٍ تحت معنى البطن، بيد أنّه يعمد إلى البحث عن معناها في السريانيّة، فقرأ (تحتك ) على أنّها نحتك، مستبدلاً النون بالتاء، بمعنى ولادتك أو وضعك في اللغة السريانيّة، لكن لوكسنبرغ في سبيل إيمانه بهذا المعنى يلجأ إلى اللعب واللهو بأساسيّات اللغة العربيَّة؛ إذ من المعلوم أنّ الحرف (من) في (من تحتها) يدلّ على الظرفيّة المكانيّة، لكنّه يرفض ذلك، بدعوى أنّه يدلّ في نظره على الظرفيّة الزمانيّة في اللغة السريانيّة،

ص: 225


1- Christoph Luxe herg, the Sero - Aramaic Reading of the Koran, PP 135.

فيقول بديلًا عن (من تحتها) من نحتها، أي حال ولادتها ووضعها. لكنّ الغريب في الأمر أنّه يمكن القول بعد مزيد من التقصيّ أنّ لوكسنبرغ اعتمد في بعض رأيه هذا على ما جاء به السيوطيّ في كتابه من أنّ لفظ تحت ليس لفظًا عربيًّا، وعدّه لفظًا نبطيًّا معتمدًا في ذلك على أبي القاسم صاحب كتاب لغات القرآن (1).

ولكن هل من الصحيح أنّ كلمة (تحت) ليست عربيّة؟

إنّ لوكسنبرغ بدّل وغيّر في تنقيط الحروف كيفما شاء، وعلّل ذلك في كلمة تحت تحديدًا بأنّ الكلمة لا وجود لها في العربيَّة، لكنّنا نملك من أشعار العرب ما ندحض به حجّة هذا المستشرق، وإذا كان هو يدّعي دومًا أنّ مرحلة ما قبل سيبويه تخالف العربيَّة التي قبلها، فسوف نختار له بعض الأشعار الجاهليّة التي قال بها بعض كبار شعراء العصر الجاهليّ، كدليلٍ على ضعف قراءته للقرآن.

فالشاعر عنترة بن شداد يقول في ديوانه:

فَعَيشُكَ تَحتَ ظِلَّ العِزَّ يَوماً *** وَلا تَحتَ المَذَلَّةِ أَلفَ عام.

لَها مِن تَحتِ بُرقُعِها عُيونُ *** صِحاحٌ حَشوُ جَفْنَيها سَقامُ.

والشاعر اليهوديّ سعية بن غريض - وهو شاعر جاهليّ أخو السمؤأل - يقول:

أحياؤهُم خزيٌ على أمواتهم

والميّتونَ شرارُ مَن تحتَ الثرَى.

ويقول المهلهل بن ربيعة الشاعر الجاهليّ:

لَيتَ السَماءَ عَلى مَن تَحتَها وَقَعَت *** وَحالَتِ الأرضُ فَإِنجابت بمن فيها.

فماذا يقول المتأثّرون بأقوال لوكسنبرغ أمام هذه الأبيات التي تؤكّد خطأ ما ذهب إليه الرجل؟! إذ إنّ هذه النصوص الشعريّة لا مرية فيها، ومنسوبة إلى

ص: 226


1- جلال الدين السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ص 131.

أصحابها، ولا يتطرّق الشكّ في نسبتها إليهم، فهل نقول بعدها إنّ لوكسنبرغ كان على صواب؟! بالطبع لا؛ لأنّ الشواهد تدلّ على غير ما انتهى إليه.

وقد عرض أحد الباحثين لفظ تحت من منظور علم اللغة المقارن، فانتهي إلى نتيجة مهمّة محصّلتها الآتي:

وإذا نظرنا إلى هذه الكلمة فى اللغات الساميّة الثلاثة، وجدناها كما يلى:

في العربيَّة تحت ta...t

في السريانيّة ةحة ta...t

في العبريّة ta...at non

وبمقارنته اللفظ بمعناه في اللّغات الثلاث السّابقة، وجد هذا الباحث أنّها تُشير إلى اتّفاق في اللّفظ والمعنى، الأمر الذي حكم من خلاله بأنّ هذه الكلمة من المشترك الساميّ، دون أن تختصّ بها السريانيّة أو النبطيّة (1).

وهذا يقودنا إلى شيءٍ من الأهمّيّة بمكانٍ، وهو تسفيه لوكسنبرغ لكلّ الآراء القرآنيّة قبله، سواء التي كانت من قبل مستشرقين أو من قبل مسلمين ما دامت تخالف ما يذهب إليه من رأي في قراءة العربيَّة قراءةً سريانيّةً. وهذا يفسّر لنا لماذا نقد المفسّرين شرقًا وغربًا ممّن أقرّوا بقراءة (سريَّا) على أنّها جدول الماء، وهذا ما لا يوافق هواه، بدعوى أنّهم اعتمدوا على اللغة العربيَّة اللّاحقة - يقصد ما بعد سيبويه - ولاستدلالهم بمدلولٍ بعيدٍ عن النّصّ القرآنيّ، مع أن وجود النّصّ بالمعنى ذاته أو قريب منه في الإنجيل ينسف فكرته هنا من الأساس، فلم المكابرة؟!

لوكسنبرغ يعمد بشتّى الطرق إلى قراءة (سريَّا) قراءةً سريانيّةً، فلم يأخذ بعين الاعتبار لأيّ من المفسّرين، حتّى تلك التّفسيرات التي أكّدها إنجيل متى، فهو يلتفّ

ص: 227


1- انظر: أحمد محمد علي الجمل، القرآن ولغة السريان، بحث منشور فى مجلة كلية اللغات والترجمة - جامعة الأزهر، عدد 42 لسنة 2007م، ص 25.

حول ما ذُكر في هذا الإنجيل بدعوى أنّ سيدنا عيسى عندما أمر النخلة بتفجير الماء؛ ليروي ظمأ أمّه السيدة مريم - بحسب الرواية المذكورة في الإنجيل - ورواية الإنجيل عنده منطقيّة، والسبب عنده يرجع إلى انقطاع الماء في الصحراء المجاورة. أما في النصّ القرآنيّ - حسب قراءته - فإنّ الأمر لم يكن خوفًا من العطش لعدم وجود الماء، وإنّما في نظرة كان خوفًا من اتّهام قومها لها بالفاحشة أي ولادة ولد من حرام، محاولاً الاستدلال بقول الله تعالى: «يا أُختَ هارون ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوءٍ وَما كانَت أُمُّكِ بَغِيًّا» (سورة مريم، الآية 28) ولكونها في نظره طُردت من قبل أهلها بصيغة المجهول طبقًا للنحو السريانيّ الذي يتمسّك به في قراءة الآيات محاولاً الاستدلال، كذلك بقوله تعالى: «وَاذْكُر في الكِتابِ مَريَمَ إِذِ انتَبَذَت مِن أَهلِها مَكَانًا شَرقِيًّا» (سورة مريم، الآية (16)، وهو يشير إلى أنّ نحو اللغة السريانيّة يبيح بناء الفعل للمجهول مع ذكر الفاعل، بخلاف النّحو العربي الذي يتّهمه بأنّه من وضع قواعده أعاجم لا يعرفون أصول لغة القرآن، زاعمًا أنّ القرآن لا يخضع لقواعد العربيَّة اللّاحقة، وأنّ على الدّارسين أن يقرأوا القرآن وفق قواعد السريانيّة ونحوها؛ لأنّ هذا في ظنّه سيفتح آفاقًا جديدةً على القرآن (1).

لكنّ الغريب حقًا أنّ رواية الإنجيل عنده منطقيّةٌ ورواية القرآن غير منطقيّةٍ، إذًا، لنتأمّل قليلاً فيما دفع السيدة مريم إلى الخوف في الروايتين، لنفترض أنّ الدّافع في الإنجيل هو الخوف من عدم وجود الماء الذي هو لازم للحياة، فهل كان الدّافع في القرآن هو الخوف من اتّهام أهلها لها بالإتيان بمولود من الحرام؟ الإجابة نعم، ولكن هل يُجيز ذلك للوكسنبرغ التدخل بالزيادة والنقصان في القرآن بدعوى إظهار الغاية التي تنحصر في محاولة تبرئة السيدة مريم؛ إذ المقام ليس مقام أكل وشرب؟! الإجابة لا، ذلك أنّ لوكسنبرغ أخذ يجول بفكره هنا وهناك، وأتعبنا وراءه رغم أنّ الإجابة على تساؤله والحلّ المنطقيّ موجود في القرآن، لكنّه غفل عنه لعدم درايته وإلمامه بالعربيَّة. هو اعتمد على تفسير الطبريّ دون غيره، والطبريّ قال بأنّ سريًّا جدول ماء، فانطلق صاحبنا من هذا إلى أنّ الروايتين تتفقان - رغم اختلافهما الكبير

ص: 228


1- (christoph Luxenerg, The Sero - Aramaic Reading of The Koran, PP: 138: 139.

في التفاصيل - على أن سريًّا جدول ماء، لينطلق إلى وصف الحديث في الإنجيل بأنّه منطقيٌّ، باعتبار المقام فيه مقام خوف من عدم وجود الماء، وأنّه في القرآن غير منطقيٍّ؛ لأنّه في الوقت الذي يتحدّث فيه عن خوف مريم من اتّهام أهلها لها يزعم لوكسنبرغ بأنّ القرآن يوجّهها إلى التّسرية بالطعام والشراب وجدول الماء، وهذا في رأينا خطأ كبير وقع فيه هذا المستشرق يمكن تصحيحه والردّ عليه من جانبين:

الجانب الأوّل، أنّ سريًّا في الآية قد يقصد بها السيد المسيح ذاته، فيكون المراد فناداها من تحتها قد جعل ربّك تحت سريًّا أي شخصًا سيّدًا كريما شريفًا، وتلك أكبر طمأنة لها من الخوف الذي انتباها من اتّهام أهلها لها، فإذا ما اطمأنّت بتلك المعجزة الإلهيّة قال لها الله تعالى: «وَهُزِّى إليكِ بِجذع النَّحْلَةِ تُساقِط عَلَيكِ رُطَبًا جَنِيًّا * فَكُلى وَاشْرَبى وَقَرَى عَيْنًا فَإِمّا تَرَينَّ مِنَ البَشَرِ أَحَدًا فَقُول إِنّى نَذَرتُ لِلرَّحمنِ صَوْمًا فَلَن أُكَلَّمَ اليَومَ إِنسِيًّا» (سورة مريم، الآيتان 25 - 26). أي أنّ الله تعالى طمأنها أولّاً وأزال ما بها من هم في قضيّة الخوف من الاتّهام، وهذا شيءٌ معنويٌّ قلبيٌّ غير حسيٍّ، ثمَّ أمرها بالطعام والشرب، كونها كانت تسير في صحراء، والصحراء تتّسم بندرة الطعام والشراب، وهي لا شكّ كانت في حاجة إليهما، وكونها امرأة أصبحت مرضعًا، وفي حاجة إلى أن تقيم صلبها ولو بلقيمات صغيرة. هذا يعني أنّ القرآن عالج في السيدة مريم في هذا الموقف أمرين: الأوّل، أمر خوفها من الاتّهام بالزنا، والثاني، أمر طعامها وشرابها، وقدّم الأوّل على الثاني اهتمامًا به ومناسبة لسياق الأحداث، وهذا ما ينقد قراءة لوكسنبرغ من أساسها.

والقرآن - وهو كتاب كريم من لدن حكيم خبير - يهتمّ بالجانب الأوّل ويصدّره على ما عداه، ثمَّ يُردفه بالجانب الثاني، فالقرآن عالج في حادثة ولادة السيدة مريم قضيّة الأمن، بحيث تأمن على نفسها من الاتّهام بالفاحشة؛ لأنّ الإنسان لا يستطيع يشبع نهمه من الجانب الثاني ما لم يتحقّق له الأمن، وهذا المنهج يظهر بوضوحٍ في قول الله تعالى: «وَلَتَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ» (سورة البقرة، الآية 155)، وهذا هو المنهج ذاته الذي اتّبعه في موقف ولادة السيدة مريم للسيد المسيح.

ص: 229

الجانب الثاني، إنّه بالوقوف على معنًى سريٍّ في معاجم اللغة العربيَّة نجدها تُشير إلى معانٍ تُفيد سياق نشر الطمأنينة الذي يستحقّه الموقف، ومن هذه المعاني كشف الهم، فيقال: سرا الهم عن فؤاده بمعنى كشفه، ومنه السريّ كاشف الهم، وإذا طبقنا هذا المعنى على الآية التي يتعامل معها لوكسنبرغ بمنهجيّة مختلفة نجد أنَّ من معاني (سريًا) كاشف الهم، بمعنى: ألا تخافي ولا تحزني قد جعل لك ربك غلامًا كاشفًا لهمك ومزيلاً له فلا تخشي قومك من أن يتّهموك بالفاحشة.

ومن ثمَّ ، فإنّه إذا كان لوكسنبرغ يشي بأنّه من المستحيل أن يكون أوّل كلام ابنها لها جدول ماء، وإذا كان ينتظر من السّياق أن يكون كلام الابن فيه عزاء للأمّ يردّ به على اتّهامها بالحرام ويُزيله من الأساس، فقد بيّنّا أنّ كلمة (سريًا) فيها ما كان ينتظره من غير أن نلجأ مثله إلى القراءة الآراميّة السريانيّة التي يحاول إشاعتها في القرآن.

هذا فيما يتعلّق بكلمة (سريًّا) أمّا كلمة (انتبذت) فقد وقف عندها موقفًا غير منطقيًّا، فقراءته تبني الفعل للمجهول، فيكون معنى (أنتبذت) على البناء للمجهول هو طردت بضم الطاء، وهذا يعني أنّ قومها قاموا بطردها، وهذا مخالفٌ لما في سياق الآيات من أنّ السيدة مريم (انتبذت) بالبناء للمعلوم بمعنى انعزلت من نفسها، وانفردت عن أهلها، والسؤال هنا لماذا إصرار لوكسنبرغ على ليّ عنق الآيات؟ وإذا كان الأمر واضحًا بذاته فلماذا الإصرار على معنى آخر أشدّ بعدًا عن السياق وعن الحقيقة والمنطق؟

الغريب أنّ لوكسنبرغ يتّهم الدّارسين السّابقين واللّاحقين شرقًا وغربًا بعدم الفهم، بل الأشدّ غرابةً أن يتّهم الأعاجم ممن كانوا لهم رأي غير رأيه بأنّهم لم يقفوا على المعنى المراد كونهم أعاجم، ياللغرابة!

