سليم بن قيس الهلالي رحمة اللّه عليه

هویة الکتاب

بطاقة تعريف: سلیم بن قیس هلالي ، ‫ 2 قبل از هجرت - 76؟ق .

عنوان العقد: کتاب سلیم بن قیس الهلالي

عنوان واسم المبدع: ... سلیم بن قیس هلالي/ تحقیق و تقویم علاءالدین موسوي .

مواصفات النشر: مشهد : موسسة البعثة ، قسم الدراسات الاسلامیة ، 1407ق. ‫= 1368.

مواصفات المظهر: 328ص.

شابک : 1750 ریال

ملحوظة: کتابنامه : ص.[256] - 261

موضوع : علي بن ابي طالب ‫ ‫(ع) ، امام اول، ‫23 قبل الهجرة - 40ق -- إثبات الخلافة

موضوع : احادیث شیعه -- قرن ‫ 1ق.

اسلام-- تاریخ -- قرن1 ق.-- احادیث

شیعه -- الدفاعات والتفنيدات -- النصوص القديمة تا قرن 14

معرف المضافة: موسوی ، علاآالدین ، محقق

معرف المضافة: بنیاد بعثت. واحد تحقیقات اسلامی

تصنيف الكونغرس: ‫ ‮ BP223/5 ‫ ‮ /س 78ک 2 1368

تصنيف ديوي: ‫ 297/452

رقم الببليوغرافيا الوطنية: ‫ م68-3721

ص: 1

المقدمة

اشارة

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

ترجمة سليم

ولادته و نشأته

أما ولادته، فلم أعثر فيما راجعت من تراجم العلماء لسليم على ما يكشف عن سنة ولادته و تفاصيل نشأته، نعم هناك رواية في كتاب سليم تدل بدقة على سنة ولادته، اذ يسأل أبان بن أبي عياش سليما عن عمره في وقعة صفين، فيجيب سليم بأن عمره حينذاك كان أربعين سنة، و اذا علمنا أن وقعة صفين كانت سنة 36 للهجرة تجلى واضحا أن ولادته كانت قبل الهجرة بأربع سنين.

أما نشأته.. فغاية ما استطعناه في هذا المجال هو الرجوع الى رواياته و ظروفها، و بعض ما يحتف بها من القرائن التي تدل على خطوط عامة لنشأته و حياته، و قد استفدنا أيضا من مقدمة الكتاب حيث يحكي أبان قصة لجوء سليم الى قومه و هروبه من الحجاج.

كل ذلك يعلمنا عدم تواجد سليم في المدينة في فترة حياة النبي صلّى اللّه عليه و آله و ما

ص: 1

بعد وفاته، و نحتمل عدم اطلاعه على تلك الاحداث، لا لسبب عدم وجوده في المدينة، بل لصغر سنه، اذ ربما عاش تلك الاحداث الا أنه لم يكن يبلغ من العمر مبلغا يدرك فيه تلك الاحداث و أبعادها.

و يضعف هذا الاحتمال علمنا بأن عمره كان حين وفاة النبي صلّى اللّه عليه و آله أربع عشرة سنة، و هو عمر لا يفوت على صاحبه ما حدث من تلك الزعازع التي عصفت بالمدينة، و اهتز لها المجتمع الاسلامي فضلا عن المجتمع المدني في ذلك الوقت.

فالاقرب هو أن سليما دخل المدينة شابا و بعد انقضاء عهد الخليفة الاول، و بدأ بالتعرف على الصحابة و سماع الاحاديث منهم، و بدأ يتصل بأصحاب أمير المؤمنين عليه السّلام كسلمان و المقداد و أبي ذر و غيرهم.

و يدلنا على ما نقول هو عدم وجود شيء في رواياته يدل - و لو من بعيد - على التقائه بالخليفة الاول، أو وجوده في المدينة على عهده، و هو الرجل الذي نجده يحرص دائما على ذكر زمان الرواية و ظرفها، فمثلا عندما ينقل حديثا مسهبا عن أمير المؤمنين عليه السّلام لا يفوته أن يذكر أن ذلك كان في عهد عثمان عندما كانوا جلوسا في المسجد يوما ما، أو عندما ينقل حديث التقاء أمير المؤمنين عليه السّلام بالنصراني قرب الدير يذكر أن ذلك كان عند رجوعه من صفين.

و عليه.. فلو كان سليم قد دخل المدينة قبل عهد عمر لما فقدنا له و لو رواية واحدة يحدثنا فيها عن أحد الصحابة - الذين كان يحرص على لقائهم و السماع منهم - و لاشار الى العهد الذي تحمل فيه تلك الرواية، و لما لم نجد شيئا من ذلك بين أيدينا يترجح ما اخترناه من عدم تواجده في المدينة قبل عهد عمر.

سليم فى المدينة

عاش سليم في المدينة أيام عمر بدلالة روايته التي يقول فيها: «شهدت أبا ذر مرض مرضا على عهد عمر في امارته فدخل عليه عمر يعوده و عنده أمير المؤمنين عليه السّلام

ص: 2

... الخ».

و قد بقي فيها الى أيام عثمان اذ نجده يقول في بعض رواياته: «رأيت عليا عليه السّلام في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في خلافة عثمان و عنده جماعة يتحدثون... الخ».

و خلال هذه المدة التي قضاها سليم في المدينة منذ عهد عمر و حتى أواخر عهد عثمان - التقى هذا الشاب المتطلع الى الحقيقة العديد من الصحابة، و تحمل عنهم الاحاديث عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و سمع من بعضهم تفاصيل أحداث السقيفة و ما جرى خلالها و بعدها على أمير المؤمنين عليه السّلام و أهل بيته، فقد كان - كما يظهر من الروايات - يتتبع أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و يسألهم بدقة عن تفاصيل هذه الاحداث و عن موقف رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله من علي عليه السّلام و أهل بيته، و موقفه من مناوئي علي عليه السّلام.

سليم فى الكوفة

و عندما جاء عهد أمير المؤمنين عليه السّلام و بويع له بالخلافة كان سليم قد أصبح من أصحاب أمير المؤمنين عليه السّلام لكثرة ملازمته له و لاصحابه كسلمان و المقداد و حذيفة و أبي ذر و محمد بن أبي بكر و غيرهم، الامر الذي استفدناه من تعدد روايات(1) سليم عن أمير المؤمنين عليه السّلام و أصحابه في فترة تواجده في المدينة.

و لما انتقل أمير المؤمنين عليه السّلام الى الكوفة انتقل معه سليم كبقية أصحابه الخلص و لازمه فيها، حتى عده البرقي من أوليائه عليه السّلام، كما في خلاصة العلامة و أصبح من شرطة الخميس كما نص على ذلك الشيخ المفيد في «الاختصاص» ص 3.

و شهد سليم مع أمير المؤمنين عليه السّلام وقعة الجمل، اذ يقول في واحدة من رواياته:

«شهدت يوم الجمل عليا و كنا اثني عشر ألفا... الخ».

كما شهد بعدها صفين، و يشير الى ذلك قوله في رواية التقاء أمير المؤمنين عليه السّلام مع الراهب النصراني عند الدير: «أقبلنا من صفين مع أمير المؤمنين صلوات اللّه

ص: 3


1- الاشارة الى مواضع الرواية كما سيأتى عن لسانه.

عليه فنزل العسكر قريبا من دير نصراني... الخ».

و الى هنا... نفقد في روايات الاصل ما يرشدنا الى أحوال سليم بعد رجوعه من صفين، هل أنه بقي في الكوفة حتى خروجه منها هاربا من الحجاج ؟ أم أنه غادرها قبل ذلك و رجع اليها؟ الاقرب هو الثاني، لاننا نجد في احدى الروايات أن سليما التقى بحذيفة في المدائن و سأله عن حديث سمعه من أبي ذر فصدقه حذيفة و يعني هذا أنه غادر الكوفة الى المدائن، ثم عاد اليها و بقي فيها الى حين قدوم الحجاج الى العراق.

هروبه من الحجاج

عندما قدم الحجاج العراق واليا عليها سأل عن سليم و طلبه، فهرب سليم متواريا و اختفى عند قوم أبان بن أبي عياش «بالنوبندجان»، و يحدثنا أبان عن هذه الفترة من حياة سليم فيقول: «لما قدم الحجاج العراق سأل عن سليم بن قيس، فهرب منه، فوقع الينا بالنوبندجان متواريا فنزل معنا في الدار، فلم أر رجلا كان أشد اجلالا لنفسه و لا أشد اجتهادا و لا أطول حزنا و لا أشد خمولا لنفسه و لا أشد بغضا للشهرة منه، و أنا يومئذ ابن أربع عشرة سنة، قرأت القرآن، و كنت أسأله فيحدثني عن أهل بدر، فسمعت منه أحاديث كثيرة عن عمر بن أبي سلمة ابن ام سلمة زوجة النبي صلّى اللّه عليه و آله، و عن معاذ بن جبل، و عن سلمان الفارسي، و عن علي عليه السّلام و ابي ذر و المقداد و عمار و البراء بن عازب».

وفاة سليم و وصيته

و يستمر أبان في حديثه فيقول: «فلم ألبث أن حضرته الوفاة، فدعاني و خلا بي و قال: يا أبان، قد جاورتك فلم أر منك الا ما احب، و ان عندي كتبا سمعتها من الثقات، و كتبتها بيدي، و فيها أحاديث لا احب أن تظهر للناس، لان الناس

ص: 4

ينكرونها و يعظمونها، و هي حق أخذتها من أهل الحق و الفقه و الصدق و البر، عن علي بن أبي طالب - صلوات اللّه عليه - و سلمان الفارسي و أبي ذر الغفاري و المقداد بن الاسود، و ليس منها حديث أسمعه من أحدهم الا سألت عنه الاخر حتى اجتمعوا عليه جميعا، و أشياء بعد سمعتها من غيرهم من أهل الحق، و اني هممت حين مرضت أن احرقها فتأثمت من ذلك و قطعت به، فان جعلت لي عهد اللّه و ميثاقه أن لا تخبر بها أحدا ما دمت حيا، و لا تحدث بشيء منها بعد موتي الا من تثق به كثقتك بنفسك و ان حدث بك حدث أن تدفعها الى من تثق به من شيعة علي بن أبي طالب - صلوات اللّه عليه - ممن له دين و حسب، فضمنت ذلك له، فدفعها الي، و قرأها كلها علي، فلم يلبث سليم أن هلك، رحمه اللّه».

أما تاريخ وفاته، فالاصح أنه توفي في امامة زين العابدين صلوات اللّه عليه، حوالي سنة 90 للهجرة، بدلالة قول أبان في مفتتح الكتاب بعد كلامه المزبور:

«فحججت من عامي ذلك فدخلت على علي بن الحسين عليه السّلام و عنده أبو الطفيل...

الخ».

أي أنه بعد وفاة سليم رحمه اللّه و تسلمه كتابه منه حج في تلك السنة و التقى بالامام السجاد عليه السّلام و عرض عليه الكتاب بأكمله بحضور أبي الطفيل عامر بن واثلة و عمر بن ام سلمة، فصدقه و ترحم على سليم.

و بهذا يظهر خطأ من نسبه الى الرواية عن الصادقين عليهما السّلام و هو السيد الداماد في «الرواشح السماوية» كما في رجال أبي علي الحائري، و لكنني تصفحت الرواشح فلم أجد لذلك أثرا.

من يروى سليم عنهم:

اشارة

يروي سليم رحمه اللّه عن جمع من أجلة الصحابة و كبارهم، و هم:

من المعصومين

(1) الامام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام.

ص: 5

(2) الامام الزكي أبو محمد الحسن بن علي عليه السّلام.

(3) الامام الشهيد أبو عبد اللّه الحسين بن علي عليه السّلام.

من الصحابة

(4) سلمان الفارسي.

(5) أبو ذر الغفاري.

(6) المقداد بن الاسود.

(7) محمد بن أبي بكر.

(8) عبد اللّه بن العباس.

(9) عبد اللّه بن جعفر الطيار.

(10) حذيفة بن اليمان.

(11) البراء بن عازب.

(12) أبو سعيد الخدري.

(13) عبد الرحمن بن غنم.

من يروى عن سليم:

روى عن سليم عدة من التابعين، و هم:

(1) أبان بن أبي عياش.

(2) سليمان الاعمش، كما في مصنف ابن أبي شيبة ج 13 ص 378 حديث رقم 16649.

(3) ابراهيم بن عمر اليماني، كما في رجال النجاشي ص 6، و بصائر الدرجات لمحمد بن الحسن الصفار ص 103.

(4) علي بن جعفر الحضرمي، كما في «بصائر الدرجات» للصفار ص 392.

(5) عمر بن ام سلمة، كما في غيبة النعماني ص 69.

ص: 6

(6) أبان بن تغلب، كما في «كمال الدين و تمام النعمة» و «الخصال» ص 475 للصدوق.

(7) عمر بن اذينة، كما في كتاب «الزهد» للحسين بن سعيد الاهوازي ص 7.

حول أصل سليم:

حول أصل سليم(1):

كتاب سليم من الاصول المعتبرة عند كثير من علماء الطائفة الحقة قدس اللّه أرواحهم، و هو من أقدم الاصول عند الشيعة بل هو أقدم أصل موجود اذا استثنينا الاصول المفقودة كأصل ابن أبي رافع.

و قد تضمن هذا الاصل وقائع ما بعد وفاة النبي صلّى اللّه عليه و آله المليئة بالاعتداء على أهل البيت عليهم السّلام، كما تضمن الاحاديث عن احتجاجهم بحقوقهم و بيان فضائلهم و منزلتهم عند اللّه و رسوله، و غير ذلك من الاحاديث الدائرة مدار فضائلهم و مثالب أعدائهم.

أصل سليم و اعتباره:

لتحديد درجة اعتبار هذا الاصل لنا أن نسلك طريقين:

الاول: أن نتمسك بالاصطلاحات العلمية الواردة في علم الدراية لنحدد موقع هذا الاصل من تلك الاصطلاحات، لينتج أن هذا الاصل صحيح مثلا أو ضعيف بحسب انطباق سنده على مصطلح الصحة أو الضعف.

الثاني: أن نطعم تلك القواعد و الاصطلاحات بعوامل مؤثرة معززة لجهة اعتبار و قوة الاصل و وضعه في درجة الاعتبار، كعامل حصول الظن الغالب، أو حصول الاطمئنان، أو الاخذ بعين الاعتبار شهرة القدماء و ذكرهم للاصل و نقلهم عنه في كتبهم المعتبرة.

و قد قل من العلماء من قال بالوقوف عند تلك المصطلحات التي ما عرفت

ص: 7


1- لم يصل الينا من كتبه الا هذا.

بشكلها الحالي الا بعد عصر ابن طاووس و العلامة قدس اللّه روحيهما، فان الاغلب منهم حكم العوامل الاخرى المؤثرة في حصول الظن المعتبر أو الاطمئنان بصدور الرواية، في الاخذ بها أو ردها و عدم قبولها، و الشاهد على ذلك اعتبار بعض العلماء الاحاديث الضعيفة و بناؤهم عليها في الفتوى و العمل بحجة انجبارها بشهرة القدماء و عملهم، و عدم الاخذ بالاحاديث الصحيحة - اصطلاحا - التي ينفرد مضمونها عما اشتهر في مضامين الروايات بحجة شذوذها فيسقطونها عن الاعتبار.

كما يلاحظ أيضا عمل الفقهاء بالرواية الموثقة ترجيحا لها على رواية صحيحة - اصطلاحا - بحجة حصول الظن الغالب في جانب الموثقة، و عدمه في جانب الصحيحة لاحتفاف الاولى بقرائن خاصة أكسبتها تلك الدرجة من الظن.

و لذا نقول: بأن الطريقة الثانية في تقييم ما يرد عنهم عليهم السّلام هي الاسلم و الارجح لان تلك المواضعات العلمية و المصطلحات المحددة لا تملك بحد ذاتها - بدون تلك العوامل - أي اعتبار شرعي لعدم ورودها في نص شرعي يقسم الاحاديث هذا التقسيم و يضع القواعد التي بحسبها تقبل الاخبار أو ترد، بل كل ما يمكن أن يدعى في حق هذه المصطلحات هو ترتيب و تصنيف الروايات بلحاظ رجال السند، فاذا قيل مثلا: ان هذه رواية صحيحة، علم من ذلك أن كل رجال السند فيها اماميون ممدوحون بالتعديل، و اذا قيل: ان هذه الرواية موثقة، فهم منها أن كل رجال السند أو بعضهم غير امامي، لكنه موثق مشهود له بعدم الكذب... و هكذا.

أما هل يعني قولهم عن رواية بأنها صحيحة - بحسب الاصطلاح - أن الاخذ بها واجب و أن مضمونها حجة في حق الفقيه ؟؟!

لا شك أن ذلك غير مراد و لا مقصود لاحد من العلماء، حتى لابن طاووس و العلامة الحلي الواضعين لهذه الاصطلاحات.

ص: 8

اذن ما المدار للاخذ بالرواية أو عدم الاخذ بها؟؟

يذكر عادة أن الرواية اما أن تكون متواترة فهي مفيدة للقطع بنفسها بصدورها من المعصوم، و لذلك فهي حجة تبعا لحجية القطع الحاصل.

و اما أن تكون خبر آحاد فذلك بنفسه لا يفيد الا ظنا، و الظن في الاصل لا يغني من الحق شيئا فالاخذ به حرام شرعا، الا أن يستثنى مورد من موارده فتجعل له الحجية من قبل نفس الشارع.

و من تلك الموارد التي استثني فيها الظن من تلك الحرمة و جعلت له الحجية من قبل الشارع: خبر الثقة، فالمدار اذن في قبول الرواية أو عدم قبولها هو حصول الظن - الذي ثبتت حجيته - بصدورها من المعصوم، و هذا كما يحصل بنقاء السند، و كون رجاله من عدول الامامية، يحصل أيضا باحتفاف الخبر بقرائن حالية تقوي صدوره، أو بشهرة ذلك الخبر بين القدماء، أو غير ذلك من الامارات و القرائن و ان كان السند لا يخلو من شائبة.

و عليه... فلا معنى للجمود على اصطلاح تنويع الحديث و الحكم على أصل سليم بناء على ذلك، بل لا بد من الاخذ بعين الاعتبار القرائن التي تحف هذا الاصل و الشهرة الواسعة له بين فطاحل المذهب، و نقل العلماء المتقدمين عنه كثيرا في كتبهم، و غير ذلك مما يمكن أن يفيد الظن أو الاطمئنان بصحة هذا الاصل و حقيقة صدوره منهم عليهم السّلام.

و ساحاول أن اقدم للقارىء الكريم فيما يلي ما وقفت عليه من معلومات حول هذا الاصل و التي لا يقل بعضها عن مستوى القرائن المفيدة للظن، بل للاطمئنان بصحة نسبة الاصل الى سليم و صحة صدوره عن أئمة الهدى صلوات اللّه عليهم أجمعين.

أصل سليم فى أقوال أهل البيت (عليهم السّلام):

1 - عرض الاصل على الامام علي بن الحسين عليه السّلام: روى الكشي في ص 104

ص: 9

من رجاله، قال: «حدثني محمد بن الحسن البراني، قال: حدثنا الحسن بن علي ابن كيسان، عن اسحاق بن ابراهيم بن عمر اليماني، عن ابن اذينة، عن أبان بن أبي عياش، قال: هذه نسخة كتاب سليم بن قيس العامري ثم الهلالي دفعه الى أبان بن أبي عياش و قرأه عليه، و زعم أبان أنه قرأه على علي بن الحسين عليهما السّلام، قال: صدق سليم رحمة اللّه عليه، هذا حديث نعرفه».

أقول: و هذا مطابق لما ورد في مقدمة الكتاب.

2 - روى العلامة المجلسي «ره» في البحار مرسلا عن الصادق عليه السّلام أنه قال:

«من لم يكن عنده من شيعتنا و محبينا كتاب سليم بن قيس الهلالي فليس عنده من أمرنا شيء، و لا يعلم من أسبابنا شيئا، و هو أبجد الشيعة، و هو سر من أسرار آل محمد صلّى اللّه عليه و آله».

أقوال العلماء حول أصل سليم:

1 - الشيخ أبو عبد اللّه محمد بن ابراهيم بن جعفر النعماني، المعروف بابن أبي زينب، كاتب الشيخ الكليني و تلميذه، قال في كتابه «الغيبة» ص 101:

«و ليس بين جميع الشيعة - ممن حمل العلم و رواه عن الائمة عليهم السّلام - خلاف في أن كتاب سليم بن قيس الهلالي أصل من أكبر كتب الاصول التي رواها أهل العلم من حملة حديث أهل البيت عليهم السّلام و أقدمها، لان جميع ما اشتمل عليه هذا الاصل انما هو عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و أمير المؤمنين عليه السّلام، و المقداد و سلمان الفارسي و أبي ذر، و من جرى مجراهم ممن شهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و أمير المؤمنين و سمع منهما، و هو من الاصول التي ترجع الشيعة اليها و تعول عليها».

2 - محمد بن اسحاق بن النديم صاحب «الفهرست»، قال في ص 307: «من أصحاب أمير المؤمنين عليه السّلام سليم بن قيس الهلالي، و كان هاربا من الحجاج، لانه طلبه ليقتله فلجأ الى أبان بن أبي عياش فآواه، فلما حضرته الوفاة قال لابان: ان لك علي حقا، و قد حضرتني الوفاة يا ابن أخي، انه كان من أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كيت و كيت، و أعطاه كتابا، و هو كتاب سليم بن قيس المشهور، رواه عنه أبان بن أبي عياش لم يروه عنه

ص: 10

غيره، و قال أبان في حديثه: و كان سليم شيخا، له نور يعلوه.

أقول: ان قوله «لم يروه عنه غيره» بعيد عن الصواب، لان النجاشي ذكر طريقا للكتاب يروي فيه ابراهيم بن عمر اليماني عن سليم بلا واسطة، سننقله لك بعد قليل.

3 - السيد علي بن أحمد العقيقي، نقل عنه العلامة في الخلاصة ص 83 قال:

«كان سليم بن قيس من أصحاب أمير المؤمنين عليه السّلام، طلبه الحجاج ليقتله فهرب و آوى الى أبان بن أبي عياش، فلما حضرته الوفاة قال لابان: ان لك علي حقا، و قد حضرني الموت يا ابن أخي، انه كان من الامر بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كيت و كيت، و أعطاه كتابا، فلم يرو عن سليم بن قيس أحد من الناس سوى أبان بن أبي عياش».

أقول: و لا يخفى ما في عبارته الاخيرة و قد ذكرنا عدة من الرواة غير أبان يروون عن سليم بدون واسطة.

4 - الشيخ أبو العباس النجاشي قال في ص 6 من رجاله: «أخبرنا علي بن أحمد القمي، قال: حدثنا محمد بن الحسن بن الوليد، قال: حدثنا محمد بن أبي القاسم ماجليويه، عن محمد بن علي الصيرفي، عن حماد بن عيسى و عثمان بن عيسى، قال حماد؛ و حدثنا ابراهيم بن عمر اليماني عن سليم بن قيس بالكتاب».

5 - الحسين بن عبيد اللّه الغضائري صاحب كتاب «الضعفاء»، نقل عنه العلامة في الخلاصة ص 83 أنه قال: «سليم بن قيس الهلالي العامري روى عن أبي عبد اللّه و الحسن و الحسين و علي بن الحسين عليهم السّلام، و ينسب اليه هذا الكتاب المشهور، و كان أصحابنا يقولون: ان سليما لا يعرف و لا ذكر له في خبر، و قد وجدت ذكره في مواضع من غير جهة كتابه و لا رواية أبان بن أبي عياش، و قد ذكر له ابن عقدة في رجال أمير المؤمنين عليه السّلام أحاديث عنه.

و الكتاب موضوع لا مرية فيه، و على ذلك علامات تدل على ما ذكرنا، منها:

ص: 11

أن محمد بن أبي بكر وعظ أباه عند الموت، و منها: أن الائمة ثلاث عشر، و غير ذلك، و أسانيد هذا الكتاب تختلف تارة برواية عمر بن اذينة، عن ابراهيم بن عمر الصنعاني، عن أبان بن أبي عياش، عن سليم... و تارة: يروي عمر عن أبان بلا واسطة».

أقول: و لا يخفى ما في قوله: «روى عن أبي عبد اللّه» من الغرابة، لانه ان أراد به الحسين عليه السّلام فقد ذكره بعد ذلك و لا فائدة من تكراره، و ان أراد به الصادق عليه السّلام فقد حققنا في بداية المقدمة أن سليما توفي في امامة زين العابدين عليه السّلام فروايته عن الصادق عليه السّلام مستحيلة.

و أما طعنه في الكتاب فستسمع بعد قليل جوابه.

6 - القاضي بدر الدين السبكي المتوفى سنة 769 ه، قال في كتاب «محاسن الوسائل»: «ان أول كتاب صنف للشيعة هو كتاب سليم بن قيس الهلالي».

أقول: أول كتاب صنف للشيعة هو كتاب أبي رافع في «السنن و الاحكام و القضايا» ثم يأتي بعده كتاب علي بن أبي رافع.

7 - السيد اعجاز حسين الكنتوري صاحب كتاب «كشف الحجب و الاستار» و أخو صاحب العبقات، قال في هذا الكتاب: و ما قيل انه (موضوع لا مرية فيه و على ذلك علامات، منها ما ذكر أن محمد بن أبي بكر وعظ أباه عند الموت، و منها أن الائمة ثلاثة عشر) فمقدوح لان وعظ محمد بن أبي بكر أباه ليس ببعيد لانه قد يصدر من الاطفال الافعال العجيبة، و كان محمد بن أبي بكر عند وفاة أبيه ابن سنتين و سبعة أشهر على قول، و على قول ابن أربع سنين.

و قد روت قريبا من هذه الرواية العامة أيضا كالغزالي في كتابه «سر العالمين» و يوسف سبط ابن الجوزي في «تذكرة الخواص».

و أما كون الائمة ثلاثة عشر فاني تصفحت الكتاب من الاول الى الاخر فلم

ص: 12

أجد فيه، بل في مواضع عديدة أنهم اثنا عشر و أحد عشر من ولد علي».

8 - الفاضل التفريشي في هامش «نقد الرجال» قال: «قال بعض الافاضل:

رأيت فيما وصل الي من نسخة هذا الكتاب أن عبد اللّه بن عمر وعظ أباه عند الموت و أن الائمة ثلاثة عشر من ولد اسماعيل، و هم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله مع الائمة الاثني عشر و لا محذور من أحد هذين».

9 - الميرزا الاسترابادي في رجاله الكبير قال: «ان ما وصل الي من نسخة هذا الكتاب المذكور فيه أن عبد اللّه بن عمر وعظ أباه عند الموت، و أن الائمة ثلاثة عشر مع النبي صلّى اللّه عليه و آله و شيء من ذلك لا يقتضي الوضع».

10 - الشيخ المولى محمد باقر المجلسي «ره»: «كتاب سليم بن قيس في غاية الاشتهار، و قد طعن فيه جماعة، و الحق أنه من الاصول المعتبرة».

11 - الشيخ الميرزا المحقق حسين النوري، قال في كتاب «نفس الرحمن في فضائل سلمان» ص 56 استدراكا على ابن شهرآشوب حيث عدد أول ما صنف الشيعة من كتب، قال: «ثم انه لم يذكر كتاب سليم بن قيس الهلالي قبل الصحيفة الكاملة مع أنه كتاب مشهور معروف نقل عنه أجلة المحدثين، و عندنا منه نسخة، و روى الكشي باسناده عن أبان بن أبي عياش أنه قرأ هذا الكتاب على علي بن الحسين عليه السّلام فقال: صدق سليم، هذا الحديث نعرفه».

12 - السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي، قال في مقدمة «معجم رجال الحديث» بعد كلام طويل حول أصل سليم: «و على ذلك فلا وجه لدعوى وضع كتاب سليم بن قيس أصلا».

13 - السيد شهاب الدين المرعشي النجفي، قال في تعليقته على «احقاق الحق» ج 2 ص 421 عند عد العلماء و المشايخ الذين صرحوا بنزول الاية الكريمة:

«بلغ ما انزل اليك من ربك..» في علي عليه السّلام، قال حفظه اللّه: «و منهم سليم بن

ص: 13

قيس الهلالي الكوفي، و هو كتاب معروف مطبوع منتشر في الاقطار، معتمد عليه عند أصحابنا و أكثر القوم، ممدوح من ساداتنا الائمة».

العلماء الذين نقلوا عن أصل سليم و ذكروه في كتبهم:

1 - ثقة الاسلام محمد بن يعقوب الكلينى في كتاب «اصول الكافي» في الابواب التالية:

1 - كتاب الحجة، باب الاشارة و النص على الحسن بن علي عليه السّلام.

2 - كتاب فضل العلم، باب المستأكل بعلمه، باب الفيء و الانفال.

3 - كتاب الايمان و الكفر، باب البداء، و باب أدنى ما يكون به العبد مؤمنا، و باب دعائم الكفر و شعبه.

4 - كتاب الحجة، باب ما جاء في الاثني عشر و النص عليهم، و باب أن الائمة شهداء اللّه عز و جل على خلقه.

5 - كتاب فضل العلم، باب استعمال العلم، و باب اختلاف الحديث.

كما نقل عن أصل سليم في كتاب الكافي فروع في الموارد التالية:

1 - المجلد الأول، باب الوصية و وجوبها، حديث رقم (714).

2 - المجلد الأول، باب المكاسب، حديث رقم (906).

3 - المجلد الرابع، باب تمييز أهل الخمس و مستحقه، حديث رقم (362).

2 - الشيخ محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمى الملقب بالصدوق:

في كتاب «من لا يحضره الفقيه» في المجلد الرابع، باب رسم الوصية، حديث رقم (484) ص 139.

و في كتاب «معانى الاخبار» ص 374 و في كتاب «اكمال الدين و اتمام النعمة» ص 240 حديث (63)، ص 262 حديث (9) و (10) ص 270 حديث (15)، ص 274 حديث (25) ص 284 حديث (37)، و فى ص 413 حديث (15) و في كتاب «اكمال الدين» باب 24، و في «الخصال» ص 475 و ص 477، و في كتاب «الاعتقادات» و في «عيون أخبار الرضا عليه السّلام» ص 47.

ص: 14

3 - الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسى

في كتاب «الامالى» ج 2 ص 235، و «التهذيب» فى كتاب الوصايا ج 9 ص 176، باب تمييز أهل الخمس و مستحقه، و كتاب «الغيبة» ص 117، ص 118، ص 203.

4 - الشيخ محمد بن الحسن الصفار في «بصائر الدرجات» في ص 47، ص 103، ص 198، ص 392.

5 - الشيخ محمد بن ابراهيم النعماني في «الغيبة» ص 68، ص 95.

6 - الشيخ شاذان بن جبرئيل في «الفضائل» ص 134، 140، 141، 142.

7 - الشيخ محمد بن علي بن شهرآشوب المازندراني في «مناقب آل أبي طالب».

8 - الشيخ علي بن محمد بن علي الخزاز القمي في «كفاية الاثر» ص 45، 46.

9 - الشيخ الفضل بن شاذان في «مختصر اثبات الرجعة».

10 - الشيخ فرات بن ابراهيم الكوفي في «التفسير» ص 9 ص 131

11 - الشيخ الحسن بن علي بن الحسين بن شعبة الحراني في «تحف العقول» ص 131.

12 - الشيخ محمد بن محمد بن النعمان المفيد في «الكافية في ابطال توبة الخاطية».

13 - الشيخ محمد بن عباس بن مروان بن ماهيار المعروف بابن الحجام في تفسيره.

14 - الحاكم أبو القاسم الحسكاني في «شواهد التنزيل لقواعد التفضيل» على ما ذكره الطبرسي في مجمع البيان في تفسير قوله تعالى:«وَ كَذٰلِكَ جَعَلْنٰاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً».

15 - المؤرخ أبو الحسن علي بن الحسين المسعودي في «التنبيه و الاشراف» ص 198.

16 - الشيخ حسن بن سليمان الحلي في «مختصر بصائر الدرجات» ص 40، ص 104

17 - الشيخ المحقق الميرزا حسين النوري في «نفس الرحمان» ص 65،

ص: 15

ص 43، ص 92، ص 95، ص 120، ص 133، ص 144، ص 146، ص 148.

و في «مستدرك الوسائل» المجلد الثالث في الفائدة السادسة قال: كتاب سليم من الاصول المعروفة، و للاصحاب اليه طرق كثيرة.

18 - السيد هاشم البحراني في «معالم الزلفى» و «مدينة المعاجز» و «غاية المرام» و «تفسير البرهان».

19 - الشيخ أبو منصور أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي في «الاحتجاج» في الموارد التالية: في المجلد الاول ص 105، ص 210، ص 229، ص 393، ص 231، ص 137، و في المجلد الثاني ص 3، ص 8، ص 15.

20 - أمين الاسلام الشيخ الفضل بن الحسن الطبرسي في «اعلام الورى بأعلام الهدى» ص 395.

21 - الشيخ سليمان بن خواجه كلان القندوزي في «ينابيع المودة» ص 28 ص 34، ص 104، ص 4، ص 116، ص 168.

22 - الشيخ أبو اسحاق ابراهيم بن سعد الدين محمد الجويني في «فرائد السمطين» في الباب الثامن و الخمسين ج 1، ص 312.

23 - الشيخ نور الدين علي بن محمد بن يونس النباطي البياضي العاملي في «التفسير».

24 - الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي في «الوسائل» 42/20، 210.

25 - المولى محمد صالح المازندراني في «شرح الكافي».

26 - العلامة الشيخ محمد باقر المجلسي في «البحار» و «الاربعين».

27 - السيد محمد باقر الخونساري في «روضات الجنات» ج 4 ص 65.

28 - الشيخ محمد بن علي بن عثمان الكراجكي في «كنز الفوائد» و «الاستنصار في النص على الائمة الاطهار».

ص: 16

29 - العلامة ابن النجار البغدادي في «ذيل تاريخ بغداد» المجلد الاول ص 295.

30 - العلامة أبو بكر بن أبي شيبة في «المصنف» في المجلد الثالث عشر ص 378، حديث رقم (16649).

31 - العلامة المتقي الهندي في «كنز العمال» في المجلد الاول ص 96.

32 - الشيخ أبو النضر محمد بن مسعود بن عياش السلمي السمرقندي المشهور بالعياشي في تفسيره، في المجلد الاول ص 14، و في المجلد الثاني ص 299 حديث رقم (105).

33 - الحسين بن سعيد الاهوازي في كتاب «الزهد» ص 7، حديث رقم (12).

نقاش حول الاصل:

سنحاول فيما يلي استعراض ما وجه الى الاصل من قدح و ما أفاده علماؤنا رضوان اللّه عليهم من تفنيد و رد لذلك:

أهم ما يواجهنا في هذا المجال طعن الغضائري في الاصل و ادعاؤه بأنه موضوع و قد تقدم ذكر عبارته في ضمن أقوال العلماء حول الاصل.

و خلاصة ما ادعاه احتواء أصل سليم على ثلاثة امور تضعفه و تبعث الشك تجاهه، و هي:

(1) وعظ محمد بن أبي بكر أباه عند الموت على صغر سنه، فقد كان عمره حينذاك سنتين و أشهرا.

(2) أن الائمة ثلاثة عشر.

(3) اختلاف أسانيد الكتاب.

طعن آخر وجه الى الكتاب و هو من جهة الشيخ المفيد «ره» اذ يقول في

ص: 17

أواخر كتابه «تصحيح الاعتقاد»: «و أما ما تعلق به أبو جعفر «ره» من حديث سليم الذي رجع فيه الى الكتاب المضاف اليه برواية أبان بن أبي عياش فالمعنى فيه صحيح، غير أن هذا الكتاب غير موثوق به، و قد حصل فيه تخليط و تدليس، فينبغي للمتدين أن يجتنب العمل بكل ما فيه، و لا يعول على جملته و التقليد لروايته، و ليفزع الى العلماء فيما تضمنه من الاحاديث ليوقفوه على الصحيح منهما و الفاسد، و اللّه الموفق».

أقول: و المحتمل قويا أن الشيخ المفيد «ره» رمى الكتاب بالتخليط و التدليس لاحتوائه على ما طعن به الغضائري(1) من وعظ محمد بن أبي بكر أباه و كون الائمة ثلاثة عشر، و عليه فلنعتبر طعن الشيخ المفيد و الغضائري طعنا واحدا لاتحاد السبب و الدافع، و لذلك سنجيب عنهما جوابا واحدا.

أما الامر الاول: فقد اجيب عنه بجوابين:

أحدهما: ما ذكره المحدث الاسترابادي في رجاله الكبير، و تقدمت الاشارة اليه من أن ما وصل اليه من نسخ هذا الكتاب انما فيه أن عبد اللّه بن عمر وعظ أباه عند الموت، و بهذا يرتفع الاشكال، اذ أن عبد اللّه بن عمر كان رجلا عند وفاة أبيه.

و الثاني: ما ذكره السيد اعجاز حسين الكنتوري في كتابه «كشف الحجب» و قد نقلنا كامل عبارته في ضمن أقوال العلماء، و خلاصة جوابه أن وعظ محمد بن أبي بكر أباه ليس ببعيد، لانه قد يصدر من الاطفال الافعال العجيبة، و خصوصا اذا بنينا على القول بأنه سنه كان حين وفاة أبيه أربع سنين.

و أما الأمر الثاني(2): فقد أجاب عنه الميرزا الاسترابادي في رجاله بأن ما وصل

ص: 18


1- راجع بحث السيد الخوئى حول الموضوع فى كتابه «معجم رجال الحديث» علما بأن كتاب الغضائرى لم تصح نسبته اليه ليثبت طعنه فى كتاب سليم.
2- راجع رأى السيد الخوئى حول الموضوع في «معجم رجال الحديث».

اليه من نسخ فيه أن الائمة ثلاثة عشر مع النبي صلّى اللّه عليه و آله، و لا محذور من ذلك.

كما أجاب الفاضل التفريشي في هامش «نقد الرجال» أن ما وصل اليه من النسخ فيه أن الائمة ثلاثة عشر من ولد اسماعيل عليه السّلام، و هم النبي صلّى اللّه عليه و آله و الائمة الاثنا عشر عليهم السّلام.

و أما الامر الثالث: فالجواب عنه بأن اختلاف السند بهذا الشكل لا يعد طعنا في الكتاب، لان من عادة القدماء تكثير طرقهم بالرواية، فكان الاقران كما يتحملون عن الشيخ، يتحمل بعضهم من بعض لتكثير طرق الرواية و الحياطة عليها، على أن اختلاف السند بهذا الشكل موجود في أغلب الكتب المعتبرة كالكافي و الخصال و غيرها.

زبدة المخض:

و مهما يكن من أمر هذه الطعون و الردود عليها، فان الطعن بهذه الموارد التي ذكرها الغضائري لا يمكن الاعتماد عليه - على فرض تسليمه - لطرح الاصل بكله بما فيه من روايات و أحاديث، و خصوصا اذا رأينا أن معظم روايات الاصل معتضدة بمرويات من كتب العامة و الخاصة، بل يندر وجود رواية لا شاهد لها من كتب الفريقين.

و لا يفوتنا أن نشير هنا الى اننا لا نملك اليقين بسلامة الاصل من الزيادة و النقض، بل لدينا اطمئنان بحصول زيادة فيه و نقيصة من قبل النساخ أو غيرهم، بغرض التوهين من شأن الاصل و اسقاطه عن الاعتبار، و لذا فاننا لا نجد حرجا من طرح كل ما ثبت بطلانه في هذا الاصل من طريق الشرع أو العقل - لو كان -، و لكننا نقف بحزم أمام محاولات تضعيف الاصل بكله و نسبته الى الوضع، و فيما تقدم من شهادات العلماء في حق الاصل كفاية للبصير، و ردع لمن يروق له طمس الحقائق و اخفاء الواضحات.

وقفة مع البهبودى فى كتابه «معرفة الحديث»:

عندما كنت مستعدا لتقديم هذا الكتاب الشريف للطبع صدر كتاب «معرفة

ص: 19

الحديث» للبهبودي، و قد ضمنه بحثا عن الكتب و الاصول الموضوعة، وعد منها كتاب سليم الهلالي، و ساق كلاما فيما يقارب خمس صفحات ذكر فيه أولا طعن الغضائري على الكتاب، ثم ساق أدلته على وضع الكتاب، و خلاصتها:

(1) جاء في أصل سليم ص 80، ص 85، ص 86، ص 117 على لسان سلمان الفارسي قال: «اني رأيته - يعني أبا بكر - في ظلة بني ساعدة حين خصمت الانصار، و كان أول من بايعه المغيرة بن شعبة، ثم بشير بن سعيد، ثم أبو عبيدة بن الجراح، ثم عمر بن الخطاب، ثم سالم مولى أبي حذيفة، و معاذ بن جبل» و ذلك خلاف الضرورة من تاريخ السقيفة، لان معاذ بن جبل كان حينذاك باليمن متوليا على أمر القراءة في المخاليف، و لم يرجع الى المدينة الا بعد استقرار الامر على أبي بكر، كما نص عليه الطبري في تاريخه ج 3 ص 229، و ابن الاثير في كامله ج 2 ص 336، و في اسد الغابة ج 5 ص 195، و الذهبي في تذكرة الحفاظ ص 21.

(2) سند الكتاب ينتهي بكل طرقه الى أبان بن أبي عياش، فلم يرو عن سليم الا أبان، و لم يرو عن أبان الا عمر بن اذينة، كما صرح بذلك العقيقي في رجاله كما في الخلاصة للعلامة ص 83، و أبان رجل عامي متروك.

ثم يعتقد البهبودي أن الكتاب موضوع، وضعه أحد الغلاة على لسان سليم ابن قيس الهلالي و رواية عمر بن اذينة عن أبان بن أبي عياش، و يقول: ان الواضع انما اختار عمر بن اذينة لانه كان هاربا من وطنه و هو البصرة الى مخاليف اليمن اتقاء شر المهدي العباسي في خلافته (158-168)، و مات هناك باليمن، و لذلك دس هذا الواضع الكتاب فيما بين أيدي الوراقين المغفلين في الكوفة و البصرة و اليمن، و أخذه الاصحاب فرووا ما فيه من أحاديث و جاده حسب الاجازات التي كانت لهم الى روايات عمر بن اذينة من دون أن يتمكنوا من تحقيق النسخة و قراءتها على ابن اذينة.

ص: 20

(3) نجد أن الراوي يستوثق من مروياته عن علي عليه السّلام بعرضها على أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله من شيعة علي، و على الائمة و كأنه لم يكفه سماعه من علي عليه السّلام.

هذا ما استخلصته من كلام البهبودي، و سيتضح لك ضعف ما ادعاه، و وهن ما ساق من أدلة على وضع الكتاب بما نتلوه عليك فيما يلي:

(1) أما طعن الغضائري فقد تقدم جوابه بما لا مزيد عليه.

(2) و أما قضية معاذ بن جبل فانها و ان صحت الا أنها لا تقوم حجة على سقوط الكتاب بأكمله عن الاعتبار، و متى كان ضعف رواية أو مخالفتها للسياق التاريخي دليلا على وضع الكتاب الذي اودعت فيه ؟!

نعم غاية ما يمكن للبهبودي فعله هو اسقاط تلك الرواية بعينها عن الاعتبار، أو اسقاط ذلك المقطع من الرواية المخالف للضرورة التاريخية كما يدعي - ان سلمت -.

و ليت شعري لو كان ما تمسك به دليلا على وضع الكتاب لما سلم الا النادر من الكتب، على أن التصريح بوجود معاذ بن جبل في أحداث السقيفة مما لم ينفرد بنقله أصل سليم، بل نص عليه البرقي في رجاله كما في قاموس الرجال للتستري ج 9 ص 11، و اليك نص عبارته:

«و سل عمر سيفه في الجمعة المقبلة و قال: يضرب عنق من قال مثل مقالتهم، ثم مضى هو و سالم و معاذ بن جبل و أبو عبيدة شاهرين سيوفهم حتى أخرجوا أبا بكر و أصعدوه المنبر»(1).

كما نص عليه الطبرسي في الاحتجاج في رواية أبي المفضل الشيباني ج 1 ص 104، قال:

«فنزل ثم أخذ بيده و انطلق الى منزله و بقوا ثلاثة أيام لا يدخلون مسجد

ص: 21


1- كما ورد ذلك فى كتاب «الخصال» باب الاثنى عشر، و ذكر ذلك السيد الخوئى فى ترجمة معاذ بن جبل من معجمه.

رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فلما كان اليوم الرابع جاءهم خالد بن الوليد و معه ألف رجل فقال لهم:

ما جلوسكم ؟! فقد طمع فيها و اللّه بنو هاشم! و جاءهم سالم مولى أبي حذيفة و معه ألف رجل، و جاءهم معاذ بن جبل و معه ألف رجل، فما زال يجتمع اليهم رجل رجل حتى اجتمع أربعة آلاف رجل، فخرجوا شاهرين بأسيافهم يقدمهم عمر بن الخطاب حتى وقفوا بمسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقال عمر: و اللّه يا أصحاب علي، لئن ذهب منكم رجل يتكلم بالذي تكلم بالامس لنأخذن الذي فيه عيناه».

و هذه الحادثة وقعت بعدما احتج جمع من أصحاب علي عليه السّلام على أبي بكر و هو على المنبر في المسجد بحق علي و خلافته حتى أسكتوه، و هي من الاحداث المتصلة بالبيعة زمنا، و لذا فاننا نشك في صحة ما نقله الطبري و ابن الاثير و الذهبي من رجوع معاذ من اليمن بعد استقرار الامر على أبي بكر، لاننا وجدناه يشارك في معا مع البيعة و محاولات تثبيتها لابي بكر.

و ان أبي الطاعن الا التمسك بما نقله العامة في مقابل ما نقلته الخاصة فلا أقل من الرجوع الى التعارض بين الطائفتين من الاخبار.

و بهذا لا يبقى وجه لاعتبار ما نقله الطبري - و هو الذي يعتمد على سيف بن عمر الوضاع المختلق(1) - و ابن الاثير(2) و الذهبي(3) - و كلاهما عيال على

ص: 22


1- راجع كتاب «خمسون و مائة صحابى مختلق» للعلامة السيد مرتضى العسكرى، تطلع على حقيقة الرجل.
2- قال الامينى فى ج 5 من الغدير عن ابن الاثير و الطبرى أنهم وضعوا مئات الاحاديث. و لاحظ أن البهبودى قد أسقط الكتاب باعتبار أن ابن أبي عياش عامى، و هنا يعتمد على هؤلاء العامة لاثبات مطلبه فى معاذ بن جبل!
3- يذكر الذهبى فى تلخيص مستدرك الحاكم عن بعض فضائل أمير المؤمنين عليه السلام: «أن القلب ينكرها».

الطبري - ضرورة تاريخية، و ان أصر المعترض فلا مفر له من اعتبار رجال البرقي و كتاب الاحتجاج و الخصال موضوعين مختلقين بناء على وجود ما يخالف الضرورة التاريخية فيهما كما يدعي(1)

(3) و أما سند الكتاب فهو ينتهي في أكثر الاحيان الى أبان عن سليم، لكن طريق النجاشي و الشيخ ينتهي الى ابراهيم بن عمر اليماني عن سليم، و دعوى أن هذا الطريق انما ينتهي الى كتاب سليم بما فيه من الاسناد المنطوي في صدر الكتاب و هو: «عن عمر بن اذينة، عن أبان، عن سليم» مجردة عن الدليل.

(4) و أما ادعاؤه بأن أحد الغلاة وضع الكتاب على لسان سليم و رواية عمر بن اذينة عن أبان، فهو ينقض نفسه بنفسه، لاننا نسأل أن هذا الواضع هل عز عليه الرواة الثقات فلجأ الى أبان بن أبي عياش ليلفق رواية الكتاب عنه ؟!

أو لم يكن الاحرى بهذا الواضع الماهر كما يدعي أن ينسب الاصل الملفق الى من هو ظاهر في الوثاقة و معتمد عليه في النقل عند الشيعة ليتحقق غرضه في انتشار أكاذيبه و موضوعاته ؟!

و اذا سلمنا ما ادعاه المعترض لنسأل ثانيا: ان الاصحاب الذين رووا الكتاب عن عمر بن اذينة اعتمادا على الاجازة المسبقة في رواية مروياته، ما الذي منع هؤلاء من عرض الكتاب و قراءته على ابن اذينة ؟! مع أن الكتاب قد وصل الى اليمن

ص: 23


1- هذا و ليس هناك ضرورة تاريخية، اذ لم يحدد التاريخ زمن قدوم معاذ من اليمن باليوم و الشهر و بالتدقيق، فربما غادر معاذ اليمن بمجرد أن سمع بوفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ليشارك حزبه في الاهداف المرسومة و ربما كان التاريخ الذى يقول انه رجع من اليمن بعد استقرار الامر على أبى بكر يرى أن الامر استقر عليه من أول يوم فى السقيفة فرجوعه بعد ذلك يكون بعد استقرار الامر.

- حيث اختفى هو و التجأ - باعتراف المعترض حيث قال: «فدس الزنديق - مصنف هذا الكتاب - نسخته في الكوفة و البصرة و اليمن».

و اذا كان الوصول اليه بالنسبة الى من في الكوفة و البصرة متعذرا، فما بال من كان في اليمن من الرواة ؟؟!

على أن الوراقين في ذلك الزمان لم يكونوا على هذه الدرجة من الغفلة، بل كان معظمهم من العلماء و الادباء ممن لا يخفى عليهم مثل هذا الامر، الذين لا يجدون وسيلة الى جمع الكتب و شرائها فيلجأون الى هذه المهنة، اذ يجمعون فيها بين قراءة الكتب و الاطلاع على ما فيها و بين الكسب و التعيش، و قد أفرد ياقوت الحموي لهذه الطائفة من العلماء قسما من كتابه المعجم، فراجع.

فليس من اليسير اذا تصور أن الكتاب دس في أيدي الوراقين فلاقى هذا الرواج الكبير مع وجود من اسند اليه - و هو ابن اذينة - بلا أن يراجع أو يسأل عن صحة روايته له.

و اذا التزمنا بذلك فلا يختص كتاب سليم بذلك و لا كتب طائفة دون اخرى فيلزم أن نقول: ان الكتب كلها مدسوسة على الوراقين الا ما ثبت باسناد صحيح بالقراءة و الرواية عن مؤلفه.

(5) و أما ما ذكره أخيرا من محاولة الواضع تقوية موضوعاته بعرضها على الأئمة عليهم السّلام و الاصحاب، فان ذلك لا يتم لامكان أن يكون قصد الراوي من عرضه الرواية على المعصوم عليه السّلام هو التوثق من حفظه للرواية و ضبطه لها، لا التوثق من صحة نفس الرواية الصادرة من المعصوم عليه السّلام.

كما يحتمل قويا أن يكون عرض أمثال هذه الروايات على الاصحاب و رواة الشيعة - مع كون الراوي قد تحملها من المعصوم عليه السّلام - لغرض تكثير طرق الرواية و الحفاظ عليها من الضياع.

ص: 24

حول نسخ الاصل(1):

هناك نسخ كثيرة لهذا الاصل نذكر أهمها فيما يلي:

(1) نسخة العلامة المجلسي: ذكرها الشيخ الطهراني في الذريعة و قال: ان المجلسي «ره» قابلها على نسخة قديمة لابي محمد الريحاني، تاريخ كتابتها سنة 609 هجري.

(2) نسخة الشيخ الحر العاملي: و تعتبر أكمل النسخ الموجودة، و هي المطبوعة في النجف الاشرف و المتداولة فعلا، يرجع تاريخ كتابتها الى سنة 1087 ه، و كانت في مكتبة الشيخ محمد السماوي و عليها خطوط الشيخ الحر و تصحيحاته و تملكه سنة 1087 ه.

(3) نسخة العلامة المحقق النوري: و هي بخط السيد محمد الموسوي الخوانساري سنة 1270 ه، و كانت عند الشيخ محمد علي الاوردبادي رضوان اللّه عليه.

(4) نسخة منتسخة عن نسخة المحقق النوري و موجودة الان في مكتبة جامعة طهران، و قد حصلنا منها على صورة فوتوغرافية.

(5) نسخة عتيقة موجودة في مكتبة الشيخ هادي آل كاشف الغطاء في النجف الاشرف و هي الى نصف الكتاب.

(6) نسخة الشيخ أبي علي الحائري كما يذكر هو في كتاب الرجال في ترجمة سليم.

(7) نسخة العلامة مير حامد حسين اللكنهوي صاحب العبقات، و قد شددت الرحال الى الهند لاستحصال صورة منها الا أنني - و مع شديد الاسف - وجدتها قد فقدت من بين الكتب على رغم وجود عنوانها و رقمها في فهرست المخطوطات.

ص: 25


1- راجع حديث السيد الخوئى حول تعدد النسخ فى مقدمة معجمه.

(8) نسخة أبي محمد الريحاني: و هي من أقدم النسخ و أهمها، كتبت سنة 609 هجري، و قد كانت في مكتبة «مهدي راجه» في فيض آباد، احدى نواحي الهند، و قد عزمت السفر اليها لاستحصال صورة من هذه النسخة الا أنني اخبرت بأن المكتبة قد بيعت بعد وفاة صاحبها و تفرقت كتبها، و لم يبق لها أثر.

و قد حاولت الحصول على نسخة قديمة للاصل صالحة للمقابلة مع نسخة الشيخ الحر العاملي - و هي المطبوعة - الا أنني لم اوفق لذلك، نعم حصلت على نسخة كتبت عن نسخة المحقق النوري الا أنني وجدت أن نسخة الشيخ الحر «ره» أكمل منها و أصح، ففضلت الاعتماد على نسخة الحر «ره» مع الرجوع أحيانا الى النسخة التي حصلت عليها كتصحيح كلمة أو توضيح اخرى، و هي التي اشير اليها في الهامش بعلامة: «بعض النسخ».

و الحمد للّه أولا و أخيرا و هو المستعان على كل حال.

علاء الموسوي 25 شعبان المعظم 1404 هجرية قم المقدسة

ص: 26

ص: 1

ص: 2

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

و صلى اللّه على محمد و آله الطيبين المنتخبين.

اسانيد الكتاب

أخبرني الرئيس العفيف أبو البقاء هبة اللّه بن نما بن علي بن حمدون(1) - رضي اللّه عنه - قراءة عليه بداره بحلة الجامعيين في جمادى الاولى سنة خمس و ستين و خمسمائة، قال: حدثني الشيخ الامين العالم أبو عبد اللّه الحسين بن أحمد بن طحال المقدادي(2) ، المجاور، قراءة عليه بمشهد مولانا أمير المؤمنين - صلوات اللّه عليه -

ص: 3


1- الحلى، فاضل، عالم، فقيه، جليل، يروى عنه الشيخ محمد بن جعفر المشهدى، و هو يروى عن الشيخ الامين الحسين بن أحمد بن محمد بن على بن طحال المقدادى، كما يظهر من مزار محمد بن جعفر المشهدى المذكور. (رياض العلماء للمولى عبد اللّه أفندى، ج 316/5). و قال الحر العاملى فى أمل الامل ج 343/2: «الشيخ أبو البقاء هبة اللّه بن نما الحلى، فاضل، صالح، يروى عنه ولده جعفر».
2- فى أمل الامل ج 90/2: «الشيخ أبو عبد اللّه الحسين بن أحمد بن طحال المقدادى كان عالما جليلا، روى عنه ابن شهرآشوب، و قال منتجب الدين عند ذكره: فقيه، صالح، قرأ على الشيخ أمين على الطوسى».

سنة عشرين و خمسمائة، قال: حدثنا الشيخ المفيد أبو علي الحسن بن محمد الطوسي(1) - رضي اللّه عنه - في رجب سنة تسعين و أربعمائة.

و أخبرني الشيخ الفقيه أبو عبد اللّه الحسن بن هبة اللّه بن رطبة(2) ، عن المفيد أبي علي، عن والده، فيما سمعته يقرأ عليه بمشهد مولانا السبط الشهيد أبي عبد اللّه الحسين ابن علي - صلوات اللّه عليه - في المحرم سنة ستين و خمسمائة.

و أخبرني الشيخ المقري أبو عبد اللّه محمد بن الكال(3) ، عن الشريف الجليل نظام الشرف أبي الحسن العريضي(4) ، عن ابن شهريار الخازن(5) ، عن الشيخ أبي

ص: 4


1- فى أمل الامل ج 76/2: «كان عالما، فاضلا، فقيها، محدثا، جليلا، ثقة، له كتب منها: كتاب الامالى، و شرح النهاية، و غير ذلك. و قال الشيخ منتجب الدين عند ذكره: فقيه، ثقة، عين، قرأ على والده جميع تصانيفه، أخبرنا الوالد عنه».
2- قال فى أمل الامل ج 80/2: «الشيخ جمال الدين الحسن بن هبة اللّه بن رطبة السوراوى، كان فاضلا، فقيها، عابدا، يروى عنه ابن ادريس، له كتب».
3- قال فى أمل الامل ج 311/3: «الشيخ أبو عبد اللّه محمد بن هارون، المعروف والده ب «الكال»، فاضل، جليل، صالح، فقيه، له كتب، منها: مختصر التبيان فى تفسير القرآن و كتاب اللحن الخفى و اللحن الجلى و غير ذلك».
4- قال فى رياض العلماء ج 444/5: «الشريف الجليل نظام الشرف ابو الحسن العريضى، فاضل عالم، و الظاهر أنه من السادات، فلاحظ» ثم قال: «و يظهر من اسناد كتاب سليم بن قيس الهلالى أن الشريف الجليل نظام الشرف أبا الحسن يروى عن ابن شهريار الخازن، و يروى عن العريضى الشيخ المقرى أبو عبد اللّه محمد بن الكال». له ترجمه فى اعلام الشيعة القرن 6 ص 177.
5- قال فى رياض العلماء ج 25/5: «الشيخ محمد بن أحمد بن شهريار الخازن بالمشهد الغروى على ساكنه السلام، فقيه، صالح - قاله منتجب الدين -». أقول: و هو المذكور فى أوائل الصحيفة، و فيه: «قال: أخبرنا الشيخ السعيد أبو عبد اللّه محمد بن أحمد بن شهريار الخازن لخزانة مولانا أمير المؤمنين على بن أبي طالب عليه السلام فى شهر ربيع الاول من سنة ست عشرة و خمسمائة، قراءة عليه و أنا أسمع، قال: سمعتها على الشيخ الصدوق أبى منصور محمد بن محمد بن أحمد بن عبد العزيز العكبرى المعدل «ره»، انتهى.

جعفر الطوسي(1).

و أخبرني الشيخ الفقيه أبو عبد اللّه محمد بن علي بن شهراشوب(2) ، قراءة عليه بحلة الجامعيين في شهور سنة سبع و ستين و خمسمائة، عن جده شهراشوب، عن الشيخ السعيد أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي - رضي اللّه عنه -.

قال: حدثنا ابن أبي جيد(3) ، عن محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد(4)

ص: 5


1- شيخ الطائفة، ولد سنة خمس و ثمانين و ثلاثمائة، و توفى سنة ستين و أربعمائة و دفن بداره فى النجف الاشرف، راجع ترجمته المفصلة فى ج 216/6 من روضات الجنات للسيد الخونسارى.
2- المازندرانى السروى، عالم، فاضل، ثقة، محدث، عارف بالرجال و الاخبار، له كتب، منها: «مناقب آل أبى طالب»، «مئالب النواصب»، «المخزون المكنون فى عيون الفنون» و غيرها، توفى سنة ثمان و ثمانين و خمسمائة، و دفن بظاهر حلب. راجع ترجمته المفصلة فى أمل الامل ج 285/2 و فى روضات الجنات ج 390/6.
3- قال فى رياض العلماء ج 349/4: «الشيخ أبو الحسين على بن أحمد بن محمد ابن أبى جيد طاهر القمى الاشعرى، الشيخ الجليل المعروف بابن أبي جيد، و كان من مشايخ النجاشى و الشيخ الطوسى، كما صرحا بذلك فى مواضع عديدة من رجاليهما، و فى سائر كتب الشيخ و باقى الاصحاب أيضا، و هو يروى عن جماعة، منهم: محمد بن الحسن بن الوليد كما يظهر من مطاوى فهرس الشيخ و رجال النجاشى».
4- قال العلامة فى الخلاصة ص 147: «محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد، أبو جعفر، شيخ القميين و فقيههم و متقدمهم و وجههم، و يقال انه نزل قم، و ما كان أصله منها، ثقة، عين، مسكون اليه، جليل القدر، عظيم المنزلة، عارف بالرجال، موثوق به، يروى عن الصفار و سعد، و روى عنه التلعكبرى، و ذكر أنه لم يلقه.»، و قال النجاشى ص 271: «مات أبو جعفر محمد بن الحسن بن الوليد سنة ثلاث و أربعين و ثلاثمائة».

و محمد بن أبي القاسم الملقب بماجيلويه(1) ، عن محمد بن علي الصيرفي(2) ، عن حماد ابن عيسى(3) ، عن أبان بن أبي عياش(4) ، عن سليم بن قيس الهلالي، قال: قال الشيخ أبو جعفر.

و أخبرنا أبو عبد اللّه الحسين بن عبيد اللّه الغضائري(5) ، قال: أخبرنا أبو محمد هارون بن موسى بن أحمد التلعكبري(6) - رحمه اللّه -، قال: أخبرنا أبو علي

ص: 6


1- قال العلامة فى الخلاصة ص 157: «سيد من أصحابنا القميين، ثقة، عالم، فقيه، عارف بالادب و الشعر». و قال النجاشي ص 250: «هو صهر أحمد بن أبى عبد اللّه البرقى على ابنته، و ابنه على ابن محمد منها، و كان أخذ عنه العلم و الادب، له كتب، منها: كتاب المشارب».
2- قال النجاشى ص 234: «محمد بن على بن ابراهيم بن موسى، أبو جعفر القرشى مولاهم، صيرفى ابن أخت خلاد المقرى، و هو خلاد بن عيسى، و كان يلقب محمد بن على أبا سمينة، ضعيف جدا، فاسد الاعتقاد، لا يعتمد فى شىء».
3- الجهنى، غريق الجحفة، من أصحاب الاجماع كما ادعاه الكشى، قال النجاشى ص 103: كان ثقة فى حديثه صدوقا.
4- قال الاردبيلى فى جامع الرواة ج 9/1: «تابعى ضعيف، روى عن أنس ابن مالك، و روى عن على بن الحسين عليه السلام».
5- قال فى الخلاصة ص 50: «كثير السماع، عارف بالرجال، و له تصانيف ذكرناها فى كتابنا الكبير، شيخ الطائفة، سمع الشيخ الطوسى منه، و أجاز جميع رواياته مات - رحمه اللّه - منتصف صفر سنة احدى عشر و أربعمائة».
6- قال فى الخلاصة ص 180: «هارون بن موسى بن أحمد بن سعيد بن سعيد من بنى شيبان التلعكبرى، يكنى أبا محمد، جليل القدر، عظيم المنزلة، واسع الرواية، عديم النظير، ثقة، وجه أصحابنا، معتمد عليه، لا يطعن عليه فى شىء، مات سنة خمس و ثمانين و ثلاثمائة - رحمه اللّه -».

ابن همام بن سهيل(1) ، قال: أخبرنا عبد اللّه بن جعفر الحميري(2) ، عن يعقوب بن يزيد(3) و محمد بن الحسين بن أبي الخطاب(4) و أحمد بن محمد بن عيسى(5) ، عن محمد بن أبي عمير(6) ، عن عمر بن

ص: 7


1- قال الاردبيلى ج 405/2: «أبو على بن همام، ثقة، اسمه: محمد بن همام البغدادى».
2- قال العلامة فى الخلاصة ص 106: «عبد اللّه بن جعفر بن الحسين بن مالك ابن جامع الحميرى، أبو العباس القمى شيخ القميين و وجههم، قدم الكوفة سنة نيف و تسعين و مائتين، ثقة من أصحاب أبى محمد العسكرى عليه السلام».
3- قال فى الخلاصة ص 189: «يعقوب بن يزيد بن حماد الانبارى السلمى أبو يوسف الكاتب، من كتاب المنتصر؛ و قال الكشى - عن ابن مسعود عن الحسن بن على بن فضال -: انه كان كاتبا لابى دلف القاسم؛ و كان يعقوب من أصحاب الرضا - عليه السلام - و روى يعقوب عن أبي جعفر الثانى - عليه السلام - و انتقل الى بغداد و كان ثقة صدوقا».
4- قال النجاشى ص 236: «أبو جعفر الزيات الهمدانى، و اسم أبى الخطاب: زيد، جليل من أصحابنا، عظيم القدر، كثير الرواية، ثقة، عين، حسن التصانيف، مسكون الى روايته؛ له كتاب التوحيد، و كتاب المعرفة و البداء، و كتاب الرد على أهل القدر، و كتاب الامامة، و غيرها».
5- قال النجاشى ص 59: أحمد بن محمد بن عيسى بن عبد اللّه بن سعد بن مالك ابن الاحوص بن السائب بن مالك بن عامر الاشعرى، - الى أن قال - و أبو جعفر شيخ القميين و وجههم و فقيههم غير مدافع، و كان أيضا الرئيس الذى يلقى السلطان بها، و لقى الرضا - عليه السلام - و له كتب، و لقى أبا جعفر الثانى - عليه السلام - و أبا الحسن العسكرى عليه السلام».
6- قال الشيخ فى رجاله ص 388: ثقة، و قال النجاشى: جليل القدر، عظيم المنزلة، فينا و عند المخالفين» راجع ترجمته المفصلة فى رجال النجاشى ص 228.

اذينة(1) ، عن أبان بن أبي عياش، عن سليم بن قيس الهلالي.

قال عمر بن اذينة: دعاني ابن أبي عياش، فقال لي: رأيت البارحة رؤيا، اني لخليق أن أموت سريعا، اني رأيتك الغداة ففرحت بك، اني رأيت الليلة سليم بن قيس الهلالي، فقال لي: يا أبان، انك ميت في أيامك هذه فاتق اللّه في وديعتي و لا تضيعها، وف لي بما ضمنت من كتمانك و لا تضعها الا عند رجل من شيعة علي بن أبي طالب - صلوات اللّه عليه - له دين و حسب، فلمّا بصرت بك الغداة فرحت برؤيتك و ذكرت رؤياي سليم بن قيس.

لما قدم الحجاج العراق سأل عن سليم بن قيس فهرب منه فوقع الينا بالنوبندجان(2) متواريا، فنزل معنا في الدار، فلم أر رجلا كان أشد اجلالا لنفسه و لا أشد اجتهادا و لا أطول حزنا منه، و لا أشد خمولا لنفسه و لا أشد بغضا للشهرة نفسه منه، و أنا يومئذ ابن أربع عشرة سنة، قرأت القرآن، و كنت أسأله فيحدثني عن أهل بدر، فسمعت منه أحاديث كثيرة عن عمر بن أبي سلمة ابن أم سلمة زوجة النبي صلّى اللّه عليه و آله و عن معاذ بن جبل، و عن سلمان الفارسي، و عن علي عليه السّلام، و أبي ذر، و المقداد، و عمار

ص: 8


1- قال الاردبيلى فى جامع الرواة ج 631/1: «ثقة، و هو من أصحاب الكاظم عليه السلام».
2- فى معجم البلدان ج 302/5: نوبندجان: بالضم ثم السكون و باء موحدة مفتوحة و نون ساكنة و دال مفتوحة و جيم آخره نون: مدينة من أرض فارس من كورة سابور قريبة من شعب بوان الموصوف بالحسن و النزاهة؛ و بينها و بين أرجان ستة و عشرون فرسخا، و بينها و بين شيراز قريب من ذلك، و قد ذكرها المتنبى فى شعره، فقال يصف شعب بوان: تحل به على قلب شجاعو ترحل منه عن قلب جبان منازل لم يزل منها خياليشيعنى الى النوبندجان

و البراء بن عازب، ثم استكتمتها و لم يأخذ علّيّ يمينا.

فلم ألبث أن حضرته الوفاة، فدعاني و خلابي و قال: يا أبان قد جاورتك فلم أر منك الا ما احب، ان عندي كتبا سمعتها عن الثقات و كتبتها بيدي، فيها أحاديث لا احب أن تظهر للناس، لان الناس ينكرونها و يعظمونها و هي حق أخذتها من أهل الحق و الفقه و الصدق و البر، عن علي بن أبي طالب - صلوات اللّه عليه -، و سلمان الفارسي، و أبي ذر الغفاري، و المقداد بن الاسود، و ليس منها حديث أسمعه من أحدهم الا سألت عنه الاخر حتى اجتمعوا عليه جميعا، و أشياء بعد سمعتها من غيرهم من أهل الحق، و اني هممت حين مرضت أن أحرقها، فتأثمت من ذلك و قطعت به، فان جعلت لي عهد اللّه و ميثاقه أن لا تخبر بها أحدا ما دمت حيا، و لا تحدث بشيء منها بعد موتي الا من تثق به كثقتك بنفسك، و ان حدث بك حدث أن تدفعها الى من تثق به من شيعة علي بن أبي طالب - صلوات اللّه عليه - ممن له دين و حسب، فضمنت ذلك له، فدفعها الي و قرأها كلها عليّ.

فلم يلبث سليم أن هلك - رحمه اللّه - فنظرت فيها بعده و قطعت بها و أعظمتها و استصعبتها لان فيها هلاك جميع امة محمد صلّى اللّه عليه و آله من المهاجرين و الانصار و التابعين غير علي بن أبي طالب و أهل بيته - صلوات اللّه عليهم - و شيعته.

فكان أول من لقيت بعد قدومي البصرة الحسن بن أبي الحسن البصري، و هو يومئذ متوار من الحجاج، و الحسن يومئذ من شيعة علي بن أبي طالب - صلوات اللّه عليه - و من مفرطيهم، نادم متلهف على ما فاته من نصرة علي عليه السّلام(1) و القتال معه يوم

ص: 9


1- و يلوح ذلك مما أورده البلاذرى فى «أنساب الاشراف» ج 147/2، قال: «حدثنا أحمد بن ابراهيم الدورقى، حدثنا عبد اللّه بن عمرو المنقرى، حدثنا عبد الوارث، عن محمد بن ذكوان، عن مجالد بن سعيد، عن عامر الشعبى، قال: «قدمنا على الحجاج البصرة و قدم عليه قراء أهل المدينة، فدخلنا عليه في يوم صائف شديد الحر، فقال للحسن: مرحبا بأبى سعيد إلي، - و ذكر كلاما -، قال: ثم ذكر الحجاج عليا فنال منه؛ و قلنا قولا مقاربا له فرقا من شره، و الحسن ساكت عاض على ابهامه، فقال: يا أبا سعيد مالى أراك ساكتا؟! فقال: ما عسيت أن أقول ؟! قال: أخبرنى برأيك فى أبى تراب، قال: أفى على ؟! [كذا] سمعت اللّه يقول: «ما جعلنا القبلة التى كنت عليها الا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه و ان كانت لكبيرة الا على الذين هدى اللّه» [/ 143 البقرة]، فعلى ممن هدى اللّه و من أهل الايمان؛ و أقول: انه ابن عم رسول اللّه - صلى اللّه عليه و آله - و ختنه على ابنته، و احب الناس اليه، و صاحب سوابق مباركات سبقت له من اللّه، ما لا يستطيع أنت و لا أحد من الناس أن يحصرها عنه و لا يحول بينها و بينه، و نقول: انه ان كانت لعلى ذنوب فاللّه حسيبه، و اللّه ما أجد قولا اعدل فيه من هذا القول؛ قال الشعبي: فبسر الحجاج وجهه، و قام عن السرير مغضبا؛ قال: و خرجنا. انتهى».

الجمل، فخلوت به في شرقي دار أبي خليفة الحجاج بن أبي عتاب الديلمي، فعرضتها عليه فبكى، ثم قال: ما في حديثه شيء الا حق قد سمعته من الثقات من شيعة علي - صلوات اللّه عليه - و غيرهم.

قال أبان: فحججت من عامي ذلك فدخلت على علي بن الحسين عليه السّلام و عنده أبو الطفيل عامر بن وائلة(1) ، صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و كان من خيار أصحاب علي عليه السّلام، و لقيت عنده عمر بن ام سلمة(2) زوجة النبي صلّى اللّه عليه و آله فعرضته

ص: 10


1- فى الاصابة لابن حجر ج 113/4: «أبو الطفيل عامر بن وائلة بن عبد اللّه ابن عمرو بن جحش... رأى النبى صلى اللّه عليه و آله و هو شاب و حفظ عنه أحاديث، و روى أيضا عن أبى بكر و عمر و على و معاذ و ابن مسعود و ابن عباس و نافع بن عبد الحارث و زيد بن أرقم و غيرهم؛ روى عنه الزهرى و أبو الزبير و قتادة و عبد العزيز بن رفيع و عكرمة ابن خالد و عمرو بن دينار و يزيد بن أبى حبيب و معروف بن خربوز و آخرون؛ قال مسلم: مات سنة مائة، و هو آخر من مات من الصحابة».
2- فى الاستيعاب لابن عبد البر ج 474/2: «عمر بن أبى سلمة... القرشى المخزومى ربيب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله؛ امه ام سلمة المخزومية ام المؤمنين، يكنى أبا حفص ولد فى السنة الثانية من الهجرة بأرض الحبشة؛ و قيل: انه كان يوم قبض رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ابن تسع سنين؛ و شهد مع على عليه السلام الجمل؛ و استعمله على عليه السلام على فارس و البحرين؛ و توفى بالمدينة فى خلافة عبد الملك بن مروان سنة ثلاث و ثمانين».

عليه و على علي بن الحسين عليه السّلام ذلك أجمع ثلاثة أيام، كل يوم الى الليل، و يغدو عليه عمر و عامر، فقرأه عليه ثلاثة أيام، فقال لي: صدق سليم - رحمه اللّه -، هذا حديثنا كله نعرفه.

اهل البيت عليهم السلام كمثل سفينة نوح

و قال أبو الطفيل و عمر بن أبي سلمة: ما فيه حديث الا و قد سمعته من علي - صلوات اللّه عليه - و من سلمان، و من أبي ذر، و من المقداد.

فقلت لابي الحسن علي بن الحسين عليه السّلام: جعلت فداك، انه يضيق صدري ببعض ما فيه، لان فيه هلاك أمة محمد صلّى اللّه عليه و آله رأسا من المهاجرين و الانصار و التابعين غيركم أهل البيت و شيعتكم، فقال: يا أخا عبد القيس، أما بلغك أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال:

ان مثل أهل بيتي في امتي كمثل سفينة نوح في قومه، من ركبها نجا، و من تخلف عنها غرق، و كمثل باب حطة في بني اسرائيل(1) ، فقلت: نعم، فقال: من حدثك ؟ فقلت: سمعته من أكثر من مائة من الفقهاء، فقال: ممن ؟ فقلت: سمعته من حنش بن المعتمر، و ذكر أنه سمعه من أبي ذر و هو آخذ بحلقة الكعبة، ينادي به نداء يرويه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فقال: و ممن ؟ فقلت: و من الحسن بن أبي الحسن البصري أنه سمعه من أبي ذر، و من المقداد بن الاسود، و من علي بن أبي طالب -

ص: 11


1- أورد الخزاز القمى فى كفاية الاثر ص 5 عن أبى ذر: «قال النبى صلى اللّه عليه و آله: الائمة بعدى اثنا عشر تسعة من صلب الحسين - عليه السلام -، تاسعهم قائمهم، ألا ان مثلهم فيكم مثل سفينة نوح، من ركبها نجا، و من تخلف عنها هلك، و مثل باب حطة فى بنى اسرائيل».

صلوات اللّه عليه -، فقال: و ممن ؟ فقلت: و من سعيد بن المسيب(1) ، و علقمة بن قيس(2) ، و من أبي ظبيان الجنبي(3) ، و من عبد الرحمن بن أبي ليلى(4) ، كل هؤلاء خبّر أنه سمعه من أبي ذر.

قال أبو الطفيل و عمر بن أبي سلمة: و نحن و اللّه سمعنا من أبي ذر، و سمعناه من علي عليه السّلام و المقداد و سلمان، ثم أقبل عمر بن أبي سلمة فقال: و اللّه لقد سمعته ممن هو خير من هؤلاء كلهم، سمعته من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، سمعته اذناي و وعاه قلبي، فأقبل عليّ علي بن الحسين عليه السّلام فقال: أو ليس هذا الحديث وحده ينتظم جميع ما أفظعك و عظم في صدرك من تلك الاحاديث ؟! اتّق اللّه يا أخا عبد القيس، فان وضح لك أمر فاقبله، و الا فاسكت تسلم، ورد علمه الى اللّه، فانك في أوسع مما بين السماء و الارض.

قال أبان: فعند ذلك سألته عما يسعني جهله، و عما لا يسعني جهله، فأجابني بما أجابني.

حديث ابى الطفيل عن الرجعة

قال أبان: ثم لقيت أبا الطفيل بعد ذلك في منزله، فحدثني في الرجعة عن اناس من أهل بدر. و عن سلمان و المقداد و أبيّ بن كعب.

و قال أبو الطفيل: فعرضت ذلك الذي سمعته منهم على علي بن أبي طالب

ص: 12


1- ابن حزن أبو محمد المخزومى، من أصحاب على بن الحسين - عليه السلام - قال ابن داود فى رجاله ص 103: «من الصدر الاول رباه أمير المؤمنين - عليه السلام -».
2- من أصحاب على - عليه السلام -، قال ابن داود فى رجاله ص 134: «قتل بصفين هو و أخوه أبي».
3- من خواص أمير المؤمنين - عليه السلام -، قاله ابن داود فى رجاله ص 219.
4- من أصحاب أمير المؤمنين - عليه السلام -: قال ابن داود ص 128: «ضربه الحجاج حتى اسودت كتفاه؛ شهد مع على - عليه السلام - مشاهده؛ عربى كوفى».

عليه السّلام بالكوفة، فقال لي: هذا علم خاص يسع الامة جهله ورد علمه الى اللّه، ثم صدقني بكل ما حدثوني فيها، و قرأ علي بذلك قرآنا كثيرا، و فسره تفسيرا شافيا، حتى صرت ما أنا بيوم القيامة أشد يقينا مني بالرجعة، و كان مما قلت: يا أمير المؤمنين أخبرني عن حوض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أفي الدنيا أم في الاخرة ؟ فقال: بل في الدنيا، قلت: فمن الذائد عنه ؟ قال: أنا بيدي هذه فليردنه أوليائي، و ليصرفن عنه أعدائي - و في رواية اخرى: فلأوردته أوليائي و لاصرفن عنه أعدائي -.

قلت: يا أمير المؤمنين، قول اللّه تعالى «وَ إِذٰا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنٰا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النّٰاسَ» (1) - الاية - ما الدابة ؟ قال: يا أبا لطفيل اله عن هذا، فقلت: يا أمير المؤمنين، أخبرني به جعلت فداك ؟ قال: هي دابة تأكل الطعام(2) و تمشي في الاسواق، و تنكح النساء، فقلت: يا أمير المؤمنين، من هو؟ قال: هو زر الارض(3) الذي اليه تسكن الارض، قلت: يا أمير المؤمنين، من هو؟ قال:

صديق هذه الامة، و فاروقها، و رئيسها(4) ، و ذو قرنها، قلت: يا أمير المؤمنين، من

ص: 13


1- النمل 82:27.
2- فى المناقب عن الرضا - عليه السلام - فى قوله: تتبعها الرادفة، قال: زلزلة الارض، * فاتبعها خروج الدابة، و قال عليه السلام: «أخرجنا لهم دابة من الارض»، قال: على - عليه السلام -.
3- قال مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد الجزرى المعروف بابن الاثير فى كتابه «النهاية فى غريب الحديث و الاثر» بمادة «زرر» ما هذا لفظه: و فى حديث أبي ذر قال يصف عليا: و انه لعالم الارض وزرها الذى تسكن اليه، أى قوامها و أصله من زر القلب و هو عظيم «بصيغة التصغير» صغير يكون قوام القلب به، و أخرج الهروى هذا الحديث عن سلمان، انتهى ما ذكره الجزرى فى النهاية، وزر بالزاء المعجمة المكسورة ثم الراء المهملة المشدودة. (عن هامش بعض نسخ الكتاب)
4- فى مناقب ابن شهرآشوب ج 3 ص 89: عن ابن عباس فى قوله تعالى:«وَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللّٰهِ وَ رُسُلِهِ أُولٰئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ»، قال: صديق هذه الامة على بن أبي طالب، هو الصديق الاكبر و الفاروق الاعظم.

هو؟ قال: الذي قال اللّه:«وَ يَتْلُوهُ شٰاهِدٌ مِنْهُ» (1) ، و الذي «عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتٰابِ»، «وَ الَّذِي جٰاءَ بِالصِّدْقِ» و الذي «صدق به» أنا(2) ، و الناس كلهم كافرون غيري و غيره.

قلت: يا أمير المؤمنين، تسميه ؟ قال: قد سميته لك، يا أبا الطفيل، و اللّه لو ادخلت على عامة شيعتي الذين بهم أقاتل، الذين أقروا بطاعتي و سموني أمير المؤمنين و استحلوا جهاد من خالفني، فحدثتهم شهرا ببعض ما أعلم من الحق في الكتاب الذي نزل به جبرئيل على محمد صلّى اللّه عليه و آله لتفرقوا عني حتى أبقى في عصابة حق قليلة، أنت و أشباهك من شيعتي، ففزعت، و قلت: يا أمير المؤمنين أنا و أشباهي نتفرق عنك أو نثبت معك ؟ قال: لا، بل تثبتون.

ثم أقبل علي فقال: ان أمرنا صعب مستصعب، لا يعرفه و لا يقر به الا ثلاثة:

ملك مقرب، أو نبي مرسل، أو عبد مؤمن نجيب امتحن اللّه قلبه للايمان(3).

يا أبا الطفيل، ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قبض فارتد الناس ضلالا و جهلا الا من عصمه اللّه بنا أهل البيت.

ص: 14


1- هود 17:11، و فى المناقب ج 3 ص 80 عن الحافظ أبى نعيم بثلاثة طرق عن عباد ابن عبد اللّه الاسدى، فى خبر، قال: سمعت عليا يقول: «أفمن كان على بينة من ربه و يتلوه شاهد منه»: رسول اللّه على بينة من ربه و انا الشاهد.
2- فى المناقب ج 3 ص 92 عن الباقر و الصادق و الكاظم و الرضا و زيد بن على - عليهم السلام - فى قوله تعالى:«وَ الَّذِي جٰاءَ بِالصِّدْقِ وَ صَدَّقَ بِهِ أُولٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ»، قالوا: على بن أبى طالب.
3- فى بصائر الدرجات لمحمد بن الحسن الصفار، باب أن أمرهم صعب مستصعب ص 47 ح 1، ط طهران. أورد هذا الحديث بسنده عن مسلم، عن أمير المؤمنين، مع اختلاف يسير بالالفاظ.

قال عمر بن اذينة: ثم دفع الي أبان كتاب سليم بن قيس، و لم يلبث أبان بعد ذلك الا شهرا حتى مات، فهذه نسخة كتاب سليم بن قيس العامري دفعه الى أبان بن أبي عياش و قرأه عليّ، و ذكر أبان أنه قرأه على علي بن الحسين عليه السّلام فقال عليه السّلام:

صدق سليم، هذا حديثنا نعرفه.

وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم

وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم(1)

قال سليم: سمعت سلمان الفارسي قال: كنت جالسا بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في مرضه الذي قبض فيه فدخلت فاطمة عليها السّلام، فلما رأت ما برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله خنقتها العبرة حتى جرت دموعها على خديها، فقال لها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: يا بنية ما يبكيك ؟ قالت: يا رسول اللّه أخشى على نفسي و ولدي الضيعة من بعدك(2) ؛

ص: 15


1- فى كتاب كفاية الاثر للخزاز القمى: عن جابر بن عبد اللّه الانصارى، قال: كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله سلم فى الشكاية التى قبض فيها، فاذا فاطمة عند رأسه؛ قال فبكت حتى ارتفع صوتها، فرفع رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله طرفه اليها فقال: حبيبتى فاطمة ما الذى يبكيك ؟ قالت: اخشى الضيعة من بعدك يا رسول اللّه. (الكفاية باب ما جاء عن جابر ص 62). عن أبى ذر - رحمة اللّه عليه -، قال: دخلت على رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله سلم فى مرضه الذى توفى فيه فقال: أئتنى بابنتى فاطمة، قال: فقمت و دخلت عليها؛ و قلت: يا سيدة النسوان أجيبى أباك، قال: قلبت منحلها و أبرزت و خرجت حتى دخلت على رسول اللّه - صلى اللّه عليه و آله و سلم -، فلما رأت رسول اللّه - صلى اللّه عليه و آله و سلم - انكبت عليه و بكت. (نفس المصدر باب ما جاء عن أبى ذر ص 36). و عن عمار قال: لما حضرت رسول - صلى اللّه عليه و آله و سلم - الوفاة دعا بعلى - عليه السلام -، حتى قال، فبكت فاطمة - عليها السلام - و بكى الحسن و الحسين، فقال لفاطمة: يا سيدة النسوان مم بكاؤك ؟ قالت: يا أبه أخشى الضيعة بعدك. (نفس المصدر باب ما جاء عن عمار بن ياسر ص 124). و ذكر محب الدين الطبرى فى ذخائر العقبى ص 135 - ص 136 نفس المعنى بلفظ قريب.
2- فى كتاب كفاية الاثر للخزاز القمى: عن جابر بن عبد اللّه الانصارى، قال: كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله سلم فى الشكاية التى قبض فيها، فاذا فاطمة عند رأسه؛ قال فبكت حتى ارتفع صوتها، فرفع رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله طرفه اليها فقال: حبيبتى فاطمة ما الذى يبكيك ؟ قالت: اخشى الضيعة من بعدك يا رسول اللّه. (الكفاية باب ما جاء عن جابر ص 62). عن أبى ذر - رحمة اللّه عليه -، قال: دخلت على رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله سلم فى مرضه الذى توفى فيه فقال: أئتنى بابنتى فاطمة، قال: فقمت و دخلت عليها؛ و قلت: يا سيدة النسوان أجيبى أباك، قال: قلبت منحلها و أبرزت و خرجت حتى دخلت على رسول اللّه - صلى اللّه عليه و آله و سلم -، فلما رأت رسول اللّه - صلى اللّه عليه و آله و سلم - انكبت عليه و بكت. (نفس المصدر باب ما جاء عن أبى ذر ص 36). و عن عمار قال: لما حضرت رسول - صلى اللّه عليه و آله و سلم - الوفاة دعا بعلى - عليه السلام -، حتى قال، فبكت فاطمة - عليها السلام - و بكى الحسن و الحسين، فقال لفاطمة: يا سيدة النسوان مم بكاؤك ؟ قالت: يا أبه أخشى الضيعة بعدك. (نفس المصدر باب ما جاء عن عمار بن ياسر ص 124). و ذكر محب الدين الطبرى فى ذخائر العقبى ص 135 - ص 136 نفس المعنى بلفظ قريب.

فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله - و أغرورقت عيناه -: يا فاطمة أو ما علمت انا أهل بيت اختار اللّه لنا الاخرة على الدنيا، و انه حتم الفناء على جميع خلقه.

اختيار اللّه تعالى للنبيّ و الائمة عليهم السلام

ان اللّه تبارك و تعالى اطلع الى الارض اطلاعة فاختارني منهم فجعلني نبيا، ثم اطلع الى الارض ثانيا فاختار بعلك و أمرني أن أزوجك اياه، و أن أتخذه أخا و وزيرا و وصيا، و أن أجعله خليفتي في امتي(1) ، فأبوك خير أنبياء اللّه و رسله، و بعلك خير الاوصياء و الوزراء، و أنت أول من يلحقني من أهلي(2) ، ثم اطلع الى الارض اطلاعه ثالثة فاختارك و أحد عشر رجلا من ولدك و ولد أخي، بعلك، فأنت سيدة نساء

ص: 16


1- ورد ما فى معناه فى ينابيع المودة للقندوزى ص 255 (ط اسلامبول)، و فى كفاية الاثر للخزاز القمى عن ابن عباس ص 60، و ورد بلفظه عن ابن عباس فى ارشاد القلوب ص 26، و فى كفاية الاثر عن أنس بن مالك ص 72، و عن المفضل بن عمر ص 152 و ورد بلفظه فى عيون أخبار الرضا - عليه السلام - ص 58 عنه، و فى غيبة النعمانى عن عمر بن الخطاب عن رسول اللّه - صلى اللّه عليه و آله و سلم - ص 30.
2- ورد هذا المعنى فى صحيح الترمذى (ج 13 ص 249 ط الصادى بمصر)، و فى جامع الاصول لابن الاثير (ج 1 ص 86 ط المحمدية بمصر)، و فى الطبقات الكبرى لابن سعد (ج 2 ص 247 ط دار المعارف بمصر)، و فى صحيح البخارى (ج 5 ص 21 ط الاميرية بمصر)، و فى مسند ابن حنبل ج 6 ص 77 ط الميمنة بمصر)، و فى صحيح مسلم (ج 2 ص 142 ط صبيحى بمصر)، و فى العقد الفريد لابن عبد ربه (ج 2 ص 3 ط الشرفية بمصر). و فى ذخائر العقبى لمحب الدين الطبرى (ص 40 ط القدسى بمصر)، كما ورد فى كفاية الاثر للخزاز القمى عن جماعة، منهم: أبو ذر فى حديث وفاة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله - ص 36؛ و جابر الانصارى فى حديث الوفاة ص 64؛ و عمار فى حديث الوفاة ص 124.

أهل الجنة و ابناك سيدا شباب أهل الجنة(1).

و أنا و أخي و الاحد عشر اماما أوصيائي الى يوم القيامة، كلهم هاد مهتد، أول الاوصياء بعد أخي: الحسن، ثم الحسين، ثم تسعة من ولد الحسين في منزل واحد في الجنة، و ليس منزل أقرب الى اللّه من منزلي، ثم منزل ابراهيم و آل ابراهيم، أما تعلمين يا بنية أن من كرامة اللّه اياك أن زوجك خير امتي و خير أهل بيتي، أقدمهم سلما، و أعظمهم حلما، و أكثرهم علما، و أكرمهم نفسا، و أصدقهم لسانا، و أشجعهم قلبا، و أجودهم كفا، و أزهدهم في الدنيا، و أشدهم اجتهادا، فاستبشرت فاطمة عليها السّلام بما قال و فرحت.

ثم قال لها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: ان لعلي بن أبي طالب ثمانية أضراس ثواقب نواقد و مناقب ليست لاحد من الناس: ايمانه باللّه و برسوله قبل كل أحد، لم يسبقه الى ذلك أحد من امتي(2) ، و علم بكتاب اللّه و سنتي، ليس أحد من امتي يعلم جميع علمي غير بعلك، لان اللّه علمني علما لا يعلمه غيري، و علم ملائكته و رسله علما فأنا أعلمه، و أمرني اللّه أن اعلمه اياه ففعلت، فليس أحد من امتي يعلم جميع علمي و فهمي و فقهي كله غيره(3).

انك يا بنية زوجته، و ان ابني سبطاي الحسن و الحسين و هما سبطا امتي،

ص: 17


1- رواه أحمد بن حنبل عن أبى سعيد الخدرى فى مسنده ج 3/3.
2- روى هذا المعنى جم غفير من علماء العامة فى تفسير قوله تعالى:«وَ السّٰابِقُونَ السّٰابِقُونَ»، منهم: العلامة سبط ابن الجوزى فى التذكرة ص 21؛ و العلامة محب الدين الطبرى فى الرياض النضرة ص 157. كما روته جماعة كثيرة من علماء الخاصة منهم: الشيخ الطوسى فى الامالى، رواه عن المفيد ص 44، و على بن ابراهيم فى تفسيره ج 2 ص 347، و فرات بن ابراهيم الكوفى فى تفسيره ص 101.
3- أورد قريبا من هذا المعنى جماعة من علماء العامة؛ منهم: الشيخ جمال الدين ابن حسنويه فى كتابه «در بحر المناقب» - مخطوط -، و العلامة الشيخ ابراهيم بن محمد الحموينى فى كتابه «فرائد السمطين». و أورد علماء الخاصة ما يطابق هذا المعنى أحاديث كثيرة، منهم: الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الصفار فى «بصائر الدرجات» باب: ان الائمة ورثوا علم آدم و جميع العلماء ص 114.

و أمره بالمعروف و نهيه عن المنكر، و ان اللّه علمه الحكمة و فصل الخطاب.

يا بنية انا أهل بيت أعطانا اللّه سبع خصال و لم يعطها أحدا من الاولين و الاخرين غيرنا: أنا سيد الانبياء و المرسلين و خيرهم، و وصيي خير الوصيين، و وزيري بعلك، و شهيدنا خير الشهداء(1).

قالت: يا رسول اللّه، سيد الشهداء الذين قتلوا معك ؟

قال: لا، بل سيد الشهداء من الاولين و الاخرين ما خلا الانبياء و الاوصياء، و جعفر بن أبي طالب ذو الهجرتين و ذو الجناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنة، و ابناك الحسن و الحسين سبطا امتي، و سيدا شباب أهل الجنة، و منّا و الذي نفسي بيده مهدي هذه الامة(2) ، الذي يملا اللّه به الارض قسطا و عدلا كما ملئت ظلما و جورا(3).

ص: 18


1- فى بعض النسخ: «أعنى عمى حمزة».
2- فى كفاية الاثر ص 63 عن جابر بن عبد اللّه الانصارى فى حديث وفاة النبى - صلى اللّه عليه و آله و سلم - و دخول فاطمة - عليها السلام - عليه، و بكاؤها عنده، قال - صلى اللّه عليه و آله و سلم - يا حبيبتى لا تبكين، فنحن أهل بيت أعطانا اللّه سبع خصال لم يعطها قبلنا و لا يعطها أحد بعدنا، و ساق الحديث مع اختلاف فى الالفاظ.
3- هذا المعنى مما تواتر عند العامة و الخاصة، فممن رواه من العامة: الشبلنجى فى «نور الابصار» ص 170 عن على - عليه السلام - و أبى سعيد الخدرى، و القندوزى فى ينابيع المودة ص 431 عن أبى سعيد الخدرى. و رواه من الخاصة جمع لا يحصى فى كتب الغيبة و غيرها، روى فى البحار ج 51 ص 67 /ح 6 باسناده عن أبى أيوب الانصارى قال: قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه و آله - لفاطمة فى مرضه: و الذى نفسى بيده لا بد لهذه الامة من مهدى، و هو و اللّه ولدك.

قالت فاطمة عليها السّلام: يا رسول اللّه، فأي هؤلاء الذين سميت أفضل ؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: أخي علي أفضل امتي(1) ، و حمزة و جعفر أفضل امتي بعد علي و بعدك و بعد ابنيّ و سبطي الحسن و الحسين و بعد ابني الاوصياء من ولد ابني هذا - و أشار رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله الى الحسين عليه السّلام - منهم المهدي، و الذي قبله أفضل منه، الاول خير من الاخر، لانه امامه و الاخر وصي الاول، انا أهل بيت اختار اللّه لنا الاخرة على الدنيا، ثم نظر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله الى فاطمة و الى بعلها و الى ابنيها، فقال: يا سلمان اشهد اللّه أني حرب لمن حاربهم، و سلم لمن سالمهم(2) ، أما انهم معي في الجنة،

ص: 19


1- روى هذا المعنى من العامة العلامة الامر تسرى فى كتابه «ارجح المطالب» ص 678.
2- أخرج أحمد بن حنبل فى مسنده عن ابى هريرة، قال: نظر النبى (ص) الى على و الحسن و الحسين و فاطمة فقال: أنا حرب لمن حاربكم و سلم لمن سالمكم. و أخرج هذا الحديث بعينه متنا و سندا جمع كثير من المحدثين من العامة، منهم: الحاكم النيشابورى فى المستدرك ج 3 ص 149، و العلامة الطبراني في «المعجم الكبير» ص 130، و ابن كثير في «البداية و النهاية» ج 8 ص 205، و الذهبى فى تاريخ الاسلام ج 3 ص 8، و الخطيب البغدادى فى «تاريخ بغداد» ج 7 ص 136 و ابن المغازلى فى المناقب و المتقى الهندى فى «منتخب كنز العمال» ج 5 ص 92، و الذهبى فى «سير أعلام النبلاء» ج 2 ص 91، و الكنجى الشافعى فى «كفاية الطالب» ص 189، و ابن عساكر فى تاريخه ج 4 ص 207 و ابن كثير فى «البداية و النهاية» ج 8 ص 36، و غيرهم من علماء العامة كثير. و اخرجه من الخاصة المجلسي (قده) فى البحار ج 37 ص 42 ح 18 عن زيد بن ارقم قال: خرج رسول اللّه (ص) و اذا على و فاطمة و الحسن و الحسين - عليهم السلام - فقال: أنا حرب لمن حاربكم و سلم لمن سالمكم. و أخرج عن الصادق عن ابائه عليهم السلام مثله مع اختلاف يسير ص 47 ح 23 من نفس المجلد.

ثم أقبل النبي صلّى اللّه عليه و آله على علي عليه السّلام فقال: يا علي انك ستلقى من قريش شدة من تظاهرهم عليك و ظلمهم لك(1) ، فان وجدت أعوانا فجاهدهم، فقاتل من خالفك بمن وافقك، فان لم تجد أعوانا فاصبر، و اكفف يدك، و لا تلق بيدك إلى التهلكة(2) ، فانك مني بمنزلة هارون من موسى(3) ، و لك بهارون اسوة حسنة، انه قال لاخيه

ص: 20


1- أخرج البخارى فى «التاريخ الكبير» ج 1 قسم 2 ص 174 عن ثعلبة بن يزيد الحمانى قال: قال النبى - صلى اللّه عليه و آله - لعلى: أن الامة ستغدر بك و لا يتابع عليه. و أخرج قريبا منه جماعة عن على - عليه السلام - منهم الحافظ الدولابى فى «الكنى و الاسماء» ج 1 ص 104، و الخطيب البغدادى فى تاريخ بغداد ج 11 ص 216 و ابن أبى الحديد المعتزلى فى «شرح النهج» ج 3 ص 66 و الحاكم فى المستدرك أخرجه عن ابن عباس قال: قال النبى - صلى اللّه عليه و آله - لعلى: أما انك ستلقى بعدى جهدا، ج 3 ص 140 من المستدرك. و من الخاصة أخرج المجلسى فى البحار ج 22 ص 493 عن موسى بن جعفر عن أبيه - عليهما السلام - حديثا طويلا فيه.. قال: يا على ما أنت صانع لو قد تأمر القوم عليك بعدى و تقدموا عليك و بعث اليك طاغيتهم يدعوك الى البيعة، ثم لببت بثوبك تقادكما يقاد الشارد من الابل.
2- أخرج القندوزى فى ينابيع المودة ص 182 عن أبى يعلى الموصلى قال: قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه و آله -: يا على انك ستبلى بعدى فلا تقاتلن.
3- أخرج أحمد بن حنبل فى مسنده عن سعد بن أبى وقاص عن النبى - صلى اللّه عليه و آله - أنه قال لعلى: «أما ترضى ان تكون منى بمنزلة هارون من موسى». و أورده جماعة من القوم منهم: ابن هشام فى «السيرة» ج 2 ص 520، و البخارى فى صحيحه ج 5 ص 19 و الطيالسى فى مسنده ج 28 ص 205، و غيرهم. و من الخاصة أخرجه المجلسى فى البحار ج 28 ص 95 عن جابر الانصارى قال: لقد سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله يقول: ان فى على خصالا لو كانت واحدة منها فى جميع الناس لاكتفوا بها فضلا: قوله - صلى اللّه عليه و آله -: من كنت مولاه فعلى مولاه، و قوله صلى اللّه عليه و آله -: على منى كهارون من موسى. كما أورد حديث أبى بن كعب مع المهاجرين قال: أو لستم تعلمون أن رسول اللّه قال: يا على أنت منى بمنزلة هارون من موسى طاعتك واجبة على من بعدى ؟! البحار ج 38 ص 123 ح 71. و أورد عن ابن عباس قال: كنت مع معاوية و قد نزل بذى طوى فجاءه سعد بن أبى وقاص فسلم عليه... و ساق الحديث و ما جرى بينهما حتى قال سعد: و الثالثة خلفه فى بعض مغازيه، فقال على عليه السلام: يا رسول اللّه خلفتنى مع النساء و الصبيان ؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: أما ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى الا أنه لا نبى بعدى ؟ البحار ج 38 ص 131 ذ ح 82.

موسى: ان القوم استضعفوني و كادوا يقتلونني(1).

حديث الحدائق السبعة

(2) قال سليم: و حدثني علي بن أبي طالب عليه السّلام انه قال: كنت أمشي مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في بعض طرق المدينة: فأتينا على حديقة، فقلت: يا رسول اللّه، ما أحسنها من حديقة! قال صلّى اللّه عليه و آله: ما أحسنها و لك في الجنة أحسن منها، ثم أتينا على حديقة اخرى، فقلت: يا رسول اللّه، ما أحسنها من حديقة! قال صلّى اللّه عليه و آله: ما أحسنها و لك في الجنة أحسن منها، حتى أتينا على سبع حدائق، اقول: يا رسول اللّه ما أحسنها، و يقول: لك في الجنة أحسن منها.

ص: 21


1- أورد هذا الخبر بكامله - من قوله: «قال سليم: سمعت سلمان يقول: كنت جالسا بين يدى رسول اللّه، حتى قوله: و كادوا يقتلوننى» - محمد بن بابويه الصدوق رحمه اللّه فى كتابه (اكمال الدين و اتمام النعمة) ص 264 دح 10 نقلا عن محمد بن الحسن بن الوليد، قال: حدثنا محمد بن الحسن الصفار، عن يعقوب بن يزيد، عن حماد بن عيسى، عن عمر ابن أذينة، عن أبان بن أبى عياش، عن ابراهيم بن عمر اليمانى، عن سليم بن قيس، قال: سمعت سلمان الفارسى يقول: و أورد الخبر.

فلما خلا له الطريق اعتنقني، ثم أجهش باكيا، و قال: بأبي الوحيد الشهيد، فقلت: يا رسول اللّه ما يبكيك ؟! فقال: ضغائن في صدور أقوام لا يبدونها لك الا من بعدي، أحقاد بدر و ترات احد، قلت: في سلامة من ديني ؟ قال: في سلامة من دينك(1) ، فابشر يا علي، فان حياتك و موتك معي، و أنت أخي و أنت وصيي، و أنت صفيي، و وزيري(1_)، و وارثي(2) ، و المؤدي عني، و أنت تقضي ديني،

ص: 22


1- أخرج العلامة أخطب خطباء خوارزم في «المناقب» ص 37 باسناده عن أبى عثمان النهدى عن على بن أبى طالب - عليه السلام - قال: كنت أمشى مع النبي صلى اللّه عليه و آله فى بعض طرق المدينة فأتينا على حديقة، فقلت: يا رسول اللّه، ما أحسن هذه الحديقة ؟ فقال: ما أحسنها، و لك فى الجنة أحسن منها، ثم أتينا على حديقة أخرى، فقلت: يا رسول اللّه، ما أحسنها من حديقة ؟! فقال: لك فى الجنة أحسن منها، حتى أتينا على سبعة حدائق، أقول: يا رسول اللّه ما أحسنها، فيقول: لك فى الجنة أحسن منها، فلما خلا له الطريق اعتنقنى و أجهش باكيا، فقلت: يا رسول اللّه ما يبكيك ؟ فقال: ضغائن فى صدور أقوام لا يبدونها لك الا بعد وفاتى، فقلت: فى سلامة من دينى ؟ قال: فى سلامة من دينك. انتهى. و أورد مثله جماعة، منهم: سبط ابن الجوزى فى «تذكرة الخواص» ص 51 مع اختلاف يسير، و العلامة الكنجى الشافعى فى «كفاية الطالب» ص 72، و الطبرى فى «الرياض النضرة» ص 210، و فى «ذخائر العقبى» ص 90، و الحموينى فى «فرائد السمطين» ج 1 ص 152 و الذهبى فى «ميزان الاعتدال» ج 2 ص 331؛ و الشبلنجى فى «نور الابصار» ص 72؛ و العلامة الامر تسرى فى «أرجح المطالب» ص 664. (1_) أخرج الحافظ ابن مردويه الاصفهانى فى «المسند» - مخطوط -: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله لعلى: يا على أنت أخى و وزيرى و خير من أخلفه بعدى.
2- أخرج ابن المغازلى الواسطى فى كتاب «مناقب أمير المؤمنين» عن عبد اللّه بن بريدة قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: لكل نبى وصى و وارث، و ان وصيى و وارثى على بن أبى طالب.

و تنجز عدتي عني(1) ، و أنت تبرىء ذمتي، و تؤدي أمانتي، و تقاتل على سنتي الناكثين من أمتي و القاسطين و المارقين(2) ، و أنت مني بمنزلة هارون من موسى، و لك بهارون أسوة حسنة اذ استضعفه قومه و كادوا يقتلونه.

فاصبر لظلم قريش اياك و تظاهرهم عليك، فانك بمنزلة هارون من موسى و من تبعه، و هم بمنزلة العجل و من تبعه، و ان موسى أمر هارون حين استخلفه عليهم ان ضلوا فوجد أعوانا أن يجاهدهم بهم، و ان لم يجد أعوانا أن يكف يده و يحقن دمه و لا يفرق بينهم(3).

يا علي، ما بعث اللّه رسولا الا و أسلم معه قوم طوعا و قوم آخرون كرها، فسلط اللّه الذين أسلموا كرها على الذين أسلموا طوعا، فقتلوهم ليكون أعظم لاجورهم.

يا علي، و انه ما اختلفت امة بعد نبيها الاظهر أهل باطلها على أهل حقها، و ان اللّه قضى الفرقة و الاختلاف على هذه الامة و لو شاء لجعلهم على الهدى حتى لا يختلف اثنان من خلقه، و لا يتنازع في شيء من أمره، و لا يجحد المفضول ذا الفضل فضله،

ص: 23


1- أخرج العلامة جمال الدين الزرندى الحنفى فى «نظم درر السمطين» عن عباية عن على - عليه السلام - قال: قال النبى صلى اللّه عليه و آله: على يقضى دينى، و ينجز موعدى، و خير من أخلف بعدى من أهلى.
2- روى الذهبى فى «ميزان الاعتدال» ج 1 ص 26 ط القاهرة عن أبى أيوب عن النبى صلى اللّه عليه و آله: انه أمرنا بقتال الناكثين و القاسطين و المارقين، قلت: يا رسول اللّه مع من ؟ قال: مع على بن أبى طالب.
3- أخرج العلامة اخطب خطباء خوارزم الموفق بن أحمد فى «المناقب» ص 35 ط تبريز، عن عبد الرحمن بن أبى ليلى فى حديث طويل عن النبى - صلى اللّه عليه و آله - أنه قال لعلى - عليه السلام -: «اتق الضغائن التى فى صدور من لا يظهرها الا بعد موتى...».

و لو شاء عجل النقمة فكان منه التغيير حتى يكذب(1) الظالم و يعلم الحق أين مصيره، و لكن جعل الدنيا دار الاعمال، و جعل الاخرة دار القرار، ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا و يجزي الذين أحسنوا بالحسنى، فقلت: الحمد للّه شكرا على نعمائه و صبرا علي بلائه، و تسليما و رضى بقضائه.

تغسيل النبى صلى اللّه عليه و آله و تحنيطه و تكفينه

تغسيل النبى صلى اللّه عليه و آله و تحنيطه و تكفينه(2) و عن سليم بن قيس، قال: سمعت البراء بن عازب(3) يقول: كنت احب بني هاشم حبا شديدا في حياة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و بعد وفاته، فلما قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أوصى عليا عليه السّلام أن لا يلي غسله غيره، و أنه لا ينبغي لاحد أن يرى عورته غيره، و أنه ليس أحد يرى عورة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله الا ذهب بصره، فقال علي عليه السّلام: يا رسول اللّه، فمن يعينني على غسلك ؟ قال: جبرئيل في جنود من الملائكة.

فكان علي عليه السّلام يغسله و الفضل بن العباس مربوط العينين يصب الماء و الملائكة يقلبونه كيف شاء، و لقد أراد علي عليه السّلام أن ينزع قميص رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فصاح به صائح: لا تنزع قميص نبيك يا علي، فأدخل يده تحت القميص فغسله ثم حنطه و كفنه، ثم نزع القميص عند تكفينه و تحنيطه(4).

ص: 24


1- يكذب بصيغة المجهول و كذلك (يعلم).
2- روى العلامة محمد بن أحمد الحنفى الموصلى الشهير بابن حسنويه فى كتابه «در بحر المناقب» ص 74 - مخطوط - حديثا طويلا فيه أن عليا عليه السلام قال: أم هل فيكم من غمض عينى رسول اللّه غيرى ؟ أم هل فيكم من وضع رسول اللّه فى حفرته غيرى ؟
3- البراء بن عازب الانصارى الخزرجى، أبو عامر؛ من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و من أصحاب على - عليه السلام - كما فى رجال الشيخ؛ وعده البرقى من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و من الاصفياء من أصحاب أمير المؤمنين. راجع معجم رجال الحديث ج 3 ص 269 للسيد الخوئى.
4- روى العلامة محمد بن أحمد الحنفى الموصلى الشهير بابن حسنويه فى كتابه «در بحر المناقب» ص 74 - مخطوط - حديثا طويلا فيه أن عليا عليه السلام قال: أم هل فيكم من غمض عينى رسول اللّه غيرى ؟ أم هل فيكم من وضع رسول اللّه فى حفرته غيرى

ما جرى بعد وفاة النبى صلى اللّه عليه و آله من أمر البيعة

(3) قال البراء بن عازب(1): فلما قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله تخوفت أن تتظاهر قريش على اخراج هذا الامر من بني هاشم، فلما صنع الناس ما صنعوا من بيعة أبي بكر، أخذني ما يأخذ الواله الثكول مع ما بي من الحزن لوفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فجعلت أتردد و أرمق وجوه الناس، و قد خلا الهاشميون برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لغسله و تحنيطه، و قد بلغني الذي كان من قول سعد بن عبادة و من اتبعه من جملة أصحابه فلم أحفل بهم و علمت أنه لا يؤول الى شيء.

فجعلت أتردد بينهم و بين المسجد و أتفقد وجوه قريش، فاني لكذلك اذ فقدت أبا بكر و عمر، ثم لم البث حتى اذا أنا بأبي بكر و عمر و أبي عبيدة قد أقبلوا في أهل السقيفة و هم محتجزون بالازر الصنعانية، لا يمر بهم أحد الا خبطوه، فاذا عرفوه مدوا يده على يد أبي بكر، شاء ذلك أم أبى(2) ، فأنكرت عند ذلك عقلي جزعا منه مع المصيبة برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.

ص: 25


1- ذكر هذه القصة بطولها ابن ابى الحديد المعتزلى فى شرحه لنهج البلاغة، عن البراء بن عازب؛ هذا فى الجزء الاول ص 73 و فى الجزء الثانى ص 132 من طبع مصر و لكن بتغير يسير فى بعض الالفاظ (عن هامش بعض نسخ الكتاب).
2- قال الشيخ المفيد - رحمه اللّه - فى كتابه «الجمل» ص 59: «روى أبو مخنف لوط بن يحيى الازدى عن محمد بن اسحق الكلبى و أبى صالح، و رواه ايضا عن رجاله زائدة بن قدامة، قال: كان جماعة من الاعراب قد دخلوا المدينة ليتماروا منها؛ فشغل الناس عنهم بموت رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله فشهدوا البيعة و حضروا الامر؛ فأنفذ اليهم عمر و استدعاهم و قال لهم: خذوا بالحظ من المعونة على بيعة خليفة رسول اللّه، و اخرجوا الى الناس و احشروهم ليبايعوا، فمن امتنع فاضربوا رأسه و جبينه؛ قال: و اللّه لقد رأيت الاعراب تحزموا و اتشحوا بالازر الصنعانية، و أخذوا بأيديهم الخشب، و خرجوا حتى خبطوا الناس خبطا، و جاءوا بهم مكرهين الى البيعة».

فخرجت مسرعا حتى أتيت المسجد، ثم أتيت بني هاشم و الباب مغلق دونهم فضربت الباب ضربا عنيفا، و قلت: يا أهل البيت، فخرج الي الفضل بن العباس، فقلت: قد بايع الناس أبا بكر، فقال العباس: قد تربت أيديكم منها الى آخر الدهر، أما اني قد أمرتكم فعصيتموني.

فمكثت اكابد ما في نفسي، فلما كان الليل خرجت الى المسجد، فلما صرت فيه تذكرت أني كنت أسمع همهمة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بالقرآن، فانبعثت من مكاني فخرجت نحو الفضاء - فضاء بني بياضة - فوجدت نفرا يتناجون، فلما دنوت منهم سكتوا فانصرفت عنهم فعرفوني و ما عرفتهم، فدعوني فأتيتهم، فاذا المقداد و أبو ذر و سلمان و عمار بن ياسر و عبادة بن الصامت و حذيفة بن اليمان و الزبير بن العوام، و حذيفة يقول: و اللّه ليفعلن ما أخبرتكم به، فو اللّه ما كذبت و لا كذبت.

و اذا القوم يريدون أن يعيدوا الامر شورى بين المهاجرين و الانصار، فقال حذيفة: انطلقوا بنا الى أبي بن كعب، فقد علم مثل ما علمت.

فانطلقنا الى أبي بن كعب، فضربنا عليه بابه، فأتى حتى صار خلف الباب، ثم قال: من أنتم ؟ فكلمه المقداد، فقال: ما جاء بك ؟ فقال: افتح، فان الامر الذي جئنا فيه أعظم من أن يجري وراء الباب، فقال: ما أنا بفاتح بابي و قد علمت ما جئتم له، و ما أنا بفاتح بابي، كأنكم أردتم النظر في هذا العقد؟ فقلنا: نعم! فقال: أفيكم حذيفة ؟ فقلنا: نعم، قال: القول ما قال حذيفة، فأما أنا فلا أفتح بابي، حتى يجري علي ما هو جار عليه، و لما يكون بعدها شر منها، و الى اللّه جل ثناؤه المشتكى، قال:

فرجعوا، ثم دخل ابي بن كعب بيته.

قال: و بلغ أبا بكر و عمر الخبر، فأرسلا الى أبي عبيدة بن الجراح و المغيرة ابن شعبة، فسألاهما الرأي، فقال المغيرة بن شعبة: ارى أن تلقوا العباس بن عبد المطلب، فتطمعوه في أن يكون له في هذا الامر نصيب يكون له و لعقبه بعده،

ص: 26

فتقطعوا عنكم بذلك ناحية علي بن أبي طالب، فان العباس بن عبد المطلب لو صار معكم كانت الحجة على الناس، و هان عليكم أمر علي بن أبي طالب وحده.

قال: فانطلق أبو بكر و عمر و أبو عبيدة بن الجراح حتى دخلوا على العباس بن عبد المطلب في اللية الثانية من وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.

قال: فتكلم أبو بكر، فحمد اللّه - جل و عز - و أثنى عليه، ثم قال: ان اللّه بعث لكم محمدا نبيا، و للمؤمنين وليا، فمن اللّه عليهم بكونه بين ظهرانيهم، حتى اختار له ما عنده و ترك للناس أمرهم ليختاروا لانفسهم مصلحتهم متفقين لا مختلفين، فاختاروني عليهم واليا و لامورهم راعيا، فتوليت ذلك و ما أخاف بعون اللّه وهنا و لا حيرة و لا جبنا، و ما توفيقي الا باللّه، غير أني لا أنفك من طاعن يبلغني فيقول بخلاف قول العامة، فيتخذكم لجا، فتكونوا حصنه المنيع، و خطبه البديع، فاما دخلتم مع فيما اجتمعوا عليه، أو صرفتموهم عما مالوا اليه، فقد جئناك و نحن نريد أن نجعل لك في هذا الامر نصيبا يكون لك و لعقبك من بعدك، اذ كنت عم رسول اللّه و ان كان الناس أيضا قد رأوا مكانك و مكان صاحبك، فعدلوا بهذا الامر عنكما.

فقال عمر(1): اي و اللّه، و اخرى يا بني هاشم على رسلكم، فان رسول اللّه منا و منكم، و لم نأتك لحاجة منا اليكم و لكن كرهنا أن يكون الطعن فيما اجتمع عليه المسلمون، فيتفاقم الخطب بكم و بهم، فانظروا لانفسكم و للعامة.

فتكلم العباس فقال: ان اللّه ابتعث محمدا كما وصفت نبيا، و للمؤمنين وليا، فان كنت برسول اللّه طلبت هذا الامر فحقنا أخذت، و ان كنت بالمؤمنين طلبت فنحن منهم، ما تقدمنا في أمرك، و لا تشارونا، و لا تؤامرنا، و لا نحب لك ذلك، اذ كنا من -

ص: 27


1- فاعترض كلامه عمر و خرج الى مذهبه فى الخشونة و الوعيد و اتيان الامر من أصعب جهاته فقال: اى و اللّه، و اخرى لم نأتكم حاجة اليكم و لكن كرهنا... الخ. (هكذا فى شرح النهج ج 1 ص 84)

المؤمنين و كنا لك من الكارهين.

و أما قولك أن تجعل لي في هذا الامر نصيبا، فان كان هذا الامر لك خاصة فأمسك عليك فلسنا محتاجين اليك، و ان كان حق المؤمنين فليس لك أن تحكم في حقهم، و ان كان حقنا فانا لا نرضى منك ببعضه دون بعض(1).

و أما قولك يا عمر، ان رسول اللّه منا و منكم، فان رسول اللّه شجرة نحن أغصانها و أنتم جيرانها، فنحن أولى به منكم.

و أما قولك انا نخاف تفاقم الخطب بكم، بهذا الذي فعلتموه أوائل ذلك و اللّه مستعان(2).

فخرجوا من عنده و أنشأ العباس يقول:

ما كنت أحسب هذا الامر منحرفا *** عن هاشم ثم منهم عن أبي حسن

أليس أول من صلّى لقبلتكم *** و أعلم الناس بالاثار و السنن

و أقرب الناس عهدا بالنبي و من *** جبريل عون له بالغسل و الكفن

من فيه ما في جميع الناس كلهم *** و ليس في الناس ما فيه من الحسن

من ذا الذي ردكم عنه فنعرفه *** ها ان بيعتكم من أول الفتن

ص: 28


1- - و ما أقول هذا أروم صرفك عما دخلت فيه، و لكن للحجة نصيبها من البيان، و أما قولك... الخ. (هذه الزيادة فى شرح النهج ج 1 ص 74)
2- روى هذه الابيات الجوينى فى فرائد السمطين و نسبها الى العباس مع اختلاف يسير فى بعض الالفاظ، راجع ج 2 ص 82؛ و الذى فى تاريخ اليعقوبي و غيره ان عتبة بن أبى لهب هو الذى انشد هذه الابيات، راجع ج 2 ص 103 ط النجف. و روى الشيخ المفيد «ره»، فى «الجمل» ان عبد اللّه بن ابى سفيان بن الحارث بن عبد المطلب كان خارجا عن المدينة فدخلها و قد بايع الناس ابا بكر فوقف فى وسط المسجد و انشأ يقول: ما كنت أحسب هذا الامر منتقلا... عن هاشم ثم منها عن أبى حسن... الابيات. راجع ص 58.

حديث سلمان عن تغسيل النبى صلى اللّه عليه و آله و احداث السقيفة

(4) و عن أبان بن أبي عياش، عن سليم بن قيس، قال: سمعت سلمان الفارسي قال: لما أن قبض النبي صلّى اللّه عليه و آله و صنع الناس ما صنعوا، جاء أبو بكر و عمر و أبو عبيدة بن الجراح، فخاصموا الانصار فخصموهم بحجة علي عليه السّلام.

فقالوا: يا معشر الانصار، قريش أحق بالامر منكم لان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله من قريش، و المهاجرون خير منكم، لان اللّه بدأ بهم في كتابه و فضلهم، و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: الائمة من قريش.

و قال سلمان(1): فأتيت عليا عليه السّلام و هو يغسل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و قد كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أوصى عليا عليه السّلام أن لا يلي غسله غيره(2) ، فقال: يا رسول اللّه من يعينني على ذلك ؟ فقال: جبرائيل، فكان علي عليه السّلام لا يريد عضوا الا قلب له.

فلما غسله و حنطه و كفنه، أدخلني، فأدخل أبا ذر و المقداد و فاطمة و الحسن و الحسين عليهم السّلام فتقدم علي عليه السّلام وصفنا خلفه، و صلى عليه، و عائشة في الحجرة لا تعلم، قد أخذ اللّه ببصرها!.

ثم أدخل عشرة من المهاجرين و عشرة من الانصار، فكانوا يدخلون و يدعون و يخرجون حتى لم يبق أحد شهد من المهاجرين و الانصار الا صلى عليه.

ص: 29


1- اورد الطبرسى فى الاحتجاج ج 1 ص 105 هذه الرواية من هذا الموضع و حتى قوله: «حذو النعل بالنعل، شبرا بشبر، و ذراعا بذراع، و باعا بباع». مع اختلاف يسير فى الالفاظ.
2- روى العلامة البدخشى فى «مفتاح النجا» ص 64 مخطوط، عن أبى سعيد حديثا فيه: قال النبى (ص) لعلى (ع): «يا على أنت تغسل جثتى، و تؤدى دينى، و توارينى فى حفرتى... الخ.»

قال سلمان الفارسي: فأخبرت عليا عليه السّلام و هو يغسل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بما صنع القوم، و قلت: ان أبا بكر الساعة لعلى منبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ما يرضون يبايعونه بيد واحدة، و انهم ليبايعونه بيديه جميعا بيمينه و شماله.

فقال علي عليه السّلام: يا سلمان و هل تدري من أول من بايعه على منبر رسول اللّه ؟! قلت: لا، الا أني رأيته في ظلة بني ساعدة حين خصمت الانصار، و كان أول من بايعه المغيرة بن شعبة، ثم بشير بن سعيد، ثم أبو عبيدة بن الجراح، ثم عمر بن الخطاب، ثم سالم مولى أبي حذيفة و معاذ بن جبل.

قال عليه السّلام: لست أسألك عن هؤلاء، و لكن تدري من أول من بايعه حين صعد المنبر؟! قلت: لا، و لكن رأيت شيخا كبيرا يتوكأ على عصاه، بين عينيه سجادة شديدة التشمير، صعد المنبر أول من صعد، و هو يبكي و يقول: الحمد للّه الذي لم يمتني حتى رأيتك في هذا المكان، ابسط يدك، فبسط يده فبايعه، ثم قال: «يوم كيوم آدم!»، ثم نزل فخرج من المسجد.

فقال علي عليه السّلام: يا سلمان أتدري من ؟! قلت: لا، و لقد ساءتني مقالته، كأنه شامت بموت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.

قال علي عليه السّلام: فان ذلك ابليس، أخبرني رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أن ابليس و رؤساء أصحابه شهدوا نصب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله اياي يوم غدير خم بأمر اللّه، و أخبرهم بأني أولى بهم من أنفسهم، و أمرهم أن يبلغ الشاهد الغائب.

فأقبل الى ابليس أبالسته و مردة أصحابه، فقالوا: ان هذه الامة امة مرحومة معصومة، فما لك و لا لنا عليهم سبيل، و قد اعلموا مفزعهم و امامهم بعد نبيهم، فانطلق ابليس كئيبا حزينا.

و قال أمير المؤمنين عليه السّلام: أخبرني رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و قال: يبايع الناس أبا بكر في ظلة بني ساعدة بعد تخاصمهم بحقنا و حجتنا، ثم يأتون المسجد فيكون

ص: 30

أول من يبايعه على منبري ابليس بصورة شيخ كبير مشمر، يقول كذا و كذا، ثم يخرج فيجمع شياطينه و أبالسته فيخرجون(1) سجدا.

فيقولون: يا سيدنا و يا كبيرنا أنت الذي أخرجت آدم من الجنة، فيقول: أي امة لن تضل بعد نبيها(2) ؟! كلا، زعمتم أن ليس لي عليهم سبيل، فكيف رأيتموني صنعت بهم حين تركوا ما أمرهم اللّه به من طاعته و أمرهم به رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و ذلك قوله تعالى:«لَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاّٰ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» (3).

قال سلمان: فلما أن كان الليل حمل علي عليه السّلام فاطمة على حمار، و أخذ بيدي ابنيه الحسن و الحسين عليهما السّلام، فلم يدع أحدا من أهل بدر من المهاجرين و لا من الانصار الا أتاه في منزله(4) ، فذكرهم حقه، و دعاهم الى نصرته، فما استجباب له منهم الا أربعة و أربعون رجلا، فأمرهم أن يصبحوا بكرة محلقين رؤوسهم معهم سلاحهم ليبايعوا على الموت، فأصبحوا فلم يواف منهم أحد الا أربعة، فقلت لسلمان: من الاربعة ؟ فقال: أنا و أبو ذر و المقداد و الزبير بن العوام.

ثم أتاهم علي عليه السّلام من الليلة المقبلة، فناشدهم، فقالوا: نصبحك بكرة، فما منهم أحد أتاه غيرنا، ثم أتاهم الليلة الثالثة، فما أتاه غيرنا.

ص: 31


1- فى بعض النسخ: فيخرون (و هو الانسب).
2- ما بين القوسين ساقط في بعض النسخ.
3- سورة سبأ آية رقم (20).
4- روى المجلسى (قده) فى البحار عن أبى عبد اللّه (ع) حديثا طويلا جاء فيه: قال على (ع): ثم آليت يمينا أن لا ارتدى الا للصلاة حتى أجمع القرآن ففعلت ثم أخذت بيد فاطمة عليها السلام و ابنى الحسن و الحسين فدرت على أهل بدر و أهل السابقة فناشدتهم حقى و دعوتهم الى نصرتى فما أجابنى منهم الا اربعة رهط منهم، سلمان و عمار و المقداد و أبو ذر. راجع البحار ج 8 ص 37. و نقل في نفس المجلد ص 59 عن ابن أبى الحديد المعتزلى قال: «و من كلام معاوية المشهور الى على: «و عهدتك أمس تحمل قعيدة بيتك ليلا على حمار و يداك فى يدى ابنيك حسن و حسين يوم بويع أبو بكر فلم تدع أحدا من أهل بدر و السوابق الا دعوتهم الى نفسك». و روى العلامة ابن قتيبة في «الامامة و السياسة» ج 1 ص 12 ط القاهرة، قال: خرج على كرم اللّه وجهه يحمل فاطمة بنت رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم على دابة ليلا فى مجالس الانصار تسألهم النصرة».

جمع عليّ عليه السّلام القرآن

فلما رأى غدرهم و قلة وقائهم(1) له لزم بيته(2)روى فى البحار ج 8 ص 44 عن عمر بن أبى المقدام، عن أبيه، عن جده قال: ما أتى على على يوم قط أعظم من يومين أتياه، فأما أول يوم فيوم قبض رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم، و أما اليوم الثانى فو اللّه انى لجالس فى سقيفة بنى ساعدة عن يمين أبى بكر و الناس يبايعونه اذ قال له عمر: يا هذا ليس فى يديك شىء منه ما لم يبايعك على فابعث اليه حتى يأتيك فيبايعك فانما هؤلاء رعاع، فبعث اليه قنفذا... الخ»، حتى قال: «و ذهب اليه قنفذ فما لبث أن رجع فقال: قال لك: ان رسول اللّه قال لى و أوصانى اذا و اريته فى حفرته لا أخرج من بيتى حتى اؤلف كتاب اللّه فانه فى جرائد النخل و فى اكتاف الابل».(3) و أقبل على القرآن يؤلفه و يجمعه، فلم يخرج من بيته حتى جمعه، و كان في الصحف و الشظاظ(4) و الاسيار و الرقاع.

فلما جمعه كله و كتبه بيده، تنزيله و تأويله، و الناسخ منه و المنسوخ، بعث اليه أبو بكر أن أخرج فبايع(4) ، فبعث اليه علي عليه السّلام: اني لمشغول، و قد آليت على نفسي يمينا أن لا أرتدي رداءا الا للصلاة حتى اؤلف القرآن و أجمعه.

فسكتوا عنه أياما، فجمعه في ثوب واحد و ختمه، ثم خرج الى الناس و هم مجتمعون مع أبي بكر في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فنادى علي عليه السّلام بأعلى صوته: أيها

ص: 32


1- الظاهر: وفائهم.
2- تقدم فى الحاشية رقم
3- الحديث عن ابان عن الصادق عليه السلام اذ يقول أمير المؤمنين عليه السلام: ثم آليت يمينا ان لا ارتدى الا للصلاة حتى أجمع القرآن.
4- الاصح الاشظاظ و هى العيدان المتفرقة، يقال طاروا أشظاظا أى تفرقوا. (راجع أقرب الموارد).

الناس اني لم أزل منذ قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله مشغولا بغسله، ثم بالقرآن حتى جمعته كله في هذا الثوب الواحد، فلم ينزل اللّه على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله آية الا و قد جمعتها و ليست منه آية الا و قد أقرأنيها رسول اللّه و علمني تأويلها(1).

ثم قال لهم علي: لئلا تقولوا غدا انا كنا عن هذا غافلين، ثم قال لهم علي عليه السّلام: لا تقولوا يوم القيامة اني لم أدعكم الى نصرتي، و لم أذكركم حقي، و لم أدعكم الى كتاب اللّه من فاتحته الى خاتمته.

فقال له عمر: ما أغنانا بما معنا من القرآن عما تدعونا اليه، ثم دخل علي عليه السّلام بيته.

دعوة القوم عليا عليه السلام الى البيعة و امتناعه

و قال عمر لابي بكر: أرسل الى علي فليبايع فانا لسنا في شيء حتى يبايع، و لو قد بايع أمناه(2).

ص: 33


1- روى العلامة الهروى فى «الاربعين حديثا» - مخطوط - عن على عليه السلام أنه قال: و الذى فلق الحبة و برأ النسمة لو سألتمونى عن آية آية، فى ليل انزلت او نهار انزلت، مكيها و مدنيها، و سفريها و حضريها، و ناسخها و منسوخها، و محكمها و متشابهها، و تأويلها و تنزيلها، لاخبرتكم بها.
2- تقدمت رواية عمر بن أبى المقدام التى رواها العلامة المجلسى فى البحار ج 8 ص 44 حيث جاء فيها: «اذ قال عمر: يا هذا ليس فى يديك شىء منه ما لم يبايعك على فابعث اليه حتى يأتيك فيبايعك فانما هؤلاء رعاع، فبعث اليه قنفذا فقال له: اذهب فقل لعلى: اجب خليفة رسول اللّه فذهب قنفذ فما لبث ان رجع فقال لابى بكر: قال لك: ما خلف رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم أحدا غيرى؛ قال: ارجع اليه فقل: أجب فان الناس قد أجمعوا على بيعتهم اياه، و هؤلاء المهاجرون و الانصار يبايعونه و قريش، و انما أنت رجل من المسلمين، لك ما لهم و عليك ما عليهم؛ و ذهب اليه قنفذ فما لبث أن رجع فقال: قال لك: ان رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم قال لى و أوصانى اذا واريته فى حفرته لا أخرج من بيتى حتى اؤلف كتاب اللّه.» الحديث.

فأرسل اليه أبو بكر: أجب خليفة رسول اللّه، فأتاه الرسول فقال له ذلك، فقال له علي عليه السّلام: سبحان اللّه! ما أسرع ما كذبتم على رسول اللّه، انه ليعلم و يعلم الذين حوله أن اللّه و رسوله لم يستخلفا غيري، و ذهب الرسول فأخبره بما قال له، قال: اذهب فقل له: أجب أمير المؤمنين أبا بكر، فأتاه فأخبره بما قال، فقال علي عليه السّلام:

سبحان اللّه! ما و اللّه طال العهد فينسى، و اللّه انه ليعلم أن هذا الاسم لا يصلح الا لي، و لقد أمره رسول اللّه و هو سابع سبعة، فسلموا علي بامرة المؤمنين، فاستفهم هو و صاحبه عمر من بين السبعة، فقالوا: أمن اللّه و رسوله ؟! فقال لهما رسول اللّه: نعم حقا من اللّه و رسوله انه أمير المؤمنين(1) ، و سيد المسلمين(2) ، و صاحب لواء الغر

ص: 34


1- روى الحافظ ابن مردويه فى المناقب على ما فى مناقب عبد اللّه الشافعى ص 30 - مخطوط - عن عبد اللّه بن عباس قال: «دخل على على النبى صلى اللّه عليه و آله و عنده عائشة فجلس بين النبى و عائشة، فقالت: ما كان لك مجلس غير فخذى ؟! فضرب النبى صلى اللّه عليه و آله على ظهرها و قال: مه، لا تؤذينى فى أخى، فانه أمير المؤمنين و سيد المسلمين.» الحديث. و روى الحافظ أبو بكر البغدادى فى تاريخ بغداد ج 13 ص 122 ط السعادة بمصر حديثا فيه: «ينادى ملك: هذا على بن أبى طالب أمير المؤمنين، امام المتقين....»
2- روى الحافظ السخاوى فى «المقاصد الحسنة» ص 94 ط محمد امين الخانجى بمصر عن الديلمى حديثا فيه: «يا على انك لسيد المسلمين».

المحجلين(1) ، يقعده اللّه عز و جل يوم القيامة على الصراط، فيدخل أولياءه الجنة و أعداءه النار، فانطلق الرسول فأخبره بما قال، قال: فسكتوا عنه يومهم ذلك.

فلما كان الليل حمل علي فاطمة عليها السّلام على حمار، و أخذ بيدي ابنيه الحسن و الحسين عليهما السّلام فلم يدع أحدا من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله الا أتاه في منزله، فناشدهم اللّه حقه و دعاهم الى نصرته، فما استجاب منهم رجل غيرنا الاربعة، فانا حلقنا رؤسنا، و بذلنا له نصرتنا - و كان الزبير أشدنا بصيرة فى نصرته - فلما رأى علي عليه السّلام خذلان الناس اياه، و تركهم نصرته، و اجتماع كلمتهم مع أبي بكر، و تعظيمهم اياه، لزم بيته.

فقال عمر لابي بكر: ما يمنعك أن تبعث اليه فيبايع ؟! فانه لم يبق أحد الا قد بايع غيره و غير هؤلاء الاربعة.

و كان أبو بكر أرق الرجلين، و أرفقهما، و أدهاهما، و أبعدهما غورا، و الاخر أفظهما، و أغلظهما، و أجفاهما.

ارسال قنفذ الى علي عليه السلام يدعوه للبيعة

فقال له أبو بكر: من نرسل اليه ؟ فقال عمر: نرسل اليه قنفذا - و هو رجل فظ، غليظ، جاف، من الطلقاء، أحد بني عدي بن كعب -، فأرسله و أرسل معه أعوانا و انطلق، فاستأذن على علي عليه السّلام فأبى أن يأذن لهم، فرجع أصحاب قنفذ الى أبي بكر و عمر - و هما جالسان في المسجد و الناس حولهما - فقالوا: لم يؤذن لنا، فقال عمر: اذهبوا! فان أذن لكم، و الا فادخلوا بغير اذن.

ص: 35


1- روى الحاكم النيسابورى فى «المستدرك» ج 3 ص 137 ط حيدرآباد دكن عن النبى - صلى اللّه عليه و آله - قال: «اوحى الى فى على ثلاث: انه سيد المسلمين، و امام المتقين، و قائد الغر المحجلين.» قال الحاكم: هذا حديث صحيح الاسناد.

فانطلقوا فاستأذنوا. فقالت فاطمة عليها السّلام: احرج عليكم أن تدخلوا عليّ بيتي بغير اذن، فرجعوا، و ثبت قنفذ الملعون، فقالوا: ان فاطمة قالت كذا و كذا، فتحرجنا ان ندخل بيتها بغير اذن، فغضب عمر و قال: ما لنا و للنساء.

جمع الحطب على باب عليّ عليه السلام و احراقه

ثم أمر اناسا حوله أن يحملوا الحطب، فحملوا الحطب، و حمل معهم عمر، فجعلوه حول منزل علي و فاطمة و ابناها، ثم نادى عمر حتى أسمع عليا عليه السّلام و فاطمة: و اللّه لتخرجن يا علي، و لتبايعن خليفة رسول اللّه، و الا أضرمت عليك النار(1) ، فقالت فاطمة عليها السّلام: يا عمر ما لنا و لك ؟! فقال: افتحي الباب و الا أحرقنا عليكم بيتكم، فقالت: يا عمر أما تتقي اللّه، تدخل علي بيتي ؟!

ضرب الزهراء سلام اللّه عليها في جنبها و ذراعها

فأبى أن ينصرف، و دعا عمر بالنار فأضرمها في الباب، ثم دفعه فدخل(2) ،

ص: 36


1- روى فى البحار عن ابن ابى الحديد قال: «روى أحمد بن عبد العزيز الجوهرى قال: لما بويع لابى بكر كان الزبير و المقداد يختلفان فى جماعة من الناس الى على عليه السلام و هو فى بيت فاطمة» حتى قال: «قال عمر: و أيم اللّه ما ذاك بمانعى ان اجتمع هؤلاء النفر عندك ان آمر بتحريق البيت عليهم.» البحار ج 8 ص 59، السقيفة و فدك. و روى ابن أبى الحديد نقلا عن السقيفة للجوهرى قال: «حدثنى ابو زيد عمرو بن شيبة عن رجاله قال: جاء عمر الى بيت فاطمة فى رجال من الانصار و نفر قليل من المهاجرين فقال: و الذى نفسى بيده لتخرجن الى البيعة او لاحرقن البيت عليكم». و فى العقد الفريد لابن عبد ربه الاندلسى ج 2 ص 252 جاء: «ان عمر بن الخطاب جاء الى بيت فاطمة بقبس من نار يريد أن يحرقه على من فيه فخرجت اليه فاطمة عليها السلام تقول: يا ابن الخطاب جئت لتحرق دارنا؟! قال: نعم».
2- فى البحار ج 8 ص 44 من حديث ابن أبى المقدام المتقدم قال: «فرأتهم فاطمة - عليها السلام -... اغلقت الباب فى وجوههم و هى لا تشك أن لا يدخل عليها الا باذنها، فضرب عمر الباب برجله فكسره.

فاستقبلته فاطمة عليها السّلام و صاحت: يا أبتاه، يا رسول اللّه! فرفع عمر السيف و هو في غمده فوجأ به جنبها، فصرخت: يا أبتاه! فرفع السوط فضرب به ذراعها، فنادت:

يا رسول اللّه! لبئس ما خلفك أبو بكر و عمر(1).

فوثب علي عليه السّلام فأخذ بتلابيبه، ثم نتره فصرعه، و وجأ أنفه و رقبته، و هم بقتله فذكر قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و ما أوصاه به، فقال: و الذي كرم محمدا بالنبوة يا ابن صهاك(2) ، لو لا كتاب من اللّه سبق، و عهد عهده الي رسول اللّه، لعلمت أنك لا تدخل بيتي!

فأرسل عمر يستغيث، فأقبل الناس حتى دخلوا الدار، و ثار علي عليه السّلام الى سيفه، فرجع قنفذ الى أبي بكر و هو يتخوف أن يخرج علي عليه السّلام بسيفه لما قد عرف من بأسه و شدته، فقال أبو بكر لقنفذ: ارجع، فان خرج، و الا فاقتحم عليه بيته، فان امتنع فاضرم عليهم بيتهم النار.

ضرب قنفذ فاطمة عليها السلام بالسوط

فانطلق قنفذ الملعون فاقتحم هو و أصحابه بغير اذن، و ثار علي عليه السّلام الى سيفه، فسبقوه اليه، و كاثروه و هم كثيرون، فتناول بعض سيوفهم فكاثروه، فألقوا في

ص: 37


1- روى الجوينى فى فرائد السمطين ج 34/2 عن ابن عباس حديثا طويلا عن النبى - صلى اللّه عليه و آله - فيه: و أما ابنتى فاطمة فانها سيدة نساء العالمين...، حتى قال - صلى اللّه عليه و آله -: و انى لما رأيتها ذكرت ما يصنع بها بعدى، كأني بها و قد دخل الذل بيتها، و انتهكت حرمتها، و غصب حقها، و منعت ارثها، و كسر جنبها، و أسقطت جنينها، و هى تنادى: يا محمداه! فلا تجاب، و تستغيث و لا تغاث... الخ.».
2- روى فى البحار ج 8 ص 37 حديثا عن الصادق عليه السلام فيه أن عليا (ع) قال لعمر: «يا ابن صهاك الحبشية لو لا كتاب من اللّه سبق، و عهد من رسول اللّه (ص) تقدم لاريتك أينا أضعف ناصرا و أقل عددا».

عنقه حبلا(1) و حالت بينهم و بينه فاطمة عليها السّلام عند باب البيت، فضربها قنفذ الملعون بالسوط، فماتت حين ماتت و إن في عضدها كمثل الدملج(2) من ضربته لعنه اللّه.

ص: 38


1- نقل ابن أبى الحديد عن السقيفة للجوهرى حديثا اوردنا بعضه و فى آخره: «ثم أخرجهم بتلابيهم يساقون سوقا عنيفا حتى بايعوا أبا بكر». و روى فى البحار ج 8 ص 40 حديثا فيه: قال امير المؤمنين مما قال: «حتى قهرونى، و غلبونى على نفسى، و لببونى، و قالوا لي: بايع و الا قتلناك». و فى الحديث الذى أوردناه عن البحار الذى يرويه عن ابن أبى المقدام فيه: «ثم دخلوا فأخرجوا عليا ملببا». و روى فى البحار ج 8 ص 46 حديثا عن أبى جعفر عليه السلام قال: «لما مروا بأمير المؤمنين و فى رقبته حبل الى زريق ضرب أبو ذر بيده على الاخرى فقال: ليت السيوف قد غادرت بأيدينا ثانية...:. الخ». الحديث. و نقل العلامة المجلسى فى ج 8 من البحار ص 59-60 عن ابن أبى الحديد - قال: «فأما حديث التحريق و ما جرى مجراه من الامور الفظيعة و قول من قال: انهم اخذوا عليا (ع) يقاد بعمامته و الناس حوله فأمر بعيد و الشيعة تنفرد به، على أن جماعة من أهل الحديث قد رووا نحوه». و قال: «فأما امتناع على (ع) من البيعة حتى أخرج على الوجه الذى اخرج عليه فقد ذكره المحدثون و رواة السير و قد ذكرنا ما قاله الجوهرى فى هذا الباب و هو من رجال الحديث و من الثقات المأمونين و قد ذكر غيره من هذا النحو ما لا يحصى كثرة». و أورد البحرانى فى غاية المرام عن السيد المرتضى فى الشافى قال: روى ابراهيم، عن يحيى بن الحسن، عن عاصم بن عامر، عن نوح بن دراج، عن داود بن يزيد الازدى، عن أبيه، عن عدى بن حاتم قال: ما رحمت أحدا رحمتى عليا حين أوتى به ملببا، فقيل له: بايع، قال: فان لم أفعل ؟ هنا سقط قال: اذا تقتلون عبد اللّه، و أخا رسوله... الخ. الحديث.
2- صرح بذلك غير واحد من المحدثين و العلماء منهم العياشى فى تفسيره ج 2 ص 307 حيث أورد حديثا عن أحدهما عليهما السلام فيه: «فأرسل اليه الثالثة عمر رجلا يقال له قنفذ و قامت فاطمة بنت رسول اللّه عليها السلام تحول بينه و بين على فضربها.» و أورد ذلك البحرانى عنه فى غاية المرام ص 559. و منهم الديلمى فى «ارشاد القلوب» فى حديث طويل، قالت الزهراء (ع): «فوقفت بعضادة الباب و ناشدتهم باللّه و بأبى أن يكفوا عنا و ينصرونا، فأخذ عمر السوط من يد قنفذ فولى الى أبى بكر فضرب به عضدى حتى صار كالدملج، و ركل الباب برجله فرده على و انا حامل فسقطت لوجهى».

ثم انطلق بعلي عليه السّلام يعتل عتلا(1) حتى انتهي به الى أبي بكر، و عمر قائم بالسيف على رأسه، و خالد بن الوليد، و أبو عبيدة بن الجراح، و سالم مولى أبي حذيفة، و معاذ بن جبل، و المغيرة بن شعبة، و اسيد بن حضير، و بشير بن سعد، و سائر الناس حول أبي بكر، عليهم السلاح.

قال(2): قلت لسلمان: أدخلوا على فاطمة عليها السّلام بغير اذن ؟ قال: اي و اللّه، و ما عليها خمار، فنادت: يا أبتاه، يا رسول اللّه! فلبئس ما خلفك أبو بكر و عمر، و عيناك لم تتفقأ فى قبرك - تنادي بأعلى صوتها -.

فلقد رأيت أبا بكر و من حوله يبكون، ما فيهم الا باك غير عمر و خالد و المغيرة ابن شعبة، و عمر يقول: انا لسنا من النساء و رأيهن في شيء! قال: فانتهوا بعلي عليه السّلام الى أبي بكر، و هو يقول: أما و اللّه لو وقع سيفي في يدي لعلمتم أنكم لن

ص: 39


1- انطلق بالبناء للمجهول، و يعتل عتلا بالبناء للمجهول أيضا أى يجذب جذبا و يجر جرا عنيفا، و انتهى به بالبناء للمجهول. (عن هامش بعض نسخ الكتاب)
2- القائل هو سليم، و قد حكى الشاعر هذا الموضع بقوله: قال سليم قلت يا سلمانهل دخلوا و لم يك استيذان قال بلى و عزة الجبارو ما على الزهراء من خمار

تصلوا الى هذا أبدا، أما و اللّه ما ألوم نفسي في جهادكم، و لو كنت استمكنت من الاربعين رجلا لفرقت جماعتكم، و لكن لعن اللّه أقواما بايعوني ثم خذلوني.

و لما أن بصر به أبو بكر صاح: خلوا سبيله، فقال علي عليه السّلام: يا أبا بكر ما أسرع ما توثبتم علي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله! بأي حق و بأي منزلة دعوت الناس الى بيعتك ؟! ألم تبايعني بالامس بأمر اللّه و أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ؟!

كسر ضلع الزهراء عليها السلام و اسقاط الجنين

و قد كان قنفذ لعنه اللّه حين ضرب فاطمة عليها السّلام بالسوط - حين حالت بينه و بين زوجها - و أرسل اليه عمر: ان حالت بينك و بينه فاطمة فاضربها! فألجأها قنفذ الى عضادة بيتها و دفعها، فكسر ضلعها من جنبها، فألقت جنينا من بطنها(1) ، فلم تزل صاحبة فراش حتى ماتت - صلى اللّه عليها - من ذلك شهيدة.

قال: و لما انتهي بعلي عليه السّلام الى أبي بكر انتهره عمر، و قال له: بايع ودع عنك هذه الاباطيل، فقال له علي عليه السّلام: فان لم أفعل فما أنتم صانعون ؟ قالوا: نقتلك ذلا و صغارا!!(2) فقال: اذا تقتلون عبدا للّه، و أخا رسوله، قال أبو بكر: أما عبدا للّه فنعم، و أما أخا رسول اللّه فما نقر بهذا، قال: أتجحدون ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله آخى بيني و بينه ؟! قال: نعم، فأعاد ذلك عليه ثلاث مرات.

ص: 40


1- هذا الجنين هو المحسن بن على بن أبى طالب، مات فى هذه الواقعة الفجيعة، و اعترف بوجوده و موته ابن الاثير الجزرى فى «اسد الغابة» حيث أفرد له ترجمة مستقلة فى باب الميم ج 4 ص 308 قال: «و توفى المحسن صغيرا».
2- فى البحار ج 8 ص 44 من حديث ابن أبى المقدام المتقدم جاء فى آخره: «فقال له عمر: بايع، فقال له على (ع): فان أنا لم أفعل ؟ فقال له عمر: اذا أضرب اللّه عنقك»، و الصحيح: اضرب و اللّه عنقك. و روى فى نفس المجلد ص 40 عن زيد بن وهب حديثا أوردناه قبل قليل، فى آخره: «و قالوا لى: بايع و الا قتلناك».

احتجاج امير المؤمنين عليه السلام في المسجد

ثم أقبل عليهم علي عليه السّلام فقال: يا معشر المسلمين و المهاجرين و الانصار، أنشدكم اللّه، أسمعتم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول يوم غدير خمّ كذا و كذا، فلم يدع عليه السّلام شيئا قاله فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله علانية للعامة الا ذكرهم ايّاه، قالوا: نعم.

فلما تخوف أبو بكر أن ينصره الناس و أن يمنعوه، بادرهم، فقال: كل ما قلت حق، قد سمعناه بآذاننا، و وعته قلوبنا، و لكن قد سمعت رسول اللّه يقول بعد هذا: انّا أهل بيت اصطفانا اللّه و أكرمنا، و اختار لنا الاخرة على الدنيا، و ان اللّه لم يكن ليجمع لنا أهل البيت النبوة و الخلافة.

فقال علي عليه السّلام: هل أحد من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله شهد هذا معك ؟ فقال عمر: صدق خليفة رسول اللّه، قد سمعته منه كما قال، و قال أبو عبيدة و سالم مولى أبي حذيفة و معاذ بن جبل: قد سمعنا ذلك من رسول اللّه.

فقال علي عليه السّلام: لقد وفيتم بصحيفتكم التي تعاقدتم عليها في الكعبة(1):

ان قتل اللّه محمدا أو مات! لتزون هذا الامر عنّا أهل البيت، فقال أبو بكر: فما علمك بذلك، ما أطلعناك عليها؟! فقال عليه السّلام: أنت يا زبير، و أنت يا سلمان، و أنت

ص: 41


1- فى البحار ج 8 ص 18 أورد عن روضة الكافى ص 18 عن أبى جعفر (ع) قال: «دخلت مع أبى الكعبة فصلى على الرخامة الحمراء بين العمودين فقال: فى هذا الموضع تعاقد القوم ان مات رسول اللّه (ص) أن لا يردوا هذا الامر فى أحد من أهل بيته أبدا، قال: قلت: و من كانوا؟ قال: الاول و الثانى و أبو عبيدة بن الجراح و سالم». و روى فى نفس المجلد ص 27 عن المفضل بن عمر قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السلام عن معنى قول أمير المؤمنين - لما نظر الى الثانى و هو مسجى بثوبه -: ما أحد أحب الى أن ألقى اللّه بصحيفته من هذا المسجى، فقال: عنى بها الصحيفة التى كتبت فى الكعبة». و روى فى نفس الصفحة عن سليم، عن معاذ بن جبل أنه دعا على نفسه عند وفاته بالويل و الثبور فقيل له: لم ذاك ؟ قال: لموالاتى عتيقا و عمر على أن أزوى خلافة رسول اللّه عن على (ع). و نقل أيضا فى نفس الصفحة قال: «قال العباس بن حارث: لما تعاقدوا عليها نزلت ان الذى ارتدوا على أدبارهم... الاية». و قد ذكرها أبو اسحاق فى كتابه، و ابن حنبل فى مسنده، و الحافظ فى حليته، و الزمخشرى فى فائقه.