ورغم أنّ القرآن واضحٌ جليٌّ، وبتأمّله نستطيع بسهولة الردّ على لوكسنبرغ وغيره، فإنّ هذا المستشرق كان في نيّته السّعي في طريقه حتّى النهاية، ومن ثمَّ بدلاً من التأمّل في القرآن راح يتأمّله في غير لغته، فاستبدل بكلمة (سريًّا) كلمة شريًا السريانيّة مدّعيًا أنّ الرسم القرآن يلفظها - يقصد سريًا - بهذا الشكل، وهذه

ص: 230

الكلمة عنده صفة مشتقّة من الفعل شرا أي حلّ بمعنى الحلال، ومن ثمَّ يزعم أنّ الآية يجب أن تُقرأ على النحو التالي:

(فناداها من نحاتها ألا تحزني قد جعل ربك نحاتك شريًا) (1).

وقد اختلف أحد الباحثين مع لوكسنبرغ في معنى كلمة سريًّا الذي ذكر أنّها بمعنى «الحلال»؛ مستندًا إلى أنّ كلامه لا يستند إلى قاعدة لغويّة ينطلق منها لإثبات هذا المعنى البعيد، الذي يرى فيه أنّ كلمة شَريا šaryã صفة فعليّة بمعنى «الحلال» عكس «الحرام» من الفعل شرا Ora بمعنى «حَلَّ»، في حين يرى هذا الباحث أنّ الفعل شرُا لا يأتى بمعنى حَلَّ الشيء حلالاً أى صار مباحًا، ولكن يأتى بمعنى «حرَّر» و «أطلق»، ويكون معنى حَلَّ هنا التحرّر من القيد (2).

وقد استدلّ هذا الباحث على ذلك - باستخدام علم اللغة المقارن - من خلال استخدام الفعل في الأناجيل السريانيّة، ومن ضمن ما استدلّ به دلیلان، هما (3).

الأوّل:

ܡܫܟܚܝܢ ܐܢܬܘܢ ܚܡܪܐܕܐܣܝܪܐܘܥܝܠܐܥܡܗܫܪܘܐܝܬܘܠܝ (وقال لهما اذهبا إلى القرية التي أمامكما فللوقت تجدان أتانًا مربوطة وجحشًا معها فحلاهما واتياني بهما) (4).

الثاني:

ص: 231


1- (christoph Luxenerg, The Sero - Aramaic Reading of The Koran, PP: 127, 131, 135, 139, 141, 147.
2- انظر: أحمد محمد علي الجمل، القرآن ولغة السريان، ص 26 - 27.
3- م.ن، ص 27 - 28.
4- إنجيل متى 21 - 2؛ انظر أيضًا: مرقس 1-7، 11- 4؛ لوقا 19 - 33؛ يوحنا 1-27.

(الحقّ أقول لكم كلّ ما تربطونه على الأرض يكون مربوطاً في السماء و كلّ ما تحلّونه على الأرض يكون محلولاً في السماء) (1).

ويُلاحظ أنّ الكاتب قد استعمل اسم المفعول النكرة شرِا Ore بمعنى «محلول»، واسم المفعول المعرفة منه شَريُا šarya «المحلول»، أي المحرّر من القيد، ولم يأت بمعنى الحلال (2).

وبتحليل كلمة شَريُا sarya اتّضح لهذا الباحث أنّ شَريُا sarya: اسم مفعول مفرد مذكّر معرفة، أو مفرد مؤنّث نكرة؛ بالاستناد إلى أنّ السريانية تستخدم الألف المسبوقة بالفتحة الطويلة في نهاية الاسم للدلالة على التعريف، أو التأنيث في حالة الإطلاق، ويدلّ السياق على أنّه مفرد مذكّر معرّف. أمّا الاسم المنكّر فهو شرِا sere من الفعل المعتلّ الآخر شرُا sara حرّر - أطلق - حلَّ (3).

کما يرى أنّ الكسرة المُمَالة في اسم المفعول النكرة شرِا Matilde rex هي عبارة عن اجتماع ياء لام الفعل مع فتحة لمناسبة الألف، وهي تشبه علامة جمع المذكر المعرّفة، كما نقول مَلَكًا malkaelig; " الملك» للمفرد، والجمع منها ملكًا malke“الملوك»، فالكسرة الممالة - عند هذا الباحث - عبارة عن اجتماع ياء الجمع مع فتحة التعريف، وتظهر الياء بعد حذف فتحة التعريف للإضافة، فنقول مَلكَي malkay (4).

ليس هذا فحسب، بل لقد وجد أنّ التعريف من شرِا atildere تردّ فيه الياء، فتصير شريُا srya، حيث يتمّ تحريك حرف الشين بالفتحة القصيرة لاجتماع حرفين ساكنين في أوّل الكلمة، فتصير شّريُا ،šarya، وتعدّ حركة الشين هي الفارق المميّز بين اسم الفاعل واسم المفعول في حالة التعريف، فهي فتحة طويلة مع اسم الفاعل، نقول شُريُا aeligirya، وفتحة قصيرة مع اسم المفعول، نقول شَريُا sarya. وعلى ذلك يكون معنى شَريُا sarya التي تُلفظ «سَريا» - على اعتبار أنّ الشين في السريانيّة

ص: 232


1- إنجيل متى 18 - 18؛ انظر أيضا: مرقس 15-9؛ لوقا 14-4، 23-16؛ يوحنا 18-39.
2- انظر أحمد محمد علي الجمل، القرآن ولغة السريان، ص 28.
3- م.ن، ص 28.
4- م.ن، ص 28.

تقابل السين في العربيَّة - بمعنى اسم المفعول من الفعل «حرَّر» أي «المُحرَّر» (1).

ومن هنا نفهم أنّ لوكسنبرغ تدخّل تدخّلاً صارخًا في القرآن الكريم، حيث نجد التدخّلات في كلمات: (تحتها)، (تحتك)، (سريًا)، فجعلها على الترتيب: نحاتها، نحاتك، شريًا، وهذا تحريفٌ صارخٌ لكتاب الله تعالى، وكأنّ هؤلاء المستشرقين حاولوا أن يخلعوا على القرآن ما وجدوه في كتبهم من تحريف، الغريب أنّ هذه الآية التي تدخّل فيها لوكسنبرغ اجتمع فيها العديد من الخطوات التي رسمهما لمنهجيّته التشكيكيّة، فنجد تدخّلاً من ناحية زيادة حروف على الكلمة القرآنيّة، كذلك نجد تدخّلاً من ناحية استبدال حروفٍ ببعض حروف الكلمة القرآنيّة؛ بهدف خلق قراءة عربيّة يريدها عليها، كذلك نجد استبدال حروف ببعض الحروف في الكلمة القرآنيّة؛ بهدف قراءتها قراءةً سريانيّةً لا قراءة عربيّة.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: لماذا لم يقرأ لوكسنبرغ هذه الآيات القرآنيّة - إن أراد الإنصاف حقًّا - قراءةً عربيّةً بعيدًا عن التدخّلات السريانيّة التي حاول إقحامها على النصّ؟! ولماذا السريانيّة ومقدار ما بين العربيَّة والعبريّة مثلاً ربما أكثر بكثير مما بينها وبين السريانيّة؟!

وإذا كانت القراءة السريانيّة قادته إلى تفسير الآية على النحو التالي:

[فناداها حال وضعها ألا تحزني قد جعل ربك وضعك حلالاً] (2).

فإنّه هنا يثور سؤال مهم: هل السيدة مريم في حاجة إلى من يخبرها عن وضعها أو جنينها حلالاً كان أم حرامًا؟ هل هي في احتياجٍ لمن يقول لها إنّ وضعك حلال؟ بالطبع لا، فهي ليست في حاجةٍ إلى أن يقول لها أحد ذلك - ولو كان ابنها - لا لشيءٍ إلّا لأنّها تعلم يقينًا أنّ ما هي فيه حلال. بما يعني أنّ القراءة السريانيّة للوكسنبرغ لا تعطي الطمأنينة المطلوبة، كما لا تضيف جديدًا بالنسبة للمعنى القرآنيّ حول السيدة مريم.

ص: 233


1- م.ن، ص 28 - 29.
2- (christoph Lux energ, The Sero - Aramaic Reading of The Koran, PP: 141: 147.

إنّما تتحقّق هذه الطمأنينة في القراءة العربيَّة التي تعتمد على النّصّ وفهمه جيّدًا دون التّدخّل فيه بالحذف والزيادة والاستبدال كما فعل هذا المستشرق، فالقراءة المنبثقة من النّصوص تقول:

[فناداها سيدنا عيسى من تحتها ألا تخافي ولا تحزني قد جعل ربك تحت سيدًا كريمًا شريفًا كاشفًا لهمك وحزنك].

هذه القراءة هي التي تضيف جديدًا وتحقّق الطمأنينة، ويتحقّق ذلك في موضعين اثنين:

الموضع الأوّل، في قوله تعالى (فناداها) فتلك معجزة ما أنعم الله تعالى بها على أحد من العالمين أن يتكلم بعد ولادته مباشرة، فالمعجزة في حدّ ذاتها هي أقوى أثرًا من أيّ شيءٍ على إزالة ما بالسيدة مريم من خوف وحزن، وكأنّها شعرت أو أيقنت أنّ هذا فعل إلهيّ جاء تثبيتًا وتبرئةً لها من أيّ اتّهامٍ يُوجّه لها من قومها.

الموضع الثاني، في قوله تعالى (سريًا) والمقصود به المسيح ذاته، الذي جاء يطمئن أمّه بأنّ مَن تحتها - يقصد نفسه - سيدًا كريمًا شريفًا، ومن ثمَّ فلا خوف ولا حزن، فاطمئنّي، ومن ثمَّ إذن (فكلي واشربي)، فالأمن والطمأنينة أولاً، ثمَّ يأتي الطعام والشراب لاحقًا؛ إذ لا لذّة لطعامٍ وشرابٍ في غياب الأمن والطمأنينة.

وهذا تحليلٌ بسيطٌ يفهمه أيّ مسلمٍ له إلمامٌ باللغة العربيَّة، فلماذا إذن يسير بنا لوكسنبرغ في بحرٍ متلاطم الأمواج لا يأتي بخير؟! ومنذ متى يحاول المفسّرون البحث عن تفسير كتبهم المقدّسة باستخدام لغةٍ أخرى غير التي كُتبت بها هذه الكتب؟! ومن الملاحظ أنّ لوكسنبرغ في كتابه الذي يربو على الثلاثمائة صفحة قد اعتمد منهجيّةً تقوم على محاولة البحث عن القراءة السريانيّة لبعض الألفاظ القرآنية، مع تغيير معانيها، بل إنّها تعدّت معاني الألفاظ إلى معاني الجمل والعبارات والآيات كاملة، فكانت غايته تتجاوز مجرّد إثبات وجود ألفاظٍ غير عربيّةٍ في القرآن، بل تعدّتها إلى اتّهام القرآن ذاته بالتّحريف.

ص: 234

كذلك نجد هذه المنهجيّة ماثلةً في قراءته السريانيّة لآية «يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانُ تُخَلَّدُونَ» (سورة الواقعة، الآية (17) وآية «وَحُورٌ عِينٌ» (سورة الواقعة، الآية 22)، حيث يذهب إلى أنّ كلمة (حور) صفة سريانيّة للعنب الأبيض، وأنّ كلمة (عين) صفة تعني ناصع البياض، فيكون المعنى على قراءة لوكسنبرغ هو: العنب الأبيض شديد نصاعة البياض (1).

ففي آية (يطوف عليهم ولدان مخلدون) قرأ لوكسنبرغ (ولدان) وفقًا للمرادف السريانيّ يلدا، بمعنى الثمر أو الثمار، وحتّى يستقيم المعنى على ظنّه قرأ مجلّدون بدلاً من (مخلّدون)؛ ليصل لمعنى سريانيّ يشير إلى أنّ ثمار الجنّة تُؤكل باردة (2)، وهذا في ظنّه خلافًا لأهل الجحيم في آية «لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُومٍ * فَمَالِمُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ * فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ» (سورة الواقعة، الآيات 52: 55).

لكنّ قراءة لوكسنبرغ هنا لا تتّفق مع أبسط قواعد اللغة العربيَّة والنحو العربيّ، فكيف نقرأ على زعمه: (ولدان مخلّدون)، بمعنى (ثمار مجلّدون) وهل يتفق لغويًا أن يوصف غير العاقل (الثمار) بالعاقل مجلّدون؟ فهل في قواعد النحو العربي ما يدلّ على وصف غير العاقل بجمع المذكر السالم وهو عاقل؟ لقد فات لوكسنبرغ أن يحذف الواو والنون حتى تكتمل خطّته. هل يريد لنا لوكسنبرغ أن نسير في لغتنا على غير هدى من النحو العربي؟ أم لعلّه يظنّ أنّه باستطاعته التدخّل فيه كما شاء بدعوى مرحلة ما بعد سبيويه، إنّنا هنا ندرك يقينًا لماذا هاجم هذا المستشرق النحاة وعلماء اللغة، فهو يريد أن يهدم اللغة ممثّلة في هؤلاء من أجل أن يقول ما شاء فى القرآن دون ضابط يحكمه أو قاعدة تحدّه.

لكنّ إشكاليّة لوكسنبرغ في قراءة (حور عين) هنا أنّه يتجاهل اللفظ في اللغة العربيَّة، من أجل تمرير فكرته في القراءة السريانيّة التي ينطلق إليها، لكن ما دام

ص: 235


1- christoph Luxenerg, The Sero - Aramaic Reading of The Koran, PP: 252,257,258,265,278.
2- Ibid. PP: 288.

اللفظ في اللغة العربيَّة فلِمَ البحث عن مصدرٍ آخر لمعناه؟ نحن نفهم أن يلجأ لوكسنبرغ وغيره إلى هذه الحيلة - مع تحفّظنا على كلّ ما ينطق به - في حالة وجود اللفظ في لغته، أما وقد وُجد اللفظ في لغته وبمعنى دالّ واضح فلِمَ البحث عنه في لغة أخرى؟ والدّليل على ذلك أنّ المعاجم العربيَّة الموثوقة تشرح كلمة (حور) بمعنى اشتداد بياض بياض العين وسواد سوادها، ورقّت جفونها، فهي عين حوراء، ويقال حورت المرأة كانت حوراء، والجمع حورا (1).

يقول الشاعر جرير:

إنّ العُيُونَ التي في طَرْفِها حَوَرٌ *** قتلننا ثمَّ لم يحينَ قلانا

يَصرَعَنَ ذَا اللُّبَ حتى لا حَرَاكَ بِهِ *** وهنَّ أضعفُ خلق اللهِ أركانا

والشاعر جرير بن عطيّة الكلبيّ اليربوعيّ التميميّ (ت: 653) شاعرُ من بني كليب بن يربوع من قبيلة بني تميم وهي قبيلة في نجد. ولد في بادية نجد، بما يعني أنه تشرّب اللغة العربيَّة في البادية، ويعرف دقائقها.

ويقول عمرو بن قُميئة:

لَها عَينُ حَوراءَ فِي رَوضَةِ *** وَتَقرو مَعَ النَّبتِ أَرطىً طِوالا.

وعمرو بن قميئة شاعر جاهليّ كبير ومعمر، وتُوفّي عام 85 قبل الهجرة النبويّة، كان ذا إجادةٍ في الشعر، رغم قلّة إنتاجه الشعريّ.

وقول خليفة بن بشير بن عمير بن الأحوص:

حتّى أضاءَ سِراجٌ دونه حَجَلٌ *** حُورُ العيونِ مِلاحٌ طرفُها ساجي

وهذا الشعر عاش في العصر الجاهليّ، وكان يُقال له: الراعي المري الكلبي، شاعر جاهليّ يعود نسبه إلى بني كلب، ويرجع نسب هذه القبيلة إلى كلب بن وبرة بن تغلب من بني قضاعة بن معد بن عدنان، من ضمن القبائل التي يطلق عليها

ص: 236


1- انظر: ابن منظور، لسان العرب، مادة حور.

جماجم العرب، وهي تلك القبائل التي تجمع البطون، وينسب إليها غيرها.

وهذا دليلٌ على أنّ الكلمة باشتقاقاتها المختلفة موجودةٌ في اللغة العربيَّة، حتّى لو تجاوزنا وسايرنا هذا المستشرق وغيره في أنّ كلمة حور أصلها سريانيّ، فإنّها دخلت العربيَّة وصارت جزءًا منها، فصارت معرّبة والمعاجم اللغويّة في أيّ لغة فيها الكلمات التي لها أصل في هذه اللغة وفيها الدّخيل الذي وفد إليها من لغات أخرى غير أنّه امتزج بهذه اللغة واندرج تحتها وتزيَّى باشتقاقاتها، فصار جزءًا منها، ولو أنّنا عاملنا بقيّة اللغات بذلك المنطق الذي تعامل به لوكسنبرغ مع العربيَّة، لَمَا وجدنا لغة مستقلّة، ولصار الأمر فوضى لغويّة.

ثمَّ إِنّ كلمة حور وردت في القرآن في أكثر من سياق، وهذه السياقات على النحو الآتي:

السياق الأوّل: قول الله تعالى: «إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ * كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ» (سورة الدخان، الآيات 51-54).

السياق الثاني: قول الله تعالى: «إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ * فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * مُتَّكِبِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ» (سورة الطور، الآيات 17-20).

وأمام هذين السّياقين ليس بوسعنا إلّا أن نطرح السّؤال الذي يتبادر إلى الذهن هنا: ماذا يقول لوكسنبرغ الذي يفسّر (حور عين) بالعنب الأبيض النّاصع إذا قرأ قول الله تعالى: «وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ» ؟ هل يعني ذلك على تفسيره أنّ الزواج تم بالعنب ناصع البياض؟! فهل يتم المعنى على هذا الحال؟! بالطبع لا، فدلّ ذلك على أنّ الزواج هنا كان بالحور العين، أي نساء أهل الجنّة. لكن لوكسنبرغ ومن على شاكلته فى منهجه من التابعين له من الغرب أو من العرب لا يعدمون تأويل الآيات جزافًا للوصول إلى غرضهم، ولذا لجأ إلى اتّهام كتبة الوحي القرآني بعد عملية التنقيط بأنهم سبب هذه الإشكالية - في اتّهام واضح بتحريف القرآن - لأنّ الآية

ص: 237

على زعمه: وروّحناهم بحور عين، أي روّحنا عنهم بالعنب الأبيض شديد النصاعة، بما يعني أنّه قام بحذف النقطة من حرف الزاي لتصبح راءً، وحذف نقطة الجيم لتصير حاءً في تدخّل سافر في آيات الله تعالى البيّنات.

لكن لغتنا العربيَّة الجميلة لا تستخدم الترويح في المواضع المادية، أي في موضع كهذا، بل تستخدم الترويح في المعاني القلبية، وبالرجوع إلى لسان العرب لابن منظور نجد مادة روّح على النحو التالي:

روّح ترويحًا، فيقال: روّح عن، روّح على، روّح ب__، روّح إلى.

روّح الشخص: عاد إلى بيته.

روّح قلبه: أنعشه وطيبه.

روّح إلى: بيته عاد إليه.

روّح بالقوم: صلى بهم التراويح.

روّح عليه بالمروحة وغيرها: حركها ليجلب إليه نسيم الهواء.

روّح عن نفسه: أراحها، وأكسبها نشاطًا وخفة.

فهل نجد هذا المعنى الذي ذهب إليه لوكسنبرغ مدّعي الإلمام بالعربيَّة الفصحى؟ لا نجد مثل هذا المعنى الذي ذهب إليه، فالترويح يكون للقلب والنّفس، فترويح القلب إنعاشه وتطييبه، وما سمّيت صلاة القيام في رمضان تراويح إلّا لأنّها تروّح عن قلب المسلم وتطيّبه، والترويح عن النفس إكسابها النّشاط والخفّة وإزالة همومها وإشعارها بالسعادة، وما سُمّيت العودة إلى البيت ترويحًا، إلّا لأنّ الرجل يجد في بيته السّكينة والراحة بعد عناء العمل، إذًا، لم نجد في اللغة العربيَّة ربطًا بين التّرويح والشّيء الماديّ والطعام تحديدًا، وبمعنى آخر الترويح لا يكون في الماديّ ولكن يكون في المعنويّ والروحيّ، ومن ثمَّ فلا معنى لما ذهب إليه لوكسنبرغ من الترويح بالعنب الأبيض.

ص: 238

كما أنّ سياق آية «إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ * كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ» (سورة الدخان، الآية 51-54 ) ينفي أن تكون الحور العين - بمعنى العنب على ظنّ لوكسنبرغ - ترويحًا؛ لأنّه لو كان كلامه صحيحًا لنفى الترويح عمّا سبقها من المقام الأمين والجنات والعيون ولباس السندس والاستبرق، فهل يكون الترويح في العنب الأبيض - على المعنى الذي يذهب إليه - ولا يكون في هذه الأشياء كلّها رغم ما تمثّله من سعادات وترويح للإنسان المسلم في الجنّة؟!

الأمر ذاته نجده في سياق قول الله تعالى: «إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ * فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الجَحِيمِ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * مُتَكِبِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ» (سورة الطور، الآية 17-20) فلو كانت كلمتا حور عين على المعنى الذي يذهب إليه لوكسنبرغ لنفت الترويح عمّا سبقها من الجنّات والنّعيم، والنّعيم الذي أتاهم الله تعالى إياه والطعام والشراب، والاتكاء على سررٍ مصفوفةٍ، فكيف يكون الترويح في حور عين، ولا يكون في كلّ هذه الألوان من النعيم، ولمّا كان الأمر كذلك، دلّ على أنّ الحور العين هنا هنّ نساء أهل الجنّة، وليس العنب الأبيض كما ذهب هذا المستشرق.

السياق الثالث: ورد عنه قول الله تعالى: «فِيهِنَّ خَيْرَاتُ حِسَانٌ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * حُورٌ مَقْصُورَاتُ فِي الْحَيَامِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ» (سورة الرحمن،

الآيات 70-75).

وهذا السّياق فيه ردُّ على لوكسنبرغ القارئ (حور عين) على معنى العنب الأبيض شديدة النّصاعة؛ إذ من المعروف أنّ العنب شيءٌ غير عاقلٍ استنادًا إلى لغتنا العربيَّة، والمقصورات جمع مؤنث سالم، وجموع المؤنث السالم يكون جمع لعاقل وليس لغير عاقل، فكيف يُوصف غير العاقل (حور ) على معنى العنب الأبيض الذي ذهب إليه لوكسبرغ بالعاقل (مقصورات) في قوله تعالى (حور مقصورات

ص: 239

في الخيام؟! فدلّ ذلك على أنّ حور جمع تكسير لمؤنثه حوراء، ومن ثمَّ فإنّه من المنطقي أن يوصف بمقصورات، ولو كانت قراءة هذا المستشرق صحيحة لوصفت کلمة حور - التي فسّرها بالعنب الأبيض - بالمقصور، فالمفرد يوصف بالمفرد، وهذا كلّه دليل على أن قراءة لوكسنبرغ قراءة من وحي خياله، ولا تتّفق مع اللغة العربيَّة وقواعدها وبلاغتها، ودليل أيضًا على أنّ القرآن يفسّر بعضه بعضًا، ويتّفق کلّه مع جزئه والعكس، بحيث لا يكون هناك منفذٍ لأيٍّ مدّعِ لإلقاء شبهة، إلّا وكان الردّ من القرآن بارزًا راسخًا.

ومنها قول رسولنا الكريم: «للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أوّل دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويُجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويُوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها، ويُزوّج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعين من أقاربه» (1).

وهذا دليل لا يقبل الشكّ في مسألة الحور العين التي ذكرها القرآن، وها السنّة النبويّة الشريفة تؤكّدها وتعضّدها، ومن ثمَّ فإنّ محاولات لوكسنبرغ هنا تمثّل تكذيبًا وتشويهًا لمصدري الإسلام: القرآن والسنّة؛ لأنّه بنفي القضيّة في القرآن ينفيها في السنة أيضًا، وهذا ما عمد إليه هذا المستشرق، فقد تعامل مع القرآن كأيّ كتاب، وأهمل الأحاديث النبويّة جانبًا، مع أنّه لو اعتمد على هذه الأحاديث بجوار القرآن لكشف له أنّ القضيّة ليست كما ذهب؛ لأنّ السنّة جاءت لتقيّد المطلق وتفسّر الآيات، وتشرح الغامض.

أما السياق الرابع الذي جاءت فيه كلمة حور، فهو قول الله تعالى: «وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَبِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ * عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ * مُتَّكِبِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ * يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيق وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * لاَ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنْزِفُونَ * وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ* وَحُورٌ عِينٌ *

ص: 240


1- رواه أحمد والترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني.

كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ * جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ» (سورة الواقعة، الآيات 10 - 24) وهذا السياق أيضًا يدلّنا على خطأ ما يذهب إليه لوكسنبرغ من قراءة (حور عين) على أنّها العنب الأبيض؛ إذ لو كان المقصود ما ذهب إليه، لكانت آية (وحور عين) تسبق آية (ولحم طير مما يشتهون)، بمعنى أن يكون المقصود: وفاكهة مما يتخيّرون وحور عين، حتى يستقيم المعنى الذي يذهبون إليه، فتكون الفاكهة مصنفة إلى جوار بعضها على سبيل الطي والنشر أو التفصيل بعد والإجمال، أما وقد فصّل بين الآيتين بآية (ولحم طير مما يشتهون)، فإنّ ذلك يدلّ على أنّ (حور عين) ليس نوعًا من الفاكهة، إذ لو كانت نوعًا من الفاكهة لتلت آية (وفاكهة مما يتخيرون)، وسبقت آية ( ولحم طير مما يشتهون) خاصّة أنّ المنهج القرآنيّ حريصٌ على ربط الأشياء بأقرانها، انظر مثلاً إلى قوله تعالى: «فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلُ وَرُمَانُ» (سورة الرحمن، الآية 68). وقول الله تعالى : «فأنبتنا فيها حبًا وعنبًا وقضبا وزيتونا ونخلا وحدائق غلبًا وفاكهة وأبا متاعًا لكم ولأنعامكم» (سورة عبس، الآيات 27: 32). وغيرها من الآيات.

ومن هنا، نستنتج أنّ القراءة اللوكسنبرغيّة قراءةٌ منافيةٌ للغة العربيَّة ذاتها، وأنّ الحور العين هنا هنّ نساء أهل الجنّة، خاصّة وأنّ هناك العديد من الآيات القرآنيّة التي ذكرت قضيّة الزواج بنساء أهل الجنّة في آياتٍ أخرى غير التي وقف أمامها لوكسنبرغ مؤوّلاً، ومن هذه الآيات قول الله تعالى: «وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ» (سورة البقرة، الآية 25). والمقصود بالمطهّرة هنا التي طهّرها الله تعالى من كلّ مكروه، فكيف ينكر لوكسنبرغ زواج المؤمنين من الحور العين الجنّة؟ وكيف نجد من يسير في ركابه من بني جلدتنا مهلّلين مباركين لأقواله؟!

إنّ إجماع المفسّرين على تفسير الآيات الخاصّة بالحور العين بأنّهن نساء أهل الجنّة لم يكن من فراغ، بل إنّ هذا الإجماع نتيجة الأدلّة الكبيرة والكثيرة التي أقاموا عليها رأيهم، وهي أدلّة نقليّة ممثّلة في الآيات ذاتها، والأحاديث النبويّة التي جاءت مفسّرة وشارحة لكتاب الله تعالى، فضلاً عن الأدلّة العقليّة المبنيّة على

ص: 241

شواهد عقليّة ولغويّة، والتي لا يمكن أن يتطرّق إليها الشكّ. فهناك إجماع متمثّل في: الروايات والأحاديث والتفسيرات على هذا المعنى المحدّد، فكيف نفسّر هذا الإجماع إلا أن يكون صوابًا؟! فالروايات والأحاديث والتفسيرات التي استندوا إليها كثيرة، بحيث لا سبيل إلى الشكّ في معنى (حور عين).

والقضيّة ليست قضيّة إجماع بقدر ما هي قضيّة أدلّة تؤكّد ما نذهب إليه من التأكيد على أنّ (حور عين) تعني نساء الجنّة وحورياتها، خاصّة وأنّ إعمال العقل في النصوص كلّها - وليس بعضها - كفيل بأن يضع الصورة الكاملة والحقيقيّة، حيث إنّ القرآن مثلاً يفسّر بعضه بعضًا، والسنّة تفسّر القرآن، أمّا أن تُقتطع بعض النصوص لتمرير فكرة معيّنةٍ، فذلك لا يحقّق المعرفة الكاملة ولا الحقيقيّة بأيّ حالٍ من الأحوال. وربّما كان هذا وغيره ما جرّ على تلك الأطروحات التي أتى بها لوكسنبرغ الكثير من النقد، خاصّة من مستشرقين وباحثين غربيّين (1).