يا أبا ذر، و أنت يا مقداد، أسألكم باللّه و بالاسلام، أما سمعتم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول ذلك، و أنتم تسمعون أن فلانا و فلانا - حتى عدهم هؤلاء الخمسة - قد كتبوا بينهم كتابا، و تعاهدوا فيه و تعاقدوا على ما صنعوا؟ فقالوا: اللهم نعم، قد سمعنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول ذلك لك، انهم قد تعاهدوا و تعاقدوا على ما صنعوا، و كتبوا بينهم كتابا ان قتلت أو مت، أن يزووا عنك هذا يا علي، قلت: بأبي أنت و أمي يا رسول اللّه، فما تأمرني اذا كان ذلك أن أفعل ؟ فقال لك: ان وجدت عليهم أعوانا فجاهدهم و نابذهم، و ان أنت لم تجد أعوانا فبايع و احقن دمك.

فقال علي عليه السّلام: أما و اللّه، لو أن أولئك الاربعين رجلا الذين بايعوني وفوا لي: لجاهدتكم في اللّه، و لكن أما و اللّه لا ينالها أحد من عقبكما الى يوم القيامة، و فيما يكذب قولكم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قوله تعالى:«أَمْ يَحْسُدُونَ النّٰاسَ عَلىٰ مٰا آتٰاهُمُ اللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنٰا آلَ إِبْرٰاهِيمَ الْكِتٰابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ آتَيْنٰاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً» (1) فالكتاب النبوة، و الحكمة السنة، و الملك الخلافة، و نحن آل ابراهيم.

فقام المقداد فقال: يا علي، بما تأمرني ؟ و اللّه ان أمرتني لاضربن بسيفي، و ان أمرتني كففت، فقال علي عليه السّلام: كف يا مقداد و اذكر عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و ما أوصاك به، فقمت

ص: 42


1- النساء 54:4

و قلت(1): و الذي نفسي بيده، لو أني أعلم أني أدفع ضيما و اعز للّه دينا، لوضعت سيفي على عنقي ثم ضربت به قدما قدما، أتثبون على أخي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و وصيه و خليفة في امته، و أبي ولده ؟! فابشروا بالبلاء و اقنطوا من الرخاء.

و قام أبو ذر(2) فقال: أيتها الامة المتحيرة بعد نبيها، المخذولة بعصيانها، ان اللّه يقول:«إِنَّ اللّٰهَ اصْطَفىٰ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْرٰاهِيمَ وَ آلَ عِمْرٰانَ عَلَى الْعٰالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُهٰا مِنْ بَعْضٍ وَ اللّٰهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» (3) ، و آل محمد الاخلاف من نوح و آل ابراهيم من ابراهيم، و الصفوة و السلالة من اسماعيل، و عترة النبي محمد و أهل بيت النبوة و موضع الرسالة و مختلف الملائكة، و هم كالسماء المرفوعة، و الجبال المنصوبة، و الكعبة المستورة، و العين الصافية، و النجوم الهادية، و الشجرة المباركة، أضاء نورها، و بورك زيتها.

محمد خاتم الانبياء، و سيّد ولد آدم، و علي وصي الاوصياء، و امام المتقين و قائد الغرّ المحجلين، و هو الصديق الاكبر، و الفاروق الاعظم، و وصي محمد و وارث علمه، و أولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم كما قال اللّه:«اَلنَّبِيُّ أَوْلىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ أَزْوٰاجُهُ أُمَّهٰاتُهُمْ وَ أُولُوا الْأَرْحٰامِ بَعْضُهُمْ أَوْلىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتٰابِ اللّٰهِ» (4) ، فقدموا من قدم اللّه، و أخروا من أخر اللّه، و اجعلوا الولاية و الوراثة لمن جعل اللّه.

فقام عمر فقال لابي بكر - و هو جالس فوق المنبر -: ما يجلسك فوق المنبر

ص: 43


1- القائل هو سلمان الفارسى «ره».
2- نقل الطبرسى فى الاحتجاج مقالة لابي ذر بعد البيعة أنب فيها أصحاب السقيفة أولها: «يا معشر قريش أصبتم قباحة، و تركتم قرابة... الخ» راجع الاحتجاج ج 1 ص 100.
3- آل عمران 3:33 و 34.
4- الاحزاب 33:6.

و هذا جالس محارب لا يقوم فيبايعك ؟! أو تأمر به فتضرب عنقه!! و الحسن و الحسين عليهما السّلام قائمان فلما سمعا مقالة عمر بكيا، فضمهما عليه السّلام الى صدره فقال:

لا تبكيا، فو اللّه ما يقدران على قتل أبيكما.

و أقبلت ام أيمن حاضنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقالت: يا أبا بكر، ما أسرع ما أبديتم حسدكم و نفاقكم! فأمر بها عمر فأخرجت من المسجد، و قال: ما لنا و للنساء!

و قام بريدة الاسلمي(1) و قال: أتثب يا عمر على أخي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و أبي ولده ؟! و أنت الذي نعرفك في قريش بما نعرفك، ألستما اللذين قال لكما رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: انطلقا الى علي و سلّما عليه بامرة المؤمنين، فقلتما: أعن أمر اللّه و أمر رسوله ؟ قال: نعم ؟!

فقال أبو بكر: قد كان ذلك، و لكن رسول اللّه قال بعد ذلك: لا يجتمع لاهل بيتي النبوة و الخلافة، فقال: و اللّه ما قال هذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و اللّه لا سكنت في بلدة أنت فيها أمير، فأمر به عمر فضرب و طرد.

ص: 44


1- و قد نقل الطبرسي فى الاحتجاج ج 1 ص 101 مقالة بريدة الاسلمى فى نفس الموقف أولها: «انا للّه و انا اليه راجعون، ماذا لحق الحق من الباطل، يا أبا بكر أنسيت أم تناسيت ؟! و خدعت أم خدعتك نفسك ؟! أم سولت لك الاباطيل ؟! أو لم تذكر ما أمرنا به رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله من تسمية على (ع) بامرة المؤمنين و النبي صلى اللّه عليه و آله بين اظهرنا؟! و قوله له في عدة أوقات: هذا على أمير المؤمنين، و قاتل القاسطين، اتق اللّه و تدارك نفسك قبل ان لا تدركها، و انقذها مما يهلكها، و اردد الامر الى من هو أحق به منك، و لا تتماد فى اغتصابه، و راجع و أنت تستطيع أن تراجع، فقد محضتك النصح، و دللتك على طريق النجاة، فلا تكونن ظهيرا للمجرمين».

انتزاع البيعة من امير المؤمنين عليه السلام و اصحابه كرها

ثم قال: قم يا ابن أبي طالب! فبايع، فقال: فان لم افعل ؟ قال: اذا و اللّه نضرب عنقك(1) ، فاحتج عليهم ثلاث مرات، ثم مد يده - من غير أن يفتح كفّه - فضرب عليها أبو بكر و رضي بذلك منه.

فنادى علي عليه السّلام قبل أن يبايع - و الحبل في عنقه -: يا ابن ام، ان القوم استضعفوني و كادوا يقتلونني(2).

و قيل للزبير بايع، فأبى، فوثب اليه عمر و خالد و المغيرة بن شعبة في اناس، فانتزعوا سيفه فضربوا به الارض حتى كسروه، ثم لببوه(3) ، فقال الزبير - و عمر على صدره -: يا ابن صهاك، أما و اللّه لو أن سيفي في يدي لحدت عني، ثم بايع.

قال سلمان: ثم أخذوني فوجأ وا عنقي، حتى تركوها كالسلعة(4) ، ثم أخذوا يدي فبايعت مكرها.

ثم بايع أبو ذر و المقداد مكرهين.

ص: 45


1- تقدمت رواية ابن أبي المقدام حيث يقول فيها عمر لعلى: «اذا اضرب و اللّه عنقك»، و رواية زيد بن وهب و قول أمير المؤمنين (ع): «و قالوا لي: بايع و الا قتلناك». و كلتاهما فى البحار، و قد اشرنا الى موضعهما هناك.
2- اشارة الى ما جاء فى المصحف، الاعراف 7:150.
3- روى العلامة المجلسى فى البحار ج 8 ص 45 عن مروان بن عثمان حديثا فيه: «فخرج الزبير و معه سيفه فقال أبو بكر: عليكم بالكلب، فقصدوا نحوه، فزلت قدمه و سقط على الارض، و وقع السيف من يده، فقال ابو بكر: اضربوا به الحجر، فضرب به الحجر حتى انكسر».
4- فى الاحتجاج ج 1 ص 99 أورد رواية عن أبى المفضل الشيبانى طويلة فيها: ثم قام سلمان و قال: كرديد و نكرديد، أى فعلتم و لم تفعلوا، و قد كان امتنع من البيعة قبل ذلك حتى وجىء عنقه... الحديث.

و ما بايع أحد من من الامة مكرها غير علي عليه السّلام و أربعتنا، و لم يكن منّا أحد أشد قولا من الزبير، فانه لما بايع قال: يا ابن صهاك، أما و اللّه لو لا هؤلاء الطغاة الذين أعانوك لما كنت تقدم علي و معي سيفي لما أعرف من جبنك و لؤمك، و لكن وجدت طغاة تقوى بهم و تصول، فغضب عمر و قال: أتذكر «صهاك»؟! فقال:

و من «صهاك» و ما يمنعني من ذكرها؟! و قد كانت «صهاك» زانية أو تنكر ذلك ؟! أو ليس كانت أمة حبشية لجدي عبد المطلب، فزنى بها جدك «نفيل» فولدت أباك «الخطاب» فوهبها عبد المطلب لجدك بعد ما زنى بها، فولدته(1) ، و انه لعبد جدي ولد زنى! فأصلح بينهما أبو بكر و كف كل واحد منهما عن صاحبه.

قال سليم بن قيس: فقلت لسلمان: أفبايعت أبا بكر يا سلمان و لم تقل شيئا؟! قال: قد قلت بعدما بايعت: تبا لكم سائر الدهر، أو تدرون ما صنعتم بأنفسكم، أصبتم و أخطأتم ثم أصبتم سنّة من كان قبلكم من الفرقة و الاختلاف، و أخطأتم سنة نبيكم حتى أخرجتموها من معدنها و أهلها.

فقال عمر: يا سلمان، أما اذ بايع صاحبك و بايعت فقل ما شئت! و افعل ما بدا لك! و ليقل صاحبك ما بدا له!

قال سلمان: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول: ان عليك و على صاحبك الذي

ص: 46


1- فى بحار الانوار ج 8 ص 295 قال المجلسى «ره»: «و حكى بعض اصحابنا عن محمد بن شهرآشوب و غيره أن صهاك كانت أمة حبشية لعبد المطلب و كانت ترعى له الابل، فوقع عليها نفيل فجاءت بالخطاب، ثم ان الخطاب لم بلغ الحلم رغب فى صهاك فوقع عليها فجاءت بابنة فلفتها فى خرقة من صوف و رمتها خوفا من مولاها فى الطريق، فرآها هاشم بن المغيرة مرمية فأخدها و رباها و سماها حنتمة، فلما رآها الخطاب يوما فرغب فيها و خطبها من هاشم فأنكحها اياه فكان الخطاب أبا وجدا و خالا لعمر، و كانت حنتمة اما و اختا و عمة له، فتدبر».

بايعته مثل ذنوب امته الى يوم القيامة، و مثل عذابهم جميعا.

فقال له: قل ما شئت! أليس قد بايعت و لم يقر اللّه عينيك بأن يليها صاحبك ؟!

فقلت: أشهد أني قد قرأت في بعض كتب اللّه المنزلة أنك - باسمك و نسبك و صفتك - باب من أبواب جهنم.

فقال لي: قل ما شئت! أليس قد أزالها اللّه عن أهل البيت الذين اتخذتموهم أربابا من دون اللّه ؟!

فقلت له: أشهد أني سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله - يقول، و سألته عن هذه الاية «يومئذ لاٰ يُعَذِّبُ عَذٰابَهُ أَحَدٌ وَ لاٰ يُوثِقُ وَثٰاقَهُ أَحَدٌ» (1) ، فأخبرني أنك أنت هو.

فقال لي عمر: اسكت، أسكت اللّه نامتك، أيها العبد ابن اللخناء!

فقال لي علي عليه السّلام: أقسمت عليك يا سلمان لما سكت!

فقال سلمان: و اللّه لو لم يأمرني علي عليه السّلام بالسكوت لخبرته بكل شيء نزل فيه، و كل شيء سمعته من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فيه و في صاحبه.

فلما رآني عمر قد سكت قال: انك له لمطيع مسلم.

فلما أن بايع أبو ذر و المقداد و لم يقولا شيئا، قال عمر: يا سلمان ألا تكف كما كف صاحباك، و اللّه ما أنت بأشد حبا لاهل هذا البيت منهما، و لا أشد تعظيما لحقهم منهما، و قد كفا كما ترى و بايعا.

و قال أبو ذر: يا عمر، أفتعيرنا بحب آل محمد و تعظيمهم ؟! لعن اللّه - و قد فعل - من أبغضهم، و افترى عليهم، و ظلمهم حقهم، و حمل الناس على رقابهم، ورد هذه الامة القهقرى على أدبارها.

فقال عمر: آمين! لعن اللّه من ظلمهم حقهم، لا و اللّه ما لهم فيها حق، و ما هم

ص: 47


1- الفجر 26:89. كذا فى المتن و لكن فى المصحف: «فيومئذ».

فيها و عرض الناس الا سواء.

قال أبو ذر: فلم خاصمتم الانصار بحقهم و حجتهم ؟!

قال علي عليه السّلام لعمر: يا ابن صهاك، فليس لنا فيها حق و هي لك و لابن آكلة الذباب ؟!

قال عمر: كف الان يا أبا الحسن اذ بايعت، فان العامة رضوا بصاحبي، و لم يرضوا بك فما ذنبي ؟ قال علي عليه السّلام: و لكن اللّه عز و جل و رسوله لم يرضيا الا بي، فابشر أنت و صاحبك و من اتبعكما و وازركما بسخط من اللّه و عذابه و خزيه.

ويلك يا ابن الخطاب! لو تدري ما منه خرجت و فيما دخلت، و ماذا جنيت على نفسك و على صاحبك ؟!

فقال أبو بكر: يا عمر، أما اذ قد بايعنا و أمنا شره و فتكه و غائلته فدعه يقول ما شاء.

فقال علي عليه السّلام: لست بقائل غير شيء واحد، اذكركم اللّه أيها الاربعة - قال لسلمان و أبي ذر و الزبير و المقداد - سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول: ان تابوتا من نار فيه اثنا عشر رجلا، ستة من الاولين و ستة من الاخرين، في جب في قعر جهنم، في تابوت مقفل، على ذلك الجب صخرة، فاذا أراد اللّه أن يسعر جهنم كشف تلك الصخرة عن ذلك الجب، فاستعرت جهنم من وهج ذلك الجب و من حره.

و قال علي عليه السّلام فسألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله - و أنتم شهود به - عن الاولين، فقال:

أما الاولون: فابن آدم الذي قتل أخاه، و فرعون الفراعنة، و الذي حاج ابراهيم في ربه، و رجلان من بني اسرائيل بدلا كتابهم و غيرا سنتهم، أما أحدهما فهود اليهود، و الاخر نصر النصارى، و عاقر الناقة، و قاتل يحيى بن زكريا.

ص: 48

و في الاخرين: الدجال، و هؤلاء الخمسة أصحاب الصحيفة(1) و الكتاب، و جبتهم و طاغوتهم الذي تعاهدوا عليه و تعاقدوا على عداتك يا أخي و تظاهروا عليك بعدي، هذا و هذا... حتى سماهم وعدهم لنا.

قال سلمان: فقلنا: صدقت، نشهد أنا سمعنا ذلك من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.

فقال عثمان: يا أبا الحسن، ما عندك و عند أصحابك هؤلاء حديث في ؟

فقال علي عليه السّلام: بل(2) سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يلعنك، ثم لم يستغفر اللّه لك بعد ما لعنك فغضب عثمان ثم قال: ما لي و ما لك، و لا تدعني على حال عهد النبي و لا بعده.

قال له علي عليه السّلام: نعم فأرغم اللّه أنفك.

فقال عثمان: فو اللّه لقد سمعت من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول: الزبير يقتل مرتدا عن الاسلام.

قال سلمان: فقال علي عليه السّلام لي - فيما بيني و بينه -: صدق عثمان، و ذلك أنه يبايعني بعد قتل عثمان، و ينكث بيعتي، فيقتل مرتدا(3).

قال سلمان: فقال علي عليه السّلام: ان الناس كلهم ارتدوا بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله غير

ص: 49


1- لا يخفى ان مجموعهم يصير ثلاثة عشر لا اثنا عشر مع الخمسة أصحاب الصحيفة و الصحيح ما ورد فى الاحتجاج، حيث أورد الحديث بكامله عن سليم، و فى هذا الموضع قال: «اما الاولون فابن آدم الذى قتل أخاه، و فرعون الفراعنة نمرود و الذى حاج ابراهيم فى ربه، و رجلان من بنى اسرائيل بدلا كتابهم و غيرا سنتهم، أما أحدهما فهود اليهود و الاخر نصر النصارى، و ابليس سادسهم، و الدجال فى الاخرين و هؤلاء الخمسة أصحاب الصحيفة». راجع الاحتجاج ج 1 ص 112.
2- الظاهر: بلى
3- قال ابن أبي الحديد فى شرح النهج ج 2 ص 4 نقلا عن الجوهرى فى كتابه السقيفة: «كان على يقول: ما زال الزبير منا أهل البيت حتى نشأ بنوه فصرفوه عنا».

اربعة(1) ، ان الناس صاروا بعد رسول اللّه بمنزلة هارون و من تبعه، و منزلة العجل و من تبعه، فعلي في شبه هارون، و عتيق في شبه العجل، و عمر في شبه السامري، و سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول ليجئن قوم من أصحابي من اهل العلية و المكانة مني ليمروا على الصراط فاذا رأيتهم و رأوني، و عرفتهم و عرفوني، اختلجوا دوني، فأقول: أي رب أصحابي أصحابي! فيقال: ما تدري ما أحدثوا بعدك انهم ارتدوا على أدبارهم حيث فارقتهم، فأقول: بعدا و سحقا(2).

و سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول: لتركبن امتي سنة بني اسرائيل حذو النعل بالنعل، و حذو القذة بالقذة، شبرا بشبر(3) ، و ذراعا بذراع، و باعا بباع، حتى لو دخلوا جحرا لدخلوا فيه معهم، ان التوراة و القرآن كتبه ملك واحد في رق بقلم واحد، و جرت الامثال و السنن سواء.

(6) عن أبان بن أبي عياش، عن سليم بن قيس، قال: سمعت سلمان الفارسي

ص: 50


1- و فى رواية اوردها المجلسى فى البحار ج 8 ص 46، نقل عن الكشى ج ص 6 ح 12 عن أبى جعفر قال: «كان الناس أهل ردة بعد النبى (ص) الا ثلاثة... الخ».
2- روى فى البحار ج 8 ص 6 عن عائشة قالت: سمعت رسول اللّه (ص) يقول: انى على الحوض أنظر من يرد على منكم و ليقطعن برجال دونى، فأقول: يا رب أصحابى أصحابى! فيقال: انك لا تدرى ما عملوا بعدك، انهم ما زالوا يرجعون على أعقابهم القهقرى. و فى ص 8 من نفس المجلد أورد نقلا عن البخارى، عن ابن المسيب، أنه كان يحدث عن أصحاب النبى (ص) أن النبى (ص) قال: «يرد على الحوض رجال من أصحابى فيحلئون عنه، فأقول: يا رب أصحابى! فيقول: لا علم لك بما أحدثوا بعدك، انهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى».
3- روى الترمذى فى صحيحه ج 4 ص 134 عن النبى (ص) انه قال: "و الذى نفسى بيده لتركبن سنن من كان قبلكم - و زاد رزين - حذوا النعل بالنعل و القذة بالقذة».

يقول: اذا كان يوم القيامة، يؤتى بابليس مزموما بزمام من نار، و يؤتى بزفر مزموما بزمامين من نار، فينطلق اليه ابليس فيصرخ و يقول: ثكلتك امك، من أنت ؟! أنا الذي فتنت الاولين و الاخرين و أنا مزموم بزمام واحد و أنت مزموم بزمامين ؟! فيقول: أنا الذي أمرت فاطعت، و أمر اللّه فعصي.

و قال سليم: و حدثني أبو ذر و سلمان و المقداد، ثم سمعته من علي عليه السّلام، قالوا:

ان رجلا فاخر علي بن أبي طالب عليه السّلام، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لعلي: أي أخي، فاخر العرب، فأنت أكرمهم ابن عم، و أكرمهم أبا، و أكرمهم أخا، و أكرمهم نفسا، و اكرمهم نسبا، و أكرمهم زوجة، و أكرمهم ولدا، و أكرمهم عما، و أعظمهم عناءا بنفسك و مالك، و أتمهم حلما، و أكثرهم علما، و أنت أقرأهم لكتاب اللّه، و أعلمهم بسنن اللّه، و أشجعهم قلبا، و أجودهم كفا، و أزهدهم في الدنيا، و أشدهم اجتهادا، و أحسنهم خلقا، و أصدقهم لسانا، و أحبهم الى اللّه و الي.

و ستبقى بعدي ثلاثين سنة، تعبد اللّه و تصبر على ظلم قريش، ثم تجاهد في سبيل اللّه اذا وجدت اعوانا، تقاتل على تأويل القرآن - كما قاتلت على تنزيله - الناكثين و القاسطين و المارقين من هذه الامة، تقتل شهيدا، تخضب لحيتك من دم رأسك، قاتلك يعدل عاقر الناقة في البغض الى اللّه و البعد من اللّه، و يعدل قاتل يحيى ابن زكريا و فرعون ذا الاوتاد.

حديث الحسن البصرىّ لابان بفضائل عليّ عليه السلام

قال أبان: و حدثت بهذا الحديث الحسن البصري عن أبي ذر، قال:

صدق سليم و صدق أبو ذر(1) ، لعلي بن أبي طالب السابقة في الدين، و العلم و الحكمة

ص: 51


1- روى هذا الحديث ابن ابى الحديد المعتزلى فى شرح النهج (ج 4 ص 369) من طبع مصر عن ابن أبى عياش، عن الحسن البصرى، و لكن بتغيير يسير فى بعض الكلمات فانه قال: «لعلى بن ابى طالب السابقة فى الدين و العلم و الحلم و الفقه و الرأى و الزهد و للصحبة و النجدة فى الحرب و القرابة بالرسول و العلم بالقضاء و الفضل و حسن البلاء فى الاسلام، ان عليا... الخ». و كذا فى نسخة اخرى من الكتاب رواه مثل ما رواه ابن ابى الحديد.

و الفقه، و في الرأي و الصحة، و في الفضل و فى البسطة، و في العشيرة، و في الصهر، و في النجدة، و في الحرب، و في الجود، و في الماعون، و في العلم بالقضاء، و في القرابة، و في البلاء، ان عليا في كل أمر أمره علي، فرحم اللّه عليا و صلى عليه، ثم بكى حتى بل لحيته.

فقلت له: يا أبا سعيد، أتقول لاحد غير النبي صلّى اللّه عليه و آله «صلى اللّه عليه» اذا ذكرته ؟! قال: ترحم على المسلمين اذا ذكرتهم، و صل على محمد و آل محمد، و ان عليا خير آل محمد، فقلت: يا أبا سعيد، خير من حمزة و جعفر و فاطمة و الحسن و الحسين ؟ فقال:

اي و اللّه انه لخير منهم، و من يشك أنه خير منهم ؟! فقلت له: بماذا؟ قال: انه لم يجر عليه اسم شرك و لا كفر، و لا عبادة صنم، و لا شرب خمر، و علي خير منهم بالسبق الى الاسلام و العلم بكتاب اللّه و سنه نبيه، و ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال لفاطمة عليها السّلام:

«زوجتك خير امتي»(1) فلو كان في الامة خير منه لاستثناه، و ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله آخى بين أصحابه و آخى بين علي و نفسه، فرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله خيرهم نفسا و خيرهم أخا.

و نصبه يوم غدير خم و أوجب له من الولاية على الناس مثل ما أوجب على نفسه، و قال له: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى»، و لم يقل ذلك لاحد من أهل بيته و لا لاحد من امته غيره، و له سوابق كثيرة ليس لاحد من الناس مثلها.

قال: فقلت له: من خير هذه الامة بعد علي ؟ قال: زوجته و ابناه، قلت: ثم من ؟ قال:

ثم جعفر و حمزة خير الناس، و أصحاب الكساء الذين نزلت فيهم آية التطهير، ضم فيه صلّى اللّه عليه و آله نفسه و عليا و فاطمة و الحسن و الحسين، ثم قال: «هؤلاء ثقتي و عترتي في أهل بيتي

ص: 52


1- روى العلامة الموفق بن أحمد أخطب خطباء خوارزم فى المناقب ص 63 ط تبريز عن سليمان بن بريدة، عن أبيه قال: قال رسول اللّه (ص): «قم بنا يا بريدة نعود فاطمة عليها السلام... حتى قال (ص): يا فاطمة، أما ترضين أن زوجتك خير امتى».

فأذهب اللّه(1) عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا».

فقالت ام سلمة: أدخلني معك في الكساء؟ فقال لها: يا ام سلمة، أنت بخير و الى خير، و انما نزلت هذه الاية في و في هؤلاء(2).

فقلت: اللّه يا أبا سعيد! ما ترويه في علي عليه السّلام و ما سمعتك تقول فيه ؟! قال: يا أخي أحقن بذلك دمي من الجبابرة الظلمة، لعنهم اللّه، يا أخي لو لا ذلك لقد شالت بي الخشب، و لكني أقول ما سمعت فيبلغهم ذلك فيكفون عني، و انما أعني ببغض علي غير علي بن أبي طالب عليه السّلام فيحسبون أني لهم، ولي قال اللّه جل و عز:«اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ» (3) ، يعني التقية.

افتراق الامّة على ثلاث و سبعين فرقة

(8) قال أبان: قال سليم: و سمعت علي بن أبي طالب عليه السّلام يقول: ان الامة ستفترق على ثلاث و سبعين فرقة، اثنتان و سبعون فرقة في النار، و فرقة في الجنة(4).

و ثلاث عشرة فرقة من الثلاث و السبعين تنتحل محبتنا أهل البيت، واحدة منها في الجنة، و اثنتا عشرة في النار.

ص: 53


1- الظاهر: اللهم
2- روى العلامة أبو جعفر الطبرى في «جامع البيان» ج 22 ص 8، ط الحلبى بمصر، عن عمر بن أبى سلمة قال: نزلت هذه الاية على النبى (ص) و هو فى بيت ام سلمة «انما يريد اللّه ليذهب...» الاية، فدعا حسنا و حسينا و فاطمة و أجلسهم بين يديه و دعا عليا فاجلسه خلفه، فتجلل و هو و هم بالكساء ثم قال: هولاء أهل بيتى فاذهب عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا، قالت ام سلمة: قلت: أنا معهم ؟ قال: مكانك و أنت على خير. و روى مثله جماعة منهم: العلامة الشيخ خضر الازدى فى التبيان ص 125 مخطوط، و الملا على القارى فى «الاربعين حديثا» ص 61، و الشيخ سعيد بن محمد بن مسعود الشافعى فى «المنتقى فى سيرة المصطفى» ص 188، و الميرزا محمد خان البرخشى فى مفتاح النجا ص 14، و غيرهم.
3- المؤمنون 23:96
4- أورد قريبا منه الشيخ الصدوق في «معانى الاخبار» ص 397.

و أما الفرقة الناجية، المهدية، المؤمنة، المسلمة، الموفقة المرشدة: فهي المؤتمنة(1) بي، المسلمة لامري، المطيعة لي، المتبرئة من عدوي، المحبة لي، المبغضة لعدوي، التي قد عرفت حقي و امامتي و فرض طاعتي من كتاب اللّه و سنة نبيه، فلم ترتد و لم تشك، لما قد نور اللّه في قلبها من معرفة حقنا، و عرفها من فضلها، و ألهمها و أخذ بنواصيها فأدخلها في شيعتنا، حتى اطمأنت قلوبها و استيقنت يقينا لا يخالطه شك.

اني أنا و أوصيائي بعدي الى يوم القيامة هداة مهتدون، الذين قرنهم اللّه بنفسه و نبيه في آي من كتاب اللّه كثيرة، و طهرنا و عصمنا، و جعلنا شهداء على خلقه، و حجته في أرضه، و خزانه على علمه، و معادن حكمه، و تراجمة وحيه، و جعلنا مع القرآن و القرآن معنا، لا نفارقه و لا يفارقنا حتى نرد على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حوضه كما قال صلّى اللّه عليه و آله.

و تلك الفرقة الواحدة من الثلاث و السبعين فرقة هي الناجية من النار و من جميع الفتن و الضلالات و الشبهات، هم من أهل الجنة حقا، و هم سبعون الفا يدخلون الجنة بغير حساب، و جميع تلك الفرق الاثنتين و السبعين فرقة هم المتدينون بغير الحق، الناصرون دين الشيطان، الاخذون عن ابليس و أوليائه.

هم أعداء اللّه و رسوله و أعداء المؤمنين، يدخلون النار بغير حساب، براء من اللّه و من رسوله، و أشركوا باللّه و كفروا به، و عبدوا غير اللّه من حيث لا يعلمون و هم يحسبون انهم يحسنون صنعا، يقولون يوم القيامة: و اللّه ربنا ما كنا مشركين، يحلفون للّه كما يحلفون لكم و يحسبون انهم على شيء، الا انهم هم الكاذبون.

قال(2): قيل: يا أمير المؤمنين، أرأيت من قد وقف، فلم يأثم(3) بكم، و لم يعادكم و لم ينصب لكم، و لم يتولكم، و لم يتبرأ من عدوكم، و قال: لا أدري - و هو

ص: 54


1- الظاهر: المؤتمة
2- القائل هو سليم «ره».
3- الظاهر: يأتم

صادق -؟ قال: ليس اولئك من الثلاث و السبعين فرقة، انما عنى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بالثلاث و السبعين فرقة الباغين الناصبين الذين شهروا أنفسهم و دعوا الى دينهم، ففرقة واحدة منها تدين بدين الرحمن، و اثنتان و سبعون تدين بدين الشيطان، و تتولى على قبولها، و تتبرأ ممن خالقها(1).

فأما من وحد اللّه و آمن برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و لم يعرف و لم يتناول ضلالة عدونا، و لم ينصب شيئا، و لم يحل، و لم يحرم، و أخذ بجميع ما ليس بين المختلفين من الامة فيه خلاف في أن اللّه عز و جل أمر به، و كف عما بين المختلفين من الامة خلاف في أن اللّه أمر به أو نهى عنه، فلم ينصب شيئا، و لم يحلل، و لم يحرم، و لا يعلم، ورد علم ما اشكل عليه الى اللّه، فهذا ناج، و هذه الطبقة بين المؤمنين و بين المشركين، هم أعظم الناس و أجلهم(2) ، و هم أصحاب الحساب و الموازين و الاعراف و الجهنميون الذين يشفع لهم الانبياء و الملائكة و المؤمنون، و يخرجون من النار فيسمون الجهنميون.

فأما المؤمنون فينجون و يدخلون الجنة بغير حساب، و انما الحساب على أهل هذه الصفات بين المؤمنين و المشركين و المؤلفة قلوبهم و المقترفة، و الذين خلطوا عملا صالحا و آخر سيئا، و المستضعفين الذين لا يستطيعون حيلة و لا يهتدون سبيلا، لا يستطيعون حيلة الكفر و الشرك، و لا يحسنون أن ينصبوا و لا يهتدون سبيلا، الى(3) أن يكونوا مؤمنين عارفين، فهم أصحاب الاعراف و هؤلاء للّه فيهم المشيئة، ان أدخل أحدا منهم النار فبذنبه، و ان تجاوز عنه فبرحمته،(4) أيدخل النار المؤمن العارف الداعي ؟ قال: لا، قلت: أيدخل الجنة من لا يعرف امامه ؟ قال: لا الا أن يشاء اللّه

ص: 55


1- الظاهر: خالفها
2- الاصح: و جلهم.
3- الظاهر: الا
4- قلت أو قيل، و لعله سقط من أيدى النساح.

قلت: أيدخل الجنة كافر أو مشرك ؟ قال: لا يدخل النار الا كافر الا أن يشاء اللّه(1) ، قلت: فمن لقي اللّه مؤمنا عارفا بامامه مطيعا له، من أهل الجنة هو؟ قال: نعم، اذا لقي اللّه و هو مؤمن، من الذين قال اللّه عز و جل:«اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّٰالِحٰاتِ» (2) «اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ كٰانُوا يَتَّقُونَ» (3) ،«اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمٰانَهُمْ بِظُلْمٍ» (4).

قلت: فمن لقي اللّه منهم على الكبائر؟ قال: هو في مشيته، ان عذبه فبذنبه، و ان تجاوز عنه فبرحمته، قلت: فيدخله النار و هو مؤمن ؟ قال: نعم، لانه ليس من المؤمنين الذين عنى اللّه انه ولي المؤمنين، لان الذين عنى اللّه انه لهم ولي، و انه لا خوف عليهم و لا هم يحزنون، هم المؤمنون الذين يتقون اللّه و الذين عملوا الصالحات و الذين لم يلبسوا ايمانهم بظلم.

سؤال سليم عليا عليه السلام عن الايمان و الاسلام

قلت: يا أمير المؤمنين، ما الايمان و ما الاسلام ؟ قال: أما الايمان فالاقرار بالمعرفة، و الاسلام فما أقررت به - و في رواية أخرى: و الاسلام اذا ما أقررت به - و أما التسليم للاوصياء و الطاعة لهم.

قلت: الايمان، الاقرار بعد المعرفة ؟ قال: من عرفه اللّه نفسه و نبيه و امامه، ثم أقر بطاعته فهو مؤمن.

قلت: المعرفة من اللّه و الاقرار من العبد؟ قال: المعرفة من اللّه دعاءا و حجة، و الاقرار من اللّه «باللّه/خ ل» قبول العبد يمن على من يشاء، و المعرفة صنع اللّه في القلب، و الاقرار فعال القلب من اللّه و عصمته و رحمته، فمن لم يجعله اللّه عارفا فلا حجة عليه، و عليه أن يقف و يكف عما لا يعلم، فلا يعذبه اللّه على جهله، فانما يحمده على علمه بالطاعة، و يعذبه على عمله بالمعصية، و يستطيع أن يطيع و يستطيع أن

ص: 56


1- الجواب لغير هذا السؤال، و لعل هناك سقطا، فلاحظ.
2- البقرة 2:25
3- يونس 10:63
4- الانعام 72:6

يعصي، و لا يستطيع أن يعرف، و يستطيع أن يجهل، هذا محال! لا يكون شيء من ذلك الا بقضاء من اللّه و قدره، و علمه و كتابه بغير جبر - و في رواية اخرى: لا يكون شيء من ذلك الا بعون من اللّه و بعلمه و كتابه بغير جبر -، لانهم لو كانوا مجبورين كانوا معذورين و غير محمودين.

و من جهل وسعه أن يرد الينا ما أشكل عليه، و من حمد اللّه على النعمة و استغفره من المعصية، و أحب المطيعين و حمدهم على الطاعة، و أبغض العاصين و ذمهم، فانه يكتفي بذلك اذا رد علمه الينا.

سؤال جبريل عليه السلام للنبي صلى اللّه عليه و آله ليعلم الناس

(9) و عن أبان بن أبي عياش، عن سليم بن قيس، قال: سمعت علي بن أبي طالب عليه السّلام و سأله رجل عن الايمان، فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن الايمان لا أسأل عنه أحدا بعدك، قال عليه السّلام: جاء رجل الى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سأله عن مثل ما سألتني عنه، فقال له مثل مقالتك فأخذ يحدثه، ثم قال له: اقعد أمنت.

ثم أقبل علي عليه السّلام على الرجل فقال: أما علمت أن جبرئيل أتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في صورة آدمي، فقال له: ما الاسلام ؟ فقال: شهادة ان لا اله الا اللّه، و ان محمدا رسول اللّه، و اقام الصلاة، و ايتاء الزكاة، و حج البيت، و صيام شهر رمضان، و الغسل من الجنابة.

قال: فما الايمان ؟ قال: تؤمن باللّه و ملائكته و كتبه و رسله، و بالحياة بعد الموت، و بالقدر كله خيره و شره، حلوه و مره.

فلما قام الرجل قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: هذا جبرئيل عليه السّلام جاءكم يعلمكم دينكم، فكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كلما قال له شيئا، قال له: صدقت، قال: فمتى الساعة ؟ قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، قال: صدقت.

ثم قال علي عليه السّلام بعد ما فرغ من قول جبرئيل، صدقت: ألا ان الايمان بني

ص: 57

على أربع دعائم: على اليقين(1) و الصبر و العدل و الجهاد.

فاليقين منه على أربع شعب: على الشوق، و الشفق، و الزهد، و الترقب، فمن اشتاق الى الجنة سلا عن الشهوات، و من أشفق من النار اتقى المحرمات، و من زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات، و من ارتقب الموت سارع في الخيرات.

و الصبر على أربع شعب: على البصر بالحجة - و في رواية اخرى: على تبصرة الفطنة -، و تأول الحكمة، و موعظة العبرة «و معرفة العبرة/خ ل»، و سنة الاولين، فمن تبصره الفطنة أبصر الحجة - و في رواية: فمن تبصر الفطنة تبين في الحكمة، و من يتبين «تبين/خ ل» في الحكمة عرف العبرة، و من عرف العبرة تأول الحكمة -، و من تأول الحكمة أبصر العبرة، و من أبصر العبرة فكأنما كان في الاولين.

و العدل منه على أربع شعب: على غوامض الفهم، و غمر العلم(2) ، و زهرة الحكم، و روضة الحلم، فمن فهم فسر جمل العلم، و من علم عرف شرايع الحكمة و من حلم لم يفرط في أمره، و عاش به في الناس حميدا.

و الجهاد على أربع شعب: على الامر بالمعروف و النهي عن المنكر، و الصدق في المواطن، و الغضب للّه، و شنآن الفاسقين، فمن أمر بالمعروف شد ظهر المؤمن، و من نهى عن المنكر أرغم أنف الفاسق، و من صدق في المواطن قضى الذي عليه، و من شنأ الفاسقين و غضب للّه غضب اللّه له، و ذلك الايمان و دعائمه و شعبه.

ادنى ما يكون به المرء مؤمنا او كافرا او ضالا

قال له: يا أمير المؤمنين، ما أدنى ما يكون به الرجل مؤمنا، و أدنى ما يكون

ص: 58


1- ذكر هذا الخبر الكلينى رحمه اللّه فى باب صفة الايمان من اصول الكافى بتغيير يسير فانه قدم الصبر على اليقين ثم قال: فالصبر من ذلك على أربع شعب: على الشوق و الاشفاق الخ. (عن هامش بعض نسخ الكتاب، راجع الكافى ج 2 ص 42)
2- على غائض الفهم و غور العلم. (كذا فى نهج البلاغة المطبوع بمصر)

به كافرا، و أدنى ما يكون به ضالا؟ قال: سألت فاسمع الجواب، أدنى ما يكون به مؤمنا أن يعرفه اللّه نفسه فيقر له بالربوبية و الوحدانية، و أن يعرفه نبيه فيقر له بالنبوة و بالبلاغة، و أن يعرفه حجته في ارضه و شاهده على خلقه فيقر له بالطاعة، قال: يا أمير المؤمنين، و ان جهل جميع الاشياء غير ما وصفت ؟ قال: نعم اذا امر أطاع و اذا نهي انتهى.

و أدنى ما يكون به كافرا أن يتدين بشيء فيزعم أن اللّه أمره به ما نهى اللّه عنه، ثم ينصبه دينا فيتبرأ و يتولى، و يزعم أنه يعبد اللّه الذي أمره به.

و أدنى ما يكون به ضالا أن لا يعرف حجة اللّه في أرضه و شاهده على خلقه الذي أمر اللّه بطاعته و فرض ولايته.

قال: يا أمير المؤمنين سمهم لي ؟ قال: الذين قرنهم اللّه بنفسه و نبيه، فقال «أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ»، قال: أوضحهم لي ؟ قال:

الذين قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في آخر خطبة خطبها، ثم قبض من يومه: اني قد تركت فيكم أمرين، لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب اللّه و أهل بيتي، فان اللطيف الخبير قد عهد الي أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض(1) كهاتين - و أشار باصبعيه المسبحتين -، و لا أقول كهاتين - و أشار بالمسبحة و الوسطى - لان أحدهما قدام الاخرى، فتمسكوا بهما لا تضلوا، و لا تتقدموهم فتهلكوا، و لا تتخلفوا عنهم فتفرقوا، و لا تعلموهم فانهم أعلم منكم.

قال: يا أمير المؤمنين، سمه لي ؟ قال: الذي نصبه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بغدير خم فأخبرهم أنه أولى بهم من أنفسهم، و أن يعلم الشاهد الغائب منهم، فقلت: أنت

ص: 59


1- روى الطبرسى فى الاحتجاج ج 1 ص 75 حديث الغدير و فيه: «ان عليا و الطيبين من ولدى هم الثقل الاصغر، و القرآن الثقل الاكبر، فكل واحد منبىء عن صاحبه و موافق له، لن يفترقا حتى يردا على الحوض».

هو يا أمير المؤمنين ؟ قال: أنا أولهم و أفضلهم، ثم ابني الحسن من بعدي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثم ابني الحسين من بعده أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثم أوصياء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حتى يردوا عليه حوضه واحدا بعد واحد.

فقام الرجل الى علي عليه السّلام فقبل رأسه ثم قال: أوضحت لي، و فرجت عني، و أذهبت كل شيء في قلبي.

سؤال رجل امير المؤمنين عليه السلام عن الاسلام و جوابه

(10) أبان، عن سليم، قال: جاء رجل(1) الى أمير المؤمنين عليه السّلام فسأله عن الاسلام، فقال عليه السّلام: ان اللّه تبارك و تعالى شرع الاسلام، و سهل شرايعه لمن ورده، و أعز أركانه لمن حاربه، و جعله عزا لمن تولاه، و سلما لمن دخله، و اماما لمن ائتم به، و زينة لمن تحلاه، و عدة لمن انتحله، و عروة لمن اعتصم به، و حبلا لمن تمسك به، و برهانا لمن تعلمه، و نورا لمن استضاء به، و شاهدا لمن خاصم، به، و فلجا لمن حاكم به، و علما لمن وعاه، و حديثا لمن رواه، و حكما لمن قضى به، و حلما لمن جرب، و شفاءا (و لبا/خ ل) لمن تدبر، و فهما لمن تفطن، و يقينا لمن عقل، و بصيرة لمن عزم، و آية لمن توسم، و عبرة لمن اتعظ، و نجاة لمن صدق، و مودة لمن أصلح و زلفى لمن اقترب، و ثقة لمن توكل، و رجاءا لمن فوض، و سابقة لمن أحسن، و خيرا لمن سارع، و جنة لمن صبر، و لباسا لمن اتقى، و ظهيرا لمن رشد، و كهفا لمن أمن، و أمنة لمن أسلم، و روحا للصادقين، و موعظة للمتقين، و نجاة للفائزين.

ذلك الحق: سبيله الهدى، و صفته الحسنى، و مأثرته المجد، أبلج المنهاج، مشرق المنار، ذاكي المصباح، رفيع الغاية، يسير المضمار، جامع الحلبة، متنافس السبقة، أليم النقمة، قديم العدة، كريم الفرسان.

ص: 60


1- قيل: ان الرجل هذا هو ابن الكوا، و قد ذكر هذا الخطبة الشريف الرضي فى نهج البلاغة، و الكلينى فى الكافى، و الحرانى الحلبى فى تحف العقول، و غيرهم. (عن هامش الاصل)

فالايمان منهاجه، و الصالحات مناره، و الفقه مصابيحه، و الموت غايته، و الدنيا مضماره، و القيامة حلبته، و الجنة سبقته، و النار نقمته، و التقوى عدته، و المحسنون فرسانه، فبالايمان يستدل على الصالحات، و بالصالحات يعمر الفقه، و بالفقه يرهب الموت، و بالموت تختم الدنيا، و بالدنيا تجوز القيامة، و بالقيامة تزلف الجنة، و الجنة حسرة أهل النار، و النار موعظة المتقين، و التقوى سنخ(1) الايمان، فذلك الاسلام!

اقسام الحديث الذى بايدى الناس

(11) أبان، عن سليم، قال: قلت: يا أمير المؤمنين، اني سمعت من سلمان و المقداد و أبي ذر شيئا من تفسير القرآن و من الرواية عن النبي صلّى اللّه عليه و آله، ثم سمعت منك تصديق ما سمعت منهم، و رأيت في أيدي الناس أشياء كثيرة من تفسير القرآن، و من الاحاديث عن النبي صلّى اللّه عليه و آله تخالف الذي سمعته منكم، و أنتم تزعمون أن ذلك باطل، أفترى يكذبون على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله معتدين(2) و يفسرون القرآن برأيهم ؟

قال: فأقبل علي عليه السّلام فقال لي: يا سليم، قد سألت فافهم الجواب، ان في أيدي الناس حقا و باطلا، و صدقا و كذبا، و ناسخا و منسوخا، و خاصا و عاما، و محكما و متشابها، و حفظا و وهما.

و قد كذب على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله على عهده حتى قام خطيبا فقال: أيها الناس قد كثرت علي الكذابة، فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار(3).

ثم كذب عليه من بعده حين توفي، رحمة اللّه على نبي الرحمة و صلى اللّه عليه و آله.

و انما يأتيك بالحديث أربعة نفر، ليس لهم خامس:

ص: 61


1- سنخ الايمان أى أصله.
2- الظاهر: متعمدين
3- أخرج قريبا منه البخارى فى صحيحه ج 1 ص 63 باب اثم من كذب على النبى (ص).

1 - رجل منافق، مظهر للايمان، متصنع بالاسلام(1) ، لا يتأثم و لا يتحرج أن يكذب على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله متعمدا، فلو علم المسلمون انه منافق كذاب لم يقبلوا منة و لم يصدقوه، و لكنهم قالوا: هذا صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله رآه و سمع منه، و هو لا يكذب و لا يستحل الكذب على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.

و قد أخبر اللّه عن المنافقين بما أخبر، و وصفهم بما وصفهم، فقال اللّه عز و جل «وَ إِذٰا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسٰامُهُمْ، وَ إِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ» (2).

ثم بقوا بعده، و تقربوا الى أئمة الضلال و الدعاة الى النار بالزور و الكذب و البهتان، فولوهم الاعمال، و حملوهم على رقاب الناس و أكلوا بهم الدنيا، و انما الناس مع الملوك(3) الدنيا الا من عصم اللّه، فهذا أول الاربعة.

2 - و رجل سمع من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فلم يحفظه على وجهه و وهم فيه، و لم يتعمد كذبا، و هو في يده يرويه و يعمل به و يقول: أنا سمعته من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فلو علم المسلمون أنه وهم، لم يقبلوا، و لو علم هو أنه وهم لرفضه.

3 - و رجل ثالث، سمع من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله شيئا أمر به ثم نهى عنه، و هو لا يعلم، أو سمعه نهى عن شيء ثم أمر به، و هو لا يعلم، حفظ المنسوخ و لم يحفظ الناسخ، فلو علم أنه منسوخ لرفضه، و لو علم المسلمون أنه منسوخ لرفضوه.

4 - و رجل رابع، لم يكذب على اللّه و لا على رسول اللّه، بغضا للكذب و تخوفا من اللّه و تعظيما لرسوله صلّى اللّه عليه و آله، و لم يوهم، بل حفظ ما سمع على وجهه، فجاء به كما سمعه و لم يزد فيه و لم ينقص، و حفظ الناسخ من المنسوخ، فعمل بالناسخ و رفض

ص: 62


1- متصنع بالاسلام أى متكلف له، و متدلس به، غير متصف به فى نفس الامر. (بحار الانوار)
2- المنافقون 4:63.
3- الاصح: ملوك.

المنسوخ.

و ان أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و نهيه مثل القرآن، ناسخ و منسوخ، و عام و خاص و محكم و متشابه، و قد كان يكون من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله الكلام له وجهان، كلام خاص و كلام عام مثل القرآن، يسمعه من لا يعرف ما عنى اللّه به و ما عنى به رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و ليس كل أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كان يسأله فيفهم، و كان منهم من يسأله و لا يستفهم، حتى ان كانوا يحبون أن يجيء الطارىء(1) و الاعرابي، فيسأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حتى يسمعوا منه.

و كنت أدخل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كل يوم دخلة و كل ليلة دخلة(2) ، فيخليني فيها أدور معه حيث دار، و قد علم أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أنه لم يكن يصنع ذلك بأحد غيري و ربما كان ذلك في منزلي، فاذا دخلت عليه في بعض منازله خلا بي و أقام نساءه، فلم يبق غيري و غيره، و اذا أتاني للخلوة في بيتي لم تقم من عندنا فاطمة و لا أحد من ابني، اذا أسأله أجابني، و اذا سكت أو نفدت مسائلي ابتدأني، فما نزلت عليه آية من القرآن الا أقرأنيها و أملاها علي فكتبتها بخطي، و دعا اللّه أن يفهمني اياها و يحفظني.

فما نسيت آية من كتاب اللّه منذ حفظتها، و علمني تأويلها فحفظته، و أملاه علي فكتبته، و ما ترك شيئا علمه اللّه من حلال و حرام، أو أمر و نهي، أو طاعة و معصية

ص: 63


1- الطارىء أى الغريب الذى أتاه عن قريب من غير انس به و بكلامه، انما كانوا يحبون قدومهما اما لاستفهامهم و عدم استعظامهم اياه أو لانه صلى اللّه عليه و آله و سلم كان يتكلم على وفق عقولهم فيوضحه حتى يفهم غيره. (بحار الانوار)
2- أخرج النسائى فى «الخصائص» ص 30 ط مصر عن أبى يحيى قال: قال على رضى اللّه عنه: كان لى من النبى (ص) مدخلان: مدخل بالليل و مدخل بالنهار... الخ و أخرج قريبا منه جمع من محدثى العامة منهم العلامة الشعرانى فى «كشف الغمة» ج 2 ص 229 ط مصر و البيهقي فى «السنن الكبرى» ج 2 ص 247، و القندوزى فى «ينابيع المودة» ص 90 ط اسلامبول و غيرهم.

كان أو يكون الى يوم القيامة، الا و قد علمنيه و حفظته، و لم أنس منه حرفا واحدا، ثم وضع يده على صدري، و دعا اللّه أن يملا قلبي علما و فهما و فقها و حكما و نورا، و أن يعلمني فلا أجهل و أن يحفظني فلا أنسى.

ذكر النبيّ صلى اللّه عليه و آله الاوصياء من بعده بأسمائهم

فقلت له ذات يوم: يا نبي اللّه، انك منذ يوم دعوت اللّه لي بما دعوت لم أنس شيئا مما علمتني، فلم تمليه علي و تأمرني بكتابته ؟! أتتخوف علي النسيان ؟! فقال:

يا أخي لست أتخوف عليك النسيان و لا الجهل، و قد أخبرني اللّه أنه قد استجاب لي فيك و في شركائك الذين يكونون من بعدك.

قلت: يا نبي اللّه، و من شركائي ؟ قال: الذين قرنهم اللّه بنفسه و بي معه، الذين قال في حقهم:«يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ» (1) فان خفتم التنازع في شيء فارجعوه الى الرسول و الى أولي الامر منكم.

قلت: يا نبي اللّه، و من هم ؟ [قال:](2) الاوصياء الى أن يردوا على حوضي، كلّهم هاد مهتد، لا يضرّهم كيد من كادهم، و لا خذلان من خذلهم، هم مع القرآن و القرآن معهم، لا يفارقونه و لا يفارقهم، بهم ينصر اللّه امتي، و بهم يمطرون، و يدفع عنهم بمستجاب دعوتهم.

فقلت: يا رسول اللّه، سمهم لي ؟ فقال: ابني هذا - و وضع يده على رأس الحسن -، ثم ابني هذا - و وضع يده على رأس الحسين -، ثم ابن ابني هذا - و وضع يده على رأس الحسين -، ثم ابن له على اسمي اسمه محمد، باقر علمي و خازن وحي اللّه، و سيولد علي في حياتك يا أخي، فاقرأه مني السلام، ثم أقبل على الحسين، فقال:

سيولد لك محمد بن علي في حياتك، فاقرأه مني السلام، ثم تكملة الاثني عشر اماما من ولدك يا أخي.

ص: 64


1- النساء 4:59
2- ما بين المعقوفتين ليس فى المتن و انما أضفناه من نسخة اخرى ليتم المعنى.

فقلت: يا نبي اللّه، سمهم لي ؟ فسمّاهم لي رجلا رجلا.

منهم و اللّه(1) - يا بني هلال - مهدي هذه الامة الذي يملأ الارض قسطا و عدلا كما ملئت ظلما و جورا، و اللّه اني لأعرف جميع من يبايعه بين الركن و المقام، و أعرف أسماء الجميع و قبائلهم.

قال سليم: ثم لقيت الحسن و الحسين صلوات اللّه عليهما بالمدينة بعد ما قتل أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه، فحدّثتهما بهذا الحديث عن أبيهما، فقالا: صدقت، قد حدثك أبونا علي بهذا الحديث و نحن جلوس، و قد حفظنا ذلك عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كما حدثك أبونا سواء، لم يزد و لم ينقص.

قال سليم: ثم لقيت علي بن الحسين عليه السّلام و عنده ابنه محمد بن علي عليه السّلام، فحدثته بما سمعت من أبيه و عمه و ما سمعت من علي عليه السّلام، فقال علي بن الحسين عليه السّلام: قد أقرأني أمير المؤمنين عليه السّلام عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و هو مريض و أنا صبي، ثم قال محمد عليه السّلام: و قد أقرأني جدي الحسين عليه السّلام من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و هو مريض السلام.

قال أبان: فحدثت علي بن الحسين عليه السّلام بهذا كله عن سليم، فقال: صدق سليم، و قد جاء جابر بن عبد اللّه الانصاري الى ابني و هو غلام يختلف الى الكتاب فقبله و أقرأه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله السلام.

قال أبان: حججت فلقيت أبا جعفر محمد بن علي عليه السّلام فحدثته بهذا الحديث كله لم أترك منه حرفا فاغرورقت عيناه، ثم قال: صدق سليم، قد أتاني بعد قتل جدي الحسين عليه السّلام و أنا قاعد عند أبي فحدثني بهذا الحديث بعينه، فقال له أبي:

صدقت، قد حدثك أبي بهذا الحديث عن أمير المؤمنين عليه السّلام و نحن شهود، ثم

ص: 65


1- المخاطب بهذه العبارة هو سليم الهلالى من قبل أمير المؤمنين (ع).

حدثاه ما هما سمعا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.

قال أبان: قال لي أبو جعفر الباقر عليه السّلام: ما لقينا(1) أهل البيت من ظلم قريش و تظاهرهم علينا و قتلهم ايانا، و ما لقيت شيعتنا و محبونا من الناس، ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قبض و قد قام بحقنا، و أمر بطاعتنا، و فرض ولايتنا و مودتنا، و أخبرهم بأنا أولى الناس بهم من أنفسهم، و أمر أن يبلغ الشاهد الغائب، فتظاهروا على علي عليه السّلام فاحتج عليهم بما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فيه و ما سمعت العامة، فقالوا: صدقت، قد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و لكن قد نسخه فقال: انا أهل بيت أكرمنا اللّه عز و جل و اصطفانا، و لم يرض لنا بالدنيا، و ان اللّه لا يجمع لنا النبوة و الخلافة، فشهد له بذلك أربعة نفر: عمر، و أبو عبيدة، و معاذ بن جبل، و سالم - مولى أبي حذيفة -، فشبهوا على العامة و صدقوهم و ردوهم على أدبارهم، و أخرجوها من معدنها حيث جعلها اللّه، و احتجوا على الانصار بحقنا و حجتنا فعقدوها لابي بكر.

ثم ردها أبو بكر الى عمر يكافيه بها، ثم جعلها عمر شورى بين ستة، ثم جعلها ابن عوف لعثمان على أن يردها عليه فغدر به عثمان، و أظهر ابن عوف كفره و جهله و طعن عليه(2) في حياته، و زعم ولده أن عثمان سمه فمات.

ثم قام طلحة و الزبير فبايعا عليا عليه السّلام طائعين غير مكرهين، ثم نكثا و غدراه و ذهبا بعائشة

ص: 66


1- روى ذلك ابن أبي الحديد فى شرح النهج (ج 1 ص 15) و لكن باسقاط بعض الفقرات الى قوله: «ممن لا يعرف بكذب و لا بقلة ورع» و قد رواه عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال لبعض أصحابه: يا فلان ما لقينا... الخ. (عن هامش بعض نسخ الكتاب)
2- طعن عليه بصيغة البناء للمفعول، أى أصابه الطاعون فى حياته، أى فى حياة عثمان، و فى بعض النسخ «فى جنانه» أى فى قلبه و جوفه. (عن هامش بعض نسخ الكتاب)

الى البصرة، ثم دعا معاوية طغاة أهل الشام الى الطلب بدم عثمان و نصب لنا الحرب، ثم خالفه أهل حروراء على أن يحكم بكتاب اللّه و سنّة نبيّه، فلو كانا حكما بما اشترط عليهما لحكما أن عليا أمير المؤمنين في كتاب اللّه، و على لسان نبيّه، و في سنّته، فخالفه أهل النهروان و قاتلوه.

ثم بايعوا الحسن بن علي عليه السّلام بعد أبيه و عاهدوه، ثم غدروا به و أسلموه و وثبوا به حتى طعنوه بخنجر في فخذه(1) و انتهوا(2) عسكره و عالجوا خلاخيل امهات الاولاد، فصالح معاوية و حقن دمه و دم أهل بيته و شيعته، و هم قليل حق قليل حين لا يجد أعوانا، ثم بايع الحسين عليه السّلام من أهل الكوفة ثمانية عشر ألفا(3) ، ثم غدروا به، ثم خرجوا اليه فقاتلوه حتى قتل عليه السّلام.

ثم لم نزل أهل البيت منذ قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله نذل و نقصى و نحرم و نقتل و نطرد و نخاف على دمائنا و كل من يحبنا، و وجد الكاذبون لكذبهم موضعا يتقربون به الى أوليائهم و قضاتهم و عمالهم في كل بلدة يحدثون عدونا و ولاتهم الماضين بالاحاديث الكاذبة الباطلة، و يروون عنا ما لم نقل تهجينا منهم لنا و كذبا منهم علينا، و تقربا الى ولاتهم و قضاتهم بالزور و الكذب، و كان عظم ذلك و كثرته في زمن

ص: 67


1- أخرج العلامة ابن كثير فى «البداية و النهاية» ج 8 ص 14 ط مصر حديثا عن تأمير قيس بن سعد بن عبادة، فيه: «اذ صرخ صارخ بالناس ألا ان قيس بن سعد بن عبادة قد قتل فثار الناس فانتهبوا أمتعة بعضهم بعضا حتى انتهبوا سرادق الحسن، حتى نازعوه بساطا كان جالسا عليه، و طعنه بعضهم حين ركب طعنة أثبتوه و أشوته». و أخرج قريبا منه ابن حجر العسقلانى فى «الاصابة» ج 1 ص 229 ط مصر، و العلامة الدياربكرى المكى فى «تاريخ الخميس فى احوال أنفس نفيس» ج 2 ص 289.
2- الظاهر: الى، أو: انتهبوا عسكره.
3- عشرون ألفا. (كذا فى نسختين من الكتاب)

معاوية بعد موت الحسن عليه السلام فقتلت الشيعة فى كل بلدة و قطعت أيديهم و أرجلهم، و صلبوا على التهمة و الظنة من ذكر حبنا و الانقطاع الينا(1).

ثم لم يزل البلاء يشتد و يزداد الى زمان ابن زياد بعد قتل الحسين ثم جاء الحجاج فقتلهم بكل قتلة و بكل ظنة و بكل تهمة، حتى أن الرجل ليقال له: زنديق أو مجوسي كان ذلك أحب اليه من أن يشار اليه من أنه من شيعة الحسين صلوات اللّه عليه، و ربما رأيت الرجل الذي يذكر بالخير و لعله يكون ورعا صدوقا يحدث بأحاديث عظيمة عجيبة من تفضيل بعض من قد مضى من الولاة، لم يخلق اللّه منها شيئا قط، و هو يحسب أنها حق لكثرة من قد سمعها منه ممن لا يعرف بكذب و لا بقلة ورع، و يروون عن علي عليه السّلام أشياء قبيحة، و عن الحسن و الحسين عليهما السّلام ما يعلم اللّه أنهم قد رووا في ذلك الباطل و الكذب و الزور.

قلت له: أصلحك اللّه سم لي من ذلك شيئا؟ قال: رووا أن سيدي كهول أهل الجنة أبو بكر و عمر، و أن عمر محدث(2) و أن الملك يلقنه، و أن السكينة تنطق على لسانه، و أن عثمان الملائكة تستحي منه(3) و أثبت حرا فما عليك الا نبي و صديق و شهيد، حتى عدد أبو جعفر عليه السّلام أكثر من مائة رواية يحسبون أنها حق، فقال: هي

ص: 68


1- في نسخة شارح النهج هكذا: و كان من يذكر بحبنا و الانقطاع الينا سجن او نهب ماله او هدمت داره ثم لم يزل... الخ. (عن الهامش)
2- أخرج ابن الاثير فى «أسد الغابة» ج 3 ص 215 عن على (ع) ان رسول اللّه (ص) نظر الى أبى بكر و عمر فقال: هذان سيدا كهول أهل الجنة من الاولين و الاخرين الا النبيين و المرسلين لا تخبرهما يا على». و أخرج فى ج 4 ص 64 من نفس الكتاب عن عائشة قالت: قال رسول اللّه (ص): «قد كان يكون فى الامم محدثون فان يكن فى امتى فعمر بن الخطاب».
3- فى منتخب كنز العمال المطبوع بهامش مسند أحمد ج 5 ص 2 عن عائشة عن النبى ص: «ان عثمان حيى ستير تستحى منه الملائكة».

و اللّه كلها كذب و زور، قلت: أصلحك اللّه لم يكن منها شيء؟ قال عليه السّلام: منها موضوع و منها محرف، فأما المحرف فانما عني «عليك نبي اللّه و صديق و شهيد» يعني عليا عليه السّلام فقبلها و مثله، و كيف لا يبارك لك و قد علاك نبي و صديق و شهيد يعني عليا عليه السّلام، و عامها كذب و زور و باطل، اللهم اجعل قولي قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و قول علي عليه السّلام ما اختلف فيه امة محمد من بعده الى أن يبعث اللّه المهدي عليه السّلام.

ذكر فضل قريش و الانصار

أبان، عن سليم، قال(1): رأيت عليا عليه السّلام في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في خلافة عثمان و عدة جماعة يتحدثون و يتذاكرون الفقه و العلم، فذكروا قريشا و فضلها و سوابقها و هجرتها، و ما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فيهم مثل قوله صلّى اللّه عليه و آله: الائمة من قريش(2) و قوله صلّى اللّه عليه و آله: الناس تبع لقريش، و قريش أئمة العرب، و قوله صلّى اللّه عليه و آله: لا تسبوا قريشا و قوله صلّى اللّه عليه و آله: ان للقرشي قوة رجلين عن غيرهم، و قوله صلّى اللّه عليه و آله: أبغض اللّه من أبغض قريشا، و قوله صلّى اللّه عليه و آله: من أراد هو ان قريش أهانه اللّه.

و ذكروا الانصار و فضلها و سوابقها و نصرتها، و ما أثنى اللّه عليهم في كتابه، و ما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فيهم من الفضل، و ذكروا ما قال صلّى اللّه عليه و آله في سعد بن معاذ(3)

ص: 69


1- أورد هذا الحديث الحموينى فى فرائد السمطين الى قوله: «كل ذلك يصدقونه و يشهدون أنه حق». راجع فرائد السمطين ج 1 ص 312، كما أورده فى الاحتجاج ج 1 ص 210 الى قوله: «جميع أوزار هذه الامة الى يوم القيامة».
2- أخرج البخارى فى صحيحه ج 5 ص 13 باب فضل قريش: عن ابن عمر، عن النبى (ص) قال: «لا يزال هذا الامر فى قريش ما بقى منه اثنان».
3- فانه لما مات أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم بغسله فغسل على عضادة الباب فلما أن حنط و كفن و حمل على سريره تبعه رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم، ثم كان يأخذ يمنة السرير مرة و يسرة السرير مرة حتى انتهى به القبر، فنزل رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم حتى لحده و سوى عليه اللبن، و جعل يقول: ناولونى ترابا رطبا يسد به ما بين اللبن و لما رجع و رجع الناس، قالوا: يا رسول اللّه، لقد رأيناك صنعت على سعد ما لم تصنعه على أحد، انك تبعت جنازته بلا رداء و لا حذاء؟! فقال صلى اللّه عليه و آله و سلم: ان الملائكة كانت بلا حذاء و لا رداء فتأسيت بها، قالوا: و تأخذ يمنة السرير مرة و يسرة السرير مرة ؟ قال صلى اللّه عليه و آله و سلم: كانت يدى فى يد جبرئيل آخذ حيث ما أخذ أورد ذلك الصدوق فى العلل و الشيخ الطوسى فى الامالى و غيرهما. (عن هامش بعض نسخ الكتاب)

في جنازته، و غسيل الملائكة(1) و الذي حمته الدبر(2) حتى لم يدعوا شيئا من فضلهم، فقال كل حي: منا فلان و فلان، و قالت قريش: منا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و منا حمزة و جعفر، و منا عبيدة بن الحارث(3) و زيد بن حارثة(4) و أبو بكر و عمر و سعد

ص: 70


1- غسيل الملائكة هو حنظلة بن أبى عامر الانصارى رضى اللّه عنه، استشهد يوم أحد و غسلته الملائكة و أولاده ينسبون اليه الغسيليين، منهم أبو اسحاق ابراهيم بن اسحاق بن ابراهيم بن عيسى الانصارى الغسيلى؛ أورد ذلك الزبيدى فى تاج العروس - بمادة غسيل -. (عن هامش بعض نسخ الكتاب)
2- الدبر بالفتح جماعة النحل و الزنابير، فسر أهل الغريب بهما فى قصة عاصم بن ثابت الانصارى المعروف بحمى الدبر، أصيب يوم أحد فمنعت النحل الكفار منه، و ذلك أن المشركين لما قتلوه أرادوا أن يمثلوا به، فسلط عليه الزنابير الكبار تأبر الدارع فارتدعوا عنه حتى أخذه المسلمون فدفنوه، و فى الحديث: فأرسل اللّه عليهم مثل الظلة من الدبر، قيل النحل و قيل الزنابير أورد ذلك الزبيدى فى تاج العروس بمادة - دبر -. (عن هامش بعض نسخ الكتاب)
3- بن عبد المطلب، أسلم قديما و كان رأى بنى عبد مناف، هاجر و شهد بدرا و بارز فيها مع حمزة و على عتبة بن ربيعة و الوليد، اصيب فى هذه المبارزة فى ساقه و حمل الى المدينة و مات بعد ذلك بالصفراء.
4- مولى رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله، اشتراه رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله فى مكة من مال خديجة و هو ابن ثمان سنين، فأعتقه و تبناه، قال ابن عمر: ما كنا ندعو زيد بن حارثة الا زيد بن محمد حتى أنزل اللّه تعالى: اُدْعُوهُمْ لِآبٰائِهِمْ... الاية، آخى رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله بينه و بين حمزة بن عبد المطلب و هو الذى اختار المكوث و البقاء عند رسول اللّه عندما جاء أبوه و أعمامه يفتدونه من رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ليرجع معهم الى دياره، (راجع اسد الغابة ج 2 ص 224).

و أبو عبيدة و سالم و ابن عوف، فلم يدعوا أحدا من الحيين من أهل البيت السابقين الا سموه، و في الحلقة أكثر من مائتي رجل، منهم مسانيد الى القبلة، و منهم في الحلقة.

فكان من حفظت من قريش علي بن أبي طالب - صلوات اللّه عليه - و سعد و ابن عوف و الزبير و طلحة و عمار و المقداد و أبو ذر و هاشم بن عتبة(1) و عبد اللّه بن عمر و الحسن و الحسين و ابن عباس و محمد بن أبي بكر و عبد اللّه بن جعفر(2) و عبيد اللّه بن العباس(3).

ص: 71


1- بن أبى وقاص و هو ابن أخى سعد بن أبى وقاص، يكنى أبا عمرو، و يعرف بالمر قال، نزل الكوفة و أسلم يوم الفتح و كان من الشجعان الابطال و الفضلاء الاخيار، فقئت عينه يوم اليرموك بالشام، و هو الذى افتتح جلولاء من بلاد الفرس و هزم الفرس، شهد صفين مع على و كانت معه الراية و هو على الرجالة و قتل يومئذ فى صفين، (راجع أسد الغابة ج 5 ص 49).
2- يكنى أبا جعفر، امه أسماء بنت عميس و هو أول مولود للمسلمين فى الحبشة، كان أحد المشهورين بالجود فى الاسلام، توفى بالمدينة سنة ثمانون من الهجرة و له من العمر تسعون سنة، (راجع الدرجات الرفيعة للسيد على خان المدنى ص 168).
3- كان أصغر من أخيه عبد اللّه، قيل انه رأى النبى و سمع منه و حفظ عنه، و كان أحد الاجواد، استعمله امير المؤمنين (ع) على اليمن ثم تنحى عنها عند ما هاجمها بسر بن أرطاة، توفى بالمدينة سنة ثمان و خمسين، (راجع الدرجات الرفيعة ص 144).

و من الانصار ابي بن كعب(1) و زيد بن ثابت و أبو أيوب(2) و أبو الهيثم ابن التيهان(3) و محمد بن سلمة و قيس بن سعد(4) ، و جابر بن عبد اللّه(5) و أبو مريم و أنس بن مالك(6) و زيد بن أرقم(7) و عبد اللّه بن أبي أوفى و أبو ليلى، و

ص: 72


1- الانصارى الخزرجى، شهد العقبة و بدر، قال ابن الاثير فى اسد الغابة ج 1 ص 49: «قال أبو نعيم: اختلف فى وفاة ابى، فقيل: توفى سنة اثنتين و عشرين فى خلافة عمر و قيل: سنة ثلاثين فى خلافة عثمان و هو الصحيح».
2- الانصارى، و اسمه خالد بن زيد بن كليب الانصارى الخزرجى، شهد العقبة و بدرا واحدا و الخندق و سائر المشاهد مع رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و كان مع على (ع) و من خاصته، غزا أيام معاوية أرض الروم مع يزيد بن معاوية سنة احدى و خمسين فتوفى فى مدينة القسطنطينية، فأمر يزيد بالخيل فجعلت تقبل و تدبر على قبره حتى عفا أثر القبر، و هو الذى نزل رسول اللّه (ص) فى بيته عند قدومه الى المدينة، (راجع اسد الغابة ج 2 ص 143).
3- مالك بن التيهان، قال ابن الاثير فى اسد الغابة ج 5 ص 318: شهد العقبة و كان أحد النقباء، و شهد المشاهد مع رسول اللّه، و مات سنة عشرين او احدى و عشرين، و قيل انه أدرك صفين و شهدها مع على (ع) و قتل بها و هو الاكثر.
4- بن عبادة الانصارى الخزرجى، كان من فضلاء الصحابة و أحد دهاة العرب و كرمائهم، صحب عليا (ع) و شهد معه حروبه، و استعمله امير المؤمنين (ع) على مصر، كان على مقدمة جيش الحسن (ع)، و توفى سنة تسع و خمسين و قيل ستين، (راجع أسد الغابة ج 4 ص 216).
5- الانصارى شهد بدرا واحدا و الخندق و سائر المشاهد مع رسول اللّه (ص) و هو أول من أسلم من الانصار قبل العقبة الاولى، لقى الامام الباقر (ع) و كان من المعمرين.
6- بن النضر الانصارى الخزرجى، خادم رسول اللّه (ص)، خدم رسول اللّه (ص) و عمره تسع سنين أو ثمان سنين، كان من الذين كتموا الشهادة بحديث الولاية لامير المؤمنين (ع) فدعا عليه بأن يرميه اللّه ببياض لا تغطيه العمامة، فاصيب ببرص لم تكن تخفيه العمامة، توفى سنة احدى و تسعين على خلاف بين المؤرخين و هو آخر من مات من الصحابة فى البصرة كما نص على ذلك ابن الاثير. (راجع اسد الغابة ج 1 ص 127، و الاصابة لابن حجر ج 1 ص 71).
7- الخزرجى، شهد مع رسول اللّه (ص) سبع عشر غزوة، و استصغر يوم احد و كان يتيما فى حجر عبد اللّه بن رواحة، و سار معه الى مؤتة و هو الذى أخبر بمقولة عبد اللّه بن أبى سلول رأس المنافقين عندما قال لاصحابه: لا تنفقوا على من عند رسول اللّه حتى ينفضوا و لئن رجعنا الى المدينة ليخرجن الاعز منها الاذل، فكذبه المسلمون أول الامر ثم نزلت الاية: إِذٰا جٰاءَكَ الْمُنٰافِقُونَ قٰالُوا... الاية، فبعث رسول اللّه اليه و قال له: ان اللّه قد صدقك. سكن الكوفة و توفى بها سنة ثمان و ستين، و قيل مات بعد قتل الحسين بقليل، و شهد مع على صفين و كان معدودا فى خاصته كما ذكر ابن الاثير فى اسد الغابة.

معه ابنه عبد الرحمن قاعدا بجنبه غلام أمرد صبيح الوجه، و جاء أبو الحسن البصري و معه ابنه الحسن غلام أمرد صبيح الوجه معتدل القامة، قال: فجعلت أنظر اليه و الى عبد الرحمن بن أبي ليلى فلا أدري أيهما أجمل، غير أن الحسن أعظمهما و أطولهما، فأكثر القوم ذلك من بكرة الى حين حضرنا الصلاة الاولى، و عثمان في داره لا يعلم بشيء مما هم فيه، و علي بن أبي طالب عليه السّلام ساكت لا يتكلم هو و لا أحد من أهل بيته، و أقبل القوم عليه فقالوا: يا أبا الحسن ما يمنعك أن تتكلم ؟!

قال: ما من الحيين أحد الا و قد ذكر فضلا و قال حقا، ثم قال: يا معاشر قريش يا معاشر الانصار، بمن أعطاكم اللّه هذا الفضل ؟! أبأنفسكم و عشائركم و أهل بيوتاتكم أم بغيركم ؟! قالوا: بل أعطانا اللّه و من علينا برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، لا بأنفسنا و عشائرنا و أهل بيوتنا، قال: صدقتم يا معاشر الانصار، أتقرون أن الذي نلتم به خير الدنيا و الاخرة منا خاصة أهل البيت دونكم جميعا، و أن ابن عمي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول : اني و أخي علي بن أبي طالب لطينة، أبي آدم، قال أهل بدر و أهل احد و أهل

ص: 73

السابقة و القدمة: نعم، سمعنا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.

النبي و علي عليهما السلام كانا نورا قبل خلق آدم

و في رواية أخرى: كنا نورا يسعى بين يدي اللّه قبل أن يخلق اللّه آدم بأربعة عشر ألف سنة، فلما خلق آدم وضع ذلك النور في صلبه و أهبطه الى الارض(1) ، ثم حمله في السفينة في صلب نوح، ثم قذف به في النار في صلب ابراهيم، ثم لم يزل اللّه ينقلنا من الاصلاب الكريمة الى الارحام الطاهرة، و من الارحام الطاهرة الى الاصلاب الكريمة من الاباء و الامهات، لم يلتق واحد منهم على سفاح قط، فقال أهل السابقة و القدمة و أهل بدر و أهل احد: نعم، قد سمعنا ذلك من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.