إنّ لوكسنبرغ لم يفهم أنّ هناك بعض الألفاظ التي قد تدخل اللّغة من لغاتٍ أخرى، فتهضمها، وتُطوّر في هذه الألفاظ، أو يصيب هذه الألفاظ التطوّر، فتظلّ متداولةً مئات السنين إلى أن تصير جزءًا من اللغة التي وفدت إليها، بل صارت لا تختلف عن شقيقاتها، وتخضع لعوامل الاشتقاق في هذه اللغة، وهذا ما حدث ربّما مع اللغة العربيّة - ومع غيرها من اللغات - فالتّلاقي مع اللغة السريانيّة كان موجودًا، وهناك بعض الألفاظ التي دخلت العربيَّة، لكن خضعت لاشتقاقات اللغة العربيَّة، وأخذت تلوكها الألسنة ربّما لمئات السنين، فصارت جزءًا منها لا ينفصل عنها، ولا تنفصل عنه، حتى إنّها في نطقها في الغالب تبعد كثيراً عن لغتها التي وفدت منها، وربّما بعدت كثيرًا في معناها أيضًا. وهذا ما يفسّر لنا ما ذهب إليه أحد الباحثين قائلاً: «وقد ظلّت السريانيّة بلهجاتها المختلفة لغة حيّة في الشرق الأوسط إلى أن جاء الإسلام، فقضت عليها وعلى لهجاتها لغة القرآن، وإن ظلّت معروفة في

ص: 242


1- من أمثال: كلوك جيليوت Claude Gilliot، وفرنسوا دوبلوا Francisco de los، سيمون هوبكينز Simon Hopkins، حتَّى إنّ الأخير قد وصفه أوصافًا ساخرة، ذاهبًا إلى أنّه صاحب منهجيّة متهوّرة ومضطربة وفقهٍ لغويٍّ مضلّل، انظر: آدم بمبا، المستشرقون ودعلى الأخطاء اللغوية في القرآن الكريم، ص 19.

بعض البيئات» (1). ولو كانت لغة القرآن نهلت من السريانيّة كما يقول لوكسنبرغ وغيره لما قُضِي عليها، هذا القضاء لم يتم فجأة وإنّما مرّ بمجموعة من المراحل التي صبغت فيها اللغة العربيَّة الألفاظ الدخيلة عليها بصبغتها، حتى صارت من ضمن اشتقاقاتها، فجاء القرآن بهذه اللغة العربيَّة التي اختمرت فيها الألفاظ - وإن كانت دخيلة- حتّى تشرّبت سمتها العربيّة صرفًا ونحوًا ، فهو قرآن عربيّ مبين.

ويجب التأكيد هنا على تأثّر لوكسنبرغ بأستاذه شفالي (2) المستشرق الألمانّي، فقد ذهب إلى أنّ كلمة قرآن كلمة سريانيّة، وأنّ اللفظ مأخوذ من لفظ قريانا السريانيّ (3)، وقد تبعه نفر من المستشرقين الغربيّين، ونفر آخر من المفكرين والدارسين العرب والمسلمين الذين ينبهرون بكلّ ما هو غربيّ بداعي الإبداع وحريّة الفكر، ولو على حساب التجرّؤ على الدين. وقد فطن العديد من الباحثين إلى الغاية الخبيثة التي يبغونها من وراء إثبات وجود علاقة بين العربيَّة والسريانيّة، ومن هؤلاء الباحثين: محمد جلاء إدريس وغيره، ومن ثمَّ وجدنا أحد الباحثين يقول: «ولا شك أنّ الكاتب يهدف من وراء نظريته إلى إقناع القارىء أنّ هناك صلةً وثيقةً بين القرآن واللغة السريانيّة، وبمعنىً آخر بين القرآن ولغة الإنجيل، وقد بدأ الكاتب بكلمة القرآن، لكى يوصل القارىء إلى التّشكيك في أصالة الألفاظ الرئيسيّة في القرآن الكريم، وردّها إلى أصول سريانيّة، وهو تمهيد لإقناع القارىء بأنّ القرآن الكريم لم ينزل على رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم ولم يُوحَ إليه، بل أخذه لغة ومضمونًا من المصادر السريانيّة المسيحيّة» (4).

فالغاية من وراء الرّبط بين العربيَّة والسريانيّة هو محاولة إثبات علاقة اقتباس بين القرآن والإنجيل؛ لأنّ الأنجيل كُتب بالسريانيّة، ومن ثمَّ فإنّ إثبات وجود علاقة بين العربيَّة والسريانيّة ليست هدفًا، إنّما هي مجرّد وسيلةٍ يتّخذها هؤلاء للادّعاء

ص: 243


1- شوقي ضيف، تاريخ الأدب العربي، العصر الجاهلي، القاهرة، دار المعارف، 1960م، ص 25.
2- مستشرق ألماني (توفى 1919م).
3- 1 1909 Schwally, Friedrich: Geschichte des Qorans, Leipzig نقلًا عن: أحمد محمد علي الجمل، القرآن ولغة السريان ص 14 - 15.
4- أحمد محمد علي الجمل، القرآن ولغة السريان، ص 2.

بوجود علاقةٍ بين المتن القرآني والإنجيل، كحلقة من سلسلةٍ طويلةٍ لا نهاية لها من اتّهام الإسلام بالاقتباس من الديانة المسيحيّة.

قد وصف المستشرق {ريتشارد كروس} لوكسنبرغ بأنّ عمله يدلّ على جهله بأدبيّات الموضوع، وأنّ ما يفعله لوكسنبرغ إنّما هو بدافعٍ تبريريٍّ مسيحيٍّ، كما أنّ {فرانسوا دي بلو} أشار إلى كمّ الأخطاء النّحويّة الكبير في عمل لوكسنبرغ وإلى محدوديّة معرفته باللغة السريانيّة، ووصف عمله بأنّه عملٌ هاوٍ وليس عملاً علميًا. وهو أيضًا ما وُصف به عمل لوكسنبرغ من قبل البروفسورة باتريشيا كرون. وقد قدّم الدكتور وليد صالح من جامعة تورنتو الكثير من النّقاط التي تفنّد فرضيّات لوكسنبرغ (1).

فلوکسنبرغ لم ينتبه إلى أنّ القرآن الكريم كان محفوظاً في الصدور قبل الكتابة والجمع، وهناك مستشرقون آخرون غلب عليهم الحافز التنصيريّ والتبشيريّ الأعمى، مثل جبريال صوما اللبنانيّ ومانجانا الآشوري العراقي، وعند بحثي عن حور وجدت أنّ مؤنّثها حوراء ومذكرها أحور وجمعها جمع التذكير والتأنيث: حور. كقولنا أبيض وجمعها بيض ومؤنثها بيضاء، وأحمر جمعها حمر وتأنيتها حمراء (2).

كذلك يجب التّأكيد على أنّ لوكسنبرغ وشفالي من قبله وغيرهما استقوا الكثير من أفكارهم من خلال كتاب الإتقان في علوم القرآن للسيوطي، فالسيوطي أرجع بعض الألفاظ القرآنيّة إلى لغة العجم، فقال بوجود ألفاظ أعجميّة في القرآن، وهذا الأمر اتّخذه بعض المستشرقين المهتمّين بلغة القرآن منطلقًا لاتّهام لغة القرآن بأنّها لغةٌ اقتبست من اللّغات الأخرى، وكان حظّ اللغة السريانيّة في ذلك الشأن كبيرًا من ناحية اهتمام المستشرقين بها. مع العلم أنّه قد صدرت دراسةٌ حديثةٌ لأحد الباحثين العرب، والتي تثبت بالدليل خطأ ما ذهب إليه السيوطي في نسبة بعض

ص: 244


1- انظر: سعيد الحاجي، الدراسات الاستشراقية في تفسير مفردات القرآن، على الرابط التالي: https://banassa.com/notmob/21839.html
2- انظر: سعيد الحاجي الدراسات الاستشراقية في تفسير مفردات القرآن، على الرابط التالي: https://banassa.com/nptmbb/21839.html

الألفاظ الواردة في القرآن إلى لغات أخرى (1) وكان هذا الخطأ ناتجًا عن عدم إلمام السيوطي باللغات الساميّة التي تندرج تحتها العبريّة والسريانيّة، ومن ثمَّ كان السيوطي ينظر إلى كلّ لفظ لم يكن مستخدمًا في عصره وبيئته على أنّه أعجميٌّ: سريانيّ أو عبريّ أو روميّ كما يسمّيه.

إنّ قراءة لوكسنبرغ تسير في اتّجاه الهرمنيوطيقا الغربيّة التي سعى بعض المفكرين العرب إلى تطبيقها على النّص القرآنيّ، فظهر ما يُسمّى بالقراءات الحداثيّة التأويليّة، لكن قراءة هذا المستشرق تختلف عنها في أشياء وتتّفق في أخرى، فالقراءات الحداثيّة التأويليّة تعتمد أوّلاً على تاريخانيّة النصّ، أي حصره في إطاره الزمنيّ الذي نزل فيه، وثانيًا أنسنة الدين بمعنى تناول النصّ الدينيّ كأيّ نصٍّ بشريٍّ يجوز فيه النقد، فعاملت النصّ القرآنيّ على أنّه نصٌّ روائيٌّ أو فكريٌّ مجاله الأخذ والردّ والنقد، وربّما الطعن والتجريح، وثالثًا ما يُسمّى بالتعقيل، أي التّعامل مع النصّ بطريقةٍ عقليّةٍ مُفرطة تجعل العقل حكمًا على النصّ ومقدّمًا عليه، لا العكس، أي أنّها تُطلق العنان للعقل في قراءة النصّ دون رابط يحدّه.

قراءة لوكسنبرغ يمكن أن تكون ضمن ما يسمّى بالقراءات الهرمنيوطيقيّة التأويليّة بصورةٍ من الصور، فهي قراءةٌ هرمنيوطيقيّةٌ تأويليّةٌ منقوصةٌ، فإذا كنّا قد حصرنا قواعد القراءات الهرمنيوطيقيّة الحداثيّة ومنطلقاتها في ثلاثة، وهي: التاريخانيّة، الأنسنة، التعقيل، فكيف لنا أن ننظر إلى قراءة لوكسنبرغ بالنّظر إلى هذه القواعد أو المنطلقات الثلاثة؟

يمكن القول إنّه إذا كانت التاريخانيّة في القراءات التأويليّة تعني عدم وضع النصّ في غير سياقه التاريخيّ الذي نزل فيه، بمعنى تقييده في حدود فترة نزوله بقصد تحجيم الدور الذي يقوم به إلى الآن في حياة المسلمين، فإنّ لوكسنبرغ لم يقيّده في فترة نزوله كما يفعل الحداثيّون، ولم يطلق له المجال في التأثير في حياة المسلمين المستقبليّة كما يتمنّى المفكّرون المسلمون الحقيقيّون، ولكنّه اختطفه

ص: 245


1- انظر: محمد جلاء إدريس، الاستدراك على السيوطي فيما نسبه من المعرب في القرآن الكريم إلى العبرية والسريانية، القاهرة، مجلة الدراسات الشرقية، العدد 37، 2006م، ص 31، وما بعدها.

ذاهبًا به إلى ما قبل ظهور الإسلام بقرون، فراح يفسّره لا بظروف عصره الذي نشأ فيه، ولا بتأثيراته في الأزمنة التالية، ولكنّه فسّره وقرأه بلغة ظهرت قبل الميلاد بما يقرب من سبعة قرون أو أكثر وهي اللغة الآراميّة - السريانيّة.

وهذا ليس منطقيًا على الإطلاق، أن تقرأ نصَّا في لغةٍ، ثمَّ تفسّره بلغة تسبقها بقرون، فإنّ هذا ليس من المنهجيّة في شيء، خاصّة إذا علمنا أنّ هذه اللغة تمثّل أختًا لتلك، بما يعني أنّ الاثنين من مشكاةٍ واحدةٍ، ومن الطبيعيّ أن تكون هناك بعض الألفاظ المتشابهة أو المشتركة، إلّا أنّ هذه الألفاظ لا تبيح لك أن تحصر الكتاب فيها وتفسّره بمقتضاها وكأنّه كُتب باللّغة السريانيّة.

أمّا فيما يتعلّق بأنسنة الدين أو النصّ الدينيّ، فإنّ لوكسنبرغ وإن لم يقل بذلك قولاً، فقد فعله عمليًّا وتطبيقيًّا، فقد تعامل مع النصّ وكأنّه نصٌّ أدبيٌّ أو فكريٌّ يغيّر فيه ما يشاء، ويبدّل فيه ما يشاء، يشرحه كما يشاء، ويفسّره كما يشاء، وما أنسنة الدينيّ إلا كلّ هذا، فهو لم ينظّر للقضية، لكنّه طبّقها، ففي الوقت الذي نجد فيه من ينظّرون فقط دون تطبيق، نجده هنا في حيّز التطبيق غير المسبوق بتنظير، ولكن بصورةٍ أشدّ تدخّلاً بما تحمله من إيحاءاتٍ حول تحريف النّصّ القرآنيّ.

لوکسنبرغ أيضًا قام بما يسمّى بعمليّة التعقيل؛ لكن بصورةٍ مختلفةٍ بعض الشيء، لكنّها قريبةٌ لما نجده عند أصحاب القراءات الحداثيّة، فهم أطلقوا العنان للعقل في تأويل ما بين أيديهم من نصوصٍ قرآنيّةٍ، بالاستناد إلى قاعدتي: التاريخانيّة والأنسنة، في حين أطلق لوكسنبرغ لنفسه ولعقله العنان في تأويل الآيات بالاعتماد على قاعدتي: التخيّل واللغة، أقصد اللغة السريانيّة. فقد أطلق لنفسه الخيال في تأويل النصّ مرتديًا ثوب السريانيّة منطلقًا بهما هنا وهناك.

ونختم بما قاله أحد الباحثين من أنّ لوكسنبرغ لم يُفلح في دعم أطروحاته بأيّة شواهد تاريخيّة أو اجتماعيّة لغويّة بين الآرامية والعربيَّة، متسائلاً: تُرى من هم أولئك المكّيون المسلمون قبل الإسلام الذين زعم لوكسنبرغ أنّهم استعملوا القرآن؟! ولماذا انقرضت تلك الكتابة الهجينة انقراضًا كاملاً؟! (1).