قال: فأنشدكم اللّه أتقرون أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله آخى بين كل رجلين من أصحابه، و آخى بيني و بين نفسه، و قال: أنت أخي و أنا أخوك في الدنيا و الاخرة ؟ فقالوا:

اللهم نعم.

سدّ الابواب الا باب عليّ عليه السلام

قال: أتقرون أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله اشترى موضع مسجده و منازله فابتنى (فابتناه/خ ل)، ثم بنى عشرة منازل، تسعة له و جعل لي عاشرها في وسطها، و سد كل باب شارع الى المسجد غير بابي، فتكلم في ذلك من تكلم، فقال: ما أنا سددت أبوابكم و فتحت بابه، و لكن اللّه أمرنى بسد أبوابكم

ص: 74


1- أخرج الخوارزمى في «المناقب» ص 87 ط تبريز عن سلمان قال: سمعت حبيبى المصطفى محمدا (ص) يقول: كنت و على نورا بين يدى اللّه عز و جل مطيعا، يسبح اللّه ذلك النور و يقدسه قبل ان يخلق آدم بأربعة عشر آلف عام، فلما خلق اللّه آدم ركب ذلك النور فى صلبه فلم نزل فى شىء واحد حتى افترقنا فى صلب عبد المطلب فجزء أنا و جزء على بن أبى طالب». و أخرج قريبا من هذا الحديث جمع من المحدثين كأحمد بن حنبل فى «فضائل الصحابة»، و الفقيه ابن المغازلى فى «المناقب»، و العلامة سبط ابن الجوزى فى «تذكرة الخواص»، و ابن أبى الحديد المعتزلى فى شرح النهج ج 2 ص 450 ط مصر، و غيرهم.

و فتح بابه(1) ، و لقد نهى الناس جميعا أن يناموا في المسجد غيري و كنت اجنب في المسجد، و منزلي و منزل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في المسجد يولد لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ولي فيه أولاد؟ قالوا: اللهم نعم.

بعض مناقب امير المؤمنين عليه السلام

قال: أفتقرون أن عمر حرص على كوة(2) قدر عينه يدعها من منزله الى المسجد فأبى عليه، ثم قال صلّى اللّه عليه و آله: ان اللّه أمر موسى أن يبني مسجدا لا يسكنه غيره و غير هارون و ابنيه، و ان اللّه أمرني أن أبني مسجدا طاهرا لا يسكنه غيري و غير أخي و ابنيه(3) ؟ قالوا: اللهم نعم.

ص: 75


1- روى الصدوق فى «علل الشرايع» ج 1 ص 201 ط النجف، عن عباس قال لما سد رسول اللّه (ص) لابواب الشارعة الى المسجد الا باب على (ع) ضج أصحابه من ذلك، فقالوا: يا رسول اللّه لم سددت أبوابنا و تركت باب هذا الغلام ؟! فقال: ان اللّه تبارك و تعالى أمرنى بسد أبوابكم و ترك باب على، فانما أنا متبع لما يوحى الى من ربى». و أخرج الترمذى فى صحيحه ج 13 ص 173 ط الصاوى بمصر عن ابن عباس: «ان رسول اللّه (ص) أمر بسد الابواب الا باب على» و قد أخرج هذا الحديث أو قريبا منه جم غفير من علماء القوم منهم: الحافظ أبو نعيم فى «حلية الاولياء» ج 4 ص 153 ط السعادة بمصر، و الفقيه ابن المغازلى الواسطى فى «المناقب»، و الحافظ السمعانى النيسابورى فى «الرسالة القوامية فى مناقب الصحابة»، و الحموينى فى «فرائد السمطين»، و العلامة سبط ابن الجوزى فى «تذكرة الخواص»، و العلامة أبو الفداء ابن كثير الدمشقى فى «البداية و النهاية»، و غيرهم كثير.
2- الكوة بفتح الكاف و بضمها و تشديد الواو المفتوحة ثم الهاء: الخرق فى الحائط، جمعه كواء و كوى و كوات و كوات.
3- فى علل الشرايع ص 201 عن أبى رافع قال: ان رسول اللّه (ص) خطب الناس فقال: أيها الناس، ان اللّه عز و جل أمر موسى و هارون أن يبنيا بمصر بيوتا، و أمرهما أن لا يبيت فى مسجدهما جنب، و لا يقرب فيه النساء الا هارون و ذريته، و ان عليا منى بمنزلة هارون من موسى، فلا يحل لاحد أن يقرب النساء فى مسجدى و لا يبيت فيه جنب الا على و ذريته فمن ساءه ذلك فها هنا - و ضرب بيده نحو الشام - و قد أخرج قريبا منه فى «مجمع الزوائد» الحافظ نور الدين عنى بن أبى بكر، (راجع ج 9 ص 114 ط القاهرة).

قال: أفتقرون أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال في غزوة تبوك: أنت مني بمنزلة هارون من موسى، و أنت ولي كل مؤمن من بعدي ؟ قالوا: اللهم نعم.

قال: أفتقرون أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حين دعا أهل نجران الى المباهلة أنه لم يأت الابي و بصاحبتي و ابني ؟ قالوا: اللهم نعم.

قال: أتعلمون أنه دفع الي لواء خيبر، ثم قال: لادفعن الراية غدا الى رجل يحبه اللّه و رسوله، و يحب اللّه و رسوله، ليس بجبان و لا فرار، يفتحها اللّه على يده ؟(1) قالوا: اللهم نعم.

قال: أفتقرون أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بعثني ببراءة و قال: لا يبلغ عني الا رجل مني ؟(2) قالوا: اللهم نعم.

ص: 76


1- أخرج هذا الحديث عن رسول اللّه (ص) جم غفير من علماء القوم منهم أخطب خطباء خوارزم فى المناقب ص 102 عن عمر بن الخطاب قال: «قال رسول اللّه (ص) يوم خيبر: لاعطين الراية غدا رجلا يحب اللّه و رسوله و يحبه اللّه و رسوله كرار غير فرار، يفتح اللّه عليه، جبرئيل عن يمينه و ميكائيل عن يساره»، حتى قال: «فقام على بن أبى طالب من يديه و كأنه لم يرمد، و أعطاه الراية فقتل مرحب». و منهم المتقى الهندى فى «كنز العمال» ج 6 ص 975 ط حيدرآباد دكن، و أحمد ابن حنبل فى مسنده ج 5 ص 333 ط مصر، و البخارى فى صحيحه ج 4 ص 60 ط الاميرية و النسائى فى «الخصائص» ص 6 ط مصر، و الحافظ أبو نعيم فى «حلية الاولياء» ج 1 ص 62، و غيرهم.
2- روى فى علل الشرايع ج 1 ص 189؟ عن جميع بن عمير، قال صليت فى المسجد الجامع فرأيت ابن عمر جالسا، فجلست اليه، فقلت: حدثنى عن على، فقال: بعث رسول اللّه (ص) أبا بكر ببراءة فلما أتى ذا الحليفة أتبعه عليا فأخذها منه، قال أبو بكر: يا على ما لى، أنزل فى شىء؟!، قال: لا، و لكن رسول اللّه (ص) قال: لا يؤدى عنى الا أنا أو رجل من أهل بيتى.

قال: أفتقرون أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لم تنزل به شديدة قط الا قدمني لها ثقة بي، و أنه لم يدع باسمي قط الا أن يقول: يا أخي و ادخلوا الي أخي ؟ قالوا: اللهم نعم.

قال: أفتقرون أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قضى بيني و بين جعفر و زيد في ابنة حمزة، فقال: يا علي أما أنت مني و أنا منك، و أنت ولي كل مؤمن بعدي ؟(1). قالوا:

اللهم نعم.

قال: أفتقرون أنه كانت لي من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في كل يوم و ليلة دخلة و خلوة، اذا سألته أعطاني، و اذا سكت ابتدأني ؟(2) قالوا: اللهم نعم.

قال: أفتقرون أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فضلني على جعفر و حمزة، فقال لفاطمة: اني

ص: 77


1- أخرج الخوارزمى فى «المناقب» ص 35 ط تبريز، عن عبد الرحمن بن أبى ليلى حديثا طويلا فى فضائل على (ع) فيه: أن النبى (ص) قال له: «أنت امام كل مؤمن و مؤمنة، و ولى كل مؤمن و مؤمنة بعدى».
2- أخرج الترمذى فى صحيحه ج 13 ص 170 ط مصر، عن عبد الرحمن بن عبد اللّه بن عمرو بن هند الجملى قال: قال على: كنت اذا سألت رسول اللّه (ص) أعطانى، و اذا سكت ابتدأنى. و أخرج قريبا منه الحافظ النسائى فى «الخصائص» ص 30 ط مصر، و الحاكم النيشابورى فى «المستدرك» ج 3 ص 125، و الحافظ أبو نعيم فى «حلية الاولياء» ج 4 ص 382، و العلامة الذهبى فى «تلخيص المستدرك» و العلامة اسماعيل بن عمر بن كثير فى فى «التفسير» ج 5 ص 245، و غيرهم.

زوجتك خير أهلي و خير امتي، أقدمهم سلما، و أعظمهم حلما، و أكثرهم علما؟(1) قالوا: اللهم نعم.

قال: أفتقرون أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال: أنا سيد ولد آدم، و أخي علي سيد العرب، و فاطمة سيدة نساء أهل الجنة ؟(2) قالوا: اللهم نعم.

قال: أفتقرون أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أمرني بغسله و أخبرني أن جبرئيل يعينني عليه ؟ قالوا: اللهم نعم.

قال: أفتقرون أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال في آخر خطبة خطبكم: أيها الناس، اني قد تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب اللّه و أهل بيتي ؟(3)

ص: 78


1- أخرج الخوارزمي في «المناقب» ص 63 ط تبريز: عن بريدة، عن أبيه حديثا فيه قال رسول اللّه (ص) لفاطمة (ع): «يا فاطمة، أما ترضين أن زوجتك خير امتى أقدمهم سلما، و أكثرهم علما، و أعظمهم حلما». و أخرج قريبا منه الجاحظ فى «العثمانية ص 289 ط دار الكتب بمصر، و ابن عبد البر فى «الاستيعاب» ص 460 ط حيدرآباد الدكن، و ابن الاثير الجزرى فى «اسد الغابة» ج 5 ص 52 ط مصر، و أحمد بن حنبل فى «المسند» ج 5 ص 26 ط مصر، و غيرهم.
2- أخرج الحاكم النيشابورى فى «المستدرك» ج 3 ص 151 ط حيدرآباد دكن عن حذيفة قال: «قال رسول اللّه (ص): نزل ملك من السماء فاستأذن اللّه أن يسلم على، لم ينزل قبلها، فبشرنى أن فاطمة سيدى نساء أهل الجنة»، قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الاسناد». و أخرج قريبا منه الحافظ أبو نعيم الاصفهانى فى «حلية الاولياء» ج 4 ص 190 ط مصر، و الحافظ البيهقي فى «الاعتقاد» ص 165 ط كامل مصباح، و ابن عساكر الدمشقى فى «التاريخ» ج 4 ص 95 ط الشام، و العلامة أخطب خطباء خوارزم فى «مقتل الحسين» ص 55 ط الغرى، و غيرهم.
3- قال رسول اللّه (ص): «انى تارك فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا كتاب اللّه و أهل بيتى»، أخرج هذا الحديث بلفظه العلامة ابن عبد ربه فى «العقد الفريد» ج 2 ص 111 ط مصر، و الفقيه ابن المغازلى فى «المناقب» و ابن تيمية الحنبلى فى «منهاج السنة» و غيرهم.

قالوا: اللهم نعم.

قال: فلم يدع شيئا مما أنزل اللّه فيه خاصة، و في أهل بيته من القرآن و لا على لسان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله الا ناشدهم اللّه به، منه ما يقولون جميعا: نعم، و منه ما يسكت بعضهم و يقول بعضهم: اللهم نعم، و يقول الذين سكتوا: أنتم عندنا ثقات و قد حدثنا غيركم ممن نثق به أنهم سمعوه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.

ثم قال حين فرغ: اللهم اشهد عليهم، قالوا: اللهم اشهد أنا لم نقل الا حقا و ما قد سمعناه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و قد حدثنا من نثق به أنهم سمعوه من رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم.

قوله صلى اللّه عليه و آله: من زعم انه يجبنى و يبغض عليا فقد كذب

قال: أتقرون بأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال: من زعم أنه يحبني و يبغض عليا فقد كذب و ليس يحبني(1) - و وضع يده على صدري -، فقال له قائل: و كيف ذاك يا رسول اللّه ؟

قال: لانه مني و أنا منه، و من أحبه فقد أحبني، و من أحبني فقد أحب اللّه،

ص: 79


1- أخرج ابن المغازلى فى «المناقب» ص 51 عن أنس بن مالك قال: كنا عند النبى (ص) و عنده جماعة من أصحابه فقالوا: و اللّه يا رسول اللّه انك أحب الينا من انفسنا و اولادنا، قال: و دخل على (ع) فنظر النبى (ص) اليه و قال له: كذب من زعم أنه يبغضك و يحبنى». و أخرج قريبا منه الكنجى الشافعى فى «كفاية الطالب» ص 180 ط الغرى، و العلامة ابن كثير فى البداية و النهاية ح 7 ص 354 ط مصر، و الخطيب الخوارزمى فى «المناقب» ص 45 ط تبريز، و العلامة العسقلانى فى «لسان الميزان» ج 4 ص 399 ط حيدرآباد دكن.

و من أبغضه فقد أبغضني، و من أبغضني فقد أبغض اللّه(1).

فقال نحو من عشرين رجلا من أفاضل الحيين: اللهم نعم، و سكت بقيتهم، فقال علي عليه السّلام للسكوت: ما لكم سكوت ؟! قالوا: هؤلاء الذين شهدوا عندنا ثقات في صدقهم و فضلهم و سابقتهم، فقال علي عليه السّلام: اللهم اشهد عليهم.

فقال طلحة بن عبيد اللّه - و كان داهية قريش -: فكيف نصنع بما ادعى ابو بكر و عمر و أصحابه الذين صدقوه و شهدوا على مقالته يوم أتوه بك و في عنقك حبل و صدقوك بما احتججت، ثم ادعى أنه سمع نبي اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول: ان اللّه أخبرني أن لا يجمع لنا أهل البيت النبوة و الخلافة، فصدقه بذلك عمر و أبو عبيدة و سالم و معاذ بن جبل ؟! ثم أقبل طلحة فقال: كل الذي ذكرت و ادعيت حق، و ما احتججت به من السابقة و الفضل نقر به و نعرفه، و أما الخلافة فقد شهد اولئك الخمسة بما سمعت.

فقال عند ذلك علي عليه السّلام - و غضب من مقالة طلحة -، فأخرج شيئا كان يكتمه، و فسر شيئا قد كان قاله يوم مات عمر لم يدر ما عنى به، و أقبل على طلحة و الناس يسمعون فقال: يا طلحة، أما و اللّه ما صحيفة ألقى اللّه بها يوم القيامة أحب الي من صحيفة هؤلاء الخمسة الذين تعاهدوا و تعاقدوا على الوفاء بها في الكعبة في حجة

ص: 80


1- أخرج الخطيب البغدادى فى «تاريخ بغداد» ج 13 ص 32 ط السعادة بمصر عن ابن مسعود قال: «قال رسول اللّه (ص): من أحبنى فليحب عليا، و من أبغض عليا فقد أبغضنى، و من أبغضنى فقد أبغض اللّه عز و جل»، و أخرج قريبا منه سبط ابن الجوزى فى «تذكرة الخواص» ص 32، و العلامة الحموينى فى «فرائد السمطين» ص 128، و السيوطى فى «ذيل اللئالى» ص 64 ط لكهنو، و ابن الاثير الجزرى فى «اسد الغابة» ج 4 ص 383، و غيرهم.

الوداع ان قتل اللّه محمدا أو مات أن يتوازروا و يتظاهروا علي فلا أصل الى الخلافة(1).

و قال عليه السّلام: و الدليل يا طلحة على باطل ما شهدوا عليه قول نبي اللّه صلّى اللّه عليه و آله يوم غدير خم: «من كنت أولى به من نفسه فعلي أولى به من نفسه»، فكيف أكون أولى بهم من أنفسهم و هم امراء علي و حكام ؟!

و قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى غير النبوة»(2).

أفلستم تعلمون أن الخلافة غير النبوة، و لو كان مع النبوة غيرها لاستثناه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله

و قوله: «اني تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب اللّه و عترتي، لا تتقدموهم، و لا تتخلفوا عنهم، و لا تعلموهم فانهم أعلم منكم»(3).

أفينبغي أن يكون الخليفة على الامة الا أعلمهم بكتاب اللّه و سنة نبيه، و قد قال اللّه:«أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لاٰ يَهِدِّي إِلاّٰ أَنْ يُهْدىٰ» (4) ، و قال:

«وَ زٰادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَ الْجِسْمِ» (5) ، و قال:«أَوْ أَثٰارَةٍ مِنْ عِلْمٍ» (6).

و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: ما ولت امة قط أمرها رجلا و فيهم أعلم منه الا لم يزل أمرهم يذهب سفالا حتى يرجعوا الى ما تركوا - يعني الولاية -، فهي غير الامارة على الامة!؟

ص: 81


1- تقدمت الاشارة الى هذه الصحيفة فى بعض التعليقات.
2- هذا الحديث من المتواترات عند الفريقين، و قد تقدمت الاشارة الى مداركه عند الخاصة و العامة.
3- تقدمت الاشارة الى مدارك هذا الحديث.
4- يونس 10:35
5- البقرة 2:247
6- الاحقاف 46:4

مناشدة امير المؤمنين عليه السلام ابن عمر

و الدليل على كذبهم و باطلهم و فجورهم أنهم سلموا علي بامرة المؤمنين بأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و هي الحجة عليهم و عليك خاصة، و على هذا الذي معك - يعني الزبير -، و على الامة رأسا، و على سعد و ابن عوف و خليفتكم هذا القائم - يعني عثمان -.

و انا معشر الشورى الستة أحياء كلنا، فلم جعلني عمر في الشورى ان كان قد صدق هو و أصحابه على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ؟!

أجعلنا في الشورى في الخلافة أم في غيرها؟! فان زعمتم أنه جعلها شورى في غير الامارة فليس لعثمان امارة، و لا بد من أن نتشاور في غيرها، لانه أمرنا أن نتشاور في غيرها، و ان كانت الشورى فيها فلم أدخلني فيهم ؟!

فهلا أخرجني و قد قال: ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أخرج أهل بيته من الخلافة، فأخبر أنه ليس لهم فيها نصيب، و لم قال عمر حين دعانا رجلا رجلا لابنه عبد اللّه و ها هو ذا، أنشدك باللّه ما قال لك حين خرجنا؟

فقال عبد اللّه: أما اذ ناشدتني فانه قال: ان بايعوا أصلع بني هاشم حملهم على المحجة البيضاء، و أقامهم على كتاب ربهم و سنة نبيهم.

ثم قال عليه السلام: يا ابن عمر، فما قلت انت عند ذلك ؟ قال: قلت له: ما يمنعك أن تستخلفه ؟ قال عليه السّلام: فما رد عليك ؟ قال: رد علي شيئا أكتمه، قال علي عليه السّلام:

فان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أخبرني بكل ما قال لك و قلت له، قال: و متى أخبرك ؟!

قال عليه السّلام: أخبرني في حياته، ثم أخبرني به ليلة مات أبوك في منامي، و من رأى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في المنام فقد رآه في اليقظة، قال: فما أخبرك ؟ قال عليه السّلام:

أنشدك اللّه يا ابن عمر لئن حدثتك به لتصدقن، قال: أو أسكت.

قال عليه السّلام: فانه قال لك حين قلت له: فما يمنعك أن تستخلفه ؟ قال: الصحيفة التي كتبناها بيننا، و العهد في الكعبة في حجة الوداع، فسكت ابن عمر، و قال:

ص: 82

أسألك بحق رسول اللّه لما أمسكت عني.

احتجاج امير المؤمنين عليه السلام على القوم

قال أبان، عن سليم: فرأيت ابن عمر في ذلك المجلس و قد خنقته العبرة و عيناه تسيلان، ثم أقبل علي عليه السّلام على طلحة و الزبير و ابن عوف و سعد، و قال:

و اللّه ان كان اولئك الخمسة كذبوا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فما يحل لكم ولايتهم، و ان كان صدقوا ما حل لكم أيها الخمسة أن تدخلوني معكم في الشورى لان ادخالكم اياي فيه خلاف على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و رغبة عنه.

ثم أقبل على الناس فقال: أخبروني عن منزلتي فيكم و ما تعرفوني به، أصدوق أنا عندكم أم كذاب ؟ فقالوا: بل صديق صدوق، لا و اللّه ما علمناك كذبت فى جاهلية و لا اسلام.

قال عليه السّلام: فو الذي أكرمنا أهل البيت بالنبوة فجعل منا محمدا و أكرمنا بعده أن جعل فينا ائمة المؤمنين لا يبلغ عنه غيرنا، و لا تصلح الامامة و الخلافة الا فينا، و لم يجعل اللّه لاحد من الناس فيها نصيبا و لاحقا، اما رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فخاتم النبيين ليس بعده رسول و لا نبي، ختم الانبياء برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله الى يوم القيامة، و ختم بالقرآن الكتب الى يوم القيامة، و جعلنا من بعد محمد خلفاه في ارضه، و شهداء على خلقه، فرض طاعتنا في كتابه، و قرننا بنفسه و نبيه في الطاعة في غير آية من القرآن و اللّه جعل محمدا نبيا، و جعلنا خلفاء من بعده في خلقه، و شهداء على خلقه، و فرض طاعتنا في كتابه المنزل، ثم أمر اللّه جل و عز نبيه أن يبلغ ذلك امته، فبلغهم كما أمره، فأيهما أحق بمجلس رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و بمكانه ؟! و قد سمعتم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حين بعثني ببراءة فقال: لا يصلح أن يبلغ عني الا أنا أو رجل مني، فلم يصلح لصاحبكم أن يبلغ عنه صحيفة قدر أربع أصابع(1) ، و لم يصلح أن يكون المبلغ لها غيري، فأيهما أحق بمجلسه و مكانه الذي يسمى خاصة من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ؟!

ص: 83


1- تقدم ذكر هذا الرواية و مداركها.

قال طلحة: قد سمعنا ذلك من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، ففسر لنا كيف لا يصلح لاحد أن يبلغ عن رسول اللّه و قد قال لنا و لسائر الناس: ليبلغ الشاهد الغائب، و قال بعرفة حين حج حجة الوداع: رحم اللّه من سمع مقالتي فوعاها ثم أبلغها غيره، فرب حامل فقه و لا فقه له، و رب حامل فقه الى من هو أفقه منه، ثلاثة لا يغل عليهن قلب امرىء مسلم، اخلاص العمل للّه، و السمع و الطاعة و المناصحة لولاة الامر، و لزوم جماعتهم فان دعوتهم محيطة من ورائهم، و قام في غير موطن، فقال: ليبلغ الشاهد الغائب ؟!

فقال عليه السّلام: ان الذي قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يوم غدير خم، و يوم عرفة في حجة الوداع، و يوم قبض في آخر خطبة خطبها حين قال: اني قد تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما ان تمسكتم بهما: كتاب اللّه و أهل بيتي، فان اللطيف الخبير عهد الي أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض كهاتين الاصبعين، فان احداهما قدام الاخرى فتمسكوا بهما لا تضلوا و لا تزلوا، و لا تقدموهم، و لا تخلفوا عنهم، و لا تعلموهم فانهم أعلم منكم.

و انما أمر العامة أن يبلغوا من لقوا من العامة بايجاب طاعة الائمة من آل محمد و ايجاب حقهم، و لم يقل ذلك في شيء من الاشياء غير ذلك.

و انما أمر العامة أن يبلغوا العامة بحجة من لا يبلغ عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله جميع ما بعثه اللّه به غيرهم، ألا ترى يا طلحة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال لي و أنتم تسمعون: يا أخي، انه لا يقضي عني ديني(1) و لا يبرىء ذمتي غيرك، أنت تبرىء ذمتي و تقاتل

ص: 84


1- كما أخرج قريبا منه العلامة الكشفى الحنفى الترمذى فى «المناقب المرتضوية» ص 129 ط بمبىء، كما أخرج العلامة البدخشى فى «مفتاح النجا» ص 64 مخطوط عن سلمان عن النبى (ص) قال: «على بن ابى طالب ينجز عداتى و يقضى دينى».

على سنتي، فلما ولي أبو بكر ما قضى عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله دينه و عداته فبايعتموه جميعا، فقضيت دينه و عداته، و أخبرهم أنه لا يقضي عنه دينه و عداته غيري، و لم يكن ما أعطاهم أبو بكر قضاء لدينه و عداته.

و انما كان قضى دينه و عداته هو الذي أبرأ دينه و قضى امانته، و انما يبلغ عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله جميع ما جاء عن اللّه عز و جل الائمة الذين فرض اللّه طاعتهم في كتابه و أمر بولايتهم، الذين من أطاعهم أطاع اللّه، و من عصاهم عصى اللّه.

قال طلحة: فرجت عني ما كنت أدري ما عني رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بذلك حتى فسرته لي، فجزاك اللّه يا أبا الحسن عن جميع الامة، يا أبا الحسن شيء اريد أن أسألك عنه، رأيتك خرجت بثوب مختوم فقلت: أيها الناس اني لم أزل مشغولا برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بغسله و تكفينه و دفنه، ثم شغلت بكتاب اللّه حتى جمعته لم يسقط منه حرف(1) ، فلم أر ذلك الذي كتبت و ألفت.

و رأيت عمر بعث اليك حين استخلف أن أبعث به الي فأبيت أن تفعل، فدعا عمر الناس فاذا شهد رجلان على آية قرآن كتبها، و ما لم يشهد عليه غير رجل واحد رماه و لم يكتبه.

و قد قال عمرو أنا أسمع: قد قتل يوم اليمامة رجال كانوا يقرأون قرآنا لا يقرأه غيره فذهب، و قد جاءت شاة الى صحيفة و كتاب عمر يكتبون فأكلتها و ذهب ما

ص: 85


1- أخرج أبو نعيم فى حلية الاولياء» ج 1 ص 67 ط السعادة بمصر عن على (ع) قال: لما قبض رسول اللّه (ص) أقسمت و حلفت أن لا أضع ردائى عن ظهرى حتى أجمع ما بين اللوحين، فما وضعت ردائى عن ظهرى حتى جمعت القرآن. و أورد قريبا منه أبو هلال العسكرى فى «الاوائل» مخطوط، و العلامة الخوارزمى فى «المناقب» ص 56 ط تبريز، و غيرهم.

فيها و الكاتب يومئذ عثمان فما تقولون ؟!

و سمعت عمر يقول و أصحابه الذين ألفوا و كتبوا على عهد عمر، و على عهد عثمان: ان الاحزاب تعدل سورة البقرة، و النور ستون و مائة آية، و الحجرات ستون آية (و الحجر تسعون و مائة آية/خ ل) فما هذا؟!

و ما يمنعك يرحمك اللّه أن تخرج ما ألفت للناس ؟! و قد شهدت عثمان حين أخذ ما ألف عمر فجمع له الكتاب، و حمل الناس على قراءة واحدة، و مزق مصحف ابي بن كعب(1) و ابن مسعود و أحرقهما بالنار فما هذا؟!

فقال أمير المؤمنين عليه السّلام: يا طلحة، ان كل آية أنزلها اللّه على محمد صلّى اللّه عليه و آله عندي باملاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و كل حلال أو حرام، أو حد أو حكم، أو شيء تحتاج اليه الامة الى يوم القيامة عندي مكتوب باملاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و خط يدي حتى أرش الخدش، قال طلحة: كل شيء من صغير أو كبير، أو خاص أو عام، كان أو يكون الى يوم القيامة، فهو مكتوب عندك ؟!

قال: نعم و سوى ذلك، ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أسر الي في مرضه مفتاح الف باب من العلم، يفتح كل باب ألف باب(2) ، و لو أن الامة منذ قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله اتبعوني و أطاعوني لاكلوا من فوقهم و من تحت أرجلهم.

يا طلحة ألست قد شهدت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حين دعا بالكتف ليكتب فيها ما لا تضل

ص: 86


1- أخرج العلامة الخوارزمي في «المناقب» ص 56 ط تبريز عن على بن رياح قال: «جمع القرآن على عهد رسول اللّه (ص) على بن أبى طالب و ابى بن كعب».
2- أخرج العلامة ابن حسنويه فى «در بحر المناقب» ص 15 مخطوط عن ابن عباس قال: قال أمير المؤمنين رضى اللّه عنه: «علمنى رسول اللّه (ص) ألف باب يفتح كل باب ألف باب». و أخرج قريبا منه العلامة الحموينى فى «فرائد السمطين» ج 1 ص 101 ح (70)، و المتقى الهندى فى «كنز العمال» المطبوع بهامش المسند ج 5 ص 43 ط مصر.

الامة و تختلف فقال صاحبك ما قال - ان نبي اللّه يهجر -(1) ،فغضب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ؟!

قال: بلى قد شهدت.

قال: فانكم لما خرجتم أخبرني بالذي أراد أن يكتب فيها و يشهد عليها العامة، فأخبره جبرئيل أن اللّه عز و جل قد علم من الامة الاختلاف و الفرقة، ثم دعا بصحيفة فأملى علي ما أراد أن يكتب في الكتف، و أشهد على ذلك ثلاثة رهط: سلمان و أبا ذر و المقداد، و سمى من يكون من أئمة الهدى الذين أمر اللّه بطاعتهم الى يوم القيامة، فسماني أولهم ثم ابني الحسن ثم الحسين ثم تسعة من ولد ابني هذا - يعني الحسين - كذلك كان يا أبا ذر و أنت يا مقداد؟ قالا: نشهد بذلك على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.

فقال طلحة: و اللّه لقد سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول لابي ذر ما أظلت الخضراء و لا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر(2) و لا أبر، و أنا أشهد أنهما لم يشهدا الا بحق، و لانت أصدق عندي منهما.

ثم أقبل عليه السّلام على طلحة فقال: اتق اللّه، و أنت يا زبير و أنت يا سعد و أنت يا ابن عوف اتقوا اللّه، و آثروا رضاه، و اختاروا ما عنده، و لا تخافوا في اللّه لومة لائم.

قال طلحة: ما أراك يا أبا الحسن أجبتني عما سألتك عنه من القرآن ألا تظهره

ص: 87


1- أخرج هذا المعنى البخارى فى الجهاد و السير، فى باب هل يستشفع الى أهل الذمة، و ابن سعد فى طبقاته ج 2 ص 36، و أحمد بن حنبل ج 3 ص 346، و مسلم فى صحيحه، فى كتاب الوصية، فى باب ترك الوصية، و نورد هنا الرواية بلفظ مسلم: «روى بسنده عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه قال: يوم الخميس و ما يوم الخميس، ثم جعل تسيل دموعه حتى رأيت على خديه كأنها نظام اللؤلؤ، قال: قال رسول اللّه (ص): ائتونى بالكتف و الدواة و اللوح أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده فقالوا: ان رسول اللّه يهجر».
2- أخرج هذا الحديث عن رسول اللّه (ص) ابن حجر فى الاصابة ج 4 ص 64، و ابن عبد البر فى الاستيعاب المطبوع بهامش الاصابة ج 4 ص 64 عن أبى الدرداء.

للناس ؟ قال: يا طلحة عمدا كففت عن جوابك، قال: فأخبرني عما كتب عمر و عثمان أقرآن كله، أم فيه ما ليس بقرآن ؟

قال طلحة: بل قرآن كله، قال: ان أخذتم بما فيه نجوتم من النار و دخلتم الجنة، فان فيه حجتنا و بيان حقنا و فرض طاعتنا، فقال طلحة: حسبي، أما اذ هو قرآن فحسبي.

ثم قال طلحة: فأخبرني عما في يدك من القرآن و تأويله، و علم الحلال و الحرام الى من تدفعه، و من صاحبه بعدك ؟ قال: الى الذي أمرني رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أن أدفعه اليه، قال: من هو؟ قال: وصيي و أولى الناس بالناس بعدي، ابني هذا الحسن.

ثم يدفعه ابني الحسن عند موته الى ابني هذا الحسين، ثم يصير الى واحد واحد من ولد الحسين حتى يرد آخرهم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حوضه، هم مع القرآن و القرآن معهم، لا يفارقونه و لا يفارقهم.

أما ان معاوية و ابنه سيليان بعد عثمان، ثم يليها سبعة من ولد الحكم بن أبي العاص واحدا بعد واحد تكملة اثني عشر امام ضلالة، و هم الذين رأى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله على منبره يردون امته على أدبارهم القهقرى(1) ، عشرة منهم من بني امية

ص: 88


1- قال الفخر الرازى فى «التفسير الكبير» فى ذيل تفسيره للاية: و ما جعلناه الرؤيا التى أريناك... الاية، «و القول الثالث: قال سعيد بن المسيب: رأى رسول اللّه (ص) بنى امية ينزون على منبره نزو القردة فساءه ذلك». و قال السيوطى فى «الدر المنثور» فى ذيل تفسير الاية المذكورة: «أخرج ابن أبى حاتم و ابن مردويه و البيهقى فى «الدلائل» و ابن عساكر عن سعيد بن المسيب قال: رأى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بنى امية على المنابر فساءه ذلك، فأوحى اللّه: انما هى دنيا اعطوها، فقرت عينه». و ذكر المتقى الهندى فى كنز العمال ج 7 ص 142 ما اورده السيوطى كاملا.

و رجلان أسسا ذلك لهم و عليهما مثل أوزار هذه الامة.

فقالوا: يرحمك اللّه يا أبا الحسن، و جزاك اللّه أفضل الجزاء عنا.

خطبة امير المؤمنين عليه السلام لما طلب منه استغفار الناس

أبان، عن سليم، قال: كنا جلوسا حول أمير المؤمنين عليه السّلام و حوله جماعة من أصحابه، فقال له قائل: يا أمير المؤمنين لو استنفرت الناس، فقام و خطب(1) فقال: أما أنا قد استنفرتكم فلم تنفروا، و دعوتكم فلم تسمعوا، فأنتم شهود كغياب و أحياء كأموات، و صم ذو و أسماع، أتلو عليكم الحكمة، و أعظكم بالموعظة الشافية الكافية، و أحثكم على جهاد أهل الجور، فما آتي على آخر كلامي حتى أراكم متفرقين حلقا شتى، تتناشدون الاشعار، و تضربون الامثال، و تسألون عن سعر التمر و اللبن.

تبت أيديكم، لقد سئمتم الحرب و الاستعداد لها، و أصبحت قلوبكم فارغة من ذكرها، شغلتموها بالاباطيل و الاضاليل، و يحكم اغزوهم قبل أن يغزوكم، فو اللّه ما غزي قوم قط في عقر دارهم الا ذلوا، و أيم اللّه ما أظن أن تفعلوا حتى يفعلوا وددت أني قد رأيتهم فلقيت اللّه على بصيرتي و يقيني و استرحت من مقاساتكم و ممارساتكم، فما أنتم الا كابل جمة ضل راعيها، فكلما ضمت من جانب انتشرت من جانب، كأني بكم - و اللّه فيما أرى - لو قد حمس الوغى و استحر الموت(2) قد انفرجتم عن علي بن أبي طالب انفراج الرأس و انفراج المرأة عن قبلها لا تمنع

ص: 89


1- أورد هذه الخطبة الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان العكبرى البغدادى فى المجالس، و السيد الشريف الرضى فى نهج البلاغة، و الديلمى فى الارشاد مع اختصار و كلهم بتفاوت يسير. (عن هامش بعض نسخ الكتاب)
2- استحر الموت بالراء المهملة المشددة، قال الجزرى فى النهاية: أى اشتد و كثر، و هو استفعل من الحر الشدة، و منه حديث على عليه السلام: حمس الوغى و استحر الموت انتهى، و قوله: «انفراج الرأس» أى تتفرقون عنى أشد تفرق و هو مثل من الامثال، قيل أول من تكلم به أكثم بن صيفى فى وصيته فقال: يا بنى لا تتفرقوا فى الشدائد انفراج الرأس، فانكم بعد ذلك لا تجتمعون على عسر. و قوله: «انفراج المرأة عن قبلها» قيل: معناه انفراج المرأة البغية و تسليمها لقبلها، و قيل: اريد انفراجها وقت الولادة، و قيل: وقت الطعان، و الاوسط أظهر. (عن هامش بعض نسخ الكتاب)

يد لامس.

قال الاشعث بن قيس: فهلا فعلت كما فعل ابن عفان ؟! فقال: أو كما فعل ابن عفان رأيتموني فعلت، أنا عائذ باللّه من شر ما تقول يا ابن قيس، و اللّه ان التي فعل ابن عفان لمخزاة لمن لا دين له، فكيف أفعل ذلك و أنا على بينة من ربي، و الحجة في يدي، و الحق معي ؟! و اللّه ان امرءا مكن عدوه من نفسه، يجز لحمه، و يفري جلده، و يهشم عظمه، و يسفك دمه، و هو يقدر على أن يمنعه، لعظيم وزره، ضعيف ما ضمت عليه جوانح صدره، فكن أنت ذاك يا ابن قيس.

فأما أنا فدون و اللّه أن اعطي بيدي ضربا بالمشرفي تطير له فراش الهام، و تطيح من(1) الاكف و المعاصم، و يفعل بعد ما يشاء.

ويلك يا ابن قيس، ان المؤمن يموت بكل ميتة غير انه لا يقتل نفسه، فمن قدر على حقن دمه ثم خلى عمن يقتله فهو قاتل نفسه.

يا ابن قيس، ان هذه الامة تفترق على ثلاث و سبعين فرقة، فرقة واحدة في الجنة، و اثنتان و سبعون في النار، و شرها و ابغضها الى اللّه و أبعدها منه السامرة، الذين يقولون: لا قتال، و كذبوا، قد أمر اللّه بقتال الباغين في كتابه و سنة نبيه و كذلك المارقة.

فقال ابن قيس - و غضب من قوله -: فما يمنعك يا ابن أبي طالب حين بويع

ص: 90


1- الاصح: منه.

أبو بكر أخو بني تيم، و أخو بني عدي بن كعب، و أخو بني امية بعدهم أن تقاتل و تضرب بسيفك و أنت لا تخطبنا خطبة منذ كنت قدمت العراق الا قلت فيها قبل على المنبر:

«و اللّه اني لاولى الناس بالناس، و ما زلت مظلوما منذ قبض محمد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فما منعك أن تضرب بسيفك دون مظلمتك ؟!

قال: يا ابن قيس، اسمع الجواب، لم يمنعني من ذلك الجبن، و لا كراهية للقاء ربي و أن لا أكون أعلم ان ما عند اللّه خير لي من الدنيا و البقاء فيها، و لكن منعني من ذلك أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و عهده الي، أخبرني رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بما الامة صانعة بعده(1) ، فلم أك بما صنعوا حين عاينته بأعلم و لا أشد استيقانا مني به قبل ذلك، بل أنا بقول رسول اللّه أشد يقينا مني بما عاينت و شهدت، فقلت: يا رسول اللّه فما تعهد الي اذا كان ذلك ؟ قال: ان وجدت أعوانا فانبذ اليهم و جاهدهم، و ان لم تجد أعوانا فاكفف يدك، و احقن دمك، حتى تجد على اقامة الدين و كتاب اللّه و سنتي أعوانا.

و أخبرني صلّى اللّه عليه و آله أن الامة ستخذلني و تبايع غيري، و تتبع غيري، و أخبرني صلّى اللّه عليه و آله أني منه بمنزلة هارون من موسى، و أن الامة سيصيرون بعده بمنزلة هارون و من تبعه و العجل و من تبعه، اذ قال له موسى:«يٰا هٰارُونُ مٰا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا ، ألا تتبعني أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي قٰالَ، يَا بْنَ أُمَّ لاٰ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَ لاٰ بِرَأْسِي، إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرٰائِيلَ وَ لَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي» (2) و انما يعني أن موسى أمر هارون حين استخلفه

ص: 91


1- أخرج البخارى فى «التاريخ الكبير» ج 1 ص 174 ط حيدرآباد دكن عن ثعلبة بن يزيد الحمانى قال قال النبى (ص) لعلى: «ان الامة ستغدر بك و لا يتابع عليك». و أخرج قريبا منه الحافظ الدولابى فى «الكنى و الاسماء» ج 1 ص 104 ط حيدرآباد دكن، و الحاكم النيشابورى فى «المستدرك» ج 3 ص 140 ط حيدرآباد دكن، و الخطيب البغدادى فى «تاريخ بغداد» ج 11 ص 216 ط السعادة بمصر، و ابن أبى الحديد فى «شرح النهج» ج 3 ص 66 ط القاهرة، و غيرهم
2- طه 20:92-94

عليهم ان ضلوا فوجد أعوانا أن يجاهدهم، و ان لم يجد أعوانا أن يكف يده، و يحقن دمه، و لا يفرق بينهم.

و اني خشيت أن يقول ذلك أخي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: لم فرقت بين الامة و لم ترقب قولي، و قد عهدت اليك أنك ان لم تجد أعوانا أن تكف يدك، و تحقن دمك و دم أهلك و شيعتك ؟!

فلما قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله مال الناس الى أبي بكر فبايعوه و أنا مشغول برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بغسله و دفنه، ثم شغلت بالقرآن فآليت يمينا أن لا أرتدي الا للصلاة حتى أجمعه في كتاب ففعلت(1).

ثم حملت فاطمة و أخذت بيدي الحسن و الحسين فلم أدع أحدا من أهل بدر و أهل السابقة من المهاجرين و الانصار الا ناشدتهم اللّه و حقي و دعوتهم الى نصرتي، فلم يستجب لي من جميع الناس الا أربعة رهط: الزبير و سلمان و أبو ذر و المقداد(2).

و لم يكن معي أحد من أهل بيتي أصول به و لا أقوى به، أما حمزة فقتل يوم احد، و أما جعفر فقتل يوم مؤتة، و بقيت بين جلفين جافين ذليلين حقيرين: العباس و عقيل، و كانا قريبي العهد بكفر، فأكرهوني و قهروني.

فقلت كما قال هارون لاخيه: «يا ابن ام ان القوم استضعفوني و كادوا يقتلونني» فلي بهارون اسوة حسنة، ولي بعهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله الي حجة قوية.

قال الاشعث: كذلك صنع عثمان استغاث بالناس و دعاهم الى نصرته فلم يجد أعوانا فكف يده حتى قتل مظلوما.

قال: ويلك يا ابن قيس، ان القوم حين قهروني و استضعفوني و كادوا يقتلونني لو قالوا لي: نقتلك البتة لامتنعت من قتلهم اياي، و لو لم اجد غير نفسي وحدي،

ص: 92


1- تقدمت الاشارة الى مدارك هذا المقطع من الرواية.
2- تقدمت الاشارة الى مدارك هذا المقطع من الرواية.

و لكن قالوا: ان بايعت كففنا عنك، و أكرمناك و قربناك و فضلناك، و ان لم تفعل قتلناك، فلما لم أجد أحدا بايعتهم، و بيعتي اياهم لا تحق لهم باطلا، و لا توجب لهم حقا.

فلو كان عثمان - حين قال له الناس: اخلعها و نكف عنك - خلعها لم يقتلوه، و لكنه قال: لا أخلعها، قالوا: فانا قاتلوك، فكف يده عنهم حتى قتلوه، و لعمري لخلعه اياها كان خيرا له لانه أخذها بغير حق، و لم يكن له فيها نصيب، و ادعى ما ليس له و تناول حق غيره.

ويلك يا ابن قيس، ان عثمان لا يعدو أن يكون أحد رجلين: اما أن يكون القوم دعوه الى أن ينصروه، فنهاهم عن نصرته، فلم يكن له أن ينهى المسلمين عن أن ينصروا اماما هاديا مهتديا، لم يحدث حدثا و لم يؤو محدثا، و بئس ما صنع حين نهاهم، و بئس ما صنعوا حين أطاعوه.

و اما أن يكونوا لم يروه أهلا لنصرته، لجوره و حكمه بخلاف الكتاب و السنة، و قد كان مع عثمان من أهل بيته و مواليه و أصحابه أكثر من أربعة آلاف رجل، و لو شاء أن يمتنع بهم لفعل، فلم نهاهم عن نصرته ؟! و لو كنت وجدت يوم بويع أبو بكر أربعين رجلا مطيعين لجاهدتهم.

و أما يوم بويع عمر و عثمان فلا لاني كنت بايعت، و مثلي لا ينكث بيعته، ويلك يا ابن قيس، كيف رأيتني صنعت حين قتل عثمان و وجدت أعوانا؟!

هل رأيت مني فشلا أو جبنا أو تقصيرا في وقعتي يوم البصرة و هم حول جملهم الملعون و من معه ؟!

الملعون من قتل حوله، الملعون من رجع بعده لا تائبا و لا مستغفرا، فانهم قتلوا أنصاري، و نكثوا بيعتي، و مثلوا بعاملي، و بغوا علي، و سرت اليهم في اثني

ص: 93

عشر ألفا - و في رواية اخرى: أقل من عشرة آلاف، و هم نيف على عشرين و مائة ألف -، - و في رواية: زيادة على خمسين الفا - فنصرني اللّه عليهم، و قتلهم بأيدينا، و شفى صدور قوم مؤمنين.

و كيف رأيت يا ابن قيس وقعتنا بصفين و ما قتل اللّه منهم بأيدينا خمسين ألفا في صعيد واحد الى النار - و في رواية اخرى: زيادة على سبعين ألفا -؟! و كيف رأيتنا يوم النهروان اذ لقيت المارقين و هم مستبصرون متدينون «قد ضل سعيهم في الحياة الدنيا و هم يحسبون أنهم يحسنون صنعا» فقتلهم اللّه في صعيد واحد الى النار، لم يبق منهم عشرة، و لم يقتلوا من المؤمنين عشرة ؟!.

ويلك يا ابن قيس، هل رأيت لي لواء رد أو راية ردت ؟! اياي تعير يا ابن قيس، و أنا صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في جميع مواطنه و مشاهده، و المتقدم الى الشدائد بين يده، لا أفر و لا ألوذ، و لا أعتل و لا أنحاز، و لا أمنح العدو دبري ؟! انه لا ينبغي للنبي و لا للوصي اذا لبس لامته و قصد لعدوه أن يرجع أو ينثني، حتى يقتل أو يفتح اللّه له.

يا ابن قيس، هل سمعت لي بفرار قط أو نبوة ؟! يا ابن قيس، أما و الذي فلق الحبة و برأ النسمة، لو وجدت يوم بويع أبو بكر الذي عيرتني بدخولي في بيعته أربعين رجلا - كلهم على مثل بصيرة الاربعة الذين وجدت - لما كففت يدي، و لناهضت القوم، و لكن لم أجد خامسا.

قال الاشعث: و من الاربعة يا أمير المؤمنين ؟ قال: سلمان و أبو ذر و المقداد و الزبير بن صفية قبل نكثه بيعتي، فانه بايعني مرتين، أما بيعته الاولى التي وفى بها فانه لما بويع أبو بكر أتاني أربعون رجلا من المهاجرين و الانصار، فبايعوني و فيهم الزبير، فأمرتهم أن يصبحوا عند بابي محلقين رؤوسهم، عليهم السلاح، فما وفى منهم أحد، و لا صبحني منهم غير أربعة: سلمان و أبو ذر و المقداد و الزبير.

ص: 94

و أما بيعته الاخرى فانه أتاني هو و صاحبه طلحة بعد قتل عثمان فبايعاني طائعين غير مكرهين ثم رجعا عن دينهما مرتدين ناكثين مكابرين معاندين حاسدين فقتلهما اللّه الى النار، و أما الثلاثة: سلمان و أبو ذر و المقداد فثبتوا على دين محمد صلّى اللّه عليه و آله و ملة ابراهيم حتى لقوا اللّه، يرحمهم اللّه.

يا ابن قيس، فو اللّه لو أن اولئك الاربعين الذين بايعوني وفوا لي و أصبحوا على بابي محلقين قبل أن تجب لعتيق في عنقي بيعته لناهضته و حاكمته الى اللّه عز و جل، و لو وجدت قبل بيعة عمر أعوانا لناهضتهم و حاكمتهم الى اللّه، فان ابن عوف جعلها لعثمان و اشترط عليه فيهما بينه و بينه أن يردها عليه عند موته، فأما بعد بيعتي اياهم فليس الى مجاهدتهم سبيل.

فقال الاشعث: و اللّه لئن كان الامر كما تقول لقد هلكت الامة غيرك و غير شيعتك، فقال: ان الحق و اللّه معي يا ابن قيس كما أقول، و ما هلك من الامة الا الناصبين و المكابرين و الجاحدين و المعاندين، فأما من تمسك بالتوحيد، و الاقرار بمحمد و الاسلام، و لم يخرج من الملة، و لم يظاهر علينا الظلمة، و لم يصب لنا العداوة، و شك في الخلافة، و لم يعرف أهلها و ولاتها، و لم يعرف لنا ولاية، و لم ينصب لنا عداوة، فان ذلك مسلم مستضعف يرجى له رحمة اللّه و يتخوف عليه ذنوبه.

قال أبان: قال سليم بن قيس: فلم يبق يومئذ من شيعة علي عليه السّلام أحد الا تهلل وجهه و فرح بمقالته، اذ شرح أمير المؤمنين عليه السّلام الامر و باح به، و كشف الغطاء و ترك التقية، و لم يبق أحد من القراء ممن كان يشك في الماضين، و يكف عنهم، و يدع البداءة منهم ورعا و تأثما، الا استيقن و استبصر، و حسن و ترك الشك و الوقوف و لم يبق حوله ممن أبى بيعته على وجه ما بويع عثمان و الماضون قبله الا رأى ذلك في وجهه، و ضاق به أمره، و كره مقالته، ثم انه استبصر عادتهم و ذهب شكهم.

قال أبان، عن سليم: ما شهدت يوما قط على رؤوس العامة كان أقر لا عيننا من

ص: 95

ذلك اليوم، لما كشف للناس من الغطاء، و اظهر فيه من الحق، و شرح فيه من الامر و القي فيه من التقية، و كثرت الشيعة بعد ذلك المجلس من ذلك اليوم و تكلموا، و قد كانوا أقل أهل عسكره، و صار الناس يقاتلون معه على علم بمكانه من اللّه و رسوله، و صارت الشيعة بعد ذلك المجلس من أجل الناس أعظمهم - و في رواية أخرى:

جل الناس و أعظمهم -، و ذلك بعد وقعة النهروان و هو يأمر بالتهيئة و المسير الى معاوية، ثم لم يلبث أن قتل صلوات اللّه عليه، قتله ابن ملجم لعنه اللّه غيلة و فتكا، و قد كان سيفه مسموما، سمه قبل ذلك.

و عن أبان، قال سليم: كتب أبو المختار بن أبي الصعق الى عمر هذه الابيات(1):

ألا ابلغ أمير المؤمنين رسالة *** فأنت أمير اللّه في المال و الامر

و أنت أمين اللّه فينا و من يكن *** أميرا لرب الناس يسلم له صدري

فلا تدعن أهل الرساتيق و القرى *** يخونون مال اللّه في الادم الحمر

و أرسل الى النعمان و ابن معقل *** و أرسل الى حزم و أرسل الى بشر

و أرسل الى الحجاج و اعلم حسابه *** و ذاك الذي في السوق مولى بني بدر

و لا تنسين التابعين كليهما *** و صهر بني غذوان في القوم ذا وفر

و ما عاصم فيها بصفر عيابه *** و لا ابن غلاب من رماة بني نصر

و استل ذاك المال دون ابن محرز *** و قد كان منه في الرساتيق ذا وفر

فأرسل اليهم يصدقوك و يخبروا *** أحاديث هذا المال من كان ذا فكر

و قاسمهم أهلي فداؤك انهم *** سيرضون ان قاسمتهم منك بالشطر

و لا تدعوني للشهادة انني *** أغيب و لكني أرى عجب الدهر

أرى الخيل كالجدران و البيض كالدمى *** و خطية في عدة النمل و القطر

ص: 96


1- أورد المجلسى فى البحار هذه الابيات و ما يليها من الفقرات فى ج 8 ص 223 عن سليم.

و من ريطة مطوية في قرابها *** و من طي ايراد مضاعفة صفر

اذا التاجر الداري جاء بفارة *** من المسك راحت في مفارقهم تجري

تنوب اذا نابوا و تغزوا اذا غزوا *** فان لهم مالا و ليس لنا وفر

و قال ابن غلاب المصري:

ألا ابلغ أبا المختار أني أتيته *** و لم أك ذا قربى لديه و لا صهر

و ما كان عندي من تراث ورثته *** و لا صدقات من سباء و لا غدر

و لكن دراك الركض في كل غارة *** و صبري اذا ما الموت كان ورا السمر

بسابغة يغشى اللبان فصولها *** اكفكفها عني بأبيض ذي وفر.

قال سليم: فأغرم عمر بن الخطاب تلك السنة جميع عماله أنصاف أموالهم لشعر أبي المختار، و لم يغرم قنفذ العدوي شيئا، و قد كان من عماله، و رد عليه ما أخذ منه و هو عشرون ألف درهم، و لم يأخذ منه عشره و لا نصف عشره.

و كان من عماله الذين اغرموا أبو هريرة، و كان على البحرين، فأحصى ماله فبلغ أربعة و عشرون ألفا، فأغرمه اثني عشر ألفا(1) ، قال أبان، قال سليم: فلقيت عليا - صلوات اللّه عليه - فسألته عما صنع عمر فقال: هل تدري لم كف عن قنفذ و لم يغرمه شيئا؟ فبلغ أربعة.

قال: لانه هو الذى ضرب فاطمة بالسوط حين جاءت لتحول بينى

ص: 97


1- أخرج ابن سعد في «طبقاته الكبرى» عن أبى هريرة قال: قال لى عمر: يا عدو اللّه و عدو كتابه أسرقت مال اللّه ؟! قال: فقلت له: ما أنا عدو اللّه و عدو كتابه، و لكنى عدو من عاداك، و ما سرقت مال اللّه؛ قال: فمن أين اجتمعت لك عشرة آلاف درهم ؟! قال فقلت: خيل تناتجت، و عطايا تلاحقت، و سهام تتابعت، قال: فقبضها منى، فلما صليث الصبح استغفرت لامير المؤمنين.

و بينهم، فماتت - صلوات اللّه عليها - و ان اثر السوط لفي عضدها مثل الدملج.

قال أبان، عن سليم، قال: انتهيت الى حلقة في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ليس فيها الا هاشمي غير سلمان و أبي ذر و المقداد و محمد بن أبي بكر و عمر بن أبي سلمة و قيس بن سعد بن عبادة.

فقال العباس لعلي - صلوات اللّه عليه -: ما ترى عمر منعه من أن يغرم قنفذا كما أغرم جميع عماله ؟ فنظر علي عليه السّلام الى من حوله ثم اغرورقت عيناه، ثم قال:

نشكو(1) له ضربة ضربها فاطمة بالسوط، فماتت و في عضدها أثره كأنه الدملج.

ثم قال عليه السّلام: العجب مما اشربت قلوب هذه الامة من حب هذا الرجل و صاحبه من قبله، و التسليم له في كل شيء أحدثه، لئن كان عماله خونة و كان هذا المال في أيديهم خيانة ما كان حل له تركه، و كان له أن يأخذه كله فانه فيء للمسلمين، فما له يأخذ نصفه و يترك نصفه ؟!

و لئن كانوا غير خونة فما حل له أن يأخذ أموالهم و لا شيئا منه قليلا و لا كثيرا، و انما أخذ أنصافها.

و لو كانت في أيديهم خيانة، ثم لم يقروا بها و لم تقم عليهم البينة ما حل له أن يأخذ منهم قليلا و لا كثيرا، و أعجب من ذلك اعادته اياهم الى أعمالهم، لئن كانوا خونة ما حل له أن يستعملهم، و لئن كانوا غير خونة ما حلت له أموالهم.

ثم أقبل علي عليه السّلام على القوم فقال: العجب لقوم يرون سنة نبيهم تتبدل و تتغير شيئا شيئا، و بابا بابا، ثم يرضون و لا ينكرون، بل يغضبون له، و يعتبون على من عاب عليه و أنكره.

ثم يجيء قوم بعدنا فيتبعون بدعته و جوره و أحداثه، و يتخذون أحداثه سنة

ص: 98


1- فى بعض النسخ: شكر، و هو الانسب.

و دينا يتقربون بها الى اللّه، في مثل تحويله مقام ابراهيم عليه السّلام من الموضع الذي وضعه فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله الى الموضع الذي كان فيه في الجاهلية(1) الذي حول منه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.

و في تغييره صاع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و مده و فيهما فريضة و سنة، فما كان زيادته الا سوء، لان المساكين في كفارة اليمين(2) و الظهار بهما يعطون ما يجب من الزرع.

و قد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: اللهم بارك لنا في مدنا و صاعنا، لا يحولون بينه و بين ذلك، لكنهم رضوا و قبلوا ما صنع.

غصب فدك من فاطمة عليها السلام

و قبضه و صاحبه فدك و هي في يد فاطمة عليها السّلام مقبوضة قد أكلت غلتها على عهد النبي صلّى اللّه عليه و آله، فسألها البينة على ما في يدها.

و لم يصدقها، و لا صدق ام أيمن، و هو يعلم يقينا - كما نعلم - أنها في يدها، و لم يكن يحل له أن يسألها البينة على ما في يدها، و لا أن يتهمها، ثم استحسن الناس ذلك و حمدوه، و قالوا: انما حمله على ذلك الورع و الفضل.

ثم حسن قبح فعلهما أن عدلا عنها، فقالا: نظن أن فاطمة لن تقول الا حقا و أن عليا لم يشهد الا بحق، و لو كانت مع ام أيمن امرأة اخرى أمضينا لها، فحظيا بذلك عند الجهال، و ما هما و من أمرهما أن يكونا حاكمين فيعطيان أو يمنعان، و لكن الامة ابتلوا بهما فأدخلا أنفسهما فيما لا حق لهما فيه، و لا علم لهما به.

ص: 99


1- نص على ذلك ابن سعد فى طبقاته ج 3 ص 204 فى ترجمة عمر، و السيوطى فى «تاريخ الخلفاء» فى أحوال عمر ص 53، و ابن أبى الحديد ج 3 ص 113 من شرح النهج فى أحوال عمر، و الدميرى فى «حياة الحيوان» فى مادة الديك، و ابن الجوزى فى ص 60 من كتابه «تاريخ عمر».
2- فى بعض النسخ: الايمان.

احتجاج الزهراء عليها السلام على الرجلين لحقها في فدك

و قد قالت فاطمة عليها السّلام حين أراد انتزاعها و هي في يدها: أليست في يدي و فيها وكيلي، و قد أكلت غلتها و رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حي ؟! قالا: بلى، قالت: فلم تسألاني في البينة على ما في يدي ؟! قالا: لانها فيء المسلمين، فان قامت بينة و الا لم نمضها، قالت لهما - و الناس حولهما يسمعون -: أفتريدان أن تردا ما صنع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و تحكما فينا خاصة بما لم تحكما في سائر المسلمين ؟! أيها الناس اسمعوا ما ركباها (ما ركب هؤلاء من الاثم/خ ل).

قالت: أرأيتما ان ادعيت ما في أيدي المسلمين من أموالهم تسألونني البيتة أم تسألونهم ؟! قالا: لا، بل نسألك، قالت: فان ادعى جميع المسلمين ما في يدي تسألونهم البينة أم تسألونني ؟! فغضب عمر و قال: ان هذا فيء للمسلمين و أرضهم، و هي في يدي فاطمة تأكل غلتها، فان أقامت بينة على ما ادعت أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله وهبها لها من بين المسلمين و هي فيئهم و حقهم نظرنا في ذلك، فقالت: حسبي، أنشدكم باللّه أيها الناس، أما سمعتم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول: ان ابنتي سيدة نساء أهل الجنة ؟ قالوا:

اللهم نعم، قد سمعناه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، قالت: أفسيدة نساء أهل الجنة تدعي الباطل و تأخذ ما ليس لها؟! أرأيتم لو أن أربعة شهدوا علي بفاحشة، أو رجلان بسرقة، أكنتم مصدقين علي ؟!

فأما أبو بكر فسكت، و أما عمر فقال: نعم، و نوقع عليك الحد.

فقالت: كذبت و لؤمت، الا أن تقر أنك لست على دين محمد صلّى اللّه عليه و آله، ان الذي يجيز على سيدة نساء أهل الجنة شهادة، أو يقيم عليها حدا لملعون كافر بما أنزل اللّه على محمد صلّى اللّه عليه و آله، ان من أذهب اللّه عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا لا تجوز عليهم شهادة لانهم معصومون من كل سوء، مطهرون من كل فاحشة؛ حدثني يا عمر، من أهل هذه الاية ؟! لو أن قوما شهدوا عليهم، أو على أحد منهم بشرك أو كفر أو فاحشة كان المسلمون يتبرأون منهم و يحدونهم ؟! قال: نعم، و ما هم و سائر الناس في ذلك الا سواء!

ص: 100

قالت، كذبت و كفرت، ما هم و سائر الناس في ذلك سواء، لان اللّه عصمهم و أنزل عصمتهم و تطهيرهم، و أذهب عنهم الرجس، فمن صدق عليهم فانما يكذب اللّه و رسوله.

فقال أبو بكر: أقسمت عليك يا عمر لما سكت؛ فلما أن كان الليل أرسلا الى خالد بن الوليد، فقالا: انا نريد أن نسر اليك أمرا و نحملكه لثقتنا بك، فقال: احملاني على ما شئتما فاني طوع أيديكما، فقالا له: انه لا ينفعنا ما نحن من الملك و السلطان ما دام علي حيا، أما سمعت ما قال لنا(1) و ما استقبلنا به، و نحن لا نأمنه أن يدعو في السر فيستجيب له قوم فيناهضنا، فانه أشجع العرب، و قد ارتكبنا منه ما رأيت، و غلبناه على ملك ابن عمه و لا حق لنا فيه، انتزعنا فدك من امرأته، فاذا صليت بالناس صلاة الغداة فقم الى جنبه، و ليكن سيفك معك، فاذا صليت و سلمت فاضرب عنقه(2).

قال علي عليه السّلام فصلى خالد بن الوليد بجنبي متقلدا السيف، فقام أبو بكر في الصلاة و جعل يؤامر نفسه، و ندم و اسقط في يده، حتى كادت الشمس أن تطلع، ثم قال قبل أن يسلم: لا تفعل ما أمرتك، ثم سلم. فقلت لخالد: و ما ذاك ؟! قال: كان قد أمرني اذا سلم أن أضرب عنقك، قلت: أو كنت فاعلا؟! قال: اي و ربي اذا لفعلت.

قال سليم: ثم أقبل عليه السّلام على العباس و من حوله ثم قال: ألا تعجبون من حبسه و حبس صاحبه عنا سهم ذي القربى الذي فرضه اللّه لنا في القرآن ؟! و قد علم اللّه أنهم سيظلموناه و ينتزعونه منا، فقال:«إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللّٰهِ وَ مٰا أَنْزَلْنٰا عَلىٰ

ص: 101


1- الاحتجاج بالفقرات المتقدمة ورد فى بعض الروايات عن على عليه السلام، كما فى رواية الاحتجاج للطبرسى التى أوردها عن حماد بن عثمان ج 1 ص 119.
2- أورد الطبرسى فى الاحتجاج ج 1 ص 124 عن حماد بن عثمان، عن أبى عبد اللّه (ع) احتجاج امير المؤمنين على الشيخين فى قضية فدك و تآمرهما على قتل أمير المؤمنين (ع) مع خالد، فراجع.

عَبْدِنٰا يَوْمَ الْفُرْقٰانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعٰانِ» (1) .

و العجب لهدمه منزل أخي جعفر و الحاقه في المسجد(2) و لم يعط بنيه من ثمنه قليلا و لا كثيرا، ثم لم يعب ذلك عليه الناس، و لم يغيروه، فكأنما أخذ منزل رجل من الديلم - و في رواية اخرى: دار رجل من ترك كابل -.

و العجب لجهله و جهل الامة أنه كتب الى جميع عماله أن الجنب اذا لم يجد الماء فليس له أن يصلي، و ليس له أن يتيمم بالصعيد و ان لم يجده حتى يلقى اللّه - و في رواية اخرى: و ان لم يجده سنة -، ثم قبل الناس ذلك و رضوا به، و قد علم و علم الناس أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قد أمر عمارا و أمر أبا ذر أن يتيمما من الجنابة و يصليا و شهدا به عنده و غيرهما فلم يقبل ذلك، و لم يرفع به رأسا.

و العجب لما خلط قضايا مختلفة في الحد بغير علم تعسفا و جهلا، و ادعاؤهما ما لم يعلما جرأة على اللّه و قلة ورع، ادعيا أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله مات و لم يقض في الجد شيئا منه، و لم يدع أحدا يعلم ما للجد من الميراث ثم بايعوهما على ذلك و صدقوهما، و عتقه امهات الاولاد فأخذ الناس بقوله و تركوا أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و ما صنع بنصر بن الحجاج و بجعدة بن سليم و بابن وبرة.

و أعجب من ذلك أن أبا كنف العبدي أتاه فقال: اني طلقت امرأتي و أنا غائب فوصل اليها الطلاق، ثم راجعتها و هي في عدتها، و كتبت اليها، فلم يصل الكتاب اليها حتى تزوجت، فكتب له: ان كان هذا الذي تزوجها قد دخل بها فهي امرأته، و ان كان لم يدخل بها فهي امرأتك، و كتب له ذلك و أنا شاهد، فلم يشاورني و لم

ص: 102


1- الانفال 8:41
2- قال ابن الاثير فى حوادث السنة السابعة عشر من الهجرة: «وسع عمر المسجد باضافة دور جماعة من حوله اليه، و كانوا أبوا بيعها، فهدمها عليهم، و وضع أثمانها فى بيت المال حتى أخذوها». (راجع كامل ابن الاثير ج 2 ص 537).

يسألني، يرى استغناءه بعلمه عني، فأردت أن أنهاه، ثم قلت: ما ابالي أن يفضحه اللّه، ثم لم يعبه الناس بل استحسنوه و اتخذوه سنة، و قبلوه منه و رأوه صوابا، و ذلك قضاء لو قضى به مجنون نحيف سخيف لما زاد.

ثم تركه من الاذان «حي على خير العمل»(1) ، فاتخذوه سنة و تابعوه على ذلك، و قضيته في المفقود أن أجل امرأته أربع سنين، ثم تتزوج، فان جاء زوجها خير بين امرأته و بين الصداق، فاستحسنه الناس و اتخذوه سنة، و قبلوه منه جهلا و قلة علم بكتاب اللّه عز و جل و سنة نبيه صلّى اللّه عليه و آله.

و اخراجه من المدينة كل أعمى، و ارساله الى عماله بالبصرة بحبل خمسة أشبار و قوله: من أخذتموه من الاعاجم فبلغ طول هذا الحبل فاضربوا عنقه، ورده سبايا «تستر» و هن حبالى، و ارساله بحبل في صبيان سرقوا بالبصرة و قوله: من بلغ طول هذا الحبل فاقطعوه.

و أعجب من ذلك أن كذابا رجم بكذابة، فقبلها و قبلها الجهال فزعموا أن الملك ينطق على لسانه و يلقنه، و اعتاقه سبايا أهل اليمن، و تخلفه و صاحبه عن جيش اسامة ابن زيد مع تسليمهما عليه بالامرة.

ثم أعجب من ذلك أنه قد علم اللّه و أعلم الناس انه الذي صد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عن الكتف(2) الذي دعا به، ثم لم يضره ذلك عندهم، و لم ينقصه، و انه

ص: 103


1- أورد القوشجى - و هو من كبار متكلمى الاشاعرة - فى اواخر مبحث الامامة من شرح التجريد عن عمر أنه قال: ثلاث كن على عهد رسول اللّه (ص) و أنا أنهى عنهن و احرمهن و اعاقب عليهن: متعة النساء، و متعة الحج، و حى على خير العمل.
2- تقدم ذكر هذه الرزية و دور عمر فيها برواية البخارى و مسلم و غيرهما من أعلام محدثى القوم.

صاحب صفية حين قال لها ما قال(1) ، فغضب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حتى قال ما قال.

و انه الذي مررت به يوما فقال: ما مثل محمد في أهل بيته الا كنخلة نبتت في كناسة، فبلغ ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فغضب و خرج فأتى المنبر، و فزعت الانصار فجاءت شاكة في السلاح لما رأت من غضب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقال: ما بال أقوام يعيرونني بقرابتي ؟ و قد سمعوا مني ما قلت في فضلهم و تفضيل اللّه اياهم، و ما اختصهم اللّه به من اذهاب الرجس عنهم و تطهير اللّه اياهم، و قد سمتهم ما قلت في أفضل أهل بيتي و خيرهم مما خصه اللّه به و أكرمه و فضله على من سبقه في الاسلام، و بلائه فيه، و قرابته مني، و انه مني بمنزلة هارون من موسى.

ثم تزعمون أن مثلي في أهل بيتي كمثل نخلة نبتت في كناسة، ألا ان اللّه خلق خلقه ففرقهم فرقتين، فجعلني في خير الفرقتين، ثم فرق الفرقة ثلاث فرق: شعوبا و قبائل و بيوتا، فجعلني في خيرها شعبا و خيرها قبيلة، ثم جعلهم بيوتا فجعلني في خيرها بيتا فذلك قوله: «انما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهركم تطهيرا»، فحصلت (فخصلت/خ ل) في أهل بيتي و عترتي أنا و أخي علي بن

ص: 104


1- أورد محب الدين الطبرى فى «ذخائر العقبى» ص 6 عن ابن عباس قال: توفى لصفية بنت عبد المطلب ابن فبكت عليه، فقال لها رسول اللّه (ص): تبكين يا عمة ؟! من توفى له ولد فى الاسلام كان له بيت فى الجنة يسكنه، فلما خرجت لقيها رجل فقال لها: ان قرابة محمد لن تغنى عنك من اللّه شيئا، فبكت، فسمع رسول اللّه (ص) صوتها ففزع من ذلك، و كان مكرما لها، يبرها و يحبها، فقال لها: يا عمة تبكين و قد قلت لك ما قلت ؟! قالت: ليس ذلك أبكانى، و اخبرته بما قال الرجل، فغضب (ص) و قال: يا بلال هجر بالصلاة، ففعل، ثم قام (ص) فحمد اللّه و أثنى عليه و قال: ما بال أقوام يزعمون أن قرابتى لا تنفع، ان كل سبب و نسب ينقطع يوم القيامة الا سببى و نسبى، و ان رحمى موصولة فى الدنيا و الاخرة. قال عمر بن الخطاب: فتزوجت ام كلثوم لما سمعت رسول اللّه (ص) يومئذ و أحببت ان يكون بينى و بينه نسب و سبب. أقول: ان هذا الرجل الذى خاطب صفية بهذا الخطاب الخشن ليس هو الا عمر، و لكنهم أخفوا اسمه حفظا لمقام الخلافة من غضب رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله، كما حذفوا اسمه من الرواية الحاكية لواقعة يوم الخميس اذ قال و رسول اللّه على فراش المرض: ان رسول اللّه ليهجر، و لكنهم فاتهم حذف اسمه من ذيل الرواية اتماما للتحريف، و شاء اللّه الا ان يبقى اسمه فى ذيل الرواية قرينة على أنه هو المتجرىء بهذه المقولة على قرابة رسول اللّه (ص)، و تعضدها رواية سليم و التنصيص على اسمه فيها.

أبي طالب.

ألا و ان اللّه نظر الى أهل الارض نظرة فاختارني منهم، ثم نظر نظرة فاختار أخي عليا وزيري و وصيي، و خليفتي في امتي، و ولي كل مؤمن بعدي، فبعثني رسولا و نبيا و دليلا، فأوحى الي أن اتخذ عليا أخا و وليا و وصيا، و خليفة في امتي بعدي، ألا و انه ولي كل مؤمن بعدي، من والاه والاه اللّه، و من عاداه عاداه اللّه، و من أحبه أحبه اللّه، و من أبغضه أبغضه اللّه، لا يحبه الا مؤمن، و لا يبغضه الا كافر، رب الارض بعدي و سكنها - و في نسخة: هو زر الارض بعدي و سكنها -، و هو كلمة اللّه التقوى و عروة اللّه الوثقى «أتريدون أن تطفئوا نور اللّه بأفواهكم و اللّه متم نوره و لو كره المشركون» - و في رواية اخرى: و لو كره الكافرون - و يريد أعداء اللّه أن يطفئوا نور أخي، و يأبى اللّه الا أن يتم نوره، يا أيها الناس ليبلغ مقالتي شاهدكم غائبكم اللهم أشهد عليهم.

أيها الناس، ان اللّه نظر نظرة ثالثة فاختار منهم بعدي اثني عشر وصيا من أهل بيتي، و هم خيار امتي، منهم أحد عشر اماما بعد أخي، واحدا بعد واحد، كلما هلك واحد قام واحد منهم، مثلهم كمثل النجوم في السماء، كلما غاب نجم طلع نجم، لانهم أئمة هداة مهتدون، لا يضرهم كيد من كادهم، و لا خذلان من خذلهم، بل يضر اللّه بذلك

ص: 105

من كادهم و خذلهم، فهم حجة اللّه في أرضه، و شهداؤه على خلقه، من أطاعهم أطاع اللّه، و من عصاهم عصى اللّه، هم مع القرآن و القرآن معهم، لا يفارقونه و لا يفارقهم حتى يردوا علي حوضي، أول الائمة علي عليه السّلام خيرهم، ثم ابني الحسن، ثم ابني الحسين، ثم تسعة من ولد الحسين، و امهم ابنتي فاطمة - صلوات اللّه عليم -.

ثم من بعدهم جعفر بن أبي طالب، ابن عمي، و أخو أخي، و عمي حمزة بن عبد المطلب، أنا خير المرسلين و النبيين، و فاطمة ابنتي سيدة نساء أهل الجنة، و علي بنوه الاوصياء خير الوصيين، و أهل بيتي خير أهل بيوتات النبيين، و ابناي سيدا شباب أهل الجنة.

ذكر النبي صلى اللّه عليه و آله لاهل بيته و منزلتهم

أيها الناس، ان شفاعتي ليرجوها رجاؤكم(1) ، أفيعجز عنها أهل بيتي ؟! ما من أحد ولده جدي عبد المطلب يلقى اللّه موحدا لا يشرك به شيئا الا أدخله الجنة، و لو كان فيه من الذنوب عدد الحصى و زبد البحر.

أيها الناس، عظموا أهل بيتي في حياتي و من بعدي، و أكرموهم و فضلوهم فانه لا يحل لاحد أن يقوم من مجلسه لاحد الا لاهل بيتي - و في نسخة اخرى: أيها الناس عظموا أهل بيتي في حياتي و بعد موتي -، اني لو أخذت بحلقة باب الجنة ثم تجلى لي ربي فسجدت و أذن لي بالشفاعة لم اؤثر علي أهل بيتي أحدا، أيها الناس انسبوني من أنا.

فقام رجل من الانصار فقال - و في رواية اخرى: فقامت الانصار فقالت -: نعوذ باللّه من غضب اللّه و من غضب رسوله، أخبرنا يا رسول اللّه من الذي آذاك في أهل بيتك حتى نضرب عنقه - و في رواية اخرى: حتى نقتله - و ليبر عترته.