ص: 246


1- انظر: آدم بمبا، المستشرقون ودعوى الأخطاء اللغوية في القرآن الكريم، ص 19، 20.

المبحث الثاني: القراءة العبرية للغة القرآن:

هناك من يعمد إلى قراءة القرآن قراءةً عبريّةً تحاول أن تنقّب عن الألفاظ العبريّة التي يمكن أن تكون قد وردت في القرآن الكريم؛ غير أنّهم يستغلّون ذلك، فيبنون عليه نتائج غير علميّة أو منطقيّة قوامها التعصّب للعقيدة، والادّعاء باقتباس القرآن من اليهوديّة، وهي لا تختلف في نواياها عن تلك القراءة التي أتى بها لوكسنبرغ.

لكنّنا يمكن القول إنّ القراءة العبريّة ليست قراءةً بالمعنى الذي ذهب إليه لوكسنبرغ، بل نسمّيها قراءةً تجوّزا، بل هي قراءةٌ جزئيّةٌ تمثّل محاولةً للبحث عن بعض الألفاظ العبريّة ليس إلّا، وليست قراءة للقرآن بلغة عبرية كما حاول أن يفعل لوكسنبرغ في قراءته السريانيّة للقرآن، وإن كان كلّ هذا لا يمنع من أنّ اتّهام الاستشراق اليهوديّ للقرآن بأنّه مجرّد نسخةٍ مزوّرةٍ من الإنجيل تارةً ومن التوراة تارةً أخرى.

ومن ضمن الكلمات التي وقفت عندها القراءة اليهوديّة كلمة (حطّة) التي وردت في قول الله تعالى: «وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ» (سورة البقرة، الآية 58)؛ حيث ذهب المستشرق جاكوب بارت (1) في كتابه: القرآن تعليق وتطابق، والصادر في عام 1971 م إلى أنّ تلك الكلمة عبريّة (2).

مع أنّ الواقع يقول إنّ قواميس ومعاجم اللغة العربيَّة مثل لسان العرب تبيّن عربيّة الكلمة، فيقول ابن منظور: الحطّة بمعنى نقصان المرتبة، والفعل الأمر حُطّ عنّا، بمعنى اغفر لنا (3).

بل لقد حاول الباحثون عنوة البحث عن ألفاظٍ عبريّة في القرآن، واستخرجوا ألفاظاً عربيّة قحّة، محاولين إلباسها اللغة اليهوديّة، فقد ذهب المستشرق جوزيف

ص: 247


1- مستشرقٌ ألمانيٌّ (1851 - 1914م) ، تخصّص في اللغة العربية واللغات السامية.
2- انظر: جاکوب بارت، القرآن تعليق وتطابق، 145.
3- ابن منظور، لسان العرب مادة حط.

هورفيتز (1) في كتابه: أسماء الأعلام اليهوديّة في القرآن، الصادر في النصف الأوّل من القرن العشرين، وتحديدًا في عام 1925م ، إلى أنّ ألفاظ من نحو: ربّ العالمين، تبارك، أمر، أمانة، بركة، معتكفات، خلاص، سكينة، مثاني، قيوم، عبادة، منهاج، كفارة، ماعون، قدّوس، جبّار، سورة، نبوة، بعير، جنّات، عدن، تزکّی، عبادة، بور، صديق من ألفاظ اللغة العبريّة، وأنّ سيدنا محمدًا صلّى الله تعالى عليه وسلّم أخذها من يهود المدينة (2).

الأمر ذاته ينطبق على كلمة بعير في قول الله تعالى: «... وَلِمَن جاءَ بِهِ حِمل بَعِيرِ وَأَنَا بِهِ زَعيمُ» (سورة يوسف، الآية 72) فقد ذهب جوزيف هورفيتز إلى أنّها مأخوذةٌ من العبريّة، وهي معناها في العبريّة حمار، في حين أنّ الكلمة في لسان العرب تعني الجمل أو الحمار، بما يعني أنّ الكلمة عربيّة، فضلاً عن أنّها كانت شائعةً في العصر الجاهليّ قبل الإسلام، بما يعني أنّ الحكم بعربيّتها لا نقاش فيه.

يقول الشاعر:

لا تشتهي لبن البعير وعندنا... عرق الزجاجة واكف المعصار.

وبالنّظر إلى كلمة سورة نجدها وردت في سورة التوبة في قول الله تعالى: «يَحذَرُ المُنافِقُونَ أَن تُنَزِّلَ عَلَيهِم سورَةٌ تُنَبِّئُهُم بما فى قُلوبِهم» (سورة التوبة، الآية 64) وفي سورة النور في قول الله تعالى: «سورة أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» (سورة النور، الآية 1). وبعد ذلك يعرض لكلمة «سورة» فينقل عن شفالي قوله: إنّها تبدو مشتقّةً من «صورطا» أو «سورثا» السريانيّة: ومعناها الكتاب المقدّس (3).

وهذا الأمر شيء عجاب للحقيقة؛ إذ إنّ كلمة سورة من الكلمات ذات الاشتقاق العربيّ الأصيل، ومنها سور الحائط، وسور المدينة بمعنى الحائط المحيط بها المشتمل

ص: 248


1- مستشرقٌ ألمانيٌّ يهوديٌّ (1874 - 1931م)، أستاذ الدراسات الشرقية بجامعة جوته بفرانكفورت.
2- انظر: عبد الرحمن بدوي، دفاع عن القرآن ضد منتقديه، ص 42.
3- christoph Luxenerg. The Sero - Aramaic Reading of The Koran. PP: 53: 226.

عليها، ففي لسان العرب لابن منظور السورة تعني الفصل أو القطعة المستقلّة من القرآن الكريم، وقيل بمعنى المنزلة الرفيعة، وقيل بمعنى الشرف، أو الفضل، أو العلامة، والسورة من البناء: ما طال منه وحسن، والجمع سور وسورات (1).

وقد رفض نولدكه رغم ذلك أصل الكلمة عربيًّا، بل لقد ذهب إلى أنّها مشتقّة من اللغة العبريّة، بمعنى: الخطّ أو الصفّ أو الطابور، وأنّها لم ترد بمعنى الفقرة من الكتاب (2)، في الوقت الذي يرى فيه المستشرق هيرشفيلد بأنّها كلمةٌ آراميةٌ (3).

أمّا شفالي فيري إنّها تبدو مشتقّةً من «صورطا» أو «سورثا» السريانيّة: ومعناها الكتاب المقدّس (4).

ولا ندري لماذا كلّ هذا اللغط، مع أنّه بنظرةٍ بسيطةٍ يمكن إدراك أنّ اللفظة قد تكون من المشترك الساميّ، الذي تشترك فيه اللغات الساميّة في اشتقاقه، باعتبار العربيَّة والسريانيّة والعبرية تنتمي إلى لغة أم واحدة، هذا إن كان حقًّا من قبيل المشترك الساميّ، ولم يكن عربيًا قحًّا. ثمَّ إنّ منطوق اللفظ موجودٌ في اليابانيّة، فينطق (سورا - sora)، فهل يتّخذ ذلك مدعاة للقول بأنّ كلمة سورة في القرآن الكريم أخذت من اليابانية مثلاً ؟! هذا بالطبع لا يقوله عاقل؛ لكنّ المشكلة الأساسيّة التي ينطلق منها المستشرقون أنّهم يحاولون إلباس لغة القرآن زي لغة أخرى، أيَّا كان هذا الزي، لينتهوا في آخر الأمر إلى مرادهم الذي يصطنعون كلّ هذه الإشكاليّات المزعومة من أجله، وهي نسف أصالة لغة القرآن الكريم، والادّعاء بأنّه من عند النبيّ محمّد وليس من عند الله تعالى.

أمّا الدليل على عربيّة الكلمة فهو قول الشاعر النابغة الذبيانيّ الشاعر الجاهليّ الذي توفّي في عام 18 قبل الهجرة النبويّة:

ص: 249


1- انظر: ابن منظور، لسان العرب، مادة سور.
2- نولدکه، تاريخ القرآن، ج 2 ص 231.
3- م.ن: ج 1 ص 154.
4- انظر: شفالي، تاريخ القرآن، ج 2 ص 232.

أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَعطاكَ سُورَةً *** تَرَى كُلَّ مَلْكِ دُونَهَا يَتَذَبْذَبُ؟

وهناك بعض المستشرقين الذين وقفوا عند كلمة فرقان في قوله الله تعالى: «وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ» (سورة البقرة، الآية 53)، وقوله تعالى: «وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ» (سورة البقرة، الآية 185)، وقوله تعالى: «وأنزل الفرقان» (سورة آل عمران الآية 4)، وقوله تعالى: «إِنْ تَتَّقُوا اللَّه يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا» (سورة الأنفال، الآية 29)، «وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ» ( سورة الأنفال، الآية 41) وقوله تعالى: «وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ» (سورة الأنبياء، الآية 48)، وقوله سبحانه: «تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا» (سورة الفرقان، الآية1).

هؤلاء المستشرقون من أمثال بلاشير قرأوا الفرقان في الآيات على أنّه بمعنى الإنقاذ، وأنّها ذات أصل سريانيّ أو آراميّ (1)، في حين يذهب ريتشارد بيل، إلى أنّها مأخوذة من المصادر ،المسيحيّة وأن النبيّ محمّدًا صنع منها ومن الفعل فرق في العربيّة توليفة جديدة للتفريق بين أتباعه والرافضين لدعوته (2)، في حين يتّهم رودي بارت القرآن في الآية 48 من سورة الفرقان بأنّ كلمة الفرقان مبهمة (3).

لكنّ هناك خطأ كبيرًا عند هؤلاء المستشرقين، ناتجًا عن تطبيق أفكار مسبّقة في الذهنيّة الاستشراقيّة، فهم لا يستندون في دعواهم على أسسٍ علميّةٍ ومنهجيّةٍ هنا، ولكنّهم يستندون إلى مجرّد أوهامٍ أو إسقاطاتٍ، بدليل أنّ كلمة فرقان في القرآن لها معانٍ متعدّدةٍ تدلّ على ثراء لغة القرآن وغناها، فهي فضلاً عن أنّها مأخوذةٌ من الفعل فرق بمعنى التّفريق بين الحقّ والباطل الخير والشر، الغي والرشاد، الهدى والضلال، فإنّها تدلّ على القرآن ذاته كما وردت في آية «تبارك الذي أنزل الفرقان على عبده».

ومن الكلمات التي وقف عندها بعض المستشرقين كلمة آية، وقد وردت في

ص: 250


1- أحمد بابانا العلوي، المستشرقون والدراسات القرآنية، على الرابط التالي: http://www.almothaqaf.com/derasat/885107.html
2- ريتشارد بيل، مدخل إلى القرآن، 1953م، ص 54 نقلًا عن أحمد بابانا العلوي، مرجع سابق.
3- أحمد بابانا العلوي، مرجع سابق.

القرآن بصيغتي المفرد والجمع، وبصيغة المفرد جاء قول الله تعالى:

«مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُفْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا» (106 البقرة)

«وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ» (118 البقرة)

«وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ» (145 البقرة)

«سَلْ بَنِي إِسْرَابِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ» (211 البقرة)

وبصيغة الجمع جاء قول الله تعالى:

«كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ» (73 البقرة)

«كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ» (187 البقرة)

«وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ» (221 البقرة)

«كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ» (242 البقرة)

«وكَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ» (103 آل عمران)

المستشرق شفالي تلميذ نولدكه يذهب إلى أنّ كلمة آية مأخوذة من العبرية من الكلمة العبريّة أوث والسريانيّة أثا بمعنى العلامة والدليل، غير أنّ اشتقاقهمها عنده على الرغم من ذلك ليس مؤكّدًا (1).

وهذا يعني أنّه يبني رأيه على غير يقينٍ، وإنّما على خيال ووهم، ولو كان كلامه مؤكّدًا لانتهى إلى كلامٍ قطعيٍّ، هذه واحدة، أمّا الثانية فهو نسب اللفظ إلى العبريّة والسريانيّة معًا، وهذا يعني أنّ كلامه لو صحّ لكانت هذه الكلمات مع كلمة آية من المشترك الساميّ، أي الذي تشترك فيه العربيَّة والسريانيّة والعبريّة، وهذا يقضي على فرية الأخذ من العبريّة أو السريانيّة كما يدّعي.

ص: 251


1- انظر: شفالي، تاريخ القرآن، ج 2، ص 342.

ومن جانب آخر فإنّ منطوق آية ورد في العديد من اللغات، ولكن بمعانٍ مختلفةٍ، ومن هذه اللغات (1):

* اللغة العبريّة: (***)، بمعنى الطيور المحلّقة، أو سرعة الطيران.

* اللغة اليابانية: (***) آية ،Aya. في اللغة اليابانيّة تعني «التصميم»، «الملون» و «الجميل».

* اللغة الجرمانيّة القديمة تعني السيف أو الشيء الحادّ والقاطع.

* اللغة الأردية: حيث تشير كلمة آية إلى النساء العاملات في الرعاية الصّحيّة أو ممرّضة الأطفال الصغار. وفي باكستان عادةً تطلق كلمة آية على العاملات والموظفات في مراكز الطفولة ورياض الأطفال.

* في لغة شعب «شمهوفي» بالإنجليزية (Chemhuri): تعني كلمة آية عندهم نطقًا: السلحفاة أو البطيء جدًا.

* في لغة أدينكرا الإفريقية بالإنجليزية (Adiner) تعني كلمة آية منطوقهم، السرخس، وهو رمز للقدرة على التحمّل وسعة الحيلة.

* وفي النيبال تعني لديهم آية بالمنطوق: الأم أو الجدة

وإذا كان منطوق الكلمة يوجد في كلّ هذه اللغات واللّهجات، فهل يصحّ لنا أن نقول إنّ القرآن أخذ عنها كلّها مثلاً؟! بالطبع لا؛ لأنّ ذلك اللفظ وغيره يعدّ من المشترك نطقًا بين اللغات، فضلاً عن أنّ المنطوق في كلّ لغة من اللغات له معنىً مغاير لمعنى كلمة آية الواردة في القرآن خاصّة واللغة العربيَّة عامّة، حتى العبريّة

ص: 252


1- انظر الروابط الألكترونية الآتية: https://thewifechoice.com/japanese-girls-names-and-meanings/ http://www.20000-names.com/female_japanese_names.htm https://thoughtcatalog.com/jeremy-london/2018466-/06/japanese-girls-names/ https://thoughtcatalog.com/jeremy-london/2018466-/06/japanese-girls-names/ https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A2%D98%A%D8%A9_%D8%A7%D8%B3%D985%) https://www.edarabia.com

التي يقال إنّ اللفظ مشتقّ منها نجده يأتي بمعنى الطيور المحلّقة أو سرعة الطيران، فهل يعقل بعد هذا أن يتمسّك المستشرقون بهذه الكلمة (آية) وغيرها مدّعين أنّها تمثل اقتباسًا من اللغة العبريّة أو غيرها؟!