ص: 106


1- رجاؤكم، هو بتشديد الجيم مبالغة فى الرجاء، و فى نسخة المجلسى فى البحار ج 8 - بدل ليرجوها رجاؤكم «تنال علوجكم». (عن هامش بعض نسخ الكتاب)

الرسول صلى اللّه عليه و آله ينسب نفسه و اهل بيته عليهم السلام

فقال: انسبوني أنا محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب بن هاشم، حتى انتسب الى نزار، ثم مضى في نسبه الى اسماعيل بن ابراهيم خليل اللّه، ثم قال: اني و أهل بيتي لطينة من تحت العرش الى آدم، نكاح غير سفاح، لم يخالطنا نكاح الجاهلية، فسلوني، فو اللّه لا يسألني رجل عن أبيه و عن امه و عن نسبه الا أخبرته به.

فقام رجل فقال: من أبي ؟ فقال صلّى اللّه عليه و آله: أبوك فلان الذي تدعى اليه، فحمد اللّه و أثنى عليه، و قال: لو نسبتني الى غيره لرضيت و سلمت، ثم قام رجل آخر فقال: من أبي ؟ فقال: أبوك فلان - لغير أبيه الذي يدعى اليه - فارتد عن الاسلام، ثم قام رجل آخر فقال: أمن أهل الجنة أنا أم من أهل النار؟ فقال: من أهل الجنة، ثم قام رجل آخر فقال: أمن أهل الجنة أنا أم من أهل النار؟ فقال: من أهل النار.

ثم قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله - و هو مغضب -: ما يمنع الذي عير أهل بيتي و أخي و وزيري و وصيي، و خليفتي في امتي، و ولي كل مؤمن بعدي أن يقوم فيسألني من أبوه، و أين هو في الجنة أم في النار؟! فقام عمر بن الخطاب فقال: أعوذ باللّه من سخط اللّه و سخط رسوله، اعف عنا يا رسول اللّه عفا اللّه عنك، أقلنا أقالك اللّه، استرنا سترك اللّه، اصفح عنا صلى اللّه عليك، فاستحى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و كف.

قال علي عليه السّلام: و هو صاحب العباس الذي بعثه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ساعيا فرجع و قال: ان العباس قد منع صدقة ماله، فغضب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و قال: الحمد للّه الذي عافانا أهل البيت من شر ما يلطخونا به، ان العباس لم يمنع صدقة ماله، و لكنك عجلت عليه، و قد عجل زكاة سنين، ثم أتاني بعد يطلب أن أمشي معه الى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ليرضى عنه ففعلت.

و هو صاحب عبد اللّه بن أبي سلول حين تقدم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ليصلي عليه

ص: 107

فأخذ بثوبه من ورائه و قال: قد نهاك اللّه أن تصلي عليه(1) ، و لا يحل لك أن تصلي عليه، فقال رسول اللّه: انما صليت عليه كرامة لابنه، و اني لارجو أن يسلم به سبعون رجلا من بني أبيه و أهل بيته، و ما يدريك ما قلت ؟! انما دعوت اللّه عليه.

و هو صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يوم الحديبية حين كتب القضية اذ قال: أنعطي الدنية في ديننا؟! ثم جعل يطوف في عسكر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يحضضهم و يقول:

أنعطي الدنية في ديننا؟! فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: افرجوا عني، أتريدون أن أغدر بذمتي - و في رواية اخرى: أخرجوه عني، أتريد أن أخفر ذمتي - و لا في لهم بما كتبت لهم، خذ يا سهيل ابنك جندلا، فأخذه فشده وثاقا في الحديد، ثم جعل اللّه عاقبة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله الى الخير و الرشد و الهدى و العزة و الفضل.

و هو صاحب يوم غدير خم اذ قال هو و صاحبه حين نصبني رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لولايتي فقال: ما يألو أن يرفع خسيسته، و قال الاخر: ما يألو رفعا بضبع ابن عمه، و قال لصاحبه - و أنا منصوب -: ان هذه لهي الكرامة، فقطب صاحبه في وجهه و قال:

لا و اللّه لا أسمع و لا اطيع أبدا، ثم اتكأ عليه، ثم تمطى و انصرفا، فأنزل اللّه فيه:«فَلاٰ صَدَّقَ وَ لاٰ صَلّٰى، وَ لٰكِنْ كَذَّبَ وَ تَوَلّٰى، ثُمَّ ذَهَبَ إِلىٰ أَهْلِهِ يَتَمَطّٰى، أَوْلىٰ لَكَ فَأَوْلىٰ» (2)

ص: 108


1- أخرج ابن أبى حاتم من طريق الشعبى عن عمر (و هو الحديث رقم 4404 من كنز العمال) قال: «أصبت فى الاسلام هفوة ما أصبت مثلها قط، أراد رسول اللّه (ص) أن يصلى على عبد اللّه بن أبى سلول فأخذت بثوبه فقلت له: و اللّه ما أمرك اللّه بهذا، لقد قال اللّه لك: استغفر لهم أو لا تستغفر لهم ان تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر اللّه لهم؛ قال: فقال رسول اللّه (ص): خيرنى ربى فقال: استغفر لهم أو لا تستغفر لهم، فاخترت». و أخرج قريبا منه فى صحيح البخارى ج 4 ص 18 من كتاب اللباس عن عبد اللّه ابن عمر.
2- القيامة 31:75-34

وعيدا من اللّه له و انتهارا.

و هو الذي دخل عليّ مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يعودني في رهط من أصحابه حين غمزه صاحبه فقال: يا رسول اللّه، انك قد كنت عهدت الينا في علي عهدا، و اني لاراه لما به، فان هلك فالى من ؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: اجلس؛ فأعادها ثلاث مرات؛ فأقبل عليهما رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقال: انه لا يموت في مرضه هذا، و لا يموت حتى تملياه غيظا، و توسعاه غدرا و ظلما، ثم تجداه صابرا قواما، و لا يموت حتى يلقى منكما هنات و هنات، و لا يموت الا شهيدا مقتولا.

و أعظم من ذلك كله أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله جمع ثمانين رجلا، أربعين من العرب و أربعين من العجم، و هما فيهم، فسلموا علي بامرة المؤمنين.

ثم قال: اشهدكم أن عليا أخي و وزيري و وارثي و خليفتي في امتي و وصيي و ولي كل مؤمن من بعدي فاسمعوا له و أطيعوا، و فيهم أبو بكر و عمر و عثمان و طلحة و الزبير و سعد و ابن عوف و أبو عبيدة و سالم و معاذ بن جبل و رهط من الانصار، ثم قال: اشهد اللّه عليكم.

ثم أقبل علي عليه السّلام على القوم فقال: سبحان اللّه ما اشربت قلوب هذه الامة من بليتها و فتنتها من عجلها و سامريها، انهم أقروا و ادعوا أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال: لا يجمع اللّه لنا أهل البيت النبوة و الخلافة، و قد قال لاولئك الثمانين رجلا: سلموا على علي بامرة المؤمنين، و أشهدهم على ما أشهدهم عليه.

ثم زعموا أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لم يستخلف أحدا، و أنهم أقروا بالشورى، ثم أقروا أنهم لم يشاوروا، و أن بيعته كانت فلتة، و أي ذنب أعظم من الفلتة.

ثم استخلف أبو بكر عمر و لم يقتد برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقيل له في ذلك فقال:

أدع امة محمد كالنعل الخلق، أدعهم بلا استخلاف ؟! طعنا منه على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و رغبة عن رأيه.

ص: 109

ثم صنع عمر شيئا ثالثا(1) لم يدعهم على ما ادعى أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لم يستخلف كما استخلف أبو بكر، و جاء بشيء ثالث جعلها شورى بين ستة نفر، و أخرج منها جميع العرب، ثم حظي بذلك عند العامة (فجعلهم مع ما اشربت قلوبهم من الفتنة و الضلالة أقراني)(2).

ثم بايع ابن عوف عثمان فبايعوه و قد سمعوا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في عثمان ما سمعوا من لعنه اياه في غير موطن، فعثمان على ما كان عليه خير منهما، و لقد قال منذ أيام قولا وقفت له و أعجبتني مقالته، بينما أنا قاعد عنده في بيته اذ أتته عائشة و حفصة تطلبان ميراثهما من ضياع و أموال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله التي في يديه.

فقال: لا و اللّه و لا كرامة، لكن اجيز شهادتكما على أنفسكما، فانكما شهدتما عند أبويكما أنكما سمعتما من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول أنه لا يورث ما ترك فهو صدقة، لقنتما أعرابيا جلفا يبول على عقبيه يتطهر ببوله - مالك بن الحرث بن الحدثان - فشهد معكما، لا من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و لا من الانصار أحد شهد بذلك غير أعرابي، أما و اللّه ما أشك في أنه قد كذب على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و كذبتما عليه معه.

فانصرفتا من عنده تبكيان و تشتمانه، فقال: ارجعا، أليس قد شهدتما بذلك عند أبي بكر؟! قالتا: نعم، قال: فان شهدتما بحق فلا حق لكما، و ان كنتما شهدتما بباطل فعليكما و على من أجاز شهادتكما على أهل هذا البيت لعنة اللّه و الملائكة و الناس أجمعين.

ص: 110


1- قوله: ثم صنع عمر شيئا ثالثا الخ، هذا يدل على أنه كان فى خلافة عثمان أو بعده و لعل سليما سمع هذا الكلام من على عليه السلام فى مقام آخر فألحقه بهذا الكلام، هكذا ذكر المجلسى فى البحار فى شرح الحديث، (ج 8 ص 227). (عن هامش بعض نسخ الكتاب)
2- ما بين القوسين لم يرد فى بعض النسخ.

قال ثم نظر الي فتبسم و قال: يا أبا الحسن شفيتك منهما؟

قلت: نعم و اللّه، و أبلغت و قلت حقا فلا يرغم اللّه الا بأنفيهما، فرققت لعثمان و علمت أنه أراد بذلك رضاي، و أنه أقرب منهما رحما و أكف عنا منهما، و ان كان لا عذر له و لا حجة بتأمره علينا و ادعائه حقنا.

أبان، عن سليم، قال: سمعت علي بن أبي طالب عليه السّلام يقول قبل وقعة صفين:

ان هؤلاء القوم لن ينيبوا الى الحق و لا الى كلمة سواء بيننا و بينهم حتى يرموا بالعساكر تتبعها العساكر، و حتى يردفوا بالكتائب تتبعها الكتائب، و حتى يجر ببلاد الخميس تتبعها الخميس، و حتى ترعى الخيول بنواحي أرضهم و تنزل على مسالحهم و حتى تشن الغارات عليهم من كل فج، و حتى يلقاهم قوم صدق صبر(1) ، لا يزيدهم هلاك من هلك من قتلاهم و موتاهم في سبيل اللّه الا جدا في طاعة اللّه.

و اللّه لقد رأيتنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله تقتل آباؤنا و أبناؤنا و أخوالنا و أعمامنا و أهل بيوتاتنا ثم لا يزيدنا ذلك الا ايمانا و تسليما، و جدا في طاعة اللّه، و استقلالا بمبارزة الاقران، و ان كان الرجل منا و الرجل من عدونا ليتصاولان تصاول الفحلين، يتخالسان أنفسهما أيهما يسقي صاحبه كأس الموت، فمرة لنا من عدونا، و مرة لعدونا منا.

فلما رآنا اللّه صدقا صبرا، أنزل الكتاب بحسن الثناء علينا و الرضا عنا، و أنزل علينا النصر، و لست أقول: ان كل من كان مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كذلك، و لكن أعظمهم و جلهم و عامتهم كانوا كذلك.

و لقد كانت معنا بطانة لا تألونا خبالا، قال اللّه عز و جل:«قَدْ بَدَتِ الْبَغْضٰاءُ مِنْ أَفْوٰاهِهِمْ وَ مٰا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ» (2) ، و لقد كان منهم بعض من تفضله أنت و

ص: 111


1- «صدق صبر»، بضم الاول و الثانى فيهما أى صادقون صابرون. (عن الهامش)
2- آل عمران 118:3

أصحابك يا ابن قيس(1) فارين فلا رمى بسهم، و لا ضرب بسيف، و لا طعن برمح.

اذا كان الموت و النزال لاذ و توارى و اعتل، و لاذ كما تلوذ النعجة العوراء لا تدفع يد لامس، و اذا لقي العدو فر و منح العدو دبره جبنا و لؤما، و اذا كان عند الرخاء و الغنيمة تكلم كما قال اللّه:«سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدٰادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ» (2).

فلا يزال قد استأذن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في ضرب عنق الرجل الذي ليس يريد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قتله فأبى عليه، و لقد نظر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يوما و عليه السلاح تام فضحك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ثم قال يكنيه: أبا فلان اليوم يومك، فقال الاشعث: ما أعلمني بمن تعني، ان ذلك يفر منه الشيطان، قال: يا ابن قيس، لا آمن اللّه روعة الشيطان اذ قال.

ثم قال: و لو كنا حين كنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و تصيبنا الشدائد و الاذى و البأس فعلنا كما تفعلون اليوم لما قام للّه دين، و لا أعز اللّه الاسلام، و أيم اللّه لتحتلبنها دما و ندما و حسرة، فاحفظوا ما اقول لكم، و اذكروه فليسلطن عليكم شراركم و الادعياء منكم، و الطلقاء و الطرداء و المنافقون، فليقتلنكم ثم لتدعن اللّه فلا يستجيب لكم، و لا يرفع البلاء عنكم حتى تتوبوا و ترجعوا، فان تتوبوا و ترجعوا يستنقذكم اللّه من فتنتهم و ضلالتهم كما استنقذكم من شركم و جهالتكم.

ان العجب كل العجب من جهال هذه الامة و ضلالها و قادتها و ساقتها الى النار أنهم قد سمعوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول عودا و بدء: ما ولت امة رجلا قط أمرها و فيهم أعلم منه الا لم يزل أمرهم يذهب سفالا حتى يرجعوا الى ما تركوا، فولوا أمرهم قبلي ثلاثة رهط ما منهم رجل جمع القرآن، و لا يدعي أن له علما بكتاب اللّه و لا سنة نبيه صلّى اللّه عليه و آله، و قد علموا أني أعلمهم بكتاب اللّه و سنة نبيه صلّى اللّه عليه و آله، و أفقههم، و أقرأهم

ص: 112


1- الخطاب موجه الى الاشعث بن قيس بقرينة ما يأتى.
2- الاحزاب 33:19

لكتاب اللّه، و أقضاهم بحكم اللّه، و أنه ليس رجل من الثلاثة له سابقة مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و لا عناء معه في جميع مشاهده فرمى بسهم، و لا طعن برمح و لا ضرب بسيف جبنا و لؤما، و رغبة في البقاء، و قد علموا أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قد قاتل بنفسه فقتل ابي بن خلف، و قتل مسجع بن عوف، و كان من أشجع الناس، و أشدهم لقاءا، و أحقهم بذلك.

عليّ عليه السلام مفرج الغم عن وجه النبي صلى اللّه عليه و آله

و قد علموا يقينا أنه لم يكن فيهم أحد يقوم مقامي، و لا يبارز الابطال، و يفتح الحصون غيري، و لا نزلت برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله شديدة قط و لا كربه أمر و لا ضيق و لا مستصعب من الامر الا قال: أين أخي علي، أين سيفي، أين رمحي، أين المفرج غمي عن وجهي، فيقدمني، فأتقدم فأفديه بنفسي، و يكشف اللّه بيدي الكرب عن وجهه، و للّه عز و جل و لرسوله صلّى اللّه عليه و آله بذلك المن و الطول حيث خصني بذلك و وفقني له، و ان بعض من سميت ما كان ذا بلاء، و لا سابقة، و لا مبارزة قرن، و لا فتح، و لا نصر غير مرة واحدة، ثم فر و منح عدوه دبره و رجع يجبن أصحابه و يجبنونه، و قد فر مرارا، فاذا كان عند الرخاء و الغنيمة تكلم و تغير، و أمر و نهى.

و لقد نادى ابن عبدود يوم الخندق باسمه فحاد عنه و لاذ بأصحابه حتى تبسم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله مما رأى به من الرعب و قال: أين حبيبي علي، تقدم يا حبيبي يا علي و قال لاصحابه الاربعة أصحاب الكتاب و الرأي: و اللّه ان ندفع محمدا اليهم برمته و نسلم من ذلك حين جاء العدو من فوقنا و من تحتنا كما قال اللّه تعالى:«وَ زُلْزِلُوا زِلْزٰالاً شَدِيداً» (1) ، و ظنوا باللّه الظنونا(2) ، و قال «اَلْمُنٰافِقُونَ وَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مٰا وَعَدَنَا اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ إِلاّٰ غُرُوراً» (3).

ص: 113


1- الاحزاب 33:11
2- اشارة الى الاية 10 فى سورة الاحزاب
3- الاحزاب 12:33.

فقال صاحبه: لا و لكن نتخذ صنما عظيما نعبده لأنّا لا نأمن أن يظفر ابن أبي كبشة فيكون هلاكنا، و لكن يكون هذا الصنم لنا ذخرا، فان ظفرت قريش أظهرنا عبادة هذا الصنم و أعلمناهم أنا لن نفارق ديننا، و ان رجعت دولة ابن أبي كبشة كنا مقيمين على عبادة هذا الصنم سرا، فنزل جبرئيل عليه السّلام فأخبر النبي صلّى اللّه عليه و آله بذلك، ثم خبر به رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بعد قتلي ابن عبدود فدعاهما فقال: كم صنم عبدتما في الجاهلية ؟ فقالا: يا محمد لا تعيرنا بما مضى في الجاهلية فقال: فكم صنم تعبدان يومكما هذا؟ فقالا: و الذي بعثك بالحق نبيا ما نعبد الا اللّه منذ أظهرنا من دينك ما أظهرنا.

فقال: يا علي خذ هذا السيف فانطلق الى موضع كذا و كذا فاستخرج الصنم الذي يعبدانه فاهشمه، فان حال بينك و بينه أحد فاضرب عنقه، فانكبا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقالا: استرنا سترك اللّه، فقلت: أنا لهما، اضمنا للّه و لرسوله أن لا تعبدا الا اللّه و لا تشركا به شيئا، فعاهدا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله على ذلك، و انطلقت حتى استخرجت الصنم من موضعه و كسرت وجهه و يديه، و جذمت رجليه، ثم انصرفت الى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فو اللّه لقد عرفت ذلك في وجههما حتى ماتا.

ثم انطلق هو و أصحابه حين قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فخاصموا الانصار بحقي، فان كانوا صدقوا و احتجوا بحق أنهم أولى من الانصار لانهم من قريش و رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله من قريش، فمن كان أولى برسول اللّه كان أولى بالامر، و انما ظلموني حقي، و ان كانوا احتجوا بباطل فقد ظلموا الانصار حقهم، و اللّه يحكم بيننا و بين من ظلمنا و حمل الناس على رقابنا.

و العجب لما قد اشربت قلوب هذه الامة من حبهم و حب من صدهم عن سبيل ربهم و ردهم عن دينهم، و اللّه لو أن هذه الامة قامت على أرجلها على التراب، و وضعت الرماد على رؤوسها، و تضرعت الى اللّه، و دعت الى يوم القيامة على من أضلهم، و صدهم عن سبيل اللّه، و دعاهم الى النار، و عرضهم لسخط ربهم، و أوجب

ص: 114

عليهم عذابه بما أجرموا اليهم لكانوا مقصرين في ذلك، و ذلك أن المحق الصادق و العالم باللّه و رسوله يتخوف ان غير شيئا من بدعهم و سننهم و أحداثهم و عادته العامة، و متى فعل شاقوه و خالفوه، و تبرأوا منه و خذلوه، و تفرقوا عن حقه، و ان أخذ ببدعهم و أقربها، و زينها و دان بها، أحبته و شرفته و فضلته.

و اللّه لو ناديت في عسكري هذا بالحق الذي أنزل اللّه على نبيه، و أظهرته و دعوت اليه، و شرحته و فسرته على ما سمعت من نبي اللّه عليه السّلام فيه، ما بقي فيه الا أقله و أذله و أرذله، و لاستوحشوا منه، و لتفرقوا عني، و لو لا عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله الي، و سمعته منه، و تقدم الي فيه، لفعلت، و لكن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قد قال: يا أخي كلما اضطر اليه العبد فقد أحله اللّه له و أباحه اياه، و سمعته يقول: ان التقية من دين اللّه، و لا دين لمن لا تقية له (ثم أقبل علي فقال: ادفعهم بالراح دفعا، عني ثلثان من حي و ثلث مني، فان عوضني ربي فاعذرني)(1).

و قال للحكمين حين بعثهما: احكما بكتاب اللّه و سنة نبيه، و ان كان فيهما حز حلقي، فانه من قادها الى هؤلاء فان (نيتهم أخبثت)(2) ، فقال له رجل من الانصار - و في رواية اخرى: فلقيه صديق له من الانصار فقال -: ما هذا الانتشار الذي بلغني عنك، ما كان أحد من الامة أضبط للامر منك، فما هذا الاختلاف و الانتشار؟! فقال علي عليه السّلام: أنا صاحبك الذي تعرف، الا أني قد بليت بأخابث من خلق اللّه، اريدهم على الامر فيأبون، فان تابعتهم على ما يريدون تفرقوا عني.

أبان، عن سليم، قال: أقبلنا من صفين مع أمير المؤمنين - صلوات اللّه عليه - فنزل العسكر قريبا من دير نصراني، اذ خرج علينا من الدير شيخ كبير، جميل حسن الوجه، حسن الهيئة و السمت، و معه كتاب في يده حتى أتى أمير المؤمنين - صلوات اللّه عليه -

ص: 115


1- ما بين القوسين لم يرد فى بعض النسخ.
2- فى بعض النسخ: فان سببهم أحب.

فسلم عليه بالخلافة، فقال له علي عليه السّلام: مرحبا يا أخي شمعون بن حمون، كيف حالك رحمك اللّه ؟ فقال: بخير يا أمير المؤمنين، و سيد المسلمين، و وصي رسول رب العالمين، اني من نسل حواري أخيك عيسى بن مريم عليه السّلام - و في رواية اخرى:

أنا من نسل حواري أخيك عيسى بن مريم صلوات اللّه عليه - من نسل شمعون بن يوحنا، و كان أفضل حواري عيسى بن مريم الاثني عشر و أحبهم اليه، و آثرهم عنه، و اليه أوصى عيسى، و اليه دفع كتبه و علمه و حكمته.

فلم يزل أهل بيته على دينه متمسكين بملته، لم يكفروا، و لم يبدلوا، و لم يغيروا، و تلك الكتب عندي، املاء عيسى بن مريم و خط أبينا بيده، و فيه كل شيء يفعل الناس من بعده، ملك ملك، و ما يملك، و ما يكون في زمان كل ملك منهم، حتى يبعث اللّه رجلا من العرب من ولد اسماعيل بن ابراهيم خليل اللّه، من أرض تدعى تهامة، من قرية يقال لها: مكة، يقال له: أحمد، الانجل العينين، المقرون الحاجبين، صاحب الناقة و الحمار، و القضيب و التاج - يعني العمامة -، له اثنا عشر اسما، ثم ذكر مبعثه و مولده و هجرته، و من يقاتله، و من ينصره، و من يعاديه، و كم يعيش، و ما تلقى امته بعده الى أن ينزل اللّه عيسى بن مريم من السماء.

فذكر في الكتاب ثلاثة عشر رجلا من ولد اسماعيل(1) بن ابراهيم خليل اللّه - صلى اللّه عليهم -، هم خير من خلق اللّه، و أحب من خلق اللّه الى اللّه، و ان اللّه ولي من والاهم و عدو من عاداهم، من أطاعهم اهتدى، و من عصاهم ضل، طاعتهم للّه طاعة، و معصيتهم للّه معصية، مكتوبة فيه أسماؤهم و أنسابهم و نعتهم، و كم يعيش كل رجل منهم، واحدا بعد واحد، و كم رجل منهم يستتر بدينه و يكتمه من قومه، و من يظهر حتى ينزل اللّه عيسى - صلى اللّه عليه - على آخرهم فيصلي عيسى خلفه، و يقول: انكم أئمة لا ينبغي لاحد أن يتقدمكم، فيتقدم فيصلي بالناس و عيسى خلفه الى الصف الاول، أولهم و أفضلهم و خيرهم، له مثل اجورهم و اجور من أطاعهم و اهتدى بهداهم.

ص: 116


1- هم النبى (ص) و الائمة الاثنا عشر سلام اللّه عليهم.

أحمد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و اسمه محمد، و ياسين، و الفتاح، و الخاتم، و الحاشر، و العاقب، و الماحي - و في نسخة اخرى، مكان الماحي: الفتاح و القائد -، و هو نبي اللّه، و خليل اللّه، و حبيب اللّه، و صفيه، و أمينه، و خيرته، يرى تقلبه في الساجدين - و في نسخة اخرى: يراه تقلبه في الساجدين - يعني في أصلاب النبيين، و يكلمه برحمته، فيذكر اذا ذكر، و هو أكرم خلق اللّه على اللّه، و أحبهم الى اللّه، لم يخلق اللّه خلقا، ملكا مقربا، و لا نبيا مرسلا، آدم فمن سواه، خيرا عند اللّه و لا أحب الى اللّه منه، يقعده يوم القيامة على عرشه، يشفعه في كل من شفع فيه، باسمه جرى القلم في اللوح المحفوظ في ام الكتاب

ثم أخوه صاحب اللواء الى يوم المحشر الاكبر، و وصيه و خليفته في امته و أحب خلق اللّه الى اللّه بعده، علي بن أبي طالب، ولي كل مؤمن بعده، ثم أحد عشر اماما من ولد محمد و ولد أول الاثني عشر، اثنان سميا ابني هارون شبر و شبير - و في نسخة اخرى: ثم أحد عشر من ولده و ولد ولده، أولهم شبر، و الثاني شبير، و تسعة من شبير، واحدا بعد واحد؛ - و في النسخة الاولى: و تسعة ولد أصغرهما و هو الحسين، واحدا بعد واحد - آخرهم الذي يصلي عيسى بن مريم خلفه، فيه تسمية كل من يملك منهم، و من يستتر بدينه، و من يظهر، فأول من يظهر منهم يملا جميع بلاد اللّه قسطا و عدلا، و يملك ما بين المشرق و المغرب، حتى يظهره اللّه على الاديان كلها.

فلما بعث النبي صلّى اللّه عليه و آله و أبي حي، صدق به، و آمن به، و شهد أنه رسول اللّه، و كان شيخا كبيرا، و لم يكن به شخوص فمات و قال: يا بني، ان وصي محمد و خليفته الذي اسمه في الكتاب و نعته سيمر بك اذا مضى ثلاثة من أئمة الضلالة، يسمون بأسمائهم و قبائلهم، فلان و فلان و فلان، و نعتهم، و كم يملك كل واحد منهم، فاذا مر بك فاخرج اليه و بايعه، و قاتل معه عدوه، فان الجهاد معه كالجهاد مع محمد، و الموالي له كالموالي لمحمد، و المعادي له كالمعادي لمحمد.

ص: 117

و في هذا الكتاب يا أمير المؤمنين أن اثني عسر اماما من قريش، و من قومه معه من أئمة الضلالة يعادون أهل بيته، و يمنعونهم حقهم، و يطردونهم و يحرمونهم، و يتبرأون منهم، و يخيفونهم، مسمون واحدا واحدا بأسمائهم و نعتهم، و كم يملك كل واحد منهم، و ما يلقى منهم ولدك و أنصارك و شيعتك من القتل و الحرب و البلاء و الخوف، و كيف يديلكم اللّه منهم و من أوليائهم و أنصارهم، و ما يلقون من الذل و الحرب و البلاء و الخزي و القتل و الخوف منكم أهل البيت.

يا أمير المؤمنين، ابسط يدك ابايعك، فاني أشهد أن لا اله الا اللّه، و أشهد أن محمدا عبده و رسوله، و أشهد أنك خليفة رسول اللّه في امته، و وصيه، و شاهده على خلقه، و حجته في أرضه، و أن الاسلام دين اللّه، و اني أبرأ من كل دين خالف دين الاسلام، فانه دين اللّه الذي اصطفاه لنفسه، و رضيه لاوليائه، و انه دين عيسى بن مريم و من كان قبله من أنبياء اللّه و رسله، و هو الذي دان به من مضى من آبائي، و اني أتولاك و أتولى أولياءك، و أبرأ من عدوك، و أتولى الائمة من ولدك، و أبرأ من عدوهم و ممن خالفهم و برىء منهم، و ادعى حقهم و ظلمهم من الاولين و الاخرين، ثم تناول يده و بايعه.

ثم قال له أمير المؤمنين عليه السّلام: ناولني كتابك، فناوله اياه، فقال علي عليه السّلام لرجل من أصحابه: قم مع الرجل فانظر ترجمانا يفهم كلامه فلينسخه لك بالعربية، فلما أتاه به قال لابنه الحسن: يا بني ائتني بالكتاب الذي دفعته اليك، يا بني اقرأه، و انظر أنت يا فلان في نسخة هذا الكتاب فانه خطي بيدي، و املاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فقرأه فما خالف حرفا واحدا ليس فيه تقديم و لا تأخير، كأنه املاء واحد على رجلين، فحمد اللّه و أثنى عليه و قال: الحمد للّه الذي لو شاء لم تختلف الامة و لم تفترق، و الحمد للّه الذي لم ينسني، و لم يضع أمري، و لم يخمل ذكري عنده و عند أوليائه اذ صغر و خمل ذكر أولياء الشيطان و حزبه، ففرح بذلك من حضر من شيعة علي صلّى اللّه عليه و آله و شكر، و ساء ذلك كثيرا ممن حوله حتى عرفنا ذلك في وجوههم

ص: 118

و ألوانهم.

خطبة امير المؤمنين عليه السلام على المنبر

أبان، عن سليم بن قيس، قال: صعد أمير المؤمنين عليه السّلام المنبر فحمد اللّه و أثنى عليه، و قال(1): أيها الناس (أنا الذي فقأت عين الفتنة و لم يكن ليجترىء عليها غيري، و أيم اللّه لو لم أكن فيكم لما قوتل أهل صفين و لا أهل النهروان، و أيم اللّه لو لا أن تتكلموا و تدعوا العمل لحدثتكم بما قضى اللّه على لسان نبيه صلّى اللّه عليه و آله لمن قاتلهم مستبصرا في ضلالتهم عارفا بالهدى الذي نحن عليه)(2).

ثم قال عليه السّلام: سلوني عما شئتم(3) قبل أن تفقدوني، فو اللّه اني بطرق السماء أعلم مني بطرق الارض، أنا (يعسوب المؤمنين، و أول السابقين، و امام المتقين)(4)

ص: 119


1- ذكر هذه الخطبة الشريف الرضى رحمه اللّه فى نهج البلاغة بنوع من الاختلاف انظرها فى نهج البلاغة تحقيق صبحى الصالح ص 137.
2- أورد الفقرة التى بين القوسين العلامة النسائى فى «الخصائص» ص 48 ط مصر عن زر بن حبيش، مع اختلاف يسير بالالفاظ. و قال النبهانى فى «الشرف المؤبد»: و أخرج ابن أبى شيبة و أبو نعيم... و ساق الحديث.
3- قال ابن أبى الحديد فى شرح النهج ج 13 ص 317 فى شرح هذا الكلام ما نصه: «أجمع الناس كلهم على أنه لم يقل أحد من الصحابة و لا أحد من العلماء: سلونى، غير على بن أبى طالب عليه السلام، ذكر ذلك ابن عبد البر المحدث فى كتاب الاستيعاب، و المراد بقوله: فلانا أعلم بطرق السماء منى بطرق الارض، ما اختص به من العلم بمستقبل الامور، و لا سيما فى الملاحم و الدول، و قد صدق هذا القول منه ما تواتر عنه من الاخبار بالغيوب المتكررة، لا مرة و لا مائة مرة» الى آخر ما قال فى الشرح، فراجعه. (عن هامش بعض نسخ الكتاب)
4- أخرج الفقيه ابن المغازلى فى «مناقب امير المؤمنين» باسناده قال: قال رسول اللّه (ص): «يا على، أنت سيد المسلمين، و امام المتقين، و قائد الغر المحجلين و يعسوب المؤمنين».

و خاتم الوصيين(1) ، و وارث النبيين(2) ، و خليفة رب العالمين، أنا ديان الناس يوم القيامة، و قسيم اللّه بين أهل الجنة و النار(3) ، و أنا الصديق الاكبر، و الفاروق(4) الذي أفرق بين الحق و الباطل، و ان عندي علم المنايا و البلايا و فصل الخطاب، و ما من آية نزلت الا و قد علمت فيما نزلت، و أين نزلت، و على من نزلت.

أيها الناس، انه و شيك أن تفقدوني، اني مفارقكم، و اني ميت أو مقتول، ما ينتظر أشقاها أن يخضبها من فوقها - و في رواية اخرى: ما ينتظر أشقاها أن يخضب هذه من دم هذا - يعني لحيته من دم رأسه ؟!

و الذي فلق الحب و برأ النسمة - و في نسخة اخرى: و الذي [نفسي] بيده لا تسألوني عن فئة تبلغ ثلاثمائة فما فوقها - مما بينكم و بين قيام الساعة - الا نبأتكم بسائقها و قائدها و ناعقها، و بخراب العرصات متى تخرب و متى تعمر بعد خرابها الى يوم القيامة.

ص: 120


1- أخرج الحافظ أبو نعيم الاصفهانى فى «حلية الاولياء» ج 1 ص 63 ط مصر عن أنس، قال: قال رسول اللّه (ص): «يا أنس، أول من يدخل عليك من هذا الباب أمير المؤمنين و سيد المسلمين، و قائد الغر المحجلين، و خاتم الوصيين».
2- أخرج ابن حسنويه فى «در بحر المناقب» ص 64 المخطوط عن أنس حديثا فيه: «يدخل عليكم من الباب رجل و هو سيد الوصيين، و قائد الغر المحجلين، و قبلة العارفين، و يعسوب الدين، و وارث علم النبيين... الخ».
3- أورد القندوزى فى «ينابيع المودة» ص 86 ط اسلامبول عن على (ع) حديثا فيه: قال النبى (ص) لعلى: «و أنت امام امتى، و قسيم الجنة و النار».
4- أورد العلامة الكشفى الحنفى الترمذى فى «المناقب المرتضوية» ص 130 ط بمبىء، عن زيد بن خارجة، عن رسول اللّه (ص) حديثا فيه: «و تحفظوا على بن أبى طالب بما تحفظوا انفسكم، فانه الصديق الاكبر». و روى القندوزى فى «ينابيع المودة» ص 495 ط اسلامبول عن الرضا (ع)، عن آبائه (ع) عن رسول اللّه (ص) انه قال لعلى (ع): «يا على، أنت الفاروق الاعظم، و أنت الصديق الاكبر».

فقام رجل، فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرنا عن البلايا؛ فقال: اذا سأل سائل فليعقل، و اذا سأل مسؤول فليلبث، ان من ورائكم امورا ملتجة مجلجلة(1) ، و بلاءا مكلحا مبلحا، و الذى فلق الحبة و برأ النسمة، لو قد فقدتموني و نزلت عزائم الامور و حقائق البلاء، لقد أطرق كثير من السائلين، و اشتغل كثير من المسؤولين - و في نسخة اخرى:

و فشل كثير من المسؤولين -، و ذلك اذا ظهرت حربكم و نصلت عن ناب، و قامت على ساق، و صارت الدنيا بلاءا عليكم، حتى يفتح اللّه لبقية الابرار.

فقام رجل، فقال: يا أمير المؤمنين، حدثنا عن الفتن؛ فقال عليه السّلام: ان الفتن اذا أقبلت شبهت - و في رواية اخرى: اشبهت -، و اذا أدبرت أسفرت، و ان الفتن لها موج كموج البحر، و اعصار كاعصار الريح، تصيب بلدا و تخطىء الاخر، فانظروا أقواما كانوا أصحاب الرايات يوم بدر فانصروهم تنصروا و تؤجروا و تعذروا، الا أن أخوف الفتن عليكم من بعدي فتنة بني امية، انها فتنة عمياء صماء، مطبقة مظلمة، عمت فتنتها، و خصت بليتها، أصاب البلاء من أبصر فيها، و أخطأ البلاء من عمي عنها، أهل باطلها ظاهرون على أهل حقها، يملاون الارض بدعا و ظلما و جورا، و أول من يضع جبروتها، و يكسر عمودها، و ينزع أوتادها، اللّه رب العالمين و قاصم الجبارين.

ألا انكم ستجدون بني امية أرباب سوء بعدي كالناب الضروس، تعض بفيها، و تخبط بيديها، و تضرب برجليها، و تمنع درها، و أيم اللّه لا تزال فتنتهم حتى لا تكون نصرة أحدكم لنفسه الا كنصرة العبد لنفسه من سيده، اذا غاب سبه، و اذا حضر أطاعه، - و في رواية اخرى: يسبه في نفسه -، - و في رواية: و أيم اللّه لو شردوكم تحت كل كوكب لجمعكم اللّه لشر يوم لهم -.

فقال الرجل: فهل من جماعة يا أمير المؤمنين بعد ذلك ؟ قال: انها ستكون

ص: 121


1- فى بعض النسخ (مبلجة ملجلجة) و فى بعضها (ملبحة ملجلحة) انظر شرح ذلك فى الجزء الثامن من البحار للمجلسى رحمه اللّه. (عن الهامش)

جماعة شتى، عطاؤكم و حجكم و أسفاركم و القلوب مختلفة.

قال: قال واحد: كيف تختلف القلوب ؟! قال: هكذا - و شبك بين أصابعه -.

ثم قال: يقتل هذا هذا، و هذا هذا، هرجا هرجا، و يبقى طغام جاهلية، ليس فيها منار هدى، و لا علم يرى، نحن أهل البيت منها بمنجاة، و لسنا فيها بدعاة.

قال: فما أصنع في ذلك الزمان يا أمير المؤمنين ؟ قال: انظروا أهل بيت نبيكم فان لبدوا [فألبدوا]، و ان استنصروكم فانصروهم تنصروا و تعذروا، فانهم لن يخرجوكم من هدى، و لن يدعوكم الى ردى، و لا تسبقوهم بالتقدم فيصرعكم البلاء، و تشمت بكم الاعداء.

وصيته عليه السلام بلزوم اهل البيت و ذكره المهدى عليه السلام

قال: فما يكون بعد ذلك يا أمير المؤمنين ؟ قال: يفرج اللّه برجل من بيتي كانفراج الاديم من بيته، ثم يرفعون الى من يسومهم خسفا، و يسقيهم بكأس مصبرة و لا يعطيهم و لا يقبل منهم الا السيف، هرجا هرجا، يحمل السيف على عاتقه ثمانية أشهر، حتى قريش(1) بالدنيا و ما فيها أن يروني مقام واحد فاعطيهم و آخذ منهم بعض ما قد منعوني، و أقبل منهم بعض ما يرد عليهم حتى يقولوا: ما هذا من قريش! لو كان هذا من قريش و من ولد فاطمة لرحمنا! يغر(2) به اللّه بني امية فيجعلهم تحت قدميه، و يطحنهم طحن الرحى «مَلْعُونِينَ أَيْنَمٰا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَ قُتِّلُوا تَقْتِيلاً سُنَّةَ اللّٰهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللّٰهِ تَبْدِيلاً» (3).

أما بعد: فانه لا بد من رحى تطحن ضلالة، فاذا طحنت قامت على قطبها،

ص: 122


1- فى بعض النسخ: حتى تود قريش أن لو يردوا مقاما واحد فاعطيهم و آخذ منهم بعض الذى... الخ.
2- من: أغرى يغرى اغراءا.
3- الاحزاب 33:61

ألا و ان لطحنها روقا، و ان روقها حدها و على اللّه فلها، ألا و اني و أبرار عترتي و أطائب أرومتي أحلم الناس صغارا، و أعلمهم كبارا، معنا راية الحق و الهدى، من سبقها مرق، و من خذلها محق، و من لزمها لحق - و في رواية اخرى: و من لزمها سبق.

انا أهل بيت من علم اللّه علمنا، و من حكم اللّه الصادق قيلنا، و من قول الصادق سمعنا، فان تتبعونا تهتدوا ببصائرنا، و ان تتولوا عنا يعذبكم اللّه بأيدينا أو بما شاء، نحن افق الاسلام، بنا يلحق المبطىء، و الينا يرجع التائب، و اللّه لو لا أن تستعجلوا و يتأخر الحق لنبأتكم بما يكون في شباب العرب و الموالي، فلا تسألوا أهل بيت محمد العلم قبل أبانه، و لا تسألوهم المال على العسر فتبخلوهم، فانه ليس منهم البخل، و كونوا أحلاس البيوت، و لا تكونوا عجلا بذرا(1) ، كونوا من أهل الحق تعرفوا به و تتعارفوا عليه، فان اللّه خلق الخلق بقدرته، و جعل بينهم الفضائل بعلمه و جعل منهم عبادا اختارهم لنفسه ليحتج بهم على خلقه، فجعل علامة من أكرم منهم طاعته، و علامة من أهان منهم معصيته، و جعل ثواب أهل طاعته النضرة في وجهه في دار الامن و الخلد الذي لا يروع أهله، و جعل عقوبة أهل معصيته نارا تأجج لغضبه، «و ما ظلمهم اللّه و لكن كانوا أنفسهم يظلمون»(2).

يا أيها الناس، انا أهل بيت بنا ميز اللّه الكذب، و بنا يفرج اللّه الزمان الكلب، و بنا ينزع اللّه ربق الذل من أعناقكم، و بنا يفتح اللّه، و بنا يختم اللّه، فاعتبروا بنا و بعدونا، و بهدانا و بهداهم، و بسيرتنا و سيرتهم، و ميتتنا و ميتتهم، يموتون بالدال و القرح و الدبيلة، و نموت بالبطن و القتل و الشهادة.

ثم التفت الى بنيه، فقال: يا بني ليبر صغاركم كباركم و ليرحم كباركم صغاركم، و لا تكونوا أمثال السفهاء الجفاة الجهال، الذين لا يعطون في اللّه اليقين كبيض بيض في

ص: 123


1- عجل بضم الاول و الثانى جمع عجول، و البذر بضمها أيضا جمع بذور و بذير و هو الذى لا يستطيع كتم سره. (عن الهامش)
2- النحل 16:36.

داح، ألا ويح للفراخ فراخ آل محمد من خليفة مستخلف، عتريف مترف، يقتل خلفي و خلف الخلف بعدي.

أما و اللّه لقد علمت تبليغ الرسالات، و تنجيز العدات، و تمام الكلمات، و فتحت لي الاسباب، و اجري لي السحاب، و نظرت في ملكوت، لم يعزب عني شيء فات، و لم يفتني ما سبقني، و لم يشركني أحد فيما أشهدني ربي يوم يقوم الاشهاد، و بي يتم اللّه موعده و يكمل كلماته، و أنا النعمة التي أنعمها اللّه على خلقه، و أنا الاسلام الذي ارتضاه لنفسه، كل ذلك من اللّه به علي و أذل به منكبي، و ليس امام الا و هو عارف أهل ولايته، و ذلك قول اللّه عز و جل:«إِنَّمٰا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هٰادٍ» (1) ، ثم نزل صلى اللّه عليه و آله الطاهرين الاخيار و سلم تسليما كثيرا.

(24) قال سليم بن قيس: سمعت أبا الحسن عليه السّلام يحدثني و يقول(2): ان النبي صلّى اللّه عليه و آله قال: (منهومان لا يشبعان، منهوم في الدنيا لا يشبع منها، و منهوم في العلم لا يشبع منه فمن اقتصر من الدنيا على ما أحل اللّه له سلم، و من تناولها من غيرها حلها هلك، الا أن يتوب و يراجع، و من أخذ العلم من أهله و عمل به نجا، و من أراد به الدنيا هلك و هو حظه)(3).

(و العلماء عالمان: عالم عمل بعلمه فهو ناج، و عالم تارك لعلمه فهو هالك، ان أهل النار ليتأذون من نتن ريح العالم التارك لعلمه، و ان أشد أهل النار ندامة و حسرة رجل دعا عبدا الى اللّه فاستجاب له، فأطاع اللّه فدخل الجنة، و عصى اللّه الداعي

ص: 124


1- الرعد 7:13
2- أورد الكلينى «ره» فى اصول الكافى هذه الرواية باسناده عن سليم بن قيس، ج 1 باب استعمال العلم ص 57.
3- أورد الكلينى هذا المقطع حتى قوله: «فينسى الاخرة» باسناده عن سليم فى رواية مستقلة فى ج 1 من الكافى، باب استعمال العلم، ص 55.

فادخل النار بتركه علمه و اتباعه هواه، و عصيانه اللّه، انما هما اثنان: اتباع الهوى و طول الامل، فأما اتباع الهوى فيصد عن الحق، و أما طول الامل فينسى الاخرة.

ان الدنيا قد ترحلت مدبرة، و ان الاخرة قد ترحلت مقبلة، و لكل منهما بنون فكونوا من أبناء الاخرة ان استطعتم(1) ، و لا تكونوا من أبناء الدنيا، فانما اليوم عمل و لا حساب، و غدا حساب و لا عمل.

ابتداع وقوع الفتن

و انما ابتداء وقوع الفتن من أهواء تتبع، و أحكام تبتدع، يخالف فيها حكم اللّه، يتولى فيها رجال رجالا، و يبرأ رجال من رجال، الا ان الحق لو خلص لم يكن فيه اختلاف، و ان الباطل لو خلص لم يخف على ذي حجى، و لكن يؤخذ من هذا ضغث و من هذا ضغث فيمزجان فيحسبان (فنتجان معا/خ ل)، فهنالك استولى الشيطان على أوليائه، و نجا الذين سبقت لهم منا الحسنى.

اني سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول: كيف بكم اذا لبستكم فتنة - و في رواية اخرى: فتن - يربو فيها الوليد، و يزيد فيها الكبير - و في رواية اخرى: يهرم فيها الكبير - و يجري الناس عليها فيتخذونها سنّة، فاذا غير منها شيء قيل: ان الناس قد أتوا منكرا - و في رواية: قيل: غيرت السنّة -، ثم يشتد البلاء - و في رواية: تشتد البلية - و تسبى الذرية، و تدقهم الفتن كما تدق النار الحطب، و كما تدق الرحى بثقالها، يتفقه الناس لغير الدين، و يتعلمون لغير العمل، و يطلبون الدنيا بعمل الاخرة - و في رواية اخرى:

و يطلبون الدنيا بالدين -.

ثم أقبل بوجهه على ناس من أهل بيته و شيعته، فقال: لقد عملت الائمة قبلي بامور عظيمة خالفت فيها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله متعمدين، لو حملت الناس على تركها و تحويلها عن موضعها الى ما كانت تجري عليه على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لتفرق عني جندي،

ص: 125


1- جاء هذا المقطع فى آخر احدى خطب نهج البلاغة مع اختلاف فى الالفاظ و الترتيب. راجع نهج البلاغة تحقيق صبحى الصالح، ص 83-84.

حتى لا يبقى في عسكري غيري و قليل من شيعتي الذين انما عرفوا فضلي و امامتي من كتاب اللّه و سنة نبيه لا من غيرهما، أرأيتم لو أمرت بمقام ابراهيم عليه السّلام فرددته الى المكان الذي وضعه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و رددت فدك الى ورثة فاطمة عليها السّلام، و رددت صاع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و مده الى ما كان، و أمضيت قطائع أقطعها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لاهلها - و في رواية اخرى: أقطعها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أقواما لم يوف لهم -، و رددت دار جعفر ابن أبي طالب الى ورثته و هدمتها من المسجد، و رددت قضايا من قضى من كان قبلي يجور، و رددت ما قسم من أرض خبير، و محوت ديوان الا عطية، و أعطيت كما كان يعطي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و لم أجعله دولة بين الاغنياء و سبيت ذراري بني تغلب، و أمرت الناس أن لا يجمعوا في شهر رمضان الا في فريضة لنادى بعض الناس(1) من أهل العسكر ممن يقاتل معي: يا أهل الاسلام! و قالوا: غيرت سنّة عمر، نهينا (ينهانا/خ ل) أن نصلي في شهر رمضان تطوعا حتى خفت أن يثوروا في ناحية عسكري.

بؤسي لما لقيت من هذه الامة بعد نبيها من الفرقة و طاعة أئمة الضلال و الدعاة الى النار، و لم أعط سهم ذي القربى الا من أمر اللّه باعطائه، الذين قال اللّه:«إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللّٰهِ وَ مٰا انزل عَلىٰ عَبْدِنٰا يَوْمَ الْفُرْقٰانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعٰانِ» (2) ، فنحن الذين(3) عنى اللّه بذي القربى و اليتامى و المساكين و ابن السبيل، كل هؤلاء منا خاصة،

ص: 126


1- فى بعض النسخ بدل ذلك: «لصاح أهل العسكر و قالوا: غيرت، الخ».
2- كذا فى المتن و لكن فى المصحف «و ما انزلنا» بدل «و ما انزل»، و لعله من سهو النساخ.
3- فنحن الذين عنى اللّه بذى القربى الذين قرنهم اللّه بنفسه و نبيه صلى اللّه عليه و آله و سلم فقال: «و ما أفاء اللّه على رسوله من أهل القرى فلله و للرسول و لذى القربى و اليتامى و المساكين» كل هؤلاء منا خاصة لانه (الخ) كذا رواه علم الهدى الشريف المرتضى فى كتاب الشافى فى الامامة (ص 255 من طبع ايران). (عن هامش نسخ الكتاب)

لانه لم يجعل لنا في سهم الصدقة نصيبا، و أكرم اللّه نبيه صلّى اللّه عليه و آله و أكرمنا أن لا يطعمنا أوساخ الناس.

(25) أبان، عن سليم، قال: شهدت(1) أبا ذر [قد] مرض مرضا على عهد عمر في امارته، فدخل عليه عمر يعوده - و عنده أمير المؤمنين عليه السّلام و سلمان و المقداد -، و قد أوصى أبو ذر الى علي عليه السّلام و كتب و أشهد، فلما خرج عمر قال رجل من أهل أبي ذر - من بني عمه بني غفار -: ما منعك أن توصي الى أمير المؤمنين عمر؟!

قال: قد أوصيت الى أمير المؤمنين حقا، أمرنا به رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و نحن ثمانون رجلا من العرب و أربعون رجلا من العجم، فسلمنا على علي عليه السّلام بامرة المؤمنين، فينا هذا القائم الذي سميته أمير المؤمنين، و ما أحد من العرب و لا من الموالي العجم راجع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله الا هذا و صويحبه الذي استخلفه، فانهما قالا: أحق من اللّه و رسوله ؟! قال: اللهم نعم، حق من اللّه و رسوله، أمرني اللّه بذلك فآمركم به.

قال سليم: فقلت: يا أبا الحسن و أنت يا سلمان و أنت يا مقداد تقولون كما قال أبو ذر؟ قالوا: نعم صدق، قلت: أربعة عدول، و لو لم يحدثني غير واحد ما شككت في صدقه، و لكن أربعتكم أشد لنفسي و بصيرتي، قلت: أصلحك اللّه، أتسمون الثمانين ؟ فسماهم سلمان رجلا رجلا، فقال علي عليه السّلام و أبو ذر و المقداد: صدق سلمان - رحمة اللّه و مغفرته عليهم -، فكان من سمى: أبو بكر، و عمر، و أبو عبيدة، و معاذ، و سالم، و الخمسة من أصحاب الشورى - و في رواية اخرى: و الخمسة أصحاب الصحيفة -، و عمار بن ياسر، و سعد بن عبادة، و الباقي من أصحاب العقبة - و في رواية: و النقباء من أصحاب العقبة -، و ابي بن كعب، و أبو ذر، و المقداد، و بقية جلهم و أعظمهم من أهل

ص: 127


1- أورد هذه الرواية العلامة المجلسى فى البحار ج 8 ص 27 عن سليم بن قيس، قال «ره»: «وجدت هذه الرواية فى كتاب سليم...» و ساق الرواية بكاملها.

بدر؛ و أعظمهم من الانصار فيهم أبو الهيثم بن التيهان، و خالد بن زيد، و أبو أيوب، و اسيد بن خضير، و بشير بن سعد.

قال سليم: فأظن أني قد لقيت عامتهم فسألتهم و خلوت بهم رجلا رجلا، فمنهم من سكت عني فلم يجبني بشيء و كتمني، و منهم من حدثني، ثم قال: أصابتنا فتنة أخذت بقلوبنا و أسماعنا و أبصارنا، و ذلك لما ادعى أبو بكر أنه سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول بعد ذلك: «انا أهل بيت أكرمنا اللّه و اختار لنا الاخرة على الدنيا(1) ، و ان اللّه أبى أن يجمع لنا أهل البيت النبوة و الخلافة»، فاحتج بذلك أبو بكر على علي عليه السّلام حين جيء به للبيعة، و صدقه و شهد له أربعة كانوا عندنا خيارا غير متهمين: أبو عبيدة، و سالم، و عمر، و معاذ، ظننا أنهم قد صدقوا.

فلما بايع علي عليه السّلام خبرنا أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال ما قاله، و أخبر أن هولاء الخمسة كتبوا بينهم كتابا تعاهدوا فيه و تعاقدوا في ظل الكعبة ان مات محمد صلّى اللّه عليه و آله أو قتل أن يتظاهروا على علي عليه السّلام فيزوون عنه هذا الامر، و استشهدوا أربعة: سلمان، و أبو ذر، و المقداد، و الزبير، و شهدوا بعدما وجبت في أعناقنا لابي بكر بيعته الملعونة الضالة، فعلمنا أن عليا عليه السّلام لم يكن ليروي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله باطلا، و شهد له الاخيار من أصحاب محمد صلّى اللّه عليه و آله.

فقال جل من قال هذه المقالة: إنّا تدبّرنا الامر بعد ذلك فذكرنا قول النبي صلّى اللّه عليه و آله و نحن نسمع: ان اللّه يحب أربعة من أصحابي و أمرني بحبهم، و ان الجنة تشتاق اليهم(2) ،

ص: 128


1- قرينة كذب نسبة هذا الكلام الى النبى صلى اللّه عليه و آله و سلم هو أن النبوة ليست من امور الدنيا، و الخلافة نيابة عنها، فلازم اكرام اللّه اياهم أن يجمع لهم النبوة و الخلافة، كما أنه لازم اختيار الاخيرة. (عن هامش بعض نسخ الكتاب)
2- أخرج قريبا منه نصر بن مزاحم فى «صفين» ط القاهرة، و العلامة ابن عساكر فى «التاريخ الكبير» ج 6 ص 198، و ابن الاثير فى «اسد الغابة» ج 2 ص 330 ط مصر، و الحاكم النيشابورى فى «المستدرك» ج 3 ص 137 ط حيدرآباد الدكن، و غيرهم. كما أخرج أحمد بن حنبل في «المسند» ج 5 ص 351 ط مصر عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول اللّه (ص): «ان اللّه عز و جل يحب من أصحابى أربعة، أخبرنى أنه يحبهم، و أمرنى أن احبهم، قالوا: من هم يا رسول اللّه ؟ قال: ان عليا منهم، و أبو ذر، و سلمان الفارسى، و المقداد بن الاسود الكندى». و أخرج البخارى فى «الكنى» ص 31 ط حيدرآباد قريبا منه؛ و الترمذى أيضا فى «الصحيح» ج 13 ص 168 ط الصاوى بمصر، و غيرهم.

فقلنا: من هم يا رسول اللّه ؟ فقال: أخي و وزيري و وارثي و خليفتي في امتي و ولي كل مؤمن بعدي علي بن أبي طالب، و سلمان الفارسي، و أبو ذر، و المقداد ابن الاسود - و في رواية: أنه قال: ألا ان عليا منهم، ثم سكت، ثم قال: ألا ان عليا منهم، و أبو ذر، و سلمان، و المقداد -؛ و انا نستغفر اللّه و نتوب اليه مما ركبناه و مما أتيناه، قد سمعنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول قولا لم نعلم تأويله و معناه الا أخيرا.

قال: ليردن على الحوض أقوام ممن صحبني و من أهل المكانة مني و المنزلة عندي حتى اذا وقفوا على مراتبهم اختلسوا دوني - و في رواية: اختلجوا دوني(1) - و اخذ بهم ذات الشمال، فأقول: يا رب أصحابي، أصحابي ؟ فيقال لي: انك لا تدري ما أحدثوا بعدك، انهم لم يزالوا مرتدين على أدبارهم القهقرى منذ فارقتهم(2) ؛ و لعمرنا لو أنا حين قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله سلمنا الامر الى علي عليه السّلام و أطعناه و تابعناه و

ص: 129


1- اختلس الشىء سلبه بمخاتلة و عاجلا، و اختلج الشىء انتزعه و اجتذبه، و الرواية الثانية هى الانسب هنا، و المشهور عند المحدثين. قال ابن الاثير الجزرى فى النهاية بمادة (خلج) ما نصه: و منه الحديث ليردن على الحوض أقوام ثم ليختلجن دونى أى يجتذبون و يقتطعون - انتهى - و هو بصيغة المجهول. (عن هامش بعض نسخ الكتاب)
2- تقدمت الاشارة الى مدارك هذا الحديث من طرق القوم.

بايعناه لرشدنا و اهتدينا و وفقنا، و لكن اللّه قضى الاختلاف و الفرقة و البلاء فلا بد من أن يكون ما علم اللّه و قضى و قدر.

وصية ابي ذرّ الى امير المؤمنين عليه السلام

(26) سليم بن قيس، قال: شهدت أبا ذر بالربذة حين سيره عثمان أوصى الى علي عليه السّلام في أهله و ماله، فقال له قائل: لو كنت أوصيت الى أمير المؤمنين عثمان ؟(1) فقال: قد أوصيت الى أمير المؤمنين حقا، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام، سلمنا عليه بامرة المؤمنين على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، قال لنا: سلموا على أخي و وزيري، و وارثي، و خليفتي في امتي، و ولي كل مؤمن بعدي بامرة المؤمنين، فانه زر الارض(2) الذي تسكن اليه، و لو قد فقدتموه أنكرتم الارض و أهلها.

فرأيت عجل هذه الامة و سامريها راجعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقالا: حق من اللّه و رسوله ؟! فغضب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ثم قال: حق من اللّه و رسوله، أمرني اللّه بذلك؛ فلما سلما عليه أقبلا على أصحابهما معاذ و سالم و أبي عبيدة حين خرجا من بيت علي عليه السّلام من بعدما سلمنا عليه، فقالا لهم: ما بال هذا الرجل ما زال يرفع خسيسة ابن عمه(3) ؛ و قال أحدهما: انه ليحسن أمر ابن عمه، و قال الجميع: ما لنا عنده خير ما بقي علي.

ص: 130


1- تقدم شبه هذه القصة مع الخليفة الثانى عمر، و لعلها حصلت أولا في عهد عمر ثم فى عهد عثمان و هذا هو الاقرب، لان تلك القصة الاولى حصلت فى عهد عمر و كان أبو ذر مريضا، و هنا حصلت حين تسييره الى الربذة، فالاتحاد بين الواقعتين بعيد.
2- زر بكسر الزاء المعجمة ثم الراء المهملة المشددة و قد تقدم تفسير الحديث عن نهاية ابن الاثير الجزرى، فراجعه. (عن هامش بعض نسخ الكتاب)
3- يقال: رفعت خسيسته و من خسيسته اذا فعلت به فعلا يكون به رفعته قاله ابن الاثير فى النهاية بمادة (خسس) انظر الى قولهما: «ما بال هذا الرجل» يعبر ان بهذا التعبير الحقير عن النبى الاعظم صلى اللّه عليه و آله و سلم. (عن هامش بعض نسخ الكتاب)

قال: فقلت: يا أبا ذر هذا التسليم بعد حجة الوداع أو قلبها؟ فقال: أما التسليمة الاولى فقبل حجة الوداع، و أما التسليمة الاخرى فبعد حجة الوداع؛ قلت:

فمعاقدة هؤلاء الخمسة متى كانت ؟ قال: في حجة الوداع؛ قلت: أخبرني أصلحك اللّه عن الاثني عشر أصحاب العقبة المتلثمين الذين أرادوا أن ينفروا برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله الناقة، و متى كان ذلك ؟ قال: بغدير خم، مقبل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله من حجة الوداع ؟ قلت:

أصلحك اللّه، تعرفهم ؟ قال: اي و اللّه كلهم؛ قلت: من أين تعرفهم و قد أسرهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله الى حذيفة ؟! قال: عمار بن ياسر كان قائدا و حذيفة سائقا، فأمر حذيفة بالكتمان و لم يأمر بذلك عمارا.

قلت: تسميهم لي ؟ قال: خمسة أصحاب الصحيفة، و خمسة أصحاب الشورى(1) ، و عمرو بن العاص، و معاوية؛ قلت: أصلحك اللّه كيف تردد عمار و حذيفة في أمرهم بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حين رأياهم - و في رواية اخرى: فكيف نزل عمار و حذيفة في أمرهم بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله -؟! قال: انهم أظهروا التوبة و الندامة بعد ذلك، و ادعى عجلهم منزلة، و شهد لهم سامريهم و الثلاثة معهم بأنهم سمعوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول ذلك، فقالوا: لعل أمر حدث بعد الاول، فشكا فيمن شك منهم، الا أنهما تابا و عرفا و سلما.

قال سليم بن قيس: فلقيت عمارا في خلافة عثمان بعدما مات أبو ذر فأخبرته بما قال أبو ذر فقال: صدق أخي، انه لابر و أصدق من أن يحدث عن عمار بما لا يسمع منه؛ فقلت أصلحك اللّه بما تصدق أبا ذر؟ قال: أشهد لقد سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول: ما أظلت الخضراء و لا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر و لا أبر، قلت: يا نبي اللّه، و لا أهل بيتك ؟! قال: انما أعني غيرهم من الناس؛ ثم

ص: 131


1- كان الزبير «أشدنا بصيرة» كما مر سابقا عن سلمان، و هو من أصحاب الشورى ، فكيف يوافق ذلك هذا؟! و لعل تحرفا وقع فى احدى الروايتين، فتأمل.

لقيت حذيفة بالمدائن - رحلت اليه من الكوفة - فذكرت له ما قال أبو ذر، فقال:

سبحان اللّه، أبو ذر أصدق و أبر من أن يحدث عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بغير ما قال(1).

سؤال فاطمة عليها السلام النبي صلى اللّه عليه و آله عن احب الولدين اليه

(27) أبان، عن سليم، قال: حدثني علي بن أبي طالب - صلوات اللّه عليه - و سلمان و أبو ذر و المقداد، و حدث أبو الجحاف داود بن أبي عوف العوفي يروي عن أبي سعيد الخدري، قال: دخل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله على ابنته فاطمة عليها السّلام و هي توقد تحت قدر لها تطبخ طعاما لاهلها، و علي عليه السّلام في ناحية البيت نائم، و الحسن و الحسين - صلوات اللّه عليهما - نائمان الى جنبه.

فقعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله مع ابنته يحدثها - و في رواية اخرى: مع فاطمة عليها السّلام يحدثها - و هي توقد تحت قدرها ليس لها خادم، اذ استيقظ الحسن عليه السّلام فأقبل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقال: يا أبت اسقني - و في رواية اخرى: يا جداه اسقني -، فأخذه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ثم قام الى لقحة(2) كانت له فاحتلبها بيده، ثم جاء بالعلبة(3) و على اللبن رغوة ليناوله الحسن عليه السّلام فاستيقظ الحسين، فقال: يا أبت اسقني، فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله: يا بني أخوك و هو أكبر منك و قد استسقاني قبلك، فقال الحسين عليه السّلام: اسقني قبله، فجعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يرقبه (يقبله/خ ل) و يلين له، و يطلب له أن يدع أخاه يشرب و الحسين عليه السّلام يأبى.

فقالت فاطمة عليها السّلام: يا أبت كان الحسن أحبهما اليك ؟ قال صلّى اللّه عليه و آله: ما هو بأحبهما الي، و انهما عندي لسواء، غير أن الحسن استسقاني أول مرة، و اني و اياك و اياهما و هذا الراقد في الجنة لفي منزل واحد و درجة واحدة، قال: و علي عليه السّلام نائم لا يدري بشيء من ذلك.

ص: 132


1- روى المجلسى فى البحار ج 8 ص 27-28 هذه القصة بطولها من قوله: فشهدت أبا ذر بالربذة، الى هذا الموضع.
2- اللقحة بفتح اللام و تكسر أيضا: الناقة الحلوب الغزيرة اللبن.
3- العلبة بضم العين المهملة: اناء ضخم من جلد أو خشب. (عن الهامش)

قال: و مر بهما رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ذات يوم و هما يلعبان فأخذهما رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فاحتملهما و وضع كل واحد منهما على عاتقه، فاستقبله رجل فقال - و في رواية اخرى:

فوضع أحدهما على منكبه الايمن و الاخر على منكبه الايسر، ثم أقبل بهما فاستقبله أبو بكر، فقال -: لنعم الراحلة أنت، - و في رواية اخرى: نعم المركب ركبتما يا غلامين -، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: و نعم الراكبان هما(1) ، ان هذين الغلامين ريحانتاي من الدنيا(2).

قال: فلما أتى بهما منزل فاطمة عليها السّلام أقبلا يصطرعان فجعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول: هي(3) يا حسن، فقالت فاطمة عليها السّلام: يا رسول اللّه، أتقول «هي يا حسن» و هو أكبر منه ؟! فقال صلّى اللّه عليه و آله: هذا جبرئيل يقول «هي يا حسين»(4) ، فصرع الحسين الحسن.

ص: 133


1- أورد الشيخ علاء الدين على المتقى الهندى فى «منتخب كنز العمال» المطبوع بهامش المسند ج 5 ص 107 ط مصر قريبا من هذا الحديث عن عمر بن الخطاب.
2- أخرج البخارى فى «الصحيح» عن عبد اللّه بن عمر أن النبى (ص) قال: «هما ريحانتاى من الدنيا» أى الحسن و الحسين عليهما السلام. راجع ج 5 ص 27، و أخرج قريبا منه أحمد بن حنبل فى «المسند» ج 2 ص 114 ط مصر، و الحافظ الطيالسى فى «مسنده» ص 260 ط حيدرآباد، و أبو عبد اللّه مصعب بن عبد اللّه الزبيرى فى «نسب قريش» ص 25 ط دار المعارف و الطباعة بپاريس، و الحافظ الترمذى فى «الصحيح» ج 13 ص 193 ط مصر، و غيرهم.
3- هى، بكسر الهاء و سكون الياء، و فى نسخة المجلسى رحمه اللّه فى البحار - ايه - بكسر الهمزة و سكون الياء ثم الهاء، و الصحيح - هيه - بكسر الهاء و بفتحها مع سكون الياء ثم الهاء، أو - ايه - بكسر الهمزة و بفتحها مع سكون الياء ثم الهاء الساكنة و تنون مكسورة الاولى، و هى كلمة استزادة تقول للرجل اذا استزدته من حديث أو عمل: - ايه - بكسر الهاء، قاله الزبيدى فى «تاج العروس». (عن الهامش)
4- أخرج السيوطى فى «الخصائص الكبرى» ج 2 ص 265 ط حيدرآباد عن محمد بن على قال: اصطرع الحسن و الحسين عند رسول اللّه (ص)، فجعل رسول اللّه (ص) يقول: هى حسن، فقالت: يا رسول اللّه تعين الحسن ؟! كأنه أحب اليك من الحسين، قال: ان جبرئيل يعين الحسين و انى احب أن اعين الحسن.

الحسن و الحسين عليهما السلام سيدا شباب اهل الجنة

قال: و نظر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله اليهما يوما و قد أقبلا فقال: هذان و اللّه سيدا شباب أهل الجنة، و أبوهما خير منهما، ان أخير الناس عندي و أحبهم الي و أكرمهم علي أبوكما ثم امكما، و ليس عند اللّه أحد أفضل مني و أخي و وزيري و خليفتي في امتي و ولي كل مؤمن بعدي علي بن أبي طالب عليه السّلام، ألا انه خليلي و وزيري و صفيي و خليفتي من بعدي، و ولي كل مؤمن و مؤمنة بعدي.

فاذا هلك فابني الحسن من بعده، فاذا هلك فابني الحسين من بعده، ثم الائمة من عقب الحسين - و في رواية اخرى: ثم الائمة التسعة من عقب الحسين -، الهداة المهتدون، هم مع الحق و الحق معهم لا يفارقونه و لا يفارقهم الى يوم القيامة، و هم زر الارض الذين تسكن اليهم الارض، و هم حبل اللّه المتين، و هم عروة اللّه الوثقى التي لا انفصام لها، و هم حجج اللّه في أرضه، و شهداؤه على خلقه، و خزنة علمه، و معادن حكمته، و هم بمنزلة سفينة نوح، من ركبها نجا و من تركها غرق، و هم بمنزلة باب حطة في بني اسرائيل(1) من دخله كان مؤمنا، و من خرج منه كان كافرا، فرض اللّه في الكتاب طاعتهم و أمر فيه بولايتهم، من أطاعهم أطاع اللّه، و من عصاهم عصى اللّه.

قال: و كان الحسين عليه السّلام يجيء الى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و هو ساجد فيتخطى الصفوف حتى يأتي النبي صلّى اللّه عليه و آله فيركب ظهره(2) ، فيقوم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و قد وضع يده على ظهر

ص: 134


1- روى الحموينى فى «فرائد السمطين» عن سليم بن قيس أن أبا ذر قال: سمعت نبيكم يقول: مثل أهل بيتى فيكم كمثل سفينة نوح، من ركبها نجا و من تركها غرق، و يقول: مثل أهل بيتى فيكم مثل باب حطة في بنى اسرائيل، من دخله غفر له.
2- روى قريبا من هذا المعنى الحاكم النيشابورى فى المستدرك ج 3 ص 167 ط حيدرآباد الدكن، و الهيثمى فى «مجمع الزوائد» ج 9 ص 181 ط القاهرة، و الخوارزمى فى «مقتل الحسين» ص 97 ط الغرى، و غيرهم.

الحسين عليه السّلام و يده الاخرى على ركبته حتى يفرغ من صلاته.

رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله يلعن عمرا و معاوية

و كان الحسن عليه السّلام يأتيه و هو على المنبر يخطب فيصعد اليه فيركب على عاتق النبي صلّى اللّه عليه و آله و يدلي رجليه على صدر النبي صلّى اللّه عليه و آله حتى يرى بريق خلخاله، و رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يخطب، فيمسكه كذلك حتى يفرغ من خطبته.

(28) أبان، عن سليم، قال: بلغ أمير المؤمنين - صلوات اللّه عليه - أن عمرو بن العاص خطب الناس بالشام فقال: بعثني رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله على جيشه فيه أبو بكر و عمر، فظننت أنه انما بعثني لكرامتي عليه، فلما قدمت قلت: يا رسول اللّه، أي الناس أحب اليك ؟ فقال: عائشة؛ قلت: من الرجال ؟ قال: أبوها.

أيها الناس، و هذا علي يطعن على أبي بكر و عمر و عثمان، و قد سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول: ان اللّه ضرب بالحق على لسان عمر و قلبه، و قال في عثمان: ان الملائكة لتستحي من عثمان، و قد سمعت عليا و الا فصمتا - يعني اذنيه - يروي على عهد عمر أن نبي اللّه نظر الى أبي بكر و عمر مقبلين فقال: يا علي، هذان سيدا كهول أهل الجنة من الاولين و الاخرين ما خلا النبيين منهم و المرسلين(1) ، و لا تحدثهما بذلك فيهلكا.

فقام علي عليه السّلام فقال: العجب لطغاة أهل الشام حيث يقبلون قول عمرو و يصدقونه! و قد بلغ من حديثه و كذبه و قلة ورعه أن يكذب على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و قد لعنه سبعين لعنة، و لعن صاحبه الذي يدعو اليه في غير موطن، و ذلك أن هجا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بقصيدة سبعين بيتا، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: اللهم اني لا أقول الشعر، و لا أحله، فالعنه أنت و ملائكتك بكل بيت لعنة تترى على عقبه الى يوم القيامة.

ثم لما مات ابراهيم ابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قام فقال: ان محمدا قد صار أبتر

ص: 135


1- تقدمت الاشارة الى أن ابن الاثير الجزرى أورد هذا الحديث فى «اسد الغابة» فى ترجمة أبى بكر.

لا عقب له، و اني لاشنأ الناس له، و أقولهم فيه سوءا؛ فأنزل اللّه فيه «إِنَّ شٰانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ» (1) يعني أبتر من الايمان و من كل خير.

ما لقيت من هذه الامة، من كذابها و منافقها، لكأني بالقراء الضعفة المجتهدين قد رووا حديثه و صدقوه فيه(2) ، و احتجوا علينا أهل البيت بكذبه انا نقول: خير هذه الامة أبو بكر و عمر، و لو شئت لسميت الثالث، و اللّه ما أراد بقوله في عائشة و أبيها الا رضا معاوية، و لقد استرضاه بسخط اللّه.

و أما حديثه الذي يزعم أنه سمعه مني فلا و الذي فلق الحبة و برأ النسمة ليعلم أنه كذب علي يقينا، و أن اللّه لم يسمعه مني سرا و لا جهرا، اللهم العن عمرا و العن معاوية بصدهما عن سبيلك، و كذبهما على كتابك، و استخفافهما بنبيك صلّى اللّه عليه و آله، و كذبهما عليه و علي.

قال سليم: ثم دعا معاوية قراء أهل الشام و قضاتهم، فأعطاهم الاموال، و بثهم في نواحي الشام و مدائنها يروون الروايات الكاذبة، و يضعون لهم الاصول الباطلة، و يخبرونهم بأن عليا عليه السّلام قتل عثمان، و يتبرأ من أبي بكر و عمر، و أن معاوية يطلب بدم عثمان و معه أبان بن عثمان و ولد عثمان، حتى استمالوا أهل الشام

ص: 136


1- فى «أسباب النزول» للواحدى النيشابورى فى سبب نزول سورة الكوثر روى عن يزيد بن رومان، قال: «كان العاص بن وائل السهمى اذا ذكر رسول اللّه (ص) قال: دعوه فانما هو أبتر لا عقب له». و قال: «و قال عطاء عن ابن عباس: كان العاص بن وائل يمر بمحمد (ص) و يقول: انى لا شنؤك و انك لابتر من الرجال، فانزل اللّه تعالى:«إِنَّ شٰانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ». و العاص أبو عمرو بن العاص.
2- و قد تحققت هذه النبوة حيث يروى أهل العامة فى كتبهم هذه الاكاذيب معتقدين بصدورها عن رسول اللّه (ص) و يودعونها امهات كتبهم.

و اجتمعت كلمتهم، و لم يزل معاوية على ذلك عشرين سنة، ذلك عمله في جميع أعماله، حتى قدم عليه طغاة الشام و أعوان الباطل المنزلون له بالطعام و الشراب، يعطيهم الاموال، و يقطعهم القطائع؛ حتى نشأ عليه الصغير، و هرم عليه الكبير، و هاجر عليه الاعرابي؛ و ترك أهل الشام لعن الشيطان، و قالوا: لعن علي و قاتل عثمان، فاستقر على ذلك جهلة الامة، و أتباع أئمة الضلالة، و الدعاة الى النار؛ فحسبنا اللّه و نعم الوكيل «وَ لَوْ شٰاءَ اللّٰهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدىٰ و لكن اَللّٰهَ يَفْعَلُ مٰا يَشٰاءُ» (1).

(29) أبان، عن سليم، قال: كان لزياد بن سمية كاتب يتشيع و كان لي صديقا، فأقرأني كتابا كتبه(2) معاوية الى زياد جواب كتابه اليه:

أما بعد، فانك كتبت الي تسألني عن العرب من اكرم منهم و من أهين، و من اقرب و من ابعد، و من آمن منهم و من أحذر - و في رواية اخرى: و من أمن منهم و من اخيف -.

و أنا يا أخي أعلم الناس بالعرب، انظر الى هذا الحي من اليمن فأكرمهم في العلانية و أهنهم في السر فاني كذلك أصنع بهم، أكرمهم في مجالسهم و أهينهم في الخلاء، انهم أسوأ الناس عندي حالا، و يكون فضلك و عطاؤك لغيرهم سرا منهم.