إنّ ما استند إليه المستشرقون من كلمات هنا ککلمات: قرآن، آية، سورة وغيرها من الكلمات لا ينهض كدليل، أو حتّى شبه دلیل، فمحاولات ردّ هذه الكلمات إلى العبريّة أو السريانيّة لم تستطع أن تستدلّ عليها بكلام يوافق العلم والمنطق، فضلاً عن الحقائق التاريخيّة، ونحن نعلم يقينًا أنّ الغرض الرئيس من كلّ هذه المحاولات هو التشكيك في لغة القرآن، ونفي الأصالة عنه، والادّعاء ببشريّة مصدره، فلم تكن هذه المحاولات إلّا استدراجًا للمسلمين للتشكيك في دينهم، والادّعاء بأنّه من صنع سيدنا محمّد، نتيجة تعلّمه - على ظنّهم - من التوراة والإنجيل، أو اليهود والنّصارى، اليهود العبرانيّين، والنصاري السريانيّين.

لقد ذهب القرطبيّ إلى أنّه لا يوجد في القرآن ما يُخالف التراكيب العربيَّة، وإن كان هناك بعض الأعلام الأعجميّة كإبراهيم ونوح ولوط وغيرها من الأعلام، فإنّ ألفاظ أخرى من غير العربيَّة لا وجود لها، ومن ثمَّ انتهى الطبريّ إلى أنّ وجود ما يُظنّ معه أنّه أعجميّ من باب ما توافقت عليه اللغات (1)، بمعنى أنّه من قبيل

المشترك اللغويّ الساميّ.

لکن یجب ألّا نبادر بوصف الكلمة بالأعجميّة أو المعرّبة إلّا بدليل عليها لا يقبل الشكّ؛ لأنّ أكثر اللغات المتجاورة تنتمي إلى جذرٍ واحدٍ، فقد يُسارع البعض بنسبة لفظة عربيّة ما إلى العبريّة أو السريانيّة أو الفارسيّة، وهي موجودة في كلام العرب قبل العصر الجاهليّ بمئات السنين، وقد تدخل لفظة معرّبة ما على اللغة العربيَّة فتُخضعها لقواعدها واشتقاقاتها وقوانينها، ثمَّ يتحدّث بها العرب مئات السنين، حتّى يصير المتحدّث بها لا يدري أنّها كانت في الأصل غير عربيّة، ومن ثمَّ فليس لأحد بعدها أن يقول إنّها غير عربيّة، بل في كثير من الأحيان تكون اللغة

ص: 253


1- انظر: القرطبي، تفسير القرطبي، القاهرة، طبعة الشعب، بدون، ج 1 ص 73. انظر: ابن كثير، تفسير القرآن العظيم. دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية، 2001 . 1/11: 8.

العربيَّة هي الأصل، واللغات الأخرى هي من أخذت عنها. «ولم يزعم أحد أنّ الألفاظ التي تدخل لغة ما، ثمَّ تحوّرها على كيفيّة النطق عندها، وتجري عليها قوانين لغتها، ويستعملها أبناؤها استعمال غيرها من المفردات.. لم يزعم أحد أنّ البليغ إذا أوردها في كلامه، تكون محلّ انتقاد من الآخرين، أو تحطّ من فصاحة اللسان وتنزل بالكلام عن مرتبة البيان» (1).

وأورد القرطبي ردّ الطبريّ على هذه الترّهات في مقدمة تفسيره تحت باب: هل ورد في القرآن كلمات خارجة عن لغات العرب؟ (2):

أوّلًا: لا خلاف بين الأئمة أنّه ليس في القرآن كلامٌ مركّبٌ على أساليب غير العرب، وأنّ فيه أسماء أعلام لمن لسانه غير العرب كإسرائيل وجبريل وعمران ونوح ولوط، واختلفوا هل وقع فيه ألفاظ غير أعلام مفردة من غير كلام العرب، فذهب القاضي أبو بكر الطيّب وغيره إلى أنّ ذلك لا يوجد فيه، وأنّ القرآن عربيٌّ صريح، وما وُجد فيه من الألفاظ التي تُنسب إلى سائر اللغات إنّما اتّفق فيها أن تواردت اللغات عليها فتكلّمت بها العرب والفرس والحبشة وغيرهم، وذهب بعضهم إلى وجودها فيه، وأنّ تلك الألفاظ لقلّتها لا تُخرج القرآن عن كونه عربيًّا مبينًا ولا رسول الله عن كونه متكلّمًا بلسان قومه.

وقد عدّد الطبريّ الكلمات الأعجميّة الأصل، فالمشكاة: الكوة ونشأ: قام من الليل ومنه (إنّ ناشئة الليل) و(ويؤتكم كفلين) أي ضعفين و(فرّت من قسورة) أي الأسد كلّه بلسان الحبشة، والغساق: البارد المنتن بلسان الترك، والقسطاس: الميزان بلغة الروم، والسجّيل: الحجارة والطين بلسان الفرس، والطور: الجبل واليمّ: البحر بالسريانيّة والتنّور: وجه الأرض بالأعجميّة (3).

وقد أورد القرطبيّ ردّ ابن عطيّة مقدّمًا الإجابة الشّافية على هذا الإشكال قائلاً:

ص: 254


1- تفسير القرطبي، الجزء الأوّل، ص 72.
2- م.ن: ص 71.
3- م.ن: ص 71.

فحقيقة العبارة عن هذه الألفاظ أنّها في الأصل أعجميّة، لكن استعملتها العرب وعرّبتها فهي عربيّة بهذا الوجه، وقد كان للعرب العاربة التي نزل القرآن بلسانها بعض مخالطة لسائر الألسنة بتجارات وبرحلتي ،قريش، وكسفر مسافر بن أبي عمرو إلى الشام، وكسفر عمر بن الخطاب، وكسفر عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد إلى أرض الحبشة، وكسفر الأعشى إلى الحيرة وصحبته لنصاراها مع كونه حجّة في اللغة، فعلّقت العرب بهذا كلّه ألفاظًا أعجميّةً غيّرت بعضها بالنقص من حروفها وجرت إلى تخفيف ثقل العُجمة واستعملتها في أشعارها ومحاوراتها، حتّى جرى مجرى العربيّ الصّحيح، ووقع بها البيان، وعلى هذا الحد نزل بها القرآن، فإن جهلها عربيّ ما فكجهله الصريح بما في لغة غيره، كما لم يعرف ابن عباس معنى فاطر إلى غير ذلك (1).

كذلك يقول ابن عطية ردًّا على الطبريّ: وما ذهب إليه الطبريّ رحمه الله من أنّ اللغتين اتّفقتا في لفظة، فذلك بعيد، بل إحداهما أصل والأخرى فرع في الأكثر؛ لأنّا لا ندفع أيضًا جواز الاتّفاق قليلا شاذا. قال غيره: والأوّل أصح وقوله: أصل في كلام غيرهم دخيلة في كلامهم ليس بأولى من العكس، فإنّ العرب لا يخلو أن تكون تخاطبت بها أو لا، فإن كان الأوّل فهي من كلامهم؛ إذ لا معنى للغتهم وكلامهم إلّا ما كان كذلك عندهم، ولا يبعد أن يكون غيرهم قد وافقهم على بعض كلماتهم (2).

وقد قال ذلك الإمام الكبير أبو عبيدة، فإن قيل: ليست هذه الكلمات على أوزان كلام العرب فلا تكون منه، قلنا: ومن سلّم لكم أنّكم حصرتم أوزانهم حتّى تخرجوا هذه منها، فقد بحث القاضي عن أصول أوزان كلام العرب، وردّ هذه الأسماء إليها على الطريقة النحويّة، وأما إن لم تكن العرب تخاطبت بها ولا عرفتها استحال أن يخاطبهم الله بما لا يعرفون، وحينئذ لا يكون القرآن عربيًّا مبينًا، ولا يكون الرسول مُخاطبًا لقومه بلسانهم والله أعلم (3).

ص: 255


1- تفسير القرطبي، الجزء الأول ص 71.
2- م.ن: ص 71.
3- م.ن: ص 71.

وقد عمد عبد الرحمن بدوي إلى الردّ على مزاعم المستشرقين، مستنكرًا ما يذهبون إليه استنادًا إلى أنّ ذلك يستدعي أن يكون سيدنا محمّد على درايةٍ تامّةٍ بالعبريّة والسريانيّة واليونانية، وأنّه كانت لديه مكتبة عظيمة الكتب تشتمل على كتب التلمود والأناجيل المسيحيّة وكتب الصلوات المختلفة وقرارات المجامع الكنسيّة وكتب الملل والنحل المسيحيّة وأعمال أدباء اليونان، وهذه الفرضيّة غير صحيحةٍ على الإطلاق، الأمر الذي جعله يقول: «هل يمكن أن يُعقل هذا الكلام الشاذ لهؤلاء الكتّاب، وهو كلام لا برهان عليه. إنّ حياة النبيّ محمد صلّی الله علیه و آله و سلّم قبل ظهور رسالته وبعدها معروفة للجميع ... ولا أحد قديمًا أو حديثًا يمكنه أن يؤكّد أنّ النبيّ كان يعرف غير العربيَّة، إذا كيف يُمكن أن يستفيد من هذه المصادر كما يدَّعون (1).

المستشرقون هنا يستندون - طبقًا للمنهج الإسقاطيّ - على فرضيّة أنّ القرآن مُنتحلٌ ومقتبسٌ من اللغة العبريّة وغيرها، دون أن يكلّفوا أنفسهم مؤنة البحث في هاتين اللغتين أو اللغات التي تنتمي إلى أصلٍ واحدٍ، وهو الأصل الساميّ، بدليل ما قاله إسرائيل ولفنسون ذاته في كتاب تاريخ اللغات الساميّة: «والواقع أنّه لیس أمامنا كتلة من الأمم ترتبط لغاتها بعضها ببعض، كالارتباط الذي كان بين اللغات الساميّة» (2). بما يعني أنّ هناك الكثير من الجذور اللغويّة المشتركة بينهما؛ نتيجة الانتماء إلى هذا الأصل اللغويّ المشترك.

لكنّ الإشكاليّة الكبرى التي يقع فيها المستشرقون هنا أنّهم لا يدركون - طبقًا لعلماء اللغة وعلم مقارنة الأديان - أنّ العبريّة والعربيَّة مع السريانيّة وغيرها ترجع إلى أصل واحد، هو الأصل الساميّ، فقد انتهى أحد الباحثين بناءً على ما أفصحت عنه الدّراسات اللسانيّة والتّاريخيّة والأثريّة الحديثة إلى ظهور لغة ساميةٍ مشتركةٍ بين شعوب منطقة الهلال الخصيب منذ القرن 14 قبل الميلاد، وأنّ اللغة العربيَّة كانت واحدة من لغات هذه اللغة الأم (3).

وهذا يفسّر لنا التّشابه الكبير بين العربيَّة والعبريّة في بعض الجذور اللغويّة،

ص: 256


1- عبد الرحمن بدوي، دفاع عن القرآن، 76.
2- إسرائيل ولفنسون، تاريخ اللغات السامية، ص 10.
3- انظر: أحمد عثمان، في الشعر الجاهلي واللغة العربيَّة، القاهرة مكتبة الشروق، بدون تاریخ، ص 74، 75.

حيث يعدّ ما بين العربيَّة والعبرية أكبر بكثير مما بين العربيَّة وغيرها من لغات الأصل الساميّ، ومن ثمَّ يقول ( ولفنسون): «على أنّ هناك كلمات مشتركة في جميع اللغات الساميّة، يُرجَّح أنّها كانت مادّة من اللغة الساميّة الأصليّة» (1).

بل إنّ هذا المستشرق وجّه كلامًا مهمًّا لأولئك المستشرقين الذي ينتهجون نهج إشاعة الشّبهات حول لغة القرآن مبيّنًا خطأ منهجهم، وتنافيه مع المنهج العلميّ السّلیم، فضلاً عن عدم إلمامٍ واضحٍ بطبيعة هذه اللّغات المشتركة. يقول ولفنسون: «ولكن يجب ألّا يبالغ الباحث في مسألة تأثير الآراميّة والعبريّة في العربيّة الشماليّة، إذ ينبغى أن يحترس من الخطأ في نسبة بعض الكلمات العربيَّة إلى إحدى أخواتها السامية، ظنًّا منه أنّها منقولةٌ منها، فقد يُوجد عددٌ كبيرٌ من الألفاظ له رنة آراميّة أو عبريّة، وهو في الواقع كان يُستعمل عند العرب قبل أن يحدث الاتصال الاتّصال بين هذه اللغات.. وقد أشرنا غير مرّة، إلى أنّ وجود تشابهٍ في الألفاظ والأساليب لا يدلّ في كلّ الأحوال على اقتباس، بل إثبات الاقتباس يحتاج إلى أدلّةٍ أخرى غير التّشابه. وقد غفل بعض كبار المستشرقين عن هذه النّظريّة، فوقعوا في أغلاطٍ كثيرةٍ، أخذها عنهم صغار الباحثين بدون رويّة، وقلّدوهم فيها تقليدًا مطلقًا» (2).

ومن جهةٍ أخرى، فإنّ تبادل التأثّر والتأثير بين اللغات، يعدّ قانونًا اجتماعيًّا إنسانيًّا، واقتراض اللغات بعضها من بعض ألفاظًا يعدّ ظاهرةً إنسانيّةً. واللغة العربيَّة ليست بدعًا من اللغات الإنسانيّة، بل إنّها تميّزت عنها بالبراعة في تمثل الكلام الأجنبيّ، ومن ثمَّ صياغته على أوزانها، وإنزاله على أحكامها، وجعله جزءًا لا يتجزَّأ من أجزائها (3). إنّ هذه الألفاظ الدخيلة - حسب أحد الباحثين - تنصهر في بوتقةٍ واحدةٍ داخل مع مرور السنين وتعاقب الأزمنة، ثمَّ تندرج في ثقافة اللغة التي استقبلتها دون أن يعلم أكثرهم أنّها دخيلةٌ قبل مئات (أو آلاف) السنين، وحتّى المتخصّص

ص: 257


1- إسرائيل ولفنسون، تاريخ اللغات السامية، ص 14.
2- م.ن: ص 86.
3- انظر: محمد السيد علي بلاسي، المعرب في القرآن، ليبيا، جمعية الدعوة الإسلامية العالمية، الطبعة الأولى، 1369ه_ - 2001م، ص 125 وما بعدها.

باللغة يجد صعوبةً بالغةً في استخراجها. والألفاظ المعرّبة الموجودة في القرآن الكريم، كانت قد دخلت العربيَّة قبل نزوله بمئات السنين، فأصبحت فصيحةً من صميم اللسان العربيّ، تكلم بها بلغاء العرب وفصحاؤهم. وما دامت فصيحة، فنزول القرآن الكريم بلسان العرب، يقتضي شمولها في ثناياه (1).

ومن المعلوم أنّ علم اللغة قد أصابه التطوّر، ووصل إلى مرحلةٍ تمكّنه الوصول إلى فهم طبيعة اللغات وخصائصها وتاريخها، الأمر الذي يحكم بسهولة على آراء المستشرقين الدّاعين إلى اقتباس القرآن كلماتٍ عبريّةً أو غيرها بأنّها آراءٌ يشوبها العوار، فالعديد من ألفاظ اللغة العربيَّة التي ظنّ السّابقون – حتّى من علماء الأمّة الإسلاميّة - أنّها معرّبةٌ ثبت خطؤها؛ حيث أثبتت الدّراسات اللغويّة الحديثة أصلها العربيّ، أو على الأقل أصلها السامي، والدّليل على ذلك أنّ هذه الدراسات أكّدت على أنّ العربيَّة والعبريّة والحبشيّة والسريانيّة أصلها واحد.

هناك عددٌ من الكلمات التي يعوّل عليها المستشرقون لأسماء بعض الشخصيّات الواردة في القرآن، وهم الأنبياء عليهم السلام، وأسماء لبعض الأماكن، وهذه ليست مدعاة لأن يقولوا أصلها سريانيّ أو عبريّ أو غيرهما، فهي جاءت في العربيَّة كما هي، ومن ثمَّ سمّاها القرآن باسمها كما هي.

وليس لنا أن نغفل عن حقيقةٍ مهمّةٍ مؤدّاها أنّ هناك حضارةً قديمةً بائدةً للعرب، و هي كانت حضارةً كبيرةً لا يستهان بها، بدليل الاكتشافات التي تظهر يومًا بعد يوم، ومن المحتمل أن تكون هناك بعض الكلمات العربيَّة التي تسلّلت إلى اللغات الأخرى المشتركة معها في الأصل اللغوي، ثمَّ اندثرت هذه الحضارة، وبقيت الألفاظ، فظنّ البعض أنّها من أصلٍ غير عربيٍّ (2)، من باب هذه بضاعتنا رُدّت إلينا. بل إنّ هناك من يصرح - بناءً على الاكتشافات الأثريّة الحديثة - بأنّ العبريّة والسريانيّة والكلدانيّة ولهجات الآرميّين كلّها عربيّة، بل إنّه ينتهي إلى أنّ كلمة سامية معناها عربيّة (3).

ص: 258


1- انظر: محمد السيد علي بلاسي، المرجع السابق، ص 125 وما بعدها.
2- انظر محمد بلاسي، المرجع السابق، ص 67 وما بعدها.
3- أحمد عثمان، في الشعر الجاهلي واللغة العربيَّة، ص 93.

ولقد كان للإمام الشافعي (ت 204ه_) موقف من هذه القضيّة قضيّة ورود كلمات معرّبة في القرآن، قائلاً: «فقال منهم قائل: إنّ في القرآن عربيًّا وأعجميًّا، والقرآن يدلّ على أن ليس من كتاب الله شيء إلّا بلسان العرب» (1).

وقد ساق العديد من الأدلّة التي تؤكّد وجهة نظره:

الأوّل، لعلّ من قال إنّ في القرآن غير لسان العرب... ذهب إلى أنّ من القرآن خاصًّا يجهل بعضه بعض العرب، ولسان العرب أوسع الألسنة مذهبًا وأكثرها ألفاظاً، ولا نعلمه ولا يحيط بجميع علّمه إنسان غير نبيّ، ولكنّه لا يذهب منه شيء على عامّتها حتّى لا يكون موجودًا فيها من يعرفه (2).

الثاني، إنّ الألفاظ الواردة في القرآن الكريم ممّا اتّفقت فيها اللغات يقول: «ولا ننكر إذا كان اللفظ قيل تعلّمًا أو نُطق به موضوعًا أن يوافق لسان العجم أو بعضها قليلاً من لسان العرب» (3).

وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى (ت 210ه_): «وقد يوافق اللفظ اللفظ ويقاربه ومعناهما واحد، أحدهما بالعربيَّة والآخر بالفارسيّ أو غيرها، فمن ذلك (الاستبرق) بالعربيَّة هو الغليظ من الديباج وبالفارسيّة (استبره) و (الفرند) و(كوز) فهو بالفارسيّة والعربيَّة واحد» (4).

وبناءً على ما سبق فإنّ الألفاظ المذكورة في القرآن الكريم - ممّا يظنّ الناس معها أنّها غير عربيّة - عربيّة متوافقة في اللفظ مع لغةٍ أخرى، أو ألفاظ شخصيات وأماكن لا مفرّ من ذكرها.

ص: 259


1- الشافعي، الرسالة، تحقيق أحمد محمد شاكر دار، الكتب العلمية، القاهرة، بدون تاریخ، ص 41، 42.
2- م.ن: ص 44.
3- الشافعي، الرسالة، ص 44؛ انظر: محمد حسن عبد الله، التعريب في القديم والحديث، القاهرة، دار الفكر العربي، الأولى 1990م، ص 40.
4- أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي، مجاز القرآن، تحقيق: محمد فؤاد سزكين، القاهرة، مكتبة الخانجي، الأولى، 1381ه_، الجزء الأول ص 17.

إن الطبري (ت 310ه_) ردّ على ذلك بقوّة - وهذا الرأي هو رأي الباقلانيّ في كتاب إعجاز القرآن - فقال: «إنّ نسبتهم إياها إلى الأعجميّة لا ينفى أنّها عربيّةٌ، فقد يكون في الكلام ما يتّفق فيه ألفاظ جميع أجناس الأمم المختلفة بمعنى واحد، فكيف بجنسين منهما؟ وإذا كان ذلك كذلك، فليس أحد الجنسين أولى بأن يكون أصل ذلك كامن عنده من الجنس الآخر» (1).

وأحمد بن فارس (ت395ه_) كان رأيه ناتجًا عن مخافة الشبهة التي تعلقت بهذه الألفاظ الأعجميّة قائلاً: «أنّ القرآن لو كان فيه من غير لغة العرب لتوهّم متوهّم أنّ العرب إنّما عجزت عن الإتيان بمثله؛ لأنّه أتى بلغات لا يعرفونها، وفي ذلك ما فيه» (2).

أمّا الزمخشريّ (ت 538 ه_) فقد ذهب إلى أنّ ألفاظ القرآن الكريم عربيّةٌ صرفةٌ، ولكنّ لغة العرب متّسعةٌ جدًّا، ولا يبعد أن تخفى على الأكابر، وقد خفي على ابن عباس معنى (فاطر) عندما قال: ما عرفت ما (فاطر السموات والأرض)، حتّى أتاني أعرابيّان يختصمان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها أي: ابتدعتها (3).

ولكن لنا هنا تساؤل: ماذا عن لغة التوراة والإنجيل؟ هل كُتبت بلغتها الأصليّة؟! أم كُتبت بغير لغتها بعد قرون عدّة؟!

يمكن القول إنّ التوراة (العهد القديم) مكتوبةٌ باللغة الآراميّة التي هي العبرانيّة الحديثة، وهي لغةٌ نشأت في القرن الخامس قبل المسيح باختلاط اللغتين الساميّتين السريانيّة والعبرانيّة القديمة التي تُعتبر لغةً منقرضةً، وبالتالي فنصّ العهد القديم الآن هو في لغةٍ ليست لغة العصر أو البيئة التي ترجع إليها أخبار الوحي التي اشتملت عليها كتب العهد القديم في ذلك العصر وتلك البيئة أي العبرانيّة القديمة، والتوراة الموجودة الآن ليست بالعبرانيّة القديمة، وهي في لغة منقولة

ص: 260


1- الطبري، تفسير الطبري .. جامع البيان عن تأويل آي القرآن، الجزء الأول، ص 17.
2- أحمد بن فارس، الصاحبي في فقه اللغة العربية ومسائلها، تحقيق: عمر فاروق الصباغ، بيروت - لبنان، مكتبة المعارف الأولى 1414ه_ - 1993م، ص 63.
3- السيد يعقوب بكر، نصوص في فقه اللغة، القاهرة، دار النهضة العربية للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 1970م، ص 40.

إليها، تترجم عن النصّ الأصلي، وليست اللغة التي تكلّم بها موسى علیه السّلام، إنّها لغة لم تكن موجودة بحكم تاريخ اللغات في العصر الذي نزل فيه الوحي على موسى (1).

في حين أنّ كتب العهد الجديد، نجدها بإحدى لغتين إمّا اللغة السريانيّة وإما اللغة اليونانيّة وذلك باختلاف الأناجيل، وكلّ من هاتين اللغتين، ليست لغة المسيح علیه السّلام، وليست لغة البيئة التي ظهرت رسالة المسيح فيها ولا العصر الذي أتى فيه المسيح بآياته، وبذلك تكون أيضًا منقولةً إلى لغاتٍ أجنبيّةٍ، عن بيئة الوحي وأجنبيّةٍ عن بيئة التنزيل، فالمسيح كان يتكلّم الآراميّة وهي العبرانية المحدثة، في حين أنّ نصوص الإنجيل لا توجد بالآراميّة وإنما بلغتين منقول إليهما مترجمتين عن اللغة الأصليّة (2).

من هنا يتّضح مدى الخلط الذي وقع فيه بعض المستشرقين الذين قاموا بمقارناتٍ ومقابلاتٍ بين القرآن، وهو نصّ أصيل في لغته ولفظه ومعناه، وبين نصوصٍ مترجمةٍ أو منقولةٍ أو كُتبت بغير لغة صاحب الرسالة (3).

وبالنّظر إلى القرآن الكريم نجد أنّ الله تعالى في كتابه الحكيم قرّر حقيقة لا شكّ فيها حول لغة القرآن، فالقرآن كتابٌ عربيٌّ مبينٌ، وقد بيّن ذلك في أكثر من موضع:

قال تعالى: «وَكَذلِكَ أَنزَلْناهُ حُكمًا عَرَبِيًّا وَلَبِنِ اتَّبَعتَ أَهْوَاءَهُم بَعدَ ما جاءَكَ مِنَ العِلمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيّ وَلا واقٍ» (سورة الرعد، الآية 37).

قال تعالى: «وَلَقَد نَعلَمُ أَنَّهُم يَقولونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِى يُلحِدُونَ إِلَيهِ أَعجَمِيٌّ وَهذا لِسانُ عَرَبِيٌّ مُبينٌ» (سورة النحل، الآية 103).

قال تعالى: «إِنَّا أَنزَلْناهُ قُرآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُم تَعقِلونَ» (سورة يوسف، الآية 2).

ص: 261


1- أحمد بابانا اللوي، المستشرقون والدراسات القرآنية، على الرابط التالي: http://www.almothaqaf.com/derasat/885107.html
2- أحمد بابانا اللوي، المرجع السابق؛ انظر: الشيخ محمد فاضل بن عاشور، ومضات الفكر، القاهرة، الدار العربيَّة للكتاب، الطبعة الأولى، 1982 م، ص 23
3- أحمد بابانا العلوي، مرجع سابق.

قال تعالى: «نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ*» (سورة الشعراء، الآيتان (193-194).

قال تعالى: «وَكَذلِكَ أَنزَلْناهُ قُرآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ لَعَلَّهُم يَتَّقُونَ أَو يُحدِثُ لَهُم ذكرًا» (سورة طه، الآية (113).

قال تعالى: «قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ» (سورة الزمر، الآية 28).

قال تعالى: «وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجُمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ» (سورة الشورى، الآية 7).

قال تعالى: «إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ» (سورة الزخرف، الآية 3).

قال تعالى: «وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرُ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمِّى أُولَبِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ» (سورة فصلت، الآية 44).

قال تعالى: «وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقُ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِّيُنذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ» (سورة الأحقاف، الآية 12).

فإذا كان كتاب الله تعالى القرآن الكريم يؤكّد في غير موضع أنّه بلسانٍ عربيِّ مبینٍ، فإنّ القراءات السريانيّة للقرآن - فضلاً عن غيرها من القراءات - تهدف إلى اتّهام القرآن بالكذب؛ لأنّه ليس هناك معنى للقول بعدم عربيّة القرآن غير هذا، وإذا نحّينا فرضيّة اتّهام القرآن بالكذب، فإنّه تبقى الفرضيّة الثانية، وهي أنّهم

يتّهمون القرآن بالتّحريف؛ فقولهم يؤدّي إلى أحد هذين الأمرين.

ص: 262

الخاتمة

يمكننا القول في النهاية، إنّ الاستشراق المعاصر ومن قبله الاستشراق القديم تناولا لغة القرآن الكريم اللغة العربيَّة، وكانا يعمدان إلى تشويه هذه اللغة والنّيل منها، نعلم أنّ هناك نفراً منهم - وهم قلّة - حاولوا النّظر إليها نظرةً علميّةً، إلّا أنّ الكثرة الكاثرة انطلقت منطلقًا غير علميٍّ قوامه التّعصّب الذي أفرز نتائج أقلّ ما يمكن أن تُوصف به أنّها نتائج هدفها تشويه القرآن ولغته.

لقد كانت لغة القرآن مقصدًا رئيسًا للمستشرقين عبر مختلف مراحل الاستشراق؛ إذ لما كانت اللغة العربيَّة هي لغة القرآن، فإنّ أيّ نقدٍ مُوجّهٍ لها إنّما هو مُوجّه للقرآن، والقرآن هو هدفهم الأوّل والغاية البعيدة التي كانوا يرمون إليها من الأساس، وقد كان المستشرقون يدرسون لغة القرآن من محاور عدّة، أهمّها خمسة: أوّلها، اتّهام اللغة العربيّة لغة القرآن بالقصور، وعدم قدرتها على مواكبة العصر، وثانيها، إخضاع النصّ القرآنيّ بلغته لمقاييس النّقد الأدبيّ، فعاملته كأيّ نصٍّ أدبيٍّ إنسانيٍّ تجب فيه ما يجب في غيره، وثالثها، إثارة الشبه والأباطيل حول لغة النصّ القرآنيّ بدعوى وجود أخطاءٍ في الدّلالة والعبارة وغيرها، ورابعها، محاولات ترجمة لغة القرآن بصورةٍ لا تتناسب معه، حيث تخضع للغة المترجم غير العربيَّة، مع عدم إتقانه التّامّ لها، وكذلك خضوعها للمرجعيّة العقديّة التعصّبيّة التي يتبنّاها في ترجمته، وخامسها نسبة القرآن إلى إحدى اللغات الأخرى كالآراميّة والسريانيّة والعبريّة.