و انظر ربيعة بن نزار فأكرم امراءهم و أهن عامتهم، فان عامتهم تبع لاشرافهم و ساداتهم، و انظر الى مضر فاضرب بعضها ببعض، فان فيهم غلظة و كبرا و نخوة شديدة، فانك اذا فعلت ذلك و ضربت بعضهم ببعض كفاك بعضهم بعضا، و لا ترض بالقول منهم دون الفعل و لا بالظن دون اليقين.

و انظر الى الموالي و من أسلم من الاعاجم فخذهم بسنة عمر بن الخطاب، فان في ذلك خزيهم، و ذلهم أن تنكح العرب فيهم و لا ينكحهم، و أن يرثوهم العرب و لا يرث(3)

ص: 137


1- الانعام 35:6.
2- تأمل كثيرا فى هذ الكتاب السرى فان فيه قيمته التاريخية. (عن الهامش)
3- الاصح: يرثوا.

العرب، و أن تقصر بهم في عطائهم و أرزاقهم، و أن يقدموا في المغازي يصلحون الطريق و يقطعون الشجر، و لا يؤم أحد منهم العرب في صلاة، و لا يتقدم أحد منهم في الصف الاول اذا حضرت العرب الا أن يتموا الصف، و لا تول أحدا منهم ثغرا من ثغور المسلمين و لا مصرا من أمصارهم، و لا يلي أحد منهم قضاء المسلمين و لا أحكامهم فان هذه سنة عمر فيهم و سيرته، و جزاه عن امة محمد و عن بني امية خاصة أفضل الجزاء.

فلعمري لو لا ما صنع هو و صاحبه و قوتهما و صلابتهما في دين اللّه لكنا و جميع هذه الامة لبني هاشم الموالي، و لتوارثوا الخلافة واحدا بعد واحد كما يتوارث أهل كسرى و قيصر، و لكن اللّه أخرجها من بني هاشم و صيرها الى بني تيم بن مرة، ثم خرجت الى بني عدي بن كعب، و ليس في قريش حيان أذل منهما و لا أنذل، فأطمعانا فيها و كنا أحق بها منهما و من عقبهما، لان فينا الثروة و الغزو، و نحن أقرب الى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في الرحم منهما.

ثم نالها صاحبنا عثمان بشورى و رضا من العامة بعد شورى ثلاثة أيام من الستة، و نالها من نالها قبله بغير شورى، فلما قتل صاحبنا عثمان مظلوما نلناها به، لان من قتل مظلوما فقد جعل اللّه لوليه سلطانا.

و لعمري يا أخي لو كان عمر سنه(1) دية العبد نصف دية المولى لكان أقرب الى التقوى، و لو وجدت السبيل الى ذلك و رجوت أن تقبله العامة لفعلت، و لكني قريب عهد بحرب، فأتخوف فرقة الناس و اختلافهم علي، و يحسبك ما سنه عمر فيهم فهو خزي لهم و ذل - و في رواية اخرى: يا أخي لو لا أن عمر سن دية الموالي على النصف من دية العرب و ذلك أقرب للتقوى لما كان للعرب فضل على العجم -.

فاذا جاءك كتابي هذا فأذل العجم و أهنهم و أقصهم، و لا تستعن بأحد منهم، و لا

ص: 138


1- الاصح: سن.

تقض لهم حاجة(1) ، فو اللّه انك لابن أبي سفيان، خرجت من صلبه، و قد كنت حدثتني - و أنت يا أخي عندي صدوق - أنك قرأت كتاب عمر الى الاشعري بالبصرة، و كنت يومئذ كاتبه و هو عامل بالبصرة، و أنت أنذل الناس عنده، و أنت يومئذ ذليل النفس تحسب أنك مولى لثقيف، و لو كنت تعلم يومئذ يقينا كيقينك اليوم أنك ابن أبي سفيان لاعظمت نفسك، و أنفت أن تكون كاتبا لدعي الاشعريين، و أنت تعلم و نحن يقينا أن أبا سفيان كان يحذو حذو امية بن عبد شمس.

و حدثني ابن أبي معيط أنك أخبرته أنك قرأت كتاب عمر الى أبي موسى الاشعري، و بعث اليه بحبل طوله خمسة أشبار، و قال له: اعرض من قبلك من أهل البصرة، فمن وجدت من الموالي و من أسلم من الاعاجم قد بلغ خمسة أشبار(2) فقدمه فاضرب عنقه، فشاورك أبو موسى في ذلك فنهيته، و أمرته أن يراجع فراجعه، و ذهبت أنت بالكتاب الى عمر، و انما صنعت ما صنعت تعصبا للموالي، و أنت يومئذ تحسب أنك عبد ثقيف، فلم تزل بعمر حتى رددته عن رأيه، خوفته فرقة الناس

ص: 139


1- انظر وصية معاوية لزياد بن أبيه فى الوقيعة بالعجم و اذلالهم و اهانتهم، و لعمرى ليس لهم ذنب سوى ولائهم لاهل البيت العلوى الهاشمى، و كأن معاوية لم يقرأ قوله تعالى:«إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّٰهِ أَتْقٰاكُمْ»، و لم يسمع قول النبى الاعظم صلى اللّه عليه و آله و سلم حيث قول: «لا فضل لعربى على عجمى الا بالتقوى». نعم هو بمعزل عن قول اللّه و رسوله صلى اللّه عليه و آله و سلم اذ لا يتفق ذلك و سياسته الخرقاء. و انظر كيف يخاطب زيادا بقوله: «و اللّه انك لابن أبى سفيان خرجت من صلبه» و اللّه يعلم أنه أفاك أثيم بقسمه هذا الكاذب، و كل عارف و جاهل يعرف أن زيادا ابن سمية مجهول الاب؛ ذكر ذلك جل المؤرخين؛ و لكن السياسة العمياء الوقتية دعت هذا الداهية أن يلصق زيادا به و يجعله أخاه؛ تبا له و سحقا. (عن الهامش)
2- انظر الى هذه الصقاعة الفاحشة من الخليفة. (عن الهامش)

فرجع، و قلت له: ما يؤمنك و قد عاديت أهل هذا البيت أن يثوروا الى علي فينهض بهم فيزيل ملكك، فكف عن ذلك.

و ما أعلم يا أخي ولد مولود من أبي سفيان أعظم شؤما عليهم مثلك، حين رددت عمر عن رأيه و نهيته عنه، و خبرني أن الذي صرفت به عن رأيه في قتلهم أنك قلت أنك سمعت علي بن أبي طالب يقول: لتضربنكم الاعاجم على هذا الدين عودا كما ضربتموهم عليه بدءا، و قال: ليملان اللّه أيديكم من الاعاجم، ليصيرن اسدا لا يفرون، فليضربن أعناقكم، و ليغلبنكم على فيئكم، فقال لك - و قد سمع ذلك من علي يرويه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله -: فذاك الذي دعاني الى الكتاب الى صاحبك في قتلهم، و قد كنت عزمت على أن أكتب الى عمالي في سائر الامصار، فقلت لعمر:

لا تفعل يا أمير المؤمنين، فاني لست آمن أن يدعوهم علي الى نصرته و هم كثير، و قد علمت شجاعة علي و أهل بيته، و عداوته لك و لصاحبك، فرددته عن ذلك، فأخبرتني أنك لم ترده عن ذلك الا عصبية، و انك لم ترجع عن رواية جبنا، و حدثتني أنك ذكرت ذلك لعلي في امارة عثمان، فأخبرك أن أصحاب الرايات السود - و في رواية اخرى: أنك سمعت عليا في امارة عثمان يقول: ان أصحاب الرايات السود - التي تقبل من خراسان هم الاعاجم، و أنهم الذين يغلبون بني امية على ملكهم و يقتلونهم تحت كل كوكب.

فلو كنت يا أخي لم ترد عمر عن ذلك لجرت سنة، و لاستأصلهم اللّه و قطع أصلهم، و اذا لاستنت به الخلفاء بعده، حتى لا يبقى منهم شعر و لا ظفر و لا نافخ نار، فانهم آفة الدين، فما أكثر ما قد سن عمر في هذه الامة بخلاف سنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فتابعه الناس عليها و أخذوا بها، فتكون هذه مثل واحدة منهن، فمنهن تحويله المقام من الموضع الذي وضعه فيه رسول اللّه، و صاع رسول اللّه و مده حين غيره و زاد فيه، و نهيه الجنب عن التيمم، و أشياء كثيرة شتى، أكثر من ألف باب، أعظمها و أحبها الينا و

ص: 140

أقرها لاعيننا زيلة الخلافة عن بني هاشم(1) و عن أهلها و معدنها، لانها لا تصلح الا لهم، و لا تصلح الارض الا بهم، فاذا قرأت كتابي هذا فاكتم ما فيه و مزقه.

قال: فلما قرأ زياد الكتاب ضرب به الارض، ثم أقبل الي فقال: ويلي مما خرجت، و فيما دخلت، كنت من شيعة آل محمد فدخلت في شيعة الشيطان و حزبه، و شيعة من يكتب مثل هذا الكتاب، انما و اللّه مثلي كمثل ابليس أبى أن يسجد لادم كبرا و كفرا و حسدا.

قال سليم: فلم امس حتى نسخت كتابه، فلما كان الليل دعا بالكتاب فمزقه و قال: لا يطلعن أحد من الناس على ما في هذا الكتاب، و لم يعلم أني نسخته.

جلوس عليّ عليه السلام بين النبي صلى اللّه عليه و آله و عائشة

(30) أبان، عن سليم، قال: سمعت سلمان و أبا ذر و المقداد، و سألت علي بن أبي طالب - صلوات اللّه عليه و آله - عن ذلك، فقال: صدقوا، قالوا: دخل علي عليه السّلام على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و عائشة قاعدة خلفه، و البيت غاص بأهله، فيهم الخمسة أصحاب الكتاب، و الخمسة أصحاب الشورى، فلم يجد مكانا، فأشار اليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: ها هنا - يعني خلفه -، و عائشة قاعدة خلفه و عليها كساء، فجاء علي عليه السّلام فقعد بين رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و بين عائشة، فغضبت و قالت: ما وجدت لاستك موضعا غير حجري ؟!

ص: 141


1- فقد خالف عمر النبى صلى اللّه عليه و آله و سلم فى زيلة الخلافة عن بنى هاشم الذين هم أحق بها منه و من صاحبيه، فلقد نص النبى صلى اللّه عليه و آله و سلم فى غير واحد من الاخبار المشهورة على أن الخلافة فى بنى هاشم و لا تصلح الا لهم دون بنى امية الشجرة الملعونة فى القرآن، و انظر الى قول معاوية: «أعظمها و أحبها الينا و أقرها لاعيننا زيلة الخلافة عن بنى هاشم و عن أهلها و معدنها، لانها لا تصلح الا لهم، و لا تصلح الارض الا بهم». و لعمرى ان هذه الشهادة من معاوية لها قيمتها التاريخية، و لقد صدق فى شهادته هذه و فى قوله «أقرها لاعيننا» فلو لا فعل عمر ذلك لما وصلت اليه. (عن هامش بعض نسخ الكتاب)

فغضب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و قال: يا حميراء الا تؤذيني في أخي علي، فانه أمير المؤمنين، و سيد المسلمين، و صاحب الغر المحجلين يوم القيامة، يجعله اللّه على الصراط - و في رواية اخرى: يقعده اللّه يوم القيامة على الصراط - فيقاسم النار، فيدخل أولياءه الجنة، و يدخل أعداءه النار.

ارسال معاوية ابا هريرة و ابا الدرداء الى عليّ عليه السلام

(31) أبان، عن سليم: و زعم أبو هريرة العبدي أنه سمعه من عمر بن أبي سلمة أن معاوية دعا أبا الدرداء - و نحن مع أمير المؤمنين عليه السّلام بصفين -، و دعا أبا هريرة فقال لهما: انطلقا الى علي فاقرآه مني السلام و قولا له: و اللّه اني لاعلم أنك أولى الناس بالخلافة، و أحق بها مني، لانك من المهاجرين الاولين، و أنا من الطلقاء، و ليس لي مثل سابقتك في الاسلام، و قرابتك من رسول اللّه، و علمك بكتاب اللّه و سنة نبيه، و لقد بايعك المهاجرون و الانصار بعدما تشاوروا قبل ثلاثة أيام، ثم أتوك فبايعوك طائعين غير مكرهين، و كان أول من بايعك طلحة و الزبير، ثم نكثا بيعتك، و ظلما، و طلبا ما ليس لهما.

و بلغني أنك تعتذر من قتل عثمان، و تتبرأ من دمه، و تزعم أنه قتل و أنت قاعد في بيتك، و أنك قلت حين قتل: اللهم لم أرض و لم امال، و قلت له يوم الجمل - حين نادوا: يا لثارات عثمان - قلت: كب قتلة عثمان اليوم لوجوههم الى النار، أنحن قتلناه ؟! و انما قتله هما و صاحبتهما، و أمروا بقتله و أنا قاعد في بيتي.

و أنا ابن عم عثمان، و المطالب بدمه، فان كان الامر كما قلت فأمكنا من قتلة عثمان، و ادفعهم الينا نقتلهم يا ابن عمنا و نبايعك، و نسلم اليك الامر، هذه واحدة.

و أما الثانية: فقد أنبأتني عيوني، و أتتني الكتب من أولياء عثمان - ممن هو معك يقاتل، و تحسب أنه على رأيك و راض بأمرك، و هواه معنا، و قلبه عندنا، و جسده معك - أنك تظهر ولاية أبي بكر و عمر، و تترحم عليهما، و تكف عن عثمان و لا تذكره، و لا تترحم عليه و لا تلعنه - و في رواية أخرى: و لا تسبه و لا تتبرأ منه -.

و بلغني أنك اذا خلوت ببطانتك الخبيثة، و شيعتك و خاصتك الضالة، المغيرة

ص: 142

الكاذبة، تبرأت عندهم من أبي بكر و عمر و عثمان، و لعنتهم، و ادعيت أنك وصي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في امته، و خليفته فيهم، و أن اللّه - جل اسمه - فرض على المؤمنين طاعتك، و أمر بولايتك في كتابه و سنة نبيه، و أن اللّه أمر محمدا أن يقوم بذلك في امته، و أنه أنزل عليه «يٰا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمٰا بَلَّغْتَ رِسٰالَتَهُ وَ اللّٰهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّٰاسِ» (1) ، فجمع قريشا و الانصار و بني امية بغدير خم - و في رواية اخرى: فجمع امية بغدير خم -، فبلغ ما امر به فيك عن اللّه، و أمر أن يبلغ الشاهد الغائب، و أخبرهم أنك أولى بهم من أنفسهم، و أنك منه بمنزلة هارون من موسى.

و بلغني أنك لا تخطب خطبة الا قلت قبل أن تنزل عن منبرك: و اللّه اني لاولى الناس بالناس، و ما زلت مظلوما منذ قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، لئن كان ما بلغني عنك حقا فلظلم أبي بكر و عمر اياك أعظم من ظلم عثمان، لانه بلغني عنك تقول: لقد قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و نحن شهود، فانطلق عمر و بايع أبا بكر، و ما استأمرك و لا شاورك، و لقد خاصم الرجلان الانصار بحقك و حجتك و قرابتك من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و لو سلما لك و بايعاك كان عثمان أسرع الناس الى ذلك لقرابتك منه، و حقك عليه، لانه ابن عمك و ابن عمتك.

ثم عمد أبو بكر فردها الى عمر عند موته، ما شاورك و لا استأمرك حين استخلفه، و بايع له.

ثم جعلك عمر في الشورى بين ستة منكم، و أخرج منها جميع المهاجرين و الانصار و غيرهم، فوليتم ابن عوف أمركم في اليوم الثالث، حين رأيتم الناس قد اجتمعوا و اخترطوا سيوفهم و حلفوا باللّه: لئن غابت الشمس و لم تختاروا أحدكم ليضربن أعناقكم، و لينفذن فيكم أمر عمر و وصيته، فوليتم أمركم ابن عوف، فبايع عثمان، فبايعتموه.

ص: 143


1- المائدة 5:67

ثم حصر عثمان، فاستنصركم فلم تنصروه، و دعاكم فلم تجيبوه، و بيعته في أعناقكم، و أنتم يا معشر المهاجرين و الانصار حضور شهود، فخليتم عن أهل مصر حتى قتلوه، و أعانهم طوائف منكم على قتله، و خذله عامكم، فصرتم في أمره بين قاتل و آمر و خاذل، ثم بايعك الناس و أنت أحق بها مني، فأمكني من قتلة عثمان حتى أقتلهم، و اسلم الامر لك و ابايعك أنا و جميع من قبلي من أهل الشام.

فلما قرأ علي كتاب معاوية و بلغه أبو الدرداء و أبو هريرة رسالته و مقالته قال علي عليه السّلام لابي الدرداء: قد بلغتماني ما أرسلكما به معاوية فاسمعا مني، ثم أبلغاه عني و قولا له: ان عثمان بن عفان لا يعدو أن يكون أحد رجلين، اما امام هدى حرام الدم، واجب النصرة، لا تحل معصيته، و لا يسع الامة خذلانه، أو امام ضلالة حلال الدم، لا تحل ولايته و لا نصرته، فلا يخلو من احدى الخصلتين.

و الواجب في حكم اللّه و حكم الاسلام على المسلمين بعدما يموت امامهم أو يقتل، ضالا كان أو مهتديا، مظلوما كان أو ظالما، حلال الدم أو حرام الدم، أن لا يعملوا عملا، و لا يحدثوا حدثا، و لا يقدموا يدا و لا رجلا، و لا يبدأوا بشيء قبل أن يختاروا لانفسهم اماما عفيفا عالما ورعا عارفا بالقضاء و السنة، يجمع أمرهم، و يحكم بينهم، و يأخذ للمظلوم من الظالم حقه، و يحفظ أطرافهم، و يجبي فيئهم، و يقيم حجتهم، و يجبي صدقاتهم.

ثم يحتكمون اليه في امامهم المقتول ظلما ليحكم بينهم بالحق فان كان امامهم قتل مظلوما حكم لاوليائه بدمه، و ان كان قتل ظالما نظر كيف الحكم في ذلك.

هذا أول ما ينبغي أن يختاروا اماما يجمع أمرهم - ان كانت الخيرة لهم - و يتابعوه و يطيعوه، و ان كانت الخيرة الى اللّه عز و جل و الى رسوله فان اللّه قد كفاهم النظر في ذلك و الاختيار، و رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قد رضي لهم اماما و أمرهم بطاعته و اتباعه.

و قد بايعني الناس بعد قتل عثمان و بايعني الناس بعد ما تشاوروا بي ثلاثة أيام و هم الذين بايعوا أبا بكر و عمر و عثمان و عقدوا امامتهم، ولي ذلك أهل بدر و السابقة

ص: 144

من المهاجرين و الانصار، غير أنهم بايعوهم قبلي على غير مشورة من العامة، و أن بيعتي كانت بمشورة من العامة.

فان كان اللّه جل اسمه جعل الاختيار الى الامة، و هم الذين يختارون و ينظرون لانفسهم، و اختيارهم لانفسهم و نظرهم لها خير لهم من اختيار اللّه و رسوله لهم، و كان من اختاروه و بايعوه بيعة هدى، و كان اماما واجبا على الناس طاعته و نصرته، فقد تشاوروا في و اختاروني باجماع منهم.

و ان كان اللّه عز و جل - الذي يختار - له الخيرة، فقد اختارني للامة، و استخلفني عليهم، و أمرهم بطاعتي و نصرتي في كتابه المنزل و سنة نبيه صلّى اللّه عليه و آله فذلك أقوى لحجتي و أوجب لحقي.

و لو أن عثمان قتل على عهد أبي بكر و عمر كان لمعاوية قتالهما و الخروج عليهما للطلب ؟!

قال أبو هريرة و أبو الدرداء: لا، قال علي عليه السّلام: فكذلك أنا، فان قال معاوية:

نعم، فقولا: اذا يجوز لكل من ظلم بمظلمة، أو قتل له قتيل، أن يشق عصا المسلمين، و يفرق جماعتهم، و يدعو الى نفسه، مع أن ولد عثمان أولى بطلب دم أبيهم من معاوية!

قال: فسكت أبو الدرداء و أبو هريرة و قالا: لقد أنصفت من نفسك.

قال علي عليه السّلام: و لعمري لقد أنصفني معاوية ان تم على قوله و صدق ما أعطاني، فهؤلاء بنو عثمان قد أدركوا، ليسوا بأطفال و لا مولى عليهم، فليأتوا أجمع بينهم و بين قتلة أبيهم، فان عجزوا عن حجتهم فليشهدوا لمعاوية بأنه وليهم و حربهم في خصومتهم، و ليقعدوا و خصماءهم بين يدي مقعد الخصوم الى الامام و الوالي الذين يقرون بحكمه، و ينفذون قضاءه، و أنظر في حجتهم و حجة خصمائهم، فان كان أبوهم قتل ظالما و كان حلال الدم أبطلت دمه - و في رواية أخرى: أهدرت دمه -، و ان

ص: 145

كان مظلوما حرام الدم أقدتهم من قاتل أبيهم، و ان فان شاءوا قتلوه، شاؤا عفوا، و ان شاءوا قبلوا الدية.

و هؤلاء قتلة عثمان في عسكري يقرون بقتله و يرضون بحكمي عليهم، فليأتيني ولد عثمان و معاوية - ان كان وليهم و وكيلهم - فليخاصموا قتلته و ليحاكموهم، حتى أحكم بينكم بكتاب اللّه و سنة نبيه صلّى اللّه عليه و آله.

و ان كان معاوية انما يتجنى و يطلب الاعاليل و الاباطيل، فليتجن ما بدا له، فسوف يعين اللّه عليه.

قال أبو الدرداء و أبو هريرة: قد و اللّه أنصفت من نفسك و زدت على النصفة، و أزحت علته، و قطعت حجته، و جئت بحجة قوية صادقة ما عليها لوم.

ثم خرج أبو هريرة و أبو الدرداء فاذا نحو من عشرين ألف رجل مقنعين بالحديد، فقالوا: نحن قتلة عثمان، مقرون راضون بحكم علي عليه السّلام علينا و لنا، فليأتنا أولياء عثمان فليحاكمونا الى أمير المؤمنين عليه السّلام في دم أبيهم، فان وجب علينا القود أو الدية اصطبرنا لحكمه و سلمنا.

فقالا: قد أنصفتم، و لا يحل لعلي دفعكم و لا قتلكم حتى يحاكموكم اليه، فيحكم بينكم و بين أصحابكم بكتاب اللّه و سنة نبيه صلّى اللّه عليه و آله، و انطلق أبو الدرداء و أبو هريرة حتى قدما على معاوية فأخبراه بما قال علي عليه السّلام و ما قال قتلة عثمان و ما قال أبو النعمان بن ضمان.

فقال معاوية: فما رد عليكما في ترحمه على أبي بكر و عمر و كفه عن الترحم على عثمان و براءته منه في السر، و ما يدعي من استخلاف رسول اللّه اياه، و أنه لم يزل مظلوما منذ قبض رسول اللّه ؟

قالا: بلى، قد ترحم على أبي بكر و عمر و عثمان عندنا و نحن نسمع، ثم قال لنا فيما يقول: ان كان اللّه جعل الخيار الى الامة: فكانوا هم الذين يختارون و ينظرون لانفسهم، و كان اختيارهم لانفسهم و نظرهم لها خيرا لهم و أرشد من اختيار اللّه و اختيار

ص: 146

رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فقد اختاروني و بايعوني، فبيعتي بيعة هدى، و أنا امام واجب على الناس نصرتي، لانهم قد تشاوروا في و اختاروني.

و ان كان اختيار اللّه و اختيار رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله خيرا لهم و أرشد من اختيارهم لانفسهم و نظرهم لها، فقد اختارني اللّه و رسوله للامة، و استخلفاني عليهم، و أمراهم بنصرتي و طاعتي في كتاب اللّه المنزل على لسان نبيه المرسل، و ذلك أقوى لحجتي و أوجب لحقي.

ثم صعد عليه السّلام المنبر في عسكره و جمع الناس و من بحضرته من النواحي و المهاجرين و الانصار، ثم حمد اللّه و أثنى عليه، ثم قال:

معاشر الناس، ان مناقبي أكثر من أن تحصى، و بعدما أنزل اللّه في كتابه من ذلك و ما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أكتفي بها عن جميع مناقبي و فضلي، أتعلمون أن اللّه فضل في كتابه الناطق السابق الى الاسلام في غير آية من كتابه على المسبوق، و أنه لم يسبقني الى اللّه و رسوله أحد من الامة ؟! قالوا: اللهم نعم.

قال: أنشدكم اللّه سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عن قوله:«اَلسّٰابِقُونَ السّٰابِقُونَ أُولٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ» (1) فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: أنزلها اللّه في الانبياء و أوصيائهم، و أنا أفضل أنبياء اللّه و رسله، و وصيي علي بن أبي طالب أفضل الاوصياء(2).

فقام نحو من سبعين بدريا، جلهم من الانصار و بقيتهم من المهاجرين، منهم أبو الهيثم بن التهيان و خالد بن زيد و أبو أيوب الانصاري، و في المهاجرين عمار بن

ص: 147


1- الواقعة 56:10
2- أخرج الفقيه ابن المغازلى فى «مناقب أمير المؤمنين» من حديث النبى (ص) مع فاطمة عليها السلام قال: «منا أفضل الانبياء و هو أبوك، و وصينا خير الاوصياء و هو بعلك»، و أخرج قريبا منه ابن حسنويه فى «در بحر المناقب»، و محب الدين الطبرى فى «ذخائر العقبى» ص 135 ط مصر، و الحموينى فى «فرائد السمطين»...، و غيرهم.

ياسر، فقالوا: نشهد أنا قد سمعنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال ذلك.

قال: فأنشدكم اللّه في قوله اللّه:«يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ» (1) و قوله:«إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا» الاية، ثم قال:«وَ لَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللّٰهِ وَ لاٰ رَسُولِهِ وَ لاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً» (2).

شهادة جمع من الصحابة بواقعة الغدير

فقال الناس: يا رسول اللّه أخاص لبعض المؤمنين أم عام لجميعهم ؟ فأمر اللّه عز و جل رسوله أن يعلمهم و أن يفسر لهم من الولاية ما فسر لهم من صلاتهم و صيامهم و زكاتهم و حجهم فنصبني بغدير خم، و قال: ان اللّه أرسلني برسالة ضاق بها صدري و ظننت أن الناس مكذبوني فأوعدني لابلغنها أو يعذبني، قم يا علي، ثم نادى بالصلاة جامعة فصلى بهم الظهر، ثم قال: أيها الناس، ان اللّه مولاي و أنا مولى المؤمنين و أولى بهم من أنفسهم، من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، و عاد من عاداه، و انصر من نصره، و اخذل من خذله.

فقام اليه سلمان الفارسي فقال: يا رسول اللّه، ولاؤه كما ذا؟ فقال: ولاؤه كولايتي، من كنت أولى به من نفسه فعلي أولى به من نفسه، و أنزل اللّه:«اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلاٰمَ دِيناً» (3).

فقال سلمان الفارسي: يا رسول اللّه أنزلت هذه الايات في علي خاصة ؟ فقال:

فيه و في أوصيائي الى يوم القيامة، فقال سلمان الفارسي: يا رسول اللّه، بينهم لنا، فقال: علي أخي، و وزيري، و وصيي، و وراثي، و خليفتي في امتي، و ولي كل مؤمن بعدي، و أحد عشر اماما من ولده، الحسن و الحسين ثم تسعة من ولد الحسين، واحدا بعد واحد، القرآن معهم و هم مع القرآن لا يفارقونه حتى يردوا علي الحوض.

ص: 148


1- النساء 4:59
2- التوبة 9:16
3- المائدة 5:3

فقام اثنا عشر رجلا من البدريين فقالوا: نشهد أنا سمعنا ذلك من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كما قلت سواء، لم تزد حرفا و لم تنقص حرفا، و قال بقية السبعين(1): قد سمعنا ذلك و لم نحفظه كله، و هؤلاء الاثنا عشر خيارنا و أفضلنا، فقال: صدقتم ليس كل الناس يحفظ، بعضهم أحفظ من بعض.

فقام من الاثني عشر أربعة، أبو الهيثم بن التيهان و أبو أيوب و عمار و خزيمة ابن ثابت ذو الشهادتين، فقالوا: نشهد أنا قد سمعنا قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و حفظناه أنه قال يومئذ و هو قائم و علي عليه السّلام قائم الى جانبه: أيها الناس، ان اللّه أمرني أن أنصب لكم اماما و وصيا، و وصي نبيكم فيكم(2) ، و خليفتي في امتي و في أهل بيتي من بعدي، و الذي فرض على المؤمنين في كتابه طاعته، و أمركم فيه بولايته، فراجعت ربي خشية طعن أهل النفاق و تكذيبهم فأوعدني لابلغها أو ليعذبني.

أيها الناس، ان اللّه أمركم في كتابه بالصلاة و قد بينتها لكم و سننتها، و الزكاة و الصوم و الحج فبينتها و فسرتها لكم، و أمر في كتابه بالولاية، و اني اشهدكم أيها الناس أنها خاصة لعلي بن أبي طالب و الاوصياء من ولدي و ولد أخي و وصيي، علي أولهم ثم الحسن، ثم الحسين، ثم تسعة من ولد الحسين لا يفارقون الكتاب حتى يردوا علي الحوض.

أيها الناس، اني قد أعلمتكم مفزعكم و امامكم بعدي، و دليلكم و هاديكم و هو أخي علي بن أبي طالب، و هو فيكم بمنزلتي فيكم، فقلدوه دينكم و أطيعوه في جميع اموركم فان عنده جميع ما علمني اللّه، أمرني اللّه أن اعلمه اياه و اعلمكم أنه

ص: 149


1- فى بعض نسخ بدل ذلك: «و قال بقية البدريين الذين شهدوا مع على صفين: قد حفظنا جل ما قلت و لم نحفظ كله، الخ». (عن الهامش)
2- فى نسخة المجلسى رحمه اللّه فى البحار بدل ذلك «و وصيا يكون وصيى». (عن الهامش)

عنده، فاسألوه و تعلموا منه و من أوصيائه بعده، و لا تعلموهم و لا تتقدموهم و لا تتخلفوا عنهم، فانهم مع الحق و الحق معهم لا يزايلونه.

نزول آية التطهير في اهل البيت عليهم السلام

و ثم قال علي عليه السّلام لابي الدرداء و أبي هريرة و من حوله: أيها الناس، أتعلمون أن اللّه تبارك و تعالى أنزل في كتابه:«إِنَّمٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» (1).

فجمعني رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و فاطمة و الحسن و الحسين في كساء و قال: اللهم هؤلاء عترتي و خاصتي و أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا، فقالت ام سلمة: و أنا؟ فقال: انك على خير(2).

و انما انزلت في و في أخي علي و ابنتي فاطمة و ابني الحسن و الحسين - صلوات اللّه عليهم - خاصة، ليس معنا غيرنا و في تسعة من ولد الحسين من بعدي، فقام كلهم فقالوا: نشهد أن ام سلمة حدثتنا بذلك فسألنا عن ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فحدثنا به كما حدثتنا ام سلمة.

في نزول عدّة من الايات في اهل البيت عليهم السلام

قال علي عليه السّلام: أنشدكم اللّه هل تعلمون أن اللّه جل اسمه أنزل:«يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّٰهَ وَ كُونُوا مَعَ الصّٰادِقِينَ» (3) ، فقال سلمان: يا رسول اللّه أعامة أم خاصة ؟

ص: 150


1- الاحزاب 33:33
2- تقدمت الاشارة الى مدارك هذه الواقعة و هو حديث الكساء المشهور عند الفريقين.
3- التوبة 119:9، و قد نص جمع من علماء العامة على نزولها فى على عليه السلام منهم الثعلبى فى «تفسيره»، و العلامة الگنجى فى «كفاية الطالب» ص 111 ط الغرى، و العلامة سبط ابن الجوزى فى «التذكرة» ص 20 ط النجف، و العلامة أخطب خطباء خوارزم فى «فضائل على» كما فى «كفاية الخصام» ص 347 ط طهران، و العلامة السيوطى فى «الدر المنثور» ج 3 ص 290، و الشوكانى فى «التفسير» ج 2 ص 395، و غيرهم.

فقال: أما المؤمنون فعامة، لان جماعة المؤمنين امروا بذلك، و أما الصادقون فخاصة، علي بن أبي طالب و أوصيائي من بعده الى يوم القيامة.

و قلت لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في غزوة تبوك: يا رسول اللّه، لم خلفتني ؟ فقال: ان المدينة لا تصلح الا بي و بك، و أنت مني بمنزلة هارون من موسى الا النبوة، فانه لا نبي بعدي، فقام رجال ممن معه من المهاجرين و الانصار فقالوا: نشهد سمعنا ذلك من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في غزوة تبوك.

فقال: أنشدكم اللّه أتعلمون أن اللّه أنزل في سورة الحج:«يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَ اسْجُدُوا وَ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ» (1) الى آخر السورة، فقام سلمان فقال:

يا رسول اللّه، من هؤلاء الذين أنت عليهم شهيد و هم شهداء على الناس، الذين اجتباهم اللّه، و ما جعل عليهم في الدين من حرج ملة أبيهم ؟ قال: عنى بذلك ثلاث عشر انسانا، أنا و أخي و أحد عشر من ولدي، قالوا: اللهم نعم.

قال: أنشدكم اللّه أتعلمون أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قام خطيبا و لم يخطب بعدها، و قال: اني قد تركت فيكم أيها الناس أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب اللّه و أهل بيتي فانه قد عهد الي اللطيف الخبير أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ؟!(2) فقالوا: اللهم نعم، قد شهدنا ذلك كله، فقال: حسبي اللّه.

فقام الاثنا عشر، فقالوا: نشهد أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حين خطب في اليوم الذي قبض فيه قام عمر بن الخطاب شبه المغضب فقال: يا رسول اللّه أكل أهل بيتك ؟!

فقال: لا، و لكن أوصيائي أخي منهم و وزيري و وارثي و خليفتي في امتي و ولي كل مؤمن بعدي، هذا أولهم و خيرهم، ثم وصيي ابني هذا - و أشار الى

ص: 151


1- الحج 22:77
2- تقدم ذكر مدارك هذه الرواية عن كتب القوم.

الحسن، ثم وصيه هذا - و أشار الى الحسين -، ثم وصيي ابني سمي أخي، ثم وصيه سميي، ثم سبعة من ولده، واحد بعد واحد، حتى يردوا علي الحوض، شهداء اللّه في أرضه، و حجته على خلقه، من أطاعهم أطاع اللّه، و من عصاهم عصى اللّه.

فقام السبعون البدريون و نحوهم من الاخرين فقالوا: أدركنا ما كنا نسينا، نشهد أنا قد سمعنا ذلك من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فلم يدع شيئا الا ناشدهم فيه، حتى أتى عليه السّلام على آخر مناقبه و ما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فيه، كل ذلك يصدقونه و يشهدون أن ذلك حق.

فلما حدث أبو الدرداء و أبو هريرة معاوية بكل ذلك و بما رد عليه الناس و جم من ذلك و قال: يا أبا الدرداء و يا أبا هريرة، لئن كان ما تحدثاني عنه حقا لقد هلك المهاجرون و الانصار غيره و غير أهل بيته و شيعته.

ثم كتب معاوية الى أمير المؤمنين عليه السّلام: لئن كان ما قلت و ادعيت و استشهدت عليه أصحابك حقا لقد هلك أبو بكر و عمر و عثمان و جميع المهاجرين و الانصار غيرك و غير أهل بيتك و شيعتك ؟! و قد بلغني ترحمك عليهم و استغفارك لهم، و انه لعلى وجهين ما لهما ثالث: اما تقية ان أنت تبرأت منهم خفت أن يتفرق عنك أهل عسكرك الذين تقاتلني بهم، و ان كان الذي ادعيت باطلا و كذبا فقد جاءني بعض من تثق به من خاصتك بأنك تقول لشيعتك و باطنتك بطانة السوء، أني قد سمعت(1) ثلاثة بين(2) لي أبا بكر و عمر و عثمان، فاذا سمعتموني أترحم على أحد من أئمة الضلالة فاني أعني بذلك بني، و الدليل على ذلك - و في رواية: و الدليل على صدق ما أتوني به ورقوه الي - أنا قد رأيناك بأعيننا فلا نحتاج أن نسأل عن ذلك غيرنا، و الا فلم حملت امرأتك فاطمة و أخذت بيد ابنيك الحسن و الحسين، اذ بويع أبو بكر فلم تدع أحدا من

ص: 152


1- الاصح: سميت.
2- الاصح: بنين.

أهل بدر و السابقة الا و قد دعوتهم و استنصرتهم عليه، فلم تجد منهم انسانا غير أربعة، سلمان و أبو ذر و المقداد و الزبير، لعمري لو كنت محقا لاجابوك و ساعدوك و نصروك، و لكن ادعيت باطلا و ما لا يقرون به، و سمعتك اذناي و أنت تقول لابي سفيان - حين قال لك: غلبت يا ابن أبي طالب على سلطان ابن عمك، و من غلبك عليه أذل أحياء قريش تيم و عدي، و دعاك الى أن ينصرك -، فقلت: لو وجدت أعوانا أربعين رجلا من المهاجرين و الانصار من أهل السابقة لناهضت الرجل، فلما لم تجد غير أربعة رهط بابعت مكرها.

قال: فكتب اليه أمير المؤمنين عليه السّلام: أما بعد فقد قرأت كتابك فكثر تعجبي مما خطت فيه يدك، و أطنبت فيه من كلامك، و من البلاء العظيم و الخطب الجليل على هذه الامة أن يكون مثلك يتكلم أو ينظر في عامة أمرهم أو خاصته، و أنت من تعلم، و ابن من تعلم، و أنا من قد علمت، و ابن من قد علمت، و ساجيبك فيما قد كتبت بجواب لا أظنك تعقله أنت و لا وزيرك ابن النابغة عمرو، الموافق لك كما وافق شن طبقة(1) ، فانه هو الذي أمرك بهذا الكتاب، و زينه لك، و حضر كما فيه ابليس و مردة أصحابه - و في رواية أخرى: و مردة أبالسته -.

و ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قد كان أخبرني أنه رأى على منبره اثني عشر رجلا أئمة ضلال من قريش يصعدون منبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و ينزلون على صورة القرود، يردون امته على أدبارهم عن الصراط المستقيم(2).

اللهم قد خبرني بأسمائهم رجلا رجلا، و كم يملك كل واحد منهم واحدا بعد واحد، عشرة منهم من بني امية، و رجلين من حيين مختلفين من قريش، عليهما

ص: 153


1- «وافق شن طبقة» من الامثال المشهورة للعرب، انظر القصة فى مجمع الامثال للميدانى. (عن هامش بعض نسخ الكتاب)
2- تقدم ذكر مدارك هذا الحديث.

مثل أوزار الامة جميعا الى يوم القيامة، و مثل جميع عذابهم، فليس دم يهرق في غير حقه و لا فرج يغشى و لا حكم بغير حق الا كان عليهما وزره.

و سمعته يقول: ان بني العاص اذا بلغوا ثلاثين رجلا جعلوا كتاب اللّه دخلا، و عباد اللّه خولا، و مال اللّه دولا.

وصية رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله لعليّ عليه السلام

و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: يا أخي انك لست كمثلي، ان اللّه أمرني أن أصدع بالحق، و أخبرني أنه يعصمني من الناس، و أمرني أن أجاهد و لو بنفسي فقال: «جاهد في سبيل اللّه لا تكلف الا نفسك» و قال:«حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتٰالِ» (1) ، و قد مكثت بمكة لم أأمر بقتال، ثم أمرني بالقتال، لانه لا يعرف الدين الا بي و في و لا الشرايع و لا السنن و الاحكام و الحدود و الحلال و الحرام.

و ان الناس يدعون بعدي ما أمرهم اللّه به و ما أمرتهم فيك من ولايتك، و ما أظهرت من محبتك، متعمدين غير جاهلين مخالفة ما أنزل اللّه فيك، فان وجدت أعوانا عليهم فجاهدهم، و ان لم تجد أعوانا فاكفف يدك و احقن دمك، و اعلم أنك ان دعوتهم لن يستجيبوا لك، فلا تدعن أن تجعل الحجة عليهم.

انك يا أخي لست مثلي، اني قد أقمت حجتك و أظهرت لهم ما أنزل اللّه فيك و انه لم يعلم أني رسول اللّه، و أن حقي و طاعتي واجبان حتى أظهرت ذلك، فاني كنت قد أظهرت حجتك و قمت بأمرك، فان سكت عنهم لم تأثم، غير أنه احب أن تدعوهم و ان لم يستجيبوا لك و لم يقبلوا منك و تظاهرت عليك ظلمة قريش.

ص: 154


1- الاية الكريمة قوله تعالى:«فَقٰاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ لاٰ تُكَلَّفُ إِلاّٰ نَفْسَكَ وَ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللّٰهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ اللّٰهُ أَشَدُّ بَأْساً وَ أَشَدُّ تَنْكِيلاً» سورة النساء آية 84، و الامام عليه السلام أراد المعنى دون النص.

فاني أخاف عليك ان ناهضت القوم و نابذتهم و جاهدتهم من غير أن يكون معك فئة تقوى بهم أن يقتلوك، و التقية من دين اللّه، و لا دين لمن لا تقية له، و ان اللّه قضى الاختلاف و الفرقة على هذه الامة، و لو شاء لجمعهم على الهدى و لم يختلف اثنان منهما و لا من خلقه، و لم يتنازع في شيء من أمره، و لم يجحد المفضول ذا الفضل فضله. و لو شاء عجل منهم النقمة و كان منه التغيير، حتى يكذب الظالم و يعلم الحق أين مصيره، و اللّه جعل الدنيا دار الاعمال، و جعل الاخرة دار الثواب و العقاب «لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسٰاؤُا بِمٰا عَمِلُوا وَ يَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى» (1).

فقلت: شكرا للّه على نعمائه، و صبرا على بلائه، و تسليما و رضا بقضائه، ثم قال صلّى اللّه عليه و آله: يا أخي أبشر، فان حياتك و موتك معي، و أنت أخي، و أنت وصيي، و أنت وزيري، و أنت وارثي، و أنت تقاتل على سنتي، و أنت مني بمنزلة هارون من موسى، و لك بهارون اسوة حسنة اذ استضعفه أهله و تظاهروا عليه و كادوا يقتلونه، فاصبر لظلم قريش اياك و تظاهرهم عليك، فانها ضغائن في صدور قوم، أحقاد بدر وترات احد.

و ان موسى أمر هارون حين استخلفه في قومه، ان ضلوا فوجد أعوانا أن يجاهدهم بهم، فان لم يجد أعوانا أن يكف يده، و يحقن دمه، و لا يفرق بينهم، فافعل أنت كذلك ان وجدت عليهم أعوانا فجاهدهم، و ان لم تجد أعوانا فاكفف يدك، و احقن دمك، فانك ان نابذتهم قتلوك، و اعلم أنك ان لم تكف يدك و تحقن دمك اذا لم تجد أعوانا تخوفت عليك أن يرجع الناس الى عبادة الاصنام و الجحود بأني رسول اللّه، فاستظهر بالحجة عليهم و دعهم، ليهلك الناصبون لك و الباغون عليك، و يسلم العامة و الخاصة.

فاذا وجدت يوما أعوانا على اقامة كتاب اللّه و السنة، فقاتل على تأويل القرآن

ص: 155


1- النجم 31:53

كما قاتلت على تنزيله، فانما يهلك من الامة من نصب لك و لاحد من أوصيائك و عادى و جحد و دان بخلاف ما أنتم عليه.

و لعمري يا معاوية لو ترحمت عليك و على طلحة و الزبير ما كان ترحمي عليكم و استغفاري لكم ليحق باطلا، بل يجعل اللّه ترحمي عليكم و استغفاري لكم لعنة عليكم و عذابا، و ما أنت و طلحة و الزبير بأحقر جرما، و لا أصغر ذنبا، و لا أهون بدعة و ضلالة ممن استنالك و لصاحبك الذي تطلب بدمه، و وطئا لكم ظلمنا أهل البيت، و حملاكم على رقابنا.

قال اللّه تبارك و تعالى:«أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتٰابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَ الطّٰاغُوتِ وَ يَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هٰؤُلاٰءِ أَهْدىٰ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً * أُولٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّٰهُ وَ مَنْ يَلْعَنِ اللّٰهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً * أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لاٰ يُؤْتُونَ النّٰاسَ نَقِيراً * أَمْ يَحْسُدُونَ النّٰاسَ عَلىٰ مٰا آتٰاهُمُ اللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ» (1) فنحن الناس و نحن المحسودون، قال اللّه عز و جل:«فَقَدْ آتَيْنٰا آلَ إِبْرٰاهِيمَ الْكِتٰابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ آتَيْنٰاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً» (2) فالملك العظيم أن جعل فيهم أئمة، من أطاعهم أطاع اللّه، و من عصاهم عصى اللّه، و الكتاب و الحكمة و النبوة، فلم يقرون بذلك في آل ابراهيم و ينكرونه في آل محمد؟!

يا معاوية، فان تكفر بها أنت و صاحبك و من قبلك من طغاة أهل الشام و اليمن و الاعراب، أعراب ربيعة و مضر، جفاة الامة، فقد وكل اللّه بها قوما ليسوا بها بكافرين.

يا معاوية، ان القرآن حق و نور و هدى و رحمة و شفاء للمؤمنين،«وَ الَّذِينَ

ص: 156


1- النساء 51:4-54
2- النساء 4:54

لاٰ يُؤْمِنُونَ فِي آذٰانِهِمْ وَقْرٌ وَ هُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى» (1) .

يا معاوية، ان اللّه لم يدع صنفا من الضلالة و الدعاة الى النار الا و قد رد عليهم و احتج عليهم في القرآن، و نهى عن اتباعهم، و أنزل فيهم قرآنا ناطقا، علمه من علمه و جهله من جهله، اني سمعت من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول: ليس من من القرآن آية الا و لها ظهر و بطن، و ما من حرف الا و له تأويل «وَ مٰا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّٰهُ وَ الرّٰاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ» (2) - و في رواية اخرى: و ما منه حرف الا له حد مطلع على ظهر القرآن و بطنه و تأويله -،«و ما يعلم تأويله الا اللّه و الراسخون نحن في العلم» الراسخون: نحن آل محمد، و أمر اللّه سائر الامة أن يقولوا:«آمَنّٰا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنٰا وَ مٰا يَذَّكَّرُ إِلاّٰ أُولُوا الْأَلْبٰابِ» (3) و ان يسلموا الينا و قد قال اللّه:

«وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ» (4) هم الذين يسألون عنه و يطلبونه.

و لعمري لو أن الناس حين قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله سلموا لنا، و اتبعونا، قلدونا امورهم لاكلوا من فوقهم و من تحت أرجلهم، و لما طمعت أنت يا معاوية، فما فاتهم منا أكثر مما فاتنا منهم، و لقد أنزل اللّه في و فيك سورة خاصة، الامة يؤولونها على الظاهر، و لا يعلمون ما الباطن و هي في سورة الحاقة، فأما من أوتي كتابه بيمينه و أما من اوتي كتابه بشماله(5) ، و ذلك أنه يدعى بكل امام ضلالة، و امام هدى و مع

ص: 157


1- فصلت 41:44
2- آل عمران 3:7
3- آل عمران 3:7
4- النساء 83:4
5- اشارة الى الايات (19-21) من سورة الحاقة، قوله تعالى:«فَأَمّٰا مَنْ أُوتِيَ كِتٰابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هٰاؤُمُ اقْرَؤُا كِتٰابِيَهْ، إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاٰقٍ حِسٰابِيَهْ، فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رٰاضِيَةٍ». و الاية (25) من نفس السورة، قوله تعالى:«وَ أَمّٰا مَنْ أُوتِيَ كِتٰابَهُ بِشِمٰالِهِ فَيَقُولُ يٰا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتٰابِيَهْ».

كل واحد منهما أصحابه الذين بايعوه، فيدعى بي و بك يا معاوية، و أنت صاحب السلسلة الذي [يقول](1):«يٰا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتٰابِيَهْ وَ لَمْ أَدْرِ مٰا حِسٰابِيَهْ» (2) سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول ذلك، و كذلك كل امام ضلالة كان قبلك أو يكون بعدك له مثل ذلك من خزي اللّه و عذابه.

و نزل فيكم قول اللّه عز و جل:«وَ مٰا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنٰاكَ إِلاّٰ فِتْنَةً لِلنّٰاسِ وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ» (3) و ذلك أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، رأى اثني عشر اماما من أئمة الضلالة على منبره يردون الناس على أدبارهم القهقرى، رجلان من قريش و عشرة من بني امية، أول العشرة صاحبك الذي تطلب بدمه، و أنت و ابنك، و سبعة من ولد الحكم بن أبي العاص، أولهم مروان و قد لعنه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و طرده و ما ولد حين(4) استمع لنساء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.

يا معاوية، انا أهل بيت اختار اللّه لنا الاخرة على الدنيا ثوابا، و قد سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أنت و وزيرك و صويحبك يقول: اذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلا اتخذوا كتاب اللّه دخلا، و عباد اللّه خولا، و مال اللّه دولا.

يا معاوية، ان نبي اللّه زكريا نشر بالمنشار، و يحيى ذبح و قتله قومه و هو يدعوهم الى اللّه عز و جل، و ذلك لهوان الدنيا على اللّه، ان أولياء الشيطان قد حاوبوا أولياء الرحمن، قال اللّه:«إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيٰاتِ اللّٰهِ وَ يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَ يَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النّٰاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذٰابٍ أَلِيمٍ» (5).

ص: 158


1- أثبتناه لملاءمته للسياق.
2- الحاقة 36:69.
3- الاسراء 60:17.
4- و فى بعض النسخ: «حين أسمع نبينا رسول اللّه (ص)». (عن الهامش)
5- آل عمران 3:21

ذكر الرايات السود و السفياني

يا معاوية، ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قد أخبرني أن بني امية سيخضبون لحيتي من دم رأسي، و أني مستشهد، و ستلي الامة من بعدي، و انك ستقتل ابني الحسن غدرا بالسم، و ان ابنك يزيد لعنه اللّه سيقتل ابني الحسين، يلي ذلك منه ابن زانية، و أن الامة سيليها من بعدك سبعة من ولد أبي العاص، و ولد مروان بن الحكم، و خمسة من ولده تكملة اثني عشر اماما، قد رآهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يتواثبون على منبره توائب القردة، يردون امته عن دين اللّه على أدبارهم القهقرى، و أنهم أشد الناس عذابا يوم القيامة.

و أن اللّه سيخرج الخلافة منهم برايات سود تقبل من المشرق، يذلهم اللّه بهم و يقتلهم تحت كل حجر، و ان رجلا من ولدك مشوم ملعون، جلف جاف، منكوس القلب، فظ غليظ، قد نزع اللّه من قلبه الرأفة و الرحمة، أخواله من كلب، كأني أنظر اليه و لو شئت لسميته و وصفته، و ابن كم هو، فيبعث جيشا الى المدينة، فيدخلونها، فيسرفون فيها في القتل و الفواحش.

و يهرب منهم رجل من ولدي، زكي نقي، الذي يملا الارض عدلا و قسطا كما ملئت ظلما و جورا، و اني لاعرف اسمه، أين و كم هو يومئذ و علامته و هو من ولد ابني الحسين الذي يقتله ابنك يزيد، و هو الثائر بدم أبيه، فيهرب الى مكة.

و يقتل صاحب ذلك الجيش رجلا من ولدي، زكيا بريا عند أحجار الزيت، ثم يسير ذلك الجيش الى مكة، و اني لاعلم اسم أميرهم و أسماءهم، و سمات خيولهم، فاذا دخلوا البيداء و استوت بهم الارض خسف اللّه بهم، قال اللّه عز و جل:

«وَ لَوْ تَرىٰ إِذْ فَزِعُوا فَلاٰ فَوْتَ وَ أُخِذُوا مِنْ مَكٰانٍ قَرِيبٍ» (1) ، قال: من تحت

ص: 159


1- سبأ 34:51، روى الشيخ أبو زينب النعمانى عن جابر بن يزيد الجعفى عن الباقر (ع) حديثا فى علامات الظهور فيه: «فينزل أمير جيش السفيانى البيداء فينادى مناد من السماء: يا بيداء أبيدى القوم، فيخسف بهم».

أقدامهم، فلا يبقى من ذلك الجيش أحد غير رجل واحد يقلب اللّه وجهه من قبل قفاه.

خروج المهدى عليه السلام و دخوله مكة

و يبعث اللّه للمهدي أقواما يجمعون من الارض، قزع كقزع الخريف(1) ، و اللّه اني لاعرف أسماءهم و اسم أميرهم و مناخ ركابهم(2) ، فيدخل المهدي الكعبة و يبكي و يتضرع، قال جل و عز:«أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذٰا دَعٰاهُ وَ يَكْشِفُ السُّوءَ وَ يَجْعَلُكُمْ خُلَفٰاءَ الْأَرْضِ» (3) هذا لنا خاصة أهل البيت.

أما و اللّه يا معاوية لقد كتبت اليك هذا الكتاب و اني لاعلم أنك لا تنتفع به، و أنك ستفرح اذ اخبرتك انك ستلي الامر و ابنك بعدي، لان الاخرة ليست من بالك و أنك بالاخرة لمن الكافرين، و ستندم كما ندم من أسس هذا الامر لك و حملك على رقابنا حين لم تنفعه الندامة، و مما دعاني الى الكتاب بما كتبت به أني أمرت كاتبي أن ينسخ ذلك لشيعتي و رؤوس أصحابي، لعل اللّه أن ينفعهم بذلك، أو يقرأه واحد من قبلك فيخرجه اللّه به و بنا من الضلالة الى الهدى، و من ظلمك و ظلم أصحابك و فتنتهم، و أحببت أن أحتج عليك.

فكتب اليه معاوية: هنيئا لك يا أبا الحسن تملك الاخرة، و هنيئا لنا نملك الدنيا.

ص: 160


1- القزع بفتحتين قطع السحاب المتفرقة، يعنى أن أصحابه متفرقون فى أقطار الارض كقطع السحاب فى فصل الخريف، يجمعهم اللّه للمهدى (ع) فيكونون من أصحابه الذين يقاتلون معه. (عن الهامش)
2- و قد روى الشيخ النعمانى فى «الغيبة» ص 311 عن أمير المؤمنين (ع) رواية فيها: «اولئك قوم يأتون فى آخر الزمان قزع كقزع الخريف و الرجل و الرجلان و الثلاثة من كل قبيلة، حتى يبلغ تسعة، أما و اللّه انى لاعرف أميرهم و اسمه و مناخ ركابهم.
3- النمل 27:62

قدوم معاوية للحج بعد وفاة الامام الحسن عليه السلام

(32) أبان، عن سليم(1) و عمر بن أبي سلمة، حديثهما واحد هذا و ذلك، قالا: قدم معاوية حاجا في خلافته المدينة بعدما قتل أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه و صالح الحسن عليه السّلام - و في رواية اخرى: و بعدما مات الحسن عليه السّلام -، فاستقبله أهل المدينة، فنظر فاذا الذي استقبله من قريش أكثر من الانصار، فسأل عن ذلك، فقيل: انهم محتاجون ليست لهم دواب.

فالتفت معاوية الى قيس بن سعد بن عبادة، فقال: يا معشر الانصار، ما لكم لا تستقبلوني مع اخوانكم من قريش ؟! فقال قيس - و كان سيد الانصار و ابن سيدهم -: اقعدنا يا أمير المؤمنين ان لم تكن لنا دواب، قال معاوية: فأين النواضح ؟! فقال قيس: أفنيناها يوم بدر و يوم احد و ما بعدهما في مشاهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حين ضربناك و أباك على الاسلام، حتى ظهر أمر اللّه و أنتم كارهون، قال معاوية: اللهم غفرا.

قال قيس: أما ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال: سترون بعدي أثرة(2) ، ثم قال: يا معاوية، تعيرنا بنواضحنا؟! و اللّه لقد لقيناكم عليها يوم بدر و أنتم جاهدون على اطفاء نور اللّه، و أن تكون كلمة الشيطان هي العليا، ثم دخلت أنت و أبوك كرها في الاسلام الذي ضربناكم عليه، فقال معاوية: كأنك تمن علينا بنصرتك ايانا، فلله و لقريش بذلك المن و الطول، ألستم تمنون علينا يا معشر الانصار بنصرتكم رسول

ص: 161


1- أورد الطبرسى فى الاحتجاج ج 2 ص 15 هذا الرواية مع اختلاف فى صدرها ليس بالقليل الى قوله: «أنشدكم باللّه الا رجعتم و حدثتم به من تثقون به».
2- قال الجزرى فى النهاية بمادة (أثر) فى الحديث: قال صلى اللّه عليه - و آله - و سلم للانصار: انكم ستلقون بعدى أثرة فاصبروا. الاثرة بفتح الهمزة و الثاء الاسم من آثر يؤثر ايثارا، اذا أعطى، أراد أنه يستأثر عليكم فليفضل غيركم فى نصيبه من الفىء، و الاستئثار الانفراد بالشىء. (عن هامش بعض نسخ الكتاب)

اللّه و هو من قريش و هو ابن عمنا و منا؟! فلنا المن و الطول أن جعلكم اللّه انصارنا و أتباعنا فهداكم بنا.

فقال قيس: ان اللّه بعث محمدا صلّى اللّه عليه و آله رحمة للعالمين، فبعثه الى الناس كافة، و الى الجن و الانس و الاحمر و الاسود و الابيض، اختاره لنبوته، و اختصه برسالته، فكان أول من صدقه و آمن به ابن عمه علي بن أبي طالب عليه السّلام، و أبو طالب يذب عنه و يمنعه، و يحول بين كفار قريش و بين أن يردعوه أو يؤذوه، فأمره ان يبلغ رسالة ربه، فلم يزل ممنوعا من الضيم و الاذى حتى مات عمه أبو طالب، و أمر ابنه بمؤازرته، فوازره و نصره و جعل نفسه دونه في كل شديدة و كل ضيق و كل خوف.

و اختص اللّه بذلك عليا عليه السّلام من بين قريش، و أكرمه من بين جميع العرب و العجم، فجمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله جميع بني عبد المطلب فيهم أبو طالب و أبو لهب، و هم يومئذ أربعون رجلا، فدعاهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و خادمه علي عليه السّلام، و رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في حجر عمه أبي طالب، فقال: أيكم ينتدب أن يكون أخي و وزيري و وصيي و خليفتي في امتي و ولي كل مؤمن بعدي ؟ فسكت القوم حتى أعادها ثلاثا، فقال علي عليه السّلام: أنا يا رسول اللّه، صلى اللّه عليك.

فوضع رأسه في حجره و تفل في فيه و قال: اللهم املا جوفه علما و فهما و حكما، ثم قال لابي طالب: يا أبا طالب، اسمع الان لابنك و أطع(1) فقد جعله اللّه من نبيه

ص: 162


1- أخرج الطبرى فى «التفسير» ج 19 ص 68 ط مصر عن رسول اللّه (ص) حديثا فيه: قال النبى (ص) لبنى هاشم: «أيكم يؤازرنى على هذا الامر على أن يكون أخى و وصيى و خليفتى فيكم، قال: فاحجم القوم عنها جميعا، و قلت: و انى لاحدثهم سنا، الى أن قال: أنا يا نبي اللّه أكون وزيرك عليه، فأخذ برقبتى ثم قال: ان هذا أخى و وصيى و خليفتى فيكم فاسمعوا له و أطيعوا، قال فقام القوم يضحكون و يقولون لابى طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك و تطيع». و أخرج قريبا منه الثعلبى فى «التفسير»، و ابن حسنوية فى «در بحر المناقب» ص 39 مخطوط، و سبط ابن الجوزى فى «التذكرة» ص 44 ط النجف، و ابن سعد فى «طبقاته» ج 1 ص 187 ط بيروت، و غيرهم.

بمنزلة هارون من موسى، و آخى صلّى اللّه عليه و آله بين علي و بين نفسه.

فلم يدع قيس شيئا من مناقبه الا ذكرها و احتج بها، و قال: منهم جعفر بن أبي طالب الطيار في الجنة بجناحين، اختصه اللّه بذلك من بين الناس، و منهم حمزة سيد الشهداء، و منهم فاطمة سيدة نساء أهل الجنة، فاذا وضعت من قريش رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و أهل بيته و عترته الطيبين فنحن و اللّه خير منكم يا معشر قريش، و أحب الى اللّه و رسوله و الى أهل بيته منكم.

لقد قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فاجتمعت الانصار الى أبي ثم قالوا: نبايع سعدا، فجاءت قريش فخاصمونا بحجة علي و أهل بيته عليهم السّلام و خاصمونا بحقه و قرابته، فما يعدوا قريش أن يكونوا ظلموا الانصار و ظلموا آل محمد عليهم السّلام، و لعمري ما لاحد من الانصار، و لا لقريش، و لا لاحد من العرب و العجم في الخلافة حق مع علي عليه السّلام و ولده من بعده.

فغضب معاوية و قال: يا ابن سعد، عمن أخذت هذا؟! و عمن رويته ؟! و عمن سمعته ؟! أبوك أخبرك بذلك و عنه أخذته ؟! فقال قيس: سمعته و أخذته ممن هو خير من أبي و أعظم عليّ حقا من أبي، قال: من ؟! قال: علي بن أبي طالب عليه السّلام، عالم هذه الامة و صديقها، الذي أنزل اللّه فيه:«قُلْ كَفىٰ بِاللّٰهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتٰابِ (1)»، فلم يدع آية نزلت في علي الا ذكرها.

ص: 163


1- الرعد 13:43، و قد نص جمع من علماء القوم على نزولها فى على (ع) منهم: القرطبى فى تفسير «الجامع لاحكام القرآن» ج 9 ص 336 ط القاهرة، و السيوطى فى «الاتقان» ج 1 ص 13 ط القاهرة، و الكشفى الترمذى فى «مناقب مرتضوى» ص 49 ط بمبىء، و القندوزى فى «ينابيع المودة» ص 102 ط اسلامبول، و غيرهم،

قال معاوية: فان صديقها أبو بكر، و فاروقها عمر، و الذي عنده علم الكتاب عبد اللّه بن سلام! قال قيس: أحق بهذه الاسماء و أولى بها الذي أنزل اللّه فيه:«أَ فَمَنْ كٰانَ عَلىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شٰاهِدٌ مِنْهُ» (1) ، و الذي نصبه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بغدير خم فقال، «من كنت أولى به من نفسه فعلي أولى به من نفسه»، و في غزوة تبوك:

«أنت مني بمنزلة هارون من موسى الا أنه لا نبي بعدي».

و كان معاوية يومئذ بالمدينة، فعند ذلك نادى مناديه - و كتب بذلك نسخة الى عماله -: الا برئت الذمة ممن روى حديثا في مناقب علي و أهل بيته.

و قامت الخطباء في كل كورة و مكان على المنابر بلعن علي بن أبي طالب عليه السّلام و البراءة منه، و الوقيعة في أهل بيته عليه السّلام، و اللعنة لهم بما ليس فيهم عليه السّلام.

ثم ان معاوية مر بحلقة من قريش فلما رأوه قاموا اليه غير عبد اللّه بن العباس، فقال له: يا ابن عباس، ما منعك من القيام كما قام أصحابك الا لموجدة علي بقتالي اياكم يوم صفين ؟! يا ابن عباس، ان ابن عمي عثمان قتل مظلوما!.

قال ابن عباس: فعمر بن الخطاب قد قتل مظلوما(2) فسلم الامر الى ولده و هذا ابنه! قال: ان عمر قتله مشرك، قال ابن عباس: فمن قتل عثمان ؟! قال: قتله المسلمون، قال: فذلك أدحض لحجتك و أحل لدمه! ان كان المسلمون قتلوه و خذلوه فليس

ص: 164


1- هود 11:17، و قد روى الجمهور أن من كان على بينة من ربه: رسول اللّه (ص) و الشاهد: على (ع)، منهم الثعلبى روى عن ابن عباس قال: «افمن كان على بينة من ربة رسول اللّه و يتلوه شاهد منة على خاصه».، و منهم العلامة البغوى فى تفسير «معالم التنزيل» المطبوع فى هامش تفسير الخازن ج 3 ص 183 ط مصر، و منهم الفخر الرازى فى تفسيره ج 17 ص 201 ط مصر، و الطبرى فى تفسيره ج 12 ص 10 ط مصر، و غيرهم.
2- انما قال ابن عباس هذا الكلام ليحج به معاوية الذى يعتقد أن عمر قتل مظلوما و الا فليس من رأى ابن عباس ذلك. (عن الهامش)

الا بحق!.

قال: فانا كتبنا في الافاق ننهي عن ذكر مناقب علي و أهل بيته، فكف لسانك يا ابن عباس و أربع على نفسك(1).

قال: فتنهانا عن قراءة القرآن ؟! قال: لا، قال: فتنهانا عن تأويله ؟! قال:

نعم! قال: فنقرأه و لا نسأل عما عنى اللّه به ؟! قال: نعم! قال: فأيما أوجب علينا قراءته أو العمل به ؟! قال: العمل به! قال: فكيف نعمل به حتى نعلم ما عنى اللّه بما أنزل علينا؟! قال: سل عن ذلك من يتأوله على غير ما تتأوله أنت و أهل بيتك!

قال: انما انزل القرآن على أهل بيتي، فأسأل عنه آل أبي سفيان و آل أبي معيط و اليهود و النصارى و المجوس ؟! قال: فقد عدلتنا بهم(2) ، قال: لعمري ما أعدلك بهم الا اذا نهيت الامة أن يعبدوا اللّه بالقرآن و بما فيه من أمر و نهي، أو حلال أو حرام أو ناسخ أو منسوخ، أو عام أو خاص، أو محكم أو متشابه، و ان لم تسأل الامة عن ذلك هلكوا و اختلفوا و تاهوا!

قال معاوية: فاقرأوا القرآن و لا ترووا شيئا مما أنزل اللّه فيكم و ما قال رسول اللّه، و ارووا ما سوى ذلك! قال ابن عباس: قال اللّه تعالى في القرآن:«يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللّٰهِ بِأَفْوٰاهِهِمْ وَ يَأْبَى اللّٰهُ إِلاّٰ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَ لَوْ كَرِهَ الْكٰافِرُونَ» (3).

قال معاوية: يا ابن عباس، اكفني نفسك، و كف عني لسانك، و ان كنت لا بد فاعلا فليكن سرا و لا تسمعه أحدا علانية، ثم رجع الى منزله فبعث اليه بخمسين ألف درهم - و في رواية اخرى: مائة ألف درهم -.

اشتداد البلاء على الشيعة

ثم اشتد البلاء بالامصار كلها على شيعة علي و أهل بيته عليه السّلام، و كان أشد

ص: 165


1- يقال أربع عليك أو على نفسك أو على ظلعك، أى توقف.
2- و فى بعض النسخ «عدلتنى بهؤلاء». (عن الهامش)
3- التوبة 32:9

الناس بلية أهل الكوفة لكثرة من بها من الشيعة، و استعمل عليها زيادا، ضمها اليه مع البصرة، و جمع له العراقين، و كان يتبع الشيعة - و هو بهم عالم - لانه كان منهم، قد عرفهم و سمع كلامهم أول شيء، فقتلهم تحت كل كوكب، و تحت [كل](1) حجر و مدر، و أجلاهم و أخافهم، و قطع الايدي و الارجل منهم، و صلبهم على جذوع النخل، و سمل أعينهم، و طردهم و شردهم، حتى انتزعوا عن العراق، فلم يبق بها أحد منهم الا مقتول أو مصلوب أو طريد أو هارب.

و كتب معاوية الى قضاته و ولاته في جميع الارضين و الامصار أن لا تجيزوا لاحد من شيعة علي، و لا من أهل بيته، و لا من أهل ولايته الذين يرون فضله و يتحدثون بمناقبه شهادة.

و كتب الى عماله: انظروا من قبلكم من شيعة عثمان و محبيه، و اهل بيته، و أهل ولايته الذين يرون فضله و يتحدثون بمناقبه فأذنوا مجالسهم، و أكرموهم، و قربوهم، و شرفوهم، و اكتبوا الى بما يروي كل واحد منهم فيه باسمه و اسم أبيه و ممن هو، ففعلوا ذلك حتى أكثروا في عثمان الحديث، و بعث اليهم بالصلات و الكسى، و أكثر لهم القطائع من العرب و الموالي، فكثروا في كل مصر، و تنافسوا في المنازل و الضياع، و اتسعت عليهم الدنيا، فلم يكن أحد يأتي عامل مصر من الامصار، و لا قرية، فيروى في عثمان منقبة، أو يذكر له فضيلة، الا كتب اسمه و قرب و شفع، فلبثوا بذلك ما شاء اللّه.

ثم كتب الى عماله: ان الحديث قد كثر في عثمان، و فشا في كل مصر و من كل ناحية، فاذا جاءكم كتابي هذا فادعوهم الى الرواية في أبي بكر و عمر، فان فضلهما و سوابقهما أحب الي، و أقر لعيني، و أدحض لحجة أهل هذا البيت(2) ، و

ص: 166


1- أثبتناها لملائمتها للسياق.
2- يريد بهم أهل بيت النبى صلوات اللّه عليهم. (عن الهامش)

أشد عليهم من مناقب عثمان و فضله، فقرأه كل قاض و أمير من ولاة كتابه على الناس و أخذ الناس في الروايات فيهم و في مناقبهم.

ثم كتب نسخة جمع فيها جميع ما روي فيهم من المناقب و الفضائل، و أنفذها الى عماله، و أمرهم بقراءتها على المنابر، و في كل كورة، و في كل مسجد، و أمرهم أن ينفذوا الى معلمي الكتاتيب أن يعلموها صبيانهم حتى يرووها و يتعلموها كما يتعلمون القرآن، حتى علموها بناتهم و نساءهم و خدمهم و حشمهم، فلبثوا بذلك ما شاء اللّه.

ثم كتب الى عماله نسخة واحدة الى جميع البلدان: انظروا من قامت عليه البينة أنه يحب عليا و أهل بيته، فامحوه من الديوان، و لا تجيزوا له شهادة.

ثم كتب كتابا آخر: من اتهمتوه و لم تقم عليه بينة فاقتلوه، فقتلوهم على التهم و الظن و الشبه تحت كل كوكب، حتى لقد كان الرجل يسقط بالكلمة فتضرب عنقه، و لم يكن ذلك البلاء في بلد أكبر و لا أشد منه بالعراق، و لا سيما بالكوفة، حتى أن الرجل من شيعة علي عليه السّلام و ممن بقي من أصحابه بالمدينة و غيرها ليأتيه من يثق به فيدخل بيته، ثم يلقي اليه سره، فيخاف من خادمه و مملوكه فلا يحدثه حتى يأخذ عليه الايمان المغلظة ليتمكن عليه.

و جعل الامر لا يزداد الا شدة و كثر عندهم عدوهم، و أظهروا أحاديثهم الكاذبة في أصحابهم من الزور و البهتان فينشأ (فثبتوا/خ ل) الناس على ذلك، و لا يتعلمون الا منهم، و مضى على ذلك قضاتهم و ولاتهم و فقهاؤهم، و كان اعظم الناس في ذلك بلاءا و فتنة القراء المراؤن المتصنعون الذين يظهرون لهم الحزن و الخشوع و النسك، و يكذبون و يعلمون الاحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم، و يدنو بذلك مجالسهم، و يصيبوا بذلك الاموال و القطايع و المنازل، حتى صارت أحاديثهم تلك و رواياتهم في أيدي، من يحسب أنها حق، و أنها صدق، فرووها و قبلوها، و تعلموها و علموها

ص: 167

و أحبوا عليها و أبغضوا، و صارت في أيدي الناس المتدينين الذين لا يستحلون الكذب، و يبغضون عليه أهله، فقبلوها، و هم يرون أنها حق، و لو علموا أنها باطل لم يرووها و لم يتدينو بها.

فصار الحق في ذلك الزمان باطلا، و الباطل حقا، و الصدق كذبا، و الكذب صدقا، (و قد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: لتشملنكم فتنة يربو فيها الوليد، و ينشأ فيها الكبير، يجري الناس عليها و يتخذونها سنة، فاذا غير منها شيء قالوا: أتى الناس منكرا، غيرت السنة)(1).

فلما مات الحسن بن علي عليهما السّلام لم تزل الفتنة و البلاء يعظمان و يشتدان فلم يبق ولي للّه الا خائفا على دمه - و في رواية اخرى: الا خائفا على دمه انه مقتول - و الا طريدا، و الا شريدا، و لم يبق عدو للّه الا مظهرا حجته، غير مستتر ببدعته و ضلالته.

فلما كان قبل موت معاوية بسنة(2) حج الحسين بن علي - صلوات اللّه عليه -، و عبد اللّه بن عباس، و عبد اللّه بن جعفر معه، فجمع الحسين عليه السّلام بني هاشم، رجالهم و نساءهم، و مواليهم، و من الانصار ممن يعرفه الحسين عليه السّلام و أهل بيته ثم أرسل رسلا لا تدعو أحدا ممن حج العام من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله المعروفين بالصلاح و النسك الا اجمعهم لي، فاجتمع اليه بمنى أكثر من سبعمائة رجل و هم في سرداقه، عامتهم من التابعين، و نحو من مائتي رجل من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه و آله.

فقام فيهم خطيبا فحمد اللّه و أثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فان هذا الطاغية قد فعل بنا و بشيعتنا ما قد رأيتم و علمتم و شهدتم، و اني اريد أن أسألكم عن شيء، فان صدقت فصدقوني، و ان كذبت فكذبوني، و أسألكم بحق اللّه عليكم و حق رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و قرابتي من نبيكم لما سيرتم مقامي هذا، و وصفتم مقالتي، و دعوتم أجمعين في

ص: 168


1- ما بين القوسين غير موجود فى بعض النسخ
2- و فى بعض النسخ (بسنتين). (عن الهامش)

أمصاركم من قبائلكم من آمنتم من الناس - و في رواية أخرى: بعد قوله «فكذبوني»:

اسمعوا مقالتي و اكنيوا قولي، ثم ارجعوا الى أمصاركم و قبائلكم فمن آمنتم من الناس - و وثقتم به فادعوهم الى ما تعلمون من حقنا، فأني أتخوف أن يدرس هذا الامر، و يذهب الحق و يغلب، و اللّه متم نوره و لو كره الكافرون، و ما ترك شيئا مما أنزل اللّه فيهم من القرآن الا تلاه و فسره، و لا شيئا مما قاله رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في أبيه و أخيه و أمه، و في نفسه و أهل بيته الا رواه، و كل ذلك يقول أصحابه: اللهم نعم، و قد سمعنا و شهدنا، و يقول التابعي: اللهم قد حدثني به من اصدقه و أأتمنه من الصحابة، فقال: أنشدكم اللّه ألا حدثتم به من تثقون به و بدينه.

مناشدة الحسين عليه السلام الصحابة و التابعين

(33) قال سليم: فكان فيما ناشدهم الحسين عليه السّلام و ذكرهم أن قال: أنشدكم اللّه أتعلمون أن علي بن أبي طالب كان أخا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حين آخى بين أصحابه فآخى بينه و بين نفسه و قال: أنت أخي و أنا أخوك في الدنيا و الاخرة ؟! قالوا: اللهم نعم.

قال: أنشدكم اللّه هل تعلمون أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله اشترى موضع مسجده و منازله فابتناه ثم ابتنى فيه عشرة منازل، تسعة له و جعل عاشرها في وسطها لابي، ثم سد كل باب شارع الى المسجد غير بابه، فتكلم في ذلك من تكلم، فقال: ما أنا سددت أبوابكم و فتحت بابه، و لكن اللّه أمرني بسد أبوابكم و فتح بابه(1) ، ثم نهى الناس أن يناموا في المسجد غيره، و كان يجنب في المسجد و منزله في منزل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فولد لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و له فيه أولاد؟! قالوا: اللهم نعم.

قال: أفتعلمون أن عمر بن الخطاب حرص على كوة قدر عينه يدعها في منزله الى المسجد فأبى عليه، ثم خطب فقال: ان اللّه أمرني أن أبني مسجدا طاهرا لا يسكنه غيري و غير أخي و بنيه ؟! قالوا: اللهم نعم.

ص: 169


1- تقدمت الاشارة الى مدارك هذه الرواية.

قال: أنشدكم اللّه أتعلمون أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله نصبه يوم غدير خم فنادى له بالولاية، و قال: ليبلغ الشاهد الغائب ؟! قالوا: اللهم نعم.

قال: أنشدكم اللّه أتعلمون أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال له في غزوة تبوك: أنت مني بمنزلة هارون من موسى، و أنت ولي كل مؤمن بعدي ؟! قالوا: اللهم نعم.

قال: أنشدكم اللّه أتعلمون أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حين دعا النصارى من أهل نجران الى المباهلة لم يأت الا به و بصاحبته و ابنته ؟! قالوا: اللهم نعم.

قال: أنشدكم اللّه أتعلمون أنه دفع اليه اللواء يوم خيبر ثم قال: لادفعه الى رجل يحبه اللّه و رسوله، و يحب اللّه و رسوله، كرار غير فرار، يفتحها اللّه على يديه ؟! قالوا: اللهم نعم.

قال: أتعلمون أن رسول اللّه بعثه ببراءة و قال لا يبلغ عني الا أنا أو رجل مني ؟! قالوا: اللهم نعم.

قال: أتعلمون أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لم تنزل به شدة قط الا قدمه لها ثقة به، و أنه لم يدعه باسمه قط الا أن يقول: يا أخي، و ادعوا لي أخي ؟! قالوا: اللهم نعم.

قال: أتعلمون أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قضى بينه و بين جعفر و زيد فقال: يا علي أنت مني و أنا منك، و أنت ولي كل مؤمن بعدي ؟! قالوا: اللهم نعم.

قال: أتعلمون أنه كانت له من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كل يوم خلوة، و كل ليلة دخلة، اذا سأله أعطاه، و اذا سكت أبداه ؟! قالوا: اللهم نعم.

قال: أتعلمون أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فضله على جعفر و حمزة حين قال لفاطمة عليها السّلام: زوجتك خير أهل بيتي، أقدمهم سلما، و أعظمهم حلما، و أكثرهم علما؟! قالوا: اللهم نعم.

قال: أتعلمون أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال: أنا سيد ولد بني آدم، و أخي علي

ص: 170

سيد العرب(1) ، و فاطمة سيدة نساء أهل الجنة، و الحسن و الحسين ابناي سيدا شباب أهل الجنة ؟! قالوا: اللهم نعم.

قال: أتعلمون أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أمره بغسله و أخبره أن جبرئيل يعينه عليه ؟! قالوا: اللهم نعم.

قال: أتعلمون أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال في آخر خطبة خطبها: اني تركت فيكم الثقلين، كتاب اللّه و أهل بيتي، فتمسكوا بهما لن تضلوا؟! قالوا: اللهم نعم، فلم يدع شيئا أنزله اللّه فى علي بن أبي طالب عليه السّلام خاصة، و في أهل بيته من القرآن و لا على لسان نبيه صلّى اللّه عليه و آله الا ناشدهم فيه فيقول الصحابة: اللهم نعم، قد سمعنا، و يقول التابع: اللهم قد حدثنيه من أثق به فلان و فلان.

ثم ناشدهم أنهم قد سمعوه يقول: من زعم أنه يحبني و يبغض عليا قد كذب، ليس يحبني و يبغض عليا فقال له قائل: يا رسول اللّه، و كيف ذلك ؟! قال: لانه مني و أنا منه، من أحبه فقد أحبني، و من أحبني فقد أحب اللّه، و من أبغضه فقد أبغضي، و من أبغضي أبغض اللّه(2) ، فقالوا: اللهم نعم، قد سمعنا، و تفرقوا على ذلك.

بكاء ابن عبّاس لرزية يوم الاثنين

(34) أبان بن أبي عياش، عن سليم بن قيس، قال(3): اني لعند عبد اللّه بن

ص: 171


1- أورد محب الدين الطبرى فى «ذخائر العقبى» ص 70 عن الحسن بن على عليهما السلام قال: قال رسول اللّه (ص): «ادعوا لى سيد العرب، قالت عائشة: ألست سيد العرب ؟! فقال:.. أنا سيد ولد آدم، و على سيد العرب».
2- تقدم ذكر مدارك هذه الرواية مفصلا من كتب القوم.
3- أورد هذا الحديث ابن أبى الحديد المعتزلى فى شرح النهج (ج 6 ص 30) باختلاف يسير، ثم قال: هذا الحديث قد خرجه الشيخان محمد بن اسماعيل البخارى و مسلم بن الحجاج القشيرى فى صحيحهما، و اتفق المحدثون كافة على روايته. (عن الهامش)

عباس في بيته و عنده رهط من الشيعة فذكروا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و موته فبكى ابن عباس و قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يوم الاثنين - و هو اليوم الذي قبض فيه، و حوله أهل بيته و ثلاثون رجلا من أصحابه -: ايتوني بكتف أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعدي و لا تختلفوا بعدي، فقال رجل منهم: ان رسول اللّه يهجر! فغضب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و قال:

اني لاراكم تختلفون و أنا حي! فكيف بعدي موتي ؟! فترك الكتف.

قال سليم: ثم أقبل علي ابن عباس فقال: يا سليم لو لا ما قال ذلك الرجل لكتب لنا كتابا لا يضل أحد و لا يختلف، فقال رجل من القوم: و من ذلك الرجل ؟! فقال: ليس الى ذلك سبيل.

فخلوت بابن عباس بعدما قام القوم فقال: هو عمر! فقلت صدقت قد سمعت عليا عليه السّلام و سلمان و أبا ذر و المقداد يقولون: انه عمر، قال: يا سليم، اكتم الا ممن تثق بهم من اخوانك فان قلوب هذه الامة اشربت حب هذين الرجلين كما اشربت قلوب بني اسرائيل حب العجل و السامري.

(35) قال أبان: سمعت سليم بن قيس يقول: شهدت يوم الجمل عليا عليه السّلام و كنا اثني عشر ألفا، و كان أصحاب الجمل زيادة على عشرين و مائة ألف، و كان مع علي من المهاجرين و الانصار نحو من أربعة آلاف ممن شهد مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بدرا و الحديبية و مشاهده و سائر الناس من الكوفة الا من تبعه من البصرة و الحجاز ليست له هجرة ممن أسلم بعد الفتح، و جل الاربعة آلاف من الانصار، و لم يكره أحدا على البيعة و على القتال، انما ندبهم فانتدب من أهل بدر سبعون و مائة رجل، جلهم من الانصار ممن شاهد أحدا و الحديبية و لم يتخلف عنه أحد، و ليس أحد من المهاجرين و الانصار الا و هواه معه يتولونه و يدعون له بالظفر و النصر، و يحبون ظهوره على من ناواه، و لم يحرجهم و لا يضيق عليهم، و قد بايعوه، و ليس كل الناس يقاتل في سبيل اللّه.

ص: 172

و الطاعن عليه و المتبرىء منه قليل مستتر عنه، مظهر له الطاعة، غير ثلاثة رهط بايعوه ثم شكوا في القتال معه، و قعدوا في بيوتهم، محمد بن سلمة و سعد بن أبي وقاص و ابن عمر، و اسامة بن زيد سلم بعد ذلك و رضي و دعا لعلي عليه السّلام، و استغفر له، و برأ من عدوه، و شهد أنه على الحق، و من خالفه ملعون حلال الدم.

التقاء امير المؤمنين عليه السلام بالزبير و طلحة و وعظهما

(36) قال أبان: قال سليم(1): لما التقى أمير المؤمنين عليه السّلام، و أهل البصرة يوم الجمل نادى عليه السّلام الزبير: يا أبا عبد اللّه، اخرج الي، فقال له أصحابه، يا أمير المؤمنين، تخرج الى الزبير الناكث بيعته و هو على فرس شاك في سلاح، و أنت على بغلة بلا سلاح ؟! فقال علي عليه السّلام: ان علي جنة واقية، لن يستطيع أحد فرارا من أجله، و اني لا أموت و لا اقتل الا على يدي أشقاها، كما عقر ناقة اللّه أشقى ثمود.

فخرج اليه الزبير، فقال: أين طلحة ؟ ليخرج، فخرج طلحة، فقال:

نشدتكما اللّه، أتعلمان و أولوا العلم من آل محمد و عائشة بنت أبي بكر، أن أصحاب الجمل و أهل النهروان ملعونون على لسان محمد، و قد خاب من افترى ؟ فقال الزبير: كيف نكون ملعونين و نحن من أهل الجنة ؟! فقال علي عليه السّلام: لو علمت أنكم من أهل الجنة لما استحللت قتالكم!

فقال الزبير: أما سمعت رسول اللّه يقول يوم احد: أوجب طلحة الجنة، و من أراد أن ينظر الى شهيد يمشي على الارض حيا فلينظر الى طلحة ؟! أو ما سمعت رسول اللّه يقول: عشرة من قريش في الجنة ؟! فقال علي عليه السّلام: فسمهم، قال: فلان و فلان و فلان حتى عد تسعة، فيهم أبو عبيدة الجراح و سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، فقال علي عليه السّلام: عددت تسعة، فمن العاشر؟ قال الزبير: أنت!

فقال علي عليه السّلام: أما أنت فقد أقررت أني من أهل الجنة، و أما ما ادعيت

ص: 173


1- روى هذا الحديث الطبرسى فى الاحتجاج الى قوله: «فرجع الزبير الى أصحابه و هو يبكى»، مع بعض الاختلاف، راجع الاحتجاج ج 1 ص 235.

لنفسك و أصحابك فاني به لمن الجاحدين، و اللّه ان بعض من سميت لفي تابوت في جب في أسفل درك من جهنم، على ذلك الجب صخرة، اذا أراد اللّه أن يسعر جهنم رفع تلك الصخرة فاسعرت جهنم، سمعت ذلك من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و الا فأظفرك اللّه بي، و سفك دمي بيدك، و الا فأظفرني اللّه بك و بأصحابك، فرجع الزبير الى أصحابه و هو يبكي.

ثم أقبل على طلحة فقال: يا طلحة معكما نساؤكما؟! قال: لا، قال: عمدتما الى امرأة موضعها في كتاب اللّه القعود في بيتها فأبرزتماها و صنتما حلائلكما في الخيام و الحجال، ما أنصفتما رسول اللّه، قد أمر اللّه أن لا يكلمن الا من وراء حجاب! أخبرني عن صلاة ابن الزبير بكما، أما يرضى أحدكما بصاحبه ؟! أخبرني عن دعائكما الاعراب الى قتالي ما يحملكما على ذلك ؟!

فقال طلحة: يا هذا كنا في الشورى ستة، مات منا واحد و قتل آخر، فنحن اليوم أربعة كلنا لك كاره، فقال له علي عليه السّلام: ليس ذلك علي، قد كنا الشورى و الامر في يد غيرنا، و هو اليوم في يدي، أرأيت لو أردت - بعدما بايعت عثمان - أن أرد هذا الامر شورى أكان ذلك لي ؟! قال: لا، قال: و لم ؟! قال: لانك بايعت طائعا، فقال علي عليه السّلام: و كيف ذلك و الانصار معهم السيوف مخترطة يقولون: لئن فرغتم و بايعتم واحدا منكم و الا ضربنا أعناقكم أجمعين، فهل قال لك و لاصحابك أحد شيئا من هذا وقت بايعتماني ؟! و حجتي في الاستكراه في البيعة أوضح من حجتك و قد بايعتني أنت و صاحبك طائعين غير مكرهين، و كنتما غير مكرهين، و كنتما أول من فعل ذلك، و لم يقل أحد لتبايعان أو لنقتلكما، فانصرف طلحة، و نشب القتال، فقتل طلحة، و انهزم الزبير.

(37) قال أبان: قال سليم: سمعت ابن عباس يقول: سمعت من علي عليه السّلام حديثا لم أدر ما وجهه، سمعت يقول: ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أسر الي في مرضه و علمني مفتاح

ص: 174

ألف باب من العلم يفتح كل باب ألف باب(1) ، و اني لجالس بذي قار في فسطاط علي عليه السّلام و قد بعث الحسن عليه السّلام و عمارا يستنفران الناس اذ أقبل علي عليه السّلام، فقال: يا ابن عباس يقدم عليك الحسن و معه أحد عشر ألف رجل غير رجل أو رجلين(2) ، فقلت في نفسي: ان كان كما قال فهو من تلك الالف باب، فلما أظلنا الحسن بذلك الجند استقبلت الحسن فقلت لكاتب الجيش الذي معه أسماؤهم: كم رجل معكم ؟ فقال:

أحد عشر ألف رجل غير رجل أو رجلين.

قول امير المؤمنين عليه السلام: سلوني قبل ان تفقدوني

(38) قال أبان: عن سليم، قال: جلست الى علي عليه السّلام بالكوفة في المسجد و الناس حوله فقال: سلوني قبل أن تفقدوني، سلوني عن كتاب اللّه، فو اللّه ما نزلت آيه من كتاب اللّه الا و قد أقرأنيها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و علمني تأويلها، فقال ابن الكواء:

فما كان ينزل عليه و أنت غائب ؟! فقال: بلى، يحفظ علي ما غبت عنه، فاذا قدمت عليه قال لي: يا علي، أنزل اللّه بعدك كذا و كذا فيقرأنيه، و تأويله كذا و كذا فيعلمنيه.

(39) قال أبان: قال سليم: سمعت عليا عليه السّلام يقول لرأس اليهود: كم أفرقتم ؟ فقال: على كذا و كذا فرقة، فقال علي عليه السّلام: كذبت، ثم أقبل على الناس فقال: لو ثنيت لي الوسادة لقضيت بين أهل التوراة بتوراتهم، و بين أهل الانجيل بانجيلهم، و بين أهل القرآن بقرآنهم، افترقت اليهود على احدي و سبعين فرقة سبعون منها في النار و واحدة في الجنة، و هي التي اتبعت يوشع بن نون وصي موسى، و افترقت النصارى على اثنتين و سبعين فرقة، احدى و سبعون فرقة في النار و واحدة في الجنة، و هي التي اتبعت شمعون وصي عيسى، و تفرقت هذه الامة على ثلاث و سبعين فرقة، اثنتان و سبعون فرقة في النار و واحدة في الجنة، و هي التي اتبعت وصي محمد صلّى اللّه عليه و آله - و ضرب بيده على صدره -، ثم قال: ثلاث عشرة فرقة من الثلاث و السبعين كلها

ص: 175


1- تقدم ذكر مدارك هذه الرواية من طرق القوم.
2- الترديد هنا من الراوى لا من على (ع). (عن الهامش)

تنتحل مودتي و حبي، واحدة منها في الجنة و اثنتا عشرة منها في النار(1).

(40) قال أبان: قال سليم: قلت لابن عباس: أخبرني بأعظم ما سمعتم من علي عليه السّلام ما هو؟ قال سليم: فأتاني بشيء قد كنت سمعته أنا من علي عليه السّلام، قال: دعاني رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و في يده كتاب فقال يا علي دونك هذا الكتاب، قلت: يا نبي اللّه ما هذا الكتاب ؟ قال: كتاب كتبه اللّه، فيه تسمية أهل السعادة و الشقاء من امتي، أمرني ربي أن أدفعه اليك.

سليم يصف وقعة صفين و خطبة الاشتر فيها

(41) قال أبان: و سمعت سليم بن قيس يقول، و سألته: هل شهدت صفين ؟ فقال:

نعم، قلت: هل شهدت يوم الهرير؟ قال: نعم، قلت: كم كان أتى عليك من السن ؟ قال: أربعون سنة(2) ، قلت: فحدثني رحمك اللّه، قال: نعم، مهما نسيت من شيء من الاشياء فلا أنسى هذا الحديث، ثم بكى و قال: صفوا و صففنا، فخرج مالك الاشتر على فرس أدهم مجنب، و سلاحه معلق على فرسه، و بيده الرمح، و هو يقرع به رؤوسنا و يقول: أقيموا صفوفكم.

فلما كتب الكتائب و أقام الصفوف اقبل على فرسه حتى قام بين الصفين، فولى أهل الشام ظهره، و أقبل علينا بوجهه، فحمد اللّه و أثنى عليه و صلى على النبي صلّى اللّه عليه و آله ثم قال: أما بعد، فانه كان من قضاء اللّه و قدره اجتماعنا في هذه البقعة من الارض لاجال قد اقتربت، و امور تصرمت، يسوسنا فيها سيد المسلمين، و أمير المؤمنين، و خير الوصيين، و ابن عم نبينا، و أخوه و وارثه، و سيوفنا سيوف اللّه، و رئيسهم

ص: 176


1- أورد المجلسى هذه الرواية في البحار ج 8 ص 4 عن سليم بن قيس الهلالى مع اختلاف ليس باليسير.
2- كانت وقعة صفين على ما ذكره المؤرخون لخمسة مضين من شوال سنة 36 من الهجرة، فاذا كان سليم بن قيس له يومئذ أربعون سنة فتكون سنة ولادته قبل الهجرة بأربع سنين تقريبا. (عن الهامش)

ابن آكلة الاكباد، و كهف النفاق، و بقية الاحزاب، يسوقهم الى الشقاء و النار، و نحن نرجو بقتالهم من اللّه الثواب، و هم ينتظرون العقاب، فاذا حمي الوطيس، و ثار القتال، و جالت الخيل بقتلانا و قتلاهم، رجونا بقتالهم النصر من اللّه، فلا أسمعن الا غمغمة أو همهمة.

أيها الناس، غضوا الابصار، و عضوا على النواجذ من الاضراس، فانها أشد لضرب الرأس، و استقبلوا القوم بوجوهكم، و خذوا قوائم سيوفكم بأيمانكم، فاضربوا الهام، و اطعنوا بالرماح مما يلي الشر سيوف(1) ، فانه مقتل، و شدوا شدة قوم موتورين بآبائهم و بدماء أخوانهم، حنقين على عدوهم، قد وطنوا أنفسهم على الموت، لكيلا تذلوا و لا يلزمكم في الدنيا عار.

ثم التقى القوم، فكان بينهم أمر عظيم، فتفرقوا عن سبعين ألف قتيل من جحاجحة العرب، و كانت الوقعة يوم الخميس، من حيث استقلت الشمس حتى ذهب ثلث الليل الاول، ما سجد للّه في دينك العسكرين سجدة، حتى مرت مواقيت الصلوات الاربع الظهر و العصر و المغرب و العشاء.

قال سليم: ثم ان عليا عليه السّلام قام خطيبا فقال: يا أيها الناس، انه قد بلغ بكم ما قد رأيتم و بعدوكم كمثل، فلم يبق الا آخر نفس، و ان الامور اذا أقبلت اعتبر آخرها بأولها، و قد صبر لكم القوم على غير دين، حتى بلغوا فيكم ما قد بلغوا، و أنا غاد عليهم بالغداة ان شاء اللّه و محاكمهم الى اللّه.

فبلغ ذلك معاوية، ففزع فزعا شديدا، و انكسر هو و جميع أصحابه و أهل الشام لذلك، فدعا عمرو بن العاص(2) فقال: يا عمرو، انما هي الليلة حتى يغدو علينا

ص: 177


1- الشر سوف بضم الشين المعجمة، و اسكان الراء المهملة، و ضم السين المهملة ثم الواو و الفاء: طرف الضلع المشرف على البطن. (عن الهامش)
2- و هو الذى أرسلته قريش الى النجاشى ليسلم اليهم من عنده من المسلمين، جعفر بن أبى طالب و من معه، فلم يفعل النجاشى. أسلم عام خيبر و قيل أسلم قبل الفتح بستة أشهر. بعثه النبى (ص) أميرا على سرية ذات السلاسل. استعله عثمان على مصر أربع سنين ثم عزله عنها و استعمل عبد اللّه بن أبى سرح فاعتزل عمرو بفلسطين، و كان يأتى المدينة أحيانا، و كان يطعن عثمان فلما قتل عثمان سار الى معاوية و عاضده و شهد معه صفين. و لما حضرته الوفاة قال: اللهم انك أمرتنى فلم أأتمر، و زجرتنى فلم أنزجر. مات سنة ثلاث و أربعين على خلاف بينهم، راجع اسد الغابة لابن الاثير ج 4 ص 115.

فما ترى ؟ قال: أرى الرجال قد قلوا، و ما بقي فلا يقومون لرجاله، و لست مثله، و انما يقاتلك على أمر و أنت تقاتله على غيره، أنت تريد البقاء و هو يريد الفناء، و ليس يخاف أهل الشام عليا ان ظفر بهم ما يخاف أهل العراق ان ظفرت بهم، و لكن ألق اليهم أمرا فان ردوه اختلفوا، و ان قبلوه اختلفوا، ادعهم الى كتاب اللّه، و ارفع المصاحف على رؤوس الرماح، فانك بالغ حاجتك، فاني لم أزل أدخرها لك.

فعرفها معاوية و قال: صدقت، و لكن قد رأيت رأيا أخدع به عليا طلبي اليه الشام على الموادعة و هو الشيء الاول الذي ردني عنه، فضحك عمرو و قال: أين أنت يا معاوية من خديعة علي، و ان شئت أن تكتب فاكتب!

كتاب معاوية الى عليّ عليه السلام يطلب الصلح

قال: فكتب معاوية الى علي عليه السّلام كتابا مع رجل من أهل السكاسك يقال له عبد اللّه بن عقبة: أما بعد، فانك لو علمت أن الحرب تبلغ بنا و بك ما بلغت و علمناه نحن لم يجنها بعضنا على بعض، و ان كنا قد غلبنا على عقولنا فقد بقي منها ما نرم به ما مضى و نصلح ما بقي، و قد كنت سألتك الشام على أن لا تلزمني لك طاعة و لا بيعة، فأبيت ذلك فأعطاني اللّه ما منعت، و أنا أدعوك الى ما دعوتك اليه أمس، فانك لا ترجو من البقاء الا ما أرجوه، و لا تخاف من الفناء الا ما أخاف، و قد و اللّه رقت الاكباد، و ذهب الرجال، و نحن بنو عبد مناف، و ليس لبعضنا على بعض فضل يستذل به عزيز، و لا يسترق به ذليل، و السلام.

ص: 178

قال سليم: فلما قرأ علي عليه السّلام كتابه ضحك و قال: العجب من معاوية و خديعته لي! فدعا كاتبه عبيد اللّه بن أبي رافع فقال له: اكتب:

أما بعد، فقد جاءني كتابك تذكر فيه أنك لو علمت أن الحرب تبلغ بنا و بك الى ما بلغت لم يجنها بعضنا على بعض، و أنا و اياك يا معاوية على غاية منها لم نبلغها بعد، و أما طلبك الشام، فاني لم اعطك اليوم ما منعتك أمس، و أما استواؤنا في الخوف و الرجاء، فانك لست بأمضى على الشك مني على اليقين، و ليس أهل الشام أحرص على الدنيا من أهل العراق على الاخرة.

و أما قولك: انا بنو عبد مناف ليس لبعضنا فضل على بعض، فكذلك نحن، و لكن ليس امية كهاشم، و لا حرب كعبد المطلب، و لا أبو سفيان كأبي طالب، و لا الطليق كالمهاجر، و لا المنافق كالمؤمن، و لا المبطل كالمحق، في أيدينا فضل النبوة التي ملكنا بها العرب، و استعبدنا بها العجم، و السلام.

فلما انتهى كتاب علي عليه السّلام الى معاوية كتمه عن عمرو، ثم دعاه فأقرأه، فشمت به عمرو - و قد كان نهاه -، و لم يكن أحد من قريش أشد تعظيما لعلي عليه السّلام من عمرو بعد اليوم الذي صرعه عن دابته، فقال عمرو:

ألا للّه درك يا ابن هند *** و در المرء ذي الحال المسود

أتطمع لا أبا لك في علي *** و قد قرع الحديد على الحديد

و ترجو أن تخادعه بشك *** و ترجو أن يهابك في الوعيد

و قد كشف القناع و جر حربا *** يشيب لهو لها رأس الوليد

يقول لها اذا رجعت اليه *** و قابل بالطعان القوم عودي

فان وردت فأولها ورود *** و ان صدرت فليس بذي ورود

و ما هي من أبي حسن بنكر *** و ما هي من مساتك بالبعيد

و قلت له مقالة مستكين *** ضعيف القلب منقطع الوريد

ص: 179

طلبت الشام حسبك يا ابن هند *** من السوءات و الرأي الزهيد

و لو أعطاكها ما ازددت عزا *** و ما لك في استزادك من مزيد

فلم تكسر بهذا الرأي عودا *** سوى ما كان لا بل دون عود

فقال معاوية: و اللّه لقد علمت ما أردت بهذا، قال عمرو: و ما أردت به ؟! قال:

عيبك رأيي(1) ، و خلافك علي، و اعظامك عليا لما فضحك يوم بارزته، فضحك عمرو و قال: أما خلافك و معصيتك فقد كانت، و أما فضيحتي فلم يفتضح رجل بارز عليا، فان شئت أن تتلوها أنت منه فافعل، فسكت معاوية و فشا أمرهما في أهل الشام.

قال أبان: قال سليم: و مر علي - صلوات اللّه عليه - بجماعة من أهل الشام فيهم الوليد بن عقبة بن أبي معيط، و هم يشتمونه فاخبر بذلك فوقف فيمن يليهم من أصحابه، ثم قال لهم: انهضوا اليهم و عليكم السكينة و سيماء الصالحين و وقار الاسلام، أقربنا من الجهل باللّه و الجرأة عليه و الاغترار لقوم رئيسهم معاوية، و ابن النابغة، و أبو الاعور السلمي، و ابن أبي معيط شارب الخمر، و المجلود الحد في الاسلام، و الطريد مروان، و هم هؤلاء يقومون و يشتمون، و قبل اليوم ما قاتلوني و شتموني و أنا اذ ذاك أدعوهم الى الاسلام و هم يدعونني الى عبادة الاوثان، فالحمد للّه على ما دعاني الفاسقون.

ان هذا الخطب جليل، ان فساقا منافقين كانوا عندنا غير مؤتمنين، على الاسلام متخوفين، خدعوا شطر هذه الامة، و أشربوا قلوبهم حب الفتنة، و استمالوا أهواءهم

ص: 180


1- عيبك رأيى فى خلافك و معصيتك، و العجب منك تقيل رأيي و تعظم عليا و قد فضحك، فقال: أما تقيلى رأيك فقد كان، و أما اعظامى عليا فانك باعظامه أشد معرفة منى و لكنك تطويه و أنشره، و أما فضيحتى.. الخ. (هكذا فى نسخة المجلسى فى البحار). (عن الهامش)

الى الباطل، فقد نصبوا لنا الحرب، و جدّوا في اطفاء نور اللّه، و اللّه متم نوره و لو كره الكافرون.

ثم حرض عليهم و قال: ان هؤلاء لا يزالون عن موقفهم هذا دون طعن دراك تطير منه القلوب، و ضرب يفلق الهام، و تطيع منه الانوف و العظام، و تسقط منه المعاصم، و حتى تقرع جباههم بعمد الحديد، و تنشر حواجبهم على صدورهم و الاذقان و النحور، أين أهل الدين طلاب الاجر؟!

فثارت عليه عصابة نحو أربعة آلاف فدعا محمد بن الحنفية، فقال: يا بني، امش نحو هذه الراية مشيا وئيدا على هنيتك(1) ، حتى اذا أشرعت في صدرهم الا سنة فأمسك حتى يأتيك رأيي، ففعل.

و أعد علي عليه السّلام مثلهم، فلما دنا محمد و أشرع الرماح في صدورهم أمر علي عليه السّلام الذين كان أعدهم أن يحملوا معهم فشدوا عليهم، و نهض محمد و من معه في وجوههم فأزالوهم عن مواقفهم و قتلوا عامتهم.

(42) أبان، عن سليم، قال: سألت المقداد عن علي عليه السّلام، قال: كنا نسافر مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قبل أن يأمر نساءه بالحجاب، و هو يخدم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، ليس له خادم غيره، و كان لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لحاف ليس له لحاف غيره، و معه عائشة، فكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ينام بين علي عليه السّلام و عائشة، ليس عليهم لحاف غيره، فاذا قام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله من الليل حط بيده اللحاف من وسطه بينه و بين عائشة حتى تمس اللحاف الفراش الذي تحتهم، و يقوم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فيصلي، فأخذت عليا الحمى ليلة فأسهرته، فسهر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لسهره، فبات ليله مرة يصلي و مرة يأتي عليا عليه السّلام يسليه و ينظر اليه حتى أصبح.

ص: 181


1- هنيتك بتشديد الياء، يقال: امش على هنيتك أى على رسلك. (عن الهامش)

فلما صلى بأصحابه الغداة قال: اللهم اشف عليا و عافه فانه قد أسهرني مما به من الوجع، فعوفي، فكأنما نشط من عقال ما به من علة، ثم قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

أبشر يا أخي، قال ذلك و أصحابه حوله يسمعون، فقال علي عليه السّلام: بشرك اللّه بخير يا رسول اللّه و جعلني فداك.

قال: اني لم أسال اللّه شيئا الا أعطانيه، و لم أسأل لنفسي شيئا الا سألت لك مثله، اني دعوت اللّه أن يؤاخي بيني و بينك ففعل، و سألته أن يجعلك ولي كل مؤمن بعدي ففعل، و سألته اذا ألبسني ثوب النبوة و الرسالة أن يلبسك ثوب الوصية و الشجاعة ففعل، و سألته أن يجعلك وصيي و وارثي و خازن علمي ففعل، و سألته أن يجعلك مني بمنزلة هارون من موسى، و أن يشد بك أزري، و يشركك في أمري ففعل، الا أنه لا نبي بعدي فرضيت، و سألته أن يزوجك ابنتي و يجعلك أبا ولدي ففعل.

فقال رجل لصاحبه: أرأيت ما سأل ؟! فو اللّه لو سأل ربه أن ينزل عليه ملكا يعينه على عدوه، أو يفتح له كنزا ينفقه هو و أصحابه - فان به حاجة - خيرا له مما سأل، و قال الاخر: و اللّه لصاع من تمر خير مما سأل.

(42) أبان، قال: سمعت سليم بن قيس يقول: سمعت عبد الرحمن بن غنم الازدي الثمالي، ختن معاذ بن جبل - و كانت ابنته تحت معاذ بن جبل، و كان أفقه أهل الشام، و أشدهم اجتهادا - قال: مات معاذ بن جبل بالطاعون، فشهدته يوم مات، و كان الناس متشاغلين بالطاعون، قال: و سمعته حين احتضر و ليس في البيت غيري - و ذلك في خلافة عمر بن الخطاب - يقول: ويل لي، ويل لي.

فقلت في نفسي: أصحاب الطاعون يهذون و يتكلمون و يقولون الاعاجيب، فقلت: تهذي رحمك اللّه ؟! قال: لا، قلت: فلم تدعو بالويل ؟! قال: لموالاتي عدو

ص: 182

اللّه على ولي اللّه، فقلت: من هم ؟! قال: موالاتي عتيقا و عمر على خليفة رسول اللّه و وصيه علي بن أبي طالب! فقلت: انك لتهجر! فقال: يا ابن غنم، و اللّه ما أهجر، هذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و علي عليه السّلام يقولان: يا معاذ أبشر بالنار أنت و أصحابك الذين قلتم: ان مات رسول اللّه أو قتل زوينا الخلافة عن علي فلن يصل اليها، أنت و عتيق و عمر و أبو عبيد اللّه(1) و سالم.

فقلت: يا معاذ متى هذا؟! فقال: في حجة الوداع، قلنا: نتظاهر على علي فلا ينال الخلافة ما حيينا، فلما قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قلت: أنا أكيفكم قومي الانصار فاكفوني قريشا، ثم دعوت على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله الى الذين تعاهدنا عليه بشير ابن سعد و اسيد بن حضير فبايعاني على ذلك، فقلت: يا معاذ انك لتهجر! قال: ضع خدي بالارض، فما زال يدعو بالويل و الثبور حتى قضى.

قال لي ابن غنم: ما حدثت به أحدا قبلك قط لا و اللّه غير رجلين، فاني فزعت مما سمعت من معاذ، فحججت فلقيت الذي ولي موت أبي عبيدة و سالم مولى أبي حذيفة، فقلت: أو لم يقتل سالم يوم اليمامة ؟! قال: بلى، و لكن احتملناه و به رمق، قال: فحدثني كل واحد منهما بمثله و لم يزد و لم ينقص أنهما قالا كما قال معاذ.

قال أبان: قال سليم: فحدثت ابن غنم هذا كله محمد بن أبي بكر، فقال:

اكتم علي، و أشهد أن أبي عند موته قال مثل مقالتهم، فقالت عائشة: ان أبي ليهجر!

قال محمد: فلقيت عبد اللّه بن عمر فحدثته بما قال أبي عند موته، فقال: اكتم علي فو اللّه لقد قال أبي مثل مقالة أبيك ما زاد و لا نقص، ثم تداركها عبد اللّه بن عمر و تخوف أن اخبر بذلك عليا عليه السّلام لما قد علم من حبي له و انقطاعي اليه، فقال:

انما كان أبي يهجر!

ص: 183


1- الظاهر: أبو عبيدة.

فأتيت أمير المؤمنين عليا عليه السّلام فحدثته بما سمعت من أبي و بما حدثنيه عبد اللّه، فقال أمير المؤمنين عليه السّلام: قد حدثني عن أبيه و عن أبيك و عن أبي عبيدة و سالم و عن معاذ من هو أصدق منك و من ابن عمر، فقلت: من هو ذاك يا أمير المؤمنين ؟! فقال: بعض من يحدثني، قال: فعلمت ما يعني، فقلت: صدقت يا أمير المؤمنين، انما حسبت انسانا حدثك و ما شهد أبي و هو يقول هذا غيري.

قال: فقلت لعبد الرحمن بن غنم: مات معاذ بالطاعون، فيم مات أبو عبيدة ابن الجراح ؟ قال: بالدبيلة(1) ، فلقيت محمد بن أبي بكر فقلت: هل شهد موت أبيك غير أخيك عبد الرحمن و عائشة و عمر؟ و هل سمعوا منه ما سمعت ؟! قال:

سمعوا منه طرفا، فبكوا و قالوا: يهجر! فأما كلما سمعت أنا فلا.

قلت: و الذي سمعوا منه ما هو؟ قالوا: دعا بالويل و الثبور، فقال له عمر:

يا خليفة رسول اللّه، ما لك تدعو بالويل و الثبور؟! قال: هذا محمد و علي يبشراني بالنار، بيده الصحيفة التي تعاهدنا عليها في الكعبة و هو يقول:

لقد وفيت بها فظاهرت على ولي اللّه أنت و أصحابك، فأبشر بالنار في أسفل السافلين، فلما سمعها عمر خرج و هو يقول: انه ليهجر!(2) قال لا و اللّه لا أهجر، قال عمر: أنت ثاني اثنين اذ هما في الغار!

قال: الان أيضا؟! أو لم احدثك أن محمدا - و لم يقل رسول اللّه - قال لي

ص: 184


1- الدبيلة - بالتصغير -: داء فى الجوف و دمل يظهر فيه. (عن الهامش)
2- هكذا تعود الخليفة عمر، فانه متى أحرجه الموقف و أزعجه المورد تملص منة بقوله: «انه ليهجر» و لعمرى انه نعم التخلص لمن لم يجد له مندوحة الا الفرار من أمثال هذه المواقف الحرجة، و ليس عهد مرض النبى (ص) عنك ببعيد اذ قال صلى اللّه عليه و آله و سلم: ائتونى بكتف و دواة أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعدى أبدا، فحال دون ذلك الخليفة عمر و قال: انه ليهجر، غفرانك اللهم يا رب.

و أنا معه في الغار: اني أرى سفينة جعفر و أصحابه تعوم في البحر، قلت: فأرنيها، فمسح وجهي، فنظرت اليها، فاستيقنت عند ذلك أنه ساحر(1) ، فقال عمر: يا هؤلاء ان أباكم يهجر! فاكتموا ما تسمعون منه(2) ، لا يشمت بكم أهل هذا البيت.

ثم خرج و خرج أخي ليتوضأ للصلاة، فأسمعني من قوله ما لم يسمعوا، فقلت له - لما خلوت به -: يا أبه، قل: لا اله الا اللّه، قال: لا أقولها أبدا، و لا أي أقدر عليها حتى أدخل التابوت، فلما ذكر التابوت ظننت أنه يهجر، فقلت له:

أي تابوت ؟!

فقال: تابوت من نار، مقفل بقفل من نار، فيه اثنا عشر رجلا، أنا و صاحبي هذا، قلت: عمر؟! قال: نعم، و عشرة، في جب من جهنم عليه صخرة، اذا أراد اللّه أن يسعر جهنم رفع الصخرة، قلت: تهذي ؟!

قال: لا و اللّه، لا أهذي، لعن اللّه ابن صهاك، هو الذي صدني عن الذكر بعد اذ جاءني فبئس القرين، لعنه اللّه، الصق خدي بالارض؛ فألصقت خده بالارض فما زال يدعو بالويل و الثبور حتى غمضته(3).

ص: 185


1- فنظرت اليها و أضمرت عند ذلك أنه ساحر، و ذكرت لك ذلك بالمدينة فأجمع رأيى و رأيك أنه ساحر، فقال عمر... الخ. (هكذا فى نسخة المجلسى التى أوردها فى البحار). (عن الهامش)
2- ان الخليفة عمر يقول فى شأن النبى (ص) - الذى لا ينطق عن الهوى - عند مرضه: انه ليهجر، و يعلن ذلك فى الملاء العام بلا تحاش، و ذلك حين طلب صلوات اللّه عليه و آله الكتف و الدواة ليكتب لهم كتابا لن يضلوا بعده أبدا؛ و لكنه يأمر بكتمان ما يسمعون من صاحبه أبى بكر من الهجر و الهذيان عند مرضه، فكان أبا بكر عنده أعظم شأنا و أرفع قدرا من النبى الاعظم (ص)، و لكنها شنشنة من شناشن الخليفة عمر نعرفها من قبل. (عن الهامش)
3- قال العلامة المحدث المجلسى رحمه اللّه فى البحار - ج 8 ص 198 - بعد ايراده لهذا الخبر عن سليم بن قيس ما نصه: هذا الخبر أحد الامور التى صارت سببا للقدح فى كتاب سليم لان محمد بن أبى بكر ولد فى حجة الوداع كما ورد فى أخبار الخاصة و العامة فكان له عند موت أبيه سنتان و أشهر فكيف كان يمكنه التكلم بتلك الكلمات و تذكر تلك الحكايات، و لعله مما صحف فيه النساخ أو الرواة، أو يقال: ان ذلك كان من معجزات أمير المؤمنين عليه السلام ظهرت فيه، و قال بعض الافاضل: رأيت فيما وصل الى من نسخة هذا الكتاب أن عبد اللّه بن عمر وعظ أباه عند موته.

ثم دخل عمر و قد غمضته، فقال: هل قال بعدي شيئا؟ فعرفته ما قال، فقال:

يرحم اللّه خليفة رسول اللّه، اكتمه، فان هذا هذيان، و أنتم أهل بيت معروف لكم في مرضكم الهذيان.

فقالت عائشة: صدقت، و قالوا جميعا: لا يسمعن أحد منكم من هذا شيئا فيشمت ابن أبي طالب و أهل بيته.

قال سليم: فقلت لمحمد: فمن ترى حدث أمير المؤمنين عليه السّلام عن هؤلاء الخمسة بما قالوا؟ قال: رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، انه يراه في منامه كل ليلة، و حديثه اياه في المنام مثل حديثه اياه في اليقظة، فان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال: من رآني في المنام فقد رآني، فان الشيطان لا يتمثل بي في نوم و لا يقظة، و لا بأحد من أوصيائي الى يوم القيامة.

(44) قال سليم: فقلت لمحمد بن أبي بكر: من حدثك بهذا؟ قال: علي عليه السّلام، فقال: قد سمعت أنا أيضا كما سمعت أنت، قلت لمحمد: فلعل ملكا من الملائكة حدثه ؟ قال: أو ذاك.

قلت: و هل تحدثه الملائكة الا الانبياء؟ قال: أما تقرأ القرآن «و ما أرسلنا من قبلك من رسول اللّه و لا نبي و لا محدث»؟!

ص: 186

قال: قلت: أمير المؤمنين محدث(1) هو؟! قال: نعم، و كانت فاطمة محدثة و لم تكن نبية، و كانت سارة امرأة ابراهيم قد عاينت الملائكة فبشروها باسحاق و من وراء اسحاق يعقوب و لم تكن نبية.

افتراق الامة على ثلاث فرق بعد النبي صلى اللّه عليه و آله

(45) قال سليم: فلما قتل محمد بن أبي بكر بمصر و عزينا أمير المؤمنين عليه السّلام فحدثته بما حدثني به محمد، و خبرته بما خبرني به عبد الرحمن بن غنم، قال: صدق محمد رحمة اللّه، اما انه شهيد حي يرزق، يا سليم، ان أوصيائي أحد عشر رجلا من ولدي، أئمة، كلهم محدثون.

قلت: يا أمير المؤمنين، من هم ؟ قال: ابني هذا الحسن، ثم ابني هذا الحسين، ثم ابني هذا و أخذ بيد ابن ابنه علي بن الحسين - و هو رضيع -، ثم ثمانية من ولده واحدا بعد واحد، هم الذين أقسم اللّه بهم فقال: «و والد و ما ولد» فالوالد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و أنا «و ما ولد»، يعني هؤلاء الاحد عشر أوصياء، قلت: يا أمير المؤمنين، فيجتمع امامان ؟

قال: نعم، الا ان واحدا صامت لا ينطق حتى يهلك الاول.

أبان، عن سليم، قال: سمعت أبا ذر و سلمان و المقداد يقولون: انا لقعود عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ما معنا غيرنا اذ أقبل رهط من المهاجرين كلهم بدريون، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: ستفترق امتي بعدي ثلاث فرق.

فرقة على الحق، مثلهم كمثل الذهب، كلما سبكته على النار ازداد تطيبا وجودا، امامهم هذا أحد الثلاثة.

و فرقة أهل الباطل، مثلهم كمثل الحديد، كلما أدخلته النار ازداد خبثا و نتنا، امامهم هذا أحد الثلاثة.

ص: 187


1- محدث هنا و فيما قبله و ما بعده هو بفتح الدال المهملة بصيغة اسم المفعول أى تحدثه الملائكة. (عن الهامش)

و فرقة مذبذبين ضلالا، لا الى هؤلاء، و لا الى هؤلاء، امامهم هذا أحد الثلاثة.

و سألتهم عن الثلاثة، فقالوا: امام الحق و الهدى علي بن أبي طالب، و سعد امام المذبذبين، و حرصت أن يسموا لي الثالث فأبوا علي، و عرضوا لي، حتى عرفت من يعنون.

حديث واقعة الغدير

أبان بن أبي عياش، عن سليم، قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله دعا الناس بغدير خم فأمر بما كان تحت الشجرة من الشوك فقام، و كان ذلك يوم الخميس، ثم دعا الناس اليه، و أخذ بضبع علي بن أبي طالب عليه السّلام فرفعها حتى نظرت الى بياض ابط رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فقال: «من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، و عاد من عاداه، و انصر من نصره، و اخذل من خذله».

قال أبو سعيد: فلم ينزل حتى نزلت هذه الاية «اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلاٰمَ دِيناً»، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: اللّه أكبر على اكمال الدين، و اتمام النعمة، و رضا الرب برسالتي و بولاية علي من بعدي.

فقال حسان بن ثابت: يا رسول اللّه، ائذن لي لاقول في علي أبياتا، فقال:

قل على بركة اللّه، فقال حسان: يا مشيخة قريش اسمعوا قولي بشهادة من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

ألم تعلموا أن النبي محمدا *** لدى دوح خم حين قام مناديا

و قد جاءه جبريل من عند ربه *** بأنك معصوم فلا تك وانيا

و بلغهم ما أنزل اللّه ربهم *** و ان أنت لم تفعل و حاذرت باغيا

عليك فما بلغتهم عن الههم *** رسالته ان كنت تخشى الاعاديا

فقام به اذ ذاك رافع كفه *** بيمنى يديه معلن الصوت عاليا

فقال لهم من كنت مولاه منكم *** و كان لقولي حافظا ليس ناسيا

فمولاه من بعدي علي و انني *** به لكم دون البريّة راضيا

ص: 188

فيا رب من والى عليا فواله *** و كن للذي عادى عليا معاديا

و يا رب فانصر ناصريه لنصرهم *** امام الهدى كالبدر يجلو الدياجيا

و يا رب فاخذل خاذليه و كن لهم *** اذا وقفوا يوم الحساب مكافيا

لعليّ عليه السلام من النبي صلى اللّه عليه و آله عشر خصال

أبان، عن سليم بن قيس، قال، سمعت عليا عليه السّلام يقول: كانت لي من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عشر خصال، ما يسرني باحداهن ما طلعت عليه الشمس و ما غربت، فقيل له:

بينها لنا يا أمير المؤمنين، فقال: قال لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: يا علي، أنت الاخ، و أنت و أنت الخليل، و أنت الوصي، و أنت الوزير، و أنت الخليفة في الاهل و المال في كل غيبة أغيبها، و منزلتك مني كمنزلتي من ربي، و أنت الخليفة في امتي، وليك وليي، و عدوك عدوي، و أنت أمير المؤمنين و سيد المسلمين من بعدي.

ثم أقبل علي عليه السّلام على أصحابه فقال: يا معشر الصحابة، و اللّه ما تقدمت على امر الا ما عهده الي فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فطوبى لمن رسخ حبنا أهل البيت في قلبه، ليكون الايمان أثبت في قلبه من جبل احد في مكانه، و من لم تصر مودتنا في قلبه انماث الايمان في قلبه كانمياث الملح فى الماء، و اللّه ما ذكر في العالمين ذكر أحب الى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله مني، و لا صلى القبلتين كصلاتي، صليت صبيا و لم أرهق حلما، و هذه فاطمة بضعة من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله تحتي، هي في زمانها كمريم بنت عمران في زمانها.

و أقول لكم الثالثة، ان الحسن و الحسين سبطا هذه الامة، و هما من محمد كمكان العينين من الرأس، و أما أنا فكمكان اليدين من البدن، و أما فاطمة فكمكان القلب من الجسد، مثلنا مثل سفينة نوح، من ركبها نجا، و من تخلف عنها غرق.

مناجاة الرسول صلى اللّه عليه و آله مع عليّ عليه السلام قبل وفاته

(46) أبان، عن سليم، قال: سمعت عليا عليه السّلام يقول عهد الي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يوم توفي و قد أسندته الى صدري و رأسه عند اذني، و قد أصغت المرأتان(1) لتسمعان الكلام، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: اللهم سد مسامعهما، ثم قال: يا علي، أرأيت قول اللّه

ص: 189


1- عائشة و حفصة.

تبارك و تعالى «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّٰالِحٰاتِ أُولٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ»؟ أتدري من هم ؟ قلت: اللّه و رسوله أعلم، قال: فانهم شيعتك و أنصارك(1) ، و موعدي و موعدهم الحوض يوم القيامة، اذا شئت(2) الامم على ركبها، و بدأ للّه في عرض خلقه، و دعا الناس الى ما لا بد لهم منه، فيدعوك و شيعتك، فتجيئون غرا محجلين، شباعا مرويين، يا علي «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتٰابِ وَ الْمُشْرِكِينَ فِي نٰارِ جَهَنَّمَ خٰالِدِينَ فِيهٰا أُولٰئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ» (3) فهم اليهود و بنو امية و شيعتهم، يبعثون يوم القيامة أشقياء جياعا عطاشى، مسودة وجوههم.

(47) أبان، عن سليم، قال(4): حدثني عبد اللّه بن جعفر عن أبي طالب، قال:

كنت عند معاوية و معنا الحسن و الحسين، و عنده عبد اللّه بن عباس، فالتفت الي معاوية، فقال: يا عبد اللّه ما أشد تعظيمك للحسن و الحسين ؟! و ما هما بخير منك، و لا أبوهما خير من أبيك، و لو لا أن فاطمة بنت رسول اللّه، لقلت ما امك أسماء بنت عميس بدونها.

ص: 190


1- نص جمع من علماء القوم على نزول هذه الاية فى سورة البينة - الاية (7) - فى على عليه السلام و شيعته، منهم: سبط ابن الجوزى فى «التذكرة» ص 22 ط النجف، قال: «قال مجاهد: هم على عليه السلام و أهل بيته و محبوهم». و منهم العلامة الگنجى فى «كفاية الطالب» ص 118 ط الغرى، و أخطب خطباء خوارزم في «المناقب» كما فى «كفاية الخصام» ص 421 ط طهران، و الطبرى فى «التفسير» ج 30 ص 146 ط مصر، و السيوطى فى «الدر المنثور» ج 6 ص 379 ط مصر، و غيرهم.
2- فى بعض النسخ «جئت» و هو أصح.
3- البينة 98:6
4- أورد هذه الرواية الطبرسى فى الاحتجاج ج 2 ص 2 مع اختلاف كبير و نقص فى بعض العبائر.

فقلت: و اللّه انك لقليل العلم بهما و بأبيهما و بامهما، بل و اللّه لهما خير مني، و أبوهما خير من أبي، و امهما خير من امي.

يا معاوية، انك لغافل عما سمعته أنا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، يقول فيهما و في أبيهما و امهما، قد حفظته و وعيته و رويته.

قال: هات يا ابن جعفر، فو اللّه ما أنت بكذاب و لا متهم، فقلت: انه أعظم مما في نفسك، قال: و ان كان أعظم من احد و حراء جميعا، فلست ابالي اذا قتل اللّه صاحبك، و فرق جمعكم، و صار الامر في أهله، فحدثنا، فما نبالي بما قلتم، و لا يضرنا ما عدمتم.

قلت: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و قد سئل عن هذه الاية «وَ مٰا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنٰاكَ إِلاّٰ فِتْنَةً لِلنّٰاسِ وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ» (1) ، فقال: اني رأيت اثني عشر رجلا من أئمة الضلالة يصعدون منبري و ينزلون، يردون امتي على أدبارهم القهقري فيهم رجلان من حيين من قريش مختلفين، و ثلاثة من بني امية، و سبعة و من ولد الحكم بن أبي العاص، و سمعته يقول: ان بني أبي العاص اذا بلغوا خمسة عشر رجلا جعلوا كتاب اللّه دخلا، و عباد اللّه خولا، و مال اللّه دولا.

النبي صلى اللّه عليه و آله يخبر الناس بالاوصياء من بعده

يا معاوية، اني سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول على المنبر و أنا بين يديه و عمر ابن أبي سلمة و اسامة بن زيد و سعد بن أبي وقاص و سلمان الفارسي و أبو ذر و المقداد و الزبير بن العوام و هو يقول: ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟! فقلنا: بلى يا رسول اللّه، قال: أليس أزواجي امهاتكم ؟! قلنا: بلى يا رسول اللّه، قال: من كنت مولاه فعلي مولاه - أولى به من نفسه -، و ضرب بيده على منكب علي عليه السّلام، اللهم وال من والاه، و عاد من عاداه.

أيها الناس، أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ليس لهم معي أمر، و علي من

ص: 191


1- الاسراء 60:17

بعدي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ليس لهم معه أمر، ثم ابني الحسن أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ليس لهم معه أمر.

ثم عاد فقال: أيها الناس، اذا أنا استشهدت فعلي أولى بكم من أنفسكم، فاذا استشهد علي فابني الحسن أولى بالمؤمنين منهم بأنفسهم، فاذا استشهد الحسن فابني الحسين أولى بالمؤمنين منهم بأنفسهم، فاذا استشهد الحسين فابني علي بن الحسين أولى بالمؤمنين منهم بأنفسهم ليس لهم معه أمر، ثم أقبل علي عليه السّلام، فقال: يا علي، انك ستدركه فاقرأه مني السلام، فاذا استشهد فابني محمد أولى بالمؤمنين منهم بأنفسهم، و ستدركه أنت يا حسين فاقرأه مني السلام، ثم يكون في عقب محمد رجال، واحد بعد واحد، و ليس منهم أحد الا و هو أولى بالمؤمنين منهم بأنفسهم ليس لهم معه أمر، كلهم هادون مهتدون.

فقام علي بن أبي طالب صلوات اللّه عليه و هو يبكي، فقال: بأبي أنت و امي يا نبي اللّه، أتقتل ؟! قال: نعم، أهلك شهيدا بالسم، و تقتل أنت بالسيف، و تخضب لحيتك من دم رأسك، و يقتل ابني الحسن بالسم، و يقتل ابني الحسين بالسيف، يقتله طاغ ابن طاغ، دعي ابن دعي.

فقال معاوية: يا ابن جعفر، لقد تكلمت بعظيم و لئن كان ما تقول حقا لقد هلكت امة محمد من المهاجرين و الانصار غيركم أهل البيت و أوليائكم و أنصاركم فقلت: و اللّه ان الذي قلت حقا سمعته من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، قال معاوية، يا حسن و يا حسين و يا ابن عباس، ما يقول ابن جعفر؟! فقال ابن عباس: ان لا تؤمن بالذي قال فأرسل الى الذين سماهم فاسألهم عن ذلك!

فأرسل معاوية الى عمر بن أبي سلمة و الى اسامة بن زيد فسألهما، فشهدا أن الذي قال ابن جعفر قد سمعناه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كما سمعه، فقال معاوية: يا ابن جعفر، قد سمعناه في الحسن و الحسين و في أبيهما، فما سمعت في امهما؟! - و معاوية

ص: 192

كالمستهزىء و المنكر -.

منزلة اهل البيت عليهم السلام عند اللّه

فقلت: سمعت من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول: ليس في جنة عدن منزل أشرف، و لا أفضل، و لا أقرب الى عرش ربي من منزلي، و معي ثلاثة عشر من أهل بيتي أخي علي، و ابنتي فاطمة، و ابناي الحسن و الحسين، و تسعة من ولد الحسين، الذين أذهب اللّه عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا، هداة مهتدون، و أنا المبلغ عن اللّه، و هم المبلغون عني، و هم حجج اللّه على خلقه، و شهداؤه في أرضه، و خزانه على علمه، و معادن حكمه، من أطاعهم أطاع اللّه، و من عصاهم عصى اللّه، لا تبقى الارض طرفة عين(1) ببقائهم، و لا تصلح الا بهم، يخبرون الامة بأمر دينهم، حلالهم و حرامهم، يدلونهم على رضا ربهم، و ينهونهم عن سخطه، بأمر واحد و نهي واحد، ليس فيهم اختلاف و لا فرقة و لا تنازع، يأخذ آخرهم عن أولهم املائي و خط أخي علي بيده، يتوارثونه الى يوم القيامة، أهل الارض كلهم في غمرة و غفلة و تيهة و حيرة غيرهم و غير شيعتهم و أوليائهم، لا يحتاجون الى أحد من الامة في شيء من أمر دينهم، و الامة تحتاج اليهم، هم الذين عنى اللّه في كتابه، و قرن طاعتهم بطاعته و طاعة رسول اللّه، فقال: و «أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ».

فأقبل معاوية على الحسن و الحسين و ابن عباس و الفضل بن عباس و عمر ابن أبي سلمة و اسامة بن زيد، فقال: كلكم على ما قال ابن جعفر؟! قالوا: نعم، قال: يا بني عبد المطلب انكم لتدعون أمرا عظيما، و تحتجون بحجج قوية - ان كانت حقا -، و انكم لتضمرون على أمر تسرونه و الناس عنه في غفلة عمياء و لئن كان ما يقولون حقا لقد هلكت الامة، و ارتدت عن دينها، و تركت عهد نبينا غيركم أهل البيت و من قال بقولكم، فاولئك في الناس قليل.

فقلت: يا معاوية، ان اللّه تبارك و تعالى يقول «وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبٰادِيَ الشَّكُورُ» (2) ،

ص: 193


1- الاصح: لا تبقى الارض طرفة عين الا ببقائهم.
2- سبأ 34:13

و يقول «مٰا أَكْثَرُ النّٰاسِ وَ لَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ» (1) ، و يقول:«إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّٰالِحٰاتِ وَ قَلِيلٌ مٰا هُمْ» (2) ، و يقول لنوح:«وَ مٰا آمَنَ مَعَهُ إِلاّٰ قَلِيلٌ» (3).

يا معاوية، المؤمنون في الناس قليل، و ان أمر بني اسرائيل أعجب حيث قالت السحرة لفرعون أن «اقض مٰا أَنْتَ قٰاضٍ إِنَّمٰا تَقْضِي هٰذِهِ الْحَيٰاةَ الدُّنْيٰا انا امنا برب العالمين»(4) ، فآمنوا بموسى و صدقوه و اتبعوه فسار بهم و بمن تبعه من بني اسرائيل، فأقطعهم البحر و أراهم الاعاجيب، و هم يصدقون به و بالتوراة، يقرون له بدينه، فمر بهم على قوم يعبدون أصناما لهم فقالوا:«يٰا مُوسَى اجْعَلْ لَنٰا إِلٰهاً كَمٰا لَهُمْ آلِهَةٌ» (5) ، ثم اتخذوا العجل فعكفوا عليه جميعا غير هارون و أهل بيته، و قال لهم السامري:«هٰذٰا إِلٰهُكُمْ وَ إِلٰهُ مُوسىٰ» (6) ؛ و قال لهم بعد ذلك:

«اُدْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّٰهُ لَكُمْ» (7) ، فكان من جوابهم ما قص اللّه في كتابه:«إِنَّ فِيهٰا قَوْماً جَبّٰارِينَ وَ إِنّٰا لَنْ نَدْخُلَهٰا حَتّٰى يَخْرُجُوا مِنْهٰا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهٰا فَإِنّٰا دٰاخِلُونَ» قال موسى:«رَبِّ إِنِّي لاٰ أَمْلِكُ إِلاّٰ نَفْسِي وَ أَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنٰا وَ بَيْنَ الْقَوْمِ الْفٰاسِقِينَ» (8).

فاحتذت هذه الامة ذلك المثال سواء، و قد كانت فضائل و سوابق مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و منازل منه قريبة، مقرين بدين محمد و القرآن حتى فارقهم نبيهم صلّى اللّه عليه و آله،

ص: 194


1- يوسف 12:103
2- ص 38:24
3- هود 11:40
4- طه 20:72
5- الاعراف 7:138
6- طه 20:88
7- المائدة 5:21
8- المائدة 5:25

فاختلفوا، و تفرقوا، و تحاسدوا، و خالفوا امامهم و وليهم، حتى لم يبق منهم على ما عاهدوا عليه نبيهم غير صاحبنا الذي هو من نبينا بمنزلة هارون من موسى، و نفر قليل لقوا اللّه عز و جل على دينهم و ايمانهم، و رجع الاخرون القهقري على أدبارهم كما فعل أصحاب موسى عليه السّلام باتخاذهم العجل و عبادتهم اياه، و زعمهم أنه ربهم و اجماعهم عليه، غير هارون و ولده و نفر قليل من أهل بيته.

و نبينا صلّى اللّه عليه و آله قد نصب لامته أفضل الناس و أولاهم و خيرهم بغدير خم، و في غير موطن، و احتج عليهم به، و أمرهم بطاعته، و أخبرهم أنه منه بمنزلة هارون من موسى، و أنه ولي كل مؤمن بعده، و أنه كل من كان وليه فعلي وليه، و من كان أولى به من نفسه فعلي أولى به، و أنه خليفته فيهم و وصيه، و أن من أطاعه أطاع اللّه، و من عصاه عصى اللّه، و من والاه والى اللّه، و من عاداه عادى اللّه، فأنكروه و جهلوه و تولوا غيره.

يا معاوية، أما عملت أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حين بعث الى مؤتة أمر عليهم جعفر ابن أبي طالب، ثم قال: ان هلك جعفر فزيد بن حارثة، فان هلك زيد فعبد اللّه بن رواحة، و لم يرض لهم أن يختاروا لانفسهم، أفكان يترك امته لا يبين لهم خليفته فيهم ؟! بلى و اللّه، ما تركهم في عمياء و لا شبهة، بل ركب القوم ما ركبوا بعد نبيهم، و كذبوا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فهلكوا و هلك من شايعهم، و ضلوا و ضل من تابعهم، فبعدا للقوم الظالمين.

فقال معاوية: يا ابن عباس، انك لتتفوه بعظيم، و الاجتماع عندنا خير من الاختلاف، و قد علمت أن الامة لم تستقم على صاحبك، فقال ابن عباس: اني سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول: ما اختلفت امة بعد نبيها الا ظهر أهل باطلها على أهل حقها، و ان هذه الامة اجتمعت على امور كثيرة ليس بينها اختلاف و لا منازعة و لا فرقة، شهادة أن لا اله الا اللّه و أن محمدا رسول اللّه، و الصلوات الخمس، و صوم شهر

ص: 195

رمضان، و حج البيت، و أشياء كثيرة من طاعة اللّه و نهي اللّه، مثل: تحريم الزنا و السرقة، و قطع الارحام، و الكذب، و الخيانة.

و اختلفت في شيئين، أحدهما اقتتلت عليه و تفرقت فيه، و صارت فرقا يلعن بعضها بعضا، و يبرأ بعضها من بعض، و الثاني لم تقتتل عليه و لم تتفرق فيه، و وسع بعضهم فيه لبعض، و هو كتاب اللّه و سنة نبيه صلّى اللّه عليه و آله، و ما يحدث زعمت أنه ليس في كتاب اللّه و لا سنة نبيه صلّى اللّه عليه و آله.

و أما الذي اختلفت فيه و تفرقت و تبرأت بعضها من بعض فالملك و الخلافة، زعمت أنها أحق بهما من أهل بيت نبي اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فمن أخذ بما ليس فيه - بين أهل القبلة - اختلاف، و رد علم ما اختلفوا فيه الى اللّه سلم و نجا من النار، و لم يسأله اللّه عما أشكل عليه من الخصلتين اللتين اختلف فيهما.

و من وفقه اللّه، و من عليه، و نور قلبه، و عرفه ولاة الامر و معدن العلم أين هو، فعرف ذلك، كان سعيدا، و للّه وليا، و كان نبي اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول: رحم اللّه عبدا قال حقا فغنم أو سكت فلم يتكلم.

فالائمة من أهل بيت النبوة، و معدن الرسالة، و منزل الكتاب، و مهبط الوحي، و مختلف الملائكة، لا تصلح الا فيها، لان اللّه خصها و جعلها أهلا في كتابه على لسان نبيه صلّى اللّه عليه و آله، فالعلم فيهم و هم أهله، و هو عندهم كله بحذافيره، باطنه و ظاهره، و محكمه و متشابهه، و ناسخه و منسوخه.

يا معاوية، ان عمر بن الخطاب أرسلني في امرته الى علي بن أبي طالب عليه السّلام أني أريد أن أكتب القرآن في مصحف فابعث الينا ما كتبت من القرآن، فقال:

تضرب و اللّه عنقي قبل أن تصل اليه، قلت: و لم ؟! قال: ان اللّه يقول «لاٰ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ» (1) ، يعني لا يناله كله الا المطهرون، ايانا عنى، نحن الذين أذهب

ص: 196


1- الواقعة 79:56

اللّه عنا الرجس و طهرنا تطهيرا، و قال: و «أَوْرَثْنَا الْكِتٰابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنٰا مِنْ عِبٰادِنٰا» (1) ، فنحن الذين اصطفانا اللّه من عباده، و نحن صفوة اللّه، و لنا ضرب الامثال، و علينا نزل الوحي.

فغضب عمر و قال: ان ابن أبي طالب يحسب أنه ليس عند أحد علم غيره، فمن كان يقرأ من القرآن شيئا فليأتنا به، فكان اذا جاء رجل بقرآن فقرأه و معه آخر كتبه، و الا لم يكتبه، فمن قال - يا معاوية -: انه ضاع من القرآن شيء، فقد كذب هو عند أهله مجموع.

ثم أمر عمر قضاته و ولاته فقال: اجتهدوا رأيكم، و اتبعوا ما ترون أنه الحق، فلم يزل هو و بعض ولاته قد وقعوا في عظيمة فكان علي بن أبي طالب عليه السّلام يخبرهم بما يحتج به عليهم، و كان عماله و قضاته يحكمون في شيء واحد بقضايا مختلفة، فيجيزها لهم، لان اللّه لم يؤته الحكمة و فصل الخطاب، و زعم كل صنف من أهل القبلة انهم معدن العلم و الخلافة دونهم، فباللّه نستعين على من جحدهم حقهم، و سن للناس ما يحتج به مثلك عليهم، ثم قاموا فخرجوا.

خطبة المتقين لامير المؤمنين عليه السلام

(48) و عن أبان بن أبي عياش، عن سليم، قال: قام رجل من أصحاب أمير المؤمنين عليه السّلام يقال له: همام، و كان عابدا مجتهدا، فقال: يا أمير المؤمنين، صف لي المؤمنين كأني أنظر اليهم، فتثاقل أمير المؤمنين عليه السّلام عن جوابه، ثم قال:

يا همام، اتق اللّه و احسن، فان اللّه مع الذين اتقوا و الذين هم محسنون، فقال له همام: أسألك بالذي أكرمك و خصك و حباك و فضلك بما آتاك لما وصفتهم لي ؟

فقام أمير المؤمنين عليه السّلام على رجليه فحمد اللّه و أثنى عليه و صلى على النبي و أهل بيته - صلوات اللّه عليهم -، ثم قال(2):

ص: 197


1- الاية الكريمة «ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتٰابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنٰا مِنْ عِبٰادِنٰا» سورة فاطر آية (32).
2- ذكر هذه الخطبة الشريف الرضى رحمه اللّه فيما جمعه من نهج البلاغة بتغير يسير فى بعض الالفاظ، انظر شرحها و قصة همام فى شرح ابن أبى الحديد المعتزلى (ج 1 ص 547) من طبع مصر. (عن الهامش) و انظر نهج البلاغة تحقيق صبحى الصالح ص 303.

أما بعد، فان اللّه خلق الخلق حين خلقهم غنيا عن طاعتهم، آمنا من معصيتهم، لانه لا تضره معصية من عصاه، و لا تنفعه طاعة من أطاعه منهم، فقسم بينهم معايشهم، و وضعهم من الدنيا مواضعهم، و انما أهبط آدم اليها عقوبة لما صنع، حيث نهاه اللّه فخالفه و أمره فعصاه، فالمؤمنون فيها هم أهل الفضائل، منطقهم الصواب، و ملبسهم الاقتصاد، و مشيهم التواضع، خضعوا للّه بالطاعة، فمضوا غاضين أبصاهم عما حرم اللّه عليهم، واقفين أسماعهم على العلم، نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالذي نزلت في الرخاء، رضا عن اللّه بالقضاء، لو لا الاجال التي كتب اللّه لهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين، شوقا الى الثواب، و خوفا من العقاب.

عظم الخالق في أنفسهم، و صغر ما دونه في أعينهم، فهم و الجنة كمن قد رآها فهم فيها منعمون، و هم و النار كمن قد رآها فهم فيها معذبون، قلوبهم محزونة، و حدودهم مأمونة، و أجسادهم نحيفة، و حوائجهم خفيفة، و أنفسهم عفيفة، و معونتهم في الاسلام عظيمة، صبروا أياما قصارا أعقبتهم راحة طويلة، تجارة مربحة يسرها لهم رب كريم، أرادتهم الدنيا فلم يريدوها، و طلبتهم فأعجزوها.

أما الليل، فصافون أقدامهم تالين لاجزاء القرآن يرتلونه ترتيلا، يحزنون به أنفسهم، و يستثيرون به دواء دائهم، (و تهيج أحزانهم بكاء على ذنوبهم، و وجع كلوم جوانحهم)(1) ، فاذا مروا بآية فيها تشويق ركنوا اليها طمعا، و تطلعت اليها أنفسهم شوقا، فظنوا أنها نصب أعينهم، حافين على أوساطهم، يمجدون جبارا عظيما، مفترشين جباههم و أكفهم و ركبهم و أطراف أقدامهم، تجري دموعهم على

ص: 198


1- هذه الزيادة لم ترد فى نهج البلاغة.

خدودهم، يجأرون الى اللّه في فكاك رقابهم من النار، و اذا مروا بآية فيها تخويف أصغوا اليها مسامع قلوبهم و أبصارهم، و اقشعرت منهم جلودهم، و وجلت منها قلوبهم، و ظنوا أن صهيل جهنم و زفيرها و شهيقها(1) في اصول آذانهم.

و أما النهار، فحلماء علماء، بررة أتقياء، براهم الخوف فهم أمثال القداح(2) ، ينظر اليهم الناظر فيحسبهم مرضى، و ما بالقوم من مرض، أو قد خولطوا، فقد خالط القوم أمر عظيم، اذا ذكروا عظمة اللّه و شدة سلطانه مع ما يخالطهم من ذكر الموت و أهوال القيامة فزع ذلك قلوبهم، و طاشت له حلومهم، و ذهلت عنهم عقولهم، و اقشعرت منها جلودهم، و اذا استفاقوا من ذلك بادروا الى اللّه بالاعمال الزكية، لا يرضون للّه بالقليل، و لا يستكثرون له الجزيل، فهم لانفسهم متهمون، و من أعمالهم مشفقون، ان زكى أحدهم خاف مما يقولون، و قال: أنا أعلم بنفسي من غيري، و ربي أعلم بي من غيري، اللهم لا تؤاخذني بما يقولون، و اجعلني خيرا مما يظنون، و اغفر لي ما لا يعلمون، فانك علام الغيوب و ساتر العيوب.

و من علامة أحدهم أنك ترى له قوة في دين، و حزما في لين، و ايمانا في يقين، و حرصا على علم، و فهما في فقه، و علما في حلم، و شفقة في نفقة، و كيسا في رفق، و قصدا في غنى، و خشوعا في عبادة، و تحملا في فاقة(3) ، و صبرا في شدة، و رحمة للمجهود، و اعطاء في حق، و رفقا في كسب، و طيبا في الحلال(4) ، و نشاطا في الهدى، و تحرجا عن الطمع، و برأ في استقامة، و اعتصاما عند شهوة، لا يغره ثناء من جهله، و لا يدع احصاء عمله، مستبطئا لنفسه في العمل، يعمل الاعمال

ص: 199


1- أن زفير جهنم و شهيقها، كذا فى نهج البلاغة. (عن الهامش)
2- قد براهم الخوف برى القداح، كذا فى نهج البلاغة. (عن الهامش)
3- و تجملا فى فاقة، بالجيم بدل الحاء، كذا فى نهج البلاغة.
4- و طلبا فى حلال، كذا فى نهج البلاغة. (عن الهامش)

الصالحة.

و هو رجل يمسي وهمه الشكر، و يصبح و شغله الذكر، يبيت حذرا، و يصبح فرحا، حذرا لما حذر، و فرحا لما اصاب من الفضل و الرحمة، و ان استصعب عليه نفسه فيما تكره لم يعطها سؤلها فيما اليه بشره، ففرحه فيما يخلد و يطول، و قرة عينه فيما لا يزول، رغبته فيما يبقى، و زهادته فيما يفنى، يمزج الحلم بالعلم، و العلم بالعقل.

تراه بعيدا كسله، دائما نشاطه، قريبا أمله، قليلا زلله، متوقعا أجله، خاشعا قلبه، قانعة نفسه، متغيبا جهله، سهلا أمره، حريزا لدينه، ميتة شهوته، مكظوما غيظه، صافيا خلقه، آمنا منه جاره، ضعيفا كبره، قانعا بالذي قدر له، متينا صبره، محكما أمره، كثيرا ذكره، لا يحدث بما اؤتمن عليه الاصدقاء، و لا يكتم شهادة الاعداء.

و لا يعمل شيئا من الحق رياءا، و لا يتركه حياءا، الخير منه مأمول، و الشر منه مأمون، يعفو عمن ظلمه، و يعطي من حرمه، و يصل من قطعه، لا يعزب حلمه، و لا يعجل فيما يريبه، و يصفح عما تبين له، بعيد جهله، لين قوله، عائب منكره، قريب معروفه، صادق قوله، حسن فعله، مقبل خيره، مدبر شره.

و هو في الزلازل وقور، و في المكاره صبور، و في الرخاء شكور، لا يحيف على من يبغض، و لا يأثم فيما يحب، و لا يدعي ما ليس له، و لا يجحد حقا هو عليه، يعترف بالحق قبل أن يشهد به عليه، لا يضيع ما استحفظ عليه، و لا ينابز بالالقاب، و لا يبغي على أحد، و لا يهم بالحسد، و لا يضار بالجار، و لا يشمت بالمصائب، مؤد للامانات، سريع الى الصلوات، بطيء عن المنكرات، يأمر بالمعروف، و ينهى عن المنكر، لا يدخل في الامور بجهل، و لا يخرج من الحق بعجز، ان صمت لم يغمه الصمت، و ان نطق لم يقل خطأ، و ان ضحك لم يعل صوته، قانع بالذي قدر له، لا يجمح به الغيظ، و لا يغلبه الهوى، و لا يقهره الشح،

ص: 200

و لا يطمع فيما ليس له.

يخالط الناس ليعلم، و يصمت ليسلم، و يسأل ليفهم، و يتجر ليغنم (و يبحث ليعلم/خ ل)، لا ينصت للخير ليفخر به، و لا يتكلم ليتجبر على من سواه، نفسه منه في عناء و الناس منه في راحة، أتعب نفسه لاخرته، و أراح الناس من نفسه، ان بغي عليه صبر حتى يكون اللّه هو المنتصر له، بعده عمن تباعد عنه زهد و نزاهة، و دنوه ممن دنا منه لين و رحمة، ليس تباعده تكبرا و لا عظمة، و لا دنوه خديعة و لا خلابة، بل يقتدي بمن كان قبله من أهل الخير، فهو امام لمن خلفه من أهل البر.

قال: فصاح همام صيحة، ثم وقع مغشيا عليه، فقال أمير المؤمنين عليه السّلام: أما و اللّه لقد كنت أخافها عليه، و قال: هكذا تصنع المواعظ البالغة بأهلها، فقال له قائل:

فما بالك أنت يا أمير المؤمنين ؟! قال: لكل أجل(1) لن يعدوه، و سبب لا يجاوزه، فمهلا لا تعد، فانما نفث على لسانك الشيطان، ثم رفع همام رأسه فصعق صعقة و فارق الدنيا رحمه اللّه.

(48) أبان بن أبي عياش، عن سليم بن قيس، عن سلمان و أبي ذر و المقداد أن نفرا من المنافقين اجتمعوا فقالوا: ان محمدا ليخبرنا عن الجنة و ما أعد اللّه فيها من النعيم لاوليائه و أهل طاعته، و عن النار و ما أعد اللّه فيها من الانكال و الهوان لاعدائه و أهل معصيته، فلو أخبرنا عن آبائنا و امهاتنا و مقعدنا في الجنة و النار فعرفنا الذي يبنى عليه في العاجل و الاجل ؟!

فبلغ ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فأمر بلالا فنادى بالصلاة جامعة، فاجتمع الناس حتى غص المسجد و تضايق بأهله، فخرج مغضبا حاسرا عن ذراعيه و ركبتيه حتى صعد المنبر، فحمد اللّه و أثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، أنا بشر مثلكم أوحى الي ربي فاختصني برسالته، و اصطفاني لنبوته، و فضلني على جميع ولد آدم، و أطلعني

ص: 201


1- فى نهج البلاغة: ان لكل أجل وقتا لا يعدوه.