ويمكن القول إنّ من أهمّ النتائج التي تمخّضت عنها هذه الدّراسة أنّ المستشرقين كانوا يحاولون أن يصنعوا قطيعةً بين القرآن واللغة العربيَّة، من خلال تشويهها باتّهامها بالقصور أوّلاً، ومحاولاتهم إحلال العاميَّة مكانها ثانيًا، ودعوتهم إلى استخدام الحروف اللاتينيّة محلّ حروفها ثالثًا، والادّعاء بعجز أتباع القرآن عن فهمه رابعًا، ومن ثمَّ يصلوا إلى غاياتهم بإقامة القطيعة التي ينشدونها بين القرآن والمسلمين؛ إذ بالقضاء على اللغة العربيَّة لا يستطيع المسلم أن يفهم القرآن الكريم.

ص: 263

ولم تقف اتّهامات المسشرقين للغة القرآن عند هذا الحد، بل تعدّتها إلى اتّهام النّحو العربيّ بالصّعوبة، متّهمين قواعده بأنّها قواعد عسيرةٌ على الفهم والتّطبيق، ومن ثمَّ عمدوا إلى الدّعوة إلى التخلّي عنه، كوسيلةٍ للهدف الأكبر الذي يسعون إليه، وهو عزل المسلم عن القرآن؛ لأنّ التّخلّي عن النّحو والإعراب يصنع جيلاً لا يفهم من لغة كتابه شيئًا، بل قد يأتي فيه الوقت الذي لا يستطيع أن يقرأه القراءة الصحيحة، فيهجره لعجزه عن قراءته وفهمه، وهذا هو مطلب الاستشراق الرئيس.

كذلك كان إخضاع النّصّ القرآنيّ ولغته لمقاييس النّقد الأدبيّ، من ضمن المحاور الرئيسة التي دارت فيها علاقة الاستشراق المعاصر والقديم بلغة القرآن، وقد كان هذا المحور يدور حول أمرين: الأوّل دعوى الاقتباس من الشعر الجاهليّ، والثاني محاولة الرّبط بين أسلوب القرآن والأساليب الأخرى كالشعر وسجع الكهّان وغيرهما، محاولين التّقليل من أسلوبه، والتّعامل معه كأيّ أسلوبٍ بشريٍّ.

وقد ظهر بالدّليل القاطع أنّ قضيّة اقتباس القرآن من الشعر الجاهليّ قضيّةً مزعومةٌ ولا أساس لها على الإطلاق، من جهات عدّة: تاريخيّة وأسلوبيّة وعروضيّة وغيرها، وقد نقدها غير مستشرقٍ من مستشرقي الاستشراق المعاصر، حيث أكّدوا على أنّ الناحية التاريخيّة والأسلوبيّة تبيّن أنّه لا مجال لهذا الاقتباس المزعوم. بل على الأحرى تثبت خصوصيّة القرآن الكريم واختلافه أسلوبيًّا عن الشعر الجاهليّ المنسوب لكلّ من امرئ القيس وأميّة بن الصلت.

وقد أثبتت الدّراسة أنّ المستشرقين قديمًا أو معاصرًا لمحاولة الرّبط بين الشعر والقرآن هو سعي ليس في محلّه؛ لأنّه ليس من العلم والمنهجيّة في شيء إقحام الأسلوب الشعريّ على القرآن والادّعاء بأنّهما سواء، مع وجود قرائن جوهريّة تحکم بوجود اختلافات بينهما، خاصّة فيما يتعلّق بالوزن والقافية.

ومن القضايا المهمّة التي كشفت عنها هذه الدّراسة قضيّة إثارة الشبه والأباطيل حول لغة النصّ القرآنيّ بدعوى وجود أخطاءٍ في الدلالة والعبارة والألفاظ وغيرها؛ حيث تفنّن المستشرقون في تشويه لغة النصّ القرآنيّ من خلال محاولة

ص: 264

الادّعاء بوجود أخطاء فيها، وهي الادّعاءات التي روّج لها عددٌ من المستشرقين في الاستشراق القديم والاستشراق المعاصر. وهي ادّعاءات تقدح بالأساس في قدسيّة الكتاب المقدّس كوسيلةٍ للإيهام ببشريّة مصدره. هذه الادّعاءات لم تكن وليدة اليوم، وإنّما كانت وليدة قرونٍ من التّشويه الاستشراقيّ لكلّ ما هو إسلاميّ؛ وفق منهجٍ إسقاطيٍّ يبحث عمّا يؤيّد تصوّراته الاستباقيّة التي اختمرت في ذهنيّة الغرب تجاه الإسلام.

لكنّ هذه الدّراسة كشفت أيضًا عن تهافت هذه الشَّبه والأباطيل تجاه لغة النص القرآنيّ أمام النّقد العلمي السليم، فالمستشرقون أثاروا الكثير من الشبه والأباطيل حول لغة النصّ القرآنيّ، وقد طالت مختلف فروع اللغة نحوًا وصرفًا وأسلوبًا وبلاغة وغيرها؛ بهدف إظهاره في صورة الكتاب الذي يمتلئ بالأخطاء اللغوية لصرف أتباعه عنه، ولصرف أيّ أتباعٍ جددٍ أيضًا.

وكانت أولى هذه الشّبه تتعلّق بالأسلوب القرآنيّ باعتباره اللون المعجز في لغة القرآن، وكأنّ المستشرقين أرادوا أن يهدموا هذا الإعجاز، فعمدوا إلى تشويه الأسلوب، مع أنّ المنصفين منهم - فضلاً عن علماء اللغة المسلمين - يدركون جيدًا عظمة الأسلوب القرآنيّ وبلاغته وعلوّه على غيره من الأساليب في مجال الشعر أو مجال النثر.

وقد تعدّدت شبههم وأباطيلهم حول لغة القرآن، ففضلاً عمّا يتعلّق منها بالأسلوب، نجد أيضًا الزعم بوجود أخطاءٍ نحويّةٍ في القرآن، والزعم بوجود أخطاءٍ صرفيّةٍ في القرآن، والزعم باستبدال كلماتٍ بكلمات أخرى منافيةٍ للمعنى، والزعم بوجود أخطاء ناتجة عن عمليّة النسخ، وكذلك ما يتعلّق بتغيير دلالات الكلمات لتمرير دلالة محدّدة أرادها المستشرقون.

لكنّ أيًّا من هذه الشّبه لم يصمد أمام النّقد العلميّ السديد؛ إذ كشفت الدراسة أنّها مجرد افتراءاتٍ توراثها بعض المستشرقين المعاصرين، كالمستشرق بيلامي والمستشرق يفيم ريزفان وغيرهما عن بعض المستشرقين القدماء كنولدكه

ص: 265

وبرجستراسر وغيرهما، وهذه الشبه سواء أكانت تُنسب للاستشراق المعاصر أم الاستشراق القديم، فإنّها تقوم على عوار واضحٍ قوامه الجهل باللغة العربيَّة ولهجاتها ومبانيها وقواعدها؛ إذ لو كان المستشرقون على إلمامٍ واضحٍ بها لما وقعوا فيما وقعوا فيه من عوار.

وتعدّ قضيّة الانتهاك اللغويّ الذي مارسته الترجمات الاستشراقيّة للقرآن واحدةً من النتائج التي أظهرتها هذه الدراسة ونتائجها؛ لأنّ هذه الترجمات كشفت في كثيرٍ من جوانبها عن تعصّبٍ عقديٍّ بغيضٍ؛ كان له مردوده في الترجمة، والذي كان بدوره يمثّل تشويهًا وانتهاكًا للغة القرآن؛ لأنّ المستشرق المترجم تناول عمليّة الترجمة، وهو محمّل بإرثٍ كبيرٍ من العقيدة التي ينتمي إليها والغرب الذي يمثّله، فكانت في كثيرٍ من المواضع تغلبه عصبيّته لجنسه أو انتمائه لعقيدته، فيظهر ذلك في ترجمته التي توجّه الآية توجيهًا ما أبعده عنها؛ تحقيقًا لأهداف عقديّة أو سياسيّة.

ومن ثمَّ، تظلّ قضيّة تمرير ما يريدون من ترجماتٍ ورفض الترجمة الحقيقيّة - سواء أكان ذلك جهلاً باللغة أم عن عمد، وهي خطوة من أبرز مظاهر منهجهم - متحكّم رئيس في ترجمات المستشرقين لمعاني ألفاظ القرآن الكريم، وقد ظهر ذلك جليًّا فى بعض الأخطاء التي عرضناها عند كلّ من أوري روبين وجاك بيرك، وهو

العامل الذي نجد أنّ المتصدّين لترجمة معاني القرآن قد وقعوا فيه إلّا من ندر.

وقد ظهر ذلك في ترجمة أوري روبين المستشرق اليهوديّ المعاصر، وبصورةٍ أخرى عند المستشرق الفرنسيّ المعاصر جاك بيرك، فالأوّل انطلق في ترجمته انطلاقةً عقديّةً سياسيّةً؛ لتأكيد دعوى المستشرقين اليهود حول تفوّق اليهود على غيرهم واقتباس القرآن من التوراة، ومن ثمَّ كانت ترجمته قراءةً يهوديةً للقرآن من منظورٍ توراتيٍّ، كذلك لمحاولة ترسيخ الوجود اليهوديّ على الأرض سياسيًّا. في حين انطلق الثاني في كثيرٍ من ترجماته انطلاقتين: أحدهما مبنيّة على عدم الإلمام الواضح باللغة العربيَّة، والثانية مبنية على توجّه عقديّ كان يظهر بين الحين والآخر. فضلاً عن

ص: 266

أنّ المناهج التي اتّبعها هذان المستشرقان شملت مجموعةً من العيوب، كالجهل باللغة العربيّة ودروبها وأسرارها، والجهل ببلاغتها كالتورية والاستعارة، وعدم الإلمام بالمعاني الجوهريّة، ومحاولة فهم معاني ألفاظ القرآن في ضوء المعتقدات اليهوديّة أو المسيحيّة.

ومن أهمّ النتائج التي أبرزتها هذه الدّراسة أنّها ردّت بالدّليل على الفرية القائلة بأخذ القرآن من اللغات الآراميّة والسريانيّة والعبرية، وهي الفرضيّة التي طرحها المستشرق الألماني المعاصر كريستوف لوكسنبرغ، فهذا المستشرق عمد إلى قراءة القرآن قراءةً آراميّةً سريانيّةً، فحاول الوقوف عند بعض الألفاظ القرآنيّة مدّعيًا أنّ أصلها آراميّ سريانيّ، وقد استتبع ذلك قيامه بزيادة نقاط على الكلمات القرآنيّة أو حذف أخرى أو استبدال حرف بحروف لتقريبها في صورةٍ فجّةٍ من اللغة السريانيّة، لكي يحكم في النّهاية أنّها من هذه اللغة.

وهذا الأمر قاد إلى تغيير المعنى القرآنيّ إلى معنى آخر يريده هذا المستشرق، هذا المعنى الذي يريده هو معنًى سريانيٌّ يخالف المعنى القرآني، ويقود في النهاية إلى تحريف النصّ القرآنيّ والتدخّل فيه بالزيادة والنقصان والتّلاعب بمدلولاته. وهذا يقودنا إلى أنّ هذه القراءة لم تكن إلّا محاولة استشراقيّة لتحريف القرآن

تحت ستار العلميّة.

أما فيما يتعلّق بنسبة القرآن إلى اللغة العبريّة، فإنّ أهمّ ما يمكن استنتاجه منها أنّها قضيّةٌ كان الغرض منها سياسيًّا ثمَّ عقديًّا أكثر من أيّ شيء آخر، هدفها الرئيس البحث عمّا يعضد فكرتهم الاستباقيّة عن اقتباس القرآن من التوراة. ومن جانب آخر، كانت هذه القراءة عبارة عن شذراتٍ هنا أو هناك، ولم تكن عملاً موسّعًا يحاول اختطاف النصّ القرآنيّ بقراءته في لغةٍ غير لغته كما كان الحال في القراءة السريانيّة - الآراميّة، وإنّما كانت قراءة تحاول إظهار القرآن بمظهر الناقل عن اليهودية والمحاكي لها، وهذا ما تبيّن خطوه بالدّليل في متن هذه الدّراسة.

ص: 267

المصادر والمراجع

أوّلاً: المراجع باللغة العربية:

.1 إبراهيم عوض، ترجمة جاك بيرك للقرآن الكريم بين المادحين والقادحين، القاهرة مكتبة زهراء الشرق، 1421ه_ - 2000م.

2. إبراهيم مدكور، في اللُّغة والأدب، القاهرة، دار المعارف، الأولى، 1971م.

3. ابن أبي الإصبع، تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر، القاهرة، 1963م.

4. ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير، دار ابن حزم، الطبعة الأولى، 1423ه_ - 2002م، ج 1.

5. ابن النديم، الفهرست، بيروت - لبنان، دار المعرفة للطباعة والنشر، بدون تاريخ.

6. ابن حجر العسقلاني، الإصابة، كلكتة، مطبعة مدرسة الأسقف، 1836م، ج 1.

7. ابن حزم، الإحكام في أصول الأحكام، تحقيق أحمد محمد شاكر، بيروت - لبنان، دار الآفاق الجديدة، الثانية، 1403ه_ - 1983م، ج1.

8. ابن داوود الظاهري الأصفهاني، كتاب الزهرة، فصل ما استعانت به الشعراء من كلام الله، المكتبة الشاملة الحديثة، بدون.

9. ابن عبد ربه، العقد الفريد، بيروت، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1404ه_ ، ج 6.

10. ابن عقيل، شرح ابن عقيل، القاهرة، دار التراث، الطبعة العشرون، 1980م، ج3.

11. ابن كثير، البداية والنهاية، بيروت، مكتبة المعارف، ج 3.

12. ابن كثير، تفسير ابن كثير، لبنان -