على ما شاء من غيبه، فاسألوني عما بدا لكم، فو الذي نفسي بيده لا يسألني رجل منكم عن أبيه و امه، و عن مقعده من الجنة و النار الا أخبرته، هذا جبرئيل عن يميني يخبرني عن ربي فاسألوني.

فقام رجل مؤمن يحب اللّه و رسوله، فقال: يا نبي اللّه، من أنا؟ قال: أنت عبد اللّه بن جعفر، فنسبه الى أبيه الذي كان يدعى به، فجلس قريرة عينه.

ثم قام منافق مريض القلب، مبغض للّه و لرسوله، فقال: يا رسول اللّه، من أنا؟ قال: أنت فلان بن فلان، راع لبني عصمة، و هم شر حي في ثقيف، عصوا اللّه فأخزاهم، فجلس و قد أخزاه اللّه و فضحه على رؤوس الاشهاد، و كان قبل ذلك لا يشك الناس أنه صنديد من صناديد قريش، و ناب من أنيابهم.

ثم قام ثالث منافق مريض القلب، فقال: يا رسول اللّه، أفي الجنة أنا أم في النار؟ قال: في النار و رغما، فجلس و قد أخزاه اللّه و فضحه على رؤوس الاشهاد.

فقام عمر بن الخطاب، فقال: رضينا باللّه ربا، و بالاسلام دينا، و بك يا رسول اللّه نبيا، و نعوذ باللّه من غضب اللّه و غضب رسوله، اعف عنا يا رسول اللّه عفا اللّه عنك، و استر سترك اللّه، فقال صلّى اللّه عليه و آله: عن غير هذا أو تطلب سواه يا عمر؟! فقال: يا رسول اللّه، العفو عن امتك.

فقام علي بن أبي طالب عليه السّلام، فقال: يا رسول اللّه، انسبني من أنا ليعرف الناس قرابتي منك، فقال: يا علي، خلقت أنا و أنت من عمودين من نور معلقين من تحت العرش، يقدسان الملك من قبل أن يخلق الخلق بألفي عام، ثم خلق من ذينك العمودين نطفتين بيضاويين ملتويتين، ثم نقل تلك النطفتين في الاصلاب الكريمة الى الارحام الزكية الطاهرة حتى جعل نصفها في صلب عبد اللّه، و نصفها في صلب أبي طالب فجزء أنا و جزء أنت، و هو قول اللّه عز و جل:«وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ

ص: 202

مِنَ الْمٰاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَ صِهْراً وَ كٰانَ رَبُّكَ قَدِيراً» (1) .

يا علي، أنت مني و أنا منك، سيط لحمك بلحمي، و دمك بدمي، و أنت السبب فيما بين اللّه و بين خلقه بعدي، فمن جحد ولايتك قطع السبب الذي فيما بينه و بين اللّه، و كان ماضيا في الدركات.

يا علي، ما عرف اللّه الا بي ثم بك، من جحد ولايتك جحد اللّه ربوبيته.

يا علي، أنت علم اللّه(2) بعدي الاكبر في الارض، و أنت الركن الاكبر في القيامة، فمن استظل بفيئك كان فائزا، لان حساب الخلائق اليك، و مآبهم اليك، و الميزان ميزانك، و الصراط صراطك، و الموقف موقفك، و الحساب حسابك، فمن ركن اليك نجا، و من خالفك هوى و هلك، اللهم اشهد، اللهم اشهد، ثم نزل صلّى اللّه عليه و آله.

(49) أبان، عن سليم، قال: كانت قريش اذا جلست في مجالسها فرأت رجل من أهل البيت قطعت حديثها، فبينما هي جالسة اذ قال رجل منهم: ما مثل محمد في أهل البيت الا كمثل نخلة نبتت في كناسة.

فبلغ ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فغضب، ثم خرج فأتى المنبر فجلس عليه حتى اجتمع الناس، ثم قام فحمد اللّه و أثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، من أنا؟! قالوا:

أنت رسول اللّه، قال: أنا رسول اللّه، و أنا محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب بن هاشم، ثم مضى في نسبه حتى انتهى الى نزار.

ثم قال: الا و اني و أهل بيتي كنا نورا نسعى بين يدي اللّه قبل أن يخلق اللّه آدم بألفي عام، و كان ذلك النور اذا سبح سبحت الملائكة لتسبيحه، فلما خلق آدم وضع ذلك النور في صلبه ثم اهبط الى الارض في صلب آدم، ثم حمله في السفينة في صلب نوح، ثم قذفه في النار في صلب ابراهيم، ثم لم يزل ينقلنا في أكارم

ص: 203


1- الفرقان 54:25
2- العلم هنا بفتح العين المهملة و اللام بمعنى الراية. (عن الهامش)

الاصلاب حتى أخرجنا من أفضل المعادن محتدا، و أكرم المغارس منبتا بين الاباء و الامهات، لم يلتق أحد منهم على سفاح قط.

ألا و نحن بنو عبد المطلب سادة أهل الجنة، أنا و علي و جعفر و حمزة و الحسن و الحسين و فاطمة و المهدي.

ألا و ان اللّه نظر الى أهل الارض نظرة فاختار منهم رجلين، أحدهما أنا، فبعثني رسولا و نبيا، و الاخر علي بن أبي طالب، و أوحى الي أن أتخذه أخا و خليلا و وزيرا و وصيا و خليفة.

ألا و انه ولي كل مؤمن بعدي، من والاه والاه اللّه، و من عاداه عاداه اللّه، لا يحبه الا مؤمن، و لا يبغضه الا كافر، هو زر الارض(1) بعدي و سكنها، و هو كلمة اللّه التقوى، و عروته الوثقى، يريدون أن يطفئوا نور اللّه بأفواههم و اللّه متم نوره و لو كره الكافرون.

الا و ان اللّه نظر نظرة ثانية فاختار بعدنا اثني عشر وصيا و أهل بيتي(2) فجعلهم خيار امتي، واحدا بعد واحد، مثل النجوم في السماء، كلما غاب نجم طلع نجم، هم أئمة هداة مهتدون، لا يضرهم كيد من كادهم، و لا خذلان من خذلهم، هم حجج اللّه في أرضه، و شهداؤه على خلقه، و خزان علمه، و تراجمة وحيه، و معادن

ص: 204


1- تقدم فى الهوامش السابقة معنى قوله: «زر الارض» فراجع.
2- قد يجعل هذا الكلام من أسباب القدح فى كتاب سليم، هذا للزومه كون الائمة ثلاثة عشر، كما ذكره ابن الغضائرى الذى لا عبرة بتضعيفاته، و لكن هذا الايراد لا وجه له لامكان تقدير المضاف أى تكملتها كما فى بعض الهوامش على هذا الموضوع من الكتاب، أو كان لفظ «بعدنا» تصحيف «بعدى»، أو كان لفظ «اثنى عشر» تصحيف «أحد عشر»، أو كان المراد بقول «بعدنا» بعد الانبياء، و مثل هذه التصحيفات و التحريفات كثيرة فى كتب الاخبار و التاريخ، أو هو من باب التغليب فعليه لا يوجب ذلك القدح بكتابنا هذا، فلا تغفل.

حكمته، من أطاعهم أطاع اللّه، و من عصاهم عصى اللّه، هم مع القرآن و القرآن معهم لا يفارقونه حتى يردوا علي الحوض، فليبلغ الشاهد الغائب، اللهم اشهد، اللهم اشهد - ثلاث مرات -.

اعجب ما سمع ابو ذرّ من النبي صلى اللّه عليه و آله

أبان بن أبي عياش، عن سليم بن قيس، قال: قلت لابي ذر: حدثني رحمك اللّه بأعجب ما سمعته من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول في علي بن أبي طالب، قال: سمعت رسول اللّه يقول: ان حول العرش التسعين ملكا(1) ليس لهم تسبيح و لا عبادة الا الطاعة لعلي بن أبي طالب، و البراءة على(2) أعدائه، و الاستغفار لشيعته.

قلت: فغير هذا رحمك اللّه ؟ قال: سمعت رسول اللّه يقول: لم يزل اللّه يحتج بعلي في كل امة منها نبي مرسل، و أشهدهم معرفة لعلي أعظمهم درجة عند اللّه.

قلت: فغير هذا رحمك اللّه ؟ قال: نعم، سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول: لو لا أنا و علي ما عرف اللّه، و لو لا أنا و علي ما عبد اللّه، و لو لا أنا و علي ما كان ثواب و لا عقاب، و لا يستر عليا عن اللّه ستر، و لا يحجبه عن اللّه حجاب، و هو الستر و الحجاب، فيما بين اللّه و بين خلقه.

(50) قال سليم: ثم سألت المقداد فقلت: حدثني رحمك اللّه بأفضل ما سمعت من رسول اللّه يقول في علي بن أبي طالب، قال:

سمعت من رسول اللّه يقول: ان اللّه توحد بملكه فعرف أنواره نفسه، ثم فرض اليهم أمره، و أباحهم جنته، فمن أراد أن يطهر قلبه من الجن و الانس عرفه ولاية علي بن أبي طالب، و من أراد أن يطمس على قلبه أمسك عنه معرفة علي بن أبي طالب.

ص: 205


1- فى بعض النسخ «لتسعين ألف ملك».
2- الظاهر: من

و الذي نفسي بيده، ما استوجب آدم أن يخلقه اللّه، و ينفخ فيه من روحه، و أن يتوب عليه و يرده الى جنته، الا بنبوتي و الولاية لعلي بعدي.

و الذي نفسي بيده، ما أرى ابراهيم ملكوت السموات و الارض، و لا اتخذه خليلا، الا بنبوتي و الاقرار لعلي بعدي.

و الذي نفسي بيده ما كلم اللّه موسى تكليما، و لا أقام عيسى آية للعالمين، الا بنبوتي و معرفة علي بعدي.

و الذي نفسي بيده، ما تنبأ نبي قط الا بمعرفته و الاقرار لنا بالولاية، و لا استأهل خلق من اللّه النظر اليه الا بالعبودية له و الاقرار بعدي.

ثم سكت، فقلت: فغير هذا رحمك اللّه ؟ قال: نعم، سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول: علي ديان هذه الامة، و الشاهد عليها، و المتولي لحسابها، و هو صاحب السنام الاعظم، و طريق الحق الابهج (الابلج/خ ل) السبيل، و صراط اللّه المستقيم، به يهدي بعدي من الضلالة، و يبصر به من العمى، به ينجو الناجون، و يجار من الموت، و يؤمن من الخوف، و يمحي به السيئات، و يدفع الضيم، و ينزل الرحمة.

و هو عين اللّه الناظرة، و اذنه السامعة، و لسانه الناطق في خلقه، و يده المبسوطة على عباده بالرحمة، و وجهه في السموات و الارض، و جنبه الظاهر اليمين، و حبله القوي المتين، و عروته الوثقى التي لا انفصام لها، و بابه الذي يؤتى منه، و بيته الذي من دخله كان آمنا، و علمه(1) على الصراط في بعثه، من عرفه نجا الى الجنة، و من أنكره هوى الى النار.

عليّ عليه السلام باب فتحه اللّه عز و جل

(51) و عنه، عن سليم بن قيس، قال: سمعت سلمان الفارسي يقول: ان عليا عليه السّلام باب فتحه اللّه، من دخله كان مؤمنا، و من خرج منه [كان] كافرا(2).

ص: 206


1- و علمه، بفتح العين المهملة و اللام أى الذى يهتدى به.
2- الى هذا الموضع تنتهى عدة من النسخ.

حديث ابن عباس عن فتنة الناس

(52) أبان بن أبي عياش، عن سليم بن قيس، قال: كنت عند عبد اللّه بن عباس في بيته و معنا جماعة من شيعة علي عليه السّلام، فحدثنا، فكان فيما حدثنا أن قال: يا اخوتي، توفي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يوم توفي فلم يوضع في حفرته حتى نكث الناس و ارتدوا و أجمعوا على الخلاف، و اشتغل علي بن أبي طالب برسول اللّه حتى فرغ من غسله و تكفينه، و تحنيطه، و وضعه في حفرته.

ثم أقبل على تأليف القرآن، و شغل عنه بوصية رسول اللّه، و لم يكن همته الملك لما كان رسول اللّه أخبره عن القوم، فلما افتتن الناس بالذي افتتنوا به من الرجلين، فلم يبق الا علي و بنو هاشم و أبو ذر و المقداد و سلمان في اناس معهم يسير، قال عمر لابي بكر: يا هذا! إن الناس أجمعين قد بايعوك ما خلا هذا الرجل و أهل بيته و هؤلاء النفر، فابعث اليه.

فبعث اليه ابن عم لعمر يقال له: قنفذ، فقال: انطلق الى علي فقل له: أجب خليفة رسول اللّه، فانطلق فأبلغه، فقال علي عليه السّلام: ما أسرع ما كذبتم على رسول اللّه و ارتددتم ؟! و اللّه ما استخلف رسول اللّه غيري، فارجع يا قنفذ، فانما أنت رسول فقل له: قال لك علي: و اللّه ما استخلفك رسول اللّه، و انك لتعلم من خليفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.

فأقبل قنفذ الى أبي بكر فبلغه الرسالة، فقال أبو بكر: صدق علي، ما استخلفني رسول اللّه! فغضب عمر و وثب و قام، فقال أبو بكر: اجلس!

ثم قال لقنفذ: اذهب اليه فقل له: أجب أمير المؤمنين أبا بكر، فأقبل قنفذ حتى دخل على علي عليه السّلام فأبلغه الرسالة، فقال: كذب و اللّه، انطلق اليه فقل له: لقد تسميت باسم ليس لك، فقد علمت أن أمير المؤمنين غيرك.

فرجع قنفذ فأخبرهما، فوثب عمر غضبان، فقال: و اللّه اني لعارف بسخفه و ضعف رأيه، و أنه لا يستقيم لنا أمر حتى نقتله، فخلني آتك برأسه! فقال أبو بكر:

اجلس، فأبى، فأقسم عليه، فجلس.

ص: 207

ثم قال: يا قنفذ، انطلق فقل له: أجب أبا بكر، فأقبل قنفذ فقال: يا علي، أجب أبا بكر، فقال علي: اني لفي شغل، و ما كنت بالذي أترك وصية خليلي و أخي، و انطلق الى أبي بكر و ما اجتمعتم عليه من الجور.

فانطلق قنفذ، فأخبر أبا بكر، فوثب عمر غضبان فنادى خالد بن الوليد و قنفذا، فأمرهما أن يحملا حطبا و نارا، ثم أقبل حتى انتهى الى باب علي و فاطمة عليها السّلام، و فاطمة قاعدة خلف الباب قد عصبت رأسها، و نحل جسمها في وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.

فأقبل عمر حتى ضرب الباب!

ثم نادى: يا ابن أبي طالب، افتح الباب! فقالت فاطمة: يا عمر، ما لنا و لك لا تدعنا و ما نحن فيه ؟! قال: افتحي الباب و الا أحرقناه عليكم! فقالت: يا عمر، أما تتقي اللّه عز و جل، تدخل على بيتي، و تهجم على داري، فأبى أن ينصرف.

ثم دعا عمر بالنار فأضرمها في الباب، فأحرق الباب، ثم دفعه عمر فاستقبلته فاطمة عليها السّلام و صاحت: يا أبتاه! يا رسول اللّه! فرفع السيف و هو في غمده فوجأ به جنبها، فصرخت، فرفع السوط فضرب به ذراعها، فصاحت: يا أبتاه!

فوثب علي بن أبي طالب عليه السّلام فأخذ بتلابيب عمر، ثم هزه فصرعه، و وجأ أنفه و رقبته، و هم بقتله، فذكر قول رسول اللّه و ما أوصى به من الصبر و الطاعة، فقال: و الذي كرم محمدا بالنبوة - يا ابن صهاك - لو لا كتاب من اللّه سبق، لعلمت أنك لا تدخل بيتي.

فأرسل عمر يستغيث، فأقبل الناس حتى دخلوا الدار، و سل خالد بن الوليد السيف ليضرب فاطمة عليها السّلام، فحمل عليه بسيفه فأقسم على علي عليه السّلام كف.

و أقبل المقداد و سلمان و أبو ذر و عمار و بريدة الاسلمي حتى دخلوا الدار أعوانا لعلي، حتى كادت تقع فتنة.

فاخرج علي عليه السّلام، و اتبعه الناس، و اتبعه سلمان و أبو ذر و المقداد و عمار و

ص: 208

بريدة و هم يقولون: ما أسرع ما خنتم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و أخرجتم الضغائن التي في صدوركم ؟! و قال بريدة بن الخصيب الاسلمي: يا عمر، أتيت على أخي رسول اللّه و وصيه و على ابنته فتضربها، و أنت الذي تعرفك قريش بما تعرفك به ؟! فرفع خالد بن الوليد السيف ليضرب به بريدة و هو في غمده، فتعلق به عمر و منعه من ذلك، فانتهوا بعلي الى أبي بكر ملببا.

فلما نظر به أبو بكر صاح: خلوا سبيله، فقال عليه السّلام: ما أسرع ما توثبتم على أهل بيت نبيكم ؟! يا أبا بكر، بأي حق، و بأي ميراث، و بأي سابقة تحت الناس الى بيعتك ؟! ألم تبايعني بالامس بأمر رسول اللّه ؟!

فقال عمر: دع عنك هذا يا علي! فو اللّه ان لم تبايع لنقتلك! فقال علي عليه السّلام:

اذا و اللّه أكون عبدا للّه و أخا رسول اللّه المقتول، فقال عمر: أما عبد اللّه المقتول فنعم، و أما أخو رسول اللّه فلا! فقال علي عليه السّلام: أما و اللّه لو لا قضاء من اللّه سبق، و عهد عهده الي خليلي لست أجوزه، لعلمت أينا أضعف ناصرا و أقل عددا، - و أبو بكر ساكت لا يتكلم -

فقام بريدة فقال: يا عمر، ألستما اللذين قال لكما رسول اللّه: انطلقا الى علي فسلما عليه بامرة المؤمنين، فقلتما: أعن أمر اللّه و أمر رسوله ؟! فقال: نعم، فقال أبو بكر: قد كان ذلك يا بريدة، و لكنك غبت و شهدنا، و الامر يحدث بعده الامر.

فقال عمر: ما أنت و هذا يا بريدة ؟! و ما يدخلك في هذا؟! قال بريدة: و اللّه لا سكنت في بلدة أنتم فيها امراء، فأمر به عمر فضرب و اخرج.

ثم قام سلمان فقال: يا أبا بكر، اتق اللّه و قم عن هذا المجلس، ودعه لاهله يأكلوا به رغدا الى يوم القيامة لا يختلف على هذه الامة سيفان، فلم يجبه أبو بكر، فأعاد سلمان، فقال مثلها، فانتهره عمر و قال: ما لك و لهذا الامر؟! و ما يدخلك فيما هاهنا؟! فقال: مهلا يا عمر، قم يا أبا بكر عن هذا المجلس، ودعه لاهله يأكلوا به

ص: 209

و اللّه خضرا الى يوم القيامة، و ان أبيتم لتحلبن به دما و ليطمعن فيه الطلقاء و الطرداء و المنافقون، و اللّه لو أعلم أني أدفع ضميما أو اعز للّه دينا لوضعت سيفي على عاتقي ثم ضربت به قدما، أتثبون على وصي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ؟! فابشروا بالبلاء، و اقنطوا من الرخاء.

ثم قام أبو ذر و المقداد و عمار فقالوا لعلي: ما تأمر؟ و اللّه ان أمرتنا لنضربن بالسيف حتى نقتل، فقال علي عليه السّلام: كفوا رحمكم اللّه، و اذكروا عهد رسول اللّه و ما أوصاكم به، فكفوا.

فقال عمر لابي بكر - و هو جالس فوق المنبر -: ما يجلسك فوق المنبر؟! و هذا جالس محارب لا يقوم فيبايعك، أو تأمر به فتضرب عنقه، و الحسن و الحسين عليهما السّلام قائمان على رأس علي عليه السّلام، فلما سمعا مقالة عمر بكيا و رفعا أصواتهما: يا جداه! يا رسول اللّه! فضمهما علي الى صدره و قال: لا تبكيا، فو اللّه لا يقدران على قتل أبيكما، هما أذل و أدخر من ذلك.

و أقبلت ام أيمن النوبية حاضنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و ام سلمة فقالتا: يا عتيق، ما أسرع ما أبديتم حسدكم لال محمد؟!

فأمر بهما عمر أن تخرجا من المسجد، و قال: ما لنا و للنساء؟! ثم قال: يا علي قم بايع، فقال علي: ان لم أفعل ؟! قال: اذا و اللّه تضرب عنقك، قال عليه السّلام: كذبت و اللّه يا ابن صهاك لا تقدر ذلك، أنت ألام و أضعف من ذلك.

فوثب خالد بن الوليد و اخترط سيفه و قال: و اللّه ان لم تفعل لاقتلنك، فقام اليه علي عليه السّلام و أخذ بمجامع ثوبه، ثم دفعه حتى ألقاه على قفاه، و وقع السيف من يده، فقال عمر: قم يا علي بن أبي طالب فبايع، قال: فان لم أفعل ؟! قال: اذا و اللّه نقتلك! و احتج عليهم علي عليه السّلام ثلاث مرات، ثم مد يده من غير أن يفتح كفه، فضرب عليها أبو بكر و رضي بذلك، ثم توجه الى منزله و تبعه الناس.

منع عمر ابا بكر من ارجاع فدك لفاطمة عليها السلام

قال: ثم ان فاطمة بلغها أن أبا بكر قبض فدك، فخرجت في نساء بني هاشم

ص: 210

حتى دخلت على أبي بكر، فقالت: يا أبا بكر، تريد أن تأخذ مني أرضا جعلها لي رسول اللّه، و تصدق بها علي من الوجيف الذي لم يوجف المسلمون عليه بخيل و لا ركاب ؟! أما كان قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: المرء يحفظ في ولده ؟! و قد علمت أنه لم يترك لولده شيئا غيرها!

فلما سمع أبو بكر مقالتها و النسوة معها دعا بداوة ليكتب به لها، فدخل عمر فقال: يا خليفة رسول اللّه، لا تكتب لها حتى تقيم البينة بما تدعي، فقالت فاطمة:

نعم، اقيم البينة، قال: من ؟ قالت: علي و ام أيمن، فقال عمر: لا تقبل شهادة امرأة عجمية لا تفصح، و أما علي فيحوز النار الى قرصه، فرجعت فاطمة عليها السّلام و قد جرعها من الغيظ ما لا يوصف، فمرضت.

دعاء الزهراء على الرجلين

و كان علي عليه السّلام يصلي في المسجد الصلوات الخمس، فلما صلى قال له أبو بكر و عمر: كيف بنت رسول اللّه ؟ الى أن ثقلت فسألا عنها و قالا: قد كان بيننا و بينها ما قد علمت، فان رأيت أن تأذن لنا فنعتذر اليها من ذنبنا، قال: ذاك اليكما، فقاما فجلسا بالباب، و دخل علي على فاطمة، فقال لها: أيتها الحرة، فلان و فلان بالباب يريدان أن يسلما عليك، فما ترين ؟ قالت عليها السّلام: البيت بيتك، و الحرة زوجتك، و افعل ما تشاء، فقال: شدي قناعك، فشدت قناعها، و حولت وجهها الى الحائط، فدخلا و سلما و قالا: ارضي عنا رضي اللّه عنك، فقالت: ما دعاكما الى هذا؟! فقالا: اعترفنا بالاساءة، و رجونا أن تعفي عنا، و تخرجي سخيمتك(1) ، فقالت:

فان كنتما صادقين فأخبراني عما أسألكما عنه، فاني لا أسألكما عن أمر الا و أنا عارفة بأنكما تعلمانه، فان صدقتما علمت أنكما صادقان في مجيئكما، قالا: سلي عما بدا لك، قالت: نشدتكما باللّه هل سمعتما رسول اللّه يقول: فاطمة بضعة مني، فمن

ص: 211


1- السخيمة: الضغينة، و فى بعض النسخ «سخمتك» و هى بضم السين المهملة و سكون الخاء المعجمة: الحقد و الغضب.

آذاها فقد آذاني ؟! قالا: نعم.

فرفعت يدها الى السماء فقالت: اللهم انهما قد آذياني، فأنا أشكوهما اليك و الى رسولك، لا و اللّه لا أرضى عنكما أبدا حتى ألقى أبي رسول اللّه و اخبره بما صنعتما فيكون هو الحاكم(1).

قال: فعند ذلك دعا أبو بكر بالويل و الثبور و جزع جزعا شديدا، فقال عمر:

تجزع يا خليفة رسول اللّه من قول امرأة ؟!

قال: فبقيت فاطمة بعد وفاة أبيها أربعين ليلة، فلما اشتد بها الامر دعت عليا و قالت: يا ابن عم ما أراني الا لما بي، و أنا اوصيك أن تتزوج بنت اختي زينب، تكون لولدي مثلي، و اتخذ لي نعشا، فاني رأيت الملائكة يصفونه لي، و أن لا يشهد أحد من أعداء اللّه جنازتي و لا دفني و لا الصلاة علي.

قال ابن عباس - و هو قول أمير المؤمنين - أشياء لم أجد الى تركهن سبيلا، لان القرآن بها انزل على قلب محمد صلّى اللّه عليه و آله: قتال الناكثين و القاسطين و المارقين الذي أوصاني في، و عهد الي خليلي رسول اللّه بقتالهم، و تزويج امامة بنت زينب أوصتني بها فاطمة.

ص: 212


1- ان حديث «فاطمة بضعة منى، فمن آذاها فقد آذانى» متفق عليه عند جمهور المحدثين الاثبات و ان اختلفوا فى بعض ألفاظ المتن و لكن المغزى واحد، فممن رواه البخارى فى صحيحه (ج 2 ص 189) فى مناقب فاطمة (ع)، و مسلم فى صحيحه أيضا فى باب مناقبها عليها السلام، و الترمذى فى صحيحه، و أحمد و أبو داود، و ابن حجر الهيثمى فى صواعقه (ص 113)، و الگنجى الشافعى فى كفاية الطالب (ص 220) من طبع النجف، كما أن حديث عدم رضاء فاطمة عن الشيخين و أذيتهما لها الى أن فارقت الدنيا رواه كل من البخارى و مسلم فى صحيحيهما و غيرهما، فما يقول جمهور المسلمين فى الجواب عن ذلك ؟! و بماذا يحكم المنصفون منهم يا ترى ؟!

وفاة الزهراء عليها السلام و تهديد عمر بنبش قبرها

قال ابن عباس: فقبضت فاطمة من يومها، فارتجت المدينة بالبكاء من الرجال و النساء، و دهش الناس كيوم قبض فيه رسول اللّه، فأقبل أبو بكر و عمر يعزيان عليا و يقولان له: يا أبا الحسن لا تسبقنا بالصلاة على ابنة رسول اللّه.

فلما كان في الليل دعا علي عليه السّلام العباس و الفضل و المقداد و سلمان و أبا ذر و عمارا، فقدم العباس فصلى عليها، و دفنوها، فلما أصبح الناس أقبل أبو بكر و عمر و الناس يريدون الصلاة على فاطمة عليها السّلام فقال المقداد: قد دفنا فاطمة البارحة، فالتفت عمر الى أبي بكر فقال: ألم أقل لك انهم سيفعلون ؟! قال العباس: انها أوصت أن لا تصليا عليها.

فقال عمر: لا تتركون يا بني هاشم حسدكم القديم لنا أبدا، ان هذه الضغائن التي في صدوركم لن تذهب، و اللّه لقد همت أن أنبشها فاصلي عليها.

فقال علي عليه السّلام: و اللّه لو رمت ذلك يا ابن صهاك لا رجعت اليك يمينك، لئن سللت سيفي لا غمدته دون ازهاق نفسك، فرم ذلك، فانكسر عمر و سكت، و علم أن عليا اذا حلف صدق.

ثم قال علي عليه السّلام: يا عمر، ألست الذي هم بك رسول اللّه و أرسل الي فجئت متقلدا بسيفي ثم أقبلت نحوك لاقتلك فأنزل اللّه عز و جل «فَلاٰ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمٰا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا» (1).

قال ابن عباس: ثم انهم توامروا و تذاكروا، فقالوا: لا يستقيم لنا أمر ما دام هذا الرجل حيا، فقال أبو بكر: من لنا بقتله ؟ فقال عمر: خالد بن الوليد!.

فأرسلا اليه، فقالا: يا خالد، ما رأيك في أمر نحملك عليه ؟ قال: احملاني على ما شئتما، فو اللّه ان حملتماني على قتل ابن أبي طالب لفعلت(2) ، فقالا: و اللّه ما

ص: 213


1- مريم 19:84
2- تقدم ذكر جانب من مدارك هذه الرواية.

نريد غيره، قال: فاني لها، فقال أبو بكر: اذا قمنا في الصلاة، صلاة الفجر، فقم الى جانبه و معك السيف، فاذا سلمت فاضرب عنقه، قال: نعم، فافترقوا على ذلك.

تآمر القوم على قتل عليّ عليه السلام و ندم ابي بكر

ثم ان أبا بكر تفكر فيما أمر به من قتل علي عليه السّلام و عرف ان فعل ذلك وقعت حرب شديدة و بلاء طويل، فندم على أمره فلم ينم ليلته تلك حتى أتى المسجد و قد اقيمت الصلاة، فتقدم فصلى بالناس مفكرا لا يدري ما يقول، و أقبل خالد بن الوليد متقلدا بالسيف حتى قام الى جانب علي، و قد فطن علي ببعض ذلك، فلما فرغ أبو بكر من تشهده صاح قبل أن يسلم: يا خالد لا تفعل ما أمرتك! فان فعلت قتلتك! ثم سلم عن يمينه و شماله.

فوثب علي عليه السّلام فأخذ بتلابيب خالد و انتزع السيف من يده، ثم صرعه و جلس على صدره، و أخذ سيفه ليقتله، و اجتمع عليه أهل المسجد ليخلصوا خالدا، فما قدروا عليه، فقال العباس: حلفوه بحق القبر لما كففت، فحلفوه بالقبر، فتركه و قام فانطلق الى منزله.

و جاء الزبير و العباس و أبو ذر و المقداد و بنو هاشم و اخترطوا السيوف و قالوا: و اللّه لا تنتهون حتى يتكلم و يفعل، و اختلف الناس و ماجوا و اضطربوا، و خرجت نسوة بني هاشم فصرخن و قلن: يا أعداء اللّه، ما أسرع ما أبديتم العداوة لرسول اللّه و أهل بيته ؟! و لطالما أردتم هذا من رسول اللّه فلم تقدروا عليه، فقتلتم ابنته بالامس، ثم تريدون اليوم أن تقتلوه أخاه، و ابن عمه، و وصيه، و أبا ولده، كذبتم و رب الكعبة، ما كنتم تصلون الى قتله، حتى تخوف الناس أن تقع فتنة عظيمة.

نجز كتاب سليم بن قيس الهلالي و قد كتب على نسخة، فرغ كاتبها من نسخها يوم الثلاثاء رابع عشر المحرم 1087 للهجرة، و قد ملك هذه النسخة العلامة الجليل ثقة الاسلام الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي المشغري

ص: 214

صاحب كتاب الوسائل المتوفى سنة 1104 ه، و كتب رحمه اللّه بخطه صورة تملكه للنسخة و توقيعه على ظهر الكتاب، و أرخها بسنة 1087 ه، و هي الموافقة لسنة الفراغ من نسخ الكتاب، غفر اللّه له و لوالديه بالنبي و آله الميامين صلوات اللّه عليهم أجمعين.

ص: 215

ص: 216

الفهارس

اشارة

ص: 217

ص: 218

تمهيد

بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه رب العالمين و صلّى اللّه على سيدنا و نبينا محمد و آله الطاهرين. اوّل بادى ذى بدء نحب الاشارة الى ان هذا الكتاب يعتبر من الكتب القيمة و كنز من كنوز الشيعة لما روى عن الصادق عليه السلام:

"من لم يكن عنده من شيعتنا و محبينا كتاب سليم بن قيس الهلالي فليس عنده من امرنا شيء و لا يعلم من اسبابنا شيئا، و هو ابجد الشيعة و هو سرّ من اسرار آل محمد - صلى اللّه عليه و آله -."

"لذا يجدر لكل من يصبوا الى الاطلاع على ما عند الفرقة الناجية من دفين علم و خطير خبر ان يجعل تحت طائلة مطالعاته و بحوثه الكتاب المشار اليه لمؤلفه" سليم بن قيس الكوفى "من اصحاب امير المؤمنين - عليه السلام -.

و يعتبر الكتاب من الطلائع الاولى لكتب الشيعة و اول بصيص امل لمؤلفاتهم.

كذلك نحب ان نشير ان الطبعة الاولى، و ان كانت صوفية للغاية المرجوة، الا انها جائت بقسط، و ان كان قليلا بخلوّ من بعض الفهارس التي تفيد الباحث اكثر اطّلاعا و فائدة لذا عملنا جاهدين على جعل الكتاب اكثر فهرسة و تنسيقا

ص: 219

لبرمجة الموضوعات داعين من اللّه التوفيق و للباحث الفائدة المرجوة. و قد ورد تقسيم الفهارس على المنوال التالي:

1 - الايات

2 - الاعلام

3 - الاماكن

4 - القبائل و الفرق

5 - الاشعار

6 - الكتب

7 - الوقايع

8 - المعجم الموضوعى

9 - المواضيع

و كان مذهبنا في ترتيب المعجم الموضوعي، على النحو التالي:

اولا - رتبت منهجيتها حسب تدرّج حروف المعجم.

ثانيا - و قد اشتملت هذه المنهجيّة لاغلب مواضيع الكتاب لا على ما اشتمل الكتاب من موضوعات.

ثالثا - علما بانّ استنباط هذا المعجم (اى المعجم الموضوعي) كان من بنات افكارنا و لم تكن موجودة بهذا التنسيق نعتذر مسبقا لوجود بعض الهفوات و الاخطاء في اختيارنا لهذه المنهجية. لذا نرجو من القارئ العزيز الاعتذار لما يحصل من كثير خطل او قليل.

رابعا - كذلك نأمل من الباحث الكريم الاشارة بأصبع الصدق لمواطن الهفوات و العثرات و اعلامنا بهذه المواطن لتدرّ الفائدة على الجميع. و اللّه المسدّد.

خامسا - يجب ان يكون عمل الجميع من عامل و باحث موافقا لقول الصادق - عليه السلام -:" احب اخواني من اهدى اليّ عيوبى ".و ما من عمل الا و فيه منقصة. و الكمال للّه وحده..

و آخر دعوانا ان الحمد للّه رب العالمين. و الصلوة

ص: 220

و السلام على اشرف الخلق محمد و آله الطيبين الطاهرين.

و السلام على من اتبع الهدى

ص: 221

1 - الايات -

سورة البقرة (2) 86

25 \الذين آمنوا و عملوا الصالحات. \ 56

143 \و كذلك جعلناكم امة وسطا. \ 15 م

143 \و ما جعلنا القبلة التي كنت عليها. \ 10

247 \و زاده بسطة في العلم و الجسم. \ 81

سورة آل عمران (3)

7 \و ما يعلم تأويله الا اللّه و الراسخون في العلم...

كلّ من عند ربنا. \ 157

21 \ان الذين يكفرون بآيات اللّه و يقتلون...

فبشرهم بعذاب اليم. \ 158

34 و 33 \ان اللّه اصطفى آدم و نوحا و... و اللّه سميع عليم. \ 43

118 \قد بدت البغضاء من افواههم و ما تخفي صدورهم اكبر. \ 111

سورة النساء (4)

54-51 \الم تر الى الذين... و آتيناهم ملكا عظيما\ 156

54 \ام يحسدون الناس على ما آتاهم اللّه من فضله. \ 42

ص: 222

59 \اطيعوا اللّه و اطيعوا الرسول و اولى الامر منكم\ 193 و 148 و 59 و 64

84 \جاهد في سبيل اللّه لا تكلف الا نفسك. \ 154

98 \الذين لا يستطيعون حيلة و لا يهتدون سبيلا. \ 55

125 \و اتخذ اللّه ابراهيم خليلا. \ 206

164 \كلم اللّه موسى تكليما. \ 206

سورة المائدة (5)

3 \اليوم اكملت لكم دينكم و اتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الاسلام دينا. \ 188 و 148

25-21 \قالوا يا موسى ان فيها قوما جبارين... قال رب انى لا املك الا نفسى و اخى. \ 194

55 \انما وليكم اللّه و رسوله و الذين آمنوا. \ 148

66 \لأكلوا من فوقهم و من تحت ارجلهم. \ 157

67 \يا ايها الرسول بلغ ما انزل اليك... و اللّه يعصمك من الناس. \ 143

سورة الانعام (6)

23 \و اللّه ربنا ما كنا مشركين. \ 54

35 \و لو شاء اللّه لجمعهم على الهدى و لكن اللّه يفعل ما يشاء. \ 137

72 \الذين آمنوا و لم يلبسوا ايمانهم بظلم. \ 56

75 \و كذلك نرى ابراهيم ملكوت السموات و الارض. \ 206

89 \فان يكفر بها هولاء فقد وكّلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين. \ 156

سورة الاعراف (7)

138 \يا موسى اجعل لنا الها كما لهم آلهة. \ 194

150 \ان القوم استضعفونى و كادوا يقتلونني. \ 92 و 45 و 21

سورة الانفال (8)

41 \و ما افاء اللّه... ان كنتم آمنتم باللّه و ما انزلنا على عبدنا. \ 126 و 102 و 101

ص: 223

سورة التوبة (9) 76 و 77

16 \و لم يتخذوا من دون اللّه و لا رسوله و لا المؤمنين وليجة. \ 148

32 \و يأبى اللّه الا ان يتم نوره. \ 105

40 \ثاني اثنين اذ هما في الغار. \ 184

80 \استغفر لهم او لا تستغفر لهم ان تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر اللّه لهم. \ 108

102 \خلطوا عملا صالحا و آخر سيئا. \ 55

119 \يا ايها الذين آمنوا اتقوا اللّه و كونوا مع الصادقين. \ 150

سورة يونس (10)

35 \افمن يهدى الى الحق احق ان يتبع امن لا يهدى الا ان يهدى. \ 81

63 \الذين آمنوا و كانوا يتقون. \ 56

سورة هود (11)

17 \افمن كان على بينة من ربه و يتلوه شاهد منه. \ 14 و 164

40 \و ما آمن معه الا قليل. \ 194

سورة يوسف (12)

103 \و ما اكثر الناس و لو حرصت بمؤمنين. \ 194

سورة الرعد (13)

7 \انما انت منذر و لكل قوم هاد. \ 124

43 \قل كفى باللّه شهيدا بينى و بينكم و من عنده علم الكتاب. \ 14 و 164 و 163

سورة الحجر (14) 86

سورة النحل (16)

36 \... و لكن كانوا انفسهم يظلمون. \ 123

128 \ان اللّه مع الذين اتقوا و الذين هم محسنون. \ 197

سورة الاسراء (17)

60 \و ما جعلنا الرؤيا التى اريناك الا فتنة للناس

ص: 224

و الشجرة الملعونة في القرآن) \ 88 و 191 و 158

سورة الكهف (18)

104 \و هم يحسبون انهم يحسنون صنعا. \ 94 و 54

سورة مريم (19)

84 \فلا تعجل عليهم انما نعد لهم عدّا. \ 213

سورة طه (20)

32 \اشدد به ازرى و اشركه في امرى. \ 182

72 \اقض ما انت قاض انما تقضى هذه الحيوة الدنيا انا آمنا برب العالمين. \ 194

88 \هذا الهكم و اله موسى. \ 194

94-92 \قال يا هارون ما منعك اذ رايتهم ضلوا... لم ترقب قولى. \ 91

سورة الانبياء (21)

91 \و جعلناها و ابنها آية للعالمين. \ 206

سورة الحج (22)

52 \و ما ارسلنا من قبلك من رسول و لا نبى. \ 186

77 \يا ايها الذين آمنوا اركعوا و اسجدوا و اعبدوا ربكم. \ 151

سورة المؤمنون (23)

96 \ادفع بالتى هي احسن السيئة. \ 53

سورة النور (24) 86

سورة الفرقان (25)

54 \و هو الذى خلق من الماء بشرا فجعله نسبا و صهرا. \ 203 و 202

سورة النمل (27)

62 \امن يجيب المضطر اذا دعاه و يكشف السوء. \ 160

82 \و اذا وقع القول عليهم اخرجنا لهم دابة من الارض. \ 13

ص: 225

سورة السجدة (32)

9 \و نفخ فيه من روحه. \ 206

سورة الاحزاب (33) 86

5 \ادعوهم لآبائهم هو اقسط عند اللّه. \ 71

6 \النبي اولى بالمؤمنين من انفسهم و ازواجه امهاتهم. \ 191 و 43

12-10 \و تظنون باللّه الظنونا... الا غرورا. \ 113

19 \سلقوكم بألسنة حداد اشحة على الخير. \ 112

33 \انما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس اهل البيت و يطهركم تطهيرا. \ 193 و 150 و 100 53 و 52 و 104

61 \ملعونين اينما ثقفوا... لن تجد لسنة اللّه تبديلا. \ 122

سورة سبأ (34)

13 \و قليل من عبادى الشكور. \ 193

20 \و لقد صدق عليهم ابليس ظنه فاتبعوه الا فريقا من المؤمنين. \ 31

51 \و لو ترى اذ فزعوا فلا فوت و اخذوا من مكان قريب. \ 159

سورة فاطر (35)

32 \ثم اورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا. \ 197

سورة ص (38)

24 \الاّ الذين آمنوا و عملوا الصالحات و قليل ما هم\ 194

سورة الزمر (39)

33 \و الذى جاء بالصدق و صدّق به اولئك هم المتقون. \ 14

سورة فصلت (41)

44 \و الذين لا يؤمنون في آذانهم وقر و هو عليهم عمى. \ 157

ص: 226

سورة الزخرف (43)

38 \قال يا ليت بينى و بينك بعد المشرقين فبئس القرين. \ 185

سورة الاحقاف (46)

4 \او اثارة من علم. \ 81

سورة محمد (47)

25 \ان الذين ارتدوا على ادبارهم. \ 42

سورة الحجرات (49) 86

13 \ان اكرمكم عند اللّه اتقيكم. \ 139

سورة النجم (53)

31 \ليجزى الذين اساؤوا بما عملوا و يجزى الذين احسنوا بالحسنى. \ 155 و 24

سورة الواقعة (56)

10 \و السابقون السابقون. \ 147 و 17

79 \لا يمسه الا المطهرون. \ 196

سورة الحديد (57)

19 \و الذين آمنوا باللّه و رسله اولئك هم الصديقون\ 14

سورة المجادلة (58)

18 \و يحسبون انهم على شيء الا انهم هم الكاذبون. \ 54

سورة الصف (61)

8 \و اللّه متم نوره و لو كره الكافرون. \ 181 و 105

8 \يريدون ان يطفئوا نور اللّه بافواههم و اللّه متم نوره و لو كره الكافرون. \ 204

سورة المنافقون (63)

1 \اذا جاءك المنافقون قالوا نشهد انك لرسول اللّه. \ 73

4 \و اذا رأيتهم تعجبك اجسامهم و ان يقولوا تسمع لقولهم. \ 62

7 \لا تنفقوا على من عند رسول اللّه حتى ينفضوا\ 73

ص: 227

8 \يقولون لئن رجعنا الى المدينة ليخرجن الاعز منها الاذل. \ 73

سورة الحاقة (69)

25-19 \فاما من اوتى كتابه بيمينه... و اما من اوتى كتابه بشماله. \ 157

36 \يا ليتني لم اوت كتابيه و لم ادر ما حسابيه. \ 158

سورة القيامة (75)

34-31 \فلا صدق و لا صلى... اولى لك فاولى. \ 108

سورة النازعات (79)

7 \تتبعها الرادفة. \ 13

سورة فجر (89)

27 و 26 \فيومئذ لا يعذب عذابه احد و لا يوثق وثاقه احد. \ 47

سورة البلد (90)

3 \و والد و ما ولد. \ 187

سورة البينة (98)

6 \ان الذين كفروا... اولئك هم شر البرية. \ 190

7 \ان الذين آمنوا و عملوا الصالحات اولئك هم خير البرية. \ 190

سورة الكوثر (108) 136

3 \ان شانئك هو الابتر. \ 136

ص: 228

2 - الاعلام -

"آ"

آدم - على نبيّنا و آله و عليه السلام -: 30، 31، 43، 48، 49، 73، 74، 78، 107، 141، 170، 171 201، 203، 206

آقا بزرگ الطهرانى: 25 م

"الف"

ابان بن ابي عيّاش: في اكثر الصفحات

ابان بن تغلب: 7 م، 32

ابان بن عثمان بن عفّان: 136

ابراهيم: 38

ابراهيم - على نبينا و آله و عليه السلام: 17، 42، 43، 48، 49، 74، 95، 99، 126، 187، 203، 206

ابراهيم بن اسحاق الانصارى الغسيلى: 70

ابراهيم بن رسول اللّه - صلى اللّه عليه و آله -: 135

ابراهيم بن سعد الدين الجوينى (الحموينى): 16 م، 18، 22، 28، 37، 69، 75، 80، 86، 134، 147

ابراهيم بن عمر الصنعانى: 12 م

ابراهيم بن عمر اليمانى: 6 م، 11 م، 23 م، 21

ابليس - عليه اللعنة -: 30، 49، 51، 54، 55، 112، 137، 141، 153، 158، 161

ابن آدم - قابيل

ابن ابى حاتم: 88، 108

ابن ابى الحديد - عبد الحميد بن محمد المعتزلى

ص: 229

ابن ابى رافع - على بن ابى رافع

ابن ابى زينب - محمد بن ابراهيم النعمانى

ابن ابى سفيان - معاوية ابن ابى سفيان

ابن ابى شيبة - ابو بكر بن ابى شيبة

ابن ابى كبشة - عمرو بن عبدودّ

ابن ابي معيط - وليد بن عقبة بن ابى معيط

ابن ابى المقدام - عمر بن ابى المقدام

ابن الاثير - على بن ابى الكرم الجزرى

ابن ادريس - محمد بن احمد الحلّي

ابن اذينة - عمر بن محمد

ابن بابويه - محمد بن على بن الحسين بن بابويه

ابن بريدة: 129

ابن تيمية - احمد بن عبد الحليم الحرانى الحنبلى

ابن الجوزى - عبد الرحمن بن على البكرى الحنبلى

ابن حجر - احمد بن على بن حجر العسقلانى

ابن حجر الهيثمى - احمد بن محمد بن على

ابن حسنويه - محمد بن احمد الحنفى الموصلى

ابن حنبل - احمد بن محمد بن حنبل الشيبانى

ابن الزبير: 174

ابن زياد - عبيد اللّه بن زياد

ابن سعد - محمد بن سعد الزهرى

ابن شعبة الحرانى - حسن بن على بن شعبة الحرانى

ابن شهرآشوب - محمد بن على بن شهرآشوب

ابن الصهاك (عمر بن الخطاب):

37، 45، 46، 48، 185، 208، 213

ابن طاوس - احمد بن موسى بن جعفر

ابن عبد البر - يوسف بن عبد اللّه الاندلسى

ابن عبد ربه - احمد بن محمد القرطبى الاندلسى

ابن عساكر - علي بن الحسن بن هبة اللّه الشافعي الدمشقى

ابن عقدة - احمد بن محمد بن سعيد الهمداني

ابن عوف - عبد الرحمن بن عوف

ابن غلاب المصري: 97

ص: 230

ابن قتيبة - عبد اللّه بن مسلم بن قتيبة الكوفى

ابن كثير - اسماعيل بن على الشافعى

ابن الكوا - عبد اللّه بن الكوا

ابن مردويه الاصفهانى - احمد بن موسى بن مردويه الاصفهانى

ابن مسعود - عبد اللّه بن مسعود

ابن المغازلي - على بن محمد بن الطيب الواسطى الشافعى

ابن ملجم - لعنة اللّه عليه - عبد الرحمن بن ملجم مرادى

ابن النابغة - عمرو بن العاص

ابن النجار - محمد بن محمود البغدادى

ابن النديم - محمد بن اسحاق بن النديم

ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن ايوب البصرى

ابن وبرة: 102

ابو اسحاق: 42

ابو الاعور السلمى: 180

ابو ايوب الانصارى - خالد بن زيد الانصارى

ابو بكر بن ابى شيبة: 6 م، 17 م، 119

ابو بكر بن ابي قحافة: 2 م، 20 م، 10، 25 الى 45، 48، 50، 66، 68، 70، 77، 80، 85، 92، 93، 94، 100، 101 109، 110، 127، 128، 133، 135، 136، 142، 143، 144، 145، 146، 152، 164، 166، 207 الى 214

ابو تراب - علي بن ابى طالب - عليه السلام -

ابو جعفر - محمد بن على الباقر - عليه السلام -

ابو جعفر (الصدوق) - محمد بن علي بن الحسين بن بابويه

ابو جعفر الثانى عليه السلام - محمد بن على الجواد - عليه السلام - ابو الحسن عليه السلام - على بن ابيطالب - عليه السلام -

ابو الحسن البصرى: 73

ابو الحسن العريضى: 4

ابو الحسن العسكرى - على بن محمد الهادى النقى - عليه السلام - ابو الدرداء - عامر بن زيد الانصارى

ابو دلف - قاسم بن عيسى العجلى

ابو ذر الغفارى: 2 م، 3 م، 4 م، 5 م، 6 م، 10 م، 8، 9، 11، 12، 15، 16، 26، 29، 31، 32، 38، 42، 43، 45، 47، 51، 61، 71، 87، 92، 94، 95، 98، 102، 127، 128، 129، 130، 131، 132، 134، 141، 153، 172،

ص: 231

187، 191، 205، 207، 208، 210، 213، 214

ابو رافع (مولى رسول اللّه - صلى اللّه عليه و آله -): 12 م، 75.

ابو الزبير: 10

ابو سعيد الخدرى: 6 م، 17، 18، 29، 132، 188

ابو سفيان - صخر بن حرب

ابو صالح: 25

ابو طالب بن عبد المطلب: 162، 179، 202

ابو الطفيل - عامر بن واثلة

ابو ظبيان الجنبى: 12

ابو عبد اللّه الصادق - عليه السلام - جعفر بن محمد الصادق - عليه السلام -

ابو عبيدة بن الجراح: 20 م، 25، 26، 27، 29، 30، 39، 41، 66، 71، 80، 109، 127، 128، 130، 173، 183، 184

ابو عثمان النهدى: 22

ابو على بن همام بن سهيل - محمد بن همام بن سهيل البغدادى ابو على الحائرى - محمد بن اسماعيل بن عبد الجبار

ابو القاسم الحسكانى: 15 م

ابو القاسم الموسوى الخوئى: 13 م، 18 م، 21 م، 24

ابو كنف العبدى: 102

ابو لهب بن عبد المطلب: 162

ابو ليلى: 72

ابو محمد الريحانى: 25 م، 26 م

ابو محمد العسكرى - عليه السلام - - الحسن بن علي العسكرى - - عليه السلام -

ابو المختار بن ابى الصعق: 96، 97

ابو مريم: 72

ابو المفضل الشيبانى: 21 م، 45

ابو موسى الاشعرى: 139

ابو النعمان بن ضمان: 146

ابو نعيم: 72

ابو هريرة الدّوسى: 19، 97، 142، 144، 145، 146، 150، 152

ابو هريرة العبدى: 142

ابو هلال العسكرى - الحسن بن عبد اللّه

ابو يحيى: 63

ابو يعلى الموصلى: 20

ابيّ بن خلف: 113

ابيّ بن قيس: 12

ابيّ بن كعب: 12، 21، 26، 72، 86، 127

أحمد بن ابراهيم الدورقي: 9

احمد بن ابي عبد اللّه البرقى: 6

احمد بن الحسين بن على الشافعى البيهقى: 63، 78، 88

احمد بن الحسين الحنفى: 8

ص: 232

احمد بن العباس بن محمد النجاشى: 6 م، 11 م، 23 م، 6، 7

احمد بن عبد الحليم الحرانى الحنبلى: 79

احمد بن عبد العزيز الجوهرى: 36، 38، 49

احمد بن عبد اللّه بن احمد: 14، 42، 75 الى 78، 85، 119، 120

احمد بن عبد اللّه بن محمد الطبرى: 16، 17، 22، 104، 147، 171

احمد بن على بن ابيطالب الطبرسى: 16 م، 21 م، 29، 43، 44، 59، 101، 161، 190

احمد بن على بن ثابت الشافعى (الخطيب البغدادى): 19، 20، 34، 80، 91

احمد بن على بن حجر العسقلانى:

10، 67، 79، 87

احمد بن على بن شعيب النسائى:

63، 76، 77، 119

احمد بن محمد بن ابراهيم النيشابورى الثعلبى: 150، 163، 164

احمد بن محمد بن احمد النيشابورى: 153

احمد بن محمد بن حنبل الشيبانى:

16، 17، 19، 20، 42، 74، 76، 78، 87، 129، 133، 212

احمد بن محمد بن خالد البرقى:

3 م، 21 م، 24

احمد بن محمد بن سعيد الهمدانى:

11 م

احمد بن محمد بن على (ابن حجر الهيثمى): 212

احمد بن محمد بن عيسى الاشعرى:

7

احمد بن محمد القرطبى الاندلسى:

16، 36، 79

احمد بن موسى بن جعفر (السيّد بن طاوس): 8 م

احمد بن موسى بن مردويه الاصفهانى: 22، 34، 88

احمد بن يحيى البغدادى: 9

اخطب خطباء خوارزم - الموفق بن احمد الخوارزمى

اسامة بن زيد: 103، 173، 191 192، 193

الاسترآبادى - محمد بن على بن ابراهيم الاسترآبادى

اسحاق بن ابراهيم - على نبينا و آله و عليهما السلام -: 187

اسحاق بن ابراهيم بن عمر اليمانى:

10 م

اسماء بنت عميس: 71، 190

اسماعيل - على نبينا و آله و عليه السلام -: 13 م، 19 م، 43، 107، 116

ص: 233

اسماعيل بن على الشافعى (ابو الفداء): 19، 67، 75، 79

اسماعيل بن عمر بن كثير: 77

اسيد بن حضير: 39، 128، 183

اشعث بن قيس: 90، 92، 93، 94، 95، 112

اعجاز حسين الكنتورى: 12 م، 18 م

اكثم بن صيفى: 90

امامة بنت زينب (زوجة امير المؤمنين عليه السلام): 212

امّ ايمن (حاضنة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله): 44، 99، 210، 211

الامر تسرى (صاحب كتاب ارجح المطالب): 19، 22

امّ سلمة المخزومية (زوجة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله): 11، 53، 150، 210

ام كلثوم (بنت رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله): 104

الامينى - عبد الحسين بن احمد الامينى

اميّة بن عبد شمس: 139، 179

انس بن مالك: 6، 16، 72، 79، 120

"ب"

الباقر - عليه السلام - محمد بن على الباقر - عليه السلام -

البخارى - محمد بن اسماعيل البخارى

البدخشى - ميرزا محمد خان البدخشى

بدر الدين السبكى: 12 م

البراء بن عازب: 4 م، 6 م، 8، 24، 25

البرقى - احمد بن محمد بن خالد البرقى

بريدة بن الخصيب الاسلمى: 44، 78، 208، 209

بسر بن ارطاة: 71

بشير بن سعيد: 20 م، 30، 39، 128، 183

البغوى - الحسين بن مسعود لشافعى

البلاذرى - احمد بن يحيى البغدادى

بلال الحبشى: 104، 201

البهبودى - محمد باقر البهبودى

البيهقى - احمد بن الحسين بن على الشافعى البيهقى

"ت"

الترمذى - محمد بن عيسى الترمذى

التسترى - محمد تقى التسترى

ص: 234

"ث"

ثعلبة بن يزيد الحمانى: 20، 91

الثعلبى - احمد بن محمد بن ابراهيم النيشابورى

"ج"

جابر بن عبد اللّه الانصارى: 15، 16، 18، 20، 65، 72

جابر بن يزيد الجعفى: 159

الجاحظ - عمرو بن بحر بن محبوب البصرى

جبرائيل - عليه السلام -: 24، 29، 76، 78، 114، 133، 134، 188، 202

جعدة بن سليم: 102

جعفر بن ابى طالب بن عبد المطلب (جعفر الطيار): 18، 19، 52، 70، 77، 92، 102، 106، 126، 163، 170، 177، 185، 195، 204

جعفر بن محمد الصادق - عليه السلام -: 10 م، 11 م، 12 م، 14، 19، 31، 32، 37، 41، 101

جعفر بن هبة اللّه بن نما: 3

جميع بن عمير: 76

جندل بن سهيل: 108

"ح"

الحافظ ابو نعيم - احمد بن عبد اللّه بن احمد

الحافظ جمال الدين الزرندى الحنفى - محمد بن يوسف الزرندى المدنى

الحافظ الدولابى - محمد بن احمد الرازى الدولابى

الحافظ السخاوى - على بن محمد بن عبد الصمد المصرى النحوى

الحافظ السمعانى النيشابورى - عبد الكريم بن ابى بكر المروزى الشافعى

الحاكم النيشابورى - محمد بن عبد اللّه بن محمد النيشابورى الحجاج بن ابى عتاب الديلمى: 10

الحجاج بن يوسف الثقفي: 4 م، 10 م 11 م، 8، 9، 12، 62، 68

حذيفة بن اليمان: 3 م، 4 م، 6 م، 26، 78، 131، 132

الحرانى الحلبى - الحسن بن على بن حسين بن شعبة الحرانى حسان بن ثابت: 188

الحسن بن ابى الحسن البصرى: 9، 11، 51، 52، 53، 73

الحسن بن على بن حسين بن شعبة الحرانى: 15 م، 60

ص: 235

الحسن بن سليمان الحلّى: 15 م

الحسن بن على بن داود حلّى (ابن داود): 12

الحسن بن عبد اللّه: 85

الحسن بن على العسكرى - عليه السلام -: 7

الحسن بن على بن فضّال: 7

الحسن بن على بن كيسان: 10 م

الحسن بن على المجتبى - عليه السلام -: 6 م، 11 م، 15، 17، 18، 19، 29، 31، 35، 44، 52، 53، 60، 64، 65، 67، 68، 71، 72، 87، 88، 92، 106، 118، 132، 133، 134، 135، 148، 149، 150، 152، 159، 161، 168، 171، 175، 187، 189، 192، 193، 204، 210

الحسن بن محمد الديلمى: 39، 89

الحسن بن محمد الطوسى (ابن الشيخ): 4

الحسن بن هبة اللّه بن رطبة: 4

الحسن بن يوسف بن المطهر الحلّي 3 م، 8 م، 11 م، 5، 6، 7

الحسين بن احمد بن طحال المقدادى: 3

الحسين بن سعيد الاهوازى: 7 م، 17 م

الحسين بن عبيد اللّه الغضائرى:

11 م، 17 م، 18 م، 19 م، 20 م، 6، 204

الحسين بن على السبط الشهيد - عليه السلام -: 6 م، 11 م، 12 م، 15، 17، 18، 19، 29، 31، 35، 44، 52، 53، 60، 64، 65، 67، 68، 71، 73، 78، 87، 88، 92، 106، 117، 132، 133، 134، 135، 148، 149، 150، 152، 159، 168، 169، 171، 187، 189، 192، 193، 204، 210

الحسين بن محمد بن الحسن الدياربكرى: 67

الحسين بن محمد تقى النورى الطبرسى: 13 م، 15 م، 25 م، 26 م

الحسين بن مسعود الشافعى: 164

حفصة (بنت عمر بن الخطاب):

110، 189

الحكم بن ابى العاص: 88، 158، 191

حماد بن عثمان: 101

حماد بن عيسى: 11 م، 6، 21

حمزة بن عبد المطلب: 18، 19، 52، 70، 71، 77، 92، 106، 163، 170، 204

الحموينى - ابراهيم بن سعد الدين الجوينى

حنتمة (امّ عمر بن الخطاب): 46

حنش بن المعتمر: 11

حنظلة بن ابي عامر الانصارى (غسيل الملائكة): 70

ص: 236

"خ"

خالد بن زيد الانصارى (ابو ايوب): 19، 23، 72، 128، 147، 149

خالد بن الوليد: 22 م، 39، 45، 101، 208، 209، 210، 213، 214

خديجة بنت خويلد: 70

خزيمة بن ثابت (ذو الشهادتين):

149

خضر الازدى: 53

خطّاب بن نفيل (والد عمر بن الخطاب): 46

الخطيب البغدادى - احمد بن علي بن ثابت الشافعى

خلاّد بن عيسى المقرى: 6

الخوارزمى - موّفق بن احمد الخوارزمى

"د"

داود بن ابى عوف العوفى (ابو الجحاف): 132

داود بن يزيد الازدى: 38

الدّجال: 49

الدميرى - محمد بن موسى بن عيسى المصرى الشافعى

الدياربكرى - الحسين بن محمد بن الحسن الديلمى: 34

الديلمى - الحسن بن محمد الديلمى

"ذ"

الذهبى - محمد بن احمد بن عثمان الدمشقى الشافعى

"ر"

رزين: 50

الرضا عليه السلام - علي بن موسى الرضا عليه السلام

"ز"

زائدة بن قادمة: 25

الزبيدى - محمد مرتضى

الحسينى الحنفى الزبيدى

الزبير بن صفية - الزبير بن العوام

الزبير بن العوام: 26، 31، 35، 36، 41، 45، 46، 49، 66، 71، 82، 83، 87، 92، 94، 109، 128، 131، 142، 153، 156، 173، 174، 191، 214

زرّ بن حبيش: 119

ص: 237

الزرندى الحنفى - محمد بن يوسف الزرندى المدنى

زكريا (على نبيّنا و آله و عليه السلام): 158

الزمخشرى - محمود بن عمر بن محمد الخوارزمى

الزهراء - فاطمة بنت محمد - صلى اللّه عليه و آله -

الزهرى - محمد بن مسلم بن عبيد اللّه

زياد بن ابيه: 137، 139، 141، 166

زياد بن سمّية - زياد بن ابيه.

زيد بن ارقم: 10، 19، 72

زيد بن ثابت: 72

زيد بن حارثة (مولى رسول اللّه - صلى اللّه عليه و آله -): 70، 71، 77، 170، 195

زيد بن خارجة: 120

زيد بن علي بن الحسين - عليهم السلام -: 14

زيد بن محمد - صلى اللّه عليه و آله -- زيد بن حارثة

زيد بن وهب: 40، 45

زين العابدين عليه السلام - على بن الحسين عليه السلام

"س"

سارة (زوجة ابراهيم النبى عليه السلام): 187

سالم مولى ابي حذيفة: 20 م، 30، 39، 41، 66، 70، 80، 109، 127، 128، 130، 183، 184

السامرى: 50، 130، 172، 194

سبط بن الجوزى - يوسف بن قزاوغلى البغدادى

السبط الشهيد - الحسين بن على - عليه السلام -

سعد: 6، 188

سعد بن ابى وقّاص: 20، 21، 71، 82، 83، 87، 173، 191

سعد بن عبادة: 109، 127، 163

سعد بن معاذ: 69، 70، 71

سعيد بن جبير: 87

سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل:

173

سعيد بن محمد بن مسعود الشافعى: 53

سعيد بن المسيّب ابن حزن المخزومى: 12، 50، 88

السفيانى: 159

سلمان الفارسى: 2 م، 3 م، 4 م، 5 م، 6 م، 10 م، 20 م، 8، 9، 11، 12، 13، 15، 19، 21، 22، 26، 29، 30، 31، 39،

ص: 238

41، 43، 45، 46، 47، 49، 50، 51، 61، 74، 84، 87، 92، 94، 95، 98، 127، 128، 129، 131، 132، 141، 148، 150، 151، 153، 172، 187، 191، 201، 206، 207، 208، 209، 213

سليم بن قيس الهلالى الكوفى: في اكثر الصفحات

سليمان الاعمش - سليمان بن مهران الكوفى

سليمان بن احمد بن ايّوب اللخمى:

19

سليمان بن الاشعث (ابو داود): 212

سليمان بن بريدة: 52

سليمان بن خواجه كلان القندوزى:

16 م، 16، 18، 20، 63، 120، 163

سليمان بن داود الطيالسى: 20، 133

سليمان بن مهران الكوفى: 6 م

سهيل: 108

السيد بن طاوس - احمد بن موسى بن جعفر

السيد على خان - على بن احمد بن محمد معصوم الحسينى

السيد المرتضى - على بن الحسين بن موسى الموسوى

سيف بن عمر: 22 م

السيوطى - عبد الرحمن بن ابى بكر السيوطى

"ش"

شاذان بن جبرئيل القمى: 15 م

شارح نهج البلاغة - عبد الحميد بن هبة اللّه... (ابن ابى الحديد)

شبر بن هارون النبى - عليه السلام:

117

الشبلنجى - مؤمن بن حسن الشبلنجى المصرى

شبير بن هارون النبي - عليه السلام -: 117

الشريف الرضى - محمد بن الحسين بن موسى الشعبى: 108

الشعرانى - عبد الوهاب بن احمد

شمعون بن حمون: 116

شمعون بن يوحنّا (وصىّ عيسى عليه السلام): 116، 175

شهاب الدين الحسينى المرعشى النجفى: 13 م

شهرآشوب (جد صاحب المناقب):

5

الشوكانى - محمد بن على اليمنى الشوكانى

الشيخ آقا بزرگ الطهرانى - آقا بزرگ الطهرانى

الشيخ الطبرسى - احمد بن على بن ابيطالب الطبرسى

ص: 239

الشيخ المفيد - محمد بن محمد بن نعمان

"ص"

صاحب العبقات - مير حامد حسين اللكهنوى الهندى

الصادقين عليهما السلام - محمد بن على عليه السلام، و جعفر بن محمد عليه السلام

صبحى الصالح: 119، 125، 198

صخر بن حرب (ابو سفيان): 139، 140، 153، 179

الصدوق - محمد بن على بن الحسين بن بابويه

صفية بنت عبد المطلب: 104، 105

صهاك (جدّة عمر بن الخطاب): 46

"ط"

الطبرانى - سليمان بن احمد بن ايوب اللخمى

الطبرى - محمد بن جرير بن يزيد الطبرى

طلحة بن عبيد اللّه: 66، 71، 80، 81، 83، 84، 85، 86، 87، 88، 95، 109، 142، 156، 173، 174

الطيالسى - سليمان بن داود الطيالسى

"ع"

العاص بن وائل السهمى: 136

عاصم بن ثابت الانصارى: 70

عاصم بن عامر: 38

عامر بن زيد الانصارى: 87، 142، 144، 145، 146، 150، 152

عامر بن واثلة: 5 م، 10، 11، 12، 13، 14

عامر الشعبى: 9، 10

عايشة بنت أبى بكر: 29، 34، 50 66، 68، 110، 135، 136، 141، 142، 171، 173، 181، 183، 184، 186، 189

عباد بن عبد اللّه الاسدى: 14

عبادة بن الصامت: 26

العبّاس بن حارث: 42

العباس بن عبد المطلب: 26، 27 28، 75، 92، 98، 101، 107، 213، 214

عباية: 23

عبد الحسين بن احمد الامينى:

22 م

عبد الحميد بن محمد المعتزلى:

20، 25، 32، 36، 38، 49، 51، 66، 68، 74، 91، 99، 119، 171، 198

عبد الرحمن بن ابى بكر السيوطي:

80، 88، 99، 133، 150، 163، 190

ص: 240

عبد الرحمن بن ابى ليلى: 12، 23، 73، 77

عبد الرحمن بن عبد اللّه بن عمرو العجلى: 77

عبد الرحمن بن على البكرى الحنبلى (ابو الفرج): 99

عبد الرحمن بن عوف: 66، 71، 82، 83، 87، 95، 109، 110، 143

عبد الرحمن بن غنم الازدى الثمالى:

6 م، 182، 183، 184، 187

عبد الرحمن بن ملجم المرادى: 96

عبد العزيز بن رفيع: 10

عبد الكريم بن ابى بكر المروزى الشافعى: 75

عبد اللّه بن ابى اوفى: 72

عبد اللّه بن ابى سرح: 178

عبد اللّه بن ابى سفيان بن الحارث بن عبد المطلب: 28

عبد اللّه بن ابى سلول: 73، 107، 108

عبد اللّه بن بريدة: 22

عبد اللّه بن جعفر الحميرى: 7

عبد اللّه بن جعفر الطيار: 6 م، 71 168، 190، 191، 192، 193، 202

عبد اللّه بن رواحة: 73، 195

عبد اللّه بن سلام: 164

عبد اللّه بن العباس بن عبد المطلب: 6 م، 10، 13، 16، 20، 21، 34، 37، 71، 75، 86، 87، 104

136، 164، 165، 168، 171، 172، 174، 175، 176، 190، 192، 193، 195، 207، 212، 213

عبد اللّه بن عبد المطلب (والد رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم): 202

عبد اللّه بن عقبة: 178

عبد اللّه بن عمر بن الخطاب:

13 م، 69، 70، 71، 76، 82، 83، 108 133، 173، 183، 184، 186

عبد اللّه بن عمرو المنقرى: 9

عبد اللّه بن عيسى الاصفهانى (افندى): 3

عبد اللّه بن الكوا: 60، 175

عبد اللّه بن مسعود: 7، 10، 80، 86

عبد اللّه بن مسلم بن قتيبة الكوفى: 32

عبد اللّه الشافعى: 34

عبد المطلب: 46، 74، 106، 179

عبد الملك بن هشام بن ايوب البصرى: 20

عبد الوارث: 9

عبد الوهاب بن احمد الشافعى الشعرانى: 63

عبيد اللّه بن ابى رافع: 179

عبيد اللّه بن زياد: 68

عبيد اللّه بن العباس: 71

عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب 70

ص: 241

عتبة بن ابى لهب: 28

عتبة بن ربيعة: 70

عتيق (ابو بكر بن ابى قحافة): 42 50، 95، 183، 210

عثمان بن عفان: 2 م، 3 م، 49، 66، 67، 68، 69، 72، 73، 82، 86، 88، 90، 92، 93، 95، 109، 110، 111، 130، 131، 135، 136، 138، 140، 142، 143، 144، 145، 146، 152، 164، 166، 174، 178

عثمان بن عيسى: 11 م

عدى بن حاتم: 38

عطاء: 136

عقيل بن ابيطالب: 92

عكرمة بن خالد: 10

علاء الدين الموسوى: 26 م

العلامة - الحسن بن يوسف بن المطهر الحلى

العلامة البدخشى - الميرزا محمد خان البدخشى

العلامة الحلّى - الحسن بن يوسف بن المطهر الحلى

العلامة المجلسى - محمد باقر بن محمد تقى المجلسى

العلامة الهروى - ملا على القارئ الهروى

علقمة بن قيس: 12

على بن ابراهيم القمى: 17

علي بن ابى بكر: 76، 134

على بن ابى رافع: 7 م، 12 م

على بن ابى طالب عليه السلام:

"في اكثر الصفحات"

على بن ابى الكرم الجزرى (ابن الاثير): 20 م، 22 م، 40، 68، 72، 73، 78، 80، 89، 102، 128، 135، 178

على بن احمد بن محمد بن ابى جيّد (ابن ابى جيد): 5

علي بن احمد بن محمد معصوم الحسينى (السيد على خان المدنى):

71

على بن احمد العقيقى: 11 م، 20 م

على بن احمد القمى: 11 م

على بن احمد النيشابورى الواحدى:

136

على بن جعفر الحضرمى: 6 م

على بن حسام الدين (المتقى الهندى): 17 م، 19، 76، 86، 88، 133

على بن الحسن بن هبة اللّه الشافعى الدمشقى: 19، 78، 88، 128

على بن الحسين عليه السلام: 5 م، 9 م، 10 م، 11 م، 12 م، 13 م، 6، 11، 12، 15، 65، 187، 192

على بن الحسين بن موسى الموسوى (الشريف المرتضى): 38، 126

ص: 242

على بن الحسين المسعودى: 15 م

على بن رياح: 86

على بن عبيد اللّه بن الحسن (منتجب الدين): 3، 4

على بن محمد الاشعرى: 103

على بن محمد بن ابى القاسم: 6

على بن محمد بن الطيب الواسطى الشافعى: 19، 22، 74، 75، 79، 119، 147

على بن محمد بن عبد الصمد المصرى النحوى: 34

على بن محمد بن على الخزاز القمى: 15 م، 11، 15، 16

على بن محمد النباطى البياظى العاملى: 16 م

على بن محمد الهادى النقى عليه السلام: 7

على بن موسى الرضا عليه السلام:

7، 13، 14، 120

عمار بن ياسر: 4 م، 8، 15، 16، 26، 31، 71، 102، 127، 131، 147، 149، 175، 208، 210، 213

عمر بن ابى سلمة: 4 م، 5 م، 6 م، 8، 10، 11، 12، 53، 98، 142، 191، 192، 193

عمر بن ابى المقدام: 32، 33، 36، 38، 40، 45

عمر بن اذينة - عمر بن محمد

عمر بن ام سلمة - عمر بن ابى سلمة

عمر بن الخطاب: 2 م، 20 م، 21 م، 10، 16، 25 الى 45، 47، 48، 50، 66، 68، 70، 72، 75، 76، 80، 82، 85، 86، 88، 93، 95 الى 100، 101 الى 110، 126، 127، 128، 130، 133، 135، 136 الى 146، 151، 152، 164، 166، 169، 172، 182، 183، 184، 185، 186، 196، 197، 202، 207، 208، 209، 210، 211، 212، 213

عمر بن محمد (ابن اذينة): 7 م، 10 م، 12 م، 20 م، 24 م، 7، 8، 15، 21

عمرو بن بحر بن محبوب البصرى:

78

عمرو بن دينار: 10

عمرو بن شيبة: 36

عمرو بن العاص بن وائل: 131، 135 136، 153، 177، 178، 179، 180

عمرو بن عبدود: 113، 114

عيسى بن مريم: 116، 117، 118، 175، 206

"غ"

الغزالى - محمد بن محمد الطوسى الغزالى

غسيل الملائكة - حنظلة بن ابى عامر

ص: 243

"ف"

الفاضل التفريشي - مير مصطفى بن حسين التفريشي

فاطمة بنت محمد صلى اللّه عليه و آله و سلم: 15، 16، 17، 18، 19، 29، 31، 32، 35، 36، 37، 38، 39، 40، 52، 53، 60، 77، 78، 92، 97، 98، 99، 100، 106، 122، 126، 132، 133، 147، 150، 152، 163، 170، 171، 187، 190، 193، 204، 208، 210، 211، 212، 213

الفخر الرازى - محمد بن عمر بن الحسين الطبرى

فرات بن ابراهيم الكوفى: 15 م، 17

فرعون: 48، 49، 51

الفضل بن الحسن الطبرسى: 15 م، 16 م

الفضل بن عباس بن عبد المطلب:

24، 26، 193، 213

"ق"

قابيل: 48، 49

قاسم بن عيسى العجلى: 7

قتادة: 10

القرطبى - يحيى بن سعدون بن تمام الاندلسى

قنفذ العدوىّ: 33، 34، 35، 36، 37 38، 39، 40، 97، 98، 207

القوشجى - على بن محمد الاشعرى

قيس بن سعد بن عبادة: 67، 72، 98، 161، 162، 163، 164

"ك"

الكاظم عليه السلام - موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام

كامل مصباح: 78

الكشفى الترمذى الحنفى - مير محمد صالح الترمذى

الكشى - محمد بن عمر بن عبد العزيز

الكلينى - محمد بن يعقوب بن اسحاق الكلينى

الكنجى الشافعى - محمد بن يوسف بن محمد الكنجى الشافعى

"ل"

لوط بن يحيى